صفحة 1
المجال: المطبوعات، كتب
المادة: أصول الفقه - فقه
------------------------------------------
العنوان: القواعد الفقهية عند الإباضية: دراسة نظرية تحليلية تأصيلية تطبيقية
المؤلف: مصطفى بن حمو أرشوم
إشراف وتقديم: عبد الله السالمي
الناشر: وزارة الأوقاف والشؤون الدينية
مكان النشر: سلطنة عمان
تاريخ النشر: 1434ه/ 2013م
الطبعة: 1
عدد الأجزاء: 4
أصله: أطروحة دكتوراه
سلسلة القواعد الفقهية الإباضية
مصدر البيانات من برنامج الرستمي بموقع المنهاج:
https://www.elminhaj.org/catalogue_rech_notis.php?id_liv=4585&id_ty=1
------------------------------------------
مصدر النسخة المصورة للكتاب (PDF) من موقع المكتبة السعيدية:
https://alsaidia.com/node/583
ملاحظة: قامت المكتبة السعيدية باستغلال تقنية التعرف الضوئي على الحروف في اللغة العربية (OCR) في إنشاء هذه النسخة المصورة (PDF)، لذلك فإنه يمكن البحث فيها للوصول إلى المعلومة بسهولة.
تنبيه: قام فريق مشروع المكتبة الشاملة الإباضية باستغلال تلك التقنية لتوفير النص المرقون، وذلك بالتحويل الآلي لصور صفحات الكتاب إلى نص، لذا فالنص الناتج ليس صحيحا 100%، لذا يمكن استخدام ذلك النص لنسخ جمل وفقرات من هذا النص الناتج، مع ضرورة مراجعته ومقارنته بنسخة (PDF) المرفقة، وتعديله وفقا لذلك قبل اعتماده.
ترقيم الصفحات: موافق للمطبوع
تاريخ النشر الرسمي بالشاملة الإباضية: 04 شعبان 1446ه/ 03 - شهر 02 - 2025م. سلطنة عمان
وزارة الأوقاف والشؤون الدينية
سلسلة القواعد الفقهية الإباضية
القواعد الفقهية عند الإباضية
دراسة نظرية تحليلية تأصيلية تطبيقية
تأليف
مصطفى بن حمو أرشوم
إشراف
معالي الشيخ عبد الله السالمي
وزير الأوقاف والشؤون الدينية
الجزء الأول (1/1)
صفحة 2
القواعد الفقهية عند الإباضية (1/2)
صفحة 3
حقوق الطبع محفوظة
لوزارة الأوقاف والشؤون الدينية سلطنة عمان
الطبعة الأولى 1434 هـ ـ 2013 م
لا يجوز نسخ أو استعمال أي جزء من هذا الكتاب في أي شكل من الأشكال أو بأية وسيلة من الوسائل - سواء التصويرية أو الالكترونية، بما في ذلك النسخ الفوتوغرافي أو سواه وحفظ المعلومات واسترجاعها - إلا بإذن خطي من الناشر. (1/3)
صفحة 4
ه
?????
القواعد الفقهية عند
الأباضية
دراسة نظرية تحليلية تأصيلية تطبيقية
تأليف
و بعد طفى بن هموار شدم
إشراف
معالي الشيخ عبد الله السالمي
وزير الأَوقَافِ وَالشُّؤُونِ الدِّينِيَّةِ
الجزء الأول (1/4)
صفحة 5
تقديم
تفيد الدراسات الجادة في مجال القواعد الفقهية جانبين مهمين جانب كشف بعد من أبعاد الاجتهاد وطرائقه في المذهب، وجانب قراءة الاختلاف بين المذاهب الفقهية والعلائق في ما بينها باتباع نهج الفقه المقارن
والكتاب الذي بين أيدينا له ميزات عدة فعن طريقه يتبين الجهد الكبير الذي قام به فقهاء المذهب الإباضي في التقعيد وبناء المنهج الأصولي للاستنباط والتجديد، وعن طريقه كذلك تتكوّن النظرة الشمولية للرصيد
الفقهي، وإمكانية إعداد استقراء لجوانبه حيثما تقتضي الحاجة البحثية ذلك. والدكتور الباحث المؤلف أَعْمَلَ ما لديه من رصيد معرفي وتخصصي لإبراز خصائص التفكير الفقهي في المذهب، إلى جانب تركيزه كذلك على إعمال المنهج المقارن مع المدارس الفقهية الأخرى.
إن هذا العمل يفتح صفحة جديدة وممتعة في بحوث القواعد لدى المدرسة الإباضية، وهو عمل من أعمال الاجتهاد والتجديد، فجزى الله جل جلاله القائمين عليه خيراً، وعلى الخصوص الباحث الدكتور مصطفى بن حمو أرشوم، داعين الله تعالى أن ينفع بهذا العمل كافة قرائه والمطلعين عليه، من وطلبة العلم والباحثين، وليكون منطلقاً نحو آفاق أرحب لإعمال العقل والتدبر
والاجتهاد والتجديد
والله ولي كل خير وتوفيق ...
العلماء
عبد الله بن محمد بن عبد الله السالمي
وزير الأوقاف والشؤون الدينية (1/7)
صفحة 6
المقدمة
الحمد لله رب العالمين، الهادي إلى صراطه المستقيم، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين محمد الأمين المبعوث رحمة للعالمين، الذي أرسى قواعد الدين، ورسم معالم التشريع المبين، وعلى آله الطاهرين، وأصحابه المجاهدين، الذين ورثوا العلم الرباني، والهدي النبوي القويم، وورّثوه لمن بعدهم، حتى تأصلت أصوله في الأنام، وتقعدت قواعده في
الأحكام.
وبعد: فإن الفقه من أشرف العلوم الشرعية، بل هو غايتها ومنتهاها، لأن هذه العلوم أصولها وفروعها لم تنشأ بين العلماء وتترعرع، وتنضج في عقولهم وتتلألأ، وتظهر على ألسنتهم وأقلامهم، إلا بدافع واحد ولقصد واحد، هو فهم النص الشرعي وفقهه، واستنباط الأحكام الشرعية منه لتسليطها
على مستجدات الحياة وهذا هو عين ما يبحث فيه الفقه، ويهتم به.
إن العلوم الشرعية مترابطة ومتكاملة مع بعضها البعض، وهي تكوّن بمجموعها بناء علمياً معرفياً متراصاً، يتجه نحو وجهة واحدة هي فقه الشريعة ونصوصها، فقهاً يمكن الفقهاء من إخضاع كل قضايا الحياة ونوازلها وأحداثها لدين الله، وحلّ مشاكل الإنسان الاقتصادية، والسياسية والاجتماعية، والتربوية والفكرية، والعسكرية وغيرها، حلاً يقوم على أساس شرع الله ومنهجه القويم.
وإن ضمان استمرار استيعاب الشريعة الإسلامية لقضايا الحياة وتطورها ومستجداتها الكبرى والمعقدة رهين باستمرار الحركة الفقهية، وبقائها حية (1/9)
صفحة 7
10
القواعد الفقهية عند الإباضية
نابضة، وبمقدار ما تنشط هذه الحركة وتواصل سيرها، وتمارس وظائفها تنضبط الحياة، ويستقيم أمرها عند الناس.
ومن
هنا يمكن القول: إن الفقه الإسلامي هو الميزان الذي توزن به الأمة الإسلامية من حيث تقدمها أو تأخرها، فبازدهاره واتساع آفاقه تزدهر هذه الأمة وتتقدم، وبجموده وموته تجمد الأمة، ويصيبها الشلل والتخلف عن ركب الحضارة.
ولعل أعظم ثروة علمية تناقلتها الشفاه، وتوارثتها الأجيال، وسجلتها الأقلام في الإسلام هي الثروة الفقهية؛ لأنها تشكل منهاجاً يهيمن على أفعال المكلفين ويبين ما يتحتم عليهم من أحكام عملية دقيقة أو كبيرة، ويقرر لهم طرائق السلوك في العبادات والمعاملات فإن كل جانب من حياة المسلم يقوم على أساس علم الفقه والإلمام به، والاطلاع على تفاصيله، والسير على الخطوط التي يرسمها، فهذا العلم هو الذي يضمن للبشرية السعادة المرجوة، باعتبار ما يؤول إليه التشريع الإسلامي من جلب المصالح، ودرء المفاسد، وتوجيه مسار الحياة إلى الاتجاه السليم، مع مراعاة مقاصد الشريعة الإسلامية.
ولم ينشأ هذا الفقه دفعة واحدة بل مرّ بمراحل وفترات كانت مليئة بالأحداث، والوقائع التي بها يستقي غداءه وحياته، ويستمد منها قوته واستمراره، وأخذ ينمو ويزدهر في عصر الأئمة المجتهدين، وبدأ تدوينه تدريجياً في كتب مستقلة متخصصة، إلى أن اكتمل واستوى ناضجاً في في عصر
التدوين.
ولم يكن الفقه في صدر الإسلام على الصورة الموجودة بين أيدينا اليوم من كثرة الفروع فيه، إذ أن التوسع في المسائل الفقهية قد نجم في العصور المتأخرة بعد أن استجدت حوادث وقضايا هامة فحينئذ لم يبق مندوحة أمام الفقهاء عن تفريع المسائل التي لم يُنص عليها، وتخريجها على أصول تمّ (1/10)
صفحة 8
المقدمة
11
وضعها، وأحكم نسجها في القرون الأولى، وبجهود دائبة ومتواصلة في هذا تعاقب العصور أضحى للفقه الإسلامي كياناً مستقلاً، محكماً ومع
المجال،
شامخ البنيان، موطد الأركان.
وبجانب التدوين والتفريع نهج الفقهاء مناهج مختلفة، وأساليب متنوعة في إبراز عظمة الفقه الإسلامي، لم تكن معهودة ولا مأثورة من قبل، وتلك الفنون الجديدة ساعدت على نمو الفقه بشكل واسع وسريع؛ كعلم أصول الفقه، وعلم الأشباه والنظائر، وعلم الخلاف وعلم المقاصد الشرعية، وعلم القضاء، وعلم الفرائض، والنظريات الفقهية والضوابط الفقهية، ومن أخصب
هذه الفنون علم القواعد الفقهية الذي نحن بصدد دراسته في هذا البحث. وتلك الجهود الجبارة التي بذلت في خدمة الفقه على امتداد التاريخ، تمثلها كتب أصول الفقه، ومصادر الفقه التي عكف عليها الأصوليون
والفقهاء، لبيان الأصول والفروع على أنماط مختلفة، وبطرق متعددة. فإن المجموعة الأولى من التراث الفقهي تتكوّن من مصادر أصول الفقه، وهي تبحث عن مناهج الاستنباط، وطرق الاستدلال التي تعصم الفقيه عن الوقوع في الخطأ والزلل؛ فعلى ضوئها يسير الفقيه في نهج سديد، وتقوم تلك الأصول القويمة بمثابة ميزان توزن به الأحكام الفقهية، وقد تضمنت تلك الكتب شيئاً كثيراً من الأحكام الفقهية بجانب أنها تتناول الأصول، وتُصوّر اتجاهات الفقهاء في البحث عن المسائل الفقهية.
أما المجموعة الثانية فإنها تتألف من الفروع الفقهية، أو المسائل التفصيلية المأخوذة من القرآن والسُّنَّة وآثار الصحابة والتابعين، والتي استثمرها الفقهاء عن طريق إعمال القياس والتعليل، والنظر في مقاصد الشارع الحكيم، وقد تكدست هذه الثروة الثمينة ودونت في كتب فقهية كثيرة، منها المختصرات، والشروح، والموسوعات. (1/11)
صفحة 9
12
القواعد الفقهية عند الإباضية
وكان من تنوّع تلك الفروع المتكاثرة المتزايدة، وثمرتها وجود القواعد الفقهية، وبروزها فناً مستقلاً إلى الساحة العلمية، ذلك أن الفقهاء بعد إجالة النظر في نصوص الكتاب والسُّنَّة، واستقراء تلك الفروع الفقهية، وعن طريق استنباط المناط وتحقيقه في كثير من الأحيان، استنتجوا هذه القواعد الجامعة، التي احتلت مكاناً مرموقاً بين الفنون الفقهية الأخرى، والتي نشأت وترعرعت في حدود القرن الرابع الهجري، وأسهم فيها فقهاء المذاهب الإسلامية إسهاماً طيباً، ولعل هذه الدراسة ترصد مدى إسهام المدرسة الإباضية في التقعيد الفقهي، وإظهار حجم هذه المساهمة منذ بداية انطلاقها، وعند تأصيلها وتطورها عبر نتاجها الفقهي
إشكالية البحث:
ولما كان القصد من دراسة أي موضوع والبحث فيه، هو الإجابة عن
تساؤلاته، وحل إشكالاته التي تشغل فكر الباحث، وتستدعي اهتمامه، وتهدف كذلك من خلاله إلى الوصول إلى حلول ناجعة، ونتائج مرضية ومقنعة، فلا ريب أن هذا الموضوع يطرح إشكالات كثيرة، وتساؤلات عديدة، ولعل هذه الدراسة ستجيب عنها بما يزيل كل التباس، ومن أهم هذه الأسئلة الملحة ما يلي:
1 - هل توجد عند الإباضية قواعد فقهية على غرار ما يوجد في المذاهب الفقهية الأخرى؟
2 - متى ظهرت القواعد الفقهية عند الإباضية؟ وما هي مراحل تطورها؟ 3 - هل دونت القواعد الفقهية الإباضية، وما أشهر مصنفاتها؟
4 - لماذا لم تنتشر هذه المؤلفات مثل الكتب الأخرى؟
ه - ما مدى إسهام فقهاء الإباضية في صياغة القواعد الفقهية وتأصيلها؟ (1/12)
صفحة 10
المقدمة
13
6 ـ ما مكانة القواعد الكلية عند الإباضية؟ هل اعتمدوها في الاستدلال والتخريج الفقهي؟
-
ـ ما أوجه الاتفاق والاختلاف بين الإباضية وغيرهم في مجال القواعد الفقهية؟ وهل انفردوا بقواعد خاصة بهم؟
ولعل هذه الدراسة العلمية الرصينة ستجيب عن هذه الأسئلة، وتأتي بالجديد لحل هذه الإشكالات، وتقدم للباحثين والمهتمين بالقواعد، صورة واضحة عن حقيقة القواعد الفقهية عند الإباضية، ودورهم في تقعيد الفقه الإسلامي وتطوره.
أسباب اختيار الموضوع
في
ولما كان البحث عن موضوع محدد مطلوباً، وإعداد دراسة علمية في جانب معين من جوانب الأصول أو الفقه مقرراً، باعتبار الباحث متخصصاً هذا المجال، فقد قام باستشارات واسعة ورجع إلى كتب الفقه والأصول لاختيار موضوع مناسب لهذه المرحلة المتخصصة، فوقع اختياره على موضوع قديم ومتجدد وهو «القواعد الفقهية عند الإباضية إذ كان غاية ما يهدف إليه أن ينتقي موضوعاً هاماً جديراً بالبحث، وحرياً بالدراسة، ويكون في الوقت نفسه ممتعا في ذاته، وبالإضافة إلى جدوى الموضوع وأهميته، فهناك دوافع أخرى حفزت الباحث إليه، يمكن تلخيصها فيما يلي:
-
1
لما استقرت فكرة الموضوع في خاطر الباحث ونظر في الكتابات السابقة، فوجدها لا تزال تحتاج إلى مزيد من العناية، وما كُتب فيها غير شامل ولا كاف، وتوجد جوانب مهمة لم تُطرق بعد، فهي شاغرة في هذا الباب، أو ناقصة يعوزها الإكمال والنضج، خاصة في إطار المدرسة الإباضية، ولم يعثر على دراسات علمية شاملة مع الاعتراف في الوقت نفسه بأن عديداً من الجهود والأبحاث المتقدمة في هذا الميدان كانت ذات شأن وابتكار. (1/13)
صفحة 11
18
القواعد الفقهية عند الإباضية
2 - إن هذا الموضوع ما زال غضاً طرياً، يستجيب لحل كثير من المسائل والحوادث الجديدة؛ لأنه يتضمن كثيراً من القواعد التي تتمتع بسعة ومرونة، بجانب كونها محيطة بكثير من الفروع والمسائل، فمن نظر إلى هذه القواعد مثل قولهم: «المشقة تجلب التيسير»، و «الضرر يزال»، و «العادة محكمة»، و «الأمور بمقاصدها»، و «دفع المفسدة أولى من جلب المصلحة»، و «لا ينكر تغير الأحكام المبنية على الأعراف والمصالح بتغير الزمان ونحوها»، يدرك سعة آفاق الفقه الإسلامي، وكفاءته الكاملة لتقديم الحلول الناجعة للمسائل والمشكلات المستحدثة، وصلاحيته لمسايرة ركب الحياة، وملاءمته لجميع الأزمنة والأمكنة.
3 ـ ولعل من دواعي التفكير في هذا الموضوع: أنه لم يصل إلى علم الباحث تأليف كتاب قديم شامل مستقل في القواعد الفقهية عند الإباضية، رغم وفرة المصادر الفقهية والأصولية عندهم، وقد صرح بهذه الحقيقة أحد الباحثين المعاصرين في قوله: «أما المذهب فإنني لم أطلع على مصنف مستقل يجمع قواعده ويضبط فروعه ... » وهذا النقص زادني رغبة وعزيمة في البحث عنها، وجمعها في مؤلف خاص، يكون مرجعاً لمن يحتاج إليه، ولعله يساهم أيضاً في التعرف على أصول هذه المدرسة وقواعدها الاجتهادية ويكون خطوة في التقريب بينها وبين المدارس الفقهية المشهورة.
4 ـ أما سبب اقتصار الدراسة على القواعد الفقهية عند الإباضية دون غيرها، لأن معظم الدراسات العلمية الحديثة تناولت القواعد الفقهية في مختلف المذاهب، وأغفلت قواعد الفقه الإباضي، رغم توفر مصادره، فمن المناسب أن تحصر هذه الدراسة في نطاق هذه المدرسة، حتى تكون محددة ومركزة ومعمقة، ولا مانع من الإشارة أحياناً إلى مواطن الاتفاق (1/14)
صفحة 12
المقدمة
15
والاختلاف بين الإباضية وغيرها من المذاهب الفقهية، لإثراء الموضوع والتعرف على الرأي الآخر، وذلك عند اقتضاء الحاجة، خاصة في الفروع والتطبيقات، والاحتجاج بالأدلة عند التأصيل، والتعارض والترجيح، لأن المقارنة في كل المسائل تستنزف وقتاً طويلاً، وتتطلب جهداً إضافياً، ولعلها تكون سبباً في ضعف حصيلة الدراسة، وزيادة في حجم البحث. ه - وإلى جانب ما تقدم، فإنه أصبح من المفيد في البحوث الحديثة أن تكون الدراسات الأكاديمية على هذا النمط، لأنها تحفز الباحث على الإقبال والتطلع إلى دراسة الفقه الإسلامي في مجال محدد، وفي إطار مدرسة معينة، أو شخصية متميزة، أثرت الفقه باجتهاداتها، ولأن الهمم قد تقاصرت عن دراسة الفقه بطريقة مستوعبة شاملة وواعية، فضلاً حفظ المتون، واستحضار الفروع.
عن
الهدف من الدراسة
-
تهدف هذه الدراسة إلى محاولة الكشف عن مكنونات التراث الفقهي الإباضي، والتعرف على مدى مساهمة فقهائهم في تقعيد القواعد الفقهية وصياغتها، وإبرازه للباحثين والقراء، ليطلعوا عليه، ويستفيدوا منه، حتى تتقارب المدارس في مناهجها، وتضيق شقة الخلاف بينها. - البحث عن القواعد الفقهية في التراث الفقهي الإباضي، وجمعها وتصنيفها، ثم دراستها وتحليلها، وتخريج الفروع الفقهية عليها، أو ردّ المسائل الفرعية إلى تلك القواعد إن لم يصرح بها.
- بيان أن التقعيد الفقهي من أهم أسباب اختلاف الفقهاء في اجتهاداتهم، وأن معرفة القواعد الفقهية تعين على التقارب بين المدارس الفقهية، والاستفادة من بعضها البعض لإيجاد حلول ناجعة للقضايا المستجدة. (1/15)
صفحة 13
16
القواعد الفقهية عند الإباضية
- إبراز مدى استيعاب الفقه الإسلامي للأحكام الشرعية، ومراعاته للحقوق والواجبات، وتمكين غير المختصين بالفقه على الاطلاع على محاسن هذا الدين وإبطال دعوى من ينتقصون الفقه الإسلامي ويتهمونه بأنه يشتمل على حلول جزئية، وليس على قواعد كلية.
ه - تكوين ملكة فقهية عند الباحث تنير أمامه الطريق لدراسة أبواب الفقه الواسعة والمتعددة، ومعرفة الأحكام الشرعية، واستنباط الحلول الناجعة
للوقائع المتجددة، والمسائل المبتكرة.
6 ـ المساهمة في تقنين الفقه الإسلامي وتسهيل عمل القضاة والمفتين والحكام عند البحث عن حلول للمسائل المعروضة، والنوازل الطارئة
بأيسر سبيل وأقرب طريق.
الدراسات السابقة
توجهت اهتمامات بعض الباحثين المعاصرين إلى التنقيب في التراث الفقهي الإباضي والبحث عن القواعد والضوابط الفقهية فيه، فظهرت بعض الدراسات العلمية الحديثة في هذا المجال، منها:
1
-
«ابن بركة السليمي البهلوي ودوره الفقهي في المدرسة الإباضية من خلال كتابه (الجامع)» للباحث زهران بن خميس بن محمد المسعودي)، جمع فيه القواعد والضوابط الفقهية من كتاب جامع ابن بركة، وأفرد لها فصلاً مستقلاً في بحثه، وأشار إلى ما يقابلها من القواعد والضوابط المعروفة عند غير الإباضية، وبيَّن أن لا فرق بينها إلا في الصياغة، مع
(1) تقدم به إلى جامعة آل البيت بالأردن ونال به درجة الماجستير في الفقه وأصوله ونوقشت، تولت وزارة الأوقاف والشؤون الدينية العُمانية طبعه في كتاب، وصدر سنة
:،1998
1421 هـ / 2000 م. (1/16)
صفحة 14
المقدمة
17
اعتبار أن ابن بركة قد عاش في القرن الرابع الهجري (ت: 362 هـ/ 972 م)
وهي فترة بداية تدوين القواعد الفقهية عند الإباضية وغيرهم.
- القواعد الفقهية الإباضية عند الإمام الجيطالي في كتابه (قواعد الإسلام للباحثة منى بنت هلال الكندية العُمانية (1)، استخرجت من كتاب «قواعد الإسلام» لأبي طاهر الجيطالي القواعد والضوابط الفقهية عند الإباضية والفروع المتخرجة عليها وقامت بدراستها وتحليلها وتأصيلها.
- القواعد الفقهية عند الإمام ابن بركة البهلوي للباحث خلفان بن محمد الحارثي (2) تناول فيه شخصية ابن بركة السليمي تعريفاً، ودوره في التقعيد الفقهي، واستخرج من كتابه «الجامع القواعد الكلية والضوابط الفقهية المشهورة، وصنفها وشرحها وأصلها، وذكر الفروع المتخرجة عليها، ولم يستقص كل القواعد والمسائل، بل اكتفى بذكر أهمها من باب التمثيل لا الحصر.
ـ «القواعد الفقهية عند الإمام الكدمي، من خلال كتابه: (المعتبر) (3)، للباحث الدكتور مصطفى صالح، باجو درس فيه شخصية أبي سعيد الكدمي الفقهية، ودوره في التقعيد الفقهي، ومنهجه في التأصيل
(1) تقدمت به إلى جامعة الزيتونة بالمعهد العالي لأصول الدين بتونس لنيل شهادة الماجستير في الشريعة الإسلامية سنة 1423 هـ / 003 2001 م، وما زال غير مطبوع. (2) قدم ضمن أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية في عُمان خلال القرن الرابع الهجري، القواعد الشرعية أنموذجاً، سنة 2004 م، وصدر في كتاب الندوة بعنوان: القواعد الفقهية بين التأصيل والتطبيق، جمع وتنسيق الدكتور مصطفى صالح باجو، سنة 2005 م. وهو حالياً أستاذ التعليم العالي بجامعة غرداية، الجزائر. (3) قدم ضمن أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية في عُمان خلال القرن الرابع الهجري، القواعد الشرعية أنموذجاً، سنة 2004 م، وصدر أيضاً في كتاب الندوة بعنوان: القواعد الفقهية بين التأصيل والتطبيق، سنة 2005 م. (1/17)
صفحة 15
18
القواعد الفقهية عند الإباضية
ه
والتخريج، وذكر نماذج من القواعد والضوابط الفقهية التي وردت في كتابه «المعتبر» والفروع المتخرجة عليها، وبين أنه يهتم بالجانب المقاصدي.
معجم القواعد الفقهية الإباضية للباحث الدكتور محمود هرموش (1)، أخذ بهذا العمل المفهوم العام للقواعد الفقهية، فأدخل فيه الضوابط الفقهية والقواعد الأصولية وحتى قواعد العقيدة، وشملت دراسته بعض المصادر الفقهية الإباضية، أما المسائل الفقهية في الدراسة فلم يقتصر فيها على الفروع الإباضية، بل توسع فيها إلى مختلف
المذاهب.
- «القواعد الفقهية عند الإباضية تنظيراً وتطبيقاً»: قدمه الباحث هلال بن محمد الراشدي في الجامعة الزيتونية قسم الدراسات الإسلامية بتونس فنال به درجة الدكتوراه، ونشره سنة 2009 م، اهتم بالقواعد الفقهية التي لها علاقة بالقواعد الأصولية، وصنفها تصنيفاً يختلف عن التصنيفات المعهودة عند الفقهاء، مثل تقسيمها إلى: كبرى وصغرى، أو أصلية، وفرعية وغيرها، بل ركز على مضمون القاعدة واستنبط منها
عنواناً للباب أو الفصل.
المنهج المتبع في البحث
لما كان الهدف من هذه الدراسة رصد القواعد الفقهية عند الإباضية، ودراستها وتأصيلها، وتخريج الفروع عليها اقتضى ذلك اعتماد المناهج
التالية:
(1) أستاذ الشريعة الإسلامية بجامعة الجنان، بلبنان والكتاب في جزأين نشرته وزارة الأوقاف والشؤون الدينية بسلطنة عُمان سنة 2007 م. (1/18)
صفحة 16
المقدمة
19
1 - المنهج الاستقرائي: وذلك بتتبع مختلف المصادر الفقهية الإباضية بالتقصي والبحث؛ لاستخراج القواعد الفقهية من الفروع والأصول والفتاوى، وجمعها وتصنيفها.
- المنهج التحليلي وذلك بتعريف القواعد الفقهية عند الإباضية، وشرح مضمونها، وبيان أدلتها ومصادرها، وتطبيقاتها على الفروع الفقهية من
خلال الشواهد العديدة المبثوثة فى كتب الفقه والأصول الإباضية.
كما سلكت في الفصل السادس أسلوب النظريات الفقهية، وذلك بجمع القواعد الفقهية الأقل شمولاً التي تتمحور حول موضوع واحد، مثل القواعد المتعلقة بنظرية الملك، أو الضمان أو الإثبات أو العقد وغيرها، ثم أقوم بتحليلها وتخريج الفروع عليها.
4
- المنهج النقدي ويتمثل في نقد الآراء الإباضية حول القواعد الفقهية، من حيث مدلولها وأدلتها، وتطبيقاتها، ونقد منهجهم المعتمد في التقعيد الفقهي، والنظر في مدى توظيفهم للقواعد في حل القضايا المستحدثة
والنوازل المتجددة.
المنهج الوصفي واستعمله الباحث في التعريف بالمدرسة الفقهية الإباضية ومصادرها، وتحديد مدلول القواعد الفقهية، ونشأتها عند الإباضية، ومراحل تطورها حتى بلغت مرحلة النضج والاستقرار والتميز، ووصف تراثهم المتضمن للقواعد الكلية، وإسهامهم في صياغتها وتصنيفها.
ه - وفي مجال التطبيق راوحت بين منهجي الفقهاء والمتكلمين في التأصيل الفقهي، وذلك بتخريج الفروع على القواعد إن صرحوا بها، وردّ الفروع إلى أصولها وقواعدها إن سكتوا عنها، فقد توجد قاعدة أساسية ولم (1/19)
صفحة 17
20
القواعد الفقهية عند الإباضية
يصرح بها الإباضية وتستنتج من سياق كلامهم، ولكن خرجوا عليها فروعاً عديدة، فينبه عليها، وقد توجد فروع دون قواعد وهو الغالب، فيُبيَّن أنها تعود إلى قاعدة مشهورة، وهكذا.
6 - وفي توثيق المعلومات فقد اعتمدت في نسخ الآيات على مصحف المدينة الجديد برواية حفص عن عاصم، وهو من أضبط المصاحف
حسب
علمي.
وفي تخريج الأحاديث وتوثيقها استفدت من برامج الحاسوب الآلي للأقراص المدمجة فاعتمدت على برنامج «الجامع للحديث النبوي»، حيث يذكر راوي الحديث، وعنوان الكتاب والباب، ورقم الحديث، واقتصرت على ما رواه الشيخان أولاً، فما رواه أحدهما أو كلاهما استغنيت به عن الرجوع فيه إلى غيرهما إلا استئناساً، وما لم أجده عندهما رجعت فيه إلى كتب السنن والمسانيد دون استقصاء، أما درجة الحديث من حيث الصحة أو الضعف فقد أخذتها من كتب التخريج عند الاقتضاء، خاصة إذا كان من الأحاديث المعتمدة في تأصيل القاعدة.
وأما الأعلام فقد ترجمت لمعظم أعلام الإباضية لكونهم غير مشهورين عند غيرهم، وأحياناً أترجم للأعلام غير الإباضية إن اقتضى الأمر ذلك، لأن معظمهم مشهور؛ كالصحابة والتابعين وأئمة المذاهب الفقهية.
كما التزمت الرجوع إلى المصادر الإباضية، أما ما لم أجد فيه الغنية استأنست فيه بمصادر غيرهم، أو الدراسات الحديثة. وأعني بالمصدر جميع ما ألفه الإباضية سواء أكانوا متقدمين أم متأخرين، أما الكتب التي اعتبرها مراجع لهذا البحث تنحصر في الدراسات الحديثة من غير الإباضية
المتأخرين. (1/20)
صفحة 18
المقدمة
21
أما أقوال المذاهب الفقهية غير الإباضية فقد حرصت أن أرجع إلى مصادرهم الأصلية قدر الإمكان، وأحياناً أكتفي بما نقله فقهاء الإباضية عنهم موافقة أو مخالفة، خاصة إذا ورد ذكرها ضمن نص مقتبس، فاقتضت ضرورة الاقتباس أن أنقل النص كما هو دون التصرف فيه؛ لأن الهدف منه بيان رأي الإباضية في هذه المسألة، وليس المقام مقام المقارنة، أما إذا كان القصد هو التعرف على الرأي المخالف لهم، فإنني التزم الرجوع إلى للتأكد من صحة رأيهم وتوثيقه حسب ما تنص عليه قواعد
مصادرهم المنهجية العلمية.
وفي الإحالات وتوثيق المعلومات وعزوها إلى مصادرها سلكت الطريقة المعتمدة في البحوث الأكاديمية المتخصصة.
خطة البحث:
ولما كان هذا البحث يهتم بدراسة القواعد الفقهية عند الإباضية، دراسة نظرية وتأصيلية وتحليلية وتطبيقية، فقد اقتضى تقسيم البحث إلى ستة فصول، مع فصل تمهيدي ومقدمة وخاتمة.
أما الفصل التمهيدي فكان عن القواعد الفقهية المفهوم والتطور، ويشمل الدراسة النظرية للقواعد الفقهية مفهوماً وتطوراً وتصنيفاً، ويتضمن ثلاثة
مباحث:
كان الأول: لتعريف القواعد الفقهية، وبيان علاقتها بالعلوم والمصطلحات ذات الصلة بها، وفي المبحث الثاني: تحدثنا عن أنواع القواعد الفقهية، وأهميتها، وحجيتها، أما المبحث الثالث: فبحثنا فيه نشأة القواعد الفقهية عند الإباضية، وتطورها، ومصنفاتها. (1/21)
صفحة 19
22
القواعد الفقهية عند الإباضية
وجاء الفصل الأول بعنوان: القاعدة الكلية الكبرى الأولى: «الأمور بمقاصدها وما تفرع عنها (1)، ويشتمل على أربعة مباحث:
المبحث الأول: في بيان حقيقة القاعدة واهتم المبحث الثاني: بتأصيل القاعدة الفقهية من القرآن والسُّنَّة والآثار، ومن الإجماع والمعقول. والمبحث الثالث: خصصناه لفروع القاعدة وتطبيقاتها. أما المبحث الرابع: فجمعنا فيه بعض القواعد المتفرعة عن القاعدة الكلية «الأمور بمقاصدها».
وبحثنا في الفصل الثاني القاعدة الفقهية الكلية الكبرى الثانية: اليقين لا يزول بالشك وما تفرع عنها، واشتمل هذا الفصل على المباحث التالية: خصصنا المبحث الأول: لبيان مدلول هذه القاعدة، والمبحث الثاني: لتأصيل القاعدة. والمبحث الثالث: اعتنى بفروع القاعدة وتطبيقاتها. وختمنا هذا الفصل بالمبحث الرابع: لدراسة القواعد المتفرعة عن القاعدة الكلية اليقين لا يزول بالشك».
أما الفصل الثالث فخصصناه لدراسة القاعدة الفقهية الكبرى الثالثة «المشقة تجلب التيسير وما تفرع عنها، وأخذ مساحة معتبرة من البحث، لأهميتها ومكانتها في التشريع وتضمن سبعة مباحث وهي:
المبحث الأول: مفهوم القاعدة والمبحث الثاني: أنواع المشاق وضوابطها. والمبحث الثالث: تأصيل القاعدة. والمبحث الرابع: أسباب التيسير والتخفيف. والمبحث الخامس: أنواع التيسيرات ومجالاتها. والمبحث السادس: تطبيقات القاعدة عند الإباضية. وختمنا هذا الفصل بالمبحث السابع، وجعلناه
وفروع لدراسة القواعد المتفرعة عن قاعدة المشقة تجلب التيسير
(1) الراشدي سفيان: جواهر القواعد وبحر الفرائد 54. - السالمي نور الدين: طلعة الشمس على الألفية، مطبعة الألوان الحديثة سلطنة عُمان، 91/ 1 - 92. (1/22)
صفحة 20
المقدمة
23
وفي الفصل الرابع تناولنا القاعدة الكلية الكبرى الرابعة «الضرر يزال» ولا ضرر ولا ضرار وما تفرع عنها، واشتمل هذا الفصل على المباحث التالية:
خصصنا المبحث الأول: لتعريف القاعدة والمبحث الثاني: لتأصيل القاعدة والمبحث الثالث: لبيان أنواع الضرر وضوابطه وطرق إزالته. وأما المبحث الرابع: جعلناه لتطبيقات القاعدة والفروع المتخرجة عليها. وختمنا هذا الفصل بالمبحث الخامس وخصص لدراسة القواعد الفقهية المندرجة تحت هذه القاعدة.
وأما الفصل الخامس فقد احتل أيضاً مساحة معتبرة من الدراسة، وبحثنا فيه القاعدة الفقهية الكبرى الخامسة: العادة محكمة وما تفرع عنها، وفصلنا في المباحث التالية:
ذلك
المبحث الأول: مدلول القاعدة والمبحث الثاني: عرضنا فيه أنواع العرف والعادة وشروط اعتبارهما في الأحكام الشرعية. أما المبحث الثالث: فخصصناه لتأصيل القاعدة من القرآن الكريم، والسُّنة النبوية، وآثار الصحابة رضوان الله عليهم، ومن الإجماع والمعقول. أما المبحث الرابع: تناولنا فيه تطبيقات القاعدة وفروعها الفقهية عند الإباضية. وختمنا هذا الفصل بالمبحث الخامس، وبحثنا فيه القواعد الفقهية المتفرعة عن القاعدة الكبرى العادة
محكمة».
أما الفصل السادس فخصصناه لدراسة «القواعد الفقهية الكلية الصغرى»، لأنها أقل شمول من القواعد الكبرى، ولا يمكن إدراجها تحتها لعدم وجود علاقة تربطها بها ولكثرتها وتنوعها اقتصرنا على بعضها، وصنفناها ضمن نظريات، فقهية وقسمناها إلى ثلاثة مباحث: (1/23)
صفحة 21
24
القواعد الفقهية عند الإباضية
المبحث الأول: لدراسة «القواعد الكلية المتعلقة بنظرية الضمان»، وأما المبحث الثاني فتناولنا فيه: «القواعد الكلية المتعلقة بنظرية الملكية»، وختمنا هذا الفصل بالمبحث الثالث وخصصناه لدراسة: «القواعد الكلية المتعلقة بنظرية الإثبات» (1)، أو الخاصة بالقضاء وطرق الإثبات، واشفعنا كل مبحث
بفروع تطبيقية لتلك القواعد من التراث الفقهي والنوازل المستجدة.
أما الخاتمة فلخصنا فيها أهم النتائج التي توصلت إليها الدراسة، واقترحنا بعض التوصيات التي لم نتمكن من تحقيقها وإنجازها في هذا البحث، ويمكن للباحثين اعتمادها كمشاريع مستقبلية، لاستكمال بناء صرح قواعد الفقه الإسلامي على أسس من الموضوعية، لحل المشكلات والقضايا المتجددة في شتى الميادين، وفق اجتهادات وقواعد المدارس الفقهية
المختلفة.
ثم أعقبنا هذه الدراسة بفهارس عامة ومتنوعة، شملت الآيات القرآنية والأحاديث النبوية، وخصصنا فهرساً للقواعد الفقهية والأصولية، وفهرساً للأسماء والأعلام، وفهرساً للأماكن والبلدان وقائمة للمصادر والمراجع المعتمدة في الدراسة، وفهرساً للموضوعات.
عرض ونقد المصادر والمراجع
لما كانت الدراسة تهتم بالقواعد الفقهية عند الإباضية، اقتضى ذلك البحث في التراث الفقهي الإباضي قديماً وحديثاً، مع الاستعانة بالمراجع الحديثة في القواعد الفقهية لاختيار المناهج المناسبة في التصنيف، والتحليل والتعليل. ومن أهم المصادر الفقهية الإباضية ما يلي:
(1) القواعد الكلية الخاصة بالقضاء وطرق الإثبات. (1/24)
صفحة 22
المقدمة
25
1 - «مدونة أبي غانم بشر بن غانم الخراساني من مؤلفات القرن الثاني الهجري، وهي من المصادر الأولى للفقه الإباضي، وتضم روايات أبي غانم عن شيوخه منهم: الربيع بن حبيب، وأبي المؤرج، وعبد الله بن عبد العزيز وغيرهم، تناولت معظم أبواب الفقه، وتمتاز بكثرة الاستدلال بالنصوص من القرآن والسُّنَّة، وآثار الصحابة والتابعين، وأقوال الإباضية الأوائل؛ كجابر بن زيد، وأبي عبيدة مسلم، وتمثلت استفادتنا منها في جانب التأصيل الفقهي، وتخريج الفروع على القاعدة، ولم يصرح فيها بالقواعد الفقهية، وإنما تستنتج من السياق، وأحياناً يذكر الفرع فنرده إلى أصله وقاعدته؛ لأن تلك الفترة لم تظهر القواعد بالصيغ المعروفة لاحقاً، وإنما يمكن استنباطها من أقوالهم.
طبعت هذه المدونة عدة طبعات وسميت بعدة تسميات منها المدونة الصغرى وليس عليها شروح، وتقع في مجلدين وأعيد طبعها محققة في مجلد واحد اعتنى بتحقيقها يحيى النبهاني وإبراهيم العساكر، واعتمدتها في الدراسة، أما المدونة الكبرى فقد رتبها القطب أطفيش وعلق عليها وصدرت الطبعة الأولى دون تحقيق وتصدى لتحقيقها الدكتور مصطفى صالح باجو
فضبط نصوصها وخرجها تخريجاً علمياً، وصدرت في ثلاثة مجلدات.
2 ـ «جامع ابن جعفر» لأبي جابر محمد بن جعفر الأزكوي، من علماء الإباضية في القرن الثالث الهجري، يضم هذا الكتاب زيادات وحواشي أضافها من جاء بعده، وتناول فيه معظم الأبواب الفقهية، ويتكون من تسع أجزاء محققة، طبعت منه ستة أجزاء، وينقصه الترتيب المناسب للمسائل، أما منهجه في تأليفه فهو يقوم على عرض المسائل الفقهية، وإيراد مختلف أقوال السلف، سواء شيوخه وغيرهم، مثل: الإمام جابر بن زيد، وأبي عبيدة مسلم، ووائل الحضرمي، وأبي صفرة، ومحمد بن محبوب، ثم يختار ما يراه أكثر صواباً، وإذا كان في المسألة نص اكتفى بإيراده، ثم نجده كثيراً ما يورد (1/25)
صفحة 23
26
القواعد الفقهية عند الإباضية
محاوراته
ومراسلاته
مع شيخه أبي عبد الله محمد بن محبوب، ومع معاصريه
أبي المؤثر الصلت وأبي الحواري، وينقل آراء شيخه الفقهية التي كان يتبنى الكثير منها ويحتج بها.
ويمتاز منهجه بنقل آراء الصحابة والتابعين وأعلام مدرسة الرأي، أمثال: مجاهد وعطاء وطاووس وإبراهيم النخعي، فغالباً ما يبدأ الفصل بآية قرآنية أو حديث نبوي، فيعلق على النص، ويفرع الكلام في الموضوع، مورداً أقوال العلماء في ذلك، كما أنه يكتفي أحياناً بإيراد المسألة بصيغة تقريرية، ثم يبحث لها عن مختلف الصور المحتملة، مبيناً حكمها اجتهاداً منه، أو نقلاً لقول بعض العلماء، ويأتي أحيانا بالحكم الشرعي في المسألة، ثم يعضدها بدليل من كتاب أو سُنَّة أو رأي، وعموماً كان منهجه في تأليف كتابه يصور حقيقة التأليف في المرحلة الانتقالية بين فقه تابعي التابعين، والمرحلة اللاحقة التي
تأسست فيها المدارس الفقهية الاجتهادية والتي تجمع بين النقل والعقل. أما استفادتنا من هذا الجامع فقد اقتصرت على المسائل الفقهية التي تخرجت على القواعد الفقهية، ونقل بعض النصوص لتأصيل القاعدة، ولم يكن يصرح بالقواعد إلا نادراً، بل كان يلمح إليها، وتستنتج من مفهوم عبارته، وكثيراً ما نجد القاعدة وردت في الزيادات والشروح التي أضيفت إلى نصه، مما يجعلنا نجزم أن التصريح بالقواعد بالصيغ المعروفة جاء متأخراً عنه، وهذا يشير إلى تطور القواعد الفقهية عند الإباضية.
3 ـ ومن المصادر المعتمدة كتاب (الجامع لأبي محمد عبد الله بن بركة السليمي البهلوي، (362 هـ) ويُعد هذا الكتاب من أهم ما أُلف في القرن الرابع الهجري من حيث التحقيق والتأصيل الفقهي، رغم ما يمكن أن إليه من انتقادات بسبب ما يلاحظ عليه من ضعف في ترتيب الأبواب وتقسيمها، وتداخل القضايا وتكرارها، وإدراج عدة مسائل تحت عنوان جزئي
يوجه (1/26)
صفحة 24
المقدمة
27
يشمل بعضها دون بعض، فلا يتوافق العنوان مع المحتوى، ويلاحظ الباحث التفاوت البين في أحيان عدة في طرح المسائل وبحثها، فقد يطيل في بعضها، ويختصر الكلام في البعض الآخر، والكتاب طبع في جزأين، وعليه تحقيق غير علمي، وتكثر فيه الأخطاء وغالباً ما تُغيّر من المعنى المراد، ولعله من تصحيف النساخ، ويحتاج إلى إعادة تحقيق لتجنب هذه الأخطاء.
ومهما يكن من أمر فإن هذه الملاحظات لا يمكن أن تقلل بحال من قيمة الكتاب، أو أن تغمز في مكانته ومنهج صاحبه الواضح المعالم، فهو يضم القواعد الأصولية والفقهية، والفروع الفقهية المتنوعة، ويعتبر من المصادر الهامة عند الإباضية في هذا المجال، ولأجل ذلك عكف عليه الباحثون دراسة وتحقيقاً واستنباطاً، فاستخرجوا منه القواعد الفقهية والأصولية.
وقد سلك ابن بركة منهجاً متميزاً في «الجامع» أساسه تحليل النصوص الشرعية، وتوظيف اللغة العربية في فهمها، وإرساء اجتهاداته على أصول واضحة، ويهتم ببيان أسباب اختلاف الفقهاء، والجمع بين القول الفقهي ودليله الشرعي، من قرآن وسُنَّة أو إجماع أو قياس، أو غيرها من أصول التشريع المعتمدة مرتبة حسب قوتها في الدلالة والاحتجاج، ثم إنه يحفل كثيراً بالمقارنات بين أقوال الفقهاء، والموازنة بينها داخل المذهب، وبين آراء المذهب وبقية المدارس الفقهية الأخرى؛ وكان يفعل ذلك بحس علمي ونقد نزيه، ملتزماً بآداب المناظرة، واحترام الرأي الآخر، ولم يكن ليغفل في أحيان كثيرة نسبة الأقوال إلى أصحابها، وإن لم يكن ذلك قاعدة عامة، فقد كان يكتفي في بعض الأحيان بنسبة القول إلى المجهول، كأن يقول: قيل، قال بعضهم، قال آخرون، وعند عرضه للمسألة ودراستها، فإنه يحرص على التزام التسلسل المنطقي للمسائل والقضايا المطروحة، فهو يعرض المسألة - موضوع البحث - ويتفحصها، ثم يعطيها حكمها المناسب مدعماً بالدليل، (1/27)
صفحة 25
28
القواعد الفقهية عند الإباضية
وإن كانت لها أقوال أخرى أوردها وأوضحها، وأورد عليها بالنقض إن هو رأى مخالفتها للصواب.
حجج
أصحابها، وعاد
هذا ويمتاز ابن بركة بالتواضع والدقة في نقل أقوال المخالفين، وعزوها إلى أصحابها ولو كان يخالفها، والتعامل معها بكل موضوعية، فقد نقل رأي أبي حنيفة والشافعي في حديثه عن العيوب التي يردّ بها النكاح، وتعطي للزوجين حق الفسخ فيقول: «وأستغفر الله من الغلط في حكايتي عنهم، فإني تحريتُ إصابة قولهم، والله أعلم.
هذه بعض ملامح منهج ابن بركة في كتابه «الجامع»، وهو واحد من النماذج التي تصور إلى حد بعيد المنهج المتبع لدى فقهاء الإباضية في القرن الرابع الهجري، إلى جانب غيره من المؤلفين الذين تركوا بصماتهم بارزة على التراث الفقهي الإباضي.
أما استفادتنا من هذا الكتاب فكانت كبيرة، تمثلت في جمع القواعد الفقهية المتناثرة فيه، وهي كثيرة، وأخذنا منه الصيغ الأولى للقواعد، وتتبعنا تطورها عند الذين جاؤوا من بعده، فكان يصرح بالقاعدة، ويذكر دليلها، والفروع المتخرجة عليها، فلم نجد صعوبة في الوصول إلى القاعدة فيه، فغالباً ما يأتي بها في مقام التعليل على الأحكام، فيعتبر بحق من أوائل من اعتنى بالقواعد الفقهية الإباضية، بمفهومها الاصطلاحي ودونها في كتابه، ومن جاء بعده استفاد منه.
ومن منهجه في التقعيد الفقهي التزامه في كثير من القواعد بالاستدلال لها من دلائل النقل والعقل، وكان يلمح أحياناً إلى القاعدة مع كثير من الفروع التي يراها تندرج تحت قاعدته ليؤكد على أصله الذي سار عليه في
إنشاء الفروع.
(1) ابن بركة البهلوي: كتاب الجامع، 144/ 2. (1/28)
صفحة 26
المقدمة
29
وأما كتابه «التعارف» فقد تحدث فيه عن العمدة في قبول الأخبار، وركز فيه على قاعدة العرف والعادة، فأقر ما تعارف عليه الناس في معاملاتهم مما يحصل به اليقين في نفوسهم، ولم يكلفهم عنتاً بمعرفة اليقين في علم الله، وأشار إلى قاعدة اليقين لا يزول بالشك»، وأن بناء الأحكام على طمأنينة القلب، وما سكنت إليه النفس، وأن الشارع جاء بالتيسير، وفي الكتاب تأصيل لهذه القضايا واستشهاد لها بأمثلة عديدة.
وأصل الكتاب أنه جواب عن سؤال ورد إلى ابن بركة ولم يذكر نصه ولا صاحبه، وهو مطبوع طبعة مشوهة دون تحقيق، ولأجل أهميتها مع كثرة الأخطاء التي اتسمت بها فقد انبرى لها أحد الباحثين العُمانيين فحققها تحقيقاً علمياً، حافظ على قيمتها العلمية، وسهل على الباحثين فهمها واستيعابها وما زالت هذه الدراسة غير منشورة.
مما تقدم يمكن القول: إن ابن بركة البهلوي يُعد من أوائل من ألف في القواعد الشرعية الأصولية والفقهية عند الإباضية خلال القرن الرابع الهجري، وما يزال المتأخرون يعتمدون على كتبه في هذا المجال حيث برزت فيها بصمات واضحة للتقعيد الفقهي والأصولي.
4 ـ ومن المصادر المعتمدة في هذه الدراسة كتاب «المعتبر» لأبي سعيد محمد بن سعيد الكدمي (ق: 4 هـ)، وهو كتاب عقدي وفقهي جامع، تخلله مسائل أصولية عديدة، وقواعد فقهية متنوعة، تتبع فيه «جامع ابن جعفر» ففصل مسائله وزاد فيه ما أغفله، وتوسع فيما رآه يحتاج إلى توسع واجتهاد، ويقال: إن حجمه الحقيقي يقع في تسع مجلدات ضخمة ضاع معظمها، وبقي المجلد الأول وقد طبع في أربعة أجزاء صغيرة، وهي كافية لإعطاء صورة عن هذا المصنف ومنهج تأليفه، ولم ينج كغيره من تدخل النساخ والفقهاء، اللاحقين إلا أن فعلهم ذلك لا يؤثر على الصورة العامة للكتاب. (1/29)
صفحة 27
القواعد الفقهية عند الإباضية
ويقرر أبو سعيد الكدمي أنه ألف كتابه «المعتبر وسطاً. بين المختصرات المخلة والمطولات المملة، وقد صاغ جله بأسلوب عرض القضايا وتسلسلها، إلى جانب الأسلوب الحواري الذي يقوم على منهج قال ... قلت ... ويلزم من قال كذا ... أن يكون كذا ... وقد سلك المؤلف منهجاً متفاوتاً من حيث الإطالة والإيجاز في تحليل القضايا وعرضها حسب الباب والمسائل التي يتضمنها، ولم يكن يهتم كثيراً بتقسيم الكتاب وتبويبه بما فيه الكفاية، لكونه وجد نفسه ملتزماً بما كان ينقله عن جامع ابن جعفر الذي اتخذه منطلقا للتوسع في بحث جملة مسائله.
ويلاحظ أن أبا سعيد لم يكن يحفل كثيراً بالتمهيد لأبواب الكتاب وفصوله، فقد أراد أن يكون طابعه العام مجرد الاهتمام بالأحكام الفقهية الصرفة، إلا أن ذلك لا يلغي تماماً ميله لبيان الفضائل والحكمة من التشريع. وفيما يتعلق بأدلته التشريعية ومصادره في الاجتهاد، فإنه لم يخرج عن الإطار العام الذي كان عليه الفقهاء عموماً، فقد جاء عنه قوله: «فالحق كل الحق يدرك من كتاب الله تبارك وتعالى أو سُنة رسوله صلى الله عليه وسلم أو إجماع المحققين من أمة محمد صلى الله عليه وسلم، أو حجة العقل مما وافق فيه هذه الأصول الثلاثة». أما القضايا التي لم يرد فيها نص فكان يجتهد فيها للكشف عن الحكم على الإجماع والقياس والقواعد الفقهية العامة، وقد يعضد قوله في بآراء السلف، وأحياناً يكتفي بإيراد أقوالهم دون تعليق منه عليها، وهو في غالب أمره لا يميل إلى الخروج عنهم خلافاً لمعاصره ابن بركة الذي كان أكثر استقلالية في اجتهاداته.
المسألة
لم يخل كتاب «المعتبر من المقارنات سواء بإيراد الأقوال المتعددة لعلماء الإباضية المرخصين منهم والمتشددين، أو أقوال المذاهب الأخرى بدرجة أقل، والتي لم يذكرها في أغلب الأحيان بالاسم وإنما يوردها بعبارة: «قال مخالفونا ... » (1/30)
صفحة 28
المقدمة
31
ونحوها من العبارات، ويظهر أثر أبي سعيد عند إيراده الأقوال المختلفة في الموازنة والتقييم، والاختيار والترجيح، فتكثر عنده عبارات مثل: «وأصح القول معنا؛ لكن القول بالإعادة هو الأكثر، القول الأول أحب إلينا؛ يعجبني
كذا ... ».
كما يظهر في منهجه بداية ظهور التعريف بالمصطلحات الفقهية تعريفاً لغوياً واصطلاحيّاً، الشيء الذي لم نجده عند ابن بركة الذي كان يهتم بالجانب اللغوي فقط في بيان معاني الألفاظ.
وإلى جانب هذا يلاحظ على أبي سعيد شغفه بمسألة تعليل الأحكام وتحليل القضايا، فقد أعطى عقله ذلك الحق فكان يبين الصور المختلفة للمسألة، وأحوالها المحتملة من العمد والخطا والنسيان، وكان يفهم وينقد، ويتعمق في بحث المسائل، وكان يُقلبها من كل وجوهها المحتملة، فكأنما كان يذكرنا بأصوله الفكرية التي نشأت في العراق بلد الرأي.
كما يلاحظ فى فقه أبي سعيد تمسكه بالسُّنَّة والنظر إلى روح الشريعة ومقاصدها واعتبار، المصلحة، فهو يؤمن بأن ما رآه المسلمون حسناً فهو عند الله حسن، وحيثما كانت المصلحة في الفروع فثم شرع الله، ما لم يتعارض ذلك مع نص صريح، أو قاعدة متفق عليها، وكان يعلل الأحكام كلما أمكن دون تعسف فصلاة الجمعة عنده لاجتماع المسلمين، فلا يجوز أن تكون في غير المسجد الجامع باختيار إلا إن عرض عارض؛ لأن السُّنَّة جاءت بثبوت الجمعة في المساجد، ويعجبه قول من يقول بإجازة الجمعة في غير المسجد الجامع لئلا تتعطل ...
ولعل من أهم ما يلاحظ في منهجه إلى جانب ما تقدم، أنه كثيراً ما يعود في اجتهاده إلى القواعد الفقهية، كدفع الضرر الأكبر بالضرر الأصغر، ودفع المفسدة مقدم على جلب المصلحة واليقين لا يزول إلا بيقين مثله، ويعطي
العرف والعادة مكانة في تحديد الأحكام، ويسميها سُنَّة أهل البلد. (1/31)
صفحة 29
32
القواعد الفقهية عند الإباضية
أما استفادتنا من الكتاب فقد تمثلت في استخراج ما ورد فيه من القواعد الفقهية الأساسية والفرعية والفروع التي تخرجت عليها، ومن تعليلاته للأحكام، ومراعاته للمصالح والمفاسد، ومقاصد الشريعة العامة.
- أما كتابه «الجامع المفيد فيكاد فقهاء الإباضية يتفقون أنه في صورته الحالية ليس من صنع أبي سعيد الكدمي، وإنما هو من فعل تلاميذه، أو من جاء بعده من المشتغلين بالعلم، فقد لاحظوا أهمية فتاويه وآرائه الفقهية، وسعة علمه وتعمقه في البحث، فأقدموا على جمعها في كتاب أطلقوا عليه اسم: «الجامع المفيد من أجوبة أبي سعيد»، ويتصف هذا الكتاب كغيره من كتب الفتاوى بميل صاحبه إلى الاختصار والاقتصار على تنزيل الحكم الشرعي على الحادثة، فالكتاب مجموعة مسائل مرتبة نسبياً على مواضيع
الفقه المعهودة.
فغالباً ما يعرض السؤال بصيغ متقاربة مثل: «سألته»، «سئل أبو سعيد» وقد يسكت الجامع عن السؤال، إلا أن صيغة الجواب ونصه كافيان للإيحاء به، ويكتفي الكدمي في فتاويه برأي توصل إليه اجتهاده، مستعملاً في أنه كذا»، وقد يعرض الخلاف الوارد في المسألة، ويبين أقوال
عبارة: «معي
الواسع.
ذلك
فقهاء المذهب، مدعماً بدليل شرعي من قرآن أو حديث، أو رأي بمفهومه أما استفادتنا من كتابه الجامع المفيد فكانت محدودة، تمثلت في بعض التطبيقات على القواعد ولم يكن يصرح بها غالباً، بل يلمح إليها تلميحاً، وتفهم من سياق كلامه.
ه ـ ولأبي العباس أحمد بن محمد بن بكر الفرسطائي (ت: 504 هـ) مساهمة بارزة في النتاج العلمي للمدرسة الإباضية، بمؤلفات فقهية متنوعة، منها كتاب «تبيين أفعال العباد الذي تناول فيه أحكام أفعال المكلفين، سواء منها أفعال الجوارح أو القلوب، وركز على المنهيات، وأقوال العلماء في أثر (1/32)
صفحة 30
المقدمة
33
المناهي على الأفعال والكتاب يمكن تصنيفه في قسم فلسفة الأخلاق، أو الأفعال المهلكات كما يسميها الغزالي في «الإحياء»، ولكنه يعني كثيراً بالجانب المقاصدي، وبناء الأحكام على اعتبار النوايا التي تصدر عنها تلك الأفعال، فكان كلامه يدور حول قاعدة: الأمور بمقاصدها»، واقتصرت استفادتنا منه على هذه القاعدة الهامة والشواهد المتخرجة عنها.
والكتاب قد حققه ودرسه باحثين من قسم التخصص في الدراسات
الشرعية بمعهد الحياة بالقرارة وهو مرقون غير مطبوع.
أما مؤلفه كتاب «الألواح فتناول فيه بالشرح حديث رفع عن أمتي الخطأ والنسيان ... » وتوسع في صور الخطأ وأحكام الإثم والضمان، متى يلزمان، ومتى يرفعان، وعرض للدعاوى في الخطأ والتعدي، ووجوه الإكراه، وغيرها من المسائل، وإن كان أغلبها مما يتعلق بنظرية الخطأ والضمان. واستفادتنا منه تمثلت في تأصيل قاعدة: «المشقة تجلب التيسير» وفي بيان بعض أسباب التخفيف والتيسير؛ كالخطأ والنسيان والإكراه، وقاعدة
-
الخطأ لا يزيل الضمان ويرفع الإثم والفروع المتخرجة عليها. وله كتاب يعرف بـ كتاب أبي مسألة ويطلق عليه اسم «الجامع» شمل أبواب الفقه من عبادات ومعاملات وأحوال شخصية، وفيه أيضاً مسائل في الإكراه وأحكامه، وكلها إجابات مختصرة، يكتفي في أكثرها بالحكم المعمول به عند الإباضية حسب اجتهاده مع ذكر الدليل الشرعي من الكتاب أو السُّنَّة، أو الإجماع أو القياس، أو غير ذلك مما كان أصلاً من أصول التشريع عند الإباضية، ولا يكثر من الأدلة، وغالباً ما يقتصر في استشهاده على نصوص القرآن، بالإضافة إلى أنه يذكر أحياناً الاختلاف بين المجتهدين وأسبابه، والكتاب يوجد مخطوطاً ومطبوعاً بتصحيح الأستاذين محمد صدقي، وإبراهيم أسبع. (1/33)
صفحة 31
34
القواعد الفقهية عند الإباضية
وكتابه «السيرة في الدماء» في موضوع قتال البغاة، وحكم الفتنة إذا وقعت بين أهل القبلة، وأحكام دفع الصائل، واستفاض في هذه المسائل، ولم يسعفنا في بحثنا كثيراً إذ أغلبه مسائل اجتهادية تضبط قواعد حفظ الدين والنفس والمال والترتيب بينها عند التعارض، وعن هذه القواعد تتفرع معظم مسائل الكتاب، ويمكن الاستفادة منه في تأصيل نظرية المقاصد عند الإباضية في بعض جوانبها.
أما كتابه القسمة وأصول «الأرضين فهو كتاب متميز في فقه العمارة وأحكام الجار، وحقوق الحريم، والطرقات والأودية، وغيرها من المرافق العامة للبلد المسلم، وقد استقى منه إباضية المغرب خصوصاً كثيراً من قواعد العمارة الإسلامية تنظيراً في المؤلفات وتطبيقا في واقع الحياة، والكتاب
مطبوع بتحقيق الدكتور محمد ناصر، وأستاذنا بكير الشيخ بالحاج باشعادل. وتمثلت استفادتنا منه في تطبيقات قواعد الضرر وكيفية إزالته، والمسائل المتفرعة عنها، ولا يصرح بالقاعدة، وإنما تستنتج من عبارته، ويكاد الكتاب يخلو من الأدلة، وقد استخرج المحققين منه جملة من القواعد وألحقوها به، ليسهل على الباحثين التعرف عليها.
6 - ومن المصادر الهامة في هذه الدراسة كتاب الضياء لأبي المنذر سلمة بن مسلم العوتبي الصحاري (ق: 6 هـ) وهو موسوعة شاملة تناولت أبواب الفقه، وخصصت الأجزاء الأولى لقضايا الأصول العقدية، والأصول الفقهية، وبعض القواعد الفقهية، وهي مادة معتبرة في حجمها، وإن لم تكن موزعة بصورة متكاملة في العرض والطرح، ولكنها تبين في عمومها اهتمام الإباضية بتأصيل الفقه، بالتوازي مع تدوينه.
ويتميز الكتاب بالاهتمام بالجانب اللغوي في التعريفات، وفي أصل اشتقاق المصطلحات، نظراً لتأثر المؤلف بموسوعته اللغوية (الاستبانة)، كما (1/34)
صفحة 32
المقدمة
35
ظهر في الكتاب أثر العناية بأسلوب الجدل ولغة المنطق في التعليل والتحليل، وحظي بنصيبه من الأخطاء المطبعية، ولم نجد مخطوطاً نقابله به فاضطررنا للاجتهاد حين الضرورة للوصول إلى المعنى بناء على السياق العام للنص والكتاب يتألف من أربع وعشرين جزء وطبع منه ثمانية عشراً جزءا، والباقي ما زال مخطوطاً، وضاع منه الجزء الرابع والسابع، وحالياً يعكف بعض الباحثين على تحقيقه لإعادة طبعه.
واقتصرت استفادتنا من الكتاب على المجلد الثالث الذي تضمن جملة من القواعد المتفرعة عن القاعدة الكبرى اليقين لا يزول بالشك»، كقاعدة: «الأصل بقاء ما كان على ما كان»، «والأصل في الأشياء الإباحة»، أما الأجزاء الأخرى أخذنا منها بعض الفروع الفقهية التي تخرجت على القواعد الفقهية، ولو لم يصرح بها وهذا هو الغالب فيه.
7 - كتاب «قواعد الإسلام لأبي طاهر إسماعيل الجيطالي، (ت: 750 هـ) وهو كتاب مختصر يشتمل على أبواب العقيدة والعبادات والحقوق، يقول في وصفه: «اقتصر الكلام فيه على سبعة أركان تحتوي على جمل من الفرائض والمظالم التي يلزم بها الإنسان، وكل ركن منها يشتمل على أربعة أبواب مرتبة مبانيها، وفصول مشروعة معانيها، تكون لسالكي هذا المنهج من التحف المخزونة، والدرر المكنونة، يقل على الناظر لفظها، وسهل على القارئ حفظها، وتكون للمسترشدين ملجأ يلجأون إليه، وعصمة يعتصمون به».
فإذا كان هذا الوصف للكتاب من حيث الشكل، فإن صاحبه قد سلك مسألة
من حيث المضمون منهج المقارنة على أوسع نطاق، إذ يورد في كل مختلف الوجوه مع الإحالة على أقوال الفقهاء المتقدمين من الإباضية، بذكر أسمائهم مع تدعيم الوجوه المعتمدة بنصوص من الكتاب والسنة، دون أن (1/35)
صفحة 33
36
القواعد الفقهية عند الإباضية
يغفل عن بيان آراء الصحابة والتابعين وأصحاب المذاهب الأربعة، وعرض أدلة كل فريق، والتنصيص على أقوال الموافقين والمخالفين، وأسباب الخلاف، ومع العناية بإيراد الأقوال، فإن اجتهاده ورأيه الشخصي ظاهر على صفحات كتابه فهو يرى، ويختار، ويصوب ويخطئ.
وتمثلت استفادتنا من الكتاب في استخراج بعض القواعد الكلية، والضوابط الفقهية، والأدلة الشرعية، وتوظيفها في البحث، مع الفروع
والمسائل التطبيقية التي تخرّجت على بعض القواعد الفقهية.
- كتاب الإيضاح» لأبي ساكن عامر بن علي الشماخي (ت: 792 هـ) يشتمل على أبواب العبادات والمعاملات، وقد احتل هذا الكتاب مكانة كبيرة عند الإباضية بعد القرن الثامن الهجري، واعتبره أبو العباس أحمد الشماخي صاحب السير «اعتماد أهل المغرب في وقته خصوصاً نفوسة ... »، ووصفه بقوله: «وهذا التأليف ما أظن ألف في المذهب مثله، جمعاً وتعليلاً واختصاراً غير مخل، وتطويلاً غير ممل، ولا مكرر
الآراء الفقهية «بدلائل
وكان من منهج أبي ساكن في تأليف كتابه جمع مسموعات مستندات وقياسات مستنبطات مستخرجات». فعمله على ما يظهر من كلامه هذا، لم يتوقف عند الجمع من المؤلفات السابقة، بل اجتهد في تأصيل ما جمع، وتخريج الفروع على الأصول والقواعد الفقهية، وهو عمل ليس بالهين، وفي ذلك إشارة إلى أن صاحب الكتاب لاحظ شيئاً من النقص في عموم التأليف الفقهية الإباضية في المغرب خاصة، فأراد أن يتمه، كما تطلع فيما يبدو على أن يثبت أن فقهاء المذهب المتقدمين اكتفوا بإيراد أحكام المسائل المتفق عليها والمختلف فيها من دون دليل، كانوا على معرفة تامة بالأصول والقواعد الفقهية، وأن اجتهاداتهم كانت مبنية عليها «لأن من لم يتحكم في الأصول قلما تتحصل عنده الفصول». (1/36)
صفحة 34
المقدمة
37
ويشير منهجه إلى التمييز بين المواقف والآراء المختلفة بقوله: «ولِنَقُل في كل موضع قلت في كتابي هذا، فعندي والله أعلم أن سبب اختلافهم، أو العلة كذا وكذا، وأن العلة ... كذا وكذا، فإنما في الأكثر استدلال واعتلال مني، لا من صاحب القول الذي على طريقته أسير ......
أما من حيث الاستدلال فهو يكثر من الاعتماد على الأثر، ويصرح بأن «في الأثر كذا»، «وفي أثر أصحابنا كذا»، وينقل كثيراً عن سلف الإباضية من أهل المغرب الإسلامي خاصة، فينسب الأقوال إلى أصحابها أحياناً؛ كالإمام عبد الوهاب بن عبد الرحمن بن رستم وابنه أفلح، من القرن الثالث الهجري، والإمام الربيع بن حبيب الفراهيدي، وعبد الله بن عبد العزيز من القرن الثاني من أهل البصرة، ويشير في عرضه للمسائل إلى اختلافات الفقهاء، مع بيان أسباب الخلاف في أغلب الحالات، ويحاول أن يوفق بينها، ويبدي رأيه فيها مستعملاً في ذلك عبارات كثيرة، فيما يوجبه النظر عندي، وهذا القول فيما النظر أصح، هو الأصح ... »، ويرجح في أغلب الصور والمسائل قول فقهاء الإباضية عند مقارنتها بأقوال غيرهم التي يذكرها أحياناً، وقد صرح بأنه ينظر في كتب غير الإباضية ولكن ذلك ـ كما يظهر ـ لم يكن السمة الغالبة على الكتاب.
الإباضي
التأليف:
وعموماً فإن كتاب «الإيضاح» يمثل بحق قمة التأليف الفقهي المؤصل ونهايته بحيث يمكن أن يعتبر فاصلاً بين نمطين من نمط يقوم على الجمع والتأليف والتأصيل، فكان «الإيضاح» تاجه، وبين نمط جديد يبدأ مع ظهور القرن التاسع يقوم على شرح القديم
والتحشية عليه.
واستفادتنا من الكتاب تمثلت في جمع القواعد الفقهية منه، وتصنيفها إلى كبرى وصغرى واستخراج الأدلة الشرعية لتأصيلها، والمسائل (1/37)
صفحة 35
38
القواعد الفقهية عند الإباضية
المتخرجة عليها، وأحياناً لا يصرح بالقاعدة، ويكتفي بذكر فروعها، فنردها إلى أصولها، وكثيراً ما يسعفنا بالتطبيقات المختلفة، والتعليلات المتعددة، ومنشأ الخلاف في المسألة، وهذا الجانب كثيراً ما يغفل عنه غيره من الفقهاء، ولكثرة ورود القواعد والضوابط الفقهية في هذا الكتاب فإنه يصلح أن يُعتمد مشروعاً مستقلاً للدراسة، للتعرف على مدى مساهمة فقهاء الإباضية في التقعيد الفقهي، والكتاب صدر في طبعات متعددة مذيلًا بحواشي السدويكشي وأبي ستة المحشي ولم يحظ بتحقيق
علمي.
9 - کتاب تمهيد قواعد الإيمان وتقييد شوارد الأحكام للمحقق سعيد بن خلفان بن أحمد الخليلي (1231) - 1287 هـ) وهو عبارة عن فتاوى ورسائل وآثار جمعها أحد تلامذته في أربعة مجلدات كبيرة تمثل فقهاً حياً تنظيرياً، وقد تم استعراضه كاملاً فوجد فيه ما يقرب من (114) قاعدة فقهية، مع ملاحظة أنه لم يؤخذ في الاعتبار استخراج غير القواعد الفقهية والضوابط، اللَّهُمَّ إلا ما كان منها مشتركاً كقواعد الألفاظ، وما يقدم منها عند التعارض، أو ما يتعلق بالوسائل والمقاصد والمآلات، أما القواعد الأصولية أو المقصدية أو الشرعية الخالصة التي لا تندرج تحتها جزئيات وفروع فلم يتم استخراجها.
أما منهجه في الكتاب فكان يستعرض السؤال ويجيب عنه إجابة شافية فيختصر أحياناً، ويطيل أيضاً، ويعطي للسؤال حقه من الشرح والإيضاح ليزيل كل لبس وخلط قد يقع فيه صاحب السؤال، وكان غالباً يدعم إجابته بالأدلة من القرآن والسُّنَّة والآثار وكان يوقف السائل على الحكم والأسرار، والعلل والمقاصد التي ينطوي عليها الحكم الشرعي على قدر مستوى المستفتي، وأهمية الموضوع، وكان يصوغ فتاويه بلغة سلسة بسيطة (1/38)
صفحة 36
المقدمة
39
بعيدة عن التعقيد، ويستعمل أحياناً العبارات العامية والمصطلحات العرفية خاصة في مجال الزراعة والمساقاة.
وتمثلت استفادتنا منه في اعتماد القواعد الكلية الكبرى وما تفرع عنها، وبعض القواعد الفقهية الصغرى مع الفروع المتخرجة عليها، واعتماد أدلته في تأصيل القواعد، والكتاب طبعته وزارة التراث والثقافة العمانية بدون تحقيق في اثني عشر جزءًا، وقد عكف عليه بعض الباحثين لتحقيقه، وصدر أخيراً في عشر أجزاء مجلدة ومحققة.
10 ـ «معارج الآمال على مدارج الكمال للإمام نور الدين عبد الله بن حميد بن سلوم السالمي (1286 - 1332 هـ) الذي له القدم الراسخة والشهرة الواسعة لغزارة علمه وسعة مداركه وكثرة مصنفاته، وكتابه «المعارج» هو شرح لأرجوزة فقهية من تأليفه تسمى «مدارج الكمال» نظم مختصر الخصال لأبي إسحاق إبراهيم بن قيس الحضرمي، وبالرغم من عدم تمام هذا الكتاب إلا أنه يمثل ثروة فقهية، يمتاز بحسن التحرير ودقة التقرير، فهو يضم القواعد الأصولية والفقهية والفروع الفقهية المتنوعة، ويعتبر من أهم المصادر الفقهية الإباضية التي اهتمت بالفقه
المقارن.
وقد سلك السالمي في منهجه في «المعارج» تحليل النصوص الشرعية، وتوظيف اللغة العربية في فهمها، وإرساء اجتهاداته على أصول واضحة، ويهتم ببيان أسباب اختلاف الفقهاء، والجمع بين القول الفقهي ودليله الشرعي من قرآن وسُنَّة، أو إجماع أو قياس، أو غيرها من أصول التشريع المعتمدة، مرتبة حسب قوتها في الدلالة والاحتجاج، ثم إنه يحفل كثيراً بالمقارنات بين أقوال الفقهاء والموازنة بينها داخل المذهب، وبين آراء المذهب وبقية المدارس الفقهية الأخرى؛ وكان يفعل ذلك بحس علمي (1/39)
صفحة 37
40
القواعد الفقهية عند الإباضية
في
ونقد نزيه، ملتزماً بآداب المناظرة واحترام الرأي الآخر، ولم يكن ليغفل أحيان كثيرة نسبة الأقوال إلى أصحابها، وإن لم يكن ذلك قاعدة عامة، فقد كان يكتفي في بعض الأحيان بنسبة القول إلى المجهول: قيل، قال بعضهم، قال آخرون، وعند عرضه للمسألة ودراستها، فإنه يحرص على التزام التسلسل المنطقي للمسائل والقضايا المطروحة، فهو يعرض المسألة موضوع البحث - ويتفحصها، ثم يعطيها حكمها المناسب مدعماً بالدليل، وإن كانت لها أقوال أخرى أوردها وأوضحها، وأورد حجج أصحابها، وعاد عليها بالنقض إن هو رأى مخالفتها للصواب.
كما يمتاز السالمي بالتواضع والدقة في نقل أقوال المخالفين، وعزوها
إلى أصحابها ولو كان يخالفها، والتعامل معها بكل موضوعية ونزاهة.
أما استفادتنا من هذا الكتاب فكانت كبيرة تمثلت في جمع القواعد الفقهية المتناثرة فيه وهي كثيرة، فكان يصرح بالقاعدة بصيغتها المعروفة، ويذكر دليلها والفروع المتخرجة عليها، فلم نجد صعوبة في الوصول إلى القاعدة فيه، فغالباً ما يأتي بها في مقام التعليل على الأحكام.
ومن منهجه في التقعيد الفقهي التزامه في كثير من القواعد بالاستدلال لها من دلائل النقل والعقل، وكان يلمح أحياناً إلى القاعدة. مع كثير من الفروع التي يراها تندرج تحت قاعدته ليؤكد على أصله الذي سار عليه في إنشاء الفروع، والكتاب مطبوع، طبعتين الأولى في ثماني عشر جزءا، والثانية في خمس مجلدات ضخمة، ويفتقر إلى تحقيق علمي.
ومن مؤلفاته «جوابات الإمام السالمي وهو عبارة عن فتاوى في أمور العبادات والمعاملات، والأحوال الشخصية وشتى نواحي الحياة، ويمتاز بعرض المسائل مع أدلتها ومناقشة أقوال فقهاء الإباضية وغيرهم، (1/40)
صفحة 38
المقدمة
41
وترجيح بعضها أو الإنفراد برأيه، لقد قام منهج السالمي الفقهي في كتابه على جملة من الاعتبارات والموازين، فهو حين يجيب عن أسئلة السائلين يربط الفروع بالأصول والقواعد والفقه بالسُّنَّة، ويرفض إيراد الأقوال والآراء خالية من الدليل، فهو يرى أن قوة الرأي الفقهي إنما تحددها قوة الدليل الذي قام عليه، كما سلك منهج الاستقلالية عن آراء الآخرين، وفي كثير من الأحيان حين يفتي لا يرجع أصلاً إلى كتب السابقين للبحث عن الحكم، وإنما يعول في ذلك على اجتهاده في فهم المسألة من النصوص المتعلقة بها، ثم يصدر الحكم المناسب، ويعود في مناسبات لاحقة يذكر بأنه عثر على نفس الحكم في هذا الكتاب أو ذاك فيزداد ثقة وطمأنينة.
وحين يتعامل السالمي مع النصوص الشرعية فإنه ينظر إلى روحها ومقاصدها وأبعادها، ولا يكتفي بظاهرها ما وجد إلى ذلك سبيلاً، دون مبالغة أو تكلّف، وهو يراعي في ذلك الظروف الزمانية والمكانية، وهو أرفق بالناس في غير الأصول التشريعية الثابتة، فحين يسأل عن مقدار النفقة على الزوجة أو حقوقها يُرجع ذلك إلى اختلاف الأحوال والأوقات، فلكل زمان حكم، والحاكم إلى نظره أحوج منه إلى أثره .... وحين يسأل عن دخول الإدام في نفقة المرأة يقول: «وأما الشاهد من أحوال الناس اليوم فلا بد لها من الإدام، وهو ما يفرض لها عندنا».
كما حارب السالمي التقليد، واعتبر مقلد غيره أسيراً لا كيان له ولا شخصية، ودعا إلى الرجوع إلى الحق كلما تبينه المجتهد، وحارب التقوقع والانطواء على الذات، ودعا إلى التفتح على ما عند الآخرين والاستفادة منه، بقدر ما يرى وجوب اطلاع الآخرين على ما عند الإباضية. (1/41)
صفحة 39
42
القواعد الفقهية عند الإباضية
ومن منهجه رحم الله رفضه مهادنة التواطؤ على الخطأ وإن أقره العلماء قبله، بسبب ما تضفي عليه الأيام من قدسية، وتسليم السابقين له بالقبول فبمرور الأيام لا يحرم ولا يحلل، وقد كلفه هذا الموقف عنتاً ومشقة في سبيل تغيير الباطل المعارض لشرع الله تعالى وسُنَّة نبيه.
من
وفي سياق حديثنا عن منهج السالمي الاجتهادي والبحث الفقهي، نشير إلى ملحظ هام في منهجه في الفتوى باعتباره شكلاً أشكال التشريع وكشف الحكم الشرعي في الحوادث أو الإخبار به، إذ يتميز هذا المسلك ببعض الخصوصيات التي ينبغي الإشارة إليها، لما فيه من تأكيد على تميز، الشيخ، وبعد نظره وسعة أفقه وفهمه لمقاصد الشريعة، ولدور الفقيه المفتي؛ إذ هو لا يكتفي بإصدار الحكم الشرعي المؤصل والمدعم بالدليل والحجة، وإنما يتحول في أحيان كثيرة إلى ذلك الناصح الأمين الذي يذكر السائل بالله، ويحذره من غواية الشيطان، وقد يظهر ذلك جلياً في مثال تزويج البنت تحت الإكراه والأمثلة على ذلك أكثر من أن تُعَدّ، بأجزائه السبعة.
كما كان يوقف السائل على الحكم والأسرار، والعلل التي ينطوي عليها الحكم الشرعي على قدر مستوى هذا المستفتي، وأهمية موضوع السؤال، وكان يصوغ كل ذلك بلغة سهلة وميسرة بعيدة عن اللفظ الغريب؛ بل نجده لا يتحرج أحياناً في استعمال اللغة العامية والمصطلحات العرفية، وكان يدعو أحياناً إلى الأخذ بالأحوط ويفتي به، كما أنه يفتي أحياناً أخرى بما هو أيسر، وقد يخير المستفتي بين الأخذ بهذا القول أو ذلك، عندما تتساوى عنده الأقوال والآراء، ويعوزه دليل الترجيح.
وتجلت استفادتنا بالكتاب في استخراج بعض القواعد الفقهية، وأدلتها مع الفروع المتخرجة عنها، والكتاب مطبوع في أربعة أجزاء بتحقيق (1/42)
صفحة 40
المقدمة
43
القاضي سالم بن حمد الحارثي، وأعيد طبعه مع إضافات مهمة بتحقيق
أبو غدة، صدر في سبعة مجلدات بعنوان جوابات الإمام السالمي. ـومن مصنفاته أيضاً: كتاب «طلعة الشمس على الألفية في أصول الفقه» شرح فيه منظومته شمس الأصول، ودرس فيه مباحث الأصول وقواعده، ومصادر التشريع، وخصص مبحثاً لدراسة القواعد الفقهية الأساسية، وعرضها بصيغها المعروفة وهي الأمور بمقاصدها». واليقين لا يزول بالشك» و «المشقة تجلب التيسير» و «الضرر يزال». و «العادة محكمة». وصرح بأن الفقه الإباضي يدور حول هذه القواعد، وذكر للقاعدة أمثلة تطبيقية لها. وكانت استفادتنا منه في بيان تطور القواعد الفقهية عند الإباضية، ومدى اعتمادها في الفروع الفقهية، وأخذنا من الكتاب أيضاً أسباب التيسير؛ كالسفر والمرض والإكراه والخطأ والنسيان، وقد بحثها ضمن عوارض الأهلية والكتاب يمتاز بحسن العرض والترتيب، وقد طبع
طبعتين الأولى غير محققة في جزأين، والثانية محققة صدرت مؤخراً. 11 - شرح كتاب النيل وشفاء العليل» لقطب الأئمة أمحمد بن يوسف أطفيش (1236 - 1332 هـ) من أمهات الكتب المتأخرة في الفقه المقارن، شرح فيه كتاب النيل وشفاء العليل لعبد العزيز الثميني، يشتمل على معظم أبواب الفقه المعروفة، وينقصه الترتيب، ويكثر فيه الاستطرادات في شتى المواضيع، ولم يلتزم فيه خطة معينة بل كان يتتبع المتن ويشرحه، ويستدل بالأدلة من القرآن والسُّنَّة والإجماع والقياس والآثار، ونظراً لكثرة الجزئيات في الكتاب وشدة عنايته بالأقوال، فالقواعد الفقهية فيه قليلة، ولم يسعفنا الوقت بتتبع كل أجزائه، وتمثلت استفادتنا منه في مجال التطبيقات الفقهية على بعض القواعد الكلية، فنأخذ منه المسألة، وأقوال فقهاء الإباضية وغيرهم، والرأي المختار عنده. (1/43)
صفحة 41
44
القواعد الفقهية عند الإباضية
والكتاب طبع عدة طبعات أشهرها طبعة مكتبة الإرشاد بجدة 1405 هـ في سبعة عشر مجلداً، وقد أضيف إليه جزء للفهارس، والكتاب لا يخلو الأخطاء المطبعية وهو في حاجة إلى تحقيق علمي يبزر أهميته ومكانته
من
العلمية.
وفي الختام أتقدم بالشكر الجزيل إلى معالي الشيخ عبد الله بن محمد السالمي وزير الأوقاف والشؤون الدينية في سلطنة عمان ـ يحفظه الله ـ، فحين عرض عليه هذا المشروع وافق عليه دون تردد، ودعمه منذ كان فكرة لم تختمر، وما يزال يرعاه ويقدّم كل التسهيلات الضرورية لإنجاحه، رغبة منه في سد فراغ المكتبة الإسلامية في مجال القواعد الفقهية عند الإباضية، واستثماراً للتراث الفقهي الإباضي الذي يزخر بالقواعد والضوابط الفقهية والأصولية ولم تصل إليه أيدي الباحثين.
حمد بن
كما أوجه الشكر والعرفان إلى سماحة شيخنا العلامة أحمد الخليلي المفتي العام لسلطنة عُمان - يحفظه الله ـ الذي أنار دربي، ولم يبخل عليَّ من وقته الثمين فانتفعت بعلمه وتوجيهاته السديدة، وكان لها أثراً واضحاً في نفسي وخطوات بحثي.
ولا يفوتني في هذا المقام أن أجزل الشكر والثناء إلى أخينا الشيخ الدكتور عبد الرحمن بن سليمان السالمي رئيس تحرير مجلة التفاهم العُمانية الذي مهد لي الطريق وذلل العقبات، وما انفك يشجعني ويلح عليَّ بإنجاز هذا البحث وإخراجه، ويتابع بنفسه جميع مراحله حتى اكتمل
بنيانه وصدر في حلة قشيبة تسر الناظرين. (1/44)
صفحة 42
المقدمة
كما أشكر كل القائمين على المكتبات العامة والخاصة في الجزائر وعُمان الذين سخَّروا لنا كل الوسائل المتاحة لننهل من مكنوناتها المخطوطة والمطبوعة، وإلى كل من أسدى إليَّ بنصح أو توجيه أو رأي أو مساعدة، فإلى هؤلاء جميعاً أقدم شكري وامتناني وتقديري، وأسأل الله أن يتقبل منهم ويثيبهم عنا كل الثواب، ويجعل هذا العمل خالصاً لوجهه الكريم، وذخراً لنا ولهم في يوم لا ينفع فيه مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم، إنه سميع الدعاء، وبالإجابة جدير. (1/45)
صفحة 43
الفصل التمهيدي
القواعد الفقهية المفهوم والتطور (1/47)
صفحة 44
48
القواعد الفقهية عند الإباضية
المبحث الأول: حقيقة القواعد الفقهية وبيان علاقتها بالعلوم المشابهة. - المطلب الأول: تعريف القواعد الفقهية.
أولاً: المعنى اللغوي للقواعد.
ثانياً: المعنى الاصطلاحي للقواعد.
ثالثاً: الدراسة النقدية للتعريفات.
رابعاً: إطلاق مصطلح «الأصل» على القواعد الفقهية.
خامساً: إضافة مصطلح «الكلية» للقواعد الفقهية.
المطلب الثاني: القواعد الفقهية وعلاقتها بالعلوم والمصطلحات ذات الصلة بها.
أولاً: القواعد الفقهية والضوابط الفقهية.
ثانياً: القواعد الفقهية والقواعد الأصولية.
ثالثاً: القواعد الفقهية والنظريات الفقهية.
رابعاً: القواعد الفقهية والقواعد المقاصدية. خامساً: القواعد الفقهية والأشباه والنظائر.
سادساً: القواعد الفقهية والفروق الفقهية.
المبحث الثاني: أنواع القواعد الفقهية وأهميتها وحجيتها. المطلب الأول: أنواع القواعد الفقهية ومراتبها.
- المطلب الثاني: أهمية القواعد الفقهية وفوائدها.
المطلب الثالث: حجية القواعد الفقهية ووظيفتها (حكم الاستدلال بها).
المبحث الثالث: نشأة القواعد الفقهية عند الإباضية وتطورها ومصنفاتها. المطلب الأول: لمحة مختصرة عن المدرسة الفقهية الإباضية. المطلب الثاني: نشأة القواعد الفقهية عند الإباضية.
أولاً: مرحلة النشوء والتكوين.
ثانياً: مرحلة تدوين القواعد الكلية مع الفروع الفقهية.
المطلب الثالث: مراحل تطور القواعد الفقهية.
:أولاً: مرحلة النمو والتوسع.
ثانياً: مرحلة النضج والرسوخ والتميز.
المطلب الرابع: التراث الفقهي الإباضي المتضمن للقواعد الفقهية. (1/48)
صفحة 45
المبحث الأول
حقيقة القواعد الفقهية
وبيان علاقتها بالعلوم المشابهة
ويشتمل هذا المبحث على تحديد المعنى اللغوي والاصطلاحي للقاعدة الفقهية، وبيان المصطلحات ذات الصلة بها كمصطلح «الأصل» مع دراسة نقدية للتعريفات الاصطلاحية، وذلك بعرض أقوال العلماء المتقدمين والمتأخرين في مفهوم القاعدة، واقتراح تعريف مناسب للقاعدة الفقهية، ونحسب أن يكون جامعاً ومانعاً يأخذ بكل الاعتراضات التي اعترض بها الناقدون على التعريفات المتقدمة، ثم نحلل ألفاظه، ونبين علاقة القواعد الفقهية بالعلوم المشابهة كالضوابط الفقهية والقواعد الأصولية والمقاصدية، والنظريات الفقهية والأشباه والنظائر والفروق الفقهية، وتفصيل ذلك في
المطالب التالية:
6 (1/49)
صفحة 46
المطلب الأول
تعريف القواعد الفقهية
أولاً: المعنى اللغوي للقواعد:
القواعد في اللغة جمع قاعدة وهي الأصل والأس، والقواعد الأسس، وأساس الشيء وأصله: كل ما يرتكز عليه حسياً كان ذلك الشيء أو معنوياً، فقواعد البيت أساسه (1) قال الله تعالى: {وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَعِيلُ} (البقرة: (127)، ومنه قوله تعالى: {فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَنَهُم مِّنَ الْقَوَاعِدِ (النحل: 26)، فالقاعدة في هاتين الآيتين الكريمتين بمعنى الأساس ومنه ما يرفع
عليه البنيان.
قال الزمخشري: «والقواعد جمع قاعدة، وهي الأساس والأصل لما
فوقه، وهي صفة غالبة، ومعناها الثابتة (3).
قال الزجاج): «القواعد أساطين البناء التي تعمده، وقواعد الهودج خشبات أربع معترضة في أسفله تُركب عيدان الهودج فيها».
(1) الفيومي: المصباح المنير في غريب الشرح الكبير للرافعي، ط سنة 1922، المطبعة الأميرية القاهرة، ص 700.
(2) الزمخشري محمود بن عمر بن محمد، (أبو القاسم، جار الله)، (و: 467 هـ/ 1075 م - 538 هـ / 1144 م)، من أئمة العلم بالدين والتفسير واللغة والأدب معتزلي المذهب، شديد الإنكار على المتصوفة. أشهر كتبه الكشاف في تفسير القرآن؛ أساس البلاغة؛ المستقصى؛ ... .إلخ. الزركلي، الأعلام، 178/ 7
(3) الزمخشري محمد بن عمر، الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل، ط 1، 1354 هـ، مطبعة، مصطفى محمد التجارية الكبرى مصر، 93/ 1.
(4) الزجاج إبراهيم بن محمد السري بن سهل (أبو إسحاق)، (ولد ببغداد: 241 هـ/ 855 م - 311 هـ / 923 م)، عالم بالنحو واللغة. من كتبه معاني القرآن الاشتقاق الأمالي، في الأدب واللغة؛ إعراب القرآن ... إلخ. ينظر: وفيات الأعيان لابن خلكان، 49/ 1. الزركلي، الأعلام، 40/ 1. (1/50)
صفحة 47
الفصل التمهيدي: القواعد الفقهية المفهوم والتطور
51
وقال أبو عبيد): «القواعد السحاب أصولها المعترضة في آفاق السماء، شبهت بقواعد البناء» (2).
قال ابن الأثير (3): «أراد بالقواعد ما اعترض منها وسفل تشبيهاً بقواعد البناء» (4). قال ذلك في بيان حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم حين سأل عن سحابة مرت، فقال: كيف ترون قواعدها وبواسقها (5).
وقالوا: في المرأة التي قعدت عن الحيض والولد والزواج قاعد، والجمع قواعد)، ومنه قوله عل: {وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ الَّتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا ل (النور: 60). وتطلق القاعدة أيضاً على الأشياء المعنوية فيقال: قواعد الإسلام، وقواعد النحو، وقواعد الأصول وغيرها، وكلها قواعد معنوية).
وإذا تأملنا هذه المعاني المتعددة، وجدناها تؤول كلها إلى معنى واحد
(1) أبو عبيد القاسم بن سلام البغدادي اللغوي الفقيه المحدث صاحب كتاب الأموال، توفي سنة
224 هـ، ينظر: تذكرة الحفاظ، 417/ 2.
(2) ابن منظور: لسان العرب: مادة (قعد) (361/ 3، وينظر: الفيروزآبادي، القاموس المحيط مادة
(قعد) 340/ 1.
(3) ابن الأثير مجد الدين أبو السعادات المبارك بن محمد الجزري المحدث الأصولي، من كتبه: النهاية في غريب الحديث، توفي سنة 606 هـ، ينظر: الزركلي: الأعلام، 72/ 5.
(4) ابن الأثير الجزري، النهاية في غريب الحديث، 87/ 4. (5) رواه البيهقي في شعب الإيمان، فصل في بيان النبي، وفصاحته، رقم: 1411. وأورده الأصبهاني في كتاب العظمة، باب الأمر بالتفكر في آيات الله وعمل وقدرته وملكه ... رقم: 696. في حديث طويل عن موسى بن محمد بن الحارث التيمي عن أبيه. قال أبو عبيد الآجري: سئل أبو داود عن موسى بن محمد ... قال: بلغني عن أحمد بن حنبل أنه كان يضعفه. وقال ابن حجر في التقريب: منكر الحديث. (الجامع للحديث النبوي). وورد الحديث أيضاً في
كنز العمال، رقم 15247، 147/ 6.
(6) ابن منظور لسان العرب مادة (قعد) 361/ 3. (7) الأصفهاني الراغب: معجم مفردات ألفاظ القرآن الكريم، تحقيق نديم مرعي، دار الفكر،
بيروت، ص 424. (1/51)
صفحة 48
02
القواعد الفقهية عند الإباضية
يجمعها وهو الأساس أو الأصل، فقواعد كل شيء: أسسه وأصوله التي يبنى عليها، سواء كان ذلك الشيء حسياً أم معنوياً.
وهذا الجامع واضح في كل الأمثلة السابقة، وإذا كان المثال الرابع وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاء} (النور: 60)، يبدو بهذا المعنى الجامع غامضاً، فإن هذا الغموض يزول إذا تأملنا جيداً معنى القواعد من النساء؛ لأن القاعدة عن الحيض والولد والزواج يعني أنّها لم يعد يشتهيها الرجال، ولم تعد تنجب؛ لأنها بلغت سن اليأس، وفقدان الاشتهاء والإنجاب في المرأة هو: فقدان لقوتها ووظيفتها الأساسية، فهى من هذه الناحية قد سكنت وجمدت، والسكون والجمود وانعدام الحركة هي من المعاني اللغوية للقواعد، وهي من أبرز معاني الأصل والأساس، وألصق بماهيته وحقيقته.
وهكذا من خلال التحليل اللغوي لمعاني القاعدة يتبين أنه قد يكون المراد منه الاستقرار والثبات، والسكون إلا أن أقرب معاني القاعدة هو الأساس، لابتناء الأحكام عليها كابتناء الجدران على الأساس، ومن ثم كان معنى قواعد
الفقه أسسه وأصوله التي تبنى عليها فروعه وجزئياته ومسائله.
ثانياً: المعنى الاصطلاحي للقواعد الفقهية:
عرَّف العلماء القاعدة بتعريفات عديدة منها:
(1)
1 - عرفها الجرجاني (1) (ت: 816 هـ) بأنها «قضية كلية منطبقة على
جميع
جزئياتها» (2).
(1) الجرجاني علي بن محمد بن علي، المعروف بالشريف الجرجاني)، (و: 740 هـ/ 1340 م - ت: 816 هـ/ 1413 م)، فيلسوف، من كبار العلماء بالعربية. له نحو خمسين مصنفاً، منها: التعريفات؛ شرح مواقف الإيجي؛ رسالة في فن أصول الحديث؛ ... إلخ. الزركلي، الأعلام،
V/0
(2) الجرجاني محمد بن علي التعريفات ط 1، دار الكتاب المصري القاهرة ودار الكتاب
= (1/52)
صفحة 49
53
الفصل التمهيدي: القواعد الفقهية المفهوم والتطور
(1)
2 - تابع بعض علماء الإباضية الجرجاني في تعريفه، فقد نقل السالمي والراشدي (2) هذا المفهوم، وبين كل منهما أن جزئيات القاعدة تسمى
فروعاً، واستخراجها منها يسمى تفريعاً (3).
3 - وعرَّفها الفيومي (4) بأنها: «الأمر الكلي المنطبق على جميع جزئياته» (5).
اللبناني بيروت 1411 هـ / 1991 م، ص 185. السالمي أبو محمد عبد الله بن حميد بن سلوم، شرح طلعة الشمس على الألفية في الأصول، 14/ 1. - وينظر: الراشدي سفيان بن محمد بن عبد الله، جواهر القواعد من بحر الفرائد، تحقيق حفيده محمد بن يحيى بن سفيان الراشدي، نشر مكتبة الاستقامة سلطنة عُمان ط 1، 1425 هـ / 2005 م، ص 40 - 42.
(1) السالمي عبد الله بن حميد بن سلوم (نور الدين)، (و: 1286 هـ ـ ت: 1332 هـ) من بني ضبة، ينتمي إلى قبيلة السوالم يُعد الإمام السالمي علماً بارزاً في مسيرة النهضة العلمية والإصلاحية في عصره، وقد أعاد إقامة الإمامة في عُمان. ألف في عديد الفنون مؤلفات كثيرة، منها: تحفة الأعيان بسيرة أهل عُمان؛ طلعة الشمس على الألفية، في علم أصول الفقه؛ جوهر النظام في علمي الأديان والأحكام شرح الجامع الصحيح (مسند الإمام الربيع) في الحديث؛ مشارق الأنوار، شرح أرجوزته المسماة أنوار العقول في علم الكلام». معجم أعلام الإباضية قسم المشرق، ترجمة: 789، 207/ 1. (2) الراشدي سفيان بن محمد بن عبد الله (أبو الحسن)، (و: 1331 هـ ـ ت: 1377 هـ)، ولد في بلدة القريتين من ولاية إزكي جعله الإمام الخليلي مفوضاً ومبعوثاً إلى من أراد الإمام أن يراسلهم. عين قاضياً للإمام الخليلي في جعلان بني بوحسن سنة 1364 هـ، من أهم كتبه: المنتخب من الحديث، الاعتقاد في الإسلام، جواهر القواعد من بحر الفرائد. معجم أعلام الإباضية قسم المشرق)، ترجمة: 554، 144/ 1. (3) السالمي أبو محمد عبد الله بن حميد بن سلوم، طلعة الشمس شرح الألفية في الأصول، 14/ 1. ـ وينظر: الراشدي سفيان بن محمد بن عبد الله جواهر القواعد من بحر الفرائد، تحقيق حفيده محمد بن يحيى بن سفيان الراشدي، نشر مكتبة الاستقامة سلطنة عُمان، ط 1،
1425 هـ / 2005 م،
ص
40 - 42
(4) الفيومي أحمد بن محمد بن علي، أبو العباس)، (ت: نحو 770 هـ / نحو 1368 م)، لغوي مشهور. ألف: المصباح المنير؛ نثر الجمان في تراجم الأعيان؛ ... إلخ. الزركلي، الأعلام، 224/ 1. (5) الفيومي أبو العباس أحمد بن محمد بن علي المقري (ت: 770): المصباح المنير، مادة قعد،
V .. (1/53)
صفحة 50
القواعد الفقهية عند الإباضية
54
-
4
وعرفها التفتازاني (1) بأنها: «حكم كلي ينطبق عليه جزئياته لتعرف أحكامها
منه» (2).
ه - وعرفها ابن السبكي (3) بقوله: «الأمر الكلي الذي ينطبق عليه جزئيات كثيرة تفهم أحكامها منه» (4).
6 ـ ويرى الحموي) أنها حكم أكثري لا كلي ينطبق على أكثر جزئياته لتعرف أحكامها منه» (6).
(V)
- أما أبو عبد الله المقري) فمفهوم القاعدة عنده: «كل كلي هو أخص من
(1) التفتازاني مسعود بن عمر بن عبد الله، (سعد الدين)، (و: 712 هـ/ 1312 م ـ ت: 793 هـ / 1390 م)، أئمة العربية والبيان والمنطق من كتبه تهذيب المنطق المطول، في البلاغة؛ مقاصد
من
الطالبين في الكلام؛ شرح العقائد النسفية .... إلخ. الزركلي، الأعلام، 219/ 7. (2) التفتازاني سعد الدين التوضيح شرح التلويح، 20/ 2.
(3) ابن السبكي عبد الوهاب بن علي بن عبد الكافي، أبو نصر، تاج الدين)، (و: 727 هـ/ 1327 م - ت: 771 هـ / 1370 م) قاضي القضاة المؤرخ الباحث كان طلق اللسان، قوي الحجة، انتهى إليه القضاء في الشام. من تصانيفه طبقات الشافعية الكبرى جمع الجوامع ... إلخ. الزركلي، الأعلام، 184/ 4. (4) ابن السبكي تاج الدين عبد الوهاب الأشباه والنظائر تحقيق عادل أحمد وعادل محمد
عوض، 11/ 1.
(5) الحموي أحمد بن محمد مكي (أبو العباس، شهاب الدين)، (ت: 1098 هـ / 1687 م)، مدرس، من علماء الحنفية. حموي الأصل كان مدرسا بالمدرسة السليمانية بالقاهرة، وتولى إفتاء الحنفية. صنف كتباً كثيرة، منها: غمز عيون البصائر في شرح الأشباه والنظائر؛ نفحات
القرب والاتصال؛ كشف الرمز عن خبايا الكنز؛ ... إلخ. الزركلي، الأعلام، 239/ 1. (6) الحموي أحمد: غمز عيون البصائر شرح الأشباه والنظائر لابن نجيم، ط 1، دار الكتب العلمية لبنان، 1405 هـ / 1985 م، 51/ 1. (7) المقري: محمد بن محمد بن أحمد القرشي التلمساني، (أبو عبد الله، الشهير بالمقري)، (ت: 758 هـ / 1357 م)، باحث من الفقهاء الأدباء المتصوفين، وهو أحد علماء المالكية. له مصنفات، منها: القواعد الحقائق والرقائق؛ رحلة المتبتل ... إلخ. الزركلي، الأعلام،
37/ 7 (1/54)
صفحة 51
الفصل التمهيدي: القواعد الفقهية المفهوم والتطور
55
الأصول وسائر المعاني العقلية، وأعم من العقود وجملة الضوابط الفقهية
الخاصة» (1).
ثالثاً: دراسة تحليلية ونقدية للتعريفات السابقة
إن التعريفات التي ذكرناها والتي لم نذكرها عند إلقاء نظرة عليها يتبين أنها التقت على معان مشتركة وإن اختلفت بعض العبارات في بعضها، ويمكن أن نلخص أهم وجوه الاتفاق والاختلاف في نقاط محددة، ويظهر ذلك في أمور: 1 ـ تعريف القاعدة وهو قولهم: قضية كلية أو أمر كلي أو حكم كلي، والقضايا جمع قضية، والمراد بها ما كان موضعها كلياً، وقد فسر صدر الشريعة القضايا الكلية بأنها ما تكون إحدى مقدمتي الدليل على مسائل الفقه، ونص على أنها كبرى القياس (2).
(2)
وعبّر بعضهم بالحكم الكلي، وسمي بذلك نسبة إلى لفظة (كل)؛ لأن القاعدة غالباً ما تتصدر بهذه اللفظة، كقول المناطقة (كل متغير حادث» وقول النحاة: «كل ما لا يعقل يذكر ويؤنث وقول الأصوليين: «كل صيغة أمر عريت عن القرائن فهي للوجوب وقول الفقهاء كل سلف جرّ نفعاً فهو حرام»،
وهكذا وحتى إذا لم تتصدر القاعدة بلفظة كل فإن معناها يتضمنها (3). - إن هذه التعريفات تعطي صورة واضحة لاصطلاح عام للقاعدة، وقد جرى هذا الاصطلاح في جميع العلوم؛ فإن لكل علم قواعد، فهناك قواعد أصولية، وقانونية، ونحوية وهندسية، وغيرها، فالقاعدة عند الجميع هي أمر كلي ينطبق على جميع جزئياته مثل: قول النحاة الفاعل مرفوع، المفعول به
(1) المقري أبو عبد الله: القواعد، 212/ 1.
(2) البخاري عبد العزيز صدر الشريعة التوضيح بشرح التلويح، 21/ 2.
(3) الروكي محمد قواعد الفقه الإسلامي، الهامش، ص 108. (1/55)
صفحة 52
القواعد الفقهية عند الإباضية
منصوب المضاف إليه مجرور، ويقول الأصوليون الأمر للوجوب، والنهي للتحريم، فمثل هذه القواعد سواء في النحو، أو في أصول الفقه، أو في ما سواهما من العلوم قاعدة على جميع الجزيئات، بحيث لا يند عنها فرع من الفروع، وإذا كان هناك شاذ خرج عن نطاق القاعدة، فالشاذ أو النادر لا حكم له ولا ينقض القاعدة).
3 - عملية التخريج بتطبيق القاعدة على الجزيئات، وهو قولهم: ليتعرّف أحكامها منها، فالتعريفات زادت على معنى القاعدة ما هو من ثمراتها المترتبة عليها، كما أن القضية لا يمكن أن تكون كلية إلا وهي منطبقة على جميع جزيئاتها، وبناء على ذلك يمكن القول: إن كل قضية كلية هي قاعدة أياً كان مجالها، فقولنا كل شاعر مرهف الحس قضية كلية محكوم فيها على كل أفراد موضوعها، وقولنا كل فاعل مرفوع قضية كلية محكوم فيها على أفراد موضوعها،
فهي
قاعدة أيضاً، وهكذا يمكن إجراء هذا على كل قضية من هذا القبيل). والناظر في هذه التعريفات لا يخفى عنه ما في ظاهرها من الاختلاف، وهذا ما جعل الكثير من الباحثين المحدثين الذين كتبوا في القواعد الفقهية يقفون أمام هذه التعريفات موقف الحيرة، وينتقون منها ما يعتقدون أنه أجمع وأشمل ومانع بعد تعليق ونقد، ووصف بعضها بأنه قاصر، وبعضها بأنه واسع، وبعضها بأنه مخل بشروط التعريف وحقيقة الحدّ (3).
40 - 41
(1) الندوي علي أحمد: القواعد الفقهية، ص (2) الباحسين يعقوب بن عبد الوهاب القواعد الفقهية، ط 2 مكتبة الرشد، الرياض، 1420 هـ / 1999 م، ص 37.
(3) ينظر: على سبيل المثال: القاعدة الكلية «إعمال الكلام أولى من إهماله» وأثرها في الأصول، محمود مصطفى هرموش، ص 20 - وينظر: مقدمة محقق كتاب إيضاح المسالك» أحمد بوطاهر الخطابي، ص 110. - وينظر: مقدمة قواعد المقري لأحمد عبد الله بن حميد، ص 104. ـ وينظر: القواعد الفقهية لعلي أحمد الندوي، ص 39 - 45. ـ وينظر: القواعد الفقهية
للباحسين، ص 39 - 54. - وكذلك: نظرية التقعيد الفقهي،، محمد الروكي، ص 45 - 55. (1/56)
صفحة 53
الفصل التمهيدي: القواعد الفقهية المفهوم والتطور
57
والحقيقة أن سلامة النظر في هذه التعريفات وصحة التعامل معها يتطلب استحضار أمرين لا بد منهما
الأول: أن هذه التعريفات منها ما يشمل القاعدة بصفة عامة، سواء أكانت
فقهية أم غير فقهية، ومنها ما يتعلق بخصوص القاعدة الفقهية.
الثاني: أن هؤلاء العلماء لم يكونوا يجهلون أن للقواعد استثناءات حتى أنهم قالوا: «ومن المعلوم أن أكثر قواعد الفقه أغلبية»). لذلك كان بعضهم يدخل في تعريفه للقاعدة هذا الاعتبار، بينما كان البعض الآخر يهمله استناداً إلى أن الغالب في القاعدة عدم سلامتها من الشذوذ والاستثناء (2).
وفي ضوء هذين الأمرين وبمراعاتهما ندرك أن بعض هذه التعريفات اهتم فيها أصحابها بالقاعدة من حيث أصلها غير ملتفتين إلى ما قد يلحقها من استثناء؛ لأن الأصل في القاعدة أن تطرد وتنطبق على جميع جزئياتها، فالاطراد فيها أصل، والشذوذ والاستثناء طارئ، وتعريف القاعدة بهذا الاعتبار هو ما نجده عند
كل من الشريف الجرجاني، والسالمي والراشدي والفيومي، والتفتازاني. بينما نلاحظ تاج الدين ابن السبكي يتجنب في تعريفه ما يدل على الاطراد مشيراً إلى أن القاعدة معرضة لشذوذ بعض أفرادها عنها، وهذا ما يفيده قوله: ينطبق على جزئيات كثيرة، فهو قد استعمل لفظ الكثرة ليدل ـ بمفهوم المخالفة - على أن القلة من جزئيات القاعدة هي عرضة للاستثناء والخروج عن قاعدتها.
(1) المالكي محمد علي بن حسين تهذيب فروق القرافي في الحاشية، 36/ 1. (2) عقب محمد شبير على تعريف الحموي فقال: ويلاحظ على هذا التعريف أنه غير خاص بالقاعدة الفقهية؛ لأن القاعدة ليست وحدها الأكثرية وإنما أغلب القواعد من أصولية ونحوية تتصف بالأكثرية أو الأغلبية، وإنما تتميز القاعدة الفقهية بموضوعها وطبيعة القضايا التي تشتمل عليها لا بكونها كلية أو أغلبية؛ لأن هذه خاصية عامة للقواعد». ينظر: محمد عثمان
شبير، القواعد الكلية والضوابط الفقهية، ص 16. (1/57)
صفحة 54
58
القواعد الفقهية عند الإباضية
أما أحمد الحموي فقد ذهب إلى أصرح من ذلك، وجاء تعريفه واضح الدلالة على إمكان شذوذ بعض الجزئيات عن قاعدتها، حيث وصف حكم القاعدة بأنه أغلبي، وقصر اندراج الجزئيات في القاعدة على معظمها لا على
كلها (1).
والقول إن أكثر قواعد الفقه أغلبية مبني على وجود مسائل مستثناة من تلك القواعد تخالف أحكامها حكم القاعدة، ولذلك قيل: حينما أرجع المحققون المسائل الفقهية عن طريق الاستقراء إلى قواعد كلية كل منها ضابط وجامع لمسائل رأوا أن بعض فروع تلك القواعد يعارضه أثر، أو ضرورة أو قيد أو علة مؤثرة تخرجها عن الاطراد، فتكون مستثناة من تلك القاعدة ومعدولاً بها عن سنن القياس، فحكموا عليها بالأغلبية لا بالاطراد. فمثال الاستثناء بالأثر: جواز السلم والإجارة في بيع المعدوم الذي الأصل فيه عدم جوازه، ومثال الاستثناء بالإجماع عقد الاستصناع، ومثال الاستثناء بالضرورة طهارة الحياض والآبار في الفلوات مع ما تلقيه الريح فيها من البعر والروث وغيره (3). ولكن العلماء مع ذلك قالوا إن هذا الاستثناء وهذا الاطراد في القواعد
لا ينقص من كلية تلك القواعد، ولا يقدح في عمومها (3) للأسباب التالية: أولاً: لما كان مقصد الشارع ضبط الخلق إلى القواعد العامة ـ وكانت هذه القواعد التي قد جرت بها سُنَّة الله أكثرية لا عامة، وكانت الشريعة موضوعة
(1) الحموي أحمد: غمز عيون البصائر شرح الأشباه والنظائر لابن نجيم الحنفي، 37/ 1، 51. - الروكي، نظرية التقعيد الفقهي، 45 - 46. (2) الأتاسي: شرح مجلة الأحكام العدلية، 11/ 1، 12. - وينظر: البورنو محمد صدقي، الوجيز في إيضاح قواعد الفقه الكلية، ص 16.
(3) عبد العزيز محمد عزام قواعد الفقه الإسلامي، مطبعة مكتب الرسالة الدولية للطباعة والكمبيوتر، الشرقية - مصر، 1998، ص 10. (1/58)
صفحة 55
الفصل التمهيدي: القواعد الفقهية المفهوم والتطور
59
على مقتضى ذلك الوضع - كان من الأمر الملفوت إليه إجراء القواعد على
ما،
العموم العادي لا على العموم الكلي العام الذي لا يتخلف عنه جزئي حيث يكون الحكم فيها مبنياً على المجموع لا على الجميع، أي على الأكثر
(2)
لا على الكل). وقد أيد الشاطبي (2) هذه الحقيقة فقال: «إن الأمر الكلي إذا ثبت تخلف بعض الجزئيات عن مقتضاه لا يخرجه عن كونه كلياً، وأيضاً فإن الغالب الأكثري معتبر في الشريعة اعتبار القطعي (3). ثانياً: إن المتخلفات الجزئية لا ينتظم منها كُلّي يعارض هذا الكلّي الثابت، وهذا شأن الكليات الاستقرائية، وإنما يتصور أن يكون تخلف بعض الجزئيات قادحاً في الكليات العقلية، فالكليات الاستقرائية صحيحة وإن تخلف عن مقتضياتها بعض الجزئيات (4).
كما يقال حيوان يحرك فكه الأسفل حين المضغ، وهذه قاعدة كلية استقرائية خرج عنها: التمساح حيث يقال: إنه يحرك فكه الأعلى حين المضغ، فخروج التمساح عن القاعدة لا يخرجها عن كونها كلية، فكأنه قيل: كل حيوان يحرك فكه الأسفل حين المضغ إلا التمساح.
فالعموم العادي المبني على الاستقراء لا يوجب عدم التخلف، بل الذي يوجب عدم التخلف إنما هو العموم العقلي؛ لأن العقليات طريقها البحث والنظر. وأما الشرعيات فطريقها الاستقراء، ولا ينقصه تخلف بعض الجزئيات.
(1) محمد بكر إسماعيل: القواعد الفقهية بين الأصالة والتوجيه، ص 06. ـ البورنو: الوجيز في إيضاح قواعد الفقه، ص 17. (2) الشاطبي أبو إسحاق إبراهيم بن موسى بن محمد اللخمي الغرناطي المالكي (ت: 790 هـ / 1388 م)، أصولي حافظ، من كبار أئمة المالكية. من كتبه: الموافقات في أصول الفقه؛ الاتفاق في علم الاشتقاق؛ المقاصد الشافية في شرح خلاصة الكافية؛ ... إلخ.
ينظر الزركلي، الأعلام، 319/ 7
(3) الشاطبي: الموافقات، 52/ 2 بتصرف.
(4) الشاطبي: المصدر نفسه. (1/59)
صفحة 56
القواعد الفقهية عند الإباضية
ثالثاً:
(2)
ومن ناحية أخرى فإن تخلف مسألة ما في حكم قاعدة ما يلزم منه اندراج هذه المسألة تحت حكم قاعدة أخرى، فالمسألة المخرجة تندرج ظاهراً تحت حكم قاعدة، ولكنها في الحقيقة مندرجة تحت حكم قاعدة أخرى، وهذا من باب تنازع المسألة بين قاعدتين فليس إذاً استثناء جزئية من قاعدة ما بقادح في كلية هذه القاعدة، ولا بمخرج لتلك الجزئية عن الاندراج تحت قاعدة أخرى (1). ومن جهة أخرى فإننا ندرك أيضاً أن هذه التعريفات قد اهتم فيها أصحابها بالقاعدة من جهة معناها الاصطلاحي العام دون تفريق بين الفقهية منها وغير الفقهية ـ كما أشرنا آنفاً ـ وهذا ما نجده في معظم التعريفات السابقة، ولذلك نجدها غير مانعة من دخول الضابط الفقهي بينما اهتم البعض الآخر بتعريف القاعدة الفقهية على وجه الخصوص، وهذا ما نجده واضحاً في تعريف أبي عبد الله المقري، وباستحضار هذين الملحظين يزول ما يتبادر إلى الذهن من اختلاف هذه التعريفات، ونستطيع الوصول إلى معرفة أي هذه التعريفات أنسب وألصق بحقيقة هذه القاعدة، وقد حاول أحمد الحموي الوصول إلى ذلك حينما فرّق بين القاعدة الفقهية وغيرها بفارق الاطراد، وعدمه، أي أن القاعدة الفقهية موصوفة بعدم الاطراد، بينما غيرها موصوف بالاطراد فقال مقرراً ذلك: إن القاعدة هي عند الفقهاء غيرها عند النحاة والأصوليين؛ إذ هي عند الفقهاء حكم أكثري لا كلي، ينطبق على أكثر جزئياته لتُعرف أحكامها (3)، فقد نفي الكلية ـ وهو يعني بها الاطراد ـ عن القاعدة الفقهية، واكتفى بإثبات الأكثرية لها، وهو ما عبّر عنه بالأغلبية في التعريف السابق، فالفارق الأساسي - إذاً - بين القاعدة الفقهية والقواعد
(1) البورنو محمد صدقي، الوجيز في إيضاح قواعد الفقه الكلية، ص 16 - 17. (2) الحموي أحمد غمز عيون البصائر شرح الأشباه والنظائر لابن نجيم، 51/ 1. (3) الحصني تقي الدين كتاب القواعد، 23/ 1. (1/60)
صفحة 57
الفصل التمهيدي: القواعد الفقهية المفهوم والتطور
61
الأخرى ليس هو الاطراد وعدمه كما يفهم من كلام الحموي، بل إن التعريفات السابقة ـ إذا استثنينا منها تعريف المقري - كلها صالحة لأن تنطبق على القاعدة بوجه عام.
أما تعريف المقري فهو حسب ما ذهب إليه محمد الروكي ألصق التعاريف بحقيقة القاعدة الفقهية وأخص ما يكون بماهيتها، ذلك أنه جعل القاعدة
الفقهية وسطاً بين الأصول الشرعية العامة والضوابط الفقهية الخاصة). وقد خالف يعقوب الباحسين ما ذهب إليه الروكي في ترجيحه لتعريف المقري فقال: «ومع ما في التعريف من المزايا إلا أن فيه نوعاً من التعميم والإبهام». يدل على ذلك اختلاف العلماء في تفسيره وشرحه منهم أبو العباس المنجور (2) (ت: 995 هـ). حيث استخدم في تعريفه للقاعدة ما يتوقف فهم معناه على فهم معناها كالضابط وغيره فالضابط عندهم قاعدة فقهية ولكنها من باب واحد).
مذهب التوفيق بين الاتجاهين (الكلي والأكثري): لخص إبراهيم الشال مواقف العلماء من تعريف القاعدة، وبين أنهم سلكوا
طريقين (4):
الطريق الأول: يرى أن القاعدة حكم كلي أو قضية كلية، لذلك عرف
القاعدة بأنها حكم كلي أو قضية كلية منطبق على جميع جزئياتها.
(1) الروكي: نظرية التقعيد الفقهي، ص 47 و 54، 55. وينظر أيضاً: في كتابه قواعد الفقه الإسلامي من خلال كتاب الإشراف على مسائل الخلاف للقاضي عبد الوهاب البغدادي المالكي، ط 1، دار البحوث للدراسات الإسلامية وإحياء التراث الإمارات العربية المتحدة، 1424 هـ / 2003 م، ص 160. (2) المنجور أحمد بن علي بن عبد الرحمن، (أبو العباس)، (و: 926 هـ/ 1520 م ـ 995 هـ / 1587 م)، فقيه مغربي، له علم بالأدب من كتبه: شرح المنهج المنتخب في فقه المالكية؛ حاشية على السنوسية الكبرى في العقائد؛ ... إلخ. الزركلي، الأعلام، 1/ 180.
دبي،
(3) الباحسين القواعد الفقهية، ص 41.
(4) إبراهيم الشال القواعد والضوابط، ص 48، 49. (1/61)
صفحة 58
62
القواعد الفقهية عند الإباضية
ومن بين هؤلاء الفيومي والجرجاني والتفتازاني ومن الإباضية السالمي والراشدي.
أما الطريق الثاني: فيرى بأنها حكم حكم أكثري) أو قضية أكثرية تنطبق على أكثر جزئياته ليعرف أحكامها منه، ومن هؤلاء ابن السبكي، وأحمد الحموي، والندوي، والروكي، وأحمد بن عبد الله بن حميد.
ولم يستطع ترجيح أحدهما عن الآخر فعلل ذلك بقوله: «ولعل الطريقين اللذين سلكهما العلماء، فى تعريف القاعدة وجيهان فمن نظر إلى القاعدة على أنها حكم كلي أو قضية كلية نظر إلى الصفة العامة لهذه القاعدة، وهي الكلية والعموم، ومن نظر إلى أن القاعدة حكم أكثري أو أغلبي أو قضية أكثرية وأغلبية نظر إلى الاستثناءات والشذوذ التي تخرج عن القاعدة، ولعل القول بأن القاعدة كلية في بعضها أكثرية في بعضها الآخر أقرب إلى الصواب؛ وذلك لأن من القواعد ما فيها استثناءات وشذوذ فتكون أغلبية، ومن القواعد ما تكون فيها الاستثناءات قليلة جداً بل معدومة، وذلك كالقواعد الخمس الأساسية فتكون قاعدة كلية» (1).
ويلاحظ من عبارة إبراهيم الشال أنه حاول التوفيق بين الاتجاهين لعدم تناقضهما رغم ما يظهر بينهما من اختلاف ولعل الاتجاه الذي يقول بالكلية يترجح عندنا للأمور التي ذكرناها سالفاً والله أعلم.
:رابعاً التعريف المناسب للقاعدة:
وبعد هذه الجولة العلمية النقدية التي قمنا بها للنظر والتأمل في تعريفات الفقهاء والأصوليين للقاعدة الفقهية نرى أنه من الممكن أن نضع تعريفاً مناسباً للقاعدة نحسب أن يكون إلى حدّ ما أسلم من الانتقادات
(1) المرجع نفسه. (1/62)
صفحة 59
الفصل التمهيدي: القواعد الفقهية المفهوم والتطور
63
والملاحظات، وهو كما يلي: قضية كلية شرعية عملية تشمل بالقوة على
أحكام جزئيات موضوعها».
تحليل التعريف:
فقيد «قضية»: لأنها اشتملت على الحكم الشرعي.
وقيد «كلية»: المراد بها القضية المحكوم على جميع أفرادها، وليس المراد
بها ما كان موضوعها كلياً.
ولعل وصفها بأنها كلية أنسب لما يلي:
الأمر الأول: أن شأن القواعد أن تكون كلية.
الأمر الثاني: أن الفرع المخرج عنها بدليل عند الفقهاء، إما أن يدخل تحت قاعدة أخرى أو لا، وعلى كل فهي كلية بالنسبة إلى غير ذلك الفرع المخرج، فكما أن الدليل أخرج الفرع عنها، كذلك خصصها بما وراءه).
الأمر الثالث: أن الكلية لا تعني عدم وجود استثناءات خارجة عن حكم القاعدة؛ لأن ذلك لا يقدح في كونها قاعدة ولا ينقص من قيمتها العلمية في ضبط فروع الأحكام العملية، ولا ينقص كلية تلك القواعد، ولا يقدح في عمومها؛ لأن الحكم الكلي إذا ثبت فتخلف بعض الجزئيات عن مقتضاه لا يخرجه عن كونه كليّاً، وهذا الأمر ما أكده بعض المحققين من الفقهاء،
كالشاطبي ()، وصاحب تهذيب فروق القرافي "
(3)
(1) الحصني تقي الدين كتاب القواعد، 22/ 1، 23. (2) الشاطبي: الموافقات 52/ 2، 53. وفي طبعة أخرى محققة صدرت سنة 1991) 96/ 2، 97. ويقول الشاطبي كذلك في موضع آخر ما نصه: «لما كان قصد الشارع ضبط الخلق إلى القواعد العامة وكانت العوائد قد جرت بها سُنَّة الله أكثرية لا عامة، وكانت الشريعة موضوعة على مقتضى ذلك الوضع، كان من الأمر الملتفت إليه إجراء القواعد على العموم العادي لا على العموم الكلي التام الذي لا يختلف عنه جزئي ما. ينظر: الشاطبي، المرجع نفسه تحقيق محي الدين عبد الحميد، مطبعة محمد علي صبيح ط 1929 م، 169/ 3. (3) المالكي محمد علي بن حسين هامش فروق القرافي، 36/ 1. (1/63)
صفحة 60
=
القواعد الفقهية عند الإباضية
64
وقيد «شرعية» يخرج به القواعد المنطقية والنحوية والبلاغية وغير ذلك. وقيد «عملية» يخرج به القواعد الاعتقادية؛ لأن الفقه يخص بالأحكام
العملية.
وأما قيد «اشتمالها بالقوة على أحكام جزئيات موضوعها» تعني كون تلك الأحكام مستعدة؛ لأن توجد وتخرج إلى الوجود، وهي قبل وجودها غير موجودة، فإذا خرجت سميت خارجة بالفعل؛ لأن الفعل يعني كون الشيء خارجاً من الاستعداد إلى الوجود).
هذا ولعل من أهم ما تختص به القواعد الفقهية بالإضافة إلى الخصائص العامة للقاعدة - من كونها قضية تركيبية وكلية تجريدية، واشتمالها على الأحكام بالقوة، والصياغة المحكمة ـ:
1 - أنها تستند إلى أدلة شرعية من الكتاب أو السُّنَّة، أو الإجماع، أو غيرها. 2 - أنها تختص بالأحكام الشرعية العملية التي تتعلق بأفعال المكلفين وتصرفاتهم كالصلاة، والبيع والزواج، والكفالة وغيرها.
خامساً: إطلاق مصطلح «الأصل» على القاعدة الفقهية ومما يتصل بمعنى القواعد والضوابط ويطلق عليهما أحياناً كلمة (الأصل)، فقد استخدم الفقهاء هذا المصطلح في مصنفاتهم، وتردد ذكره في عباراتهم في مجالات كثيرة، وخلال تتبعنا للمصادر الفقهية الإباضية وغيرها لاحظنا أن الفقهاء في المراحل الأولى لتكوين القواعد الفقهية لم يصرحوا بمصطلح القاعدة، فكانوا يطلقون عليها مصطلح (الأصل) ويعنون به القاعدة والضابط، ودليل ذلك ما وقفنا عليه في كتاب الجامع لابن بركة)، والجامع
(1) شبير محمد عثمان: القواعد الكلية والضوابط الفقهية في الشريعة الإسلامية، دار الفرقان، الأردن، ط 1، 1420 هـ / 2000 م، ص،
19
(2) ابن بركة: هو عبد الله بن محمد السليمي البهلوي، (أبو محمد)، (ق: 4 هـ). من كبار علماء (1/64)
صفحة 61
الفصل التمهيدي: القواعد الفقهية المفهوم والتطور
لا بن جعفر (1)، والمعتبر للكدمي (3)، وكتاب الإيضاح للشماخي"، وكتاب الضياء للعوتبي، وكتاب الموطأ للإمام مالك، والمدونة للإمام سحنونه)، وتأسيس
الفقه
القرن الرابع الهجري، إذ كان أصولياً وفقيهاً ومتكلماً، كما يعتبر أنه أول من كتب في أصول من الإباضية. ترك آثاراً جليلة، يقال أنه ضاع منها الكثير، منها: كتاب الجامع المشهور، ورسالة التعارف والتقييد، وكتاب المبتدأ في خلق السماوات والأرض. معجم أعلام الإباضية (قسم المشرق)، ترجمة: 833، 218/ 1. (1) ابن جعفر: هو محمد بن جعفر الإزكوي، (أبو جابر)، (حي في: 277 هـ)، من أشهر علماء القرن الثالث بعمان، أصم من إزكي، وكان أحد أصحاب مدرسة الرستاق. ولاه الإمام بن مالك صحار. ألف كتاب الجامع، الذي يعد من أهم مصادر الفقه عند الإباضية.
الصلت
معجم أعلام الإباضية، (قسم المشرق)، ترجمة: 1154، 301/ 1.
(2) الكدمي: هو محمد بن سعيد بن محمد، (أبو سعيد)، (حي في: 272 هـ)، والكدمي مسكناً؛ نسبة إلى كدم إحدى قرى بهلا. كان واحداً من كبار علماء عُمان المحققين، وهو المرجع في الفتوى والأحكام عند الإباضية، مما جعل العلماء في عُمان يطلقون عليه إمام المذهب». من مؤلفاته التي ضمنها آراءه: كتاب المعتبر، وكتاب الاستقامة، وكتاب الجامع المفيد؛ وجمعت جواباته تحت
عنوان جوابات أبي سعيد معجم أعلام الإباضية (قسم المشرق)، ترجمة: 1209، 314/ 1. (3) الشماخي: هو عامر بن علي بن عامر ابن يسفاو، أبو ساكن (ت: 792 هـ/ 1389 م)، أحد أكبر مشايخ الإباضية في جبل نفوسة بليبيا، أخذ علمه عن الشيخ أبي موسى عيسى بن من مؤلفاته: كتاب في العقيدة لنوح ابن حازم، كتاب الإيضاح في
6
ألفه
عيسى الطرميسي. أربعة أجزاء ... إلخ. معجم أعلام الإباضية قسم (المغرب)، ترجمة: 529، 344/ 1.
(4) العوتبي: هو سلمة بن مسلم، أبو المنذر)، (ق): 5 - 6 هـ)، من أهل عوتب، إحدى نواحي صحار، وإليهما ينسب. كان من العلماء البارزين، فهو فقيه ولغوي ونسابة، يجمع في قراءاته الأصالة، والتفتح على إنتاج الآخرين من غير علماء المذهب. من آثاره: موسوعته الفقهية «الضياء» في أربعة وعشرين جزءا؛ وفي اللغة ألف «معجم الإبانة»؛ وألف كتاب «الأنساب»؛ «أنس الغرائب في النوادر والأخبار والفكاهات والأسمار». معجم أعلام الإباضية، (قسم المشرق)، ترجمة: 569، 149/ 1.
(5) سحنون هو عبد السلام بن سعيد بن حبيب التنوخي المالكي (الملقب بسحنون)، (و: 160 هـ / 777 م - ت: 240 هـ / 854 م)، قاض، فقيه، انتهت إليه رئاسة العلم في المغرب. كان زاهداً لا يهاب سلطاناً في حق يقوله. روى المدونة في فروع المالكية، عن عبد الرحمن بن قاسم عن الإمام مالك الزركلي، الأعلام 5/ 4. (1/65)
صفحة 62
66
القواعد الفقهية عند الإباضية
النظر للدبوسي)، وبناء عليه، فهل معنى الأصل مرادف للقاعدة الفقهية، أم يحمل دلالات متعددة؟ ولبيان صلته بها وبما يشبهها من المصطلحات، فلا بد من تحديد مفهومه في اللغة والاصطلاح، وبيان العلاقة بينه وبين القواعد
الفقهية.
أ - تعريف الأصل:
1 - الأصل في اللغة:
معناه: أسفل الشيء، ومنه إطلاقه على أساس الحائط، وفي «المصباح المنير (2) أن أساس الحائط أصله.
يقول السالمي في تعريف الأصل: «هو في اللغة: ما يبتنى عليه غيره، وأصله في المحسوسات، كأصل الجدار بمعنى أساسه، وأصل الشجرة، أي جدرها، وهو عبارة عما يفتقر إلى غيره (3).
- الأصل في الاصطلاح الأصل كما عرفه الشريف الجرجاني: «ما يثبت بنفسه، ويبنى عليه غيره» (4). ويستفاد من هذا التعريف أن الأصل من حيث مفهومه الشرعي يتميز
بأمرين:
1 - أن حكمه ثابت بنفسه ولا يحتاج إلى الاستدلال عليه بدليل خارجي. 2 - أن غيره ينبني عليه، وهذا يقتضي أن يستدل به على غيره المبني عليه.
(1) الدبوسي: هو عبد الله بن عمر بن عيسى، (أبو زيد)، (ت: 430 هـ/ 1039 م)، أول من وضع علم الخلاف وأبرزه إلى الوجود، وكان فقيهاً باحثاً. ألف تأسيس النظر؛ الأسرار في الأصول والفروع عند الحنيفة، الأمد الأقصى؛ ... إلخ. الزركلي، الأعلام، 109/ 4.
(2) الفيومي: المصباح المنير، ط 1، دار الحديث القاهرة، 1421 هـ / 2000 م، ص 15 - 16. (3) السالمي: المرجع السابق، 21/ 1.
(4) الجرجاني: التعريفات، ص 28. (1/66)
صفحة 63
الفصل التمهيدي: القواعد الفقهية المفهوم والتطور
67
ومن معانيه الاصطلاحية أيضاً الدليل، والقاعدة الكلية، والمستصحب، والظاهر، والراجح، والغالب والمخرج). قال الكفوي (2): «يطلق (الأصل) على الراجح بالنسبة إلى المرجوح، وعلى القانون والقاعدة المناسبة المنطبقة على الجزئيات وعلى الدليل بالنسبة إلى المدلول، وعلى ما يبتنى عليه غيره، وعلى المحتاج إليه، كما يقال الأصل في الحيوان الغذاء، والأصل في الإنسان العلم، وعلى المتفرع عليه كالأب بالنسبة إلى الابن، وعلى الحالة القديمة، كما في قولك: الأصل في الأشياء الإباحة والطهارة» (3).
ويظهر مما تقدم أن الأصل في الاصطلاح يطلق على معان متعددة منها: 1 - الدليل، نحو: الأصل في هذا الحكم السُّنَّة، والأصل في وجوب
الصلاة قوله: {وَأَقِيمُوا الصَّلوةَ} (البقرة: 43، 83 (110)، أي الدليل على ذلك. قال السالمي في هذا المعنى: «ثم نقل في الاصطلاح إلى الأدلة التي تبنى عليها الأحكام كما يقال أن الأصل في كذا قوله تعالى أو قوله صلى الله عليه وسلم: كذا). ونقل العوتبي عن الحسن بن محمد الحلاني) أن جميع دلائل الشرع ضربان أصل ومعقول أصل؛ فأما الأصل ضربان مجمل ومفصل، فأما المجمل فهو الذي يستقل بنفسه، وهو مثل قوله تعالى: {وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ
(1) الشوكاني إرشاد الفحول، ص 03. ـ وينظر: سعدي أبو جيب، القاموس الفقهي، ص (2) الكفوي أبو البقاء أيوب بن موسى الحسيني القريمي (ت: 1094 هـ/ 1683 م): صاحب «الكليات ـ ط» كان من قضاة الحنفية. عاش وولي القضاء في «كفه» بتركيا، وبالقدس، وببغداد. وعاد إلى اسطانبول فتوفي بها، ودفن في تربة خالد وله كتب أخرى بالتركية. ينظر: الزركلي: الأعلام، 38/ 2.
(3) الكفوي أبو البقاء الكليات معجم في المصطلحات والفروق اللغوية، تحقيق عدنان دروس ومحمد المصري، ط 2، مؤسسة الرسالة، بيروت، 1419 هـ / 1998 م، ص 122.
(4) السالمي: طلعة الشمس، 1/ 15.
(5) لم نقف على ترجمته. (1/67)
صفحة 64
القواعد الفقهية عند الإباضية
68
(الأنعام: 141)، وقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إلا بحقها) لا سبيل إلى معرفة الحق ومقداره إلا ببيان يقترن إليه، والموصل ضربان محتمل وغير محتمل ... ). واستعمل إسماعيل الجيطالي (3) هذا المعنى في مسألة الدفن (4) فقال: وأجمعوا على وجوبه، والأصل فيه قول الله تعالى: {أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَانًا * أَحْيَاء وَأَمْوَنا (المرسلات: 25، 26). وقوله تعالى: {فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي
الْأَرْضِ (المائدة: 31).
6
(1) رواه البخاري: كتاب الصلاة، باب فضل استقبال القبلة يستقبل بأطراف رجليه حديث: 388 ونصه: «نعيم، قال: حدثنا ابن المبارك، عن حميد الطويل، عن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أُمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فإذا قالوها، وصلوا صلاتنا، واستقبلوا قبلتنا، وذبحوا ذبيحتنا، فقد حرمت علينا دماؤهم وأموالهم، إلا بحقها وحسابهم على الله قال ابن أبي مريم: أخبرنا يحيى بن أيوب، حدثنا حميد، حدثنا أنس، عن النبي صلى الله عليه وسلم، وقال علي بن عبد الله حدثنا خالد بن الحارث قال حدثنا حميد، قال: سأل ميمون بن سياه، أنس بن مالك قال: يا أبا حمزة ما يحرم دم العبد وماله؟ فقال: «من شهد أن لا إله إلا الله، واستقبل قبلتنا، وصلى صلاتنا، وأكل ذبيحتنا، فهو المسلم، له ما للمسلم، وعليه ما على المسلم». وأخرجه مسلم في الصحيح - كتاب الإيمان باب الأمر بقتال الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله - حديث رقم: 57 عن أنس بن مالك. ورواه الربيع، كتاب الجهاد، باب جامع الغزو في سبيل الله، رقم: 464، ص 188، عن ابن عبّاس. (2) العوتبي سلمة بن مسلم بن إبراهيم الصحاري كتاب الضياء مطبعة الألوان الحديثة سلطنة عُمان 1411 هـ / 1990 م، 19/ 3. (3) الجيطالي: هو إسماعيل بن موسى، (أبو طاهر)، (ت: 750 هـ / 1349 م)، عالم جليل، ولد بجبل نفوسة، ونشأ بمدينة جيطال. أخذ العلم عن علامة زمانه أبي موسى عيسى بن عيسى الطرميسي، اشتهر الجيطالي بحافظته القوية العجيبة، فكان شيخاً حافظاً عالماً عاملاً محافظاً، شديداً في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. من مصنفاته: قناطر الخيرات (مط)، شرح نونية أبي نصر في أصول الدين (مخ)، قواعد الإسلام، معجم أعلام الإباضية (قسم المغرب)، ترجمة: 110، 1/ 100. (4) الجيطالي: قواعد الإسلام تح بكلي عبد الرحمن بن عمر، 345/ 1، وقد تردد ذكر كلمة الأصل بمعنى الدليل في جملة من المواضع في كتاب القواعد منها: 1/ 321 - 2/ 132 -
125/ 2 - 176/ 2 (1/68)
صفحة 65
الفصل التمهيدي: القواعد الفقهية المفهوم والتطور
2 - القاعدة، نحو: الأصل التحريم في القتل والوطء، وأصل الماء الطهارة، وأصل الدم النجاسة، وأصل النكاح الإباحة حتى يحظره، وأصل الفروج التحريم حتى يحلها من وجه أحكام التحليل، وأصل الحيوان التحريم حتى يحلها التذكية الشرعية» (1).
ونقل أبو يعقوب الوارجلاني (2) عن بعض فقهاء الإباضية قولهم: إن الأصل الأشياء الحظر، واعترض عليهم بقوله: (والأصح أن الأشياء على الإباحة قبل ورود الشرع» (3).
في
واختار الشماخي والسدويكشي (4) هذا المفهوم للأصل، فقال الشماخي: قال بعضهم: إنما منعهم من الوصول تضييع الأصول، فلما بطلوا تعطلوا». وعلق عليه السدويكشي في حاشيته بقوله: «ولأن من لم يتحكم على الأصول
(1) العوتبي: المرجع السابق، 25/ 3.
مو
(2) الوارجلاني يوسف بن إبراهيم السدراتي (أبو يعقوب)، (و: 500 هـ / 1105 م ـ ت: 570 هـ / 1175 م)، علم من أشهر علماء الإباضية بالمغرب، ولد بسدراتة، من قرى وارجلان؛ نشأ في طنه سدراتة، وأخذ مبادئ العلوم على علماء وارجلان ومن شيوخه بها: أبو سليمان أيوب بن إسماعيل (ت: 524 هـ/ 1129 م)؛ من مؤلفاته: الدليل والبرهان لأهل العقول؛ العدل والإنصاف في أصول الفقه والاختلاف؛ ترتيب مسند الربيع بن حبيب؛ ... إلخ. معجم أعلام الإباضية (قسم (المغرب)، ترجمة: 1049، 2/ 180.
(3) الوارجلاني أبو يعقوب يوسف بن إبراهيم: العدل والإنصاف في معرفة أصول الفقه والاختلاف، نشر وزارة التراث القومي والثقافة سلطنة عُمان، ط 1404 هـ / 1984 م، 68/ 1. (4) السدويكشي: هو عبد الله بن سعيد بن أحمد بن عبد الملك، أبو محمد (ت: 1068 هـ/ 1658 م) من علماء الإِبَاضِيَّة بجزيرة جربة. كان مفتياً للناس، يفصل بين المتخاصمين في مسجد لاكين، وكان يجتمع إليه الفقهاء والطلبة لأخذ العلم، ومن أبرز تلامذته: الشيخ محمد بن عمر أبو ستة الشهير بالمحشّي. من مؤلفاته: «حاشية على الجزء الأول من كتاب الإيضاح للشيخ عامر الشماخي في موضوع الصلاة (مط). (حاشية على كتاب الديانات» للشماخي أيضاً، أتمه المحشي ثم أبو يعقوب يوسف بن محمد المصعبي (مخ). «رسالة في صلاة الجمعة»، (مخ). «مجموعة فتاوى»، (مخ). ينظر: معجم أعلام الإباضية (قسم المغرب)
ترجمة: 586، 0561/ 1 (1/69)
صفحة 66
70
القواعد الفقهية عند الإباضية
إلخ الأصل له إطلاقات كما تقرر في محله ومقصوده ال تعالى: إن كل شيء متفرع على شيء أو متوقف صحته عليه لا بد في معرفته من معرفة المتفرع عليه أو معرفة ما يصح به كما هنا، فإن الفروع الفقهية لها شروط وأركان وموانع لا يعرف صحتها إلا بمعرفة شروطها وأركانها، وانتفاء موانعها، والمصنف رحمةالله تكفل ببيان ذلك ليكون عوناً للمتعلمين هكذا يظهر في المراد» (1).
وعبر الجيطالي عن الأصل بمعنى القاعدة الفقهية فقال: «والأصل أن الصبي مرفوع عنه القلم حتى يحتلم (2) (3). وذكره أيضاً بمعنى القاعدة الأصولية فقال: «واختلف في حكم ركعتي تحية المسجد فذهب جمهور الأمة إلى أنها مندوب إليهما ... وذهب أهل الظاهر إلى وجوبهما فيما وجدت تعلقاً بأن الأصل هو حمل الأمر المطلق على الوجوب حتى يدل الدليل على الندب» (4). 3 ـ المستصحب: أي الحكم المتيقن الذي يجري استصحابه، نحو: كل الأشياء على أصولها حتى ينقلها ناقل عنها»، و «كل حلال فهو على أصله حتى يصح تحريمه»، وكل حرام على أصله حتى يصح تحليله»، وكل طاهر على حكم الطهارة حتى يصح نجاسته»، وكذلك «كل نجس فهو على نجاسته حتى تصح طهارته»، أي المتيقن الذي يستصحب حكمه،
(1) الشماخي: كتاب الإيضاح، 5/ 1. (2) هذه القاعدة مستنبطة من حديث: «رفع القلم عن ثلاثة عن النائم حتى يستيقظ، وعن الغلام حتى يحتلم، وعن المجنون حتى يفيق أخرجه الحاكم في المستدرك، باب التأمين، 249/ 1 رقم الحديث 949. وابن الجارود في المنتقى، باب فرض الصلوات الخمس وأبحاثها، 64/ 1، رقم 148. ـ وأبو داود في سننه، باب في المجنون يسرق أو يصيب حداً، 129/ 4، رقم 4398. ـ وابن ماجه في سننه باب طلاق المعتوه والصغير والنائم، 658/ 1، رقم 2041. ـ والبيهقي في السنن الكبرى باب البلوغ بالسن 57/ 6، رقم 11090.
(3) الجيطالي: قواعد الإسلام، 128/ 2. (4) الجيطالي: المصدر نفسه، 351/ 1. (1/70)
صفحة 67
الفصل التمهيدي: القواعد الفقهية المفهوم والتطور
71
أو يعمل به عند الشك واليقين لا يرتفع بالشك»، و «المعلوم لا يرتفع
بغير معلوم» (1).
وقال الجيطالي: «وقيل يتحرى الطاهر منهما في غالب ظنه؛ لأن الأصل فيهما الطهارة» (2).
4 - الصورة المقيس عليها وهي ما تقابل المقيس أو الفرع في القياس كقولهم: الخمر أصل النبيذ في الحرمة، أي أن الحرمة في النبيذ متفرعة على حرمة الخمر بسبب اشتراكهما في العلة.
قال العوتبي: «الأصل ما عرف به حكم غيره، والفرع ما عرف حكمه بغيره، وقيل الأصل مقدمة المعلوم والفرع نتيجته» (3). وقال: «المعلوم على ثلاثة أضرب: معلوم هو أصل ليس بفرع، وهو علم البداية والضرورات، ومعلوم هو فرع ليس بأصل، وهو مثل تحريم الأرز بالأرز متفاضلاً قياساً على البر ... ». وقال أيضاً: «الأصل في العلل أن يستخرج الحكم بموجبها من غير الموضع الذي استخرجت
منه وأن يتعداه، كما أن أصلها أن يوجب الحكم في سائر ما وجدت فيه»).
وقال الجيطالي في حكم سجود التلاوة واختلفوا فيه، هل يسجد في الأوقات المنهي عن الصلاة فيها، فمنعه قوم بإطلاق وهو المستقر به العمل عند أصحابنا، وبه قال أبو حنيفة على أصله في منع الصلاة المفروضة في هذه الأوقات، واختلف القول في ذلك عند مالك، وأجازه الشافعية على أصله أن السنن تصلى في هذه الأوقات ما لم تدن الشمس من الطلوع والغروب»).
(1) العوتبي: الضياء، 1/ 15.
(2) الجيطالي: قواعد الإسلام، 230/ 1.
(3) العوتبي: المصدر، 7/ 1.
(4) العوتبي: نفسه، 19/ 1.
(5) المصدر نفسه، 16/ 1.
(6) الجيطالي: المصدر نفسه، 299/ 2. (1/71)
صفحة 68
72
القواعد الفقهية عند الإباضية
ه ـ المعتمد على مذهب المجتهد: قال السالمي: «وعلى مذهب العالم في بعض القواعد، فإنهم يقولون إن فلاناً بنى على أصله في مسألة كذا أي
مذهبه فيها» (1).
نقل العوتبي مسألة خلافية اختلف فيها موسى بن علي) وجده موسى بن أبي جابر (3) في المتزوجة في بقية عدتها غلطاً، وحرمها موسى بن أبي جابر على متزوجها الأخير بعد الدخول، وأحلها موسى بن علي بعد أن يعتزل الزوج الأخير، ويستأنف ما بقي من عدتها من الأول، ويرجع إليها الأخير بنكاح جديد حلالاً أبداً، ثم بيّن أن الحق فيه في اختلاف المختلفين والاجتهاد في هذا جائز، والنص على غير تحريم هذا وتحليله معدوم، وكل منهم قد ذهب إلى أصل ردّ قياسه إليه، وذلك أن الله تبارك وتعالى لم يدع خلقه في لبس من دينهم، وقد بيّن لهم حلاله وحرامه على لسان نبيه، فبين أوصاف
(1) السالمي: طلعة الشمس، 21/ 1.
(2) موسى بن علي بن عزرة، أبو علي (ولد سنة: 177 هـ ـ ت: 230 هـ) عالم من قرية إزكي، عاصر الإمام غسان بن عبد الله اليحمدي (192) - 207 هـ). من أساتذته: هاشم بن غيلان، ووالده علي بن عزرة. كان شيخاً للمسلمين وقاضياً في عهد الإمام عبد الملك بن حميد (207 - 226 هـ). بايع الإمام المهنا بن جيفر سنة: 226 هـ. وشغل منصب القضاء في عهده، وكان مرجع الفتوى والحل والعقد في الخلع والبيعة. من مؤلفاته: كتاب الجامع، ولعله من الكتب المفقودة. ينظر السالمي تحفة الأعيان، 133/ 1، 140، 142، 149. البطاشي سيف بن حمود: إتحاف الأعيان، 181/ 1 معجم أعلام الإباضية (قسم المشرق) ص 463. (3) موسى بن أبي جابر: هو موسى بن أبي جابر الإزكوي، من بني سامة بن لؤي بن غالب. أحد كبار العلماء العُمانيين في القرن الثاني الهجري. ولد حوالي سنة: 87 هـ ـ ت: 181 هـ وعمره: 94 سنة). كان أحد حملة العلم إلى عُمان، فقد تتلمذ على يد الإمام الربيع بن حبيب بالبصرة، ثم رجع إلى عُمان، وكان مرجع العُمانيين في وقته، فلا يغيرون عما يرى، ولا يعقبون على ما يقول. وله سيرة تنبئ عن علم وافر واطلاع ينظر سيرة ابن مداد، ورقة، 601. البطاشي: إتحاف الأعيان، 168/ 1. السالمي: تحفة الأعيان، 109/ 1. معجم أعلام الإباضية (قسم المشرق) ص 461. (1/72)
صفحة 69
الفصل التمهيدي: القواعد الفقهية المفهوم والتطور
73
النكاح بأحكام مفهومة وأوصاف معلومة، وبيَّن أوصاف الزنا وحرمها بشرط ووصف غير وصف النكاح وحرمها، فعند موسى بن أبي جابر أن كل ما لم يکن بکمال وصف النكاح على ما شرطه الله تعالى ووصفه فهو من حيّز الزنا عنده، فحرّمه أبداً إلا أنه أسقط الحد بالشبهة لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «ادرءوا الحدود
بالشبهات ما استطعتم (1)، فهذا ما ذهب إليه موسى بن أبي جابر رحمدلله.
وعند موسى بن علي حمدالله أن هذا النكاح لم يستكمل أحكام النكاح فيلحقه حكمه، ولا هو من الزنا المحض فيلحقه حكمه، فجعل له حكماً
(1) أخرجه الحاكم في المستدرك على الصحيحين، كتاب الحدود، وأما حديث شرحبيل بن أوس - حديث: 8232 ولفظه عن عائشة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ادرءوا الحدود عن المسلمين ما استطعتم، فإن وجدتم لمسلم مخرجاً فخلوا سبيله، فإن الإمام أن يخطئ في العفو خير من أن يخطئ بالعقوبة وقال: «هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه» وأخرجه البيهقي في السنن الكبرى ـ كتاب السير جماع أبواب السير ـ باب الرجل من المسلمين قد شهد الحرب يقع على الجارية من حديث: 17017. وروينا في ذلك عن عمر بن الخطاب وعبد الله بن مسعود ها وغيرهما، وأصح الروايات فيه عن الصحابة رواية عاصم، عن أبي وائل، عن عبد الله بن مسعود من قوله. وأخرجه الترمذي في سنن الجامع الصحيح - أبواب الجنائز عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أبواب الحدود عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ـ باب ما جاء في درء الحدود حديث: 1382. وأخرجه الطبراني في المعجم الكبير عن عبد الله بن مسعود الهذلي باب حديث: 9538 حدثنا إسحاق بن إبراهيم، عن عبد الرزاق عن الثوري، ومعمر، عن عبد الرحمن بن عبد الله عن القاسم بن عبد الرحمن، قال: قال ابن مسعود: «ادرءوا الحدود والقتل عن عباد الله ما استطعتم وأخرجه أبو يعلى الموصلي شهر بن حوشب حديث: 6481 عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ادرءوا الحدود ما استطعتم». وأخرجه الحافظ ابن حجر العسقلاني في المطالب العالية - كتاب الحدود باب درء الحد بالشبهة ـ حديث: 1906 قال مسدد: حدثنا شعبة عن يحيى عن عاصم عن أبي وائل عن عبد الله، قال: «ادرءوا الحدود عن عباد الله ل». رواه ابن ماجه، كتاب الحدود، باب الستر على المؤمن ودفع الحدود بالشبهات، رقم: 2535، 2/ 850، عن أبي هريرة والبيهقي، كتاب الحدود، باب ما جاء في درء الحدود بالشبهات، رقم: 16834، 238/ 8، عن عائشة. قال ابن حجر: «روي وموقوفاً على عمر وبإسناد صحيح». التلخيص الحبير، 56/ 4.
منقطعاً (1/73)
صفحة 70
74
القواعد الفقهية عند الإباضية
ثالثاً ولم يلحقه بأحد الحكمين المتفق عليهما، فكل قد قاس على أصل
والله أعلم). 6 ـ أصول الشريعة كالصلاة والزكاة والحج، أي من أركان الدين قال السالمي: يطلق الأصل «على ما يكون أصلاً من أصول الشريعة كالصلاة والزكاة، فإنه سمي أصلاً في الاصطلاح ... ». ويشير أحد الفقهاء المعاصرين إلى الفرق بين القواعد الفقهية وأصول الشريعة، فذكر أن «المراد بأصول الشرع القواعد العامة التي يتوصل إليها بواسطة استقراء النصوص أو بواسطة تتبع مقاصد الشريعة، فالأصل أعم من النص، وقد يكون أقوى منه، ومن ثَم كانت الأصول أوسع نطاقاً وأقوى مدلولاً
من القواعد الفقهية (3).
7 - الراجح نحو الأصل عدم الحذف أي الراجح، وإذا تعارض القرآن مع القياس فالقرآن أصل، أي راجح عليه، وإذا تعارضت الحقيقة والمجاز الأصل، أي الراجحة عند السامع
(4)
فالحقيقة هي 8 - الكتب وقد أشار إلى هذا المعنى السدو يكشي صاحب الحاشية على کتاب الإيضاح فقال: ويحتمل أن يريد بالأصول ما يشمل الكتب، وبالفروع ما يشمل المسائل، فكأنه قال: من لم يتحكّم على الكتب قلما تحصل عنده
مسائل» (ه).
والحاصل أنه يلاحظ أن معاني الأصل السابقة شبيهة بالمعنى اللغوي، ولا يهمنا منها إلا المعنى المراد للقاعدة الكلية، فهي كالمعنى السابق المستفاد
(1) العوتبي: الضياء، 13/ 1.
(2) السالمي: طلعة الشمس، 21/ 1.
(3) الروكي: قواعد الفقه الإسلامي، ص 9
109
(4) الباحسين يعقوب القواعد الفقهية، ص 73.
(5) السدويكشي: الحاشية على كتاب الإيضاح، للشماخي، 5/ 1 (1/74)
صفحة 71
الفصل التمهيدي: القواعد الفقهية المفهوم والتطور
75
من تعريف الجرجاني، وذلك أن القاعدة الكلية إذا ثبت حكمها بنفسه كان أصلاً شرعياً، وإلا فهي مجرد قاعدة فقهية أو أصولية أو غيرها.
ب - علاقة الأصل الشرعي بالقواعد الفقهية:
وصف الفقهاء «الأصل» بأنه «شرعي»: يعني أن حكمه مستفاد من الشرع. ويمكن القول: إن الأصول الشرعية هي القواعد الكلية التي تستفاد من جملة نصوص الشرع عن طريق الاستقراء والتتبع، أو ما يعلم من الدين بالضرورة، كحلية الطيبات، وحرمة الخبائث، ورفع الحرج في الدين، ومراعاة مقاصد المكلفين، وغير ذلك من القواعد الشرعية، فالفرق بين القواعد الشرعية والنصوص الشرعية كالفرق بين المتواتر والآحاد؛ لأن الحكم حينما يرد منصوصاً عليه بنص شرعي يكون لزاماً على الفقيه أن يفحص النص من حيث روايته وثبوته، ثم يفقه طريق دلالته على ذلك الحكم، أما إذا ثبت عن طريق أصل شرعي فلا حاجة إلى هذا السبر؛ لأن الأصل لا يتوصل إليه إلا عن طريق استقراء نصوص الشريعة (1).
فالفقهاء حينما قرروا - مثلاً - أن من أصول الشرع رفع الحرج عن المكلف، لم يتوصلوا إلى ذلك إلا عن طريق تتبع فروع كثيرة في العبادات والعادات والمعاملات، ومراعاة نصوص الشرع فيها، فتبين لهم من خلال هذا التتبع أن الشرع قصد إلى رفع الحرج عن المكلف في كل جزئية من جزئيات التكليف، فكانت الأصول الشرعية بذلك أقوى دلالة على الحكم من النص الشرعي الواحد.
وتسمية الأصول الشرعية بالقواعد والكليات لا يغير منها شيئاً؛ لأن العبرة ليست في كونها أصولاً أو قواعد أو كليات، وإنما العبرة في كونها شرعية، فهذا الوصف هو الذي يحدد ماهيتها ودائرتها الاصطلاحية، ومن ثم نستطيع
(1) الروكي: نظرية التقعيد، ص 56 - 57. (1/75)
صفحة 72
76
القواعد الفقهية عند الإباضية
القول: إن الفرق بين القواعد الشرعية والقواعد الفقهية هو نفس الفرق بين الشرع والفقه، فالمراد بالشرع أو الشرعية هو: النصوص الشرعية ذاتها من قرآن وسُنَّة وما دلا عليه من أحكام، وأما الفقه فهو فهم هذه النصوص واستخراج الأحكام منها، فالشريعة وحي من الله، والفقه فهم وعِلْم من الإنسان، ومن هنا كان الأحق بصفة المشرع هو الله تعالى، ولا يستقيم أن نقول إنه فقيه، ووصف الإنسان بأنه فقيه، ولا يصح أن يقال إنه مشرع، وأما إطلاق هذه الصفة على النبي صلى الله عليه وسلم فإنما هو من باب التجوز؛ لأنه إنما يشرع بعلم الله ووحيه وعلى عينه ألا ترى أن السنة وحي في قوله تعالى {وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى} (النجم: 3، 4).
وبتأمل المعاني المذكورة في مفهوم الأصل يتضح كذلك أن (الأصل) في اصطلاح العلماء أعمّ من القاعدة والضابط؛ إذ هو يطلق على القاعدة الكلية سواء كانت أصولية، كقولهم: «الأصل أن الخبر المروي عن النبي صلى الله عليه وسلم مقدم
على القياس الصحيح، أم قاعدة فقهية كقولهم: «أصل بني آدم الحرية، (1) والرق طارئ عليهم، وكذلك أصلهم الجهل، والعلم حادث لهم، وكذلك أصلهم العدم، والفناء حادث لهم، وأصلهم الحياة والموت حادث عليهم (2)، والأصل براءة الذمة، فإذا أتلف رجل مال آخر واختلف في مقداره يكون القول للمتلف والبيئة على صاحب المال لإثبات الزيادة (3).
ـ كما يطلق الأصل على الضابط الجامع لفروع وجزئيات في باب واحد على رأي طائفة من العلماء، كقولهم: «الأصل الذي تبني عليه المرأة
99
(1) الدبوسي أبو زيد عبيد الله بن عمر (ت: 420 هـ): تأسيس النظر، تعليق وتصحيح مصطفى القباني الدمشقي، نشر دار ابن زيدون، بيروت بالاشتراك مع مكتبة الكليات الأزهرية، مصر، ص) (2) العوتبي: الضياء، 15/ 1. (3) بكلي عبد الرحمن ملحق القواعد والضوابط الفقهية على كتاب النيل وشفاء العليل
لعبد العزيز الثميني، 1100/ 3. (1/76)
صفحة 73
الفصل التمهيدي: القواعد الفقهية المفهوم والتطور
VV
حيضها ونفاسها؛ أما في الحيض فالصحيح يومان، وأما في النفاس فثلاثة» (1)؛ وعلى هذا فكل قاعدة أصل، ولا عكس، كما يمكن أن يقال: كل ضابط أصل إن فسرنا الضابط ـ بأنه قضية كلية تجمع فروعاً من باب واحد ـ أما إذا فسرناه بالمعنى الذي قلناه وأنه أعم مما ذكروا فلا يمكن أن يقال ذلك، إذ سيكون بينهما العموم والخصوص الوجهي، فقد يجتمعان فيما كان قضية كلية من باب واحد، وينفرد الضابط بالتقسيمات وبيان الأسباب والتعريفات وغير ذلك من المعاني الأخرى؛ كالدليل، والراجح، والمستصحب، وغيرها.
هذا وقد تردد مصطلح «الأصل في كتب الفقه من عهد مبكر كما أشرنا سابقاً، وفي مواضع متناثرة منها، ولم يفرد تأليف بهذا العنوان ـ على ما نعلم ـ فالإباضية أطلقوه على القاعدة الفقهية، وأطلقه بعضهم على كتب العقيدة، مثل كتاب (أصول تبغورين) (2)، وقد خصص بعض فقهاء الإباضية باباً خاصاً في كتبهم وجمعوا فيه جملة من الأصول، يتعلق بعضها بالعقيدة، وهي أصول الدين، وبعضها يتعلق بقواعد الاستنباط الفقهي، ويطلق عليها أصول الفقه، وأخرى تتعلق بالأحكام ويطلق عليها القواعد الكلية والضوابط الفقهية، كما يظهر ذلك مجسداً في كتاب الضياء للعوتبي حيث بدأ كلامه بقوله: «باب في شيء من الأصول» (3).
(1) بكلي عبد الرحمن المصدر نفسه، 1/ 285. (2) الملشوطي: هو تبغورين بن عيسى بن داود النصف الأول ق: 6 هـ/ 12 م)، عالم من ملشوطة بأريغ، سكن آجلو، وأخذ علمه عن أبي الربيع سليمان بن يخلف المزاتي (ت: 471 هـ / 1078 م). له غار اتَّخذه حلقة للتعليم في تينْ يَسْلي، وممن تخرجت على يده العالمة عائشة بنت معاذ من تأليفه كتاب أصول الدين المشهور بـ «عقيدة تبغورين»؛ وعليه عدة شروح وحواش، الأدلة والبيان في أصول الفقه، (مخ)، ... إلخ؛ معجم أعلام الإباضية (قسم المغرب)، ترجمة: 221، 162/ 1. (3) العوتبي: الضياء، 7/ 3. (1/77)
صفحة 74
=
القواعد الفقهية عند الإباضية
V?
(1)
أما عند المذاهب الفقهية الأخرى ظهرت مؤلفات مبكرة في القرن الرابع الهجري تحمل هذا العنوان (الأصول)، فقد نُقل أن أبا الحسين الكرخي (ت: 340 هـ) جمع تسعة وثلاثين أصلا فبين فيها ما عليه مدار كتب الحنفية،
(2)
كما ألّف أبو الليث السمرقندي (2) (ت: (372 هـ) كتابه «تأسيس النظر» وجمع فيه أربعة وسبعين أصلًا يدور حول أسباب الاختلاف بين الفقهاء، وتابعه أبو زيد الدبوسي (ت: 430 هـ) مضيفا اثني عشر أصلاً إلى الكتاب السابق، أي موصلاً أصوله إلى ستة وثمانين، أصلاً، وهي أصول تتردد بين معنى القاعدة والضابط ومصطلحات أخرى (3).
ولما بدأت صناعة الأصول الفقهية - وأعني القواعد الفقهية - في التطور والازدهار استغني عن هذا المصطلح وأبدل بمصطلح القاعدة، وظهر وكأنه جزء من كلّ، فقيل: الأصل في الأشياء الإباحة، والأصل في الإنسان براءة الذمة، والأصل في الحيوان الحرمة ... وهكذا وقد سلك هذا
المسلك بعض فقهاء الإباضية المتأخرين منهم: الشيخ عبد الرحمن بكلي
(4)
(1) الكرخي: هو عبيد الله بن الحسين (أبو الحسن)، (و: 260 هـ / 874 م ـ ت: 340 هـ / 952 م)، فقيه حنفي، انتهت إليه رئاسة الحنفية بالعراق. ألف رسالة في الأصول التي عليها مدار فروع الحنفية؛ شرح الجامع الصغير؛ شرح الجامع الكبير؛ ... إالخ. الزركلي، الأعلام، 193/ 4. (2) السمرقندي نصر بن محمد بن أحمد بن إبراهيم أبو الليث الملقب بإمام الهدى (373 هـ/ 983 م): علامة، من أئمة الحنفية، من الزهاد المتصوفين. له تصانيف نفيسة، منها «تفسير القرآن» ـ وله «عمدة العقائد ـ خ» و «بستان العارفين ـ ط» في التصوف، و «خزانة الفقه ـ ط» رسالة، و «تنبيه الغافلين - ط مواعظ وعيون المسائل - خ فتاوى وتراجم، و «مختلف الرواية ـ خ» في الخلافيات بين أبي حنيفة ومالك والشافعي، و «النوازل من الفتاوى ـ خ» ورسالة في «أصول الدين - خ». الزركلي: الأعلام، 27/ 8.
(3) الباحسين القواعد الفقهية، ص
75 - 76
(4) بكلي: هو عبد الرحمن بن عمر بن عيسى الشهير بـ «البكري»، (و: 1319 هـ/ 1901 م -
6
ت: 1406 هـ / 1986 م). عالم جليل، وشخصية مرموقة، وعُرف بالبكري نسبة إلى أبي بكر
الصديق. سافر إلى تونس في أواخر 1922 م، والتحق بالبعثة العلمية الميزابية بتونس، التي (1/78)
صفحة 75
الفصل التمهيدي: القواعد الفقهية المفهوم والتطور
79
في قواعده المستنبطة من كتاب النيل وشفاء العليل للثميني
وغيره (3).
(1)
سادساً: إضافة مصطلح «الكلية» إلى القاعدة الفقهية: من المصطلحات التي ترددت على ألسنة العلماء الذين كتبوا في القواعد والضوابط الكليات»، فإن أرادوا تمييزها عن غيرها وصفوها بـ «الكلية»، فيقولون: «القواعد الكلية، فكأن هذا الوصف صار مرتبطاً بها ارتباطاً عضوياً، فما مفهوم هذا المصطلح؟ وما سبب إضافته إلى القواعد الفقهية؟
وما علاقته بها؟
الكليات في اللغة جمع الكلية نسبة إلى «كل» التي هي من ألفاظ العموم المفيدة للاستغراق واستيعاب جزئيات ما دخلت عليه، ومن المعنى كما قالوا الإكليل لإحاطته بالرأس، والكلالة لإحاطتها بالوالد
والولد (3).
هذا
كان يشرف عليها الشيخ أبو اليقظان إبراهيم. من أعماله المطبوعة تحقيق «كتاب النيل» للشيخ ضياء الدين عبد العزيز الثميني؛ تحقيق كتاب قواعد الإسلام للشيخ إسماعيل الجيطالي؛ فتاوى البكري» .... إلخ. معجم أعلام الإباضية، (قسم المغرب)، ترجمة: 548، 360/ 1. (1) الثميني هو عبد العزيز بن إبراهيم، الملقب بـ ضياء الدين» (و: 1130 هـ/1718 م - ت: 1223 هـ / 1808 م)، علم من أعظم أعلام الإباضية، من بني يسجن بميزاب، ولد ونشأ بها. وفي سنة 1201 هـ / 1786 م أسندت إليه مهمة مشيخة العزابة، فلازم العمل الاجتماعي ردحاً من الزمن، ثمَّ اعتزل الناس ليشتغل بالتأليف والفتوى. من مؤلفاته: أرجوزة في الفلك ومنازل البروج (مخ)؛ كتاب النيل وشفاء العليل عمدة المذهب في الفقه؛ ... إلخ. معجم أعلام الإباضية، قسم المغرب)، ترجمة: 555، 367/ 1.
(2) بكلي عبد الرحمن ملحق كتاب النيل للثميني، مرجع سابق، 285/ 1، و 657/ 2. وكذلك
3/ 1095
(3) العلائي: تلقيح الفهوم في تنقيح صيغ العموم، ص 201 وما بعدها. ـ الزركشي: البحر المحيط، 64/ 3 وما بعدها. (1/79)
صفحة 76
80
القواعد الفقهية عند الإباضية
على جميع
وأما في الاصطلاح فإنهم لا يريدون بها معناها المنطقي الذي هو ما لا يمنع نفس تصور مفهومه من وقوع الشركة فيه، بل المراد بها المحكوم فيها أفراد موضوعها، كما هو الشأن في القضايا الكلية الموجبة، فالكليات من القضايا الكلية، ولكن يغلب فيها أن موضوعها خاص، ولعل سبب تسميتها بالكليات أن القواعد والضوابط من الكليات أيضاً، هو أن مع المعاني المذكورة في الكليات تتصدرها كلمة (كل)).
الفقه
وقد نشأ استعمال الكليات في سائر العلوم بالنظر إلى وضعها اللغوي في دلالتها على الشمول باعتبار كلمة (كل) صيغة من صيغ العموم، فلا يرجع ذلك في الأصل إلى اصطلاح المناطقة، وإن كان للذوق المنطقي لدى الفقهاء أثر في شيوع هذا التعبير. ومن المألوف المعهود أن الكلام الذي استهل بكلمة (كل) في انسحب عليه مفهوم الكلية غالباً، سواء أكان من قبيل القواعد أم الضوابط. ويبدو أن العبارات التي تشكل كليات بسبب ابتدائها بـ (كل) صيغت أصالة على هذه الشاكلة بقصد الضبط والربط بين المسائل المتقاربة المتجهة إلى منزع فقهي مشترك، واحد ثم جرت مجرى العلل والقواعد والضوابط (3). ويقرب مفهوم الكلية» من مفهوم «الأصل» إذ يصلح كل منهما أن يكون عبارة عن قاعدة أو ضابط فيمكن أن تكون الكليات في الفقه قواعد إذا اشتملت على فروع من أبواب، وإذا دارت المسائل المنطوية تحتها على باب واحد فهي ضوابط.
والملاحظ على أغلب هذه الكليات أنها نوع من الأحكام الفقهية الجزئية، ولم يختلف كثير منها عن ذلك إلا بتصدر كلمة (كل) فيها، والمعلوم أن
(1) الباحسين القواعد الفقهية، ص 77.
(2) الندوي: القواعد الفقهية ص
053 (1/80)
صفحة 77
الفصل التمهيدي: القواعد الفقهية المفهوم والتطور
81
الأحكام الفقهية وإن عرضت بالصيغة الجزئية لكنها ليست مختصة بفرد، بل هي عامة وشاملة وصالحة لوضع كلمة (كل) قبلها، سواء أكان ذلك بإبقائها على حالها، أم بتبديل يسير في الصياغة، فمثلاً عبارة: «وإذا أكل الصائم أو شرب أو جامع نهاراً ناسياً لم يفطر)، يمكن أن يقال فيها: «كل صائم أكل أو شرب أو جامع نهاراً ناسياً لم يفطر فتصبح بذلك كلية، وعبارة «إذا طلق الرجل امرأته فلها النفقة والسكن في عدتها رجعياً كان أو بائنا (2)، يمكن أن يقال فيها: «كل امرأة طلقها زوجها، فلها النفقة والسكنى في عدتها» فتصير كلية، وهكذا يمكن تطبيق ذلك على أغلب الأحكام الفقهية الجزئية (3). ومن المعلوم أن كتب الفقه تعرض كثيراً من الأحكام الجزئية بصيغة (مَنْ)، وهي من ألفاظ العموم، فتشارك (كل) في الدلالة على شمول أفراد ما أطلقت عليه، فهي بهذا الاعتبار كلية لكنها لم تتصدرها كلمة (كل).
لا
إن الكثير من الكليات التي ذكرها الفقهاء في كتبهم لا ترقى إلى درجة القاعدة الفقهية نظراً لاتساع دائرة، القاعدة واعتمادها على استقراء أكثر تتبعاً مماتم في الضوابط والكليات الفقهية بالمعنى الذي ذكروه، وإن كان هذا يمنع من وجود عدد من الكليات ذات الشمول والاتساع، وحينئذ تصبح هذه الكليات، قواعد، ولولا شرط تقدُّم كلمة (كل) على الكليات لقلنا إن كل كلية ولا عكس، ولكن المعنى يتحقق به ذلك، بخلاف الشكل الذي لا يساعد على مثل هذا الإطلاق، ومن الممكن القول إن بينهما العموم والخصوص الوجهي، فيجتمعان في القاعدة المصدّرة بـ (كل) وتنفرد القاعدة
قاعدة
هي
(1) الجناوني أبو زكرياء يحيى بن الخير بن أبي الخير: كتاب الصوم، مكتبة الضامري للنشر والتوزيع السيب، سلطنة عُمان، 1411 هـ/ 1991 م، 14. الثميني: كتاب النيل وشفاء
العليل، 176/ 1.
(2) الثميني: المصدر نفسه، 2/ 435. (3) الباحسين القواعد الفقهية، ص 78
ص (1/81)
صفحة 78
82
القواعد الفقهية عند الإباضية
فيما كان معنى واسعاً وشاملاً لم تتصدره (كل)، وينفرد الكلي في تفاصيل المعاني، أو جزئياتها إذا بدأت بكلمة (كل)).
نصوص مأثورة تتصدرها كلمة «كل»:
وردت أمثلة كثيرة من هذه الكلمات في جوامع كلم النبي صلى الله عليه وسلم ومنها الأحاديث الثلاثة الآتية:
1 - کل راع مسؤول عن رعيته» (2).
2 - «كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل».
ـ «كل مسكر حرام» (4).
وقد ورد ذكر الكليات بالصيغ التي ذكرناها في كتب الفقه منذ عهد مبكر، كما وردت على ألسنة من كانوا قبل فترة التدوين، ثم تعاقب العلماء يستخدمونها عبر القرون، وربما جرت على ألسنتهم وأقلامهم عفواً، ولا يخفى ذلك على من له أدنى إلمام بروايات ومقالات منقولة عن الأئمة المجتهدين، ولعل من المناسب أن أبرهن على ذلك بتقديم نماذج من الكليات التي صاغها الفقهاء؛ فمن الكليات التي تحقق فيها مفهوم القاعدة وتغلغل في أبواب من الفقه ما ورد في النصوص الآتية من كتاب «الأم» للإمام الشافعي:
(1) الباحسين القواعد الفقهية، ص 79.
(2) رواه البخاري، كتاب الجمعة باب الجمعة في القرى والمدن رقم: 867. ومسلم، كتاب الإمارة، باب فضيلة الإمام العادل رقم 3496. عن ابن عمر. مع اختلاف في اللفظ وزيادة.
والمناوي: فيض القدير شرح الجامع الصغير، 30/ 5، برقم 6307 38/ 5، برقم 6370. (3) رواه البخاري، كتاب الشروط، باب المكاتب وما لا يحل من الشروط التي تخالف كتاب الله. دون رقم. عن ابن عمر،، أو عمر. بلفظ: «خالف بدل «ليس في». وابن ماجه، كتاب العتق، باب المكاتب، رقم: 2518. عائشة. مع زيادة والمناوي فتح القدير 22/ 5، برقم 6313
عن
(4) رواه الربيع، كتاب الأشربة من الخمر والنبيذ، باب في الأشربة من الخمر والنبيذ، رقم: 629، ص 247، عن عائشة بلفظ: كلُّ شراب أسكر فهو حرام»، والبخاري، كتاب المغازي، الأشعري ومعاذ إلى اليمن، رقم: 4088، 1579/ 4، عن أبي موسى
باب بعث أبي موسى الأشعري والمناوي: المصدر نفسه، 30/ 5، برقم 6336. (1/82)
صفحة 79
الفصل التمهيدي: القواعد الفقهية المفهوم والتطور
83
1 ـ «كل ما كان على الإنسان أن يرده بعينه، رده بقيمته» (1). 2 - كل أمر لا يتم إلا بأمرين لم يجز أن يملك بواحد (2).
4
ـ «كل حق وجب عليه فلا يبرئه منه إلا أداؤه» (3).
كل ما قسناه حلالاً حكمنا له حكم الحلال في كل حالاته، وكل ما قسناه حراماً حكمنا له حكم الحرام ... » (4).
أما الكليات التي تكون بمثابة ضوابط فهي كثيرة جداً، وهنا أكتفي بسرد
أمثلة منها:
1 - «كل حال قدر المصلي فيها على تأدية فرض الصلاة كما فرض الله تعالى عليه صلاها وصلّى ما لا يقدر عليه كما يطيق»).
2 - كل ثوب جهل من ينسجه، أنسجه مسلم، أو مشرك، أو وثني، أو مجوسي، أو كتابي، أو لبسه واحد هؤلاء، أو صبي، فهو على الطهارة حتى يعلم أن فيه نجاسة» (6).
فإن هذين المثالين لا يسري عليهما حكم القاعدة، ولكن يمكن أن يعد كلا المثالين ضابطاً في ميدان القواعد، من حيث إن المثال الأول بمثابة فرع لما تقرره القاعدة المتداولة بين الفقهاء: «الميسور لا يسقط بالمعسور»؛ والمثال الثاني يتضمن فروعاً تتعلق بالقاعدة الأساسية: «اليقين
لا يزول بالشك». وكان من أثر كتاب «الأم» أن تضافرت الكليات في كتب المتأخرين من
(1) الشافعي محمد بن إدريس الأم، كراء الأرض البيضاء، 21/ 4.
(2) الشافعي: الأم، الخلاف في الصدقات المحرمات، 55/ 4. (3) الشافعي: المصدر نفسه، باب صيغة زكاة الفطر قبل قسمها، 68/ 2، 69. (4) المصدر نفسه: ما لا يجوز من القراض في العروض، 7/ 4.
(5) المصدر نفسه باب صلاة المريض، 81/ 1.
(6) المصدر نفسه باب طهارة الثياب، 55/ 1. (1/83)
صفحة 80
=
القواعد الفقهية عند الإباضية
??
فقهاء الشافعية، ويشهد لذلك ما ذكره أبو العباس ابن القاص (1) (ت: 335 هـ) من ذلك في كتابه التلخيص من ذلك قوله في الطهارات
1 - كل طاهر من الماء طهور إلا واحداً، وهو المستعمل الذي أدى به الفرض (2).
2 ـ «كل نجاسة غسلت مرة تأتي عليها طهرت إلا ولوغ الكلب والخنزير فإنه يغسل سبعاً، منها مرة بالتراب (3). وقد جمع منها الزركشي (4) (ت: 794 هـ) في كتابه «المنشور في «القواعد ووضعها في حرف الكاف من هذا الكتاب مع الإشارة إلى الاستثناءات.
وإذا تتبعنا المصادر الفقهية الإباضية المتقدمة والمتأخرة منها خصوصاً نجد فيها نصوصاً تشهد بأن ضبط المسائل بالكليات كان محل اعتبار واعتناء عندهم جميعاً، ولا بأس نورد نبذة يسيرة منها:
ومن كتاب مسائل أبي عبيدة مسلم التميمي» (5) (ت: 145 هـ):
(1) ابن القاص: هو أحمد بن أحمد الطبري ثم البغدادي، أبو العباس،)، (ت: 335 هـ / 946 م) شيخ الشافعية في طبرستان. تفقه به أهلها وسكن بغداد. له: أدب القاضي؛ دلائل القبلة؛ .. إلخ. الزركلي، الأعلام، 90/ 1
(2) ابن القاص: التلخيص، ص 78.
(3) المصدر نفسه ص 070
هو محمد
(4) الزركشي: بن بهادر بن عبد الله (أبو عبد الله، بدر الدين)، (و: 745 هـ / 1344 م - ت: 794 هـ / 1392 م)، عالم بفقه الشافعية؛ تركي الأصل مصري المولد والوفاة. له تصانيف كثيرة في عدة فنون، منها: البحر المحيط في أصول الفقه (مخ)؛ المنثور في القواعد (مط) يعرف بقواعد الزركشي في أصول الفقه؛ ... إلخ. الزركلي، الأعلام، 60/ 6. (5) أبو عبيدة: هو مسلم بن أبي كريمة التميمي (ت: حوالي: 145 هـ)، كان آية في الذكاء، وسياسياً محنكاً، وعالماً جليلاً عرفت الإباضية على يديه أكبر إنجازاتها في المشرق والمغرب. أخذ العلم عن الإمام جابر بن زيد، وخلفه وتابع إنجازاته، فمكث في التعلم أربعين سنة، وفي
التعليم أربعين سنة أخرى. وقد تخرج على يديه مشاهير أئمة الإباضية ودعاتها. كما ترك آثاراً علمية نفيسة منها: مجموعة أحاديث كان يرويها عن الإمام جابر بن زيد وجعفر بن السماك (1/84)
صفحة 81
الفصل التمهيدي: القواعد الفقهية المفهوم والتطور
85
—
• كل بلاد المشركين يأمن فيها تجار المسلمين والموحدين لا تحل غنيمة تلك البلاد ولا سباياهم» (1).
ومن كتاب «المدونة الصغرى لأبي غانم الخراساني (2) (ت: 205 هـ):
كل شابة تتربص حتى تحيض أو يتبين بها حمل» (3).
ومن «كتاب المستأنف» لأبي المنذر بشير بن محمد بن محبوب
(ت: 273 هـ):
• كل من وجب له بإجماع المسلمين اسم أو حكم ثم أحدث حدثاً لم ينزل عنه ذلك الاسم والحكم إلى غيره من الأسماء والأحكام إلا
وصحار العبدي؛ كتاب «مسائل أبي عبيدة»، وهو مجموع عة من الفتاوى وبعض المحاورات؛ كتاب في الزكاة ... إلخ. معجم أعلام الإباضية (قسم المشرق، ترجمة: 1363، 356/ 1. (1) أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة: مسائل أبي عبيدة، مخطوط ص 6 ظ. (2) أبو غانم: هو بشر بن غانم الخراساني، (ت: أوائل ق 3 هـ)، الإمام الحافظ الفقيه، قدم البصرة لتلقي العلم على يد أئمة الإباضية، وخاصة الإمام أبي عبيدة. من شيوخه الذين ذكرهم في مدونته أبو عبيدة، والربيع، وابن عبد العزيز، وأبو غسان، وأبو المؤرج، ... وغيرهم. ومن تلاميذه: الإمام أفلح الذي روى عنه أحاديث، وعمروس بن فتح. من آثاره: المدونة التي تعد أولى مصادر الفقه الإباضي، واختلاف الفتوى معجم أعلام الإباضية، (قسم المشرق)،
ترجمة: 91، 32/ 1.
(3) ضابط فقهي في العدة، ويستثنى منه المرأة التي طلقت فحاضت حيضة أو حيضتين ثم ارتفعت عنها حيضتها، فإنها تتربص تسعة أشهر قدر ما تحمل المرأة وتضع، فإن حاضت الثالثة فقد حلت للأزواج، وإن مضت تسعة أشهر ولم يتبين بها حمل اعتدت ثلاثة أشهر عدة التي أيست من المحيض. ينظر: أبو غانم الخراساني: المدونة الصغرى، 234/ 1. وينظر:
القواعد الفقهية عند الإمام الجيطالي في كتابه قواعد الإسلام، الهامش ص 74 - 75. (4) بشير بن محمد بن محبوب بن الرحيل، (أبو المنذر)، (حي في: 273 هـ)، من أجلة علماء عُمان في عهده، عاش في عهد الإمام الصلت بن مالك من مشايخه: عزان بن الصقر (أبو معاوية)، والصلت بن خميس (أبو المؤثر)، .. إلخ؛ ترك آثاراً منها كتاب: المحاربة، وكتاب أسماء الدار وأحكامها، كتاب الرضف في التوحيد ... إلخ. معجم أعلام الإباضية، (قسم المشرق)، ترجمة: 97، 34/ 1. (1/85)
صفحة 82
86
القواعد الفقهية عند الإباضية
بإجماع من المسلمين له على ذلك، وقياس على نظير ذلك الحدث حكمه في كتاب الله وسُنَّة رسوله؛ فبكتاب الله وسُنَّة رسوله وإجماع المسلمين تثبت الأسماء وتجري الأحكام).
ومن كتاب جامع ابن جعفر (ق: 3 هـ):
كل العطايا لا تثبت إلا بالإحراز من المعطي).
ومنه
أيضاً: قال أبو عبد الله محمد بن محبوب (3) (ت: 260 هـ): «كل شيء يلزم الذي في يده غرامته مما يكال أو يوزن فعليه أن يأتي بمثله؛ فإن كان عرضاً مثل السيوف والثياب فعليه القيمة» (4).
ومن كتاب أصول الدينونة الصافية لأبي حفص عمروس (5) (ت: 283 هـ):
(1) أبو المنذر بشير بن محمد بن محبوب: المستأنف مخطوط ضمن مجموع السير العُمانية، محفوظ بمكتبة الإمام غالب بن علي الهنائي بالدمام السعودية، وتوجد نسخة مصورة منه لدى الباحثة منى بنت هلال الكندية نزوى سلطنة عُمان، ص (2) ابن جعفر الأزكوي: جامع ابن جعفر، 343/ 4.
252
(3) محمد بن محبوب بن الرحيل، (أبو عبد الله)، (ت: 260 هـ)، فإذا ذكر في كتب الإباضية المشارقة «أبو عبد الله، فإنه هو المقصود غالباً، وذلك لكثرة رواياته وآرائه. وقد تأثر به الكثير من الفقهاء، وتحتل آراؤه مكانة رفيعة في التراث الإباضي، مشرقاً ومغرباً. من شيوخه: أبو صفرة، وموسى بن علي الإزكوي، ... إلخ، ومن تلاميذه: ابناه عبد الله وبشير، والصلت بن خميس (أبو المؤثر)، ... إلخ. من آثاره: مختصر من السُّنَّة، وله سير كثيرة منها: سيرته إلى أهل المغرب، وسيرة إلى أحمد بن سليمان إمام حضرموت ... إلخ. معجم أعلام الإباضية، (قسم المشرق)، ترجمة: 1301، 338/ 1.
(4) ابن جعفر المصدر نفسه، 213/ 4.
(5) عمروس بن فتح المساكني النفوسي (أبو حفص)، (ت: 283 هـ / 896 م)، من أبناء جبل نفوسة. عاصر الإمام أبا اليقظان محمد بن أفلح، وتلقى علمه على مشايخ الجبل. تولى القضاء بجبل نفوسة في ولاية أبي منصور إلياس في أواخر أيام الدولة الرستمية. من تأليفه: كتابه المسمى بالعمروسي والمعنون بـ: الدينونة الصافية؛ كما أن له: رسالة في الرد على الناكثة وأحمد بن الحسين، (مخ) ... إلخ؛ استشهد عمروس بواقعة مانو بين نفوسة وابن الأغلب سنة
283 هـ / 896 م. معجم أعلام الإباضية (قسم (المغرب)، ترجمة: 690، 466/ 1. (1/86)
صفحة 83
الفصل التمهيدي: القواعد الفقهية المفهوم والتطور
87
—
• «كل ما هو نصف في الحر فهو في العبد نصف ثمنه» (1).
ومن كتاب الجامع لابن بركة البهلوي (ت: 362 هـ): «كل مال أيس من معرفة ربه أنه مصروف في الفقراء والمساكين» (2).
•
«كل مالك فملكه محبوس عليه، إلا أن يزيله عن نفسه» (3).
، «كل ما في المرأة من عضو فديته كنصف ذلك العضو من الرجل» (4). ومن كتاب «القسمة وأصول الأرضين لأبي العباس أحمد الفرسطائي
(ت: 504 هـ):
(0)
• كل ما في يد رجل من مال غيره يصنع فيه ما يصنع في ماله من دفع
المضار عنه» (6).
«كل ما يجوز بيعه من الغائب تجوز قسمته أيضاً مما لا يتغير في حال غيابه بالزيادة أو النقصان»).
(1) من الضوابط الفقهية في باب القصاص، وقد فسر محقق كتاب أصول الدينونة الصافية هذه العبارة بصيغة أخرى وهي: أن كل ما يمكن تنصيفه في الحر ـ مثل العينين ـ فهو في العبد كل نصف بنصف ثمنه في العبد ينظر المصدر نفسه الحاشية، ص (2) ابن بركة البهلوي: الجامع، 223/ 1.
(3) ابن بركة: 333/ 2
130
(4) ابن بركة: الجامع، 515/ 2.
(5) أحمد بن محمد بن بكر الفرسطائي النفوسي، (أبو العباس)، (ت: 10 ذو الحجة 504 هـ / 18 جوان 1111 م). عالم فذ من علماء وارجلان أصله من فرسطاء بنفوسة، وهو ابن الشيخ أبي عبد الله محمد بن بكر النفوسي، مؤسس نظام حلقة العزابة. أخذ العلم عن أبيه، وعن أبي الربيع سليمان بن يخلف المزاتي؛ من تأليفه الكثيرة: كتاب القسمة وأصول الأرضين، في ثمانية أجزاء؛ كتاب في التوحيد مما لا يسع الناس جهله؛ اشترك في تأليف «ديوان العزابة» مع ثمانية من العلماء ... إلخ. معجم أعلام الإباضية، (قسم المغرب)،
ترجمة: 89، 88/ 1
(6) أبو العباس أحمد بن محمد الفرسطائي: كتاب القسمة وأصول الأرضين، ص 328. (7) أبو العباس أحمد المصدر نفسه، ص 102. (1/87)
صفحة 84
88
القواعد الفقهية عند الإباضية
«كل ما عمل الشريك في المشترك من العمارة والصلاح ودفع المضار مما يتآخذون عليه، فإنه يدرك عناءه على شركائه على قدر اشتراكهم) كل ما أدرك من الغلات يتآخذ الشركاء على جنيه إلا إن كان في تركه وصلاح زيادة» (2).
ومن كتاب «الضياء» للعوتبي (ت: 511 هـ تقريباً): «كل حلال فهو على أصله حتى يصح تحريمه، وكل حرام على أصله حتى يصح تحليله» (3).
• كل طاهر على حكم الطهارة حتى يصح نجاسته، وكذلك كل نجس فهو على نجاسته حتى تصح طهارته» (4).
کل حسن، حلال وليس كل حلال حسن). حسن» (ه).
ومن كتاب قواعد الإسلام للجيطالي (ت: 750 هـ):
«كل الكذب مكتوب إلا أن يكذب الرجل في الحرب فإن الحرب خديعة، أو يكذب بين اثنين فيصلح بينهما، أو يكذب لامرأته ليرضيها» (6) (7). ومن كتاب «الإيضاح» للشماخي (ت: 792 هـ):
(1) المصدر نفسه
ص
271
(2) نفسه ص 272
(3) العوتبي سلمة بن مسلم الصحاري كتاب الضياء، 3/ 15.
(4) العوتبي: المصدر نفسه.
(5) العوتبي: الضياء، 14/ 3.
(6) ضابط فقهي في حق الأخوة بين المسلمين يوجب إصلاح ذات البين ولو بالكذب فإنه مما لا إثم فيه، وقد ورد الحديث بلفظ ما لي أراكم تتهافتون على الكذب تهافت الفراش في النار كل الكذب يكتب على ابن آدم إلا رجل كذب في خديعة حرب أو إصلاح بين اثنين، أو رجل يحدث امرأته ليرضيها وبهذا اللفظ أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه تهذيب الآثار (210) 3/ 128. والطبراني في المعجم الكبير (420)، 24/ 165. وأحمد في مسنده (27611)، 454/ 6. والهيثمي في مجمع الزوائد، 81/ 8.
(7) الجيطالي: المصدر السابق، 227/ 2. (1/88)
صفحة 85
الفصل التمهيدي: القواعد الفقهية المفهوم والتطور
89
«كل ما اتفقت منافعه فهو صنف واحد وإن اختلفت أسماؤه» (1).، كل ما أبيح لأجل الضرر أنه يرتفع تحليله بارتفاع الضرر). «كل ما علم المشتري أنه لا حق فيه للبائع أنه لا رجوع فيه للمشتري
على البائع، وأنه يعد متبرعا (3).
ومن كتاب النيل للثميني (ت: 1223 هـ): «كل مال يؤدي عليه ربه، فالغرم يسقطه» (4).
•
«كل فرج وطئ بحرام فلا يحل أبداً» (ه).
«كل ما خالف المعتاد عيب»).
«كل إيجاب فقبوله بعد موت الموجب باطل إلا في الوصية». «كل من يصدق في دعوى التلف، يصدق في دعوى الرد إذا كان قبضه بغير بينة» (8).
، «كل من فعل ما يجوز له فعله فتولد منه تلف لم يضمن» (9) يعني: «أن الجواز الشرعي ينافي الضمان».
كل مال يورث فحرام غنيمته وكل مال يغنم فحرام ميراثه (10).
(1) الشماخي أبو ساكن عامر بن علي كتاب الإيضاح، 286/ 2.
(2) الشماخي الإيضاح، 17/ 2.
(3) الشماخي: المصدر نفسه، 309/ 1.
(4) بكلي عبد الرحمن ملحق القواعد والضوابط الفقهية على كتاب النيل وشفاء العليل
لعبد العزيز الثميني، 288/ 1.
(5) بكلي: المصدر نفسه، 657/ 2.
(6) المصدر نفسه: 662/ 2.
(7) المصدر: نفسه 1097/ 3
(8) نفسه 3/ 1098
(9) نفسه: 1099/ 3
(10) نفسه.11093.
: (1/89)
صفحة 86
القواعد الفقهية عند الإباضية
كتبهم
فهذه جملة من القواعد الكلية والضوابط الفقهية جمعتها من مختلف المصادر الفقهية الإباضية من باب التمثيل وليس الحصر، وجاء ذكرها في عرضاً، ولم تكن مصنفة في مؤلّف مستقل، بل كانت تأتي ضمن الفروع الفقهية بهدف التقرير للأحكام الفقهية، وضبط المسائل المتشابهة في أحكامها أو في معرض التعليل. وإن سمح الوقت وتيسرت الأمور نجمعها في تصنيف واحد حتى يسهل الاستفادة منها، لأنه لا نعلم أحداً من الإباضية - في حدود المعلومات المتوفرة لدينا ـ أفرد الكليات الفقهية المتناثرة بالتأليف ولعل في الأيام القادمة بحول الله تعالى نكتشف عملاً في هذا المجال كان مغموراً، أو من تأليف جديد. (1/90)
صفحة 87
=
من
الأدلة
المطلب الثاني
القواعد الفقهية وعلاقتها بالعلوم والمصطلحات ذات الصلة بها
كان الفقه في بداية نشأته علماً واحداً يتمثل في الأحكام الفقهية المستنبطة التفصيلية، ومع تطوره وتشعب مواضيعه انبثقت منه علوم فرعية مرتبطة به؛ كالقواعد الفقهية والقواعد الأصولية، والضوابط الفقهية، والقواعد المقاصدية والفروق الفقهية، والأشباه والنظائر والحيل والألغاز الفقهية وغيرها، وحتى نتمكن من التمييز بين هذه العلوم المتشابهة، يحسن بنا أن نحدد مفهومها ونبين علاقتها بالقواعد الفقهية ونذكر الفروق الممكنة منها، وبيان ذلك فيما يلي:
أولاً: القواعد الفقهية والضوابط الفقهية
قبل بيان الفرق بين القواعد الفقهية والضوابط الفقهية يحسن بنا أن نعرف الضابط في اللغة والاصطلاح، حتى يتحدد مفهومه في أذهاننا ونتمكن من
إدراك الفرق بين المصطلحين.
1 - تعريف الضوابط الفقهية
فالضوابط في
اللغة: جمع ضابط وهو مأخوذ من ضبط الشيء يضبطه ضبطا، أي حفظه حفظاً بليغاً أو حازماً، ومنه قيل: ضبطت البلاد، إذا قمت بأمرها قياماً حازماً ومحافظاً عليها، والضبط لزوم الشيء وحبسه وحصره، والضبط الإتقان والإحكام).
(1) ابن منظور: لسان العرب، 509/ 20، مادة ضبط - والفيروزآبادي القاموس المحيط، 872.
الفيومي: المصباح المنير، ص 487. - إبراهيم أنيس ومعه: عبد الحليم منتصر، عطية (1/91)
صفحة 88
92
القواعد الفقهية عند الإباضية
ويقال ضبط الرجل الشيء يضبطه ضبطاً إذا أخذه أخذاً شديداً، ومنه سمي الأسد الأضبط والضابط؛ لأنه يأخذ الفريسة أخذاً شديداً ويضبطها، فلا تكاد
تفلت منه (1).
- أما الضابط في الاصطلاح الفقهي: لم أقف - رغم البحث ـ على تعريف خاص للضوابط الفقهية عند الإباضية وغيرهم وغاية ما يوجد عند بعضهم إشارات مقتضبة تشير إلى الفرق بين القاعدة الفقهية والضابط الفقهي، يقول السالمي في طلعة الشمس»: «فرق بينها (القاعدة) وبين الضابط أن القاعدة
تجمع فروعاً من أبواب شتى، والضابط يجمع فروعاً من باب واحد» (2). بينما يرى بعض الفقهاء أن الضابط في الاصطلاح مرادف للقاعدة، ومن ذلك ما ذكره التهانوي (3) بعد أن عرّف القاعدة بقوله: «حكم كلي ينطبق على جزئيات ـ وهو مرادف الأصل والقانون والمسألة والضابط والمقصد» (4)، وهو ما يؤكده الفيومي في المصباح المنير بقوله: والقاعدة في الاصطلاح بمعنى الضابط وهي الأمر الكلي المنطبق على جميع جزئياته» (5). وقد تابعهما أحمد الحموي في هذا المعنى إلا أنه يعتبر الضابط في مدلوله
الصوالحي، محمد خلف الله أحمد: المعجم الوسيط، ط 2 2 نشر مجمع اللغة العربية، مطابع دار المعارف بمصر، 1392 هـ / 1972 م، 535/ 1.
(1) الزبيدي: تاج العروس، 172/ 5 - 175. - الجوهري: الصحاح، 3/ 1139. ـ ابن حجر: غراس الأساس، مادة ضبط،
ص
285، 286
(2) السالمي: شرح طلعة الشمس على الألفية، 14/ 1. - الراشدي سفيان بن محمد: جواهر
القواعد من بحر الفرائد، ص 32، 33.
(3) التهانوي: هو محمد بن علي ابن القاضي محمد حامد (ت: بعد 1158 هـ / بعد 1745 م)، باحث هندي. ألف كشاف اصطلاحات الفنون؛ سبق الغايات في نسق الآيات؛ ... إلخ.
الزركلي، الأعلام، 295/ 6
(4) التهانوي کشاف اصطلاحات الفنون، 886/ 2.
(5) الفيومي: المصباح المنير، ص 700. (1/92)
صفحة 89
الفصل التمهيدي: القواعد الفقهية المفهوم والتطور
93
أخص من القاعدة على حد قوله ورسموا الضابطة بأنها أمر كلي ينطبق على جزئياته لتعرف أحكامها منه، قال وهي: منه، قال وهي أعم من القاعدة ومن ثَمّ رسموها بأنها صورة كلية يتعرف منها أحكام جميع جزئياتها» (1).
ـ
وقد فرق بعض العلماء بين القاعدة والضابط بأن الضابط يجمع فروعاً من باب واحد، أما القاعدة فهي تجمع فروعاً من أبواب شتى.
وقد تقدم في تعريف أبي عبد الله المقري أنّ القاعدة الفقهية أعم من العقود وجملة الضوابط الفقهية الخاصة. ومعنى ذلك أن دائرة القاعدة الفقهية تتسع لتشمل كثيراً من الفروع والجزئيات التي هي من أبواب متعددة، وجهات مختلفة من العبادات والعادات والمعاملات؛ كقاعدة: المشقة تجلب التيسير» و «الضرر» يزال» و «الأمور بمقاصدها». وغيرها. أما الضابط الفقهي فدائرته لا تتسع أكثر من الجزئيات والفروع التي تندرج في باب واحد أو في جزء من باب كقولهم: «العقد على البنات يحرم الأمهات والدخول على الأمهات يحرم البنات (3). ومن ثم كانت القاعدة الفقهية أعلى مرتبة من الضابط الفقهي (3). وقد نبه إلى ذلك بعض فقهاء الإباضية والأصوليين).
يقول السالمي في هذا الشأن وفرق بينها وبين الضابط أن القاعدة تجمع
فروعاً من أبواب شتى، والضابط يجمع فروعاً من باب واحد» (ه).
(1) الحموي: أحمد غمز عيون البصائر شرح الأشباه والنظائر، لابن نجيم، 5/ 2. (2) الثميني عبد العزيز: كتاب النيل وشفاء العليل، ملحق القواعد والضوابط الفقهية للمحقق بكلي عبد الرحمن، 657/ 2.
(3) الروكي محمد: قواعد الفقه الإسلامي، ص
112
(4) البناني: حاشية البناني على شرح الخليل المحلى على جمع الجوامع ط 1، مصر 1331 هـ / 1913 م،
(5) السالمي: طلعة الشمس، 14/ 1. (1/93)
صفحة 90
94
القواعد الفقهية عند الإباضية
وقد أخذ سفيان الراشدي بهذا التعريف في قواعده وزاده توضيحاً فقال: والفرق بينها وبين الضابط بالمعنى الاصطلاحي أنها تجمع فروعاً شتى من أبواب شتى، وهو من باب واحد فقولنا: المشقة تجلب التيسير تبنى عليها جميع رخص الشرع، فالتيمم والقصر والفطر وأكل الميتة ونحوها، أبواب شتى تنطبق عليها، القاعدة فهي جزئيات لها وفروع منها، واستخراج العالم لها منها تفريع وقولنا: الماء الطاهر المطهر هو الباقي على أوصاف خلقته بلا مخالط، وبعبارة أخرى: ما أطلق عليه اسم ماء بلا قيد»، فهذا ضابط هذا الباب فقط، وقولنا: إذا اختلف الجنسان جاز بيع أحدهما بالآخر مطلقاً» ضابط لغير الربويات» (1).
6
ووضح تاج الدين ابن السبكي هذا الفرق بعد أن ذكر تعريف القاعدة في قوله: «ومنها ما لا يختص كقولنا: اليقين لا يزال بالشك»، ومنها ما يختص كقولنا: «كل كفارة سببها معصية فهي على الفور الغالب فيما اختص بباب و قصد به نظم صور متشابهة أن يسمى ضابطاً (2).
ويقول البناني (3) مؤكداً لهذا المعنى: «قواعد تشبه الأدلة فناسب كونها خاتمة لبحث الأدلة، والقاعدة تختص بباب بخلاف الضابط» (4). وكذلك وجدنا السيوطي (5) في أشباهه يميل إلى هذا التفريق بين القاعدة
32 - 34
(1) الراشدي جواهر القواعد في بحر الفرائد، ص (2) ابن السبكي تاج الدين الأشباه والنظائر، 11/ 1. (3) البناني: هو عبد الرحمن بن جاد الله المغربي المالكي فقيه أصولي (ت: 1198 هـ). الزركلي الأعلام، 74/ 4.
(4) البناني: حاشية البناني على شرح الجليل المحلي على جمع الجوامع، 290/ 2. (5) السيوطي: هو عبد الرحمن بن أبي بكر بن محمد، (جلال الدين)، (و: 849 هـ / 1445 م - ت: 911 هـ/ 1505 م)، إمام حافظ مؤرخ أديب. له نحو 600،مصنف، منها: الإتقان في علوم القرآن؛ الأشباه والنظائر في فروع الشافعية؛ الألفية في مصطلح الحديث؛ تفسير الجلالين؛ ... إلخ. الزركلي، الأعلام، 301/ 3 (1/94)
صفحة 91
الفصل التمهيدي: القواعد الفقهية المفهوم والتطور
95
والضابط فيرى أن القاعدة تجمع فروعاً من أبواب شتى، والضابط يجمع فروعاً من باب واحد» (1).
وقد اجتهد زهران المسعودي - أحد فقهاء الإباضية المعاصرين ـ في تحديد المفهوم الاصطلاحي للضابط فبين أنه: «استناداً إلى التفريق بين القاعدة والضابط الذي أشار إليه أولئك الفقهاء مع التأمل في كلام الإمام ابن السبكي في قوله عند تعريفه للقاعدة - والغالب فيما اختص بباب وقصد به نظم صور متشابهة أن يسمى ضابطاً» (2). يمكن بالاستناد إلى ذلك كله أن يُعرف الضابط بأنه: «أصل كلي فقهي، ينتظم صوراً متشابهة من باب واحد، تفهم
الفقهي
أحكامها منه» (3).
يتبين
ثم عقب المسعودي على تعريفات الفقهاء المتقدمين كابن السبكي والتهانوي والفيومي الذين جعلوا معنى الضابط مرادفاً للقاعدة فقال: «وبهذا أن التعريف السابق للضابط الفقهي المتقدم نقله عن بعض الفقهاء تعريف غير مانع لدخول القاعدة عموماً تحته؛ لأنها ـ بلا شك ـ أمر كلي ينطبق على جزئياته ليعرف أحكامها منه، لكن تقييد الضابط بأنه ينتظم صوراً متشابهة من باب واحد - كما ورد في تعريفه الأخير - يخرج القاعدة من دخولها تحت هذا التعريف؛ لأنها تنتظم صوراً متشابهة من أبواب شتى وليست من باب واحد» (4). ولم ينفرد المسعودي بهذا المفهوم، فقد جاء يعقوب الباحسين بتعريف
(1) السيوطي: الأشباه والنظائر في فروع الشافعية، 7/ 1. وقد تابعه على ذلك ابن نجيم (ت: 970 هـ) في الأشباه والنظائر الفن الثاني، ط 1، المكتبة العصرية، بيروت، 1988 م، 188. - وقرره أبو البقاء الكفوي في الكليات، 49/ 4، وفي طبعة أخرى، ص 728. -
ص
والزركشي في تشنيف المسامع، ص 919.
(2) ابن السبكي: الأشباه والنظائر، 11/ 1.
(3) المسعودي زهران: ابن بركة السلمي البهلوي ودوره الفقهي في المدرسة الفقهية الإباضية
من خلال كتابه «الجامع»، ص 137.
(4) المسعودي زهران المرجع نفسه. (1/95)
صفحة 92
القواعد الفقهية عند الإباضية
للضوابط الفقهية قريباً منه وهو: «ما انتظم صوراً متشابهة في موضوع واحد، غير ملتفت فيها إلى معنى جامع مؤثر). لكن يؤخذ عليه أنه تعريف عام وغير مختص بالضوابط الفقهية، والأولى إضافة قيد يخص التعريف بالضوابط الفقهية فيقال في تعريفها: «ما انتظم صوراً
متشابهة في موضوع فقهي واحد غير ملتفت فيها إلى معنى جامع مؤثر). ومما يجدر الإشارة إليه أن بعض الفقهاء - أحياناً ـ لا يهمهم هذا التفريق الدقيق بين المصطلحين فيطلقون لفظة القاعدة على الضابط، ويعتبرون كُلّاً من ذلك نوعاً من أنواع القاعدة، ومرتبة من مراتبها، فنجد المحقق عبد الرحمن بكلي - من فقهاء الإباضية المعاصرين - استخرج قواعد وضوابط من كتاب النيل وشفاء العليل للثميني وجعلها في جدول واحد، ووضع لها عنواناً عاماً، ففي الجزء الأول من الكتاب يقول: «جدول ما ورد في الكتاب من مسائل تعتبر كقواعد فقهية عامة أثبتناها هنا إعانة على تفقيه القارئ»، ومما جاء فيه. «النجس يؤثر في الوضوء بعد تمامه لا في الغسل»، «وكل دم وجد بعد طهر عشرة أيام فهو حيض» (3) فهذين المثالين يعتبران ضوابط. بينما نجده في موضع آخر يقول: «المشترك كالواحد حكماً ... »، «لا يجتمع خراج وعشر» (4) فهذان المثالان قاعدتان فقهيتان.
وفي الجزء الثالث من الكتاب نفسه وتحت عنوان جدول يقول: «المسائل المعتبرة كقواعد أو ضوابط فقهية أثبتناها هنا إعانة على تفقيه القارئ»)، وذكر
(1) الباحسين القواعد الفقهية، ص 37.
(2) شبير محمد القواعد الكلية والضوابط الفقهية، ص 22.
(3) الثميني عبد العزيز كتاب النيل، تحقيق عبد الرحمن بكلي،، ط 2، 1386 هـ / 986
العربية لدار الفكر الإسلامي، الجزائر، 285/ 1.
(4) بكلي عبد الرحمن: المرجع نفسه.
(5) المرجع نفسه: 1095/ 3.
ام،
المطبعة (1/96)
صفحة 93
الفصل التمهيدي: القواعد الفقهية المفهوم والتطور
97
جملة من القواعد والضوابط الفقهية منها: «يغتفر في البقاء ما لا يعتبر في الابتداء»، وهذه قاعدة فقهية، وأما كل مال يورث فحرام غنيمته، وكل مال يغنم فحرام ميراثه»). يعتبر ضابطاً فقهياً.
أما زهران المسعودي فلم يسلك منهج البكري في ملحق «كتاب النيل» للثميني، بل حاول أن يميز ويفرق بين القواعد الفقهية الكلية والضوابط الفقهية في مصنفه، فوضع جدولين أحدهما للقواعد الفقهية والآخر للضوابط الفقهية، والتزم التفريق الدقيق بين المصطلحين ومما جاء فيه: «ويمكن الإشارة إلى ذلك بالجدولين التاليين:
أ ـ جدول القواعد الفقهية، فذكر مجموعة من القواعد الفقهية استخرجها من كتاب الجامع لابن بركة البهلوي، مثاله الأشياء إذا افترقت وجب لكل واحد منها حكم، وإذا اجتمعت كان حكمها واحداً. وكذلك للإمام أن يسوي بين رعيته فيما يراه صلاحاً لهم (3).
ب ـ جدول الضوابط الفقهية عرض فيه بعض الضوابط الفقهية الواردة في «كتاب الجامع لابن بركة، ومن بينها: «الأبوال كلها نجسة». و «دباغ جلد الميتة ذكاته وطهارة له» (3).
2 - العلاقة بين القواعد الكلية والضوابط الفقهية
يتبين مما تقدم أن القواعد الكلية والضوابط الفقهية يشتركان في أن كلا منهما ينطبق على عدد من الفروع الفقهية، ولهذا نجد كثيراً من الفقهاء لا يفرقون بين المصطلحين في الاستخدام فيطلقون القاعدة على الضابط والضابط على القاعدة، وقد لاحظنا ذلك كثيراً في كتب الفقه المختلفة،
(1) نفسه: 1109/ 3.
(2) المسعودي زهران: ابن بركة ودوره الفقهي، ص 166، 167.
(3) المسعودي: المرجع نفسه،
ص
170 (1/97)
صفحة 94
98
القواعد الفقهية عند الإباضية
فهم يطلقون كلمة (قاعدة) في بعض المواضع على فرع مخصوص من الفروع، وقد أومأ إلى ذلك العلامة تاج الدين ابن السبكي في مقدمة (أشباهه إذ يقول: «فإن قلت: فخرج عن القاعدة نحو قول الغزالي (1) في «الوسيط»: قاعدة لو تحرم بالصلاة في وقت الكراهة، ففي الاعتقاد وجهان، فقد أطلق القاعدة على فرع، مخصوص، قلتُ: إنما أُطلقها عليه لما تضمنه المأخذ من المقتضي؛؛ لأن فعل الشيء في الوقت المنهي هل ينافي في حصوله أم لا؟ فلما رجع الفرع إلى أصل هو قاعدة كلية حسن إطلاق لفظ القاعدة عليه، وذلك نظير قوله أيضاً: «قواعد ثلاث الأولى: المتطوعات إلخ ... ).
أما إطلاق (القاعدة) على الضابط، فهذا أمر شائع مطرد في المصادر الفقهية وكتب القواعد الكلية، كما سلفت الإشارة إلى ذلك، مثال ذلك: ما جاء
(3)
في قواعد الإمام ابن رجب الحنبلي (3) (ت: 795 هـ) تحت عنوان (القاعدة): شعر الحيوان في حكم المنفصل عنه لا في حكم المتصل» (4). كما تناول بعض الضوابط الأخرى تحت عنوان (القواعد) في سائر كتابه، وكذلك فعل
(1) الغزالي محمد بن محمد بن محمد الطوسي، أبو حامد، حجة الإسلام)، (و: 450 هـ/ 1058 م ـ ت: 505 هـ / 1111 م)، فيلسوف ومتصوف، ويعتبر أحد أعلام الأشاعرة والمتصوفة، ألف في مختلف الفنون، له نحو مائتي مصنف؛ منها: إحياء علوم الدين؛ مقاصد الفلاسفة؛ تهافت الفلاسفة المنقذ من الضلال المستصفى من علم الأصول؛ ... إلخ. الزركلي، الأعلام، 22/ 7.
(2) ابن السبكي: الأشباه والنظائر، 7/ 1 - 8.
(3) عبد الرحمن بن أحمد بن رجب، البغدادي ثم الدمشقي، (أبو الفرج، زين الدين)، (و: 736 هـ/ 1335. 11 م - ت: (795 هـ / 1393 م)، حافظ للحديث من العلماء. ولد في بغداد ونشأ وتوفي في دمشق. من كتبه شرح جامع الترمذي؛ جامع العلوم والحكم؛ الاستخراج لأحكام الخراج؛ القواعد الفقهية ... إلخ. الزركلي، الأعلام، 295/ 3.
(4) ابن رجب الحنبلي: القواعد في الفقه الإسلامي، طبعه دار الكتب العلمية بيروت لبنان دت، ص 5. - ينظر البكري محمد الاعتناء في الفروق والاستثناء، 10/ 1، وما بعدها. (1/98)
صفحة 95
الفصل التمهيدي: القواعد الفقهية المفهوم والتطور
99
مثله البكري (1) في كتابه «الاعتناء في الفرق والاستثناء»، أما ابن السبكي فوجدناه كثيراً ما يذكر الضوابط تحت عنوان: «القواعد الخاصة» (2). وقد حاول بعض الباحثين المعاصرين بيان أسباب خلط الفقهاء المتقدمين بين المصطلحين وعدم الاهتمام بالتفريق بينهما، فذكر أنهم كانوا يخلطون بين القواعد والضوابط؛ لأنهم كانوا يهتمون بتقعيد المسائل وتأصيلها، وبيان الفروق الدقيقة بينها أكثر مما يهتمون بالتفريعات الاصطلاحية، وهذا ما نلحظه في كتاب الجامع لابن بركة البهلوي، وكتاب الإيضاح لعامر الشماخي وغيرهم من فقهاء الإباضية، ثم جاء من بعدهم فوجدوا كماً هائلاً من القواعد والضوابط فظهر لهم أن يجعلوا بينهما فرقاً ليتمكن الباحثون من تحري الدقة. في التأمل والنظر فيما هو خاص بباب واحد، وما هو شامل لأبواب عديدة؛ وليسهل عليهم الرجوع إلى كتب الفقهاء على اختلاف مذاهبهم.
(1) هو بدر الدين محمد بن محمد الكرخي البكري الشافعي نزيل مصر ولد سنة 10 910 هـ وتوفي سنة 1006 هـ. من تصانيفه حاشية على المنهاج للنووي وصاحب كتاب الاعتناء في الفرق
هذا
والاستثناء نشرته دار الكتب العلمية بلبنان حققه عادل عبد المجيد وعلي معوض جمع الكتاب أكثر من ستمائة قاعدة في الفقه تندرج تحتها الفروع، وتميز بأنه يذكر ما يستثنى من هذه القواعد معدداً هذه المسائل معللاً لها أحياناً، عازياً قوله إلى فقهاء الشافعية في كثير من الأحيان. وقد رتب هذه القواعد على أبواب الفقه وذلك كقوله تحت كتاب صلاة الجنازة «القاعدة الثانية: لا يغسل الشهيد الذي قتل في المعركة إلا في مسألتين» فنذكرهما وعلى الكتاب تخريجات للأحاديث، وعزو إلى كتب الفقه، وبعض التعليلات. (2) ينظر: كتابه الأشباه والنظائر لتاج الدين عبد الوهاب بن علي بن عبد الكافي السبكي، هذب فيه كتاب قواعد الأحكام للعز بن عبد السلام فزاد عليه فوائد لم تكن فيه، وحذف منه شيئاً آخر، فهو يذكر القواعد الفقهية يذكر القاعدة ومستندها من الكتاب أو السنة أو الإجماع، ومن ذكرها من العلماء، وما يندرج تحتها من مسائل، وما يستثنى من هذه القاعدة، وذكر أصولاً كلامية عقائدية يبنى عليها فروع فقهية، كما ذكر كلمات نحوية يترتب عليها مسائل فقهية، وذكر فروعاً اختلف فيها بعد الاتفاق على أصولها، وختم كتابه بالألغاز الفقهية. ابن السبكي: الأشباه والنظائر، تحقيق عادل عبد الموجود، وعلي عوض، ط 1، 1411 هـ، دار الكتب العلمية، لبنان، المرجع السابق، 2/ 1 - 5. (1/99)
صفحة 96
1 ..
القواعد الفقهية عند الإباضية
هذا وقد وضع الفقهاء للفقه ضوابط بعضها متفق عليه وبعضها مختلف فيه، فما كان متفقاً عليه فالبحث فيه سهل وما كان مختلفاً فيه فالبحث فيه يحتاج إلى بذل شيء من الجهد، لكي يعلم وجهة نظر كل مذهب في الضابط الذي وضعه في تأصيل مذهبه، فضوابط الفقه الإباضي مثلاً: يرجع فيها إلى كتبهم أولاً، ثم يرجع إلى كتب غير ثم يرجع إلى كتب غيرهم ليعرف وجوه الاتفاق والافتراق بين هؤلاء وألئك، ثم يرجح ما يراه راجحاً بالدليل).
الباحث
كما حاول الباحث محمد الروكي أن يخفف من حدة هذا الإشكال ويبين أنه من الصعب التفريق بين القاعدة الفقهية والضابط الفقهي، ولذلك لا داعي لإثارة هذا الخلاف، ولا مانع أن يطلق أحدها على الآخر، ولا مشاحة في الاصطلاح، والعبرة بالمعنى لا باللفظ، ومما جاء في اعتراضه: «والخروج من هذا الإشكال والحيرة في التفريق أو عدم التفريق بين القاعدة الفقهية والضابط الفقهي يجرنا إلى الحديث عن أنواع القاعدة الفقهية وهل فعلاً للقاعدة الفقهية أنواع منضبطة ومحددة أم لا؟
فالناظر في هذه الثروة الضخمة من القواعد الفقهية يجد أنها أنواع كثيرة جداً: فمن حيث مضمونها وتفاوت بعضها ـ فيه ـ مع البعض الآخر نجد أن منها ما يشمل معظم الفروع الفقهية مثل قاعدة «المشقة تجلب التيسير»، ومنها ما يشمل جزءًا كبيراً من هذه الفروع والجزئيات مثل قاعدة: «إذا زالت العلة زال الحكم، وإذا زال المانع عاد الممتنع وغيرها، ومنها ما يشمل قسماً كاملاً -. من الأقسام الكبرى للفقه كقسم العبادات ـ مثلاً ـ ومن قواعد هذا النوع قول بعض الفقهاء: «لا قياس في العبادات، ومنها ما يشمل جزءا من أحد هذه الأقسام، كقواعد العقود، وقواعد الملك، وقواعد الحق، وقواعد الضمان وغير ذلك، ومنها ما يشمل جزءًا أضيق من ذلك، كقواعد الحدود،
(1) محمد بكر إسماعيل: القواعد الفقهية بين الأصالة والتوجيه، ط 1، دار المنار، 1417 هـ / 1997 م، ص 0 (1/100)
صفحة 97
الفصل التمهيدي: القواعد الفقهية المفهوم والتطور
1.1
وقواعد الإرث وغيرها، ومنها ما يشمل أضيق من ذلك كقواعد الكفارة وغيرها، وهكذا دواليك» (1).
ويضيف قائلاً مسترسلاً في بيان أنواع وأقسام القواعد الفقهية التي تندرج فيها ضوابط فقهية تتصل ببعضها البعض فيقول: «ومن حيث صلة بعضها ببعض نجد أن منها القواعد الأساسية التي هي أصل لغيرها ولا تتفرع هي عن غيرها، كقاعدة: «الضرر يزال»، وأن منها القواعد الفرعية التي تتفرع عن غيرها، وتكون قيداً لها أو تكملة أو تفسيراً لها، كقاعدة: «الضرر لا يزال بالضرر» وهكذا.
وانطلاقاً من ذلك يتضح لنا أنه من الصعب حصر القاعدة الفقهية في أنواع وأصناف محدودة، لا من حيث طبيعتها، ولا من حيث مراتبها، لذلك اكتفى الفقهاء بتسميتها قواعد فقهية كلية - كما عند القرافي) - دون وضع أنواع لها لعسر ذلك وصعوبته.
ومن هنا نستطيع القول: إنه لا داعي للتفريق بين القاعدة والضابط، ما دام الضابط يمثل مرتبة من مراتب القاعدة، اللَّهُمَّ إلا أن يراد بالضابط ما دون القاعدة الكلية من التعريفات الموجزة التي تنتظم في كل منها مجموعة من الأحكام قصد التمييز بينها وبين غيرها، ولعل هذا ما يقصده المقري في تعريفه السابق للقاعدة الفقهية بأنها «أعم من جملة الضوابط
الفقهية الخاصة».
والحاصل أن الكلية معنى يمثل روح القاعدة الفقهية، وركنها وماهيتها،
(1) الروكي: قواعد الفقه الإسلامي،
ص
113،112
(2) القرافي: هو أحمد بن إدريس بن عبد الرحمن الصنهاجي (أبو العباس، شهاب الدين)، (ت: 684 هـ / 1285 م، من علماء المالكية. له مصنفات جليلة في الفقه والأصول؛ منها: أنوار البروق في أنواء الفروق الذخيرة في فقه المالكية؛ الأجوبة الفاخرة في الرد على الأسئلة الفاجرة؛ ... اإلخ. الزركلي، الأعلام، 94/ 1. (1/101)
صفحة 98
القواعد الفقهية عند الإباضية
102
وحقيقتها التي تقوم بها، فمتى وجدنا هذه الكلية في عبارة من العبارات الفقهية قاعدة فقهية، ولا علينا حينئذ أن يسميها البعض ضابطاً فقهيّاً، إذ لا مشاحة في الاصطلاح، والعبرة بالمعنى لا باللفظ (1).
فهي
نشأته
هذا ورغم ما قدمه الروكي من تعليلات منطقية لترجيح وجهة نظره بجعل الضابط مرادفاً للقاعدة كما جرى العمل عند معظم الفقهاء المتقدمين، إلا أنه عند التأمل والنظر في مراتب القواعد الفقهية، نجد أنه لا مانع من اعتبار التفريق بين الضابط والقاعدة في الاصطلاح؛ لأن المصطلحات تتغير وتتطور بكثرة الاستعمال فقد يكون مطلقاً في عصر فيتطور إلى مقيد، وقد يكون عاماً فيصبح خاصاً، وهذا ما حدث لمصطلح الفقه، فقد كان يطلق عليه في بالفقه الأكبر والفقه الأصغر، والمراد بالمصطلح الأول العقيدة، والمصطلح الثاني الفقه العملي، ثم مع استقلال العلوم استقلت العقيدة فأصبحت فناً مستقلاً وكذا فقه الفروع، ومع ذلك فإنني أرى من الضروري التفريق بين المصطلحين؛ لأن القواعد الفقهية والضوابط الفقهية تختلف عن بعضها البعض من عدة وجوه كما سيأتي.
- الفروق بين القواعد الكلية والضوابط الفقهية 1 - الفارق السابق وهو أن القاعدة الفقهية لا تقتصر على باب واحد، مثل قاعدة: الأمور بمقاصدها (2)، والضابط الفقهي يختص بباب من أبواب الفقه مثل ضابط ما لا يصلى به لا يصلى عليه (3)، وبذلك تكون القاعدة أوسع من الضابط أفقياً.
(1) الروكي: المرجع السابق، ص 113.
(2) الراشدي سفيان بن محمد جوا والنظائر، ط 1، 1420 هـ / 001
?.
واهر القواعد من بحر الفرائد، ص المكتبة العصرية بيروت، ص 22.
السيوطي، الأشباه
20 م،
(3) بكلي عبد الرحمن ملحق القواعد والضوابط الفقهية من كتاب النيل وشفاء العليل للثميني،
286/ 1 (1/102)
صفحة 99
الفصل التمهيدي: القواعد الفقهية المفهوم والتطور
103
2 - الضوابط الفقهية لا تقتصر على القضية الكلية ـ كما ذهب الروكي - وإنما تشمل بالإضافة إليها التعاريف وعلامة الشيء المميزة له، والتقاسيم والشروط والأسباب وغير ذلك، في حين أن القاعدة الفقهية تقتصر على القضية الكلية، وبذلك يكون الضابط أوسع من القاعدة رأساً (1).
3 - إن مساحة الاستثناءات الواردة على القواعد أوسع بكثير من مساحة الاستثناءات الواردة على الضوابط؛ لأن الضوابط الفقهية تضبط موضوعاً واحدا فلا تكثر فيها الاستثناءات (2).
4 - القواعد الفقهية تصاغ بعبارة موجزة وألفاظ تدل على العموم والاستغراق، أما الضوابط الفقهية فلا يشترط فيها ذلك، فقد تصاغ في جمل أو فقرة أو أكثر من ذلك كما هو ملاحظ في قواعد ابن رجب، فإن أغلبها ضوابط فقهية وليست قواعد كلية.
ه - إن القواعد الفقهية في الأعم الأغلب متفق على مضمونها بين المذاهب أو أكثرها، خاصة القواعد الأساسية، وأما الضوابط فهي تختص بمذهب معين - إلا ما ندر عمومه - بل منه ما يكون وجهة نظر فقيه واحد في مذهب معين قد يخالفه فيه فقهاء آخرون من نفس المذهب، ومن ذلك ما ذكره البكري في شرح النيل: أن لكل يوم وليلة حكمين، ولكل ليلة ويوم حكماً واحداً إذا اتحد الجنس، ووضح ذلك أن معناه من فعل شيئاً نهاراً ثم أعاده ليلاً كان كفاعله بيومين، ومن فعله ليلاً ثم أعاده نهاراً
كان كفاعله مرتين بيوم (3).
(1) شبير محمد القواعد الكلية، ص
(2) الندوي: القواعد الفقهية، ص
23
52
(3) بكلي عبد الرحمن المرجع السابق، 289/ 1. (1/103)
صفحة 100
1.2
القواعد الفقهية عند الإباضية
إن المصطلحات العلمية لا تستقر على نمط معين إلا بكثرة استعمالها
في المواضع المختلفة، وترددها على الألسنة، وهي دائماً تنتقل من طور إلى طور وتتغير مع تعاقب العصور، فقد يكون الاصطلاح في فترة من الفترات فيطور إلى أخص مما كان أولاً، وهذا ما جرى بالنسبة للقواعد والضوابط فإنه لم يتميز الفرق بينهما تماماً إلا في العصور المتأخرة حتى أصبحت كلمة (الضابط) اصطلاحاً متداولا شائعاً لدى الفقهاء والباحثين في الفقه الإسلامي، فأصبحوا يفرقون الآن فأصبحوا يفرقون الآن بين الكلمتين في المجالات الفقهية، وقد أكد الفقهاء هذه الحقيقة في ندوة تطور العلوم الفقهية في عُمان خلال القرن الرابع الهجري (القواعد الشرعية أنموذجاً)، ومما جاء في بيان وتوصيات الندوة الختامية فى الفقرة السابعة منه ما نصه: «وقد درست الندوة القواعد والضوابط الفقهية وبينت أن هذين المصطلحين قد مرا بالتطور في الاستعمال؛ فبعد أن كان لا يميز بينهما كثيراً وصل التعريف إلى نوع من الاستقرار، فعرفت القاعدة الفقهية بأنها: «أمر كلي أو أغلبي ينطبق على جزئيات كثيرة تفهم أحكامها منه»، وأما الضابط فيختلف عن القاعدة الفقهية من حيث كونه يضم فروعاً في باب واحد، بينما القاعدة تجمع أبوابا شتّى» (1).
ثانياً: القواعد الفقهية والقواعد الأصولية
لا يمكن إدراك الفروق بين القواعد الفقهية والقواعد الأصولية والعلاقة التي تربط بينها إلا بمعرفة حقيقة علم الفقه و علم أصول الفقه، فالعلمان
-
(1) ينظر: بيان وتوجيهات ندوة تطور العلوم الفقهية في عُمان خلال القرن الرابع الهجري - القواعد الشرعية نموذجاً، المنعقدة أيام 12 - 15 من ذي القعدة 1424 هـ الموافق 05 - 07 يناير 2004 م، من تنظيم وزارة الأوقاف والشؤون الدينية سلطنة عُمان، وقد شاركت فيه ببحث حول علاقة القواعد الفقهية بفقه المقاصد، ص 3. (1/104)
صفحة 101
الفصل التمهيدي: القواعد الفقهية المفهوم والتطور
1.0
مرتبطان ارتباطاً وثيقاً بحيث ليكاد المرء يجزم بالوحدة بينهما، وكيف لا يكون ذلك وأحدهما أصل والآخر فرع لذلك الأصل، كأصل الشجرة وفروعها، فالأصولي ينبغي أن يكون فقيهاً، والفقيه ينبغي أن يكون أصولياً، وإلا فكيف يمكنه استنباط الحكم من الدليل؟ وكيف يكون مجتهداً من لم يتبحر في علم
الأصول؟ (1).
1 ـ تعريف علم الفقه وعلم الأصول:
-
أما علم الفقه: فهو علم يبحث فيه عن أحكام المسائل الفرعية المستنبطة من الأدلة التفصيلية الجزئية؛ كأحكام البيع والصلاة والنكاح والعقوبات وغيرها، وموضوعه أفعال المكلفين من حيث الحكم عليها بالوجوب أو الحرمة أو الكراهة أو الندب أو الإباحة.
وأما علم أصول الفقه فهو مجموعة القواعد التي تبين للفقيه طرق استخراج الأحكام من الأدلة الشرعية، سواء كانت تلك الطرق لفظية، كمعرفة دلالات الألفاظ الشرعية على معانيها واستنباطها منها، وطرق التوفيق بينها عند التعارض، أو كانت معنوية كاستخراج العلل من النصوص وتعميمها وبيان طرق استخراجها (2).
فإذا أراد الأصولي أن يثبت حكماً شرعياً فإنه ينظر في لفظ النص الذي
يريد إثبات الحكم به، كما في قوله تعالى: {وَأَقِيمُوا الصَّلَوَةَ وَآتُوا الزَّكَوةَ (البقرة: (43)، وقوله تعالى: {وَلَا نَقْرَبُوا الزِنَى) الإسراء: 32)، فيجد أن لفظ النص الأول من قبيل الأمر المجرد عن القرينة، ويجد أن لفظ النص الثاني من قبيل النهي المجرد أيضاً، ثم يستحضر ما تقرر عنده من قواعد أصولية في الأمر
(1) البورنو محمد صدقي: الوجيز في إيضاح قواعد الفقه الكلية، ص 19. (2) السالمي نور الدين طلعة الشمس، 18/ 1. - وينظر: عبد العزيز محمد عزام: قواعد الفقه الإسلامي، ص 19. (1/105)
صفحة 102
106
القواعد الفقهية عند الإباضية
المجرد فيجده يفيد الوجوب ما لم تصرفه قرينة أو صارف، والنهي المجرد يفيد التحريم ما لم يصرفه قرينة أو صارف كذلك، فيقول: {وَأَقِيمُوا الصَّلوةَ (البقرة: 43) أمر، والأمر يفيد الوجوب، فالصلاة واجبة والزكاة واجبة، وكذلك يفعل في النص الثاني فيقول: {وَلَا نَقْرَبُوا الزِنَى} (الإسراء: 32) نهي، والنهي يفيد
التحريم، فالزنا حرام، فنظر الأصولي يتركز على اللفظ دون المعنى). فعلم أصول الفقه يبين أصل الشريعة في التكليفات العملية، ويرسم المناهج لتعريفها، ويحدد للفقيه المجتهد المعايير، فيسير على منهاج قويم في استنباطه للأحكام الشرعية، فهو القانون الذي يلتزمه الفقيه ليعصم به من الخطأ في الاستنباط (2).
فإن الفقيه المجتهد متى كان عالماً بأحوال الأدلة الإجمالية، مثل علمه بأن الأمر للوجوب إذا لم تقم قرينة على خلاف ذلك، وأن النهي للتحريم ما لم تقم قرينة تصرفه إلى الكراهة، استطاع أن يستنبط الأحكام للأفعال والتصرفات الصادرة من المكلف، فالمقدمة الأولى في كل من الدليلين القرآنيين السابقين يعلمها من اللغة العربية، والمقدمة الثانية في كلّ منهما يعلمهما من الأصول، ولولا معرفته لأصول الفقه ما استطاع أن يستنبط هذين الحكمين من دليلهما، ومثل ذلك يقال في غيرهما من الأحكام".
مما وهكذا يتضح
تقدم أن
علم
الفقه
(1) نور الدين السالمي: المرجع نفسه، 19/ 1.
وعلم أصول الفقه يشتركان في خدمة
(2) عزام عبد العزيز قواعد الفقه الإسلامي، ص 20،. ـ زهير محمد أبو النور: أصول الفقه،
3/ 1
تحقيق
(3) الونشريسي أحمد بن يحيى: إيضاح المسالك في قواعد الإمام مالك، القسم الأول منه، أحمد بوطاهر الخطابي،، ط 1، مطبعة فضالة المحمدية، الرباط، 1400 هـ / 1980 م، ر: أبو زهرة أصول الفقه، ص 08. ـ سعد الدين دداش، القواعد الأصولية 115. ـ وينظر: والفقهية من كتاب الفروق، بحث تقدم به لنيل درجة الدكتوراه في الفقه وأصوله من جامعة مير عبد القادر للعلوم الإسلامية بقسنطينة - الجزائر، 1/ 55.
ص
الأم (1/106)
صفحة 103
الفصل التمهيدي: القواعد الفقهية المفهوم والتطور
107
الفقه الإسلامي، وفي الكشف عن الحكم الشرعي لكثير من الأفعال والتصرفات، وقد أكد الزنجاني (1) هذه الحقيقة فقال: «لا يخفى عليك أن الفروع دائماً تنبني على الأصول، وأن من لا يفهم كيفية الاستنباط ولا يهتدي إلى وجه الارتباط بين أحكام الفروع وأدلتها التي هي أصول الفقه لا يتسع له المجال، ولا يمكنه التفريع عليها بحال، فإن المسائل الفرعية على اتساعها وبعد غايتها لها أصول معلومة وأوضاع منظومة، فمن لم يعرف أصولها لم يحط بها علماً (2). ذلك يمكن أن يقال: إن علم الفقه وعلم أصول الفقه متمايزان، فأحدهما مستقل عن الآخر من حيث موضوعه واستمداده، وثمرته، والغاية من دراسته (3)، وبالتالي فإن قواعد كل علم منهما تتميز في قواعد الآخر تبعاً لتمايز موضوعي العلمين؛ فموضوع علم أصول الفقه هو أدلة الفقه الإجمالية والأحكام الشرعية وما يعرض لكل منهما، وكيفية استنباط الحكم الكلي من
ومع
(4)
الدليل الكلي وأما موضوع علم الفقه: فهو أفعال المكلفين وما يستحقه كل فعل من حكم شرعي عملي، وبالتالي فإن قواعد علم أصول الفقه تفترق وتتميز عن قواعد علم الفقه رغم التشابه الظاهر بينهما باعتبار أن كلا منهما قواعد تندرج تحتها جزئيات كما صرح بذلك الزنجاني).
(1) الزنجاني: هو محمود بن أحمد بن محمود، (أبو المناقب شهاب الدين)، (و: 573 هـ/ 1177 م ـ 656 هـ 1258 م)، لغوي، من فقهاء الشافعية. ولي في بغداد نيابة قضاء القضاة، وعزل. وصنف: ترويح الأرواح في تهذيب الصحاح للجوهري؛ تخريج الفروع على الأصول ... إلخ. الزركلي، الأعلام، 161/ 7. (2) الزنجاني محمود: تخريج الفروع على الأصول، ط 5، 1984 م، مؤسسة الرسالة، بيروت، ص 34.
19
(3) المسعودي زهران ابن بركة ودوره الفقهي، ص 104. - البورنو محمد، الوجيز، ص) (4) عزام عبد العزيز قواعد الفقه، ص 20. ـ الروكي محمد، قواعد الفقه، ص 117. (5) الزنجاني شهاب الدين محمود: تخريج الفروع على الأصول، تقديم، محمد سلام مذكور، تحقيق محمد أديب الصالح، ط 5، 1407 هـ مؤسسة الرسالة، سوريا، ص 34. (1/107)
صفحة 104
108
القواعد الفقهية عند الإباضية
«أما
ولعل أول من فرّق بين القواعد الفقهية والقواعد الأصولية وميّز بينهما الإمام شهاب الدين القرافي المالكي (1) في مقدمة كتاب الفروق»، حيث قال: بعد فإن الشريعة المحمدية زاد الله منارها شرفاً وعُلوّاً اشتملت على أصول وفروع، وأصولها قسمان: أحدهما: المسمى بأصول الفقه، وهو في غالب أمره ليس فيه إلا قواعد الأحكام الناشئة عن الألفاظ العربية خاصة، وما يعرض لتلك الألفاظ من النسخ والترجيح ونحو: الأمر للوجوب، والنهي للتحريم، والصيغة الخاصة للعموم، ونحو ذلك، وما خرج عن هذا النمط إلا أن كون القياس حجة، وخبر الواحد صفات المجتهدين.
والقسم الثاني: قواعد كلية فقهية جليلة كثيرة العدد عظيمة المدد، مشتملة على أسرار الشرع وحكمه لكل قاعدة من الفروع في الشريعة ما لا يحصى، ولم يُذكر منها شيء في أصول الفقه وإن اتفقت الإشارة إليه هنالك على سبيل الإجمال فيبقى تفصيله لم يتحصل ... (2).
ونوه بها في موضع آخر بقوله: «إن القاعدة ليست مستوعبة في أصول الفقه بل للشريعة قواعد كثيرة جداً عند أئمة الفتوى والفقهاء، لا توجد في كتب أصول الفقه أصلاً» (3).
2 - الفروق بين القواعد الفقهية والقواعد الأصولية
وإذا كانت القواعد الفقهية والأصولية تشتركان في هذا القدر من الخصائص فإننا بعد التدقيق في مسالكهما وطرائق تكوين كل منهما نجدهما تختلفان من
عدة وجوه وهي:
(1) الإمام شهاب الدين أبي العباس أحمد بن إدريس الصنهاجي المعروف بالقرافي، من علماء المالكية ولد ونشأ وتوفي بالقاهرة سنة (684 هـ) كان بارعاً في كثير من العلوم والفنون، له الفروق، والأحكام، والذخيرة، وغيرها ينظر الأعلام، الزركلي، 94/ 1 - 95، مختصرا. (2) القرافي: الفروق، 2/ 1، 3. (3) القرافي: المرجع السابق، 2/ 110. - تهذيب الفروق، محمد حسين المالكي، 124/ 2. (1/108)
صفحة 105
الفصل التمهيدي: القواعد الفقهية المفهوم والتطور
109
مع
من
الأول: القواعد الأصولية ناشئة ومستمدة في معظمها عن الألفاظ العربية، وما يعرض لها من نسخ وترجيح، وعموم وخصوص وأمر ونهي، ومن علم الكلام، وتصوّر الأحكام وغير ذلك)، في حين أن القواعد الفقهية نشأت الاستقراء، وذلك بتتبع الأحكام الواقعة على أفعال المكلفين في الفقه، وبذلك اجتمعت الأشباه أشباهها والنظائر مع نظائرها في قاعدة واحدة). فهي قواعد استقرائية قياسية ومستمدة من الأدلة الشرعية تسهل على الفقيه جمع شتات الفروع والجزئيات (3). الثاني: القواعد الفقهية متأخرة في وجودها الذهني والواقعي عن الفروع الفقهية والجزئيات لأنها جمع لأشتاتها وربط بينها وجمع لمعانيها، فهي مجموعة الضوابط التي تجمع الأحكام المتشابهة والروابط التي تربط بين المسائل الجزئية، أما القواعد الأصولية: فالفرق الذهني يقتضي وجودها قبل الفروع؛ لأنها القيود التي أخذ الفقيه نفسه بها عند الاستنباط، ككون ما في القرآن مقدّماً على ما جاءت به السُّنَّة، وأن نص القرآن أقوى من ظاهره، وغير ذلك من مسالك الاجتهاد، وهذه سابقة في وجودها على استنباط الفروع بالفعل، وكون هذه الأصول كشفت عنها الفروع ليس دليلا على أن الفروع متقدمة عليها، بل هي في الوجود سابقة والفروع لها دالة كاشفة، كما يدل المولود على والده، وكما تدل الثمرة على الغراس، وكما يدل الزرع على نوع البذور).
(4)
(1) ذكر ذلك تقي الدين الحصني في كتاب القواعد، 25/ 1 نقلًا عن بعض علماء الأصول: ينظر: الآمدي، الإحكام في أصول الأحكام، 29/ 1، ومختصر المنتهى، لابن الحاجب، 32/ 1، وشرح الكوكب المنير، للفتوحي، 48/ 1.
(2) البرهاني محمد مسلم: سد الذرائع في الشريعة الإسلامية، ص 56. ـ شبير محمد عثمان، القواعد الكلية، ص 28. - إسماعيل علوان القواعد الفقهية الخمس الكبرى والقواعد المندرجة تحتها، ط 1، 1420 هـ 2000 م، دار ابن الجوزي السعودية، ص
2000
31
(3) الروكي: قواعد الفقه، ص 119. (4) الحصني تقي الدين كتاب القواعد 25/ 1 - محمد أبو زهرة مالك وآراءه الفقهية، ط دار الفكر العربي القاهرة، ص 236 - 237. - وينظر: الروكي المرجع السابق، ص 119، 120. (1/109)
صفحة 106
11.
القواعد الفقهية عند الإباضية
- الثالث: القواعد الأصولية أكثر اطراداً وعموماً، واستثناءاتها قليلة لا تكاد تذكر، فهي قواعد كلية تنطبق على جميع جزئياتها وموضوعاتها، أما القواعد الفقهية فهي ـ كما تقدم - قواعد أغلبية يكون الحكم فيها على أغلب الجزئيات، ويكون لها المستثنيات في حالات خاصة تختلف فيها بعض جزئياتها (1) بالرغم من الاتفاق على مضمون كثير منها، نجدها يستثنى من كل منها مسائل تخالف حكم القاعدة بسبب من الأسباب؛ كالاستثناء بالنص والإجماع، أو الضرورة، أو غير ذلك من أسباب الاستثناء (2).
الرابع: إن علم أصول الفقه بالنسبة للفقه ميزان وضابط للاستنباط الصحيح من غيره، شأنه في ذلك شأن علم النحو لضبط النطق والكتابة، وقواعد هذا الفن هي وسط بين الأدلة والأحكام، فهي التي يستنبط بها الحكم من الدليل التفصيلي، وموضوعها دائماً الدليل والحكم، كقولك الأمر للوجوب، والنهي للتحريم، والواجب المخيّر يخرج المكلف عن العهدة فيه بفعل واحد مما خُيّر فيه والحكم يدور مع علته وجوداً وعدماً، إلى آخر ما هنالك من القواعد التي يلتزمها المجتهد عند استنباط الأحكام وتقريرها (3). أما القواعد الفقهية فهي قضايا كلية أو أكثرية جزئياتها بعض مسائل الفقه، وموضوعها دائماً هو فعل المكلف (4). الخامس: القواعد الأصولية في حقيقتها قواعد استدلالية، يلتزمها الفقيه ليعصم بها عن الخطأ في الاستنباط، فهو يرجع إليها لاستنباط التخريج
(1) البورنو الوجيز، ص 21. - ينظر: إسماعيل بن حسن بن محمد علوان: القواعد الفقهية الخمس الكبرى، ص 30.
(2) البورنو الوجيز، ص 21.
(3) الندوي: القواعد الفقهية ص) 59. ـ محمد بكر إسماعيل: القواعد الفقهية بين
الأصالة
والتوجيه، ص 13.
(4) الندوي: المرجع
نفسه. محمد بكر: المرجع
نفسه. (1/110)
صفحة 107
الفصل التمهيدي: القواعد الفقهية المفهوم والتطور
111
والتفريع،
بحثاً
عن الأحكام الشرعية لما يستجد من الوقائع والأحداث، مثل: قاعدة: النهي المطلق يفيد التحريم، فهي تعين الفقيه في اكتشاف الحكم الشرعي، وليست هي ذات الحكم ولا تعبر عنه، في حين أن القواعد الفقهية تعبر عن حكم شرعي كلي، مثل قاعدة: الأمور بمقاصدها فهي تتضمن حكماً شرعياً كلياً يندرج تحته الكثير من الجزئيات التي يتحقق فيها موضوع الكلي العام أو مناطه، ولذلك نجد الفقيه يرجع إليها لاستحضار المسائل الفقهية المتشعبة المبثوثة في أبواب الفقه، وكذلك المتعلم فهي توفر لهما الوقت وتغنيهما عن البحث الطويل في بطون الكتب، فالرجوع إليها أيسر من الرجوع إلى حكم كل مسألة على حدة).
فلا
السادس: القواعد الأصولية لها من الحجية والقوة بحيث يمكن الاستناد إليها في استنباط الأحكام الشرعية من أدلتها التفصيلية، أما القواعد الفقهية يصح الاعتماد عليها وحدها لبيان الحكم الشرعي إلا إذا كانت تستند إلى دليل شرعي يعضدها، مثل: (لا ضرر ولا ضرار»، و «الخراج بالضمان»، والأمور بمقاصدها فإنها حجة؛ لأنها تستند إلى نصوص شرعية، ومن ثَمّ فلا يكفي أن يقتصر عليها المفتي أو القاضي في استخراج الأحكام الشرعية لما يعرض عليه من النوازل والخصومات، بل لا بد من الرجوع إلى النصوص الشرعية، واستنباطها في ضوء القواعد الأصولية لشموليتها وقوتها في الاستيعاب والاحتواء)، ولأجل ذلك نبهت مجلة الأحكام العدلية العثمانية على أن القواعد الفقهية الكلية إنما هي دساتير تفقيه وليست نصوصاً للقضاء (3).
(1) الروكي: قواعد الفقه، ص 120. ـ محمد شبير: القواعد الكلية، ص 29. ـ محمد الزحيلي: بحث القواعد الفقهية منشور في مجلة البحث العلمي والتراث الإسلامي، مركز البحث العلمي، جامعة أم القرى، مكة المكرمة، السعودية، العدد 6، ص 11 - 41.
(2) الروكي: قواعد الفقه، ص
120
-.
محمد
شبير: المرجع نفسه، ص 29، 30.
(3) الزرقا مصطفى: المدخل الفقهي العام، 949/ 2. (1/111)
صفحة 108
112
القواعد الفقهية عند الإباضية
وهذا وقد أرجع البعض عدم حجيتها إلى كون القواعد الفقهية أغلبية ترد عليها الاستثناءات، وأن بعضها مما اختلف الفقهاء فيه؛ لأنها تستند إلى دليل (1)، وسوف نبحث هذا الأمر لاحقاً عند الحديث عن حجية القواعد الفقهية
ظني
وحكم الاستدلال بها.
حين
السابع: القواعد الأصولية لا يفهم منها أسرار الشرع ولا حكمته (2)، في أن القواعد الفقهية يفهم منها ذلك كما نبه القرافي إلى ذلك (3)؛ لأن القواعد الأصولية تركز على جانب الاستنباط، وتلاحظ جوانب التعارض والترجيح وما شابه ذلك من القواعد ليس فيها شيء من ملاحظة مقاصد الشارع، أما القواعد الفقهية فهي مشتقة من الفروع والجزئيات المتعددة بمعرفة الرابط بينها ومعرفة المقاصد الشرعية التي دعت إليها). - الثامن القواعد الأصولية موضوعها الأحكام الشرعية والأدلة السمعية النقلية، أو أعراض الأدلة؛ كصيغة الأمر يفيد الوجوب إذا لم يصرفها عنه صارف، أو المخصوص حجة ظنية وغير ذلك، أما القواعد الفقهية فموضوعها دائماً فعل المكلف سواء كان فعلا أو قولا، كعقد المكلف ونيته (5).
مقال
(1) محمد شبير: القواعد الكلية، ص 30. - الندوي علي أحمد: القواعد الفقهية، ص 295. (2) ذكر الباحث أبو بكر لشهب عكس ذلك، فهو يرى أن معظم القواعد الأصولية قادمة لحكمة ومقصد من يحكم، ومقاصد الشريعة في الوقت ذاته تدور حول محور استناد الأحكام من ألفاظ الشارع ... يراجع: قوله في مجلة جامعة الأمير عبد القادر للعلوم الإسلامية في بعنوان زاد القاضي والمفتي والقواعد الفقهية والضوابط الأصولية، العدد 12 ص 147. لأن كلامه يتناقض مع حقيقة القواعد الأصولية وما ذهب إليه بعض الفقهاء المحققين مثل الشيخ محمد الطاهر بن عاشور في كتابه مقاصد الشريعة، ص 06.
(3) القرافي: الفروق، 2/ 1.
(4) ابن عاشور محمد الطاهر مقاصد الشريعة، ص 06
(5) محمد شبير: المرجع السابق، ص 30. ـ عبد العزيز عزام: قواعد الفقه الإسلامي، ص 21. الوائلي محمد: القواعد الفقهية، تاريخها وأثرها في الفقه، ط 1، 1407 هـ / 1987 م،
ص 113. (1/112)
صفحة 109
الفصل التمهيدي: القواعد الفقهية المفهوم والتطور
113
جميع
التاسع: إن قواعد الأصول محصورة في أبواب الأصول ومواضعه ومسائله وأما قواعد الفقه فهي ليست محصورة أو محدودة العدد بل هي كثيرة جداً منثورة في كتب الفقه العام والفتوى عند المذاهب، ولم تجمع لحد الآن في إطار واحد خاصة في المذهب الإباضي، ولعل هذا النقص من الدوافع التي حفزتني لبحث هذا الموضوع ودراسته دراسة علمية جادة، لاستخراج هذه القواعد و تصنيفها كما هو موجود عند المذاهب الفقهية الأخرى).
-
العاشر: القواعد الأصولية تندرج تحتها جملة من الأدلة الإجمالية، فهي ذريعة يتوصل بها لاستنباط الأحكام الشرعية العملية من أدلتها، وبهذا تتميز القواعد الفقهية عنها؛ لأنها عبارة عن مجموعة الأحكام المتشابهة التي ترجع إلى نص شرعي، كآية قرآنية أو حديث نبوي، أو إلى علة واحدة تجمعها، أو ضابط فقهي يحيط بها وينظمها، أو إلى قياس واحد يربطها، والغرض منها تفريق المسائل الفقهية وتسهيلها للفقيه والمتعلم.
الحادي عشر: ومن جهة توقف كل منهما على الأخرى واستنتاجها، فالقاعدة الأصولية لا يتوقف استنتاجها والتعرف عليها على قاعدة فقهية،
بخلاف العكس، فإن القاعدة الفقهية استنتاجها على القاعدة الأصولية (3). هذا ومع وضوح الفروق بين القواعد الأصولية والقواعد الفقهية، فقد نجد قواعد مشتركة بين العِلْمين متداخلة أو متراوحة بينهما، لكن تختلف فيها
(1) البورنو الوجيز، ص 20. (2) السالمي: طلعة الشمس، 23/ 1 - 24. - الندوي: القواعد الفقهية، ص. 59 - 60. ـ الوائلي: القواعد الفقهية، ص 13. - إسماعيل علوان: القواعد الفقهية الخمس الكبرى، ص 30 ـ زهران المسعودي: ابن بركة السلمي ودوره الفقهي، ص 141. (3) الحكيم تقي الدين الأصول العامة للفقه المقارن، ص 43. ـ الحصني تقي الدين: كتاب
القواعد، 26/ 1. (1/113)
صفحة 110
114
القواعد الفقهية عند الإباضية
زاوية النظر، حيث إن القاعدة الأصولية ينظر إليها من حيث كونها دليلاً إجمالياً يستنبط منه حكم كلي، والقاعدة الفقهية ينظر إليها من حيث كونها حكماً جزئياً لفعل من أفعال المكلفين. فمثلًا: قاعدة: «الاجتهاد لا ينقض بمثله أو بالاجتهاد» ينظر إليها الأصولي من حيث كونها دليلاً يعتمد عليه في بيان عدم جواز نقض أحكام القضاة وفتاوى المفتين إذا تعلقت بها الأحكام على سبيل العموم والإجمال. وينظر إليها الفقيه من حيث تعليل فعل من أفعال المكلفين، فيبين حكمه من خلالها، فإذا حكم حاكم أو قاض بنقض حكم في كالخلع، هل هو فسخ للعقد أم طلاق؟ وقد كان حكم حاكم في مسألة بعينها بأن الخلع طلاق، فيقال له: لا يجوز ذلك؛ لأن الاجتهاد لا ينقض بمثله»، ولكن لك في مسألة أخرى متشابهة أن تحكم فيها باجتهادك لا أن تنقض حكمك إن حكم غيرك في مسالة اجتهادية لا نصية).
مسألة
مجتهد فيها
ومثله أيضاً: سد الذرائع والعرف، فإذا نظر إليها باعتبار أن موضوعها دليل شرعي كانت قاعدة أصولية، وإذا نظر إليها باعتبار كونها فعلاً للمكلف، كانت فقهية؛ كسد الذرائع إذا قيل: كل مباح أدى فعله إلى حرام، أو أدى الإتيان به إلى حرام فهو حرام سدّاً للذريعة، كانت القاعدة فقهية، وإذا قيل: الدليل المثبت للحرام مثبت لتحريم ما أدى إليه كانت القاعدة أصولية (2). وفي العُرف: إذا فسر بالإجماع العملي أو المصلحة المرسلة كانت قاعدة أصولية، وإذا فسر بالقول الذي غلب في معنى معين، أو بالفعل الذي غلب على الإتيان به كانت قاعدة فقهية (3). ولعل هذا التفصيل يعطينا فكرة واضحة وكاملة عن الموضوع ويكشف الفروق الأساسية بين المصطلحين.
(1) البورنو الوجيز، ص 21 - 22.
(2) الروكي: نظرية التقعيد الفقهي، ص 66. - الندوي: القواعد الفقهية، ص 61 - 62. (3) الروكي: قواعد الفقه، ص 120. (1/114)
صفحة 111
الفصل التمهيدي: القواعد الفقهية المفهوم والتطور
115
هذا ومن الجدير بالذكر الإشارة إلى خاصية تشترك فيها القواعد الأصولية والفقهية وهي عدم اتفاق الفقهاء عليها عموماً، وقد أشار إلى ذلك بعض الباحثين المعاصرين بعد عرضه لأهم الفروق التي تميز بين العلمين أن كثيراً من القواعد الأصولية والفقهية هي محل خلاف بين الفقهاء والأصوليين، وقد انبنى على ذلك اختلافهم في الفروع المندرجة فيها، ومن ثَم اعتبرت القواعد الأصولية والقواعد الفقهية الكلية سبباً مهماً من أسباب الخلاف الفقهي، ظهرت آثاره وتطبيقاته في الفروع والمسائل الفقهية المبثوثة في كتب الفقهاء، ولعل هذا الجانب يعتبر من المجالات التي تلتقي فيه القواعد الأصولية والفقهية.
الفقه
ثالثاً: القواعد الفقهية والنظريات الفقهية مر الفقه الإسلامي في مسيرته التأصيلية بعدة مراحل، فقد بدأ بالفروع والجزئيات التي نتجت عن الإجابات والفتاوى في المسائل والنوازل المستجدة، ثم انتقل إلى تقعيد القواعد الكلية والضوابط الفقهية، وهذا التقعيد يعتبر مرحلة ممهدة لجمع المبادئ الأساسية والنظريات العامة في الإسلامي، ولكن الظروف التي نزلت بالمسلمين أوقفت العمل الاجتهادي عند مرحلة التقعيد الفقهي، وبقي الأمر كذلك إلى أن ظهرت النهضة الفقهية في هذا العصر، فقام العلماء بصياغة نظريات فقهية عامة مثل: نظرية الملكية، ونظرية الحق، ونظرية العقد ونظرية الصحة والبطلان، ونظرية الضمان، فما المراد بالنظريات الفقهية؟ وما العلاقة بينها وبين القواعد الفقهية؟ وما موقف الفقهاء منها؟
1 - تعريف النظريات الفقهية
- النظرية في اللغة: مشتقة من النظر، وهو تأمل الشيء بالعين، والنظري هو الذي يتوقف حصوله على نظر وكسب؛ كتصور النفس والعقل والتصديق (1/115)
صفحة 112
116
القواعد الفقهية عند الإباضية
بأن العالم حادث، ونظرية جمْعُها نظريات وهي عبارة عن طائفة من الآراء تفسر بها بعض الوقائع العلمية أو الفنية، وقالوا: النظرية جملة تصورات مؤلفة تأليفاً عقلياً تهدف إلى ربط النتائج بالمقدمات» (1).
وجاء في المعجم الفلسفي تعريف النظرية: بأنها فرض علمي يربط عدة قوانين بعضها ببعض ويردها إلى مبدإ واحد يمكن أن نستنبط منه حتماً أحكاماً وقواعد» (2).
- أما النظريات الفقهية في الاصطلاح فقد اختلف العلماء في بيان مفهومها وبيان علاقتها بالقواعد الفقهية، فمنهم من قال بأن النظريات مرادفة للقواعد الفقهية، ومنهم من فرّق بينهما واعتبر كلاً منهما علماً مستقلاً عن الآخر، وله خصائص تميزه عنه، وبيان ذلك كما يلي:
أ ـ القائلون بالمساواة بين القواعد الفقهية والنظريات الفقهية: يرى بعض الباحثين المعاصرين في الفقه الإسلامي أن النظريات الفقهية العامة مرادفة ومساوية لما يسمى بالقواعد الفقهية فيعرّفون الأولى بحقيقة ثابتة، ولعل ذلك محاولة منهم للإفهام وتيسير المعنى وإيصاله إلى القارئ بالمصطلحات المعروفة اليوم". ومن ذلك: ما نجده عند محمد أبو زهرة حينما عرف القواعد الفقهية بأنها: «مجموعة الأحكام المتشابهة التي ترجع إلى قياس واحد يجمعها، أو إلى ضابط فقهي يربطها، كقواعد الملكية في الشريعة، وكقواعد الضمان، وكقواعد الخيارات، وكقواعد الفسخ، وبشكل عام فهي ثمرة للأحكام الفقهية
(1) نديم مرعشلي وأسامة مرعشلي، إيضاح مختار الصحاح في اللغة، ط، دت، دار الحضارة العربية بيروت، 2/ 580 - 583. (2) إبراهيم مدكور وآخرون، المعجم الفلسفي، ط 1403 هـ / 1983 م، الهيئة العامة لشؤون المطابع الأميرية القاهرة، ص 202.
(3) الروكي: نظرية التقعيد في الفقه الإسلامي، ص 59. ونفسه في قواعد الفقه الإسلام، ص 115. الندوي علي أحمد، القواعد الفقهية، ص
053 (1/116)
صفحة 113
الفصل التمهيدي: القواعد الفقهية المفهوم والتطور
117
الجزئية المتفرقة، يجتهد فقيه مستوعب المسائل، فيربط بين هذه الجزئيات المتفرقة برباط هو القاعدة التي يحكمها أو النظرية التي يجمعها» (1). وفي معرض بيان الفرق بين علم أصول الفقه وبين القواعد الفقهية يؤكد أبو زهرة هذا المفهوم فيقول: «إنه يجب التفرقة بين علم أصول الفقه وبين القواعد الجامعة للأحكام الجزئية، وهي التي مضمونها يصح أن يطلق عليها النظريات العامة للفقه الإسلامي ... وقد التبس على بعض الباحثين الفارق
المميز بينها وبين أصول الفقه، فوجب علينا التنبه إلى ذلك الفرق» (2). يبدو من عبارة أبي زهرة أنه قد خلط بين القاعدة الفقهية والنظرية الفقهية، والأمثلة التي ساقها في تعريفه كلها تنطبق على النظريات الفقهية العامة لا على القواعد الفقهية، ويؤكد هذه التسوية في المعني قوله بعد ذلك: «فأصول الفقه يبنى عليها استنباط الفروع الفقهية حتى إذا تكونت المجموعات الفقهية المختلفة أمكن الربط بين فروعها، وجمع أشتاتها في قواعد عامة جامعة لهذه الأشتات، وتلك هي النظريات الفقهية (3)، فقد صرح بأن القاعدة هي النظرية. ومثل ذلك ما صنعه محمد يوسف موسى الذي لم يفرق بين النظريات الفقهية والقواعد الفقهية، ويؤكد أن للفقه الإسلامي أصوله التي عرفناها، كما له نظرياته وقواعده الكلية العامة التي قام عليها، والتي عني بها ـ خاصة ـ من الأشباه والنظائر ... » (4)
ألفوا في ومثل ذلك صنيع محمد مصطفى شلبي الذي خلط بين النظريات والقواعد وجعل مفهومهما واحداً ودائرتهما، واحدة يلمس ذلك في قوله وهو يتحدث عن عدم اهتمام الفقهاء المسلمين بالنظريات الفقهية العامة: «وأنّ الفقهاء
(1) أبو زهرة محمد: أصول الفقه، ص 08.
(2) أبو زهرة: المرجع نفسه.
(3) نفسه.
(4) محمد يوسف موسى الفقه الإسلامي مدخل لدراسة نظام المعاملات، ص 319. (1/117)
صفحة 114
118
القواعد الفقهية عند الإباضية
المسلمين لم يدونوا الفقه على هيئة نظريات عامة وقواعد كلية ... (1) فقد جمع بين النظريات الفقهية والقواعد الفقهية في المفهوم وكأنهما شيء واحد.
الفقه
ويؤكد هذه التسوية وهذه المرادفة قوله بعد ذلك وهو يتحدث عن الغربي ويصف رجاله باهتمامهم بالنظريات الفقهية والفقه الأجنبي وإن كان في أول أمره بني على الجزئيات إلا أن رجاله قعدوه وصاغوه على هيئة نظريات ... » (2) فقد جعل التقعيد وصياغة النظريات شيئاً واحداً). وقريب من ذلك ما يمكن أن يفهم من كلام الشيخ يوسف القرضاوي حينما تحدث عن معالم تجديد الفقه الإسلامي، فقد جاء في حديثه عن المعلمة الأولى من معالم هذا التجديد ما سماه بتنظير الفقه الإسلامي، ويعني به أن تصاغ أحكام الفقه الجزئية وفروعه المتفرقة، ومسائله المنثورة في أبوابها المختلفة من كتبه في صورة نظريات كلية عامة، تصبح هي الأصول الجامعة التي تنبثق منها فروعها، وتتشعب جزئياتها المتعددة وتطبيقاتها المتنوعة، وذلك على نحو ما هو معروف في القوانين الأجنبية في مثل النظرية العامة للالتزامات، ونظرية الأهلية، ونظرية البطلان وغيرها (4).
وقد تبع هؤلاء الباحثين في هذا الاتجاه الشيخ أحمد بوطاهر الخطابي في
مقدمة تحقيقه للكتاب إيضاح المسالك إلى قواعد الإمام مالك للونشريسي
(1) شلبي محمد مصطفى: المدخل في التعريف بالفقه الإسلامي وقواعد الملكية والعقود، ص 323. (2) شلبي محمد مصطفى: المرجع السابق، ص
60
323
(3) الروكي: نظرية التقعيد الفقهي، ص (4) القرضاوي يوسف: الفقه الإسلامي بين الأصالة والتجديد. ط 1، دار الصحوة للنشر القاهرة،
1406 هـ/1986 م، ص 28 - 29.
أخذ
عن
(5) الونشريسي: هو أحمد بن يحيى بن محمد التلمساني، أبو العباس)، (و: 834 هـ / 1430 م - 914 هـ / 1508 م)، فقيه مالكي، علماء تلمسان من كتبه إيضاح المسالك إلى قواعد الإمام مالك؛ المعيار المعرب عن فتاوي علماء إفريقية والأندلس وبلاد المغرب؛ الولايات في مناصب الحكومة الإسلامية والخطط الشرعية؛ ... إلخ. الزركلي، الأعلام، 269/ 1. (6) الونشريسي أحمد بن يحيى: إيضاح المسالك في قواعد الإمام مالك، ص 111. (1/118)
صفحة 115
الفصل التمهيدي: القواعد الفقهية المفهوم والتطور
119
ب - القائلون بالتفريق بين القواعد الفقهية والنظريات الفقهية
ذهب كثير من العلماء المعاصرين إلى التفريق بين القواعد الفقهية والنظريات الفقهية، ولعل من أشهر من عرف النظريات الفقهية وأوضح من كتب فيها واطلعنا عليه في هذا الشأن هو الشيخ مصطفى الزرقا إذ يقول في تعريفها: نريد بالنظريات الفقهية الأساسية: تلك الدساتير والمفاهيم الكبرى التي يؤلف كل منها - على حدة - نظاماً حقوقياً موضوعياً منبثاً في الفقه الإسلامي، كانبثاث أقسام الجملة العصبية في نواحي الجسم الإنساني، وتحكم عناصر ذلك النظام في كل ما يتصل بموضوعه من شعب الأحكام، وذلك كفكرة الملكية، وأسبابها، وفكرة العقد وقواعده ونتائجه، وفكرة الأهلية وأنواعها ومراحلها، وعوارضها وفكرة النيابة وأقسامها، وفكرة البطلان والفساد والتوقف وفكرة التعليق والتقييد والإضافة في التصرف القولي وفكرة الضمان وأسبابه وأنواعه وفكرة العُرف وسلطانه على تحديد الالتزامات، إلى غير ذلك من النظريات الكبرى التي يقوم على أساسها صرح الفقه بكامله، ويصادف الإنسان أثر سلطانه في في حلول المسائل والحوادث الفقهية (1).
6
جميع
ولعل من أبرز ما يلاحظ على تعريف الشيخ الزرقا أنه استطاع أن يقدم تصويراً سليماً ودقيقاً للمراد بالنظرية عند رجال القانون، وإن كان على خلاف ما تقتضيه الأصول المنطقية للتعريفات، وفيه من الاتساع ما يشمل الموضوعات الأصولية، والموضوعات الجزئية الصغيرة الداخلة في إطار ما هو أوسع منها (2).
وقد طرح أحمد فهمي أبو سنة تعريفاً للنظرية الفقهية فقال: إنها «القاعدة
(1) الزرقا مصطفى أحمد المدخل الفقهي العام فقرة (99)، 235/ 1.
(2) الباحسين يعقوب القواعد الفقهية، ص 146. (1/119)
صفحة 116
=
القواعد الفقهية عند الإباضية
120
الكبرى التي موضوعها كُلّي تحته موضوعات متشابهة في الأركان والشروط،
والأحكام العامة؛ كنظرية الملك، ونظرية العقد، ونظرية البطلان). ويؤخذ على تعريف الشيخ أبي سنة أنه لم يميز القواعد الفقهية من النظريات، فتعريفه تدخل فيه القواعد الفقهية أيضاً أو بعضها على أقل تقدير، وقد عرفنا أن القواعد لا بد أن يكون موضوعها كلياً، وأن أكثرها يدخل تحت موضوعه موضوعات متشابهة مما أشار إليه الشيخ.
وعرفها علي الندوي بأنها موضوعات فقهية، أو موضوع يشتمل على مسائل فقهية أو قضايا فقهية حقيقتها أركان وشروط وأحكام، تقوم بين كل منها صلة فقهية، تجمعها وحدة موضوعية تحكم هذه العناصر جميعاً (2). ويظهر من تعريفه تأثر واضح بتعريف الزرقا وأبي سُنة في جوانب عدة،
كبيان حقيقة النظرية وصلة عناصرها ببعضها.
وممن عرف النظريات الفقهية وهبة الزحيلي في كتابه: «الفقه الإسلامي وأدلته يقول فيه: «النظرية: معناها المفهوم العام الذي يؤلف نظاماً حقوقياً موضوعياً تنطوي تحته، جزئيات موزعة في أبواب الفقه المختلفة، كنظرية الحق، ونظرية الملكية» (3).
وهناك تعريفات أخرى للنظرية الفقهية حاول أصحابها أن يقدموا تعريفاً يميز النظرية عن القاعدة قريبة من التعريفات المتقدمة أعرضنا عن ذكرها خوفاً من الإطالة والإطناب (4).
ط،
(1) أبو سنة أحمد فهمي: النظريات العامة للمعاملات في الشريعة الإسلامية، مطبعة دار التأليف مصر 1386 هـ / 1967 م، ص 44. ـ أحمد بن عبد الله بن حميد: محقق كتاب القواعد للمقري، 109/ 1.
63
(2) الندوي علي أحمد القواعد الفقهية، ص (3) الزحيلي وهبة الفقه الإسلامي وأدلته، 7/ 4. وبهذا التعريف مع تغيير يسير أورد محمد الدسوقي، وأمينة الجابر في كتابهما مقدمة في دراسة الفقه الإسلامي، ص 22.
(4) الحصري أحمد محمد: القواعد الفقهية للفقه الإسلامي، مكتبة الكليات الأزهرية القاهرة، (1/120)
صفحة 117
الفصل التمهيدي: القواعد الفقهية المفهوم والتطور
121
مما سبق يتضح أن النظرية الفقهية هي عبارة عن نظام عام لموضوع فقهي خاص، تنطوي تحته مسائل وفروع فقهية عديدة، تتعلق بتعريف الموضوع وبيان مقوماته من أركان وشروط وفروع فقهية، وبيان آثاره وتحديد أسباب
نهايته وغير ذلك (1).
الرأي المختار:
والحق أن القاعدة الفقهية ليست مرادفة للنظرية الفقهية بل هي مختلفة عنها، ولكن هذا لا يعني حصول التنافر بينهما، فالقاعدة الفقهية كما هي حكم شرعي مستنبط من أحد المصادر الشرعية بطرق الاستنباط المعروفة في علم أصول الفقه، إلا أنه كلي لا جزئي، أما النظرية الفقهية فليست حكماً مستنبطاً، وإنما هي دراسة ينتهي فيها الفقه إلى الجمع بين جملة من الموضوعات والأحكام والبحوث الفقهية التي تُكوّن بمجموعها فكرة واحدة متكاملة الأجزاء (2)، وقد تقدم أن بعض الباحثين المعاصرين يسوّي بين القاعدة الفقهية والنظرية الفقهية العامة، محاولة منهم لتقريب المعاني الفقهية وتبسيطها للدارسين، ونحن لا ننازعهم في الاصطلاح إذا أرادوا بهذه التسوية نوعا من العموم الذي يجمع بين القاعدة والنظرية وإنما نريد أن نؤكد على ضرورة المحافظة على روح القاعدة الفقهية وماهيتها ومعناها العلمي الذي تقدم، ولا يكون ذلك إلا بالتفريق بينها وبين النظرية الفقهية (3)، ولذلك فأنا أميل إلى ما ذهب إليه أصحاب القول الثاني من التفريق بينهما وإن اشتركتا في أن كُلاً منهما يشتمل على فروع فقهية من أبواب مختلفة، إلا أنهما يفترقان من عدة وجوه.
=
6
ص
ط، 1413 هـ / 1993 م، ص 22. فقد نسب تعريفه إلى جمال الدين محمد عطوة في كتابه الموجز في القواعد الفقهية، ص 7 - 9. - وينظر: جمال الدين عطية، التنظير الفقهي، (1) شبير محمد عثمان القواعد الكلية، ص 25.
(2) الروكي: نظرية التقعيد، ص
(3) الروكي: المرجع
نفسه، ص 5
60 - 61
110 (1/121)
صفحة 118
122
القواعد الفقهية عند الإباضية
2 - الفروق بين النظريات الفقهية والقواعد الفقهية
- الأول النظرية الفقهية أكثر اتساعاً وشمولاً من القاعدة الفقهية؛ لأن النظرية قد يندرج تحتها كثير من القواعد الكلية والضوابط الفقهية ذات الصلة بموضوع النظرية كنظرية التعسف في استعمال الحق يدخل فيها كثير من القواعد الفقهية مثل: الضرر يزال»، و «درء المفاسد مقدم على جلب المصالح»، و «إذا تعارضت مفسدتان أعظمهما بارتكاب أخفهما»، روعي
وغير ذلك.
غير أن القاعدة الفقهية قد تكون في بعض الأحيان أعم من النظرية الفقهية من وجه آخر فقد تكون ذات صلة بعدة نظريات فقهية، كقاعدة: «الأمور بمقاصدها»، فهي تتصل بعدة نظريات كنظرية العقد ونظرية الملكية، ونظرية المؤيدات الشرعية، وغير ذلك، فتكون العلاقة بين النظرية والقاعدة: العموم والخصوص الوجهي)؛ لأن القاعدة لا تتقيد بموضوع ولا باب معين، فالنظرية حين يكون موضوعها العقد أو الملكية فلا يدخل فيها ما يتعلق بالعبادات، أو غير ذلك ما لا صلة له بالنظرية (2).
- الثاني: النظرية الفقهية تتضمن في الغالب المقومات الأساسية من أركان
-
وشروط وضوابط وهذا ما لا تتضمنه كثير من القواعد الفقهية (3). الثالث: النظرية الفقهية لا تتضمن حكماً فقهياً في ذاتها؛ لأنها مجرد هيكل علمي ينتظم مجموعة من القضايا المتجانسة في إطار ذلك الهيكل، كنظرية الملكية، والفسخ والبطلان في حين أن القاعدة الفقهية تتضمن حكماً فقهيّاً في ذاتها، ويستند ذلك الحكم إلى أدلة شرعية من الكتاب، أو السنة، أو
(1) شبير محمد المرجع السابق، ص
25، 26
(2) الباحسين يعقوب القواعد الفقهية، ص 150.
(3) شبير: المرجع السابق، ص 26. - الندوي: القواعد الفقهية، ص 56. (1/122)
صفحة 119
الفصل التمهيدي: القواعد الفقهية المفهوم والتطور
123
القياس، أو غير ذلك، وهذا الحكم الذي تتضمنه القاعدة ينتقل إلى الفروع المندرجة تحتها، فقاعدة: اليقين لا يزول بالشك تضمنت حكماً فقهياً في كل اجتمع فيها يقين وشك (1).
مسألة
الرابع: النظرية الفقهية تصاغ على شكل بحث أو كتاب مطوّل، فهي تشمل جانباً واسعاً من الفقه الإسلامي، مباحثه تشكل دراسة موضوعية مستقلة لذلك الجانب، في حين أن القاعدة الفقهية تصاغ بعبارة موجزة دقيقة، وذلك
لعموم معناها، وسعة استيعابها للفروع الجزئية من أبواب مختلفة (2). الخامس: القاعدة الفقهية تحمل في عناصرها معنى التقعيد والتأصيل، تُربط بها حلقاتها ارتباطاً طبيعياً، أو كالعقد الذي تنتظم في
فهي
كالسلسلة
هي
خيطه حباته انتظاماً يُكوّن صورته الكلية، أو كآلة تدور حولها أجزاؤها وتوابعها دوراناً، آلياً، أما النظرية الفقهية العامة فهي تتكون بواسطة تجريد أبواب الفقه الإسلامي وفصوله وموضوعاته، ثم تصنيف ذلك كله تصنيفاً تنتظم به كل مجموعة أو مجموعات من القضايا المتجانسة والمتشابكة في إطار كبير واحد يجمعها، فالنظريات - إذاً - هي بمثابة الوحدات الكبرى، أو المحاور الأساسية التي تدور في فلكها أحكام فقهية كثيرة مرتبطة ومتشابكة (3). السادس: النظرية الفقهية أسلوب علمي جديد للبحث الفقهي، اقتبسه الفقهاء المسلمون المحدثون من فقهاء الغرب على يد الدارسين بكليات الحقوق، الذين أخذوا يدرسون الفقه في نطاق واسع، واتصل رجاله برجال القانون وأفاد كلا الفريقين من الآخر، وأثر كل منهما في الآخر وتأثر به، فكان
(1) شبير: القواعد الكلية، ص 25 الندوي: المرجع نفسه، ص 55 - 56. أبو سنة: النظريات العامة للمعاملات في الشريعة الإسلامية، ص 44. - وأحمد بن عبد الله. بن حميد: القسم
الأول الدراسة، من كتاب القواعد للمقري النسخة المرقونة، 109/ 1. (2) شبير: المرجع نفسه، ص 26. - الندوي المرجع نفسه، ص 57. (3) الروكي: قواعد الفقه، ص 115 - 116. (1/123)
صفحة 120
124
القواعد الفقهية عند الإباضية
نتائج ذلك أن أصبح عرض المسائل والموضوعات الفقهية يخضع لنظام النظريات الفقهية الحديثة (1).
وقد أكد يعقوب الباحسين هذه الحقيقة التاريخية فبين «أنّ النظريات الفقهية بالمعنى المشار إليه تُعد من الأمور المستحدثة التي اقتضتها حاجة الدارسين للفقه الإسلامي في كليات الحقوق والقانون الآخذة في مناهجها بطريق الحضارة الغربية، ولهذا فإننا نجد من قاموا بتدريس موضوعات الشريعة والفقه في هذه الكليات تأثروا بذلك، وتكاد كتبهم تجمع على دراسة الشريعة
الإسلامية أو ما أشبه ذلك من الأسماء التي تتصل بهذا الموضوع» (2). ومن الأمور الثابتة أن الفقه الإسلامي عموماً والإباضي وخصوصاً لم
تتضمن مصنفاته القديمة بحث المادة الفقهية على هيئة النظريات بالمعنى الذي ذكرناه، فلا توجد فيه نظرية عامة للعقد مثلاً، وإنما نجده يتحدث عن كل عقدِ على حدة؛ كعقد البيع، وعقد الإجارة، وعلى الباحث أن يستخلص النظرية العامة للعقد من خلال استعراضه لهذه العقود المسماة عقداً عقداً، ويستخرج الأحكام المشتركة التي تسري على الكثرة الغالبة من الفروع (3).
الفقه
(1) الروكي: نظرية التقعيد الفقهي، ص 61 - 62. ـ الندوي: القواعد الفقهية، ص (2) وفي مجال الدراسات الجديدة كتاب عبد الرزاق السنهوري، بعنوان «مصادر الحق في الإسلامي» في ستة أجزاء، وبعض دراسات مصطفى الزرقا في كتابه القيم، «المدخل الفقهي العام»، ومؤلفات صبحي محمصاني في كتابه النظرية العامة لموجبات العقود»، وكتابه «المدخل في التعريف بالفقه الإسلامي»، و «قواعد الملكية والعقود فيه» لمحمد مصطفى شلبي، ودراسات مستقلة أخرى على هذا الطراز.
(3) الندوي علي أحمد القواعد الفقهية، الهامش، ص 54، نقلا عن عبد الرزاق السنهوري عند تفصيله لنظرية العقد حيث يقول: إن الفقه الإسلامي في مراجعه القديمة لا توجد فيه نظرية عامة للعقد بل هو يستعرض العقود المسماة عقداً عقداً، وعلى الباحث أن يستخلص النظرية العامة للعقد من بين الأحكام المختلفة لهذه العقود المسماة، فيقف عند الأحكام المشتركة التي تسري على الكثرة الغالبة في هذه العقود ينظر: مصادر الحق في الفقه الإسلامي للسنهوري، مصر مطابع دار المعارف، 1968 م، 19/ 6، 20. (1/124)
صفحة 121
الفصل التمهيدي: القواعد الفقهية المفهوم والتطور
125
عند
وبسبب خُلق الفقه الإسلامي مما ذكرنا، نجد أكثر شيوخ العلم يميلون إلى رفض اصطلاح (نظرية) في الفقه، ويرى بعض الباحثين تعليل ذلك بأن النظرية تقوم على أساس التنظير الفكري للإنسان، فهي تمثل وجهة نظره إلى الأمور، أما الفقه فأساسه النص الشرعي أو ما استند إليه (1)، لكن يرى غيرهم أ أنه التأمل والتدقيق في الأمر نجد أن الفقه ليس حصيلة النصوص المجردة، وإنما إلى ذلك اجتهادات العلماء في فهمها وتفسيرها، والقياس عليها، والبناء على مقاصدها، فللنظر مدخل أيضاً، ولهذا فإن الذي يغلب على الظن أن هذا الإنكار يعود إلى أن النظرية من مصطلحات الفقه الغربي والقانون الوضعي، أو أنها من الأمور المحدثة المبتدعة لا يجوز إدخالها في منظومة الفقه الإسلامي).
يجمع
وقد حاول بعض الباحثين المعاصرين بيان أسباب إهمال الفقهاء المتقدمين تنظير الفقه وجمعه في نظريات عامة - كما فعل الفقهاء الغربيون ـ فذكر أن أنّ فقهاءنا القدماء أهملوا هذه النظريات قصوراً منهم، أو لعدم
هذا لا يعني
استيعابهم لدائرتها، بل إهمالهم لها يرتبط أساساً بطبيعة الفقه الإسلامي عموما والإباضي خصوصاً، حيث الذي نشأ فقهاً عملياً، وواقعاً تطبيقياً في ظل الوقائع والحوادث، مرتبطاً بتحليل جزئيات وفق أحكامها الشرعية، على خلاف الفقه الغربي الذي يعتمد أساساً على التنظير والتقنين، أولاً، ثم عرض ذلك على التطبيق ثانياً.
وإلى جانب ذلك فهناك سبب آخر هو: أن التقعيد الفقهي خاضع للاستنباط وطرقه، وهو أمر قد اهتم به الفقهاء غاية الاهتمام، وتبلور ذلك في علم أصول الفقه الذي يمثل سعة وعمق العقلية الإسلامية عندهم، ويعتبر الوسيلة
(1) الباحسين يعقوب: القواعد الفقهية، ص 148. - الدرعان عبد الله: المدخل للفقه الإسلامي،
ص 125.
(2) الباحسين: المرجع نفسه. (1/125)
صفحة 122
126
القواعد الفقهية عند الإباضية
والمسلك الوحيد لفهم النصوص الشرعية وفقهها، فكانت حاجتهم إلى التقعيد الفقهي باعتباره ضرباً من الاستنباط، تفرض عليهم الاهتمام به دون النظريات الفقهية التي هي دراسة محضة وليست استنباطاً فقهيّاً).
ورغم أن فقهاءنا لم يصنفوا الفقه الإسلامي على شكل نظريات فقهية عامة، لكن ما كتبوه من مسائل الفقه وأحكامها في إطار الأبواب والفصول، يستوعب مادة كاملة يمكن صياغة النظريات الفقهية منها، ولا يحتاج ذلك إلا إلى الجمع والتجريد مع الاستيعاب لعناصر النظرية.
- إمكانية إنشاء نظريات عامة من الفروع الفقهية والقواعد الكلية: ولأهمية الموضوع نتساءل كيف تنشأ النظريات الفقهية؟ إن فقهاءنا لم يعقدوا لنظرية العقد - مثلاً - باباً أو فصلاً يقدم تصوراً كاملاً عنها، لكن ذلك مبثوث بطريقة مباشرة وتطبيقية في كافة أبواب الفقه الإسلامي، فإذا رجعنا إلى ما كتبوه في العقود كالبيوع، والإيجارات، والشركة، والشفعة، والقسمة والرهن، والقرض والهبة والوقف والصدقة، والنكاح والطلاق وسائر العقود الأخرى، استطعنا أن نُكوّن صورة تامة وفكرة كاملة عن العقد وحقيقته، وأركانه وشروطه، وصحته وبطلانه ومجلس العقد وخيار المجلس، وموجبات الانعقاد وموجبات اللزوم والنفاذ، وموجبات الفسخ، وما إلى ذلك
6
من مباحث العقد الأخرى، وكل ذلك يُكوّن دائرة واحدة هي نظرية العقد. هذا إذا رجعنا إلى ما كتبوه عن الفروع والجزئيات المرتبطة بالعقد، أما إذا نظرنا فيما دونوه في التراث الفقهي من القواعد والكليات، فإننا نقف على جملة من القواعد الفقهية التي ترسم أحكاماً كلية لدائرة العقد ومنظومته، يمكن للفقيه - من خلالها أيضاً ـ أن يحصل على فكرة كاملة عن نظريات العقد، ومن هذه القواعد مثلاً:
(1) الروكي: نظرية التقعيد الفقهي، ص 62. (1/126)
صفحة 123
الفصل التمهيدي: القواعد الفقهية المفهوم والتطور
127
—
-
الشرط الباطل لا يؤثر في العقد. الإكراه يبطل العقد.
العقود لا تثبت في الذمم.
ما هو من موجب العقد لا يحتاج إلى اشتراطه.
الجهالة تبطل العقد.
لا عقد من الغرر.
العقد على الأعيان كالعقد على منافعها.
ما ليس شرطاً في صحة العقد فليس من الواجب أن يقترن به. كل عقد جاز أن يكون على القسمة جاز أن يكون على الشياع.
كل ما يصح تأبيده من عقود المعاوضات فلا يصح توقيته. كل ما كان لأحد المتعاقدين فسخه بوجه كان للآخر فسخه بمثل ذلك الوجه. كل عقد فاسد مردود إلى صحيحه. إلى غير ذلك من القواعد الفقهية الأخرى التي تدور في
العقد وفكرته العامة (1).
فلك موضوع
تألفت من
وكذلك الشأن في نظريات الإثبات في الفقه الجنائي الإسلامي
عدة عناصر، وهي المواضع التالية: حقيقة الإثبات - الشهادة - شروط الشهادة - كيفية الشهادة - الرجوع عن الشهادة - مسؤولية الشاهد - الإقرار - القرائن - الخبرة - معلومات القاضي - الكتابة - اليمين - القسامة - اللعان.
فهذا مثال آخر للمنهج الجديد الذي يسلكه المؤلفون في النظريات العامة في تكوينها؛ إذ كل موضوع عنصر من عناصر هذه النظرية، وتندرج تحته فصول، والرابط بينها علاقة فقهية خاصة (2).
(1) الروكي: المرجع نفسه،
ص
62 - 63
(2) الندوي: القواعد الفقهية، 54 - 55. (1/127)
صفحة 124
128
القواعد الفقهية عند الإباضية
ويمكن كذلك أن ندرج مجموعة من القواعد الفقهية ـ التي تختلف في فروعها وجزئياتها وآثارها ولكنها تتسم بصفة عامة ومزايا مشتركة، أو تتحد في موضوعها العام - تحت نظرية معينة، وعلى سبيل المثال القواعد التالية:. العادة محكمة. (م/36).
استعمال الناس حجة يجب العمل به. (م/37)
• لا ينكر تغير الأحكام المبنية على المصلحة أو العرف) بتغير الزمان. (م/39).
إنما تعتبر العادة إذا اطردت أو غلبت. (م/41). المعروف عرفاً كالمشروط شرطاً. (م/43). المعروف بين التجار كالمشروط بينهم. (م/44).
• التعيين بالعرف كالتعيين بالنص. (م/ 45) (1).
فهذه المجموعة من القواعد الفقهية المعروفة - بغض النظر عن الفروع والجزئيات المختلفة التي تندرج تحت كل منها ـ فإنه يمكن أن نضعها جميعاً تحت عنوان (نظرية (العرف فإن العرف هو الطابع الغالب على القواعد المذكورة).
جميع
هذه
وبهذه الطريقة ـ بعد الدقة والتأمل - يمكن أن نوزع كثيراً من تلك القواعد مجموعة تحت قواعد كبرى معينة أو نظريات معينة.
(1) هذه القواعد نقلها الندوي في كتابه القواعد الفقهية، ص نقلًا عن مجلة الأحكام العدلية العثمانية. ـ ونقل هذه القواعد عبد العزيز عزام في كتابه قواعد الفقه الإسلامي، ص 21 نقلا عن كتاب المستثنيات في العبادات والمعاملات وقواعدها الشرعية التي ترد عليها في الفقه الإسلامي، رسالة ماجستير مقدمة لكلية الشريعة والقانون بالقاهرة جامعة الأزهر للباحث
21
عثمان أبو العينين إسماعيل، ص (2) الندوي: المرجع السابق، ص 57. - عزام عبد العزيز: قواعد الفقه الإسلامي، ص 28، نقلًا عن كتاب «النظريات العامة للمعاملات في الشريعة الإسلامية»، لأحمد فهمي أبو سنة، نشر
دار التأليف مصر
1386 هـ / 1967 م، ص 44. (1/128)
صفحة 125
الفصل التمهيدي: القواعد الفقهية المفهوم والتطور
129
وهكذا فبالرجوع إلى مصنفات الفقهاء، والنظر فيها إلى فقه الجزئيات والكليات يستطيع الفقهاء المعاصرون أن يعيدوا صياغة الفقه الإسلامي كله على شكل هذه النظريات الفقهية الحديثة؛ لأن أسس النظريات ومادتها العلمية موجودة في هذه المصنفات بشكل مفرق وموزّع على أبواب الفقه الإسلامي وموضوعاته وكلياته، وليس بين هذه المادة العلمية وبين أن تصاغ نظريات، إلا أن يقوم الفقيه بجولة علمية في هذه الأبواب والموضوعات والكليات من أجل تجريد النظريات واستخلاصها (1).
رابعاً: القواعد الفقهية والقواعد المقاصدية
لا يمكن إدراك الفروق بين القواعد الفقهية والقواعد المقاصدية، والعلاقة التي تربط بينهما إلا بعد معرفة حقيقة القاعدة الفقهية والقاعدة المقصدية، وقد تقدم بيان مدلول القاعدة الفقهية وبقي لنا معرفة المعنى اللغوي والاصطلاحي للمقاصد والمعنى الإجمالي للقاعدة المقصدية كما يلي:
1 - تعريف المقاصد
المعنى اللغوي للمقاصد:
يطلق القصد في اللغة على معان كثيرة من أهمها: استقامة الطريق، ومنه قوله تعالى: {وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَبِيلِ وَمِنْهَا جَابِرٌ وَلَوْ شَاءَ هَدَيْكُمْ أَجْمَعِينَ} (النحل: 9). أي على الله تبيين الطريق المستقيم، والدعاء إليه بالحجج والبراهين الواضحة (2).
وقد يطلق القصد على الاعتماد والأم نقول: قصده يقصده قصداً بمعنى
(1) الروكي: نظرية التقعيد الفقهي، ص 64.
(2) الأصفهاني الراغب أبو القاسم الحسين بن محمد بن المفضل مفردات ألفاظ القرآن، ط محققة،
دار القلم، دمشق، 44/ 2. (1/129)
صفحة 126
130
القواعد الفقهية عند الإباضية
سار إليه واتجه نحوه (1)، وهذا المعنى هو الأكثر استعمالًا عند الفقهاء والأصوليين، ومنه قولهم: «المقاصد تغير أحكام التصرفات، والمقاصد معتبرة في التصرفات» (2).
المعنى الاصطلاحي للمقاصد:
لم يحرص السابقون من الأصوليين والفقهاء على وضع تعريف اصطلاحي للمقاصد بل اكتفوا ببيان وجوه المصالح التي تحققها الأحكام وتقيمها فقالوا: إن الشارع قصد بالتشريع إقامة المصالح الأخروية والدنيوية في العاجل والآجل معاً (3).
وأما الباحثون المعاصرون فقد عرّفوا المقاصد الشرعية بتعريفات كثيرة، وعلى ضوئها يمكن تعريف مقاصد الشريعة بأنها: الأهداف والغايات التي وضعت الشريعة لأجل تحقيقها عند كل حكم من أحكامها (4).
ويفهم من هذا التعريف أن مقاصد الشريعة هي الغايات والأسرار التي وضعها الشارع عند كل حكم من أحكامها، فإن هذا التعريف قد جمع بين المقاصد العامة والمقاصد الخاصة في الشريعة، فالمقاصد العامة هي الغايات المصلحية العامة التي يهدف الشارع إلى تحقيقها في مجال تشريعي محدد، كأحكام الأسرة والقرابة والمصاهرة، إلى غير ذلك من المقاصد الجزئية المرعية في بعض الأحكام أو طائفة منها (ه).
(1) ابن منظور: لسان العرب، 3642/ 5. - إبراهيم أنيس وآخرون: المعجم الوسيط، ط دار العارف مصر 1973، 738/ 2.
(2) الشاطبي: الموافقات 98/ 1 - ابن قيم الجوزية إعلام الموقعين، 98/ 3. (3) الشاطبي: الموافقات، 2/ 4 - 25. والمصدر نفسه: 28/ 3. ونفسه: 141/ 4. (4) الفاسي علال مقاصد الشريعة ومكارمها ط،5، 1993 م، دار الغرب الإسلامي، لبنان،
ص 7.
(5) ابن عاشور مقاصد الشريعة، ص 155. (1/130)
صفحة 127
الفصل التمهيدي: القواعد الفقهية المفهوم والتطور
131
2 ـ تعريف القاعدة المقصدية
القاعدة المقصدية هي:
أدلة الشريعة
ما يعبر به عن معنى عام مستفاد من المختلفة اتجهت إرادة الشارع إلى إقامته من خلال ما بنى عليه من أحكام"). - معنى القاعدة:
هذه القاعدة تفيد أنّ مآلات الأفعال معتبرة ومقصودة شرعاً: فالشارع لا يقصد بالتكاليف الشرعية الإضرار بالناس بل مقصود الشارع تحقيق المصالح ودفع المفاسد في العاجل والآجل معاً، والمصالح والمفاسد راجعة إلى خطاب الشارع (2). والأمثلة على ذلك كثيرة منه قول الله تعالى: {يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} (البقرة: 183)، وقوله تعالى: {وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَوةٌ يَتأُولِي الْأَلْبَابِ} (البقرة: 189)، وقوله: وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدُوا بِغَيْرِ عِلْمٍ} (الأنعام: 108). فهذه النصوص ترشد إلى أحكام النظر إلى المآل عند بيان الحكم، مما يشير إلى اعتبار ذلك المآل وتوجه القصد إليه، فمقصود الشارع التكليف بما فيه كلفة ومشقة ما، ولكنه لا يقصد نفس المشقة، بل يقصد ما في ذلك من المصالح العائدة على المكلف في المآل (3).
- الفروق بين القاعدة المقصدية والقاعدة الفقهية
كنت قد بينت فيما تقدم من تعريفات القاعدة الفقهية أنها «قضية شرعية عملية كلية تشمل بالقوة على أحكام جزئيات موضوعها» وبعبارة أخرى هي:
(1) الكيلاني عبد الرحمن إبراهيم: قواعد المقاصد،
(2) الشاطبي: الموافقات، 4/ 2.
ص
00
(3) عزام عبد العزيز محمد القواعد الفقهية، طبع دار الحديث، القاهرة، مصر، 1426 هـ/ 2005 م،
ص 23. (1/131)
صفحة 128
132
القواعد الفقهية عند الإباضية
قضية كلية تعبّر عن حكم عام يُتعرّف بها أحكام على الجزئيات التي يتحقق فيها مناط هذا الحكم، وهذه السمة الكلية نجدها متحققة في القاعدة المقصدية؛ بل هي من أهم خصائصها؛ لأن من سمات القاعدة كقاعدة أن تكون كلية في تناولها للجزئيات الداخلة تحت موضوعها، وإلا لم تستحق وصفها بالقاعدة، ويقصد بالكلية أنها لا تختص بشخص دون شخص، ولا بحال دون حال، ولا موضوع دون موضوع، أي تكون عامة (1).
والأمر الآخر الذي يجمع بين القاعدة الفقهية والقاعدة المقصدية؛ أن غايتها في النهاية واحدة وهي الوقوف على حكم الشرع في الوقائع والنوازل المستجدة وفق إرادة الشارع الحكيم وقصده، فكلا القاعدتين في النهاية وسائل تسعف المجتهد، ليتمكن من إدراك الحكم الذي خاطب الله تعالى المكلفين فيما لا نص فيه بعينه (2)، فالغاية النهائية من القاعدة الفقهية مثلًا: «المشقة تجلب التيسير» متفقة مع القاعدة المقصدية لا يقصد الشارع التكليف بالشاق الأعمال» (3)؛ ذلك أن كُلاً من هاتين القاعدتين تؤول في نهاية الأمر إلى إعانة المجتهد أو الفقيه لمعرفة الحكم الشرعي فيما يتحقق فيه مناطها، والكشف عنها (4).
أما
فهذا هو وجه الصلة الذي يربط بين القاعدة الفقهية والقاعدة المقصدية وجه الفرق بينهما فلعله يظهر فيما يلي من الأمور:
(1) الكيلاني عبد الرحمن: قواعد المقاصد،
(2) الكيلاني: المصدر نفسه، 68.
(3) الشاطبي: الموافقات، 93/ 2، 98.
ص
67
(4) مصطفى أرشوم القواعد الفقهية وعلاقتها بفقه المقاصد، بحث نشر في كتاب القواعد الفقهية بين التأصيل والتطبيق ضمن بحوث ندوة تطور العلوم الفقهية في عمان خلال القرن الرابع الهجري - القواعد الفقهية أنموذجاً ـ تنسيق ومراجعة، مصطفى باجو، بإشراف وزارة الأوقاف والشؤون الدينية، سلطنة عُمان، مطابع النهضة، عُمان، 2005 م،
ص 160 - 161. (1/132)
صفحة 129
الفصل التمهيدي: القواعد الفقهية المفهوم والتطور
133
أ - من حيث الحقيقة
فإن حقيقة كل منهما تختلف عن حقيقة الأخرى من حيث إن القاعدة الفقهية بيان لحكم شرعي كلي تندرج تحته كثير من الأحكام الجزئية التي يتحقق فيها مناط ذلك الحكم الكلي العام وحقيقة القاعدة المقصدية إنما هي بيان للحكمة التي قصد الشارع إليها من تشريع الحكم.
والفرق بين الحكم والحكمة ظاهر، فإذا كانت القاعدة الفقهية تعبيراً عن الحكم الكلي، فإن القاعدة المقصدية تعبير عن الحكمة والغاية، فمثلاً قاعدة: «المشقة تجلب التيسير وهي قاعدة فقهية تقرر حكماً كلياً مفاده أن الجهد غير المعتاد يكون سبباً للتيسير والتسهيل على المكلف ولا تلتفت هذه القاعدة إلى مقصد التخفيف على المكلف، كما تعبّر عنه غاية هذا الحكم الكلي وحكمته، بخلاف القاعدة المقصدية مثل قاعدة: «إن مقصود الشارع من مشروعية الرخص الرفق بالمكلف من تحمل المشاق» (1)، فإنها زاخرة ببيان غاية التيسير على المكلف، وتبعاً لذلك قرر العلماء أن الحرج مرفوع عن الأمة لسبين: أحدهما: خوف الضرر أو الملل، أو بغض الطاعة وكراهيتها.
والثاني: خوف تعطيل الأعمال الأخرى والتقصير فيها (2).
ب - من حيث الحجية والمكانة
إن الفقهاء بالنسبة للقاعدة الفقهية استندوا إلى نصوص كثيرة فقرروا من خلالها أنه لا يجوز بناء الحكم على أساس القواعد ولا ينبغي تخريج الفروع عليها، إذ ليس من المعقول أن يجعل ما هو جامع ورابط للفروع دليلاً من أدلة الشرع، ومن أجل ذلك يقول أحمد الحموي: «إنه لا يجوز الفتوى بما تقتضيه القواعد والضوابط؛ لأنها ليست كلية، بل أغلبية» (3).
(1) الشاطبي: الموافقات، 255/ 1.
(2) الشاطبي: الموافقات، 2/ 104 - 105. - عبد العزيز عزام: القواعد الفقهية، 23 - 24. (3) الحموي: أحمد غمز عيون البصائر شرح الأشباه والنظائر لابن نجيم الحنفي، 37/ 1. (1/133)
صفحة 130
134
القواعد الفقهية عند الإباضية
صريح
ويؤكد علي حيدر هذا المعنى فيقول: «حُكّام الشرع ما لم يقفوا على نقل لا يحكمون بمجرد الاستناد إلى واحدة من هذه القواعد، إنما هي شواهد يستأنس بها في تخريج القضايا الجديدة على المسائل الفقهية المدونة إذ لها فائدة كلية في ضبط المسائل (1).
أما بالنسبة للقاعدة المقصدية فقد وضح الشاطبي مكانتها في معرض بيانه لأنواع العموم فقال: «العموم إذا ثبت فلا يلزم أن يثبت من جهة صيغ العموم فقط، بل يكون له طريقان
الأول: الصيغ إذا وردت، وهو المشهور في كلام أهل الأصول. الثاني: استقراء مواقع المعنى حتى يحصل منه في الذهن أمر كلي عام، فيجري في الحكم مجرى العموم المستفاد من الصيغ، وهذا هو الطريق الذي حصلت به القواعد المقصدية المختلفة، ولذلك كانت أصلاً معنوياً بارعاً وأسلوباً يعتمد عليه في الاستقراء لاقتناص هذه المعاني، فإن المعنى العام كالنص العام سواء بسواء من حيث القوة والاعتبار، وصلاحيته في ويرى الإمام الشاطبي أن هذا المعنى العام إذا ثبت بالاستقراء الصحيح نهضت به أدلة كثيرة، واستغنى به المجتهد عن النصوص الخاصة في النوازل التي تقع
الاستدلال،
عاماً
حيث يقول: «إذا تقرر عند المجتهد اعتبار عموم المعنى ثم استقرأ معنىً أدلة خاصة، واطرد له ذلك المعنى، لم يفتقر بعد ذلك إلى دليل خاص
على خصوص نازلةٍ تَعِنّ، بل يحكم عليها، وإن كانت خاصة بالدخول تحت عموم المعنى المستقرئ من غير اعتبار بقياس أو غيره، إذ صار ما استقرئ من المعنى كالمنصوص بصيغة عامة، فكيف يحتاج مع ذلك إلى صيغة
عموم
خاصة بمطلوبه» (2).
(1) حيدر علي درر الحكام شرح مجلة الأحكام، 10/ 1.
(2) الشاطبي: الموافقات، 3/ 225، 226. (1/134)
صفحة 131
الفصل التمهيدي: القواعد الفقهية المفهوم والتطور
135
مما تقدم يظهر أن القواعد الفقهية التي تستند على دليل خاص ورد في شأنها أن تكون لها حجية في استنباط الأحكام الشرعية منها، إذ الاحتجاج بها نابع من الاحتجاج بأصلها كقاعدة: «الخراج بالضمان» حيث وردت بهذا اللفظ في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم)، وقاعدة جناية العجماء جبار (2)، حيث وردت في سياق قول النبي صلى الله عليه وسلم: «العجماء جرحها جبار» (3)، فهذه القواعد لا ينطبق عليها الفرق السابق نظراً لقوة مستندها، والذي يتمثل في الحديث الشريف المصرح بالقاعدة نصاً).
ج - من حيث الأهمية والاعتبار
لما كانت القاعدة الفقهية تعبر عن حكم شرعي كلي، والقاعدة المقصدية تعبر عن غاية تشريعية عامة، وكانت الأحكام هي وسائل إقامة المقاصد وطرق تحقيقها، ترتب على ذلك أن تكون القاعدة المقصدية أعلى مرتبة من القاعدة الفقهية؛ لأن الغايات مقدمة على الوسائل، والقاعدة الفقهية تعبر عادة عن حكم، والقاعدة المقصدية تعبر عن غاية، وأن القواعد الفقهية ذاتها تنص صراحة على أن مراعاة المقاصد مقدمة على مراعاة الوسائل». وصرح
القرافي بذلك فقال: إن الوسائل أخفض من المقاصد في حكمها (5).
(1) رواه الربيع، كتاب الزكاة والصدقة، باب في النصاب، رقم: 334، ص 136، عن أبي سعيد الخدري، بلفظ: جرح العجماء جبار، والبخاري، كتاب الديات، باب المعدن جبار والبئر جبار، رقم: 6530، عن أبي هريرة. وأخرجه النسائي في السنن، باب: الخراج بالضمان، رقم الحديث (4490) 254/ 7.
(2) علي حيدر درر الحكام 83/ 1 - الزرقا أحمد، شرح القواعد الفقهية، 457. (3) أخرجه مسلم في صحيحه، باب: جرح العجماء والمعدن والبئر جبار، حديث رقم (1710)
334/ 3
(4) عزام عبد العزيز القواعد الفقهية، ص 25. سيأتي شرح مفصل للقاعدتين الفقهيتين في
الفصول القادمة.
(5) القرافي أبو العباس: الفروق، 61/ 2. (1/135)
صفحة 132
136
القواعد الفقهية عند الإباضية
وبناء عليه، فإن مراعاة القواعد التي تحقق مقاصد الشرع وغاياته تكون بالضرورة مقدمة على مراعاة القواعد الفقهية التي تحقق وسائل إقامة هذه المقاصد الشرعية من تشريع الأحكام، وكما هو معلوم فإن الغاية مقدمة على الوسيلة، فالوسيلة ما هي إلا خادمة للمقصد (1).
د ـ من حيث الاختلاف والاتفاق على مضمونها
القواعد الفقهية ليست على درجة واحدة من حيث اتفاق الفقهاء على
ما تضمنته من حكم كلي فهي تنقسم إلى قسمين:
1 - قسم مسلّم به وهو محل اتفاق واعتبار من جميع الفقهاء، كالقواعد الكلية الخمس الكبرى: «الأمور بمقاصدها»، و «اليقين لا يزول بالشك»، و «المشقة تجلب التيسير»، و «الضرر يزال»، و «العادة محكمة»، وغيرها من القواعد الأخرى التي لم يجر اختلاف في اعتبارها والاعتداد بها، مثل قاعدة: الضرورات تبيح المحظورات»، و «تصرف الإمام على الرعية منوط بالمصلحة»، و «درء المفاسد أولى من جلب المصالح).
2 - وقسم آخر من القواعد الفقهية: هو موضع اختلاف ونظر بين الفقهاء، فبعضهم اعتبرها وبنى عليها وفرّع على أساسها، وآخرون لم يعتبروا مضمونها ولا الحكم الذي عبرت عنه، ومن ذلك على سبيل المثال: قاعدة: «الأجر والضمان لا يجتمعان» (3).
(1) الكيلاني عبد الرحمن إبراهيم: قواعد المقاصد،
ص
72
(2) الزركشي: المنشور في القواعد 309/ 1. ـ السيوطي،، الأشباه والنظائر.، ص 121. ـ ابن
نجيم،
الأشباه والنظائر، ص 124.
(3) الشماخي: الإيضاح، 298/ 6، 299. ـ الشربيني الخطيب مغني المحتاج، 286/ 2. ـ ابن قدامة المقدسي: المغني والشرح الكبير، 162/ 6. السرخسي: المبسوط، 77/ 11. ـ الزرقا أحمد: شرح القواعد الفقهية، ص 431. ـ علي حيدر: شرح المجلة، 178. ينظر: القاعدة بتفصيل في الفصل السادس من هذا البحث. (1/136)
صفحة 133
الفصل التمهيدي: القواعد الفقهية المفهوم والتطور
137
ولما كانت القواعد الفقهية ليست محل اتفاق بين الفقهاء فإن بعض
الفقهاء صاغ كثيراً من القواعد الفقهية على صيغة استفهام، مبيناً أنها ليست محل اتفاق بين الجميع، ومن ذلك قولهم:
انقلاب الأعيان، هل له تأثير في الأحكام أو لا؟). الظن، هل ينقض بالظن أو لا؟ (2).
الواجب الاجتهاد أو الإصابة؟ (3).
نوادر الصور، هل يعطى لها حكم نفسها أو حكم غالبها؟ (4). وقد سلك بعض فقهاء الإباضية هذا المسلك في مصنفاتهم، فسجل بعض القواعد الفقهية المختلف فيها، إلا أنه لم يجمعها في كتاب مستقل بل نثرها
ضمن الفروع الفقهية، وعلى سبيل المثال:
هل الفرض في الاستقبال - للقبلة - الاجتهاد أو الإصابة فقولان ().
• هل تجوز الرخصة للعصاة أم لا؟ (6).
هل المرأة في جميع العبادات كالرجل أم لا؟). . هل الزكاة عبادة أو حق واجب للمساكين؟ (8). هل العشر حق الأرض أو الزرع؟ (9).
(1) الونشريسي: إيضاح السالك إلى قواعد الإمام مالك، ص 42.
(2) الونشريسي: المصدر نفسه، ص 149.
(3) المصدر نفسه
ص
151
(4) نفسه: ص 256.
(5) الجيطالي: قواعد الإسلام، (تح) بكلي عبد الرحمن بن عمر، 224/ 2.
(6) الجيطالي: المصدر نفسه، 261/ 1.
(7) المصدر نفسه: 269/ 1.
(8) نفسه: 24/ 2
(9) نفسه 25/ 2 (1/137)
صفحة 134
=
القواعد الفقهية عند الإباضية
138
فهذه القواعد ليست محل اتفاق بين الفقهاء مما حدا بالجيطالي والونشريسي وغيرهما أن يصوغوها بصيغة الاستفهام مبينين ما يترتب عليها
من اختلاف عملي. أما بالنسبة للقواعد المقاصدية فإن لها من المكانة والاعتبار ما يجعلها صنواً للنص العام، سواء بسواء من حيث إلزام المجتهد باتباع مضمونها والالتزام بمعناه إذ صار ما استقرئ من عموم المعنى كالمنصوص بصيغة عامة، ومن ثمّ فلا يحتاج المجتهد إلى صيغة خاصة بمطلوبه (1). وإذا وجدنا بعض الفقهاء يخالف معنى إحدى القواعد المقاصدية في مسألة جزئية، فليس معنى ذلك أن هذا الفقيه لا يعتبر تلك القاعدة في الاستدلال، وإنما يرجع الأمر إلى عدم تحقق مناط القاعدة المقصدية في تلك الواقعة الجزئية، فيكون عدم تطبيق القاعدة يرجع إلى عدم تحقق مناطها وفق نظر ذلك الفقيه في الواقعة الجزئية، ومن أمثلة ذلك: أن الشافعي لما قال بجواز بيع العينة الذي هو عقد في صورة بيع لاستحلال الربا، لم يقل بجوازه إهمالاً منه لقاعدة: «النظر في المآل معتبر ومقصود شرعاً» (2)، وإنما مرد ذلك وسببه أنه لا يرى مناط هذه القاعدة قد تحقق في تلك المسألة، أو عرض له دليل آخر وجده أكثر تصرفاً ببيع العينة، ويساعد على كشف حكمها من تلك القاعدة). ولعل هذا الموقف هو ما حدا ببعض فقهاء الإباضية في إباحة بيع العينة بناء على الظاهر دون النظر إلى المقاصد والبواعث فقد روى الربيع (4) عن
(1) الشاطبي: الموافقات، 226/ 3.
(2) الشاطبي: المصدر نفسه، 140/ 4.
(3) الشافعي محمد بن إدريس، كتاب الأم، 201/ 2.
(4) الربيع بن حبيب بن عمرو الأزدي الفراهيدي العُماني (ت: 170 هـ)، إمام وداعية ومحدث.
هو الإمام الثالث بعد جابر وأبي عبيدة. تتلمذ في البصرة على يد الإمام جابر بن زيد، (1/138)
صفحة 135
الفصل التمهيدي: القواعد الفقهية المفهوم والتطور
139
(2)
ضمام (1) عن جابر (2) في رجل يبيع من رجل متاعاً بنسيئة قال: لا بأس أن يشتري منه ذلك المتاع بعينه بأقل أو أكثر، قال الكوفيون: الشراء فاسد، وهو ضرب من الربا (3).
وهكذا مما تقدم يمكن القول: إن القواعد المقاصدية نظراً لكثرة تأكدها وانتشارها في أبواب الفقه اختلاف موضوعها لا الفقيه مخالفتها يسع
مع
ولا إهمالها، أو عدم الاعتداد بها.
وبهذا يتضح الفرق بين القاعدة المقصدية والقاعدة الفقهية، ومن الأهمية بمكان أن نشير هنا إلى أن هناك بعض القواعد الفقهية تعتبر عند التحقيق قواعد مقاصدية ومنها:
وأبي عبيدة ... إلخ، وخلف شيخه أبا عبيدة في تسيير أمور الدعوة. وقد اعتبر الربيع المحدث الحافظ الثقة عند الأصحاب، وعدله العديد من أئمة الحديث. من أهم مؤلفاته: الجامع الصحيح، مسند الإمام الربيع بن حبيب (عمدة الإباضية في السنة)؛ مجموعة من الفتاوى والإجابات في العبادات والمعاملات ... إلخ. معجم أعلام الإباضية، (قسم المشرق)، ترجمة: 368، 103/ 1.
(1) ضمام بن السائب، (أبو عبد الله)، (حي في: 100 هـ من أبرز أئمة الإباضية الأوائل. أخذ العلم عن جابر بن زيد وغيره كانت له مناظرات مع القدرية والخوارج، وكان قوي الحجة لا يجادل أحداً إلا أفحمه وأسكته. له كتاب في موضوع خلق القرآن بعنوان: «الحجة على الخلق في معرفة الحق». دونت رواياته عن جابر بن زيد في كتاب: «روايات ضمام بن السائب». معجم أعلام الإباضية قسم المشرق)، ترجمة: 722، 187/ 1. (2) جابر بن زيد الأزدي، (أبو الشعثاء)، (و: 18 هـ ـ ت: 93 هـ)، تابعي مشهور، روى الحديث عن ثلة من خيرة الصحابة منهم عائشة أم المؤمنين وعبد الله بن عمر، ورواياته وآراؤه منتشرة في جل مصادر الإباضية، فهو يعتبر إمامهم ومؤسس مذهبهم. ترك آثاراً علمية جليلة، فمع أنه مفتي البصرة، ترك موسوعة علمية تعرف بـ «ديوان جابر»، إلا أنه ضاع، وبقيت بعض نصوص من تأليفه منها كتاب الصلاة (مخ)، كتاب النكاح (مخ)؛ فقه الإمام جابر بن زيد، (مط). معجم أعلام الإباضية قسم المشرق)، ترجمة: 117، 40/ 1. (3) الربيع بن حبيب آثار الربيع، مخطوط مصوّر، ص 12. ـ جابر بن زيد: من جوابات جابر، ص 110 - 111. (1/139)
صفحة 136
12.
القواعد الفقهية عند الإباضية
مفسدتان روعي
قاعدة: «درء المفاسد مقدم على جلب المصالح». وقاعدة: «إذا تعارضت أعظمهما ضرراً بارتكاب أخفهما». وقاعدة: «يغتفر في الوسائل ما لا يغتفر في المقاصد». والقواعد التي توجب إزالة الضرر معه مثل: «لا ضرر ولا ضرار. فمثل هذه القواعد وإن كانت قد أدرجت ضمن القواعد الفقهية إلا أنها عند التحقيق نجدها ذات صبغة مقصدية من حيث إنها تكشف عن قصد الشرع في كيفية إقامة المصالح، واعتماد مبدأ الموازنة بينهما عند التعارض، وذلك إضافة إلى كونها تستند إلى أدلة كثيرة ترشد إليها وتنهض بها، الأمر الذي يجعلها في رتبة العموم المعنوي الذي تمتاز به القاعدة
المقصدية (1).
خامساً: القواعد الفقهية والأشباه والنظائر:
الفقهية، وترجع
نشأته
الأشباه والنظائر علم من علوم الفقه باعتباره يرتكز أساساً على الفروع إلى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب الله الذي ذكر في كتابه الذي بعثه إلى أبي موسى الأشعري الا الله والذي جاء فيه: «اعرف الأمثال والأشباه، ثم قس الأمور عندك (2)، وقد ظل هذا الفن في بطون الكتب إلى أن أفرده أبو عبد الله محمد بن عمر المعروف بابن الوكيل (3) (ت: 716 هـ)
(1) الشاطبي: المقاصد عند الإمام الشاطبي، عبد الرحمن الكيلاني، ص 64 - 67. ـ عبد العزيز عزام: القواعد الفقهية، ص 27، 28. - مصطفى أرشوم القواعد الفقهية وأثرها في فقه المقاصد، بحث منشور ضمن كتاب القواعد الفقهية بين التأصيل والتطبيق، تنسيق مصطفى باجو، ص 161 - 167.
(2) السيوطي جلال الدين الحاوي في الفتاوي، ط،3، المكتبة التجارية، القاهرة، 1959 م، 466/ 2. (3) محمد بن عمر بن مكي (أبو عبد الله، صدر الدين)، المعروف بابن الوكيل، (و: 665 هـ/ 1267 م ـ ت: 716 هـ / 1317 م)، شاعر، من العلماء بالفقه الشافعي. ولي مشيخة دار الحديث الأشرفية بدمشق سبع سنين. ألف الأشباه والنظائر في فقه الشافعية؛ وله شعر وموشحات رقيقة جمعها في ديوان سماه (طراز الدار)؛ ... إلخ. الزركلي، الأعلام، 314/ 6.
6 (1/140)
صفحة 137
الفصل التمهيدي: القواعد الفقهية المفهوم والتطور
بمصنف مستقل سماه: «الأشباه والنظائر، فما المراد بهذا المصطلح؟
وما العلاقة بينه وبين القواعد الفقهية؟
1 - تعريف الأشباه والنظائر:
الأشباه والنظائر في اللغة
الأشباه جمع مفرده شَبَه وشبه وشبيه، وهو المثل).
وقال ابن فارس: «الشين والباء والهاء أصل واحد يدل على تشابه الشيء
و تشاكله لوناً ووصفاً» (2).
:
ولقد تعارف أهل اللغة على استعمال هذه الكلمة في صفات ذاتية أو معنوية، فالذاتية نحو هذا الدرهم كهذا .. الدرهم .. والمعنوية: زيد كالأسد (3). والنظائر جمع مفرده، نظيرة وهي المثل المساوي، وقال ابن منظور عن النظيرة: وهي المثل والشبه في الأشكال والأخلاق والأفعال والأقوال» (4). والنظيرة مؤنث مذكره نظير وجمعه نظراء، أي مساويه، فكأنك إذا نظرت إلى أحدهما فقد نظرت إلى الآخر).
6
-
فعلى القول بأن معنى الكلمتين - الأشباه والنظائر ـ واحد وهو الأمثال تكون الكلمات من باب المترادف، ويكون عطف النظائر على الأشباه من باب
عطف التفسير.
(1) ابن منظور لسان العرب، ط بيروت دار صادر 1956، 503/ 13. - الزبيدي السيد المرتضى: تاج العروس من جواهر القاموس، فصل الشين من باب الهاء، 393/ 9. الفيروزآبادي،
القاموس المحيط، 288/ 4.
(2) ابن فارس: معجم مقاييس اللغة، 243/ 3.
(3) الفيومي: المصباح المنير، 303/ 1. (4) ابن منظور لسان العرب، 219/ 5. (5) الفيومي: 612/ 3. (1/141)
صفحة 138
142
القواعد الفقهية عند الإباضية
وانطلاقاً من ذلك المفهوم اللغوي درج العلماء على استعمال تلك الكلمات على معناها اللغوي، فجعلوا الشبيه والنظير بمعنى واحد، واطرد ذلك الاستعمال، ولكن الواقع أن مدلول الكلمات المذكورة في مصطلح المحققين لا يجري على معنى واحد، بل ينبغي التفريق بينهما بحيث تترتب على ذلك آثار ونتائج مهمة (1).
- الأشباه والنظائر في الاصطلاح
إذا نظرنا من الناحية الاصطلاحية فإن الشبه هو الصفة الجامعة الصحيحة التي إذا اشترك فيها الأصل والفرع وجب اشتراكهما في الحكم، كما نص على ذلك علماء الأصول.
يقول تاج الدين السبكي: «إن قياس الأشباه هو أن يجتذب الفرع
أصلان، ويتنازعه مأخذان فينظر إلى أولاهما شبها فيلحق به» (2).
ومثال ذلك: «إلحاق العبد المقتول بالحر فإنه له شبهاً بالفرس من حيث المالية، وشبهاً بالحر، لكن مشابهته بالحر في الأوصاف والأحكام أكثر فألحق بالحر» (3). فالمفهوم المتبادر إلى الأذهان لكلمة الأشباه هو ما ذكره ابن السبكي، غير أنه لا يفصح عن المعنى المتكامل الواضح الذي يمكن من خلاله إدراك مدى سعة المفهوم الذي يتضمنه هذا الاصطلاح في معنى الكلمة، إذ ليس من اللازم أن يكون مدلول الأشباه شاملاً لكلمة النظائر أيضاً (4).
(1) الندوي علي أحمد: القواعد الفقهية، ص 73.
(2) ابن السبكي الأشباه والنظائر القسم الأول، و: 117.
،
(3) التهانوي: كشاف اصطلاحات الفنون، 173/ 4 - 174.
(4) الندوي: القواعد الفقهية، ص 73 - 74. (1/142)
صفحة 139
الفصل التمهيدي: القواعد الفقهية المفهوم والتطور
143
وعرَّفها أحمد الحموي في شرح الأشباه لابن نجيم) بقوله: «المراد بها (أي: الأشباه والنظائر المسائل التي يشبه بعضها بعضاً اختلاف لأمور خفية أدركها الفقهاء بدقة أنظارهم» (2).
مع في الحكم
وبذلك عرَّفها الحسيني (3) وعبد الغني النابلسي)، وبنحو ذلك عرفها التاجي)، والظاهر أن ذلك تعريف لعلم الفروق بين الفروع ومما يدل على ذلك ما يلي: قول الحموي والحسيني بعد ذكرهما للتعريف السابق: «وقد صنفوا لبيانها كتباً، كفروق المحبوبي (6) والكرابيسي () ().
(1) زين الدين بن إبراهيم بن محمد، الشهير بابن نجيم (ت: 970 هـ/ 1563 م)، فقيه حنفي مصري، من العلماء له تصانيف منها: الأشباه والنظائر في أصول الفقه؛ والبحر الرائق في
شرح كنز الدقائق؛ ... إلخ. الزركلي، الأعلام، 64/ 3.
(2) الحموي أحمد: غمز عيون البصائر شرح الأشباه والنظائر، 18/ 1. (3) حاشيته على الأشباه والنظائر مخطوط: 1 ورقة 10/أ نقلا عن الندوي القواعد الفقهية، ص 28. (4) عبد الغني بن إسماعيل بن عبد الغني النابلسي، (و: 1050 هـ / 1641 م - ت: 1143 هـ / 1731 م)، شاعر ومتصوف، عالم بالدين والأدب. له مصنفات كثيرة جداً، منها: الحضرة الإنسية في الرحلة القدسية؛ ذخائر المواريث في الدلالة على مواضع الأحاديث نفحات الأزهار على نسمات الأسحار؛ ... إلخ. الزركلي، الأعلام، 32/ 4. ينظر: النابلسي عبد الغني: كشف الخطاب عن
الأشباه والنظائر، مخطوط، ورقة 16 / ب نقلاً عن الندوي: القواعد الفقهية، ص 28. (5) التاجي: التحقيق الباهر، مخطوط، ج 1 ورقة 18/ ب. نقلا عن الندوي، القواعد الفقهية،
(6)
ص 28.
هو
العلامة عبيد الله
بن إبراهيم جمال الدين المحبوبي، شيخ الحنفية بما وراء النهر، وأحد من انتهى إليه معرفة المذهب، تفقه على قاضيخان، توفي ببخارى سنة 630 هـ. ينظر: ابن العماد شذرات الذهب، 137/ 5.
هو
محمد بن
(7) لعله العلامة أبو الفضل محمد بن صالح الكرابيسي السمرقندي فقيه حنفي، من كتبه: الفروق في فروع الحنفية. ينظر: الزركلي: الأعلام، 32/ 7، أو أسعد بن الحسين الكرابيسي النيسابوري (ت: 570) الذي ألف أيضاً «الفروق» في الفقه، وقد حققه الأستاذ محمد طموم، وطبع في الكويت تحت إشراف وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية في جزأين. (8) الحموي: غمز عيون البصائر، 18/ 1. ـ الحسيني: الحاشية على الأشباه، ج 1 ورقة 10/أ. (1/143)
صفحة 140
144
القواعد الفقهية عند الإباضية
قول السيوطي: وفي قوله - عمر بن الخطاب لأبي موسى ـ: «فاعمد إلى أحبها إلى الله وأشبهها بالحق فيما ترى إشارة إلى أن من النظائر ما يخالف نظائره في الحكم لمدرك خاص به، وهو الفن المسمى بالفروق، الذي يذكر فيه الفرق بين النظائر المتحدة تصويراً ومعنّى، المختلفة حكماً وعلة» (1). كما أن عبارته ترمز أيضاً إلى نوع آخر من الشبه، وهو: أن يتردد الفرع بين أصلين، فينظر إلى ما كان منهما أكثر شبهاً بالفرع فيلحق به وهذا ما يسمى قياس الأشباه عند الأصوليين.
ويؤكد هذا المعنى ما أشار إليه بعض المحققين في شرحهم لعبارة عمر بن الخطاب صل الله كما يظهر من النصين التاليين: قال الجصاص الرازي (2) (370 هـ): قوله: ثم اعرف الأمثال والأشباه ... هذا لا يكون إلا بالنظر والاستدلال فيه قياس (3).
ويقول نجم الدين النسفي (4) (537 هـ) مبيناً قوله له: «أي إذا وقعت واقعة لا يعرف جوابها فرُدّها إلى أشباهها من الحوادث تعرف جوابها» (5)
0917
(1) السيوطي: الأشباه والنظائر، ص 7. (2) أحمد بن علي الرازي (أبو بكر الجصاص)، (و: 305 هـ / 917 م ـ ت: 370 هـ/ 980 م) فاضل من أهل الري، سكن بغداد ومات فيها. انتهت إليه رئاسة الحنفية. ألف: أحكام القرآن .... إلخ. الزركلي، الأعلام 171/ 1
(3) الخصاف كتاب أدب القاضي بشرح الجصاص، ص 14.
6
(4) عمر بن محمد بن أحمد النسفي (أبو حفص، نجم الدين)، (و: 461 هـ/ 1068 م ـ ت: 537 هـ / 1142 م)، من فقهاء الحنفية، عالم بالتفسير والأدب والتاريخ. قيل: له نحو مائة مصنف، منها: طلبة الطلبة في الاصطلاحات الفقهية؛ العقائد (يعرف بعقائد النسفي)؛ ... إلخ. الزركلي، الأعلام، 60/ 5.
(5) النسفي: حافظ الدين عبد الله
مصر
1311 هـ، ص 130.
بن أحمد طلبة الطلبة في اصطلاحات الفقهاء، المطبعة العامرة (1/144)
صفحة 141
الفصل التمهيدي: القواعد الفقهية المفهوم والتطور
145
وإلى هذه المعاني أشار ابن خلدون (1) أيضاً في مقدمته). (1) وذلك ما يدل على إعمال القياس عند تحقق العلة الجامعة الصحيحة بين الأصل والفرع، وإلحاق الحوادث الجديدة التي لم ينص عليها بأشباهها بعد النظر والتثبت.
وقد نبه بعض الباحثين إلى أن الأشباه تختلف عن النظائر في الاصطلاح وليست مثلها تماماً كما قرر اللغويون وكثير من الفقهاء، فيقول بعد بيان معنى الأشباه في الاصطلاح ولا شك أن ما ذكرنا ينطبق على معنى الأشباه؛ أما كلمة النظائر فلم ترد فيما أثر عن عمر له؛ لكن الفقهاء أضافوا كلمة النظائر إلى كلمة الأشباه وذلك لأنهم لما أرادوا أن يتكلموا في القواعد وجدوها على أصناف متعددة من قواعد کبري، وقواعد صغري، وقواعد مذهبية تختلف باختلاف المذهب، وبجانب تلك القواعد أَلْفَوا ما يتلاءم معها من فنون فقهية أخرى مثل: الفروق وأحكام وحقائق هي في الواقع متشابهة مع وجود بعض الفرق فيما بينها، مثل: الوضوء والغسل والنسيان والخطأ، وكل ذلك أفضى بهم إلى إلحاق النظائر إلى الأشباه
(1) عبدالرحمن بن محمد بن محمد، ابن خلدون، أبو زيد، ولي الدين)، (و: 732 هـ/ 1332 م - 808 هـ / 1406 م)، الفيلسوف المؤرخ العالم الاجتماعي البحاثة. ولي قضاء المالكية في مصر. اشتهر بكتابه العبر وديوان المبتدأ والخبر في تاريخ العرب والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر؛ وكتاب في الحساب؛ ورسالة في المنطق؛ ... إلخ. الزركلي، الأعلام، 3303
(2) ابن خلدون المقدمة
ص
ثم نظرنا في طرق استدلال 453، ونص العبارة كما يلي: « ... الصحابة والسلف بالكتاب والسُّنَّة، فإذا هم يقيسون الأشباه بالأشباه ... ويناظرون الأمثال بالأمثال بإجماع منهم، وتسليم بعضهم لبعض في ذلك، فإن كثيراً من الواقعات بعده صلوات الله عليه ـ لم تندرج في النصوص الثابتة، فقاسوها بما ثبت، وألحقوها بما نص عليه بشروط في ذلك الإلحاق تصحح تلك المساواة بين الشبهين أو المثلين، حتى يغلب الظن أن حكم الله تعالى فيهما واحد، وصار ذلك دليلاً شرعياً بإجماعهم وهو القياس»، ص 435 أيضاً. (1/145)
صفحة 142
187
القواعد الفقهية عند الإباضية
حتى يمكن جمع تلك الأصناف تحت عنوان شامل، ولا يعد ما يندرج تحتها دخيلاً ومقحماً» (1).
ويضيف في السياق نفسه ولا شك أن ذلك كان مبنياً على أمر دقيق، إذ إنهم أدركوا أن كلمة الأشباه لا تفي بالغرض الذي يتوخونه بحيث يدخل فيها القواعد والضوابط، ولكن لا يدخل فيها الفروق بحال من الأحوال، لأن الفروق عبارة عن شيئين بينهما شبه ضعيف فى الظاهر، ولكن يظهر الفرق بينهما عند التدقيق والتأمل ... (2). ويشير الباحسين أيضاً إلى سبب اختيار بعض الفقهاء تسمية كتبهم بالأشباه والنظائر فيقول: «والذي يظهر أن إيراد مثل هذه الأبواب في كتب «الأشباه والنظائر هو الذي دفع. طائفة من العلماء إلى تسمية كتبهم «الأشباه والنظائر» لتشمل المتشابهات التي تجمعها القواعد والضوابط، والمتشابهة صورة المختلفة حكماً التي تدخل في مصطلح النظائر» (3).
والحاصل أن الأشباه: هي الفروع الفقهية التي تشبه بعضها البعض في أكثر الوجوه، مما يقتضي التساوي في الحكم، أما النظائر: فهي الفروع الفقهية التي تشتبه بعضها البعض في بعض الوجوه ولو كان وجهاً واحداً مما يقتضي الاختلاف في الحكم، ومن واقع النظر في كتب الأشباه والنظائر أرى أن التعريف المناسب للأشباه والنظائر هو: المسائل التي يشبه بعضها من ناحية التصوير وحكمها واحد (4).
(4)
(1) الندوي: المرجع نفسه، ص 76.
(2) المرجع
نفسه،
ص
77
(3) الباحسين القواعد الفقهية، ص
95
(4) الشعلان عبد الرحمن بن عبد الله محقق كتاب القواعد لأبي بكر محمد بن عبد المؤمن
المعروف بتقي الدين الحصني (ت: (829 هـ)، ط 1، 1418 هـ / 1997 م، نشر مكتبة الرشد وشركة الرياض للنشر والتوزيع، الرياض - السعودية، 29/ 1. (1/146)
صفحة 143
الفصل التمهيدي: القواعد الفقهية المفهوم والتطور
147
2 - أهمية الأشباه والنظائر: لا ريب أن أهمية علم الأشباه والنظائر ترجع إلى الأثر المترتب على دراسته، فإن من يدرس القواعد يستطيع أن يخرّج عليها، ما قد يحدث من المسائل، ولا يقف عند حادثة إلا ويجد لها حُكْماً شرعياً عن طريق الإلحاق
والتخريج. أما الإلحاق فهو قياس مسألة جدّت على فرع متشابه لها مندرج تحت قاعدة لتأخذ حكم ذلك الفرع، وأما التخريج فهو الإتيان بالمسألة التي جدّت ولم يكن لها شبيه فنخرجها على القاعدة، فمثلاً لو قيل: هل الوضوء يحتاج إلى نية؟ نقول: الوضوء عبادة، وكل عبادة تحتاج إلى نية، فالوضوء يحتاج إلى نية، وكذلك لو سئلنا عن استحقاق الإخوة الأشقاء الميراث مع الإخوة لأم، نقول: استحقاق الإخوة الأشقاء اجتهاد والاجتهاد لا ينقض بالاجتهاد»، فينتج استحقاق الإخوة الأشقاء لا ينقض بالاجتهاد، ولذلك قضى عمر بن الخطاب له باشتراك الإخوة الأشقاء مع الإخوة لأم في الثلث، وقسمه بينهم بالتساوي، لا فرق بين ذكر وأنثى كأنهم جميعاً إخوة لأم، ووافقه على ذلك زيد بن ثابت له وجمع من الصحابة وإليه ذهب الإباضية ومالك والشافعي). وهناك تخريج آخر وهو تخريج الأصحاب على أقوال المذهب، واشتهر بذلك عند الإباضية أصحاب مدونة أبي غانم الخراساني وأبو سعيد الكدمي،
(1) زكرياء البري: الأحكام الأساسية للميراث، ص 113. ـ الجصاص، أحكام القرآن، 111/ 2. - ابن رشد: بداية المجتهد ونهاية المقصد، 298/ 2. - ينظر: أطفيش: شرح النيل، 465/ 15 - 466. قال القطب ما نصه: «وقد شذت من ذلك المذكور المسألة الحمارية والمشتركة، ووجه الشذوذ أن الأشقاء عصبة ولم يبق لهم شيء، فالأصل أن لا يأخذوا شيئاً ولكن حكم لهم بأن يشاركوا الإخوة للأم ... في الثلث ... فإنما سميت حمارية لقولهم ـ أعني: الأشقاء ـ احسبوا أبانا حماراً، وسميت مشتركة لأن. عمر أشرك بينهم، ولذا سميت مشتركة ... ». (1/147)
صفحة 144
148
القواعد الفقهية عند الإباضية
وكذلك أصحاب أبي حنيفة والشافعي ومالك، وحقيقته أن يثبت الإمام حكمين مختلفين لمسألتين متشابهتين ولم يظهر ما يصلح للفرق بينهما، فيأتي الأصحاب فينقلون حكم المسألة الثانية للأولى، وينقلون حكم الأولى للثانية، فيحصل في كل مسألة حكمان، أحدهما للإمام بالنص والآخر للأصحاب بالتخريج على نص الإمام).
وهكذا يمكن بواسطة الإلحاق والتخريج معرفة أحكام المسائل التي ليست بمسطورة، وهي المسائل التي تستجد دائماً، فإن معرفتنا بأحكام هذه المسائل يتوقف على معرفتنا بهذا العلم، إذ بواسطة معرفتنا بالتخريج على القواعد يمكن إثبات أحكام أفعال المكلفين وهي لا تتناهى ولا تقف عند حد.
ومن هنا فقد نقل السيوطي عن بعض أصحاب الشافعي قولهم: الفقه معرفة النظائر، وذلك مبالغة في بيان أهمية معرفة قواعد الفقه فمن عرف الأشباه والنظائر المستجدة في فروع الفقه فهو خليق بأن يوصف بأنه فقيه، فلا يكون فقيهاً إلا بمعرفة النظائر؛ لأنه بذلك أدرك وجه الارتباط بين الفروع وما تفرعت عنه، أما من الفقه فروعا ومسائل في المذاهب الفقهية دون الربط بينها بواسطة القواعد والضوابط التي تجمعها، ومن غير أن تكون لديه ملكة فقهية، ويقتصر على ذلك،
درس
فقد لا يقدر على إثبات حكم حادثة ليس لها نص في كتب الأئمة (2).
ويشير السيوطي إلى أهمية معرفة الأشباه والنظائر وضرورة دراستها للفقيه وغيره حتى تتحقق له القدرة على التفريع والتخريج والإلحاق؛ لأنها ترشده إلى وجه الارتباط بين الفروع وما تفرعت عنه، وبها يرتقي الفقيه إلى درجة الاجتهاد ولو في الفتوى. يقول في هذا الصدد: اعلم أنّ فن الأشباه والنظائر فن عظيم، به يطلع على حقائق الفقه ومداركه ومآخذه وأسراره، ويتمهر في
(1) الرملي نهاية المحتاج. 5/ 1. (2) السيوطي: الأشباه والنظائر، ص 6. ـ ابن قيم الجوزية: إعلام الموقعين، 333/ 1. (1/148)
صفحة 145
الفصل التمهيدي: القواعد الفقهية المفهوم والتطور
149
فهمه واستحضاره، ويقتدر على الإلحاق والتخريج، ومعرفة أحكام المسائل التي ليست بمسطورة، والحوادث والوقائع التي لا تنقضي على ممر الزمان. وإلى تلك الأهمية أشار الخليفة العادل عمر بن الخطاب له في الرسالة التي أرسلها إلى أبي موسى الأشعري الله وهي رسالة مطولة حيث قال له: اعرف الأشباه والأمثال وقس الأمور عندك، فاعمد إلى أحبها إلى الله بالحق فيما ترى» (1).
أنا
فهذا النص تضمن أسس القضاء، وفيه إشارة إلى أن من النظائر ما يخالف نظيره في الحكم لمدرك خاص، وليس كل النظائر المتحدة الصورة والعلة تأخذ حكماً واحداً، لأن بعض النظائر تخالف النظائر الأخرى، وينبه عمر موسى إلى هذا الأمر فيقول له: لا يغرنك ما تراه من اتحاد الصورة والشكل ويوصيه بأن يعرف الأشباه والنظائر حتى تتكوّن عنده ملكة وحصيلة فقهية يستطيع بها إعمال القياس متى عرفها، لأن القياس يترتب على معرفة الأشباه والنظائر، فالأشبهية في الحق سبب في كون الأمر أحب إلى الله، وليس عليه أن يصل إلى عين الحق واليقين (2).
وقوله: «فيما ترى أي فيما تظن، وفيها إشارة إلى أمرين: الأول: أن المجتهد لا يكلف أن يصل إلى نفس الحق، وإنما يكلف بما
يظنه صواباً.
الثاني: أن المجتهد لا يقلد غيره؛ لأنه عدول عن الراجح عنده إلى الأقل رجحاناً في نظره؛ ولأن ما وصل إليه هو الصواب في رأيه، ولأن تقليده لغيره خطأ عنده، فلو حكم برأي غيره وترك رأي نفسه كان حكمه بغير الصواب والحكم بغير الصواب حكم بالخطأ فيكون خطأ (3).
(1) السيوطي: المصدر السابق، ص. - ابن القيم المصدر السابق، 1/ 85 - 86. (2) عزام عبد العزيز القواعد الفقهية، ص 77.
(3) عزام عبد العزيز النظام القضائي في الإسلام، 148/ 1. (1/149)
صفحة 146
150
القواعد الفقهية عند الإباضية
وهكذا يتضح مما تقدم أن معرفة الأشباه والنظائر ضرورية للفقيه والمفتي والمجتهد والقاضي، وذلك لأن هؤلاء يفتون ويقضون، ويبينون الأحكام للناس، فكان الواجب لتمام عملهم، وصحة قضائهم وفتاواهم، هو حفظ القواعد الفقهية إلى جانب معرفة الكتاب والسنة والإجماع، ومعرفة كيفية القياس للمسكوت عنه على المنصوص عليه، أما عوام الناس فالواجب عليهم هو سؤال أهل الفتوى في دين الله من الفقهاء لقوله تعالى: {فَسْلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} (الأنبياء: 7).
3 - علاقة القواعد الفقهية بالأشباه والنظائر: إذا أخذنا في تعريف الأشباه والنظائر بتعريف الحموي والحسيني والنابلسي وغيرهم فإنه لا علاقة بين القواعد الفقهية والأشباه والنظائر، وإذا أخذنا بالتعريف الذي اخترته نجد هناك علاقة بينهما، فهما يتفقان من وجوه الأول: عند وضع القاعدة الفقهية التي لم تؤخذ من نص شرعي؛ فإن القاعدة مستمدة من الأشباه والنظائر، وقد أشار بعضهم إلى هذه العلاقة في سياق تعريفه للأشباه والنظائر فقال: «هي كل فرع فقهي بينه وبين الآخر وجه شبه فيتآخيان في وجه الشبه ويرتبطان بالأم وهي القاعدة الكلية، وكذلك النظائر؛ لأن شبيه الشيء نظيره، ونظير الشيء شبيهه، وبهذا يتم جمع الحوادث المتشابهة المعبرة عنها بالفروع، ووضعها تحت القاعدة الكلية، ومتى علمنا الأشباه والنظائر أمكننا الانتقال منها إلى القاعدة الكلية). وعلى هذا فلا يمكننا الوصول إلى القاعدة الكلية ومعرفتها إلا بعد معرفة الفروع المندرجة تحتها، وهذه طريقة الحنفية، وهي أمثل من طريقة الشافعية؛ لأنها تنقل الدارس من الجزء إلى الكل، ومن المحسوس إلى المعقول، وهذا هو التدرج المعقول، فالحنفية فرعوا ثم قعدوا، وأما الشافعية فإنهم قعدوا ثم فرعوا.
(1) عزام عبد العزيز القواعد الفقهية، ص 75 - 76. (1/150)
صفحة 147
الفصل التمهيدي: القواعد الفقهية المفهوم والتطور
151
الثاني: بعد وضع القاعدة الفقهية، وفي تلك الحالة تعتبر الأشباه والنظائر
هي مجال تطبيق القاعدة.
- الثالث: أن الأشباه والنظائر تتفق مع القواعد الفقهية من حيث الموضوع، وهو الفروع الفقهية المتشابهة. الرابع: كما يتفقان من حيث الأثر، وهو الكشف عن الحكم الشرعي.
وتختلف الأشباه والنظائر عن القواعد الفقهية من عدة وجوه منها:
أن
أ ـ أن الأشباه والنظائر تهتم بالفروع والجزئيات المتشابهة، في حين القواعد الفقهية تهتم بالرابط الجامع للفروع والجزئيات)، أو الصفة
المشتركة بين الفروع التي تنطبق على القاعدة، فالقواعد الفقهية تمثل المفاهيم (2) والأحكام العامة والأشباه والنظائر تمثل الماصدقات (3)، أو الوقائع الجزئية التي تتحقق بها تلك المفاهيم أو تنتفي عنها، فمن نظر إلى المعنى الجامع والرابط بين الفروع اتجه إلى إطلاق «القواعد» على كتابه، ومن نظر إلى الفروع الجزئية اتجه إلى إطلاق الأشباه والنظائر»، وقد يعسر على من سموا كتبهم «القواعد» تفسير إدخالهم «الفروق» أو «الفرق والاستثناء وبعض المباحث الأخرى في كتبهم، إذا فسرنا القاعدة أو الضابط بالمعنى الاصطلاحي المعروف، إلا بنوع من التأويل، ولهذا نجد أن التعبير بـ «الأشباه والنظائر أكثر تصويراً لموضوعات كتب القواعد الفقهية بوجه عام.
(1) شبير محمد عثمان القواعد الكلية والضوابط الفقهية، ص 34.
(2) المفهوم: هو الصفات الأساسية المشتركة بين الأفراد.
(3) الماصدق: هو الأفراد الذين يطلق عليهم اللفظ. ينظر: في معنى المفهوم والماصدق: المنطق
التوجيهي لأبي المعرفة، لعبد الرحمن حبنكة الميداني، ص 41، 42.
العلا عفيفي، ص 25. وكتاب «المنطق» لكريم متى، ص 27، وضوابط
(4) الباحسين يعقوب: القواعد الفقهية، ص 98، 99. (1/151)
صفحة 148
152
القواعد الفقهية عند الإباضية
ب - أنها أعم من القواعد الفقهية؛ لأن علم الأشباه والنظائر يهتم ببيان المسائل الفقهية المتشابهة في المعنى المتحدة في الحكم، والمسائل المتشابهة في الظاهر المختلفة في المعنى والحكم، كما أن التماثل في الحكم يرجع إلى الاتحاد في المعنى لا الظاهر، ولكن كتب الأشباه والنظائر لم تقتصر على تلك المسائل فقط، وإنما أضافت إليها المسائل المتشابهة في الظاهر والحكم، وهي التطبيقات الفقهية على القواعد الفقهية، وهذا النوع من المسائل هو الغالب في تلك الكتب، حيث تتصدر القواعد الفقهية هذه الكتب، فيشمل هذا العلم على القواعد الفقهية والفروق الفقهية).
والجدير بالذكر أن ما ذُكر في بيان العلاقة بين القواعد الفقهية والأشباه والنظائر إنما أساسه النظر إلى تعريفهما، أما بالنظر إلى واقع المؤلفات في علم القواعد الفقهية فإننا نجد أن العلماء أحيانا يطلقون على القواعد الفقهية فن الأشباه والنظائر، ولا يشددون في التفريق بينهما، ولعل هذا الأمر يتضح أكثر بعد ذكر بعض الكتب التي تسمى بالأشباه والنظائر.
وإذا دققنا النظر في المؤلفات المسماة الأشباه والنظائر في الفقه» منذ کتاب ابن الوكيل الشافعي (716 هـ) إلى كتاب ابن نجيم الحنفي (970 هـ)، وجدنا بعض تلك المؤلفات تتناول مسائل الفقه وأصول الفقه، وأحياناً بعض مسائل علم الكلام التي لها صلة بالموضوع اعتباراً بالفروع المتشابهة المتناظرة، ولو كان الشبه ضعيفاً كما في الفروق، وفي ذلك إشارة واضحة إلى أن الأشباه والنظائر ليس معناها القواعد الفقهية فحسب، بل هي شاملة لمختلف الفنون، التي لها علاقة بقواعد الفقه، ويمكن إجراؤها في سائر العلوم إذا توافرت
الشروط واتضحت المعالم).
(1) شبير محمد: القواعد الكلية، ص 33. (2) الندوي: القواعد الفقهية، 78، 79. (1/152)
صفحة 149
الفصل التمهيدي: القواعد الفقهية المفهوم والتطور
153
أما ما قاله عبد الغني النابلسي وغيره من شراح الأشباه والنظائر لابن نجيم: بأن المراد منها: المسائل التي يشبه بعضها بعضاً مع اختلافها في الحكم لأمور خفية أدركها الفقهاء بدقة أنظارهم، ولما اشتمل هذا الكتاب عليها وهي مفرَّقة في الفنون بالمعنى المقصود منها هذا الكتاب باسمها، فقيل سمي الأشباه والنظائر، إما مجاز من تسمية الكل باسم الجزء، أو من تسمية اللفظ باسم المعنى.
وكذلك ما ذكره الحموي: «إن التسمية بهذا الاسم مجاز علاقته الكلية والجزئية، وذلك لأن فن الأشباه والنظائر بعض من ذلك، فأطلق على
کله» (1).
فهذا الإطلاق ليس لاشتمال الأشباه على الفروق، بل لاشتمالها على فنون أخرى بعيدة عن الأشباه والنظائر ومن القواعد الفقهية كالألغاز والحيل، أما أشباه السيوطي وغيره فإطلاق اللفظ ينطبق على معناه المتعارف (2). وتجدر الإشارة في هذا الصدد إلى أنه رغم اهتمام الفقهاء بموضوع الأشباه والنظائر وبيان أهميته، والكتابة فيه، إلا أن الإباضية لم نعثر عندهم على شيء في مصنفاتهم يشير إلى هذا الموضوع، ولم ينقل عنهم تأليف في هذا الشأن، ولا ندري هل يعنون بهذا المصطلح شيئاً آخر أم لم يتعارفوا عليه في كتاباتهم؟ ولذلك لم يؤلفوا فيه شيئاً سواء في الفقه أم في فنون أخرى، كما هو المشهور عند غيرهم، ولعل الأيام كفيلة بظهور مصنف في المجال كان مغموراً، أو يعمد بعض الباحثين إلى التأليف فيه، على غرار
هذا
ما فعله من قبل ابن نجيم الحنفي أسوة بالسيوطي الشافعي، لتدارك هذا النقص في الفقه الإباضي.
(1) الحموي أحمد غمز عيون البصائر، 18/ 1.
(2) الندوي: القواعد الفقهية، ص 79. (1/153)
صفحة 150
154
القواعد الفقهية عند الإباضية
سادساً: القواعد الكلية والفروق الفقهية
الفروق الفقهية علم من علوم الفقه باعتباره يرتكز أساساً على الفروع الفقهية، وأول من صنف فيه أحمد بن عمر بن سريج الشافعي (306 هـ)، ثم
توالت المؤلفات لهذا الفن في أوساط المذاهب الفقهية المشهورة). ويبدو أن لهذا الفن أسبقية من حيث التأليف والتدوين بالنظر إلى القواعد الفقهية، فقد تأخر رصدها وتدوينها في كتب مستقلة، إذ إن أول كتاب في موضوعها وصل إلينا هي رسالة الإمام الكرخي (340 هـ) ورسالة التعارف لابن بركة البهلوي (ت: 362 هـ / 972 م على رغم وجودها ونشأتها في فجر تاريخ الفقه الإسلامي. ولعل السبب الذي دفع العلماء إلى التأليف بعنوان «الفروق» واسترعى انتباه الفقهاء إلى هذه الظاهرة بوجه خاص وجود المسائل المتشابهة المتحدة في صورها والمختلفة في أحكامها وعللها بكثرة ليس من الميسور إحصاؤها (2). ويستفاد مما سبق أنه جرى تدوين الفروق أولاً، والقواعد الفقهية ثانياً،
ثم
جمع بين الموضوعين بعنوان الأشباه والنظائر في بعض المؤلفات. فما المراد بالفروق الفقهية؟ وما العلاقة بينه وبين القواعد الفقهية؟ 1 ـ تعريف الفروق الفقهية عرف السيوطي الفروق الفقهية بأنها: «الذي يذكر فيه الفرق بين النظائر المتحدة تصويراً ومعنى المختلفة حكماً وعلة» (3).
تلك الكتب:
(1) توجد عدة كتب في الفروق الفقهية بالإضافة إلى كتب الأشباه والنظائر، ومن الفروق الفقهية لأبي الفضل مسلم بن علي الدمشقي (توفي في القرن الخامس الهجري)، والفروق لأسعد بن محمد الكرابيسي الحنفي (ت: 570 هـ)، وعدة البروق في جمع ما في المذهب من المجموع والفروق لأحمد يحيى الونشريسي (ت: 914 هـ). لم نعثر على مصنف إباضي بهذا الاسم ولعل جهود الباحثين ستكشف عن كتاب في هذا الموضوع كان مغموراً.
(2) الندوي علي أحمد: القواعد الفقهية، ص 80.
(3) السيوطي: الأشباه والنظائر، ص 7. (1/154)
صفحة 151
الفصل التمهيدي: القواعد الفقهية المفهوم والتطور
155
وتناول محمد الفاداني (1) في الفوائد الجنية بعض كلام الزركشي بالشرح وفيه بيان لمعنى الفروق فقال: معرفة الجمع والفرق: أي ما يجتمع مع آخر في الحكم ويفترق معه في حكم آخر، كالذمي والمسلم يجتمعان في أحكام ويفترقان كذلك ... ومن هذا الفن نوع يسمى الفروق وهو: معرفة الأمور
الفارقة بين مسألتين متشابهتين بحيث لا يسوى بينهما في الحكم» (2). وجاء في مقدمة «الفروق» لأبي محمد الجويني (3) ما يقرب إلى الذهن المعنى المراد من هذا الفن حيث يقول: «فإن مسائل الشرع ربما يتشابه صورها ويختلف أحكامها لعلل أوجبت اختلاف الأحكام، ولا يستغني أهل التحقيق عن الاطلاع على تلك العلل التي أوجبت افتراق ما افترق منها واجتماع ما اجتمع منها، فجمعنا في هذا الكتاب ... مسائل وفروقاً بعضها أغمض من بعض ... » (4).
واقترح يعقوب الباحسين تصويراً لهذا الفن بأنه: «العلم الذي يبحث فيه عن وجوه ه الاختلاف وأسبابها بين المسائل الفقهية المتشابهة في الصورة، والمختلفة في الحكم من حيث بيان معنى تلك الوجوه، وما له صلة بها، ومن حيث صحتها وفسادها، وبيان شروطها، ووجوه دفعها، ونشأتها، وتطورها، وتطبيقاتها، والثمرات والفوائد المترتبة عليها»).
(1) لم نقف على ترجمته.
(2) الفاداني محمد ياسين: الفوائد الجنية حاشية على الفوائد البهية في شرح منظومة القواعد الفقهية، 1/ 87.
(3) الجويني عبد الله بن يوسف بن محمد، (أبو محمد)، (ت: 438 هـ / 1047 م)، والد إمام الحرمين الجويني. من علماء التفسير واللغة والفقه من كتبه التفسير التبصرة والتذكرة؛ الوسائل في
فروق المسائل؛ الجمع والفرق، في فقه الشافعية ... إلخ. الزركلي، الأعلام، 146/ 4. (4) الندوي: القواعد الفقهية، ص 81 82 نقلا من الفروق شريط مصور، رقمه في المركز 35، مصدره: مكتبة والدة ترخان سلطان ضمن مكتبة سليمانية، رقم 146، أصول الفقه، و: 1.
(5) الباحسين يعقوب الفروق الفقهية والأصولية، ص 25. (1/155)
صفحة 152
القواعد الفقهية عند الإباضية
ومن أمثلة الفروق في الفقه قولهم: «إذا طرح في الماء تراب فتغير به طعمه، أو لونه، أو ريحه، لم يسلبه التطهير، ولو طرح فيه طاهر غير التراب كالزعفران والعصفر، والصابون، والملح الحجري، وغيره بمخالطته بعض صفاته، سلبه التطهير، والفرق بينهما أن التراب يوافق الماء في صفتيه الطهارة والتطهير، فلا يسلبه بمخالطته شيئاً منها. . .» (1).
ومن
هذا القبيل قولهم: إن الشهادة والرواية تتشابهان في أن كلا منهما خبر، ولكن الرواية خبر من النبي صلى الله عليه وسلم للكافة، والشهادة خبر أمام القاضي تثبت
به الأحكام.
وكذلك الفرق بين القضاء والفتوى فإن القضاء خبر ملزم في مجلس
القاضي، والفتوى خبر من الفقيه غير ملزم).
2 ـ أهمية الفروق الفقهية ووظيفتها:
مقدمة
نبه بدر الدين الزركشي على أهمية هذا الفن ونوه به فقال في «القواعد»: «الثاني من أنواع الفقه معرفة الجمع والفرق، وعليه جل مناظرات
السلف
حتى
قال بعضهم:
الفقه
جمع وفرق، ومن أحسن ما صنف فيه كتاب
الشيخ أبي محمد الجويني، وأبي الخير ابن جماعة المقدسي)، فكل فرق بين مسألتين مؤثر ما لم يغلب على الظن أن الجامع أظهر، قال الإمام: ولا يُكتفى بالخيالات في الفروق، بل إن كان اجتماع مسألتين أظهر في الظن من افتراقهما وجب القضاء باجتماعهما، وإن انقدح فرق على بعد ... (5).
(1) الندوي: المصدر نفسه، ص 82، نقلا عن «الفروق» للسامري: شريط مصور في المركز، رقم 36، مصدره المكتبة الظاهرية، رقم 2745 أصول الفقه، و: 3 الوجه الأول.
(2) الندوي: القواعد الفقهية، ص 83.
(3) لم نقف على ترجمته.
(4) الظاهر أن المراد منه إمام الحرمين الجويني.
(5) الندوي المصدر السابق، ص 81، نقلا عن الزركشي، «القواعد في الفقه»، و 2. (1/156)
صفحة 153
الفصل التمهيدي: القواعد الفقهية المفهوم والتطور
157
و تكمن وظيفة هذا الفن في إظهار المسائل بوضوح، وكشف النقاب عن الاختلاف في الحكم والمناط في المسائل المتشابهة من حيث الصورة، أو المسائل المتقارب بعضها من بعض، حيث يتضح بذلك للفقيه طرق الأحكام، ويكون قياسه للفروع على الأصول متسق النظام كما قال معظم الدين السامري (1) الحنبلي في كتابه «الفروق» (2).
- العلاقة بين الفروق والقواعد الفقهية تتفق الفروق الفقهية مع القواعد الفقهية من حيث الموضوع، وهو الفروع الفقهية المتشابهة ويختلفان من عدة وجوه منها:
أ ـ الفروق الفقهية تهتم بالفروع المتشابهة من حيث الصورة المختلفة في الحكم، في حين أن القواعد الفقهية تهتم بالفروع الفقهية المتشابهة من حيث الصورة والمعنى والحكم. ب ـ الفروق الفقهية تبحث في أسباب الافتراق بين الجزئيات المتشابهة، في حين أن القواعد الفقهية تبحث في الرابط الجامع للفروع والجزئيات (3).
(1) السامري محمد بن عبد الله بن الحسين (أبو عبد الله نصير الدين)، (و: 535 هـ/ 1140 م - ت: 616 هـ / 1219 م)، حنبلي من كبار القضاة ولد بسامراء، وولي قضاءها وأعمالها مدة؛ ثم ولي القضاء والحسبة ببغداد، وصرف عنهما فلزم بيته من كتبه المستوعب، في الفقه؛ الفروق؛ ... إلخ. الزركلي، الأعلام، 231/ 6. (2) الندوي: المرجع نفسه، ص 82، نقلا عن «الفروق» للسامري، شريط مصور في المركز، رقم 36، مصدره المكتبة الظاهرية رقم 2745، أصول و: 1.
(3) محمد أبو الأجفان وحمزة أبو فارس، تحقيق مقدمة الفروق الفقهية لأبي الفضل الدمشقي، ص 28. ـ محمد عثمان شبير: القواعد الكلية، ص 35. ـ الباحسين: الفروق الفقهية
والأصولية، ص 25. (1/157)
صفحة 154
المبحث الثاني
أنواع القواعد الفقهية وأهميتها وحجيتها
يشتمل هذا المبحث على دراسة أنواع القواعد الفقهية ومراتبها، وتقسيماتها عند الفقهاء، وبيان أهميتها ومكانتها في التشريع الإسلامي، وفائدة دراستها للمتخصص وغيره، ويُنظر في حجية القواعد الفقهية ووظيفتها، ومدى الاعتماد عليها في الاستدلال والاحتجاج بها في المسائل
والنوازل المتجددة. (1/159)
صفحة 155
المطلب الأول
أنواع القواعد الفقهية ومراتبها
تتنوع القواعد الفقهية باعتبارات مختلفة إلى عدة أنواع، وسنذكر فيما يلي أهم هذه الأنواع والتقاسيم حسب الحيثيات المختلفة.
:أولاً: تقسيم القواعد باعتبار الشمول والاتساع إلى كبرى شاملة، وأقل شمولاً، وخاصة بباب فقهي أو قاعدة كبرى): أ ـ فالقواعد الكلية الكبرى الشاملة: هي القواعد التي ترجع إليها مسائل كثيرة من جميع أبواب الفقه وقالوا عنها إن الفقه يُبنى عليها، وهي القواعد الخمس التي ذكرها السالمي في طلعة الشمس (2)، والراشدي في جواهر القواعد (3)، والسيوطي وابن نجيم في الأشباه والنظائر)، وهي كما يلي:
«الأمور بمقاصدها».
اليقين لا يزول بالشك.
«المشقة تجلب التيسير»
«الضرر يزال».
«العادة محكمة».
ب ـ وأما القواعد التي هي أقل شمولاً من الكبرى وسماها الطوفي
(1) الباحسين: القواعد الفقهية، 118. ـ محمد شبير: القواعد الفقهية، ص 72. (2) السالمي نور الدين طلعة الشمس، 191/ 2.
(3) الراشدي سفيان جواهر القواعد من بحر الفرائد، ص
(0)
(4) السيوطي: الأشباه والنظائر، 9، 59، 84، 92، 99. ـ ابن نجيم: الأشباه والنظائر: ص 27،
93،85،75،
=
(5) الطوفي سليمان بن عبد القوي بن الكريم الطوفي الصرصري أبو الربيع، نجم الدين - (1/160)
صفحة 156
=
161
الفصل التمهيدي: القواعد الفقهية المفهوم والتطور
بالصغرى، فهي التي ترجع إليها مسائل كثيرة من أبواب الفقه، ولا تختص بباب واحد، لكنها أقل من حيث عدد المسائل وأبواب الفقه، وأطلق عليها السيوطي (ت: 911 هـ) وابن نجيم (ت: 970 هـ): قواعد كلية يتخرج عليها ما لا ينحصر من الصور الجزئية، وأوصلها السيوطي إلى أربعين قاعدة، واقتصر ابن نجيم على ذكر تسع عشرة منها، ونشير هنا إلى أن معظم هذه القواعد ورد ذكرها في المصنفات الفقهية الإباضية تصريحاً أو تلميحاً، وهي معتمدة عندهم ما عدا بعضها هي محل خلاف، ونذكرها كما يلي:
1 - الاجتهاد لا ينقض بالاجتهاد» (1).
2 ـ «إذا اجتمع الحلال والحرام غلب الحرام.
- «الإيثار في القرب مكروه، وفي غيرها محبوب» (3).
4 - «التابع تابع» (4).
«الحدود تسقط بالشبهات» (5).
(657 - 716 هـ / 1259 - 1316 م): فقيه حنبلي، من العلماء. ولد بقرية طوف أو طوفا، وتوفي في بلد الخليل (بفلسطين). له: «بغية السائل في أمهات المسائل» في أصول الدين، و «معراج الوصول في أصول الفقه، و «الذريعة إلى معرفة أسرار الشريعة» و «مختصر الجامع
الصحيح للترمذي - خ في مجلدين. الأعلام للزركلي: 127/ 3.
(1) السيوطي: الأشباه والنظائر، ص 113. - ابن نجيم: الأشباه والنظائر، ص 105. (2) السيوطي: الأشباه، ص 117. ـ ابن نجيم: الأشباه، ص 109. ـ الوارجلاني أبو يعقوب: العدل والإنصاف في معرفة أصول الفقه والاختلاف، 92/ 1.
(3) السيوطي: الأشباه، ص 129. ـ ابن نجيم الأشباه، ص 119. (4) السيوطي المصدر نفسه، ص 130. - ابن نجيم المصدر نفسه، ص 120. ـ الشماخي، الإيضاح، /301 و 4/ 185 - 190 بصيغة: «الفروع تابعة للأصول فوجب لها حكم الأصل» وقول المحشي
أبو ستة في الحاشية على الإيضاح الحكم الجاري على الأم يجري على حملها مطلقاً». (5) ابن بركة الجامع، 1/ 185، 2/ 165، 269، 363 - 364، 473، 476 - 477، 504، 528،
532، 550. ـ جابر بن زيد من جوابات جابر بن زيد، 125، 126. ـ والكندي محمد بن
إبراهيم: بيان الشرع، 97/ 60، 121. 67 / / 15. ـ أبو سعيد الكدمي: الجامع المفيد، 97/ 4. (1/161)
صفحة 157
162
-
«الحر لا يدخل تحت اليد» (1).
القواعد الفقهية عند الإباضية
V
A
إذا اجتمع أمران من جنس واحد، متفقا القصد، دخل أحدهما في الآخر غالباً» (2).
- إعمال الكلام أولى من إهماله» (3).
9 - «الخراج بالضمان» (4).
10 ـ «السؤال معاد في الجواب).
11 - لا ينسب للساكت قول). الفرض أفضل من النفل».
12
الكندي أبو بكر: المصنف، 6/ 40 - 269 - 48 - 85. ـ الثميني: الورد البسام، ص 144
السالمي: العقد الثمين، 4/ 408 - 414. وشرح الطلعة، 205/ 2 - 206. ـ جناو بن فتى و عبد القهار بن خلف وآخرون أجوبة علماء فزان 69، 70. بكلي عبد الرحمن ملحق القواعد والضوابط الفقهية على كتاب النيل وشفاء العليل، للثميني، 3/ 1101 السيوطي: نفسه، ص 136. - ابن نجيم نفسه، ص 127. (1) السيوطي: الأشباه والنظائر، ص 138 - ابن نجيم الأشباه والنظائر، ص 131. ـ السدويكشي: الحاشية على الإيضاح للشماخي، 5/ 2 و، 20/ 4 بصيغة: «الحر لا يباع ولا يجري عليه معنى البيع».
(2) السيوطي: المصدر نفسه، ص 140. ـ ابن نجيم المصدر نفسه، ص 132
(3) السيوطي: الأشباه، ص 142. ـ ابن نجيم ا: الأشباه، ص 135. ـ ابن السبكي: الأشباه والنظائر، 171/ 1. - الزركشي: المنثور في القواعد، 183/ 1. (4) ابن بركة: الجامع، 324/ 2. ـ الكندي، محمد بن إبراهيم 9/ 30. ـ الكندي، أحمد بن عبد الله، المصنف، 79/ 25. - العوتبي، كتاب الضياء، 265/ 13، 66/ 11.302، 71. 241/ 17، 247، 265. الشماخي، الإيضاح، 200/ 3، 231. ـ بكلي عبد الرحمن: ملحق القواعد والضوابط الفقهية على النيل للثميني، 2/ 1100/3.664. ـ السيوطي: الأشباه، 150. ـ ابن نجيم: 151. ـ الزركشي: المنثور، 119/ 2. (5) السيوطي الأشباه والنظائر، ص 158. - ابن نجيم: الأشباه والنظائر، 154. (6) السيوطي الأشباه والنظائر، ص 157. - ابن نجيم: الأشباه والنظائر، ص 153. (7) السيوطي المصدر نفسه، ص 161. ـ ابن نجيم: المصدر نفسه، ص 157.
الأشباه، ص (1/162)
صفحة 158
الفصل التمهيدي: القواعد الفقهية المفهوم والتطور
163
13 -
14 -
ما حرم أخذه حرم إعطاؤه).
من استعجل شيئاً قبل أوانه عوقب بحرمانه» (2).
15 - «تصرف الإمام منوط بالمصلحة (3).
16 - الولاية الخاصة أقوى من الولاية العامة» (4).
17 - لا عبرة بالظن البين خطوه).
18 - «ما لا يقبل التبعيض فاختيار بعضه کاختيار كله، وإسقاط بعضه كإسقاط كله (6).
19 - إذا اجتمع السبب أو الغرور والمباشرة قدمت المباشرة). وبقية القواعد الآتي ذكرها، لم يوردها ابن نجيم، وإنما جاءت عند السيوطي وغيره كما يأتي:
20 ـ «الخروج من الخلاف مستحب).
(1) ابن بركة: الجامع، 337/ 2، 556 - 557. - ابن جعفر، الجامع 1/ 300. ـ الكدمي، المعتبر، / 100 - 102. - الكندي محمد بن إبراهيم، بيان الشرع 23/ 35 - 24. ـ الكندي أحمد، المصنف، 57/ 20، 67، 78. ـ السيوطي: الأشباه، ص 167. ـ ابن نجيم: الأشباه، ص 158. (2) ابن بركة الجامع، 2/ 139. - الكندي أبو بكر أحمد، المصنف، 68/ 39. ـ الجناوني أبو زكرياء، كتاب النكاح، ص 110. بكلي عبد الرحمن ملحق القواعد والضوابط الفقهية على كتاب النيل للثميني، 1109/ 3. - السيوطي: الأشباه، ص 169. ـ ابن نجيم: الأشباه، ص 159.
ابن الوكيل: الأشباه والنظائر، 350/ 1 - الزركشي: المنثور في القواعد، 3/ 205. (3) ابن بركة: الجامع، 2/ 139، 460. - السيوطي: الأشباه والنظائر، ص 134. ـ ابن نجيم: الأشباه والنظائر، ص 123. - الزركشي: المنثور، 234/ 1.
(4) السيوطي: الأشباه، ص 171. ـ ابن نجيم: الأشباه، ص 160.
(5) السيوطي المصدر نفسه، ص 174. - ابن نجيم: المصدر نفسه، ص 161.
(6) السيوطي: نفسه، ص 178. ـ ابن نجيم: نفسه، ص 162. ـ بكلي عبد الرحمن: ملحق جدول القواعد والضوابط الفقهية على كتاب النيل للثميني، 1102/ 3.
(7) السيوطي: نفسه، ص 179. ـ ابن نجيم نفسه، ص 163. - بكلي: المصدر نفسه، 1108/ 3.
(8) السيوطي الأشباه والنظائر، ص 151. - الزركشي: المنثور في القواعد، 127/ 2. (1/163)
صفحة 159
164
القواعد الفقهية عند الإباضية
21 - «الدفع أقوى من الرفع).
22 - الرخص لا تناط بالمعاصي» (2).
23 - «الرخص لا تناط بالشك» (3).
24 - «الرضا بالشيء رضا بما يتولد منه» (4).
25 - ما كان أكثر فعلاً كان أكثر فضلاً (5).
26 - «المتعدي أفضل من القاصر» (6).
27 - «الفضيلة المتعلقة بنفس العبادة أولى من المتعلقة بمكانها). 28 - الواجب لا يترك إلا لواجب).
29 - «ما أوجب أعظم الأمرين بخصوصه، لا يجب أهونهما بعمومه (9)
- «ما ثبت بالشرع مقدم على ما ثبت بالشرط (10).
31 - «ما حرم استعماله حرم اتخاذه» (11).
(1) السيوطي: المصدر نفسه، ص 134. - ابن السبكي الأشباه والنظائر، 135/ 1 بصيغة قاعدة: الدفع أسهل من الرفع - الزركشي: المنثور، 155/ 2
(2) السيوطي نفسه، ص 153. ـ ابن السبكي الأشباه 135/ 1. - الزركشي: المنثور، 167/ 2. الجيطالي: قواعد الإسلام، 258/ 1.
(3) السيوطي: نفسه، ص 156. - ابن السبكي المصدر نفسه، 135/ 1. (4) السيوطي نفسه. - ابن السبكي نفسه، 152/ 1. - الزركشي: نفسه، 176/ 2.
(5) السيوطي: نفسه، ص 159.
(6) المصدر نفسه، ص 160
(7) السابق: ص 163
(8) السابق: ص 164.
(9) السابق: ص 167. ـ ابن السبكي نفسه، 94/ 1. - ابن الوكيل الأشباه والنظائر، 138/ 1.
(10) السيوطي: الأشباه، ص 167
(11) ابن بركة الجامع، 337/ 2، 556، 557. - ابن جعفر الجامع، 300/ 1. ـ الكدمي: المعتبر، 100 - 102. ـ الكندي محمد بن إبراهيم بيان الشرع 23/ 35 - 24. ـ الكندي أحمد: المصنف، 57/ 20، 67، 78. - السيوطي نفسه، ص 167. - الزركشي: المنثور، 139/ 3. (1/164)
صفحة 160
الفصل التمهيدي: القواعد الفقهية المفهوم والتطور
32 - «المشغول لا يشغل»). 33 - «المُكْبر لا يكبر» (2).
34 ـ «النفل أوسع من الفرض» (3).
35 - الاشتغال بغير المقصود إعراض عن المقصود» (4). 36 ـ «لا ينكر المختلف فيه، وإنما ينكر المجمع عليه»). 37 - يدخل القوي على الضعيف ولا عكس). 38 - يغتفر فى الوسائل ما لا يغتفر في المقاصد). 39 - الميسور لا يسقط بالمعسور).
40 - الحريم له حكم ما هو حريم له).
3 - القواعد الخاصة بباب فقهي أو قاعدة كبرى: فهي التي ترجع إليها مسائل كثيرة من باب واحد أو قاعدة كلية، وأطلق عليها ابن السبكي القواعد
الخاصة (10)، وهي بمعنى الضابط ومن أمثلتها:
(1) السيوطي: الأشباه، ص 167.
(2) المصدر نفسه
(3) السيوطي: نفسه،
المصدر نفسه، 197/ 3. 169. ـ الزركشي: ص
ص 171
(4) السيوطي: الأشباه، ص 157. ـ ابن السبكي: الأشباه، 151/ 1.
(5) السيوطي نفسه، ص 175
(6) السيوطي: المصدر السابق: ص 157
(7) المصدر السابق ص 175. - الزركشي: المنثور، 376/ 3 بصيغة: يغتفر في الشيء إذا كان
تابعا ما لا يغتفر إذا كان مقصوداً».
(8) السيوطي: نفسه، ص 176. ـ ابن السبكي: الأشباه، 155/ 1. الزركشي: نفسه، 198/ 3. ابن بركة: الجامع، 347/ 1 السالمي: معارج الآمال، 154/ 6. ـ السالمي: العقد الثمين،
216/ 4. - أطفيش: شرح النيل، 389/ 5. (9) السيوطي: الأشباه، ص 139. (10) ابن السبكي: الأشباه والنظائر، 200/ 1. (1/165)
صفحة 161
166
القواعد الفقهية عند الإباضية
- «أقل الحيض ثلاثة أيام وأكثره عشرة أيام» (1). (2).
2 - «الخطأ في الأموال مضمون» (3).
- إذا زال القبض بطل الرهن).
4 - كل مضاربة انتقضت فالمال وربحه لربه، وللمقارض أجر مثله على قدر عنائه» (5).
كل شرط لا يحل تملكه فالبيع جائز والشرط باطل».
(1) يُعد هذا ضابطاً فقهيّاً في باب الطهارة من الحيض، وبناء عليه، لا يحكم للدم الذي جاء دون ثلاثة أيام بحكم الحيض، فلا تترك المرأة الصلاة ولا الصوم، ولا تنقضي به العدة، وهذا القول هو المشهور عند أكثر الإباضية، منهم: الربيع بن حبيب الفراهيدي، وهو القول المعتمد عندهم، وبه قال أبو حنيفة وأصحابه، وأساسه حديث أخرجه الربيع بن حبيب في مسنده، 218/ 1) برقم (541) كما أخرجه الطبراني في كلّ من المعجم الكبير، 129/ 8، برقم (7586)، والمعجم الأوسط، 1/ 190 برقم (599)، وفي مسند الشاميين، 370/ 2،
برقم (1515). (2) الجيطالي إسماعيل قواعد الإسلام تح بكلي عبد الرحمن بن عمر، 213/ 1. بكلي عبد الرحمن، ملحق القواعد والضوابط الفقهية على النيل للثميني، ذكره بصيغة: «أقل الحيض على الصحيح ثلاثة، وأكثره عشرة، وأقل أيام النفاس عشرة، وأكثره أربعون» ينظر: 285/ 1.
(3) ابن بركة الجامع، 437/ 2. - الشماخي عامر: الإيضاح، 274/ 2. 262/ 3، 480. بكلي عبد الرحمن ملحق القواعد والضوابط الفقهية على النيل للثميني، بصيغة أعم: «الخطأ في الأموال والأنفس لا يزيل ضماناً ينظر: 2/ 665. ـ وعبّر عنه زهران المسعودي بصيغة: «الخطأ مضمون» يشمل المال والأنفس والأعراض، فأصبح قاعدة عامة، ينظر: المسعودي: ابن بركة السليمي البهلوي ودوره الفقهي في المدرسة الإباضية من خلال كتابه «الجامع». (4) ابن بركة: الجامع، 344/ 2. (5) الشماخي: الإيضاح، 31/ 3. (6) الشماخي: الإيضاح، 77/ 3.
ص 200 (1/166)
صفحة 162
الفصل التمهيدي: القواعد الفقهية المفهوم والتطور
167
ثانياً: تقسيم القواعد باعتبار دليلها ومصدرها إلى منصوصة ومستنبطة):
1 - فالقواعد الفقهية المنصوصة هي التي ورد بشأنها نص شرعي من كتاب
أو سُنَّة مثل: الخراج بالضمان (2) و لا ضرر ولا ضرار» (3).
2 - وأما القواعد الفقهية المستنبطة فهي التي استخرجها الفقهاء بعد استقراء الفروع الفقهية، وتتبعوها في مواردها المختلفة، مثل: «يغتفر في البقاء ما لا يغتفر في الابتداء» (4). ومن تطبيقاتها في باب الهبة، ما ذكره بكلي عبد الرحمن: إن هبة الحصة المشاعة لا تصح، لكن إذا وهب رجل عقاراً من آخر، فاستحق من ذلك العقار حصة شائعة، لا تبطل الحصة حق الباقي، مع أنه صار بعد الاستحقاق حصة شائعة».
ومثلها قاعدة: «من غرّ غيره في أمر كان فيه تلف نفسه أو ماله ضمن»)، فقد استأنس ابن بركة بهذه القاعدة على أنها شاهدة لما ذهب إليه من القول بتضمين من كانت له دابة معروفة بالعقر فجعلها في منزله، ثم أسكنه رجلاً، وكتمه عيب دابته فجنت على الساكن فيه؛ لأنه بكتمانه عيب دابته مع تركها في المنزل مع الساكن فيه تغرير للساكن وتعريض له لما فيه تلف نفسه أو ماله، فضمن جناية دابته).
(1) الباحسين القواعد الفقهية، ص 129. - شبير محمد عثمان: القواعد الكلية والضوابط الفقهية، ص 73.
(2) تخريج هذا الحديث سيأتي لاحقاً في الفصل السادس عند شرح هذه القاعدة. (3) تخريج هذا الحديث سيأتي لاحقاً في الفصل الرابع عند شرح هذه القاعدة. (4) بكلي عبد الرحمن ملحق القواعد والضوابط الفقهية على النيل للثميني، 1095/ 3. (5) ابن بركة: الجامع، 444/ 2. (6) ابن بركة: المصدر نفسه. - المسعودي زهران ابن بركة السليمي ودوره الفقهي، ص 176،
177 (1/167)
صفحة 163
القواعد الفقهية عند الإباضية
ثالثاً: تقسيم القواعد الفقهية باعتبار استقلاليتها وتبعيتها إلى مستقلة أصلية وتابعة (1) 1 - القواعد الفقهية المستقلة أو الأصلية هي القواعد التي لم تكن قيداً، أو شرطاً، أو ضابطاً في قاعدة أخرى، ولم تتفرع عن غيرها، ومن أمثلة ذلك:. القواعد الفقهية الخمس الكبرى المتقدمة.
إعمال الكلام أولى من إهماله.
الولاية الخاصة أقوى من الولاية العامة.
2 - أما القواعد الفقهية التابعة فهي القواعد التي تخدم غيرها من القواعد
من جهتين
أ ـ بأن تكون متفرعة من قاعدة أكبر منها، وتمثل جانباً من جوانب القاعدة الكبرى، أو تطبيقاً لها في مجالات معينة، وليس المقصود بذلك عدم استقلالها في المعنى، كقاعدة: «العبرة في العقود للمقاصد والمعاني لا للألفاظ والمباني» فإنها تمثل جانب المعاملات في قاعدة: «الأمور بمقاصدها». ومن أمثلتها أيضاً: قاعدة: «الأصل في الصفات العارضة العدم». و «الأصل براءة الذمة». و «الأصل في المياه الطهارة». فإن هذه الأصول تابعة لقاعدة كبرى «اليقين لا يزول بالشك، وهي تمثل جانب اليقين منها، وبوجه خاص هي تطبيقات لأصل العدم.
ومن أمثلتها كذلك قولهم: ألفاظ الواقفين تُبنى على عرفهم». وقولهم: المعروف بين التجار كالمشروط بينهم». وهاتان القاعدتان تمثلان تطبيقاً لقاعدة أكبر العادة محكمة في مجال معين. ب ـ أو تكون قيداً أو شرطاً أو ضابطاً في غيرها، كقاعدة: «الضرورة تقدر بقدرها». و «الضرر الأشد يزال بالضرر الأخف. فإنها تعد قيداً في قاعدة:
(1) ينظر: هذا التقسيم في مقدمة محقق القسم الأول من قواعد الحصني لعبد الرحمن الشعلان، ص 18، وكذلك الباحسين القواعد الفقهية 121. (1/168)
صفحة 164
الفصل التمهيدي: القواعد الفقهية المفهوم والتطور
الضرر يزال». وكذلك قاعدة: لا عبرة بالعرف الطارئ». و «العادة تحكم فيما لا ضبط له شرعاً». أو تكون استثناء من غيرها كقاعدة: «الضرورات تبيح
المحظورات». فإنها تستثني حالات الضرورة من المحظورات الشرعية.
رابعاً: تقسيم القواعد الفقهية باعتبار اتفاق العلماء عليها واختلافهم فيها، إلى متفق عليها، ومختلف فيها:
1 - فالقواعد الفقهية المتفق عليها نوعان:
أ ـ قواعد متفق عليها بين جميع المذاهب الفقهية، كالقواعد الخمس الكبرى، والتي قيل عنها: إن الفقه يقوم عليها.
ب ـ القواعد المتفق عليها بين أكثر المذاهب كالقواعد التسع عشرة التي ذكرها ابن نجيم واختارها من أربعين قاعدة عند السيوطي. ومن أمثلة هذا النوع: «الاجتهاد لا ينقض بالاجتهاد»، و «التابع تابع».
- القواعد الفقهية المختلف فيها، نوعان:
أ - القواعد المختلف فيها بين المذاهب الفقهية وهي القواعد المتبقية من القواعد الأربعين التي ذكرها السيوطي بعد أن أخرج ابن نجيم التسع عشرة
حرم
قاعدة، فهي قواعد مختلف فيها بين الحنفية والشافعية، مثل: قاعدة: «ما اتخاذه» و «الرخص لا تناط بالمعاصي». ونجد قواعد أخرى
استعماله
حرم
عند الإباضية لم ترد عند السيوطي وابن نجيم وهي محل خلاف بين المذاهب مثل قاعدة لا نكاح بعد سفاح (3). و «الحرام يحرم الحلال (3). اعتمدها الإباضية في تحريم نكاح مزنية الرجل.
074
(1) الباحسين القواعد الفقهية، ص 125. - محمد شبير: القواعد الكلية، ص (2) وأصلها قول مأثور رواه جابر بن زيد عن شيخه عبد الله بن عباس ينظر: ابن خلفون: أجوبة ابن خلفون، ص 42. أطفيش: شرح النيل، 48/ 6.
(3) ينظر: مصطفى أرشوم النكاح صحة وفساداً وآثاراً في المذهب الإباضي، ص 243. (1/169)
صفحة 165
170
القواعد الفقهية عند الإباضية
ب ـ القواعد الفقهية المختلف فيها بين علماء مذهب معين، وهي في الغالب ترد بصيغة الاستفهام، ومن أمثلتها: «العصيان هل ينافي الترخيص لا؟ (1)، وعبّر عنها الشافعية بصيغة الرخص لا تناط بالمعاصى». وكذلك «هل الأصل في الأشياء قبل ورود الشرع الإباحة أم الحظر؟ ().
(1) الونشريسي أبو العباس: إيضاح المسالك إلى قواعد الإمام مالك، ص 136. (2) الوارجلاني أبو يعقوب العدل والإنصاف، 68/ 1، 69. السالمي: طلعة الشمس، 191/ 2. (1/170)
صفحة 166
المطلب الثاني
أهمية القواعد الفقهية وفائدتها
إن دراسة القواعد الفقهية من أهم العلوم التي ينبغي لطلبة العلم الاشتغال بها والتركيز عليها؛ لما تتضمنه من فوائد جمة، ومنافع متنوعة، ولما لها من مكانة مرموقة في أصول الشريعة، وقد كسب هذا العلم أهميته لدى المشتغلين بعلم الشريعة، وخاصة الفقيه والمفتي والقاضي والقانوني والحاكم، حيث إنهم مطالبون بإيجاد حلول عاجلة للقضايا والنوازل المستجدة، حتى يكون الفقه الإسلامي مرناً يساير التطورات الحديثة، ومستجدات الحضارة. وتبرز هذه الأهمية أكثر فيما نلاحظه من جهود متواصلة بذلها العلماء والفقهاء القدماء والمعاصرون في إبراز هذا العلم بأجمل صورة، وأبهى حلة، حتى قال الإمام السيوطي عنه ولعمري إن هذا الفن - أي: القواعد الفقهية - لا يدرك بالتمني، ولا ينال بسؤف ولعل ولو أني، ولا يبلغه إلا کشف من ساعد الجد وشمّر، واعتزل أهله وشد المئزر، وخاض البحار وخالط
عن
العجاج)، ولازم الترداد إلى الأبواب (2) في الليل الداج"، ويدأب في التكرار والمطالعة بكرة وأصيلا، وينصب نفسه للتأليف والتحرير بياتاً ومقيلاً، ليس له همة إلا معضلة يحلها، أو مستصعبة عزّت على القاصرين فيرتقي إليها
ويحلها (4). . .» (5).
(1) غبار الكتب.
(2) يقصد الأبواب الفقهية كباب الطهارة والصلاة والبيوع وغيرها ...
(3) الليل الداج، والأصل الداجي: حذف الياء لضرورة السجع ويقصد به شديد السواد. (4) حلّ هنا: بمعنى نزل في المكان، والأولى بمعنى أوجد لها حلاً.
(5) السيوطي: الأشباه والنظائر، تحقيق عبد الكريم الفضلي، ط 1، 1421 هـ/ 2001 م، نشر المكتبة العصرية، لبنان، ص 10. (1/171)
صفحة 167
172
القواعد الفقهية عند الإباضية
وعِلم هذا شأنه، يتطلب من الباحث التعب والجهد والعناء لتحصيله والإحاطة به لا يخلو من فوائد جمة وثمار كثيرة، تتناسب مع هذا الجهد الجبار الذي بذله الفقهاء حتى وضعوا لنا علم الفقه الإسلامي في قوالب وأُطُرِ من الزيغ والشطط. ويمكن تلخيص بعض فوائد دراسة علم القواعد
تحفظه
الفقهية فيما يلي:
أولاً: حفظ الفروع الفقهية المتناثرة وضبطها في قواعد كلية:
يندرج تحت كل قاعدة أو ضابط عدد من الفروع، فهو يسهل للفقيه معرفة الأحكام الفرعية والمسائل الجزئية والإلمام بها، حيث إنه يصعب على الفقيه معرفة جميع المسائل وذلك لكثرتها وتشعبها وتشابهها، وقد أشار إلى هذه الفائدة كل من كَتب في القواعد الفقهية من السابقين واللاحقين يقول القرافي في هذا الصدد: «ومن ضبط الفقه بقواعده استغنى عن حفظ أكثر الجزئيات لاندراجها في الكليات (1) ويقول ابن رجب: تنظم منثور المسائل في سلك واحد وتقيد به، الشوارد وتقرب عليه كل متباعد (2) ويؤكد الزركشي هذا المعنى في عبارته: «فإن ضبط الأمور المنتشرة المتعددة في القوانين المتحدة هو أدعى لحفظها وأدعى لضبطها، ف وهي إحدى حكم العدد الذي وضع لأجلها، والحكيم إذا أراد التعليم لا بد له أن يجمع بين بيانين: إجمالي تتشوّف إليه النفس، وتفصيلي تسكن
(1) القرافي: شهاب الدين أحمد بن إدريس الصنهاجي المالكي، الفروق، ط 1، 1998 م، دار الكتب العلمية، لبنان، 7/ 1. (2) ابن رجب عبد الرحمن بن أحمد بن رجب الحنبلي: تقرير القواعد وتحرير الفوائد، تحقيق مشهور حسن آل سلمان، ط 1، 1998 م، دار ابن عفان السعودية، 14/ 1. (1/172)
صفحة 168
الفصل التمهيدي: القواعد الفقهية المفهوم والتطور
173
إليه، وقد بلغني عن الشيخ قطب الدين السنباطي (1) رحم الله أنه كان يقول: الفقه معرفة النظائر (2).
وهذه الوظيفة التي تنهض بها القواعد الفقهية أكدها كذلك القرافي في مناسبة أخرى فقال: «وإنْ خُرّجت الفروع الكثيرة على قاعدة واحدة، فهو أولى من تخريج كل نوع فقهي يخصه؛ لأنه أضبط للفقه، وأقوم للعدل وأفضل في رقية الفقيه، وليكن هذا شأنك في تخريج الفقه، فهو أولى بمن علت همته في القواعد الشرعية» (3).
وفي هذا الأمر يقول مصطفى الزرقا كذلك وفي هذه القواعد الكلية الفقهية: ضبط لفروع الأحكام العملية بضوابط تبين في كل زمرة من هذه الفروع وحدة المناط وجهة الارتباط برابطة تجمعها، وإن اختلفت موضوعاتها وأبوابها، ولولا هذه القواعد الفقهية لبقيت الأحكام الفقهية فروعاً مشتتة، تتعارض ظواهرها دون أصول تمسك بها وتبرز من خلالها العلل الجامعة
وتعين اتجاهاتها التشريعية وتمهد بينها طريق المقايسة والمجانسة» (4). ولعل سبب تركيز الفقهاء على هذه الخاصية في القواعد الفقهية يرجع إلى أن عدد فروع الفقه وجزئياته غير منحصرة، ويزيد تعدادها على الآلاف، خاصة في المذهب الإباضي الذي يزخر بموسوعاته الفقهية التي يبلغ إحداها
(1) السنباطي محمد بن عبد الصمد بن عبد القادر، قطب الدين ولد بسيواس (ت: 722 هـ) فقيه وأصولي، تفقه بالظهير القزويني وتقي الدين ابن رزين وغيرهما وسمع من الدمياطي وغيره، وبرع في المذهب الشافعي، وأفتى ودرس وتصدر للاشتغال ونفع الطلبة وكان كثير النقل حافظاً للفروع ناب في الحكم بالقاهرة قال عنه الأسنوي: كان عارفاً بالفقه والأصول ديناً خيراً سريع الدمعة حسن التعليم ودرس بالفاضلية والحسامية، وعمل أحكام المبعض وتصحيح التعجيز. الدرر الكامنة من أعيان المائة الثامنة، 20/ 2.
(2) الزركشي: المنثور في القواعد، 65/ 1 - 66. (3) القرافي: الأمنية في إدراك النية، ص 76 - 77.
(4) الزرقا مصطفى: المدخل الفقهي العام، مطبعة طبرية، دمشق 1378 هـ / 1968 م، ص 948. (1/173)
صفحة 169
174
القواعد الفقهية عند الإباضية
(2)
ما يربو على التسعين مجلداً)، ولأجل ذلك قال الفقيه البابرتي الحنفي " (ت: 786) في عدد مسائل مذهبه: «ما وضعه أصحابنا في المسائل الفقهية هو ألف ألف ومائة ألف وسبعون ألف ونيف، وهو عدد كبير يزيد على ضعف المسائل التي نسبت إلى أبي حنيفة، والتي قيل أنها بلغت خمسمائة مسألة، وهو عدد لا يزال ينمو ويتفرع، وتكثر مسائله خلال العصور بتجدد الحوادث، وتعقد المسائل، وحاجة الناس إلى معرفة الأحكام.
هذا في مذهب واحد، فما بالك ببقية المذاهب، فإن مسائلها لا تنحصر، ويستحيل على الفقيه أو طالب العلم حفظها، والإلمام بها دون سلوك طرق القواعد الكلية؛ لأن تلك القواعد سهلة الحفظ بعيدة النسيان، ومن ذكرها استحضر عدداً كثيراً من الفرعيات والجزئيات (3).
ثانياً: تكوين الملكة الفقهية
وهي صفة راسخة في النفس تحقق الفهم لمقاصد الكلام الذي يسهم في التمكن من إعطاء الحكم الشرعي للقضية المطروحة، إما برده إلى مظانه في مخزون الفقه، أو الاستنباط من الأدلة الشرعية أو القواعد الكلية (4).
وقد يطلق عليها البصيرة والحكمة والاجتهاد فالبصيرة مأخوذة من النص
(1) موسوعة السعدي جميل بن خلفان وتسمى قاموس الشريعة نشرته وزارة التراث والثقافة، عُمان، بدون تحقيق.
(2) البابرتي محمد بن محمد بن محمود، (أبو عبد الله، أكمل الدين)، (و: 714 هـ/ 1314 م - ت: 786 هـ / 1384 م)، علامة بفقه الحنفية، عارف بالأدب. رحل إلى حلب ثم إلى القاهرة. وعرض عليه القضاء مراراً فامتنع من كتبه شرح وصية الإمام أبي حنيفة؛ شرح مختصر ابن الحاجب؛ شرح ألفية ابن معطي؛ الزركلي، الأعلام، 42/ 7 موسوع عة السعدي جميل بن خلفان، وتسمى قاموس الشريعة. (3) الباحسين يعقوب: القواعد الفقهية، ص 114، 115. - علي جمعة محمد: المدخل، ص 144. (4) شبير محمد عثمان القواعد الكلية، ص 86. (1/174)
صفحة 170
الفصل التمهيدي: القواعد الفقهية المفهوم والتطور
175
القرآني قَدْ جَاءَكُم بَصَابِرُ مِن رَّبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُم بِحَفِيظ (الأنعام: 104)، والحكمة مأخوذة من قوله تعالى: {وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا} (البقرة: 269)، والاجتهاد مصطلح أصولي
معروف (1).
فالقواعد الفقهية تسهم إسهاماً كبيراً في تكوين الملكة الفقهية عند طالب العلم الشرعي، وتساعده على فهم مناهج الفتوى، وتطلعه على حقائق الفقه و مآخذه، وتمكنه من تخريج الفروع بطريقة سليمة، واستنباط الحلول للوقائع المتعددة، يقول السيوطي (ت: 911 هـ) في بيان هذه الخاصية المميزة: اعلم أن فن الأشباه والنظائر (2) فن عظيم به يطلع على حقائق الفقه ومداركه ومآخذه وأسراره، ويتميز في فهمه واستحضاره، ويقتدر على الإلحاق والتخريج (3)، ومعرفة أحكام المسائل التي ليست بمسطورة والحوادث التي لا تنقضي على
ممر الزمان، ولهذا قال بعض أصحابنا الفقه معرفة النظائر» (4). ويقول ابن نجيم في هذا المعنى الأول (يقصد: علم القواعد) معرفة القواعد التي تُرَدّ إليها، وفرعوا الأحكام عليها، وهي أصول الفقه أصول الفقه في الحقيقة، وبها يرتقي الفقيه إلى درجة الاجتهاد ولو في الفتوى»).
(1) شبير محمد: المرجع السابق، ص 58.
(2) يقصد به القواعد الفقهية، فقد اصطلح على ذلك بعض الفقهاء كابن السبكي والسيوطي وابن نجيم، يراجع: مدلول الأشباه والنظائر عند الندوي، القواعد الفقهية، ص 63. ولم ترد هذه التسمية في المصنفات الفقهية الإباضية، ولم يتعارفوا عليها قديماً أو حديثاً. (3) الإلحاق: هو القياس بمدلوله العام، وقد يراد به مدلوله الفقهي والتخريج: هو استنباط المسائل الفرعية من أصولها سواء كانت قواعد أو أقوالاً فقهية، يراجع: السيوطي، الأشباه
والنظائر (هامش) ص 14.
(4) المرجع نفسه.
(5) ابن نجيم: الأشباه والنظائر، تحقيق عبد الكريم الفضلي، ط 1، 1418 هـ/ 1998 م، المكتبة
العصرية بيروت لبنان، ص 14. (1/175)
صفحة 171
176
القواعد الفقهية عند الإباضية
ويقول ابن رجب (ت: 795 هـ): «إنها تضبط للفقيه أصول المذهب، وتطلعه على مآخذ الفقه على ما كان عنده قد يغيب وتنظم له منثور المسائل في سلك واحد، وتقيد الشوارد وتقرب عليه كل متباعد (1). ويقول الزركشي تأكيداً لهذا الأمر: «وهذه قواعد تضبط للفقيه أصول المذهب، وتطلعه من مآخذ الفقه على نهاية المطلب، وتنظم عقده المنثور في سلك، وتستخرج له ما يدخل تحت ملك ... (2). ومن هذه النصوص يتبين لنا أن دراسة القواعد الفقهية تشكل عند طالب العلم الشرعي الملكة الفقهية عن طريق فهم مناهج الاجتهاد، والاطلاع على حقائق الفقه ومآخذه، فهي تبلور العقلية الفقهية القادرة على التجميع والتأصيل، بحيث يتمكن من تخريج الفروع على الأصول، وإلحاق الجزئيات بالكليات بطريقة سليمة منضبطة، وتعينه على استنباط الأحكام الشرعية للقضايا المستجدة، ولذلك تصبح القواعد معيناً ثرياً للفقهاء والمفتين والقضاة، ومبعث حركة دائمة، ونشاط متجدد، ومصدراً خصباً لإثراء التشريعات الحديثة، يبعد الفقه عن أن تتحجر، مسائله، وتتجمد، قضاياه وتعمل على إحياء الاجتهاد وتجديد الفقه (3)، كل ذلك حفاظاً على الشريعة الإسلامية، وحرصاً على أن يخضع لها كل ما تعج به الدنيا من الأحداث والنوازل الصغيرة والكبيرة، والفردية والجماعية. وبعد هذا يمكن القول: إن العقلية والملكة المقتدرة على التقعيد والتأصيل، وجودة الصياغة نحن اليوم أحوج إليها من ذي قبل، وفقهنا المعاصر الذي تواجهه العديد من القضايا والمشاكل التي تزخر بها الحياة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والأمنية وغيرها ... هو في أشد الحاجة إلى الفكر
ص
(1) ابن رجب القواعد ط د ت دار الكتب العلمية بيروت لبنان (2) الزركشي: المنثور في القواعد، 1/ 114. - وينظر: محمد صدقي البورنو، الوجيز في إيضاح قواعد الفقه الكلية، ص 24.
(3) شبير محمد القواعد الكلية، ص 77 - والباحسين يعقوب القواعد الفقهية، ص 116. (1/176)
صفحة 172
الفصل التمهيدي: القواعد الفقهية المفهوم والتطور
177
التقعيدي الأصولي الذي يستطيع به أن يرد كل قضية، وكل مشكلة إلى جوف الفرا (1)، كما أنه محتاج إلى استنطاق ذلك التراث الفقهي الزاخر، بقواعده الفقهية الذي دوّن فيه الفقهاء عصارات جهودهم، ومنتهى ما وصلوا إليه في عملية التقعيد والتأصيل، وطرائق الاستنباط وأساليب الفهم والتفقيه. ولا أكون مبالغاً إذا قلت إن أسلوب التقنين والدراسات القانونية بمختلف
شعبها التي بلغ فيها اليوم فقهاء القانون إلى مرحلة بعيدة المدى، لا يستغنى عن هذا الفكر التقعيدي التأصيلي، بل به يكتمل وينضج).
(2)
ثالثاً: تحصيل المسائل الفقهية في أقرب الأزمان
أشد
وهذا ما يحتاج إليه الفقيه والمفتي والقاضي في وظيفتهم، فهم في الحاجة إلى الوقت الكافي لاستخراج الأحكام الشرعية للمسائل والقضايا المستجدة، فهذه القواعد تعينهم على هذه المهمة في زمن قياسي، وهذا ما وجهنا إليه تاج الدين ابن السبكي (ت: 771 هـ) حيث قال: «وإن تعارض الأمران - أي حفظ الفروع وتعلم القواعد)، وقصر وقت طالب العلم عن الجمع بينهما، لضيق أو غيره من آفات الزمان - فالرأي لذي الصحيح الاقتصار على حفظ القواعد، وفهم المآخذ» (3).
ويؤكد القرافي هذا المعنى حين يتحدث عن الجهود التي يبذلها الفقيه حتى يصل إلى حكم المسألة فيقول: وأجاب الشاسع البعيد وتقارب، وحصل طلبته في أقرب الأزمان، وانشرح صدره لما أشرقت فيه من البيان، فبين
المقامين شأو بعيد، وبين المنزلتين تفاوت شديد» (4).
(1) الفرا حمار الوحش إشارة إلى المثل العربي، كل الصيد في جوف الفرا.
ص
125 - 126
(2) الروكي: قواعد الفقه الإسلامي، (3) ابن السبكي: الأشباه والنظائر، 9/ 2 - 10.
(4) القرافي: الفروق، 3/ 1. (1/177)
صفحة 173
178
القواعد الفقهية عند الإباضية
وهكذا يتبين من كلام القرافي أن أبرز ما يُصوّر لنا أهمية القواعد الفقهية هو: كونها تجمع شتات المسائل الفقهية وتربط بين المتناثر من فروع الفقه فيسهل استحضاره على الفقيه أي وقت شاء، وهو أمر ييسر عملية الإفتاء ويقربه، ويوفر فيها الوقت وعناء البحث (1).
رابعا: المحافظة على وحدة المنطق العام للفقه ودفع التناقض عنه: إن الاشتغال بالقواعد الفقهية الكلية وحفظها واستيعابها بحيث تجري في شهرتها ودلالتها، ورد الجزئيات إليها يؤدي إلى المحافظة
الأمثال مجري على وحدة المنطق العام للفقه ودفع التناقض عنه. إن تخريج الفروع استناداً إلى القواعد الكلية يجنب الفقيه من التناقض الذي يترتب على التخريج من المناسبة الجزئية، وقد نبه القرافي (ت: 684 هـ) إلى هذا، وذكر أن تخريج الفروع على المناسبات الجزئية دون القواعد الكلية سيؤدي حتماً إلى انتقاض أحكام الفروع واختلافها، يقول في هذا الصدد: ومن جعل يخرج الفروع بالمناسبات الجزئية دون القواعد الكلية تناقضت عليه الفروع واختلفت وتزلزلت خواطره بها واضطربت» (2). وقد نقل تاج الدين ابن السبكي عن والده ما يؤكد هذه الحقيقة فيقول: وكم من آخذ مستكثر في الفروع ومداركها قد أفرغ جماع ذهنه فيها غفل عن قاعدة كلية، فتخبطت عليه تلك المدارك وصار حيران، ومن وفقه الله بمزيد من العناية جمع بين الأمرين فيرى رأي العين» (3). وتبع ابن السبكي والده في تأكيد هذا الأمر فقال: «حق على طالب التحقيق ومن يتشوف إلى المقام الأعلى في التصور والتصديق أن يُحكم قواعد
(1) الروكي: قواعد الفقه الإسلامي، ص 122.
(2) القرافي: الفروق، 3/ 1.
(3) ابن السبكي: الأشباه والنظائر، 309/ 1. (1/178)
صفحة 174
179
الفصل التمهيدي: القواعد الفقهية المفهوم والتطور
مأخذها،
الأحكام؛ ليرجع إليها عند الغموض، وينهض بعبء الاجتهاد أتمّ نهوض، ثم يؤكدها بالاستكثار من حفظ الفروع؛ لترسخ في الذهن مثمرة عليه بفوائد غير مقطوع فضلها ولا ممنوع، أما استخراج القوى وبذل المجهود في الاقتصار على حفظ الفروع من غير معرفة أصولها، ونظم الجزئيات بدون فهم فلا يرضاه لنفسه ذو نفس أبية لحامله من أهل العلم بالكلية» (1). وفي هذا المعنى يضيف ابن تيمية (3) ويحذر من الوقوع في هذا الخلل فيقول: «لا بد أن يكون مع الإنسان أصول كلية ـ قواعد كلية ـ يرد إليها الجزئيات ليتكلم على علم وعدل، ثم يعرف الجزئيات كيف وقعت، وإلا فيبقى في كذب وجهل في الجزئيات، وجهل وظلم في الكليات، فيتولد فساد عظيم (3). ولذلك ينبغي على الفقيه أن يتنبه لهذا الأمر، ولا ينظر إلى الجزئيات منفردة دون ربطها بكلياتها، كما أنه لا يعتبر الكلي بإطلاق دون اعتبار الجزئي الذي يتحقق فيه مضمونه أو مناطه كما يقول الشاطبي (4): «فمن الواجب اعتبار تلك الجزئيات بهذه الكليات، إذ محال أن تكون الجزئيات مستغنية عن
(1) ابن السبكي: المرجع نفسه، 1/ 10 - 11. (2) ابن تيمية أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام الحراني الحنبلي (أبو العباس، تقي الدين)، (و: 661 هـ/ 1263 م - ت: 728 هـ / 1328 م)، يعتبر المجدد في المذهب الحنبلي، سجن مراراً إلى أن مات في السجن بدمشق. أفتى ودرس وهو دون العشرين. وألف في الكثير من الفنون مئات المؤلفات، منها: السياسة الشرعية في إصلاح الراعي والرعية؛ مجموع الفتاوى؛ منهاج السنة؛ نقض المنطق؛ ... إلخ. الزركلي، الأعلام، 144/ 1.
(3) ابن تيمية أحمد: مجموع الفتاوى، 303/ 19.
(4) الشاطبي إبراهيم بن موسى بن محمد الغرناطي الشهير الشاطبي (ت: 790 هـ / 1388 م)، أصولي حافظ، من كبار أئمة المالكية من كتبه الموافقات في أصول الفقه؛ الاتفاق في علم الاشتقاق؛ المقاصد الشافية في شرح خلاصة الكافية؛ والاعتصام ... إلخ. الزركلي، الأعلام،
319/ 7 (1/179)
صفحة 175
180
القواعد الفقهية عند الإباضية
كلياتها» (1)؛ وذلك لأن الجزئي لم يوضع جزئياً إلا أن يكون الكلي فيه على التمام، فالإعراض عن الجزئي من حيث هو إعراض عن الكلي نفسه في الحقيقة وذلك تناقض (2).
ولكن الناظر في اجتهادات الفقهاء المبنية على الرأي يلحظ أحياناً خروجاً عن ذلك؛ لأن جهد البشر يعتريه النقص، ولا يمكن أن يتصف بالكمال، فلا بد إذاً من ربط جزئيات الفقه بكلياتها حتى يتجنب الوقوع في التناقض (3).
خامساً: إدراك مقاصد الشريعة وحكمها وأسرارها ومن فوائد دراسة القواعد الفقهية أيضاً تسهيل إدراك الفقيه لمقاصد الشريعة وأسرارها، إذ أن معرفة القاعدة التي يندرج تحتها فروع عديدة خاصة الكبرى منها فيها تسهيل لاكتشاف قصد الشارع، وقد لا يتيسر هذا من معرفة الجزئيات، فمثلاً لو قرأ طالب العلم عددا من الأبواب الفقهية، فإنه سيمرُّ على عدد من المسائل التي فيها تيسير إلا أنه مع كثرة الفروع وكثرة المعاني قد لا ينتبه لهذا المعنى وهذا المقصد، أما إذا رأى قاعدة «المشقة تجلب التيسير» فإنه يتبادر إلى ذهنه أن من مقاصد الشريعة التيسير على العباد). وكذلك قاعدة: «الضرر يزال يفهم منها أن رفع الضرر والحرج مقصد من مقاصد الشريعة. وهكذا فإن معرفة القاعدة الفقهية يعطينا تصوراً واضحاً عن مقاصد الشريعة والمصالح التي توخاها الشارع من وضعه للأحكام، ليجتهد في
(1) الشاطبي: أبو إسحاق إبراهيم اللخمي، الموافقات، 119/ 4. (2) الشاطبي: المرجع نفسه. وينظر: كذلك بحوث مقارنة في الفقه الإسلامي، فتحي الدريني، 38/ 1. (3) محمد شبير: القواعد الكلية، ص 79 - 80.
(4) الحصني تقي الدين كتاب القواعد، مقدمة المحقق، 38/ 1. - وقد أشار إلى هذه الفائدة أيضاً الباحث أحمد بن عبد الله بن حميد في القسم الدراسي من تحقيق كتاب القواعد
للمقري، ص 106. (1/180)
صفحة 176
الفصل التمهيدي: القواعد الفقهية المفهوم والتطور
181
تحقيقها، وعدم تجاوز حدودها، فتصير القاعدة بمثابة المخطط الذي يضمن له السير الحسن).
وقد نبه بعض الفقهاء إلى هذا الأمر حيث قال القرافي: «قواعد كلية جليلة، كثيرة العدد عظيمة، المدد مشتملة على أسرار الشرع وحكمه (2)»، بينما نجد الشيخ الطاهر بن عاشور (3) يوضح ذلك أكثر فيقول: «هو أنها ـ وبخاصة الكبرى منها - تساعد على إدراك مقاصد الشريعة؛ لأن القواعد الأصولية تركز على جانب الاستنباط، وتلاحظ جوانب التعارض والترجيح، وما شابه ذلك من القواعد التي ليس فيها شيء من ملاحظة مقاصد الشارع، أما القواعد الفقهية فهي مشتقة من الفروع والجزئيات المتعددة بمعرفة الرابط بينها، ومعرفة المقاصد الشرعية التي دعت إليها» (4).
ومما لا شك فيه أن معرفة المقاصد ضرورية لتكوين الملكة الفقهية كما صرح بذلك الشاطبي حيث يقول: «إنما تحصل درجة الاجتهاد لمن اتصف بوصفين، أحدهما فهم مقاصد الشريعة على كمالها، والثاني: التمكن من الاستنباط بناء على فهمه فيها» (5).
(1) دداش سعد الدين القواعد الأصولية الفقهية من كتاب الفروق للقرافي، رسالة تقدم بها لنيل درجة الدكتوراه من جامعة الأمير عبد القادر للعلوم الإسلامية قسنطينة ـ الجزائر، نسخة
مرقونة في مكتبة الجامعة، ص 59.
(2) القرافي: الفروق، 2/ 1 - 3.
(3) ابن عاشور هو محمد الطاهر، من علماء تونس البارزين في العصر الحديث، كان رئيس مفتي المالكية فيها، وشيخ جامع الزيتونة، وكان عضواً في مجمع القاهرة ودمشق، توفي في تونس 1393 هـ ـ من مؤلفاته: «مقاصد الشريعة الإسلامية .. و «أصول النظام الاجتماعي في الإسلام». و «التحرير والتنوير في تفسير القرآن». وغيرها. يراجع ترجمة ابن عاشور، الأعلام
للزركلي، 184/ 6. - رضا كحالة، المستدرك على معجم المؤلفين، ص 662.
(4) ابن عاشور مقاصد الشريعة.
(5) الشاطبي: الموافقات، 105/ 4 - 106. (1/181)
صفحة 177
182
القواعد الفقهية عند الإباضية
وينقل السيوطي عن الغزالي قوله: «مقاصد الشرع قبلة المجتهدين، من توجه إلى جهة منها أصاب الحق» (1).
ونخلص من هذا إلى أن معرفة المقاصد تعين الفقيه على فهم النصوص وكيفية استنباط الأحكام منها، وكيفية إلحاق الفروع بالأصول والقواعد الكلية.
سادساً: القواعد الفقهية معيار لتنظيم الفروع الفقهية وقياس العملية الاجتهادية
فالفقيه يحتاج إلى مقياس يقيس به الجزئيات ويميز بينها، ويربط المتشابه منها بقاعدة واحدة إذا وجد علة تجمعها، وفي هذا الشأن يقول الزرقا: «فإن الفقيه يعتبر القواعد الفقهية معياراً لتنظيم فروع الفقه، وجمع أحكامها المتنوعة والمتشعبة في زمر متعددة بمراعاة وحدة المناط، وبهذا ضبطت مسائل الفقه ضبطاً محكماً، بحيث لو لم تجمع هذه القواعد لبقيت الأحكام الفقهية فروعاً مشتتة، تتعارض ظواهرها دون أصول تمسك بالأفكار، وتبرز فيها العلل الجامعة، وتعيين اتجاهاتها التشريعية، وتمهد بينها طريق المقايسة والمجانسة» (2). كما أنه تظهر أهمية القواعد الفقهية وفائدتها في تقويم العملية الاجتهادية، ضابطة للأحكام الشرعية التي يتوصل إليها المجتهد، فإن كانت موافقة لها علم المجتهد بحسن اجتهاده، فقبل ما توصل إليه من أحكام شرعية، وإن كانت مناقضة لها أدرك المجتهد سوء اجتهاده فرفض ما توصل إليه من نتائج اجتهاده، فهي إذن الحارس الأمين، والمعيار الصحيح للمجتهد؛ إذ تأخذ بيده فلا تتركه يزيغ، ولا ينحاد عن جادة الاجتهاد، وهي السُّلَّم المتين الذي يرقى عليه المجتهد درجة في العملية الاجتهادية، ليصل في النهاية إلى الغاية
فهي
(1) السيوطي: الرد على من أخلد إلى الأرض وزعم أن الاجتهاد ليس بفرض، ص 181. (2) الزرقا مصطفى: المدخل الفقهي، 29/ 2. (1/182)
صفحة 178
الفصل التمهيدي: القواعد الفقهية المفهوم والتطور
183
هي
المساعدة
المرجوة من عمله الاجتهادي، وبعبارة أخرى فإن القواعد الفقهية له في بناء أي برهان لأي حكم شرعي، ولأي مسألة بذل جهده فيها. وعلى هذا فلا يمكن لأي عملية اجتهادية، تهدف إلى اكتشاف حكم شرعي للمسألة المستهدفة أن يستغني عن القواعد الفقهية، سواء من خلال العملية الاجتهادية، أم لمعرفة صوابها من خطئها أم عند تقييم نتائج الاجتهاد المتحصل عليها (1).
سابعاً: تكوين تصور عام عن الفقه الإسلامي:
إذا كان تكوين الملكة الفقهية ضروريّاً بالنسبة للمختصين في الفقه، فإن
لأن
بجميع
تكوين التصور العام عن الفقه وموضوعاته ضروري للمختصين وغيرهم؛ علم الفقه هو أكثر العلوم الشرعية مساساً بحياة الناس، إذ فيه بيان حكم الشرع في تصرفات الإنسان المختلفة، ومشكلات الحياة اليومية المتعلقة نواحي الحياة الأخروية والدنيوية، من سياسية واقتصادية، واجتماعية، ولما كانت معرفة تلك الفروع التفصيلية تشق على المختصين بالفقه، فعلى غيرهم شاقة من باب أولى، ولهذا يصار إلى جمع الفروع المتشابهة في قواعد كلية، أو ضوابط فقهية، وتقديمها إلى غير المختصين، بهدف تكوين تصور عام عن الفقه، وهذا التصور يحقق عدة فوائد لغير المختصين منها:
1 - تيسير الفقه الإسلامي على غير المختصين، حتى يتمكنوا من الاطلاع على الفقه بروحه ومضمونه بأيسر، طريق، وتظهر لهم مدى استيعاب الفقه الإسلامي للأحكام، ومراعاة الحقوق والواجبات وتبطل دعوى من ينتقصون
(1) أحسن زقور: القواعد الفقهية المستنبطة من المدونة الكبرى للإمام مالك بن أنس الأصبحي برواية الإمام سحنون بن سعيد عن الإمام عبد الرحمن بن القاسم ط 1، 1426 هـ / 2005 م، دار ابن حزم، بيروت، ونشر دار التراث الجزائر، 203/ 1 - 205. (1/183)
صفحة 179
184
القواعد الفقهية عند الإباضية
الفقه ويتهمونه بأنه يشتمل على حلول جزئية، وليس على قواعد كلية (1)، فإن هذه القواعد تجمع فروعاً متعددة في عبارة سهلة رشيقة لا تعقيد فيها، ولا يحار الذهن في فهمها، ولولا هذه القواعد لبقيت الأحكام مشتتة، قد تتعارض ظواهرها دون أصول تمسك بها في الأفكار (2).
2 ـ التيسير على الباحثين من غير المختصين في الفقه، كعلماء القانون الوضعي، وعلماء الاقتصاد، وعلماء الاجتماع الرجوع إلى تلك القواعد، وردّ جزئيات الفقه إليها، والكشف عن الأحكام فهي تساعدهم على الاستقلال بأنفسهم في فهم النصوص الفقهية، والبحث عن الأحكام الشرعية في مظانها، فالقانوني يحتاج إلى القواعد الفقهية لتفسير المواد القانونية المستمدة من الفقه الإسلامي؛ كالقانون المدني وقانون الأحوال الشخصية، والاقتصادي يحتاج إليها لتفسير المواد التجارية المستمدة من الفقه الإسلامي (3).
- التمهيد لصياغة نظريات عامة في الفقه الإسلامي تفيد غير المختصين في الفقه؛ لأن هذا الفقه غنيّ بالنظريات الفقهية العامة، وقد شهد بذلك غير الفقهاء من القانونيين كالسنهوري (4) وغيره (5)، ولكنها تحتاج إلى صياغة وترتيب وتنظيم، ولو صيغت تلك النظريات لضاهت، بل فاقت في رقيها وشمولها
(1) الزرقا مصطفى: المدخل الفقهي، 949/ 2. (2) البورنو محمد صدقي: الوجيز في إيضاح قواعد الفقه الكلية، ص 25. ـ الباحسين: القواعد الفقهية، ص 117.
(3) شبير محمد القواعد الكلية، ص 80 - 81.
(4) السنهوري عبد الرزاق بن أحمد (و: 1312 هـ / 1895 م - ـ ت: 1391 هـ/ 1971 م)، دکتور مصري، يعتبر كبير علماء القانون المدني في عصره. وضع قوانين مدنية كثيرة لمصر والعراق وسوريا وغيرها. تقلد عدة مناصب في مصر، وحاز على أوسمة عديدة. من كتبه المطبوعة: أصول القانون؛ نظرية العقد في الفقه الإسلامي؛ شرح القانون المدني في العقود؛ مصادر الحق في الفقه الإسلامي .... إلخ. الزركلي، الأعلام، 350/ 3.
(5) القرضاوي يوسف: الفقه الإسلامي بين الأصالة والتجديد، ص 29. (1/184)
صفحة 180
الفصل التمهيدي: القواعد الفقهية المفهوم والتطور
185
ومسايرتها للتطور أعظم النظريات الغربية في القانون والاقتصاد، ومن هذه النظريات نظرية التعسف في استعمال الحق فالقواعد والضوابط الفقهية مرحلة ممهدة لصياغة النظريات الفقهية ()، وقد بذلت جهود جيدة لإخراج بعض النظريات، ولكن الباب لا يزال مفتوحاً أمام الدارسين.
ثامناً: القواعد الفقهية ذات أثر على اختلاف الفقهاء: وإلى جانب هذه المعالم من الأهمية والمكانة التي تحتلها القواعد الفقهية، فإن لها أثراً ظاهراً في اختلاف الفقهاء، وهذا الاختلاف يتمثل في الآراء والاجتهادات الفقهية المتنوعة التي توصل إليها الفقهاء عن طريق الاجتهاد في القضايا والنوازل التي لم يرد فيها نص من كتاب أو سُنَّة، ودفع إليه الإخلاص الله، وإقامة دينه بالبحث عن حكم كل ما جد من وقائع الحياة، وهو اختلاف اقتضته طبيعة اللغة، ومناهج الاستنباط، فضلاً عن تفاوت الفقهاء في قدراتهم العقلية). يقول ابن خلدون (3) في هذا الشأن: «فاعلم أن هذا الفقه مستنبط الأدلة من الشرعية، كثر فيه الخلاف بين المجتهدين باختلاف مداركهم وأنظارهم، من وقوعه ... ثم قال في بيان أهميته وهو لعمري علم جليل الفائدة في مآخذ الأئمة وأدلتهم، ومران المطالعين له على الاستدلال فيما يرمون
لا
الاستدلال عليه» (4).
خلافاً
(1) الزحيلي محمد: النظريات الفقهية، ص (2) الروكي: نظرية التقعيد الفقهي، ص 190. (3) ابن خلدون هو عبد الرحمن بن محمد بن محمد أبو زيد، ولي الدين)، (و: 732 هـ/ 1332 م - 808 هـ / 1406 م)، الفيلسوف المؤرخ العالم الاجتماعي البحاثة. ولي قضاء المالكية في مصر. اشتهر بكتابه العبر وديوان المبتدأ والخبر في تاريخ العرب والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر؛ وكتاب في الحساب؛ ورسالة في المنطق؛ ...
إلخ. الزركلي، الأعلام، 330/ 3.
(4) ابن خلدون المقدمة، ص 398 (1/185)
صفحة 181
186
القواعد الفقهية عند الإباضية
فالدارس لاختلاف الفقهاء يقف على آراء الفقهاء وأسباب اختلافهم وأدلتهم ومآخذهم، ومناقشة الأدلة بقصد الوصول إلى الرأي الذي تُقوّيه الأدلة، وقد ركز الفقهاء والأصوليون المعاصرون في مجال أسباب الاختلاف على القواعد اللغوية والأصولية)، وأغفلوا القواعد الفقهية مع أن الفقهاء القدامى لم يغفلوا هذا الجانب وأفردوه بالتصنيف، ومن هؤلاء العلماء: أبو زيد الدبوسي، حيث ذكر في كتابه «تأسيس النظر الكثير من القواعد الفقهية التي كان الخلاف في تقعيدها وصياغتها سبباً من أسباب الاختلاف في الفروع الفقهية. وظل هذا الجانب مغفلًا عند المعاصرين إلى أن جاء محمد الروكي، وأفرده بعمل علمي متميز سماه «نظرية التقعيد الفقهي وأثرها في اختلاف الفقهاء فجزاه الله خير الجزاء على ما قدم وبذل من جهد في إبراز هذا الجانب، فقد ذكر في كتابه أن الفقهاء في تناولهم للخلاف الفقهي وأسبابه لم يدرجوا ضمن هذه الأسباب التقعيد الفقهي بشكل واضح مباشر مقصود، في أنه من أهم أسباب الاختلاف، بل يعادل أسباب الاختلاف كلها؛ لأن أسباب الاختلاف التي تحدّث عنها الفقهاء إنما ترتبط بالأحكام الجزئية، ونحن هنا نريد الحديث عن ارتباطها بالأحكام الكلية، وهي من هذه الجهة تعتبر بمجموعها أسباباً للاختلاف (2).
حين
ويرجع محمد الروكي سبب عدم التركيز على هذا السبب أنه ليس سبباً بذاته، وإنما هو مسبب عن أسباب الاختلاف المعروفة، ولكن لا يعتبر ذلك مبررا لإغفاله وعدم التركيز عليه بل لا بد من، إظهاره وبيان العلاقة بين القواعد الفقهية واختلاف الفقهاء، ومن الأمثلة التي تظهر تلك العلاقة قاعدة:
(1) من الكتب التي اهتمت بأسباب الاختلاف أسباب اختلاف الفقهاء، للشيخ علي الخفيف، وأسباب اختلاف الفقهاء لعبد الله التركي، وأثر الاختلاف في القواعد الأصولية في اختلاف
الفقهاء لمصطفى الخن.
(2) الروكي: نظرية التقعيد، ص 247. (1/186)
صفحة 182
الفصل التمهيدي: القواعد الفقهية المفهوم والتطور
187
الرخص لا تناط بالمعاصي»، أي رخص الشرع لا يستحقها العصاة؛ لأنهم دخلوا إلى تلك الرخص من باب المعصية لا من باب الطاعة، لكن الفقهاء اختلفوا في هذه القاعدة، فمنهم من أقرها، ومنهم من لا يعتبرها، ولذلك ساقها الونشريسي بصيغة الاستفهام فقال: «العصيان هل ينافي الترخيص أم لا؟ وعليه تيمم العاصي بسفره، وقصره وفطره، وتناوله الميتة ... » (1)
وقد ترتب على هذا الاختلاف في هذه القاعدة الاختلاف في أحكام الفروع المندرجة تحت هذه القاعدة (2).
وأما سبب اختلافهم في اعتبار أصل القاعدة فيرجع إلى الاختلاف في المشترك اللغوي الوارد في قوله تعالى: فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغِ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ} (البقرة: (173)، فقوله تعالى: {غَيْرَ بَاغِ وَلَا عَادٍ} (البقرة: 173)، يحتمل معنيين: الأول: غير باغ ولا عاد في سفره، فلا بد أن يكون سفره طاعة لا سفر معصية. والثاني: المراد غير باغ ولا عاد في تناوله الأكل المحرم.
فالذين حملوها على المعنى الأول استنبطوا قاعدة: «الرخص لا تناط بالمعاصي والذين حملوها على المعنى الثاني قالوا: لا وجه لاستنباط تلك
القاعدة (3).
وتجدر الإشارة هنا إلى أنه لما كانت القواعد الفقهية في أكثرها موضع اتفاق بين الأئمة المجتهدين، ومواضع الخلاف فيها قليلة، فإن دراستها والتمكن منها تربي عند الباحث ملكة المقارنة بين المدارس الفقهية المختلفة، له وجوه الاختلاف وأسبابه بين المذاهب فيبذل جهده للتقريب بينها،
وتوضح ويحاول تقليص شقة الخلاف بين المسلمين.
(1) الونشريسي: إيضاح المسلك، قاعدة (12) ص 66.
(2) الروكي: المرجع السابق، ص 248 - 249. وينظر محمد شبير: القواعد الكلية
ص 81 - 83.
(3) الروكي المرجع نفسه - شبير محمد: المرجع نفسه. (1/187)
صفحة 183
المطلب الثالث حجية القواعد الفقهية
بعد أن عرفنا أهمية القواعد الفقهية ومميزاتها وفائدة دراستها، وأدركنا أنّ لها دورا مهماً في الكشف عن الحكم الشرعي، وإلحاق الفروع بالكليات، يتبادر إلى أذهاننا سؤال يطرح نفسه في هذا السياق، هل يسوغ لنا أن نجعل القاعدة الفقهية أو الضابط الفقهي مصدراً شرعياً نستند إليه في استنباط الأحكام، أو دليلاً نحتج به ونعتمد عليه في الترجيح؟
وللإجابة على هذا التساؤل نورد آراء العلماء في هذه المسألة على ضوء النصوص الواردة عنهم بشأنها، وقد اختلفوا في ذلك إلى ثلاثة أقوال:
القول الأول:
(2)
مقتضى قول الجويني (1) (ت: 478 هـ) وابن دقيق العيد (2) (ت: 702 هـ) وابن نجيم (ت (980 هـ) عدم جواز الاحتجاج بالقواعد الفقهية كأدلة قضائية وحيدة، وإنما هي شواهد يستأنس بها في تخريج أحكام القضايا الجديدة على
المسائل الفقهية المدونة، ولا يمكن الاعتماد عليها في استخراج حكم فقهي
(3)
(1) تقدمت ترجمته.
(2) محمد بن علي بن وهب القشيري المعروف بابن دقيق العيد، (أبو الفتح، تقي الدين)، (و: 625 هـ / 1228 م - ت: 702 هـ / 1302 م) قاض ومجتهد من أكابر العلماء بالأصول. ولي قضاء الديار المصرية سنة 695 هـ إلى أن توفي. له تصانيف، منها: إحكام الأحكام في الحديث؛ تحفة اللبيب في شرح التقريب؛ شرح الأربعين حديثا للنووي؛ ... إلخ. الزركلي، الأعلام، 283/ 6. (3) أحمد بن عبد الله بن حميد: مقدمة تحقيق كتاب القواعد لأبي عبدالله المقري،
116/ 1 - 117 (1/188)
صفحة 184
=
189
الفصل التمهيدي: القواعد الفقهية المفهوم والتطور
يقول إمام الحرمين الجويني في كتابه (الغياثي) بمناسبة إيراده قاعدتي الإباحة وبراءة الذمة وغرضي بإيرادهما تنبيه القرائح ... ولست أقصد الاستدلال بهما (1).
ومن الغريب أن بعضهم كابن دقيق العيد بالغ في رفضه الاستدلال بها، وادعى عدم جواز استنباط أحكام الفروع حتى من قواعد أصول الفقه (2)، وإذا قلنا: إن المراد من قواعد أصول الفقه قواعد الفقه نفسها نظراً لشيوع هذا الإطلاق في عصره، كما ذكر بعض الباحثين (3). فيكون ابن دقيق ممن لا يرتضي الاستدلال بالقواعد الفقهية (4).
وممن نقل عنه عدم الاحتجاج بالقواعد الفقهية أيضاً، ابن نجيم إذ نسب إليه الحموي (ت: 1098 هـ) في شرحه «غمز عيون البصائر» أنه صرح في الفوائد الزينية أنه لا يجوز الفتوى بما تقتضيه الضوابط؛ لأنها ليست كلية بل أغلبية، وخصوصاً وهي لم تثبت عن الإمام بل استخرجها المشايخ من كلامه (5).
(1) نص كلام الجويني بكامله الذي فهم منه عدم الجواز: وأنا الآن أضرب من قاعدة الشرع مثلين يقضي الفطن العجب منهما، وغرضي بإيرادهما تنبيه القرائح لدرك المسلك الذي جهدته في الزمن الخالي ولست أقصد الاستدلال بها، فإن الزمان إذا فرض خالياً عن التفاريع والتفاصيل لم يستند أهل الزمان إلا إلى مقطوع به، فالذي أذكر من أساليب الكلام في تفاصيل الظنون، فالمثلان أحدهما في الإباحة، والثاني في براءة الذمة. «غياث الأمم في التياث الظلم»، ص 260. (2) ينظر: مقدمة تحقيق كتاب (القواعد للمقري لأحمد بن عبد الله بن حميد، هامش 01، 117/ 1. (3) الباحسين القواعد الفقهية، ص 225.
(4) انتقد ابن دقيق العيد الشافعي إبراهيم بن عبد الصمد المعروف بابن بشير المالكي لاستنباطه أحكام الفروع من قواعد أصول الفقه وقال: «إنها غير مخلصة وأن الفروع لا يطرد تخريجها على القواعد الأصولية (يقصد القواعد الفقهية يراجع القواعد الكلية لمحمد عثمان شبير، ص 84، نقلاً عن الديباج لابن فرحون، ص
AV
(5) أحمد الحموي: غمز عيون البصائر، 37/ 1، وقد راجع يعقوب الباحسين هذا القول في (1/189)
صفحة 185
190
القواعد الفقهية عند الإباضية
في
وقد ذهبت لجنة إعداد مجلة الأحكام العدلية العثمانية (1) إلى أن الأصل القاعدة الفقهية عدم صحة الاستناد إليها في استنباط الأحكام، ما لم يوجد
ما يدل عليها نص صريح من الكتاب أو السُّنَّة، فقد جاء في تقريرهم: «إن المقالة الثانية من المقدمة هي عبارة عن القواعد التي جمعها ابن نجيم ومن سلك مسلكه من الفقهاء - رحمهم الله تعالى - فحُكام الشرع ما لم يقفوا على نقل صريح لا يحكمون بمجرد الاستناد إلى واحدة من هذه القواعد» (2). وقد علل بعض شراح المجلة ذلك: بأن هذه القواعد يوجب تفهمها في بادئ الأمر الاستئناس بالمسائل، ويكون وسيلة لتقررها في الأذهان، فهذه القواعد لها مدارك ومآخذ، وشروط قد تغيب عن بال الكثيرين من المقلدين (3) حيث قال الأتاسي (4): «يتنور بها المقلد ولا يتخذها مداراً للفتوى والحكم، فلعل بعضاً من حوادث الفتوى خرجت من اطرادها بقيد زائد، أو لأحد الأسباب المتقدم ذكرها، وهذا يحتاج إلى نظر دقيق وتحرّ عميق، يُجري تلك
فائدة،
موم
المصدر المذكور فذكر أنه لم يعثر على ذلك في الفوائد الزينية المشار إليها، والبالغة (225) يراجع:: القواعد الفقهية هامش (03) ص (1) تتكون لجنة إعداد المجلة من الأساتذة الأعضاء: أحمد جودت ناظر ديوان الأحكام العدلية، والسيد خليل مفتش الأوقاف، وسيف الدين عضو شورى الدولة، أحمد الخلوصي وظف في ديوان الأحكام العدلية، وأحمد حلمي موظف في ديوان الأحكام العدلية، ومحمد أمين الجندي عضو شورى الدولة، وعلاء الدين بن محمد بن أمين عابدين. يراجع: من هامش كتب القواعد الكلية لمحمد شبير، ص 86. (2) مجلة الأحكام العدلية، ص 11.
(3) الباحسين القواعد الفقهية، ص 276 - وينظر: محمد شبير المرجع السابق، ص 86. (4) عدنان بن هاشم بن خالد الأتاسي (1323) - 1389 هـ / 1905 – 1969 م): دكتور في الحقوق. ولد في السلط، ونشأ في حمص وتعلم وأحرز الدكتوراه تجمعة جنيف. ودرس الحقوق بدمشق وخاض السياسة على خطى أبيه، وتقلد مناصب وزارية. ألف «الحقوق الجزائية الخاصة - ط» والحقوق الدستورية - ط) وبالفرنسية شوائب الاتفاق في المعاهدات الدولية ط» وتوفي ببيروت، ودفن في حمص. (1/190)
صفحة 186
الفصل التمهيدي: القواعد الفقهية المفهوم والتطور
191
القواعد في مشملاتها الحقيقية، ويستثنى منها ما خرج عنها بقيد، أو سبب من الأسباب المارة» (1).
وقد استنتج يعقوب الباحسين من عبارة شارح المجلة أنه يرى التفريق بين المقلد والمجتهد في ذلك، ويقصر المنع على المقلد غير القادر على إجراء القواعد في مشملاتها الحقيقية، والمفتقد لمعرفة القيود والمستثنيات التي لا تدخل في إطار القاعدة، وبالتالي فإذا كان القاضي أو المفتي مقلدين لمذهب من المذاهب الفقهية، فإنهما يستأنسان بتلك القواعد، ولا يستندان إليها في استنباط الأحكام، في حين لو كان القاضي أو المفتي مجتهدين يعلمان بالمدارك والمآخذ والقيود والشروط، يجوز لهما الاستناد إليها في الاستنباط (2). وعقب مصطفى الزرقا على أصحاب المجلة فقال: «ولذلك كانت القواعد الفقهية قلما تخلو إحداها من مستثنيات في فروع الأحكام التطبيقية خارجة عنها، إذ يرى الفقهاء أن تلك الفروع المستثناة من القاعدة هي أليق بالتخريج على قاعدة أخرى، أو أنها تستدعي أحكاما استحسانية خاصة، ومن ثَم لم تُسوّغ المجلة أن يقتصر القضاة في أحكامهم على الاستناد إلى شيء من هذه القواعد الكلية فقط دون نص آخر خاص أو عام يشمل بعمومه الحادثة المقضي فيها؛ لأن تلك القواعد الكلية على ما لها من قيمة واعتبار هي كثيرة المستثنيات، فهي دساتير للتفقيه لا نصوص للقضاء» (3).
أدلة أصحاب القول الأول:
إن النظر في مسوغات من رفضوا الاحتجاج بالقواعد الفقهية واتخاذها سنداً للاستنباط والتخريج يظهر أنهم كانوا متحرزين من المغامرة، ومن الوقوع
(1) الأتاسي: شرح مجلة الأحكام العدلية، ص 11.
(2) الباحسين القواعد الفقهية، ص 86. ـ شبير محمد القواعد الكلية، ص 86 - 87.
(3) الزرقا المدخل، 134/ 2 - 935. (1/191)
صفحة 187
192
القواعد الفقهية عند الإباضية
في شراك التعميم في الأحكام، وبالتالي السقوط في دائرة الممنوع، وقد دفعهم إلى هذا التحرز طائفة من الأسباب يمكن إجمالها في الأمور التالية. 1 - إن القواعد الفقهية أغلبية وليست كلية في نظرهم، وإن المستثنيات فيها كثيرة، ومن المحتمل أن يكون الفرع المراد استنباطه من القاعدة داخلاً في المستثنيات (1). 2 - إن أغلب القواعد والضوابط الفقهية لا تستند إلى نصوص شرعية، وإنما تستند إلى استقراء ناقص للفروع الفقهية، فلا يفيد اليقين، والبعض الآخر منها يستند إلى الاجتهاد، وهو يحتمل الخطأ، فتعميم حكم القاعدة على جميع الفروع فيه نوع من المجازفة (2).
- إن القواعد الفقهية هي ثمرة للفروع المختلفة، وجامع ورابط لها، وليس من المعقول أن يجعل ما هو ثمرة وجامع دليلاً لاستنباط أحكام الفروع). والمقصود من ذلك: أن جعل القواعد الفقهية دليلاً للأحكام الفرعية يلزم منه الدور الممنوع، بسبب أن القواعد نفسها كان دليلها والمثبت لها هو الفروع الفقهية، فكيف تكون القواعد المذكورة دليلاً على هذه الفروع؟ (). تلك هي أهم المسوغات التي ذكرها المنكرون للاحتجاج بالقواعد
الفقهية.
القول الثاني:
وفي المقابل نجد طائفة من العلماء تستدل بالقواعد الفقهية، وترى صلاحيتها للاستدلال والترجيح، وهو مقتضى قول الغزالي الشافعي وقول
(1) الزرقا: المرجع نفسه، 948/ 2. - الندوي، القواعد الفقهية، ص
(2) الباحسين يعقوب: القواعد الفقهية، ص
280
(3) البورنو الوجيز، ص 39 - 40. - شبير، القواعد الكلية، ص 84.
(4) الباحسين: المرجع السابق، ص 281.
294 (1/192)
صفحة 188
الفصل التمهيدي: القواعد الفقهية المفهوم والتطور
193
القرافي وابن بشير (1) والشاطبي من المالكية وقالوا: إن الأصل جواز الاستدلال بالقواعد الفقهية الكلية إذا لم يعارضها أصل مقطوع به من كتاب أو سُنَّة أو إجماع.
1 ـ وممن بنى بعض أحكامه أو ترجيحاته عليها أبو العباس القرافي (ت: 684 هـ) الذي ردّ فتاوى من لم يوقع الطلاق في مسائل الدور التي منها قول القائل لزوجته: إن وقع عليكِ طلاقي فأنتِ طالق قبله ثلاثاً)، وقال بنقض قضاء من حكم ببقاء الزوجية وعدم إيقاع الطلاق.
وعلل ذلك بمخالفة قاعدة الشرط التي هي صحة اجتماعه مع المشروط وقال: «ولو قضى باستمرار عصمة من لزمه الطلاق، بناء على المسألة السريجية (3) نقضناه لكونه على خلاف قاعدة إن الشرط قاعدته صحة اجتماعه مع المشروط، وشرط السريجية لا يجتمع مع مشروطه أبداً، فإن تقدّم الثلاث لا يجتمع مع لزوم الطلاق بعدها (4).
ومعنى ذلك إلغاء الشرط غير الصحيح في إيقاع الطلاق الذي أوقعه بعد
(1) ابن بشير محمد بن سعيد بن بشير بن شراحيل المعافري الأندلسي (198 هـ/813 م): قاض، من أهل باجة ولي القضاء بقرطبة في أيام الحكم بن هشام. وكان صلباً في القضاء، له أخبار في ذلك. وضرب المثل بعدله. توفي بقرطبة. الزركلي: الأعلام. 138/ 6. (2) القرافي: الفروق، 74/ 1. ووجه الدور أنه متى طلقها الآن وقع قبله ثلاثا، ومتى وقع قبله ثلاثاً لم يقع، فيؤدي إثباته إلى نفيه، فانتفى. ينظر: القواعد الفقهية، للباحسين هامش (01) 277. نقلاً عن طبقات الشافعية الكبرى، 20/ 06.
ص
(3) نسبة إلى أبي العباس أحمد بن عمر بن سريج من أئمة المذهب الشافعي المتوفى (304 هـ) فقد أفتى في هذه المسألة بعدم وقوع الطلاق، نقل ذلك الباحسين في هامش كتابه القواعد الفقهية، ص 277، وبين أن ابن تيمية (ت: 728 هـ) ذكر هذه المسألة في القواعد النورانية، وبين أفكار فقهاء الإسلام من جميع الطوائف، هذا الكلام فانظر: شرح كلام شيخ الإسلام عنها ونقده ابن سريج بشأنها، ص 283 - 284.
(4) القرافي: الفروق، 4/ 40. - وتهذيب الفروق للبقوري بهامش الفروق، 80/ 4. (1/193)
صفحة 189
194
القواعد الفقهية عند الإباضية
ذلك؛ لأنه يتناقض مع القاعدة المشهورة أن من شرط الشرط إمكان اجتماعه مع المشروط).
ومن العلماء الذين نسب إليهم الاستدلال بالقواعد الفقهية على الأحكام أبو طاهر إبراهيم بن عبد الصمد، فقد كان يستنبط أحكام الفروع من قواعد أصول الفقه، وعلى هذا مشى في كتابه التنبيه (2).
وعلق يعقوب الباحسين على قوله فقال: ويبدو أن المراد من ذلك قواعد الفقه لا القواعد الأصولية، بدليل قول ابن فرحون (3) (ت: 799 هـ) بعد ذلك: وهي طريقة نبّه الشيخ تقي الدين بن دقيق العيد (4) (ت: 702 هـ) أنها غير مخلّصة، وأن الفروع لا يطرد تخريجها على القواعد الأصولية). ومثل هذا الوصف
لا ينعت به القواعد الأصولية، ولا سيما من فقيه أصولي كابن دقيق العيد» (6). ونقل الشاطبي أيضاً جواز الاستدلال بالقاعدة الفقهية فقد صرح بذلك بقوله: كل أصل شرعي لم يشهد له نص معين وكان ملائماً لتعريفات الشرع ومأخوذاً معناه من أدلته، فهو صحيح يبنى عليه، ويرجع إليه إذا كان الأصل قد صار بمجموع أدلته مقطوعاً به.
36
(1) السدلان صالح: القواعد الفقهية الكبرى وما تفرع عنها، ص (2) أبو إسحاق إبراهيم بن علي المشهور بابن فرحون اليعمري، الديباج المذهب في معرفة
أعيان علماء المذهب، ص
AV
(3) ابن فرحون: هو إبراهيم بن علي بن محمد اليعمري برهان الدين، (ت: 799 هـ / 1397 م) عالم بحاث، تولى القضاء بالمدينة سنة 793 هـ، وهو من شيوخ المالكية. ألف: الديباج المذهب في معرفة أعيان علماء المذهب؛ تبصرة الحكام في أصول الأقضية ومناهج الأحكام؛ تسهيل المهمات ... إلخ. الزركلي، الأعلام، 52/ 1.
(4) تقدمت ترجمته.
(5) المرجع نفسه.
(6) الباحسين القواعد الفقهية، ص 278 - 279.
(7) الشاطبي: الموافقات شرح عبد الله، دراز طبعة المكتبة التجارية مصر، 39/ 1. (1/194)
صفحة 190
الفصل التمهيدي: القواعد الفقهية المفهوم والتطور
195
ويفهم من كلامه أن الأصل الشرعي يقصد به القواعد الفقهية فهذه التسمية كانت شائعة في ذلك العصر - كما سبق بيانه - وإلى هذا المعنى ذهب الإمام الغزالي الشافعي (ت: 505 هـ) حسب ما يفهم من كلامه أن: «كل معنى مناسب للحكم مطرد في أحكام الشرع، لا يطرد فهو مقول به، وإن لم يشهد له أصل معين (1).
أدلة أصحاب القول الثاني: إن أصحاب هذا القول الذين احتجوا بالقواعد الفقهية، وجوزوا بناء
الأحكام عليها استنباطاً وتخريجاً وترجيحاً، قد أيدوا قولهم بما يلي: 1 - أن القاعدة الفقهية كلية أي منطبقة على جميع جزئياتها، ولا يقدح في کليتها وجود استثناءات ـ كما بينا سابقاً ـ (2).
الأدلة
2 - أن حجية القاعدة وصلاحيتها للاستدلال استفيد من مجموع الجزئية التي نهضت بمعنى تلك القاعدة، فإن كان كل دليل جزئي هو حجة بذاته يصح الاستدلال به فمن باب أولى أن تتحقق هذه الحجية في القاعدة التي أرشدت إليها مجموع أرشدت إليها مجموع الأدلة وتكون دلالتها قطعية (3). 3 - أن تتبع اجتهادات الأئمة الأعلام ليؤكد مدى اعتبارهم لهذه القواعد واعتمادهم عليها للكشف عن الحكم الشرعي المناسب للوقائع والمستجدات التي لم يرد فيها نص، الأمر الذي يبين لنا أن هذه القواعد
(4)
راسخة في أذهان المجتهدين (4).
(1) الغزالي أبو حامد: المنخول، ص 364.
(2) شبير محمد القواعد الكلية، ص
(3) الكيلاني إبراهيم: قواعد المقاصد عند الإمام الشاطبي، ص 108
(4) المرجع نفسه: ويمكن الرجوع إلى أطروحة إتبيرين حيث ذكر مجموع عة من القواعد الفقهية اعتمد عليها الشيخ بيوض والبكري في الترجيح والاستدلال على القضايا
المستجدة. (هام يراجع). (1/195)
صفحة 191
196
القواعد الفقهية عند الإباضية
ويؤكد ذلك ما صرح به جمهور الفقهاء أن الجماعة إذا قتلوا واحداً يقتلون به، وكان مما احتجوا به بالإضافة إلى قول الصحابي والقياس والقواعد الكلية، فقال ابن العربي (1): «فإن الله لا اله إنما قتل من قتل صيانة للأنفس عن القتل، فلو علم الأعداء أنهم بالاجتماع يسقط القصاص عنهم لقتلوا عدوهم في جماعتهم، فحكم بإيجاب القصاص عليهم ردعاً للأعداء، وحسماً لهذا الداء» (2).
مناقشة الأقوال والترجيح
أن
وقد حاول بعض الباحثين المعاصرين مناقشة آراء الفريقين، فبين المسوغات التي ذكرها أصحاب رفض الاحتجاج بالقواعد الفقهية يمكن أن
يقال فيها ما يلي: أولاً: أن القول بأن القواعد الفقهية أغلبية، وأن المستثنيات فيها كثيرة، وأن من المحتمل أن يكون الفرع المراد إلحاقه بها مما يشمله الاستثناء، يبدو بحسب الظاهر - مقنعاً ومسوغاً لهذا الرفض، ولكن عند إمعان النظر نجد أن ما ذكر قابل للنقاش من جهات عدة نذكر منها: 1 ـ أن العلماء حينما تكلموا عن القواعد، لم يتكلموا عن شروطها، ولا شروط تطبيقها إلا في القليل النادر، كما أنهم لم يدرسوا المستثنيات التي
(1) ابن العربي أبو بكر محمد بن عبد الله بن محمد المعافري الاشبيلي المالكي، (468 - 453 هـ / 1076 - 1148 م): قاض من حفاظ الحديث. ولد في إشبيلية، ورحل إلى المشرق، وبرع في الأدب، وبلغ رتبة الاجتهاد في علوم الدين. وصنف كتباً في الحديث والفقه والأصول والتفسير والأدب والتاريخ. وولي قضاء إشبيلية، ومات بقرب فاس، ودفن بها. قال ابن بشكوال: ختام علماء الأندلس وآخر أئمتها وحفاظها من كتبه: «العواصم من القواصم ـ ط» جزآن، و «عارضة الأحوذي في شرح الترمذي - ط» و «أحكام القرآن ـ ط» مجلدان، و «الإنصاف في مسائل الخلاف عشرون مجلداً، وأعيان الأعيان» و «المحصول» في أصول الفقه، وهو غير محيي الدين ابن عربي. (2) ابن العربي أبو بكر: أحكام القرآن 624/ 2. - وينظر: الكيلاني: قواعد القاصد، ص 109. (1/196)
صفحة 192
الفصل التمهيدي: القواعد الفقهية المفهوم والتطور
197
ذكروها ليبينوا مدى انطباق شروط القاعدة عليها، وهل كانت استثناء من غير سبب؟
إن قيام مثل هذه الدراسة ستبين أن كثيراً من تلك الجزئيات المستثناة لم تكن داخلة تحت القاعدة أصلاً، إما لأنها لم يتحقق فيها مناط القاعدة، أو لفقدها بعض الشروط، أو لقيام ما يمنع من انطباق حكم القاعدة عليها؛ لأنها قد عارضها ما يمنع من انطباقها على جزئيات (1). 2 ـ أن كثيراً من القواعد كان من ثمرات الاستقراء الناقص، ولا شك أن نتيجة هذا الاستقراء والتنبؤ عن طريقه بحكم ما لم يستقرأ من الأمور المظنونة وليس من الأمور اليقينية، إذ من المحتمل أن يكون حكم ما لم يستقرأ مخالفاً لحكم ما تم استقراؤه ... ويضيف قائلاً: «وهذا الكلام صحيح من الجانب النظري والمنطقي، لكن أهل الاختصاص من العلماء لم يُنكروا إطلاق قواعد كلية) على نتائج الاستقراء، مع اعترافهم بأن الحكم بالكلية تابع لوجوده في أكثر الجزئية (2)، أو في بعضها، فقد عرفوا الاستقراء الناقص بأنه: الحكم على كلي لوجوده في أكثر جزئياته (3). وقد احتج به جمهور الفقهاء والأصوليين وسموه إلحاق الفرد بالأعم الأغلب، وقالوا: إنه مفيد للظن، وهو كاف في إثبات الأحكام الشرعية).
(1) الباحسين القواعد الفقهية، ص
282،281
(2) الباحسين: المرجع السابق، ص 282.
(3) المرجع نفسه، نقلا عن تحرير القواعد المنطقية، قطب الدين محمود بن محمد الرازي
،1938
ص
122
(ت: 766 هـ) دار إحياء الكتب العربية عيسى البابي الحلبي مصر، ص 165. - وكذلك المنطق التوجيهي، أبو العلاء عفيفي، مطبعة لجنة التأليف والترجمة والنشر مصر (4) الباحسين نفسه، ص 282، نقلًا عن جمع الجوامع بشرح الجلال المحلي وحاشية البناني، 347/ 2. ـ ابن السبكي: الإبهاج في شرح المنهاج تاج الدين عبد الوهاب بن علي
(ت: 771 هـ). تعليق جماعة من العلماء نشر دار الكتب العلمية بيروت، 172/ 3. (1/197)
صفحة 193
198
القواعد الفقهية عند الإباضية
ثانياً: وأما ما قيل بشأن قلة الجزئيات المستقرأة، فإن الأمر كما قيل ولكنه ليس عاماً وشاملاً، فبعض القواعد استند إلى استقراء جزئيات كثيرة جدا، فمِثلُها لا يتجه إليها هذا المحذور، ولهذا فإن الظن فيها أقوى من الظن المستفاد من القواعد المبنية على استقراء جزئيات قليلة، كما سبق أن ذكرنا ذلك.
يصح
على أننا نذكر بأن القواعد تختلف ضيقاً واتساعاً، ولا أن نطلب من الجزئيات فيما كانت ضيقة النطاق ما نطلبه من الجزئيات في القواعد العامة
والشاملة.
أما القواعد المخرجة والمستنبطة بطريق النظر والاجتهاد فهي تابعة للطريق
هذه
الذي اتبع في استنباط المجتهد واجتهاد المجتهد مقبول و معمول به (1). ثالثاً: وأما القول بأن القواعد الفقهية ثمرة، الفروع فلا يصح أن تكون دليلاً على الفروع لما يلزم من الدور، فهو اعتراض جذاب في الظاهر، ولكن هذا إنما يتم لو كانت الفروع المراد استنباطها هي نفس الفروع التي كشفت عن القاعدة، وليس الأمر كذلك، فالفروع المتوقفة على القاعدة هي غير الفروع التي توقفت عليها القاعدة، فكل قواعد العلوم إنما بنيت على فروع العلوم، وكانت ثمرة لها، وأقرب مثال لذلك قواعد الأصول، وخاصة عند الحنفية، حيث استنبطت من خلال أحكام المسائل الفرعية المنقولة عن الأئمة الأقدمين، ولم يقل أحد إنه لا يجوز لنا أن نستند إلى تلك القواعد لتقرير الأحكام واستنباطها. وكذلك قواعد اللغة العربية التي استنبطها علماء اللغة من خلال ما نطق به العرب الفصحاء قبل أن تشوب ألسنتهم العجمة واللحن، وهي التي يستند إليها في استنباط أحكام اللغة والبناء عليها، ولم يقل أحد أن هذه
(1) الباحسين: المرجع السابق، ص 286. (1/198)
صفحة 194
الفصل التمهيدي: القواعد الفقهية المفهوم والتطور
199
القواعد لا تصلح لاستنباط أحكام اللغة العربية منها؛ لأنها ثمرة للفروع
الجزئية (1).
الرأي المختار:
وبعد هذه الخلاصة لما قيل في حجية القاعدة الفقهية، وما أبدينا من وجهات نظر حول بعض الآراء والاستدلالات فإن الذي يترجح عندنا بعد النظر أن الأصل في القاعدة الفقهية عدم جواز الاستدلال بها على الأحكام الفقهية، ويستثنى من هذا الأصل بعض الحالات يجوز الاحتجاج بها إذا توفرت فيها الشروط التالية:
1 - أن تستند القاعدة الفقهية على دليل من كتاب أو سُنَّة أو إجماع. 2 - أن لا تعارض القاعدة الفقهية أصلا مقطوعا به من كتاب أو سنة أو إجماع).
وبناء على ذلك فإن القواعد الفقهية تختلف من حيث أصولها ومصادرها، وكذلك من حيث وجود الدليل على حكم المسألة المبحوث عنها، فمن حيث أصول القواعد ومصادرها، فمنها ما كان أصله ومصدره من كتاب الله سبحانه، أو من سُنَّة رسوله، أو يكون مبنياً على أدلة واضحة من الكتاب والسنة المطهرة، أو مبنياً على دليل شرعي من الأدلة المعتبرة عند العلماء، أو تكون القاعدة مبنية على الاستدلال القياسي وتعليل الأحكام، فإذا كانت القاعدة نصاً كريماً فهي قبل أن تكون قاعدة، أو تجري مجرى القواعد فهي دليل شرعي بالاتفاق، فهل إذا جرى النص القرآني مجرى القاعدة خرج عن كونه دليلاً شرعيّاً معمولاً به، ولا يجوز تقديم غيره عليه؟ (3)
(1) البورنو الوجيز، ص 42، 43.
(2) شبير محمد: المرجع السابق، ص 87.
(3) البورنو المرجع نفسه، ص 40. (1/199)
صفحة 195
200
القواعد الفقهية عند الإباضية
ومن
أمثلة ذلك: قوله الله: {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبوا} (البقرة: 275)، فهذا النص الكريم دليل شرعي يفيد حل البيع وحرمة الربا، وهو في نفس الوقت يصلح قاعدة فقهية، يشمل أنواع البيوع المحرمة وبعض مسائل الربا، إما بالنص وإما بالتخريج.
6
ومن السُّنَّة النبوية حديث لا ضرر ولا ضرار) (1) وحديث: «الخراج بالضمان (2)، وحديث: «البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه (3) وغيرها كثير، فهذه أدلة شرعية وقواعد فقهية يمكن الاستناد إليها في استنباط الأحكام وإصدار الفتاوى وإلزام القضاء بها).
ولعل هذا لم يفت الفقهاء الذين وضعوا المجلة حيث قالوا: «فحكام الشرع ما لم يقفوا على نقل صريح، فلعلهم أشاروا إلى تلك القواعد التي هي في الأصل نصوص تشريعية، وكذلك ما أشار إليه الزرقا حين قال: «ومن ثمّ تسوّغ المجلة أن يقتصر القضاة في أحكامهم على الاستناد على شيء من هذه القواعد الكلية فقط دون نص خاص أو عام»).
وعليه فيمكن القول: إن كانت القواعد الفقهية نصوصاً شرعية سواء كانت صياغتها واحدة أو مع تغيير في الصياغة غير مؤثر في المعنى، تعتبر حجة ودليلاً تستنبط منه الأحكام الشرعية، أو يرجح بعضها على بعض، شأنها في ذلك شأن النصوص نفسها عامة كانت أو خاصة (6).
وأما إن كانت القواعد الفقهية مستنبطة، فيختلف الحكم فيها تبعاً للأمرين:
(1) سيأتي تخريجه لاحقاً في الفصول القادمة.
(2) سيأتي تخريجه لاحقاً في الفصول القادمة. (3) سيأتي تخريجه لاحقاً في الفصول القادمة. (4) لجنة من الأساتذة مجلة الأحكام العدلية، ص 10. (5) الزرقا المدخل الفقهي، 934/ 2.
(6) الباحسين القواعد الفقهية، ص 286. (1/200)
صفحة 196
الفصل التمهيدي: القواعد الفقهية المفهوم والتطور
201
أ ـ المصدر والدليل الذي استنبطت القاعدة عن طريقه.
ب ـ الاتفاق والاختلاف في القاعدة المستنبطة.
ويمكن توضيح ذلك بما يلي:
1 - إذا كانت القاعدة مستنبطة من النصوص الشرعية الصريحة مثل القواعد التالية: «الأمور بمقاصدها»، فإن الاحتجاج بهذه القاعدة نابع من الاحتجاج بأصلها وهو حديث إنما الأعمال بالنيات»). وكذلك «اليقين لا يزول بالشك» و «الضرر يزال» و «المشقة تجلب التيسير»، كلها قواعد مستنبطة من القرآن والسُّنَّة والإجماع، وتعتبر مصادر يجوز الاستناد إليها في الاستنباط؛ لأن الرجوع إليها رجوع إلى الأدلة التي استندت إليها، فهي تشبه الأدلة، وقوتها بقوة الأدلة المعتمد عليها، فلا يمنع الاحتكام إليها). 2 - أما إذا كانت القاعدة مبنية على دليل شرعي من الأدلة التي في اعتبارها، فيجب الرجوع أوّلاً إلى الأدلة المتفق عليها، فإذا وجد الحكم بأحدها يستأنس بالقاعدة ولا يحكم بها، وإلا نظر إلى الدليل الذي بنيت عليه القاعدة، فإن أمكن إعطاء المسألة حكماً بموجبه عند من يعتبرونه دليلاً ـ كان
بها، واعتبرت القاعدة دليلاً تابعاً يستأنس به.
-
اختلف
وأما من حيث عدم وجود دليل شرعي لمسألة بعينها، أو نص فقهي، أو دليل أصولي، ووجدت القاعدة التي تشملها، هل تعتبر القاعدة الفقهية الاجتهادية دليلاً شرعياً يمكن الاستناد إليه في الفتوى والقضاء؟
نقول: إن القواعد الاجتهادية التي استنبطها العلماء المجتهدون من معقول النصوص والقواعد العامة للشريعة، أو بناء على مصلحة رأوها، أو عرف اعتبروه، أو استقراء استقرؤوه، فعلى من تعرّض لمثل هذه المسائل أن يكون
(1) سيأتي تخريج هذا الحديث لاحقا في الفصول القادمة.
(2) البورنو محمد صدقي: الوجيز في إيضاح قواعد الفقه، ص 41. - الباحسين: المرجع السابق، ص 286، 287. - شبير القواعد الكلية
ص
AV (1/201)
صفحة 197
202
القواعد الفقهية عند الإباضية
على جانب كبير من الوعي والإدراك والإحاطة بالقواعد الفقهية، وما بنيت عليه كل قاعدة أو استنبطت منه، وما يمكن أن يستثنى من كل قاعدة حتى لا يدرج تحت القاعدة مسألة يقطع أو يظن خروجها عنها). ويرى البعض أن هذه القواعد التي لا تستند إلى دليل صريح من الكتاب أو السُّنَّة أو الإجماع لا تعتبر مصدراً يستند إليه فى الاستنباط، سواء اتفق الفقهاء على تقعيدها أو اختلفوا فيها، ولكن عند الاتفاق يمكن أن يستأنس بها في الترجيح بين الآراء، وتفريع الأحكام وتخريجها).
وبناء على ما سبق فإنه يمكن الجمع بين القولين السابقين، فالقول الأول: يمكن أن يحمل على القواعد الاجتهادية المختلف فيها بين الفقهاء والتي لم يكن أصلها نصا من كتاب أو سُنَّة، أو لم تكن تستند إلى أدلة صريحة من كتاب أو سُنَّة أو إجماع، وأما القول الثاني: فيحمل على القواعد كان أصلها الكتاب أو السُّنَّة، أو استندت إلى أدلة صريحة من القرآن أو
التي
السنة أو الإجماع. ويترتب على هذا أن عدم جواز استناد القاضي أو المفتي إلى إحدى القواعد الفقهية وحدها يكون فيما إذا وجد نص فقهي يمكن الاستناد إليه، أما إذا كانت الحادثة لا يوجد فيها نص فقهي أصلا لعدم تعرض الفقهاء لها، ووردت القاعدة التي تشملها، فعندئذ يمكن إسناد الفتوى والقضاء إليها، اللَّهُم إلا إذا قطع أو ظن فرق بين ما اشتملت عليه القاعدة وهذه المسألة الجديدة (3). ومما تجدر الإشارة إليه أن الرأي الذي توصلنا إليه هو ما ذهب إليه معظم
(1) البورنو: المرجع
نفسه.
(2) شبير: المرجع نفسه.
(3) عزام عبد العزيز قواعد الفقه الإسلامي، 27. نقلًا عن حسن أحمد مصطفى، الشك
ص
وأثره في العبادات، رسالة ماجستير نوقشت بكلية دار العلوم القاهرة، ص 15. ـ وينظر:
الندوي علي أحمد: القواعد الفقهية، ص 295. (1/202)
صفحة 198
الفصل التمهيدي: القواعد الفقهية المفهوم والتطور
203
من كتب في القواعد الفقهية، أو حققوا بعض الكتب المؤلفة فيها من العلماء المعاصرين، وتكاد آراؤهم تتفق على أن القواعد الفقهية لا يصلح أن تكون دليلاً مستقلاً يستند إليه في استنباط الأحكام الشرعية، إلا إذا كان أصلها مسنداً إلى دليل من كتاب أو سُنَّة أو غيرهما (1).
وبعد هذا العرض الذي بسطنا فيه رأي الفقهاء المتقدمين والمتأخرين في مسألة حجية القواعد الفقهية يجدر بنا أن نطرح سؤالاً ملحاً مفاده: ما هو موقف الإباضية من الاستدلال بالقواعد الفقهية؟
ولعل من المؤسف أن نجد فقهاء الإباضية على كثرة ما ألفوا في الفروع الفقهية، وأجابوا عن النوازل المختلفة في فتاوى متعددة لم يعطوا لهذا الجانب من الموضوع حقه من الدراسة، بل إن أغلبهم لم يتحدثوا عنه ـ ولو عَرَضاً - إهمالاً أو إغفالاً، ولا عجب في ذلك ما داموا لم يخصصوا للقواعد الفقهية مصنفات مستقلة، وإنما جاءت في معرض حديثهم للتعليق، أو التعليل، أو التخريج، أو الاستدلال، وهذا شأن كثير من الفقهاء في المذاهب المختلفة. وبعد البحث في مصادر الإباضية نجدهم لم يصرحوا بجواز الاحتجاج بالقواعد الفقهية ولا بالمنع؛ ولعل سبب ذلك يرجع إلى عدم اهتمامهم بتنظير القواعد الفقهية، أو بيان مكانتها في التشريع ولو من الناحية النظرية، ومع يمكن أن نستنتج من خلال استنباطاتهم وتعليلاتهم على الأحكام، وتخريجاتهم على القواعد أو استدلالهم على الفروع أنهم يوافقون مذهب الجمهور في اعتماد هذه القواعد في مجال الاستنباط أو التخريج أو الترجيح أو التعليل،
ذلك
(1) الندوي: المرجع نفسه. - البورنو الوجيز، ص 23. - الباحسين يعقوب: القواعد الفقهية، 276 - 288. - أحمد ص بن عبد الله بن حمد، مقدمة تحقيق كتاب القواعد للمقري 116/ 1. - شبير محمد: القواعد الكلية، ص 87 - السدلان صالح بن غانم: القواعد الفقهية الكبرى وما تفرع عنها، ص 35 - 38. - عزام عبد العزيز قواعد الفقه الإسلامي، ص 27.
وغيرهم. (1/203)
صفحة 199
204
القواعد الفقهية عند الإباضية
وتشهد على ذلك مصنفاتهم الفقهية القديمة والحديثة، فغالباً ما يذكرون الحكم ويسندونه إلى قواعدهم الفقهية سواء متفق عليها أو مختلف فيها. خاصة إذا أعوزهم الدليل من الكتاب أو السُّنَّة أو الإجماع، إلا أنه يظهر بعد التأمل أنهم لا يجعلونها دليلاً مستقلاً بنفسها، بل يعتبرونها تابعة لغيرها، فيذكرونها من باب الاستئناس والتأكيد، وهذا ما نجده عند الكدمي وابن بركة والشماخي والسالمي والمحقق الخليلي) وغيرهم.
مثال ذلك في قاعدة: «اليقين لا يزول بالشك استدل بها أبو سعيد الكدمي على حكم المسألة بعد إشارته إلى الأدلة النصية فقال: «إن كل شيء من الأشياء وأمر من الأمور في دين الله - تبارك وتعالى ـ وكل حكم في حلال ما أحل الله وحرمة ما حرم، وكل حق من الحقوق المبينة في شرع الله سبحانه ـ وكل حكم من أحكام الشريعة، جميع هذا كله جارٍ على أصوله المبنية عليه الموضحة له من الكتاب والسُّنَّة وإجماع الأمة، فإذا ثبتت هذه الأحكام، فهي ثابتة حتى يزيلها أصل مثلها، فكل حكم منها ثبت فيظل ثابتاً على أصوله، ولا يزول إلا بحكم ثابت مثله يزيله، وإذا زال حكم من أحكام هذه الحقوق، فأصوله زائلة حتى يثبتها أصل مثلها» (2).
(1) سعيد بن خلفان بن أحمد الخليلي، (و: 1226 هـ/ 1816 م ـ ت: 1287 هـ)، من أشهر علماء الإباضية في عمان في القرن 13 هـ. لقبه العلماء بالمحقق لشهرته بتحقيق المسائل وتأصيلها واقترانها بالأدلة. له مؤلفات قيمة منها وأرجوزة في الزكاة النواميس الرحمانية في تسهيل الطرق إلى العلوم الربانية؛ مجموعة فتاوى شرعية ... إلخ. لقد كان صاحب مدرسة فكرية
رائدة في عُمان ومن أشهر تلامذته: ابنه أحمد، والشاعر أبو مسلم الرواحي ... إلخ. معجم أعلام الإباضية قسم المشرق، ترجمة: 500، 132/ 1.
(2) الكدمي أبو سعيد، المعتبر، 83/ 4. (1/204)
صفحة 200
المبحث الثالث
نشأة القواعد الفقهية وتطورها
ومصنفاتها عند الإباضية
يكاد يكون من الأمور الغريبة أن نجد تاريخ الفقه الإباضي منذ نشأة المدرسة الفقهية الإباضية في القرن الأول الهجري لم يتعرض إلى ذكر القواعد الفقهية ولو بالإشارة، فإذا تصفحت مثلاً الكتب التي تناولت الفقه الإباضي و تاريخه لم تجد فيها إشارة إلى القواعد، فضلاً عن أن تشيد بذكرها، وتنوه بأهميتها ومكانتها، ولأجل ذلك يجد الباحث عناءً كبيراً في تحديد الفترة الزمنية التي نشأت فيها القواعد الفقهية عند الإباضية، وحتى عند غيرهم من المذاهب الفقهية.
ويمكن أن نقول ـ بعد البحث والاستقراء - إن القواعد الفقهية ظهرت في القرن الأول من عصر التشريع ومرت بمراحل مرحلة النشوء والتكوين، ومرحلة تدوين القواعد الكلية مع الفروع الفقهية ومرحلة التطور والنمو، ومرحلة النضج والرسوخ والتميز وأخيراً مرحلة الدراسات المتخصصة. وسنتناول في هذا المبحث تعريف المدرسة الفقهية الإباضية من حيث نشأتها، ومؤسسها، ومصادرها التشريعية، وأماكن انتشارها، وأهم مصنفاتها، ثم نتطرق إلى البدايات الأولى لظهور القواعد الفقهية عند الإباضية وجذورها التاريخية، ومن أين أخذوها أو استنبطوها؟ وكيف تطورت وتبلورت؟ ومتى بدأ تدوينها عندهم ضمن فروعهم الفقهية، ثم استقلت عنها وجمعت في مصنفات خاصة كبقية المدارس الفقهية؟ وبيان ذلك كما يلي: (1/205)
صفحة 201
المطلب الأول
لمحة مختصرة عن المدرسة الفقهية الإباضية
الإباضية مدرسة إسلامية أصيلة تصدرت المدارس الفقهية الإسلامية، كانت نشأتها على يد التابعي الجليل جابر بن زيد الأزدي (ت: 93 هـ/ 711 م) (1) وكان عالماً مفسراً ومحدثاً وفقيهاً، تتلمذ على الصحابة الكرام، وشهد له بالعلم أستاذه عبد الله بن عباس، وقتادة بن دعامة السدوسي وآخرون، وأثنوا عليه، وقد رُوي عن ابن عباس الا الله أنه قال للناس: «اسألوا جابر بن زيد، فلو سأله أهل المشرق والمغرب لوسعهم علمه»، وقال عنه أيضاً: «جابر أعلم الناس بالطلاق». وقال أنس بن مالك الله في موت جابر بن زيد: «مات أعلم من على الأرض» (2)، وقال عن نفسه: أدركت سبعين بذرياً فحويت ما عندهم إلا البحر ابن عباس (3).
اشتهر أبو الشعثاء جابر بالعلم والورع فكان من أكبر الفقهاء والمحدثين والمفسرين في البصرة في القرن الأول الهجري، وأجمعت الأمة على ورعه وزهده وتقواه وتبحره في العلم، وكان له أتباع كثيرون، منهم: عبد الله بن إباض
(1) تقدمت ترجمته ينظر ذلك بتفصيل في المصادر التالية: أبو العباس الدرجيني: طبقات المشايخ بالمغرب، 2/ 205 - 214. - أبو العباس الشماخي: كتاب السير، ص 70. محمد علي دبوز تاريخ المغرب، 138/ 3 - 149. - الحارثي سالم بن حمد: العقود الفضية، ص 93 - 105. - فؤاد: سزكين تاريخ التراث العربي، 340/ 2. ـ صالح الصوافي: جابر بن زيد وآثاره في الدعوة (دراسة شاملة) بكير أعوشت: دراسات إسلامية في الأصول الإباضية، ص 20. - جماعة من الباحثين معجم أعلام الإباضية، ترجمة جابر بن زيد رقم 230.
(2) الربيع بن حبيب الجامع الصحيح مسند الربيع بين حبيب، حديث: (742)، 76/ 2. الخراساني أبو غانم المدونة الكبرى، 280/ 2.
(3) الخراساني: المصدر نفسه. (1/206)
صفحة 202
الفصل التمهيدي: القواعد الفقهية المفهوم والتطور
207
(2)
التميمي)، ومرداس بن حدير (2)، وأبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة التميمي، وغيرهم، ويرجع الفضل له في تأسيس المدرسة الفقهية الإباضية، فقد أرسى قواعدها ووضع قواعدها الأصولية والفقهية.
ورغم ذلك لم تنسب هذه المدرسة العريقة إلى جابر بن زيد، بل نسبت إلى عبد الله بن إباض المرّي التميمي (86 هـ / (705 م) لاعتبارات سياسية وأمنية، وهي نسبة غير قياسية، وسببها يعود إلى اشتهار ابن إباض بين الناس بجرأته في الحق، ومواقفه الحازمة في قضايا الأمة، ولمناظراته مع الخوارج بسبب انحرافهم في المعتقد والسلوك، إذ كفّروا المسلمين واستباحوا الحرمات، كما ناظر الأمويين وانتقد عليهم عدم التزامهم منهج الراشدين في تسيير أمور المسلمين واستئثارهم بالسلطة، واتخاذها ملكاً
الخلفاء
(1) عبد الله بن إباض التميمي (ت: 86 هـ)، تابعي جليل، فقد أدرك كثيراً من الصحابة. وعاصر فتنة افتراق المسلمين بعد صفين وكانت له مواقف حاسمة من تلك الأحداث. ينسب إليه المذهب الإباضي، إلا أن الإباضية أجمعوا أن إمامهم هو جابر بن زيد (ت: 93 هـ)، وإنما نسب المذهب لابن إباض لمواقفه العلنية من مخالفي الإباضية، ومناظرته للخوارج، واشتهر برسائله إلى عبد الملك بن مروان ضمنها نصائح له، وموقف جماعته من انحراف السلطة الأموية عن نهج الخلفاء. ينظر ترجمته عند الدرجيني: الطبقات، 2/ 214. - الحارثي: العقود الفضية، ص 121 - 123. ـ خليفات محمد نشأة الحركة الإباضية، ص 76. - عمر صالح با دراسة في الفكر الإباضي، ص 26 - 38. ـ بكير أعوشت: دراسات إسلامية في الأصول الإباضية، ص 22. ـ معجم أعلام الإباضية (قسم المشرق)، ترجمة: 774، 201/ 1. (2) مرداس بن حدير التميمي، (أبو بلال)، (ت: 61 هـ)، وأُدَيَّةً أمه. تابعي، من أئمة الإباضية الأوائل. لازم الإمام جابر وأخذ عنه، والتقى عدداً من الصحابة منهم ابن عباس وعائشة. وهو من عظماء اء الشراة وكبار قادتهم، وأحد الخطباء الأبطال. شهد صفين مع علي بن أبي
عوض:
بن
طالب، وأنكر التحكيم، وشهد النهروان. قتل حوالي 61 هـ، بعدما أرسل إليه عبيد الله زياد جيشاً كبيراً، يقوده عباد بن علقمة المازني، فأحاط بمرداس وأصحابه، وقتلهم عن آخرهم. معجم أعلام الإباضية (قسم المشرق)، ترجمة: 1347، 351/ 1. (1/207)
صفحة 203
208
القواعد الفقهية عند الإباضية
عضوداً متوارثاً بينهم، كما ظهر عند الناس بمظهر الزعيم، فعرف أصحابه بأتباع ابن إباض، أو الإباضية). لأجل هذه الأسباب كانت نسبة الإباضية إليه دون الإمام جابر بن زيد الذي اختار التقية منهجاً حفاظاً على أتباعه من بطش الأمويين وتنكيلهم، واشتغل بالفقه والإفتاء، وطلب العلم ونشره، وعنه أخذوا قواعد المذهب في الاجتهاد والفتوى ودون علمه في ديوان كبير أتت عليه الأيام، ولم يبق منه إلى النزر القليل متناثراً فى الكتب الإباضية وغيرها (2).
كان الإباضية يسمون أنفسهم أهل الحق وأهل الاستقامة، وأهل الدعوة، وجماعة المسلمين، ولم يسموا أنفسهم بالإباضية، بل دعاهم بها غيرهم، ثم ارتضوا هذه التسمية أمراً واقعاً، وظهرت في مؤلفاتهم أواخر القرن الثالث الهجري في مدونة عمروس بن فتح النفوسي (283 هـ / 896 م) «الدينونة الصافية»، ثم في كتاب «الجامع المفيد» لأبي سعيد الكدمي (ق: 4 هـ/ 10 م)، وكتاب «الموازنة) لابن بركة البهلوي (372 هـ) (3).
واكتملت صورة هذه المدرسة الفقهية، وتم تحرير أقوالها وآرائها في
مصطلحات
(1) أبو القاسم البرادي: الجواهر المنتقاة، ص 156 – 167. ـ سليمان الباروني: مختصر تاريخ الإباضية، ص 18 - 27. - الحارثي: العقود الفضية، 123 - 138. ـ خليفات: نشأة الحركة الإباضية، ص 76. ـ عمر صالح با: دراسة في الفكر الإباضي، ص 115 - 124. ـ باجو مصطفى: منهج الاجتهاد عند الإباضية ص 75. - مجموعة من الباحثين: معجم الإباضية: ص 03. (2) عن قصة ديوان جابر بن زيد واستنساخه وضياعه، ينظر أبو العباس الدرجيني: طبقات المشايخ بالمغرب، 1/ 81 - 82 .. - محمد الشيخ بالحاج مميزات الإباضية نشأة وتأصيلاً وتفريعاً وسلوكاً، ص 40. (3) عمروس بن فتح النفوسي الدينونة الصافية، ص 83. ـ فرحات الجعبيري: البعد الحضاري للعقيدة عند الإباضية، ص 56. ـ خليفات في كتابيه نشأة الحركة الإباضية، ص 81، والأصول التاريخية للفرقة الإباضية، ص 12. - معجم مصطلحات الإباضية، ص 04. ـ باجو مصطفى: منهج الاجتهاد، ص 76. (1/208)
صفحة 204
=
209
الفصل التمهيدي: القواعد الفقهية المفهوم والتطور
صورتها النهائية، في أواخر أيام أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة (45 هـ / 145 هـ) الذي خلف جابر بن زيد في الإمامة العلمية بالبصرة وعنه حمل طلبته الذين وفدوا عليه من المشرق والمغرب إلى بلدانهم التي أضحت فيما بعد مراكز لدول إباضية هامة، قامت بدور سياسي بارز في كل من جنوب الجزيرة العربية في اليمن وعُمان وشرقيها في زنجبار والجزيرة الخضراء وكينيا وتنزانيا ومدغشقر، وفي الشمال إلى خراسان والجمهوريات الإسلامية المحاذية لروسيا، وفي شمال إفريقيا، ليبيا والجزائر وتونس وجنوب المغرب الأقصى، ومنها انتقل إلى مصر والأندلس وبلاد السودان العربي، كالسنغال ومالي والنيجر وتشاد وغانا.
ودامت تلك الدول ردحاً من الزمن عمرت بعضها طويلاً، كالدولة الرستمية بالجزائر (160 هـ ـ 296 هـ)، ودامت بعضها قروناً كما هو حال الإمامة في عُمان (ق: (2 هـ / 14 م)، واشتهر في هذه الدول علماء أجلاء، ساهموا بنتاج فكري وفير في مختلف العلوم، وبخاصة في علوم الشريعة، كالفقه والأصول والعقيدة والتفسير والحديث.
وظهر التدوين الفقهي في المدرسة الفقهية الإباضية بعد جابر بن زيد، ونما وتطور كثيراً عبر القرون، وأنتج لنا مؤلفات تعد بالعشرات، تناولت أبواب الفقه الإسلامي، ومن أشهرها مدونة أبي غانم الخراساني،
جميع
وجوابات الإمامين جابر بن زيد وأبي عبيدة مسلم التميمي، ومسند الربيع بن حبيب الفراهيدي، وجامع ابن جعفر الأزكوي، وجامع ابن بركة البهلوي، وكتاب المعتبر لأبي سعيد الكدمي، وبيان الشرع لمحمد بن إبراهيم الكندي)،
أحمد
(1) محمد بن إبراهيم بن سليمان الكندي (أبو عبد الله)، (ت: 508 هـ)، العالم المحقق الفقيه، من أجل علماء القرن الخامس، تلقى العلم على يد القاضي أبي علي الحسن بن العقري، ونبغ في جملة من العلوم اشتغل في حياته بالتأليف والفتوى والقضاء، وممن تتلمذ
على يديه الشيخ أحمد بن محمد بن صالح صاحب المصنف من آثاره: موسوعته الضخمة (1/209)
صفحة 205
210
القواعد الفقهية عند الإباضية
وكتاب المصنف لأبي عبد الله أحمد الكندي)، والعدل والإنصاف في أصول الخلاف لأبي يعقوب يوسف بن إبراهيم الوارجلاني، وكتاب الضياء لسلمة بن مسلم العوتبي، وكتاب الإيضاح لعامر الشماخي، وتفسير هود بن محكم الهواري)، وتفسير آيات الأحكام لأبي الحواري (3)، ومعارج الآمال للسالمي وكتاب النيل والورد البسام للثميني، وشرح النيل
المشهورة «بيان الشرع حوى فيها أصول الشرع والأحكام والأديان؛ اللمعة المرضية في أصول الشرع وفروعه؛ والأرجوزة المسماة «النعمة» في الأديان والأحكام؛ .. إلخ. معجم أعلام الإباضية (قسم المشرق)، ترجمة: 1118، 290/ 1. (1) الكندي أحمد بن عبد الله بن موسى، (أبو بكر)، (ت: 575 هـ)، عالم فقيه ومجتهد؛ تلقى العلم على يد الفقيه أبي بكر النزواني وغيره. وقد ترك آثاراً في شتى العلوم والفنون، أهمها: كتاب «المصنف» في الأديان والأحكام يقع في اثنين وأربعين جزءا؛ وكتاب «التخصيص» في الولاية والبراءة؛ .. إلخ. قام بترتيب أبواب كتاب بيان الشرع، وسماه بهذا الاسم. معجم أعلام الإباضية، (قسم المشرق)، ترجمة: 39، 21/ 1. (2) هود بن محكم الهواري (ق: 3 هـ/ 9 م)، عالم متقن، أخذ العلم عن أبيه وعن غيره، قيل في الأندلس، وقيل في تيهرت، وقيل في القيروان. اشتهر بمؤلفه «تفسير كتاب الله العزيز»، وهو تفسير جليل، كان والد هود قاضياً للإمام عبد الوهاب بن رستم (ت: 208 هـ/ 823 م فوهم بعض خطأ أنَّ هوداً نفسه كان قاضياً. معجم أعلام الإباضية، (قسم المغرب)، ترجمة: 961، 128/ 2. (3) محمد بن الحواري بن عثمان القري، المعروف بالأعمى، أبو الحواري، (حي في: علماء النصف الثاني من القرن الثالث، ويرد اسمه أحياناً: الحواري محمد بن الحواري، وهو من مشاهير علماء عُمان، نشأ وعاش بنزوى وبها أخذ العلم عن شيوخه منهم: محمد بن محبوب، ومحمد بن جعفر، ونبهان بن عثمان، وأبو المؤثر الصلت بن خميس وهو أخص شيوخه وأكثرهم ملازمة له، كان ثالث ثلاثة من علماء أهل عُمان في عصره، وقد كان أجمعهم علماً وفقها، ترك مؤلفات قيمة أشهرها: جامع أبي الحواري (مطبوع في خمسة أجزاء)، تفسير خمسمائة آية في الأحكام. ((مطبوع)، وله زيادات على جامع ابن جعفر، وكتب معروضة عليه، وقيل إنه توفي في أوائل القرن الرابع الهجري، ينظر: معجم أعلام الإباضية قسم المشرق،
272 هـ)، من
ترجمة: 1140. (1/210)
صفحة 206
الفصل التمهيدي: القواعد الفقهية المفهوم والتطور
211
وتيسير التفسير للقطب أطفيش (1)، وغيرها كثير لا يمكن حصرها في هذه
(2)
السطور (2).
وكان بديهياً أن يقوم هذا الصرح الفقهي على أصول وقواعد فقهية ثابتة، وجمعت القواعد الأصولية والفروع الفقهية فى مصنفات عديدة، وبقيت القواعد الفقهية متناثرة في تلك المصنفات يخرج عليها الفقهاء الأحكام الشرعية للنوازل الجديدة، وقد يعللون بها الأحكام، ولم تحظ بالعناية الكافية كما حدث في المدارس الفقهية الأخرى، فلم تصنف في كتب مستقلة، ولم يهتموا بجمعها ولا ترتيبها ولا تنقيحها، وهذا النقص دفع الباحث إلى محاولة تداركه بالبحث عنها في مظانها، وجمعها ودراستها وتأصيلها، مساهمة منه في بناء دعائم هذه المدرسة الأصيلة وتعريفها للناس.
وتعتمد المدرسة الفقهية الإباضية في الاجتهاد على المصادر التشريعية المعروفة وهي القرآن والسُّنَّة والإجماع والقياس والاستدلال، ويدخل تحته الاستصحاب والاستحسان والمصالح المرسلة، وقد يطلقون على الإجماع والقياس والاستدلال كلمة (الرأي)، فيقولون عندما يتحدثون عن مصادر
(1) أمحمد بن يوسف بن عيسى أطفيش الشهير بـ «قطب الأئمة»، (و: 1237 هـ / 1821 م - ت: 1332 هـ / 4 هـ / 1914 م)، أشهر عالم إباضي بالمغرب الإسلامي في العصور الحديثة. نشأ عصامياً، ولم يسافر للدراسة خارج موطنه، جلس للتدريس والتأليف، وعمره لم يتجاوز ستة عشر سنة، وتصدر للفتوى وهو ابن عشرين سنة، وبلغ درجة الاجتهاد المطلق في كهولته. ألف في مختلف الفنون، ومن مؤلفاته تفسير القرآن، له ثلاث تفاسير، أهمها: تيسير التفسير؛ شرح كتاب النيل وشفاء العليل؛ ترتيب المدوّنة الكبرى لأبي غانم بشر بن غانم الخراساني (مط)؛ حي على الفلاح وهي حاشية على كِتَاب الإيضاح (مخ)؛ ... إلخ. معجم أعلام الإباضية (قسم (المغرب)، ترجمة: 864، 69/ 2.
ص
(2) علي يحيى معمر: الإباضية دراسة مركزة في أصولهم وتاريخهم، ص 35 - 36. - محمد الشيخ بالحاج مميزات الإباضية، 51 - 55، مصطفى أرشوم: مقدمة كتاب النكاح صحة وفساداً وآثاراً في المذهب الإباضي، ص 20 - 21. الراشدي مبارك بن عبد الله: نشأة تدوين الفقه واستمراره عبر العصور: ط 1، 1422 هـ / 2001 م، ص 124 – 16. (1/211)
صفحة 207
212
القواعد الفقهية عند الإباضية
التشريع: هي الكتاب والسنة والرأي، وبسبب ذلك أخطأ بعض من كتب عنهم، فظن أنهم ينكرون الإجماع).
وبسبب رحلات إمام هذه المدرسة في شبابه منذ نهاية عهد الخلفاء الراشدين إلى أن استقر في البصرة وإلى وفاته، فقد نقل الحديث والفقه عن الصحابة بالحجاز عمن كان موجوداً منهم بالعراق فاتسم فقهه بطابعين: طابع أهل الحديث، وطابع أهل الرأي؛ فكان يجمع بين النقل والعقل، وبين الأثر والرأي، فتأثر الإمام جابر بن زيد بطريقة الحجاز، كما التزم وصية شيخه عبد الله بن عمر حين قال له: يا جابر إنك من فقهاء البصرة وتُستفتى، فلا تفتين إلا بنص قاطع وسنة ناطقة. ولا شك يقصد بذلك التأكيد على جابر بعدم الخوض والتعمق في الأخذ بالرأي.
كما نُقل إلينا عن الإمام جابر تدوينه ما سمعه من السنة وفتاوى الصحابة رضوان الله عليهم - وكبار التابعين، وذلك ليكون مُتّبعاً ما يجد فيه الدليل من تفسير للقرآن أو السُّنَّة عن النبي صلى الله عليه وسلم، أو يجد أثراً من الصحابة ـ رضوان الله عليهم ـ ولا يذهب إلى الأخذ بالرأي إلا عند عدم الأثر، فإذا أعوزته الحاجة إلى الاجتهاد وإعمال النظر في الوقائع لا يمنعه من ذلك شيء، وخير دليل على ذلك ما نقل عنه ـ من قول الناس له يا أبا الشعثاء إنهم يكتبون عنك فقال: «يكتبون ما عسى أن أرجع عنه غداً! (2).
ويُفهم من عبارته أنه ينظر في الحكم الشرعي للحادثة، فلعله يقول اليوم فيها برأي ويؤديه اجتهاده غداً إلى رأي آخر مناقض لما قاله بالأمس، اتباعاً
(1) علي يحيى معمر الإباضية، ص 55 وما بعدها. - ينظر الإباضية مذهب إسلامي معتدل، تعليق أحمد بن سعود السيابي، ص 30 وما بعدها. ـ محمد الشيخ بالحاج: مميزات الإباضية، ص 68 - 73. - مصطفى أرشوم: النكاح، ص 18 - 19. ـ وينظر: باجو مصطفى:
منهج الاجتهاد عند الإباضية، تفسير أصول التشريع عند الإباضية (دراسة شاملة).
(2) الراشدي مبارك: نشأة تدوين الفقه، ص 114 - 115. (1/212)
صفحة 208
الفصل التمهيدي: القواعد الفقهية المفهوم والتطور
213
لما قاله عمر بن الخطاب لأبـ موس الأشعري ا: «لا يمنعك قضاء قضيته بالأمس أن تراجع الحق فيه، فإن الرجوع إلى الحق خير من التمادي
في الباطل»).
ومع
أن المدرسة الفقهية الإباضية نشأت بالبصرة على يد مؤسسها أبي الشعثاء جابر بن زيد إلا أنها لم تتأثر بالقياس كل التأثر، فقد كانت تأخذ به على حذر، ومما يؤثر عن أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة تلميذ جابر قوله عند ما قيل له: إن أهل عُمان يُفتون بالقياس، قال: «ما سلموا من الدماء والفروج» وأُثر عنه قوله أيضاً: «من ذهب في القياس ذهب في الدمار» ومعنى ذلك أنه لا ينبغي الأخذ بالقياس في كل شيء طالما وجد دليل شرعي في ولو كان حديثاً أحادياً إذا كان رواته ثقات (2).
ومن
المسألة،
هنا كانت المدرسة الفقهية الإباضية وسطاً بين مدرسة أهل الحديث التي تتجنب التوسع في الأخذ بالرأي في كل الأمور، على اعتبار أن أمور الحياة قد طرقها التشريع، وبين مدرسة أهل الرأي التي توغلت في
الأخذ بالقياس.
جميع
داخلة ضمن
ويبدو أن الإباضية لم يرضوا بالتقليد، فأخذوا بالقياس فيما ليس فيه نص ولا إجماع؛ لأن كثيراً من مسائل الفقه لم تبين أحكامها، بل هي الأدلة الشرعية، فقاسوا ووضعوا شروط القياس (3). أما منهج الإباضية في الأخذ بالحديث فهم يعتمدون على السنة النبوية الصحيحة الثابتة بالسند الصحيح، ويتثبتون في الرواية تثبتاً واضحاً، وخاصة موقفهم من الأحاديث الآحادية، فإذا صح الحديث قدموه على القياس؛ إذ
(1) المصدر نفسه.
(2) الراشدي مبارك: نشأة التدوين، ص 115. (3) الخراساني أبو غانم المدونة الكبرى، 2/ 175، 207، 213، 261. ينظر: السالمي: طلعة الشمس شرح الألفية، باب القياس، 91/ 2. باجو مصطفى: منهج الاجتهاد، 299 - 384. (1/213)
صفحة 209
214
القواعد الفقهية عند الإباضية
(1)
في
لا قياس - عندهم - مع ورود النص؛ لأنه لا حظ للنظر عند وجود الأثر، ولا يأخذون بأحاديث الآحاد في العقيدة إلا إن وافقت القرآن، وجعلوا القرآن معياراً للسنة الصحيحة، إذ لا يمكن تناقض القرآن والسنة فيما عدا النسخ والتخصيص، ويقبلون مرسل التابعي الثقة، ويعتمدون رواية الثقة مطلقاً غير ما يتعلق بالفتنة ممن خاض فيها، أما غير ذلك فروايته مقبولة عندهم، كما ساهموا أيضاً في نقل الحديث وتدوينه، والحفاظ عليه من الوضع وقد جرى على ألسنة البعض أن الإباضية يتمسكون بما يرويه أصحابهم فقط، ولا يأخذون إلا بما ورد في مسند الربيع بن حبيب الإباضي العُماني البصري، ولكن هذه الدعوى يعوزها الدليل، فهم يأخذون بالدليل أينما وجدوه، ولو كان في غيرهم عملاً بالمقولة المشهورة: «والحق أحق أن ولو جاء من البغيض، والباطل مردود على من جاء به ولو جاء من الحبيب». وتشهد مصنفاتهم الفقهية اعتمادهم على أحاديث من غير رواة الإباضية كشرح مسند الربيع بن حبيب للسالمي، وشرح النيل للقطب أطفيش، وجامع ابن بركة البهلوي، والإيضاح للشماخي.
يتبع
وقبل أن نختم هذا المطلب أود الإشارة إلى أمر ما زال يقلق المنصفين وأتباع هذه المدرسة الأصيلة، فبرغم وفرة الدراسات الحديثة عن المدرسة الإباضية الأكاديمية منها، وغيرها، فإن الجهل بها لا يزال يرين على كثير من الدارسين والمختصين في الدراسات الإسلامية، بله عامة المثقفين أو عموم
(1) مجموعة من المشايخ المشارقة سير المسلمين مخطوط مصور منقطع من آخره 653 صفحة، والصفحات المطلوبة،29، 32، 197، 206، 464، 581، 582. ـ الربيع بن حبيب: الجامع الصحيح، 44، 56، 131، 269. - الخراساني المدونة 203/ 2، 261، 264، 274، 325،. ـ الكندي أحمد بن عبد الله: 38/ 1 - 68. عمر مسعود الكباوي: الربيع بن حبيب محدثاً، ص 92. ـ محمد الشيخ بالحاج القرآن والسُّنَّة عند الإباضية، ص 71، 74، 88 - 89. - الراشدي مبارك: أبو عبيدة مسلم أبي كريمة التميمي وفقهه، ص 170 – 171. (1/214)
صفحة 210
الفصل التمهيدي: القواعد الفقهية المفهوم والتطور
215
المسلمين، ولا يزال تصور معظم المسلمين لهذا المذهب غير واضح أو غير سليم، أو مطبوعاً وفق الصورة التي رسمها كُتاب المقالات في القديم، كابن حزم الظاهري)، والشهرستاني () والبغدادي (3)، وتوارثها الأجيال عبر القرون، فأخذت حكم التوارث، وغدت حقيقة لا يعلوها النقد ولا ينالها التمحيص. المجال هنا لدراسة هذه القضية أو البحث عن أسبابها، أو الرد
ولا يسع
على التهم والافتراءات التي الصقت بالإباضية، ولا نريد معرفة المسؤول عنها،
فلكل مقام مقال، والذي يعنينا هنا هو مد جسور التواصل، وإزالة الفجوة التي اصطنعتها ظروف الماضي من المسلمين وغيرهم، وهي عديدة متشابكة، مما أدى إلى إقامة أسوار من حديد بين أبناء أمة التوحيد.
ولعل هذه الدراسة ستساهم في إزالة هذه الغشاوة والجفوة لتحقيق الهدف المنشود، وهو أن نعيد للأمة الإسلامية لحمتها ووحدتها واجتماعها تحت راية الإسلام، لنصرته والذود عنه.
الظاهري،
(1) ابن حزم الظاهري علي بن أحمد بن سعيد، (أبو محمد)، الشهير بابن حزم (و: 384 هـ / 994 م - ت: 456 هـ / 1064 م)، عالم الأندلس في عصره، وأحد أئمة الإسلام. انتقد كثيراً من العلماء والفقهاء، فأبغضوه وأجمعوا على تضليله وحذروا السلاطين منه، ونهوا العوام عن الدنو منه؛ فأقصي وطورد من طرف الملوك؛ فرحل إلى بادية ليلة ـ من بلاد الأندلس، فتوفي فيها. أشهر مصنفاته: الفصل في الملل والأهواء والنحل؛ المحلى؛ جمهرة الأنساب؛ ... إلخ. الزركلي، الأعلام، 254/ 4.
(2) الشهرستاني محمد بن عبد الكريم بن أحمد، (أبو الفتح)، (و: 479 هـ/ 1086 م - ت: 548 هـ / 1153 م)، من فلاسفة الإسلام، كان إماماً في علم الكلام وأديان الأمم ومذاهب الفلاسفة من كتبه: الملل والنحل؛ نهاية الإقدام في علم الكلام ... إلخ. الزركلي، الأعلام،
215/ 6
(3) البغدادي عبد القاهر بن طاهر بن محمد، (أبو منصور)، (ت: 429 هـ / 1037 م)، عالم متفنن، أئمة الأصول، كان يدرس في سبعة عشر فناً، وكان ذا ثروة. من تصانيفه: أصول الدين؛ فضائح المعتزلة؛ معيار النظر؛ الفرق بين الفرق .... إلخ. الزركلي، الأعلام، 48/ 4.
من (1/215)
صفحة 211
المطلب الثاني نشأة القواعد الفقهية
يتناول هذا المطلب دراسة القواعد الفقهية عند الإباضية في مرحلتين
الأولى مرحلة النشوء والتكوين والثانية: مرحلة تدوين القواعد الكلية مع
الفروع الفقهية، وتفصيلها كما يلي:
:أولاً: مرحلة النشوء والتكوين:
وتبدأ من من عصر الرسالة أو عصر التشريع، حيث كانت فيه البذرة الأولى للقواعد الفقيهة؛ فالقواعد الفقهية المأثورة في المصادر الفقهية الإباضية وغيرها لم توضع كلها جملة واحدة في وقت معين بل تكونت مفاهيمها، وصيغت نصوصها بالتدرج في عصور ازدهار الفقه الإسلامي ونهضته، وذلك استنباطاً من دلالات النصوص التشريعية العامة، ومبادئ أصول الفقه، وعلل الأحكام، والمقررات العقلية، والمعاني الفقهية لهذه القواعد، فكانت مقررة أذهان الأئمة المجتهدين يعللون بها الأحكام، ويقيسون عليها، وقد كانت تسمى عندهم أصولاً).
في
وقد بدأت البذرة الأولى للقواعد الفقهية تنبت إبان عصر الرسالة ومنبع التشريع، فكثيراً ما نجد في مصادر المتقدمين من الإباضية وغيرهم كجوابات الإمام جابر بن زيد، ورسائل أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة التميمي، ومدونة غانم الخراساني، ومدونة الإمام سحنون المالكي، ومصنفات الإمام أبي حنيفة النعمان يردون هذه القواعد إلى أصولها من القرآن والسنة قدر الإمكان، وهذا يعني بوضوح أن الملامح الأولى للقواعد الكلية مرسومة في القرآن
أبي
(1) العوتبي سلمة بن مسلم، الضياء، 15/ 3. (1/216)
صفحة 212
الفصل التمهيدي: القواعد الفقهية المفهوم والتطور
217
والسنة،
ويعني
أيضاً أن النشأة الأولى للقواعد الفقهية كان مصدرها هذه
المعالم والإشارات الموجودة في النصوص التشريعية من القرآن والسُّنَّة، فإن من آيات كتاب الله، وأحاديث رسوله كثيرا من الأحكام بمثابة القواعد العامة التي يندرج تحتها فروع ومسائل كثيرة، وباستقرائها وتتبع جزئياتها، ومباشرة تطبيقها، استطاع فقهاء الإسلام أن يصيغوا القواعد الفقهية ويطوروها حتى بلغت صورتها النهائية في العصور المتأخرة.
وعند التأمل في نصوص القرآن الكريم والسنة النبوية نجد بعضها يمثل بذاته وألفاظه قواعد تشريعية جاهزة دون تحوير بزيادة أو نقصان، وهذه لم يتطلب فيها بذل أدنى جهد لاستنباطها، وبعضها يقدم للفقيه مادة خصبة يستطيع أن يصوغ منها قدراً وافراً من هذه القواعد بعد بذل بعض الجهد في الاستنباط والتعليل والتخريج).
ولا بأس بذكر بعض الآيات الكريمة والأحاديث الشريفة التي جاءت بصياغة رائعة، وستبقى مرجع الفقهاء إلى ما شاء الله تعالى في تعليل الأحكام الفقهية للحوادث النازلة، ذلك أن الكتاب والسُّنَّة خير مصدر لهذه القواعد، لما في كتاب الله وعل من إعجاز وبلاغة وبيان ولما أوتيه رسول الله صلى الله عليه وسلم من جوامع الكلم.
أ ـ نماذج من القرآن الكريم:
1 - قول الله تعالى: {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} (البقرة: 185)، وقوله جَل: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} (البقرة: 286)، ومن هاتين الآيتين الكريمتين أخذ الفقهاء القاعدة الفقهية الكبرى المشقة تجلب
التيسير وغيرها من القواعد الأخرى المتفرعة عنها.
(1) الزرقا المدخل 951/ 2. - السدلان صالح القواعد الفقهية، ص 23. ـ الروكي محمد،
قواعد الفقه الإسلامي، ص 128. (1/217)
صفحة 213
218
القواعد الفقهية عند الإباضية
2 ـ ومنه قوله تعالى: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَج} (الحج: 78)، ومنها اقتبس الفقهاء قاعدة أخرى كبيرة، هي القاعدة السابقة في المضمون والإطار العام الذي تشملانه وهي الحرج مرفوع» وغيرها من القواعد
المتفرعة عنها. 3 - وقوله جل وعلا: فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغِ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ} (البقرة: 173)، ومنها أخذ الفقهاء قاعدة: «الضرورات تبيح المحظورات»، وأخذ بعضهم أيضاً قاعدة: «الرخص لا تناط بالمعاصي 4 - ومنه قوله تعالى: {وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى (الزمر:)، ومنها أخذ بعض الفقهاء قاعدة: «الحرام لا يتعلق بذمتين». ه - وقوله سبحانه: {خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَهِلِينَ} (الأعراف: 199)، قال القرطبي (2): «هذه الآية ثلاث كلمات، تضمنت في المأمورات والمنهيات فقوله: {خُذِ الْعَفْوَ (الأعراف: 199) دخل فيه صلة القاطعين والعفو عن المذنبين والرفق بالمؤمنين، وغير ذلك أخلاق المطيعين، ودخل في قوله: {وَأُمُرُ بِالْعُرْفِ} (الأعراف: 199) صلة الأرحام، وتقوى الله في الحلال والحرام، وغض الأبصار،
والاستعداد لدار القرار، وفي قوله: {وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَهِلِينَ (الأعراف: 199) الحض على التعلق بالعلم، والإعراض عن أهل الظلم والتنزه عن منازعة السفهاء، ومساواة الجهلة الأغبياء، وغير ذلك من الأخلاق الحميدة، والأفعال الرشيدة» (3).
(1) الروكي: المرجع نفسه، ص 129.
(2) القرطبي أبو عبد الله محمد بن أحمد بن أبي بكر بن فرح الأنصاري الخزرجي من
المالكية، توفي بمصر
671 هـ. -:
علماء
- ينظر: ابن فرحون الديباج المذهب في علماء المذهب،
ص 406 - 407. - ابن العماد شذرات الذهب، 325/ 5.
(3) القرطبي محمد بن أحمد الجامع لأحكام القرآن، 344/ 7. (1/218)
صفحة 214
الفصل التمهيدي: القواعد الفقهية المفهوم والتطور
219
6 - وكذلك قوله سبحانه: {وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِ} (النحل: 126). قال ابن جرير الطبري (1) عند هذه الآية: يقول تعالى ذكره للمؤمنين، وإن أيها المؤمنون من ظلمكم واعتدى عليكم، فعاقبوه بمثل الذي نالكم به
عاقبتم
ظالمكم من العقوبة (2).
7 - وقوله سبحانه: {فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا أَعْتَدَى عَلَيْكُمْ الله (البقرة: 194). قال القرطبي في بيان بعض أحكام الآية: «لا خلاف بين
العلماء أن هذه الآية أصل في المماثلة في القصاص ... » (3).
- وكذلك قوله سبحانه للهِ وَجَزَاؤُا سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا} (الشورى: 40) أخذت منها قاعدة: «الجزاء من جنس العمل (4) قال ابن القيم: (5) بعد ذكر هذه الآية وآية البقرة فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ} (البقرة: 194): «دخل فيها ما لا تحصى أفراده من الجنايات وعقوباتها حتى اللطمة والضربة والكسعة، كما فهم الصحابة» (6).
- وقوله سبحانه: {يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنصَابُ وَالْأَزْلَمُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} (المائدة: 90). قال ابن القيم: «فدخل في الخمر كل مسكر، جامداً كان أو مائعاً، من العنب أو من غيره، ودخل
(1) الطبري أبو جعفر محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب، الإمام الجليل المجتهد المطلق إمام المفسرين، ولد بآمل طبرستان 224 هـ وتوفي 310 هـ. - ينظر: ابن السبكي، طبقات الشافعة، 3/ 120 - 128. - ابن العماد شذرات الذهب 2602.
(2) الطبري: جامع البيان، 195/ 14.
(3) القرطبي: الجامع لأحكام القرآن، 358/ 2.
(4) الروكي: قواعد الفقه، ص 129.
(5) ابن قيم الجوزية محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد حزيز الزرعي الأصل الدمشقي، شمس الدين أبو عبد الله، ولد سنة 691 هـ وتوفي بدمشق 751 من مؤلفاته: إعلام الموقعين عن
:
رب العالمين زاد المعاد وتلبيس إبليس وغيرها - ينظر شذرات الذهب، 168/ 6 - 170. (6) ابن قيم الجوزية، إعلام الموقعين عن رب العالمين، 334/ 1. (1/219)
صفحة 215
220
القواعد الفقهية عند الإباضية
10
في الميسر كل أكل مال بالباطل، وكل عمل محرم يوقع في العداوة
والبغضاء ويصد عن ذكر الله وعن الصلاة).
صلے
10 - وقوله جل: {يَسْتَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَتُ} (المائدة: 4). دخل في الآية كل طيب من المطاعم والمشارب والملابس والفروج).
11 - وقوله جل وعلا: {وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَيْنِ إِلَّا مَا سَعَى (النجم: (39). 12 - وقوله: {وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ} (البقرة: 280). ومن هذه الآية استنبطوا قاعدة عامة وكبيرة وهي: «المشقة تجلب التيسير».
13 - وقوله: {الطَّلَقُ مَرَّتَانِ} (البقرة: 229).
14 - وقوله: {يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَن تَكُونَ تِجَرَةً عَن تَرَاضِ مِنكُمْ} (النساء: (29).
15 - {يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ} (المائدة: 1). 16 - {لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَتِهِ} (الطلاق: 7).
17 - {عَلَى الْوُسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ} (البقرة: 136).
18 - وَمَن كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَن كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ} (النساء: (6). 19 - وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنفَ بِالْأَنفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسَنِ وَالْجُرُوحَ قِصَاصُ} (المائدة: 45).
20 - {مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ} (النساء: 123). 21 - {وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَلٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبُ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ} (النحل: 116). ومن هذه الآية استنبط العلماء قاعدة: الأصل في الأحكام الشرعية التقيد
بالدليل» (3).
(1) المرجع نفسه.
(2) المرجع نفسه.
(3) أحسن زقور القواعد الفقهية المستنبطة من المدونة الكبرى، 229/ 1. (1/220)
صفحة 216
الفصل التمهيدي: القواعد الفقهية المفهوم والتطور
221
وهكذا نجد آيات كثيرة جداً وغيرها تُكوّن كليات تشريعية كبرى، منها ما هو جاهز بصياغته، ومنها ما يكون مادة خصبة تستقى منها القواعد والأصول الفقهية، فكانت الأولى لتقعيد القواعد الفقهية، وكانت هي الملاذ الأول للعلماء كلما أعوزتهم الحاجة إلى معرفة حكم الله تعالى في أي مسألة، فإن لم يجدوا فيها وجدوا أمامهم سُنَّة النبي يا لالالالال.
هي
ب - من السنة النبوية ثبتت أحاديث كثيرة عن النبي صلى الله عليه وسلم يمكن اعتبار كل واحد منها قاعدة يندرج تحتها فروع ومسائل كثيرة، من ذلك:
1 - قوله: إنما الأعمال بالنيات)، فهذا الحديث يعتبر قاعدة كلية جاهزة مصوغة، وعلى هذا الحديث اعتمد الفقهاء في صياغة قواعد النية وأهمها: الأمور بمقاصدها (2) و لا ثواب إلا بنية والعبرة بالمقاصد والمعاني لا بالألفاظ والمباني وإن صورة الفعل وهيئته لا تدل على طاعة ولا معصية إنما يصير الفعل طاعة أو معصية إذا أضيفت إليه النية» (3). 2 - وقوله: (لا ضرر ولا ضرار) وهذا الحديث من الأصول الكبرى للشريعة الإسلامية، اعتمد عليه الفقهاء في صياغة كثير من القواعد الفقهية، مثل قاعدة الضرر يزال»، و «درء المفاسد أولى من جلب المصالح» وغيرها.
(1) متفق عليه من حديث عمر بن الخطاب سيأتي تخريجه في الفصل الأول قاعدة: «الأمور
بمقاصدها».
(2) المسعودي زهران: ابن بركة ودوره الفقهي، ص 208.
(3) ابن بركة البهلوي، كتاب الجامع، 264/ 1. (4) أخرجه أحمد، 313/ 1. - وابن ماجه 2/ 784، من حديث ابن عباس، والحاكم في
المستدرك، 57/ 2 - 58. - والبيهقي في السنن الكبرى، 69/ 6. والدارقطني في السنن، 77/ 3، كلهم من حديث أبي سعيد. (1/221)
صفحة 217
222
القواعد الفقهية عند الإباضية
ه
- وقوله صلى الله عليه وسلم: «الخراج بالضمان» (1) وهي قاعدة جاهزة اعتمدها الفقهاء بلفظها وصياغتها، وفرعوا عليها كثيراً من المسائل والقضايا المتعلقة بالضمان. ـ وكذلك اقتبس الفقهاء من حديث النبي صلى الله عليه وسلم: «وعلى اليد ما أخذت حتى تؤديه» (2) كثيراً من قواعد الضمان كقاعدة: المفرط ضامن» وغيرها. وفي قوله صلى الله عليه وسلم: «كل شرط ليس في كتاب الله تعالى فهو باطل» (3). وقد
(1) أخرجه أبو داود في كتاب البيوع، باب فيمن اشترى عبداً فاستعمله ثم وجد به عيباً، 3/ 777، 780، من حديث عائشة مرفوعاً من قوله صلى الله عليه وسلم. وابن ماجه أيضاً في كتاب التجارات، باب الخراج بالضمان، 754/ 2. - وأخرجه الترمذي من حديثهما مرفوعاً من قضائه، وكتاب البيوع باب ما جاء فيمن يشتري العبد ويستغله ثم يجد به عيباً، 507/ 4 - 508. - التحفة وقال: هذا حديث حسن، وقد روي هذا الحديث من غير هذا الوجه والعمل على أهل العلم، وقال عن الطريق الآخر: وهذا حديث صحيح.
مع
هذا عند
صحيح
(2) أخرجه الحاكم في المستدرك على الصحيحين ـ كتاب البيوع وأما حديث أبي هريرة ـ حديث: 2243 ولفظه عن الحسن عن سمرة له، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «على اليد ما أخذت حتى تؤديه». «ثم إن الحسن نسي حديثه فقال: هو أمينك لا ضمان عليه». وقال: «هذا حديث الإسناد على شرط البخاري ولم يخرجاه. ورواه ابن ماجه في سننه ـ كتاب الصدقات باب العارية ـ حديث: 2397. ورواه النسائي في السنن الكبرى - كتاب العارية والوديعة المنيحة ـ حديث: 5614. وأخرجه أحمد بن حنبل في المسند ـ أول مسند البصريين ومن حديث سمرة بن جندب - حديث: 19642. وأخرجه البيهقي في السنن الكبرى ـ كتاب العارية باب العارية مضمونة - حديث: 10734. ورواه الترمذي، كتاب البيوع، باب ما جاء في أن العارية مؤداة، رقم: 1224. وينظر الصنعاني، سبل السلام، 67/ 3. (3) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب البيوع باب إذا اشترط شروطاً في البيع لا يحل، 40/ 10، 41 بشرح الكرماني. وفي - كتاب الشروط باب الشروط في الولاء ـ حديث: 2599 ـ وأخرجه صحيح مسلم - كتاب العتق باب إنما الولاء لمن أعتق ـ حديث: 2840. وأخرجه مالك في الموطأ كتاب العتاقة والولاء، باب مصير الولاء لمن اعتق. وأخرجه أحمد في المسند، 13/ 5. - والدارمي في السنن، 264/ 2، باب العارية مؤداة، عن سمرة بن جندب. وأخرجه النسائي في السنن الصغرى ـ كتاب الطلاق باب خيار الأمة تعتق وزوجها مملوك ـ حديث: 3415. وأخرجه أبو عوانة في المستخرج - مبتدأ كتاب العتق والولاء، باب بيان الإباحة لمن يكاتب مملوكه إلى أجل ثم يتعجل ما له ـ حديث: 3881. (1/222)
صفحة 218
الفصل التمهيدي: القواعد الفقهية المفهوم والتطور
223
صاغ الفقهاء من هذا الحديث كثيراً من قواعد العقد، كقاعدة: «الشرط الباطل لا يؤثر في العقد وغيرها).
6 - وقوله: «البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه). 7 - وقوله: «العجماء جرحها جبار» (3).
- وقوله: «المؤمنون تتكافأ، دماؤهم ويسعى بذمتهم أدناهم، وهم يد على من سواه» (4).
9 - وقوله صلى الله عليه وسلم: «المنيحة (9) مردودة، والعارية مؤداة، والدين مقضي، والزعيم
(1) الروكي: قواعد الفقه، ص 131.
(2) صحيح مسلم بشرح النووي، باب الأقضية، 13/ 3. سنن الترمذي بتحفة الأحوذي، كتاب
الأحكام باب ما جاء في أن البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه، 571/ 4. (3) أخرجه البخاري في الديات، باب المعدن جبار والبئر جبار، 253/ 6. ـ ومسلم في الحدود باب جرح العجماء والمعدن والبئر جبار، 1334/ 3. - وأبو داود في الديات، والترمذي في الأحكام، والنسائي في الزكاة، وابن ماجه في الديات، ومالك في العقول وغيرهم، متفق عليه من حديث أبي هريرة الله (4) أخرجه الحافظ ابن حجر العسقلاني في المطالب العالية ـ كتاب البيوع باب من رأى توريث المسلم من الكافر، حديث: 1594. وروى أبو يعلى عن عائشة قالت: وجد في قائم سيف رسول الله صلى الله عليه وسلم كتاب فيه: «المؤمنون تكافأ دماؤهم، يسعى بذمتهم أدناهم، لا يقتل مسلم بكافر، ولا ذي عهد في عهده، ولا يتوارث أهل «ملتين. ورواه أبو داود في السنن، كتاب الديات، باب إيقاد المسلم من الكافر، حديث: 3948 ـ ورواه ابن ماجه في السنن ـ كتاب الديات باب المسلمون تتكافأ دماؤهم - حديث: 2679. وأخرجه النسائي في السنن الصغرى
كتاب البيوع باب القود بين الأحرار والمماليك في النفس - حديث: 4678، وغيرهم. (5) أ - المنيحة أو المنحة بمعنى العطية، ينظر: ابن الأثير، النهاية في غريب الحديث والأثر، تحقيق محمود الطناحي وظاهر أحمد الزواوي (ط 1، مصر عيسى البابي الحلبي
1383 هـ) 364/ 4.
ب ـ ومعنى الزعيم الكفيل وفي رواية الحميل: الزعيم، قال الزيلعي نقلاً عن ابن حبان: الزعيم لغة أهل المدينة والحميل لغة أهل العراق والكفيل: لغة أهل مصر: ينظر: نصب الراية للزيلعي، 57/ 4.
ج - الغارم، الضامن ينظر ابن الأثير: النهاية، 303/ 2. (1/223)
صفحة 219
224
القواعد الفقهية عند الإباضية
غارم (1)؛ فإن هذين الحديثين الآخرين بما فيهما من شمول لكثير من الأحكام، وكونهما من جوامع الكلم يمثلان جانب القواعد الفقهية، وقد
(2)
أومأ إلى ذلك الإمام الخطابي (2) (ت: 388 هـ) في كتابه «غريب الحديث» بعد أن ذكر الحديثين بقوله: فهذان الحديثان على خفة ألفاظهما يتضمنان عامة أحكام الأنفس والأموال» (3).
10 ـ «كل مسكر حرام)، ما أسكر كثيره فقليله حرام). قال ابن تيمية: بعد ذكره هذا الحديث «جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بما أوتيه من
(1) أخرجه عبد الرزاق الصنعاني في المصنف عن أبي أمامة الباهلي، كتاب الزكاة باب صدقة المرأة بغير إذن زوجها - حديث: 7045. السنن الكبرى للنسائي، كتاب العارية والوديعة المنيحة ـ حديث: 5613. أخرجه الطبراني في المعجم الكبير، باب الصاد ما أسند أبو أمامة ـ شرحبيل بن مسلم الخولاني حديث: 7456.
(2) الخطابي حمد بن محمد بن إبراهيم البستي (أبو سليمان)، (319 هـ / 931 م - 388 هـ / 998 م)، فقيه محدث من مصنفاته: معالم السنن؛ إصلاح غلط المحدثين؛ غريب الحديث؛ ... إلخ. الزركلي، الأعلام، 273/ 2.
(3) الخطابي: غريب الحديث، تحقيق عبد الكريم الغرباوي، 64/ 1 - 65. (4) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب المغازي باب بعث أبي موسى - حديث: 4096. جه مسلم في صحيحه، كتاب الأشربة، باب بيان أن كل مسكر حرام، 1083/ 3، ترقيم فؤاد عبد الباقي (ط) بيروت (1379) ورواية في كتاب الأشربة، باب النهي عن الانتباذ في المزفت والدباء والحنتم والنقير - حديث: 3817.
وأخرجه
(5) حديث أخرجه الحاكم في المستدرك على الصحيحين، كتاب معرفة الصحابة ذكر مناقب خوات بن جبير الأنصاري ه - حديث: 5736. ورواه الترمذي في جامعه، أبواب الأشربة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، باب ما جاء ما أسكر كثيره فقليله حرام - حديث: 1835 وقال: حديث حسن غريب، وفي الباب عن سعد، وعائشة، وعبد الله بن عمرو وابن عمر، وخوات بن جبير ـ ورواه النسائي في السنن الكبرى ـ كتاب الأشربة، باب تحريم كل شراب أسكر كثيره حديث: 4972، وأبو داود في سننه، باب الأشربة. - وأحمد في مسنده باب الأشربة ـ ومن مسند بني هاشم مسند عبد الله بن عمرو بن العاص - حديث: 6387، وقد صححه الألباني، ينظر: غاية المرام،
ص
053 (1/224)
صفحة 220
الفصل التمهيدي: القواعد الفقهية المفهوم والتطور
225
جوامع الكلم كل ما غطى العقل وأسكر، ولم يفرق بين نوع ونوع ولا تأثير لكونه مأكولاً ولا مشروباً» (1). فهذا هو الضابط المحكم الذي وضعه رسول الله صلى الله عليه وسلم في باب المسكرات وتحريمها (2).
11 - وقوله صلى الله عليه وسلم: لا وصية لوارث (3).
12 - وقوله: «الولد للفراش» (4).
13 - وقوله صلى الله عليه وسلم: «لا طلاق في إغلاق» (5).
(1) ابن تيمية: مجموع فتاوى شيخ الإسلام، 341/ 28 - 342.
(2) الندوي: القواعد الفقهية، ص 81.
(3) رواه الترمذي في الجامع الصحيح الذبائح أبواب الوصايا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، باب ما جاء لا وصية لوارث حديث: 2098 ولفظه عن عمرو بن خارجة، أن النبي صلى الله عليه وسلم خطب على ناقته وأنا تحت جرانها وهي تقصع بجرتها، وإن لعابها يسيل بين كتفي فسمعته يقول: «إن الله أعطى كل ذي حق حقه، ولا وصية لوارث، والولد للفراش، وللعاهر الحجر، ومن ادعى إلى غير أبيه أو انتمى إلى غير مواليه رغبة عنهم فعليه لعنة الله لا يقبل الله منه صرفاً ولا عدلاً» وسمعت أحمد بن الحسن يقول: قال أحمد بن حنبل: لا أبالي بحديث شهر بن حوشب. وسألت محمد بن إسماعيل، عن شهر بن حوشب فوثقه وقال إنما يتكلم فيه ابن عون، ثم روى ابن عون، عن هلال بن أبي زينب عن شهر بن حوشب هذا حديث حسن صحيح». وأخرجه ابن ماجه في سننه ـ كتاب الوصايا، باب لا وصية لوارث ـ حديث: 2709. ورواه أحمد بن حنبل في مسند الشاميين من حديث عمرو بن خارجة ـ برقم: 17356. ورواه البيهقي في السنن الكبرى، كتاب الفرائض جماع أبواب المواريث، باب من جعل ما فضل أهل الفرائض حديث: 11606 عن عمرو بن خارجة.
عن
(4) رواه البخاري في صحيحه كتاب البيوع باب تفسير المشبهات، حديث: 1963 ومواضع أخرى، ورواه مسلم في صحيحه، كتاب الرضاع، باب الولد للفراش، حديث: 2723. وأبو داود في كتاب الطلاق، باب الولد للفراش، حديث: 1948. وأخرجه الترمذي في الجامع الصحيح في الرضاع، باب ما جاء أن الولد للفراش حديث: 1113. وأخرجه النسائي في السنن الكبرى، كتاب الطلاق باب إلحاق الولد بالفراش إذا لم ينفه صاحب الفراش، حديث: 5512 رواية عن الزهري عن سعيد، عن أبي هريرة، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الولد للفراش، وللعاهر الحجر». (5) رواه الحاكم في المستدرك على الصحيحين كتاب الطلاق، حديث: 2734 عن عائشة (1/225)
صفحة 221
226
القواعد الفقهية عند الإباضية
14 - وقوله صلى الله عليه وسلم: ادرؤوا الحدود عن المسلمين ما استطعتم 15 - وقوله: «إن الإمام أن يخطئ في العفو خير من أن يخطئ في
العقوبة» (2).
16 - وقوله صلى الله عليه وسلم: دع ما يريبك إلى ما لا يريبك (3).
17 - وقوله: «الحلال بيّن والحرام بيّن وبينهما أمور مشتبهات). 18 - وقوله صلى الله عليه وسلم: «ليس لعرق ظالم حق).
19 - وقوله صلى الله عليه وسلم: من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد).
أنها سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: لا طلاق ولا عتاق في إغلاق وقال: «هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه. وقد تابع أبو صفوان الأموي محمد بن إسحاق على روايته، عن ثور بن يزيد فأسقط من الإسناد محمد بن عبيد. ورواه ابن ماجه في السنن، كتاب الطلاق، باب طلاق المكره والناسي، حديث: 2042. ورواه الدارقطني في سننه، كتاب الطلاق والخلع والإيلاء وغيره حديث: 3493.
(1) رواه الترمذي، كتاب الحدود، باب ما جاء في درء الحدود، رقم: 1382، والحاكم، كتاب الحدود، باب وأما حديث شرحبيل بن أوس، رقم: 8232، عن عائشة، مع زيادة. وقال: «هذا
حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه».
(2) هذا جزء من الحديث السابق المتقدم تخريجه.
(3) رواه البخاري، كتاب البيوع، باب تفسير المشبّهات، دون رقم والدارمي، كتاب البيوع، باب دع ما يريبك إلى ما لا يريبك، رقم: 2489. عن أبي الحوراء السعدي. وينظر: ابن رجب، جامع العلوم والحكم، ص 101. (4) رواه البخاري، كتاب البيوع، باب الحلال بيّن والحرام بيّن، رقم: 1946، 723/ 2، وفي باب فضل من استبرأ لدينه، 19/ 1. - ومسلم، كتاب المساقاة، باب أخذ الحلال وترك الشبهات، رقم: 1599، 3/ 1219 مع زيادة، عن النعمان بن بشير. (5) رواه البخاري، كتاب المزارعة، باب من أحيا أرضاً مواتاً، دون رقم. 70/ 3. وأبو داود، كتاب الخراج والإمارة والفيء، باب في إحياء الموات، رقم: 2687. مع زيادة من أوله. عن
سعيد بن زيد - وفي سنن الترمذي، باب ما ذكر في إحياء أرض الموات، 662/ 3. (6) رواه البخاري، كتاب الصلح باب إذا اصطلحوا على صلح جور فالصلح مردود، رقم: 2571، 3/ 167. ومسلم، كتاب الأقضية، باب نقض الأحكام الباطلة، رقم: 3328، عن
عائشة. 13433. (1/226)
صفحة 222
الفصل التمهيدي: القواعد الفقهية المفهوم والتطور
227
20 - وقوله: مطل الغني ظلم)
إلى غير ذلك من الأحاديث النبوية التي هي في ذاتها قواعد فقهية، أو قابلة لأن تستنبط منها القواعد والأصول الفقهية، منها ما يمثل قاعدة كلية، ومنها ما يمثل قاعدة مندرجة، ومنها ما يمثل ضابطاً في باب من أبواب الفقه، وهي كلها من جوامع الكلم النبي الله. قال ابن القيم في تقريره لإحاطة النصوص لحكم جميع الحوادث: ... وإذا كان أرباب المذاهب يضبطون مذاهبهم ويحصرونها بجوامع تحيط بما يحل ويحرم عندهم مع قصور بيانهم فالله ورسوله المبعوث بجوامع الكلم أقدر على ذلك، فإنه يأتي بالكلمة الجامعة وهي قاعدة عامة، وقضية كلية أنواعاً وأفراداً وتدل دلالتين: دلالة طرد، ودلالة (عكس).
تجمع
وهي
وهكذا فإذا تتبعنا مصادر السُّنَّة المطهرة وجدناها حافلة بمثل هذه الجوامع لا تخلو عن كونها قواعد فقهية ذات أهمية وشأن في الفقه الإسلامي.
ج - القواعد الفقهية في عصر الصحابة والتابعين: فإذا انتقلنا من عهد النبوة ونزول الوحي إلى عهد الصحابة رضوان الله عليهم، وجدنا في رسائلهم وفتاواهم وقضاياهم أنه قد جرى على ألسنتهم وأقلامهم عبارات ونصوص تصلح أن تكون ـ أو تصاغ منها ـ قواعد فقهية كلية، وقد جاءت متأثرة بالقرآن والسُّنَّة مقتبسة من نورهما، وهي كثيرة وافرة. وتعتبر هذه الفترة هي الأحسن فهماً للنصوص الشرعية بحكم معايشة الصحابة للنبي وتعلمهم عليه أمور الدين، وما يحتاجون إليه في معاشهم
(1) رواه البخاري، في كتاب الحوالات، باب في الحوالة وهل يرجع في الحوالة، رقم: 2166، 799/ 2، عن أبي هريرة، 55/ 3. - ومسلم في كتاب المساقاة باب تحريم مطل الغني رقم
(1564). رواه الربيع، كتاب الأحكام، رقم: 598، ص 236، عن ابن عباس.
(2) ابن القيم: إعلام الموقعين، 333/ 1. (1/227)
صفحة 223
228
القواعد الفقهية عند الإباضية
ومعادهم، فكانت هذه الفترة حافلة بآثار نقلت عنهم، وخرجت مخرج القواعد الفقهية العامة والخاصة، وسأذكر بعضاً من هذه الآثار كشواهد على ما أقول: 1 ـ ما جاء في كتاب عمر بن الخطاب لأبي موسى الأشعري له في القضاء حيث جاء فيه ... البينة على المدعي واليمين على من أنكر»، والصلح جائز بين المسلمين إلا صلحاً أحلّ حراماً أو حرم حلالاً ... (1) فهاتان الجملتان عبارة عن حديثين (2) من أحاديث المصطفى، وهما يعدان من الضوابط في بابهما واستشهاد عمر ه بهما وجعلهما أساسين لبابين من أبواب القضاء - وهما باب الدعاوى والبينات، وباب الصلح ـ يدل على علمه بما ورد في كلام النبي صلى الله عليه وسلم من القواعد والضوابط، ويدل على فهمهم لمعناها ومعرفتهم لتطبيقها بسليقتهم وفطرهم السليمة.
قال ابن القيم بعد ذكره لهذا الكتاب وهذا كتاب جليل تلقاه العلماء بالقبول، وبنوا عليه أصول الحكم والشهادة، والحاكم والمفتي أحوج شيء إليه وإلى تأمله والتفقه فيه (3). وقد أكد الروكي هذه الأهمية فقال: «فهذه الرسالة العمرية القيمة تحمل
صححه
التحفة
(1) كتاب عمر بن الخطاب لأبي موسى الأشعري لها في القضاء، أخرجه البيهقي في السنن الكبرى، 10/ 119 - 135. - وفي المعرفة، 366/ 7 - 367. - والدارقطني، 206/ 4 - 207. وأورده ابن القيم في أعلام الموقعين، 86/ 1، وصـ ه الألباني في إرواء الغليل، 241/ 8. (2) الحديث: «البينة على المدعي تقدم تخريجه قريباً، وأما الثاني أخرجه الترمذي في كتاب الأحكام، باب ما ذكر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الصلح بين الناس، 584/ 4. من حديث عبد الله بن عمر وابن عوف عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «الصلح جائز بين المسلمين إلا صلحاً حرم حلالاً أو أحلَّ حراماً قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح، وأخرجه ابن ماجه في كتاب الأحكام، باب الصلح 788/ 2 - وأبو داود في كتاب الأقضية باب في الصلح، 19/ 4 - 20 من حديث أبي هريرة بنحوه. ـ وأحمد من حديثه مختصراً،
ـ مع
366/ 2، والحديث صححه الألباني في إرواء الغليل، وأورد طرقه، 5/ 145 - 146. (3) ابن القيم: إعلام الموقعين، 86/ 1. (1/228)
صفحة 224
229
الفصل التمهيدي: القواعد الفقهية المفهوم والتطور
دستوراً فقهيّاً في القضاء والفصل بين الناس، والمتأمل في عبارتها يقف على كثير من الكليات الفقهية والأصول التشريعية اقتبسها عمر من مشكاة النبوة وصدر فيها عن ثاقب فهمه وواسع نظره».
2 - قول عمر بن الخطاب الله: «إن مقاطع الحقوق عند الشروط ولك ما شرطت» (2).
3 - وقوله: «أيما حرّ اشتراه التجار فاردُدْ عليهم رؤوس أموالهم (3). وقوله: «لأن أعطل الحدود بالشبهات أحب إلي من أن أقيمها في
الشبهات» (4).
ه - وقوله «الإنحال ميراث ما لم يقبض).
6 - وقوله: «لا تقطع اليد في عذق ولا عام. والعذق النخل، عام سنة:
عام المجاعة.
هذه آثار عن عمر بن الخطاب الله خرجت مخرج القواعد الفقهية. - قال ابن عباس له: كل شيء في القرآن (أو)، (أو): فهو مخير» و «كل
133
(1) الروكي: قواعد الفقه، ص (2) أخرجه البخاري موقوفاً في كتاب الشروط في المهر عند عقدة النكاح، دون رقم، 322/ 5، مع الفتح، وفي كتاب باب الشروط، 217/ 9، مع الفتح وابن أبي شيبة في مصنفه، 499/ 3، برقم 16449. وسعيد بن منصور في سننه، 181/ 1. برقم 662. ورواه سعيد بن منصور، كتاب الوصايا، باب ما جاء في الشرط في النكاح رقم: 654. بنفس المعنى. عن عمر. (3) أخرجه سعيد بن منصور في الجهاد باب ما أحرزه المشركون من المسلمين ثم يفيئه الله على المسلمين، رقم، 2803. (4) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى، 238/ 8. - وأخرجه ابن أبي شيبة، في الحدود باب درء
الحدود بالشبهات، 51/ 5
(5) أخرجه البيهقي في كتاب الهبات، باب شرط القبض في الهبة، 170/ 6. (6) أخرجه ابن حبان في الثقات، 157/ 4. - وابن أبي شيبة في الحدود، باب الرجل سرق الثمر والطعام، 561/ 5. ـ وأخرجه عبد الرزاق في اللقطة، باب القطع عام سنة، المصنف،
243/ 10 (1/229)
صفحة 225
230
القواعد الفقهية عند الإباضية
10
شيء فإن لم تجدوا فهو الأول فالأول). وعنه أيضاً: «كل شيء أجازه المال فليس بطلاق»، يعني الخلع)، وقوله: «لا فيء إلا في الجماع (3)).
- وعن عبد الله بن مسعود صل الله قال: «ادرؤوا القتل والجلد عن المسلمين
ما استطعتم» (4).
ـ وعنه له: «ما رآه المؤمنون حسنا فهو عند الله حسن وما رآه المؤمنون قبيحا فهو عند الله قبيح).
وعن الإمام مالك: «أنه بلغه عن عثمان بن عفان كان ينهى الحكرة».
(1) رواه عبد الرزاق، كتاب المناسك، باب بأي الكفارات شاء كفر، رقم: 7935. المصنف، 395/ 4. وابن أبي حاتم في تفسيره، سورة البقرة قوله: {فَمَن لَّمْ يَجِدْ، رقم: 1829. عن
ابن عباس.
(2) عبد الرزاق المصنف، 487/ 6.
15043
عن
(3) رواه ابن أبي شيبة، كتاب الطلاق، باب من قال: لا فيء له إلا الجماع، رقم: إبراهيم بن يزيد النخعي، ومثل ذلك عن ابن عباس والشعبي ومسروق بلفظ (الفيء الجماع). المصنف، 138/ 5. وأورده الطبراني في جامع بيانه القول في تأويل قوله تعالى: {لِلَّذِينَ
يُؤْلُونَ مِن نِسَابِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ، رقم: 4146 عن حماد بن أبي سليمان الأشعري. (4) أخرجه ابن أبي شيبة والبيهقي في السنن الكبرى، وأخرجه الألباني في إرواء الغليل وحسنه، 26/ 8. لم نقف على تخريجه. وقد سبق تخريج ما يقاربه معنًى. (5) رواه البيهقي، (الكبرى المدخل، باب أقاويل الصحابة له إذا تفرقوا فيها ويستدل به، رقم: 25. عن ابن مسعود وأورده ابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله، باب اجتهاد الرأي على الأصول عند عدم النصوص ... ، رقم: 1023. عن علي. والحديث حسن موقوف، صححه الحاكم ووافقه الذهبي واشتهر على الألسنة مرفوعاً ... والصحيح وقفه». وأخرجه الطبراني في المعجم الكبير، 118/ 9. - والبزار في رفع الأستار، 81/ 1. - والحاكم في المستدرك، 1/ 78. ـ وأبو نعيم في الحلية، 375/ 1. - وأحمد في المسند، 379/ 1. ـ والقطيعي في
زوائد الصحابة، ص
081
(6) رواه مالك، الموطأ، كتاب البيوع، باب الحكرة والتربص، رقم: ص 452 من كلام
عمر بن الخطاب. (1/230)
صفحة 226
الفصل التمهيدي: القواعد الفقهية المفهوم والتطور
231
11 - وقال عبد الله بن عمر: «السلف على ثلاثة وجوه: سلف تريد به وجه الله، فلك
وجه الله، وسلف تريد به وجه صاحبك، فليس لك إلا
وجه صاحبك، وسلف تسلفه لتأخذ خبيثاً بطيب، فذلك الربا).
الله
12 ـ ومما نقل عن علي بن طالب ـ کرم وجهه ـ (ت: 40 هـ). أ - ليس على صاحب العارية ضمان» (2).
ب ـ «إذا ساق الرجل دابته سوقاً رقيقاً فلا ضمان عليه، وإذا أعنف سوقها فأصابت فهو ضامن» (3).
في
13 - فهذه بعض الآثار عن بعض الصحابة رضوان الله عليهم على سبيل التمثيل لا الحصر قد خرجت مخرج القواعد الفقهية، وإن لم تكن قد دونت في وقتها في كتب القواعد الفقهية فإنها قد دونت في كتب
الحديث.
عبد الله بن عمر
14 - وقد روى عن بعضهم لله تعليلات يفهم منها معاني القواعد، فقد سئل (ت: 63 هـ) عن رجل أقر بالسرقة بعد الضرب فقال: «لا يقطع فإنه إنما أقر بعد ضربه» (4). فإن هذا التعليل يشعر بمعنى
قاعدة تبنى على ذلك نحو أن يقال: «لا قطع في إقرار بالإكراه). وإذا انتقلنا من عهد الصحابة إلى عهد التابعين وتابعيهم وجدنا مجال القواعد الفقهية قد اتسع باتساع نطاق الإفتاء وازدهار حركة الاستنباط، وكل
السلف، رقم:
1373
(1) رواه مالك كتاب البيوع، باب ما لا يجوز من. البيهقي، (الكبرى) كتاب البيوع، جماع أبواب الخراج بالضمان والرد بالعيوب، رقم: 10237. مع زيادة في آخره. عن ابن عمر. (ليس بحديث). ورواه سحنون، المدونة الإمام مالك، كتاب الآجال في
السلف الذي يجر منفعة، 195/ 3.
(2) عبد الرزاق: المرجع نفسه، 179/ 1.
(3) ابن أبي شيبة: المرجع نفسه، 259/ 9.
(4) أبو يوسف يعقوب، كتاب الخراج، ص 175. (5) الباحسين يعقوب القواعد الفقهية، ص 301 - 302. (1/231)
صفحة 227
=
القواعد الفقهية عند الإباضية
232
ذلك بسبب ما جد من القضايا الحياتية التي دعت الفقهاء إلى البحث عن حلولها وأحكامها الشرعية المنظمة لها، فتكونت لديهم بذلك ثروة وافرة من النصوص الفقهية العامة التي تناقلها فقيه عن فقيه وأورثوها من بعدهم، ولكن الكثير منها ظل مطبوعاً بالطابع العمومي الإجمالي، بحيث تحتاج إلى مزيد من الصياغة والحبك لتصير على شكل قواعد كلية بالمعنى العلمي السابق للقاعدة). ولا بأس أن نذكر بعض العبارات الواردة على ألسنة التابعين تشهد لمثل ما ذكرنا من ذلك:
1 - فمن العبارات التي وردت على لسان شريح القاضي (ت: 78 هـ): أ - ليس على المستعير، ولا على المستودع غير المغل ضمان» (2). وهو مستقى من أقوال الرسول صلى الله عليه وسلم.
ب - وقوله: «لا يقضى على غائب» (3).
ج - وقوله كل خلع تطليقة بائنة» (4).
2 - ومن الصيغ التي أثرت عن أبي الشعثاء جابر بن زيد وجرت مجرى
القواعد والضوابط الفقهية:
أ - قوله: «من ألزم لنفسه شيئاً ألزمناه له).
(1) الروكي: قواعد الفقه، ص 134.
(2) عبد الرزاق: المصنف، 178/ 8.
(3) المصدر نفسه، 304/ 8.
(4) ابن أبي شيبة: المصنف، 111/ 5.
(5) الجناوني: كتاب الوضع، ص 236. الشماخي: الإيضاح، 363/ 2. بولرواح، موسوعة آثار جابر: 2/ 985، 1216. محمد بن محبوب، أبواب مختصرة من السُّنَّة، مخطوط بمكتبة جمعية أبي إسحاق أطفيش بغرداية، الجزائر حققه سليمان بابزيز أخيرا، ص 12. لم أجده في المكتبة الشاملة الإباضية ولا في برنامج الحديث النبوي ولا في كتاب بولرواح. يعد قول جابر بن زيد قاعدة فقهية تدخل في أبواب فقهية عديدة، مفادها أن من ألزم نفسه أمراً من الأمور لزمه؛ فمن حلف مثلا أن لا يفعل أمراً ما لزمه الوفاء، فإن حنث لزمته كفارة يمين، وقد أشار ابن (1/232)
صفحة 228
الفصل التمهيدي: القواعد الفقهية المفهوم والتطور
233
ب ـ وقوله: «دع الريبة وخذ العارف» (1).
- وكذلك ما ورد على لسان إبراهيم النخعي (ت: 96 هـ):
أ - كل قرض جر منفعة فلا خير فيه (2). وفي لفظ كل قرض جر منفعة فهو ربا» (3).
ب ـ وقوله: «ما تكلم به السكران من شيء جاز عليه» (4).
4 - ومما روي عن الشعبي (ت: 106 هـ):
أ - المعتدي في الصدقة كمانعها (5).
ب - وقوله كل خلع أخذ عليه فداء فهو، طلاق، وهو تطليقة بائنة). ج - وقوله كل يمين منعت الجماع فهي إيلاء» أو «كل يمين حالت بين الرجل وبين امرأته فهي إيلاء).
ومما روي عن الحسن بن يسار (ت: 110 هـ):
أ ـ قوله: «إذا شككت في الوضوء قبل الصلاة فتوضأ، وإذا شككت وأنت في الصلاة، أو بعد الصلاة، فلا تُعد تلك الصلاة»).
جري الطبري إلى أصل هذا من السُّنَّة حين قال: «وكان كل من جعل منهم لنفسه حزباً أوجبه وحافظ عليه، ولزمه كما كان يواظب على الصلاة التي كان يلزمها نفسه من الليل ولا يفرط في القيام بقراءة ما ألزم نفسه قراءته من حزبه في صلاته من الليل كما لا يفرط في حظه من صلاته بالليل على قدر ما ألزم نفسه من ذلك، وبالذي قلنا من ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وإن كان في
إسناده بعض ما فيه». ينظر: الطبري، تهذيب الآثار، رقم (1106)، 771/ 2.
(1) محمد بن محبوب المصدر نفسه، ص 38. سبق تخريجه.
(2) عبد الرزاق: المرجع نفسه، 145/ 8.
(3) ابن أبي شيبة: المصدر نفسه، 6/ 180. ونقل عن غيره في ما معناه وما يفيد الكراهة.
(4) ابن أبي شيبة: نفسه، 478/ 6، وخالف في ذلك آخرون ففصلوا في الأمر.
(5) أبو يوسف: الخراج، ص 83
(6) ابن أبي شيبة: المصنف، 111/ 5.
(7) عبد الرزاق المصنف، 448/ 6.
(8) عبد الرزاق المرجع نفسه، 142/ 1. (1/233)
صفحة 229
234
القواعد الفقهية عند الإباضية
ب ـ وقوله: «لا يحل لمسلم أن يحمل إلى عدو المسلمين سلاحاً يقويهم به على المسلمين، ولا كراعاً، ولا ما يستعان به على السلاح والكراع).
6 ـ ومن ذلك قول ابن سيرين (ت: 110 هـ): كل قرض جر منفعة فهو مکروه» (2).
ومن ذلك قول عطاء (ت: 114 هـ):
أ - حينما قال له ابن جريج (ت: 110 هـ): «أرأيت إن شككتُ أكون أحدثتُ؟» قال: «فلا تقم للصلاة إلا بيقين (3)، وأصل ذلك الحديث
عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا الموضوع).
ب ـ إذا اختلف الراهن والمرتهن فقال: هذا عشرة، وقال هذا عشرون، فالقول قول الراهن (5)
- ومن قول قتادة (ت: 118 هـ):
أ - «من طلق في نفسه فليس طلاقه ذلك بشيء»
ب - كل شرط قبل النكاح فليس بشيء، وكل شرط بعد النكاح فهو عليه.
(1) أبو يوسف يعقوب، الخراج، ص 190
(2) عبد الرزاق: المرجع نفسه، 145/ 8، وري ذلك عن قتادة أيضاً.
(3) عبد الرزاق المصنف، 142/ 1.
(4) ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إذا قام أحدكم إلى الصلاة فلا يخرج منها حتى يسمع صوتاً أو
ريحاً» متفق عليه، أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الوضوء، باب من لا يتوضأ من الشك حتى يستيقن، ح: 136. وأخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الحيض، باب الدليل على أن من تيقن الطهارة، ح: 567، وأخرجه بلفظ آخر: (الرجل، يخيل إليه أنه يجد الشيء في الصلاة، قال: «لا ينصرف حتى يسمع صوتاً، أو يجد ريحاً». نفس الكتاب والباب، ح: 566.
(5) ابن أبي شيبة: المرجع نفسه، 79/ 6.
(6) عبد الرزاق: المرجع نفسه، 412/ 6.
(7) المصدر نفسه، 7/ 7. (1/234)
صفحة 230
الفصل التمهيدي: القواعد الفقهية المفهوم والتطور
235
-
ج - كل شيء لا يقاد منه فهو على العاقلة» (1).
ومن ذلك قول حماد (ت: 119 هـ): «كل فُرقة كانت من قبل الرجل فهي تطليقة، وكل فُرقة من قبل المرأة فليست بشيء» (2).
والأمثلة على ذلك من التابعين وأتباعهم كثيرة، وليس المقصود هنا الاستقصاء، وإنما التمثيل والتوضيح، ولعل ما ذكرناه في هذا المقام يفي
بالمرام.
في
ثانياً: مرحلة تدوين القواعد الفقهية مع الفروع الفقهية تعد المدرسة الإباضية من أقدم المدارس الفقهية تأسيساً، فقد ظهرت القرن الأول الهجري مع بروز مؤسسها الإمام جابر بن زيد الأزدي العُماني (ت: 93 هـ)، ومن سار على نهجه من الفقهاء كأبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة التميمي (ت: 145 هـ) وعبد الله بن إباض التميمي، (ت: 64 هـ) وأبو سفيان محبوب بن الرحيل (3) (ت: أواخر ق 2 هـ) والربيع بن حبيب الفراهيدي (ت: 170 هـ) وغيرهم. وقد كان لهؤلاء الأئمة دور كبير في إرساء دعائم المذهب الإباضي وأسسه، ونشره في المشرق والمغرب، فأنتجت هذه المدرسة تراثاً فقهياً غزيراً تمثل في الأجوبة والفتاوى للنوازل المختلفة، فدونت هذه الفتاوى والأجوبة
(1) ابن أبي شيبة: المصنف، 229/ 9. (2) عبد الرزاق المصنف، 486/ 6. (3) محبوب بن الرحيل بن سيف، (أبو سفيان)، (ت: في أواخر القرن 2 هـ)، الإمام الفقيه، من أكابر العلماء والمؤرخين. قيل إنه تابعي، ويبدو أنه من تابعي التابعين. تتلمذ في بداية أمره على الإمام أبي عبيدة، ثم لازم الربيع. انتقلت إليه زعامة الإباضية بالبصرة بعد وفاة وائل بن أيوب، ويعتبر آخر أئمة الكتمان عند الإباضية في البصرة من آثاره: كتاب «السير»، إلا أنه فقد؛ وله آثار فقهية كثيرة مبثوثة ضمن كتب الفقه الإباضية؛ وهو ممن روى عنهم أبو غانم
مدونته .. إلخ. معجم أعلام الإباضية (قسم المشرق)، ترجمة 1110، 288/ 1. (1/235)
صفحة 231
236
القواعد الفقهية عند الإباضية
في المدونات والجوامع والموسوعات، كمدونة أبي غانم الخراساني وجامع أبي الحواري. وعلى غرار المدارس الفقهية المشهورة، فقد اعتمد فقهاء الإباضية في اجتهادهم على أصول وقواعد فقهية، كالقرآن والسنة والإجماع والقياس والاستصحاب والعرف وغيرها، استنبطوها من نصوص القرآن والسنة وفتاوى الصحابة والتابعين مثل: قوله تعالى: {وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحُ وَلَوْ شَاءَ اللهُ لَأَعْنَتَكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} (البقرة: (220). وقوله: «الخراج بالضمان». وقوله صلى الله عليه وسلم: «لا ضرر ولا ضرار. وقوله: «ادرؤوا الحدود بالشبهات». وقوله صلى الله عليه وسلم: البينة على المدعي واليمين على من أنكر». فأصلوا بها المسائل وفرعوا عليها الفروع
وخلال القرون الثلاثة الأولى كان فقهاء الإباضية يستعملون القواعد الفقهية في تعليلهم للأحكام، ويخرجون عليها المسائل الفقهية المتنوعة، ولم تكن مدونة في مصنفات مستقلة، ولا مصوغة في عبارات موجزة، بل كانت محفوظة في الذاكرة، يتناقلونها رواية وسماعاً، أو تدوّن مع الفروع الفقهية والأجوبة والفتاوى أثناء تعليلهم للأحكام، وتخريجهم للفروع. واستمر العمل على هذا الحال طيلة هذه الفترة حتى مطلع القرن الرابع الهجري، وكان نتيجة ذلك أن عثرنا على بعض القواعد والضوابط الفقهية متناثرة في بطون بعض الرسائل والمدونات الفقهية من القرون الأولى، وإن لم صريح لكلمة القاعدة فيها، ومع ذلك يمكن إدراجها ضمن القواعد الكلية أو الضوابط الفقهية ما دامت تحمل بعض سماتها وخصائصها، ولو ينقصها بعض الصقل والتنقيح والتطوير، ولا يقتصر ذلك على المصنفات الإباضية الأولى، بل نجد مثله في بقية المدارس الفقهية الأخرى. ولا بأس أن أعرض طرفا من هذه القواعد التي استخرجتها من تلك المصادر المتقدمة كما يلي:
يرد
لفظ (1/236)
صفحة 232
الفصل التمهيدي: القواعد الفقهية المفهوم والتطور
237
-
1
فمن كتاب جوابات جابر بن زيد به (ت: 93 هـ) نلمح ما يحمل سمة القواعد والضوابط الفقهية في هذه الجوابات منها:
عن عمرو بن هرم قال: سئل جابر بن زيد عن رجل ينكح المرأة فلا ينزل عليها؟ قال: إذا مس الختان فقد وجب الغسل (1) (2).
عمرو بن هرم قال: «سئل جابر بن زيد عن رجل أصابته جنابة بأرض مثلجة لا يجد ناراً يحمي بها الثلج ليغتسل به؟»
قال: «الصعيد كافيه حتى يجد الماء فيغتسل به والإيسار أحب إلى الله من
الإعسار» (3). قال جابر بن زيد: وأما قوله لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيهَا مَتَعُ لَكُمْ (النور: (29)؛ والله لا يعني بالمتاع الجهاز ولكن ما سواه من الحاجة، إما منزل ينزله قوم بليل أو نهار، أو دار ينظر إليها يدخلها الرجل لجاجته، فهذا المتاع الذي ذكر الله، وكل ما كان من المنافع فهو متاع» (4).
2
ومن مؤلفات الإمام جابر بن زيد أيضاً كتابه المسمى رسائل جابر بن زيد
ظهر فيه ما يعتبر من قبيل القواعد الكلية أو الضوابط الفقهية:
(1) يُعد هذا ضابطاً فقهيّاً في باب الطهارة مستنبط من نص حديث «إذا مس الختان الختان وجب الغسل» أخرجه ابن الجارود في المنتقى موقوفاً باب في الجنابة والتطهر لها (91)، 33/ 1. وابن خزيمة في صحيحه مرفوعاً في جماع أبواب الغسل (227) 114/ 1. والدارمي في الختان الختان، 1/ 214. وأبو عوانة في مسنده، 288/ 1. ومالك في
مس
سننه باب في م الموطأ باب واجب الغسل، 45/ 1. والطحاوي في شرح معاني الآثار، 57/ 1. وعبد الرزاق في مصنفه باب ما يوجب الغسل (951)، 248/ 1. والشافعي في مسنده، 159/ 1. (2) جابر بن زيد، من جوابات الإمام جابر بن زيد، ترتيب سعيد بن خلف الخروصي، ط 1404 هـ / 1984 م، نشر وزارة التراث القومي والثقافة، سلطنة عُمان، ص 13.
(3) جابر بن زيد المصدر نفسه، ص 15.
(4) المصدر نفسه، ص 120. (1/237)
صفحة 233
238
القواعد الفقهية عند الإباضية
الختان من المسلمين سُنَّة واجبة لا ينبغي تركها (1). الجمعة عزيمة من الله على المؤمنين (2).
ما كان من أمر خولف فيه السنة نقض» (3).
فذر ما يريبك إلى ما لا يريبك» (4). (5).
«فإن كانت بك مشقة وعسر فافطر حتى ترجع إلى دارك التي فيها قرارك فإن الله يريد بكم اليسر ولا يريد بكم العسر»).
- ومن كتاب مسائل أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة (ت: 145 هـ) نجد فيها ملامح القواعد والضوابط الفقهية
«كل بلاد المشركين يأمن فيها تجار المسلمين والموحدين لا تحل غنيمة
تلك البلاد ولا سباياهم».
(1) جابر بن زيد، رسائل جابر بن زيد ترتيب كروم أحمد بن حمو وبازين عمر بن أحمد، ص 07. (2) جابر بن زيد، رسائل، ص 07.
(3) يعتبر هذا الجواب قاعدة فقهية اعتمد عليها جابر في جواباته منها فتواه بإعادة صلاة من صلى وراء إمام أمي صلى بالناس صلاة فيها قراءة فلم يقرأ إلا بأم الكتاب لم يقمها، وردت فروع أخرى لهذه القاعدة، ينظر المصدر نفسه، ص 22، 23. (4) هذه القاعدة أصلها حديث دع ما يريبك إلى ما لا يريبك». أخرجه الحاكم في المستدرك في كتاب الإيمان رقم (166) (116/ 1. وابن حبان في صحيحه باب الورع رقم (722) 498/ 1. وابن خزيمة في صحيحه في كتاب الزكاة رقم (59/ 42348. والهيثمي في موارد الظمآن باب الدعاء في الصلاة رقم (512 (1371. والترمذي في سننه في كتاب الزهد رقم 2518 668/ 4. . ومعمر بن راشد في الجامع رقم (20619) (308/ 11. والشيباني في
الآحاد والمثاني رقم (416) 303/ 1. والشهاب في مسنده رقم (645) 374/ 1. (5) يُعد هذا الثر والذي قبله قاعدة فقهية في مسائل الحلال والحرام مفادها الابتعاد عن الأمور التي يشك في حلها إلى ما يتيقن من حله ولا يشك فيه وهي أيضاً متفرعة عن القاعدة الكبرى «اليقين لا يزول بالشك والقاعدة الفرعية الأخرى الأصل براءة الذمة». يراجع:
المصدر نفسه،
ص
81
(6) بولرواح: موسوعة آثار الإمام جابر بن زيد الفقهية، 209/ 1.
(7) أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة: مسائل أبي عبيدة، مخطوط، ص 6 ظ. (1/238)
صفحة 234
الفصل التمهيدي: القواعد الفقهية المفهوم والتطور
239
4
و «طاعة الله في الوالدين فرض وإن كانا مشركين، ولا تطعهما في
معصية الله» (1).
و «العقيقة لا يجزي فيها إلا ما يجزي في الأضحية من الأسنان وشرف
العيون» (2).
ومن كتاب المدونة الصغرى لأبي غانم الخراساني (ت: 205 هـ) نجد هذه القواعد والضوابط في ثنايا الفروع، من ذلك: ما نقل عن أبي عبيدة مسلم التميمي أنه قال: «إن الزكاة في الذهب والفضة إذا بلغ مائتي درهم فقد وجب فيه الزكاة وإن زاد فليس في الزيادة شيء حتى يبلغ المال أربعين درهماً» (3). وقال أبو غانم: «الأثر عند فقهائنا الذين نأخذ منهم ونعتمد عليهم، أنّ السُّنَّة في زكاة البقر كالسُّنَّة في زكاة الإبل يؤخذ من الإبل ويعمل فيها ما يعمل في الإبل وليس بينهم اختلاف» (4).
وقال: «من حرّم على امرأته عضواً من أعضائه فقد حرمت عليه). وقال: «كل شابة تتربص حتى تحيض أو يتبين بها حمل» (6).
(1) المصدر نفسه،
ص
10
(2) المصدر نفسه، ص 9 و.
(3) الخراساني أبو غانم بشر بن غانم، المدونة الصغرى (دت) ط 1404 هـ/ 1984 م، وزارة التراث القومي والثقافة سلطنة عُمان، 1/ 152.
(4) الخراساني: المصدر نفسه، 158/ 1.
(5) المصدر نفسه، 225/ 1.
(6) ضابط فقهي في العدة ويستثنى منه المرأة التي طلقت فحاضت حيضة أو حيضتين ثم ارتفعت عنها حيضتها فإنها تتربص تسعة أشهر قدر ما تحمل المرأة وتضع، فإن حاضت الثالثة فقد حلت للأزواج، وإن مضت تسعة أشهر ولم يتبن بها حمل اعتدت ثلاثة أشهر عدة التي أيست من المحيض. ينظر: الخراساني: المصدر نفسه، 1/ 234. وينظر: القواعد الفقهية عند الإمام الجيطالي في كتابه قواعد الإسلام، الهامش ص 74 - 75. (1/239)
صفحة 235
240
القواعد الفقهية عند الإباضية
و «كل نبيذ عولج في الجرّ وغيره مما جاء النهي عنه من كل مختمر في
غير سقاء فلا يصح للمرأة أن تمشط به لأن كل مختمر خمر). كتاب مسائل نفوسة للإمام عبد الوهاب بن عبد الرحمن بن رستم
ومن
(ت: 208 هـ) نلحظ هذه القواعد مجسدة مع الفروع:
«ليس في القطاني (3) زكاة» (4).
«الحلال لا يكون حراماً والحرام لا يكون حلالا).
وقد قيل: ادرؤوا الحدود بالشبهات (6) (7).
(1) الخراساني: المصدر نفسه، 51/ 2.
(2)
(2) عبد الوهاب بن عبد الرحمن بن رستم، (حكم: 171 - 208 هـ / 787 - 823 م)، ثاني الأيمة الرستميين، تلقَّى العلم بالقيروان ثمَّ بتيهرت عن أبيه عبد الرحمن وغيره من حملة العلم. عالم متضلع من أكبر علماء زمانه. وقد تصدر للتدريس، فكانت له حلقات علم بتيهرت وجبل نفوسة، وتخرّج على يديه خلق كثير منهم ابنه أفلح، فضلاً عن كثير من علماء نفوسة. ترك كتاباً وصفه البرادي بأنه ضخم وهو سفر تام، ألفه جواباً لأهل نفوسة في مسائل ونوازل استفتوه فيها. دبر له أعداؤه مكيدة اغتيال باءت بالفشل، وتوفي سنة 208 هـ/ 823 م. معجم أعلام الإباضية، قسم المغرب)، ترجمة: 609، 409/ 1.
(3) المراد بها: القطنيات وهي الحبوب كالعدس والحمص وغير ذلك.
(4) عبد الوهاب بن عبد الرحمن بن رستم مسائل نفوسة، ص 72. (5) عبد الوهاب بن عبد الرحمن المصدر نفسه، ص 106.
من
(6) يمثل هذا القول قاعدة فقهية وقد درسناها في الفصل السادس من هذا البحث ووردت بألفاظ وصيغ مختلفة منها: «الحدود تسقط أو تدرأ بالشبهات بخلاف الحقوق». وفي لفظ: «تسقط أو تندرء الحدود بالشبهات وفي لفظ: «الحدود مبناها الإسقاط والدرء بالشبهات». ينظر: محمد صدقي البورنو موسوعة القواعد الفقهية، 97/ 5. وأصل هذه القاعدة ما روي عن عمر قال: لئن أعطل الحدود بالشبهات أحب إلي أن أقيمها بالشبهات. أخرج هذا الحديث موقوفاً ابن أبي شيبة في مصنفه رقم (28493) 238/ 5. وقد ذكر ابن عبد البر رواية عمر ر في الاستذكار، 13/ 8. وأخرج ابن ماجه من طريق أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ادفعوا له مدفعاً» الحدود ما وجدتم ينظر: ابن ماجه السنن، (2545) (2 850، وأخرجه البيهقي عن عائشة مرفوعاً: «ادرؤوا الحدود عن المسلمين ما استطعتم، السنن، رقم (16834) 238/ 8. (7) عبد الوهاب بن عبد الرحمن المصدر نفسه، ص 111. (1/240)
صفحة 236
الفصل التمهيدي: القواعد الفقهية المفهوم والتطور
241
-
لا وصية مع الميراث).
من لم يسم شيئاً يتصدق به عنه فإنه لا تجب في ماله صدقة، لأنه لم يسم شيئاً ولم يعلمه (2).
.... لأنه ليس مال قائم بعينه إنما هو مال مضمون، والمضمون لا يقاتل عليه» (3).
ومن كتاب أبواب مختصرة في السُّنَّة، لأبي عبد الله محمد بن محبوب
(ت: 260 هـ) نجد مثل هذه القواعد والضوابط مع الفروع: تجب النفقة عندنا لكل حامل بانت من زوجها بلعان أو خلع أو ظهار أو طلاق» (4).
«الشفعة لكل شريك من غريب أو يتيم ما خلا أهل الكتاب). ومن كتاب المستأنف المعروف بكتاب الرضف: لأبي المنذر بشير بن محمد بن محبوب (ت: 273 هـ) نجد ما يحمل سمة القواعد منها: • كل من وجب له بإجماع المسلمين اسم أو حكم ثم أحدث حدثاً لم ينزل عنه ذلك الاسم والحكم إلى غيره من الأسماء والأحكام إلا
•
(1) المصدر نفسه، ص 8 158. وهذا الضابط أصله حديث: «لا وصية لوارث» أخرجه الربيع في مسنده رقم (666، 261/ 1. وأبو عبد الله المقدسي في الأحاديث المختارة، رقم (2144)، 149/ 6. وإسحاق بن راهويه في مسنده رقم (2287) (165/ 5 .. وسعيد بن منصور في سننه كتاب الوصايا رقم (424 - 425، 149/ 1، وابن ماجه في سننه باب لا وصية لوارث رقم (2714)، 906/ 2. والترمذي في سننه، كتاب الوصايا، رقم (2120)، 4433، والبيهقي في السنن الكبرى، رقم (12316)، 264/ 6.
(2) عبد الوهاب بن عبد الرحمن بن رستم مسائل نفوسة، ص 163.
(3) المصدر نفسه، ص
175
(4) محمد بن محبوب أبواب مختصرة من السُّنَّة، مخطوط بمكتبة جمعية أبي إسحاق بغرداية، الجزائر حققه سليمان بابزيز أخيرا، ص 09.
(5) ابن محبوب المصدر نفسه، ص 17. (1/241)
صفحة 237
242
القواعد الفقهية عند الإباضية
بإجماع من المسلمين له على ذلك، وقياس على نظير ذلك الحدث حكمه في كتاب الله وسنة رسوله؛ فبكتاب الله وسنة رسوله وإجماع المسلمين تثبت الأسماء وتجري الأحكام).
«والقول في السنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنها ضربان: فرض وفضيلة، فالفرض لازم فعله ويخرج من الإيمان تاركه، والفضل فغير مؤثم تركه ولا لازم فعله» (2).
- ومن كتاب أصول الدينونة الصافية لأبي حفص عمروس بن فتح النفوسي (ت: 283 هـ) نجد بعض القواعد والضوابط الفقهية منها:
«من كان على سفر ولم يجد الماء تيمم صعيداً طيباً» (3).
من ترك الغسل من الجنابة من غير عذر وهو يجد الماء حتى يذهب وقت الصلاة ضلّ في قول المسلمين» (4).
من كان عليه دين حط من حسب ماله بقدر ما عليه من الدين).
من فاته حضور ليلة من ليالي منى فعليه دم).
من رجع إلى بلده ولم يطف طواف الوداع فعليه دم».
252
(1) أبو المنذر بشير بن محمد بن محمد بن محبوب، المستأنف مخطوط ضمن مجموع السير العُمانية، محفوظ بمكتبة الإمام غالب بن علي الهنائي بالدمام السعودية، وتوجد نسخة مصورة منه لدى الباحثة منى بنت هلال، الكندية نزوى سلطنة عُمان، ص (2) وهذه قاعدة أصولية تحدد مدلول السُّنَّة وأنواعها باعتبارها المصدر الثاني من التشريع واستنباط الأحكام، ينظر: المصدر نفسه، ص 253.
(3) أبو حفص عمروس بن فتح النفوسي، أصول الدينونة الصافية، تحقيق كروم أحمد بن حمو، ط 1، 1420 هـ / 1999 م، مطبعة عُمان ومكتبتها المحدودة، ص 93.
(4) أبو حفص عمروس: المصدر نفسه، ص
(5) المصدر نفسه، ص 96.
(6) المصدر نفسه، ص 121.
(7) نفسه: ص 122. (1/242)
صفحة 238
الفصل التمهيدي: القواعد الفقهية المفهوم والتطور
243
«من أسلم ثم أشرك يقتل»).
من سرق صغيراً فإنه يقطع، ومن سرق كبيراً فإنه لا يقطع).
«كل ما هو نصف في الحر فهو في العبد نصف ثمنه (3).
لا وصية لوارث (4) (5).
من ترك الختان من الرجال فلا صلاة له ولا تزويج، ولا يؤكل له ذبيحته.
9 - ومن كتاب الجامع: لأبي جابر محمد بن جعفر الأزكوي (عاش في أواخر القرن الثالث وأوائل القرن الرابع نلمح سمات القواعد والضوابط الفقهية متناثرة في ثنايا أبوابه الفقهية من ذلك:
كل امرأة لم يكن لها مال فلها عندنا أن تأخذ من صداقها الآجل لما تحج به عن نفسها حجة الفريضة التي عليها».
وحفظنا عن أبي عبد الله - يعني: محمد بن محبوب ـ: فيمن حمل جمالاً متاعاً فجاء به قد انكسر حين برك الجمل أو حين نهض أو فزع؛ قال: عليه البينة بما يدعي وإلا، غرم، وكذلك كل من عمل شيئاً بكراء فتلف»).
(1) نفسه: ص
(2) يقصد به سرقة إنسان، وتعليل اختلاف الحكمين أن الكبير يسير طواعية، أما الصغير فغير مطاوع ففيه معنى الغصب والاختطاف، وقد تجد الكبير أيضاً يختطف بالقوة والإكراه فيخضع لأمر الواقع. ينظر: المصدر نفسه، ص 129.
130
(3) من الضوابط الفقهية في باب القصاص، وقد فسر محقق كتاب أصول الدينونة الصافية هذه العبارة بصيغة أخرى وهي أن كل ما يمكن تنصيفه في الحر ـ مثل العينين ـ فهو في العبد: كل نصف بنصف ثمنه في «العبد» ينظر المصدر نفسه الحاشية. (4) حديث شريف يُعد ضابطاً في باب الميراث، تقدم تخرجه في الصفحات السابقة. (5) أبو حفص عمروس: أصول الدينونة، ص 145.
(6) المصدر نفسه، ص 154
(7) ابن جعفر الجامع 175/ 4.
ص
(8) يمكن صياغة هذه القاعدة بصيغة موجزة بعد صقلها فنقول: «كل من عمل شيئاً بكراء فتلف
فعليه البينة وإلا غرم ينظر ابن جعفر: الجامع، 206/ 4. (1/243)
صفحة 239
244
القواعد الفقهية عند الإباضية
وقال أبو عبد الله حمدالله: كل شيء يلزم الذي في يده غرامته مما يكال أو يوزن فعليه أن يأتي بمثله؛ فإن كان عرضاً مثل السيوف والثياب
فعليه القيمة»).
• لأن الضمان شرط لازم والضامن غارم).
«الأمور مبنية على أصولها والشروط فيها واقعة بمعاني الاختلاف،
فمنهم من يثبتها ... ومنهم من يبطل الشروط المدخلة ... » (3). • «أُمّ الأم أولى من أم الأب، والخالة أولى من العمة، والعم أولى من
الخال» (4).
)
والقيام بأمور اليتامى جائز من كل ثقة أو غير ثقة إلا في التسليم لمال اليتيم وقبض ماله؛ فلا يجوز ذلك إلا من ثقة).
من خلال هذه الأمثلة من القواعد الكلية والضوابط الفقهية المتنوعة من علماء الإباضية الأوائل في القرون الثلاثة الأولى في المشرق والمغرب، يتضح أن نشأة حركة التعقيد الفقهي بدأت في المدرسة الإباضية في زمن مبكر، ودونت بعضها مع الفروع الفقهية والفتاوى، ثم نمت وتطورت في المراحل اللاحقة، ولم تظهر جملة وتجمع في مصنفات مستقلة في مرحلة النشوء والتكوين، بل حتى في المراحل اللاحقة، كما حدث في المدارس الفقهية الأخرى.
(1) ابن جعفر المصدر نفسه، 213/ 4.
(2) المصدر نفسه 235/ 4.
(3):نفسه 235/ 4.
(4) يُعد هذا ضابطاً فقهيّاً في درجات الحضانة. ينظر: المصدر نفسه، 271/ 4.
(5) ابن جعفر: الجامع، 274/ 4. (1/244)
صفحة 240
المطلب الثاني
تطور القواعد الفقهية عند الإباضية
يمكن إبراز معالم تطور القواعد الفقهية عند الإباضية من خلال مرحلتين الأولى مرحلة الظهور والنمو، وتبدأ مع مطلع القرن الرابع الهجري حتى عصر النهضة في القرن الرابع عشر الهجري.
الثانية: مرحلة النضج والتميز، وتبدأ من القرن الرابع عشر الهجري حتى
العصر الحالي.
ويكون تفصيلهما كما يلي:
:أولاً: مرحلة الظهور والنمو:
لقد أسهم علماء الإسلام من مختلف المدارس الفقهية في إثراء القواعد الفقهية تدويناً وتحريراً وتنقيحاً، بيد أن نصيب الإباضية منه كان شيئاً يسيراً، وإسهامهم فيه كان مغموراً، مقارنة بالموسوعات الفقهية العديدة التي دونوها ونشروها، فلم نعثر ـ حسب اطلاعنا ـ عندهم على مؤلف مستقل وشامل
للقواعد الفقهية عند المتقدمين منهم على غرار المذاهب الفقهية الأخرى. ومع بداية القرن الرابع الهجري ظهر تطور جديد في حركة التقعيد الفقهي عند الإباضية، فبدأت مرحلة تدوين القواعد الفقهية، وصارت تظهر في المصنفات الإباضية المشرقية خصوصاً منها كتاب «الجامع» لابن جعفر الإزكوي، وكتابي الجامع «المفيد والمعتبر» لأبي سعيد الكدمي، وكان لهؤلاء الفضل في تدوين هذه الأصول والقواعد الفقهية في مصنفاتهم، فكانوا يستدلون بهذه الأصول والقواعد على المسائل الفقهية، ويعللون بها الأحكام الشرعية، ويستندون إليها في الاحتجاج على المخالفين. (1/245)
صفحة 241
246
القواعد الفقهية عند الإباضية
ولم تقف جهودهم عند هذا الحد؛ فقد أولى ابن بركة بالقواعد عناية خاصة من خلال تأصيله للمسائل الفقهية في كتابه الرائع «الجامع» ولم يدرك شأوه اللاحقون في المشرق ولا في المغرب، ولم يكتف بذلك، بل ألف رسالة مستقلة خصصها لقاعدتين فقهيتين وهما قاعدة العادة محكمة»، و «اليقين لا يزول بالشك»، وسماه كتاب التعارف (1)، ويعتبر هذا الكتاب من أول الكتب الخاصة بالقواعد الفقهية عند الإباضية التي وصلت إلينا، وتابع المسيرة من بعدهم فقهاء آخرون، فكانت مؤلفاتهم تضم بعض القواعد؛ ككتاب «بيان الشرع» لمحمد بن إبراهيم الكندي، وكتاب «المصنف» لأبي بكر أحمد الكندي، و «كتاب الضياء لسلمة بن مسلم العوتبي، حيث هذا الأخير خصص الجزء الثالث منه لبعض القواعد الفقهية والأصولية، و «مختصر الخصال» لأبي إسحاق الحضرمي. ولعل هذا الأمر لم يتحقق مع عموم الإباضية، فلم نعثر لهم مصنفات خاصة بالقواعد الفقهية إلا في المراحل المتأخرة، بل بقيت القواعد مدونة مع الفروع الفقهية والمسائل الفقهية في المصنفات الفقهية، ولم تفرد في مؤلفات خاصة كعلم مستقل عن الفقه، كما نلحظه في المدارس الفقهية الأخرى، مثل رسالة أبي طاهر الدباس (2) الذي جمع فيها أهم قواعد مذهب أبي حنيفة في سبع عشرة قاعدة، وكان ذلك في مطلع القرن الرابع الهجري، ولعل ابن بركة الإباضي قد سبقه في تأليف أول رسالة للقواعد الفقهية سماها «كتاب التعارف»، جمع فيها قاعدتين من القواعد الكلية الكبرى المتفق عليهما وهما: اليقين لا يزول بالشك وعبّر عنها بقوله: اليقين لا يزول حكمه إلا يقين
(1) سمي
هذا الكتاب بهذا الاسم لأنه اهتم بدراسة قاعدة العرف والعادة وقد أثبت ابن بركة أن هذه القاعدة معتبرة في التشريع الإسلامي ومثل لها بأمثلة عديدة ومتنوعة، والكتاب من الحجم الصغير، يضم 54 صفحة نشرته وزارة التراث والثقافة العُمانية سنة 1983 م. وقد حققه أحد الباحثين في سلطنة عُمان ولم يطبع وهو في حوزة الباحث. (2) أبو طاهر الدباس اسمه محمد بن محمد بن سفيان مشهور بكنيته. تفقه بأبي خازم. وكان من أهل السنة. ويوصف بالحفظ، ومعرفة الروايات تاج التراجم لقاسم بن قطلوبغا، 336/ 1. (1/246)
صفحة 242
=
247
الفصل التمهيدي: القواعد الفقهية المفهوم والتطور
بمثله» (1)، والثانية: «العادة محكمة»، وقد أسهب في الحديث عنها، وبين علاقتها بالأولى، يقول في مقدمة هذا الكتاب: «فالواجب على من أنعم الله عليه بالإسلام وخصه بشريعة الإيمان أن يبدأ بتعلم الأصول قبل الفروع، وأن يثبت قواعد البنيان قبل أن يرفع شواهق الأركان، ومن عرف معاني الأصول عرف كيف يبني عليها الفروع، ومن لم يعرف حقيقة الأصول كان حرياً أن تخفي عليه أحكام الفروع ... (2).
ومن هنا يتبين أن تأليف ابن بركة سابق على غيره في صياغة القواعد الفقهية، وإلحاق الفروع الملائمة لها، واستثناء الفروع الخارجة عنها، ويلاحظ من عبارته أنه كان يطلق على القواعد مصطلح الأصول، وهو الأمر السائد في تلك المرحلة لدى فقهاء الإباضية وغيرهم. كما وجدنا الاهتمام نفسه لدى إباضية المغرب الإسلامي رغم تأخر تدوين القواعد الفقهية عندهم فلم ينتشر استعمالها في فروعهم الفقهية و فتاواهم إلا في القرن الثامن الهجري، ولا يعني هذا أنها لم تظهر قبل هذه الفترة بل كانوا يعتمدوها في فتاواهم وأجوبتهم وكانوا يتناقلونها شفهياً، وقد وُجدت بعض القواعد الكلية والضوابط الفقهية مدونة في فتاوى الإمام عبد الوهاب بن عبد الرحمن بن رستم (ت: 208 هـ)، وفي فقه أبي حفص عمروس بن فتح النفوسي (ت: 283 هـ)، وأبي يعقوب يوسف الوارجلاني (ت: 570 هـ) في كتابيه العدل والإنصاف والدليل والبرهان»، وأبي العباس أحمد بن محمد بن بكر الفرسطائي (ت: 504 هـ) في كتبه «أبي مسألة»، و «القسمة وأصول الأرضين»، و «السيرة في الدماء»، وأبي زكرياء يحيى بن أبي الخير الجناوني (3) (ت: ق 5 هـ) في كتبه «الوضع» و «النكاح» و «الصوم»
(1) ابن بركة البهلوي كتاب التعارف، ص 33. (2) ابن بركة المصدر نفسه، ص 4.
(3) الجناوني يحيى بن أبي الخير، (أبو زكرياء)، (ق: 5 هـ/ 11 م)، من العلماء الأعلام بجبل (1/247)
صفحة 243
248
القواعد الفقهية عند الإباضية
وغيرهم، ولو أنها تحتاج إلى صقل وتحوير وتطوير، ثم جاء بعدهم الشيخ عامر الشماخي في مطلع القرن الثامن الهجري فدوّن قواعده في «كتاب الإيضاح»، وشفّع بها المسائل الفقهية، إذ كان غالباً ما يستشهد بها، ويعلل بها في الأحكام، ويعتمد عليها في الاستدلال والاحتجاج، وامتاز على من تقدمه بحسن صياغة القاعدة وسبكها بأسلوب موجز، وكذلك فعل مثله الشيخ إسماعيل الجيطالي في كتابه «قواعد الإسلام».
ثانياً: مرحلة النضج والتميز: تمثل هذه المرحلة التطور الحقيقي للقواعد الفقهية عند الإباضية، حيث كللت جهودهم المباركة بظهور أول كتاب مستقل للقواعد الفقهية من تأليف القاضي سفيان بن محمد الراشدي من علماء عُمان في القرن الرابع عشر الهجري، فقد استطاع أن يجمع القواعد الفقهية الكلية الخمس الكبرى وما تفرع عنها من قواعد كلية صغرى، وشرحها شرحاً موجزاً، وضمنها أمثلة متعددة ومتنوعة معتمداً في ذلك على المصادر الإباضية وغيرها، ومما تجدر الإشارة إليه أنه سلك في طريقة تأليفه منهج الإمام السيوطي الشافعي في كتابه «الأشباه والنظائر وظهر تأثره به كثيراً، فنجده أحياناً ينقل عباراته
أنه
بنصها وأمثلته المختلفة، وقد أشار محققه إلى ذلك فقال: «يظهر لي اختزل ما كتبه الإمام السيوطي عن القواعد الكلية في «الأشباه والنظائر»، وأضاف إليه أشياء من كتب المذهب الإباضي وغيرها» (1)، ولا ينقص ذلك
نفوسة بليبيا، من قرية إجناون. أخذ العلم عن أبي الربيع سليمان بن أبي هارون، وغيره من المشايخ، إذ مكث في التعلم اثنتين وثلاثين سنة، فصار شيخاً عالماً وفقيهاً. من آثاره العلمية: عقيدة نفوسة (مط)، كتاب الأحكام (مط)، كتاب الوضع مختصر في الأصول والفقه (مط). معجم أعلام الإباضية، قسم (المغرب)، ترجمة: 993، 144/ 2. (1) الراشدي محمد بن يحيى سفيان محقق کتاب جواهر القواعد من بحر الفرائد، لجده سفيان الراشدي، ص 04. (1/248)
صفحة 244
الفصل التمهيدي: القواعد الفقهية المفهوم والتطور
249
من قدره، ويكفيه فخراً أنه استطاع أن يسد ثغرة غفل عنها أسلافه، وقد فعل مثله من قبل الإمام ابن نجيم الحنفي لما وجد أصحابه من الحنفية يفتقرون إلى كتاب على غرار «الأشباه والنظائر للسيوطي، فقلده في كتابه فأنتج كتابه المشهور «الأشباه والنظائر على مذهب أبي حنيفة النعمان، فكان متأثراً بمنهجه إلى حد كبير فربما شعر الشيخ سفيان الراشدي بحاجة الإباضية إلى كتاب يشبه كتاب السيوطي فنسج على منواله، وحاول أن يضيف إليه ما لم يجده في غيره تنسيقاً وتطبيقاً، فأبدع وتميز.
وبقي
هذا الكتاب النادر مخطوطاً في دائرة النسيان حتى كتب الله له أن يرى النور، فقام الباحث المجد محمد بن يحيى بن سفيان الراشدي - حفيده - فحققه ودرسه دراسة علمية منهجية فسهل الاستفادة منه، وذلك في مذكرة التخرج، ونال بها الشهادة الجامعية من معهد العلوم الشرعية بسلطنة عُمان. ومما جاء في مقدمة دراسته ما نصه: «فقد جاء في كتابه جواهر القواعد من بحر الفرائد كاشفاً اللثام عن القواعد الكلية الخمس التي يرجع إليها الفقه في الإسلام والتي لها من الأهمية ما لها، حيث إنها تعين العالم والمتعلم على معرفة أحكام المسائل على اختلافها وتجددها على مر العصور والأزمان، وغير ذلك من القواعد الجليلة». وأضاف المحقق مبرزاً أهمية هذا الكتاب الفريد: «وتزداد أهمية هذا الكتاب ويتضاعف فضله بسبب حوزه فضل السبق في هذا المجال في التراث الإباضي حيث لم يظهر لنا من كتب الإباضية كتاب استقل بموضوع القواعد الفقهية إلا الذي بين أيدينا ().
هذا وقد أشار الشيخ سفيان الراشدي إلى الباعث الأساسي على تأليف كتابه المفيد فقال: «وهذه شذرات من عقد جواهر القواعد، وقطرات من بحر الفرائد
(1) الراشدي محمد: المرجع نفسه. (1/249)
صفحة 245
250
القواعد الفقهية عند الإباضية
والفوائد، أجمعها لي ولمن كان مثلي قاصر الباع عن الإطلاع، خامد الهمة عن البحث والتفتيش عن المسائل المهمة، لتكون مذكرة وذخراً في درجات الآخرة). وبهذا الكتاب أسهم هذا العالم المجتهد في تطوير القواعد الفقهية عند الإباضية صياغة وتصنيفاً وتدويناً، وأضاف لبنة هامة في بناء المدرسة الإباضية، ولا شك أنه استفاد من خبرته الطويلة في تعامله مع الفقه الإباضي والمذاهب الفقهية الأخرى، ووظف ذلك في القضاء والإفتاء، والفروع المتكاثرة، فكان كتابه بداية للمجتهد وكفاية للمقتصد. واستطاع سفيان الراشدي بكتابه أن يوجه المجتهدين والباحثين إلى الاهتمام بالقواعد الفقهية لتوظيفها في ضبط الفروع الفقهية المتكاثرة، وما زال ينتظر هؤلاء عمل جبار لاستخراج القواعد الفقهية من التراث الفقهي الإباضي؛ لسد حاجة الفقهاء والمفتين والقضاة الشرعيين في هذا المجال.
ولم تظهر بعده كتب أخرى في القواعد الفقهية الإباضية رغم الحاجة الماسة إليها، اللَّهُمَّ إلا بعض المحاولات المحدودة، وأهمها ما أنجزه شيخنا عبد الرحمن بكلي أثناء تحقيقه كتاب النيل وشفاء العليل» للثميني، حيث أضاف إلى كل جزء منه ملحقاً للقواعد والضوابط الفقهية، استنبطها من مسائل الكتاب، وصاغها بأسلوبه المحكم، فجاءت معظمها مشابهة للقواعد المتعارف بها عند الفقهاء، وأصبحت مرجعاً هاماً للمجتهدين والباحثين في الفقه الإباضي، إلا أنه ينقصها الترتيب والتمثيل والإحالة إلى مظانها في الكتاب، كما فعل مثله محقق كتاب القسمة وأصول الأرضين» لأبي العباس أحمد بن محمد بن أبي بكر الفرسطائي أستاذنا الشيخ بالحاج بكير، ولكنه تميز عن سابقه بالإحالة إلى الصفحات التي توجد فيها تلك القواعد والضوابط الفقهية، مما سهل علينا الرجوع إليها دون عناء يذكر.
(1) الراشدي سفيان بن محمد المرجع السابق، ص 38. (1/250)
صفحة 246
الفصل التمهيدي: القواعد الفقهية المفهوم والتطور
251
وهكذا استمر العمل والاجتهاد الفقهي عند الإباضية ينمو ويتطور، حتى بلغ مرحلة تقعيد القواعد الفقهية وتوظيفها درجة عالية عند الإباضية المتأخرين، فلم يظهر تطور ملحوظ قبل القرن الرابع عشر، ثم جاء عصر الشيخ عبد العزيز الثميني، والشيخ أمحمد بن يوسف أطفيش، والمحقق سعيد بن خلفان الخليلي والإمام نور الدين السالمي، وسفيان الراشدي، فظهرت بوادر التجديد في مجال القواعد الفقهية عند الإباضية، إذ جمع السالمي القواعد الفقهية الخمس الكبرى في كتابه الأصولي طلعة «الشمس»، وأفرد لها مبحثاً خاصاً سماه (خاتمة في قواعد الفقه أجمل فيه القول ولم يفصله، ومما جاء فيه: أما اليقين فهو لا يزيله إلا يقين مثله حصوله وإنما الأمور بالمقاصد والضرر مرفوع بلا معاند ويجلب التيسير بالمشقة إذ ليس في الدين عذاب الأمة وإن للعادة حكماً فعلى ما قد ذكرت أسس الفقه الأولى
:
ثم شرع في شرح هذه الأبيات شرحاً موجزاً مع بعض التمثيل؛ لتوضيح مدلول تلك القواعد، فقال: «اعلم أن قدماء الفقهاء من أصحابنا (الإباضية) وغيرهم بنو الفقه على خمس قواعد:
القاعدة الأولى قولهم: إن اليقين لا يزيله إلا يقين مثله، وهو نوع من الاستصحاب المتقدم ذكره؛ لأن بقاء حكم اليقين مستصحب وإن ورد عليه الشك حتى يتيقن انتقاله. ومن فروع هذه القاعدة: إن من تيقن الطهارة وشك في الحدث يأخذ بالطهارة.
القاعدة الثانية قولهم: إن الأمور بمقاصدها، ومن فروع هذه القاعدة:
وجوب النية في الطهارة.
القاعدة الثالثة قولهم إن الضرر يزال، ومن فروع هذه القاعدة: وجوب رد المغصوب وضمانه بالتلف. (1/251)
صفحة 247
=
القواعد الفقهية عند الإباضية
252
القاعدة الرابعة: قولهم إن المشقة تجلب التيسير ومن فروع هذه القاعدة: جواز القصر والجمع والفطر في السفر، وجواز الجمع للمستحاضة والمبطون، وفي وقت الغيم ونحو ذلك. القاعدة الخامسة قولهم: إن العادة محكمة أي حكمها الشرع، ومن فروع
هذه القاعدة: بيان أقل الحيض وأكثره، ومسائل التعارف ونحو ذلك (1). وقد التزم العالم المحقق أبو محمد سعيد بن خلفان الخليلي في كتابه القيم تمهيد قواعد الإيمان وتقييد شوارد الأحكام والأديان (2) العمل بهذه القواعد، فكان في الغالب ما يعلل فتاويه بها، ويخرج عليها الأحكام الفقهية،. وتابعه في هذا النهج الإمام السالمي، وطبّق هذه القواعد في مؤلفاته القيمة، فظهرت جلية في «معارج الآمال» و «العقد الثمين وغيرها، فكان اهتمامه بالتقعيد الفقهي واضحاً في جميع مصنفاته. وهذان يمثلان اهتمام الإباضية المشارقة بتطوير القواعد تأصيلا وتطبيقاً، كما فعل مثلهم فقهاء الإباضية المغاربة، فبرز في تلك الفترة من القرنين الثالث والرابع عشر الهجريين كل من عبد العزيز الثميني في كتبه المشهورة كتاب النيل وشفاء العليل والتكميل لما أخل به النيل» و «الورد البسام»، وقام قطب الأئمة الشيخ أمحمد بن يوسف أطفيش بشرح هذه الكتب في موسوعته المعتمدة شرح النيل وشفاء «العليل فكان يعتمد هذه القواعد، ويستدل بها أحياناً إذا أعوزه الدليل ويستأنس بها، ويعلل بها الأحكام، وتجسدت أكثر في كتابيه شامل الأصل والفرع» و «كشف الكرب». وهكذا لم تكد تخلو كتب المتأخرين من الإباضية من القواعد الكلية والضوابط الفقهية، كفتاوى الإمام الشيخ بيوض (3)، وفتاوى البكري للشيخ
(1) السالمي نور الدين أبو عبد الله بن حميد طلعة الشمس شرح الألفية، 191/ 2. (2) يتكون هذا الكتاب من 13 جزءًا مطبوع بدون تحقيق وقد حقق أحد الباحثين العُمانيين هذا الكتاب أخيراً وصدر في سلطنة عُمان.
(3) إبراهيم بن عمر بيوض، (و: 1313 هـ / 1899 م - ت: 1401 هـ/ 1981 م)، رائد النهضة (1/252)
صفحة 248
الفصل التمهيدي: القواعد الفقهية المفهوم والتطور
253
عبد الرحمن بكلي، وفتاوى الشيخ أحمد بن حمد الخليلي، وكتاب «الإباضية دراسة مركزة في أصولهم وتاريخهم» لعلي يحيى معمر، و «أصول الجمع وكليات الوفاق بين المذهبين الإباضي والمالكي للشيخ بالحاج محمد،
وغيرهم. ومما تجدر الإشارة إليه أن أغلب المصادر الإباضية تتضمن القواعد والضوابط، إما تصريحاً وإما تلميحاً، تستنتج من السياق من خلال إشارات ضمنية، ويمكن كذلك استخراجها من المسائل التطبيقية للقاعدة بمعنى ردّ الفروع إلى أصولها، لأن الفقه الإباضي يغلب عليه الجانب العملي، ولم يكن أكثر فقهائهم يهتمون بالجانب التنظيري، والتأصيلي، وهذا ما يفسر ندرة المصنفات في القواعد الفقهية.
مجمل القول:
من خلال هذا العرض الوجيز لمراحل تكوين القواعد الفقهية وتطورها عند الإباضية، وما وصل إلينا من الأحاديث والآثار والأقوال في معنى القواعد، وتمكنا من الاطلاع عليه، يمكن أن نخلص إلى الأمور التالية: 1 - وجدَتْ القواعد الفقهية ورسخت فكرتها عند الإباضية في غضون هذه المراحل كلها قبل أن تعرف تلك العبارات البليغة الموجزة، باعتبارها قواعد وتصطبغ بصبغة «العلم».
الإصلاحية بالجنوب الجزائري. تعلم على يد مشايخ منهم: الحاج إبراهيم البريكي، وأبو العلا عبد الله، والشيخ الحاج عمر بن يحيى. أسس معهد الحياة سنة 1925 م، ساهم بقلمه في مقاومة الاستعمار من أعماله تفسيره للقرآن الكريم كاملاً في دروس مسجدية، وحرر جزء منه الأستاذ عيسى الشيخ بالحاج فتاوى فقهية، جمعها الأستاذ الشيخ بالحاج بكير؛ مقالات في مختلف الجرائد والمجلات؛ مذكراته الخاصة، مثل: أعمالي في الثورة ... إلخ. معجم أعلام الإباضية، (قسم) (المغرب)، ترجمة: 33، 21/ 1.
(ص 139). (1/253)
صفحة 249
254
القواعد الفقهية عند الإباضية
2 - وإذا أردنا أن نرسم صورة واضحة لتطور حركة التأليف في مجال القواعد الفقهية عند الإباضية، فإن علينا أولاً أن نعتمد على مثل تلك النصوص
المبعثرة هنا وهناك؛ فهي مصدر الانطلاق لنا في هذا الباب.
3 - لقد جرى على ألسنة المتقدمين من الإباضية من القواعد ما يضارع القواعد المتداولة في القرون المتأخرة إلا أنها ينقصها بعض الصقل والضبط في الصياغة. 4 - يظهر أن تلك الآثار والأقوال المأثورة، والفروع الكثيرة المنقولة عن الإباضية المتقدمين كانت حافزاً للمتأخرين على استنباط القواعد، وجمعها وتدوينها، والتقدم في هذا الاتجاه، ولا أدل على ذلك ما فعله سفيان الراشدي في جواهره والمحقق البكري في تعليقاته على «كتاب
النيل». - ومن خلال تتبع المصادر الفقهية الإباضية يمكن القول بناء على النصوص المأثورة، إنه قامت عندهم اللبنة الأولى للقواعد الفقهية في غضون القرون الثلاثة الأولى، حيث شاع فيها استعمال تلك القواعد، وتبلورت فكرتها في أذهانهم، وإن لم يتسع نطاقها، ولم تدوّن في مصنفاتهم، لعدم الحاجة إليها كثيراً في تلك العصور، ولأن اهتمام فقهاء الإباضية كان منصباً على استنباط الأحكام الفقهية من النصوص الشرعية للحوادث والنوازل المستجدة، وبعد أن تجمعت لديهم ثروة فقهية هائلة بدأ بعض الفقهاء يتجه نحو جمع تلك الأحكام الجزئية في قواعد عامة، ليسهل استيعابها واستحضارها، وهذا ما لاحظناه في القرن الرابع الهجري وما تلاه، وظهر ذلك جلياً عند ابن بركة البهلوي وأبي يعقوب الوارجلاني وأبي ساكن الشماخي. 6 - وقد لاحظنا من خلال عبارات فقهاء الإباضية أنهم كانوا يصيغون القواعد الفقهية بالعبارات والصيغ الدالة على العموم، مثل: «كل» و «ومَنْ» وكان (1/254)
صفحة 250
الفصل التمهيدي: القواعد الفقهية المفهوم والتطور
255
ظهورها من مصنفاتهم مبكراً، منذ عهد جابر بن زيد الأزدي - مؤسس المذهب ـ ومن جاء بعده وتزامناً مع نمو القواعد تطورت صياغة القواعد الفقهية عند الإباضية حتى بلغت مرحلة الرسوخ والنضج والتميّز عند المتأخرين منهم. - أما بداية تصنيف الإباضية للقواعد الفقهية باعتبارها فناً مستقلاً، يبدو أنها تأخرت كثيرا إلى عصر النهضة الحديثة، فلم نعثر في القرون المتقدمة على كتاب في هذا الفن إلا رسالة «التعارف» لابن بركة البهلوي (ت: 372 هـ) تضمنت قاعدة العرف والعادة وعلاقتها بالقاعدة الكلية اليقين لا يزول بالشك، ثم ظهر كتاب جواهر القواعد في بحر الفرائد سفيان الراشدي (و): 1331 هـ / ت: 1377 هـ).
لأبي
ثالثاً: مرحلة الدراسات المتخصصة:
ومع انتشار الجامعات والكليات الإسلامية في السنوات الأخيرة، ظهرت بوادر اهتمام الإباضية بجمع القواعد الفقهية وتصنيفها في مؤلفات مستقلة، وتوجه بعض الباحثين نحو الدراسات المتخصصة في المذهب الإباضي عقيدة، وأصولاً، وفقهاً، وحضارة، وذلك لإخراج تراثه المغمور وإنقاذه من الضياع، وإبراز مكانته ودوره في الحفاظ على الشخصية الإسلامية الأصيلة، فبرزت دراسات متخصصة في الفقه الإباضي وأصوله، اهتمت باستخراج القواعد الفقهية من بعض المصنفات الفقهية القديمة، مثل: القواعد الفقهية عند ابن بركة البهلوي لخلفان الحارثي والقواعد الفقهية عند أبي سعيد الكدمي من خلال كتابه «المعتبر لمصطفى، باجو والقواعد الفقهية عند الجيطالي من خلال كتابه قواعد الإسلام لمنى الكندية، ومعجم القواعد الفقهية الإباضية لمحمود هرموش، والقواعد الفقهية عند الإباضية تنظيراً وتطبيقاً لهلال بن محمد الراشدي، وغيرها من الدراسات الحديثة، ولعل هذه (1/255)
صفحة 251
256
القواعد الفقهية عند الإباضية
الدراسة التي نحن بصددها تندرج في هذا الإطار، وهي من أوسعها وأعمقها، لأنها سوف تساهم في الكشف عن قواعد جديدة لم يسبق إليها، وتضيف لبنة في بناء هذا الصرح الأصيل. ولا ريب أن جهود الباحثين لا تقف عند هذا الحد، وما زال العمل في هذا المجال ناقصاً، لأن معظم التراث الفقهي الإباضي ما زال دفينا في
الخزانات، وأغلبه مخطوطاً ينتظر من ينقذه من دائرة الضياع والنسيان. وسيأتي من يتابع هذه المسيرة المباركة، ويستخرج القواعد والضوابط الفقهية من هذا التراث المغمور ويدرسها دراسة علمية تأصيلية، ويقدمها للقراء في أسلوب يتلاءم مع العصر؛ ليطلع الدارسون على جهود الإباضية في تقعيد القواعد الفقهية.
وينتظر الباحثين عمل مضني لاستخراج القواعد والضوابط الفقهية من المصادر الإباضية، وترتيبها وتصنيفها في مجموعات يضمها موضوع واحد، مثل: قواعد المقاصد، وقواعد رفع الحرج والمشقة، وقواعد التيسير والضرورة، وقواعد الضرر والضمان، وقواعد العادة والعرف وقواعد الملكية، وغيرها. والمأمول أن يتحقق هذا المشروع، وتتكامل هذه الجهود، وتُجمع كل القواعد المستخرجة من الفروع الفقهية الإباضية لتضمها موسوعة شاملة، ويطلق عليها «موسوعة القواعد والضوابط الفقهية عند الإباضية». (1/256)
صفحة 252
المبحث الرابع
التراث الفقهي المتضمن للقواعد الفقهية عند الإباضية
أشرنا فيما تقدم إلى أن التراث الفقهي الإباضي يزخر بالقواعد الفقهية، معظمها مقترنة بالفروع الفقهية؛ لأن الفقهاء كانوا يستأنسون بها في تقرير الأحكام وتعليلها، ولذلك فليس من السهل لمن لا يملك ملكة فقهية ودراية بالقواعد الفقهية أن يتعرف عليها ويستخرجها، وربما يزداد الأمر تعقيداً إذا ذكرت الفروع الفقهية خالية من القواعد، رغم أن أحكامها تخرجت على قواعد فقهية، فهنا يحتاج الفقيه والباحث في مجال الفقه والأصول أن يردّ كل فرع إلى قاعدته، ويجمع تلك الجزئيات تحت قاعدة كلية أو ضابط فقهي، ولصعوبة ذلك قصرت همم الفقهاء وانشغلوا بذلك في تخريج الفروع على الأصول، وحتى يكتمل العمل فلا بد من الاهتمام بالتنظير الفقهي، وصياغة قواعد جديدة من الفروع المتكاثرة.
ورغم كل هذا فقد اهتم بعض فقهاء الإباضية بالتنظير الفقهي إلى جانب الاجتهاد في استنباط الأحكام الفقهية للوقائع الجديدة من الأدلة الإجمالية والتفصيلية، وتخريج الفروع على القواعد الفقهية، ونظراً إلى أن هذه الدراسة تنحصر في إطار إبراز القواعد الفقهية المعتمدة عند الإباضية، فإنني سأقتصر هنا على ذكر بعضها كما وردت في المصنفات الإباضية دون شرح أو تحليل. ولأجل عدم اهتمام الإباضية بتصنيف القواعد الفقهية في مؤلفات مستقلة، فإننا سنعتمد في إبراز اهتمامهم بالقواعد الفقهية على عرض أهم الكتب التي (1/257)
صفحة 253
258
القواعد الفقهية عند الإباضية
ذكرت القواعد الفقهية، إلى جانب الاجتهاد الفقهي، وأغلبها نجدها متناثرة في هذه الكتب مع الفروع الفقهية، نذكر منها ما يلي حسب التسلسل التاريخي:
1 - الجامع لابن بركة
من كتاب الجامع: لأبـ محمد عبد الله بن محمد بن بركة البهلوي (ت: ما بين 342 - 355 هـ نجد صياغة واضحة تتبلور فيها معاني القواعد الكلية والضوابط الفقهية ومنها:
«من أصبح بجنابته وهو صائم من غير عمد بتأخيرها كان عليه قضاء يومه» (1). . ومن تيقن حدثا ثم شك، هل تطهر أم لم يتطهر؟ كان على حدثه، ومن تيقن طهارة ثم شك فلم يدر أحدث أم لم يحدث، فهو على طهارته، الدليل على ذلك أن التيقن لا يرتفع بالشك؛ لأنه تيقن بعلم، وما شك فيه غير معلوم، والمعلوم لا يرتفع بغير معلوم).
وفي موضع آخر أشار إلى معنى قاعدة: اليقين لا يزول بالشك» بقوله: كل ما كان على يقين من تمام طهارته ثم شك في فسادها لم تجب عليه إعادتها، وكذلك من تيقن أنه قد أحدث ثم شك أنه قد تطهر فشكه غير مزيل لتيقنه» (3).
کل دم عرق فهو نجس بسُنَّة النبي إلا ما قام دليله (4) ().
(1) ابن بركة: الجامع، تحقيق عيسى يحيى الباروني، (د. ت) نشر وزارة التراث القومي والثقافة،
سلطنة عُمان، 321/ 1.
(2) ابن بركة: الجامع، 322/ 1.
(3) المصدر نفسه، 258/ 1.
(4) هذا الضابط مستنبط من حديث النبي: دم الاستحاضة نجس لأنه دم عرق ينقض الوضوء» أخرجه الربيع في مسنده (150) 69/ 1. وأخرج أبو نعيم في المسند المستخرج على صحيح مسلم حديثاً فيه «فقالت إني أستحاض، فقال: إنما ذلك دم عرق فاغتسلي ثم صلي» (49) 380/ 1.
(5) ابن بركة: الجامع، 419/ 1. (1/258)
صفحة 254
الفصل التمهيدي: القواعد الفقهية المفهوم والتطور
259
«ألا ترى إلى قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: الإمام ضامن (1). وهذا الحكم ينطبق على كل إمام في حال ممارسته للإمامة» (2).
إذا زالت الضرورة قبل تمام الصلاة أعادها لاستحالة وجود الضرورة والقدرة» (3).
«كل ما صلح أن يكون طهوراً منها صلح أن يكون مسجداً للمصلى عليها» (4). (5). • «من ترك الصلاة من طريق الاستحلال كان مرتداً بذلك يقتل إن لم يتب باتفاق» (6).
(1) الحديث أخرجه ابن حبان في صحيحه باب الأذان (1671) (559/ 4. وابن خزيمة في صحيحه كتاب الإمامة في الصلاة (1528) 15/ 3. والنسائي في السنن الصغرى كتاب الصلاة (560)، 325/ 1، وأبو داود في سننه في كتاب الصلاة (517)، 143/ 1. وابن ماجه في كتاب إقامة الصلاة (981) 214/ 1. والبيهقي في السنن الكبرى في جماع أبواب الأذان، (1847) 425/ 1. والحميدي في المسند (999) 438/ 2. والطبراني في المعجم الصغير، 69/ 2، والكبير،286/ 8، والأوسط 251/ 8.
(2) ابن بركة: الجامع، 458/ 1.
(3) ضابط فقهي في باب الصلاة، ومن الضرورات التي ذكرها ابن بركة صلاة المتوضيء خلف المتيمم من الجنابة وصلاة الطاهر من النساء خلف المستحاضة، وصلاة المتوضئ خلف سلس البول. ينظر: ابن بركة المصدر نفسه، 459/ 1.
(4) هذا الضابط مستنبط من حديث: «جعلت لي الأرض مسجداً وترابها طهوراً». أخرجه الربيع بن حبيب الفراهيدي في مسنده رقم (167) 1/ 75، ورقم (255) (108/ 1. والطيالسي في مسنده رقم (418) 56/ 1. بهذا اللفظ وأخرجت أكثر كتب الحديث جزءا منه بلفظ: «وجعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً ... » أخرجه البخاري في صحيحه في أبواب المساجد رقم (427) 168/ 1. والحاكم في المستدرك في كتاب التفسير رقم (3587) 2/ 460. وأبو نعيم في المسند المستخرج (1151) (2/ 125. وابن حبان في صحيحه باب المعجزات رقم (6398)، 308/ 14. والشافعي في السنن المأثورة رقم (185)، 242/ 1. والهيثمي في مسند الحارث رقم (942)، 876/ 2. والترمذي في السنن كتاب أبواب الصلاة رقم (317)، 2/ 131.
والنسائي في المجتبى كتاب الغسل والتيمم رقم (432) 210/ 1.
(5) ابن بركة: الجامع، 459/ 1. (6) ابن بركة المصدر نفسه، 501/ 1. (1/259)
صفحة 255
260
القواعد الفقهية عند الإباضية
•
كل من استحق اسم آكل فصومه باطل).
فساد بعض الفرض فساد لجميعه (2).
•
ويشير إلى قاعدة: «العادة محكمة»، فيرى أنه نُقل الإجماع على قبول الهدية وانتقالها إلى ملك من أهديت بواسطة رسول، وربما كان صبياً، فزوال ملكها من صاحبها المتيقن حصل بما يسكن إليه القلب، وجرت به العادة (3). وكذلك الرجل يتزوج المرأة من وليها وهو غير عارف بها، ثم تسلم إليه المرأة على أنها زوجته، وليس إلا سكون القلب والعادة الجارية، ويحكم على الغائب بالموت بعد مضي مائة وعشرين سنة بموجب العرف والعادة الجارية أنه لا يعيش أكثر من هذا القدر، وليس مرورها يوجب موته بيقين (4). وفي السياق نفسه يقرر أن كثيراً من الأمور التي لم ينص الشارع بحكمها مردها إلى العرف والعادة، فيقول: ولعل جميع ما تعبد الله به عباده من طريق الشريعة ما أخذ عليهم أن يخرجوا منه بما هو يقين عندهم، يستدلون
على معرفته بالعادة الجارية والأحوال الظاهرة، لا يعلم حقيقته» (5). ويشير إلى القاعد الكلية المشهورة «الأمور بمقاصدها» ويعبّر عليها بصيغ متنوعة فيقول: «الله و لا يقبل الطاعة ممن أطاعه إلا بالنية). «إذا لم يعمل ما أمر به بقصد واختيار لم يسم مطيعاً». «كل فعل أوجبه الله على أحد من عباده فليس بمؤد له من لم يقصده إلى أداء فرضه».
(1) المصدر نفسه، 9/ 2.
(2) نفسه: 14/ 2.
(3) ابن بركة كتاب التعارف، ص 16. (4) ابن بركة المصدر نفسه. 19، 39.
(5) المصدر نفسه، ص
(6) ابن بركة: الجامع، 256/ 1. (7) ابن بركة المصدر نفسه، 266/ 1.
(8) المصدر نفسه، 256/ 1. (1/260)
صفحة 256
الفصل التمهيدي: القواعد الفقهية المفهوم والتطور
261
يصير الفعل طاعة أو معصية إذا أضيفت له النية). ويقول في باب الطهارات: «والذي نختاره نحن أنه لا يكون متطهراً لوضوء الصلاة أو لغسل الجنابة إلا بنية وقصد؛ لأن الوضوء فريضة لا تؤدى إلا بالإرادات وصحة العزائم» (2).
2 - المعتبر لأبي سعيد الكدمي
من كتاب المعتبر لأبي سعيد الكدمي عاش في القرن الرابع الهجري) نجده يتناول مفهوم القواعد في تطبيقاته الفقهية، ويظهر فيها الحس الفقهي التقعيدي في هذا الكتاب وغيره؛ لما تضمنته تحليلاته من مسحة تأصيلية للأحكام، إما بالرجوع إلى أدلتها النصية أو إلى قواعدها الفقهية، يوردها بنصها أحياناً وبمعناها غالباً، ولا بأس بذكر بعضها:
ففي تحديد نية الاغتسال للجنابة، وهو أمر ضروري لإجزائه وصحة صلاة صاحبه، فمن أصابته جنابة بالليل ولم يعلم بها حتى أصبح، فقام فاغتسل من حَرّ أراد أن يتبرد به، أو غير ذلك من أسباب أخرى، ولم ينو بذلك الغسل من الجنابة، ولم يعلم بها حتى اغتسل، ثم صلى صلاة الفجر، فلما كان النهار علم بها، فهذا لا يجزئه غسله الأول، وعليه إعادة الغسل بالنية للجنابة، وإعادة الصلاة؛ لأنه لا يصلح ذلك إلا بالنية (3).
ويقول في باب الزكاة «لو أن رجلاً تصدق بخمسة دراهم على الفقراء، ثم نظر فإذا له مائتا درهم قد حالت حوْلاً، لم يكن ذلك يجزئه عن الزكاة» (4)؛
(1) نفسه: 164/ 1.
(2) نفسه 255/ 1. (3) الكدمي: المعتبر، 55/ 4.
(4) الكدمي: المعتبر، 56/ 4. (1/261)
صفحة 257
262
القواعد الفقهية عند الإباضية
•
لعدم توفر القصد إلى أداء هذه الفريضة، رغم حصول مؤداها من إخراج قيمة الزكاة المفروضة).
واعتمد على القاعدة الكبرى اليقين لا يزول بالشك» في باب الطهارات، وما يعرض للمرء من شكوك ووساوس فقال: «من وجد بللاً في ذكره أو انتشاراً فظن أنه قد أفسد ثوبه، وكان إذا عناه ذلك فنظر وجد شيئاً قد خرج، وربما نظر فلم ير شيئاً، فعناه ذلك فلم يعلم أخرج منه شيء هذه المرة أو لم يخرج منه، فلا بأس حتى يعلم أنه خرج عليه هذه المرة ما قد أفسد عليه ذلك؛ لأننا نبنى في هذه الأمور على اليقين، فإذا نظر ولم ير شيئاً، أو لم يخرج منه شيء، فلا يعتد بالشك في ذلك» (2).
وفي باب الحقوق؛ إذا علم أنه قد وجب عليه شيء من حقوق العباد وأشباهها، ثم لم يعلم بعد ذلك هل قام بأدائها أو لم يقم بذلك، فحكمه وجوب أدائها لثبوت هذا الحكم في حقه، ولم يكن قد خرج منه بيقين واطمئنان، وكذلك الحج والزكاة من حقوق الله.
واعتمد كذلك على قاعدة لا ضرر ولا ضرار والضرر يزال» وصرح بها في كتابه، فذكر الاختلاف في الأكل من الرجس المحرم، أو من الحلال المملوك للغير عند الضرورة لتنجية النفس من الهلاك، ورجح الأول؛ لأنه لا ضمان فيه والإثم مرفوع عن صاحبه، بخلاف أكل أموال
(1) باجو مصطفى: القواعد الفقهية عند الإمام أبي سعيد الكدمي من خلال كتابه المعتبر، بحث طبع ضمن بحوث ندوة تطور العلوم الفقهية في عُمان خلال القرن الرابع الهجري، القواعد الشرعية أنموذجاً، نشر في كتاب القواعد الفقهية بين التأصيل والتطبيق، تنسيق ومراجعة مصطفى باجو، وزارة الأوقاف والشؤون الدينية، سلطنة عُمان، ط 2005، 1، مطابع النهضة،
روي - سلطنة عُمان.
(2) الكدمي: المعتبر، 113/ 3.
(3) الكدمي: المصدر نفسه، 79/ 4. (1/262)
صفحة 258
الفصل التمهيدي: القواعد الفقهية المفهوم والتطور
263
الناس ففيه الضمان. ثم زاد توضيح القول الثاني الذي قضى أن ليس لهذا المضطر أن يأكل الرجس المحرم عندما يجد الطاهر الحلال، لأنه لو وجد أرباب الأموال فباعوا له من أموالهم ما يحيي به نفسه ويتعوض به من الضرورة بعدل السعر، أو أكثر من عدل السعر لم يكن له أن يأكل من المحرمات الرجس، وكان عليه أن يشتري بقدر ما نفسه، يحيي به ولا يثبت عليه في حال الضرورة إلا عدل السعر ولو اشتط عليه البائع فباعه بأكثر من عدل السعر كان ذلك مردودا إلى عدل السعر، لأن الاحتكار حرام، والمحتكر ملعون والاحتكار داخل في الضرر، والقاعدة أن لا ضرر ولا ضرار). . وقد أخذ أيضاً بالقاعدة الكلية العادة محكمة» وخرج عليها فروعاً لما أعوزه الدليل، فيقول في هذا الصدد: «وقد يخرج في معنى الاطمئنان والتعارف وما تجري به العادات ما يشبه معنى الحكم الثابت في الأصول، فتصبح بذلك العادات والتعارف في معنى ما يثبت الأحكام الثابتة (2). ومثل ذلك: رجل وامرأة ثبت بينهما معاشرة ومساكنة، وكان بينهما ما يشبه التزويج والصلة القائمة بين الزوجين، وكلاهما موقن أنه يقيم مثل تلك العلاقة إلا مع زوج شرعي، فعارض الرجل شك في حكم هذه الزوجية، ولم يعلم كيف كان التزويج، ولا من أي وجه تم ذلك، ولا من زوجه وربما قام له عارض وشك بأن تلك المرأة أخته من الرضاع، أو أمه من الرضاع، أو من سائر ذوات محارمه، بسبب رحم أو نسب أو صهر، فهذا الشك لا يلتفت إليه ويجري التعارف المعهود في معنى الأصل من كونها زوجته، ولا يستريب في ذلك، فكان حكم الأغلب والتعارف والاطمئنان فيما تجري به أمور عامة
لا
(1) المصدر نفسه 1043. (2) نفسه 83/ 4 (1/263)
صفحة 259
264
القواعد الفقهية عند الإباضية
الناس؛
؛ ذلك لأن هذا هو الأغلب والجائز والمعمول به دون ثبوت الأحكام عليهم في هذا، وكذلك ما أشبهه ونزل بمنزلته من جميع الأحكام والحقوق من الأموال التي في يده إذا نصب نفسه إلى معرفتها من أين اكتسبها وأصابها بعد أن لم تكن في يده؟ ... ).
- الإيضاح لعامر الشماخي:
ومن كتاب الإيضاح لأبي ساكن عامر بن علي الشماخي (ت: 792 هـ) نجد سمات القواعد الكلية والضوابط ظاهرة ومتصلة بالفروع نذكر منها:. إذا وردت السنة في ترك الفريضة في حالة، فالمباحات أولى بالترك). . «العقوبة لا تكون إلا على ترك الفريضة» (3).
الأحكام تعلل بالأغراض).
لا يرفع الشك ما ثبت بالدليل الشرعي (5)، وفي معناها «لا يرفع
6
ما ثبت باليقين)، وبصيغة أدق «اليقين لا يزيله إلا اليقين».
العذر يظهر من أمر الشرع أنّ له تأثيراً في التخفيف».
، «كل حي
طاهر العين وكل طاهر العين طاهر سؤره (9).
(1) الكدمي: المعتبر، 83/ 4 - 84. (2) الشماخي عامر: الإيضاح، 8/ 1.
(3) الشماخي: المصدر نفسه، 9/ 1. (4) الشماخي: نفسه، 12/ 1.
(5) الشماخي: المصدر نفسه، 13/ 1.
(6) نفسه: 311/ 1
(7) نفسه: 106/ 4.
(8) الشماخي: نفسه، 88/ 1. (9) الشماخي: نفسه، 102/ 1.
الشك (1/264)
صفحة 260
الفصل التمهيدي: القواعد الفقهية المفهوم والتطور
265
«الحكم على الأغلب» (1).
كل ما أبيح لأجل الضرر أنه يرتفع تحليله بارتفاع الضرر»).
«الأبدال ترتفع بوجود المبدل منه (3).
ما خرج عن العادة، فحكمه حكم الأصل الذي تجري به العادة» (4).
» «الضرر لا يحل» (5).
دفع البدل يزيل الضمان» (6).
«ما لا يتم الفعل إلا به فهو مثله). وفي معناه «كل ما لا يمتثل الأمر إلا به
فهو مأمور به» (8).
• البينة على المدعي واليمين على من أنكر). . الصغير والمجنون لا حيازة لهم ولا قبول» (12). . «يغتفر في التابع ما لا يغتفر في المتبوع (11). الأمين لا تلحقه التهمة ولا يمين المضرة» (12).
(1) نفسه 203/ 1، 316.
(2) نفسه: 309/ 1
(3) نفسه: 310/ 1
(4) نفسه: 17/ 2
(5) نفسه 2103.
(6) نفسه 205/ 3.
(7) نفسه: 21/ 4
(8) نفسه: 371
(9) نفسه: 32/ 4
(10) نفسه: 55/ 4
(11) المصدر نفسه الحاشية على الإيضاح لأبي ستة، 187/ 4.
(12) الحاشية على الإيضاح: 279/ 4. (1/265)
صفحة 261
266
القواعد الفقهية عند الإباضية
4 - القسمة وأصول الأرضين والسيرة في الدماء لأبي العباس الفرسطائي:
في كتاب القسمة وأصول الأرضين وكتاب السيرة في الدماء لأبي العباس أحمد بن محمد الفرسطائي (504 هـ) نجد فقهه ممتزجاً بالقواعد أو خرج فقهه عليها دون التصريح بها، بل نلمحها من سياق عبارته من ذلك:
السابق إلى المشاع أولى من غيره).
«خليفة الطفل والمجنون بمقامهما في قسمة مالهما مع الشركاء» (2).
«إقرار الأب على ابنه الطفل غير البالغ جائز، أما إقراره على ابنه البالغ فلا يجوز (3).
«كل جواز (أي: مرور في أرض لا يدعي به إثبات الطريق، ولم يمنعه صاحب الأرض، ولم يكن في سلوكه فيها مضرة، فجائز له الجواز فيها (4).
«الخطأ في الأموال لا يزيل الضمان» (5).
«كل ما يصل الشركاء إلى منعه من المضار يتجابرون عليه، وما لا يصلون إلى دفعه فلا يتجابرون عليه).
الأصل في الأشياء إبقاء ما كان ولا تغيير إلا لسبب مشروع (1)
«القول قول من دعا إلى ما كانت عليه العادة» (8).
(1) أبو العباس أحمد بن محمد الفرسطائي: كتاب القسمة وأصول الأرضين، كتاب في فقه العمارة، تحقيق بكير بن محمد الشيخ بالحاج، ومحمد صلح ناصر، ط 2 نشر جمعية التراث القرارة - الجزائر، 1418 هـ / 1997 م. ص 73
(2) أبو العباس أحمد: القسمة، ص 74
(3) أبو العباس: المصدر نفسه، ص 248.
(4) المصدر نفسه ص 129.
(5) نفسه: ص 311 - 312.
(6) أبو العباس: القسمة، ص 271
(7) المصدر نفسه، ص 255 وغيرها.
(8) نفسه ص 272، 307 وغيرهما. (1/266)
صفحة 262
الفصل التمهيدي: القواعد الفقهية المفهوم والتطور
267
ه - قواعد الإسلام للجيطالي
في كتاب قواعد الإسلام، لأبي طاهر إسماعيل الجيطالي (ت: 750 هـ) نجده يستخدم ألفاظاً وعبارات تدل على ما يفيد معنى القواعد أو الضوابط الفقهية، كاستخدام لفظ «كل»، وقد أطلق العلماء على هذا النوع من القواعد أو الضوابط المبتدئة بلفظ «كل» مصطلح الكليات الفقهية. وكثيراً ما نعثر على مثل هذا النوع من الكليات في كتاب «قواعد الإسلام» نذكر منها على سبيل التمثيل:
«كل ما تجب منه الفدية لا يجوز استصحابه وهو محرم» (1).
كل محرّم الأكل فهو في معنى الخَمْس» (2).
«كل ما كان من غرس الإنسان فلا شيء فيه، وكل ما كان نباتاً قبل الله ففيه الجزاء» (3).
من
• كل من فاته الحج بخطأ من العدد في الأيام، أو لخفاء الهلال عليه، أو غير ذلك من الأعذار؛ فحكمه عند العلماء حكم المحصر بمرض» (4). ووردت في كتاب الجيطالي قواعد أخرى متنوعة هي نصوص شرعية أو مستنبطة من القرآن، أو السُّنَّة، أو الإجماع، أو القياس، أو من أقوال الصحابة والتابعين، نذكر منها:
(1) الجيطالي إسماعيل قواعد الإسلام، تحقيق عبد الرحمن بكلي بن عمر، 146/ 2. (2) الجيطالي: المصدر نفسه، 181/ 2. يشير إلى اتفاق العلماء في هذه المسألة استناداً إلى النص النبوي قال الجيطالي وأجمع العلماء على أن صيد البر على المحرم حرام إلا الخمس الفواسق التي استثناها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «خمس من الدواب ليس على المحرم في قتلهن جناح: الغراب والكلب العقور والحدأة والعقرب والفأرة».
(3) المصدر نفسه، 182/ 2.
(4) نفسه 188/ 2 (1/267)
صفحة 263
268
القواعد الفقهية عند الإباضية
النصوص التي اعتمد عليها الجيطالي في قواعده في تعليل الأحكام الفقهية ومعظمها من السُّنَّة، قوله صلى الله عليه وسلم: «دباغ الأديم طهارته» (1) (2).
التيمم طهور المسلم ولو إلى عشر سنين ما لم يجد الماء» (3) (4). إذا التقى الختان وجب الغسل، أنزل أو لم ينزل (5) (6).
(1) الحديث أخرجه النسائي في السنن الصغرى بلفظ دباغ الأديم ذكاته»، وفي رواية أخرى: «دباغها طهورها»، وبلفظ: طهور كل أديم دباغه» (211)، (212) (162/ 1. وأخرجه البيهقي بلفظ: «طهور كل إهاب دباغه وقال رواته كلهم ثقاة، البيهقي، السنن الكبرى (69) 21/ 1. كما أخرجه أيضاً بلفظ: دباغ الأديم ذكاته». وقال: وفي قصة الحديث دلالة على أن المراد بالذكاة طهارته (50) 16/ 1 .. وأخرجه الدارقطني في سننه بلفظ «دباغ كل إهاب طهوره» (16) 46/ 1. وبلفظ إذا دبغ الإهاب فقد طهر». (178) (46/ 1. وبلفظ: «دباغها طهورها» (14) 46/ 1. وأخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار بلفظ: «دباغ الأديم طهوره»، وبلفظ: «أيما إهاب دبغ فقد طهر» 469/ 1، وقال الطحاوي في أول الباب وقد جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم آثار متواترة صحيحة المجيء مفسرة المعنى تخبر عن طهارة ذلك الدباغ، 469/ 1. (2) الجيطالي: قواعد الإسلام، 163/ 1.
6
(3) الحديث ذكره العيني في عمدة القارئ شرح صحيح البخاري وأثبته حديثاً من قول النبي صلى الله عليه وسلم، 3/ 40، وبلفظ: «الصعيد الطيب وضوء المسلم ولو إلى عشر سنين فإذا وجدت الماء فأمسسه جلدك». أخرجه الحاكم في المستدرك في كتاب الطهارة (627) 220/ 1. وابن حبان في صحيحه في باب التيمم (1311) 135/ 4. وأبو داود في سننه في باب التيمم
90/ 1 (3321)
(4) الجيطالي: المرجع نفسه، 197/ 1.
(5) يعتبر هذا الحديث ضابط فقهيّاً في باب الطهارة، أخرجه الترمذي في سننه بلفظ: «إذا جاوز الختان الختان فقد وجب الغسل. (108) (181/ 1. والطبراني في المعجم الأوسط بلفظ: «إذا التقى الختانان وجب الغسل (584)، (81،2، وبنفس اللفظ أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (247/ 1945، والطبراني في الأوسط في حديث من اسمه محمد (7119) 147/ 7. وأحمد في مسنده في حديث السيدة عائشة (26067)، 229/ 6. والطبراني في مسند الشاميين (2754)، 251/ 3.
(6) الجيطالي: نفسه، 205/ 1. (1/268)
صفحة 264
الفصل التمهيدي: القواعد الفقهية المفهوم والتطور
269
•
«أقل الحيض ثلاثة أيام وأكثره عشرة أيام (1) (2).
كل راع مسؤول عن رعيته (3) (4).
لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق» (5). (6).
(1) يُعد هذا الحديث ضابطاً فقهيّاً في باب الطهارة من الحيض، وبناء عليه لا يحكم للدم الذي جاء دون ثلاثة أيام بحكم الحيض، فلا تترك الصلاة ولا الصوم، ولا تنقضي به العدة، وهذا القول مشهور عند أكثر الإباضية، منهم الربيع بن حبيب وهو القول المعتمد عندهم، وبه أيضاً قال أبو حنيفة وأصحابه ينظر: القواعد الفقهية عند الإمام الجيطالي، منى بنت هلال الكندية، الهامش ص 93. وأخرج هذا الحديث الربيع بن حبيب في مسنده (541) 218/ 1، كما أخرجه الطبراني في كل من المعجم الكبير (7586)، 129/ 8. والمعجم الأوسط (599) 1/ 190. وفي مسند الشاميين (1515) 2/ 370.
(2) الجيطالي: قواعد الإسلام، 213/ 1.
وهو
(3) ضابط فقهي في باب الحقوق، يوجب المسؤولية والحساب على من استرعى رعية فلم يحطها بنصحه. وأصله حديث رواه البخاري وغيره، كتاب الجمعة، باب الجمعة في القرى والمدن - حديث: 867 عن عبد الله بن عمر له له بله بلفظ: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته، الإمام راع ومسؤول عن رعيته، والرجل راع في أهله مسؤول عن رعيته، والمرأة راعية في بيت زوجها ومسؤولة عن رعيتها، والخادم راع في مال سيده ومسؤول عن رعيته». قال: ـ وحسبت أن قد قال ـ والرجل راع في مال أبيه ومسؤول عن رعيته، وكلكم راع ومسؤول عن رعيته». (4) الجيطالي: المصدر نفسه، 212/ 2.
-
(5) ضابط فقهي في باب الحقوق يبين الحد الذي يقف عنده أداء الحقوق والالتزام بالواجبات. وأصله حديث رواه أحمد بن حنبل وغيره، مسند العشرة المبشرين بالجنة، مسند الخلفاء الراشدين، مسند علي بن أبي طالب حديث: 1070، بلفظ: «لا طاعة لمخلوق في معصية الله وعمل». ورواه أحمد في المسند أيضاً عن عبد الله بن مسعود ه - حديث: 3773. ورواه عبد الرزاق الصنعاني في المصنف، كتاب الصلاة، باب الأمراء يؤخرون الصلاة - حديث: 3659 وأخرجه الطبراني، المعجم الكبير، من اسمه عبد الله، عفيف، سماك بن حرب عن الحسن عن عمران بن حصين، حديث: 15232،
الألباني.
(6) الجيطالي: قواعد الإسلام، 2/ 2، 206، 213.
من
اسمه
وصححه (1/269)
صفحة 265
270
القواعد الفقهية عند الإباضية
كما نقل الجيطالي (ت: 750 هـ) في مصنفه قواعد وضوابط فقهية مختلف فيها بين المذاهب الفقهية، ونتيجة عدم الاتفاق عليها اختلفت الفروع الفقهية
المخرجة عليها حسب الأخذ بها أو عدمه، نذكر منها على سبيل المثال:. هل الفرض في الاستقبال - للقبلة - الاجتهاد أو الإصابة فقولان؟ (1) «هل تجوز الرخصة للعصاة أم لا؟ (2).
•
• هل المرأة في جميع العبادات كالرجل أم لا؟ (3). هل الزكاة عبادة أو حق واجب للمساكين؟» (4).
«هل العشر حق الأرض أو الزرع؟» (5).
6 - الضياء للعوتبي الصحاري
وفي كتاب الضياء لأبي المنذر سلمة بن مسلم العوتبي الصحاري (ق: 5 - 6 هـ) نجد أثر التقعيد الفقهي جلياً في هذا المصنف، ولم يكتف صاحبه بنثر قواعده مع الفروع والمسائل كما فعل من تقدمه، بل خصص الجزء الثالث منه لعرض جملة من القواعد الكلية والضوابط الفقهية مع القواعد الأصولية وسماها باب في شيء من الأصول»، لتبدأ مرحلة جديدة من التقعيد الفقهي الإباضي في إطار تطوير صياغتها وتدخل ضمن مرحلة النضج والتميز، ولا بأس بعرض بعض منها؛ ليتسنى الاطلاع عليها والحكم عليها: • نص على القاعدة الكلية الكبرى في علاج الشك فقال: «اليقين لا يرتفع بالشك، والمعلوم لا يرتفع بغير معلوم».
(1) الجيطالي: نفسه، 253/ 1.
(2) المصدر نفسه، 261/ 21.
(3) الجيطالي: المصدر نفسه، 269/ 1.
(4) المصدر نفسه، 24/ 2.
(5) نفسه: 25/ 2
(6) العوتبي سلمة بن مسلم، الصحاري كتاب الضياء، 14/ 3. (1/270)
صفحة 266
الفصل التمهيدي: القواعد الفقهية المفهوم والتطور
271
ويشير إلى القاعدة المتفرعة عن القاعدة الكبرى اليقين لايزول بالشك» وهي الأصل بقاء ما كان على ما كان ولا يتغير الحكم حتى يأتي دليل بخلافه وعبر عنها بقوله: «الأشياء على أصولها حتى ينقلها ناقل عنها»، ولبيان ذلك سرد جملة من الأمثلة لتقرير هذه القاعدة فقال: «أصل بني آدم الحرية والرق طارئ عليهم، وكذلك أصلهم الجهل والعلم حادث لهم، وكذلك أصلهم العدم والفناء حادث لهم، وكذلك أصلهم الحياة والموت حادث عليهم، وكل حي فهو على حكم الحياة حتى يصح موته، وكل غائب فهو على حكم الغيبة
حتى يصح موته وفيه اختلاف (1) والطهر هو الأصل والحيض حادث (2). . ويقرر قاعدة في الحلال والحرام كل حلال فهو على أصله حتى يصح تحريمه، وكل حرام على أصله حتى يصح تحليله»، ويخرج عليها بعض الأمثلة فيقول: «وأصل الدم النجاسة، وكل طاهر على حكم الطهارة حتى يصح نجاسته، وكذلك كل نجس فهو على نجاسته حتى تصح طهارته، وأصل النكاح الإباحة، حتى يحظره تحريم، وأصل الفروج التحريم حتى يحلها من وجه أحكام التحليل، وأصل الحيوان التحريم حتى يحلها التذكية الشرعية، والأصل التحريم في القتل والوطء ... (3).
ويبين العوتبي في السياق نفسه أنه ليس كل حلال حسناً فيقول: «كل حسن حلال وليس كل حلال حسناً» (4).
(1) تناولنا هذه المسألة بتفصيل في قاعدة: اليقين لا يزول بالشك»، وقاعدة: «العادة محكمة»، وعرضنا فيهما أقوال الفقهاء مع أدلتهم ينظر في الفصول القادمة من هذا البحث.
(2) العوتبي: الضياء، 3/ 15.
(3) العوتبي: المصدر نفسه.
(4) نفسه: 14/ 3. ولعل هذه القاعدة تنطبق على الأمور القبيحة فنقول: كل قبيح حرام وليس كل حرام قبيحاً، فقد نجد الحرام شكله حسن، كالطيور الجارحة، والذهب والحرير للرجال
وغيرها، والله أعلم. (1/271)
صفحة 267
272
القواعد الفقهية عند الإباضية
ويومئ إلى قاعدة متفرعة عن القاعدة الكلية الكبرى العادة محكمة» وهي الحكم للأغلب ويعبر عنها أيضاً بصيغة «العبرة للحكم الغالب الشائع لا للنادر» فيقول: «ليس على الآحاد حكم، وإنما الحكم على الأعم الأكثر والأغلب الأظهر).
ويشير إلى القاعدة المتفرعة عن القاعدة الكبرى اليقين لا يزول بالشك وهي الأصل براءة الذمة» فيقول في هذا الصدد: «الأصل أن لا فرض على الإنسان حتى تصح الدلالة على إيجاب الفرض عليه»، وضرب لذلك مثالاً سقوط صلاة الجماعة عن النساء بإجماع (2).
ويشير إلى قاعدة استحالة اجتماع الأضداد في حال واحدة فيقول: «واتفاق الجميع أن الحمل معنى والنفاس ضده، ومحال اجتماع الأضداد في حال (3). . ويشير إلى القاعدة الكلية الكبرى الأمور بمقاصدها» فيقول: «الأيمان على الإرادات والمقاصد» (4).
وذكر جملة من القواعد المتفرقة في موضوعات مختلفة منها:
إذا اجتمعت المصلحة والمفسدة في شيء واحد، وتعارضت ولا يمكن الجمع بينها، فهنا يعمل بالقاعدة الفقهية المشهورة «دفع المفسدة أولى من جلب المصلحة ويشير العوتبي إلى هذه القاعدة بمثال في البيوع فيقول: «البيع إذا اعتوره أمران: أحدهما يفسده والآخر يصلحه، فإنه عقد فاسد
لا يجوز الحكم بإجازته مع تناكر الخصمين له» (ه).
(1) العوتبي: الضياء، 14/ 3.
(2) المصدر نفسه، 15/ 3
(3) العوتبي: نفسه.
(4) العوتبي: المصدر نفسه، 14/ 3.
(0) المصدر نفسه. (1/272)
صفحة 268
الفصل التمهيدي: القواعد الفقهية المفهوم والتطور
273
«البدل لا يكون إلا كالمبدل منه (1).
«تعلق الأسماء بمسمياتها» (3).
لا تنازع بين أهل العلم أن صورة الأشياء لا تدل على تحليلها وتحريمها من طريق مشاهدتها، والعلم بها وبأوصافها، وأن التحليل والتحريم مأخوذ منها من طريق السمع.
حكم المختلف فيه يرد إلى حكم المتفق فيه» (4).
ويشير إلى القاعدة المشهورة عند الإباضية «لاحظ للنظر عند وجود الأثر» فيقول: اللفظ أولى من الرأي، فإذا جاء النص بطل القياس، وإذا تعارض الأثر والنظر كان الحكم للأثر وسقط اعتبار النظر).
ويلمح إلى القاعدة المعتمدة في القضاء وطرق الإثبات وهي: «البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه، فيقول: « ... وما لقي فيه العلماء بالسُّنَّة فعلمه فلا رجوع له عند الشك ولا شبهة، والوقوف في الأمور المتساوية في الحجة، فإن تقدم إحداهما بالبينات كان مزيلها مدعيا وعليه البينة). ويؤكد قوله بكلام أبي المنذر بشير بن محمد بن محبوب إذ يقول: «لا قطع لعذر الشاك فيما لم يقم به شواهد
البينونة» (7).
(1) نفسه.
(2) نفسه.
(3) نفسه: 19/ 3
(4) العوتبي، الضياء: 14/ 3.
(5) المصدر نفسه.
(6) نفسه: 15/ 3.
(7) نفسه. (1/273)
صفحة 269
274
القواعد الفقهية عند الإباضية
ويشير في السياق نفسه إلى طريقة أخرى للإثبات، وهي الحكم بالشهرة وما تعارف عليه الناس لنفي الشك والتهمة، فيقول: «الحكم بالمشهور مبلغه إلى ارتفاع الريب معه» (1). ويشير إلى قاعدة أصولية جرت مجرى القاعدة الفقهية، وهي: «الأصل في الكلام الحقيقة فيقول نقلا عن ابن بركة الفقيه الأصولي معقباً على قوله تعالى: {وَجَزَاؤُا سَيِّئَةِ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا} (الشورى: (40): «الجزاء من الله هو حكمه،
?
روو
فإذا قام لنا دليل يدل على مجاز لفظه من طريق اللغة، فليس يجب العدول عن موجب اللغة وحقيقتها، وحقيقة اللغة إنما هو لنا بخلاف ما هو علينا (2).
- الإباضية دراسة مركزة لعلي يحيى معمر:
كما أشار علي يحيى معمر أيضاً إلى بعض القواعد الفقهية المعتبرة عند الإباضية في كتابه الإباضية دراسة مركزة في أصولهم وتاريخهم، فقال ما نصه: وفي التفريعات الفقهية تراعى القواعد العامة أمثال:
كل مكان دخل إليه بإذن تجوز فيه الصلاة ولو بلا إذن.
لا
يصح لغاصب أن يوطن بيتاً غصبه.
المسافر يقصر ما دام على نية السفر.
كل ما لا يُصلى به لا يُصلى عليه. • شهادة العدلين توجب عملًا لا علماً.
الاستثناء في اليمين ينفع في المستقبل لا في الماضي.
الخلوة توجب العدة والصداق الكامل.
الولد تابع لمن أسلم من أبويه.
كل مجمع على تحريمه حرام بيعه وأكل ثمنه.
(1) نفسه.
(2) العوتبي: الضياء، 14/ 3. (1/274)
صفحة 270
الفصل التمهيدي: القواعد الفقهية المفهوم والتطور
275
الأمور بمقاصدها.
اليقين لا يزول بالشك. الأصل براءة الذمة.
•
•
البينة على المدعي واليمين على من أنكر. البينة حجة متعدية والإقرار حجة قاصرة.
الخراج بالضمان والخراج (1) والضمان لا يجتمعان.
• لا ضرر ولا ضرار، أو الضرر يزال.
الضرورات تبيح المحظورات.
الحاجة تنزّل منزلة الضرورة.
درء المفاسد مقدم على جلب المصالح.
المشقة تجلب التيسير.
الثابت بالبرهان كالثابت بالعيان.
الجواز الشرعي ينافي الضمان.
كل وصية لم تتبين رجعت إلى الأقرب.
كل مال يورث فحرام غنيمته وكل مال يغنم فحرام ميراثه. وأمثالها كثيرة مذكورة في كتب أصول الفقه» (2).
- أصول الجمع وكليات الوفاق لمحمد الشيخ بالحاج
يقول أستاذنا محمد الشيخ بالحاج - عافاه الله - في كتابه أصول الجمع
وكليات الوفاق بين المذهبين الإباضي والمالكي تحت عنوان القواعد الفقهية: أما القواعد الفقهية المعتبرة في مجال الاستدلال فهي أكثر من أن تستوعب في هذا البحث المختصر لكثرتها، وقد خصها من خصها بالتأليف، وبلغ بها عدة
فهي أكثر
(1) الصيغة المشهورة عند الفقهاء: الأجر والضمان لا يجتمعان، ولعل هذه الصيغة قريبة في المعنى. (2) علي يحيى معمر الإباضية دراسة مركزة، ص 63 - 64. (1/275)
صفحة 271
276
القواعد الفقهية عند الإباضية
•
مئات ... ولكن ... أخص بالذكر بعضاً منها كأصول لها، وقد أجملها الإمام
السالمي فيما يلي:
الأمور بمقاصدها، أو الأعمال بالنيات.
الشك لا يرفع اليقين أو اليقين لا يزول إلا بقين مثله.
المشقة تجلب التيسير
الضرر يزال، أو لا ضرر ولا ضرار في الإسلام.
يرتكب الضرر الخاص لتلافي الضرر العام أو ما يعبر عنه بارتكاب أخف
الضررين. العادة محكمة، أو المعروف عرفاً كالمشروط حكماً، أو المؤمنون على شروطهم ما وافق الحق منها، أو إلا شرطاً أحل حراماً أو حرم حلالًا. • كل أمر لم يكن عليه أمر المسلمين زمن النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته، فهو ردّ. . العمد والخطأ في أموال الناس سواء، أو الخطأ لا يرفع الضمان. الأحكام منوطة بغايات الأمور ومقاصدها لا بالألفاظ والعبارات، وذلك لإبطال الحيل والتحايل في الشرع.
والأمثلة أوسع وأكثر من أن نورد لها نماذج، ومن شاء المزيد فعليه بالرجوع إلى أمهات التأليف الإباضية (1).
ومعظم هذه القواعد الكلية سنتعرض لتصنيفها ودراستها وتحليلها وتأصيلها وتطبيقاتها في الفصول القادمة.
فهذه نبذة مختصرة من الأصول الفقهية والقواعد الكلية والضوابط الفقهية، يعتمدها الإباضية في منهجهم الفقهي، والاستدلال والتخريج، والتعليل والفتوى، ولا نريد بذلك إلا تقديم صورة واضحة عن المدرسة الفقهية الإباضية في منهجها الاجتهادي والتقعيد الفقهي.
(1) محمد الشيخ بالحاج أصول الجمع وكليات الوفاق بين المذهبين الإباضي والمالكي مع تخريج بعض الفروع الخلافية طبع بمطابع دار البعث قسنطينة 1992. ص 98 - 99. (1/276)
صفحة 272
الفصل الأول
القاعدة الكلية الكبرى الأولى «الأمور بمقاصدها» وما تفرع عنها
ويشتمل هذا الفصل على المباحث التالية:
المبحث الأول: حقيقة القاعدة.
المبحث الثاني: تأصيل القاعدة.
المبحث الثالث: فروع القاعدة وتطبيقاتها.
المبحث الرابع: القواعد المتفرعة عن القاعدة الكلية الكبرى
«الأمور بمقاصدها».
-
المطلب الأول: قاعدة: النية أساس العبادات».
المطلب
الثاني:: قاعدة لا ثواب ولا عقاب إلا بالنية».
المطلب الثالث قاعدة: «كل تصرف من مكلف
وصفه بطاعة أو معصية على نيته وقصده».
مرتهن
المطلب الرابع: قاعدة: «مقاصد اللفظ على نية اللافظ
في اليمين إلا من حافه
الحاكم».
المطلب الخامس: قاعدة «العبرة في العقود للمقاصد والمعاني لا للألفاظ والمباني».
المطلب السادس: قاعدة: «من قصد بتصرفه غرضاً غير
مشروع عومل بنقيض قصده» أو «من استعجل الشيء قبل أوانه عوقب بحرمانه».
ونشرع في بيان ما أجمل فيما يلي: (1/277)
صفحة 273
278
القواعد الفقهية عند الإباضية
الفصل الأول
القاعدة الكلية الكبرى الأولى
الأمور بمقاصدها وما تفرع عنها (1)
((
يتناول هذا الفصل دراسة القاعدة الكلية الكبرى الأولى «الأمور بمقاصدها» وبيان حقيقتها وأهميتها في الفقه الإسلامي، وأن ميزان الأقوال والأفعال هو النيات؛ لأنها أساس الحكم عليها، وكذلك في الجزاء بالثواب والعقاب، ويتعرض إلى أصل هذه القاعدة ودليلها، والفروع المتخرجة عليها في المصادر الفقهية الإباضية، ويختم هذا الفصل بذكر أهم القواعد المتفرعة عن القاعدة أو المندرجة تحتها من باب التمثيل لا الحصر إتماماً للفائدة، وكل
ذلك سيأتي مفصلاً في ما يأتي:
هذه
(1) الراشدي سفيان جواهر القواعد تحقيق محمد بن سفيان الراشدي، ط 1، نشر مكتبة الاستقامة سلطنة عُمان، 1425 هـ / 2005 م، 54. السالمي نور الدين: طلعة الشمس على
الألفية، مطبعة الألوان الحديثة، سلطنة عُمان، 91/ 1 - 92. (1/278)
صفحة 274
المبحث الأول
حقيقة القاعدة
يتناول هذا المبحث بيان أهمية قاعدة: الأمور بمقاصدها ومكانتها عند الإباضية، والصيغ التي وردت في مصنفاتهم، ثم يحدد مفهوم هذه القاعدة في اللغة واصطلاح الفقهاء، مع بيان الألفاظ ذات الصلة بالمقاصد حتى يميّز بين المفاهيم، ويبيّن مدى التقارب والتباعد بينها، ثم يخلص إلى تحديد المعنى
الإجمالي للقاعدة. يكون تفصيل ذلك في المطالب التالية: (1/279)
صفحة 275
المطلب الأول
أهمية القاعدة ومكانتها عند الإباضية
تكتسي قاعدة الأمور بمقاصدها أهمية عظيمة في عبادات ومعاملات الفرد المسلم، فهي تتصدر القواعد الخمس الكبرى، وتعتبر أصلاً لكثير من القواعد الفرعية المتصلة عامة بالمقاصد بل أُمُّ قواعد المقاصد في الشريعة الإسلامية؛ لأن مقاصد العباد ونياتهم محل نظر الشارع الحكيم، العالم بما يترتب على ما أمر به عباده، فقد عُني القرآن الكريم بمقاصد المكلفين ونياتهم عناية فائقة، تفوق الاهتمام بأية مسألة أخرى، كما عنيت بذلك سُنَّة المصطفى الله، ذلك لأنّ الأعمال لها تأثير في القلب، فإذا أُنيطت بالقصد الصحيح والنية
الخالصة، أحيت القلب، وأيقظته، وإذا لم تقترن الأعمال بالمقاصد الشرعية والنوايا الطيبة أماتت القلب وأعمته، وعدت في ميزان العبد هباء منثوراً، وسراباً خادعاً لا يظفر صاحبها بغاية، ولا يروح رائحة النعيم، فميزان الأعمال القصد والنية، ومن وراء ذلك العمل وما يترتب عليه من جزاء). وقد وردت هذه القاعدة في المصنفات الإباضية؛ ولكن بصيغ مختلفة، تتضمن معنى القاعدة، ومن ذلك قولهم:
(1) السدلان صالح غانم النية وأثرها في الأحكام الشرعية، مطابع الفرزدق للنشر والتوزيع - مكتبة الخريجي، الرياض، 1402، 2/ 1. وينظر كذلك كتابه: القواعد الفقهية الكبرى وما تفرع عنها، ط 2، 1420 هـ / 1991 م، ص 41. ينظر: باجو مصطفى، القواعد الفقهية عند الإمام أبي سعيد الكدمي من خلال كتاب المعتبر، وهو بحث طبع ضمن بحوث ندوة تطور العلوم الفقهية في عمان خلال القرن الرابع الهجري - القواعد الفقهية أنموذجاً ـ وصدرت في كتاب القواعد الفقهية بين التأصيل والتطبيق تنسيق ومراجعة، باجو مصطفى، نشر وزارة الأوقاف والشؤون الدينية، طبع بمطابع النهضة سلطنة عُمان 2005، ص 290. الباحسين يعقوب: قاعدة الأمور بمقاصدها، ط 1، نشر مكتبة الرشد، الرياض، 1419 هـ / 1999 م، ص 51.
6 (1/280)
صفحة 276
الفصل الأول: القاعدة الكلية الكبرى الأولى
281
الله وعجل لا يقبل الطاعة ممن أطاعه إلا على النية). «إذا لم يعمل ما أمر به بقصد واختيار لم يُسمّ مطيعاً (2).
«كل فعل أوجبه الله على أحد من عباده، فليس بمؤد له من لم يقصده إلى أداء فرضه» (3).
يصير الفعل طاعة أو معصية إذا أضيفت إليه النية» (4).
«الفريضة لا تؤدى إلا بالإرادات وصحة العزائم). . العِدّة عبادة لا تؤدى إلا بقصد وإرادة ونية).
تطهير القلوب من الذنوب بالقصد والإرادات والنيات».
لا يقوم العمل إلا بالنيات فإذا وقع العمل على غير نية لم يتم).
«النية لا تقوم إلا مع الفعل).
والملاحظ من العبارات المتقدمة أنّها متفاوتة في الصياغة والعبارة، لكنها تؤدي نفس المعنى المراد من القاعدة: الأمور بمقاصدها»، ولا غرو في ذلك إذا اعتبرنا هذه الأقوال من المتقدمين بدايات أولى لصياغة هذه القاعدة، حيث أجرى عليها المتأخرون ضروباً من التنقيح والصقل
(1) ابن بركة: الجامع، 256/ 1.
(2) ابن بركة: المرجع نفسه، 266/ 1.
(3) المرجع نفسه، 266/ 1.
(4) المرجع نفسه، 264/ 1. وينظر: الشماخي: الإيضاح، 53/ 1.
(5) ابن بركة: الجامع، 255/ 1.
(6) المرجع نفسه، 191/ 1.
(7) الكدمي أبو سعيد: المعتبر، د ط، نشر وزارة التراث القومي والثقافة، سلطنة عُمان، مطابع
جريدة عمان للصحافة والنشر، روي، سلطنة عُمان، 1405 هـ/ 1985 م، 62/ 4.
(8) المرجع نفسه، 57/ 4.
(9) الشماخي الإيضاح، 104/ 2 (1/281)
صفحة 277
282
القواعد الفقهية عند الإباضية
والاختصار حتى انتهت إلى ما هي عليه الآن، شأنها شأن بقية القواعد في مختلف المذاهب الفقهية الأخرى، والملحظ الآخر في ذلك هو تركيز
في
مضمون الأقوال المتقدمة على النية والقصد والإرادة، واعتبارها أساساً الأقوال والأفعال في الشريعة، بمعنى الشريعة، بمعنى أن الحكم على الظاهر مبني
تقييم
على الباطن. (1/282)
صفحة 278
المطلب الثاني
تعريف قاعدة: الأمور بمقاصدها»
>>
تشتمل هذه القاعدة على لفظين هما: الأمور والمقاصد. أ ـ معنى الأمور: أمر، وهو في أصل اللغة يرجع إلى خمسة أصول
جمع
كما ذكر ابن فارس، وهي الأمر من الأمور والأمر ضد النهي، والأمر النماء والبركة والمعلم والعجب (1). ومعناه كذلك الحال والشأن والحادثة والفعل، ودليل ذلك قوله تعالى: {إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَايْهِ، فَاتَّبَعُوا أَمَرَ فِرْعَوْنَ وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيد (هود: (97) أي حاله، وقوله تعالى: {لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَلِمُونَ} آل عمران: 128). أي: الشأن والحال). وذكر الكفوي أن الأمر يطلق على مقصد وشأن تسمية للمفعول بالمصدر (3). وذهب بعض العلماء إلى أنه حقيقة في الفعل مجاز في غيره، وذهب بعضهم إلى أنه متردد بين القول والفعل، والشيء والشأن، والقصة والصفة والطرائق، ولكل منهم استدلالاته في هذا الشأن تعرف في مظانها من كتب الأصول (4).
(1) ابن فارس: معجم مقاييس اللغة، 1/ 137. (2) الفيومي: المصباح المنير، ص 16، بتصرف. (3) الكفوي أبو البقاء: الكليات، 176.
(4) ينظر في كل من: ـ البصري أبو الحسين محمد بن علي بن الطيب: المعتمد في أصول الفقه، تح: محمد حميد وآخرون، المطبعة الكاثوليكية، دمشق - سوريا، 1384 هـ/ 1964 م، 1/ 45. ـ الآمدي أبو الحسن سيف الدين علي بن أبي علي الإحكام في أصول الأحكام، مؤسسة النور، 1389، 2/ 131. - ابن السبكي تاج الدين عبد الوهاب بن علي: الإبهاج في شرح المنهاج، د ط دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان د ت 8/ 2. ينظر: الزركشي بدر الدين محمد بن بهادر بن عبد الله البحر المحيط في أصول الفقه، ط 2، دار الصفوة للطباعة والنشر، مصر، 1413 هـ/ 1992 م، 344/ 2. (1/283)
صفحة 279
284
القواعد الفقهية عند الإباضية
ومهما يكن، فإن الذي يبدو من «الأمور» هنا معناها الواسع الذي لا يقتصر على الأفعال التي تتبادر إلى الفهم، بل يشمل الأقوال كذلك، كما يشمل
الاعتقادات.
يرجع
وذهب الأصفهاني (1) (502 هـ) إلى أن الأمر لفظ عام في الأفعال والأقوال كلها، وعلى ذلك قوله تعالى: {وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَيْهِ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدُهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَمَا رَبُّكَ بِغَفِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} (هود: 123). وقال تعالى: {ثُمَّ أَنزَلَ عَلَيْكُم مِّنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُّعَاسًا يَغْشَى طَائِفَةً مِّنكُمْ وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَل لَّنَا مِنَ الْأَمْرِ مِن شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ يُخْفُونَ فِي أَنفُسِهِم مَّا لَا يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَهُنَّا قُل لَّوْ كُنتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلَى اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ} (آل عمران: 154) (2).
والأمر يجيء أيضاً بمعنى طلب الفعل وهذا المعنى ليس مقصوداً هنا، بل المقصود بلفظ الأمر الفعل نفسه، وهو عمل الجوارح ومنها اللسان وفعله القول، ومنها القلب وفعله الاعتقاد (3).
(1) الأصفهاني الحسين بن محمد بن المفضل، أبو القاسم الأصفهاني (أو الأصبهاني) المعروف بالراغب (502 هـ / 1108 م): أديب، من الحكماء العلماء. من أهل «أصبهان» سكن بغداد، واشتهر، حتى كان يقرن بالإمام الغزالي من كتبه محاضرات الأدباء - ط» مجلدان، و «الذريعة إلى مكارم الشريعة - ط» و «الأخلاق» ويسمى: «أخلاق الراغب» و «جامع التفاسير» كبير، طبعت مقدمته، أخذ عنه البيضاوي في تفسيره، و «المفردات في غريب القرآن ـ ط» و «حل متشابهات
القرآن ـ خ»، و «تحقيق البيان - خ) في اللغة والحكمة الزركلي: الأعلام، 255/ 2. (2) الأصفهاني أبو القاسم الحسين بن محمد الراغب المفردات في غريب القرآن، ط 4، 1426 هـ / 2005 م، دار المعرفة، لبنان، ص 34.
(3) حيدر علي درر الحكام شرح مجلة الأحكام، 17/ 1. البورنو محمد صدقي: الوجيز في إيضاح قواعد الفقه الكلية، ط 4، مؤسسة الرسالة، بيروت لبنان، 1416 هـ / 1996 م، ص 123. (1/284)
صفحة 280
الفصل الأول: القاعدة الكلية الكبرى الأولى
285
ثم إن الكلام عن تقدير مقتضى، أي أحكام الأمور بمقاصدها؛ لأن علم الفقه إنما يبحث عن أحكام الأشياء لا عن ذواتها). ب ـ معني المقاصد: المقاصد مقصد وهو مأخوذ من قصد يقصد جمع قصداً، والمقصد يطلق على عدة معان منها: إتيان الشيء وا ء وأمه، واكتناز في الشيء، واستقامة الطريق (2). وقيل: معناه الاعتزام والتوجه، والأم والنية والإرادة والاعتماد والاستقامة والوجهة (3).
ولعل المراد من هذه القاعدة: إتيان الشيء وأمه والتوجه إليه، وهي عبارات تتوارد على معنى واحد وهو التوجه إلى الشيء وإرادته، والقصد أقوى من الإرادة؛ لأن لفظه يوحي بقوة العزم وصدق الإرادة).
والقصد في الاصطلاح «هو العزم على المتجه نحو إنشاء فعل»). وبعبارة أخرى: الدوافع والدواعي التي تجعل المكلف يتجه بما يصدر عنه إليها).
(1) الزرقا أحمد: شرح القواعد الفقهية، ص 5
(2) ابن منظور لسان العرب، ط دار لسان العرب بيروت، د. ت.، مادة: «قصد» 96/ 3. (3) الباحسين قاعدة الأمور بمقاصدها، 25.
(4) السدلان: النية وأثرها في الأحكام الشرعية، 1/ 102 - 103. البورنو: الوجيز في إيضاح
قواعد الفقه الكلية 123.
(5) عبد المنعم محمود: المصطلحات والألفاظ الفقهية، 96/ 3.
معجم
(6) الباحسين قاعدة: الأمور بمقاصدها»، مرجع سابق، 28. (1/285)
صفحة 281
المطلب الثالث
الألفاظ ذات الصلة بالقصد
توجد عدة ألفاظ ذات صلة بالقصد وهي النية، والباعث، والإرادة، والعزم، والهم. ونظراً لكثرة استعمالها عند الفقهاء وتداولها في عباراتهم، فإن من المناسب أن نبين معنى كل لفظ منها، وعلاقته بالقصد.
:أولاً: النية أ.
في اللغة: مأخوذة من نوى الأمر نويته قصدته، وأصلها في
إلى معنيين
اللغة يرجع
أولهما: مقصد الشيء، وثانيهما: عجم الشيء، والأول هو الذي يعنينا. قال أهل اللغة النوى التحول من دار إلى دار هذا الأصل، ثم حمل عليه الباب كله يقال نوى الأمر، ينويه، إذا قصد له (1). وقال أبو ستة عمر القصبي: والنية يجوز فيها التشديد على أنها من نوى بمعنى قصد، فأصل نية (نوية)، فاجتمعت الواو والياء، وسبقت إحداهما بالسكون فقلبت الواو ياء وأدغمت الياء في الياء كما في سيّد وميت، ويجوز فيها التخفيف على أنها من نوى بَعْدَ) وأبطأ؛ لأن النية وسيلة لحصول المنوي مع بعده لعدم الوصول إليه بالجوارح، وحركتها الظاهرة، وهي لغة القصد الذي عززه القلب» (2).
(1) الفيومي: المصباح المنير، 868. ابن فارس: معجم مقاييس اللغة: 366/ 5. (2) القصبي أبو ستة عمر المعروف بالمحشي: حاشية الترتيب على الجامع الصحيح مسند الإمام الربيع بن حبي الفراهيدي، تح: إبراهيم طلاي، د ط دار البعث، قسنطينة، الجزائر، 1994،
8/ 1 (1/286)
صفحة 282
الفصل الأول: القاعدة الكلية الكبرى الأولى
287
ب - النية في الاصطلاح يرى بعض الإباضية أنها القصد المقترن بالفعل إلا في الصوم). والمراد بالقصد قصد القلب، فمحلها القلب كما يتبادر من الأحاديث (2). وعرفها السدويكشي بأنها: «القصد للشيء المأمور به باعتقاد من القلب والعزيمة عليه بالجوارح» (3). ونقل عن البعض بأنها قصد شيء مقترن بفعله، فإذا قصد وتراخى عنه عزم (4). وذهب بعض الإباضية إلى أن النية والقصد متقاربان في المعنى، وهو ما اختاره السالمي فقال: «النية من أحوال القلب لأنها قصد إلى شيء مخصوص» (5).
ووردت تعريفات أخرى لغير الإباضية تتضمن نفس المعنى وزيادة، من ذلك ما جاء في الذخيرة عند القرافي بأنها: «قصد الإنسان بقلبه ما يريده بفعله». وقال في الأمنية: «إرادة تتعلق بإمالة الفعل إلى بعض ما يقبله لا بنفس الفعل من حيث فعل، ففرق بين قصدنا لفعل الصلاة وبين قصدنا لكون ذلك قربة، أو فرضا، أو نفلا، أو قضاء، أو غير ذلك».
(1) القصبي: حاشية الترتيب، المرجع السابق، 4/ 1. وينظر: أطفيش أمحمد بن يوسف: شامل الأصل والفرع، تح: أبو إسحاق إبراهيم أطفيش، د ط، وزارة التراث القومي والثقافة، سلطنة
عُمان، 1404 هـ / 1984 م، 152/ 1.
(2) أطفيش: المرجع السابق، 152/ 1.
(3) السدويكشي أبو محمد عبد الله بن سعيد: الحاشية على كتاب الإيضاح للشماخي أبو ساكن عامر بن علي، د ط، وزارة التراث القومي والثقافة سلطنة عُمان، 1404 هـ / 1983 م، 50/ 1. (4) المرجع السابق: 50/ 1.
(5) السالمي أبو محمد عبد الله بن حميد بن سلوم العقد الثمين، تح: سالم بن حمد بن سليمان بن حميد الحارثي، د ط دار الشعب، القاهرة، مصر، د ت، 373/ 1. أطفيش: شامل الأصل والفرع، مرجع سابق، 152/ 1.
(6) القرافي أبو العباس: الذخيرة في فروع المالكية، تحقيق إسحاق أحمد عبد الرحمن، نشر دار
الكتب العلمية ط 2001، 240/ 1.
(7) القرافي: الأمنية في إدراك النية، ص 09. (1/287)
صفحة 283
288
القواعد الفقهية عند الإباضية
القصد
أما ابن القيم (1) فذكر أن النية هى القصد بعينه، ولكن بينها وبين فرقان: أحدهما: أن القصد معلق بفعل الفاعل نفسه وبفعل غيره، والنية لا تتعلق
إلا بفعل نفسه، فلا يتصور أن ينوي الرجل على غيره ويتصور أن يقصده ويريده، والفرق الثاني: أن القصد لا يكون إلا بفعل مقدور يقصده الفاعل، وأما النية فينوي الإنسان ما يقدر عليه وما يعجز عنه (2).
ثانياً: الباعث:
ـ
أ - الباعث في اللغة من البعث وهو الإثارة والإيقاظ من النوم". وقيل: هو الدافع والحامل على فعل الشيء. جاء في لسان العرب: بعثه على الشيء حمله على فعله (4).
ب ـ وفي الاصطلاح ولا يخرج المعنى الاصطلاحي للباعث عن المعنى اللغوي، وهو الأمر النفسي الذي يحرك الإرادة ويبعثها لتحقيق تصرف معين، بحيث يكون التصرف كالوسيلة للباعث، حتى إذا نفذ الباعث عن طريق
(1) ابن قيم الجوزية أبو عبد الله محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد الزرعي الدمشقي، شمس الدين (691 - 751 هـ / 1292 - 1350 م) من أركان الإصلاح الإسلامي، وأحد كبار العلماء. مولده ووفاته في دمشق. تتلمذ لشيخ الإسلام ابن تيمية حتى كان لا يخرج عن شيء من أقواله، بل ينتصر له في جميع ما يصدر عنه. وهو الذي هذب كتبه ونشر علمه، ألف تصانيف كثيرة منها: إعلام الموقعين، والطرق الحكمية في السياسة الشرعية، وشفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل، وكشف الغطاء عن حكم سماع الغناء - خ). الزركلي، الأعلام، 56/ 6
(2) ابن قيم الجوزية بدائع الفوائد، تحقيق هاني الحاج، نشر المكتبة التوقيفية دت 190/ 3. وهذا رأي جمهور الإباضية باستثناء ما استثناه الشرع، كالولي ينوي الحج للصبي، والوكيل ينوي الزكاة للموكل، والذي يحج عن غيره، أما خلاف ذلك فلا يجوز النيابة في النية، لقوله صلى الله عليه وسلم: ولكل امرئ ما نوى ينظر أطفيش شامل الأصل والفرع، مرجع سابق، 153/ 1 - 154. (3) الكفوي: الكليات، مرجع سابق، 406/ 1. (4) ابن منظور أبو الفضل جمال بن مکرم لسان العرب دار صادر، بيروت، 420/ 2. (1/288)
صفحة 284
الفصل الأول: القاعدة الكلية الكبرى الأولى
289
التصرف كان غاية ومآلا حسيّاً قائماً). وهو السبب الذي يدفع الشخص إلى التصرف (2). وقد حدده فتحي الدريني بأنه: «الدافع الذي يحرك إرادة المنشئ للتصرف إلى تحقيق غرض غير مباشر) (3). إذن، فالباعث هو القصد الدافع للمتعاقد أو المتصرف أن يحققه بتصرفه أغراضاً وغايات غير مباشرة. ومن خلال مفهوم الباعث يتبين لنا أنه يتميز عن غيره بعدة أمور: أنه أمر نفسي ذاتي خفي، فهو غير معروف من قبل المتعاقد الآخر ولا من قبل القاضي، إلا إذا أفصح عنه حامله.
أنه أمر متغير ومتحول، متغير من شخص لآخر فما كان باعثاً عند أحد غير باعث عند غيره، وقد يتغير الباعث في الشخص الواحد بين الحين والآخر، كمن يشتري سلاحاً ينوي به القتل ثم يعدل عنه إلى الصيد. . التعدد، فقد يكون الدافع في التعاقد دافعاً واحداً، كشراء فاكهة لأكلها، وقد يتعدد الباعث في العقد الواحد، كمن باع منزلاً للحصول على مال ينفقه على نفسه، ويتصدق منه، ويُقرض غيره ويشتري وغير ذلك من البواعث. أنه خارج عن نطاق التعاقد والتعامل، وهذا الأمر راجع للأسباب الثلاثة السابقة، فلما كان الباعث أمراً نفسياً ومتغيراً ومتعدداً، فإنه يصعب ضبطه وتحديد معناه،
والتعاقد مبني على الموضوعية التي تتنافى مع هذه الأوصاف للباعث (4).
(1) سوار وحيد الدين: التعبير عن الإرادة في الفقه الإسلامي، الشركة الوطنية للنشر والتوزيع، الجزائر ط 1979، ص 504. الكيلاني عبد الله: نظرية الباعث في الفقه الإسلامي، مطابع وزارة الأوقاف، الأردن، ص.
27
(2) شبير محمد عثمان: القواعد الكلية والضوابط الفقهية في الشريعة الإسلامية، ط 1، دار الفرقان للنشر والتوزيع، عمّان، الأردن، 1420 هـ / 2000 م،
ص
95
(3) الدريني فتحي نظرية التعسف في استعمال الحق، د ط، مطبعة جامعة دمشق، 1967 م، ص 433. (4) الدريني فتحي: نظرية التعسف مرجع سابق، 433 السنهوري عبد الرزاق أحمد: مصادر الحق في الفقه الإسلامي، دراسة مقارنة بالفقه الغربي ط 2 منشورات الحلبي الحقوقية، 1998 م، 64/ 2. (1/289)
صفحة 285
290
القواعد الفقهية عند الإباضية
ثالثاً: الإرادة:
أ - الإرادة في اللغة من الرود فيقال: أراد الرجل كذا إرادة، إذا طلبه أو اختاره أو شاءه). قال القرافي في معرض حديثه عن حقيقة النية أنها: «تستعمل بمعنى (أراد) ومراده نوى وأراد، ومراده عزم أو قصد أو عني، فإنها متقاربة المعاني، حتى يكاد يجزم بينها بالترادف ... ثم إن هذه الإرادة متنوعة إلى العزم، والهم والنية والشهوة والاختيار والقضاء والعناية، والمشيئة ... ). ب - في الاصطلاح نزوع النفس وميلها إلى الفعل بحيث يحملها عليه (3). وعرفها الجرجاني بأنها: «صفة توجب للحي حالا يقع فيه الفعل على وجه دون وجه. وفي الحقيقة ما لا يتعلق دائماً إلا بالمعدوم، فهي صفة تخصص أمراً ما لحصوله ووجوده، كما قال تعالى: {إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ} (يس: 82)) (4).
هي
وتتفق الإرادة والقصد في أن كلا منهما يدل على تعيين العمل والتوجه نحوه لفعل أو ترك، أو نفي أو إثبات، لكنهما يختلفان من وجهين: أحدهما: أن القصد بمعنى النية) يختص بفعل القاصد (الناوي) دون فعل غيره، وأما الإرادة فغير مختصة بأحد الفعلين، فهي تتعلق بفعل الفاعل
أو غيره. وثانيهما: أن القصد إرادة في حال إيجاد الفعل فقط، فلا يصح أن نقول: قصدت أن أزورك غداً، أما الإرادة فأعم من ذلك).
(1) ابن منظور: لسان العرب، مرجع سابق، 1252/ 1. الكفوي الكليات، مرجع سابق، 1/ 102. (2) القرافي أبو العباس أحمد الأمنية في إدراك النية، 09 - 12.
(3) الكفوي: الكليات، 103/ 1.
(4) الجرجاني علي بن محمد التعريفات ط 1، دار الكتاب اللبناني، بيروت ـ دار الكتاب المصري، القاهرة، 1411 هـ / 1991 م، 33.
(5) العسكري أبو هلال الفروق في اللغة، دار الآفاق الجديدة بيروت 1991 م، ص 119 - 120. القرافي: الأمنية، 07 - 12. (1/290)
صفحة 286
الفصل الأول: القاعدة الكلية الكبرى الأولى
رابعاً: العزم
291
أ ـ العزم في اللغة: من عزم على الشيء عزماً بمعنى أراد فعله مع القطع
عليه، وأصل العزم في اللغة الصريمة والقطع
(1)
ب - وفي الاصطلاح الثبات والشدة فيما عقدت النية عليه). ويتفق العزم والقصد في أن كلاً منهما يدل على تعيين العمل والتوجه نحوه لفعل أو ترك، لكنهما يختلفان من حيث وقت التعلق، فالقصد يتعلق بالحال، وأما العزم
فيتعلق بالاستقبال (3).
خامساً: الهم:
أ - الهم في اللغة: من هم بالشيء أراده، وعزم عليه ومنه حديث: «أصدق الأسماء حارث وهمام). وإنما كان أصدقها لأنه ما من أحد إلا وهو يهم بالأمر خيراً كان أو شراً).
(1) ابن فارس: معجم مقاييس اللغة، مرجع سابق، 308/ 4. الفيومي: المصباح المنير، ص 558. (2) قلعة محمد رواس ـ قنيبي حامد صادق معجم لغة الفقهاء، ط 1، دار النفائس، بيروت، لبنان، 1405 هـ / 1985 م، 311. القرافي: الأمنية، 07 - 12.
جي
(3) شبير محمد: القواعد الكلية والضوابط الفقهية، ص 96.
6
(4) رواه أبو داود، كتاب الأدب، باب في تغيير الأسماء، رقم: 4320. والبيهقي، (الكبرى) كتاب الضحايا، باب ما يستحب أن يسمى به رقم 17959 والبخاري، كتاب الأدب المفرد، باب أحب الأسماء إلى الله عل، رقم: 843. مع زيادة في آخره عن أبي وهب الجشمي. قال المناوي: وقال الهيثمي رواه أبو يعلى والبزار وفيه الحكم بن عطية، وثقه أحمد وضعفه غيره وبقية رجاله رجال الصحيح، وقال ابن حجر في الفتح: خرجه البزار وأبو يعلى وسنده لين. فيض القدير: 247/ 3. وأخرجه أحمد بن حنبل في المسند، 345/ 4. وقال السيوطي في الجامع الصغير: حسن، ينظر: فيض القدير المناوي،
246/ 3
(5) الرازي محمد بن أبي بكر، التفسير الكبير، المطبعة الأميرية، القاهرة، 1905 م، 724. ابن الأثير: النهاية في غريب الحديث والأثر، 274/ 5. (1/291)
صفحة 287
292
القواعد الفقهية عند الإباضية
(1)
ب - والهم في الاصطلاح هو عقد القلب على فعل شيء قبل أن يفعل من خير أو شر). والهم والقصد يتفقان في أن كلا منهما يدل على تعيين العمل والتوجه إليه، ولكنهما يختلفان في الوقت فالهم يسبق القصد، فقد يهم الإنسان بالأمر قبل القصد إليه، وذلك أنه يبلغ آخر عزمه عليه ثم يقصده (2).
(1) الجرجاني: التعريفات، ص
320
(2) العسكري: الفروق في اللغة، مرجع سابق، 120. شبير محمد: القواعد الكلية، ص 96. (1/292)
صفحة 288
المطلب الرابع
المعنى الإجمالي لقاعدة: «الأمور بمقاصدها»
إن قاعدة: الأمور بمقاصدها على وجازة لفظها وقلة كلماتها تعتبر من جوامع الكلم؛ فهي ذات معنى عام متسع، يشمل كل ما يصدر عن الإنسان من قول وفعل؛ إذ إن لفظ «الأمور» عام، بدليل دخول «ال» الجنسية عليه، ولفظ «المقاصد كذلك لإضافته إلى ضمير لفظ عام)؛ إذن الحكم المترتب على أمر «ما» يكون على مقتضى المقصود من ذلك الأمر، وكل تصرفات المكلف يحكمها دافع منبعث من القلب سواء في ذلك تصرفاته الدنيوية أم الأخروية). ولما كانت الأعمال متنوعة إلى فعل وقول، وحركة وسكون، وجلب ودفع، وفكر وذكر، وعادة وعبادة؛ كان اعتبار القصد بترتيب الأحكام عليه، فمن عمل عملاً ولم ينوه ولم يقصده لعارض كنسيان ونحوه، فإن هذا العمل لا يترتب عليه من الآثار والأحكام ما يترتب على من قصد العمل وأراده). فمعنى القاعدة إذن في اللغة: أن الأفعال والتصرفات تابعة للنيات وأما معناها في الاصطلاح الفقهي كما حدده مصطفى الزرقا أن أعمال المكلف وتصرفاته من قولية أو فعلية تختلف أحكامها ونتائجها الشرعية التي تترتب عليها باختلاف مقصود الشخص، وغايته وهدفه من وراء تلك الأعمال والتصرفات، أو أن الحكم الذي يترتب على أمر يكون موافقاً ومطابقاً لما
(1) البورنو الوجيز في إيضاح قواعد الفقه الكلية، 124 - 125. (2) السدلان صالح بن غانم: القواعد الفقهية الكبرى وما تفرع عنها، دار بلنسية الرياض، 1996، ص 43.
(3) ابن قيم الجوزية: إعلام الموقعين عن رب العالمين، ط 2، مصابيح السعادة، مصر، 1374 هـ، 123/ 3، بتصرف. (4) الزرقا مصطفى أحمد: المدخل الفقهي العام، ط 2، دار القلم، دمشق، 1425 هـ / 2004 م، 2/ 980. (1/293)
صفحة 289
294
القواعد الفقهية عند الإباضية
هو مقصود من ذلك الأمر (1). فمن قتل غيره بلا مسوغ مشروع، فإذا كان عامداً فلقتله حكم، وإذا كان مخطئاً فله حكم آخر، ومن قال لآخر: خذ هذه الدنانير فإن نوى التبرع كان هبة وإلا كان قرضاً واجب الإعادة. ومن التقط اللقطة بقصد أخذها لنفسه كان، غاصباً، ولو التقطها بنية حفظها وتعريفها وردها لصاحبها متى ظهر كان أميناً؛ فلا يضمنها إذا هلكت بلا تعد منه عليها أو تقصير في حفظها وهلم جرا ... (2).
مجمل القول:
إن أحكام التصرفات الصادرة من إنسان تختلف باختلاف الإنسان أو نيته؛ فبالنية يكون الفعل عبادة أو عادة، وبالنية يكون التصرف طاعة أو معصية، وبالنية يكون الفعل والقول حلالاً أو حراماً، وبالنية يكون العقد صحيحاً أو فاسداً ولا فرق في ذلك بين أن يكون التصرف قولاً أو فعلا، مما يدل على كون الفعل تابعاً للقصد أو النية، من ذلك قوله تعالى: {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلَثَةَ قُرُوءٍ وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَن يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِن كُنَّ يُؤْمِنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَبُعُولَهُنَّ أَحَقُّ بِرَرِهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ ????? وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} (البقرة: 228)، فالزوج إذا قصد من إرجاع زوجته بعد طلاقها الإصلاح جازت الرجعة، وإن قصد بها الإضرار لم تجز لقوله تعالى: {وَإِذَا طَلَقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ صِرَارًا لِتَعْتَدُوا وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ وَلَا تَتَّخِذُوا وَايَتِ اللَّهِ هُزُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنزَلَ عَلَيْكُم مِّنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُم بِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} (البقرة: (231).
(1) البورنو: الوجيز، مرجع سابق، 124. الندوي علي أحمد: القواعد الفقهية: مفهومها، نشأتها، تطورها، ط، دار القلم، دمشق، 1414 هـ / 1994 م. ص 396.
(2) الزرقا مصطفى أحمد المدخل الفقهي العام، 2/ 980. (1/294)
صفحة 290
الفصل الأول: القاعدة الكلية الكبرى الأولى
295
ومما يدل على كون القول تابعاً للقصد أو النية ما رواه الترمذي بسنده عن ركانة الذي طلق امرأته بلفظ «البتة) قال أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقلت: يا رسول الله إني طلقت امرأتي البتة فقال: «ما أردت؟ قلت: واحدة، قال: «والله؟» قلت: والله قال: «فهو ما أردت فقد جعل النبي صلى الله عليه وسلم نية ركانة في الحكم على قوله، وهو قوله: «أنت طالق البتة» (1). فالمدار في تصرفات الإنسان الفعلية والقولية على المقاصد والنيات لا على ذات الأفعال والألفاظ ولأجل ذلك طلب البعض من القضاة والمفتين ضرورة مراعاة المقاصد والنيات قبل الحكم على التصرفات حيث إن الشريعة الإسلامية اهتمت بالمقاصد بربط العمل بنية فاعله، فيكون العمل الواحد بالنوع إثما على البعض وجزاء للآخرين، وعلى القاضي المتمرس قبل إصدار الحكم والفقيه النبيه قبل إصدار الفتوى أن يبحثا في الأحكام والمقاصد لا في الذوات المجردة والتصرفات الظاهرة، ومن هذا الباب أدرجت نظرية الباعث ونظرية الذرائع وقاعدة الاستحسان ضمن هذه القاعدة الأساسية «الأمور بمقاصدها»، واعتبرت المقاصد في عملية التشريع عموماً وفي الفقه الإسلامي خصوصاً، فمثلاً البيع والشراء والإجارة والهبة كلها تفيد إباحة التصرف في العين أو المنفعة به، إلا أنها تختلف في كل واحدة منها حسب المقصد والنية، ويترتب على ذلك أحكام تتحد باتحاد المقصد وتختلف باختلافه (2)
(1) رواه الترمذي، كتاب الطلاق، باب ما جاء في الرجل يطلق امرأته البتة، رقم: 1177. وأبو داود، كتاب الطلاق، باب نسخ المراجعة بعد التطليقات الثلاث، رقم: 2196. عن ابن عباس. قال ابن حجر: صححه أبو داود وابن حبان والحاكم وأعله البخاري بالاضطراب، وقال ابن عبد البر في التمهيد ضعفوه، وفي الباب عن ابن عباس رواه أحمد والحاكم وهو معلول أيضاً. التلخيص: 213/ 3. (2) لشهب أبو بكر: زاد القاضي والمفتي في القواعد الفقهية والضوابط الأصولية، مجلة جامعة الأمير عبد القادر للعلوم الإسلامية - قسنطينة - الجزائر، عدد: 12/ 154. (1/295)
صفحة 291
المبحث الثاني
تأصيل القاعدة
استدل الفقهاء على مشروعية هذه القاعدة بأدلة كثيرة من الكتاب والسنة
نذكر منها:
أولاً: الأدلة من القرآن الكريم
1 ـ قال الله تعالى: {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَوَةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَوةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ} (البينة: 5).
قال الشماخي في بيان وجه الاستدلال بالآية والإخلاص هو النية لله، وهو أن يخلص عمله من جميع الشوائب ويخلصه الله رجل). فهذا النص القرآني يعتبر من الأدلة الدالة على وجوب النية في العبادات، لأن الإخلاص من عمل القلب، والإخلاص لا يتحقق إلا بالقصد والنية). وقد اعتبر بعض الإباضية هذه الآية الكريمة أصلاً لهذه القاعدة (3).
وقد استدل الإباضية بآيات أخرى تدل على مراعاة الشارع الحكيم لمقاصد المكلفين وترتيب الجزاء حسب النيات من ذلك قوله تعالى وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينَا وَيَتِيماً وَأَسِيرًا} (الإنسان: 8)، فقد مدحهم الله}
تعالى بإنفاقهم لأموالهم إذ كانت المقاصد الله ع (4).
(1) الشماخي: كتاب الإيضاح، 375/ 1.
(2) الشوكاني: فتح القدير، 476/ 5، السيوطي: الإكليل في استنباط التنزيل، ص 226.
(3) الراشدي: جواهر القواعد من بحر الفرائد، ص 54.
(4)
ابن بركة: كتاب الجامع، 265/ 1. (1/297)
صفحة 292
298
القواعد الفقهية عند الإباضية
الحال
2 - ويقول ل: {وَالَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَن يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا فَسَاءَ قَرِينًا} (النساء: 38). وجه الاستدلال بالآية: فقد ذمهم الله بالإنفاق، لأنهم لم يقصدوا بها الله حلال، وقد استوى الإنفاق فى الظاهر، فهذا منفق، وذلك منفق، حصل أحدهما طائعاً بالإخلاص والقصد إلى الله عل، والآخر عاصياً لتعريه من هذا مع تساويهما في الإنفاق). ومما تجدر الإشارة إليه في هذا المقام أن فقهاء الإباضية حسب الظاهر استدلوا بالنصوص القرآنية التي تهتم بجانب الإخلاص في القول والعمل؛ لأن الهدف من العمل الصالح هو التقرب إلى الله الله، ابتغاء مرضاته، فالجزاء يكون نتيجة العمل الصالح مع القصد الحسن، وقد صرح بذلك الشماخي في معرض حديثه عن النية في أداء الطاعات فقال: «وأما النية فهي أن يتحرى مرضاة الآمر وطاعة الله، وذلك أن ينوي بفعله الصلاة أداء الفرض وطاعة الله ولا أنه واجب مأمور به ويتقرب بفعله إلى الله وعمل والتقرب طلب المنزلة عند الله لأن الله وعد المؤمنين على فعلهم الطاعة الجنة» (2).
3 ـ وهناك آيات أخرى في القرآن الكريم تصلح أن تكون دليلاً قوياً يمكن الاستناد إليه في تأصيل هذه القاعدة، كقوله تعالى: مَن كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَنِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَنُ بِالْإِيمَنِ وَلَكِن مَن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِّنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} (النحل: 106).
وجه الدلالة في الآية: ففي هذه الآية الكريمة بيان أن من كفر بالله من بعد إيمانه وهو منشرح الصدر بالكفر راض به؛ فعليه غضب من الله وله عذاب
عظيم،
أما
من
(1) المرجع نفسه.
أكره على الكفر فنطق بكلمة الكفر بلسانه وهو كاره لها، وقلبه
(2) الشماخي: كتاب الإيضاح، 375/ 1. (1/298)
صفحة 293
الفصل الأول: القاعدة الكلية الكبرى الأولى
299
مطمئن بالإيمان موقن بحقيقته، صحيح عليه، عزمه غير راض بالكفر، فهذا مستثنى من الوعيد، فعذره الله تعالى؛ لأنه مكره على الكفر وهو لا يحبه (1). وقد حكى بعض فقهاء الإباضية إجماع الفقهاء على جواز النطق بكلمة الكفر أو الشرك عند الإكراه، ولا إثم على المكره). وهو ما صرح به القرطبي) في عبارته فيقول: «أجمع أهل العلم على أن من أكره على الكفر حتى خشي على نفسه القتل، أنه لا إثم عليه إن كفر وقلبه مطمئن بالإيمان ولا تبين منه زوجته ولا يحكم عليه بحكم الكفر ... » (4) 4 ـ وقال تعالى: {أَدْعُوهُمْ لِآبَابِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِندَ اللَّهِ فَإِن لَّمْ تَعْلَمُوا ابَاءَهُمْ فَإِخْوَنُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَلِيكُمْ وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُم وَلَكِن مَّا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا} (الأحزاب: 5). وجه الدلالة في الآية: فهذه الآية وردت في موضوع خاص، وهو نسبة الابن إلى غير أبيه فأمر الله تبارك وتعالى عباده المؤمنين أن يدعوا المتبنين إلى آبائهم، ومتى حصل منهم مناداتهم ونسبتهم إلى غير آبائهم سهوا وخطأ
به
(1) علوان إسماعيل بن حسن بن محمد: القواعد الفقهية الخمس الكبرى والقواعد المندرجة تحتها، جمع ودراسة من مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية، ط 1، دار ابن الجوزي، السعودية، 1420 هـ / 2000 م، (2) الراشدي سفيان بن محمد جواهر القواعد، مرجع سابق، ص 114. يراجع: قول الكندي في
ص
106
بيان الشرع، 19/ 6 وابن بركة، الجامع، 192/ 1.
(3) القرطبي محمد بن أحمد بن أبي بكر بن فرح الأنصاري الخزرجي الأندلسي، أبو عبد الله: (671 هـ / 1273 م) من كبار المفسرين. صالح متعبد. من أهل قرطبة. رحل إلى الشرق واستقر بمنية ابن خصيب (في شمالي أسيوط بمصر وتوفي فيها. من كتبه «الجامع لأحكام القرآن ـ ط». الزركلي، الإعلام، 322/ 5.
(4) القرطبي أبو عبد الله محمد بن أحمد الأنصاري: الجامع لأحكام القرآن، تحقيق سالم مصطفى البدري، دار الكتب العلمية 2005 م، 182/ 10. وينظر: الطبري أبو جعفر محمد بن جرير: جامع البيان في تفسير القرآن ومعه تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان، الحسن بن محمد بن حسين القمي النيسابوري، دار الفكر بيروت 1978 م، 181/ 14 – 182. (1/299)
صفحة 294
300
القواعد الفقهية عند الإباضية
اللفظ
فلا حرج عليهم في ذلك، وإنّما المؤاخذة لمن تعمّد هذا؛ لأنه عصى أمر الله بعد علمه به، وإن كانت الآية وردت في سبب خاص، فالعبرة بعموم لا بخصوص السبب، فإنّ من تعمد فعل المحظور بعد البيان والنهي عنه فهو الذي يستحق العقاب والمؤاخذة، أما من حصل منه الزلل من غير قصد، فقد تفضل الله تبارك عليه بالعفو وعدم المؤاخذة، وذلك فضل منه سبحانه، والفرق الأمرين إنما هو وجود القصد إلى الفعل).
بين
ه - وقال تعالى: {لَا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِن نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنتَ مَوْلَنَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَفِرِينَ} (البقرة: 286)، وهذا من عظيم فضل الله على الناس إذ لم يؤاخذهم عما وقع منهم في حال النسيان أو الخطأ وذلك لعدم القصد إلى الفعل في هاتين الحالتين، فالحمد الله على إحسانه والشكر له على توفيقه وامتنانه (2).
6 ـ وقوله عز من قائل: {لَّا يُؤَاخِذُكُمُ اللهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَنِكُمْ وَلَكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَاللَّهُ غَفُورُ حَلِيمٌ} (البقرة: 225).
وجه الاستدلال بالآية: فالشارع الحكيم لم يرتب المؤاخذة إلا على ما يكسبه القلب مما يتعلق بالأقوال والأفعال الظاهرة، ولم يؤاخذ على أقوال وأفعال لم يعلم بها القلب، ولم يتعمدها، كالذي يقع نسياناً وخطأ من دون قصد، وكذلك ما يحدث المرء به نفسه لم يؤاخذ منه إلا بما قاله أو فعله (3).
(1) القرطبي: الجامع لأحكام القرآن، 120/ 14. وينظر: الطبري محمد بن جرير، جامع البيان،
121/ 21
(2) السدلان: القواعد الفقهية، ص 107. يسجل هنا قول الإباضية في الآية تفسير التيسير أو جواهر التفسير للخليلي. (3) المرجع نفسه. (1/300)
صفحة 295
الفصل الأول: القاعدة الكلية الكبرى الأولى
301
- وقال رجل: {يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ إلا أن تكون تجَرَةً عَن تَرَاضِ مِنكُمْ وَلَا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا)
(النساء: 29).
وجه الاستدلال فالآية تفيد تحريم قتل المرء نفسه بقصد ذلك مباشرة أو بفعل السبب المؤدي إلى ذلك، أما جهاد أعداء الله والإقدام في قتالهم الذي فيه تعريض النفس إلى الهلاك، فإنّه مشروع، وقد امتدح الله وعلى عباده المؤمنين الذين يقاتلون في سبيله، فيبذلون أرواحهم وأموالهم رخيصة لنيل رضاه، فقال: إِنَّ اللهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَاهُم بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةُ يُقَتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَكَةِ وَالْإِنجِيلِ وَالْقُرْءَ انْ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُم بِهِ، وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} (التوبة: 111). وقال أيضاً: {وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِى نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مرضاتِ اللهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ} (البقرة: (207)، فقد أثنى الله وعمل على عباده المؤمنين الذين يجاهدون في سبيله بأنهم يبيعون أنفسهم الله لينالوا رضوانه وجنته سبحانه، ولم يعتبر فعلهم هذا من قصد قتل النفس المنهي عنه، لاختلاف القصد بين الفعلين). ـ وقال تعالى: {وَيَسْتَلُونَكَ عَنِ الْيَتَمَى قُلْ إِصْلَاحُ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِن تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزُ
(البقرة: 220).
وجه الدلالة في الآية فهي تدل على اعتبار المقاصد والنوايا، وهي أصل لهذه القاعدة كما قال السيوطي: «الآية ... أصل لقاعدة: «الأمور بمقاصدها»، فَرُبَّ أمر مباح أو مطلوب لمقصد، ممنوع باعتبار مقصد آخر» (2).
(1) المرجع نفسه، ص 108.
(2) السيوطي جلال الدين الإكليل في استنباط التنزيل، ص 226. (1/301)
صفحة 296
302
القواعد الفقهية عند الإباضية
ثانياً: الأدلة من السُّنَّة النبوية
وردت أحاديث نبوية كثيرة تدل على اعتبار الشارع للمقاصد والنوايا في الأقوال والأفعال، من ذلك: 1 - ما رواه الربيع بسنده عن أبي عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الأعمال بالنيات ولكل امرئ ما نوى). وجاء الحديث أيضاً في الصحيحين عن عمر بن الخطاب الله الله قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إنّما الأعمال بالنيات، وإنّما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة ينكحها، فهجرته إلى ما هاجر إليه» (2).
وجه الاستلال بالحديث فهذا الحديث مما خص الله به نبيه محمداً من جوامع الكلم، ويدل على أنه إن كان من عمل يعمله عامل خيراً كان أو شراً فهو بحسب ما نواه فإن قصد بعمله قصداً حسناً كان له ذلك القصد الحسن، وإن قصد به قصداً سيئاً كان له ما نواه وقد اعتبر الفقهاء هذا الحديث أصلاً لهذه القاعدة، وهو يعد عمدة الأحاديث التي وردت في النية، وهو يدل
(1) أخرجه الربيع بن حبيب الجامع الصحيح مسند الإمام الربيع بن حبيب، باب (01) في النية، وقال في شرحه الشيخ السالمي: «وحديث الأعمال بالنيات لم يثبت عن ابن عباس إلا عند الربيع في هذا الطريق وكفى به حجة، وقد رواه أئمة الحديث من قومنا من طريق عمر بن الخطاب له فقط، وقد روي هذا الحديث أيضاً من غير طريق عمر بن الخطاب فرواه أبو سعيد الخدري وأبو هريرة وأنس بن مالك وعلي بن أبي طالب ... ثم من خرجه ومن وأشار إلى بعضهم بالوهم وبعضهم بالغرابة وبعضهم بالتضعيف، وعلى كل حال على صحته مستفيض بين الأمة». السالمي نور الدين أبو محمد عبد الله بن مجمع حميد: من شرح الجامع الصحيح مسند الإمام الربيع بن حبيب بن عمرو الفراهيدي الأزدي، نشر مكتبة الاستقامة، روي، سلطنة عُمان، 11/ 1 - 10.
رواه
عنهم
فالحديث
(2) متفق عليه واللفظ للبخاري وقد أخرجه في كتاب: بدء الوحي باب (01)، 2/ 1. وأخرجه مسلم في كتاب الإمارة، باب قوله صلى الله عليه وسلم: «إنما الأعمال بالنية» وأنه يدخل فيه الغزو وغيره من
الأعمال، 3/ 1515. (1/302)
صفحة 297
الفصل الأول: القاعدة الكلية الكبرى الأولى
303
على اعتبار النية في الأعمال جميعها، قال أبو ستة القصبي قوله صلى الله عليه وسلم: «الأعمال بالنيات ولكل امرئ ما نوى هذا الحديث متفق على صحته، ومجمع على
عظم موقعه وجلالته وكثرة، فوائده وأنه أصل عظيم من أصول الدين. قال أبو عبيدة: ليس في الأحاديث أجمع وأغنى وأكثر فائدة منه، ومن ثم قال أبو داود: إنّه نصف الدين، ووجهه أنه أصل أعمال القلب والطاعة المتعلقة بها وعليه مدارها، فهو قاعدة عظيمة للدين ومن ثم كان أصلاً في الإخلاص أيضاً، وأعمال القلب تقابل أعمال الجوارح بل تلك أجلّ وأفضل، بل هي الأصل، فكان نصفاً، بل أعظم النصفين كما تقرر. وقال كثيرون منهم الشافعي أنه ثلث العلم، قال البيهقي (2): لأنّ كسب العبد إما بقلبه أو بلسانه أو بجوارحه فالنية أحدها وأرجحها لأنهما تابعان لها صحة وفساداً، وثواباً وحرماناً، ولا يتطرق إليها رياء ونحوه، بخلافهما، ومن ثمَّ ورد نية المؤمن خير من عمله (3). قاله ابن حجر)، ثمّ قال: وقال الشافعي أيضاً أنه يدخل في
أئمة
(1) لعله أبو عبيدة معمر بن المثنى التيمي البصري اللغوي الحافظ صاحب التصانيف. روى عن هشام بن عروة وأبي عمرو بن العلاء وليس هو بصاحب حديث. ويوجد غيره ولم نستطع تحديده. الذهبي: تذكرة الحفاظ، 371/ 1. (2) البيهقي أحمد: بن الحسين بن علي، أبو بكر (384 - 458 هـ / 994 - 1066 م): من الحديث. ولد في خسروجرد (من قرى بيهق، بنيسابور) ونشأ في بيهق ورحل إلى بغداد ثم إلى الكوفة ومكة وغيرهما، وطلب إلى نيسابور، الزركلي: الأعلام، 116/ 1. (3) رواه الربيع، باب في النَّيَّة، رقم: 1، ص 23، عن ابن عباس، والطبراني في الكبير، باب السين، سهل بن سعد، رقم: 257، 185/ 6، عن سهل. (4) أحمد بن علي بن محمد الكناني العسقلاني، أبو الفضل، شهاب الدين، ابن حجر (0773 - 852 هـ / 1372 - 1449 م): من أئمة العلم والتاريخ أصله من عسقلان (بفلسطين) ومولده ووفاته بالقاهرة. ولع بالأدب والشعر ثم أقبل على الحديث، ورحل إلى اليمن والحجاز وغيرهما لسماع الشيوخ، وعلت له شهرة فقصده الناس للأخذ عنه وأ وأصبح حافظ الإسلام في عصره، قال السخاوي: انتشرت مصنفاته في حياته وتهادتها الملوك وكتبها الأكابر) وكان فصيح اللسان، راوية للشعر، عارفاً بأيام المتقدمين وأخبار المتأخرين، صبيح (1/303)
صفحة 298
=
القواعد الفقهية عند الإباضية
304
سبعين
باباً، ولم يرد به المبالغة خلافاً لمن، وهم لأنّ من تدبر مسائل النية في متفرقات الأبواب وجدها تزيد على ذلك؛ إذ يدخل في ربع العبادات بكامله
وكنايات العقود والحلول (1)، والإقرار والأيمان إلى آخر ما أطال فيه» (2). وقد نقل ابن رجب عن الطبري (3) وغيره أنّ المراد عموم الأعمال لا يختص منها شيء، وقال الإمام أحمد: أحب لكل عمل عملاً من صلاة أو صيام أو صدقة أو نوع من أعمال البر أن تكون النية متقدمة في ذلك الفعل» (4).
الوجه.
ه. وولي قضاء مصر مرات ثم اعتزل. أما تصانيفه فكثيرة جليلة، منها: «الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة - ط» أربعة مجلدات، و لسان الميزان - ط ستة أجزاء، تراجم، و «الإحكام لبيان ما في القرآن من الأحكام - خ» و «ديوان شعر - خ فتح الباري شرح صحيح البخاري. الزركلي، الأعلام، 178/ 1
(1) الحلول جمع حلّ يحل بكسر الحاء معناه وجب وبضمه بمعنى نزل، قال ابن منظور: «وحلّ عليه أمر الله يحل حلولاً وجب، وفي التنزيل: قال تعالى: {فَرَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ، غَضْبَنَ أَسِفَأْ قَالَ يَنقَوْمِ أَلَمْ يَعِدُكُمْ رَبُّكُمْ وَعْدًا حَسَنًا أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ أَمْ أَرَدتُّمْ أَن يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِّن رَّبِّكُمْ فَأَخْلَفْتُم مَّوْعِدِى (طه: (86)، ومن قرأ: (أن يُحل) فمعناه أن ينزل، وحلّ بالمكان نزل فيه ... ». ابن منظور، مادة حلل، 702/ 1 - 705. هذا ما وجدته في المعجم ولا أدري هل يتناسب مع المعنى المراد من عبارة النص المذكور، ولعل القصد غير ذلك. (2) أبو ستة عمر القصبي: حاشية الترتيب على الجامع الصحيح، 5/ 1، 6. ينظر: ابن تيمية تقي الدين عبد الحليم مجموع الفتاوى جمع وترتيب عبد الله بن محمد بن قاسم، ط 2، مكتبة المعارف، المغرب 1401 هـ / 1981 م. 249/ 18. وكذا: السيوطي جلال الدين: الأشباه والنظائر في قواعد وفروع فقه الشافعية، تح عبد الكريم الفضلي، ط 1، المكتبة العصرية، صيدا، بيروت، لبنان، 1421 هـ / 2001 م، ص 23 - 26. والباحسين يعقوب بن عبد الوهاب:
ص
108001
قاعدة الأمور بمقاصدها، مرجع سابق، (3) محمد بن جرير بن يزيد الطبري، أبو جعفر (224 - 310 هـ / 839 - 923 م): المؤرخ المفسر الإمام. ولد في آمل طبرستان، واستوطن بغداد وتوفي بها. وعرض عليه القضاء فامتنع،
والمظالم فأبى. من مؤلفاته: أخبار الرسل والملوك. وتفسير جامع البيان في آي القرآن. (4) ابن رجب أبو الفرج عبد الرحمن بن شهاب الدين الحنبلي البغدادي: جامع العلوم والحكم
في شرح خمسين حديثاً من جوامع الكلم، تحقيق معروف زريق حسن أحمد، ط 2 دار ابن
حزم بيروت 2002، ص 07 وينظر: ابن تيمية أحمد بن عبد الحليم: رسالة في شرح حديث (1/304)
صفحة 299
الفصل الأول: القاعدة الكلية الكبرى الأولى
305
إذن فالحديث واضح الدلالة على اعتبار النية في الأعمال، وأن العمل يختلف حكمه باختلاف نية فاعله ولفظة «إنّما» تفيد الحصر بمنطوقها، فتثبت المذكور وتنفي ما سواه، فتقدير الحديث يكون: إنّ الأعمال ـ سواء كانت محمودة أو مذمومة - تعتبر إذا كانت بنية ولا تعتبر بلا نية).
من
والمثال المذكور في الحديث هو الهجرة، فمن كان قصده من الهجرة هو طاعة الله ورسوله ونصرة دينه وتكثير سواد المؤمنين والهروب بدينهم من الكفار؛ فهجرته تكون الله ورسوله ويعتبر مهاجراً وأجره على الله، أما كان قصده من الهجرة هو غرضاً دنيوياً، كأن يهاجر من بلاد الكفر إلى بلاد الإسلام لقصد أن ينكح امرأة أو يصيب غرضاً من أغراض الدنيا أياً كان، فهذا ليس له من هجرته إلا ما، نواه وليس له أجر المهاجر (2).
(2)
الله
2 ـ ومما يستدل به في هذا المقام حديث أبي موسى الأشعري ه قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: الرجل يقاتل للمغنم، والرجل يقاتل للذكر،
الله هي
والرجل يقاتل ليرى مكانه فمن في سبيل الله؟ قال: «من قاتل لتكون كلمة العليا فهو في سبيل الله) (3). وفي رواية سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الرجل يقاتل شجاعة، ويقاتل حمية ويقاتل رياء، أي ذلك في سبيل الله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من قاتل لتكون كلمة الله العليا فهو في سبيل الله» (4).
=
هي
بن محمد بن
«إنما الأعمال بالنيات»، ص 11. وكذا عنده مجموع الفتاوى، ترتيب عبد الله قاسم، ط 2 1401 هـ / 1981 م، مكتبة المعارف، المغرب: 18/ 244 - 284. (1) ابن تيمية المرجع نفسه، 264/ 18. وينظر: النووي: صحيح مسلم بشرح النووي، ط 1981، دار الفكر، بيروت 54/ 13.
109،110
(2) علوان إسماعيل حسن القواعد الفقهية الكبرى وما تفرع عنها، ص (3) متفق عليه واللفظ للبخاري أخرجه في كتاب الجهاد والسير، باب «من قاتل لتكون كلمة الله العليا»، ابن حجر فتح الباري شرح صحيح البخاري: 127/ 6. وأخرجه مسلم: كتاب الإمارة، باب «من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله»، 1512/ 3 - 1513.
هي
(4) سبق تخريجه. (1/305)
صفحة 300
306
القواعد الفقهية عند الإباضية
وجه الاستدلال بالحديث فهذا الحديث فيه دلالة واضحة على اعتبار النية في العمل، وأن حكم العمل يختلف باختلاف نية العامل وقصده، فهنا العمل كله سمي قتالاً، ولكن تختلف نيات الناس فيه، فمن الناس من يقاتل ليغنم ويحصل على متاع دنيوي، ومنهم من يقاتل رياء وسمعة ليقول الناس عنه شجاع وجريء، ومنهم من يقاتل ليعلو قدره عند قومه وقبيلته ويصير مذكوراً عندهم، ومنهم من يقاتل حمية لقومه وعشيرته أو جماعته وحزبه، وكل هؤلاء قتالهم ليس قتالاً في سبيل الله، ولا أجر لهم، وإنما غاية قتالهم ما قصدوه من مقاصد باطلة، أما من قاتل لإعلاء كلمة الله، وإحقاق الحق وإزهاق الباطل، فهذا هو المقاتل في سبيل الله، الذي ينال أجر المجاهد في سبيل الله، وثوابه عند الله. وحاصل ذلك أن نتيجة العمل وما ترتب عليه تختلف باختلاف قصد العاملين، رغم أن عملهم واحد وهو القتال (1).
- وروي عن أبي هريرة لها لعله أنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إنّ أول الناس يقضى يوم القيامة عليه رجل استشهد، فأُتي به فعرفه نعمه فعرفها، قال: فما فعلت فيها؟ قال: قاتلت فيك حتى استشهدتُ، قال: كذبت، ولكنك قاتلت لأن يقال جريء، فقد قيل، ثمّ أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار، ورجل تعلم العلم وعلمه، وقرأ القرآن، فأُتي به، فعرفه نعمه فعرفها، ثم قال: فما عملت فيها؟ قال: تعلمت العلم وعلمته وقرأت فيك القرآن، قال: كذبت، ولكنك تعلمت العلم ليقال عالم، وقرأت القرآن ليقال: هو قارئ، فقد قيل، ثمّ أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار، ورجل وسع وأعطاه من أصناف المال كله، فأتي به فعرفه نعمه فعرفها، قال: فما عملت فيها؟ قال: ما تركت من سبيل تحب أن ينفق فيها إلا أنفقت فيها لك، قال:
(1) علوان إسماعيل حسن القواعد الفقهية الخمس الكبرى، ص 111 - 110، بتصرف.
الله عليه (1/306)
صفحة 301
الفصل الأول: القاعدة الكلية الكبرى الأولى
307
كذبت ولكن فعلت ليقال: هو جواد، فقد قيل، ثمّ أُمر به فسحب على وجهه،
ثم ألقي في النار»).
جميع
فالمتأمل في هذا الحديث الصحيح يلحظ أن الأعمال التي عملها هؤلاء الثلاثة هي من أحب الأعمال إلى الله، فهي جهاد في سبيل الله، وتعلم العلم والقرآن وتعليمه للناس، والإنفاق في سبيل الله، وسد حاجة المحتاجين، ولكن لما قصد بها فاعلوها الرياء والسمعة، ولم تكن خالصة لوجه الله أبطلها الله وأحبطها، وكان جزاؤهم من أعمالهم ما قصدوا وهو أن يذكرهم الناس بأعمالهم، فيقول الناس عنهم: شجاع وكريم وعالم وقد حصل لهم ذلك في الدنيا، إذ قال الناس عنهم ذلك (2)، وهذا الحال ظاهر ومشاهد في واقع الناس، فنجد أحدهم لا يشعر بالرضا من عمله إلا بعد مدح الناس له بما قد أسدى لهم من معروف وإحسان، نسأل الله العافية والنجاة يوم الحساب.
وهكذا يتبين لنا من خلال هذا الحديث أنّ الرسول صلى الله عليه وسلم جاء ليؤكد لنا حقيقة مراعاة الشارع للمقاصد والنوايا في الأقوال والأعمال قبل النظر إلى الظواهر، وسيظهر الله حقيقة الأمور في يوم الحساب والجزاء.
4 ـ روي عن عائشة لا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «رفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصغير حتى يكبر، وعن المجنون حتى يعقل أو
يفيق» (3).
(1) أخرجه مسلم في كتاب الإمارة باب من قاتل للرياء والسمعة استحق النار، 1013/ 3 - 1014. (2) علوان إسماعيل حسن القواعد الفقهية الخمس الكبرى، مرجع سابق، ص 112. (3) أخرجه ابن ماجه، السنن، کتاب الطلاق باب طلاق المعتوه والصغير والنائم)، 658/ 1. وأخرجه أيضاً النسائي السنن، كتاب الطلاق، باب من لا يقع طلاقه من الأزواج)، 156/ 6. وأبو داود: السنن، كتاب الحدود، باب (في المجنون يسرق أو يصيب حداً)، 558/ 4. وأحمد: المسند، 6/ 100 - 101، 144. الدارمي السنن، كتاب الحدود، باب: «رفع القلم عن ثلاثة»، 2/ 225. والحاكم المستدرك على الصحيحين 59/ 2. وقال عنه: «هذا حديث
على شرط مسلم ولم يخرجه ووافقه الذهبي، وجاء الحديث أيضاً من طريق علي له عند
= (1/307)
صفحة 302
308
القواعد الفقهية عند الإباضية
وجه الاستدلال ففي هذا الحديث بيان لعفو الله تبارك وتعالى عن تصرفات وأفعال هذه الأصناف الثلاثة: النائم والصغير والمجنون، وما ذلك إلا لتخلف شرط التكليف عنهم، وهو العقل الذي هو سبب للنية وللقصد إلى الفعل وهم في حالاتهم تلك، فكأن تصرفاتهم في تلك الأحوال لا معنى لها ولا اعتبار، لذلك لم يرتب عليها الشارع الحكيم ما يبنى على فعل العاقل القاصد لفعله؛ من المؤاخذة والمحاسبة عليها، أو العقاب عليها (1).
ه ـ كما نص الرسول الله على عدم مؤاخذة من ليس له قصد في حديث ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله تجاوز عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه» (2). وجه الاستدلال علّق أحد فقهاء الإباضية على مدلول هذا الحديث فقال: وهذا أيضاً من فضل الله تعالى على هذه الأمة، حيث تجاوز عما وقع منهم الأفعال خطأ أو نسياناً، أو فعلوه مكرهين عليه، فلم يؤاخذهم بذلك، وما ذلك إلا لأنّ الفعل يقع من الفاعل حينئذ بدون قصد ولا نية، كما لو أراد رمي
من
=
أصحاب السنن وطرق أخرى تنظر عند الألباني محمد ناصر الدين: إرواء الغليل في تخريج أحاديث منار السبيل، ط 2، المكتب الإسلامي، بيروت، لبنان، 704/ 2.
113
(1) علوان إسماعيل حسن القواعد الفقهية، مرجع سابق، ص (2) أخرجه الربيع بن حبيب: الجامع الصحيح، باب ما جاء في النفقة، 301/ 3، حديث رقم 794. وزاد فيه: «وما لم يستطيعوا». وأخرجه ابن ماجه السنن، کتاب الطلاق، باب (طلاق المكره والناسي) بنحوه 659/ 1. ونقل المعلق عن مصباح الزجاجة في زوائد ابن ماجه قوله: «إسناده صحيح إن سلم من الانقطاع والظاهر أنّه منقطع ... وأخرجه أيضاً من حديث أبي ذر بنحوه 659/ 1، ونقل عن صاحب مصباح الزجاجة قوله: «إسناده ضعيف لاتفاقهم على ضعف أبي بكر الهذلي وأخرجه البيهقي: السنن: كتاب الخلع والطلاق، باب (ما جاء في طلاق المكره، 356/ 7. وقال بعده: «جود إسناده بشر بن بكر وهو من والحاكم المستدرك على الصحيحين، 198/ 2. وقال: «هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه ووافقه الذهبي، والحديث صححه الألباني: صحيح الجامع، 358/ 1 وفي: إرواء الغليل، 123/ 1.
الثقات»، (1/308)
صفحة 303
الفصل الأول: القاعدة الكلية الكبرى الأولى
309
صيد فأخطأه، فأصاب إنساناً معصوماً، فإنّه لا إثم عليه، وإنما عليه الدية والكفارة). ومثله لو نسي الصائم فأكل أو شرب في نهار رمضان، فلا إثم
(2)
عليه ويتم صومه وهو صحيح 6 ـ وعن أبي هريرة له قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يُبعث الناس على نياتهم (3). 7 ـ وعن سعد بن أبي وقاص له أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إنّك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله، إلا أُجرت عليها، حتى ما تجعل في فم امرأتك» (4). والأحاديث فى الدلالة على اعتبار النيات والمقاصد في الأعمال، والأقوال أكثر من أن تحصى، وقد اكتفيت بهذا القدر لحصول المقصود منها. والله أعلم.
ثالثاً: الأدلة من الإجماع: أجمع العلماء في مختلف العصور على اعتبار النية والمقاصد في الأقوال والأعمال من صلاة وصيام وصدقة، وغيرها، قال ابن القيم في هذا الصدد: «النية روح العمل ولُبه، وقوامه وهو تابع لها، يصح بصحتها ويفسد بفسادها، والنبي صلى الله عليه وسلم قال كلمتين كفتا وشفتا وتحتهما كنوز العلم وهما قوله: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى)، فبين في الجملة الأولى أن العمل لا يقع إلا بالنية لهذا لا يكون عمل إلا بنية، ثم بينت الجملة الثانية أنّ
(1) الراشدي سفيان بن محمد جواهر القواعد مرجع سابق، ص 119. (2) الجناوني أبو زكرياء يحيى بن الخير بن أبي الخير كتاب الصوم، مكتبة الضامري للنشر والتوزيع، السيب، سلطنة عُمان، 1411 هـ/ 1991 م، ص 14.
(3) أخرجه البخاري الجامع الصحيح، كتاب الصوم، باب (06)، 227/ 2. وبنفس المعنى روي عن عائشة عن الرسول صلى الله عليه وسلم، أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الإيمان، باب (41)، 20/ 1. (4) رواه البخاري، في كتاب الإيمان، باب ما جاء إنّ الأعمال بالنية والحسبة، حديث: 56. عن سعد بن أبي وقاص والربيع بن حبيب، باب في الوصية، رقم: 680 .. سنن أبي داود ـ كتاب
الوصايا، باب ما جاء في ما لا يجوز للموصي في ماله؟ - حديث: 2495. وهو صح
(5) سبق تخريجه (1/309)
صفحة 304
310
القواعد الفقهية عند الإباضية
العامل ليس له من عمله إلا ما نواه، وهذا يعم العبادات والمعاملات، والأيمان
والنذور، وسائر العقود والتصرفات).
رابعاً: الأدلة من المعقول:
الأعمال:
الأدلة العقلية التي يستدل بها على اعتبار النية في ومن 1 - أن الشارع لم يعتد بأفعال من انتفى قصده كالمجنون والمعتوه والمخطئ والناسي وغيرهم، ويلزم من ذلك اعتبار قصد ما يقابله ممن تحقق قصده؛ لأن تصرفات المكلفين لا تخرج عن إحدى حالتين: الاعتبار أو عدمه (2).
2 - ولأن أفعال العقلاء الاختيارية لا تصدر إلا عن قصد وإرادة فلو كلفوا أن يعملوا عملاً بغير قصد وإرادة لكان تكليفاً بما لا يطاق، ويؤكد ابن تيمية هذا المعنى فيقول: «لو كلّف العباد أن يعملوا عملاً بغير نية كلّفوا ما لا يطيقون، فإنّ كل أحد إذا أراد أن يعمل عملاً مشروعاً أو غير مشروع فعلمه سابق إلى قلبه، وذلك هو النية، وإذا علم الإنسان أنه يريد الطهارة والصلاة والصوم فلا بد أن ينويه إذا علمه ضرورة، وإنما يتصور عدم النية إذا لم يعلم ما يريد (3)، من أجل ذلك ترتب على نيته وقصده التأثيم وعدمه، والجزاء الملائم لنوع النية والقصد، صلاحاً أو فساداً.
(1) الباحسين: قاعدة الأمور بمقاصدها، مرجع سابق، ص 84 - 83. وكذا: شبير محمد عثمان: القواعد الكلية، ص 99.
(2) ابن قيم الجوزية: إعلام الموقعين عن رب العالمين، 111/ 3.
(3) ابن تيمية مجموع الفتاوى، مرجع سابق، 262/ 18. ينظر: طائفة الأمثلة وكلاماً من موسعاً عند الأشقر عمر سليمان: النيات في العبادات، ط 3، دار النفائس، الأردن، 1415 هـ / 1995 م، ص 65 وما بعدها. (1/310)
صفحة 305
المبحث الثالث
تطبيقات القاعدة وفروعها
طريقة معرفة حكم الجزئيات من القاعدة الكلية
قبل أن نقوم بتطبيق القاعدة على المسائل الجزئية ونخرج عليها الفروع الفقهية، يحسن بنا أن نتساءل كيف نستطيع أن نعرف حكم مسألة فرعية،
انطلاقاً
من قاعدة فقهية كلية؟ نقول: إذا أراد الفقيه أن يخرج حكم مسألة فرعية على قاعدة كلية، فينبغي عليه أن يتبع الخطوات التالية:
ذلك
فمثلًا: قاعدة: «الأمور بمقاصدها إذا أردنا أن نتعرف منها حكم جزئية ما مما يندرج تحتها نقول زيد أعطى فلاناً من الناس مالاً، فما حكمه؟ فنستخرج من القاعدة الكلية الأمور بمقاصدها» إنّ إعطاء المال قد يكون مقصوداً به التصدق مثلا، أو الهبة، أو القرض، أو الإيداع، أو الوفاء، أو غير من المقاصد، ولما كان لكل مقصد حكم يخصه نقول: إن كان مقصد زيد من الإعطاء التصدق أو الهبة كان فعله طاعة يثاب عليها، وإن كان قصده إقراضه إياه أو إيداعه عنده كان له حق استرداده وعلى الآخذ وجوب الرد، وهو مضمون على الآخذ في الأولى غير مضمون عليه في الثانية، إذا لم يتعدّ أو يقصر في الحفظ، وإن كان قصده وفاء دين عليه، كان الحكم براءة ذمته، وردّاً لحق الآخر؛ لأن الأمور بمقاصدها. وكذلك لو رأينا شخصاً يريد الصلاة ولا يستطيع القيام لمرض أصابه (1/311)
صفحة 306
312
القواعد الفقهية عند الإباضية
فأقعده، فنقول له: صلّ قاعداً، وإن لم تستطع فمضطجعاً، أو على جنب؛ لأنّ المشقة تجلب التيسير» (1).
ونظرا لما يتميز به الفقه الإباضي من كثرة الفروع بسبب مثل فقهائه إلى الفقه العملي أكثر منه إلى الجانب النظري، فغالباً ما يذكرون الفرع دون أصله، وأحياناً يربطون القاعدة بفرعها، مما يصعب على الدارس تأصيل هذا الفقه واستخراج، قواعده وتعتبر قاعدة الأمور بمقاصدها من القواعد الفقهية الكلية الكبرى الواسعة الانتشار في الفقه الإسلامي، فقد تجسدت فروعها في معظم أبواب الفقه، ونظراً لصعوبة دراسة هذه الجزئيات واستقصائها، سوف نبذل - بإذن الله - قصارى الجهد في استخراج الأمثلة التطبيقية التي تنطبق على هذه القاعدة الكلية، ونحاول تكييفها بمراعاة مناط الحكم فيها مدى ملائمة تلك الفروع الجزئية لحكم القاعدة الكلية، وسوف يتضح منهجنا فيما سيأتي من الفروع، على أن يكون ذكرها من باب التمثيل لا الحصر في
المطالب التالية: المطلب الأول: أثر المقاصد في العقيدة. -المطلب الثاني: أثر المقاصد في العبادات. - المطلب الثالث: أثر المقاصد في المعاملات. المطلب الرابع: أثر المقاصد في الأحوال الشخصية. المطلب الخامس أثر المقاصد في الحقوق والآداب. المطلب السادس: أثر المقاصد في الجنايات والعقوبات. - المطلب السابع: أثر المقاصد في السياسة الشرعية. - المطلب الثامن مستثنيات هذه القاعدة.
مع.
ملاحظة
(1) البورنو محمد صدقي الغزي: الوجيز في إيضاح قواعد الفقه الكلية، ص 164 – 165. (1/312)
صفحة 307
المطلب الأول
أثر المقاصد على العقيدة
لا ريب أن العقيدة أساسها القلب وتترجمها الجوارح، وأن المقاصد والنوايا محلها القلب أيضاً، ومن هنا ظهرت العلاقة بين العقيدة والمقاصد، ويترتب عليها آثارها، فمن قصد بفعله أو قوله وجه الله خالصاً، قبل عمله ونال الثواب، ومن قصد به الرياء والسمعة ورضى الناس بطل عمله ولا ثواب له، بل وجب عليه العقاب إن لم يتب. وقد بحث الإباضية هذه المسائل العقدية في مصنفاتهم، وبينوا حكمها بياناً شافياً حتى لا يلتبس أمرها على المكلفين، ومن ذلك:
1 - فِعل الطاعات لوجه الله وحث الناس عليها:
سئل الإمام السالمي عمن قصد بإيمانه وعمله الطاعات أن
من
يوسع
الله
جاهه، وأن ينشر فضله في الدنيا، وأن يقويه وينصره على أعدائه، وأن يثيبه على هذا وغيره من صالح أعماله في الآخرة، هل يقدح ذلك في إيمانه شيئاً؟ وهل يعتبر عمله خالصاً لوجه الله؟ فأجاب: نقلاً عن شيخه بأن العمل الله ولغرض آخر لا يجوز؛ لأنه من باب الإشراك مع الله في العمل، وهو الرياء المحرم، لكن يجوز أن يعمل الله مخلصاً، ثم يُظهر ذلك العمل لتكون له المنزلة عند المسلمين، فيدعون له بخير، وعند العوام ليقتدوا به، فيكون قائدهم إلى ربهم وطلب الجاه والمنزلة عند المسلمين إذا لم يكن لقصد الثناء والسمعة جائز وحاصل ما أجاب به: أن فعل الطاعة لقصد الجاه والثواب حرام، وإن إظهارها بعد أن عُملت خالصة لوجه الله جائز إذا قصد بإظهارها شيئاً من الأمور المتقدم ذكرها، وهو عندي صواب لا غبار عليه» (1).
(1) السالمي: العقد الثمين، 37/ 1. (1/313)
صفحة 308
314
القواعد الفقهية عند الإباضية
2 - النطق بكلمة الكفر دون الاعتقاد
ويؤكد صاحب بيان الشرع هذه الحقيقة استناداً إلى قاعدة: الأمور بمقاصدها»، فالجزاء يكون حسب القصد إن خيراً فخير، وإن شراً فشر، سواء أكان قولاً أم اعتقاداً، فإذا تلفظ بكلمة الكفر ولم يعتقدها فلا يحاسب عليها، أو فعل فعلاً ولا يقصد به الرياء فلا يحاسب عليه، يقول في هذا الشأن: «فالإنسان إذا اعتقد شيئاً ولم يتلفظ به لم يلزمه حكمه إلا الكفر» (1)؛ لأن النطق بالكفر واعتقاده يبطل الإيمان ويحبط الأعمال.
3 - في حكم العمل للآخرة مع قصد الدنيا: قد يعمد البعض إلى عمل صالح بنية التقرب إلى الله، وطمعاً في رضى الله وثوابه، ويقرنه بنية الاستفادة منه ببعض حظوظ الدنيا ومنافعها، فهل يعتبر هذا
العمل باطلاً؛ لأنه لم يخلص النية، وقد أشرك معه قصداً آخر، أم يجوز ذلك؟ بحث القطب أطفيش هذه المسألة وبين حكمها فقال: «ومن نوى بعمله ثواب الآخرة مع أمر مباح من الدنيا، مثل أن يحج تقرباً وتجارة، وأن يغزو تقرباً وغُنْماً، فقيل: لا ثواب له، وقيل له ثواب بقدر قصده، وإن لم ينو إلا الدنيوي فإنه عاص لا ثواب له، ويعيد العمل إن كان مما تتوقف صحته على النية، وقيل: أفعال المؤمن تابعة لاعتقاده» (2). وهكذا يتبين لنا من عبارة القطب أن العمل يجب أن يكون صالحاً وخالصاً الله حتى يكون مقبولاً عند الله ويثاب عليه، أما إذا أشرك فيه مقاصد أخرى دنيوية ولو كانت مباحة، فلا ثواب عليه، ويُخشى أن يحاسب على تلك النية إن لم يرجع عنها؛ لأنه من الشرك الخفي، لقوله صلى الله عليه وسلم: «من عمل عملاً أشرك فيه غيري فهو له كله وأنا أغنى الشركاء عن الشرك» (3).
(1) الكندي محمد بن إبراهيم: بيان الشرع، 19/ 6. (2) القطب أطفيش: شامل الأصل والفرع، 159/ 1.
(3) رواه الربيع، المسند، باب في ذكر الشرك والكفر، رقم: 60. ومسلم، كتاب الزهد والرقائق، باب من أشرك في عمله غير الله، رقم: 2985. عن أبي هريرة. (1/314)
صفحة 309
المطلب الثاني
أثر المقاصد في العبادات
أولا: في باب الطهارات
1 - تحديد النية في اجتماع غسل للجمعة والاغتسال من الجنابة اختلف الإباضية في حكم الجُنُب يغتسل للجمعة، هل يجب عليه أن ينوي لغسل الجنابة وبعد فراغه منه ينوي لغسل الجمعة؟ أم يكتفي بغسل الجمعة؛ بمعنى يأتي بغسل واحد فيجزيه عن غسل الجنابة؟
قال بعضهم: يجزيه ذلك للجنابة، ويكون بذلك متطهراً، وقال بعضهم: لا يجزيه ذلك عن طهارته للصلاة من الجنابة واختار ابن بركة القول الثاني ورجحه فقال: «وهذا هو القول عندي، والنظر يوجبه والسُّنَّة تؤيده (1).
ويبدو
أن أصحاب القول الأول قاسوا الغسل للجمعة بالوضوء للنافلة،
بينما لم يعمل ابن بركة بالقياس في هذه المسألة، واستند إلى النصوص، يقول في هذا الصدد: «وإن توضأ لنافلة أو لقراءة في مصحف، أو لجنازة أو لسجود قراءة القرآن أجزأه أن يصلي به فريضة وهذا باتفاق منهم فيما علمت (2). وقد احتج بعض الفقهاء على رأي ابن بركة فناقشهم بقوله: «فإن قال قائل: لم قلت إنه إذا اغتسل للجمعة لم يجزه للجنابة، وقد أجزت له وضوءه للنافلة من الفرض؟ وما الفرق وجميع ذلك نفل؟ قيل له: الفرق بين هذه الأشياء وبين الغسل للجمعة أن علة الطهارة: أن ينوي رفع الأحداث، أو ينوي ما يؤدي بتلك الطهارة الفرائض والنوافل، فيُغني ذلك عن نية رفع الحدث، فإذا صح ذلك ثم توضأ لنافلة، فالنافلة لا تؤدى إلا
(1) ابن بركة: الجامع، 318/ 1.
(2) ابن بركة المصدر نفسه. (1/315)
صفحة 310
316
القواعد الفقهية عند الإباضية
بعد رفع الحدث، كما لا يؤدى الفرض إلا بعد رفع الحدث. وكذلك سجود القرآن لا يأتي به إلا متطهراً، لأن ذلك عندنا صلاة، وأما المصحف فلا يمسه إلا متطهراً، ومسه محرم بقول الله تعالى: {إِنَّهُ لَقُرْآنُ كَرِيمٌ * فِي كِتَبٍ مَّكْنُونِ لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ} (الواقعة) (77 - 79) فلا يمس المصحف إلا طاهر، وكذلك في الجنب، فصار معنى ذلك النافلة التي لا تجوز إلا برفع الحدث. ولو أراد أن يصلي فرضاً أو نفلاً، أو قراءة قرآن أو سجود قرآن، لما ندب أن يتوضأ؛ لأن المقصد في ذلك رفع الحدث، وقد رفع بطهارته الحدث، فلا معنى في الأمر بإعادته. وأما غسل يوم الجمعة فليس القصد ذلك في رفع الحدث، وإنما القصد في ذلك تجديد الفعل من أجل الوقت، والدليل على هذا أنه لو دخل عليه يوم الجمعة وهو مغتسل لما أجزأه ذلك الغسل، ولا احتاج أن يغتسل ثانية، فهذا
يدل على أن المقصد ذلك في رفع الحدث كما كان ذلك فيما ذكرناه والذي يُفهم من عبارة ابن بركة واختياره أن غسل الجمعة لا يقوم مقام غسل الجنابة، فلا بد عليه من غُسلين، الأول للجنابة؛ لأنها فرض، والثاني للجمعة؛ لأنه سُنَّة، ولا تكفي نية واحدة فيهما؛ لأن المقصد يختلف بينهما، فلا بد من النية للتفريق بين غسل الفرض والنفل فغسل الجنابة يقصد به رفع الحدث الأكبر، وغسل الجمعة لأجل الوقت والفوز بفضل ذلك اليوم؛ اقتداء بسنة النبي صلى الله عليه وسلم، خلافاً للوضوء، فيجزيه وضوء واحد للنفل والفرض،
كما تقدم. ويبدو أن ما ذهب إليه الكندي قد جانب فيه الصواب؛ لأنه يعتبر غسل الجنابة يجزئ عن غسل الجمعة، ولعله لم يفهم عبارة ابن بركة، أو قاس غسل الجمعة بالوضوء لأداء النفل، والفرق بينهما واضح، وهذا ما تدل عليه عبارته وأما غسل يوم الجمعة، فليس القصد في ذلك رفع الحدث، وإنما القصد في ذلك تجديد الفعل من أجل الوقت، والدليل على هذا أنه لو دخل عليه يوم (1/316)
صفحة 311
الفصل الأول: القاعدة الكلية الكبرى الأولى
317
الجمعة وهو مغتسل، أجزاه ذلك الغسل وما احتاج أن يغتسل ثانية، فهذا يدل على أن القصد رفع الحدث كما قال ذلك فيما ذكرنا»).
2 - تطهير ماء الآبار من النجاسات
اختلف الإباضية في اشتراط النية عند تطهير ماء الآبار من النجاسات، فمنهم من اشترط القصد، ومنهم من لم يشترطه. وقد أشار السالمي إلى هذا الخلاف في معرض كلامه عن تحديد عدد المرات في نزح البئر المتنجسة فقال: « ... ثم اختلف القائلون بتحديد النزح، فمنهم من اشترط القصد في صحة النزح وطهارة البئر؛ لأنها عبادة لا تؤدى إلا بقصد كغسل الجنابة، ولم يشترط آخرون النية في ذلك، تشبيهاً للنزح بإزالة الأنجاس، وهو أظهر الوجهين). ويبدو من كلام السالمي أنه يميل إلى عدم اشتراط النية في نزح البئر، وهو ما يستظهر من قوله، ولعله الأقرب للصواب، وبناء عليه، فمن لم يقصد بالنزح تطهير البئر أجزأه ذلك ما دام المعتبر من ذلك حصول الطهارة، ولا ريب أنها تحصل بتكرير النزح حتى يطمئن بزوال النجاسة واختفاء أثرها؛ لأنه أتى بصفة الفعل المأمور به، وهو النزح، فحصل المقصود.
3 ـ حكم الوضوء الأمرد: بمس اختلف فقهاء الإباضية في حكم المتوضئ إذا مس الأمرد، هل ينتقض وضوءه أم لا؟ فذهب البعض إلى نقضه مطلقاً قياساً بالمرأة الأجنبية، وهو ما استظهره السدويكشي من عبارته، ويرى آخرون أنه لا ينتقض إلا بقصد الشهوة، فإن كان غير ذلك، فلا نقض عليه قياساً بالرجال.
نقل السالمي عن السدو يكشي في حاشية الإيضاح» قوله في معرض حديثه عن لمس بدن الأجنبية فقال: كذلك الأمرد لم أرَ فيه نصاً والظاهر أنه
(1) ابن بركة الجامع، 318/ 1 - 319. - الكندي أبو بكر، المصنف، 354/ 4.
(2) السالمي: معارج الآمال، 129/ 3. (1/317)
صفحة 312
318
القواعد الفقهية عند الإباضية
كالمرأة). وعقب عليه بقوله: «قلت: حكم الأمرد عندنا حكم الرجال، فمن مسه على قصد الشهوة فهو عاص، وينتقض وضوءه بالمعصية لا بنفس اللمس، الأجنبية فإنه ناقض بنفسه، ولو لم يكن مع قصد إلى شهوة،
بخلاف مس
خلافاً لمالك حيث اعتبر في مس الأجنبية قصد اللذة أو وجودها» (2). ولعل ما ذهب إليه السالمي وغيره في حكم لمس الأمرد هو الأنسب
والأعدل
من الأقوال، فلا ينتقض الوضوء لمجرد اللمس، فإن قصد التلذذ فهو آثم وصحت طهارته، إلا إن طرأ عليه ناقض لها كخروج المذي، وفي هذا رفع للحرج والمشقة.
4 ـ حكم ترك التسمية في الوضوء:
اختلف الإباضية في حكم من ترك التسمية في الوضوء عمداً أو نسياناً،
هل يفسد الوضوء أم لا؟
نقل ابن جعفر في «الجامع» أنه يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله على وضوءه» (3)، فمن ذكر الله بقلبه على وضوئه
(1) السالمي: معارج الآمال، 147/ 2. (2) السالمي: المرجع نفسه، 147/ 2 - 148.
(3) رواه الربيع، كتاب الطهارة، باب في آداب الوضوء وفرضه، رقم: 88، ص 53، عن ابن عباس، وأبو داود، كتاب الطهارة، باب التسمية على الوضوء، رقم: 101، 1/ 25، بلفظ: «عليه» بدل: «على وضوئه». عن أبي هريرة وهو حسن لغيره. وأخرجه الترمذي في الجامع الصحيح ـ أبواب الطهارة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم باب في التسمية عند الوضوء ـ حديث: 27، عن رباح بن عبد الرحمن بن أبي سفيان بن حويطب، عن جدته، عن أبيها، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول: «لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه». قال الترمذي: وفي الباب عن عائشة، وأبي سعيد، وأبي هريرة، وسهل بن سعد، وأنس. قال أحمد بن حنبل: لا أعلم في هذا الباب حديثاً له إسناد جيد، وقال إسحاق: إن ترك التسمية عامداً أعاد الوضوء، وإن كان ناسياً أو متأولاً أجزأه قال محمد أحسن شيء في هذا الباب حديث رباح بن عبد الرحمن،
ورباح بن عبد الرحمن، عن جدته عن أبيها، وأبوها سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل. (1/318)
صفحة 313
الفصل الأول: القاعدة الكلية الكبرى الأولى
319
وإرادته الله تبارك وتعالى فقد ذكر اسمه، وهذا القول عنه علي تأكيد على النية عند الوضوء. قال أبو سعيد الكدمي: «وأما ذكر اسم الله عند افتتاح الوضوء جاء به التأكيد والأمر، أحسبه عن النبي صلى الله عليه وسلم وأنه كان يفعل ذلك، ويأمر به». أنه قد قيل في ترك ذلك على التعمد أنه ينقض الوضوء،
وقال: «ومعي إذا كان ذلك على القصد إلى مخالفة السُّنَّة لعله يخرج عن التعمد إذا تعمد لترك ذلك؛ لأن ذكر اسم الله قد جاءني في تأكيد أن يكون فاتحة لكل شيء من طاعة الله، ولا نعلم شيئاً من طاعة الله، ولا شيئاً من الأمور التي تضاف إلى أمر الطاعة، وأمر الحلال مؤكداً فيه السنة عن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر الله تبارك وتعالى، وهو أهل لذلك وكل شيء لم يذكر فيه اسم الله ولا ذُكِر عليه اسم الله، فلا يرجى له معنى الصلاح، ويدرك له معنى نجاح ولا فلاح، وأحسب أنه قيل: قد أساء ولا نقض عليه، أعني في ترك اسم الله على الوضوء ....
ويضيف: «وأحسب أنه يخرج معنى فساد وضوءه بترك الذكر لاسم الله إذا لم يقصد لوضوئه الله على ما خوطب به من التعبد، فهو على ذلك الترك من ذكر اسم الله، أي من ذكر الله في قصده إلى ذلك، وهو حسن، إلا أنه قد يخرج العذر في النسيان للقصد إلى ذلك مع تقدم النية به في جملة التعبد» (1).
وهكذا يتضح من عبارة الكدمي أنه لا يميل إلى نقض الوضوء بترك ذكر اسم الله عليه، ما دام قد تقدمته النية لوجه الله تعالى، أما إن ترك النية والتسمية متعمداً بطل وضوءه وعليه الإعادة، وإن ترك التسمية نسياناً يعذر
ويعفى من الإعادة.
(1) ابن جعفر: الجامع، 358/ 1. (1/319)
صفحة 314
320
القواعد الفقهية عند الإباضية
ثانياً: في باب الصلاة:
1 - في حكم الصلاة إذا قصد بها الرياء والعجب:
إذا دخل المصلي في الصلاة وكان يقصد بها الرياء والعجب، وابتغاء مدح الناس والطمع في ثوابهم، فما حكمها؟ وإذا دخل فيها على نية أدائها لوجه الله تعالى، ثم طرأ عليه هذا القصد، فما حكمها؟
بحث السالمي هذه المسألة وبين أثر الرياء والعجب على الصلاة فقال: «فإن الرياء والعجب ناقضان للصلاة من كبائر الذنوب، وذلك إذا أقرهما المصلي في صلاته، ورضي بهما، سواء دخل في الصلاة على ذلك أو طرأ عليه بعد الدخول وقال أبو الحسن (1): إن كان إنما دخل في صلاته على أنه لم يصلها إلا رياء أو نفاقاً وعُجباً، ولم يتعمدها بنية الأداء للفريضة، ولا أحرم على ذلك، فهذا عليه التوبة والاستغفار والبدل والكفارة إن كان قد فات وقتها؛ لأنه قام على غير نية صلاة الفريضة، وإنما قام يصلي للناس. وإن خالطه الرياء والإعجاب بعد الدخول في الصلاة حتى قضاها فهذا يتوب من ريائه وعجبه وصلاته تامة، ولا إعادة عليه» (2).
في
ويقول السالمي معقباً عليه وهو ملاحظ في هذا القصد الأول، فإن كان القصد طاعة فهو طاعة، وإن كان معصية فهو معصية، وأنت خبير أن العصيان أثناء الصلاة كالعصيان في أولها (3). ويجيب السالمي على الاعتراضات التي تقدم بها من يرى عدم نقض الصلاة بالمعصية فيقول: وله أن يقول: إنه إذا دخلها على الرياء فليس بطاعة، بخلاف ما إذا دخلها على قصد الصلاة ثم عارضتها المعصية، فإن الصلاة في نفسها طاعة ولا يضرها المُعارض
(1) يقصد أبو الحسن البسيوي، سبقت ترجمته.
(2) السالمي: معارج الآمال، 151/ 11. ـ البسيوي، جامع أبي الحسن البسيوي، 89/ 2.
(3) السالمي: المرجع نفسه. (1/320)
صفحة 315
الفصل الأول: القاعدة الكلية الكبرى الأولى
321
والجواب: أن أقل ما يلزمه في ذلك النقض بانتقال نيته عن القصد الأول
إلى الرياء».
فإن قيل: لِمَ ينتقل قصده، وإنما قصد إلى الصلاة أولاً وآخراً، غير أنه أحب أن يحمد عليها، وحبه لذلك معصية لم تغير القصد؟
قلنا: مُسَلَّم، لكن يلزمه النقض من جهة أخرى، وهو أنه أضحَب طاعته بمعصية فكان حقها الرد؛ لأن الله إنما يتقبل من المتقين.
فإن قيل: الرد غير النقض، وذلك أن الرد عدم القبول، وهو عبارة عن إعطاء الثواب على العمل، وهو أمر أخروي والنقض عبارة عن عدم الإجزاء وهو عدم الصحة، فكل منتقض مطالب بفعله مرة أخرى وليس كل مردود
كذلك.
قلنا: «هذا رد مع إحباط لما روى أبو عبيدة قال: بلغني عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «الرياء يحبط العمل كما يحبطه الشرك» (1) فهذا النص في موضع النزا
2 - في حكم الصلاة إذا انتقلت النية عن أصلها: وصورة ذلك: إما أن ينوي الخروج من الصلاة رأساً، وإما أن يحوّل صلاة الفرض إلى النفل، وكلا الحالين مفسد لصلاته.
أما الأول فظاهر؛ لأنه أبطل عمله بالقصد إلى تركه.
وأما الثاني فلأن النية شرط لصحة الصلاة.
ولما كانت الصلاة أنواعاً منها: الفرض والنفل وجب التميز بينهما بالقصد، فإذا قصد الفرض ثم بدا له فحوَّل النية إلى النفل، فسد فرضه،
(1) رواه الربيع، المسند، باب في ذكر الشرك والكفر، رقم: 66. بلاغاً، والترمذي، كتاب صفة القيامة والرقائق والورع ... ، باب ما جاء في الرياء والسمعة، رقم: 2381، 591/ 4، ما يقاربه
معنى، عن أبي سعيد. وقال: «هذا حديث حسن صحيح من هذا الوجه».
(2) السالمي: المرجع نفسه، 151/ 11 - 152. (1/321)
صفحة 316
322
القواعد الفقهية عند الإباضية
وكذلك إن نوى النفل ثم حول نيته إلى الفرض فسد نفله، ولم يجزه عن فرضه (1).
ويذكر السالمي صوراً أخرى لتوضيح هذه المسألة فيقول: «ومن دخل في صلاة الظهر بنية صحيحة، وبعد ركعة ظن أنها صلاة العصر فاعتقد أنها صلاة العصر حتى صلى الثانية، ثم ذكر أنها صلاة العصر فرجع بنيته إليها، فقيل: تتم له ظهره. وقيل: يبتدئ صلاته لفسادها بانتقال نيته.
ومن قصد إلى الظهر، وعند الإحرام نسي فنواها العصر، ثم ذكر بعد الدخول في الصلاة، فقيل: يبني على صلاته؛ لأن هذا زلة، وهو من النسيان العفو، وإن رجع فأحوط (2).
- في حكم صلاة الصبي وصومه إذا بلغ بعد الدخول فيهما: ذهب الإباضية إلى أن الصبي إذا بلغ أثناء دخوله في الصلاة أو الصوم، فإنه يجب عليه أن يخرج منهما ويعيدهما من جديد؛ لأن الصبي غير مكلف بالعبادة، ولا يدخل ضمن خطاب الشارع للمكلفين، فلا تجب عليه العبادة، ولكن إن أداها بشروطها صحت منه، ونال الثواب؛ لأن الصلاة عبادة ولا تتأتى إلا بنية وقصد، والصبي لا نية له فإذا دخل الصلاة ـ مثلاً ـ فظهرت عليه علامة البلوغ فليخرج منها وليتطهر، ثم يكمل ما بقي منها، فإذا تمت استأنفها من جديد، أما إن كان صائماً وبلغ في النهار، فلا يجب عليه قضاء ذلك اليوم ولا قبله؛ لأن صيام بعض اليوم لا يصح، ولأنه غير مخاطب بالتكاليف
الشرعية، فلا يصح منه الصوم إلا بتبييت النية من الليل).
نقل ابن بركة هذه المسألة في جامعه واستعرض فيه أدلتها وناقشها فقال:
(1) السالمي: معارج الآمال، 147/ 11.
(2) السالمي: المرجع نفسه.
(3) ابن بركة: الجامع، 353/ 1 - 354. (1/322)
صفحة 317
الفصل الأول: القاعدة الكلية الكبرى الأولى
323
«إذا دخل الصبي في الصلاة ثم بلغ عليه الخروج مما هو فيه، وعليه أن يتطهر للصلاة، ويأتيها إذا كان مدركاً لوقتها، ومن أدرك ركعة والوقت قائم فهو مدرك للوقت إذا كان متطهراً، وإذا قدر على الطهارة ولم يبق في الوقت ما يأتي من ركعة، والوقت قائم فهو غير مدرك، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «من أدرك من العصر ركعة فقد أدرك الصلاة» (1). فإن قال قائل: لم وجب عليه الخروج مما دخل فيه، وقد كان مأموراً بها وفعل الطهارة التي أتى بها؟
قيل له: لما بلغ لزمه الفرض، فوجب أن لا يأتيه إلا بطهارة يقصدها، وصلاة ينويها؛ لأنه صار في جملة المخاطبين بالآية وهو قول الله تعالى: وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ} (البينة: (5). وقد كان قبل ذلك زائلاً
عنه الخطاب، وإن قال: وكيف يعلم بلوغه وهو في الصلاة؟
قيل له: البلوغ يقع من وجوه أحدها حدوث المني، ومنها استكمال
السنين التي هي حدّ البلوغ، وإن اختلف الناس في ذلك الوقت» (2). وبعد أن حدد ابن بركة موقفه من صلاة الصبي بعد بلوغه، انتقل إلى بيان حكم صوم الصبي إذا بلغ أثناء النهار من رمضان، فصرح بأنه لم يؤمر بقطع الصوم وقضائه؛ لأن حكم الصوم يختلف عن الصلاة في مسألة النية ووقتها، وهذا ما دلت عليه عبارته: «وإذا بلغ في النهار لم يلزمه صوم ذلك اليوم من رمضان، ولا يجب عليه قضاؤه، ولا قضاء ما مضى من الشهر؛ لأن اليوم الذي بلغ فيه غير مخاطب بصومه؛ لأن صوم بعض اليوم لا يجوز، ولا إلا بنية من الليل. فإن قال فما الفرق بين الصوم والصلاة؟
يصح
الصوم
(1) رواه الربيع، كتاب الصلاة، باب في صلاة الجماعة والقضاء في الصلاة، رقم: 218. مع زيادة في أوله والبخاري، كتاب مواقيت الصلاة، باب من أدرك من الفجر ركعة، رقم: 554، 211/ 1، ومسلم، كتاب المساجد، باب من أدرك ركعة، رقم: 608، 423/ 1، عن
أبي هريرة.
(2) ابن بركة: الجامع، 354/ 1. (1/323)
صفحة 318
324
القواعد الفقهية عند الإباضية
قيل له: اختلاف حاليهما في الأوقات؛ لأن الصوم وقتاً يشتغل به من أوله إلى آخره، ولا يجوز إيقاع الصوم في بعض وقته، والصلاة لها وقت لا يوجب الاشتغال به من أوله إلى آخره، وجائز أن يؤتى بها في بعض وقتها، فالمدرك للركعة مع ثبوت الطهارة والوقت قائم مدرك للوقت فمن لزمه الخطاب بعد انقضاء بعض وقت الصوم لا يمكنه أن يأتي به لما ذكرناه آنفاً أن وقته مخالف وقت الصلاة، والقضاء إنما يجب إذا الخطاب قد لزم، فلم يأته أو عذر بتركه، فأما من لم يخاطب بالشيء فالقضاء عليه غير واجب والله أعلم). هذا ومما يمكن أن نستدركه على ابن بركة أنه لم يشر إلى حكم الصبية إذا
بلغت أثناء الصلاة أو الصوم، فهل حكمها حكم الصبي أم يختلف عنها؟ وعند النظر في علامات بلوغ الصبية فإنها قد تبلغ بالحيض أو النفاس، وهذا عذر شرعي لا يمكن إزالته باختيارها، وعليه فلا يمكن أن تعيد طهارتها في ذلك الوقت لتجديد الصلاة، بل يجب عليها الخروج منها، ولا يلزمها الإعادة ولا القضاء ما دامت غير مأمورة بالخطاب. أما حكم الصوم فإذا انقطع دمها وطهرت فإنها تكمل الأيام التي بقيت من شهر رمضان، ولا قضاء عليها يوم بلوغها ولا ما قبلها من الأيام؛ لأنها لم يلزمها ذلك. هذا ومما تجدر الإشارة إليه أن هذه المسألة تعتبر من تطبيقات قاعدة: الأمور بمقاصدها»، والصلاة والصوم عبادات ولا تصح إلا بنية وقصد،
والصبي غير مكلف بذلك.
ثالثاً: في باب الزكاة
1 - في الزكاة والغرامة المالية:
هل يجوز اعتبار الغرامة المالية والزكاة شيئاً واحداً؟ بمعنى هل تقوم
الغرامة مقام الزكاة؟
(1) المصدر نفسه. (1/324)
صفحة 319
الفصل الأول: القاعدة الكلية الكبرى الأولى
325
أشار البكري إلى الفرق بين الزكاة والغرامة واعتبرهما شيئين مختلفين، أحدهما مقام الآخر يقول في هذا الصدد: «يظهر لي ـ والله أعلم -
فلا يقوم
فهي
أو
أن ذلك لا يجوز للفرق البين الذي بين الزكاة والغرامة؛ ذلك أن الزكاة وضع إلهي، نصيبها المفروض قارّ، لا يزيد ولا ينقص، نسبتها محدودة، وأنواعها التي يخرج عنها منها معلومة، وأصناف مستحقيها محصورة، وفوق ذلك عبادة يتقرب بها إلى الله، فهي تؤدى احتساباً من أخل بها لا يسأل إلا أمام الله، مسؤوليته أدبية، هي ما يناله من عقوبة يوم القيامة إن مات غير موف موص بها، بخلاف الغرامة فإنها من وضع البشر، إلزامية الأداء، مقابل عمل أو مصلحة أو منفعة لا شائبة تطوع أو احتساب فيها، معلومها يزداد وينقص حسب مخططات السلطة التي تفرضها وميزانيتها، وتختلف نسبتها باختلاف أموال مؤديها وتبعاً لكثرة تكاليفهم وقلتها، من أخل بها أو تأخر عن أجلها المحدد عوقب عقوبة مادية زائدة على تلك الغرامة، ترتفع كلما ماطل في الأداء، وقد يؤول أمرها أحياناً إلى مصادرة ما لديه من أموال، وأحياناً تكون تلك الزيادة غير منضبطة على حسب هوى منفذيها، إلى غير ذلك من الفوارق (1).
وبعد أن حدد البكري الفرق بين الزكاة والغرامة المالية، خلص إلى القول: وعليه، فالزكاة زكاة والغرامة غرامة فلا تقبل هذه بعنوان تلك، ولا تلك بعنوان هذه، فإذا كانت الزكاة عبادة لا بد لصحتها من النية، وإذا كانت الأعمال بالنيات، فلا ينبغي للمسلم أن يظهر خلاف ما يبطن، فلا تقبل الزكاة إلا إذا نوى صاحبها قبل الشروع في إخراجها أداء ما عليه من صدقة مفروضة في ماله باختياره وامتثالا واحتساباً) (2)، و «الأمور بمقاصدها».
(1) بكلي عبد الرحمن: فتاوى البكري، تحقيق بورقيبة داود، ط 1، 1423 هـ / 2003 م،
182/ 2
(2) بكلي: المرجع نفسه، 2/ 182 - 183. (1/325)
صفحة 320
326
القواعد الفقهية عند الإباضية
2 - في استثمار مال الزكاة:
إذا أُخذ مال الزكاة واستثمر في مشاريع نفعية ورابحة لمصلحة الفقير، ثم يسلم ريعها للفقراء، فالإباضية اختلفوا في هذه المسألة، فمنهم من أجاز ذلك ما دام المقصد هو تنمية المال لصالحهم، ومنهم من منع ذلك ووقف في حدود النص، وأوجب تسليم مال الزكاة لمستحقيه، وهم أولى باستثماره أو
الانتفاع به. وقد سئل الشيخ بكلي عبد الرحمن عن هذا الأمر فأجاز ذلك بشروط، ننقل رأيه بما نصه: «هل يسوغ شرعاً أن يجعل مقداراً من مال الزكاة في تنشيط اليد العاملة؟ أي إعانة العائلات الفقيرة، فبدل أن نعطيها تلك المبالغ بعنوان الاحتياج والفقر، فنكون قد أعناها، وإن بكيفية غير مباشرة على الإخلاد إلى البطالة والكسل، عِوَض ذلك ندفع لها مواد أولية للمنسوجات من صوف وقطن وصبغة وما إلى ذلك، أفلا يكون ذلك خيراً لها وفتحاً لباب السعي في وجهها؟»
نقداً
فأجاب: نعم يمكن ذلك إذا كان يدفع تلك المواد بقيمتها الحقيقية، لا يقصد متاجرة أو التخلص من سلعة بائرة، بل يراعي مصلحة المعطى له لا غير، وعلى شرط أن لا يسترد شيئاً مما أعطى، والأعمال بالنيات إذا روعيت هذه الشروط، فلا نظن أن ثمة مانعاً من هذا القصد النبيل).
ولا ريب أن الشيخ بكلي قد اعتمد في جواز استثمار أموال الزكاة لمصلحة الفقراء على قاعدة: الأمور بمقاصدها»، ومن مقاصد الشريعة العامة رعاية
مصالح الناس بجلب النفع لهم ودفع المفسدة عنهم.
هذا وقد بسط الشيخ أحمد الخليلي القول في هذه المسألة وأشار إلى أنها محل خلاف بين الفقهاء، وذكر أنه يمكن إباحة استثمار أموال الزكاة ضمن
(1) بكلي عبد الرحمن فتاوى البكري، ط محققة، 169/ 2. (1/326)
صفحة 321
الفصل الأول: القاعدة الكلية الكبرى الأولى
327
مصرف «في سبيل الله» وحاول تأصيل هذا الحكم استناداً إلى نصوص من آثار الصحابة، يقول في هذا الصدد: ولم أجد في شيء من كتب الفقه السابقة تعرضاً لاستثمار أموال الزكاة قبل وضعها في مواضعها، وإنما أفادت مراجع الفقه وغيرها ما ذكرته من اختلاف نظرة الفقهاء بين التوسعة والتضييق في بعض المسائل، بناء على اختلاف نظرتهم في ترجيح أحد الأصلين على الآخر، فمن راعى جانب التعبد شدد في ذلك، ومن راعي جانب المصلحة كان بخلافه» (1).
أحد
ويشير الخليلي إلى العلة المعتمدة في جواز استثمار أموال الزكاة وهي المصلحة المعتبرة شرعاً، فيجب أن يناط الحكم بها، وأوكل هذا الأمر إلى الحاكم الأمين الذي يراعي مصلحة المحتاجين، فيقول: «ولئن كانت المصلحة هي المحور الذي يدور عليه الفقهاء الموسعون، فإن قضية الاستثمار يجب أن تكون موضوعة في إطار المصلحة، فيحكم بجوازه أو منعه بناء على ثبوتها أو انتفائها، إلا أنه لا يمكن أن يترك الحبل على الغارب في ذلك، فيباح لكل أن يتصرف وفق ما يدعيه من المصلحة التي يراها، وإنما ولي المسلمين الأمين هو بمثابة الوكيل الشرعي لهم جميعاً في رعاية مصالحهم، فإن وجد أن الزكاة قد سدت حاجة الفقراء والمساكين، وكانت بيده فضلة منها لو تركت لاستهلكت، فلا مانع في هذه الحالة - حسب نظري - من استثمار هذه الفضلة الزائدة عن حاجة أهلها فيما يعود عليهم بالنفع الأعم).
وقد استند في حكمه ـ إلى جانب دليل المصلحة المرسلة ـ على بعض الآثار المروية عن عمر بن الخطاب الله لما كان أميراً للمسلمين، فاعتبر ذلك من السياسة الشرعية، وكذلك على الإجماع، فقال في شأنه: «وربما كان في
(1) الخليلي أحمد: الفتاوى الكتاب الأول، طبع شركة مطبعة عُمان ومكتبتها المحدودة سلطنة عُمان، ط 3، 1423 هـ / 2003 م، ص 504.
(2) الخليلي: الفتاوى، ص 504. (1/327)
صفحة 322
328
القواعد الفقهية عند الإباضية
صنيع عمر الي الله عندما حبس الفيء على المسلمين لينتفعوا بريعه من غير أن يقتسموا أصله ـ ما يستأنس به لصحة هذا النظر، وسلامة هذا الاتجاه، وكذلك صنيعه ـ رضوان الله عليه ـ عندما رأى الإسلام اشتد عوده وعظمت دوحته، ولم يكن بحاجة استعطاف المؤلفة قلوبهم لاستدرار نفعهم، واتقاء ضرهم وقف عنهم سهمهم من الزكاة، وليس ذلك إلا لما أبصره من حكمة التشريع، وأدركه من أبعاد المصلحة فإن مشروعية اشتراكهم في الزكاة ما كانت إلا لاجتلاب نفعهم ودفع ضررهم، وبما أن المسلمين أصبحوا في غنى عن ذلك لما آتاهم الله تعالى من قوة ووهبهم من تمكين رأى ذلك الخليفة الراشد البصير أن بقية مصارف الزكاة هي أولى بالتوفير، فوقف عنهم هذا السهم، وكان ذلك على مرأى ومسمع من سادة الأمة المهاجرين والأنصار ولم يكن منهم نكير، فكان ذلك إجماعاً سكوتياً (1).
ويضيف في سياق تأصيله لحكم استثمار أموال الزكاة قائلاً: «ولئن اجتهد ولي الأمر في ذلك عندما يرى مصلحة الفقراء والمساكين متعينة في استثمار نصيبهم من الزكاة بعد سداد خلتهم، وإشباع مسغبتهم، فإنه لأحرى أن يجوز في نصيب المصرف السابع وهو سبيل الله؛ لأنه من أصله موكول إليه ومردود إلى نظره، وقد نص الفقهاء على أن له أن يشتري به ما يراه مصلحة للمسلمين لأجل إعلاء كلمتهم، وحماية بيضتهم، ففي الإيضاح» ما نصه: «وكذلك جائز له ـ للإمام ـ أن يشتري من الصدقة العُدّة والسلاح والخيل للجهاد» (2)؛ لأنه قال الله تعالى: {وَفِي سَبِيلِ اللهِ} (التوبة: (60). بل نص على أن عامل الإمام في الزكاة يجتهد وسعه فيما يعود بالمصلحة على أصنافها بعد ما تكون في يده إلى أن يدفعها إلى إمامه، ففي «الإيضاح» أيضاً: «وكذلك العامل هو
(1) الخليلي أحمد المصدر السابق، ص 504 - 505. (2) الشماخي: الإيضاح، ط دار الفتح بيروت، 120/ 2 (1/328)
صفحة 323
الفصل الأول: القاعدة الكلية الكبرى الأولى
329
الناظر فيما استعمل عليه، وفي جميع ما يصلح له البيع، وفي شراء ما يصلح له الشراء» (1).
وبعد أن عرض الشيخ الخليلي حيثيات المسألة، صرح بالجواز وفق شروط محددة على أساس البعد المقصدي فقال: وخلاصة القول: إن استثمار أموال الزكاة إنما ينبني جوازه على رأي الذين غلبوا الجانب المصلحي فيها، ولا بد ـ في نظري ـ أن يكون القائم بذلك هو ولي أمر المسلمين، نظراً لما هو الأصلح، وحرصاً على ما هو الأوفر لمستحقي الزكاة، مع استشارة لأهل
النظر من خبراء وفقهاء» (2).
رابعاً: في باب الصوم
يرى بعض فقهاء الإباضية أن الإنسان إذا أصبح غير ناو للصوم، واشتغل عن الأكل والشرب والمنكح حتى غروب الشمس، لم يستحق اسم صائم ولا يسمى مطيعاً؛ لأنه مُعرَّى عن الإمساك مع النية وما أتاه فهو صورة الصوم، ولو تقدم هذا الإمساك بنية من الليل لَسْمي مطيعاً، واستحق اسم الصوم (3)، عملا بالقاعدة الفقهية الكبرى الأمور بمقاصدها». واستدلوا بقوله تعالى لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا} (هود: 7).
قال ابن بركة في هذا المعنى: «فالإنسان إذا لم يعمل ما أمر به بقصد واختيار لم يُسمّ مطيعاً، وإنّما يُسمَّى المطيع مطيعاً أن يرقب أمر المطاع، فيأتيه امتثالاً لأمره، فحينئذ يستحق اسم مطيع).
(1) الشماخي: المصدر نفسه، 2/ 120 – 121. (2) الخليلي: الفتاوى، الكتاب الأول، ص 506. (3) ابن بركة: الجامع: 265/ 1.
(4) المرجع نفسه، 266/ 1 - 265. (1/329)
صفحة 324
330
القواعد الفقهية عند الإباضية
كثيراً
خامساً: في باب الحج من الحجاج يقصدون البقاع المقدسة لأداء مناسك الحج والعمرة، وينتهزون هذه الفرصة لقضاء بعض مآربهم الدنيوية، كالتجارة والسياحة وطلب العلم وغير ذلك، فهل يصح حجهم مع هذه المقاصد، وخاصة إذا خطط لذلك قبل السفر إلى الحج، ولم يطرأ عليه ذلك، أيكون ذلك من باب إشراك العبادة بالمصالح الدنيوية؟ وهل يؤثر ذلك على عبادتهم؟ بحث بعض الإباضية هذه المسألة وبينوا حكمها استناداً إلى الأدلة الشرعية وبيان
ذلك فيما يلي: 1 - إذا خرج الحاج قاصداً البيت الحرام وحمل معه متاعاً للتجارة، هل يجوز له أن يقصد الحج والتجارة معاً؟ وما حكم حجه لو قصد التجارة فقط، وكان خروجه من أجل ذلك؟ وما حكم من يبحث عن وصية الحج فيأخذها بأجرة طمعاً في المال؟
ورد على الشيخ سعيد الخليلي سؤال يشير إلى هذه المعنى يقول فيه السائل: «وما تقول شيخنا في رجل خرج مسافراً إلى حج بيت الله، وحمل ما شاء الله من الدراهم، وفضلت عن مؤنته، ثم أراد أن يشتري بها متاعاً للتجارة، أعليه شك وشبهة في ذلك، إذا كان خروجه من وطنه لقضاء حجه وتأدية فرضه لا لتجارته، إذا كان عن نفسه أو بالأجرة، أكُلُّ ذلك سواء أم لا؟ أرأيت إذا نوى هذا الرجل ليحمل من الدراهم ما تفضل عن زاده وراحلته، وليشتري بما بقي بضاعة عسى أن يرد بعض ما أتلفه في طريقه، أيجوز له ذلك وتسعه نيته هذه أم لا؟ وإن لم تسعه هذه النية ونوى بها الحجة، فقضى مآربه، وفضلت هذه الدراهم واشترى بتلك الفضلة ما الذي تكون له السلامة عند ما وصفت لك؟».
الله
في جميع
فأجاب المحقق الخليلي: لا بأس عليه في ذلك إذا كان خروجه للحج
أن يأخذ معه تجارة ويتاجر فيها كما قال الله تعالى: {لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ (1/330)
صفحة 325
الفصل الأول: القاعدة الكلية الكبرى الأولى
331
أَن تَبْتَغُوا فَضْلًا مِّن رَّبِّكُمْ} (البقرة: 198)، وكذلك من خرج بحجة عن
غيره بالأجرة. وقيل: إنه ليس له أن يحمل معه تجارة إلا أن يشترط ذلك على من
موسم
أجره، فإن رضي له بذلك وأذن له فيه وإلا امتنع وتجدر الإشارة في هذا الصدد أن بعض الناس أهملوا قصد الحج واغتنام العبادة، والتقرب إلى الله طمعاً في مغفرته وثوابه، فتسابقوا في جمع حطام الدنيا وأهملوا صلاة الجماعة في الحرم، وانتشروا في الأسواق في أوقات الصلوات، بحثاً عن الربح الزائل من التجارة الدنيوية، فلو فقهوا فضل الحج، وأجر الحاج، وما أعد الله لهم من نعيم لزهدوا في التجارة المادية، لرغبوا في التجارة الأخروية؛ لأن ما عند الله خير وأبقى.
أداء واجبات
وكذلك قد ساء عمل من يسعى جاهداً إلى تأجير نفسه لأداء الحج عن غيره، ويطلب المال الكثير فوق المعتاد كأنه غنيمة، فإن وجد حَجَّة أقل من ذلك عزف عنها، وربما تكفيه كل نفقات الحج ويفضل منها، ولكن الطمع أعمى بصائرهم وأزهدهم في ثواب الآخرة، ولا ريب أن كل هذه التصرفات وراءها مقاصد سيئة تحبط العمل، ولا يجني أصحابها منها إلا التعب والنصب، وتورثهم الإثم والندامة، وقد يتحملون مسؤولية التقصير في الحج كاملة نيابة عن المؤجرين؛ لأنهم قد ائتمنوهم على فرض الحج، وهو دين عليهم، ولكن إذا علم المؤجر بمقاصد المستأجر، وكان من عادته ودأبه أن يستأجر الحجة لأجل المال، وليس لأداء فريضة الحج ابتغاء مرضاة الله، فانه لا يجوز له أن يستأجره، ولا يسلمه هذه الحجة، خاصة إذا كانت للموصي والوصي مسؤول عنها، فعليه أن يبحث عن أمين عالم بأحكام الحج حتى يؤديه صحيحاً، وتبرأ بذلك ذمة الجميع، الموصي والوصي، والمؤجر والمستأجر ـ والله أعلم.
(1) الخليلي سعيد بن خلفان كتاب التمهيد، 230/ 6. (1/331)
صفحة 326
332
القواعد الفقهية عند الإباضية
2 ـ ومن جهة أخرى، فإنه ينبغي للحاج أن لا يقصد بحجه الرياء والافتخار، وحُبّ المحمدة من الناس، والإسراف في نفقات الحج بقصد المخيلة، فكل ذلك حرام يحبط العمل؛ لأن ذلك من أعمال المستكبرين، وقد يغضب بعض الحجاج إذا لم يُدْعَ بلقب «الحاج» فبئس صنيعهم، وقد أشار ابن بركة البهلوي إلى هذا الأمر وحذر منه مستدلاً بنصوص من أنس بن مالك أن النبي صلى الله عليه وسلم حج على رخل قيمته أربعة دراهم، ثم قال: «اللَّهُمَّ حجة لا رياء فيها ولا سمعة» (1).
السنة، فعن
وعقب ابن بركة على هذا الحديث بعبارة بليغة فقال: «فالواجب على من أراد الحج أن يتواضع جهده، وأن يخلص نيته لله وحده، وأن يصرف همته إلى ما عنده ويجتنب الرياء والسمعة، فإنه سفر، عبادة، وأن إظهار المروءات في سفر الحج، والتفاخر والاستكثار من إظهار النعم فيه من دواعي الخيلاء والإعجاب اللذين يؤديان إلى إحباط الثواب (2). وقد يفهم البعض أنه يجب عليه أن يقتصد في نفقات الحج، فيقتر على نفسه ويمنع الصدقة عن غيره، وهذا الفهم يتنافى مع قصد الشارع في قوله تعالى: {لِيَشْهَدُوا مَنَفِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَةٍ عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَةِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَابِسَ الْفَقِيرَ} (الحج: 28)، ولذلك استدرك ابن بركة على هؤلاء ورغبهم في كثرة الإنفاق في الحج، رجاء الثواب الجزيل من الله، فقال: «وإن أكثر الحاج من النفقة رجاء الثواب كان أفضل له، ولما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «المنفق في الحج كالمنفق في سبيل الله، الدرهم
(1) رواه ابن ماجه، كتاب الحج، باب الحج على الرحل، رقم: 2890. عن أنس. والطبراني في الأوسط: 99/ 2. رقم 1378. عن ابن عباس. قال المناوي: «قال الهيثمي بعد ما عزاه له وللطبراني رجال أحمد رجال الصحيح .... لكن الحديث له شواهد ترقيه إلى الصحة بل ادعى بعضهم تواتره». فيض القدير: 27/ 2.
(2) ابن بركة الجامع، 44/ 2. (1/332)
صفحة 327
الفصل الأول: القاعدة الكلية الكبرى الأولى
333
بسبعمائة» ()، وذلك كله ترغيباً في الإنفاق في ذلك الموسم الذي تضاعف فيه
الحسنات وتمحى السيئات» (2).
سادساً: في تلاوة القرآن:
اعتاد بعض الناس في بعض البلاد أن يجمع بعض القراء في بيته، ويطلب منهم تلاوة بعض السور من القرآن بقصد التبرك وطرد الشيطان من بيته؛ ولأجل الشفاء من الأسقام، أو لجلب الرزق وصلاح الذرية، وما يقدمه لهم صدقة لوجه الله، ولكن بعض القراء لا يراعون حرمة القرآن بتلاوته تلاوة صحيحة، وقد ينشغلون بأمور خارجة عن القرآن أو يلبون الدعوة طمعاً ما يقدم لهم من طعام أو مال فكل هذه التصرفات تتناقض مع مقاصد القرآن، ولا شك أنها مقاصد سيئة تحبط العمل، وتكسب الإثم لفاعله، وهل يتحمل صاحب المنزل بعض الوزر مما صدر منهم؟
معهم
في
سئل الشيخ السالمي عما يصنعه العوام من الختمة ليطيب لهم التفكه بالطعام، وما الذي تحبه وتأمر به وما يكون نية القارئ؟ وهل تضره النية لقصد الطعام؟ وإذا كانت قراءته مغلوطة هل يصح له ذلك، إذا كان متعارفا أن القراءة أكثرها مغلوطة؟ فأجاب: «الله أعلم بهذه الحالة، وكان الأصل في هذه قصد أهل المنزل التبرك بقراءة القرآن في منزلهم، وإكرامهم للقارئ من تعظيم القرآن، فعلى القارئ أن يصحح النية ويقصد إجابة أهل المنزل للتبرك، ولا يقصد بالقراءة الطعام، فإذا قرأ على نية صحيحة جاز له أكل ما قدم له، كما أكل رسول الله صلى الله عليه وسلم
6
(1) رواه الطبراني في الأوسط، رقم 5274، 265/ 5، وأورده الهيثمي بلفظ: «النفقة في الحج مثل النفقة في سبيل الله، الدرهم بسبعمائة». عن بريدة. وقال: «فيه أبو زهير ولم أجد من
ذكره.
الزوائد، 208/ 3. مجمع
(2) ابن بركة: المرجع نفسه. (1/333)
صفحة 328
334
القواعد الفقهية عند الإباضية
الحريرة (1) من بيت عتبان بن مالك (2)، وكان قد دعاه للصلاة له في موضع من بيته تبركاً» (3)، «وجاز بمن دعي أن يقرأ ما يحسن من القرآن ولا يضره إن لَحَن، ومن قصد الأكل فذلك حظه أي لا يفوز بأجر تلاوة القرآن» (4).
(1) الحريرة: دقيق يطبخ بلبن أو دسم، ويطلق هذا الاسم في المغرب على نوع من الطعام يصنع من الدقيق وغيره من المواد الغذائية و له طعم لذيذ!! ويوجد أيضاً في المناطق الغربية للجزائر
مثل وهران وتلمسان.
مالك
(2) هو عتبان بن صحابي مشهور شَهِدَ بَدْراً، وَكَانَ إِمَامَ قَوْمِهِ فِي عَهْدِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَهُوَ أَعْمَى فِي بَنِي سَالِمٍ. ولد بالمدينة المنورة، ومات في خلافة معاوية، روى عشر أحاديث، أبو نعيم أحمد بن عبد الله بن أحمد بن إسحاق بن موسى بن مهران الأصبهاني (المتوفى: 430 هـ): معرفة الصحابة، تحقيق: عادل بن يوسف العزازي دار الوطن للنشر، الرياض الطبعة: الأولى، 1419 هـ / 1998 م، 2225/ 4. (3) رواه البخاري، كتاب أبواب المساجد، باب إذا دخل بيتاً يصلي حيث شاء أو حيث أمر ولا يتجسس، رقم: 414، ومسلم، كتاب الإيمان، باب الدليل على أن من مات على التوحيد
بن عمرو بن العجلان الأنصاري الْخَزْرَجِي من بني سالم بن عوف
دخل الجنة، رقم:
33
عن عتبان بن
مالك.
(4) السالمي: جوابات الإمام السالمي تنسيق ومراجعة عبد الستار أبو غدة، ط 3 نشر عبد الله بن محمد السالمي مكتبة الإمام السالمي، طبع بطابع النهضة روي سلطنة عُمان،
1422 هـ / 2001 م، 569/ 5. (1/334)
صفحة 329
المطلب الثالث
أثر المقاصد في المعاملات
أولاً: في الإجارة للبناء:
لو استأجر أحد رجلاً ليبني له بناء على قبر، فهل يجوز للبناء أن ينجز ذلك؟ أم يمتنع عن الفعل ما دام فيه اعتداء على الغير؟ وكذلك إن كانت مواد البناء مغتصبة أو لا يعلم بها؟ وقد سئل أبو سعيد عن هذه المسألة فبين حكمها بما نصه: وسألته عن الطيان (1) إذا استعمله إنسان يبني له على قبر، هل يجوز له عمله وأخذه الأجرة على جملة عمله هذا؟»
فأجاب: «معي إنه يخرج هذا البناء على معنى الضياع للمال إلا أن يكون لمعنى يريده الباني ظلاً من به يخرج معناه للثواب، أو لسبب من الأسباب الذي يدخل النفع لأحد من خلق الله الذي فيه الثواب» (2). وسأله كذلك: «قلت وكذلك الآمر بهذا البناء، قال: هكذا معي إنه إذا نواه
لمثل هذه المعاني التي تخرج مخرج النفع جاز له ذلك عندي» (3). وسأله أيضاً: «قلت: فإن كان هذا الأمر بهذا البناء سلطاناً جائراً واللبن والطين من أموال الناس، ولا يعلم الطيّان ذلك من وجه غصب أو حلال، غير أنّ السلطان أحضر الطين واللبن، هل يجوز لهذا الطيان أن ذلك ويعمله،
ويأخذ أجرته أم لا يجوز ذلك؟»
قال أبو سعيد: «معي
(1) الطيان: الذي يبني بالطين.
يبني
أنه إذا أذن له في عمل ما أوتي به ولم يعلم أن الذي
(2) الكدمي: المصدر نفسه، 2/ 219 - 220.
(3) الكدمي: الجامع نفسه. (1/335)
صفحة 330
336
القواعد الفقهية عند الإباضية
أتى به من وجه حرام واحتمل حلاله بوجه من الوجوه، جاز له ذلك إذا حسنت نيته في العمل ما يسعه» (1).
ويلاحظ من عبارة أبي سعيد أنه يربط كل التصرفات بالمقاصد، سواء صدرت من المؤجر أم البَنَّاء، فإن كان البناء يقصد من بنائه فوق القبر صيانته، أو نفع الناس يرجو ثواباً من الله فهذا جائز، أما إن كان البناء مخالفاً للشرع بدعة في الدين، فهذا لا يجوز قطعاً سواء كان قصده حسناً أم سيئاً.
ثانياً: في الهبة:
أشار الشماخي في أقسام الهبة الجائزة إلى أثر المقاصد في الهبة فقال: «والجائزة أيضاً لا تخلو من وجهين وجه يقصد بها الثواب، ووجه لا يذكر بها الثواب، والذي يذكر بها الثواب ينقسم أيضاً، قسمين، قسم يقصد بها وجه الله، وقسم يقصد بها وجه المخلوق».
ثم بين حكم الهبة التي يقصد بها وجه الله فقال: «هي صدقة حسنة ومندوب إليها وثوابها عند الله، يرتجى كقوله تعالى: {وَمَا عَاتَيْتُم مِّن رِبَا لِيَرْبُوا فِي أَمْوَلِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُوا عِندَ اللَّهِ وَمَا آنَيْتُم مِّن ذَكَوْةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُوْلَبِكَ الْمُضْعِفُونَ} (الروم: (39)، ولا يحل للمتصدق بها أن يرجع فيها، فقد ثبت في الحديث عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الراجع في هبته كالكلب يرجع في قيئه (3)، وإن رجع إليه بوجه من وجوه الأملاك فلا بأس عليه في قول بعضهم، والدليل على ذلك ما روي أن رجلاً
هم
(1) المصدر نفسه.
(2) رواه البخاري، كتاب الهبة، باب هبة الرّجل لامرأته .... ، رقم: 2449، 915/ 2، وأحمد، مسند عبد الله بن عمرو بن العاص، رقم: 6784، عن ابن عباس. (1/336)
صفحة 331
=
337
الفصل الأول: القاعدة الكلية الكبرى الأولى
تصدق على أمه بجارية، فماتت أُمه، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم يسأله، فقال له: «قد وقع أجرك على الله، وردّ الله عليك جاريتك (1) (2).
ولما فرغ الشماخي من بيان حكم الهبة التي يقصد بها وجه الله، توجه إلى بيان حكم الهبة التي يقصد بها وجه الناس فقال: «وأما الهبة التي يقصد بها وجه المخلوق فلا يخلو أن يقصد بها دينه أو دنياه، فإذا قصد بها دينه فلا تحل، ولا يحل لأحد أن يأكل بدينه، وروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من أشراط الساعة بيع الحكم وقطيعة الرحم، والاستخفاف بالدم، وكثرة الشروط، وأن يتخذ القرآن مزامير يقدمون أحدهم ليس بأقرئهم ولا بأفضلهم إلا ليغنيهم به غناء (3)،
(1) رواه ابن أبي شيبة، كتاب الميراث، باب الرجل يتصدق بالصدقة ثم يردها إليه، رقم: دار، 356/ 4. وسعيد بن منصور، كتاب الميراث، باب الرجل يتصدق بصدقة فترجع إليه بالميراث، رقم: 249. ابن حجر (المطالب العالية)، كتاب البيوع، باب من تصدق ثم رجع، رقم: 1582، عن ابن سيرين ونص الحديث: «عن حميد بن هلال العدوي، عن أبي الدهماء، أنه تصدق على أمه بجارية له كاتبها فماتت الأم وعليها بقية من مكاتبتها، قال: فسألت عمران بن حصين، قال: «أنت ترث أمك، وأن تقسمها في ذي قرابتها أحب إلي». صحيح موقوف
(2) الشماخي: كتاب الإيضاح، ط دار الفتح، لبنان، 401/ 4 - 402، 408. (3) أخرجه القاسم بن سلام في فضائل القرآن ـ باب ما يستحب للقارئ من تحسين القرآن وتزيينه بصوته، حديث: 196، ونص الحديث، عن زاذان أبي عمر، عن عليم، قال: كنا على سطح، ومعنا رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قال يزيد لا أعلمه إلا قال عبس الغفاري فرأى الناس يخرجون في الطاعون، فقال: ما لهؤلاء؟ قالوا: يفرون من الطاعون. فقال: يا طاعون، خذني. فقالوا: أتتمنى الموت، وقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «لا يتمنين أحدكم الموت؟» فقال: «إني أبادر خصالاً سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يتخوفهن على أمته؛ بيع الحكم، والاستخفاف بالدم، وقطيعة الرحم، وقوماً يتخذون القرآن، مزامير يقدمون أحدهم، ليس بأفقههم ولا أفضلهم، إلا ليغنيهم به غناء»، وأخرجه الطبراني في المعجم الكبير ـ من اسمه عبد الله من اسمه عابس عابس الغفاري حديث: 14901 بزيادة، وأخرجه الحاكم في المستدرك على الصحيحين کتاب معرفة الصحابة والله - ذكر مناقب الحكم بن عمرو الغفاري - حديث: 5869، وأخرجه عبد الرزاق الصنعاني في المصنف ـ كتاب الصلاة باب حسن الصوت ـ حديث:
6 (1/337)
صفحة 332
338
القواعد الفقهية عند الإباضية
كما روي أن النبي أمر بعض عماله، أو قال بعض أصحابه أن يتخذ مؤذناً لا يأخذ على أذانه أجراً، فعن عثمان بن أبي العاص قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: اتخذ مؤذناً لا يأخذ على أذانه أجراً» (1). واستدل كذلك على تحريم الانتفاع بهذه الهبة بما نقل عن أبي محمد أيسر ويلسين (3) في رواية الشيوخ أنه بات في تمنكرت (3) فجعل أهل المنزل يخرجون عنه حتى بقي وحده، وكان معه رجل غريب، فلما خرج أهل المنزل فبدأ في القراءة، وكانت له نغمة، وكان له حسن الصوت، فلما سمع أهل المنزل قراءته جاءوه بالطعام، فأبى أن يأكله وقال لصاحبه إن أردت أن تأكل، كُل، لو كانوا يطعمون في الله لأطعموني أولا).
وقد يستشكل البعض أمر المقاصد والنيات فيقول: كيف نطلع على قصده وهو من الأمور الغيبية، ولا يعلم حقيقة النوايا إلا الله؛ لأنه مطلع على ما في الصدور، فيبين الشماخي أن المقاصد تعرف بالقرائن والدلائل الظاهرة، وهذا أمر مقدور عليه فيقول: «غير أن هذا يعرف بالقرائن والدلائل إذا تبين أن الإطعام
=
4048، عن أبي هريرة، أنه سمع رجلاً ذكروا أنه الحكم الغفاري، أنه قال: يا طاعون، خذني الليل، قال أبو هريرة: أما سمعت يا أبا فلان رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ثم لا يدعو أحدكم بالموت، فإنه لا يدري على أي شيء هو منه» قال: بلى، ولكن سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكر ستاً أخشى أن يدركني بعضهن قال: بيع الحكم، وإضاعة الدم، وإمارة السفهاء، وكثرة الشرط، وقطيعة الرحم، وناس يتخذون القرآن مزامير يتغنون به». (1) رواه أبو داود، كتاب الصَّلاة، باب أخذ الأجر على التأذين، رقم: 531، 201/ 1، والترمذي، كتاب الصَّلاة، باب ما جاء في كراهية أن يأخذ المؤذن على الأذان أجراً، رقم: 209، 409/ 1، عن عثمان بن أبي العاص. وقال: «حسن صحيح». (2) أبو محمد ويسلان بن أبي صالح (أبو عمران): (حي في: 405 هـ / 1014 م) من أهل تجديت، أو من زمرين، وكان أحد السبعة الذين ألفوا ديوان العزابة في غار أمجماج بجربة، وكان
رأس هؤلاء. ينظر: معجم أعلام الإباضية (قسم (المغرب) لجمعية التراث، 112/ 2.
(3) لم أتمكن من تحديد مكانها لعلها بلدة في جبل نفوسة بليبيا.
(4) الشماخي: كتاب الإيضاح، 409/ 4 - 411. (1/338)
صفحة 333
الفصل الأول: القاعدة الكلية الكبرى الأولى
339
لم يكن الله، وإنما كان على وجه لا يحل ولا يجوز مع هذا، ونظير هذه المسألة ما رُوي من نهيه ي عن كل قرض جر منفعة (1)؛ لأن معه قرينة تدل على أنه إنما أعطاه ذلك لأجل ماله وهو منه مداراة، وكذلك كل من له عند رجل حق يجب فيه مثل هذا، وكذلك طعام الرجل عند غريمه، وفي الأثر: وقال من قال: إن طالب الحق لا ينزل على غريمه، ولا يأكل طعامه، ولا يقبل منه هدية إلا أن يحتسب ذلك من حقه، وأرجو إذا كان بطيبة نفس المطلوب أن لا يكون به بأس. ومن غيره قال: «قد قيل ذلك من الرياء أن يأكل الغريم مع غريمه، وقال من قال: إذا جاء يطلبه بحقه، وأما في غير ذلك الوقت فلا بأس». وعقب الشماخي على هذه الأقوال فقال: «وهذا فيما يوجبه النظر إنما يرجع إلى القرائن والدلائل، فمن القرائن ما ينزل منزلة التحقيق، ومنها ما هو
دون ذلك» (2).
كما أشار الشماخي إلى نوع من الهبة، وهي التي يقدمها الواهب للموهوب بمقابل مادي أو نفعي ويطلق عليها هبة الثواب فيقول في شأنها: «وإذا قصد بالهبة ما يثيبه الموهوب لها من الدنيا فإنه لا يخلو أيضاً أن يكون الثواب معلوماً أو غير معلوم، فإذا كان الثواب معلوماً، فالهبة جائزة وتجري مجرى البيع في معانيها ... وإن كان الثواب غير معلوم فهي أيضاً جائزة، وعلى الموهوب له القيمة، وفي الأثر: وإن ذكروا ثواباً ولم يثبه الموهوب له كان له أن يرجع الهبة، فهذا يدل منهم أن الهبة للثواب بمنزلة البيع يدرك فيه القيمة» (3).
(1) يشير إلى حديث ثبت عن الرسول صلى الله عليه وسلم أنه قال: «كل قرض جر منفعة فهو ربا» رواه الربيع، كتاب البيوع، باب ما ينهى عنه من البيوع، رقم: 563، ص 225، عن جابر بن زيد مرسلاً، بلفظ: « ... وعن سلف جر منفعة»، والبيهقي في الكبرى، كتاب البيوع، باب كل قرض جر منفعة فهو رباً، رقم: 10715، 5/ 350، عن فضالة بن عبيد. ونص الحديث «عن عثمان بن أبي العاص قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اتخذ مؤذناً لا يأخذ على أذانه أجراً».
(2) الشماخي: الإيضاح، 411/ 4، 412.
(3) الشماخي: المصدر نفسه، 412/ 4. (1/339)
صفحة 334
340
القواعد الفقهية عند الإباضية
ويستنتج من فحوى خطاب الشماخي أنه اعتمد في بيان أنواع الهبة وأحكامها على قاعدة: الأمور بمقاصدها»، وإن لم يصرح بها؛ لأنه حسب المقصد يتقرر الحكم ويكون الجزاء، فالظاهر هبة، ولكن حكمها يختلف حسب المقاصد، إن كان يقصد بها وجه الله أو وجه المخلوق، أو ينتظر منها
تعويضا كالبيع.
ثالثاً: في حكم إيداع الأموال بالبنوك الربوية لحفظها وتسهيل نقلها: تكاد تتفق كلمة فقهاء الإباضية في تحريم التعامل مع البنوك والمصارف الربوية، ولم يرخص في ذلك إلا البعض عند الضرورة وانعدام البدائل المشروعة، كالمصارف الإسلامية، وأمام تعقد الحياة المادية وفساد أخلاق الناس والاعتداء على الأموال وتهرب المدينين عن سداد ديونهم التجأ بعض الناس إلى البنوك التقليدية للاستعانة بها في حفظ أموالهم من التلف والسرقات، أو للضغط على المدينين لسداد ما عليهم من ديون، أو جعلها وسيلة عبور ونقل للأموال من مختلف المناطق دون لقاء بين المتعاملين لصعوبة نقل الأموال الضخمة عبر وسائل النقل المعتادة فسهلت للناس، معاملاتهم، وساهمت في تنشيط الحركة التجارية وازدهار الحياة الاقتصادية، وأمام هذه الأوضاع الجديدة تباينت مواقف الفقهاء واختلفت أحكامهم بين مانع ومجيز بإطلاق أو بقيود. ومن الذين رخصوا في الاستعانة بالبنوك الربوية لقصد حفظ الأموال وتسهيل انتقالها الشيخ عبد الرحمن بكلي مفتي الديار المزابية بالجزائر سابقاً ـ فقد ولج هذا الميدان الخطير بجرأة وشجاعة، وقدّم للناس حلولاً مؤقتة لإنقاذهم من شبهات الربا التي وقع فيها كثير من الناس في ظل انتشار البنوك الربوية، وانعدام المصارف الإسلامية في معظم البلاد الإسلامية، وبنى حكمه انطلاقاً من قواعد التيسير ورفع الحرج والمشقة عن الناس، ومراعاة
للنصوص الشرعية ومقاصد الشريعة الإسلامية. (1/340)
صفحة 335
=
341
الفصل الأول: القاعدة الكلية الكبرى الأولى
وقد سئل في هذا الصدد: «ما قولكم - يرحمكم الله ـ في مخالطة البنوك واتخاذها مقراً على الخصوص؟» فأجاب: رحم الله «غالب العمليات التي يجريها أرباب الأموال على البنوك المؤسسة على قاعدة الربا ـ الفائض ـ لا يقرها الشرع الإسلامي؛ لأنها لا تخلو من ربا حرم الله أكله تحريماً باتاً لا هوادة فيه، قال تعالى: {الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبوا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِى يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبوا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبوا} (البقرة: 275)، كما هدد من لم يتركه ويتنصل منه بحرب من الله ورسوله، {يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبوا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ * فَإِن لَّمْ تَفْعَلُوا فَأَذَنُوا بِحَرْبٍ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ} (البقرة: 278 - 279)، ومحارب لا محالة ... » (1). محروب
الله
عن
ويشير البكري إلى العلة من تحريم الربا وأنه توجد في البنك معاملات خالية من قصد الربا، ولا تقوم على أساس الربا فيقول: « ... بَيْدَ أننا إذا بحثنا العلة التي أوجبت تحريم أوجبت تحريم هذه العمليات وجدناها تكمن في قصد عملائها استثمار أموالهم وتنميتها على طريقها، وعلى قاعدتها الربوية، وعليه فإذا ما وجدنا صورة لا يقصد بها الاستثمار والتنمية، وإنما يقصد منها وجه آخر مباح، وقفنا إزاءها متأملين أيشمله المنع أم تستثنى من القاعدة العامة لخلوها من القصد المحظور؟ ومن بين هذه الصور الأخيرة اتخاذ البنك مقرّاً المُعبّر عنه في اصطلاحهم بالدسلياسون (2) ـ، وإذا تحققنا أن ليس القصد من هذه المخالطة ... تنمية
(1) بكلي عبد الرحمن فتاوى البكري، ط الأولى 1402 هـ / 1982 م، 202/ 1 - 203. (2) (dossiliation)، وقد بين البكري حقيقة اتخاذ البنك مقرّاً وصورة ذلك: «أنه يُنزل التاجرُ البنك منزلة وكيله بأن يضع في صندوق البنك ما يدخل يده من الأموال، ويلتزم البنك من
جهته تسديد ديون حريفه التي عليه وصكوك ديون حريفه التي عليه لغرمائه، كما يستخلص (1/341)
صفحة 336
342
القواعد الفقهية عند الإباضية
الأموال واستثمارها، وإنما حفظها والتذرع بها إلى اتخاذ البنك كوكيل يتولى تسهيل العمليات المالية، إذا تحققنا ذلك ساغ لنا أن نتساءل: هل للقصد تأثير على تكييف الحكم، بناء على أن الأعمال بالنيات؟ (1).
ويجيب البكري عن هذا الإشكال استناداً إلى النصوص الثابتة وأقوال العلماء فيقول: «وبناء عليه يترجح أن يكون الجواب ـ والله أعلم ـ في هذه الصورة إيجابياً، سيما والتضييق في المعاملات - إذا لم تشتمل على محادة الله فيما شرع - مما لا ينبغي قال الشيخ رشيد رضا (3): إن التعامل في عمل مفيد
=
بالبنك
البنك له ما على حرفائه من سندات وصكوك مالية؛ لأن الحرفاء يرهبون جانب البنوك أكثر من جانبهم، يعرف ذلك يقيناً من ابتلي بالتجارة، ويتلذذ الحرفاء في تسديد ما عليهم متى خاطبهم دائنهم كفاحاً، أو أرسل إليهم سنداته على طريق البريد، هذا إلى ما في إيداع أمواله من الاطمئنان على صيانتها لا سيما إذا لم تكن تلك الأموال خالصة له، فإن من عاش في هذه الظروف - خصوصاً في بعض الأقطار التي فشت فيها الاضطرابات وعمت الفوضى، وكثر فيها النهب والغصب أثناء بعض التفتيشات المقصودة، لذلك وجد في البنك ملجأ حصيناً يجعل أمواله في نجوة من أن تنالها يد غاصب أو ناهب أو سارق أو عابث، على أن هذا العميل لو اتخذ له وكيلاً يتولى له ما أسلفنا ذكره من الأعمال والعمليات والحفظ لتقاضي عليه أضعافا مضاعفة مما يؤديه للبنك، وعليه ألا نعتبر ما يأخذ منه البنك من قبيل ما يأخذه منه وكيله؟». بكلي عبد الرحمن فتاوى البكري، 204/ 1.
(1) البكري الفتاوى 202/ 1 - 203. بتصرف
(2) محمد رشيد بن علي رضا بن محمد شمس الدين بن محمد بهاء الدين بن منلا علي خليفة القلموني، البغدادي الأصل الحسيني النسب (1282 - 1354 هـ/ 1865 – 1935 م): أحد رجال الإصلاح الإسلامي من الكتاب العلماء بالحديث والأدب والتاريخ والتفسير. ولد ونشأ في القلمون (من أعمال طرابلس الشام وتعلم فيها. وتنسك، ونظم الشعر في صباه، وكتب في بعض الصحف، ثم رحل إلى مصر سنة 1315 هـ فلازم الشيخ محمد عبده وتتلمذ له. وكان قد اتصل به قبل ذلك في بيروت. ثم أصدر مجلة (المنار) لب آرائه في الإصلاح الديني والاجتماعي. وأصبح مرجع الفتيا، في التأليف بين الشريعة والأوضاع العصرية أشهر آثاره: «مجلة «المنار» أصدر منها 34 مجلداً، و «تفسير القرآن الكريم ـ ط»
الجديدة. من
اثنا عشر مجلداً منه، ولم يكمله. الزركلي: الأعلام، 126/ 6. (1/342)
صفحة 337
الفصل الأول: القاعدة الكلية الكبرى الأولى
343
للآخذ والمعطي شركة أو تجارة، وليس هو من الربا الحقيقي الذي علل الله حرمته بقوله: {لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ} (البقرة: 279)، والتضييق في التعامل يفقر الأمة ويضعفها ويجعلها مسودة للأمم). ثم إذا نظرنا إلى ما قرره الشيخ أطفيش في معرض الكلام على بيع الذرائع الذي يعدّ الفقهاء صوره صوراً ربوية في ظاهر الحكم، إذ قال في شرح النيل: إن بيع الذرائع الحكم الحقيقي فيه يدور على محور قوله: «إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى» (2) (3). وبعد أن عرض البكري أقوال بعض الفقهاء الذين ينظرون إلى المقاصد في المعاملات فيبنون عليها أحكامهم، خلص إلى القول: «فإذا سلمت النيات من قصد التذرع إلى أخذ ثمن حاضر ليدفع أثمن منه بعد أجل، كانت الصورة جائزة فيما بينه وبين الله، وإن حكم الحاكم ببطلانها؛ لأن حكمه ينبني على الظاهر والصورة الظاهرية ربوية، ففرق إذا بين ما يسوغ في الحكم، وبين ما يسوغ للمرء بينه وبين الله، وهذا الاعتبار الأخير هو ما يجب على كل مسلم أن يهدف إليه في أعماله، فتبين من هذا الفرق أن للقصد تأثيراً أي تأثير في تكييف الحكم» (4). هذا ومما تجدر الإشارة إليه أن البكري لم يجعل حكم اتخاذ البنك مقرّاً مطلقاً، بل قيده بشروط حتى لا يتخذه البعض ذريعة إلى الربا؛ لأن الأصل تحريم التعامل مع البنوك، وهذه الرخصة جاءت من باب «الضرورات تبيح المحظورات»، و «الضرورة تقدر بقدرها وفي هذا المعنى يقول: «وزيادة في
الاستبراء ننصح هذا العميل بما يأتي:
(1) رشيد رضا، مجلة المنار، م 17 نص 280.
(2) سبق تخريجه
(3) أطفيش: شرح النيل في باب الذرائع، 151/ 14. لم ينقله بلفظه بل بمعناه.
(4) بكلي عبد الرحمن فتاوى البكري، 203/ 1 - 204. (1/343)
صفحة 338
344
القواعد الفقهية عند الإباضية
1 - أن لا يتخذ ذلك ذريعة لاستغلال البنك بطريقة ماكرة، بأن يظل ما عليه للبنك يفوق أضعافاً مضاعفة ما لديه مودعاً بالبنك، فيكون حينئذ بمثابة
من يقترض منه مبالغ بفائض وهذا محرم.
2 ـ أن يجمع كل سنة ما انجر له فائضاً من هذه المعاملات إذا كان دخله أكثر من خرجه، ثم يطرح ما أخذه منه البنك والفاضل يتصدق به على الفقراء، فإذا فعل ذلك فقد بالغ - والله أعلم ـ في الاستبراء لدينه وعرضه، قال تعالى: {وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ} (البقرة: 279).
وبعد أن وضع البكري هذه الضوابط المانعة من الوقوع في أوحال الربا، أكد ما توصل إليه بعد طول النظر في حيثيات الموضوع فقال: «وعليه، نظراً للاعتبارات المتقدمة مما أسلفت لك تفصيله، فإن طريقة اتخاذ البنك مقرّاً
أراها جائزة شرعاً» (1).
مجمل القول:
بعد عرض رأي البكري في حكم اتخاذ البنك الربوي مقراً لحفظ الأموال من التلف، وجعله بمثابة الوكيل الذي يسهل عمليه انتقال الأموال، ومتابعة الزبائن الذين يتعامل معهم، وذلك بالضغط عليهم لسداد ديونهم المستحقة له، يبدو أن ما ذهب إليه البكري هو الرأي الأعدل والأوفق في مثل هذه الظروف؛ لأنه يتماشى مع ضرورة العصر، وفيه مراعاة لمقاصد الشريعة في التيسير على الناس ورفع الحرج عنهم في مجال المعاملات، ما دامت لا تتصادم مع النصوص القطعية، إلا أنه إن وجدت وسيلة أخرى مشروعة تقوم بحفظ الأموال، وتسهل على المتعاملين انتقال أموالهم بأمان، وتعين العملاء على جمع أموالهم من المدينين وذلك بالضغط عليهم حتى يسددوا ما عليهم دون
(1) بكلي عبد الرحمن فتاوى البكري، 204/ 1 - 205. (1/344)
صفحة 339
الفصل الأول: القاعدة الكلية الكبرى الأولى
345
مماطلة في الدفع والقضاء، ففي هذه الحالة يتوجب على المسلم أن يتجنب التعامل مع البنوك الربوية تحت أي ذريعة كانت، ما دامت توجد مؤسسات مالية بديلة تقوم على أساس المعاملات الإسلامية؛ لأن العلة تدور مع المعلول وجوداً وعدماً، فإن زال العذر المانع، وانتفى، عاد الحكم إلى أصله وهو المنع، وهذا ما ينبغي على الفقهاء أن ينبهوا إليه ويرشدوا الناس إليه، حتى نساهم في انتشار المصارف الإسلامية، وتقليص المصارف الربوية والله أعلم.
رابعاً: حكم دفع الرشوة للحاكم مداراة وصيانة للنفس والمال والعرض: أجمع الفقهاء على أن الرشوة محرمة شرعاً على المعطي والآخذ، ورخص بعضهم في رشوة الحاكم للمداراة اتقاء لشره وضرره، ودفاعاً عن النفس والعرض والمال، إذا كان لا يقدر على دفع ظلمه إلا بذلك، وقالوا حلال على المعطي المضطر حرام على الآخذ المستغل، وقد اشتبه أمر الرشوة على كثير من الناس، فمنهم من منعها مطلقاً، ومنهم من حرمها على الآخذ وأجازها على المعطي عند الضرورة، ومنهم من توقف في حكمها، وقد ورد على الشيخ عبد الرحمن بكلي سؤال حول هذه المسألة، مفاده: «متى يعتبر ما يبذله المرء لغيره رشوة يحرم تعاطيها؟
فأجاب: «الرشوة والسحت والمداراة من شجن واحد، بيد أن حكمها يختلف، فالرشوة: هي ما يعطى لحاكم تذرعاً لإبطال حق أو إحقاق باطل، وهي محرمة على المعطي والآخذ معا ملعونان على لسان الشارع، بل وحتى على الرائش الذي يمشي بينهما، قال تعالى: {وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَلَكُم بَيْنَكُم بِالْبَطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ} (البقرة: 188)،
(1) بعد الاطلاع على رأي شيخنا أحمد بن حمد الخليلي في فتاويه وجدته يوافق رأي البكري في تحريم التعامل مع البنوك الربوية إلا عند الضرورة، كاتخاذه مكاناً آمناً لحفظ الأموال عند عدم وجود البديل والضرورة تقدر بقدرها ينظر فتاوى المعاملات الكتاب الثالث، ص 137 - 153. (1/345)
صفحة 340
346
القواعد الفقهية عند الإباضية
وقال صلى الله عليه وسلم: «لعن الله الراشي والمرتشي»، وقال: «الراشي والمرتشي في النار»)، وقال أيضاً: «لعن الله الراشي والمرتشي والرائش الذي يمشي بينهما (2) (3). وبعد أن عرَّف البكري الرشوة وبيّن حكمها ودليلها من القرآن والسُّنَّة، عرَّف السُّخت فقال: «وهو كل ما يأكله الناس بينهم بالباطل، فهو أعم من الرشوة، وهي منه، وبه فُسِّر قوله تعالى: {أَكَلُونَ لِلسُّحْتِ} (المائدة: 42). أي للرشي، وهو محرم تناوله، فقد ثبت عن جَابِرُ بْنُ زَيْدٍ أَنَّ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ لِكَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ: يَا كَعْبُ كُلَّ لَحْمِ نَبَتَ مِنْ سُحْتٍ فَالنَّارُ أَوْلَى بِهِ». قال: كل لحم نبت من سحت فالنار أولى به (4) (ه).
(1) رواه ابن حجر، کتاب القضاء والشهادات، باب ذم الرشوة، رقم: 2239. والحاكم، كتاب الأحكام، باب وأما حديث ثوبان، رقم: 7130. عن عائشة. ولفظه قال: حدثنا مروان بن معاوية، عن إسحاق بن يحيى، عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن عمرة، عن عائشة، قالت: «لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم الراشي والمرتشي» رواه أبو يعلى، عن أحمد بن منيع وقال البزار: لا نعلمه عن عائشة، إلا بهذا الإسناد، تفرد به إسحاق بن يحيى وهو لين. (2) رواه الحاكم، كتاب الأحكام، باب وأما حديث ثوبان، رقم: 7068. عن ثوبان. والترمذي، باب ما جاء في الراشي والمرتشي في الحكم، رقم: 1336. بلفظ: لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم الراشي والمرتشي في الحكم»، عن أبي هريرة، وقال: وفي الباب عن عبد الله بن عمرو وعائشة وابن حديدة وأم سلمة، وقال: حديث أبي هريرة حديث حسن صحيح ... وسمعت عبد الله بن عبد الرحمن
يقول: حديث أبي سلمة عن ابن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم أحسن شيء في هذا الباب وأصح. (3) بكلي عبد الرحمن: فتاوى البكري، ط 1، 1/ 237 - 238. (4) أخرجه الربيع بن حبيب في المسند رواية عن جابر بن زيد، كتاب الأخبار والمقاطيع، رقم: 941، ص 329، بلاغاً. والترمذي، كتاب الحظر والإباحة، باب ما ذكر في فضل الصلاة، رقم: 614، عن كعب بن عجرة بنفس المعنى وزيادة وقال: هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه لا نعرفه إلا من حديث عبيد الله بن موسى. . وأخرجه ابن حبان في صحيحه ـ كتاب الحظر والإباحة ذكر الإخبار بإيجاب النار - حديث: 5644؛ عن كعب بن عجرة، قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «يا كعب بن عجرة، إنه لا يدخل الجنة لحم ودم نبتا على سحت النار أولى به، يا كعب بن عجرة، الناس غاديان: فغاد في فكاك نفسه فمعتقها، وغاد موبقها يا كعب بن عجرة، الصلاة قربان، والصدقة برهان والصوم جنة، والصدقة تطفئ الخطيئة كما يذهب الجليد على الصفا». (5) بكلي عبد الرحمن فتاوى البكري، 238/ 1. (1/346)
صفحة 341
الفصل الأول: القاعدة الكلية الكبرى الأولى
347
كما تعرض البكري لبيان معنى المداراة مبرزاً العلاقة بينها وبين الرشوة والسحت فقال: «والمداراة وإن كانت من قبيل الرشوة، لكنها غير محظورة على معطيها، وهي محرمة على آخذها؛ لأن المعطي يصانع بها الجبار دفعاً لظلمه عن النفس أو العرض أو المال، قال صلى الله عليه وسلم: قوا بأموالكم عن أعراضكم، وليصانع أحدكم بلسانه عن دينه»).
وروي عن جابر بن زيد والشعبي أنهما قالا: لا بأس أن يصانع الرجل عن نفسه وماله إذا خاف الظلم وقال الحسن: لعن الله الراشي والمرتشي ليبطل حقاً أو يحق باطلا، أما أن تدفع عن مالك فلا بأس.
6
قال صاحب النيل: ولا تحل المداراة لآخذها لقوله صلى الله عليه وسلم: «شر الناس من يُكرم مخافة شره (3)، وجاز للمسلمين أن يداروا على أنفسهم ومالهم وحرمهم بأموالهم» (4). قال: شارحه أن يداروا من خافوا منه الظلم ولم يقدروا عليه، مشركاً أو مخالفاً أو موافقاً»).
مجمل القول:
وبعد أن عرض البكري أقوال الفقهاء في حكم الرشوة والمداراة خلص
(1) أورده ابن عدي في الكامل: 364/ 2، 493 كاملًا. والذهبي في المغني في الضعفاء: 175/ 1، 1572. وابن حجر في اللسان: 1283/ 213/2، الشطر الأول منه مع زيادة في أوله، عن عائشة. قال المناوي: قال ابن عدي الحسين بن المبارك متهم بالوضع ثم ساق له
هذا الحديث. الفيض: 528/ 4.
(2) رواه ابن أبي شيبة، كتاب البيوع، باب الرجل يصانع عن نفسه، رقم: 21536. عن جابر بن زيد. وأورده المباركفوري في التحفة: 471/ 4. عن جماعة من أئمة التابعين. (3) أطفيش أمحمد: هميان الزاد إلى دار المعاد: 310/ 4. أبو ستة، حاشية الترتيب: 208/ 4. وقد نسبه لصاحب الضياء.
(4) الثميني عبد العزيز: كتاب النيل وشفاء العليل، 701/ 3. (5) أطفيش: شرح كتاب النيل، ط 2 نشر مكتبة الإرشاد جدة السعودية، وطبع بدار الفتح بيروت،
1405 هـ/ 1985 م، 87/ 12. (1/347)
صفحة 342
348
القواعد الفقهية عند الإباضية
إلى القول: «وعليه، فلا يعتبر عندي من الرشوة المحرمة ما يعطيه تاجر لعامل في منظمة وطنية مقابل تمكينه مما يرغب في شرائه زيادة على قيمتها المقررة قانوناً؛ لأنه المباشر للبيع، فتلك الزيادة تعتبر من تمام قيمة البضاعة التي لا سبيل للحصول عليها واقعياً إلا من طريق تلك الزيادة، فهو يعطيها مكرهاً رغبة في اقتناء سلعة، وليس الغرض من بذل تلك الزيادة التذرع إلى إبطال حق أو إحقاق باطل، أو كان قصده تأييد الوسيط على غلوله، فتلك الزيادة تشبه ما يأخذه السمسار على التاجر زيادة على سعر البضاعة، وإنما الأعمال بالنيات، هذا بالنسبة للمشتري، أما بالنسبة للوسيط فلا تحل له تلك الزيادة التي يأخذها لنفسه؛ لأنها غلول، قال: من استعملناه على عمل فرزقناه رزقاً، فما أخذه بعد ذلك فهو غلول» (1) (2)
في حكم مداراة الحاكم الظالم بالمال: ويؤكد البكري رأيه في موضع آخر فيقول: «ومما يشهد بذلك أن العلماء فرقوا بين الآخذ والمعطي في باب المداراة ـ وهي من الرشوة طبعاً ـ وحرموا على الآخذ أخذها؛ لأنه ظالم وأكل لمال الناس بالباطل، وأجازوا للمعطي إعطاءها دفعاً عن نفسه أو ماله أو عرضه؛ لأنه مظلوم ومضطر أن يصانع الجبار، ولو لم يكن هناك خوف ممن لا يقدر عليه لما ساغ له أن يداري فيصبح ما يعطيه حينئذ أكلاً لمال نفسه بالباطل وهو حرام» (3).
(1) رواه ابن خزيمة، كتاب الزكاة، باب فرض الإمام للعامل على الصدقة رزقاً معلوماً، رقم: 2204. والحاكم، كتاب الزكاة، باب وأما حديث محمد بن أبي حفصة، رقم: 1410. وقال:
هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه.
(2) بكلي عبد الرحمن فتاوى البكري، 239/ 1. (3) بكلي عبد الرحمن المرجع نفسه، 280/ 1. (1/348)
صفحة 343
الفصل الأول: القاعدة الكلية الكبرى الأولى
349
ويستنتج من عبارته أن المداراة جائزة عند الضرورة، إذا كان المضطر غير قادر على دفع ضرر الظالم عن نفسه أو ماله أو عرضه، أما إذا كان قادراً على دفع ذلك دون مداراة فلا يجوز ذلك ما دام قد انتفت الضرورة، و «الأمور
بمقاصدها»، و «الضرورة تقدر بقدرها».
خامساً: في حكم الرهان الرياضي:
اعتادت الحكومات والجمعيات الثقافية والرياضية تنظيم مسابقات ثقافية ورياضية بين الشباب وترصد للفائزين جوائز قيّمة بقصد تشجيعهم على اکتساب الثقافة وممارسة الرياضة؛ لتنمية عقولهم وأجسامهم، وقد ابتدع البعض فكرة الرهان الرياضي يشارك فيه كل من يرغب في مناظرة فريق رياضي؛ لقصد الربح المادي مقابل مبلغ رمزي يدفعه للجهات المنظمة، وقد اشتبه على البعض حكم الرهان الرياضي وتساءل هل حكم ما يجنيه المشارك فيه من ريع يعتبر بمثابة الجُعل الذي أجازه الفقهاء؟
سئل الشيخ عبد الرحمن بكلي عن الحكم الشرعي في الرهان الرياضي فأجاب: «هو من القمار المحرم؛ لأنه رهان بعوض من الجانبين بدون محلل، وهو لا يجوز (1). وزيادة في توضيح هذا الحكم نقل الشيخ عبد الرحمن أقوال بعض الفقهاء في حكم المسابقات الرياضية، فذكر عن القرطبي أنه: «لا خلاف في جواز المسابقة على الخيل وغيرها من الدواب وعلى الأقدام، وكذا الرمي بالسهام، واستعمال الأسلحة، وقد قصرها فريق من العلماء على الخف والحافر والنصل، وخصها بعض العلماء بالخيل، وأجازها عطاء في كل شيء، كل هذا إذا كان بغير عوض، أما إذا كان بعوض
فيجوز في الحالات الآتية:
(1) بكلي: المرجع نفسه، 251/ 1. (1/349)
صفحة 344
350
القواعد الفقهية عند الإباضية
1 - أن يكون الجعل من غير المتسابقين، كالإمام (وفي معناه الحكومة)، بأن يقول الإمام لفارسين أو راميين من سبق منكما فله كذا، ومن سبق
فلا شيء له. وحُكي عن مالك أنه لا يجوز العوض من غير الإمام. 2 - أن يكون المال من جانب واحد، كأن يقول أحد المتسابقين: إن سبقتني أعطيتك كذا وإن سبقتك لا آخذ منك شيئاً.
- إذا كان معهما ثالث محلل شريطة أن يكون محتمل السبق ولا يخرج من عنده شيئاً، ليخرج العقد من متناول القمار.
وصورته أن يقال: إن سبق أخذ منهما أنصافاً، وإن لم يسبق لم يعطهما شيئاً، وإن سبق أي واحد منهما الآخر فله كذا من مال الآخر، فيأخذ المحلل منهما الجُعل إن سبقهما، ولا يعطيهما شيئاً إن لم يسبقهما، وفيما بينهما أيهما سبق أخذ ما شرط له).
وعقب الشيخ عبد الرحمن بكلي على هذه الحالات وما قيل فيها بقوله: «فأنت ترى أن الرهان الرياضي لا ينطبق على صورة من صور الجواز، لذلك قلنا إنه قمار وأنه حرام، لا يقال إن ما يوضع على كلا الجانبين رهان في مباراة العصر، لا يكون غالباً من المتسابقين إنما يضعه غيرهم ذلك يجري على
يد ممثله؟
قلنا: فرق بين القصدين، فإن الإمام يمنح ذلك تشجيعاً لرعيته على ركوب الخيل والفروسية إعداداً للقوة، ثم لا يسترد ما أعطى، بخلاف أولئك الهواة فإنهم لا يقصدون من وراء ذلك سوى الربح من طريق القمار، والحصول على الرهان، ولم يكن مقصدهم كالمقصد الأول نبيلاً، والأعمال بالمقاصد،
فتدبر والله تعالى أعلم وأحكم (2).
(1) بكلي: المرجع نفسه، 251/ 1 - 252. (2) المرجع نفسه، 252/ 1. (1/350)
صفحة 345
الفصل الأول: القاعدة الكلية الكبرى الأولى
351
خلاصة القول:
يظهر من خلال عبارة البكري أن هناك فرقاً واضحاً بين الرهان الرياضي والجعل الذي يمنحه الحاكم للمتسابقين، تشجيعاً لهم على الرياضة، وتقوية لأجسامهم، فالأول حرام؛ لأنه قمار، والثاني مباح فهو بمثابة العطية أو الهدية من الحاكم ولا ريب أن البكري توصل إلى هذه الحقيقة اعتماداً على قاعدة: الأمور بمقاصدها». (1/351)
صفحة 346
المطلب الرابع
أثر المقاصد في الأحوال الشخصية
أولاً: في حكم طلاق السكران
اختلف فقهاء الإباضية في حكم طلاق السكران، فمنهم من يرى أن السكران الفاقد للقصد لا يقع طلاقه كما لا تقع تصرفاته المالية؛ كالبيع والشراء والهبة والوصية والنكاح، وذلك إعمالا لقاعدة: الأمور بمقاصدها»، بينما يذهب البعض الآخر إلى الحكم بوقوع طلاق السكران معاقبة له على جنايته.
ولأهمية هذه المسألة فقد بحثها بعض الفقهاء، فبيّن حكمها وحدد الفرق بين أنواع السكر، وحالة السكران، وقال: هناك من يكون سبب سكره شُرب الحلال دون قصد الإسكار، وقد يكون يشرب الحرام مع القصد، والسكران قد يكون في حالة الإسكار مميزاً يعقل ما يقول، وقد يكون غير مميز فاقداً للوعي، كالمجنون أو المغمى عليه، وفي كل هذه الحالات فالصورة واحدة وهي: الشكر والتصرف واحد وهو التلفظ بالطلاق، أما الحكم يختلف حسب الأسباب والأحوال، والمقاصد).
ويُعدّ ابن بركة من أبرز من تعرض لهذه المسألة بتفصيل، وحكى اتفاق الإباضية على وقوع طلاق السكران دون غيره من التصرفات، ولكنه اختلف معهم بعد نظره في المسألة من جميع الوجوه، فوجد الحكم يختلف حسب حالة السكران، فصرح برأيه مستنداً إلى أدلة الشرع، وفي ذلك يقول: «اتفق أصحابنا فيما تناهى إلينا عليهم أن طلاق السكران يقع منه محكوماً عليه به،
(1) السالمي: طلعة الشمس، 264/ 2. وينظر: عبد العزيز الثميني كتاب النيل وشفاء العليل،
445/ 2 (1/352)
صفحة 347
الفصل الأول: القاعدة الكلية الكبرى الأولى
353
وطلاق المجنون غير واقع منه باتفاق منهم ومن مخالفيهم أيضاً، وكذلك قال الجميع: إن من وقع منه هذا الطلاق في حال مرض، أو من خولط في عقله ببعض العلل أن طلاقه لا يلزم، ولم أعلم أن أحداً أجاز بع السكران
ولا شراءه» (1). وتعجب ابن بركة من موقف جمهور الإباضية الذي يفرق بين طلاق السكران وغيره من التصرفات، ولم تظهر عنده علة مناسبة لذلك، ولا مسند لهم في هذه المسألة، فتساءل وقال: ولم أعلم ما وجه أصحابنا في تفريقهم بين طلاق السكران وغيره من النكاح والبيع والشراء، مع استواء حكم الظاهر في الجميع مع قولهم: إن الطلاق لا يقع إلا بالنية والسكران لا نية له!» (2). ولكن بعد التأمل في المسألة والنظر فيها من كل الجوانب تبين له الحكم المناسب الذي لا يسوّي بين السكران المميز وغير المميز، فوافقهم في جانب التمييز لما يكون السكران واعياً لما يصدر منه، واختلف معهم عند فقد التمييز فقال: «والنظر يوجب عندي أن السكران الذي معه تمييز أن الأحكام تلزمه في كل شيء؛ لأنه يفعل ما يفعله بقصد لما عنده من التمييز، وأما السكران الذي لا تمييز معه كالمجنون الملقى في قارعة الطريق والساقط على المزبلة، فسبيله عندي سبيل المجنون الذي تقع أفعاله معراة من المقاصد، والله تبارك وتعالى لا يخاطب إلا من يعقل عنه خطابه، ومن كان مجنوناً أو لا يعقل الخطاب لا تلزمه أحكام العقلاء» (3).
وقد عضد ابن بركة مذهبه بنص من القرآن يخاطب الله فيه السكارى رغم أنه يفترض أنهم في حالة فقدان الوعي والإدراك، فيقول: «وقد خاطب الله جل ذكره بعض السكارى بقوله: {لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنتُمْ سُكَرَى} (النساء: 43).
(1) ابن بركة: الجامع، 179/ 2.
(2) المصدر نفسه.
(3)
ابن بركة: الجامع، 179/ 2. (1/353)
صفحة 348
354
القواعد الفقهية عند الإباضية
فالسكران علي:ضربين سكران مميز وسكران غير مميز، فالمميز إذا أتى بفعل وادعى عزوب النية وترك القصد مع الفعل لا تقبل منه دعواه كما تقبل من مميز غيره.
والسكران الذي لا يعقل لا يقع منه طلاق ولا غيره، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إنما الأعمال بالنيات ولكل امرئ ما نوى، فإذا عدمت نيته لزوال عقله بسكر أو جنون كانت أفعاله غير محكوم بها (1).
ويضيف قائلاً: ومما يدل على صحة ما قلنا ما اتفق الناس عليه أنه لو استأجر في حال ذلك، أو اشترى أو باع، أو وهب أو تزوج، فإن ذلك لا يثبت عليه لعدم القصد منه ومعرفته بحقيقة الفعل، فإذا كان العاقل المميز يلزمه حكم ما لفظ به في الطلاق وإن ادعى طلاقاً من وثاق؛ فإنه لم يرد طلاقاً يوجب تحريماً لما عنده من العقل والتمييز، وكذلك السكران المميز يلزمه ما لفظ به من الطلاق وغيره لما عنده من العقل والتمييز).
فالتمييز عند ابن بركة هو أساس الحكم على تصرفات السكران؛ لأن العقل أساس التكليف، فإذا وجدت العلة وجد الحكم، وإذا زالت العلة زال
الحكم.
بينما نجد السالمي وغيره يجعل الشكر الذي سببه حرام هو الحكم على طلاق السكران، سواء وجد التمييز أو انعدم، ولم يقصر هذا الحكم على الطلاق دون بقية التصرفات، وفي هذا المعنى يقول: «وأما السكر الذي سببه حرام فهو أن يسكر المرء من أكل المسكر أو شربه على غير الضرورة المتقدم ذكرها، فإن هذا السكر لا ينافي الخطاب؛ لأنه متعرض بنفسه لتغير عقله اختيارا، فناسب أن تجرى عليه الأحكام الشرعية،
(1) ابن بركة المصدر نفسه، 2/ 180. (2) المصدر نفسه. (1/354)
صفحة 349
الفصل الأول: القاعدة الكلية الكبرى الأولى
355
والدليل على أنه غير مناف للخطاب قوله تعالى: {يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَوةَ وَأَنتُمْ سُكَرَى} (النساء: (43)، فإنهم نُهوا أن يقربوا الصلاة وهم سکارى، وهذا الخطاب متوجه إليهم حال السكر، فإذا ظهر لك صحة تعلق الخطاب بالسكران فَأجْرِ عليه أحكام الصاحي فيثبت طلاقه لزوجه وعتقه لعبيده، ويلزمه الإسلام في حال سكره؛ بمعنى أنه إذا كان كافرا ثم سكر ثم أسلم في حال السكر، ثم شاء الارتداد بعد الصَّخوة فإنه يجبر على الإسلام ترجيحاً للإسلام على غيره؛ لأن الإسلام يعلو ولا يعلى عليه، أما لو كان مسلماً ثم ارتد في سكره، فإنه لا يُقام عليه حد المرتد؛ لأن «الحدود تُدراً بالشبهات»، وتغيّر العقل شبهة واضحة» (1).
وبعد أن حمل السالمي السكران نتيجة أقواله وأفعاله، خلص إلى القول: وبالجملة فجميع الأحكام ثابتة على السكران الذي سبب سكره حرام، حتى قيل: إنه لو فعل في سكره ما يستوجب به الحد يقام عليه الحد، فلو زنا وهو سكران أقيم عليه حد الزنى ولو سرق وهو سكران قطعت يده، وكذا سائر الحدود، وقيل: لا يقام عليه الحد في ذلك؛ لأن الحدود تُدرأ بالشبهات» (2). واختار السالمي الرأي الثاني عملاً بالقاعدة المشهورة: «الحدود تدراً بالشبهات رغم أن القول الأول هو المشهور، واستدرك عليه أنه لو أخذ | برأيهم فإنه يستثنى من الحدود حد الردة؛ لأن فيه شبهة ظاهرة، فقال مرجحاً الرأي الثاني: «وهو الصحيح عندي والأول أشهر، وأقول: إنه ينبغي أن يخرج من جملة ذلك حدّ الارتداد، فيقال: إن المرتد في حال سكره لا يُقام عليه حد المرتد، وهو القتل؛ لأن السكران لا تمييز معه فيجري على لسانه ما لم يكن مقصوداً له ... » (3).
(1) السالمي: طلعة الشمس على الألفية، 2/ 264 - 265.
(2) السالمي المصدر نفسه.
(3) السالمي: طلعة الشمس، 2/ 265. (1/355)
صفحة 350
356
القواعد الفقهية عند الإباضية
مجمل القول:
بعد التأمل في قولي ابن بركة والسالمي ومن نحى نحوهما (1) يظهر أن الرأي الأقرب للصواب والذي يطمئن إليه القلب، وتميل إليه النفس هو رأي ابن بركة وغيره لقوة أدلته ووجاهته، ومراعاته للقواعد الشرعية، والمقاصد العامة من التشريع التي تراعي حال المكلفين وتنظر إلى مقاصدهم، وليس إلى التصرفات الظاهرة فقط، والذي يؤيد ما ذهبنا إليه أن السالمي رغم أخذه بالرأي الذي يُعاقب السكران على جميع تصرفاته، فإنه منع من تطبيق العقوبات عليه، وبخاصة في حد الردة للشبهة الحاصلة وهي أن السكران في حال الردة لا تمييز معه، وهذا يتناقض مع أصله القائم على معاقبة السكران على تصرفاته مطلقاً، سواء كان سواء كان في حالة سكره مميزا أم فاقدا للوعي. ولكن قد يسأل البعض، لماذا يراعي السالمي وغيره في هذه الحالة هذا الحالات الأخرى يغفل عنه، ويجري عليه الأحكام، ويحاسبه
المقصد، وفي على تصرفاته، فيحكم بطلاق السكران؟! ولعل السبب في استثناء هذا الحكم من غيره هو للشبهة الحاصلة، لأنه لا يمكن الجزم بقصد السكران في حالة القتل، والحدود تسقط بالشبهات كما نصت عليه النصوص والقواعد الشرعية. وفي السياق نفسه سئل السالمي عن الرجل إذا سكر بخمر لا بدواء فطلق زوجته، حسبت عليه، أما إذا باع أو أعطى أو وهب لا يترتب على ذلك أثر إلا بالقصد.
قال السائل: ما الفرق بين السكر بالخمر وبين السكر بالدواء، ثم ما الفرق بين الطلاق وسائر الأشياء المذكورة؟
فأجاب: «أما الفرق بين الدواء والخمر، فلأن الخمر مسكر طبعاً محرم شرعاً، فمن قصده فقد تعرض لزوال عقله، وأثبتوا عليه الطلاق؛ لأنه في حكم
(1) بكوش يحيى فقه الإمام جابر بن زيد، ص 420 - 422. (1/356)
صفحة 351
الفصل الأول: القاعدة الكلية الكبرى الأولى
357
المتعمد له، وذلك أنه إذا تعمد الإسكار فقد تعمد توابعه؛ لأنه يعلم أن السكران يجري على لسانه أشياء لم يقصدها، وأما السكر بالدواء فهو أمر عارض، فمن قصد الدواء لم يقصد السكر، فإذا عرض عليه السكر من حيث لم يعلمه، كما إذا كان أصل الدواء، مباحاً، فعراه الإسكار من حيث لا يدري، لم يؤاخذ بما يجري على لسانه؛ لأنه في حكم المغمى عليه، وأما الفرق بين الطلاق والبيع، والعطاء والهبة؛ فلأن هذه الأشياء لا تثبت إلا بنفس القصد إليها بعينها، بخلاف الطلاق فإنه يثبت بدخوله القصد إلى جملة تتضمنه» (1). ويستفاد من جواب السالمي أنه حكم على السكر بالحلال بمقتضى قاعدة: «الأمور بمقاصدها»، بينما حكم على الذي سكر بالحرام بالطلاق بمقتضى من قصد بفعله غرضاً غير مشروع عومل بنقيض مقصوده»، فيعاقب
قاعدة
على شربه الخمر، ويقع عليه الطلاق عقوبة له لارتكابه للمحرم، فيتحمل تبعات أقواله وأفعاله زجراً له وردعاً لغيره، حتى لا تسول له نفسه اقتراف مثله؛ لأن من مقاصد الشريعة العامة حفظ الدين والعقل والمال، وهو بتصرفه قد اعتدى على دينه وعقله وماله.
ثانياً: في حكم الحلف بالطلاق
ذهب جمهور الفقهاء إلى أن من حلف بطلاق زوجته فإن يحنث وتطلق زوجته سواء حلف ألا يفعل ففعل، أم حلف أن يفعل فلم يفعل. وقد صرح بذلك السالمي في إحدى فتاويه جواباً عن سؤال ورد إليه من رجل له زوجتان ـ يقول فيه: «وكما تعلم ما بين الضرائر من التحاسد والتباغض، فجعلت واحدة هي وأهلها يلومونه ويعنفونه على مفتاح بيت الحوائج الذي يحتاج أهل البيت له، أن ابنتهم هذه لا تجده عند الحاجة إليه، فقال الزوج: إنه يُترك في موضع
(1) السالمي: العقد الثمين، 172/ 3. (1/357)
صفحة 352
358
القواعد الفقهية عند الإباضية
يدعه
معلوم عند أهل البيت للكل، فما كفاهم قوله، فحلف بالطلاق الثلاث أنه في الموضع الفلاني، وقال معناه، هو وبقي أهله يتركونه في ذلك الموضع، وهو صادق من قبل نفسه بزعمه، لكن كأنه حلف على غيب من جهة غيره، فما قولك فيه، أتنظر له رخصة، أم تطلق أزواجه؟»
فأجاب السالمي: «إذا كان المفتاح يترك في ذلك الموضع في عهده، وكلما جاء به وجده مكانه في غالب الأحوال فلا حنث عليه، وإن دسته الضرة عن ضرتها في بعض الأحيان بغير علم ولا اطلاع، فلا يضره ذلك إذا لم يُسلّطها على ضمّه (إخفائه)؛ لأن العبرة بفعله هو لا بفعل الضرات، ولا تطلق زوجاته مع صدقه، وليس هذا من أيمان الغيب، وإنما هو يمين على ما عهد من حاله وحال أهل بيته و «الأمور بمقاصدها ولكل امرئ ما نوى، على أنك قد علمت ما في قول العامة بالطلاق».
ويضيف: «إن شيخنا المحقق سعيد بن خلفان بن أحمد الخليلي): جعله بمنزلة قول القائل بالصلاة وبالصوم وبالحج، فكما لا يلزمه من هذا اللفظ صلاة ولا صوم ولا حج، فكذلك لا يلزمه من قوله بالطلاق طلاق، على أن المسألة مختلف فيها والتزويج معلوم الصحة، فالأحوط بقاؤها معه لاستصحاب حكم الزوجية، ونقلها إلى غيره مع ثبوت الخلاف مشكل جداً، إلا بحكم حاكم يرى الصحيح ثبوت الطلاق» (1).
ثالثاً في العدة من الطلاق أو الوفاة:
العدة عبادة شرعها الله على النساء ويشرط فيها النية والقصد، فإذا دخلت المرأة في العدة دون عقد النية، فبعض فقهاء الإباضية يرى أن لا عدة لها، ولا تحسب تلك الأيام من العدة؛ لأن الأمور بمقاصدها» وفي هذا المعنى يقول ابن بركة: ويجب على المعتدة أن تعتد بقصد وإرادة؛ لأنها عبادة تعبدها
(1) السالمي: العقد الثمين، 3/ 185 - 186. (1/358)
صفحة 353
الفصل الأول: القاعدة الكلية الكبرى الأولى
359
الله بها، ولا تأتي بها إلا بالنية، قال الله جل ذكره: {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ} (البينة: 5)، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إنما الأعمال بالنيات» (1) (2). ولكن ما الحكم لو خرجت المرأة من عصمة زوجها بطلاق أو موت، ومرت عليها مدة العدة دون أن تنوي ذلك، هل تعتبر هذه المدة من عدتها، فالذي يُستخلص من عبارة ابن بركة أن الإباضية يعتبرون تلك المدة من العدة ولا إعادة عليها، ولعلهم استندوا في حكمهم إلى قاعدة «المشقة تجلب التيسير»، و «الحرج مرفوع عن المعتدة مراعاة لحالها. ويرى بعض الإباضية أنه يجب على المرأة المسلمة المعتدة إذا طلقت أو توفي عنها زوجها أو اختلعت منه أن تعتد بقصد وإرادة، أي أن تعقد نية العدة قبل الشروع فيها؛ لأنها عبادة تعبدها الله بها، كما أنها حق للزوج ولا تأتي بها إلا بنية وعليه فإذا مضت مدة العدة بعد طلاق المرأة أو وفاة زوجها، ووصلها الخبر متأخراً؛ فإنها لا تحسب من وقت الطلاق أو الوفاة، بل تبدأ العدة من وقت وصول الخبر ولا عبرة لما سبقه لأن العدة لا بد لها من نية عند إرادة الالتزام بها، وكذلك إذا اختلعت من زوجها ووصلها خبر موافقته متأخراً، وخالف جمهور الإباضية هذا الرأي واعتبروا بداية العدة من وقت الطلاق أو الوفاة أو الخلع، ولو وصل الخبر متأخراً، فتحسب الأيام التي مضت وتكمل ما بقي منها، أما إذا وصلها الخبر بعد مضي وقت العدة تكون بذلك قد خرجت من العدة ومن العصمة الزوجية، ولها حق الارتباط بغيره، ولم يشترطوا القصد والنية لصحة العدة. نقل ابن بركة هذه المسألة في جامعه، وأشار إلى اختلاف فقهاء الإباضية أحد القولين فقال: ويجب على المعتدة أن تعتد بقصد وإرادة؛ لأنها عبادة تعبدها الله بها ولا تأتي بها إلا بالنية قال الله جل ذكره: {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا
فيها، ثم رجح
(1) سبق تخريجه
(2) ابن بركة الجامع، 1912. - الكندي، المصنف، ج 38/ 202. (1/359)
صفحة 354
360
القواعد الفقهية عند الإباضية
لِيَعْبُدُوا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ} (البينة: 5). وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إنما الأعمال بالنيات» وقال أصحابنا: إذا أتى عليها وقت العدة منذ فُورقت بالطلاق أو الموت، فقد سقطت
العدة عنها، والمختلعة سبيلها سبيل المطلقات البوائن في حكم العدة ... ). ويضيف قائلًا: «واختلف أصحابنا في المرأة يأتيها خبر وفاة زوجها أو طلاقها بعد انقضاء العدة التي تعتد في مثلها، قال أكثر هم: إن عدتها قد انقضت بمرور الوقت، وقال بعضهم: - وهو كالشاذ من قولهم ـ لا يكون ما مضى من الأيام التي لم تعلم بوفاة زوجها وطلاقه من انقضاء عدتها، وعليها إذا علمت أن تقصد إلى فعل ما تعبدت به؛ لأن العدة عبادة لا تؤدى إلا بقصد وإرادة ونية، وهذا أرجح القولين عندي في باب النظر ... ويدل على صحة هذه المقالة ما أجمعوا عليه من أن المرأة إذا خلا بها زوجها ثم فارقها، فاتفقا على أنه لم يطأها، أنهما مصدقان في ذلك، ولها نصف الصداق، وهو قول ابن مسعود، ولا يصدقان في العدة التي أوجبها الدخول؛ لأن العدة عندهم حق الله، فإذا كانت العدة حقاً الله عليها تعبدها بها، فيجب ألا تخرج منها إلا بأن تقصد إلى فعلها، ولا تكون مؤدية لهذا الغرض إلا بقصد، ونية، وهذا سبيل سائر العبادات، وقال الله وعمل في كتابه: يتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلَثَةَ قُرُوءٍ} (البقرة: (228)، وقال: {وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا} (البقرة: 234)، والتربص هو الانتظار، فكيف تكون
متربصة ولم تعلم التربص ولا تربص وجب عليها؟» (2).
منشأ الخلاف وثمرته
إذا تأملنا في وجهة نظر الفريقين وفي أدلتهما يظهر أن منشأ الخلاف سببه
يعود إلى أمرين:
(1) ابن بركة المصدر السابق، 1912.
(2) ابن بركة المصدر السابق، 192/ 2. (1/360)
صفحة 355
الفصل الأول: القاعدة الكلية الكبرى الأولى
361
-
1
2
-
هل العدة حق الله تعبد به المرأة بعد الطلاق أو وفاة الزوج؟
هل يشترط في العدة القصد والنية قبل الشروع فيها؟. فمن اعتبر العدة حقاً للزوج على المرأة تعبدها الله به، لم يشترط النية والقصد في بداية العدة، ولذلك لو اعتدت المرأة بدون نية صحت العدة، وكذلك في حالة وصول خبر الطلاق أو الوفاة إليها متأخراً بعد مضي وقت العدة أو بعضه، ولا تستأنف من جديد، بل يكون قد خرجت من العدة بعد مضي وقتها، أو تحسب ما مضى وتكمل الباقي. أما الفريق الآخر نظر إلى المسألة من جانب آخر فاعتبر العدة عبادة وحق الله تعبد المرأة بها، لذا يجب عليها قبل بداية العدة أن تنوي وتقصد فعلها، حتى تصح منها، وكذلك سائر العبادات لا تصح إلا بنية وقصد؛ وبناء عليه فلو وصل للمرأة خبر طلاقها أو وفاة زوجها وقد مضى عليه مدة من الزمن استغرقت كل مدة العدة أو بعضها، فإنها لا تحسب تلك المدة، بل تستأنف من جديد بداية من وقت وصول الخبر.
والذي يظهر بعد التأمل في الرأيين أن لكل رأي وجاهته وما يستند إليه، فالذين لم يشترطوا النية في العدة لم يُعملوا قاعدة: الأمور بمقاصدها»، وإنما أعملوا قاعدة المشقة تجلب التيسير؛ لأن تكليف المرأة بإعادة حساب أيام العدة بعد انتهائها بسبب تأخر وصول الخبر إليها فيه حرج ومشقة لا يخفيان على أحد، والدين يسر، والله يقول: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَج (الحج: 78). وعليه فإنه لا يلزمها إعادة احتساب العدة بل نطالبها بحسابها من الطلاق أو الوفاة؛ تخفيفاً لها حتى لا نتسبب في إضرارها، فلربما يتقدم لها خاطب بعد مضي وقت العدة فلا يتسنى لها الارتباط به، وقد لا يسعه فنكون بذلك قد فَوَّتنا عليها فرصة الزواج من جديد. كما تظهر وجاهة الرأي الآخر أيضاً، أنه لا يحكم على الأفعال بظواهرها، بل ينظر إلى المقاصد والنوايا؛ لأن التكليف لا يصدر إلا من عاقل عالم
الانتظار (1/361)
صفحة 356
362
القواعد الفقهية عند الإباضية
بالمقصد من الفعل كما صرح بذلك السدويكشي في حاشيته على الإيضاح، فيقول: «وشرط النية العلم بالمنوي» (1)، كما أن صورة الفعل وصفته لا تدل على طاعة، ومعصية، وإنما يصير الفعل طاعة أو معصية إذا أضيفت إليه النية (2). وبناء عليه فقد اشترط جمهور الإباضية على المرأة عقد النية قبل الشروع العدة، وإذا تأخر خبر وصول الطلاق أو وفاة زوجها تبدأ العدة من لحظة وصوله، ولا عبرة لما سبق إعمالا للقاعدة الكبرى «الأمور بمقاصدها».
في
مجمل القول:
وهكذا يتبين من خلال هذا القول أن الإباضية لم يعملوا قاعدة: «الأمور بمقاصدها في هذه الحالة، وربما خرَّجوها على قاعدة: «المشقة تجلب التيسير ولكن يمكن التوفيق بين القولين فمن اشترط القصد والنية في العدة باعتبارها عبادة لا تؤدى إلا بالنية، سواء كان القصد قبل الشروع في العدة أم بعد جواز مدتها، أما من أسقط العدة عن المعتدة بعد مرور وقتها من الفراق فقد نظر إليها باعتباره أمراً واقعاً قد حدث، سواء كان عن قصد أم عن خطأ، فما دامت قد اعتدت طوال تلك المدة ولم تتزوج بعد استبراء رحمها، فتحسب تلك المدة ضمن عدتها تخفيفاً عليها؛ لأن القصد من العدة استبراء الرحم ومراعاة حرمة الزوج المطلق أو المتوفى، فما دامت المرأة قد راعت هذه المعاني فلا داعي من تكليفها بإعادة العدة بالقصد إليها، وكأنها بذلك قد أضمرت النية وتصرفها يدل على إرادتها للعدة إلا أنها لم تصرح بها؛ لأن التلفظ بالنية غير واجب.
هذا ولا يخفى علينا مدى مراعاة فقهاء الإباضية لمقاصد الشريعة في إصدار الأحكام، فأصحاب القول الأول راعوا المقصد العام من التشريع، وهو
(1) السدويكشي: الحاشية على الإيضاح للشماخي، 50/ 1.
(2) ابن بركة الجامع، 1/ 164. - وينظر: الشماخي، الإيضاح، 53/ 1 (1/362)
صفحة 357
الفصل الأول: القاعدة الكلية الكبرى الأولى
363
التيسير ورفع الحرج، وأصحاب الرأي الثاني نظروا إلى مقاصد المكلفين عند الحكم على أفعالهم.
رابعاً: هل يعتبر الخلع والبرآن والفداء طلاقاً أم فسخاً؟ سئل الشيخ السالمي عن ما يوجد من الاختلاف في الخلع منهم من اعتبر فيه النية ولو لم يكن اللفظ كاملاً بحروفه، ومنهم من راعى فيه اللفظ، ولو لم تكن نية كتلفظ الرجل بالطلاق ولم يرده ومنهم من اعتبر فيه النية صحة اللفظ بكمال حروفه على حسب ما يفهم من كلامهم، وعلى نحو هذا اختلافهم في الطلاق).
الألفاظ،
فأجاب: «ظاهر الكلام الإطلاق، فإن كل واحد من اللفظ والنية ركن لتأدية المعاني على ما هي أما اللفظ فظاهر، وأما النية فلأنها تضرف اللفظ إلى المعنى المقصود دون غيره، فمنهم من رأى أن المعاني إنما توجد من فاعتبرها مجردة مع النية وعدمها، ومنهم من رأى اللفظ ترجمان القصد فاعتبر النية؛ لأن الألفاظ قد تخرج على جهة الهذيان فلا يعتد بها، وأن المعاني قد تفهم بدون لفظ كالإشارة ودلائل الأحوال، والمعتمد في هذا كله القصد، ومنهم من جعل اللفظ والنية شيئين متلازمين لا يقوم أحدهما دون الآخر، فاشترط وجودهما معا في الأمور المحتاجة إلى التعبير، وهذه أقوال تخرج في كثير من المواضع، منها القسم والطلاق» (2). ويبدو من خلال عبارة السالمي أنه يشير إلى قاعدة: «الأمور بمقاصدها» واعتمادها في تقرير الأحكام إذا احتمل اللفظ أكثر من معنى، أو عند الاختلاف فيه، فالحكم ينبني على القصد في كثير من الأمور، مثل الأيمان،
(1) السالمي: العقد الثمين، 234/ 3. (2) السالمي: العقد الثمين، 235/ 3. (1/363)
صفحة 358
364
القواعد الفقهية عند الإباضية
6
والخلع والطلاق عند بعض الفقهاء، فاللفظ المجمل والمشترك لا تتحدد دلالته إلا من خلال النية والقصد، خاصة إذا كانت العبارة غير صريحة ككنايات الطلاق.
خامساً: في ميراث المطلقة ثلاثاً في مرض الموت ومن الصور الدالة على مراعاة الإباضية للمقاصد في الأعمال والأقوال واعتبار الباعث في التصرفات، ما ذهب إليه بعضهم في ثبوت الميراث للمطلقة ثلاثاً في مرض الموت، قياساً على حرمان القاتل من الميراث بجامع أن كل واحد من المطلق والقاتل اقترف فعلاً محرماً لغرض ومقصد فاسد، فعامله الفقهاء بنقيض قصده.
وإعمالا لقاعدة: الأمور بمقاصدها أثبت جمهور الإباضية الميراث للمطلقة إن توفي زوجها في عدتها، ولو كان الطلاق ثلاثاً، وتعتد عدة طلاق لا عدة، وفاة وعللوا ذلك بأن الطلاق في المرض إضرار بالمرأة والضرر يزال»، أما إن تبين عدم القصد إلى الإضرار؛ فإنها لا ترث، وذلك كأن تطلب هي طلاقها).
ولفقهاء المذاهب في هذه القضية تفصيل، فمنهم من ورّث المبتوتة في مرض الموت إن توفي المطلق في العدة ما لم تتزوج، ومنهم من ورثها ولو تزوجت (2).
(1) أطفيش: شرح النيل 497/ 7. السالمي: طلعة الشمس، 143/ 2 - 144.
(2) باجو: منهج الاجتهاد عند الإباضية، 2/ 585 - 586. (1/364)
صفحة 359
المطلب الخامس
أثر المقاصد في الحقوق والآداب
1 - في القصد من أخذ اللقطة:
اللُّقطة
هي
مال ضائع يفقده صاحبه فيجده غيره ولا يعرفه، فهل يجوز أخذ هذه اللقطة؟ وهل يجوز التصرف فيها؟ وماذا يترتب على ذلك؟
بحث فقهاء الإباضية هذه المسألة، وبينوا حكم التقاط اللقطة والتصرف فيها، ومتى يضمنها اللاقط؟ وأشاروا إلى أن الحكم يكون بناء على مقصد اللاقط من تصرفه في اللقطة؛ لأن الأمور بمقاصدها». يقول ابن بركة في هذا الصدد: «القاصد إلى أخذ اللقطة لا يخلو بأن يكون تناولها بنفسه، أو تناولها ليحفظها لصاحبه، أو تناولها غافلاً في أخذها لا ليخون ربها فيها، ولا محتسباً في أخذها لمالكها، وإن كانت أحوال اللقطة لا يخلو من هذه الوجوه الثلاثة، والنظر يوجب عندي إن كان قصد إلى أخذها لنفسه ثم عزم على ردها وتاب من نيته وفعله فعليه الضمان في حال أخذه مال غيره لتعديه فيه، فالضمان الذي يلزمه بها لا يبرئه منها إلا الخروج إلى صاحبها منها، وإن كان آخذه لها غافلاً في أخذها، فالضمان أيضاً يلزمه؛ لأن الخطأ في الأموال يوجب الضمان»، وأرجو أنه لا إثم عليه إذا لم يقصد التعدي، وأما إن كان أخذها ليحفظها على ربها محتسباً لأخيه المسلم في ماله، وحفظه له متأوّلاً بذلك قول الله تبارك وتعالى: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى} (المائدة: (2)، ولئلا يكون قد قدر على حفظ مال أخيه فيدعه حتى يتلف، فهذا عندي أنه لا ضمان عليه؛ لأنه في الابتداء محسن، وإذا كان في ابتدائه محسناً لم يكن لها ضامناً، قال الله تعالى: {مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ من سبيل (التوبة: 91). (1/365)
صفحة 360
366
القواعد الفقهية عند الإباضية
مجمل القول:
يتضح من عبارة ابن بركة أنه جعل الأحكام المترتبة عن أخذ اللقطة مبنية على المقاصد؛ لأنه يختلف الأمر بين من يأخذها لحفظها لصاحبها رجاء العثور عليه، فهذا لو تلفت منه لا يضمنها، أما من أخذها لنفسه ولا ينوي تسليمها لصاحبها ولو عثر عليه، فهذا حكمه معتد، يجب عليه التوبة وردّ اللقطة لصاحبها، فإن تلفت في يده يضمنها، وأما من أخذها خطأ وجهلاً بحكمها، كأن يعتقد أن صاحبها لا يعود إليها ولا يطلبها؛ لأنها من الأشياء البسيطة، فهذا يجب عليه التوبة من هذا التصرف، ويُعرّف اللقطة حتى يظهر صاحبها، فإن تلفت في يده ضمنها؛ لأن «الخطأ في الأموال لا يزيل الضمان»، ولا ريب أن الفقهاء قد استندوا في تقرير هذه الأحكام على قاعدة: «الأمور بمقاصدها ولو لم يصرحوا بها، ولكن تفهم من خلال عباراتهم.
2 - في ضمان حقوق الغير
ذكر الثميني حكم من يعتدي على كتاب الغير المتضمن لأسماء المدينين وقيمة ديونهم وشهاداتهم، وبيّن أن الحكم عليه مرده إلى قصده من هذا الفعل، فإن قصد بفعله تضييع حقوق الدائنين بإخفاء ما يثبت الدين على المدينين، حتى يضطروا إلى إلغائها أو التخفيف منها، فهذا - بلا شك ـ قصده سيئ يحاسب عليه ويضمن تلك الديون، وإن كان يقصد بأخذه هذا الكتاب حفظه من الضياع أو التلف، إذا عثر في مكان غير آمن وينوي تسليمه لصاحبه إن وجده، فهذا لا يعتبر متهماً؛ لأن القرائن تدل على القصد الحسن، فلا يؤاخذ بفعله، بل قد يؤجر عليه. يقول في هذا الشأن: «فمن أخذ كتاباً لأحد فيه ديون فقصد إلى إتلافها لزمته الديون، وإن لم يقصده لزمه ضمان القرطاس دون ما فيه من الديون، وبعبارة أخرى ومن له كتاب فيه ديون على الناس وشهادات، فأخذه أحد (1/366)
صفحة 361
الفصل الأول: القاعدة الكلية الكبرى الأولى
367
فأتلفه وذهبت الديون، فإن تعمد، إتلافه، وقد حفظ الشهود شهادتهم وقاموا بها، فلا يضمن إلا القرطاس، وإن ماتوا أو نسوا ما فيه، فإنه يضمنه وما فيه من الديون، ولو عرف ما فيه منها، أو لم يكن يعرف أن فيه ديوناً). ويستخلص من عبارة الثميني أن المتلف للكتاب إذا قصد بفعله إتلاف الديون المستحقة عليه حتى لا يترك لغيره أثراً أو دليلاً يثبت عليه الديون أو الشهادات، فإنه يضمن الكتاب وما يحويه من حقوق للغير، فإن وجدت وسيلة أخرى لإثبات هذه الحقوق كان بحفظ الشهود شهاداتهم، أو تكون لصاحب الديون وثائق ثبت حقوقهم، فإن المتلف لا يضمن إلا الأوراق التالفة، أما إن أتلفها ولا توجد وسيلة أخرى لإثبات تلك الحقوق والشهادات، فإنه يضمن الجميع سواء علم بمحتوى الكتاب أو لم يعلم، ولا يمكن أن يعفى من الضمان، ولو ادعى عدم العلم بذلك، أو عدم قصده تضييع حقوق الناس، وذلك سدّاً للذريعة، وحفظاً لحقوق الغير، خاصة إذا دلت القرائن على قصده السيئ من ذلك التصرف.
ـ في حكم لبس الرجال الذهب والحرير
أجمع الفقهاء على أن لبس الرجل للذهب والحرير حرام ومباح للنساء، ولكن تختلف مقاصد الرجال في لبسهم للذهب والحرير، فمنهم من يلبسهما للزينة والتحلّى أو للتشبه بالنساء، ومنهم من يلبسهما للخيلاء، ومنهم من يلبسهما لحفظهما من الضياع والسرقة خاصة في السفر، فهل حكم التحريم يشمل الجميع؟.
فرق العلماء بين حالة الاختيار وحالة الاضطرار، وبناء عليه فمن لبسهما لقصد التزيّن أو التشبه بالنساء أو الخيلاء والتكبر، ففعله حرام وهو آثم، ومن
(1) الثميني: الورد البسام، ص 213. (1/367)
صفحة 362
368
القواعد الفقهية عند الإباضية
اتخذ
لبسهما لحفظهما من التلف في حالة السفر أو انعدام الأمن فهذا يجوز له ذلك للضرورة، و «الضرورة تقدر بقدرها؛ لأن الحكم يدور مع المعلول وجوداً وعدماً، فإن زالت تلك الضرورة رجع إلى الحكم الأول وهو التحريم؛ لأن «الأمور بمقاصدها». أشار السالمي إلى هذه المعاني في «العقد الثمين» فقد سئل: عمن ساعة من ذهب أو فضة وبها سلسلة ذهب أيجوز له حملها في جيبه أو خنجره، ويعلقها بتلك السلسلة حفظا لها وقصداً للزينة؟ وهل الحمل هنا حكمه حكم اللباس، فإن فرضنا الجواز والحمد لله على تواتر آلائه، وإن فرضنا عكسه - وقد ابتلي السائل بارتكاب ذلك قبل سؤاله ـ، فما يلزمه حينئذ لا سيما في الساعة؛ لأن أمرها أعظم لكونه كان يصلي بها، فعلى تقدير التحريم، فما تكون صلاته، وما يلزمه؟
وأما ساعة الفضة فلا بأس بحملها، سواء قصد الحفظ أو الزينة، وأما ساعة الذهب، فإن قصد في حملها الزينة فذلك تزين بالذهب وهو حرام على الرجال، وفي الأثر أن من حمل في خنجره ذهبا فجائز أن يصلي به، وإن كان متحلياً بذلك حلية وزينة، فلا يجوز عند أصحابنا، وفي كلام أرجو أنه عن سعيد: أن من تحلى بالمدية (1) المحلاة بالذهب فلا تجوز صلاته، وإن لبسها لحفظها ولم يكن إلا ذلك، فأرجو أن يجوز له أن يصلي بها، وفي الأثر: قلت له فهل يلحق الذهب اختلاف في قول أصحابنا؟
الشيخ
قال: «لا يبين ذلك، وحاصل ما في المقام أن التزين بالذهب على الرجال حرام، سواء كان ذلك من لباسهم أو لا، وأن الصلاة به فاسدة إذا حمل للزينة، وأما إن حمل لغير الزينة بل على قصد الحفظ للمال إذا لم يكن حفظه إلا، ذلك فلا بأس بحمله، ولا بالصلاة به وأنا أعلم أن حامل الذهب في سفينة أو
(1) المدية: السكين أو الموسى المستعملة للذبح. (1/368)
صفحة 363
الفصل الأول: القاعدة الكلية الكبرى الأولى
369
مذيته أو ساعته لم يحمله لأجل حفظه فقط؛ لأنه لو شاء الحفظ لجعله في بيته حيث يأمن عليه، فأما الآن وقد جعله في سلاحه وآلته فما هو إلا متزين به، فليتق الله عبد حرّم الله عليه الزينة بالذهب ثم يراها عليه» (1).
ولا شك أن السالمي قد شدد في حمل الرجل للذهب في لباسه أو خنجره، ولعله اطلع على تصرفات هؤلاء الرجال فظهر له القصد من ذلك فأفتى بالمنع، أما لو كان القصد الحفظ فقط فلا أظن أنه يُمنع ذاك مطلقاً، وخروجاً من الخلاف يمكن القول أن من اضطر إلى ذلك وليس له مكان في بيته يحفظه فيه فإنه يحمله معه، ولكن لا يضعه في مكان ظاهر يطلع عليه الناس ما دام قصده إخفاءه من السرقة وحفظه من الضياع، كأن يجعله في طرف ثوبه أو في محفظة داخل ثيابه بعيداً عن أعين الناس حتى لا يتهم أنه يقصد بذلك التزين أو الخيلاء، أما الساعة الذهبية فلا يجوز للرجل لبسها ولا حملها وبإمكانه امتلاك غيرها اتقاء للشبهات وفي لبسه للفضة مندوحة عن الذهب المحرم عليه.
وفي موضع آخر يؤكد السالمي منع الرجال من لبس الذهب خاصة إذا كان من حُلي المرأة، فقد سئل عن الرجل إذا لبس شيئاً من الذهب مما هو ليس حُليّاً له، كالحلق في الأذن، أو الخلخال، أو دملوج، أو في شيء من ثيابه، ولم يكن قاصداً للحفظ بل يريد به الزينة، ما ترى في لباسه وفي الصلاة، وهل في السنة دليل على إجازة مثل هذا؟.
في
فأجاب: «قد جاء في السُّنَّة ما يدل على لعنة هذا من جهتين: إحداهما لبسه للذهب، والأخرى تشبهه بالنساء، وقد ساءت أفهام العامة لمسألة أبي محمد ابن بركة المنقولة في مواضع من الأثر، وذلك أنها نقلت منقطعة بعض المواضع، ومقيدة بقصد الحفظ في الموضع الآخر، وذلك حيث لا يمكنه الحفظ إلا باللبس، فأما أن يلبسه مختاراً فلا نعلم أن أحداً من
(1) السالمي العقد الثمين، 449/ 1 - 450. (1/369)
صفحة 364
370
القواعد الفقهية عند الإباضية
(1)
المسلمين يرخص له في ذلك، إلا ما يوجد عن حبيب بن سالم من المتأخرين وهو غلط نشأ من سوء فهمه لمسألة أبي محمد ... » (3). ونقل السالمي في العقد الثمين أيضاً ما ورد عن أبي محمد بن بركة في جواز لبس الرجل ذهب امرأته عند الضرورة لحفظه من المعتدين، وذلك في سؤال يقول فيه سائله: قلت: فيجوز للرجل أن يصلي وفي أذنيه قرطا ذهب؟ قال نعم قلت فإن كان في يده دملوج ذهب؟ قال جائز، قلت له: وكذلك لو كان في ساقه خلخال ذهب؟ قال: نعم، وكذلك لو كان في حلقه حلي ذهب قال: نعم، قلت: وكذلك لو كان في ثوبه حلي ذهب حامله يصلي لم تفسد عليه صلاته؟ قال: لا قلت وكيف جاز أن يصلي بهذا ولم يجز له أن يصلي وفي يده خاتم ذهب؟ قال: لأن الخاتم حليته، وهذا ليس من حليته، وكذلك ما يوجد عن الشيخ حبيب بن سالم من المتأخرين قال: والذي نحفظه من آثار المسلمين أن لبس الخاتم للرجال هو في الأصبع الخنصر من اليسرى وهو المحرم، وإن كان الذهب أقل من وزن درهم فلا يحرم لبسه، ولا ينقض الصلاة، وأما سائر الأصابع من اليد اليسرى واليد اليمنى فلا يحرم ذلك لا حَمْل ولا لبس وقد كان السيد سليمان بن مظفر)، (3)
وهو
(1) حبيب بن سالم بن سعيد أمبوسعيدي (ق: 12 هـ): عالم وفقيه. كان يسكن نزوى في بلدة العقر. كان كفيف البصر واجتهد في طلب العلم. كان يؤمه كثير من طلاب العلم فيقرؤون عليه الفقه، وقد كان أعلم أهل زمانه كان أحد الذين عقدوا الإمامة للإمام أحمد بن سعيد البوسعيدي. وكان من العلماء الذين حكموا بإغراق أموال سيف بن سلطان الثاني. ينظر: السالمي: تحفة الأعيان 166/ 2 الفارسي، نزوى عبر الأيام، 185. الخروصي، ملامح من
التاريخ العُماني،
167،
معجم
(2) السالمي:: العقد الثمين، 454/ 1.
أعلام الإباضية بالمشرق، 54/ 1.
(3) سليمان بن المظفر بن سلطان النبهاني (ت: 871 هـ) هو ابن السلطان النبهاني المظفر بن سلطان. توفي والده وتركه صغيراً لا يقوم بالملك، فقام به عنه فلاح بن محسن بن سليمان. ينظر: شقائق النعمان، 194/ 2. معجم أعلام الإباضية بالمغرب، 151/ 1. (1/370)
صفحة 365
الفصل الأول: القاعدة الكلية الكبرى الأولى
371
بأذنه قرط ذهب وفي يده سوار من ذهب وهو ثقة من ثقات المسلمين فقال: فهذا الذي نحفظه عن أهل العلم. قال السائل: ما تقول في هذين الأثرين المنقولين عن هذين الشيخين، هل هما صحيحان أم باطلان؟ فإن كانا صحيحين فما دليل صحتهما؟ وإن كانا باطلين فما الحجة على بطلانها؟ (1)
أجاب السالمي: «إن ما ذكره الشيخ حبيب، وزعم أنه يحفظه عن أهل العلم فلا وجه له أصلاً، وهو باطل قطعاً لما سيأتي من الحجة على ذلك، وأما المنقول عن أبي محمد فإنه يُحمل أن يكون أراد بذلك الحال حمل الذهب لا لبسه فإن تمام مسألته المنقولة من المصنف يدل على ذلك، ونص المنقول من المصنف في تمامها هو هذا.
قيل له: فيجوز للرجل أن يتحلى بحلي امرأته؟ قال: لا، ولكنه يكون في سفر وعنده حلي امرأته، وتحضره الصلاة، ويخشى على الحلي أن يضعه على الأرض ويصلي فيؤخذ، فإن علقه في أذنيه، أو في حلقه، أو في يده، أو في رجله، ولم يشغله عن صلاته فهو جائز؛ لأنه نوى حمله لئلا يذهب، ولم ينو
حمله لزينة والخاتم حليته، فإن كان من ذهب فقد تحلى بغير حليته» (2). وعقب السالمي على قول أبي محمد بن بركة بعد سرده فقال: «المنقول من المصنف في تمام مسألة أبي محمد وبه يتضح لك أن أبا محمد لم يجوز لبس القرطين والدملوج وحلي الذهب، وإنما أجاز الصلاة بذلك، إذا خاف عليه من تركه في الأرض الذهاب، فوضعه في أذنه أو يده، على غير قصد الحمل له لا الزينة به، ثم إن أبا عبد الله محمد بن محبوب (3) لم يجز الصلاة بسوار الذهب، وإن خاف عليه الذهاب إلا إذا وضعه في إزاره أو
(1) السالمي: المصدر نفسه، 456/ 1 - 457. - وينظر: السالمي: معارج الآمال، 266/ 6. (2) السالمي: العقد الثمين 457/ 1. وينظر: السالمي: معارج الآمال، 266/ 6.
(3) تقدمت ترجمته. (1/371)
صفحة 366
372
القواعد الفقهية عند الإباضية
أمسكه، وأما إذا وضعه في موضع السوار فقد أمره بإعادة الصلاة، ثم إن ظاهر تمام مسألة أبي محمد أن الصلاة بخاتم الذهب لا تجوز؛ لأن الخاتم من حليته، فظاهره المنع من وضعه في الأصبع ولو على قصد الحفظ؛ لأنه حلية له، والقصد لا ينفعه في هذا الموضع.
ووجه ذلك: أن الخاتم من زينة الرجال فإذا كان من ذهب حرم عليهم،
والقصد لا يقلب الحرام مباحاً، هذا وجه كلام أبي محمد. ولا وجه لكلام حبيب إلا البطلان الخالص، ولعله وجد مسألة أبي محمد مقتطعة فتوهم أن المراد بها ظاهرها، فأجاز ذلك حملاً ولبساً، وزعم
حفظه عن أهل العلم، وقد أخطأ فهمه ذلك.
جميع
أما ما حكاه عن سليمان بن مظفر فلا يحتج به قطعاً، ولعل سليمان بن مظفر توهم جواز ذلك من كلام أبي محمد حيث كان مقتطعاً في بعض الأثر كما توهمه حبيب، ويأبى الله ورسوله من جواز ذلك، فإنه أشد من لبس الخاتم من الذهب في الخنصر، إذ ليس في لبسه هنالك إلا تحريم لبس الذهب. وأما لبس السوار القرطين ففيه التحريم من جهتين: أحدهما من حيث لبس الذهب، والأخرى من حيث التشبه بالنساء، والكل حرام بنص السنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك (1).
ورد السالمي على من قال بجواز لبس الرجال للذهب في حالات الاختيار بأدلة كثيرة من ذلك:
1 - ما ورد من النص في تحريم الذهب على الرجال قوله: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يلبس حريراً ولا ذهباً (2)
(1) السالمي: المرجع نفسه، 457/ 1 - 458. ينظر: السالمي: معارج الآمال، 266/ 6 - 267. (2) رواه أحمد، مسند الأنصار، حديث أبي أمامة الباهلي ... ، رقم 21687. والطبراني في الكبير: باب الصاد، ما أسند أبو أمامة، رقم: 7644. عن أبي أمامة. قال الهيثمي: رواه الطبراني في الأوسط وفيه ابن لهيعة وحديثه حسن وفيه ضعف وبقية رجاله ثقات. المجمع: 143/ 5. (1/372)
صفحة 367
الفصل الأول: القاعدة الكلية الكبرى الأولى
373
2?
وعن عبد الله بن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من مات من أمتي وهو يشرب الله عليه شربها في الجنة، ومن مات من أمتي وهو يتحلى
الخمر حرم
الذهب حرم الله عليه لبسه في الجنة).
- وروى عنه أنه أخذ حريراً فجعله في يمينه وذهباً فجعله في يساره ثم قال: «إن هذين حرام على ذكور أمتي (2).
4 - وروى أن رجلا قدم من نجران إلى رسول الله وعليه خاتم من ذهب فأعرض عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: إنك جئتني وفي يدك جمرة من نار (3). فهذه الأحاديث دالة على تحريم مطلق الذهب على الرجال فلا يصح بعضه إلا بدليل يخصص عموم التحريم، فلا معنى لتجويز ما دون الدرهم. وأما النص المحرم لتشبه الرجال بالنساء فما روى عن ابن عباس الا قال: «لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم المتشبهين من الرجال بالنساء والمتشبهات من النساء بالرجال» (4).
(1) رواه أحمد، مسند ومن بني هاشم، مسند عمرو بن العاص، رقم: 6788. وأخرجه ابن شاهين، ناسخ الحديث ومنسوخه، باب في لبس الحرير والتحلي بالذهب، رقم: 589. عن ابن عمرو. وقال: حديث حسن صحيح رواه أحمد ورواته ثقات. (2) رواه أبو داود، كتاب اللباس، باب في لبس الحرير للنساء، رقم: 3553. وابن ماجه، كتاب اللباس، باب لبس الحرير والذهب للنساء، رقم: 3593. عن علي. وفي رواية بزيادة «حل لإناثهم». قال ابن حجر نقلاً عن ابن المديني: حديث حسن ورجاله معروفون ... تلخيص الحبير: 1/رقم: 44. وابن حبان، كتاب اللباس وآدابه، باب ذكر البيان بأن لبس الحرير ليس من لباس المتقين رقم 5511، قال أبو حاتم: «خبر سعيد بن أبي هند عن أبي موسى في هذا الباب معلول لا يصح». (3) رواه ابن حبان، كتاب الزينة، باب ذكر الزجر عن أن يلبس المرء خاتم الذهب، رقم: 5567، والطبراني في الصغير، كتاب الزينة، حديث أبي هريرة، رقم: 5120. عن أبي هريرة، قال الألباني: «صحيح لغيره». (4) رواه البخاري، كتاب اللباس، باب المتشبهون بالنساء، رقم: 5554. وابن أبي شيبة، كتاب الأدب، باب ما ذكر في التخنيث رقم 25953. عن عامر بن شرحبيل. (1/373)
صفحة 368
374
القواعد الفقهية عند الإباضية
فهذا الحديث دليل على تحريم تشبه الرجال بالنساء فلا وجه لتجويزه أصلاً، ولا خلاف فيه بين أحد من الأمة فيما علمناه (1).
وذكر السالمي في «العقد الثمين» في السياق نفسه سؤالاً عن لبس خاتم الذهب قال السائل: وقفنا على مسألة في «اللباب» (2) أنه جائز، وأنه حمل وليس بلباس، فإن صح ذلك فما المانع من لباس الخنجر المذهبة؟ فإن صح التحريم فما الفرق بينهما؟ مع أن الحديث في تحريم الذهب جاء
مطلقا؟
فأجاب: «لا فرق في ذلك بين الخاتم والخنجر، بل الكل حرام لثبوت السُّنَّة المجتمع على صحتها في تحريم لبس الذهب على ذكور الأمة، والمسألة المنقولة عن اللباب ليست بصحيحة؛ لأن فيها معارضة لتلك السُّنَّة المتواترة يصح قبولها، ولعل قائلها يتعلق بحديث اتخاذ الخاتم ولا تعلق له في
فلا
ذلك فإنه منسوخ».
ويضيف قائلا في بيان أدلة تحريم لبس الذهب مطلقاً سواء كان خاتماً أو خنجراً: «وبيانه ما يروى أن النبي لا الهلال لما أراد أن يكتب إلى كسرى وقيصر والنجاشي وغيرهم من الملوك يدعوهم إلى الإسلام، قيل: إنهم لا يقبلون كتاباً إلا بخاتم أو مختوما، فصاغ النبي لا لا لا اله خاتماً من ذهب، واقتدى به ذَوُو اليسار من أصحابه فصنعوا خواتم من ذهب فلما لبس رسول الله صلى الله عليه وسلم خاتمه لبسوا أيضاً خواتمهم، فجاء جبريل من الغد، وقال: لبس الذهب حرام
(1) السالمي: العقد الثمين، 458/ 1 - 459. (2) يقصد به کتاب لباب الآثار الواردة على الأولين والمتأخرين الأخيار لصاحبه مهنا بن خلفان بن محمد البوسعيدي تحقيق عبد الحفيظ شلبي، نشرته وزارة التراث القومي والثقافة العُمانية، طبع بمطابع سجل العرب مصر، 1401 هـ / 1981 م، ويتكون من جزئين في العقيدة
والعبادات.
(3) السالمي: المرجع نفسه، 455/ 1. (1/374)
صفحة 369
الفصل الأول: القاعدة الكلية الكبرى الأولى
375
لذكور أمتك، فطرح النبي خاتمه فطرح أصحابه خواتمهم، ثم اتخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم خاتماً حلقه وفصه من فضة إلخ الحديث).
هذا وقد احتج السالمي على من قال بجواز لبس الرجل خاتم من ذهب بقوله: ولعل صاحب المسألة لم يجوّز لبس خاتم الذهب مطلقاً، وإنما أجازه أن يجعل في غير الإصبع التي يلبس فيها في العادة على قصد حمل ماله لا على قصد الزينة، كما يرشد إليه تحليله بالحمل، وهذا الحال حرام أيضاً، إلا إذا لم يجد سبيلاً إلى حفظ ماله إلا به، فإنهم اتفقوا على أن التزين بالذهب حرام، ولا خلاف نعلمه في ذلك، فمن حمل الذهب على قصد التزين به فقد دخل في هذا المحجور، وأنت تعلم أن من لبس خاتم الذهب في غير موضعه، أو جعل ذهباً في شيء من آلته لم يفعل ذلك إلا لقصد التزين به، فإنه لو شاء حفظه فقط لجعله في أعز الأمكنة عنده، حيث لا ينظره من الناس، فأما وقد جعله في آلته فهو متزين به قطعاً، فليتق الله امرؤ يتزين بما حرم الله عليه ويعتل في إباحته بأنه حامل له لا لابس؛ لأن الأمور بمقاصدها»، إذ ليس المقصود من تحريم الذهب علينا تحريم اسم اللباس، بل القصد من تحريمه تحريم التزين به، فحيث ما وقع التزين به للذكور من الرجال فهو حرام، كيف ما كان، وفي أي حالة كان لا فرق في ذلك بين سلاح، وغيره، ولا يعترض هذا بما رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل مكة وفي سيفه شيء من ذهب (2)، فإن ذلك الحديث ضعفه بعض الرواة، ولا تقوم حجة بالضعيف، وأيضاً فيحمل أن يكون الذهب في سلاح جائزاً في حال الحرب وذلك مقام حرب لا مقام سلم،
أحد
يروي
أن
(1) رواه البخاري، كتاب العلم، باب ما يذكر في المناولة، رقم: 65 ومسلم، كتاب اللباس، باب في اتخاذ النبي صلى الله عليه وسلم خاتما، رقم: عن أنس. ينظر: السالمي: العقد الثمين. 455/ 1. (2) أورده ابن أبي عاصم الآحاد والمثاني، مزيدة العبدي، رقم: 1500. والطبراني في الكبير، بقية الميم من اسمه مزيدة، رقم: 17605. عن مزيدة بن جابر. (1/375)
صفحة 370
376
القواعد الفقهية عند الإباضية
وكذلك لبس الحرير في الحرب جائز، وكذلك مشية الخيلاء لإكبات العدو، وإظهار قوة الإسلام»).
مجمل القول:
وهكذا يتبين لنا مما تقدم أنه كلما كان لبس الرجل للذهب بقصد سيئ، کالتزين والخيلاء فهو محرم عليه، وكلما كان لقصد حسن كإرهاب العدو أو من التلف فهو مباح، بشرط أن يقتصر في ذلك على الضرورة ولا يجاوزها والضرورة تقدر بقدرها؛ لأن أصله حرام على الرجال.
لحفظه
- في حكم خروج النساء من البيوت
هذه
اختلف فقهاء الإباضية في حكم خروج النساء من بيوتهن لغير ضرورة، فمنهم من منع ذلك إلا لضرورة بعد استئذان، أوليائهن، ومنهم من أجازه إذا كان لحاجة كالصلاة وعيادة المريض، والمشاركة في العزاء والأفراح، ومنهم من منعه مطلقاً اتقاء للشبهات، وخوفاً من الفتنة، وقد كثر الحديث عن المسألة في عصرنا بعد أن أصبحت النساء يخرجن للعمل ولغيره بغير ضوابط تضبطه، فما حكم الشرع في خروجهن؟ بحث السالمي هذه المسألة ونقل بعض النصوص الشرعية وأقوال العلماء، وبين أن الحكم في خروج النساء يكون حسب القصد والغرض منه، فإن كان لمقصد فاسد حرم ذلك، وإن كان بقصد الطاعة والحاجة والضرورة فلا مانع من ذلك، بشرط مراعاة الآداب العامة من التستر والحشمة، وترك التطيب والتعطر، ومرافقة المحرم لها.
يقول في هذا الصدد: اعلم أن خروج المرأة إما أن يكون لغرض صحيح أو فاسد، فإن كان لغرض فاسد حرم عليها الخروج اتفاقاً، وذلك أن تخرج
(1) السالمي: المرجع نفسه، 455/ 1 - 356. (1/376)
صفحة 371
الفصل الأول: القاعدة الكلية الكبرى الأولى
377
لأجل أن يُرى لباسها، أو يشم طيبها، أو يبدو جمالها، أو يطلع على حسنها وبهائها، أو تخرج لريبة، أو تذهب إلى محل تهمة، أو نحو ذلك، فهذا كان محجوراً عليها، وليس لها أن تخرج لأجله، فإن خرجت قيل: لا بأس أن تشم رائحة طيبها إذا لم يفسد القصد، وإن عف عن ذلك فهو أزكى. وكان أبو سعيد (الكدمي) يقرأ كتاباً فيه قال أبو معاوية): ولا ينبغي للمرأة أن تتطيب وتخرج من بيتها، ولا ينبغي لها أن تلبس مشهوراً وتخرج من بيتها، وسئل هو عن ذلك فقال: «معي أنه كذلك إذا كان خروجها لأجل ذلك الطيب، ولم تكن في حاجة لا بد لها منها، فإن كانت لها حاجة يمكنها تركها إلى وقت يذهب عنها ذلك» (2).
النبي
واستدل على عدم جواز خروج النساء إذا كن متعطرات بما ورد عن أنه قال: إذا استعطرت المرأة فمرت على قوم ليجدوا ريحها فهي زانية» (3). قال السالمي في بيان مدلول الحديث: «والمراد أنها داعية إلى الزنى، أي فحالتها حالة تدعو إلى ذلك، وإن لم تكن هي كذلك فهي فهي مبالغة في الإنكار عليها» (4). وقد أرشد الرسول صلى الله عليه وسلم النساء إلى الاغتسال للتخلص من رائحة الطيب إذا اضطررن إلى الخروج، فقد روي من طريق أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إذا خرجت المرأة إلى المسجد فلتغسل من الطيب كما تغسل من الجنابة» (5).
(1) أبو معاوية عزان بن الصقر، (ت: 268) أو (278 هـ عالم فقيه، أزدي يحمدي خروصي. كان مسكنه بمحلة غلافقة من الغنتق بسفالة نزوى. ومن مشايخه الشيخ محمد بن محبوب بن
الرحيل. وكان في مقدمة أهل الرأي بنزوى. معجم أعلام الإباضية بالمشرق، 237/ 1. (2) السالمي: معارج الآمال، 215/ 2. (3) رواه ابن خزيمة، كتاب الإمامة في الصلاة، باب التغليظ في تعطير المرأة، رقم: 1579. وابن حبان، كتاب الحدود، باب الزنا وحده، رقم: 4488. عن أبي موسى الأشعري. (4) السالمي: المرجع نفسه. (5) رواه الطبراني في الصغير، كتاب الزينة باب اغتسال المرأة من الطيب، رقم: 5061. = (1/377)
صفحة 372
378
القواعد الفقهية عند الإباضية
ولعل من الأمور التي تقلل من خروج النساء عدم الإسراف في كسوتهن والاقتصار على حاجتهن، والسعي في إحضار ذلك إليهن حتى لا يتخذن ذلك ذريعة للخروج من بيوتهن لتلبية حاجتهن، واختيار ما يناسبهن، وقد وردت بعض النصوص تشير إلى هذا المعنى، منها قوله صلى الله عليه وسلم: «أغروا النساء يلزمن الحجال (1). قال السالمي معقباً على هذا الحديث لإزالة الالتباس والمراد بإعرائهن في الرواية: تقليل ثيابهن حتى لا يجدن ثياباً فاخرة، فإن الواحدة منهن إذا لم تجد ثوباً فاخراً لزمت بيتها، وليس المراد بإعرائهن منعهن الكسوة رأساً؛ لأن ذلك محجور شرعاً، إذ من حقها عليه كسوة ساترة لجميع عوراتها».
ويشير السالمي إلى علة منع النساء من الخروج بقوله: «وهذا كله مبالغة في ستر المرأة وستر زينتها وطيبها؛ لأنهن فتنة الرجال وحبائل الشيطان» (2). ولا ريب أن هذا التوجيه يتوافق مع مقاصد الشارع الحكيم في حفظ العرض والشرف، فإباحة خروج النساء بالطيب والزينة فيه فساد للأفراد والمجتمع، ولو كان لقصد مشروع؛ لأن درء المفاسد مقدم على جلب
المنافع». واختلف الفقهاء أيضاً في حكم خروج النساء لتشييع الجنائز، فمنهم من ذلك مطلقاً استناداً إلى نصوص وردت في هذا الشأن، ومنهم من أجازه إذا كان لقصد الاعتبار والتذكرة، وطمعاً في الأجر والثواب.
منع
يقول السالمي في هذا المعنى وكذلك تنهى المرأة عن اتباع الجنائز لما
والنسائي في الكبرى، كتاب الزينة، باب اغتسال المرأة من الطيب، رقم: 9125. عن أبي
هريرة.
(1) رواه الطبراني في الكبير، باب الميم، من اسمه مسلمة، رقم: 16813. قال الألباني ضعيف. والقضاعي (المسند)، استغنوا عن الناس ولو بشوص سواك، رقم: 641. عن مسلمة بن مخلد. (2) السالمي: المرجع نفسه، 214/ 2. (1/378)
صفحة 373
الفصل الأول: القاعدة الكلية الكبرى الأولى
379
روي عنه لا أنه نهى النساء عن إتباع الجنائز) (1) ويروى عنه في خروج النساء إلى الجنائز أنهن يرجعن من الوزر بمثل ما يرجع الرجال من الأج الأجر (2).
(2)
قيل: إذا خرجن مستترات يردن به التذكرة للآخرة، ورجاء الثوا ذلك، ولم يخرجن لبكاء ولا لصياح ولا رياء ولا لمساعدة لغرض من أغراض الدنيا وسعها ذلك.
قال أبو مالك (3): أخبرني إبراهيم (4) أو غيره أنه قال: رأينا النساء يتبعن الجنائز، وعندها الفقهاء فلم نرهم أنكروا عليهن، ولو كان حراماً لأنكروه. وعقب عليه السالمي بقوله: «ولعل الفقهاء إنما تركوا ذلك تمسكاً برأي من أجاز لهن الخروج لأجل ذكر الآخرة مع ستر عوراتهن، فسكتوا عن ذلك لهذا الاحتمال (5). ورجح عدم جواز خروجهن للجنائز ولو كان لقصد الطاعة امتثالاً لنهي
(1) رواه البخاري، كتاب الحيض، باب الطيب للمرأة عند غسلها من المحيض، رقم: 309. ومسلم، كتاب الجنائز، باب نهي النساء عن اتباع الجنائز، رقم: 1606. عن أم عطية. (2) رواه ابن ماجه، کتاب الجنائز، باب ما جاء في اتباع النساء للجنائز، رقم: 1573. وعبد الرزاق، كتاب الجنائز، باب منع النساء اتباع الجنائز، رقم: 6097. عن عمر بن الخطاب. قال الألباني:: هذا حديث ضعيف. (3) غسان بن محمد بن الخضر البهلوي الصلاني، أبو مالك (حي في: 320 هـ) أئمة من العلم والفقه في عُمان. ولد بمدينة بهلا». هاجر إلى صحار فنزل بمكان فيها يعرف باسم «صلان»، فعرف بالصلاني. أنشأ مدرسة فقهية في بهلا لها شهرتها التاريخية، تخرج منها جملة من الفقهاء العاملين والأدباء المشهورين من شيوخه العلامة محمد بن محبوب وولداه بشير وعبد الله. من أشهر تلامذته العلامة عبد الله بن محمد بن بركة البهلوي. ينظر: السالمي: تحفة الأعيان، 194/ 1 الكدمي: الاستقامة، 224/ 1. معجم أعلام الإباضية بالمشرق، 268/ 1. (4) إبراهيم بن يحيى (ق: 4 هـ) من أعلام النصف الأول من القرن الرابع الهجري. كان معاصراً مالك غسان الصلاني. لم نقف على ترجمة مفصلة له. ينظر: أحمد الكندي، المصنف،
لأبي
287/ 2. معجم أعلام الإباضية بالمشرق، ص 48.
(5) السالمي: معارج الآمال، 2/ 215 - 216. (1/379)
صفحة 374
380
القواعد الفقهية عند الإباضية
النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك، وهذا نصه والصواب أن يُنهى النساء عما نهاهن عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم وإن احتمل لهن في الخروج وجه جائز؛ لأن نفس الخروج وراء الجنائز هو الذي نهاهن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يفتش عن أغراضهن، مع أنه أعلم بحالهن وأوقى بهن). واختار أبو سعيد الكدمي كذلك عدم خروج النساء للجنائز إلا لغرض تجهيز الميت إذا اضطررن لذلك، كأن تموت المرأة خارج بيتها فيتعذر نقلها لبيتها، فتخرج لها بعض النساء ليغسلنها ويجهزنها للدفن فهذه ضرورة و «الضرورة تقدر بقدرها».
يقول في هذا الصدد: «وأما نحن فنحب لهن القعود في البيت وترك تشييع الجنائز، إلا أن يلزمن ذلك في ذات نفوسهن ويكرهن القائمات بأمر الميت وتجهيزه فلا بد من ذلك، وعليهن الخروج فيه» (2).
واشترط أبو سعيد لخروج المرأة أن يكون لقصد صحيح وشريف، كأداء الواجب، أو لطاعة، أو فضيلة، فيجب عليها استئذان وليها؛ لأن طاعته مقدمة على سائر الطاعات، ما دامت لا تبلغ درجة الضرورة، فلا يحسن لها أن تخرج لقصد أداء بعض العبادات المستحبة وتخالف أمر وليها، فتلك معصية لا يبررها فعلها.
يقول في هذا المعنى: وإن كان الغرض الذي تخرج إليه صحيحاً فخروجها إليه جائز، لكن بشرط أن لا تخالف في ذلك أمر زوجها ولا والدها، فإن طاعتهما أوجب عليها من سائر الفضائل، ثم إن ذلك الخروج إما أن يكون لصلاة عيد، أو لصلاة جماعة، أو لعؤد مريض، فإن كان الخروج لصلاة عيد
فهو أفضل من مقامها في بيتها» (3).
(1) السالمي: المرجع نفسه، 216/ 2. (2) السالمي: نفسه.
(3) السالمي: نفسه، 2/ 116 - 117. (1/380)
صفحة 375
الفصل الأول: القاعدة الكلية الكبرى الأولى
381
وعقب السالمي على عبارة أبي سعيد الكدمي فقال: «وعبارة الشيخ أبي سعيد تدل على وجوب الخروج عليها في العيد، ولعل ذلك عنده فرض كفاية عليهن كما يشعر به لحن،کلامه وتدل عليه قواعد مذهبه» (1).
ويضيف أبو سعيد بيانه لحالات جواز خروج المرأة من بيتها بعد استيفائها الشروط الشرعية، ما دام القصد صحيحاً لا يشوبه فساد ولا ريبة، ولا يتعارض النصوص الشرعية فيقول: (وإن كان لأجل صلاة جماعة، أو عيادة مريض، مع فمقامها في بيتها أفضل ما لم يكن مريضاً يجب عليها عيادته، فإن شاءت الخروج لأجل الجماعة وعيادة المريض فلا بأس، وقد تركت الأفضل في حقها، لما روي عنه أن صلاة المرأة في مخدعها أفضل من صلاتها في صحن دارها، وصلاتها في صحن دارها أفضل من صلاتها في المسجد» (2). أما ما روي عنه من طريق ابن عمر أنه قال: «إذا استأذنت أحدكم امرأته إلى المسجد فلا يمنعها» (3)، فذلك حيث لا تخشى فتنة ولا تحذر ريبة، فإن الخروج لها جائز وفيه، فضل، وإن كان غيره أفضل، فأمر أن لا يحال بينها وبين شيء من الفضل، ولعلها تسمع من القرآن والذكر والموعظة ما لا تسمعه ما لو قامت في بيتها، أما إذا خيفت الفتنة، وقلت من الناس الأمانة، وكان
خروجها ريبة وبلاء، فمنعها أفضل كما تدل عليه قواعد الشرع الشريف» (4). ويفهم من عبارة أبي سعيد الكدمي أنه يميل إلى منع النساء من الخروج من بيوتهن ولو لقصد الطاعة وشهود الفضل، رغم جواز ذلك، سداً لذريعة
(1) السالمي: المرجع نفسه.
ذلك، رقم:
570، والحاكم، كتاب الإمامة،
(2) رواه أبو داود، كتاب الصلاة، باب التشديد في رقم 757، عن ابن مسعود بلفظ في بيتها بدل المسجد.
(3) رواه البخاري، كتاب الأذان، باب استئذان المرأة زوجها ... ، رقم: 849. ومسلم، كتاب
الصلاة، باب خروج النساء إلى المساجد ... ، رقم: 695. عن ابن عمر.
6.
(4) السالمي: مرجع سابق، 21/ 2. (1/381)
صفحة 376
382
القواعد الفقهية عند الإباضية
الفساد ما دام يؤدي ذلك إلى الريبة، ولعله استند في حكمه إلى قاعدة: «درء المفسدة أولى من جلب المصلحة».
ويبدو مما تقدم أن السالمي تابع أبا سعيد في منع النساء من الخروج ولو كان لغرض مشروع؛ اتقاء الفتنة والشبهات واستشهد على رأيه بما روي في الأثر أن رجلًا من الصحابة كانت امرأته تذهب إلى المسجد مع الرجال بعد موت الخليفتين، فأراد اختبارها فغافلها قرب المسجد، ومسها بيده من ورائها من ظاهر ثيابها، ولم تعلم به أنه، زوجها فرجعت، فقال لها في البيت: كيف رجعت؟ فقالت ذهب الناس وبقي النسناس (1). وفي الأثر: ولعله مما يروى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم «أنه نهى النساء عن
الجلوس في السكك، والخروج في اليوم المطير أو ريح عاصف» (2). وعلل السالمي هذا النهي بقوله: وإنما نهيت عن الجلوس في السكك؛ لأنهن فتنة الناظر، وأيضاً فجميعهن، عورة، فقَلَّما امرأة يمكنها الستر على ما ينبغي، فكان بيوتهن سترهن، وأما نهيهن عن الخروج في اليوم المطير؛ فلأن الثوب إذا ترطب بالماء لصق بالبدن، فيصوّر أعضاء المرأة، وكذلك الريح إذا لصقت بالبدن تصوّر الأعضاء من جهتها، والنظر إلى محاسنها حرام، فنهيت أن تتعرض لذلك» (3).
مجمل القول:
ومهما يكن من أمر فالذي يظهر لي بعد عرض آراء بعض فقهاء الإباضية وأدلتهم وتعليلاتهم في حكم خروج المرأة من بيتها، رغم ما يبدو من اضطراب
(1) أورده ابن الأعرابي (المعجم)، باب الدال، رقم: 1722. وأبو نعيم، الحلية، عبد الله
عباس، رقم: 1160. عن ابن عباس.
(2) لم نقف عليه لا في كتب السنة ولا في الفقه.
(3) السالمي: معارج الآمال، 217/ 2 - 218.
بن (1/382)
صفحة 377
الفصل الأول: القاعدة الكلية الكبرى الأولى
383
في ظاهرها أنه يمكن التوفيق بينها، وذلك أنه يتعذر منع المرأة مطلقاً من الخروج؛ لأن هناك حالات اضطرارية تدفعها إلى الخروج، كالعلاج أو زيارة والديها، أو لتجهيز الميتة أو العزاء.
فلا شك أن
وأحياناً يكون خروجها لأداء بعض الطاعات، كصلاة العيد، وصلاة الجماعة وإتباع الجنائز، وزيارة الأقارب والمشاركة في إعداد ولائم الأعراس، هذه الحالات مباحة لا مانع من حضورها ما دامت ملتزمة بالآداب الشرعية من استئذان للولي، والستر، ومرافقة ذي محرم لها، وترك التزين والتعطر والتسكع في الطرقات.
جميع
أما إذا كان خروجها يؤدي إلى مفسدة وفتنة وريبة، فتمنع في هذه الحالات رغم أن خروجها لقصد صحيح مشروع، فهنا يقدم درء المفاسد على جلب المصالح»، سداً للذريعة قال تعالى: {وَأَن يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَّهُنَّ} (النور: 60). قال السالمي: وفي هذه الآية إشارة إلى أن المباح ينقلب بقصد المعصية
حراما» (1).
وقد تحتاج المرأة إلى العمل خارج المنزل لسد حاجتها فإن وُجد من يعولها ويتولى أمرها، كولي أو قريب فالأفضل أن تمكث في منزلها حفاظا على عرضها وشرفها، خاصة في عصرنا الذي هاجت فيه الفتن واستفحل خطرها، وإن أمنت على نفسها فلا أقوى على منعها ما دام المجتمع في حاجة إلى خدمتها، وكذلك خروجها لطلب العلم وحضور مجالسه أصبح من ضرورات هذا العصر، فلا مانع من ذلك ما دامت تقصد به نفي الجهل عن نفسها، ونشر العلم في المجتمع، وسد حاجته للوظائف الملائمة لطبيعة المرأة كالمعلمة والممرضة، وغيرها ولكن بشرط التزامها بالآداب الشرعية العامة التي سبق الإشارة إليها.
(1) السالمي: المرجع نفسه، 204/ 2. (1/383)
صفحة 378
384
القواعد الفقهية عند الإباضية
ومهما حاولنا تبرير منعها من الخروج فلا نستطيع أن نقف حاجزاً أمام طموحاتها ما دامت شرعية وصحيحة، و «الأمور بمقاصدها»، أما إن كان قصدها من الخروج سيئاً، كإغراء الرجال وفتنتهم، أو الرياء والظهور، فالمنع أولى، وإن كان القصد شريفاً وصحيحاً، فالجواز أولى مع الالتزام بالضوابط الشرعية، والله مطلع على النوايا والمقاصد. (1/384)
صفحة 379
المطلب السادس
أثر المقاصد في الجنايات والعقوبات
كما تجسدت هذه القاعدة أيضاً فى مجال الجنايات والتعديات والملاحظ أن الحكم فيها ـ في الغالب ـ يختلف باختلاف البواعث والدوافع على تلك الجريمة، من ذلك:
1 - أن الفقهاء حكموا بالقصاص على من ضرب بجميع ما لا يتوهم منه القتل متعمداً بالتعدية، فأدى إلى القتل؛ لأن القصد هنا هو المعتبر ولو كانت الوسيلة لا تؤدي إلى الهدف في العادة، وبعضهم أسقط عنه القصاص، وأوجب عليه الدية والإثم. كما عمموا حكم القصاص على من استعمل وسيلة تؤدي إلى القتل عادة؛ كالسيف والمسدس والقنبلة ولو لم يقصد القتل؛ لأن الوسيلة دليل واضح على القصد. أما ما لا يستعمل للقتل عادة ولم يظهر معه القصد إليه، وذلك مثل الضرب باليد أو بالرّجل أو ما أشبه ذلك، فإذا أدى إلى القتل كان عليه الإثم والضمان، ولا قصاص عليه). 2 ـ وكذلك لو ترك أحد خصمه للحيَّة حتى قتلته، أو للعقرب حتى لسعته، أو تركه للبرد أو الحرّ حتى هلك، أو تركه يأكل السم فمات، كما يفعل بعض من يتولى إدارة السجون فيلجؤون إلى التعذيب بهذه الوسائل وغيرها، فإن الفاعل في جميع ما ذكر مسؤول عن تصرفه، وضامن وعليه الدية ولا قصاص عليه؛ لأنه لم يُباشر الجريمة بيده وما يُقال على الغير يُقال على النفس إذا فعل ذلك أحد بنفسه فأدى إلى هلاكها، فإنه يأثم بفعله إذا قصد الإضرار بنفسه عند البعض، وهناك من يرى أنه لا يضمن ما دام لم يباشر القتل بنفسه؛ لأن
(1) أبو العباس أحمد: كتاب الألواح مخطوط، ط نقلا عن أطروحة باجو، منهج الاجتهاد،
2/ 85 (1/385)
صفحة 380
386
القواعد الفقهية عند الإباضية
القاعدة الفقهية تنصُّ على أن المتسبب لا يضمن إلا بالتعمد»، بخلاف قاعدة:
المباشر ضامن وإن لم يتعمد»، ولكن إذا دلت القرائن أن قصده التصرفات هو التعذيب حتى يلقى حتفه فإنه يضمن (1).
من
هذه
وثمة تفاصيل عديدة لصور القتل وأحكامها من خلالها تتجلى لنا أهمية الفقه بالبواعث والمقاصد، والحرص على حفظ النفس، وهو من كبريات
مقاصد الشريعة.
(1) أبو العباس أحمد كتاب أبي مسألة، ص 166 - 167. (1/386)
صفحة 381
المطلب السابع
أثر المقاصد في السياسة الشرعية
كما يظهر أثر المقاصد في مجال السياسة الشرعية، وقد تجسد ذلك في كثير من الفروع الفقهية نذكر منها من باب التمثيل لا الحصر:
1 ـ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قد تظهر على من يتصدى لواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بعض التصرفات تدعو إلى الريبة في، أمره كمن يمنع الناس عن النهي عن المنكر بحجة أن الظروف غير مناسبة، فهل نحكم عليه بعدم الإخلاص والطمع في السمعة وجزاء الناس؟ أم إن الأمر يرجع إلى المقاصد؛ لأن الله مطلع على ما في الصدور؟
وفي هذا الإطار سئل المحقق الخليلي عمن جاء إلى المسلمين فوجدهم مجتمعين على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فقال لهم: تأخروا عن هذا الأمر وأنا لكم ناصح ولا قدرة لكم عليه في الحال البتة، وإنه متعذر، أو قال لهم: انتظروا الناصر لهذا الأمر، وانتظروا حتى نجتمع ونتكاتف ليكون ذلك أقوى للدولة وأمكن لها من العجلة، ماذا يكون حكمه؟
فأجاب: إن الأمر يرجع إلى النيات والمقاصد، إن كانت نيته صالحة أو سيئة، فلا يجوز الجزم بسوء نيته؛ لأن تصرفه محتمل للخير والشر، فينبغي أن نحسن فيه الظن لعله يكون صادقاً في قوله.
ولا بأس أن نذكر عبارة الخليلي زيادة في التوضيح فيقول: «أما قوله بالإعراف وأنه متعذر، فما أراه إلا قول شيطان ضعيف لقوله تعالى: {إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَنُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ، فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ (آل عمران: 175)، والحجة
عليه في ذلك تكثر، فأعتذر عن بسطها. (1/387)
صفحة 382
388
القواعد الفقهية عند الإباضية
وأما قوله الآخر إلى أن تلائم الظروف، ولا داعي للعجلة، فلا أقطع عليه في ذلك بتخطئة، ولا أجزم عليه بباطل؛ لأنه ممكن وله في ذلك نية، وعليه نية، ولكل امرئ ما نوى وعليه ما نوى والله مثيبه على ذلك أو معذبه، في
6
هذا يحسن به الظن، وظاهر قوله حسن إن صدق الله فيما بطن). وأضاف قائلاً في السياق نفسه: « ... إن كان في قوله الأول مراده التثبيط لهم عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أو ما يشبه هذا من النيات الفاسدة فما أراه إلا قول شيطان ضعيف أيضاً. وإن كان على نية صالحة وقول صدق، في موضع ما يكون الأمر كذلك في النظر عند أهل العقول، فلا أقول بأنه شيطان إذا كان باعث قوله الشفقة على المسلمين، ولم يكن معارضاً لهم، ولا مانعاً ولا مخطئاً، ولا معنفاً على الحق ولا موهناً لعزائمهم عنه بقصد إلى ذلك منه، فإن لكل امرئ ما نوى وعليه ما نوى ... » (2).
2 - في حكم العمل مع الحاكم الجائر قد يبتلى بعض الناس بالعمل مع حاكم جائر فيتحرج من تنفيذ أوامره ونواهيه، خشية أن يشاركه في ظلمه ويأثم على فعله، ولا مناص له من ذلك؛ لأنه يخشى على نفسه من سطوته، فكيف يتصرف في مثل هذه الأحوال؟ وهل تكفي نية معارضته ثم التصريح بها ما دام الله يجازي على النيات والتصرفات؟
لا تكفي النية الحسنة بل يجب عليه إظهار معارضته أو ترك العمل معه؟ ورد في الجامع المفيد مسألة قريبة من هذا المعنى، فقد سئل فيها أبو سعيد الكدمي عما إذا عما إذا كَلَّف الحاكم من يحرس المحبوسين ولا يدري الحارس، هل حبسوا على حق أم باطل؟ ويخاف إن لم يفعل ما قد أمره به ناله
جوره وظلمه في ماله ونفسه وعرضه.
(1) الخليلي سعيد: كتاب تمهيد قواعد الإيمان، 17/ 7. (2) الخليلي سعيد: المصدر نفسه، 18/ 7. (1/388)
صفحة 383
الفصل الأول: القاعدة الكلية الكبرى الأولى
389
فأجاب: «معي الذي يجوز إليه الحضور إلى هؤلاء الحاضرين في موضع مباح، أو سكن
أنه يكون بالنية والاعتقاد، فيمن يحضر إلى هذا الموضع
يجوز لهم دخولهم فيه أنهم إنما يريد بكينونتهم وقعودهم به يتقون به عن
أو
أنفسهم، وعن دينهم ما يخافون من السلطان الجائر عليهم، وعلى دينهم على حريم من يأمرهم أو حريم من يأمرونه، أو شيء من حقوق الله التي تدفع هذه الكينونة على أنهم لا يعينونه في ذلك على باطل، ويمنعون عن حق
عنهم
في جميع
الأحوال.
ويقول المرسل لمن يرسله إلى هذا الموضع بلفظ لطيف مثل: أن يقول له يعلم ما عرضنا له من هذه المحنة التي قد دفعنا إليها، وإنما أحب أن يكون لي هناك شخص بنفسك يرى، وفي الحقيقة أنك لا تعين من كينونتك هذه على شيء من باطل، ولا على شيء من إزالة حق، وإذا خيف من الموكل إذاعة ما يودع إليه من هذه النية والاعتقاد رجوت أن يجوز كتمان ذلك عنه، ما لم يظهر معه من الكاتبين إعانة عليه بباطل أو منع من جائر له» (1). والحاصل أن ما يمكن فهمه من عبارة الكدمي لعله يجيز لمن يعمل مع الحاكم الجائر كالسجان، أن يتعاون مع معارضه لإبطال ظلمه، وحماية المستضعفين ما دام قادراً على ذلك، ولا يستسلم لأوامره الجائرة، ويكتم أمره حتى لا ينكل به، والله يجازيه على حسن نيته وعمله ما دام غير راض بجوره، وهو يحاول قدر استطاعته تغيير منكره ولو بقلبه، وذلك أضعف الإيمان، فلا أظن أنه يحاسب بهذه النية؛ لأن الأمور بمقاصدها والله أعلم.
(1) الكدمي أبو سعيد: الجامع المفيد، 343/ 2. (1/389)
صفحة 384
أولا: باب الطهارة
المطلب الثامن
مستثنيات القاعدة
في حكم مس الذكر عند النسيان:
عبر بعض الإباضية عن هذه المسالة بقوله: «ما أوجب الوضوء فهو على
العمد والسهو سواء».
اختلف فقهاء الإباضية في نواقض الوضوء، هل تكون بالعمد والسهو أم بالعمد فقط؟ فيرى أكثرهم أن ما أوجب الوضوء فهو على العمد والسهو سواء، وذهب بعضهم إلى استثناء حالة النسيان والسهو في بعض الأحوال، كمَنْ مس فرجه ناسياً وهو متوضئ فلا ينقض وضوءه ولا إعادة عليه؛ لأنه لم يقصد بفعله مخالفة نهي الرسول صلى الله عليه وسلم عن مس الذكر بدليل أنه روي عنه أنه قال: «من مس ذكره فليجدد الوضوء» (1)، عملًا بالقاعدة الفقهية: «الأصل في الناسي في الشرع أنه معفو عنه إلا إن يقوم الدليل على غير
ذلك» (2).
وقد نقل ابن بركة هذا الخلاف وناقش أدلة الفريقين، ثم رجح أحد الرأيين مخالفته للقاعدة الكبرى الأمور بمقاصدها»، وقاعدة: «النسيان
رغم.
لقوة أدلته معفو عنه»، وفي ذلك يقول: «اختلف أصحابنا في المتوضئ يمس الفرج وهو ناس، فقال بعضهم: إذا مس ذلك وهو ناس لم تنتقض طهارته؛ لأن الناسي
(1) رواه ابن حبان، کتاب الطهارة، باب نواقض الوضوء، رقم: 1122. والحاكم، المستدرك، كتاب الطهارة، رقم: 428. عن بسرة بنت صفوان وقال بعد ذكره للسند والتأكد منه: فدلنا
ذلك على صحة الحديث وثبوته ... وزال عنه الخلاف والشبهة.
(2) السالمي: معارج الآمال، 65/ 2. (1/390)
صفحة 385
الفصل الأول: القاعدة الكلية الكبرى الأولى
391
لا لؤم عليه، وكان في التقدير غير فاعل إذا لم يقصد إلى الفعل، وقال بعضهم: عليه النقض للطهارة في المس، ناسياً كان أو عامداً، والنظر يوجب عندي إعادة الطهر على الطهر من مسَّ متعمداً أو ناسياً.
فإن احتج محتج ممن أسقط عن الناسي الطهارة، وإن كان القاصد إلى المس ممنوعاً من ذلك بخبر النبي صلى الله عليه وسلم، ووجب عليه إعادة الطهر عليه لركوبه المنهي بالقصد إلى فعل ذلك، والناسي ليس بقاصد إلى فعل خالف فيه نهياً؛ يقال له: ما أنكرت أن يكون نقض الطهارة يجب بالعمد بالخبر، ويجب نقض الطهارة على من مسَّ ناسياً بالدليل، فيكون الخطأ والعمد سواء، لاتفاقنا على أن خروج الريح من الدبر تنقض الطهارة بالعمد والقصد لإخراجها، وخروجها بغير قصد وعمد ينقض الطهارة أيضاً، فنقض الطهارة يجب بالعمد والسهو جميعاً، وكذلك الجُنُب أوجب الله عليه الغسل، وأوجبه عليه الرسول علام أيضاً، فخروج المني ناقض للطهارة بالاختيار، وبالاحتلام الذي يخرج بغير اختيار، وكذلك قول الرسول صلى الله عليه وسلم: إن الشيطان ليأتي أحدكم وهو في الصلاة فينفخ بين إليتيه، فلا ينصرف حتى يسمع صوتا أو يشم ريحا» (1)، وقد علم أن ذلك إذا خرج فليس باختيار من المصلي ...
وكذلك قد أوجب الرسول الله على المستحاضة الطهارة في الصلاة)، واختلف في حكم طهارتها وما يخرج من المستحاضة وليس باختيار منها،
فهذا يدل على أن ما أوجب الوضوء فهو على العمد والسهو سواء (3).
(1) رواه البخاري، كتاب الطهارة، باب لا يتوضأ من الشك حتّى يتيقن، رقم: 137، ومسلم، كتاب الحيض، باب الدليل على أنَّ من تيقن الطهارة .... ، رقم: 361، عن عبد الله بن زيد بن
عاصم.
(2) رواه البخاري، كتاب الحيض، باب عِرْق الاستحاضة، رقم: 321، ومسلم، كتاب الحيض، باب المستحاضة وغسلها وصلاتها، رقم: 334، عن عائشة.
(3)
ابن بركة البهلوي، كتاب الجامع، 355/ 2 - 356. (1/391)
صفحة 386
392
القواعد الفقهية عند الإباضية
مجمل القول:
إن المتأمل في عبارة البهلوي يدرك مدى وجاهة مذهبه وقوة حجته، فهو يعترف بأن أي فعل لا يصدر عن نية وقصد لا يعتد به، ولا يترتب عليه حكم، فالناسي أفعاله غير مقصودة ولا لوم عليه؛ لأن النسيان سبب لإسقاط المسؤولية عن الفاعل، إلا أنه لما ثبت عنده نص الحديث الذي يوجب إعادة الطهارة على من انتقضت طهارته بعمد أو سهو أخذ به عملاً بالقاعدة المشهورة «لا حظ للنظر عند وجود الأثر». كما أنه احتج بدليل القياس حيث قاس حكم مس الفرج عند النسيان بالجنابة احتلاماً، وخروج الريح من الدبر، ودم الاستحاضة من اضطراراً؛ لاتحاد كل منهما في علة الحكم، وهو خلو الفعل من القصد، سواء بالسهو أو الضرورة، وأمام هذه الحجج القوية لا يملك المرء إلا أن يسلم بهذا الأمر ويعمل به خروجاً من الخلاف، وإعمالاً للنصوص، وبهذا يظهر لنا أن هذه المسألة يمكن اعتبارها من مستثنيات هذه القاعدة.
المستحاضة
ثانياً: باب الحج:
2
1 - هل يلزم تجديد الإحرام على من وجب عليه بعد الميقات لتغير حاله؟ ذهب بعض فقهاء الإباضية إلى أن الصبي إذا بلغ الحلم بعد تجاوزه ميقات الحج، فعليه إعادة الإحرام من مكانه، ولا يعتد بالإحرام الأول؛ لأنه قد فعله وهو غير واجب عليه، والإحرام عبادة تستلزم من صاحبه القصد والنية، والصبي غير مخاطب به ما دام لم يبلغ، وكذلك العبد إذا أعتق بعد الميقات يجب عليه إعادة الإحرام؛ لأنه لما كان عبداً غير مخاطب به ولا يلزمه ذلك، وكذلك من الهدي وساقه لا يلزمه ذلك، حتى ينوي إقران الحج بالعمرة، فلو أفرد بالحج فلا يجب عليه.
قلد (1/392)
صفحة 387
الفصل الأول: القاعدة الكلية الكبرى الأولى
393
فالصبي والعبد لم يجب عليهما الإحرام عند الميقات لوجود مانع لذلك وهي الطفولية والعبودية، والمفرد بالحج لم يجب عليه الهدي؛ لأنه غير مقرن ولا متمتع بالحج إلى العمرة، فلو فعلوا ذلك لا يُعتبر عبادة؛ لأنهم غير مخاطبين بها، والعبادة يشترط لصحتها أو حصول ثوابها القصد والنية. ولكن ذهب غيرهم إلى أن الصبي والعبد إذا أحرما من الميقات جاز ذلك منهما، ولا يجب عليهما إعادة الإحرام، وكذلك من قلد الهدي يجوز له الإفراد بالحج والقرآن رغم أنهم غير مخاطبين بذلك.
والحاصل أن ما تقدم هو محاولة من الباحث لفهم عبارة ابن بركة وتطبيقها على القواعد، فما وافقها كان تطبيقاً للقاعدة، وما خالفها كان استثناء منها. ولا بأس أن نذكر عبارة ابن بركة كما وردت في جامعه، لنقف على مختلف أقوال الإباضية وحججهم فيقول: «والصبي والعبد إذا حجا في حال عبودية العبد، وطفولية الصبي، ثم بلغ الصبي، وعتق العبد، كان عليهما الحج إذا قدرًا عليه ولم يجزهما ذلك عند الفرض؛ لأنهما لم يكونا مخاطبين به في تلك الحال، ولا يسقط عنهما فرض الحج مع القدرة عليه في تلك الحال، ولا يسقط عنهما فرض الحج في هذه الحال مع ورود الخطاب عليهما، قال محمد بن محبوب وغيره من أصحابنا يجزي عنهما ذلك.
قلد
وإذا اعتق العبد وقد جاوز الميقات أحرم من مكانه؛ لأن الفرض لزمه، وكذلك الصبي، لأن الإحرام فرض، فإن كان قد أحرما من الميقات لم يجزهما؛ لأنهما قد أتيا بغير الفرض، ولم يكن الفرض يلزمهما، ومن أو أشعر لم يلزمه الإحرام لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إنما الأعمال بالنيات»، فيحتاج مع كل عبادة إلى نية وقصد وإرادة، وقد قال بعض أصحابنا: يلزمه الإحرام إذا قلد أو أشعر، وقال آخرون منهم ويلزم شركاءه في البدن (الهَدْي) وبتقليده، والذي قلناه أشبه بالكتاب والسُّنَّة من شاء أفرد الإحرام، ومن شاء أقرن للحج والعمرة، والمستحب الإفراد لفضل الثواب في ذلك؛ لأن (1/393)
صفحة 388
394
القواعد الفقهية عند الإباضية
الأعمال كلما كثرت كثر ثوابها» (1). وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أمر من
دخل بحجة أن ينقلها إلى العمرة (2).
2 ـ في حكم من قتل صيداً في الحرم وهو مخرم:
أجمع الإباضية على أن من قتل صيداً في الحرم وهو محرم يجب عليه ضمانه عمداً أو خطأ، ومن قتله خارج الحرم وهو محرم يضمنه إذا كان متعمداً، ولا شيء عليه إذا كان خطأ، وإن قتله في الحرم وهو حلال بدون إحرام وجب عليه الجزاء عمداً أو خطأ، ولكن بعد النظر في أدلة الإباضية ومن وافقهم من غيرهم نجدهم قد قاسوا حكم هذه المسألة بحكم من قتل نفساً خطأ، فإنه يسقط عليه الإثم ويجب عليه الكفارة والدية، وإن أتلف مالاً فعليه الضمان عمدا أو خطأ، وقد نتساءل لو فعل ذلك في حالة العمد هل يتحمل تبعة فعله لأنه صدر منه بإرادة وقصد؟
عن
أما في حالة الخطأ فإن القصد إلى الفعل معدوم، والشارع الحكيم لا يعاقب على الخطأ، وإنما ينظر إلى المقاصد والبواعث والدوافع، ولا ينظر إلى ظواهر الأفعال فقط لأن الأمور بمقاصدها». وقد حاول ابن بركة الإجابة هذه المسألة في جامعه، وبحثها من عدة وجوه، وناقش أدلتها وبين مدى وجاهتها، ولا بأس أن ننقلها كما عبر عنها زيادة في البيان، وخوفاً من سوء فهم يظهر للعيان، فيقول: «وإذا قتل المحرم صيداً في الحرم خطأ أو عمداً كان عليه الجزاء، وإن قتله في الحِلّ كان عليه في العمد الجزاء، ولا شيء عليه في الخطأ، وإن قتله وهو حلال والصيد فى الحرم، كان عليه الجزاء في والعمد، وهذا اتفاق من أصحابنا فيما علمتُ، وأما بعض مخالفينا أوجب
الخطأ
(1) ابن بركة: الجامع، 66/ 2. (2) رواه البخاري، كتاب الحج، باب تقضي الحائض المناسك كلها إلَّا الطواف، رقم: 1568. وأبو داود، كتاب المناسك، باب في إفراد الحج، رقم: 1789 مع زيادة. عن جابر بن عبد الله. (1/394)
صفحة 389
الفصل الأول: القاعدة الكلية الكبرى الأولى
في
395
سقط الجزاء في الخطأ، وأثبته العمد، واحتج بأن الإنسان لا يُعاقب على الخطأ ولا يُقال له لمَ أخطأت؟، قال: وإذا كان اللوم عنه زائلاً لم يجب أن يتعلق عليه من أحكام الخطأ شيء ... ».
قال: «فإن سألنا منهم سائل، لم أوجبتم في الخطأ جزاء وليس في ذكر الجزاء وجوب الجزاء في الخطأ؟
قيل له: إن من شأننا القول بالقياس وقد أوجب الله تعالى في قتل الخطأ في النفس كفارة، ومن أصل القائسين أن يردوا المسكوت عنه إلى المنطوق به، وهذا قاتل خطأ، فألحقنا قاتل الصيد بقاتل النفس من طريق الخطأ لتساويهما في الخطأ.
فإن قال: فهلا أوجبتم في قتل الخطأ في النفس القصاص لتساوي القتل بالقتل؟ قيل له: إنا نرد جزاء الصيد إلى الجنايات على الأموال.
ورأينا على من جنى على مال غيره عامداً كان أو خطأ، فالغرم واجب عليه، فألحقنا الصيد به؛ لأنه مال والمال بالمال أشبه، والخطأ بالخطأ أشبه من إلحاق الخطأ بالعمد.
فإن قال ليس لك أن ترد حقوق المولى إلى حقوق الآدميين، وما تُنكر أن تكون طريق الصيد غير طريقك التي سلكتها في الأموال، والأغرام تسقط، وأن المال لا يسقط إلا بإسقاط ربه والصيد فواجب عندك أن عنه على كل حال، وقد قال الله جل ذكره: {وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ پايه دار (الأحزاب: (5)، ولقول النبي صلى الله عليه وسلم: «رفع عن أمتي الخطأ
تكفر
فِيمَا أَخْطَأْتُم
والنسيان وما أكرهوا عليه» (1).
(1) رواه جابر، باب ما جاء في التقيَّة رقم 794 مسند الربيع، ص 251، وابن ماجه، کتاب الطلاق باب طلاق المكره والناسي رقم 2045، مع زيادة، عن ابن عباس. (1/395)
صفحة 390
396
القواعد الفقهية عند الإباضية
قيل له: لو تركنا والظواهر لأسقطنا الغُرم في الخطا في النفس والأموال، ولكن قامت الأدلة يوجب ذلك واتفقت الأمة عليه، فلما أن كان لا إثم عليه في قتل النفس من طريق الخطأ، وعليه مع ذلك الدية والكفارة، كذلك المخطئ فيما جعله قيمة غُرم على متلفه من باب العمد أن الخطأ لا يسقط الغرم من وهو الأموال وإن لم يكن مأثوماً)، وكذلك الصيد له مثل وقيمة، وعلى قاتله الغرم من طريق العمد، فيجب أن لا يسقط ذلك البدل والقيمة في
متلفه
الخطأ ... (2).
(1) يشير إلى قاعدة فقهية في باب الضمان، وهي: «الخطأ لا يزيل الضمان». سندرسها لاحقاً.
(2) ابن بركة الجامع، 62/ 2 - 63. (1/396)
صفحة 391
المبحث الرابع
القواعد المتفرعة عن القاعدة الكلية الكبرى «الأمور بمقاصدها»
لم يقتصر اهتمام الفقهاء على دراسة القاعدة الفقهية الكلية الكبرى «الأمور بمقاصدها» تأصيلاً وتحليلاً وتطبيقاً على الفروع الفقهية المختلفة، بل شملت حتى القواعد المتفرعة عنها والمندرجة تحتها، فحددوا مفهومها وبحثوا عن أدلتها، وخرَّجوا الفروع عليها، وطبقوها على المسائل الجزئية المتنوعة، وضبطوا بها الفروع المتشابهة والمتناظرة، ولم تكن هذه القواعد الفرعية في مرتبة واحدة من حيث صلتها بالقاعدة الكبرى، بل تفاوتت درجاتها، فمنها ما كان فرعاً لها، أو قيداً لها، ومنها ما كان استثناء منها، وبعضها اقتصر على جانب العبادات والقُرُبات وبعضها شمل العبادات والمعاملات والأحوال الشخصية وحتى مجال العقيدة، ونظراً لأهميتها وعلاقتها بالمقاصد العامة والخاصة للمكلفين فسوف نبحثها بشيء من التفصيل، وقبل دراستها تفصيلاً، يستحسن عرضها إجمالاً، ليسهل فهمها واستيعابها، وهي كما يلي:
1 - قاعدة: «النية أساس العبادات».
2 - قاعدة لا ثواب ولا عقاب إلا بالنية».
- قاعدة كل تصرف من مُكلّف مرتهن وصفه بطاعة أو معصية على
نيته وقصده». (1/397)
صفحة 392
398
القواعد الفقهية عند الإباضية
_ {
قاعدة: «مقاصد اللفظ على نية اللافظ في اليمين إلا من
الحاكم».
حلفه
ه - قاعدة: «العبرة في العقود للمقاصد والمعاني لا للألفاظ والمباني». قاعدة: «من قصد بتصرفه غرضا غير مشروع عومل بنقيض قصده أو «من استعجل الشيء قبل أوانه عوقب بحرمانه».
- (1/398)
صفحة 393
المطلب الأول القاعدة الأولى: «النية أساس العبادات»
إن النية سرّ العبودية وروحها، ومحلها من العمل محل الروح من الجسد، فالعمل بغير نية كالجثة الهامدة التي لا روح فيها، والنية عبادة مشروعة تترتب عليها آثارها في الأعمال وتبنى عليها أحكامها وهي أساس العمل وقاعدته ومداره عليها صحة وفساداً، وقبولاً ورفضاً؛ فيصح العمل إذا صحت منه النية، ويفسد بفسادها، وبها يستجلب التوفيق، وبحسبها تتفاوت الدرجات في الدنيا والآخرة، ولا يُقصد بالنية تلك الخواطر العابرة وأحاديث النفس المارة، بل المراد تلك النيات التي بلغت مرتبة العزم والتصميم، وقد أشار الجيطالي إلى هذه المعاني في سياق كلامه عن أهمية النية بالنسبة للأعمال فيقول: «وليت شعري كيف تصح نية من لا يعرف حقيقة النية؟ أو كيف يصح له عمل صحيح إذا لم يعرف حقيقة الإخلاص؟ أو كيف يطالب المخلص نفسه بالصدق إذا لم يعلم معناه؟ فالواجب على كل عبد أراد طاعة الله تعالى أن يتعلم النية، لِتَخْلُص له المعرفة ثم يصححها بالعمل بعد فهم حقيقة الصدق والإخلاص، اللذين هما وسيلتا العبد إلى النجاة والخلاص يوم الأخذ بالنواصي»).
تعريف النية لغة واصطلاحاً:
لغة: القصد.
شرعا توجه القلب نحو الفعل ابتغاء لوجه الله. وقيل: هي القصد للشيء المأمور به باعتقاد من القلب والعزيمة عليه بالجوارح، وقال محمد بن إبراهيم
(1) الجيطالي إسماعيل: قواعد الإسلام مع حاشية أبي ستة تحقيق جماعة من الأساتذة،
316/ 1 - 317 (1/399)
صفحة 394
400
القواعد الفقهية عند الإباضية
الكندي: «والنية عقد القلب وعزيمة على الجوارح). وهي بمعناها العام كما يرى الجيطالي: انبعاث القلب والتحري إلى مرضاة الرب» (2). ويؤكد ذلك البيضاوي (3) بقوله: «انبعاث القلب نحو ما يراه موافقاً لغرض من جلب نفع أو دفع ضرر، حالاً أو مآلاً، والشرع خصها بالإرادة المتوجهة نحو الفعل، ابتغاء وجه الله تعالى، وامتثالاً لحكمه» (4).
والنية بمعناها الخاص: «قصد الطاعة والتقرب إلى الله تعالى بإيجاد الفعل أو الامتناع عنه» (ه). وتعرف النية في الاصطلاح أيضاً بأنها: قصد كلي نسبي شامل للعزم والقصد، المتقدم على الفعل أو المقارن له في بعض أحواله»).
محل النية:
مع
اتفق جمهور الإباضية وغيرهم على أن النية محلها القلب، وذهب بعضهم أكثر الفلاسفة أنها الدماغ). واعترض المحشي أبو ستة على من يرى أن
(1) الكندي محمد بن إبراهيم: بيان الشرع، 19/ 6. (2) الجيطالي: قواعد الإسلام مع حاشية أبي ستة، تحقيق جماعة من الأساتذة، 318/ 1. (3) البيضاوي عبد الله بن عمر بن محمد بن علي الشيرازي الشافعي، أبو سعيد، أو أبو الخير، ناصر الدين (685 هـ / 1286 م): قاض، مفسر علامة. ولد في المدينة البيضاء بفارس،
6
تصدى عدة سنين للفتيا والتدريس، وانتفع به الناس وبتصانيفه من مصنفاته، تفسير القرآن العظيم، والمنهاج في أصول الفقه، وهو مشهور، وله منهاج آخر في أصول الدين، ومنهاج أيضاً في الفروع، وقد شرحه أيضاً، وله شرح التنبيه في أربع مجلدات، وله الغاية القصوى في دراية الفتوى، وشرح المنتخب، والكافية في المنطق، وله الطوالع، وشرح المحصول، وغير ذلك من التصانيف، الزركلي، الأعلام، 110/ 4.
(4) السيوطي: الأشباه والنظائر، ص 30. المناوي فيض القدير، 30/ 1.
(5) ابن نجيم: الأشباه والنظائر، ص 29 دون قوله: «أو الامتناع عنه».
(6) السدلان صالح النية وأثرها في الأحكام الشرعية، 96/ 1.
(7) الشماخي: كتاب الإيضاح، 51/ 1. وينظر: أبو ستة عمر القصبي: حاشية الترتيب، 4/ 1. (1/400)
صفحة 395
الفصل الأول: القاعدة الكلية الكبرى الأولى
2.1
النية محلها الدماغ بقوله: « ... إن هذا لا مجال للرأي فيه بل يتوقف على السمع، والأدلة السمعية دالة على الأول، كقوله تعالى: {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا الله مُخلِصِينَ لَهُ الدِّينَ} (البينة (5). والإخلاص إنما يكون بالقلب، لا الدماغ كما زعم بعض بالرأي؛ إذ لا مجال للرأي في هذا). وسُئل الشيخ السالمي عن النية أهي بالقلب أم اللسان أم الجوارح؟
فأجاب النية من أحوال القلب؛ لأنها قصد إلى شيء مخصوص، ومحل القصد القلب لا اللسان ولا الجوارح، وإنما اللسان محل القول وسائر الجوارح محل الفعل، ولا يُمكن أن يوجد شيء من هذه الأحوال في محل الآخر، فالقول مثلاً: لا يمكن إلا باللسان دون اليد وسائر الأركان، والبطش لا يمكن إلا باليد والمشي لا يوجد إلا بالرجل، وكذلك النية لا توجد إلا بالقلب» (2).
هل يكفي تلفّظ النية باللسان عن عزيمة القلب؟
اتفق فقهاء الإباضية وغيرهم على أن التلفظ باللسان ليس بنية، فمن فعل ذلك دون قصد القلب إلى الفعل فلا يصح فعله، وقد رد الشيخ السالمي على شدد في التلفظ بالنية وجعلها تقوم مقام قصد القلب فقال: «فأما التلفظ بها باللسان فليس بنية وإنما هو تعبير عن النية، وقد استحبه علماؤنا (3) والحنفية والشافعية والمالكية، جمعاً للهمة، واستحضاراً للقصد، وليسهل أيضاً تعقل
من
السالمي: العقد الثمين، 373/ 1. ابن تيمية مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية
ج 26/ 21 - 23. وما بعدها ..
(1) القصبي أبو ستة عمر: حاشية الترتيب، 4/ 1. وينظر: القطب أمحمد أطفيش: شامل الأصل والفرع، 152/ 1.
(2) الكندي أبو بكر أحمد: المصنف،
مج
3، 47/ 4
(3) السالمي: العقد الثمين، 373/ 1 - 374. وينظر أيضاً عنده في: معارج الآمال، 215/ 1. (1/401)
صفحة 396
402
القواعد الفقهية عند الإباضية
معنى النية، وقد رأى بعضهم لزومه، وليس بشيء إذ لم يرد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم شيء في ذلك، مع أن العرب كانوا جديدي عهد بالجاهلية، وقد تسربل الأعراب بالجفاء، فلو كان التلفظ بالنية مشروعاً لنصب لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم المعلمين لها، أو انتصب يعلمهم إياها بنفسه كما كان يُعلمهم السور من
القرآن، ولم ينقل شيء من هذا كله، فعلمنا أنه غير واقع، إذ لو وقع لنقل؛ مما تعم به البلوى).
؛ لأنه
وقد أكد ذلك شيخنا أحمد بن حمد الخليلي فقال: «ألفاظ النية غير واجبة مطلقاً، وإنما الواجب نفس النية، وهي قصد القلب وإرادة الله تعالى بالعمل، وإنما استحب بعض العلماء تأكيد ذلك باللفظ للاستحضار، ولم ترد بذلك سُنَّة» (2).
القلب
قال ابن تيمية: «ولا يكفي التلفظ باللسان دونه كما لا يشترط مع التلفظ، ولم ينقل عن النبي الله وأصحابه التلفظ بالنية، لا في حديث صحيح ولا ضعيف إلا في الحج بخلاف بقية العبادات» (3).
وقد ردَّ السالمي على الحنابلة الذين زعموا أن التلفظ بالنية بدعة؛ لأنه كما تكون بالفعل تكون في الترك أيضاً، فمن واظب على فعل لم يفعله الشارع فهو مبتدع على حد قوله: «إنا نُسلم أنها بدعة، لكن مستحسنة استحسنها المشايخ للاستعانة على استحضار النية لمن احتاج إليها، وفي الحديث: «ما رآه المسلمون حسنا فهو عند الله حسن» (4). وهو عليه الصلاة
(1) الخليلي أحمد: الفتاوى - الصلاة والزكاة والصوم والحج، راجعه قسم البحث العلمي بمكتب الإفتاء وزارة الأوقاف والشؤون الدينية بسلطنة عُمان، نشر المكتبة الفني للأجيال
ط 1، 1421 هـ/ 2001 م. 49/ 1.
(2) السالمي: العقد الثمين، 373/ 1 - 374.
(3) ابن تيمية مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية، 21/ 6 وما بعدها. (4) تخريج الحديث مفصلا يوجد في الفصل الخامس قاعدة «العادة محكّمة». (1/402)
صفحة 397
الفصل الأول: القاعدة الكلية الكبرى الأولى
403
والسلام وأصحابه لما كانوا في مقام الجمع والحضور لم يكونوا محتاجين إلى الاحتضار المذكور). هذا وقد ذكرنا أقوال علماء الإباضية وغيرهم في هذه المسألة لنردّ على من يزعم أن التلفظ بها واجب، فإذا نسي بعض ألفاظها لا. تصح صلاته، ولو كان يعزمها بقلبه، بل ربما يتلفظ بالنية ولا يقصدها بقلبه، فيدخل الصلاة ولا يدري أي الصلاة وجبت في حقه، وهذا خطر كبير يجب التنبيه إليه.
النية من شروط قبول العمل:
النية أساس العمل، وتدخل في جُل أبواب الفقه إن لم يكن كلها، ولما كانت الأحكام وغالب العبادات كلها متوقفة على النية استوجب تقديمها على كل عمل من الأعمال، وجعلها أول الأركان، ولا يُقبل العمل الذي يتقرب به العبد إلى ربه إلا بأمرين:
أ - أن تبعث عليه نية صالحة صادقة، إذ النية روح العمل ولُبه وقوامه، وهو تابع لها يصح بصحتها ويفسد بفسادها. ب - أن تكون صورة العمل الظاهر مشروعية غير مبتدعة، وفي هذا يقول ابن مسعود له: «لا ينفع عمل إلا بعمل، ولا ينفع قول وعمل إلا بنية، ولا ينفع قول وعمل ونية إلا إذا وافق السُّنَّة الصحيحة عن رسول الله (2). ويُشير محمد الكندي إلى شروط قبول العمل في معرض حديثه عن أهمية النية فبين أنها فرض في أعمال الطاعات كلها، وهى لُبّ العمل، فيجب على العبد إحكامها، والنية هي القصد إلى العمل طاعة الله ولرسوله، وقيل: النية مستدامة
(1) السالمي: معارج الآمال، 215/ 1.
(2) ابن رحب الحنبلي: جامع العلوم والحكم في شرح خمسين حديثاً من جوامع الكلم، ص 9. الأشقر، كتاب النيات في العبادات 98 نقلاً عن كتاب العدة: 8/ 1. عزاه فيه إلى
ينظر: عمر
ابن أبي الدنيا. (1/403)
صفحة 398
=
القواعد الفقهية عند الإباضية
404
والعمل ينقطع، والنية لا يدخلها الرياء، والعمل يدخله الرياء، وكل عمل خلا من النية فهو باطل، ولا يصح عمل شيء في الطاعات إلا بتقديم النيات). وقال أيضاً: «وكل عمل بغير نية فهو هدر من فاعله، ولا يقبل الله من عباده عملاً تَعبَّدَهم به إلا أن يقصدوا بفعله أداء ما تُعبّدوا به لمن تعبدهم، قال تعالى: {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ} (البينة: 5) (2).
ويُؤكد الجيطالي هذه الحقيقة فيجزم أن النية هي أساس قبول الأعمال عند الله، وبدونها يكون العمل كالعدم مهدراً لا قيمة له ولو كان صالحاً، فيقول:
«اعلم أن النية لباب الفعل وصفوه، وعماد الدين وأسه، ولذلك نفى الرسول الأعمال إلا بها لأنها في العمل بمنزلة البذر في الزراعة، فمن زرع بالبذر حقيق أن يحصد غبطة، ومن تَعنَى بلا بذر فثمرته الندامة، ومن أهمل عمله بسهو وغفلة كان بمنزلة من لم يعمل والعمل بغير نية عناء، والنية بغير إخلاص رياء وهو والنفاق سواء، والإخلاص من غير صدق وتحقيق هباء» (3).
أثر النية في الأعمال والأقوال: يرشد الجيطالي إلى حقيقة النية وتأثيرها على الطاعات والمباحات دون المعاصي فيقول: «إعلم أن النية إنما تؤثر في الطاعات والمباحات دون المعاصي والسيئات، أما أعمال الطاعات فإنه يجب على العبد أن ينوي في كل عمل منها أن يمتثله عبادة الله تعالى وتقرباً إليه، فحقيقة النية في الطاعة: انبعاث القلب والتحري إلى مرضاة الرب، فَنِيَّةُ المؤمن خير من عمله كما جاء في الحديث (4). ومعناه: أن النية في نفسها خير من الأعمال إذا كانت لا تصح إلا
(1) الكندي محمد بن إبراهيم: بيان الشرع، 19/ 6. (2) الكندي: المصدر نفسه.
(3) الجيطالي: قواعد الإسلام مع حاشية أبي ستة، تحقيق لجنة من الأساتذة، 316/ 1 - 317. (4) قول الرسول صلى الله عليه وسلم نية المؤمن خير من عمله». أخرجه الربيع بن حبيب في مسند الجامع
الصحيح، باب النية (1/ 1) رقم 01 عن جابر بن زيد عن ابن عباس، وأخرجه الطبراني في (1/404)
صفحة 399
الفصل الأول: القاعدة الكلية الكبرى الأولى
405
بها، ونية المؤمن اعتقاده طاعة الله ولو عاش ألف سنة، وإن مات دونها انقطع
عمله ولم تنقطع نيته، فإن نوى بالطاعة رياء وسمعة انقلب معصية). قال الكندي: ويروى أن النية الصالحة أحب إلى الله من العمل، ومن نية المؤمن أن لو قدر لملأ الأرض عدلاً ولم يدع أن يعصي الله طرفة عين، وهذا عندي من النية الواجبة عليه (2).
وينبه الجيطالي إلى إمكانية تحويل العادات إلى عبادات، وذلك بإضافة
أن
النية إليها، فيقول: «والمباحات تنقلب طاعة بالنية، فلا ينبغي للعاقل يتعاطى أفعاله تعاطي البهائم المهملة، فتصدر أفعاله عنه بسهو وغفلة، فأغلب حظوظ النفس من المباح، كالأكل والنوم والنكاح، فينوي في الأكل التقوي للجسم على العبادة، وينوي في النوم استراح الجسم لينشط للقراءة والعبادة، وينوي بالنكاح تحصين الفرج، وإحراز الدين وطلب الولد لعبادة الله تعالى، وتكثيراً لأمة محمد علي، فينبغي للعاقل المريد للآخرة أن يقيس جميع أفعال المباح على هذه الثلاثة المذكورة، ويحسن النية في جميعها حتى تصير طاعة الله تعالى وعبادة» (3). ويستثني الجيطالي المعاصي من تأثير النية عليها فيقول: «وأما المعاصى فلا تؤثر فيها النية، ولا تنقلب بها الله تعالى قربة وطاعة، مثل: أن يغتاب إنساناً تطييباً لقلب مسلم، أو يطعم فقير من مال غيره طلباً للأجر، فهذا كله جهالة واغترار، لقول صلى الله عليه وسلم: «إنما الأعمال بالنيات»)، فالنية لا تؤثر في إخراج الفعل عن كونه ظلماً ومعصية، بل قَصْدُهُ الخير بالشرّ على خلاف مقتضى الشرع شرّ
المعجم الكبير عن سهل بن سعد الساعدي: (185/ 6 رقم: 5942، والخطيب البغدادي في
تاريخه عن سهل بن سعد المذكور: (237/ 9).
(1) الجيطالي: قواعد الإسلام، 318/ 1 وما بعدها.
(2) الكندي محمد بن إبراهيم بيان الشرع، 24/ 6. - السالمي: معارج الآمال، 226/ 1.
(3) الجيطالي: المرجع السابق، 318/ 1 - 321.
(4) سبق تخريجه. (1/405)
صفحة 400
406
القواعد الفقهية عند الإباضية
آخر، فإن عرفه، فهو معاند للشرع، وإن جهله كان عاصياً بالجهل وارتكاب الفعل، إذ «طلب العلم فريضة على كل مسلم»). (2).
لماذا شرعت النية في العبادات؟
المقصود من النية في العبادات أمران:
الأمر الأول: تمييز العبادات عن العادات (3):
وذلك كما يلي:
1 - الغسل: فإنه متردد بين ما يفعل قربة إلى الله، كالوضوء والغسل من الأحداث، وما يفعل لأغراض العباد من التبرد والتنظيف والاستحمام والمداواة، وإزالة الأوضار والأقذار، فلما تردد بين هذه المقاصد وجب
تمييز ما يفعل لرب الأرباب عما يفعل لأغراض العباد).
جاء في المصنف «النية فرض في الوضوء وفي أعمال الطاعات كلها، وإنما تصير الأفعال طاعة بالنية، وعدم النية في الوضوء يخرج الفعل من أن يكون طاعة، وما ليس بطاعة فهو من أن تكون فرضا أبعد» (5).
(1) أخرجه ابن ماجه في السنن المقدمة ـ باب فضل العلماء رقم 224 والطبراني في الكبير عن ابن مسعود (195/ 10 رقم: 1049. والبيهقي في شعب الإيمان عن ابن مالك رقم 1663. (2) الجيطالي: المرجع السابق. 321/ 1.
(3) الشماخي: الإيضاح، 51/ 1. وينظر: حاشية السدويكشي على كتاب الإيضاح، 50/ 1. السالمي: معارج الآمال، 212/ 1 - 214. ـ باجو مصطفى: القواعد الفقهية عند الإمام أبي سعيد الكدمي من خلال كتاب «المعتبر»، بحث مرقون، ص 17 - 18. ـ السيوطي: كتاب الأشباه والنظائر، ص 27. - الأشقر عمر سليمان: النيات في العبادات، ص 69 - 70. (4) السالمي: معارج الآمال، 212/ 1. (5) الكندي أبو بكر أحمد بن عبد الله بن موسى السمدي النزوي (557 هـ/ 1162 م): المصنف، تحقيق عبد المنعم عامر جاد الله أحمد، نشر وزارة التراث القومي والثقافة، سلطنة عُمان طبع بمطبعة عيسى البابي الحلبي وشركاءه، مصر. مج 3، 43/ 4. (1/406)
صفحة 401
الفصل الأول: القاعدة الكلية الكبرى الأولى
407
2 - الجلوس في المساجد: قد يكون للراحات، أو الصلوات، والاعتكاف، والقربة بالحضور فيها زيارة للرب له في بيته، لما تردد بين هذه الجهات، فالنية تميز ذلك.
- الإمساك عن المفطرات: قد يكون للحمية والتداوي، أو لعدم الحاجة إليه، وتارة بفعل قربة إلى الله، فوجب فيه النية لتصرفه عن أغراض العباد إلى التقرب إلى المعبود. 4 - دفع الأموال يتردد بين أن يفعل هبة أو هدية أو عطية، وبين أن يفعل قربة إلى الله؛ كالزكاة والصدقات والكفارات، والنذور.
الضحايا والهدايا: لَمَّا كان ذبح الذبائح في الغالب لغير الله، من ضيافة الضيفان وتغذية الأبدان، ونادر أحواله أن يفعل تقرباً إلى الملك الديان، شرطت فيه النية تمييزاً لذبح القربة عن الذبح لأغراض دنيوية؛ لأن تطهير الحيوان بالذكاة كتطهير الأعضاء بالمياه من الأحداث تارة يكون الله،
الأمثلة
وتارة يكون لغير الله فالنية واجبة كي يتميز الذي الله عما عداه. 6 - الحج لَمَّا كانت أفعاله تتردد بين العبادات والعادات، وجب فيه النية تمييزاً للعبادات عن العادات فالعبادات لا تتميز عن العادات في التي ذكرناها إلا بالنية؛ لأن الصورة واحدة، فإذا عدمت النية كان العمل عادياً لا عباديّاً، والعادات لا يتقرب بها إلى الله فإذا عُري العمل عن النية كان كالأكل والشرب والنوم البهيمي الحيواني الذي لا يكون عبادة بوجه فضلاً عن أن يؤمر به ويرتب عليه الثواب والعقاب والمدح والذم وما كان هذا سبيله لم يكن من المشروع المتقرب به إلى الرب تبارك وتعالى.
الأمر الثاني: تمييز العبادات بعضها عن بعض): فالتقرب إلى الله تعالى بالفرض والنقل والواجب، فشرعت النية لتمييزها
(1) نفس المراجع السابقة الصفحات.
مع (1/407)
صفحة 402
408
القواعد الفقهية عند الإباضية
قال صاحب المصنف: «ومن الحجة بوجوب النية، أنها قد تقع تارة تطوعاً وتارة فرضاً، فلا بد من نية يميز بها بين طهارة الفرض والتطوع، فإن قيل: هذه نية التمييز لا الطهارة، قيل: له بل هي نية الطهارة وإنما قلنا أنها نية مميزة للفرض من النفل، إذ كل واحد منهما فعل وحكم يعرف بها، فلا يثبت ذلك إلا بوجوبها، فلذلك كانت مميزة بينهما، وكل شيء فصل بين فعلين، أو شيئين، أو حكمين سمي مميزاً لهما ... » (1).
ويمكن توضيح ذلك بالأمثلة التالية:
1 - التيمم يكون للجنابة والوضوء وصورتهما واحدة.
2 - الصلاة فالصلاة تنقسم إلى فرض ونفل والنفل ينقسم إلى راتب وغير راتب، والفرض ينقسم إلى منذور وغير منذور، وغير المنذور ينقسم إلى ظهر وعصر ومغرب وعشاء وصبح وإلى قضاء وأداء وإعادة، فيجب في النفل أن يميّز الراتب عن غيره بالنية، وكذلك تميّز صلاة الاستسقاء عن صلاة العيد (2).
4
-
(2)
العبادة المالية: نميز الصدقة الواجبة عن النافلة والزكاة عن المنذور وفي
والنافلة.
- وفي الصوم نميز صوم النذر عن صوم النفل، وصوم الكفارة عنهما،
وصوم
رمضان عما سواه.
وفي الحج نميز الحج عن العمرة والحج المفروض عن المنذور
والنافلة.
هذا وقد أضاف أحد الفقهاء المعاصرين أمراً آخر يميز الأعمال، لا بقصد تمييزها عما يشابهها في الصور كما سبق، وإنما من أجل تحديد الأهداف
(1) الكندي أبو بكر أحمد المصنف، مجلد 3، 43/ 4 - 44.
(2) السالمي: معارج الآمال، 212/ 1. (1/408)
صفحة 403
الفصل الأول: القاعدة الكلية الكبرى الأولى
409
والغايات من العمل أو العبادة، كنية التقرب إلى الله تعالى من الصلاة، ودفع ما يخالطها من البواعث الأخرى التي تخل بالمقصود من العبادة، ونية المقصد الأصلي من العقد ودفع ما يخالطه من البواعث الأخرى التي تخل بالمقصد الأصلي من العقد.
ومن
الأمثلة على ذلك: أن المقصد الأصلي لعقد البيع هو نقل الملكية بعوض، والمقصد الأصلي لعقد الإجارة هو تمليك المنفعة بعوض، والمقصد الأصلي للرهن هو احتباس مال لتوثيق استيفاء الدين.
هذا ولا يشترط نية المقصد الأصلي في المعاملات؛ لأن الله تعالى ندبنا إلى تلك الأعمال لما فيها من المقاصد الأصلية، فإذا قام بها المكلف على وجهها الشرعي تحقق المقصد الشرعي منها، وإنما يشترط عدم نية مقاصد أخرى تؤدي إلى الإخلال بالمقصد الأصلي للعقد كمن نوى عند عقد النكاح الإضرار بالمرأة وإيذائها، أو نوى من البيع إلى أجل، الحصول على مال بزيادة كما في بيع العينة، فلا يصح هذا العقد، وكذلك من أدخل على المقصود الأصلي للعقد مقاصد أخرى تؤدي إلى الإخلال بالمقصد الأصلي كما في بيع الوفاء (1).
الأعمال التي لا تتوقف على النية: ذكر الفقهاء جملة من الأفعال لا تحتاج إلى نية؛ لأنها عبادة محضة ولا تلتبس بغيرها. نقل السالمي عن ابن حجر قوله: «لا تجب النية في عبادة لا تكون عادة، أو لا تلتبس بغيرها، كالإيمان بالله والمعرفة به والخوف والرجاء والنية والقراءة والأذكار
:
(1) شبير محمد عثمان: القواعد الكلية والضوابط الفقهية، ص 116. ولمزيد من المعرفة والإطلاع ينظر: خالد بابكر الباعث وأثره في العقود والتصرفات، رسالة ماجستير، نوقشت في الجامعة الإسلامية قسنطينة - الجزائر، في عام 1994. (1/409)
صفحة 404
21.
القواعد الفقهية عند الإباضية
حتى خطبة الجمعة على الوجه الأكمل، لتميزها بصورتها مع لزوم التسلسل والدور لو توقفت النية على نية ولزوم التناقض المحال لو توقفت المعرفة عليها، إذ هي قصد المنوي، ولا يقصد إلا ما يعرف، فيلزم أن يكون الإنسان عارفاً بالله تعالى قبل معرفته به فيكون عارفاً به غير عارف به في حال واحدة).
مع
وعقب السالمي على قول ابن حجر فقال: «والحق أن القراءة والأذكار وخطبة الجمعة ونحوها أعمال تتوقف صحتها على صحة النية، فإنها وإن كانت متميزة من سائر العبادات، فهي داخلة تحت الأعمال الموقوفة على النيات، وليس التميز نفسه مقصوداً من شرع النية، وإنما المقصود تمييزها الإخلاص والرغبة إلى الله وطلب القرب منه تعالى» (2). وأشار السالمي إلى بعض أعمال التروك التي لا تجب فيها النية نقلاً عن ابن حجر فقال قال ابن: حجر ولا تجب النية فى التروك، كتروك الزنا إلا لحصول ثواب الترك؛ لأن القصد اجتناب المنهي، وهو حاصل بانتفاء وجوده وإن لم تكن نية). واستدل السالمي على عدم اشتراط النية في أفعال التروك بما نقله أبو البقاء معللاً ذلك بقوله: والنية فى التروك لا يتقرب بها إلا إذا صار كفاً وهو فعل، وهو المكلف به في النهي لا الترك بمعنى العدم؛ لأنه ليس داخلاً تحت القدرة للعبد» (4). وأضاف أبو ستة بعض أفعال التروك التي لا تقوم على النية فقال: وكذا لا تجب في إزالة النجاسات، وردّ المغصوب والعواري والودائع،
(1) السالمي: معارج الآمال، 213/ 1.
(2) السالمي: المرجع نفسه.
(2)
(3) السالمي: المرجع نفسه، 216/ 1 - 214. ينظر: ابن حجر، فتح الباري شرح حيح البخاري،
11/ 1
(4) السالمي: المرجع نفسه، 214/ 1. (1/410)
صفحة 405
الفصل الأول: القاعدة الكلية الكبرى الأولى
وقضاء النفقات وغير ذلك مما هو معقول المعنى، إلا إذا أراد حصول الثواب» (1).
وأشار السالمي إلى القصد من النية في العبادات والطاعات والقربات، فذكر أن نية العبادات يقصد بها التذلل والخضوع على أبلغ الوجوه، ونية الطاعة هي فعل ما أراد به الله تعالى منه، أما نية القربة يراد بها طلب الثواب بالمشقة في فعلها، أو ينوي أن يفعلها مصلحة له في دينه بأن يكون أقرب إلى ما وجب عقلاً من الفعل، وأداء الأمانة، وأبعد عما حرَّم عليه من الظلم وكفران النعمة). ويبين السالمي في معرض حديثه عن النية أن النية للتمييز لا تكون إلا في ملفوظ محتمل، كعام يحتمل الخصوص، أو مجمل أو مشترك يحتمل وجوهاً من المراد ليفيد فائدتها. والنية في الأقوال لا تعمل إلا في الملفوظ، ولهذا لو نوى الطلاق أو العتاق ولم يتلفظ به لا يقع، ولو تلفظ به ولم يقصد وقع في الحكم؛ لأن الألفاظ في الشرع تنوب مناب المعاني الموضوعة هي وأوضح أيضاً: أن النية في العبادات باللسان مع غفلة الجنان غير معتبرة، لما ورد في الحديث من «أن الله لا ينظر إلى صوركم ولا إلى أموالكم ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم)، وفي رواية: ولكن ينظر إلى قلوبكم ونياتكم» (4) فلو نوى الظهر بقلبه في وقته وتلفظ بنية العصر لا يضره بخلاف العكس).
لها.
(1) القصبي محمد بن عمر أبو ستة (المحشي)، حاشية الترتيب على الجامع الصحيح مسند الإمام الربيع بن حبيب 5/ 1 وينظر السالمي معارج الآمال، 214/ 1.
(2) السالمي: المرجع نفسه، 214/ 1.
(3) رواه مسلم، کتاب البر والصلة، باب تحريم ظلم المسلم، رقم 4757، وابن ماجه، كتاب الزهد، باب القناعة، رقم: 4141، عن أبي هريرة.
(4) لم نقف على تخريجه بهذا اللفظ. (5) السالمي: المرجع نفسه، 1/ 214 - 215. (1/411)
صفحة 406
412
القواعد الفقهية عند الإباضية
مصاحبة النية للفعل:
بحث الفقهاء مسألة مصاحبة النية للعبادات واختلفوا في حكم الفعل إذا
تقدمته النية، هل يُشترط استمرارها مع الفعل حتى يفرغ منه؟ - وإذا طرأ على الفاعل النسيان أو نية أخرى لغرض آخر فما حكم ذلك الفعل؟ فهل عليه الإعادة؟ أم البناء عليها؟ نقل السالمي هذه المسألة في المعارج وعرض رأي الإباضية فيها وناقش حججهم فقال: «وإذا نوى فتوضأ ثم عزمت نيته، أجزأته نية واحدة ما لم ينقلها فيحدث مع الفعل أنه يتبرد بالماء أو يتنظف به.
فإن قال قائل: إذا كان الوضوء عندكم لا يجزى إلا بنية، فلم لا يحتاج الإنسان إلى دوام النية إلى أن يفرغ من الفعل الذي كان له ينوي؟ وما الفرق بين أوله وآخره؟ قيل له: إذا نوى الطهارة في حال مباشرة الفعل لها فليس عليه ذكر ذلك إلى أن يفرغ منها؛ لأن تَوَقّي النسيان إلى أن يفرغ من الفرض لا يمكن، وتلحق فيه مشقة، ألا ترى أن الصوم لا يجزئ إلا بنية ثم ينسى صاحبه وينام ويأكل ناسياً ولا يضر ذلك، وكذلك لا يجوز له الدخول في الصلاة إلا بنية، ثم قد ينسى ويسهو ولا يضر إذا عرض له ما ذكرناه باتفاق؛ لأن استدامة ذلك إلى أن يفرغ من الفرض يشق ويؤدي إلى بطلان الفرائض، وقد رُوي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لا صيام لمن لم يبيت الصيام من الليل» (1). فأجاز تقديم النية في الصيام والطهارة» (2).
(1) رواه الترمذي، كتاب الصوم، باب ما جاء لا صيام لمن لم يعزم من الليل، رقم: 730، وأبو داود، كتاب الصوم، باب النِّيَّة في الصيام، رقم: 2454، بلفظ: «من لم يجمع الصيام قبل الفجر فلا صيام له عن حفصة. وقال الترمذي حديث لا نعرفه مرفوعاً إلا
(2)
من هذا الوجه.
ابن بركة: الجامع، 319/ 1 - 320. (1/412)
صفحة 407
الفصل الأول: القاعدة الكلية الكبرى الأولى
413
واختار ابن بركة هذا المذهب وقال: كذلك عندي، غير أن نية الطهارة مع الدخول فيها، وكذلك النية في الصلاة والزكاة والحج مع الفعل لذلك والنية للصيام وقتها أبعد، وكان التقدير في الصيام كغيره، غير أن الصيام وقته طلوع الفجر وهو وقت لا تتهيأ لأكثر الناس ضبطه؛ ولأن أكثر الناس فيه نيام، فلو أُخِذوا أن يكونوا في الوقت متأهبين لشق عليهم مراعاة وقتهم ولحقهم في ذلك ضرر شديد، فإذا نوى فهو على نية، وعليه، استصحابها، واستصحابه لها أن لا ينقلها إلى غير ما دخل فيه ونواه» (1).
هو
مجمل القول:
يظهر مما تقدم أن ما ذهب إليه ابن بركة وغيره ورجحه هو الأعدل والأوفق من الآراء؛ لأن في اشتراط مصاحبة النية للفعل حتى تمامه، فيه مشقة وحرج شديد للأدلة المتقدمة، ولأجل ذلك يكتفي بالنية المتقدمة للفعل ما لم ينقلها إلى قصد مناقض للأول تيسيراً للناس ورفع للحرج عنهم؛ ولأن «المشقة تجلب التيسير».
(1) ابن بركة: المرجع نفسه، 1 320 - الشقصي خميس بن سعيد: منهج الطالبين، 370/ 3. (1/413)
صفحة 408
المطلب الثاني
قاعدة: «لا ثواب ولا عقاب إلا بالنية
6
تعتبر هذه القاعدة من القواعد المهمة في الفقه الإسلامي فقد جعلها ابن نجيم من القواعد الكبرى وبدأ بها في كتابه الأشباه والنظائر ()، ولها تعلق بأبواب الفقه من طهارة، وصلاة، وزكاة وصوم، وجهاد في سبيل الله، وتولي القضاء، وغير ذلك من القربات والطاعات وهي فرع عن قاعدة: «الأمور بمقاصدها وتندرج تحتها، وفيما يلي بيان لمعنى القاعدة وتطبيقاتها.
أولاً: معنى القاعدة:
الثواب والعقاب إما أن يكون دنيوياً، وإما أن يكون أخروياً: فأما الثواب والعقاب الأخروي، فإنه مترتب على النية جملة وتفصيلاً، فإثابة المؤمنين برضا الله والفوز لديه هو بسبب ما أخلصوا له من الأعمال الصالحة (2) ... قال الله: ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ) (النحل: 32). وقال تعالى: {فَأَمَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَلِحًا فَعَسَى أَن يَكُونَ مِنَ الْمُفْلِحِينَ (القصص: 67). وقال عل في حق الكفار: {وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَا مَّنثُورًا} (الفرقان: 23). ويؤكد الرواحي (3) هذا المعنى في معرض حديثه عن وجوب النية في
(1) ابن نجيم: الأشباه والنظائر، ص 20. (2) ابن نجيم: المرجع نفسه، ص 166.
(3) الرواحي: هو ناصر بن سالم بن عديم بن صالح بن محمد بن عبد الله بن محمد البهلاني العماني، المكنّى «أبو مسلم». (ت: 1329 هـ) ولد في أحضان بيت علم وفضل في مدينة محرم، أعز بلاد بني رواحة في عُمان، بعد انتقال أجداده من بهلا إلى وادي محرم. نشأ وتعلم بزنجبار. ويلقب بـ (حسان عُمان له شعر جيد يصور أحداث عصره، وقد تفوق تفوقاً ملحوظاً. مؤلفاته ديوان في الشعر، ونثار الجوهر في علم الشرع الأزهر، مطبوع، نثر فيه منظومة جوهر
ومن
النظام للشيخ نور الدين السالمي ولم يتمها. معجم أعلام الإباضية بالمشرق، 116/ 1، 377. (1/414)
صفحة 409
الفصل الأول: القاعدة الكلية الكبرى الأولى
415
الأحداث،
صحة الوضوء فيقول: «وهي أن يعتقد في قلبه استباحة الصلاة برفع وصح بذلك ولا ثواب له إلا بنية أخرى هي التقرب إلى الله). وإلى هذا المعنى يشير الشماخي أيضاً فيقول: «وأما النية هي أن يتحرى مرضاة الله وطاعة أمره، وذلك أن ينوي بفعله الصلاة بأداء الفرض وطاعة الله، وأنه واجب عليه مأمور به، ويتقرب بفعله إلى الله، والتقرب طلب المنزلة عند الله؛ لأن الله وعد المؤمنين الجنة على فعلهم الطاعة ... » (2).
في
ويقول القطب فى الشامل: «وإذا تمَّ العمل بلا نية فلا ثواب له، وإذا نوى أثنائه فله ثواب ما بقي وصح ما مضى بلا ثواب إن كان مما يصح بلا نية، وقيل: إذا كان في أثنائه ونوى عادت نيته على ما مضى وما أتي، ورخص بعض أن يتداركها ما دام باقياً ولو غاب وما مر من مقارنة النية للعمل هو الصحيح، وأجاز بعضهم تقديمها قبل القيام إليه، لكن إن حدث له ذكر ذلك عند القيام إليه أو الدخول فيه فليجددها. ومن عمل بلا نية فلا ثواب له ولا عقاب إن كان غير فرض وإلا عصي فالعقاب إن لم يتب ويُعِد، وقال غيري: أنه يعصي بعمل نفل أو فرض بلا نية، وقيل: أفعال المؤمن تابعة
لاعتقاده» (3).
وأما الثواب والعقاب الدنيوي فلا يخلو العامل من أحد أمرين: إما أن يكون مكلفاً أو غير مكلف، فإن كان مكلفاً وقام بطاعة الله جل وعلا حيا حياة طيبة سعيدة، وكان له الذكر والثناء الجميل، قال تعالى: {مَنْ عَمِلَ صَلِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَوَةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} (النحل: 97).
وأما إن عمل ما يستحق به العقاب جُوزي بما يستحق من حدّ أو تعزير أو
(1) الرواحي ناصر: نثار الجوهر، الطبعة المصورة من المخطوط، 165/ 1. (2) الشماخي: الإيضاح، 375/ 1، بتصرف.
(3) أطفيش أمحمد بن يوسف: شامل الأصل والفرع، 157/ 1 - 159. (1/415)
صفحة 410
416
القواعد الفقهية عند الإباضية
ضمان، وإن كان غير مكلف بحيث لم تتوفر فيه شرائط الوجوب، أثيب على الأعمال الصالحة تفضلاً. مع الله، وذلك كحج الصبي؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما رفعت له امرأة صبياً قالت ألهذا حج؟ قال: «نعم» ولك أجر» (1).
بالصلاة وهم
وإن عمل غير المكلف شيئاً من المعاصي لا يُكتب عليه إثم المعصية، ولكنه يؤدب تأديباً يردعه عن معصية الله تعالى، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «مروا أولادكم أبناء سبع سنين واضربوهم عليها وهم أبناء عشر (سنين) وفرقوا بينهم في المضاجع (3). ولكن لا تقام عليه الحدود؛ لأنه غير مكلف وإن أتلف شيئاً لزمه الضمان (3). قال الثميني: ومن أفسد طفله مالاً غرمه من ماله، إن لم يكن لطفله مال، وقيل: لا، ولا شيء على ابن الأم الطفل إن كان معدماً ... وإن تعمد الطفل
إفساد ذلك لزمه في ماله إن كان له مال وإلا غرمه أبوه من ماله ... » (4). هذا وقد قصر أحد الباحثين مفهوم القاعدة على الثواب الآخرة، ونسب ذلك إلى إجماع العلماء، ولكن حسب الأدلة التي تقدمت نجد القاعدة شاملة للثواب الدنيوي والأخروي ومما جاء في نصه: «وقد أريد بهذه القاعدة الثواب الأخروي بالإجماع، للإجماع على أنه لا ثواب ولا عقاب إلا بالنية، فانتفى الآخر أن يكون مراداً، وقيل: يراد الأخروي والدنيوي فإذا وجدت النية الخالصة
(1) رواه مسلم، كتاب الحج، باب صحة حج الصبي وأجر من حجّ به، رقم: 1336، وأبو داود، كتاب المناسك، باب في الصبي يحج، رقم: 1736، عن ابن عباس.
(2) رواه أبو داود، كتاب الصَّلاة، باب متى يؤمر الغلام بالصلاة، رقم: 495، عن عبد الله بن عمرو، والترمذي، أبواب الصَّلاة، متى يؤمر الصبي بالصلاة، رقم: 407، عن سبرة بن معبد.
وقال: «حسن صحيح.
(3) ابن اللحام البعلي: القواعد والفوائد الأصولية، ص 18.
(4) الثميني: عبد العزيز الورد البسام في رياض الأحكام، تحقيق محمد بن صالح الثميني - طبعه حفيده يوسف بن ى الثميني (1223 هـ). المطبعة التونسية 1345 هـ، تونس،
ص 229 - 230. (1/416)
صفحة 411
الفصل الأول: القاعدة الكلية الكبرى الأولى
417
الله تعالى صح العمل وبرئت الذمة وحصل الثواب وإذا فقدت النية أو اختلت فسد العمل وشغلت الذمة وكان العقاب، والأولى العموم؛ لأن القاعدة تفيد العموم»).
فهذه القاعدة توضح الفرق بين العمل الذي ابتغي به وجه الله وثوابه، وبين ما لم يقصد به ذلك، وإن كان ظاهره أنه طاعة وعبادة، وهنا لا بد من التنبيه على أن من الضروري استحضار نية الاحتساب وطلب الأجر والثواب من الله تعالى على كل من عمل صالح حتى ولو كان واجباً، فإن الإنسان قد يعتاد فعل الواجب فيصير عنده كالعادة، فيفعله دون أن يستحضر أن هذا الفعل قُربة إلى الله تعالى يرجى بها ثوابه وجنته، وإنما يكون قصده إسقاط الواجب وإبراء الذمة منه، ففي هذه الحالة تسقط عنه المطالبة بالواجب إذا فعله، ولكن قد لا يحصل له الأجر والثواب المرجو من مثل هذه الطاعة.
فمثلاً سداد الديون، واجب وكذلك النفقة على من يعولهم من زوجة وأولاد وما يملكه من دواب، وردّ المغصوب كل ذلك واجب، وتبرأ الذمة منه بمجرد فعله وتسقط المطالبة به، لكن الثواب إنما يحصل لفاعل هذه الأمور رجاء ثواب الله، فيؤدي الديون والحقوق إلى أصحابها؛ لأن الله تبارك وتعالى أمره بذلك، فهو يرجو بفعله رضى الله وثوابه في الدار الآخرة. وكذلك الصيام والقيام هما من أجل العبادات، ومع ذلك فقد روى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «رب صائم من صيامه الجوع والعطش، ورب قائم حظه من قيامه السهر (3)، وإنما كان ذلك لتخلف شروط القبول عن هذه العبادات، كأن يكون المكلف مُراءٍ في فعله أو يكون فعله على غير هدى
120
(1) شبير محمد عثمان: القواعد الكلية والضوابط الفقهية، ص (2) رواه ابن خزيمة، كتاب الصيام، باب نفي ثواب الصوم عن الممسك عن الطعام ... ، رقم: 1863. والحاكم، المستدرك، كتاب الصوم، وأما حديث شعبة، رقم: 1507. عن أبي هريرة، وقال: هذا حديث صحيح على شرط البخاري. (1/417)
صفحة 412
418
القواعد الفقهية عند الإباضية
6
النبي صلى الله عليه وسلم، والمكلف بفعله الصورة الظاهرة للعبادة تسقط مطالبته بها، ولكن القبول شيء آخر غير هذا، وهو إنما يكون لمن أخلص الله، واتبع هدي رسوله، وابتغى بفعله الآخرة والثواب من الله وعجل (1).
ويجب على المؤمن أن ينوي نية حسنة حتى يجازى عليها ولو لم يتمكن من عمله، أما إذا نوى نية سيئة ولو كان العمل لا يلزمه، فإنه يحاسب على تلك النية، فكيف إذا كان يلزمه وأصرّ عليها حتى مات. وقد أشار القطب إلى هذه المسألة فقال: «ومن نوى أن لا يؤدي حقاً من حقوق الله أو من حقوق المخلوق، وهو في الحقيقة لم يلزمه أو قد أداه، أو فعل فعلاً على نية الحرام ووافق الحلال، هلك وقيل عصى، وعلى كلا القولين لا حدّ عليه، وأما عذابه فهو على الأول عذاب الكبيرة، وعلى الثاني كذلك إن لم يتب، وليس لك أن تقول: إن عذابه بين الصغيرة والكبيرة ... (2).
مجمل القول:
بناء على ما سبق يمكن القول: إن المعنى الإجمالي للقاعدة هو أن الثواب والعقاب في الدنيا والآخرة لا يتحققان في الأعمال والعبادات والقربات إلا بوجود النية، فإذا وجدت وكانت خالصة لله تعالى صح العمل، وحصل الثواب، وإذا فقدت النية أو اختلفت فسد العمل وكان العقاب (3).
والسؤال الذي يتبادر إلى الذهن ينبغي الإجابة عنه هو: هل تشترط النية في
التروك؟ وهل يثاب من ترك المنهي عنه؟
قال أهل العلم: إن ترك المنهي عنه كالزنا وشرب الخمر والفواحش
(1) علوان إسماعيل حسن القواعد الفقهية الخمس الكبرى، ص 150 - 151. - ينظر: القرافي، الفروق، 2/ 50 - 51.
(2) أطفيش: شامل الأصل والفرع، 159/ 1.
(3) السدلان صالح القواعد الفقهية الكبرى، ص 70 - 71. ـ شبير، القواعد الكلية، ص
160 - 161 (1/418)
صفحة 413
الفصل الأول: القاعدة الكلية الكبرى الأولى
419
لا يحتاج إلى نية الخروج عن عهدة النهي، فمن لم يزن أو لم يشرب الخمر، أو لم يقتل يعتبر منهياً عن تلك الأفعال ولو لم تحضره نية الترك، ولكن هل يثاب على ذلك الترك؟ علمنا مما سبق أنّ الثواب مترتب على نية التقرب إلى الله تعالى بإيجاد الفعل أو الامتناع عنه، فمن ترك الزنا بدون استحضار نية الترك أو لعدم قدرته عليه، أو كان أعمى فترك النظر المحرم، فهنا لا ثواب على الترك؛ لأنه لم يتقرب إلى الله بهذا الترك، وإنما يحصل الثواب بأن كان قادراً على الفعل ودعته نفسه إليه فكفها عنه طاعة الله، وخوفاً من عقابه، فهو يثاب بهذه النية
لا بمجرد الترك (1). ودليل ذلك:
1 - قصة يوسف مع امرأة العزيز حيث يقول الله على لسانه: {وَرَوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَن نَّفْسِهِ، وَغَلَقَتِ الْأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَاى إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّلِمُونَ} (يوسف: 23).
2 - وكذلك الرجل الذي ذكره الرسول الله في حديث السبعة الذين يظلهم الله في عرشه يوم القيامة حيث يقول: ورجل دعته امرأة ذات حسن وجمال فقال: إني أخاف الله رب العالمين)
(1) البورنو محمد صدقي: الوجيز، ص 164.
(2) هذا جزء من حديث رواه الربيع بن حبيب في مسند الجامع الصحيح بَابٌ فِي الْوِلَايَةِ وَالإِمَارَةِ، حديث: 48 عن أنس بن مالك. ورواه البخاري بلفظ قريب منه، كتاب الأذان، أبواب صلاة الجماعة والإمامة، باب من جلس في المسجد ينتظر الصلاة وفضل المساجد، حديث: 640. ومسلم، كتاب الزكاة، باب فضل إخفاء الصدقة، حديث: 1774 عن أبي هريرة. ولفظ البخاري: سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: الإمام العادل، وشاب نشأ في عبادة ربه، ورجل قلبه معلّق في المساجد، ورجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه، ورجل طلبته امرأة ذات منصب وجمال، فقال: إني أخاف الله، ورجل تصدق، أخفى حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه، ورجل ذكر الله خالياً ففاضت عيناه». (1/419)
صفحة 414
420
القواعد الفقهية عند الإباضية
وقد تعرض فقهاء الإباضية إلى هذه المسألة في مصنفاتهم، فقال القطب في «الشامل»: «ولا تجب في التروكات إلا لنيل الأجر، كترك الزنا لا ذنب على تاركه بلا، نية ولا ثواب على تركه إلا بنية). وذكر أبو ستة القصبي في حاشية الترتيب في سياق شرحه لحديث الأعمال بالنيات أن هذا الحديث أصل في وجوب النية في سائر العبادات،
: (
يعني إلا ما قام الدليل على إخراجه من هذا العموم، كأن تكون عبادة معقولة المعنى، كغسل النجاسات أو تكون من باب الترك، كترك الزنا وشرب الخمر ونحو ذلك، إلا إذا أراد حصول الثواب على ذلك فلا بد من النية كما تقدم .... » (2)، وقال أيضاً: «وكذا لا تجب النية في إزالة النجاسات، ورد المغصوب والعواري والودائع، وقضاء النفقات وغير ذلك مما هو معقول المعنى، إلا إذا أراد حصول الثواب» (3).
وعقب السالمي على قول أبي ستة وزاد من توضيح هذه المسألة في معرض جوابه عن أي العبادات يشترط فيها النية؟ ومتى يحصل على الثواب؟ فأجاب: «لا يفهم منه أنه لا ثواب على العبادات الغير المعقولة المعنى والتركية، وإنما يفهم منه أن العبادات الغير المعقولة المعنى يتعين فيها وجوب المعنى، ولا يتعين وجوبها في العبادات المعقولة المعنى، ولا في العبادات التركية إلا إذا أراد تحصيل الثواب فلا بد من النية، ومعناه في ذلك: أن العبادات الغير المعقولة المعنى تتوقف صحتها على النية، بل يصح فعلها مع الإغفال عن القصد وكذلك التركيات كاجتناب المحرمات كلها، فإنه يكون ممتثلاً بنفس الترك ولو لم يحضره القصد لذلك، لكن إذا أراد تحصيل زيادة الثواب فلا بد من النية والقصد يعني إذا أراد تحصيل الثواب
(1) أطفيش أمحمد الشامل،
، ص
152
(2) أبو ستة عمر القصبي: حاشية الترتيب، مرجع السابق، 8/ 1.
(3) أبو ستة: المرجع السابق، 5/ 1. (1/420)
صفحة 415
الفصل الأول: القاعدة الكلية الكبرى الأولى
421
الخاص بحصول النية، فلا بد من النية له من النية؛ لأن النية شرط لحصوله، وإذا انتفى الشرط انتفى المشروط» (1).
ثانياً: أدلة القاعدة:
إذا دققنا النظر في هذه القاعدة والقاعدة الكبرى «الأمور بمقاصدها» نجد أن هناك نوعاً من التداخل بين القاعدتين، وبالتالي فأدلتها يمكن الاستدلال بها
لهذه القاعدة، فمثلاً:
1 - حديث عمر بن الخطاب المتقدم: إنما الأعمال بالنيات دلّ على اعتبار القصد في الفعل، وأن حكم الفعل يختلف باختلاف النية، فمن كان قصده من الهجرة هو رضا الله وطاعة رسول صلى الله عليه وسلم حصل له ما قصده وقبلت هجرته، وحصل ثواب الهجرة، أما من لم يكن كذلك، لم تقبل هجرته ولا أجر له. 2 - وكذلك حديث أبي موسى الأشعري، فقد بيّن أن كل من قاتل فليس له إلا ما قصد، وبالتالي فلا يكون مقاتلاً في سبيل الله إلا من قصد ذلك، ويثاب على نيته هذه، أما من قاتل لغرض غير هذا، فقتاله ليس في سبيل الله ولا أجر له.
وسأذكر هنا بعض الأدلة مما يمكن الاستدلال به لهذه القاعدة غير ما تقدم
فمن ذلك:
صلے
1 - قوله تعالى: {وَمَا آتَيْتُم مِّن رِبَا لِيَرْبُوا فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُوا عِندَ اللَّهِ وَمَا آنَيتُم مِّن زَكَوْةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَدٍكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ} (الروم: 39). قال ابن جرير في تفسير هذه الآية: يقول تعالى جل ذكره في معنى الآية: وما أعطيتم أيها الناس بعضكم بعضاً من عطية لتزداد في أموال الناس برجوع
(1) السالمي العقد الثمين، 375/ 1 - 376. (1/421)
صفحة 416
422
القواعد الفقهية عند الإباضية
ثوابها إليه ممن أعطاه ذلك فَلَا يَرْبُوا عِندَ اللهِ} (الروم: 39)، يقول: فلا يزداد ذلك عند الله؛ لأن صاحبه لم يعطه مَنْ أعطاه مبتغياً به وجهه. {وَمَا آنَيتُم مِّن زَكَوة} (الروم: 39) يقول: وما أعطيتم من صدقة تريدون بها وجه الله فأولئك يعني: الذين يتصدقون بأموالهم ملتمسين بذلك وجه الله المضعفون، يقول هم الذين لهم الضعف من الأجر والثواب (1).
—
هم
وقد بوّب الإمام البخاري في صحيحه فقال: «باب فَلَا يَرْبُوا عِندَ اللَّهِ
(الروم: 39). من أعطى عطية يبتغي أفضل منها، فلا أجر له فيها ... » (2). إذاً، فمن أتى زكاة ماله أو تصدق أو فعل أي فعل خير يريد بذلك وجه الله وثوابه، والدار الآخرة، فهو الذي يؤتيه الله أجره ويضاعفه له، أما من لم يرد وجه الله تعالى بفعله فلا أجر له (3).
2 - حديث عثمان بن عفان ره قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «مَن بنى الله مسجداً يبتغي به وجه الله بنى الله له مثله في الجنة» (4).
ففي هذا الحديث بيان أجر من بنى الله مسجداً ابتغاء ثواب الله ومرضاته، وأن الله رجل يجزيه بأن يبني له بيتاً في الجنة. أما من بناه ابتغاء أن يقال عنه منفق وجواد ومحسن، فهذا ليس له ثواب في هذا الفعل، وكذلك من بناه ليسميه باسمه فقط، أو ليقال هذا مسجد فلان لا ابتغاء ثواب الله، فهذا ليس
له في
الآخرة من نصيب ... (5).
(1) الطبري: جامع البيان في آي القرآن، 35/ 21 - 46.
(2)
البخاري: كتاب تفسير القرآن، 206/ 6. صحيح
(3) علوان إسماعيل حسن القواعد الفقهية الخمس الكبرى، ص 144.
(4) متفق عليه، أخرجه البخاري في كتاب الصلاة، باب من بنى مسجداً، (544/ 1) مع الفتح. وأخرجه مسلم في كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب فضل بناء المساجد والحث عليها،
(378/ 1) وفي كتاب الزهد والرقائق، باب فضل بناء المساجد، (2287/ 4).
(5) علوان إسماعيل حسن القواعد الفقهية، ص 144. (1/422)
صفحة 417
الفصل الأول: القاعدة الكلية الكبرى الأولى
423
3 ـ حديث أبي مسعود البدري الله عن النبي الله أنه قال: «إذا أنفق رجل على أهله يحتسبها فهو له صدقة (1). وهذا بيان من رسول الله صلى الله عليه وسلم لأجر من يقصد ثواب الله وحتى في الإنفاق على أهله، فإن الإنفاق عليهم من الواجبات ومتى ما قصد به العبد الطاعة الله، والابتغاء لثوابه، كان ذلك صدقة له عند الله، أما إن قصد به إسقاط المؤاخذة فقط، فهذا تسقط عنه المؤاخذة، ولكن لا أجر له؛ لأنه لم يقصده).
ونقل ابن حجر عند شرحه لهذا الحديث قول القرطبي فقال: «أفاد منطوقه أن الأجر في الإنفاق إنما يحصل بقصد القُرْبة سواء كانت واجبة أو مباحة، وأفاد مفهومه أن من لم يقصد القرب لم يُؤجر، لكن تبرأ ذمته من النفقة الواجبة؛ لأنها معقولة المعنى، وأطلق الصدقة مجازاً والمراد بها الأجر، والقرينة الصارفة عن الحقيقة: الإجماع على جواز النفقة على الزوجة (الهاشمية) التي حرمت عليها الصدقة» (3).
4 ـ ما رواه أبو هريرة الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ تعلم علماً مما يبتغي به وجه الله ول، لا يتعلمه إلا ليُصيب به عَرَضاً من الدنيا، لم يجد عُرْفَ الجنة يوم القيامة) - يعني: ريحها - (4).
(1) متفق عليه، أخرجه البخاري في كتاب الإيمان، باب ما جاء أن الأعمال بالنية والحسبة، ولكل امرئ ما نوى» (136/ 1)، وفي صحيح البخاري مع الفتح، (317/ 7)، وفي كتاب النفقات، باب فضل النفقة على الأهل ... (497/ 9) مع الفتح، وأخرجه مسلم في كتاب
الزكاة، باب النفقة والصدقة على الأقربين والزوج، (2/ 695).
(2) علوان إسماعيل حسن المرجع السابق. ص 145.
(3) ابن حجر: فتح الباري، (136/ 1 - 137).
(4) أخرجه أبو داود في كتاب العلم، باب في طلب العلم لغير الله تعالى، (71/ 4). وأخرجه ابن ماجه في كتاب المقدمة، باب الانتفاع بالعلم والعمل به (92/ 1 - 93). وأخرجه أحمد (338/ 2). والحديث صححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (2/ 692). وفي صحيح سنن ابن ماجه، (1/ 37 - 38). (1/423)
صفحة 418
424
القواعد الفقهية عند الإباضية
ففي هذا الحديث بيان لمكانة النية والقصد في العمل في حصول الثواب عليه إذا قصد به وجه الله وفي ضياع الثواب بل وحصول العقاب لمن ابتغى به عرضاً من أعراض الدنيا؛ فتعلم العلم الشرعي من أعظم
القربات إلى الله تعالى، كما جاء ذلك في أحاديث كثيرة عن النبي صلى الله عليه وسلم، منها قوله: «من سلك طريقاً يبتغى فيه علما سلك به طريقاً إلى الجنة وإن الملائكة لتضع أجنحتها رِضئ لطالب العلم، وإن العالم ليستغفر له من في السماوات ومن في الأرض حتى الحيتان في الماء) ولا يحصل للعالم ولا لطالب العلم هذا الفضل إلا إذا كان قصده من تعلمه وتعليمه رضا الله تبارك وتعالى وابتغاء مرضاته، فيجب عليه الإخلاص فيه، لينال هذا الثواب العظيم).
ثالثاً: تطبيقات القاعدة
1 - النية فرض للتيمم؛ لأنه عبادة غير معقولة المعنى ينوي بها المتيمم التقرب إلى الله، والرضى مع النية الخالصة بها، وإن نوى بها رفع الحدث ولم
(1) أخرجه الترمذي بهذا اللفظ في كتاب العلم، باب في فصل الفقه على العبادة من حديث أبي الدرداء، (4507) مع التحفة. وأبو داود بنحوه في كتاب العلم، باب الحث على طلب العلم (57/ 4 - 58). وابن ماجه بنحوه في المقدمة، باب فضل العلماء والحث على طلب العلم، (81/ 1). والدارمي في المقدمة، باب في فضل العلم والعالم، (110/ 1) بنحوه، وقد ورد الحديث أيضاً بطريق أبي هريرة، وقد صحح الألباني حديث أبي الدرداء في صحح سنن الترمذي، (342/ 2). وفي صحيح سنن أبي داود، (2/ 694). وفي صحيح سنن ابن ماجه، (43/ 1 - 44). ورواه الربيع بن حبيب أيضاً في المسند، باب العلم وطلبه وفضله، بلفظ «من سلك طريقاً يطلب فيه علماً سهل الله له طريقاً إلى الجنة حديث 20. وفي حديث آخر في الباب نفسه قال الربيع بن حبيب: حدثني أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضاً لما يطلب» حديث
19. الجامع الصحيح مسند الربيع بن حبيب، 7/ 1. (2) علوان إسماعيل حسن المرجع السابق، ص 948.
6 (1/424)
صفحة 419
الفصل الأول: القاعدة الكلية الكبرى الأولى
425
ينو بها التقرب الله ورضاه أجزاه ولا ثواب، له والعبادة المعقولة المعنى كذلك ينوي بها التقرب إلى الله والرضي، وإلا صحت بلا ثواب).
2 - إنفاق المال بنية السمعة والرياء، لا ثواب عليه (2).
نقل القطب أطفيش هذه المسألة في «شامله»، وحرر فيها خلاف العلماء، وتعرض إلى أدلتهم بالنقد والتوجيه، فقال: «ونية الشرّ شرّ، فمن نوى بعمله أن يحمده الناس لم يكن له ثواب وعوقب على نيته، وأما ما رواه أبو المؤثر (3): أن رجلاً أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال له: إني أقاتل في سبيل الله وأحب أن أحمد، فقال له: «ألست تقاتل أن تكون كلمة الله هي العليا فقال: بلى يا رسول الله، فقال: «فأنتَ إذاً شهيدا»، أو قال: «لك الأجر») فمنسوخ بقوله تعالى: {فَمَن كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ، فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَلِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (الكهف: 110). روي أنه أتاه رجل فقال له: يا رسول الله إني أتصدق بصدقة وألتمس الحمد والأجر، يعني: حمد الناس وأجر الله، فقال: لا شريك له»، فأنزل الله الله: فَمَن كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَلِحَا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (الكهف: 110). وبرواية الربيع
(1) أطفيش: شرح النيل، 350/ 1. (2) ابن بركة: الجامع، 265/ 1.
(3) الصلت بن خميس الخروصي، أبو المؤثر (ت: 278 هـ) فقيه كبير، من قرية بهلا، حمل العلم عن محمد بن محبوب بن الرحيل، ونبهان بن عثمان وغيرهم، له أجوبة وفتاوى كثيرة تزخر بها كتب الفقه والتاريخ. من مؤلفاته كتاب: «الأحداث والصفات». وتفسير آيات الأحكام. معجم أعلام الإباضية (قسم المشرق لمجموعة باحثين ـ (1/ 185). (4) قال السالمي: لا أحفظ هذا الحديث، والذي وجدته خلاف ذلك، قال جندب بن زهير يا رسول الله إني لأعمل العمل الله فإذا اطلع عليه أحد سرني، فقال: «إن الله لا يقبل ما شُورك فيه»، فنزل قوله تعالى: {فَمَن كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ، فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَلِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا:
(الكهف: 110). وعند الربيع من حديث أبي هريرة يرفعه: يقول الله تبارك وتعالى: «من عمل عملاً أشرك فيه غيري فهو له كله وأنا أغنى الشركاء عن الشرك». فالله أعلم بصحة ما ذكرت». السالمي، الجوابات: 461/ 6. (1/425)
صفحة 420
426
القواعد الفقهية عند الإباضية
عن أبي عبيدة عن جابر عن أنس، عنه: يقول الله تبارك وتعالى من عمل عملًا أشرك فيه غيري فهو له كله، وأنا أغنى الشركاء عن الشرك). وبقوله: «الرياء يحبط العمل كما يحبطه الشرك» (2).
وقد حاول الشيخ أطفيش أن يؤوّل الحديث الذي ذكر فيه أن الرجل يقاتل ويحب الحمد؛ ليجد له مخرجاً يتناسب مع النصوص المعارضة له، فقال: ويحتمل أن يريد بقوله: أحب أن أحمد، إن في طبعي حبّ الحمد، وتنازعني نفسي إلى الحمد، ولم أعمل للحمد بل لإعلاء كلمة الله، ومن ثم عمله مخلصاً، ثم أثنى عليه ففرح، فقبل عنه، وتلك عاجلة بشرى المسلم فلا يضره، كذلك قيل، قلت: (والقول للقطب لعله فرح من حيث أنه خبر، والواضح أن الرياء يكون ولو بعد تمام العمل، فالواجب أن يتوب عن فرحه بالثناء، فإن دام عليه خيف عليه الإحباط، إلا إن فرح يكون فعله خبراً تذكره حين أثنى عليه ففرح به (3).
رجح
ما حكم العمل إذا كان في بدايته خالصاً ثم طرأ عليه الرياء؟ يقول القطب أطفيش في هذا الشأن وذكر المخالفون فيمن طرأ عليه الرياء في عمله فاسترسل فيه خلافاً، أحمد وجماعة من السلف أنه يثاب بنيته الأولى، والصحيح أنه لا يثاب ومحل الخلاف في عمل يرتبط آخره بأوله كالصلاة والحج، وأما ما لا ربط فيه فإنما يثاب فيه على ما سبق الرياء فقط، لكن إن لم يتب بطل ما سبق أيضاً على مقتضي قواعد المذهب، وإن دفع الرياء أو دافعه وجاذبه فإنه يثاب» (4).
(1) أخرجه الربيع بن حبيب في الجامع الصحيح، باب في ذكر الشرك والكفر، حديث 60. (2) رواه أبو عبيدة مسلم معضلا في الجامع الصحيح مسند الربيع بن حبيب، باب في ذكر
الشرك والكفر، حديث 66.
(3) أطفيش أمحمد شامل الأصل والفرع، ص 158.
(4) أطفيش: المرجع نفسه، ص 158 - 159. (1/426)
صفحة 421
الفصل الأول: القاعدة الكلية الكبرى الأولى
427
3 ـ ذبح الحيوان: قد يكون للأكل فيكون مباحاً أو مندوباً، وقد يكون للأضحية فيكون عبادة، وقد يكون لقدوم أمير حراماً أو كفراً على قول (1)، وقد أشار السالمي في «العقد الثمين إلى هذه المسألة في معرض حديثه عن حكم الشاة المذبوحة بالآلة المتنجسة فقال: « ... وأ وأما الخلاف في تحريم المذبوحة بالآلة المتنجسة فلا أعرف وجه القول بالحرمة في ذلك، ولا أرى إلا حِلّ المذبوح بها، ولعل القائل بالحرمة فيه رأى أن الذبح نوع من العبادات، لما فيه من نوع القربة والتقرب إلى الله تعالى ورأى أن بعض العبادات لا تُؤدَّى إلا بطهارة كالصلاة، فقاس الذبح على الصلاة وجعل الطهارة شرطاً فيه، ولنا أن نقول على إثره أن الذبح لم يتعين أنه عبادة، وإنما هو من جملة المباحات في غالب أحواله، وإنما يكون قربة بقصد التقرب فيه لا من حيث ذاته، وهذا شأن المباح في جميع صوره، وكون الذبح في بعض أحواله عبادة، كهذي المتمتع لا يستلزم أن يكون عبادة في جميع أحواله ... » (2).
تعالي (3).
- الوقف يصح بدون نية لكن ليس له ثواب إلا إذا نوى التقرب إلى الله
- حكم قراءة القرآن بأجرة: سئل الشيخ السالمي عمن يقرأ القرآن في المقابر بأجرة، ونيته أن يقرأ بأجرة لحفظ القرآن، ومعونة لعياله، فهل له من أجر بينه وبين
الله تعالى؟ وما الذي تحل له الأجرة به والذي يحرمها عليه من الشروط؟ فأجاب: إذا قصد بقراءته تحفيظ القرآن لوجه الله تعالى مع القصد إلى أخذ الأجرة لمؤونة العيال فعسى أن يمنّ الله عليه بالثواب؛ لأن كلا القصدين طاعة، وتحل له الأجرة إذا أوفى بجميع ما اشترط عليه من أمر التلاوة، وتحرم عليه إذا
(1) أطفيش: شرح كتاب النيل وشفاء العليل للثميني، نشر مكتبة الإرشاد، جدة ـ السعودية، ط 3،
1405 هـ/ 1985 م، 469/ 4.
(2) السالمي: العقد الثمين، 411/ 1. (3) ابن نجيم: الأشباه والنظائر، ص 23. (1/427)
صفحة 422
428
القواعد الفقهية عند الإباضية
ضيع شيئاً من الشروط، وإذا لم يشترط عليه بشيء، لزمه أن يقرأ قراءة متوسطة، يفصح فيها عن الحروف والإعراب، ولا يجوز له أن يقرأ دون قراءته المعتادة
في الغالب أحواله؛ لأن المؤجر إنما أجره على القراءة التي عرفها منه» (1). وقد منع القطب أخذ الأجرة على قراءة القرآن للميت بعد أن نقل أقوال فقهاء غير الإباضية، فمنهم من أجاز ذلك مطلقاً كالنووي (2) وقال: «المختار صحة الإجارة مطلقاً، فإن موضع القرءان موضع بركة ونزول الرحمة، وهذا مقصود ينفع الميت، وأفتى القاضي حسين (3) بجواز الاستئجار لقراءة القرآن على رأس القبر، ومنع الزمخشري ذلك في أنه الكشاف»، فقال: «وتقدم
لا يجوز الأجرة على القرآن ويقدم الخلاف».
هل يصل ثواب القراءة إلى الميت؟
اختلفوا في ذلك، قال الزمخشري في معرض بيان مدلول قوله تعالى: وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (النجم: 39): «الما لم ينفعه سعى غيره إلا مبيناً على سعي نفسه، وهو أن يكون مؤمناً مصدقاً كان سعي غيره كأنه لكونه تبعاً له وقائماً لقيامه.
سعي
نفسه،
وأجاب أيضاً: بأن سعي غيره لا ينفعه إذا عمله لنفسه، وإن نواه له نفعه في
(4)
حكم الشرع، كالنائب عنه والوكيل القائم مقامه ... (4) ثم مثل لذلك بثواب
(1) السالمي: العقد الثمين، 376/ 1.
(2) تقدمت ترجمته.
(3) القاضي حسين بن محمد المروزي، فقيه الشافعية وشيخهم، وفقيه خراسان، وصاحب «التعليقة»، توفي سنة (462 هـ). ينظر: البغوي معالم التنزيل، 16/ 1، ابن عماد، شذرات
الذهب 310/ 3، الذهبي، سير النبلاء 261/ 18، ابن خلكان وفيات الأعيان 134/ 2. (4) الزمخشري: تفسير الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه، التأويل، تحقيق محمد مرسي عامر، نشر دار المصحف شركة مكتبة ومطبعة عبد الرحمن محمد، القاهرة – مصر (دت)، 5/ 51 - 92. ينظر أطفيش شامل الأصل والفرع، ص 155. (1/428)
صفحة 423
الفصل الأول: القاعدة الكلية الكبرى الأولى
429
أو
قراءة القرآن فقال: وثواب القراءة يصل للميت وبه قال كثير من الشافعية والحنفية، وبه قال أحمد بعد أن قال: القراءة على القبر بدعة، بل قال: يصله أعمال البر كلها وقال الآخرون: لا يصله ثواب القراءة، وهو المشهور عن الشافعي ومالك، ونقل عن جماعة الحنفية، والصحيح أنه يصله من أجنبي قريب، قال ابن القطان (1): كما يصله الدعاء والاستغفار والصدقة والإجماع ... » (2). ثم ذكر أنه مسألة الاستئجار لقراءة القرآن على الميت فقال: «وتقدم لا يجوز الأجرة على القرآن وتقدم الخلاف وأفتى القاضي حسين بجواز الاستئجار لقراءة القرآن على رأس القبر، قال الرافعي (3) والنووي: عَوْدُ المنفعة إلى المستأجر شرط فى الإجارة، فيجب عود المنفعة في هذه الإجارة إلى المستأجر أو ميته، لكن المستأجر لا ينتفع بأن يقرأ الغير له، ومشهور أن الميت لا يلحقه ثواب القراءة المجردة، فالوجه تنزيل الاستئجار على صورة انتفاع الميت بالقراءة وذكروا له طريقين:
أحدهما: أن يعقب القراءة الدعاء للميت فإن الدعاء يلحقه، والدعاء بعد
القراءة أقرب إلى الإجابة وأكثر بركة.
(1) ابن قطان البغدادي أبو القاسم هبة الله بن الفضل بن القطان بن عبد العزيز بن محمد بن الحسين بن علي بن أحمد ابن الفضل بن يعقوب بن يوسف بن سالم، المعروف بابن قطان الشاعر المشهور البغدادي، كان أبو القاسم المذكور قد سمع الحديث من جماعة من المشايخ. ابن خلكان، وفيات الأعيان، 53/ 6.
(2) الزمخشري الكشاف نفسه أطفيش: الشامل، نفسه.
(3) الرافعي عبد الكريم بن محمد بن عبد الكريم أبو القاسم الرافعي القزويني (557 - 623 هـ/ 1162 - 1226 م): فقيه من كبار الشافعية، كان له مجلس بقزوين للتفسير والحديث، وتوفي فيها. نسبته إلى رافع بن خديج الصحابي من مصنفاته: «التدوين في ذكره أخبار قزوين - خ» و «الإيجاز في أخطار الحجاز» وهو ما عرض له من «الخواطر» في سفره إلى الحج، و «المحرر - خ فقه، و «فتح العزيز في شرح الوجيز للغزالي ط»» في الفقه، و «شرح مسند الشافعي» و «الأمالي الشارحة لمفردات الفاتحة - خ. ابن السبكي، طبقات الشافعية، 119/ 5. الزركلي، الأعلام، 55/ 4. (1/429)
صفحة 424
430
القواعد الفقهية عند الإباضية
والثاني: ذكر الشيخ عبد الكريم الشالوسي أنه إن نوى القارئ بقراءته أن يكون ثوابها للميت لم يلحقه، لكن لو قرأ ثم جعل ما حصل من الأجر له فهذا دعاء بحصول ذلك الأجر للميت فينتفع الميت، قال النووي: المختار صحة الإجارة مطلقاً، فإن موضع القراءة بركة ونزول الرحمة، وهذا مقصود ينفع الميت، وذكر القاضي أبو الطيب (1) طريقاً آخر هو: ثالثاً: أن الميت كالحي الحاضر فترجى له الرحمة ووصول البركة إذا أهدى الثواب له القارئ (2).
ينوي
أن
قال القطب معقباً على الأقوال المتقدمة بعد سردها: «قلت: بل للحي أول قراءته ثوابها للحي، لكن لا تجوز الأجرة ولا يلحقه إلا ما نوى له قبل انقضائه؛ لأنه إن قرأ مهملاً فلا ثواب له، وإن نوى لنفسه فله لا للميت، وما قال بعض قومنا ممن ذكرت أن القراءة عبادة بَدَن فلا تقع على الغير، يرده أن الواقع هو الثواب، ومع ذلك ينبغي أن ينوي له الثواب ويدعو له به، والميت يؤجر بدعاء الغير، واعترض إطلاق أن الدعاء ينفع الميت بأنه موقوف على الإجابة، ويمكن أن يقال الدعاء للميت مستجاب، كما أطلقوا اعتماداً على سعة فضل الله ... (3).
(1) القاضي أبو الطيب الطبري طاهر بن عبد الله بن طاهر بن عبد الله بن عمر (348 - 450 هـ / 960 - 1058 م)، فقيه وقاض من أعيان الشافعية. ولد في آمل طبرستان، واستوطن بغداد، القضاء وولي بربع الكرخ، وتوفي ببغداد، عاش مائة وسنتين ولم يختل عقله ولا تغير فهمه، يفتي مع الفقهاء، ويستدرك عليهم الخطأ؛ وهو أحد الأعلام كان ثقة صادقاً عارفاً بالأصول محققاً. حسن الخلق صحيح المذهب، وثقه الخطيب وقال انتهى إليه علم الفرائض وصنف فيه كتباً، واختلفت إليه وعلقت عنه الفقه سنين من مصنفاته: «شرح مختصر المزني خ» أحد عشر جزءا في الفقه و «جواب في السماع والغناء ـ خ»، و «التعليقة الكبرى ـ خ» في فروع الشافعية، وله نظم الوافي بالوفيات 427/ 1، 269/ 5 - 270. ابن السبكي، طبقات
والفروع
الشافعية، 35/ 1. الزركلي، الأعلام، 222/ 3.
(2) الزمخشري: نفسه.
(3) أطفيش: شامل الأصل والفرع، ص 155 - 156. (1/430)
صفحة 425
المطلب الثالث
قاعدة: «كل تصرف من المكلف مرتهن وصفه بطاعة أو معصية على نيته وقصده» (1)
أولاً: مكانة القاعدة عند الإباضية
هذه القاعدة تفرعت عن القاعدة الكلية الكبرى الأمور بمقاصدها» وجاء ذكرها عند ابن بركة بصيغة قريبة منها: أن صورة الفعل وهيئته لا تدل على طاعة ولا معصية، وإنما يصير الفعل طاعة أو معصية إذا أضيف إليه النية» (2). ولعل ابن بركة أول من صاغ هذه القاعدة بهذه الصياغة وضمنها «جامعه»، ثم جاء من بعده الشماخي صاحب الإيضاح» فاحتج بها ولم يضف إلى صياغة القاعدة شيئاً يذكر، وإنما حاول صقلها وضبطها. مع الاحتفاظ بمضمونها، فقال: «وصورة الفعل وصفته لا تدل على طاعة ولا معصية، وإنما تدل على طاعة ومعصية بتصرف النية (3). أما صاحب نثار «الجوهر» فقد صرح بنقل القاعدة عن ابن بركة مع اختصار لها فاستدل بها في معرض حديثه عن اشتراط النية لصحة الوضوء والغسل من الجنابة، فقال: «لا يكون متطهراً في وضوء ولا جنابة إلا بنية وقصد؛ لأن صورة الفعل وهيئته لا تدل معه على طاعة ولا معصية إلا بالنية» (4).
وهكذا صارت هذه القاعدة معمولاً بها عند الإباضية المتقدمين والمتأخرين، وقد استدل بها الفقيه باجو مصطفى لبيان مدى اعتبار الشارع
(1) المسعودي زهران: ابن بركة السليمي البهلوي ودوره الفقهي في المدرسة الإباضية من خلال
كتابه «الجامع»، ص 204.
(2) ابن بركة: الجامع، 264/ 1.
(3) الشماخي: الإيضاح، 53/ 1.
(4) الرواحي ناصر بن سالم نثار الجوهر، 167/ 1. (1/431)
صفحة 426
432
القواعد الفقهية عند الإباضية
الحكم للباعث معياراً للحكم على كثير من الأفعال بالجواز أو المنع، وعلى كثير من التصرفات بالصحة والبطلان (1).
ثانياً: شرح ألفاظ القاعدة:
- صورة الفعل الصورة بضم الصاد لغة الشكل (2)، ومعنى الهيئة المعطوف قريب من معناه، إذ يعني حال الشيء وكيفيته (3)، فهو كعطف بيان، والفعل يقصد به هنا أعمال المكلف وتصرفاته القولية والفعلية، والظاهر أن اقتصاره على التعبير بـ «الفعل من باب التغليب أو الاكتفاء، وإلا فإن الأعمال القولية الصادرة من المكلف تأخذ نفس الحكم الذي تأخذه الأعمال الفعلية الواردة في القاعدة المذكورة (4).
الطاعة: فعل المأمورات ولو ندباً، وترك المنهيات ولو كراهة).
- المعصية: مخالفة الأمر قصداً (6).
ـ النية: هي في اللغة انبعاث القلب نحو ما يراه موافقاً؛ لغرض من جلب نفع أو دفع ضر، حالاً ومالاً).
والنية شرعاً: هي الإرادة المتوجهة نحو الفعل ابتغاء لوجه الله، وامتثالاً لأمره).
(1) باجو مصطفى: منهج الاجتهاد عند الإباضية، 583/ 2. رسالة دكتوراه النسخة المرقونة، نوقشت 1999 بالجامعة الإسلامية - قسنطينة، الجزائر.
(2) الفيروزآبادي القاموس المحيط، مادة صور، ص 385.
(3) الفيروزآبادي: المصدر نفسه، مادة: هيأ، ص 583
(4) المسعودي زهران ابن بركة السليمي ودوره الفقهي، ص 203
(5) الكفوي أبو البقاء: الكليات، مادة طوع، ص 583
(6) الجرجاني: التعريفات، ص 283
(7) الكفوي المصدر نفسه، مادة نوى، ص 902.
(8) الكفوي نفسه. (1/432)
صفحة 427
الفصل الأول: القاعدة الكلية الكبرى الأولى
433
ثالثاً: معنى القاعدة:
يتلخص معنى هذه القاعدة في أنّ إضافة وصف الطاعة أو المعصية لكل ما يصدر عن المكلف من قول أو فعل، متوقف على نيته في إيقاع ذلك التصرف. ونظراً لطول عبارة القاعدة عند ابن بركة والشماخي فقد أجرى عليها الباحث زهران المسعودي تعديلاً في صياغتها مع المحافظة على مضمونها، فعبر عنها بعبارة أوجز وهي: كل تصرف من مكلف مرتهن وصفه بطاعة أو معصية على نيته ومقصوده» (1).
وقد اعتمدنا هذه الصياغة؛ لأنها آخر ما دخل عليها من صقل وتحوير، شأن كل القواعد الفقهية، وهذا التطور يؤكد مدى مساهمة الإباضية في إنشاء القاعدة الفقهية وتطويرها حتى تصل إلى الصياغة النهائية.
وينبه المسعودي بأن تعلق ارتهان وصف الفعل الصادر من المكلف بالطاعة أو المعصية بالنية حسب مدلول هذه القاعدة هو من حيث المعنى
الإجمالي، وأما من حيث التفصيل فيمكن بيان ذلك كما يلي:
إن كل فعل صادر من المكلف لا يخرج عن كون الشرع الحكيم قد أضفى عليه ابتداء صيغة الوجوب أو الحرمة أو الندب أو الإباحة أو الكراهة،
وهي الأحكام الخمسة المعروفة. هذا، فإن هذه القاعدة يندرج تحتها كل فعل داخل تحت أحد
فإذا صح الأحكام الأربعة وهي: الوجوب أو الندب أو الإباحة، أو الكراهة مطلقاً. فمثال: الفعل الواجب الصلاة، فإن صلّى لأداء ما وجب عليه بنية خالصة
الله تعالى، ففعله طاعة، وإن صلى رياء وسمعة، ففعله معصية.
ومثال الفعل المندوب الجهاد غير المتعين عليه، فإن قاتل لإعلاء كلمة
الله، ففعله طاعة وإن قاتل حمية وعصبية ففعله معصية.
(1) المسعودي زهران المصدر نفسه، ص 204. (1/433)
صفحة 428
434
القواعد الفقهية عند الإباضية
ومثال الفعل المباح: الأكل، فإن أكل للتَّقَوّي على العبادة، ففعله طاعة، وإن أكل للتقَوِّي على المعاصي ففعله معصية.
ومثال الفعل المكروه الطلاق، فإن طلق بقصد الخلاص من زوج سوء ـ مثلاً ـ كان فعله طاعة، وإن طلق بقصد التذوق للنساء كان
فعله معصية (1). فظهر بهذا أن كل فعل يدخل تحت واحد من الأحكام الشرعية الأربعة
المتقدمة، تتحكم نية فاعله في وصفه بالطاعة أو المعصية (2).
وبقي الكلام عن الفعل الداخل تحت الحكم الخامس، وهو الحرمة
من حيث اشتمال هذه القاعدة عليه، وهذا ينبغي جعله على نوعين: أ - فعل محرم، ولا تأتي على المكلف حال يكون فيها مباحاً له قط، وذلك مثل الزنا أو الربا أو الظهار من الأزواج.
فهذا النوع لا يدخل تحت القاعدة المذكورة، بمعنى أن نية الفاعل له لا يمكن أن تتحكم فيه، فيكون طاعة تارة ومعصية تارة أخرى، بل هو حرام على أي حال كان، ولو أتاه فاعله على نية صالحة حسنة في ظنه. فلو زنى بنية تنقية نفسه وتخليص جسمه من المادة المحتقنة دفعاً به لضررها ـ حسب زعمه الكاذب ـ أو زنت بقصد تحصيل ما يقوّتها أو يقوّت من لزمها عوله، أو شرط زيادة على ما أعطى بنية تنمية المال لتوسيع دائرة القرض للمحتاجين، أو ظاهر من زوجته بنية العقوبة والنكال لها لإخلافها بواجبات دينها، فكل فعل من هذه الأفعال يبقى محرماً ومعصية،
(1) التذوق للنساء: أي بمعنى أن يجعل الطلاق ديدنه فيتزوج في الصباح ويطلق في العشي لينزو كل يوم على واحدة، أو يكمل النصاب فيستقر على ثلاث، ويجعل الرابعة جديدة كل يوم إشباعاً لشهوته الحيوانية، وكلا الأمرين من عمل أهل الترف والغواية، نسأل الله العافية في
الدارين ... راجع المسعودي، ابن بركة ودوره الفقهي، هامش ص 205.
(2) المسعودي: المرجع السابق، ص 205. (1/434)
صفحة 429
الفصل الأول: القاعدة الكلية الكبرى الأولى
435
ولا تجدي نية الفاعل في جعله طاعة؛ لأن الشارع لم يأذن في إتيان مثل هذه الأفعال على أية نية كانت.
ب ـ فعل محرم، ولكن تأتي على المكلف حال يضطر بها إلى أكل الميتة أو شرب الخمر لإنقاذ نفسه من الهلاك، أو شرب أبوال الإبل للعلاج، فهذا فعل واجب عليه، ويكون مباحاً، له كالتلفظ بكلمة الكفر عند الاضطرار والإكراه تقية لنفسه.
فهذا النوع من الأفعال داخل تحت القاعدة المذكورة، وهي متضمنة له، فإن المكلف إذا أكل الميتة أو شرب الخمر أو البول أو تلفظ بكلمة الكفر اختياراً بنية الانتهاك أو لاستحلال الفعل فعمله ذلك ـ بلا شك ـ معصية، وإن فعل واحداً منها أو كلها عند الاضطرار بنية إحياء النفس، أو العلاج الضروري، فلا شك أن فعله طاعة (1).
حاصل القول:
إن كل فعل ـ وهو ما عدا الفعل المحرم الذي لا تأتي حال يكون مباحاً فيها ـ يتصور وقوعه طاعة أو معصية؛ لأن النية هي التي تتحكم فيه، وإن اتفقت صورة إيقاعه في الخارج في حال الطاعة أو المعصية، وأن ما عدا ذلك ـ وهو ما مرَّ استثناؤه - فلا يقع إلا معصية وإن أتاه الفاعل بنية الطاعة والقربة.
رابعاً: أدلة القاعدة:
من
الأدلة التي ذكرها الإباضية شاهداً على هذه القاعدة ما يلي:
أ ـ من القرآن الكريم: 1 - قال الله تعالى: {وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينَا وَيَتِيماً وَأَسِيرًا} (الإنسان: 8)
فقد مدح الله تعالى المؤمنين بإنفاقهم لأموالهم إذا كانت المقاصد الله وعل.
(1) المسعودي: المرجع السابق، 205 - 206. (1/435)
صفحة 430
436
القواعد الفقهية عند الإباضية
2 ـ وقال في موضع آخر: {وَالَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَاءَ النَّاسِ) (النساء: 38). قال ابن بركة في بيان معنى الآيتين فذمهم بالإنفاق؛ لأنهم لم يقصدوا الله جل ذكره بها، وقد استوى الإنفاقان في الظاهر، وهذا منفق وذلك منفق، حصل أحدهما طائعاً بالإخلاص، والقصد إلى الله عل، والآخر عاصياً لتعريه من هذه الحال مع تساويهما في الإنفاق).
وعقب عليه الفقيه باجو بقوله: «فصورة الفعل لا تدل على طاعة ولا معصية، إنما يصير كذلك إذا أضيفت إليه النية، وقد مدح الله الذين قالوا إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللهِ} (الإنسان: 9). وقد ذم فريقاً آخر من {وَالَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَاءَ النَّاسِ} (النساء: 38)، فاستحق الأولون المدح لنيتهم الحميدة، ونال الآخرون الذم لسوء مقصدهم، والفعل واحد هو الإنفاق، ولكن اختلفت الأحكام لاختلاف النوايا، بل قد يتغير الفعل من طاعة إلى معصية بسبب النية، فمن أسلف من رجل مالاً ثم عقد النية ألا يرده، ده، فهذه معاملة انقلبت تعدية، ومن غصب مالاً لرجل، ثم تاب وعقد النية أن يرده له، فهذه تعدية انقلبت
معاملة» (2).
- قال تعالى: {لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا} (هود: 7). وجه الاستدلال بالآية
قال ابن بركة: «فقد صح أن هيئة الفعل وصورته لا تدل على طاعة ولا معصية ... فالإنسان إذا لم يعمل ما أمره به بقصد واختيار لم يسم مطيعاً، وإنما يسمى المطيع مطيعاً أن يرقب أمر المطاع فيأتيه امتثالاً لأمره، فحينئذ
يستحق اسم مطيع».
(1) ابن بركة الجامع، 265/ 1.
(2) باجو مصطفى: منهج الاجتهاد عند الإباضية، 583/ 2 - 584.
(3) ابن بركة المصدر نفسه، 265/ 1 266. (1/436)
صفحة 431
الفصل الأول: القاعدة الكلية الكبرى الأولى
437
ب - من السنة:
1 ـ ومن الأحاديث التي جعلها الإباضية دليلاً لهذه القاعدة الحديث المشهور عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى» (1). وجه الاستدلال:
يمكن توضيح وجه الاستدلال بالحديث للقاعدة المذكورة، بأن النبي صلى الله عليه وسلم جعل اعتبار الأعمال وتميزها خيراً أو شراً، طاعة أو معصية، موقوفاً على نية الفاعل وقصده من العمل، وأضاف في الشطر الثاني من الحديث نية كل شخص إليه لا فعله الذي صدر منه حيث قال: وإنما لكل امرئ ما نوى. ولم يقل: «ما فعل فكان في الحديث دلالة واضحة على أن الأعمال لا تعتبر بهيئتها وأشكالها
وإنما اعتبارها بالدافع إلى إتيانها، وهذا ما تومئ إليه القاعدة المذكورة). 2 - ومن أظهر ما استدل به الإباضية لاعتبار هذه القاعدة، والذي تظهر فيه صور الفعل وهيئته محسوسة على نمط واحد، وتتحكم النية في تصريف الفعل إلى طاعة أو معصية، هو ما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «الخيل لرجل أجر، ولرجل ستر، وعلى رجل وزر، فأما التي هي له أجر فرجل ربطها في سبيل الله، فأطال لها في مرج أو روضة، فما أصابت في طيلتها من المرج أو الروضة كانت له حسنات فهي له أجر، ورجل ربطها تغنياً وتعففاً، ولم ينس حق الله في رقابها، ولا في ظهورها، فهي له ستر، ورجل ربطها فخراً ورياء ونواء لأهل الإسلام، فهي على ذلك وزر (3).
(1) سبق تخريجه، أخرجه الربيع عن ابن عباس الباب الأول، 23/ 1. ـ والبخاري عن عمر بن الخطاب، كتاب الإيمان، 111/ 1. - وأبو داود، كتاب الطلاق، رقم 220/ 1، 269/ 2. (2) المسعودي: ابن بركة السليمي، ص 206 - 207. - وينظر: أبو ستة عمرو: حاشية الترتيب، 7/ 1 - 8. ـ وينظر: السالمي: شرح الجامع الصحيح مسند الربيع بن حبيب، 11/ 1.
(3) أخرجه الربيع، كتاب الجهاد، باب الخيل، رقم 463، 126/ 2. ـ رواه البخاري، كتاب
= (1/437)
صفحة 432
438
القواعد الفقهية عند الإباضية
وجه الاستدلال:
ووجه الدلالة من هذا الحديث الشريف للقاعدة المذكورة هو: أن الحديث أخبر عن فعل متفق في الهيئة والصورة، وهو حبس الخيل وتربيتها وهو صادر ـ على جهة الانفراد - من ثلاثة مكلفين، ومع اتفاق هذه الأفعال الثلاثة منهم في الهيئة والشكل، إلا أن وصف كل فعل منها بطاعة أو معصية رتبه النبي صلى الله عليه وسلم على نية كل فاعل منهم في حبس خيله وتربيتها، فمن ربطها في سبيل الله ففعله طاعة، ومن ربطها تعففاً واستغناء، وأدى حق الله فيها، ففعله طاعة، وهو دون الأول، ومن ربطها رياء ومناواة للمسلمين، ففعله معصية (1).
وهكذا يظهر مما تقدم أن القاعدة المذكورة التي أوردها الإمام ابن بركة ومن تبعه من الإباضية بتلك الصياغة المتقدمة، يمكن اعتبارها قاعدة فرعية من الكلية الكبرى وهي الأمور بمقاصدها»؛ ذلك أن هذه الأخيرة أعم وأشمل؛ لأنه ينظر فيها إلى القصد الباعث للمكلف إلى إتيان الفعل
من جهتين
أوّلاً: جهة وصف الفعل بكونه طاعة أو معصية، بناء على نية وقصد فاعله، وهذا هو القدر التي تشترك فيه القاعدة الفرعية مع القاعدة الكبرى الأمور بمقاصدها».
ثانياً: جهة ترتب الأثر الدنيوي بناء على النية والقصد الذي دفع المكلف إلى إتيان ذلك الفعل، ويمثل له بعض الفقهاء المعاصرين بما لو وقع صيد في شبكة إنسان فإنه ينظر:
- إن كان نشر شبكته للاصطياد، فالصيد ملكه.
المساقاة، باب شرب الناس والدواب من الأنهار، رقم: 2263، ومالك، كتاب الجهاد، باب الترغيب في الجهاد، رقم: 958، عن أبي هريرة ـ مسلم كتاب الزكاة، باب (6)، 70/ 7 - 71. (1) المسعودي: المرجع السابق، ص 207. (1/438)
صفحة 433
الفصل الأول: القاعدة الكلية الكبرى الأولى
439
وإن كان نشرها اعتباطاً أو بقصد تجفيفها، فإنه لا يملك الصيد، ولغيره أن يتملكه بالأخذ (1).
ومن المعلوم أن هذه الجهة لا تدخل تحت هذه القاعدة الفرعية؛ لأن مدارها هو وصف الفعل بكونه طاعة أو معصية، بناء على القصد فحسب. ـ ولعل أهمية هذه القاعدة ترجع إلى أنه يظهر من خلالها مدى لطف الله تعالى بعباده، وسعة عفوه ورحمته بهم، إذ رفع الحرج عنهم بعدم مؤاخذتهم بما يصدر عنهم من أفعال أو أقوال، يكون ظاهرها عصياناً محضاً، لكنها تقع من العباد خطأ أو نسياناً، وبعضها نتيجة إكراه، مما يرخص للمكلف فعله لا عند وقوع الإكراه من غير قصد وعزم على ارتكاب هذه المحظورات، ودليل ذلك قوله تعالى حكاية عن عبادة المؤمنين {رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا} (البقرة: 286). كما تبرز هذه القاعدة مقابل ذلك مدى صلة الإنسان بخالقه وحل مما يحتم عليه توجيه القصد والنية إليه تعالى عند مباشرة كل عمل ظاهره الطاعة المحضة، إذ كل عمل ظاهره مما يتقرب به إلى الله تعالى لم تصحبه نية التقرب فهو معدوم النفع، مصداقاً لقوله تعالى {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ
مخلِصِينَ لَهُ الدِّينَ} (البينة: 5).
خامساً: فروع القاعدة:
1 - اشتراط النية في التيمم، ومتى تصح هذه الطهارة؟
بحث الشماخي هذه المسألة فقال: «أما النية فجمهور العلماء اشترطوا في هذه الطهارة (التيمم النية، والدليل قوله تعالى: {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ} (البينة: (5)؛ ولأنها عبادة غير معقولة المعنى فلا تصح إلا بالنية، فضيلة لا فريضة، ويتميز معرفة هذا الاختلاف إن تيمم على أن يعلم غيره، أو
(1) المسعودي: المرجع السابق، ص 208. وينظر: كذلك الزرقا، المدخل، 966/ 2. (1/439)
صفحة 434
440
القواعد الفقهية عند الإباضية
تيمم ونوى به صلاة قد مضت أو تيمم ونوى به فعل معصية، فعلى مذهب الجمهور لا يجزيه، وعلى مذهب الآخرين يجزيه، وكذلك إن تيمم ولم ينو به
شيئاً على هذا الاختلاف» (1).
2 - الصيام بدون نية:
لو أن إنساناً أصبح غير ناو للصوم، وأمسك عن الأكل والشرب والمنكح حتى غربت الشمس، لم يستحق اسم صائم ولا مطيعاً؛ يسمى لأن فعله لم يسبقه نية الصوم طاعة الله، وما أتاه فهو صورة الصوم،
(2)
لقوله: «لا صيام لمن لم يبيت النية من الليل). ولو تقدم هذا الإمساك بنية من الليل لَسُمّي مطيعاً واستحق اسم الصائم)، كما أنه لو امتنع عن الطعام إضراباً عنه من طلوع الفجر إلى غروب الشمس بقصد تعذيب نفسه، أو ليعبر عن الظلم الذي وقع عليه حتى يصل أمره إلى من يدافع عنه، فأشرف على الهلاك، ففعله معصية؛ لأنه مخالف للشرع لقوله تعالى: وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ} (البقرة: 195).
- متى يكون الفعل معصية يؤاخذ فاعله؟ من أخذ مالاً من غيره من حرز خفية، ففعله يحتمل عدة احتمالات، فالظاهر أن حكمه سارق، يجب عليه الحد، وتقطع يده، ولكن قد يكون أخد حقه المغصوب، أو استرد وديعته التي جحدها من جعلت في يده، ففي هذه الحالات هل يحكم عليه بالسرقة فتقطع يده؟ فالحكم في مثل هذه الصور يختلف رغم أن صورة الفعل وصفته، واحدة ولكن القصد يختلف، ولذلك ينظر إلى الباعث والدافع على الفعل قبل تطبيق العقوبة، وقد فضل ابن بركة
(1) الشماخي: الإيضاح، 178/ 1.
(2) تقدم تخريجه.
(3) ابن بركة: الجامع، 265/ 1. (1/440)
صفحة 435
الفصل الأول: القاعدة الكلية الكبرى الأولى
441
أخذ
غير
القول في هذه المسألة فقال: «ومن أخذ مالاً من دار رجل مستخفياً بذلك أخذ فلا قطع عليه، ومن من دار رجل له عليه حق فالقطع عند أصحابنا؛ لأنه ماله، فهو سارق عندهم بذلك، والنظر يوجب سقوط الحد عنه إذا كان المأخوذ حقه جاحداً للأخذ منه، أو ظالماً له حقًا عليه؛ لأن النبي الله أمر هند بنت عتبة أن تأخذ من أبي سفيان حقها لما شكت إليه من منعه إياها مما يجب لها بحق الزوجية، فإذا قصد هذا القصد، فالنظر يوجب أنه يلزمه قطع لهذا الخبر).
-
ولو قال المسروق منه قد وهبته له، أو عفوت عنه عند الحاكم يقبل ذلك منه، ولا يسقط الحق عنه بذلك؛ لأن الحدّ حق الله، والمستعير إذا جحد لم يجب عليه قطع؛ لأن اسم سارق غير واقع عليه (2).
فانظر كيف يعتبر الإباضية الباعث في الفعل، وقصد الفاعل من ذلك
التصرف، وإذا وجدت شبهة سقط الحد؛ لأن الحدود تُدراً بالشبهات. 4 - لو التقط لقطة بنية حفظها لصاحبها كان فعله طاعة، وإن التقطها بنية
الغصب وحيازتها كان فعله معصية (3).
ه ـ لو أنفق من ماله بنية القربة الله تعالى كان فعله طاعة، ولو أنفق رياء وسمعة كان فعله معصية (4).
6 ـ لو ذكر شخصاً بفعل مذموم بقصد التحذير منه، كان فعله طاعة، وإن ذكره بنية الغيبة كان فعله معصية (5).
(1) رواه البخاري، كتاب المظالم، والغصب باب قصاص المظلوم إذا وجد مال ... ، رقم: 2348، ومسلم، كتاب الأقضية، باب قضية هند، رقم: 3319، عن عائشة.
(2) ابن بركة: الجامع، 479/ 2.
(3) ابن بركة المرجع السابق، 221/ 1. - ينظر: مصطفى الزرقا، المدخل، 96/ 2.
(4) ابن بركة: المرجع نفسه، 265/ 1.
(5) ابن بركة نفسه، 2/ 465. (1/441)
صفحة 436
442
القواعد الفقهية عند الإباضية
7 ـ في نبيذ التمر، سئل السالمي عما ورد في الأثر فيمن نبذ الماء والتمر مثلاً ونوى به الخمر فهو حرام، أسكر أو لم يسكر، كيف يكون هذا حراماً بمجرد النية؟ وهل تؤثر النية في غير الأعمال حتى أنه ذكر العلامة أبو سعيد الله في «معتبره أنه إذا اشترك اثنان مثلاً ونوى به أحدهما خلاً، والآخر خمراً، يحرم على الآخر دون الأول، وما معنى حرمته على الآخر وحله للأول؟ وذلك كله من إناء واحد، مع أنهم قالوا: إن الخمر إذا عولجت حتى زال سكرها أنها تحل، كيف يحلّ ما كان خمراً صريحاً بعد زوال السكر منه، ويحرم ما لم يباشره السكر رأساً؟ إني لفي عجب من هذا تفضل بالبيان. فأجاب السالمي: «نعم قالوا ذلك اعتباراً للمقاصد أخذاً من قوله تعالى: تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا} (النحل: (67). ففهموا من معنى الاتخاذ القصد إلى أخذ الشيء، فحيثما قصدوا به سكراً حُرّم بذلك؛ لأن للوسائل حكم المقاصد، ومن لم يقصد السكر إنما هو على قول لبعضهم، فلا يناقض ما ذكروه هاهنا إلا إن قال قائل بحل خل الخمر وبتحريم المتخذ قبل الإسكار، فهنا يتناقض عليه، ويلزمه ما ذكرتُ من التعجب، وأما إن كان القائل
بهذا غير القائل بهذا فلا تناقض والله أعلم).
(1) السالمي: العقد الثمين، 377/ 1. (1/442)
صفحة 437
المطلب الرابع
قاعدة: «مقاصد اللفظ على نية اللافظ في اليمين إلا من حلفه الحاكم» (1)
أولا مدلول القاعدة
ومعنى القاعدة: أن اللفظ على نية الافظ، فهو أن يُعتبر فيه قصد المتلفظ به، فهو الذي يحدد مقصوده بلفظه والألفاظ الصريحة (2) لا تحتاج
(1) الراشدي سفيان جواهر القواعد، ص 68.
مع
(2) هناك أدلة شرعية تدل على أن بعض الألفاظ الصريحة لا يعتبر فيها قصد قائلها مثل الطلاق، والنكاح والرجعة، فإنه إذا تكلم بها المكلف دلّ اللفظ على مقصوده وترتب عليه أثره، وإن لم يقصد المتكلم به ما دل عليه من معنى لوجود النص في ذلك إذ جاء في حديث أبي هريرة ه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ثلاث جدهن جد وهزلهن جد النكاح والطلاق والرجعة». أخرجه الترمذي في كتاب الطلاق واللعان، باب ما جاء في الجد والهزل في الطلاق. (362/ 4) التحفة، وقال الترمذي عنه: هذا حديث حسن غريب، والعمل على هذا عند أهل العلم من أصحاب النبي وغيرهم. وأخرجه أيضاً أبو داود في كتاب الطلاق، باب في الطلاق على الهزل (643/ 2 - 644). وابن ماجه في كتاب الطلاق، باب من طلق أو نكح أو راجع لاعباً. (657/ 1 - 658). وأخرجه الحاكم في المستدرك في كتاب الطلاق. (197/ 2 - 198) وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه ووافقه الذهبي. وقال الخطابي معلقاً على الحديث: اتفق عامة أهل العلم على أن صريح لفظ الطلاق إذا جرى على لسان البالغ العاقل، فإنه مؤاخذ به ولا ينفعه أن يقول: كنت لاعباً أو هازلاً، أو لم أنو به طلاقاً، أو ما شابه ذلك من الأمور، واحتج بعض العلماء في ذلك بقوله تعالى: {وَلَا نَتَّخِذُوا عَايَتِ اللَّهِ هُزُوًا} (البقرة: (231). وقال: لو أطلق للناس ذلك لتعطلت الأحكام، ولم يشأ مطلق أم ناكح أو معتق أن يقول: كنت في قولي هازلاً، فيكون في ذلك إبطال أحكام الله الله، وذلك غير جائز، فكل من تكلم بشيء مما جاء ذكره في هذا الحديث لزمه حكمه، ولم يقبل منه أن يدعي خلافه، وذلك تأكيد لأمر الفروج واحتياط له. والله أعلم. ينظر: الخطابي، معالم السنن (464/ 2)، وقد حسن ابن حجر في «التلخيص» الخبر حديث أبي هريرة (209/ 3 - 210). وأخرجه مالك في الموطأ في كتاب النكاح، باب جامع النكاح موقوفاً على سعيد بن المسيب بلفظ: «ثلاث ليس فيهن لعب النكاح والطلاق والعتق» (549/ 2).
6 (1/443)
صفحة 438
222
القواعد الفقهية عند الإباضية
في الغالب ـ إلى سؤال المتكلم عن مراده بها؛ لأنه بين، بخلاف الألفاظ المحتملة لعدة معان فإنه لا يمكن معرفة مراد المتكلم بها إلا بعد سؤاله عن قصده بها. وقد تساءل القطب أطفيش هل يحكم على الحالف بلفظه أم بما ينويه؟ أشار إلى اختلاف العلماء في ذلك، ورجح القول الذي يرى أن المعتبر هو
نية الحالف استناداً للحديث المشهور: «إنما الأعمال بالنيات» (1). وكذلك فإن هذه القاعدة تعني أن المؤاخذة إنما تكون على ما قصده اللافظ من لفظه، وخاصة فيما يتعلق بأمور الإيمان والاعتقاد، فإن المتلفظ بالكفر لما كان مكرهاً عليه إكراها ألجئ إليه وقلبه مطمئن بالإيمان لم يؤاخذه الله على التلفظ بكلمة الكفر، بل عفا عنه. أما من تلفظ بها مستخفاً بها، فهذا يؤاخذ عليها، كما حصل ذلك ممن استهزأ بالنبي صلى الله عليه وسلم وقراء المسلمين في غزوة تبوك، إذ قال قائلهم: ما رأينا مثل قرائنا هؤلاء أرغب بطوناً، ولا أكذب ألسناً، ولا أجبن عند اللقاء).
فعد الله تبارك وتعالى هذا منهم كفراً واستهزاء بآياته، كما جاء ذلك في قوله تعالى: {وَلَن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَلِهِ، وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِءُونَ * لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَنِكُمْ إِن نَّعْفُ عَن طَائِفَةٍ مِّنكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةٌ بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ} (التوبة: 65 - 66). وهنا نتساءل: هل هذه القاعدة مطردة في باب الأيمان؟ وهل المعتبر فيها نية الحالف، وهو المتلفظ؟ أم نية المستحلف؟
أقول: قد استثنى العلماء من هذه القاعدة حالة اليمين إذا كانت من
المستحلف، كالقاصر فهي على نيته، ولا تكون على نية الحالف.
(1) أطفيش: شرح النيل، 308/ 4، بتصرف. (2) الطبري: جامع البيان، ينظر: سبب نزول الآيتين، 171/ 10 - 174. ـ البغوي، التفسير، 308/ 2. - الواحدي أسباب النزول، ص 287، 289. (1/444)
صفحة 439
الفصل الأول: القاعدة الكلية الكبرى الأولى
مثال ذلك: ما إذا طلب المدعي يمين المدعي عليه وأجابه إلى ذلك، فإن اليمين تكون على نية المستحلف، ولا يجوز له التأويل؛ لأن ذلك يخالف
مقصود المستحلف،
حقه (1). ويضيع
ثانياً: أدلة القاعدة:
استدلال فقهاء الإباضية لهذه القاعدة بما تقدم من الأدلة المذكورة في
القاعدة الكبرى الأمور بمقاصدها» منها:
1 - قوله تعالى: {مَن كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَنِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَنُ بِالْإِيمَنِ وَلَكِن مَن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِّنَ اللَّهِ وَلَهُمْ
عَذَابٌ عَظِيمٌ} (النحل: 106). وجه الاستدلال:
فقد دلّت هذه الآية الكريمة على اعتبار قصد المتلفظ بالكفر، فإنه لما كان مؤمناً حقاً قد استقر الإيمان في شغاف قلبه لم يكن من السهل أن ينطق بكلمة الكفر، ولكن لما أوذي في الله وأكره على التلفظ بكلمة الكفر، فنطق بها مكرهاً عليها وقلبه مليء بالإيمان بالله تعالى لما كان الحال كذلك عفا الله لم يقصد بتلفظه بالكفر كفراً، وإنما قصد اتقاء شر من أكرهه عليها
عنه؛
حتى
لأنه
ألجأه إليها (2). 2 ـ وكذلك حديث عمر بن الخطاب له الله: «إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى ... » (3) قال أبو ستة الحديث يدل دلالة واضحة على صحة هذه القاعدة، وأن النية معتبرة حتى في الألفاظ، فإن الكلام من جملة الأعمال
(1) الراشدي سفيان: جواهر القواعد، ص 68. - السدلان صالح، القواعد الفقهية الكبرى، ص 71.
(2) علوان إسماعيل بن حسن القواعد الفقهية الخمس الكبرى، ص 177. (3) تقدم تخريجه. (1/445)
صفحة 440
446
القواعد الفقهية عند الإباضية
التي
يعملها ويحاسب عليها، ويعتبر قصده فيها، وأن حكمه يختلف باختلاف قصده من هذا القول أو هذا العمل كما تقدم (1).
ـوقد بوب الإمام البخاري في كتاب الحيل من صحيحه فقال: باب في
ترك الحيل وأن لكل امرئ ما نوى حتى الأيمان وغيرها (2).
كما استدل الإباضية (3) وغيرهم على أنه لو طلب المستحلف ـ وهو المدعي أو القاضي - من المدعى عليه أن يحلف باليمين، فإن يمينه على نية المستحلف؛ وذلك لما ثبت في السُّنَّة عن أبي هريرة عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «يمينك على ما يصدقك عليه صاحبك». وفي رواية «يصدقك به صاحبك». وفي رواية عنه اليمين على نية المستحلف (4).
أن اليمين
وهنا نتساءل هل هذا الحديث مدلوله على إطلاقه؟ ـ بمعنى تكون على نية المستحلف على كل حال؟ يجيب عن هذا التساؤل الإمام النووي عند شرحه لهذا الحديث فيقول ... وهذا الحديث محمول على الحلف باستحلاف القاضي، فإذا كان لرجل على رجل حقاً فحلفه القاضي، فحلف وَوَرّى، فنوى غير ما نوى القاضي انعقدت يمينه على ما نواه القاضي ولا تنفعه التورية، وهذا مجمع عليه، ودليله هذا الحديث والإجماع ... ).
وقد نقل الإمام البخاري في ترجمة باب من أبواب الإكراه في صحيحه
(1) أبو ستة عمر: حاشية الترتيب على الجامع الصحيح، 7/ 1.
(2) البخاري: صحيح البخاري. 327/ 2. مع الفتح.
(3) الراشدي سفيان: الجواهر، ص 68.
(4) رواه مسلم، كتاب الأيمان، باب يمين الحالف على نية المستحلف، رقم: 3207، (1274/ 3). وابن ماجه كتاب الكفارات باب من ورى في يمينه، رقم: 2117، ص 357.
عن أبي هريرة.
(5) النووي: شرح على صحيح مسلم، 117/ 11. (1/446)
صفحة 441
447
الفصل الأول: القاعدة الكلية الكبرى الأولى
قول إبراهيم النخعي حيث يقول: «إذا كان المستحلف ظالماً فنية الحالف، وإن كان مظلوماً، فنية المستحلف» (1).
وهذا القول واضح في اختلاف الحال المعتبر من الحالفين، فإنه إذا كان طالب اليمين ظالماً يريد أخد حق غيره، فإن المعتبر هنا هو قصد الحالف ونيته. أما إذا كان المستحلف مظلوماً، فالمعتبر هنا نية المستحلف، وكذلك ينبغي أن يكون الحال مع القاضي، فإن الصواب أن يقال: إذا طلب القاضي يميناً من متهم، فالمعتبر نية القاضي؛ لا نية الحالف، ولو لم يكن كذلك لأدى
هذا إلى ضياع الحقوق وعدم ثبات التهم على من هم أهل لها كما تقدم. 3 ـ وعن أنس له قال: أقبل النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة ـ وهو مردف أبا بكر له، وأبو بكر شيخ معروف ونبي الله شاب لا يعرف قال: فيلقى الرجل أبا بكر فيقول: يا أبا بكر من هذا الرجل الذي بين يديك؟ فيقول: هذا الرجل يهديني السبيل فيحسب الحاسب أنه إنما يعني الطريق، وإنما يعني طريق الخير ... » (2) وهذا ما يسمى المعاريض، وهي جائزة إذا كان استعمالها يحقق مصلحة أو يدفع مضرة لا تندفع إلا باستعمالها واللجوء إلى التأويل (3).
ونقل أحمد الكندي في مصنفه جواز استعمال المعاريض لدفع الضرر أو جلب نفع، وذكر لذلك أمثلة منها: أن النبي لو كان يصيب من الرأس وهو
(1) أخرجه البخاري في كتاب الإكراه، باب يمينه الرجل لصاحبه أنه .... إذا خاف عليه القتل أو نحوه. (323/ 12) مع الفتح آخر ابن أبي ... في كتاب الأيمان والنذور والكفارات، باب الرجل يستحلف فينوي بالشيء. (113/ 3) بلفظ (إذا كان مظلوماً فله أن يوري بيمين، فإن كان ظالماً فليس له أن يوري).
(2) رواه البخاري، كتاب المناقب، باب هجرة النبي الله وأصحابه إلى المدينة، رقم: 3719، وأحمد، ومن مسند بني هاشم ومن مسند أنس، رقم: 12974، عن أنس.
(3) الكندي أبو بكر أحمد، المصنف، تحقيق عبد المنعم عامر وجاد الله أحمد، المجلد الأول،
152/ 2 - 155 (1/447)
صفحة 442
448
القواعد الفقهية عند الإباضية
صائم). وعن ابن عباس له: أنه كان يقبل وهو صائم)، وهو من لطيف
الكناية.
_ {
-
ومنه قوله ل لأزواجه: «أولكن لحوقاً بي أطولكن يداً، أي أمدكن يدا بالعطاء والمعروف، قال ابن نجيح (4): كانت زينب تعمل الأحزمة والأوعية تقوي بها في سبيل الله، ومن هنا قول اليهود يد الله مغلولة، أي منقبضة عن العطاء، وأصله أن من أعطى مد يده، ومن منع قبضها، وهو لطيف الكناية. ه - ومنه أنه كان إذا دخل العشر الأواخر من شهر رمضان أيقظ أهله، ورفع المئزر)، أي أيقظ أهله للصلاة، ورفع المئزر من لطيف الكناية يريد أنه اعتزل عن النساء، وليس رفعه أن يلقيه عن نفسه، جاء أن هذا خلاف المعنى، ولكن يريد أنه شمره وشدّه، ليس هناك مئزر.
6 - وروي أن رجلاً جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم وعليه ثوب معصفر فقال له: «لو أنّ ثوبك هذا كان في تنور أهلك لكان خيراً لك»، فذهب الرجل فلا أدري
(1) لم نقف على تخريجه.
(2) رواه البخاري، كتاب الصوم، باب المباشرة للصائم، رقم: 1826، ومسلم، كتاب الصيام، باب بيان أن القبلة في الصوم ليست محرّمة، رقم: 1106، عن عائشة. (3) رواه الحاكم، كتاب معرفة الصحابة، ذكر زينب بنت جحش رقم: 6832، والبيهقي، كتاب دلائل النبوءة، باب جماع أبواب إخبار النبي صلى الله عليه وسلم بالكوائن بعده، رقم: 2649، عن عائشة. وقال: رواه مسلم في الصحيح عن محمود بن غيلان، وكذلك رواه زكرياء بن أبي زائدة عن عامر الشعبي إلا أنه أرسله. (4) علي بن عبد الله بن جعفر بن نجيح السعدي المدني، ويكنى أبا الحسن، مولاهم البصري مات بعسكر أمير المؤمنين بسر من رأى يوم الاثنين لليلتين بقيتا من ذي القعدة سنة 432 هـ بالعسكر، منه سمع أحمد بن حنبل. ابن سعد الطبقات الكبرى، 308/ 7. التاريخ الكبير، 284/ 6. ويوجد أيضاً ابن نجيح * المحدث الإمام أبو بكر محمد بن العباس بن نجيح، البغدادي البزاز، ولد سنة 263 .. الذهبي، أعلام النبلاء، 513/ 15. سير (5) رواه أبو عوانة، كتاب الصيام، باب ذكر الخبر المعارض لخبر علقمة عن عائشة ... ،، رقم: وابن حبان، كتاب البر والإحسان، باب ما جاء في الطاعات وثوابها، رقم: 322، عن عائشة.
،2450 (1/448)
صفحة 443
الفصل الأول: القاعدة الكلية الكبرى الأولى
449
أنماط
جعله في التنور أو تحت القدر ثم غدا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «ما فعل الثوب؟» فقال: صنعتُ الذي أمرتني به، فقال: «ما كذا أمرته، ألا ألقيته على بعض نسائك» (1)، وأراد بقوله: أي لو بعته واشتريت بثمنه دقيقاً تخبزه، وحطباً توقده لكان خيراً لك من أن تلبسه، ولم يرد إحراقه؛ لأن ذلك فساد والله لا يحب الفساد فلما أحرقه قال ما كذا أمرتك، أفلا إذا لم تفهم ما أردت كسوته بعض نسائك؛ لأن المعصفر مكروه للرجال لا للنساء. ويجوز للإنسان إرضاء من يخشاه بالقول الذي يرضيه في الظاهر، وهو في الباطن بخلافه، لنفع يستجره، أو لدفع لما يضره، كفعل الحجاج بن السلمي ثم التهدي» (2).: «أمَا ـ قال عمر به في المعاريض ما يكفي المسلم من الكذب» (3)، والمعاريض هي خلاف التصريح، وهي التَّوْرية عن الشيء. وذهب مالك والجمهور إلى أن من أكره على يمين إن لم يحلفها قتل أخوه المسلم، أنه لا حنث عليه، وهذا كله إذا ألجئ إلى التأويل، وترتب على ذلك مصلحة عامة لعموم قوله تعالى إلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَينُ بِالإِيمَنِ} (النحل: 106). فإذا لم يكن الأمر كذلك فلا يجوز استعمال التورية والمعاريض؛ لأن الأصل التزام الصدق وقول الحقيقة، ولا يعدل عن ذلك إلا لسبب يحقق مصلحة راجحة، وكذلك لا يجوز استعمال التأويل والمعاريض إذا كان يترتب عليها إهدار حق لأحد أو تضييع مصلحة).
(1) رواه الطحاوي كتاب الكراهة باب لبس الحرير 4434، وابن حجر (المطالب العالية)، كتاب اللباس، باب المعصفر للصبيان وغيرهم، رقم: 2289، عن أنس. وقال: «حديث حسن
ذلك، 25561،
(2) أحمد المصنف، المجلد الأول، 153/ 2 - 155. (3) رواه ابن أبي شيبة، كتاب الأدب، باب من كره المعاريض ومن كان والبخاري، الأدب المفرد، باب من الشعر، حكمة، رقم: 887، عن عمر. قال الألباني: «حديث
صحيح موقوف».
(4) ابن حجر ـ فتح الباري شرح صحيح البخاري - 323/ 12.
يحب (1/449)
صفحة 444
القواعد الفقهية عند الإباضية
ثالثاً: فروع القاعدة:
تلفظ
1 - ومن تطبيقات هذه القاعدة ما ذكره الإباضية في حكم الظهار أنه إن
اللفظ
عليه زوجته، وإن نطق بلفظ محتمل وكان ينوي
بصريح تحرم الظهار وقع وإلا فلا، وهذا ما ذهب إليه ابن بركة ويفهم من عبارته إذ يقول: وأما الظهار الذي يُحرّم به الرجل امرأته على نفسه وهو: أن يقول لها أنت طالق علي كظهر أمي أو مثل ظهر أمي، فيلزمه حكم الظهار، وأما إذا قال لها أنتِ مثل ظهر أمي عليَّ، فعل حالفاً بذلك ثم حنث، أنه لا يكون ظهاراً حتى يقصد إليه وينوي به الظهار، والقول قوله: إذا قال أردت بذلك المودة لها، وأنها مثل أمي في الحق والتعظيم لها، والبر والكرامة ونحو ذلك، وإذا قال لها أنت عليَّ مثل أمي، حالفاً عليها بذلك، فبين أصحابنا أن في ذلك خلاف: فمنهم من قال: يلزمه حكم الظهار، ومنهم من لا يلزمه الظهار حتى يقصد إليه وينويه، وأما إذا قال في يمينه أو في غير يمين أنتِ عليَّ كظهر أمي، أو من يحرم عليه نكاحه أبداً، فهذا ظهار بغير اختلاف بين أحد من الناس، إلا داود (1) فإنه قال حتى يثني هذا القول» (2).
2 - وقد أعمل الإباضية هذه القاعدة في الألفاظ الصريحة، أما في الكنايات فيحكمون عليها وفق مقصد المتلفظ بها، ويؤكد هذا المعنى ابن بركة
(1) لعله يقصد داود الظاهري، هو داود بن علي بن خلف الأصبهاني، أبو سليمان، الملقب بالظاهري (201 - 270 هـ/ 816 - 884 م: أحد الأئمة المجتهدين في الإسلام. تنسب إليه الطائفة الظاهرية، وسميت بذلك لأخذها بظاهر الكتاب والسنة وإعراضها عن التأويل والرأي والقياس. وكان داود أول من جهر بهذا القول. وهو أصبهاني الأصل، من أهل قاشان (بلدة قريبة من أصبهان) ومولده في الكوفة. سكن بغداد وانتهت إليه رياسة العلم فيها، وله تصانيف عديدة أورد ابن النديم أسماءها في زهاء صفحتين ينظر ابن النديم الفهرست، 216/ 1. وابن خلكان: وفيات الأعيان 1/ 175. والذهبي: تذكرة الحفاظ 136/ 2. وميزان الاعتدال، 321/ 1. ولسان الميزان لابن حجر، 422/ 2. وطبقات السبكي، 42/ 2. الزركلي، الأعلام، 333/ 2.
(2)
ابن بركة: الجامع، 197/ 2. (1/450)
صفحة 445
الفصل الأول: القاعدة الكلية الكبرى الأولى
451
حيث يوضح ذلك في معرض حديثه عن الطلاق فيقول: «والطلاق يقع عند أكثر أصحابنا، وعليه العمل منهم اليوم بالإفصاح به والكناية عنه أيضاً، والإفصاح هو إظهار اللفظ بالطلاق، وبه يجب الحكم في اتفاق منهم ومن غيرهم، والمكنى فهو مثل قول الرجل لامرأته ألحقي بأهلك، أو أنت خلية مني، أو برية، أو حَبْلُك على غاربك، أو اعتدي، أو ما كان من نحو هذه الألفاظ إذا أراد بها الطلاق فهو طلاق أو ما يتكلم به الناس من لفظ يريد به الطلاق فهو معهم طلاق، وهذا قول أكثرهم) (1) وسئل السالمي عمّن قال لزوجته: إن لم تَرُدّي الدراهم التي أخذتيها فأنت طالق، والدراهم كُسرت صيغة.
فأجاب: «وجه ذلك أنه لاحظ قضدَ المتكلم، فإن مراد المتكلم تحصيل ما فات من الدراهم، وبرد مثلها يحصل غرضه، هذا وجه قوله، وعندي أنها تطلق ولا يغني عنها ردّ مثلها؛ لأن ذلك ليس برد لها، والقولان يخرجان على قاعدتين
موجودتين في الأيمان وهما: هل تعتبر في الأيمان المقاصد أم الألفاظ؟ (2). وسئل أيضاً عن الرجل يقول لزوجته: اخرجي من بيتي، هل يقع به الطلاق إذا نوى؟ فقال: «هذه من كنايات الطلاق، واللفظ الأول أقرب إلى الكناية، فإن نوى به الطلاق طلقت، وإن لم يقصد الطلاق فلا طلاق عليه، وهو مصدق في ذلك؛ لأنه أمين نفسه» (3).
ـ وفي سؤال آخر عن رجل سمع رجلاً يقرأ مسألة كتاب: أنَّ
من
من قال
لزوجته مفارقة، ولم ينو به طلاقاً لم تطلق فساورته (4) يوماً زوجته، فقال لها
(1) ابن بركة المصدر نفسه، 2/ 167. ـ بكوش يحيى، فقه الإمام جابر بن زيد،
(2) السالمي: العقد الثمين، 198/ 3.
(3) السالمي: لمصدر نفسه، 199/ 3.
(4) أي أغضبته هكذا في الأصل، ولعل المراد: فشاورته.
ص
432 (1/451)
صفحة 446
452
القواعد الفقهية عند الإباضية
مفارقة ولم ينو طلاقاً، واعتمد في نيته على ما سمع، ولم يمتنع عن زوجته، فإنها صدقته أنه لم ينو طلاقاً ما الذي تراه أحسن، له، ترك زوجته فإنه شاق عليه وعليها أم ترى له رخصة، وكذلك هي فإنها بنت أمرها على التصديق؟ فقال: «له أن يتمسك بزوجته ولها تصديقه ولا يفرق بينهما» (1). ـ ومنها ما ذكر أن الأقوال في الشرع لا تعتبر إلا من عاقل يعلم ما يقول ويقصده؛ لأن العقل مناط التكليف، فأما المجنون والطفل الذي لا يميّز، فأقواله كلها لغو في الشرع، لا يصح منه إيمان ولا كفر، ولا عقد من العقود، ولا شيء من الأقوال باتفاق المسلمين، لانعدام العقل في أقواله، وكذلك النائم إذا تكلم في منامه، فأقواله كلها لغواً، سواء تكلم المجنون والنائم بطلاق أو كفر أو غيره (2)، وألحق إليه البعض المعتوه والمكره.
ودليل ذلك: ما ثبت عن النبي الله أنه قال: «رفع القلم عن ثلاث: عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يحتلم، وعن المجنون حتى يفيق» (3). وقالوا أيضاً إن الطلاق يزيل الملك فاعتبر فيه العقل، مثل البيع والهبة، وسواء زال العقل بالجنون أم الإغماء، أم النوم، أم شرب دواء، فكل ذلك يمنع وقوع الطلاق (4).
وقد أشار السالمي إلى بعض العوارض التي تعترض الإنسان فتذهب عقله كلياً أو تعطله مؤقتاً، فيسقط عنه التكليف؛ لأن العقل أساس التكليف، وبين أن حكم الجنون والعته حكم الصغر، وذلك أن الجنون مزيل للعقل بالكلية،
(1) السالمي: المصدر نفسه، 3/ 200 - 201. (2) الجناوني أبو زكرياء يحيى بن الخير، كتاب الوضع مختصر في الأصول والفقه، تحقيق أبو إسحاق إبراهيم أطفيش: ط 1، د، ت مطبعة العجالة الجديدة، مصر، ص 241. (3) رواه أبو داود، كتاب الحدود، باب في المجنون يسرق، رقم: 4401، والترمذي، كتاب الحدود، فيمن لا يجب عليه الحد، رقم: 1423، عن علي، وقال: حديث علي حسن غريب من هذا
الوجه، وقد روي من غير وجه عن علي ... والعمل على هذا الحديث عند أهل العلم».
(4) بكوش يحيى: فقه جابر الإمام جابر بن زيد، ص 419، 423، 426. (1/452)
صفحة 447
الفصل الأول: القاعدة الكلية الكبرى الأولى
453
وليس في الصبي إلا نقصان العقل، فالجنون أولى برفع التكاليف من
وأما العته فهو نوع من الجنون.
أما النوم فله حكمان
الصبي،
أحدهما: تأخير تعلق الخطاب إلى حال اليقظة فإن النائم لعجزه عن فهم الخطاب لا يناسب أن يتوجه إليه الخطاب، ولإمكان فهم الخطاب منه بالانتباه لم يسقط الخطاب عنه رأساً، لكن أُخر عنه إلى أن يستيقظ، واستدلوا على بقاء وجوب الخطاب في حق النائم بقوله: (من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها»، قالوا: لو لم يكن الوجوب ثابتاً في حق النائم والناسي ما أُمروا
بالقضاء.
والحكم الثاني: إلغاء ألفاظه، فلا توصف ألفاظ النائم بخبر ولا استخبار ولا إنشاء، ولا يتم بلفظه بيع ولا شراء، ولا تزويج ولا طلاق ولا عتق، ونحو ذلك، لعدم القصد والإرادة فيها.
4 ـ ومنها أيضاً: أنه إذا حلف رجل عن كلام رجل، ففتح عليه القراءة وهو إمامه في الصلاة، فإنه يحنث، فإذا نوى بذلك رفع صوته بالقراءة لم يحنث، وكذلك إذا كان الحالف بعض المقرئين والمعلمين وسأله المحلوف عن كلامه، فإن فتح عليه ولقنه القرآن أنه يحنث، إلا أن يكون نوى بذلك رفع صوته بالقراءة لنفسه، لم يحنث (3).
ه - ومن حلف أنه يصلي إلى المشرق، فإن نوى التحول من الدين، (أي: الرّدة)، فعليه مغلظة، وإن نوى أنه يسافر حتى يكون غربي الكعبة، فلا عليه (4).
(1) رواه الربيع، كتاب الصَّلاة، باب في أوقات الصَّلاة، رقم: 184، عن جابر مرسلًا. وأحمد، مسند المكثرين من الصحابة، مسند أنس بن مالك رقم: 11991، عن أنس.
(2) السالمي: طلعة الشمس، 249/ 2 - 250.
(3)
ابن بركة: الجامع، 89/ 2.
(4) أطفيش أمحمد شرح كتاب النيل وشفاء العليل، 282/ 4. (1/453)
صفحة 448
المطلب الخامس
قاعدة: «العبرة في العقود للمقاصد والمعاني
لا للألفاظ والمباني
(1)
أولاً: معنى القاعدة:
هذه القاعدة تندرج تحت قاعدة: الأمور بمقاصدها؛ لأن العقود من جملة الأمور التي تصدر عن الإنسان وحيث أن المعتبر في أحكام الأمور هو القصد والنية، فكذلك الاعتبار في العقود والأفعال بحقائقها ومقاصدها دون ظواهر ألفاظها وأفعالها؛ ولأن من لم يراع المقصود في العقود وجرى مع ظواهرها يلزمه أن يبيح ما حرم الله تعالى ويحرم ما أباح الله ويقع في التناقض، ولذلك قرر ابن القيم أن هذه القاعدة من القواعد الأساسية فى الشريعة الإسلامية حيث قال: «والقاعدة الشرعية التي لا يجوز هدمها أن المقاصد والاعتقادات معتبرة في التصرفات والعبارات كما هي معتبرة في القربات والعبادات (2). ومن المعلوم أن كل عقد وضعت له صيغة خاصة به تدل عليه، كبعتُ
واشتريت، وأجرت، واستأجرت من الصيغ التي وضعت لكل عقد. ولكن السؤال الذي يتبادر إلى الذهن هو: لو استبدلت هذه الصيغ بصيغ أخرى، قولية أو ما يدل عليها من الأفعال وتعارف عليها الناس، فهل يصح استعمال تلك الصيغ المستحدثة التي اتفق عليها الناس وتعارفوا عليها؟ المسألة محل خلاف بين الفقهاء، وهذا الخلاف مبني على هذه القاعدة وهي: هل «العبرة بصيغ العقود أم بمعانيها»؟
(1) محمد الشيخ بالحاج أصول الجمع وكليات الوفاق بين المذهبين الإباضي والمالكي مع تخريج بعض الفروع الخلافية، طبع بمطابع دار البعث قسنطينة 1992. ص 98 - 99. وعبارته قريبة منها: «الأحكام منوطة بغايات الأمور ومقاصدها لا بالألفاظ والعبارات».
(2) ابن قيم الجوزية أعلام الموقعين، 3/ 95 - 96. (1/454)
صفحة 449
الفصل الأول: القاعدة الكلية الكبرى الأولى
- فمن رأى أنه لا بد من صيغة العقد الموضوعة المعلومة، قال: لا يصح البيع إلا بلفظ بعتُ والشراء بلفظ اشتريتُ، ومثله الإجارة والهبة تمسكاً بلفظ
الصيغة المعينة.
ومن قال: إن العبرة بمعانى العقود، أجاز ما دل على العقد من قول أو فعل؛ لأن القصد من الصيغة مدلولها، وهذا ما ذهب إليه جمهور الإباضية، واختاره البكري حيث يقول: «الحمل على العرف مقدم على الحمل على اللغة في البيوع، أي العبرة في العقود للمعاني لا للألفاظ»).
والنظر يوجب عندي أن الأولى أن تبرم العقود بالصيغ المخصوصة لكل عقد، ولكن إذا تعارف الناس على صيغ وألفاظ معينة، وأبرموا بموجبها العقود، وشق عليهم تركها، أو جهلوا الصيغة لكل عقد، تصير الصيغ المتعارف عليها عرفاً جارياً معلوماً لكل أحد، فإنه من المناسب أن يوسع على الأمة ولا يحجر عليها في المعاملات؛ لا سيما وأنه ليس لدينا ما يدل على المنع صراحة. واختار بعض فقهاء الإباضية هذا التوجه فلم يشترطوا صيغة معينة في عقد البيع، بل اعتبروا أي عبارة واضحة وصريحة أو إشارة مفهومة من الأخر تدل على البيع والشراء، تعارفها الناس وتداولوها بينهم تصلح لإبرام هذا العقد، بشرط عدم تعارضها مع قواعد الشرع الحنيف ونصوصه، وفي هذا المعنى يقول أبو مسألة: وتم البيع بما جرى بين قوم في لغتهم، ويكون بيعاً ما لم يعلموا فيه ما حرم الله وتقع به الصفقة بين البائعين، ولا يتم ذلك بقلب دون لفظ ولا الجوارح كلها غير اللسان إلا ما ذكروا من الكتاب في ممنوع الكلام، أو إشارة الأخرس التي يفهم بها على نفسه. وأما الشراء فإنه يجب على المشتري إذا رضي بقلبه فيما بينه وبين
(1) بكلي عبد الرحمن محقق كتاب النيل شفاء العليل لعبد العزيز الثميني، 662/ 2.
الله، (1/455)
صفحة 450
القواعد الفقهية عند الإباضية
ويدرك عليه في ذلك اليمين، وأما في الحكم فحتى يلفظ بلسانه بكلام يدل به
على الرضى من قلبه، أو فَعَل في شيء فعلاً يدل به على رضاه بالبيع، مثل تصريفه في حوائجه والاستمساك أفسد ذلك، أو استمسك بصاحبه أن
بمن في
يدفعه له، أو سأل الإقالة فيه أو الرد بالبيع أو ما أشبه ذلك مما يدل على رضى البيع وقبوله ورضاه بالشراء» (1).
هذا، وإذا كانت النية أساساً لكل عمل قولي أو فعلي، فلا بد من اعتبارها في الصيغة المتعارف عليها، واعتبار النية والقصد مقدم على اعتبار اللفظ، فلو سبق اللسان إلى الشيء لم يرده القائل، لا يلزم بموجبه، إذ أنه لا بد من تواطؤ القلب واللسان، وهذا يؤيده قول من ذهب إلى أن «العبرة بمعاني العقود لا بصيغها، وإذا كنا نرجح هذا المذهب فإننا لا نعممه في كل العقود، وإنما اعتبار ذلك في العقود التي يكثر تداولها كالبيع والإجارة والمساقاة، وأما العقود
التي يقل تداولها كالنكاح فلا تصح إلا بالصيغة المعينة لها وذلك لسببين: 1 - أن عقد النكاح مما تتم به المصاهرة، وتبنى عليه الأسرة، فإنه أضيق وشأنه أخطر.
2 - أن النكاح يحتاج إلى الإشهاد، واستعمال غير الصيغة المعينة له من باب الكنايات، والكناية تحتاج إلى نية والشهادة على النية غير ممكنة).
مجمل القول:
وبناء على ما سبق يمكن تحديد المعنى الإجمالي للقاعدة: أن الأحكام المعاملات تبنى على مقاصدها وأغراضها، لا على ظاهر ألفاظها المستعملة في صيغة العقد الإيجاب والقبول)؛ لأن المقاصد حقائق المعاملات
في
هي
(1) أبو العباس أحمد بن محمد بن بكر الفرسطائي النفوسي (ت: 504 هـ) حققه وطبعه محمد صدقي والسبع إبراهيم، ط 1، 1404 هـ / 1984 م. دار البعث قسنطينة، الجزائر، ص 94 - 95. (2) السدلان صالح القواعد الفقهية الكبرى وما تفرع عنها، ص 68 - 69. (1/456)
صفحة 451
الفصل الأول: القاعدة الكلية الكبرى الأولى
457
وقوامها، وإنما اعتبرت لدلالتها على المقاصد، فإذا ظهر القصد كان الاعتبار له وبني الحكم عليه، ولكن لا يعني هذا إهمال الألفاظ بالكلية؛ لأن الألفاظ قوالب المعاني والمعبرة عنها، فتراعي أولاً الألفاظ بما تحمل من معاني ظاهرة، فإذا ظهرت مقاصد تعارضها وتعذر الجمع بينها وبين الألفاظ، تتقدم المقاصد على الألفاظ، وتعرف المقاصد من العبارات الملحقة بصيغة العقد
أو من القرائن (1).
ثانياً: أدلة القاعدة:
استدل فقهاء الإباضية على صحة هذه القاعدة بأدلة من القرآن والسنة كلها تدل على مراعاة المقاصد في العقود والمعاملات من ذلك:
1 ـ من القرآن الكريم:
(1)
4
1 - قوله تعالى فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاءِ} (النساء: 3). 2 - وقوله جل ذكره: {وَأَنكِحُوا الْأَيْمَى مِنكُمْ (النور: 32)، وهاتان الآيتان
في النكاح.
- وقوله: {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ} (البقرة: 275)، وهذه الآية في البيع.
- وقوله تعالى: {فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَّرِينًا} (النساء: 4). وهذه الآية في الهبة.
ه - وقوله تبارك وتعالى: {إِلَّا أَن تَكُونَ تِجَرَةً عَن تَرَاضِ مِّنكُمْ} (النساء: 29). وهذه الآية في التجارة البيع والشراء.
6 - وقوله: {فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَتَاتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ} (الطلاق: 6). وهذه الآية في
الرضاع وإجارة المرضع.
6
القاضي: شرح المجلة 65/ 1، بتصرف. - شبير عثمان: القواعد الكلية، ص 123. (1/457)
صفحة 452
القواعد الفقهية عند الإباضية
- وقوله ل: إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمَّى فَأَكْتُبُوهُ} (البقرة: 282).
وهذه الآية في الدين.
- وقوله سبحانه: {فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ بِمَعْرُوفٍ} (البقرة: 231). وهذه الآية في الرجعة والطلاق.
وغير هذا من الآيات كثيرة، ودلالة هذه الآيات من وجوه
أ - الوجه الأول:
أنه اكتفى بالتراضي في البيع في قوله: {إِلَّا أَن تَكُونَ تِجَرَةً عَن مِّنكُمْ} (النساء: (92)، وبطيب النفس في الهبة في قوله: {فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِتَا مَّرِيئًا (النساء: 4). فالآية الأولى في جنس المعاوضات، والثانية في جنس التبرعات، ولم يشترط لفظاً معيناً، ولا فعلاً معيناً يدل على التراضي، وعلى طيب النفس، ومعلوم بالاضطرار من عادات الناس في أقوالهم وأفعالهم أنهم يعلمون التراضي وطيب النفس، والعلم بهما ضروري في غالب ما يعتاد من العقود، وهو ظاهر في بعضها، وإذا وُجدا تعلق الحكم بهما بدلالة القرآن).
ب ـ الوجه الثاني:
أن هذه الأسماء (أي: البيع والإجارة والمداينة، والنكاح، والطلاق والرجعة والهبة ... ونحوها جاءت في كتاب الله وسنة رسوله معلقا بها أحكاماً شرعية، وكل اسم فلا بد له من حد، فمنه ما يعلم حده باللغة، كالشمس والقمر، والبر والبحر، والسماء والأرض، ومنه ما يعلم بالشرع، كالمؤمن والكافر والمنافق، والصلاة والزكاة والصيام والحج، وما لم يكن له في اللغة ولا في الشرع، فالمرجع فيه إلى عُرف الناس، كالقبض
(1) ابن تيمية القواعد النورانية، ص 132. (1/458)
صفحة 453
الفصل الأول: القاعدة الكلية الكبرى الأولى
459
المذكور في قوله: (من ابتاع طعاماً فلا يبعه حتى يقبضه»). والبيع والإجارة والهبة ونحوها لم يحد الشارع لها حداً، لا في كتاب ولا سُنَّة، بل ولا نُقل عن أحد من الصحابة والتابعين أنه عين للعقود صفة معينة الألفاظ، أو قال بأنها لا تنعقد إلا بالصيغ الخاصة، وليس لهذه المسميات يعني: البيع والإجارة والهبة - حدّ في لغة العرب بحيث يقال: أن أهل اللغة يُسمون هذا بيعاً ولا يسمون هذا بيعاً، حتى يدخل أحدهما في خطاب الشارع ولا يدخل الآخر، بل تسمية أهل العرف من العرب هذه العقود بيعاً، دليل على أنها في لغتهم تسمى بيعاً، والأصل بقاء اللغة وتقريرها، لا نقلها وتغييرها، فإذا لم يكن له حد في الشرع ولا في اللغة كان المرجع فيه إلى عرف الناس وعادتهم، فما سموه بيعاً فهو بيع، وما سموه هبة فهو هبة ... ويؤكد أبو العباس أحمد (3) في باب النكاح هذا المعنى فيقول: «ويصح العقد للنكاح بلغة الناكح كائنة ما كانت في جميع ما جرت عليه العادة في
فذ من
6
علماء وارجلان، أصله من فرسطاء
(1) متفق عليه، رواه البخاري، كتاب البيوع، باب بيع الطعام قبل أن يقبض، رقم: 2028، ومسلم، كتاب البيوع، باب بطلان بيع المبيع قبل القبض رقم 1525، عن ابن عباس. (2) أحمد بن محمد بن بكر بن أبي بكر بن يوسف الفرسطائي النفوسي (أبو العباس) (ت: 10 ذو الحجة 504 هـ / 18 جوان 1111 م) عالم بنفوسة، وهو ابن الشيخ أبي عبد الله محمد بن بكر النفوسي مؤسس نظام حلقة العزابة. كان يقيم في قرية تمولست أخذ العلم عن أبيه وعن أبي الربيع سليمان بن يخلف المزاتي (ت: 471 هـ / 1078 م)، من تأليفه كتاب «القسمة وأصول الأرضين»، في ثمانية أجزاء، ط. وكتاب في التوحيد «مما لا يسع الناس جهله»، وغير ذلك من مسائل التوحيد (مخ)، و «السيرة في الدماء والجراحات»، (مخ). و «كتاب الديات»، (مخ). والجامع المعروف بـ «أبي مسألة» (مط) و تبيين أفعال العباد»، في ثلاثة أجزاء (مخ)، وغيرها. ينظر: أبو العباس: القسمة وأصول الأرضين، مقدّمة المحققين، 5 - 65. الوسياني: سير، (مخ)، 71/ 1 - 75 157/ 2، 231. الدرجيني: طبقات، 418/ 2، 426، 442 - 446. البرادي: الجواهر المنتقاة: 220. الشماخي: السير، 89/ 2 - 91. (1/459)
صفحة 454
460
القواعد الفقهية عند الإباضية
كلامهم مما يكون عندهم معنى التزويج ما لم يوافوا في ذلك محرماً لهم في الكلام والمعنى، وكذلك قبول الزوج على هذا الحال ... » (1).
ج - الوجه الثالث:
أن تصرفات العباد من الأقوال والأفعال نوعان: عبادات وعادات، وبالنظر إلى أصول الشريعة يتبين أن العبادات التي أوجبها الله أو أحبها لا يثبت الأمر بها إلا بالشرع. أما العادات؛ فهي ما اعتاده الناس في دنياهم مما يحتاجون إليه، والأصل فيه عدم الحظر، فلا يحظر منه إلا ما حظره الله الله، وإذا كان ذلك كذلك فنقول: إن البيع والهبة والإجارة وغيرها من العادات التي يحتاج الناس إليها في معاشهم ـ كالأكل والشرب واللباس - فالشريعة قد جاءت في هذه العادات بالآداب الحسنة، فحرمت منها ما فيه فساد وأوجبت ما لا بد منه، وكرهت ينبغي، واستحبت ما فيه مصلحة راجحة في أنواع هذه العادات ومقاديرها وصفاتها، وعلى هذا فالناس يتبايعون ويستأجرون كيف شاءوا ما لم تحرم الشريعة، كما يأكلون ويشربون كيف شاءوا، ما لم تحرم الشريعة، وإن كان بعض ذلك قد يستحب أو يكون مكروهاً، أما ما لم تجد الشريعة فيه حداً
مالا
فيبقون فيه على الإطلاق الأصلي).
2 - من السنة النبوية:
أما ما يمكن الاستدلال به لهذه القاعدة من السنة فمنه ما يلي:
أن الرسول صلى الله عليه وسلم بنى مسجده والمسلمون بنوا المسجد على عهده وبعد موته، ولم يأمر أحد أن يقول: وقَفْتُ هذا المسجد، ولا ما يشبه هذا
ص
151
(1) أبو العباس أحمد الفرسطائي: كتاب أبي مسألة، (2) ابن تيمية القواعد النورانية، تحقيق معمر حامد الفقهي، ط 2، 1404 هـ، نشر مكتبة المعارف،
الرياض - وينظر إسماعيل علوان: القواعد الفقهية الخمس الكبرى، ص 165 - 166. (1/460)
صفحة 455
الفصل الأول: القاعدة الكلية الكبرى الأولى
461
اللفظ، بل قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من بنى الله مسجداً بنى الله له بيتاً في الجنة). فعلق الحكم بنفس، بنائه، فهذا وقف ولم يرد ما يدل على اشتراط لفظ معين له (2).
2 ـ حديث ابن عمر الله قال: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفر فكنتُ على بكر (3) صعب لعمر، فكان يغلبني فيتقدم أمام القوم، فيزجره عمر فيرده، ثم يتقدم فيزجره عمر، ويرده، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لعمر: «بعنيه»، قال: هو لك يا رسول الله، قال: «بعنيه»، فباعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «هو لك يا عبد الله بن عمر تصنع به ما شئت» (4).
-
وجه الاستدلال بالحديث:
6
أن فيه بيع وشراء، حيث باع بعيره للنبي صلى الله عليه وسلم، ثم وهبه رسول صلى الله عليه وسلم لابن عمر، ولم يصدر من ابن عمر لفظ قبول، فهذه هبة وقد لزمت بقبض ابن عمر الهبة، دون أن يتلفظ بصيغة القبول، بل اعتبر فيه القصد والمعنى (5). 3 ـ وكان النبي صلى الله عليه وسلم يَهدي ويُهدى إليه، فيكون قبض الهدية قبولاً لها دون اشتراط صيغة يتلفظ بها المعطي أو الآخذ، والأمثلة على ذلك كثيرة منها: ـ حديث ابن عباس صل الله قال: أهدت أم حفيد) ـ خالة ابن عباس ـ
(1) متفق عليه من حديث عثمان بن عفان، تقدم تخريجه.
(2) ابن تيمية المصدر نفسه، ص
135 - 136
(3) البكر: بفتح الموحدة: الفتى من الإبل ـ بمنزلة الغلام من الناس.
(4) أخرجه البخاري في كتاب البيوع، باب إذا اشترى شيئاً فوهب من ساعته، قبل أن يتفرقا ... مع الفتح، وفي كتاب الهبة باب من أهدي له هدية وعنده جلساؤه فهو أحق ...
(324/ 4)
(227/ 5)، وفي باب إذا وهب بعيراً لرجل وهو راكبه فهو جائز (228/ 5). (5) ابن تيمية: القواعد النورانية، ص 136.
(6) أم حفيد ـ مصغرة - اسمها هزيلة بنت الحارث بن حرب الهلالية أخت أم المؤمنين ميمونة، خالة ابن عباس وخالد بن الوليد. ينظر: ابن حجر أحمد بن علي العسقلاني (ت: 852 هـ): الإصابة في تمييز الصحابة، نشر دار الكتب العلمية بيروت، 202/ 8 - 223. (1/461)
صفحة 456
462
القواعد الفقهية عند الإباضية
إلى النبي صلى الله عليه وسلم قطاً وسَمناً وأُضباً، فأكل النبي صلى الله عليه وسلم
الأضب تقذراً ... ).
من الأقط والسمن، وترك
إمكان
ـ ولما نحر البدنات قال: «من شاء اقتطع»)، وكان ذلك مع قسمتها، فكان هذا إيجاباً وكان الاقتطاع قبولاً. ه ـ وكان الرسول صلى الله عليه وسلم يُسأل فيعطي، أو يُعطي من غير سؤال، فيقبض المعطي ويكون الإعطاء هو الإيجاب، والأخذ هو القبول، ولم يكن يأمر الآخذين بلفظ ولا يلتزم أن يتلفظ لهم بصيغة كما في إعطائه للمؤلفة قلوبهم، وللعباس بن عبد المطلب (3).
6
3 ـ من المعقول:
ومما يدل لهذه القاعدة من حيث المعنى أيضاً أن الإذن العرفي في الإباحة أو التمليك أو التصرف بطريق الوكالة كالإذن اللفظي، فكل واحد من الوكالة والإباحة ينعقد بما يدل عليها من قول أو فعل، والعلم برضى المستحق يقوم مقام إظهاره للرضى ويتخرج على هذا ما يلي:
أ ـ ما ثبت من مبايعة النبي صلى الله عليه وسلم عن عثمان بن عفان الله بيعة الرضوان
وكان غائباً).
(1) متفق عليه ـ أخرجه البخاري في كتاب الهبة، باب قبول الهدية. (203/ 5) مع الفتح، وفي مواضع أخرى من الصحيح وأخرجه مسلم في كتاب الصيد والذبائح وما يؤكل من الحيوان، باب إباحة الضب. (154/ 3).
(2) أخرجه أبو داود من حديث عبد الله بن قرط مرفوعاً في كتاب المناسك، باب في الهدي إذا عطب قبل أن يبلغ. (370/ 2) وأحمد (350/ 4). وصحيح الشيخ الألباني رواية أبي داود
في صحيح سنن أبي داود (331/ 1).
(3) ابن تيمية المرجع السابق، ص 136 - 137.
(4) قصة مبايعة النبي صلى الله عليه وسلم عن عثمان في بيعة الرضوان، أخرجه البخاري في كتاب المناقب، باب مناقب عثمان بن عفان صلي الله (54/ 7) مع الفتح، من حديث ابن. ه وفيه .... وكانت بيعة الرضوان بعد ما ذهب عثمان إلى مكة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده اليمني: «هذه يد عثمان»،
فضرب بها على يده فقال: «هذه لعثمان». (1/462)
صفحة 457
الفصل الأول: القاعدة الكلية الكبرى الأولى
463
ب ـ إدخال النبي صلى الله عليه وسلم أهل الخندق إلى منزل جابر بن عبد الله)، وجماعة من الصحابة إلى منزل أبي طلحة (2) بدون إذنهما، لعلمه أنهما راضيان بذلك (3). هذه جملة من الأدلة يمكن الاستدلال بها لهذه القاعدة، وغيرها كثير، وإنما القصد هو التمثيل لا الحصر، وكل هذه الأدلة تدل بدون شك على انعقاد العقود من غير لفظ أو صيغة محددة، وإنها بقصد المتعاقدين، وأن ذلك كاف في انعقادها.
ثالثاً: تطبيقات القاعدة:
لا تخفى أهمية هذه القاعدة على كل من له بصيرة بهذا الفن في انعقاد العقود، وفي حصول الآثار المترتبة عليها، ورغم أن الفقهاء الإباضية طبقوا هذه القاعدة في فروعهم الفقهية المختلفة إلا أنهم لم يصرحوا بها، ولم نعثر عليها بهذه الصيغة إلا في كتب المتأخرين (4)، وسنذكر أمثله لهذه القاعدة
فيما يلي:
(1) قصة جابر متفق عليها، فقد أخرجها البخاري في كتاب الجهاد والسير، باب من تكلم بالفارسية والرطانة ... (183/ 6) مع الفتح، وفي كتاب المغازي، باب غزوة الخندق. (295/ 7 - 396) مع الفتح. وأخرجها مسلم في كتاب الأشربة باب جواز استتباعه غيره إلى دار من يثق برضاه بذلك ويتحقق تحققاً تاماً. (1610/ 3 - 1611). (2) أما قصة دعوة النبي صلى الله عليه وسلم بعض أصحابه إلى بيت أبي طلحة لما دعاه لطعام فقد اتفق عليها الشيخان من حديث أنس بن مالك لله، أخرجها البخاري في مواضع من صحيحه منها كتاب الصلاة باب من دعا لطعام في المسجد ومن أجاب منه. (517/ 1) مع الفتح. وفي كتاب المناقب، باب علامات النبوة في الإسلام. (586/ 6) مع الفتح. وأخرجه مسلم في كتاب الأشربة، باب جواز استتباعه غيره إلى دار من يثق برضاه بذلك، ويتحقق تحققاً تاماً.
(1612/ 3 - 1614)
(3) ابن تيمية القواعد النورانية، ص 137.
(4) بكلي عبد الرحمن: صرح بها في آخر كتاب النيل وشفاء العليل للثميني، 662/ 2، وينظر: مصطفى بن حمو أرشوم النكاح في المذهب الإباضي،
ص (1/463)
صفحة 458
464
القواعد الفقهية عند الإباضية
أ ــ في باب الوصية والوقف:
1 - في الوصية:
اعتمد الإباضية على قاعدة: «العبرة في العقود للمقاصد والمعاني لا للألفاظ والمباني في باب الوصية، وقد أشار إليها القطب أطفيش في مسألة إدخال الرجال الذين لا أزواج لهم في حكم الأيامى والأرامل، وثبوت الوصية لهم، فيقول: «فليحمل على ما تعارفه الموصي واعتاده؛ لأن نيته تكون عليه، والأعمال بالنيات» (1).
2 ـ في الوقف: من جعل شيئاً لمسجد إلى وقت معلوم وهو يقصد به الوقف، فإنه لا عبرة بلفظه (أي بلفظ الوقف) وهو منه وصية وليس وقفاً؛ لأن الوقف لا يكون إلى زمان معين محدود بل هو على الأبد؛ لأن العبرة بالمقاصد والمعاني لا بالألفاظ والمباني». وقد أشار سعيد الخليلي إلى معنى هذه القاعدة من خلال سؤال ورد إليه وهذا نصه: وما قولك فيمن بنى مسجداً وأوْقَف له بيت حجر أو شيئاً غير ذلك، ونص القول: لأنه وقف مؤبد إلى يوم القيامة، أو قيد ذلك إلى وقت معلوم، أو أطلق القول ولم يذكر إلا كونه وقفاً لذلك المسجد، وذلك أن غلته لشيء معلوم من مصالح المسجد، أو لم يذكر وأشهد على ذلك عدولاً من البرية أو غير عدول أولاً، ثم إنه أراد أن يسترجع البيت عنه أو يجعل له عوضاً بيتاً مثله بالقياض، أو أفضل أو أدنى (منه)، أو شيئاً غير ذلك مما يقاومه (2) في الثمن، أو عزم أنه يسترجعه بغير عوض أله ذلك أم لا؟» فأجاب: «لا رجوع له فيما أوقفه لمسجد أو غيره من أبواب البر مطلقاً،
(1) أطفيش: شرح كتاب النيل للثميني، 434/ 12.
(2) هكذا في الأصل، ولعل المراد منه: يقابله. (1/464)
صفحة 459
الفصل الأول: القاعدة الكلية الكبرى الأولى
ولا يجوز القياض به، ولا البيع له ولا التعويض عنه، ولا يكون الوقف إلى زمن معين، محدود، بل هي وصية إلى أجل معدود، وكل ما شمى وقفاً فهو وقف أبداً، ولو لم يذكره وقفاً مؤبداً لازماً، ثبت له حكم الوقف لم يجز نقل حكمه الثابت له في أصله، ولا غاية في ذلك إلا انقطاع أمد الدنيا، وهو معنى التأبيد لا غيره (1).
ذلك
وبعد أن حدد الكدمي حكم الوقف والفرق بينه وبين الوصية أشار إلى أنه يحكم على الشخص من خلال عباراته الظاهرة، فإذا ظهرت قرائن تدل على أنه لا يقصد ذلك، بل يقصد معنى آخر باطنياً، وأثبت ذلك بالبينة يُحكم له بذلك، وهذا نص عبارته: (وأما ذكره أن غلته لشيء من مصالح المسجد، فإن كان مرادك بذكر هذه العبارة عن كون جعله إياه لما ذكره من الشيء، فإذا ثبت جعله له كذلك مخصوصاً بالغلة، فهو أشبه معنى الوقف له إن جعل غلته لذلك فيما يأتي على الدوام، لا في غلة حاضرة ولا مخصوصة، وما لم يجعله لذلك فهو له ولا بد ثبوت جعله له على هذا من أن يكون بلفظ يصح عن عقد نية تخرجه عن ملكة إلى حكم وقفه فيما بينه وبين الله لا بمجرد ذكره على غير ما يثبت في أصله إلا أن يخرج مخرج الإقرار الجائز عليه، فيؤخذ به في الحكم بالظاهر إن دعا إليه وصح عليه، ولو كان له مخرج في الباطن، والإشهاد لا يزيده ثباتاً فيما بينه وبين الله، ولا يتركه يقضي بفساده إلا أنه حجة في الظاهر له، وعليه فيؤمر أمراً أكيداً لئلا يبقى في يده من بعد فيكون لورثته، ومع الخوف عليه من ثبوت الحجج والدعاوى فيه، فليرم الإشهاد عليه أو تشهيره حتى يظهر أمره، فلا يخفى فينكر، والله أعلم).
(1) الخليلي سعيد بن خلفان التمهيد، 31/ 8 - 32. (2) بكوش يحيى فقه الإمام جابر بن زيد، 76/ 1. (1/465)
صفحة 460
466
القواعد الفقهية عند الإباضية
- بيوع الذرائع أو بيع العينة:
ويسمى عند الإباضية بيع الذرائع وهو: أن يبعه سلعة إلى أجل ثم يبتاعها منه بأقل من ذلك ثمناً حالاً، فهذا التصرف مع التواطؤ والتحايل يبطل البيعين، أما إذا لم يكن بينهما تواطؤ ولا قصد به الحيلة على الربا، فالأولى أن يبطلا البيع الثاني سداً للذريعة.
وفي كتب الفقه الإباضي عناية خاصة بهذه القاعدة تجلت في كثير من اجتهادات فقهائه، خاصة في أبواب البيوع والنكاح. وقد اتسم اجتهاد إمام الإباضية جابر بن زيد بالتنزه عن اللجوء إلى الحيل الشرعية في فتاويه، ويرى بطلانها لمناقضتها لمقصد الشارع).
1 - ومن أمثلة الذرائع المحرمة أنه لو أجنب المكلف ولم يجد ماء ولم يصل إليه إلا بإبداء عورته للناس، أنه لا يظهر عورته؛ لأنه يأثم بذلك، ويتيمم ويصلي؛ لأن الحق لا يقوم بالباطل"
2 ـ ومن تسبب في تضييع من يرثه حتى مات كان بمنزلة قاتله، فلا يرثه وإن لم يكن وارثاً، وإن كان الهالك أوصى له، بطلت وصيته قياساً على القاتل،
ومعاملة بنقيض قصدهما. المعاملات حرموا بيع العينة لإفضائه إلى الربا المحرم، ومنعوا
3 ـ وفي بيع السلاح زمن الفتنة، وكذلك بيع العنب لمن يعصره خمراً).
رجل
4 ـ وفي بيع العينة روى الربيع عن ضمام عن جابر في رجل يبيع من متاعاً نسيئة؟ قال: لا بأس أن يشتري منه ذلك المتاع بعينه بأقل أو أكثر،
(1) بكوش يحيى: المصدر نفسه.
(2) الأزكوي أبو جابر محمد بن جعفر، الجامع لابن جعفر. تحقيق عبد المنعم عامر، نشر وزارة التراث القومي والثقافة بسلطنة عُمان، طبع مطبعة عيسى البابي الحلبي وشركاءه القاهرة،
1/ 415 - 416،1981
(3) باجو مصطفى: منهج الاجتهاد عند الإباضية، أطروحة الدكتوراه، 1999، 2/ 587. ينظر: ابن بركة: الجامع، 352/ 2. (1/466)
صفحة 461
=
467
الفصل الأول: القاعدة الكلية الكبرى الأولى
قال الكوفيون: الشراء الثاني فاسد، وهو ضرب من الربا). فمن أجازه بنى على الظاهر، ومن منعه اعتبر الباعث، وقد أجاب ابن بركة عن السؤال «أيجوز العنب ممن يتخذ منه الخمر والبسر ممن يتخذ منه الفضيخ إذا لم يقل إنما اشتريته منكم لأتخذ منه الخمر والفضيخ؟
بيع
6
قيل له: يجوز ولا نأمر به بل ننهى عنه، فإن قال: لم جوزتم ذلك؟ قيل له قد يجوز بيع الطعام على أهل الذمة في شهر رمضان مع علمنا بأنهم يأكلونه في ذلك الوقت المحرم عليهم). وعلق الفقيه باجو على هذا النص بقوله: «وفي هذا النص نقاش حول
بعض تعليلاته، والذي يعنينا منه دلالته على اعتبار الباعث في منع هذا البيع، فإذا تحقق القصد السيئ منع صاحبه من ذلك التصرف، وإلا كان الأمر الجواز بناء على الظاهر، والله يتولى السرائر» (3). قال الثميني في النيل: «لا يجوز عندنا بيع يتذرع عارض لمتبايعين، كبائع سلعة بعشرة نقداً، ثم يأخذها من مشتريها بشراء بعشرين لأجل، فيؤول إلى دفع عشرة بعشرين مؤجلة والسلعة بينهما، وهو تارة يؤول إلى ما ذكر، وتارة إلى أنظرني وأزيدك، وإلى وضع وتعجل كبيع سلعة بعشرة مؤجلة، ثم ترد بثمانية قبل الأجل بلا مطالبة بزيادة عنده، وإن طولبت آل إلى أنظرني وأزيدك، وعلى بيع ما لا يجوز نسيئة» (4). والقصد من بيع الذرائع أو العينة هو التوصل به إلى الربا ونحوه من المحرمات؛ لأن اللوسائل حكم المقاصد»، ولو لم
تصحبها نية سيئة).
(1) الربيع بن حبيب آثار الربيع مخطوط مصور، ص 12. ـ جابر بن زيد، جوابات الإمام جابر،
111 - 110
(2) ابن بركة: الجامع، 352/ 2.
(3) باجو مصطفى: منهج الاجتهاد عند الإباضية، 587/ 2.
(4) الثميني: كتاب النيل وشفاء العليل، 457/ 2 - 459.
(5) الخليلي أحمد بن حمد: فتاوى المعاملات الكتاب الثالث نشر مكتب الأجيال، سلطنة (1/467)
صفحة 462
468
القواعد الفقهية عند الإباضية
وقد علق المحقق عبد الرحمن بكلي على عبارة الثميني، وبين حكم هذه البيوع والقصد منها، وما يترتب عليها من أحكام فقال: «مجمل القول في حيل الربا إنها داخلة في قوله: «إنما الأعمال بالنيات (1). فمتى سلم قصد المتدائنين من الربا جاز عند الله، أما إذا قصدا بذلك التوصل إلى الربا، فذلك محرم عند الله وباطل في الحكم ... » (3).
وينبه البكري إلى الحيلة التي يلجأ إليها الناس عند حاجتهم إلى القرض فيقول: «اعتاد الذين يضطرون إلى اقتراض مبالغ مالية أن يتذرعوا بحيل تكتسي صورة البيع المباح يطلقون عليها اسم المعاملة وهي في الحقيقة من بيع العينة المنهي عنه حملهم على ذلك احتراز البعض ـ على زعمه ـ من تعاطي الربا كفاحاً؛ ذلك أنهم يتفقون أولاً على مبلغ القرض، وعلى أجله، وعلى نسبة الفائض، ثم يعمدون ـ بعد ذلك ـ إلى سلعة قد لا تساوي المبلغ المتفق عليه، فيتظاهر المستقرض بشرائها من المقرض بعشرة لثلاثة أشهر مثلاً، ثم يبيعها للذي اشتراها منه بتسعة نقداً، فيؤول الأمر إلى أخذ تسعة حاضرة ليدفع
عشرة بعد ثلاثة أشهر والسلعة بينهما حيلة، وهو ما قصداه من أول الأمر. ثم يقرر بعد ذلك أن هذه الحيلة قد تنطلي على الحاضرين، ولا يدركوا مقاصد المتعاقدين، ولا أبعاد هذا العقد، ولكن لا يمكن أن تخفى على الله عالم الغيب والشهادة، فيقول: والحق أن الاحتيال والتستر على من لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء بكيفيات ظاهرها الإباحة والجواز، وباطنها الحظر، والحرمة لا يؤثر في تغير الحكم شروى نقير، ولا يخرجون بذلك من زمرة المرابين الذين أذنوا بحرب من الله ورسوله، وما أحراهم أن
عُمان، إعداد ومراجعة قسم البحث العلمي بمكتب الإفتاء بوزارة الأوقاف والشؤون الدينية، سلطنة عُمان، ط 1، 1422 هـ / 2001 م، ص 49.
(1) سبق تخريجه.
(2) بكلي عبد الرحمن تعليقات على كتاب النيل وشفاء العليل، 458/ 2. (1/468)
صفحة 463
الفصل الأول: القاعدة الكلية الكبرى الأولى
يصدق في حقهم قوله تعالى: {يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ (النساء: 108).
ولقد نعى الله على اليهود احتيالهم - إذ حرم عليهم الصيد في السبت، فألقوا شباكهم يوم الجمعة ليستخرجوها يوم الأحد، اتقاء لصيد يوم السبت على زعمهم، وعدَّ ذلك منهم اعتداء في السبت كما لعنهم الرسول صلى الله عليه وسلم على
ـ،
احتيالهم، كما حرم الله عليهم أكل الشحوم فجملوها وباعوها وأكلوا ثمنها (1). ثمنها» (1). وبعد أن وضح البكري حقيقة بيع العينة وحكمه خلص إلى القول بأن أسباب ضعف المسلمين وتردى أوضاعهم هو الوقوع في الربا وتعاطيه بعلل
مِن
واهية، وهذا ما نلاحظه في واقعنا المعاصر، على حد عبارته: « ... ولعل ما وصل إليه أمر المسلمين من الضعف والوهن وسوء الحال، إنما هو من ارتمائهم في أتون الربا الذي لا يبقي ولا يذر، وانسياقهم وراء الأمم الكافرة في معاملاتها، غير مبالين بأحكام الله ولا بوعيده ونقمته، استهوتهم البنوك بقروضها التي ربما خففت عنهم أول الأمر بعض ضائقتهم فيتخيلون أن بها حل لأزمتهم، فيتحمون غمارها ويجذبهم تيارها، حتى إذا ما توسطوا لجيها وأوثقتهم بحبالها وانبث سرطانها في جهازهم الاقتصادي، أصبحوا كالجمل المحرنجم إن تقدم نحر، وإن تأخر عقر، أمام هوة الإفلاس تبتلع طريفهم وتالدهم، وتلك هي العاقبة التي حذر الله منها عباده المؤمنين: {وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} (البقرة: (216). ألا فلينزه المسلمون مقاصدهم في معاملاتهم وجميع تصرفاتهم، وليباعدوا الربا على اختلاف، مظاهره وليحذروا من حرب
الله، فمُغالب الله مغلوب، ومحاربه محروب، والذكرى تنفع المؤمنين».
(1) رواه البخاري، كتاب البيوع، باب لا يذاب شحم الميتة ولا يباع ودكه، رقم: 2111، عن أبي هريرة. ومسلم، كتاب المساقاة، باب تحريم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام، رقم: 1581، عن جابر بن عبد الله.
(2) بكلي عبد الرحمن فتاوى البكري، 458/ 2 - 459. (1/469)
صفحة 464
470
القواعد الفقهية عند الإباضية
وبعد هذا البيان الشافي الذي لا يحتاج إلى تعقيب فلا نملك إلا التسليم بما قرره البكري، ولعله يمثل عين الصواب لمن تجرد عن الذات، وسمع لمنطق الشرع والعقل والعاقل تكفيه الإشارة.
أن يبيع
- بيع الإقالة: ومن بيوع الذرائع والحيل بيع الإقالة): وهو شخص لغيره شيئاً مما يملك، ويشترط البائع الإقالة إلى مدة معينة، فإن مضت المدة لم يبق له حق فيها (2)، ويطلق عليه الحنفية بيع الوفاء". ويسمى كذلك بيع التولية، وقد عرفه الثميني بقوله: وعرفت التولية بتصيير مشتر ما اشتراه لغيره من بائع أو غيره بمثل ثمنه على أنها ليست بيعاً، أو بخلافه على أنها بيع، وعرَّف الإقالة بقوله: والإقالة بترك مبيع لبائعه بثمنه على أنها فسخ أو بخلافه ـ وإن لغيره - على أنها بيع» (4).
وعند تدقيق النظر في مفهوم التولية والإقالة يظهر الفرق بينهما وهو: أن الإقالة معناها أن يترك المشتري لنفس البائع - لا لغيره ـ حق استرجاع ما اشترى منه بنفس الثمن، بخلاف التولية فإنها أعم، بمعنى أنها لا تقيد بذات البائع بل تكون للبائع ولغيره. قال أبو العباس في بيان ذلك: «والتولية والإقالة بيع من البيوع، وتجوز التولية من المشتري للبائع وغيره من الناس بالثمن
(1) بكلي عبد الرحمن المرجع نفسه، تعرض إلى بيع الوفاء أو الإقالة، 249/ 1.
(2) الخليلي أحمد بن حمد: فتاوى المعاملات، الكتاب الثالث، ص 72.
أن
(3) بيع الوفاء الذي أجازه الحنفية للضرورة كمخرج من الربا، وحقيقته: المدين سلعة يبيع للدائن بما عليه من دين بشرط أن البائع متى رد الثمن يرد المشتري إليه المبيع؛ فهذا البيع بهذا الشرط يؤول إلى أن السلعة تبقى في يد المشتري كوثيقة بالدين، فإذا قضى المدين دينه رد المشتري السلعة، وفي فترة البيع له أن يستعملها، فهذا هو الرهن حقيقة، ولكن لا يجوز له استعمال عين الرهن، فلا يصح بيع الوفاء، ومما يدل على أنه رهن لا يستطيع أن يبيع ما اشتراه فهو كالعين المرهونة ينظر: ابن عابدين، حاشيته على الدر المختار، 276/ 5. ـ وشبير محمد عثمان، القواعد الكلية والضوابط الفقهية، ص 124.
(4) الثميني عبد العزيز: كتاب النيل وشفاء العليل، 523/ 2.
أن المشتري (1/470)
صفحة 465
الفصل الأول: القاعدة الكلية الكبرى الأولى
471
الأول، أو أقل منه، أو أكثر بالوفاق أو بالخلاف ولم يحتاجوا إلى ذكر الثمن في التولية إذا عرفوه ... وكذلك الإقالة لا تكون إلا للبائع، ومنهم من يقول: تجوز الإقالة لغير البائع، ولا تحتاج فيها أيضاً إلى ذكر الثمن، ويكون بالثمن الأول، أو أقل منه أو أكثر، ويكون بوفاق الثمن وخلافه، ويكون في كل
الشيء، أو في بعضه ... ).
الفرق بين الإقالة والرهن
اختلط في
هذا العصر مفهوم الرهن بمفهوم بيع الإقالة عند كثير من الناس،
مما أوقعهم في المحظور، فما الفرق بينهما؟
يُعرف الفقهاء الرهن بأنه: توثيق مادي للدين بتسليم المدين إلى الدائن عيناً يمتلكها المدين لتبقى في يد الدائن إلى أن يستلم حقه من غير أن يستغلها وينتفع بريعها، وإنما تبقى في يده ضماناً لحقه، وقد أرشد الله إلى ذلك في حال السفر عند فقدان الكاتب بقوله: {وَإِن كُنتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِنَا فَرِهَنُ مَقْبُوضَةٌ} (البقرة: 283).
والفرق بينه وبين بيع الإقالة: أن بيع الإقالة كما عرفه الشيخ أحمد الخليلي هو نقل لملكية العين المبيعة من البائع إلى المشتري حالاً ـ عند من يقول بثبوته ـ مع بقاء حق الإقالة للبائع إلى مدة يتفقان عليها، وبعد انتهاء مدة الإقالة ـ عند من يقول بوقفه - في حال عدم مطالبة البائع بحقه في الإقالة إلى انتهاء مدتها» (2).
وقد اختلف فقهاء الإباضية وغيرهم في حكمه، فمنهم من ذهب إلى
جوازه، ومنهم من حرمه (3).
(1) أبو العباس: كتاب أبي مسألة،
ص
95
(2) الخليلي أحمد: فتاوى المعاملات، ص 58.
(3) الشماخي: الإيضاح، 106/ 6 وما بعدها. (1/471)
صفحة 466
472
القواعد الفقهية عند الإباضية
أ - أما الذين ذهبوا إلى جوازه فقد قيَّدوه بشروط، فإذا اختلت هذه الشروط بطل البيع، وتتمثل فيما يلي:
1 - أن يكون الثمن بسعر عادل لا استغلال فيه لحاجة البائع. 2 - أن يكون قصد المشتري من البيع تملك أصل العين لا مجرد الانتفاع
بالغلة.
3 - أن يرد البائع العين المبيعة إلى المشتري.
4 - ألا يبقى البائع في العين المبيعة يستعملها مقابل إيجار متفق عليه يدفعه المشتري).
- ومن الذين ذهبوا إلى جوازه من الإباضية منهم: أبو العباس أحمد الفرسطائي والثميني، يقول أبو العباس في بيان حكم بيع الإقالة والتولية وتجوز الإقالة والتولية فيما يجوز فيه البيع، وترد بما يرد به البيع، وينفسخ بما ينفسخ به البيع أيضاً» (2).
(1) نقل عامر الشماخي دليل مشروعية الإقالة والتولية في «الإيضاح» فقال: روي أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل السوق وقال: «يا أهل البقيع لا يفترق البائعان إلا عن تراض، والقياض بيع، والإقالة بيع، والحوالة بيع، والتولية بيع ينظر الإيضاح، ط ه، نشر مكتبة مسقط، 511/ 3. لم نعثر على هذا اللفظ، ولعل الزيادة التي جاءت في آخر الحديث من كلام الرواة. أخرجه عبد الرزاق الصنعاني في المصنف، كتاب البيوع، باب البيعان بالخيار ما لم يفترقا ـ حديث رقم: 13790 عن أبي قلابة عبد الله بن زيد بن عمرو الجرمي أنه قال: جاء النبي صلى الله عليه وسلم إلى أهل البقيع فنادى بصوته: «يا أهل البقيع، لا يتفرق بيعان إلا عن رضى». والبيهقي في السنن الكبرى، كتاب البيوع باب المتبايعان بالخيار ما لم يتفرقا إلا بيع الخيار ـ حديث رقم: أنس بن مالك. وأخرجه ابن أبي شيبة في المصنف، كتاب البيوع والأقضية، من قال: لا يتفرق بيعان إلا عن تراض - حديث رقم: 21949. وأخرجه أحمد بن حنبل في مسند أبي هريرة له - حديث رقم: 10708 بلفظ: «لا يتفرق المتبايعان عن بيع، إلا.
9807
عن
تراض». وحسنه الألباني.
(2) أبو العباس أحمد: كتاب أبي مسألة ص 95
عن (1/472)
صفحة 467
الفصل الأول: القاعدة الكلية الكبرى الأولى
473
- ويقول الثميني أيضاً: «وجازتا في جائز بيعه بعدا، وهما بيع على المختار، وجازت تولية بنقد ونسيئة فيما اشترى مطلقاً، لا لبائع، وكذا الإقالة إن قلنا بإجازتها - وإن لغير البائع - وجازت مطلقاً ما لم تؤد لتذرع لربا» (1).
ولم يكتف أبو العباس بإباحة هذا البيع بل رغب فيه لما يعود على المُقيل من منافع دنيوية وأخروية، وحذر من منع البائع من الإقالة والتولية فقال: والتولية والإقالة لا ينبغي لمن يمنعها من البائع أن ينالهما، لما فيهما من الفضل، وتكفير السيئات، واليمن والبركة في مال من أقال لصاحبه، ونزوع البركة من مال من منعهما (2).
ب ـ أما الذين ذهبوا إلى تحريمه فقالوا إن هذا البيع ذريعة إلى التوصل إلى الربا، بل هو الربا بعينه؛ لأن هذا العقد ينطوي على أربعة وجوه كلها
شديدة التحريم: أولها: اجتماع عقدين في عقد، وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن بيعتين في بيع
أي: عقدين في عقد.
(3)
ثانيها: أنه ربح ما لم يضمن، وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن بيع
ما لم يُقبض، وربح ما لم يُضمن (4).
ثالثها: وجود أكثر من شرط في العقد، وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الشرطين
(1) الثميني: كتاب النيل، 523/ 2 - 524. (2) أبو العباس: المرجع السابق، ص 95.
(3) رواه أبو داود، كتاب البيوع، باب فيمن باع بيعتين في بيعة، رقم: 3461، والترمذي، كتاب البيوع، باب النهي عن بيعتين في بيعة، رقم: 1231، عن أبي هريرة. وقال: «حديث
حسن صحيح.
(4) رواه الربيع، كتاب البيوع، باب ما يُنهى عنه من البيوع، رقم: 563، عن جابر بن زيد مرسلًا، والترمذي، كتاب البيوع، باب كراهية بيع ما ليس عندك، رقم: 1233، عن حكيم بن حزام،
وابن عمرو. (1/473)
صفحة 468
474
القواعد الفقهية عند الإباضية
6
في البيع (1)، وقد اجتمعت في هذا العقد ثلاثة شروط وهي: الإقالة والإيجار وتحديد الأجرة.
رابعها: أن فيه تذرعاً إلى الربا، وكفى به إثماً مبيناً (2).
ج - المذهب الثالث: أنه بيع موقوف، وقد أجاز أصحاب القول هذا البيع ولكنه موقوف إلى نهاية مدة الإقالة، أي لا يمكن للمتعاقدين الاستفادة من منافع العين حتى تنتهي مدة، الإقالة فإما يطالب به البائع فله حق الانتفاع بملكه، وإما لا يطالب به فتنتقل ملكيته إلى المشتري، فله الحق في الانتفاع به، ويصبح حكمه حكم الرهن الشرعي الذي يختلف عن الإقالة، فهو ما يمسكه ذو الحق من عين مملوكه وثيقة إلى أن يؤدي إلى المدين حقه، ولا يجوز
للمرتهن أن ينتفع بتلك العين، المرتهنة وإنما تبقى في يده وثيقة في حقه. . د ـ منشأ الخلاف وثمرته يشير الشماخي إلى سبب الخلاف في بيع الإقالة فيقول: «والأصل في ذلك فيما يوجبه النظر هل الأصل في اختلافهم في القيلولة هل هي بيع من البيوع أم فسخ بيع؟ فإذا كانت بيعاً من البيوع، فالبائع وغيره فيها سواء، وإذا كانت فسخ بيع فهي مخصوصة بالبائع لا غيره» (3).
وأثر هذا الخلاف في الجواز يظهر فيمن له الحق بالانتفاع بالعين إذا تأجرت باتفاق عليه قبل العقد أو بعده، فعند من يقول بثبوته يقول: للشاري مغنمه وعليه، مغرمه أي له غلته وعليه نفقاته، عملاً بالقاعدة الفقهية المشهورة «الغنم بالغرم» أو «الخراج بالضمان»، ولكن اشترط هؤلاء أن يقصد في الشراء
(1) رواه الدارمي كتاب البيوع، باب في النهي عن شرطين في بيع، رق، رقم: 2561، والترمذي، كتاب البيوع، باب ما جاء في كراهية بيع ما ليس عندك، رقم: 1191، عن ابن عمرو. وقال:
«وهذا حديث حسن صحيح.
(2) الخليلي أحمد: فتاوى المعاملات، ص 72.
(3) الشماخي الإيضاح، طبعة مكتبة مسقط، 2004 م، 512/ 3 - 513. (1/474)
صفحة 469
الفصل الأول: القاعدة الكلية الكبرى الأولى
475
الأصل من أول الأمر، فإن قصد الغلة ولم يقصد الأصل، فهو مُرابٍ على حدّ عبارة السالمي إذ قال معللًا: «لأن قاصد الغلال مراب».
وعند من يقول بوقفه، فالغلة والنفقات موقوفة إلى أن تمضي مدة الإقالة،
فإن مضت كان لمن صار إليه الأصل المغنم، وعليه المغرم).
يقول أبو العباس في هذا المعنى: « ... وما كان من نماء الشيء وغلائه في حال البيع فهو مع الشيء في الإقالة والتولية إلا أن يستثنيه المشتري، وما حدث بعد البيع من النماء والغلة فلا تجْرِ الإقالة إلا ما يجره البيع من ذلك أيضاً» (2).
))
غلة
ويقول الثميني أيضاً: وما انتفع به مشتر من مبيع وخدمته، كنتاج وسكني ولباس لا يلزمه إخبار به إن أقال (إقالة)، أو ولي (تولية)، إلا ما قام بوقتهما فيتبع، كصوف ولو جز، وتمر وإن صرم، ولزمه غرمه إن تلف إلا إن استثناه وجزتا ما يجره البيع ... » (3).
مجمل القول:
في
بعد بيان حقيقة بيع الإقالة وأحكامه وآثاره يظهر أن كل فريق قد اعتمد مذهبه على أدلة تسوّغ له ترجيح جواز هذا البيع أو تحريمه، فمن ذهب إلى جوازه، نظر إلى ظاهر البيع، واعتبره مختلفاً عن الرهن، وليس فيه إضراراً لأحد المتعاقدين ولا نية التذرع إلى الربا، بل فيه مصلحة للطرفين، يستطيع المشتري الاستفادة من العين مباشرة بعد انتقال ملكيته إليه، وله حق الانتفاع بها، ومقابل ذلك يتحمل الأضرار والنفقات التي تترتب عليه، وما عليه إلا الالتزام بشرط الإقالة للبائع إذا طلب منه ذلك. وأما البائع فإنه يستطيع استرداد
(1) الخليلي أحمد: فتاوى المعاملات، ص 72. (2) أبو العباس: كتاب أبي مسألة، ص 95 - 96. (3) الثميني: كتاب النيل، 524/ 2. (1/475)
صفحة 470
476
القواعد الفقهية عند الإباضية
ملکه، كالدار أو المحل متى أراد قبل انتهاء مدة الإقالة المتفق عليها في العقد، وبذلك إن كان قلبه ما زال معلقاً بملكه فله حق المطالبة به؛ لأنه قد تحدث للمرء أحوال قاهرة يحتاج فيه إلى المساعدة، كأن يقع في ضائقة مالية فلا يجد من يقرضه، فيلجأ إلى الرهن أو البيع وبعد خروجه من الضائقة بفضل عقد
6
الإقالة، يحق له المطالبة باستيراد منزله مقابل الثمن الذي دفعه للمشتري. أما الذين حرموا هذا البيع فنظروا إلى المقاصد والغايات منه، فإذا ظهرت دوافع المتابعين وبواعثهما ـ وهي التذرع بالبيع للوصول إلى الربا - كأن يتفقا في العقد على أن يستأجر البائع ذلك المحل من المشتري وينتفع بالإيجار أو بالغلة، فيكون ذلك دليلاً ظاهراً على الاحتيال، فهنا يتدخل الشرع فيسد باب الذريعة، ويحرم ذلك البيع؛ لأنه مخالف للنصوص الثابتة في الشرع
كما تقدم.
وبعد البحث في المصنفات الإباضية لم أعثر في فقهائهم ـ قديماً وحديثاً ـ من تصدى لهذا البيع وأجلى حقيقته، وبيَّن مخاطره، فحرمه صراحة سداً للذرائع الموصلة إلى الربا، لما وجد العوام تستعمله حيلة للقرض، أو للانتفاع من العين المباحة أو بالتحايل بتسميته رهناً.
ومن رجح هذا الرأي وأخذ به بعد بيان حقيقته ومقاصده شيخنا أحمد بن حمد الخليلي بمناسبة إجابته عن سؤال ورد إليه يقول فيه السائل: «ما قولكم فيمن أراد بيع شيء من ممتلكاته كبيته الذي يسكنه، أو دكانه الذي يتجر به، أو مائه الذي يسقي به ماله الأخضر بيع إقالة لمدة معينة، فهل يلزم البائع تسليمه للمشتري أو لا؟ وهل يحل للمشتري أخذ خراجه قبل قبضه أو لا؟» فأجاب: «بيع الإقالة من البيوع المستحدثة التي لم تكن معروفة عند الرعيل الأول من هذه الأمة، وإنما حدث في القرن الخامس للهجرة (1)
(1) مما يؤكد ما ذهب إليه أن أبا العباس أحمد الفرسطائي الذي عاش في القرن الخامس الهجري = (1/476)
صفحة 471
الفصل الأول: القاعدة الكلية الكبرى الأولى
477
بسمرقند، و من هناك انتشر في بقاع كثيرة من الأرض، وقد اختلفت فيه الأمة بين موسع ومُضيّق وكان اللجوء إليه من الحيل التي استعملها بعض الفقهاء للاستغناء به عن المعاملات الربوية الصريحة ولا أراه حسب تعامل الناس به في عصرنا إلا رباً خفياً، والله يعلم السرائر من عباده، وبما أن من الأصول المتبعة عندنا في المذهب (الإباضي) وعند كثير من أهل المذاهب الأخرى سد الذرائع، فإني أرى منعه بتاتاً من الضرورة بمكان لحماية الأمة من آفة الربا، ولا أدل على كونه من ذرائع الربا من أن أغلب عوام الناس المتعاملين به لا يعرفونه بيعاً، بل يسمونه، رهناً، وما هو إلا دليل واضح أن المتعاملين به لم يقصدوا إلا الإقراض الذي يجر نفعاً باستغلال المشتري عين المبيع إلى أن يسترده البائع بالإقالة المعهودة، وفي هذا من وضوح الحقيقة ما لا يخفى على ذي لب من كون المشتري لم يقصد إلا الغلة». وقد بيّن أن المجيزين لهذا البيع اشترطوا أن يقصد المشتري أصل الملك ولا يقصد غلته ومنافعه، فيقول في هذا الصدد: أن أصحابنا وهو الذين قالوا بأنه بيع منجز مع مراعاة شرطه اشترطوا في جواز استغلال المشتري للعين المبيعة أن يكون قصده الأصل لا الغلة، ونصوا على أن قصد الغلة هو الربا بعينه (1).
ثم بين بعض المخالفات الشرعية التي يرتكبها المتبايعين بعد العقد متسترين به فيقول: «هذا والأدهى من ذلك أنهم يبيعون من هذه المبيعات ما لا علم للمشتري بعينه، بل كثيراً ما تكون العين المبيعة مشغولة بعقد آخر، كأن تكون مؤجرة على أحد من الناس فيكتفي المشتري بتحويل الإيجار إليه من غير قبض للمبيع، بل ولا عِلم به إلا بمقدار الأجرة التي تتقاضى عليه في
ت: 504 هـ) يعتبر الأول من تحدث عنه في كتابه أبي مسألة ولم أعثر على أحد من قبله تعرض له بالذكر حسب ما توصلت إليه، ينظر: أبو العباس، كتاب أبي مسألة، ص 95. (1) الخليلي أحمد بن حمد: فتاوى المعاملات، ص 7 (1/477)
صفحة 472
478
القواعد الفقهية عند الإباضية
الشهر أو العام مع أن بيع ما لم يكن فارغاً من العقود غير جائز، وكثير من المتبايعين يتفقون على أن يستأجر البائع العين المبيعة من المشتري من أول تحديد الإيجار، وذلك بطبيعة الحال داخل فيما يسمى بيعين في بيع
الأمر
مع
أي: عقدين في عقد - وقد نُهي عنه ـ وداخل أيضاً في باب الشرط في بيع، وغير ذلك المحظورات (1).
وبعد هذا التحليل القيم للمسألة وتحديد أبعادها، صرح الخليلي برأيه الذي لم يترك فيه مجالا للمساومة على حساب أصول الشرع الحنيف فقال: «لذلك أجنح إلى منع هذا البيع رأساً لما يكتنفه من المناهي، وقد اتفق علماء عُمان في عهد أحد أئمة العدل على منعه وهو رأي وجيه حازم، ولئن كان أولئك الأعلام رأوا ذلك في تلك العصور، التي كان الناس فيها أكثر احتياطاً، وتوقياً للمحجور، فما بالك بهذا العصر الذي لعبت فيه الأهواء بالناس وذهبت
بنفوسهم كل مذهب (2).
الرأي المختار:
ولعل ما ذهب إليه الخليلي وغيره من الإباضية من تحريم بيع الإقالة هو الرأي الذي نختاره ونرجحه في هذا الأمر، وينبغي العمل به، سداً للذرائع، ومنعاً لكل باب يوصل إلى الربا الذي انتشر في عصرنا، وكثرت أسبابه ومشجعوه وكذلك مراعاة لقواعد الشريعة التي تنص على أن «دفع المفسدة
أولى من جلب المصلحة»، وحفظ المال من مقاصد الشريعة العامة.
ج ـ تحريم نكاح التحليل:
ومن العقود التي تتخذ ذريعة لتحليل الحرام وإباحة السفاح نكاح التحليل. وحقيقته أنه إذا بانت المرأة من زوجها بثلاث تطليقات لم يحل له مراجعتها
(1) الخليلي أحمد: المرجع نفسه.
(2) الخليلي نفسه، ص
57 - 58 (1/478)
صفحة 473
الفصل الأول: القاعدة الكلية الكبرى الأولى
479
حتى تنكح زوجاً غيره ثم يطلقها، هذا ما نص عليه القرآن صريحاً: {فَإن طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ فَإِن طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَن يَتَرَاجَعَا إِن ظَنَّا أَن يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} (البقرة: 230)، ولكن إذا تزوجها هذا الأخير بنية طلاقها وعُلم بنيته بقرائن الحال، كان النكاح محرماً، وقد سماه الرسول صلى الله عليه وسلم بالتيس المستعار.
وصورة هذا العقد الظاهرة أنه صحيح وتام، قد استوفى كل شروطه، ولكن لما وجد قصد التحليل ـ وهو محرم شرعاً ـ؛ لأنه لا يريد به في الحقيقة
النكاح الشرعي المعلن عنه، وإنما هو حيلة لتحليل هذه المرأة لمطلقها. وقد أجمع الإباضية وغيرهم) على تحريم نكاح التحليل وفساده، ويفسخ قبل العقد وبعده، سواء أكان التحليل مشروطاً في العقد أم قبله، أم منوياً فقط، ويكفي في ذلك نية المحلل، فلا يجوز لمن فعله معاشرة الزوجة، ولا تحل به لزوجها الأول، ويأثم الولي والشهود والمرأة إن علموا بذلك (2).
(2)
واعتبروا أن المحلل (وهو الزوج الثاني) هو الذي يضر بالعقد أكثر إذا قصد بنكاحه التحليل، وأما نية المطلق ونية المطلقة ثلاثاً إذا نويا بزواج المطلقة للثاني مجرد التحليل، فإنها لا قيمة لها؛ ذلك لأن الزوج الثاني هو الذي بيده الطلاق، فإذا نوى التحليل فقد شرطاً أساسياً ينبني عليه الزواج، وهو دوام العشرة المقصودة من الزواج (3).
العقد،
(1) وهو رأي المالكية والحنابلة، أما الشافعية والحنفية فقالوا: إن التحليل إن لم يشرط في فالنكاح صحيح راجع أحمد الصاوي: بلغة السالك 266/ 2 - ابن عبد البر: الكافي في فقه 238. ـ ابن تيمية: مجموع فتاوى النكاح وأحكامه، ص 204. ـ أبو الحسن
أهل المدينة، ص المرغيناني: الهداية، 258/ 2.
(2) الجناوني أبو زكرياء يحيى: كتاب النكاح، ص 29.
(3) مصطفى أرشوم النكاح صحة وفساداً وآثاراً في المذهب الإباضي، ص 227. (1/479)
صفحة 474
480
القواعد الفقهية عند الإباضية
حكم الإباضية على هذا العقد أنه إذا تبين هذا القصد السيئ بأن علمه أحد الثلاثة: الزوج أو الخاطب أو المرأة، لم تحل الزوجة لزوجها الأول، ولو ندم الزوج الثاني بعد زواجه؛ لأن نكاحه بُني على هذا القصد، فلا اعتداد به في تحليل الزوجة).
نقل القطب أطفيش عن أصحاب الديوان قولهم: «إنما يأتي الفساد من الأخير إن أراد التحليل، فإن علم به الأول فلا يتزوجها، وإن اتفقا - المحلل والمحلل له لا المرأة ـ فلا تحل له بإرادة التحليل، وإن اتفق مع زوجها فتزوجت غيره بلا اتفاق معها أو به معه، لم يحل لها الأول، وإن تزوجها المحلل على اتفاق منهما لتحليلها فلا يمسها ولا يمسكها، وإن مسها أصدقها وثبت ولده، ولا تحرم عليه، وقيل: إن تابا فلهما أن يقيما على نكاحهما، وقيل: تحرم عليه، وإن لم يرد إلا قضاء وطره كعابر سبيل وغيره فلا عليه، وإن أراد قضاء الوطر والتحليل لم يحل له ذلك» (2).
أدلتهم:
استدل الفريقان (المانعون والمجيزون لنكاح التحليل) بأدلة من القرآن
والسنة، من ذلك:
أ ـ أدلة الجمهور
استدل الإباضية وغيرهم على تحريم نكاح التحليل بأحاديث مأثورة عن
النبي وبعض الصحابة رضوان الله عليهم نذكر منها.
(1) جابر بن زيد: من جوابات الإمام جابر، ص 148. - الخراساني، المدونة، 2/ 73. ـ بل ذهب ابن حزم إلى أنه إذا صرح بالتحليل في العقد كان زنى موجباً للحد لقول له: «لا
عمر
أوتي بمحلل ومحلل له إلا رجمته». أما إذا لم يتبين قصد التحليل فالنكاح حيح بناء على
الظاهر. ينظر: ابن حزم: المحلى، 249/ 11. (2) أطفيش أمحمد: شرح كتاب النيل 375/ 7. (1/480)
صفحة 475
الفصل الأول: القاعدة الكلية الكبرى الأولى
481
1 - عن ابن مسعود الله قال: لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم المحلل والمحلل له). وعن عتبة بن عامر قال: قال رسول صلى الله عليه وسلم: «ألا أخبركم بالتيس المستعار،
قالوا: بلى يا رسول الله قال هو المحلل؛ لعن الله المحلل والمحلل له». - وروى الحاكم والطبراني عن نافع أنه قال: جاء رجل إلى عمر بن الخطاب له فسأله عن رجل طلق امرأته ثلاثاً، فتزوجها أخ له عن غير مؤامرة ليحلها لأخيه هل تحل للأول؟ قال لا إلا نكاح رغبة، كنا نَعُدّ هذا سفاحاً على عهد رسول الله (3).
ب - أدلة القائلين بالجواز أما الذين قالوا بالجواز إذا لم يشرط التحليل في العقد، فقد تعلقوا بعموم قوله تعالى في المطلقة ثلاثاً: {فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ} (البقرة: 230).
(1) رواه الترمذي وصححه في كتاب النكاح، حديث رقم. 1120. 3/ 428. ـ والنسائي في كتاب الطلاق 149/ 6. - ورواه أحمد 448/ 1، 451 - 462 قال الشوكاني والصنعاني: حديث ابن مسعود صححه ابن القطان وابن دقيق العيد على شرط البخاري، وقال الترمذي: حديث صحيح حسن العمل عليه عند أهل العلم، منهم: عمر وعثمان وعبد الله بن عمر وهو قول الفقهاء من التابعين، وله طرق أخرى أخرجها إسحاق في مسنده. ينظر: الشوكاني: نيل الأوطار 157/ 6، الصنعاني: سبل السلام 269/ 3.
(2) رواه ابن ماجه في كتاب النكاح حديث رقم 1935. قال الشوكاني والصنعاني: وحديث عقبة بن عامر أخرجه الحاكم وأعله أبو زرعة وأبو حاتم بالإرسال، وحكى الترمذي عن البخاري أنه استنكره. وقال أبو حاتم: ذكرته ليحيى بن بكير فأنكره إنكاراً شديداً. راجع الصنعاني، سبل السلام، 157/ 2. وأخرجه الحاكم (199/ 2) وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه ووافقه الذهبي. وحسنه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه (326/ 1). وقد أورد الحافظ ابن حجر طريق حديث في التلخيص الحبير، (3/ 170). وينظر: إرواء العليل (307/ 6 - 311). (3) أخرجه الحاكم في المستدرك على الصحيحين كتاب الطلاق حديث رقم 2860. وقال فيه: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، 562/ 2. وأخرجه الطبراني في
المعجم الوسيط كما في المجمع، 267/ 4 وقال: رجاله رجال الصحيح. (1/481)
صفحة 476
482
القواعد الفقهية عند الإباضية
وقالوا: وهذا زواج قد عُقد بمهر وولي ورضاها وخلوها من الموانع الشرعية، وهو راغب في ردها إلى زوجها الأول، فيدخل في حديث ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إلا نكاح رغبة)، وهذا نكاح رغبة في تحليلها للمسلم كما أمر الله تعالى بقوله حَتَّى تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ} (البقرة: 230)، والنبي صلى الله عليه وسلم إنما شرط في عوْدها إلى الأول مجرد ذَوْق العُسَيْلَة بينهما، فالعسيلة حلّت له بالنص. وقالوا: إذا لم يدل النهي على فساد عقد النكاح، فأحرى أن لا يدل على بطلان التحليل).
كما ردوا على أدلة المذهب الأول بأدلة أخرى تكلم فيها العلماء (3).
ج - منشأ الخلاف:
بعد عرض آراء المذهبين في مسألة نكاح التحليل، وذكر أدلتهم مع توجيهها حسب ما يؤيد وجهة نظر كل فريق نجد أن أصل الخلاف يعود إلى فهم النصوص الواردة في القرآن والسُّنَّة وتأويلها وفق الأصول والقواعد المعتمدة لكل مذهب، فمذهب الحنفية والشافعية لا يعول كثيراً على النيات والمقاصد والبواعث النفسية، فضلاً عن إقلالهم من الأخذ بقاعدة سد بقاعدة سد الذرائع، ومن ثمّ كان تصحيحهم للعقد قضاءً ما دام لم يشترط فيه التحليل أثناء العقد صراحة، حيث أن نظرتهم توجهت نحو صيغة العقد الظاهرة لا إلى البواعث والدوافع التي دفعت إليه، وبناء عليه فإن زواج المحلل بلا شرط صريح في العقد على التطليق؛ وإنما بالنية والقصد الباطن هو صحيح مكروه؛ لأن العقد قد استوفى أركانه لا شروطه في الظاهر ويتأثر العقد بالباعث الداخلي.
(1) أخرجه ابن ماجه في كتاب النكاح، حديث رقم 1934 - 1935. ونقل فؤاد عبد الباقي عن مصباح الزجاجة تضعيفه فقال عنه الحافظ ابن حجر في التلخيص: «وفي إسناده زمعة بن
صالح وهو ضعيف». (170/ 3).
(2) ابن: رشد بداية المجتهد، 3/ 1091.
(3) مصطفى أرشوم النكاح في المذهب الإباضي، ص 234 - 235. (1/482)
صفحة 477
483
الفصل الأول: القاعدة الكلية الكبرى الأولى
وقالوا أيضاً: إن النهي الوارد في الحديث عن عقد نكاح المحلل لا يدل على فساد ما هو فيه، وإنما حملوا النهي على فساد هذا العقد لمن اتخذه مكسباً، أو شرطه في العقد، أما من نوى ذلك في قلبه فمأجور ما دام غرضه
الإصلاح. وخلافاً لهذا المنهج فإن منهج الإباضية والمالكية والحنابلة لا يقفون عند صيغة العقد وظواهر الألفاظ، وإنما يتجاوزونها إلى النيات والدوافع التي دفعت إليه، طالما دلت عليها القرائن ودلائل كافية، كما أنهم عوّلوا كثيراً على قاعدة سد الذرائع، ولذلك اعتبروا نكاح المحلل ولو لم يكن التحليل مشروطاً ولا مصرحاً به في العقد حراماً باطلاً مفسوخاً، لا تحل به المرأة لزوجها الأول؛ لأن الزوج الثاني قصد التحليل وهو ممنوع، والمعتبر هو قصده لا قصد الزوج الأول أو المرأة، عملاً بالقاعدة الفقهية: «العبرة في العقود للمقاصد والمعاني لا للألفاظ والمباني». وكذلك قالوا: إن اللعن الوارد في الأحاديث السابقة لا يكون إلا على ذنب كبير، والنهي على الشيء يدل على فساد المنهي عنه، وهذا الرأي يتفق مع مبدئهم في سد الذرائع بالباعث الداخلي فالنية الباطنة تكون سبباً لإبطال هذا العقد ولو بدون اشتراط هذا التحليل على المحلل).
6
ويؤيد ذلك ما جاء في جامع أبي الحواري نقلا عن ابن قيم الجوزية أنه قال: «لا فرق عند أهل المدينة وأهل الحديث وفقهائهم بين اشتراط ذلك بالقول، أو بالتواطؤ والقصد، فإن القُصود في العقود عندهم معتبرة. والأعمال بالنيات والشرط المتواطأ عليه الذي دخل عليه المتعاقدين كالملفوظ عندهم، والألفاظ لا تراد لعينها بل للدلالة على المعاني إن هذا الزواج الصوري كذب
(1) عبد الرحمن العدوي: الوسيط في الفقه ص 169 ابن القيم: إعلام الموقعين عن رب العالمين، تحقيق عصام فارس الخرساني، ط 1، دار الجيل بيروت، 1419 هـ / 1998 م،
232/ 3 - 246 (1/483)
صفحة 478
484
القواعد الفقهية عند الإباضية
وخداع لم يشرعه في دين ولم يبحه لأحد، وفيه من المفاسد والمضار
ما لا يخفى على أحد» (1).
د ـ مجمل القول:
مما تقدم يتضح أن كلا الفريقين سلك في حكمه على عقد التحليل مسلكاً يتماشى مع قواعده وأصوله الفقهية في فهمه للنصوص وتأويلها، فمن اعتبر النية مؤثرة في العقد ولو لم يلفظ بشرط التحليل حكم بفساد العقد، ومن جعل اللفظ في العقود هو العقود هو الأساس اعتبر شرط التحليل في صيغة العقد هو الذي يفسده، وعدم الشرط يجعل العقد صحيحاً.
ولكن إذا تأملنا رأي الإباضية ومن ذهب مذهبهم نجده يتوافق مع روح الشريعة ومقاصدها، والتي تدعو إلى مراعاة مصالح العباد الدينية والدنيوية ودفع المفاسد عنهم.
كما أن النصوص الشرعية الثابتة تؤيد هذا الرأي وتعضده، فقد عظم الله من شأن عقد الزواج وقال فيه: {وَأَخَذْنَ مِنكُم مِيثَقًا غَلِيظًا (النساء: 21). وحديث الرسول صلى الله عليه وسلم المشهور الذي يجعل الأعمال بالنيات. كما أن الإسلام لا يرضى أن يعبث بهذه العقود التي تبنى على أساسها العلاقات الزوجية، ويكون سبباً لدوامها واستمرارها وليس من المعقول أن تترك هذه العلاقة ليعبث بها المحلل والمحللة والمحلل له بالتحايل على الشرع، متسترين خلف هذا العقد الظاهري؛ بل يجب أن نسد باب كل ذريعة تؤدي إليه ما دام المقصد الأصلي لهذا العقد هو التحليل فقط، ليس دوام
العشرة الزوجية (2).
(1) أبو الحواري محمد: جامع أبي الحواري، 3/ 125 - 126. (2) بدران أبو العينين بدران: الفقه المقارن، ص 376. - الصباغ: الإيضاح في أحكام النكاح، 279. ـ مصطفى أرشوم: النكاح في المذهب الإباضي، ص 237 - 238. (1/484)
صفحة 479
=
485
الفصل الأول: القاعدة الكلية الكبرى الأولى
وبناء عليه، فالراجح عندي هو تحريم هذا الزواج والحكم ببطلانه إذا تمّ عقده؛ لأنه زواج لا يقصد به ما شرع لأجله، وإنما يقصد به غرض آخر غير مشروع، وهو إحلال الزوجة لمطلقها الأول، فيكون في معنى الزواج المؤقت، وهذا الزواج غير صحيح عند جمهور الفقهاء.
هـ ـ تطبيقات على نكاح التحليل: طبق الإباضية هذه القاعدة في فروعهم الفقهية، فقد نقل أبو الحواري في «جامعه» رأي الإباضية وبيَّن مدى أخذهم بالباعث النفسي وأثره في تحريم نكاح المحلل فيقول: «وعن رجل طلب تزويج امرأة إلى نفسها أو إلى وليها وأراد أن يحللها المطلق لها، أعلمها بذلك أو لم يعلمها، وتزوج بها ولم يجز بها، أو لم يتزوج ثم ندم على ذلك، واستغفر ربه وترك ذلك التزويج، ثم أراد تزويجها لغير ذلك، هل تحلّ من بعد ذلك التزويج؟».
فأجاب السائل: «فعلى ما وصفت فإن كان قد جاز بها فقد حرمت عليه أبداً؛ إذا أخذها ليحلها لغيره، وكذلك أيضاً إن كانت المرأة قد علمت فلا تحل لمطلقها الأول بذلك النكاح، إلا أن تتزوج زوجاً غيره، لعله على غير نية التحليل، وإن لم يجز بها وكان قد أعلمها أنه إنما يريد أن يحلها، ثم رجع عن تلك النية وأعلمها أيضاً أنه قد رجع عن نيته تلك، فإن أراد أن بنكاح جديد جاز له ذلك» (1). وذكر خميس الشقصي (2) في «المنهج» عن أبي سعيد الكدمي أنه سئل عن
يرجع إليها
(1) محمد بن الحواري: جامع أبي الحواري 3/ 125 - 126. (2) هو خميس بن سعيد بن علي الشقصي (ت بين: 1059 - 1090 هـ) من فقهاء الإباضية، أحد أقطاب العلم والسياسة في النصف الثاني من القرن العاشر والنصف الأول من القرن الحادي عشر ولد بنزوى ثم انتقل إلى الرستاق ونشأ فيها، عقدت الإمامة للإمام ناصر على
يديه فكان عضده الأيمن، أصبح قاضياً للمسلمين، وقاد جيش الإمام لفتح مسقط، يعد من
مؤسسي
دولة اليعاربة له مؤلفات جليلة أشهرها: «منهج الطالبين وبلاغ الراغبين»، وله (1/485)
صفحة 480
486
القواعد الفقهية عند الإباضية
=
حكم الرجل إذا بانت منه امرأته بثلاث تطليقات، فطلبها رجل ليتزوجها، هل يجوز للمطلق أن يأمر وليها بزواجها به، ويدخل في تزويجها؟ قال: لا يحرم عليه الدخول في تزويجها ما لم يُرد التَّحِلَّة، وإن نوى في دخوله في تزويج الرجل التحلّة، ولم يُظهر ذلك إلى الزوج ولا إلى المرأة، ثم بانت من هذا الرجل.
قال تجوز له الرجعة إليها ولا تضره نيته وإنما يفسد النية من الزوج والمرأة، إذا أرادا ذلك، ولا يضره هو في الحكم إن لم يظهر ذلك، وإن أظهر ذلك وأراد التحلّة في الظاهر عند المطلق، ودخل الزوج بها على ذلك، ثم طلقها، هل له أن يرجع إليها، ويكون إثم ذلك عليهما إذا دخلا فيما يؤثمهما؟ وكذلك إن أراد الزوج، والمرأة التحلّة، وتزوجها على ذلك، وعلم المطلق بإرادتهما، ثم رجعا عن ذلك قبل الدخول بعد التزويج، وعلم المطلق برجعتهما، ودخل بها على ذلك من تجديد النكاح، ثم فارقها الزوج، وانقضت عدتها، هل تحل للمطلق أن يرجع إليها؟
قال:
معي أنهما إذا رجعا عن ذلك، وتابا من النية المحرمة المنهي عنها، ودخل بها بعد ذلك، وقد وقع النكاح على السُّنَّة، فيخرج عندي أنه لا بأس عليهما في الإقامة، وتكون زوجة له ويكون زوجاً لها، ولا يغيرهما الشرط الفاسد إذا دخل في العقد النكاح؛ لأنه قد قيل: لا ينقض النكاح شرط
ولا استثناء.
وإذا كانا زوجين كان الوطء من الزوج محللاً لغيره من المطلقين، وأما إذا دخل بها قبل أن يرجعا عن الشرط الفاسد الذي وقع في عقدة التزويج، من القصد إلى التَّحِلّة، فالوطء حرام ولا يحلها لمطلقها، ولا تحل مطلقة، أحلت لمطلقها، ولا تحل لمن أحلها.
كتاب الإمامة العظمى. توفي أيام دولة الإمام سلطان بن سيف الأول. معجم أعلام الإباضية بالمشرق، 89/ 1. (1/486)
صفحة 481
الفصل الأول: القاعدة الكلية الكبرى الأولى
487
ويلاحظ من عبارة أبي سعيد أنه يركز على المقاصد ويجعلها أساساً في صحة العقد أو فساده، ولذلك يشرط على الزوجين أن يرجعا عن النية الفاسدة، وإذا اشترطا ذلك في العقد فليتراجعا عنه ما دام لم يقع الدخول، فإذا وقع ذلك بطل العقد ولا تحل له ولا لمطلقها الأول، ويؤكد هذا المعنى بقوله: «ومن تزوج امرأة ليُحِلّها لمطلقها فليستغفر ربه مما أراد ونوى، وإن كان وطئ فلا يقيم معها، وإن لم يطأ فليجدد العقد لنهي النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك وقال: «إن الله لا يحب الذواقين» (1). وأما إذا ظهر حسن النية من جميع أطراف العقد ولم تظهر قرائن تدل
على تبييت النية الفاسدة ـ وهي التحليل - فإنه يصح العقد. وإذا خرجت منه بطلاق أو وفاة فيجوز للزوج الأول أن يعقد عليها، وهذا ما بينه في سؤال آخر وهذا نصه: إذا طلق الرجل زوجته ثم تواعدا أنها تأخذ واحداً غيره تَحِلَّة وترجع إليه، ثم رجعت عن ذلك مع نفسها، أو رجع مع نفسه، ولم يخبرها بشيء ولم تخبره ثم أخذت غيره فطلقها،
هو عن ذلك
ورجعت إليه هل لهما ذلك؟
قال أبو سعيد: معي أنه إذا كان ذلك التزويج على غير نية التحلة من الزوجة كان جائز لها أن ترجع إلى الأول، وإذا لم يعلم الأول أن التزويج كان على نية التّحِلّة، فالتزويج حلال عندي، حتى يعلم أنه حرام، وليس على الزوج
(1) رواه البزار في البحر الزخار، مسند ـ أول حديث أبي موسى حديث: 2628 عن أبي موسى الأشعري له، بلفظ «عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله جل لا يحب الذواقين ولا الذواقات». وفي رواية أخرى بزيادة حديث 2629: «لا تطلق النساء إلا من ريبة إن الله تبارك وتعالى لا يحب ... ورواه الطبراني في مسند الشاميين - ما انتهى إلينا من مسند بشر بن العلاء أخي عبد الله ما انتهى إلينا من مسند عبادة بن نسي ـ عبادة بن نسي عن أبي موسى الأشعري حديث: 2179. ينظر: الشقصي خميس: منهج الطالبين وبلاغ الراغبين، نشر وزارة التراث القومي والثقافة، تحقيق سالم بن حمد بن سلمان الحارثي طبع بمطبعة عيسى البابي الحلبي وشركاه بمصر، 1983 م، 366/ 15 - 367. (1/487)
صفحة 482
488
القواعد الفقهية عند الإباضية
أن يسأل الزوجة عن تلك النية، ولا يلزمه ذلك، وكأنه يحكم عليهم بالحلال حتى يعلم الحرام.
وأما الذي إذا طلق زوجته ثلاثاً، ثم قال لها: إن قضى الله وتزوجتِ زوجاً وقضى لك بالخروج منه تراجعنا، فتزوجت زوجاً ثم بانت منه، أو مات عنها، فإنها إذا لم ترد بتزويجها تحلّة للمطلق بقصد منها إلى ذلك، وإنما قصدت إلى التزويج الجائز، وجاز بها الزوج الأخير، كان ذلك محللاً لزوجها الأول.
مع
ذلك
وإن كانت أرادت بذلك، تحلّة لزوجها، فلا يجوز، ولا يضر القول، إذا لم تقصد هي التزويج للتحلة. وإذا اعتبرنا فيه الأثر، في هذا المعنى إن ذلك إلى عقد النيات من المطلق والمطلقة، فإذا برئت نيتهما من العقد الفاسد فلا بأس عليهما. ـ وأما نية الزوج الآخر إذا لم يعلماهما بما هو عقد في نفسه من النية للتحلة لهما، فلا بأس عليهما في ذلك إلا أن يعلما بنيته وقصده في ذلك لمعنى التزويج، ليحل لهما
ما هو محظور عليهما (1).
د ـ في مجال الحيل:
تفرعت عن هذه القاعدة قاعدة فرعية في مجال الحيل وهي: «من تحايل على أحكام الشريعة أبطلت حيلته»، وقد نص على هذه القاعدة المحقق سعيد بن خلفان الخليلي وعبّر عنها بقوله: «كل حيلة باطلة
تبطل» (2).
(1) الشقصي خميس: المصدر نفسه، 368/ 15. (2) الخليلي أبو محمد سعيد بن خلفان بن أحمد، كتاب تمهيد قواعد الإيمان وتقيد شوارد مسائل الأحكام والأديان من جوابات الشيخ أبي محمد سعيد بن خلفان بن أحمد الخليلي، نشر وزارة التراث القومي والثقافة بسلطنة عُمان - مطبعة دار إحياء الكتب العربية لصاحبها فيصل عيسى البابي الحلبي، مصر، ط، 1407 هـ / 1986 م، 106/ 6. (1/488)
صفحة 483
الفصل الأول: القاعدة الكلية الكبرى الأولى
ومن فروعها:
489
1 - يجوز ترك الناس أن يأخذوا من نخلهم رطباً لأكله بقدر الحاجة، فإذا تبين من أخذهم هذا أنه جعلوه حيلة لمنع الزكاة من ثمار النخل أبطلت حيلهم. وقد عُرض على الخليلي سؤال يستفتي فيه السائل عن حكم من يتحايل ليفرّ من الزكاة فذكر أنه: «وفي الرطب يطلع لصاحب المال بقدر ما يرزؤه (يحتاجه) من الرطب أم يزكي الجميع، والناس أكثرهم غير منصفين إن فتح لهم هذا الباب، وقيل: لهم أن يطلعوا بقدر مرزأتهم (حاجتهم) من الرطب أخذوا الجميع وقالوا: نرزوه (نحتاجه)، ما يعجبك فيهم، تفضل علينا بالجواب؟» فأجاب الشيخ سعيد بقوله: « .... وأما ما يحتاجه الناس من أموالهم للأكل رطباً فكذلك، لا تعارضوهم فيه في الزكاة إلا أن يعلم أنهم لا يحتاجون إليه وإنما مرادهم الحيلة على منع الصدقة فكل حيلة باطلة تبطل»). لو تأملنا في عبارة الشيخ لوجدناه يهتم بالمقاصد والنيات في التصرفات، ولا يقف في حدود الألفاظ، فإذا دلّت القرائن أن أصحاب النخيل يستعملون حيلة الحاجة إلى أكل الرطب قبل أن تصبح تمراً وجب على الحاكم منعهم من ذلك، وفرض عليهم الزكاة سداً للذريعة. 2 ـ وإذا وجد أناس شركاء في النخل، أو أرادوا قسمة ثمرها في رؤوس النخل، وهي غير مدركة بنية الحيلة للفرار من الزكاة، فحيلتهم مردودة عليهم، وتجب عليهم الزكاة في ثمار النخيل إذا بلغت النصاب.
وقد بين الشيخ سعيد حُكم هذه المسألة بعد سؤال طرح عليه مفاده: «وما تقول في أناس شركاء في شيء من النخل، أيجوز قسمتها في رؤوس النخل، وهي غير مدركة إذا كانت نيتهم الفرار من الزكاة؟» فأجاب: «أما قسم الثمرة عذوقاً (عراجيل) ونيتهم الفرار من الزكاة، فغير
(1) الخليلي سعيد بن خلفان تمهيد قواعد الإيمان، 106/ 6. (1/489)
صفحة 484
490
القواعد الفقهية عند الإباضية
نافع لهم إن كانوا في الأصل ممن تجب عليهم الزكاة بالشركة المذكورة على أصح ما قيل فيه، قياساً على قول النبي صلى الله عليه وسلم في زكاة الأنعام: «لا خلاط ولا وراط» (1).
وأما القسم لهم على غير هذه النية فجائز لهم قبل وجوب الزكاة فيه، فإذا تميز كل منهم بنصيبه فلا يحمل حال وجوب الزكاة فيه بعضهم على بعض، لزوال الشركة المقتضية لذلك، لكل امرئ منهم ما نوى، وعليه ما نوى وذلك في القياس، كمن له أربعون شاة إلا واحدة لشريكه، فقبل أن يحول عليه الحول عزلها عن شياهه، فالزكاة واجبة والعزل ليس بنافع لمنع النبي صلى الله عليه وسلم، فلو افترقا على غير هذه النية جاز لأنه مالهم يتصرفون فيه كما يشاءون ما لم يقصدوا مأثماً كذلك فتأمل كيف يركز سعيد الخليلي على المقاصد والنيات، فإذا ثبت القصد
في الأثر» (2).
السيئ من تلك المعاملة بطلت حيلته، ووجب عليه ما فرّ منه من الزكاة. هذا وقد عقب الباحث زهران المسعودي على حكم سعيد الخليلي في جواز قسمة التمر على رؤوس النخيل إذا لم يظهر القصد السيئ من الشركاء فقال: «ينظر في إجازة المحقق رحمة الله قسمتهم للثمر وهو غير مدرك على رؤوس النخل كما نص عليه إذا كان فعلهم ذلك ليس بنية التحايل، فإنه قال بجوازه أن الأصحاب (الإباضية) يعطون أحكام القسمة أحكام البيع، فكما لا يجوز بيع الثمرة على رؤوس النخل غير مدركة فكذلك لا يجوز قسمتها على هذه الحال، وممن صرح بمنع ذلك من المتأخرين الشيخ خلفان بن جميل
مع
(1) أورده ابن أبي عاصم الآحاد والمثاني)، الضحاك بن النعمان، رقم: 2381. عن مسروق بن وائل. والبيهقي (الشعب)، فصل في بيان النبي صلى الله عليه وسلم وفصاحته، رقم 1412. (هذا الحديث والذي بعده تعتبران من جملة الكتاب الذي كتبه الرسول صلى الله عليه وسلم إلى الأقبال العباهلة). ينظر: ابن بركة: الجامع، 160/ 2.
(2) الخليلي سعيد: المرجع نفسه، 110/ 6 - 111. (1/490)
صفحة 485
الفصل الأول: القاعدة الكلية الكبرى الأولى
491
السيابي) في «السلك» (سلك الدرر) وفي فصل الخطاب» جواباً لسائل سأله
عن نحو ذلك ... » (2).
- مجمل القول:
ملكاً
يظهر من خلال موقف سعيد الخليلي في حكم قسمة الثمر على رؤوس النخيل، أنه لم ينظر إلى أصل التصرف، بل نظر إلى المقصد منه، ولعله استند إلى القاعدة المشهورة أن الأصل في الأشياء الإباحة»، فما دامت الثمرة لهم يجوز لهم التصرف فيها كما يشاءون، بشرط عدم التحايل على الشرع. كما استند في حكمه إلى النصوص الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه لا يجوز تفريق المال بعد تجمع ولا جمعه بعد تفرق خوفاً من الزكاة (3).
مع
العلماء
(1) خلفان بن جميل السيابي، أبو يحيى (ت: 1392 هـ)، من أجل علماء عُمان في القرن الرابع عشر الهجري. نشأ في سمائل، في أحضان عائلة فقيرة، ولكن ذلك لم يمنعه من الانقطاع إلى العلم والرغبة فيه والاستزادة منه، وتحصن بالزهد والورع والتقوى، فانكب على كتاب إحياء علوم الدين للغزالي وتأثر به، إذ هو الذي هذبه وشحذ فكره وصفى ذهنه وسما بروحه، حتى ترقى بعناية الله إلى دراسة أصول الدين والفقه وانكب على كتبهما، واصل دراسته المعاصرين له من بينهم الشيخ نور الدين السالمي فقد تتلمذ له واغترف من معين علمه ردحاً من الزمن، إلى أن أصبح عالماً مشهوراً، وقاضياً معتبراً، ومرجعاً للفتوى. تولى وظيفة التدريس زمناً، و ا، وشغل منصب القضاء في عدة مناطق رئيسية في عُمان منها الرستاق وسمائل، وظل مشتغلاً بالعبادة والتأليف، إلى أن ضعف بصره. من مؤلفاته: سلك الدرر الحاوي غرر الأثر، جلاء العمى في ميمية الدماء، فصول الأصول، بهجة المجالس، فصل الخطاب في المسألة والجواب. معجم أعلام الإباضية بالمشرق لمجموعة من الباحثين، 79/ 1. (2) المسعودي زهران: القواعد الفقهية المستخرجة من كتاب تمهيد قواعد الإيمان للشيخ سعيد بن خلفان الخليلي،، بحث مخطوط في حوزة الباحث. ص 36.
(3) يشير إلى حديث رواه البخاري في صحيحه، كتاب الزكاة، باب لا يجمع بين متفرق، حديث رقم 1393 عن أبي بكر الصديق بلفظ أن أنسانه حدثه أن أبا بكر له كتب له عن القسمة التي فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم: ولا يجمع بين متفرق ولا يفرق بين مجتمع خشية الصدقة». ورواه أيضاً في كتاب الحيل، باب في الزكاة وأن لا يفرق بين مجتمع، حديث: 6572. (1/491)
صفحة 486
492
القواعد الفقهية عند الإباضية
واستدل كذلك بدليل القياس، فقد قاس الذين يقسمون الثمر على النخل بمن يعزل أغنامه عن شريكه فراراً من الزكاة، وكل هذه الأدلة تصلح لأن يحتج بها على من اعترض عليه، والله أعلم.
3 - في حكم المختلعة من زوجها المريض:
وفي باب الحيل الفقهية أيضاً سئل أبو محمد سعيد الخليلي عن المرأة إذا اختلعت من زوجها في مرض الموت تحايلاً وفراراً من العدة هل ترثه وتعتد منه؟ ذكر أن الفقهاء اختلفوا في حكمها إلى ثلاثة أقوال، منها: أنها إذا اختلعت عنه لأجل مرضه فراراً من العدة، ومات وهي في عدة الطلاق ـ على اعتباره طلاقاً -، فإن العدة لازمة عليها ولها الميراث؛ لأن ذلك حيلة منها فأبطلت حيلتها، ومن فرّ عن شيء رُدَّ إليه، وحكم هذه المسألة يشبه طلاق الفار من الميراث، ولا بأس من ذكر السؤال وجوابه حتى نتعرف على الأقوال الثلاثة
وأحكامها.
قال السائل: ما تقول شيخنا إذا اختلعت المرأة من زوجها المريض فراراً من العدة، ومات وهي في عدة الطلاق؟ ماذا لها وعليها الميراث والعدة؟ أيحرم الميراث وتلزم العدة؛ لأنها فرّت منها أم لها ميراث ولا عليها عدة؟ اشرح لنا وجه هذه المسألة باختلافاتها معدلاً ما هو الأعدل، ولك من الله الأجر الأجزل.
فأجاب: «يخرج القول بذلك هو وجه حسن، ويخرج فيها آخر، أنه لا ميراث لها، وليس عليها عدة الوفاة لثبوت الطلاق عليها، ويخرج في قول الثالث؛ إن لها الميراث وعليها عدة الوفاة، لأنه طلاق في المرض»).
(1) الخليلي أبو محمد سعيد بن خلفان کتاب تمهيد قواعد الإيمان وتقييد شوارد مسائل الأحكام والأديان من جوابات أبي محمد سعيد بن خلفان أحمد بن الخليلي نشر وزارة التراث القومي والثقافة سلطنة عُمان - ط 1، 1307 هـ / 1987 م مطبعة دار إحياء الكتب العربية لصاحبها فيصل عيسى البابي الحلبي القاهرة، 127/ 11. (1/492)
صفحة 487
493
الفصل الأول: القاعدة الكلية الكبرى الأولى
ويظهر من عبارة المحقق الخليلي أنه رجح القول الأول ومقتضاه أن تُحرم من الميراث، وتلزمها عدة الوفاة؛ لأنها فرت منها، واستحسن هذا القول:
فقال: «وهو وجه حسن» (1).
هـ ـ في باب سد الذرائع
1 ـ ومن فروعها تطبيقاً لهذا المبدأ حكم الإباضية على من هوى امرأة فقتل زوجها أن المرأة تحرم عليه، قياساً على قاتل وارثه ليرثه، أنه يحرم من الميراث وسدّاً لذريعة الفساد وزاد آخرون فيمن خبب امرأة على زوجها أنها تحرم عليه (2).
2 - وكذلك المرأة إذا زنت ولها زوج، فإنها تحرم لإحصانها، والخلاف في ميراث زوجها منها، إذ ذهب بعض الإباضية إلى أنه لا يرثها؛ لأنها قد بانت منه قبل موتها وحرمت عليه، بزناها وخرجت من عصمته، ورأى آخرون أن له الميراث، ولا يحرمه بَغيها وخيانتها من حقه في الميراث، كما اختلفوا في صداقها للعلة نفسها، والعدل يقضي أنه يرثها ويسترد منها الصداق؛ لأنها خانته فأبطلت بذلك حقها في صداقها، فيسترد الزوج ما أعطاها معاملة لها بنقيض مقصودها (3). 3 ـ وإعمالا لمبدأ سد الذرائع، أفتى الإمام جابر بن زيد بمنع الرجل من
أمله
التصرف في ماله إذا صار في حال يخشى فيه من الموت، ويضعف في الحياة، فلا يجوز له في ماله إلا الثلث، وذلك كأن يكون في الحرب أو المسايفة، أو داخل حريق لا يقدر أن ينجو منه، أو في البحر وقد صار إلى حد
(1) الخليلي سعيد: المصدر نفسه.
(2) الوارجلاني أبو يعقوب العدل والإنصاف، 346/ 3.
(3) الخراساني: المدونة، 2/ 65 غير مطبوع ـ وينظر: باجو، الاجتهاد عند الإباضية
589/ 2 - 590 (1/493)
صفحة 488
494
القواعد الفقهية عند الإباضية
الغرق، وألحقوا به المرأة الحامل إذا ضربها المخاض (1). فهؤلاء ليس لهم حق التصرف في أموالهم إلا في حدوث الثلث، حملاً لهم على حال الوصية؛ لأنه تصرف مضاف إلى ما بعد الموت.
وقال جابر بن زيد في الرجل المريض يوصي لوارثه بدين قد كان له عليه، فأجاز ذلك على أنه إقرار بدين لا وصية إذ لا وصية لوارث (2)، وعلل ذلك بقوله: «أصدق ما يكون الناس عند الموت»، وأخذ تلاميذ جابر بهذا القول، وخالفهم عبد الله بن عبد العزيز (3) فقال بمنع تصرف المريض مرض الموت وحمله على الوصية، ولو كان في صورة الإقرار ورجح أطفيش قول جابر، حملاً للناس على الظن الحسن، فهذا مريض أقر بتباعة عليه؛ لئلا يلق الله بها، فهي للموصي له ولو كان وارثاً، حتى إذا تبين الميل إلى الباطل أو أمارته بطل التصرف (4).
(1) جابر بن زيد من جوابات الإمام جابر، ص 105. (2) أخرجه الترمذي، كتاب الوصايا حديث رقم 36. النسائي، كتاب الوصايا، حديث رقم: 3581. أبو داود، كتاب الوصايا، حديث رقم: 2486. ابن ماجه، كتاب الوصايا، حديث رقم 2705. أحمد، حديث رقم: (17004). (ترقم العالمية).
(3) عبد الله بن عبد العزيز أبو سعيد (ق: 2 هـ) من علماء الإباضية في القرن الثاني الهجري، وهو من طبقة الربيع الذين أخذوا العلم عن الإمام أبي عبيدة. عاش في البصرة، ولعله انتقل في آخر عمره كان شغوفاً بالعلم وكتابته. وهو أحد العلماء الذين روى عنهم أبو غانم مدونته. كان
إلى مصر.
أبو سعيد كثير القياس في المسائل الفقهية، إذ لديه نزعة التحرر، لكنه يلتزم الدليل، مما جعل الإباضية يعرضون عن آرائه ويأخذون برأي الربيع. قال عنه حاتم بن منصور: ولا نزال بخير ما دام فينا أبو سعيد، فلا ناءت داره، ولا أوحشنا الله بفقده. ينظر: الراشدي مبارك، أبو عبيدة، 32. الشماخي أبو العباس، سير، ص 97. أبو غانم الخراساني، المدونة (كلها). ابن خلفون، الأجوبة، ص 107. السيابي خلفان، طلقات، ص، 36. الجعبيري فرحات، البعد الحضاري، 70. ابن سعد، الطبقات الكبرى، 2322. معجم أعلام الإباضية بالمشرق، 213/ 1. (4) الخراساني: المدونة الكبرى ترتيب أمحمد بن يوسف أطفيش، 182/ 2. ـ باجو: منهج الاجتهاد عند الإباضية، ط 1 1426 هـ / 2005 م، مكتبة الجيل الواعد، مسقط سلطنة عُمان، ص 768.
ص (1/494)
صفحة 489
الفصل الأول: القاعدة الكلية الكبرى الأولى
495
4 - في المواعدة بالنكاح في العدة بالنية:
لو طلب رجل من امرأة أن تتزوجه، وردّت عليه بأن يرجع إليها بعد العدة، وهي ترغب فيه وتغمر في قلبها هذه النية، ولم تصرح له بذلك، هل
يعتبر هذا التصرف من المواعدة المحرمة التي تحرّم المرأة على الرجل؟ سئل أبو سعيد الكدمي عن هذه المسألة فأجاب بما يدل على أن ذلك لا يصل إلى درجة الفساد كالقول، وإنما يشبه التعريض بالنكاح، ومنهم من يعتبر النيات والإرادات بمثابة الأقوال والأفعال، وتكون سبباً للفساد ما دامت النية فاسدة، وفي هذا المعنى يقول: وعن رجل إذا أرسل إلى المرأة رسولا في طلبها لتزويج فقالت للرسول: إنها في عدة، فإذا انقضت العدة فيرجع إليها، فرجع الرسول فأخبره، ثم رجع الرسول إليها بعدما انقضت العدة فأنعمت له فتفضلت له بالموافقة)، هل يجوز له أن يتزوج بها بعد انقضاء عدتها على هذا؟
قال: لا يبين هذا مواعدة في تزويج ولا على التزويج، وهذا يخرج مخرج التعريض إلا أن يكون في النية منها أنه إنما يرجع إليها لتنعم له وتزوجه، وهذا عندي يشبه المواعدة بالنية.
قلت له: فالمواعدة بالنية تفسد كما تفسد المواعدة بالقول.
قال:
أنه
معي يخرج ذلك في بعض القول على قول من يثبت النيات والإرادات ويحكم بها في معنى الإيمان والبيوع وأسباب ما يثبت من الأفعال.
وعلى قول من لا يثبت النيات في مثل هذا، فمعي أنه إنما يفسد النية، وعليها التوبة من النيات الفاسدة، ولا تفسد الأفعال من ذلك ولا يجيبها).
(1) الكدمي: الجامع المفيد، 276/ 3. (1/495)
صفحة 490
المطلب السادس
قاعدة: «من استعجل الشيء قبل أوانه عوقب بحرمانه» أو «من قصد بتصرفه غرضاً غير مشروع عومل بنقيض مقصوده
أوَّلاً: مكانة القاعدة عند الإباضية
تعدّ هذه القاعدة من القواعد الفقهية الهامة في الفقه الإسلامي والتي ترجع إلى تقرير أصل من أصول الشريعة، وهو سد الذرائع والنظر إلى مآلات الأفعال، وتمثل جانباً من جوانب السياسة الشرعية في القمع وسد الذرائع)، والحكمة من مشروعيتها صيانة حقوق الناس ومنع التعسف في استعمالها، وتعتبر أيضاً استثناء من قاعدة: الأمور بمقاصدها»، ولذلك ارتأينا أن نُصَنّفها ضمن القواعد المندرجة تحتها؛ لأن الفاعل هنا يعامل ويعارض بنقيض مقصوده، وسنرى من خلال الأمثلة أن مقصود الفاعل من فعله كان تحايلاً على الشرع من جانب، أو استعجالاً لأمر مستحق أو مباح من جانب آخر بفعل أمر محرم، ولذلك أهمل قصد الفاعل وعومل بنقيض ما قصد، عقوبة له وزجراً لغيره، إلى جانب العقوبة المستحقة على الفعل نفسه (2). ونجد هذه القاعدة حاضرة في المصنفات الفقهية الإباضية، وقد اعتنى بها فقهاؤهم عناية خاصة، تجلت في كثير من اجتهاداتهم وبخاصة في أبواب النكاح والطلاق والوصية والميراث ونلمسها من خلال التصريح بها أو التلميح إليها أثناء التعليل للأحكام الفقهية (3)، يقول أستاذنا الشيخ بالحاج
(1) الذرائع جمع الذريعة وهي الوسائل التي يستغلها بعض الناس في الاحتيال على الشرع وأخذ ما ليس لهم.
الفقهية،
-
420
(2) البورنو: الوجيز في إيضاح قواعد الفقه الكلية، ص. 160. ـ الندوي علي أحمد: القواعد محمد بكر إسماعيل: القواعد الفقهية بين الأصالة والتوجيه، ص 124 (3) ابن بركة: الجامع، 139/ 2. - الكندي أبو بكر أحمد، المصنف، 39/ 68. ـ الجناوني
ص
أبو زكرياء، كتاب النكاح، ص 110. (1/496)
صفحة 491
الفصل الأول: القاعدة الكلية الكبرى الأولى
497
محمد في معرض حديثه عن تحريم مزنية الرجل عليه: «ومن باب من تعجل الشيء قبل أوانه عوقب بحرمانه» (1). وكذلك صرح بها شيخنا أحمد الخليلي في السياق نفسه فقال: وهو الملائم لقاعدة: «من تعجل شيئاً قبل أوانه عوقب بحرمانه (2). وألمح إليها الفقيه ابن جعفر في سياق حديثه عن طلاق الفار فقال: «من هرب من الحق رد إليه» (3).
ثانياً: معنى القاعدة:
استعجل الشيء: سارع قبل حصوله ليأخذ عة.
بسر
وأوان الشيء وقت حصوله الطبيعي وسببه العام، كمَوْت المورّث،
طبيعي لانتقال الإرث إلى الورثة (4).
والمعنى الإجمالي للقاعدة: أن من يتوسل بالوسائل غير المشروعة تعجلاً
منه للحصول على المقصود المستحق، فإن الشرع يعامله بضد مقصوده، فأوجب حرمانه جزاء فعله واستعجاله).
فإذا كان الشخص يستحق شيئاً بسبب ما ولم يحن وقت حصوله، فلم يصبر المستحق وعجّل في حصول ذلك السبب بدون وجه حق ليتحقق له استحقاق الشيء، فإنه يعاقب بالحرمان من الاستحقاق)، وقريباً من
في
هذا المعنى: أن «من استعجل الشيء الذي جعل له الشرع وقتاً محدداً تقدير الله تجري عليه الأحكام فيه، فإن الشرع يعاقبه بحرمانه من
(1) الشيخ بالحاج محمد بن بابه الاجتهاد في المذهب الإباضي، ص 22. (2) الخليلي أحمد فتاوى النكاح الكتاب الثاني، ص 151.
(3) ابن جعفر: الجامع، 224/ 6.
(4) الفيومي: المصباح المنير، ص 539. - شبير محمد عثمان: القواعد الكلية والضوابط الفقهية،
ص 359.
(5) البورنو: المرجع نفسه، ص.
(6) شبير: المرجع نفسه، ص 359 - محمد بكر إسماعيل: المرجع نفسه، ص 124. (1/497)
صفحة 492
498
القواعد الفقهية عند الإباضية
المنفعة التي استعجل من أجلها هذا الشيء؛ لأنه متعد باستعجاله على الشرع الحكيم).
وقد عبر بعض الفقهاء عن معنى هذه القاعدة بعبارات مختلفة لكنها تحمل مضموناً واحداً، وتؤدي مقصوداً واحداً من ذلك قولهم: «من استعمل ما أخره الشرع يجازي برده (3) وقال غيره من الأصول المعاملة بنقيض المقصود الفاسد، أو المعاملة بنقيض المقصود (3)، وقاعدة من تعجل حقه أو ما أبيح له قبل وقته على وجه محرم عوقب بحرمانه (4)، وقالوا أيضاً: «من أتى بسبب يفيد الملك أو الحل أو يسقط الواجبات على وجه محرم، وكان مما تدعو النفوس إليه ـ ألغي ذلك السبب وصار وجوده كالعدم ـ ولم يترتب عليه
أحكامه» (5).
وقد لاحظ بعض الفقهاء المعاصرين أمراً هاماً في هذه القاعدة لم يستسيغه، ذلك أن صيغة القاعدة التقليدية التي وردت في المصنفات المتقدمة أو مجلة الأحكام العدلية تضيّق نطاق القاعدة فتقصره على سوء القصد المرتبط بالاستعجال، بينما حقيقة القاعدة أوسع من ذلك بكثير، إذ تشمل كل التصرفات التي تقوم على سوء النية والقصد، ولو تذرع لها الشخص بوسيلة مشروعة، طالما كان هدفه الوصول إلى نتيجة ممنوعة، ولاحظ أيضاً من خلال الأمثلة التي خرجها الفقهاء على هذه القاعدة أنهم استشهدوا بها على مشروعية هذه القاعدة وليست كلها تفيد استعجال الشيء قبل أوانه الشرعي كما صوّرتها القاعدة المذكورة، لكنها تشترك جميعاً في وجود سوء نية من الشخص
(1) عزام عبد العزيز: قواعد الفقه الإسلامي، ص 416. (2) حيدر علي درر الحكام شرح مجلة الأحكام، 87/ 1. (3) الونشريسي: إيضاح المسالك إلى قواعد الإمام مالك، ص 113 (4) الزركشي: المنثور في القواعد، 183/ 3.
(5) ابن رجب الحنبلي القواعد القاعدة الثانية بعد المائة، ص 329 - 230. (1/498)
صفحة 493
الفصل الأول: القاعدة الكلية الكبرى الأولى
499
المتصرف، وفي عقوبته بردّ قصده عليه، فأوجب الشارع الحكيم معاملته بنقيض ما قصده حماية للأحكام الشرعية من أن يتلاعب بها المكلف، فيحوّلها عن مقاصدها التي شرعت لأجلها، ويسيء بذلك إلى غيره، وهذا في الحقيقة هو روح هذه القاعدة التي جاءت صياغتها قاصرة وأضيق من هدفها التشريعي الشامل. وفي ضوء هذه الملاحظة والأمثلة والشواهد اقترح بعض الفقهاء المعاصرين لهذه القاعدة إحدى الصيغتين التاليتين:
يعامل السيئ النية بنقيض قصده». أو من قصد بتصرفه غرضاً غير مشروع عومل بنقيض مقصوده» (1). وقد اخترت الصيغة الأخيرة فجعلتها عنواناً للقاعدة
ولم أهمل الصيغة المتداولة لكونها مألوفة عند الفقهاء وأوسع انتشاراً. ولا ريب أن ما توصل إليه الزرقا في توسيع نطاق القاعدة حتى يشمل جميع الفروع والجزئيات الفقهية المتنوعة التي يحضر فيها القصد السيئ من الشخص المتصرف، سواء كان مستعجلاً في فعله أم غيره، وهذا الملحظ يتماشى مع تطور صياغة القواعد الفقهية ومسايرتها للتطورات والمستجدات،
وشموليتها لجميع الجزئيات.
ثالثاً: تأصيل القاعدة
استدل الإباضية على أصل هذه القاعدة ومشروعيتها بأدلة من القرآن
الكريم والسُّنَّة والآثار والمعقول.
أ ـ من القرآن الكريم:
1 - قال الله تعالى: {يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا نُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ
إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} (الحجرات: 1).
(1) الزرقا مصطفى: المدخل الفقهي العام، 1059/ 2 - 1061. (1/499)
صفحة 494
0 ..
القواعد الفقهية عند الإباضية
وجه الاستدلال بالآية:
فهذه الآية الكريمة تنهى عن التقدم بين يدي الله ورسوله في كل قول أو فعل، وتدل أيضاً على أنّ من تعجل شيئاً قبل وقته المقدّر له في علم الله تعالى يعاقب بالحرمان منه حتى لا يلجأ أحد إلى وسائل غير مشروعة تعجلاً منه للحصول على ما هو مستحق له قبل أوانه، فإن فعل ذلك استعجالاً لحقه قبل الوقت المحدد له في تقدير الله، فإن الشرع يعامله بنقيض مقصوده، فيوجب حرمانه جزاء فعله واستعجاله، ولأنه من قبيل التقديم وعدم التسليم وهو المنهي عنه، كما أنه عنه، كما أنه سوء أدب مع الله تعالى، ويؤكد هذا المعنى ما ذكره الإمام البخاري في سبب نزول هذه الآية الكريمة أنها نزلت في قوم ذبحوا أضحيتهم قبل أن يُصلّي رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمرهم أن يعيدوا الذبح، حيث أنهم استعجلوا قبل وقته المحدد له شرعاً فكان لغواً (1)؛ لأن كل عبادة مؤقتة بميقات لا يجوز تقديمها ولا تأخيرها (2).
2 ـ وقال الله تعالى: {قُل لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَرِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ * وَقُل لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَرِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَ بِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَابِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَتِهِنَّ أَوْ نِسَآبِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَنُهُنَّ أَوِ التَّبِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ
(1) رواه البخاري، كتاب الذبائح والصيد باب قول النبي صلى الله عليه وسلم: فليذبح على ـ حديث: 5188، عن جندب بن سفيان البجلي، ونص الحديث: «قال: ضحينا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم أضحية ذات يوم، فإذا أناس قد ذبحوا ضحاياهم قبل الصلاة، فلما انصرف، رآهم النبي صلى الله عليه وسلم أنهم قد ذبحوا قبل الصلاة، فقال: «من ذبح قبل الصلاة فليذبح مكانها أخرى، ومن كان لم يذبح حتى صلينا فليذبح على اسم الله». (2) القرطبي: الجامع لأحكام القرآن، 16/ 300. - وينظر: عزام عبد العزيز: قواعد الفقه، ص 416. (1/500)
صفحة 495
الفصل الأول: القاعدة الكلية الكبرى الأولى
501
روونده
يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إلَى اللهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} (النور: 30 - 31). فهذه الآية الكريمة استنبط منها العلماء قاعدة سد الذرائع إلى الوصول إلى الحرام، ومن حكمة الله الا الله أنه إذا حرم شيئاً وله طرق ووسائل تفضي إليه يحرمها ويمنع منها خشية أن يقرب حماه، ولو أباح الوسائل والذرائع المفضية إليه لكان ذلك نقضاً للتحريم، وإغراء للنفوس به، وحكمته تأبى ذلك كل الإباء (1)، ولذلك أمر الرجال والنساء بغض البصر وستر العورات، ونهى النساء عن إبداء زينتهن لغير محارمهن إلا ما ظهر منها، ومنعهن من ضرب أرجلهن أثناء مشيتهن حتى لا يشعر بهن الرجال أثناء مرورهن، وكل هذه وسائل تمنع من الوقوع في الحرام، سدّاً للذريعة وصيانة للمجتمع من الفساد والانحلال.
ب - من السنة والآثار:
1 ـ وفي مواقف الصحابة والتابعين - رضوان الله عليهم ـ كثير من القضايا تؤكد حكم هذه القاعدة، ففي موطأ مالك: أن عمر بن الخطاب له فرق بين رجل وامرأة تزوجها، واقترن بها قبل انسلاخ عدتها وقال: «لا يجتمعان أبداً» عقوبة لهما؛ لئلا يأتي الناس مثل هذا الفعل ويركبون ما نهى الله تعالى عنه، وقد أخذ بمذهبه الإباضية ومالك والليث والأوزاعي وزيادة في التوضيح نورد نص ما في الموطأ من حكم عمر له في عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيب، وعن سليمان بن يسار أن طليحة الأسدية كانت تحت رُشَيْد الثقفي فطلقها فنكحت في عدتها، فضربها عمر بن
(2)
الخطاب الله وضرب زوجها بالمخفقة ضربات، وفرق بينهما، ثم
(1) عبدالعزيز: المرجع نفسه،
ص
417
ذلك:
قال
(2) هذا جزء من النص الذي بعده روي بالمعنى فقط. ينظر: ابن بركة الجامع، 2/ 139. ـ ابن خلفون المزاتي: أجوبة ابن خلفون، ص 41. ـ الخليلي أحمد بن حمد: فتاوى النكاح الكتاب
الثاني،
ص
153 (1/501)
صفحة 496
502
القواعد الفقهية عند الإباضية
عمر بن الخطاب الله: «أيما امرأة نكحت في عدتها فإن كان زوجها الذي تزوج بها لم يدخل بها فرّق بينهما ثم اعتدت بقية عدتها من الزواج الأول، ثم كان الآخر خاطباً من الخطاب، وإن كان دخل بها فرق بينهما ثم اعتدت بقية عدتها من الأول، ثم اعتدت من الآخر، ثم لا يجتمعان أبداً». قال مالك: قال سعيد بن المسيب ولها مهرها بما استحل منها (1).
وذكر أبو الوليد الباجي) في شرحه لهذا الحديث في المنتقى على موطأ مالك، «أن القول بتأبيد تحريم المدخول بها في العدة على الداخل بها قاله أيضاً أحمد بن حنبل، واستدل له الباجي بحكم عمر له واتبع ذلك قوله، وكانت قضاياه تسير وتنتشر وتنقل في الأمصار، ولم يعلم له مخالف فثبت أنه إجماع، قال القاضي أبو محمد (3): وقد روي مثل ذلك عن علي بن أبي طالب لا والله ولا مخالف لهما مع شهرة ذلك وانتشاره، وهذا حكم الإجماع (4).
(1) رواه مالك، كتاب النكاح باب جامع ما لا يجوز من النكاح رقم 1116. عن وائل بن حجر. وعبد الرزاق، كتاب النكاح باب نكاحها في العدة، رقم: 10234 عن عمر بن الخطاب. (2) هو سليمان بن خلف بن سعد التجيبي القرطبي، أبو الوليد الباجي (403 - 474 هـ / 1012 – 1081 م) فقيه مالكي كبير من رجال الحديث عاش بالأندلس، فولي القضاء في بعض أنحائها. وتوفي بالمرية Almeria. من كتبه: «السراج في علم الحجاج» و «إحكام الفصول، في أحكام الأصول»، و «التسديد إلى معرفة التوحيد» و «اختلاف الموطات» وشرح فصول الأحكام، وبيان ما مضى به العمل من الفقهاء والحكام ـ خ» و «الحدود» و «الإشارة ـ خ» رسالة في أصول الفقه، و «فرق الفقهاء» و «المنتقى ـ ط» كبير، في شرح موطأ مالك و «شرح المدونة» و «التعديل والتجريح لمن روى عنه البخاري في الصحيح». الزركلي:
الأعلام، 3/ 125. (3) هو محمد بن أحمد بن كتاب بداية المجتهد ونهاية المقتصد، تحقيق السيد علي السيد محمد بحر العلوم، مطبعة
محمد بن أحمد بن رشد القرطبي (الحفيد) (520 هـ ـ 595 هـ) له
مؤسسة النشر الإسلامي، طهران.
(4) الباجي: المنتقى شرح موطأ الإمام مالك، تحقيق: محمود شاكر، ط 1، دار إحياء التراث العربي، بيروت - لبنان، 1425 هـ / 2005 م، 286/ 5 - 2287. (1/502)
صفحة 497
الفصل الأول: القاعدة الكلية الكبرى الأولى
503
ويؤكد هذا الحكم ما ذكره ابن بركة في جامعه تعقيباً على فعل عمر بن الخطاب الله فيقول: «ولم أعلم أحد ينكر على عمر، فإذا ترك المسلمون النكير على الإمام حكمه في حادثة كان أثراً يعمل به ويعتمد عليه، ألا ترى إلى القاتل حرم بتعديه الإرث عمن يرثه لطمعه بتعجيل ما كان يستحق بغير معصية، فكانت المعصية عقوبة له وحرماناً لما كان يستحقه لركوبه نهي الله تبارك وتعالى» (1).
2 - وروي عن جماعة من الصحابة رضوان الله عليهم - منهم أم المؤمنين عائشة وابن مسعود والبراء بن عازب، وعلي بن أبي طالب، وأبو هريرة، وجابر بن عبد الله، أن من زنى بامرأة ثم تزوجها فهما زانيان أبداً. وبه قال من التابعين جابر بن زيد والحسن البصري وابن سيرين وهو ما اتفق عليه عامة
الإباضية (2).
وعقب شيخنا أحمد الخليلي على هذا الأثر بقوله: «وهو الملائم لقاعدة: من تعجل شيئاً قبل أوانه عوقب بحرمانه ... ولا ريب أن إباحة التزاوج بين الزانيين يفتح باب الفحشاء على مصراعيه عند عباد الشهوات ما دام الأمر ميسوراً إلى هذا القدر، بحيث يمكن للشاب والفتاة أن يلتقيا في ظل الفحشاء وعلى بساط الشهوات، فيستمتعا ما شاءا ثم يختتما صفحتهما بالزواج ... على أن باب سد الذرائع من أبواب الفقه الواسعة التي تتسع لكثير من القضايا، وقد ولج منه كثير من الفقهاء منذ الصدر الأول لعلاج كثير من المشكلات» (3).
(1) ابن بركة الجامع، 2، 139، 140.
(2) رواه البيهقي، كتاب النكاح، باب نكاح المحدودين ... ، رقم: 4369. عن وائل بن وعبد الرزاق، كتاب الطلاق، باب الرجل يزني بامرأة. رقم: 12383. عن ابن مسعود. ينظر: المزاتي أبو يعقوب يوسف بن خلفون: أجوبة ابن خلفون،
ص
135. ـ الخليلي
أحمد
بن
حمد، ص 151.
(3) الخليلي أحمد بن حمد: فتاوى النكاح الكتاب الثاني
ص
107 - 101 (1/503)
صفحة 498
504
القواعد الفقهية عند الإباضية
ويضيف في هذا الصدد: «وهذا هو الذي يتفق مع ما أشار إليه الكتاب العزيز من روح العلاقة الزوجية حيث قال تعالى: وَمِنْ عَايَتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا} (الروم) (2) فالعلاقة الزوجية سكون وطمأنينة، وأنى يسكن قلب رجل أو امرأة إلى مَن بَلاه بنفسه وقاسمه الفحشاء؟ هذا ومما يجب أن لا يعزب عن البال أن الرابطة الزوجية رابطة مقدسة
يجب أن لا يحوم حولها دنس، وأن لا تلتصق بها ريبة» (1).
ج - من المعقول:
إن سياسة الملوك في الدنيا تعتمد على سد كل وسيلة تؤدي إلى انتشار الفساد بين الأفراد والجماعات، فإن أحدهم إذا منع جنده أو رعيته أو أهل بيته من شيء، ثم أباح لهم الطرق والأسباب والذرائع الموصلة إليه، فإنه يُعد متناقضاً، ويحصل من رعيته وجنده ضد مقصوده، وكذلك الأطباء إذا أرادوا الداء، منعوا صاحبه من الطرق والذرائع الموصلة إليه، وإلا فسد عليهم ما يرومون إصلاحه، فما الظن بهذه الشريعة الكاملة التي هي في أعلى درجات الحكمة والمصلحة والكمال، ولا شك أنها عملت على سد الذرائع المفضية إلى المحارم ونهت عنها وحرمتها (3).
حسم
رابعاً: فروع القاعدة
لقد تجلت قاعدة من «استعجل الشيء قبل أوانه عوقب بحرمانه في كثير من الفروع الفقهية الإباضية كالعبادات والمعاملات، وخاصة في أبواب البيوع والنكاح والطلاق والميراث والوصية، ويظهر ذلك من خلال
الأمثلة التالية
(1) الخليلي: المرجع السابق.
(2) البرديسي: أصول الفقه، ص 352 - عزام عبد العزيز، قواعد الفقه، ص 417 - 418. (1/504)
صفحة 499
الفصل الأول: القاعدة الكلية الكبرى الأولى
505
أ ـ في العبادات:
1 - الفار من الزكاة
ومن فروعها أن من انتقص النصاب أو أخرجه عن ملكه قبل تمام الحول فراراً من الزكاة عومل بنقيض قصده، ووجبت عليه الزكاة، أشار الشماخي إلى هذا المعنى في معرض كلامه عمّن أخرج المال أو الثمار عن ملكه بطريقة من طرق الإخراج، مثل: البيع أو الهبة، أو في قضاء دين عليه، أو أنفقه على أبيه للحاجة، وهذا نصه: «فإنه في هذا كله إن أخرجه من ملكه بعدما وجبت فيه الزكاة كانت الزكاة في ذمته، وثبت للمشتري ما اشتراه؛ لأن البائع في ذلك قد أتلف حق الفقراء بإخراجه من ملكه فإن خرجت هذه التمرة من ملکه قبل وجوب الزكاة فيها، فلا زكاة عليه إلا أن يكون فاراً من الزكاة؛ لأنه قالت العلماء: لا فرار من الصدقة، والفار يؤدي). ويوضح الشماخي المقصود بالفار من الصدقة بضرب مثال عليه فيقول: ومعنى الفار من الصدقة: إذا كان عند رجل مال يجب أن يؤدي عليه الزكاة حتى إذا مضى بعض من السَّنة أخرج ذلك من ملكه بوجه من الوجوه، فإنه يؤدي على ما مضى من السنة قلَّ ذلك أو كَثُر إن لم يطلب بذلك إلا الفرار من الصدقة، وكذلك يعطي على جميع المستغلات إن لم يطلب بذلك إلا الفرار من الصدقة، ولو أنها لم تدرك، وإن طلب في ذلك الفرار من الصدقة وقضاء حاجته جميعاً فإنه يؤدي في قول بعضهم، وقال بعض لا يؤدي حين طلب فيه قضاء حاجته وإن عني به الفرار من الصدقة» (2).
ويضيف المحقق الخليلي بياناً لحكم الفار من الزكاة بالتحايل في جوابه عن سؤال بما نصه: «ما تقول في أناس شركاء في شيء من النخل، أيجوز
(1) الشماخي: الإيضاح، طبعة دار الفتح، لبنان، 1394 هـ / 1974 م، 26/ 2.
(2) الشماخي: المصدر نفسه. (1/505)
صفحة 500
القواعد الفقهية عند الإباضية
قسْمُها في رؤوس النخل وهي غير مدركة إذا كانت نيتهم فراراً من الزكاة؟» فأجاب: «أما قَسْمُ الثمرة عُذوق (1) ونيتهم الفرار من الزكاة فغير نافع لهم إن كانوا في الأصل ممن تجب عليه الزكاة بالشركة المذكورة، على أصح ما قيل فيه قياساً على قول النبي الله في زكاة الأنعام «لا خلاط ولا وراط» (2) معاملة لهم بنقيض المقصود. أما القَسْم لهم على غير هذه النية فجائز لهم قبل وجوب الزكاة، فإذا تميز كل منهم بنصيبه فلا يحمل حال وجوب الزكاة فيه بعضهم على بعض؛ لزوال الشركة المقتضية لذلك، ولكل امرئ منهم ما نوى)، وعليه ما نوى، وذلك في القياس: كمن له أربعون شاة إلا واحدة لشريكه فقبل أن يحول عليه الحول عزلها عن شياهه، فالزكاة واجبة، والعزل ليس بنافع لمنع النبي صلى الله عليه وسلم فلو افترقا (4) على غير هذه النية جاز؛ لأنهم مالهم يتصرفون فيه كما يشاؤون ما لم يقصدوا مأثماً، كذلك في الأثر» (ه)، عملا بالقاعدة: «من قصد بتصرفه غرضاً غير مشروع
يعامل بنقيض مقصوده» أو «من تعجل الشيء قبل أوانه عوقب بحرمانه». ومنها إذا أخرجه عن ملكه بالوقف، أو دفعها عن دينه، أو أنفقها على أبيه، أو أعارها، فقد وجبت الزكاة في ذمته؛ لأنه فرار من الصدقة فيعامل
بنقيض مقصوده.
(1) العذوق جمع عذق وهو عرجون التمر. قال الرازي: العذق بالفتح النخلة بحملها. ينظر: نديم مرغيشلي وإخوانه إيضاح الصحاح لأبي بكر الرازي، ص 280.
(2) تقدم تخريجه.
(3) يشير إلى الحديث المشهور تقدم تخريجه إنما الأعمال بالنيات ولكل امرئ ما نوى». (4) يشير إلى حديث: «لا يفرق بين مجتمع ولا يجمع بين متفرق خشية الصدقة» تقدم تخريجه. نسب الشماخي هذا الأثر إلى الوليد بن أبي بكر الموصلي قال: «لا يفرق بين مجتمع ولا يجمع بين مفترق حذار الصدقة قال: المجتمع هو المشاع والمفترق هو المقسوم. ينظر:
الشماخي: الإيضاح، 83/ 2.
(5) الخليلي سعيد: كتاب التمهيد، 110/ 6 - 111. (1/506)
صفحة 501
الفصل الأول: القاعدة الكلية الكبرى الأولى
507
وكذلك من وجبت عليه الزكاة فدفع ماله لشراء شيء كالعقارات، أو ليضارب فيه، أو ليعمل به أي عمل فراراً من الصدقة، فإن الزكاة تجب عليه معاملة له بنقيض مقصوده (1)؛ لأن من قصد بتصرفه غرضاً غير مشروع يعامل بنقيض مقصوده.
2 - زكاة الفطر قد يلجأ البعض إلى التحايل على الشرع فراراً من الواجب، كمن تجب عليه زكاة الفطر فيعطيها إلى أحد، ويعامله الآخر بالمثل، ويترتب عن هذا التصرف كأن لم يُخرج من ماله شيئاً، وذلك إذا كان هذا التصرف مبنياً على اتفاق مسبق بين الطرفين، فالحكم أنه لا تجوز زكاته؛ لأنه لم يضعها في مستحقيها، فإن أخذها من غيره بغير حق كان معتدياً على حق الفقراء، وقد سئل الشيخ بكلي عبد الرحمن، هل يجوز لاثنين أن يتعاطيا الفطرة؟ أي يعطي كل واحد منهما زكاة فطره للآخر؟
فأجاب: «الفطرة تعطى لفقراء المسلمين مطلقاً، والأولوية للمتولى والقريب والشديد الاحتياج، فإذا أخرج كلُّ من لزمته فطرته، وكان ممن يحتاج لنفقة عياله، جاز له أن يأخذ على حسب حاله من صاحبه أو من غيره، أما التواطؤ على ذلك من أول الأمر فلا يليق بالمؤمن، وإني لأخاف أن يكون ذلك شعاراً في باب الصدقة، أو شبيهاً ببيع الذرائع، لسوء القصد، فلا ينبغي لمن يرغب في ثواب الله أن يرتكب ذلك» (2).
وهكذا يتضح مما تقدم أن من تصرف على هذا النحو يعدُّ فارّاً من زكاة الفطر، ويعامل بنقيض قصده، وتلزمه من جديد ولا تبرأ ذمته حتى يضعها في مستحقيها دون تحايل عن الشرع، ولعل هذا الفرع يتخرج على قاعدة: «من قصد بتصرفه غرضاً غير مشروع عومل بنقيض مقصوده».
(1) هرموش: معجم القواعد الفقهية الإباضية، ص 464.
(2) المرجع نفسه، 183/ 2. (1/507)
صفحة 502
0.1
ب - في المعاملات:
القواعد الفقهية عند الإباضية
1 - في البيوع:
- في بيع العينة:
حرم
الإباضية
بيع العينة (1) لإفضائه إلى الربا المحرم، ومنعوا
لأهل الفتنة، وكذلك بيع العنب لمن يعصره خمراً.
بيع
السلاح
(1) العينة: الكبير العين، عُرّفت عند البعض بأنها العدول عن القرض إلى بيع عين بذاتها للمستقرض بسعر أعلى، وقيل: بيع الشيء نسيئة بثمن ثم شراؤه ممن باعه إياه نقدا بثمن أقل. ينظر: قلعة جي، المعجم، ص 326.
لا
ويحدد الشيخ أحمد الخليلي مدلولها وصفتها ويبين حكمها فيقول: «إنَّ من بين الطرق الملتوية التي يسلكها الناس من أجل أكل الربا ما عرف ببيوع الذرائع، وهي البيوع التي تسمى بيوع العينة، لأن أحد المتعاملين بها إنما يريد العين، فهو يريد بهذه الصورة الظاهرة للبيع التوصل إلى العين التي يقصد اقتراضها ولكن بطريقة فيها تمويه حتى تتجلى للناس وكأنها بيع، هي بيوع محرمة. وقد بلغني أن جماعة من الناس يتعاملون بها فعندما يريد أحدهم اقتراضاً ولكن يجد من يقرضه بالطريق الشرعي القرض الحسن الذي أباحه الله الله وحض عليه سلك مع صاحب المال مسلكاً ملتوياً من أجل أخذ القرض بطريق ربوي غير مكشوف، فيأتي أحدهم إلى التاجر ويقول له: أريد منك كذا فيبايعه مثلاً كيساً من الأرز، وقيمة ذلك الكيس تقريباً عشرون ريالاً، فيبيعه له إلى أجل بخمسة وعشرين ريالاً، ثم على الفور يشتريه منه بعشرين ريالاً بقيمته، فيكون العشرون في مقابل خمسة وعشرين، هذا هو عين الربا الذي لا يجوز ومن المعلوم أن العلماء شددوا في ذلك ولم يجيزوا بحال من الأحوال هذا البيع ولو لم يكن تواطؤ بين الجانبين، ولو قبض المشتري السلعة التي اشتراها فكيف ـ حسبما بلغني ـ بأن ذلك الكيس الذي يباع لا ينتقل من مكانه، ولا يقبضه المشتري من البائع، بل يبيع له على الفور ولربما لم يره بعينه، وهذا أمر فيه من الخطورة ما فيه، وهو من المحرمات على أي حال». يراجع الخليلي أحمد بن حمد، فتاوى المعاملات الكتاب الثالث، ص 494 - 497. وقد جاء في الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يدل على هذه الحرمة فقد أخرج أحمد وأبو داود والطبراني وابن القطان من طريق ابن عمر نه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إذا ضنّ الناس بالدرهم والدينار وتبايعوا بالعينة واتبعوا أذناب البقر وتركوا الجهاد أصابهم الله بذل لا يرفعه عنهم إلا أن يراجعوا دينهم أخرجه أبو داود في كتاب الإيجار، باب النهي عن العينة (3462)، وأحمد مسنده، 27/ 2، والطبراني في المعجم الكبير (13583).
أبداً،
: (1/508)
صفحة 503
الفصل الأول: القاعدة الكلية الكبرى الأولى
509
وفي بيع العينة: «روى الربيع عن ضمام عن جابر في رجل يبيع من رجل متاعاً بنسيئة قال: لا بأس أن يشتري منه ذلك المتاع بعينه بأقل أو أكثر، قال الكوفيون: الشراء فاسد وهو ضرب من الربا» (1). فمن أجازه بنى على الظاهر، ومن منعه اعتبر الباعث والقصد السيئ، وقد أجاب ابن بركة عن سؤال «أيجوز بيع العنب ممن يتخذ منه الخمر، والبشر ممن يتخذ منه الفضيخ؟ (2) إذا لم يقل إنما اشتريته منكم لأتخذ منه الخمر والفضيخ؟ قيل له: يجوز ولا نأمر به بل ننهى عنه، فإن قال: لمَ جوزتم ذلك؟ قيل له: قد يجوز بيع الطعام على أهل الذمة في شهر رمضان مع علمنا بأنهم يأكلونه في ذلك الوقت المحرم عليهم).
وفي
هذ النص نقاش حول بعض تعليلاته، والذي يعنينا منه دلالته على اعتبار الباعث والقصد السيئ في منع هذا البيع؛ لأنه غرض غير مشروع فإذا تحقق القصد السيئ منع صاحبه من ذلك التصرف، عملاً بالقاعدة: «من قصد بتصرفه غرضاً غير مشروع يعامل بنقيض مقصوده»، أما إذا انتفى هذا الغرض كان الأمر على الجواز بناء على الظاهر والله يتولى السرائر (؟). - في بيع الخيار:
(4)
ومنها في بيع الخيار أو بيع الإقالة المتخذ وسيلة للربا الحرام، ذهب جمهور فقهاء الإباضية إلى تحريم بيع الخيار أو الإقالة الذي يتخذ وسيلة وذريعة إلى الربا خاصة في بيع الأصول كالعقارات والنخيل.
(1) الربيع بن حبيب آثار الربيع مخطوط مصور، ص 12. ـ جابر بن زيد: من جوابات جابر،
ص 110 - 111.
(2) الفضيخ: شراب يتخذ من البسر وحده من غير أن تمسه النار. ينظر: مرغيشلي وإخوانه، إيضاح مختار الصحاح للرازي، 334.
(3) ابن بركة: الجامع، 352/ 2.
(4) باجو مصطفى: منهج الاجتهاد عند الإباضية، ص 764. (1/509)
صفحة 504
510
القواعد الفقهية عند الإباضية
وقد بين الشيخ أحمد الخليلي حقيقة هذا البيع فقال: «وهو بيع لم يقصد به إلا التحايل على الربا بأسلوب المخاتلة والخداع ليخفي هذا القصد، فإن المتعاملين به يعمدون إلى إظهار وجه البيع منه ومواراة وجه الربا، وقد تفطن لذلك أهل العلم، فمنعه جمهورهم من أصله لما ينطوي عليه من سوء المقصد، ويترتب عليه من فساد في دين الأمة وأخلاقها؛ ولأن الحلال والحرام لا ينظر في حكمهما إلى الصور الظاهرة، فإن الله العليم الخبير هو الذي تعبّد عباده بتحليل ما أحل وتحريم ما حرم، وهو سبحانه لا تخفى عليه خافية مما يعتمل بين طوايا النفوس وحنايا الضمائر، والعبرة إنما هي بالجوهر لا بالشكل وبالحقيقة لا بالخيال وهل تتحوّل النجاسة عن حكمها وتستحيل عن طبيعتها إن هي صُبت في وعاء حسن الصورة نظيف المظهر طيب الرائحة» (1). ويوضح شيخنا أحمد الخليلي رأي فقهاء الإباضية في حكم بيع الخيار أو الإقالة بما يجلي الحقيقة ويدفع الشك، فيقول: «وأما أصحابنا ـ رحمهم الله ـ فإن أوائلهم لم يتعرضوا لحكم هذا البيع؛ لأن الله تعالى عافاهم منه إذ لم يكن معهوداً في زمانهم، وإنما سرى من بعدهم إلى أعقابهم داؤه، واستشري في مجتمعاتهم وباؤه فكان بحاجة إلى بحث أحكامه وتفصيل أدلته من قبل أولى العلم والنظر كسائر العقود المستجدة، وقد تفاوتت نظرة أهل العلم إليه بين واقف على شكله الظاهر وغائص إلى أعماق جوهره الباطن، وقد جمع الشيخ الخراسيني (3) من فتاواهم وأحكامهم وأقوالهم في مسائله كتاباً يشتمل على
(2)
(1) الخليلي أحمد بن حمد: فتاوى المعاملات الكتاب الثالث، ص 408.
(2) هو
-
عبد الله بن محمد بن غسان الكندي الخراسيني النزوي (ت قبل: 1050 هـ) عالم قائد، عاش في القرن الحادي عشر الهجري. كان رئيس ولاية نزوى في أيامه، وكان ذا منزلة كبيرة لدى ناصر بن مرشد، وكان يلقب بالوالي الكبير. أرسله الإمام ناصر قائداً لجيوشه في عدة ألف كتاباً في الفقه، سماه: «خزانة الأخيار في بيع الخيار». .. كانت بينه وبين مسعود المعمري مراسلات ينظر السيابي: أصدق المناهج 56. الأزكوي: كشف الغمة، 355. السالمي: تحفة الأعيان، 8/ 2 معجم أعلام الإباضية بالمشرق، 223/ 1.
مواقع.
أحمد بن (1/510)
صفحة 505
الفصل الأول: القاعدة الكلية الكبرى الأولى
011
ثلاثة أسفار، كل منها كبير الحجم سماه «خزانة الأخيار في بيوعات الخيار» ومما جاء في خطبة الكتاب: أما بيع الخيار ففي تحليله وتحريمه اختلاف بين أهل العلم؛ لأنه لم يكن في قديم الزمان، وإنما أحدثوه في آخر الزمان، فقد استهواهم الشيطان، وزيّن لهم كثير من فعله وركض عليهم بخيله ورجله، للذي لا يريد الربا ظاهراً، ويستحي أن يكون منه شاهراً، فأعلمه ببيع الخيار ودله، وحاد به عن الطريق وأزله، ولعمري أن أكثر الربا في التجارات لا سيما هذه البيوعات» (1). قال الشيخ الخليلي معقباً على قوله وكلامه هذا دليل على الفطنة والدراية بما ينطوي عليه هذا البيع من الربا المبطن، وما يترتب على التعامل به من فساد في الدين ومثله قول العلامة الصحاري (2) صاحب كتاب «الكوكب الدري والجوهر البرّي»: اختلف المسلمون فى تحريمه وتحليله؛ لأنه إنما هو محدث باستهواء الشيطان وتظليله، زيّن لهم الشيطان سوء أعمالهم، وركض عليهم بخيله ورجله، فذلك أعمى لهم، ولعمري أنه المحض الخالص من الربا المرجح إلى الشبهة في البيوعات أرجح» (3).
ويضيف الخليلي في معرض ذكر موقف الإباضية من هذا البيع فيقول: وأنت ترى أن المؤلفين قد اتفقا على بيع الخيار لم يُستلهم إلا من وحي الشيطان الذي لم يرد به إلا إضلال الناس وإغوائهم عن الحق، وإيقاعهم في شراك حيله، وأنه عين الربا المحرم بالنص والإجماع ...
خلفان
(1) الخليلي أحمد المرجع نفسه، ص 412 - 413. (2) لم نعثر على ترجمته لاشتباه اسمه مع غيره نسبة إلى بلده صُحار بسلطنة عُمان، ولعله بن عبد الوهاب بن قيصر الصحاري (ق: 12 هـ) شاعر فقيه، له قصائد في مدح الإمام أحمد بن سعيد البوسعيدي حكم (1167 - 1196 هـ). ولم ينقل عنه أنه ألف كتاب «الكوكب الدري» في فقه المعاملات. ينظر: معجم أعلام الإباضية، 81/ 1. (3) الخليلي: نفسه، ص 413. (1/511)
صفحة 506
512
القواعد الفقهية عند الإباضية
أحمد بن
هذا وقد حكمًا جميعاً عن العلامة أبي عبد الله محمد بن عمر بن مداد الله إلى أن بيع الخيار يختلف حكمه باختلاف قصد المشتري بين ابتغاء
غلته أو ابتغاء أصله، وأضاف إلى ذلك صاحب الكوكب الدري» قوله: «ومن ابتاع بيعاً خياراً طمعاً في غلته فهو المحرم المحظور، لقوله صلى الله عليه وسلم: «من أجْبَى فقد أربى» (2)؛ ولأنهم جعلوا هذا سُلّماً يرتقون به إلى تحليل الثمرة لغباوة عقولهم، إذ أتَوْا بأقوال وأعمال منكرة، فصار أمرهم كمن تزوج بضة (3)، وأكنَّ تحليلها لمن، أبانها، وكمن باع نسيئة مثلاً بمثلين وأظهر في أنه تأسيس البيع
بالتبر أو الورق، وكمن فجر بخرعوبة)، وأظهر أنه نكحها» (5). ووردت في «العقد الثمين أجوبة عديدة للإمام السالمي يرد فيها على المستفتين ويجلي فيها الحكم، ومما جاء فيه:
(1) محمد بن عمر بن أحمد المدادي الناعبي (ق: 10 و 11 هـ) كان يسكن نزوى، وهو شيخ فقيه تولى القضاء للإمام ناصر بن مرشد اليعربي على نزوى، وتوفي أيام الإمام، قبل سنة: 1059 هـ. ينظر: البطاشي: إتحاف الأعيان، 22/ 2 السالمي: تحفة الأعيان، 19/ 2. الأزكوي: كشف الغمة، 365 معجم أعلام الإباضية بالمشرق، 434/ 1.
(2) هذا جزء من الحديث السابق، رقم: 83. أخرجه ابن حجر (المطالب العالية)، كتاب النكاح، باب ما يحرم من النساء، رقم: 1605. عن وائل بن حجر. ر. وابن أبي عاصم (الآحاد الضحاك بن النعمان، رقم: 2381. عن مسروق بن وائل. قال الألباني في ضعيف
والمثاني)،
اسمه
مسروق
الجامع الصغير حديث موضوع قال الهيثمي في مجمع الزوائد، رواه الطبراني في الكبير وفيه بقية لكنه مدلس، وهو ثقة. ينظر: الطبراني المعجم الكبير، بقية الميم، من مسروق بن وائل الحضرمي حديث: 17587. (3) جاء في اللسان: «امرأة باضة وبضة وبضيضة وبضاض: كثيرة اللحم تارة في نصاعة، وقيل هي الرقيقة الجلد الناعمة إن كانت بيضاء أو أدماء، وقال اللحياني: البضة الرقيقة الجلد الظاهرة الدم، وقال الليث امرأة بضة تارة ناعمة مكتنزة اللحم في نصاعة لون». ابن منظور:
لسان العرب، 222/ 1.
(4) خرعوبة الفتاة الشابة اللينة
(5) الخليلي أحمد: فتاوى المعاملات، ص 413 - 414. (1/512)
صفحة 507
=
513
الفصل الأول: القاعدة الكلية الكبرى الأولى
- سؤال: «عمن أراد أن يبيع شيئاً شيئاً من ماله لآخر خياراً، فقال المشتري اشتريه منك خياراً بكذا وكذا، على أن تقتعده (1) مني بكذا وكذا إلى مدة كذا وكذا، وإن أبى البائع من ذلك لم يشتر المشتري إلا إن وافقه على هذا، أترى ذلك جائز لهما على هذا العقد أم فاسد أم منتقضاً؟ وهل يجوز للكاتب أن يكتب لهذا المشتري إذا عرف منه أن أكثر شرائه على هذا العقد إذا لم يكن حاضراً حين البيع، أم حتى يكون حاضراً أم لا بأس عليه حضر أو لم يحضر؟» أجاب السالمي: «هذا باطل؛ لأن من قواعدهم أن البيوع على ما عقدت في الأحكام، وعلى ما أسست في الحلال والحرام، وأيضاً فقد جعل هذا المشتري نفس هذا البيع ذريعة إلى أخذ الغلة)، ومن جوّز بيع الخيار، فإنما جوزه على نية إرادة الأصل لا على قصد إرادة الغلة قال أبو نبهان (جاعد (3)
(1) تقتعده من قعد الشيء أجره واستأجره منه، لغة يستعملها أهل عُمان ولا أدري أصلها في اللغة فقد بحثت عنها في المعاجم فلم أعثر على معنى يوافق هذا والله أعلم ـ لعلها كلمة عامية ـ. (2) الغلة: مصطلح مشهور عند أهل عُمان يراد به الربا والفائدة الناتجة عن الأصل. وله أصل في كلام العرب، جاء في اللسان: «الغَلّة: الدخل من كراء دار، وأجر غلام، وفائدة أرض، وفي الحديث: «الغلة بالضمان»؛ قال ابن الأثير: هو كحديثه الآخر: «الخراج بالضمان». والغلة: الدخل الذي يحصل من الزرع والثمر واللبن والإجارة والنتاج ونحو ذلك». ابن منظور،
لسان العرب 2/ 1010
(3) هو
عُمان
جاعد بن خميس بن مبارك الخروصي، اليحمدي، الأزدي، القحطاني، أبو نبهان، (و: 1147 هـ. ت: 1237 هـ)، يصل نسبه إلى الإمام الصلت بن مالك الخروصي. كان أحد الشيوخ والفقهاء من قرية (العليا) من وادي بني خروص وكان عالماً وشاعراً، لقب في بالشيخ الرئيس، أو السيد الرئيس، كان الشيخ جاعد من أجل علماء زمانه والحبر المشار إليه بالبنان، واشتهر بكونه الوحيد في علم الأسرار، ويمتاز بملكة قوية. تتلمذ على الشيخ أبي محمد عبد الله بن ناصر بن محمد بن بشير الخروصي، والشيخ ناصر بن سليمان بن عبد الله الخليلي الخروصي، غير أن الشيخ جاعد كان مع ذلك عصامي التكوين، لأنه عاش في وسط علمي ومن تلاميذه ابنه ناصر بن أبي نبهان وخميس بن أبي نبهان وابن ابن أخيه منصور بن محمد بن ناصر بن خميس له مؤلفات كثيرة منها: مقاليد التنزيل وتفسير
لبعض الآيات المتشابهة، وكتاب الدقاق في دق أعناق أهل النفاق، وكتاب إيضاح البيان (1/513)
صفحة 508
514
القواعد الفقهية عند الإباضية
الخروصي في بيع الخيار إن كان مراده به الغلة فالحرام أولى بها، وإن أراد به الأصل فالاختلاف في تحليلها وتحريمها، وأيضاً ففعله هذا مشابهاً لفعل الرجل الذي تزوج امرأة لقصد تحليلها لمطلقها، وأظهر ما يصح به التزويج عند الناس، ومشابهاً لفعل من باع مكوكاً بمكوكين في السريرة وأظهر في الظاهر أنه بدراهم، وإذا فسد البيع من أصله فلا يجوز لأحد كتابته، ولا الشهادة عليه إذا علم بذلك، وأما إذا لم يعلم فإن ارتاب قلبه من المشتري فالسلامة البعد من الريبة، وإن لم يرتب فلا بأس عليه إذا أظهروا له وجه الحق، ويكون فساد ذلك على أنفسهم، وإن تعوده أحد حتى صار معروفاً بذلك فلا يكتب له حملاً على عادته التي تعودها حتى يعلم صلاحه» (1). - وفي سؤال آخر: «عن المشتري نخلة أو نخلات بالخيار وقصده الغلة؛ لأن صاحب الأصل لا يتمنى بيع القطع، ما ترى لهذا الشاري أولاً، الترك أو التشبث ببيع الخيار؟ وهل تنفعه نية طلب الأصل إذا كان عالماً بصاحب
الأصل لا يبيع؟» أجاب السالمي: «الخير كله في ترك بيع الخيار ولم يجزه العلماء - رحمهم الله ـ على هذا الأمر الذي فعله عوامنا، وإنما أجازوه مع صحة النية وقصد الخير، فأنت تعلم أن هؤلاء لا يطلبون إلا نفس الغلة حتى أنهم لو ترك لهم الأصل ما قبلوه وحتى أن أحدهم يقول: لا أفرط على فلان، ألا فالبعاد البعاد والفرار الفرار، ومن حام حول الحمى أوشك أن يقع فيه»).
فيما يحل ويحرم من الحيوان وكتاب البيوع، وكتاب الطهارات وشرح كتاب الجهالات، وأجوبة فقهية في سبعة مجلدات. له أشعار كثيرة منها: قصيدته النونية، وقصيدته المسماة: «حياة المهج»، وقد شرحها شرحاً وافياً. ينظر: السالمي: تحفة الأعيان، 190/ 2. شقائق النعمان، 139/ 1، 154. مقدمة تحقيق كتاب إيضاح «البيان» للطالب سعيد بن مصبح الغريبي، معهد القضاء عُمان، 1418 هـ، 1997 م. معجم أعلام الإباضية بالمشرق، 43/ 1. (1) السالمي: العقد الثمين، 61/ 4 - 62.
(2) السالمي: نفسه، 64/ 4. (1/514)
صفحة 509
الفصل الأول: القاعدة الكلية الكبرى الأولى
515
ج - في الأحوال الشخصية:
وقد حظي باب النكاح والطلاق والظهار والوصية والميراث وغيرها بتطبيقات وافرة لهذه القاعدة نذكر منها:
1 - في نكاح التحليل:
إذا بانت المرأة من زوجها بثلاث تطليقات لم يحل لها مراجعتها حتى لا تنكح زوجاً غيره ثم يطلقها هذا ما نص عليه القرآن صريحاً: {فَإِن طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ فَإِن طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَن يَتَرَاجَعَا إِن ظَنَّا أَن يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} (البقرة: 230). ولكن إذا تزوجها هذا الأخير بنية طلاقها، وعُلمَ بقرائن الحال كان النكاح محرما، وقد سماه الرسول بالتيس المستعار).
وحكمه عند الإباضية أنه إذا تبين هذا القصد السيئ بأن علمه أحد الثلاثة، الزوج أو الخاطب أو المرأة، لم تحل المرأة لزوجها الأول؛ ولو ندم الزوج الثاني بعد زواجه؛ لأن نكاحه بني على هذا القصد؛ فلا اعتداد به في تحليل الزوجة عملًا بالقاعدة من تعجل شيئاً قبل أوانه عوقب بحرمانه (2). ولا تقصر مسؤولية فساد هذا النكاح على الأطراف الثلاثة وهم: الزوج والخاطب والمرأة، بل تشمل كل من شارك في إنشاء هذا العقد، كالولي
(1) نص الحديث عن عقبة بن عامر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ألا أخبركم بالتيس المستعار؟ قالوا بلى يا رسول الله، قال: هو المحلّل لعن الله المحلل والمحلل له»، أخرجه ابن ماجه، كتاب النكاح، حديث: 1926. (2) جابر بن زيد: من جوابات جابر، ص 148. ـ الخراساني، مدونة أبي غانم الخراساني، تحقيق يحيى البهلاني، ولعساكر إبراهيم، ص 237. - أرشوم النكاح صحة وفساداً وآثاراً في المذهب الإباضي، ص 226 - 227. ـ ابن جعفر الجامع، 218/ 6. ـ بل ذهب ابن حزم إلى أنه إذا صرح بالتحليل في العقد كان زناً موجباً للحد لقول عمر: «لا أوتى بمحلل ومحلل له إلا (رجمته أما إن لم يتبين قصد التحليل فالنكاح صحيح بناء على الظاهر. ابن حزم، المحلى، 249/ 11. (1/515)
صفحة 510
516
القواعد الفقهية عند الإباضية
والشهود، وتلحق الجميع اللعنة إن علموا ذلك وتعمدوا الفعل، وهذا ما أكده الجناوني وصرح به في قوله: «وإذا طلق الرجل امرأته ثلاثاً فتزوجها غيره ليحللها له فلا يجوز ذلك للزوج ولا للمرأة ولا للشهود ولا للولي، وإن علموا ذلك ولا يحللها ذلك للزوج الأول، وإن تاب الزوج الآخر، فقيل: إن توبته في طلاقها، وقال بعضهم: توبته في حبسها دون طلاقها، وقد قيل: إن الرجل إذا تزوج المرأة ليحللها لمن طلقها ثلاثاً فهو ملعون بذلك، والمرأة ملعونة إن تعمدت ذلك، فإن تزوجها الأول على ذلك فلا يؤكل معروفهما، وأن ينكر عليها فعلها ولا يفرق بينهما» (1).
وقال المحقق علي يحيى معمر في حاشيته على كتاب النكاح للجناوني: قوله: وفي التاج (") يفرق بينهما وبين مُحِلّها ومن أحلت له، ويصدقها كل منهما إن دخل بها، ولا يجوز للمحلل أن يقيم معها إن مسها وإلا تاب وجدد العقد، وكذلك قال ابن الحاجب (3) بالتفريق، ولكن ولو لم يمس، وعبارته: يفرق بينهما
قبل البناء وبعده بتطليقه بائنة ولها المسمى إذا أصابها على الأصح ... » (4). ولكن المحقق علي يحيى معمر رجح قول الجناوني بعدم التفريق بين
(3) هو
297
(1) الجناوني: كتاب النكاح، ص (2) الثميني عبد العزيز بن الحاج إبراهيم: التاج المنظوم من درر المنهاج، اختصره من كتاب منهج الطالبين وبلاغ الراغبين لخميس الشقصي العُماني، وكل من الكتابين مطبوعين، والأول حققه: محمد بابا عمي بن موسى ومصطفى بن محمد شريفي، ط 1 1421 هـ / 2000 م. عثمان بن عمر بن أبي بكر بن يونس، أبو عمرو جمال الدين ابن الحاجب (570 - 646 هـ / 1174 - 1249 م): فقيه مالكي، من كبار العلماء بالعربية. كردي الأصل. ولد في أسنا (من صعيد مصر) ونشأ في القاهرة، وسكن، دمشق، ومات من مصنفاته: مختصر السول في علمي الأصول والجدل، جامع الأمهات في الفقه، الكافية في النحو والشافية في التصريف وقد شرحهما، وعقيدة ابن الحاجب وغيرها. الزركلي، الأعلام، 211/ 4. نذير حمادو مقدمة التحقيق لكتاب مختصر منتهى السول لابن الحاجب، 68/ 1 - 77. (4) علي يحيى معمر الحاشية على كتاب النكاح للجناوني، ص 297. أطفيش: شرح النيل، باب فيما يحل للرجل مطلقته. 278/ 13.
منتهي
: (1/516)
صفحة 511
الفصل الأول: القاعدة الكلية الكبرى الأولى
517
المرأة والزوج الثاني فقال: «ولعل أعدل الأقوال في الموضوع هو ما ذهب إليه المصنف» (1).
ويبدو من عبارة المحقق أنه استدل في حكمه على الظاهر من حال المحلل إذا ظهرت منه التوبة والندم ولعل القول بالتفريق هو الأقرب للصواب؛ لأن هذا النكاح باطل وما بني على الباطل فهو باطل، فما دام القصد السيئ قد ظهر من المحلل وتم العقد أو الدخول على هذا القصد، فالأولى أن يفترقا إعمالاً للقاعدة: «من قصد بتصرفه غرضاً غير مشروع عومل
بنقيض مقصوده».
2 - النكاح في العدة:
وفي النكاح في العدة حكم عمر على من نكح معتدة ودخل بها بالتفريق بينهما فراقاً مؤبداً، وإن لم يدخل بها فسخ النكاح واعتدت بقية عدتها، ثم صار واحداً من الخطاب وزاد الإباضية فحرّموا حتى الخطبة من الرجل ومن المرأة سواء، وإلا حرمت عليه احتياطاً وسدّاً للذرائع
(2)
وتحريم المنكوحة في عدتها حكم اتفق عليه الإباضية والمالكية، وهو قول عدد من الصحابة تأييداً لفعل عمر؛ إذ رآه صلاحاً للرعية فلم ينكروا عليه، «فإذا ترك المسلمون النكير على الإمام حكمه في حادثة كان أثراً يعمل به، ويعتمد عليه» (3).
نقل ابن جعفر في «الجامع من جواب أبي معاوية عزان بن الصقر (4) عن سؤال في الرجل يخطب المرأة وهي في العدة ويوافقها على الصداق، ولم يعقد عقد النكاح حتى انقضت العدة، أيحل له أن يتزوجها؟
(1) علي يحيى معمر: المصدر نفسه.
(2) أبو العباس: كتاب أبي مسألة، (مخ) 66. و (مط) 139.
(3)
ابن بركة الجامع 1392. - ابن خلفون: أجوبة، 41.
(4) تقدمت ترجمته. (1/517)
صفحة 512
518
القواعد الفقهية عند الإباضية
فقال: فإن كان لم يتزوجها فلا يتزوجها، وإن تزوجها لم أتقدم على الفراق بينهما، وقال بعض المسلمين يفرق بينهما).
وفي موضع آخر يقول: «فيكره التعريض للمطلقة ثلاثاً ما دامت في العدة، ولا بأس بالتعريض للمتوفى عنها زوجها بالقول المعروف بلا مواعدة، فمن واعد امرأة في عدتها للتزوج بها فقد حرم عليه تزوجها أبداً» (2). ويفهم من عبارة ابن جعفر أنه كره التعريض بالزواج، ومنع المواعدة أو الخطبة في العدة؛ لأن ذلك استعجالاً لأمر لم يحن وقته، فإن تعمد فعل ذلك تحرم عليه المعتدة حرمة مؤبدة معاملة له بنقيض مقصوده، وعملاً بالقاعدة: من استعجل الشيء قبل أوانه عوقب بحرمانه».
العدة ـ الجمع بين محرمين في
وذهب الإباضية إلى تحريم الجمع بين مَحْرمين في العدة أو بعدها استناداً إلى قوله تعالى: {وَأَن تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ) (النساء: 23). وقوله: «لا يجمع بين المرأة وعمتها ولا المرأة وخالتها» (3)، ومن فعل ذلك متعمداً فعقده باطل، وإن دخل عليها حرمتا جميعاً، وقد سئل أبو عبد الله محمد بن محبوب فيمن تزوّج أخت امرأته في بقية من عدتها فقال: «يفرق بينه وبين الآخر، وإن كان دخل بها حرمتا عليه جميعاً، وإذا تعمد لتزويجها، وإن كان لم يدخل بالآخرة فرّق بينهما، فإذا أكملت الذي طلقها عدتها منه فله أن يرجع إلى الآخرة بنكاح جديد إذا كان تزويجه بها غلطاً منها أو في العدة، وإن كان لم يدخل بالآخرة فأراد أن يرد الأولى في بقية عدتها فله ذلك» (4).
(1) ابن جعفر: الجامع، 230/ 6. (2) ابن جعفر: الجامع، 228/ 6.
(3) رواه الربيع، كتاب النكاح، باب ما يجوز من النكاح وما لا يجوز، رقم 517، 169، مع زيادة، عن أبي هريرة. والبخاري، كتاب النكاح، باب لا تنكح المرأة على عمتها رقم: 4822، عن ابن عمر.
(4) ابن جعفر المصدر نفسه، 218/ 6. (1/518)
صفحة 513
الفصل الأول: القاعدة الكلية الكبرى الأولى
519
ولا شك أن الذي تزوّج أخت زوجته في عدتها أراد أن يستعجل ذلك ولو تصادم ذلك مع النصوص، ولم تخرج مطلقته من عدتها، ولذلك عومل بنقيض مقصوده فحرمتا عليه إن دخل بالثانية حتى لا يتلاعب بأحكام الشرع؛ لأن استعجل الشيء قبل أوانه عوقب بحرمانه.
4 - في الصداق:
من
يعتبر الصداق من أركان العقد عند الإباضية وعليه فيجب على الزوج أن يقدم للمرأة مهراً قبل الدخول بها، ولو كانت المرأة غنية أو قدمت له مالاً ليتزوجها، ولا يجوز لأحد أن يقبل بالزواج بالمرأة طمعاً في مالها فإن بيت هذه النية ثم حصل عليه طلقها قال أهل العلم: من فعل ذلك يجب عليه إرجاع ما أخذ من زوجته معاملة له بنقيض قصده السيئ وعملاً بالقاعدة: «من قصد بتصرفه غرضاً غير مشروع يعامل بنقيض مقصوده»، أو يعامل السيئ النية في التصرف بنقيض قصده، فإن ظهر غير ذلك وكان راغباً في البقاء معها ثم طرأ عليه ما يدعو إلى طلاقها فيجوز له أن يحتفظ
بما قدمته له.
يقول الجناوني هذا المعنى: وإن قالت المرأة لرجل خُذ هذا المال فتزوجني، فأخذ منها فتزوجها بصداق آخر غير ذلك المال الذي أخذ منها، ثم طلقها من قبل أن يمسها، وكان عقده للنكاح في قلبه لأخذ مالها ذلك، ثم طلقها، فهو الذي كان في نيته، فعليه أن يرد لها ما أخذ منها، ويعطيها صداقها الذي أصدقها إن مسها، أو نصفه إذا لم يمسها، وإن لم يكن نكاحه إياها رغبة منه في أخذ مالها وحرصاً عليه ثم طلقها لحاجة أو لأمر بدا له في طلاقها، فعليه صداقها الذي أصدقها إن مسها أو نصفه إن لم يمسها، وليس عليه رد ما أخذ منها على النكاح (1).
(1) الجناوني: كتاب النكاح، ص • (1/519)
صفحة 514
520
القواعد الفقهية عند الإباضية
- وفي الزواج بعد الزنى:
ومن فروع هذه القاعدة أيضاً: تحريم نكاح المزنية على من زنى بها، فقد حرم الإباضية هذا النكاح قياساً بالنكاح في العدة وباللعان، واعتمدوا في مذهبهم على قاعدة سد الذرائع، حتى لا يتخذ الزنى الحرام ذريعة للنكاح الحلال؛ لأن الوسيلة المحرمة لا تفضي إلى الغاية المباحة، وفي هذا التحريم معاملة للزاني بنقيض قصده، ومن تعجل الشيء قبل أوانه عوقب بحرمانه»، ولا شك أن هذا الحكم ينسجم مع مقاصد الشارع في حفظ الأعراض، وكبح جماح الفساد،
وحض الناس على اتخاذ السبل المشروعة لبلوغ الغايات المباحة). وقد أشار أستاذنا الشيخ بالحاج محمد إلى هذه المسألة وبين حكمها استناداً إلى هذه القاعدة فقال: وكتحريم مزنية الرجل عليه تحريماً مؤبداً سداً لذريعة الفاحشة، وإن حصلت فمعاملة بنقيض المقصود، ومن باب من تعجل الشيء قبل أوانه عوقب بحرمانه» (2). 6 - في طلاق الفار:
أقر الإباضية قول عمر له فيمن طلق زوجته ثلاثاً في مرض موته، ومات في عدتها، أنها ترثه ما كانت في العدة، ولا يرثها، وذلك إذا تبين أن الضرر
كان من الزوج لقصده السيئ، أما إذا طلبت هي الطلاق فلا ميراث لها. قال أبو غانم الخراساني للربيع بن حبيب في المدونة: «قلت: فرجل طلق امرأته ثلاثاً في مرضه؟ قال: بلغنا عن عمر بن الخطاب له أنه كتب فيها إلى شريح أنها ترثه ما كانت في العدة ولا يرثها. وتفسير ذلك عندنا
37، 41 - 42 35
الخليلي
أحمد
حمد بن
(1) الجناوني: كتاب النكاح، ص 41. ـ أبو غانم الخراساني: المدونة، 2/ 22 - 23. ـ ابن بركة: الجامع، 133/ 2. ـ ابن خلفون أجوبة، ص فتاوى النكاح، ص 150 – 151. ـ ابن الحواري جامع ابن الحواري، 3/ 168. ـ وينظر: كتابنا، النكاح صحة وفساداً وآثاراً في المذهب الإباضي، ص
240 - 241
(2) الشيخ بالحاج محمد بن بابه الاجتهاد في المذهب الإباضي، ص 22. (1/520)
صفحة 515
الفصل الأول: القاعدة الكلية الكبرى الأولى
021
ووجه قول عمر الله أنه إذا طلقها إضراراً فراراً من الميراث فإنها ترثه ما كانت في العدة» (1).
وروى «الربيع بن حبيب عن ضمام (2) عن أبي الشعثاء في رجل طلق امرأته وهو مريض قال ترثه ما دامت في العدة فإذا انقضت عدتها فلا ميراث» (3). كما نقل ابن جعفر هذه المسألة في جامعه وأشار إلى هذه القاعدة فقال: «إذا مات رجل من قبل أن يجوز بامرأته فإن لها الصداق والميراث، وعليها عدة المتوفى عنها زوجها أربعة أشهر وعشرة أيام وإن طلقها في مرضه فقد قيل: إن لها الميراث، ومن هرب من الحق رُدَّ إليه» (4).
7 - في وطء المطلقة قبل الإشهاد على الرجعة: يشترط الإباضية وغيرهم على المطلق إذا أراد إرجاع مطلقته في الطلاق الرجعي أن يشهد على ذلك شاهدي عدل، فإن ردها بدون إشهاد حرمت عليه عملا بالقاعدة: «من استعجل الشيء قبل أوانه عوقب بحرمانه» يقول ابن بركة في هذا المعنى: «وإذا طلق الرجل زوجته طلقة أو اثنتين ثم وطئها قبل أن
(1) الخراساني مدونة أبي غانم الخراساني، ص 234. (2) ضمام بن السائب من أبرز أيمة الإباضية الأوائل من الطبقة الثالثة (100 - 150 هـ / 718 - 767 م) فهو من طبقة التابعين أصله من أزد عُمان، ولد بالبصرة وبها نشأ، وتتلمذ على إمام المذهب أبي الشعثاء جابر بن زيد، ولذا كان جوابه كلما سئل: «سألت جابراً، أو سئل جابر، أو سمعت جابراً ... »؛ كما تتلمذ على غيره. وصفته كتب السير بالعلم والتحقيق والكشف عن المعضلات. عاصر الإمام أبا عبيدة مسلم بن أبي كريمة وكان ممن تصدر للفتوى في عهده. دونت رواياته عن جابر بن زيد في كتاب: روايات ضمام بن السائب» جمعها أبو صفرة عبد الملك بن صفرة عن الهيثم عن الربيع بن حبيب عن ضمام عن جابر. وله كتاب في موضوع خلق القرآن بعنوان: «الحجّة على الخلق في معرفة الحق». ينظر: الدرجيني: طبقات، 208/ 2 - 211، 246 - 248 ابن مداد سيرة، 6، 19، 20، 69 * الشماخي: السير، 71/ 1 - 82 ابن خلفون أجوبة، 112. معجم أعلام الإباضية بالمغرب، 341/ 1.
*
(3) جابر بن زيد من جوابات جابر، ص 114.
(4) ابن جعفر: الجامع، 224/ 6. (1/521)
صفحة 516
القواعد الفقهية عند الإباضية
522
يراجعا بالإشهاد بالبينة، فإنها تحرم عليه في قول أصحابنا، وهو ما روي عن أنه قال
(2)
(1)
ابن عباس قال: ووجدت في كتاب ابن المفلس (1) يذكر عن ابن عباس يُحدُّ، وأما عمر بن عبد العزيز فروي عنه أنه كان يرى التفرقة، وذكر ابن المفلس (2) فى كتابه أن جابر بن زيد كان يري أن عليه الرجم). ويبدو أن الإباضية شددوا على هذا المطلق فحرموا عليه زوجته، بل ذهب بعضهم إلى إقامة الحد عليه معاملة له بنقيض مقصوده، وحفاظاً على حقوق المرأة؛ لأنه ربما يراجعها دون إشهاد ثم ينكر ذلك، ولا توجد للمطلقة بينة تثبت بها الرجعة، ومن ذهب إلى عقوبته بالحد فلعله اعتبر ذلك الوطء بمثابة الزنى الموجب للحد، والظاهر أنه ما دامت في العدة فهي في عصمته، وهذه شبهة تنفي الحد عنه، ويكفي أن يعاقب بتحريمها عليه، عملاً باجتهاد عمر بن الخطاب رسول الله أن النكاح في العدة يحرم المرأة إلا أن هناك فرقاً بين معتدته ومعتدة غيره والله أعلم.
هو
جميع
(1) في الأصل: ابن المفلس، ولم أجد من يحمل هذا الكنية عند الإباضية ولا عند غيرهم، وقد ضبطه زهران المسعودي في كتابه الإمام ابن بركة ودوره الفقهي في المدرسة الإباضية من خلال كتابه الجامع، ص 68، ولعله قد اطلع على أصل الكتاب. وابن المُغلس ـ بالغين المعجمة أبو الحسن عبد ا الله بن أحمد بن محمد بن المغلس، وإليه انتهت رياسة الداوديين في وقته ولم ير مثله فيما بعد، وكان فاضلاً عالماً نبيلاً صادقاً ثقة مقدماً عند الناس، ومنزله ببغداد على نهر مهدي يقصده العالم من سائر البلدان، وتوفي لأربع خلون من جمادى الآخرة سنة 324 هـ، وله من الكتب كتاب المزني، وكتاب الطلاق، وكتاب الولاء. ينظر: ابن النديم: الفهرست، ص 306. إبراهيم بولرواح، موسوعة آثار جابر بن زيد الفقهية، 296/ 2. (2) لم نعثر على ترجمته ووجدت إشارة له في بعض الكتب أنه من رواة الحديث وله كتاب في المرويات ولم يصرحوا به ينظر: تحفة الأحوذي 379/ 2. النووي: المجموع شرح المهذب، 422/ 10.
(3) رواه البيهقي، كتاب الحدود، باب حد اللواط، رقم: 5323، وأورده الآجوري، كتاب ذم اللواط، ذكر أقوال التابعين في حكم اللواط، رقم: 40، عن علي. ينظر: ابن بركة: الجامع،
181/ 2 (1/522)
صفحة 517
الفصل الأول: القاعدة الكلية الكبرى الأولى
523
- في باب الميراث والوصية:
ومن فروع القاعدة أن الإرث والوصية وقتهما الشرعي بعد موت المورث والموصي، فلو قتل شخص مورثه أو الموصي له بلا سبب شرعي يحرم بذلك من الإرث أو الوصية)، عملا بالقاعدة: «من استعجل الشيء قبل أوانه عوقب بحرمانه». قال ابن بركة في هذا الصدد: ألا ترى إلى القاتل حرم بتعديه الإرث عمن يرثه لطمعه بتعجيل ما كان يستحق بغير معصية، فكانت المعصية عقوبة له وحرماناً لما كان يستحقه لركوبه نهي الله تبارك وتعالى (2).
وكذلك من تسبب في تضييع مورثه أو وصيته حتى مات، كأن يتعرض أحدهما للغرق أو الحرق فيتقاعس عن إنقاذه وإغاثته فيهلك، فلا يرثه معاملة له بنقيض قصده؛ لأنه قد يكون تركه على تلك الحالة حتى يتخلص منه استعجالاً للميراث؛ لأن من قصد بتصرفه غرضاً غير مشروع عومل بنقيض مقصوده». وإن لم يكن وارثاً وكان الهالك أوصى له بطلت وصيته قياساً على القاتل ومعاملة له بنقيض قصدهما.
ويقول أبو العباس أحمد في هذا الشأن وكل ما يجب على الرجل من تنجية نفسه أو تنجية غيره، لو منعه ذلك الشيء من الفساد ولم يفعل حتى هلكت نفسه أو نفس غيره، فهو هالك ويكفر بذلك أيضاً، فإن كان ذلك الذي ضيع ممن يرثه من الناس أبطل ميراثه؛ لأنه بمنزلة قاتله، ولا يرث القاتل قتيله (3)، وكذلك من أوصى له تبطل ذلك وصيته ... » (4) معاملة بنقيض مقصوده.
(1) أطفيش أمحمد: شرح النيل، 497/ 7. - السالمي: طلعة الشمس، 143/ 2 - 144. (2) ابن بركة: الجامع، 2/ 139 - 140. (3) يشير إلى الحديث المشهور في هذا الباب وهو قوله صلى الله عليه وسلم: «لا يرث القاتل». أخرجه الدارمي في سننه، كتاب الفرائض باب ميراث القاتل - حديث رقم: 3032 عن ابن عباس، ورواه
غيره بطرق أخرى مع زيادة.
(4) أبو العباس أحمد بن محمد كتاب أبي مسألة، ص 167. (1/523)
صفحة 518
524
القواعد الفقهية عند الإباضية
خامساً: ما يستثنى من القاعدة:
استثنى بعض الفقهاء بعض الفروع الفقهية واعتبروها خارجة عن هذه
القاعدة
من
ذلك:
1 - لو قتل الدائن - صاحب الدين - المدين حلّ دَينه على قول راجح وطالب به الورثة، ووجب عليهم سداده من ماله إن كان له مال، أو من أموالهم تطوعاً منهم، وقد خرجت هذه المسألة من القاعدة؛ لأن الشرع جعل للذين أجلاً ما دام المدين حياً، فإن مات انقطع الأجل شرعاً ووجب سداد الدين من تركته، سواء مات حتف أنفه أم مات مقتولاً، وإن استعجل صاحب الدين بقتله، فقد تعارض هنا سببان الاستعجال وحكم الشرع بحلول الذين عند الموت، والاستعجال مظنون، وحكم الشرع مقطوع به، فقدم المقطوع به على المظنون. 2 - لو أن امرأة شربت دواء لتحيض فحاضت لم تقض الصلاة؛ لأن عدم قضاء الصلاة متعلق بالحيض بغض النظر عن استعجالها له وعدمه. 3 - لو أن شخصاً شرب دواء قبل الفجر ليمرض حتى لا يصوم، لا يعاقب بنقيض قصده فيؤمر بالصوم؛ لأن الرخصة متعلقة بالمرض وقد حصل ولا عبرة بسوء قصده؛ لأنه أمر مظنون.
{
-
أمسك زوجته مسيئاً لعشرتها لأجل إرثها، ورثها لو ماتت، والحالة من هذه لو أمسكها لأجل الخلع نفذ وجاز (1). وهذه الأمثلة لم أعثر عليها المصنفات الإباضية ولكن يمكن تخريجها على قواعدهم والله أعلم.
في
(1) الزرقا أحمد: شرح القواعد الفقهية، ص 474. ـ البورنو الوجيز، ص 161 – 162. ـ محمد بكر إسماعيل: القواعد الفقهية، ص 125. - عزام عبد العزيز: قواعد الفقه، ص 422.
وما بعدها. (1/524)
صفحة 519
الفهرس (1/525)
صفحة 520
الفهرس
تقديم
المقدمة
الفصل التمهيدي:
القواعد الفقهية المفهوم والتطور
المبحث الأول: حقيقة القواعد الفقهية وبيان علاقتها بالعلوم المشابهة
المطلب الأول: تعريف القواعد الفقهية
المطلب الثاني: القواعد الفقهية وعلاقتها بالعلوم والمصطلحات ذات الصلة بها
المبحث الثاني: أنواع القواعد الفقهية وأهميتها وحجيتها
المطلب الأول: أنواع القواعد الفقهية ومراتبها
المطلب الثاني: أهمية القواعد الفقهية وفائدتها.
المطلب الثالث: حجية القواعد الفقهية
المبحث الثالث: نشأة القواعد الفقهية وتطورها ومصنفاتها عند الإباضية
المطلب الأول: لمحة مختصرة عن المدرسة الفقهية الإباضية
المطلب الثاني: نشأة القواعد الفقهية
المطلب الثاني: تطور القواعد الفقهية عند الإباضية.
المبحث الرابع: التراث الفقهي المتضمن للقواعد الفقهية عند الإباضية. (1/527)
صفحة 521
القواعد الفقهية عند الإباضية
الفصل الأول:
القاعدة الكلية الكبرى الأولى الأمور بمقاصدها وما تفرع عنها
المبحث الأول: حقيقة القاعدة
المطلب الأول: أهمية القاعدة ومكانتها عند الإباضية
المطلب الثاني: تعريف قاعدة: «الأمور بمقاصدها»
المطلب الثالث: الألفاظ ذات الصلة بالقصد
المطلب الرابع: المعنى الإجمالي لقاعدة: «الأمور بمقاصدها»
المبحث الثاني: تأصيل القاعدة
المبحث الثالث: تطبيقات القاعدة وفروعها
المطلب الأول: أثر المقاصد على العقيدة
المطلب الثاني: أثر المقاصد في العبادات
المطلب الثالث: أثر المقاصد في المعاملات
المطلب الرابع: أثر المقاصد في الأحوال الشخصية
المطلب الخامس: أثر المقاصد في الحقوق والآداب
المطلب السادس: أثر المقاصد في الجنايات والعقوبات
المطلب السابع: أثر المقاصد في السياسة الشرعية
المطلب الثامن: مستثنيات القاعدة (1/528)
صفحة 522
الفهرس
المبحث الرابع: القواعد المتفرعة عن القاعدة الكلية الكبرى «الأمور بمقاصدها» المطلب الأول: القاعدة الأولى: «النية أساس العبادات»
المطلب الثاني: قاعدة: «لا ثواب ولا عقاب إلا بالنية»
المطلب الثالث: قاعدة كل تصرف من المكلف مرتهن وصفه بطاعة أو معصية على نيته وقصده»
المطلب الرابع: قاعدة: «مقاصد اللفظ على نية اللافظ في اليمين إلا من
الحاكم
حلفه
المطلب الخامس: قاعدة: «العبرة في العقود للمقاصد والمعاني لا للألفاظ والمباني .... 454
المطلب السادس: قاعدة: «من استعجل الشيء قبل أوانه عوقب بحرمانه»
أو «من قصد بتصرفه غرضاً غير مشروع عومل بنقيض مقصوده» (1/529)
صفحة 523
سلطنة عمان
وزارة الأوقاف والشؤون الدينية
سلسلة القواعد الفقهية الإباضية
القواعد الفقهية عند الإباضية
دراسة نظرية تحليلية تأصيلية تطبيقية
تأليف
مصطفى بن حمو أرشوم
إشراف
معالي الشيخ عبد الله السالمي
وزير الأوقاف والشؤون الدينية
الجزء الثاني (2/1)
صفحة 524
حقوق الطبع محفوظة
لوزارة الأوقاف والشؤون الدينية سلطنة عمان
الطبعة الأولى 1434 هـ ـ 2013 م
لا يجوز نسخ أو استعمال أي جزء من هذا الكتاب في أي شكل من الأشكال أو بأية وسيلة من الوسائل - سواء التصويرية أو الالكترونية، بما في ذلك النسخ الفوتوغرافي أو سواه وحفظ المعلومات واسترجاعها - إلا بإذن خطي من الناشر. (2/2)
صفحة 525
القواعد الفقهية عند
،
الأباضية
دراسة نظرية تحليلية تأصيلية تطبيقية
تأليف
و جهت طفى بن محمو دار شدم
إشراف
معالي الشيخ عبد الله السالمي
وزير الأَوقَافِ وَالشُّؤُونِ الدِّينِيَّةِ
الجزء الثاني (2/3)
صفحة 526
الفصل الثاني
القاعدة الفقهية الكلية الكبرى الثانية
اليقين لا يزول بالشك» وما تفرع عنها
ويشتمل هذا الفصل على المباحث التالية:
المبحث الأول: حقيقة القاعدة.
المبحث الثاني: تأصيل القاعدة.
المبحث الثالث: فروع القاعدة وتطبيقاتها.
المبحث الرابع: القواعد المتفرعة عن القاعدة الكلية «اليقين
لا يزول بالشك».
المطلب الأول: قاعدة: «الأصل بقاء ما كان على ما كان».
المطلب الثاني: قاعدة: «الأصل براءة الذمة». المطلب الثالث: قاعدة: «الأصل في الأمور أو الصفات العارضة العدم».
المطلب الرابع: قاعدة: «الأصل إضافة الحادث إلى
أقرب أوقاته».
المطلب الخامس قاعدة هل الأصل في الأشياء الإباحة أو الحظر؟». (2/5)
صفحة 527
القواعد الفقهية عند الإباضية
الفصل الثاني
القاعدة الفقهية الكلية الكبرى الثانية
اليقين لا يزول بالشك» وما تفرع عنها
يتناول هذا الفصل دراسة القاعدة الكلية الكبرى الثانية «اليقين لا يزول بالشك» وما تفرع عنها، ويبين حقيقتها وأهميتها في الفقه الإسلامي، وأنّ الأحكام الفقهية لا تبنى دائماً على اليقين، بل جاء معظمها مبنياً على غلبة الظن، ويبحث في أصل هذه القاعدة ودليلها، والفروع المتخرجة عليها في المصادر الفقهية الإباضية، ونختم هذا الفصل بذكر بعض القواعد المتفرعة عن هذه القاعدة أو المندرجة تحتها من باب التمثيل لا الحصر إتماماً للفائدة، وكل ذلك سيأتي مفصلاً في ما يأتي: (2/6)
صفحة 528
المبحث الأول
حقيقة القاعدة
أولاً: أهمية هذه القاعدة ومكانتها:
تُعد هذه القاعدة من الأصول الشرعية ذات الشأن العظيم، عليها مدار كثير من الأحكام الفقهية وتدخل في معظم أبواب الفقه من عبادات ومعاملات وأحوال شخصية وعقوبات وأقضية والكثير من القواعد الدائرة في الفقه وأصوله وثيقة الصلة بها بل ناشئة عنها (1).
وتظهر مكانتها أكثر إذا علمنا أنها تتضمن ثلاثة أرباع علم الفقه لذلك قال السيوطي: «هذه القاعدة تدخل في جميع أبواب الفقه والمسائل المخرجة عليها تبلغ ثلاثة أرباع الفقه وأكثر» (2).
وقال النووي: «هذه قاعدة مطردة لا يخرج عنها إلا مسائل» (3). كما أن أهمية هذه القاعدة تبرز في أنها تمثل مظهراً من مظاهر اليسر والرأفة والرحمة في الشريعة الإسلامية، وهي تهدف إلى رفع الحرج حيث فيها تقرير لليقين باعتباره أصلاً معتبراً، وإزالة للشك الذي كثيراً ما ينشأ عن الوسواس، لا سيما في باب الطهارة والصلاة، ومن المعلوم أن الوسواس داء عضال إذا اشتد بصاحبه لا ينفك عنه، فيقع المكلف في المشقة ويكابد عناء أداء الواجبات.
(1) الندوي: القواعد الفقهية ص: (2) السيوطي: الأشباه والنظائر، ص
354
77
(3) النووي: المجموع شرح المهذب، 205/ 1. (2/7)
صفحة 529
القواعد الفقهية عند الإباضية
وكذلك في سائر المسائل والقضايا الفقهية التي تسري فيها هذه القاعدة يتجلى الرفق والتخفيف عن العباد.
ثانياً: قاعدة اليقين لا يزول بالشك» في المصنفات الإباضية: وقد عبر الإباضية عن هذه القاعدة بصيغ عديدة متقاربة في المعنى، ذلك ما ذكره الراشدي في «جواهره»: «أن اليقين لا يزول بالشك» (1)، وذلك لتقدير فعل المكلف في هذه القاعدة فيقال: الفعل المتيقن لا يزال
من
))
بالشك، وعبّر عنه كذلك بقوله: اليقين لا يزول إلا بيقين مثله» (2). ونص عليها ابن بركة بصيغ أخرى منها اليقين لا يرتفع بالشك» (3)، واليقين لا يزيل حكمه إلا بيقين مثله» ()، و «الإجماع لا يزول بالشك» (5)، وعبر عنها المحشي السدويكشي في حاشيته على «الإيضاح» بقوله: «ما ثبت بيقين لا يزيله إلا اليقين)، وعبر عنها الشماخي بقوله: لا يرفع الشك ما ثبت باليقين». وفي مكان آخر ذكرها بصيغة: «فنحن على ما تيقنا عليه ولا يزيل اليقين إلا اليقين مثله» (8). وقد أومأ الكدمي إلى هذه القاعدة بعبارة قريبة من المقصود وهي: «أن كل شيء من الأشياء وأمر من الأمور في دين الله - تبارك وتعالى ـ وكل حكم في حلال ما أحل الله وحرمة ما حرم، وكل حق من الحقوق المبينة
(1) الراشدي: جواهر القواعد، ص)
69
(2) الراشدي: جواهر القواعد، ص 74.
(3) ابن بركة الجامع، 222/ 1، وكذلك نص السالمي في معارج الآمال، 100/ 2. (4) ابن بركة: التعارف، 3 - 33.
(5) ابن بركة الجامع، 2/ 215 - 216، وكذلك 231/ 2.
(6) السدويكشي سعيد: الحاشية على كتاب الإيضاح لعامر الشماخي، 233/ 1.
(7) الشماخي: الإيضاح، 311/ 1.
(8) الشماخي: المرجع نفسه، 352/ 1. (2/8)
صفحة 530
الفصل الثاني: القاعدة الفقهية الكلية الكبرى الثانية
الأمة،
في شرع الله ـ سبحانه ـ وكل حكم من أحكام الشريعة، جميع هذا كله جارِ على أصوله المبنية عليه الموضحة له من الكتاب والسنة وإجماع فإذا ثبتت هذه الأحكام، فهي ثابتة حتى يزيلها أصل مثلها، فكل حكم منها ثبت فيظل ثابتاً على أصوله ولا يزول إلا بحكم ثابت مثله يزيله، وإذا زال
حكم من أحكام هذه الحقوق، فأصوله زائلة حتى يثبتها أصل مثلها (1). هذه بعض العبارات التي عثرنا عليها في بعض المصنفات الإباضية المتقدمة والمتأخرة تؤكد مدى اعتمادهم هذه القاعدة وتخريج الفروع الفقهية عليها.
ثالثاً: تحليل مفردات القاعدة:
لقد تفاوتت مراتب الإدراك للأشياء كما يلي:
اليقين، ثم غلبة الظن، وبعدها الظن، وآخرها الشك، فمن الجدير بالذكر أن نتناول الكلمات التي جرت باعتبارها مصطلحات علمية، خصوصاً في مجال الفقه والأصول بشيء من الشرح والتحليل، ونبين الفروق المتمايزة الأساسية فيما بينها ما دام يجري استعمالها عند فقهاء
الإباضية وغيرهم.
1 ـ معنى اليقين:
نقل الراشدي في جواهره أن اليقين هو العلم الحاصل عن نظر واستدلال ولهذا لا يسمى علم الله يقيناً، ويقن الأمر يتقن يقناً من باب
تعب، إذا ثبت ووضح
(2)
(1) الكدمي: المعتبر، 83/ 4.
(2) الراشدي جواهر القواعد 73/ 5، والفيومي المصباح المنير، ص 351. (2/9)
صفحة 531
=
القواعد الفقهية عند الإباضية
10
وقال الجوهري (1): «هو العلم وزوال الشك منه، يقنت الأمر يقناً وأيقنتُ واستيقنت وتيقنت كله بمعنى واحد» (2).
وجاء في «اللسان» اليقين العلم وإزاحة الشك، وتحقيق الأمر، واليقين ضد الشك (3). والشك نقيض اليقين)، وهو أصل في اللغة بمعنى الاستقرار: يقال يقن الماء في الحوض إذا استقر ودام).
وقال أبو البقاء في الكليات اليقين هو الاعتقاد الجازم الثابت المطابق للواقع، وقيل: هو عبارة عن العلم المستقر في القلب لثبوته من سبب متعين له بحيث لا يقبل الانهدام)، وقيل: هو سكون الفهم مع ثبات الحكم. واليقين من صفة العلم فوق المعرفة والدراية ... يقال: علم اليقين ولا يقال: معرفة يقين). وليس اليقين في أصل اللغة مماثلا للعلم، وإن قيل تجوزاً إن اليقين العلم الذي لا تردد معه فالفرق بين العلم واليقين ثابت كما قال أبو هلال العسكري (9): «إن العلم هو اعتقاد الشيء على ما هو به على سبيل
(1) الجوهري إسماعيل بن حماد، أبو نصر (393 هـ/ 1003 م): أصله من فاراب، لغوي، من الأئمة. وخطه يذكر مع خط ابن مقلة، وهو أول من حاول (الطيران) ومات في سبيله. أشهر كتبه (الصحاح) مجلدان. وله كتاب في (العروض) ومقدمته في (النحو). الزركلي، الأعلام،
313/ 1
(2) الجوهري: تاج اللغة وصحاح العربية، مادة (يقن).
(3) ابن منظور لسان العرب مادة (يقن)، ط بيروت دار صادر، 1375 هـ / 1956 م، 457/ 13. (4) المصدر نفسه، 450/ 10.
(5) الجرجاني علي كتاب التعريفات، ص 259.
(6) الكفوي أبو البقاء الكليات القسم الخامس، ص 116.
(7) الأصفهاني الراغب المفردات في غريب القرآن، ص 552.
(8) الأصفهاني: المصدر نفسه.
(9) هو الحسن بن عبد الله بن سهل بن سعيد بن يحيى بن مهران العسكري، أبو هلال (ت: بعد
395 هـ بعد 1005 م): عالم بالأدب له شعر. نسبته إلى عسكر مكرم) من كور الاهواز.
من كتبه: «التلخيص في اللغة ومعجم - خ) في اللغة وجمهرة الأمثال ـ ط» و «الحث (2/10)
صفحة 532
الفصل الثاني: القاعدة الفقهية الكلية الكبرى الثانية
11
الثقة، واليقين هو سكون وثلج الصدر بما علم، ولهذا لا يجوز أن يوصف الله تعالى باليقين، وقيل: الموقن العالم بالشيء بعد حيرة الشك، والشاهد أنهم يجعلونه ضد الشك، فيقولون: شك ويقين وقلما يقال: شك وعلم ... وسمي علمنا يقيناً؛ لأن في وجوده ارتفاع الشك» (1). وقد أكد ابن بركة هذا المعنى حيث يرى أن اليقين الذي عندنا يحصل بالاطمئنان وسكون القلب وليس المراد به اليقين عند الله وهذا نص عبارته وما هو يقين عندنا بما تسكن إليهم نفوسنا وتطمئن به قلوبنا ... وأن اليقين الذي تعبدنا به هو ما عندنا؛ لأن ما عند الله من اليقين لا يبلغه علمنا ... ولعل ما تعبد الله به عباده من طريق الشريعة أن ما أخذ عليهم أن يخرجوا منه جميع بما هو يقين عندهم، بما يستدلون على معرفته بالعادة الجارية والأحوال الظاهرة لا بما يعلم حقيقته إنما يقع بالحس والمشاهدة، وما يعلم بالاستدلال لا يوصل إلى معرفته إلا بظاهر الحال ... » (2). وقد أكد المحقق الخليلي في التمهيد» هذا المعنى وبين أن اليقين الذي تعبدنا الله به هو اليقين الذي يحصل عندنا وليس اليقين الذي عند الله، فيقول رداً على سؤال ورد عليه حول مسألة حد القصر في الصلاة فيقول السائل: أرأيت إن أحب الاحتياط على نفسه في صلاته ويصلي في ذلك الموضع الذي شك فيه جمعاً وتماماً، ونيته إن كان ذلك الموضع في علم الله تعالى قد جاوز فيه الفرسخين فقد صلى جمعاً، وإن كان في علم الله تعالى لم يجاوز الفرسخين فقد صلى تماماً».
على طلب العلم - خ» رسالة، وكتاب الصناعتين النظم والنثر - ط» و «الفرق بين المعاني» و «المحاسن في تفسير القرآن، خمس مجلدات، و «ديوان شعره» و «الفروق ـ ط» في اللغة،
و ديوان المعاني - ط جزآن الزركلي: الأعلام، 196/ 2.
(1) العسكري أبو هلال: الفروق في اللغة،
ص
63 - 64
(2) ابن بركة كتاب التعارف النسخة المحققة، ص 7. (2/11)
صفحة 533
12
القواعد الفقهية عند الإباضية
فأجاب: «هو غير متعبد من ذلك بما في علم الله تعالى، ولكن على حكم التمام والحضر، فيصليهما تماماً حتى يستيقن على تعدي الفرسخين وليس له الشك أن يصليهما سفراً ولو كان في علم الله تعالى قد جاوز الفرسخين فإنه غير مسؤول عن علم الله وإنما يسأل عن علمه هو ... (1)
مع
وقد أيد ابن بركة ما ذهب إليه بأدلة مختلفة تؤكد هذه الحقيقة فذكر أن الدليل على أن الله تعبدنا بما هو يقين عندنا مما، نعلم والظاهر من الأمور، ونستدل على معرفتها ونخرج من العبادة دون أن نعلم حقيقته عند الله من
ذلك:
-
1
ما تعبدنا الله بإباحة الفروج والدماء والأموال التي عظم حرمتها وتوعد
عليها بأليم العقاب بالعدول من البينة دون غيرهم من الفساق.
2 - اعتماد شهادة الشهود العدول في إثبات الأحكام، وهؤلاء الشهود نحكم عليهم حسب الظاهر ولا يمكن معرفة أحوالهم الخفية وفي هذا المعنى يقول ابن بركة: «فعلينا طلب العدالة بظاهر أمورهم، وما هو يقين عندنا بما تسكن إليهم نفوسنا وتطمئن به قلوبنا؛ لأن الله - جل ذكره ـ لا يجوز أن يفترض علينا الحكم بالبينة العادلة عنده؛ لأن الله يعلم سرهم إلا أن ينصب لنا عَلَماً يُعرفون به كالسماء بين أعينهم (2). ويضيف ابن بركة توضيحاً لهذا الأمر فيقول: «ألا ترى أن المصلي كلفه الله أن يصلي بثوب طاهر عنده، وذلك من اليقين معه، فهو مؤد لصلاته، خارج من فرضه باليقين الذي معه، فإذا تبين له أنه كان يصلي بثوب غير طاهر لم يكن مأثوماً في فعله وإن خرج وقت الصلاة ورجع إلى صلاته وأعادها ... » (3).
وجهرهم.
(1) الخليلي سعيد: التمهيد، 222/ 5 - 223.
(2) ابن بركة كتاب التعارف، ص 7.
(3) ابن بركة: كتاب التعارف، ص 7 - 8. (2/12)
صفحة 534
الفصل الثاني: القاعدة الفقهية الكلية الكبرى الثانية
13
ويبين أبو يعقوب الوارجلاني حقيقة العلم وهو «درك الشيء على ما هو عليه» (1)، ويورد تقاسيم للعلم بحسب أنواعها وطبيعتها أو مصدرها، فمن حيث المصدر نجد أن الرق التي تتطرق منها العلوم إلى العباد ثلاثة: «حس مطبوع، وعقل مجموع، وشرع مسموع» (3).
كما يورد أبو يعقوب تقسيماً آخر للعلوم حسب حدوثها وعدم حدوثها. «فغير المحدث علم القديم سبحانه، والمحدث علم المحدث (المخلوق أو الإنسان)، وعلم المحدث ينقسم قسمين: ضرورياً ومكتسباً)، ثم يقسم علوم الضرورة وعلوم الكسب إلى أنواع. فأنواع العلم الضروري:
أولها علم البنية، وهو علم الإنسان بوجوده وبذاته وأفعاله وصفاته، وما يختلف من أحواله من لذة وألم وسرور وغضب، وقد تلتبس الحقائق بالخيال في هذا العلم ـ وإن كان ضرورياً ـ لعلة تعتري الإنسان في بدنه أو حواسه أو عقله. ثانيها: ما علم من العقليات الواجبات والجائزات والمستحيلات، وقد
تقع للإنسان من أول وهلة، وربما تقع بعد تردد الخاطر فيها. ثالثها: ما يعلم من جهة الحواس، وللحواس أغلاط في إدراكها، ولذلك لا يوثق بحاسة، واحدة ما لم تعضدها حاسة أخرى، ولأمر ما جعل الله الشهادة في الأحكام عدلين اثنين.
الرابع: ما يعلم من جهة الأخبار المتواترة، وهي مترددة بين الضروري
والمكتسب، فبدايتها كسب ونهايتها ضرورة (4).
(1) الوارجلاني: العدل والإنصاف، 23/ 1.
(2) الوارجلاني: المصدر نفسه. 17/ 1.
(3) المصدر نفسه 19/ 1.
(4) نفسه: 23/ 1. ـ باجو مصطفى: أبو يعقوب الوارجلاني وفكره الأصولي، ط 1415 هـ/ 1995 م،
نشر وزارة التراث القومي والثقافة سلطنة عُمان. ص 181 - 182. (2/13)
صفحة 535
18
القواعد الفقهية عند الإباضية
وأما العلم الكسبي فيرى الوارجلاني أن أحد أنواعه: ما يقع من جهة الاستدلال بما أدركت الحواس وما دل عليه ما أدركته الحواس: فالأول: كالصوت تدركه الحاسة موزوناً منغماً منظماً رخيماً.
ذلك.
والثاني: ما يدل عليه هذا الصوت من معنى أمراً أو نهياً أو خبراً أو غير
وثاني أنواعه ما وقع العلم به من جهة النظر والبحث من علوم الشرائع، والفقه، والطب، وسائر العلوم المعنوية.
ثالثها: ما وقع العلم به من جهة العادة في علم الصناعات والحرف (1). ولعل بعد هذا التقسيم للعلم وبيان حقيقته ندرك الفرق بين العلم واليقين.
2 - غلبة الظن:
قال أبو هلال العسكري: «غلبة الظن عبارة عن طمأنينة الظن، وهي رجحان أحد الجانبين على الجانب الآخر رجحاناً مطلقاً يطرح معه الجانب الآخر» (3) بمعنى أنه لم يبق له اعتبار في النظر لشدة ضعفه. وتتحقق هذه الكيفية إذا تردد المكلف بين أمرين بحيث ترجح أحدهما وجنح إليه قلبه بطرح الاحتمال الآخر.
وحكم الظن الغالب أنه يقوم بمثابة اليقين عند الفقهاء، ويجوز بناء الأحكام الفقهية عليه عند عدم وجود اليقين الذي قلّما يحصل عند النظر والاستدلال. ويؤيد ذلك ما ورد في عبارات بعض فقهاء الإباضية فقد صرح بذلك ابن بركة في سياق كلامه عن أحكام الغائب والمفقود ونحوهما فيقول: «فلو كان ما ذهب إليه من لا علم له بما الناس عليه وما جاءت به الآثار لكان ما ذكرنا
(1) الوارجلاني: العدل والإنصاف، 23/ 1. باجو مصطفى أبو يعقوب الوارجلاني وفكره
الأصولي، ص 182.
(2) العسكري أبو هلال الفروق في اللغة، ص 79. (2/14)
صفحة 536
الفصل الثاني: القاعدة الفقهية الكلية الكبرى الثانية
15
لا يجب أن يحكم في شيء منه إلا بيقين، إذ اليقين عنده ما لا يجوز أن يكون غيره، بل الذي أخذ علينا وتعبدنا به أن نحكم بما هو يقين عندنا وفي غالب ظنوننا، لا اليقين الذي عند الله» (1). ويؤكد الشماخي أيضاً هذا الأمر في معرض حديثه عن حالات وجوب الغسل من الجنابة إذا وجد الشخص أثرها في ثوبه أو جسده بعد النوم فقال: وهذا كله عندي مبني على أن الظن الغالب يجب منه الغسل؛ لأن جل أحكام الشريعة مبنية على غلبات الظنون - والله أعلم - ولذلك يجب من هذه الأشياء المذكورة الغسل).
ويشير الثميني في «الورد البسام إلى مفهوم غلبة الظن واعتماده في تقرير الأحكام فيقول: «ولا يشرط في الشرعيات العلم اليقيني بل يكفي فيها الاعتقاد الراجح، قال تعالى: {فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا} (النور: 33). وقال أيضاً: فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَتِ} (الممتحنة: 10). وقد ينقلب العلم بذلك ويتخلف، كالعلم بعدالة الشهود أكفاء بالظاهر وغلبة الظن أن هذا الإنسان تجب عليَّ ولايته، وأنه تدفع له الزكاة» (3). وأومأ ابن بركة أيضاً إلى هذا المعنى فقال: كذلك كلف أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يجتهدوا في حكم الحوادث التي كلفهم الله الحكم فيها، فإذا استدلوا وطلبوا ما كان عندهم أنه الحق الذي كلفهم إياه وقاسوا وغلب على ظن كل واحد منهم أنه قد أصاب الحق حكم به، وحكم له بالثواب على ذلك. ألا ترى أن الواحد قد يحكم بإباحة فرج أو تمليك حال، ثم يظهر على خبر عن الرسول صلى الله عليه وسلم بعد ذلك فيرجع إليه ويعمل به ويدع ما كان عمل به قبل ذلك .... (4).
منهم
(1) ابن بركة المصدر السابق، ص
39
(2) الشماخي: الإيضاح، 175/ 1.
(3) الثميني عبد العزيز الورد البسام، ص 259 - 260.
(4) ابن بركة: كتاب التعارف، ص 8. (2/15)
صفحة 537
16
- الظن:
القواعد الفقهية عند الإباضية
عرف الراغب الأصفهاني الظن بأنه: «اسم» لما يحصل عن أمارة ومتى قويت أدت إلى العلم، ومتى ضعفت جداً لم يتجاوز حد التوهم). وعرفه الحموي في شرح الأشباه فقال: «إنه الوقوف بين شيئين بحيث أحدهما دون أن يطرح الآخر».
يترجح
ولكي يتضح الفرق بجلاء بين الظن وغلبة الظن فمن المفيد أن نسجل هنا ما ذكره ابن عابدين نقلا عن بعض الفقهاء أن أحد الطرفين إذا قوي وترجح على الآخر ولم يأخذ القلب ما ترجح به ولم يطرح الآخر فهو الظن، وإذا عقد القلب على أحدهما وترك الآخر فهو أكبر الظن وغالب
الرأي» (2).
4 - الشك:
هو نقيض اليقين، وهو في أصل اللغة الاتصال واللزوق. قال الفتني في
(4)
شرح هذا اللفظ: «في حديث الغامدية أمر بها فشكت عليها ثيابها، ثم رجمت)، أي جمعت عليها ولفت لئلا تنكشف في تقلبها ... والشك: الاتصال واللزوق). وقال الراشدي: هو الارتياب).
(1) الأصفهاني: المفردات في غريب القرآن، ص 316 - 317. (2) ابن عابدين رد المحتار، 247/ 1. (3) ابن منظور لسان العرب، 457/ 13.
(4) قال الأوزاعي: فشكت عليها ثيابها يعني: فشَدَّت. ينظر: الجامع للحديث النبوي. وينظر: سنن أبي داود بشرحه عون المعبود 122/ 12 وفيه «شكت ثيابها أي شدَّت».
(5) رواه مسلم في صحيحه كتاب الحدود باب من اعترف على نفسه بالزني، رقم عمران بن حصين.
3295
عن
(6) الفتني: مجمع بحار الأنوار في غرائب التنزيل والأخبار ط. الهند حيدر أباد 241/ 3، نقله
الندوي في القواعد الفقهية، ص 359.
(7) الراشدي سفيان جواهر القواعد، ص 74. (2/16)
صفحة 538
الفصل الثاني: القاعدة الفقهية الكلية الكبرى الثانية
17
ثم عُرف هذا اللفظ واشتهر في العرف في معنى التردد، قال سراج الدين ابن الملقن في «الأشباه»: «المراد بالشك التردد في طرفي الوجود والعدم على التساوي). وجاء في شرح الأشباه لابن نجيم الشك لغة مطلق التردد، وفي اصطلاح الأصول استواء طرفي الشيء، وهو الوقوف بين الشيئين بحيث لا يميل القلب إلى أحدهما» (2). وإلى هذا المعنى جنح السالمي حيث يقول: الظن خلاف الشك إذ المراد بالشك ما يتساوى فيه طرفا الشيء لا يترجح أحد الطرفين على الآخر فإن ترجح أحد الطرفين زال الشك).
وقال أبو البقاء: «هو اعتدال النقيضين عند الإنسان وتساويهما، وذلك قد يكون لوجود أمارتين متساويتين عنده في النقيضين أو لعدم الأمارة فيهما» (4). بينما نجد الإمام الرازي ينبه إلى الفرق بين الشك والظن والوهم فيقول: «التردد بين الطرفين إن كان على السوية فهو على الشك، وإلا فالراجح ظن والمرجوح وهم» (5).
ـ هل الشك والظن في اصطلاح الفقهاء بمعنى واحد أم يفترقان؟ ذكر ابن جعفر الأزكوي في «الجامع» أن الشك مرادف للظن وعكس اليقين فليس ظنون الشك حكم لازم ولا حجة قائمة، والشك ضد اليقين كما أن الباطل ضد الحق فمن اتبع الباطل ترك الحق ولم ينتفع به، ولو كان لمعالم الحق واصفاً ولأحكامه عارفاً، كذلك من ترك اليقين لم ينتفع
(1) ابن الملقن سراج الدين الأشباه والنظائر مخطوط، ص 14، الوجه الأول نقله عنه القواعد الفقهية، ص
360
(2) الحموي غمز عيون البصائر، 1/ 84.
(3) السالمي: معارج الآمال، 10/ 18.
(4) الكفوي أبو البقاء الكليات، 979 - 980.
الندوي:
(5) الفخر الرازي: المحصول في علم أصول الفقه، تحقيق: طه جابر فياض العلواني 101/ 1.
وينظر: الزركشي: المنثور في القواعد، 2/ 205. (2/17)
صفحة 539
18
القواعد الفقهية عند الإباضية
به، ومن لم ينتفع بيقينه لم ينتفع بيقين غيره، كمن لا يبصر بعينه لم يبصر بعين غيره ... » (1).
(2)
ويوضح الشقصي (2) الإباضي أن الشك الذي يعترض الإنسان نوعان: الأول: شك التباس، والثاني: شك معارضة، ويطبق ذلك على مسألة الشك الصلاة، ويبين حكمهما فيقول: «والشك شكان: شك التباس، وشك معارضة، فإذا كان المصلي حافظاً لصلاته مقبلاً عليها بقلبه، ثم عارضه الشك في شيء من صلاته في القراءة أو الركوع أو السجود أو ركعة، فلا يلتفت إلى
في
-
ذلك، وليمض على أوفق ما في نفسه من ذلك، وهذا شك المعارضة. وأما شك الالتباس هو أن يكون الرجل مشتغلاً بذكر الدنيا وهمومها، فذلك إذا شك فلم يدر ما صلّى، فذلك الذي تنتقض صلاته ويعيدها، وقد قيل من عناه ذلك الشك مضى على أحسن ظنه وأتم صلاته، ثم يرجع يبتدئها من أولها، وبعض يقول بقطعها ويستأنفها» (3).
ومما تجدر الإشارة في هذا الصدد أنه لم أعثر على أحد من فقهاء الإباضية سلك هذا المسلك في بيان أنواع الشك والتمييز بينها، وإنه في الحقيقة لجدير
(1) ابن جعفر أبو جابر الأزكوي: الجامع لابن جعفر، 402/ 1. (2) خميس بن سعيد بن علي الشقصي (ت، بين: 1059 - 1090 هـ) هو الفقيه العلامة أحد أقطاب العلم والسياسة في النصف الثاني من القرن العاشر والنصف الأول من القرن الحادي عشر. ولد بنزوى ثم انتقل إلى الرستاق ونشأ فيها، عقدت الإمامة للإمام ناصر على يديه فكان عضده الأيم أيمن، صحبه إلى نزوى ورافقه في غزواته وأصبح قاضياً للمسلمين وقاد جيش الإمام لفتح مسقط. سار قاصداً بوشر فأرسل إليه البرتغاليون يطلبون منه الصلح فأجابهم إليه وتصالح معهم وكف القتال، ولذا فهو يعد من مؤسسي دولة اليعاربة. له مؤلفات جليلة أشهرها: «منهج الطالبين وبلاغ الراغبين وهو يعد موسوع رعة علمية إذ يقع في عشرين جزءا، وله كتاب الإمامة العظمى. ينظر: مقدمة منهج الطالبين، 5/ 10. الإزكوي، كشف الغمة، 349. السالمي: اللمعة المرضية، 25 معجم أعلام الإباضية بالمشرق، 87/ 1 - 88. (3) الشقصي: منهج الطالبين وبلاغ الراغبين، 4/ 226 - 227. (2/18)
صفحة 540
الفصل الثاني: القاعدة الفقهية الكلية الكبرى الثانية
19
بالاهتمام بهذا الأمر حتى نتمكن من التقليل من حالات الشك المختلفة، ونحدد لها حكمها وما يترتب عليه.
وقد زاد الإمام النووي توضيحاً لهذه الحقيقة فيرى أن الشك عند الفقهاء مطلق التردد، لا فرق بين المساوي والراجح، وذلك يفضي إلى القول بأن الشك والظن عندهم سواء، ونص عبارته كما يلي: اعلم أن مراد الفقهاء الماء والحدث والنجاسة، والصلاة والصوم والطلاق والعتق
بالشك في وغيرها هو التردد بين وجود الشيء وعدمه، سواء كان الطرفان في التردد سواءً أو أحدهما، راجحاً، فهذا معناه في استعمال الفقهاء في كتب الفقه، وأما أصحاب الأصول ففرقوا بينهما فقالوا: التردد بين الطرفين إن كان على السواء فهو الشك، وإلا فالراجح ظن والمرجوح وهم). وقد مال إلى هذا الرأي كل من ابن نجيم) وابن القيم (3) (ت: 751 هـ).
ويعلل ابن قدامة المقدسي (4) (ت: 620 هـ) هذا الرأي بقوله: «إذا شك تعارض عنده الأمران، فيجب سقوطهما كالبينتين إذا تعارضتا ويرجع إلى اليقين، ولا فرق بين أن يغلب على ظنه أحدهما أو يتساوى الأمران عنده؛ لأن غلبة الظن إذا لم تكن مضبوطة بضابط شرعي لا يلتفت إليها، كما لا يلتفتُ الحاكم إلى قول أحد المتداعيين إذا غلب على ظنه صدقه، بغير دليل»). والظاهر أن هذا القول ليس سديداً على إطلاقه، فقد تعقب الزركشي كلام النووي وانتقده مع غيره في تحديد معنى الشك عند الفقهاء، ونعت قولهم
(1) النووي المجموع شرح المهذب، 223/ 1.
(2) ابن نجيم: الأشباه والنظائر، ص 82.
(3) ابن القيم بدائع الفوائد، 26/ 4.
(4) ابن قدامة عبد الله أحمد بن موفق الدين المقدسي (ت: 620 هـ) من فقهاء الحنابلة، ومن مؤلفاته: المغني شرح الخرقي في فروع الحنابلة. الزركلي الأعلام 191/ 5.
(5) ابن قدامة المقدسي: المغني، 197/ 1. (2/19)
صفحة 541
20
القواعد الفقهية عند الإباضية
بعدم الفرق بين المساوي والراجح في جميع الأبواب الفقهية كما هو في اللغة بالزعم وقال ما يفيد أن الفقهاء إنما لم يفرقوا بين المساوي والراجح
في
الأحداث فقط، ولكنهم فرقوا بينهما في مواضع كثيرة ....
واعترض الحموي كذلك على قول ابن نجيم فقال: «ولا ينبغي الجزم بأنه عند الفقهاء مطلقاً من قبيل الشك، لئلا يتوهم ترك استعماله بمعنى الطرف
الراجح أصلاً، فتأمل» (2).
فالواقع تسامحوا فيها ودرجوا على استعمال الظن مقام الشك في كثير من المواضع وهذا أومأ إليه ابن بركة فلم يفرق بين الظن والشك وجعلهما في مرتبة واحدة، وهذا ما تشير إليه عبارته فيقول: (وإن اليقين لا يزول حكمه إلا بيقين مثله، وإنما سوى ذلك لا يكون إلا ظنّاً، وشكاً، وأن الفرائض والأموال وسائر الحقوق لا يزول بالشك والظن (3).
أن الفقهاء لم يتمسكوا بهذه الاصطلاحات تمسكاً صارماً، بل
ومن جهة أخرى فقد يطلق الظن أحياناً عند الفقهاء ويراد به في بعض المواطن الظن الغالب، فعلى سبيل المثال ما جاء في كشف الأسرار»: «الظن عن أمارة دليل من دلائل الشرع كالاجتهاد في الأحكام، فيجوز بناء الحكم عليه). فالظاهر أن المراد هنا بالظن هو الظن الغالب الذي تسكن إليه النفس ويطمئن به القلب.
رابعاً: المعنى الإجمالي للقاعدة:
وبعد تحليل مضمون القاعدة، وتحديد مفهوم اليقين والشك في اللغة والاصطلاح، يمكننا أن ندرك المفهوم الصحيح الذي تتضمنه هذه القاعدة،
(1) الزركشي: المنثور في القواعد، 255/ 2. والبحر المحيط للزركشي، 52/ 1. (2) الحموي أحمد غمز عيون البصائر، 104/ 1.
(3) ابن بركة: كتاب التعارف، ص 3.
(4) البزدوي: كشف الأسرار شرح أصول البزدوي، 255/ 1. (2/20)
صفحة 542
الفصل الثاني: القاعدة الفقهية الكلية الكبرى الثانية
21
فمعنى قولنا: اليقين لا يزول بالشك» أو «اليقين لا يزال إلا بيقين مثله» أن العلم الثابت للمكلف بطهارة ثوبه مثلاً أو بولاية شخص أو البراءة منه لا يرفع ويثبت نقيضه بالارتياب والتردد (1).
وبعد أن حددنا معنى اليقين والشك عند الفقهاء، أصبح معنى القاعدة واضحاً، وجليّاً، فالأمر الثابت والمقرر بدليل، أو أمارة، أو أي طريق من طرق الإثبات المعتد بها، والمعبر عنه بالأصل أو اليقين، لا يرتفع حكمه بالشك، أي الاحتمالات التي لا يعززها دليل، بل يبقى حكم اليقين سارياً حتى يقوم الدليل المعتد به في تغيير ذلك الحكم. فالذي يتبادر إلى الذهن أن معنى اليقين هنا هو الاستصحاب لما تيقن في الماضي وهو الأصل، وأطلق عليه اليقين مجازاً، والمراد من الشك هو: الشك الطارئ بعد حصول اليقين، فلا يتعين هنا إلا هذا المفهوم باعتبار أن اليقين لا يتصور مع وجود الشك إذ أنهما نقيضان (2).
ولتوضيح ذلك أكثر يمكن القول: إن الأصل براءة الذمة، فاليقين في ذلك أنها ليست مشغولة، وإذا قام الدليل على شغلها كان اليقين شغلها بالدين (3). كما أن الأصل في المياه الطهارة سواء كانت مياه أمطار أو أنهار أو بحار أو عيون أو آبار، فهذا هو اليقين فيها، فلا يعدل عن ذلك بالشك، والأصل في الذبائح الحرمة، أي الأمر المتيقن فيها أنها كذلك ما لم يقم دليل على تذكيتها، والأصل في الكلام الحقيقة، أي المتيقن في دلالة الألفاظ استعمالها في المعنى الذي وضعت له، ما لم يقم دليل على صرفها عن ذلك، والأصل في العام أن يتناول جميع ما يصلح له، وهذا هو المتيقن ولا يصرف عنه إلى الخصوص ما لم يقم دليل عليه.
(1) الراشدي سفيان: الجواهر، ص
(2) السبكي: الإبهاج في شرح المنهاج، تحقيق وتعليق شعبان محمد إسماعيل مطبعة أسامة، ط، القاهرة 1402 هـ / 1982 م. - حيدر علي درر الحكام شرح مجلة الأحكام، 20/ 1.
(3) الراشدي سفيان الجواهر، ص 74. (2/21)
صفحة 543
22
القواعد الفقهية عند الإباضية
والحكم الثابت بالدليل يبقى ثابتاً ما لم يرد دليل يرفعه، فيعتبر بقاؤه يقيناً استناداً إلى الدليل فلا يزيله احتمالات ليس لها ما يبررها، فمن ملك شيئاً بعقد أو إرث أو أي سبب صحيح يبقى مالكاً لما في حوزته ولا ينتقل إلى غيره إلا بدليل؛
لأن الملك استند إلى سبب صحيح، فثبوته يقيني فلا يزول إلا بيقين مثله). وبناء عليه، يجب أن يفسر اليقين بمعنى الاستقرار الذي أشار إليه الجرجاني بقوله: «يقن الماء في الحوض إذا استقر كما سلف ولا يراد به المعنى الذي بينه ابن منظور وابن جعفر وغيرهما بأنه نقيض الشك جرياً على اصطلاح علماء المنطق وعرفهم، حيث عبروا عنه بالاعتقاد الجازم المطابق الثابت. فإن الاعتقاد الجازم يخرج به الظن وغلبة الظن، لأنه لا جزم فيهما، ومن المعلوم أن الظن الغالب يعتد به في الشرع، وتبنى عليه الأحكام فلا عبرة بقول المناطق هنا، لأن تفسيرهم لليقين لا ينسجم مع ما يقرره الشرع، وذلك لأن الأمر في كثير من الأحيان يكون في نظر الشارع يقيناً لا يزول بالشك، في حين أن العقل يجيز أن يكون الواقع خلافه، ومثال ذلك: الثابت بالبينة الشرعية، فإنه في نظر الشرع يقين كالثابت بالعيان، مع أن شهادة الشهود لا تخرج عن كونها خبر آحاد يجيز العقل فيها السهو والكذب، وهذا الاحتمال الضعيف لا يخرج ذلك عن كونه يقيناً؛ لأنه لقوة ضعفه قد طرح أمام قوة مقابلة ولم يبق له اعتبار في نظر الناظر (2).
(2)
والسبب في ذلك أن الأحكام الفقهية تبنى على الظاهر، والوصول إلى اليقين يتعذر في كثير من الأحيان، فيجوز الشرع اعتبار الظن الغالب لندرة خطئه وغلبة إصابته (3).
(1) الباحسين يعقوب: قاعدة: «اليقين لا يزول بالشك دراسة نظرية تأصيلية، ط 1، مكتبة الرشد الرياض، 1421 هـ / 2000 م، ص 46.
(2) ابن بركة: التعارف، ص 7 - 26 - 37. - الزرقا أحمد شرح القواعد الفقهية، ص 35. (3) ابن بركة المصدر نفسه، ص 9 - 10 وما بعدها. ـ الندوي: القواعد الفقهية، ص 362. (2/22)
صفحة 544
الفصل الثاني: القاعدة الفقهية الكلية الكبرى الثانية
23
قال القرافي: «الأصل أن لا تبنى الأحكام إلا على العلم، لكن دعت الضرورة للعمل بالظن لتعذر العلم في أكثر الصور، فثبتت عليه الأحكام لندرة خطئه وغلبة إصابته، والغالب لا يترك للنادر وبقي الشك غير معتبر إجماعاً» (1). وخلاصة القول:
إن معنى القاعدة: هو ما كان ثابتاً متيقناً لا يرتفع بمجرد طروء الشك عليه؛ لأن الأمر اليقيني لا يعقل أن يزيله ما هو أضعف منه بل ما كان مثله أو أقوى، فاليقين القوي أقوى من الشك فلا يرتفع اليقين القوي بالشك الضعيف، أما اليقين فإنما يزول باليقين الآخر، فما ثبت من الأمور ثبوتاً يقينياً قطعياً - وجوداً أو عدماً ـ ثم وقع الشك في وجود ما يزيله، يبقي الأمر المتيقن هو المعتبر إلى أن يتحقق السبب المزيل).
أصله
وقد أكد هذا المعنى أبو سعيد الكدمي فذكر أن اليقين لا يزيله الشك وإنما يزول بيقين مثله، وإلا بقي على أصله حتى يظهر دليل ينقله من إلى أصل آخر مثله، يقول في هذا الصدد: «إن كل شيء من الأشياء وأمر من الأمور في دين الله تبارك وتعالى، وكل حكم في حلال ما أحل الله وحزمة ما حرم، وكل حق من الحقوق المبينة في الشرع، وكل حكم من أحكام هذا كله جار على أصوله المبنية عليه الموضحة له من الكتاب والسُّنَّة وإجماع الأمة، فإذا ثبتت هذه الأحكام فهي ثابتة حتى يزيلها أصل مثلها، فكل حكم منها ثبت فيظل ثابتاً على أصوله، ولا يزول إلا بحكم ثابت مثله يزيله، وإذا زال حكم من أحكام هذه الحقوق فأصوله زائلة حتى يثبتها أصل مثلها» (3).
الشريعة، جميع
10 - 18
(1) القرافي: الذخيرة، 167/ 1، وينظر: المقري: القواعد، ص (2) السدلان صالح غانم القواعد الفقهية الكبرى وما تفرع عنها، ص 101. ـ البورنو: الوجيز، 92.
(3) الكدمي: المعتبر، 82/ 4 - 83. (2/23)
صفحة 545
المبحث الثاني
تأصيل القاعدة
تضافرت الأدلة على الاعتداد بهذه القاعدة من المنقول ومن المعقول وكلها تؤكد على مشروعيتها والعمل بها عند مختلف المذاهب الفقهية، واعتمادها في تخريج الفروع الفقهية المختلفة.
أ - الأدلة النقلية:
أما المنقول فقد استدل لها الفقهاء بالكتاب والسُّنَّة والإجماع، وفيما يأتي
بيان هذه الأدلة وتوضيحها.
أولاً: من القرآن الكريم:
قال تعالى: {وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنَّا إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ} (يونس: 36). فالظن هنا بمعنى التوهم، لأن الظن في القرآن اسم لما يحصل عن أمارة، فإذا كانت قوية كان بمنزلة اليقين، وإذا كانت ضعيفة كان توهما (1)، فالله الا الله ينعى على المشركين عدم اهتدائهم إلى طريق العلم أصلاً، أي ما يتبع أكثرهم في معتقداتهم ومحاوراتهم إلا التوهم الذي يستند إلى أدلة واهية (2).
(1) الماوردي: الحاوي، 27/ 10 نقله عنه محمد عثمان بشير القواعد الكلية، ص 132. (2) الكرخي: أصول الكرخي مع تأسيس النظر للدبوسي، ص 110. (2/25)
صفحة 546
القواعد الفقهية عند الإباضية
26
وقد أكدت كثير من الآيات هذا المعنى، فمنها قوله جَل: إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنفُسُ} (النجم: (23)، وقوله تعالى: {وَمَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا} (النجم: 28). فالحق بمعنى الحقيقة، وهي اليقين فلا يرتفع بالتوهم ولا بالشك.
وقد اعترض يعقوب الباحسين على الاستدلال بهذه الآيات وقال: «إن الاستدلال بهذه الآيات وما يشبهها إنما يستقيم إذا حمل الظن على معنى الشك في اصطلاح الفقهاء، أما الآية الأولى فقد فسر الظن فيها بتفسيرات متعددة ذكر الماوردي منها وجهين:
أحدهما: أنه منزلة بين اليقين والشك، ليست يقيناً وليست شكاً. الثاني: أن الظن ما تردد بين الشك واليقين وكان مرة يقيناً ومرة شكاً). وهذان الوجهان لا يساعدان المستدل بالآية على حجية القاعدة، لكن ذكر الطبري أن المراد من قوله: {إِلَّا ظَنَّا إلا ما عِلْمَ لهم بحقيقته وصحته، بل هم منه في شك وريبة، إن الشك لا يغني من اليقين شيئاً ولا يقوم في شيء مقامه (2).
كما عقب الباحسين على الآيتان الأخريان مستدلاً بأقوال بعض المفسرين، فذكر أنه «فسر الظن فيهما بالتوهم قال الآلوسي (3) في قوله تعالى: {إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ} (النجم: 23)، إلا توهم أن ما عليه حق توهماً باطلاً، فالظن هنا
هم
(1) الماوردي أبو الحسن علي بن الحسن البصري (ت 450 هـ): النكت والعيون (تفسير الماوردي)، تحقيق محمد خضر نشر وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية الكويت، ط 1،
مطابع مقهوي، الكويت 1402 هـ / 1982 م، 189/ 2.
(2) الطبري: جامع البيان الطبعة الأميرية، مصر 82/ 11. (3) الآلوسي: عبد الله بهاء الدين بن محمود (شهاب الدين بن عبد الله الآلوسي (1248 - 1291 هـ / 1832 - 1874 م): فقيه بغدادي من قضاة الشافعية. له: «المتنان في علمي المنطق والبيان و «الواضح في النحو» و «التعطف على التعرف في الأصلين والتصوف ـ خ». الأعلام للزركلي،
(136/ 4) (2/26)
صفحة 547
الفصل الثاني: القاعدة الفقهية الكلية الكبرى الثانية
27
مراد به التوهم، وشاع استعماله فيه» (1)، وقال في قوله تعالى {إِلَّا الظَّنَّ (النجم: (23)، أي: التوهم الباطل، وعلى هذا التفسير يمكن الاستدلال بهذه الآيات على طرح الشك والأخذ باليقين الذي يدخل فيه الظن عند الفقهاء (2).
ثانياً: من السنة النبوية:
استدل الإباضية على هذه القاعدة بأحاديث مشهورة من ذلك:
1 ـ ما نص عليه الراشدي وغيره في «جواهره» بقوله: أصلها حديث الربيع عن أبي عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا شك أحدكم في صلاته فلا ينصرف حتى يسمع صوتاً أو يشم ريحاً (3). فهذا الحديث دليل ساطع على أن من استيقن الطهارة ثم شك في الحدث فله أن يصلي بطهارته تلك ولا عبرة بذلك الشك الطارئ، قال السالمي
(1) الآلوسي: روح المعاني، 58/ 27.
(2) الباحسين يعقوب: قاعدة اليقين لا يزول بالشك، ص 213 - 214.
ومتروك؛ لأنه
(3) رواه الربيع، كتاب الطهارة، باب ما يجب منه الوضوء، رقم 106، عن ابن عباس. (4) فائدة: أرشد أحمد الكندي إلى مصدر الشكوك وآثارها على الإنسان فقال: «وقيل للماء شيطان يقال له الولهان، يولع الإنسان به لكثرة استعمال الماء عند الوضوء، واستعمال الشكوك مكروه من عوارض الشيطان، ويقال: إن كثرة الوضوء من الشيطان؛ لأن في ذلك الأذى للإنسان، والانقطاع من طاعة الرحمن، وربما أدى إلى تضييع الصلوات، وذهاب الأوقات، ومنع من كثرة الطاعات، وصد عن تأدية العبادات بالشكوك المعارضة، والوساوس المعترضة». ينظر: أحمد الكندي، المصنف، 4/ 100، 101. وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إن للوضوء شيطاناً يقال له الولهان، فإذا أحس أحدكم بشيء من ذلك فليستعذ بالله» الحديث صحيح، رواه الربيع، كتاب الطهارة، بَابُ جَامِعِ الْوُضُوءِ، رقم 129. وعنه أنه قال: «إذا قمتم للصلاة فإن الشيطان يحيطكم بين إلياتكم فلا تصدقوه على أنفسكم حتى تروا شيئاً قاطراً، أو تشموا ريحاً رافعاً». الحديث ضعيف جداً، رواه الترمذي، أبواب الطهارة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، باب كراهية الإسراف في الماء، رقم 54 وابن ماجه، كتاب الطهارة وسننها، باب ما جاء في في الوضوء وكراهية التعدي فيه، ح 418، والحاكم في مستدركه بهذا السند عن أبي بن كعب. بزيادة لفظ «فاحذروه» في المتن وقال: «وله شاهد بإسناد آخر أصح من هذا».
القصد (2/27)
صفحة 548
28
القواعد الفقهية عند الإباضية
وغيره في شرح هذا الحديث: «سبب الحديث ما ذكر البخاري أنه شكا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الرجل الذي يخيل إليه أنه يجد الشيء في الصلاة فقال: «لا ينفتل ـ أو لا ينصرف ـ حتى يسمع صوتاً أو يشم ريحاً). والمعنى أن الشك في نقض الوضوء لا يؤثر في صحته لا سيما إن كان في الصلاة، ومثله أيضاً الشك في غيرها لأن من تيقن الطهارة وشك في انتقاضها يكون على يقينه منها ولا يرفع الشك ما ثبت باليقين، ثم أن هذه القاعدة مطردة في كل شيء المعنى إذا كان أوسع من اللفظ كان الحكم للمعنى، وهو معنى قولهم لا يزول اليقين إلا بيقين مثله» (2).
لأن
2 ـ والحديث نفسه روي عن عبد الله بن زيد الله أيضاً قال: «شكي إلى النبي صلى الله عليه وسلم الرجل الذي يُخيّل إليه أنه يجد الشيء في الصلاة قال: لا ينصرف حتى يسمع صوتاً أو يجد ريحاً (3).
قال النووي (ت: 676 هـ) عند شرح هذا الحديث: «وهذا الحديث أصل من أصول الإسلام وقاعدة عظيمة من قواعد الفقه: وهي أن الأشياء يحكم ببقائها على أصولها حتى يتيقن خلاف ذلك، ولا يضر الشك الطارئ عليها» (4). ونقل السالمي عن النووي أن هذا الحديث أخذ العلماء به جمهور
(1) صحيح البخاري ـ كتاب الوضوء باب من لا يتوضأ من الشك حتى يستيقن ـ حديث: 136 عن عبد الله بن زيد بن عاصم الأنصاري.
(2) السالمي عبد الله: شرح الجامع الصحيح مسند الربيع بن حبيب الفراهيدي، 1/ 165 - 166. وينظر: الشماخي: الإيضاح في مسألة نواقض طهارة التيمم وهذا نص عبارته بعد أن ذكر الحديث فقال: «فكان شكه في الصلاة لا يؤثر في طهارته وكذلك في غير الصلاة على هذا الحال والله أعلم» 311/ 1. وينظر: أبو ستة: الحاشية على الترتيب، 127/ 1.
(3) متفق عليه، رواه البخاري، كتاب الوضوء، باب من لم ير الوضوء إلا من المخرجين، رقم 175، ومسلم، كتاب الحيض، باب الدليل على أن من تيقن الطهارة، رقم 361، عن
عبد الله بن زيد.
(4) شرح النووي على صحيح مسلم، 49/ 4، 50. (2/28)
صفحة 549
الفصل الثاني: القاعدة الفقهية الكلية الكبرى الثانية
29
وخالف مالك فروى عنه النقض بالشك مطلقاً وروى عنه النقض خارج الصلاة دون داخلها وروى هذا التفصيل عن الحسن البصري وكلاهما مخالف لظاهر النص ولعل الحديث لم يبلغهما أو بلغ الحسن فقصر العفو على مورد النص (1).
3 ـ ما رواه مسلم (ت: 261 هـ) عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا وجد أحدكم في بطنه شيئاً فأشكل عليه أخرج منه شيء أم لا، فلا يخرجن من المسجد حتى يسمع صوتاً أو يجد ريحا (2)، والحديث
بمعنى ما تقدم.
وهذه الأحاديث وإن وردت بمسألة خاصة وهي الشك في نواقض الوضوء، لكن العلماء ذهبوا إلى تعميم حكمها في جميع الأمور التي يجتمع فيها شك ويقين (3). 4 - وروى مسلم عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا شك أحدكم في صلاته، فلم يدر كم صلّى ثلاثاً أم أربعاً؟ فليطرح الشك وليبن على ما استيقن» (4).
ه ـ ما رواه الترمذي (ت: 279 هـ) عن عبد الرحمن بن عوف قال: «سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إذا سها أحدكم في صلاته، فلم يدر: أواحدة
(1) السالمي: شرح الجامع الصحيح، 166/ 1. وانظر: أبو ستة: حاشية الترتيب على مسند الربيع بن حبيب، 1/ باب (17) ما يجب منه الوضوء، 128/ 1. (2) متفق عليه، رواه البخاري، كتاب الوضوء، باب من لا يتوضأ من الشك حتى يستيقن، رقم 136، ومسلم، کتاب الحيض، باب الدليل على أن من تيقن الطهارة، رقم 567، بلفظ آخر: الرجل، يخيل إليه أنه يجد الشيء في الصلاة، قال: «لا ينصرف حتى يسمع صوتاً، أو يجد ريحاً».
(3) الشوكاني علي: نيل الأوطار، 203/ 1. (4) متفق عليه، رواه البخاري أبواب القبلة، باب التوجه نحو القبلة، رقم 392، مسلم، كتاب المساجد، باب السهو في الصلاة، والسجود له، رقم 572، عن ابن مسعود. (2/29)
صفحة 550
30
القواعد الفقهية عند الإباضية
صلّى أم اثنتين؟، فليين على واحدة، فإن لم يتيقن صلى اثنتين أم ثلاثاً؟ فليبن على اثنتين، فإن لم يدر أثلاثاً أم أربعاً؟ فليين على ثلاث وليسجد سجدتين قبل أن يسلّم».
هي
فهذا الحديث والذي قبله واردان في مسألة خاصة السهو والشك في عدد ما صلاه المكلف من الركعات، وكان موقف العلماء بشأنها كموقفهم من الحديثين اللذين سبقاهما، والمتعلقين بالشك في ناقض الوضوء من تعميم نطاقه، وعدم قصره على السبب الخاص.
الحكم وتوسيع وقد أكد النووي ما أشرنا إليه فقال: «وهذه الأحاديث المذكورة هي التي استند إليها الفقهاء في استنتاج القاعدة المذكورة، ولا شك أنها دلت بجلاء على صحة الصلاة ما لم يتيقن الحدث، ولكنها ليست مقصورة على بيان هذا الجانب فحسب، بل شاملة لكافة المعاني الداخلة تحت موضوعها؛ وذلك عن طريق التعليل والقياس، فالفقهاء حققوا حكم الحديث في جميع المسائل التي تشارك النصوص المذكورة في علتها ومعناها (2).
وقال ابن حجر في نفس المعنى نقلا عن الخطابي (3): «وليس المراد تخصيص هذين الأمرين) باليقين؛ لأن المعنى إذا كان أوسع من اللفظ كان الحكم للمعنى»).
(1) رواه الترمذي، أبواب الصلاة، الرجل يصلي فيشك في الزيادة والنقصان، رقم 398، والحاكم في المستدرك، كتاب السهو، رقم 1213، عن عبد الرحمن بن عوف. قال الترمذي: حسن
غريب صحيح.
(2) الندوي علي أحمد القواعد الفقهية، ص 355، وينظر أيضاً ما ذكره المحقق محمد الراشدي
في هامشه على كتاب جواهر القواعد لسفيان الراشدي، ص
(3) تقدمت ترجمته. (4) أي: صحة الصلاة ما لم يتيقن الحدث.
73
(5) ابن حجر: فتح الباري، 2371 - 238، ترقيم فؤاد عبد الباقي. (2/30)
صفحة 551
الفصل الثاني: القاعدة الفقهية الكلية الكبرى الثانية
31
ثالثاً: من الإجماع:
وهي
مجمع عليها،
أجمع الفقهاء من الإباضية وغيرهم على أصل العمل بهذه القاعدة وإن اختلفوا في بعض التفصيلات، قال القرافي: « ... فهذه قاعدة أن كل مشكوك فيه يجعل كالمعدوم الذي يجزم بعدمه» (1). وقال ابن القيم بشأن استصحاب الوصف المثبت للحكم حتى يثبت خلافه ولم يتنازع الفقهاء في هذا النوع، وإنما تنازعوا في بعض أحكامه، لتجاذب المسألة أصلين متعارضين). ويدل على ذلك استقصاء كتب الفقه في المذاهب كلها، فقد بنت الأحكام على ذلك، ولا سيما في مباحث الطهارة (3).
ب - الأدلة العقلية
استدل طائفة من الأصوليين والمتكلمين بعدد من الأدلة العقلية نقتصر
منها على ذكر بعضها:
إن حدوث الشيء يحتاج إلى مؤثر، بخلاف بقائه فإنه لا يحتاج إلى ذلك، وإلا للزم تحصيل الحاصل، وهو باطل، فيكون الوجود والبقاء أولى لعدم حاجته إلى المؤثر (4).
(1) القرافي: الفروق الفرق العاشر، 111/ 1. (2) ابن قيم الجوزية: أعلام الموقعين، 295/ 1.
(3) الباحسين: قاعدة اليقين لا يزول بالشك، ص 217.
(4) الرازي فخر الدين محمد بن عمر بن الحسين (ت: 606 هـ): المحصول في علم الأصول، ط. دار الكتب العلمية بيروت 1408 هـ / 1988 م، 549/ 2، وفيه تفصيل لتوجيه هذا الدليل والإجابة عما أثير حوله من اعتراضات وينظر الآمدي أبو الحسن سيف الدين علي بن أبي علي (ت: 631 هـ): الإحكام في أصول الأحكام، تعليق الشيخ عبد الرزاق عفيفي، ط. 1 نشر مؤسسة النور (1389 هـ)، 128/ 4. وينظر: الابتهاج في شرح المنهاج لابن السبكي تاج الدين عبد الوهاب بن
علي (ت: 771 هـ)، تعليق جماعة من العلماء نشر دار الكتب العلمية بيروت، 172/ 3. (2/31)
صفحة 552
32
القواعد الفقهية عند الإباضية
وتوضيح ذلك أن حدوث الطهارة يحتاج إلى مؤثر، وهو الوضوء أو الغسل، أما بقاؤها فلا يحتاج إلى ذلك، وما لا يحتاج أولى مما يحتاج). واستدل بعضهم على ذلك، بأن اليقين أخذ في معناه عدم إمكان الزوال،
ومن مقوماته الاستقرار والثبات وهو ينافي زواله بالشك» (2). واستدل بعض المعاصرين على ذلك، بأن اليقين أقوى من الشك، فكون اليقين أقوى وأحكم أمر ثابت لا غبار عليه؛ لأن في اليقين حكماً قطعياً جازماً فلا ينهدم بالشك، وهذا الدليل قريب في معناه من الدليل الذي سبقه، لكن الدليل السابق أُخذ من أن معنى اليقين يقتضي عدم إمكان الزوال، والقول بزواله يناقض ذلك المعنى، والدليل الآخر تضمن هذا المعنى، لكنه جعل العلاقة بين اليقين والشك التعارض بين قوي وضعيف، وترجيح القوي على
الضعيف.
له
ومما استدل به أيضاً أن ظن البقاء أغلب من ظن التغير، وذلك لأن البقاء لا يتوقف على أكثر من وجود الزمان المستقبل، ومقارنة ذلك كان وجوداً أو عدماً، أما التغير فمتوقف على ثلاثة أمور:
وجود الزمان المستقبل.
وتبدل الوجود بالعدم أو العدم بالوجود.
ومقارنة ذلك الوجود أو العدم لذلك الزمان.
الباقي
(1) الباحسين: قاعدة اليقين لا يزول بالشك، ص 217 - 218 نقلا عن كفاية الأصول للشيخ كاظم الخراساني بشرح الوصول للشيرازي 16/ 5 وما بعدها، ومباني الاستنباط، 11/ 1 وما بعدها وغيرها من المصادر.
(2) ابن رجب الحنبلي: جامع العلوم والحكم، 483/ 1.
(3) الزرقا مصطفى أحمد المدخل الفقهي، فقرة (574)، 967، وينظر: الندوي علي أحمد:
القواعد الفقهية، ص 356. (2/32)
صفحة 553
الفصل الثاني: القاعدة الفقهية الكلية الكبرى الثانية
33
ولا يخفى أن تحقق ما يتوقف على أمرين لا غير أغلب مما يتوقف على
ذينك الأمرين وثالث غيرهما (1).
(2)
ومما استدل به كذلك تعارف الناس على ذلك قال الفخر الرازي (2) (ت: 606 هـ): (وأما العرف؛ فلأن من خرج من داره وترك أولاده فيها على حالة مخصوصة، كان اعتقاده لبقائهم على تلك الحالة التي تركهم عليها راجحاً على اعتقاده لتغيّر تلك الحالة، ومن غاب عن بلده فإنه يكتب إلى أحبابه وأصدقائه عادة في الأمور التي كانت موجودة حال حضوره، وما ذاك إلا لأن اعتقاده في بقاء تلك الأمور راجح على اعتقاده في تغيرها، بل لو تأملنا لقطعنا بأن أكثر مصالح العالم، ومعاملات الخلق مبني على القول بالاستصحاب» (3). وقد اعتمد الإباضية هذا الدليل في تقرير الأحكام الفقهية، وهذا ما أشار إليه ابن بركة في كتابه «التعارف» في سياق كلامه عن قاعدتي:
اليقين لا يزول بالشك» و «العادة محكمة».
(1) الآمدي: الإحكام بالنص، 128/ 4.
(2) الفخر الرازي محمد بن عمر بن الحسن بن الحسين التيمي البكري، أبو عبد الله، فخر الدين الرازي (544 - 606 هـ / 1150 - 1210 م): الإمام المفسر. أوحد زمانه في المعقول والمنقول وعلوم الأوائل. وهو قرشي النسب. أصله من طبرستان، ومولده في الري وإليها نسبته، ويقال له: (ابن خطيب الري) رحل إلى خوارزم وما وراء النهر وخراسان، وتوفي في هراة. أقبل الناس على كتبه في حياته يتدارسونها. وكان يحسن الفارسية. من تصانيفه «مفاتيح الغيب - ط» ثماني مجلدات في تفسير القرآن الكريم، و «لوامع البينات في أسماء الله تعالى والصفات - ط» و «معالم أصول الدين - ط» و «المحصول في علم الأصول ـ خ» و «نهاية الإيجاز في دراية الإعجاز - ط بلاغة، و «السر المكتوم في مخاطبة النجوم - خ» و «نهاية العقول في دراية الأصول - خ في أصول الدين وغيرها كثير. الزركلي،
شرح
الأعلام، 313/ 6.
(3) الرازي أبو بكر: المحصول، 559/ 2.
- (2/33)
صفحة 554
المبحث الثالث
فروع القاعدة وتطبيقاتها
هذه القاعدة كثيرة الفروع وعميقة الجذور في الفقه الإسلامي، يتفرع عليها مسائل شتى من أبواب مختلفة؛ كالطهارة والصلاة والصوم والزكاة والحج والبيع والإجارة والعارية والوديعة والضمان والغصب والقرض والإقرار وغير ذلك ... فأحرى بنا أن نورد هنا طرفاً من الفروع المتخرجة عليها وهي كما يلي:
أولاً: في باب الطهارات:
1 - إذا تلاقى يابسان أحدهما منجوس، فإنه لا يحكم على الطاهر بالنجاسة؛ وذلك لأن الجسد المنجوس نجاسة متيقنة والطاهر كذلك، فإذا لم نتيقن بانتقال النجاسة إليه بملامسة ذلك الجسم النجس، فالحكم هو الطهارة؛ لأننا تيقنا منها وشككنا في النجاسة، وهذا القول هو ما ذهب إليه الشماخي وصححه ونقله السالمي (1) وأكده. والفقهاء في هذه المسألة على خلاف، فمنهم من أعمل قاعدة اليقين لا يزول بالشك» فحكم بالطهارة وطرح الشك في النجاسة، ومنهم من فصل بين النجاسة اليابسة والسائلة، وكذلك الطهارة، واشترط في انتقال النجاسة إلى الطهارة أن يكون الجسم المنجوس مبلولاً والطاهر يابساً، ومنهم من مال إلى الاحتياط وغلب النجاسة على الطهارة في كل الأحوال.
(1) الشماخي: كتاب الإيضاح، 1/ 350 - 352 - السالمي: معارج الآمال، 3/ 318 - 320. (2/35)
صفحة 555
36
القواعد الفقهية عند الإباضية
ولا بأس أن ننقل ما ذكره السالمي من خلاف بين العلماء في هذه المسألة، زيادة في البيان والتوضيح فيقول: وبيان ذلك أن العلماء اختلفوا في كيفية نجاسة الأشياء الطاهرة إذا لاقت الأشياء النجسة، فقال بعضهم: لا يحكم على الجسد الطاهر بالنجاسة إذا لاقى المنجوس إلا إن ظهر عليه أثر النجس، وذلك في ما إذا كانا جميعاً مبلولين أو كان الجسد المنجوس هو المبلول. وأما إذا كان الجسد المنجوس يابساً والجسد الطاهر مبلولاً، فإن بعضهم ذهب إلى نجاسة الجسد الطاهر حيث كان مبلولاً. وقال آخرون: ما دام الجسد المنجوس اليابس يجبذ إليه فلا ينجس، المبلول الطاهر بملاقاته إياه كما أشار إليه أبو محمد ابن بركة). قال الشيخ عامر (1) (الشماخي)، وهذا في الأنجاس البطيء الرطوبة مثل: الدم والنطفة والقيء وما أشبهها، وأما ما كان منها سريع الرطوبة مثل البول والماء المنجوس وما كان في معناهما فلا وقال آخرون بنجاسة الجسد الطاهر إذا لاقى الجسد المنجوس ولو كان يابسين.
قال الشيخ عامر: وهذا عندي - والله اعلم - على الاستحاطة (الاحتياط) لئلا يكون الجسد الطاهر قد تعلق به شيء من الجسد النجس، وذلك أنه لما كانت الملاقاة تؤثر في الأنجاس وتزيلها من أماكنها بالشرع، أعني بالملاقاة: مس، وجب أن يكون الشيء الذي مسح به منجوساً كالدفعة الأولى من الماء الذي لم يرتفع به أثر النجس بعد.
وقال بعض: لا بأس بملاقاة اليابسين ولو كان أحدهما منجوساً، قال الشيخ عامر: وهذا القول عندي أصح لأنهم جعلوا النجس قاعداً في مكانه، وقعدوا له الطهارة وجعلوا له الحملان (3) في موضع يمكن فيه، وذلك أن
(1) الشماخي كتاب الإيضاح، 350/ 1 - 351.
(2) الحملان: ربما يقصد به الاحتمال أو الشك، ينظر: في القاموس (2/36)
صفحة 556
الفصل الثاني: القاعدة الفقهية الكلية الكبرى الثانية
37
الجسد المنجوس تيقنا نجاسته ولو لم نتيقن بانتقاله إلى الجسد الطاهر بملاقاته إياه فنحن على ما تيقنا، ولا يزيل اليقين إلا يقين مثله (1) ولا شك أن الشماخي قد استند في ما ذهب إليه إلى القاعدة الفقهية الأصل في الأشياء الطهارة»، فلا يحكم بنجاستها إلا ببينة (2). 2 ـ إذا وجد الماء متغيراً وشك في طهارته ولم يعلم سببه، فهو على طهارته ما لم يتيقن نجاسته قال ابن بركة وكل ماء وجد متغيراً، ولم يعلم أن تغييره من نجاسة فهو محكوم له بحكم الطهارة؛ لأنا على يقين من أنه كان طاهراً ولسنا على يقين أنه قد صار نجساً، وليس شكنا في زوال الطهارة عنه بموجب ثبوت النجاسة فيه» (3).
3 - ومنها: أن من تيقن حدثاً ثم شك هل تطهر بعده أم لم يتطهر؟ كان على حدثه، ومن تيقن طهارته ثم شك فلم يدر هل أحدث أم لم يحدث؟ فهو على طهارته (4).
يقول أحمد الكندي في سياق مسألة المتوضئ الذي يشك في شيء من وضوئه: « ... وكل من كان على يقين من طهارته، ثم شك في فسادها، لم يجب عليه إعادتها، وكذلك من تيقن أنه قد أحدث ثم شك أنه تطهر أم لا، فشکه غير مزيل ليقينه ولا يزيل ما ثبت من الطهارة إلا كتاب أو سُنَّة أو إجماع، وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم: «لا وضوء إلا من صوت أو ريح» ().
(1) السالمي المعارج، 318/ 3 - 320. وينظر: الشماخي: الإيضاح، 350/ 1 - 352.
(2) الشماخي: نفسه، 352/ 1. (3) ابن بركة: الجامع، 257/ 1.
الطالبين
(4) ابن بركة الجامع، 321/ 1 - 322. وانظر كذلك 258/ 1. ـ الشقصي خميس: منهج وبلاغ الراغبين، 13/ 3. - السالمي: معارج الآمال، 3/ 50 - 51. (5) رواه الترمذي، أبواب الطهارة، باب ما جاء في الوضوء من الريح، رقم 74، وابن ماجه، كتاب الطهارة وسننها، باب لا وضوء إلا من حدث، رقم 515، عن أبي هريرة. قال الترمذي:
حسن صحيح (2/37)
صفحة 557
38
القواعد الفقهية عند الإباضية
فلا يجوز أن يرتفع ما تيقن وجوبه بالتجويز، فإن المعلوم لا يرتفع بغير
معلوم» (1). وقد علل ابن بركة ذلك: «أن التيقن لا يرتفع بالشك؛ لأنه تيقن بعلم وما شك فيه بغير معلوم، والمعلوم لا يرتفع بغير معلوم، ووجه آخر هو: أن الله وعل قد أوجب علينا إتيان الطهارة فإذا تيقنا الحدث فقد ارتفعت الذمة بالطهارة ولا يجوز أن يرفع ما تيقنا وجوبه بالتجويز، والواجب عليه أن يأتي ما يكون به على يقين من أداء ما افترض عليه، فإذا كان هذا هكذا فشكه فيما أمر به أوقعه أو لم يوقعه لا يزيل عنه ما تيقن وجوبه ... » (2).
ونقل ابن بركة قولاً مخالفاً لهذه القاعدة واعترض عليه، ورجح رأي الجمهور فقال: «وقال بعض أصحابنا: من تطهر لصلاة بعينها ثم شك في طهارته أنه لا يصلي بتلك الطهارة حتى يتيقن أنه لم يحدث (3)، وهذا عندي فيه نظر؛ لأن الطهارة مأمور بها من كان بها محدثاً، فإذا حصلت له وتيقنها كان له يصلي ما شاء بتلك الطهارة ما لم يحدث، فإذا تيقن ثبوت الطهارة لم يكن شكه فيها هل أحدث أم لم يحدث لم تجزه صلاته حتى يتيقن الطهارة التي يدخل بها الصلاة، لا تجزيه إلا بيقين.
أن
(1) الكندي أبو بكر: المصنف، 103/ 4. (2) الكدمي: المعتبر، 119/ 3.
(3) وهذا ما عليه العمل عند المالكية، ينظر الدردير أحمد الشرح الصغير على مختصر خليل، وبحاشيته بلغة السالك إلى أقرب المسالك إلى مذهب الإمام مالك لأحمد الصاوي، نشر مؤسسة العصر للمنشورات الإسلامية، وزارة الشؤون الدينية، الجزائر، مطابع المطبوعات الجميلة، الجزائر، د. ت. 51/ 1 - 52. - القروي محمد العربي: الخلاصة الفقهية على مذهب السادة المالكية، نشر مكتبة رحاب، د. ت. الجزائر، ص 19 - 20. ينظر: حاشية الخرشي محمد بن عبد الله. بن علي المالكي على مختصر خليل (ت: 767 هـ) وعليه حاشية علي بن أحمد العدوي (ت: 813 هـ) على الخرشي ضبطها زكرياء عميرات، ط 1، منشورات دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، 1417 هـ / 1997 م، 292/ 1 - 293. (2/38)
صفحة 558
الفصل الثاني: القاعدة الفقهية الكلية الكبرى الثانية
39
واحتج ابن بركة على أصحاب هذا القول أن الخبر قد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم بالأمر بالثبات على اليقين المتقدم في الطهارة يقوله صلى الله عليه وسلم: «إذا شك أحدكم فلا ينصرف حتى يسمع صوتاً أو يشم ريحاً (1) فلما جعل البناء على الصلاة مع وقوع الشك كان ينبغي أن يكون استفتاح الصلاة مع وقوع الشك في الطهارة ولا فرق بينهما .... وإذا ثبت الخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم فليس إلا اتباعه، وقد وافقنا الشافعي في هذا وقال من ثبت له حكم يقين بشيء لم يزل الحكم عنه إلا بيقين ثان ... (2). وما ذهب إليه جمهور الإباضية هو ما يتفق مع رأي الجمهور من الحنفية والشافعية والحنابلة والظاهرية في إعمال الأصل السابق، وهو الطهارة وطرح الشك الطارئ، وأجازوا الصلاة في هذه الحالة؛ لأن الطهارة متيقنة والمشكوك فيه ملغى لا اعتبار له (3)، واستندوا في هذه المسألة إلى الحديث النبوي المتقدم. أما المالكية فسلكوا مسلكاً آخر، ومنعوا من الصلاة مع الشك في بقاء الطهارة، معللين ذلك بأن ترتب الصلاة في الذمة هو الأصل الأول، ولا يمكن الخروج عن العهدة والبراءة من الذمة إلا بطهارة متيقنة (4).
6
وقد فصل أحمد الدردير هذه المسألة، ومما جاء في قوله: « ... الشك ناقض؛ لأن الذمة لا تبرأ مما طُلب منها إلا بيقين ولا يقين عند الشك،
(1) سبق تخريجه
(2) ابن بركة الجامع، 356/ 1 - 357.
(3) ابن عابدين ردّ المحتار، 1/ 150. - النووي روضة الطا 77/ 1. ـ البهوتي منصور بن يونس بن إدريس، كشاف القناع عن متن الإقناع، راجعه وعلق عليه هلال مصيلحي ومصطفى هلال، نشر مكتبة النصر الحديثة، الرياض، 1321. - ابن حزم أبو محمد علي محمد أحمد بن سعيد، المحلى، منشورات المكتب التجاري للطبع والنشر والتصوير، بيروت،
211 - 79/ 2
(4) القرافي الذخيرة، 212/ 1 - 213 - الحطاب شرح الحطاب على مختصر خليل، ط. طرابلس مكتبة النجاح فصل في نواقض الوضوء، 294/ 1. (2/39)
صفحة 559
40
القواعد الفقهية عند الإباضية
والمراد باليقين ما شمل الظن (أي الظن (الغالب والشك الموجب للوضوء
ثلاث صور:
الأولى: أن يشك بعد علمه بتقدم طهره، هل حصل منه ناقض من حدث
أو سبب أم لا؟
الثانية: عكسها، وهو أن يشك بعد علم حدثه، هل حصل منه وضوء أم لا؟ الثالثة: علم كلّاً من الطهر والحدث وشك في السابق منهما (1). منهما» (1).
منشأ الخلاف:
يبدو أن أساس الخلاف في هذه المسألة نجم عن تعارض الأصلين وهما: أصل الطهارة، وبراءة الذمة، فإن جمهور الفقهاء من الإباضية وغيرهم يعملون أصل الطهارة، فإذا صلى في هذه الحالة سقط الفرض عنه، أما المالكية فقد ذهبوا إلى وجوب الوضوء عليه إعمالاً للأصل الآخر وهو ترتب الصلاة في ذمته، فلا تسقط عنه إلا بطهارة متيقنة. ولعل الراجح من القولين رأي الجمهور استناداً إلى الحديث المتقدم، فهذا الخلاف ليس إبطالاً لهذا الأصل، بل حدث لمعارضة الأصلين، وهما براءة الذمة، والأصل بقاء ما كان على ما كان فكل فريق أخذ بأصل واعتمد عليه في استدلاله (2).
4 - حكم من تيمم ثم شك هل انتقض تيممه أم لا؟
يرى الإباضية أن من تيمم وشك في طهارته لا يلزمه إعادة التيمم بنفس الشك فيه، أما إن شك أنه تيمم أم لا، فإنه يجب عليه أن يتيمم حتى يعلم أنه خرج من عهدة التكليف (3)، وهذا ما ذهب إليه الشماخي معتمداً في ذلك على
(1) الدردير أبو البركات أحمد الشرح الصغير على مختصر خليل، 147/ 1 - 148. (2) الندوي: القواعد الفقهية ص
367 - 368
(3) المرجع نفسه، 274/ 3. - الشماخي: كتاب الإيضاح، 310/ 1. (2/40)
صفحة 560
الفصل الثاني: القاعدة الفقهية الكلية الكبرى الثانية
41
قاعدة: «اليقين لا يزول بالشك وهذا نصه: «وإن شك أنه
تيمم
أو لا فإنه يتيمم
حتى يكون على اليقين، وأما إن أيقن التيمم فشك أنه انتقض عليه أم لا، على اليقين من تيممه، ولا يرفع الشك ما ثبت باليقين).
فإنه
وقاس السالمي حكم الشك في التيمم بالشك في الوضوء، فبين أنه كما ليس عليه أن يعيد وضوءه بالشك فكذلك التيمم، واستدل على هذا الحكم بما ثبت عن النبي أنه إذا شك أحدكم في صلاته فلا ينصرف حتى يسمع صوتاً أو يجد ريحاً (2)، فلما كان شكه في صلاته لا ينقض طهارته، فكذلك شكه في غير الصلاة (3).
ه ـ ومنها في الجنب يشك أنه اغتسل من الجنابة، أو لم يغتسل، وما أشبه ذلك من الفرائض:
اختلف الإباضية فيمن كان جُنُباً ثم صلى صلاة أو صلوات ولم يعلم أنه اغتسل، أو شك في الغُسل، فما حكم صلاته؟
قال أبو الحسن البسيوي: يعتبر هذا عندي قد اغتسل، ولا يعيد الغسل والصلاة حتى يعلم يقيناً أنه لم يغتسل، إذا كان قد تعوّد، وكان من أهل القبلة،
ويدين بوجوب غسل الجنابة، ولا يعرف من نفسه عادة أنه يترك غسل الجنابة في أي وجه من الوجوه، أو على أي حال من الأحوال. وخالفه أبو سعيد الكدمي في هذا الرأي وقال: «هذا يخرج على الاطمئنان وليس على الحكم؛ لأن المفروض بقاؤه على الجنابة حتى يستيقن أنه اغتسل، وإن كان ممن يدين بها فليس الغسل من الجنابة مثل الوضوء؛ لأن الوضوء في أكثر الأحوال لا يصلى إلا بوضوء وأنه على وجه من الوجوه إذا لم يكن قد علم منه بوضوئه
(1) الشماخي: المرجع السابق.
(2) سبق تخريجه في الصفحات السابقة.
(3) السالمي: معارج الآمال، 274/ 3. - الشماخي: الإيضاح، 310/ 1. (2/41)
صفحة 561
42
القواعد الفقهية عند الإباضية
أنه لا يصلي الصلاة حتى يتوضأ، وليس غسل الجنابة كذلك عندي، ويخرج أنه يجري عليه معنى النسيان (1).
في الغسل
وبناءً عليه، فإذا علم أنه على جنابة فقد لزمه حكم الغسل، فهو باق عليه حتى يعلم أنه اغتسل، فإن كان ذاكراً لغسله حتى مضى إلى الماء فوقع فيه فليغتسل، أو مضى ليغتسل، وعرف ذلك أو ذكر شيئاً من هذا، كان هذا مما يزيد في الاطمئنان إذا كان قد صلّى أو مضى عليه وقت الصلاة لم يعلم أنه لم يصلها، ثم شك فيها هل صلاها أو لم يصلها؟
فقول: ليس عليه أن يصليها حتى يعلم أنه لم يصلها، وما دام في وقتها فشك فيها، فعليه أن يصلي حتى يعلم أنه قد صلّى. قال الكدمي: «وأرجو أن هذا المعنى يخرج على معنى الحكم، لا على معنى الاطمئنان؛ لأنه ليست الصلاة في زوال وقتها كمثل الغسل؛ لأنه ليس للغسل وقت معروف ولا في أكثر العادة ألا يصلي إلا بغسل كما لا يصلي إلا بوضوء» (2).
واختار الكدمي ألا يقاس حكم الغسل على حكم الوضوء والصلاة لأن بينهم اختلاف؛ فالصلاة عادة لا تصلى إلا بوضوء ولا يفوت وقتها دون أداء، ولذلك فإن شك أنه صلى بوضوء أو بغير وضوء، فلا إعادة عليه بمعنى الحكم حتى يعلم أنه صلى بغير وضوء أو لم يصل. ويرى أنه «يفترق معنى الغسل في النظر مع معنى الوضوء كما ذكر، وإن كان يحسن في الاطمئنانة، إذ ليس من مذهب المصلي، أن يصلي بالجنابة حتى يغتسل إلا من عذر. ولا يعلم من أهل القبلة يقول بترك الغسل من الجنابة بدين ولا برأي، إلا منتهكاً لدينه. فإذا كان يعرف نفسه بانتهاك الغسل من الجنابة كان على أصل ما يعرف نفسه في أمر صلاته في معنى الحكم، حتى يعلم أنه اغتسل. وأما إذا لم يكن
(1) الكدمي: المعتبر، 77/ 4. - الكندي أبو بكر: المصنف، 321/ 4. (2) الكدمي المصدر نفسه، 4/ 78. - الكندي المصنف، 321/ 4 - 322.
أحد (2/42)
صفحة 562
الفصل الثاني: القاعدة الفقهية الكلية الكبرى الثانية
43
كذلك، وكان يدين بالاغتسال ولا يعرف نفسه بتركها فمضى عليه وقت صلاة بعد علمه بالجنابة، أو جامع ثم لم يعلم غسل أو لم يغسل، فيخرج في الاطمئنانة أنه ليس عليه غسل، إلا أن يعلم أنه كان ناسياً للجنابة، وأنه لم يغتسل. ولا يثبت ذلك على الحكم؛ لأنه كما تعلق عليه حكمه، وكان لازماً له، فهو عليه حتى يعلم أنه قد أداه إذا لم يكن عليه عمل ذلك في وقت معروف لا يسعه تركه فيه، وإنما العمل له لغيره، وليس هو مما لا يجوز ذلك العمل إلا به في كل وقت على كل حال، والغسل يخرج مثل هذا».
خلاصة القول:
يظهر من عبارة الكدمي أنه يميل إلى إعمال قاعدة: «اليقين لا يزول بالشك» في حكم الجنابة، فلا يخرج منها إلا بيقين وهو الغسل، واستثنى من ذلك حالة ما إذا كان المصلي معتاداً للاغتسال كما يفعل في الوضوء والصلاة وأدى الصلاة ثم طرأ عليه الشك هل اغتسل أم لا؟ ففي
هذه الحالة يرى الكدمي أنه يلزمه العمل بما غلب عليه ظنه واطمأنت إليه نفسه، ما دام يدين بالاغتسال، فلا يعيده؛ لأنه غالباً لا يصلي إلا وهو طاهر، وكأنه بذلك قد أوكل الأمر إلى الشاك وجعله يحكم على نفسه، مصداقاً لقوله قال: بَلِ الْإِنسَنُ عَلَى نَفْسِهِ، بَصِيرَة} (القيامة: 14). {
6 ـ ومنها إذا رأى الرجل في منامه أنه يجامع امرأة حتى أمنى، ثم انتبه فلم يجد أثراً لمني في جسده أو ثيابه، فلا يلزمه غسل؛ لأنه بات على أصل الطهارة فلا ينتقل عنها بشك (2).
وذكر الكدمي أنه إذا رأى الجماع أو ما يشبه ذلك من أنواع المس أو أي وجه من وجوه ما يقرب إلى معنى الشهوة من مقدمات الجماع، وسواء كان
(1) الكدمي: نفسه، 78/ 4 - 79 ـ أحمد الكندي: المصنف، 322/ 4.
(2) الكدمي المعتبر، 98/ 4. - وينظر: الخليلي سعيد: المصدر نفسه، 229/ 2. (2/43)
صفحة 563
44
القواعد الفقهية عند الإباضية
ذلك
ثم
قد وجد الشهوة أو لم يجدها، ثم انتبه في حين ذلك فلمس فلم يجد شيئاً خرج منه بعد ذلك شيء من البلل لا يعلم أن هذا البلل من ماء دافق، فالحكم أنه يخرج في هذا الفصل أنه لا غسل عليه ولا يعلم في ذلك اختلافاً، إلا أن يكون يدرك الشهوة بعد يقظته التي بها يخرج المني فلمس في حين فلم يجد شيئاً ثم يكون خروج ذلك في الشهوة وفي بقية الشهوة التي أدركها والتي بمعناها يخرج الماء الدافق فعنده أن عليه في هذا الفصل الغسل ولا يظهر له في ذلك اختلافاً (1). وسئل أبو الحسن البسيوي عن رجل إذا انتبه من نومه فوجد بللاً لا يعرف ما هو على رأس الذكر هل عليه غسل أم لا؟
قال: إن كان رأى شيئاً من النساء مثل مس أو جماع أو كلام مما يبين الشهوة، أو شيء من ذلك مما يقرب من الشهوة، ثم انتبه فوجد بللاً فعليه الغسل، وإن لم ير جماعاً ولا شيئاً فلا غسل عليه حتى يعلم أن تلك الرطوبة نطفة (أي: جنابة). وهذا القول هو ما نقله أبو الحواري عن بعض الإباضية). وحكى الكدمي الإجماع في هذه المسألة، فذكر أنه إذا رأى الحالم الجماع في المنام وأدرك الشهوة ووجدها أو لم يدركها ولم يجدها، ثم انتبه من نومه فوجد بللاً في حين انتباهه، ولم يعلم أو يتحقق أن ذلك كان نطفة أو أنه فقط كان مذياً أو وَدْياً أو كان شيئاً غير ذلك، فيرى أن عليه الغسل، إذا كان قد رأى الجماع أو ما يشبه الجماع ثم انتبه فوجد بللاً ... وهذا الحكم على قول من قال به على حسب ما يوصف لك، أنه قيل: إن هذا الفصل مما يشبه ومعي القول فيه معنى الاتفاق بوجوب الغسل عليه فيه في هذا الموضع» (3). وذهب البعض إلى القول أنه إذا وجد نطفة ميتة فلا غسل عليه، ولكن
(1) الكدمي: المعتبر، 94/ 4.
(2) الكدمي المصدر نفسه. (3) الكدمي: المصدر السابق، 96/ 4. (2/44)
صفحة 564
الفصل الثاني: القاعدة الفقهية الكلية الكبرى الثانية
الكدمي خالفهم في ذلك، فلم يفرق بين النطفة الحية والميتة، بل أوجب عليه الغسل عموماً من باب الحكم أو من باب الاحتياط، فيقول: «وكذلك عندي إذا رأى الجماع بمعناه، أو ما يشبهه من المداعبات والمقدمات، ثم وجد بعد يقظته نطفة في شيء من بدنه مما يمكن أن يخرج فيه من الاحتلام منه بمعنى من المعاني في الاحتمال، أو في ثوبه الذي نام فيه، فمعي أنه قد قيل: إن عليه الغسل من مثل هذا، وإذا رأى الجماع أو ما يشبهه ثم رأى مثل هذا رطباً أو يابساً فتبين أنها نطفة خرج عندي وجوب الغسل عليه، بمعنى ما لا يبين لي فيه اختلاف لما يقارب معنى وجوب الأحكام بذلك، ولا يخرج عندي من معنى الاحتياط على حال ما احتمل ذلك بوجه من الوجوه، أن يكون ذلك من غيره أو نطفة ميتة، ولو ثبت أنها نطفته» (1).
الماء
من خرج من الماء من غسل النجاسة أو الجنابة أو من الوضوء وشك في الطهارة، فقد نقل أحمد الكندي عن محمد بن محبوب: أنه من خرج من من غُسْل من جنابة أو نجاسة، ثم شك أنه لم يغسل شيئاً من يديه أو لم يحكم الاستنجاء، قال: إذا لبس ثوبه فلا إعادة عليه ولا يرجع حتى يستيقن، وكذلك إذا خرج من الماء على أنه قد غسل أو توضأ، ثم شك فلا. يرجع إلى الشك حتى يستيقن ولو لم يكن لبس ثوبه (2). ويبين الكندي أيضاً حكم من شك في وضوءه فقال: «ومن شك في
6
وضوءه كله بعد خروجه منه فلا نقض ولا يرجع إلى الشك؛ فإن شك في عضو أنه لم يحكمه بعد أن خرج منه، لم يرجع، ولو كان ذلك لكان الإنسان لا يبرح يتوضأ. وإن شك وهو بعد فيه، فلا يخرج منه حتى يُحكمه، إنما لا يرجع إذا خرج من الحدث وأدى الفرض، وكذلك الغسل (3).
(1) الكدمي: المعتبر، 96/ 4. وفيه تفصيل دقيق في هذه المسائل. (2) الكندي أبو بكر أحمد: المصنف، 101/ 4.
(3) المصدر نفسه: 100/ 4. (2/45)
صفحة 565
46
القواعد الفقهية عند الإباضية
- وفي باب الحيض والنفاس:
اختلف الإباضية في حكم الصفرة والكدرة هل يعتبران من الحيض
أم لا؟
فذهب أكثرهم إلى أن الصفرة والكدرة ليستا بحيض إلا إذا اتصلتا بالدم؛ لأنهما ليستا من ألوان دم الحيض، فإذا حاضت المرأة واتصلت بدم حيضها صفرة أو كدرة فهو من حيضها؛ لأنها دخلت بيقين ولا تخرج منه إلا بيقين وترى النقاء البين (1).
ونظراً لأهمية هذه المسألة وضرورة تفقه أحكامها أرى أنه من المناسب
أن أنقل أقوال الإباضية وأدلتهم مع بيان وجه الاختلاف وثمرته. يرى ابن بركة أن المرأة إذا رأت صفرة أو كدرة في الوقت الذي كان الحيض يأتيها فيه فليس ذلك عنده بحيض، وإن كان قد قال بذلك بعض الإباضية، فإن اتصل بالصفرة دم فقد قال بعضهم يكون ذلك حيضاً. ونقل السالمي في «المعارج» أنه قيل: لا يكون حيضاً حتى يكون الدم العبيط (2) هو الأكثر الغالب على الصفرة والكدرة والحمرة، فإن كان ذلك الدم العبيط هو الغالب على ذلك كان ذلك حيضاً، ولو تقدمت الصفرة ونحوها وهو القائل قد جعل الحكم للأغلب من الدماء. وقال أبو الحواري ومحمد بن الحسن الذي نأخذ به أن الصفرة في أيام حيضها ليس بحيض إلا أن يتقدمها دم.
(1) ابن بركة الجامع، 1/ 230 - 231 - الشماخي: الإيضاح، 1/ 186 - 187. (2) الدم العبيط: هو الدم الخالص لم يخالطه شيء من صفرة أو كدرة. قال ابن الأثير: العبيط الطري عند النضيج ينظر: ابن منظور، لسان العرب المحيط مادة (عبط)، نشر دار العرب، بيروت، د. ت. 2/ 670. وعرَّفه غيره بأنه الدم الطري الذي لا يتخثر، وهو دم الحيض، وحقيقته تهدمات جدار الرحم، ينظر: محمد رواس قلعة جي وحامد قنيبي، دار النفائس بيروت 1405 هـ/ 1985 م. (2/46)
صفحة 566
الفصل الثاني: القاعدة الفقهية الكلية الكبرى الثانية
47
واعترض أبو سعيد الكدمي على من قال أن الصفرة والكدرة متى
كانت في أيام الحيض فهي حيض وقال: هو عندي يشبه الشاذ. وعقب ابن بركة على بعضهم بقوله: «أما من ذهب من أصحابنا إلى أن الصفرة والكدرة في أيام الحيض إذا لم يكن الدم متصلاً بها فهو حيض فقوله فيه نظر» (1).
وقال آخرون: لا يكون ذلك حيضاً إلا أن يتقدمه الدم وتتصل الصفرة والكدرة به في أيام عادتها.
قال أبو إسحاق الحضرمي: «لا تكون الصفرة أو الكدرة حيضاً إلا في خصلة واحدة وهي أن يتقدمها الدم في أيام الحيض فحينئذ تكون حيضاً وإن لم يكن دم معها، وقد قال بعض أصحابنا أن الدم الأحمر الرقيق حكمه حكمها» (2). وبين ابن بركة أن هذا القول عليه العمل أكثر، والحجة له أقوى، وعلله بأن المرأة ما لم تر الدم فهي طاهر باتفاق الأمة، فإذا رأت صفرة أو كدرة، اختلف الناس في حكمها فسماها بعضهم به حائضاً وسماها بعضهم مستحاضة، وسماها بعضهم محدثة كسائر الأحداث الموجبة لرفع الطهارة، ثم خلص إلى القول أن هذا الاختلاف غير مزيل للإجماع إلا بحجة، فهي أبدا عنده طاهر ما لم يتفقوا على أنها حائض أو ترى دماً فيكون دمها ذلك دليلاً على حيضها، إذ الصفرة والكدرة ليست من ألوان دم الحيض، فإذا حاضت فاتصل بدم حيضها صفرة أو كدرة فهو من حيضها؛ لأنها دخلت بيقين ولا تخرج منه إلا بيقين وترى النقاء البين ما لم تتجاوز ما نعلم أنه
ليس بحيض.
(1) السالمي: المعارج، 61/ 4 - 62.
(2) الحضرمي أبو إسحاق إبراهيم بن قيس: مختصر الخصال، ص 45. (2/47)
صفحة 567
48
القواعد الفقهية عند الإباضية
واستدل ابن بركة على مذهبه بما روي عن عطاء عن عائشة أنها قالت: إذا رأت المرأة الدم فتمسك عن الصلاة حتى ترى بعده البياض كالقَصَّة)، ثم تغتسل وتصلي» (2). (3).
هذا وقد أورد الشماخي هذه المسألة في الإيضاح» ونقل فيه مختلف الأقوال، وأشار فيها إلى منشأ الخلاف، ورجح رأي أكثر الفقهاء لقوة أدلتهم، ومراعاتهم لأحوال النساء وعادتهن في الدماء. وهذا نص عبارته: «وأما الصفرة والكدرة فقد اختلف الفقهاء فيهما هل هما حيض أم لا؟
فقال قوم: هما حيض في أيام الحيض لا في غيرها، وقال آخرون: لا حكم للصفرة والكدرة، إنما الحكم لما سبقهما وتقدمهما؛ إن سبقهما حيض فحكمهما الحيض، وإن سبقهما طهر فحكمهما حكم الطهر، وقال آخرون: إن الصفرة والكدرة حيض في أيام الحيض وفي غير أيام الحيض رأت ذلك
في
مع
أيام
الدم أو لم تره، وقال آخرون إن الصفرة والكدرة لا تكونان حيضاً لا الحيض ولا في غيرها ولا بأثر الدم ولا بعد انقطاعه. وأصل الاختلاف مخالفة ظاهر حديث أم عطية لحديث عائشة، وذلك أنه روي عن أم عطية الأنصارية قالت: «كنا لا نعد الصفرة ولا الكدرة حيضاً في زمان النبي صلى الله عليه وسلم)، وروي عن عائشة أنها قالت: «لا تطهر المرأة من حيضها حتى ترى القصة البيضاء» (5).
هي
(1) قال ابن بركة | القصة قصة الصبح أو بياض من النهار الذي يرتفع بظهوره حكم الليل وسواده وكدرته، ينظر: الجامع، 231/ 2.
(2) رواه الدارمي، كتاب الطهارة، باب الطهر كيف هو، رقم 863، عن عائشة بلفظ: «إذا رأت
الدم فلتمسك عن الصلاة حتى ترى الطهر أبيض كالفضة ثم تغتسل وتصلي».
(3) ابن بركة: الجامع، 2/ 230 - 231. (4) رواه الربيع، كتاب الطلاق، بَابٌ فِي الْحَيْضِ، رقم 543. والبخاري، كتاب الحيض، باب الصفرة والكدرة في غير أيام الحيض، رقم 320، عن أم عطية.
(5) رواه البخاري، كتاب الحيض، باب إقبال الحيض وإدباره، رقم 314، ومالك في الموطأ، كتاب الطهارة، باب طهر الحائض، رقم 128، عن عائشة. (2/48)
صفحة 568
49
الفصل الثاني: القاعدة الفقهية الكلية الكبرى الثانية
فمن ذهب إلى حديث عائشة جعل الصفرة والكدرة حيضاً سواء ظهرت في أيام الحيض أو في غيرها، مع الدم أو بلا دم؛ لأن حكم الشيء الواحد في
نفسه لا يختلف.
ومن ذهب إلى ظاهر حديث أم عطية لم ير الصفرة والكدرة شيئاً لا في أيام حيض ولا في غيرها، ولا بأثر الدم ولا بعد انقطاعه، لقول النبي صلى الله عليه وسلم رواية عن الزهري عن عروة: «إن دم الحيض أسود يُعرَف، فإذا كان ذلك فأمسكي عن الصلاة، وإذا كان الآخر فتوضئي وصلي فإنما هو عرق» (1) وجعل الصفرة والكدرة من سائر الرطوبات التي يرخيها الرحم.
ومن رأى الجمع بين الحديثين قال: إن حديث عائشة هو في أيام الحيض، وحديث أم عطية في غير أيام الحيض، أو حديث عائشة هو في أثر الدم، وحديث أم عطية بعد انقطاع الدم)
وتابع الشماخي رأي ابن بركة وصححه فقال: «وهذا القول عندي أصح أن تكون الصفرة والكدرة حكمها حكم ما سبق لهما، وكذلك الثرية والعلقة والتيبس؛ لأنها أبداً طاهر بالإجماع ما لم تتيقن على أنها حائض أو ترى دماً خالصاً، فإذا حاضت واتصل بدم حيضها صفرة أو كدرة فهما من حيضها؛ لأنها دخلت بيقين فلا تخرج إلا بيقين أو ترى النقاء البين ما لم تجاوز تعلم أنه ليس بحيض (3).
ما
(1) رواه أبو داود، كتاب الطهارة، باب من قال إذا أقبلت الحيضة تدع الصلاة، رقم 286، والبيهقي في الكبرى، كتاب الحيض، باب المستحاضة إذا كانت مميزة، رقم 1449، عن فاطمة بنت أبي حبيش. المباركفوري: قال المنذري: ورواه النسائي حسن». عون المعبود، 323/ 1.
(2) الشماخي: كتاب الإيضاح، 1/ 185 - 187.
(3) الشماخي: الإيضاح 178/ 1، وينظر: ابن بركة الجامع 2 231. وينظر: السالمي: المعارج،
62/ 4 - 64 (2/49)
صفحة 569
القواعد الفقهية عند الإباضية
ثانياً: في باب الصلاة:
1 - حكم الشك في تكبيرة الإحرام
من شك في أداء تكبيرة الإحرام فلم يدر أكبرها أم لم يكبرها، اختلف الإباضية في حكمه.
قال ابن بركة: «فالأصل أنه لم يأت بها، فلا يخرج من فرضها إلا بيقين، إعمالا لقاعدة: «اليقين لا يزول بالشك»، واحتج كذلك بقول النبي صلى الله عليه وسلم الصلاة: «تحريمها التكبير وتحليلها التسليم) ولا يحرم فيها إلا ما كان محللا من الكلام وغيره إلا بالإحرام.
وذهب أكثر الإباضية إلى القول: إنّ تكبيرة الإحرام وغيرها مما هو في الصلاة إذا جاوز المصلي موضعه لم يعده إذا شك فيه ولم يرجع إليه، وخالفهم ابن بركة في هذا الحكم وقال: ونحن نختار قول من فرّق بين تكبيرة الإحرام وسائر التكبير الذي في الصلاة؛ لأن ذلك ليس بفرض تكبيرة الإحرام، ألا ترى لو تركها المصلي ونسيها كانت صلاته فاسدة لإجماع الأمة، ولو ذكر أنه نسي غيرها من التكبير أن صلاته لا تفسد ولو كثر ... » (2).
ولعل ما ذهب إليه ابن بركة هو رأي وجيه وأقرب للصواب، له ما يبرره؛ فالأصل عدم تكبيرة الإحرام فإذا شك في عدمها فيجب عليه الإتيان بها؛ لأنها من أركان الصلاة، ولا يمكن الدخول فيها بدونها، فإذا
(1) رواه الربيع، كتاب الصلاة ووجوبها، باب في ابتداء الصلاة رقم 220، وأبو داود، كتاب الطهارة، باب فرض الوضوء: رقم 61، والترمذي، أبواب الطهارة، أن مفتاح الصلاة الطهور، رقم، عن علي بن أبي طالب وقال هذا الحديث أصح شيء في الباب وأحسن. المناوي: «رمز المؤلف [السيوطي] لحسنه تبعا للنووي بل قال أعني المؤلف: إنه حديث متواتر وزعم ابن العربي أن إسناد أبي داود أصلح من الترمذي قال اليعمري ولا وجه له وفيه محمد بن عقيل ضعفه الأكثر لسوء حفظه لكن ينبغي أن يكون حديثه حسناً». فيض القدير، 527/ 5. (2) ابن بركة: الجامع، 452/ 1. (2/50)
صفحة 570
الفصل الثاني: القاعدة الفقهية الكلية الكبرى الثانية
51
تركها سهواً أو عمداً لا يمكن جبرها وعليه إعادة الصلاة من أجلها، بخلاف سائر التكبيرات داخل الصلاة فهي من السنن، ومن شك في أدائها فلا يعيدها إلا إذا تيقن من ذلك، ومن سها عنها وتذكرها بعد أن تجاوزها سجد سجود السهو.
2 - حكم الشك في القراءة من الصلاة: إذا دخل المصلي في الصلاة وشك هل قرأ القرآن أم لم يقرأ؟ وأين يتحدد هذا الشك، هل في الفاتحة أم في السورة؟ وقع الخلاف بين الإباضية في هذه المسألة، لخصه السالمي في «المعارج»، ومما جاء فيه: «اعلم أن الشك إما أن يكون في الحمد (الفاتحة) أو في السورة التي تقرأ بعدها، فإن كان في السورة فلا يستأنف قراءته بل يستمر فيها، فإن
بعضها يجزي.
فلو قدرنا أنه لم يقرأ أو صحت صلاته بقراءة آخرها، فإن أعاد القراءة
فلا بأس؛ لأن تكرار السورة جائز لا سيما في مثل هذا الموضع. وإن كان الشك في قراءة الفاتحة، فإما أن يشك بعد الفراغ من قراءتها أو قبل الفراغ؛ فإن شك بعد الفراغ فلا يرجع إليها حتى يتيقن أنه تركها، وهذا ما ذهب إليه أبو عبد الله محمد بن محبوب
ـ
وهكذا سائر الحدود، فإنه إذا خرج من الحد لا يرجع إليه بالشك فيه؛ لأن الأصل أنه أتى به على وجهه حتى يصح غير ذلك. والأصل عدم الناقض
لصلاته بعد تيقن الدخول فيها، حتى يتيقن أنه أتى بما ينقضها.
وإن شك وهو في قراءتها، فإن شك في إحكام الكلمة التي هو فيها، فقيل: لا يمضي عنها حتى يحكمها؛ لأن الأصل أنه لم يأت بها حتى يتيقن أنه
أتى بها على وجهها.
(1) السالمي: المعارج، 142/ 4 - 143. (2/51)
صفحة 571
52
القواعد الفقهية عند الإباضية
ويرجح السالمي عدم إعادتها ما دام متيقناً بقراءتها على الوجه الصحيح، حتى لا يترك مدخلاً لوساوس الشيطان. يقول في هذا الصدد: «وأقول: إنه إذا كان الشك في الإحكام مع تيقن الإتيان بها، فالأصل أنه أتى بها على وجهها
حتى يتيقن غير ذلك، وللشيطان في التشكك سبيل يجب علينا قطعه» (1). وإن شك في أول الفاتحة وهو في آخرها فقيل: عليه أن يستأنف قراءتها إذ ليس له أن يخرج عن الحد حتى يتيقنه ويحكمه. وقيل: إذا قرأ أكثرها لم يكن عليه أن يبتدئ قراءتها، بل يمضي على صلاته تنزيلاً للأكثر منزلة الكل.
ويختم السالمي قوله: بأن الأمر كله يعود إلى الاطمئنان النفسي، فإذا اطمأنت نفسه للإعادة أعادها وإن اطمأنت لغيره تمسك به، وهذا على حد عبارته: «وأقول: إن اطمأن قلبه بأنه لم ينته إلى آخرها إلا بعد الشروع في أولها وسكنت نفسه إلى ذلك جاز له التمسك به ولا يرجع مع هذا الشك (2). أما إذا كان المصلي إماماً وشك في قراءة الفاتحة فما حكم ذلك؟ قال أبو محمد (ابن بركة رحمه الله: «اختلف أصحابنا (الإباضية) في الإمام يصلي يقوم ثم يشك أنه لم يبتدئ بأول فاتحة الكتاب، وهو بعد في القيام لم يقرأ السورة، فقال بعضهم: يرجع فيبتدئ بفاتحة الكتاب ما لم يجاوزها إلى غيرها، وقال بعضهم: إذا جاوز شيئاً منها وشك في أولها وقد بلغ إلى آخرها، وقبل أن يتمها وقد قال وَلَا الضَّالِّينَ} (الفاتحة: 7) فلا يرجع إلى الشك؛ لأن من عادة الناس لا يبتدئون فاتحة الكتاب من وسطها، وإذا كان الشك بخلاف العادة لم يكن له حكم يدفع العادة، ولا يدفعها إلا اليقين» (3).
(1) السالمي: المرجع السابق 143/ 4. - الشقصي خميس: منهج الطالبين، 223/ 4. (2) السالمي: المعارج، 143/ 4. - ابن جعفر: الجامع، - 207/ 2 - 208. (3) الشقصي: منهج الطالبين 225/ 4. ينظر أطفيش: شرح النيل، 136/ 2. (2/52)
صفحة 572
الفصل الثاني: القاعدة الفقهية الكلية الكبرى الثانية
53
ولعل ما ذهب إليه السالمي هو ما ينبغي أن نسلكه في أداء العبادات، خاصة لمن ابتلي بمرض الوسواس. قال الشقصي في هذا الشأن: ويعجبنا لمن ابتلي بالشك أن يأخذ بأرخص القول من المسلمين؛ ليقوى بذلك على دفع الشيطان ـ لعنه الله ـ على صلاته» (1). وهذا المسلك سلكه بعض فقهاء الإباضية في دفع الشك وعلاج أصحاب الوساوس، ومن ذلك ما نقله الشقصي في «المنهج» بما نصه: «وقال محمد بن جعفر: قالت لي عبيدة بنت محمد إن أبا علي موسى بن علي الله رآها قد صلت العتمة (صلاة العشاء وشكت فى صلاتها فأبدلتها، ثم شكت أيضاً في البدل، فقال لها: إنما البدل من الشك مرة واحدة، فإن شككت أيضاً فإنما ذلك من الشيطان، فلا ترجعي تبديلها.
الساعة
قالت: قلتُ له فإني قد شككتُ في البدل وأنا أصلي، والذي معي إني لم أصلها، قال: دعيها ونامي فإنما ذلك من الشيطان، قالت: فلم أصلها الشك» (2). برأيه فنمت فذهب عني
يجهر
وقد أفتى محمد بن محبوب الله لمن ابتلي بالشك في صلاته أن بها كلها، حتى يسمعه الذي يحفظ عليه ويعلمه أنه قد أتم صلاته لحال حاجته إلى ذلك، وذلك مساعدة له من التخفيف من حدة الشك والوسواس، وإلا ضيع الفرائض واتبع ما يمليه الشيطان عليه، وإذا حفظ عليه صلاته رجل أو امرأة جاز إذا كان ممن يثق به في ذلك، ولو كانت أمة مملوكة فله أن يأخذ بقولهم إذا قالوا إن صلاته تامة (3).
ونجد ابن بركة يرشد من يريد الصلاة إلى ما ينبغي الالتزام به قبل الدخول
(1) الشقصي: منهج الطالبين، 224/ 4. (2) الشقصي: المصدر نفسه، 222/ 4، 223. (3) المرجع نفسه، 223/ 4. (2/53)
صفحة 573
54
القواعد الفقهية عند الإباضية
في الصلاة، حتى يقطع الشك في الصلاة ويحافظ على الخشوع فيها، فيقول: يجب على المرء أن يلقي علائقه كلها قبل القيام إلى الصلاة ليكون مقبلاً بجميع جوارحه عليها مصروف الهمة إليها منقطع الخواطر عن غيرها، فإذا فعل ذلك ثم شك فيها أو سها عن بعضها مما لا تتم الصلاة إلا به، لم يكن خرج بتعرضه للسهو عنها إذ قد يجري بحسب طاقته، ولم يكلف الله أحداً ما ليس في قدرته» (1). قال أبو سعيد تأكيداً لما سبق: «وينبغي للمبتلى بالشكوك في والطهارة ويؤمرُ أن يأخذ بأرخص أقوال المسلمين التي لا تخرج من العدل؛ لأن يتقوى بذلك على أمر الشيطان، ولا يساعد الشكوك، فإن ذلك مما يفسد عليه دينه، ويشغل بذلك عن أمور آخرته وخلوته بعبادة ربه لقوله صلى الله عليه وسلم: «يسروا فإن الله يحب اليسر ... (2) (3).
3 - حكم الشك في عدد الركعات والسجدات:
الصلاة
إذا شك المصلي في صلاته هل صلى ركعة واحدة أو اثنتين أو ثلاثاً أو أربعاً، أو سجد مرتين أو واحدة، أو ركع أم لا؟ اختلف الإباضية في هذه المسألة إلى أقوال: قال بعضهم: يبني على اليقين في هذا كله؛ لأن الله وعجل لا يعبد بالشك، واليقين لا يزول بالشك»، فإذا شك في ثلاث ركعات أو أربع ألقى ما شك
(1) ابن بركة: الجامع، 451/ 1. - الشقصي: المنهج، 236/ 4. (2) متفق عليه، رواه البخاري في كتاب الأدب، باب قول النبي صلى الله عليه وسلم: يسروا ولا، رقم 5780 ورواه مسلم في كتاب الجهاد والسير، باب في الأمر بالتيسير، رقم 3351. ولفظ البخاري: «يسروا ولا تعسروا وبشروا ولا تنفروا كتاب العلم، باب ما كان النبي صلى الله عليه وسلم يتخولهم بالموعظة والعلم رقم 69 عن أنس بن مالك بن النضر.
(3) الكندي أبو بكر أحمد بن عبد الله بن موسى: المصنف، 106/ 4. (2/54)
صفحة 574
الفصل الثاني: القاعدة الفقهية الكلية الكبرى الثانية
55
فيه وبنى على يقينه، وإذا شك في سجوده أنه سجد واحدة أو اثنتين زاد سجدة أخرى ليكون على يقين).
- وقال بعضهم يعيد صلاته؛ لأنه لا يدري لعله زاد في صلاته، لما روي
أنه قال: «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك» (2).
وقال بعضهم: لا يشتغل بالشك إذا كان عنده أنه قد صلى (3).
قال موسى بن علي: إذا شك أنه صلى ثلاثاً أو أربعاً لم تضره تلك الركعة الخامسة؛ لأنه كان بقي عليه التسليم وإن كان قعد للثالثة فقد أتى بالرابعة وتمت صلاته» (4).
نقل الشقصي في «المنهج ما يفيد هذا المعنى فقال: «وكذلك حفظ لنا الثقة عن موسى بن علي رحمه الله أنه قال: كلما خرج المصلي من حد من حدود الصلاة وصار في الحد الثاني ثم شك أنه لم يحكم ذلك الحد الذي خرج منه، فيمضي في صلاته ولا يرجع إليه حتى يستيقن، وقول يرجع إليه حتى يستيقن ... » (5).
هذا وقد خالف أبو سعيد ما ذهب إليه جمهور الإباضية في تعميم الحكم على من شك في شيء من صلاته، فلا ينظر إلى الشك ويمضي في صلاته، سواء كان قولاً أو فعلاً ولا يعيدها إلا إذا تيقن ذلك، حيث ميز بين
الفعل والشك في القول، فإذا كان الشك في الفعل فلا يجاوزه حتى
الشك
يأتي
في
(1) الشقصي خميس: منهج الطالبين وبلاغ الراغبين تحقيق سالم بن حمد الحارثي، 223/ 4. (2) رواه الترمذي، باب صفة القيامة والرقائق، باب رقم،2518، والنسائي في المجتبى، كتاب الأشربة، باب الحث على ترك الشبهات، رقم 5711، عن الحسن بن علي. قال الترمذي:
حسن صحيح.
(3) السالمي: معارج الآمال، 298/ 8.
(4) ابن بركة: الجامع، 503/ 1. (5) الشقصي: منهج الطالبين، 224/ 4. (2/55)
صفحة 575
القواعد الفقهية عند الإباضية
ويتيقن من فعله، أما إذا كان الشك في القول فلا يعود إليه ويبني على ما سبق حتى يتيقن أنه لم يقله.
وتأكيداً لهذا المعنى وزيادة في البيان نورد عبارة أبو سعيد الكدمي كما نقلها إلينا الشقصي فيقول: «ومن رَدَّ أبي سعيد رحمه الله في كتاب الإشراف (1) ـ قال في قول أصحابنا الإباضية) إذا شك المصلي في شيء من أمر صلاته
وهو في حد من الحدود التي هو فيها من الصلاة ولم يجاوزه إلى غيره فعليه أن يأتي به حتى يستيقن أنه قد عمله، ولو شك أنه قد عمله أو لم
إلى
يعمله، وإن جاوزه إلى حد غيره ثم شك في الذي جاوزه، فإنه يرجع إحكامه ما لم يكن بينه وبينه حد ثان، وهو في الحد الثالث، فإذا كان هكذا فقول يمضي على صلاته وقول يعيدها، وقول إذا جاوزه وشك فيه لم يكن عليه رجعة، وأما إن شك فيما يقال في الحدود بعد أن جاوز الحد الذي شك فيما يقال فلا رجعة عليه إلى ذلك الحد، ويبني على صلاته حتى يستيقن أنه لم يقله، وأما إذا شك في ركعات الصلاة فقول لا يعمل شيئاً من ذلك إلا على العلم وما شك فيه من ذلك عاده؛ لأن الصلاة لا تؤدى على الشك، وقول يتحرى المعنى الذي يشك فيه، فإن كان غير زائد في الصلاة احتاط في صلاته وأتمها كالذي يشك أنه في الركعة الثانية أو الثالثة من صلاة المغرب ويستيقن على الواحدة أنه صلاها فإنه يقعد لقراءة «التحيات ... » إلى: « ... محمد عبده ورسوله»، ثم يقوم فيأتي بركعة ثانية والتحيات، لأنه ليس في هذا الموضع زيادة في التحري في الصلاة إن كانت قد تمت صلاته في الماضي وإنما وقعت الزيادة في هذه الركعة في هذا الموضع زيادة في التحري في الصلاة في هذه الركعة بعد تمامها
(1) سمي
هذا الكتاب زيادات أبي سعيد على كتاب الإشراف لأبي المنذر النيسابوري الشافعي وهو ما زال مخطوطاً، رأيته في مكتبة السيد أحمد بن حمد البوسعيدي في سلطنة عُمان، وبلغني مؤخراً أن الباحث إبراهيم بولرواح بصدد تحقيقه. (2/56)
صفحة 576
الفصل الثاني: القاعدة الفقهية الكلية الكبرى الثانية
57
إن لم تكن قد تمت بها، وما خرج بمعنى هذا فهو مثله ... » (1) وهذا حكم
من شك في شيء من صلاته.
4 - حكم من شك في صلاته ووضوئه؟
يقول جناو بن فتى المديوني (2): سألت أبا بكر عتيق بن أسدين (3) عن رجل يدخله الشك في صلاته ووضوئه وفي الكلام، وعندما يتكلم حتى يكثر ذلك منه، هل ترى له ـ يرحمك الله ـ أن يمضي على ما هو فيه، فإن قال في نفسه لم يتم وضوءه أو صلاته، والرجل ترى منه الوسوسة حتى يخاف أن تخرج
صلاته؟
فأجابه: «إن الشيطان للإنسان عدو، مبين وإنه يرصدكم عند كل عمل وقول، وقد علمكم الله الذي ترجى به النجاة من وساوسه فقال: {مِن شَرِ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ (الناس: 4)، وذلك أنه يوسوس في قلب ابن آدم بخطرات لو جرى معها أفسد عليه دينه ودنياه وبغض عليه العيش، وكدر له الأمور وخلط عليه، فكثرة الذكر الله بها يخنس الشيطان ... فالرجل إذا دخل في الوضوء فإنما ضميره ونيته أن لو تم ذلك كما أُمر، وكذلك إذا دخل في
(1) الشقصي: منهج الطالبين، 234/ 4 - 235. (2) جناو بن فتى المديوني (أبو الحسن) أوائل ق: 3 هـ / 9 م من أهل التحقيق، عالم وفقيه وشيخ من شيوخ فزان بليبيا، وهو من قبيلة «مديونة» البربرية. لعله أخذ العلم عن حملة العلم إلى المغرب أو عن أبي عبيدة مسلم مباشرة. تتلمذ عليه عبد القهار بن خلف، وله أجوبة له، وأخرى لأبي يوسف وريون بن الحسن. حقق الدكتور عمرو خليفة النامي هذه الأجوبة وأتمها الشيخ إبراهيم طلاي، وطبعت تحت عنوان «أجوبة علماء فزان». ينظر: الشماخي: السير، 1/ 165. - علي معمر: الإباضية في موكب التاريخ، 53/ 2. ـ النامي: أجوبة علماء فران، 26 - 32. - بحاز: الدولة الرستمية، 321. - جمعية التراث: معجم أعلام الإباضية قسم المغرب، 177/ 1. (3) عتيق بن أسدين، أبو بكر (ق: 3 هـ / 9 م) كان فقيهاً، عاصر الشيخ جناو ابن فتى المديوني، والشيخ عبد القهار. معجم أعلام الإباضية بالمغرب، 415/ 1. خلف.
بن (2/57)
صفحة 577
58
القواعد الفقهية عند الإباضية
الصلاة فنيته وضميره تمامها، فإذا عارضه الشيطان بعدما فرغ بخطرات يشكك عليه فعله، ويلبس عليه أمره فليمض على ما استيقن عليه أمره ويلقي عن نفسه ما أدخل عليه الشيطان من الشك، ولو كان في إعادته الوضوء والصلاة رشداً لم يحمله على ذلك، بل كان يحسن عليه فعله، ألا ترى إلى قول المسلمين فيمن أحسّ من نفسه خروج الريح أنه إذا لم يسمع صوتاً أو يجد ريحاً أنه يمضي على وضوئه أو صلاته إذا لم يكن على يقين من تقصيره، ألا ترى أن الحدود تدرأ بالشبهات» إذا لم يكن الأمر مجرداً مشهوراً، وما كان الله ليعذب على أمر قد أبهمه ولم يبينه اعتبر ذلك يقول ابن عباس: «كُل ما شككت حتى لا تشك»، ألا تراه أبطل الشك حتى يكون على اليقين المجرد، ولو أطاع الناس الشيطان فيما يدخل عليهم من الشكوك، لأفسد عليهم دينهم ودنياهم ولم يصف لهم
عمل ... » (2).
قال ابن جعفر في الجامع: ومن شك في أربع ركعات أنهن ثلاث أو ثلاث أنهن اثنتان وفي اثنتين أنهما واحدة فليس هذا شك إذا صلى، وبان له ما جاوزه وشك فيه، ولم يصح معه كم صلى، فلا يجوز له أن ينصرف من صلاته على شك، ولا يزيل اليقين إلا بيقين مثله، وكل ما شك أبدل ... واستدل بحديث روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من شك في النقصان فليأت بما
(1) رواه عبد الرزاق في مصنفه كتاب الصيام باب الطعام، رقم 7133، والبيهقي في الكبرى، كتاب الصيام، باب من أكل وهو شاك في طلوع الفجر، رقم 7559. وفي معناه قال المحقق عمرو خليفة النامي: «يعني بذلك الأكل قبل التأكد من وقت الإمساك في رمضان فأباح الأكل عند وجود الشك وحمله على الإباحة حتى يستبين». ينظر: هامش كتاب أجوبة علماء فزان، ص (2) أجوبة علمان فزان: جناو بن فتى وعبد القهار خلف
بن
من علماء القرن الثالث الهجري، تحقيق: عمرو خليفة النامي وإبراهيم محمد طلاي طبع بمطابع البعث قسنطينة 1991،
ص 84. (2/58)
صفحة 578
الفصل الثاني: القاعدة الفقهية الكلية الكبرى الثانية
59
بقي حتى يشك في الزيادة) وعلق عليه بقوله: والله أعلم بصحة ذلك إلا أنه أصل لهذا المعنى (2). وهنا نجد ابن جعفر يعمل القاعدة في هذه المسألة، ويرشد الشاك إلى الإتيان بما شك فيه إذا لم يدر كم صلى، أما إذا لم يتيقن فلا يعيد، إلا إذا تيقن النقص استدركه. واستدلوا بحديث روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه: «صلى بأصحابه ركعتين ثم سلم وقام لينصرف فقال له رجل: أقصرت الصلاة يا رسول الله أم نسيت؟ فقال رسول الله أصدق ذو اليدين؟ قالوا نعم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كل ذلك لم يكن ... (3) قال ابن بركة: «يعني بذلك ـ والله أعلم - أن كل ذلك لم يكن عندي أني نسيت ولا أنها قصرت). وفي رواية: «إن النبي صلى الله عليه وسلم سلم من اثنتين فقيل له: يا رسول الله، أقصرت الصلاة؟ فقام فأتم ما بقي من الصلاة وسلّم فسجد سجدتين بعد السلام»).
ونقل بعض الإباضية عن غيرهم أنهم قالوا إن كان ذلك في وقت كان الكلام في الصلاة جائزاً قبل أن يرد نسخ الكلام في الصلاة، وأشار ابن بركة
صحيح
(1) رواه أحمد، مسند المبشرين بالجنة حديث عبد الرحمن بن عوف رقم 1689، والحاكم في المستدرك، كتاب الإمامة والصلاة باب التأمين رقم 959، عن ابن عمر، قال: على شرط الصحيحين، ووافقه الذهبي. (2) ابن جعفر: الجامع، 207/ 2.
(3) متفق عليه واللفظ لمسلم، رواه البخاري، كتاب أخبار الآحاد، باب ما جاء في إجازة خبر الواحد الصدوق في الأذان والصلاة، رقم 6844. ومسلم في كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب السهو في الصلاة والسجود له، رقم 929، عن أبي هريرة. قال: «إن رسول الله صلى الله عليه وسلم سلم من اثنتين فقيل له: يا رسول الله، أقصرت الصلاة؟ فقام فأتم ما بقي من
الصلاة وسلّم فسجد سجدتين بعد السلام».
(4) ابن بركة: الجامع 451/ 1. (5) رواه البخاري، أبواب السهو، باب إذا سلم في ركعتين، رقم 1169، عن أبي هريرة، والربيع، كتاب الصلاة ووجوبها، باب في السهو في الصلاة، رقم 248. عن جابر بن
زيد مرسلاً. (2/59)
صفحة 579
القواعد الفقهية عند الإباضية
إلى هذه الرواية فقال: وزعم بعض مخالفينا أنه بني على صلاته بعد أن سألهم. واستنبط ابن بركة من هذا الحديث أموراً نذكر منها:
أ ـ أن في هذا الخبر دلالة على أن المصلي إذا انصرف عن صلاته على أنه قد صلاها لما عنده من اليقين كان مؤدياً لفرضه، ولو كان لا ينصرف إلا عن يقين لا شك فيه، كما قال الإباضية (1) لما كان النبي صلى الله عليه وسلم ينصرف عن الركعتين حتى أخبره أصحابه أنه انصرف من غير يقين، ولو كان انصرف عن يقين لم يصدقهم ويعود إلى الصلاة ويزيل يقينه (3).
ب ـ وهذا الحديث أيضاً يدل على جواز غير هذا في باب العبادات. ج ـ وأضاف أن فائدة هذا الخبر قد عظمت أيضاً وجل خطره؛ لأن النبي خرج من الصلاة ولم يكملها، وعنده أنه قد فرغ منها، فجائز للناس أن يخرجوا من الفرائض إذا كان عندهم في الظاهر أنهم قد أكملوا وإن لم يعلموا ذلك علماً يقيناً لا يجوز عليه الانقلاب» (3).
د ـ كذلك أخذ ابن بركة من هذا الحديث أن من سها حتى قدم شيئاً من الصلاة عاد إلى فعل ما نسي، ثم فعل الذي بعده (4).
ويستفاد من قول ابن بركة أن الإباضية وغيرهم لا يعتمدون دوماً على اليقين في إثبات الأحكام أو نفيها، بل يأخذون بالظن الغالب إذا تعذر الوصول إلى العلم اليقيني، وهذا ما أشرنا إليه في مستهل القاعدة.
(1) السالمي: معارج الآمال، 298/ 4.
(2) ابن بركة الجامع، 451/ 1 - 452.
(3) ابن بركة: الجامع، 452/ 1. - وينظر: كذلك الشقصي: منهج الطالبين، 236/ 4 - 237.
(4) الشقصي: نفسه، 237/ 4. (2/60)
صفحة 580
الفصل الثاني: القاعدة الفقهية الكلية الكبرى الثانية
61
ثالثاً: في باب الصوم
ذهب بعض الإباضية كابن بركة وغيره إلى أن الخروج من الصوم في شهر رمضان يثبت بالشهادة ولا تقل عن شاهدين عدلين؛ فإذا قبل خبر العدل الواحد
أنه
في دخول الشهر من طريق التعبد، فيصير خبر العدل واجب قبوله، رغم لا يصل إلى علم اليقين بل يفيد غلبة الظن فإذا ثبت فرض الصيام به فيصبح
حينئذ كاليقين، فلا يجوز الخروج من الفرض المتيقن إلا بيقين مثله، ولذلك لا يكفي خبر الواحد للفطر، فلا بد لثبوته من عدلين؛ لأن الدخول في الفرض فيه تكليف للنفس وقد شهد على نفسه بوجوب الصوم، فيكفي فيه الواحد، أما الخروج من الفرض ففيه إسقاط للتكليف وقد شهد لنفسه بالفطر، فيحتاج إلى ثبوته أكثر من الواحد وذلك لقطع الشك والاقتراب من الخبر اليقين؛ لأن خبر الواحد يفيد العمل دون العلم).
ويتابع الشماخي ابن بركة في رأيه ويفصل القول في المسألة، ولا بأس أن نذكر جانبا من كلامه زيادة في البيان، فيقول في شأن ثبوت شهر رمضان بخبر الشهود: «وأما الخبر فإنهم اتفقوا إذا شهد عدلان أنهما رأيا الهلال أنه يصام بهما ويفطر بهما لأنهما حجة، واختلفوا في الواحد العدل هل يصام به أم لا؟ قال بعضهم: لا يصام به وذلك أنه عند هؤلاء لا يصام به كما لا يفطر به وقال أبو عبد الله محمد بن بركة في كتابه والذي عندي أن الواجب أن يقتدوا للصيام بأحدث ثلاث جهات: إما رؤية هلال رمضان، أو استكمال عدة أيام شعبان، أو خبر يوجب البيان، وقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم «نهى عن صوم يوم الشك (2)، فخبر الواحد لا يزيل الشك من قلوبنا، فإذا وجدنا ما يزيل الشك وجب فرض الصوم».
رقم
(1) ابن بركة: الجامع، 21/ 2. الشك، (2) رواه أبو داود، كتاب الصيام، باب كراهية صوم يوم 2334، والترمذي، كتاب الصوم، باب كراهية صوم يوم الشك، عن عمار بلفظ: «من صام اليوم الذي يشك به الناس
فقد عصى
أبا القاسم». وقال: حسن صحب (2/61)
صفحة 581
62
القواعد الفقهية عند الإباضية
ورة السالمي على ابن بركة أنه: «لا نسلم أن خبر العدل لا يزيل الشك، ومن المعلوم قطعاً أنه يوجب ظناً، راجحاً، والظن خلاف الشك، إذ المراد بالشك ما يتساوى فيه طرفا الشيء لا يترجح أحد الطرفين على الآخر، فإذا أحد الطرفين زال الشك، ولو كان خبر العدل لا يزيل الشك لما وجب قبوله في الأحكام المنقولة عن النبي صلى الله عليه وسلم، وقد ثبت قبوله في ذلك في عصر
ترجح
الصحابة ومن بعدهم.
6
- ولو ألغينا خبره لانهدم كثير من الأحكام الشرعية، فإن غالب فروع الشريعة إنما ثبت بطريق الآحاد.
وكره ابن بركة الإفطار بخبر الواحد العدل قال ولا أوجبه عليهم فرضاً؛
لأن خبر العدل مقبول ويجب العمل به حكماً، ولا يوجب عِلماً. قال: فإن قال قائل: لم قلت بالصوم عند خبره وكرهت إفطاره، وقبلت خبره، وخبره لا يفيد علماً؟
قيل له: إنما قلنا ذلك من طريق التعبد، لأن خبر العدل واجب قبوله من طريق العبادة، وأما الفرض فلا يزول بغير اليقين.
قال: فإن قال: ما الدليل على أن الله تعبّد عباده بقبول عدل واحد دون أن يكون معه ثان والله تعالى إنما أمر بقبول شهادة العدلين؟ قيل له: أن الله ـ وله الحمد ـ قد تعبدنا بأشياء مختلفة:
فأما الأموال فإنه أمَرَ ألا يقبل فيها إلا قول عدلين، وفي عمل الأبدان: أمر أن يقبل فيها خبر عدل بقوله جل ذكره: {يَتأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقُ بِنَا فَتَبَيَّنُوا (الحجرات: 6). فلما أمرنا بالتبين عند خبر الفاسق، علمنا أنه قد أمرنا بقبول خبر غير الفاسق إلى أن قال: فإن قال قائل: لم أجزت شهادة العدل في الصوم فأوجبته بقوله ولم تقبل قوله في الفطر؟
قيل له: في الابتداء شاهد على نفسه، وفي الفطر شاهد لنفسه. قال: فإن (2/62)
صفحة 582
الفصل الثاني: القاعدة الفقهية الكلية الكبرى الثانية
63
قال: فما أنكرت ألا يقبل شهادة الشاهدين في الفطر على ما أحلت لأنهما يشهدان لأنفسهما؟
قيل له: لأن شهادة الواحد في الابتداء إقرار منه على نفسه، وشهادة الشاهدين جائزة ويحب العمل بها وتعبدنا بعلم الظاهر والإجماع على ذلك (1).
منشأ الخلاف
أشار إسماعيل الجيطالي إلى سبب اختلاف الفقهاء في هذه المسألة فقال: وسبب الخلاف اختلاف الآثار، وتردد الخبر بين أن يكون من باب الشهادة أو من باب العمل بالأحاديث، فلا يشترط فيها العدد (2).
ويُفصل الشماخي ذلك بقوله: «إن صام الناس بشهادة الواحد الثقة صاموا ثلاثين يوماً غير اليوم الذي كان من شعبان وشهد الثقة أنه من رمضان، إلا إن صح هلال شوال؛ لأن الثقة مقبول قوله تقليداً له، فإذا صح في العبادة العلم بوجوبها، لم يزل إلا بعلم مثله يزيل حكم ما وجب من فرضها من رؤية الهلال واستكمال العدة التي لا ريب في الخروج من العبادة بها، أو شهادة العدلين برؤية الهلال، فإن قال قائل إن شهادة الشاهدين لا توجب علماً بالحقيقة على ما أصلته لنفسك من العلم الحقيقي الذي يفيد الخروج من العبادة الثابتة باليقين، قيل له إنما جواز شهادة الشاهدين من طريق الشريعة لا من طريق العلم والإجماع على ذلك، لأنا لو تركنا وصحة اليقين ما صح لنا علم
بشهادة» (3).
بيروت
(1) السالمي: المعارج، 8/ 18 - 9. - ينظر: ابن بركة الجامع، ط دار الفتح، 1394 هـ/ 1974 م، 2/ 20 - 22. (2) السالمي: المعارج، 8/ 18، 9 وينظر: الجيطالي قواعد الإسلام تعليق بكلي عبد الرحمن، 2/ 73 - 74. كذلك البسيوي: جامع أبي الحسن البسيوي ط 1 دار جريدة عمان للصحافة
والنشر، سلطنة عُمان، 1984 م، 224/ 2 - 225.
(3) الشماخي: الإيضاح، 148 - 150. (2/63)
صفحة 583
القواعد الفقهية عند الإباضية
- أدلة الإباضية في قبول خبر الواحد في الصيام: 1 - قال الشماخي: «والدليل عليه من طريق الشرع ما ثبت من حديث الأعرابي الذي جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له: «أبصرت الهلال الليلة»، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أتشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله؟» قال الأعرابي: «نعم» فقال النبي صلى الله عليه وسلم: قم يا بلال فأذن في الناس فليصوموا غداً (1) (2). 2 - وقال السالمي: «والحجة لنا على قبول شهادة الواحد في الصوم: حديث ابن عمر قال: تراءى الناس فأخبرت رسول الله صلى الله عليه وسلم أنني رأيته فصام وأمر
الناس بصيامه». - ويضيف: «وحجتنا على اشتراط العدلين في الإفطار: حديث عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب أنه خطب في اليوم الذي شك فيه فقال: جالست أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وساءلتهم، وإنهم حدثوني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته وانسكوا لها، فإن غُمَّ عليكم فأتموا ثلاثين يوماً، فإن شهد شاهدان مسلمان فصوموا وأفطروا» (3). وعن أمير مكة الحرث بن حاطب قال: «عهد إلينا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن
_ {
ألا إني
ننسك للرؤية، فإن لم نره وشهد شاهدا عدل نسكنا بشهادتهما» (4).
(1) رواه أبو داود، كتاب الصيام، باب في شهادة الواحد على رؤية هلال رمضان، رقم 2340، والترمذي، كتاب الصوم، باب الصوم بالشهادة، رقم 691، عن ابن عباس. ابن حجر: «قال الترمذي روي مرسلاً وقال النسائي إنه أولى بالصواب وسماك إذا تفرد بأصل لم يكن حجة».
تلخيص الحبير، 187/ 2.
(2) الشماخي: الإيضاح، 150/ 1.
،18915
عن
(3) رواه النسائي في المجتبي کتاب الصيام، باب قبول شهادة الرجل الواحد في هلال رمضان، رقم 2116، وأحمد، مسند الكوفيين حديث أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم،، رقم رجال من الصحابة الشوكاني: «ذكره الحافظ في التلخيص ولم يذكر فيه قدحاً وإسناده لا بأس به على اختلاف فيه». نيل الأوطار، 568/ 4.
(4) رواه أبو داود، کتاب الصوم، باب شهادة رجلين على رؤية هلال شوال، رقم 2338،
= (2/64)
صفحة 584
الفصل الثاني: القاعدة الفقهية الكلية الكبرى الثانية
وبعد أن عرض السالمي الأحاديث التي استدل بها على شرط العدالة في الشهادة وعدمها، أشار إلى وجه الاستدلال بها فقال: «فالحديثان الأولان يدلان على قبول شهادة الواحد في الصوم والحديثان الآخران يدلان على اشتراط شهادة الاثنين في الإفطار»).
خلاصة القول:
إن شهادة الشهود معتبرة شرعاً في إثبات الأحكام إذا توفرت فيهم العدالة، ولعل الذي قبل شهادة الواحد العدل في الدخول في الصيام؛ نظر إلى أن فيه تكليف وإقرار على النفس، ولكنه لم يقبلها منه عند إرادة الخروج من الصوم؛ لأن فيها إسقاط للتكليف وشهادة للنفس، فلا بد من التثبت والاحتياط؛ لأننا تيقننا الصوم بعد الدخول فيه، فلا ينبغي الخروج منه بالشك، ولأن اليقين
لا يزول إلا بيقين مثله. ويؤكد السالمي هذا الحكم مع التعليل فيقول: «إنما فرق أكثر أصحابنا الإباضية) بين الصوم والفطر؛ لأن هلال رمضان للدخول في العبادة، وهلال شوال للخروج من العبادة، وقول الواحد في إثبات العبادة يقبل دون الخروج من العبادة. وأيضاً فنقبل قول الواحد في هلال رمضان لكي يصوموا ولا يفطروا احتياطاً، فكذلك لا نقبل قول الواحد في هلال شوال لكي يصوموا ولا يفطروا احتياطاً. وقيل: فرّقوا بينهما لسد الذريعة ألا يدَّعِي من لا يوثق به أنه رأى الهلال وهو لم يره. وقيل: لأنه في الصوم يشهد على نفسه، وفي الإفطار يشهد نكت غير متنافية ويجب اعتبار الجميع) (2)
لنفسه. وهي
والدارقطني في السنن، كتاب الصيام، باب الشهادة على رؤية هلال الفطر، رقم 1، عن
الحارث بن حاطب الجمحي. وقال: هذا إسناد متصل صحيح.
(1) السالمي: المعارج، 8/ 18
(2) السالمي: المعارج، 7،6/ 18 (2/65)
صفحة 585
66
القواعد الفقهية عند الإباضية
رابعاً: في باب الحقوق
إذا علم المكلف أنه قد وجب عليه شيء من حقوق الله كالصلاة والصوم والزكاة والحج، أو حقوق العباد وأشباهها كالديون والتبعات والكفارات مما ينعقد عليه حكمه، ولا يكون هالكاً بترك أدائه في وقت دون وقت، ثم شك في أدائه، فيرى الكدمي أنه يخرج في الحكم أنه لم يؤده حتى يعلم أنه أداه إلا أن يعلم أنه كان قد دخل في معنى أدائه، بسبب من الأسباب من خروج إليه، أو وصول إليه، أو دخول فيه، وانصراف منه على معنى أدائه، خرج في الاطمئنان أنه مؤد له حتى يعلم أنه لم يؤده، أو لم يعلم أنه ترك منه شيئاً ولم يؤده». ويلاحظ من عبارة الكدمي أنه سلك التفصيل الدقيق للتمييز بين أنواع الواجبات والحقوق لأن منها ما يتكرر في اليوم أو السنة، ومنها ما لا يتكرر، ومنها ما يعذر في تأخيره وما لا يعذر، وأثر ذلك على الشك واليقين في أدائه (2).
في هذه المسألة
منهج
وحتى تتضح هذه الحقوق أكثر، وندرك حكمها في حالة الشك، يحسن بنا أن نذكر بعض الأمثلة التي نص عليها الكدمي لبيان أنواع الحقوق، وما يترتب عليها من أحكام إن اعترى فيها الشك، وهي تنقسم إلى حقوق الله وحقوق العباد كما يلي:
(1) الكدمي المعتبر، 079/ 4 - أحمد الكندي المصنف، 322/ 4 - 323. (2) مصطفى باجو: القواعد الفقهية عند الإمام أبي سعيد الكدمي من خلال كتاب المعتبر، صدر في كتاب القواعد الفقهية بين التأصيل والتطبيق، بحوث ندوة تطور العلوم الفقهية في عُمان خلال القرن الرابع الهجري، القواعد الشرعية أُنموذجاً، تنسيق ومراجعة، مصطفى بن صالح باجو. نشر وزارة الأوقاف والشؤون الدينية بسلطنة عُمان 2005،
ص 295. (2/66)
صفحة 586
الفصل الثاني: القاعدة الفقهية الكلية الكبرى الثانية
TV
أ ـ الشك في حقوق الله:
1 - في الزكاة والحج
بعد أن وضع الكدمي ضابطاً لهذه الفروع يضبطها في حالة الشك، وهو ما قدمناه آنفاً قال: ويخرج ذلك في الحج والزكاة من حقوق الله، وفي الحج أثبت ذلك أنه إذا وجب عليه ثم شك أنه أداه أو لم يؤده، ففي الحكم عليه أنه لم يؤده حتى يعلم أنه أداه؛ لأن ذلك ليس عليه في وقت واحد، ولا هو مما تجري فيه العادة أنه كل عام يحج.
وأما الزكاة فهي أقرب إلى الأداء من الحج، إذا كان يعرف نفسه بأنه يزكي في كل عام إذا كان مما يجب عليه أداؤه من الزكاة من النقدين، سواء كان ذلك ذهباً أو فضة، وكذلك في الثمار وأنه لا يترك الزكاة في وقتها، فإذا كان يعرف نفسه بهذا، ثم شك بعد انقضاء وقته، وكان في أكثر عاداته أنه يطرد عنده باستمرار أداء الزكاة في مواعيدها ومقاديرها خرج في الاطمئنانة أنه لا شيء عليه حتى يعلم أنه لم يزك، وأما في الحكم فلا مخرج نراه له من ذلك وتبقى ذمته مشغولة بالزكاة؛ لأن وقت ذلك ليس كوقت الصلاة؛ إذ لا يسع تركها في
وقتها حتى ينقضي بوجه من الوجوه إلا بما يزول عنه العمل لها في وقتها وبعده، وليس كذلك الزكاة؛ لأن الزكاة قد يجوز تأخيرها لعدم وجود السيولة عنده مثلاً، وتبقى ديناً في ذمته، ويلزمه أداؤها من بعد ذلك، وقد يجوز تأخيرها على غير العدم باعتقاد النية لأدائها وقت وجوبها، فإذا صح وجوبها بعد لزومه في الحكم، لم يُزَل إلا بالعلم أو بما يشبهه من معاني الاطمئنانة (1).
2 - زكاة الفطر أما زكاة الفطر فهي عند الكدمي أقرب في الاطمئنانة في أدائها، إذ إخراجها في وقتها من عادات أغلب الناس؛ وأنهم لا يؤخرونها كالزكاة، ولو شك في
(1) الكدمي: المعتبر، 79/ 4 - 80 - أحمد الكندي: المصنف، 323/ 4. (2/67)
صفحة 587
68
القواعد الفقهية عند الإباضية
تأديتها بعد وقتها وهو انقضاء يوم الفطر وقد كان يعرف نفسه بأداء ما يلزمه فيها، وهو ممن يلزمه إخراجها، فنجد الكدمي لا يوجب عليه إخراجها من باب الاطمئنان حتى يعلم أنه لم يخرجها، وصرح بهذا الحكم بعبارة تتضمن معاني التيسير قائلاً: «أعجبني أن يكون في أغلب معاني الاطمئنان أنه لا يجب عليه إخراج ذلك حتى يعلم أنه لم يخرجه، ولا يخرج ذلك في في الحكم، إذ لا يكفره تأخيرها، ولو عذر في الوقت عن أدائها لمعنى، وهو معسر لها، لم يکن ذلك العذر مما يزيل عنه حكم إخراجها، كما لو عذر عن الصلاة في وقتها وزال عنه حكم العمل لها، أنه لا بدَل عليه بعد فوات وقتها إذا كان في حين وقتها معذوراً، أو كان لا يكفره ترك العمل بها على غير عذر، ولا يثبت عليه في الحكم عند الكدمي أن يكون تاركاً ما يكفره تركه في دينه، ولا يُحمل عليه حكم النسيان له إذا تعدى وقته» (1).
ـ الشك في صوم شهر رمضان:
وكذلك صوم شهر رمضان، إذا كان المكلَّف فيه مقيماً غير مسافر، وسليماً غير مريض، وليس له عذر في ترك صومه، فشك فيه بعد انقضاء وقته، هل صامه أو لم يصمه؟ وكل حالة كان فيها لا يخرج معه أن يترك صومه لعذر يعذر فيه، خرج صومه في الحكم بمنزلة الصلاة، وإن كان يعرف نفسه أنه أن حالة يحتمل يصوم، ويحتمل أن يسعه ترك الصوم، إلا أنه لما شك بعد خروجه من الشهر، أو انقضاء ما مضى من الأيام التي شك فيها في الإفطار أو الصيام فيلحق الاحتمال في مثل هذا).
كان في
يصح
أن
واختار الكدمي في هذه الحالة عدم إعادة الصوم فقال: «ويعجبني له حكم صوم ما مضى في الحكم إلا أن يغلب عليه حكم الارتياب؛
(1) الكدمي: المعتبر 4/ 80 - الكندي: المصنف، 324/ 4.
(2) الكدمي: المعتبر 814 82 - الكندي: أحمد المصنف، 324/ 4 - 325. (2/68)
صفحة 588
الفصل الثاني: القاعدة الفقهية الكلية الكبرى الثانية
69
لأن وجوب صوم رمضان يلزم عليه في وقته لا يسع تركه إلا بعذر، ولا تأتي عليه حال يعذر بإفطاره إلا أن يصح العذر، ولو صح العذر كان فيه مخيراً). وذهب غيره إلى أن الصوم أولى في الحالات كلها بثبوت فرضه، حتى يعلم أنه أفطر أو أنه نوى الإفطار ولو كان من المرضى أو من أصحاب السفر.
ولكن الكدمي رجح العمل في الصوم بقاعدة: «اليقين الذي لا يزول بالشك»، كما فعل في الصلاة فيقول: «فمن هذا أعجبني أن يكون له في رمضان ما يكون له في الصلاة عند شكه في ذلك بعد انقضاء وقته، ولكل يوم مضى حكمه عندنا ما مضى ولو كان في السفر. فإذا ثبت عليه حكم البدل لشهر رمضان أو للصلاة، وزوال وقت ما وجب عليه بدله والعمل به، فهما عند أكثر الإباضية بمنزلة سائر الواجبات إذا شك فيهما أبدلهما أو لم يبدلهما، وعليه بدل ما وجب عليه حتى يعلم أنه قد أبدل ذلك بصحة حكم أو غلبة اطمئنانة
لا يشك فيها» (2).
ب ـ الشك في حقوق العباد:
وذهب الكدمي أيضاً إلى أن ما كان من حقوق العباد مما لزم أداؤه من الديون والتبعات والديات والحقوق وجميع ما يصح معه لزومه له، ثم شك المكلف في أدائه أو مما لا يجب أدائه أو مما لا يجب أداؤه في وقت معروف لا يسعه تركه، فشك في أن يكون أداه أو لم يؤده، كذلك فهو في الحكم بحاله، حتى يعلم أنه أداه بحكم أو اطمئنانة لا يرتاب فيها. وإذا ثبت له في معنى الدخول في أدائه أو خروجه منه على معنى له، ثم شك فيه أنه لم يُحكمه أو أنه جهل أحكامه؛ فيرى الكدمي والكندي في
الأداء
(1) الكدمي المصدر السابق، 82/ 4. - الكندي: المصدر السابق 325/ 4. (2) الكدمي المعتبر، 4/ 81 – 82 بتصرف يسير. - ير. - الكندي: أحمد المصنف، 324/ 4 - 325. (2/69)
صفحة 589
70
القواعد الفقهية عند الإباضية
هذه الأحوال أنه يعجبهما أن يكون له حكم الاطمئنانة أي يكون مؤدياً، حتى لم يؤده بحكم صادر في حقه (1). يصح
أنه معه
يؤديه
- ومن حقوق العباد كذلك: ما كان يؤدى في كل يوم أو كل شهر أو كل سنة في التعارف مثل الكسوات والنفقات للنساء وغيرهن ممن تلزمه شرعاً كسوتهن ونفقتهن، فشك في أدائه بعد انقضاء وقته الذي يجب عليه أن فيه في الأغلب من الأحوال، وفيما يعتقده ويلزم به نفسه مما قد ثبت عليه في الحكم، فهذه الحقوق عند الكدمي والكندي حكمها مثل الزكاة التي تجب عليه، فيشك فيها بعد انقضاء وقتها، وقد أكدا هذا الحكم فقالا: «ويعجبنا أن يكون له في معنى الاطمئنان أن يكون المكلف مؤدياً، حتى يعلم أنه لم يؤده، أو يأخذه في ذلك الحكم الذي يوجب عليه أداؤه من أحكام أهل العدل الذي يجب عليه حكمهم ولا يسعه الخروج منه، وأما في الحكم ـ أي: في الأصل فلا يظهر لهما أنه قد برئت ذمته من ذلك الحق، ولو كان شكه فيه بعد انقضاء وقته؛ لأنه قد يكون تركه له من وجه العدم له أو يكون تركه من وجه التوسع
ما لم يُطلب بذلك طلباً لا يسعه تركه، ولا يزيل عنه حكم ما قد لزمه منه. فهنا نلاحظ أن الكدمي والكندي حَكَما له بحُكْمين: حُكْم يستند إلى الاطمئنان النفسي الذي يشعر به المكلف عندما يعتريه الشك فيراجع نفسه فيجد هناك مؤشرات ترجح أنه قد أدى ذلك الحق، خاصة إذا انقضى وقته واعتاد أداؤه في ذلك الوقت، فهنا لا يطالب بأدائه مرة أخرى، وهذا طبقاً للقاعدة المشهورة العادة محكمة».
أما إذا نظرنا إلى هذه المسألة من جانب آخر، نجد أنه ما دامت هذه الحقوق واجبة عليه وثبتت في الذمة، فإذا وصل وقتها شغلت ذمة صاحبها، ولا تبرأ إلا بأداء ما يلزمه، وهذا هو الأصل عملًا بالقاعدة: «اليقين لا يزول بالشك».
(1) الكدمي نفسه 82/ 4. - الكندي: نفسه، 235/ 4. (2/70)
صفحة 590
الفصل الثاني: القاعدة الفقهية الكلية الكبرى الثانية
71
عاماً
أن
وحتى لا يبق الناس في تردد بين الأمرين وضع بعض الإباضية ضابطاً يضبط مثل هذه الحالات مما لا يدع مجالاً للشك والارتياب، وهو: كل شيء من الأشياء وأمر من الأمور في دين الله - تبارك وتعالى ـ وكل حكم من حلال في حلال ما أحل الله وحرمة ما حرم، وكل حق من الحقوق المبينة في شرع الله ـ سبحانه - وكل حكم من أحكام الشريعة، جميع هذا كله جارٍ على أصوله المبينة عليه الموضحة له من الكتاب والسنة وإجماع الأمة، فإذا ثبتت هذه الأحكام فهي ثابتة حتى يزيلها أصل مثلها، فكل حكم منها ثبت فيظل ثابتاً على أصوله ولا يزول إلا بحكم ثابت مثله يزيله، وإذا زال حكم من أحكام هذه الحقوق، فأصوله زائلة حتى يثبتها أصل مثلها» (1).
وهذا الضابط هو ما صرح به الكدمي والكندي بعد تقريرهما للفروع المتقدمة، فجعلوه قاعدة عامة تضبط المسائل الجزئية المتعددة، ويُحتكم إليها عند الاختلاف والارتياب، وهي بلا شك تتطابق مضموناً مع قاعدة: «اليقين
لا يزول بالشك».
في باب الجنايات:
يرى ابن بركة أن من وجد رجلاً ملفوفاً في ثوبه فقطعه، فحكمه قاتل؛ لأن الأصل في ذلك الحياة، والحياة تقدمت بيقين فلا يجب أن يزيل ما تيقنه من حكم الحياة للشك المعترض، وذكر أن الشافعي خالف أصله وتقعيده في هذه المسألة، فحكم بأن الأصل في ذلك الملفوف الموت).
القاعدة:
ما يستثنى من لم يعمل الإباضية بقاعدة: اليقين لا يزول بالشك» أو «لا يزول اليقين إلا بيقين مثله في كل الأحوال، بل وجدنا بعضهم يستثني بعض الفروع، ويستند
(1) الكدمي: المعتبر، 82/ 4 - 83 - الكندي: المصنف، 235/ 4.
(2) المرجع نفسه، 356/ 1. (2/71)
صفحة 591
72
القواعد الفقهية عند الإباضية
فيها إلى غلبة الظن واطمئنان النفس وما جرى فى عرف الناس وعاداتهم. ولا بأس أن نذكر بعض النماذج من هذه المسائل استثنيت من هذه القاعدة. تعرض ابن بركة إلى بيان هذا الأمر، وذكر أن كثيراً من الفروع الفقهية لا يمكن أن تدخل ضمن هذه القاعدة، وقد ثبتت أحكامها بغلبة الظن، أو بالاطمئنان النفسي أو بالعادة، والعرف، ويظهر ذلك فيما يلي:
1 - تصرفات الأعمى
يتصرف الأعمى تصرفات كثيرة، ويعتمد عليها مع غياب بصره، فقد يُخبر، ويفتي، ويتزوج ثم تسلّم إليه امرأة لا يعرف من يسلمها إليه ويطؤها، ومثل ذلك بقية أحواله كلها إلا ما شاء الله تقوم على سكون قلبه واطمئنانه لها، وكان ينبغي على قياس من لا يعمل بسكون القلب أن لا يقبل قول زوجته، ولا يطؤها حتى يتيقن أنها زوجته، وكذلك في جميع أحواله، قال ابن بركة: «وهذا ما لا يدفع جوازه أحد، والدليل على ذلك أن أبا المؤثر كان ضريراً وكان يروي عن محمد بن محبوب وعن غيره من الفقهاء، ويروي عن النبي صلى الله عليه وسلم الروايات ولا هو يرى من يروي عنه، فقد صح عنده ما يرويه بالقول الذي سمعه» (1).
2 ـ دخول بيوت الغير دون استئذان عند الحاجة أو الضرورة: واستدل بعض الإباضية أيضاً على عدم الاعتماد دوماً على اليقين بل على الاطمئنان وغلبة الظن أنهم قالوا إن الإنسان إذا سمع صوتاً من بيت في ليل أو نهار استغاثة بالمسلمين أن يهجم على أهل البيت بغير استئذان، فقد أجاز الفقهاء دخول البيوت المحرمة عليهم بغير إذن.
وكذلك دخول بيت المأتم والعرس ومجالس الحكام، والبيت الذي فيه الحريق، وما كان في هذا المعنى، وكذلك كانت تلك البيوت محرم الدخول
(1) ابن بركة كتاب التعارف، ص 33 - 34. (2/72)
صفحة 592
الفصل الثاني: القاعدة الفقهية الكلية الكبرى الثانية
73
إليها، ثم أجاز الفقهاء الدخول إليها بغير علم من أربابها، وقد أمروا بدخولها، وإنما يُعلم ذلك بدليل من القلب وسكونه لا برأي مالكه. بينما في عامة الأحوال من أراد الدخول على أهل تلك البيوت يستأذن أهلها، لأن الله قد منع من دخولها دون استئذان. ألا ترى أن هذا الرجل إذا استأذن بالدخول وسمع الصوت من البيت بأن قال له ادخل فله أن يدخل من غير أن يعلم من أذِنَ له من صبي أو بالغ أو مالك أو غير مالكه، وقد استباح بالصوت ما كان عليه قبل ذلك محرماً، والصوت لا يعمل به، ولا يحكم به وهو غير اليقين، فقد دل هذا على ما قلنا (1).
3 ـ قبول الشهادة والأخبار والحكم بصحتها وثبوتها بشهادة عدلين أو بالتواتر: ويضيف ابن بركة أدلة أخرى يستشهد بها على مستثنيات هذه القاعدة أن للعدلين أن يشهدا على صحة الخبر بقول جماعة يسيرة نحو العشرة أو أقل ما يكون فوق عدد الثلاثة إذا جاءوا مفترقين بالخبر، وتواتر الخبر بهم، ثبت بذلك في النفس، وجاز للعدلين أن يشهدا على صحة الخبر عند الحاكم، ألا ترى أن رجلين ثقتين لو جاءا إلينا وأخبرانا بخبر عن السوق أو بقدوم الحاج أو مصيبة أصابت بعض الناس، كُنا نشك في خبرهم ولا نعلم صحة قولهما ويجوز عليهما الغلط والتأويل الفاسد الذي يغلط به الناس عند الشهادة والخبر.
ولو جاءنا العوام مفترقين بذلك، لا يعترض عليهم أحد بتكذيب ما يقولون، ولا يختلف خبرهم علمنا أنّ ما نقلوه على هذا الوصف صحيح، حتى لو أراد أحدنا أن يدخل الشك على قلبه في خبرهم مع تواتره، لكان مكابد الغفلة،
وهذا يدل أيضاً على ما قلناه» (2).
(1) ابن بركة المصدر نفسه، ص 34، 35. بتصرف
(2) ابن بركة: كتاب التعارف، ص 31 - 32. (2/73)
صفحة 593
74
القواعد الفقهية عند الإباضية
واستشهد ابن بركة بحادثة حفظها عن شيخه أبي مالك (1) الصلاني رحم الله أنه أجاز تحمل الشهادة بالليل بغير نار ولا، قمر أي في الظلمة إذا لم يكن ريب وشك، وتيقن الإنسان على معرفة المشهود عليه، وقد كان جرى هذا بسبب تزويج امرأة وقع بعُوتَب (2)، وكان في الليل فطلب الزوج فسخ التزويج في النهار، واحتج بأني زُوِّجت في الظلام، وأمر الشيخ مالك البنت تؤدي الشهادة إذا كانت متيقنة على معرفة المشهود عليه وما جرى في ذلك المجلس (3).
4 ـ في دفع الحقوق إلى أصحابها:
يرى ابن بركة «أن الناس اتفقوا على دفع الحقوق وإبرائهم منها بالمكاييل والموازين، مع العلم أن المكاييل والموازين لا تبلغ معرفتها إلى الغاية من وفاء الحق منها على أن لا يكون هناك زيادة ولا نقصان، فإن المكاييل كلما زيد عليها انصب منها، وهو مع ذلك لو حمل شيئاً ليُحمل ذلك لو حمل شيئاً ليحمل حسب ما تعارف عليه الناس وأصحاب الخبرة، فقد جازت البراءة للإنسان من الحق على هذا الوصف، وهو غير يقين كما نقول من أغفل أن اليقين لا يزول إلا بيقين مثله»، وهذا دليل على أن هذه القاعدة لا يمكن أن تجرى في جميع الأحوال، فقد يتعذر ذلك فنعمد إلى ما تسكن إليه النفس وتطمئن له مما يجري في عرف الناس وعاداتهم» (4).
(1) تقدمت ترجمته. هو العلامة أبو مالك غسان بن محمد بن الخضر الصلاني المقيم في منطقة صحار بسلطنة عُمان والمنسوب إلى أحد قراها التي تسمى صلان، يراجع: المسعودي زهران: ابن بركة وفقهه، 47 - البطاشي: إتحاف الأعيان، 432/ 2.
(2) لعلها قرية عوتب، توجد في عُمان ربما في منطقة صحار وينسب إليها سلمة بن مسلم بن إبراهيم العوتبي الصحاري المنوفي القرن الخامس الهجري.
(3) ابن بركة المصدر نفسه،
ص
32
(4) ابن بركة: كتاب التعارف، ص 31، 32. (2/74)
صفحة 594
الفصل الثاني: القاعدة الفقهية الكلية الكبرى الثانية
Vo
ه - في المرأة تترك الصلاة والصوم إذا رأت الدم:
وكذلك المرأة تترك الصلاة ويحكم لها بالحيض إذا طبق الدم بها بغير يقين أنه دم حيض، ولا الوقت الذي تركت فيه الصلاة وقت حيضها، ولكن لما كانت عادتها جرت بأن تحيض في مثل ذلك الوقت أو في كل شهر، حكم لها على التحري وقتاً تدع فيه الصلاة، فقد جاز أن تترك الصلاة المفروضة بغير يقين، فالمرأة إذاً يحكم لها وعليها بالعادة الجارية، وهو أنها تؤمر بترك الصلاة في الوقت الذي كان يأتيها الحيض فيه قبل ذلك، فقد جاز أن تؤمر بترك ما هو يقين فرضه هو الصلاة بغير يقين مثله بما تؤمر بالعادة وغلبة الظن، وتؤمر أن تصوم وقتاً وتقطع وقتاً، وتنقضي عدتها لوقت يدوم الدم بها من غير يقين ويحكم بانقضاء عدة المطلقة إذا انقطع حيضها إذا بلغت ستين سنة وبلوغها الستين ليس يقين، ويروى عن ابن عباس أنه حكم للمطلقة إذا لم تر الدم سنة ولم يكن بها حمل بانقضاء العدة وليس ذلك بيقين). وكذلك تصوم وقتاً وتترك الصيام في شهر رمضان؛ لأجل حيض يحكم به لها مع التحري لوقتها إلا بيقين معها، ومع من حكم به لها، وكذلك بانقضاء مع مرور السنين إذا كان مثلها قد أيس من الحيض، ويحرم عليها أخذ النفقة من المطلق بعد أن كانت تأخذه بالحكم، ويجوز لها التزويج بعد أن كان محرماً عليها وهذا أيضاً لا يؤخذ مع اليقين (3).
عدتها
6 ـ في أحكام المفقود والغائب: وكذلك يحكم بموت المفقود إذا مضى أجل الفقد وهو أربع سنين، واليقين خلافه، والأثر في المفقود الذي لا يعلم حاله أنه يحكم بموته بعد أربع سنين رجلاً كان أو امرأة ومن وراء الأربع سنين ليس بعلم ولا يقين.
(1) ابن بركة. كتاب التعارف، 36. (2) ابن بركة نفسه. (2/75)
صفحة 595
76
القواعد الفقهية عند الإباضية
وكذلك من حمله السبع وألقى به في جزيرة البحر وانقطعت أخباره، ثم لم يعلم له نجاة إلى مدة أربع سنين حكم له بالموت واليقين خلافه. وكذلك الغائب يحكم بموته إذا مضى له مائة وعشرون سنة بعد غيبته فقد حكموا بزوال اليقين منذ فقد، وليس مرورها يوجب موته بيقين. يقول ابن بركة معللاً: «فلو كان التعبد على ما يذهب إليه مَن جَهل أحكام الشريعة، وما عليه الناس من أعمالهم من مذاهب الفقهاء، وإن علمناه يقيناً لا يزول إلا بيقين مثله، ليطلب الآثار ولم يذهب شيئاً من هذه الأخبار، إلا أن يسر هذا الدين وخفف المحنة عليهم، وكذلك قال كل في محكم كتابه يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} (البقرة: 185)).
الله
أما الحكم على المفقود والغائب بالوفاة بعد الأجل المحدود فمبني على أن الظن بحياتهما بعده ضعيف؛ لأن الغالب من أحوال أمثالهما الوفاة في مثل تلك الحال، إذ لو كانا حيَّين لجاء عنهما خبر في أغلب الأحوال.
فحمل المفقود والغائب بعد الأجلين على أغلب الأحوال استحساناً، وكان القياس عدم الحكم بموتهما حتى يصح ذلك كما أشار إليه بعض الأثر في الغائب (2).
ويرد ابن بركة على من اعترض عليه واتهمه باعتماد طريق الشكوك في إثبات بعض الأحكام فيقول: «وإن قال قائل: إنكم تزيلون الفرائض واليقين بالظن والشكوك؛ لأن مبلغ كلامكم يدل على ذلك، قيل له: أسأت الظن بنا لجهلك بما له قصدنا، ذلك أن الظن والشك الواسطة بين العلم والجهل، ونحن نقول بالعلم واليقين وهما ما بنينا عليه أصلنا، وهي القاعدة التي عليها الفقهاء وذلك أن العلم على ضربين:
(1) ابن بركة: كتاب التعارف، ص 36. (2) السالمي: طلعة الشمس في الأصول 179/ 2 - الراشدي جواهر القواعد، ص 78 - 79. (2/76)
صفحة 596
الفصل الثاني: القاعدة الفقهية الكلية الكبرى الثانية
VV
(الأول): فعلم لا يجوز عليه الانقلاب فيصير جهلاً أبداً، وهو علم المشاهدة، وخبر التواتر وما يوجب العلم ضرورة.
(الثاني) وعلم الظاهر قد يعتقد المعتقد فتكون خلافه، كشهادة الشاهدين له، قد يقلبهما ويجوز أن يكون بخلاف ما ظهر له، وإنما ظهرنا
هذا قد
علماً
على ذلك، ومع نحو قول القائل: علمت هذا الأمر يسمى بشاهدي عدل، وكذلك قول الله: فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خدرا (النور: (33)، وقوله: {فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ} (الممتحنة: 10)، فسمي هذا علماً، وأيضاً فإن النبي صلى الله عليه وسلم صلى بأصحابه ركعتين ثم سلم، فلما انصرف قال له ذو اليدين يا رسول الله أقصرت الصلاة أم نسيت؟ فقال: كل ذلك لم يكن (1) ومعناه عند النبي الله ما ذهب إليه الفقهاء لم يكن غير أني نسيت ولا أنها قصرت وعاد إلى الصلاة، ولو كان اليقين لا يزول إلا باليقين الذي يعلمه الله لكان لا ينصرف عن ركعتين؛ لأن من انصرف عن بعض الصلاة ولم ينصرف عن يقين ولكن قد انصرف على يقين عنده، واليقين أيضاً كذلك (2).
ولعل ما ذكر من الأمثلة المستثناة من قاعدة: «اليقين لا يزول بالشك» تكفي لإثبات أنها ليست مطردة في جميع الفروع الفقهية، وإنما يستثنى منها بعض المسائل، ولعلها تندرج في قاعدة أخرى والله أعلم.
(1) رواه مسلم في كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب السهو في الصلاة والسجود له، رقم 929 عن أبي هريرة. ورواه غيره بألفاظ متقاربة، تقدم تخريجه في هذا الفصل.
(2) ابن بركة: كتاب التعارف، ص 38 - 39. (2/77)
صفحة 597
المبحث الرابع
القواعد المندرجة تحت القاعدة الكبرى:
اليقين لا يزول بالشك»
يتناول هذا المبحث بعض القواعد الفقهية المتفرعة، أو المندرجة تحت القاعدة الكلية الكبرى اليقين لا يزول بالشك»، وذلك في المطالب التالية: المطلب الأول: قاعدة: «الأصل بقاء ما كان على ما كان».
-
المطلب الثاني: قاعدة: «الأصل براءة الذمة». المطلب الثالث: قاعدة: «الأصل في الأمور أو الصفات العارضة العدم». المطلب الرابع: قاعدة: «الأصل إضافة الحدث إلى أقرب أوقاته». المطلب الخامس: قاعدة: هل الأصل في الأشياء الإباحة أم الحظر؟».
ونشرع بالحديث عن القاعدة الأولى في المطلب التالي: (2/79)
صفحة 598
المطلب الأول
قاعدة: «الأصل بقاء ما كان على ما كان»
ومن مرادفاتها: «ما ثبت بزمان يحكم ببقائه ما لم يوجد دليل على خلافه» (2).
وقاعدة: «القديم يترك على قدمه». وهو ما يعبر عنه الأصوليون بالاستصحاب أو استصحاب الأصل.
أولاً: معنى القاعدة:
عرَّفها الراشدي بأنها: ما يبنى عليه الحكم اعتبار ما ثبت للشيء المحكوم عليه وبقاؤه ما كان عليه، فمن تيقن الطهارة، وشك فى الحدث أو تيقن الحدث وشك في الطهارة، أخذ باليقين وألغى الشك ... » (3).
وفي هذا المعنى يقول الكدمي وكل شيء يكون على أصوله فهو ثابت فيه حكمه سواء كان على أي وجه من الوجوه من طاهر أو حلال حتى يصح فساده أو يصبح ليس حلالاً بحال من الحال» (4).
ويزيد البورنو بيانا فيقول: «إن ما ثبت على حال في الزمان الماضي - ثبوتاً أو نفياً ـ يبقى على حاله ولا يتغير ما لم يوجد دليل يغيره» ()، أي أن ينظر
(1) الراشدي سفيان بن محمد جواهر القواعد من بحر الفرائد، ص 75. ـ السالمي: طلعة الشمس، 2/ 175. - السالمي: معارج الآمال، 18/ 155. - مصطفى باجو: القواعد الفقهية
عند الإمام أبي سعيد الكدمي من خلال كتاب المعتبر، ص 23.
(2) السيوطي: الأشباه والنظائر، ص 251 ـ ابن نجيم الأشباه والنظائر، ص 75 الزرقا، المدخل
الفقهي العام، 969/ 2، مادة 575 والمجلة العدلية، مادة 5، 10.
(3) الراشدي سفيان: جواهر القواعد، ص
(4) الكدمي أبو سعيد: المعتبر، 118/ 4.
Vo
(5) البورنو: الوجيز في إيضاح قواعد الفقه الكلية، ص 173. (2/80)
صفحة 599
الفصل الثاني: القاعدة الفقهية الكلية الكبرى الثانية
81
للشيء على كل حال كان فيحكم بدوامه على ذلك الحال، ما لم يقم دليل على خلافه. وهذا المعنى أكدته المجلة العدلية فالشيء الذي ثبت حصوله في الزمن يحكم ببقائه في الحال ما لم يوجد دليل على خلافه، والشيء الثابت وجوده في الحال يحكم أيضاً باستمراره من الماضي ما لم يوجد ما يزيله، فإذا وجد المزيل لا يحكم ببقاء الشيء بل يزال، ويسمي الفقهاء الأول: «باستصحاب الماضي للحال»، ويسمي بعضهم الثاني: «باستصحاب الحال للماضي). هذا المفهوم تعتبر هذه القاعدة مرادفة لدليل الاستصحاب أو استصحاب
ومن
الحال كما يعبر عنه الأصوليون
1
-
معني
الاستصحاب: أ ـ في اللغة:
مأخوذ من الصحبة قال ابن فارس الصاد والحاء والباء أصل واحد يدل على مقارنة شيء ومقاربته، وكل شيء لاءم شيئاً فقد استصحبه (2)، وجاء في القاموس استصحبه دعاه إلى الصحبة ولازمه (3).
وجاء في «اللسان» صحبه وصاحبه عاشره والصاحب المعاشر واستصحب الرجل دعاه إلى الصحبة وكل ما لازم شيئاً استصحبه (4). هذه التعاريف نخلص إلى أن معنى الاستصحاب في اللغة هو:
ومن
الملازمة والصحبة والملاءمة.
(1) مجلة الأحكام العدلية 20/ 1، 21 مادة رقم (5).
(2) ابن فارس أبو الحسن أحمد بن فارس بن زكرياء الرازي المتوفى 395 هـ، تحقيق عبد السلام محمد هارون، دار إحياء الكتب العربية - القاهرة - الطبعة الأولى، 1371، مادة: صحب. (3) الفيروزآبادي مجد الدين محمد بن يعقوب (ت: 717 هـ)، القاموس المحيط، مادة (صحبه) دار الفكر، بيروت 1398 هـ/ 1978 م، 91/ 1.
(4) ابن منظور لسان العرب مادة صحب، 4/ 2200. (2/81)
صفحة 600
82
القواعد الفقهية عند الإباضية
ب - في الاصطلاح:
والاستصحاب عند الأصوليين والفقهاء من الإباضية وغيرهم: الحكم على الشيء بما كان ثابتاً له أو منفياً عنه، لعدم قيام الدليل على خلافه فهو: «عبارة عن إبقاء ما كان على أصوله التي كان عليها من وجود أو عدم أو نحوهما، ما لم يرد دليل ينقله عن حكم أصله إلى حكم آخر (1)، فمبناه عدم قيام الدليل على تغيير حكم سابق، ولذلك اعتبر آخر ما يلجأ إليه المجتهد (2)؛ لأن ما ثبت في الماضي فالأصل بقاؤه في المستقبل (3). وهو ما سار عليه الوارجلاني، إذ جعله آخر أقسام أدلة الشرع (4).
ويتبين من تعريف الاستصحاب أنه نوعان:
الأول: استصحاب حكم العقل بالإباحة، أو البراءة الأصلية عند عدم
الدليل على خلافه.
الثاني: استصحاب حكم شرعي ثبت بالدليل ما لم يقم دليل على تغيير
ذلك الحكم.
وهو أنواع عند الأصوليين كما أشار إلى ذلك السالمي: فيقول: «الأصل
(1) السالمي: طلعة الشمس 179/ 2. - الرواحي: نثار الجوهر، 82/ 1. ـ السيابي خلفان: فصول الأصول، 351 - الراشدي: جواهر القواعد، 76 - 77. (2) علي حسب الله: أصول التشريع الإسلامي، دار الفكر العربي - القاهرة، 1402 هـ/ 1982 م،
ص 168.
(3) الشوكاني: إرشاد الفصول إلى تحقيق الحق في علم الأصول، طبع دار الطباعة المنيرية بمصر
1347 هـ، ص 208.
(4) باجو: أبو يعقوب الوارجلاني وفكره الأصولي، ص 318، رسالة ماجستير في الجامعة الإسلامية 1993، وهو مطبوع وزارة التراث والثقافة سلطنة عُمان ـ وينظر: باجو: منهج الاجتهاد عند الإباضية، رسالة دكتوراه 1999، وهو مطبوع، نشر مكتبة الجيل الواعد مسقط
سلطنة عُمان ط 1، 1426 هـ/ 2005 م.
(5) السالمي: الطلعة، 179/ 2. (2/82)
صفحة 601
الفصل الثاني: القاعدة الفقهية الكلية الكبرى الثانية
83
إبقاء ما نفاه العقل كوجوب صوم رجب على حاله الأول حتى يقوم الدليل بوجوب صيامه، وكذلك نقول أن الأصل إبقاء العموم على عمومه وإبقاء النص على حاله حتى يرد المخصص للعموم أو الناسخ للمنصوص. وهكذا في كل شيء علم وجوده أو نفيه من شرع أو عقل أو جنس، فإن الأصل بقاؤه على حاله الذي علم عليه حتى يقوم الدليل على انتقاله.
ومقتضى كلام السالمي أن الاستصحاب ثلاثة أنواع:
1 - استصحاب النص إلى أن يرد، نسخ، أي: العمل بالنص من كتاب أو سنة حتى يرد دليل ناسخ.
2 - استصحاب العموم إلى أن يرد دليل، تخصيص، أي: العمل باللفظ العام حتى يرد المخصص، فيصير العام على بعض أفراده.
- استصحاب الحال، وهو ظن دوام الشيء بناء على ثبوت وجوده قبل ذلك، وهذا قريب من تعريف الفقهاء التالي: لزوم حكم دل الشرع على ثبوته ودوامه، كالملك عند جريان العقد المملك، ولشغل ذمة المتلف
عند وقوع الإتلاف، وذمة المديون عند مشاهدة استدانته (1). أما فائدته: فإنه يفيد تأكيد الحكم السابق، ولا يثبت به حكم جديد، بل يستمر به حكم البراءة الأصلية الثابت بالعقل أو حكم الشرع الثابت بدليله (2). 2 - حكم الاستصحاب:
القيم
الاستصحاب حجة عند الإباضية والشافعية والحنابلة، وقد عقد له ابن فصلا مطولًا في كتابه إعلام الموقعين، خلافاً للمعتزلة والحنفية (3).
(1) البورنو محمد: الوجيز، 173، 174. ـ الأتاسي محمد خالد وابنه محمد طاهر الأتاسي الحمصي: شرح المجلة العدلية ط 1، مطبعة حمص، سوريا، 1429 هـ، ص 20. (2) ينظر: باجو: منهج الاجتهاد، ص 735. (3) السالمي | الطلعة / 179. - الراشدي جواهر القواعد، ص 77. - التلاتي عمر بن رمضان (1187 هـ): رفع التراخي في مختصر الشماخي (137) ورقة) نسخ عمر بن موسى =
الجربي (2/83)
صفحة 602
??
القواعد الفقهية عند الإباضية
وفي تنزيل هذا الدليل على أرض الواقع أفرز خلافاً بين الأصوليين، هل يصلح حجة في الدفع والإثبات معاً، أم في الدفع دون الإثبات؟ - يرى الإباضية أن الاستصحاب حجة فيهما معاً للدفع والإثبات، وإن كان مذهب بعضهم عدم حجته (1).
أما الحنفية فالاستصحاب عند أكثرهم يصلح حجة للدفع لا للاستحقاق، وهذا ما نص عليه الكرخي (2) حيث يقول: «الأصل أن الظاهر يدفع الاستحقاق ولا يوجبه (3). وهذا ما يوضحه لنا اجتهادهم التطبيقي في بعض المسائل. ذلك خلافهم في حكم المفقود الذي انقطع خبره وبقي أمره مجهولا فلم يعلم موته ولا حياته، حتى حكم القاضي بوفاته بناء على طول غيبته ورجحان، موته، فما حكم ميراثه ممن مات من أقاربه الذين يرثهم ـ في فترة الفقد، وقبل صدور الحكم بوفاته؟
وجوده
ومن
حياً
1 - ذهب الحنفية إلى أن هذا المفقود لا يرث في هذه الحال لعدم تحقق حين غيبته أو فقده، حيث أن استصحاب حياته يمنع تقسيم تركته وبينونة امرأته، ولكنه لو مات شخص يرثه المفقود فلا يستحق المفقود من إرثه شيئاً، لعدم تحقق حياته عند موت مورثه، فاستصحاب حياة المفقود لم يصلح حجة لاستحقاقه الإرث في حال غيبته بل يصلح حجة للدفع فقط، والتعليل عندهم: «أن الثابت باستصحاب الحال يصلح حجة لإبقاء ما كان على ما كان
=
ت. ن. 1264، مكتبة الحاج صالح لعلي، بني يزجن ـ غرداية ـ الجزائر. ـ الغزالي: المستصفى، 217/ 1. - ابن القيم الجوزية أبو عبد الله محمد بن أبي بكر (751 هـ): إعلام الموقعين عن رب العالمين، 339/ 1، مراجعة وتعليق طه عبد الرؤوف سعد، دار الجيل بيروت ـ لبنان 1973. - السرخسي: أصول السرخسي، 199/ 2 فما بعد.
(1) السالمي الطلعة، 179/ 2 – 180. ـ باجو: منهج الاجتهاد، صد
(2) تقدمت ترجمته.
(3) الكرخي: أصول الكرخي، ص 110
735
(4) السالمي: الطلعة، 179/ 2 - 180. - علي حسب الله: أصول التشريع الإسلامي، (2/84)
صفحة 603
الفصل الثاني: القاعدة الفقهية الكلية الكبرى الثانية
85
ولا يصلح لإثبات ما لم يكن). ولذلك قالوا كون الاستصحاب يصلح حجة للدفع يدخل تحت القاعدة الكلية اليقين لا يزول بالشك»، فالمفقود تجري عليه أحكام الأحياء فيما كان له؛ لأن حياته حين تغيبه متيقنة وموته مشكوك فيه، وأما فيما لم يكن فتجري عليه أحكام الأموات، فلا يرث أحداً إلا ببرهان على حياته كأنه ميت حقيقة (2). وبناء على هذا الرأي قالوا كذلك: إن الجزء إذا بيع من الدار وطلب الشريك الشفعة، فأنكر المشتري ملك الطالب للشفعة فيما في يده، فالقول للمشتري ولا شفعة للطالب إلا ببينة (3).
2 - بينما ذهب الإباضية والمالكية والشافعية والحنابلة وبعض الحنفية إلى أن المفقود يرث ويورث؛ لأنه قبل فقده كان حياً يقيناً فيجب استصحاب حياته حتى يظهر خلاف ذلك، وهذا حسب رأيهم أن الاستصحاب حجة للدفع والاستحقاق معاً، فيستصحبون حياته التي كانت ثابتة قبل فقده بيقين، وتستمر إلى حين ظهوره أو الحكم بموته، فيتغير حكم الأصل حينئذ، فهو إذاً قبل الحكم بموته في عداد الأحياء يرث ولا يورث وبعد الحكم عليه في عداد الأموات يورث ولا يرث (4). ولا يعامل باعتبارين مختلفين؛ لأن ذلك يتناقض وقاعدة الاستصحاب. وقد أكد سفيان الراشدي هذا المعنى في كشف الغوامض» فقال: «والمفقود والغائب ما داما في المدة فإنهما يرثان؛ لأنه محكوم لهما وعليهما بأحكام الحياة فإذا انقضت المدة وحكم الحاكم بموتهما قسم ما لهما على ورثتهما ... » (5).
(1) الأتاسي: شرح المجلة، 21/ 1.
(2) البورنو: الوجيز، ص 176.
(3) البورنو: الوجيز، 176 نقلا عن الأتاسي: شرح المجلة 21/ 1.
(4) السالمي: طلعة الشمس، 2/ 179 - 180 - باجو: منهج الاجتهاد، ص
أصول التشريع، 170.
- 736
ـ علي
الله:
(5) الراشدي أبو الحسن سفيان بن محمد كشف الغوامض في فن الفرائض، صححه الشيخ أحمد بن حمد الخليلي المفتي العام لسلطنة عُمان، نشر معهد القضاء الشرعي والوعظ
والإرشاد، ط 2، 1412 هـ / 1991 م، طبع بالمطابع الذهبية، سلطنة عمان. ص 15. (2/85)
صفحة 604
86
القواعد الفقهية عند الإباضية
وأما الحنابلة فيوقفون نصيب المفقود لحين ظهور حياته أو موته، فإن ظهر حياً، ورث وإلا رد المال لورثة مورث المفقود).
وحتى يتضح الخلاف في هذه المسألة وتظهر لنا ثمرته جلياً، لا بأس أن نورد نص السالمي لوضوح عبارته وعمق معانيها، فيقول: «وقالت المعتزلة والحنفية أن استصحاب الحال ليس حجة شرعية، وقيل: حجة في الدفع به عما ثبت له دون الدفع به عما ثبت، ومعنى هذا القول أن استصحاب الأصل حجة في بقاء ما كان على حاله الأول من غير أن يزاد حكماً آخر، مثال ذلك: استصحاب حياة المفقود دافعه لغيره من أخذ ماله بسبيل الإرث فماله لا يورث لاستصحاب حياته قبل الأجل وهو مع ذلك لا يكون وارثاً من غيره عند صاحب هذا القول للشك في حياته، وشرط أخذ الميراث عند هذا القائل تيقن حياة الوارث بعد موت الموروث، فحصة المفقود على هذا موقوفة حتى يتحقق موته أو حياته بعد موت مورثه وهو عندنا (الإباضية) وارث وموروث بناء على حجية الاستصحاب كما هو مذهب أكثر الأصحاب، وإن كان لازم مذهب بعضهم عدم حجيته ... (2). وهذا ما أكده الراشدي في «كشف الغوامض فقال: والمفقود والغائب ما داما في المدة فإنهما يرثان
لأنه محكوم لهما» (3).
ثانياً: أدلة القاعدة:
استدل الإباضية على حجية هذه القاعدة الاستصحاب) أو «بقاء ما كان
على ما كان عليه» بأدلة عديدة منها:
(1) ابن قدامة: المقنع، 444/ 2. (2) السالمي: الطلعة، 179 - 180. (3) الراشدي: كشف الغوامض، ص 15. (2/86)
صفحة 605
الفصل الثاني: القاعدة الفقهية الكلية الكبرى الثانية
87
1 - حديث سبق الاحتجاج به في القاعدة الكلية اليقين لا يزول بالشك»، وهو قوله: «إن الشيطان ليأتي أحدكم فيقول أحدثت أحدثت، فلا ينصرفن حتى يسمع صوتاً أو يجد ريحاً).
قال أبو ستة: وهو حديث أخذ به جمهور العلماء، ونقل عن الخطابي أن هذا الحديث أصل حكم بقاء الأشياء على أصولها حتى يتيقن خلاف ذلك، ولا يضر الشك الطارئ عليها، وكذلك بقية الأحاديث التي تقدم الاستدلال بها في القاعدة الكلية اليقين لا يزول بالشك تصلح للاحتجاج بها في هذه القاعدة الفرعية. 2 - كذلك الحديث الذي أرشد فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم من شك في حدثه بعد أن تيقن الطهارة أن لا ينصرف حتى يتيقن الحدث، هو في ذاته دليل على أنه يستصحب الأصل من حاله - وهو الطهارة - فيبقى على الأصل ولا يتحول عنه إلا إذا تيقن تغير هذا الأصل.
ـ
- وكذلك يمكن القول في حديث إصابة السهم للصيد: إنه يستصحب السبب الظاهر لموت الصيد - وهو إصابة السهم له - ويبقى على هذا الأصل، ولا يتحول عنه إلا أن يثبت له ما ينقله عنه بيقين.
4 ـ وكذلك القول فيمن شك في صلاته فلم يدر كم صلّى، فإنه يستصحب العدد المتيقن ويبني عليه وما دام شاكاً في الزيادة عليه فالأصل عدم ما شك فيه وبقاء ما استيقن على حاله (2).
ه - وكثير من قواعد الشرع دالة على الاستصحاب فمن قال لا إله إلا الله محمد رسول الله حَرُم دمه وماله مدة حياته، ولو لم يُسمع منه تشهد بعد ذلك حتى يصح ارتداده، وهو معنى الاستصحاب. وكذلك الحكم في الأشياء الطاهرة ببقائها على طهارتها حتى يصح تنجسها. وكذلك الحكم في الأشياء
أبداً،
(1) سبق، تخريجه ينظر الصفحات السابقة.
(2) علوان إسماعيل بن حسن بن محمد القواعد الفقهية الخمس الكبرى، ص 204 - 205. (2/87)
صفحة 606
88
القواعد الفقهية عند الإباضية
المحرمة ببقائها على حرمتها حتى يصح تحليلها بوجه شرعي ونحو ذلك كثير، فقد اعتبر الشرع في هذه الأمور استصحاب حال الأصل فجعلناه حجة فيما سكت عنه الشارع). وقد جمع العوتبي كثيراً من أصول الأحكام على الأشياء تأكيداً لهذه
القاعدة، نذكر منها:
أن أصل بني آدم الحرية)، والرق طارئ عليهم.
- وأصل الماء الطهارة، وأصل الدم النجاسة، وأصل النكاح الإباحة حتى يحظره التحريم، وأصل الفروج التحريم حتى يحلها واحد من أوجه أحكام
التحليل، وأصل الحيوان التحريم حتى يحلها التذكية الشرعية. وكل حلال فهو على أصله حتى يصح تحريمه، وكل حرام على أصله
حتى يصح تحليله، وكل طاهر على حكم طهارته حتى يصح تنجيسه. وكذلك كل نجس فهو على نجاسته حتى تصح طهارته، وكل حي فهو على حكم الحياة حتى يصح موته، وكل غائب فهو على حكم الغيبة حتى يصح موته، وفيه اختلاف، والطهر هو الأصل والحيض حادث، والأصل التحريم في القتل والوطء.
والأشياء على أصولها حتى ينقلها ناقل عنها (3).
(1) السالمي: الطلعة، 2/ 180 (2) العوتبي: كتاب الضياء، 15/ 3.
(3) ابن بركة الجامع، 370/ 2. قال ابن بركة: إذا كان طفل في يد رجلين يدعي أحدهما أنه
ولد له، والآخر يدعي أنه عبده فأقام كل واحد منهما شاهدي عدل فإن البينة بينة الحرية في قول أصحابنا ويقبلون البينة فيما يجوز كونه، وقد يجوز أن يكون الطفل ولد الرجل وهو عبد الآخر، فإذا ثبتت أيديهما عليه وجبت حريته بإقرار أحدهما وكان مملوكاً بادعاء الآخر عليه العبودية كان حكم الحرية أولى، وكذلك لو أقام كل واحد منهما البينة على ما يدعيه وتكافأت البينة في العدالة كان الرجوع إلى الأصل وهو الحرية» (الجامع، 2/ 375). فالأصل هو الحرية والعبودية صفة عارضة ولذلك فهي في حكم العدم. (2/88)
صفحة 607
الفصل الثاني: القاعدة الفقهية الكلية الكبرى الثانية
ثالثاً: فروع القاعدة:
89
هذه القاعدة لها أمثلة عملية تطبيقية كثيرة متناثرة في المصنفات الفقهية
الإباضية نذكر بعضها
أ ـ باب الطهارات:
1 ـ كل ماء وجد متغيراً ولم يعلم أن تغييره كان من نجاسة، فهو محكوم له بالطهارة؛ لأنها اليقين وما سواه شك عارض). قال الجيطالي: «والذي يزيل الوسواس أن تعلم أن الأشياء خُلقت طاهرة بيقين، فما لم تشاهد عليه نجاسة، ولا قامت الحجة بها، فحكمها الطهارة على الأصل
الأول» (2).
2 ـ رجل يشبه له أن البول يخرج منه، فيتحرى فيجد البول حيناً ولا يجده حيناً، هل عليه أن ينظر كلما شك؟ قال الإباضية: يبني على الحال الأغلب، وإذا تحققت التهمة استحبوا له الاستبراء، وما لم يقع اليقين والمعاينة فلا يحكم بالنجاسة على ظاهر الأمر (3). وقد سئل عبد الرحمن بكلي عما يشبه ذلك: «ما حكم من يعتريه بلل البول حتى تملكه نوع وسواس؛ لأنه يجد ما يحسه تارة ولا يجده أخرى؟ فأجابه: لا ينبغي لصاحب البلل أن يستسلم للوسواس وإلا وقع في محنة لكنه يتفقد نفسه إذا أحس ببلل، فإن وجده فعلا تطهر وإلا دفع عن نفسه الشك واستصحب حال الأصل، يعني إذا كان قبل على طهارة لا يحكم بانتقاضها وإنما يعتبر
نفسه باقياً على طهارته» (4).
(1) ابن بركة الجامع، 257/ 1.
(2) الجيطالي إسماعيل قواعد الإسلام، 310/ 1. (3) ابن جعفر: الجامع، 304/ 1 -
1 - 305
(4) بكلي عبد الرحمن فتاوى البكري، 352/ 1 - 353. (2/89)
صفحة 608
القواعد الفقهية عند الإباضية
3 ـ وحكم المتوضئ لفريضة أو نافلة أو صلاة بعينها أنه على طهارته ما لم يحدث، وإن طرأ عليه ما ينقض وضوءه وجب عليه الإتيان به وإلا بطلت صلاته، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تقبل صلاة من أحدث حتى يتوضأ (1) (2). فالمتطهر
إذا شك في الحدث فهو على طهارته حتى يتيقن بالحدث، فشكه في الحدث لا يرفع عنه ما ثبت باليقين).
ـ في مسائل الحيض:
احتج الشماخي بقاعدة الاستصحاب في معرض حديثه عن أقل مدة الطهر وأقل مدة الحيض، فقال: وأقل الطهر عشرة أيام على مقدار أكثر الحيض عند أكثرهم وهو الأصح وقال آخرون: أقل الطهر خمسة عشر يوماً على مقدار أكثر الحيض عند بعضهم، وحجتهم أنهم قالوا إنما هو حيض وطهر فلا يخلو أن يكون سواء، أو أن يكون الحيض أكثر من الطهر؛ لأن أيام الطهر هي الأصل في العبادات الواجبات عليها والحيض حدث طارئ لا يسقط ما وجب في الأصل إلا ما قام الدليل على إسقاطه، وقد وجدنا الله تعالى يقول في عدة النساء: {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلَثَةَ قُرُوءٍ} (البقرة: 228)، وقال في الآيسات: {وَالَّتِي بِإِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِن نِسَابِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَثَةُ أَشْهُرٍ (الطلاق: 4)، وجعل ثلاثة أشهر بإزاء ثلاثة قروء، وجعل مقام كل شهر قرءا، والحيض لا يجاوز خمسة عشر يوماً بالإجماع، فلم يبق إلا أن يكونوا سواء، أو يكون الطهر أكثر من الحيض، فعلم بذلك أن أقصى مدة الحيض خمسة عشر يوماً، وأن أقل الطهر خمسة عشر يوماً، ومما يدل على هذا من السنة
(1) رواه البخاري في صحيحه كتاب الوضوء، باب: لا تقبل صلاة بغير طهور، رقم 134 عن أبي هريرة بلفظ «لا تقبل صلاة أحدث من
حتى
يتوضأ».
(2) ابن بركة الجامع، 1/ 360. - الجيطالي: قواعد الإسلام، 180/ 1.
(3) ابن بركة: 1321/ 11 - 322 و 356/ 1 - 357. (2/90)
صفحة 609
الفصل الثاني: القاعدة الفقهية الكلية الكبرى الثانية
91
قوله: «تقعد إحداكن شطر دهرها لا تصلي ولا تصوم)، فلزم بهذا أن
يكون أقل الطهر مقدار أكثر الحيض
(2)
وفي السياق نفسه يتعرض الشماخي إلى مسألة تحديد الحائض المضطربة دورتها وقتاً للصلاة؟ هل تبدأ بأيام الحيض ثم تحسب أيام الصلاة؟ أم تبدأ بأيام الطهر، ولا تحسب أيام الحيض؟
نقل الشماخي مختلف الأقوال في هذه المسألة ورجح أنها لا تتخذ وقتاً للعبادة إلا بعد تحديد أيام حيضها فيقول: «وفي الأثر: وأما التي حاضت فرأت الطهر على تمام حيضها فاغتسلت وصلت عشرة أيام، ولم تتم خمسين صلاة فردفت بالدم، أو صلت خمسين صلاة ولم تتم عشرة أيام، فردفت بالدم، فإنها تعطى للحيض حتى تتم عشرة أيام أو خمسين صلاة، ومن العلماء من يقول: إذا تمت خمسين صلاة فإنها تعطى للحيض ولو لم تتم عشرة أيام، وقيل أيضاً إن تمت عشرة أيام فردفت بالدم فإنها تعطى للحيض ولو لم تتم خمسين صلاة» (3). أن عرض الشماخي هذه الأقوال دون مناقشة ولا تعقيب وضع ضابطاً عاماً يضبط هذه المسائل الدقيقة، معتمداً على قاعدة استصحاب الأصل فقال: «ولا تأخذ المرأة الوقت للصلاة ما لم تأخذ الوقت للحيض؛ لأن أيام الطهر هي الأصل في العبادات الواجبات عليها، والحيض حدث طارئ لا يسقط به ما وجب في الأصل إلا ما قام الدليل على إسقاطه، فالواجب
وبعد
(1) لم نعثر عليه بهذا اللفظ ولعله قول بعض الفقهاء، قال البيهقي: وأما الذي يذكره بعض فقهائنا في هذه الرواية من قعودها شطر عمرها، وشطر دهرها لا تصلي، فقد طلبته كثيراً فلم أجده في شيء من كتب أصحاب الحديث، ولم أجد له إسناداً بحال. ينظر: في معرفة السنن والآثار للبيهقي، كتاب الحيض، ترك الحائض الصلاة، حديث: 560 ورد ذلك في حديث
طويل رواه عن سعد
مالك. بن
(2) الشماخي كتاب الإيضاح، 198/ 1، 199.
(3) الشماخي: المصدر السابق، 203/ 1. (2/91)
صفحة 610
92
القواعد الفقهية عند الإباضية
عليها استصحاب حال الأصل المتقدم - وهو وجوب العبادات من غير توقيت - ما لم يصح ما تسقط به ـ وهو الحيض، ولذلك لزم أن لا تتخذ وقتاً ما لم تتخذ وقتاً للحيض. أما النفاس، فإنه تأخذ له الوقت ولو لم يكن لها وقت للحيض؛ لأن حكم دم النفاس مثل حكم دم الحيض، ويسقط به من العبادات ما يسقط بدم الحيض ... » (1).
ويؤكد الكدمي هذا المعنى فيقول: «إن الحائض في جميع الأشياء نفس حكم الحائض طوال فترة بقاء الحيض، حتى تغتسل الغسل الذي يبيح لها الصلاة، وحتى تكون طاهرة بما يبيح وطء زوجها لها».
معي
ه - في اعتماد المبتلى بالشك في النجاسات والأحداث على قاعدة
الأشياء الطهارة:
الأصل في وفي مسائل الشك في النجاسة والأحداث يخفف الكدمي على من ابتلي بالشك الدائم فيها ولا يطمئن قلبه للطهارة فيرشده إلى التمسك بقاعدة: الأصل في الأشياء الطهارة، حتى لا يضيع وقته في التثبت والتحري فيقول: «ويعجبني الحكم في هذا ما لم يقع هنالك ما يشبه اليقين بذلك ويصير المبتلى بذلك إلى معنى وحكم مدافعة اليقين. وكذلك عندي يخرج في هذا إذا وجد شبه طعم الدم في فيه أو عَرَفه في أنفه، وأشبه هذا أيضاً خروج الريح من دبره أو بمعنى سواك من كان يستاك به أو غيره ولم يستيقن. وكذلك عندي أن هذا يشبه ما خرج من الدبر أو من قبل الرجل أو المرأة، فكل ذلك معي سواء، وهو عندي يخرج في القولين، والأخذ بمعنى الحكم أقوى في معارضة الشيطان، والأخذ بالأحوط ما لم يخف في ذلك دخول الشك والوسواس عليه» (3).
(1) الشماخي كتاب الإيضاح، 203/ 1 - 204.
(2) الكدمي: المعتبر، 119/ 4 - 120.
(3) الكدمي: 117/ 3 - 118. (2/92)
صفحة 611
الفصل الثاني: القاعدة الفقهية الكلية الكبرى الثانية
93
ويفهم من عبارته ـ والله أعلم - أن مراده بالحكم يقتضي أن الطهارة هي الأصل، فمن المستحسن أن يعتقد المبتلى أنه طاهر، ولا يلتفت إلى ما يوسوس به الشيطان من حدوث النجاسة، أما الأخذ بالأحوط هنا يريد به تجديد الطهارة حتى يقطع الشك باليقين.
ويضيف في هذا الصدد: ولكنه ربما كان من ترك الحكم وطلب المبالغة في الخروج من مثل هذا، تولد في نفسه الشك والوسواس الذي يخرج صاحب ذلك إلى معاني مفارقة الحكم والاحتياط من ترك الفرائض في وقتها، وترك حضور الجماعات فضلاً عن المشقة والحرج فيما لو تتبع ذلك في كل مرة، حتى تكونت عنه عادة عُرف بها، وعندي أنه في هذه الحالة وحتى يقطع الشك عن نفسه فإنه يتبع الحكم الذي يُبنى على أساس اليقين، واستبعاد معارضة الشيطان؛ لأنه لو أطاع هذه الوساوس لضاع عليه حضور الجماعات مع أهلها، ذلك لذة ما أدرك غيره ممن التزم الحكم وأخذ بالأحكام واستقام عليه ... فيخرج عندي كل ذلك على معنى الحكم في جميع ذلك أنه على طهارته؛ لأن الأصل في الأحكام أن الأشياء على طهارتها ما لم يثبت بالنظر غير ذلك، وعلى ذلك فإنه على معنى حكم الطهارة من وضوء أو غيره حتى معه من ذلك ما لا يشك فيه، وليس عليه إذا أحس من ذلك معارضة الشيطان بمثل ذلك ولم يستيقن على شيء أن يشغل نفسه في ذلك بنظر ولا مس وأُحِبّ أن يمضي على ما هو عليه حتى يستيقن» (1).
وفاته مع
سئل الشيخ عبد الرحمن بكلي عن حكم من يعتريه بلل البول حتى تملكه نوع من وسواس لأنه يجد ما يحسه تارة ولا يجده أخرى. فأرشده إلى ترك وعدم الانسياق مع الوسواس والاستمساك بالأصل وهي الطهارة حتى يتيقن النجاسة معتمداً على قاعدة استصحاب الأصل، فقال: «لا ينبغي لصاحب
الشك
(1) الكدمي: المعتبر 3/ 117 - 118. (2/93)
صفحة 612
94
القواعد الفقهية عند الإباضية
البلل أن يستسلم للوسواس وإلا وقع في محنة، لكنه يتفقد نفسه إذا أحس ببلل، فإن وجده فعلا تطهر، وإلا دفع عن نفسه الشك واستصحب حال الأصل، يعني إذا كان قبل على طهارة لا يحكم بانتقاضها وإنما يعتبر نفسه
باقياً على طهارته» (1).
ب
- في باب النية:
وكذلك النية يجب استصحابها للعبادات إذا أراد فعلها، واستصحابها هو أن لا ينقلها من عمل هو فيه إلى غيره، أما غروب النية من غير قصد له، فلا يقدح في الاستصحاب (2).
قال الجيطالي في نية الوضوء: أن المتوضئ يجب عليه استصحاب حال الوضوء عند فعل الصلاة، وإن طرأ عليه ما ينقضه وجب عليه الإتيان به، وإلا بطلت صلاته القول النبي: لا يقبل الله صلاة من أحدث حتى يتوضأ (3) (4). صلى الله عليه وسلم وذكر صاحب المصنف: «أن من نوى فتوضأ ثم غربت نيته أجزأته واحدة، فإن قيل: فإن كان الوضوء عندكم لا يجزئ إلا بنية فَلِمَ لا يحتاج الإنسان إلى دوام النية، إلى أن يفرغ من الفرض؟ قيل له: هذا ما لا يمكن، وتلحق فيه مشقة. ألا ترى أن الصوم لا يجزئ إلا بنية، ثم ينسى صاحبه وينام ويأكل ناسياً ولا يضره ذلك. وكذلك لا يجوز له الدخول في الصلاة إلا بنية ثم قد ينسى ويسهو ولا يضره ذلك إذا عرض
(1) بكلي عبد الرحمن فتاوى البكري، 352/ 1، 353.
(2) ابن بركة: الجامع، 267/ 1.
6
(3) متفق عليه، رواه البخاري في صحيحه بلفظ لا تقبل صلاة من أحدث حتى يتوضأ» كتاب الوضوء، باب: لا تقبل صلاة بغير طهور، رقم 134. ومسلم، كتاب الطهارة، باب وجوب الطهارة للصلاة، رقم 356 عن أبي هريرة الدوسي.
(4) الجيطالي أبو طاهر إسماعيل بن موسى (ت: (750): قواعد الإسلام، تحقيق عبد الرحمن
بكلي، 180/ 1. (2/94)
صفحة 613
الفصل الثاني: القاعدة الفقهية الكلية الكبرى الثانية
95
له ما ذكرنا باتفاق؛ ولأن استدامة ذلك إلى أن يفرغ من الفرض يشق ويؤدي إلى بطلان (الفرائض (1).
وفي الموالاة في الوضوء يقول المحشي السدويكشي تعليقاً على قول الشماخي في «الإيضاح»: في اشتراط الموالاة في الوضوء، وتركها لعذر كالنسيان والخطأ: «وكذلك العذر ... إلخ. فحاصله أنه رحم الله اختار أن الموالاة واجبة مع الذكر والقدرة، وأنه إن فقد أحدهما بَنَى على ما تقدم طال أو لم يطل، وظاهره أنه لو بنى بغير نية أجزاه، ولعل الأمر كذلك لاستصحاب النية، وظاهره أيضاً في عذر النسيان مطلقاً، وقيل: يستثنى من العذر بالنسيان من فرق ناسياً فأمر أن يبني على فعله الأول فنسي ثانياً، فإنه يبتدئ وضوءه ولا يعذر بنسيانه ثانياً، ولم أر من تعرض لها من أصحابنا، والظاهر أنه يعيد ولا يبني كما يظهر بالتأمل» (2).
ج - باب الصلاة
1 - في حد السفر الموجب قصر الصلاة:
من خرج مسافراً وشك في مجاوزة الفرسخين (3) ـ وهو حد السفر فالأصل
أنه لم يتجاوزهما، فيصلي تماماً حتى يستيقن أنه جاوزهما، فيقصر. وقد صرح المحقق الخليلي بهذا الحكم بناء على قاعدة الاستصحاب في جوابه عن سؤال ورد إليه يقول سائله: «وما تقول في المسافر إذا شك في مسألة موضع القصر، هل هو في سفره ذلك قد تجاوز الفرسخين، ويجوز له الصلاتين أم بعد في حكم الحضر ولا يجوز له الجمع؟ فما يعجبك له على هذا الجمع أم التمام له أولى؟ أرأيت إن أحب الاحتياط على نفسه في
جمع
(1) الكندي أبو بكر أحمد: المصنف، 47/ 4.
(2) السدويكشي: الحاشية على كتاب الإيضاح للشماخي، 87/ 1 - 88.
(3) الفرسخان: مسافة تقدر باثني عشر كيلومتر تقريباً. (2/95)
صفحة 614
القواعد الفقهية عند الإباضية
صلاته، ويصلي في ذلك الموضع الذي شك فيه جمعاً وتماماً، ونيته إن كان ذلك الموضع في علم الله تعالى قد جاوز فيه الفرسخين فقد صلّى جمعاً، وإن كان في علم الله تعالى لم يجاوز الفرسخين فقد صلى تماماً».
فأجابه: «هو غير متعبد من ذلك بما في علم الله تعالى ولكن هو على حكم التمام والحضر، فيصليهما تماماً حتى يستيقن على تعدي الفرسخين، وليس له مع الشك أن يصليها سفراً، ولو كان في علم الله تعالى قد جاوز الفرسخين فإنه غير مسؤول عن علم الله، وإنما يسأل عن علمه هو، وهو في الحكم على الأصل من التمام حتى يصح معه ما ينقله عنه إلى حكم السفر، وليس عليه أن يصلي مرتين، فإن صلى مرتين سفراً وحضراً لموضع الشك فيه، فهو من احتياطه ولا بأس به، وإن كان لا يلزمه في قول من نعلمه
والله أعلم»).
2 - حكم صلاة الزوجة إذا نزع الزوج وطنه ولم يخبرها:
إذا نزع الزوج وطنه ولم يعلم زوجته بذلك، وخرجت زوجته بإذن منه إلى هذا الوطن المنزوع من قبل الزوج، فإنها تصلي تماماً حتى تعلم نزعه ولا يضرها ذلك ولا بدل عليها.
وردت هذه المسألة في كتاب التمهيد»: فقد سئل أبو محمد سعيد الخليلي في المرأة إذا نوت التمام بنية زوجها، ثم إن الزوج اتخذ وطنين وزارت المرأة أهل زوجها، ألها أن تُتم أم تصلي صلاة السفر؟
- أرأيت إن حول الزوج نيته واتخذ وطناً غير دار أهله ولم يخبر المرأة بتلك النية، وأرادت المرأة الزيارة لدار أهله بأمر منه، والتبس الأمر عليها أتصلي تماماً على النية أم لا؟ فأجاب: «تصلي تماماً في وطنه ما لم تعلم بتحويل نيته عن الاستيطان،
(1) الخليلي: التمهيد، 232/ 5 - 233. (2/96)
صفحة 615
الفصل الثاني: القاعدة الفقهية الكلية الكبرى الثانية
97
ولو حَوَّل النية وهي لم تعلم فصلت تماماً فلا يضرها ذلك ولا بدل
عليها» (1).
د - في باب الصوم
1 - حكم السحور عند الشك في طلوع الفجر:
إذا شك المكلف في طلوع الفجر ويريد السحور، فقد جوّز له بعض فقهاء الإباضية أن يأكل ويشرب حتى يتأكد من بزوغ الفجر الصادق؛ لأن الأصل بقاء الليل والفجر حادث، فلا بد من دليل يثبت حلول الصبح وإدبار الليل، حتى يمسك عن الأكل والشرب؛ لأن «الأصل بقاء ما كان على ما كان» حتى يثبت خلافه، وهذا ما صرح به بعض الإباضية في حالة الشك في طلوع الفجر و اختلاف الناس في ثبوته. يقول المحقق الخليلي في هذا الشأن: «وإذا اختلف الناظرون فالمرجع إلى حكم الليل، كما يروى عن أبي عبيدة في مسألة الصيام إذا اختلف الخادمان في العبارة عن الفجر فقال آكُل حتى يصطلحاً ... (2).
2 - حكم ما يدخل عن طريق العينين عند الصيام، كالكحل والإثمد: أجاز بعض فقهاء الإباضية أن يكتحل الصائم في عينه في نهار رمضان، لأن العين لم تكن معهم من مجاري الطعام فإن وجد في حلقه شيئاً من ذلك مجه ولفظه ولا يبتلعه. وكرّه بعضهم الاكتحال بالصَّبِر لما فيه من السريان، فإن طعمه بالحال يوجد في الحلق. وقال أبو عبد الله محمد بن محبوب: «ليس عليه بأس إذا وجد طعم الكحل في حلقه».
ولم ينفرد الإباضية في ترخيصهم في هذا الأمر، بل أخذ غيرهم من الفقهاء بهذه الرخصة؛ كالحسن البصري والنخعي والأوزاعي والشافعي
(1) الخليلي: التمهيد، 243/ 5 - 244.
(2) الخليلي: المصدر نفسه، 34/ 5. (2/97)
صفحة 616
98
القواعد الفقهية عند الإباضية
وأبو ثور)، وأصحاب الرأي (الحنفية)، وكره ذلك سفيان الثوري وأحمد حنبل وإسحاق (2).
بن
و نسب أبو محمد عبد الله بن بركة الكراهة أيضاً إلى بعض الإباضية، وقال السالمي ولم أجد ذكر ذلك غيره، وكره قتادة الاكتحال بالصبر ورخص بالإثمد (3)، ومنع منصور بن المعتز وابن أبي ليلى وابن شبرمة الاكتحال عند الصوم، وقالوا: إن اكتحل الصائم فعليه أن يقضي يوماً مكانه (4).
أدلة الجمهور
واستدل الجمهور على جواز الاكتحال في حالة الصوم بشيئين: أحدهما: البراءة الأصلية؛ لأن الأصل في كل ثابت إباحته بقاؤه على حاله، ومن
المعلوم ثبوت إباحة الاكتحال فلا يمنع للصوم إلا بدليل ثابت من جهة الوحي. وثانيهما: حديث عائشة: أن النبي الله اكتحل في رمضان وهو صائم). ومن طريق محمد بن عبد الله بن أبي رافع عن أبيه عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يكتحل وهو صائم).
(1) ذكره ابن أبي شيبة، المصنف، كتاب الصيام من رخص في الكحل للصائم، رقم 9117. (2) ذكره الترمذي، أبواب الجمعة أبواب الصوم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، باب ما جاء في الكحل للصائم، رقم 690، وعبد الرزاق الصنعاني، كتاب الصيام، باب الكحل للصائم، رقم 7274.
(3) ذكره عبد الرزاق في المصنف، كتاب الصيام باب الكحل للصائم، رقم 7269. (4) رواه عبد الرزاق الصنعاني في المصنف، كتاب الصيام، باب الكحل للصائم، رقم 7273 ولفظه: عبد الرزاق، عن ابن التيمي أن أباه، ومنصور بن المعتمر، وابن أبي ليلى، وابن شبرمة قالوا:
«إن اكتحل الصائم فعليه أن يقضي يوماً مكانه» قال: «وكان أبوه يكره الكحل للصائم». (5) رواه ابن ماجه، كتاب الصيام، باب ما جاء في السواك والكحل للصائم، رقم 1678، والطبراني في الأوسط، رقم 6911، عن عائشة، ضعفه ابن حجر في التلخيص. تلخيص الحبير، 190/ 2. (6) رواه ابن خزيمة جماع أبواب الأفعال المباحة في الصيام، باب الرخصة في السواك والكحل للصائم، رقم 2008، والبيهقي في الكبرى، كتاب الصيام الصائم يكتحل، رقم 8074. ابن
حجر: أبو حاتم حديث منكر. تلخيص الحبير، 190/ 2. (2/98)
صفحة 617
الفصل الثاني: القاعدة الفقهية الكلية الكبرى الثانية
99
ومن حديث ابن عمر قال خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم وعيناه مملوءتان من الإثمد وذلك في رمضان وهو صائم (1).
وعلق السالمي على درجة هذه الأحاديث، فذكر أن هذه الأحاديث وإن كانت لا تخلو من ضعف في سندها غير أن البراءة الأصلية تعضدها، والأصل بقاء ما كان على ما كان».
أدلة المانعين
واحتج أصحاب الرأي الآخر بحديث عبد الرحمن بن النعمان بن معبد بن هوذة عن أبيه عن جده عن النبي الله أنه أمر بالإثمد المروّح عند النوم وقال: ليتقه الصائم»)، وقد تعلق به القائلون بالقضاء والقائلون بالكراهة. وبناء عليه فقد حملوا النهي على التحريم، وأوجبوا القضاء على من فعله. ـورة المجيزون للاكتحال في نهار رمضان، أن النهي يحمل على التنزيه فقالوا بكراهته فقط. وقالوا: إن الخبر ضعيف، وأن في رواته منكراً ومجهولاً، وفي سنده اضطراب، وعلى فرض صلاحيته للاحتجاج يكون محمولاً على الأمر باجتناب الكحل الطيب؛ لأن المروح المطيب، فلا يتناول ما لا طيب فيه.
واحتج الفريق الثاني بحديث ابن عباس الذي ذكر فيه لفظ الفطر من
ما دخل، والوضوء من ما خرج فقالوا: وإن وجد طعمه فقد دخل. - وأجيب بأن سند هذا الحديث ضعيف جداً. وقيل: الأصل فيه أنه موقوف، وأنه لا يثبت مرفوعاً. وعلى تقدير صلاحيته للاحتجاج يكون اكتحال
النبي مخصصا للكحل (3).
(1) الرواية عن أبي رافع وتقدم تخريجها.
(2) تقدم تخريجه.
(3) السالمي: معارج الآمال، 18/ 154 - 155. (2/99)
صفحة 618
1 ..
القواعد الفقهية عند الإباضية
الاكتحال
هذه بعض أدلة الفريقين - المجيزين والمانعين ـ، إلا أن المتأمل فيهما يجد أن أدلة الفريقين دخلها الضعف، فلا تصلح للاحتجاج بها أو الاعتماد عليها، فضلاً عن الترجيح، ولذلك نرجع إلى البراءة الأصلية، فنقول كما قال أصحاب القول الأول: ما دام لم يرد دليل صحيح وقوي على تحريم في نهار رمضان، فيبقي الحكم على أصله، وهو الإباحة الأصلية حتى يرد ما يخالف ذلك، إلا أن حكم الأصل ـ وهو الإباحة ـ يشوش عليه ما يجده الصائم في حلقه من أثر الكحل، وقد يعسر عليه إخراجه ويسبقه إلى جوفه، وبذلك ينقض عليه صومه. هذا بالنسبة للكحل، فما حكم القطرات التي توضع في العينين للعلاج، ويظهر أثرها كذلك في الحلق؟ هل تقاس بالكحل، فيُرخص استعمالها أثناء الصوم كما يرى البعض؟ أم يحظر اتخاذها في حالة الاختيار، على اعتبار أنها مادة سائلة قد تتسرب للجوف؟ يبدو أن هذه المسألة لم تحسم بعد عند العلماء، وما زالت تحتاج إلى دراسة وبحث مستفيض من أهل الاختصاص، ولذلك فمن باب الاحتياط نقول بمنعها في حالة الصيام خروجاً من الخلاف، ما دام المريض قادراً على تحمل الألم إلا إن اضطر إلى استعمالها وهو صائم، فإنه يقضي ذلك اليوم
احتياطاً والله أعلم.
هـ ـ في باب المعاملات:
- في حكم التصرف في مال الغير دون إذن:
- من علم مالاً لرجل ثم غاب أو مات، فوجد المال عند غيره، فحكمه انتقاله للآخر بدليل صحيح، وليس له أن يزيل ما تقدم من
للأول حتى يصح علمه إلا بعلم مثله (1).
(1) العوتبي: الضياء، 25/ 3. (2/100)
صفحة 619
الفصل الثاني: القاعدة الفقهية الكلية الكبرى الثانية
1 - 1
ومن وجد ماله في يد غيره يتصرف فيه دون إذنه، فكيف يستطيع إثبات حقه حتى يسترجعه منه؟ اختلف الإباضية في حكم هذه
المسألة.
ويرجع
نقل ابن بركة هذه المسألة في «جامعه»، وأشار إلى خلاف فقهاء الإباضية فيها، واختار أحد الأقوال بناء على النص والنظر، وذكر أن من وجد ماله عند غيره وتصرف فيه ببيع أو إعارة دون إذنه، فله الحق في استرجاعه؛ لأن «الأصل بقاء ما كان على ما كان حتى يثبت خلافه، وفي هذا الصدد يقول: واختلف أصحابنا فيمن استعار دابة أو عبداً فوجدها قد باعها المستعير، فقال بعضهم: ليس لربها أخذها، وله أن يأخذ المستعير حتى يمكنه من المشتري فيطالبه، وقال آخرون لصاحبها أخذها بغير ثمن، المشتري على البائع بالثمن، وهذا القول هو الذي يوجبه النظر ويشهد لصحته الخبر، ولو لم يكن عن النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك، والخبر والنظر متفقان معاً على صحته الدليل على ذلك أن كل مالك فملكه محبوس عليه إلا أن يزيله عن نفسه، إذا كان البائع متعدياً عليه في ماله وملكه، كان بيعه ما لا يحل له فاعل ما لا يحل له فبيعه باطل؛ لأنه تصرف في ما لا يجوز التصرف فيه» (1). ويضيف مستدلاً لإثبات صحة رأيه: «وأيضاً يدل على صحة اختيارنا لهذا الرأي ما روي عن سمرة بن جندب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا ضاع لأحدكم متاع أو سرق له متاع فوجده في يد رجل بعينه، فهو أحق به ويرجع المشتري على البائع بالثمن» (2) (3).
(1) ابن بركة: الجامع، 333/ 2.
(2) رواه ابن ماجه، كتاب الأحكام، باب من سرق له شيء فوجده، رقم 2331، وأحمد، مسند الكوفيين، حديث سمرة بن جندب، رقم 20158، عن سمرة. قال الأرنؤوط: حسن.
(3) ابن بركة: الجامع، 333/ 2. (2/101)
صفحة 620
102
القواعد الفقهية عند الإباضية
2 - حكم الديون التي تثبت بذمة الإنسان قبل موته: حكمها أنها تخرج من تركته قبل قسمتها، وليس للورثة في مال الميت سبيل حتى يصح انتفاء الديون؛ لأن كل شيء على أصله ثابت حتى يصح انتقاله عن حال ما ثبت عليه، وقد ثبت هذا الدين على الهالك في ماله، حتى يصح خروجه منه بحكم ثابت (1).
:
قال السالمي: .... ومنها أن الدين ينتقل من ذمة الميت إلى ذمة الكفيل إن كان له كفيل، فيلزم الكفيل قضاء دينه وله أن يأخذه من مال الهالك، فإن لم يكن له كفيل تعيّن الدَّيْن فى مال الهالك وعلى الورثة قضاؤه فلا يأخذون من ماله إلا ما فضل من دينه وجهازه ووصيته (3).
و - في باب الشهادات: إذا شهد شاهدان على رجل أنّ المال الذي في يده حرام، أو علاقته بزوجته حرام، أو وقعت الحرمة بينهما، ولم يفسرا بالبينة ما هذه الحرمة، لم يُعتدّ بشهادتهما في هذه الأحكام، فالأشياء على أصولها حتى يصح تحولها بما لا شك فيه ولا ريب سواء في الطهارات والمحرمات والطلاق والظهار
والولايات والبراءات (3).
ز - في باب الضمان:
من أحدث حدثاً يوجب الضمان عليه، ولم يدر هل فعله في صباه أم بعد بلوغه، ففي الحكم لا يلزمه؛ لأن الأصل أنه فعله وهو صبي حتى يتيقن أنه فعله وهو بالغ، وهذا يجري في الفعل الذي لا يضمنه الصبي إذا فعله، أما إذا كان يضمنه ولو كان أثناء إتيانه له صبياً، فعليه الضمان (4).
(1) البوسعيدي: لباب الآثار، 448/ 14. (2) السالمي: طلعة الشمس، 257/ 2.
(3) ابن جعفر: الجامع، 344/ 1. (4) الخليلي: التمهيد، 275/ 11. (2/102)
صفحة 621
الفصل الثاني: القاعدة الفقهية الكلية الكبرى الثانية
103
ح - في باب النكاح:
1 - دعوى عدم تسليم الصداق العاجل.
ورد في «العقد الثمين» سؤال عن تزويج امرأة على صداق عاجل وآجل، ولم يدخل بها وادعى أنه أعطاها صداقها وأنكرت هي من يكون المدعي، أرأيت إن دخل بها وأقرته على الدخول، وادعى أنه أصدقها وأنكرت من يكون المدعي، وكذلك إن مات وادعت هي على الورثة أنه لم يصدقها سواء دخل بها أو لم يدخل بها، من يكون المدعي من الورثة، والمرأة والحق ثابت سابقاً شرعاً.
فأجاب السالمي عن الشيخ ناصر بن خميس): «فيمن ادعى تسليم ما ثبت عليه لزوجته من الصداق العاجل، فقد قيل عليه البينة دخل بها أو لم يدخل على أكثر القول، والمعمول به عندنا قال ابن عبيدان)، وقول إن القول قول الزوج بعد الدخول. قال الشيخ ناصر وحكمه غير داخل بها على قول من يقول إنها مدعية بقاء ما عليه لها من الصداق العاجل بعد صحة الدخول بها، قال: ويعجبنا القول الأول، وبه نعمل ونحكم (3).
ورجح السالمي القول الأول بناء على قاعدة الاستصحاب فقال: «وعلى
(1) هو ناصر بن خميس الحمراشدي (ق: 12 هـ) عالم شيخ عاش في القرن الثاني عشر الهجري ولد بالرستاق كان من بين العلماء الذين عقدوا الإمامة لسلطان بن سيف بعد وفاة أبيه، سيف بن سلطان. عمل قاضياً على نزوى أيام سلطان بن سيف. له أجوبة متفرقة بعضها في كتاب التبيان للشيخ درويش المحروقي. ينظر: دليل أعلام عُمان 159. المشيفري، تحقيق تحفة الأعيان 309 معجم أعلام الإباضية بالمشرق، 376/ 1. الشيخ العالم الفقيه القاضي محمد بن عبد الله بن جمعة بن عبيدان النزوي العقري، من علماء القرن الحادي عشر، قد أصيب بالعمى، توفي سنة 1104 هـ / 1692 م، كان هو والشيخ خلف والشيخ ناصر بن خميس الحمراشدي والشيخ صالح الزاملي في منزلة واحدة، فقد تصدر للفتيا، وكان قاضياً للإمام سلطان بن سيف وابنه بلعرب. المصدر: إتحاف الأعيان في تاريخ بعض علماء عُمان، ص 461 معجم أعلام الإباضية بالمشرق، 47/ 1. (3) السالمي: العقد الثمين، 48/ 3.
(2) هو (2/103)
صفحة 622
1.2
القواعد الفقهية عند الإباضية
هذا فإن من مات قبل الدخول، فالحكم بقاء الصداق حتى يصح بالبينة أنه قضاه في حياته؛ لأن الأصل بقاء ما كان على ما كان.
- وكذلك إن ماتت هي قبل الدخول، وأما إذا مات أحدهما بعد الدخول فيجري فيه الخلاف المتقدم آنفا، فإنه على قول من يقول إنها تكون بعد الدخول مدعية، فكذلك يكون حكم وارثها وعلى قول من يقول إن الزوج المدعي، فكذلك يكون حكم وارثه).
في ثبوت الحقوق الزوجية بعد الوفاة، هل يجوز لأحد الزوجين أن
يغسل الآخر؟
يرى ابن بركة أنه إذا مات أحد الزوجين، فيجوز أن يغسل كل منهما صاحبه؛ لأن العصمة باقية بينهما بعد الموت قال تعالى: {وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ} (النساء: (12)، وقال أيضاً: {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا} (البقرة: 234)، والمدعي قطع العصمة بينهما محتاج إلى دليل). بحث السالمي هذه المسألة، ونقل خلاف العلماء فيها، واستدل على ثبوت العصمة بعد وفاة أحد الزوجين بأحاديث نبوية وآثار الصحابة فقال: « ... لكن لها أن تغسله ما دامت في عدته؛ لأن التزويج إنما شرع لحاجة الرجل، ومن حاجته جهازه بعد موته، وقيل: ليس لها أن تغسله لانقطاع الزوجية بالموت، وقيل بل تغسله ويغسلها؛ لأن جهاز الميت منهما تابع للزوجية وهو من بعض حقوقها، ورجح الجواز مطلقاً ما نقل عن عائشة أنها قالت: «لو كنت استقبلتُ من أمري ما استدبرت ما غسل النبي صلى الله عليه وسلم غير نسائه» (3). وكذلك
(1) السالمي: المصدر نفسه، 47/ 3. بتصرف (2) ابن بركة الجامع، 362/ 1 - 363.
(3) رواه ابن ماجه، کتاب الجنائز، باب ما جاء في غسل الرجل امرأته، رقم 1464، والبيهقي في الكبرى، كتاب الجنائز جماع أبواب غسل الميت باب غسل المرأة زوجها، رقم 6457، عن عائشة بنت أبي بكر ما (2/104)
صفحة 623
الفصل الثاني: القاعدة الفقهية الكلية الكبرى الثانية
105
ما روي عنها أنها قالت: «رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم من البقيع وأنا أجد صداعاً في رأسي وأنا أقول: وارأساه فقال: بل أنا يا عائشة وارأساه»، ثم قال: «وما ضرك
لو مت قبلي فقمتُ عليك فغسلتُكِ وكفنتُكِ وصليتُ عليك ودفنتك» (1) (2). و من آثار الصحابة ما نقله أنس بن مالك الا الله قال: «أوصى أبو بكر الصديق له الله أن تغسله زوجه أسماء فغسلته، وكذلك أوصت عائشة بنت عميس أن يغسلها زوجها علي بن أبي طالب - كرم الله وجهه ـ وأسماء ـ فغسلاها، وكذلك غسل ابن مسعود، امرأته، وكذلك قال ابن عباس: الرجل أحق بغسل امرأته من النساء، وكذلك كانت الصحابة يغسلون أزواجهم
وتغسلهم أزواجهم» (3). (4).
ط ـ في باب الوكالة:
هل يشترط العِلم بنزع الوكالة من الوكيل؟ وما الحكم إذا لم يعلم الوكيل بنزعها؟ وهل يعتمد على الحالة الظاهرة استصحابا للأصل؟
نقل ابن بركة في «جامعه» رأي الإباضية في هذه المسألة فقال: إذا وكل رجل رجلاً في بيع ماله أو طلاق زوجته ثم نزعه من الوكالة وقد غاب عنه الوكيل، فامتثل الوكيل أمْرَه به ولم يعلم الوكيل بأن الموكل قد نزعه مما وكله فيه، فإن فعله ماض في قول محمد بن محبوب، وقال غيره من أصحابنا: إن فعله يكون باطلا، فإن جهل فعل الموكل فيه ووجدت الشافعي وافق أصحاب
هذا القول.
(1) رواه ابن ماجه، کتاب الجنائز، باب ما جاء في غسل الرجل امرأته، رقم 1465، والدارمي، المقدمة، باب في وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، رقم 80، عن عائشة بنت أبي بكر. البوصيري: إسناد
رجاله ثقات.
(2) السالمي: طلعة الشمس، 256/ 2.
(3) ذكره عبد الرزاق في المصنف، كتاب الجنائز باب المرأة تغسل الرجل، رقم 5925. (4) السالمي: المرجع نفسه، 256/ 2 - 257. (2/105)
صفحة 624
106
القواعد الفقهية عند الإباضية
6
واختار ابن بركة هذا الرأي، وصححه، فقال: «وهذا عندي أنظر القولين»؛ لأنهم أجمعوا أن الوكيل يعمل بالوكالة، فإذا زال عنها زال فعله من مال الموكل. وكذلك إذا وكله في المال، فزال المال عن الموكل إلى غيره بطل فعل الوكيل فيه. وإن جهل ألا ترى أن فعل الوكيل يبطل فيما وكل فيه بموت المُوكِّل له، وإن جهل وقت موته، فهكذا يجب أن يكون إذا أخرجه من الوكالة ونزعه منها أن يكون فعله باطلاً وإن جهل ذلك. وإلى هذا الرأي ذهب الشيخ أطفيش في شرح النيل).
مجمل القول:
بعد التأمل في الرأيين يظهر أن أصحاب القول الأول ـ ومنهم ابن محبوب - لم يبطلوا تصرفات الوكيل بعد نزع الموكل له وعدم علمه بذلك، وذلك اعتماداً على الحالة الظاهرة واستصحاباً للأصل ـ أي: أنه ما زال وكيلاً يملك حق التصرف في أموال الموكل بتفويض منه ـ، أما أصحاب القول الثاني فقد ذهبوا إلى بطلان تصرفات الوكيل بعد خلع الموكل له، سواء علم بذلك أم لم يعلم، فكل تصرف قام به بعد ذلك النزع فهو موقوف حتى يقره الموكل أو يبطل من أساسه، وذلك قياساً بالموكل إذا مات، فإن صلاحيات الوكيل تتوقف ولا اعتبار للوكالة، ولم يعملوا بالقاعدة الفقهية: «الأصل بقاء ما كان على ما كان في حالة نزع الموكل للوكيل وعدم علمه بذلك؛ لأنه يعامل بها في حالة عدم وجود ما يخالف ذلك الحكم، وما دام قد صدر من الموكل حكم مخالف له، فيجب العمل به وتبطل الوكالة.
مستثنيات القاعدة:
من المسائل التي خرجت عن قاعدة الاستصحاب ما ذكره سعيد الخليلي
في «التمهيد»:
(1) ابن بركة: الجامع، 404/ 2 - أمحمد أطفيش: شرح كتاب النيل للثميني 175/ 9. (2/106)
صفحة 625
الفصل الثاني: القاعدة الفقهية الكلية الكبرى الثانية
107
1 - في سداد ديون المُوَرّث:
يرى بعض الإباضية أن من علم بحقوق على موروثه، ومضى عليها من الزمان ما يمكن أنه قد قضاها واحتمل بقاؤها، ولم يعلم أن موروثه قضى ذلك الحق في حياته، فلا يلزم الوارث إنفاذه من التركة إلا أن يوصي به، أو يقيم من كان الحق بينة على صحة بقاء الحق مع يمين القضاء عند من يحكم بها في مثل هذه الدعاوى وإنما خرجت هذه المسألة عن تلك القاعدة، لأن الوارث علم بالحق على موروثه ولو يعلم بوفائه له، و «الأصل بقاء ما كان على ما كان ولا تطيب التركة للورثة إلا بعد إخراج الحقوق الواجبة على موروثهم، ولا ولكنهم لم يلزموه بذلك، وهو قول. وفي المسألة قول آخر أن على الوارث إنفاذه وتسليمه إلى من له الحق ما لم يصح أن الهالك قد قضاه؛ لأنه بحكم الأصل باق عليه). وعلى هذا القول، فالمسألة داخلة تحت القاعدة المذكورة ومستثناة على القول الأول.
2 - الأمين يصدق ببراءة ذمته:
لو ادعى الأمين أنه أعاد الوديعة لصاحبها، أو أنها تلفت في يده بلا تعد منه أو تقصير، يقبل ادعاؤه بدون يمين مع أنه كان يجب بمقتضى قاعدة الاستصحاب أن يُعد الأمين مكلفاً بإعادة الأمانة ما لم يثبت إعادتها؛ لأن الحال الماضي هو وجود الأمانة عند المودع. ولكن السبب في تصديقه بلا يمينه: أن الأمين هنا يدعي براءة الذمة من الضمان، وأما المودع فهو يدعي شغل ذمة الأمين، وذلك خلاف الأصل؛ لأن الأصل براءة الذمة». أما إذا جحد الأمين تسببه في تلف الأمانة، وقدم المدعي البينة على إهماله لها، فلا يصدق الأمين إلا ببينة أو يمين تثبت عكس ذلك. يقول الثميني في هذا المعنى: «ويصدق مستودع ومستعير ومضارب لا بيمين في تلف ما بأيديهم
(1) الخليلي: التمهيد، 31/ 12. (2/107)
صفحة 626
108
القواعد الفقهية عند الإباضية
إن كانوا أمناء، وكذا وارثهم إن ادعى تلفه بيد مورثه لا في يده، وإن جحد کمستودع ما بيده فبين عليه، ثم ادعى تلفه لم يصدق إلا ببيان أو يمين). ولم يتفق الحنفية مع الإباضية في هذا الأمر، واشترطوا دعوى الأمين أن يؤكدها بيمينه فلا يصدق في براءة ذمته إلا بذلك (2).
(1) الثميني عبد العزيز: كتاب النيل وشفاء العليل، تحقيق عبد الرحمن بكلي، 822/ 3. (2) الكرخي أبو الحسن: أصول الكرخي الأصل الثاني عشر، 112 ـ علي حيدر: درر الحكام،
212/ 1 (2/108)
صفحة 627
المطلب الثاني
قاعدة: «الأصل براءة الذمة»
هذه القاعدة تتفرع عن قاعدة اليقين لا يزول بالشك» وقد جعلها بعض الفقهاء مستقلة، لارتباطها بأبواب كثيرة مهمة في الفقه، كالقضاء
والحدود.
أولا مدلول القاعدة
1 - المعنى اللغوي للقاعدة
المراد بالأصل في نص القاعدة: «القاعدة المستمرة كقولهم: الأصل أن
الفاعل مرفوع (1).
الذمة في اللغة لها معان كثيرة، لعل أقربها إلى الأصل الذي معنا تفسيرها بالعهد والأمان والضمان إذ أن نقض العهد موجب للذم، ومن معانيها الكفالة، كالذمامة والذم". قال تعالى: {لَا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلَّا وَلَا ذِمَةً} (التوبة: 8)، وقالوا: إن الذمام كل حرمة تترتب على من ضيعها المذمة، ومن ذلك تسمية أهل العهد أهل الذمة، ورجل ذمي رجل له عهد (3).
البراءة: في أحد أصليها المزايلة والتخلي والتباعد، وتطلق على معان
(1) بكلي عبد الرحمن: جدول المسائل المعتبرة كقواعد أو ضوابط فقهية ملحق على كتاب النيل لعبد العزيز الثميني، 2/ 1100. - الراشدي سفيان: جواهر القواعد، ص 81. ـ الكرخي: أصول الكرخي مع تأسيس النظر، 113 - ابن نجيم: الأشباه والنظائر، ص، ص
(2) البورنو الوجيز، ص 179.
59
(3) الفيومي: المصباح المنير، ص 286. - الجرجاني: التعريفات، ص 119. ـ سعدي أبو جيب:
القاموس الفقهي لغة واصطلاحاً، ص 138. (2/109)
صفحة 628
11.
القواعد الفقهية عند الإباضية
كثيرة، والمراد بها هنا: السلامة والخلو من العيب والمكروه، وبراءة الذمة،
خلو الذمة من الدين).
2
- المعنى الفقهي للقاعدة:
أي أن القاعدة أو الأمر المتيقن انتفاء المسؤوليات والالتزامات عن
الذمة (2).
أما الذمة في اصطلاح الفقهاء والأصوليين فهي بمعنى النفس أو الذات
التي لها عهد، وقد انقسموا في تعريفها إلى اتجاهين: أحدهما جعلها وصفاً، وعرّفها بأنها وصف يصير به الشخص أهلاً للإيجاب والاستيجاب بناء على العهد الماضي الذي جرى بين العبد والرب يوم الميثاق (3).
والاتجاه الآخر جعلها ذاتاً، وعرَّفها بأنها نفس لها عهد، وذكر بعضهم أن الذمة لا معنى لها وأنها من اختراع الفقهاء الذين يعبرون عن وجوب الحكم على المكلف بثبوته في ذمته بمعنى النفس أو الذات التي لها عهد. قال الجرجاني: «ومنهم من جعلها وصفاً وعرفها: وصف يصير الشخص به أهلاً للإيجاب له وعلمه، ومنهم من جعلها ذاتاً يعرفها بأنها: نفس لها عهد، فإن الإنسان يولد وله ذمة صالحة للوجوب له وعليه عند جميع الفقهاء بخلاف سائر الحيوانات» (4). ويشير يحيى الجناوني الإباضي إلى براءة الذمة فيقول: «الأصل في
(1) محمد رواس قلعة جي وحامد صادق قنيبي: معجم لغة الفقهاء ط 1، طبعة دار النفائس بيروت 1405 هـ / 1985 م، ص 106.
(2) سعدي أبو جيب، القاموس الفقهي، ص 34. (3) الدبوسي: كشف الأسرار، 394/ 1 ـ الجرجاني، التعريفات،
الكليات، ص 454.
(4) الجرجاني التعريفات باب الذال، ص 119.
ص
95. ـ الكفوي أبو البقاء، (2/110)
صفحة 629
الفصل الثاني: القاعدة الفقهية الكلية الكبرى الثانية
111
الفرائض براءة الذمة منها لا فرض إلا بثبوت الشرع عليه، فمن ادعى شغلها فعليه الدليل، ومن نفاه بعد ثبوته فعليه الدليل) (). وإلى هذا المعنى ذهب الوارجلاني). والحق أن المقصود من ذلك محل الذمة، وهو النفس. يقال: ثبت في ذمتي كذا، أي على نفسي (3). فمعنى القاعدة هو القاعدة المستمرة أن الإنسان بريء من وجوب شيء أو لزومه، وكونه مشغول الذمة خلاف الأصل؛ لأن المرء ء يولد خالياً من كل دين أو التزام أو مسؤولية، وكل شغل لذمته بشيء من الحقوق إنما يطرأ بأسباب عارضة بعد الولادة والأصول في الأمور العارضة العدم، فالأصل المذكور أن الأمر المتيقن هو أن الإنسان خلق خالياً من المسؤوليات والالتزامات أو حقوق الآخرين فلا تشغل ذمته بأي حق أو التزام إلا بيقين أي دليل وبينة كما صرح بذلك الجناوني والوارجلاني. لذا يقبل شاهد واحد في جانب المدعي لضعفه، فلا يقاوم جانب المدعى عليه، لقوته بالأصل حتى يعتضد بشاهد آخر، أو يمين المدعي، فلما وسمه بتهمة الادعاء احتيط من جانبه باليمين (4).
ولأن الأصل براءة ذمة الإنسان، فالمتمسك بالبراءة متمسك بالأصل، والمدعي متمسك بخلاف الأصل، ولذلك كان القول للمدعى عليه مع يمينه ـ عند عدم البينة - لأنه متمسك بالأصل (). ومجال هذا الأصل
(1) الجناوني أبو زكرياء يحيى بن الخير (قه كتاب الوضع مختصر في الأصول والفقه، تحقيق أبو إسحاق إبراهيم أطفيش، ط 1، مطبعة الفجالة، مصر، د. ت.، ص 07.
(2) الوارجلاني أبو يعقوب يوسف بن إبراهيم: كتاب العدل والإنصاف في معرفة أصول الفقه 18/ 1. (3) التهانوي محمد بن علي بن محمد الفروقي (كان حيا 1158 هـ)، كشاف اصطلاحات الفنون، نشر دار صادر، بيروت - البورنو: الوجيز، ص 179.
(4) الراشدي سفيان جواهر القواعد، ص 81. (5) السدلان صالح بن غانم: القواعد الفقهية الكبرى وما تفرع عنها، ص 121 - 122 - البورنو: الوجيز، 179، كل منهما نقل عن الأتاسي: شرح المجلة العدلية، ـ 1/ 25 - 27. (2/111)
صفحة 630
112
القواعد الفقهية عند الإباضية
واسع، قال ابن عبد السلام (1) (ت: 660 هـ): «الأصل براءة ذمته من الحقوق وبراءة جسده من القصاص والحدود والتعزيرات وبراءته من الانتساب إلى شخص معين، ومن الأقوال كلها والأفعال بأسرها» (2). وعلى هذا يحكم بيقين انتفاء الأحكام وبراءة الذمة من التكاليف الشرعية قبل مجيء الشرع، وبعد مجيئه أيضاً عند عدم الدليل الشرعي إذ يلجأ إليه المجتهد عند عدم وجود الأدلة (3).
ثانياً: دليل القاعدة ومصدرها
هذه القاعدة مأخوذة من الحديث الشريف وهو قوله صلى الله عليه وسلم: «البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه» (4). ومعناه أن كل من يتمسك بخلاف الظاهر ويريد إثبات أمر عارض فهو مدع وعليه البينة؛ لأنه مثبت، وكل متمسك
(1) عبد العزيز بن عبد السلام بن أبي القاسم بن الحسن السلمي الدمشقي، عز الدين الملقب بسلطان العلماء (577 - 660 هـ/ 1181 - 1262 م): فقيه شافعي بلغ رتبة الاجتهاد. ولد ونشأ في دمشق. وزار بغداد سنة 599 هـ فأقام شهراً. وعاد إلى دمشق، فتولى الخطابة والتدريس بزاوية الغزالي، ثم الخطابة بالجامع الأموي. خرج إلى مصر، فولاه صاحبها الصالح نجم الدين أيوب القضاء والخطابة ومكنه من الأمر والنهي. ثم اعتزل ولزم بيته. من كتبه: «التفسير الكبير» و «الإلمام في أدلة الأحكام وقواعد الشريعة - خ» و «الفوائد ـ خ» و «قواعد الأحكام في إصلاح الأنام - ط) فقه و «الإشارة إلى الإيجاز في بعض أنواع المجاز ـ ط» في مجاز القرآن، و «مسائل الطريقة ـ ط» في التصوف طبقات السبكي 5/ 80 - 107. الزركلي: الأعلام، 21/ 4.
-
-
(2) العز بن عبد السلام قواعد الأحكام في مصالح الأنام، 26/ 2. (3) الوارجلاني: العدل والإنصاف، 18/ 1. ـ باجو: منهج الاجتهاد، ص 732، ينظر: علي حسب الله: أصول تشريع الإسلام، 168.
(4) رواه الترمذي، أبواب الأحكام عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، باب ما جاء في أن البينة على المدعي، رقم 1299، والبيهقي في الكبرى، كتاب الدعوى والبينات باب البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه، رقم 19723 عن ابن عباس قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. (2/112)
صفحة 631
الفصل الثاني: القاعدة الفقهية الكلية الكبرى الثانية
113
بالأصل منكر للأمر العارض، فهو مدَّعَى عليه، فعليه اليمين؛ لأنه ناف
ولا سبيل لإقامة البينة على النفي).
ثالثاً: وقت اعتبار هذا الأصل:
يعتبر هذا الأصل، ويكون القول قول من يتمسك به مع مع يمينه إذا لم يعارضه ظاهر، سواء كان الظاهر هو الأصل بحسب ما يتبادر أو بحسب المعنى، مثال ذلك:
- لو ادعى رجل على بِكْرٍ بالغة أن وَليَّها زوجها منه قبل استئذانها، فلما بلغها سكتت، وقالت بل رددت فالقول لها، وإن كان المدعي متمسكاً بأصل وهو عدم الكلام - وكان القول لها؛ لأن قولها يشهد له الظاهر بحسب المعنى؛ ولأنه يدعي تملك يُضعها بدعواه سكوتها من غير ظاهر معه، وهي تنكر، والظاهر الاستمرار على الحالة من عدم ورود ملك عليها - وهو الأصل - هي متمسكة بأصل فيه معنى الظاهر، فكان القول قولها (2).
فكانت
رابعاً: الفروع التطبيقية للقاعدة:
إن هذا الأصل بوجه عام تنبني عليه طائفة كبيرة من الأحكام، وسنكتفي بذكر بعض ما يتعلق بالعبادات، وأمور المعاملات والجنايات، وما يتصل بطرق الإثبات مقتصرين على نماذج محدودة منها دون استقصاء لكل ما ذكر بشأن ذلك.
(1) علي حيدر: درر الحكام شرح مجلة الأحكام العدلية مادة 76، 77. ـ عبد الرحمن الناصر السعدي: بهجة قلوب الأبرار وقرة عيون الأخبار في شرح جوامع الأخبار، ص 157.
البورنو: الوجيز، ص 100. ـ السدلان القواعد الفقهية الكبرى، ص 120.
(2) السيوطي: الأشباه والنظائر، دار الكتب العلمية، لبنان، ص
053 (2/113)
صفحة 632
114
القواعد الفقهية عند الإباضية
أ - باب العبادات
توجد فروع كثيرة في الفقه الإباضي تتعلق بباب العبادات والتكاليف الشرعية بنيت على هذا الأصل: براءة الذمة مما لم يرد به الشرع، نذكر منها: 1 - حكم استقبال القبلة أو استدبارها عند قضاء الحاجة:
ذكر الشماخي أن بعض فقهاء الإباضية اعتمدوا في بيان حكم استقبال القبلة أو استدبارها عند قضاء الحاجة على هذه القاعدة، وأشار إلى خلافهم في هذه المسألة، وبين سببه بعد أن قرر الحكم العام فقال: «ولا يستقبل القبلة ولا يستدبرها ببول ولا غائط والناس فى استقبال القبلة واستدبارها على ثلاثة
أقوال:
قول أنه لا يجوز استقبال القبلة ولا استدبارها ببول ولا غائط أصلاً،
ولا في موضع من المواضع.
وقول أنه يجوز على الإطلاق.
وقول: يجوز في المباني، ولا يجوز في الصحاري وغير المدن والمباني. وسبب اختلافهم حديثان متعارضان
أحدهما: حديث أبي أيوب الأنصاري صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم قال وهو بمصر: والله لا أدري كيف أصنع هذه الكرايس، وقد قال: «إذا ذهب أحدكم لغائط أو بول فلا يستقبل القبلة ولا يستدبرها بفرجه (1).
والثاني حديث ابن عمر قال: دخلتُ على حفصة فرأيتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم جالساً لحاجته في بيت حفصة بين لبنتين مستدبراً للكعبة مستقبلا لبيت المقدس (2).
(1) رواه مسلم، كتاب الطهارة، باب الاستطابة، رقم 265، والربيع، كتاب الطهارة، باب في الاسْتِجْمَارِ، رقم 79، عن أبي هريرة.
(2) متفق عليه، رواه البخاري، كتاب الطهارة، باب من تبرز على لبنتين، رقم 145، ومسلم، كتاب الطهارة، باب الاستطابة، رقم 266، والربيع، كتاب الطهارة، بَابٌ فِي الاسْتِجْمَارِ، رقم 78، عن ابن عمر. (2/114)
صفحة 633
الفصل الثاني: القاعدة الفقهية الكلية الكبرى الثانية
115
فمن ذهب مذهب الجمع حمل حديث أبي أيوب الأنصاري على الصحاري وحيث لا سترة، وحمل حديث ابن عمر على السترة، وقد روي عن جابر بن زيد قال: سألت ابن عباس عن ذلك قال: إذا كان في الصحاري والقفار، وأما في
البيوت فلا بأس؛ لأنه حال بين الناس وبين القبلة حائل وهو الجدار (1).
- ومن ذهب مذهب الترجيح رجح حديث أبي أيوب الأنصاري؛ لأنه إذا تعارض حديثان أحدهما فيه شرع، والآخر موافق للأصل الذي هو عدم الحكم، ولم يعلم المتقدم من المتأخر، وجب أن يصار إلى الحديث المثبت للشرع؛ لأنه قد وجب العمل بنقله من طريق العدول، وترك الذي ورد من طريق العدول يمكن أن يكون ذلك قبل شرع ذلك الحكم، ويمكن أن يكون ذلك بعد، فلم يجز أن يترك شرع وجب العمل به بظن لم يؤمن أن يوجب النسخ به إلا لو نقل أنه كان بعد؛ لأنه لم يرفع الشك ما ثبت بالدليل الشرعي. ـ وأما من ذهب مذهب الرجوع إلى الأصل، وهو براءة الذمة عند التعارض يوجب أن الشك يسقط الحكم ويرفعه.
وقول رابع من قصر النهي في استقبال القبلة واستدبارها بمكة، وهو
مذهب الجمع أليق"
2 ـ الصلوات الواجبة
أوجب الشرع خمس صلوات في اليوم والليلة، فتبقى السادسة غير واجبة، وأوجب صوم شهر رمضان فيبقى الصوم في غيره من الأشهر غير
(1) ذكره الربيع، كتاب الطهارة، باب في الاِسْتِجْمَارِ، رقم 77 عن رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «لَا تَسْتَقْبِلُوا الْقِبْلَةَ بِبَوْلٍ وَلاَ غَائِطِ». قَالَ جَابِرٌ: فَسَأَلْتُ عَنْ ذَلِكَ ابْنَ عَبَّاس قَالَ: ذَلِكَ إِذَا كَانَ فِي الصَّحَارِي وَالْقِفَارِ، وَأَمَّا فِي الْبُيُوتِ فَلا بَأْسَ لأَنَّهُ قَدْ حَالَ بَيْنَ النَّاسِ وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ حِيَالٌ، وَهُوَ الْجِدَارُ.
وينظر: الصنعاني، سبل السلام، 16/ 1.
(2) الشماخي: الإيضاح، 11/ 1 - 13. (2/115)
صفحة 634
116
القواعد الفقهية عند الإباضية
واجب)، لا بتصريح من الشرع بنفيها، بل البناء على براءة الذمة المستندة إلى البراءة الأصلية، أو العدم الأصلي، وعلى هذا الأصل لم تثبت نوافل غير ما ثبت بالسمع، وبه احتج من نفى وجوب الأضحية أو وجوب زكاة الخيل والحلي والخضروات أو تخميس السلب، وبنى بعضهم على ذلك أصلا هو: أن كل ما أشكل وجوبه فالأصل براءة الذمة فيه (2).
ب - باب المعاملات
وفيما يتعلق بأمور المعاملات فقد ذكر فقهاء الإباضية أمثلة تخرجت على
هذه القاعدة، ذلك: من
1 - عدم الأخذ بالدعوى المشغولة بالدين أو غيره:
فإنه لا يؤخذ بدعوى شغلها المدعي بالدين أو غيره من الحقوق ما لم يقم دليل على ذلك، والقول قول النافي؛ لأنه المتيقن لموافقته لبراءة الذمة، وإن كان من المحتمل أن تشغل بالدين، أو بأي سبب يوجب ذلك من إتلاف أو جناية أو غيرها، لكن هذا شك لا يرفع يقين الأصل، فإن أثبت ذلك بالبينة زال اليقين لكن بيقين مثله لا يشك واحتمال وإذا قامت البينة على الشغل، واختلف في مقدار ما شغلت به الذمة من دين أو قيمة متلف، أو غير ذلك،
(1) الغزالي أبو حامد: المستصفى 406/ 2، 407. ـ ابن السبكي جمع الجوامع في شرح الجلال المحلّي حاشية العطار 311/ 2 - العطار أبو السعادات حسن بن محمد (ت: 125 هـ) نشر دار الكتب العلمية بيروت - ابن السبكي تاج الدين عبد الوهاب بن علي (ت: 771 هـ) الإبهاج شرح المنهاج، 168/ 3. تعليق جماعة من العلماء، نشر دار الكتب العلمية بيروت. ابن النجار، محمد بن أحمد بن عبد العزيز الفتوحي الحنبلي (ت: 972 هـ) شرح الكوكب المنير، تحقيق نزيه حماد ومحمد الزحيلي، منشورات مركز البحث العلمي بجامعة أم لقرى،
مكة 404/ 4.
(2) أبو يعلى العدة، ص 1263، 1264. نقله يعقوب الباحسين في قاعدة اليقين لا يزول
بالشك، ص 102. (2/116)
صفحة 635
الفصل الثاني: القاعدة الفقهية الكلية الكبرى الثانية
117
فالقول قول من عليه الدين الضمان بيمينه؛ لأنه ينكر الزيادة، فهو متمسك بأصل براءة الذمة مما زاد إلا إذا كان هناك ظاهر يعارضه (1).
2 - الأمين يصدق ببراءة ذمته:
لو ادعى الأمين أنه أعاد الوديعة لصاحبها، أو أنها تلفت في يده بلا تعد منه أو تقصير، يقبل ادعاؤه بيمين، مع أنه كان يجب بمقتضى قاعدة الاستصحاب أن يعد الأمين مكلفاً بإعادة الأمانة ما لم يثبت إعادتها؛ لأن الحال الماضي هو وجود الأمانة عند المودع، ولكن السبب في تصديقه بلا يمينه أن الأمين هنا يدعي براءة الذمة من الضمان، وأما المودع فهو يدعي شغل ذمة الأمين وذلك خلاف الأصل؛ لأن الأصل براءة الذمة، أما إذا جحد الأمين تسببه في إتلاف الأمانة، وقدم المدعي البينة على إهماله فلا يصدق الأمين إلا ببينة أو يمين
تثبت عليه الدعوى).
- قال ابن بركة في هذا المعنى: وإذا دفع رجل إلى رجل ماله، وجعله أميناً عليه فالقول قوله في ادعائه أنه تلف مع يمينه (3). وخالف الثميني ابن بركة وغيره من الإباضية في اشتراط اليمين على الأمين عند ادعائه حدوث التلف دون تعد منه، بل يصدق بدونها. يقول في هذا الصدد: «ويصدق مستودع ومستعير، ومضارب لا بيمين في تلف ما بأيديهم إن كانوا أمناء وكذا وارثهم إن ادعى تلفه بيد مُؤَرثه لا في يده إن جحد كمستودع ما بيده فبين عليه ثم ادعى تلفه لم يصدق إلا ببيان أو يمين» (4).
(1) الباحسين يعقوب: قاعدة اليقين لا يزول بالشك، نقلا عن إمام الحرمين الجويني، الغياثي، ص 504. ـ الفتوحي شرح الكوكب المنير، 405/ 4. - الأتاسي محمد خالد: شرح مجلة
العدلية، ص
26. - الفاداني: الفوائد الجنية، 199/ 1، 200. (2) الثميني عبد العزيز: كتاب النيل وشفاء العليل، تحقيق عبد الرحمن بكلي 822/ 3.
(3) ابن بركة: الجامع، 432/ 2.
(4) الثميني: كتاب النيل، 822/ 3. (2/117)
صفحة 636
118
القواعد الفقهية عند الإباضية
ـ
ويقول في موضع آخر: ومن وضع عند أحد أمانة ومات ولم يصح له وارث وعمد المؤتمن إلى ما بيده ففرّقه، فقيل يضمنه، ولو فرقه في بلد الميت، ويوصي به ويعتقده لمن يصح له، ولا يضمنها إن لم يفرقها فهلكت أو ضاعت بلا ضياع منه ... » (1)
وفي السياق نفسه ذكر الثميني أنه لو أتلف رجل مال آخر واختلف في مقداره، يكون القول للمتلف والبينة على صاحب المال لإثبات الزيادة؛ لأن المتلف متمسك بالأصل وهو براءة الذمة (3).
هذا وقد خالف الحنفية رأي الإباضية في تصديق الأمين في دعواه ببراءة
6
ذمته دون، يمين واشترطوا لقبول دعوى الأمين أن يعضدها بيمينه فلا يصدق في دعواه إلا مع يمينه (3).
- في الدين: ذكر القطب أطفيش مثالاً آخر يؤكد فيه أن الأصل عدم الدين، جاء في شرح النيل ما نصه: «الكفن بعد الدين فيدفن عرياناً ليقضي ما في ذمته أو بعضه؛ لأن حق المخلوق شديد ... ولاحتمال أن يكون عرفه بلا دين، ولاحتمل أن يكون أمرهم؛ لأن الأصل عدم الدين، فجرى على الأصل معتمداً على أنه لو كان لأخبروه» (4). 4 ـ في النكاح:
إذا تزوج الرجل امرأة على أنها بكر، فإذا هي ثيب، فليس عليه أن يسألها عن ذلك؛ لأن الأصل براءة الذمة من التهمة حتى يثبت ذلك بالإقرار، أو بالبينة، أو القرائن، فتشغل الذمة، وعليه فإن سألها عن ذلك فاعترفت بغلبة
(1) الثميني: الورد البسام في رياض الأحكام. ص 299.
(2) الثميني: كتاب النيل، 1100/ 3.
(3) الكرخي أبو الحسن أصول الكرخي الأصل الثاني عشر، ص
الحكام، 20/ 1 - 21.
(4) أطفيش: شرح النيل، 404/ 12.
12
علي حيدر، درر (2/118)
صفحة 637
الفصل الثاني: القاعدة الفقهية الكلية الكبرى الثانية
119
الرجال من قبل التزويج فله أن يقيم عليها إذا تبين له أنها تزوجت قبل ذلك، وإن لم يتبيّن له أنها تزوجت قبل ذلك بالغلبة على نفسها بالزني، فلا يقيم عليها، وقد قيل: إنها حرمت عليه، وإن اعتلت بعلّة أخرى غير الرجال مثل: الغسل أو القروح، فله أن يقيم عليها).
ج - ما يتعلق بطرق الإثبات:
لو بحثنا في أحكام القضاء الإسلامي نجد الأصل المشهور «البينة على من ادعى واليمين على من أنكر (2) هو الأساس المعتمد في طرق الإثبات، وإنما كانت البينة على المدعي؛ لأن الأصل المتيقن هو العدم أو براءة الذمة، فلا يزول هذا اليقين إلا بيقين مثله، وهو البينة هنا، وإذا لم تقم البينة، اكتفى بيمين؛ لأن الأصل يشهد له، وقد تأيد هذا بعد مجيء الشرع بقوله صلى الله عليه وسلم: «البينة على المدعي واليمين على من أنكر» (3). ويلحق بذلك القرائن الصالحة لرفع يقين البراءة، وشغل الذمة بما تدل عليه من الحقوق. وقد أشار الراشدي في «جواهره إلى الوسائل التي يمكن اعتمادها في الإثبات، لرفع يقين البراءة وشغل الذمة، فيقول: «وهناك فروع يقبل في بعضها شهادة رجل وامرأتين،
((
(1) الجناوني أبو زكرياء يحيى بن الخير كتاب النكاح، ص 173 - 174. (2) الثميني: كتاب النيل. (3) قال النووي في أربعينه: حديث حسن رواه البيهقي، وغيره، وقد ورد بصيغ مختلفة، وقد رواه ابن ماجه عن ابن عباس بلفظ «لو يُعطى الناس بدعواهم لادعى أُناس دماء رجال وأموالهم، ولكن البينة على من المدعي واليمين على المدعى عليه، وهو عند الشيخين أيضاً، والراجح أنه مرفوع لشهادة البخاري ومسلم وغيرهما خلافاً لمن ادعى الوقف، أو قال: إن لفظ البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه مدرج في الحديث. ينظر: ابن حجر العسقلاني، أبو الفضل شهاب الدين أحمد بن علي (ت: 852 هـ) تلخيص الحبير في تخريج أحاديث الرافعي الكبير، دار المعرفة بيروت، 1384 هـ / 1964 م، تعليق عبد الله هاشم مدني، 208/ 4. وينظر: العجلوني: إسماعيل بن محمد الجراحي (ت: 1162 هـ) كشف الخفاء ومزيل الإلباس عما اشتهر من الأحاديث على ألسنة الناس، تعليق أحمد القلاش - نشر مؤسسة الرسالة، ط 3، 1402 هـ 1983 م، 342/ 1 - 343. (2/119)
صفحة 638
120
القواعد الفقهية عند الإباضية
وذلك في الأموال، وفي بعضها شهادة رجلين وهي الحدود، خلا الزنى؛ فأربعة ممن ترضون من الشهداء. وقد تقوم هناك قرائن تُقوّي جانب المدعي فتكفي في الرضاع، امرأة، ويحكم بالنكول (1) إلى غير ذلك» (2).
ويضيف الراشدي مفصلاً ما أجمله فيقول: «والمقصود أن الحاكم يحكم بالحجة التي ترجح الحق ما لم يعارضها مثلها، ولذا حكموا بالأمارة في البغي، وأجازوا بها سفك الدماء، ومشاطرة عمر الله عماله أموالهم، المرأة بالحبل من غير زوج (3)، وجلدهم على الخمر بالرائحة (4). وقول عثمان له «ما تقيّأها ـ أي: الخمر ـ إلا بعد أن شربها»)، حكم بالقرائن والأمارات المعارضة للأصل براءة الذمة» (6).
ورجم
(1) النكول هو الامتناع وترك الإقدام على الأمر، ومنه قولهم: نكل عن اليمين أي: امتنع عن الإقدام عليها. ينظر: الفيومي: المصباح المنير، ص 321، بتصرف.
(2) الراشدي سفيان جواهر القواعد: 81 - 84.
(3) رواه البخاري، كتاب الحدود، باب رجم الحبلى في الزنى رقم (6830)، ومسلم، كتاب الحدود، باب رجم الثيب في الزنى رقم (15)، عن ابن عباس.
(4) ذكره البخاري، كتاب فضائل القرآن باب القراءة في أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، رقم (500) عن علقمة قال: (كنا بحمص، فقرأ ابن مسعود سورة يوسف فقال رجل: ما هكذا أنزلت قال: قرأت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «أحسنت»، ووجد منه ريح الخمر فقال: أتجمع أن تكذب بكتاب الله وتشرب الخمر؟ فضربه الحد. (5) المقولة لعمر بن الخطاب، ذكره ابن شيبة في تاريخ المدينة، إقامة عمر به الحدود على القريب والبعيد، رقم 1337 عن عمر بن الخطاب الله بلفظ «عن الشعبي، وغيره: أن الجارود ضرب قدامة بن مظعون الجمحي بالبحرين في الخمر الحد، وهو أميرهم، فبلغ ذلك عمر له فأرسل إليهم، فقاموا، فقال للجارود هيه اجترأت على صهري وخال ولدي؟ فقال الجارود: لا أجترئ على قرشي بعدك، فقال عمر له: لأوجعن ختنك ـ يعني: أبا هريرة ـ، فقال الجارود: أيشرب ختنك ويضرب ختني؟ فقال عمر: ما ذاك بالعدل، ثم قال هات بينتك، فجاء بأبي هريرة له فشهد، وجاء بعلقمة الخصي فشهد أنه رآه قاءها، فقال عمر ه: «ما قاءها حتى شربها»، فأخر عمر رضي قدامة بعض التأخير لوجع كان به ثم دعاه فضربه الحد، وقال: والله لا أكلمك أبداً، فرأى رؤيا فأتاه فكلمه، وقال: «ما حابيت مذوليتُ رجلاً غيره، فما بورك لي فيه».
(6) الراشدي: المرجع السابق، ص 80 - 81. (2/120)
صفحة 639
الفصل الثاني: القاعدة الفقهية الكلية الكبرى الثانية
121
نقل الثميني في «النيل عن أحمد بن سعيد الشماخي في بيان الفرق بين الشهادة والرواية، وبيَّن أن الشهادة تختص بمُعيّن، والرواية غير مختصة، بل هي عامة وإن اشتركتا كونها خبرين، ومثل للرواية بأمور من ذلك: الإخبار عن نجاسة الشيء وطهارته، والأذان، ورؤية هلال رمضان، وكذا ولاية المجهول أو براءته، وتزكية الأشخاص، وما أشبهها، وعللها بأنها إخبار عن السبب الموجب للحكم، وهذه أمور لا يشترط فيها العدد، وإن أشبهت الشهادة لكونها في الأمور الجزئية، ثم ضرب مثالاً لأمر يثبت بالشهادة ولا يثبت بالرواية، وهو رؤية هلال شوال للخروج من واجب الصوم، وعلل ذلك بأنها براءة الذمة. وعلق الشارح أمحمد أطفيش على كلام الثميني بعد ما ذكر قول أحمد بن سعيد الشماخي في بيان الفرق بين الشهادة والرواية: أن الشهادة تختص بمعين، والرواية غير مختصة بل عامة وإن اشتركتا في كونهما خبرين لغوين ومعنى الرواية النقل إلى الغير ولو يفعل الناقل، كأن يغسل ويقول غسلت ومن الرواية الإخبار عن نجاسة الشيء وطهارته، ووقت الأذان، أو وقوع الأذان، ورؤية هلال رمضان أو ذي الحجة أو غيرهما، وما لا يرجع إلى النزاع بالذات، وليس ببراءة الذمة بالذات؛ لأنها إخبار عن السبب الموجب للحكم، وهذا على العموم، فإن ذلك المذكور من نجاسة هذا الثوب وطهارته، والأذان وهلال، رمضان يعمل به كل من سمع به، ويجري عليه ما يجري من الأحكام المختلفة، فكل من صلى بذلك الثوب مثلا صدق عليه أنه صلى بطاهر، وكذا ولاية المجهول أو براءته ... وكذا ما أشبهها، أي التزكية مما لا يشترط فيه العدد، وإن أشبهت هذه الروايات الشهادة؛ لكونها في الأمور الجزئية المُعيَّنة كل على حدة؛ لأن المراد طهارة هذا الثوب مثلاً، ورمضان هذه السنة، أو أذان ظهر هذا اليوم مثلاً، وأصل الرواية أن تكون في العموم مثل قوله: يطهر النجس بالماء، وصوموا لرؤيته، (2/121)
صفحة 640
122
القواعد الفقهية عند الإباضية
وأكملوا العدة ثلاثين يوما، والأذان لدلوك الشمس، وأما رؤية هلال شوال فمن الشهادة؛ لأن مقتضاها براءة الذمة من الصوم، ولولا الشرع لم يجز الإفطار بالعدلين أيضاً، بل بالإكمال أو التواتر أو مشاهدة الهلال؛ لأن الشهادة لا تفيد اليقين، والقاعدة أنّ ما ثبت باليقين لا يزول إلا باليقين»، ولكن الشرع جعلها تفيد العمل» (1).
مجمل القول:
وهكذا استطاع الثميني والقطب أطفيش أن يميّزا بين الرواية والشهادة، فالأولى عامة لا يشترط فيها العدد، أما الثانية خاصة يشترط فيها ذلك، وكُلّاً منهما يعتبران خبرين في اللغة، يمكن الاعتماد عليهما في إزالة حكم شرعي ثبت بيقين، أو براءة الذمة، إلا أن شهادة عدلين لا تصل مرتبة التواتر في تغيير حكم ثبت بيقين، ولكن الشارع جوّز ذلك، واعتمده العلماء في كثير من الأمور الجزئية لإثبات حكم أو نفيه، كما في رؤية شهر شوال، فإن الخبر الذي يثبت ذلك يكون من عدلين أو بالتواتر، أو بإكمال عدة شعبان، حتى يقبل بإزالة الصوم وإثبات حكم الإفطار، وهذا كله اعتماداً على قاعدتين مشهورتين، أحدها: «أن الأصل براءة الذمة وثانيها: أن اليقين لا يزول إلا بيقين مثله».
د ـ ما يتعلق بالأحكام الجنائية
تفرعت أصول كثيرة على هذا الأصل منها:
1 - الأصل براءة المتهم
(2)
(1) أطفيش أمحمد بن يوسف، شرح كتاب النيل وشفاء العليل لعبد العزيز الثميني، 239/ 13 - 240. (2) جعفر جواد الفضل: بحث الأصل براءة المتهم في الشريعة الإسلامية، من مجموعة بحوث الندوة العلمية الأولى للمركز العربي للدراسات الأمنية والتدريب في الرياض 1402 هـ / 1982 م، بعنوان المتهم وحقوقه في الشريعة الإسلامية ينظر أيضاً: سليم العوا: بحث الأصل براءة المتهم، في المصدر نفسه، ص
243 (2/122)
صفحة 641
الفصل الثاني: القاعدة الفقهية الكلية الكبرى الثانية
123
2 - المتهم بريء حتى تثبت إدانته (1).
(2)
3 ـ الشك يفسر لصالح المتهم).
4 ـ الأصل أن الحدود تدرأ بالشبهات (3).
والأصول الثلاثة الأولى لم ترد بنصوصها المذكورة في كتب الفقه الإسلامي، ولكنها من صياغة بعض القوانين الجنائية، أو قوانين الإجراءات الجنائية المعاصرة، وهي نتيجة منطقية لقاعدة أو أصل براءة الذمة)، أما الأصل الرابع فهو من الأصول الثابتة عند الفقهاء، وهو مستند إلى أن الأصل العدم، أو براءة الذمة)، لكنه تأيد بعد مجيء الشرع بما نقل عن النبي صلى الله عليه وسلم من
قوله: «ادرؤوا الحدود بالشبهات (6).
خامساً: ما يستثنى من القاعدة: 1 - حكم الاختلاف في الوطء بعد الدخول أو الخلوة الصحيحة بعد الطلاق: إذا اختلف الزوجان في الوطء وقد صح الدخول بينهما، أو أغلق عليهما الباب، ثم وقع الطلاق فمن منهما يُصدّق في قوله عند الخلاف؟ يرى
(1) سليم محمد العوا أصول النظام الجنائي الإسلامي، ص:
(2) المصدر نفسه. (3) بكلي عبد الرحمن جدول المسائل المعتبرة كقواعد أو ضوابط فقهية، ملحق على كتاب النيل لعبد العزيز الثميني 3/ 1101. ـ ابن عبد السلام: قواعد الأحكام، 137/ 2. ـ السيوطي: الأشباه والنظائر، ص 136 وما بعدها.
(4) ينظر: نصوص بعض الدساتير والهوامش في كتاب (أصول النظام الجنائي الإسلامي) سليم العوا، ص 91 وما بعدها.
(5) الباحسين يعقوب قاعدة اليقين لا يزول بالشك، ص 102، 103.
(6) رواه ابن ماجه، كتاب الحدود، باب الستر على المؤمن ودفع الحدود بالشبهات، رقم 2541، عن أبي هريرة. قال الشوكاني: رواه الترمذي وذكر أنه قد روى موقوفاً وأن الوقف أصح قال: وقد روى عن غير واحد من الصحابة له أنهم قالوا مثل ذلك». نيل الأوطار، 156/ 7. (2/123)
صفحة 642
124
القواعد الفقهية عند الإباضية
الإباضية أن القول قول المرأة أنه وطئها، ولها جميع الصداق، وعليها العدة، وإن اتفقا على أنه لم يكن بينها وطء، فلها نصف الصداق وعليها العدة، ولا يصدقان في حق الله عليهما، فهو ما تعبدها به من العدة). وقد أكد الجناوني هذا الحكم وعلله بقوله: «لأنه قيل تؤمن في الذي لها ولا تؤمن في الذي عليها، وإن لم يطأها فلا عدة بينها وبين الله، وتلزمها في الحكم، ولا يلزمه في الولد إن لم يمس فيما بينه وبين الله، ويلزمه في الحكم».
وقد حكى ابن بركة إجماع الإباضية على هذا الحكم في معرض حديثه عن وجوب العدة أو الخلوة، فقال: ويدل على صحة هذه المقالة ما أجمع عليه من أن المرأة إذا خلا بها زوجها ثم فارقها، فاتفقا على أنه لم يطأها، أنهما مُصدَّقان في ذلك، ولها نصف الصداق، وهو قول ابن مسعود، ولا يُصدقان في العدة التي أوجبها الدخول؛ لأن العدة عندهم حق الله وعل، وخالف ابن بركة رأي جمهور الإباضية، واعترض عليهم بأن ادعاءهما عدم الوطء بعد الدخول لا يقبل في الحكم؛ لأن الظاهر يؤكد ذلك، فالدخول والخلوة من الأسباب المبيحة للوطء ومقدماته. وبناء عليه، يلزمها العدة، ويجب عليه الصداق؛ لأننا متعبدون بالحكم الظاهر وغير مسؤولين عن حكم الباطن، ولو كان ما صرح به الزوجان هو الحق والصواب. يقول ابن بركة في هذا المعنى والذي عندي أنه لا يقبل منها في الحكم، فأما ما بينهما وبين الله، فإذا كانت صادقة في خبرها لم تلزمها عدة؛ لأن الله تعالى لم يوجب العدة إلا على المواطأة بعد الطلاق (3). وخالف الحنفية رأي الإباضية وقالوا: لو اتفقنا على أنه لم يكن وطئها وقد خلا بها، أن عليه جميع
(1) ابن بركة الجامع، 1922. (2) الجناوني: كتاب النكاح، ص 169. (3) ابن بركة: الجامع، 192/ 2، 193. (2/124)
صفحة 643
الفصل الثاني: القاعدة الفقهية الكلية الكبرى الثانية
125
الصداق ولا عدة عليها؛ لأنهم يوجبون الصداق بتسليمها نفسها، وبخلوة الزوج بها في مكان يمكنه أن يصير إلى حقه منها (1).
ويقرر ابن بركة في هذه الحالة أن القول قول المرأة في الوطء ـ وهو رأي الإباضية كما أشرنا -، فإذا اعترفت المرأة بالوطء بعد الدخول، أو صدقت زوجها في عدم الوطء فالحكم واحد، بينما نجد الإباضية خالفوا هذا الأصل وغلبوا قول المرأة في هذه الحالة، فإذا أقرت بالوطء أو أنكرته وصدقت قول زوجها، فالمعتمد هو قولها وليس قول الزوج. وبينما نجد الحنفية ـ حسب ما ألمح إليه ابن بركة ـ يوافقون الإباضية فيما ذهبوا من تصديق المرأة في الوطء إلا أنهم يختلفون معهم في وجوب العدة عليها، وعليه فلو اتفق الزوجان بإنكار الوطء، فإنه يجب على الزوج نصف الصداق، وتسقط العدة على المرأة.
واستدرك ابن بركة عليهم بأن هذا الحكم خلافاً للأصل المعتمد عندهم ـوهو براءة الذمة» ـ، بمعنى أن الأصل قول الزوج بعدم الوطء؛ لأن الأصل عدم وقوع الوطء من الزوج، فيقول بما نصه والحجة توجب على أصحابنا (الإباضية) بما أصلوه لأنفسهم أن يكون القول قول الرجل في الوطء ... ؛ لأن الأصل أنه غير واطئ ألا ترى أنه بالوطء يكون محصناً يلزمه الرجم؟ وبالتزويج والدخول لا يكون محصناً حتى يعترف بالوطء أو يولد له ولد على فراشه وهذا شرطهم في الإحصان ... ويدل على ذلك قولهم: أنها لو اعترفت له بقوله وصدقته أنه لم يكن وطئ وقد دخل بها، أن القول في ذلك قوله، ولما كان الدخول ليس هو الموجب للصداق حتى يكون يجامعه الوطء، دلّ على أن القول قول الزوج).
(1) ابن بركة: المصدر نفسه ينظر: الكاساني علاء الدين أبي بكر بن مسعود الحنفي (ت: 587 هـ)، تحقيق محمد طعمة خير حلبي، ط 1، دار المعرفة، بيروت، 1420 هـ / 2000 م، 457/ 2،
(2) المصدر نفسه، 193/ 2. (2/125)
صفحة 644
126
القواعد الفقهية عند الإباضية
الرأي المختار:
ولعل ما ذهب إليه ابن بركة هو الرأي الأعدل والأقرب للصواب؛ إعمالاً لقاعدة براءة للذمة»، وهذا الأصل يعمل به إذا كان لا يتعارض مع حكم الظاهر، ولكن من جهة أخرى نلحظ في هذه المسألة تعارضاً بين حكم الأصل وهو براءة الذمة من الوطء - وحكم الظاهر - وهو شغل الذمة بالوطء ـ والقرائن كلها تؤكد حكم الظاهر، وهي الدخول وتمكين المرأة نفسها للزوج بالخلوة معه دون مانع، فلذلك يترجح معنا حكم الظاهر؛ لأنه سبب قوي اعتبره الشارع مناطاً مناسباً لثبوت حكم جديد، والله أعلم.
2 - النكول عن اليمين:
ومن مستثنيات قاعدة: براءة الذمة ما ذكره بعض الإباضية أنه لو توجهت اليمين على المدعى عليه فنكل فلا يقضى بمجرد نكوله، ولا يثبت للمدعي حقاً بمجرد نكول المدعى عليه؛ لأن الأصل براءة الذمة بل تُعرض على المدعي، ولكن جمهور الإباضية لم يعملوا بهذا الأصل في هذه المسألة، قول بعض الحنفية أيضاً، وأثبتوا الحق للمدعي بسبب نكول المدعى عليه، ولا تعرض اليمين على المدعي إلا إذا طلبها المدعى عليه وهذا باتفاق، ووافقهم على ذلك المالكية.
إلى أن
من
سلطة الحاكم
أن.
وهو
نقل ابن بركة هذه المسألة في «جامعه»، وذكر خلاف العلماء فيها، وأومأ يجبر المدعى عليه حتى يحلف أو يعترف وإلا عوقب بالحبس؛ لأن طاعة الحاكم واجبة، وهذا نص عبارته: «اختلف أصحابنا فيمن نكل عن اليمين عند الحاكم، فقال أكثرهم: إذا نكل عن اليمين لزمه الحق، وبهذا يقول أبي حنيفة أيضاً، وقال بعضهم وهو الشاذ فيهم، أن الحاكم يأخذه حتى يحلف أو يعترف، وهذا الذي يوجبه النظر؛ لأن طاعة الحاكم واجبة عليه، فإذا امتنع من طاعة الحاكم لزمه الحبس وهو عاص في فعله، (2/126)
صفحة 645
الفصل الثاني: القاعدة الفقهية الكلية الكبرى الثانية
127
وعلى المسلمين أن يعينوا الحاكم عليه، وليس للحاكم أن يعذره من أن تكون الدعوى التي ادعيت عليه صحيحة أو أن يدرأها عن نفسه بيمين، ويدل على هذا قول الله تعالى: {وَلْيُمْلِلِ الَّذِى عَلَيْهِ الْحَقُّ} (البقرة: 282). فللحاكم أن يأخذه بالذي عليه وهو أحد شيئين: إما الدعوى وإما اليمين، ولم يصح للمدعي حق بعد فيلزمه إياه ... » (1).
ويضيف في السياق نفسه: واتفق أصحابنا على القول برد اليمين إذا طلب ذلك المدعى عليه، ووافقهم على ذلك مالك بن أنس، وأما الشافعي، وأبو حنيفة، فلم يريا ردّ اليمين على المدعي إذا طلب المدعى عليه ذلك، إلا أن الشافعي أوجب اليمين على المدعي إذا شهد له شاهد على دعواه، وإن لم يرد المدعى عليه ذلك، فجعل يمين المدعي مع شهادة شاهد ... » (2)
وقد ردّ ابن بركة على من اعترض على الإباضية في جواز ردّ المدعى عليه اليمين على المدعي، واحتج بالنصوص الثابتة في السنة النبوية منها: حديث البينة على المدعي واليمين على من أنكر ... » (3).
(1) ابن بركة: الجامع 451/ 2 - 452.
(2)
ابن بركة المصدر نفسه.
(3) تقدم تخريجه. (2/127)
صفحة 646
المطلب الثالث
قاعدة: «الأصل في الصفات أو الأمور العارضة العدم»
في
ومما يتفرع عن القاعدة الكبرى اليقين لا يزول بالشك» قاعدة: «الأصل الأمور العارضة العدم»، وسوف ندرس فيها الأمور التالية:
الصيغة التي وردت بها والتعبير المختار لها.
- معنى القاعدة.
- تطبيقات القاعدة.
ـ ما يستثنى منها.
أولاً: الصيغة التي وردت بها والتعبير المختار لها: مما يجب ملاحظته أن هذه القاعدة وردت في كتب الإباضية وغيرها بصيغ مختلفة، فقد جاءت في جواهر القواعد» بصيغة: الأصل العدم، وكذلك عند السالمي، فقد أشار إليها في سياق حديثه عن الأحكام العقلية والأحكام الشرعية، وبيّن أن الأصل انتفاء الحكم فقال: «وقيل: إن نفى حكماً عقلياً أقام الدليل على دعواه إلا إذا كان حكماً شرعياً، فالدليل على المثبت لا النافي؛ لأن الأصل في الأحكام الشرعية انتفاؤها، فلم يحتج النافي لها إلى دليل بخلاف العقليات ورُدّ بأن كون الأصل العدم، دليل على النفي مطلقاً فلا وجه للفرق ... (2) ووردت في مصادر غير
(1) الراشدي سفيان جواهر القواعد، ص 88.
(2) السالمي: طلعة الشمس، 182/ 2. (2/128)
صفحة 647
الفصل الثاني: القاعدة الفقهية الكلية الكبرى الثانية
129
الإباضية تحت عنوان: «الأصل في الصفات العارضة العدم»، «والأصل
العدم»، وليس العدم مطلقاً وإنما هو في الصفات العارضة (1).
من
ولكن الفقهاء كثيراً ما يعبرون في تعليلاتهم بلفظ (الأمور) بدلاً (الصفات)، وهذا هو المراد بالقاعدة، فإن القاعدة لا يقتصر شمولها على الصفات كالجنون والمرض مثلاً، بل تشمل الأمور المستقلة مثل: العقود والإتلافات، كما يتضح من الأمثلة الآتية، لذا فإن التعبير المختار لهذه القاعدة أن يقال: «الأصل في الأمور العارضة العدم».
ثانياً: معنى القاعدة:
العارضة مؤنث العارض اسم فاعل جمعه عوارض، والعارض من الأشياء، الطارئ خلاف الأصلي (3).
والمراد بالأمور العارضة ما كان عدمه هو الحالة الأصلية أو الغالبة، فيكون العدم هو المتيقن؛ لأنه الحالة الطبيعية، ويكون تغيره إلى الوجود عارضاً مشكوكاً فيه، «فلو ادعى شخص على آخر أنه عقد معه عقداً أو أتلف له مالاً أو ارتكب جريمة، وأنكر الآخر، فالقول للمنكر حتى يثبت هذه الفعال؛ لأنها أمور، عارضة، وأن الحالة الأصلية المتيقنة قبلاً
المدعي هي عدمها» (4).
(1) السيوطي: الأشباه والنظائر، ص ه. ـ ابن نجيم الأشباه والنظائر، ص 62. ـ الخادمي: قواعد الخادمي، ص 312. - مجلة الأحكام العدلية مادة (9) الأتاسي: شرح المجلة العدلية،
ص 27. - البورنو: الوجيز، ص 184.
(2) الزرقا المدخل، فقرة 577، 970/ 2.
(3) الفيومي: المصباح المنير في غريب الشرح الكبير مادة (عرض).
(4) الزرقا مصطفى أحمد المدخل الفقهي العام، فقرة 577، 969/ 2. - السدلان صالح: القواعد
الفقهية الكبرى، ص 141. (2/129)
صفحة 648
130
القواعد الفقهية عند الإباضية
والعدم بفتح العين والدال ضد الوجود (1)، والأشياء لها صفات، وهذه
الصفات نوعان:
النوع الأول: صفات أصلية، وهي ما كان الأصل وجودها في الموصوف ابتداء مثل: كون المبيع صحيحاً سليماً من العيوب، وكؤن رأس مال المضاربة خالياً من الربح أو الخسارة. النوع الثاني: صفات عارضة، وهي صفات الأصل عدم وجودها في الموصوف، ولم يتصف بها ابتداء، كالعيب في المبيع؛ لأن الأصل سلامته والربح أو الخسارة في المضاربة، والصحة في العقود بعد انعقادها، وبكارة الجارية، فعلى هذا فالذي يدعي الصفات الأصلية فالقول قوله، وأما الذي يدعي العدم فيجب عليه الإثبات فلو اشترى شخص من آخر فرساً أو سيارة وتسلمه، ثم ادعى أن فيه عيباً قديماً، وادعى البائع سلامته من العيوب، فالقول للبائع مع اليمين والذي يدّعي الصفة العارضة مدّع خلاف الأصل، ومن ادعى خلاف الأصل فعليه البينة (2).
ولو اختلف العاقدان في سلامة المبيع من العيوب وعدم سلامته، أو في صحة البيع مثلاً وفساده، فالقول لمن يتمسك بسلامة المبيع وصحة العقد؛ لأنه يشهد له الأصل، بخلاف ما لو اختلف المتعاقدان في صحة البيع وبطلانه فإن القول قول من يتمسك بالبطلان؛ لأن الباطل غير منعقد فهو ينكر وجود العقد والأصل عدمه (3).
(1) الفيومي: المرجع السابق، مادة (عدم). (2) سليم رستم باز: شرح مجلة الأحكام العدلية، ص 23، ط دار إحياء التراث العربي لبنان،
الطبعة الثالثة (د. ت). (3) أحمد محمد الزرقا: شرح القواعد الفقهية، ص 117 - 118، تعليق وتصحيح ابنه مصطفى أحمد الزرقا ط 2 دار القلم دمشق، 1414 هـ / 1993 م. (2/130)
صفحة 649
الفصل الثاني: القاعدة الفقهية الكلية الكبرى الثانية
131
- ويلحق بالصفات الأصلية الصفات العارضة التي ثبت وجودها في وقت ما، فإن الأصل فيها حينئذ البقاء بعد ثبوت وجودها (1).
ومن
هنا يظهر أن هذه القاعدة متعلقة بالصفات العارضة؛ لأن عدمها هو الأصل بخلاف الأصلية، فإن وجودها هو الأصل، فإذا اختلف شخصان في ثبوت الصفة العارضة فإنه يرجح قول نافيها).
ثالثاً: تطبيقات القاعدة:
1 - في خيار البيع:
لو باع رجل سلعة إلى آخر وطلب هذا الأخير الخيار لمدة معلومة، وحصل الخلاف بينهما بسبب ظهور عيب في تلك السلعة وأراد المشتري فسخ البيع وأنكر البائع ذلك؛ لأن المشتري قد تجاوز مدة الخيار ولم يتقدم للفسخ، أو تصرف بالسلعة أثناء مدة الخيار ببيع أو هبة أو صداق أو إجارة بما يدل على رضاه بها، فهل يحق له ذلك؟
فهنا القول قول المنكر وهو البائع، ويلزم البيع على المشتري؛ لأن التأخر عن الرد أو التصرف في السلعة دليل على الرضى عملاً بالقاعدة: «الأصل في الأمور العارضة العدم، والأصل في البيع اللزوم، والخيار شرط زائد عليه، وفي هذا المعنى يقول الشماخي: «وإن أحدث فيه صاحب الخيار حدث من بيع أو هبة أو صداق أو إجارة، أو ما أشبه ذلك من الوجوه التي توجب إخراج الملك فهو له لازم؛ لأن هذا كله دليل على رضا المشتري بالبيع إن كان اشترط الخيار، ودليل على إنكار البائع، إن
(1) المرجع
نفسه،
ص
117
(2) الراشدي سفيان جواهر القواعد هامش تحقيق حفيد المؤلف: محمد بن يحيى بن سفيان
الراشدي، ص 88. (2/131)
صفحة 650
132
القواعد الفقهية عند الإباضية
كان هو مشترط الخيار ومنهم من يقول: إنما ينظر في هذا إلى تمام المدة وكذلك أيضاً انتفاع المشتري بذلك يدل على رضاه به، ويلزمه به البيع مثل الخدمة والسكنى واللباس وأكل الغلة، والمسيس في النكاح إن كان الشيء أمة، ومنهم من يقول: لا يلزمه البيع بالانتفاع به، فإن رده رد كراء ما استنفع» (1).
2 ـ في المضاربة:
إذا اختلف شريكا المضاربة في حصول الربح وعدمه، فقال رب المال: ربحت ألفاً وقال المضارب ما حصل ربح، فالقول للمضارب مع يمينه لتمسكه بالأصل وهو عدم الصفة العارضة وهي الربح، والبينة على ربّ المال لإثبات الربح؛ لأنه يدعى خلاف الأصل فيحتاج للإثبات (3).
ويوضح ابن بركة كيفية حل هذه المسألة بين الطرفين فيقول: «إذا اختلف المضارب ورب المال في الربح كان للمضارب مثل ما يأخذ مثله في مثل تلك التجارة في ذلك البلد والموضع الذي يتجر فيه، قال بعض أصحابنا (الإباضية): له أجر مثله بقدر عنائه في ذلك المال وذلك البلد، فإن اختلفا في الربح وكان بينهما شرط واتفقا عليه واختلفا في مقداره، وقال بعض أصحابنا - وأظنه محمد بن محبوب: إن على رب المال اليمين بما يدعيه المضارب من الزيادة على ما يقر له به، وعلى المضارب البينة بالزيادة والشرط الذي ادعاه، وقال موسى بن علي: إذا اختلفا في المقدار وكل بينهما شرط اختلفا فيه، فإني أردهما إلى أجرة مثله بعد أن يتحالفا».
وذهب ابن بركة إلى أنّ المضاربة تفسد بالشرط إذا كان غير معلوماً،
(1) الشماخي: الإيضاح، 177/ 6 - 178.
(2) الراشدي: المرجع نفسه. (2/132)
صفحة 651
الفصل الثاني: القاعدة الفقهية الكلية الكبرى الثانية
133
وقال: «والنظر يوجب عندي في ذلك؛ لأن ما شرطه المضارب لا يكون إلا في الزرع والربح، ولا يعلم أنه يربح ولا يخسر؛ لأن الأخذ من الأصل
الضمان» (1). يوجب
ـ في الإجارة:
لو أجر رجل صانعاً ليصنع له شيئاً معيناً ودفع إليه ذلك الشيء، كالخشب للنجار، والقماش للخياط، والإسمنت للبناء، والذهب للصائغ، ثم أحدث الصانع عيباً فيما دفع إليه، فالقول لصاحب السلعة مع يمينه، وعلى الصانع إثبات عكس ذلك بالبينة، وإلا يضمن ذلك ويغرمه وقد اتفق الفقهاء على تضمين الصناع عند التعدي.
يقول ابن بركة في هذا المعنى: وإذا اختلف صاحب السلعة والعامل فيها كان القول قول صاحب السلعة، مثل ذلك: أن يدفع رجل إلى خياط ثوباً ليقطعه قميصاً أو قباء أو سراويل، أو يدفع إلى صباغ ثوباً ثم يختلفان، فالقول قول صاحب السلعة؛ لأنه لا خلاف بين العلماء من أهل الوفاق وأهل الخلاف أن من أحدث حدثاً فى مال لا يملكه أنه مأخوذ بحدثه وأن الدعوى لا تنفعه، والخياط مقر لربه، وأنه أحدث فيه حدثاً، وادعى إذنه وإجازته عليه، فإن أقام بينته على دعواه وإلا حلف صاحبه وضمنه ما أحدث في ثوبه). ولا تقبل دعوى من يرى أنه لا ضمان على الصانع؛ لأن الأصل براءة الذمة»؛ ولكن إذا ثبت أن ما أحدثه في السلعة كان بسببه فلا بد من تضمينه؛ لأن «الأصل في الصفات العارضة «العدم أي وجود هذه العيوب قبل اشتغاله به، وإنما حدثت
بعد مباشرة العمل فيه.
(1) ابن بركة: الجامع، 2/ 370 - 371. (2) ابن بركة: الجامع، 394/ 2 - 395. (2/133)
صفحة 652
134
القواعد الفقهية عند الإباضية
في باب الرهن والدين:
إذا رهن رجل رهنا فوجد المرتهن به عيباً كان له رده على صاحبه، وعلى الراهن تسليم البدل منه ويكون وفاء لحقه؛ لأن الأصل سلامة العين المرهونة من العيوب وما ظهر من العيب صفة عارضة، ولذلك فالقول قول المرتهن ويجب على الراهن تقديم بديل عنها.
إذا اختلف الراهن والمرتهن في قيمة الدين والرهن فلمن يكون الحق؟ بحث ابن بركة هذه المسألة، ونقل فيها اختلاف الفقهاء، ومما جاء في نصه: واختلف الناس في الراهن والمرتهن إذا اختلفا في الحق والرهن، فقال أهل المدينة (المالكية) القول قول المرتهن فيما في يده، وفي الحق إلى قيمة الرهن. وقال أهل العراق (الحنفية) القول في الرهن قول المرتهن، وفي الحق قول الراهن، وإلى هذا يذهب أصحابنا الإباضية) والنظر يوجبه؛ لأنه مدع ومدعى عليه وحجة أهل المدينة أن الله تعالى جعل الرهن بدلاً من البينة (الشهود)، وقال: {وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ} (البقرة: 282). فلما كانت البينة يحكم بقولها كان الرهن يحكم بقيمته، إذا كان بدلاً منها ولم يكن الذي عليه الحق أميناً» (1).
في
وقد فصل الشماخي ما أجمله ابن بركة، ومثل للمسألة بأمثلة توضح وجهة نظر كل فريق، فقال: «وتفصيل ما ذكرنا القول في الرهن قول المرتهن، أعني تلفه وفي صفته بعد التلف، ثم يحلف على تلك الصفة فيقومها الأمناء، وكذلك قوله في ثمن الرهن إذا باعه بأكثر إن ادعى عليه الراهن أنه باعه بأكثر مما ذكر. وكذلك أيضاً القول قول المرتهن في الرهن إن اختلف مع الراهن في كم رهن فيه إن قال الراهن رهنته عندك في عشرين، وقال المرتهن: لا بل في عشرة، فالقول قوله وعلى الراهن، وكذلك القول قول المرتهن في جميع
(1) ابن بركة المصدر نفسه، 265/ 2. (2/134)
صفحة 653
الفصل الثاني: القاعدة الفقهية الكلية الكبرى الثانية
135
ما أنفق على الرهن من جميع ما يدركه على الراهن من النفقات كلها، وعليه اليمين في هذا كله ...
- وكذلك أيضاً إن اختلفا في جنس الرهن فالقول قول المرتهن، ومثل ذلك ... إذا قال المرتهن للراهن هذا هو الثور الذي رهنتني أو العبد وما أشبه ذلك، وقال الراهن لا بل هو غيره، فالقول قول المرتهن مع يمينه، وعلى الراهن البينة بأن رهنه غير هذا ...
وكذلك إن اختلفا في قلة الرهن وكثرته وذلك مثل: إن قال المرتهن للراهن إنك رهنتني ثوباً واحداً أو عبداً واحداً، أو ما أشبه ذلك، فالقول قول المرتهن مع يمينه وعلى الراهن البينة، وكذلك إن اختلفا في حدوث العيب، مثل: إن قال الراهن للمرتهن رهنتك إياه صحيحاً فجنيت عليه هذه الجناية، وقال المرتهن: لا، بل رهنته منقطعاً أو مكسوراً على حاله هذا، فالقول قول المرتهن مع يمينه وعلى الراهن البينة، فإن أتى بالبينة فليغرم المرتهن ما أحدث عنده من العيوب، أو يكون ذلك قضاء من حقه، وكذلك إن ادعى عليه الراهن أنه باعه بيعاً فاسداً، أو أنه انفسخ من يده، أو ذهب بعضه، فعليه البينة في هذا كله، وعلى المرتهن اليمين كما ذكرنا).
وأما اختلافهما في الدين: إذا قال المرتهن عشرون ديناراً، وقال الراهن: لا، بل عشرة، فالقول قول الراهن في الحق، وعلى المرتهن البينة فيما يدعيه وكذلك أيضاً إن اختلفا في جنس الدين، مثل إن قال المرتهن: رهنتني رهنك في الدنانير، وقال الراهن لا، بل رهنتك إياه في القمح أو الشعير، أو ما أشبه ذلك مما خالف الدنانير، فالقول قول الراهن وعلى المرتهن البينة كما ذكرنا، إلا إن ادعى إليه الراهن أنه دفع إليه الدين فعليه البينة بما ادعى، وعلى
المرتهن اليمين إن لم تكن له بينة ....
(1) الشماخي: كتاب الإيضاح، 306/ 7 - 307. (2/135)
صفحة 654
136
القواعد الفقهية عند الإباضية
وأما إن اختلفا في الأجل، مثل: إن قال الراهن: الدين إلى أجل والرهن إلى أجل وقال المرتهن الدين قد حَلَّ وبيع الرهن مثله، فعلى الراهن البينة أن الدين والرهن إلى أجل ويجزيه الخبر في ذلك دون الشهادة، وكذلك أيضاً إن تصادقا على الأجل واختلفا في مقداره، فالقول قول المرتهن، وعلى الراهن البينة فيما يدعيه من كثرة الأجل ويجزيه الخبر في ذلك، وأما إن تصادقا على الأجل وفي مقداره، فقال المرتهن: قد حَلَّ الأجل، وقال الراهن: لم يبلغ أجله، فالقول قول الراهن، وعلى المرتهن البينة، ويجزيه الخبر في ذلك). ومما يلاحظ على ما ذكره الشماخي أنه إذا كانت الدعوى تتعلق بالرهن فإنه يجعل القول للمرتهن ويشترط معه اليمين وهذا الأمر لم يصرح به ابن بركة ولا أدري هل أغفل ذلك أم تعمده؟ بخلاف الراهن فإنهما لم يشترطا عليه اليمين إذا كان الأمر يتعلق بالدين، وكان القول قول الراهن. ولذلك فلا يكون القول قول المرتهن (الدائن) إذا تعلق الأمر بالدين؛ لأن الله طلب منه أن يملي قيمة الدين على المدين، ويكتبها بنفسه حتى تكون حجة عليه عند الاختلاف، فلا يملك القدرة على التغيير ما دام قد أقر على نفسه
بتلك القيمة.
مجمل القول:
بعد النظر في الأقوال المتقدمة يظهر أن ما ذهب إليه الإباضية والحنفية يتماشى مع القاعدة المقررة الأصل في الأمور العارضة العدم»، وعليه، ففي الرهن يكون القول قول المرتهن مع يمينه وهو الدائن؛ لأنه بمثابة أمين على الرهن لا يزيد فيه ولا ينقص منه، فهو باق على أصله، وكل زيادة يدعيها الراهن فهى عارضة فيلزم عليه إثبات ذلك بالبينة أما ما يتعلق بالدين المعبر عنه بالحق، فالقول فيه للمدين وهو (الراهن) مع يمينه، وهو أمانة في يده
(1) الشماخي المصدر نفسه، 307/ 7 - 308. (2/136)
صفحة 655
الفصل الثاني: القاعدة الفقهية الكلية الكبرى الثانية
137
لا يملك حق الانتقاص منه أو الزيادة فيه، وكل زيادة أو نقص يدعيها المرتهن
أو الدائن على أصل الدين فهي مردودة؛ لأنها أمر عارض على الدين. أما أصحاب القول الآخر فقد اعتمدوا في رأيهم على القياس، وقاسوا الرهن بالبينة، فكما أنه يحتكم إلى البيئة عند حدوث الخلاف بين الدائن والمدين، فكذلك الرهن قد جعله الله بدلاً من البينة يحتكم إلى قيمته عند الاختلاف، ولكن بعد التأمل في هذا القول وحجته نجده قد اعتمد على القياس مع الفارق، فليس من الضروري أن يكون قيمة الرهن تساوي قيمة الدين، فقد تزيد عليه أو تنقص عنه؛ لأن القصد من الرهن لما جعله الله في يد المرتهن توثقة لدينه وحقه فقط، فإن عجز المدين عن الوفاء بالدين فللدائن حق استيفائه من الرهن بقيمة الدين، ويعود بالباقي إلى صاحبه إن كان يزيد عليه، وإن كان ناقصاً يطالبه بالفارق.
ونخلص من هذا أن ما ذهب إليه الإباضية والحنفية هو رأي وجيه وتطمئن إليه النفس، ويمكن ترجيحه؛ لأنه يستند إلى الأصول والقواعد المقررة في
الفقه الإسلامي.
ه - في حكم عيوب النكاح
لو وقع عقد الزواج وتمَّ الدخول، وأراد أحد الزوجين فسخ العقد بدعوى اكتشاف العيب، وادعى الآخر أنه قد أعلمه بذلك قبل العقد، فالقول قوله، ويلزم كل منهما إثبات عكس ذلك بالبينة، وحتى تتضح هذه المسألة أكثر نورد عبارة الجناوني كما جاءت في كتابه «النكاح فيقول: «وإن أراد ردّها بالعيب فادعت المرأة أنها قد أعلمته به قبل التزويج، فعليها البينة مثل خبر فإن لم تكن لها بينة فعليه اليمين، وكذلك إذا ادعت أنه قد علم بالعيب بعد النكاح ورضي به فعليها البينة فإن لم تكن لها بينة فعليه اليمين على الإقرار بالرضا، وكذلك إن كان العيب في الزوج فأرادت ردّه به، فادعى أنه قد أعلمها
الأمناء، (2/137)
صفحة 656
138
القواعد الفقهية عند الإباضية
قبل النكاح فعليه، البينة فإن لم تكن له بينة فعليها اليمين، وكذلك إن ادعى أنها قد علمت بالعيب بعد النكاح ورضيت به فعليه البينة، فإن لم تكن له بينة فعليها اليمين على الإقرار بالرضا ... » (1)
فالأصل في هذه المسألة أن
عدم العيب والسلامة هو الأصل، وظهور
العيب بعد العقد صفة عارضة، ولذلك من ادعى غير ذلك فعليه البينة، وسواء
كان قبل الزواج أو بعده.
6 - في باب الطلاق:
لو طلق الرجل زوجته ولم يقع بينهما الدخول أو خلوة الصحيحة، كإرخاء
الستار وإغلاق الباب، فادعت وطئاً وأنكره المطلق صدق؛ لأن القول قوله،
(2)
والأصل عدم الوطء ولم يحدث ذلك (2).
(1) الجناوني: المصدر نفسه،
(2) الراشدي: الجواهر، 88.
ص.
170 (2/138)
صفحة 657
المطلب الرابع
قاعدة: «الأصل إضافة الحادث إلى أقرب أوقاته»
ومما تفرع عن القاعدة الكبرى اليقين لا يزول بالشك» القاعدة الفرعية: «الأصل إضافة الحادث إلى أقرب أوقاته» وسوف ندرس فيها العناصر التالية:
الصيغ التي وردت بها هذه القاعدة.
علاقة هذه القاعدة بالقاعدة الكبرى اليقين لا يزول بالشك».
- شرح ألفاظ القاعدة.
المعنى الإجمالي للقاعدة.
- تطبيقات القاعدة.
أولاً: الصيغ التي وردت بها هذه القاعدة:
ترددت هذه القاعدة على أعلام الفقهاء وألسنتهم في مواضع التعليل والترجيح بالصفة المذكورة هنا: «الأصل» إضافة الحادث إلى أقرب أوقاته» (1)، أو الصيغ المتقاربة معها، فقد عبّر عنها الراشدي بقوله: «الأصل في كل حادث تقديره بأقرب وقت» (2). وعبر عنها بعضهم بقوله: «الحادث يحال بحدوثه إلى أقرب الأوقات» (3).
(1) المجلة العدلية: القاعدة العاشرة المادة (11). وينظر: الزرقا أحمد: شرح القواعد الفقهية، ص 125. ـ ابن نجيم: الأشباه والنظائر، ص 64.
(2) الراشدي: جواهر القواعد، ص 89.
(3) الندوي: القواعد الفقهية، ص 392، السدلان القواعد الكبرى، ص 147. (2/139)
صفحة 658
12.
القواعد الفقهية عند الإباضية
ثانياً: علاقة القاعدة بالقاعدة الكبرى اليقين لا يزول بالشك: هذه القاعدة فرع عن القاعدة الكبرى اليقين لا يزول بالشك» وتندرج تحتها، فإذا كانت الأحكام تختلف باختلاف تاريخ حدوثها فإنه لا بد من معرفة التاريخ، وإذا حصل شك فيه هل وقع في وقت كذا أو في وقت كذا؟ أضفناه إلى أقرب تلك الأوقات المشكوك فيها، فيكون أقرب الأوقات هو حكم اليقين، فلا يعدل عنه إلا بدليل).
ثالثاً: شرح ألفاظ القاعدة:
الحادث في اللغة: مصدر حدث حدوثاً تجدد وجوده فهو حادث، والحادث نقيض القديم)، ولا يخرج المعنى اللغوي فهو في استعمال الفقهاء «الشيء الذي كان غير موجود ثم وجد» (3).
في
والوقت: جمعه أوقات: المقدار من الدهر أو الزمان، فإذا اختلف زمن وقوع الحادث وسببه، فما لم تثبت نسبته إلى الزمان القديم ينسب إلى الزمن الأقرب منه وهو الحال فإذا ثبت نسبته إلى الزمان البعيد (القديم) يحكم بذلك (4).
:رابعاً المعنى الإجمالي للقاعدة:
إذا وقع اختلاف في زمن حدوث أمر - ولا بينة ـ ينسب هذا الأمر إلى أقرب الأوقات إلى الحال ما لم يثبت نسبته إلى زمن أبعد. وتعليل ذلك: أن أحكام الحوادث ونتائجها وما يترتب عليها كثيراً
170
ص. 154 ـ السدلان المرجع نفسه.
(1) شبير محمد: عثمان: القواعد الكلية (2) الفيومي: المصباح المنير، ص (3) قلعة وقنيبي: معجم لغة الفقهاء مادة حادث: 171، 172.
جي
(4) قلعة جي
وقنيبي: المرجع نفسه، مادة (وقت)، ص 507. (2/140)
صفحة 659
الفصل الثاني: القاعدة الفقهية الكلية الكبرى الثانية
ما تختلف باختلاف تاريخ حدوثها، فعند التنازع في تاريخ الحادث يحمل على الوقت الأقرب إلى الحال حتى يثبت الأبعد؛ لأنه الوقت الأقرب. وعليه فإذا وقع اختلاف في زمن حدوث شيء نسب إلى أقرب الأوقات إلى الحال، ولا يعدل عن هذه النسبة إلا بدليل؛ وذلك لأن الخصمين اتفقا على حدوث الشيء، وادعى أحدهما حدوثه في وقت، والآخر ادعى حدوثه في وقت آخر قبل ذلك الوقت، فقد اتفقا على أنه كان موجوداً في الوقت الأقرب، وانفرد أحدهما بدعوى أنه كان موجوداً قبل ذلك، والآخر ينكر دعواه، مما يورث شكاً في صحة كلامه، فيعمل بالوقت الأقرب؛ لأنه يقين ويترك الوقت الأبعد لأنه شك، وعليه فيكون القول للمنكر.
ومثاله: لو كان في مُلْك أحد مسيل لآخر يمر وسطه، ووقع بينهما اختلاف في الحدوث والقدم فادعى صاحب الدار حدوثه وطلب رفعه، وادعى صاحب المسيل قدمه، فإن القول لمدعي القدم والبينة لمدعي الحدوث، حتى إذا أقام كل منهما بينة رجحت بينة مدعي الحدوث وهو صاحب الدار؛ وذلك لأن بينته تثبت ولاية النقض فكانت أولى، أما مدعي القدم فهو منكر متمسك بالأصل).
خامساً: تطبيقات القاعدة:
نقل الإباضية في مصنفتهم الفقهية فروعاً كثيرة تخرجت على هذه القاعدة في أبواب العبادات كالطهارات والمعاملات: كالبيع وفسخه، والحجر والوكالة والأحوال الشخصية كالطلاق والميراث والهبة، والقضاء كالإقرار والدعاوى وغيرها، فمن ذلك:
(1) الزرقا أحمد: شرح القواعد الفقهية، ص 5 (2/141)
صفحة 660
142
القواعد الفقهية عند الإباضية
1 - في باب الطهارة:
مَنْ رأى في ثوبه منياً، ولم يذكر جماعاً ولا احتلاماً، لزمه الغسل على
الصحيح عند الإباضية (1) وغيرهم)، وتجب عليه إعادة كل صلاة صلاها
آخر نومة نامها.
من
وكذلك من رأى في ثوبه غائطاً ولم يكن على علم بذلك من قبل رؤيته له، فإن وقت حدوث الغائط يقدر بآخر قعدة قعدها، وعليه فإنه يعيد ما صلاه
بعدها (3).
وكذلك من رأى في جسمه أو ثوبه دماً بعد أن صلَّى، أو جنابة بعد أن أفطر، واحتمل ذلك أن يكون حدوثه بعد الصلاة أو بعد الصوم، فإنه يضاف إلى أقرب وقت ممكن حدوثه فيه، فلا يحكم بنقض صلاته ولا صيامه إن أن يكون ذلك حادثاً بعد فراغه منهما (4).
أمكن
ومنها: لو توضأ من بئر أياماً، وصلى ثم أخرجت منه فأرة، فلا يلزمه قضاء ما صلّى إلا ما تيقن أنه صلاها بالنجاسة؛ لأنه يحتمل سقوطها في ذلك
الوقت القريب (5).
في باب الميراث:
ذكر الجناوني شاهداً لهذه القاعدة وذلك لو أن رجلاً جرح امرأة ثم تزوجها بعد ذلك، فماتت من ذلك الجرح، فلا يرثها، ومنهم من يقول يرثها،
(1) البسيوي أبو الحسن علي بن محمد البسياني: مختصر البسيوي، نشر وزارة التراث القومي والثقافة، سلطنة عُمان د. ت ص 35.
(2) الزركشي: المنثور في القواعد، 174/ 1. - السيوطي: الأشباه والنظائر، ص 86. (3) الراشدي سفيان: جواهر القواعد، ص 89 مع الهامش. (4) الكندي أبو بكر أحمد المصنف، 99/ 3. - الجيطالي إسماعيل: قواعد الإسلام، مذيلًا بحاشية أبي عبد محمد بن عمر بن أبي ستة، تحقيق بشير بن موسى الحاج موسى، 2/ 230 – 231.
(5) الراشدي: المرجع نفسه - السيوطي: المصدر نفسه. (2/142)
صفحة 661
الفصل الثاني: القاعدة الفقهية الكلية الكبرى الثانية
143
فالذي ذهب إلى منعه من الميراث اتهمه بالتسبب في قتلها بهذا الجرح، وهذه شبهة تمنع من الميراث، والذي ورثه لم يتهمه بذلك، ما دام قد تزوجها بعد الجرح، ولا يكون ذلك إلا بعد الرضى إلا إذا تزوجها بالغضب، فهنا يكون متهماً. وكذلك إن جرحته ثم تزوجها بعد ذلك، فمات من ذلك الجرح، فقيل ترثه، وقيل لا ترثه (1).
6
ويلاحظ من القولين أنهما في كلا الحالتين يريان منعه من الميراث، استناداً إلى قاعدة: «الأصل إضافة الحادث إلى أقرب زمن»، فالموت كان بسبب الجرح، ولا يغير الزواج من الأمر شيئاً.
- في باب الدعاوى
أ ـ في دعوى التصرف بالمال في حالة العمى والمطالبة بالفسخ: كانت عمياء عند بيعها للرجل، وادعى هو أنها كانت مبصرة وقت البيع، وقد مضت مدة يمكن حدوث العمى فيها، فقيل: إنها لما أقرت بالبيع، فالأصل أنها باعت وهي مبصرة فعليها البيئة لإثبات العمى أثناء العقد؛ وذلك لأن العمى أمر حادث، وقد أمكن أن يحدث بعد البيع، فالأصل أن الحادث يضاف إلى أقرب أوقاته.
وقد عرضت هذه المسألة على الشيخ سعيد بن خلفان الخليلي، ففصل فيها القول بما يزيل كل شك ويجلي، الحق بناء على ذلك الأصل المقرر، ومما جاء في هذه المسألة «ما تقول شيخنا الخليلي في امرأة باعت مالاً لها على رجل، ثم غيرت من بيعها ذلك وادعت أنها باعته في حال هي عمياء فيه، وقال المشتري: إنه اشتراه في حال هي فيه بصيرة، وهي في حال مخاصمتها هذا المال عمياء، فعلى هذا من المدعي وعليه البينة؟ أعلى المشتري أنه
في
اشتراه وهي بصيرة؟ أم على المرأة أنها باعته وهي عمياء؟»
(1) الجناوني: كتاب النكاح، ص 134. (2/143)
صفحة 662
144
القواعد الفقهية عند الإباضية
فأجاب: «يحسن في ذلك الاختلاف، والأشبه بالأصول أن البيع غير ثابت حتى يصح أنها غير عمياء، هذا إذا كان المبيع من نوع ما لا يثبت فيه بيع الأعمى إلا بوكيل؛ لأن إقرارها بالبيع وقع وهي عمياء، فكان حكمه إقراراً بما لا يثبت عليها لو قد فعلته في الحال، فالعدول إلى الحكم به ولو كانت بصيرة يحتاج إلى إقرار آخر أو بينة على الأصح، كمسألة الصبية المغيرة إذا ادعت هي الصِّبَى مع التزويج، وأنكر الزوج ذلك وهي في الحال بالغ، فلا يحكم بوقوع التزويج في الصَّبَى الذي تدعيه لنفسها مع التزويج إلا بالبينة فكذلك ما يدعيه الخصم على هذه من البصر المخالف لحالة الإقرار الكائن في هذا الوقت لا يصح فيما عندي إلا بالبينة، ولو كان الوجه الآخر غير خارج من الصواب لأنها أقرت ببيع وادعت فيه ما يبطله، أو يوجب لها فيه الغير بالجهالة، فيحكم عليها بإقرار البيع بظاهر الحكم على مجرد الإقرار وتلزم البيئة على ما تدعيه من العمى الموجب لنقض البيع الذي أقرت به، والأول أصح في الأحكام وأوضح في الحجج ... » (1).
ب ـ في ادعاء العيب في البيع:
لو ظهر في البيع عيب بعد القبض، وادعى البائع حدوثه عند المشتري، وادعى المشتري حدوثه عند البائع، فالقول لِمُدّعي الوقوع في الزمن الأقرب، ويعتبر العيب هنا حادثاً عند المشتري؛ فليس له الحق في فسخ العيب حتى يثبت أن العيب قديم عند البائع، إلا أن يكون العيب مما لا يحدث مثله، بل هو من أصل الخِلقة كالخيف في الفرس، وهو أن تكون إحدى عينيه سوداء والأخرى زرقاء، فإن البائع يلزم به).
(1) الخليلي أبو محمد سعيد: التمهيد إلى قواعد الإيمان، 131/ 8 - 132. (2) الزرقا أحمد شرح القواعد، ص 128. - الزرقا مصطفى: المدخل، 579/ 2. (2/144)
صفحة 663
الفصل الثاني: القاعدة الفقهية الكلية الكبرى الثانية
145
ج - في دعوى الطلاق في المرض
إذا ادعت الزوجة أن زوجها طلقها أثناء مرض الموت - طلاق الفار - وطلبت الإرث، وادعى الورثة أنها طلقت في حال صحته، وأنه لا حق لها في الإرث، فالقول للزوجة؛ لأنّ الأمر الحادث المختلف على زمن وقوعه هنا هو الطلاق في المرض، فيجب أن يضاف إلى الزمن الأقرب، وهو مرض الموت الذي تدعيه الزوجة ما لم يُقيم الورثة البينة على أنّ طلاقها كان حال الصحة. سئل أبو سعيد الكدمي عن الرجل إذا طلق زوجته ثلاث تطليقات في المرض هل ترثه؟ قال معي أنها ترثه إذا مات وهي في العدة، قالوا: هذا وليس بينهم فيه اختلاف)، وذلك معاملة له بنقيض مقصوده، فلو أراد بهذا الطلاق إلحاق الضرر بها فإنه لا تتحقق إرادته.
وسئل أيضاً عن رجل طلق زوجته وهي مريضة، هل يكون بمنزلة من
طلقها وهو مريض؟
معي إذا كان المعنى في الميراث وهو يرثها إذا ماتت في العدة،
قال:
أنه
وإذا طلقها ثلاث لم يرثها عندي إذا ماتت في العدة.
قلت له: فإن طلقها ثلاثاً وهي صحيحة وهو صحيح، ثم ماتت هي أو
مات هو وهي في العدة، هل يتوارثان؟
قال: «معي
أنهما لا يتوارثان» (2).
ففي هذه الصورة لما انتفت التهمة فلم يكن قصده حرمانها من الميراث
فطلاقه لها يجعله يحرم من ميراثها، ولذلك يرثها في العدة فقط لا بعدها، أما الطلاق الثلاث فلا يرثها في حال مرضها، وكذلك لا يتوارثان في حال
في
الصحة؛ لانتفاء التهمة والله أعلم.
(1) الكدمي أبو سعيد محمد الكدمي: الجامع المفيد، 88/ 4.
(2) الكدمي: نفسه، 115/ 4. (2/145)
صفحة 664
187
القواعد الفقهية عند الإباضية
د
- في ادعاء حصول البيع بعد الحجر: إذا ادعى المحجور عليه أو وصيه أن عقد البيع الذي أجراه المحجور قد حصل بعد صدور الحكم بحجره، وطلب فسخ البيع، وادعى المشتري حصول البيع قبل تاريخ الحجر، فالقول للمحجور أو وصيه؛ لأن وقوع البيع بعد الحجر أقرب زمناً مما يدعيه المشتري، وعلى هذا الأخير إثبات خلاف الأصل، وهو حصول البيع له قبل صدور الحكم بالحجر
هـ
(1)
في ادعاء عقد البيع بعد العزل من الوكالة: ما لو قال الوكيل بالبيع بعد عزله: بعث وسلمتُ المبيع قبل العزل، وقال موكله إنك بعتَ وسلمتَ بعد العزل وكان المبيع قائماً غير مستهلك، فإن القول للموكل الذي يضيف الحادث إلى أقرب أوقاته، وأما إذا كان المبيع مستهلكاً فإن القول للوكيل، وتكون المسألة حينئذ من جملة المستثنيات. والفرق بين الحالتين أنه في حالة هلاك المبيع يكون مقصود الموكل إيجاب الضمان في ذمة الوكيل، والوكيل ينكر الضمان، فالقول قوله؛ لأن الأصل براءة الذمة، أما في حالة قيام المبيع فإن إرادة التضمين غير ممكنة، وإنما يدعي الوكيل حينئذ انتقال العين من ملك الموكل إلى ملك الآخر المشتري، والموكل ينكر الانتقال فالقول قوله؛ لأن الانتقال الأمور العارضة، فالأصل عدمها (2).
من
(1) السدلان: القواعد الكبرى، ص 126 الزرقا: أحمد شرح القواعد الفقهية، ص 127.
السدلان القواعد، الكبرى، ص 149 - 150.
(2) السالمي: طلعة الشمس، 189/ 2. (2/146)
صفحة 665
المطلب الخامس
قاعدة: «هل الأصل في الأشياء والأعيان
الإباحة أم الحظر؟
((
أولاً: حقيقة القاعدة
من القواعد المقررة عند الفقهاء أن الأصل في الأشياء والأعيان الإباحة لم يرد نص بالإلزام أو المنع، وحقيقة هذه القاعدة أن: «ما لم يعلم فيه تحريم يجري على حكم الحل»، وهذه القاعدة معروفة عند الفقهاء والأصوليين، يرجع إليها في تقرير كثير من الأحكام، وهي غالباً ما ترد في موضوعات الحظر والإباحة ووردت هذه القاعدة في كتب الفقه والأصول عند الإباضية، فعبر عنها السالمي في طلعة الشمس» بقوله: «حكم الأشياء كلها قبل ورود الشرع الإباحة (). وأشار إليها الشماخي في معرض حديثه عن حكم الصلاة بالنعلين فقال: «والدليل اتفاق الجميع على إباحة لباسه، ولم يبلغنا ما يمنع من ذلك في الصلاة، فنحن على الإباحة حتى يصح
الدليل على خلافهما (2).
ثانياً: بيان معنى القاعدة:
1 - تعريف الإباحة لغة وشرعاً:
الإباحة في اللغة ترد بمعنى الإظهار والإعلان ومنه يقال: باح سره إذا أظهره، وترد بمعنى الإطلاق الإذن، ومنه يقال أبحته كذا أي أطلقته فيه
(1) السالمي: طلعة الشمس، 189/ 2.
(2) الشماخي: الإيضاح، 30/ 2. (2/147)
صفحة 666
148
القواعد الفقهية عند الإباضية
وأذنت له، ومنه الإذن بإتيان الفعل كيف شاء الفاعل في حدود الإذن، وأباح المحظور، جعله حلالا (1).
والمباح في الشرع: «ما دلّ الدليل السمعي على خطاب الشارع بالتخيير منه بين الفعل والترك من غير بدل» (2).
وعرفه السالمي بقوله: «ما كان خالياً من طلب الفعل ومن طلب الترك، فذلك مباح، ككسب المعيشة فوق الكسب اللازم وكالأكل والنوم والشرب ونحو ذلك، فإن العبد يفعله كيف شاء ما لم ينته إلى حد يمنع الشرع فعله». ويوضح السالمي المقصود بالإباحة التي تكون قبل ورود الشرع، وإرسال الرسل، وليس الإباحة التي تكون ضمن الأحكام الشرعية وترد بعد ورود الشرع، فيقول: «والمراد بقولنا قبل ورود الأحكام إنما ثبتت بعد ورود الشرائع،
وبعدها حرم ما حرم لا قبل ذلك لعدم الدليل على ثبوت الحكم) مصدر الإباحة: تستفاد الإباحة من لفظ الإحلال (أحل لكم) ورفع الجناح، (لا جناح، والإذن والعفو، وإن شئت فافعل، وإن شئت فلا تفعل، ومن الامتنان بما في الأعيان من المنافع وما يتعلق بها من الأفعال، نحو قوله تعالى: {وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَتَنَا وَمَتَعًا إِلَى حِينٍ} (النحل: 80)، ونحو: وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ} (النحل: (16). ومن السكوت عن التحريم، ونفي الحرج والإثم والمؤاخذة، والإنكار على من حرم الشيء، وإقرار الرب تبارك وتعالى، وإقرار رسوله إذا علم الفعل، فمن إقرار الرب تعالى: قول جابر ه: «كنا
(1) محمد قلعة جي، وحامد قنيبي: معجم لغة الفقهاء، ص 17. - الندوي: القواعد الفقهية، ص 107، نقلاً عن الغياثي، للجويني إمام الحرمين، ص 490. ـ قلعة جي وقنيبي: المرجع
نفسه، ص
37
(2) الآمدي: الإحكام في أصول الأحكام، 123/ 1
(3) السالمي: طلعة الشمس، 217/ 2. (4) السالمي: المصدر نفسه، 1902. (2/148)
صفحة 667
الفصل الثاني: القاعدة الفقهية الكلية الكبرى الثانية
149
نعزل والقرآن ينزل» (1)، ومن إقرار رسوله: قول حسان لعمر: «كنت أنشد فيه، وفيه من هو خير منك» (2).
2 - تعريف الحظر
- الحظر في اللغة: بفتح وسكون مصدر، حظر المنع الحوز، والمحظور
خلاف المباح. وفي الاصطلاح منع الشيء منعاً يثاب على تركه ويعاقب على فعله (3).
ثالثاً: المعنى الإجمالي للقاعدة:
أن كل ما في الأرض مباح للإنسان أن يتناوله على الجهة التي يكون بها ذلك، أكلاً أو شرباً أو تصرفاً أو غير ذلك من جهات التناول مما ينتفع به من غير ضرر، ولا يخرج عن هذه الدائرة العريضة إلا بنص ملزم أو مانع (4).
(1) متفق عليه، رواه البخاري في صحيحه كتاب النكاح باب العزل، رقم 4915، ورواه مسلم في صحيحه، كتاب النكاح، باب حكم العزل، رقم 2686. عن جابر بن عبد الله الأنصاري. (2) ذكرها البخاري، كتاب بدء الخلق، باب ذكر الملائكة، رقم 3040، عن ابن المسيب، ومسلم، كتاب فضائل الصحابة، باب فضائل حسان بن ثابت رقم 2485، عن أبي هريرة «أن عمر مر بحسان وهو ينشد الشعر في المسجد فلحظ إليه، فقال: قد كنت أنشد التفت إلى أبي هريرة فقال: أنشدك الله أسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول
بلفظ:
ثم
خير منك وفيه من هو «أجب عني اللَّهُمَّ أيده بروح القدس؟ قال: اللَّهُمَّ نعم».
(3) الجرجاني على محمد كتاب التعريفات، ص
الفقهاء، ص
182
102. - و
ومحمد قلعة
لغة جي وقنيبي، معجم
(4) العبادي عبد السلام داود الملكية في الشريعة الإسلامية، ط، 1، 1400 هـ / 1980 م نشر جامعة الأمير محمد بن سعود الإسلامية، الرياض، 623/ 2. - الموسوعة الفقهية الكويتية، وزارة الأوقاف والشؤون الدينية الكويتية كلمة إباحة مطابع ذات السلاسل، الكويت، ط، 5، 1425 هـ / 2004 م، 130/ 1. (2/149)
صفحة 668
القواعد الفقهية عند الإباضية
:رابعاً: موقف الفقهاء من قاعدة: «هل الأصل في الأشياء والأعيان الإباحة أم الحظر؟ وأدلتهم
لم تكن هذه القاعدة محل اتفاق بين الفقهاء بل اختلف فيها الإباضية وغيرهم، إلى عدة أقوال، فذهب بعضهم إلى أنّ الأصل في الأشياء الإباحة إلا ما دل دليل على حرمته، وعلى رأس هؤلاء بعض الإباضية والشافعية ويرى آخرون أن الأصل في الأشياء الحرمة إلا ما دل دليل على إباحته، وهو رأي كثير من الإباضية والحنفية. ويلخص السالمي هذا الاختلاف في أرجوزته فيقول: والحكم في الأشياء قبل الشرع إباحة الكل بغير منع وإنما حرم ما قد حرما من بعد ما جاء الخطاب فاعلما وقال قوم حكمه الحظر، وفي قول بأن الحق في التوقف (1). من خلال هذه الأبيات يتبين أن العلماء اختلفوا في هذه المسألة إلى ثلاثة أقوال:
القول الأول: الأصل في الأشياء الإباحة: يرى أصحاب هذا القول أن الأصل فى الأشياء الإباحة، وهو قول جماعة من الإباضية، ذكر منهم السالمي البدر الشماخي ()، وأبو زكرياء يحيى بن أبي
(1) السالمي: طلعة الشمس، 189/ 2 - 191.
(2) أحمد بن سعيد أبي عثمان بن عبد الواحد، بدر الدين الشماخي، أبو العباس (و: الأربعينيات ق 9 هـ/ الثلاثينيات ق 15 م - ت: (928 هـ / 1522 م عالم من بلدة يفرن بجبل نفوسة من أعمال طرابلس الغرب، تحوّل في طور دراسته إلى تطاوين وتلالت، بجَبَل دمر في تونس، طالباً للعلم؛ ومن مشايخه أبو عفيف صالح بن نوح التندميرتي، والشيخ البيدموري، وأبو زكرياء يحيى بن عامر، ونقل كذلك عن فقيه إباضي عُماني هو محمد بن عبد الله السمائلي. ومن أشهر كتبه: «سير المشايخ. وإعراب القرآن الكريم». «شرح عقيدة التوحيد» لعمرو بن جميع مط). «شرح على متن الديانات في علم الكلام، و «مختصر العدل والإنصاف وشرحه في أصول الفقه والعدل والإنصاف لأبي يعقوب يوسف الوارجلاني؛ (2/150)
صفحة 669
الفصل الثاني: القاعدة الفقهية الكلية الكبرى الثانية
151
بكر)، واختاره أبو يعقوب يوسف بن إبراهيم الوارجلاني في «العدل والإنصاف ومال إليه الكدمي، وهو قول الأكثرين من الفقهاء من مختلف
المذاهب (2).
قال السيوطي في «أشباهه» هذا مذهبنا (3). وقال الحموي: المختار أن الأصل الإباحة عند جمهور أصحابنا، ويشير ابن نجيم إلى رأي الحنفية فيقول: إن الأصل فى الأشياء الإباحة عند بعض أصحابنا ومنهم الكرخي (5). ونقل الزركشي رأي الشافعية فقال: «وعن الشافعي ما لم يدل دليل على تحريمه فهو حلال)، وهو ما أكده ابن نجيم الحنفي فيقول: «هل الأصل في
«شرح مرج البحرين في علم المنطق للوارجلاني أبي يعقوب (مفقود) و «مشكل إعراب الدعائم لابن النضر العُماني، (مخ). وغيرها. الشماخي: مختصر العدل والإنصاف، مقدمة علي يحيى معمر، 3 - 7 السالمي اللمعة المرضية، 28. الباروني سليمان: مختصر تاريخ الإباضية، 51. علي معمر الإباضية في موكب التاريخ، 125/ 3، 130. الجعبيري: البعد الحضاري، 126/ 1.
(1) يحيى بن أبي بكر بن سعيد اليهراسني الوارجلاني، أبو زكرياء (ت: 471 أو بعد 474 هـ/ 1078 أو بعد 1081 م)، ولد في وارجلان بالجزائر. أشهر من نار على علم. تلقى العلم في
بن
وادي أريغ عند الشيخ أبي الربيع سليمان بن يخلف المزاتي. روى عنه أبو عمرو عثمان خليفة السوفي، وكانت له حلقة علم له أجوبة وفتاوى في علم الكلام، ورسائل في الفقه، يبدو أنها فقدت. إلا أننا نجد بعض العلماء يستشهدون بأقواله وآرائه الكلامية، منها ما ذكره أبو سهل يحيى بن إبراهيم في بداية كتابه في العقيدة. وكتابه «السيرة وأخبار الأيمة». ينظر: أبو زكرياء السيرة (ط. (ت) 1/ 14 - 215/ 367، 371. الدرجيني: طبقات، 1/ي، م؛ 352/ 2 427، 448 - 451. الشماخي السير، 2/ 92 - 93. بروكلمان: تاريخ الأدب العربي، 3/ 92 - 93. الزركلي: الأعلام، 168/ 9.
(2) السالمي: 189/ 2 - 191. (3) السيوطي: الأشباه والنظائر، ص
AV
(4) الحموي أحمد غمز عيون البصائر، ص 223، 224 بتصرف.
(5) ابن نجيم: الأشباه والنظائر، ص 87.
(6) الزركشي: المنثور في القواعد، 70/ 2. (2/151)
صفحة 670
152
القواعد الفقهية عند الإباضية
الأشياء الإباحة حتى يدل الدليل على عدم الإباحة، وهو مذهب الشافعي رحمه لله» (1).
أما المالكية فقد اعتمدوا على هذه القاعدة في تقرير الأحكام، ونص عليها ابن عبد البر المالكي في التمهيد في عدة مواضع بصيغ متقاربة، من ذلك: الأصل أن الأشياء على الإباحة حتى يثبت النهي، وهذا في كل شيء» (3). والأصل في الأشياء الإباحة حتى يصح المنع بوجه لا معارض له، ودليل غير محتمل للتأويل» (3). وفي موضع آخر: «الأشياء على الإباحة حتى يثبت
الحظر والمنع» (4). - أدلة القول الأول:
- استدل أصحاب هذا القول بأدلة من القرآن والسُّنَّة والمعقول.
أ ـ من القرآن الكريم
-
1 - قوله تعالى: {هُوَ الَّذِى خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا} (البقرة: 29). وقوله: {وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ} (الجانية: 13). والاستدلال بهاتين الآيتين من وجهين الوجه الأول: أن هاتين الآيتين وردتا في مقام الامتنان، فقد امتن الله الله علينا بخلق ما في الأرض لنا، وأبلغ درجات المن الإباحة، ولا يمتن الله إلا
بالجائز.
والوجه الثاني: أن الله و أضاف ما خلق لنا باللام، واللام هنا تفيد
الملك، وأدنى درجات الملك إباحة الانتفاع بالمملوك).
(1) ابن نجيم: المصدر نفسه.
(2) ابن عبد البر: التمهيد، 114/ 17.
(3) ابن عبد البر: المصدر نفسه، 344/ 6 - 445.
(4) المصدر نفسه، 129/ 10.
(5) البورنو الوجيز، ص 191. (2/152)
صفحة 671
الفصل الثاني: القاعدة الفقهية الكلية الكبرى الثانية
153
2 - وقال تعالى: {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ، وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ) (الأعراف: 32). ووجه الاستدلال بالآية: أنَّ الله الله أنكر على من حرم ذلك، فوجب أن لا تثبت حرمته، وإذا لم تثبت حرمته كَكُل، امتنع ثبوت الحرمة في فرد من أفراده؛ لأن المطلق جزء من المقيد، فلو ثبتت الحرمة في فرد من أفراده لثبتت الحرمة في زينة الله وفي الطيبات من الرزق، وإذا انتفت الحرمة بالكلية ثبتت الإباحة (1).
ج
3 ـ وقوله: {قُل لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَى مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَّسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِيَزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَ غَيْرَ بَاغِ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} (الأنعام: 145)، فجعل الأصل في الأشياء الإباحة، والتحريم مستثنى من عامة الأشياء. 4 - وقوله تبارك وتعالى: {قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَناً وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُم مِّنْ إِمْلَقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَّ وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَضَنَكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} (الأنعام: 151).
ـ
ه ـ وقوله أيضاً: {قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَن تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِلْ بِهِ سُلْطَنَا وَأَن تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ}
(الأعراف: 33).
ففي هاتين الآيتين الآخرتين بين سبحانه ما حرم بتعداده وبطريق الحصر، فدل ذلك على إباحة ما سواه.
ب - من السنة المطهرة:
وردت في السُّنَّة النبوية ما لا يحصى كثرة من الأحاديث في إرساء هذه القاعدة وتقريرها، وإبانة فضل الله على خلقه بتشريعها، حيث إن لهم
(1) المرجع نفسه. (2/153)
صفحة 672
المجال: المطبوعات، كتب
المادة: أصول الفقه - فقه
------------------------------------------
العنوان: القواعد الفقهية عند الإباضية: دراسة نظرية تحليلية تأصيلية تطبيقية
المؤلف: مصطفى بن حمو أرشوم
إشراف وتقديم: عبد الله السالمي
الناشر: وزارة الأوقاف والشؤون الدينية
مكان النشر: سلطنة عمان
تاريخ النشر: 1434ه/ 2013م
الطبعة: 1
عدد الأجزاء: 4
أصله: أطروحة دكتوراه
سلسلة القواعد الفقهية الإباضية
مصدر البيانات من برنامج الرستمي بموقع المنهاج:
https://www.elminhaj.org/catalogue_rech_notis.php?id_liv=4585&id_ty=1
------------------------------------------
مصدر النسخة المصورة للكتاب (PDF) من موقع المكتبة السعيدية:
https://alsaidia.com/node/583
ملاحظة: قامت المكتبة السعيدية باستغلال تقنية التعرف الضوئي على الحروف في اللغة العربية (OCR) في إنشاء هذه النسخة المصورة (PDF)، لذلك فإنه يمكن البحث فيها للوصول إلى المعلومة بسهولة.
تنبيه: قام فريق مشروع المكتبة الشاملة الإباضية باستغلال تلك التقنية لتوفير النص المرقون، وذلك بالتحويل الآلي لصور صفحات الكتاب إلى نص، لذا فالنص الناتج ليس صحيحا 100%، لذا يمكن استخدام ذلك النص لنسخ جمل وفقرات من هذا النص الناتج، مع ضرورة مراجعته ومقارنته بنسخة (PDF) المرفقة، وتعديله وفقا لذلك قبل اعتماده.
ترقيم الصفحات: موافق للمطبوع
تاريخ النشر الرسمي بالشاملة الإباضية: 04 شعبان 1446ه/ 03 - شهر 02 - 2025م. 154
القواعد الفقهية عند الإباضية
فيها الفسحة الواسعة والرخصة التي تبعد كل أسباب الضيق والحرج ومن
ذلك:
1 - ما رواه أبو الدرداء الله عن النبي الله أنه قال: «ما أحل الله في كتابه فهو حلال، وما حرم فهو حرام، وما سكت عنه فهو عافية، فاقبلوا من الله عافيته، فإن الله لم يكن نسيا»، ثم تلا هذه الآية: {وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيَا
(مريم: 64) (1).
2 ـ ومن السنة ما رواه أبو ثعلبة الخشني عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إن الله فرض فرائض فلا تضيعوها وحدّ حدوداً فلا تعتدوها، ونهى عن أشياء فلا تنتهكوها، وسكت عن أشياء رخصة لكم ليس بنسيان فلا تبحثوا عنها (2). وفي لفظ للطبراني: «وسكت عن كثير من غير نسيان فلا تتكلفوها رحمة لكم فاقبلوها (3).
- ولابن ماجه حديث عن سلمان لله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سُئل عن الجبن والسمن والفراء فقال: «الحلال ما أحل الله في كتابه، والحرام ما حرم الله في كتابه وما سكت عنه فهو مما عفا عنه» (4).
(1) رواه أبو داود، كتاب الأطعمة، باب ما لم يذكر تحريمه، رقم 3800، عن ابن عباس، والحاكم في المستدرك، كتاب التفسير تفسير سورة مريم، رقم 3419، عن أبي الدرداء،
وقال:
صحيح
الإسناد، ووافقه الذهبي.
(2) رواه الدارقطني في سننه، كتاب الرضاع، رقم 3853، والبيهقي في الكبرى، كتاب الضحايا، جماع أبواب ما لا يحل أكله وما يجوز للمضطر من الميتة، باب ما لم يذكر تحريمه،
رقم 18349، عن أبي ثعلبة. الدارقطني: «الأشبه بالصواب مرفوعاً». العلل، 324/ 6. (3) رواه الطبراني في الصغير، حرف النون من اسمه النعمان، رقم 1111، عن أبي الدرداء مرفوعاً. الهيثمي: «فيه أصرم بن حوشب وهو متروك. وفيه نهشل بن سعيد الترمذي وهو متروك». مجمع الزوائد، 416/ 1، و 423/ 7. (4) رواه الترمذي، أبواب اللباس، باب ما جاء في لبس الفراء، رقم 1726، والبيهقي في الكبرى، جماع أبواب ما يحل ويحرم من الحيوانات، باب ما جاء في الضبع والثعلب، رقم 19175، عن سلمان، قال الترمذي: الموقوف أصح. (2/154)
صفحة 673
الفصل الثاني: القاعدة الفقهية الكلية الكبرى الثانية
155
4 - وروى مسلم في صحيحه عن سعد بن أبي وقاص له أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إن أعظم المسلمين جُرماً مَن سأل عن شيء لم يحرم على المسلمين فحرم عليهم من أجل مسألته (1).
ج - من المعقول
كما دلّ العقل على تقرير هذه القاعدة ويتجلى ذلك فيما يلي:
1 - أن الانتفاع بالمباح انتفاع بما لا ضرر فيه على المالك ـ وهو سبحانه ـ قطعاً ولا على المنتفع، فوجب أن لا يمتنع،، كالاستضاءة بضوء السراج، والاستظلال بظل الجدار.
2 - إنّ الله سبحانه إما أن يكون خلق هذه الأعيان أو الأشياء لحكمة أو لغير حكمة، وكونه خلقها لغير حكمة باطل، لقوله تعالى: {وَمَا خَلَقْنَا السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَعِبين (الدخان: 38). وقوله كذلك: {أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ} (المؤمنون: (115)، والعبث لا يجوز على الحكمة الإلهية، فثبت أنه سبحانه خلقها لحكمة، ومقصد، ولا تخلو هذه الحكمة إما أن تكون لعود النفع إليه سبحانه، أو إلينا، والأول باطل لاستحالة الانتفاع عليه رجل، فثبت أنه خلقها لينتفع بها المحتاجون إليها، فعلى ذلك كان نفع المحتاج مطلوب الحصول أينما كان، فثبت أن الأصل في المنافع الإباحة (2).
القول الثاني: الأصل في الأشياء الحظر؛ أي: التحريم:
وهذا قول أكثر الإباضية والشافعية وأبي حنيفة، والمعتزلة والشيعة الإمامية. وقد صرح بذلك السالمي فقال: وقال أكثر أصحابنا (الإباضية) وأكثر معتزلة
(1) متفق عليه، واللفظ لمسلم، رواه البخاري، كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة، باب ما يكره من كثرة السؤال وتكلف ما لا يعنيه، رقم 6880، ومسلم، كتاب الفضائل، باب توقيره، رقم 4453، عن سعد.
(2) الشوكاني: إرشاد الفحول، ص 257 بتصرف - البورنو الوجيز، ص 193 - 194. (2/155)
صفحة 674
1??
القواعد الفقهية عند الإباضية
بغداد، والإمامية والشافعية بأن حكمها الحظر (1). وقال السيوطي: «وعند أبي حنيفة: الأصل فيها التحريم حتى يدل الدليل على الإباحة» (2). وقال الزركشي: وعن أبي حنيفة ما دل الدليل على حله فهو الحلال» (3). ونقل ابن نجيم في «أشباهه»: «أن بعض أهل الحديث قالوا الأصل فيها (الأشياء) الحظر» (4)، ونسبه الشافعية إلى أبي حنيفة رحمةالله. وقال ابن قدامة الحنبلي في «الروضة»: وقال ابن حامد) والقاضي (6) وبعض المعتزلة هي على الحظر).
أدلة القول الثاني والرد عليها:
استدلوا بأدلة من القرآن والسنة والمعقول.
أ ـ من القرآن
-1 - قوله تعالى: {وَلَا نَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلم (الإسراء: 36). ووجه 1 - الاستدلال بالآية كما قال الراشدي في جواهره: «أي: لا تتبع ما ليس لك به علم من قول أو فعل أو اعتقاد، تقليداً أو ظناً أو بُهتا، فالآية دليل على أن
(1) السالمي: (2) السيوطي: الأشباه والنظائر، ص 87. (3) الزركشي: المنثور في القواعد، 70/ 2. (4) ابن نجيم: الأشباه والنظائر، ص
طلعة الشمس، ط 1، نشر وزارة التراث العُمانية 1401 هـ / 1981 م، 189/ 2.
AV
(5) ابن حامد الحسن بن حامد بن علي البغدادي أبو عبد الله الوراق إمام الحنابلة في زمانه، له الجامع في الفقه، وغيره، توفي (403 هـ)، ينظر: الفتح المبين، 19/ 1.
(6) القاضي محمد بن الحسين بن محمد الفراء الحنبلي أبو يعلى صاحب العدة في الأصول، كان عالم في زمانه، إما ما في الفروع والأصول، توفي سنة 458 هـ. الفتح المبين، 245/ 1.
(7) ابن قدامة المقدسي: روضة الناظر بحاشية نزهة الخاطر، 118/ 1. (8) البهت: الكذب ومنه حديث الغيبة، فقد أخرج الإمام مسلم في صحيحه في كتاب البر والصلة والآداب، باب تحريم الغيبة، ح، ر 70 ص 1104، عن أبي هريرة له أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أتدرون ما الغيبة؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: ذكرك أخاك بما يكره» قيل: أفرأيت إن كان في أخي ما أقول؟ قال: «إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه فقد بهته» أي: «كذبت و افتريت عليه. (2/156)
صفحة 675
الفصل الثاني: القاعدة الفقهية الكلية الكبرى الثانية
157
الأصل في الأشياء كلها الحظر، بيانه أن الله حرم على كل من يعقل الخطاب قَفْوَ ما ليس له به علم، والعلم يشمل الظن الراجح، فالحكم بشهادة العدلين أو العدل والعدلتين من الظن الراجح، وسمى الله الحكم بالأمارة التي تفيد غلبة الظن عِلْماً في قوله: {فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَتِ} (الممتحنة: 10)، وقوله تعالى: فَسْتَلُوا أَهْلَ الذكر إن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} (النحل: 43، الأنبياء: 7)، أمر الله جل وعلا
الأشياء
أن نسأل العلماء عمّا لم نعلم، فدلت الآية الكريمة أن الأصل في الحظر، لوجوب سؤال العلماء» (1). 2 - قوله تعالى: {وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَلٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ} (النحل: 116). قالوا: أخبر الله سبحانه أن التحريم والتحليل ليس إلينا وإنما عليه، فلا نعلم الحلال والحرام إلا بإذنه.
ويجاب عليهم بأن القائلين بالإباحة لم يقولوا بذلك من جهة أنفسهم، بل قالوه بالدليل الذي استدلوا به من كتاب الله وسُنَّة رسوله. وأيضاً هذا الدليل كما هو لكم هو عليكم؛ لأنكم حرمتم شيئاً لم يقم الدليل على حرمته.
ب - من السنة:
واستدل بعضهم بقوله صلى الله عليه وسلم: «الحلال بين والحرام بين وبينهما أمور مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس، فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه ... » الحديث (2). فأرشد إلى اتقاء الشبهات بترك ما بين الحلال والحرام، ولم يجعل الأصل في أحدهما قال الراشدي في سياق حديثه عن هذه القاعدة: «إن الأصل في الأموال الحظر، ما يوضح مدلول هذا الحديث،
(1) الراشدي سفيان: جواهر القواعد،
ص
91 - 90
(2) الحديث متفق عليه، رواه البخاري حديث رقم: 52 و 2051. ومسلم حديث رقم: 1599
من حديث النعمان بن بشير. (2/157)
صفحة 676
158
القواعد الفقهية عند الإباضية
وليس لنا أن نتصرف في ملك الغير إلا بإذن، فما علمنا حِلّه فذلك المأذون فيه، وما علمنا حرمته وجب اجتنابه وما أشكل عليك فقف عنه» (1). وأجيب عنه بأن هذا الحديث لا يدل على أن الأصل المنع؛ لأن المراد بالمشتبهات فى الحديث ما تنازعه دليلان أحدهما يدل على إلحاقه بالحلال، والآخر يدل على إلحاقه بالحرام، كما يقع ذلك عند تعارض الأدلة، أما ما سكت عنه فهو مما عفا الله عنه (2). ج - من المعقول
كذلك استدل أهل الحظر المانعون بدليل عقلي فقالوا: إن التصرف في ملك الغير بغير إذنه لا يجوز وقبيح والقول بالإباحة دون دليل تصرف في ملك الله بغير إذنه، وهذا باطل؛ ولأنه يحتمل أن في ذلك ضرراً، فالإقدام
عليه خطر (3). وأجيب عن هذا بأنه إنما امتنع التصرف في ملك الغير بالنسبة للعباد؛ لأنهم يصيبهم الضرر عند التصرف في أملاكهم بغير إذنهم؛ وأما بالنسبة الله وعل فذلك غير وارد؛ لأنه سبحانه لا يصيبه ضرر بتصرف العباد فيما يملك ولم يرد دليل بالمنع. وقالوا أيضاً سلّمنا أنه يمتنع التصرف في ملك الغير وإن لم يتضرر. فرد عليهم: أنه إنما يمتنع ذلك في ملك غير الله سبحانه، لما يخشى من تفويت مصلحة يرجوها في وقت من الأوقات، والأشياء قبل ورود الشرع جميعها ملك الله الله، ولا ضرر عليه بتصرف غيره فيها، ولا منفعة له منها،
6
فإنه إنما خلقها لينتفع بعضها ببعض، ولم يخلقها لينتفع بها بنفسه (4).
(1) الراشدي الجواهر، ص 90.
(2) البورنو الوجيز، 196. - السدلان القواعد الكبرى، ص
132
(3) السالمي: طلعة الشمس، 2/ 190. - ابن قدامة المقدسي: روضة الناظر، 118/ 1. (4) السالمي: المصدر نفسه - ابن قدامه المقدسي: المصدر نفسه. - البورنو: الوجيز، ص 196.
السدلان القواعد الكبرى، ص
132 (2/158)
صفحة 677
الفصل الثاني: القاعدة الفقهية الكلية الكبرى الثانية
159
هذا وقد اختلف القائلون بالتحريم والحظر، فمنهم من خص بدليل العقل بعض الأشياء الضرورية، منها قوام حياة الإنسان ولا يعيش بدونها، ومنع كل ما زاد على ذلك، ومنهم من وسع في الأمر وجعلها في دائرة حاجات الإنسان، ومنهم من منع جميع الأشياء وجعلها محظورة حتى يرد من الشرع ما يدل على حكمها، وقد أشار السالمي إلى هذا الخلاف فقال: واختلف الذين قالوا بالحظر: فمنهم من قال: أما ما لا يقوم البدن إلا به من طعام وشراب ونحوهما فمباح، وما سواه، محظور ومنهم من قال بل كل ما مست الحاجة إليه فمباح، وما سواه فمحظور ومنهم من قال بل الجميع على الحظر، وتختلف عللهم في ذلك). القول الثالث: التوقف عن الترجيح:
ومعنى
أهو
ذلك أنه لا يدرى هل هناك حكم أم لا؟ وإن كان، فلا ندري إباحة أم حظر؟، وهؤلاء تعارضت عندهم الأدلة فلم يترجح واحد منها، وينسب هذا القول إلى بعض الحنفية وأبو الحسن الأشعري (3) وأبو بكر الصيرفي
(1) السالمي: المرجع نفسه، ص 189.
(2) هو
(3)
علي بن إسماعيل بن إسحاق، أبو الحسن الأشعري (260 - 324 هـ / 874 - 936 م): مؤسس مذهب الأشاعرة. كان. من الأئمة المتكلمين المجتهدين. ولد في البصرة. وتلقى مذهب المعتزلة وتقدم فيهم ثم رجع وجاهر بخلافهم. وتوفي ببغداد. قيل: بلغت مصنفاته ثلاثمائة كتاب، منها «إمامة الصديق» و «الرد على المجسمة» و «مقالات الإسلاميين ـ ط» جزآن، و «الإبانة عن أصول الديانة - ط» و «رسالة في الإيمان - خ» و «مقالات الملحدين» و «خلق الأعمال» و «الأسماء والأحكام» و «استحسان الخوض في الكلام ـ ط» رسالة. ابن السبكي طبقات الشافعية 2 245. وابن خلكان وفيات الأعيان 1: 326. ابن كثير، البداية والنهاية 11: 187. الزركلي، الأعلام، 263/ 4. (3) الصيرفي أبو بكر محمد بن عبد الله الأصولي الفقيه الشافعي البغدادي، وأحد المتكلمين، كان أعلم الناس بالأصول بعد الشافعي (ت: 330 هـ / 942 م). له كتب، منها: «البيان في دلائل الأعلام على أصول الأحكام في أصول الفقه، وكتاب الفرائض»، ينظر: الفتح المبين، 80/ 1. ابن خلكان وفيات الأعيان، 458/ 1. الصفدي: الوافي بالوفيات 346/ 3. وابن السبكي، طبقات الشافعية 2 169. الزركلي: الأعلام، 224/ 6. (2/159)
صفحة 678
??
القواعد الفقهية عند الإباضية
(1)
وأبو الحسن الخزري الحنبلي .... واحتجوا بأنه يلزمنا الامتناع من غير أن نحكم بحظر ولا إباحة، ويجب الامتناع كذلك من الحكم على الأشياء؛ لأنه لا نأمن من كونه محظوراً).
وأجيب عنه بأن لكل تصرف حكم ولا يخلو تصرف عن حكم، عرفه
من عرفه وجهله من جهله.
- ورَدَّ أصحاب القول الأول على القائلين بالتوقف والحظر بالقول: إننا نلاحظ بأن كل واحد من القائلين بالتوقف أو بالحظر قد أثبتوا للأشياء حكماً قبل ورود الشرع، والأحكام إنما ثبتت بعد وروده لا قبله، فلا سبيل إلى إثبات شيء من ذلك إلا عند من جعل العقل حاكماً، والصحيح أن الحاكم هو الشرع كما حققه السالمي في مشارق الأنوار» و «طلعة الشمس» كما أنه: ينبغي أن يقال: إن الإباحة حكم أيضاً، فيلزمكم من إثباتها إثبات حكم قبل الشرع؛ لأنا نقول: لم نُرِد بالإباحة الحكم الشرعي الذي هو مقابل الحظر وإنما أردنا بها رفع الأحكام رأساً، وإذا ارتفعت الأحكام بقيت الأشياء على أصل خلقها، بلا حكم، فالتصرف وعدم التصرف فيها سواء، بمعنى لا عقاب على كلا الطرفين (3).
لا
أنه
ورجح السالمي القول الأول بأن الأصل في الأشياء الإباحة، وصححه - فقال: «والحجة لنا على تصحيح هذا القول هي أنه لا مخالف في جواز التنفس وجذب أجزاء الهواء ودفعها، وذلك نوع انتفاع بالأشياء، فيقاس عليه سائر الانتفاعات بالأشياء» (4).
(1) الخزري أبو الحسن ويقال: الجزري البغدادي الحنبلي الفقيه الأصولي، له ترجمة في طبقات
الحنابلة، 162/ 2.
(2) السالمي: طلعة الشمس، 189/ 2. - البورنو الوجيز، ص 196.
(3) السالمي: المرجع نفسه 2/ 189 - 190.
(4) نفسه: 2/ 190. (2/160)
صفحة 679
الفصل الثاني: القاعدة الفقهية الكلية الكبرى الثانية
161
كما نبه السالمي إلى أن ما حدث من خلاف بين العلماء في أصل الأشياء هل هي مباحة أم محرمة قبل ورود الشرع وإنزال الكتب؟، كذلك ظهر الخلاف بعد ورود الشرع، وبيان أحكام الأشياء، فاختلفوا في الأشياء المسكوت عنها ولم يرد فيها حكم لا بالحل ولا بالحظر؟ وأشار إلى هذا الخلاف في «طلعة الشمس» فقال: «واعلم أنهم اختلفوا في حكم الأشياء بعد ورود الشرع أيضاً على ثلاثة مذاهب، قيل: إن الأصل في الأشياء التحريم، وقيل: إن الأصل فيها الحل، وقيل: إن أصل المنافع التحليل، وأصل المضار التحريم، وصححه ابن السبكي وتبعه المحلي (1) شارحه مستدلاً على صحته بقوله تعالى: {وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا في الْأَرْضِ جَمِيعًا مِّنْهُ} (الجانية: (13)، ذكره في معرض الامتنان ولا يمتن إلا بالجائز. واستدل أيضاً بقوله صلى الله عليه وسلم في ما رواه ابن ماجه وغيره: «لا ضرر ولا ضرار» (2)، أي في ديننا أي لا يجوز (3). واختار الكدمي هذا القول فقال: تحل الأشياء ما لم يرد محرم، وبناء عليه، فقد عُذر كل من أتى شيئاً على الجهل فوافق فعله الحلال ولو كان مذهبه في ذلك التحريم، ولا يجب عليه التوبة» (4).
(1) لم نستطع تحديد هوية المحلي الذي شرح كتاب ابن السبكي لتشابه الأسماء، ولعل المقصود هو: جلال الدين المحلي (791 - 864 هـ / 1389 - 1459 م) محمد بن أحمد. بن محمد بن إبراهيم المحلي الشافعي أصولي، مفسر. مولده ووفاته بالقاهرة. عرفه ابن العماد بتفتازاني العرب. الزركلي، الأعلام، 333/ 5. ويوجد آخر شرح كتابي السبكي اسمه: ابن المحلي (825 - 890 هـ / 1422 - 1485 م): محمد بن أحمد بن علي المحلي ثم السمنودي المعروف بابن المحلي: فقيه شافعي. مولده ووفاته بسمنود (بمصر) من كتبه أدب القضاء» قال السخاوي: مفيد جداً. و «شرح تائية السبكي في السيرة النبوية ـ خ». الزركلي، الأعلام، 335/ 5. (2) رواه ابن ماجه، كتاب الأحكام، باب من بنى في حقه ما يضر بجاره، رقم عبادة بن الصامت ومالك، كتاب الأقضية، باب القضاء في المرفق، رقم 1427، عن عمرو بن يحيى. ابن دقيق: «حديث حسن». شرح الأربعين النووية، 82/ 1. (3) السالمي: طلعة الشمس، 2/ 190. - وينظر: كذلك في ابن السبكي، القواعد الفقهية، أو كتابه في الأصول مع شرح المحلى.
(4) السالمي: نفسه، 91/ 2.
،2340
عن (2/161)
صفحة 680
162
القواعد الفقهية عند الإباضية
- منشأ الخلاف
ولعل سبب اختلاف الفقهاء في هذه القاعدة يرجع إلى استشكالهم في حكم الأعيان التي خلقها الله سبحانه لعباده، ولم تنتقل إلى ملك أحد منهم، وذلك كالحيوانات التي لم ينص تحريمها لا بدليل عام ولا خاص، وكالنباتات التي تنبتها الأرض مما لم يدل دليل على تحريمها وليست مما يضر مستعمله بل مما ينفعه (1).
فيها
وكذلك كان الاختلاف في حكم المسكوت عنه، أي في الأشياء التي لم يرد فيها دليل يبيحها أو يحرمها، فهل يحكم عليها بالإباحة أم بالحظر؟ فبعض الفقهاء أن الأصل في الأشياء الإباحة ما لم يثبت دليل الحرمة، ومنهم من رجح جانب الحرمة، واعتبر الأصل فى الأشياء والأعيان الحظر حتى يثبت دليل الإباحة، ومنهم من توقف فلم يغلب أحدهما على الآخر خروجاً من الخلاف.
يري
الرأي المختار:
وبعد عرض الأقوال المختلفة وأدلتهم ومناقشاتهم واعتراضاتهم وردودهم
يمكن ترجيح
جمهور
العلماء
هو
أحد الأقوال بعد النظر فنقول: والمختار عند الرأي الأول، وليس لهذا الخلاف أثر إلا في المسكوت عنه، مثل الحيوان المشكل أمره، والنبات المجهول تسميته والنهر الذي لم يعرف حاله هو مباح أو مملوك،
ودخول اليمام إلى بزج أحد، ويشك فيه هل هو مباح أم مملوك لأحد؟ والقول بأن الأصل في الأشياء الإباحة جدير بالاعتبار ونحن نرجحه على غيره؛ وذلك لأن الأشياء إنما خُلقت لمنفعة الإنسان فإذا لم يرد نص بحظرها، أو بيان، مضارها، فإنها تكون على ما خلقت لأجله، ولا يحرم شيء منها إلا
(1) الشوكاني: محمد بن علي إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من الأصول مطابع مصر، ص 284. ـ الرازي فخر الدين المحصول في علم أصول الفقه ط 1، 1401 هـ / 1981 م، قسم 3 131/ 2. (2/162)
صفحة 681
الفصل الثاني: القاعدة الفقهية الكلية الكبرى الثانية
163
بنص صريح وواضح الدلالة). ويؤيد هذا ما ورد في القرآن الكريم من آيات
بينات منها:
1 - من القرآن: قوله تعالى: {هُوَ الَّذِى خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا
(البقرة: 29).
وجه الدلالة: أن الله الله أخبر بأن جميع المخلوقات الأرضية للعباد؛ لأن (ما) موضوعة للعموم واللام في (لكم) تفيد الاختصاص على جهة الانتفاع للمخاطبين، أي أن ذلك مختص بكم، فيلزم منه أن يكون الانتفاع بجميع المخلوقات مأذونا فيه شرعا، إلا ما أخرجه الدليل. 2 - وقوله تعالى: {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ، وَالطَّيِّبَتِ مِنَ الرِّزْقِ (الأعراف: 32).
ووجه الدلالة: أن الله أنكر على من حرم الزينة والطيبات لعباده، فوجب ألا تثبت حرمة شرع من ذلك إلا بنص من الشارع؛ لأن إنكار التحريم يقتضي انتفاءه وعدم ثبوته في أي شيء من الطيبات وزينة الله، وإذا انتفت الحرمة ثبتت الإباحة، وهذا هو المطلوب.
- قوله تعالى: {قُل لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَى مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا
أَن يَكُونَ مَيْتَةً (الأنعام: 145). وجه الدلالة: أن الله سلام الله جعل الأصل الإباحة، والتحريم مستثنى من الإباحة. 4 ـ ومن الشنة: قوله: (إن أعظم المسلمين جُرماً من سأل عن شيء
لم يحرم فحرم على السائل من أجل مسألته» (2).
(1) يوسف حامد العالم المقاصد العامة للشريعة الإسلامية، ص 282 - 283. (2) رواه البخاري، كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة، باب ما يكره من كثرة السؤال وتكلف ما لا يعنيه، رقم 6880، ومسلم بلفظ، إن أعظم المسلمين في المسلمين جرماً، من سأل عن شيء لم يحرم على المسلمين، فحرم عليهم من أجل مسألته» كتاب الفضائل، باب توقيره، رقم 4453 عن سعد بن أبي وقاص. (2/163)
صفحة 682
164
القواعد الفقهية عند الإباضية
وجه الدلالة أن هذا الحديث يدل على أن ما لم ينص على تحريمه فهو مباح؛ لأن السؤال عن المسكوت عنه يعتبر من أعظم الجرم؛ لأنه قد يكون سببا في تحريمه.
ه - قوله صلى الله عليه وسلم جواباً لمن سأله عن بعض المطعومات الحلال ما أحله الله في كتابه والحرام ما حرمه الله في كتابه وما سكت عنه فهو مما عفا عنه» (1). أنه فقد أحال السائل إلى قاعدة يرجع إليها في معرفة الحلال والحرام، وهي يكفيه ما حُرّم أن يعرف به ما حَرَّم الله، فيكون كل ما عداه حلالاً طيباً إلا بنص
أو عفو. 6 ـ قوله صلى الله عليه وسلم: «إن الله فرض فرائض فلا تضيعوها وحد حدوداً فلا تعتدوها وحرم أشياء فلا تنتهكوها، وسكت عن أشياء رحمة لكم غير نسيان فلا تبحثوا
عنها» (2). فهذا الحديث يدل على أن المسكوت عنه صار معفو عنه.
- أما من حيث الدليل العقلي فإن الانتفاع بما سكت عنه المشرع انتفاع بما لا ضرر فيه على المالك، ولا على المنتفع كالاستفادة بضوء الغير، والاستظلال بجداره، فكان الحكم بحل الأشياء غير منصوص على حكمها هو
المتفق مع
سُنَّة الفطرة والطبيعة.
- ثم إن الله خلق الأشياء لحكمة، لقوله تعالى: {وَمَا خَلَقْنَا السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَعِبِينَ (الدخان: 38). وهذه الحكمة هي من أجل انتفاع المخلوقات بها، وأيضاً فإن تكليف الناس بدون بيان ما كلفوا به، تكليف بما
(1) رواه الترمذي، أبواب اللباس، باب ما جاء في لبس الفراء، رقم 1726، والبيهقي في الكبرى، جماع أبواب ما يحل ويحرم من الحيوانات، باب ما جاء في الضبع والثعلب، رقم 19175، عن سلمان، قال الترمذي: الموقوف أصح. (2) رواه الدارقطني في سننه، كتاب الرضاع، رقم 3853، والبيهقي في الكبرى، كتاب الضحايا، جماع أبواب ما لا يحل أكله وما يجوز للمضطر من الميتة، باب ما لم يذكر تحريمه،
رقم 18349، عن أبي ثعلبة الدار قطني الأشبه بالصواب مرفوعاً». العلل، 324/ 6. (2/164)
صفحة 683
الفصل الثاني: القاعدة الفقهية الكلية الكبرى الثانية
لا يطاق، وهو قبيح تعالى الله عنه، ويؤيد هذا قوله تعالى: {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمَا بَعْدَ إِذْ هَدَتْهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُم مَّا يَتَّقُونَ} (التوبة: 115). يعني: أن الله الا الله لا يحكم على قوم بالضلالة والمعصية، والمعاقبة عليها حتى يتبين لهم المعاصي وموجبات الضلالة فيتركونها، وأما قبل البيان لا يكون الفعل
حراما (1).
مجمل القول:
مما تقدم نستطيع القول بأن المسكوت عنه في الشريعة مباح حلال، وذلك في باب العادات والمعاملات والأعيان والتصرفات، أما في العبادات فالأمر خلاف ذلك، فلا يعبد الله إلا بما شرع، ولذا قرر الفقهاء القاعدة الفقهية التي
تقول: «لا تشرع عبادة إلا بشرع الله، ولا تحرم عادة إلا بتحريم الله». يقول ابن القيم في هذا المعنى: «لا يعبد الله إلا بما شرعه على ألسنة رسله، فإن العبادة حقه على عباده، وحقه الذي أحقه هو ورضي به وشرعه، وأما العقود والشروط والمعاملات، فهي عفو حتى يحرمها، ولهذا نعى الله الله على المشركين مخالفة هذين الأصلين وهو تحريم ما لم يحرمه، والتقرب إليه بما لم يشرعه» (2). ونشير هنا إلى أن القصد من العادات هي كل ما اعتاده الناس في حياتهم مما يحتاجون إليه، وهو يشمل طرق الكسب، وكل عقود البيع والإيجار، والهبة والشركة ونحو ذلك، ويشمل أيضاً كيفيات تناول الطعام والشراب، وهيئات اللباس والسكن والشيء يكون مباح الاستعمال ما لم يثبت ضرره، وإلا حرم، لقوله صلى الله عليه وسلم: لا ضرر ولا ضرار في الإسلام».
(1) يوسف حامد العالم المقاصد العامة للشريعة الإسلامية، ص 285. (2) ابن القيم: إعلام الموقعين، 119/ 1 -
(3) تقدم تخريجه. (2/165)
صفحة 684
166
القواعد الفقهية عند الإباضية
فكل ما ثبت تحريمه فضرره محقق، سواء ظهر ذلك الضرر في عقولنا أم لم يظهر لها؛ لأن عدم العلم ليس علما بالعدم؛ ولأن عقولنا قاصرة وأسيرة للشهوات والأهواء التي تجعل عليها غشاوة تحول دون إدراك الحقيقة، فقد لا يرى الإنسان ضرراً في تناول لحم الخنزير أو الميتة، ولا يجد بأساً في تناول الخمر، والكسب بالميسر، أو التعامل بالربا، ونحو ذلك، فاعتقاده بأن لا ضرر في هذا لا يدل على عدم وجود الضرر المحقق، ولو تجرد الأهواء والشهوات لا نكشف له أضرار عظيمة ومفاسد جسيمة من ارتكاب هذه المحظورات، وقد يعود الضرر عليه، أو على من يتعامل معه، أو عليهما معاً (1).
عن
ثمرة الخلاف:
ويظهر أثر الاختلاف حول هذه القاعدة وثمرته في المسكوت عنه، وما
أشكل حاله من الحيوان والمجهول تسميته من النباتات من ذلك: 1 ـ أن الحيوان المشكل أمره كالزرافة والفيل فيهما وجهان، أصحهما في الزرافة الحل: (أي: حل أكلها؛ لأن الأصل الإباحة وليس لها ناب كاسر؛ وكذلك في الثعلب والضبع، فقد رجح الكدمي جواز أكل لحمها خلافاً لجمهور الإباضية وقال: «وكَرّه أيضاً لحوم السباع وأسآرها قوم منا، إلا الضبع والثعلب حلال اللحم مكروه سؤرهما (2).
واختلفوا أيضاً في ما يشتبه فيه من دواب البحر ودواب البر وأسمائه، وذكر البعض في قول أن ذلك مما يشبه أجناس الأنعام، وقد قيل: إنه ليس في البر دابة إلا في البحر مثلها أو ما يشبهها، مثل الكلب وغيره، ويسمى كلب البحر أو غول البحر وما أشبه ذلك، فما كان من الدواب التي في البحر
(1) يوسف حامد العالم: المرجع نفسه، ص (2) الكدمي: المعتبر، 182/ 4.
285 - 286
ذلك (2/166)
صفحة 685
الفصل الثاني: القاعدة الفقهية الكلية الكبرى الثانية
167
خارجة من أجناس صيد البحر، إلى شبه دواب البر وصيد البر، وقد قيل: إن ما كره من دواب البر، فمثله يقال فيه بالكراهة من دواب البحر. واختار الكدمي قول من يرى جواز كل صيد البحر دون استثناء وصححه، فقال: «وقال من قال: كل صيد البحر جائز؛ لأن الله لم يستثن منه شيئاً، وهو أصح القول، لقول الله تبارك وتعالى: {أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ, مَتَنَعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِ مَا دُمْتُمْ حُرُمَا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِى إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ} (المائدة: 96). وعلى هذا فقد أجمعوا - لا نعلم بينهم اختلافاً ـ أن ما كان من أجناس الصيد المعروف بصيد البحر، ولا يشبه صيد البر ولا دواب البر، أن ذلك حلال، وإن حيه وميتته سواء، لقول النبي: أحل لكم ميتتان ودمان، فأما الميتتان فهما السمك والجراد، وأما الدمان [فإنّ هنا، أقاويل وأصحها الكبد والطحال (1) (2). وفي موضع آخر يؤكد الكدمي هذا الحكم فيقول: «وأما ما كان من ذلك لا يعيش في البر ولو كان يلحق دواب البر وما أشبه دواب البر، فهو بمنزلة السمك وصيد البحر، ولا ذكاة فيه ولا عليه وجميع ما كان في البحر ولو أشبه دواب البر فلا يلحقه معنى التحريم، ولو كان شبه القرد والخنزير والكلب وما أشبه السباع؛ لأنه قيل: إن لكل دابة في البر شبهها في البحر يسمى باسمها ويشبهها بلونها، فقيل: إن جميع ذلك بمعنى واحد وأنه بمنزلة صيد البحر لا ذكاة عليه ولا تحريم».
جميع
(1) رواه ابن ماجه، كتاب الأطعمة باب الكبد والطحال، رقم 3314، والبيهقي في الكبرى، جماع أبواب ما يفسد الماء، باب الحوت يموت في الماء والجراد، رقم 1128، ابن حجر: الأصح أنه موقوف، وقال: «في حكم المرفوع لأن قول الصحابي أحل لنا وحرم علينا كذا مثل قوله أمرنا بكذا ونهينا عن كذا فيحصل الاستدلال بهذه الرواية لأنها في معنى المرفوع».
تلخيص الحبير، 26/ 1.
(2) الكدمي: المعتبر، 197/ 2 - 198.
(3) الكدمي: المعتبر، 199/ 4. (2/167)
صفحة 686
القواعد الفقهية عند الإباضية
2 ـ أما ما أشكل من الحيوانات مما يعيش في البر والماء من الطير وغيره من الدواب المشبهة لدواب البر أو غير مشبهة من ذوات الدم، فنظراً لدخول نسبة البر عليه فقد وضع الكدمي لذلك قاعدة عامة تضبطها، وهي أن «الحكم للأغلب» من أمور معيشته، فإن كان الأغلب من أموره أن يعيش في البر أكثر، فهو من دواب البر، وحكمه حكم دواب البر وصيد البر، ولو كان صيداً ودمه مفسد
بالأغلب من أموره أنه يعيش في البر أكثر زمانه، وأكثر شأنه من دواب البر. وأما ما كان الأغلب في زمانه وعيشه في البحر والماء، إلا أنه قد يعيش
-
في البر عيشة يفارق بها دواب الماء التي لا تعيش في البر، وأنها متى فارقت الماء هلكت، فإذا كان كذلك فلا يصح حلاله إلا بالتذكية؛ وذلك لدخول سبب البرية عليه، ويحكم له أو عليه بالأغلب من أموره؛ لأنه قد يعيش في البر، ومثل الكدمي لذلك بالضفادع والسلحفاة والأفاعي والأماحي وغيرها، وما قيل في لحمها يقال كذلك في طهارتها ونجاستها مما فصل فيه العلماء القول ونتج عنه اختلاف (1).
خلاصة القول:
يظهر أن بعض علماء الإباضية يفضل الاحتكام في مسألة الانتفاع بالحيوانات المختلفة البرية والبحرية إلى القاعدة المشهورة: «الأصل في الأشياء والأعيان الإباحة ما لم يثبت دليل بالتحريم وبنى عليها، فكل حيوان أشكل حكمه ولم يرد في شأنه دليل بالحل ولا بالحرمة فيبقى على الإباحة، جانب الشبه بين الحيوانات فما يشبه الحيوانات البرية من الحيوانات البحرية يعطى حكمها والعكس كذلك، والبعض أخذ بقاعدة
ومن
الحكم
العلماء غلب
مَن
للأغلب في حياتها المعيشية من حيث ترددها بين البر والبحر، وبعضهم
فضل فيها التوقف، وبعضهم حكم عليها بالحرمة حتى يثبت حلها.
(1) الكدمي: المصدر نفسه، 192/ 4 - 198. (2/168)
صفحة 687
الفصل الثاني: القاعدة الفقهية الكلية الكبرى الثانية
169
ولعل من اعتمد على قاعدة: الإباحة الأصلية فيما أشكل من الحيوانات كان موسعاً على الناس، حيث استطاع أن يزيل الشكوك التي تعترض البعض عن حكم بعض الحيوانات التي لم يرد ذكرها في النصوص الشرعية، والأصل أن نحتكم إلى اليقين، وهو أن الأصل في الأشياء الإباحة».
3 ـ وما قيل في شأن الحيوانات المشتبهة يقال في المجهول من النباتات التي لم يرد ذكرها في القرآن أو السُّنَّة، ولم يتبين حكمها، فالعلماء فيها على خلاف، والأظهر فيها القول بالحِل، عملاً بالقاعدة أن «الأصل في الأشياء
الإباحة» (1).
4 ـ وكذلك ما يتعلق بالانتفاع بالمعادن التي أودعها الله في الأرض؛ كالذهب والفضة والنحاس والحديد والفوسفات والزئبق وغيرها، فما ثبت حرمته بالنص بقي على حرمته، كحرمة لباس الذهب للرجال وحلّه للنساء، وما لم يرد فيه نص بالحرمة يبقى على أصله، وهو الإباحة. وقد مثل العلماء لذلك بما لو شك أحد في استعمال الإناء المضتب أو المزين بمادة معدنية فالأصل فيه الإباحة (2).
ه ـ ويتخرج على هذا الأصل كثيراً من الأطعمة والأشربة من النباتات والفواكه والحبوب التي ترد إلينا من بلاد بعيدة ولا يعرف أسماؤها، ولم يثبت ضررها كأنواع الأجبان والعصائر والحلويات المختلفة، فالأصل فيها الإباحة حتى يثبت دليل المنع. فقد ورد في فتاوى البكري سؤالاً مفاده: هل يحل أكل لحم مستورد من بلاد أجنبية؟
فأجاب: «اللحم تابع لمن ذكاه إذا كان الحيوان مما يجوز أكله، فإذا كان المذكّي (الذابح) مسلماً أو نصرانياً أو يهودياً، فذلك اللحم جائز أكله،
(1) السدلان القواعد الكبرى، ص 134. (2) السيوطي: الأشباه والنظائر نص 88. (2/169)
صفحة 688
170
القواعد الفقهية عند الإباضية
لقوله تعالى: {وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَبَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَّهُمْ} (المائدة: 5)
بين
أما إذا كان مشركاً أو ملحداً أو وثني ... فحرام أكله: لا فرق في ذلك بلاد أجنبية أو غير أجنبية، أما إذا جهلت هوية المذكّي فما استورد من بلاد إسلامية أو من بلاد تدين بالنصرانية أو اليهودية فجائز أكله، وأما ما استورد من بلاد لا تدين بدين سماوي، أي: ليست بمسلمة ولا من أهل الكتاب فلا يحل أكله» (1).
فكلام البكري يفيد أنه إذا ثبت لدينا أن الحيوان مما يحل أكله، ووصل إلينا من بلاد متدينة، فالأصل الإباحة، ولو لم نتعرف على هوية المذكّي، أما إذا ورد إلينا من بلاد لا تدين بدين سماوي فالأصل فيه الحرمة. 6 - ويتخرج على هذا الأصل كثير من أنواع الفرش والأثاث والملابس
المستوردة، والآلات المستخدمة فيما لا يندرج تحت النهي. - ويتخرج عليها أيضاً بعض أنواع العقود المستحدثة، والمعاملات المستجدة، إذا ثبتت خلوها من الربا والجهالة والضرر والغرر (3). ومن ذلك: التقسيط، وعقد التأمين (3)، والمقاولات). ولا بأس أن نورد مثالًا لكل من بيع التقسيط وعقد التأمين، والمقاولات لبيان مدى اعتماد الإباضية على هذه القاعدة في مثل هذه العقود المستحدثة في إباحتها أو تحريمها.
بيع
بعض أنواع العقود المستحدثة:
أ ـ في بيع
التقسيط:
جاء في فتاوى المعاملات للخليلي سؤال عن صورة حديثة من صور
(1) بكلي عبد الرحمن بن عمر فتاوى البكري المطبعة العربية غرداية ـ الجزائر، 1402 هـ / 1982 م،
364/ 1
(2) البورنو الوجيز، ص 197 - 198.
(3) بكلي عبد الرحمن فتاوى البكري، 245/ 1 وما بعدها.
(4) الخليلي أحمد بن حمد: فتاوى المعاملات، ص 23 و 242. (2/170)
صفحة 689
171
الفصل الثاني: القاعدة الفقهية الكلية الكبرى الثانية
البيوع مفاده: «أن من المتعارف عليه أنه إذا اشترى إنسان سيارة بالأقساط ثم أنه استطاع بعد ذلك أن يدفع المبلغ كاملاً في أي وقت فإنه مباشرة يتم تنقيص المبلغ الذي اشترى به، فما الحكم في ذلك؟»
فأجاب: «إن كان ذلك مشروطاً في صفقة البيع فلا يجوز؛ لأنه مما يدخل في بيعين في بيع، وأما إن كان غير مشروط في صفقة البيع، وإنما ذلك يتم فيما بعد ففيه خلاف بين أهل العلم، مع أنه ورد أن النبي صلى الله عليه وسلم عندما أراد جلاء بني النضير عن المدينة المنورة تعلق بهم الأنصار لحقوق كانت لهم عليهم، فأمر النبي الأنصار أن يحطوا ويعجلوا). ولكن هذه الروايات طعن فيها، وفيها بأنها لا تصح، إلا الأصل عدم المنع، ولا دليل يمكن أن يستند عليه يدل على المنع، وعليه فإن أصل الإباحة يقوي الرواية السابقة ويعضدها، فلا مانع من ذلك، ولكن يشترط أن يكون تشارط على هذا في أثناء صفقة
البيع ـ كما تقدم»).
ب ـ عقد التأمين:
اختلف العلماء في حكم عقد التأمين لكونه عقداً حديثاً لم يرد من الشرع نص بمنعه أو إباحته، وظهر مع احتكاك المسلمين بغيرهم في المجال التجاري والنقل البحري، ويتنوع هذا العقد إلى ثلاثة أنواع (3):
(1) رواه البيهقي في الكبرى، جماع أبواب السلم، باب من عجل له أدنى من حقه قبل محله فقبله ووضع، رقم 10920، والطبراني في الأوسط، أول الكتاب، رقم 817، والدارقطني في السنن، كتاب البيوع، رقم 193، عن ابن عباس. وقال: اضطرب في إسناده مسلم بن وهو سيئ الحفظ ضعيف، مسلم بن خالد ثقة إلا أنه سيئ الحفظ وقد اضطرب في هذا
خالد
الحديث». سنن الدارقطني، 46/ 3.
(2) الخليلي أحمد: المرجع نفسه، ص 28.
(3) لجنة من الباحثين: معجم المصطلحات الإباضية، عرفوا التأمين بأنه «عقد من العقود المستحدثة التي لم يعرفها الفقهاء الأقدمون وهو أنواع أشهرها التأمين التجاري ... » ينظر:
71،70/ 1 (2/171)
صفحة 690
172
القواعد الفقهية عند الإباضية
1 - التأمين من المسؤولية الجنائية والمسؤولية المدنية من العمد والعكس
الصادرين من المسؤول نفسه.
2 - التأمين على الأموال.
- التأمين على الأشخاص.
وقد بحث العلماء المعاصرين من الإباضية وغيرهم) هذا الموضوع من
كل جوانبه، وانقسموا إلى ثلاثة أقسام:
الأول - المانعون مطلقاً:
وهم الأغلبية يرون في التأمين على الأموال أنه
كالقمار أو الرهان المحرم، وعلى الحياة اجتراء على قضاء الله وقدره). الثاني - المترددون يرون وجوب التحري في هذه المسألة، فلا ينبغي لفرد أن يبت فيها وحده، بل يجمع فيها المختصون وأهل الفكر من العلماء ورجال الاقتصاد في مختلف النواحي ليدرسوها دراسة عميقة ويخرجوا برأي مجمع عليه، فإن هذا وحده هو الذي يناهض الإجماع المشهور لدى العلماء على التحريم وبغيرها فيظل الناس منقسمين منهم من يحرم إتباعاً للمأثور والمشهور، ومنهم من يبيح رغبة في التيسير والمسايرة للتطور، ومن هؤلاء المترددين من يميز بين نوع ونوع آخر كأبي زهرة محمد (3).
(1) رفيق يونس المصري الخطر والتأمين هل التأمين التجاري جائز شرعاً، ط 1، 1422 هـ / 2001 م، نشر دار القلم دمشق والدار الشامية بيروت والدر البشير جدة ينظر: من
ص
1 5 - 84. - الزرقا مصطفى أحمد نظام التأمين - حقيقته - والرأي الشرعي فيه، ط 4، 1415 هـ / 1994 م، نشر مؤسسة الرسالة، بيروت - لبنان، ينظر: ص 27 - 32. (2) ينظر: علي محي الدين القرة داغي: موقف العلماء من التأمين التجاري قديماً وحديثاً، وأدلة المانعين والمجوّزين في كتاب التأمين الإسلامي دراسة فقهية تأصيلية مقارنة بالتأمين التجاري مع التطبيقات العملية»، ط 2، 1426 هـ / 2005 م، نشر دار البشائر الإسلامية، بيروت، لبنان، ص 143 - 191.
(3) نشر أبو زهرة رأيه حول التأمين في مجلة الأهرام الاقتصادي في العدد 132 الصادر في 15 فبراير 1961 تحت عنوان: التأمين هل هو حلال أم حرام؟ وجاء في تصريحه ما نصه: = (2/172)
صفحة 691
الفصل الثاني: القاعدة الفقهية الكلية الكبرى الثانية
173
وهذا الخلاف كله بالنسبة للتأمين لقاء قسط محدد، أما التأمين المتبادل (أو التأمين بالاكتتاب) فجائز لدى الجميع لا شبهة فيه؛ لأنه عقد جماعي تعاوني محض، والتعاون كما لا يخفى ثابت بالنص القرآني، {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبَرِ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ} (المائدة: 2).
وحجتهم
صلے
الثالث المجيزون ويرون الجواز المطلق في كل أنواعه إذا خلا من الربا، أن كلامنا ينحصر في التأمين ذاته من حيث أنه نظام تعاوني وليس الكلام فيما تقوم به شركات التأمين من أعمال وعقود أخرى مشروعة أو ممنوعة، وعقد التأمين من قبيل المعاوضة وهذه المعاوضة مفيدة فائدة محققة للطرفين، ففيها من حيث النتائج النهائية ربح اكتسابي للمؤمن، وفيها أمان للمستأمنين قبل تحقق الخطر وتعويض بعد تحققه. ويؤكد أصحاب هذا الرأي أن هذا العقد في الحقيقة عقد تعاوني مشروع؛ لأن غايته التعاون على ترميم المضار وتفتيت مصائب الأقدار، وهو نظام معاوضة تعاونية وإن انحرف به ممارسوه وأحاطوه بشوائب ليست من ضرورة نظامه، وليس عقد بيع؛ لأن عقد البيع يقوم على مبادلة المنفعة المادية، بينما عقد التكافل يقوم على سد الحاجات ودفع أثر المصائب والكوارث، فالمشاركة بالمال في عقد التكافل لا يستلزم حقاً مقابلاً مادياً طالما ليست هناك ضرورة تدعو إلى ذلك، والضرورة أو الحاجة في نطاق التكافل تعطى بمقدارها حسبما قدرت وليس بالمقابل من المال المدفوع من المؤمن، فعقد التأمين يتضمن في الحقيقة عقدين. أ ـ عقد المشاركة في دفع الضرر والتكافل عند الملمات.
حق
«إن التأمين على السيارات مثلا لضمان إصلاحها ليس حراماً، وإن كان في النفس منه شيء والتأمين على الحياة نوع من المقامرة، لأنه إن دفع شخص بعض المال ومات فبأي يستحق كل المبلغ، وإن عاش حتى نهاية مدة التأمين فإنه يأخذ المال الذي دفعه مع وهذا ربا»، ورد هذا النص في كتاب نظام التأمين لمصطفى الزرقا، ص 29.
فائدة (2/173)
صفحة 692
174
القواعد الفقهية عند الإباضية
ب ـ عقد الوكالة والمضاربة، وليست شركة التأمين إلا وكيلة من طرفي عقد التكافل أو مفوضة منها في تنفيذه.
على أن في الشريعة الإسلامية شواهد يستأنس بها على جواز التأمين
لا تختلف معه في روحه وغايته من
-
بيع
الوفاء: ويسمى
ذلك:
عند الإباضية:
الإقالة. بيع
2 - عقد الموالاة، وهو أن يقول شخص لآخر أنت وليي تعقل عني إذا جنيت وترثني إذا أنا متُ. والعقل هو دفع التعويض المالي في
جناية الخطأ.
3 - ضمان خطر الطريق عند الحنفية.
{
نظام العواقل في الإسلام (العاقلة).
قاعدة الالتزامات والوعد الملزم عند المالكية.
6 - نظام التقاعد والمعاشات.
وبعد أن عرض الشيخ بكلي عبد الرحمن آراء العلماء في حكم عقد التأمين مال إلى رأي المجيزين واختاره استناداً إلى أدلة شرعية وحيثيات واقعية ترجح ما ذهبوا إليه، فقال: وبهذا فإن جمهرة العلماء المعاصرين يجيزون التأمين على اختلاف أنواعه متى خلا من الربا هذا أولاً.
ثانياً: ولكونه بعيداً عن الضرر والغرر والإيذاء.
ثالثاً: ولكون الأصل في المعاملات حلها، وحرمتها تكون لما يتأكد أو يبدو فيه الضرر.
رابعاً ولكون حياة المجتمع المعاصر كثرت تفاعلاتها، وزادت أعباؤها، وتعددت مشاكلها ومسؤولياتها، فكان في نظام التأمين تفتيت لأضرارها وكوارثها وتحقيق لأعبائها وتكاليفها وتقليل من مشاكلها ومسؤولياتها والمشقة تجلب التيسير). (2/174)
صفحة 693
الفصل الثاني: القاعدة الفقهية الكلية الكبرى الثانية
175
خامساً: وعملاً بالقاعدتين العظيمتين في الإسلام اللتين قررهما القرآن: وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَج) (الحج: (78)، {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} (البقرة: 185). وبعد أن عرض البكري آراء الفقهاء وأدلتهم صرح برأيه دون تردد فقال: وبناء على ما تقدم فما ذهب إليه الأستاذ الزرقا معقول ومقبول والله الموفق
للصواب» (1).
الرأي المختار:
ومهما يكن من اختلاف فالذي يهمنا في هذا المقام أن القائلين بجواز عقد التأمين قد اعتمدوا على القاعدة المقررة في المعاملات أن: «الأصل في العقود الإباحة ما لم يرد دليل على تحريمها، والحق أن رأيهم وجيه يتماشى مع مقاصد الشريعة في التيسير ورفع الحرج، خاصة فى الحالات الاضطرارية مثل التأمين على السيارات والمركبات والممتلكات الخاصة، كالمحلات التجارية والسكنات حيث تفرضه بعض البلاد على الملاك في قوانينها الوضعية، وتدفعهم إلى إجراء هذا العقد الإلزامي مع شركات التامين، وكل من رفض ذلك تعطلت مصالحه ولحقه ضرر ومشقة لمخالفته لهذه القوانين الملزمة. ج - عقد المقاولات
ورد على الشيخ أحمد الخليلي سؤال عن جماعة تشتغل في مقاولات البناء، وقالوا: لدينا عمل في مقاولات البناء، ويتقدم إلينا الكثير من الناس بطلب بناء منازل سكنية، أو محلات تجارية لهم من ممولة من البنك، وهذا التمويل هو عبارة عن قروض ربوية تلقاها المذكورون من ذلك البنك، فهل يجوز لنا نحن المقاولين ذلك.
(1) عبد الرحمن بكلي: فتاوى البكري، 1/ 215 - 245 - 247 - (2/175)
صفحة 694
176
القواعد الفقهية عند الإباضية
فأجاب: «إن كان الاتفاق بينكم وبين أرباب البيوت من غير أن تدخلوا في معاملات ربوية فلا مانع منه، ولا يضركم تعامل أصحاب البيوت مع مؤسسات ربوية). فهنا نلاحظ أن الخليلي اعتمد في جواز المقاولات مع أصحاب البيوت على قاعدة: «الأصل في العقود الإباحة ما لم يرد دليل بالمنع» لأجل الربا أو الغرر أو الجهالة أو الشروط الباطلة.
في باب العبادات:
أ - حكم الصلاة في الملابس المصنوعة:
أباح الشارع الصلاة بجميع الملابس المصنوعة من الصوف والقطن والوبر والشعر وما أشبههما، وكذلك كل لباس من نبات الأرض كالحلفاء وأوراق الشجر، ويلحق بها كذلك الملابس المصنوعة من النفط المستخرج من الأرض وغيرها عملا بالقاعدة المقررة أن الأصل في الأشياء الإباحة» وقد أشار إليها الشماخي في «الإيضاح» فقال: « ... تجوز الصلاة بجميع الثياب المعمولة من صوف أو قطن أو كتان أو وبر أو شعر لقوله: {وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَتَنا وَمَتَعًا إِلَى حِينٍ} (النحل: 80).
ـ وما رُوي من طريق ابن عباس أنه قال صلى الله عليه وسلم: «عليكم بهذه الثياب البيض ألبسوها أحياءكم وكفنوا فيها موتاكم، فإنها من خير ثيابكم)، فقوله: «من خير ثيابكم دليل على الندب إليها، والدليل أيضاً ما روي عن عبادة بن الصامت قال: خرج علينا رسول الله و و و و عليه جبة من صوف شامية ضيقة
242
(1) الخليلي أحمد: فتاوى المعاملات، ص (2) رواه الربيع كتاب الجنائز، باب الكفن والغسل، رقم 471، وأحمد، مسند الكوفيين، سمرة بن جندب، رقم 20166، عن سمرة. ورواه الحاكم في المستدرك، كتاب الجنائز، رقم 1308، عن ابن عباس، وقال: صحيح على شرط مسلم ابن حجر: إسناده صحيح. فتح
الباري، 3/ 135. (2/176)
صفحة 695
الفصل الثاني: القاعدة الفقهية الكلية الكبرى الثانية
177
الكمين، فصلى بها وليس عليه غيرها). وكذلك تجوز الصلاة بجميع المعمول من نبات الأرض إذا ستر، كما تجوز الصلاة عليه.
وذكر الشماخي أنواعاً أخرى تلبس على الرجلين كالخف والنعلين إلا أن هذا الأخير مختلف في إباحته، ولكنه رجح جواز لبسه ما دام لم يرد فيه دليل المنع، وبين أن حجة المانعين بنيت على الاحتياط لحرمة الصلاة والمسجد، وخوفاً من انتقال النجاسة إليه بواسطته. يقول في هذا الصدد: «ولباس الرجل كله مثل الخف والقرق وغيره فلا بأس بالصلاة به إلا النعلين ففيهما قولان والدليل اتفاق الجميع على إباحة لباسه، ولم يبلغنا ما يمنع من ذلك في الصلاة، فنحن على الإباحة حتى يصح الدليل على خلافها، غير أن المسلمين كانوا يخلعون أخفافهم ونعالهم عند دخول المساجد وعند الصلاة، وذلك عندي احتياط أن يكون نالها شيء من الأذى، ولم يعرفوا به، وتعظيماً لحرمة المسجد وحرمة الصلاة» (2)، ويؤيد هذا قوله تعالى لموسى: {فَأَخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى} (طه: 12).
صلے
كما أباح بعض فقهاء الإباضية الصلاة بثوب فيه صور رغم تحرج بعض الناس منه، ولعلهم استندوا في رأيهم إلى أن الأصل في الأشياء الإباحة ما لم يثبت دليل بالتحريم»، وقد نقل الشماخي هذا الرأي عن بعض العلماء فقال: «وقال بعضهم: إن صلى بالثوب الذي فيه التصاوير
،365
عن
(1) رواه البخاري أبواب الصلاة في الثياب، باب الصلاة في الجبة الشامية، رقم المغيرة بن شعبة بلفظ: «كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفر فقال: يا مغيرة خذ الإداوة. فأخذتها فانطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى توارى عني فقضى حاجته وعليه جبة شامية فذهب ليخرج يده من كمها فضاقت فأخرج يده من أسفلها فصببت عليه فتوضأ وضوءه للصلاة على خفيه ثم صلى». ورواه الربيع، كتاب الصلاة ووجوبها، باب في الثياب والصلاة فيها وما يستحب من ذلك، رقم 268. عن المغيرة.
ومسح
(2) الشماخي: الإيضاح، 30/ 2 - 31. (2/177)
صفحة 696
178
القواعد الفقهية عند الإباضية
جازت صلاته والدليل على هذا القول ما روي أنه اشتكى أبو طلحة نطعاً (3) الأنصاري فدخل عليه ناس يعودونه فنزع تحته فقيل له: لم نزعته يا أبا طلحة؟ فقال: لأن فيه تصاوير، وقد قال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قد علمتم فقال رجل من القوم: ألم يقل: «ما كان رقما في ثوب»؟ فقال: بلى، ولكنه أطيب للنفس وأحوط من الإثم (4) فعلى هذا الحديث إن صلى جازت الصلاة به والله أعلم.
ولكن الشماخي اختار القول الأول وصححه وهو: تحريم الصلاة في ثوب عليه تصاوير وقال والقول الأول أصح؛ لأنه أحوط من الإثم كما قال أبو طلحة» (ه).
ـ
ومما يستفاد من هذا الأثر أنه يجوز للمصلي أن يصلي بثوب فيه تصاوير عند الاضطرار لا الاختيار خاصة في هذا العصر الذي افتتن فيه أهله مما يفد عليهم من مصنوعات البلاد غير الإسلامية، فقلما تعثر على ملابس لا يوجد فيها صور أو أشكال مختلفة، ولا شك أن هذا الحكم قد اعتمد أصحابه على القاعدة: أن الأصل في الأشياء الإباحة حتى يصح المنع من وجه لا معارض له»، والدليل الذي استدل به أصحاب القول الأول يخص نوع معين من الثياب كالملابس الرياضية، ولم يكن عاماً لكل أنواع الملابس، وبناء عليه، فالملابس التي تحمل أرقاماً مميزة يجوز الصلاة بها، فنحن نميل إلى هذا القول عند تعذر غيره حتى لا يكون حجة لمن يؤخر الصلاة عن وقتها لانشغاله بحثاً عن الثوب المناسب للصلاة.
(3) نطعا: وسادة.
(4) رواه الربيع، كتاب الصلاة ووجوبها، باب في الثياب والصلاة فيها وما يستحب من ذلك. رقم 276، والترمذي، كتاب اللباس، باب الصورة، رقم 1750، والنسائي في المجتبى،
كتاب الزينة، التصاوير، رقم 5349، عن أبي طلحة، قال الترمذي: حسن صحيح. (5) الشماخي: كتاب الإيضاح، 30/ 2 - 31. (2/178)
صفحة 697
الفصل الثاني: القاعدة الفقهية الكلية الكبرى الثانية
179
ب - حكم مس المصحف أو قراءة القرآن بدون طهارة: ـ اختلف الفقهاء فيمن أراد حمل المصحف أو تصفحه لتلاوة القرآن وهو بدون طهارة، وكذلك بالنسبة لتلاوة القرآن فهل هي شرط في صحة ذلك أم لا؟ ذهب بعضهم إلى اشتراط وجوب التطهر من جميع الأحداث لأداء العبادة ولو نفلاً، ومنهم من أجاز مس المصحف وتلاوة القرآن بدون وضوء إلا إذا كان جنباً، ومنهم من أجاز مطلقاً للمسلم؛ لأنه طاهر من أصله عملاً بالقاعدة المقررة أن الأصل في الأشياء الإباحة»، وحتى تتضح المسألة أكثر ووجهة نظر كل فريق نورد عبارة الشماخي كما أثبتها في إيضاحه حيث بحث هذه المسألة وأشار إلى سبب اختلاف الفقهاء، فيقول: واختلفوا هل هذه الطهارة (الوضوء) شرط في مس المصحف أم لا؟
6
قال قوم: إنها شرط فى مس المصحف وقال آخرون ليست شرط. - وسبب الخلاف: هو تردد المفهوم من قوله تعالى: {لَا يَمَسُّهُ إِلَّا
الْمُطَهَّرُونَ} (الواقعة: 79)، بين أن يكون المطهرون بني آدم، وبين أن يكون الملائكة، وبين أن يكون خبراً لا نهياً، فمن فهم من المطهرين بني آدم وفهم من الخبر النهي قال: لا يمس المصحف إلا الطاهر، ويعضد هذا ما روي عن جابر بن زيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في الجنب والحائض والذين لم يكونوا على طهارة: «لا يقرؤون القرآن ولا يطؤون مصحفاً بأيديهم حتى يكونوا متوضئين» (1).
- ومنهم من فهم من الآية الخبر: قال ليس في الآية دليل على اشتراط هذه الطهارة في مس المصحف، ويبدو أن الشماخي لم يقتنع بتلك الأدلة المانعة
(1) رواه الربيع، باب في ذكر القرآن، رقم 11، والترمذي، أبواب الطهارة، باب في الجنب والحائض أنهما لا يقرآن، القرآن، رقم 131، والبيهقي في الكبرى، كتاب الحيض، باب الحائض لا تمس المصحف، رقم 1375، عن ابن عمر. وقال: ليس هذا بالقوي. وضعفه ابن حجر وقال: إنه قول ابن عمر. تلخيص الحبير، 138/ 1. (2/179)
صفحة 698
180
القواعد الفقهية عند الإباضية
فاختار عدم الحظر ما دام لم تثبت تلك الأدلة ولم تصرح بالتحريم، ولم تصل إلى مرتبة اليقين الذي لا يحتمل معه الشك، فالأمر يبقى على الإباحة الأصلية حتى يثبت خلافه، وفي هذا المعنى يقول: «وإذا لم يكن دليل لا من كتاب ولا من سُنَّة ثابتة يبقى الأمر على البراءة الأصلية وهي الإباحة» (1). وعلق الشارح السدويكشي (المحشي) على قوله: «قوله: يبقى الأمر على
البراءة الأصلية فيه إشارة إلى قاعدة أصولية» (2).
وكذلك اختلفوا هل من شرط قراءة القرآن الطهارة؟
وسبب الخلاف هو معارضة الأحاديث، أحدهما: حديث جابر بن زيد المتقدم، والثاني: حديث علي بن أبي طالب قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يمتنع من قراءة القرآن إلا إذا كان جنباً» (3).
قال الليث: بلغنا أن عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وغيرهما أجازوا قراءة القرآن على غير وضوء، ولكنهم لم يجيزوا مس المصحف ولا أن يقرأ الجنب القرآن وكذلك الحائض.
ونقل الكدمي في «المعتبر» قول الجمهور بالمنع فقال: «وقد منع الجمهور قراءة القرآن الكريم للمحدث أيضاً، ولكن ابن عباس استثنى آية أو آيتين وكان علي يقول: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخرج من الخلاء فيقرئنا القرآن ويأكل معنا اللحم، ولم يكن يحجبه عن القرآن شيء إلا الجنابة»، وقال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ القرآن على كل حال ما لم يكن
(1) الشماخي كتاب الإيضاح، ج 1/ 151 - 152.
(2) المحشي السدويكشي: الحاشية على كتاب الإيضاح للشماخي 152/ 1. (3) رواه أحمد، مسند العشرة المبشرين بالجنة، مسند علي بن أبي طالب، رقم 1011، والدارقطني في السنن، كتاب الطهارة، باب في النهي للجنب والحائض عن قراءة القرآن، رقم 10، عن علي، بلفظ: كان رسول الله الله لا يحجبه من قراءة القرآن إلا أن يكون جنباً»، قال سفيان قال لي شعبة: «ما أحدث بحديث أحسن منه». (2/180)
صفحة 699
الفصل الثاني: القاعدة الفقهية الكلية الكبرى الثانية
181
جنباً» (1). ومعي أنه يخرج في بعض معاني الروايات فأحسب عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «اقرأ القرآن على أية حالة كنت فيها إلا جُنُباً وادخل المسجد في أية حالة شئت إلا جنباً واحمل المصحف في أية حالة شئت إلا جنباً» وكل معنى الرواية يدل على إطلاق هذه المعاني للإنسان إذا لم يكن جنباً» (2). وأشار الكدمي إلى اختلاف الإباضية في قراءة القرآن بدون وضوء فقال: واختلف القول في القراءة على غير وضوء وأحسب أنه مما يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم في بعض ما يرفع عنه أنه قال مثل ما قيل أنه أجاز قراءة القرآن على كل حال إلا راكعاً أو ساجداً أو جنب، إلا أنه قد ثبت من معاني القول عنه «الجنب لا يقرأ القرآن» (3).
قال الشيخ أحمد وصح عن عمر بن الخطاب عن عبيدة قال: «كان عمر يكره أن يقرأ القرآن وهو جنب قال الشيخ أحمد: وروينا عن علي بن أبي طالب، أنه قال في الجنب لا يقرأ القرآن، ولا حرفاً واحداً».
ورجح
الحدث
الكدمي القول بمنع مس المصحف مطلقاً دون تمييز بين الصغر والأكبر وصححه فقال: «وأحسب أنه كذلك بالنسبة لمس المصحف، فقد منع الجمهور مس الجنب للمصحف، فلا يجوز لغير المتوضئ لمسه للمصحف، أنه قد أجيز في قول بعض من قال ذلك إلا أن الصحيح المنع؛ لأن الظاهر
ومع
أنه لا يجوز مس المصحف إلا للمتطهر من الجنابة والحيض والشرك ...
(1) رواه الترمذي، أبواب الطهارة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، باب في الرجل يقرأ القرآن على كل حال ما لم يكن، رقم 146، والنسائي، كتاب الطهارة، باب حجب الجنب من قراءة القرآن، رقم 262، عن علي. قال الترمذي: حسن صحيح.
(2) الكدمي المعتبر، ص
001°
(3) رواه الدارقطني في السنن، كتاب الطهارة، باب في نهي الحائض والجنب من قراءة القرآن، رقم 6، والبيهقي في معرفة السنن والآثار، باب قراءة القرآن، رقم 219، عن ابن عمر. ينظر:
الكدمي: نفسه، 155/ 4. (2/181)
صفحة 700
182
القواعد الفقهية عند الإباضية
ومعي
أن مثل ذلك يخرج في النفساء أيضاً مثل الحائض، وذلك قبل أن تطهر من نفاسها والمستحاضة بمنزلة ... والأقلف عندي بمعناهم وأشد، ويلحق معنى الأقلف في معاني ما يشبه المشرك فيه). وبين الكدمي أن الجنب ليس نجساً في الأصل وإنما أصابه الحدث الأكبر فلزمه التطهر منه للتعبد، ومثله من أصابه الحدث الأصغر.
يقول في هذا المعنى: «إذا ثبت أن ذلك محجور على الجنب فلا يكون ذلك إلا لمعنى أنه ليس هو بمتطهر؛ لأن الجنب ليس بنجس في الأصل وإنما هو ليس بمتطهر، وإنما التطهر عليه تعبد، لا لمعنى أنه نجس البدن، وذلك أنه لو مس شيئاً من الطهارات شيء من رطوبات بدنه لم يكن ذلك نجساً، وكذلك الأمر بالنسبة لعَرَقِه، وبالنسبة أيضاً لجميع الرطوبات منه، ما سوى النجاسة وما مسها إن كان يخرج مخرج الطهارة، فهو طاهر في الأصل غير متطهر التطهر الذي يلحقه معنى التعبد به على حسب ما لزمه التطهر بالوضوء، لا على غير ذلك في معنى الاعتبار، فلما أن كان كذلك في معاني الاتفاق، أنه إنما يلحقه التعبد له بالتطهر على هذا النحو، كان المحدث للبول والغائط أو المني أو الودي، أو ما سوى ذلك من النجاسات لمعناه في الاشتباه، أنه ليس بمتطهر وإن كان طاهراً، أو يلحقه في الشبه في معاني قراءة القرآن؛ لأن ما لحقه في معنى ثبوت الحدث، وأنه ليس بمتطهر؛ لأنه ما أشبه الشيء فهو مثله منه، ومعاني ما يتفق ويتشابه فيلحقه بهذا المعنى المحدث بشيء من الأحداث، الذي فيه من النجاسات ما يلحق في الجنب من قراءة القرآن إلا من عذر» (2).
(1) الكدمي: المعتبر، 151/ 4 - 152، 154.
(2) الكدمي: نفسه، 4/ 155. (2/182)
صفحة 701
الفصل الثاني: القاعدة الفقهية الكلية الكبرى الثانية
مجمل القول:
183
وبعد عرض رأي الكدمي وأدلته في هذه المسألة نجده يميل إلى رأي الجمهور في منع قراءة القرآن بدون طهارة مطلقاً، أما بالنسبة للمس المصحف فقد خالف الجمهور، واختار المنع مطلقاً لغير المتطهر سواء كان جنباً أو غير متوضئ؛ ولعل سبب ذلك أنه كان يعظم شأن القرآن ويعمل بالآية الكريمة: لَّا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ} (الواقعة (79) (والله أعلم).
الاغتسال،
(1) لم يفهم مراد الكدمي من عبارته هل يقصد من المتوضئ أي: المغتسل من الجنابة لأنه يستعمل هذه العبارة في معرض الجنب فربما يقصد بالوضوء الوضوء الأكبر وهو فإذا كان هذا قصده فلا إشكال معه، وبذلك يكون موافقاً للجمهور في منع الجنب مس المصحف، أما غير المتوضئ الوضوء الأصغر فلا مانع من ذلك، والله أعلم. (2/183)
صفحة 702
المطلب السادس
القواعد المستثناة من قاعدة
«الأصل في الأشياء الإباحة»
هذا وقد استثنى الفقهاء من قاعدة الأصل في الأشياء والأعيان الإباحة»
بعض القواعد منها:
1 - «الأصل في الأبضاع التحريم».
2 - «الأصل في الأموال الحظر».
- «الأصل في الدماء الحرمة». - الأصل في الذبائح التحريم).
ووجه استثنائها من قاعدة: الأصل في الأشياء الإباحة»، أنه لما كان (الأصل) دليل من أدلة الإثبات فهو من المرجحات الابتدائية في الإثبات، كان الرجوع إلى أصل واجباً ولازماً لمعرفة كثير من القواعد المعتبرة أصولاً في الشرع لقولهم: «الأصل في الأشياء الإباحة» و «الأصل في الأشياء العارضة العدم ... إلخ ولا يخرج شيء منها عن أصله إلا بدليل خاص يقتضي ذلك في الموضع المعين الذي يستدل به). ومن هذا الوجه أمكن استثناء بعض القواعد كقاعدة: «الأصل في الأبضاع التحريم» و «الأصل في الأموال الحظر» و «الأصل في الدماء المنع». وممن ذهب إلى هذا القول ابن السبكي فقد نقل عنه الشيخ السالمي فقال: «واستثنى السبكي من هذا القول أموالنا فإنها من المنافع، والظاهر أن الأصل فيها
(1) السالمي: معارج الآمال، 20/ 1.
(2) الزرقا: المدخل الفقهي العام، 1061/ 2. (2/184)
صفحة 703
الفصل الثاني: القاعدة الفقهية الكلية الكبرى الثانية
185
التحريم لقوله صلى الله عليه وسلم: إن دمائكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام)، فيخص به عموم الآية السابقة» (2) وهي وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِّنْهُ} (الجاثية: 13).
وقد جنح إلى هذا القول من الإباضية سفيان الراشدي فقال تحت عنوان القاعدة السادسة: «الأصل في الأموال الحظر؛ لأنها مملوكة لمالك وليس لنا أن نتصرف في ملك الغير إلا بإذن، فما علمنا حله فذلك المأذون فيه، وما علمنا حرمته وجب اجتنابه وما أشكل فتلك شبهات، فالأمور ثلاثة أمر بان لك رشده فاتبعه، وأمر بان لك غيه فاجتنبه، وأمر أشكل عليك
فقف عنه. . .» (3).
هذا وقد ردّ السالمي وغيره على ابن السبكي ومن ذهب مذهبه أنه لا تستثنى الأموال من قاعدة الإباحة فهي من المنافع التي أباحها الله للإنسان لينتفع بها فيقول: «إن التحريم عارض فلا يخرجها عن أصلها، وللكلام في المنافع والمضار بالنظر إلى ذاتها، لا لما عرض لها، فالأموال بالنظر لذاتها من المنافع التي الأصل فيها الحل فلا وجه لاستثنائها. واستدرك السالمي على ابن السبكي وغيره أن ما قيل في الأموال ينبغي أن يقال كذلك أن يقال كذلك في المستثنيات الأخرى من قاعدة الإباحة كالدماء والفروج فليس الحكم مقتصراً على
الدماء
(1) متفق عليه، رواه البخاري، كتاب العلم، باب قول النبي رب مبلغ أوعى من سامع»، رقم 67، ومسلم، كتاب القسامة والمحاربين والقصاص والديات، باب تغليظ تحريم والأعراض والأموال، رقم 1679، عن أبي بكرة، ورواه الربيع، كتاب الجهاد، باب جامع الغزو في سبيل الله، رقم 464. (2) السالمي: طلعة الشمس، 2/ 190. - البناني: الحاشية على شرح الجلال بن محمد بن أحمد المحلي على متن جمع الجوامع لتاج الدين عبد الوهاب بن السبكي، وبهامشها تقرير عبد الرحمن الشربيني، ط دار الفكر، بيروت، لبنان، 1415 هـ / 1995 م، 2/ 354. (3) الراشدي جواهر القواعد تحقيق محمد بن يحيى الراشدي، ط 1، نشر مكتبة الاستقامة، عُمان 1425 هـ / 2005 م، ص 92. (2/185)
صفحة 704
186
القواعد الفقهية عند الإباضية
الأموال فقط، فيقول: على أن ما ذكره (السبكي) في الأموال يجري مثله في الدماء والأعراض فينبغي استثناؤها من المضار إذ قد يعرض لها ما يجوزها). وحتى ندرك أهمية هذه القواعد المستثناة، ومدى اعتماد الإباضية عليها في تخريج الفروع الفقهية، نحاول دراسة واحدة منها كنموذج لها وهي قاعدة: «الأصل في الأبضاع التحريم».
أوّلاً: حقيقة قاعدة «الأصل في الأبضاع التحريم ولأهمية هذه القاعدة رأينا من المناسب أن نوضح مدلولها ودليلها وما
يتخرج عليها من الفروع الفقهية كما يلي:
1 - تعريف القاعدة:
الأصل في اللغة: هو أسفل الشيء وأساسه.
والأصل في الاصطلاح هو ما يبنى عليه غيره، ولا يبنى هو على غيره (2). وفي اصطلاح قواعد الإثبات هو الحالة العامة التي هي بمثابة قانون مرعى ابتداء بلا حاجة إلى دليل خاص عليه، بل يعتبر مسلما بنفسه (3).
والمراد بالأبضاع: الفروج، جمع بضع وهو الفرج، كناية عن النساء والنكاح. ومعنى أن «الأصل في الأبضاع التحريم أي الأصل في النكاح الحرمة والحظر وأبيح لضرورة حفظ النسل، ولذلك لم يبحه الله الله إلا بإحدى طريقتين هما العقد وملك اليمين وما عداهما فهو محظور، ولذلك قال أهل العلم: «لو تقابل في المرأة حَلّ وحرمة غُلّبت الحرمة» (4)، أي لو رأينا امرأة
(1) السالمي نفسه، 2/ 190 - 191.
(2) الجرجاني: التعريفات، ص 34.
(3) الزرقا المدخل، 106/ 2.
(4) البورنو الوجيز، ص 199 - الراشدي جواهر القواعد، ص 92. (2/186)
صفحة 705
الفصل الثاني: القاعدة الفقهية الكلية الكبرى الثانية
187
تعارض فيها حل وتحريم، فالأصل الإباحة، ولكن الحظر والمنع مقدم، ويوردها بعض العلماء بصيغة التحريم مغلب في الأبضاع). قال السالمي: «وما أصله الحظر كالأبضاع ولحوم الحيوان، فلا يحل إلا بتيقن حله من التذكية والعقد، فإن تردد في شيء من ذلك كظهور سبب آخر رجع إلى الأصل فيبني عليه، فما أصله الحرمة على التحريم ... » (2).
2 - دليل القاعدة:
أ ـ تستند هذه القاعدة إلى قوله تعالى: {وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَوةِ فَعِلُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَفِظُونَ * إِلَّا عَلَى أَزْوَجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَيكَ هُمُ الْعَادُونَ} (المؤمنون: 4 - 7). ووجه الاستدلال بالآية «أن هؤلاء ممسكون لفروجهم، والاستثناء في قوله: {إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ (المؤمنون: 6)، من نفي الإرسال الذي ينبئ عنه الحفظ أي لا يرسلونها على أحد إلا على أزواجهم أو ممتلكاتهم، وما عدا ذلك فهو تعد منه ... » (3). ب ـ كما أنها تستند إلى أصل عظيم اتفقت عليه جميع الشرائع السماوية، وهو من المقاصد العامة الضرورية للشريعة الإسلامية وهو: حفظ النسل؛ لأن سلامة النسل وحفظ العرض يجعلان المجتمع الإسلامي قوياً نقياً منسجماً، لا شذوذ فيه ولا أحقاد ولا شحناء في ربوعه (4).
(1) السدلان: القواعد الفقهية الكبرى، ص 138، نقلا عن إمام الحرمين الجويني: غياث الأمم في التياث الظلم، ط 2، 1401 هـ، الدوحة قطر.
(2) السالمي: معارج الآمال على مدارج الكمال، 20/ 1.
(3) أبو السعود الحنفي، تفسير ابن السعود المسمى (إرشاد العقل السليم إلى مزايا القرآن الكريم، تحقيق عبد القادر عطا، توزيع ونشر الرئاسة العامة للإفتاء بالسعودية 1401، 48/ 4 - 49. (4) السالمي: طلعة الشمس، 2/ 120. - الجيطالي إسماعيل: قواعد الإسلام، 42/ 1. ـ ابن بركة، الجامع، 2/ 127، 128. - عثمان الأصم: النور، ص 177. ـ باجو: منهج الاجتهاد عند
الإباضية، ص 721. (2/187)
صفحة 706
188
القواعد الفقهية عند الإباضية
- الفروع الفقهية المتخرجة عليها:
ومن الأمثلة التطبيقية على قاعدة الأصل في الأبضاع التحريم ما يلي: 1 - إذا اختلطت زوجته بنساء واشتبهت لم يجز للزوج وطء واحدة منهن بالاجتهاد بلا خلاف، سواء كن محصورات أو غير محصورات؛ لأن الأصل التحريم والأبضاع يحتاط لها، والاجتهاد خلاف الاحتياط. قال الراشدي في هذا الصدد: «فإذا تقابل في المرأة حل وحرمة غلب جانبها، ولهذا امتنع الاجتهاد فيما إذا اختلطت محرمة بنساء قرية محصورات؛ لأنه ليس الأصل فيهن الإباحة حتى يتأيد الاجتهاد (1).
وقد نقل الكدمي مثالا لهذه المسألة في «جامعه» وبين موقف الفقهاء منها وأدلتهم واختار أحد الأقوال عملاً بهذه القاعدة فقال: «ومن كان له أخت أو أمّ أو ابنة أو عمة أو خالة أو إحدى النساء اللاتي لا تحل له، فدخلت بيت أو قرية، ولم يعرفها من غيرها، ففي بعض القول: أنه يجوز له أن يتزوج امرأة من أهل ذلك البيت، أو تلك القرية حتى
يعلم التي لا تحل له بعينها فيتجنبها، وعلى هذا القول: إن وافقها هالك، وإن وافق غيرها فهو آثم.
هي
فهو
وقال بعضهم: لا يجوز له أن يتزوج امرأة من أهل ذلك البيت أو تلك القرية، حتى يعلم التي تزوجها أنها غير تلك المرأة التي تحرم عليه (2). ويستدل على ذلك بوجوه أ ـ منها: أن تكون المرأة المحرمة عليه صغيرة، فيتزوج هو أكبر منها سناً، ويصح معه أنه لا يمكن أن تكون هي المحرمة، أو تكون المحرمة اسمها
عمْرة، فتزوج هو امرأة اسمها زينب.
092
(1) الراشدي: جواهر القواعد، ص " (2) الكدمي: الجامع المفيد، 31/ 3 - 32. (2/188)
صفحة 707
الفصل الثاني: القاعدة الفقهية الكلية الكبرى الثانية
189
ب ـ وأما إن كانت المحرمة كبيرة فلا تحل بناتها مما يمكن أن تكون ولدته هي، فلا يحل له تزويج من يمكن أن تكون من نسلها، إذا كانت مثل الأخت والابنة، أو من لا يحل له نسلها. ج - وأما إن كانت مثل الخالة أو العمة وما كانت شبهها، فلا بأس بتزويج الأصغر منها، والأقل من سنها إذا عرف سن التي لا تحل له. وإذا لم يعرف ذلك، واشتبه عليه حكمها، والتبس عليه معرفتها، فيترك جميع أهل ذلك البيت أو أهل تلك القرية. قال الكدمي: وهذا القول أشبه بأصول أصحابنا (الإباضية) ولا يتعدى إلى غير ما أبيح له إلا بيقين».
لأنه
2 ـ ومن زنى في قرية بامرأة وخفيت عليه، فلا يتزوج من تلك القرية امرأة ولا يتسرى من إمائها، حتى يعلم أنها غير التي زنى بها للشبهة الحاصلة؛ لأن «الأصل في الأبضاع التحريم»، وكذلك من زنت برجل في قرية ولم تعرفه، فلا تتزوج من تلك القرية حتى يتأكد عندها أنه غير الذي زنى بها. نقل الجناوني هذه المسألة في مصنفه، وأشار إلى حكمها، إلا أنه لم يصرح بتحريم الزواج من تلك القرية لكل منهما خلافاً لما ذهب إليه الشقصي)، بل جعل ذلك من باب الاستحباب والاحتياط خوفاً من الوقوع في المحرم؛ الأمور التي يجب أن يحتاط فيها: مسألة الأبضاع. يقول في هذا الصدد: «وإذا دخل الرجل في قرية بليل أو نهار فزني فيها بامرأة ولم يكن يعرفها، فلا يستحب له أن يتزوج بعد ذلك في تلك القرية، لئلا يوافق تلك المرأة التي زنى بها، أو أمها أو ابنتها أو من يحرم عليه نكاحه من النساء، إذا زني بتلك القرية بتلك المرأة، ولا يستحب له أيضاً أن يتسرى من إماء تلك القرية؛ لئلا يوافق مثل ذلك، وأما التحريم فلا يحرم عليه إلا التي زنى بها أو من كان من نسلها أو من
(1) الكدمي: المفيد، 32/ 3.
(2) الشقصي خميس: منهج الطالبين وبلاغ الراغبين، 37/ 15.
من (2/189)
صفحة 708
190
القواعد الفقهية عند الإباضية
»
أمهاتها أو من يحرم عليه نكاحها من النساء إذا زنى، ولكنه ليدع ما يريبه إلى ما لا يريبه ... (1). ... وكذلك المرأة إذا دخلت في قرية فزنى بها رجل لم تعرفه، فلا يستحب لها أن تتزوج في تلك القرية بعد ذلك؛ لئلا توافق ذلك الرجل الذي زني بها أو شيئاً من آبائه أو من يحرم عليها نكاحه إذا زنى بها، وأما من جهة التحريم، فلا يحرم عليها إلا الذي زنى بها أو أبوه أو ابنه أو من يحرم عليها نكاحه إذا
زني بها» (2).
ومما يستخلص من عبارته أن الزنى ينشر الحرمة بين الزاني والزانية، وكذلك بين محارمه ومحارمها، وهذا ما أجمع عليه فقهاء الإباضية خلافاً للجمهور (3).
ـ حكم المنبوذ إذا وجد في الطريق:
ومن المسائل التي ينبغي الاحتياط فيها قدر المستطاع، ما لو وجد طفلا منبوذاً في طريق وجهل حاله هل له نسب معروف أم لقيط من زنى؟ فالعلماء بينوا حكم هذه المسألة، والذي يُفهم من عبارتهم أنهم استحسنوا عدم زواج ذلك الولد من تلك القرية التي وجد فيها حتى لا يقع زواجه بإحدى محارمه وهذا الحكم من باب الاحتياط في الفروج، ولكن لو حدث أن تزوج من ذلك البلد فلا أظن أن أحداً من أهل العلم يمنعه من ذلك، ويحكم عليه بالفسخ؛ لأن هذه شبهة لا تصل إلى درجة اليقين. جاء في كتاب النكاح للجناوني ما نصه: (وإن وُجد المولود - غلاماً كان
(1) يشير إلى الحديث المشهور عن النبي صلى الله عليه وسلم «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك» تقدم تخريجه. (2) الجناوني: كتاب النكاح، ص (3) ينظر: كتابنا النكاح في المذهب الإباضي مقارنة بالمذاهب الإسلامية والقوانين الوضعية، مطبعة النهضة، سلطنة عُمان الطبعة الأولى 1422 هـ / 2002 م، مسألة حكم نكاح الزانية
والزاني، ص 240. (2/190)
صفحة 709
الفصل الثاني: القاعدة الفقهية الكلية الكبرى الثانية
191
أو جارية ـ فعاش حتى كبر وبلغ الحلم، فلا يستحب له أن يتزوج في تلك القرية التي وُجد فيها لئلا يقع على أمه أو على أخته أو خالته أو عمته، أو من يحرم عليه نكاحه من النساء، أو تقع هي - إن كانت جارية ـ على أبيها أو أخيها أو عمها أو خالها، أو من كان يحرم عليها نكاحه من الرجال؛ لأنهما لا يعرفان نسبهما، وأما التحريم فإنه لا يحرم عليها إلا من كان من نسلهما من ذوي المحارم».
4 - الأحكام المترتبة عن السبي واختطاف الأطفال: ذكر أهل العلم أنه لو أُسر طفل غير مميز أو سبي أو خطف من بلدة في حرب أو سلم، ولم يدرك شيئاً مما حصل له، ولما كبر ذلك الطفل فلا ينبغي أن يتزوج من ذلك البلد خشية أن يقع اختياره على ذات محرم منه، وهذا كله من باب الاحتياط ودفع الشبهة. وهذا ما تشير إليه عبارة الجناوني في قوله: «وإذا شبي الرجل من بلدة وهو صغير لا يعقل شيئاً، ولا يعرف شيئاً من نسبه، فلا يستحب له أن يتزوج في بلده ذلك بعد ذلك؛ لئلا يقع عليه على من يحرم نكاحه من نسله ... وأما إن قالت له امرأة أنا أمك أو أختك أو خالتك أو عمتك، فلا يتزوجها بعد ذلك ولو كذَّبت نفسها؛ للشبهة الحاصلة كذلك» (2). وقد أجمل الثميني هذه الصور في عبارة مركزة كعادته، وذهب مذهب الجناوني وغيره (3) في عدم استحبابه بالزواج من تلك القرية التي حدثت فيها الشبهة، وذلك احتياطاً من الوقوع في الحرام. جاء في النيل ما نصه: «واستحسن
(1) الجناوني: كتاب النكاح، ص 42. وقد علق الشيخ علي يحيى معمر على هامش عبارة المصنف زيادة في التوضيح فقال: «يقصد أنه إن وجد لقيط في قرية أو مدينة ولم يعرف أهله، فيستحسن ألا يتزوج في القرية أو المدينة التي وجد فيها؛ لئلا يقع على ذات محرم إن كان ذكراً أو تقع على ذي محرم إن كانت أنثى»، ص 42.
(2) الجناوني نفسه، ص
(3) سفيان الراشدي: جواهر القواعد، ص 93 - 94. (2/191)
صفحة 710
192
القواعد الفقهية عند الإباضية
لمنبوذ (1) وجد في غير مصر، وذلك كالقرى، ولمسبي (2) صغير من مصر لا يعرف نسبه فيه إن رجع إليه؛ ولزان فيه بامرأة ليلاً، ولم يعرفها، وزانية فيه برجل كذلك أن لا يتزوجوا فيه؛ حَوْطةً أن يقعوا بمن يحرم عليهم» (3).
الدماء في
مسألة اختلاف
ثانياً: قاعدة: «الأصل في الدماء التحريم»: ومن تطبيقات قاعدة: «الأصل في الدماء التحريم»: 1 ـ ما ذكره أبو العباس أحمد في كتابه السيرة في العلماء في ولي المقتول هل يحق له القصاص؟ فقال: «وأما رجل قتل رجلاً فاختلف العلماء في ولي المقتول فقال بعضهم: هذا ولي، وقال آخرون: ليس ذلك بولي له، فإن من ادعى أنه وليه لا يقتله ولا يتقدم إلى قتله حتى يتخاصما إلى القاضي، فما حكم به بينهما أخذاً به، وإن لم يكن القاضي بينهما فلينظر إلى المأخوذ به مثل ما ذكرنا في مسألة القتل والعفو، وأما إن لم يتبين لهما أمر ذلك فإنهما يكفان ولا يتقدمان إلى إراقة الدماء إلا على أمر بين؛ لأن الحوطة في الدماء الكف عنها أو الدية أو العفو ولا يكون القتل فيها حوطة مثل الأموال، وكذلك إن اختلف العلماء في المقتول أنه عبد أو حر، أو اختلفوا في الولي الذي يقتل الجاني أنه حر أو عبد، الجواب فيها كالجواب فيما ذكرنا من الحكومة، والقول المأخوذ به في الجناية والعفو والتقدم، والكف فيما لم
سمي
(1) النبذ هو الطرح، والمنبوذ هو ولـ ولد الزنا، كذلك لأنه يطرح على الطريق، وقيل: المنبوذ الذي تطرحه أمه في الطريق عند ولادته فيلتقطه أحد المسلمين فيقوم بشأنه، (ينظر: ابن
هو
منظور، اللسان، 511/ 3، بتصرف).
(2) السبي والسباء هو الأسير والمسبي هو الذي وقع الأسر (ينظر): ابن منظور اللسان،
367/ 14، بتصرف.
(3) الثميني عبد العزيز: كتاب النيل وشفاء العليل، 324/ 2 - 326، وكذلك شرحه للشيخ أطفيش، مكتبة الإرشاد (جدة المملكة العربية السعودية ط 2، 1392 هـ/ 1927 م، 50/ 6
بتصرف. (2/192)
صفحة 711
الفصل الثاني: القاعدة الفقهية الكلية الكبرى الثانية
193
يكن فيه حكم ولم يعرف المأخوذ به من غيره، أو ما اختلف فيه، أو ما لم
يكن فيه حُكْم بِقَوَد، ولا مأخوذ معلوم من التقدم به، والكف عنه» (1). 2 ـ ومنها ما ذكره أبو العباس أحمد في تحريم إرشاد الظالم إلى المظلوم لانتهاك حرمته، والاعتداء على نفسه أو عرضه بغير حق، يقول في هذا الصدد في سياق بيان حكم الدلالة على الضرب والجرح: «وأما الدلالة إن دلّ عليه في الضرب والجرح فإنه لا يعذر بذلك، وهو هالك، ولا تجوز الدلالة في الأنفس ولا في الفروج، فمن أذن إليها أو دل على ذلك فهو هالك، وكذلك القتل، والذي يجوز لهما ذلك فهو هالك، وعليه النكال في إباحته الدماء والفروج من غير حلها» (2).
وهكذا يتبين من خلال هذه الأمثلة مدى حرص الإباضية على المحافظة على الأنفس والأعراض والأموال، وتحريم الاعتداء عليها بغير حق، وذلك مراعاة لمقاصد الشريعة التي تدعو إلى حفظ النفس والعرض والمال، وعملاً بالقواعد الفقهية وهي: «الأصل في الدماء التحريم» و «الأصل في الأبضاع التحريم» و «الأصل في الأموال الحرمة، ولا يجوز إباحتها إلا بدليل موجب لذلك، كتنفيذ القصاص على القاتل المتعمد ومعاقبة الزناة بحد الرجم على المحصن، والجلد على الزاني غير المحصن، وإباحة فروج النساء الأجانب بعقد الزواج، وإباحة مال الغير بالشراء والميراث والهبة وغيرها.
(1) أبو العباس أحمد بن محمد الفرسطائي: السيرة في الدماء، تحقيق عبد الرحمن بن إبراهيم
طباخ، نسخة مرقونة غير منشورة، ص
163 - 164
(2) أبو العباس أحمد المصدر نفسه، ص 126. (2/193)
صفحة 712
الفصل الثالث
القاعدة الكلية الكبرى الثالثة:
المشقة تجلب التيسير» وما تفرع عنها
المبحث الأول: حقيقة القاعدة.
المبحث الثاني: أنواع المشاق وضوابطها. المبحث الثالث: تأصيل القاعدة.
المبحث الرابع: أسباب التيسير والتخفيف.
المبحث الخامس: أنواع التيسيرات ومجالاتها.
المبحث السادس: تطبيقات وفروع القاعدة عند الإباضية.
المبحث السابع: القواعد المتفرعة عن قاعدة: «المشقة تجلب التيسير».
المطلب الأول: قاعدة الضرورات تبيح المحظورات». المطلب الثاني: قاعدة: «الضرورة تقدر بقدرها. أو ما أبيح للضرورة يقدر بقدرها».
المطلب الثالث: قاعدة: «ما جاز لعذر بطل بزواله». المطلب الرابع: قاعدة: «الحاجة تنزل منزلة الضرورة عامة كانت أو خاصة».
المطلب الخامس: قاعدة الاضطرار لا يبطل حق الغير». المطلب السادس: قاعدة: «إذا تعذر الأصل يصار إلى البدل».
المطلب السابع: قاعدة الميسور لا يسقط بالمعسور».
ونشرع بإذن الله في تفصيل ذلك فيما يأتي. (2/195)
صفحة 713
196
القواعد الفقهية عند الإباضية
الفصل الثالث
القاعدة الكلية الكبرى الثالثة
المشقة تجلب التيسير
وما تفرع عنها
قاعدة: المشقة تجلب التيسير من أهم القواعد الفقهية وأكثرها فروعاً، وأوسعها وأشملها لأبواب الفقه، ولأجل ذلك، وسوف نتناول دراستها من حيث حقيقتها، وتأصيلها الشرعي، وأنواع المشقات وضوابطها وأسباب التيسير وأنواعه ومجالاته، ثم نتعرض لفروع القاعدة وتطبيقاتها عند الإباضية، ونختم هذا الفصل بذكر بعض القواعد الفرعية المندرجة تحتها وبيان مدلولها والفروع المتخرجة عليها، وكل ذلك سيأتي مفصلاً في المباحث والمطالب التالية. (2/196)
صفحة 714
المبحث الأول
حقيقة القاعدة
يتناول هذا المبحث بيان أهمية هذه القاعدة: «المشقة تجلب التيسير» في الفقه الإسلامي ومكانتها عند الإباضية، وشرح مدلولها في اللغة والاصطلاح، أوجه المشقة عند الفقهاء، لتحديد المعنى الإجمالي للقاعدة، ويكون
وتوضيح
ذلك في المطالب التالية: (2/197)
صفحة 715
المطلب الأول
أهمية القاعدة ومكانتها عند الإباضية
الفقه
هذه القاعدة أصل عظيم من أصول الشرع ومعظم الرخص منبثقة عنها، وقد تواتر النقل عن العلماء في تعظيم قدرها وبيان منزلتها، وأجمعت عليها كتب القواعد الفقهية، وهي من الدعائم والأسس التي يقوم عليها صرح الإسلامي وأصوله، فهي قاعدة فقهية وأصولية عامة. وتمثل هذه القاعدة سماحة الشريعة ويسرها، فقد جعل الله تعالى الأحكام التي كلف بها الأمة المحمدية سهلة ميسرة، ومهما بدت أسباب المشقة، فإن الشارع يأتي بأحكام التخفيف والتيسير لرفع الحرج والمشقة عن المكلفين. قال الإمام الشاطبي مؤكداً هذه الحقيقة: إن الأدلة على رفع الحرج في الأمة بلغت مبلغ القطع). ومن تتبع الشريعة الغراء في أصولها وفروعها يجد ذلك واضحاً جلياً في العبادات والمعاملات والحقوق والقضاء والأحوال الشخصية، وغير ذلك مما يتصل بعلاقة الخلق بخالقهم، وعلاقة بعضهم ببعض بما يضمن سعادتهم في الدنيا والآخرة.
هذه
ومن هنا يتبين أن الشريعة الإسلامية السمحة تتوخى دائماً رفع الحرج عن الناس، وليس في أحكامها ما يجاوز قوى الإنسان الضعيفة. وانطلاقاً من هذا الأساس استنبط الفقهاء هذه القاعدة وجعلوها بمثابة نبراس يستضيئون به عند النوازل والوقائع ويعالجون على أساسها كثيراً من المسائل والقضايا المستجدة. قال ابن بركة في سياق كلامه عن أحكام
المرعوف المستحاضة مشيراً إلى هذه القاعدة: «والنظر يوجب عندي
(1) الشاطبي: الموافقات في أصول الأحكام 231/ 1
أن (2/198)
صفحة 716
الفصل الثالث: القاعدة الكلية الكبرى الثالثة
199
المرعوف ومن لا يرقأ دمه أن الجمع للصلاتين يجزيه قياساً على المستحاضة وهذا أشبه بأصول أصحابنا؛ لأن المستحاضة جاز لها الجمع بالمشقة وكان الجمع من الله لها تخفيفاً عليها ورخصة).
من خلال هذا النص يظهر مدى اعتماد الإباضية على هذه القاعدة في فروعهم الفقهية، ففى عبارة ابن بركة إشارة إلى قاعدة المشقة تجلب التيسير ولكن ينقصها الصقل والتدقيق؛ لأنها جاءت في بداية نشوء القواعد الفقهية ولأن ابن بركة ينتمي إلى ذلك العصر، ويلاحظ ذلك أيضاً عند الشماخي أما الذين صرحوا بالصيغة المعروفة منهم السالمي والبكري جاء في «الإيضاح ما يفيد اعتماد الإباضية في فروعهم على قاعدة: «المشقة تجلب التيسير»، فقد ذكر الشماخي في معرض حديثه عن الأسباب المبيحة للتيمم وليس للمكلف أن يحمل نفسه على حالة مخوفة ولا يعرضها لخطة متلفة، وقد يسر الله على عباده تخفيفاً، وكان بهم ولله الحمد لطيفاً» (2). ويقول في موضع آخر: وفي هذا دليل على إباحة التخفيف واليسر للأمة عند
وجود المشقة» (3).
ويشير الكدمي إلى قاعدة: المشقة تجلب «التيسير في باب الحيض فيقول: فإن قال قائل: فقد ساويتم بينهما إذ جعلتم الحيض عشرة أيام والطهر عشرة أيام. قلنا: جعلنا أقل الحيض ثلاثاً وأكثره عشراً، وجعلنا أقل الطهر عشرة أيام، فلم نساو بين الحيض والطهر، فإن ساوينا بينهما فللكلفة والمحنة التي تلزم في أيام الطهر في الاغتسال في الصلاة الذي تحدث فيه المشقة والعسر على المرأة في أمر دينها، وبصحة زوال العسر من دين الله - تبارك وتعالى ـ وللضيق والحرج).
(1) ابن بركة: جامع، 317/ 1 - 318. (2) الشماخي: المرجع السابق، 276/ 1. (3) الشماخي: الإيضاح، 276/ 1 - 277. (4) الكدمي: المعتبر، 62/ 3. (2/199)
صفحة 717
200
القواعد الفقهية عند الإباضية
أما الإمام السالمي فقد صرح بها في سياق كلامه عن أحكام القضاء فيقول: «و «المشقة تجلب التيسير»، وينبغي للقاضي أن يتحرز في أمره، فإذا أتاه آت بدون نوطيس ألان له القول وأظهر له العذر، وبين له أنه يستطيع الحكم دون نوطيس، وأنه لو استطاع لفعل حتى يكون ذلك أطيب لنفس الشاكي، ويعلم بعذره، وهذا فيه تخفيف للقاضي والمدعي).
كما اعتمد الشيخ بيوض على هذه القاعدة في فتاويه، فنجدها مجسدة في
جواباته، فيقول في باب الإحرام بالحج من الميقات: «وقد علمنا من سننه أنه يرفق بالمؤمنين ويخفف عنهم المشقة ما استطاع إلى ذلك سبيلا، وشهد الله له بذلك بقوله تبارك وتعالى: {عَزِيزُ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمُ (التوبة: 128)، وقد رَفَق بحجاج الآفاق فجعل مواقيتهم أقرب إلى مكة بكثير من ميقات أهل المدينة، ومن أولى من حجاج الآفاق بالرفق والتخفيف من المشقة من حجاج المغاربة، ومن مثلهم من حجاج البحر والجو من الأماكن البعيدة» (2).
ومن
خلال هذه النصوص المختلفة يتبن مدى اعتماد فقهاء الإباضية على هذه القاعدة الكلية في فروعهم الفقهية، تأكيداً على أهميتها ومكانتها في الفقه الإباضي، لأنهم يدركون أن التخفيف والتيسير ورفع المشقة من مقاصد الشارع في تشريع
الأحكام، ومراعاتهم لهذا المقصد يظهر أثره في كثير من فتاويهم وأجوبتهم. ولكي ندرك مكانة هذه القاعدة الجليلة وأبعادها في الفقه الإسلامي، ينبغي أن نشرح مدلولها لغة واصطلاحاً لتحديد حقيقتها، ونذكر أدلتها وضوابطها، لبيان مراد الفقهاء منها، ونبحث الأسباب الشرعية للتيسير، وبالنظر في تطبيقاتها تتضح معالمها وتبرز سماتها، وتتيسر معرفة نظائرها، والقواعد المتفرعة عنها أو المندرجة تحتها.
(1) السالمي: العقد الثمين، 334/ 4 - 335.
(2) بيوض إبراهيم: فتاوي الإمام الشيخ بيوض، 320/ 1. (2/200)
صفحة 718
المطلب الثاني تعريف القاعدة
1 - المشقة في اللغة:
المشقة في أصل اللغة التعب والجهد والعناء، والشدة والانكسار، يقال: شق عليه الشيء يشق شقاً ومشقة إذا أتبعه، ومنه قوله تعالى: وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَّمْ تَكُونُوا بَلِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنفُسِ} (النحل: 7). أي تعبها، وأصله من الشق ـ بالكسر وهو نصف الشيء، كأنه قد ذهب نصف أنفسكم حتى بلغتم الأمر المقصود؛ لأن الجهد ينقص من قوة الرجل ونفسه حتى يجعله قد ذهب بالنصف من قوته فيكون الكسر على أنه كالنصف (1). وكذلك الشق: الناحية والجانب (2). والشق ـ بالفتح ـ: الفصل في الشيء كالشق في الجبل، وهو أيضاً الصدع في عود أو حائط
(2)
6
أو زجاجة. والشقة ـ بالضم: السفر الطويل، والمسافة البعيدة كما في قوله تعالى: وَلَكِن بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ} (التوبة: 42). ويستعمل اللفظ في المحسوسات، أو المعنويات، فيقال شق عليه الأمر: أي صعب ويقال كذلك وهم في شق من العيش ـ بكسر الشين - إذا كانوا في صعوبة وجهد. ويبدو أن أكثر استعمالات هذا اللفظ تفيد معنى التخرق والتصدع، وفي کلام ابن فارس ما يفيد أن هذا المعنى هو الأصل في ـ الشين والقاف ـ، وأنّ سائر المعاني تحمل عليه، ومن الباب الشقاق، وهو الخلاف وتصدع الجماعة وقولهم: في يده أو رجله شقوق، وشق ناب الصبي أو البعير طلع. والشواق
(1) ابن فارس: معجم مقاييس اللغة، 3/ 170 – 171.
(2) ابن منظور لسان العرب 181/ 10 - 184. (2/201)
صفحة 719
202
القواعد الفقهية عند الإباضية
(1)
في الطلع، لأنها تشق الأكمام ()، ومن ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: «لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة» (2) قال ابن الأثير: يعني لولا أن أثقل على
المشقة
أمتي، من وهي
الشدة (3).
2 - المشقة في الاصطلاح
أما مفهوم المشقة في الاصطلاح فقد حدد الشاطبي معناه وبين أنها على وجوه نذكرها، ملخصة، لأهميتها ومناسبتها لما نحن في صدد الحديث عنه فيقول: «وإذا أطلق معنى المشقة من غير نظر إلى الوضع اللغوي اقتضى ذلك أربعة أوجه. الوجه الأول: أن يكون معنى المشقة عاماً في المقدور عليه وغيره، فتكليف ما لا يطاق يسمى مشقة؛ لأن المكلف لو حاول فعل ما لا يطاق فإنه سيوقع نفسه في عناء وتعب لا جدوى منهما، كالمقعد إذا تكلف القيام والإنسان إذا تكلف الطيران فى الهواء، وكذلك المقدور عليه إذا انضاف إليه من المشاق ما يخرجه عن حيّز الاستطاعة إلى حيز المشقة العظيمة غير المحتملة التي لا يأتي الشارع بمثلها، كالأمر بالوصال (4) في الصيام، وإيجاب الحج كل (). وهذا الوجه لا يحصل التكليف به، ولا يقصده الشارع).
عام)
(1) ابن فارس: المصدر نفسه.
(2) رواه البخاري كتاب الجمعة، باب السواك يوم الجمعة، رقم 847، ومسلم، كتاب الطهارة، باب السواك، رقم 252، عن أبي هريرة بلفظ: الناس، والمؤمنين، بدل: أمتي. حديث صحيح متفق عليه من حديث أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة، ورواه البخاري من حديث مالك، ومسلم من حديث ابن عيينة، وفي الباب روايات وطرق أخرى (ينظر: تلخيص الحبير لابن حجر 62/ 1). (3) ابن الأثير: النهاية في غريب الحديث 491/ 2.
(4) الوصال: هو أن لا يفطر يومين أو أياماً، فيصل الصوم بالصوم دون فطر بينهما. ينظر: ابن الأثير: النهاية في غريب الحديث، 193/ 5.
(5) الشاطبي: الموافقات، 2/ 119 - 120. (6) المصدر نفسه، 121/ 2. (2/202)
صفحة 720
203
الفصل الثالث: القاعدة الكلية الكبرى الثالثة
الوجه الثاني: أن يكون معنى المشقة خاصاً بالمقدور عليه، إلا أنه خارج عن المعتاد في الأعمال العادية، بحيث يشوّش على النفوس في تصرفها ويقلقها في القيام بما فيه تلك المشقة، وهذا الوجه على ضربين: أ - أن تكون المشقة موجودة فى نفس الفعل المكلف به، بحيث لو وقع ـ الفعل مرة واحدة لوجدت المشقة فيه كالصوم في المرض وفي السفر، وإتمام الصلاة في السفر، وما أشبه ذلك، فهنا المشقة ناشئة عن نفس المكلف به في مثل هذه الحال، وهذا هو الموضع الذي وضعت له الرخص المشهورة في اصطلاح الفقهاء.
ب ـ أن لا تكون المشقة موجودة في الفعل مجرداً، ولكنها تنشأ من صفة أداء المكلف للفعل كالمداومة عليه أو إضافة أعمال أخرى إليه ويوجد هذا في النوافل خاصة؛ لأن الفرائض محدودة، ولا مجال للاجتهاد فيها، إذا تحمل الإنسان منها فوق ما يحمله عادة، إلا أنه في الدوام يتعبه، كما هو الحال في الوصال في الصوم، وقيام الليل كله أبداً، والصيام مع الوقوف في الشمس قصداً.
وهذا قد نهى الشارع عنه كما نهى عن الوصال)، والتنطع، والتكلف، وأمر المكلفين بالرفق على أنفسهم وأن يأخذوا من الأعمال ما لا يحصل لهم معه ملل، إذ قال: «خذوا من الأعمال ما تطيقون فإنه الله لا يمل حتى
(1) النهي عن الوصال جاء في حديث عبد الله بن عمر عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم: نهى عن الوصال، فقالوا: إنك تواصل، قال: «إني لست كهيئتكم إني أطعم وأسقى» متفق عليه واللفظ لمسلم أخرجه في كتاب الصيام باب النهي عن الوصال في الصوم (774/ 2). وأخرجه البخاري في كتاب الصوم باب بركة السحور من غير إيجاب ... (139/ 4) مع الفتح. (2) جاء في ذم التنطع في حديث عبد الله بن مسعود ه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هلك المتنطعون قالها ثلاثاً أخرجه مسلم في كتاب العلم، باب هلك المتنطعون
(2055/ 4) (2/203)
صفحة 721
204
القواعد الفقهية عند الإباضية
تملوا)، وقال: «القصد القصد تبلغوا)، « ... فهذه مشقة ناشئة من مجموع
الأعمال» (3).
وهذا الوجه قصد الشارع التكليف به ولم يقصد منه المشقة والعنت على المكلف (4).
الوجه الثالث: أن يكون معنى المشقة خاصاً بالمقدور عليه، وليس فيه من التأثير في تعب النفس خروج عن المعتاد في الأعمال العادية، ولأن نفس التكليف به يعتبر زيادة على ما جرت به العادات قبل التكليف، شاق على النفس إذا ما قورن بعدمه، ولذلك أطلق عليه لفظ التكليف، فمثل هذا يسمى مشقة بهذا الاعتبار؛ لأنه إلقاء بالمقاليد، ودخول في أعمال زائدة على ما اقتضته الحياة الدنيا).
وهذا الوجه قد قصد الشارع إلى التكليف به مع ما فيه من كلفة ومشقة، ولكن هذه الكلفة والمشقة لا تسمى في العادة المستمرة مشقة، كما لا يسمى طلب المعاش بالحرفة والصناعة مشقة؛ لأن هذا من الممكن المعتاد الذي لا تمنع مشقته القيام به، بل إن أهل العقول وأرباب العادات يعدون المنقطع عنه كسلان، ويذمونه بتركه، وكذلك التكليف المعتاد).
(1) متفق عليه، رواه البخاري أبواب التهجد، باب ما يكره من التشديد في العبادة، رقم عائشة أم المؤمنين عائشة لا لا واللفظ للبخاري، وأخرجه في كتاب اللباس، باب الجلوس على الحصير ونحوه (314/ 10) مع الفتح. وأخرجه مسلم، كتاب صلاة المسافرين، باب فضيلة العمل الدائم، رقم 782، 540/ 1، وفي كتاب الصيام، باب صيام النبي صلى الله عليه وسلم في غير رمضان. (811/ 2). (2) أخرجه البخاري من حديث أبي هريرة في كتاب الرقاق باب القصد والمداومة على
العمل (294/ 11) مع الفتح.
(3) الشاطبي: الموافقات، (120/ 2).
(4) المرجع نفسه.
(5) الشاطبي: الموافقات، 121/ 2.
(6) الشاطبي: المصدر، 123/ 2. (2/204)
صفحة 722
الفصل الثالث: القاعدة الكلية الكبرى الثالثة
205
مع
من
والحد الفاصل بين المشقة التي لا تعد مشقة عادة، والتي تعد مشقة أنه: إن كان العمل يؤدي الدوام عليه إلى الانقطاع عنه أو عن بعضه أو إلى وقوع خلل في صاحبه في نفسه أو ماله أو حال من أحواله، فالمشقة هنا خارجة عن المعتاد، وإن لم يكن ذلك فيها شيء من الغالب، فلا يعد في العادة مشقة، وإن سميت كلفة). الوجه الرابع: أن يكون معنى المشقة خاصاً، بما يلزمه المكلف بالمقارنة حاله قبل التزامه فإن التكليف إخراج للمكلف عن هوى نفسه، ومخالفة الهوى شاقة على صاحب الهوى مطلقاً، ويلحق الإنسان بسببها تعب وعناء، وذلك معلوم في العادات الجارية في الخلق (). وإذا علم أن الشارع إنما قصد بوضع الشريعة إخراج المكلف عن اتباع هواه حتى يكون عبداً الله، فلا تكون مخالفة الهوى حينئذ من المشقات المعتبرة في التكليف، وان كانت شاقة في مجاري العادات، إذا لو كانت معتبرة حتى يشرع التخفيف لأجل ذلك، لكان ذلك نقضاً لما وضعت الشريعة له وذلك باطل (3).
- التيسير في اللغة
التيسير في اللغة من اليسر وهو من السهولة والليونة واليسر ضد العسر، وتيسر واستيسر سهل ويشره سهله، يقال: يسر الأمر إذا سهل (4) ولان، ومادة الكلمة (الباء والسين والراء) أصلان كما قال ابن فارس. يدل أحدهما على انفتاح شيء وخفته، والآخر على عضو من الأعضاء، فالأول اليسر ضد العسر (5).
(1) المصدر نفسه، 123/ 2.
(2) نفسه: 121/ 2.
(3) نفسه: 153/ 2.
(4) الفيروزآبادي: القاموس المحيط، ص 643. ـ ابن منظور، لسان العرب، 181/ 10 - 184.
قلعة
جي
وقنيبي، معجم
لغة الفقهاء، ص
152
(5) ابن فارس: معجم مقاييس اللغة، 155/ 6 - 156. (2/205)
صفحة 723
206
القواعد الفقهية عند الإباضية
4 - التيسير في الاصطلاح
(4)
حالة
وأما مدلول التيسير في الاصطلاح هو ما يقدر عليه الإنسان في السعة والسهولة، لا في حال الضيق والشدّة). وعدم القدرة ليس هو المقياس والضابط للعسر الشرعي)، وفي الحديث: «إن الدين يسر». أي سهل سمح قليل التشدد. يقول القاسمي (4) عند تفسير قوله تعالى: {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} (البقرة: 185). واليسر هو عمل لا يجهد النفس ولا يثقل الجسم). ويكون اليسر في الخير والشر، كما في قوله تعالى: فسنيسره لِلْيُسْرَى (الليل: 7). وهذا في الخير، وفي قوله: {فَسَنُيَسِرُهُ لِلْعُسْرَى (الليل: 10). وهذا في الشر).
(1) الرازي فخر الدين: مفاتيح الغيب، 79/ 14.
(2) عمر عبد الله كامل الرخصة الشرعية في الأصول والقواعد الفقهية، ص 240. (3) رواه البخاري، كتاب الإيمان، باب الدين يسر، رقم 39، عن أبي هريرة. (4) جمال الدين القاسمي (أو محمد جمال الدين بن محمد سعيد بن قاسم الحلاق، (1283 - 1332 هـ / 1866 10 - (1914 م): إمام الشام في عصره، علماً بالدين، وتضلعاً من فنون الأدب. كان سلفي العقيدة لا يقول بالتقليد اتهم بتأسيس مذهب جديد في الدين، سموه (المذهب الجمالي فقبضت عليه الحكومة (سنة 1313 هـ) وسألته، فرد التهمة فأخلي سبيله، واعتذر إليه والي دمشق، فانقطع في منزله للتصنيف وإلقاء الدروس الخاصة والعامة، في التفسير وعلوم الشريعة الإسلامية والأدب، نشر بحوثاً كثيرة في المجلات والصحف. من مؤلفاته الفتوى في الإسلام - ط. وموعظة المؤمنين ـ ط، اختصر به إحياء علوم الدين للغزالي. وتنبيه الطالب إلى معرفة الفرض والواجب ـ ط. وقواعد التحديث من فنون مصطلح الحديث - ط. ومحاسن التأويل ـ ط، في 17 مجلداً
في تفسير القرآن الكريم.
(5) القاسمي: محاسن التأويل، 427/ 3.
(6) ابن منظور لسان العرب، 5/ 295 - 297. (2/206)
صفحة 724
الفصل الثالث: القاعدة الكلية الكبرى الثالثة
207
- المعنى الإجمالي للقاعدة
والمعنى الإجمالي للقاعدة أن الصعوبة تصبح سبباً للتسهيل والتخفيف على المكلف أي أن المشقة سبب للتيسير والتخفيف في الأحكام الشرعية، والمقصود بجلب المشقة للتيسير أنها تصير سبباً فيه؛ فالصعوبة والعناء التي يجدها المكلف في تنفيذ الحكم الشرعي تصير سبباً شرعياً صحيحاً للتسهيل والتخفيف عنه بوجه ما (1).
وقريباً من هذا المعنى يقول البورنو: «إن الأحكام التي ينشأ عن تطبيقها حرج على المكلف ومشقة في نفسه أو ماله، فالشريعة تخففها بما يقع تحت قدرة المكلف دون عسر أو إحراج» (2).
(1) سليم رستم باز: شرح مجلة الأحكام العدلية، ص 27، وما جاء في كلامه جاء في نص المادة (17) من المجلة حيث نصت على أن المشقة تجلب التيسير» يعني الصعوبة تصير سبباً للتسهيل، ويلزم التوسيع في الوقت الضيق يتفرع على هذا الأصل كثير من الأحكام الفقهية كالقرض والحوالة والحجر وغير ذلك، وما جوّزه الفقهاء من الرخص والتخفيفات في الأحكام الشرعية هو من هذه القاعدة، وينظر أيضاً شرح المادة (17) في شرح المجلة للأتاسي. (2) البورنو محمد صدقي: الوجيز في إيضاح قواعد الفقه الكلية، ص 218. (2/207)
صفحة 725
المبحث الثاني
أنواع المشاق وضوابطها
بعد أن بينا معنى المشقة والتيسير في المبحث السابق يتبادر سؤال عن ماهية المشقة المعتبرة في جلب التيسير، هل كل مشقة معتبرة في جلب التيسير؟ وما ضابط هذه المشقة؟ وما ضابط التيسير المعتبر في هذه القاعدة؟ وللجواب عن هذه الأسئلة نقول: إن كل التكاليف لا يمكن أن تنفصل عن نوع ما من المشقة، فالصلاة والصيام والحج، والوضوء في أيام البرد الشديد والجهاد وغزو الكفار، كل ذلك وغيرها من التكاليف فيها مشقة، بل إن التكليف ما سُمي بهذا إلا لأنه طلب ما فيه كلفة ومشقة فلا يخلو من التكاليف المشقة. عن
فمن هنا وجب التمييز بين المشقة التي شرعت الرخص إلى جانبها، وهي المشقة غير المعتادة، والمشقة المعتادة التي لا تكاد تنفصل عن أي تكليف وعلى هذا فيكون هنا نوعان من المشقة سنبينهما بشيء من التفصيل:
النوع الأول: المشقة المعتادة:
سمى الشارع الأعمال المطلوب من العباد فعلها بالتكاليف، والتكليف لغة: هو ما فيه مشقة، وكما يقول الشاطبي: «لو لم يكن فيه إلا مخالفة الهوى
لكان كافياً» (1).
(1) الشاطبي: الموافقات، 112/ 2. (2/209)
صفحة 726
210
القواعد الفقهية عند الإباضية
وهذا النوع من المشقة لا تنفك عنها العبادة غالباً ويستلزمها أداء الواجبات والقيام بالمساعي التي تقتضيها الحياة الصالحة، كما لا يمكن انفكاك التكاليف المشروعية عنها؛ لأن كل واجب لا يخلو عن مشقة، كمشقة الوضوء والغسل في شدة البرد، وكمشقة صلاة الفجر في هجر المضجع، وكمشقة الصوم في شدة الحر وطول النهار، وكالمشقة الحاصلة في السفر التي لا يخلو منها الحج والجهاد غالباً، فلا بد منها لأداء هاتين الفريضتين، فلا تبيح ترك الحج والجهاد لمجرد مشقة السفر، وكالألم الحاصل للمقام عليه الحد، كحد الجلد والرجم والقطع، فإنه يحصل للجناة من سرقة وزني وقذف، ولا سيما في حق الآباء والأمهات والبنين والبنات وقتال البغاة في حال الصحة والقدرة مشقة وألم عظيم، ولا يسقط ذلك الحد عنهم لعدم إمكان انفكاكهم عنها (1)، فهذه مشقة عظيمة ولكنها غير معتبرة في نظر الشارع، قال تعالى: {وَلَا تَأْخُذَكُم بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ
الآخر (النور: (2)، وقال: لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها (2). وكمشقة الاجتهاد في طلب العلم والرحلة فيه، ومشقة العمل لاكتساب المعيشة، فكل هذه التكاليف والواجبات نوع مشقة تستلزمها طبيعته، وتختلف بحسبه درجتها، فهذه لا أثر لها في إسقاط العبادات ولا في إسقاط العقوبات ولا في تخفيفها في كل الأوقات، ولا مانع منها؛ لأنها لو أثرت لفاتت مصالح العبادات والطاعات في جميع الأوقات، أو في غالب الأوقات، ولفاتت الحكمة من مشروعية العقوبات وهذا الضرب من المشقة يعبر عنه بالمشقة الطبيعية في الحدود العادية.
(1) الشاطبي: المصدر نفسه، ص 87 وما بعدها. ـ السيوطي، الأشباه والنظائر، الراشدي، جواهر القواعد، ص 128. - العز بن عبد السلام، قواعد الأحكام، 107/ 2. (2) متفق عليه، رواه البخاري - كتاب أحاديث الأنبياء باب حديث الغار - حديث: 3306 عن عائشة. وفي ـ كتاب المغازي باب - حديث: 4064. عن عروة بن الزبير. ورواه مسلم ـ
كتاب الحدود، باب قطع السارق الشريف وغيره - حديث: 3282. عن عروة عن
عائشة. (2/210)
صفحة 727
الفصل الثالث: القاعدة الكلية الكبرى الثالثة
211
جميع
والحاصل أن هذه المشقة لا تنافي التكليف ولا توجب التخفيف؛ لأن التخفيف فيه عندئذ إهمال وتفريط (1). يقول العز بن عبد السلام عن هذا النوع من المشقة: فهذه المشاق كلها لا أثر لها في إسقاط العبادات والطاعات في الأوقات، أو في غالب الأوقات، ولفات ما رتب عليها من المثوبات الباقيات ما دامت الأرض والسماوات» (2). وذكر الشاطبي أن غزوة تبوك وما صاحبها من متاعب في الحرّ، وبعد المسافة، وترك الأهل والأحباب، لا تخرج عن حدود المشقة المعتادة (3)، وزاد ابن القيم تأكيداً لهذا المعنى في عبارة بليغة فقال: «إن كانت المشقة مشقة تعب فمصالح الدنيا والآخرة كلها منوطة بالتعب، ولا راحة لمن لا تعب له، بل على قدر التعب تكون الراحة» (4).
النوع الثاني: المشقة غير المعتادة وهي مشقة تنفك عنها العبادات؛ لأنها مشقة غير مألوفة أو غير معتادة كما سماها العلماء، ونعني بهذا المصطلح المشقة الزائدة عن الطاقة التي لا يستطيع أن يتحملها الإنسان، فتفسد على الناس أعمالهم ونظام حياتهم، ومعاملاتهم، وتعوقهم عن القيام بأعباء الحياة ومنافعها، فمن هنا شرعت التخفيفات والتيسيرات بجانب هذه الأنواع من المشقات، ووقوع هذه التكاليف يضاد ـ كما ذكرنا سابقاً ـ قصد الشارع من التيسير على العباد؛ لأن هذا النوع من المشقة يؤدي إلى عدم إمكانية الاستمرار في العمل، أو يتعب في العمل كما ينبغي فيحدث فيه خلل).
(1) البورنو الوجيز، ص 224. - السدلان قاعدة المشقة، ص 229. (2) العز بن عبد السلام: قواعد الأحكام، 7/ 2.
(3) الشاطبي: الموافقات، 122/ 20.
(4) ابن القيم: إعلام الموقعين، 112/ 2.
(5) الزيباري عامر: التحرير في شرح قاعدة المشقة، ص 49 - 52.
أداء (2/211)
صفحة 728
212
القواعد الفقهية عند الإباضية
وقد بيَّن الشاطبي الحكمة من عدم التكليف بالمشاق وعبّر عنها بقوله: اعلم أن الحرج والمشقة مرفوع على المكلفين لوجهين:
أحدهما: خوف الانقطاع من الطريق، وبغض العبادة، وكراهية التكليف، وينتظم تحت هذا المعنى الخوف من إدخال الفساد على المكلف في جسمه، أو عقله، أو ماله أو حاله؛ وذلك لأن الله وضع هذه الشريعة حنيفة سمحة سهلة، حفظ فيها على الناس مصالحهم، ومن هنا فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كما ورد في الصحيحين: «خذوا من الأعمال ما تطيقون فإن الله لا يمل حتى
تملوا» (1).
الثاني خوف التقصير عند مزاحمة الوظائف المتعلقة بالعبد المختلفة الأنواع مثل: قيامه على أهله وولده إلى تكاليف أخر تأتي في الطريق، فربما كان التوغل في بعض الأعمال شاغلاً عنها، وقاطعاً بالمكلف دونها، وربما أراد الحمل للطرفين على المبالغة في الاستقصاء، فانقطع عنهما (2). وقد قسم العلماء المشقة غير المعتادة التي لا تنفك عنها العبادات إلى ثلاث مراتب (3).
الأولى: مشقة عظيمة فادحة تتجاوز الحدود العادية والطاقة البشرية السوية، كما إذا كان العمل يؤدي الدوام عليه إلى الانقطاع عنه أو عن بعضه، أو يؤدي إلى خلل في صاحبه في نفسه أو ماله، كمشقة الخوف على النفوس والأطراف ومنافع الأعضاء، فالمشقة هنا خارجة عن المعتاد وموجبة للتخفيف والترخيص قطعاً؛ لأن حفظ النفوس والأطراف لإقامة مصالح الدين أولى من تعريضها للفوات في عبادة أو عبادات ثم تفوت أمثالها، فهذه المشقة هي
،1100
(1) متفق عليه، رواه البخاري أبواب التهجد، باب ما يكره من التشديد في العبادة، رقم ومسلم، کتاب صلاة المسافرين باب فضيلة العمل الدائم، رقم 782، 540/ 1، عن عائشة. (2) الشاطبي: الموافقات، 136/ 2. (3) العز بن عبد السلام: قواعد الأحكام، 12/ 2. - القرافي: الفروق، 119/ 1. (2/212)
صفحة 729
الفصل الثالث: القاعدة الكلية الكبرى الثالثة
213
المنفية بالنصوص، والداعية إلى الترخيص والتخفيف بمقتضى القاعدة التي معنا: «المشقة تجلب التيسير».
مكاناً
يؤويه،
ومن أمثلتها الخوف من الاغتسال للجنابة من شدة البرد، بأن لا يجد ولا ثوباً يتدفأ به، ولا ماء مسخناً، ولا حماماً، فيجوز له التيمم. وكذا إذا كان طريق الحج غير آمن، ولم يجد للحج إلا طريقاً من البحر، وكان الغالب عدم السلامة، فلا يجب الحج على من يمر:
الطريق (1).
بذلك
الثانية: مشقة خفيفة كأدنى وجع في أصبع، أو أدنى صداع في الرأس، أو سوء مزاج خفيف، فهذه وأمثالها لا التفات إليه ولا اعتبار له في الترخيص؛ لأن تحصيل مصلحة العبادات أولى من دفع مثل هذه المشقة الخفيفة التي لا أثر لها، في التخفيف والتيسير.
الثالثة مشقة واقعة بين هاتين المشقتين مختلفة في الخفة والشدة وضابطها أنها إن اقتربت من المشقة العظيمة ألحقت بها وأوجبت التخفيف، كمريض في رمضان يخاف من الصوم زيادة مرض أو بطء البرء أو تأخيره، فيجوز له الفطر إذا غلب على ظنه ذلك، وكذلك في المرض المبيح للتيمم. أما إذا اقتربت من المشقة الخفيفة فلا توجب التخفيف، وذلك كحمى خفيفة، أو وجع ضرس يسير (2)، واعتبروا في الحج الزاد والراحلة المناسبين للشخص، حتى قالوا يعتبر في حق إنسان ما يصح معه بدنه.
وفي
حالة
عدم
التمكن من إلحاقها بإحدى المرتبتين يحصله التوقف،
وربما حصل الاختلاف بين العلماء وبين المكلفين، لأن مقياس اعتبارها ملحقة بالنوع الأول أو الثاني، هو قناعة المكلف نفسه، وهو أمر ظني.
(1) ابن نجيم: الأشباه والنظائر، ص 82 - الراشدي جواهر القواعد، ص 128. ـ البورنو:
الوجيز، ص 225.
(2) الراشدي: المرجع نفسه، ص 128. - السيوطي: الأشباه والنظائر، ص 111. (2/213)
صفحة 730
214
القواعد الفقهية عند الإباضية
ضوابط المشقة المعتبرة في الشرع:
وضع العلماء عدة ضوابط لضبط المشقة غير المعتادة المعتبرة شرعاً في
مجال العبادات والمعاملات ومن ذلك: 1 ـ أن تضبط مشقة كل عبادة بأدنى المشاق المعتبرة في تلك العبادة، فإن كانت مثلها أو أزيد منها ثبتت الرخصة بها وإلا فلا فالأمراض التي هي في مشقة إصابة الرأس بالقُمل، في الأذى تلحق بها فتبيح الحلق للمخرم إذا أصيب بها. 2 ـ أنه كلما اشتد اهتمام الشارع بتكليف أو بأمر من الأمور، اشترط في تخفيفه أو الترخيص فيه مشاق شديدة، أما إذا كان الاهتمام بالتكليف أقل، فإنه يخفف ويرخص بالمشاق الخفيفة فيطلب في العبادات مشاق متشددة، بخلاف ما يطلب في المعاملات؛ لأن اهتمام الشارع بالعبادات أكثر من المعاملات، ولأن في العبادات مصالح الدين والدنيا، فلا ينبغي إهمال العبادة بالمشقة مع إمكانية احتمالها، ولأجل ذلك، فقد ورد في الحديث عن عائشة لنا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لها: «أجرك على قدر نَصبِك» (1).
مثاله في العبادات ترخيص الشرع في الصلاة التي هي من أفضل الأعمال، تقام مع الجنب الذي سبق الاحتراز منه، ومع الحدث في حق المتيمم والمستحاضة.
ومثاله في المعاملات الغرر في البيوع، فمنه ما يعسر اجتنابه، كبيع الفستق والبندق والرمان والبطيخ في قشورها، فيعفى عنه، ومنه ما لا يعسر اجتنابه فلا يعفى عنه، ومنه ما يقع بين المرتبتين كبيع الجوز الأخضر في قشرته، فيه غرر كسر، ولا يعفى عنه، وتارة يخف العسر فيه لمسيس الحاجة إلى بيعه، فيكون الأصح جوازه، كبيع الباقلاء الأخضر في قشرته (2).
(1) متفق عليه، رواه البخاري، أبواب العمرة، باب أجر العمرة على قدر النصب، رقم 1695 ومسلم، کتاب الحج، باب بيان بوجوه الإحرام، رقم 1211، عن عائشة. (2) العز بن عبد السلام نفسه. (2/214)
صفحة 731
الفصل الثالث: القاعدة الكلية الكبرى الثالثة
215
ويطلب في النواهي مشاق مشددة بخلاف ما يطلب من الأوامر؛ وذلك لأن اهتمام الشارع بالنواهي أشد اهتمامه بالأوامر لقوله صلى الله عليه وسلم: «دعوني ما تركتكم، إنما هلك من كان قبلكم بسؤالهم واختلافهم على أنبيائهم، فإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه، وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم. فالنواهي يبتعد عنها بإطلاق، والأوامر تفعل بقدر الحاجة والطاقة البشرية. - أنه يراعى في المقاصد أكثر ما يراعى في الوسائل، فينظر إلى الفعل المطلوب من المكلف، هل هو مقصود في ذاته كالصلاة، أو هو وسيلة إلى غيره كالوضوء من أجل الصلاة، فالمقصود في ذاته يتطلب وجود مشاق أخف، ولهذا قرر السيوطي القاعدة الفقهية «يغفر في الوسائل ما لا يغفر في
المقاصد» (2).
وقد حاول بعض العلماء وضع مقياس يساعد في تحديد هذه الدرجة وتقوم على أساسه، وهو قناعة الإنسان المكلف ذاته، فما دنا من النوع الأول أوجب التخفيف، فإن رأى حرجاً واطمأن لذلك قلبه ألحقها بما هو موجب للتخفيف والترخيص، وما دنا من النوع الثاني فيجعلها بالدرجة الثانية، حيث لا يترتب عليها تسهيل وتخفيف. قال العز بن عبد السلام: «الأولى في ضبط مشاق العبادات: أن تضبط مشقة كل عبادة بأدنى المشاق المعتبرة في تلك العبادة، فإن كانت مثلها أو أزيد منها ثبتت الرخصة بها، ولن يعلم التماثل إلا بالزيادة؛ إذ ليس في قدرة البشر
(1) رواه البخاري، كتاب الاعتصام بالكتاب والسُّنَّة باب الاقتداء بسنن رسول الله صلى الله عليه وسلم - حديث: 6879، 8/ 142. وفي مسلم ـ كتاب الفضائل باب توقيره صلى الله عليه وسلم - حديث: 4452. وفي ابن حبان ـ ذكر البيان بأن النواهي سبيلها الحتم حديث: 20. عن أبي هريرة. وأخرجه الربيع في المسند، كتاب الحج، باب في فرض الحج، رقم 394. عن أنس بن مالك، 2/ 105 – 106.
مع
اختلاف في اللفظ.
(2) السيوطي: الأشباه والنظائر، ص 158. (2/215)
صفحة 732
216
القواعد الفقهية عند الإباضية
الوقوف على تساوي المشاق فإذا زادت إحدى المشقتين على الأخرى، علمنا أنهما قد استويتا فيما اشتملت عليه المشقة الدنيا منهما، وكان ثبوت التخفيف والترخيص بسبب الزيادة مثال ذلك:
إن التأذي بالقمل مبيح للحلق في حق الناسك، فينبغي أن يعتبر تأذيه بالأمراض بمثل مشقة القمل، وكذلك سائر المشاق المبيحة للبس والطيب وغير ذلك من المحظورات (1).
(1) العز بن عبد السلام قواعد الأحكام، 12/ 2 - 63. (2/216)
صفحة 733
المبحث الثالث
تأصيل قاعدة: «المشقة تجلب التيسير»
تبث أصل هذه القاعدة بأدلة كثيرة من القرآن الكريم والسنة المطهرة والإجماع الدال على عدم التكليف بالشاق من الأعمال، ومن عمومات الشريعة النافية للحرج، ومشروعية الرخص، ومن العقل، وكل هذه الأدلة تؤكد أن الشارع لم يقصد إلى التكليف بالشاق والإعنات فيه، وتبين أن أصل الشريعة مبني على السماحة واليسر دون الإعنات والعسر. وقد استدل الإباضية لهذه
القاعدة بأدلة كثيرة من ذلك
أولاً من القرآن الكريم
1 - قال تعالى: {يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} (البقرة: 185). قال الراشدي: «أي: في دينه وما يشرعه لكم). وقال الوارجلاني: «وأن أهل التفسير نظروا إلى أنفاس الشريعة، فرأوها تميل إلى أحد الجانبين، وهو اليسر دون العسر» (2) والمعنى أن الله تعالى أراد بكم اليسر ولم يرد بكم العسر فيما شرعه لكم من الرخص للصيام، واليسر هو عمل لا يجهد النفس ولا يثقل الجسم، والعسر هو ما يجهد النفس ويضر الجسم. والجملة وإن كانت واردة في شأن رخصة الصيام، إلا أنها أعم من ذلك،
(1) الراشدي سفيان جواهر القواعد، ص 105.
(2) الوارجلاني: جواب الأبدلاني، ص 223 (2/217)
صفحة 734
218
القواعد الفقهية عند الإباضية
عملاً
بعموم
اللفظ كما تقدم من بيان الراشدي، وأما ما روي عن علي وابن عباس ومجاهد والضحاك من أن اليسر هو الفطر في السفر، والعسر هو الصوم
فيه، فهو تفسير محمول على التمثيل بفرد من أفراد العموم ووجه الدلالة في الآية بين لأن أي تكليف بما فيه حرج، حينئذ يكون
تكذيباً لما أخبر الله تعالى به وهو باطل (2). 2 - وقوله تعالى: {يُرِيدُ اللَّهُ أَن يُخَفِّفَ عَنكُمْ وَخُلِقَ الْإِنسَنُ ضَعِيفًا) (النساء: 28). وهذه الآية جاءت مع غيرها في أثر إباحة نكاح أثر إباحة نكاح الأمة عند عدم طول الحرة، ومن أجل ذلك ذهب بعض العلماء إلى أن المراد من التخفيف هو: إباحة نكاح الإماء عند الضرورة، كما هو المروي عن مجاهد ومقاتل.
ولكن أغلب العلماء على أن ذلك عام في كل أحكام الشرع، وفي جميع ما يسره الشارع لنا وسهله (3). يقول ابن بركة بعد أن ذكر جملة من الأحكام التي رخص فيها الشارع وجميع ذلك يؤول إلى معنى واحد بين، أن الدين قد يسره الله على عباده، ولم يكلفهم ما يعجزون عنه تبارك وتعالى، بل كلفهم ما في وسع إصابته والجروح، وقدرهم فعله وإضعاف فعله، ولكنه رحيم بخلقه، متفضل على عباده، وقد قال الله: يُرِيدُ اللَّهُ أَن يُخَفِّفَ عَنكُمْ وَخُلِقَ الإِنسَنُ ضَعِيفًا) (النساء: 28). وأضعف الناس عندي من ضعف عقله، وساء اختياره لنفسه، وتعاطى ما لا يبلغه وإلزامه نفسه غير ما وضعه الله عليه، وأسقط عنه فعله، واحتاج إلى تحديد توبة، لتقدمه بين يدي ربه في ما لم يأذن له به ... ولا شك أن قوله تعالى: {وَخُلِقَ الْإِنسَنُ ضَعِيفًا} (النساء: 28).
(1) القاسمي: محاسن التأويل، 427/ 3. - وينظر أبو حيان البحر المحيط، 42/ 2. (2) الباحسين يعقوب قاعدة المشقة تجلب التيسير، ص 213. (3) الزمخشري: الكشاف 387/ 1. - الرازي فخر الدين: مفاتيح الغيب، 203/ 3. (4) ابن بركة البهلوي: كتاب التعارف، ص 40 - 41. (2/218)
صفحة 735
الفصل الثالث: القاعدة الكلية الكبرى الثالثة
219
يعزز ذلك ويقوّيه، فإخباره تعالى بضعف الإنسان يشعر بعدم احتماله التكاليف الشاقة بوصف عام لا في خصوص أفراد معينة.
ووجه الدلالة في الآية على رفع الحرج واضح؛ لأن التكليف بما فيه
الحرج يناقض إرادة التخفيف، ويكذب خبر الباري لاله، فيكون باطلا (1). 3 ـ ولرأفة الله بعباده ورحمته عليهم وحرصه عليهم أنزل الله تعالى قوله: لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُوكَ مِنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ} (التوبة: 128). فسر الوارجلاني معاني هذه الآية مبيناً صفات الرحمة في سيرة النبي الكريم. كما قرر ابن جعفر: «أن العالم العالم الذي يرخص للعباد في معصية الله، ولا يؤيسهم من رحمة الله» (3). 4 ـ ووردت آيات عديدة صرحت بنفي الحرج عن الأمة بلغت إحدى عشرة آية، سواء كانت عامة أو كانت بعد ذكر نوع من التكليف، أي بنفي ذلك عن قضايا جزئية، فمن ذلك قوله تعالى: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَج (الحج: 78)، أي: ضيق بأن سهله عند الضرورات كالقصر والتيمم، وأكل الميتة، والفطر للمريض والمسافر (ه). ووجه الدلالة في هذه الآية أن الله نفى الحرج عن الدين، وجاء به نكرة في سياق النفي، فتكون عامة، وقد أكد ذلك العموم بمن الزائدة التي تكسبه
(1) الباحسين يعقوب: المرجع نفسه، ص 214.
(2) الوارجلاني: جواب الأبدلاني، ص 223 (3) ابن جعفر: الجامع، 40/ 1.
(4) وردت هذه الآيات في سورة النساء آية: 65، والمائدة: آية: 6، والأنعام آية: 125، والأعراف آية: 2، والتوبة آية 91، والحج آية،78 والنور آية 61، والأحزاب آية: 37 و 38 و 50، والفتح آية: 17.
1.0
(5) الراشدي: جواهر القواعد، ص 105. وينظر: جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي:
تفسير الجلالين ص 450 تصرف. (2/219)
صفحة 736
220
القواعد الفقهية عند الإباضية
حرجي
قوة، وجاء بذلك على وجه الأخبار، فيكون أي تكليف مناقضاً لذلك ومكذباً لأخبار الله الله، وذلك باطل (1).
ويقول الشوكاني في تفسيره بعد أن ذكر أقوال العلماء في تفسير الحرج الذي رفعه الله عنا: «والظاهر أن الآية أعم من هذا كله، فقد حط سبحانه ما فيه مشقة من التكاليف على عباده إما بإسقاطها من الأصل، وعدم التكليف بها كما كلف به غيرهم أو بالتخفيف، وتجويز العدول إلى بدل لا مشقة فيه، أو بمشروعية التخلص عن الذنب بالوجه الذي شرعه الله، وما أنفع هذه الآية وأجل موقعها وأعظم فائدتها ... » (2). ه - واستدل الوارجلاني لهذه القاعدة بقوله تعالى: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ} (البقرة: (286). فهذه الآية تفيد النفي للتكليف بما ليس في الوسع، والوسع ما يسع الإنسان ولا يضيق عليه ولا يحرج فيه، والمعنى أن الله تعالى لا يكلف الإنسان إلا ما هو في حدود طاقته وفي ميسوره، لا ما يبلغ مدى الطاقة والمجهود.
وقيل: إن المراد تكليفهم بما يسهل عليهم من الأمور المقدور عليها مما
هي دون طاقته (3).
ووجه الدلالة فيها: أنها إخبار عن عدل الله تعالى ورحمته، فكل ما جاء مخالفاً لذلك يكون تكذيباً له له وهو باطل.
(1) الباحسين: قاعدة المشقة،
ص
(2) الشوكاني محمد بن علي فتح القدير، تصحيح سمير دار إحياء التراث العربي، بيروت لبنان، 504/ 3.
خالد
رجب، ط 1، 1418 هـ / 1998 م،
(3) الزمخشري: الكشاف، 254/ 1. - القرطبي أبو عبد الله، الجامع لأحكام القرآن،
429/ 3. - رشيد رضا، تفسير المنار، 3/ 145. (2/220)
صفحة 737
الفصل الثالث: القاعدة الكلية الكبرى الثالثة
221
وقال ابن حزم (ت: 456 هـ): كل فرض كلفه الله تعالى الإنسان، فإن قدر عليه لزمه، وإن عجز عن جميعه سقط عنه، وإن قوي على بعضه وعجز عن بعضه سقط عنه ما عجز عنه، ولزمه ما قدر عليه سواء أقله أو أكثره، برهان ذلك قول الله وعل: {لَا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} (البقرة: 286). وقول رسول: إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم (1) (2). صلى الله عليه وسلم
(«
6 ـ ومنه قوله تعالى: {وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَلَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ} (الأعراف: 157). والإصر في الآية الكريمة: هو العهد كما ذكر ذلك ابن جرير الطبري في تفسيره ومعنى الكلام أن الله رجل امتن على أمة الإسلام، بأن أرسل إليهم هذا النبي الأُمّي، والذي من خصائصه وضع العهد الذي كان الله قد أخذه على بني إسرائيل من إقامة التوراة، والعمل بما فيها من الأعمال الشديدة، كقطع الجلد من البول، وتحريم الغنائم،
وقتل النفس لقبول التوبة، كما في قوله عل: {وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ، يَقَومِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنفُسَكُم بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَى بَارِيكُمْ فَاقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِندَ بَارِيكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (البقرة: 54). فكانت توبتهم بقتل أنفسهم، وقد نسخ الله وعمل هذه الشدة بشريعته السمحاء، فجعل فيها التوبة بالإقلاع عن الذنب والندم والاستغفار، والعزم على عدم العودة (3).
(1) ما أورده جزء من حديث رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة له ونص البخاري عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «دعوني ما تركتكم فإنما أهلك من كان قبلكم سؤالكم واختلافهم على أنبيائهم، فإذا نهيتكم. عن شيء فاجتنبوه، وإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم». ينظر: صحيح البخاري بشرح فتح الباري لابن حجر، كتاب الاعتصام باب الإقتداء بسنن رسول الله، 251/ 3 وصحيح مسلم بشرح النووي باب فرض الحج مرة في العمر، 101/ 9
اختلاف مع
اللفظ. في
(2) ابن حزم المحلى، 68/ 1، 69.
(3) الطبري ابن جرير جامع البيان 85/ 9 - السالمي: طلعة الشمس، 228/ 2. (2/221)
صفحة 738
222
القواعد الفقهية عند الإباضية
ـ ومما يفيد النفي في مناسبات جزئية قوله تعالى: {وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرَّضَاعَةً وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ
بِالْمَعْرُوفِ لَا تُكَلِّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا لَا تُضَارَ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَن تَرَاضِ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا وَإِنْ اَرَدتُّمْ أَن تَسْتَرْضِعُوا أَوْلَدَكُمْ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُم مَّا عَالَيْتُم بِالْمَعْرُوفِ وَانَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} (البقرة: 233).
فهذه الآية الكريمة وردت بشأن إرضاع الوالدات أولادهن، وإنفاق الأزواج أصحاب الأولاد عليهن، كلُّ بما هو في طاقته وقدرته على وجه الاتساع، فلا يلحق الضرر بأي منهما قال الطبري (ت: 310 هـ): «لا يوجب الله على الرجال من نفقة من أرضع أولادهم من نسائهم البائنات منهم، إلا ما أطاقوه ووجدوا إليه السبيل). 8 - ومنها قوله تعالى: {وَلَا نَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا
(الأنعام: 152).
وهذه الآية الكريمة جاءت كذلك بشأن ما يمكن أن يصيب الإنسان من حرج، بعدم قدرته على الامتثال في ضبط الموازين والمكاييل، وما شابهها من الأمور بدقة، فبينت أن ذلك إنما يكون بما في وسع المكلف وقدرته، على أن المنفي في هذه الآيات وأمثالها، وإن كان وارداً في مناسبات جزئية، لا يمنع من أن يراد به العموم، وتعتبر هذه الجزئيات تأكيداً لمضمون الآيات السابقة
العامة (2).
(1) الطبري: المصدر نفسه، 45/ 5. (2) رشيد، رضا تفسير المنار، 1908. (2/222)
صفحة 739
الفصل الثالث: القاعدة الكلية الكبرى الثالثة
223
ثانياً: من السنة النبوية
أما الأدلة 1 - عن جابر بن عبد الله أن النبي الله قال: بعثت بالحنيفية السمحة)، والحنفية هي: المائلة عن الباطل إلى الحق، وأطلقت على ملة إبراهيم علي، والسمحة السهلة). قال الشاطبي: «وسمي أي الدين بالحنفية لما فيها من التيسير والتسهيل» (3).
السنة من النبوية الدالة على هذه القاعدة فهي كما يلي:
6
وجه الدلالة في الحديث: أنه لو ثبت وجود المشقة في الشرع لم تكن الشريعة حنفية سمحة؛ بل كانت حرجية عسرة، وهذا باطل، لتكذيب خبر الرسول صلى الله عليه وسلم، فبطل ما أدى إليه وثبت أن لا حرج ولا مشقة في الشرع (4). 2 ـ وما رواه الطبراني عن ابن عباس مرفوعاً: «أن الله شرع الدين فجعله سهلاً سمحاً ولم يجعله ضيقاً، وهذا إخبار ووصف للدين بأنه على هذه الكيفية، وهي كيفية معارضة للحرج والمشقة ولا يجتمع النقيضان، فلا حرج ولا مشقة في الدين.
(1) أخرجه أحمد في مسنده عن طريق جابر بن عبد الله، وعن طريق أبي أمامة والديلمي، وفي مسند الفردوس عن عائشة لا كما أخرج أحمد في مسنده (رقم 2112/ 2) والطبراني في الكبير (رقم (11572) والبزار وغيرهما عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم سُئل: أي الأديان أحب إلى الله؟ قال: «الحنفية السمحة وللبزار وجه آخر في إخراجه بلفظ (أي الإسلام) كما رواه الطبراني في الأوسط (رقم: 3751) من حديث أبي هريرة باللفظ المذكور في المتن. ينظر: الأشباه والنظائر للسيوطي، ص: 84، ورواه الخطيب عن جابر بزيادة «من سُنَّتي فليس مني» ينظر: ذلك وطرقه أيضاً في الكشف الخفاء ومزيل الإلباس للعجلوني، 251/ 1.
(2) ابن حجر: فتح الباري، 78/ 1.
(3) الشاطبي: الموافقات، 232/ 1.
(4) الباحسين: قاعدة المشقة تجلب التيسير، ص
217
خالف
(5) رواه الطبراني في المعجم الكبير، باب العين، أحاديث عبد الله بن العباس، رقم 11532، وأبو يعلى في مسنده، أول مسند ابن عباس رقم 2458، 343/ 4، عن ابن عباس. قال الهيثمي:
فيه حسين بن قيس الملقب بحنش وهو متروك الحديث». مجمع الزوائد، 417/ 1. (2/223)
صفحة 740
224
القواعد الفقهية عند الإباضية
3 ـ عن أبي هريرة عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الدين يسر ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه فسددوا وقاربوا وأبشروا، واستعينوا بالغدوة والرؤحة وشيء من
الدلجة) (1) (2)
قال الراشدي في «جواهره» مبيناً معنى الحديث: «أي: دين الإسلام يسر بالنسبة إلى غيره، وفي العبارة مبالغة؛ لجعله الدين نفس اليسر، والمشادة: المبالغة، ولن يقاوم الدين أحد، ويكلف نفسه من القربات فوق طاقته إلا غلبه، وانقطع عن العمل كله أو جله، ووقف دون المقصد «إن المنبت لا أرضاً قطع ولا ظهراً أبقى (3). فقد شبه العامل بالمسافر؛ لأنه يسير إلى الله في طريق العمل، فيأخذ بالعَزمة في موضعها، وبالرخصة في
موضعها ... » (4).
حديث:
(1) متفق عليه واللفظ للبخاري رواه في الجامع الصحيح، كتاب الأيمان باب الدين يسر رقم 39. وأخرجه النسائي في السنن الصغرى - كتاب الإيمان وشرائعه الدين يسر -. 4972 وهو صحيح رواه ابن حبان في صحيحه ـ كتاب البر والإحسان باب ما جاء في الطاعات وثوابها ـ ذكر الأمر بالغدو والرواح والدلجة في الطاعات عند المقاربة فيها حديث: 352. بزيادة «إن هذا» (2) (سددوا) الزموا السداد وهو الصواب من غير إفراط ولا تفريط قاربوا) إن لم تستطيعوا الأخذ بالأكمل، فاعملوا بما يقترب منه. (أبشروا بالثواب على العمل الدائم وإن قلّ، ينظر: فتح الباري 78/ 1.
(3) رواه البيهقي في السنن الكبرى عن جابر بن عبد الله 27/ 3 - 28، حديث: 4742. تحقيق: محمد عبد القادر عطا، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، ط 1 (1414 هـ / 1994 م) كتاب الصلاة باب القصد في العبادة والجهد والمداومة، ـ وفي كتاب الصلاة جماع أبواب صلاة التطوع - باب القصد في العبادة حديث: 4404. ونص الحديث في السنن كالآتي: عن جابر بن عبد الله عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إن هذا الدين متين فأوغل فيه برفق ولا تبغض إلى نفسك عبادة الله، فإن المنبت لا أرضاً قطع ولا ظهراً أبقى». وهو حسن. وأخرجه أحمد بن حنبل المسند ومن مسند بني هاشم مسند أنس مالك بن
حديث: 12823. وهو حسن.
(4) الراشدي جواهر القواعد، ص 107 - 108. (2/224)
صفحة 741
الفصل الثالث: القاعدة الكلية الكبرى الثالثة
225
وقال ابن حجر ويسمى الدين يسراً مبالغة بالنسبة إلى الأديان قبله؛ لأن الله رفع عن هذه الأمة الإصر الذي كان قبلهم، ومن أوضح الأمثلة له أن توبتهم كانت بقتل أنفسهم، وتوبة الأمة بالإقلاع والعزم والندم). وجه الاستدلال بالحديث: أن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر أن دين الله يسر، فكل ما جاء فيه حرج يكون مكذباً لذلك الإخبار، وذلك باطل، فثبت أن لا في الشرع، وما جاء في تتمة الحديث بيان لأرْوَح الأوقات في السَّيْر. قال ابن حجر ويبدو أن النبي الخاطب بذلك مسافراً، ونبهه إلى أوقات النشاط التي يستطيع فيها المسافر أن يواصل سيره وأن ينقطع (2) وأمرُ
النبي بذلك على أن دين الله يسر مثل تطبيقي له كما هو واضح.
حرج
4 ـ وبمعنى هذا الحديث قوله صلى الله عليه وسلم: «إن خير دينكم أيسره إن خير دينكم أيسره» (3).
ه ـ وروي عن الشعبي أنه قال: إذا اختلف عليك أمران فانظر أيسرهما فإنه أقرب إلى الحق إن الله أراد بهذه الأمة اليسر، ولم يرد بهم العسر (4). وجه الدلالة في هذا الحديث كالذي ورد في الحديث السابق من حيث إنه خبر، فيلزم تكذيبه بتشريع الحرج والمشقة.
-
6 ـ حديث أم المؤمنين عائشة قالت: «ما خير رسول الله صلى الله عليه وسلم بين
390
(1) ابن حجر فتح الباري 93/ 1، 94، حديث رقم من كتاب الإيمان. (2) ابن حجر: فتح الباري 79/ 1. (3) رواه أحمد مسند أحمد بن حنبل - أول مسند الكوفيين حديث محجن بن الأدرع ـ حديث: 18608 بسند صحيح. وأخرجه الحافظ ابن حجر العسقلاني في المطالب العالية ـ كتاب الإيمان والتوحيد باب الدين يسر ـ حديث: 2968. مسند أحمد بن حنبل ـ أول مسند الكوفيين حديث محجن بن الأدرع - حديث: 18608.
-
(4) تفسير ابن أبي حاتم - سورة البقرة قوله: يريد الله بكم اليسر ـ حديث: 1680 الجامع
للحديث النبوي. (2/225)
صفحة 742
226
القواعد الفقهية عند الإباضية
أمرين أحدهما أيسر من الآخر، إلا اختار أيسرهما، فإن كان إثماً كان أبعد الناس منه» (1).
وجه الاستدلال بالحديث بين الرسول صلى الله عليه وسلم فيه سماحة دين الله عل، وأنه كان من هذي النبي أن يختار الأيسر ما لم يكن إثماً، فلم تكن المشقة على النفس شيئاً مطلوباً، ومقصوداً، كما هو حال الرهبانية في اليهودية والنصرانية، وحال تأثر وتشبه بهم من المسلمين؛ إذ يعمدون إلى تعذيب هم بحرمانهما مما أحل الله لهم من الطيبات من الرزق، بدعوى أن ذلك
(2)
أحب إلى الله، ولكن الصحيح أن خير الهدي هدي نبينا محمد (2).
ومن الأحاديث التي اعتمدها الإباضية في تأصيل هذه القاعدة أيضاً:
ـ ما استدل به الشماخي على جواز التيمم للعذر، إذا لم يجد المصلي الماء، أو لا يقدر على استعماله للمرض، اعتماداً على ما روي من طريق ابن
أمير
عباس له قال: «خرج عمرو بن العاص في غزوة ذات السلاسل وهو الجيش، فأجنب وخاف من شدة الماء فتيمم، فلما قدم على النبي صلى الله عليه وسلم أخبره أصحابه بما فعل فقال: يا عمرو ولم فعلت ذلك، ومن أين علمته؟ فقال له: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم وجدت الله يقول: {وَلَا نَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا (النساء: 29). فضحك النبي لو لم يرد عليه شيئاً) (3) (4).
(1) متفق عليه واللفظ لمسلم أخرجه مسلم في (ك) الفضائل، باب مباعدته للآثام واختياره من المباح أسهله ... (1813/ 4)، وأخرجه البخاري في (ك) المناقب، باب صفة النبي (566/ 6) مع الفتح وفي (ك) الأدب، باب قول النبي صلى الله عليه وسلم: «يسروا ولا تعسروا» وكان يحب التخفيف والتسري على الناس (10/ 525 مع الفتح وفي (ك) الحدود، باب إقامة الحدود والانتقام لحرمات الله، (86/ 12) مع الفتح.
(2) علوان إسماعيل بن حسن القواعد الفقهية الخمس الكبري، ص 237 - 238. (3) رواه أبو داود، كتاب الطهارة، باب إذا خاف الجنب البرد أيتيمم؟ رقم 334، وأحمد في مسنده، مسند الشاميين، حديث عمرو بن العاص، رقم 17845، والحاكم في المستدرك، كتاب الطهارة، رقم 629، عن عمرو بن العاص، الزيلعي: «الحاصل أن الحديث حسن أو صحيح». نصب الراية، 1/ 139. (4) الشماخي: الإيضاح، 276/ 1 - 277. (2/226)
صفحة 743
الفصل الثالث: القاعدة الكلية الكبرى الثالثة
227
هذا ولم يقف الأمر عند هذا الحد، بل إن النبي صلى الله عليه وسلم كثيراً ما كان يترك
الأمر مخافة أن يكون فيه مشقة على أمته، وكثيراً ما كان يأمر بالتخفيف،
وينهى الناس عن الغلو والتشدد.
فمن الأحاديث الجلية في هذا المعنى:
ما رواه البخاري في صحيحه عن جابر صل الله قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر، فرأى زحاماً ورجُلاً قد ظلل عليه، فقال: «ما هذا»؟ فقالوا صائم، قال: ليس من البرّ الصوم في السفر).
قال القطب أطفيش في بيان مدلول الحديث: «أنه ليس من البر الصوم إذا كان تلحقه المضرة أو الشدة، أي ليس إحساناً مطلقاً بل إحسان إذا كان لا يشتد عليه (2) وفي رواية أخرى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: وعليكم برخصة الله التي رخص لكم). قال ابن دقيق العيد في شرح هذا الحديث: « ... وقوله: «عليكم برخصة الله التي رخص لكم دليل على أنه يستحب التمسك بالرخصة إذا دعت الحاجة إليها، ولا تترك على وجه التشديد على النفس والتنطع والتعمق» (4). - وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم: «لولا أن أشق على المؤمنين ـ وفي رواية: على أمتي - لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة). قال الشاه ولي الله الدهلوي في
(1) متفق عليه، رواه البخاري، كتاب الصوم، باب قول النبي ... ، رقم 1844، ومسلم، كتاب الصيام، باب جواز الصوم والإفطار في شهر رمضان للمسافر، رقم 1115، عن جابر. ورواه
أبو داود في السنن ـ كتاب الصوم باب اختيار الفطر - حديث: 2068.
(2) أطفيش: شرح النيل، 356/ 3.
(3) مسلم: كتاب الصيام، باب جواز الصوم والإفطار في شهر رمضان للمسافر، رقم 1115، عن جابر. وأخرجه ابن خزيمة في صحيحه - كتاب الصيام جماع أبواب الصوم في السفر ـ باب ذكر البيان أن الفطر في السفر رخصة لا حتماً حديث: 1887. وأخرجه ابن حبان في صحيحه ـ كتاب البر والإحسان باب ما جاء في الطاعات وثوابها ـ ذكر الإخبار بأن على المرء قبول رخصة الله له في طاعته، حديث: 356. وهو صحيح. (4) ابن دقيق العيد، إحكام الأحكام، 225/ 2. ط المطابع المنيرية بمصر. (5) صحيح مسلم بشرح النووي، 143/ 3. سبق تخريجه. (2/227)
صفحة 744
228
القواعد الفقهية عند الإباضية
شرح
هذا الحديث: «معناه لولا خوف الحرج لجعلت السواك شرطاً للصلاة كالوضوء، وقد ورد بهذا الأسلوب أحاديث كثيرة جداً، وكلها دلائل واضحة على أن لاجتهاد النبي صلى الله عليه وسلم مدخلاً في الحدود الشرعية، وأنها منوطة بالمقاصد، وأن رفع الحرج من الأصول التي بنيت عليها الشرائع). 10 - ومن الأحاديث التي استدل بها الإباضية على هذه القاعدة، ما ذكره ابن بركة في «جامعه» في مسألة تخفيف الإمام في الصلاة، مراعاة لظروف وأحوال المأمومين، فيقول: والمستحب للإمام أن يخفف بأصحابه إذا صلى بهم، لما روي عن النبي أنه قال: «إذا صلى أحدكم فليخفف، فإن فيكم الضعيف وذا الحاجة، وإذا صلّى وحده فليطل ما شاء (2) (3).
وفي السياق نفسه استدل ابن بركة بحديث يدل على مراعاة الإمام للأحوال الطارئة، فيقول: «وجائز للإمام أيضاً أن يخفف عند أمر يحدث، لما روي عنه أنه قال: «إني لأقوم إلى الصلاة وأنا أريد أن أطيل فيها فأسمع بكاء الصبي فأوجز مخافة أن أشق على أمه (4) (5). والناظر في هذه الأحاديث يجدها قد انتظمت ثلاثة جوانب على اختلاف موضوعاتها والمناسبات التي وردت فيها:
أ - فبعضها يتناول يسر هذا الدين وسماحته ورفع الحرج عن العباد.
6
(1) الدهلوي ولي الله، حجة الله البالغة، 182/ 1، دار الجيل، القاهرة.
(2) متفق عليه، رواه البخاري، كتاب الجماعة والإمامة، باب إذا صلى لنفسه فليطول ما شاء، رقم 671، ومسلم، كتاب الصلاة، باب أمر الأئمة بتخفيف الصلاة في تمام، رقم 467، أبي
هريرة.
(3) ابن بركة: الجامع، 509/ 1.
(4) رواه البخاري، كتاب الجماعة والإمامة، باب من أخف الصلاة عند بكاء الصبي، رقم 675، عن أبي قتادة الأنصاري. سنن أبي داود - كتاب الصلاة أبواب تفريع استفتاح الصلاة ـ باب
تخفيف الصلاة للأمر يحدث حديث: 677. وهو صحيح.
(5) ابن بركة المصدر نفسه، 510/ 1. (2/228)
صفحة 745
الفصل الثالث: القاعدة الكلية الكبرى الثالثة
229
ب ـ وقسم منها يتعرض لأوامر النبي صلى الله عليه وسلم بالتخفيف ونهي الناس عن
التعمق والتشديد.
ج - وباقيها في بيان ما ترك النبي صلى الله عليه وسلم من بعض القرب خشية المشقة على أمته وكلها في مجموعها متحدة في معناها ومغزاها وتجلى فيها الأمة (1). القصد إلى وضع الحرج عن
والحاصل:
أن هذه الأحاديث بمجموعها تبين سماحة دين الله وحل، الذي أنزله على خاتم أنبيائه ورسله، وأن دين الله يسر، وأن مِن هَذي رسولنا التيسير والتبشير ورفع الحرج عن الأمة، وهذا أدعى لقبول الناس دعوة الله وعل، وأنه كان يختار الأيسر من الأمور ما لم يكن إثماً، وليس ديننا دين رهبانية
كما
هو حال قبلنا من
من
الأمم.
ثالثاً: مشروعية الرخص
ومن
الأدلة على هذه القاعدة ما ثبت من مشروعية الرخص، وهذا أمر
مقطوع به، ومما علم من دين الأمة بالضرورة، كرخص القصر والفطر والجمع، وتناول المحرمات في الاضطرار، وجميع رخص الشرع وتخفيفاته مما يتخرج على هذه القاعدة، وهذا نمط يدلّ قطعاً على التزام مبدأ السماحة، واليسر في المطالبة بالأحكام الشرعية، وكذلك ما جاء في النهي عن التعمق والتكلُّف والغلو في الدين، وعن كل ما يسبب الانقطاع عن دوام الأعمال، ولو كان الشارع قاصداً للمشقة في التكليف لما كان ثم ترخص ولا تخفيف (2).
270
(1) الندوي علي: القواعد الفقهية، ص (2) البورنو الوجيز في إيضاح قواعد الفقه، ص 220 - السدلان القواعد الفقهية الكبرى،
ص 228. (2/229)
صفحة 746
230
القواعد الفقهية عند الإباضية
«إني
وقد أكد الراشدي في «جواهره» هذه الحقيقة فذكر الحديث الذي ينص على مشروعية الرخص الثابتة، لما روي عن أنس هو الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لأكون في الصلاة فأسمع صوت الصبي يبكي فأتجوز في صلاتي مخافة أن أشق على أمه» (1). وذكر الشماخي ما يفيد اعتماد الإباضية في فروعهم على قاعدة: «المشقة تجلب التيسير والتخفيف، وهذا لتأصيل القاعدة، فقال في معرض حديثه عن الأسباب المبيحة للتيمم وليس للمكلف أن يحمل نفسه على حالة مخوفة، ولا يعرضها لخطة متلفة، وقد يسر الله على عباده تخفيفاً، وكان بهم والله الحمد
لطيفاً» (2).
رابعاً: من الإجماع:
ومما يدل على بناء الشريعة الغراء على التيسير والتخفيف ودفع المشقة عن العباد، استقرار آراء علماء المسلمين منذ عهد الصحابة إلى يوم الناس هذا على الحقيقة، دون أن يوجد مخالف لذلك، ولئن كان هناك خلاف فهو عائد إلى مصدر نفي الحرج والمشقة، فهل هو العقل أو الشرع؟
ذكر صاحب «مسلم الثبوت وشرحه أنه لا حرج في الشرع، عقلاً كما عند المعتزلة، أو شرعاً كما عندنا (3)، وقد أكد الشاطبي أن الإجماع على عدم وقوع التكليف بالشاق واقع وحاصل، وهو يدل على عدم قصد الشارع إليه، ولو كان واقعاً لحصل في الشريعة التناقض والاختلاف، وذلك منفي عنها، فإنه إذا فرض وضع الشريعة على قصد الإعنات والمشقة، وقد ثبت أنها
(1) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف ـ كتاب الصلاة من كان يخفف الصلاة لبكاء الصبي يسمعه - حديث: 4616. تقدم تخريجه برواية أبي قتادة بلفظ (فأوجز كراهية).
(2) الشماخي: مرجع سابق، 276/ 1.
(3) الأنصاري مسلم الثبوت بشرح فواتح الرحموت، 168/ 1. (2/230)
صفحة 747
الفصل الثالث: القاعدة الكلية الكبرى الثالثة
231
موضوعة على قصد الرفق والتيسير، كان الجمع بينها تناقضاً واختلافاً، منزهة عن ذلك (1).
وهي
ومهما يكن من أمر فإن واقع الشريعة بحسب الاستقراء، هو أنها راعت جانب المكلفين، وخففت عنهم عند وجود الأعذار، كما أن الأحكام أساساً، أي: حتى في العزائم لا تتضمن أي مشقة مجاوزة للمعتاد، ويعزز ذلك إلى جانب ما ذكرناه من أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم وسيرته في التبليغ، ومنهج الصحابة والتابعين المؤكد لدليل الإجماع، المتحقق بالإنكار على ما يُتشدَّد، أو يُبالغ في العبادة، والإنكار يدل على مخالفة ما أنكر لما استقر في ضمير الأمة من ابتناء هذه الشريعة على التيسير ودفع المشقة، وسنكتفي بإيراد أمثلة محدودة من تصرفات الصحابة والتابعين الكثيرة الدالة على هذه الأمثلة: ومن
ذلك،
1 - ما روي عن عمر بن الخطاب الله حينما سأل رجل كان معه صاحب حوض وقال له يا صاحب الحوض هل ترد حوضك السباع؟ قال عمر بن الخطاب له: يا صاحب الحوض لا تخبرنا، فإنا نرد السباع وترد علينا» (2).
فسأل
وفي رواية: إنه كان مع عمرو بن العاص فسقط عليهما ماء من الميزاب عمرو بن العاص صاحب الميزاب ولكن عمر بن الخطاب انه قال: يا صاحب الميزاب لا تخبرنا» (3).
(1) الشاطبي الموافقات، 82/ 2.
(2) رواه مالك في الموطأ، كتاب الطهارة، باب الطهور للوضوء، رقم 43، والبيهقي في الكبرى، كتاب الطهارة، باب سؤر سائر الحيوانات سوى الكلب والخنزير، رقم 1114، عن أبي سلمة. ينظر: الشاطبي، المصدر نفسه، 320/ 4. - ابن العربي، أحكام القرآن، 1411/ 3. - ابن القيم: إغاثة اللهفان، 174/ 1.
(3) ابن القيم: إغاثة اللهفان، نفسه. (2/231)
صفحة 748
=
القواعد الفقهية عند الإباضية
232
ووجه دلالة هذين النصين على ما نحن فيه أمور: الأمر الأول: أن عمر بن الخطاب الله رفض مبدأ السؤال ذاته؛ لأن مطالبته الرجل بعدم الإجابة دليل على أنه لم يصوّب توجيه السؤال لصاحب الميزاب أو الحوض، وامتثالاً لأوامر الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم بالامتناع عن الأسئلة والتعمق
المؤدي إلى التشدّد، هذا يعني أنه يأخذ بالعفو في أمثال هذه المواضع. والأمر الثاني: أن عمر علل طلبه لصاحب الحوض بقوله: «إنا نرد السباع وترد علينا» وهذا يشير إلى أن هذا من مواضع الضرورة أو ما تعم به البلوى، وإن تعليل عمر بذلك يعني إيمانه بأن أمثال هذه المواضع تقتضي تخفيفاً وتيسيراً لما يترتب فيها من الحرج والمشقة، وهذا مبدأ عام يمكن أن يستخلص هذه الرواية، ولم يرد عن الصحابة ما يفيد مخالفتهم لمثل هذا التوجه مما يدل على أن هذا المعنى مما اتفق عليه سلف هذه الأمة).
من
2 ـ ما روي عن عمر بن الخطاب صلى الله أنه قال: «لا تبغضوا الله إلى عباده، يطوّل أحدكم في صلاته حتى يشق على من خلفه» (2). وهذا القول من عمر منه ورد فيه الكثير من أقوال الرسول صلى الله عليه وسلم، ووجه الدلالة فيه أن عمر نه نهى عن تبغيض الله إلى عباده، وبيَّن وجه ذلك التبغيض أنه في إحداث المشقة على المصلين بسبب تطويل الصلاة. وإذا كان هذا شأنه في الصلاة التي هي من أركان الدين فلأن يكون ذلك هو منهجه في الأمور الأخرى أولى. ونقل الشوكاني (ت: 1250 هـ) عن ابن عبد البر (3) (ت: 463 هـ) أن
(1) الباحسين: قاعدة المشقة تجلب التيسير، ص 219 - 220. (2) رواه ابن أبي شيبة في المصنف، كتاب الحديث بالكراريس، في الحديث للناس والإقبال عليهم، رقم 26517، والبيهقي في الشعب السابع والخمسون في حسن الخلق، فصل في
التواضع، رقم 8139 عن عبيد الله بن عدي ينظر الشوكاني نيل الأوطار، 137/ 3.
(3) يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر النمري القرطبي المالكي، أبو عمر: (368 - 463 هـ /
978 - 1071 م) من كبار حفاظ الحديث، مؤرخ، أديب، بحاثة. يقال له حافظ المغرب. ولد (2/232)
صفحة 749
الفصل الثالث: القاعدة الكلية الكبرى الثالثة
233
التخفيف لكل إمام أمر مجمع عليه، وذكر أنه لا يعلم خلافاً بين أهل العلم في استحباب التخفيف لكل من أم قوماً).
خامساً: من المعقول
وأما الأدلة العقلية على قاعدة المشقة تجلب التيسير» أي نفي الحرج والمشقة عن الشريعة، وترتيب التيسير والتخفيف عند احتمال وقوعه، فإن ذلك من وجوه:
1 - فلو كان التكليف بالمشقة واقعاً لحصل في الشريعة الإسلامية تناقض واضح واختلاف بين، وذلك منفي عنها، فإنه إذا كان وضع الشريعة على قصد الإعنات والمشقة فإن ذلك يناقض نصوصها التي تدل على الرفق والتيسير 2 - لو كان دفع المشقة غير مقصود للشارع لما كان في الشرع ترخيص ولا تخفيف للأعذار، لكن التالى باطل لثبوت الرخص الشرعية للأعذار
-
في كثير من الأحكام، مما يترتب عليه بطلان ما استلزم ذلك. - ولو لم يكن دفع المشقة مقصوداً للشارع للزم التناقض في أحكام الشارع عند إثبات الرخص، وهو ما يستحيل على الشارع عقلاً. ولو لم يكن الحرج منفياً لكان ثابتاً، لكن التالي باطل، فبطل ما أدى إليه فصدق نقيضه، وهو أن الحرج منفي عن الشرع وهو المطلوب، بيان
((
بقرطبة. ورحل رحلات طويلة في غربي الأندلس وشرقيها. وولي قضاء لشبونة وشنترين. وتوفي بشاطبة. من كتبه: «الدرر في اختصار المغازي والسير والاستيعاب» مجلدان، في تراجم الصحابة، و جامع بيان العلم وفضله» و «المدخل في القراءات، و «التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد» و «الاستذكار في شرح مذاهب علماء الأمصار» و «الإنصاف فيما بين العلماء من الاختلاف» و «الكافي» في الفقه. (1) الشوكاني: نفسه. (2/233)
صفحة 750
234
القواعد الفقهية عند الإباضية
الملازمة أن الأمر فيما معنا لا يخرج عن حالتي النفي والإثبات، إذ لا واسطة بينهما فإذا انتفى أحدهما ثبت الآخر لا محالة، وأما بطلان التالي فدليله الاستقراء التام لأحكام الشريعة وإجماع العلماء على أن ليس في أحكام الشريعة ما فيه حرج، إلا ما كان مدفوعاً به حرج أعظم وهو على التحقيق ليس حرجاً (1).
وكذلك ما جاء في النهي عن التعمق والتكلف والغلو في الدين، والتسبب في الانقطاع عن دوام الأعمال، ولو كان الشارع قاصداً للمشقة في
التكليف، لما كان ثم ترخيص ولا تخفيف (2).
(1) الشاطبي: مرجع سابق، 2/ 122. ـ د عمر عبد الله كامل، مرجع سابق، ص 242. ـ وينظر:
يعقوب الباحسين مرجع سابق، ص 221 - 222.
(2) يراجع: المصادر السابقة في هامش 17 (2). وينظر: كذلك إسماعيل علوان، مرجع ص 243.
سابق، (2/234)
صفحة 751
المبحث الرابع
أسباب التيسير والتخفيف
وهي عبارة عن الظروف والحالات التي يكون بوجودها التيسير والتسهيل والتخفيف، وقد ذكر الفقهاء والأصوليون أهم أسباب وحالات التيسير والتخفيف التي هي مظنة المشقة، وحصروها في ثمان وهي: السفر، والمرض، والإكراه، والخطأ والنسيان والجهل والعسر وعموم البلوى والنقص الطبيعي، وتفصيل هذه الأسباب كما يلي: (2/235)
صفحة 752
أولاً: معنى السفر:
المطلب الأول
من أسباب التيسير السفر
:
السفر في اللغة: قطع المسافة مطلقاً، وأصل مادة (السفر): الكشف والإظهار فيقال: سفرت المرأة عن وجهها إذا أظهرته، وقيل: في تسمية السفر بهذا الاسم؛ لأنه سفر عن وجوده المسافرين وأخلاقهم، ويظهر ما كان خافياً فيها (1).
والسفر في الاصطلاح أن يخرج المكلف من وطنه قاصداً أن يتعدى الفرسخين). وقيل: هو الانتقال من موضع الإقامة مع ربط القصد بقصد معلوم". ولما كان السفر يغلب معه وقوع المشقة، جعله الشارع سبباً من أسباب التيسير والتخفيف، بمجرد حدوثه دون انتظار المشقة)، قال تعالى: وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن نَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَوةِ» (النساء: 101). وقال تعالى: {فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} (البقرة: 184)
ثانياً: شروط السفر:
وهي:
ويشترط الفقهاء في السفر الذي تترتب عليه أحكام التيسير عدة شروط،
(1) ابن منظور لسان العرب 154/ 2. - الفيومي، المصباح المنير، ص 278.
(2) الفرسخ الواحد يساوي ثلاثة أميال والميل الواحد يساوي 1848 متر وعلى هذا يكون الفرسان ستة أميال يساوي 11088 متر أي ما يساوي 12 كم تقريباً. ينظر: ابن الرفعة،
الإيضاح والبيان في معرفة المكيال والميزان، ص
(3) الغزالي أبو حامد: إحياء علوم الدين، 260/ 2.
(4) البزدوي: كشف الأسرار 615/ 4.
37 (2/236)
صفحة 753
الفصل الثالث: القاعدة الكلية الكبرى الثالثة
237
الأول: أن تكون مسافته معقولة شرعاً، وقد جعل الإباضية حد السفر يبدأ
(1)
بالفرسخين خلافاً للجمهور). وقُدرت باثني عشر كيلومتر تقريباً، واعتبر الفقهاء من قطع تلك المسافة أو أكثرها مسافراً، ورتبوا على ذلك السفر رخصاً كثيرة. قال الجيطالي: «اختلف العلماء في المسافة التي يجوز فيها القصر، فذهب أصحابنا (الإباضية وبعض أهل العراق (الحنفية) وأهل الظاهر إلى أنها فرسخان، وهما في التقدير ستة أميال، وذلك مروي عن أنس بن مالك أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج بأصحابه إلى ذي الحليفة فصلى بهم ركعتين، ثم رجع فسئل ذلك فقال: «أردت أن أعلمكم حد السفر، أو قال صلاة السفر»، وبه قال علي بن أبي طالب، وعبد الله بن عباس، وأبو عبيدة مسلم، وجابر بن زيد وغيرهم من أصحابنا بلا خلاف أجده بينهم ... » (3).
عن
(1) السفر عند غير الإباضية على نوعين: أ ـ سفر طويل وهو الخروج من الموطن على قصد المسير وأدناه ما يقطع عادة في مرحلتين وهي المسافة المعبر عنها بمسافة القصر وتقدر بعشرين ساعة وثلث أو بمسافة (86) كيلو متر في رأي الحنفية أو (96) كيلومتر في رأي الشافعية وقيل: هو الخروج عن بيوت المصر على قصد مسيرة ثلاثة أيام ولياليها فما فوق بسير الإبل ومشي الأقدام. الجرجاني، التعريفات، ص 105. وعرف الطويل منه بتعريفات مختلفة تتصل بآراء العلماء في المسافة التي تسوغ بعض التخفيفات فعند مالك والشافعي وأحمد وجماعة كثيرة أنه خروج عن محل الإقامة بقصد مسيرة أربعة برد وذلك مسيرة يوم بالسير الوسط، وعند الحنفية هو خروج عن محل الإقامة بقصد مسيرة ثلاثة أيام بـ بسير وسط من ذلك المحل. ينظر: ابن رشد، بداية المجتهد، 167/ 1. - ابن العربي، أحكام القرآن 78/ 1. البرد: جمع بريد والبريد يقدر بأربعة فراسخ والفرسخ ثلاثة أميال والميل يساوي 1848 متراً وعلى هذا يكون البريد مساوي 22,179 كم فتكون أربعة البرد 88,704 كم. ينظر: الإيضاح والبيان في معرفة المكيال والميزان لابن الرفعة، ص 37. وهوامش المحقق،3، 4، 5 في الصفحة نفسها. (2) الحديث متفق عليه، رواه البخاري، أبواب قصر الصلاة، باب في كم يقصر الصلاة، رقم 1039، ومسلم، کتاب صلاة المسافرين، باب صلاة المسافرين وقصرها، رقم 690، عن أنس بلفظ: «أن رسول الله صلى الظهر بالمدينة أربعاً وصلى العصر بذي الحليفة ركعتين». دون لفظ: أردت أن أعلمكم حد السفر.
(3) الجيطالي: قواعد الإسلام 257/ 1. (2/237)
صفحة 754
238
القواعد الفقهية عند الإباضية
وقال السالمي في «طلعة الشمس» (1): (وإنما جعلنا الفرسخين أول حد السفر لما روي أنه عليه الصلاة والسلام خرج يوماً بأصحابه إلى ذي الحليفة فصلى بهم، ثم رجع فسُئل عن ذلك، فقال: أردت أن أعلمكم صلاة السفر (2)». الثاني: أن يجاوز مكان إقامته، وما يتصل به من أبنية ومزارع، وهو مذهب جمهور الفقهاء من الإباضية وغيرهم (3)، عملاً بسنة الرسول صلى الله عليه وسلم، حيث كان لا يبتدئ القصر في السفر إلا بعد خروجه من المدينة (4).
الثالث: قصد السفر، وذلك بأن يقصد موضعاً معيناً، أما إذا هام على وجهه أو تاه في صحراء ولا يدري أين يذهب، فلا يترخص عند الجمهور خلافاً لأبي حنيفة الذي أجاز له الترخص، وهو على تلك الحالة إذا قطع مسافر القصر، والأولى قول الجمهور، عملاً بالقاعدة الكلية «الأمور بمقاصدها». قال النووي: ما حُكي عن أبي حنيفة شاذ غريب ضعيف جداً). فإذا خرج على هذا القصد شرع له التخفيف في العبادات منذ خرج من عمران، بلده لما روي أن رسول الله وأصحابه ترخصوا برخص المسافر بعد الخروج من العمران.
(1) السالمي: طلعة الشمس، 269/ 2. - وينظر: الجيطالي قواعد الإسلام، 257/ 1. ـ ابن بركة
000/ 1
(2) سبق تخريجه في الحديث السابق.
(3) الجيطالي: قواعد الإسلام، 257/ 1. - الكاساني، بدائع الصنائع، 290/ 1. ـ ابن جزئ: قوانين الأحكام، ص 93. - النووي: المجموع، 4/ 202. - ابن قدامة: المغني، 259/ 2. (4) ابن حجر العسقلاني المطالب العالية، كتاب النوافل، باب قصر الصلاة في السفر، حديث: 771، عن أبي سعيد الخدري له بلفظ: «إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا خرج من المدينة فسافر فرسخاً قصر الصلاة ابن أبي شيبة، المصنف، كتاب صلاة التطوع والإمامة وأبواب متفرقة مسيرة كم يقصر الصلاة - حديث: 7996. عن عامر بن شراحيل الشعبي، قال: «كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا خرج مسافراً قصر الصلاة من ذي الحليفة». باب في مسيرة كم يقصر الصلاة -
حديث: 7996
(5) النووي المجموع، 194/ 4. (2/238)
صفحة 755
الفصل الثالث: القاعدة الكلية الكبرى الثالثة
239
الرابع: أن يكون السفر سفر طاعة، فلا يرخص للعاصي في الأحكام الشرعية، فمن سافر لأجل معصية فهل يبيح الترخيص؟ اختلف الفقهاء في هذه المسألة إلى مذهبين
المذهب الأول: جواز الرخصة في السفر مطلقاً:
وهو قول جمهور الإباضية والحنفية (1). فقد ذهبوا إلى جواز الرخص في السفر مطلقاً سواء كان للطاعة أو المعصية؛ لأن سبب الرخص قائم، والمعصية أمر خارج، ولإطلاق نصوص الرخص، كقوله تعالى: {فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} (البقرة: 184). وقد صرح بذلك ابن بركة بقوله: وقصر الصلاة في أي سفر كان المسافر طائعاً أو عاصياً، إذا كانت الصلاة عليه في جميع أحواله مطيعاً كان أو عاصياً، والوجوب عليه التمام في حال السفر، إذا خرج عاصياً محتاج إلى دليل»). ويؤكد السالمي هذا الحكم فيرى أنه «لم يُفصل الدليل بين مسافر ومسافر، وكذلك لم يفرق الدليل بين المسافر العاصي بسفره وبين المسافر الطائع، فيصح عندنا الترخص بالقصر والإفطار لمن خرج باغياً على الإمام، أو معتدياً على الأنام (3).
المذهب الثاني: تحريم الانتفاع بالرخص في سفر المعصية: ذهب الجمهور من المالكية والشافعية وبعض الإباضية إلى أن سفر المعصية لا يبيح الرخص، لأن في جواز الرخص إعانة على المعصية، والعاصي لا يعان، لأن الرخص لا تناط بالمعصية، ووضعوا لذلك قاعدة
(1) الجيطالي: قواعد الإسلام، 258/ 1. (2) ابن بركة الجامع، 575/ 1 - 576.
(3) السالمي: طلعة الشمس، 269/ 2. ـ الزيلعي فخر الدين عثمان بن علي (ت: 743 هـ)، تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق 1/ 215، مطبعة بولاق مصر
1313 هـ. (2/239)
صفحة 756
240
القواعد الفقهية عند الإباضية
فقهية: «إن الرخص لا تناط بالمعاصي»، والمراد بالمسافر العاصي بسفره: أن يكون الحافز على السفر نفس المعصية، كقاطع طريق، وناشزة، وعاق، ومسافر عليه دين حال قادر على وفائه من غير غريمة). ونسب السالمي هذا القول
إلى الشافعي، حيث ذهب إلى منع الرخص عن المسافر العاصي بسفره، فأوجب عليه الإتمام والصوم، مستدلاً بقوله تعالى: {فَمَنِ أَضْطَرَّ غَيْرَ بَاغِ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} (النحل: 115). وأيضاً فإن الترخص نوع من التخفيف، والتخفيف لا يناسب العصيان، وإنما يناسبه التشديد عليه والتضييق. ورد الإباضية على الجمهور بقولهم: «أما هذه الآية التي استدلوا بها فهي في أكل الميتة مضطراً، ومعنى غَيْرَ بَاغ وَلَا عَادِ»، أي: غير باغ في أكله، أي ليس بمتجاوز الحالة التي رخص له الأكل فيها، ولا متعد حد الضرورة في أكله، أي لا يأكل الميتة متشهياً من غير اضطرار، ولا يتعدى الحد الذي يحيي به النفس» (2).
نقل الجيطالي هذه المسألة في «قواعده» وأشار إلى اختلاف الفقهاء فيها وسببه، فقال: «اختلف الناس في أي أنواع السفر الذي تقصر فيه الصلاة، فذهب بعضهم إلى أنه مقصور على السفر المتقرب به، كالحج والجهاد وأشباه ذلك، واحتجوا بأن النبي الله لم يقصر الصلاة قط إلا في سفر متقرب به، فقد روي عنه أنه كان إذا سافر قصر حتى يرجع (3).
وذهب آخرون إلى أن القصر إنما هو في السفر المباح دون سفر المعصية، وهو الأليق بأصول أصحابنا، وهو مروي عن مالك والشافعي، وبعضهم
(1) أطفيش: شرح النيل، 354/ 3 القرافي: الفروق 33/ 2 - السيوطي: الأشباه والنظائر، ص 156. (2) السالمي: طلعة الشمس، 269/ 2 - 270. (3) رواه أحمد، مسند المكثرين من الصحابة حديث ابن عمر، رقم 5750، والبيهقي في السنن الكبرى، جماع أبواب صلاة المسافر، رقم 5270، عن ابن عباس بلفظ: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا خرج من بيته مسافراً صلى ركعتين ركعتين حتى يرجع». (2/240)
صفحة 757
الفصل الثالث: القاعدة الكلية الكبرى الثالثة
241
أجازوه في كل سفر، مباحاً كان أو معصية، ذكر ذلك عن أبي حنيفة وأصحابه. وسبب التنازع: تعارض المعنى المعقول وظاهر اللفظ بين سفر وسفر، ومن اعتبر فعل الرسول ل لم يجز القصر إلا في السفر المتقرب به، كالحج والجهاد كما قدمنا، أما من فرق بين المباح والمعصية، فعلى جهة التغليظ، والأصل فيه: هل يجوز الرخصة للعصاة أم لا؟» (1).
ويبدو من عبارة الجيطالي أنه يميل إلى رأي الجمهور في جواز الرخص في السفر المباح، أو بقصد الطاعة، وتمنع في سفر المعصية، وهذا ما يفهم من كلامه وهو الأليق بأصول أصحابنا»، وبذلك يكون قد خالف جمهور الإباضية وتفرد بهذا القول، ويشير إلى أن الأخذ بهذا المذهب هو ما ينسجم مع قواعد المذهب، أما القول الآخر فإنه يتعارض مع قواعد الفقه الإباضي، ولذلك اختار الجيطالي مخالفتهم في هذه المسألة.
الرأي المختار:
مما تتقدم يمكن القول إن ما ذهب إليه جمهور الإباضية والحنفية هو الرأي الراجح عندنا؛ لأن السفر أصبح من ضرورات الحياة، فبواسطته يستطيع الإنسان أن يوفر لنفسه مستلزمات العيش الكريم من جلب الرزق، وطلب العلم، والعلاج، وصلة الأرحام، والتجارة، فلا يمكن أن يمنع من السفر إذا لم يقصد به الطاعة، فقد يتعرض المرء في السفر إلى مشاق وصعوبات وظروف قاهرة، فيضعف أمامها ويسقط في المعصية، فينبغي أن نشجعه على الطاعة، فإن وقع في المعصية نرشده إلى التوبة ولا يحرم من الرخصة، فلو قصرنا السفر على الطاعة، كالحج والجهاد وطلب العلم والتجارة ونحوها، للحق بالمسافر مشقة وعنت، فمن التيسير عليه ورفع الحرج عنه أن تباح له رخص السفر، كالقصر والإفطار مطلقاً، ولا يقيّد بالطاعة أو المعصية؛ لأن النصوص
(1) الجيطالي: قواعد الإسلام، 258/ 1. (2/241)
صفحة 758
242
القواعد الفقهية عند الإباضية
وردت مطلقة، ولم يرد من الشارع ما يقيدها، فتبقى على إطلاقها حتى يثبت خلاف ذلك، وقد يؤخذ بالقول الآخر في حالة إصرار العصاة على المعصية، فمن المناسب أن يحرموا من هذه الرخص زجراً لهم، وردعاً لغيرهم والله أعلم.
ثالثاً: من رخص السفر
1 - في التيمم جاء في النيل «أبيح التيمم لمريض ومسافر عدم ماء بإجماع، والخلف في حاضر، عدمه، هل يتمم إن خاف فَوْت الوقت ويصلي، أو يطلبه وإن فات؟ قولان»). وقد حكى الشماخي الإجماع على هذا الحكم فقال: «اتفق العلماء على جواز التيمم للمريض والمسافر الذي عدم الماء، واختلفوا في الحاضر
بعدم
الماء» (2).
فنجد أن الإباضية اتفقوا على إباحة التيمم للمسافر إن لم يجد الماء، واختلفوا في المقيم إذا فقد الماء، هل يتيمم ويصلي إن خاف فوات الوقت؟ أم يسعى في طلبه وإن خرج وقت الصلاة؟ ففي هذه المسألة قولان كما أشار صاحب النيل (3)، فإن وجد الماء بعد ذلك اغتسل من الجنابة وتوضأ، ولا يعيد ما مضى من الصلاة (4).
2 - في القصر والجمع بين الصلاة: ومن التخفيف المشروع للمسافر أيضاً: قصر الصلوات الرباعيات، فيصلي الظهر والعصر والعشاء ركعتين ركعتين، وجوز له الجمع بين الظهر والعصر، وبين المغرب والعشاء في أي وقت من وقتهما شاء جمع تقديم أو تأخير، قال
(1) الثميني عبد العزيز: كتاب النيل وشفاء العليل مع شرح القطب أطفيش، 372/ 1.
78
(2) الشماخي: الإيضاح، 270/ 1. الحضرمي أبو إسحاق: مختصر الخصال، ص، (3) الثميني عبد العزيز المرجع نفسه. - أطفيش أمحمد 372/ 1 - الراشدي: جواهر القواعد،
ص 110.
(4) عمروس بن فتح النفوسي: الدينونة الصافية، ص
93 - 94 (2/242)
صفحة 759
الفصل الثالث: القاعدة الكلية الكبرى الثالثة
243
ابن بركة: «وجاز للمسافر أن يجمع بين صلاتين في حال سفره، يضم الأخيرة إلى الأولى فيصلهما في وقت الأولى والأولى في وقت الآخرة فيصلهما جمعاً فيه، وكذلك في صلاة المغرب والعشاء، لما روى معاذ بن جبل له، قال: «غزونا مع رسول صلى الله عليه وسلم إذا ارتحل وقد زالت الشمس جمع، وإذا ارتحل قبل أن تزول الشمس أخر الظهر وصلاها مع العصر قبل أن يمضي وقت العصر، وكذلك المغرب والعشاء» (1).
وقد أشار الشماخي إلى العلة من جواز الجمع في السفر، وهي التخفيف، فقال: «وعلة الجمع في السفر التخفيف من المشقة التي تلحق المسافر». وأكد ابن بركة أنها رخصة شرعية بقوله: وكذلك الجمع للمسافر رخصة من الله له المشقة السفر (3).
كما صرح عبد الرحمن بكلي بهذه العلة فقد سئل عن حكم الجمع بين الصلاتين في السفر جماعة أو فرادى، فأجاب: «لا يخفى عنك أن السفر مظنة المشقة ولأجل ذلك خفف الله عن عباده فيه ما فيه مشقة رحمة بهم، كتقصير الصلاة، وإفطار، رمضان وجمع الصلاتين، و «المشقة تجلب التيسير»، قال صلى الله عليه وسلم: إن الله يحب أن تؤتى رخصه كما يحب أن تؤتى عزائمه)، وقد ثبت أن
(1) رواه الترمذي، أبواب السفر، باب الجمع بين الصلاتين رقم 553، وأبو داود، كتاب الصلاة، باب الجمع بين الصلاتين، رقم 1208، وقال الترمذي: حسن غريب تفرد به قتيبة. (2) ينظر: الشماخي: الإيضاح مع حاشية السدو يكشي طه، نشر مكتبة مسقط عُمان 1425 هـ / 2004 م، 9/ 2.
(3) ابن بركة: الجامع، 417/ 1، 418.
(4) رواه ابن حبان في صحيحه، كتاب البر والإحسان، باب ما جاء في الطاعات، رقم 354، عن ابن عباس، والبيهقي في الكبرى، جماع أبواب صلاة المسافر، باب كراهية ترك التقصير رغبة في السنة، رقم 5199، عن ابن عمر، والطبراني في الكبير، باب العين، أحاديث عبد الله بن العباس، رقم 11880، قال الهيثمي: رواه الطبراني في الكبير والبزار ورجال البزار ثقات وكذلك رجال الطبراني. مجمع الزوائد، 382/ 3. (2/243)
صفحة 760
244
القواعد الفقهية عند الإباضية
رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يجمع بين الظهر والعصر، وبين المغرب والعشاء في السفر سائراً ونازلاً، تأخير جماعة وانفراداً)، فإذا ثبت ذلك عنه فلا فرق حينئذ جمع أن تصلى جماعة أو فرادى في المسجد أو غيره ولا يشترط أن يكون طول عمرها حسبنا أن يكون ذلك مشروعاً وكفى، وعليه فالفطر عندنا في السفر فرض والجمع رخصة، والإفراد أفضل» (2).
- في جواز ترك الجمعة لأصحاب الأعذار
وهم كالمريض والمسافر والمرأة وغيرهم، جاء في «الإيضاح» ما نصه: إن صلاة الجمعة واجبة على الناس كافة، إلا من قام الدليل بعذره من مسافر أو عبد أو مريض أو امرأة أو صبي، والدليل ما روي أنه قال: «الجمعة واجبة إلا على امرأة أو مريض أو مسافر أو
في الفطر في رمضان:
وقد رُخص للمسافر الإفطار في رمضان لكن عليه القضاء في أيام أخر، ورخصة الإفطار ثابتة له مطلقا، سواء كان صام من الشهر بعض أيامه أو لم
(1) رواه البخاري في صحيحه أبواب تقصير الصلاة - باب الجمع في السفر بين المغرب
والعشاء حديث: 1069. (2) بكلي عبد الرحمن بن عمر فتاوى البكري، ط 1402 هـ / 1982 م. المطبعة العربية غرداية، الجزائر، 132/ 1 - 133.
(3) أخرجه الطبراني في المعجم الكبير - باب التاء ما أسند تميم الداري - حديث: 1245 بلفظ: «الجمعة واجبة، إلا على امرأة، أو صبي، أو مريض، أو عبد، أو مسافر» عن تميم بن أوس الداري، وهو صحيح. ورواه الدارقطني في سننه ـ أول كتاب الجمعة باب من تجب عليه الجمعة - حديث: 1370 بنحوه ورواه البيهقي السنن الكبرى - كتاب الجمعة باب من لا تلزمه الجمعة - حديث: 5250 عن طارق بن شهاب قال البيهقي هذا الحديث وإن كان فيه إرسال فهو مرسل جيد، فطارق من خيار التابعين وممن رأى النبي صلى الله عليه وسلم وإن لم يسمع منه، ولحديثه هذا شواهد.
(4) الشماخي: كتاب الإيضاح مع الحاشية، 617/ 1. (2/244)
صفحة 761
الفصل الثالث: القاعدة الكلية الكبرى الثالثة
245
يصم، ونقل السالمي في «طلعة الشمس» خلاف الفقهاء في هذه المسألة، فذهب بعضهم إلى وجوب أحد الحالتين على المسافر، أي الإفطار أو الصوم إذا دخل في إحداها، فإذا صام في سفره فيجب أن يتم شهره صياماً ويمنع من الإفطار؛ لأنه قد اختار بنفسه الصوم ودخل فيه فيلزمه عنده تمامه، وكذا قال فيمن اختار الإفطار في السفر ودخل فيه حتى قال إن الصوم بعد الفطر في السفر لا يصح، ورجح السالمي صحته فقال: «والصحيح أنه يصح؛؛ لأنه يجوز للمسافر الصائم أن يفطر لثبوت رخص الفطر له وثبوت صحة الصيام له، فهو مخير بين الصوم والإفطار، ولم يفصل الدليل بين مسافر ومسافر»). وجاء في شرح النيل: «والإفطار ... هو رخصة، والصوم فيه أي في السفر أفضل إن كان لا تلحقه مشقة وهو قول مالك وأبي حنيفة ومجاهد وأنس وابن جبير، ولا دليل لذلك في قوله عز وعلا: {وَأَن تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ} (البقرة: 184). لاحتمال أن يكون إنما هو في إطار غير المسافر وصومه، لأنه قد كان جائزاً أن يفطر ويطعم، أو يصوم فنسخ، ووجب الصوم، وروي عن ابن عباس وابن عمر والشعبي والأوزاعي أن الإفطار أفضل، وفي رواية عن ابن عمر وابن جبير كراهية الصوم، وفي رواية عن عبد الرحمن بن عوف عنه أن الصائم في السفر كالمفطر في الحضر، وقيل: الإفطار والصوم فيه سواء ونسبه بعضهم لأصحابنا والجمهور ... » (2).
واختلفوا في حد المسافة التي يفطر فيها المسافر، فذهب جمهور العلماء إلى أنه إنما يفطر في السفر الذي يقصر فيه الصلاة، وبه قال عطاء والشافعي، وذهب قوم إلى أنه يفطر في كل ما يطلق عليه اسم السفر، وهو أهل الظاهر، وذهب أصحابنا من أهل الجبل (3) إلى أنه
(1) السالمي: طلعة الشمس، 268/ 2، 269. (2) أطفيش: شرح النيل، 3/ 355 - 356. (3) الجبل يقصد به جبل نفوسة بغرب ليبيا. (2/245)
صفحة 762
246
القواعد الفقهية عند الإباضية
يسير
لا يفطر حتى يجاوز الحوزة (1) المحدودة عندهم، أو ثلاثة أيام، وهو السفر النائى عندهم، إلا أن يكون منزله في طرف الحوزة، فإنه يفطر إذا جاوز الفرسخين بعد الحوزة، قالوا: وإن أفطر مضطراً فيما دون الحوزة بعد أن يجاوز فرسخين فإنه يُنهر ولا يبرأ منه إلا أن يريد سفراً نائياً فلا بأس عليه.
وذهب الجناوني إلى أن السفر الذي يجوز فيه الأكل هو السفر النائي، من ثلاثة أيام فصاعداً، وما دون الثلاثة أيام فلا يأكل المسافر فيها، وإن أكل فلينهر، (أي يزجر ويوبخ توبيخاً شديداً ولا يبرأ منه ولا يضرب، ومن سافر سفراً نائياً فلا يأكل حتى يخرج من الحوزة أو يجاوز ثلاثة أيام، ومن كان منزله قريباً من الحوزة على أقل ثلاثة أيام، فلا بأس عليه بالأكل إذا خرج من الحوزة ولو لم يجاوز ثلاثة إذا جاوز ستة أميال، فإن خرج من منزله وجاوز الحوزة من قبل أن يجاوز ستة أميال فلا يأكل نهاراً في رمضان، ولا يقصر الصلاة ولو لم يجاوز ستة أميال والله أعلم، والمسافر إذا أكل من قبل أن يتجاوز ستة أميال فقد قيل فيه بالرخصة (2).
(1) الحوزة: قال صاحب النيل في تعريفها هي عبارة عن مدن أو قرى متقاربة بمسافة لا تتجاوز مسيرة ثلاثة أيام مع احتياج بعضها إلى بعض في أغلب مقتضيات الأحوال. ينظر: أطفيش: شرح النيل، 353/ 3.
وقال المعلق علي يحيى معمر: ولما كان جبل نفوسة في عهد المؤلف (الجناوني) وقبله مختلط القرى متصل العمران مرتبط المصالح يشبه أن يكون مدينة واحدة متسعة الضواحي، فقد اعتبروه كالمدينة الواحدة، وأطلقوا عليه لفظ الحوزة جعلوا لها أربعة حدود قارة لا يعتبر المتحرك داخلها مسافراً إلا إذا خرج من تلك الحدود، وقد بقي أكثر الناس محافظين على هذا الاعتبار غير أنه عند التأمل يبدو واضحاً أن ما استندوا إليه في ذلك الحين من الأسباب غير متوفر اليوم، ولذلك فاعتبار الجبل كله حوزة اليوم لا يستقيم إلا على نية اتخاذ أماكن متعددة وطناً كما هو مبسوط في كتب الفقه». انتهى كلام المعلق. ينظر: كتاب الصوم للجناوني، الهامش ص 28. (2) الجناوني: كتاب الصوم، ص 27 - 28. ينظر: أطفيش شرح النيل، 354/ 3 - 355. (2/246)
صفحة 763
الفصل الثالث: القاعدة الكلية الكبرى الثالثة
247
منشأ الخلاف
أشار الجيطالي إلى منشأ الخلاف في المسألة فقال: «وسبب الخلاف في هذا معارضة ظاهر اللفظ للمعنى، وذلك أن ظاهر اللفظ يقتضي أن ما ينطلق عليه اسم مسافر فله أن يفطر لقوله تعالى: {فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ} (البقرة: 184)، وأما المعنى المعقول من إجازة الفطر في السفر وهو المشقة، فلما كانت لا توجد في كل سفر وجب أن يكون الفطر في السفر الذي فيه مشقة ولكن لما كانت الصحابة كلهم مجمعون على الحد في ذلك وجب أن يقاس ذلك على الحد في تقصير الصلاة).
هذا وقد تصدى الشماخي للرد على اعتراضات أصحاب القول الأول فقال: «فإن قال قائل يلزمكم على هذا؛ ألا تقصر الصلاة دون مجاوزة ثلاثة أيام فصاعداً إذ الصوم والصلاة بمثابة واحدة؛ لأن المسافر الذي أباح الله له الإفطار في الصوم هو المسافر الذي يجوز له قصر الصلاة، قيل له: لا يلزمنا هذا لأنه غير ممتنع أن يقصر الصلاة كل من وقع عليه اسم مسافر، ولا يفطر في رمضان كل مسافر؛ لأن المسافر لو صام في السفر جاز صومه بإجماع الأمة، إلا قولاً ليس عليه العمل، بدليل ما روي عن أنس بن مالك قال: «سافرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في رمضان فأكلت طائفة وصامت طائفة، فلم يعب الصائم على المفطر ولا المفطر على الصائم» (2)) (3).
(1) الجيطالي: قواعد الإسلام، 98/ 1 - 99.
(2) متفق عليه، رواه البخاري، كتاب الجهاد والسير، باب فضل الخدمة في الغزو، رقم 2733، ومسلم، کتاب الصيام، باب أجر المفطر في السفر إذا تولى العمل، رقم 1119، عن أنس بلفظ: «كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في السفر فمِنًا الصائم ومنا المفطر، قال: فنزلنا منزلاً في يوم حار أكثرنا ظلاً صاحب الكساء، ومنا من يتقي الشمس بيده قال فسقط الصوام وقام المفطرون
فضربوا الأبنية وسقوا الركاب فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ذهب المفطرون اليوم بالأجر». (3) الشماخي: الإيضاح 177/ 3 - 178. (2/247)
صفحة 764
248
القواعد الفقهية عند الإباضية
ويضيف الشماخي في السياق نفسه ولو صلى المسافر في سفره أربعاً ولم يقصر الصلاة، لكانت الصلاة غير مجزئة، إلا قولاً ليس عليه العمل عندنا، فهذا تفرق بين الصوم والصلاة، ولأنّ الصوم أيضاً يلزم فيه البدل ولا يلزم في الصلاة، وشدد الله تعالى فيه ما لم يشدد في الصلاة، ألا ترى أن الحائض والنفساء يقضيان الصوم ولا يقضيان الصلاة بإجماع، فإذا كان الصوم بهذه الصفة، فأحرى ألا يجوز الإفطار إلا في موضع وقع عليه الاتفاق).
مجمل القول: مما تقدم يظهر من عبارة الجيطالي أنه يميل إلى القول الأول لقوة أدلته وإجماع الصحابة عليه، أما الشماخي فيبدو أنه يرجح القول الثاني كما يفهم من عبارته: «وعندي أصح؛ وذلك لأن الله تعالى أباح الإفطار للمسافر من ما يلحقه من المشقة في السفر، والمشقة غير موجودة في كل سفر، ولذلك خصوا ثلاثة أيام فصاعداً» (2). ويظهر من هذا الخلاف، وكأن هناك تناقضاً في هذه الأقوال، حيث فرّق بعضهم بين رخصة القصر ورخصة الإفطار في السفر رغم أن صاحبها يعتبر معذوراً شرعياً، والأصل أن يستوي الحكم في السفر، فللمسافر الحق في القصر والإفطار ما دام مسافراً تجاوز حد السفر، وأقله اثنا عشر كيلو متر حسب رأي الإباضية، وكما أبيح للمسافر القصر إذا تجاوز عمران بلده كذلك يباح له الإفطار من ذلك الموضع إذا قصد سفراً بعيداً، ولا يشرط تجاوز
المسافة المحددة.
في
ولكن بعد النظر في الأقوال المتقدمة يبدو أن سبب الخلاف بين الفقهاء هذه المسألة مرده تعارض الأدلة المعتمدة في الترجيح، فمن اعتمد على
(1) الشماخي: المصدر نفسه.
(2) الشماخي: نفسه. (2/248)
صفحة 765
الفصل الثالث: القاعدة الكلية الكبرى الثالثة
249
النصوص المأثورة اعتبر أصل السفر سواء كان فيه مشقة أو لم تكن جعل العلة في قصر الصلاة والجمع بين الصلاتين والإفطار في رمضان للمسافر واحدة وهي السفر بشرط أن يقصده يباشره، أما من نظر إلى المعقول بحث عن سبب الرخصة، فوجده المشقة أو مظنتها، فجعل علة الترخيص والتخفيف على المسافر هي المشقة، وعليه فإذا وجدت يباح له الإفطار، وإذا انعدمت المشقة فلا يجوز الإفطار؛ لأن حكم الإفطار ليس فرضاً على المسافر، بدليل ترغيب الشارع في الصوم، بخلاف قصر الصلاة في السفر فهو عند الإباضية فرض وعزيمة، فمن تركه لم تصح صلاته خلافاً للصوم، لكن لو تعرض المسافر إلى العطش أو الجوع الشديدين، وخاف على نفسه الهلاك، وجب عليه الإفطار اضطراراً وليس اختياراً، ومن هنا ندرك الفرق بين الحكمين والله أعلم. (2/249)
صفحة 766
المطلب الثاني
من أسباب التيسير المرض
أولاً: معنى المرض:
- المرض في اللغة الشقم، وهو حالة خارجة عن الطبع ضارة بالفعل، قال ابن فارس (ت: 395 هـ): المرض كل ما خرج به الإنسان عن حد الصحة من علة أو نفاق أو تقصير في أمر (1). وقيل: إنه تحوّل عن حالة الصحة قد ينشأ من طروء تغير على تركيب الأنسجة، ومن ذلك تنجم الأمراض العضوية أو على وظيفتها، ومن ذلك تنشأ الأمراض الوظيفية (2).
وفي اصطلاح الفقهاء والأصوليين وردت فيه تعريفات كثيرة منها: ـ أنه ما يعرض للبدن فيخرجه عن الاعتدال الخاص أو هيئة غير طبيعية في بدن الإنسان تكون بسببها الأفعال الطبيعية والنفسانية والحيوانية غير سليمة (3). وقيل: هو عبارة عما يدخل الجسم من اعتلال يفقده مألوف طبيعته واعتداله، فيضعف عن القيام المطلوب منه (4).
ويدل على اعتبار المرض سبباً للمشقة الموجبة لليسر والتخفيف قوله تعالى: {وَإِن كُنتُم مَّرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِّنكُم مِّنَ الْغَابِطِ أَوْ لَمَسْتُمُ
(1) ابن فارس: معجم مقاييس اللغة، 311/ 5. (2) غربال محمد شفيق بالاشتراك مع مجموعة من الأساتذة الموسوعة العربية الميسرة، 1406 هـ / 1986 م، نشر دار نهضة لبناء للطبع والنشر بيروت ـ لبنان 1683/ 3.
(3) المناوي عبد الرؤوف: تاج العارفين (1021 هـ): التوقيف على مهمات التعاريف، تحقيق: عبد الحميد صالح حمدان، نشر عالم الكتب مصر ط 2، 1410 هـ / 990 ام ابن أمير الحاج محمد بن محمد بن حسن الحنفي (ت: 879 هـ) التقرير والتحبير 186/ 2 المطبعة الكبرى الأميرية ببولاق مصر 1317 هـ. (4) عمر عبد الله كامل الرخصة الشرعية في الأصول والقواعد الفقهية - ص 126 - 127. (2/250)
صفحة 767
الفصل الثالث: القاعدة الكلية الكبرى الثالثة
251
النِّسَاء فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوا غَفُورًا} (النساء: (43)، وقوله تعالى {فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ بِهِ أَذَى مِّن رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكِ} (البقرة: 196).
مختلفة بحسب
والأمراض مختلفة في ذاتها، فمنها المرض الخفيف كالصداع والزكام الخفيفين، ومنها الشديدة والخطيرة والمزمنة كالسرطان والسكري، كما أنها الأبدان التي تصاب بها، فقد ينقلب الزكام الخفيف على مرض شديد وخطير على الحياة إذا أصيب به الشيخ الفاني أو الرضيع الهزيل، فالأمر نسبي وليس فيه مقياس ثابت ولا قاعدة مطردة وإنما العبرة بواقع كل شخص وبطاقته وقوة تحمله.
- ثانياً: تحديد المرض الموجب للتيسير:
يشترط في المرض الموجب للتيسير أن يكون شديداً يؤدي إلى هلاك النفس أو تلف بعض الأعضاء أو فوات، منافعها، بإضعاف البدن، أما إذا لم يؤد إلى ذلك فلا يعتبر موجب للترخيص، والتيسير كالتهاب يسير في الجسم أو صداع خفيف (1).
ويرجع في تقدير شدة المرض وعدم شدته إلى الإنسان نفسه إذا عرف ذلك، وإلا يرجع إلى أهل الخبرة من الأطباء العدول بحيث يغلب على الظن أن هذا المرض شديد ويؤثر على البدن، واكتفى الشافعية بقول واحد من الأطباء (2)، وذهب الحنابلة إلى أنه لا يقبل إلا قول طبيبين ثقتين (3)، وهذا الرأي تميل إليه النفس؛ لأنه أدعى إلى الاطمئنان وغلبة الظن، خاصة إذا كان أحدهم
(1) ابن عابدين: الحاشية 116/ 2. ابن جزي، قوانين الأحكام، ص 137. ـ الشربيني، مغني المحتاج، 437/ 1. -:المرداوي: الإنصاف، 284/ 3
(2) النووي المجموع، 2902.
(3) ابن قدامة: المغني، 82/ 6. (2/251)
صفحة 768
252
القواعد الفقهية عند الإباضية
لا يعتمد على الوسائل الطبية في كشفه ويعتمد على خبرته من خلال الكشف الظاهري، فقد تحدث في الواقع أخطاء طبية بسبب التسرع في الفحص قبل التثبت والتحقق من أعراض المرض. ويختلف الترجيح في هذه المسألة باعتبار وجوه الترخيص، فإذا كان الترخيص يتعلق بارتكاب محظور عظيم كإسقاط جنين؛ كان الاحتياط أرجح فلا يُكتفى بطبيب، واحد بل لا بد من لجنة طبية، وإذا كان الترخيص يتعلق بأمر خفيف، كترك صلاة الجماعة في المسجد، فيمكن أن يكتفى بقول طبيب
واحد (1).
ومن جهة أخرى فإن المرض لا ينافي الأهلية فتثبت الحقوق له أو عليه، قال السالمي في هذا الشأن: اعلم أن مرض الجسم لا ينافي أهلية الحكم سواء كان من حقوق الله تعالى كالصلاة والزكاة أو من حقوق العباد، كالقصاص ونفقة الأزواج والأولاد والعبيد، وكذلك لا ينافي أهلية العبادة؛ لأنه لا يخل بالقول ولا يمنعه من استعماله، حتى أنه يصح نكاح المريض وطلاقه وإسلامه وسائر ما يتعلق بالعبادة» (2).
ونظراً لما في المرض من خلل في القدرة البدنية الذي يورث العجز عن بعض الأفعال، فإن الشارع الحكيم راعى ذلك ويسر على عباده في بعض الأحكام التي يكون المرض سبباً في المشقة عندها، فجعلها بحسب قدرة المريض وإمكانه أو يُؤجّلها إلى الوقت الذي يتمكن فيه من أدائها، وبعض هذه التخفيفات ثبت بنصوص القرآن الكريم، وبعضها بأحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم، وبعضها باجتهادات الفقهاء، وإلى هذا المعنى يشير السالمي بعبارته فيقول: « ... لكن لما كان المرض موجباً للعجز كان سبباً لحطّ
(1) شبير محمد القواعد الكلية، ص 199.
(2) السالمي: طلعة الشمس، 254/ 2. (2/252)
صفحة 769
الفصل الثالث: القاعدة الكلية الكبرى الثالثة
253
بعض العبادات، فيحط عن المريض ما يشق عليه من العبادة، فكلما ازداد المرض قوة حط عنه من العبادة درجة، كما ظهر ذلك في الصلاة والصيام ... »). كما أن الأمراض التي تصيب الإنسان كثيرة ومتنوعة، قد يقتضي بعضها تخفيفات في مجال محدود، وقد يقتضي بعضها توسعاً في مجالات التخفيف، فالأمراض التي من شاكلة قرح المعدة أو الأمعاء، أو الداء السكري، أو الضغط الدموي يناسبها التخفيف في الصوم، والأمراض التي تتعلق بالعظام والمفاصل والعضلات، كالروماتيزم والشلل الجزئي أو الكلى يناسبها التخفيفات في مجال حركة الجسم كالتخفيف في حركات الصلاة، أو أعمال الحج، أو الجهاد وما شابهها.
ـ وهكذا ينبغي أن ينظر إلى الأمراض بوجه عام، وقد اختلف الفقهاء في المرض المبيح للتخفيف، فبعضهم اعتد بمطلق المرض، حتى ولو كان يسيراً، كوجع الضرس أو الأصبع أو الصداع الخفيف، وبعضهم لم يرتض ذلك، بل اقتصر في التخفيف على من لو لم يأخذ بالرخصة حلت به مشقة، أو لحق به ضرر، وتفصيل ذلك يعلم في مواضعه من كتب الفقه (3).
وبالجملة، فالمرض المبيح للرخص، هو المرض المؤثر على المكلف في جعله في حالة عجز ولو جزئياً، أو في حالة خوف من زيادة المرض أو تأخر الشفاء، وحتى لا يتساهل في هذا الأمر فينبغي للمريض أن يسترشد برأي الأطباء الحاذقين الملتزمين حتى يطمئن قلبه، ويعلم متى تباح له الرخصة ومتى
يمنع منها.
وقد تكلم العلماء عن طائفة من التخفيفات بسبب المرض دون أن يحددوا
(1) السالمي نفسه.
(2) الحضرمي أبو إسحاق: مختصر الخصال، ص 78 - الباحسين، قاعدة المشقة، ص 113. ـ عمر عبد الله كامل: الرخصة الشرعية، ص 127. (2/253)
صفحة 770
254
القواعد الفقهية عند الإباضية
أنواع
الأمراض وطبيعتها، وكلامهم ـ فيما يبدو ـ يشمل حتى الحمى والجراحات وغيرها، وسنكتفي فيما يأتي بذكر طائفة محدودة مما أورده
العلماء من التيسيرات سواء كانت في العبادات أو في غيرها.
وقد تحدث الشيخ أطفيش في «شامله عن أنواع الحمى تعقيباً على حديث ورد عن النبي: أن الحمى من فيح جهنم فأطفئوها بالماء البارد،
وحتى ساعة كفارة ذنوب شهر، وحمى يوم أو ليلة كفارة ذنوب سنة» (1). ومعنى كونها أنها من فيح جهنم: «أنها من نَفَسها، لأنها تتنفس في الصيف والشتاء كتنفس الحيوان كما رُوي أن الله أذن لها بنَفَسين، فاللهب الحاصل في الجسم المحموم قطعة من جهنم حقيقة قدر الله وكل ظهورها بأسباب تقتضيها ليعتبر العباد، كما أن أنواع الفرح واللذة من نعيم الجنة، أظهرها في هذه الدار عبرة ودلالة ... ) وعن أنس له: «إذا حُمَّ أحدكم فليرش عليه الماء البارد ثلاث ليال من السحر» (3). وعزف القطب الحمى وبيَّن أنواعها فقال: «إذ الحمى غريزية تشتعل في القلب، وتنتشر منه بتوسط الروح والدم في العروق إلى العروق إلى جميع البدن، وهي قسمان عرضية وهي الحادثة عن ورم أو حركة أو إصابة حرارة الشمس، أو القيظ الشديد ونحو ذلك. ومرضية تكون عن مادة، فإن كان مبدأ تعلقها بالروح فهي حمّى يوم
(1) متفق عليه، رواه البخاري، كتاب الطب، باب الحمى من فيح جهنم، رقم 5391، ومسلم، كتاب السلام، باب لكل داء دواء، رقم 2209، عن ابن عمر، دون الزيادة: «وحمّى ساعة كفارة ذنوب شهر وعبارة «حمى يوم أو ليلة كفارة ذنوب سنة». لأبي الدرداء، البيهقي،
الشعب، 167/ 7.
(2) أمحمد بن يوسف أطفيش، شامل الأصل والفرع، 128/ 1. (3) رواه النسائي في الكبرى، كتاب الطب، باب ذكر وقت تبريد الحمى بالماء، رقم 7612، والحاكم في المستدرك، كتاب الطب، رقم 7438، عن أنس، وقال: صحيح على شرط مسلم
ووافقه الذهبي. (2/254)
صفحة 771
الفصل الثالث: القاعدة الكلية الكبرى الثالثة
255
لا تقلع
غالباً
نمى دق، وهي
في يوم ونهايتها إلى ثلاث وإن تعلقت بالأعضاء الأصلية فهي أخطرها؛ وإن تعلقت بالأخلاط سميت عفنية، وهي بعدد الأخلاط الأربعة صفراوية وسوداوية وبلغمية ودموية، وتحت ذلك أصناف بسبب الإفراد والتركيب (1).
وقد وردت في المصنفات الإباضية فروعاً كثيرة في رخص المرض، أغلبها في أبواب الطهارات والصلاة والصوم والحج، نذكر بعضها كما يلي:
ثالثاً: التيسيرات في الطهارة
أ ـ في التيمم ففي الطهارة رخص له في التيمم بالتراب من أجل الصلاة عند الخوف على النفس أو العضو أو زيادة المرض أو بطء شفائه أو حدوث شيء قبيح في العضو ظاهر، ومن ذلك جواز المسح على الجبيرة أو ما يغطي الجروح (2).
وقد أباح الله التيمم لكل من عجز عن استعمال الماء، فذكر الشقصي بعض الأمور التي تمنع من ذلك منها المرض وعلل هذا الحكم فقال: «وأما عجز البنية فهو تعذر الوصول إليه (الماء) بما يمنعه منه من مرض، أو خوف عدو أو سبع، أو غير ذلك مما يخاف منه، كالحيات وأمثال هذا، وليس على الإنسان أن يحمل نفسه على المخاوف، ولا أن يكلفها المشقات، ولا يعرضها للمتالف، وقد يسر الله دينه لعباده تخفيفاً منه لهم
ورحمة وتفضلاً عليهم» (3).
(1) أطفيش: المصدر نفسه.
(2) الراشدي: جواهر القواعد، ص 112. - الكدمي، المعتبر، 139/ 4، 140. الشقصي: منهج الطالبين، 432/ 3 وما بعدها مسائل في الوضوء لذوي العلل والعاجز ومن له عذر. (3) الشقصي: منهج الطالبين، 346/ 3 (2/255)
صفحة 772
256
القواعد الفقهية عند الإباضية
أخذه،
وحكى الشماخي في «الإيضاح إجماع الفقهاء على إباحة التيمم للمريض: فقال: «اتفق العلماء على جواز التيمم للمريض ... والمريض الذي يجوز له التيمم عندهم من كان مُظِنَّا وَاهِي الأعضاء لا يستطيع تناول الماء، ويشق عليه كان يخاف من استعمال الماء زيادة المرض، أو تأخر المرض، أو تأخر البرء، مريضاً أو جريحاً أو مجدوراً، أو صاحب الدماميل، يضرهم الماء وما أشبه ذلك، وإن كان سالم الأعضاء مريضاً بعضها، فالخطاب متوجه إلى الأعضاء السالمة والغرض لازم لها).
ومن
ذكر صاحب الحاشية على «الإيضاح» تعليقاً على نص الشماخي ما نصه: «قال في «الديوان»: أو كانت لحيته تُنتف لأجل الماء؛ قلت: جعل في «الديوان» الزكام مرض مبيحاً للتيمم، وقيل: إذا اغتسل الرجل بماء وتغير لونه من بياض كان إلى سواد أو إلى حمرة، أنه يتيمم، أي إن كان من أجل الماء.
قوله: ومن كان يخاف من استعمال الماء ... إلخ. ظاهره سواء كان ناشئاً عن معرفة الطب أو لا، وعبارة الديوان ولا يجوز للرجل أن يغسل بالماء مع خوف أن يذهب الماء بعضو من أعضائه أو خاف الموت من أجل
الماء» (2).
ب - في وضوء أصحاب بعض الأعذار الداخلة في المرض: وقد ذكر العلماء طائفة من أصحاب الأعذار التي تعد من قبيل المرض، وقد أُعطيت حكماً واحداً في مجال الطهارة فخفف عنهم في الوضوء ولم يلزمهم به في كل صلاة مراعاة لعذرهم نذكر بعضها ويقاس
عليها غيرها.
(1) الشماخي: الإيضاح، 270/ 1 - 271.
(2) الشماخي: الإيضاح مع الحاشية للسدويكشي، 270/ 1 - 271. (2/256)
صفحة 773
الفصل الثالث: القاعدة الكلية الكبرى الثالثة
257
1 ـ في الاستحاضة وهي جريان الدم المستمر في غير أوانه، وهي نوع مرض يمثل حالة خاصة، وهي نزيف الدم من الرحم. قال الجيطالي: «دم الاستحاضة: وهو الخارج من الرحم من جهة المرض، وهو دم أحمر رقيق لا رائحة له يتميز لونه عن لون دم الحيض لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إنما ذلك دم عرق وليس بحيض» (1) (2).
وزاد القطب أطفيش على تعريف الجيطالي بياناً له فذكر بعض أوصافه فقال: «وهو دم عرق يرجع إلى الصفرة إذا ضعف أو تيبس، فما لم تميز الدم أنه دم حيض فلا تدع فرضا لا يقين ولا يحرم عنها ما حل قبل».
2 ـ في سلس البول وهو مرض ناتج عن ارتخاء أو ضعف عضلات
المثانة، مما يترتب عليه عدم القدرة على السيطرة على إمساك البول (4). 3 - في استطلاق البطن وهو مرض ناتج عن ارتخاء العضلات التي تتحكم بخروج الغائط، وتخفيفاً عليه يجوز له الجمع بين الصلاتين قال ابن بركة: «قال أصحابنا إن المبطون يجمع الصلاتين للمشقة عليه في الطهارة عند
،552
(1) متفق عليه، رواه البخاري، كتاب الوضوء، باب غسل الدم، رقم 226، 91/ 1، ومسلم، كتاب الحيض، باب المستحاضة وغسلها، رقم 333، 262/ 1، ورواه الربيع، كتاب النكاح، باب في المستحاضة، رقم ص 149، عن عائشة. ولفظ الحديث عن عائشة قالت: قالت فاطمة بنت أبي حبيش لرسول الله صلى الله عليه وسلم لا أطهر أفدع الصلاة؟ فقال لها: «إنما ذلك دم عرق نجس ليس بحيضة فإذا أقبلت الحيضة فاتركي لها الصلاة،
وإذا أدبرت وذهب قذرها فاغسلي الدم عنك وصلي وفي رواية أخرى: سئل النبي فقال: «تدع الصلاة أيام أقرائها التي كانت تحيض فيها ثم تغتسل وتتوضأ عند كل صلاة وتصوم وتصلي».
(2) الجيطالي: قواعد الإسلام،206/ 1، السالمي معارج الآمال 256/ 1. (3) أطفيش أمحمد: شامل الأصل، 235/ 1. - الكدمي، المعتبر، 28/ 3. ـ الشقصي خميس: منهج الطالبين، 274/ 3.
(4) الشماخي: الإيضاح، 263/ 1. ينظر: كلام المحشي السدويكشي في الحاشية على الإيضاح، المصدر نفسه. - وكذلك ينظر السالمي: المعارج، 256/ 10. (2/257)
صفحة 774
258
القواعد الفقهية عند الإباضية
كل صلاة والتعب الذي يلحقه» (1). وقال الشقصي: «والمبطون المسترسل البطن يجزيه التيمم). 4 ـ في انفلات الريح: وهو مرض ناتج عن عدم قدرة الشخص على السيطرة على خروج الريح؛ لاسترخاء في مقعدته (3). وحكم هذه الحالات الأربع ما عدا المستحاضة أن من تعرض لهم يتوضؤون لكل فرض، يؤدون بها الفرض والنفل والفوائت، فإذا خرج الوقت بطلت طهارتهم، وتجويز عبادة هؤلاء مع وجود النجاسة، فيه تخفيف عنهم لمشقة الاحتراز عنها في الحالات التي هي عليها. أما المستحاضة فقد اختلف الفقهاء في حكم طهارتها، هل تغتسل لكل صلاة؟ أم تغتسل لكل صلاتين وتتوضأ؟ أم تغسل الدم وتتوضأ للصلاة؟ فبعض الإباضية يرى أنها تغتسل لكل صلاة، وبعضهم جعلها تغتسل لكل صلاتين، ولعل بعضهم فهم أن الغسل يراد به غسل الدم وليس غسل الجنابة ولكل فريق أدلته، وقد أشار ابن بركة والشماخي والسالمي وغيرهم إلى هذا الخلاف في مصنفاتهم. ولعل من يرى أن المستحاضة تكتفي بغسل الدم ثم تتوضأ فقط هو القول الأيسر؛ لما فيه من رفع الحرج والمشقة عنها.
(1) ابن بركة: الجامع، 576/ 1، 577. - الجيطالي، قواعد الإسلام، 238/ 1. قال الجيطالي بعد أن أشار إلى جواز الجمع بين الصلاتين للمعذورين فقال: «وفيما يشبه مما يلحق فيه المشقة كالمستحاضة والمبطون والمريض الذي يخاف أن يغشى عليه، ولمن عليه أوقات الصلاة بالسحاب، وأشباه ذلك قياساً على المتفق عليه من الجمع في عرفة والمزدلفة، وفي السفر لاستواء العلة في الجميع وهي الرخصة لأجل المشقة». المصدر نفسه.
(2) الشقصي: منهج الطالبين، 351/ 3 و 434. (3) الحضرمي أبو إسحاق: مختصر الخصال، ص 78 - الحصكفي علاء الدين محمد بن علي الحصني (ت: 1088 هـ): الدر المختار بحاشية رد المحتار لابن عابدين محمد أمين بن عمر (ت: 1252 هـ)
مطبعة البابي الحلبي مصر 1386 هـ / 1966 م، 305/ 1. - النووي: المجموع، 541/ 2. (4) ابن بركة: الجامع، 2/ 237. ـ الشماخي، الإيضاح، 262/ 1، 263. ـ السالمي: معارج الآمال، 101/ 4 وما بعدها، وقد خالف قول ابن بركة والشماخي وبسط رأيه في هذه المسألة. (2/258)
صفحة 775
=
259
الفصل الثالث: القاعدة الكلية الكبرى الثالثة
ه ـ في نزيف الدم غير المنقطع سواء كان من جرح لا يرقأ، أو من رعاف مستمر، أو من باسور أو ناسور، أو غير ذلك، مما في معنى ما تقدم)، قال أبو محمد بن بركة: «النظر يوجب عندي أن المرعوف ومن لم يرقأ دمه أن الجمع للصلاتين يجزيه قياسا على المستحاضة، وهذا أشبه بأصول أصحابنا؛ لأن المستحاضة جاز لها الجمع للمشقة وكان الجمع من الله لها تخفيفاً عليها ورخصة). ووجه التخفيف والتيسير في الصور السابقة هو تجويز العبادة المشترط فيها الطهارة مع وجود النجاسة).
قد ورد عن الشارع ما ينبغي فعله في بعض الصور، كصورة الاستحاضة، ففيها ينبغي على المرأة أن تغسل أثر الدم ثم تعصب على الفرج خرقة على قطن يستمسك الدم، وتؤدي هذا الغرض - الحفائظ - المستخدمة في هذا العصر. وأساس هذا الحكم قول النبي الله الفاطمة بنت حبيش التي
اشتکت
إليه حالها وهي مستحاضة: توضئي لكل صلاة» (4). وأساس ما تفعله أخذ من قوله الله الحمنة: أنعتُ لك الكرسف)، قالت
فإنه أكثر من ذلك فقال: «تلجمي» (6).
(1) الشماخي: المصدر نفسه، 38/ 1 - 39.
(2) ابن بركة المصدر نفسه، 418/ 1. (3) السالمي: معارج الآمال، 281/ 3.
(4) هذا الحديث سبق ذكره عن عائشة في الصفات الأخرى، وهو حديث صحيح رواه البخاري وغيره،
فعن عائشة رنا أنها قالت: جاءت فاطمة بنت أبي حبيش إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله، إني امرأة أستحاض فلا أطهر أفأدع الصلاة؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا إنما ذلك عرق، وليس بحيض، فإذا أقبلت حيضتك فدعي الصلاة، وإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم ثم صلي»، قال: وقال أبي: «ثم توضئي لكل صلاة حتى يجيء ذلك الوقت». رواه البخاري في باب غسل الدم، ينظر: صحيح البخاري بشرح فتح الباري، 3311، 332. وفي باب الاستحاضة، المصدر نفسه، 409/ 1. (5) الكرسف: القطن.
(6) حديث حمنة حديث صحيح رواه أبو داود في السنن، كتاب الطهارة، باب من قال إذا
6
أقبلت الحيضة تدع الصلاة، رقم 287، 127/ 1، والترمذي في السنن، أبواب الطهارة، (2/259)
صفحة 776
260
القواعد الفقهية عند الإباضية
هذا وقد ثبت سائر الأمور الأخرى بالقياس على المستحاضة؛ للاتفاق في أنها جميعاً تمثل خروج نجاسة من البدن غير منقطعة).
رابعاً: التيسيرات في الصلاة:
في صفة صلاة المريض:
وفي الصلاة المفروضة طلب الشارع الرحيم من المريض أداءها بالكيفية التي يستطيعها، قاعدا أو مضطجعا أو مومئا، وجوز له التخلف عما فيه مشقة عليه، كالتخلف عن الجمعة والجماعة مع حصول الفضيلة، والجمع بين الصلاتين (2).
قال ابن بركة وللمريض أن يصلي حسب طاقته (3). ويبين الحضرمي أحكام صلاة المريض فيقول: «وصلاة المريض على
أربعة أنواع:
المستحاضة تتوضأ لكل صلاة، رقم 128، 221/ 1 ورواه باللفظ المذكور في المتن، إلا قوله (تلجمي) فإنه في حديث الترمذي خاصة، وفي رواية أبي داود: «فاتخذي ثوباً» بدل «تلجمي» قال النووي (ت: 676 هـ) وهما بمعنى واحد، وهو جزء من حديث طويل مشهور، قال الترمذي: هو حديث حسن صحيح: «سألت محمداً [البخاري] عن هذا الحديث؟ فقال هو حديث حسن صحيح». ينظر: المجموع، 533/ 2، ورواه ابن ماجه في سننه، كتاب الطهارة، باب ما جاء في المستحاضة، رقم 622، 203/ 1، عن حمنة
بنت جحش.
(1) يرى بعض العلماء أن تصحيح صلاة المستحاضة، مع وجود النجاسة، مما عدل به عن القياس، فلا قياس في هذه المواضع، وإنما هي في معنى ما أخذت حكمه، فالنص الوارد في القيء والرعاف جعلوه وارداً في سائر الأحداث والوارد في المستحاضة جعلوه وارداً فيمن به سلس البول وانفلات الريح. ينظر: المغني، للخبازي،
ص
293 - 291
(2) الراشدي: جواهر القواعد، ص 112. - الجيطالي، قواعد، 246. ـ السالمي، المعارج،
182/ 3
(3) ابن بركة: الجامع، 578/ 1. (2/260)
صفحة 777
الفصل الثالث: القاعدة الكلية الكبرى الثالثة
261
أحدها: أن يصلي على حسب طاقته قائماً أو قاعداً أو مضطجعاً بالإيماء. الثاني: أن لا يقدر على الإيماء ويستطيع القراءة والتكبير والتسبيح، فإنه يصلى كذلك ويجزيه.
الثالث: أنه لا يقدر على القراءة والتكبير والتسبيح، فإنه يصلي كذلك ويجزيه. أن لا يقدر على القراءة ويستطيع التكبير، فإنه يجزيه أن يكبر لكل
الرابع:
فريضة خمس تكبيرات (1).
خامساً: التيسيرات في الصوم
وفي الصوم أباح الشارع للمريض الفطر في رمضان، والخروج من المعتكف، ولا يجب عليه التتابع في القضاء إذا كان مريضاً، والانتقال من الصوم إلى الإطعام في كفارتي الظهار والإفطار المتعمد في نهار رمضان، وأجاز لمن كان فيه عجز دائم كالشيخ الهرم ترك الصيام مع وجوب الفدية عليه)، قال تعالى: {فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ} (البقرة: 184).
متى يباح الإفطار للمريض؟ تحدث الجيطالي عن المرض الذي يجوز به الإفطار، وأشار إلى سبب اختلاف الفقهاء في شأنه فقال: أما المرض الذي يجوز فيه الفطر، فذهب قوم إلى أنه المرض الغالب، وهو الذي يلحق من الصوم معه مشقة، وقيل: هو ما ينطلق عليه اسم مرض، وقال أصحابنا هو المرض الذي يضعف عن الصوم ويحتاج معه إلى الإفطار، ولا يقدر أن يأكل فيه ما يبلغه إلى الليل (3)، وقال
(1) الحضرمي: مختصر الخصال، ص 88. (2) الراشدي الجواهر، ص 112. ـ الخليلي أحمد بن حمد الفتاوى الكتاب الأول، ص 350. (3) الجيطالي: قواعد الإسلام، 99/ 1. (2/261)
صفحة 778
262
القواعد الفقهية عند الإباضية
آخرون: إذا لم يشته المريض الطعام جاز له أن يفطر ويأكل ويشرب، وقال من
قال:
حتى
لا يقدر
أن يصوم»).
ويؤكد هذا المعنى ما جاء في النيل وشرحه بما نصه: سه: «أُبيح الإفطار لمريض عجز عن أكل مبلغ ليلاً غير مطيق به بذلك (صوماً)، ولو كان لا يموت بالصوم ولا تفوت جارحة منه ولا خاصية ولا بعض (وقيل: إن كان طعاماً) ولو أطاق الصوم، وقيل إن لم يقدر على الصوم حتى
لا يشتهي
أنه
صام مات أو ماتت جارحة أو عضو منه أو خاصية كما قال، (وعجز عن الصوم)، والتحقيق إباحته لمريض تلحقه المشقة من أجل الصوم، وقيل: إذا صح إطلاق المريض عليه ولو قدر على الصوم).
-
وسبب الخلاف هو ما اختلفوا بسببه في حكم السفر، أي هل يباح الإفطار عند وجود المشقة الشديدة أم يباح لمجرد وجود المرض مطلقاً؟ لأن النصوص لم تقيد نوع المرض بل أطلقته وتركت الأمر للمكلف يحدده بنفسه، أو إلى أصحاب الخبرة من الأطباء الثقات، ولعل ترك الرخصة مطلقة دون تقييد فيه يسر على المكلف، إلا أن تدخل رأي الأطباء في هذا الموضوع أفضل حتى لا يتساهل الناس في دينهم ويقعون في المحظور. هذا وقد أشار الشماخي أيضاً إلى سبب اختلاف الفقهاء في صفة المريض الذي يجوز له الإفطار، فذكر أن سببه معارضة ظاهر اللفظ والمعنى، وذلك أن ظاهر قوله تعالى: {فَمَن كَانَ مِنكُم قَرِيضًا} (البقرة: 184)، يبيح الأكل لكل من وقع عليه اسم المرض ومن اعتبر المعقول من ظاهر اللفظ لم يبح الإفطار لكل مريض، بل للمريض الذي تلحقه المشقة من أجل الصوم، واختار هذا القول وصححه فقال: «وهذا القول عندي أصح» (3).
(1) الشماخي: الإيضاح، 176/ 3. (2) أطفيش: شرح كتاب النيل، 353/ 3. (3) الشماخي نفسه، 176/ 3 – 177. (2/262)
صفحة 779
الفصل الثالث: القاعدة الكلية الكبرى الثالثة
263
ويشير القطب إلى منشأ الخلاف في المسألة فيقول: «وسبب الخلاف أن بعضاً راعى مطلق لفظ المريض فأباح الإفطار به ولو أطاق الصوم بلا مشقة ولا ضر، كما أُبيح الإفطار للمسافر ولو كان لا تلحقه، وكما يقصر ولو لبث في قرية، والباقين راعوا ذلك مع مراعاة أن الإفطار دفع لمشقة أو مضرة» (1).
سادساً: التيسيرات في الحج
وفي الحج رخص له في الاستنابة فيه أو في بعض أفعاله، كرمي الجمار، وإباحة محظورات الإحرام كلبس الثياب أو حلق الرأس مثلاً الفدية (2). مع سئل الشيخ بيوض عن حكم النيابة عن الغير في الحج فقال: «إن النيابة في الحج جائزة عندنا معتبرة عند الإباضية، وعند كثير من المذاهب الإسلامية لصحة الحديث بذلك (3)، لكنها لا تجوز إلا عن ميت أو عاجز هرم، أو مرض لا يستطيع معه الحج بنفسه، ولا تجوز عن صحيح مستطيع مطلقاً، إلا إن منع بسجن مؤبد أو طويل الأمد خاف معه الفوت» (4).
(1) أطفيش: شرح النيل، 353/ 3. (2) النفوسي أبو حفص عمرو بن فتح ـ أصول الدينونة الصافية، تحقيق: حاج أحمد بن حمو كروم الطبعة الأولى، 1420 هـ / 1999 م، ص 112، 113. - الجيطالي: قواعد الإسلام،
127/ 2، 128 و 178، 179. ينظر: الراشدي، جواهر القواعد، ص 112، 113. (3) يشير إلى الحديث الخثعمية التي جاءت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت له: يا رسول الله إن فريضة الله على عباده في الحج أدركت أبي شيخاً كبيراً لا يستطيع الثبوت على الراحلة أفأحج عنه؟ قال لها: أرأيت أن لو كان على أبيك دين فقضيته أكان مجزياً عنه؟ قالت نعم قال: فذاك ذاك». رواه الترمذي، كتاب الحج، باب الحج عن الكبير والميت، رقم بن بريدة، والنسائي في السنن، كتاب مناسك الحج، باب تشبيه قضاء الحج بقضاء الدين، رقم 2639، عن ابن عباس قال الترمذي: حديث صحيح.
عبد الله
،929
عن
(4) بيوض إبراهيم بن عمر، فتاوى الإمام الشيخ بيوض، ترتيب وتقديم وتخريج بكير محمد
الشيخ بالحاج المطبعة العربية، ط 1988 م، 309/ 1. (2/263)
صفحة 780
264
القواعد الفقهية عند الإباضية
سابعاً: التيسيرات في المعاملات
تصرفات المريض مرض الموت:
مرض الموت هو ما اجتمع فيه وصفان: أولهما أن يغلب فيه الهلاك عادة والتعرف على ذلك يكون من قبل الأطباء، وطبيعة المرض، وحالة المريض نفسه.
ثانيهما: أن يعقبه الموت متصلاً به، سواء كان الموت سببه ظاهراً، أو كان بسبب آخر أفضى إلى الموت كقتل، أو غرق، أو حريق، أو تصادم أو غير ذلك (1). ونظراً لكون المريض مرض الموت قد يتصرف تصرفاً يلحق ضرراً بالورثة أو الدائنين، فإن الشارع أقر الحجر عليه كلياً أو جزئياً، بحسب ما تقتضيه الحالة، رعاية لمصلحة الورثة أو الدائنين ورفعاً للحرج والمشقة أو الضرر عنهم. وللفقهاء في تصرفاته تفصيلات كثيرة تعود في حقيقتها إلى رفع الحرج
ودفع المشقة عن أصحاب الحقوق ورعاية لمصالحهم.
وتنقسم تصرفات المريض إلى قسمين: الأول: مرض غير مخوف عليه، مثل: الرشح والحمى والإسهال، وهذا النوع لا يمنع تصرفات المريض، فيجوز أن يتصرف في ماله وتصح عقوده. الثاني: مرض مخوف عليه بالموت، مثل مرض السرطان والطاعون، والرعاف الدائم، والكوليرا وغيره من الأمراض الخطيرة، وهذا النوع يحجر على تصرفات من كان مريض مرض الموت، وبهذا قال الجمهور من الفقهاء من الإباضية والحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة، وقالوا بمنع المريض من تصرفه بماله فيما زاد عن الثلث، وقد صرح بذلك ابن جعفر الأزكوي والسالمي، واحتج الجمهور بأدلة من السُّنَّة والقياس (2).
(2)
(1) أحمد بن إبراهيم الالتزامات في الشرع الإسلامي، ص 147. (2) تراجع هذه الأدلة في الهامش من جامع ابن جعفر، 355/ 4. (2/264)
صفحة 781
الفصل الثالث: القاعدة الكلية الكبرى الثالثة
265
وخالفت الظاهرية الجمهور وقالت: لا يمنع المريض مرض الموت من
التصرف في أمواله، فقط ويمنع في العبيد لورود نصوص في ذلك. - يقول ابن جعفر الأزكوي في إقرارات المريض وتصرفاته: «والمريض يجوز إقراره في ماله كله ووصيته في ثلث ماله ولا يجوز بيعه ولا شراؤه ولا قضاؤه وعطاؤه، وللورثة أن يتموا ذلك أو ينقضوه ويعطوا ثمن
المال الذي باعه إن كان قبض الثمن، وقيمة المال الذي قضاه إياه. وأما العطية في المرض فقال من قال: إنها بمنزلة الوصية وتجوز في ثلث ماله، وبعض ضعف ذلك وهو رأينا ().
ويتضح من عبارة ابن جعفر أنه وافق الجمهور في العقود التي تتم بين طرفين، كالبيع والشراء فأجازها في حدود الثلث، ومنعها إذا زادت عليه، وخالفهم في التصرفات التي تقوم على الإرادة المنفردة، أي تصدر من طرف واحد كالهبة والهدية؛ لأنها لا تحتاج إلى موافقة الطرف الآخر أو
رفضه.
ويشير السالمي في سياق حديثه عن تصرفات المريض مرض الموت إلى الحكمة من حجر تصرفاته في تلك الحالة فيقول: «وكان ينبغي أن لا يتعلق بماله حق الغير ولا يثبت الحجر عليه بسببه، لكنه إذا ظهر أن سبب موته علة لخلافة الوارث والغريم في المال، فكان المرض سبب تعلق حق الوارث والغريم في المال؛ لأن أهلية الملك تبطل بالموت، فيخلفه أقرب الناس إليه، والذمة تزول بالموت فيصير المال الذي هو محل قضاء الدين مشغولاً بالدين، فيخلفه الغريم في المال، فيوجب المرض الحجر على المريض في مقدار حق الوارث والغريم، فيحجر عليه التصرف فيما عدا ثلث المال؛ لأن حق الوارث الثلثين ولنا الثلث صدقة من الله علينا زيادة في أعمالنا، ويحجر
(1) ابن جعفر المصدر نفسه، 355/ 4 - 356.
عليه (2/265)
صفحة 782
266
القواعد الفقهية عند الإباضية
التصرف في قدر حق الغريم، فإن كان حق الغريم مستغرقاً للمال أوجب
الحجر في المال كله، وإن كان دون ذلك فيكون الحجر في قدره .... ويضيف في السياق نفسه ولا حق للوارث والغريم في قدر نفقة المريض وأجرة الطبيب وشراء الدواء ونحو ذلك مما لا بد للمريض منه، فإنه مقدم على حق الوارث والغريم فيثبت تصرف المريض في ذلك وإن كان المال مستغرقاً بالدين مثلاً، وتصح وصيته من الثلث إن لم يكن المال حق للغريم،
ويصح
وإن كان فيه حق الغريم فتصح وصيته في ثلث الباقي بعد حق الغريم ... له أن ينفذ حق الله من المال، كالزكاة ونحوها من الحقوق ولو بلغ في المرض مبلغاً عظيماً؛ لأن المرض لا ينافي الأهلية كما مر، ولا حق للغريم ولا للوارث في حق الله تعالى فيصح للمريض إخراج حق الله تعالى من
ماله ... » (2)
مجمل القول:
:
وهكذا يمكن أن يستنتج من عبارة السالمي أنه يوافق الجمهور في منع تصرفات المريض مرض الموت، ولا يسمح له إلا في حدود الثلث، إذا كانت تتعلق بحقوق العباد كالديون والبيوع، أما ما يتعلق بنفقاته على نفسه كالمعيشة والعلاج، وكذلك ما يتعلق بحقوق الله، كالزكاة والحج، فقد أجازها مطلقاً دون تحديد، وهذه إضافة هامة ذكرها لم يتعرض لها ابن جعفر وغيره، إلا أنه قد نخالفه في نفقاته على نفسه، فإذا ظهر منه الإسراف والتبذير فإننا نمنعه من ذلك، وتكون في حدود ما يسمح به العرف وتعارفه الناس في مثله؛ لأنه يصبح تصرفه بذلك يشبه تصرفات السفهاء الذين يجب
عليهم الحجر.
(1) السالمي: العقد الثمين، 4/ 110 - 111.
(2) السالمي: المصدر نفسه. (2/266)
صفحة 783
الفصل الثالث: القاعدة الكلية الكبرى الثالثة
267
وقد لخص أبو إسحاق الحضرمي أحكام عقود المريض مرض الموت، فأبطل معظمها، واستثنى منها سبعة أمور، فقال: «وعقود المريض كلها باطلة إلا في سبع خصال: أحدها: الوصية، الثاني: النكاح، الثالث: الطلاق، الرابع الخلع، وتكون الزيادة في الثلث على قول، الخامس: الإقرار بالدين والولد، والسادس: عتقه وتدبيره ويكون في الثلث، السابع: الرجعة، قال قيس بن سليمان (1): وجدت في الأثر أن إبراءه من الدين وإقراره بالمال للوارث وغير الوارث جائز» (2).
ولكن الفقهاء اختلفوا في إقراره بالمال للغير لحق وجب عليه ولم يقضيه،
فإن أقر بكل ماله فللورثة حق الخيار في تنفيذه كاملاً أو صرف قيمته. وقد وضح السالمي هذه المسألة في سؤال ورد عليه بما نصه: «عن قولهم فيمن أقر بجميع ماله أو بشيء منه في المرض، فالورثة بالخيار إن شاؤوا أعطوا القيمة وإن شاؤوا المال، بخلاف ما إذا كان الإقرار في الصحة فإنه يثبت ما أقر به خاصة ما وجهه؟».
فأجاب: «قاسوا إقراره في مرضه على قضائه غير أن الإقرار ثابت في نفسه، فلم يمكن إلغاؤه في نفسه، وجعلوا الورثة مخيرين بين دفع القيمة والمال، بيان ذلك أنه إذا أقر أحد بماله في المرض فكأنه قضاه إياه عن حق لزمه لما علموا أن المال ماله، وإذا شاء به القضاء في هذه الصورة خير الورثة فيه إما أن يسلموه تماماً لما قضاه الهالك، وإما تُسلَّم القيمة نقضا لتصرف المريض، ولا يوجد شيء من هذا المعنى مع الإقرار في الصحة، فلذلك ثبت ما أقر به» (3).
(1) لم نقف على ترجمته، ولعله والد أبي إسحاق إبراهيم بن قيس بن سليمان الحضرمي الهمذاني (ت: ق 6 هـ). ينظر: معجم أعلام الإباضية بالمشرق، 11/ 1.
(2) الحضرمي أبو إسحاق: مختصر الخصال، ص 146.
(3) السالمي العقد الثمين، 109/ 4 - 110. (2/267)
صفحة 784
المطلب الثالث
من أسباب التيسير النسيان
أولاً: معنى النسيان:
6
النسيان في اللغة ضد الذكر والحفظ والنون والسين والياء كما يذكر ابن فارس (ت: 395 هـ) أصلان صحيحان، يدل أحدهما على إغفال الشيء: تقول نسيت الشيء إذا لم تذكره نسياناً، ويدل الآخر على الترك وعلى ذلك قوله تعالى: {نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ} (التوبة: (6). وما عدا ذلك فشاد عن هذين الأصلين). وقيل: هو الذهول والغفلة وعدم الذكر (3).
وفي الاصطلاح قيل إنه عدم استحضار الشيء وقت الحاجة إليه (3). وقيل: إنه الغفلة عن معلوم في غير حالة السيئة، وقيل: إنه ترك الإنسان ضبط ما استودع، وقيل: إنه غيبة الشيء عن القلب بحيث يحتاج إلى تحصيل
جديد (ه).
واختلفوا في الفرق بينه وبين السهو، والمعتمد أنهما مترادفان في المدلول
المراد منهما عند الأصوليين خلافاً لمن زعم أن بينهما فرقاً (6).
(1) ابن فارس: معجم مقاييس اللغة، 421/ 5 - 422.
(2) الراشدي: جواهر القواعد، ص
120
1322 هـ.
(3) المرداوي أبو الحسن بن علي بن سلمان (ت: 885 هـ): التحرير بشرح التنوير والتحبير لابن أمير الحاج محمد بن محمد بن حسن الحنفي (ت: 879 هـ) حقق التحرير أحمد محمد السراح وعبد الرحمن الحبرين، ود. عوض محمد القرني، نشر مكتبة الرشد الرياض، 1423 هـ / 2002 م 2/ 176 – 177. ـ والأنصاري بشرح مسلم الثبوت، المطبعة الأميرية ببولاق مصر، (4) المناوي عبدالرؤوف: تاج العارفين (ت: 1031 هـ) التوقيف على مهمات التعارف، ص 224، تحقيق: عبد الحميد صالح حمدان، نشر عالم الكتب، مصر، ط 2، 1410 هـ / 1990 م. (5) الكفوي: الكليات، ص 506.
(6) ابن نجيم: الأشباه والنظائر، ص 302. - ومما فرق بينهما أنهم قالوا: إن النسيان زوال
= (2/268)
صفحة 785
الفصل الثالث: القاعدة الكلية الكبرى الثالثة
269
وهو لا ينافي الأهلية في كثير ولا في قليل ولا ينقص منها، ولكنه يعد معذرة شرعية تسقط المؤاخذة في بعض الحالات رحمة بالناس ورفعاً للحرج
(2)
والمشقة عنهم وقد جعلت الشريعة النسيان عذراً وسبباً مخففاً في حقوق الله تعالى لقوله تعالى: {رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِن نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا} (البقرة: 286). فالله سبحانه رفع عنا إثم السهو والنسيان والخطأ غير المقصود، ومعتمد العلماء في اعتبار النسيان عذراً للمكلف للقوله: رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه» (3). ولأن المحاسبة عليه نوع من تكليف ما لا يطاق). والمقصود هنا رفع الإثم والعقاب، لا رفع عين الخطأ أو النسيان، وهذا من دلالة الاقتضاء؛ لأن الخطأ والنسيان إذا وقعا لم يرفعا (5) - (6) فقد دل الحديث على رفع حكم
الصورة عن القوة المدركة مع بقائها في الحافظة، والسهو زوالها عنهما، ومما فرق بينهما قول بعضهم إن السهو يكون لما علمه الإنسان ولما لا يعلمه والنسيان لما غرب بعد حضوره والمعتمد أنهما مترادفان ينظر الكفوي، الكليات، ص 506. (1) الحموي أحمد: غمز عيون البصائر، 106/ 1. - التفتازاني سعد الله بن مسعود بن عمر (792 هـ): التلويح في كشف حقائق التنقيح، مطبعة دار الكتب العربية، 1327 هـ، وطبعة
دار العهد الجديدة للطباعة مصر دت، 169/ 2.
810
(2) الزرقا مصطفى: المدخل الفقهي العام، الهامش ص (3) رواه ابن ماجه، کتاب الطلاق باب طلاق المكره والناسي، رقم 2045، عن أبي ذر الغفاري بلفظ: «إن الله تجاوز عن أمتي ... » ولفظ: «وضع». وابن حبان في صحيحه، كتاب إخباره عن مناقب الصحابة، باب فضل الأمة، رقم 7219، 202/ 16، عن ابن عباس. بلفظ و «تجاوز». قال النووي: حديث حسن». ينظر: ابن حجر، تلخيص الحبير، 281/ 1. وأخرجه الطبراني في المعجم الكبير للطبراني ـ باب الثاء باب من اسمه ثعلبة ـ ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو صحيح حديث: 1416 عن ثوبان. السنن الصغير للبيهقي ـ باب طلاق المكره - حديث: 2090، وبلفظ «وضع» عن عقبة بن عامر.
(4) الرازي فخر الدين مفاتيح الغيب، 289/ 2. (5) باجو مصطفى: منهج الاجتهاد عند الإباضية، ص 617. (6) ابن رجب جامع العلوم والحكم، ص 272. (2/269)
صفحة 786
270
القواعد الفقهية عند الإباضية
النسيان وهذا الحكم مشترك؛ لأنه إما أخروي وإما دنيوي، والأخروي مراد به الإثم والدنيوي مراد به الفساد أو البطلان والظاهر أن الحكم الأخروي وهو الإثم مرتفع عمن نسي واجباً أو ترك مأموراً لم يفعله، وإلى هذا الحكم ينصرف الفهم للحديث.
قال ابن رجب النسيان أن يكون ذاكر الشيء فينساه عند الفعل، وهو معفو عنه بمعنى لا إثم فيه، ورفع الإثم لا ينافي أن يترتب على نسيانه حكم). وأما الحكم الدنيوي المتمثل فيما يفعل بالواجب المنسي، فليس في الحديث ما يفيد إسقاط هذا الواجب على العموم؛ لأن حق الله مبناه على المسامحة، وحقوق العباد مبناها على المشاحة والمطالبة، فلا يكون النسيان عذراً فيها، ولذا وجب القضاء لتبرأ الذمة إلا ما أفاده النص على خلاف ذلك، كمن أكل أو شرب في نهار رمضان ناسياً، فلا قضاء عليه عند الإباضية والحنفية، وذلك لما جاء في الحديث عن أبي هريرة عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا نسي أحدكم فأكل وشرب، فليتم صومه فإنما أطعمه الله وسقاه»). وإطعام الله الذي لا دخل للصائم فيه لا يفسد الصيام فلا شيء عليه، وقيل بدل
يومه (3).
(1) ابن رجب: المصدر نفسه.
(2) رواه البخاري في صحيحه، كتاب الصوم، باب الصائم إذا أكل أو شرب ناسياً، ص 331، حديث: 1933، وجاء أيضاً في البخاري كتاب الأيمان والنذور، باب: إذا حنث ناسياً في
ص
،1186
الأيمان،، عن أبي هريرة، ورواه أيضاً الإمام مسلم في صحيحه بمعنى الذي رواه البخاري، كتاب الصوم باب أكُلُ الناسي وشربه وجماعه لا يفطر، ص 487 حديث: 171، عن أبي هريرة. وأخرجه ابن ماجه في السنن بلفظ البخاري، في حديث رقم 6669، بنفس الطريق كتاب الصيام، باب ما جاء فيمن أفطر ناسياً، ص 281، ح، ر، 1673، ورواه غيرهم. (3) نسب القول الأول إلى جماعة من الصحابة والتابعين ومنهم جابر بن زيد، ونسب الثاني إلى أكثر الإباضية وهو رأي مالك، ينظر: عبد الله بن حميد السالمي، معارج الآمال على مدارج الكمال، 144/ 18، وزارة التراث القومي والثقافة، سلطنة عُمان 1404 هـ / 1984 م. مطابع سجل العرب د. ت ـ الجناوني، كتاب الوضع، ص 156. (2/270)
صفحة 787
الفصل الثالث: القاعدة الكلية الكبرى الثالثة
271
ثانياً: شروط اعتبار النسيان عذراً
وقد ذكر بعض العلماء شروطاً لاعتبار النسيان عذراً حتى نستطيع ضبطه، وصرح السالمي بشرط واحد وهو ألا يكون الناسي مقصراً في فعله، فإن كان مقصراً فلا يعتبر نسيانه للفعل عذراً شرعياً، فيلزمه تحمل ما يترتب
عليه.
يقول في هذا المعنى: اعلم أن النسيان مسقط لحق الله عن العباد إذا لم يكن الناسي مقصراً في ذلك، فلا إثم عليه من فؤتِ الصلاة أو الصوم أو نحوهما نسياناً، وكذلك لا كفارة عليه لعدم تقصيره؛ لأن الكفارات نوع عقوبة ولا عقوبة على غير المقصر، أما لو قصر في أداء ذلك الواجب فإنه يلزمه على تقصيره ما يلزمه المقصر مثاله:
لو سها المصلي حتى أكل أو شرب أو اضطجع نائماً أو نحو ذلك، فإنه يكون في هذه الصورة ونحوها مقصراً إذ لو لم يكن مقصراً في المحافظة على عبادته لما سها هذا السهو في حق الله.
وتأكيداً لهذا المعنى فقد نقل ابن جعفر في «جامعه» عن محمد بن محبوب أنه قال: بلغني أن رجلاً صعد نخلة لجابر بن زيد انه يخرفها له (أي يقطف ثمارها فلما نزل الرجل من النخلة قال لجابر به ما نزلت إليك إلا وقد شبعت من الرطب، قال له جابر: لا بأس عليك من ذلك، رزق رُزقته».
فيفهم من كلامه أنه نسي كونه صائماً فأكل التمر، وربما قد تعود قبل رمضان فعل ذلك، ولم يأمره الإمام جابر بن زيد بقضاء يومه؛ لأنه غير متعمد. ولكن ذهب بعض الإباضية إلى وجوب قضاء ذلك اليوم، فعن موسى بن علي أنّ من أكل ناسياً وهو صائم فعليه بدل ما مضى من صومه).
(1) ابن جعفر الجامع 1723. (2/271)
صفحة 788
272
القواعد الفقهية عند الإباضية
أما حق العباد فلا يسقط بالنسيان بل يجب عليه غرمه مطلقاً (أي سواء كان مقصراً أو لم يكن كذلك، ولا إثم عليه فيما أتلفه بالنسيان؛ لأن حرمة
الإتلاف من حقوق الله تعالى بمعنى أنه تعالى هو الذي حرم ذلك (1). هذا وقد أضاف الحنفية إلى شرط عدم التقصير قيداً آخر حتى يعتد به وهو «ألا تكون معه حالة مذكرة ينسب معها التقصير، ولا يترتب عليه
حكمه، ولهذا لو أكل المكلف في الصلاة ناسياً لا تبطل عندهم). فقد بنوا كلامهم في شأن النسيان على الظروف المحيطة به؛ إذ إنهم نظروا إلى طبيعة حصول النسيان فإن كان بتقصير من المكلف فلا يكون عذراً، وإن لم يكن بتقصير فإنه يعتبر عذراً (3).
وبناء عليه يكون المكلف مقصراً إن أقدم على الفعل مع وجود المذكر وانتفاء الداعي، كالأكل في الصلاة ناسياً فإن هيئة المصلي مذكرة له مانعة من النسيان، إذا لاحظها ودعاء الطبع إليه في الصلاة منتف عادة، فتفسد صلاته ولا يكون نسيانه عذراً، ويكون غير مقصراً إن أقدم على الفعل مع عدم وجود المذكر سواء وجدت الداعية إليه أم لم توجد.
—
صومه
فمثال ما وجدت الداعية مع انتفاء المذكر: أكل الصائم في حالة ناسياً، فإنه ليس في الصوم هيئة مذكرة به، كما أن طول مدته تدعو الطبع
إلى الأكل.
(1) السالمي: طلعة الشمس، 249/ 2.
(2) ولا يبدو لنا أن قوله في الأكل في الصلاة ناسياً لا تبطل صحيح، فإن الأصح في المذهب الإباضي بطلانها، قال السالمي في «المعارج» في سياق حديثه عن الفعل في الصلاة: «ولا يقصد به إصلاحها إذا كان عملاً وفعله عمداً أو سهواً، مثال ذلك: إن كسر حبة تين في فمه وهو يصلي من غير عمد فلا إعادة عليه، وإن كسرها وبلعها فسدت على العمد والسهو؛ لأنه عملان». ينظر: المعارج للسالمي 206/ 11، وما بعدها.
(3) البخاري صدر الشريعة عبد الله بن مسعود: التوضيح بشرح التلويح، 2/ 161. ـ المرداوي: التحرير بشرح التقرير والتحبير، 177/ 2. (2/272)
صفحة 789
=
273
الفصل الثالث: القاعدة الكلية الكبرى الثالثة
:
ومثال ما لم توجد الداعية إليه مع انتفاء المذكر ترك الذابح التسمية ناسياً،
فإنه لا
يوجد مذكر يدعو إلى إحضارها بالبال أو إجرائها على اللسان، كما
أنه لا يوجد داع إلى تركها على ما قالوا). إذن فالتقصير حاصل عند وجود المذكّر، وعدمه حاصل عند عدمه، ولكن ينبغي أن يضاف إلى ذلك اشتراط قصر المدة فيه ليكون عذراً، وبذلك تتم قاعدة متفق عليها في ذلك.
—
مطلقاً
وفي رأينا إن ربط العذر في النسيان بعدم التقصير أولى من ربطه بالمنهيات وهو اختيار السالمي؛ لأن الأعذار إنما تكون للمغلوب على أمره أو غير القادر على الفعل لعجز فيه، أو لكون الفعل مقدور له، وفيما عدا ذلك فإن أمرها إلى الله تعالى إن شاء عفا وإن شاء لم يعف.
هذا ويري محمد عبده (2) (ت: 1323 هـ) وتلميذه محمد رشيد رضا (3)
(1) ابن نجيم: الأشباه والنظائر، ص 106/ 1. ـ أحمد الحموي: غمز عيون البصائر، 106/ 1. ـ الباحسين: قاعدة المشقة،
ص
123 - 124
(2) محمد عبده بن حسن خير الله من آل التركماني (1266 - 1323 هـ/ 1849 - 1905 م): مفتي الديار المصرية، ومن كبار رجال الإصلاح والتجديد في الإسلام. تعلم بالجامع الأحمدي. بطنطا، ا، ثم بالأزهر. وتصوف وتفلسف. وعمل في التعليم، وكتب في الصحف ولا سيما جريدة الوقائع المصرية) وقد تولى تحريرها. وأجاد اللغة الفرنسية بعد الأربعين. سافر إلى باريس فأصدر مع صديقه وأستاذه جمال الدين الأفغاني جريدة (العروة الوثقى) وعاد إلى بيروت فاشتغل بالتدريس والتأليف. وسمح له بدخول مصر، فعاد سنة 1306 هـ / 1888 م، وتولى منصب القضاء، ثم جعل مستشاراً في محكمة الاستئناف، من مصنفاته: تفسير القرآن الكريم لم يتمه، ورسالة التوحيد. وشرح نهج البلاغة. وشرح مقامات البديع الهمذاني والإسلام والرد على منتقديه. والإسلام والنصرانية مع العلم والمدنية.
(3) محمد رشيد بن علي رضا بن محمد شمس الدين بن محمد بهاء الدين بن منلا علي خليفة القلموني، البغدادي الأصل، (1282 - 1354 هـ / 1865 - 1935 م): صاحب مجلة (المنار) وأحد رجال الإصلاح الإسلامي من الكتاب العلماء بالحديث والأدب والتاريخ والتفسير.
ولد ونشأ في القلمون (من أعمال طرابلس الشام وتعلم فيها وفي طرابلس. وتنسك، ونظم (2/273)
صفحة 790
274
القواعد الفقهية عند الإباضية
(1354 هـ) أن الناسي مما يصح المؤاخذة عليه وأنه يقع بتقصير من الشخص نفسه، قال رشيد رضا وقد أخطأ القرافي في «فروقه» بما كتب في هذا المقام خطأ ندعو الله أن يغفر له).
وعبارة القرافي التي ذكرها في «الفروق» كانت في بيان الفرق بين الجهل والنسيان، قال: «وأما الناسي فمعفو عنه لقوله: «رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه (2) وأجمعت الأمة على أن الناسي لا إثم عليه فيه من حيث الجملة، فهذا فرق، وفرق ثان هو: إن النسيان يهجم على العبد قهراً لا حيلة له في دفعه عنه، والجهل له حيلة في دفعه بالتعلم» (3). وتعقب الباحسين قول محمد عبده ورشيد رضا وناقشهما، وبين أنه ليس في قول القرافي ما يدعو إلى التشنيع، فعبارته كانت في شأن المقارنة بين الجهل والنسيان، ولم يقل إن النسيان معفو عنه في حقوق العباد، بل ذكر الإجماع بعد ذلك في نفي الإثم من حيث الجملة، وهذا دليل على أنه لم يكن يقصد حقوق العباد. ثم وضح أن هذا ليس رأي القرافي وحده، بل هو الرأي السائد عند العلماء الخطأ والنسيان فإنه متفق على عدم المؤاخذة
) ·
المتقدمين، قال الشاطبي: به، فكل فعل صدر عن غافل أو ناس أو مخطئ فهو مما عفي عنه» (4).
الشعر في صباه، وكتب في بعض الصحف، ثم رحل إلى مصر سنة 1315 هـ فلازم الشيخ محمد عبده وتتلمذ له. وكان قد اتصل به قبل ذلك في بيروت. ثم أصدر مجلة (المنار) لبث آرائه في الإصلاح الديني والاجتماعي. وأصبح مرجع الفتيا، في التأليف بين الشريعة والأوضاع العصرية الجديدة من أشهر: آثاره مجلة (المنار) أصدر منها 34 مجلداً، و (تفسير القرآن الكريم - ط) اثنا عشر مجلداً منه، ولم يكمله.
(1) محمد عبده ورشيد: رضا تفسير المنار، 148/ 3، 150.
(2) تقدم تخريجه.
(3) القرافي: الفروق، 149/ 2.
(4) الشاطبي: الموافقات، 1/ 164 – 165. (2/274)
صفحة 791
الفصل الثالث: القاعدة الكلية الكبرى الثالثة
275
وتعميم محمد عبده ورشيد رضا قدرة الإنسان في استبعاد النسيان لا تسلم له، نعم إن من النسيان ما يقع من تقصير، وهذا يشمله حكم التخفيف على ما علمناه سابقاً، وقد روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذ أراد أن يذكر حاجته شد خيطاً في إصبعه (1)، ولكن ليس كل شيء يمكن تذكره بذلك (2). وبيان أن بعض النسيان لا يصلح عذراً صحيح ولا نزاع فيه. قال الرازي: «الإنسان إذا تغافل عن الدرس والتكرار حتى نسي القرآن يكون ملوماً، وأما إذا واظب على القراءة، لكنه بعد ذلك نسي فها هنا يكون معذوراً، فثبت أن النسيان قسمين منه ما يكون معذوراً ومنه ما لا يكون معذورا (3).،وإذن فالنسيان الذي يكون عذرا هو النسيان في المواضع التي يترتب على عدم اعتباره فيها مشقة بالمكلف، وهي المواضع التي لا تقتصر فيها ولا يترتب عليها مشقة بغيره إن روعي ذلك.
—
هذا وقد أضاف الشافعية شرطين آخرين لضبط النسيان حتى يكون عذراً معتبراً شرعاً وهما:
1 - أن لا يكثر الفعل المرتكب نسياناً، كما في الكلام في الصلاة، وكذا الأكل في الصوم عند بعض العلماء.
وقد خالف الإباضية والحنفية ما ذهب إليه الشافعية والحنابلة، فاعتبروا
من تكلم سهواً في الصلاة قليلاً أو كثيراً فسدت صلاته وعليه الإعادة. ونقل السالمي هذه الأقوال في «المعارج» فقال: «في من تكلم ساهياً،
(1) ذكره ابن شاهين في ناسخ الحديث، ومنسوخه، عن ابن عمر رقم 581 - 583، 442/ 1. وقال: «أسانيدها جميعاً منكرة ولا أعلم أنه يصح منها رواية العراقي: سنده ضعيف. تخريج أحاديث الإحياء، 304/ 2. نقل العجلوني عن أبي حاتم قال: هذا الحديث باطل. كشف الخفاء، 338/ 2. ينظر: الرازي، مفاتح الغيب، 389/ 2.
(2) الباحسين قاعدة المشقة، ص 126.
(3) الرازي: المصدر نفسه، 389/ 2. (2/275)
صفحة 792
276
القواعد الفقهية عند الإباضية
فذهب أصحابنا ـ الإباضية ـ وطائفة من قومنا منهم أبو حنيفة وأصحابه إلى أنه يستقبل صلاته؛ لأن الكلام مفسدة على العمد والنسيان، ودليل المنع لم يفرق بين حال النسيان وحال العمد» (1). وقالت طائفة من قومنا يبني على صلاته ولا إعادة عليه، وهو قول الشافعي وأحمد، ونسبه ابن المنذر (2) إلى عروة بن الزبير قال وصوبه ابن عباس وروي ذلك عن ابن مسعود.
رفع
ولعل حجتهم: «رفع عن أمتي الخطأ، والنسيان والسهو مثل الخطأ، وإذا
عنه ذلك فلا نقض عليه به.
والجواب: أن المراد رفع الإثم عن الخطأ والنسيان لا رفع جميع أحكامهما، فإن القاتل خطأ تلزمه أحكام قتل الخطأ مع أنه لا إثم عليه إجماعاً
فكذلك ها هنا.
وتوضيح الجواب: إن الكلام من أسباب النقض للصلاة وأن الأسباب لا يراعى فيها العمد والنسيان فهو كالخارج من السبيلين ينقض كيف ما كان على العمد أو النسيان.
ويبدو أن لهذا الشرط وجهاً عند الحنفية، قال المرغيناني: «فإن أكل أو شرب عامداً أو ناسياً فسدت صلاته، أنه عمل كثير وحالة الصلاة مذكرة» (3)،
(1) يشير إلى الحديث الذي قال النبي صلى الله عليه وسلم: إن صلاتنا هذه لا يصلح فيها شيء من كلام الناس وإنما هي التسبيح والتهليل وقراءة القرآن حديث صحيح رواه مسلم من حديث معاوية بن الحكم السلمي، وللحديث قصة تراجع في صحيح مسلم بشرح النووي، 20/ 5، والشوكاني، فتح القدير، 281/ 1. (2) محمد بن إبراهيم بن المنذر النيسابوري، أبو بكر (242 - 319 هـ/ 856 - 931 م): فقيه مجتهد، من الحفاظ. كان شيخ الحرم بمكة. قال الذهبي ابن المنذر صاحب الكتب التي لم يصنف مثلها. منها «المبسوط» في الفقه، و «الأوسط في السنن والإجماع والاختلاف» و «الإشراف على مذاهب أهل العلم»، و «اختلاف العلماء». و «تفسير القرآن».
(3) المرغيناني: الهداية، 64/ 1. (2/276)
صفحة 793
الفصل الثالث: القاعدة الكلية الكبرى الثالثة
277
فقد علل لفساد الصلاة بكثرة العمل في حالة مذكرة، أما الكلام في الصلاة فهو مفسدة عند الحنفية، ولو لم يكن كثيراً، خلافاً للشافعية وعمدتهم في ذلك النص وهو قوله صلى الله عليه وسلم: إن صلاتنا هذه لا يصلح فيها شيء من كلام الناس وإنما هي التسبيح والتهليل وقراءة القرآن» (1).
لذلك
وهذا الشرط مبنى على الغالب من النسيان هو ما يقصر أمده ولا يستمر على طول الزمن إلا ما نذر، وقد لاحظ السالمي هذا الجانب فجعله قيداً لهذا الشرط، فمن تكلم أو استمع أو فعل فعلاً زائداً في الصلاة ينظر فيه، فإن فعله مرة أو مرتين فلا تفسد صلاته، وإن تكرر وطال أمده فسدت صلاته، ووضع ضابطاً فقهيّاً يضبط هذه الجزئيات، وهو أن كل ما طرأ على الإنسان على غير العمد فإنه لا ينقض إلا إذا طال، ومثل لذلك بقوله: «فلو أشغل نظره بغير ما يخص الصلاة متعمداً نقض عليه، وإن فعل ذلك ناسياً فلا نقض عليه حتى يتطاول. وكذلك من يستمع. بأذنه إلى الشيء من غير أمر الصلاة متعمداً، وإن استمع ناسياً فلا ينقض حتى يطول سمعه. وكذلك من اشتغل قلبه عن صلاته ساهياً فإنه لا ينقض إلا إن طال وكذلك كل فعل لم يكن صلاحاً لصلاته فإنه إن فعله عامداً انتقضت صلاته، وإن كان ناسياً فحتى يطول» (2).
ثم اختلفوا في قدر الطول، فذكر السالمي أن بعضهم لم يجعل له حدا، وحدده آخرون بقدر ثلاث تسبيحات، وسئل بعضهم ـ ولعله أبو سعيد الكدمي ـ عن توقف المصلي عن القراءة للاستماع إذا توقف قدر عشر تسبيحات قال: «هذا يكثر ويتباعد قيل له فكم يعجبك؟ قال: قدر ثلاث تسبيحات وهو أكثر ما يكون» (3).
(1) رواه مسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب تحريم الكلام في الصلاة، رقم.
معاوية بن الحكم السلمي.
(2) السالمي: معارج الآمال، 194/ 11.
(3) السالمي نفسه، 202/ 11 - 203.
عن (2/277)
صفحة 794
278
القواعد الفقهية عند الإباضية
2 - أما الشرط الآخر الذي أضافه بعض علماء الشافعية لاعتبار النسيان عذراً شرعيّاً، وهو: أن لا يسبقه تصريح بالتزام حكمه، كما لو قال: والله لا أدخل الدار عامداً ولا ناسياً فدخلها ناسياً.
قال الباحسين: «وهذا الشرط لا وجه له لمخالفته النصوص ومبادئ التيسير في الشريعة، ونقل عن القاضي حسين ما يؤيد قوله وهو أنه: قد يستشكل بالقاعدة السابقة أن ما وسعه الشارع فضيقه المكلف على نفسه، فهل يتضيّق؟
كما لو نذر النفل قائماً والصوم في السفر، والأصح لا؛ لأنه لا يتضيق). ويبدو أن الإباضية لم يأخذوا بهذا الشرط، ولعل ما ذكره الباحسين في
فساد هذا الشرط هو ما دعاهم إلى الاستغناء عنه وعدم اعتماده، والله أعلم. والحاصل أن في الشروط المتقدمة ما يلقي الضوء على هذا الجانب، ويضبطه حتى نفرق بين النسيان الذى يعتبر عذراً من غيره، وما يترتب عليه من أحكام تتعلق بحقوق الله أو بحقوق العباد.
(1) الزركشي: المنثور في القواعد 274/ 3. الباحسين: قاعدة المشقة، ص 122 - 123. (2/278)
صفحة 795
أولاً: معنى الإكراه
المطلب الرابع
من أسباب التيسير الإكراه
الإكراه في اللغة: اسم من كرهت الشيء أكرهه كرهاً، وأصله في اللغة على خلاف الرضا والمحبة، والكره أن تكلف الشيء فتعمله كارهاً، وهو
الحمل على الأمر قهراً و أ (1). وفي الاصطلاح حمل الغير على ما لا يرضاه من قول أو فعل بحيث لا يختار مباشرته لو خلّي ونفسه (2)، وبعبارة أخرى حمل الغير على ما يكرهه بالوعيد (3)، والإلزام والإجبار على ما يكره الإنسان طبعاً أو شرعاً فيقدم على عدم الرضا ليرفع ما هو أضر.
وعرفه السالمي بتعريف قريب من هذا المعنى وزاده توضيحاً وهو: «الجبر ويعبّر عنه بالإكراه، وهو حمل الغير على أن يفعل ما لا يرضاه ويختار مباشرته لو خلّي ونفسه، فيكون معدماً للرضى لا للاختيار، إذ الفعل يصدر عنه باختياره حيث آثر الجانب الأسهل على الجانب الأشق» (4).
والمقصود بالرضا: هو الرغبة في الشيء والارتياح إليه، وأما الاختيار هو القصد إلى مقدور متردد بين الوجود والعدم بترجيح أحد جانبيه على الآخر، فإن استقل الفاعل في قصده فاختياره صحيح، وإن لم يستقل فاختياره فاسد (ه). والإكراه لا ينافي أهلية الوجوب ولا الخطاب بالأداء لبقاء الذمة والعقل والبلوغ.
(1) ابن فارس: معجم مقاييس اللغة، 173/ 5.
(2) البخاري صدر الشريعة (792 هـ): التوضيح بشرح التلويح، 169/ 2. ـ المرداوي: التحرير
بشرح التقرير والتحبير، 206/ 2.
(3) الجرجاني: التعريفات، ص 37. (4) السالمي: طلعة الشمس، 271/ 2.
(5) البخاري صدر الشريعة المصدر نفسه، 196/ 2. (2/279)
صفحة 796
280
القواعد الفقهية عند الإباضية
قال السالمي: بعد بيان معنى الإكراه ولذا كان الجبر غير مناف للخطاب، فإن الخطاب الشرعي متوجه للمجبور فتثبت الأحكام الشرعية في حقه، لكن خفف عليه بسبب الإكراه» (1).
ولأن ما أكره عليه إما أن يكون فرضاً كالإكراه على شرب الخمر بالقتل، أو مباحاً كالإكراه على الإفطار في شهر رمضان أو رخصة كالإكراه على إجراء كلمة الكفر على اللسان، أو حراماً كالإكراه على قتل مسلم بغير حق، وكل ذلك من آثار الخطاب (2).
والإكراه وإن لم يناف الأهلية لكن الشارع اعتبره عذراً في كثير من الحالات وسبباً من أسباب التخفيف رفعاً للحرج وتيسيراً على الناس بالقدر الذي لا يؤدي إلى إضرار الآخرين وممتلكاتهم "
الله
ويدل على اعتبار الإكراه سبباً من أسباب المشقة الموجبة للتيسير قوله تعالى: مَن كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَنِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَنُ} (النحل: 106). أي
لم تتغير عقيدته.
وجه الدلالة: أنه يجوز للمكره - بفتح الراء - القول ولو شركاً إجماعاً. نقل الشوكاني عن القرطبي قوله أنه أجمع أهل العلم على أن من أكره على الكفر حتى خشي على نفسه القتل أنه لا إثم عليه إن كفر وقلبه مطمئن بالإيمان ولا تبين منه زوجته ولا يحكم عليه بحكم الكفر). ويدل عليه قوله صلى الله عليه وسلم: «إن الله تجاوز عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه).
(1) السالمي: المصدر نفسه، 271/ 2.
(2) البخاري صدر الشريعة، نفسه، 196/ 2. - والمرداوي نفسه، 206/ 2. ـ الجناوني، كتاب الوضع، مختصر في الأصول والفقه، ص 157.
(3) البخاري صدر الشريعة نفسه. - المرداوي نفسه - الجناوني: المصدر نفسه. (4) الشوكاني: مرجع سابق، 212/ 3، نقلاً عن القرطبي بن عبد الله محمد بن لأحكام القرآن، ج 182/ 10.
أحمد: الجامع
(5) سبق تخريج الحديث. (2/280)
صفحة 797
الفصل الثالث: القاعدة الكلية الكبرى الثالثة
281
ثانياً: شروط الإكراه:
ويشترط لتحقيق الإكراه الذي تبنى عليه الأحكام عدة شروط يمكن استخراجها من نص عبارة العلقمي) التي نقلها السالمي في مشارقه»: «وحد الإكراه أن يهدد قادر على الإكراه بعاجل من أنواع العقوبات يُؤثر العاقل لأجله الإقدام على ما أكره عليه، وقد غلب على ظنه أنه يفعل به ما هدده به إن امتنع مما أكرهه عليه، وعجز عن الهرب، والمقاومة والاستغاثة بغيره، ونحوها من أنواع الدفع). ويمكن أن نلخص هذه الشروط فيما يلي:
-
أن يكون المكره (الحامل) قادراً على تنفيذ ما هدد به من قتل أو غيره والمكره (الفاعل) عاجز عن التخلص مما هدد به، بهروب أو مقاومة أو استغاثة، فإن لم يكن المكره متمكناً من ذلك وكان المكره (الفاعل) بعدم قدرة الحامل عليه كان تهديده لغواً لا عبرة به. أن يتيقن المكرَه (الفاعل) أو يغلب على ظنه أن المكره (الحامل) سيوقع ما هدد به، ولو لم يجب إلى ما دعي إليه فيفعل ما أكره عليه تحت تأثير
عالماً
هذا الخوف. - أن يكون التهديد واقعاً بما يلحق ضرر بالنفس، بإتلافها أو إتلاف عضو منها، كأن يهدد بقتل أو قطع عضو أو ضرب شديد أو بما دون ذلك، كالحبس المديد والقيد مما يشق على المكره تحمله وهو الإكراه الملجئ، أما التهديد بإتلاف المال ففيه تفاصيل عند الفقهاء.
(1) محمد بن عبد الرحمن بن علي بن أبي بكر العلقمي: شمس الدين (897 - 969 هـ/ 1491 - 1561 م): فقيه شافعي، عارف بالحديث من بيوتات العلم في القاهرة. كان من تلاميذ الجلال السيوطي، ومن المدرسين بالأزهر. من مصنفاته: الكوكب المنير بشرح الجامع الصغير. وقبس النيرين على تفسير الجلالين ومختصر إتحاف المهرة بأطراف العشرة. (2) السالمي نور الدين مشارق أنوار العقول، تعليق سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي، تحقيق: عبد المنعم العاني، دار الحكمة، ط، 1416 هـ / 1995 م، و ص 573، بتصرف. (2/281)
صفحة 798
282
القواعد الفقهية عند الإباضية
بيع
4 - أن يكون الإكراه بغير حق، وهو ما لا يقصد منه الوصول إلى غرض مشروع، أما إذا كان بحق كإجبار المدين على ماله للوفاء بدينه، وإجبار المالك على بيع أرضه للدولة لتوسيع الطريق العام، أو إخلاء المحل المستأجر بعد انقضاء المدة، فلا يعد إكراهاً معتبراً. أن يكون الإكراه عاجلاً بأن يهدد بتنفيذه في الحال، أما إذا هدد أنه سينفذ في الغد فلا يعتبر إكراهاً.
-
ثالثاً: أثر الإكراه على المحظورات الشرعية في أحكام الآخرة تناول علماء الفقه والأصول موضوع الإكراه، ونال نصيباً موفوراً من البحث والتحليل، مما أفرز لنا نظرية كاملة في الفقه الإسلامي، تجلت تطبيقاتها في معظم الفروع الفقهية وبخاصة في مجال المعاملات. ويختلف حكم ما أكره عليه من حيث الإقدام على الفعل أو عدمه،
وخلاصة ذلك أن الإكراه إذا كان ملجئاً، فالأفعال بالنسبة إليه ثلاثة:
1 - ما يباح بالإكراه كأكل الميتة والدم ولحم الخنزير وشرب الخمر: عدد أبو العباس أحمد الفرسطائي صوراً كثيرة تجوز فيها التقية، ويرد بها غائلة الموت، كالإكراه على قول الهين اثنين وتحقيق الباطل وإبطال الحق وولاية الكافرين، والبراءة من المسلمين باللسان دون القلب، وإثبات النسب لغير أهله، أو نفيه عن أهله، وإنكار الزوجة، وإثباتها وإثبات المال لغير صاحبه، وإنكاره عن صاحبه.
وفي الجماع في رمضان، اختلاف فمنهم من جوزه ومنهم من أبطله، وأما الأكل في رمضان فجائز على التقية، فهذه الوجوه التي ذكرناها، فهو فيها مخير، إن أخذ برخصة الله فهو معذور، فإن مات على دينه فمأجور ... ).
(1) أبو العباس: كتاب أبي مسألة،
ص (2/282)
صفحة 799
الفصل الثالث: القاعدة الكلية الكبرى الثالثة
283
واختلفوا كذلك في أكل الميتة والدم ولحم الخنزير منهم من جوز أكلها بالتقية، ومنهم من لم يجوز أكلها إلا بالمخمصة التي ذكر الله في كتابه لقوله: فَمَنِ اضْطُرَ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمِ} (المائدة: 3).
وحدد أبو العباس الوجوه التي لا يجوز فيها التقية، ولو أدت إلى الموت وهي: قتل النفس التي حرم الله قتلها من بني آدم كلها كائناً ما كان، وما دون النفس من الجروح والضرب والفساد في الأنفس كلها أحياء كانوا أو أمواتاً، وأكل أموال الناس بالتعدية كله، والفساد فيها من غير حله، والتجسس في الأنفس والأموال، وقذف المحصنات والشهادة بالزور، والفتوى بغير الحق، وإلقاء السلاح للعدو وإعطاء لباسه إياه، وشرب الخمر، وأكل أقذار بني آدم، النجس الذي لم يكن فيه اختلاف العلماء في نجسه، فإنه يموت
وجميع
ولا يفعل شيئاً من هذا كله).
- وفي هذه النماذج ضوابط لترتيب الأولويات، فحفظ النفس من المقاصد الكبرى للشارع، ولكن لا يجوز أن ينجي نفسه بالتضحية بنفس بريئة، وهو
ما حدده الرسول بقوله: كن عبد الله المقتول ولا تكن عبد الله القاتل (2). وكذلك حفظ أعراض المحصنات، وحرمة الفتوى بغير الحق، وتقوية العدو بالسلاح، فهذه كلها لا تستباح بحجة حفظ نفس الإنسان؛ لأنها مقدمة في الاعتبار لمساسها بالصالح العام، وهذا أولى من مصلحة إنسان واحد يهدد بالقتل، فيصبر ويذهب إلى ربه شهيداً (3). وقد ذهب ابن بركة إلى الترخيص في بعض هذه الصور حيث يكون
(1) أبو العباس: المصدر نفسه، ص 143 - 144. (2) رواه أحمد، باقي مسند الأنصار، حديث خالد
بن
عر
عر
بن فطة، رقم 22552، والحاكم في مستدركه، فطة، رقم 5223، والطبراني في الكبير، باب الخاء،
كتاب معرفة الصحابة، مناقب خالد خالد بن عرفطة، رقم 4099، ابن حجر: ضعيف لكن اعتضد». تلخيص الحبير، 84/ 4.
(3) باجو: منهج
ص 756 - 757. الاجتهاد، (2/283)
صفحة 800
284
القواعد الفقهية عند الإباضية
الإكراه على فعل دون القتل؛ لأن القتل متفق على عدم جوازه، إذ ليس للإنسان أن يفدي نفسه بإزهاق نفس غيره، ولكن يفديها بما، دونها، ولذلك أجاز شرب الخمر وأكل الميتة وقذف المحصنات؛ إن خاف على نفسه القتل أو الضرب الشديد المؤدي إلى الهلاك.
الرأي المختار:
من خلال عرض آراء فقهاء الإباضية في هذه المسألة يظهر أن الرأي الأعدل والأقرب للصواب هو تحريم الفعل المضر بالغير مطلقاً؛ للعلة التي ذكرناها، ولأنه يتسامح في حق الله ما لا يتسامح في حق العباد، إذ حقوق الله مبناها المسامحة، وحقوق العباد مبناها المشاححة، فالقياس على الكفر قياس
مع
الفارق) والله أعلم. يقول ابن بركة في هذا الشأن في أسلوب حواري بديع: «فإن قال: فإن أكرهه الجبار بشرب الخمر أو الميتة أن يأكلها هل له فعل ذلك؟ قيل له: نعم إذا خاف على نفسه؛ لأن الله جل ذكره قد أباح ذلك في الاضطرار بقوله وعمل: فَمَنِ اضْطُرَ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإثْمِ} (المائدة: 3)، {فَمَنِ اضْطُرَ غَيْرَ باغ وَلَا عَادِ} (الأنعام: 145).
فإن قال: فإن كلفه أن يقذف المحصنات أو يقول في أحد المسلمين ما ليس فيه هل يجوز له ذلك؟ قيل له نعم إذا خاف على نفسه القتل أو الضرب الشديد المؤدي إلى الهلاك.
فإن قال ولم أجزتم قذف المحصنات عند الاضطرار والقدح في المسلمين؟ قيل له: إن قذف المحصنات هو كذب عليهن، وكذلك القول في المؤمن بما ليس فيه ولا يشبهه هو كذب، وقد أباح الله جل ذكره عند الاضطرار الكذب لقوله: {مَن كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَنِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ
(1) باجو: المرجع السابق، ص
Vov (2/284)
صفحة 801
الفصل الثالث: القاعدة الكلية الكبرى الثالثة
285
وَقَلْبُهُ مُطْمَينُ بِالْإِيمَنِ} (النحل: 106)، فعَذَره في هذا الحال وهو يقول: إن الله ثالث ثلاثة وهذا أعظم الكذب؛ لأنه كذب على الله تعالى، فالكذب على المسلمين أيسر إذا لم يعرف المعاريض، ومن المعاريض أن يقول: إن محمداً
يكذب على الله، وهو يقصد شخصاً اسمه محمد وليس رسول الله (1). وتأكيداً لما تقدم يقول السالمي: «وكذلك يجوز للمجبور الترخص بفعل بعض المحرمات: اعلم أن المحرمات منها ما لا يصح الترخص بفعله عند الإكراه، ومنها ما يصح التقية به ... وأما المحرم الذي يصح التقية به، فكأكل الميتة والدم ولحم الخنزير وجميع ما أبيح في الضرورة؛ لأن الإكراه نوع من الاضطرار فينبغي ألا يعطى أحكامه في صحة الترخص، لكن لما كان المجبور لم يحمل نفسه على الهلكة بترك التقية من أكل الميتة ونحوها، وإنما حمله على ذلك الجبار جوزنا له ترك الترخص، بخلاف ضرورة الجوع فإنه إن لم يترخص فيها يكون حاملاً لنفسه على الهلاك، فيجب عليه الترخص هنالك» (2). والذي نفهمه من عبارة السالمي أنه يخيّر المكرَه بين الأخذ بالرخصة في أكل الميتة ونحوها تقية من جبر الحاكم، وله أن يترك الرخصة والتقية ويمتنع من أكل الحرام عزيمة وهو موافق لابن بركة، وذهب الفخر الرازي وسعد الدين التفتازاني وغيرهما إلى وجوب الأخذ بالرخصة في أكل الميتة عند الإكراه، وجعلوه كضرورة الجوع. وعقب عليهم بقوله: «والفرق بينهما واضح». كما ذهب بعض الإباضية إلى منع الترخص بأكل الميتة ونحوها في حالة الإكراه، وقصروا جواز الترخص بذلك في حالة المخمصة وهو اختيار أبي العباس أحمد عملاً بمفهوم قوله تعالى: {فَمَنِ اضْطُرَ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإِثْمِ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} (المائدة: 3).
(1) ابن بركة الجامع، 1911 - 192.
(2) السالمي: طلعة الشمس، 272/ 2. (2/285)
صفحة 802
286
القواعد الفقهية عند الإباضية
واعترض عليهم السالمي بقوله: أنه لا مفهوم للمخمصة في الآية؛ لأنها إنما ذكرت لكونها الأغلب من حالات المضطر، ففي العادة أنه لا يضطر غالباً إلى أكل الميتة ونحوها إلا الجوع الشديد.
وخلص إلى القول بأنه يُترك الخيار للمكره، إن شاء أخذ بالرخصة أو بالعزيمة، ولا فرق بينهما قياساً بمن تلفظ بالكفر وهو مؤمن، أو ترك ذلك فيقول: «ومن لم يأخذ بالرخصة في شيء من هذه الأمور، لكنه تمسك بالعزيمة حتى قتل عليها أو عذَّب، حاز بذلك من الله المقام الأكمل، إذ لا يلزمه الترخص في شيء منها بل الترخص فيها كلها جائز فقط خلافاً لمن أوجب التقية بأكل الميتة وأشباهها، ونحن نقول إنه لا فرق في الإكراه بين بالعزيمة في ترك التلفظ بالكفر وفي ترك الترخص بأكل الميتة).
الأخذ
والحاصل: بعد النظر في أدلة الفريقين يبدو أن ما ذهب إليه السالمي وابن بركة هو الرأي الراجح، وتميل إليه النفس؛ لأن فيه مراعاة لطبائع الناس وميولاتهم، فمنهم من له قوة التحمل أمام الإكراهات، ومستعد للتضحية بنفسه وماله وأهله، في سبيل الثبات على المبدأ، ومنهم من يضعف أمام الجبابرة والطغاة، فيلجأ إلى الرخصة، ويأخذ بها تخفيفاً على نفسه ودفعاً للحرج للمشقة.
2 ـ ما يرخص فيه الإكراه من غير أن يسقط حرمته: كإجراء كلمة الكفر على اللسان مع اطمئنان القلب، أو الصلاة إلى الصليب، أو إتلاف مال المسلم، فهذه الأمور وأمثالها لا تباح إطلاقاً، ولكن يرخص في فعلها في الظاهر عند الإكراه الملجئ أو التام، فالفعل لا يباح هنا
ولكن يمنع المؤاخذة والمسؤولية).
(1) السالمي: طلعة الشمس، 272/ 2.
(2) الزحيلي وهبة نظرية الضرورة في الشريعة الإسلامية، ص 84. (2/286)
صفحة 803
الفصل الثالث: القاعدة الكلية الكبرى الثالثة
287
وفي هذا المعنى يقول السالمي: فثبتت الأحكام الشرعية في حقه (المكره) لكن خفف عليه بسبب الإكراه، إذ جوّز له الترخص في كثير من الأحكام حتى في كلمة الشرك، فيصح للمجبور المكره على الشرك أن يتلفظ بكلمة الشرك إذا كان قلبه مطمئناً بالإيمان قال تعالى: {إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَينُ بِالْإِيمَنِ} (النحل: 106). كذلك يصح له الترخص بترك العبادات البدنية إذا أكره على تركها، كما لو أكرهه جبار على ترك صلاة الظهر مثلاً، وكان قائماً عليه لا يفارقه حتى مضى الوقت كان لهذا المجبور أن يترك أركان الصلاة مما يخشى في فعله الهلاك على نفسه ويصلي كيف ما أمكنه حتى ولو لم يمكنه (إلا) التكييف في نفسه كيفها أي لا يتلفظ بها بل يُسرها في صدره) وكان ذلك عذراً له، وذلك أن الترخص قد صح في كلمة الكفر وهو هنا أولى). - وكذلك يصح للمجبور الترخص بإتلاف مال الغير، فإذا أكره الجبار أحد على إضاعة مال غيره جاز له التقية يذلك، فصح له إتلافه بشرط ضمانه لصاحبه، ومعنى ذلك أنه لا يكون آثماً في إتلافه؛ لأن النفوس تفدى بالمال ولا عكس، وإنما أوجبنا عليه الضمان لئلا يضيع مال الغير في غير شيء). - ويبين ابن جعفر في «جامعه» حكم من أكره غيره على الإفطار في رمضان فيقول: «وعن رجل أكره رجلاً على إفطار يوم من شهر رمضان، قال: على من أكرهه الكفارة، وليس على المستكره إلا بدل يومه، كذلك الصلاة على المكره الكفارة، وليس على المكره إلا بدل صلاته» (3). واستدل السالمي على جواز الأخذ بالرخصة في هذه الأمور، قياساً على رخص الصلاة والصوم في السفر والمرض والخوف، وهذا قياس الأولى لدفع الحرج والمشقة على المكرَه، وتخفيفاً عنه، فيقول في هذا الصدد: «وأيضاً فقد
(1) السالمي: طلعة الشمس، 271/ 2 - 272.
(2) السالمي: نفسه، 273/ 2.
(3) ابن جعفر: الجامع، 175/ 3. (2/287)
صفحة 804
288
القواعد الفقهية عند الإباضية
ثبت الترخص في أمور الصلاة والصوم ونحوهما بأعذار دون الإكراه، كالسفر والمرض وهو نوع من أنواع الخوف الشديد فينبغي أن تثبت فيه رخص
الخوف» (1).
3
ـ ما يحرم الإقدام عليه مطلقاً:
وذلك كقتل النفس، وجرح الغير، والزنا وغيرها. قال السالمي في هذا الصدد: «أما الذي لا يصح الترخص به عند الإكراه، فهو قتل المسلم بغير حق، أو إتلاف عضو منه أو جرحه أو نحو ذلك مثل الزنا وأشباهه، فإن التقية في مثل هذا لا تصح حتى لو أكره الجبار أحد على جرح مسلم، فإن لم يفعل قتله لزمه أن لا يفعل؛ لأن نفسه أولى بالسلامة من نفس غيره، وأما الزنا فإنه بنفسه لا يقبل الإكراه، حتى لو زنا عُدَّ مختاراً للزنا؛ لأن الآلة لا تساعده إلا عند الرضى» (2). وقد انتبه السالمي إلى ملحظ دقيق قد يغفل عنه البعض، وذلك كأن يزني الزاني ويدعي أنه أكره على الزنى، ولا يقدر على تركه، وفعله مكرهاً، فيرد عليه السالمي: أن فعل الزنى من الرجل يكون مختاراً؛ لأن في حالة الإكراه وعدم الرضى لا تطاوعه نفسه على الانتصاب لعدم الرغبة فيه، فيفشل في عملية الوقاع، فهذه العملية معقدة تحتاج إلى راحة البال، ورغبة في الجماع، ولو طاوعته الزانية على نفسها، وخاصة إذا تذكر الله وعذابه يوم الجزاء، لقوله: «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن ... » أما المرأة إذا أكرهت على الزنى فلا تستجيب للمكره، وعليها أن تدفعه بما تقدر عليه من مقاومة، وفي هذا يقول ابن بركة: «وإن أكرهت على الزنى
(1) السالمي: المصدر نفسه، 272/ 2.
(2) السالمي نفسه.
(3) متفق عليه، رواه البخاري، كتاب الحدود، باب الزنا وشرب الخمر، رقم 6772، ومسلم، كتاب الإيمان، باب نقصان الإيمان بالمعاصي، رقم 57. (2/288)
صفحة 805
الفصل الثالث: القاعدة الكلية الكبرى الثالثة
289
فتحرم عليها المطاوعة، وترك الاضطراب، وعليها أن تمسك جوارحها، وليست كالرجل؛ لأن الفعل منه، فالمرأة ليس لها فعل).
رابعاً: صور أخرى من الإكراه
أ - في حكم طلاق المكره وسائر معاملاته المالية:
وعن حكم طلاق المكره وعتقه وسائر تصرفاته المالية بحث السالمي هذه المسألة وأشار إلى اختلاف العلماء فيها، وقال: «أما القول بوقوعهما فمبني على أنهما لا يتقي بهما، فإن تلفظ بهما ثبتا عليه، فتكون التقية بإتلاف ماله في عبده وحقه من زوجته وأما القول بأنهما لا يقعان فلصدورهما عن غير اختيار قياساً لهما على سائر التصرفات الممنوعة، فإن بيع المكره على بيع وشراءه إذا أكره على الشراء لا يثبتان وكذلك العصمة فإن العتق والطلاق مثله على هذا القول» (2). ولعل هذا الرأي هو الأعدل والأرفق من غيره لما فيه من يسر وتخفيف
على المكره، ورفع الحرج والمشقة عنه.
ب - في الإكراه على اليمين:
يرى الفقهاء أن أيمان الجبابرة لا حنث فيها، قياساً على حال عمار بن ياسر له لما أجبر على الكفر بالله، فلم يُلزمه الله في ذلك تبعة، لا شيء عليه فيما يعطيهم من الأيمان تحت الإكراه، لأنه يتقي أذاهم بذلك (3). بل قد يكون ذلك واجباً في بعض الأحيان، لإنقاذ روح مسلم بريء، كمن أخذه الظلمة وقالوا له: احلف لنا أن هذا ليس بفلان - لرجل أسروه ليقتلوه ـ، فإن أبى عن اليمين، قتلوا الرجل المأسور عندهم، فقد ذهب بعض الإباضية إلى أنه هالك، وضامن لدية القتل.
(1) ابن بركة: الجامع 1931. - الراشدي، جواهر القواعد، ص 16
(2) السالمي: العقد الثمين، 170/ 3 - 171.
(3) ابن جعفر: الجامع، 502/ 3 - 503. (2/289)
صفحة 806
أولاً: مفهوم الخطأ:
المطلب الخامس
من أسباب التيسير الخطأ
:
أخطأ
فهو
يطلق الخطأ في اللغة: على ما قابل الصواب، وهو اسم من أخطأ. مخطئ، وأصله في اللغة تعدي الشيء، ومنه بمعنى تعدى الصواب، وخطئ يخطأ إذا أذنب لأنه يترك الوجه الخير، ويقال أخطأ الرامي إذا لم
يصب، كما يقال للماشي: أخطأ طريقه إذا عدل عنها إلى طريق أخرى). ويطلق الخطأ كذلك ويراد به ما يقابل العمد، كما في قوله تعالى: {وَمَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَئًا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ} (النساء: (92). وقوله تعالى: {وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُم بِهِ وَلَكِن مَّا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ} (الأحزاب: 5). وفي الحديث الشريف: «قتل الخطأ ديته عشرون حقة وعشرون جذعة» (2)، وهذا الإطلاق هو مراد الشرع من كلمة الخطأ.
والخطأ في الاصطلاح هو ما ليس للإنسان فيه قصد (3).
وعرفه السالمي بقوله: «هو أن يفعل فعلاً من غير أن يقصد قصداً تاماً، وذلك أن إتمام الفعل يقصد محله، وفي الخطأ يوجد قصد الفعل دون قصد
المحل» (4).
وهذا مراد من قال: «أنه فعل يصدر بلا قصد إليه عند مباشرة أمر مقصود
(1) شبير محمد القواعد الفقهية، ص 205. - وينظر عمر عبد الله: كامل: الرخصة الشرعية،
ص
131،130
(2) رواه الترمذي، كتاب الديات، باب الدية كم هي من الإبل، رقم 1387، ورواه أبو داود، كتاب الديات، باب الدية كم هي رقم 4541، عن ابن عمرو بن العاص، قال الترمذي: حسن غريب.
(3) الجرجاني علي: التعريفات، ص 112.
(4) السالمي: طلعة الشمس، 270/ 2. (2/290)
صفحة 807
الفصل الثالث: القاعدة الكلية الكبرى الثالثة
291
سواه» (1)، كما إذا رمى صيداً فأصاب إنساناً، فإنه قصد الرمي لكن لم يقصد به الإنسان، فالقصد المتحقق في هذه الحالة غير تام).
وبعبارة أخرى: وقوع الفعل أو القول على خلاف ما يريد الفاعل أو القائل:
كمن تمضمض في الوضوء، وهو صائم فيسبق الماء إلى حلقه.
وعرف أبو البقاء الكفوي الخطأ، وبيَّن أنواعه وأحكامه فقال: «هو ثبوت الصورة المضادة للحق بحيث لا يزول، سرعة، وقيل: هو العدول عن الجهة، وذلك أضرب: أحدها: أن تريد غير ما يحسن إرادته فتفعله، وهذا هو الخطأ التام المأخوذ
به الإنسان يقال فيه خطأ يخطأ خطأ وخطاء بالمد.
والثاني: أن تريد ما يحسن فعله، ولكن يقع عنه بخلاف ما تريده، فيقال فيه: أخطأ يخطئ خطأ فهو مخطئ، وهذا قد أصاب في الإرادة وأخطأ في الفعل، وهو المعنى بقوله عليه الصلاة والسلام: «رفع عن أمتي الخطأ والنسيان» (3). وبقوله: (من اجتهد وأخطأ فله أجر» (4).
(1) السالمي: نفسه.
(2) صدر الشريعة عبد الله بن مسعود المحبوبي البخاري (ت: 747 هـ): التوضيح في حل غوامض التنقيح، 1/ 195، وقيل أنه الزلل عن الحق من غير قصد مع عزم الإصابة. المناوي: التوقيف على مهمات التعاريف، ص 156.
(3) أخرجه الإمام الربيع بن حبيب بنحوه، وفيه زيادة في مسنده في باب ما جاء في التقية، 301/ 3، حديث: 794، وقد جاء فيه: قال جابر: سئل ابن عباس عن التقية، فقال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما لم يستطيعوا وما أكرهوا عليه اهـ. ورواه أيضاً ابن ماجه بمعناه وفيه زيادة في سننه في كتاب الطلاق باب طلاق المكره الناسي، ص 342، حديث: 2043، عن أبي ذر الغفاري له، وضعفه، ص 343، حديث،2045، عن ابن عباس وقد جاء في حديث رقم 2043، عن أبي ذر الغفاري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله تجاوز عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه وأما حديث رقم 2045، فقد جاء فيه عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله وضع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه» اهـ. (4) أخرجه الإمام البخاري بمعناه، وفيه زيادة في في كتاب الاعتصام باب أجر الحاكم
= (2/291)
صفحة 808
292
القواعد الفقهية عند الإباضية
والثالث: أن تريد ما لا يحسن فعله، ويتفق منه خلافه: فهذا مخطئ في الإرادة مصيب في الفعل، مذموم بقصده غير محمود على فعله).
ثانياً: بيان الفرق بين الخطأ والنسيان الخطأ مختلف على ما درج عليه أهل التحقيق، يدل عليه عطف أحدهما على الآخر في الحديث المتقدم، إذا العطف يقتضي المغايرة فلا يعطف الشيء ذاته على نفسه. وعليه، فالفرق بين الخطأ والنسيان واضح، وبين، إذ أن الخطأ يمكن الاحتراز منه بالتوقف والتثبت، بخلاف النسيان فهو خارج عن طاقة الناسي فلا يقال لصياد رمى فريسة فأصاب إنساناً نسي، بل يقال أخطأ، بخلاف ذلك قد يطلق على كل من أكل ناسيا صيامه أنه أكل مخطأ.
أحياناً (2).
ولهذا فإن الخطأ لا يخلو عن شائبة تقصير، إذ أن الفرق بين الخطأ والنسيان قائم، والتداخل موجود بإطلاق المخطئ على الناسي والخطأ لا ينافي الأهلية بنوعيها؛ لأن العقل قائم مع الخطأ، ولكن
1304 حديث: 7352، عن عمرو بن العاص، وقد جاء
هـ.
إذا اجتهد فأصاب أو أخطأ، ص فيه عن عمرو بن العاص أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر» أ. المراد منه بنصه. ورواه أيضاً الإمام مسلم بمعناه وفيه زيادة في صحيحه كتاب الأعطية باب بيان أجر الحاكم إذا اجتهد فأصاب أو أخطأ، 771، حديث: 15 عن عمرو بن العاص ولفظه كما في البخاري، ص وأخرجه أبو داود بمعناه وفيه زيادة في سننه في كتاب الأقضية باب في القاضي يخطئ، ص 605، حديث: 3571، عن عمرو بن العاص ونصه: عن عمرو بن العاص قال: قال
،
رسول الله: إذا حكم الحاكم فاجتهد فأصاب فله أجران وإذا حكم فاجتهد فأخطأ فله أجر» ورواه غيرهم».
(1) أبو البقاء الكفوي الكليات، ص 424. بتصرف.
(2) عمر كامل الرخصة الشرعية، ص 131. - وينظر الباحسين قاعدة الشقة، ص 157. (2/292)
صفحة 809
الفصل الثالث: القاعدة الكلية الكبرى الثالثة
293
الشارع جعله عذراً شرعياً في بعض الحالات، وسبباً من أسباب المشقة الموجبة للتيسير والتخفيف ويؤيد ذلك قوله تعالى: {رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأنَا (البقرة: 286). وقوله: «رفع عن أمتي الخطأ والنسيان. . .» (1).
قال السالمي: وهو عذر يسقط الوزر لقوله صلى الله عليه وسلم: رفع عن أمتي الخطأ ... الحديث)، والمراد رفع الإثم». وقد جمع النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث بين الخطأ والنسيان في رفع الإثم عن أصحابهما، ولكن الخطأ المرفوع هو الذي يكون في القصد لا الفعل بأن يقصد الحق فيأتي غيره (4).
ولكن سواء كان في الفعل أو القصد عده العلماء من أسباب الترخيص والتخفيف فيما يتعلق بحقوق الله تعالى لقوله تعالى: {وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ فِيمَا أَخْطَأْتُم بِهِ، وَلَكِن مَّا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ} (الأحزاب: 5).
ويشترط العلماء لاعتبار الخطأ سبباً من أسباب التيسير أن يكون متعلقاً بحق من حقوق الله تعالى؛ لأنها مبنية على المسامحة، كالخطأ الذي ينتج عن التعرف عن القبلة والخطأ في الاجتهاد في الحكم القضائي والفتوى وغير ذلك). أما إذا كان متعلقاً بحقوق العباد فلا يعتبر الخطأ عذراً؛ لأن حقوق العباد مبنية على المشاحة والمقاضاة، فيجب الضمان على من أتلف مال غيره قال السالمي: ولا يسقط الخطأ شيئاً من حقوق الخلق، فيلزم من
مال الغير ضمانه» (6).
أخطأ
في
(1) سبق تخريجه.
(2) تقدم تخريجه.
(3) السالمي: طلعة الشمس، 2/ 270.
(4) باجو: منهج الاجتهاد عند الإباضية، ص 619. (5) الجرجاني: التعريفات، ص 112.
(6) السالمي: طلعة الشمس، 271/ 2. (2/293)
صفحة 810
294
القواعد الفقهية عند الإباضية
ثالثاً: الأحكام المترتبة على الخطأ: وتفصيل الأحكام مع الخطأ يكون كما يلي:
1 - الخطأ في حقوق الله تعالى:
الخطأ في حقوق الله تعالى يصلح عذراً مسقطاً للإثم، كالخطأ أداء في العبادات، وكخطأ المجتهد أو المفتي أو الحاكم، للحديث الذي سبقت الإشارة إليه، ويصلح شبهة دارئة للعقوبات المقررة حقاً الله تعالى، كالقصاص والحدود.
أ ـ في العبادات:
يسقط الإثم عن المكلف، وعليه أن يتدارك ما أمكن تداركه من المأمورات
بالقضاء أو الإعادة أو الكفارة ما دام غير متعمد في المخالفة أو الترك. 1 - في الصوم ولعدم القصد فيه لم تجب الكفارة على من أكل يظن بقاء الليل ثم تبين أنه طلع الفجر، أو أكل يظن غروب الشمس، ثم تبين له أن الشمس لم تغرب، فيجب عليه القضاء عند بعض العلماء لأنه مقصر ولا شيء عليه عند آخرين (1). ومن ظن أنه قد غابت الشمس وحل وقت الإفطار، فأكل وشرب، ثم تبين له أنه أكل أو شرب قبل غروب الشمس، فقد انهدم صومه ولزمته كفارة مغلظة، ومنهم من يرخص أن يعيد صوم ما فات من الشهر أو ذلك اليوم، ولا ينهدم صومه، ورجح الثميني هذا القول فقال: «ومن ثَمَ أوجبوا القضاء على من ظن أن الشمس قد غابت فأكل، فإذا هي لم تغب، ثم هل يعيد ما مضى أو يومه فقط، وهو الأصح وعليه الأكثر قولان؛ وقيل: انهدم صومه ولزمته المغلظة. . .» (2).
(1) أطفيش: شرح النيل، 419/ 3. - ابن رشد: بداية المجتهد 203/ 1.
(2) أطفيش: شرح النيل، 333/ 3. (2/294)
صفحة 811
الفصل الثالث: القاعدة الكلية الكبرى الثالثة
295
والمسلمون من شأنهم الاحتياط في جميع أمورهم، ويحتاط الرجل لصومه في إفطاره وفي سحوره، وفي جميع أموره حتى لا يقع في شبهة، فمن كان في مكان مطمئن ساتر عن طلوع الفجر، فلْيَكُفَّ عن الأكل قبل أن يطلع عليه الفجر إذا شبه عليه، ولا بأس بالأكل والشراب حتى يطلع الفجر؛ لأنها ليست لهما تباعة تبقى بعدهما (1).
واختلفوا فيمن أكل ناسياً فقال أكثر العلماء لا شيء عليه لقول النبي صلى الله عليه وسلم لمن أكل أو شرب ناسياً: «أطعمه الله وسقاه» (2). وروي ذلك عن علي بن أبي طالب وأبي هريرة وابن عمر وعطاء وطاووس وجابر بن زيد وغيرهم، وهو قول أبي عبيدة والعامة من فقهاء الإباضية، وروي مثله عن الأوزاعي وأبي ذؤيب (3) والشافعي وأصحاب الرأي إلا ربيعة ومالك، وروي أنهما قالا عليه
(1) الجناوني: كتاب الصوم، ص 53.
6
(2) متفق عليه، رواه البخاري، كتاب الصيام، باب الصائم إذا أكل أو شرب ناسيا، رقم 1831، ومسلم، كتاب الصيام، باب أكل الناسي وشربه وجماعة لا يفطر، رقم 1155. ورواه الدارمي في سننه ـ كتاب الصلاة باب فيمن أكل ناسياً ـ حديث: 1727 ونص الحديث عن أبي هريرة له، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من نسي وهو صائم، فأكل أو شرب، فليتم صومه، فإنما أطعمه الله وسقاه». وأخرجه الحاكم في المستدرك على الصحيحين ـ كتاب الصوم، وأما حديث شعبة - حديث: 1505 بلفظ: «من أفطر في رمضان ناسياً فلا قضاء عليه ولا كفارة قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه بهذه السياقة».
(3) لعله الحارث بن عبد العزى بن رفاعة السعدي من هوازن زوج حليمة السعدية، مرضعة النبي صلى الله عليه وسلم كنيته أبو ذؤيب، وربما قيل له (أبو كبشة وكان كفار قريش إذا تحدثوا عن محمد صلى الله عليه وسلم قالوا: ابن أبي كبشة، نسبة إليه. وكانت إقامته مع قبيلته في البادية. ووفد على النبي صلى الله عليه وسلم في مكة قبل الهجرة فقال له رجال من قريش: ألا تسمع ما يقول ابنك إن الناس يبعثون بعد الموت؟ فقال: أي بني ما هذا الذي تقول؟ قال: نعم، لو كان ذلك اليوم أخذت بيدك حتى أعرفك. وأسلم الحارث بعد ذلك. وكان يقول: لو أخذ ابني بيدي لم يرسلني حتى يدخلني الجنة. ابن حجر: الإصابة: الرقم 1438 و 560. الزركلي:
الأعلام، 156/ 2. (2/295)
صفحة 812
296
القواعد الفقهية عند الإباضية
القضاء، وإليه ذهب قول بعض الإباضية (). جاء في شرح النيل: «ومن أكل أو شرب ناسياً فلا بدل عليه والحمد لله، وقيل عليه بدل يومه» (2).
ومن شرب لبنا لم يعلم بحموضته فأسكره، فلا حد ولا إثم عليه. 2 ـ في الذكاة: لم ير الإمام جابر بن زيد بأساً بذبيحة ما ذبح لغير القبلة خطأ ولم يقصد مخالفة ذلك، فذبحه حلال ولا إثم عليه (3)، وقال أبو العباس أحمد في الذبائح: «ولا تجوز الذبيحة إلا بذكر التسمية واستقبال القبلة بها، إلا على حال الضرورة والنسيان فإنه يعذر فيهما، أي إذا لم يذكر اسم الله عليها نسياناً أو منع من ذلك).
ب - في الجنايات والعقوبات
يرى أهل العلم أنه لا حدَّ على من أراد أن يقول لا إله إلا الله، فقال: لا إله فسكت، أو يريد القول: أن المسلمين من أهل الجنة فيقول: بأنهم من أهل النار، فهذا كله مرفوع الخطأ فيه غير معتد به، ولا إثم فيه؛ لأنه قصد قول الحق فجاء بغيره، إلا أنه مأمور بإظهار التوبة إن ظهر ذلك للناس بما يكفر به
في ظاهر الأمر، كأن ينطق بالكفر أو ينكر معلوماً من الدين بالضرورة). ومن قتل خطأ فلا قصاص عليه، وعليه الدية جبراً للضرر، وعليه الكفارة جزاء للتقصير، ولا حد على من زُفّت إليه غير زوجته فوطأها خطأ على ظن أنها امرأته، ويؤكد ذلك السالمي مع التوضيح فيقول: « ... وكذلك يسقط بالخطأ الحد على القصاص فلا يقام عليه الحد ولا ينفذ فيه القصاص لشبهة
(1) الجيطالي: قواعد الإسلام 87/ 2 وينظر: الجناوني في كتاب الوضع، ص 156، وفي كتاب
الصوم، ص 54.
(2) أطفيش: شرح النيل، 421/ 3.
(3) ابن جعفر: الجامع، 578/ 3.
(4) أبو العباس أحمد: كتاب أبي
مسألة،
ص 178.
(5) باجو: منهج الاجتهاد عند الإباضية، ص 619. (2/296)
صفحة 813
الفصل الثالث: القاعدة الكلية الكبرى الثالثة
297
الخطأ، أما الخطأ في موجب الحد، فكما لو قصد إنسان إلى مدح إنسان فسبق لسانه بقذفه مع القرائن على صحة قصده، وأما الخطأ في موجب القصاص فلإخلاص قصده إلى غير الفعل الذي فعله، لكن يلزم من قتل مؤمناً خطأ تحرير رقبة مؤمنة، فإن لم يجد فصيام شهرين ودية على عاقلته مسلمة إلى أهل المقتول، أما الكفارة فعقوبة عدم التثبت منه، أما الدية فجبر دم المؤمن، وأما كونها على العاقلة فهو تخفيف له حيث لم يقصد إلى قتله»). ويستنتج من عبارة السالمي أن الإباضية يرون كغيرهم أن المسؤولية الجزائية لا تسقط كليّاً على مرتكب القتل الخطأ، ولأجل شبهة الخطأ خفف الشارع من العقوبة، وبين المقصد الشرعي من ذلك الفعل، وأما وجوب الدية لجبر الضرر الواقع على أهل المقتول، وأما فرضها على عاقلته وهي عشيرته وأقرباءه؛ لأنه قد لا يقدر عليها، فتقسم عليهم تخفيفاً عليه وتشجيعاً على التكافل والتضامن عند الملمات، وهذا من يسر الشريعة ومراعاتها لمصالح الناس وحاجاتهم، وكل هذا من مقاصد الشريعة التي مقاصد الشريعة التي أشار إليها السالمي. وهكذا يتبين مما تقدم أن الخطأ مسقط للاثم والحد، وهما حق الله تعالى، رغم أن فيه شبه التعدي على حياة الغير.
الخطأ،
هذا وقد فصل أبو حفص عمروس بن فتح النفوسي القول في القتل وبين أنواعه، ومتى تجب الدية على العاقلة وعلى القاتل؟ ووضح ذلك بالأمثلة فقال: وأما شبه العمد من الخطأ فهو أن يضرب بما لا يقتل مثله ثم يموت مكانه، ففيه وقع الخلاف، قال بعضهم دية ولا قود، وقال بعضهم يقاد منه؛ لأنه تعمد ضربه وإن لم يتعمد قتله، ولا تعقله العاقلة» (2).
(1) السالمي: طلعة الشمس، 2702 - 271. (2) القود: بفتح القاف والواو مصدر قَوَد؛ القصاص، يقال: استقدت الأمير أمير من القاتل فأقادني منه، أي: طلبت منه أن يقتله ففعل محمد رواس قلعة جي وحامد صادق قنيبي: معجم لغة
الفقهاء، ص 372. (2/297)
صفحة 814
298
القواعد الفقهية عند الإباضية
وأما الخطأ المحض الذي تعقله العاقلة فهو أن يهوي الرجل بضربة أو رمية صيد إلى دابة أو إنسان فيصيب غيره، أو يسقط منه شيء فيصيب به إنساناً، أو يسقط هو بنفسه، أو صائحاً
يصيح فيقع إنسان من أجل صيحته. وما
أشبه هذه الوجوه فهو الخطأ المحض الذي تعقله العاقلة بالبينة. وأما الخطأ العمد: «فالذي يتعمد الضربة بغير حديد، بما لا يقتل بمثله فيقال له (خطأ العمد)، يقال له (عمد) لأنه تعمد الضربة، ويقال له (خطأ)؛ لأنه تعمد القتل؛ فالدية فيه في مال الجاني، ولا تعقله العاقلة ... قال بعضهم: يقاد
منه. . .» (1).
2 - الخطأ في حقوق العباد:
وفي حقوق العباد ينظر إلى الحق، فإن كان عقوبة كالقصاص لم يجب بالخطأ؛ لأن القصاص عقوبة كاملة فلا يجب على المخطئ؛ لأنه معذور، ولكن تجب به الدية؛ لأنها بدل المحل المتلف وتكون على العاقلة في ثلاث الخطأ (2). سنين تخفيفاً عنهم بسبب
أ ـ في ضمان الضرر:
وإذا كان حق العبد من المتلفات المالية فيجب ضمانه، كما لو رمي إلى شاة إنسان على ظن أنها صيد، أو أكل ماله على ظن أنه ملك نفسه؛ لأنه بدل مال لا جزاء فعل، فيعتمد عصمة المحل؛ دفعاً للضرر على الناس، ورفعاً للحرج عنهم، وحفظاً لأموالهم.
جاء في جامع ابن جعفر: «أما لو أخطأ فقتل رجلاً أو أتلف عليه ماله، أو
(1) أبو حفص عمروس بن فتح النفوسي (ت: 283 هـ / 896 م): كتاب أصول الدينونة الصافية، 132، 133، تحقيق: حاج أحمد بن حمو كروم، مراجعة مصطفى بن محمد شريفي،
ص
ومحمد بن موسى بابا عمي، ط الأولى، 1420 هـ / 1992 م مسقط سلطنة عُمان.
(2) البخاري صدر الشريعة عبيد الله التوضيح بشرح التلويح، 190/ 1. (2/298)
صفحة 815
الفصل الثالث: القاعدة الكلية الكبرى الثالثة
299
جرحه لم يسقط الضمان؛ دية كانت أو أرضًا إن وقع الخطأ وتعويضاً للمثل أو القيمة إن وقع في الأموال»).
في
الأبدان،
الخطأ
وقال السالمي: ولا يسقط الخطأ شيئاً من حقوق الخَلْق، فيلزم من في مال الغير ضمانه ... » (2) وهذا معنى قولهم: «الخطأ لا يسقط الضمان»، وقولهم: «العمد والخطأ في أموال الناس سواء» (3).
ب - في المعاملات:
وإن كان حق العبد في المعاملات فإنه لا يعتبر الخطأ عذراً فيه عند الإباضية والحنفية، خلافاً لجمهور الفقهاء، كالشافعية وغيرهم، فلو طلق امرأته خطأ، كأن يريد أن يقول لزوجته: أنتِ بارة فيقول: أنت طالق، وقع الطلاق عند الإباضية والحنفية، ولم يقع عند غيرهم. فحكم طلاق زوجته لا يقع ديانة عند الله، وإن وقع في ظاهر الحكم والقضاء).
وفي هذا المعنى يقول ابن جعفر: « ... أو يريد أن يقول لزوجته: هي بارة فيقول: إنها طالق، وكذلك في غيره، فكل هذا مرفوع الخطأ فيه وغير معتد به في الخطأ به ... وأما فيما بينه وبين الله فلا إثم عليه، ولا طلاق على زوجته ولا عتاق فإن حاكماه وجب عليه وإن لم يستسلم للحق، إذا صح لفظه ذلك حكام أهل العدل، وحكموا عليه بالعدل فليس له أن يخالف الحق الظاهر
مع
عليه عدله؛ لأن الحكم فيه لغيره»).
(1) ابن جعفر: الجامع، 136/ 1 - 137.
(2) السالمي: طلعة الشمس، 271/ 2.
(3) الزرقا أحمد شرح القواعد الفقهية، 125 في شرح قاعدة: الضرر يزال، وقاعدة لا ضرر ولا ضرار، وقد فصل الإمام القرافي وجوه الضمان في الأموال في الفرق الحادي عشر بعد
المائة
من كتابه الفروق، ينظر: القرافي الفروق 206/ 2.
(4) باجو مصطفى: منهج الاجتهاد عند الإباضية، ص 619.
(5) ابن جعفر: الجامع، 136/ 1. (2/299)
صفحة 816
300
القواعد الفقهية عند الإباضية
ففي هذه الحالة وقع الطلاق خطأ ولو لم يقصد ذلك؛ لأن القاضي يحكم بالظاهر ولا يبحث عن مكنون النفوس، إلا إذا ظهرت قرائن أخرى تؤكد عدم قصده للطلاق، فنحن نحكم بالظاهر والله يتولى السرائر.
وحجة الجمهور أن اعتبار الكلام إنما هو بالقصد الصحيح، وهو لا يوجد في المخطئ، فلا تعتبر أقواله، كما لا تعتبر أقوال النائم والمغمى عليه لعدم القصد في كل منهم، ويؤكد ذلك الحديث الذي سبقت الإشارة إليه في رفع الإثم عن الخطأ والنسيان والإكراه.
وهي
أما وجهة نظر الإباضية والحنفية فقد نظروا إلى المسألة من زاوية أخرى أن القصد في طلاق المخطئ من الأمور الخفية التي يتعذر الوقوف عليها من دون مشقة، فأقيم تمييز البلوغ مع العقل مقام قصد الطلاق، بخلاف النائم والمغمى عليه، فإن عدم قصدهما من الأمور الظاهرة المعلومة بلا حرج فلا يقام شيء مقامهما، ومثل ذلك بيع المخطئ فإن الحنفية قالوا بأنه ينعقد فاسداً نظراً لوجود الاختيار وانعدام الرضا (1).
3 ـ الخطأ في الفتوى: متى يضمن المفتي الخطأ في الفتوى؟ وهل يتحمل كل الأضرار المترتبة
عليه؟
اختلف الإباضية في حكم هذه المسألة، وقد تعرض الكدمي إلى بيان حكم من أفتى برأيه فأخطأ، وما يترتب على فتواه من ضرر بالمفتى له، فهل يضمن ذلك أم يعفى عنه لاجتهاده؟ فقال: «أما الضمان على من أفتى؛ وهو
ممن لا يجوز له القول بالرأي فأخطأ فخطأ هذا معنا يخرج على وجهين:
(1) البخاري صدر الشريعة التوضيح بشرح التلويح 195/ 1. ـ ابن أمير الحاج، التقرير والتحبير 2/ 205. ـ الأنصاري عبد العلي بن محمد بن محمد اللكنوي (ت: 1180 هـ): فواتح الرحموت شرح مسلم الثبوت، ضبطه عبد الله حمود محمد عمر، ط 1 1423 هـ / 2003 م، دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان 114/ 1 وما بعدها. (2/300)
صفحة 817
الفصل الثالث: القاعدة الكلية الكبرى الثالثة
301
الأول: إن أراد العبادة لما قد أحاط به علماً من حفظ أو دراسة، أو ما لا يشك في علمه مما يصح معه بلا شك فيه ولا ريب فأخطأ بغيره من لفظه؛ فهذا بمنزلة خطأ العالم الذي لا يجوز أن يقول بالرأي؛ فقال به فأخطأ، فهو عندي أبين عذراً وأثبت حجة؛ لأنه قصد إلى معروف بعينه
أن
فأخطأ بغيره، وإن خالف ذلك الدِّين فلا إثم عليه، وذلك مثل من علم للأم مع الأولاد السدس، ومع غير الأولاد لها الثلث، فنزل به حكم، أو فتيا مما يجب به للأم السدس، فيجعل لها الثلث قصداً منه إلى السدس، وإلى علمه الذي لا شك فيه. ولو نسي ـ معنا ـ ما خوطب به وأخطأ لسانه بالكلام بغير ما أراد من اللفظ، فهذا معذور سالم، ولا إثم عليه ولا ضمان، وإنما على المخطئ معنى الخطأ الذي يكون له السعة فيه، وعليه أن يعلم من أفتاه إذا علم أفتاه إذا علم بخطأ نفسه في الفتيا أن يعلم بخطئه إن قدر على ما أفتاه بذلك، وليس عليه في مثل هذا معنا أن يخرج في طلبه، ولكن يرسل إليه ويكتب إليه إن قدر على ذلك. أما الوجه الثاني: من خطأ العالم الذي لا يعذر فيه، ويجب عليه الضمان إذا خالف الدين بفتواه، فبيّن الكدمي حكمه بقوله: «وأما من خالف الدين بفتيا، أو حكم بما لا يسعه ولا يعذر فيه، فمعنا أن عليه الخروج في طلب المخرج مما يلزمه من إعلام ذلك، ومن ضمانه إذا قدر على الخروج كما يقدر من وجب عليه الحج من صحة البدن، وأمان الطريق والزاد والراحلة» (1).
4 - الخطأ في الاجتهاد:
ذهب الكدمي وغيره إلى أن خطأ العالم مرفوع عنه إثمه وصوابه مأجور عليه، جاء في «المعتبر» أن خطأ العالم الذي يجوز له أن يقول بالرأي مرفوع
(1) الكدمي: المعتبر، 27/ 3 - 28. (2/301)
صفحة 818
302
القواعد الفقهية عند الإباضية
عنه، وصوابه مأجور عليه، ولا
يسع
أحد أن يفتي إلا من علم ما في كتاب الله وسُنَّة نبيه وآثار أئمة العدل، وهذا ما عليه العمل عند الإباضية كما صرح بذلك الكدمي بقوله: «فهو الصحيح عندنا» (1). ويبين الكدمي أن خطأ العالم نوعان خطأ فيما لا يجوز فيه الرأي لوجود النص، وصاحبه ضال آثم غير معفو عنه، وخطأ فيما يجوز فيه الاجتهاد بالرأي عند عدم النص، صاحبه مأجور إذا أصاب الحق، ومعفق عنه إذا أخطأ لأنه كان معذوراً. وفي هذا المعنى يقول: «فمعنا أن الخطأ هذا خطآن خطأ ضلال، وهو أن يقول بالرأي فيما لا يجوز فيه الرأي مما
في
جاء فيه الحكم من كتاب الله أو سُنّة رسوله أو من إجماع الأمة أو أشبه ذلك، فإذا قال في هذا بشيء من رأيه مما يخالفه ولو كان ممن يجوز له القول بالرأي فأخطأ فيه، فهو هالك ضال فيما قال؛ لأنه قال بالرأي في غير موضع الرأي، وليس مرفوعاً عنه خطؤه، ولا نَعِمتْ عَين، بل آثم في
ظالم.
ذلك
وإذا قال بالرأي في موضع الرأي، وهو ممن يجوز له القول بالرأي باجتهاده بالرأي، فوافق الصواب كان مأجوراً مصيباً، وإن خالف الصواب باجتهاد رأيه وهو من أهل ذلك كان معذوراً، ومن الحق قريباً، لا فرق بينه وبين من أصاب الحق على الحقيقة الذي طلبه، كما لا فرق بين تحري القبلة عند عدم معرفتها بالعين أو بالشواهد الدالة عليها، فتحرى القبلة وأدى لازمه من الصلاة ومعه غيره يتحرّون ذلك مثله، كان كل منهم يجتهد برأيه، فأصاب بعض وجه القبلة باجتهاده، وأخطأ بعضهم وصلوا الصلاة على ذلك، ففي الإجماع أنهم مسلمون متفقون غير مختلفين» (2).
(1) الكدمي: المصدر نفسه، 26/ 3.
(2) المصدر نفسه، 3/ 28. (2/302)
صفحة 819
الفصل الثالث: القاعدة الكلية الكبرى الثالثة
مجمل القول:
303
يبدو أن رأي الجمهور أقرب إلى منهج التيسير ورفع المشقة، ومن القواعد القياسية المقررة عند بعض الإباضية والحنفية إن طلاق المخطئ إنما يقع قضاء، وأما فيما بينه وبين الله تعالى فهي امرأته (1)، وفي ذلك إقرار بعدم وقوع ما لا قصد فيه، وعليه، فالأمر يتعلق بعدم انضباط وجود القصد أو عدمه.
(1) ابن جعفر: الجامع، 134/ 1. ابن أمير الحاج: التقرير والتحبير، 205/ 2. (2/303)
صفحة 820
المطلب السادس
من أسباب التيسير الجهل
:أولاً: مفهوم الجهل وأقسامه: الجهل في اللغة ضد العلم).
وفي الاصطلاح هو عدم العلم عمّا من شأنه أن يعلم، وقيل: هو اعتقاد
الشيء على خلاف ما هو عليه، وقيل: عدم العلم بالأحكام الشرعية أو أسبابها
ممن
شأنه العلم.
والجهل على قسمين بحسب شعور صاحبه:
أ - جهل بسيط لا يشعر صاحبه بشيء يخالف ما هو في الواقع. ب - جهل مركب يقارن صاحبه شعور بنقيض ما هو عليه في الواقع قال السالمي في البهجة» بعد كلامه على حدّ الجهل البسيط: «وصاحب هذا القسم معذور؛ لأن الحجة لم تقم عليه بعلم ما جهله، ولا يكون التكليف إلا بعد قيام الحجة» (4).
والجهل لا ينافي الأهلية ولا ينقص منها شيئاً؛ لأن متعلق الأهلية هو الذمة والعقل والتمييز والجهل لا تأثير له على هذه المقومات للأهلية، إلا أن
(1) السالمي: مشارق أنوار العقول، ص 131.
(2) الجرجاني: التعريفات 93 التفتازاني سعد الدين مسعود بن عمر (ت: 792 هـ): رسالة في الحدود، تحقيق الشيخ عبد الفتاح أبو غدة، العدد 15، 1404 هـ من مجلة أضواء الشريعة، ص 16. - ينظر المناوي: التوقيف على مهمات التعاريف، ص 133. عمر عبد الله كامل:
الرخصة الشرعية،
ص
133
(3) الراشدي: جواهر القواعد، ص
122
(4) السالمي أبو محمد عبد الله بن حميد: بهجة الأنوار شرح أنوار العقول في التوحيد، ط 2
(1411 هـ/ 1991 م) مطابع النهضة سلطنة عُمان، ص 53. (2/304)
صفحة 821
الفصل الثالث: القاعدة الكلية الكبرى الثالثة
305
ومن
أسباب
للجهل حالات اعتبرها الشارع عذراً من الأعذار في حق المكلف، التيسير، وذلك رحمة بالناس، ورفعاً للحرج والمشقة عنهم، وبالتالي تسقط
عنهم المؤاخذة بما فعلوا عن جهل، وهو شامل لما كان متحققاً في الأحكام الشرعية، أو الوقائع، أو في دار الإسلام، أو في دار الحرب.
ولكن لما لم يكن كل جهل عذراً فإن بعض العلماء حاولوا ضبط ذلك، وردوا إلى مقاييسهم مختلف الفروع، وسنذكر فيما يأتي أهم هذه الضوابط
والشروط.
ثانياً: ضابط الجهل عند الإباضية
قسم الإباضية الجهل إلى ضروب متعددة، فبعضهم جعلها ثلاثة، كأبي حفص عمروس النفوسي)، وغيره ممن جاؤوا بعده، ومنهم من قسمها إلى أربعة (2)، كالسالمي، وليس بين القسمين خلاف ظاهر؛ لأن القسم الأول يشتمل على أصناف بعضها دون بعض في الدرجة، والقسم الثاني نظر إلى الموضوعات التي يسع جهلها والتي لا يسع جهلها، أما أبو إسحاق الحضرمي والجيطالي فقد قصرا كلامهما على الجهل في الدين دون غيره، وقسموه إلى عدة أقسام، ولا بأس أن نتعرض إلى هذه التقسيمات فيما يأتي، حتى يتبين لنا أوجه الاتفاق وأوجه الاختلاف فيها، وأثر ذلك على الفروع الفقهية.
أ - أقسام الجهل عند أبي إسحاق الحضرمي: قسم أبو إسحاق الحضرمي الجهل في الدين إلى ثلاثة وجوه كما فعل الجيطالي، ونلخصها كما يلي:
قال الحضرمي: «وصفة الجهالة في الدين لا تخلو من أحد ثلاثة أوجه:
(1) عمروس بن فتح النفوسي: أصول الدينونة الصافية، 79 - 83.
(2) السالمي: طلعة الشمس، 258/ 2. (2/305)
صفحة 822
306
القواعد الفقهية عند الإباضية
أحدها: الجهالة بمعنى الجحود، فمن جحد بشيء مما ذكرنا على أي حال كان إلا في خصلة واحدة، وهو أن يجحد بملك أو نبي، أو شيء من كلام الله مما لم يذكره الله تعالى في كتابه العربي، إذا لم تقم فيه الحجة عليه القاطعة، وقد بينا ذلك فيما تقدم. والوجه الثاني الجهالة بمعنى الشك، فمن شك في شيء من ذلك كان ضالاً في بعض الأحوال، وفي بعض معذوراً حتى تقوم الحجة عليه فيه، وقد فسرنا ما يوضح هذا فيما تقدم.
والوجه الثالث: الجهالة على سبيل الغفلة، فمن غفل عن معرفة شيء من ذلك كان معذوراً حتى تقوم الحجة فيه بمعرفته، إلا في ثلاث خصال وقد قدمنا ذكرها ... » (1).
وأشار كذلك إلى أمور أخرى مما يسع جهلها أبداً، ولا يلزم معرفتها، إلا إذا احتاج إليها أو وقع فيها، كقسمة المواريث، وقصاص الجراحات، وتحريم الرباويات (2).
ب ـ أقسام الجهل عند عمروس بن فتح النفوسي وغيره:
أما عمروس بن فتح والجناوني والجيطالي والقطب أطفيش فقد قسموا الجهل إلى ثلاثة أقسام، وهي: معرفة ما لا يسع الناس جهله طرفة عين، ومعرفة ما يسع الناس جهله إلى قيام الحجة، ووقت فعله معرفته، وما يسع جهله أبداً ما لم يكذب. أما القسم الأول: معرفة ما لا يسع الناس جهله طرفة عين، وهو معرفة التوحيد والشرك؛ لأن من جهل الشرك لم يعلم التوحيد، فوجبت معرفتهما مع أول البلوغ، قال عمروس: وذلك أن أول ما يلزمهم الإقرار بالله رباً
(1) الحضرمي أبو إسحاق مختصر الخصال، ص 32.
(2) الجناوني: كتاب الوضع، ص 27. - الجيطالي نفسه، 298/ 1. (2/306)
صفحة 823
الفصل الثالث: القاعدة الكلية الكبرى الثالثة
307
وبمحمد نبيًّا وبما جاء به حق، وهذا ما لا يسع جهله طرفة عين» (1) وقال الجيطالي في هذا المعنى: وذلك من معرفة الله جل ذكره ونفي الأشباه عنه، ومعرفة الرسول وغير ذلك» (2)
وزاد القطب أطفيش في شرح عقيدة التوحيد توضيحاً لهذا الأمر فقال: وكولاية الجملة وبراءتها، وكمعرفة أن قول إلهين اثنين معصية وكفر وشرك، وعليه عقاب وعلى تركه ثواب كما لزمه معرفة أن قول: «لا إله إلا الله» طاعة وفرض وتوحيد، وعليه ثواب وعلى تركه عقاب، وكذا محمد رسول الله»، وقيل في قولنا: «محمد رسول الله يجب عليه أن يعلم أنه طاعة وفرض، وعليه ثواب، ولا يلزمه أن ولزم في خصال التوحيد أن يعلم أنها طاعة وفرض، وعليها ثواب، وعلى
يعلم
أنه توحيد حتى
يأخذ.
تركها عقاب ولا يلزم أن يعلم أنها توحيد حتى يأخذ. ولزم في سائر الفرائض أن يعلم أنها طاعة وفريضة، وعليها ثواب، ولا يلزم أن يعلم أن على تركها عقاباً حتى يأخذ.
ولزم في خصال الشرك أن يعلم أنها معصية وكفر، وعليها عقاب، ومنها ترك خصال التوحيد، ولا يلزم أن يعلم أنها شرك حتى يأخذ. ولزم في سائر الكبائر أن يعلم أنها معصية وكفر، وعليها عقاب (3).
وكذلك ما أخبر الله من ذكر الجنة والنار والبعث والحساب والملائكة والكتب والرسل، فهذا وأشباهه من تفسير التوحيد، ولا يدعى في الجملة
(1) عمروس بن فتح أصول الدينونة الصافية ص 179 الجيطالي: قواعد الإسلام، 295/ 1. (2) الجيطالي: قواعد الإسلام مذيلاً بحاشية أبي عبد الله محمد عمر وبن أبي ستة، تحقيق وتعليق ونشر الحاج موسي بشير، 295/ 1. (3) أطفيش أمحمد بن يوسف (1228 - 1332 - 1818 - 1914): شرح عقيدة التوحيد، تحقيق: مصطفى ونتن، ط 1، 1422 هـ / 2001 م - نشر جمعية التراث القرارة المطبعة العربية غرداية الجزائر، ص 193 - 194. (2/307)
صفحة 824
القواعد الفقهية عند الإباضية
308
إلى هذا التفسير، وهو داخل في التوحيد والمنكر لتفسير التوحيد منكر لجملة التوحيد، كما أن الإيمان بجملته إيمان بتفسيره، وكذلك الكفر بتفسيره كفر بجملته؛ لأن المنكر لشيء من هذا أن يضيفه إلى الله منكر لتوحيد الله؛ لأنه منكر لصفته والله يوصف بذلك مثيب وباعث ومعاقب ومرسل ومنزل (1). ومن أنكر شيئاً من صفات الله أنكر الله، ومن أنكر الله فهو مشرك، فهذه الاعتقادية التي أشرنا إليها من الأمور التي لا يجوز للمسلم أن يجهلها،
الأمور
فهي التي تميز المؤمن من الكافر، فلا يعذر جاهلها. القسم الثاني: معرفة ما يسع جهله إلى قيام الحجة. وأما العلم الذي يسع الناس جهله حتى يأتيهم وقت فعله، وتقوم عليه الحجة، فهو على وجهين: الأول: وذلك كصفات الله تعالى أو نبي من الأنبياء ما خلا آدم ومحمد عليهما السلام، فإنه لا يسع جهلهما، ومن جهلهما كان مشركاً؛ لأن آدم أول الرسل وأبو البشر، ومحمد رسول هذه الأمة وخاتم النبيين، وكذلك الملائكة، حتى تقوم الحجة، قال عمروس في هذا المعنى: «وأما الذي يسع جهله من الإيمان حتى يحل له تفسيره، فما كان من تفسير التوحيد مثل: إنفاذ الحدود عن الله والأقطار، وإثبات القدرة له والعلم وجميع الصنع والحدث أن يضاف إليه أنه صانعه ومحدثه، وتصديق كل ما جاء عنه من خبر عما هو كائن أو يكون، وإضافة كل شيء إليه»). فتفاصيل أمور العقيدة غير ملزمين بمعرفة دقائقها حتى نعلم تفسيرها وحقيقتها، فيجب الإيمان بها والتسليم بها، ومن أنكرها فهو كافر.
80. الجناوني: كتاب الوضع، ص
31 30
(1) عمروس بن فتح: أصول الدينونة، ص (2) عمروس بن فتح نفسه، ص 81 الجناوني: المصدر نفسه، 26. - الجيطالي: قواعد الإسلام
296/ 1 (2/308)
صفحة 825
الفصل الثالث: القاعدة الكلية الكبرى الثالثة
309
الثاني: الفرائض المعلومات، كالصلاة والصوم يسع جهلها ما لم يدخل وقتها، وقد وضح ذلك عمروس، فذكر أن العلم الذي يسعهم جهله حتى لا يجب عليهم حتى يأتيهم وقت فعله، وما يرضى الله عليهم من الصلاة قبل وقتها، والزكاة قبل وجوبها وصيام شهر رمضان قبل مجيئه ومحضره في أهله، والحج والعمرة، والبر بالوالدين، وصلة الرحم، وحق الجوار، وما ملكت اليمين وشأن القبلة والولاية لأهل طاعة الله والعداوة لمن وقع عليه
اسم الكفر، وغض البصر، وحفظ الفروج، وصدق الحديث، وحق السبيل والاغتسال من الجنابة والاستئذان في البيوت، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والنية فى العمل والقول، وأداء الأمانة والوفاء بالعهد، وذكر اسم الله على الذبيحة، وما أشبه ذلك مما أمر الله به، وحق الإيمان، والجهاد في سبيل الله، والتوبة من الذنوب، فهذه ونحوها مما أمر الله بفعله، يسع الناس جهله
ما لم يأت وقت فعله، فإذا جاء وقت فعله لزمهم العلم والعمل به). ومن الأمور التي لا يعذر جاهلها بعد قيام الحجة عليه: موالاة أعداء الله والبراءة من أوليائه، والإفتاء بغير علم من كتاب أو سُنة، أو مخالفة نصوص الكتاب والسُّنَّة، والاحتكام إلى الرأي. يقول ابن جعفر في هذا الصدد: «وكذلك لو تولى عدو الله أو برئ من ولي الله، أو أفتى في مسألة بغير وجهها، فخالف فيها الكتاب والسنة بجهل ذلك في حين ارتكابه، ولم يكن في ذلك متديناً بخطأ، وإنما هو مجتهد في إصابة الحق على سبيل الحق، فهو هالك بخطئه، ولا عذر عليه في جهالته، فإن تاب إلى الله من جميع ذنوبه، وهو عالم بذلك الذي ارتكبه، ولو كان على حد الجهالة فيما لزمه فيه، فلا عذر له في لأنه لا تكون التوبة مع العلم بالذنب مجزية، إلا أن يتاب فيه بعينه» (2).
ذلك؛
(1) عمروس
نفسه،
ص 80
- الجيطالي: نفسه، 297/ 1
(2) ابن جعفر جامع ابن جعفر، 134/ 1 - 135. (2/309)
صفحة 826
310
القواعد الفقهية عند الإباضية
ويبين الكدمي حكم من يفتي الناس عن جهل ولو أصاب الحق، فهو ظالم وآثم، وتجب عليه التوبة، فيقول: ومعنى أنه قد قيل في الجاهل الذي يعرف بالجهل، وليس هو ممن يؤتمن على العلم ولا هو من أهله، إذا أفتى بما خالف فيه الحق مما لا يجوز في الرأي، وهو مخالف لأحكام الدين، فقال فيه بجهل لو لم يتعمد في ذلك شيئاً من الحق فهو ظالم آثم بقوله بخلاف الحق؛ بجهل أو بعلم، ولا أعلم عليه - بعد التوبة - ضماناً؛ لأنه ليس من الأدلة على الحق، وإن قال في ذلك بجهله؛ قصداً منه إلى الحق على ما يظن أنه واسع له، فوافق الحق في دين أو رأي فيما يسع فيه الرأي، فمعي أنه سالم ولا إثم عليه إذا وافق الحق الذي يجوز فيه القول لمن علمه (1). فهذه المأمورات التي أمر الله بها عباده المكلفين، من فرائض في أصول العبادات والمعاملات والأخلاق، لا يلزمهم معرفتها حتى يحين وقت فعلها، فإذا وجبت عليهم فلا يسعهم جهلها، فيجب عليهم العلم والعمل بها حتى تبرأ ذمتهم، ومن ضيعها فهو آثم لا يعذر بجهله، وقبل ذلك فهم معذورون في جهلها، فإذا لزمتهم فلا عذر لهم ويقدم أبو إسحاق الحضرمي صوراً عديدة للأمور التي يسع جهلها ما لم تقم الحجة بالسمع أو الشك فيه، أو يخطر على باله، من ذلك:
(2)
لو أن رجلاً جهل معرفة حرمة الزنا، أو فرض الصلاة، أو لم يعرف بشرك من جحد الله، وكفر من جحد الرسول، كان معذوراً، فإذا سمعه من أحد مما ذكرنا من المسلمين أو من غيرهم، فقبل منهم ذلك، فقال له: إن الزنا حرام، وأن الصلاة فريضة، وأن من جحد الله كان مشركاً، أو بالرسول فهو كافر، لم يسعه الشك في ذلك؛ لأنه أقام الحجة بمثل ما أقامها
الله، هكذا وجدته في بعض السير.
(1) الكدمي: المعتبر، 29/ 3.
(2) الحضرمي أبو إسحاق: مختصر الخصال، 29، وما بعدها. (2/310)
صفحة 827
الفصل الثالث: القاعدة الكلية الكبرى الثالثة
311
2 ـ لو أن رجلاً جهل معرفة غسل الجماع، وحرمة نكاح المتعة، وتسمية المستحلين من أهل التأويل والمحرّمين من أهل الكبائر بالكفر كان معذوراً، فإذا أسمعه أحد المسلمين فقال له: إن الله فرض غسل الجماع، وحرم نكاح وسمى المستحيل والمحرم من أهل التأويل كافراً، والزاني والشارب ونحوهم من أهل القبلة كفاراً، أو لم يزده على هذا الكلام شيئاً فصدقه، فقبل ذلك، لم يسعه الشك، فإن لم يقبل وشك، وسعه ذلك حتى تنتهي إليه الحجة
المتعة،
في
ذلك (1).
القسم الثالث: ما جهله أبداً ما لم يكذب. يسع
أما العلم الذي يسع جهله أبداً ما لم يتقوَّلوا على الله ـ في حال جهلهم - فيه الكذب فيحلون حراماً أو يحرمون حلالاً، أو يُواقعوا فعل ما يضلهم، أو يلقوا الحجة فتخبرهم بها، فلا يؤمنون بها ولا يصدقونها، فما حرم الله عليهم من الميتة والدم ولحم الخنزير والزنا والربا وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل الأموال الحرام والسرقة، وكل ما حرم عليهم، والفساد في الأرض، والأمر بالمنكر، والظلم والبغي، ودخول البيوت بغير إذن، والنظر إلى ما حرم الله، وإتيان النساء في الحيض، وكل ما حرم الله ونهى عنه، إنما عليهم الكف عنه، وليس عليهم معرفته ولا معرفة أن الله حرمه، فهم يسعهم جهل ذلك أبداً ما لم يكذبوا على الله في حال جهلهم.
فهذه المنهيات والمحرمات كلها مما يسع جهلها أبداً، ويعذر في معرفتها ما دام المسلم مؤمن بحرمتها، فإذا كذب على الله، أو اقترف منها معصية، فلا يعذر في هذه الحالة، ويحاسب على فعله، وهذا ما أكده الجناوني حيث نص على أن جميع المحرمات ما خلا الشرك يسع جهلها ما لم يتقول على الله الكذب، وما لم يقارف الحرام من ذلك.
(1) الحضرمي: المصدر نفسه، ص 29 - 30. (2/311)
صفحة 828
312
والحاصل:
القواعد الفقهية عند الإباضية
أن أصحاب هذا القول يقسمون المعرفة أو العلم إلى ثلاثة أقسام: قسم يتعلق بأصول العقيدة كمعرفة التوحيد والشرك، فهذا مما لا يسع جهله طرفة عين، وقسم مما يسع جهله ما لم تقم الحجة بذلك كالإيمان بصفات الله والرسل والملائكة وأصول العبادات كالصلاة والزكاة، والمعاملات كالحقوق والالتزامات نحو الله والناس فهذا يسع جهلها إلى حين وجوب فعلها، فلا يعذر بعد ذلك جاهلها، ويأثم إن قصر فيها، أما القسم الثالث: فهو جهله أبداً ما لم يتعدى الجاهل بها على الله فيتقول عليه، وذلك في يسع جميع المحرمات والمنهيات وبعض الفروض الكفائية، كقسمة المواريث، و قصاص الجراحات.
مما
ج - أقسام الجهل عند السالمي:
وأما السالمي فيرى أن الجهل ينقسم إلى أربعة أقسام بالنظر إلى حال الجاهلين كما يلي:
القسم الأول: جهل غير قابل للديانة كجهل من يعبد الأصنام، فإن عبادته لا تكون ديناً في شيء من الشرائع، ولا يقبل العقل جعلها ديناً، فالمتمسك بها متمسك بضلال ظاهر لظهور الأدلة القاطعة والبراهين الساطعة على بطلانها، ولهذا كان حكم أهل هذا القسم إجراء حكم الشرع عليهم، وذلك بأن يعرض عليهم الإسلام، فإن استجابوا أصبحوا مسلمين يتمتعون بمزايا الإسلام، وإن امتنعوا حوربوا حتى يذعنوا إليه، أو يعقد إذا اقتضت المصلحة ذلك، وهذا الجهل لا يصلح عذراً ولا شبهة؛ لأنه مما لا يسع جهله). القسم الثاني: جهل يكون قابلاً للديانة، مثل جهل أهل الكتب السابقة من
(1) السالمي: طلعة الشمس، 258/ 2.
معهم
صلحاً (2/312)
صفحة 829
الفصل الثالث: القاعدة الكلية الكبرى الثالثة
313
اليهود والنصارى وغيرهم شريعة نبينا عليه الصلاة والسلام، سواء كانوا عجماً أو عرباً؛ لأن المعتبرها هنا الديانة لا السبب، وسواء كانوا جاهلين بحقية نبينا أم متجاهلين بها، ولأهل هذا القسم أحكاماً ذكر السالمي بعضها، وبين أنهم صنفين أهل حرب، وأهل ذمة.
أ - فأما أهل الحرب منهم: فالحكم أنهم يناصَبون الحرب، وتطبق عليهم المسالك، وتُسبى ذراريهم، وتغنم أموالهم وتقتل مقاتلتهم، حتى يدخلوا في الإسلام، أو يذعنوا بالجزية، أو الصلح على ما يرى المسلمون. ب ـ وأما أحكام أهل الذمة منهم وهم الذين أعطاهم الإمام (الحاكم) أو من يقوم مقامه ذمة لأدائهم الجزية، أو الصلح فيما بينهم والمسلمين، فهي أنهم يُقَرّون على ديانتهم التي دانوا بها، ولا يصح لنا التعرض عليهم في شيء
من ذلك (1).
القسم الثالث جهل المتأولين الضالين من المسلمين، وجهل البغاة المتمردين، وهذا الجهل سببه انحراف في العقيدة، أو الخروج عن طاعة الحاكم المسلم، وبين السالمي أنّ هذا القسم قد اعترفوا بالإسلام ولكنهم جهلوا بعض أحكامه، تأويلاً أو استحلالاً أو انتهاكاً، وفيه ثلاثة أنواع:
النوع الأول: جهل من اعتقد في دينه الهوى بجهل صفات المولى الله،
6
أو بجهل حكم الله في الآخرة؛ كمن يعتقد أن صفات الذات معان حقيقية قائمة بالذات، وأن ذاته تعالى يصح أن ترى في الآخرة، وأن الشفاعة ستكون لأهل الكبائر من أمة محمد صلى الله عليه وسلم، واعتقادهم خروج الفاسق من النار، ويعتبر السالمي هذا كله جهل لما تدل عليه الأدلة الشرعية والبراهين القطعية، لكنهم تأولوا تلك الأدلة، وقابلوا القواطع بالشبهات فالتبس عليهم الحق بالباطل، والضلال بالهدى، وحكم هؤلاء أن يبين لهم فساد معتقدهم، ويوضح لهم الحق، فإن قبلوه كانوا إخواننا في الدين وإن تمادوا في رأيهم دعاهم الإمام إلى الدخول
(1) السالمي: نفسه، 259/ 2.
6 (2/313)
صفحة 830
314
القواعد الفقهية عند الإباضية
في
طاعته، والانقياد لحكمه، فإن أذعنوا بذلك، كان لهم ما لنا من الأحكام وعليهم ما علينا ويتركون ومعتقدهم، لكن يمنعون من الدعوة إلى الله؛ فإن لم يمتنعوا عاقبهم الإمام بقدر ما يرى من العقوبة في ذلك، فهذا النوع لا يعذر صاحبه، وهو آثم إن لم يتب من ذلك.
مستحلون
النوع الثاني جهل البغاة، وهم الذين خالفوا الإمام، وخلعوا الطاعة وفارقوا الجماعة وأفسدوا في البلاد، وتمردوا على العباد، ويعتقدون أنهم على الحق، وأن الحاكم على الباطل، متمسكاً بذلك بتأويل فاسد، فهذا الجهل لا يصلح عذراً أيضاً، وهؤلاء صنفان؛ لأنهم إما أن يفعلوا ذلك وهم لفعله، وإما أن يفعلوه انتهاكاً، فحكم هؤلاء أن يدعوهم الإمام إلى الدخول في طاعته، وترك الفساد في الأرض، ويبين لهم ضلالهم وخطأهم في استحلالهم، فإن أجابوا إلى ذلك، كان لهم ما للمسلمين وعليهم ما عليهم، وإن امتنعوا ناصبهم الحرب حتى يذعنوا بالطاعة ولا تحل أموالهم، ولا تُسبى ذراريهم، ولا يطالبون في غرم ما أتلفوه من دماء المسلمين وأموالهم، فهؤلاء البغاة لا يعذرون في جهلهم بعد أن تبيَّن لهم الحق، وعليهم التوبة مما صدر منهم
من فساد.
النوع الثالث الجهل الذي يصلح شبهة دارئة للحد والكفارة. ذكر السالمي أن هذا الجهل يكون شبهة يدرأ بها الحد دون غيره من الأحكام، وذلك كمن تسرَّى أمة زوجته يظن أنها له في ذمته مثل أمته، فإن هذا جاهل بحكم الله في قضيته، فلا يرجم؛ لأن الحدود تدرأ بالشبهات»، ومثله: قتل أحد الوليين القاتل عمداً عدواناً بعد عفو الولي الآخر، جاهلاً بعفوه، أو بسقوط القود بعفوه، فإنه لا يقتص منه، وإذا كان هذا القتل تعدياً وذلك للشبهة، إذ هو من مواضيع الاجتهاد، وكحربي دخل الإسلام فأسلم، فشرب
(1) المرجع نفسه، 261/ 2 - 262. (2/314)
صفحة 831
الفصل الثالث: القاعدة الكلية الكبرى الثالثة
315
الخمر جاهلاً بالحرمة، لا يُحَدَ؛ لأنها ليست بحرام في بقية الأديان، فأورث ذلك شبهة دارئة للحد، وكالمحتجم إذا ظن أن الحجامة تفطره فأفطر بعدها، فإنه لا كفارة عليه، إنما عليه القضاء لا غير، وذلك للشبهة الحاصلة (1) من قوله صلى الله عليه وسلم: «أفطر الحاجم والمحتجم).
وذهب السالمي إلى البراءة ممن فعل ذلك؛ لأن البراءة بغض على معصية الله، وهو قد عصى وإن كان جاهلاً، فإنه لا يسعه جهله بذلك، وعليه أن يتوب من فعله، ولا يكون درء الحد عنه، أو سقوط الكفارة دليلاً على عذره، فإنه غير معذور في ذلك (3).
القسم الرابع: ما يصلح عذراً مسقطاً للإثم.
وهو كما ذكر السالمي، ما يكون عذراً لصاحبه لا إثم يلحقه بسببه، كمن جهل بحدثه في ثوبه أو بدنه حتى ينتهي من صلاته، فلا إثم عليه، وعليه إعادتها (4).
وكجهل الوكيل عزله عن الوكالة، فإذا عزله الموكل ولم يعلم بالعزل، فإن جهله بالعزل يكون عذراً له في التصرف في مال الموكل، حتى قيل أنه لو
باع أو اشترى على مقتضى الوكالة نفذ تصرفه، وثبت بيعه وشراؤه. وكذلك جهل الشفيع بوقوع البيع أو بحقه في الشفعة، فإذا بيعت شفعته ولم يعلم ببيعها ثم علم، فإن له أخذ شفعته بعد العلم ببيعها، ولا يكون جهله ببيعها مسقطاً لحقه.
(1) الأنصاري: فواتح الرحموت 392/ 2. ابن أمير الحاج: التقرير والتحبير، 326/ 3. (2) رواه الترمذي في السنن، كتاب الصوم، باب كراهية الحجامة للصائم، رقم 774، عن رافع بن خديج، وأبو داود في السنن، كتاب الصيام، باب ما جاء في الصائم يحتج، رقم 2327، عن
ثوبان. قال الترمذي: حديث حسن صحيح.
(3) السالمي: طلعة الشمس، 262/ 2.
(4) ابن بركه: الجامع، 421/ 1،. ـ الشماخي: الإيضاح، 282/ 1. (2/315)
صفحة 832
316
القواعد الفقهية عند الإباضية
—
وكذلك جهل المتزوج أنسابه، فمن تزوج ذات محرم منه ولم يعلم أنها ذات محرم، فإن جهله بنسبها يكون عذراً في رفع الحرج عنه، فمتى علم أنها ذات محرم لزمه تركها.
وكذلك جهل لحم الخنزير إذا كان مقطعاً، فمن أكله من يد من يجوز له أكل اللحم من يده، وهو لا يعلم أنه لحم خنزير، فإنه لا إثم عليه في أكله، فصار جهله عذراً له في ذلك، أما إذا وجد لحم الخنزير غير مقطع معلوماً بمظهره، فلا يسعه أكل لحمه؛ لأنه حرام في دين الله تعالى، ويجب على المسلم أن يتحرى في مطعمه ومشربه، فإذا لم يتبين له ذلك توقف عن الأكل؛ لأن الجهل مع قيام الحجة ونضب الأدلة، لا يكون عذراً).
مجمل القول:
وبناء على ما تقدم فإن الإباضية بوجه عام يقسمون الجهل إلى ثلاثة
أما الحضرمي
فاختص
أقسام: 1 - جهل لا يصلح عذراً ولا شبهة، وصاحبه يتحمل تبعاته، وهو أنواع. 2 - وجهل يصلح شبهة تسقط العقوبة، ولا يصلح عذراً لسقوط الإثم. وجهل يصلح عذراً، ويعذر صاحبه، ويسقط عنه الإثم. وبالنظر في التقسيمات المتقدمة يبدو أنه لا خلاف فيها يذكر، فعمروس بن فتح ومن نهج منهجه والسالمي قسموا الجهل بوجه عام، كلامه على الجهل في الدين والذي يهمنا في هذا المقام هو الجهل بالدين، لما يترتب عليه من مسؤولية في الدنيا والآخرة، أما الجهل بأمور الحياة فلا يترتب عليه، الإثم ما لم يتعدى إلى الغير، وهكذا يتبين لنا أن الإباضية متفقون في أصل الجهل، وقد يختلفون في تفصيلاته وفروعه، ولذلك وجدنا من يقسمه منهم إلى ثلاثة أقسام ومنهم من يقسمه إلى أربعة أقسام والله أعلم.
(1) السالمي نفسه، ص 2/ 262 - 263. (2/316)
صفحة 833
الفصل الثالث: القاعدة الكلية الكبرى الثالثة
317
مسألة
ثالثاً: شروط اعتبار الجهل سبباً للتخفيف والتيسير ويشترط الفقهاء في الجهل لاعتباره عذراً أو سبباً للتخفيف عدة شروط، منها:. الشرط الأول: أن يتعلق الجهل بموضوع اشتبهت فيه الأدلة، كالجهل في موضع الاجتهاد، والجهل في موضع الشبهة، أما الجهل فيما فيه أدلة واضحة وضرورية فلا يعد جهلا كالجهل بمخالفة الكتاب والسنة، والجهل بما علم من الدين بالضرورة، كمن تولى عدو الله، أو برئ من ولي الله، أو أفتى في بغير وجهها فخالف فيها الكتاب والسُّنَّة بجهل ذلك في حين ارتكابه، ولم يكن في ذلك متديناً بخطأ، وإنما هو مجتهد في إصابة الحق، فهو هالك بخطئه ولا عذر عليه في جهالته)، وكالقول بحل متروك التسمية عمداً على الذبيحة المخالف لقوله تعالى: {وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقُ (الأنعام: (121)، وكالقضاء بشاهد ويمين المخالف من وجهة نظرهم لقوله تعالى: {وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِن رِّجَالِكُمْ فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ} (البقرة: (282)، وللحديث المشهور: البينة على المدعي واليمين على من أنكر» (3). وكقول سعيد بن المسيب بالتحليل بلا وطء المخالف لحديث العسيلة
المشهور (3).
(1) ابن جعفر: الجامع، 134/ 1، 135.
(2) رواه الترمذي، كتاب الأحكام، باب البينة على المدعي، رقم 1341، عن ابن عمرو بن العاص، والنسائي في الكبرى، كتاب القضاء على من اليمين رقم 5994، عن ابن عباس، قال النووي في أربعينه حديث حسن رواه البيهقي وغيره وبعضه في الصحيحين وقد روي بألفاظ أخرى ينظر: العجلوني كشف الخفاء، 341/ 1.
(3) متفق عليه، رواه البخاري، كتاب الشهادات، باب شهادة المختبئ رقم 2496، ومسلم، كتاب النكاح، باب لا تحل المطلقة ثلاثاً لمطلقها إلا ... ، رقم 1433، عن عائشة قالت: جاءت امرأة رفاعة القرظي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: كنت عند رفاعة القرظي فطلقني فبت طلاقي فتزوجت بعده بعبد الرحمن بن الزبير وأنا. معه مثل هدبة الثوب، فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: «أتريدين أن ترجعي
إلى رفاعة؟ لا، حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك»، ينظر: الشوكاني، نيل الأوطار، 253/ 6. (2/317)
صفحة 834
318
القواعد الفقهية عند الإباضية
الشرط الثاني أن لا يكون فيما يمكن الاحتراز عنه بسؤال أهل العلم عن حكمه أما إذا تعذر الاحتراز عنه بأن كان ممن دخل في الإسلام في بلاد غير إسلامية لا يوجد فيها وسيلة للحصول على العلم الشرعي، فإنه يعذر، بجهله، قال ابن اللحام (1): «إذا قلنا إن الجاهل يعذر، فإنما محله إذا لم يقصر ويفرط في تعلم الحكم، أما إذا قصر أو فرط فلا يعذر جزماً (3). ومثاله: من أسلم من كفار دار الحرب وبقي حيث هو، ولم يقدر على الهجرة لدار الإسلام، فترك العديد من الواجبات لجهله بها، فإنه يعذر ولا إثم عليه، فلو شرب الخمر جاهلاً بحرمتها لم يعاقب، لعدم شهرة الحكم في دار الحرب (3). ولا أظن أن هذا الأمر يخفى في هذا العصر فوسائل الإعلام غزت كل البلدان، وأصبح العالم كأنه قرية واحدة، فمن أراد أن يتعرف على دينه فما عليه إلا استعمال هذه الوسائل الإعلامية الميسرة، ليتعرف على أحكام الإسلام وتشريعاته، وبذلك ينتفي العذر، ولا يسقط عنه الإثم والعقاب. . الشرط الثالث: أن لا يتعلق الجهل بحق العباد فإذا تعلق بملك الغير، كأن يتلف المشتري المبيع قبل القبض جاهلاً، فلا يعد ذلك عذراً، ويضمنه إذا كان بيده، وإذا كان بيد البائع اعتبر ذلك الإتلاف قبضاً للمبيع هذا ومما تجدر الإشارة إليه أن الإباضية لم يصرحوا بهذه الشروط في مصنفاتهم، ولكن من خلال النصوص التي اعتمدنا عليها في بيان أقسام الجهل، يمكن استنتاج هذه الشروط، وأرى أنه لا مانع من إضافتها إلى ما قدمنا تعميماً للفائدة.
(4)
(1) علي بن محمد بن عباس بن شيبان، أبو الحسن علاء الدين ابن اللحام (803 هـ/ 1401 م): فقيه حنبلي أصله من بعلبك سكن دمشق وصنف كتباً، منها: «القواعد الأصولية والأخبار
العلمية في اختيارات الشيخ تقي الدين ابن تيمية - خ». الأعلام للزركلي: 7/ 5. (2) ابن اللحام القواعد والفوائد الأصولية وما يتعلق بها من الأحكام، ص 58. (3) عمر عبد الله كامل الرخصة الشرعية، ص 135.
(4) شبير محمد القواعد الكلية، ص 203. (2/318)
صفحة 835
المطلب السابع
من أسباب التيسير العسر وعموم البلوى
أولاً: تعريف العسر والبلوى
:
العسر في اللغة نقيض اليسر، وهو يدل على صعوبة وشدة)، والمقصود به هنا: صعوبة تجنب الشيء، فالإنسان يجد مشقة في تجنب الشيء والاحتراز عنه (2).
والبلوى والبلو والبلية والبلاء: اسم من بلاه الله يبلوه بلواً وبلاء، إذا جربه واختبره وامتحنه (3)، وفُسر عموم البلوى بما يكثر وقوعه، فهو شيوع البلاء، بحيث يصعب على المرء التخلص أو الابتعاد عنه (4).
لم يميز العلماء بين العسر وعموم البلوى، وإنما كانوا يتكلمون عنهما على أنهما شيء واحد، والحق أنه يوجد نوع من التلازم بين الاثنين، ويظهر أن بينهما العموم والخصوص المطلق، فكل ما عمت به البلوى هو مما يعسر، ولكن لا يلزم من صعوبته الشيء وعسره أن يكون مما تعمّ به البلوى. وحيث أن العلماء
جعلوهما شيئاً واحداً، فسنتابعهم على ذلك في دراستهما دون التميز بينهما. أما الشارع الحكيم فقد نظر إلى الأعذار، ففرق بين غالبها ونادرها، فعفا عن غالبها لما في اجتنابه من المشقة الغالبة، وإنما تكون غالبة لتكرارها وكثرتها وشيوعها فى الناس، بخلاف ما كان منها نادراً، فلا يكون عذراً لانتفاء
المشقة فيه.
(1) ابن فارس: معجم مقاييس اللغة، 319/ 4.
(2) شبير محمد: المرجع نفسه،
ص
203
(3) ابن منظور لسان العرب المحيط، إعداد وتصنيف يوسف الخياط، طبعة دار لسان العرب،
بيروت دت، 1/ 264 - 265.
(4) الطوفي: شرح مختصر الروضة، 2/ 232. - الزحيلي وهبة نظرية الضرورة الشرعية، ص 123. (2/319)
صفحة 836
320
القواعد الفقهية عند الإباضية
وعموم البلوي يكون في أمور العبادة، كما يكون في قضايا التعامل بين الناس، بحيث لو أخذ بأصل الحكم فيها لأدى إلى المشقة والعسر، أو إلى تعطيل المصالح، وهو نوع من المشقة أيضاً، ويعتبر العسر وعموم البلوى عذراً في موضع لا نص فيه؛ لأنه لا اعتبار في موضع النص، كحرمة رعي حشيش
الحرم، وقطعه الإذخر، وعدم العفو عن بول الآدمي يصيب الثوب أو البدن. وليس كل ما عمت به البلوى يجلب التيسير والتخفيف، فشرب الخمر المعدود من أكبر البلايا على النطاق العالمي قديماً وحديثاً، ولا مشقة في حرمته، وتركه لوضوح المفسدة فيه، وكذا تعاطي الدخان، والتعامل بالربا هو أيضاً قد عمت به البلوى عالميّاً، ولكنها بلوى لا ينظر إليها شرعاً، ولا تجلب الترخيص لمعارضة النص وتحقق المفسدة). ومن الأمور التي عمت به البلوى حديثًا في كثير من البلدان الإسلامية، انتشار ظاهرة الرشوة والمحسوبية في الإدارات العامة والخاصة، فأصبح من العسر تحقيق مصلحة، أو دفع مفسدة دون التعرض إلى ضغوط التعامل معها، ذلك فليست بلوى معتبرة شرعاً، ولا توجب الترخيص لمعارضتها للنص الصحيح، وترتب مفاسد كثيرة عليها.
ومع
ثانياً: الأدلة الشرعية على اعتبار العسر والبلوى سبباً للتيسير اتفق العلماء على اعتبار العسر وعموم البلوى من المشاق التي تجلب التيسر، وخاصة في مسائل العبادات والطهارات والنجاسات، ومن أهم الأدلة
ما يلي: 1 - تسقط الصلاة على الحائض ولا يجب عليها قضاؤها لتكرارها كل شهر بخلاف ما تفطره من رمضان، فيجب قضاؤه؛ في السنة مرة.
لأنه
(1) البورنو الوجيز في قواعد الفقه الكلية، ص 228. - عمر كامل: الرخصة الشرعية، ص 147. (2/320)
صفحة 837
الفصل الثالث: القاعدة الكلية الكبرى الثالثة
321
2 - ما جاء عن ابن عمر لما أنه قال: كانت الكلاب تبول وتقبل وتدبر زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد، فلم يكونوا يرشون شيئاً من ذلك). - عن كبشة بنت كعب بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم قال عن الهرة: «إنها ليست بنجس إنها من الطوافين عليكم والطوافات (2).
والوصف بالطواف ـ وهي صيغة المبالغة؛ للدلالة على كثرة الابتلاء بها، وعسر الاحتراز عنها لكثرة ملابستها لثياب الناس وآنيتهم.
4 - جاءت امرأة لأم المؤمنين أم سلمة لها فقالت: إني أطيل ذيلي وأمشي
_
في المكان القذر، فقالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «يطهره ما بعده».
ه ـ والنساء المراضع لم يزلن من عصر الرسول صلى الله عليه وسلم إلى وقتنا الحاضر يصلين في ثيابهن، والرضع من أطفالهن يتقيؤون، ويسيل لعابهم على ثياب أمهاتهم وأجسامهن، فلا يغسلن شيئاً. ذلك؛ لأن من ريق الرضيع مطهر لفمه بسبب الحاجة، كما أن ريق الهرة مطهر لفمها).
(1) البخاري: الجامع الصحيح، كتاب الوضوء باب 23، 51/ 1. (2) أخرجه الإمام الربيع بن حبيب بنحوه في مسنده في كتاب الطهارة (24) باب في أحكام المياه 1/ 72، ح. ر 159. عن كبشة بنت كعب بن مالك عن أبي قتادة عن النبي صلى الله عليه وسلم، ورواه أبو داود بلفظ قريب في سننه في كتاب الطهارة (38) باب سؤر الهرة ص 32 ح. ر 75. عن كبشة بنت كعب بن مالك عن أبي قتادة، وفي حديث رقم 76 بنحوه وفيه زيادة عن أم داود بن صالح عن عائشة أم المؤمنين الا مرفوعاً والزيادة هي قولها: «وقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يتوضأ بفضلها ورواه الترمذي بنحوه في سننه ص 32، حديث رقم: 92، وقال هذا الحديث حسن وصحيح ورواه النسائي بنحوه في سننه ص 15، حديث رقم: 67،
ورواه غيرهم. (3) رواه الترمذي، أبواب الطهارة، الوضوء من الموطأ، رقم 143، 266/ 1. ومالك في الموطأ، کتاب الطهارة، ما لا يجب منه الوضوء، وء، رقم 45، وأبو داود، كتاب الطهارة، باب الأذى
يصيب الذيل، رقم 383، عن أم سلمة، 296/ 1.
(4) ابن القيم: إغاثة اللهفان، 155/ 1. (2/321)
صفحة 838
322
القواعد الفقهية عند الإباضية
-
وجاء في صحيح البخاري عن الحسن البصري: «ما زال المسلمون
يصلون في جراحاتهم»).
ثالثاً ضوابط العسر وعموم البلوى:
إن الأمثلة التي ذكرها العلماء لهذا السبب كثيرة ومتنوعة (2)، ونظراً لكثرة الجزئيات والفروع الفقهية التي تدخل في مجال العسر وعموم البلوى، فقد حاول بعض الفقهاء أن يضعوا ضوابط معينة تضبطها فتكون علامات على تحققه، أو أسباباً يتحقق عند وجودها وجود العسر، وعموم البلوى الذي تترتب عند وجوده المشقة التي تجلب التيسير.
ويبدو من استقراء الأمثلة والجزئيات التي ذكرها الفقهاء لهذا السبب، أن هذه التخفيفات الداخلة في العسر وعموم البلوى مردها إلى أمور متعددة، كالحاجة والضرورة، وصعوبة الأمر الناتجة عن تكراره أو عن وقوعه، أو غير ذلك مما يعود في حقيقته إلى بيان أن المشقة خارجة عن المعتاد، ويمكن تلخيص هذه الأمور كما يلي:
من
(1) رواه البخاري كتاب الوضوء، باب من لم ير الوضوء إلا من المخرجين: من القبل والدبر وقول الله تعالى: {أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنكُم مِّنَ الْغَابِطِ (النساء: (43) وقال عطاء: ـ فيمن يخرج من دبره الدود، أو من ذكره نحو القملة - يعيد الوضوء» وقال جابر بن عبد الله ه: «إذا ضحك في الصلاة أعاد الصلاة ولم يعد الوضوء» وقال الحسن: «إن أخذ شعره وأظفاره، أو خلع خفيه فلا وضوء عليه وقال أبو هريرة له: «لا وضوء إلا من حدث» ويذكر عن جابر: «أن النبي صلى الله عليه وسلم كان في غزوة ذات الرقاع فرمي رجل بسهم، فنزفه الدم، فركع، وسجد ومضى في صلاته» وقال الحسن: «ما زال المسلمون يصلون في جراحاتهم». وقال طاوس، ومحمد بن علي، وعطاء، وأهل الحجاز: «ليس في الدم وضوء وعصر ابن عمر بثرة فخرج منها الدم ولم يتوضأ وبزق ابن أبي أوفى دماً فمضى في صلاته». وقال ابن عمر، والحسن فيمن يحتجم ليس عليه إلا غسل محاجمه». وينظر: ابن القيم إغاثة اللهفان، 280/ 1.
(2) الراشدي جواهر القواعد، ص 122 وما بعدها. (2/322)
صفحة 839
الفصل الثالث: القاعدة الكلية الكبرى الثالثة
323
أ - تفاهة الشيء ونزارته. ب - كثرة الشيء وامتداد زمنه. ج - شيوع الشيء وانتشاره.
د-
الحاجة إليه.
هـ ـ الاضطرار إلى الشيء دفعاً للضرر والفساد.
و - عسر التخلص من المحظور.
ز - ما يرجع إلى العوامل الإلهية التي يطلقون عليها العوامل الطبيعية، كالمطر، والثلج، والوحل، والريح الشديدة في الليلة المظلمة، وشدة
الحر.
ح - الشيخوخة وكبر سنّ المكلف، والحمل، وغيرها مما يعود إلى وهن
جسم
المكلف (1).
وفي ما يلي بيان هذه الضوابط أو الأسباب مع ذكر أمثلة توضحها:
1 - تفاهة الشيء ونزارته: توجد في كتب الفقه الإباضي أمثلة متعددة تجسد فيها التيسير والعفو عن طائفة من الأمور بسبب قلتها وتفاهتها، وذلك في باب الطهارة وغيره من
الأبواب. ومما مثلوا به في ذلك، النجاسات التي لا يدركها البصر، كدم البعوض والبراغيث، وما تحمله أرجل الذباب من النجاسات (2). وقد رخص أبو إسحاق الحضرمي في هذه النجاسات العسيرة التي يصعب الاحتراز منها فقال: أن يصيب الإنسان دم ما لم يمكن الاحتراز منه غالباً
(1) الباحسين قاعدة المشقة، ص 167، 168 شبير محمد القواعد الكلية، ص 204. عبد الله كامل الرخصة الشرعية، ص 148.
(2) الراشدي: جواهر القواعد، ص 122. - السيوطي: الأشباه والنظائر، ص 108.
عمر (2/323)
صفحة 840
324
القواعد الفقهية عند الإباضية
كالبراغيث والقمل والبق، والبعوض والذباب ونحوه ما لم يكثر ذلك جداً سواء كان في بدنه أو ثوبه أو مسجده أو ما يصيبه من البول أو نحوه من النجاسات مما لا تتمكن العين بتحديده).
ومع التيسير في كثير من هذه الأمور بسبب قلتها، لكن من الممكن أن يقال إن التخفيف فيها عائد إلى أنه لا يمكن الاحتراز منها، ولا نجد في ذلك مانعاً لجواز اجتماع سببين لمسبب واحد شرعاً).
وعلى هذا السبب انبنى الاستحسان بنزارة الشيء وتفاهته عند من قال به، وسماه ابن العربي المالكي (ت: 643 هـ) الاستحسان بترك مقتضى الدليل في اليسير لتفاهته ونزارته، وقد علَّلوا عدم الاعتداد بالمشقة الحاصلة من مراعاته، قال الشاطبي (ت: 790 هـ): «ووجه ذلك أن التافه في حكم العدم، ولذلك لا تنصرف إليه الأغراض في الغالب، وأن المشاححة في اليسير تؤدي إلى الحرج والمشقة، وهما مرفوعان عن المكلف. هذا ولم أجد للعلماء فيما اطلعت عليه مقياسا للقليل، غير أنه توجد مقاييس لأمور محدودة، من ذلك أن الحنفية والمالكية وضعوا مقياساً للقليل الذي يعفى عنه من النجاسات، وهو قدر الدرهم أو ما دونه، وقدروا القليل من الطعام الموجود بين الأسنان مما لا يضر ابتلاعه بالصوم بما هو دون الحمصة، فالقليل دون الحمصة، أما الحمصة فما فوقها فيفطر به الصائم».
(1) الحضرمي أبو إسحاق مختصر الخصال، ص 64 - 65.
(2) الباحسين قاعدة المشقة، ص 169.
(3) الموصلي محب الدين أبو الفضل بن محمود بن مودود (ت: 672 هـ): الاختيار في تعليل المختار 1/ 132، روي عن إبراهيم النخعي أنه قال: (أرادوا أن يقولوا قدر المقعدة) فكنوا بقدر الدرهم عنه، المرجع نفسه، 130/ 1، وقد علل في «الاختيار» بأن مابين الأسنان لا يستطاع الامتناع عنه إذا كان قليلاً؛ فإنه تبع لريقه بخلاف الكثير، وهو قدر الحمصة؛ لأنه لا يبقى مثل ذلك عادة، فلا تعم به البلوى، فيمكن الاحتراز عنه. 132/ 1 - 133. (2/324)
صفحة 841
الفصل الثالث: القاعدة الكلية الكبرى الثالثة
325
أما الإباضية فجعل بعضهم مقدار ظفر الإنسان مقياساً لأقل النجاسات المعفو عنها، جاء في جامع ابن جعفر ما نصه: «من صلى في ثوب فيه دم ولم يعلم، فإن كان الدم قدر ظفر يده الإبهام، وكان متفرقاً إذا جمع، فيبدل تلك الصلوات، وإن لم يبلغ ذلك، فلا بدل عليه، وقال محمد بن المسبح): إذا كان أقل من ظفر فلا نقض عليه في صلاته، علم به قبل الصلاة أو بعدها» (2). والقيح وما يخرج من البدن من الصديد والمهياس (الخارج من الجراح لا نقض فيه حتى يخرج الدم الخالص، وكل جرح في البدن أو شق أو خدش خرج منه دم، فلا نقض فيه حتى يفيض الدم من الموضع الذي خرج منه، فإذا فاض فقد انتقض الوضوء، وما مس البدن من غير ذلك من الدم من قليل أو كثير فهو مفسد ولو لم يبلغ قدر الظفر، وقيل: إنه كمثل الثوب، ولا ينقض حتى يكون كالظفر، ومن غيره، وقال بعضهم: لا بأس بدم القراد ـ دوبية معروفة ـ ودم البعوض والبراغيث فإن ذلك لا يفسد الماء.
وقال غيره: ويوجد عن بعض المسلمين أن دم البعوض والذباب الأزرق نجس، وقال غيره: إن ذلك طاهر لا يفسده، ومنهم من قال: إذا كان كالظفر أفسده، وإن كان أقل فلا بأس (3).
(1) محمد بن القاسم بن المسبح في: 280 هـ) عالم جليل من قرية هيل قرب سمائل، وقيل من نزوى، عاصر الإمام الصلت بن مالك الخروصي (237 - 272 هـ)، والإمام راشد بن النظر (273 - 277 هـ). معجم أعلام الإباضية (قسم المشرق) لمجموعة باحثين، 299/ 1. وهناك آخر عاش في نفس الفترة واسمه المسبح بن عبد الله السيجاني (ق: 3 هـ) علماء الطبقة الخامسة المشاهير في عُمان، وهو من أهالي «هيل» من أعمال «سمائل». كان كفيف البصر، ولد بنزوى واستوطنها، وكان يقضي في نزوى بين الناس أيام الإمام غسان، كان المسبح من بين العلماء الذين أسدوا النصح للإمام غسان. ينظر: السالمي: تحفة الأعيان، 128/ 1 - 129. معجم أعلام الإباضية بالمشرق، 353/ 1.
من
(2) ابن جعفر: الجامع، 254/ 1 - 256.
(3) ابن جعفر المصدر نفسه، 1/ 283 - 284. (2/325)
صفحة 842
326
القواعد الفقهية عند الإباضية
،
هذا ولم يكن قليل النجاسة ونزارتها من الأمور المتفق عليها عند الإباضية، فقد ذكر الشماخي أنهم اختلفوا في قليل النجاسة، فقال بعضهم: قليل النجاسة وكثيرها سواء؛ لأن ما نجس عينه لا يتبعض وقال آخرون: قليل النجاسة معفو عنه قياساً على الدم، مثل إن وصل رشاش البول أو غيره من الأنجاس ثوب أحد، وذلك الرشاش لو اجتمع لم يفض، فإن بعضهم رخص فيه قياساً على الدم، وأما من حدّد قليل النجاسة بمقدار الظفر أو الدرهم، فإنه غير مشهور عند الإباضية؛ لأنه قاسه على مقدار المخرج.
ولكن لا نوافق الشماخي في ادعائه عدم تحديد الإباضية قليل النجاسة، فإن النصوص التي وردت عن ابن جعفر في «جامعه» تناقض قوله، فقد ذهب بعض الإباضية إلى تحديد أقل النجاسة المعفو عنها في أقل من ظفر، وما زاد عنها ينقض الطهارة، وقد أشرنا إلى بعض هذه النصوص فيما تقدم، ولعل ما ذهب إليه الشماخي هو ما عليه العمل عند إباضية المغرب دون إباضية المشرق؛ لأن ابن جعفر من أهل عمان.
ولعل العمل بهذا القول هو من باب التسامح في قليل النجاسة؛ لأن فيه تيسير للناس ورفع للحرج والمشقة؛ وذلك مما تعم به البلوى، ويتعسر احترازه وتطهيره الأحوال، خاصة عند السفر والمرض، ولذلك فأرى أن من وجد ذلك
في جميع في ثوبه أو بدنه فلا يلزمه التطهير، وإعادة الصلاة إلا احتياطاً والله أعلم.
2 ـ كثرة الشيء
ء:
وكنا قد ضممنا إلى ذلك طول الزمن وامتداده لكننا نرى أن فصلهما أولى؛ ذلك أنه قد توجد الكثرة من غير امتداد الزمن، ويغلب أن يكون هذا السبب في مسألة اجتماع الحلال والحرام أو الشك بالنجاسة، وقد يوجد في
غيرهما، ومن أمثلة ذلك:
(1) ابن جعفر: الجامع، 254/ 1 - 256. (2/326)
صفحة 843
الفصل الثالث: القاعدة الكلية الكبرى الثالثة
327
أنه لو اختلطت مَحْرمة بنسوة قرية كبيرة فإنه يجوز له النكاح منهن، وكذا لو اختلط حمام مملوك بمباح لا ينحصر، جاز الصيد، ومن ذلك ما لو في البلد حرام حرام لا ينحصر بمباح، فإنه لا يحرم الشراء منه، كما في السوق السوداء التي لا تخضع للرقابة، فيجوز الأخذ منها إلا إذا اقترن به
اختلط
علامة على أنه من الحرام.
ومن ذلك أيضاً، أن وقوع النجاسة في الماء الكثير لا يؤثر فيه، اعتباراً لجانب الكثرة مع أن النجاسة متحققة بالفعل).
وكما هو الأمر في شأن ضبط القليل، فإن تحديد الكثير وبيان المقياس الذي يعتمد عليه في ذلك أمر ضروري، إذ بدون هذا المقياس لن ينتفع بالسبب المذكور.
وقد ورد بالنص ضبط الكثير من الماء، وأنه ما بلغ قلتين فصاعداً)، فمثل هذا الماء لا تؤثر فيه ملاقاة النجاسة، إلا إذا غيّرت لونه أو طعمه أو رائحته، لحديث النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث».
وقد صرح الجيطالي وغيره بمقدار الماء الذي ينجس، وأشار إلى أن قليله إذا كان أقل من قلتين ينجس، وكثيره إذا زاد على القلتين، أو إذا حُرّك من أحد أطرافه فلم يتحرك الطرف الآخر.
(1) الشماخي: الإيضاح، 93/ 1.
(2) الجيطالي: قواعد الإسلام 152/ 1. الشماخي، المصدر نفسه، 93/ 1
(3) رواه الترمذي، كتاب الطهارة، باب الماء لا ينجسه شيء، رقم 67، وأبو داود، كتاب الطهارة،
باب ما ينجس الماء، رقم 63، عن ابن عمر، قال المباركفوري: «الحق أنه قال الحافظ
صحيح
أبو الفضل العراقي في أماليه قد صحح هذا الحديث الجم الغفير من أئمة الحفاظ الشافعي وأبو عبيد وأحمد وإسحاق ويحيى بن معين». تحفة الأحوذي، 180/ 1. ورواه الربيع في المسند منقطعاً عن أَبي عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «إِذَا كَانَ الْمَاءُ قَدْرَ قُلَّتَيْنِ لَمْ يَحْتَمِلْ حَبَنَّا». وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى: «قَدْرَ قُلَّتَيْنِ مَاءً لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ». (2/327)
صفحة 844
328
القواعد الفقهية عند الإباضية
فقال: وقوم فرقوا بين القليل والكثير، فقالوا القليل ينجس والكثير لا ينجس، وحد القليل منه ما دون، القلتين وهما قِرْبتان ونصف بقلال هَجِر عند بعضهم، وقيل: هما مقدار خمسمائة رطل، وحدوا الكثير منه بحيث يحرك طرفه فلا يتحرك الطرف الآخر)، وقوم لم يحدو في ذلك حداً وإنما وقع التنازع في هذا لقول الرسول صلى الله عليه وسلم: «إذا زاد الماء على قلتين لا يحتمل خبثاً» (2) ونهيه الجنب أن يغتسل بالماء الدائم أو قال الراكد، فقيل لأبي هريرة كيف يفعل؟ قال يتناوله تناولاً (3)، وهذا يدل على قلته ونهيه أن يبول أحد في الماء الدائم ثم يتوضأ منه (4) ().
-
وكذلك اختلفوا في البئر إذا سقطت فيه نجاسة، ما مقدار الماء المستخرج منه حتى يطهر؟ فقيل أربعون، دلواً، وقيل خمسون قال
الماء
(1) وذكر أبو محمد عبد الله بن بركة في كتابه المعروف بـ «مدح العلم وأهله»: «التقدير في حركة الماء لا وجه له؛ لأن الحركة تختلف حركة الثقيل وحركة الخفيف، وهذا التحديد في الراكد، وأما الماء الجاري فلا بأس به ما لم تغلب عليه النجاسة لم نقف على هذا الكتاب، ينظر: الشماخي، الإيضاح، 96/ 1 - 97.
(2) تقدم تخريجه.
(3) رواه مسلم في صحيحه، كتاب الطهارة باب النهي عن الاغتسال في الماء الراكد ـ حديث: 452. ورواه ابن خزيمة في صحيحه، كتاب الوضوء جماع أبواب ذكر الماء الذي لا ينجس، باب النهي عن اغتسال الجنب في الماء الدائم بلفظ عام مراده حديث: 92 عن أبي هريرة. ولفظه: «عن بكير بن عبد الله حدثه أن أبا السائب مولى هشام بن زهرة حدثه، أنه سمع أبا هريرة له يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا يغتسل أحدكم في الماء الدائم وهو جنب». قال: كيف يفعل يا أبا هريرة؟ قال: «يتناوله تناولاً». (4) رواه مسلم، كتاب الطهارة، باب النهي عن البول في الماء الراكد، رقم 283، عن أبي هريرة. ورواه ابن حبان في صحيحه ـ كتاب الطهارة باب المياه - ذكر الزجر عن البول في ا الدائم الذي دون القلتين حديث: 1272) بلفظ: «لا يبولن أحدكم في الماء الدائم، ثم يتوضأ
منه، أو يشرب».
(5) الجيطالي: قواعد الإسلام، 152/ 1، 153. الشماخي: الإيضاح، 94/ 1، 95.
الماء (2/328)
صفحة 845
الفصل الثالث: القاعدة الكلية الكبرى الثالثة
329
الشماخي: «وإن وقعت الميتة أو الدم أو لحم الخنزير أو الخمر في البئر، فإنه ينزع منها ما وقع فيها، ويغرف منها أربعون دلواً للسنة (1). وذكر بعض العلماء أن التقدير لأصحابنا في نزح البئر النجسة أربعون دلواً أو خمسون دلواً إن هذا مقدار ما فيها من الماء من غير أن تزيد مادة العيون .. (2)
وفيما عدا ذلك لم نجد للكثير ضابطاً حاسماً، فالغزالي (ت: 505 هـ)، يقول: «إنما يضبط ذلك بالتقريب فكل عدد لو اجتمع في صعيد واحد يعسر على الناظر عده بمجرد النظر كالألف ونحوه، فهو غير محصور، وما سهل كالعشرة والعشرين فهو محصور، وبين الطرفين أوساط متشابهة تلحق بأحد الطرفين بالظن، وما وقع فيه الشك استفتي فيه القلب» (3). ولغيره وجهات نظر أخرى لم أجدها محققة للغرض، على أن هذا مقياس في مجال محدد يتعلق بالعدد (4).
هي
تفسخت استق منها
(1) روى ابن أبي شيبة في المصنف، كتاب الطهارة، باب في الفأرة والدجاجة وأشباهها تقع في البئر، رقم: 1722، عن ابن عباس أن زنجيّاً وقع في زمزم فمات قال فأنزل إليه رجلاً فأخرجه ثم قال: انزفوا ما فيها من ماء حديث رقم 1716: عن الحسن وعطاء في البئر تقع فتموت فيها الدجاجة وأشباهها قال: استق منها دلواً وتوضأ منها فإن أربعون دلوا. وأخرجه ابن المنذر في الأوسط» ـ كتاب المياه ذكر البئر تقع فيها النجاسة ـ حديث: 187 ولفظه: عن عطاء، أن زنجيّاً مات في زمزم فأمر ابن الزبير أن ينزح منها حتى يغلبهم الماء. وقال الحسن البصري في الإنسان يموت في البئر: ينزح كلها». روي عباس وابن الزبير نزعا زمزم لزنجي مات فيه، وأمر ابن عباس بسد عيونها ونزع ما فيه، فكان مقدارها أربعين دلواً وقيل خمسين الجيطالي، قواعد الإسلام، 53/ 1. قال الجيطالي:: «ماء البئر أيضاً فالحكم فيه الطهارة فإن خالطته نجاسة أو ميتة نزعت منه أربعين دلواً للشنة إذا كان ماء غزيراً وإن كان قليلاً نزع كله ... » المرجع نفسه.
(2) الشماخي الإيضاح، 97/ 1 - 98. الجيطالي: قواعد الإسلام، 153/ 1. (3) السيوطي: الأشباه والنظائر، ص 120، نقلاً عن الغزالي في إحياء علوم الدين .. (4) الباحسين قاعدة المشقة، ص 172.
أن ابن (2/329)
صفحة 846
330
القواعد الفقهية عند الإباضية
ويبدو أن الراجح في ذلك أن يضبط كل شيء بحسبه، وبإرجاعه إلى العرف المشتهر في البلاد، ما دام لا يوجد نص يضبطه).
ـ امتداد زمن الفعل: وأثر المشقة فيه واضح، فَطُول الزمن وامتداده يقتضي زيادة في الأفعال والتكاليف بما هو أكثر من المعتاد، الأمر الذي يقتضي التيسير، ولهذا فإن المجنون جنوناً ممتداً تسقط عنه العبادات، سواء كان أصلياً أو عارضاً، أما وجوب الداء فلعدم قدرة المجنون في حال جنونه؛ لأنه لا يكون إلا بالعقل والقصد الصحيح، وذلك منتف عنه (2). وقد قدّر العلماء الامتداد الذي تتحقق فيه المشقة عند القضاء في كل عبادة بما يناسبها، ففي الصلاة قدر الامتداد بما زاد على يوم وليلة، بينما قدره البعض بصيرورة الفوائت ستا)، وفي الصوم الشهر كله ليله ونهاره وفي الزكاة والحج قدر باستغراق الحول، وفي رواية عن أبي يوسف الحنفي الاكتفاء بالأكثر). ومما يدخل في هذا السبب امتداد مدة الإغماء، فإنه يسقط عنه الوجوب والقضاء، والقضاء لكثرة الفوائت خلال المدة الممتدة المقدرة بما زاد على يوم وليلة، وقد أشار السالمي إلى اختلاف الفقهاء في حكمه إذا كان متقطعاً،
قدر
الامتداد المسقط باستغراق
(1) ذكر العلامة سعد الدين التفتازاني في شرح التلويح ضابطا لتمييز الغالب والكثير والنادر هو: «أن كل ما ليس بكثير نادر وليس كل ما ليس بغالب، نادر، بل قد يكون كثيرا، واعتبر بالصحة والمرض والجذام، فإن الأول - أي الصحة ـ غالب، والثاني ـ أي المرض ـ كثير، والثالث ـ أي الجذام ـ نادر، وتطبيقا ذلك ذكر أنه قد يتمكن من أداء الحج بدون الزاد والراحلة نادرا، وبدون الراحلة كثيرا، ولا يتمكن بدونها إلا بحرج عظيم غالبا ينظر: التلويح، 198/ 1. (2) السالمي: طلعة الشمس، 248/ 2. (3) ابن ملك عز الدين عبد اللطيف بن عبد العزيز الحنفي (ت: 801 هـ): كشف الأسرار شرح المنصف على المنار المطبعة الأميرية، بولاق، مصر، 1316 هـ، 262/ 2 - 263
(4) ابن أمير الحاج: التقرير والتحبير، 175/ 2. (2/330)
صفحة 847
الفصل الثالث: القاعدة الكلية الكبرى الثالثة
331
بذلك
فقال: «إذا أغمي عليه قبل وجوبها (الصلاة) ثم مضى وقتها وهو لم يفق من إغمائه، فإنه لا قضاء عليه في مثل هذه الصورة بخلاف النوم، صرح الإمام الكدمي - رضوان الله عليه ـ، أما لو دخل وقتها وهو صحيح، أو صحا من إغمائه قبل خروج، وقتها فعليه قضاؤها لتعلق الوجوب عليه بتمام صحته في بعض وقتها، ويعيد الصيام إذا أغمي عليه من الليل حتى أصبح، فلو استمر به الإغماء ليالي وأياماً كان عليه بدل تلك الأيام كلها، وكذلك قال أبو عبد الله (محمد بن محبوب الله واستثنى من ذلك اليوم الذي أصبح فيه صحيحاً ثم أغمي عليه في النهار، قال: لا بدل عليه فيه، قال أبو سعيد (الكدمي) ـ رحمة الله عليه - ولا أعلم في ذلك اختلافاً، وقيل: لا بدل عليه حتى في الأيام التي أصبح فيها مغميّاً عليه؛ لأنه في ذلك بمنزلة النائم. وحاصله: أنه إذا طرأ عليه الإغماء نهاراً فلم يحدث حدثاً ينقض الصوم، فلا قضاء عليه؛ لأنه بمنزلة النوم، وإن طرأ عليه ليلاً ثم أصبح كذلك، ففي لزوم القضاء عليه قولان، اختار أبو عبد الله أن يقضي، واختار أبو سعيد أن
لا قضاء عليه ... » (1).
الرأي المختار: ولعل ما ذهب إليه أبو سعيد الكدمي هو الرأي الراجح، لما فيه من اليسر ورفع الحرج والمشقة؛ لأن المغمي عليه قد يمتد به الإغماء فيشق عليه قضاء الفوائت فمن التخفيف سقوط القضاء عليه.
القضاء
ونقل الجيطالي حكم المغمي عليه والمجنون إذا حدث لهما ذلك قبل دخول، رمضان فحكى الخلاف بين الفقهاء في حكمهما، ثم رجح عدم لسقوط التكليف عليهما بسبب الإغماء والجنون، وهذا نص عبارته فيقول: والمغمى عليه قبل دخول رمضان فلم يفق إلا في شوال، فيه اختلاف، وعن
(1) السالمي: طلعة الشمس، 2/ 250. (2/331)
صفحة 848
332
القواعد الفقهية عند الإباضية
الحسن أن المغمى عليه لا يقضي إلا اليوم الذي أفاق فيه، وأما إن أغمي عليه أياماً فأفاق ففيه خلاف، قال بعضهم: إذا نوى الصوم أول الليل، ثم أغمي في بعضه فهو بمنزلة النائم، ويجزيه ذلك اليوم، فإن أغمي عليه أكثر من ذلك اليوم فعليه البدل؛ لأنه دخل فيه وهو لا يعقل، وحكي عن مكحول أنه قال: لا قضاء على المغمى عليه، وإني لأحب أن يتطوع بالقضاء»، ثم تعقب هذه الأقوال وضعفها فقال: «وهذا كله، ضعيف، فإن الإغماء والجنون صفة يرتفع بها التكليف، فإذا ارتفع لم يوصف بصائم ولا مفطر؛ لأن المغمى عليه صحيح العقل، وإنما آفته في جسمه عند بعضه» (1).
وفرق المحشي أبو ستة بين الإغماء الممتد طوال الشهر، والإغماء المتقطع، فوافق الجيطالي في الحالة الأولى وخالفه في الثانية، وأوجب عليه قضاء الصوم دون الصلاة، ومما جاء في عبارته: «هذا صريح في اختيار أن المغمى عليه لا يقضي صوماً ولا صلاة، حيث كان كالمجنون، وهذا ظاهر إذا أغمي عليه في الشهر كله وإن أغمي عليه في بعض الأيام فالظاهر القضاء؛ لأن المذهب أنه فريضة واحدة، كما في المجنون، ولا يقضي الصلاة مطلقاً حيث شبه به، إلا أن أغمي عليه بعد دخول المقت كما في المجنون» (2).
ويزيد البكري توضيحاً لقول الجيطالي مستظهراً الفرق بين المغمى عليه والمجنون، ويجعله ملحقاً بالنائم فيقول: «والمتبادر عندي أن المغمى عليه أقرب إلى النائم منه إلى المجنون؛ ذلك أن كلاً من المجنون والمغمى والنائم وإن رفع عنه التكليف غير الآخرين متى انته أحدهما عادت إليه حالته الأولى من صحة العقل، بخلاف المجنون، وأنت خبير أن الأطباء يفرقون بين الجنون
(1) الجيطالي: قواعد الإسلام، 93/ 2 - 94.
(2) القصبي أبو ستة: الحاشية على قواعد الإسلام للجيطالي، 93/ 2 - 94. (2/332)
صفحة 849
الفصل الثالث: القاعدة الكلية الكبرى الثالثة
333
ومرض الأعصاب (الجهاز العقلي والإغماء؛ فالجنون هو اختلال العقل اختلالاً لا يمكن علاجه ومرض الأعصاب هو اعتلالها، ويمكن علاجها غالباً، والمغمى عليه يتماثل للصحو بدون علاج، بل يقتصروا على تنبيهه كالنائم، لذلك قلت: هو أشبه بالنائم منه بالمجنون).
هذا وقد تفطن الجيطالي إلى التقارب الحاصل بين المغمى عليه والنائم فقال: والنائم في هذا بمنزلة المغمى عليه لا قضاء عليه في الصوم، إلا إن كان نام على جنابة؛ لأن المغمى عليه صحيح العقل، وإنما آفته في جسمه عند بعضهم» (2). ويمكن أن يدخل سقوط قضاء الصلاة عن النفساء في هذا المجال نظراً لطول مدته، أما الحيض فإنه وإن كان يسقط في قضاء الصلاة، لكنه ليس لطول مدتها وحدها بل لتكرره أيضًا (3).
ويؤكد السالمي هذا المعنى في سياق حديثه عن أحكام الصلاة والصوم لدى الحائض والنفساء فيقول: «فإذا طهرت وجب عليها قضاء الصيام دون الصلاة، فإن الصلاة لا يلزمه قضاؤها إلا ركعتي الطواف، والفرق بين الصلاة والصوم في ذلك: أنّ الصلاة متكررة في كل يوم وليلة، بخلاف الصيام فإنه لا يجب في السنة إلا مرة واحدة فيرفع الشارع عنها قضاء الصلاة دفعاً للمشقة وطلباً للتخفيف، وألزمها قضاء الصيام إذ لا مشقة عليها في قضائه لعدم تكرره في السنة الواحدة، وكذلك قضاء ركعتي الطواف، فإنها تكون كالصوم لعدم المشقة فيها لعدم تكررها، وكذا الطواف بالكعبة والاعتكاف (4).
(1) عبد الرحمن بكلي: الحاشية على قواعد الإسلام للجيطالي، 94/ 2.
(2) بكلي: المصدر نفسه.
(3) الشماخي: الإيضاح، 257/ 1.
(4) السالمي: الطلعة، 252/ 2. (2/333)
صفحة 850
334
القواعد الفقهية عند الإباضية
4 - وقوع الفعل وانتشاره وعمومه:
قال الزركشي (ت: 794 هـ) في ضابط المشقة المعتبرة سبباً للتيسير: «وهذا إذا كانت المشقة وقوعها عاماً، فلو كان نادراً لم تراع المشقة فيه، ولهذا تتوضأ المستحاضة لكل فريضة وتقضي المتحيّرة الصلاة» (1)، ومن العبارات المشهورة عن الفقهاء قولهم: «ما عمَّت بليته خفت قضيته» (2).
ومن هذا النوع من العسر وعموم البلوى ما يكون فرديّاً أو شخصياً، وما يكون نوعِيّاً أو عاماً.
أ ـ أما العسر الشخصي: وإن كان متعلقاً بشخص أو فرد لكنه سيتناول معظم أوقاته وظروفه، ومما يوضح ذلك هذا النوع، ما يقع على جسد أو ثياب المرضعة من نجاسة الطفل، أو على ثياب ذي الباسور، أو الجزار من الدماء، فإن هؤلاء وأمثالهم من أصحاب الصناعات يكثر تعرضهم لذلك، وطبيعة أعمالهم لا تنفك عنها مثل هذه النجاسات، وكذلك رعاة الغنم، والعاملون في إسطبلات الخيل أو البغال أو الحمير أو البقر، أو غيرها من البهائم الذين يكثر تعرضهم لروث هذه الحيوانات وأبوالها، قال الكدمي في هذا الشأن: «إنه يقضى لهذه الدواب التي يجتمع على طهارتها من الأنعام وما شابهها، ومن الخيل والبغال وما أشبهها أنها طاهر بمعنى طهارة الإنسان، ومشبهة للإنسان في كل شأن في معاني الطهارة وأكثر، وزائدة على الإنسان في طهارة أرواثها وقيئها» (3).
وأما أبوال الأنعام فلا أعلم من قول أصحابنا الإباضية) فيها ترخيصاً، إلا
(1) الزركشي: المنثور في القواعد، 171/ 3.
(2) الرحموني محمد الشريف: الرخص الفقهية من القرآن والسُّنَّة النبوية، نشر وتوزيع مؤسسات عبد الكريم بن عبد الله رسالة دكتوراه، تونس، ص 55.
(3) الكدمي: المعتبر 138/ 3 - أبو إسحاق الحضرمي: مختصر الخصال، ص 64. (2/334)
صفحة 851
الفصل الثالث: القاعدة الكلية الكبرى الثالثة
335
بما يخرج معناه بمعنى الضرورة، بنحو ما قيل في بول الدواسر (1) والزواجر (2)، وما قيل في الشرر من بول الإبل في معاني ما خرج بنحو ذلك في حال الضرورات والحاجات وقد مضى ذكر ذلك واختلافهم، ما لم يسبغ القدم ذلك في معاني الضرورة والحاجة إلى مثل ذلك في معاني ما لا يمكن إلا بمثل ذلك وينقل ما سواه، ومعي أنه قد قيل في إسباغ القدم، إنه ما لم يعلم ظاهره رطوبة بمعنى إسباغ الوضوء).
ويضيف في السياق نفسه وأما معنى قوله لكل غالب شرر، ففي معاني الترخيص كأنه يقول في معنى الترخيص؛ كل شرر خرج من غالب النجاسة لم يضر الشرر إذا لم يغلب على معنى الطهارة، ويتبين ذلك بمعنى الإسباغ في معنى أنه قد ما قيل في أبوال الإبل، لعله يخرج بمعنى الترخيص في ذلك كله، ومعي قيل: إن شرر الدم المسفوح لا يفسد، ولعل ذلك يخرج في معنى الضروريات» (4). وقال محبوب: أصابني مرة وأنا ذاهب إلى الجمعة بول بعير فقال لي الربيع: «ما حبسك؟ قلت: أصاب قدمي بول بعير وتوضأت، قال: ليس ذلك بشيء إلا أن يصيبك ما يصبغ، قدمك، ولو كان الأمر على ما ترى ما سلم أحد في طريق مكة، أي لكثرة التلوث بأبوال الإبل». قال السالمي: «وكأن الربيع - رحمة الله عليه ـ قد حفظ الترخيص فيما دون ذلك القدر، فإنه قد وقع العفو عن قليل النجاسة في مواضع من الشرع، فلا يعترض عليه بأنه إما أن يكون بول الإبل طاهراً فلا ينقض قليله ولا كثيره وإما أن يكون نجساً فينقض قليله وكثيره»).
(1) أما الدواسر هي: الأنعام التي تدوس الحبوب بأظلافها وحوافرها.
(2) الزاجرة هي الحيوان الذي يزجر الماء من البئر، حيث يصب الدلو ومنه يجري. ابن جعفر،
الجامع، 282/ 1.
(3) الكدمي نفسه، 140/ 3 - 141.
(4) الكدمي: المعتبر، 144/ 3. (5) السالمي: معارج الآمال، 126/ 2. (2/335)
صفحة 852
336
القواعد الفقهية عند الإباضية
وقال أبو عبد الله محمد بن محبوب رحمه الله: «لا بأس بماء الزاجرة القبالة التي تجر الحبل في بول البقر عند الزجر، ثم تسحب في التراب، ثم يدخل في الماء؛ لأن ذلك يمتنع منه، فإذا صار الحبل بالبول بعينه في الماء ولم يسحب في التراب أفسدها، وكذلك جاء في الأثر: أنه لا بأس الحبوب التي تدوسها البقر وتبول فيها ما كانت في حد الدوس، فإن بالت فيها بعد الدوس أو في غيره أفسدته» (1).
بجميع
هذا ولا يقتصر هذا الأمر على أمر الطهارة أو النجاسة، بل يدخل في أبواب كثيرة من الفقه، ففي الصوم مثلاً: يتعرض الطحان لابتلاع ما تطاير من الدقيق عند الغربلة أو الطحن أو الكيل، وتعرض صانع الجبس أو الإسمنت لابتلاع ما تطاير منه، وكذلك الغبار والذباب (2)؛ لأنه لا يمكن الاحتراز منه إلا
بمشقة غير معتادة.
بيع
ب ـ وأما العسر وعموم البلوى النوعي فهو أمر عام لا يمكن لأي فرد في المجتمع أن يفعله من دون أن يحصل له المحذور، من ذلك: الرمان، والبيض والجوز والفستق، والبندق والبطيخ والبازلاء الأخضر في قشره، مع وجود الغرر، ووجه كون هذه الأشياء من البلوى هو: الحاجة إلى بيعها أو شرائها، وكونها عامة: أنها ليست مختصة بفرد، بل إن جميع أفراد المجتمع أو عمومهم محتاجون إليها.
ومن هذا النوع أيضاً مشروعية الرد بالعيب والضمان، والإقالة، والسلم، للحاجة إليها، ولكونها مما يحتاجه الكثيرون من الناس.
(1) ابن جعفر: الجامع، 281/ 1.
(2) الرحموني: الرخص الفقهية، ص 55. - وينظر الموصلي الاختيار لتعليل المختار،
132/ 1
(3) الراشدي: جواهر القواعد، 124 - 125. - الشماخي: الإيضاح، 54/ 6، 156، 165. ـ ابن عبد السلام قواعد الأحكام 9/ 2 - السيوطي الأشباه والنظائر، ص 109. (2/336)
صفحة 853
الفصل الثالث: القاعدة الكلية الكبرى الثالثة
337
ه ـ الحاجة إلى الشيء: وهي من الأسباب الهامة التي تبنى عليها أحكام كثيرة سواء كانت مما يتعلق بالجماعة، أو يتعلق بالفرد، وسيأتي الحديث عن ذلك بتفصيل عند الكلام عن قاعدة: «الحاجة تنزل منزلة الضرورة» إن شاء الله.
6 ـ عشر التخلص من المحظور أي صعوبة التخلص منه، فيترتب عليه عموم البلوى، وقد تكون أفراده مترددة بين عدد من الأسباب أو الضوابط المتقدمة، لتحقق معنى كل منها فيها، كدم البراغيث، والقروح والدمامل والقيح، وذرق الطيور إذا عم المساجد، وقد بين الإباضية حكم هذه الأشياء، فاتفقوا على طهارة ما يتولد من الجروح والقروح من المد والقيح واختلفوا في الصديد، أما البراغيث والذباب والبعوض رخصوا فيه لصعوبة الاحتراز منه، وكذا ذرق
دم
الطيور أو خزقها، وفي هذا المعنى يقول الجيطالي: «وكذلك ما يتولد من الجروح والقروح من المد والقيح، اتفقوا أنه طاهر، واختلف في الصديد وما أشبهه، ورخص أيضاً في دم الذباب وما كان في معناه من البراغيث وأشباهها» (1).
وإلى هذا الأمر ذهب ابن جعفر فذكر أن القيح الذي يخرج من البدن، ومن الصديد المهياس ـ من الجرح الخارج - لا نقض فيه حتى يخرج الدم الخالص، وكل جرح في البدن أو شق أو خدش خرج منه دم، فلا نقض حتى
يفيض الدم من الموضع الذي خرج منه، فإذا فاض فقد انتقض الوضوء). قال أبو الحواري: «لم ير بعض الفقهاء بأساً بخزق ما يؤكل لحمه من
(1) الجيطالي: قواعد الإسلام، 138/ 1 - 139. ـ الحضرمي أبو إسحاق، مختصر الخصال،
ص 64.
(2) ابن جعفر: الجامع، 283/ 1. (2/337)
صفحة 854
338
القواعد الفقهية عند الإباضية
الطير، وقال محمد بن المسبح وخزق الطير غير مفسد إلا النواشر منه، فإن خزقها مفسد، والدجاجة أخذوا فيها بالرخصة والتنزه منها أحسن، إذا كانت جلالة ترعى الأقذار» (1).
وذكر أبو سعيد الكدمي ضابطاً وضعه الإباضية لضبط المسائل الفرعية فيما يخرج من الطير فقال: «ومعاني قولهم: إن كل شيء من الطير الذي يؤكل لحمه، فلا يفسد خزقه، والدجاج معنا من الطير الذي يؤكل لحمه فلا يفسد خزقه، ولا أعلم في ذلك اختلافاً» (2).
والجدير بالذكر أن كثيراً من الأشياء المتقدمة قد تغير حكمها في عصرنا عن حكم الفقهاء المتقدمين؛ فبالنسبة لدم البراغيث والبعوض والذباب، أصبح من الممكن التخلص منه بسهولة، باستخدام المبيدات الحشرية، وكذلك دم القروح والدمامل والقيح فإنه يمكن التخلص منه بوضع اللاصق الطبي (البلاستير) عليها، أما ذرق الطيور فهذا غير موجود في المساجد الحالية لاختلاف نوع البناء، وشكل المساجد، وربما وجد ذلك في مساجد القرى المكشوفة، ومهما يكن من أمر، فإنه إذا لم توجد الوسائل التي يمكن التخلص بها من هذه النجاسات المحظورة، فإنها تدخل ضمن هذا السبب، وهذا أمر لا يختص بناس دون ناس ولا مسجد دون مسجد، بل يتعرض له
جميعهم
أو أغلبهم (3).
ومما ينبغي الإشارة إليه في هذا المقام أن هناك بعض المواد المستحدثة عمت بها البلوى وشقّ على الناس التخلص منها أثناء الطهارة، وذلك كتلوث أجسام الدهانين وأصحاب الصناعات بالمواد المستخدمة من قبلهم، كمادتي
(1) ابن جعفر المصدر نفسه ينظر أيضاً محمد بن الحواري جامع أبي الحواري، ط وزارة التراث القومي والثقافة عُمان، 1405 هـ / 1985 م، 152/ 1، 154.
(2) الكدمي: المعتبر، 153/ 3.
(3) الباحسين: قاعدة المشقة، ص 174. (2/338)
صفحة 855
الفصل الثالث: القاعدة الكلية الكبرى الثالثة
339
الصبغ والصمغ (اللصق) مما يصعب إزالته إلا بالمواد الكيماوية مثل: (الغاز) و (البنزين)، أو يحك الأجسام بما فيه خشونة قد تؤدي إلى تسلخ الجلد، فمثل هؤلاء لا يصل ماء الوضوء إلى بشرتهم في أجزاء من أعضاء الوضوء، لوجود الحائل، فيعفى عن ذلك للمشقة المتأتية من عموم البلوى، وعسر التخلص مما هو فيه.
وأفتى بعض العلماء المعاصرين بأن طلاء أظافر النساء بـ (المانكير) أو (الغيزيزو) لا يفسد الوضوء قياساً على الخضاب (الحناء)، أما الذين يتساهلون في هذا الشأن يرون أن ذلك شائع بين النساء، وأنهن يعتبرونه من الصور الجديدة للزينة، ومن الصعب عليهن تركه والإفتاء بضرورة إزالته للوضوء أدى إلى ترك عدد غير قليل منهن فرض الصلاة).
ورخص بعضهم في صحة الوضوء مع ما يلصق على أيدي الصباغين وعمال البناء من مواد عازلة للماء عن الجلد، وعلى ما جاء عند المالكية من جواز الوضوء مع تحريك الخاتم، وإن لم يصل الماء إلى ما تحته، وعلى جواز سجود المصلي على كؤر عمامته وغير ذلك (2).
الرأي المختار:
يبدو بعد التأمل في هذا الرأي أن هناك فرقاً واضحاً بين المقيس والمقيس عليه، بشأن الصباغين أو الدهانين؛ لأن المقيس ـ وهو مواد التجميل المستحدثة أمر اختياري، بإمكان المرأة تركه والاستغناء عنه، دون ترتب أي ضرر أو مشقة تذكر بخلاف المقيس عليه وهو ـ ما يغلق على أيدي الصباغين أو الدهانين والعمال - الذين تقتضي طبيعة عملهم ذلك؛ لأن هؤلاء العمال
92 - 79
(1) محمد زكي إبراهيم: المرجع نفسه، ص (2) جمال البنا: ــ لا حرج - قضية التيسير في الإسلام، ص 89 وما بعدها، والفتوى للشيخ
محمد زكي إبراهيم في كتابه: معالم المجتمع النسائي في الإسلام، ص 25 - 26. (2/339)
صفحة 856
340
القواعد الفقهية عند الإباضية
لا يستطيعون إنجاز أعمالهم التي هي معاشهم من دون ذلك)، وإزالة ما على جلودهم من المواد عند كل وضوء فيه حرج شديد وإضرار بالبدن، لكثرة استخدام المواد المزيلة ذات التركيب المؤثر، ففي مثلهم يتحقق معنى عسر التخلص من المحظور بخلاف المانكير) الذي يسهل التخلص منه بالامتناع عن استعماله، أو تعويضه بمواد طبيعية كالحناء (2).
ومما يدخل في هذا السبب كذلك، ما سبق ذكره من أمثلة للعسر وعموم البلوى الشخصي الفردي، كثياب المرضعة وذي الباسور، ورعاة الأغنام، والعاملين في إسطبلات الحيوانات المختلفة (3).
7 ـ تكرار الفعل: لهذا السبب أو الضابط صلة بكثرة الأفعال كما ذكرنا سلفاً؛ لأن ما يتكرر يكثر، ولكن لا يلزم من كون الشيء كثيراً أن يكون متكرراً، ولا شك أن تكرار الفعل مما يترتب عليه المشقة، ولهذا نجد النبي صلى الله عليه وسلم علق عدم أمره بالسواك عند كل صلاة بالمشقة، قال: لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك مع الصلاة». وهذه المشقة متأتية من تكرر الفعل تبعاً لتكرر الصلاة. ومن التخفيفات المترتبة عن تكرار الفعل عدم وجوب قضاء الصلوات
(1) ربما يذكر بعضهم أن بالإمكان استعمال القفازين لمثل هؤلاء العمال، ذلك أمر وارد وصحيح، ولكن قد يكون في استعمالهما زيادة كلفة مادية على العامل أو صعوبة تحملها لأوقات طويلة، ذلك فإنه لا ومع بصفة تامة ينجو من آثار المادة التي يعمل بها، مقللة لذلك بدرجة كبيرة ولكنها لا تمنعه مطلقاً. يراجع الباحسين: قاعدة المشقة،
فهي
ص 176.
(2) يراجع رأي سماحة المفتي أحمد الخليلي في فتاوى الأعراس والزينة.
(3) الكدمي: المعتبر، 3/ 138. - الحضرمي: مختصر الخصال، ص: (4) حديث صحيح روي في الصحيحين، البخاري في باب السواك يوم الجمعة، ومسلم في كتاب الطهارة، باب السواك، ينظر: صحيح البخاري بشرح فتح الباري لابن حجر، 2/ 435، وصحيح مسلم بشرح النووي، 3/ 145. (2/340)
صفحة 857
الفصل الثالث: القاعدة الكلية الكبرى الثالثة
341
على الحائض لتكررها)، وجواز مس الصبي المحدث للمصحف في التعلم، لتكرر عودته إليه بعد المرة (2).
—
وكذلك الاكتفاء بالاستجمار فيما يخرج من السبيلين من النجاسة، لتكرر التبول والتغوط، مما يجعل استعمال الماء في جميع الحالات من الأمور الشاقة، لا سيما في المناطق التي يشح فيها الماء أو تنعدم فيها وسيلة نقله إلى محل قضاء الحاجة.
ولم يحدد بعض الفقهاء نوع الضرورة أو العذر الذي يمنع صاحبه من استعمال الماء للاستنجاء، بل عمموا ذلك ما دام عاجزاً عن استعماله، وقد سئل الشيخ بيوض إبراهيم رحم الله عن حكم الصلاة في الحالات التي يتعذر فيها الاستنجاء لضرورة ما، فيتوضأ العاجز ويصلي فقال له: اعلم أن صلاتك صحيحة، وقد أصبت في عملك، واعلم أن الأصل في حكم الوضوء أن لا يصح مع وجود نجاسة في أي موضع في الجسم، في الفروج أو في غيرها، ولكن إذا وجدت نجاسة في موضع ما من الجسم وتعذرت إزالتها لسبب ما، فإن النجاسة يسقط حكمها، فيتوضأ صاحبها ويصلي، فمن تعذر عليه غسل نجاسة البول أو الغائط بالماء لسبب ما كان عليه أن يحتاط جيداً في الاستبراء وإزالة أثر النجس بمطهر، کحجارة أو تراب أو كاغد (ورق) أو نحو ذلك، ثم يتوضأ ويصلي وليس عليه غير ذلك، ولا يسقط عنه فرض الوضوء، كما أن الصلاة لا تصح مع وجود نجاسة في
موضع من الجسم، ولكن إذا وجدت وتعذرت إزالتها صحت الصلاة معا» (3). هذا وقد دأب جمهور الإباضية على الاستنجاء بالحجارة أو ما يقوم مقامها كالورق الصحي، ثم يُتبعون ذلك بالماء زيادة في الطهارة والتنزه من النجاسة، وفي ذلك يقول الجيطالي في آداب قضاء الحاجة: «أن يزيل النجس
(1) الراشدي: جواهر القواعد، ص:
124
(2) السيوطي: الأشباه والنظائر، ص 76، ابن نجيم الأشباه والنظائر، ص 77.
(3) بيوض بن عمر: فتاوى الإمام الشيخ بيوض، 162/ 1. (2/341)
صفحة 858
342
القواعد الفقهية عند الإباضية
بالحجارة أو ما يقوم مقامها من كل جامد طاهر منق ليس بمطعوم ولا بذي حرمة، كالمدر والتراب والأعواد، ويتقي الاستنجاء بالنجس والعظم والروث، لنهيه ل عن العظم والروث، لحديث سلمان به قال: «نهانا أن نستقبل القبلة بغائط أو ببول أو نستنجي باليمين، أو يستنجي أحدنا بأقل من ذلك» (1). وينبغي أن يقتصر الاستجمار على وتر الأعداد، على ثلاثة أو خمسة، وإن أنقى بحجر واحد له ثلاثة حروف فلا بأس، ولا يستنجي بالزجاج الأملس، ولا بالفحم؛ لأنه لا ينشف» (2). ويؤكد الشماخي هذا الأمر فيقول: «فإذا قضى حاجته فليستنظف من الأذى بالحجارة، والاستطابة بثلاثة أحجار أو سبعة أو بما يمكنه أن يزيل به الأذى عن نفسه، والدليل على هذا ما روى من طريق أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إنما أنا لكم مثل الوالد أعلمكم أمر دينكم (3)، وأمر أن نستنجي بثلاثة أحجار، ونهى عن الروث والرمة والعظم وما روي عن ابن عباس قال: «الاستنجاء
(1) رواه مسلم، كتاب الطهارة، باب الاستطابة، رقم 262. ورواه أبو داود في السنن ـ كتاب الطهارة باب كراهية استقبال القبلة عند قضاء الحاجة - حديث: 6 حديث منسوخ. ورواه الترمذي في سنن الجامع الصحيح - أبواب الطهارة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم باب الاستنجاء بالحجارة - حديث: 17 حديث منسوخ ونص الحديث عن عبد الرحمن بن يزيد قال: قيل لسلمان: قد علمكم نبيكم صلى الله عليه وسلم كل شيء، حتى الخراءة، فقال سلمان: «أجل، نهانا أن نستقبل القبلة بغائط أو ببول، أو أن نستنجي باليمين، أو أن يستنجي أحدنا بأقل من ثلاثة أحجار، أو أن نستنجي أو برجيع بعظم»، قال الترمذي: وفي الباب عن عائشة، وخزيمة بن ثابت، وجابر، وخلاد بن السائب، عن أبيه حديث سلمان حديث حسن صحيح. وهو قول أكثر أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، و من بعدهم رأوا أن الاستنجاء بالحجارة يجزئ، وإن لم يستنج بالماء، إذا أنقى أثر الغائط والبول، وبه يقول الثوري، وابن المبارك، والشافعي وأحمد، وإسحاق، عن سلمان». (2) الجيطالي: قواعد الإسلام، 135/ 1. (3) رواه أبو داود، كتاب الطهارة، باب كراهية استقبال القبلة ببول أو غائط، رقم 8، والدارمي، كتاب الطهارة، باب الاستنجاء بالحجارة، رقم 674، عن أبي هريرة، حسنه الألباني. ورواه أحمد بن حنبل في المسند ـ ومن مسند بني هاشم مسند أبي هريرة له - حديث: 7245
حديث منسوخ صححه
الألباني. (2/342)
صفحة 859
الفصل الثالث: القاعدة الكلية الكبرى الثالثة
343
بثلاثة أحجار ليس فيهن رجيع). وقال بعضهم: يجزي حجر واحد إذا كان له ثلاثة أحرف؛ قالوا لأن المفهوم من هذا إزالة العين ولم يشترطوا العدد، وقد ذكر عن داود بن علي أعظم من هذا قال: يكفي المستنجي ما ينقيه، ولم يخص بالذكر حجراً من غيره ولا عدداً، قال ولو عدل عن الحجر إلى الخزف والخشب، إن ذلك يجزيه، ومن غلب الظاهر على المفهوم أو خصه به قال: لابد من ثلاثة أحجار، وهو أقل ما يجزئ، أو سبعة أو ما يمكنه مما يزيل به الأذى عن نفسه، وهو قول أصحابنا رحمهم الله (الإباضية)، ومن غلب المفهوم، قال: يجزئ ولو حجر واحد، ومن جمع بين المفهوم والظاهر حمل العدد على الاستحباب، فإذا وجد الإنسان الماء لم يكن له استعمال غيره، أعني الحجارة فقط؛ لأن فيه غاية الاستطابة، ولأن النبي أراد بالاستنجاء الاستطابة» (2). هذا ومما ينبغي الإشارة إليه أن جمهور الإباضية المغاربة ما زالوا يحافظون على هذه السُّنَّة الحميدة خاصة في الجزائر، فتجدهم يستجمرون بالورق الصحي ثم يتبعون ذلك بالماء، زيادة في الاطمئنان لبلوغ غاية الطهارة، أما بقية المناطق فيكتفون بالماء، رغم ما يلحقهم أحياناً من مشقة وعسر إذا فقد الماء أو صعب إحضاره إلى بيت الخلاء، خاصة في المراحيض العمومية، وقد أشار القطب أطفيش إلى هذا فقال: «ومن استبرأ بالسلت أو به، وبالنثر أو بالتنحنح، أو بالمكث حتى انقطع صح استنجاؤه بالماء، ولو لم يستنج قبله بالحجارة، ولو بقي بلل في الخارج، فمن كان في الماء فليستبرئ قدر ما ينقطع البول، سواء
(1) رواه أبو داود، كتاب الطهارة، باب الاستنجاء بالأحجار، رقم 41، وابن ماجه، كتاب الطهارة، باب الاستنجاء بالأحجار، رقم 315، عن خزيمة. والدارمي في السنن ـ كتاب الطهارة باب الاستطابة - حديث: 708. ورواه الطبراني في المعجم الكبير - باب الخاء باب من اسمه خزيمة - عمارة بن خزيمة بن ثابت حديث: 3638 ولفظه: عن عمارة بن خزيمة، عن أبيه خزيمة بن ثابت، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من استطاب بثلاثة أحجار ليس فيهن رجيع كن له طهورا». وحسنه الألباني.
(2) الشماخي: الإيضاح، 20/ 1 - 22. (2/343)
صفحة 860
344
القواعد الفقهية عند الإباضية
بال فيه أو بال خارجاً فدخل فيه هذا ما يقول أصحابنا المشارقة، ونحن نقول لا بد من تقديم الحجارة؛ لأنه الله يقدمها، وكذلك أهل قباء والصحابة ... (1)
- الظروف البيئية والمناخية:
ومن مظان العسر وعموم البلوى بعض الظروف البيئية والمناخية، والسنن الإلهية التي يكون لها بجعل الله تعالى تأثير في إحداث المشقة الزائدة عن المعتاد بالمكلف، ومن هذه المظان المطر والثلج، والبرد، والوحل، والضباب، والرياح الشديدة، والأعاصير، والزلازل، وشدة الحر، وشدة البرد، وغيرهما مما هو في معناها.
والأصل في ذلك المطر، وما عدا ذلك مقيس عليه، باعتبار أن كلا منهما مظنة المشقة الجالبة للتيسير، وهي في محل الاجتهاد، وقد يكون بعضها راجعاً إلى الاجتهاد في تحقيق المناط (2).
ولكل واحد من الأسباب شروط تتحقق معها المشقة، والتيسيرات التي تناسبها، وفيما يأتي بيان لبعض هذه المؤثرات وبعض التخفيفات المترتبة عليها: 1 - المطر والوحل وما في معناهما: أما المطر فهو الذي ألحق به غيره، وتعليل الترخيص فيه أنه يؤدي إلى المشقة، والتأذي بابتلال الثياب والنعال، أو التعرض إلى المرض، وضابطه هو ما ذكرناه، ويرى بعض العلماء أنه سبب للتيسير؛ لتحقق ما ذكر أو لم يذكر، ويلحق به الوحل، والثلج والجليد؛ لأنها في معناه).
البصري
(1) أطفيش أمحمد بن يوسف، شامل الأصل والفرع، 177/ 1 - 179. (2) الحضرمي أبو إسحاق مختصر الخصال، ص 55. (3) الحضرمي: المصدر نفسه، ص 78 - الماوردي أبو الحسن علي بن حبيب (ت: 45 هـ): الحاوي الكبير في فقه الإمام الشافعي، تحقيق: عادل أحمد عبد الموجود وعلي محمد معوض، نشر دار الكتب العلمية، بيروت 1414 هـ/ 1994 م، 2/ 399. ـ النووي: منهاج الطالبين بشرح الجلال المحلي، وحاشيتي قليوبي وعميرة، دار إحياء الكتب العلمية البابي الحلبي مصر، 267/ 1. عيسي (2/344)
صفحة 861
الفصل الثالث: القاعدة الكلية الكبرى الثالثة
345
ومن التخفيفات المبنية على المطر والوحل
أ - جواز ترك الجماعة والجمعة والدليل ما روي عن عبد الله بن
عباس، أنه قال لمؤذنه في يوم مطير: «إذا قلت: أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمداً رسول الله، فلا تقل حيّ على الصلاة، قل: صلوا في بيوتكم، قال: فكأن الناس استنكروا ذاك، فقال: «أتعجبون من ذا، قد فعل ذا من هو خير مني، إن الجمعة عزمة، وإني كرهت أن أحرجكم فتمشوا في الطين والدحض (1) (2).
وعن جابر قال: خرجنا مع الرسول صلى الله عليه وسلم في سفر فمطرنا فقال: «ليصل من شاء منكم في رحله» (3) وفي رواية أخرى أنه قال: إذا ابتلت النعال فالصلاة في
الرحال)، قال ابن بركة وكذلك إذا كانت ليلة باردة أو مطيرة). ب ـ الجمع بين صلاتي المغرب والعشاء والظهر والعصر، وقد نص كثير العلماء على ذلك في مطر يُبِلُّ الثياب، وتلحق المشقة في الخروج فيه، وكذلك في الوحل بمجرده على الأصح عند الحنابلة؛ «لأن الوحل يلوث
من
(1) الدحض الزلق.
(2) متفق عليه، أخرجه البخاري - كتاب الجمعة باب الرخصة إن لم يحضر الجمعة في المطر - حديث: 874. ورواه مسلم - كتاب صلاة المسافرين وقصرها باب الصلاة في الرحال في المطر - حديث: 1163، واللفظ لمسلم. ينظر: في صحيح مسلم بشرح النووي، 206/ 5. (3) رواه مسلم ـ كتاب صلاة المسافرين وقصرها باب الصلاة في الرحال في المطر ـ حديث: صحيح مسلم بشرح النووي، 206/ 5. ورواه أبو داود في السنن ـ كتاب الصلاة تفريع أبواب الجمعة ـ باب التخلف عن الجماعة في الليلة الباردة أو الليلة المطيرة، حديث: 912. (4) متفق عليه، رواه البخاري - كتاب الأذان باب الأذان للمسافر - حديث: 614، عن عبيد الله بن
1162
عمر
عمر، قال: حدثني نافع، قال: أذن ابن في ليلة باردة بضجنان، ثم قال: «صلوا في رحالكم، فأخبرنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يأمر مؤذناً يؤذن، ثم يقول على إثره: «ألا صلوا في الرحال في الليلة الباردة أو المطيرة في السفر». ورواه مسلم ـ كتاب صلاة المسافرين وقصرها باب الصلاة في الرحال في المطر - حديث عن 1161 عن ابن عمر. (5) ابن بركة: الجامع، 506/ 1. (2/345)
صفحة 862
346
القواعد الفقهية عند الإباضية
الثياب والنعال، ويتعرض الإنسان للزلق فيتأذى نفسه وثيابه، وذلك أعظم البلل، وقد ساوى المطر في العذر في ترك الجمعة والجماعة، فدل على تساويهما في المشقة المرعية في الحكم).
ذلك،
وعارض ابن بركة هذا الرأي فلم ير جواز الجمع في الحضر للصحيح ولو وجد مشقة بالأمطار، فقال: «وأجاز بعض أصحابنا الجمع للمبطون في الحضر، والصحيح في اليوم المطير للمشقة والضرورة، والخبر عندهم في وعندي أن الله تعالى له أن يبتلي هؤلاء ويمتحنهم بأعظم من هذا»، وإن كان عليهم في ذلك مشقة إذا صلوا كل صلاة في وقتها وهم مقيمون، وقد روي عن ابن عباس أن قال: من جمع بين الصلاتين في الحضر من غير عذر فقد أتى باباً من أبواب الكفر (2)، ولكن نقول لابن بركة الجمع رخصة، وقد يلجأ إليها المصلي للضرورة، فلماذا نعتبر ذلك من الكبائر، فهناك حالات اضطرارية تطرأ على الإنسان فيضطر إلى الأخذ بالرخصة، وهي الجمع بين الصلاتين ولو في الحضر، لأن المشقة تجلب التيسير»، ولكن لا يجعل ذلك عادة فيؤخر الصلاة الأولى إلى الثانية، ويصليها جمعاً؛ لأن الاشتغال عنها بالدنيا جعلت صاحبه يُضيع وقت الصلاة فهو آثم، وعليه التوبة. ذكر السالمي في «المعارج) مسألة الجمع بين الصلاتين في الوطن لأجل الضرورات، وأشار إلى أقوال العلماء في جواز الجمع في الحضر لأجل
(1) السالمي: معارج الآمال، 255/ 1 - 256. - ابن قدامة 275/ 2. ـ جلال المحلي: شرح منهاج الطالبين بحاشيتي قليوبي وعميرة، 267/ 1، لكنه خص ذلك بالمطر، ويقاس عليه الثلج والبرد إذا ذابا وبلا الثوب، وقد نقل القليوبي في حاشيته المذكورة عن الأذرعي إلحاق الوحل والريح والظلمة والخوف بالمطر، حاشية القليوبي، 267/ 1. (2) رواه الترمذي، أبواب الصلاة، باب الجمع بين الصلاتين في الحضر، رقم 188، والحاكم في المستدرك، كتاب الإمامة وصلاة الجماعة، باب التأمين، رقم 1020، قال الترمذي: «وحنش
أبو على الرحبي وهو حسين بن قيس وهو ضعيف عند أهل الحديث ضعفه أحمد
هذا هو وغيره». ابن بركة، الجامع، 577/ 1. (2/346)
صفحة 863
الفصل الثالث: القاعدة الكلية الكبرى الثالثة
347
المطر، فقال: فعن محمد بن محبوب أنه يجوز للمريض والمستحاضة وللناس يوم المطر أن يجمعوا بين الصلاتين، وقيل: يجمع إذا كان المطر قائماً، ولا يجمع في غير حال المطر، والحجة لهم على جواز الجمع بهذه المعاني
ما يروي أن النبي صلى الله عليه وسلم جمع بالصلاتين في المسجد الحرام عند المطر، وكانت
الصحابة تجمع كثيراً لأجل المطر، وكان عمر وأبو سلمة بن عبد الرحمن وابن عمر يفعلونه ويقولون: من السنة إذا كان يوم مطير أن يجمع بين المغرب والعشاء وبين الظهر والعصر» (1).
هذا ولعل ما يحدث في بعض الطرقات أحياناً من انسداد البالوعات بالوحل، وانتشار المياه القذرة فيها، فيعوق حركة السير يشبه ما ذكرنا، ويحدث أيضاً في حالة إصلاح الطرقات وتعطيلها من جراء ذلك، فيتعذر على المصلين الوصول إلى المساجد، فهل تعتبر هذه الحالة ضرورة يرخص فيها الجمع بين الصلاتين؟ لا شك أن الذي يقطع هذه الطرقات الموحلة بالمياه القذرة تلحقه مشقة و حرج شديد، ولا أحسب أن أحداً من الفقهاء يجبره على تحمل ذلك لأجل حضور الجماعة، وإنما الأمر يترك للقادر والمستطيع، أما العاجز فالحرج عنه مرفوع؛ لأن المشقة تجلب التيسير».
ج - جواز صلاة الفرض على الراحلة سواء كانت دابة أم وسيلة نقل حديثة، كالسيارات واقفة كانت أم متحركة، خشية التأذي بوحل، أو مطر، أو ثلج، أو برد، وما في معناها (). وذلك لما روي عن عمرو بن عثمان بن
(1) روى البيهقي في السنن الكبرى، كتاب جماع أبواب صلاة السفر، باب الجمع في المطر بين الصلاتين، رقم 5346، عن هشام بن عروة «أن أباه عروة وسعيد بن المسيب وأبا بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام بن المغيرة المخزومي كانوا يجمعون بين المغرب والعشاء في الليلة المطيرة إذا جمعوا بين الصلاتين ولا ينكرون ذلك». السالمي، معارج الآمال، 255/ 10 - 256.
(2) ابن قدامة: المغني، 147/ 2. الحجاوي شرف الدين أبو النجا موسى بن محمد المقدسي
الصالحي (ت: 960 هـ): الإقناع لطالب الانتفاع شرح كشاف القناع للبهوتي، 502/ 1. (2/347)
صفحة 864
348
القواعد الفقهية عند الإباضية
يعلى بن مرة، عن أبيه، عن جده: «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم انتهى إلى مضيق هو وأصحابه، وهو على راحلته والسماء من فوقهم، والبلة من أسفل منهم فحضرت الصلاة، فأمر المؤذن فأذن وأقام، ثم تقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم على راحلته، فصلى بهم يومئ إيماء، يجعل السجود أخفض من الركوع، أو يجعل أخفض من ركوعه (1).
سجوده
وأجاز بعض الإباضية التنفل على الراحلة بلا ضرورة، أما الفرض فلم يصرحوا بذلك، ولكن يفهم من عبارة بعضهم عن طريق مفهوم المخالفة جواز ذلك عند الضرورة، قال الثميني في «النيل»: «رُغَب في النوافل ولا غاية لأكثرها ... وجوزت بتيمم وقعود، وإيماء، وإن مع الصحة وعلى دابة ... ». وعقب عليه الشارح أطفيش فقال: «وإيماء ومشي وإن وعدم ضرورة وعلى دابة بلا ضرورة» (2).
مع
صحة، ووجود
الماء
د - الحر والبرد الشديدان وتأثير الحر والبرد على حيوية ونشاط الإنسان معلوم وظاهر للعيان، ولهذا راعاها الشارع ورتب عليهما بعض الأحكام، أما الحر فقد ورد عنه أنه قال: إن شدة الحر من فَيْح جهنم فإذا اشتد الحر فأبردوا بالصلاة» (3).
(1) رواه الترمذي، أبواب الصلاة، باب الصلاة على الدابة في الطين والمطر، رقم 411، وأحمد، مسند الشاميين، حديث يعلى بن مرة، رقم 17609، ابن حجر: قال عبد الحق: إسناده صحيح والنووي إسناده حسن وضعفه البيهقي وابن العربي وابن القطان لحال عمرو بن عثمان». تلخيص الحبير، 212/ 1. رواه مسند أحمد بن حنبل - مسند الشاميين حديث يعلى بن مرة الثقفي عن النبي صلى الله عليه وسلم - حديث: 17264 ورواه الدارقطني في السنن ـ كتاب الصلاة باب صلاة المريض لا يستطيع القيام - حديث: 1240 عن يعلى بن أمية. ورواه البيهقي في السنن الكبرى ـ كتاب الصلاة جماع أبواب استقبال القبلة - باب النزول للمكتوبة حديث: 2061 عن يعلى بن مرة الثقفي بلفظ قريب وزيادة.
(2) الثميني عبد العزيز كتاب النيل وشرحه للقطب أطفيش أمحمد، 549/ 2 - 550. (3) متفق عليه، رواه البخاري - كتاب مواقيت الصلاة باب الإبراد بالظهر في السفر - حديث: (2/348)
صفحة 865
الفصل الثالث: القاعدة الكلية الكبرى الثالثة
349
وبناء على ذلك أجاز بعض الفقهاء تأخير ظهر الصيف والخريف
6
وجمعتهما، بحيث يمشي في الظل مراعاة لشدة الحر وما تسببه من المشقة
التي
تذهب الخشوع على خلاف بين العلماء فمنهم من قال بالاستحباب ومنهم من قال بالوجوب (1).
ومما تجدر الإشارة إليه في هذا المقام أن بعض مساجد الإباضية في الجزائر اتخذت هذه الرخصة عادة دائمة في جميع فصول السنة، فأخرت الظهر إلى قبيل العصر بساعة مراعاة لظروف كانت تشق على الناس، وما زال بعض الناس يتمسكون بهذه الرخصة رغم تغير الظروف، وزوال الأسباب الداعية إليها، ولا ريب أن الأمر يتعارض مع القاعدة الأصولية المشهورة: «الحكم يدور مع المعلول وجوداً وعدماً»، وقد نتج عن هذا الوضع حرج شديد عند عامة الناس، ولذلك ينبغي على من يملك تغيير هذا الوضع أن يدعو إلى إعادة الأمور إلى أصلها بأداء الصلاة في أول وقتها، حتى يرفع الحرج والمشقة عن الناس، ولا يتسبب في إعراضهم عن صلاة الظهر مع الجماعة، بسبب تأخير أدائها عن وقتها، وقد انتبه بعض الفقهاء أخيراً إلى هذا الأمر وطالبوا الأئمة بإقامة صلاة الظهر في أول وقتها،
حتى لا يحرموا أغلبة المصلين من شهود الجماعة، والفوز بالأجر والثواب وأما حالة البرد الشديد فراعاه الشارع وعجل ظهر الشتاء والربيع وجمعتهما، فعن أنس بن مالك لله أنه قال: «كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا كان الحر أبرد
=
524. ورواه مسلم ـ كتاب المساجد ومواضع الصلاة باب استحباب الإبراد بالظهر في شدة الحر لمن يمضي إلى جماعة - حديث: 1009 عن أبي ذر الغفاري. ورواه البخاري عن أبي هريرة، كتاب مواقيت الصلاة، باب الإبراد بالظهر في شدة الحر، رقم 512، ومسلم أيضاً، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب استحباب الإبراد بالظهر في شدة الحر، رقم 615، باب استحباب الإبراد بالظهر في شدة الحر لمن يمضي إلى جماعة - حديث: 1009. بلفظ «إذا اشتد الحر فأبردوا بالصلاة، فإن شدة الحر من فيح جهنم». (1) ابن عابدين: رد المحتار إلى الدر المختار، 366/ 1. ـ الشوكاني: نيل الأوطار، 304/ 1. ـ الحصني، القواعد، 316/ 1. وذكر أنه يوجد وجهان في المذهب الشافعي، أصحها أنه سنة ويستحب التأخير. (2/349)
صفحة 866
350
القواعد الفقهية عند الإباضية
بالصلاة، وإذا كان البرد عجل). وقد جعلت طائفة من العلماء البرد والحر الشديدين من أعذار ترك الجماعة أيضاً (2).
ومن التخفيفات كذلك بسبب تغير الأحوال الجوية: إذا غطت السماء بالسحب، وتعذر معرفة أوقات الصلاة بالوسائل المعروفة، فيجوز الجمع بين الصلاتين للمشقة، وقد أشار ابن بركة إلى الأعذار التي يجوز فيها الجمع بين الصلاتين فذكر الأول: السفر لعلة التخفيف، والثاني: السحاب إذا غطت السماء وحال الغمام دون المواضع التي يصل فيها إلى معرفة أوقات الصلاة، قياساً على السفر؛ لأن علة الجمع في السفر التخفيف من المشقة التي تلحق المسافر، وهي موجودة فيمن خفيت عليه أوقات الصلاة، وكُلّف الاجتهاد في معرفتها ... (3). ومن الأسباب العائدة للظروف البيئية والمناخية: الرياح والعواصف والأعاصير والزلازل والصواعق، ففي هذه الحالات يجوز ترك الجماعة على خلاف في المذاهب نقل السالمي في «المعارج» أن عمر بن
عبد العزيز كان يرى الجمع بين الصلاتين في حالة الريح والظلمة (4). ونص بعض العلماء على أن الزلزلة من الأعذار في هذا المجال، لكونها نوعاً من الخوف الذي يذهب الخشوع، فيترتب عليها ما يترتب على الرياح الشديدة من الأحكام وهو التيسير الصلاتين (5). بجمع
(1) رواه البخاري، كتاب الجمعة، باب إذا اشتد الحر يوم الجمعة، حديث رقم: 864، عن أنس. السنن الكبرى للنسائي - مواقيت الصلوات تعجيل الظهر في البرد ـ حديث: 1468. الشوكاني: نيل الأوطار، 303/ 1.
(2) ابن بركة الجامع، 506/ 1. - ابن عابدين رد المحتار، 154/ 2، و 556/ 1.
(3) الشماخي: الإيضاح، 254/ 1.
(4) السالمي: معارج الآمال، 255/ 10.
(5) الشماخي الإيضاح، 254/ 2، 255. البهوتي، كشاف القناع، 497/ 1. (2/350)
صفحة 867
الفصل الثالث: القاعدة الكلية الكبرى الثالثة
351
9 - العوامل والأعذار المتعلقة بحال المكلف:
كثير من
والمراد من ذلك حالة معينة وهي: الشيخوخة وكبر سن المكلف، وقد عدَّ العلماء هذا عذراً قائماً بنفسه، وإلا فإن طائفة من الأعذار والأسباب التي سبق عنها الكلام هي ما يصدق عليه حال المكلف، كالمرض والإكراه والخطأ والنسيان وغيرها، وممن جعله سبباً قائماً بنفسه غير داخل في المرض: العلائي (ت: 761 هـ) (1).
ومن الرخص التي انبنت على هذه الحالة ترك الجماعة، والصلاة على الكيفية المقدور عليها، فيصلي قاعداً، والإفطار في الصوم إن كان ذلك مما يجهده، وأن يطعم عن كل يوم مسكيناً، وقد أشار ابن جعفر في «جامعه» إلى هذا الأمر في سياق بيان معنى قوله تعالى: {وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ} (البقرة: 184)، فذكر أن ذلك للشيخ الكبير والعجوز الكبير اللذين كانا يصومان، فيضعفان عن الصوم ولا يطيقانه، يطعم عن كل واحد منهما لكل يوم مسكيناً، رجلاً أو امرأة، سحوره وفطوره، أو يهدي إليه حبّاً قدر ما يعطي المسكين للأيمان (2).
وقال أبو المؤثر: «حديث محمد بن محبوب بن الرحيل) الله ويرفع هذا الحديث أن جدة أبيه ـ وهي أم الرحيل ـ قد كبرت حتى لا تطيق الصوم، فسألوا جابر بن زيد فأمرهم أن يصوموا عنها إذا أفطروا من شهر رمضان، ففعلوا ذلك، وقال أبو عبد الله رحم الله: وكان لها، ابنان فتنافسا أيهما يصوم عنها، فرغب كل واحد منهما أن يكون هو الصائم، فلما حال الحول وحضر شهر
(1) خليل بن كيكلدي بن عبد الله العلائي الدمشقي، أبو سعيد، صلاح الدين: (694 - 761 هـ/ 1295 - 1359 م): محدث. ولد وتعلم في دمشق، ثم أقام في القدس مدرساً في الصلاحية سنة 731 هـ فتوفي فيها. من كتبه المجموع المذهب في قواعد المذهب، وكتاب الأربعين أعمال المتقين، والوشي المعلم في الحديث، وغيرها. الزركلي: الأعلام، 321/ 2. (2) ابن جعفر: الجامع، 166/ 3 – 167.
في (2/351)
صفحة 868
352
القواعد الفقهية عند الإباضية
رمضان، سألوا جابر بن زيد عنها، فقال لهم أو حيَّة هي؟ فقالوا: نعم، فقال لهم اطعموا عنها كل يوم مسكيناً (1).
وبين
وقد أرشد السالمي إلى الحكمة من مشروعية الإفطار للشيوخ والعجزة، أن الشارع الحكيم يراعي أحوال المكلفين العاجزين، فقال: «وكذلك الشيخ الكبير إن أعجزه سِنّ الكبر عن الصوم فإنه يباح له الإفطار، رحمة من الله ولطفا» (2). كما يرخص للعاجز في أن ينيب عنه غيره في الحج، وكذلك يسقط عنه الجهاد، وقد أدخل بعض العلماء التخفيف عنه في رخص المرض، وأرى أنه من المناسب أن يلحق بالمرض؛ لأن الشيخوخة حالة من المرض يكون الجسم فيها ضعيفاً عاجزاً عن القيام بكل الواجبات كالصحيح القادر (3).
(1) ابن جعفر المصدر نفسه، 168/ 3. (2) السالمي: معارج الآمال، 37/ 18.
(3)
ابن بركة: الجامع، 483/ 2. (2/352)
صفحة 869
المطلب الثامن
من أسباب التيسير النقص
أولاً: مفهوم النقص:
النقص في اللغة: الضعف، يقال أصابه نقص فى عقله أو دينه، أي أصابه ضعف، وهو خلاف الزيادة والكمال، فيقال نقص الشيء نقصاً أو نقصاناً وانتقص، ذهب منه شيء بعد تمامه، ويطلق النقص كذلك على الخسران في الحظ). وهو نوع من المشقة اقتضى التخفيف؛ لأنه إذا حمل من فيه النقص بالتكاليف التي يطالب بها أهل الكمال يكون قد شق عليه.
ونظراً إلى أنّ ذا النقص أضعف من ذي الكمال، نجد أن الشارع خفف عنه في الأحكام، سواء كان ذلك بالإسقاط، أو بالتقليل، أو بالإبدال، أو الترخيص، أو غير ذلك، لما في مساواته بذي الكمال من كاملي الأهلية وسليمي البدن من
المشقة.
والنقص فى المكلف يتعلق بثلاثة أمور العقل والحرية، والذكورة (2). وينقسم
إلى ثلاثة أقسام هي: النقص الحقيقي، والنقص الحكمي، والنقص المالي. 1 - أما النقص الحقيقي وهذا النقص منه ما هو عقلي يشمل الصغر والجنون والعته والنوم والإغماء والسكر، ومنه ما هو عضوي غير العقل، وهذا منه ما هو خلقي طبيعي، ويشمل الأنوثة، ومنه ما هو طبيعي ويدخل فيه مختلف أنواع العاهات المترتب عليها نقص القوى البدنية، كالعمى، والخرس، والعرج، والشلل وغير ذلك من العاهات والآفات البدنية.
(1) ابن فارس: معجم مقاييس اللغة، 470/ 5. الفيومي، المصباح المنير، 854. وينظر: معاني أخرى لكلمة النقص في لسان العرب، والقاموس المحيط.
(2) الفيومي: المصباح المنير، ص 238 - ابن فارس معجم مقاييس اللغة، 198/ 2. (2/353)
صفحة 870
354
القواعد الفقهية عند الإباضية
2 - النقص الحكمي أو الاجتماعي وهو الذي لا يعود إلى نقص في البدن أو أحد أعضائه، وإنما لوصف خارج عنه وهو الرق. 3 - النقص المالي وهو الإعسار والعجز عن أداء الحقوق المالية). وفيما يأتي تفصيل الكلام عن هذه الأسباب:
1 - القسم الأول: النقص الحقيقي:
والمراد به النقص القائم بالفعل بالبدن، سواء كان خلقياً أو طارئاً، وهو
نوعان: نقص عقلي، ونقص جسمي.
أ - النوع الأول: النقص العقلي: وهو يشمل طائفة من الأسباب منها:
السبب الأول: الصغر
الصغر ضد الكبر، وقد صغر بالضم فهو صغير، وصغر صغراً، قل حجمه أو سنه، فهو صغير جمعه صغار، والمراد هنا المرحلة التي يمر بها الإنسان بعد ولادته إلى سن البلوغ، وهو أحد عوارض الأهلية عند الأصوليين على سبيل التسامح؛ وذلك لأن الصغر ليس داخلاً في ماهية الإنسان)، وهي من الأسباب التي تقتضي التخفيف، ويغلب على الفقهاء استعمال الصبي بدل الصغير. أجمع المسلمون على أن الصبي لا تكليف عليه؛ لأدلة متضافرة من أشهرها: حديث النبي: رفع القلم عن ثلاث ... وذكر منهم الصبي حتى يحتلم (3)
84، عمر
كامل، الرخصة، ص 139.
(1) الباحسين يعقوب: قاعدة المشقة، ص (2) السالمي: طلعة الشمس، 249/ 2. الرهاوي: حاشية على شرح المنار، لابن فرشت، ص 944. (3) وفي (رواية حتى يبلغ الترمذي، السنن كتاب الحدود، حديث 1343، (ترقيم العالمية) النسائي، السنن كتاب الطلاق، حديث 3378 (ترقيم العالمية) أبو داود السنن، كتاب الحدود، حديث: 3823) (ترقيم (العالمية ابن ماجه، السنن، كتاب الطلاق، حديث 2031 (ترقيم العالمية) أحمد مسند المبشرين بالجنة، حديث: 1122/ 1290 (ترقيم العالمية) الدارمي السنن، كتاب الحدود، حديث 2194 (ترقيم العالمية). (2/354)
صفحة 871
الفصل الثالث: القاعدة الكلية الكبرى الثالثة
355
فالصبا عائق عن التكليف حتى يبلغ الصبي بالنسبة للعبادات، وحتى يرشد بالنسبة للمعاملات المالية ولا يكتفى بالبلوغ وحده، إذ قد يحصل البلوغ
متقدماً بحسب المناخ وخصوبة الأبدان، ولا يكون معه رشد كاف. وعلل العلماء ذلك بنقصان عقل الصبي، وأنه في طور الاكتمال التدريجي حتى يبلغ نضجه بسن البلوغ، وتلك علامة ظاهرة منضبطة، جعلها الله سبباً للزوم التكليف، أما الرشد فوصف خفي غير منضبط).
فإذا انفصل الجنين حيًّا ثبت استقلاله، وتمت ذمته، فثبتت له أهلية وجوب كاملة، فتجب الحقوق له، وعليه، وكان ينبغي أن تجب عليه الحقوق بجملتها، كما تجب على البالغ لكمال الذمة، وثبوت أهلية الوجوب بها، إلا أنه لما كان وجوب الحق ليس مقصوداً لذات الوجوب، بل المقصود من الوجوب حكمه، وهو الأداء، وبنوا على ذلك أنه لا يجب عليه إلا ما يستطيع أداءه، وأما ما لا يستطيع فلا يجب، وفي ذلك رعاية لجانبه ودفع للحرج والمشقة عنه (2).
يصبح
له بصر
وقد اجتهد الفقهاء في التمييز بين الصبي غير المميز والصبي المميز الذي ناهز البلوغ، فحملوه بعض تبعات، أفعاله، والمراد بالتمييز: أن عقلي يستطيع به أن يميز بين الحسن والقبيح من الأمور، وبين الخير والشر، والنفع والضر، وإن كان بصراً غير عميق ولا تام". وليس لهذا التمييز سن معينة أو علامة طبيعية، فقد يكبر وقد يتأخر، ولكن الفقهاء قدَّروا سن التمييز بتمام السنة السابعة، استنباطاً من السنة، حيث أمر
(1) السالمي: المصدر نفسه، 2/ 245. - وباجو منهج الاجتهاد عند الإباضية، 614. ـ عمر كامل الرخصة الشرعية، 139 - 140. (2) السالمي: نفسه، 246/ 2. النسفي، كشف الأسرار شرح المصنف على المنار، 461/ 2. البزدوي بشرح كشف الأسرار، 241/ 4. .. - صدر الشريعة: التوضيح، 163/ 2.
(3) الزرقا المدخل الفقهي، 2/ 760 فقرة 428. (2/355)
صفحة 872
356
القواعد الفقهية عند الإباضية
الرسول الله أن يؤمر الصبيان بالصلاة في سن السابعة، ويضربوا في سن
العاشرة؛ لأنها تنازع البلوغ (1).
(2)
وتثبت للصغير في هذه المرحلة أهلية وجوب تامة ـ كما أشرنا ـ ولكن لا تثبت له إلا أهلية أداء قاصرة، والذي يثبت مع هذه الأهلية القاصرة نوعان من الحقوق هما حقوق الله، وحقوق العباد.
1 - فأمّا حقوق الله: فإن كانت حسنة حسناً محضاً كالإيمان، أو دائرة بين الحسن والقبح، كالعبادات البدنية، نحو الصلاة والصوم والحج والجهاد، فإنها تصح من الصبي لما فيها من النفع، ولكن يجب عليه أداؤها، رحمة به ودفعاً
للمشقة والحرج. قال السالمي في هذا المعنى: «وما على الصبي قبل بلوغه من شيء من العبادات البدنية الاعتقادية، ولكن يؤمر الولي بتدريبه على فعل الطاعات، وتعليمه معالم الإسلام فيعلمه الصلاة وهو ابن سبع، ويضربه على تركها وهو ابن عشر، وكذا يعلمه ما يحتاج إليه من أمور دينه ودنياه (3)، ويسقط عنه الجهاد، فإن شارك فيه فجائز، قال ابن بركة: «أجمع الناس جميعاً أن النساء والصبيان والعبيد والأصاغر والأكابر من الزَّمْنَى خارجون من فرض الجهاد وأنهم لم يخاطبوا بآية الجهاد» (4).
سبع»
(1) وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما أخرجه أبو داود، كتاب الصلاة، باب متى يؤمر الغلام بالصلاة، رقم 494، بإسناد حسن، أنه قال: مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء وذلك لغرض تعويدهم على عبادة الله منذ الصبا، وقد أخذ مصطفى الزرقا من ذلك دليلاً على اعتبار للشارع هذا الوقت مبدأ سن التمييز، ودليلاً على تمتع الصغير في هذه السن بأهلية أداء كي تصح منه الصلاة، ينظر: الزرقا المدخل الفقهي
762/ 2
الحاشية،
(2) السالمي: طلعة الشمس، 247/ 2. - عبد الكريم زيدان، الوجيز في أصول الفقه، ص 78.
(3) السالمي: نفسه، 247/ 2.
(4) ابن بركة: الجامع، 483/ 2. (2/356)
صفحة 873
الفصل الثالث: القاعدة الكلية الكبرى الثالثة
357
من
ويؤكد السالمي هذا المعنى زيادة في التوضيح فيقول: «ومن أجل تجويز العبادات البدنية كان لفائدة الصبي لم يَستتبع عهدة، فلو شرع في صلاة لا يلزمه المضي فيها، ولو أفسدها لا تجب عليه قضاؤها، ولو تركها بدون عذر لا يفسق، كذلك ما كان قبيحاً قُبحاً محضاً، كالكفر والشرك فلا تلزمه الإيمان؛ لأنه غير مكلف، فلو ترك الصبي الصلاة، أو الصوم، أو الحج، أو نحو ذلك من العبادات البدنية، لم يوصف بالفسق ولو كان بمنزلة الفطانة والنباهة، وكذلك لا أن يوصف بالشرك إذا أهمل الاعتقاد يصح في توحيد الله تعالى؛ لأنه لم يبلغ حد التكليف، ومن لم يكن كذلك فلا يوصف بأنه مشرك» (1). وفي رأينا أن مسالك الشريعة ومبادئ رفع الحرج تقتضي تصويب هذا المذهب دون غيره من الذين يحاسبون الصبي على تقصيره في الاعتقادات بالعبادات (2)؛ لأن الصبي لما لم يكن من أهل الأداء؛ لقصور في عقله وجسمه، ولم يكن هناك وجه لتصحيح ما فيه ضرر عليه، لا سيما وأن أحكام الشريعة بنيت على رعاية المصلحة، ورفع الحرج عن الناس كيف وقد جعلوا الصبي كالمعتوه من حيث قصور العقل.
وإذا كان حق الله يتعلق بالعبادات المالية، كفطرة الأبدان، وزكاة المال وما يضطر إليه من الأقوات، ونفقة من يلزمه عؤله من الأقارب والزوجات، فيخرج الولي من مال الصبي ما وجب عليه في ماله من حقوق، وإن كان له وصي من قبل أبيه، فيقوم ذلك الوصي نيابة عنه وفق الشرع (3).
(1) السالمي: نفسه.
(2) الأنصاري: فواتح الرحموت مع مسلم الثبوت، 157/ 1. ـ ابن ملك: كشف الأسرار، 256/ 2، وقد قيل: إن الخلاف في شان أحكام الدنيا، أما أحكام الآخرة فالاتفاق واقع
بصحة كفره.
(3) السالمي: المصدر نفسه، 246/ 2. (2/357)
صفحة 874
القواعد الفقهية عند الإباضية
358
الصبي
2 ـ وأما حقوق العباد، وهي ما روعي في تشريعها مصالحهم، فهي إما أن تكون نفعاً محضاً أو ضرراً محضا، أو دائرة بين النفع والضرر. أ ـ فإن كانت نفعاً محضاً، كقبول الهبة والصدقة والوصية، فإن تصرفات فيها صحيحة دون توقيف على إذن الوصي؛ لأن في تصحيحها مصلحة ظاهرة، ونحن أمرنا برعاية مصلحة الصغير كلما كانت هذه الرعاية ممكنة). ب - وإن كانت ضرراً محضاً كالهبة والوقف والصدقة وغيرها من التصرفات التي يترتب عليها خروج شيء من ملكه دون مقابل، فإن تصرفات الصبي فيها لا تصح ولو كانت بإذن وليه بل لا يملكه غيره من ولي ووصي وقاض، إذ الولاية عليه نظرية، وليس من النظر إثباتها فيما هو ضرر محض في حقه (2).
ج - وإن كانت دائرة بين الضرر والنفع كالبيع والشراء والإيجار، والنكاح بعقد الولي له ذلك على مذهب من أجاز تزويج الصبي، وغيرها من التصرفات التي فيها احتمال الربح والخسارة، فإن تصرفات الصبي فيها صحيحة بشرط انضمام رأي الولي، إذ بانضمام رأي الولي يندفع احتمال الضرر (3). هذه بعض التصرفات تتعلق بحقوق الله والعباد، ويبدو من تحميل الصبي المميز بعض تبعات أفعاله من باب المصلحة، كالجراحات التي تقع بين الصبيان، كما قبلوا روايته إذا أداها بعد البلوغ، وكل ذلك استثناء من القاعدة. وهناك حقوق تتعلق بماله كالغرامات المالية، والمؤنة كالعُشر والخراج، أما ما كان من الأجزية كالعقل، أي تحمل شيء من الدية، فلا تجب في ماله؛ لأنها عقوبة والصبي ليس من أهل العقوبة، وإنما وجبت عليه رفعاً
(1) السالمي: طلعة الشمس، 246/ 2. الأنصاري: فواتح الرحموت، 159/ 1. (2) نفس المراجع والصفحات. (3) السالمي نفسه. الأنصاري، فواتح الرحموت. 159/ 1. السرخسي: أصول السرخسي
349/ 2 (2/358)
صفحة 875
الفصل الثالث: القاعدة الكلية الكبرى الثالثة
359
للحرج عن أصحاب الحقوق، وليس على الصبي في ذلك من حرج؛ لأن ما يدفعه من مال ليس تبذيراً أو ضرار بل هو بسبب حقوق ثابتة عليه، أكثرها أعواض عما أفاد منه، كما أن الصبي لا يتحمل العقوبات من جراء الأضرار التي تسبب فيها أو أحدثها، كالقصاص والحدود، فلا تجب عليه؛ لأن العقوبة جزاء التقصير، وهو لا يوصف به. وهذا ما عليه العمل عند الحنفية، ولم نعثر عند الإباضية من تعرّض لحكم ميراث الصبي القاتل، هل يرث أم يحرم من الميراث كالبالغ؟ ويبدو من خلال قواعدهم أنه لا يرث قريبه المقتول للشبهة.
السبب الثاني: الجنون والعته
6
الجنون في اللغة زوال العقل ومادة الكلمة تفيد الاستتار). وأما في الاصطلاح، فالجنون هو اختلال العقل بحيث يمنع جريان
الأفعال والأقوال على نهج العقل إلا نادراً (2).
وقسم العلماء الجنون إلى قسمين: أصلي، وطارئ أو عارض. فالأصلي: ما كان متصلاً بزمان الصبا، بأن جُن قبل البلوغ فبلغ مجنوناً. والجنون العارض أو الطارئ هو ما كان بعد البلوغ، بأن بلغ عاقلاً ثم جن، وكل منهما إما ممتد أو غير ممتد (3).
كما قسموه إلى جنون مطبق وغير مُطبق، أما المطبق: فهو الذي أُويس من
رجوع عقله، وذلك أن ينطبق عليه سنة كاملة (4).
(1) ابن منظور لسان العرب مادة: «جنن»، 94/ 13.
(2) البخاري عبد العزيز صدر الشريعة، التوضيح، 167/ 2.
(3) التفتازاني: التلويح، 167/ 2. - ابن أمير الحاج التقرير والتحبير، 2/ 173. ـ باجو: منهج
الاجتهاد عند الإباضية، 616.
(4) السالمي: معارج الآمال، 57/ 18. (2/359)
صفحة 876
360
القواعد الفقهية عند الإباضية
أما العته فهو اختلال في العقل بحيث يختلط كلامه، فيشبه مرة كلام العقلاء ومرة كلام المجانين، أو هو اختلال في العقل يجعل صاحبه قليل الفهم مختلط الكلام، فاسد التدبير كالأبله).
واختلفت عبارات الفقهاء في التمييز بين العته والجنون، ولعل من أفضل ما قيل في ذلك: أن من كانت حالته حالة هدوء فهو المعتوه، وإن كانت حالته مضطربة فهو المجنون (2). والعته والجنون بنوعيه لا ينافي أهلية الوجوب؛ لأنها تثبت بالذمة وهو لا ينافيها؛ لأنها ثابتة على أساس الحياة في الإنسان، إلا أنه يؤثر في أهلية الأداء والتصرف فيعدمها، لزوال العقل والتمييز فأحكام المجنون والمعتوه كأحكام الصبي باتفاق الفقهاء.
يقول السالمي في هذا الصدد: حكم الجنون والعته حكم الصغير في جميع ما مر، وذلك أن الجنون مزيل للعقل بالكلية، وليس في الصبي إلا نقصان العقل، فالمجنون أولى برفع التكليف من الصبي، وأما العته فهو نوع من الجنون وحكمه حكمه» (3).
تماماً في
وذكر الفقيه باجو أن بعض الفقهاء يجعلون المجنون كالصبي عدم لزومه التكاليف وسقوط التبعات في الجنايات للحديث المذكور عن أنس له أن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: رفع القلم عن ثلاثة، عن الصبي حتى يبلغ، وعن النائم حتى يستيقظ وعن المجنون حتى يفيق». قال أبو غانم
(1) صدر الشريعة التوضيح، 167/ 2. - ابن ملك: كشف الأسرار، 264/ 2. النسفي: كشف الأسرار، 484/ 2. ـ الزيلعي فخر الدين عثمان بن علي، (ت: 742 هـ): تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق، مطبعة بولاق 191 م، 5/ 195. 1313 هـ / 915 مصر
(2) أحمد إبراهيم: الأهلية وعوارضها، ص 371.
(3) السالمي: طلعة الشمس، 248/ 2. (4) سبق تخريجه. (2/360)
صفحة 877
الفصل الثالث: القاعدة الكلية الكبرى الثالثة
361
الخراساني في مدونته والمعتوه والمجنون والمغمى عليه مرفوع عنهم القلم)، ولعله لم يطلع على ما صرح به السالمي في «طلعة الشمس» وغيره كما بينا آنفاً.
ولفقهاء الإباضية وغيرهم تفاصيل في الأحكام التي تثبت للمجنون والمعتوه، وتتنوع بتنوع مجالها من عقائد أو عبادات أو معاملات، وهي كأحكام الصبي العاقل التي سبق بحثها فلا حاجة إلى تكرارها (2).
هي
وقد نص العلماء على أن هذه الأحكام شرعت رفعاً للحرج عنه، كما في شأن الصبي والمجنون والمعتوه قال ابن أمير الحاج (3): «فالخطاب يسقط عن المجنون كما يسقط عن الصبي في أول أحواله تحقيقاً للعدل، أن لا يؤدي إلى تكليف ما ليس في الوسع، ويسقط عن المعتوه كما يسقط عن الصبي في آخر أحواله تحقيقاً للفضل، وهي نفي الحرج عنه، نظراً له ومرحمة
عليه» (4).
وخلاصة القول:
إن أحكام المجنون والمعتوه تتلخص في أمور:
وهو
أ ـ أن المجنون والمعتوه لانعدام أهليتهما لم يكونا مكلفين بما يكلف به الإنسان الطبيعي وهذا أمر مقرر في جميع الشرائع والقوانين، وهو مبني على
اشتراط الأهلية نفسها في التكليف، فمن لم يكن أهلاً فلا تكليف عليه. ب - أنه نظراً لأن المجنون والمعتوه قد يتصرفا في حال فقدان عقلهما بما
(1) الخراساني أبو غانم المدونة الكبرى، 193/ 1، مخطوط مصور. (2) راجع ذلك في السبب الأول: الصغر، من هذا المطلب. - ينظر السالمي، العقد الثمين، 409/ 4. (3) موسى بن محمد التبريزي، أبو الفتح، مصلح الدين المعروف بابن أمير الحاج (669 - 133 هـ / 1270 - 1333 م): فقيه حنفي زار دمشق سنة 710 وسنة 726 ومر
بالقاهرة. من مصنفاته: الرفيع في شرح البديع لابن الساعاتي، في الأصول ـ خ. (4) ابن أمير الحاج: التقرير والتحبير، 2/ 172. (2/361)
صفحة 878
362
القواعد الفقهية عند الإباضية
فيه ضرر عليهما أو على غيرهما، فقد حجرا عن التصرفات المؤدية إلى ذلك، فلو طلق المجنون زوجته، فلا يقع طلاقه باتفاق الفقهاء، وكذلك من خولط في عقله ببعض العلل، كالمعتوه والأبله، أنّ طلاقه لا يلزم)، فالمجنون والمعتوه لا ينعقد النكاح بألفاظهم، لعدم العقل أو ضعفه (3). نقل الشقصي في مصنفه حكم المجنون والمعتوه إذا أجريا عقد النكاح بدون علم بحالهما، فقد قيل في رجل تزوج من قوم وهو مجنون، ولم يعلموا بجنونه حتى دخل بها، أن لهم أن يأخذوا أولياءه حتى يطلقوها منه، قال أبو سعيد رحمه الله: «وأما المعتوه إذا تزوج في نقصان عقله ودخل، لم يثبت ذلك، تمم التزويج بعد إفاقته أو غيره، وتحرم عليه بذلك الوطء، ولا تحل له أبداً، إلا أنه قد قيل: في تزويج وليه له: إذا قبل له التزويج عليه باختلاف، قال بعض أصحابنا بإجازة ذلك، وأفسد ذلك بعض» (3). ج - ونظراً إلى أنهما قد يلحقان أضراراً بالآخرين، لم يكن بد من دفع هذه المفسدة، ولكن لما كانا غير مسؤولين، فإن ما يلحقانه بغيرهما من الأضرار المادية يضمنانه، ويؤخذ من مالهما دفعاً للحرج والضرر عن الناس، كما أنه لما كان القصد الجنائي منتفياً لم يكونا مسؤولين من هذه
الجهة.
د ـ عند إفاقة المجنون والمعتوه لا يلزمهما قضاء العبادات إلا بما لا.
حرج
فيه، وقد قُدر وجود الحرج بالكثرة والامتداد، ضبط ذلك في كل شيء بحسبه
على ما سبق أن بينا (4).
(1) ابن بركة: الجامع، 179/ 2.
(2) أرشوم مصطفى: النكاح صحة وفساداً وآثاراً في المذهب الإباضي، ص 54.
(3) الشقصي خميس: منهج الطالبين، 305/ 15.
(4) يراجع: ما ذكر في الصفحات السابقة في عنصر «امتداد الفعل»، وينظر: الخراساني أبو غانم: المدونة الكبرى، 1/ 193. - والسالمي: طلعة الشمس، 246/ 2 - 248. (2/362)
صفحة 879
الفصل الثالث: القاعدة الكلية الكبرى الثالثة
363
السبب الثالث: النوم
وهي فترة الخمود مصحوبة بنقص الإدراك والشعور، وراحة نسبية تساعد الجسم على تعويض ما يفقده من طاقات مختلفة خلال ساعات العمل). وعرفه بعض الأصوليين بأنه: فترة طبيعية تحدث في الإنسان بلا اختيار منه مع قيام العقل، وهو يوجب العجز عن إدراك المحسوسات والأفعال الاختيارية، واستعمال العقل لفترة (2).
ولهذا أدخلناه في مجال النقص العقلي لا لعدم العقل أو نقصانه، بل لعدم استعماله، وهو ينافي الأهلية؛ لأنها تقوم على التمييز والعقل، والنائم لا تمييز له ولا فهم، ولهذا فهو ليس بمكلف حال نومه بالإجماع. ولكنه لا ينافي الوجوب لعدم إخلاله بالذمة والإسلام، ولا مكان للأداء حقيقة بالانتباه، أو خَلَفًا بالقضاء عند عدمه (4).
ونظراً لما ذكرناه من أن النوم ينافي أهلية الأداء، ولا ينافي أهلية الوجوب، فقد ترتب عليه جملة من الأحكام منها ما يتعلق بالأقوال، ومنها ما يتعلق بالأفعال)، وفيما يأتي بيانها:
(1) غربال محمد شفيق وجماعته الموسوع عة العربية الميسرة، ص 1861، ومما جاء فيها: ويمكن التفرقة بين النوم وحالات اللاشعور المرضية كالغيبوبة بالسهولة التي نستطيع بها إيقاظ النائم، وأكثر أجهزة الجسم توقفاً عن العمل في أثناء النوم، وهي المراكز العليا للمخ التي تختص بالإدراك والتمييز والتفكير، والرد على المؤثرات الخارجية بما يناسبها، وما يتعلق مع خبرة الشخص وتجاربه السابقة». وينظر كذلك: الشيخ أحمد إبراهيم: الأهلية
وعوارضها، ص 375.
:
(2) الجرجاني التعريفات، ص 256. - المناوي: التوقيف على مهمات التعاريف، 331. - النسفي: كشف الأسرار، 487/ 2.
(3) الشوكاني: نيل الأوطار، 27/ 2. - الزركشي: تشنيف المسامع، 1/ 15.
(4) السالمي: طلعة الشمس، 259/ 2. - التفتازاني: التلويح، 169/ 1.
(5) الجيطالي: قواعد الإسلام، 183/ 1 - 184، تعرض إلى أحكام طهارة النائم وصلاته. (2/363)
صفحة 880
364
القواعد الفقهية عند الإباضية
-
أما أقواله فلا اعتداد بشيء منها، وإن كان المعتبر فيها الاختيار مطلقاً، كالبيع والشراء، والإسلام والردة والزواج والطلاق والعتاق، وكذلك
لا اعتداد بقراءته في الصلاة، وذلك لانتفاء الاختيار والقصد. 2 - وأما أفعاله فلا يؤاخذ عليها مؤاخذة بدنية، حتى لو انقلب على إنسان فقتله، لم يعاقب بدنيا دفعاً للمشقة والحرج عنه في معاقبته على ما لم يقصد؛ لعدم تمييزه ولكنه يؤاخذ مؤاخذة مالية فتجب عليه الدية، كما يجب عليه ضمان ما يتلفه من مال بفعله؛ لوجوده حسياً، ولعصمة الأنفس والأموال، ودفعاً للضرر والحرج عن أصحاب الأموال وأولياء القتيل في تقبل ما حصل من غير عوض أو ضمان (1). ونظراً لانتفاء أهلية الأداء وبقاء الوجوب، تأخر خطاب الأداء عنه إلى زوال النوم، تخفيفاً من الله تعالى ورحمة بعباده، نظراً لحاجتهم إليه ولغلبته عليهم في كثير من الأحيان، وقد قال صلى الله عليه وسلم: «إنه ليس في النوم تفريط، إنما التفريط في اليقظة، فإذا نسي أحدكم صلاة أو نام عنها فليقضها إذا ذكرها (2). وإنما يسقط عنه نفس الوجوب؛ لأن الحرج الذي يتحقق بكثير الواجبات، وامتداد الزمان منتف في حالة النوم؛ لقصر مدته عادة. ولكن السالمي ينظر إلى النائم من جانب آخر فيجد له حكمان
الأول: يتعلق بتأخر تعلق الخطاب به حتى يسقط.
(1) السالمي: الطلعة، 2/ 249 - 250، التفتازاني التلويح، 169/ 2. ـ ابن أمير الحاج: التقرير والتحبير، 187/ 2.
(2) رواه مسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب قضاء الصلاة الفائتة، رقم 681، عن أبي قتادة. والترمذي في سنن الجامع الصحيح - أبواب الطهارة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أبواب الصلاة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ـ باب ما جاء في النوم عن الصلاة حديث: 167 قال الترمذي: وحديث أبي قتادة حديث حسن صحيح. والدارقطني السنن - كتاب الصلاة باب قضاء الصلاة بعد وقتها - حديث: 1253 ينظر: الشوكاني نيل الأوطار، 30/ 2 - 31. (3) ابن ملك: كشف الأسرار، 266/ 2. - النسفي: كشف الأسرار، 388/ 2. (2/364)
صفحة 881
الفصل الثالث: القاعدة الكلية الكبرى الثالثة
365
والثاني: إلغاء ألفاظه، فلا يعتد بها لعدم القصد والإرادة، ويوضح ذلك بقوله: «للنوم حكمان، أحدهما: تأخير تعلق الخطاب إلى حال اليقظة، فإن النائم لعجزه عن فهم الخطاب لا يناسب أن يتوجه إليه الخطاب، ولإمكان فهم الخطاب منه بالانتباه لم يسقط الخطاب عنه رأساً، ولكن أُخر عنه إلى أن يستيقظ، واستدلوا على بقاء وجوب الخطاب في حق النائم بقوله صلى الله عليه وسلم: «من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها»، قالوا: لو لم يكن الوجوب ثابتاً في حق النائم والناسي ما أمروا بالقضاء.
والحكم الثاني: إلغاء ألفاظه، فلا توصف ألفاظ النائم بخبر ولا استخبار ولا إنشاء)، ولا يتم بلفظه بيع ولا شراء، ولا تزويج ولا طلاق، ولا عتق، ونحو ذلك؛ لعدم القصد والإرادة فيها، ولأجل ذلك قال بعضهم بثبوت العفو عنه في الصلاة، فلا تنقض صلاة من تكلم فيها وهو نائم، لعدم القصد والإرادة في ذلك، وقيل: إنها تنقض بالكلام في اليقظة والنوم، أخذاً بظاهر الحديث: «إن صلاتنا هذه لا يصلح فيها شيء من كلام الآدميين» (3) (4).
(1) رواه البخاري، كتاب مواقيت الصلاة، باب من نسي الصلاة، رقم 572، ومسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب قضاء الصلاة الفائتة، رقم 684، عن نسيان الصلاة. وعن النوم: رواه صلاة، رقم، والطبراني في الكبير، باب
النسائي،
، كتاب المواقيت، باب فيمن نام عن
،614
الواو، وهب بن عبد الله رقم 268 قال الهيثمي: «رجاله ثقات» الزوائد، 73/ 2. مجمع (2) وقد أكد ذلك التفتازاني وابن أمير الحاج فقالوا: إن كلامه بمنزلة ألحان الطيور، وإنه ليس بخبر ولا إنشاء، ولا يتصف بصدق ولا كذب ينظر التفتازاني التلويح، 169/ 2. ـ وابن أمير الحاج: التقرير والتحبير، 178/ 2.
(3) رواه مسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب تحريم الكلام في الصلاة، رقم 537، عن معاوية بن الحكم السلمي. ورواه السنن الصغير البيهقي - كتاب الصلاة تفريع أبواب سائر صلاة التطوع ـ باب سجود السهو حديث: 691 بلفظ: «إن صلاتنا هذه لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، وإنما هي التسبيح والتكبير، وتلاوة القرآن ورواه أيضاً البيهقي في معرفة السنن والآثار كتاب الصلاة الكلام الذي يقطع الصلاة - حديث: 1090، عن الشافعي بألفاظ قريبة من المعنى. ورواه الطيالسي في مسنده ـ أحاديث معاوية بن الحكم حديث: 1186 وصححه (4) السالمي: الطلعة، 249/ 2 - 250.
هذا
، الألباني. (2/365)
صفحة 882
366
القواعد الفقهية عند الإباضية
ويبين
أبو غانم الخراساني في «المدونة» حكم من نام أكثر من يوم، هل يقضي الصلاة والصوم؟ فيقول: ومن نام يوماً أو يومين أو أكثر، أعاد الصلاة لا الصوم، إلا إن نام على جنابة فليعدهما، وإن لم يأت بنية الصوم جملة بل كل يوم، أعاد ما لم ينو له).
وذهب بعض فقهاء الحنفية من أن كلام النائم يبطل صلاته، بناء على أن النص الوارد بشأن الكلام في الصلاة لم يفرق بين النائم والمستيقظ، وإلا فإن الصلاة غير متصورة من النائم. ويظهر مما تقدم أن النوم يعتبر عذر شرعي تُبنى عليه الأحكام من هذه
(2)
مبني
الجهة، وأما عدم الاعتداد به في بعض الأمور، فلأن ذلك على تعارض المصالح، ودفع الضرر العام بالخاص، وهذا في حد ذاته تيسير ورفع الحرج
عن النائم).
السبب الرابع الإغماء (4):
هو حالة مرضية تتعطل فيها القوى المدركة والمحركة عن أفعالها مع بقاء العقل مغلوباً)، وهو أشد من النوم في العارضية وسلب الاختيار. وقيل: إنه فتور غير أصلي لا بمخدر، يزيل عمل القوى).
(1) الخراساني أبو غانم: المدونة، 326/ 1.
(2) ابن أمير الحاج التقرير والتحبير، 178/ 2.
(3) الباحسين قاعدة المشقة، ص
97
(4) الكلام هنا يتناول حالة الإغماء باعتباره مرضا لم يتسبب فيه الشخص، أما في حالة ما إذا كان نتيجة تناول مُخدّر طبي أو دواء أو خمر فللعلماء فيه تفاصيل تراجع في مظانها، راجع ابن أمير الحاج، التقرير والتحبير، 179/ 2.
(5) ابن أمير الحاج: المصدر نفسه، قيل أنه سهو يعتري الإنسان مع فتور الأعضاء لعلة. المناوي: التوقيف على مهمات التعريفات، ص 57، وقيل غير ذلك، ينظر النسفي: كشف الأسرار،
:
488/ 2
(6) الجرجاني التعريفات، ص 47. (2/366)
صفحة 883
الفصل الثالث: القاعدة الكلية الكبرى الثالثة
367
فقوله غير أصلي: يخرج النوم، وقوله لا بمخدر يخرج الفتور بالمخدرات، وقوله يزيل القوى يخرج العته. ولهذا فإنه يثبت له الأحكام الثابتة جميع
للنوم، ويزيد عليه أنه يعتبر ووجه التفريق بينهما
في جميع
حدثاً في الحالات،
ويمنع
البناء مطلقاً.
أ ـ ما ذكرناه من شدة الإغماء بالنسبة إلى النوم، مما يجعل حالة المغمى عليه أكثر انفلاتاً واسترخاء. ب ـ ما يمكن أن يحصل من مشقة نتيجة اعتبار النوم حدثاً على كل حال، نظراً لكثرة وقوعه وابتلاء العباد به بخلاف الإغماء الذي يقل وقوعه وينذر (1). والإغماء يؤخر خطاب الأداء كالنوم، وذلك في حالة امتداده، أما إذا امتد فإنه لا يتأخر بل يسقط عنه؛ لانعدام الأداء حقيقة بالإغماء، وتقديراً بمشقة القضاء بعد الإغماء لكثرة الفوائت، وإذا انعدم الأداء سقط الوجوب، لعدم الفائدة من بقائه (2). والإغماء ليس محل اتفاق الفقهاء على كونه رافعاً للتكليف، فبعض ألحق الإغماء بالجنون، وبعض ألحقه بالنوم، وبعض بالمرض، فاختلفت الأحكام لاختلاف القياسات.
وحتى تتضح صورته أكثر نذكر جانباً من الخلاف بين العلماء من خلال
بعض الفروع الفقهية.
1 - في باب العبادات:
أ - يرى جابر بن زيد أنه ليس على المغمى عليه تكليف ولا بدل، خلافاً لأبي عبيدة مسلم، فقد سئل جابر عن رجل مرض مرضاً شديداً فأغمي عليه ليالي، لا يعقل ولا يصلي، ثم أفاق، وصح هل عليه بدل ما مضى من صلاته؟ قال: لا أرى عليه من صلاته التي لم يصلها وهو لا يعقل بدل ولا شيء» (3).
(1) صدر الشريعة: التوضيح، 169/ 2، 170. - وينظر: التفتازاني: التلويح، 169/ 2. (2) السالمي: الطلعة 2/ 250. - ابن ملك: كشف الأسرار، 274/ 2.
(3) جابر بن زيد کتاب رسائل جابر بن زيد، ص 7. (2/367)
صفحة 884
368
القواعد الفقهية عند الإباضية
كما سئل أبو عبيدة عن الرجل يغمى عليه قبل رمضان؟ قال عليه القضاء، ولما سئل عن الفرق بين المغمى عليه وبين المجنون الذاهب العقل، قال: إن المغمى عليه مريض والتكليف عليه قائم والمجنون المطبق لا كلفة عليه، وهو بمنزلة الصبيان (1)، وعقب عليه القطب أطفيش: «فإن لم يكن جنونه مطبقاً لزمه القضاء، والمغمى عليه عقله باق فيه، والمجنون عقله ذهب فالمغمى عليه كمريض ولو لم يعقل أن رمضان دخل، كما أن المريض الذي لا يعقل يلزمه القضاء» (2).
فهنا نلاحظ أن بعض الإباضية ألحق الإغماء بالجنون مطلقاً، كالإمام جابر بن زيد، وبعضهم ألحقه بالمرض كأبي عبيدة والشيخ أطفيش، فاختلفت
أحكامهم.
وفي السياق نفسه نجد الجيطالي وغيره يلحق المغمى عليه بالمجنون إذ امتد وقته طوال الشهر في رمضان ولم يفق إلا بعده، بينما يلحقه بعضهم بالنائم إذا كان إغماء قصيراً، وفي هذا المعنى يقول: «والمغمى عليه قبل دخول رمضان فلم يفق إلا في شوال فيه اختلاف، وعن الحسن ـ البصري - أن المغمى عليه لا يقضي إلا اليوم الذي أفاق فيه، وأما إن أغمي عليه أياماً فأفاق فيه، ففيه خلاف، قال بعضهم: إذا نوى الصوم أول الليل ثم أغمي عليه في بعض، فهو بمنزلة النائم، ويجزيه ذلك اليوم، فإن أغمي عليه أكثر من اليوم فعليه البدل؛ لأنه دخل فيه وهو لا يعقل، وحكي عن مكحول أنه قال: لا قضاء على المغمى عليه، وإني لأحب أن يتطوع بالقضاء» (3). ونقل أبو غانم الخراساني في مدونته عن الحسن أيضاً أنه قال: «إذا أغمي کله وهو صائم فقد أجزى عنه، وكان حجته أن ذلك من دينه».
عليه الشهر
(1) الخراساني: المدونة، 352/ 1.
(2) الخراساني: المصدر نفسه. (3) الجيطالي: قواعد الإسلام، 93/ 2.
ذلك (2/368)
صفحة 885
الفصل الثالث: القاعدة الكلية الكبرى الثالثة
369
وعقب عليه أطفيش بقوله: أي الصوم من دَيْن المغمى عليه، وهو قد
اعتقده ونواه وحدث له الإغماء فيه، فهو كمن نوى وغربت نيته). ويشير أبو غانم إلى ضعف هذا القياس معقباً على قول الحسن «وليس قول الحسن في هذا بشيء، والقياس داخل عليه؛ لأن في هذا إذا افتتح صومه في يومه فلم يتمه حتى مرض، فصار لا يقدر على الأكل والشرب فليس بصائم، وإنما الصائم من صام الله تعالى وهو قادر على الصوم، وليس أمره كالنائم؛ لأن النائم يقدر على النوم، والمغمى عليه مغلوب عليه من سقم كالمبرسم مغلوب عليه من سقم، فكل هذا من القياس داخل على الحسن في قوله الذي ذهب إليه»، ثم رجح أبو غانم قول أبي عبيدة الذي سبق الإشارة إليه؛ لأنه القول المعتمد عند الإباضية، وقال: «وبهذا نأخذ وعليه نعتمد، وهو قول أبي عبيدة والعامة من فقهائنا (2).
ويضيف السالمي بياناً مفصلاً لأحكام المغمى عليه في رمضان وما يترتب عليه فيقول: «وأما المغمى عليه فإما أن يغمى عليه كل الشهر أو بعضه، فإن أغمي عليه كل الشهر فقيل: يكون كالمجنون لا قضاء عليه؛ لزوال التكليف عنه بزوال عقله، وذلك أن يجن قبل دخول الشهر فلا يفيق إلا بعد خروجه. وقال آخرون عليه القضاء؛ لأنه داخل في عموم قوله تعالى: {فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ} (البقرة: 184). وقالوا: والمغمى عليه صحيح العقل كالنائم، وآفته في جسمه، فهو أشبه بالمريض، وألزموه البدل لتعذر النية».
وإن أغمي عليه بعض الشهر وصحا في بعض، فقيل: لا بدل عليه فيما أغمي عليه، وقال أبو عبد الله محمد بن محبوب عليه البدل في جميع الأيام إلا اليوم الذي أصبح فيه صحيحاً ثم أغمي عليه.
(1) الخراساني أبو غانم: المدونة، 327/ 1.
(2) الخراساني: نفسه. (2/369)
صفحة 886
370
القواعد الفقهية عند الإباضية
ـ وقال أبو الحسن ـ البسيوي ـ إذا نوى الصيام ليلاً ثم أغمي عليه قبل طلوع الفجر إلى أن تغرب الشمس فأرجو أنه يجزئه صومه؛ لأنه نواه في وقت ما أمر به من الليل، فهو على اعتقاده إن لم يعقل في يومه، فلم يحدث في نيته حدثاً يبطل صومه، وأنه كمن نوى الصيام من الليل ثم ذهب به النوم حتى أصبح، تم صومه له ولا بدل عليه (1). وقال الشماخي: واختلفوا أيضاً في كون الإغماء مفسداً للصوم، قال قوم مفسد للصوم، وقال قوم ليس بمفسد، وقوم فرقوا بين أن يغمى عليه قبل الفجر أو بعده، أو بعد ما مضى أكثر النهار أو أقله، قال: فمن جعل الإغماء مفسداً للصوم أوجب عليه قضاء كل يوم أغمي فيه عليه؛ لأنه غير موصوف بالصوم، وهو داخل في عموم قوله تعالى: {فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا (البقرة: 184). ومن قال ليس بمفسد لم يوجب القضاء إلا من الإفطار، ومن فرّق أن يغمى عليه قبل الفجر أو بعد ما مضى أكثر النهار أوجب قضاء كل يوم طلع عليه الفجر وهو لا يعقل الصيام»).
بين
واختار الشماخي هذا القول ورجحه فقال: «وهذا القول عندي أحوط؛ لأنه دخل الصوم وهو لا يعقل ولا ينوي، قال: وأما من فرق بين أكثر النهار وأقله، فالأكثر والأقل عنده سواء» (3).
وهناك أقوالاً أخرى في هذه المسألة ذكرها أطفيش في «المدونة» منها: أن من أغمي عليه يوماً أو أكثر أعاد الصوم، وقيل الصلاة، وقيل يعيدهما، وقيل لا يعيدهما، وقيل إن أغمي عليه أول النهار وصح في آخره فلا يعيد يومه، وإن صح في أوله وأغمي عليه في آخره فلا يعيد، وقيل يعيد أغمى عليه أوَّله أو آخره، وإن أكل المغمى عليه أو النائم أعاد إجماعاً، قال ابن عمر: من
(1) البسيوي: الجامع، 226/ 2.
(2) الشماخي: الإيضاح، 196/ 3 - 197.
(3) الشماخي: المصدر نفسه، 197/ 3. وينظر السالمي: معارج الآمال، 59/ 18 - 61. (2/370)
صفحة 887
الفصل الثالث: القاعدة الكلية الكبرى الثالثة
371
أغمي عليه في حال صومه فلا قضاء عليه، ومن أغمي عليه اليوم كله قضى وإن لم يأكل؛ لأن الله تعالى قال في الصائم: يدع شهوته وطعامه من أجلي» (1) قال أطفيش معقباً: «قلت: لا يقضي يومه، ولا يومه فصاعداً، إن نوى لرمضان نية واحدة إن فعل مفطراً» (2).
منشأ الخلاف
ولعل سبب الخلاف في المسألة يعود إلى اختلاف علة الحكم، فمن نظر إلى المغمى عليه بأنه صاحب عقل لكنه تعطل لعلة، ألحقه بالنائم، ومن نظر إلى الإغماء وهي حالة تشبه المرض ألحقها به فاختلفت أحكامهم. ولكن لو نظرنا إلى المسألة من جانب آخر نجد أن من يصر على إلحاق
المغمى عليه بالمجنون نظر إلى العلة الجامعة بينهما، وهي فقدان العقل وتعطيله، وقد ذهب إلى هذا القول الإمام الجيطالي، فبعد أن عرض كل الأقوال السابقة حكم بضعفها وقال: «وهذا كله، ضعف فإن الإغماء والجنون صفة يرتفع بها التكليف، فإذا ارتفع لم يوصف بصائم ولا مفطر».
وعقب المحشي أبي ستة على رأي الجيطالي فقال: «هذا صريح في اختيار أن المغمى عليه لا يقضي صوماً ولا صلاة حيث كان كالمجنون، وهذا ظاهر إذا أغمي عليه في الشهر كله، وإن أغمي عليه في بعض الأيام فالظاهر القضاء؛ لأن المذهب أنه فريضة واحدة كما في المجنون، ولا يقضي الصلاة مطلقاً حيث شبه به، إلا إن أغمي عليه بعد دخول الوقت كما في المجنون» (3). وهو مذهب الإمام جابر بن زيد كما أسلفنا.
(1) متفق عليه، رواه البخاري، كتاب التوحيد، باب قول الله تعالى {يُرِيدُونَ أَن يُبَدِّلُوا كَلَمَ الله، رقم 7054، ومسلم، كتاب الصيام، باب فضل الصيام، رقم 1151، عن أبي هريرة.
(2) أطفيش: شرح المدونة لأبي غانم الخراساني، 325/ 1 - 326.
(3) القصبي أبو ستة عمرو: الحاشية على قواعد الإسلام للجيطالي، 93/ 2 - 94. (2/371)
صفحة 888
372
القواعد الفقهية عند الإباضية
ولكن الإمام السالمي لم يأخذ بهذا الرأي، فهو يرى أن المغمى عليه مثل النائم، بل هو أشد منه لمنافاتها للقصد والإرادة، وهذا ما أشرنا إليه فيما تقدم. والحاصل: إن المتأمل في الأقوال المختلفة وأدلتها يدرك مدى وجاهة كل رأي استناداً إلى اعتبارات مختلفة، فمن ذهب إلى أن الإغماء حالة مرضية نجده لم يجانب الصواب، فهناك حالات من الأمراض يصاحبها الإغماء قد يطول أو يقصر، فألحقه بالمرض، وما يترتب عليهم من أحكام مع مراعاة جانب التيسير والتخفيف دفعاً للمشقة ورفعاً للحرج عنهم، خاصة إذا كان الإغماء متكرراً أو ممتداً، ومن نظر إلى جانب تعطل العقل ألحقه بالمجنون، وأسقط عنه التكاليف، فإذا كان ممتداً لا يترتب عليه قضاء ولا بدل، وإن كان متقطعاً أو طارئاً، فإن أفاق قضى الصوم دون الصلاة، ولا شك أن من ذهب إلى هذا الرأي راعى جانب التخفيف، ولا يتحقق ذلك إلا بإسقاط التكاليف عنه في حالة الإغماء، ولا يطالب بقضاء ما فات تيسيراً عليه ورفعاً للحرج
عنه.
الرأي المختار: ولكن عند التحقق مع النظر الطبي نجد أن الإغماء يحدث نتيجة تعطل القوى المدركة المحركة حركة إرادية، بسبب مرض يعرض الدماغ، وهو شبيه بالنوم في تعطل العقل، إلا أن النوم عارض طبيعي، والإغماء غير طبيعي، فيكون حكمهما واحد في التصرفات، وهو إلغاؤها وبطلانها، لعدم توفر القصد عند المغمى عليه). وما دام العلم الحديث يؤكد هذه الحقيقة، فلا نملك إلا التصديق بها والاعتماد عليها في تقرير أحكام المغمى عليه وعليه فيبدو أن هذا الرأي هو أعدلهم يترجح لقوة حجته، مع مراعاة جانب التيسير والتخفيف على من ابتلي بهذا، مراعاة للقاعدة المقاصدية: الحرج مرفوع، ولا تكليف بالشاق». ويؤيد ما ذهبنا إليه شيخنا عبد الرحمن بكلي حيث يقول في تعليقه على
(1) الزحيلي وهبه: الفقه الإسلامي وأدلته، 129/ 4. (2/372)
صفحة 889
الفصل الثالث: القاعدة الكلية الكبرى الثالثة
373
قول المحشي أبي ستة: «والمتبادر عندي أن المغمى عليه والنائم وإن رفع عنه التكليف غير أن الآخرين متى انتبه أحدهما عادت إليه حالته الأولى من صحة العقل، بخلاف المجنون، وأنت خبير أن الأطباء يفرقون بين المجنون ومرض الأعصاب [الجهاز العصبي والإغماء، فالجنون هو اختلال العقل اختلالاً لا يمكن علاجه، ومرض الأعصاب هو اعتلالها ويمكن علاجه غالباً، والمغمى عليه يتماثل للصحو بدون علاج، بل يقتصر على تنبيهه كالنائم، لذلك قلت: أشبه بالنائم منه بالمجنون والله اعلم».
هو
السبب الخامس: الشكر
الشكر: بضم أوله وسكونه ثانيه، مصدر سكر فهو سكران، جمع سكرى وسکارى والمرأة شكرى، ومعناه فقد التمييز بين الأشياء، فهو غياب العقل بسبب تناول مادة تؤثر فيه (2).
وحقيقة السكر عند ابن بركة هي: زوال الإنسان عن الطبع الذي كان عليه قبل السكر، أما السكران هو الذي ابتدأ الاختلاط، ألا ترى أنه يقال للذي اختلط کلامه كأنك سكران (3).
بينما نجد السالمي يعرفه بتعريف أدق وأشمل فيقول: «السكر هو تغيّر العقل بسبب أبخرة تصعد إلى الدماغ من شرب المسكرات أو أكلها» (4).
(1) بكلي عبد الرحمن: تعليقات على قواعد الإسلام للجيطالي، 94/ 2.
(2) محمد رواس قلعة جي: معجم (3) ابن بركة الجامع، 2/ 180.
لغة الفقهاء، ص
247
(4) السالمي: طلعة الشمس، 264/ 2. وعرفه الجرجاني بأنه: «عبارة عن غفلة تعرض بغلبة السرور على العقل بمباشرة ما يوجبها من الأكل والشرب، وعند أهل الحق السكر هو: غيبة بوارد قوي وهو يعطي الطرب والالتذاذ وهو أقوى من الغيبة وأتم منها، والسكر من الخمر عند أبي حنيفة، أن لا يعلم الأرض من السماء، وعند أبي يوسف ومحمد الشافعي، وهو أن يختلط كلامه». ينظر: الجرجاني: التعريفات، ص 133. - وزاد السيوطي عليها عبارة: «اختلط
كلامه المنظوم وانكشف سره المكتوم». ينظر: السيوطي الأشباه والنظائر، ص 290. (2/373)
صفحة 890
374
القواعد الفقهية عند الإباضية
فذهاب الدماغ عنده عبارة عن تغير العقل؛ لأن تغير الدماغ سبب لتغير العقل، وتغير العقل هو ذهاب حاسته المدركة المميزة.
والشكر نوعان: إما أن يكون سكر سببه حلالاً، وإما أن يكون سببه حراماً. 1 ـ أما السكر الذي سببه حلالاً فكسكر من سكر من الأشياء التي أبيح له أكلها أو شربها لحال الضرورة، مثاله: لو اضطره الجوع إلى شرب الخمر أو أكل المسكر، أو أكره الحاكم على ذلك، فإنه يباح له على قول إحياء نفسه من المسكر، فإذا أحياها من ذلك المباح فى حقه فسكر، فحكمه في الصلاة والصيام ومع التصرف حكم المغمى عليه؛ لأن لكل واحد من الإغماء والسكر المباح مغيّر للعقل من غير هوًى من صاحبه، وكذلك من شرب لبناً أو تمراً مخمراً ولا يدري أنه يسكر فغاب عقله، فحكمه كذلك، فالشارع يخفف عنه ويرفع عنه الحرج؛ لأنه لم يتعمد الإسكار ولم يقصد بفعله ذلك، فلا يحمله تبعات أقواله وأفعاله.
2 - أما السكر الذي سببه حرام، فهو أن يسكر الإنسان من أكل المسكر أو شربه، كالخمر والنبيذ على غير ضرورة، فإن هذا السكر لا ينافي الخطاب؛ لأنه متعرض بنفسه لتغير عقله اختياراً، فناسب أن تجرى عليه الأحكام الشرعية، والدليل على أنه غير مناف للخطاب قوله تعالى: {يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ
آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلوةَ وَأَنتُمْ سُكَرَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ} (النساء: 43). ووجه الاستدلال بالآية أنهم نُهُوا أن يقربوا الصلاة وهم سكارى، وهذا الخطاب متوجه إليهم حال السكر، فإذا ظهر لنا صحة تعلق الخطاب بالسكران أجرينا عليه أحكام الصاحي المكلف، فتثبت عليه تصرفاته القولية والفعلية، كطلاقه لزوجته، وعتقه، ويمينه إذا حلف، وإقراره، ويلزمه الإسلام في حال سكره، بمعنى أنه إذا كان كافراً ثم سكر ثم أسلم في حال السكر ثم شاء الارتداد بعد الصحو، فإنه يجبر على الإسلام ترجيحاً للإسلام على غيره؛ لأنه يعلو ولا يعلى عليه، وأما إذا كان على الإسلام ثم ارتد في سكره تجري عليه (2/374)
صفحة 891
الفصل الثالث: القاعدة الكلية الكبرى الثالثة
375
أحكام الردة، إلا أنه لا يقام عليه حد المرتد لشبهة تغير العقل بالسكر، والحدود تدرأ بالشبهات).
ويرى الإباضية وغيرهم أن السكران بالحرام مكلف في حالة سكره، يتحمل تبعات أقواله وأفعاله فى مجال العبادات والجنايات دون المعاملات فلا يعذر في شيء منها، فلا تسقط عنه الصلاة ولا الصوم؛ لأن السبب في ذلك كان من قبله ويجب عليه الحد في شرب الخمر سكر أو لم يسكر (2). وقد سئل سعيد بن زنغيل (3) عن السكران هل هو مكلف في حال سكره؟ فقال: «لست أزعم أنه غير مكلف في تلك الحال التي يغلب فيها على عقله؛ لأنه تعمد بما سكر به، وتلزمه أيمانه، ولا يزيل عنه السكر حكما لزمه؛ لأن السبب منه» (4).
والحاصل أن تحميل السكران تبعات أعماله وأقواله هو رأي جمهور العلماء، وهو اتفاق الإباضية كما بينه ابن بركة في نصه: «واتفق أصحابنا فيما
(1) السالمي: الطلعة، 264/ 2 - 265.
(2) المزاتي: التحف، مخطوط، 14 و.
(3) سعيد بن زنغيل (أبو نوح) أوائل ق: 4 هـ / 10 م) أحد أقطاب العلم عند إباضية المغرب، نشأ وسكن بالجريد بتونس، ثُمَّ استوطن وارجلان بالجزائر. أخذ علمه عن الإمامين الكبيرين: أبيالقاسم يزيد بن مخلد، وأبي خزر يغلا بن زلتاف. يعد حلقة بارزة في سلسلة نسب الدين، فهو شيخ العلامة الإمام أبي عبد الله محمد بن بكر النفوسي، إذ تعلم على يديه بالحامة التونسية. برع في علوم الفصاحة والبيان وفنون الجدل والردّ على المخالفين كانت له مناظرات مشهورة، خص بها علماء المعتزلة والنُّكار، على حد سواء، فكان كثير التنقل يدعو إلى مذهب الإباضية الوهبية. ومن تلاميذه أبو الخطاب عبد السلام بن منظور ينظر: أبو خزر يغلا بن زلتاف: كتاب الرد على جميع المخالفين تحقيق: عمرو النامي، ص ج. ـ أبو زكرياء: السيرة، 197/ 1 - 198، 206، 224، 228، 234، 302/ 2. - الوسياني: سير (مخ) 54/ 1 - 55، 106، 157/ 2، 166، 264، 265. - الدرجيني طبقات المشايخ 126/ 1، 127، 132،
4145 344/ 2، 353، 369، 396 - 397. - الشماخي: (مط) 357، 362، 582.
(4) سعيد بن زنغيل: الرد على من زعم مخطوط، 237 - 238 ظ. (2/375)
صفحة 892
376
القواعد الفقهية عند الإباضية
تناهى إلينا عنهم أن طلاق السكران يقع منه محكوماً عليه به ... ولم أعلم أنّ أحداً أجاز السكران ولا شراءه» (1). بيع
ولا تصح صلاته لعدم توفر القصد منه، ولكن تلزمه، ولا يسقط عنه فرضها بسبب الإسكار، فيجب عليه قضاؤها بالإجماع). قال أبو إسحاق الحضرمي في بيان تصرفات السكران: «وأفعال السكران كلها باطلة إلا في ست خصال:
أحدها: النكاح إن جاز بها في حال سكره، وإن كانت هي السكرانة لم يجز نكاحها وإن جيز بها. والثاني الطلاق والثالث: الخلع، ولا زيادة عليه في المهر، هذا قلته قياساً. والرابع: العتق والتدبير. والخامس: الرجعة. والسادس: الإقرار» (3).
ولكن انفرد ابن بركة برأي يفرق فيه بين السكران المميز والسكران غير المميز ويعبر عنه بالطافح، فالله تعالى قد خاطب بعض السكارى بقوله: {يَتأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلوةَ وَأَنتُمْ سُكَرَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ} (النساء: 43). فالمميز إذا أتى بفعل وادعى غروب النية، وترك القصد مع الفعل، لا تقبل منه دعواه، كما تقبل من مميز غيره، والسكران الذي لا يعقل لا يقع منه طلاق ولا غيره، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى)،
فإذا عدمت النية لزوال عقله بسكر أو جنون كانت أفعاله غير محكوم بها. واستدل لذلك باتفاق الناس على صحة شرائه وبيعه، وهبته وزواجه، و استئجاره في حال سكره، لعدم ثبوت القصد منه في تلك الحال، وعدم معرفته بحقيقة ما يأتيه من أفعال، أما السكران المميز فيلزمه طلاقه لما عنده
(1) ابن بركة: الجامع، 179/ 2.
(2) ابن بركة: المصدر نفسه، 552/ 1. ـ ابن جعفر: الجامع، 40/ 2.
(3) الحضرمي أبو إسحاق إبراهيم مختصر الخصال، ص 146. (4) سبق تخريجه. (2/376)
صفحة 893
الفصل الثالث: القاعدة الكلية الكبرى الثالثة
377
أفعاله
كان
من العقل والتمييز). بينما ينزل غير المميز منزلة المجنون الذي تقع معراة من المقاصد، والله تعالى لا يخاطب إلا من يعقل عنه خطابه، ومن مجنوناً أو لا يعقل الخطاب لا تلزمه أحكام العقلاء (2). ويتساءل ابن بركة عن سبب تفريق الإباضية بين طلاق السكران وغيره من التصرفات، حيث ألزموه الطلاق وأبطلوا غيره، رغم أنه صدرت من شخص واحد في حالة السكر، فيقول: ولم أعلم ما وجه قول أصحابنا في تفريقهم بين طلاق السكران وغيره من النكاح والبيع والشراء مع استواء حكم الظاهر في الجميع مع قولهم إن الطلاق لا يقع إلا بالنية والسكران لا نية له، والنظر عندي أن السكران الذي معه تمييز أن الأحكام تلزمه في كل شيء؛ لأنه يفعل ما يفعله بقصد لما عنده من التمييز، وأما السكران الذي لا تمييز معه، كالمجنون الملقى
6
في قارعة الطريق والساقط على المزبلة فسبيله عندي سبيل المجنون» (3). وهذا وقد سبق لأبي المؤثر (4) أن أكد هذه الحقيقة، وتعجب مما تعجب منه ابن بركة، فقال: «لم أعلم أن أحداً أجاز تزويج السكران، ولا بيعه ولا شراءه، ولم أعلم وجه قول أصحابنا في تفريقهم بين الطلاق وغيره من النكاح، والبيع والشراء مع استواء الحكم في الظاهر مع قولهم: إن الطلاق لا يقع إلا بنية، والسكران لا نية له ... وتابع أبو الحسن البسيوي مذهب شيخه ابن بركة، فرأى أن السكران الذي لا يعقل لا يجوز تزويجه عليه، ولو جاز، إلا أن يزيد فوق الصداق فلا يثبت عليه الزيادة، وأما السكران الذي كالميت لا إفاقة معه ولا تمييز، فلا أراه يثبت عليه التزويج»).
(1) ابن بركة: الجامع، 179/ 2 - 180.
(2) ابن بركة نفسه.
(3) ابن بركة: الجامع، 179/ 2.
(4) تقدمت ترجمته.
(5) الشقصي خميس: منهج الطالبين، 308/ 15. (2/377)
صفحة 894
378
القواعد الفقهية عند الإباضية
مجمل القول:
ويفهم من عبارة أبي الحسن البسيوي أنه وافق ابن بركة في جعل السكران نوعان نوع يميز ما يقول، فهذا يجوز تزويجه، ونوع لا يميز، فهو كالميت فاقد للوعي، فتزويجه باطل؛ لأنه لا يعي ما يقول، وفعله يفتقر إلى النية والقصد.
وهكذا يمكن أن يستخلص من عبارة ابن بركة: أن السكران بعد تعاطيه
المسكر يمر بمرحلتين:
الأولى:
يصبح فيه مميزاً؛ لأن تأثير السكر لم يتمكن فيه، ففي هذه الحالة
تلزمه تبعات أقواله وأفعاله.
والثانية: فإن مادة السكر تشتد فيه وتتمكن منه، فيفقد أعصابه وتوازنه ويصبح يهرف بما لا يعرف ويصير كالمجنون فاقد التمييز، وفي هذه الحالة لا يُحكم على أفعاله وأقواله وتصرفاته، وهذا ما ألمح إليه أبي الحسن البسيوي، ويؤيد هذا الاتجاه ما نقله السيوطي في «الأشباه والنظائر» عن الإمام الشافعي فيقول: «الشارب له ثلاثة أحوال:
أولها هزة ونشاط يأخذه، إذا دبّت الخمر فيه ولم تستؤل عليه بعد ولا يزول العقل في هذه الحالة بلا خلاف فهذا ينفذ طلاقه وتصرفاته لبقاء
عقله.
الثانية: نهاية السكر، وهو أن يصير طافحاً ويسقط كالمغشي عليه، لا يتكلم ولا يكاد يتحرك، فلا ينفذ طلاقه ولا غيره؛ لأنه لا عقل له.
الثالثة: حالة متوسطة بينهما، وهو أن تختلط أحواله، ولا تنتظم أقواله وأفعاله، ولا يبقى تمييز وفهم وكلام فهذه الثلاثة سكر وفيها القولان، وما ذكره في الحالة الثانية تابعه عليه الغزالي وجعلا لفظه كلفظ النائم).
(1) السيوطي: الأشباه والنظائر، ص 291. (2/378)
صفحة 895
الفصل الثالث: القاعدة الكلية الكبرى الثالثة
379
الرأي المختار:
يبدو بعد النظر في الأقوال المتقدمة وأدلتها أن ما ذهب إليه الجمهور هو الرأي الأعدل والأقرب للصواب؛ لأن نظرتهم كانت أشمل وأعمق، تتلاءم مع مقاصد الشريعة التي تدعو إلى حفظ العقل والمال، فلم تنحصر في شرط التمييز وعدمه عند السكران، بل تعدت إلى اعتبار السبب في فقدانه التمييز، فحملوه تبعات تصرفاته، زجراً له وردعاً لغيره؛ لأنه عطّل عقله الذي أنيط التكليف، فاعتبر في حكم الموجود، فلم تسقط عنه التكاليف، كوجوب الصلاة والصيام، ويلزمه ما يصدر عنه من أفعال وأقوال كالطلاق، والعتق، والأيمان،
والهبة، والإسلام؛ لأنها تصرفات تقوم على أساس الإرادة المنفردة. أما البيع والشراء والزواج، فإنها عقود تتم بين طرفين، وتحتاج إلى توافق إرادتين، ولذلك لم تلزمه، وأبطلت لئلا يستغلها بعض المحتالين للسطو على أموال الناس تحت ستار إلزام السكران تبعات سكره، والفرق بين الحالتين في غاية الجلاء). ولا شك أن في هذا الرأي رفع للحرج والمشقة عن الناس، وعن السكران أيضاً، حفاظاً على المال من الضياع، وهذا مقصد من مقاصد الشريعة الغراء.
- نقص العقل النسبي:
ذهب بعض العلماء المعاصرين إلى أن المرأة تتصف بنقص في القدرات العقلية، وذلك بحكم طغيان عاطفتها على تفكيرها، مما يحجب عنها في أغلب الأحيان منطق العقل وقوانينه، ومن أجل هذا النقص العقلي النسبي لدى المرأة خفف عنها الشارع الحكيم في جميع الأعمال التي تستدعي العقل، لاستبعاد التأثير العاطفي في أحكامها، وتصرفاتها كالولاية العامة على اختلاف مراتبها باستثناء ما يقوم منها على العاطفة، ولا يصلح إلا بها مثل: رعاية الطفولة،
(1) باجو: منهج الاجتهاد عند الإباضية، ص 622. (2/379)
صفحة 896
380
القواعد الفقهية عند الإباضية
والتعليم والتمريض، وحماية الشيخوخة، وإعانة المحتاجين، ولم شتات الأسرة تحت جناحيها؛ لأنها ـ كما هو الواقع - هي التي تجمع إن شاءت، وهي التي تفرق إن صممت. ولأجل ذلك فقط حطّ عنها الشارع الحكيم القضاء والإمامة، وكل ولاية أو عمل تفسده العاطفة، وترك لها المجال فسيحاً في التصرف المالي والأسر سري والاجتماعي، مع تحذيرها من مخاطر سلاح العاطفة الذي تمتلكه وتتفوق به وتتغلب؛ لأنه قد يستعمل ضدها فتؤسر به وتقهر، وينال من شرفها وعرضها ومكانتها بين الناس، لذا جاءت أحكام الشريعة لتحميها من ذئاب المجتمع، فحرمت النظر إليها نظرة غير بريئة، وحرمت على الأجنبي عنها ـ غير المحرم ـ أن يختلي بها؛ لأن الغواني يغرهن الثناء، والإغراء يغيب العقل أو يتعطل التفكير به، وتلتهب العاطفة فتقع المرأة ضحية بين مخالب الذئب الشره).
ومن هنا ندرك حكمة الشارع في جعل شهادة رجل واحد تعدل شهادة امرأتين فعلل ذلك بقوله: {أَن تَضِلَّ إِحْدَثَهُمَا فَتُذَكرَ إِحْدَبُهُمَا الْأُخْرَى (البقرة: 282). ويؤكد هذا النقص قوله: «النساء ناقصات عقل ودين (2). وقد اختلفت الآراء في تفسير مفهوم هذا الحديث، وأقربها أن المراد بالنقص العقلي في الشهادة والنقص الديني في الصلاة والصوم بسبب حالتي الحيض والنفاس.
(1) عمر عبد الله كامل الرخصة الشرعية، ص 142. (2) متفق عليه، رواه البخاري، كتاب الزكاة، باب الزكاة على الأقارب، رقم 1393، ومسلم، كتاب الإيمان، باب نقص الإيمان بنقص الطاعات، رقم 79، عن أبي سعيد الخدري، بلفظ: يا معشر النساء تصدقن وأكثرن الاستغفار فإني رأيتكن أكثر أهل النار» فقالت امرأة منهن جزلة وما لنا يا رسول الله أكثر أهل النار؟ قال: تكثرن اللعن وتكفرن العشير وما رأيت من ناقصات عقل ودين أغلب لذي لب منكن». (2/380)
صفحة 897
الفصل الثالث: القاعدة الكلية الكبرى الثالثة
والحاصل:
381
أن الله تعالى الذي خلق الذكر والأنثى، ليحصل بهما التكامل، وعمران الكون، قد أودع في الأول كمالاً عقلياً ونقصاً عاطفياً ـ في حدود النسبة طبعاً، وأودع في الثاني كمالاً عاطفياً ونقصاً عقلياً، وهذه التركيبة الخلقية لا دخل ولا مشيئة فيها لأحد، وإنما هي مشيئة الخالق البارئ، وحكمته في خلقه دون سواه).
ب - النوع الثاني: النقص الجسمي:
6
تحدثنا عن النقص الحقيقي وهو إما في العقل وإما في البدن، وبلغنا إلى
النقص الجسمي، ويرجع إلى سببين:
الأول: الأنوثة، وهو نقص خلقي طبيعي.
الثاني: عاهات، وهو نقص جسمي غير طبيعي، لم يكن في أصل خلق الإنسان، كالعمى والخرس، والصمم، والشلل، وغير ذلك.
السبب الأول: الأنوثة:
الأنثى خلاف الذكر، وهي نوع من الحيوان المتناكح، وقد قالوا إن الأنثى من جميع الحيوان تضعف عن الذكر (2).
ونظراً لاختلاف طبيعة المرأة الخلقية عن الرجل، فقد انفردت عنه بأحكام خاصة، منها ما يتعلق بتكوينها الطبيعي الذي خلقها الله تعالى بوجه عام، وبعضها يتعلق بأسباب خاصة بها تتعلق بهذا التكوين، كالحيض والنفاس والحمل والإرضاع، ونظراً لما يلحق المرأة من مشاق وحرج بسبب هذه الحالات، فقد شرع الله لها أحكاماً مخففة تراعي حالتها، وفيما يأتي بيان ذلك:
(1) عمر عبد الله كامل: المرجع نفسه.
(2) المناوي: التوقيف على مهمات التعاريف، ص 303. (2/381)
صفحة 898
382
القواعد الفقهية عند الإباضية
أولًا: أحكام تتعلق ببنية المرأة وتركيبها الجسماني الضعيف بالقياس إلى الرجل، ويتصل كذلك بوضعها الاجتماعي بعدم مخالطتها الرجال، وحضورها المجالات التي يحضرونها غالباً، خشية الفتنة والتعرض لما يضرها، وبالبناء الخُلقي للمجتمع المسلم، ولهذا لم تكلف بالجهاد، ولا بصلاة الجمعة، وصلاة الجماعة، ولا الجزية، وتحمل العقل (1) وغيرها، تخفيفاً عنها (2). ومنعها من السفر إلا مع زوجها أو ذي رحم محرم؛ صيانة لها من الاعتداء والتعرض لما يشين، ولهذا لم يجب عليها الحج من دون وجوده (3).
ولا تكلف الحضور للدعوى في المحاكم إذا كانت مخدرة، ولا إذا توجب عليها اليمين بل يحضر إليها القاضي، فيُحلفها أو يبعث إليها نائبه (4). وأجاز لها في الحج لبس المخيط وستر الرأس والوجه، إذا خافت معه الفتنة من جمالها، ومنعها من تقبيل الحجر أو استلامه، أو التقرب من البيت إلا عند خلو المطاف من الأجانب، ومثل ذلك المواضع التي تخشى بها الفتنة والتعرض بالمرأة، وفي كل ذلك حفظ لكرامتها، ودفع لمشقة المضايقات في الكشف عن مواضع الفتنة والزينة فيها).
وأباح لها بحكم طبيعتها وغريزتها الأنثوية، التزين ولبس الذهب والحرير،
والخضب بالحناء، وغير ذلك من الأمور الممنوعة على الذكور).
(1) العقل: أي تحمل الدية، وإنما يكون تحملها على الرجال من قرابة الجاني من أبيه لا على النساء والصبيان. ينظر: الراشدي، محمد محقق كتاب جواهر القواعد، لسفيان الراشدي،
ص 127.
(2) الراشدي سفيان: جواهر القواعد، ص 127. - الجيطالي قواعد الإسلام، 357/ 1. الحضرمي أبو إسحاق، مختصر الخصال، ص 72 - ابن بركة: الجامع، 483/ 2.
(3) الشماخي عامر: الإيضاح، 232/ 3.
(4) السيوطي: الأشباه والنظائر، ص 315.
(5) الشماخي: الإيضاح، 253/ 3.
(6) السيوطي الأشباه والنظائر، ص 260. ـ ابن نجيم: الأشباه والنظائر، ص 82. (2/382)
صفحة 899
الفصل الثالث: القاعدة الكلية الكبرى الثالثة
383
وقد تختلف وجهات النظر في تفاصيل بعض الأحكام المتعلقة بها، ولكن الذي يبدو لنا أن هذه الأحكام ينبغي أن يلاحظ فيها ما يأتي بوجه عام: 1 - مراعاة جانب الضعف والليونة في المرأة، وعدم تكليفها بما هو شاق عليها، ولا تستطيع فيه مجاراة الرجال في القوة البدنية. 2 - مراعاة الجانب الأنثوي فيها، وانجذاب الذكور إليها، مما يقضي أحكاماً تبعدها عن تعريض نفسها إلى الرجال بالكشف عن مفاتنها، والاختلاط بهم ومزاحمتهم، سواء كان الأمر في العبادات أو في غيرها، الأمر الذي
ينبني عليه التخفيف عنها في الأحكام المبنية على تلك الأمور. - مراعاة الغريزة الأنثوية فيها بالسماح لها باللباس والتزين بما لا يجوز للذكور، وعدم إظهار ذلك للأجانب، وفق الضوابط الشرعية). ثانياً: أحكام تتعلق ببعض خصائص الأنوثة ذات الأسباب الخاصة، وهي الحيض والنفاس، والحمل والرضاع، وفيما يأتي بيانها.
أ - الحيض والنفاس
الحيض في اللغة: السيلان والانفجار، والفيض، يقال: حاض الوادي إذا سال، وحاضت الأرانب إذا سال منها الدم، ولا يكون الحيض إلا الدم الفائض من الفرج).
وفي الشرع: عرفه الجيطالي بقوله: «إنه الدم الخارج من المرأة اليافعة ومن فَوقَها في السن، إلى نهاية تقصر عن سن اليائسة، في مدة عشرة أيام عند الإباضية وخمسة عشر يوماً عند الجمهور فما دونها إلى ساعة، من غير ولادة ولا مرض.
ذكر اليافعة احترازاً عن من قصر سِنُّها عن ذلك، كبنت خمس أو ست
(1) الباحسين: قاعدة المشقة، ص
(2) الشماخي: الإيضاح، 178/ 1. - أطفيش: شرح كتاب النيل، 200/ 1. (2/383)
صفحة 900
384
القواعد الفقهية عند الإباضية
سنين، إذ ذاك مرض وليس بحيض، وكذلك بنت السبعين والثمانين، وباقي الحد في احتراز عن النفاس والاستحاضة» (1).
والنفاس: ولادة المرأة، يقال: نفُست المرأة فهي نفساء، إذا وضعت (2). وهو في الاصطلاح: الدم الخارج بسبب الولادة).
وهذان السببان أو الوصفان لا يسقطان أهلية الوجوب ولا أهلية الأداء؛ لبقاء الذمة والعقل، وقدرة البدن ولكنها قدرة ضعيفة بسبب ما يلحق الحائض والنفساء من الضعف والعناء، بسبب خروج الدم، ولهذا فإن تأثيره كائن في المجال الذي يحصل لهما بسبب القيام به مشقة، وذلك يتحقق في العبادات البدنية، كالصلاة والصوم والحج). ويعلل بعض العلماء التخفيف في تلك العبادات، سواء كان بالإسقاط أو
(4)
مجال
التأجيل، بسبب انتفاء الطهارة التي هي شرط للصلاة والصوم). ولعل الصوم يُلحق مشقة زائدة بالحائض، نظراً لما تفقده من الدم المنهك للصحة العامة، وقد يسبب فقر الدم إذا كان شديداً، الأمر الذي يستلزم التعويض عن ذلك بالغذاء). ولهذا السبب أسقط عنها طواف الوداع، إذا أكملت مناسك الحج أو العمرة، ثم حاضت على رأي من قال بالوجوب.
(1) الجيطالي: قواعد الإسلام، 207/ 1 - أطفيش: شرح كتاب النيل لعبد العزيز الثميني،
202 - 201/ 1
(2) ابن منظور لسان العرب مادة: «نفس»، 238/ 6.
(3) الجيطالي: قواعد الإسلام، 217/ 1. - الشماخي الإيضاح، 1/ 180.
(4) السالمي: شرح الطلعة، 252/ 2.
(5) السالمي: نفسه.
(6) كامل موسى الحيض وأحكامه الشرعية، ص
90
(7) ابن حجر فتح الباري على صحيح البخاري، 585/ 3. وقد ثبت ذلك بنص الحديث الذي رواه البخاري، فعن ابن عباس قال: «أُمر الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت إلا أنه
خُفِّف
عن الحائض». (2/384)
صفحة 901
الفصل الثالث: القاعدة الكلية الكبرى الثالثة
385
وإذا كان الأداء متعذراً لزوال شرطه، فإن القضاء لا يجب إلا فيما لم يكن في قضائه مشقة وحرج، وإذا لم يجب القضاء للسبب المذكور، سقط الوجوب عليهما، فالصلاة يتحقق فيها ذلك لدخولها في حد الكثرة؛ لأن أقل الحيض عند الإباضية ثلاثة أيام، وأكثره عشرة أيام، وأقل النفاس عندهم عشرة أيام، وأكثره أربعون يوماً عند جمهورهم، إلا أن يرى الطهر قبل ذلك (2). والحرج والمشقة مدفوعان شرعاً، وأما الصيام فلا تتحقق المشقة بقضائه؛ لأن الحيض لا يستوجب الشهر، والنفاس يندر فيه، والمشقة في المقضي لا تزيد على المشقة في حالة الأداء، وليس في الصوم التكرار الذي في الصلاة، وإذ لا يجب إلا مرة واحدة في السنة وكذلك قضاء ركعتي الطواف فإنها تكون كالصوم، لعدم المشقة فيها لعدم تكرارها، ومثل الصوم الطواف بالبيت والاعتكاف (3).
الصيام
هذا ويترتب على زوال شرط الصلاة أحكام فرعية كثيرة، كعدم دخول المساجد، وعدم جواز تلاوة القرآن ومس المصحف، وغير ذلك من الأحكام.
السبب الثاني: النقص الجسمي غير الطبيعي:
والمقصود من غير الطبيعي، ما لم يكن في أصل خلق الإنسان، قال تعالى: {لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ} (التين (4)، فهو خلل أو عيب يحصل
(1) رواه الربيع بن حبيب في مسنده، رقم 541، عن أنس قال الجيطالي: «والمشهور عند أكثر أصحابنا (الإباضية) الربيع بن حبيب وموسى بن علي ومحمد بن عبد الله الحضرمي وغيرهم». ينظر الجيطالي قواعد الإسلام، 203/ 1. - الشماخي: الإيضاح، 192/ 1 - 193. الكدمي: المعتبر، 61/ 3 - 62. (2) الجيطالي: المصدر نفسه، 217/ 1. روي مثل هذا في حديث أم سلمة قالت: «كنا نقعد في النفاس على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أربعون يوماً، إلا أن نرى الطهر قبل ذلك» رواه أبو داود، كتاب الطهارة، باب المستحاضة يغشاها زوجها رقم 312، والحاكم في المستدرك، كتاب الطهارة، رقم 622، وقال: حديث صحيح الإسناد. ووافقه الذهبي.
(3) السالمي: طلعة الشمس، 252/ 2 - 253. (2/385)
صفحة 902
386
القواعد الفقهية عند الإباضية
في بعض أعضاء الجسم يمنع الشخص من القيام بالوظيفة التي يؤديها ذلك العضو عند سلامته، وهو يقتضي التخفيف والتيسير في مجال عمل العضو
غير السليم. وينبغي أن يدخل في هذا المجال كل مصاب بآفة جسمية تمنعه من القيام بالأعمال، كما يقوم بها الشخص السليم، كالأعمى، والأخرس، والأصم، والأعرج، والأقطع، وغيرهم ممن يفتقدون بعض حواسهم، مما يجعلهم أنقص من الشخص العادي، وكل هذه الأمور تقتضي التيسير في نطاق ما يتعلق بها كما ذكرنا، ونظرا لتنوع هذا النقص وكثرة أنواعه، فإننا سنكتفي بالكلام عن بعضها تاركين الكثير منها لتقاس على ما يذكر، وفقاً
لما تؤديه من الوظائف.
1 ـ أحكام الأعمى:
الأعمى من فقد بصره والمرأة عمياء، والجمع عُمْي، وهو لا يقع إلا على العينين، ويستعار للقلب كناية عن الضلالة والعلاقة عدم الاهتداء في كل
منهما (1).
والعمى صفة نقصان الكائن الحي الذي من شأنه أن يبصر؛ إذ إن عدم القدرة على استعماله حاسة البصر، وهي العينان يجعله بمرتبة أقل من مرتبة البصير القادر على ذلك، مما يترتب عليه إعفاؤه والترخيص له فيما يعتمد في فعله على العينين، ولا يعني ذلك نقصانه في المجالات الأخرى، وقد اهتم العلماء بأحكام الأعمى فذكر ما يصح منه وما لا يصح، وما يجوز وما لا يجوز (3).
- ومن التيسيرات
بسبب
هذا النقص: إعفاؤه من الجهاد، ومن الاجتهاد في
(1) الفيومي: المصباح المنير المطبعة الميمنية، مصر 1306 هـ، 36/ 2. (2) السيوطي: الأشباه والنظائر، 273. - وابن نجيم: الأشباه والنظائر، ص 314. (2/386)
صفحة 903
الفصل الثالث: القاعدة الكلية الكبرى الثالثة
387
تحديد القبلة، وجواز وطئه زوجته اعتماداً على صوتها، وعدم وجوب الجمعة والحج عليه إن لم يجد قائداً، وجواز التقليد في أوقات الصلاة، ولا سيما الفجر والمغرب ومنع من طائفة كثيرة من الأمور، إما لاحتمال عودها عليه بالضرر لجهالته بها، أو لاحتمال عودها على غيره بذلك، كالإمامة العظمى، والحضانة، واختلف في طائفة من أحكامه، ومرد هذا الاختلاف هو النظر في هل يستطيع أن يؤدي ذلك العمل بكفاية البصر أو لا؟ وكل ذلك عائد إلى مصلحته أو مصلحة غيره، ودفع الضرر عنهم
2 ـ أحكام الأخرس: ومما يدخل في النقص أيضاً: الأخرس، وهو من انعقد لسانه عن الكلام خلقة (2)، وهذا النقص لا يخل بالأهلية، فتجب له وعليه الحقوق والواجبات، ونظراً إلى حاجته إلى التعبد والتعاقد بالبيع والشراء، والنكاح وسائر المعاملات، فقد خَفَّف عنه الشارع في بعض الأحكام، فقبلت منه الكتابة والإشارة، وفي كل أمر بحسبه، قال السيوطي (ت: 911 هـ) «الإشارة من الأخرس معتبرة وقائمة مقام عبارة الناطق في جميع العقود، كالبيع، والإجارة والهبة والرهن، والنكاح والرجعة والظهار، والحلول، كالطلاق والعتاق، والأداء وغيرها، كالأقارير والدعاوى واللعان، والقذف
والإسلام» (3).
واستثنيت
من
ذلك قواعد منها:
ذلك طائفة من الأحكام لأسباب تخصها، وقد بنيت على
(1) السيوطي: المصدر نفسه، 272 - 275. (2) ابن منظور: لسان العرب، مادة: «خرس»، 62/ 6 - 63. ـ أنيس إبراهيم وجماعته، المعجم الوسيط، وفيه إضافة ـ أو عيّاً ـ أي الأخر، هو من انعقد لسانه عن الكلام خلقة أو عيَّا.
226/ 1
(3) السيوطي: الأشباه والنظائر، ص 338. - وينظر: ابن نجيم الأشباه والنظائر، ص 343. (2/387)
صفحة 904
388
القواعد الفقهية عند الإباضية
«الإشارة المعهودة للأخرس كالبيان باللسان» (1)، و «إشارة الأخرس تقوم مقام نطقه» (2)
سئل السالمي عن الأخرس هل تصح ملاعنته لزوجته بالإشارة؟ وهل الإشارة في شيء من المواضع أحكام؟
فأجاب: «أما اللعان فلا يثبت؛ لأنه متوقف على شهادة مخصوصة تقوم مقام الأربعة شهود، مختومة بدعاء مخصوص إن كان من الكاذبين، كما بين ذلك ربنا تبارك وتعالى في أول سورة النور (3)، والإشارة لا تفيد شيئاً من ذلك، فلا يثبت بها اللعان، وإنما اعتبار الإشارة في غير ذلك من الأحكام، فنعم ورد
6
لها اعتبار في مواضع. قال ابن عمر قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يعذب الله بدمع العين ولكن يعذب بهذا» (4)، وأشار إلى لسانه.
وقالت أسماء صلَّى نبي الله صلى الله عليه وسلم في الكسوف، فقالت لعائشة ما شأن الناس - وهي تُصلي - فأومأت برأسها إلى الشمس، فقلتُ آية؟ فأومأت برأسها أي نعم).
(1) يراجع: بكلي عبد الرحمن، محقق كتاب النيل، لعبد العزيز الثميني: جدول المسائل المعتبرة كقواعد أو ضوابط فقهية. 1100/ 3. وينظر: ابن نجيم، الأشباه والنظائر، ص 343، علي حيدر، درر الأحكام، 62/ 1. والمادة 70 من مجلة الأحكام العدلية، بصيغة «إشارة الأخرس المعهودة كالبيان باللسان.
(2) ابن قدامة: المغني، 566/ 3. - ابن القيم: بدائع الفوائد، 471/ 4. ـ الزركشي: المنثور في القواعد، 164/ 1.
(3) يشير إلى قوله تعالى في آية اللعان: {وَالْخَمِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِن كَانَ مِنَ الْكَذِبِينَ (سورة
النور: 7).
(4) متفق عليه، رواه البخاري، كتاب الجنائز، باب البكاء عند المريض، رقم 1242، ومسلم، كتاب الجنائز، باب البكاء على الميت رقم 924، عن ابن عمر.
(5) رواه البخاري، أبواب السهو، باب الإشارة في الصلاة، رقم 1178، بلفظ: «دخلت على عائشة وهي تصلي قائمة والناس قيام فقلت: ما شأن الناس؟ فأشارت برأسها إلى السماء، فقلت: آية؟ فقالت برأسها: أي نعم». (2/388)
صفحة 905
الفصل الثالث: القاعدة الكلية الكبرى الثالثة
389
وقال أنس: أومأ النبي صلى الله عليه وسلم بيده إلى أبي بكر أن يتقدم)، وقال ابن عباس: «أومأ النبي صلى الله عليه وسلم لأخرج» (2). وقال ابن عباس: طاف رسول الله صلى الله عليه وسلم على بعيره، وكان كلما أتى على الركن أشار إليه وكبَّر (3). وقال أنس بن مالك: عدا يهودي على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم جارية فأخذ أوْضاحاً (4) كانت عليها ورضخ رأسها، فأتى بها أهلها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي في آخر رمق وقد أصمتت، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم «من قتلك؟» فلان لغير الذي قتلها، فأشارت برأسها أن لا قال فقال لرجل آخر غير الذي قتلها، فأشارت أن لا، فقال (ففلان لقاتلها، فأشارت أن نعم، فأمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم فرضخ رأسه بين حجرين). قال السالمي معقباً على النصوص المتقدمة: وفي الإشارة أحاديث أُخرى تدل على اعتبارها في كثير من المواضع، وإذا عرفت أن المقصود من وضع وفهم المعاني تحققت اعتبار الإشارة في معناها؛ لأن الغرض الدلالة على المراد، وقد تحصل تلك الدلالة باللفظ وبالإشارة، وإذا اعتبرت الإشارة من الإنسان الناطق فمن باب أولى تُعتبر من الأخرس؛ لأنه لا وسيلة له للتعبير إلا الإشارة».
الألفاظ
(1) رواه البخاري، كتاب الجماعة، والإمامة باب أهل العلم والفضل أحق بالإمامة، رقم 649، عن أنس.
(2) رواه البخاري، كتاب العلم باب من أجاب الفتيا بإشارة اليد والرأس، رقم 84، عن ابن عباس. (3) رواه البخاري، كتاب الطلاق، باب الإشارة في الطلاق والأمور ـ حديث: 4991 عن ابن عباس. مسند أحمد بن حنبل - و ومن مسند بني هاشم مسند عبد الله بن العباس بن عبد المطلب
حديث: 2309
(4) الأوضاح: حلي من فضة كانت على الجارية. (5) متفق عليه، رواه البخاري، كتاب الطلاق، باب الإشارة في الطلاق والأمور، رقم 4989، ومسلم، كتاب القسامة والمحاربين باب ثبوت القصاص في القتل بالحجر، رقم 1672،
:
عن أنس ينظر السالمي العقد الثمين، 343/ 4 - 344.
(6) السالمي: العقد الثمين، 345/ 4. (2/389)
صفحة 906
390
القواعد الفقهية عند الإباضية
وأما الكتابة فهي كالإشارة بل هي أولى منها في الدلالة على مراد الأخرس، وقد اعتد الإباضية وسائر المذاهب بإشارة الأخرس وكتابته، قال الشقصي: وأما الأخرس إذا أراد أن يتزوج، فإذا كان يعقل بالإشارة كان تزويجه وقبوله
بالإشارة» (1).
وقال النووي (ت: 676 هـ): قال أصحابنا (الشافعية): يصح بيع الأخرس وشراؤه بالإشارة المفهومة وبالكتابة بلا خلاف للضرورة، قال أصحابنا: ويصح بهما جميع عقوده وفسوخه، كالطلاق والعتاق والنكاح والظهار، والرجعة والإبراء، والهبة، وسائر العقود والفسوخ ونحوها (3).
والاعتداد بالإشارة وكتابة الأخرس واضح التخفيف، ورفع الحرج والمشقة عنه؛ لأنه إنسان ذو أحاسيس ورغبات وعواطف وغرائز، ويقتضي الاعتداد بها لتحقيق مصالحه ودفع المشقة عنه.
ـ أحكام ذوي نقص آخرين:
ومما يدخل في النقص أمور كثيرة غير ما تقدم: كالأعرج والأقطع والأصم وغيرهم، وقد عُفي عنهم في الجهاد، وفي جميع الأعمال التي تقتضي استعمال الأيدي والأرجل أو إحداهما، وفي الكتاب العزيز: {لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَرُ وَمَن يَتَوَلَّ يُعَذِّبْهُ عَذَابًا أَلِيمًا} (الفتح: (17)، قال الآلوسي (ت: 1270 هـ) في بيان مدلول هذه الآية: يريد التخلف عن الغزو من العذر والعاهة، وفي نفي الحرج عن كل الطوائف المعدودة مزيد اعتناء بأمرهم، وتوسيع لدائرة الرخصة» (4).
(1) الشقصي: منهج الطالبين وبلاغ الراغبين، 306/ 15.
(2) النووي: المجموع، 171/ 9.
(3) الباحسين قاعدة المشقة، ص 108.
(4) ابن بركة: الجامع، 483/ 2. - الآلوسي أبو الثناء محمود بن عبد الله الحسيني الملقب بشهاب
الدين، روح المعاني 105/ 26. (2/390)
صفحة 907
الفصل الثالث: القاعدة الكلية الكبرى الثالثة
391
وذكر الشماخي في سياق حديثه عن العاجز في تطهير نفسه بالماء، لعلة فيه أو تشوه في أعضائه، فيبين أن كل من لا يصل إلى الطهارة فإنه يتيمم، مثل: المجبوب والمستأصل إن لم ينقطع البلل منهم، وكذلك الأقلف البالغ في الأيام التي يعذر فيها، والعفلة وصاحب البواسير، وروي أن عمر بن الخطاب الله جرحه أبو لؤلؤة عبد المغيرة، فضرب التيمم).
(1)
ثم رَدَّ على من قد يعترض عليه، أليس كل ما ينقض الوضوء ينقض التيمم؟ قيل له: نعم إذا كان صحيحاً، وأما المريض فلا؛ لأن الله أباح للمريض التيمم عموماً، وهذا عاجز عن الوضوء لأنه لا تيمم له (2). فهنا نلاحظ أن الشارع خفف على أصحاب الأعذار، فأباح لهم التيمم
لمشقة الوضوء. ومن التخفيفات التي رخص فيها الشارع لمن لا يقدر على استعمال الماء للطهارة إلا بمشقة، أو بمساعدة غيره أنه أجاز له الصلاة ولو مع بقايا
النجاسة.
يقول أبو إسحاق الحضرمي: «والرجل تكون بفرجه أو دبره نجاسة فلا يستطيع أن يزيلها عنه من غير مرض، ومثال ذلك أن يكون بيده شلل أو قطع، أو علة تمنعه من الاستعمال، ولا له زوجة ولا مملوكة يحل لها وطؤها،
(1) اختلفت الرواية عن عمر في تيممه أو توضئه، فابن أبي شيبة يروي في المصنف، كتاب المغازي، ما جاء في خلافة عمر، رقم 37074، 439/ 7، يقول: «وقيل لعمر الصلاة فصلى وجرحه يثعب وقال: لا حظ في الإسلام لمن لا صلاة له فصلى ودمه يثعب». وابن سعد يروي في الطبقات، ذكر استخلاف عمر 349/ 3، قال: لما طعن عمر حمل فغشي عليه فأفاق فأخذنا بيده، قال: ثم أخذ بيدي فأجلسني خلفه وتساند إلي وجراحه تشعب دماً إني لأضع إصبعي هذه الوسطى فما تسد الرتق فتوضأ ثم صلى الصبح فقرأ في الأولى والعصر وفي الثانية قل يا أيها الكافرون». وبين الروايتين اختلاف في الإمام بين عبد الرحمن وعمر. لكن الروايات الموجودة بين أيدينا لم تذكر التيمم.
(2) الشماخي: الإيضاح، 39/ 1.
عمر (2/391)
صفحة 908
392
القواعد الفقهية عند الإباضية
ولا يستطيع إزالتها عنه من ذلك الموضع، وكذلك المرأة إذا كانت كذلك وليس معها زوج، ولا تستطيع إزالتها عنها من ذلك الموضع).
2 - القسم الثاني: النقص الحكمي أو الاجتماعي (الرق) وهذا النوع من النقص أثبته الشارع على نوع من الناس، لا لنقص في عقولهم ولا في أجسامهم، ولكن لاعتبارات شرعية معينة، ويدخل تحت هذا القسم من النقص: الرق.
والرق في اللغة: الضعف، يقال ثوب رقيق، أي ضعيف النسيج، ومنه رقة القلب. وفي اصطلاح الفقهاء: هو عجز حكمي في الأصل جزاء عن الكفر، أما أنه عجز؛ فلأنه لا يملك ما يملكه الحر من الشهادة والقضاء وغيرهما، وأما أنه حكمي؛ فلأن العبد قد يكون أقوى في الأعمال من الحر حسيا). وهو عند البعض عجز حكمي لا يقدر صاحبه على التصرفات والولايات (3). وسمي بالرق الاجتماعي كذلك ويراد به وضع مخصوص، كوضع الأرقاء وما يفرض عليهم من أن يكونوا في خدمة المالكين لرقابهم، بإزاء ما هو مفروض عليهم من واجبات شرعية قد يشق عليهم تأديتها، كالأحرار
الذين قدروا عليها؛ لأنهم يملكون أنفسهم ويتصرفون في أوقاتهم. وهذا النقص الحكمي في العبد جعله الشارع سبباً من أسباب التيسير والتخفيف؛ وذلك لأن العبد ليس ملك نفسه، وإنما هو مشغول بخدمة سيده، وليس له حق التصرف في طائفة من الأمور، كما هو الشأن في الحر إلا بإذن سيده).
(1) الحضرمي أبو إسحاق: مختصر الخصال، ص 64.
(2) الجرجاني: التعريفات، ص 123.
(3) الأحمد نكري، عبد النبي عبد الرسول: جامع العلوم (دستور العلماء)، طبع مؤسسة للمطبوعات، 1395 هـ / 1975 م، أوفست عن طبعة حيدر آباد الركن. 142/ 1.
(4) عمر عبد الله كامل الرخصة الشرعية، ص 144.
(5) الباحسين: قاعدة المشقة، ص 110
الأعلمي (2/392)
صفحة 909
الفصل الثالث: القاعدة الكلية الكبرى الثالثة
393
3
- القسم الثالث: النقص المالي:
ويراد به الإعسار والعجز عن أداء الحقوق المالية، وصاحب هذا النقص سماه القرآن: {ذُو عُسْرَة} (البقرة: 280). فقال عل: {وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إلى ميسرة} (البقرة: 280). مَيْسَرَةِ
تحوم
والإعسار المالي عذر شرعي، له أثره في تخفيف الأحكام على المفلس. وفي بيان من هو المعسر، اختلفت أنظار الفقهاء، فمنهم من قال: هو الذي يحل له أن يأخذ الصدقة ولا تجب عليه الزكاة ومنهم من قال: هو الذي يستحق أن يعان ولو من مال الصدقة؛ لأنه لا مال له ولو كان له دار يمتلكها. والإفلاس: هو عدم المال، وللتفليس أحكام مبسوطة في كتب الفروع (1) كلها أو جلها حول استرداد حق الغير، مع وصية القرآن والسنة في الرفق بالمعسر والتخفيف عنه، وندب الشارع التصدق عنه، قال تعالى: {وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَن تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ وَأَن تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ} (البقرة: 280). السنة الصحيحة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من أنظر معسراً أو وضع وجاء في أظلّه الله ظله» (2). في وقال: «من نفس عن غريمه أو محا عنه كان في ظل العرش يوم القيامة» (3)، والأحاديث في هذا الباب كثيرة ومن طرق متعددة، وقد اعتبرت
عنه
(1) الحضرمي: المختصر، ص 144 - 145. - الثميني عبد العزيز: كتاب النيل، 3/ 844 - 845. ابن جعفر: الجامع تحقيق جبر الفضيلات ط 1، 1415 هـ / 1995 م، 138/ 5. (2) رواه مسلم، کتاب الزهد والرقائق، باب حديث جابر الطويل، رقم 3006. أخرجه الحاكم في المستدرك على الصحيحين ـ كتاب البيوع وأما حديث إسماعيل بن جعفر بن أبي كثير - حديث: 2166 عن عبادة بن الصامت قال الحاكم: «هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه. (3) رواه الترمذي، كتاب البيوع، باب إنظار المعسر والرفق به رقم 1306، عن أبي هريرة، ورواه أحمد، باقي مسند الأنصار، حديث أبي قتادة الأنصاري، رقم 22612، قال الترمذي: حديث حسن صحيح غريب. (2/393)
صفحة 910
394
القواعد الفقهية عند الإباضية
الشريعة الإعسار المالي عذراً يجلب التخفيف للمعسر فيما عليه من حقوق مالية أوجبها الله، سواء كانت عبادة كزكاة المال وزكاة الفطر، والحج، والأضحية، ونفقة الجهاد، أو كانت عقوبة مثل الكفارات والديات، أو كانت عِوَضاً عن غير مال كالنفقات الواجبة، ونفقات الصلة على الأقارب، وأجرة الإرضاع والحضانة والصداق.
والتخفيف في هذه الواجبات المالية يكون بالإسقاط فيما تمخض الحق فيه الله تعالى مثل: العبادات كالزكاة والحج، والأضحية، ومثل الواجبات المشروطة باليسار كالنفقة الواجبة لغير الزوجة، ويكون بالإنظار والتأجيل فيما هو حق للعباد، مثل: حق الزوجة في صداقها، وفي نفقتها
ولو فيما مضى
(1)
(1) عمر عبد الله كامل الرخصة الشرعية، ص 144. (2/394)
صفحة 911
المبحث الخامس
أنواع التيسيرات ومجالاتها
دأب الكاتبون في القواعد الفقهية على ذكر أنواع التيسيرات الشرعية، وكانت في الأصل نتيجة استقراء وتصنيف للتيسيرات الشرعية الموجودة بالفعل، سواء كانت مما نص عليه الشارع، أو مما ثبت باجتهاد العلماء، وليس لهذا التصنيف أهمية في ضبط المشاق، ولكنه مفيد من حيث تصنيف التخفيفات وجمع ما تشابه منها في صورة من الصور، وتشمل هذه التيسيرات مجالين من الأحكام هما:
أولاً التيسير في مجال الأحكام الأصلية
ويظهر ذلك في صور
أهمها:
أ ـ أن الشارع الحكيم لم يجعل كل مأمور به ركناً أو شرطاً، إنما جعل كثيراً من ذلك مندوباً ومستحبّاً، تيسيراً عليهم كما في قوله صلى الله عليه وسلم: «لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة).
ب ـ وربما يكون التخفيف بجعل الطاعة تشمل على الراحة النفسية والأنس، فيؤديها الإنسان مسروراً، كما في صلاة الجمعة والعيدين. ج - مراعاة بعض الطبائع النفسية والعادات الاجتماعية، كأن يكون صاحب
(1) سبق تخريجه. (2/395)
صفحة 912
396
القواعد الفقهية عند الإباضية
البيت أحق بالإمامة)، وجعل سبع ليال للعروس إن كانت بكراً، وثلاثاً إن كانت ثيباً، ومن ذلك ما ورد من النهي عن إمامة الرجل لقوم وهم له كارهون).
ثانياً: التيسير في مجال الأحكام الطارئة:
قسم الفقهاء الرخص الشرعية التي ورد فيها التخفيف إلى ثمانية أنواع:
1 - رخصة الإسقاط (تخفيف الإسقاط):
ومن
أمثلة هذا النوع: إسقاط العبادات عند وجود أعذارها، كإسقاط الصلاة عن الحائض والنفساء، وإسقاط الجمعات والصوم، وعدم وجوب الحج عمن لم يجد له طريقاً إلا البحر، وكان الغالب عدم السلامة، وعدم وجوب الحج
على المرأة إذا لم تجد مخرماً، وإسقاط الجهاد كذلك بأعذار معروفة (3).
(1) ورد ذلك في حديث عن الشافعي في راوية أبي سعيد: وروي أن نفراً من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كانوا في بيت رجل منهم فحضرت الصلاة فقدم صاحب البيت منهم رجلاً فقال: تقدم فأنت أحق بالإمامة في منزلك تُقدم عن أبي نضرة، أن أبا سعيد مولى الأنصار دعا أبا ذر، وحذيفة، وابن مسعود فلما حضرت الصلاة تقدم أبو ذر ليصلي بهم فقال له حذيفة: تأخر يا أبا ذر. فقال أبو ذر أكذاك يا ابن مسعود، أو يا أبا عبد الرحمن؟ قال: نعم. فتأخر، قال سليمان: يعني أن الرجل أحق ببيته ورواه قتادة، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد مولى أبي أسيد قال: زارني حذيفة، فذكره وقال فيه فقال له حذيفة رب البيت أحق. وروينا معناه في الحديث الثابت، عن أبي مسعود الأنصاري الرجل أولى بالصلاة في بيته، إلا أن يأذن لمن يتقدم فجائز». معرفة السنن والآثار للبيهقي - كتاب الصلاة إمامة القوم لا سلطان فيهم ـ حديث: 1605. ورواه البيهقي في السنن الكبرى - كتاب الصلاة جماع أبواب فضل الجماعة والعذر بتركها ـ باب
من جمع في بيته حديث: 4649 عن أبي ذر الغفاري ينظر الشماخي: الإيضاح، 177/ 2. (2) رواه ابن أبي شيبة في المصنف، كتاب الصلاة، باب الإمام يؤم القوم وهم له كارهون، رقم 4112، عن سلمان. ورواه بلفظ مقارب الترمذي، أبواب الصلاة، باب فيمن أم قوماً وهم له كارهون، رقم 360، عن أبي أمامة. ورواه أبو داود، كتاب الصلاة، باب الرجل يؤم القوم وهم له كارهون، رقم 593، عن ابن عمر. وقال الترمذي: «حسن غريب». يراجع:
الشماخي: الإيضاح، 159/ 2 - 160 وغيره.
(3) الراشدي: جواهر القواعد، ص 129. (2/396)
صفحة 913
الفصل الثالث: القاعدة الكلية الكبرى الثالثة
397
—
ولتوضيح رخصة الإسقاط نورد مثالاً اختلف فيه الفقهاء، وذلك في حكم من وجد الماء بعد خروج وقت الصلاة وصلّى بالتيمم، فهل عليه القضاء،
يسقط عليه ذلك؟
اختلف الإباضية في هذه المسألة إلى رأيين:
الرأي الأول: قالوا إذا وجد الماء وقد خرج الوقت وجب عليه قضاء تلك الصلاة؛ لأنه صلاها بغير طهارة وحجتهم أنه خص الواجب بوقت، فخروج الوقت لم يسقط إلا فعله أو بدلاً منه ألا ترى إلى النائم والناسي، فإن خروج
الوقت لا يسقط عنهما فرض الصلاة.
واعترض عليهم أن النائم والناسي إنما وجب عليهما بقول النبي صلى الله عليه وسلم ولولا ذلك لكان سبيله ما لم يرد به وجوب فرص والله جل وعلا لا يفرق بين أحكام المتشابهات.
ورُدَّ عليهم: لقد رأينا من جعل له حكم الإفطار من صومه، لعجزه عن البدل، وإن خرج الوقت، بل القضاء يجب عليه مع القدرة، وكذلك يقال فيمن وجب عليه فرض الصلاة، وجب عليه القضاء إذا وجد الماء، وإن خرج الوقت.
الرأي الثاني: ذهب أصحاب هذا الرأي إلى إسقاط القضاء على من صلى بغير طهور فخرج الوقت، ثم عثر على الماء، واختار ابن بركة هذا الرأي ورجحه فقال: «وهذا القول عندي أنظر؛ لأنه صلّى كما أُمر، فوجود الماء بعد خروج الوقت لا يوجب عليه القضاء، قد زال في وقته؟ فيجب لمن صلى بغير طهور لعجزه عن الطهارة، وقد كان معذوراً أن يأتيها إذا قدر عليها، ولا فرق بين الصلاة والصوم عند من أوجب القضاء على المصلي بغير طهور مع عدم الطهارتين الماء والتراب والنظر يوجب عندي أنه لا قضاء عليه؛ لأن القضاء إيجاب لفرض ثان، ولا يجب إلا بخبر يوجبه التسليم؛ لأن الله تعالى قد فرق (2/397)
صفحة 914
398
القواعد الفقهية عند الإباضية
بين العاجزين عن الصلاة في القضاء والقياس يؤيد ما اخترناه؛ لأن القياس أن تشبه الصلاة بالصلاة أولى من أن تشبه الصلاة بالصوم، وذلك أن صحيح الله تعالى أوجب على المرأة الصلاة كما أوجبها على الرجل، كما أسقط عنها الصلاة في حال الحيض والنفاس لعجزها عن الطهارة، ثم لا بدل عليها، وكذلك يجب أن يكون الرجل تسقط عليه الصلاة بعجزه عن الطهارة، ثم لا بدل عليه، فمن شبه العاجز بالعاجز والصلاة بالصلاة، أولى ممن شبه
الصلاة بالصوم».
والحاصل: بعد التأمل في الرأيين يظهر أن ما ذهب إليه ابن بركة في إسقاط القضاء والبدل على من صلّى بدون طهور، ثم وجده بعد خروج وقت الصلاة، هو الرأي الراجح؛ لأنه الأعدل والأقرب للصواب، تطمئن إليه النفس، وتعضده الأدلة القوية التي استدلوا بها من نصوص وقياس، وفيه يسر وتخفيف على المصلي ورفع الحرج عنه؛ ولأنه لا يتصور حدوث ذلك لصلاة واحدة، فقد يتكرر ذلك أو يطول مدة فقدان الطهورين لأيام، كما يحدث للمسجون أحياناً فيضطر إلى الصلاة بدون طهارة حتى يجد الماء، فلا تسقط عنه الصلاة، وإنما يصلي حسب استطاعته وقدرته، ويسقط عنه القضاء تخفيفاً وتيسيراً عليه، وهذه من رحمة الله ولطفه بعباده، حيث يريد أن يتقربوا إليه كلما دعاهم قدرتهم؛ لأنه مطلع على أحوالهم.
2 - رخصة التنقيص (تخفيف الإنقاص):
أي إنقاص للعبادة لوجود العذر، كقصر الصلاة الرباعية إلى ركعتين في السفر، وكتنقيص ما عجز عنه المريض من أفعال الصلاة، كتنقيص الركوع
(1) ابن بركة: الجامع، 348/ 1 - 349. (2/398)
صفحة 915
الفصل الثالث: القاعدة الكلية الكبرى الثالثة
399
والسجود إلى القدر الميسور منه، كأن يأتي بركوع أو سجود غير تامين، لعجز في مفاصله، أو فقرات ظهره، فإن لم يستطع يصلي مضطجعاً أو بالإيماء، لقوله صلى الله عليه وسلم: «إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما منه ما استطعتم ..
- رخصة الإبدال (تخفيف الإبدال):
(2). (1)
الإبدال في اللغة هو: رفع الشيء ووضع غبره مكانه، ولا بد لجعل ذلك صورة من صور التخفيف وأن يكون البدل أسهل وأخف من المبدل، وإلا لم يتحقق في ذلك التيسير، والمراد به إبدال عبادة بعبادة كإبدال الوضوء والغسل بالتيمم عند عدم الماء، أو عدم القدرة على استعماله)، لقوله تعالى: {يَتأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَوَةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَأَمْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَينِ وَإِن كُنتُمْ جُنُبًا فَأَطَهَرُوا وَإِن كُنتُم مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنكُم مِّنَ الْغَابِطِ أَوْ لَمَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَأَمْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم مِّنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ ليَجْعَل عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ وَلَكِن يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} (المائدة: 6).
6
من كان قبلكم
(1) متفق عليه، هذا جزء من حديث رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة ه. صحيح البخاري ـ كتاب الاعتصام بالكتاب والسُّنَّة باب الاقتداء بسنن رسول الله صلى الله عليه وسلم - حديث: 6879 واللفظ للبخاري، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «دعوني ما تركتكم، إنما هلك بسؤالهم واختلافهم على أنبيائهم، فإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه، وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم». صحيح مسلم - كتاب الحج، باب فرض الحج مرة في العمر ـ حديث: 2456 وينظر: صحيح البخاري بشرح فتح الباري، كتاب الاعتصام 251/ 13، وصحيح
مسلم بشرح النووي، باب فرض الحج مرة بالعمر، 101/ 9.
(2) الحضرمي أبو إسحاق: مختصر الخصال، ص 88.
(3) الفيومي: المصباح المنير، ص 15.
(4) الجيطالي: قواعد الإسلام، 188/ 11. الراشدي: جواهر القواعد، ص 129. (2/399)
صفحة 916
400
القواعد الفقهية عند الإباضية
يسير
ومن
لا
يسع
أمثلة تخفيف الإبدال
يتيمم
أ ـ ما جاء في فتوى الإمام جابر بن زيد في رجل أصابته جنابة بأرض لا ماء لها، ومعه ماء يسير وخاف على نفسه العطش، قال: «فإنّ له أن صعيداً طيباً كما قال الله، فيمسح وجهه ويديه، فإن لم يخف ظمأ ومعه ماء لغسله، فإن الرجل يغسل مذاكيره، ثم يتوضأ وضوءه للصلاة، ثم يصلي، فإن بلغ الماء اغتسل). وهذا يعتبر من فقه الأولويات في المقاصد لحفظ النفس، وفيه تخفيف وتيسير على المكلف ورفع للمشقة والحرج. ب - ومن ذلك إبدال القيام في الصلاة بالقعود أو الاضطجاع للمريض، والاضطجاع بالإيماء، وإبدال الركوع والسجود بالإيماء عند عدم قال الله تعالى: {الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ} (آل عمران: 191)، وعن ابن مسعود وابن عمر الا أن الآية نزلت في الصلاة، أي قياماً إن قدروا، أو قعوداً إن عجزوا عنه، وعلى جنوبهم إن عجزوا عن القعود). ج ـ ومن ذلك إبدال العتق بالصوم في الكفارات عند فقدان الرقبة أو العجز عنها، وإبدال الصيام بالإطعام الاستطاعة، قال الله تعالى:
عند
عدم
الاستطاعة،
وَالَّذِينَ يُظَهِرُونَ مِن نِّسَابِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِّن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ * فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِن قَبْلِ أَن
يَتَمَاسًا فَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِيِّينَ مِسْكِينًا} (المجادلة: 3 - 4). د - ومن ذلك إبدال الإطعام والكسوة أو العتق عند العجز عنها، بصيام ثلاثة أيام في كفارة اليمين (3)، قال تعالى: {لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَنِكُمْ وَلَكِن
(1) جابر بن زيد من جوابات الإمام جابر، ص 20. (2) الآلوسي: روح المعاني، 158/ 4. وينظر: حديث عمران بن حصين حيث أمره النبي صلى الله عليه وسلم بذلك. وينظر لشكوى عمران من البواسير، رواه البخاري، أبواب تقصير الصلاة، باب إذا لم يطق قاعدا صلى على جنب، رقم 1066، عن عمران بن حصين. ينظر: أبو إسحاق
الحضرمي: مختصر الخصال، ص 85.
(3) الحضرمي المصدر نفسه، ص 127. (2/400)
صفحة 917
=
2.1
الفصل الثالث: القاعدة الكلية الكبرى الثالثة
(1)
يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَدتُمُ الْأَيْمَنَ فَكَفَرَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَثَةِ أَيَّامٍ} (المائدة: (89). هـ ـ ومنه إبدال صيام رمضان بالفدية بالنسبة للذين لا يطيقونه، كالشيخ الكبير، والمرأة الكبيرة، والمريض الذي لا يرجى برؤه، قال تعالى: {وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ} (البقرة: 184). وقد فسر الشماخي قوله: {يُطِيقُونَهُ} (البقرة: 184) بالذين يستطيعون مع المشقة والشدة، فأدخلوا في ذلك الحُبلى والمرضع) و - ومن ذلك إبدال بعض واجبات الحج والعمرة بالكفارات عند قيام الأعذار ()، فالقارن الحج بالعمرة فإنه يجب عليه طوافان وسعيان، ولكن من باب التخفيف والتيسير عليه رخص له الإتيان بطواف واحد وسعي واحد، وهذه المسألة محل اختلاف بين الفقهاء نقلها ابن بركة في «جامعه» فقال: اختلف أصحابنا (الإباضية) فيما يلزم القارن من الطواف والسعي، فقال بعضهم يلزمه طوافان وسعيان وبذلك يقول أبو حنيفة، وقال بعض أصحابنا يلزمه طواف وسعي لهما جميعاً»، ثم رجح أحد القولين لما فيه من اليسر ودفع المشقة عن الحاج، فقال: «والنظر يوجب عندي الأخذ بهذا القول الأخير، لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لعائشة: «يجزيك طواف وسعي (3). ومن طريق آخر أنه قال: «طوافك بالبيت وسعيك يكفيك عن حجتك وعمرتك)، وفي هذا دلالة على أن الواجب طوافان وسعيان، والرخصة
(1) الشماخي: الإيضاح، 1913 - 193. (2) الشماخي: المصدر نفسه، 3/ 268 - 269. ـ وينظر: عمروس بن فتح: أصول الدينونة الصافية، ص 112 - 113.
(3) رواه مسلم، کتاب الحج، باب بيان وجوه الإحرام، رقم 1211، بلفظ: «يجزئ عنك طوافك بالصفا والمروة عن حجك وعمرتك». دون ذكر السعي.
(4) رواه أبو داود سنن ـ كتاب المناسك، باب طواف القارن - حديث: 1634 ولفظه: عن
عائشة،
أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لها: طوافك بالبيت وبين الصفا والمروة يكفيك لحجتك وعمرتك». (2/401)
صفحة 918
402
القواعد الفقهية عند الإباضية
طواف وسعي، لقوله صلى الله عليه وسلم: «يجزيك لحجك وعمرتك طواف وسعي»، وإنما يجزي أو يكفي غير الواجب؛ لأن الرخصة هو ما يكفي عن الواجب، فالواجب غير الرخصة، ألا ترى أن الله تعالى قال: {يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} (البقرة: 183)، ثم قال: فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} (البقرة: (184)، وكان هذا هو الرخصة، وكانت الرخصة غير الواجب وهو غير ما كتب، ألا ترى أنه إذا أتى بالبدل يقال له يجزيك هذا عن الفرض، فهذا يدل على ما قلنا»).
ز ـ وقد ألحق بعض الفقهاء أموراً أخرى في هذا المجال، كالمسح على الجبيرة بدل غسل العضو المجروح، ومنها إبدال الاستنجاء بالاستجمار لمن لا يقدر على استعمال الماء في بعض الأحيان للمرض).
4 ـ رخصة التقديم (تخفيف التقديم):
وهو نقل الشيء من مكانه إلى ما قبله
6
ومن أمثلته: تقديم بعض الصلوات
لأسباب معينة، كتقديم العصر إلى الظهر والعشاء إلى المغرب، في السفر والمطر، وجوز ذلك البعض عند الخوف والمرض والضرورة).
قال الشماخي: ويجوز قران الصلاة لمعان معلومة، أحدهما: السفر لعلة التخفيف، والسُّحُب إذا غطت السماء وحال الغمام دون المواضع التي يصل فيها إلى معرفة أوقات الصلاة قياساً على السفر؛ لأن علة الجمع في السفر التخفيف من المشقة التي تلحق المسافر، وهي موجودة فيمن خفيت عليه
والبيهقي، السنن الكبرى - جماع أبواب وقت الحج والعمرة. جماع أبواب دخول مكة ـ باب المفسد لعمرته يقضيها من حيث أحرم ما أفسد وكذلك المفسد حديث: 9212.
(1) ابن بركة: الجامع، 63 - 64.
(2) الرحموني محمد الرخصة الفقهية من القرآن والسُّنَّة، ص 433.
(3) الحضرمي أبو إسحاق: مختصر الخصال، ص 78، 79 - الرحموني محمد: المرجع نفسه،
ص 436 - 437. (2/402)
صفحة 919
الفصل الثالث: القاعدة الكلية الكبرى الثالثة
403
أوقات الصلاة، وكلف الاجتهاد في معرفتها، وكذلك المريض إذا ثقل عليه المرض على هذا الحال إذ المريض أعذر من المسافر، وكذلك من له عذر بين، يُخاف منه الفؤت في الأنفس والأموال وأشباه ذلك؛ لأن الخوف له تأثير التخفيف، قال تعالى: {فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن نَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَوَةِ إِنْ خِفْتُمْ أَن يَفْيْنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا} (النساء: (101). وكان الجمع بين الصلاتين جائز تخفيفاً مثل القصر، وسواء في هذا الرجل الواحد والجماعة ... ).
في
ونقل السالمي عن محمد بن محبوب قوله: «للمريض والمستحاضة وللناس يوم المطر أن يجمعوا بين الصلاتين، وقال أبو محمد بن بركة، وكذلك المبطون عند أصحابنا للمشقة عليه في الطهارة عند كل صلاة، قال: وكل من وجد حالة تمنعه عن فعل كل صلاة في وقتها، فهو مُخيّر بين الجمع والإفراد». ـ وقد دل على التقديم في حالة السفر ما جاء عن طريق أبي الطفيل أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان في غزوة تبوك إذا زاغت الشمس قبل أن يرتحل جمع بين الظهر والعصر، وإن ارتحل قبل أن تزيغ الشمس أخر الظهر حتى ينزل العصر، وفي المغرب مثل ذلك إن غابت الشمس قبل أن يرتحل جمع بين المغرب والعشاء، وإن ارتحل قبل أن يغيب الشفق أخر المغرب حتى ينزل العشاء ثم يجمع بينهما (3).
(1) الشماخي: الإيضاح، 254/ 2 - 255. (2) السالمي: معارج الآمال، 255/ 10.
الدين
جمع
جمع
الصلاة
من العلماء، وقد
(3) سبق تخريجه قال الترمذي عن الحديث أنه حسن غريب تفرد به قتيبة، ومسألة في عرفة ومزدلفة مما اختلف فيه العلماء، كما أن. التقديم لا تراه طائفة قال أبو داود ليس في جمع التقديم حديث قائم. ينظر: ابن حجر العسقلاني أبو الفضل شهاب أحمد بن على (ت: 852 هـ): تلخيص الحبير في تخريج أحاديث الرافعي الكبير، دار المعرفة، بيروت 1384 هـ / 1964 م، تعليق: عبد الله هاشم مدني 49/ 2. وفي رواية أخرى أوردها الشماخي في «الإيضاح» عن معاذ بن جبل قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عام تبوك فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجمع بين الظهر فصلى الظهر والعصر جمعاً، ثم دخل فخرج فصلى المغرب والعشاء جمعاً. رواه مسلم كتاب الفضائل، باب في معجزات النبي، رقم 706. (2/403)
صفحة 920
404
القواعد الفقهية عند الإباضية
ومن الذين رخصوا في الجمع للمطر وقال به: ابن عمر ا وفعله أبان بن عثمان في أهل المدينة، وهو قول الفقهاء السبعة، ومالك (ت: 179 هـ)، والأوزاعي (ت: 157 هـ)، والشافعي (ت: 204 هـ)، وإسحاق (ت: 239 هـ)، وعمر بن عبد العزيز (ت: 101 هـ)، ومن الإباضية محمد بن محبوب والشماخي
وغيرهم.
ومما يدخل في هذا النوع من التخفيفات تقديم الزكاة على الحول، لحديثه له: أن العباس بن عبد المطلب (ت: 32 هـ) سأل النبي صلى الله عليه وسلم في تعجيل صدقته قبل أن تحل فرخص له في ذلك).
ومما يجوز تقديمه أيضاً صدقة الفطر - فطرة الأبدان ـ (2)، وكفارة اليمين
على الحنث لقوله صلى الله عليه وسلم: «من حلف على يمين فرأى غيرها خيراً منها، فليأت الذي هو خير، وليكفر عن يمينه» (3).
ه - رخصة التأخير (تخفيف التأخير)
الصلاة
أمثلة ومن التقديم، ومن ذلك: تأخير الصلاة لمن كان مشتغلاً بإنقاذ غريق أو إطفاء حريق، أو أي أمر يترتب عليه إنقاذ حياة إنسان أو ماله أو عرضه، كالعناية
جمع جمع تأخير لأسباب معينة، لما ذكرناه في تخفيف
(1) رواه الترمذي، كتاب الزكاة، باب تعجيل الزكاة، رقم 678، وأبو داود، كتاب الزكاة، باب في تعجيل الزكاة، رقم 1624، عن علي. قال الدارقطني اختلفوا عن الحكم في إسناده والصحيح عن الحسن بن مسلم مرسل عون المعبود، 20/ 5. ينظر: تفاصيل الكلام في هذا الشأن عند ابن حجر تلخيص الحبير، 159/ 2.
(2) الراشدي: جواهر القواعد، 192 - 193.
(3) متفق عليه، رواه البخاري، كتاب الأيمان والنذور، رقم 6248، ومسلم، كتاب الأيمان، باب من حلف يميناً فرأى غيرها خيراً منها، رقم 1652، عن عبد الرحمن بن سمرة. ينظر: ابن
نذر
حجر تلخيص الحبير 1704.
(4) الراشدي: جواهر القواعد، ص 129. (2/404)
صفحة 921
الفصل الثالث: القاعدة الكلية الكبرى الثالثة
405
بمريض يخشى عليه، أو جريح تجرى له عملية أو أي أمر من الضروريات المعروفة، ومن ذلك: تأخير صوم رمضان إلى عدة من أيام أُخر لمن كان له عذر شرعي في الإفطار (1)، قال تعالى: {فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ (البقرة: 184).
وأضاف العلائي (ت: 761 هـ) تأخبر الصلاة لدفع صائل عن نفس، أو لصلاة على ميت خيف انفجاره (2). وهذه أحوال عاجلة لا يمكن تأخيرها لما يترتب عليها من أضرار بالغة.
أنواع
6 - رخصة الاضطرار (تخفيف الترخيص: والترخيص هو التسهيل، والتيسير ومن الممكن القول إن جميع التخفيفات هي تخفيفات ترخيص؛ لأنها جميعاً مما شرعت ثانياً مبنية على أعذار العباد، وقد عُبّر عن هذا النوع بالإطلاق مع قيام المانع، أو بالإباحة مع قيام الحاظر (3).
ومما مثلوا به لهذا النوع صلاة المستجمر مع بقية آثار النجو، أي النجاسة التي لا تزول إلا بالماء للعاجز (4)، ومن ذلك شرب الخمر للغضة، أو أكل أو شرب النجاسات للتداوي، كشرب أبوال الإبل، وقد أباحه الشارع للعرنيين)،
(0)
(1) الشماخي: الإيضاح، 176/ 3. - الجيطالي: قواعد الإسلام، 97/ 2.
353
(2) العلائي: المجموع المُذهب في قواعد المذهب، ص (3) السالمي: طلعة الشمس، 2/ 216. - العز بن عبد السلام: قواعد الأحكام، 7/ 2.
(4) السالمي: معارج الآمال، 281/ 3. (5) يشير إلى حديث متفق عليه، رواه البخاري، كتاب الوضوء، باب أبوال الإبل والدواب، رقم 231، ومسلم، كتاب القسامة، باب حكم المحاربين، رقم 1671، عن أنس بلفظ: أن ناساً من عرينة قدموا على رسول الله الله المدينة فاجتووها فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم «إن شئتم أن تخرجوا إلى إبل الصدقة فتشربوا من ألبانها وأبوالها». (6) الشماخي: الإيضاح، 345/ 1 (2/405)
صفحة 922
406
القواعد الفقهية عند الإباضية
ذلك
ومن
والتلفظ بكلمة الكفر عند الإكراه (1)، وصلاة المتيمم مع الحدث، لطخات الدمامل والقروح (2)، والجناية على الإحرام، وإتلاف مال
الصلاة مع
الغير، وسائر الحقوق المحرمة.
- تخفيف التغيير رخصة التغيير)
وقد زاد العلائي (ت: 761 هـ هذا النوع من التخفيفات في قواعده» مستدركاً على الأنواع الستة السابقة التي ذكرها الراشدي في «جواهره» وغيره، قال: قلت: وبقي قسم سابع هو تخفيف التغيير، كتغيير نظم الصلاة في الخوف، فإنه مباين لما تقدم» (3)، وأشار الراشدي إلى ذلك بقوله: «وزيد سابع وهو تخفيف التغيير، ومثَّل له بصلاة الخوف» (4).
ممن
تقدمه
ومما يستفاد من عبارته أن الراشدي كغيره من الفقهاء استفاد في تأصيل القواعد الفقهية، ووظف ذلك من خلال الفروع الفقهية عند
الإباضية.
أما دليل صلاة الخوف مثل قوله تعالى: {وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلوةَ فَلْنَقُمْ طَائِفَةٌ مِّنْهُم مَّعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِن وَرَابِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ (النساء: 102). وقد شرح الفقهاء كيفية صلاة الخوف فهي مفصلة في
وَأَسْلِحَتَهُمْ
كتب الفقه (5).
(1) السالمي: طلعة الشمس، 271/ 2 - 272، 227.
(2) الراشدي: جواهر القواعد، ص 129. ـ ابن جعفر: الجامع، 283/ 1 - 284.
(3) العلائي: المجموع المذهب، ص 353.
(4) الراشدي: جواهر القواعد، ص
130
(5) الجيطالي: قواعد الإسلام، 353/ 1. - الشماخي الإيضاح، 257/ 2 وما بعدها. (2/406)
صفحة 923
الفصل الثالث: القاعدة الكلية الكبرى الثالثة
407
- رخصة التخيير (تخفيف التخيير
والمراد من التخيير: التفويض في الاختيار، فيقال: خيرته بين الشيئين، أي فوضت له الاختيار). ويتحقق هذا المعنى في كلام العلماء عن الواجب المخيَّر، وهو ما كان مأموراً به واحداً منهماً من أمور معينة، أي إن الشارع خير المكلف وفوّضه بأن يأتي واحداً منها مثل كفارة اليمين، خير الشارع فيها المكلف، وفوّضه بأن يأتي بأحد ثلاثة أشياء: الإطعام أو الكسوة أو تحرير رقبة). قال تعالى: {لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَنِكُمْ وَلَكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَدتُمُ الْأَيْمَنَ فَكَفَرَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَثَةِ أَيَّامٍ} (المائدة: (89).
والتخفيف في ذلك واضح؛ لأن تخيير المكلف بين أمور متعددة أخف عليه من إلزامه بشيء واحد، وليس هذا من تخفيف الإبدال لاختلافه عنه، ولم أعثر عند الإباضية ولا في غيرهم من ذكر تخفيف التخيير بأنه نوع من أنواع التخفيفات، إلا واحداً من الفقهاء المعاصرين، فرأيت أن أتابعه في اختياره، وأضيف هذا النوع إلى الأنواع المتقدمة عند الإباضية، فتصبح التخفيفات ثمانية.
رخصة التخيير:
أمثلة ومن 1 - ففي الفقه الإباضي نماذج عديدة لتخفيف التخيير، أشهرها التخيير بين خصال الكفارة، الذي ثبت بنص القرآن الصريح، أشار إليها السالمي بقوله: «فإن ربنا تعالى قد أمرنا بفعل واحد من الإطعام والكسوة والعتق، وخيرنا في فعل أيها شئنا، وحرم علينا ترك جميعها، فعلمنا أن الواجب منها واحد غير معين» (3).
20 م، ص
113
(1) الفيومي المصباح المنير، ط 1، دار الحديث، القاهرة، 1421 هـ/ (2) السالمي: الطلعة، 2/ 221. - الوارجلاني: العدل والإنصاف، 98/ 1. ـ باجو: منهج الاجتهاد
عند الإباضية، ص 599 - 600.
(3) السالمي الطلعة، 221/ 2 - 222. (2/407)
صفحة 924
408
القواعد الفقهية عند الإباضية
2 ـ وفي باب الطهارات: ففي التخيير بين فرضين، وجوب إزالة النجاسات بالماء، وغسل أعضاء الوضوء بالماء، والماء قليل لا يكفي للطهارتين، وذلك إذا كان عند رجل ماء، وهو محدث من الغائط أو البول، ولا يكفيه لغسل حدثه وطهارة، أعضائه أنه كان عليه في قول بعض الإباضية الاستنجاء، فإذا حصل طاهراً ولم يجد ماء لأعضاء الوضوء يتيمم، وكان عند أصحاب هذا القول مخاطباً بالآية {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا) (النساء: 43)، وقال بعضهم عليه إماطة النجاسة ونقلها عن بدنه، ثم يستعمل الماء لأعضائه التي خوطب بتطهيرها بالماء عند قيامه إلى الصلاة، ولكن ابن بركة خالف القولين وجعل للمحدث حق الخيار في استعمال الماء في الفرض الذي يختاره؛ تخفيفاً عليه، ورفعاً للحرج والمشقة عنه على حدّ قوله والنظر يوجب عندي أنه مخير في استعماله لأيهما شاء؛ لأنهما فرضان وغسل الأعضاء بالماء فرض عند وجوده، وغسل النجاسة فرض بالماء عند وجوده، وإذا لم تقم دلالة على أحدهما، كان مخيراً في استعماله الماء لأيهما شاء» (1).
:
ولعل ما ذهب إليه ابن بركة هو ما نميل إليه ونرجحه؛ لما فيه من تخفيف وتيسير للمكلف بالطهارة، ورفع للحرج والمشقة عنه، وهذا ما تؤكده نصوص
الشريعة واجتهادات الفقهاء.
3 ـ ومنه التخيير في جزاء الصيد للمحرم بالحج أو العمرة: (2) قال تعالى: وَمَن قَتَلَهُ مِنكُم مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاءُ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ هَدْيَا بَلِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَرَةٌ طَعَامُ مَسَكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ وَمَنْ عَادَ فَيَنتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ} (المائدة: 95).
(1) ابن بركة: الجامع، 1/ 280 - 281. (2) الجيطالي: قواعد الإسلام، 172 – 174. (2/408)
صفحة 925
الفصل الثالث: القاعدة الكلية الكبرى الثالثة
409
4 ـ وفي فدية الأذى في الحج قال الجيطالي في هذا الشأن: «وأجمع العلماء على أن هدية الفدية ثلاثة خصال، وأنها على التخيير بين الإطعام والصيام والنسك، قال تعالى: {فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ بِهِ أَذَى مِّن رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُكِ} (البقرة: 196).
ه - وفي باب النكاح تزويج أحد الأكفاء الخاطبين إذا كانوا عشرة مثلاً، فإنه قد أمر الولي بتزويج واحد منهم وهو المخيّر فيهم، فأيا زوج أجزأه، فالإجماع منعقد على أحد الأكفاء من الخاطبين، فلو وجب الكل لوجب
تزويج الكل، وهذا يعني أنه لا يلزم في التخيير جواز الجمع".
6 ـ وفي باب الطلاق: قالوا في رجل قال لامرأتيه: أنت طالق، أو هذه، أنَّ له الخيار في تطليق إحداهما قياساً على خصال الكفارة، فيقع على واحدة بغير عينها،
فله الاختيار في تعيينها وخالف في ذلك الربيع فقال: إنهما جميعا طوالق". ومن ذلك أجازوا التفريق بين الزوجين بسبب الإعسار إذا عجز الزوج
7 ـ
عن نفقة زوجته وكسوتها، وغيَّب عنها ماله حيث لا يصل الحاكم إليه، وطلبت المرأة الفراق، كان لها ذلك، ومن حججهم على ذلك قوله تعالى: {وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ} (النساء: (19)، وقوله: {فَإِمْسَاكُ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحُ بِإِحْسَانٍ} (البقرة: 229)، ومن المعروف في المعاشرة النفقة والكسوة فإن عجزوا عن الإمساك بالمعروف يقال له: فأنت قادر على التسريح؛ لأنه مخير بين ذلك فآت منهما بما تقدر عليه إذا كنت مأموراً بفعلهما، فعجزك عن أحدهما لا يسقط الفعل الثاني الذي أُمرت به، كالمخير في كفارة اليمين (4).
(1) الجيطالي: المصدر نفسه، 178/ 2.
(2) السالمي:: الطلعة، 196/ 2. - وينظر: الشربيني: تقريراته على جمع الجوامع للسبكي،
1/ 175 - 176
(3) جابر بن زيد من جوابات الإمام جابر، 100 - 101.
(4) ابن بركة: الجامع، 193/ 2، 194. (2/409)
صفحة 926
21.
القواعد الفقهية عند الإباضية
ـ وفي الوصية ذهب الإباضية إلى القول بالوصية الواجبة، ولكن الموصي مخيّر فيها ما لم يجاوز الثلث، لقوله تعالى: {وَآتُوهُم مِّن مَّالِ اللَّهِ الَّذِي عَاتَنكُمْ} (النور: 33)، (النور: 33)، فالإعطاء واجب وليس فيه شيء محدود، إن شاء أوصى بالسدس، وإن شاء أوصى بالخمس أو أكثر، وهو شبيه بالرقبة الواجبة في كفارة الظهار، فقد ذهب محمد بن محبوب إلى إجازة رقبة مشركة أو أعور العين، ولم يراع في ذلك إلا استحقاق اسم الرقبة؛ فهو مخير بين أن يشتريها بدينار أو بمائة دينار). 9 - وفي باب الجنايات جواز التخيير بين القصاص والدية تيسيراً على هذه الأمة، وتخفيفاً على الجاني والمجني عليه).
10 - ومن أمثلة هذا النوع من التخفيفات أيضاً: تخيير الحاكم في حكم الأسرى بين المن والفداء، قال تعالى: {فَإِمَّا مَنَّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاء (محمد: 4).
(1) ابن بركة: الجامع، 2/ 597 - 598.
(2) الحضرمي أبو إسحاق مختصر الخصال، ص 178. (2/410)
صفحة 927
المبحث السادس
تطبيقات وفروع قاعدة: «المشقة تجلب التيسير»
قاعدة: «المشقة تجلب التيسير تجلت في اجتهادات فقهاء الإباضية في كثير من أبواب الفقه من العبادات والمعاملات والأحوال الشخصية، وغيرها،
ويتضح ذلك فيما يلي:
أولاً: في العبادات:
أ ـ في باب الطهارات:
1 - في حكم الماء المشكوك في وصفه:
إذا أتى الجنب إلى آنية فيها ماء وكُلُّها نجسة، إلا واحدة فيه ماء طاهر لا شك فيه، لكنه لم يعرف الطاهر من غيره، ولم يمكنه معرفة ذلك، فقد اختلف الإباضية في هذه المسألة إلى أقوال: القول الأول: أنه يتحرى الطاهر منها فيغسل به، أو يتوضأ إن كان يريد الصلاة وهو غير جنب.
واعترض عليه أبو محمد بن بركة فقال: «وفيه نظر».
أنه
وعقب عليه السالمي أنه لا نظر فيه؛ لأن حكم الماء طاهر حتى تعلم نجاسته، فكل واحد من الآنية على انفراد محكوم له بالطهارة، حتى يعلم هو النجس في الأحكام).
(1) السالمي: معارج الآمال، 68/ 3. (2/411)
صفحة 928
412
القواعد الفقهية عند الإباضية
القول الثاني: أنه إذا كان عنده إناءان أحدهما طاهر والآخر نجس لا يعلمه، لم يلزمه أن يتحرى فيهما، ولكن يخلطهما ثم يتيمم، فأما إن كانت أواني إحداهما نجس لا يعلمه تحرّى الطاهر في غالب ظنه وتوضأ به، قال ابن بركة: «وهذا يرجع فيه إلى ما تسكن إليه النفس، واليقين غير
ذلك» (1).
وعقب أبو الحسن البسيوي في «جامعه» عليه فقال: «إنه قول من يرى الحكم على الأغلب» (2).
والفرق بين هذا القول والذي قبله أن أصحاب القول الأول لم يفصلوا بين ما إذا كان المتنجس واحداً من إناءين أو ثلاثة، ولا بين ما إذا كان الطاهر الأكثر، وإنما اعتبروا وجود ماء طاهر بين مياه متنجسة، فعلى هذا ذلك الطاهر آنية واحدة متنجسة أو أوان
القول أنه لا فرق بين أن يكون مع
كثيرة.
—
أما أصحاب القول الثاني: اعتبروا الأغلب؛ فعلى قولهم: يجب أن يحكم للآنية الفاسدة التي فيها واحد طاهر بحكم الفساد، حملاً للأقل على الأكثر، فإن كان آنيتان واحدة طاهرة والأخرى نجسة، فهناك أشكل عندهم الحال إذ لا أغلبية فأوجبوا المصير إلى التيمم بعد خلط الماءين بعضهما في بعض (3).
القول الثالث: أنه يتركها ويتيمم، واختار أبو محمد بن بركة هذا القول وقال: «وهو عندي أنظر وأشوق إلى النفس؛ لأن الله تعالى أمره بالطهارة في شيئين؛ ماء طاهر، فإن لم يجده فالصعيد بدله؛ لأن كل واحد من هذه المياه الثلاثة ليس محكوماً له بحكم الطهارة في عينه، وإذا كان كل منهما قصد إليه
(1) ابن بركة: كتاب التعارف، ص 39.
(2) السالمي: المصدر نفسه، 69/ 3. - البسيوي الجامع، 2/ 14 - 15.
(3) السالمي: نفسه. (2/412)
صفحة 929
الفصل الثالث: القاعدة الكلية الكبرى الثالثة
413
من
لم يحكم له بحكم الطهارة، كان في حكم ما منع منه، وإذا كان ممنوعاً كل واحد منهما كان مأموراً بالتطهر من ماء طاهر إذا وجده، وإذا عدمه عدل إلى التراب الطاهر، فهذا القول عدل» (1).
قال غيره: ولعل هذا القول يخرج في أكثر ما يذهب إليه أصحابنا (الإباضية) في معنى المشكلات قولهم أن كل مشكوك فيه موقوف».
القول الرابع: أنه يتطهر بالماء الأول وليتوق ثوبه أن يمسه ذلك الماء أو شيء منه، وليقف حتى يجف الماء عنه، ولا يعلق ثوبه منه ثم ليُصلّ، فإذا صلى رجع إلى الماء الثاني فاغتسل منه، وغسل المواضع التي أصابها الماء الأول؛ ولا يمس الماء الطاهر بيديه قبل أن يغسلهما، ثم يقف حتى يجف بدنه، ثم يأخذ ثوبه ويصلي، ثم يرجع إلى الثالث فيغسل به مواضع الماء الثاني ويتوقاه من يده قبل أن يغسلها، ثم يتطهر به حتى يصح له الطهارة بواحد منها؛ لأنه لا شك أن أحدها طاهر، فإذا فعل ما ذكر بكل واحد منها فقد أصاب الطاهر بلا شك، فيكون قد صلَّى بطهارة مقطوع بها.
قال السالمي: «وهذا إنما يصح إذا كانت الآنية المتنجسة أكثر، أما إذا كان المتنجس واحد فقط، فإنه إن توضأ بماءين إلى الصفة المتقدمة أجزاه ذلك إن شاء الله؛ لأنه كان قد وافق أحدهما نجساً فالآخر لا محالة طاهر» (2).
ولكن أصحاب هذا القول لا يقطعون بطهارته تماماً، بل يأمرونه باغتسال بعد ذلك متى وجد الماء الطاهر؛ لأنه يحتمل أن يكون ما وافقه آخر مرة هو النجس من تلك المياه فيتعين عليه الغسل من النجس.
وقد حمل أبو سعيد الكدمي الله الأمر باغتسال بعد ذلك على معنى الاحتياط، ولكن السالمي يرى أن وجه اللزوم عنده أظهر على هذا القول وهو
(1) ابن بركة: الجامع، 292/ 1.
(2) السالمي: المصدر نفسه، 71/ 3 - 72. (2/413)
صفحة 930
414
القواعد الفقهية عند الإباضية
(1)
ظاهر عبارتهم. وفي هذا القول مشقة وعسر، وحرج شديد، صرح بذلك أبو محمد بن بركة وأبو الحسن البسيوي ويوضح السالمي وجه المشقة في هذا القول أنه قد لا يتأتى لمن يستعمل هذه المياه المشكوك فيها في بعض الأوقات لضيق الوقت عند قصر النهار، وفي يوم الغيم، وما يلحق الإنسان من المشقة، وفي السفر خاصة، وفيما يوجبه سبق أصحابه ورُفقته عنهم وتخلفه عنهم، والخوف على نفسه بعدهم، والمشقة تجلب التيسير»، وعليه فالمناسب لهذا الرجل الذي لم يجد إلا هذه المياه المشكوكة مع تيقن نجاسة بعضها أن يعدل إلى الصعيد الطاهر كما هو مقتضى قواعد أكثر الإباضية فى باب المشكوكات، أو يتطهر بواحد منها متحرياً أنه الطاهر، آخذاً بالحكم في المياه؛ لأن «الأصل
فيها الطهارة كما ذهب إليه ابن بركة وغيره من الإباضية (2).
2 - في تطهير بول الصبي: ومن التخفيفات التي أقرها الشارع في نجاسة بول الصبي، أنه يُنصح ولا يُغسل، والنضح هو إفراغ الماء من غير حك فيكتفي فيه بالرش باليد، أما الغَسل يكون بإفراغ الماء مع الدَّلْك، ونظراً لتكرر بوله ومشقة غسله في كل مرة رخص الشارع في نضحه (3).
واستدل الإباضية على هذا الحكم بما رُوي عن علي بن أبي طالب ـ كرم الله وجهه ـ قال: سئل النبي الله عن بول الرضيع فقال: «ينضح بول الصبي، ويغسل بول الجارية» (4). وما روي من طريق ابن عباس أن أم قيس بنت محصن
(1) السالمي نفسه.
(2) المرجع السابق.
(3) الشماخي: الإيضاح، 370/ 1.
(4) رواه أحمد، باقي مسند الأنصار، حديث أم الفضل بن عباس، رقم 26917، والطبراني في المعجم الكبير، باب الحاء، حسن بن علي، رقم 2526، ابن حجر: إسناده صحيح. فتح الباري، 326/ 1. (2/414)
صفحة 931
الفصل الثالث: القاعدة الكلية الكبرى الثالثة
415
أتت بابن لها صغير يأكل الطعام إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأجلسه في حجره فبال على ثوبه، فدعا بماء فنضحه به، ولم يغسله)، وما روي من حديث أنس حين ذكر صلاة رسول الله أم به هو والعجوز، وهي جدته مليكة، قال
—
أنس: فقمت إلى حصير لنا قد اسود من طول ما لبث فنضحته بالماء» (2). واختلف الإباضية في النضح هل يكون لكل النجاسات أو لبول الصبي فقط؟ قال بعضهم: النضح مقصور على بول الطفل الذي لم يأكل الطعام لحديث قيس المتقدم. وفرق آخرون بين بول الصبي الذكر والأنثى، فقالوا: بول الذكر ينضح، وبول الأنثى يغسل، لحديث علي بن أبي طالب المتقدم. وقال آخرون النضح يجري في غسل الأبوال كلها وما كان في معناها، مثل الماء المنجوس ما دامت رطبة، لحديث الأعرابي الذي بال في المسجد فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن عليه ذنوب من الماء (3). (4). وحاول بعض الفقهاء تعليل الحكم وبيان سبب التفريق بين الذكر والأنثى في الحكم، رغم تساويهما في صفة الرضاع فقال السدويكشي في «حاشية الإيضاح»: «قيل في حكمه الفرق بينهما أن النفوس أعلق بالذكر منها بالإناث،
،658
عن
يصب
(1) متفق عليه، رواه البخاري، كتاب الوضوء، باب بول الصبيان رقم 221، ومسلم، كتاب الطهارة، باب حكم بول الطفل الرضيع، رقم 287، عن أم قيس. (2) متفق عليه، رواه البخاري أبواب الصلاة في الثياب، باب الصلاة على الحصير، رقم 373، ومسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب جواز الجماعة في الصلاة النافلة، رقم أنس. (3) متفق عليه، رواه البخاري، كتاب الوضوء، باب غسل الدم، رقم 226، بلفظ: قالت يا رسول الله إني امرأة أستحاض فلا أطهر أفأدع الصلاة؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا إنما ذلك عرق وليس بحيض فإذا أقبلت حيضتك فدعي الصلاة وإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم ثم صلي». قال وقال أبي ثم توضئي لكل صلاة حتى يجيء ذلك الوقت». صحيح مسلم - كتاب الحي باب المستحاضة وغسلها وصلاتها ـ حديث: 527 عن عائشة أم المؤمنين. (4) الشماخي: الإيضاح، 360/ 1 - 361. (2/415)
صفحة 932
416
القواعد الفقهية عند الإباضية
فيكثر حمل الذكر، فناسب التخلف - أي الإخلاف في حكمهما ـ والاكتفاء
بالنضح
دفعاً للحرج والعسر.
وقيل: إن بول الصبي من الماء والطين، وبول الجارية من اللحم والدم؛ لأن حواء خلقت من ضلع آدم (1).
مجمل القول:
ورغم محاولة السدو يكشي تبيان الفرق بين بول الصبي وبول الجارية وتعليل ذلك، إلا أنه لم يظهر لي الفرق بينهما، فالظاهر أنهما من مصدر واحد، ويحملان نفس الوصف وهو النجاسة، فناسب أن يكون حكم الرخصة واحد فيهما، وهو النضح في بول الصبي مطلقاً سواء كان ذكراً أو أنثى؛ تخفيفاً وتيسيراً على المرضع، ورفعاً للحرج والمشقة لمن يتناوله، ولعل الاختلاف بين الجنسين يكون فى تركيبة، العضوين وتزداد نجاسة بول الأنثى بملامسته مخرج الغائط عند خروجه، ولذلك يصبح بولها أكثر قذارة خلافاً للذكر، فمخرج بوله يبعد عن فتحة الشرج فلا يختلط بالغائط غالباً، وربما يرجع السبب إلى الخصائص العضوية لبول كل منهما، وهذا الأمر يحتاج إلى رأي المختصين بعد تحليل بولهما في مرحلة الرضاع، لتأكيد صحة هذه النظرية أو بطلانها، أما التعليل الذي نقله السدويكشي عن بعض الفقهاء للتمييز بين بول الصبي والجارية فإنه لا يصلح للاحتجاج، ولا يعضده الدليل ولا العرف، لأن الإسلام ينهى عن التفريق لأجل الجنس، ويدعو إلى التسوية بينهما، والدليل إذا عارضه الاحتمال سقط به الاستدلال، أما وقد وجد نص صريح يؤكد هذا التفريق فإننا نقف عند مورد النص، ونقول: «لا حظ للنظر عند وجود الأثر»، وقد أكدت الدراسات العلمية المخبرية الحديثة التي أجريت على عينات من بول الرضيع أن نسبة البكتيريا في بول الصبية أكثر من
(1) السدويكشي المعروف بالمحشي الحاشية على كتاب الإيضاح للشماخي، 361/ 1. (2/416)
صفحة 933
الفصل الثالث: القاعدة الكلية الكبرى الثالثة
417
الصبي
)، وهذا الاكتشاف يؤكد الإعجاز العلمي النبوي الذي أشار إليه
الرسول صلى الله عليه وسلم. في الحديث المتقدم.
ـ في حكم الدم المسفوح
وقد خفف الفقهاء في نجاسة الدم إذا لم يكن مسفوحاً، فقد ذهب بعضهم إلى أنه إذا غسلت الحجامة والجراح فرجع منه دم أن ذلك الدم ليس يفسده، قال أبو الحسن البسيوي: كان أبو الحواري يقول عن منير ()، ولا أعلم أن أحداً
مع
(1) أكد الدكتور صلاح الدين بدر في بحثه أن بول الغلام الرضيع الذي يقتصر في غذائه على لبن الأم (اللبن الطبيعي لا يحتوي على أي نوع من أنواع البكتيريا، بينما يحتوي بول الأنثى الرضيعة على بعض البكتيريا، وأرجع ذلك إلى الاختلاف في الجنس فمجرى البول في الأنثى أقصر من مجرى الذكر، بجانب إفرازات البروستاتا لدى الذكر والتي لها تأثير قاتل للجراثيم، ولذلك لا يحتوي بول الغلام الرضيع - الذي لم يأكل الطعام ـ على بكتيريا ضارة، ونتيجة للفارق التشريحي للجهاز البولي فإن الأنثى أكثر عرضة للتلوث البكتيري بالمقارنة الذكر، فمن السهل انتقال البكتيريا إلى المثانة في الأنثى، وخصوصاً تلك البكتيريا التي تنتقل من نهاية الجهاز الهضمي وتتعلق بمجرى البول، وغالباً ما تكون تلك البكتيريا بكتيريا القولون. وبالنظر إلى قوله يتبين أن بول الأنثى يحتوي على بكتيريا تسبب العدوى، ومن ثم وجب غسله، وذلك للوضع التشريحي لجهازها البولي، وصغر مجرى البول في الأنثى مقارنة بالجهاز البولي عند الذكر. مقال بعنوان الإعجاز في التفريق بين بول الجارية وبول الغلام الرضيع نشر ضمن بحوث المؤتمر العالمي للإعجاز العلمي في القرآن والسنة 24/ 6 / 2007. ينظر: منتديات ستار تايمز www.Jameatalemanorg/agastasher. (2) منير بن النير الجعلاني (حي في 237 هـ) أحد حملة العلم من البصرة إلى عُمان، ويعرف بالجعلاني وهو من بني ريام. انتقل إلى البصرة، وتتلمذ على يد الربيع بن حبيب، ثم رجع إلى عُمان مع حملة العلم، وهم موسى بن أبي جابر الإزكوي، وبشير بن المنذر النزواني، ومحمد بن المعلا ومحبوب بن الرحيل. له سيرة كتبها إلى الإمام غسان بن عبد الله تبين علمه وسعة اطلاعه، وهي موجودة ضمن مجموعة السير والجوابات (مطبوع). خرج مع رجال من أهل جعلان لصد محمد بن بور - ممثل السلطة العباسية ـ من فرض سيطرته على عمان، ولكن انقسام العُمانيين فيما بينهم أدى إلى هزيمتهم ومقتل خلق كثير، منهم ربيع 281 هـ. ينظر: السيابي:
مدي
الأهيف بن حمحام ومنير بن النير، وكان ذلك إزالة الوعثاء، 43. السالمي تحفة الأعيان، 188.
يوم
26
يوم (2/417)
صفحة 934
418
القواعد الفقهية عند الإباضية
قال بذلك إلا هو، والذي نأخذ به أنه يفسد، إذا كان دماً عبيطاً، وأما الصفرة والحمرة من بعد الغسل فلا بأس، وما خرج من الحجامة بعد أن غسلت، كدرة أو صفرة أو حمرة فهو طاهر. وقال غيره: إن الحمرة والصفرة إذا خرجت من بعد الغسل من جرح طري، أنه يختلف فيه، فقيل نجس وقيل طاهر» (2). وكذلك رخصوا لمن كان متوضء فحدثت له نجاسة من دم أو غيره في جسمه أو ثوبه، فإن وضوءه لا ينتقض بذلك مطلقاً، ولو كان دماً فائضاً مسفوحا، إذا كان أقل من ظفر الإبهام، وقد صرح بذلك الكدمي في «المعتبر»، وبين أن «النجاسة تكون في مواضع الوضوء، وينعقد عليها الوضوء أو شيء من الوضوء، فهذا من حدوث النجاسة في المتوضئ من بعد الوضوء، وتمام الوضوء أقرب وأحرى أن يجوز فيه هذا، إذا غسله له غيره، أو غسله هو بحجر أو بما أشبه ذلك؛ لأنه قد قيل في المتوضئ إنه إذا خرج منه دم من شيء من بدنه من مواضع الوضوء أو من غيرها مجملاً، ففي بعض القول ـ ولعله الأكثر ـ أنه ما كان من الدم قليل أو كثير، من جرح طري أو غيره ولم يفض كان الجرح صغيراً أو كبيراً، فإن وضوءه لا ينتقض بذلك، وأنه تام ما لم ينتقض وضوءه ذلك سوى ذلك الدم.
وكذلك على قول من يقول: إنه إذا لم يكن الدم الفائض مسفوحاً، وكان أقل من ظفر عند من لا يفسد به الوضوء، إذا كان أقل من ظفر، فيخرج عندي لا يفسد الوضوء، ولا يقوم عليه الوضوء الجديد حتى يطهر في معاني قول من قال بذلك من أصحابنا، فثبت في معاني القول أن حدوث النجاسة للوضوء المتقدم يرخص فيه أكثر من تقدم النجاسة قبل الوضوء الجديد، وذلك شيء مفهوم ... » (3).
(1) الدم العبيط: هو الطري الذي يخرج وحده.
(2) ابن جعفر: الجامع، 283/ 1 - 284.
(3) الكدمي المعتبر، 219/ 3 - 220. (2/418)
صفحة 935
الفصل الثالث: القاعدة الكلية الكبرى الثالثة
419
ولعل الكدمي يشير بكلامه إلى قاعدة فقهية مشهورة، وهي: «يغتفر في البقاء ما لا يغتفر في الابتداء»، أي يتسامح في النجاسة القليلة الطارئة على الطهارة فلا تبطل بها العبادة، أما إذا أريد تجديد الطهارة، فيجب إزالة النجاسة قبل الوضوء؛ فلا تبنى الطهارة على النجاسة. ولم يقتصر الأمر في التخفيف على حدوث النجاسة بعد الوضوء، بل رخص الفقهاء لمن صلى بثوب فيه دم قليل أو نحوه ولم يعلم به، فإن كان الدم قدر ظفر الإبهام مجتمعاً أو مفرقاً فعليه بدل صلاته، وإن لم يبلغ ذلك فلا فساد عليه، وإن أبصره قبل الصلاة ثم نسي حتى صلى به من بعد أن كان أبصره، فلا نقض عليه ولا بدل أيضاً، وقيل: يبدل، واختار ابن جعفر الرأي الأول ورجحه وقال: «هو أحبّ إلي»).
أما إذا صلّى ناسياً للدم ثم أبصره في الصلاة قليلاً أو كثيراً، ففي هذه الحالة يقطع صلاته ويصلي بغير ذلك الثوب).
4 - في فك شعر المرأة عند الغُسل:.
ومن التيسيرات في باب الطهارة ما رخص فيه العلماء للمرأة: ألا تفك ضفائرها إذا أرادت الاغتسال من حدث الجنابة، فقد سئل عن ذلك الشيخ عبد الرحمن بكلي: هل يجب على المرأة حَلٌّ شعرها في كل اغتسال؟ وهل يسوغ لها أن تتيمم له بدل ذلك؟ فذكر أن الجمهور لا يُلزم المرأة أن تفك شعرها لدى كل اغتسال وعليه صاحب النيل). جاء في فتاوى البكري ما نصه ولا يلزم به - الغسل - نقض الضفائر،
(1) ابن جعفر: الجامع، 275/ 1.
(2) ابن جعفر المصدر نفسه.
(3) ينظر الثميني كتاب النيل، تحقيق: بكلي عبد الرحمن بكلي ط،2، 1387 هـ / 1967 م، المطبعة العربية لدار الفكر الإسلامي، الجزائر، 19/ 1. (2/419)
صفحة 936
420
القواعد الفقهية عند الإباضية
حسبها أن تصب الماء وتبلغه أصول الشعر، إلا إذا طالت المدة بين الغُسْلين، فالأولى فكه، أو كان لحيض أو نفاس، فلا بد من فكه وغسله بالطفل ومشطه،
وأنت خبير إذا ساغ لها أن لا تفكه، فقد اعتبر اغتسالها تاماً، وعليه فلا حاجة له بعد ذلك» (1).
أن
تتيمم
ويستفاد من عبارة الثميني والبكري أنهما يرخصان للمرأة أن تترك فك ضفائرها عند الاغتسال من الجنابة، تيسيراً لها لتكراره عند كل غُسل؛ لأن ذلك يلحق بها مشقة وحرج ولم يرخصوا للحائض والنفساء عند اغتسالها من الحيض والنفاس، لطول المدة بين
ه ـ في التيمم
الغُسلين.
شرع التيمم تخفيفاً لكل ذي علة، ومريض يخاف زيادة مرضه من الماء، مقيماً كان أو مسافراً، لقول الله تعالى: {وَإِن كُنتُم مرضى (النساء: 43)، وذلك عام لكل من عجز عن الماء، فالتيمم كافيه وله العذر.
ويعتبر العلماء العجز عن استعمال الماء عجزان: عجز عدم، وعجز بنية، وكلاهما يبيحان جواز التيمم.
فأما عجز العدم لتعذر حصول الماء، ولا يجد شيئاً غيره يتناوله به ولا يشتريه منه أو يأتجره عليه. وأما عجز البنية فهو تعذر الوصول إليه بما يمنعه منه، من مرض، أو خوف عدو أو سبع، أو غير ذلك مما يخاف منه كالحيات وأمثال هذا، وليس على الإنسان أن يحمل نفسه على المخاوف؛ ولا أن يكلّفها المشقات، ولا يعرضها للمتالف، وقد يسَّر الله دينه لعباده تخفيفاً منه لهم ورحمة وتفضلاً عليهم واستدل الإباضية على جواز التيمم لأصحاب الأعذار بما نقل عن ابن
(2)
(1) بكلي عبد الرحمن فتاوى البكري، 354/ 1 - 355.
(2) الشماخي: الإيضاح، 276/ 1. ـ الشقصي خميس: منهج الطالبين، 346/ 3. (2/420)
صفحة 937
الفصل الثالث: القاعدة الكلية الكبرى الثالثة
421
عباس في تفسير آية التيمم أنه قال: نزلت آية التيمم في المسافر، ومن لم يجد ماء، ومن به جرح أو قروح أو جدري، وكل ذي علة يخاف عليه أن يستعمل الماء لغسل أو وضوء أن يؤذيه ذلك إلى زيادة الألم، وكذلك من خاف على من شدة البرد في استعمال الماء البارد إذا لم يجد ماء يسخن له، فمن تيمم وصلى ففي إعادة الصلاة عليه اختلاف» (1).
نفسه
من
التلف
واهي
وحدد الإباضية صفة المريض الذي يباح له التيمم، قال الشماخي: كان مُظَنَّا والمريض الذي يجوز له التيمم عندهم من الأعضاء لا يستطيع تناول الماء، ويشق عليه أخذه، كما لا يكلف قوة غيره إن لم يقدر على استعمال الماء للتطهر من النجاسات والأحداث (2). وقالوا أيضاً المحبوس والمقطور ـ الذي يقطر منه الدم أو البول ـ إذا لم يقدر على الماء جاز لهما التيمم، وليس لمقيم ولا لمسافر التطهر بالماء عند الخوف فيه من شدة البرد، لما روي أن عمرو بن العاص أجنب وهو أمير على جيش في غزوة ذات السلاسل فخاف من شدة برد الماء فتيمم وصلى فلما قدم على الرسول صلى الله عليه وسلم أخبره أصحابه بذلك فقال له: «يا عمرو: ولم فعلت ذلك؟» فقال: «يا رسول الله سمعت الله تعالى يقول: {وَلَا نَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا الي (النساء:29)، فضحك النبي الله ولم يرد عليه شيئاً). وسكوت النبي صلى الله عليه وسلم عن فعل هو رِضى به؛ لأن عليه أن يبين للناس دينهم وفي
هذا دليل على إباحة التخفيف واليسر للأمة عند وجود المشقة (4).
(1) الشقصي خميس نفسه - الشماخي الإيضاح، 38/ 1 - 39، 270 - 271. (2) الشماخي: المصدر نفسه، 38/ 1، 39. (3) رواه بلفظ مقارب أبو داود، كتاب الطهارة، باب في المجروح يتعصب ويتيمم، رقم 336، والحاكم في المستدرك، كتاب الطهارة، رقم 585، وقال: هذا حديث صحيح. ووافقه الذهبي. رواه الربيع في المسند [26] بَابُ الزَّجْرِ عَنْ غُسْلِ الْمَرِيضِ، حديث 172 عن ابن عباس. (4) الشماخي: الإيضاح، 276/ 1 - 277. (2/421)
صفحة 938
422
القواعد الفقهية عند الإباضية
واستدلوا كذلك بما روى أن رجلاً أصابته شجة فأجنب وقد اندملت عليه، فأفتاه رجل بغسلها فكر فمات، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «قتلوه قتلهم الله» (1)، وفي موضع: «إنما كان يجزيه التيمم»).
ورخصوا كذلك بالتيمم لمن يحتاج إليه لعطشه في الحال، أو لتوقعه في المال، بأن يغلب على ظنه أنه لا يجد الماء، أو لعطش من معه من الناس والدواب، فله أن يتيمم إن خاف العطش الذي يهلكه، وإن خاف عطشاً يمرضه كان بمنزلة من خاف استعمال الماء للمرض.
وكذلك إذا وجد الماء ولكن افتقد إلى وسيلة للحصول عليه، كأن يكون في بئر ولا يملك دلواً لنزحه، أو يباع ولا يملك مالا كافيا لشرائه، وقال بعضهم: يجزيه التيمم ولا يتدَيَّن قال الشماخي وهذا القول عندي أحسن؛ لأن الله تعالى لم يكلفنا أن نقضي الدين بالدين ... » (3)، وأما إذا وجد ماء عند أصحاب الأمراض المعدية كماء المجذومين وأهل العلل مثل: المجروب والمجذور وغيره، فإنه يجزيه التيمم ولا يستنجي بمائهم، إذا خاف المضرة
من مائهم.
(1) قال الشقصي في بيان معاني بعض المفردات الغريبة في الحديث: الاندمال التمايل، يقال دمله الدواء فاندمل ومعناه أصلحه، وأما الكزاز: فهو داء يأخذ من شدة البرد والعقر تعتري منه رعدة ويبس وتقبض، حتى قيل للمريض الذي لا تنطلق يده بخير: هو رجل كز. يراجع: الشقصي: منهج الطالبين، 347/ 3.
(2) رواه الحاكم في المستدرك ـ كتاب الطهارة وأما حديث عائشة - حديث: 582. ورواه ابن خزيمة في صحيحه ـ كتاب الوضوء جماع أبواب التيمم عند الإعواز من الماء في السفر باب الرخصة في التيمم للمجدور والمجروح حديث: 274. وابن حبان في صحيحه ـ كتاب الطهارة باب التيمم - ذكر إباحة التيمم للعليل الواجد الماء إذا خاف التلف على نفسه حديث: 1330 عن ابن عباس وصححه الألباني. ورواه الربيع في مسند الجامع الصحيح كتاب الطهارة بَابُ الزَّجْرِ عَنْ غُسْلِ الْمَرِيضِ، حديث 173 - 174. عن جابر بن زيد مرسلاً.
(3) الشماخي: الإيضاح، 34/ 1، 37، 276 - 277. (2/422)
صفحة 939
الفصل الثالث: القاعدة الكلية الكبرى الثالثة
423
وخلص الشماخي إلى القول: « ... وليس له أن يحمل نفسه على حالة مخوّفة، ولا يعرضها لخطة متلفة، وقد يسر الله على عباده تخفيفاً، وكان بهم ولله الحمد لطيفاً» (1).
—
ورخص الفقهاء كذلك لمسترسل البطن والذي ينطلق به الرعاف والقيء ولا يستمسك، أنه يتيمم بالصعيد، ويومئ إيماء، وقال هاشم: «يشده بقطنة أو بخرقة ثم يصلى ()، وفي هذا تخفيف عليهم بالمشقة الحاصلة من ذلك. كما رخص بعض الفقهاء أيضاً للذين يخرجون للرعي أو الصيد، أو لمكافحة الجراد أو للاحتطاب وأمثالهم، ويريدون أن لا يتعدوا الفرسخين، وهي مسافة القصر عند الإباضية - فإنهم يؤمرون بحمل الماء للوضوء، وإن لم يكونوا على وضوء وحضر وقت الصلاة، رجعوا يتوضؤون من القرية ما لم يصيروا في حد السفر، وإن خافوا فوت الصلاة قبل الوصول إلى الماء تيمموا وصلوا.
ولكن لم يمنحوا الرخصة في هذه الحالة للجميع، بل فرقوا بين الغني والفقير، فقالوا والفقير في مثل هذا أعذر من الغني، ولكن ابن بركة لم ينظر إلى هذا الاعتبار وإنما أجرى حكم الرخصة على العموم، فمنحها لكل من خاف أن يلحقه الضرر بضياع حاجته وفواتها إذا رجع إلى الوطن، سواء كان غنياً أم فقيراً، وقال: من خرج إلى الجراد والقنص والرعي، ولم يحمل الماء لوضوئه، وحضرت الصلاة، فعليه أن يرجع إلى الماء يتوضأ، ولا يعذر بالصعيد، إلا أن يكون إذا رجع إلى الماء فاتته حاجته، وكان في فواتها ضرر عليه وعلى عياله، فإنه يتيمم ويمضي في طلب الرزق، وليس بواجب عليهم حمل الماء للطهارة قبل حضور وقت الصلاة،
(1) الشماخي: المصدر نفسه.
(2) الشقصي خميس: منهج الطالبين، 351/ 3. (2/423)
صفحة 940
424
القواعد الفقهية عند الإباضية
(2)
فإذا حضر وقت الصلاة ووجدوا الماء توضؤوا وصلوا، وإن عدموا الماء وكان في طلبه فوت صلاتهم، أو كثرة المشقة عليهم في الذهاب إليه أو ما يلتمسون، وسعهم التيمم). ولم يسلّم البعض بقول ابن بركة، فقد قال الأزهر بن محمد بن جعفر (" في جاني الشوع (3)، وطالب الجراد والحطب ونحو ذلك، إذا حضرت الصلاة ولم يجدوا الماء ففي ذلك أقاويل، ليس المحتاج في ذلك كالمستغني؛ لأن المستغني يمكنه أن يرجع ويترك ذلك، والمحتاج لا يمكنه، ويجوز له التيمم، أما إذا جاوز الفرسخين ولم يجد ماء، جاز له
التيمم من فقير وغني
(4)
وفرق أبو سعيد الكدمي بين حالة حضور وقت الصلاة في مكان لم يوجد فيه الماء، وكان ذلك قبل الحصاد والاحتطاب فهنا يجب على الغني العودة لموضع الماء، ما دام غير معتمد عليه في معيشته، أما الفقير فلا يجب عليه ذلك إذا كان قُوتُه ومن يعوله يعتمد عليه، ولكن إذا حضرت الصلاة وفقد الماء بعد نهاية العمل، فالفقير والغني في هذه الحالة سواء، يجوز لهم التيمم دون حرج، حفاظاً على الصلاة، وفي هذا
عائلة
(1) الشقصي: منهج الطالبين، 353/ 3 - 354. (2) الأزهر بن محمد بن جعفر، أبو علي (حي في 272 هـ) عالم وفقيه، من أهل إزكي، عاصر الإمام الصلت بن مالك الخروصي، من العلم، فهو نجل صاحب الجامع المشهور، وقد عاصر الكثير من العلماء منهم أبو قحطان وكانت بينه وبينهم مراسلات علمية مبثوثة في الكتب. ينظر: معجم الأعلام الإباضية قسم المشرق، ص 65. (3) لم أدر صفة هذا الشيء، ولعله ثمرة تنبت في الفلاة مثل: الكمأة التي تظهر على الأرض في موسم الخريف فقط، أما جمع الجراد كان منتشراً قديماً، وتعتبر عند البعض من المفضلة، أما في عصرن رنا فقد تغير الحال فأصبح الجراد يباد بالمبيدات، وتنظم له حملات
جماعية لمكافحته؛ لأنه يضر بالأخضر واليابس.
الأكلات
(4) الشقصي: المرجع نفسه، 354/ 3. (2/424)
صفحة 941
الفصل الثالث: القاعدة الكلية الكبرى الثالثة
425
المعنى يقول: «وإن حضرت هؤلاء وأمثالهم الصلاة قبل أن يحصلوا شيئاً من الجني والحطب، وأمثال هذا، وهم في موضع لو التمسوا الماء لوجدوه، فالفرق في الغني والفقير في مثل هذا، فالذي ليس غناه بهذا، عليه أن يرجع يطلب الماء، والفقير الذي يستعين بمثل هذا على قوته وقوت عياله ليس عليه أن يرجع لطلب الماء، ويمضي لحاجته، وأما إذا جنى أو حطب وحصل له شيء من ذلك في ملكه، وخاف إن طلب الماء ضاع ذلك من يده، فليس عليه أن يرجع يطلب الماء ويصلي بالصعيد، ويحفظ ماله، كان ذلك مكسبته أو غير مكسبته، كان غنياً أو فقيراً» (1).
واستثنى الكدمي من هؤلاء راعي الغنم والإبل، فقال: «فليس له أن يضيع ماله كان غنياً أو فقيراً، كان ماله قليلاً أو كثيراً، فله أن يحفظ ماله ويتيمم ويصلي، إذا خاف إن مضى وتركه ولم يمكنه أن يسوقه على وجه ما يصلح
ولماله في ذلك» (2).
مجمل القول:
له
ولعل ما ذهب إليه ابن بركة والكدمي هو الرأي الأعدل والأنسب في مثل هذه الأحوال؛ لما فيه من مراعاة ظروف الناس وأحوالهم، وفيه تيسير وتخفيف ورفع الحرج عنهم، خاصة لمن ابتلي بهذه المهنة كالرعاة والصيادين، ومن يخرج لجني الثمار في وقت الحصاد، فتكليفهم بالبحث عن الماء ولو بالرجوع إليه، فيه مشقة وعنت، وخوفاً من ضياع أموالهم وما يلحقهم من ضرر في نفوسهم ومَنْ يعولهم، وربما يفوت عليهم وقت الصلاة، فاقتضى ذلك الترخيص لهم، حفاظاً على نفوسهم وأموالهم وصلاتهم، وفي هذا مراعاة لمقاصد الشريعة العامة في حفظ الدين والنفس والمال.
(1) الشقصي: نفسه، 354/ 3 - 355. - الكدمي أبو سعيد: الجامع، 161/ 4.
(2) الكدمي أبو سعيد: المصدر نفسه. (2/425)
صفحة 942
426
القواعد الفقهية عند الإباضية
ب - في باب الصلاة:
ومن التخفيفات التي شرعت في باب الصلاة وأحكامها والرخص التي
أقرها الفقهاء ما يلي:
1 - في حكم الصلاة في وسائل النقل دون طهارة: ومن التخفيفات التي شرعت للمصلي إذا كان راكباً في وسيلة نقل دون طهارة، ولا يملك القدرة على النزول لتجديد طهارته، وأداء الصلاة كاملة، فقد أجاز له الفقهاء أداء الصلاة حسب استطاعته، دون حرج، ولا إعادة عليه إذا خاف خروج وقتها، ولتوضيح ذلك نورد بعض الأمثلة تطبيقاً لقاعدة: المشقة تجلب التيسير كما يلي: أ - جاء في فتاوى الشيخ بيوض سؤال مفاده أن من صلى في الحافلة بلا
طهارة، فهل يعيدها عند وصوله بلده؟
أنه فأجاب: «إذا علم
سيصل بلده ووقت الصلاة باق فيؤخر حتى يصليها
تامة الأركان في بلده، وإذا كان يظن الوصول قبل خروج الوقت ظناً، أخر الصلاة إلى آخر وقتها، فإذا خاف فؤت الوقت صلاها في الحافلة أو على الأرض كما أمكن، فإن الوقت أهم من الأركان، وأما من دخل عليه وقت الصلاة الرباعية وهو في سفر، وخرج وقتها وهو في سفر، ولم يصلها حتى دخل وطنه يقضيها سفرية» (1).
ب ـ وفي سؤال آخر: كيف يصلي من أدركته الصلاة في حافلة أو طائرة؟ فأجاب الشيخ بيوض: إن الصلاة على الطائرة والحافلة كالصلاة على السفينة، تؤدى في وقتها بحسب الإمكان، فمن أدركته الصلاة وهو على ظهرها ولا يمكنه النزول إلا بعد خروج الوقت، صلى كما أمكنه ولا إعادة عليه، ولا يجوز تأخيرها عن وقتها إلى النزول، وليس لها كيفية خاصة إلا ما أمكن،
(1) بيوض إبراهيم بن عمر: فتاوى الشيخ بيوض، 167/ 1 - 168. (2/426)
صفحة 943
الفصل الثالث: القاعدة الكلية الكبرى الثالثة
427
وإن كانت جماعة فليس على أصحابها صف كأصحاب السفينة، وإن ركب بعد دخول الوقت وقبل أن يصلي، أو أمكنه النزول للصلاة على الأرض فلم يفعل، فإن عليه إعادة الصلاة إذا اطمأن بعد النزول). ويفهم من عبارة الشيخ بيوض رحمه الله أنه إذا لم يُقصر في أداء الواجب تسقط عنه الإعادة، أما إذا كانت الظروف مناسبة لأداء الصلاة في وقتها مع القيام بكامل أركانها، فأخرها حتى تعذر عليه أداؤها، فيجب عليه القضاء ولو أداها راكبا، إلا إذا كان له عذر منعه من ذلك، فيسقط عنه الإعادة والقضاء.
2 ـ في حكم تأخير الصلاة أو تقديمها عن وقتها لظروف العمل أو الدراسة: وفي باب الصلاة أيضاً: وضع الفقهاء لمن أراد الجمع بين صلاتين أعذاراً محددة، كالمرض والسفر والاستحاضة والمطر والجهاد، ولكن مع تغير الأحوال طرأت ظروف أخرى أجبرت المكلف إلى تأخير الصلاة حتى يخرج وقتها، وربما يتكرر هذا الحال مع بعض الناس كالعمال في المصانع، والطلاب والأساتذة في المداس والمعاهد والأطباء والممرضين في المستشفيات والسائقين للمركبات في الطرقات، ولا يسمح لهم بترك أعمالهم لأجل الصلاة، ـة في بعض البلدان التي لا تراعي حرمة الإسلام والمسلمين، وتضع أمامهم العقبات في ممارسة شعائرهم لصدهم عن ذكر الله وعن الصلاة، ولأجل ذلك أفتى بعض الفقهاء بالرخصة لهؤلاء، واعتبروا هذه الأعذار شرعية
خاصة
هذا
يؤخذ بها عند الضرورة، لرفع الحرج ودفع المشقة عن الناس، ولتوضيح الأمر نورد بعض الفتاوى لفقهاء معاصرين تبين مدى اعتماد الإباضية على قاعدة: «المشقة تجلب التيسير وتجسيدها في الفروع الفقهية:
أ ـ سئل الشيخ بيوض رحم الله كيف يصلي من دخل عليه وقت صلاة مفروضة ولم يمكنه أداؤها، حيث أنه عامل في مصنع، أو سائق حافلة، وهل
(1) بيوض إبراهيم بن عمر: المرجع نفسه. (2/427)
صفحة 944
428
القواعد الفقهية عند الإباضية
يجوز للإنسان أن يصلي العصر على إثر صلاة الظهر، أعني في أول وقت الظهر على الساعة الواحدة مثلاً؟
فأجاب: «أداء الصلاة في وقتها المحدد لها واجب مفروض، ومن أخرها عن وقتها طائعاً مختاراً، غير مضطر ولا مكره فقد فسق عن أمر ربه، وليس من العذر ولا من الاضطرار أن يكون عاملاً في المصنع أو سائق حافلة، فإن الواجب عليه أن يترك عمله، وأن يحبس حافلته لكي يؤدي واجبه، وإذا منعته في بعض الحالات الاستثنائية ضرورة قاهرة على مواصلة العمل صلاها كما أمكنه، ولو بالإيماء في وقتها، ولا يجوز تأخيرها» (1).
ب - وأما صلاة العصر في وقت الظهر بعد صلاة الظهر فإنه جائز؛ لأن وقتها مشترك، كما دلت عليه السُّنَّة الصحيحة، بيد أن ذلك لا ينبغي إلا لأصحاب الأعذار، كالمريض والمستحاضة، والمصاب بسلس البول أو انطلاق بطن لا ينقطع، أو سيلان دم لا يرقأ، أو نحو ذلك مما هو مبسوط في كتب الفقه، ومن الأعذار المستحدثة في عصرنا والتي يجب اعتبارها في هذه المسألة دخول العمال في مصانعهم، والطلبة في مدارسهم الرسمية والموظفون في دوائر عملهم بعد الظهر بقليل، ولا يؤذن لهم بالخروج منها إلا في آخر الوقت، أو عند الغروب، بحيث لا يدركون الصلاة بأركانها الواجبة كالطهارة، فهؤلاء ينبغي لهم أن يصلوا العصر على إثر أداء فريضة الظهر، وليس هذا بجمع بين الصلاتين، فلا يشترط فيه ما يشترط في الجمع المسنون، وإنما هو أداء صلاة منفردة بعد أداء صلاة أخرى كذلك» (2).
(1) بيوض فتاوى الشيخ بيوض، 166/ 1 - 167.
(2) بيوض: فتاوى الشيخ بيوض، 167/ 1. (2/428)
صفحة 945
الفصل الثالث: القاعدة الكلية الكبرى الثالثة
مجمل القول:
429
ولا ريب أن ما أفتى به الشيخ بيوض حمدالله في الترخيص بجواز تقديم صلاة العصر إلى وقت الظهر في الحضر لمن تعذر عليه أداء صلاة العصر في وقتها، فيضطر إلى تأخيرها حتى وقت المغرب يعد مخرجاً مناسباً في مثل هذه الحالات الحرجة؛ لأن فيها تيسير وتخفيف على أصحاب الأعذار، ورفع للحرج والمشقة عنهم، وما أحوجنا في هذا العصر إلى فقيه ينظر إلى الأمور برؤية مقصدية وواقعية تجمع بين الحفاظ على الثوابت والتيسير في المتغيرات، حتى لا تتعرض أحكام الله إلى التصادم مع الواقع المخالف لشرع الله؛ لأن الجمود على النصوص دون فهم صحيح يجعل بعض الناس ـ ضعاف الإيمان - يتساهلون في ترك واجباتهم الدينية بحجة الضرورة، «والضرورة تقدر بقدرها وينبغي على المفتي أن يراعي في فتواه مقاصد الشريعة العامة التي تدعو إلى حفظ الدين، ويعمل بقواعد الفقه التي تعتبر «الحرج في الشرع مرفوع»، و «المشقة تجلب التيسير حتى يرغب الناس في عبادة الله والالتزام
بشرعه.
3 - في حكم النوم بالمسجد
كثير من الناس يتضايقون عندما يجدون بعض المصلين ينامون في المسجد في بعض الأوقات، مثل القيلولة أو بعد العشاء، أو لانتظار الصلاة القادمة، اختلف العلماء في هذه المسالة، فمنهم من يرى المنع، ومنهم من يرخص في ذلك، ومنهم من يكره ذلك، ومنهم من يجوز ذلك للغرباء والمسافرين، وقد بحث السالمي هذه المسألة ونقل آراء الفقهاء فيها، ومما جاء في «معارجه» تحت عنوان في النوم في المسجد وفيه مذاهب: الأول: الترخيص، ونسب إلى سعيد بن المسيب، والحسن البصري، وعطاء بن أبي رباح، والشافعي. (2/429)
صفحة 946
430
القواعد الفقهية عند الإباضية
الثاني الكراهة، ونسب إلى الأوزاعي، وعن ابن عباس: «لا تتخذوا المساجد مرقداً، وروي عنه: إن كنت في صلاة فلا بأس). الثالث: جواز ذلك للغرباء الذين يأتون يريدون الصلاة دون الرجل الحاضر، ونسب هذا القول لمالك.
قال أحمد بن حنبل: إذا كان رجل في سفر، وما أشبه فلا بأس، وأما أن يتخذه مبيتاً ومقيلاً فلا.
قال ابن المنذر وبه قال إسحاق بن راهويه.
قال أبو سعيد (الكدمي): إن كان مسافراً محتاجاً إلى ذلك جاز، وكذا إذا دخله لذكر أو صلاة، أو لمعنى مما هو متخذ له مباح فيه، واحتاج إلى نوم فيه على وجه الراحة، ولو كان غير، وكان له منزل كان هذا جائزاً، وأما أن يتخذه سكناً، فهو محجور إلا من حاجة» (2).
ونقل السالمي أدلة أصحاب هذه المذاهب وعقب عليها وقال:
أ ـ حجة المرخصين: ما روي عن الرسول لا أنه كان لا ينهى أحد من الشباب وغيرهم عن النوم في المسجد.
قال ابن عمر وكنا في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم ننام في المسجد، ونقيل فيه ونحن شباب لم نتزوج (3)، وكان أهل الصفة مقيمين فيه ليلاً ونهاراً، كان إذا قدم على رسول الله الله و رهط من الفقراء أنزلهم مع أهل الصفة في
(1) ذكره النووي، المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج، 1923. أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف ـ كتاب الصلاة في النوم في المسجد - حديث: 4849 بلفظ قريب منه عن مجاهد. ونصه: «عن أبي الهيثم قال: نهاني مجاهد عن النوم في المساجد».
(2) السالمي: معارج الآمال، 178/ 4 – 179. (3) رواه ابن ماجه، كتاب المساجد والجماعات النوم في المساجد، رقم 743، وأحمد، مسند المكثرين من الصحابة، مسند ابن عمر، رقم 4607، الأرنؤوط: إسناده صحيح على شرط الصحيحين. (2/430)
صفحة 947
الفصل الثالث: القاعدة الكلية الكبرى الثالثة
—
—
المسجد، وكان إذا مرض أحد منهم ضرب عليه الرسول خيمة ثم يصير يعوده حتى يبرأ.
وقال أبو ذر له: كنت أخدم رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا فرغت من خدمته آويت إلى المسجد فاضطجعت، فكان هو بيتي
(1)
وقيل: إن عمر لا والله كان يلتف في عباءته فينام في زاوية المسجد ()، وكان عثمان يقيل في المسجد أيام خلافته (3).
ب - أدلة المكرهين
قال السالمي: «فلعلهم يحتجون بما روي عن جابر قال: أتانا رسول الله صلى الله عليه وسلم
(4)
ونحن نائمون في المسجد فحركنا بعسيب (4) كان في يده وقال: «قوموا لا ترقدوا في المسجد، فإنما بنيت المساجد لما بنيت له» (ه)».
(1) رواه أحمد، مسند الأنصار، حديث أبي ذر الغفاري، رقم 21329. بلفظ: «كنت أخدم النبي ثم أتي المسجد إذا أنا فرغت من عملي فأضطجع فيه». قال الأرنؤوط: «إسناده ضعيف». (2) رواه الترمذي، كتاب الصلاة، باب ما جاء في النوم في المساجد، رقم 322، والنسائي، كتاب الصلاة، باب النوم في المسجد، رقم 730. وقال الترمذي: حسن صحيح. (3) رواه البيهقي في السنن الكبرى، كتاب الصلاة، باب المسلم يبيت في المسجد، رقم 4513. السالمي، معارج الآمال، 179/ 4.
(4) جاء في لسان العرب أنّ العسيب جريدة النخل مستقيمة دقيقة يكشط خوصها، وقيل: هو جريد النخل إذا نُحي عنه خوصه، والعسيب من السعف فُوَيْق الكرب لم ينبت عليه الخوص، وما ينبت عليه الخوص فهو السعف، وفي الحديث: «خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي يده عسيب من نخل، فعرض به على صدري». أخرجه الطبراني في مسند الشاميين ـ ما انتهى إلينا من مسند بشر بن العلاء أخي عبد الله ما انتهى إلينا من مسند معاوية بن سلام - معاوية عن زيد بن سلام حديث: 2804 عن عبد الله بن مسعود في حديث طويل. قال ابن الأثير: أي جريدة من النخل،
هي
السعفة مما لا ينبت عليه الخوص ينظر ابن منظور لسان العرب، 197/ 9 - 198. (5) لم أجد الحديث فيما بحثت من مصادر. وقد قال الترمذي: «حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ وَقَدْ رَخَّصَ قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي النَّوْمِ فِي الْمَسْجِدِ قَالَ ابْنُ عَبَّاسِ لَا يَتَّخِذُهُ مَبِيتًا
وَلَا مَقِيلًا وَقَوْمٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ ذَهَبُوا إِلَى قَوْلِ ابْنِ عَبَّاس». سنن الترمذي، 39/ 2. (2/431)
صفحة 948
432
ج
-
أدلة المجوزين:
القواعد الفقهية عند الإباضية
قال السالمي: فنظر هؤلاء إلى المسافر دون غيره، وفي موضع الضرورة والحاجة دون غيرها، فلعلهم حاولوا الجمع بين أدلة الترخيص ودليل الكراهة، فحملوا ما ورد من أدلة الترخيص على حالة الضرورة أو السفر، فإن الناس كانوا في ضيق معيشة وضرورة لا تخفى على أحد، فأهل الصفة وغيرهم كانوا لا منازل لهم فاحتاجوا إلى المسجد، وأما من وجد غيره مسكنا ومحلاً فلا يؤويه إلا للعبادة وأنواع الطاعات، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «قوموا لا ترقدوا في المسجد فإنما بنيت المساجد لما بنيت له» (1).
4 - في حكم الأكل في المسجد الأكل والشرب في المسجد يحدث كثيراً في بعض البلاد الإسلامية في مناسبات الأفراح أو الأتراح، أو الإفطار في رمضان، فما حكم ذلك؟ وهل يجوز ذلك أم يمنع؟ وهل توجد رخصة للمضطر أم لا؟
بحث السالمي هذه المسألة في «المعارج وبين أهميتها في الحفاظ على حرمة المسجد، ونظافته، فقال في سياق كلامه عن مكانة المسجد في الإسلام واعلم أن الداخل في المسجد إما أن يدخله لنفس الأكل من غير ضرورة إلى ذلك، وإما أن يدخله للأكل مضطراً، وإما أن يدخله لعبادة وذكر وطاعة، ثم يوافق الأكل فيه. فإذا دخله لنفس الأكل لا لضرورة، فقد دخله لغير ما بني له، فإنه إنما بني للعبادة لا للمأكلة، وقد قال صلى الله عليه وسلم: «إنما بنيت المساجد لما بنيت له»). وإن
(1) تقدم تخريجه.
(2) رواه مسلم ـ كتاب المساجد ومواضع الصلاة باب النهي عن نشد الضالة في المسجد وما يقوله من سمع - حديث: 913. ولفظه عن سليمان بن بريدة، عن أبيه، أن رجلاً نشد في المسجد فقال: من دعا إلى الجمل الأحمر»، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا وجدَت، إنما بنيت المساجد لما بنيت له سنن ابن ماجه ـ كتاب المساجد والجماعات باب النهي عن إنشاد الضوال في المساجد - حديث: 763. عن بريدة بن الحصيب بن عبد الله الأسلمي، وصححه الألباني. (2/432)
صفحة 949
الفصل الثالث: القاعدة الكلية الكبرى الثالثة
433
دخله لضرورة، أو إلى الأكل، أو دخله لطاعة ثم وافق الأكل منها، هنا يجوز له الأكل فيه لما روي من حديث عبد الله بن الحارث قال: «كنا نأكل في المسجد على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم الخبز واللحم، وهو ينظر، وربما أكل معنا» (1)، فإن أصاب أكله وعوانه، لزمه أن يزيل ذلك عنه؛ لأن «الضرورة تقدر بقدرها» و «الضرر يزال». وإن كان بأكله يشغل الذاكرين فيه، لم يجز له أن يشغل الذاكرين، ولزمه ترك الأكل إلا إذا كان في ضرورة لا يمكنه التأخير، وذلك أن الذكر أولى
المسجد من
بالمساجد من الأكل، وإن الضرورة يباح معها ما لا يباح في الاختيار» (2).
الرأي المختار: ولعل ما ذهب إليه السالمي هو الراجح؛ لأن المساجد لها وظيفتها المعروفة، وهي مكان العبادة، وطلب العلم، فلا يجوز أن تتخذ مجالس للأكل في الأفراح والأتراح، أو للمسابقات الثقافية، كما يحدث في بعض البلدان، ولا مانع من إقامة ذلك عند الضرورة، بشرط مراعاة حرمة المساجد، والحفاظ على طهارتها، وعدم إزعاج المصلين، والذاكرين، والأفضل أن تخصص أماكن لذلك ولو بجوار المساجد؛ حتى لا تؤخر الفرائض عن وقتها، وتشغل المصلين عن الذكر والصلاة.
د في باب الصوم
ومن التخفيفات التي شرعت في باب الصوم:
جواز الإفطار للمكره:
أجاز الشارع لمن أكرهه الحاكم، أو من له القدرة عليه على الإفطار حتى
(1) رواه ابن ماجه، كتاب الأطعمة، باب الأكل في المسجد، رقم 3291، وابن حبان في صحيحه، كتاب المساجد من الصلاة، باب الإباحة للمرء أكل الخبز واللحم في المساجد،
رقم 1657، ابن رجب هذا إسناد جيد فتح الباري، 370/ 2.
(2) السالمي: معارج الآمال، 181/ 4 - 182. (2/433)
صفحة 950
434
القواعد الفقهية عند الإباضية
خاف على نفسه القتل أو التنكيل به أو خاف على ماله، إذا كان إتلاف ماله
يؤدي إلى إتلاف نفسه أن يفطر مُكرَها ولا إثم عليه، وعليه بدل يومه. قال أبو نبهان جاعد الخروصي في هذا المعنى وكذلك إن أجبره على ترك الغسل من الجنابة ليلاً في شهر رمضان حتى أصبح؛ أما إن لم يجبره وإنما خاف على نفسه لا لما به عذر في حاله، فعليه بدل يومه، وقيل: ما مضى من شهره، وقال: وإن أجبره أن يجامع في شهر رمضان نهاراً، فإنه على ما مضى من الاختلاف في بدل يومه أو شهره إلا أن يكون في العدل لا على ما يحل من الأصل، فعسى أن يلزمه مع البدل الكفارة؛ لأنه موضع ما لا عذر له في ذلك؛ وذلك لأن الله تعالى أباح الشرك عند الخوف، وهو أعظم من
هذا، وقيل: إن أكره على الجماع فلا يفعل فإن فعل انتقض صومه» (1). ويستنتج من عبارة أبي نبهان الخروصي أن من أكرهه غيره على وطء زوجته، ولا يملك القدرة على الصبر والتحمل، فإنه يجوز له أن يستجيب له إذا كانت المرأة زوجته، أما إذا كانت أجنبية فلا تحل له في الصيام ولا في الفطر، فيحرم ذلك ولو بالإكراه؛ لأنه زنى، بل ذهب غيره إلى انتقاض صومه كله مع البدل والكفارة، ولو مع زوجته، وعلل ذلك: أن الفرق بين الأكل والجماع اللذة الموجودة في الجماع (2)؛ لأنه لا يمكن أن يتم الجماع دون لذة واشتهاء، والواقع يؤكد صحة ما ذهب إليه. ـ وقد أشار أبو العباس إلى اختلاف الفقهاء في هذه المسألة فقال: واختلفوا في الجماع في رمضان من المكرَه، فمنهم من جوزه ومنهم من حرمه، وأما الأكل في رمضان فجائز على التقية، وذهب البعض إلى أنه لا يجوز التقية بالفعل، وإنما تكون بالقول فقط، وعليه فلا يجوز أن نقيس من أكره على الإفطار في رمضان بمن أكره على التلفظ بكلمة الكفر.
(1) السالمي: معارج الآمال، 67/ 18. (2) السالمي: المرجع نفسه، 68/ 18. (2/434)
صفحة 951
الفصل الثالث: القاعدة الكلية الكبرى الثالثة
435
وبناء عليه فليس للمكره الإفطار بالتقية، بل عليه الصبر والاحتساب، ولا يكون مثل من قتل نفسه؛ لأن القاتل له غيره، فهو كرجل باشر الجهاد أن يقال إنه قتل نفسه، لكن يقال جاهد فقُتل، وله ثواب جهاده
فقُتِل، لا يصح
وشهادته، وكذلك المقتول على الصوم.
وقالوا: يجب على المكره أن يفوّض أمره إلى الله، ولا ينفذ ما أكره عليه، والتفويض في ما يستطاع دفعه يكون بالتسليم والمدافعة والاحتيال في المخرج ... وفي ما لا يستطاع، يكون بنفس التسيلم والانقياد والرضى بالقضاء، فهو على الحالتين مفوّض، لكنه في الأولى مفوّض مدافع، وفي الثانية مفوّض مستسلم، وذلك حين تعذرت عليه الحيل، فهنالك أُمرنا بالصبر الجميل وتلقي القضاء بالرضى» (1). وبعد أن عرض أبو العباس أنواعاً من الإكراهات، ختمها بقوله: «فهذه الوجوه التي ذكرناها فهو فيها مخيّر، إن أخذ برخصة الله فهو معذور، فإن مات على دينه فهو مأجور» (2).
مجمل القول:
ولكن بعد النظر والتأمل في الرأيين نجد الرأي الأول فيه تخفيف ويسر، ونفي للحرج والمشقة عن المكلف فما دام الشارع لا يحاسب المجبور على قوله وفعله ويرفع عنه الإثم، فلا يترك هذه الرخصة ويُحمل نفسه ما لا تطيق، لقوله تعالى: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَج} (الحج: 78)؛ لأن نفوس الناس ليست واحدة في التحمل والصبر، فهناك من يضعف أمام الخوف والقهر، فيستسلم دون اختياره، كما حدث لعمار بن ياسر الله لما أكره على الكفر، وهناك من يصبر ويتحمل ويحتسب أجره عند الله، كآل ياسر وبلال الحبشي، ولكل أجره
(1) السالمي: المرجع نفسه، ج 69/ 18.
(2) أبو العباس أحمد كتاب أبو مسألة، ص 143. (2/435)
صفحة 952
436
القواعد الفقهية عند الإباضية
وثوابه، فالأول: أخذ بالرخصة، والثاني: أخذ بالعزيمة، ولكن قواعد الشرع وتعاليمه توجهنا إلى عدم التكلف في العبادة، وتحميل النفس فوق طاقتها، وهذا ما نميل إليه، ونلتزم به عند الضرورة؛ لأن النفوس مجبولة على اختار الأسهل والأخف من الأمور، وتبتعد عن المشاق وتتجنب العسر والمشقة والحرج.
هـ ـ في باب الحج
1 - المبيت بمنى في أيام التشريق:
من واجبات الحج المبيت بمنى في أيام التشريق، فلا يجوز لأحد أن يبيت خارج منى ورخص الرسول الله للرعاة أن يبيتوا خارجه، فإذا أصبحوا قدموا لرمي الجمار مع الناس، ولا شك أن الناس، ولا شك أن في هذه الرخصة تخفيفاً عليهم، فلا شك أنهم يجدون مشقة في المبيت بمنئ إذا كانت معهم ماشيتهم، ولا يستطيعون أن يتركوها خارج منى دون حراسة، فربما تعرضت للضياع أو للسرقة، والشارع الحكيم يأمرهم بحفظ أموالهم. قال ابن بركة: وليالي مِنى كلها مبيت، الحاج وليس لهم أن يبيتوا بغيرها، إلا أن النبي رخص للرعاة أن يبيتوا بغيرها، فيصبحوا فيرموا الجمار مع الناس»). وأكد الشماخي هذه الرخصة وقال: «أما المبيت بمنى ليالي من بلغنا عن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يرخص لأحد يبيت بغير منى من ليالي منى إلا الرعاة، ويصبحون يرمون مع الناس (2) (3). قال الثميني: «ومن بات ليالي منى لا بها لزمه بكل دم، ورخص لراع».
(1) ابن بركة: الجامع، 57/ 2.
السنة، فإنه
(2) رواه أبو داود، كتاب المناسك، باب في رمي الجمار، رقم 1977، والترمذي، كتاب الحج، باب الرخصة للرعاة أن يرموا يوماً ويدعوا يوماً رقم 955 عن عاصم بن عدي، وقال
الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.
(3) الشماخي الإيضاح، 23/ 4. (2/436)
صفحة 953
الفصل الثالث: القاعدة الكلية الكبرى الثالثة
437
كما
قال الشيخ أطفيش معلقاً على قوله: وأجاز رسول الله صلى الله عليه وسلم لأهل السقاية من أهل بيته أن يبيتوا بمكة ليالي منى)، ومن زار وبات بمكة ساق هذياً مِنْ حِلٌ لحرم، وقيل لا شيء عليه وأساء، وعن ابن عباس له: «إذا رميت الجمرة فيت حيث شئت» (2)، وكان الحسن لا يبالي إذا زار أن يبيت بمكة، وعندنا (الإباضية) من بات بها بعد الزيارة أو نام بها مطمئناً، لزمه دم، وقيل: من بات عنها ليلة فعليه، درهم وقيل يطعم شيئاً بلا تحديد وإن بات ليلتين فدرهمان وفي الثلاث دم بينها عند بعض وقيل مسكين لليلة واثنان لاثنين ودم لثلاث، وقيل: لاشيء على من بات عن مِنى ولؤ لياليها كلها إن كان يرمي مر، واستحب صاحب «الضياء» (3) أن يصنع لكل ليلة معروفاً كدرهم ونحوه» (4). ونقل القطب أيضاً عن أبي معاوية قوله: وإن نام في محمل أو على حمل فلا عليه وعن محبوب إن غلبت الزائر عيناه فلا عليه، ومن وضع جنبه ولو في محمل أو أرض فنعس فليذبح، وقيل إن نعس منتظراً لأصحابه بمكة، أو في محمل لا متعمد للنوم فلا عليه، وإن سار وانقطع عنه أصحابه أو بعضهم فنام ينتظرهم، فإن تعدى عمران مكة فلا عليه، وقيل: يصنع معروفاً، وقيل: يتوب وعليه في النسيان أو الاضطجاع بلا نوم ولو عمداً، وقيل: من نام بمكة ليالي من كل ليلة، ثلثاً، أو نصفاً أو رُبُعاً فليس بائتاً، وإن بات أكثر فقيل بائتاً، ومن نام بمكة وانتبه ليلاً فمضى لمنى فأصبح قبل أن يصل منى لزمه دم، ومن تعدى البيوت فنام فلا عليه ... ).
(1) متفق عليه، رواه البخاري، كتاب الحج، باب سقاية الحاج، رقم 1527، 1، ومسلم، كتاب الحج، باب وجوب المبيت بمنى، رقم 2318، عن ابن عمر في العباس استأذن فأذن له. (2) رواه ابن أبي شيبة، كتاب المناسك، في المحرم ما يحمل من السلاح، رقم 14614، عن ابن عباس. أبو المنذر سلمة بن مسلم العوتبي الصحاري من فقهاء الإباضية بعمان تقدمت ترجمته. (4) أطفيش: شرح كتاب النيل، لعبد العزيز الثميني، 228/ 4، 255 - 256. (5) أطفيش أمحمد: المصدر نفسه.
(3) هو (2/437)
صفحة 954
438
خلاصة القول:
القواعد الفقهية عند الإباضية
إن الفقهاء لم يتفقوا على حكم واحد فيمن بات خارج مني، كمكة وضواحيها، ولا ريب أن في هذا الاختلاف رحمة للناس، ورفع للحرج والمشقة عنهم، فمن اضطر إلى فعل ذلك، أو وقع منه خطأ أو نسياناً، يعذر ولا يأثم، فمنهم من أسقط عنه العقوبة، ومنهم من ألزمه بشيء كفارة له، وأقصى ما يجب عليه أن يذبح شاة ويتصدق بها، وقيل يكفيه أن يصنع معروفاً غير محدد فيتصدق به، وحجه صحيح، وهذا متيسر لأغلب الناس، ولا تكليف فيه.
ولعل من هذه الأقوال استفاد فقهاؤنا المعاصرين في تقديم الرخصة لمن اضطر إلى المبيت بمكة بسبب الازدحام وتعذر المبيت بمنى في كل ليلة خاصة، لأصحاب الأعذار كالمرضى والعجزة ما داموا يلتزمون برمي الجمرات أيام التشريق، ومن خاف أن يقع في المحظور فليبت جزء من الليل بمنئ، كنصفه أو ثلثه أو ربعه والباقي يكون خارج منى.
كما اعتمدوا على هذه الرخصة في التخفيف على الحجاج، فقاسوا عليها بعد الحالات الاضطرارية، فجوزوا لمن لم يجد مكاناً يأوي إليه في منى، بسبب الزحام أن يبيت جزء من الليل في منى حتى منتصف الليل، ثم يجوز له أن يغادر منئ ليبيت خارجها، ويعود في الصباح ليرمي الجمرات مع الناس، ولا شك أن هذا المخرج قد خفف على كثير من الناس ورفع عنهم الحرج والمشقة الحاصلة، وهذا الحكم يدخل ضمن رخصة الاضطرار، ولا يكون في حالة الاختيار؛ لأن «العلة تدور مع المعلول وجوداً وعدماً»، فكلما وجدت المشقة وجدت الرخصة، وهي التيسير والتخفيف، وإذا زالت المشقة بطلت الرخصة.
2 ـ جواز الإحرام من جدة لحجاج بلدان المغرب الإسلامي: أفتى بعض فقهاء الإباضية المعاصرين بالجواز في إحرام الحجاج
القاصدين الحج بالطائرة عن طريق جدة، وقد احتج بأدلة كثيرة نذكر منها: (2/438)
صفحة 955
الفصل الثالث: القاعدة الكلية الكبرى الثالثة
439
أ ـ ما ذكره الشيخ أطفيش رحم الله في شرح النيل عند قول صاحب «النيل» ما نصه: وجاز لأهل كل ناحية أن يحرم وإن من ميقات غيره، سواء جاء من ناحية ميقات غيره بدون أن يجاوز ميقات نفسه، أو جاوز ميقاته ثم أحرم من ميقات غيره، مثل أن يترك المدني ذا الحليفة ويحرم من الجحفة، وهو الصحيح عندهم، وحملوا المواقيت التي وقتها على ما إذا لا يجيء طريق أهلها بعد مجاوزتها على غيرها.
ذلك
وأما إذا كان يجاوز ميقاته، ويمر بعد ذلك في طريقه على ميقات آخر لحاجة أمْرَتْه عليه، فله أن يؤخر الإحرام إلى الثاني، وكذا إن كان يدور من واحد لآخر، ومن الآخر للثالث، وهكذا لحاجة، أو يحاذي، فله أن يؤخر الإحرام إلى الأخير» (1)، وقال فيه أيضاً: «وأبعد ميقات أهل المدينة تعظيماً لأجرهم، وقيل: هو الأصل، وإنما قربت مواقيت غيرهم رفقاً بأهل الآفاق» (2). ب ـ وعقب الشيخ بيوض بعد سرد تلك الأقوال أنه: «يؤخذ من هذه النصوص أن المسألة خلافية في جميع صورها حتى فيمن جاوز ميقاته غير محرم، ثم أحرم بعد ذلك غير مارّ على ميقات آخر متعمداً، فإن الجمهور على أن حجه صحيح وعليه دم، وقال آخرون لا شيء عليه، والأمر بعد فيمن لم على ميقات من هذه المواقيت، وإنما حاذاها أو مر بعيداً عنها في البر يسير، وأمرُ راكب الطائرة أو الباخرة أيسر وأيسر، ولم يبلغنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في أمر الحاج والمعتمر عن طريق البحر شيء بله الجو، فالمسألة إذا اجتهادية خلافية، وقد علمنا من سننه صلى الله عليه وسلم أنه يرفق بالمؤمنين ويخفف عنهم المشقة ما استطاع إلى ذلك سبيلا، وشهد الله له بذلك بقوله تبارك وتعالى: {عَزِيزُ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ} (التوبة: 128)، وقد رَفَق بحجاج الآفاق فجعل مواقيتهم أقرب إلى مكة بكثير من ميقات أهل
يمر
(1) أطفيش أمحمد: شرح كتاب النيل، 45/ 4. (2) المرجع نفسه، 41/ 4. (2/439)
صفحة 956
440
القواعد الفقهية عند الإباضية
المدينة، ومن أولى من حجاج الآفاق بالرفق والتخفيف من المشقة من حجاج
المغاربة، ومن مثلهم من حجاج البحر والجو من الأماكن البعيدة). ج - ثم عدد الشيخ بيوض بعض المشاق التي تعترض الحجاج في العصر الحاضر، كمشاق ركوب الطائرة والباخرة وحمل المتعة والأزواد على الظهور، واقتحام صفوف المودعين والحرس من كل لؤن، واجتياز مراكز الجُمْرُك ومكاتب جوازات السفر عند الركوب، فهذا أمر عظيم شديد، وأخطر منه، وأشد حالة النزول بجدة واجتياز مراصد هذا الصراط الذي لا يخلص منه إلا قوي، يعلم هذا ويتحققه كل من حجّ على طريق البحر أو الجو، وأكثر من هذا ما يستقبل النازل بجدة من أعمال مختلفة شاقة، كتهيئة منزله، وحمل أمتعته، وصرف نقوده، وتهيئه لدخول مكة» (2).
ثم تساءل في الأخير: «هل يعقل أن يكلف بالقيام بجميع هذه الأعمال
وهو محرم؟ إن هذا والله لعنت شاق وتكلف بما لا يطاق» (3). د ـ ويضيف الشيخ بيوض قائلاً: «بعد هذا فإن الحاج على الطائرة أو الباخرة التي تنزل بجدة، ينوي قطعاً أنه يحج بيت الله الحرام عن طريق جدة، ولا يمكن مطلقاً أن يكون له فيه غير هذه، فجدة هي المرحلة الأولى من غير ريب، وفيها فقط يؤذن له أو لا يؤذن له بدخول مكة من طرف الحكومة القائمة». هـ ـ كما أن الذهاب على الطائرة إلى جدة لا يمر بشيء من المواقيت قطعاً حتى ينزل جدة، وقد قال بعض الأئمة ـ كما رأينا ـ من كان طريقه لا يمر بشيء هذه المواقيت فليحرم من حيث شاء برّاً أو بحراً، فإن قيل: إنه حاذى في طريقه الجوي أحد المواقيت وهو في الجحفة، فقد قال بعض العلماء في المحاذي: إنه لا يلزمه الإحرام بالمحاذاة بل يحرم من حيث شاء إن لم يمر على الميقات.
من
(1) بيوض إبراهيم: فتاوى الإمام الشيخ بيوض، 320/ 1.
(2) بيوض: المرجع نفسه، 321/ 1.
(3) بيوض نفسه. (2/440)
صفحة 957
الفصل الثالث: القاعدة الكلية الكبرى الثالثة
441
و - ويضيف: «لو قلنا بوجوب الإحرام عند المسامتة أو المحاذاة اعترضنا تعذر القيام بواجبات الإحرام في الطائرة؛ ذلك أن الحاج في البر سيراً على الأرض يجب عليه التوقف عند الميقات والقيام بمشروعات الإحرام من اغتسال، ووضوء، وصلاة، ولبس ثوبي الإحرام، ثم الإهلال بالحج أو بالعمرة قبل مجاوزة الميقات، كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه بذي الحليفة، وهذا متعذر على الطائرة، فإن وقت وجوب الإحرام عليه يكون في اللحظة التي تكون فيها الطائرة فوق الميقات، أو في سَمْته من أحد جانبيه، فلا يكاد الحاج يشرع في القيام بشعائر الإحرام حتى تكون الطائرة قد ابتعدت كثيراً عن الميقات ولا يمكنه الإهلال بنسكه حجّاً أو عمرة إلا بعد أميال كثيرة من الميقات (1). ز ـ وبعد أن ساق الشيخ بيوض المبررات الواقعية والمسوغات الممكنة لإثبات تعذر الإحرام قبل الميقات، وفي الطائرة للحجاج المغاربة، خلص إلى القول: فنحن مضطرين إلى القول بوجوب التقديم أو القول بجواز التأخير، وفي التقديم إيجاب لما لم يقم عليه دليل قطعي مع ما فيه من تعريض الحاج إلى مشقة كبيرة، ومع ما ثبت من كراهية كثيرة من الصحابة ومن العلماء لتقديم الإحرام على الميقات، بل منعه بعضهم ولم يجزه، وممن كرهه الإمام مالك فيما صح عنه، فكانت الفتوى بجواز تأخير الإحرام إلى ميقات أهل جدة أولى لما فيه من تخفيف ورفق، ورفع للمشقة عن الحاج؛ ولأن كثيراً من العلماء أجازوا لمن مرَّ على ميقات - وهو يريد أن يمر على ميقات لحاجة ـ أن يؤخر الإحرام إلى الميقات الأخير ولا شيء عليه، ومسألتنا من هذا النوع إذا قلنا إن ميقات الطائر هو أول ميقات يحاذيه في طيرانه، فإنَّ بعده ميقاتاً آخر هو ميقات أهل جدة التي هو مضطر إلى النزول فيها لا مختار، فهو أولى
بحكم الجواز» (2).
(1) بيوض: الفتاوى، ص 322.
(2) المرجع نفسه، ص 323. (2/441)
صفحة 958
=
القواعد الفقهية عند الإباضية
442
خلاصة القول:
بناءً على ما سبق يتضح بعد النظر في الأدلة التي اعتمدها الشيخ بيوض حمد لله وغيره في جواز الإحرام لحجاج الطائرة الذاهبين إلى مكة من ميقات جدة، هو الرأي الراجح وتطمئن له النفس؛ لتجسيده يسر الإسلام وسماحته، وموافقته كذلك لهذي النبي صلى الله عليه وسلم في أوامره ونواهيه، ولا يعتبر هذا الحكم رخصة لمن شاء أن يأخذ بها، بل هو عزيمة كما صرح بذلك الشيخ بيوض؛ لأنه لا يعارض دليلاً معتبراً، وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أمر معه من الصحابة في حجة الوداع ـ وقد أهَلُّوا بالحج ـ أن يفسخوا
حجهم إلى العمرة ليتمتعوا بالإحلال رفقًا بهم وتيسيراً لهم، وتخفيفاً من كلفة الإحرام على ما يأتي بعدهم على أنه لم يبق بينهم وبين الوقوف بعرفات إلا أربع ليال كما ذكر جابر راوي الحديث (1)، على أن الصحابة أنفسهم وهم في مكة كأنهم لم يستشعروا مشقة وكرهوا الإحلال، وراجعوا النبي في أمره حتى غضب، ولم يحلوا من إحرامهم حتى رأوا العزم والجد في أمره وحتى قال: «لولا أني سُقتُ الهذي لأحللت» (2)، أراد النبي صلى الله عليه وسلم
(1) رواه البخاري، كتاب الشركة باب الاشتراك في الهدي والبدنة، رقم 2323، بلفظ: «قدم النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه صبح رابعة من ذي الحجة مهلين بالحج لا يخلطهم شيء فلما قدمنا أمرنا فجعلناها عمرة وأن نحل إلى نسائنا».
(2) متفق عليه رواه البخاري ـ كتاب الحج باب التمتع والإقران والإفراد بالحج - حديث: 1502. ورواه مسلم ـ كتاب الحج، باب بيان وجوه الإحرام - حديث: 2208 عن جابر بن عبد الله بن عمرو الخزرجي، بألفاظ متقاربة ونص البخاري، قال: «حدثنا أبو شهاب، قال: قدمت متمتعا مكة بعمرة، فدخلنا قبل التروية بثلاثة أيام، فقال لي أناس من أهل مكة: تصير الآن حجتك مكية، فدخلت على عطاء أستفتيه، فقال: حدثني جابر بن عبد الله لها: حج مع النبي صلى الله عليه وسلم يوم ساق البدن معه، وقد أهلوا بالحج مفرداً، فقال لهم: «أحلوا من إحرامكم بطواف البيت، وبين الصفا والمروة، وقصروا، ثم أقيموا حلالاً، حتى إذا كان يوم التروية فأهلوا بالحج، واجعلوا التي قدمتم بها متعة»، فقالوا: كيف نجعلها متعة، وقد سمينا الحج؟ فقال: افعلوا ما أمرتكم، فلولا أني سقت الهدي لفعلت مثل الذي أمرتكم،
أنه (2/442)
صفحة 959
الفصل الثالث: القاعدة الكلية الكبرى الثالثة
443
أن يشرع هذا التيسير لأمته فتتمتَّع بالعمرة والحج وهذا مع ما في فسخ نية العبادة بعد الدخول فيها من حرج. وما ذهبنا إليه في هذه المسألة هو ما أقره كذلك شيوخ الإباضية، فقد نُقل عن أبي أيوب وائل بن أيوب من طبقة الربيع بن حبيب رحمه لله «إنما الفقيه الذي يُعلم ما يسع الناس فيه مما يسألونه عنه، وأما التضييق فمن شاء أخذ بالاحتياط). ويؤكد أبو سعيد الكدمي هذا المعنى بقوله: «وليس العالم من حمل الناس على ورعه، وإنما العالم من أفتى الناس بما يسعهم من العلم (2).
ثانياً: في المعاملات:
ومن التخفيفات التي شرعت للناس في باب المعاملات، تيسيراً وتخفيفاً عليهم، ورفعاً للحرج والمشقة عنهم، أمور عديدة نذكر منها: 1 - رخص الشارع في أكل الميتة للمضطر المشرف على الهلاك، ومن مال الغير إذا اضطر إليه ولم يجد غيره مع الضمان له.
ولكن لا يحل مني حرام حتى يبلغ الهدي محله ففعلوا. قال أبو عبد الله: «أبو شهاب
ليس له مسند إلا هذا». (1) وائل بن أيوب الحضرمي، أبو أيوب (حي في 192 هـ) من أهل حضرموت باليمن. عالم فقيه، عاش في القرن الثاني الهجري، من الذين أخذوا العلم عن أبي عبيدة، وهو من الذين روى عنهم أبو غانم مدونته، فقد كان من طبقة الربيع ثم خلفه على رئاسة الإباضية بعد وفاته، وكانت له مساهمات فعلية في إقامة إمامة طالب الحق باليمن، والإمامة بعمان. وكانت له قدم راسخة في الفقه وعلم الكلام، حتى أن أبا عبيدة الصغير، عندما يسأل يقول: عليكم بوائل فإنه آخر عهد بالربيع. وكان في فتواه يحب التسهيل ويقول: إنما الفقيه الذي يعلم الناس ما يسع الناس فيه مما سألوا عنه، وأما من يضيق عليكم، فكل من شاء أخذ بالاحتياط من آثاره: مناظرة مع رجل من المعتزلة، وله سيرة مشهورة ضمن مجموع علماء الإباضية، تنبئ عن رسوخ قدمه وسعة اطلاعه وله سيرة في اعتقاد الدين منشورة. ينظر: الدرجيني طبقات 78/ 2. الشماخي سير، 97/ 1. الباروني: مختصر تاريخ الإباضية،
25. عمر مسعود: الربيع محدثا، 174. معجم أعلام الإباضية بالمشرق، ص 494. (2) بيوض: المرجع نفسه، 324.
عة سير (2/443)
صفحة 960
444
القواعد الفقهية عند الإباضية
2 - ورخص للولي أن يأكل من مال اليتيم بالمعروف إذا كان فقيراً، ومخالطته في الطعام مع تحري الأصلح له.
3 - ورخص في البيوع والمعاملات المالية كبيع السلم، والخيار في بيع المحفلات (1) ثلاثة أيام، ومشروعية الرد بالعيب، وبيع العرايا بخرصها تمراً، والإقالة، والحوالة، والرهن والضمان، والإبراء، والصلح، والقرض والشركة والقراض (المضاربة والحجر على السفيه،
والوكالة، والإيجار والمساقاة والمزارعة والعارية، والوديعة. وقد بين الراشدي علة إباحة هذه الأمور فقال: «المشقة أن كل واحد لا ينتفع إلا بما يملكه، ولا يُستوفى إلا ممن عليه، ولا يأخذ إلا بكلامه، ولا يتعاطى أموره إلا بنفسه فسهل الله الأمور بإباحة الانتفاع بملك الغير بطريق، نحو البيع والاستعانة بالغير بنحو الوكالة، والإيداع؛ وبالاستيفاء من غير مَنْ عليه الدَّيْن بنحو الحوالة، وبالتوثيق على الدَّيْن بنحو الحمالة (الكفالة) والرهن بإسقاط بعض الدين صُلْحاً أو كله إبراء» (3).
ثالثاً في الأحوال الشخصية
ومن التخفيفات التي شرعها الإسلام في باب النكاح، والطلاق، والظهار،
والوصية ونحوها، ما يلي:
1 - في التعامل مع الأجنبية والسافرة
أباح الشارع الحكيم التحدث مع النساء الأجنبيات من وراء حجاب،
(1) المحفلات بضم الميم وفتح الحاء والفاء وتشديد التاء، والتحفيل هو: جمع اللبن في الضرع وإكثاره، فهو كالصرّ، والتصرية، فبيع المحفلات هو بيع ما فيه اللبن كالشاة، أو البقرة،
حبس
وبين يرضعها ليوهم أن لبنها
أو الناقة، أو نحو ذلك، وذلك بأن يترك حلبها أو يحال بينها ما كذلك. ينظر: أطفيش: شرح كتاب النيل لعبد العزيز الثميني، 8/ 190 – 191. بتصرف. (2) الراشدي جواهر القواعد، ص 125 – 126. (2/444)
صفحة 961
الفصل الثالث: القاعدة الكلية الكبرى الثالثة
لقوله تعالى: {وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَنَعَا فَسْتَلُوهُنَّ مِن وَرَاءِ حِجَابٍ} (الأحزاب: 53)، ولكن قد يضطر الإنسان إلى التعامل مع المرأة الأجنبية والاجتماع معها في مكان واحد لاشتراكهما في وظيفة واحدة مثل المدير مع الموظفة والمعلمة، والطبيب مع الممرضة، والطبيبة مع المريض، فلو منع ذلك للحقهم مشقة وحرج وعنت ولذلك رخص لهم يشترط انتفاء الخلوة بينهما، وفي هذا يسر وتخفيف على الناس ورفع للحرج والمشقة.
تعرض الشيخ أطفيش إلى هذه المسألة في كتاباته، وبين حكمها وحدودها، فقال: «وأن لا يخلوا بأجنبية ولو كانا ثقتين؛ لأن الشيطان معهما يوسوس، والقلوب تَحيَى، وتموت إلا قريبته التي ليست بمحرَم وجارته، فإن كان التكلم لها وبينهما باب أو جدار مكروهاً لها، أو فيه مشقة لها، فله الفتح لها، أو أن يدخل إليها، فإن تكلمت هي من وراء ذلك فحسن جميل»).
ويبين القطب في موضع آخر حكم مصافحة النساء، إذا ابتلي الإنسان بذلك، فيقول: ويجوز مصافحة أجنبية، ومن تحل من فوق الثوب عندهم ببسط الأصابع لا عندي، ولا تُصافح محرمها المعروف بالفسق، وأجازه غيري، إن لم تخفه ... (2) (2)
ويفهم من عبارة القطب أنه لا يرى مصافحة النساء الأجنبيات خلافاً لغيره، أما المحارم فيجوز ذلك إذا أمنت الفتنة، أما إذا خافت منه ذلك، فلا يجوز. ولا شك أن المقصد من مشروعية هذه الرخص التخفيف عن الناس المشقة عنهم لأن «المشقة تجلب التيسير». ومنها: أنه يتحرج كثير من الناس في كيفية التعامل مع النساء المتبرجات السافرات اللواتي لا يستترن من الرجال، ويختلطن بهم في الأماكن العامة،
ورفع
(1) أطفيش: شامل الأصل والفرع، 148/ 1.
(2) أطفيش: المصدر السابق نفسه. (2/445)
صفحة 962
446
القواعد الفقهية عند الإباضية
كالأسواق، والإدارات، والمستشفيات والمصانع، والمدارس، فهل توجد
رخصة في التعامل معهن؟ وما حكم الوضوء والصوم بالنظر إليهن؟ انقسم الفقهاء في حكم هذه المسألة إلى فريقين: فمنهم من يرى المنع ومنهم من يرخص ذلك بشروط.
مطلقاً،
الفريق الأول: المنع مطلقاً:
قال السالمي: «لم يحرم الله الا الله التبرج على النساء إلا بعد أن أمر الرجال بغض الأبصار، وحرم عليهم النظر إلى ما لا يحل إظهاره من النساء والرجال، فلا يحل لأحد أن ينظر إلى بدن امرأة ليست له بذات محرم، ولا لزينتها وإن كانت متبرجة، فإن تبرجها لا يبيح ما حرم الله منها».
حرم
الله
وقال: «إن التبرج حرام، والحرام لا يبيح ما من النظر المحجور، فالمتبرجات وغير المتبرجات من النساء سواء، وعلى كل مسلم أن يغض بصره عن العورات ما استطاع، ويعفى عنه من نظره ما ليس يقدر على كفه» (1).
الفريق الثاني: الجواز بشروط:
وذهب بعض فقهاء الإباضية إلى جواز النظر إلى المرأة المتبرجة، قياساً بالعجائز اللائي لا يرجون نكاحاً والإماء؛ لأنهن لا حرمة لهن، ونُقل هذا الرأي عن أبي عبيدة، مسلم، ومحمد بن إبراهيم الكندي.
قال هاشم بن غيلان: سئل أبو عبيدة عن نساء تهامة ونحوهن اللاتي لا يستترن ويتبرجن فقال: هن مثل الإماء، فقيل ذلك لبشير فقال: لا، لعمري الإماء مال، وأما الحرائر فَغُض ما استطعت.
وسئل عن المرأة الفحلة التي لا تستتر هل يصلح أن ينظرها؟ قال: إنما أمرنا أن نغض عن من يستتر. وقال أبو عبد الله محمد بن محبوب) على الرجل أن يغض عنها بصره وإن لم تستتر؛ لأن الله تعالى قد أمرها بالاستتار.
(1) السالمي: معارج الآمال، 207/ 2. (2/446)
صفحة 963
الفصل الثالث: القاعدة الكلية الكبرى الثالثة
447
ويرى أصحاب هذا القول أن النظر إليهن لا ينقض الوضوء، وكذلك الصوم، قال أبو عبد الله محمد بن إبراهيم (1) في نساء الجيران الأجنبيات من اللواتي لا يستترن من الرجال: يعجبني أن لا ينقض وضوء من نظر إليهن كالمتبرجات. قيل له فظاهر قدميها لا يمكنها ستره وهي ممن تستتر: أتكون كالمتبرجات؟ قال: يشبه أن المعنى واحد.
ويفهم من هذا الأثر الذي نقل عن أبي عبيدة مسلم وعن محمد بن إبراهيم الكندي ـ رحمهما الله ـ ما يدل على الترخيص في النظر إلى المتبرجة؛ لأنها قد هتكت حُرمتها وأسقطت مروءتها (2).
ونقل السالمي أدلة هذا الفريق وحججهم وما اعترض عليهم، وناقشهم فقال: «وأشار بعضهم إلى أن إباحة النظر إلى المتبرجات مقيس على إباحة النظر إلى العجائز اللائي لا يرجون نكاحاً، والجامع بينهما أن النظر إلى كل واحدة منهن لا يفتن ولا يكاد يحدث شهوة».
وأشار بعضهم إلى أن المتبرجة مقيسة على الأمة؛ لأن الأمة لا حُرمة لها، فعورتها عورة الرجل، وقد أسقطت المتبرجة حُرمتها فهي مثل الأمة في خسَّة المنزلة.
واعترض عليهم أبو المنذر بشير بن محمد بن محبوب، فقال: «لا لعمري الإماء مال، وأما الحرائر فغُض ما استطعت».
وعقب السالمي: فهذا الكلام من أبي المنذر يدل على ثبوت الفرق بين المتبرجة والأمة، فهو اعتراض على من قاس المتبرجة بالأمة، ووجه الاعتراض أن الإماء إنما أبيح النظر إلى أبدانهن لكونهن مالاً متصرفاً فيه، لا لكونهن مسقطات لحرمتهن والحرائر لسْنَ كذلك ... » (3).
(1) هو محمد بن إبراهيم الكندي صاحب موسوعة بيان الشرع من علماء الإباضية في القرن
الخامس الهجري، تقدمت ترجمته.
(2) السالمي: معارج الآمال، 207/ 2. (3) السالمي: معارج الآمال، 208/ 2. (2/447)
صفحة 964
448
القواعد الفقهية عند الإباضية
ويضيف: «كما أن قياس المتبرجات بالنساء العجائز قياساً مع الفارق، فهؤلاء لا يرغبن في الزواج، ولا يرغب فيهن الرجال، أما المرأة المتبرجة قد تكون شابة فاتنة تغري الرجال بمفاتنها وترغب في النكاح، وفتنتها أعظم من العجائز وما نسمعه في عصرنا من افتتان أرباب البيوت بالخادمات وسقوطهم في فتنتهن واللواتي بمنزلة الإماء ما دمن تحت مسؤوليتهم، يجعلنا نجزم بأن المتبرجات لسن بمنزلة العجائز ولا الإماء، وخطرهن على الرجال شديد، فهن سبب لخراب كثير من البيوت، وأمر الشهوة وتأثيره على الرجال يختلف من شخص إلى آخر، لا يمكن بحال ضبطه، وأحكام الشريعة تقوم على الاطراد، وليس على الحالات الشاذة التي لا تتأثر بالنظر إلى المرأة السافرة،
فتأمل ذلك» (1).
الرأي المختار:
متبرجات
إن النظر إلى النساء عموماً وخاصة إذا صحبته الشهوة حرام، سواء كن لا، إلا لضرورة، والضرورة تقدر بقدرها»، وينبغي لكل مسلم أن يبذل جهده في غض بصره عن العورات قدر طاقته ووسعه، ويعفى عن المسؤولية بعد ذلك، إذا كان نظر فجأة، أو كان في ذلك مشقة وعنت، خاصة لمن ابتلي به في العمل أو الدراسة أو الأسفار، وفي هذا تخفيف وتيسير عملاً بالقاعدة الفقهية المشهورة «المشقة تجلب التيسير».
2 ـ في تحديد المهور: شرع الإسلام الزواج وجعل من أركانه أو شروطه الصداق، فلا تحل المرأة بدون صداق، ولكن الناس تغالوا في هذا الصداق، فبالغوا في رفعه، حتى عجز الشباب عن الزواج، وكثرت العنوسة بين الفتيات، وقد عالج الإباضية هذه المسألة، وأفتوا بتحديد المهور، ولعله من أنجع السبل للقضاء
(1) السالمي: المصدر نفسه. - بكلي عبد الرحمن فتاوى البكري، 262/ 1 - 263. (2/448)
صفحة 965
الفصل الثالث: القاعدة الكلية الكبرى الثالثة
449
على العنوسة وبوار البنات الذي كان الرسول صلى الله عليه وسلم يستعيذ بالله منه، لما ينتج عنه من مفاسد أخلاقية واجتماعية فيضيع النسل، فلا مناص من تحديدها قطعاً لدابر الفتنة، لا سيما في عصرنا الذي تفشت فيه مظاهر الميوعة ووسائل الغواية، وتعسّر على الشباب سبيل الحلال وتيسرت سبل
الحرام.
وبناء على أن أحكام الشريعة حنيفة سمحة قائمة على مبدأ التيسير ورفع الحرج، لقوله تعالى: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَج} (الحج: 78)، وقوله: {وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَلَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ} (الأعراف: 157)، وفي حديث أنس له أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «يسروا ولا تعسروا). وقد تقرر في القواعد الفقهية الكلية أن المشقة تجلب التيسير»، ومراعاة لكل ما سبق، فقد ذكر شيخنا الشيخ بالحاج محمد أن أهل الحل والعقد من إباضية المغرب بجنوب الجزائر في وادي ميزاب قرروا تحديد المهور وجعلوها «صداقاً موحداً بالنسبة لجميع الناس غنيهم وفقيرهم، حاكمهم و محكومهم، تحدد للجميع مهر واحد مضبوط نوعا وجنساً، ويختلف مقدار الثيب عن البكر، إلى النصف، ويشرف على ضبطه وتعديله - متى دعت الحاجة - مجلس العزابة (2) في كل مدينة من مدن الوادي، ويراعى في
رقم
(1) متفق عليه رواه البخاري، كتاب العلم، باب ما كان النبي صلى الله عليه وسلم يتخولهم بالموعظة، و مسلم، كتاب الجهاد، باب في الأمر بالتيسير وترك التنفير، رقم 1734، عن أنس. (2) نظام العزابة، وحلقة العزابة، وهيئة العزابة، ومجلس العزابة كلها مصطلحات تستعمل في المراجع مترادفات، وهي في أصلها تمثل مراحل تطور النظام. وتقوم مقام إمامة الظهور في مسلك الكتمان عند إباضية المغرب. أول من أنشأ هذا النظام هو أبو عبد الله محمد بن بكر الفرسطائي سنة 409 هـ / 1018 م في وادي ريغ بالجنوب الجزائري (بلدة أعمر قرب مدينة تقرت حالياً). ويشترط في الالتحاق بهذا النظام شروط خاصة. ينظر: معجم مصطلحات الإباضية، تأليف عة من الباحثين، ط 1، 1429 هـ / 2008 م، نشر وزارة الأوقاف مجمو والشؤون الدينية سلطنة عُمان، 702/ 2. (2/449)
صفحة 966
القواعد الفقهية عند الإباضية
تحديده طاقة غالبية السكان وحالة معاشهم؛ فلا يسمح بالزيادة عليه بالنسبة للغني، ولا بالإنقاص منه بالنسبة للفقير، إذ العبرة رضا الزوجين أحدهما بالآخر، وما الصداق إلا رمزاً للتراضي والإحسان بينهما، وليس ثمنًا تقوم به المرأة حتى يقدَّر لها بحسب قيمتها من الحسب أو المال أو الجمال، إذ الحر لا يقوم ولا بملء الأرض ذهباً، وذلك منعاً لمغالاة الناس في المهور التي تؤدي عادة إلى العنس، وعزوف عن الزواج عجزاً، وهو بدوره يؤدي حتماً إلى انتشار الفاحشة والرذيلة، وترويج دور البغاء» و «كل ما أدى إلى الحرام والمحظور فهو حرام محظور بالمنع»، «وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب (1).
وبعد أن نقل الشيخ محمد إجماع فقهاء الإباضية في منطقة ميزاب على تحديد المهور، خلص إلى القول: وعليه فإذا اتفق أعيان مدينة من مدن وادي ميزاب على ذلك صار واجب الإتباع، ولا تجوز مخالفته، إذ هو حكم ثابت بناء على اعتبار المصلحة المرسلة، ولا تتم إقامة شعيرة الزواج وتحصين الأيامى إلا به، وهو من الأعراف المعتبر شرعاً (2).
3 ـ في الطلاق والخلع
ومن التخفيفات التي شرعت للزوجين إباحة الطلاق، فلم تجعل المرأة غلا عنقه، وكذلك شرع الخلع، وهو الفراق على عوض، جعله الله للمرأة تفدي نفسها بمال إن خافا ألا يقيما حدود الله (3).
في
(1) الشيخ بالحاج محمد بن بابه: أصول الجمع وكليات الوفاق بين المذهبين: الإباضي والمالكي مع تخريج بعض الفروع الخلافية، ص 94.
(2) إتبيرن مصطفى: المصلحة المرسلة عند الإباضية، 166 - 168. يراجع أيضاً: فتاوى الشيخ بيوض، 343/ 2 - 344. (3) الراشدي: المرجع السابق. - أبو العباس أحمد، كتاب أبي مسألة، ص 159 و 161. - الحضرمي أبو إسحاق مختصر الخصال، ص 168. (2/450)
صفحة 967
الفصل الثالث: القاعدة الكلية الكبرى الثالثة
451
ـ في باب الوصية:
شرع الإسلام، الوصية وهي ما يتركه الوصي من بعده لاستدراك ما فرط في الحياة، وتكون في حدود ثلث التركة؛ دفعاً لضرر الورثة، وتخفيفاً عليه، ورفعاً للضرر الذي قد يلحقه بنفسه وبغيره، لو انتقل إلى ربه ولم يترك وصية، وعليه تبعات في ذمته الله وللناس.
رابعاً في باب الجنايات والعقوبات
فرض الشارع الحكيم حكم القصاص على القاتل عمداً، ولكن أعطى لِوَلي المقتول حق الاختيار بين القصاص والدية، وإن شاء عفا، وهذا للتخفيف على الناس، فقد يكون القاتل من أقرباء المقتول، فحتى لا يفقد الولي قتيلين بسبب العدوان والقصاص رخص له الشارع التنازل عن القصاص والقبول بالدية إن شاء، حقنًا للدماء (1).
(1) الراشدي جواهر القواعد، ص 126 - 127. (2/451)
صفحة 968
المبحث السابع |
القواعد المتفرعة عن القاعدة الكبرى
المشقة تجلب التيسير»
قاعدة: «المشقة تجلب «التيسير كثيرة الفروع وعميقة الجذور في الإسلامي، ويتفرع عنها قواعد فرعية، وردت عند الإباضية نذكر منها: 1 - قاعدة: «الضرورات تبيح المحظورات».
2 - قاعدة: «ما للضرورة يقدر بقدرها».
ه
-
- قاعدة: «ما جاز لعذر بطل زواله».
قاعدة: «الحاجة تنزل منزلة الضرورة عامة كانت أو خاصة».
قاعدة: الاضطرار لا يبطل حق الغير».
- قاعدة: «إذا تعذر الأصل يصار إلى البدل
- قاعدة الميسور لا يسقط بالمعسور».
الفقه
ولم تتعرض هذه الدراسة لقاعدتي: «إذا ضاق الأمر اتسع»، وعكسها: «إذا اتسع الأمر ضاق»، لأنه لم نجد إشارة إليهما في المصنفات الإباضية، وكذلك وجدت بعض الفقهاء لم يتعرضوا لها، وبعضهم أدرجها في قاعدة: «الضرورات تبيح المحظورات ولذلك ستكتفي بدراسة هذه القواعد من باب التمثيل، وليس بالحصر وتفصيل ذلك في المطالب التالية. (2/453)
صفحة 969
المطلب الأول
قاعدة الضرورات تبيح المحظورات
أولاً وجه إدراجها تحت قاعدة: «المشقة تجلب التيسير هذه القاعدة تفرعت عن القاعدة الكلية الكبرى المشقة تجلب التيسير معتمدة عند الإباضية ومجسدة في كثير من فروعهم الفقهية.
وهي
وقد أدرجها بعض الفقهاء ضمن قاعدة: «الضرر يزال» أو «لا ضرر ولا ضرار واعتبرها فرعاً لها، وقد صرح بذلك الراشدي في «جواهره)، فبعد أن ذكر قاعدة الضرر يزال قال وتحتها قواعد الأولى: «الضرورات تبيح المحظورات» يشترط عدم نقصانها عنها، ولا ريب أنه قد تابع مسلكه كل من السيوطي وابن نجيم في أشباههما ()، وأشار إليها ابن جعفر في وقت مبكر، كما نص عليها أبو سعيد الكدمي في المعتبر» في عبارة قريبة منها، وذلك في معرض حديثه عن طهارة التمر إذا تنجست، فأرشد إلى «تفتيته وتركه في الشمس حتى يجف، فتلك طهارتها؛ لأنه لا يبلغ إلى غسله إلا بالمضرة، ولا ضرر ولا ضرار في الإسلام، وعند الضرورات تزول الأحكام، ويتبدل الضيق سعة، والاختيار غير الاضطرار، وتابعه في ذلك خميس
(3)
الشقصي، والسالمي والظاهر أن اعتبارها فرعاً من فروع قاعدة: «المشقة تجلب التيسير» أولى وأوفق وأنسب؛ وذلك لأن الضرورة نوع خاص من المشقة التي ينبغي رعايتها؛ إذ أن كلّاً من «المشقة» و «الضرورة يطلق على ما يطلق عليه
139
07
(1) الراشدي، جواهر القواعد، ص، (2) السيوطي: الأشباه والنظائر، ص: 114. ـ وابن نجيم: الأشباه والنظائر، ص (3) الكدمي المعتبر، 98/ 3. - ابن جعفر: الجامع، 298/ 1. - الشقصي: منهج الطالبين 62/ 3. - السالمي: معارج الآمال، 222/ 2. (2/454)
صفحة 970
الفصل الثالث: القاعدة الكلية الكبرى الثالثة
الآخر، وكلاهما لون من ألوان الحرج والعسر المستدعي للتخفيف، واليسر على المكلف (1).
وسيظهر لاحقاً أن قاعدة الضرر يزال»، وقاعدة: (لا ضرر ولا ضرار» مجالهما الأوسع هو ما يتعلق بالعدوان على الأموال، أو الأنفس، والأطراف، أو الحقوق. ويبدو أن هاتين القاعدتين غير متحدتين في المعنى، خلافاً لما ذهب إليه بعضهم، بل فيهما نوع من التداخل، بجامع أن كلاهما فيها دفع ضرر، مع الاعتراف باختلاف أسباب الأضرار وعواملها ونتائجها في كل منهما (2).
ثانياً: أهمية القاعدة ومنزلتها في الفقه الإسلامي: إن من الأمور الثابتة المسلّمة عند جمهور المسلمين، أن الشريعة الإسلامية قد التزمت في أحكامها مبدأ رعاية مصالح الناس دنيوياً وأخروياً، فأحكامها مبنية على رعاية المصالح ودرء المفاسد والمتأمل في نصوصها يجد ذلك واضحاً في جميع ما قررته من أحكام وفي مختلف جوانب الحياة، ومن هنا حصل تقسيم الأقوال، والأفعال، والعقود والتصرفات إلى مأمور بها لما فيها من المصالح، ومنهي عنها لما فيها من مفاسد على المتصف بها أو غيره. غير أن الإسلام يحسب حساب الضرورات فيبيح فيها المحرمات، ويحل فيها المحرمات بقدر ما تنتفي هذه الضرورات بغير تجاوزها وزوالها، ولا تَعدِّ لحدودها، وهذا ما يعرف عند جمهور العلماء بقاعدة: «الضرورات تبيح المحظورات فكل محظور في الحالات الاعتيادية يباح في حال الضرورة، بل يرتفع إلى درجة الوجوب والالتزام).
قد
(1) السدلان: القواعد الفقهية الكبرى وما تفرع عنها، ص 254. ـ شبير محمد القواعد الكلية
ص 213 - 214.
(2) البورنو الوجيز، ص 234.
(3) الكدمي: المعتبر، 3/ 107 - 108. (2/455)
صفحة 971
القواعد الفقهية عند الإباضية
ولكن في عصرنا الحاضر كثر استعمال الضرورة على غير وجهها الشرعي، فجعلت ذريعة لفعل كثير من المحظورات، وترك الواجبات تحت ستار مبدأ التخفيف والتيسير على الناس دون التقيد بضوابط الضرورة، أو الجهل بأحكامها، وبالحالات التي يصح التقيد بها عند وجود مقتضياتها، فنرى كثيراً من الناس يحاولون التخلص من أداء الفرائض الدينية في أوقاتها بسبب وجودهم في حفل عام مثلاً، أو اجتماع خاص، أو مباراة كرة القدم، وقد يشرب المسلم الخمر ونحوها من المسكرات المعروفة في ضيافة أو حفلة، بقصد المجاملة أو الاستحياء من الناس.
وقد يستبيح إنسان الفواحش والمنكرات؛ لأنه يدرس في بلد غربي أو شرقي، أو بسبب بعده عن زوجته إذا كان متزوجاً، ولا يجد في زعمه مناصاً من الوقوع في الحرام لكثرة الفاحشة، أو لعدم ضبط نفسه أمام كثرة المفاتن والإغراءات، وقد يبادر التاجر، أو المزارع، أو الصانع، أو الموظف، وغيرهم إلى الاقتراض بفائدة الربا من المصارف العقارية، أو التجارية، أو الصناعية، وكل هؤلاء وأضرابهم يتمسكون بمبدأ الضرورة في الإسلام، ويفتون لأنفسهم ولغيرهم بكل جرأة بإباحة ما حرم الله تعالى). وقد نبه الشاطبي إلى خطورة هذا المسلك فقال: «وربما استجاز هذا بعضهم في مواطن يدعي فيها الضرورة - وإلجاء الحاجة ـ بناء على أن «الضرورات تبيح المحظورات فيأخذ عند ذلك بما يتفق مع الغرض ... ويوافق الهوى الحاضر، ومَحَالُ الضرورات معلوم من الشريعة (2). ومعنى عبارته أنه ليس كل من ادعى الضرورة يسلم له ادعاؤه شرعاً؛ لأن للضرورة حدّاً محدوداً، وحالات معينة، وضوابط دقيقة كما
فيما يأتي:
(1) السدلان القواعد الفقهية الكبرى، ص 254.
•
(2) الشاطبي الموافقات، 94/ 4، [بتصرف يسير].
سنبين
ذلك (2/456)
صفحة 972
الفصل الثالث: القاعدة الكلية الكبرى الثالثة
457
فهذه القاعدة تعتبر من الأصول المحكمة الأصيلة في بناء الفقه الإسلامي،
وهي دليل في ذاتها على مرونة الفقه الإسلامي، ومدى صلاحيته واتساعه
لحاجات الناس.
ثالثاً: معنى القاعدة وضوابطها
كذا
-
-
أ - في اللغة الضرورات جمع ضرورة مأخوذة من الاضطرار وهو الحاجة الشديدة، ويقال: اضطره إلى كذا، بمعنى ألجأه إليه وليس له منه بد، وضره إلى بمعنى ألجاه، وهي الشدة التي لا مدفع لها)، والضروري، ما لا يحصل وجود الشيء إلا به كالغذاء بالنسبة للإنسان والحيوان (2). قال الكدمي مشيراً إلى هذا المعنى: يعجبني أنه إن لزمت الحاجة الملحة التي هي بمعنى الضرورة» (3). ب ـ والضرورة في الاصطلاح هي أن تطرأ على الإنسان حالة من الخطر أو المشقة الشديدة، بحيث يخاف حدوث ضرر أو أذى بالنفس، أو بالعضو أو بالعرض، أو بالعقل أو بالمال ويتعيّن أو يباح عندئذ ارتكاب الحرام، أو ترك الواجب أو تأخيره عن وقته دفعاً للضرر عنه في غالب ظنه، ضمن قيود الشرع (4). وقيل: هي بلوغ الإنسان حدّاً إن لم يتناول المحظور هلك أو قارب كالمضطر للأكل من الخنزير، بحيث لو بقي جائعاً هلك، أو هزل أو مرض مرضاً شديداً، وهي أخص من المشقة).
(4)
(1) الفيومي: المصباح المنير، ص 492.
(2) الأصفهاني الراغب: المفردات، ص 294. ـ الجرجاني: التعريفات، ص
(3) الكدمي: المعتبر، 3/ 107.
(4) الزحيلي نظرية الضرورة الشرعية، ص 67 - 68.
123
(5) الزركشي: المنثور في القواعد 241/ 3. - السيوطي، الأشباه والنظائر، ص 85. (2/457)
صفحة 973
القواعد الفقهية عند الإباضية
والاضطرار هو: «دفع الإنسان إلى ما يضره وحمله عليه، أو إلجاؤه إليه، والملجئ إلى ذلك، إما أن يكون من نفس الإنسان، وحينئذ لا بد أن يكون الضرر حاصلاً أو متوقعاً، وإما أن يكون الملجئ من غير نفس الإنسان، كإكراه القوي ضعيفاً على ما يضره» (1). يفهم من التعريف السابق للضرورة أنه لا بد من تحقيق ضوابط لها، أو شروط فيها حتى يصح الأخذ بحكمها، وتخطي القواعد العامة في التحريم والإيجاب بسببها، وهذه الضوابط (2) هي:
1 - أن تكون الضرورة قائمة منتظرة بأن يحصل في الواقع خوف الهلاك، أو التلف على النفس والمال، وذلك بغلبة الظن حسب العادة والتجربة، أو يتحقق الشخص من وجود خطر حقيقي على إحدى الضرورات الخمس: الدين والنفس، والعقل والعرض أو النسل، والمال. 2 - أن يتعين على المضطر ارتكاب المحظور، بأن لا تكون له وسيلة أخرى من المباحات لدفع الضرر، كأن يوجد في مكان لا يجد فيه إلا ما يحرم تناوله.
{
-
3 - أن تكون الضرورة ملجئة بحيث يخشى تلف النفس والأعضاء. أن يقتصر فيما يباح تناوله للضرورة على الحد الأدنى، أو القدر الكافي لدفع حالة الضرورة، ولهذا قرر الفقهاء قاعدة الضرورة تقدر بقدرها». ه - أن يكون الضرر المترتب على ارتكاب المحظور أقل من الضرر المترتب على وجود حالة الضرورة، كما صرح الراشدي: الضرورات تبيح المحظورات بشرط عدم نقصانها»، وقيَّد كون المحظورات لا تزيد عن الضرورات مخرج لما زاد فلا يباح لمكره على قتل معصوم أو زنى فعل ما أكره عليه؛ لأنه يؤدي إلى مفسدة تقابل حفظ مهجة المكره أو تزيد عليها (3).
(1) محمد رشيد: رضا تفسير المنار، 167/ 6 - 168. (2) الزحيلي نظرية الضرورة الشرعية، ص 69 - 71. (3) الراشدي: جواهر القواعد، ص 139. (2/458)
صفحة 974
الفصل الثالث: القاعدة الكلية الكبرى الثالثة
459
-
أن لا يخالف المضطر المبادئ العامة للشريعة الإسلامية من تحقيق العدل، وحفظ حقوق الآخرين، والحفاظ على أصول العقيدة الإسلامية، وكل ما خالف قواعد الشرع لا أثر فيه للضرورة. 7 - أن يتحقق ولي الأمر في حالة الضرورة العامة من وجود ظلم فاحش، أو ضرر واضح، أو حرج شديد على عامة الناس، إذا لم يرتكب المحظور. - أن يكون زمن الإباحة مقيداً بزمن بقاء العذر فإذا زال العذر زالت الإباحة، ولهذا قرر الفقهاء قاعدة: «ما جاز لعذر بطل بزواله» وقاعدة: إذا زال المانع عاد الممنوع»).
المحظورات جمع محظور وهو الحرام المنهي عن فعله)، والحرام ما طلب الشارع تركه على وجه الحتم والإلزام)، وقيل: هو ارتكاب ما نهى الله عنه في الظروف العادية).
أتلف
والإباحة المقصودة في هذه القاعدة هي: رفع الإثم والمؤاخذة الأخروية عند الله تعالى، وقد ينظم إلى ذلك امتناع العقاب الجنائي، كما في حالة الدفاع عن النفس، والإكراه على الزنا، أما إذا كان المحظور متعلقاً بحق مالي للغير، فهو وإن أبيح ارتكابه للضرورة، فلا مانع من الضمان والمسؤولة، فمن مالاً لغيره فهو ضامن لقيمته إن كان متقوّماً، أو مثله إن كان مثلياً، وإن كان المحظور اعتداء على النفس، كما في حالة الإكراه مثلاً على القتل أو الزنا، فإنه لا يباح بحال، ولا يرخص فيه أصلاً (5).
(1) حيدر علي: درر الحكام شرح مجلة الأحكام، مادة (24)، 1/ 35 ـ شبير محمد: القواعد 214 - 215. - السدلان القواعد الفقهية الكبرى، ص
الكلية، ص:
(2) الفيومي: المصباح المنير، ص 194.
(3) السالمي: طلعة الشمس، 223/ 2.
(4) عبد العزيز محمد عزام قواعد الفقه الإسلامي، ص 312.
250 - 251
(5) السالمي: المرجع السابق، 227/ 2. - ابن بركة الجامع، 191/ 1 – 197. ـ أبو العباس
أحمد: كتاب أبي مسألة،
ص
143 - 144 (2/459)
صفحة 975
القواعد الفقهية عند الإباضية
المعنى الإجمالي للقاعدة:
والمعنى الإجمالي للقاعدة أن حالات الاضطرار أو الإباحة الشديدة تجيز ارتكاب المحظور، أي المنهي عنه شرعاً عن فعله، فكل ممنوع في الإسلام ما عدا حالات الكفر والقتل والزنا، يستباح فعله عند الضرورة إليه، بشرط أن لا ينزل
منزلة المباحات فيتناول المضطر من الحرام بمقدار دفع السوء الأدنى
(1)
رابعاً: أدلة هذه القاعدة:
استدل الإباضية على هذه القاعدة بأدلة من القرآن الكريم والسنة النبوية
ذلك:
من
أ
من القرآن الكريم:
وردت في القرآن الكريم خمسة آيات في مواضع مختلفة، منها آية خاصة نص فيها صراحة على ضرورة المخمصة، أي الجوع الشديد آية المائدة، وهي أما الآيات الأخرى فيفهم منها إباحة المحظور عند وجود الضرورة إليه، ومن هذه الآيات نذكر ما يأتي:
(2)
1 - قال تعالى: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنزيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ) وَالْمُنْخَنِقَةُ (3) وَالْمَوْقُوذَةُ (4) وَالْمُتَرَدِّيَةُ (5) وَالنَّطِيحَةُ (2) وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ)
(1) الزحيلي نظرية الضرورة الشرعية، ص 226.
(2) ما أهل لغير الله به: هو ما ذبح لغير الله. ابن جعفر، الجامع، 560/ 3. قال ابن بركة: «والذي أُهل لغير الله هو ما ذبح للأصنام والأوثان؛ لأن الذابح لهذا كان يرفع صوته كما يرفع المسلمون أصواتهم عند الذبح بذكر الله، والإهلال رفع الصوت في اللغة ومن هذا قيل للمولود أهل إذا صاح، إذا سمع صوته، قيل: استهل». ينظر: ابن بركة: الجامع، 434/ 1. (3) المنخنقة: كانوا يخنقونها حتى تموت، ثم يأكلونها ابن جعفر: الجامع، 560/ 3. (4) الموقوذة: كانوا يضربونها بالخشب حتى تموت فيأكلونها، ابن جعفر نفسه. (5) المتردية: التي تردت في بئر أو تقع من شرف ـ أي من مكان عال ـ وكانوا يأكلونها، ابن
جعفر: نفسه.
(6) النطيحة الكبشان يتناطحان، ويقتل أحدهما صاحبه، وكانوا يأكلونه. (2/460)
صفحة 976
الفصل الثالث: القاعدة الكلية الكبرى الثالثة
461
عَلَى النُّصُبِ وَأَن تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَهِ ذَلِكُمْ فِسْقُ الْيَوْمَ يَبِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَونِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتَمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينَا فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمِ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} (المائدة: (3). وجه الاستدلال بالآية قال ابن جعفر الأزكوي تعليقاً على هذه الآية في سياق بيان أنواع اللحوم المحرمة: «إلا ما ذكيتم من هذا كله فما أدرك من هذا كله في حياة من غير تطرف أو قائمة تركض، أو ذنب يتحرك، ذكر اسم الله عليه، ثم ذبح وتحرك من بعد الذبح، فإنه ذكاته إلا الخنزير فهو حرام إلا من اضطر إليه، وخاف على نفسه، فيأكل منه بقدر ما يحييه ويقوم به ـ لعله أراد جسمه ـ ولا أحداً جهل ذلك» (1). يسع هذه الآية الكريمة يبين سبحانه أن من اضطرته مجاعة إلى الأكل من
ففي
شيء مما سبق ذكره مما حرمه الله في هذه الآية، فإن الله يغفر له ذلك، ولا يؤاخذه به، لكن من كان متجانفاً - أي مائلاً - إلى الأكل منها لغير دفع الضرورة النازلة به، ولكن لمعصية الله، وخلاف أمره فيما أمره من ترك أكل ذلك، واتباعا للشيطان والهوى، فهذا الذي يأثم، ولا يحل له الأكل منها بحال). 2 - وقال رجل: {إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغِ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمُ} (البقرة: 173). وجه الاستدلال بالآية
صلے
قال الطبري في تفسير هذه الآية: فبعد أن ذكر الله الله بعض ما حَرَّم على عباده من المأكولات، كالميتة والدم ولحم الخنزير، ذكر حالة الضرورة، وأنها مستثناة من التحريم، وأن لها حكماً خاصاً، فمن نزلت به ضرورة مجاعة، فاضطر إلى ما حرمه الله؛ من الميتة أو الدم أو لحم الخنزير، أو ما أُهل لغير الله به، وهو الصفة التي وصف الله رحل - غير باغ بأكله ما حرم عليه من أكله، ولا عاد ول ـ
(1) ابن جعفر: الجامع، 560/ 3.
(2) الطبري: جامع البيان، 84/ 6 - 86. (2/461)
صفحة 977
462
القواعد الفقهية عند الإباضية
في
أكله، وله عن ترك الأكل منه بوجود غيره، مما أحله الله له مندوحة وغنى - فمن كان على تلك الحال وتلك الصفة فأكل للضرورة، فلا إثم عليه في أكله (1). ويبين ابن بركة وجه الاستدلال بالآية أن من اضطر إلى أكل الميتة جاز له الأكل منها إلى أن يزول ما به أبيح له الأكل، سواء كان في سفر أو حضر؛ لأن الآية التي أباحت أكل الميتة للمضطر لم تخص وقتاً من وقت ولا سفر من حضر ... كما جعل الله تبارك وتعالى تحريم ما ذبح لغير الله، كتحريم الميتة والدم ولحم الخنزير وبين أمر من اضطر إلى أكل ذلك في الموضع الذي لا يجد فيه غيره، فخاف على نفسه الموت إن لم يأكله، أن له أن يأكل ذلك ولا إثم عليه في أكله»). 3 ـ وقال تعالى: {قُل لاَ أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَى مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَّسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِيَزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ أَضْطَرَ غَيْرَ بَاغِ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} (الأنعام: 145). فهذه الآيات ذكر فيها المطعومات المحرم تناولها في الإسلام، وهي: الميتة وما في معناها من الأنواع الخمسة المذكورة في آية المائدة، والدم المسفوح، ولحم الخنزير والمذبوح لغير الله، وأضافت السنة النبوية تحريم كل ذي ناب من السباع وكل ذي مخلب من الطير، والجوارح والحمر الإنسية، والبغال. فعن ابن عباس الله قال: «نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كل ذي ناب من السباع، وعن كل ذي مخلب من الطير (3). وعن جابر عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم «نهى يوم خيبر عن لحوم الحمر الأهلية، وأذن في لحوم الخيل»).
(1) الطبري: جامع البيان، 86/ 2 - 88. (2) ابن بركة: الجامع، 434/ 1.
(3) رواه مسلم، كتاب الصيد والذبائح، باب تحريم أكل كل ذي ناب من السباع، رقم عن ابن عباس. والشطر الأول منه في صحيح البخاري، 5530.
(4) متفق عليه، رواه البخاري، كتاب المغازي، باب غزوة خيبر، رقم 3982، ومسلم، كتاب الصيد والذبائح، باب في أكل لحم الخيل، رقم 1941، عن جابر بن عبد الله، بلفظ: «ورخص
في لحوم الخيل». (2/462)
صفحة 978
الفصل الثالث: القاعدة الكلية الكبرى الثالثة
463
ويشير الكدمي إلى أن ما حرمه الله لم يقتصر على ما ذكر في الآيات فقط، بل هناك أنواعاً أخرى من المحرمات المطعومات وغيرها، وردت في غير القرآن فقال: «وإنما كان معنى تحريم هذا وتحليله في الدواب من المطاعم، ليس لأنه لم يحرم الله إلا هذا من المحرمات، فقد حرم غير هذا من المناكح والربا، وغير ذلك من المحرمات، وإنما المعنى في تحريم هذا المستثنى من الدواب والطير أنه محرم، وما سوى ذلك من اللحوم من جميع الدواب البرية من ذوات الدماء الأصلية، إذا كانت مذبوحة ذكية بوجه من الوجوه التي تصح ذكاتها، من نحر أو صيد أو ذبح ... ).
جميع
4 ـ قوله عز من قائل: {وَمَا لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُم مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا أَضْطَرِرْتُمْ إِلَيْهِ} (الأنعام: 119)، ففي هذه الآية الكريمة يرشد الله الله عباده إلى الأكل مما ذبح على اسمه وذكر عليه اسمه، ويقول لهم: أي شيء يمنعكم من أن تأكلوا مما ذكر اسم الله عليه، وقد بين لكم ما حرم عليكم.؟! أما ما اضطررتم، فإنها حلال لنا ما كنا مضطرين إليها حتى تزول الضرورة (2).
ه ـ وليس حكم إباحة المحظور في الضرورة مقصوراً على إباحة المطاعم والمشارب المحرمة للمضطر، بل يتعدى ذلك إلى ما هو أعظم منه، فكما أبيح الأكل من الميتة حال الضرورة والمخمصة، أبيح الفعل المحرم حال الضرورة، فقد أباح الله تبارك وتعالى لمن أُوذي أو أكره بالقتل، أو بقطع عضو من الأعضاء التلفظ بكلمة الكفر عند الإكراه عليه مع اطمئنان القلب بالإيمان
ليتَّقي بذلك ضرر عدوه، بدليل قوله تعالى: {مَن كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَنِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَنُ بِالإِيمَنِ} (النحل: 106). ففي الآية بيان حكم عظيم، وهو أن من كفر بالله من بعد إيمانه فعليه غضب من الله، وله عذاب
(1) الكدمي: المعتبر، 158/ 3.
(2) الطبري: جامع البيان، 12/ 8 - 13. (2/463)
صفحة 979
464
القواعد الفقهية عند الإباضية
عظيم
أما من أكره على الكفر إلى أن اضطر للتلفظ به بلسانه، وخالفه قلبه بالإيمان، لينجو بذلك من عدوه، فلا حرج عليه؛ لأن الله سبحانه إنما يأخذ العباد بما عقدت عليه قلوبهم).
- وهكذا فقد تضمنت الآيات السابقة استثناء حالة الضرورة حفاظاً على النفس من الهلاك، والاستثناء من التحريم إباحة، قال الجصاص في أحكام القرآن: «قد ذكر الله تعالى الضرورة في هذه الآيات، وأطلق الإباحة في بعضها بوجود الضرورة من غير شرط ولا صفة وهو قوله تعالى: {وَقَدْ فَصَّلَ لَكُم مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا أَضْطَرِرْتُمْ إِلَيْهِ} (الأنعام: (119)، فاقتضى ذلك وجود الإباحة بوجود الضرورة في كل حال وجدت الضرورة فيها» (3).
وهكذا يتضح أن اللجوء إلى المحظور عند الاضطرار، والنطق بكلمة الكفر عند الإكراه، مما عفا الله العباد عنه، وسوغه لهم بإنزال آيات مبينات.
ب ـ من السنة النبوية:
استدل الإباضية على هذه القاعدة بالأحاديث النبوية المروية في حال
الضرورة منها:
1 ـ ما نقله ابن بركة في «جامعه» من إباحة شرب النبيذ، لوفد عبد القيس لضرورة العلاج رخصة لهم رغم حرمته، وهذا نصه: (وأما ما رواه أصحابنا في آثارهم أن وفد عبد القيس من البحرين لما منعوا من شرب النبيذ لتحريم النبي صلى الله عليه وسلم ذلك عليهم رجعوا في السَّنة المقبلة، أو دخل عليه منهم من دخل وهم في سوء حال لحقهم لمفارقتهم لما كانوا عليه من عادتهم لشرب النبيذ، فأنكر حالهم الله له فسألهم عن حالهم قالوا إنه لما حرم علينا النبيذ اعتلت أجسامنا ولحقنا ما تراه بنا ـ أو كلام هذا معناه ـ فأجاز لهم النبي صلى الله عليه وسلم أن
(1) الطبري: المصدر نفسه، 712/ 14.
(2) الجصاص: أحكام القرآن، ط 2، دار المصحف، القاهرة، 156/ 1. (2/464)
صفحة 980
الفصل الثالث: القاعدة الكلية الكبرى الثالثة
يشربوا في الأديم، فقالوا: إن ببلدنا الجرذان، فقال لي: وإن أكله الجرذان، ونهاهم أن يتخذوه في المزفت والنقير والدباء والخنثم (1) (2).
ويشير ابن بركة في عبارته إلى أن هذه الرخصة المستثناة من حكم التحريم خاصة بهم، ولا تتعدى لغيرهم إلا عند الضرورة، فيقول: «وإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم قد أجاز لهم النبيذ للعِلّة الظاهرة فيهم بعد تحريمه إياه عليهم، فيجب أن يكون التحليل لهم مخصوصا لأجل العلة التي بهم ولا يجب عليهم فيما خص لهم ممن ليس في معناهم وعللهم (3).
وحاول ابن بركة أن يرد على من يعترض على هذا الحكم بقوله: «والخبر إن كان صحيحاً فإنه يحتمل التأويل، إذا لم يرد الخبر على أي وصف، وذلك أن النبيذ أبيح لهم شربه، والمنبوذ هو الملقى في لغة العرب، قال تعالى: فَنَبَذْنَهُ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ سَقِيمٌ} (الصافات: 145). أي ألقيناه، وقوله ل: {فَنَبَدُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ} (آل عمران: 187). أي ألقوه، وقد يجوز أن يكون ما أبيح لهم من النبيذ هو ما تحدث فيه الشدة، وتمكن منه الشكر، ويحتمل أن يكون أباح لهم النبيذ، وإن وجد فيه الشدة.
(1) رواه مسلم، كتاب الأشربة، باب النهي عن الانتباذ في المزفت، رقم 1995، عائشة عن بلفظ: «أن وفد عبد القيس قدموا على النبي صلى الله عليه وسلم فسألوا النبي صلى الله عليه وسلم عن النبيذ؟ فنهاهم أن ينتبذوا في الدباء والنقير والمزفت والحنتم دون ذكر المنع من النبيذ ثم الترخيص. (2) ابن بركة الجامع، 542/ 2 - 543، 551. (3) متفق عليه، رواه البخاري، كتاب الطب، باب من خرج من أرض لا تلائمه، رقم 5395، ومسلم، كتاب القسامة والمحاربين، باب حكم المحاربين والمرتدين، رقم 1671، عن أنس، واللفظ لمسلم: «أن ناساً من عرينة قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة فاجتووها فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن شئتم أن تخرجوا إلى إبل الصدقة فتشربوا من ألبانها وأبوالها»، ففعلوا فصحوا ثم مالوا على الرعاة فقتلوهم وارتدوا عن الإسلام، وساقوا ذود رسول الله صلى الله عليه وسلم فبلغ ذلك النبي فبعث في أثرهم فأتى بهم فقطع أيديهم وأرجلهم وسمل أعينهم وتركهم في الحرة حتى ماتوا». ابن بركة: الجامع، 543/ 2 (2/465)
صفحة 981
466
القواعد الفقهية عند الإباضية
فإن كان النبيذ جائزاً شربه فى حال أو على وصف، وتخصيص لبعض، فيجوز أن يكون على ما روي عن عائشة أنها قالت: «كنا نصنع للنبي صلى الله عليه وسلم نبيذاً
منه
في الليل يشربه في النهار ونصنعه في النهار ويشربه في الليل، فإذا بقي سقاه غيره أو صبّه» (1) (2). وهكذا يظهر من عبارة ابن بركة أنه حاول تعليل سبب إباحة النبيذ لوفد عبد القيس دون غيرهم، فذكر بعض الاحتمالات الظاهرة، كالمرض أو عدم شدته، أو لتحقيق منفعة لهم فيه، ككونه غذاء نافعاً لهم ينقذهم من الهلاك، وهو ما ترجح عنده حسب نصه: وكذلك يجوز أن يكون وفد عبد القيس جاز لهم النبيذ لاضطرارهم إليه، وليحيوا به أنفسهم من سوء
الحال التي بهم». 2 ـ واستدل الإباضية كذلك على حال الضرورة بخبر العرنيين الذين رخص لهم النبي صلى الله عليه وسلم في شرب أبوال الإبل للاستشفاء لعلة كانت بهم وقصتهم وردت في الحديث (4). وقد أكد الشماخي صحة هذا الحديث، فذكره في سياق حديثه عن
(1) رواه مسلم، کتاب الأشربة، باب إباحة النبيذ الذي لم يشتد رقم 2004، عن ابن عباس فقال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينتبذ له في سقاء قال شعبة من ليلة الاثنين فيشربه يوم الاثنين والثلاثاء إلى العصر، فإن فضل منه شيء سقاه الخادم أو صبه.
(2) ابن بركة المصدر نفسه، 543/ 2. (3) ابن بركة: نفسه.
(4) متفق عليه، رواه البخاري، كتاب الطب، باب من خرج من أرض لا تلائمه، رقم 5395، ومسلم، كتاب القسامة والمحاربين، باب حكم المحاربين والمرتدين، رقم 1671، عن أنس، واللفظ لمسلم: «أن ناساً من عرينة قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة فاجتووها فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن شئتم أن تخرجوا إلى إبل الصدقة فتشربوا من ألبانها وأبوالها» ففعلوا فصحوا ثم مالوا على الرعاة فقتلوهم وارتدوا عن الإسلام وساقوا ذود رسول الله صلى الله عليه وسلم فبلغ ذلك النبي فبعث في أثرهم فأتى بهم فقطع أيديهم وأرجلهم وسمل أعينهم وتركهم في الحرة حتى ماتوا». (2/466)
صفحة 982
الفصل الثالث: القاعدة الكلية الكبرى الثالثة
467
حكم بول ما يؤكل لحمه، وبيَّن أن بعض الفقهاء يرى طهارته، واستدلوا بحديث أنس قال: كان رسول الله الا الله أباح للعرنيين أن يشربوا من أبوال الإبل وألبانها مع الضرورة)، وقالوا ولو لم تكن طاهرة لما أباح لهم رسول الله أن يتداووا بها، وهو قد نهى ل أن يتداوى بشيء مما
وعل
حرم الله رحل.
ولكن الشماخي اختار عدم طهارتها؛ لأن الأبوال عند الإباضية كلها نجسة، ما يؤكل لحمه وما لا يؤكل قياساً ببول الإنسان، وصحح هذا القول وقال: «والصحيح عندي أن أهل الضرر تحل لهم أشياء محرمة على غيرهم ممن ليس في حالتهم، رخصة من الله تعالى والرخصة لا يقاس عليها. وقد اختص الرسول هؤلاء الأعراب بتلك الرخصة دون غيرهم، فلم
يُدخل معهم في جواز ذلك وإباحته من لم يكن في مثل حالهم). واعترض بعض الإباضية على صحة هذا الحديث فرد عليهم ابن بركة بقوله: «فإن قال قائل من أصحابنا: إن خبر العرنيين لا نعرفه ولا يجوز أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم يحله وهو حرام، لأجل علة، وقد قال صلى الله عليه وسلم: «ما جعل الله شفاء أمتي فيما حرم عليهم (3)، قيل له: قد أباح الله أكل الميتة للمضطر، وكذلك شرب الخمر حرام وجائز للمضطر شربه ليحيي نفسه، وكذلك ما حرم على الناس من أموال الأيتام والبالغين يجوز أكله في حال الاضطرار). 3 ـ كما وردت أحاديث تبيح تناول الميتة عند الضرورة، من ذلك:
(1) تقدم تخريجه.
(3)
(2) الشماخي: الإيضاح، 345/ 1 - 346. رواه مرفوعاً أبو يعلى في مسنده، حديث أم سلمة، رقم 6966، بلفظ: «إن الله ل لم يجعل شفاءكم في حرام». قال محققه حسين سليم أسد: إسناده جيد. وروي موقوفاً على ابن مسعود، رواه البخاري، كتاب الأشربة، باب شرب الحلوى والعسل، معلقاً، قال ابن حجر:
(4)
سنده
صحيح
على شرط الشيخين». فتح الباري، 79/ 10. ابن بركة: الجامع، 543/ 2. (2/467)
صفحة 983
468
القواعد الفقهية عند الإباضية
أ ـ عن أبي واقد الليثي قال: قلت: يا رسول الله إنا بأرض تصيبنا مخمصة، فما يحل لنا من الميتة فقال: «إذا لم تصطبحوا ولم تغتبقوا، ولم تحتفئوا بها بقلًا، فشأنكم بها). ومعنى الحديث: إذا لم تجدوا ألبنة - تشربونها أول النهار ـ، أو شراباً تغتبقونه أي تشربونه آخر النهار ـ، ولم تجدوا بعد ذلك بقلة تأكلونها، حلّت لكم الميتة). ب - وعن جابر بن سَمُرة أن أهل بيت كانوا بالحرة محتاجين، قال: فماتت عندهم ناقة لهم، أو لغيرهم، فرخص لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم في أكلها، قال فعصمتهم بقية شتائهم أو سنتهم ....
4 ـ ويستدل على هذه القاعدة أيضاً من الأحاديث المروية في إباحة مال الغير عند الضرورة، من ذلك:
ما رواه الترمذي وأبو داود والنسائي من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه عن جده، أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن الثمر المعلق؟ فقال: «من أصاب بفيه من
ذي حاجة غير متخذ خبنة (4) فلا شيء عليه». قال الترمذي حديث حسن (ه).
(1) رواه أحمد، مسند الأنصار، حديث أبي واقد الحارث، رقم 21948، 218/ 5. والطبراني في الكبير، باب الحاء، الحارث بن عوف، رقم 3315 قال الهيثمي: «رواه الطبراني ورجاله ثقات». مجمع الزوائد، 70/ 5. (2) البنا أحمد عبد الرحمن الفتح الرباني، ترتيب مسند الإمام أحمد بن حنبل الشيباني، طبع ونشر دار الحديث القاهرة، 83/ 17.
(3) رواه أحمد، مسند الكوفيين، حديث جابر بن سمرة رقم 20834، والطبراني في الكبير، باب الجيم، جابر بن سمرة، رقم 1946، وأبو يعلى في مسنده، حديث ميمونة، رقم 7448، عن جابر بن سمرة. ينظر: الفتح الرباني للبنا، 12/ 17.
(4) الخبنة: معطف الإزار وطرف الثوب: أي لا يأخذ منه في ثوبه، يقال أخبن الرجل إذا خبأ
شيئاً في خبنة ثوبه أو سرواله. ينظر: ابن الأثير النهاية في غريب الحديث، 9/ 2. (5) رواه الترمذي، كتاب البيوع، باب الرخصة في أكل الثمرة للمار بها، رقم 1289، وأبو داود، كتاب اللقطة، باب التعريف، رقم 1710، عن ابن عمرو بن العاص. قال الترمذي: حديث حسن - والنسائي 84/ 8، وسنده حسن. (2/468)
صفحة 984
الفصل الثالث: القاعدة الكلية الكبرى الثالثة
ه ـ ومن الأحاديث المروية في الدفاع عن النفس أو المال أو العرض: ما رواه مسلم في صحيحه عن أبي هريرة عنه قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله إن جاء رجل يريد أخذ مالي؟ قال: فلا تعطه مالك، قال: أرأيت إن قاتلني؟ قال: قاتله، قال: أرأيت إن قتلني؟ قال: فأنت شهيد، قال: أرأيت إن قتلته؟ قال: هو في النار» (1).
قال أهل العلم: «فإن قتله فلا ضمان عليه؛ لعدم التعدي منه، والحديث عام لقليل المال وكثيره (2)
ولأحمد في مسنده عن أبي هريرة الله أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من اطلع في بيت قوم بغير إذنهم، فقد حلَّ لهم أن يفقأوا عينه» (3). وفي رواية للنسائي عنه: «من اطلع في بيت قوم بغير إذنهم ففقأوا عينه فلا دية ولا قصاص» (4).
ففي
هذا الحديث ونحوه دلالة واضحة على أنه يجوز للمنظور إلى مكانه بغير إذن منه أن يفقأ عين الناظر، ولا قصاص عليه ولا دية؛ لممارسته حقاً مشروعاً له للضرورة.
6 ـ وقد ترجم الإمام البخاري في صحيحه في كتاب الجهاد والسير، باباً
(1) رواه مسلم، کتاب الإيمان، باب الدليل على أن من قصد أخذ مال غيره بغير حق كان القاصد مهدراً، رقم 140، عن أبي هريرة. 24/ 1.
(2) الزحيلي نظرية الضرورة الشرعية، ص 64. (3) رواه مسلم، كتاب الآداب، باب تحريم النظر إلى بيت غيره، رقم 2158، عن أبي هريرة. وأحمد في المسند، 266/ 2 - 385.
(4) رواه النسائي في المجتبى، كتاب القسامة، باب من اقتص وأخذ حقه دون السلطان، رقم 4860، 617، واللفظ له وأحمد، مسند المكثرين من الصحابة، مسند أبي هريرة، رقم 8985، عن أبي هريرة. وأخرجه البخاري، كتاب الديات، باب من اطلع في بيت قوم فلا دية له، رقم 6506، عن أبي هريرة، بلفظ: «لو أن امرأ اطلع عليك بغير إذن
ففقأوا عينه فحذفته بحصاة ففقأت عينه لم يكن عليك جناح. ومسلم 2158. وأبو داود 5172. (2/469)
صفحة 985
القواعد الفقهية عند الإباضية
470
فقال: (باب إذا اضطر الرجل إلى النظر في شعور أهل الذمة والمؤمنات إذا عصَيْن الله وتجريدهن) (1).
وذكر تحت هذا الباب قصة إرسال حاطب بن أبي بلتعة له كتاباً للمشركين بمكة مع امرأة يخبرهم فيه ببعض أخبار النبي صلى الله عليه وسلم، ثم إن النبي صلى الله عليه وسلم أرسل في أثر هذه المرأة بعض أصحابه، فلما أدركوها أنكرت أن يكون معها كتاب، فهدَّدوها إن لم تخرج الكتاب لَيُجرَدُونها من حجزتها (2)، وفي رواية: من عفاصها (3).
ومناسبة هذه القصة للترجمة ظاهرة في رؤية الشعر، ومن قوله في الرواية الأخرى، فأخرجته من عفاصها، وهي ـ ذوائبها المضفورة ـ وفي التهديد بالتجريد إن لم تسلم لهم الكتاب، ولعل في ترجمة الإمام البخاري إشارة إلى ما في حديث عطية، القرظي، إذ قال: «عُرِضنا على النبي صلى الله عليه وسلم يوم قريظة، من أنبتَ قُتل، ومَن لم ينبت خلي سبيله، فكنتُ ممن لم ينبت فخُلي سبيلي»، وفي رواية: كنت في سبي بني قريظة، وكان يُنظر: فمن خرج شعرته قتل، ومن لم تخرج استُحيي ولم يقتل» (4).
(1) صحيح البخاري، 190/ 6، مع الفتح لابن حجر.
:
(2) حجزة الإزار معقده، وحجزة السراويل: مجمع شده، والجمع حجز، مثل غرفة وغرف، واحتجر الرجل بإزاره شده في وسطه، ينظر الفيومي، المصباح المنير، ص 47. (3) صحيح البخاري، ك، الجهاد والسير باب الجاسوس، (143/ 6) مع الفتح، وباب: إذا اضطر الرجل إلى النظر في شعور أهل الذمة، (190/ 6)، مع الفتح لابن حجر.
التحفة،
(4) أخرجه الترمذي في ك، السير باب ما جاء في النزول على الحكم، 207/ 5، مع وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. وأخرجه أبو داود في ك، الحدود، باب الغلام يصيب الحد، (561/ 4) والنسائي في ك، الطلاق، باب متى يقع طلاق الصبي (155/ 6) وفي ك: قطع السارق باب حد البلوغ، وذكر السن التي إذا بلغها الرجل والمرأة أقيم عليهما الحد، (928) وابن ماجه في ك، الحدود، باب من لا يجب عليه الحد، (849/ 2). والدارمي، في ك، السير، باب حد الصبي من القتل، (833/ 3). وفي صحيح سنن ابن ماجه،
(78/ 2) (2/470)
صفحة 986
الفصل الثالث: القاعدة الكلية الكبرى الثالثة
471
ففي
هذا أن من شك في أمره أنبتَ أم لم يُنبت الشعر، كشف عن عانته، لينظر هل أنبتَ أم لم ينبت، وهذا إنما جاز لأجل الضرورة، ومناسبته واضحة مع ترجمة الإمام البخاري.
خامساً: أنواع الرخص التي تتخرج على قاعدة: «الضرورات تبيح
المحظورات:
قد يباح المحظور مؤقتاً دفعاً للضرر عن النفس، فيؤذن للمضطر في تناول المحرَّم، وقد يرخص في الفعل، ولكن حرمته مؤبدة لا تحتمل السقوط أبداً، وقد يرخص في الفعل ولكن حرمته تحتمل السقوط في الجملة، وقد يباح ولا يرخص فيه إطلاقاً، فتلك أربعة أقسام من الضرورات تفصيلها كما يلي: • النوع الأول يفيد إباحة المرخص به أي تغيير حكم الفعل ووصفه ما دامت حالة الضرورة قائمة، فيباح الفعل المحرم كأكل الميتة، ولحم الخنزير للمضطر بقدر دفع الهلاك عند المجاعة، وإساغة اللقمة عند الغصة بالخمر، أو عند العطش، أو عند الإكراه التام (الملجئ) بقتل أو قطع عضو، لأن الاضطرار كما يتحقق بالمجاعة، يتحقق بالإكراه التام لا الناقص، فهذه الأشياء تباح عند الاضطرار، لأن حرمتها ثبتت بالنص عند الاختيار، والاستثناء من الحرمة إباحة)، لقوله تعالى: {وَقَدْ فَصَّلَ لَكُم مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضطررتُمْ إِلَيْهِ} (الأنعام: 119).
وقد نبه السالمي إلى أن الضرورة لا تزيل الوصف المحرم وهو نجاسة الميتة وحرمة ذات الميتة رغم إباحتها للمضطر، وفي هذا يقول: «إن النجاسة باقية ولا ترتفع بالضرورة إلى الأكل؛ لأنه قد يباح للمضطر تناول المحرم والنجس وغيرهما لأجل الضرورة، لا لأجل الطهارة، وهم وإن فهموا من
(1) السالمي: العقد الثمين، 258/ 1. - ابن العربي أبو بكر: أحكام القرآن، 52/ 1 - 53. (2/471)
صفحة 987
472
القواعد الفقهية عند الإباضية
في
إباحة ذلك للمضطر كونه غير حرام في حقه، فهو غير نجس في حقه، فنحن نقول: إن حكم النجاسة والتحريم قائم بالذات، ومع ذلك فقد أبيح للمضطر التناول لدفع الضرورة، ألا ترى أنه ذلك الحال يحرم على غير المضطر ما أبيح للمضطر، وكذلك يحرم على المضطر الزيادة على دفع الضرورة، فبهذا تعرف أن الحكم باق في حالة وإن الإباحة للضرورة فقط، فالمباح إنما هو الأكل لا نفس الميتة ونحوها» (1).
وهذا الملحظ قد يخفى عن كثير من الناس فيفهم من حكم إباحة الميتة للمضطر أن تكون مباحة مطلقاً، ويتوسع في أكلها، وربما يفكر فيها غير المضطر، فهنا يباح الفعل المحرم وهو الأكل، ولا يباح ذات الشيء المحرم وهو الميتة، ما دامت حالة الضرورة قائمة ويرجع حالة تحريم الفعل إذا زالت حالة الاضطرار عملاً بالقاعدة: «ما جاز لعذر بطل بزواله».
وقد يصبح تناول المحرّم واجباً على المضطر والمستكره لما قد يلحقه من ضرر في النفس أو العضو إذا امتنع عن الأكل من الميتة ونحوها حتى مات أو قتل، كان آثماً إن كان عالماً بسقوط الحرمة في حالته ذلك؛ لأنه بالامتناع صار ملقياً بنفسه إلى التهلكة، وقد نُهي عن ذلك. وفي هذا المعنى يقول السالمي: «وأما النوع الثاني من نوعي الرخصة المجازية، فهو ما يكون فعله مشروعاً لنا في بعض المواضع دون البعض ... كالأكل من الميتة والدم ولحم الخنزير مشروع لنا في حال الضرر لقوله تعالى: {إِلَّا مَا أَضْطَرِرْتُمْ إِلَيْهِ}
(الأنعام: 119)، وغير مشروع في حال السعة لقوله تعالى: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ (المائدة: (3)، وحكم هذا النوع وجوب الأخذ بالرخصة، في الموضع المشروع فيه الرخصة، وهو حال الاضطرار في الأكل من الميتة ... حتى أنه لو ترك الأكل من الميتة وهو مضطر إليها حتى مات جوعاً كان هالكاً عند الله تعالى،
(1) السالمي: المصدر السابق، 259/ 1. (2/472)
صفحة 988
الفصل الثالث: القاعدة الكلية الكبرى الثالثة
473
لقوله تعالى: {وَلَا نَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ (النساء: (29)، وهذا قاتل لنفسه حيث وجد إلى إحيائها سبيلاً مباحاً فلم يُحييها).
هذا ولم يتفق الإباضية في جعل حالة الإكراه التام كحال الاضطرار في إباحة المحرمات، فابن بركة أخذ برأي الجمهور كالفخر الرازي)، والسعد التفتازاني)، ويرى غيرهم وجوب الأخذ بالرخصة في أكل الميتة عند الإكراه، وجعلوه كضرورة الجوع).
قال ابن بركة: «فإن أخذه الجبار بشرب الخمر أو الميتة أن يأكلها هل له فعل ذلك؟ قيل له: نعم إذا خاف على نفسه؛ لأن الله جل ذكره قد أباح له ذلك في الاضطرار بقوله وعَ: فَمَنِ اضْطُرَ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفِ لِإِثْمِ} (المائدة: 3)، وقال ول: {فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغ وَلَا عَادٍ} (النحل: 115 (5).
وخالف بعض الإباضية الجمهور، وذهبوا إلى منع الترخص بأكل الميتة ونحوها في حالة الإكراه، وقصروا جواز الترخص بذلك في حالة المخمصة، عملا بمفهوم قوله تعالى: {فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ} (المائدة: 3)، وعقب السالمي على هذا القول: «أنه لا مفهوم من المخمصة فى الآية؛ لأنها ذكرت لكونها
:
(1) السالمي: طلعة الشمس، 228/ 2 - 229. - وينظر السالمي العقد الثمين، 254/ 1 - 255، 258. ـ أبو العباس أحمد: كتاب أبي مسألة، ص 167.
(2) الرازي محمد بن عمر بن الحسين (544 هـ / 606 هـ) فخر الدين: المحصول في علم أصول الفقه، دراسة وتحقيق طه جابر فيض العلواني، ط 2، 1422 هـ / 1992 م، مؤسسة الرسالة، لبنان، 154/ 1.
(3) التفتازاني سعد الدين مسعود بن عمر (ت: 792 هـ): شرح التلويح على التوضيح لمتن التنقيح في أصول الفقه والتنقيح مع شرحه المسمى بالتوضيح للقاضي صدر الشريعة عبيد الله بن مسعود المحبوب البخاري الحنفي (ت: 747 هـ)، ضبط وتخريج: زكرياء عميرات، ط 1، 1416 هـ / 1996 م، مصر، 2/ 265 - 266.
(4) السالمي الطلعة، 272/ 2 - أبو العباس أحمد كتاب أبي مسألة، ص 143. (5) ابن بركة: الجامع، 191/ 1 - 192. (2/473)
صفحة 989
474
القواعد الفقهية عند الإباضية
الأغلب من حالات المضطر، ففي العادة أنه لا يضطر غالباً إلى أكل الميتة ونحوها إلا الجوع الشديد).
ويشير السالمي في عبارته إلى جواز الترخص بأكل الميتة عند الإكراه دون الوجوب، والأخذ بالعزيمة أفضل، فيقول: «وأما المحرم الذي يصح التقية به، فكأكل الميتة والدم ولحم الخنزير وجميع ما أبيح في الضرورة؛ لأن الإكراه نوع من الاضطرار، فينبغي ألا يعطى أحكامه في صحة الترخص، ولكن لما كان المجبور (المُكرَه) لم يحمل نفسه على الهلكة بترك التقية من أكل الميتة ونحوها، وإنما حمله على ذلك الجبار (المُكره) جوّزنا له ترك الترخص بخلاف ضرورة الجوع فإنه إن لم يترخص فيها يكون حاملاً لنفسه على الهلاك، فيجب عليه الترخص هنالك ... والفرق واضح (3).
واختار السالمي هذا الرأي رغم أنه أقر بأن الإكراه نوع من الاضطرار، إلا أنه رفض أن تعطى له أحكامه، ولذلك يرى أن المكره يباح له الأخذ بالرخصة عند الإكراه، ولا تجب عليه، خلافاً للمضطر بسبب الجوع الشديد، ولعله يفرّق بين الحالتين؛ لأن في حالة الاضطرار لا يدفعه إليها إلا الجوع، ولا أحد يجبره على أكل الميتة، فإن امتنع عن الأكل فقد حكم على نفسه بالهلاك، بخلاف حالة الإكراه فإن المكره قد يمنعه من أكل الحلال ويجبره على أكل الحرام، فيجوز له في هذه الحالة أن يتمسك بالعزيمة ولا يأخذ بالرخصة، فإذا هلك أو قتل يكون مأجوراً ويتحمل إثمه الجبار، وقد يغير الجبار رأيه فيعفو عنه فينجو من الموت فيحظى بدرجة الكمال التي ينال بها أعلى الدرجات الله بصبره وتحمله الأذى في سبيل الله.
عند
ولكن قد لا يكون الإكراه ملجئاً وتاماً، ويكون ناقصاً، كالتهديد بالقتل، أو الحبس، أو ضرب لا يخاف منه التلف، فلا يحل له في هذه الحالة أن يفعل المحرم.
(1) السالمي: طلعة الشمس، 272/ 2 - 273. (2) السالمي: نفسه، 272/ 2. (2/474)
صفحة 990
الفصل الثالث: القاعدة الكلية الكبرى الثالثة
475
الرأي المختار:
وعند التأمل في الرأيين نجد ما ذهب إليه بعض الإباضية كالسالمي وغيره الرأي الأعدل والأقرب للصواب، لما فيه من تيسير على الناس، ومراعاة أحوالهم، وخاصة في حالة الاضطرار كالإكراه وغيره؛ لأن في ذلك حفاظاً للنفس الإنسانية من الهلاك.
النوع الثاني: يرخص في الفعل، ولكن حرمته مؤبدة لا تحمل السقوط: أي يبقى الفعل حراماً لكن رُخص في الإقدام عليه لحالة الضرورة فقط، ولكن يمنع الإثم والمؤاخذة الأخروية، مثل إجراء كلمة الكفر على اللسان مع اطمئنان القلب بالإيمان، فإن ذلك يباح بالإكراه الملجئ فقط، (التام)، ومن أكره على قول إلهين اثنين وتحقيق الباطل وإبطال الحق، وولاية الكافرين وبراءة المسلمين باللسان دون القلب، وإثبات نسبه إلى غير المنسوب إليه، أو إنكار نسب غيره وإثباته لغيره، وإنكار الزوجية وإثباتها، وإثبات المال لغير صاحبه وإنكاره عن صاحبه (1).
قال محمد بن جعفر: وقد نظرنا فيما يُبتلى به الناس من جور الجبابرة، وما يظلمونهم به مما لم يجعله الله لهم عليهم، ثم لا يرضون إلا أن يجبروهم على ظلم الناس لهم، أو يدلوهم عليهم حتى يظلموهم، أو يطلبوا من آخرين أموالهم ظلماً ... وقد علم الله أن ذلك سيكون، فقدر الله منهم فرجاً، وجعل للمسلمين عنده عذراً ومخرجاً، في كتابه: {إِلَّا مَنْ كْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنُ بِالْإِيمَنِ} (النحل: 106)، وذلك في عمار بن ياسر رحم الله حين عذبه المشركون، فأعطاهم الكفر بالله تقية وقلبه مطمئن بالإيمان، فأنزل الله عذره» (2).
(1) أبو العباس أحمد كتاب أبي مسألة ص 143. - السالمي: الطلعة، 272/ 2.
(2) ابن جعفر: الجامع، 503/ 3. (2/475)
صفحة 991
476
القواعد الفقهية عند الإباضية
وبين ابن جعفر أن أيمان الجبابرة إذا كانت مبنية على الظلم غير ملزمة، فلو أجبره على قول أو فعل محرم وحلفه به فلا يحنث؛ لأن إباحة التلفظ بكلمة الكفر أعظم من ذلك، والله رخص فيها عند الإكراه، وهذا ما فهمناه من عبارته مصرحاً بذلك، ومما جاء فيها: «ونظرنا فلم نر شيئاً أعظم من الكفر بالله، فإذا عذره الله أن يكفر بلسانه إذا اتقى من الظالمين تقية، ولم يُلزمه الله في ذلك تبعة، فأحق ألا يلزمه مع العباد تبعة ولا شيء مما حلفوه به من الظلم الذي لم يجعله الله لهم عليه، إذا اتقى منه تقية، وهي رحمة من الله، منَّ الله بها على عباده أن يبين لهم ذلك في القرآن»).
—
وإن صبر الشخص على ما أكره عليه حتى قتل كان مأجوراً، فالفعل في نفسه محرم مع ثبوت الرخصة، فأثر الرخصة في تغيير حكم الفعل وهو المؤاخذة فقط ـ لا في تغيير وصفه أي حرمته ـ والامتناع عن الفعل في هذا النوع أفضل وهو اختيار السالمي. وقد رغب السالمي في الأخذ بالعزيمة في هذا النوع واعتبره سبباً للكمال، فقال: ومن لم يأخذ بالرخصة في شيء من هذه الأمور لكنه تمسك بالعزيمة حتى قتل عليها أو عذب، حاز بذلك من الله المقام الأكمل، إذ لا يلزمه الترخص في شيء منها، بل الترخص فيها كلها جائز فقط، خلافاً لمن أوجب التقية بأكل الميتة وأشباهها، ونحن نقول أنه لا فرق في الإكراه بين بالعزيمة في ترك التلفظ بالكفر، وفي ترك الترخص بأكل الميتة. واستدل السالمي على صحة ما ذهب إليه بما روي أن رجلين مرّا على مسيلمة بن حبيب الحنفي (الكذاب) فأخذهما فقال لأحدهما: ما تقول في محمد، فقال رسول الله، فقال: ما تقول في قال أنت أيضاً، فخلاه، وقال للآخر: ما تقول في محمد، قال رسول الله، قال: ما تقول في، قال: أنا أصم
الأخذ
(1) ابن جعفر المصدر نفسه. (2/476)
صفحة 992
الفصل الثالث: القاعدة الكلية الكبرى الثالثة
477
فأعاد ثلاثاً، فأعاد جوابه، فقتله فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «أما الأول فقد أخذ بالرخصة، وأما الثاني فقد صدع بالحق فهنيئاً له» (1).
وعقب على هذا النص فقال السالمي: فهذه عدة أدلة مصرحة بأن الأخذ بالعزيمة أوسع، بل هو أفضل من الترخص، ولم يعد تارك الرخصة في هذه الصورة حتى قتل مهلكاً لنفسه، فكذا في أكل الميتة، والفرق بينهما عسر جداً (2).
مجمل القول:
وعند التأمل في رأي السالمي القائل بالعزيمة، وترك الأخذ بالترخص في التلفظ بكلمة الكفر، نجد فيه إظهار لعزة الإسلام وإعلاء لكلمة الحق، كما أن الأمر إذا تعلق بحق الغير ففي الأخذ بالرخصة إلحاق للضرر بهم، وفي الصبر على الأذى حفاظاً لحقوقهم، إلا أننا نقول إن ذلك يختلف بحسب الظروف والأحوال، والناس أمام الإكراه التام، أو الضرورة، صنفان: فمنهم من يضعف وينهار أمام الخوف الشديد، فيلجأ إلى الرخصة تقية لنفسه، وهو معذور في ذلك، ومنهم من يبقى صامداً ويتحمل الأذى من أجل ذلك، ويفضل أن يثبت على الحق ولو أدى ذلك إلى الهلاك ما دام يطمع في الشهادة والثواب الجزيل. النوع الثالث: لا يباح الفعل، ولكن يرخص فيه في الجملة، وهي حقوق العباد كإتلاف مال الغير، وتناول المضطر مال غيره، فإن ذلك حرام، ولكن هذه الحرمة قد تزول بإذن صاحب المال بالتصرف. وقد منع أبو العباس المضطر والمستكره أكل أموال الناس بالتعدية والفساد فيها، من غير حلّه من وجوه المتالف كلها، ومن فعل ذلك فهو آثم وعليه الضمان (3).
(1) رواه أبو داود في المراسيل، حدثنا وهب بن بقية عن خالد عن يونس عن الحسن قال. 244/ 1، وابن عبد البر في الاستيعاب، حبيب بن زيد بن عاصم، 95/ 1. ينظر: السالمي:
طلعة الشمس، 273/ 2
(2) السالمي: نفسه.
(3) أبو العباس أحمد: كتاب أبي مسألة،
ص 143 - 144. (2/477)
صفحة 993
478
القواعد الفقهية عند الإباضية
أما ابن بركة فقد رخص للمكره أن يفدي نفسه بمال غيره، رغم حرمته،
هذا
ولا يأثم إن أكرهه الحاكم وهدده بالقتل، فله ذلك وعليه الضمان، وفي المعنى يقول: «فإن قال: فإن طولب بمال ولم يجد إلا مالاً لغيره، هل يقصد إليه فيأخذ منه ويخلّص به نفسه؟ قيل له نعم وعليه الضمان، فإن قال: ولم أبحتم له أخذ مال غيره ليحيي به نفسه، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفسه؟ قيل له على صاحب المال إذا علم بظلم الجبار وأنه يريد قتله، وقدر على تخليصه، به كان عليه أن يخلصه من القتل بهذا المال ... وأيضاً فلا خلاف بين أهل العلم أن رجلاً لو كان في سفر أو حضر وعدم الطعام، وخاف على نفسه الهلاك من الجوع، ولم يجد ما يأكله إلا مال رجل مسلم أنه يأكل منه بغير رأي صاحبه، ويضمن، ويحيي نفسه من الموت، ولا أعلم في هذا اختلافاً بين أهل العلم» (2).
ومن الرخص التي أباحها الشارع للمضطر والمكره القذف في عرض المسلم، وقد أشار ابن بركة إلى ذلك في سياق حديثه عن الجبار إذا أكره المسلم على قذف المحصنات، فجوّز له ذلك إذا خاف على نفسه الهلاك من العقوبة، وفي هذا المعنى يقول: «فإن كلفه أن يقذف المحصنات أو يقول في أحد من المسلمين ما ليس فيه هل يجوز له ذلك؟ قيل له: نعم
إذا خاف على نفسه القتل أو الضرب الشديد المؤدي إلى الهلاك» (3).
ومنع
أبو العباس أحمد قذف المحصنات عند الضرورة، واعتبر ذلك من
الوجوه التي لا يتقي بها المسلم عن نفسه الموت، فإن فعل ذلك فهو آثم)
(4)
(1) رواه أحمد، مسند الكوفيين، حديث عم أبي حرة، الرقيشي، رقم 20714، والدارقطني في سننه، كتاب البيوع، رقم 89، عن عمرو بن يثربي، بلفظ: «لا يحل لامرئ من مال أخيه شيء إلا ما طابت به نفسه». قال الزيلعي في حديث الدارقطني: إسناده جيد». نصب الراية، 223/ 4.
(2) ابن بركة الجامع، 196/ 1.
(3) ابن بركة نفسه، 192/ 1.
(4) أبو العباس أحمد كتاب أبي مسألة، ص 144. (2/478)
صفحة 994
الفصل الثالث: القاعدة الكلية الكبرى الثالثة
479
وخالف ابن بركة أصحاب هذا الرأي، ورخص ذلك عند الاضطرار، ونقل اعتراضهم ورد عليهم بقوله: «فإن قال ولم أجزتم قذف المحصنات عند الاضطرار والقدح في المسلمين؟ قيل له: إن قذف المحصنات هو كذب عليهن، وكذلك القول في المؤمن بما ليس فيه ولا يشبهه هو كذب، وقد أباح الله جل ذكره عند الاضطرار الكذب لقوله: {إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَيِنُ بِالإِيمَن) (النحل: 106)، فعذره في هذا الحال وهو يقول: إن الله ثالث ثلاثة، وهذا أعظم الكذب؛ لأنه كذب على الله تعالى، فالكذب على المسلمين أيسر إذا لم يعرف المعاريض، ومن المعاريض أن يقول: محمداً يكذب على الله، وهو يقصد شخصاً اسمه محمد فيه هذه الصفة،
وليس رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأما إذا عرف المعاريض فليس له أن يقول إذ قدر»). ومما يدخل تحت هذا النوع أيضاً حقوق الله التي تحتمل السقوط في الدنيا، كالعبادات فإنه يجوز تركها بالإكراه الملجئ. نقل محمد بن جعفر جواباً عن محمد بن محبوب ـ رحمهما الله ـ لأهل المغرب: «وإنما تجوز التقية في القول لا في العمل، وكذلك جاء الأثر عن المسلمين وأشياخهم أنه لا يجوز لمسلم أن يعصي الله بركوب ما حرم عليه للتقية، ولا يضيع ما أوجب الله عليه للتقية، إلا أن يحال بينه وبين الفرائض، مثل الصلاة فإنه يصليها كما أمكن له من الصلاة، ولو بتكبير خمس تكبيرات إذا حيل بينه وبينها» (2). وأشار إلى ذلك أبو العباس فذكر أن الإباضية اختلفوا في الجماع في رمضان، فمنهم من جوّزه في حالة الإكراه الملجئ، ومنهم من أبطله، وأما الأكل في رمضان فجائز على التقية، فلو أكره على الجماع أو الأكل في رمضان فإنه مخير بين الرخصة والعزيمة، فإن أخذ بالرخصة فجائز؛ لأنه معذور، وإن مات على دينه فمأجور (3).
(1) ابن بركة: الجامع، 192/ 1.
(2) ابن جعفر: الجامع، 503/ 3، 504.
(3) أبو العباس أحمد: كتاب أبي
مسألة،
ص 143. (2/479)
صفحة 995
480
القواعد الفقهية عند الإباضية
أما السالمي فقد اعتبر الأخذ بالرخصة في حقوق الله كالعبادات عند الإكراه أولى من الأعذار الأخرى الجالبة للتيسير، كالمرض والسفر، وهذا ما يفهم من عبارته، حيث يقول: «فقد ثبت الترخيص في أمور الصلاة والصوم ونحوها بأعذار دون الإكراه، كالسفر والمرض والخوف ونحو ذلك، فثبوت الترخص في الإكراه أولى؛ لأنه أشد من السفر والمرض وهو نوع من أنواع الخوف الشديد، فينبغي أن تثبت فيه رخص الخوف» (1).
النوع الرابع: أفعال لا تباح بحال ولا يرخص فيها أصلاً لا بالإكراه التام ولا بغيره، كالقتل بغير حق، والاعتداء على عضو من الأعضاء، والزنا، وضرب الوالدين أو أحدهما، فالفعل هنا لا يباح الإقدام عليه، ولا ترفع المؤاخذة ولا الإثم لو فعل مع الإكراه؛ لأنه قد تعارض هنا مفسدتان، روعي بارتكاب أخفهما، فقتل المسلم أشد من تهديده بالقتل، ولو قُتِل في هذه الحالة كان مأجوراً، ولو قتل كان ظالماً.
أشدهما
ويشير ابن بركة إلى هذه الصورة فيقول: «فإن أمره الجبار بضرب رجل أو قتله، وقال له: إن لم تقتله قتلتك هل له أن يحيي نفسه بهذا الفعل؟ قيل له: ليس له أن يحيي نفسه بتلف غيره، ولا يفدي النفس بمثلها، وإنما يجوز أن
يفديها بدونها (2).
لكن لو قتل في هذه الحال هل يقتص منه أو من المكره أو من كليهما؟ المسألة محل خلاف بين الفقهاء. قال محمد بن جعفر في معرض حديثه عن التقية من الجبار إذا أكره على فعل محرم، فما كان من العمل فإنه يقال: إنه غير معذور فيه، وذلك أنه يقول له: اقتل هذا الرجل وهو له ظالم، أو ازن بهذه المرأة وهو كاره، أو اشرب الخمر، أو كل لحم الخنزير، وإلا قتلتك، فهذه الأفعال ونحوها هي العمل، وقالوا لا عذر له أن يفعلها؛ لأن التقية تجوز في
(1) السالمي: طلعة الشمس، 272/ 2.
(2)
ابن بركة: الجامع، 191/ 1. (2/480)
صفحة 996
الفصل الثالث: القاعدة الكلية الكبرى الثالثة
481
القول لا في العمل» (1)، فإن بلي بفعل شيء من ذلك فقد أخطأ، وتجزيه التوبة، إلا حقوق العباد من ذلك، فإنه قيل أنه يضمنها.
قال أبو المؤثر رحمه الله: «هو كما قال محمد بن جعفر، إلا أنه قد بينا القول في الخمر ولحم الخنزير والميتة والدم، أي أنه يجوز فعلها عند الضرورة والإكراه، ولا يأثم صاحبها.
أما ما يترتب على فعل الزنا فقد وقع فيه خلاف؛ لأن فيه حق الله وحق العباد، ونقل ابن جعفر عن بعض أهل العلم أنه إذا أمر الجبار رجلاً أن يزني بامرأة، فزني بها لما أجبره على ذلك، أنه يلزمه عقرها (تعويض مالي) ولا حدَّ عليه؛ لأن هذا حق الله، وهو مرفوع عنه، ويعذر فيه ويؤخذ بالعقر؛ لأنه من حقوق العباد. قال أبو الحواري: «وقد وجدنا في بعض الآثار أن عليه الحد، والقول الأول أحب إلينا وبه نأخذ» (2).
ويضيف ابن جعفر: «وأما الذي أكره على الزنا بامرأة مستكرهة ففعل، فعليه العقر وهو آثم في فعله، وأما الحد فالله أعلم، ولو أقام عليه الإمام الحد ما عنّفته، وأما المرأة فلا حد عليها ولا إثم إن شاء الله، وإن استكرهه على الزنا وهي مطاوعة فعليها الحد والإثم ولا عقر لها، وهو آثم، والحد على ما وصفنا» (3).
والذي عليه جمهور الفقهاء أن الإكراه التام على الفعل يعتبر شبهة تدراً بها الحدود؛ لأن الحدود جعلت للزجر ولا حاجة للزجر عند الإكراه، وذلك يظهر أن المباح غير المرخص فيه، فلو زنا تحت الإكراه التام فإنه يسقط عنه الحد للشبهة لكن لا يرفع الإثم، وقد أكد ذلك ابن بركة في قوله: «فإن كلفه (الجبار) بالزنا وخاف القتل إن لم يفعل؟ قيل له: لا يجوز
(1) ابن جعفر: الجامع، 503/ 3.
(2) ابن جعفر المصدر نفسه، 3/ 505 - 506.
(3) ابن جعفر نفسه. (2/481)
صفحة 997
482
القواعد الفقهية عند الإباضية
له ذلك؛ لأن الزنا ظلم للمرأة فليس له أن يظلم غيره ليحيي نفسه، فإن قال: فإن كانت المرأة راضية بذلك مطاوعة له، هل له ذلك؟ قيل له: لا يجوز له أيضاً ذلك ولو طاوعته؛ لأنه ظلم لها لما يلحقها من العار والعيب القبيح والإثم العظيم عند الله ع (1).
وعليه، فالضرورة إذا أباحت فعلاً ترفع الحرمة عنه، أما إذا كان أثرها هو الترخيص بالفعل فإن الحرمة تظل قائمة، ويقتصر أثر الضرورة على رفع الإثم فقط.
وقد ألحق أبو العباس إلى هذا النوع بعض الأفعال المحرمة لم تكن محل اتفاق بين الفقهاء في تحريم فعلها عند الاضطرار والإكراه، واعتبرها أبو العباس من الأفعال التي لا ينبغي للمسلم أن يتقي بها نفسه إذا خاف على نفسه الهلاك، فإن فعلها فهو آثم وضامن، ومما جاء في عبارته: «وأما الوجوه التي لا يتقي بها عن نفسه الموت، وذلك قتل النفس التي حرم الله قتلها من بني آدم كلها ما كان وما دون النفس من الجروح والضرب والفساد في الأنفس كلها أحياء كانوا أو أمواتاً، وكذلك أكل أموال الناس بالتعدية كله، والفساد من غير حله من وجوه المتالف كلها، والتجسس في الأنفس والأموال، وقذف المحصنات والشهادة بالزور، والفتوى بغير الحق، وإلقاء السلاح للعدو، وإعطاء لباسه إياه وشرب الخمر، وأكل أقذار بني آدم وجميع النجس الذي لم يكن فيه اختلاف العلماء في نجسه فإنه يموت ولا يفعل شيئاً من هذه كلها (2).
ويستخلص من عبارة أبي العباس أنه منع التقية بفعل بعض الأمور المحرمة، في حين يرخص غيره من الفقهاء في فعلها عند الضرورة والإكراه،
(1) ابن بركة: الجامع، 193/ 1. (2) أبو العباس أحمد: كتاب أبي مسألة،
ص (2/482)
صفحة 998
الفصل الثالث: القاعدة الكلية الكبرى الثالثة
483
فالفعل عندهم محرّم ولكن يسقط الإثم، كقذف المحصنات وشرب الخمر لإساغة الغصة أو إزالة العطش الشديد، والتجسس، ولعل أبا العباس نظر إليها من جانب ما يترتب عليها من المفاسد، أشد من المفسدة الحاصلة من هلاك فرد واحد من الجماعة، ولا ريب أن في هذه النظرة بُعْدًا مقصدياً قد يغفل عنه الكثير، فحفظ مصالح الجماعة أولى من حفظ مصالح الفرد عند تعارض مفسدتين، فإننا نقدم أخفهما على أشدهما كما يقرر ذلك الفقهاء. وقد أخذ الفقيه باجو برأي أبي العباس ورجحه، ولم يسلّم بالرأي الآخر،
هو
ولعل ذلك هو الأعدل والأقرب للصواب فيقول: «والذي يبدو لنا راجحاً. الرأي المانع للعلة التي للعلة التي أوضحناها، وهي أن حفظ النفس من المقاصد الكبرى للشارع، ولكن لا يجوز لأحد أن ينجي نفسه بالتضحية بنفس بريئة، وهو ما حدده الرسول صلى الله عليه وسلم بقوله: «كن عبد الله المقتول ولا تكن عبد الله القاتل»). وكذلك حفظ أعراض المحصنات وحرمة الفتوى بغير حق، وتقوية العدو بالسلاح كلها لا تستباح بحجة حفظ نفس الإنسان؛ لأنها مقدمة في الاعتبار لمساسها بالصالح العام للمجتمع، وهذا أولى من مصلحة إنسان واحد يهدد بالقتل فيصبر ويذهب إلى ربه شهيداً.
ولأنه يتسامح في حق الله ما لا يتسامح في حق العباد، إذ حقوق الله مبناها المسامحة، وحقوق العباد مبناها المشاححة، فالقياس على الكفر قياس مع الفارق). فقذف المحصنات بالزنى قد يؤدي بهن إلى قتلهن حفاظاً على الشرف والعرض، فيكون بذلك قد نجي نفسه من الموت وتسبب في قتل نفس بريئة، ولا يجوز ذلك شرعاً؛ لأن دماء المسلمين الأحرار متكافئة ومتساوية.
(1) رواه أحمد، باقي مسند الأنصار، حديث خالد بن عرفطة، رقم 22552، والحاكم في المستدرك، كتاب الفتن والملاحم، رقم 8578، عن خالد بن عرفطة. والحديث حسن
باعتبار كثرة طرقه و «بعضها يقوي بعضاً». العجلوني، كشف الخفاء، 1017/ 2.
(2) باجو مصطفى: منهج الاجتهاد عند الإباضية، ص 756 - 757. (2/483)
صفحة 999
484
وخلاصة القول:
القواعد الفقهية عند الإباضية
إن الضرورة في النوع الأول ترفع حكم الفعل وصفته، فالفاعل لا يؤاخذ ولا يأثم، لأن الفعل أصبح مباحاً بل واجباً كما رأينا، ولكن لو اضطر لأكل مال الغير فعليه ضمانه؛ لأن الاضطرار لا يبطل حق الغير.
والنوع الثاني: ترفع الضرورة فيه المؤاخذة فقط، فالفاعل لا يأثم لكن
لا ترفع الضرورة صفة الفعل ولا الضمان إذ يبقى الفعل حراماً. أما النوع الثالث: في الحقيقة كسابقه من حيث النتيجة وأثر الإكراه فيه، إلا أن النوع السابق لا تحتمل حرمته السقوط أبداً في أي حالة من الحالات وهذا النوع قد سقط حرمته في الجملة بإرادة صاحبه.
وأما النوع الرابع: فلا ترفع الضرورة فيه المؤاخذة، ولا الصفة ولا الضمان،
ولكن يدرأ الحد بالشبهة.
ما يستثنى من هذه القاعدة:
وبناء على التقسيم السابق لأنواع الضرورات فإن هذه القاعدة لا تتناول القسم الأخير؛ لأن القتل بغير حق والاعتداء على الجسد بالضرب والجرح والزنا وسائر المنكرات، وكذلك أكل لحوم البشر الميتة عند الضرورة القصوى، قال الكدمي في شأن لحومها مطلقاً في حال الاختيار والاضطرار: «إن لحوم البشر في معاني تحريمها في حال السعة والضرر الصحيح من منصوصات الخبر والثابت من محكمات الأثر، ولا أعلم في ذلك اختلافاً أنه يجوز أكل لحوم البشر، لا في السعة ولا في ضرورة ممن آمن منهم أو كفر، أو ممن أنكر منهم أو أقر، ومن الصغار منهم أو الكبار، سواء كان مباحاً قتله أو محجوراً، فإنه لا يجوز مطلقاً أكل لحوم جميع هؤلاء فيما قيل لا في سعة ولا في اضطرار، ولا أعلم في ذلك اختلافاً ... ولا أعلم في شيء من الأديان ولا مع أحد من أهل الأديان، ولا من أهل الشرك، ولا من أهل الإيمان استجاز أكل لحوم الإنسان، بل إن (2/484)
صفحة 1000
الفصل الثالث: القاعدة الكلية الكبرى الثالثة
485
النصوص القرآنية تفيد التحريم مطلقاً، قال تعالى: {وَلَا يَغْتَب بَعْضُكُم بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ} (الحجرات: 12)؛ إذ شبه النص القرآني الغيبة كأنها أكل معنوي، ثم بيَّنه أنه غير معقول شرعاً ولا عقلاً، ومعاني الاتفاق من شواهد العقول، وأحكام الكتاب وسُنّة الرسول صلى الله عليه وسلم وإجماع جميع أهل العقول يتواطأ معي على هذا، وهو أن أكل لحوم البشر من الأحياء والأموات محجورة، محرمة في جميع السعات والضرورات وغير مقبولة على أي حالة
كانت، ولا أعلم في ذلك سعة ولا مساغاً من قول أحد من أهل البصر). وتابع السالمي رأي الكدمي وأكده وأشار إلى إجماع الإباضية عليه فقال: «لا يحل ذلك، فلخم ابن آدم، حرام لا يحل بوجه من الوجوه، لا في مخمصة، ولا في غيرها، والحربي والباغي وغيرهما في ذلك سواء، من غير خلاف في ذلك» (2).
ولا تباح بحال من الأحوال، فهو مستثنى من هذه القاعدة، ولكن يذكر هنا لبيان خروجه عنها حتى لا يلتبس بالأنواع الأخرى، ولأن بعض فروعه ومسائله وقع فيها الخلاف بين الفقهاء. وأما ما يدخل تحتها فهو النوع الأول مع ثبوت إباحته، والنوع الثاني مع ثبوت حرمته، والترخيص إنما هو في رفع الإثم، كنظر الطبيب إلى ما لا يجوز انكشافه شرعاً، من مريض أو جريح في رفع الإثم لا الحرمة، والثالث مع بقاء حرمته أيضاً، إذا لم تنزل بإذن صاحب المال في التصرف، كالاضطرار لأكل مال الغير عند المخمصة، فإنه لا يسقط حرمته المال الغير، بل يسقط الإثم، ويجب عليه ضمانه، أو الاستحلال
(1) الكدمي: المعتبر، 110/ 3 - 111. (2) السالمي: العقد الثمين، 259/ 2.
من
صاحبه (3).
(3) البورنو: الوجيز، ص 237، نقلاً عن شرح الأتاسي للمجلة العدلية، 1/ 55. ـ وشرح سنبلي زاده المسمى توفيق الإله، 118، بتصرف. (2/485)
صفحة 1001
486
القواعد الفقهية عند الإباضية
سادساً: الفروع المتخرجة على قاعدة الضرورات تبيح المحظورات:
أ ـ في الطهارات:
1 - في المسح على الخفين
أجمع الإباضية على منع المسح على الخفين في الحضر والسفر، خلافاً
للجمهور، ورخصوا فيه عند الضرورة، فمن اضطر إلى المسح عليهما صحت طهارته. قال الشقصي: «وأما المسح على الخفين فقد ورد فيه الاختلاف بين مخالفينا، فبعضهم أجازه وبعض لم يجزه، وعند أصحابنا (الإباضية) أن جوازه منسوخ بثبوت الوضوء بالماء، وغسل الرّجلين بالماء، وما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه من فعله وجوازه ممكن ذلك قبل نسخه وغير ممكن بعد نسخه (1)، إلا أن يضطر إلى فعل ذلك من شدة برد أو شبهه، مما يلحق إليه الاضطرار إلى ذلك، وبعض يوجب عليه التيمم مع ذلك، وبعض لا يرى عليه تيمماً (2). ونقل الجيطالي في «قواعده اختلاف الفقهاء في هذه المسألة، وذكر أدلة الإباضية في منع المسح على الخفين وحكى عنهم الإجماع، فقال: «في المسح على الخفين اختلف الناس فيه على ثلاثة مذاهب فذهب أكثر فقهاء مخالفينا إلى إجازته بإطلاق من غير ضرورة في السفر والحضر، وذهب آخرون إلى إجازته في السفر دون الحضر، وأجمع أصحابنا - رحمهم الله ـ فيما علمت على منعه في الحالتين - ولهم في ذلك سلف من الصحابة، وهو مروي عن ابن عباس، وعن علي بن أبي طالب وعن أبي هريرة، وبلال، وعائشة لنا، وكان ابن عباس الله يقول: إنما كان ذلك قبل نزول المائدة، ويذهب إلى أنه
(1) متفق عليه، رواه البخاري، كتاب الوضوء، باب المسح على الخفين، رقم 200، ومسلم، كتاب الطهارة، باب المسح على الخفين رقم 274، عن المغيرة بن شعبة «عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه خرج لحاجته فاتبعه المغيرة بإداوة فيها ماء فصب عليه حين فرغ من حاجته فتوضأ ومسح
على الخفين».
(2) الشقصي خميس: منهج الطالبين، 3/ 380 - 381. (2/486)
صفحة 1002
الفصل الثالث: القاعدة الكلية الكبرى الثالثة
487
منسوخ بآية المائدة، وكان جابر بن زيد رحم الله يقول: كيف تمسح على الخفين والله تعالى يخاطبنا بنفس الوضوء، وكانت عائشة لا تقول: والله ما كان حُفان قط، ولا مسح عليهما، ولوددت أن رجلي
للنبي
السلام
قطعت يوم أمسح
على الخفين (1). وبعد أن سرد الجيطالي أقوال الفقهاء وأدلتهم خلص إلى القول: «والأمر المجتمع عليه عند أصحابنا أن المتوضئ إذا أحدث يتوضأ وينزع خفيه ويغسل قدميه، مقيماً أو مسافراً، وإن طهارة القدمين هي الغسل، خلافاً لمن قال طهارتهما المسح، واستدل بقراءة من قرأ {وَأَرْجُلَكُمْ} بالخفض عطفاً على الرأس بالمسح).
وعقب المحقق بكلي على الجيطالي، وناقش أدلته، وذكر أدلة الجمهور القائلين بالجواز، ثم رجح رأيهم فقال: يرى المصنف إجماع أصحابنا (الإباضية) على منع المسح على الخفين، وأن الأحاديث الواردة في المسح منسوخة بآية المائدة، والدليل على النسخ قول الإمام علي سبق الكتاب الخفين» وقول ابن
عباس: «ما مسح رسول الله و بعد المائدة. لكن القائلين بالمسح يجيبون:
(1) ذكر الزيلعي قال: «والرواية المذكورة عن عائشة أخرجها عن محمد بن مهاجر البغدادي بن إسماعيل ابن أخت مالك ثنا إبراهيم بن إسماعيل عن داود بن الحصين عن القاسم بن محمد عن عائشة أنها قالت: لأن أقطع رجلي بالموسى أحب إلي من أن أمسح على الخفين. قال: هذا باطل لا أصل له. قال ابن حبان: محمد بن مهاجر البغدادي كان يضع الحديث قلت: الذي وجدته في العلل المتناهية لابن الجوزي رواه من حديث محمد بن مهاجر بالإسناد المذكور عن عائشة قالت: لأن يقطع رجلي بالموسى أحب إلي من أن أمسح على القدمين انتهى. قال ابن الجوزي موضوع وضعه محمد بن مهاجر على عائشة. انتهى. نصب الراية، 153/ 1. وقال ابن عبد البر: ولا أعلم في الصحابة مخالفاً إلا شيء لا يصح عن عائشة وابن عباس وأبي هريرة وقد روي عنهم من وجوه خلافه في المسح على الخفين التمهيد، 141/ 11. وقال: «قال أبو عمر لا أعلم أحداً من الصحابة جاء عنه إنكار المسح على الخفين ممن لا يختلف
عليه فيه إلا عائشة الاستذكار، 218/ 1. ينظر: الجيطالي قواعد الإسلام، 179/ 1. (2) الجيطالي: نفسه. (2/487)
صفحة 1003
488
القواعد الفقهية عند الإباضية
-
إن آية الوضوء نزلت في غزوة المريسيع ومسحه صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك، لحديث المغيرة بن شعبة المتفق عليه: «كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم فتوضأ فأهوَيت لأنزع خفيه فقال: «دعهما فإني أدخلتهما طاهرتين» فمسح عليهما» (1)، فكيف ينسخ المتقدم المتأخر؟
2 - أما حديث عليّ فهو منقطع، وكذا ما روي عن ابن عباس مع أنه يخالف ما ثبت عنهما من القول بالمسح.
- وقد عارض حديثهما ما هو أصح منهما، وهو حديث جرير البلجي لما روي عنه أنه رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم يمسح على خفيه فقيل له: هل كان ذلك قبل المائدة أو بعدها؟ قال: وهل أسلمتُ إلا بعد المائدة؟» (2). وهو
حديث صحيح.
4 - نقل ابن المنذر عن الحسن البصري قال: حدثني سبعون من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان يمسح على الخفين.
ه - وذكر أبو القاسم بن منده أسماء من رواه في «تذكرته فبلغوا ثمانين
صحابيا.
- وقال ابن المبارك: ليس في المسح على الخفين بين الصحابة اختلاف؛ لأن كل من روي عنه إنكاره فقد روي عنه إثباته.
7 - والقول بالمسح قول الإمام علي، وسعد بن أبي وقاص، وبلال، وحذيفة، وبريدة، وخزيمة بن ثابت، وسلمان الفارسي، وجرير البلجي وغيرهم".
(1) متفق عليه، رواه البخاري، كتاب الوضوء، باب إذا أدخل رجليه وهما طاهرتان، رقم 203، ومسلم، كتاب الطهارة، باب المسح على الخفين رقم 274، عن المغيرة. (2) رواه أحمد، مسند الكوفيين، من حديث جرير بن عبد الله، رقم 19224، والدارقطني في سننه، كتاب الطهارة، باب المسح على الخفين، رقم 1. قال محقق المسند شعيب الأرنؤوط: إسناده صحيح على شرط الشيخين.
(3) بكلي عبد الرحمن الحاشية على قواعد الإسلام للجيطالي، 179/ 1 - 180. (2/488)
صفحة 1004
الفصل الثالث: القاعدة الكلية الكبرى الثالثة
489
وبعد أن عرض المحقق بكلي أدلة الفريقين وعلّق عليها، رجح رأي الجمهور فقال: «على أنّ القول بالمسح يتمشى وروح التشريع الإسلامي المبني على التيسير يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} (البقرة: 185). وفي الاجتزاء بمسحها تيسير وأي تيسير، وأكثر لابسي الخفين من المسافرين، أو من أهل البادية، ومن أولى بالتيسير من هؤلاء» (1).
الرأي المختار:
وبعد التأمل في أدلة الفريقين يظهر أن الرأي القائل بالجواز بالمسح على الخفين للمضطر في السفر والحضر هو الرأي الراجح عندنا لقوة أدلته وصحتها، ومدى مراعاته لظروف الناس وأحوالهم في رفع الحرج ودفع المشقة عنهم، خاصة في الأحوال غير العادية كالبرد الشديد، والثلوج ونحوها، كالجنود في الخدمة العسكرية والرعاة والمسافرين فالعمل بهذا الرأي فيه تيسير عليهم، لأن المشقة تجلب التيسير، ولكن بشرط أن يكون على طهارة، كما قرر الفقهاء، ولعل من أفتى بمنع المسح على الخفين قد نظر إلى العموم الغالب في بيئته، كاعتدال الطقس، أو شدة الحر، كما هو سائد في شبه الجزيرة العربية، أما القائلون بالجواز في حالتي الاختيار والاضطرار كالبكري الإباضي وغيره، فقد انطلق من بيئته الباردة عموماً ـ وهذا شأن المفتي ـ يستند في فتواه على الأدلة الثابتة، والصحيحة، فإذا تعارضت رجح أحد القولين استناداً إلى العرف ما دام لا يخالف النص (2)، ولو خالف إجماع مذهبه.
والجدير بالذكر في هذا الصدد أن الإباضية القائلين بالجواز، لم يحددوا مدة معينة للمسح على الخفين في السفر أو الحضر، فهو مباح حتى تزول حالة الاضطرار، نقل ذلك الشقصي عنهم بعد أن أشار إلى خلاف الفقهاء في
(1) بكلي: المرجع نفسه.
(2) الخليلي أحمد الفتاوى الكتاب الأول، نشر مكتب الأجيال، سلطنة عُمان، ص 26 – 27. (2/489)
صفحة 1005
490
القواعد الفقهية عند الإباضية
هذه المسألة فقال: واختلف في المدة التي يجوز فيها المسح على الخفين للمقيم والمسافر فقال بعض للمقيم يوم وللمسافر ثلاثة أيام، وبعض لم يوقت في ذلك وقتاً، ومعنا أنه إذا ثبتت الضرورة التي يجوز بها المسح على الخف لم يخرج عندنا لذلك غاية ما دامت الضرورة التي يجوز بها المسح على الخف» (1).
وهذه المسألة محل تفصيل عند الفقهاء، فقد ذكروا أدلتهم ومناقشاتهم في المطولات، والمقام لا يسمح لذكرها. والنظر يوجب عندي بعد التأمل في الآراء المتقدمة، أن المسح على الخفين لا يرخص فيه إلا عند الضرورة ويجب تحديده بتلك الحالة؛ لأن «الضرورة تقدر بقدرها). مع الالتزام» بالضوابط التي اشترطها الفقهاء للجواز.
2 - في حكم طهارة المرأة إذا اختلط عليها دم الحيض ولا تقدر على
ضبطه
ذكر الشماخي في «الإيضاح حكم هذه المسألة، وبين أن المرأة الحائض إذا تشابه عليها وقتها ما بين سبعة أيام إلى عشرة أيام، فإن ردفت بالدم تترك الصلاة إلى سبعة أيام التي تيقنتها وهي عادتها وتنتظر ثلاثة أيام إن تمادى بها الدم فإن كان وقتها سبعة أيام أخذت بقول من يرى مدة الانتظار ثلاثة أيام، وإن كان وقتها ثمانية أيام أخذت بقول من قال: الانتظار يومان، وإن كان وقتها تسعة أيام أخذت بقول من قال الانتظار يوم واحد، وإن كان وقتها عشرة أيام أخذت بقول من قال ليس على المرأة انتظار؛ لأن أقصى مدة الحيض عند جمهور الإباضية عشرة أيام.
(1) الشقصي: منهج الطالبين 380/ 3 - 381.
(2) ينظر: أقوال الفقهاء مفصلة في المتن والهامش من المرجع السابق، 381/ 3 - 382. (3) الشماخي: الإيضاح، 240/ 1 - 241. (2/490)
صفحة 1006
الفصل الثالث: القاعدة الكلية الكبرى الثالثة
491
وإن رأت الطهر على ثمانية أيام أخذت تلك الثمانية الأيام وقتاً، وإن كان وقتها الأول ثمانية أيام فقد ثبتت على وقتها، وإن كان وقتها سبعة أيام طلعت إلى ثمانية أيام كذلك؛ وإن كان وقتها الأول تسعة أيام أو عشرة أيام نزلت إلى ثمانية وأخذت بقول من قال: يكون الطلوع والنزول بمرة واحدة. وعقب الشماخي بقوله: (وإنما تأخذ بهذه الأقوال عند الضرورة؛ لأنه قد اختلف أصحابنا في التي لا تدري أيام طهرها ولا أيام حيضها، فمنهم من يقول: تنتظر إلى وقت أمهاتها وأخواتها كم طهرهن وكم حيضهن، وقال آخرون: تترك الصلاة عشرة أيام وتصلي عشرة أيام، وقال آخرون: تعمل بالتمييز؛ لأن دم الحيض له زيادة ولَوْن يُعرَف به من دم الاستحاضة، فإن لم تكن من أهل التمييز فلتعمل كما قدمنا، وقال آخرون تترك الصلاة مقدار ما تيقنت من أيام حيضها، ثم تنتظر بعد تيقنها يومين ثم تغتسل وتصلي، وإن لم تتيقن على شيء فلتعمل كما تعمل المبتدئة في أول ما يأتيها الحيض، وهذا موافق لقول من قال تطلع وتنزل بمرة واحدة».
والظاهر من هذه الأقوال أنه لا توجد عند الفقهاء في مثل هذه الأحوال قاعدة ثابتة تضبط هذه الحالات يعتمد عليها ويقاس عليها غيرها، ولذلك يرى الشماخي أنه يرخص لها أن تأخذ بكل هذه الأقوال حسب حالتها عند الضرورة ما دامت قد اختلطت دورتها الشهرية، وتعذر عليها ضبطها، ولا يشترط عليها البناء على حالة ثابتة.
وتجدر الإشارة في هذا المقام أن ننبه إلى أمر هام وهو: أن كثيراً من النساء كانت عادتهن الشهرية منتظمة وبسبب تعاطيهن حبوب منع الحمل اضطربت، فنتج عنها هذا الاضطراب، والاختلاط وشق عليهن أمر الطهارة والعبادة، ووقعن في حرج شديد ومشقة بالغة وعليه فإذا لم تكن هناك ضرورة قاهرة، وحاجة ملحة إلى استعمال هذه الموانع فليتركن ذلك؛ لأن مخالفة في
(1) الشماخي المصدر السابق، 241/ 1 - 242. (2/491)
صفحة 1007
492
القواعد الفقهية عند الإباضية
فطرة الله حرج وعنت ومشقة، وقد ينجم عن الإفراط في استعمالها أمراض خطيرة تصل إلى حد العقم - لا قدر الله ـ (1)، والله يقول: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَج (الحج: (78). قال البكري في هذا الصدد: ولا يبعد إذا أدمنت المرأة على ذلك واستمرت على معاكسة الفطرة، أورثها ذلك عقماً، وتلك
هي
قاصمة الظهر» (2).
سير الحياة الطبيعية في
ويؤكد البكري ما أشرنا إليه فيقول: «وكل ما عطل الإنسان، أو غير مجراه لا بد وأن يكون له رد فعل طال الزمن أو قصر، إذ لو لم يكن لتعاطيه تأثير، ما كان هناك تعطيل أو تغيير، ومن ذلك ما يذكره بعض الأطباء المخلصين عن حبوب وأقراص تأخير الحيض، ومنع الحمل من أن لها تأثيراً خبيثاً وخطيراً على اللائي يستعملنها، وإن بعد حين، ذلك هو ما يعقب من قلق واهتياج الأعصاب، مما يكدر صفو حياتها، وهو ما يستروح من قوله تعالى: {وَيَسْتَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى} (البقرة: 222)، فقد أخبر العلم أن دم الحيض داء، فاحتقانه في جسم المرأة، واتخاذ الوسائل لمنع خروجه استبقاء للداء، سوف لا تلبث عواقبه السلبية تنبعث من جديد إن لم تظهر سريعاً، متى كان الجسم يتمتع بالحصانة الصحية، فإن ظهوره فيه متى ضعفت تلك الحصانة أو فقدت يكون نتيجة طبيعية» (3).
ب - في ضرورات الصلاة
1 - في التوجه نحو القبلة للصلاة: أجمع الفقهاء على أن التوجه نحو القبلة في صلاة الفرض واجب، ومن حوّل وجهه في الصلاة عن القبلة مختاراً، وكان يجد السبيل على الاستدلال
(1) بيوض إبراهيم بن عمر: فتاوى الإمام الشيخ بيوض، 412/ 2.
(2) بكلي عبد الرحمن فتاوى البكري، 317/ 1.
(3) بكلي عبد الرحمن فتاوى البكري، 1/ 287 - 288. (2/492)
صفحة 1008
الفصل الثالث: القاعدة الكلية الكبرى الثالثة
493
عليها فلم يفعل، فسدت صلاته بإجماع الأمة، فإن فعل ذلك في حال الضرورة صحت صلاته باتفاق الأمة؛ لأنهم أجمعوا أن المحارب يصلّي حيث ما توجه، قال ابن بركة: «فعندي أنه ما كان في معناه كان مثله، وكانت ضرورة،
كالمصلوب والمريض الذي لا يجد السبيل إلى الانتقال ونحو هؤلاء» (1). وعدد أبو إسحاق الحضرمي الحالات التي يسقط فيها فرض التوجه نحو القبلة وحصرها في: «سبع خصال:
أحدها: شدة الخوف على نفسه أو ماله، فيصلي مقبلاً أو مدبراً، منهزماً من عدوه أو بهيمنته، أو سيل، أو نحو ذلك.
الثاني: أن يكون مربوطاً على خشبة أو نحوها، فإنه يصلي كيف ما أمكنه. الثالث: أن يكون مريضاً ولا يتهيأ له التوجه إلى الكعبة.
الرابع: أن يتنفّل على الراحلة، فإنه يصلي حيث ما توجهت به راحلته ويبدأ
يحرم إلى القبلة.
الخامس أن يتنفّل ماشياً، فإنه يتوجه مُحرِماً إلى القبلة، ويمشي حيث شاء،
ويركع ويسجد إلى القبلة.
السادس الغريق، يصلي كيف ما أمكنه.
السابع: أن يكون أعمى، ولا يجد من يعرفه ثقة عليها، أو يكون ظلمة وهو بصير أو غائب عنه الدلالة، أو كان في موضع يجهل فيه الدلالة عليها فيبقى متحيراً، فإنه يتحراها ويصلي، ويقلد الأعمى البصير، والجاهل العارف» (2)، وكل هذه الحالات تعتبر من الأحوال الاضطرارية.
وقد تبع المحشي السدو يكشي منهج الحضرمي في تحديد حالات الضرورة المسقطة للقبلة واختاره، وبنى عليه فروعه (3).
(1) ابن بركة: الجامع، 488/ 1، 498.
(2) الحضرمي أبو إسحاق إبراهيم: مختصر الخصال، ص
62
(3) السدويكشي: الحاشية على كتاب الإيضاح للشماخي، 55/ 2 - 56. (2/493)
صفحة 1009
494
القواعد الفقهية عند الإباضية
ومن الرخص التي جوزها الفقهاء عند الضرورة صلاة النافلة إلى غير
الله
القبلة، إذا ابتدأها مستقبلاً بوجهه القبلة، كما فعل ذلك النبي صلى الله عليه وسلم، وكذلك يجوز
وسته
التطوع على الراحلة وهو سائر حيث ما توجهت مركبته إذا ابتدأ بصلاته نحو القبلة)، وقد روي ذلك عن ابن عباس وأنس بن مالك أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا سار وأراد أن يصلي تطوعاً على راحلته استقبل بناقته القبلة وكبر، ثم أرسلها حيث ما توجهت، وفي الرواية عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم كان ربما أؤثر على الراحلة (2).
2 - في صلاة المصاب في عينه: رخص الإباضية أيضاً لمن كان يعالج عينه أن يصلي مستلقياً للضرورة، ويسقط عنه القيام والركوع والسجود خوفاً من بصره، نقل ذلك الشقصي في «المنهج» عن أبي سعيد الكدمي رحمة الله بما نصه: «يوجد جواز الرخصة لمن يعالج عينيه، فيصلي مستلقياً؛ لأنه موضع خوف على البصر، وجاء الأثر بزوال الفرائض عند الضرورات فيما دون ذهاب البصر من الجدري وغيره من العاهات والبصر أشد عدماً من غيره، ولا بأس بذلك عند الضرورات، إذا رجا في ذلك عافية وخيف تزايد العلل من تركه».
ورخص الفقهاء أيضاً لمن أصابه وجع في عينيه من رمد أو غيره فلم يقدر على السجود فإنه يصلي قائماً. ويركع، وإذا جلس للسجود أؤماً برأسه إيماء قدر ما يطيق ولا يكلف الله نفساً إلا وسعها (4).
(1) ابن بركة: الجامع، 490/ 1 و 499.
(2) رواه البخاري، كتاب الوتر، باب الوتر في السفر، رقم 955، عن ابن عمر، بلفظ: «كان النبيصلى الله عليه وسلم يصلي في السفر على راحلته حيث توجهت به يومئ إيماء صلاة الليل إلا الفرائض ويوتر على راحلته». وأما حديث أنس فرواه أبو داود، كتاب الصلاة، باب التطوع إلى الراحلة
والوتر، رقم 1225.
(3) الشقصي: منهج الطالبين، 4/ 305 - 306.
(4) الشقصي: نفسه، 317/ 4. (2/494)
صفحة 1010
الفصل الثالث: القاعدة الكلية الكبرى الثالثة
495
وأما الوضوء، فإن قدر على أن يمسح سائر جسده ويغسله بالماء، أو يغسله له غيره فعل ذلك، ويتيمم لوجهه إذا كان لا الماء وجهه كله، يمس ويصلي على قفاه بالإيماء، ويستقبل القبلة ورجلاه مما يلي القبلة، ووجهه مقبل إلى القبلة).
وذكر الشقصي أن ابن عباس ا لما كف بصره قال له رجل: قبل أن يصير له سبعة أيام يصلي على قفاه، قيل فأرسل إلى عائشة وأبي هريرة وغيرهم يسألهم عن ذلك فقالوا له: أرأيت إن مِتَّ في هذه السبعة أيام فكيف تلقى الله بصلاتك فيها، فترك معالجة بصره لذلك، ولم يعالجه. قال الشقصي معقباً على هذه الحادثة ومرجحاً ويوجد جواز ذلك عن أصحابنا (الإباضية)، وهو أشيق إلى النفس، وأقوى إلى الضرورة الموجبة إلى
له
ذلك» (2). وقال أبو سعيد حمدالله: «قد قيل هذا، وأحسب أن بعضاً لم يجز أنه إذا تعورف عند أهل الخبرة بتلك العلة، أن
ذلك على الابتداء، ويعجبني دواءها في مثل ذلك فيما يرجى أن لا يُضيّق عليه» (3). ولا ريب أن ما ذهب إليه الإباضية في جواز الصلاة على هيئة الاضطجاع
لمن يعالج عينيه عند الضرورة، فيه يسر وفهم عميق لروح التشريع، فالشارع لا يكلف نفساً إلا وسعها، وهذا المريض لا يملك قدرة على فعل أكثر من ذلك، فتجوز الرخصة في حقه ولا داعي للتشديد، أما ما نقل عن بعض الصحابة، كعائشة وأبي هريرة أنهم لم يجوزوا لابن عباس أن يصلي مضطجعاً، فيمكن تأويله إن صح ذلك الأثر، فربما أدركوا أنه لا فائدة من علاج عينه بعد أن فقد بصره، ولا رجاء في علاجه فألحقوه بالأعمى، حيث أنه يجب عليه أداء الصلاة كاملة كالصحيح، والله أعلم.
(1) المصدر نفسه.
(2) الشقصي: المنهج، 316/ 4.
(3) المصدر نفسه. (2/495)
صفحة 1011
القواعد الفقهية عند الإباضية
أما الذي يرجى شفاؤه وقد نصحه الطبيب الخبير باتخاذ الحيطة والحذر من عينيه حتى لا يتأخر شفاؤه، فيرخص له الصلاة على تلك الحالة للضرورة، وهذا ما أكده بعض الفقهاء. نقل الشقصي عن رجل فتح له الطبيب عينه من الماء)، وقال له: نَمْ على قفاك ولا تتحرك أياماً، ولا تغسل عينيك بالماء، فإنه لا يصلح إلا بذلك، أنه قد جاء في الأثر بزوال الفرائض عند حدوث الضرورات فيما دون ذهاب البصر، كالجدري وغيره من العلل، والبصر فَقْده أعظم من فقد غيره، ولا بأس بذلك عند الضرورات إذا خيف في تركه تزايد العلة ورجيت العافية بالتداوي).
3 - في حكم الصلاة بنقود عليها صور: اختلف الإباضية في حكم الصلاة بالنقود إذا كانت في سكتها صور أصنام، فرخص بعضهم ذلك إن كان المصلي حاملاً لها محافظاً لها عن الضياع، وهي غائبة لا يراها أحد، فحكم صلاته أنها لا تفسد، وصرح بذلك خميس بن سعيد الشقصي، وعقب عليه السالمي بقوله: وهذا القول مبني على التيسير للضرورة على حكمها» (3).
ونقل السالمي عن أبي ستة المحشي قوله: «لم أرَ من تعرض لهذه المسألة، ولكن في منع الصلاة بها حرج عظيم لا يوافق إيناس الشريعة، قال الله تعالى وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَج} (الحج: 78)، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «بعثت بالسمحة السهلة ... )، وهذا يكاد يكون من الغلو في الدين، فإنه قلما يخلو
(E).
(1) لعله يقصد مرض التراكوم الذي اكتشف علاجه في العصر الحاضر.
(2) الشقصي: منهج الطالبين، 316/ 4. (3) السالمي: معارج الآمال، 279/ 6.
(4) رواه أحمد، مسند بني هاشم، مسند ابن عباس رقم 2107، عن ابن عباس، والطبراني في الأوسط، رقم 7351، عن أبي هريرة، بلفظ: «إن أحب الدين إلى الله الحنفية السمحة». قال الهيثمي: «رواه الطبراني في الأوسط ورجاله موثقون وعبد العزيز بن أبي رواد ثقة ينسب إلى الأرجاء». مجمع الزوائد، 502/ 1. (2/496)
صفحة 1012
الفصل الثالث: القاعدة الكلية الكبرى الثالثة
497
إنسان من استصحاب هذه السكة في الحضر والسفر، وفي منعه الصلوات بها أمر له بإلقائها عن نفسه، وفي إلقائها عن نفسه تعريضاً للتلف بأسباب كثيرة منها، أنه قد ينساها، ومنها قد يراها عنده من لا يخشى الله، بل ربما أدى ذلك إلى تلف نفسه كما هو معلوم»).
ويضيف في السياق نفسه: لم نسمع عن أحد من مشايخنا أنه فعل ذلك، ولم نر أحد أدركنا فعله، ممن مع أن السكة التي فيها علامة الكفار، أظن أنها موجودة في كل زمان، فإن معدن الذهب والفضة إنما هي
عندهم» (2).
وذكر الجناوني في ممنوعات الحج أنه يترخص للمحرم أن يشد على
نفسه هميان نفقته (3).
وعقب المحشي أبي ستة على قوله: ومن المعلوم أنه كثير ما يكون فيه من هذه السكة، ولم يذكر أحد من أصحاب المناسك أنه يُنزع إذا أراد الصلاة به إذا كانت سكة فيها صليب وتمثال مثلاً؛ لأنه لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة، على أن قوله: «إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى) يدل على أنه لا حرج على المسلم في شيء من ذلك؛ لأنه لا يعظمه ولا يتقرب به ولا يلتفت إليه بوجه من الوجوه أصلاً» (ه).
وخلص السالمي إلى القول: «وهو كما ترى مؤيد للقول بجواز الصلاة بها
مطلقاً،
وهو واضح»).
(1) السالمي: معارج الآمال، 279/ 6 - 280.
(2) السالمي: نفسه.
(3) الجناوني: كتاب الوضع،
(4) سبق تخريجه
ص
(5) السالمي: معارج الآمال، 280/ 6.
(6) السالمي: المصدر نفسه. (2/497)
صفحة 1013
498
القواعد الفقهية عند الإباضية
ولا ريب أن في هذه الرخصة تيسير وتخفيف على الناس، وبخاصة المسافرين والتجار الذين يغلب عليهم حمل المال معهم، وفي منع ذلك حرج ومشقة تتنافى مع أحد مقاصد الشريعة العامة، وهو حفظ المال.
ج. في ضرورات الصوم:
1 - في الإكراه على الإفطار:
حتى
يرى الإباضية أن من أكرهه الحاكم، أو من له القدرة عليه على الإفطار، خاف على نفسه القتل أو المثلة، أو خاف على ماله من التلف الذي يؤدي
إلى تلف نفسه، فأفطر كَرْهاً، فلا إثم عليه، وعليه بدل يومه.
وعلى قول آخر عليه بدل ما مضى من شهره، وفي الأثر من أكرهه أحد
حتى أدخل في حلقه شيئاً من ماء أو نحوه فلا نقض عليه. وإن أكرهه أن يجامع في شهر رمضان نهاراً، فإنه على ما مضى من الاختلاف في بدل يومه أو شهره، شرط أن يفعل ذلك مع زوجته، أما إذا فعل ذلك مع ما لا يحل له في الأصل فيرى بعضهم أنه يلزمه مع البدل الكفارة؛ لأنه موضع ما لا عذر له في ذلك، وذلك لأن الله تعالى أباح الشرك عند الخوف وهو أعظم من هذا. وقيل إن أكره على الجماع فلا يفعل، فإن فعل
انتقض صومه (1).
وأشار السالمي إلى الفرق بين الأكل والجماع، وهو اللذة الموجودة في
الجماع. قال الشيخ أطفيش شارحاً لنص الثميني: (والخلف في آكل بضرورة جوع أو عطش أو إكراه) أو نحو ذلك (وهو مسافر هل ينهدم ما صام فيه) أي في سفر، (أو لا) ينهدم، بل يقضي يومه؟ كما لا ينهدم صوم (حاضر أكل بذلك)،
(1) السالمي: معارج الآمال، 18/ 67 - 68. (2/498)
صفحة 1014
الفصل الثالث: القاعدة الكلية الكبرى الثالثة
499
بل يقضي يومه، أو ينهدم عن مُكرَه لجواز أن لا يفطر فيقتل مثلاً، لا لمضطر إلى أكل أو شرب، لوجوب الأكل والشرب عليه.
(وجُوّز الأكل لمكره) والمسافر من باب أولى (حاضر إن خاف قتلاً أو مثلة) قطع عضو أو بعضه من لحمه، أو إعماؤه، أو حلق لحيته، أو إيجاعه ضرباً، و (لا) يأكل إن خاف (سلب مال ورخص فيه إن أدى سلبه لتلف نفسه أو لتلف عقله، فإنه أشد من المثلة والشرب كالأكل، ويجوز ذلك، وإن أكره الصائم على الجماع أو نحوه من المفسدات فالخلف، ولا يفطر إن قيل له: أفطر وإلا قتلنا فلاناً أو أكلنا ماله أن هذا الرجل أو ماله، وإن
فطر انهدم» (1). وفضل السالمي عدم استعمال التقية في الصوم للمكره، وأوجب عليه الصبر؛ لأن التقية لا تكون بالفعل، وهذا ما تشير إليه عبارته: «وعلى هذا الإجمال فليس للمكره الإفطار بالتقية، بل عليه الصبر والاحتساب، ولا يكون مثل من قتل نفسه؛ لأن القاتل له غيره، فهو كرجل باشر الجهاد فقتل، لا يصح أن يقال أنه قتل نفسه، لكن يقال جاهد فقتل وله ثواب جهاده وشهادته، وكذلك المقتول على الصوم (3).
الرأي المختار:
ولعل ما ذهب إليه السالمي ينتج عنه مشقة وحرج شديد، فليس كل الناس يملكون القدرة على تحمل الأذى بالإكراه، وعليه فالأمر يختلف حسب الأشخاص والأحوال والظروف، فمن قدر على الصبر والتحمل فالأولى ألا يفطر، ومن عجز عن ذلك بسبب الأذى أو الخوف على نفسه فيفطر للضرورة، ويقضي يومه، ولا إثم عليه.
(1) أطفيش: شرح كتاب النيل للثميني، 363/ 3.
(2) السالمي: معارج الآمال، 68/ 18. (2/499)
صفحة 1015
0 ..
القواعد الفقهية عند الإباضية
2
2 - في حكم صوم الطبيب أو المسعف إذا اطلع على العورات عند المعالجة: هل على الطبيب ومساعديه من خطر على صيامهم، جراء لمسهم للعورات، والنظر إليها عند المعالجة في نهار رمضان؟
جاء في فتاوى الشيخ بيوض رحم الله أنه «إذا اقتضت ضرورة معالجة الأمراض، أو ضرورة تنجية النفوس من الهلاك، بغرق أو حرق أو هدم أو نحو ذلك، لمس العورة أو النظر إليها، لم يضر ذلك المباشر للتنجية والعلاج في دينه، ولا ينهدم بذلك صومه، بل لا يجوز له أن يمتنع من التنجية لما يضطر إليه من ذلك، محافظة على صيامه، وإنما الذي عليه فقط أن يجتهد في مقاومة نوازع نفسه في التشهي باللمس والنظر، ولا يكلف الله نفساً إلا وسعها، ولو شاء الله لأعنتكم (1).
وفي موضع آخر من فتاويه أكد هذا الحكم وطمأن كل من يضطر إلى رؤية امرأة أجنبية أو النظر إلى عورة أيّ كان من ذكر أو أنثى، صغيراً أو كبيراً لتنجيته، كالطبيب أو المنقذ مثلاً: من حرق أو غرق أو هدم، أو حيوان مفترس، فإنه لا بأس عليه وصومه صحيح مهما نظر، إلا أن عليه أن يجاهد نفسه حتى لا يكون نظره أو مسه لشهوة ()، إنَّ اللهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا} (النساء: 29).
د. من ضرورات الحج
جواز حلق شعر المرأة عند الضرورة قياساً بشعر المحرم إذا تأذى به: أجمع الفقهاء على أنه لا يجوز للمحرم حلق رأسه بدون عذر شرعي لقوله تعالى: {وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الهَدَى يَحِلَّهُ} (البقرة: 196)، فإن كان المحرم مريضاً أو يتأذى من رأسه من القمل، وغيره جاز له أن يحلقه ويفتدي لقوله
(1) بيوض إبراهيم: فتاوى الإمام الشيخ بيوض، 295/ 1.
(2) بيوض إبراهيم: نفسه، 296/ 1 - 297. (2/500)
صفحة 1016
الفصل الثالث: القاعدة الكلية الكبرى الثالثة
501
تعالى: {فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ بِهِ أَذَى مِن رَّأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكِ (البقرة: 196)، ومناسبة نزول هذه الآية أن رسول الله له م مر بكعب بن عجرة وهو يطبخ برمة، والقمل ينتثر من رأسه فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أيؤذيك هوام رأسك؟ فقال: نعم، قال عال: فا حلق رأسك وانسك أو صم ثلاثة أيام، أو فرق ثلاثة أصوع بين ستة مساكين كل مسكين نصف صاع»).
وذهب بعض الفقهاء إلى جواز حلق المرأة شعر رأسها عند الضرورة، إذا تأذت به وأرادت، علاجه، وقد تفرد بهذا الرأي ابن بركة من الإباضية حيث يقول: «أرجو أن للمرأة عند الضرورة ما للرجل في ذلك» (2)، وخالف بذلك إجماع الإباضية ونقل عنهم ما نصه: فقال أصحابنا ليس للمرأة ما للرجل عند الضرورة أن تحلق رأسها» (3).
ولعل سبب تحريم الفقهاء حلق شعر المرأة يرجع إلى التشبه بالرجال والإسلام يحرم ذلك سداً لذريعة الفساد. أما إذا كان القصد من الحلق العلاج، فلا مانع من إباحة ذلك للضرورة، و «الضرورة تقدر بقدرها».
وذهب بعض الفقهاء المعاصرين إلى جواز قص المرأة شعرها إذا كان يراه الزوج زينة تزداد به حظوة عنده حتى تنال رضاه، وتعفه عن الحرام، ويمنع ذلك إذا كان القصد منه تقليد الأجنبيات والتشبه بهن)، ولم يكن من قبل يحدث ذلك لولا اختلاط المسلمين بالأقوام غير المسلمة، فانتقلت إليهم العدوى بتأثيراتهم السلبية، ولذلك فمن المناسب عدم جواز ذلك، خوفاً من الفتنة والارتماء في أحضان الحضارة المزيفة.
(1) متفق عليه، رواه البخاري، كتاب المغازي، باب غزوة الحديبية رقم 3954، ومسلم، كتاب الحج، باب جواز حلق الرأس للمحرم، رقم 1201، عن كعب بن عجرة.
(2) ابن بركة: الجامع، 72/ 2.
(3) ابن بركة نفسه.
(4) بكلي عبد الرحمن فتاوى البكري، 296/ 1. (2/501)
صفحة 1017
502
القواعد الفقهية عند الإباضية
هـ ـ في الذبائح:
أجمع الفقهاء على أنه لا تحل الذبيحة إلا بذكر اسم الله عليها، لقوله تعالى: {وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ} (الأنعام: 121)، واستقبال القبلة بها، ورخص الفقهاء لمن ترك ذلك في حال الضرورة والنسيان، ولا يجوز ذلك في حالة الاختيار والتعمد، قال أبو العباس أحمد: «في الذبائح: ولا تجوز الذبيحة إلا بذكر التسمية، واستقبال القبلة بها إلا على حال الضرورة والنسيان،
فإنه يعذر فيهما).
و ـ مسائل متفرقة
1 ـ سفر المرأة مع غير مخرمها:
أجاز بعض الفقهاء أن تسافر المرأة مع غير محرمها عند الضرورة؛ لأن سفر المرأة مع الأجنبي حرام لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر مسيرة يوم وليلة إلا معها محرم (2). وعن ابن عباس الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يخلون رجل بامرأة إلا ومعها محرم، فقام رجل فقال: إن امرأتي خرجت حاجة وإني اكتتبت في غزوة كذا وكذا، قال: فانطلق فحج مع امرأتك» (3).
واشترط بعضهم أن تكون المرأة مع جماعة أو رفقة مأمونة؛ لأن المحرم هو الخلوة ولا خلوة مع الجماعة، وقاسوا ذلك بجواز خلوة الرجل بالمرأة التقية إذ أمنت الفتنة من الجانبين، قال السالمي: «فكما رخصوا في ذلك
(1) أبو العباس أحمد: كتاب أبي مسألة، ص 178. (2) متفق عليه، رواه البخاري، كتاب الصلاة، باب في كم يقصر الصلاة، رقم 1038،، ومسلم، كتاب الحج، باب سفر المرأة مع محرم إلى حج وغيره، رقم 1339، عن أبي هريرة. (3) متفق عليه، رواه البخاري، كتاب النكاح، باب لا يخلون رجل بامرأة إلا ذو محرم، رقم 4935، ومسلم، كتاب الحج، باب سفر المرأة مع محرم إلى حج وغيره، رقم 1341، عن ابن عباس. (2/502)
صفحة 1018
الفصل الثالث: القاعدة الكلية الكبرى الثالثة
503
يرخص هنا). واتفق رأي القطب أطفيش مع السالمي وغيره في هذه الرخصة، فأجاز لها أن تسافر مع اثنين فأكثر ولو غير ثقتين، وقيل
وجاز مع محرمها (2).
ثلاثة، مع
بمحرم
وسئل أبو سعيد الكدمي عن رجل تقي سافر مع امرأة ليست له من بلد إلى بلد مسيرة يوم أو أكثر أهو على ولايته أم تنزل ولايته؟ (3). قال: «إذا غاب أمره في ذلك واحتمل أن يكون ألجأه إلى ذلك الاضطرار، وإنما لحقته بغير إذنه ولا رأيه فهو على ولايته والمؤمن محمول على حسن الظن ما وجد له مخرج، وقد جاء الأثر عن النبي صلى الله عليه وسلم بالنهي أن تسافر المرأة ثلاثاً إلا مع ولي من أوليائها)، وجاء الأثر عن المسلمين أنه ينكر عليه ذلك، فإن لم يتب من ذلك فأيسر ما يكون من أمره أن يوقف عن ولايته؛ لأنه ليس له أن يسافر مع امرأة غير ذات محرم إلا مع جماعة، أو في ضرورة تلجئه إلى ذلك، فإنه يباح في الاضطرار ما لا يباح في الاختيار. وقد قيل: إن للمرأة أن تسافر مع الجماعة ولو لم يكن معها ولي ولو كان الجماعة غير ثقات، والجماعة معنا من الاثنين فصاعداً، وقول ثلاثة فصاعداً» (ه).
- مناقشة السالمي لأدلة المجوّزين لسفر المرأة مع الجماعة: ناقش السالمي أدلة القائلين بجواز سفر المرأة مع غير وليها، ويُفهم من جماعة مؤتمنة عند الضرورة، وخالفهم
عبارته أنه لا يمانع أن تسافر المرأة
مع
(1) السالمي: معارج الآمال، 221/ 2 - 223.
(2) أطفيش نفسه.
(3) المقصود بالولاية هنا هي النصرة والمحبة في الله، أي هل تتولاه بعد ارتكابه هذا المحرم - وهو السفر مع امرأة أجنبية - أم لا؟ وقد يتعرض معه لخلوة.
(4) متفق عليه، رواه البخاري، أبواب تقصير الصلاة، باب في كم تقصر الصلاة، رقم 1036، ومسلم، كتاب الحج، باب سفر المرأة مع محرم إلى حج وغيره، رقم 1338، عن ابن عمر.
(5) السالمي: معارج الآمال، 222/ 2 223. - ينظر: أحمد الكندي: المصنف، 301/ 2. (2/503)
صفحة 1019
504
القواعد الفقهية عند الإباضية
مع
إذا كانت تلك الجماعة غير مؤتمنة عليها فيقول: انظر في وجه جواز سفرها مع الجماعة وإن كانوا غير ثقات، فإن الحكمة التي لأجلها حرم سفر المرأة الأجـ جنبي إنما هي خوف الفتنة، كما يرشد إليه حديث ابن عمر عن خطبة أبيه في باب الخلوة: إن الشيطان ثالثهما)، وهذا المحذور بعينه موجود عند غير الثقات، فهم يمكن أن يتعاونوا عليها فيكون ذلك أشد فتنة من أن لو كان رجل واحد. والظاهر أن أصحاب هذا القول نظروا إلى أن الجماعة قل ما يتفقون على حالة مكروهة مخلة بالمروءة، وإن رفع ذلك نادراً «فالحكم للأغلب من أحوالهم أو أنهم نظروا إلى نفس المحرم، إنما هو نفس الخلوة فقط، وقد ارتفعت مع الجماعة فارتفعت الخلوة، وكان هذا الوجه هو محط أصلهم ومطمح نظرهم. ولعل محبوب بن الرحيل) ومن معه أجاز الخلوة بالمرأة التقية إذا أمنت الفتنة من الجانبين يجيزون أيضاً السفر بالأجنبية على هذا الشرط المذكور، إذ لا فرق بين الصورتين فيلزم من رخص هنالك أن يرخص ها هنا، فيخصصون عموم الحديث المحرّم لسفر المرأة مع الأجنبي بما تقدم في باب الخلوة من حديث أنس، فإن الاحتجاج هو غير الاحتجاج والجواب هو الجواب والله أعلم. ومهما يكن من أمر فإن الفقهاء قرروا أنّ الضرورات تبيح المحظورات»،
وعليه ولما كان سفر المرأة بدون محرم حرام، ولأجل الضرورة التي قد تعترض للمرأة في بعض الأحوال، كأداء واجب العبادات، أو انجاز بعض المعاملات، كالسفر لأجل العلاج، أو الدراسة وحضور مجالس العلم، فهذه الضرورات تقتضي الترخيص لها ما دامت تسافر مع أهل الثقة، ولم تكن في خلوة أو وضع مريب».
،114
(1) رواه أحمد، مسند العشرة المبشرين بالجنة، مسند عمر بن الخطاب لاب، رقم والحاكم في المستدرك، كتاب العلم، رقم 390، عن عمر بن الخطاب، وصححه ووافقه الذهبي. (2/504)
صفحة 1020
الفصل الثالث: القاعدة الكلية الكبرى الثالثة
505
- في حكم تنظيم النسل وتحديده عند الضرورة: إن تحديد النسل تأباه حكمة الشارع الذي خلق في الإنسان والحيوان مادة التوالد والتناسل، وتأباه طبيعة الكون المستمر في النمو، ويعاند الفطرة البشرية التي فطرها الله على أكمل نظام؛ ذلك أن التحديد لا يتأتى إلا بإيقاف سيرها الطبيعي تارة بالقضاء على الحيوانات المنوية بعد تلقيحها، بينما تجب المحافظة عليها حتى تنتقل في أطوارها فتخرج جنيناً كاملاً، ولكن إرادة الإنسان في تحديد نسله وخوفه من الفقر والمستقبل جعله يلجأ إلى هذه الوسيلة المحرمة، والله سبحانه الرازق قد تكفل بأرزاق، مخلوقاته، ووفّر لنا ما نسد به حاجيات كثرة المواليد، بدون أن نلجأ إلى تعطيل سير نظام بديع وضعه مبدع الكون، لحفظ النوع الإنساني وعمارة الأرض، وقد وردت في القرآن والسنة نصوصاً كثيرة تمنع قتل الأولاد من الفقر، وتشجع تكاثر النسل، منها قوله تعالى: {وَلَا نَقْتُلُوا أَوْلَدَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَبْلَهُمْ كَانَ خِطا كبيرًا} (الإسراء: 31)،
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: تناكحوا تكثروا فإني مباه بكم الأمم يوم القيامة). ولكن هل تحريم تحديد النسل وتنظيمه يسري عل جميع الناس؟ وهل يراعي الشارع الحكيم الحالات الخاصة، ويرخص في الأحوال الاضطرارية؟ فهناك حالات تعرض للناس تجعل حياتهم وحياة نسلهم في خطر كبير، كتعسر ولادة، أو كانت قد أجريت للمرأة العملية القيصرية من الجانبين، فقرر الأطباء أن الحمل الجديد قد يلحق بحياتها الخطر، أو اكتشفوا وجود مرض خبيث معد قد ينتقل من أحد الزوجين أو بهما معا، فيستعصي علاجه، فلا ينتجون إلا مريضاً يحمل جراثيم ذلك المرض إلى من بعده، أو كانت المرأة تعاني من ضيق الرحم فتجهض كلما حملت، أو ما شاكل ذلك (2).
(1) رواه أبو داود، كتاب النكاح، باب من تزوج الودود، رقم 2050، والحاكم في المستدرك، كتاب النكاح، رقم 2685، وقال: حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه بهذه السياقة» ووافقه الذهبي.
(2) بكلي عبد الرحمن فتاوى البكري، 316/ 1 - 317. (2/505)
صفحة 1021
القواعد الفقهية عند الإباضية
وبناء على ما سبق فقد أباح العلماء تنظيم النسل أو تحديده لاعتبارات معقولة، وتعتبر من الضرورات التي تبيح المحظورات»، وتتلخص فيما يلي: تنظيم النسل أو قطعه حفاظاً على حياة الأم.
-
1
الخشية على الرضيع من حمل جديد.
3 - إصابة أحد الزوجين بمرض معد.
يقول الشيخ بكلي عبد الرحمن أحد المجتهدين الإباضية المعاصرين في هذا الصدد: «وإزاء هذه الحالات الاضطرارية نجد الشريعة السمحة التي من قواعدها «الضرر يزال قدر الإمكان» و «المشقة تجلب التيسير» ونجدها لا تضيق واسعا على هؤلاء النساء فترهقهن من أمرهنَّ عسراً، وتُحتم عليهن أن يتحملن مشقة الحمل والولادة، ولو اقتضت حالتهن الموت بل جعلت أعذارهن محل اعتبار، فأباحت لهن منع الحمل إما مؤقتاً أو دائماً، وقد توجبه على بعضهن إيجابا، ويصل الأمر إلى الإجهاض في بعض الحالات المستعصية النادرة، لمصلحة حفظ الأم وتنجيتها من هلاك محقق و الضرورة تقدر بقدرها»، ولكن كل ذلك كان لضرورة وبصفة فردية» (1).
- ومن الفقهاء الإباضية المعاصرين الذين أباحوا تنظيم النسل وتحديده عند الاضطرار لا الاختيار، أستاذنا محمد بن بابه الشيخ بالحاج إذ يقول في هذا الشأن وبناء على هذه الأصول القطعية والقواعد الكلية، فإنه لا يجوز تحديد النسل ولا تنظيمه عند الاختيار، ويجوز عند الاضطرار بصفة فردية استثنائية لا جماعية إجبارية» (2).
وحذر الشيخ بكلي عبد الرحمن من تدخل الحكومات والدول في تحديد
(1) بكلي عبد الرحمن: فتاوى البكري، 320/ 1. - مصطفى إتبيرن، المصلحة المرسلة عند
الإباضية، ص
203 - 202
(2) محمد بن بابه الشيخ بالحاج، تنظيم النسل وتحديده وقطعه في ضوء الإسلام، ص 16 وما
بعدها. (2/506)
صفحة 1022
الفصل الثالث: القاعدة الكلية الكبرى الثالثة
507
النسل وتنظيمه، وإجبار الناس على ذلك بالقانون والعقوبات، وأرشد إلى ترك الأمور إلى أصحاب الضرورات يقدرونها حق قدرها.
- وبعد أن عرض رأيه في هذه المسألة، وحاول دحض كل الشبهات التي تثار حولها خلص إلى القول: «فنظراً لما تقدم، ورعاية لكرامة الإنسان، ومحافظة على نوعه أقول: نمنع تحديد النسل في عموم حالاته لدى الاختيار، أما في حالة الاضطرار الفردي فلا بد من تنظيم النسل، بإباحة تحديده، بل وبإيجابه في بعض الحالات، وعليه فلنترك المسألة إلى ذوي الضرورات، فهمْ وحدهم يقدرونها حق قدرها، وليست الحكومة في حاجة إلى تبني الفكرة، إن أرادت تنظيماً أو تحديداً» (1).
3 ـ في صرف العملات دون قبضها في مجلس العقد: ومن صور المعاملات المصرفية المعاصرة أنه تُصرف العملات المختلفة مع الزيادة، ويتم الاتفاق على قيمة الصرف، ولكن قد يتعذر في بعض الحالات الاضطرارية عدم تسليم إحدى العملات في مجلس العقد، كأن يدفع المال في بلد ليأخذه في بلد آخر. سئل الشيخ عبد الرحمن بكلي عن تبديل العملة بزيادة هل يعد من الربا
إذا لم يكن يداً بيد، كأن يدفع المال في بلد ليأخذه في بلد آخر؟ فأجاب: صرف عملة بعملة أخرى وإن بتفاضل بينهما جائز يداً بيد، أما على الكيفية التي تقع الآن كثيراً، كأن الآن كثيراً، كأن تدفع إحدى العملتين نقداً في المجلس على أن يوضع صرف العملة الأخرى في مكان متفق عليه، وقد يكون بعيداً أو في بلد آخر.
أمام ذلك فأرى - والله أعلم - أن الشرع لا يمنع مثل هذه العملية التي تتوقف عليها أحياناً حياة أحد الطرفين، وقد يقال يعكر على المسألة أن بين
(1) عبد الرحمن بكلي: المصدر نفسه، 321/ 1. (2/507)
صفحة 1023
0.1
القواعد الفقهية عند الإباضية
إجرائها ووضعها في المكان المتفق عليه أجلاً، والأجل لا يتفق معه شرط يداً بيد الملتزم في عملية الصرف، قلنا: - والله أعلم - أن الأجل هنا لا يضر، أما أوَّلاً: فلأن ذلك الأجل غير ملحوظ في الصفقة، ولا كانت الزيادة في مقابله
فيعتبر ربا.
وأما الثانية فقد يتعذر إخراج إحدى العملتين لقيد الحجر المفروض على العملة، واعتبار بعض الحكومات إخراجها يعاقب عليه، تهريباً لها، وعليه فتيسيراً للمعاملات وإسعاداً لكثير ممن ألجأتهم الضرورة القصوى لإنقاذ
فعلاً،
حياتهم، يعتبر صاحب العملة التي لم يقبض صرفها في حكم القابض بعد أن حدد سعر عملته وعهد إليه، وتعهد أن يضعه في المكان المتفق عليه
والله أعلم.
(1) بكلي عبد الرحمن فتاوى البكري، 242/ 1. (2/508)
صفحة 1024
المطلب الثاني
قاعدة: «الضرورة تقدر بقدرها»،
أو «ما أبيح للضرورة يقدر بقدرها»
أولاً: تعريف القاعدة
بعد أن عرفنا معنى قاعدة الضرورات تبيح المحظورات وأن ذلك من رحمة الله تبارك وتعالى بعباده، وبأمة محمد ال خاصة؛ لئلا يوقعهم في الحرج والعنت فيشق عليهم الدين أباح لهم المحظور حال، الضرورة، وحينئذ يتوجه سؤال يقول: هل الإباحة في هذه الحالة مطلقة لا حدّ لها؟ أم لها حد معين تنتهي إليه؟ والظاهر أن الجواب عن هذا السؤال هو أن الشارع الحكيم رخص في استباحة المحرم حال الضرورة بالقدر الذي تندفع به تلك الضرورة، فإذا
اندفعت الضرورة رجع الحكم إلى الأصل في تحريم ذلك المحظور. وكذلك فإنه لما أبيح المحظور للضرورة، فالصحيح أن المضطر لا يتوسع في فعل المحظور، حتى يزيد عن حد الرافع للضرورة، بل الواجب أن يفعل ما يزيل ضرورته فقط.
فمثلاً:
وهذا المعنى يتضح بمعرفة بعض صور المحظورات التي تباح للضرورة، في إباحة الأكل من الميتة أو الدم أو لحم الخنزير أو ما أهل لغير الله به لمن اضطر إلى ذلك، فقد قال كثير من العلماء بأنه لا يجوز للمضطر أن يأكل إلا ما يقيم به صلبه، ويسد به رمقه، ويحفظ مهجته، وما زاد على ذلك يكون تعدياً؛ لأنه غير مضطر إليه، فلا يباح له، وفي هذا المعنى يقول السالمي أن الضرورة إنما هي لسد الرمق، فلا يتناول
في
خبير
«العقد الثمين»: «وأنت المضطر شبعته من الميتة، بل ما يمسك رمقه فقط، وأن ما فوق ذلك حرام» (1).
(1) السالمي: العقد الثمين، 259/ 1. (2/509)
صفحة 1025
510
القواعد الفقهية عند الإباضية
وكذلك التلفظ بكلمة الكفر - كما سبق ـ لما جاز لمن أُكره حتى اضطر إلى التلفظ بها، فإذا كان التلفظ بكلمة واحدة يدفع الضرورة عنه لم يجزله الزيادة عليها.
وكذلك القول أيضاً فى إباحة إساغة الغصة بالخمر، فإنه يشرب بقدر ما يدفع الغصة ولا يزيد عليه، أما إذا كان عطشاناً، وكان المشروب مسكراً، واضطر إليه فلا يشربه؛ لأنه لو شربه لازداد عطشاً، فهو حينئذ لا يزيل العطش
بل يثيره (2).
ومن صور هذه القاعدة أيضاً: أنه لو فصد (3) أجنبي امرأة وجب أن تستر ساعدها، ولا تكشف إلا ما لا بد منه للفصد؛ لأن «الضرورة تقدر
جميع
بقدرها».
ويتلخص معنى القاعدة أن كل ما أبيح للضرورة من فعل أو ترك، فإنما يباح بالقدر الذي يدفع الضرر والأذى دون ما عدا ذلك، فلا يباح بالضرورة محظور أعظم محذوراً من الصبر عليها، كما أن الاضطرار إنما يبيح من المحظورات مقدار ما يدفع الخطر، ولا يجوز الاسترسال، ومتى زال الخطر عاد الحظر، فإذا اضطر الإنسان لمحظور فليس له أن يتوسع فيه، بل يقتصر منه على قدر ما تندفع به الضرورة فقط).
وقد اعتمد الإباضية هذه القاعدة في فروعهم الفقهية، وذكرها الراشدي في «جواهره» بالصيغة المشهورة ما أبيح للضرورة يقدر بقدرها».
(1) السالمي: طلعة الشمس، 281/ 2.
(2) عزام عبد العزيز محمد قواعد الفقه الإسلامي، ص 214.
(3) الفصد: هو نوع من التطعيم ضد الأمراض المعدية كالحصبة والجدري ونحوها. (4) الزرقا مصطفى: المدخل الفقهي العام 996/ 2. .
(5) الزحيلي وهبة: نظرية الضرورة الشرعية، ص 245. - الزرقا أحمد شرح القواعد الفقهية، ص 187. (6) الراشدي: جواهر القواعد، ص 139. (2/510)
صفحة 1026
الفصل الثالث: القاعدة الكلية الكبرى الثالثة
011
واعتبر الفقهاء هذه القاعدة قيداً لقاعدة: «الضرورات تبيح المحظورات»، وهي مرتبطة بالقاعدة الكلية الكبرى الضرر يزال وارتباطها بها ظاهر وقوي من حيث إنه لو لم تقدر الضرورة بقدها لوقع الضرر؛ لأن القدر المطلوب لإزالة الضرورة ينتج عنه ارتكاب الحرام وهو ضرر، ولأجل ذلك صنفها الراشدي ضمن القواعد المتفرعة عنها، ولعله تابع في ذلك الفقهاء المتقدمين، غير أن الفقهاء المتأخرين اختاروا أن يدرجوها ضمن القاعدة الكلية الكبرى المشقة تجلب التيسير لشدة ارتباطها وملاءمتها
لها، فنحونا نحوهم.
ثانياً: تأصيل القاعدة:
استدل الإباضية على هذه القاعدة بأدلة من القرآن والسنة والإجماع، وقد سبق ذكر بعضها في القاعدة السابقة، ومن هذه الأدلة
1 ـ من القرآن الكريم:
- قال تعالى: {فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغِ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ} (البقرة: 173)، وقوله تعالى: {فَمَنِ أَضْطَرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإِثْمِ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}
(المائدة: 3).
وجه الاستلال بالآية:
يرى جمهور الإباضية أنه يباح للمضطر أكل الميتة وأشباهها من المحرمات، بشرط أن لا يكون باغياً أو معتدياً على المسلمين فإن كان كذلك فيحرم عليه الانتفاع بها؛ لأن هذه رخصة للضرورة و «الضرورة تقدر بقدرها».
ويشير ابن بركة إلى هذا المعنى بما نصه: «قال أصحابنا (الإباضية) فإن كان المضطر في حال بغي على المسلمين، أو متعد عليهم، لم يجز له أكل ذلك، ولم يبح الله تعالى له أكل الميتة وعليه الامتناع عن أكلها، وإن كان في (2/511)
صفحة 1027
512
القواعد الفقهية عند الإباضية
أكلها حياة نفسه، فليس له أن يحيي نفسه بها من الموت، وظاهر الآية يدل على قولهم وعلى غيره أيضاً» (1).
ونقل السالمي اختلاف الإباضية في هذه المسألة تعقيباً على سؤال ورد إليه مفاده: «أرأيت من خرج باغياً عن المسلمين، أو مانعاً لحكم، أو متعدياً في غشم، ثم اضطر في ذلك الخروج إلى أكل الميتة والدم أو لحم الخنزير، هل له أن نفسه من ذلك أم لا؟»
يحيي
فأجاب: «قد اختلف في ذلك، وظاهر مذهب أكثر أصحابنا أنه ليس له ذلك، بل عليه معهم أن يتوب من بغيه وتعديه، ثم يحيي نفسه بعد ذلك، وظاهر مذهبهم: أنه إن لم يتب وأكل منها كان عاصياً بأكله، وإن لم يأكل حتى مات جوعاً صار راكباً لمعصيتين بغيه على المسلمين، وإهلاكه لنفسه، أما البغي فظاهر، وأما إهلاكه لنفسه؛ فلأنه ترك إحياءها مع إمكان أن يحييها بالحلال، فإنه إذا تاب أحل له ذلك.
ودليلهم على ذلك قوله تعالى: {فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغِ وَلَا عَادٍ} (البقرة: 173)، وقيل: عليه أن يحيي نفسه من الميتة وما بعدها؛ لأن الله قد أباح له ذلك عند الاضطرار وهو مذهب ابن بركة، وفسروا غير باغ ولا عاد بغير ما فسره الأولون فقالوا: إن معنى غير باغ ولا عاد أي غير متجاوز حد الضرورة في ذلك ولا متعد إلى غير ما أحل الله له» (2).
ولم يقنع ابن بركة بتفسير جمهور الإباضية وخالفهم في الرأي ووافق جمهور الفقهاء فقال: «وظاهر الآية يدل على قولهم وعلى غيره أيضاً، وفي نفسي من هذا التأويل شيء والله أسأله التوفيق والهداية لما يحب ويرضى، وعندي ـ والله أعلم ـ أن معنى قوله: {غَيْرَ بَاغِ وَلَا عَادٍ} (البقرة: 173)، غير باغ
(1) ابن بركة الجامع، 1/ 434. (2) السالمي: العقد الثمين، 256/ 1. (2/512)
صفحة 1028
الفصل الثالث: القاعدة الكلية الكبرى الثالثة
513
في
أكله متعد
الأكل، ولا متعد في الأكل؛ لأن العادي هو المتعدي الذي تعدى، قد تعدى إلى ما نهاه الله عنه؛ لأن من أكل في غير الاضطرار فهو في وباغ، وإذا كان مضطراً إلى ذلك كان معذوراً في هذا الأكل وكان فيه غير باغ ولا عاد؛ لأن الأكل إنما أبيح له إذا خاف على نفسه الموت؛ ولأنه نفسه به، وليس خروجه لبغي أو غير بغي مما يمنع من إحياء نفسه أو قدر على ذلك» (1).
يحيي
ولعل ما ذهب إليه ابن بركة في تفسير الآية يؤيده رأي الجمهور، فقد نقل ابن جرير الطبري في تفسيره عن مجاهد وعكرمة قولهما في تفسير الآية: «غير باغ ببغيه ولا عاد يتعدى على ما يمسك نفسه» (2).
ونقل أيضاً عن السدي (3) قوله: «أما باغ فيبتغي فيه شهوته، وأما العادي فيتعدى في أكله، يأكل حتى يشبع، ولكن يأكل منه قدر ما يمسك به نفسه حتى يبلغ به حاجته» (4).
وذكر ابن العربي في تفسيره أن المقصود من قوله تعالى: {غَيْرَ بَاغ) (البقرة: 173) أي غير طالب له راغب فيه لذاته، وقوله تعالى: {وَلَا عَادٍ (البقرة: (173) أي متجاوز قدر الضرورة، وقوله تعالى: {فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ} (البقرة: 173)، أي يباح له، وعلى هذا فالجائز عند الضرورة مقدار ما يدفع به الضرورة؛ لأن الإباحة ضرورة فتقدر بقدر الضرورة).
(1) ابن بركة: الجامع، 434، 435. (2) الطبري: جامع البيان، 871/ 2.
(3) إسماعيل بن عبد الرحمن السدي (128 هـ 745 م): تابعي حجازي الأصل، سكن الكوفة. قال فيه ابن تغري بردي: «صاحب التفسير والمغازي والسير، وكان إماماً عارفاً بالوقائع وأيام
الناس». الأعلام للزركلي - (317/ 1).
(4) الطبري نفسه، 2/ 88 و 82/ 8.
(5) ابن العربي أبو بكر: أحكام القرآن، ط د ت، دار الفكر، لبنان، 55/ 1. (2/513)
صفحة 1029
514
الرأي المختار:
القواعد الفقهية عند الإباضية
هذا
بعد التأمل في التفسيرين للآية الكريمة يبدو أن رأي ابن بركة والجمهور أقرب للصواب؛ لأنه أخذ بحكم الضرورة مطلقاً، ولم يقيدها بحالة العدوان، أو البغي، أو حالة العصيان، فلو تعرض شخصاً إلى مخمصة فيباح له أكل الميتة وما بعدها، ولا ينظر ما إذا كان خروجه لمعصية أو إلى عدوان، فيجب عليه أن ينقذ نفسه من الهلاك، فإن ترك نفسه حتى الموت فهو آثم، فهؤلاء قصروا الرخصة على الضرورة، واشترطوا ألا يتجاوز فيها قدر الحاجة، وفي دفع للمشقة ورفع للحرج؛ لأن هذا الجائع أصبح مشغولاً بالجوع الشديد، فلا يفكر في العدوان ما دام منهوك القوى، أما جمهور الإباضية فقد قيدوا إباحة المحظورات، فأباحوها للمطيع، وحرموها على العاصي والباغي والمتعدي، ولم ينظروا إلى حالته الاضطرارية، ووجوب إنقاذ نفسه من الهلاك، واشترطوا عليه إن كان كذلك يقدم التوبة أولاً، ثم يأكل منها، وفي هذا مشقة وحرج، ولعلهم يريدون بذلك تشجيعه على التوبة والإنابة، ومنعه من العدوان والبغي واعتبروا هذه الرخصة منحة من الله للطائعين وليس للعصاة المتمردين، فلا تمنح لهم إلا بعد التوبة والاستغفار ولعلهم أخذوا بقاعدة أخرى تفيد هذا المعنى وهي: «الرخص لا تناط بالمعاصي» وهي من
القواعد الفرعية المختلف فيها.
2
- من السنة النبوية
أدلة هذه القاعدة ومن
من
السنة ما جاء في حديث قبيصة بن مخارق الهلالي عنه قال: تحملت حمالة (1) فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم أسأله فيها فقال: أقم حتى تأتينا الصدقة فنأمر لك بها قال: ثم قال: «يا قبيصة إن المسألة
(1) الحمالة بالفتح: ما يتحمله الإنسان عن غيره من دية أو غرامة، ينظر: ابن الأثير، النهاية في غريب الحديث، 442/ 1. (2/514)
صفحة 1030
الفصل الثالث: القاعدة الكلية الكبرى الثالثة
515
لا تحل إلا لأحد ثلاثة رجل تحمل حمالة فحلت له المسألة حتى يصيبها ثم يمسك، ورجل أصابته جائحة)، اجتاحت ماله، فحلت له المسألة حتى يصيب قواماً من عيش - أو قال سداداً من عيش - ورجل أصابته فاقة (2)، فحلت له قواماً عيش ـ أو قال سداداً
المسألة
حتى يصيب
من
المسألة يا قبيصة سُحنًا يأكلها صاحبها سحتاً (3).
ففي
من عيش - فما سواهن من
هذا الحديث بيان لثلاثة أصناف من الناس حلت لهم المسألة ـ التي هي في الأصل محرمة لاضطرارهم إليها ـ، فحلت لهم المسألة حتى تزول الضرورة الواقعة بهم، وفيه تحديد إباحة المسألة لهؤلاء الأصناف الثلاثة بحدّ وهو: حتى يجدوا سداداً من عيش ومعنى هذا أنهم إذا حصل لهم سداد من عيش حرمت عليهم المسألة بعد ذلك؛ لأن الضرورة التي أباحت لهم السؤال
قد اندفعت بذلك، فيرجع الحكم إلى الأصل وهو تحريم المسألة (4).
3 ـ من الإجماع: وقد حكى الكدمي إجماع العلماء على إباحة المحظور للمضطر عند الضرورة بشرط ألا يتجاوز حدود الضرورة، فقال: «ومعي أنه قد قيل أنه كل ما كان يعصم من المحرمات، يعني من الضرورة حلال للمضطر في حال ضرورته، أن يأكل منه أو يشرب بقدر ما يحيي به نفسه، فأما الميتة ولحم الخنزير وما أشبه ذلك، فيقع عندي موقع الإجماع عليه أنه جائز في حال الاضطرار في حكم كتاب الله تعالى، وأما ما سوى ذلك مما لم يأت فيه نص من كتاب الله ولا من سُنّة رسول الله صلى الله عليه وسلم فمعي أنه قد قيل فيه كله أنه محجور
(1) الجائحة: هي الآفة التي تهلك الثمار والأموال وتستأصلها، وكل مصيبة عظيمة وفتنة مبيدة، ابن الأثير، النهاية في غريب الحديث، 311/ 1، 312.
(2) الفاقة: الحاجة والفقر، ابن الأثير، النهاية في غريب الحديث، 480/ 3. (3) رواه مسلم، كتاب الزكاة، باب من تحل له المسألة، رقم 1044، عن قبيصة. 722/ 3. (4) علوان إسماعيل بن حسن القواعد الفقهية الخمس الكبرى، ص
295 - 283 (2/515)
صفحة 1031
516
القواعد الفقهية عند الإباضية
إذا لم يأت فيه ترخيص، وإذا هو على جملة التحريم، وليس مستثنياً فيه في ضرورة ولا في غيرها، وذلك مثل الخمر والأبوال والعذرة، وأشباه هذه المحرمات والرجس.
فقال من قال: لا يجوز ذلك، لا في ضرورة ولا في غيرها، أو جوع أو ظمأ، وقال من قال: كل ما رجاه المضطر من ذلك أن يعصم به ويحيي به من جوع، أو ظمأ يخاف منه على نفسه الهلاك، ويرجو فيه لنفسه الحياة، فهو مثل المحرمات (1). وعقب على هذه الأقوال بقوله: ولا يعجبني الإقدام على شيء من ذلك نزاهة وتورعاً إلا على معنى قد عرف أنه يحيي ويعصم، وإلا فهو على معنى الحجر والتحريم»). ويظهر من عبارة الكدمي أن نظرته إلى الضرورة وإزالتها بالمحرمات تُعدّ نظرة سديدة وثاقبة، فلم يقتصر فيها على الأمور الواردة في النصوص، بل توسع فيها إلى كل محرم ما دام لم يرد فيه نص بتحريمه ولو عند الضرورة، فهو في حكم المسكوت عنه، يمكن اللجوء إليه في حال الاضطرار، ولكن من الأحسن ألا يقدم عليها إذا وجد غيره من الحلال، أو يملك القدرة على الصبر والتحمل، وذلك تورعاً وتنزهاً عن الوقوع في الحرام.
ومن
ينبغي
للمؤمن
ثالثا في وجوب الاحتياط عند الأخذ بالرخصة أنه: الانتباه ويجب مراعاتها بدقة الأمور التي تسترعي الحريص على دينه أن يحتاط لنفسه في اتباع الرخص الشرعية، والأولى أن يأخذ بالعزائم، وعلى هذا فإن العلماء لم يتمكنوا من وضع معايير دقيقة للحاجات التي يرغب الناس فيها؛ لأنها تختلف باختلاف الأشخاص والأحوال، والظروف المحيطة، والبيئة التي يعيش فيها الإنسان، كما أن الضوابط التي
(1) الكدمي: المعتبر، 108/ 3.
(2) الكدمي: المصدر نفسه. (2/516)
صفحة 1032
الفصل الثالث: القاعدة الكلية الكبرى الثالثة
517
ذكروها للضرورة يصعب تحديدها بدقة متناهية، نظراً لتغير مدلول كل من الضرورة والحاجة، وتطور مفهومها، فما قد يكون حاجة بالأمس قد يصبح ضرورة في اليوم والغد كاستعمال وسائل النقل والاتصال، وما لم يكن حاجة في الماضي قد يصبح حاجة ملحة في الوقت الحاضر والمستقبل. ولهذا يجب الرجوع إلى العلماء المختصين وسؤالهم عن حكم الله فيما يطرأ للمؤمن من حاجات يُراعي فيها الفقيه ظروف الواقعة وحالة الشخص السائل دون إفراط ولا تفريط، لا سيما عند تقدير وجود الضرورة والحاجة المقتضية إباحة المحظورات؛ لأن الإباحة ضرورة، و «الضرورة تقدر بقدرها» ويمكن أن يستأنس في ذلك بما وضعه العلماء من مراتب تحقيق الرغبة في الأشياء، والاطلاع على ضابط كل مرتبة، وهي خمسة مراتب ضرورة وحاجة، ومنفعة، وزينة، وفضول). فالضرورة أن يبلغ الإنسان حداً إن لم يتناول الممنوع هلك أو قارب الهلاك، وهذه الحال تبيح الحرام أو الممنوع شرعاً، كالمضطر للأكل أو اللبس، بحيث لو بقي جائعاً أو عرياناً لمات أو تلف منه عضو.
والحاجة أن يكون الإنسان في حالة من الجهد والمشقة التي تؤدي به إلى الهلاك إذا لم يتناول المحرم شرعاً، وهذه الحال لا تبيح المحرم وإنما تبيح الفطر للصائم، كالجائع الذي إذا لم يجد ما يأكله لم يهلك وإنما يصير في ضيق ومشقة وهذه مرتبة دون الضرورة.
والمنفعة: أن يشتهي الإنسان طعاماً أساسياً، كالذي يشتهي لحم الغنم
والطعام الدسم مثلاً، فلا يجد ذلك.
والزينة: أن يشتهي المرء شيئاً من الكماليات في عرفنا، كمن يشتهي أكل الحلوى والفاكهة، أو من يرغب في لبس الثياب الفاخرة، كلبس الحرير والذهب للرجل.
(1) الراشدي: جواهر القواعد، ص 139. (2/517)
صفحة 1033
518
القواعد الفقهية عند الإباضية
والفضول: وهو التوسع في تناول الحرام والسُّبه عند الإذن لضرورة). ومن الطبيعي - بعد ذكر هذه المراتب - أنه لا يصح ربط الحاجة بهوى الشخص ورغبته وحب متطلبات الترف والنعيم المعروفة في الحياة الحاضرة، فلا يباح المحظور لأجل الزينة والمنفعة، والتوسع في المطعومات والمشروبات، بل لا بد أن تلابس الظروف ضرورة ملجئة، تبيح المحظور مؤقتاً، أو حاجة يقتصر فيها على موضع الحاجة وبقدر ما تدعو إليه فقط (2).
رابعاً: فروع القاعدة: وردت بعض المسائل التطبيقية لهذه القاعدة عند بيان مفهومها، ولا بأس أن نذكر هنا فروعاً أخرى لتوضيح القاعدة، من ذلك:
- الالتزام بالقدر الضروري لسد حاجة الجوع والعطش والعُزي الشديدة: إذا تعرض المرء إلى العطش أو الجوع الشديد، واحتاج إلى الماء وحده ولا يلحقه ضرر فلا يحل له الأكل، وإن احتاج إلى الأكل وحده دون الشرب فلا يشرب وإن اضطر إلى أن يقدّم الأكل على الماء فيباح له ذلك بقدر الضرورة، والضرورة تقدر بقدرها».
بحث أبو زكرياء يحيى الجناوني هذه المسألة في كتاب «الصوم» وبين حكمها، ومما جاء فيه أن: «من اضطر بالجوع فليأكل أيضاً بقدر ما ينجيه من الموت، وكذلك إن اضطر إلى الميتة والدم ولحم الخنزير فليأكل بقدر ما ينجيه من الموت. ومن اضطر بنهار من رمضان بالعطش وخاف على نفسه الموت، فعليه أن يشرب بقدر ما ينجيه من الموت، ومنهم من يقول: لا يعلم
(1) الراشدي الجواهر، ص، 139 - 140. ـ الحموي غمز عيون البصائر، شرح الأشباه والنظائر لابن نجيم، 276/ 1.
(2) السدلان صالح بن غانم: القواعد الفقهية الكبرى وما يتفرع عنها، ص 275 - 276. (2/518)
صفحة 1034
الفصل الثالث: القاعدة الكلية الكبرى الثالثة
519
له حدود الشبع، وإن اضطر بالعطش وخاف من شرب الماء على الريق، فله أن يخلطه بشيء يسكن به ضرره من دقيق أو عسل، أو يأكل ثمرة أو حبة أو ما أشبه ذلك، ثم يشرب إذا خاف على نفسه، ويقضي ما أكل). وتابع الثميني والقطب أطفيش رأي الجناوني وصرحا به في «شرح النيل (2) دون اعتراض، مما يدل على أنه هو ما يجب العمل به في مثل ذلك الأحوال، تجسيداً للقاعدة: «ما أبيح للضرورة يقدر بقدرها».
من
وقد حمل الجناوني كل من تجاوز حدود الضرورة تبعة ذلك، فلو أكل المضطر حتى شبع، أو شرب حتى ارتوى، فإن عليه كفارة مغلظة وقضاء ما فات من صومه؛ لأنه في حكم المتعمد بعد زوال الضرورة، يقول في هذا المعنى: «فإن اضطر إلى الشراب فشرب، ثم أكل بعلمه بوجوب القضاء عليه، فعليه مغلظة وانهدم صومه، وكذلك إن اضطر إلى الطعام فأكل ثم شرب، وكذلك إن أكل بضرورة ثم أكل بعد ما أمن على نفسه مرة ثانية، وكذلك إن شرب بضرورة ثم أكل بعدما أمن على نفسه مرة ثانية، وكذلك إن شرب بعد ذلك مرة ثانية ولم يخف على نفسه، وكذلك المريض إذا أكل في أول النهار،
ثم أفاق فأكل في آخره من غير ضرورة، فعليه مغلظة وانهدم صومه (3). وعند التأمل في الأحكام التي قررها الجناوني وغيره تظهر لي بعض
الأمور:
أ ـ أن الإباضية جعلوا حد الضرورة دون الشبع، أي أن من شرب أو أكل مضطراً فليشرب أو ليأكل مقدار ما ينجي به نفسه من الهلاك.
ولكن هذا ليس له حد مضبوط قبل الارتواء أو الشبع، ولذلك تساهل بعض الفقهاء فجعلوا الحد هو الارتواء أو الشبع، والحق أن الموضوع متروك
(1) الجناوني أبو زكريا يحيى بن أبي الخير: كتاب الصوم، ص 16 - 17. (2) أطفيش أمحمد: شرح كتاب النيل للثميني، 363/ 3 - 364.
(3) الجناوني: كتاب الصوم، ص 17. (2/519)
صفحة 1035
520
القواعد الفقهية عند الإباضية
للمضطر نفسه، فهو الذي يستطيع أن يحدد مقدار حاجته، وعندما يشعر بالاكتفاء يجب عليه أن يمسك ذلك
عن حسب تقديره.
ب - وقد ألزموا من تجاوز حد الضرورة في الأكل والشرب بكفارة مغلظة وقضاء الأيام الفائتة وفي هذا نظر؛ لأنه شرب بعذر وأكل بشبهة، فلا يلزمه القضاء ولا الكفارة، فقد ذكر الجناوني في باب السحور، «فألزموا المتعمد في عمده القضاء والكفارة، وفي التضييع القضاء دون الكفارة، وفي الشبهة إعادة ذلك اليوم، فالظاهر عند التحقيق أن الفعل في الصورة السابقة وما شابهها ليس عمداً ولا تضييعاً، وإنما هو فعل استند إلى شبهة، وعلى صاحبه إعادة اليوم فقط).
في وسائل منع الحمل:
ذهب جمهور الفقهاء إلى منع المرأة من استعمال أقراص وحبوب منع الحمل لتؤخر دم الحيض؛ حتى تؤدي بعض العبادات كاملة في وقتها، وقد ورد على الشيخ بكلي عبد الرحمن سؤال في هذا الشأن مفاده: هل يجوز للمرأة أن تستعمل حبوب منع الحمل لتؤخر دم الحيض قصد أن تصوم رمضان كاملاً، أو تؤدي مناسك الحج تامة؟ فأجاب الشيخ بكلي عنه ونبه إلى الأضرار الناجمة عن هذا الفعل على الصحة الجسمية والنفسية للمرأة فقال: كل ما عطل سير الحياة الطبيعية في الإنسان أو غيَّر مجراه لا بد وأن يكون له رد فعل طال الزمن أو قصر، إذ لو لم يكن لتعاطيه تأثير ما كان هناك تعطيل أو تغيير.
ومن
ذلك: ما يذكره بعض الأطباء المخلصين عن حبوب وأقراص منع الحمل، وتأخير الحيض من أن له تأثيراً خبيثاً وخطيراً على اللائي يستعملنها
(1) صرح بهذا الرأي المحقق علي يحيى معمر معلقاً على كلام الجناوني في كتاب الصوم، وقال: وهذا الرأي يحتاج إلى التأمل وتحقق ينظر: الهامش من كتاب الصوم للجناوني، ص 17. (2/520)
صفحة 1036
الفصل الثالث: القاعدة الكلية الكبرى الثالثة
021
وإن بعد حين، ذلك هو ما يعقبه من القلق واهتياج الأعصاب الذي يكدر صفو حياتها، يشهد لذلك قوله تعالى: {وَيَسْتَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا نَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ} (البقرة: 222).
فقد أخبر العالم الخبير أن دم الحيض داء، فإذا كان داء فاحتقانه في جسم المرأة، واتخاذ الوسائل لمنع خروجه استبقاء للداء في الجسم، سوف لا يلبث أن ينبعث إن لم يظهر سريعاً، متى كان الجسم يتمتع بالحصانة الصحية، فإن ظهوره فيه متى ضعفت تلك الحصانة، أو فقدت يكون نتيجة طبيعية، ودم الحيض في المرأة كالبخار في جوف الأرض، فإما أن يخرج وإما أن يحدث زلزالاً، وأنت خبير أن كل ما يضر بالصحة ويفقد توازنها يحرم تعاطيه، لقوله: لا ضرر ولا ضرار).
واستثنى الشيخ بكلي من حكم التحريم حالة الحج، حيث تضطر المرأة إلى استكمال مناسكها حتى تعود مع رُفقتها، فلو لم تأخذ بهذه الرخصة للحقها حرج شديد ومشقة، والمشقة تجلب التيسير» بشرط أن تتقيد بالضرورة، ولا تكررها لتأخير الحيض عن عادته، حتى تصوم رمضان كاملاً، فهذه ليست ضرورة، ولذلك تمنع من ذلك، فيقول في هذا الصدد: «أما استعمالها لمنع الحيض في رمضان لتؤديه كاملاً، وفي الحج لقضاء مناسكه تامة من غير تعطيل، ففرق بين الحالتين، أما بالنسبة لرمضان فلا، وأما بالنسبة للحج فلا بأس، ذلك:
أولاً: أن الحج يقع غالباً مرة في العمر فلا يترتب على اتخاذها في هذه المناسبة النادرة ما يخشى معه ضرر، ولم يرخص الله فيه، كما رخص في الصوم.
ثانياً: استعمالها في الحج قد تلجئ إليه الضرورة.
(1) سيأتي تخريجه مفصلاً في الفصل الرابع في قاعدة لا ضرر ولا ضرار»، و «الضرر يزال». (2/521)
صفحة 1037
522
القواعد الفقهية عند الإباضية
ثالثاً: قد نقل عن ابن عمر لالالالها أنه لم ير بأساً للمرأة في الحج أن تستعمل
أنه
ما يمنع حيضها، لتنفر وتطوف وروى سعيد بن منصور عن ابن عمر سئل عن المرأة تشتري الدواء لترفع حيضتها لتنفر فلم ير بأساً، وبعث إليهن بماء الأراك» (1). أنه: وعلل الشيخ بكلي سبب منعه في حالة الصوم
«أولاً: فإن المحذور قد يقع لكثرة التكرار عادة.
ثانياً: قد عالج الله مسألة الحائض في رمضان بأن أباح لها أن تفطر أيام الحيض، وإن أوجب عليها قضاءها بعده لدى التيسير دون أن يقع هناك تعطيل أو تغيير لنظام الفطرة، ولولا ما يعلمه الله من ضرر في حبس حيض المرأة لما أهدر لأجله حرمة رمضان وأباح لها، بل أوجب عليها الإفطار فيه» (2).
وبعد أن بين حيثيات الموضوع وردّ على المجوزين مطلقاً، وعلل منعه في حالة الصوم وإباحته في حالة الحج، خلص إلى القول: «وعليه فلا أبيح للمرأة أن تستعمل حبوب وأقراص منع الحيض لصوم رمضان، وأرخص للتي أن تستعملها لتنفر وتطوف؛ لضيق مدة الحج، سيما في أيامنا إذ أصبح
تحج
60
رجوع الحاج مقيداً بتاريخ محدد لا يمكنه التأخر عنه، وليس لرفقته أن تنتظره ولعدم وجود رخصة من الله تغنينا عن هذه الوسيلة كما في الصوم، ولورود الجواز عن الصدر الأول في الحج خاصة كما مر آنفا ... » (3).
(1) لم أقف عليه فيما بحثت في مصنف سعيد بن منصور، وروى عبد الرزاق ما في معناه، مصنف عبد الرزاق الصنعاني كتاب الحيض باب الدواء يقطع الحيضة - حديث: 1176، بلفظ «أخبرنا عبد الرزاق قال أخبرنا معمر قال أخبرنا واصل مولى ابن عيينة، عن رجل، سأل ابن عمر عن امرأة تطاول بها دم الحيضة فأرادت أن تشرب دواء يقطع الدم عنها، فلم ير ابن عمر بأساً، ونعت ابن عمر ماء الأراك». قال معمر: وسمعت ابن أبي نجيح يسأل عن ذلك فلم ير به بأساً».
(2) بكلي عبد الرحمن فتاوى البكري، 322/ 1 - 323. (3) بكلي عبد الرحمن المرجع نفسه، 223/ 1 - 224. (2/522)
صفحة 1038
الفصل الثالث: القاعدة الكلية الكبرى الثالثة
523
والحق أن ما ذهب إليه الشيخ بكلي هو ما ترتاح إليه النفس ويترجح عندنا، لما فيه من اليسر ورفع الحرج والمشقة عن الحائض، ولقوة أدلته ومسايرته لضرورات العصر.
- في امتناع الغريم عن دفع ديونه:
إذا حلّ أجل الدين ينبغي للمدين أن يسدده ويستلمه منه الدائن بالرضى، ولكن إذا امتنع عن ذلك وصار يماطله، أو يتهرب منه أو يجحده، فقد أجاز بعض الإباضية للدائن أن يقضي دينه من المدين (الغريم) بالإكراه والجبر، واشترطوا أن يستوفي منه مقدار حقه، ولا يجوز له أن يزيد على غريمه حتى لا يضره، واختلفوا في الشيء الذي يجوز له أن يأخذه منه، هل يأخذ عين الدين أم مثله أم قيمته أم يتصرف في مال المدين بالبيع ويأخذ منه حقه؟ تعرض ابن بركة والشماخي إلى هذه المسألة وفصلا فيها القول، وذكرا
أدلة المجيزين والمانعين لذلك وناقشوهم. يقول ابن بركة في هذا الشأن: اختلف علماؤنا في رجل مات وعليه دين لرجل، ولم يوص إلى أحد من الناس، ولم يكن لصاحب الدين بينة على الميت، فقال بعضهم: إن قدر على شيء من مال الهالك من العروض والحيوان أخذه سرّاً وباعه واستقضى منه وقبض حقه، ويقيم نفسه في ذلك مكان الحاكم، وقال آخرون ليس له ذلك ويكون متعدياً في الظاهر والباطن؛ لأنه يفعل بغير أمر الله؛ لأنه ليس بوكيل فيما يبيع ولا وصي).
ورغم هذا الاختلاف فقد اتفق الفريقان على أنه إذا وجد الغريم عين ماله عند الهالك فله أن يأخذه سرّاً لا جهراً، وقد حكى ابن بركة إجماعهم على هذا الرأي فقال: «فأجمعوا على أنه إذا وجد في مال الهالك مثل عين ماله من الجنس الذي له من الذهب والفضة أو ما يضبط بالكيل والوزن ويتساوى
(1)
ابن بركة: الجامع، 210/ 1. (2/523)
صفحة 1039
524
القواعد الفقهية عند الإباضية
ولا يختلف، أن له أخذ ذلك إذا قدر عليه سرّاً، ولا يأخذه جهاراً، ويواجه بأخذه ظاهراً؛ لأنه يكون متعدياً في الظاهر» (1).
ولم يسلّم ابن بركة بهذا القول رغم حكاية الإجماع فيه، فيقول عن الدائن: وقوله ليس بحجة في دعواه (2).
وإذا لم يجد الدائن عين ماله ولكن وجد مالاً آخر، هل له أن يأخذه ويبيعه ويستوفي قيمة دينه فهنا وقع الخلاف فمنهم من جوّز ذلك إذا جحد ذلك الغريم أو مات، وقالوا يجعل نفسه مقام الحاكم فيتصرف في ماله قدر حاجته، وقال آخرون ليس له أن يفعل ذلك، فهو تصرُّف في ملك الغير بغير إذنه ودون حق، ما دام يفتقر لصفة الوصي أو الوكيل.
يقول الشماخي في هذا المعنى وعند هؤلاء أنه لا يجوز له أن يقبض مقدار دينه من الخلاف؛ لأنه لا يجوز له عندهم أن يتصرف بالبيع في مال لا يملكه إلا بوكالة أو وصاية أو يملك تقدم له فيه، وقال بعض: يجوز له أن يقبض مقدار دينه ولو من الخلاف» (3).
وناقش ابن بركة قول من جوّز للدائن أن يجعل نفسه مقام الحاكم، فيبيع ملك الغريم ويأخذ مقدار دينه، فقال: «فإن قال قائل: أليس للحاكم أن يقضي عن الميت الدين من ماله فلم لا يُجوّز لصاحب الدين إذا عدم البينة وعدم الحكم، وقدر على أن يأخذ من مال الميت مما خلفه فيبيع ذلك ويقضي دينه منه؟ قيل له: إن الحاكم هو الذي جعل لذلك ونصب له، وليس ذلك للعوام، ولو جاز ذلك لرجل من العوام أن يقوم فيبيع من مال الميت ويقضي عنه دينه كما لا يجوز للحاكم» (4).
(1) ابن بركة: نفسه، 1/ 210 - 211. ـ الشماخي: الإيضاح، 149/ 6.
(2) ابن بركة نفسه 2112.
(3) الشماخي نفسه، 149/ 6 - 150. ـ ابن بركة: نفسه.
(4)
ابن بركة: الجامع، 211/ 2. (2/524)
صفحة 1040
الفصل الثالث: القاعدة الكلية الكبرى الثالثة
525
أما إذا جحد الغريم الدين، هل يجوز له أخذ ماله دون التقاضي إلى الحاكم؟ قال ابن بركة: «فإن جحده وقدر على شيء من ماله، هل له أن يأخذه
ماله؟ من
قيل له: إذا جحده أو هلك فكان ذلك سواء؛ لأنه لا يقدر على أخذه منه بالجحد والموت، فإن قال: لِمَ لا يأخذه ويقضي حقه لا يأخذه ويقضي حقه من ماله ببيع أو قيمة، ويكون هذا اتفاق بينهم؟ قيل له: ليس له ذلك عند هذه الطائفة من أجل أن عين ماله غير ما أخذه، فلا يجوز أن يملك هذا المتاع إلا سراً، ولا يجوز له أيضاً أن يتصرف في البيع في مال لا يملكه إلا بالوكالة أو وصاية أو بملك يقدم له ... »). وقال الشماخي هذا إذا كان الغريم هالك أما إذا كان حيّاً وجحد دينه فما حكمه؟ وقد اختلف العلماء في الشيء الذي يجوز أن يأخذ منه مقدار حقه ومتى يجوز له ذلك؟
قال بعض: لا يجوز التقاضي في الديون إلا بعد الجحود واليمين، وقال بعض: جائز له التقاضي بعد الجحود ما لم يحلفه، فإذا حلفه فلا يقضي من ماله شيئاً، فعند هؤلاء إذا حلّفه فقد انقطعت الخصومة بينهما؛ لأن اليمين جعلت لقطع الخصومة، وهي أيضاً بمعنى الإبراء من الدعوى، ويدل على هذا ما روي أنه أتاه آت فقال: يا رسول الله إن فلاناً أخذ مالي ومنعني حقي، أو قال: جحدني أو كلاماً هذا معناه، فقال له النبي علي: «أعندك بينة؟ فقال: لا، قال: فيمينه فقال: يا رسول الله إذا يحلف ويذهب مالي؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ليس لك إلا ذلك» (2). فهذا يدل على أنه ليس له بعد اليمين شيء، وعند الآخرين أن اليمين الفاجرة لا تقطع حق المسلم.
(1) ابن بركة: نفسه. - وينظر: الشماخي: الإيضاح، 149/ 6 - 150.
(2) رواه البخاري، كتاب الشهادات، باب سؤال الحاكم المدعي هل لك بينة، رقم: 2523، عن شقيق بن عبد الله، ومسلم، كتاب الإيمان باب وعيد من اقتطع حق مسلم بيمين فاجرة، رقم:
139، عن وائل. (2/525)
صفحة 1041
526
القواعد الفقهية عند الإباضية
ومنهم من يقول: إن لم يصل إلى ماله بوجه من الوجوه جاز له التقاضي
ولو لم يجحده.
6
واختلفوا في صفة ذلك قال بعض يبيع ثم يقضي وقال بعض: يقضي ثم يبيع، ولا يقضي أكثر من ماله، وإن باع وبقي منه فضل فإنه يرده ولو قضى أولاً، وإن باع بالأقل بعد ما قضى فلا يدرك البقية.
وحُجّة الذين جوّزوا أن يقضي مقدار دينه ولو من خلافه (أي ليس مماثلاً لدينه) أن النبي صلى الله عليه وسلم أذن لهند بنت عتبة حين شكت إليه من زوجها أبي سفيان بن حرب، أنه قطع عنها وعن ولدها النفقة والكسوة، فأمرها رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تأخذ من ماله بغير إذنه)، فقد أذن لها بذلك، ولم يخص أن تأخذ من جنس مالها أو غيره.
وفي هذا دليل أيضاً أنه حين يُجوّز لها أن تأخذ مقدار حقها بلا إذن الذي عليه الحق من ماله المعين جاز له أن يقضي بقدر دينه مما قد سبق في الذمة؛ لأنه ماله كله وهذا إذا اختلفت الديون، وأما إذا اتفقت فذلك تقاض بينهما (2). وعلق المحشي أبو ستة على قول الشماخي فقال: «قوله: جاز له أن يقضي بقدر دينه لقائل أن يقول: ظاهر الحديث إنما يدل على جواز أخذ قدر الحق عند الامتناع لأجل الضرورة، ولا ضرورة تلجئ إلى أخذ القدر عند عدم الامتناع من أداء الحق، اللّهُمَّ إلا أن يقال إذا جاز أخذ القدر بلا إذن، فمن باب أولى مع الإذن والتراضي على ذلك، والظاهر أن هذا هو مراد المصنف رحمه ... » (3).
ولم يسلّم ابن بركة بهذه الحجة للقائلين بجواز أخذ الدائن مقدار دينه من
عن
عائشة.
(1) متفق عليه، رواه البخاري، كتاب النفقات، باب إذا لم ينفق الرجل فللمرأة أن تأخذ بغير علمه، حديث: 5055، ومسلم، كتاب الأقضية، باب قضية هند، رقم 1714، (2) الشماخي: الإيضاح، 146/ 6 - 147. (3) القصبي أبو ستة محمد بن عمرو: الحاشية على الإيضاح الشماخي، 146/ 6. (2/526)
صفحة 1042
الفصل الثالث: القاعدة الكلية الكبرى الثالثة
527
مال الغريم بغير إذنه إذا جحده، واعترض عليهم بقوله: «ورد الخبر بأنه أذن لها (هند) أن تأخذ حقها وحق صبيانها من ماله، وليس في الخبر أنه أمرها أن تأخذ غير ما يجب لها، وتبيعه وتملكه عليه من حق منَعها إياه سوى ما صار إليها، بل الذي يجب أن يكون الرسول صلى الله عليه وسلم أمرها أن تأخذ ما يكفيها ويكفي صبيانها من ماله، وللمرأة على زوجها حقوق مختلفة من حب وتمر وأُدم
وثياب وصداق وغير ذلك، فكل شيء أخذته فهو من جنس حق لها. وأيضاً فإنه إن صح أنه أذن لها أن تأخذ غير الذي لها وغير غبن حقها عليه، فإنها أخذت بحكم حاكم، ومن حكم له حاكم بأخذ حق له في مال غريمه جاز له أخذه» (1).
وعلق المحشي أبي ستة على قول الشماخي فقال: «قوله: أنها أخذت بحكم حاكم إلخ ... لقائل أن يقول من جانب المجيز مطلقاً: أن هذا الحاكم هو المشرع الله، فلما حكم في هذه القضية بذلك عُلم منها أن كل من له عند شخص حق وامتنع من أدائه، جاز له أن يأخذ من ماله مقدار حقه» (2).
وخلاصة القول:
اختلف الفقهاء في طريقة استرجاع الدائن حقه إذا امتنع الغريم من سداد ما عليه من ديون فيرى بعضهم أنه يحق للدائن المطالبة بحقه قضاء، فإذا حكم له بذلك أخذ ماله، فإن امتنع أجبره الحاكم على الدفع، ولا يجوز له
أخذ ذلك بنفسه.
وذهب بعضهم إلى جواز أخذ ماله بنفسه سرًّا دون الجهر، بشرط أن يأخذه بعينه إذا وجده أو قيمته إذا لم يجده، ومن حقه أن يبيع له ماله فيقتطع
منه دينه.
(1) ابن بركة الجامع، 212/ 1. - الشماخي، نفسه 151/ 6.
(2) القصبي أبو ستة، الحاشية على الإيضاح نفسه. - أبو العباس، كتاب أبي مسألة، ص 105. (2/527)
صفحة 1043
528
القواعد الفقهية عند الإباضية
ومهما يكن من أمر، فالأصل أن يرد المدين الديون دون مقاضاة أو إجبار، ولكن الضرورة اقتضت إجباره أو التحايل معه حتى تؤخذ منه حقوق الدائنين دون تجاوز قيمة الدين والإضرار به؛ لأن الضرورة تقدر بقدرها». وما قيل في الديون يقال في الودائع والأمانات، فإذا وجدها بعينها، أو ثبتت عنده قيمتها وجحدها المؤتمن، فمن حق أصحابها المطالبة بها، أو اتخاذ كل وسيلة ممكنة لاسترجاع أموالهم المسلوبة، وقد تكون أموال الغريم بأيديهم، فيرى بعضهم جواز أخذ مقدار دينه الواجب في حق المؤتمن من أمانة الغريم، ومنع بعضهم ذلك؛ لأنه خيانة، قال الشماخي: «وإن كان مال غريمه في يده بالأمانة فلا يقضي منه حقه لقوله صلى الله عليه وسلم: «فلا تخن من ورد الأمانة إلى من ائتمنك» (1). وجوّز بعضهم أن يقضي حقه ولو من أمانته إذا جحده حقه، وكذلك أيضاً
خانك
مال الغريم إذا كان في يد رجل على هذا الاختلاف» (2). «وإن غصب له غاصب من ماله شيئاً، فإنه لا يقضي من مال الغاصب ما دام ذلك الشيء قائماً بعينه في يد الغاصب؛ لأن ملكه لم يزل عليه، ولكن يقضي ما أكل الغاصب من غلة ذلك الشيء وما استنفع من عناه» (3).
(1) رواه الترمذي، كتاب البيوع، باب رقم 1264، وأبو داود، كتاب الإجارة، باب الرجل يؤخذ حقه من تحت يده، رقم 3535، عن أبي هريرة قال الترمذي: حسن غريب.
(2) الشماخي: الإيضاح، 152/ 6، 153. - أبو العباس أحمد: كتاب أبي مسألة، ص 105 - 106. (3) الشماخي: نفسه، 152/ 6. (2/528)
صفحة 1044
المطلب الثالث
قاعدة: «ما جاز لعذر بطل بزواله (1)
أولاً: بيان معنى القاعدة وصلتها بغيرها:
قاعدة: «ما جاز لعذر بطل بزواله جاءت مقيدة لقاعدة: «الضرورات تبيح المحظورات، فما جاز فعله بسبب عذر من الأعذار أو عارض طارئ من العوارض، فإنه تزول مشروعيته بزوال حال العذر (2). وهذه القاعدة أيضاً قريبة في المعنى من القاعدة السابقة، بل هي لها وملحقة بها، إلا أن القاعدة السابقة «ما أبيح للضرورة يقدر بقدرها» يعمل بها أثناء قيام الضرورة، وهذه القاعدة تُبين ما يجب فعله بعد زوال حال الضرورة).
مكملة
وقد عبّر عنها الكدمي والشماخي بصيغة قريبة تتضمن معناها، وهي: «كل ما أبيح لأجل الضرر أنه يرتفع تحليله بارتفاع الضرر»، و «ما أبيح لعلة يرتفع تحليله بارتفاع العلة)، وأضاف الكدمي مؤكداً لمعنى القاعدة: «وجميع الأبدال المتفق عليها أنه يرتفع حكمها بوجود المبدل منه). أما سفيان الراشدي فقد صرح بهذه القاعدة في «جواهره» وأشار إلى العلاقة التي تربطها بالقاعدة السابقة، فقال: «ونظير هذه قولهم: ما جاز لعذر بطل بزواله» (6).
(1) الشماخي: الإيضاح، 308/ 1 - 310.
(2) الزرقا أحمد شرح القواعد الفقهية، ص 189، مادة، 23.
6
(3) الحموي: غمز عيون البصائر، 278/ 1. - الزحيلي: نظرية الضرورة الشرعية، ص (4) الكدمي: المعتبر، 4/ 138. - الشماخي: الإيضاح، 308/ 1 - 311.
(5) الكدمي: المصدر نفسه. 138/ 4.
(6) الراشدي: جواهر القواعد، ص 140.
254 (2/529)
صفحة 1045
530
القواعد الفقهية عند الإباضية
وهذه القاعدة هي. عکس القاعدة السابقة «إذا زال المانع عاد الممنوع» فهي تفيد أن ما شرع من الأحكام في الأصل وقد امتنعت مشروعيته بمانع عارض، فإذا زال المانع عاد حكم مشروعيته وجوازه، فهي تفيد حكم ما امتنع لسبب ثم زال السبب المانع ولو دققنا في مفردات القاعدة لوجدنا أن كلمة العذر ـ بضم فسكون ـ،
مصدر عذر وجمعه أعذار وهو لغة السبب المبيح للرخصة). وفي الشرع: «ما يتعذر عليه المعنى على ما موجب الشرع إلا بتحمل ضرر
زائد» (3)
وعرفه الحافظ ابن حجر بأنه: «الوصف الطارئ على المكلف المناسب للتسهيل عليه» (4).
النهي»
(?) ?)
والبطلان عدم صلاحية الشيء لترتب آثاره عليه، قال السالمي: «هو ما خالف أمر الشرع أو وافق نهيه، إذ بمخالفة الشرع يفوت الثواب الأخروي، والمنافع الدنيوية وتحصل المفسدة التي في ومعنى البطلان هنا شامل لسقوط اعتباره من حيث إنه يصير في حكم العدم. والمعنى الإجمالي للقاعدة: أن الأشياء التي تجوز بناء على الأعذار والضرورات، إذا زالت تلك الأعذار والضرورات بطل الجواز فيها؛ لأن جوازها لما كان لعذر فهو خلاف عن الأصل المتعذر؛ فإذا زال العذر أمكن العمل بالأصل، فلو جاز العمل بالخلف أيضاً للزم الجمع بين البدل والمبدل منه، وهذا لا يجوز، كما لا يجوز الجمع بين الحقيقة والمجاز).
(2) محمد رواس قلعة
لغة الفقهاء، ص 307.
(1) الندوي: القواعد الفقهية، ص 390. جي وغيره، معجم (3) سعدي أبو جيب، القاموس الفقهي لغة واصطلاحاً، ص 245.
(4) المرجع نفسه.
(5) السالمي: طلعة الشمس، 215/ 2. ـ قلعة جي، معجم لغة الفقهاء، ص 108.
(6) البورنو: الوجيز في إيضاح قواعد الفقه الكلية، ص 241. (2/530)
صفحة 1046
الفصل الثالث: القاعدة الكلية الكبرى الثالثة
531
ثانياً: تطبيقات القاعدة:
يتخرج على هذه القاعدة كثير من أحكام العوارض على أهلية الإنسان،
ولها تطبيقات كثيرة في مجال العبادات والعقود والقضاء، نذكر منها:
أ ـ في مجال العبادات: 1 ـ ومن الصور المتخرجة على هذه القاعدة أن من كان مريضاً يتيمم، فإن قدر على استعمال الماء بعد شفائه، بطل تيممه لزوال العذر، يقول الشماخي في هذا الشأن: وكذلك المقيم إن تيمم بالعذر (كالمرض مثلاً) ثم استراح ولم يجد الماء، قال بعضهم: ينتقض عليه تيممه كما ينتقض تيممه برؤية الماء؛ لأن ما أبيح لعلة يرتفع تحليله بارتفاع العلة».
وقال آخرون: لا ينتقض تيممه، وذلك عندي لما كان
عدم
الماء
يبيح
له
التيمم مع وجود، الصحة، كان استراحته من المرض لا ينقض تيممه إلا بوجود
الماء مع إمكان الغسل). ولا ريب أن ما قرره ابن بركة والشماخي عن الإباضية وتجسيدهم لمضمون قاعدة: «ما جاز لعذر بطل بزواله في فروعهم هو ما أكده كذلك الكدمي بمفهومه في عبارته إذ يقول: ومعي أنه في معنى الاتفاق أن كل ما أبيح لأجل الضرورة فإنه يرتفع حله بارتفاع الضرر»، وجميع الأبدال المتفق عليها أنه يرتفع حكمها بوجود المبدل منه» (2).
وينبه الكدمي إلى أمر في غاية الأهمية يتعلق بهذه المسألة وهو: أنه لا يمكن أن يخاطب المكلف بحكمين، فإذا كان قادراً على التزام حكم الأصل فلا يجوز العمل بحكم البدل والعكس صحيح، وعليه فإذا زال حكم البدل بزوال سببه، كالعذر الشرعي، رجع إلى حكم الأصل؛ لأن حكم الأصل
(1) الشماخي: نفسه، 311/ 1. (2) الكدمي: المعتبر، 138/ 4. (2/531)
صفحة 1047
532
القواعد الفقهية عند الإباضية
والبدل لا يجتمعان
معاً في حق المكلف، فيقول: «والنظر أن ذلك عندي يخرج
في معاني أحكامه على معنيين: أحدهما: أنه إذا ثبت عليه الغسل بأي وجه من الوجوه زال عنه حكم التيمم، إذ لا يجتمع عليه في مقام التكليف بالأمر الشرعي حكمان، وإنما هو
مخاطب واحد.
والآخر أنه لما أن كان مخاطباً بمعنى حكم الغسل كله من بدنه، سواء كان قدر هذا الشيء قليلاً أو كثيراً، وذلك عند قدرته على ذلك، ووجود الماء له، وهو قادر على استعمال الماء، وفي معنى وجود الماء وجود قدرة وتمكن وفى حالة ما إذا كان غير معذور بترك استعمال الماء ... ).
ويبين ابن بركة أن موسى بن على ومن تابعه في رأيه لم يستطيعوا أن يلتزموا بقاعدتهم في عدم نقض العبادة إذا زال العذر، بل نقضوها في بعض الصور، ومن ذلك: 2 ـ وفي صلاة المريض إذا أحس بتحسن في صحته رجع إلى إقامة الصلاة تامة، فإن طرأ عليه المرض في الصلاة صلى بما يستطيع من أفعال الصلاة؛ لأنه صاحب عذر.
ويوضح الشماخي كيفية صلاة المريض في حالة المرض وصلاته إذا صح، فيقول: «والمريض يأخذ صلاته من القيام إلى الاضطجاع، ومن الاضطجاع إلى القيام ومعنى ذلك: إذا كان يصلي قائماً ثم حدث إليه المرض في صلاته حتى يستطيع القيام، فإنه يرجع إلى القعود، ومن القعود إلى الاضطجاع إن لم يستطع القعود، ويبني عليه، وإن كان يصلي مضطجعاً، ثم وجد راحة فإنه يرجع إلى القعود، ومن القعود إلى القيام، ويبني عليه.
(1) الكدمي المعتبر، 139/ 4 - 140. (2/532)
صفحة 1048
الفصل الثالث: القاعدة الكلية الكبرى الثالثة
533
وقال بعضهم: إن وجد راحة وهو يصلي مضطجعاً استأنف الصلاة، ولا يبني صلاة القيام ولا القعود مع صلاة الاضطجاع، وكذلك إن رجع إلى الاضطجاع من القيام أو من القعود، فإنه يرجع من القيام إلى القعود، ومن القعود إلى القيام مرة أو مرتين فى صلاة واحدة ما لم يتمها» (1).
منشأ الخلاف
ذكر الشماخي سبب الخلاف في هذه المسألة فقال: «وسبب الخلاف عندي هو سبب اختلافهم، هل يرتفع البدل عند وجود المبدل منه بعد دخوله في البدل وقبل إتمامه أم لا؟ كالقادر على العتق بعد دخوله في الصيام في
كفارة الظهار».
وأشار الشماخي إلى أنهم لم يختلفوا فيما بين القيام والقعود؛ لأن القعود وإن كان بدلاً من القيام، فهو من أفعال الصلاة في حال القدرة، ولذلك لم يستأنف الصلاة إذا قدر على القيام وهو يصلي قاعداً (2).
3 ـ ومثله من أبيح له الفطر في رمضان بسبب السفر أو المرض، ومن جاز له استعمال الرخص الشرعية، كقصر الصلاة، وترك الجمعة والجماعة بسبب السفر أو المرض، ومن أذن له في إخراج الفدية عن رمضان بسبب الهرم أو العلة المزمنة، ومن أبيح له التناول من المحظورات للاضطرار، ومن قبلت إشارته في المعاملات بسبب الخرس، ثم زالت الأسباب الموجبة المذكورة، طولب الشخص بالأحكام العامة الأصلية، ولم يسمح له بالأحكام الاستثنائية؛ فيجب الصيام عندئذ ويتم الصلاة، ويأكل من الطيبات المباحات (3).
(1) الشماخي: الإيضاح، 76/ 2 - 77. (2) الشماخي: المصدر نفسه، 77/ 1.
(3) ابن بركة: الجامع، 1/ 417 - 418. - الكدمي: المعتبر، 139/ 4 - 140. ـ الشقصي: منهج الطالبين، 3/ 433. - الشماخي: المصدر نفسه، 1/ 38 - 39 - السالمي: معارج الآمال،
281/ 3. - الزحيلي نظرية الضرورة الشرعية، ص 255. (2/533)
صفحة 1049
534
القواعد الفقهية عند الإباضية
ب - في باب المعاملات والقضاء:
ومن الأمثلة على هذه القاعدة في العقود والأقضية:
1
تنتهي
سلطة الوكيل وتبطل وكالته بمجرد علمه بعزل الموكل له، بل
ذهب بعضهم إلى أن وكالته تزول حكماً ولو لم يعلم بعزل موكله، وحكم تصرفاته بعد ذلك البطلان.
وذهب بعضهم إلى أن وكالته مستمرة ما دام لم يعلم بخبر عزله، وبناء عليه فكل تصرف قام به قبل ذلك فهو نافذ وصحيح.
وقد تعرض ابن بركة إلى هذه المسألة، وذكر اختلاف الإباضية فيها، ومال إلى القول الثاني ورجحه، ومما جاء فيه: «وإذا وَكَل رجل رجلاً في بيع ماله أو طلاق زوجته ثم نزعه من الوكالة، وقد غاب عنه الوكيل فامتثل الوكيل ما أمره به، ولم يعلم الوكيل بأن الموكل قد نزعه مما وكله فيه، فإن فِعْله ماض في قول محمد بن محبوب، وقال غيره من أصحابنا (الإباضية) إن فِعْله يكون باطلاً، فإن جهل فعل الموكل فيه، ووجدتُ الشافعي يوافق أصحاب هذا القول، وهذا عندي أنظر القولين؛ أجمعوا أن الوكيل يعمل بالوكالة، فإذا زال عنها زال فعله من مال الموكل. وكذلك إذا وكله في المال فزال المال عن الموكل إلى غيره بطل فعل الوكيل فيه وإن جهل، ألا ترى أن فعل الوكيل يبطل فيما وكل فيه بموت الموكل له، وإن جهل وقت موته، فهكذا يجب أن يكون إذا أخرجه من الوكالة ونزعه منها أن يكون فعله باطلاً وإن جهل ذلك). كما أشار ابن جعفر إلى هذه المسألة في باب نزع الوكالة، فنقل عن أبي
لأنهم
ماله،
عبد الله محمد بن محبوب أنه فيما يحفظ في رجل وكل وكيلاً في بيع وغاب وأشهد بنزع الوكالة من يد الوكيل في وقت معروف، ولم يعلم بذلك الوكيل حتى باع المال من بعد أن نزع الوكالة من يده، فحكمه أن بيعه جائز، وكذلك الطلاق وغيره من الأحكام.
(1)
ابن بركة المصدر نفسه 404/ 2. (2/534)
صفحة 1050
الفصل الثالث: القاعدة الكلية الكبرى الثالثة
535
ونقل عن غيره إذا نزع الوكالة وصح ذلك قبل عقد البيع والطلاق فلا يقع
فعله بعد ذلك (1).
الرأي المختار:
بعد التأمل في الرأيين نجد أن لكل رأي ما يرجحه، فالأول يتوافق مع القواعد العامة للتشريع الإسلامي، حيث أنه لا يجوز أن نحاسب أحداً قبل إبلاغه بالحكم، فما دام الوكيل يجهل حكم العزل فهو باق على حاله حتى يصل إليه الخبر، والقول الثاني: نظر إلى الأصل وهو الموكل الذي صدر منه التوكيل، ثم قام بعزله ونزع الوكالة منه، فإذا وجد الأصل بطل البدل، والحق أن ما ذهب إليه ابن بركة والشافعي هو ما تميل إليه النفس وتطمئن إليه، لأنه لو قيّدت نهاية وكالة الوكيل بعلمه بالعزل لأدى ذلك إلى حرج شديد ومشقة، خاصة إذا كان الموكل بعيداً عن الوكيل، وتعذر الاتصال به، أو ظهرت من الوكيل تصرفات في مال الموكل تضر به، وخرجت عن نطاق الاتفاق أو المألوف، كأن يبيع ماله بأقل من قيمته الحقيقية محاباة للمشتري، أو يُقرض أمواله بدون ضمانات، أو يؤجر بيوته ولا يحدد مدة الإيجار، فيتفطن الموكل له فيعزله، فكل تصرف يقوم به بعد هذا العزل يحكم ببطلانه، حفاظاً على مال الموكل؛ لأن حفظ المال من مقاصد الشريعة العامة الضرورية. 2 - ومن الأمثلة التي تخرجت على هذه القاعدة: أنه ليس للقاضي قبول شهادة الشاهد على الشاهد؛ إذا زال العذر المسوّغ للإشهاد على الشهادة، بأن عاد الشاهد الأصلي من غيبته أو سفره، أو صح من مرضه، أو خرج من السجن الذي لم يكن للقاضي سلطة على إحضاره منه. ويقيد الراشدي حضور الشاهد الأصلي عند الحاكم قبل صدور الحكم).
(1) ابن جعفر: الجامع، 143/ 5.
(2) الراشدي جواهر القواعد، ص 141. - الزحيلي: الفقه الإسلامي وأدلته، 575/ 6. (2/535)
صفحة 1051
المطلب الرابع
قاعدة: «تنزل الحاجة منزلة الضرورة عامة كانت أو خاصة
هذه القاعدة كسابقتها اعتبرها الراشدي (1) والسيوطي) وغيرها من فروع قاعدة: «الضرر يزال، والأولى اعتبارها فرعاً من قاعدة: المشقة تجلب التيسير»؛ لأن الحاجة حالة تستدعي تيسيراً أو تسهيلاً. وقد يستشكل على البعض التمييز بين الضروريات والحاجيات والتحسينات والعلاقة الرابطة بينهما، ولأجل ذلك حدد الفقهاء ثلاث مراتب حرص الشارع الحكيم على توفيرها للإنسان: الأولى - الضروريات وهي بلوغ الإنسان حداً إذا لم يتناول من الممنوع هلك أو قارب الهلاك، وهذا يبيح تناول الحرام، ومجموع الضروريات التي يجب مراعاتها وحفظها خمس حفظ الدين، وحفظ النفس، وحفظ العقل، وحفظ النسل، وحفظ المال، وزاد بعضهم حفظ العرض، ولأجله شرع حد القذف وحكم اللعان (3).
الثانية ـ الحاجيات وهي بلوغ الإنسان حداً لو لم يجد ما يأكله هلك غير أنه يكون في جهد ومشقة، فهذا لا يبيح الحرام ولكنه يسوغ الخروج على بعض القواعد العامة ويبيح الفطر في الصوم. الثالثة - الكماليات أو التحسينيات وهي ما يقصد من فعله نوع من الترفّه وزيادة في لين العيش دون الخروج عن الحد المشروع، وما عدا ذلك فهو زينة
وفضول.
(1) الراشدي: المصدر نفسه، ص 142. (2) السيوطي: الأشباه والنظائر، ص 118.
(3) السالمي: طلعة الشمس، 2/ 120. - الشاطبي: الموافقات، 8/ 2 - 10. (2/536)
صفحة 1052
الفصل الثالث: القاعدة الكلية الكبرى الثالثة
537
ويؤكد الفقهاء أن الضروري مقدَّم على الحاجي عند تعارضهما، والحاجي مقدم على التحسيني عند التعارض، وكل من هذه الثلاثة مقدم على ما هو مكمل له عند تعارضه معه، والذي يعنينا في هذه القاعدة إنما هو المرتبة الثانية، وهي الحاجيات سواء كانت عامة أو خاصة (). وفيما يلي بيان لمعنى القاعدة وضوابطها وتأصيلها وتطبيقاتها.
- أولاً مدلول القاعدة وضوابطها أ ـ تعريف الحاجة:
حاج وحاجات، وحوائج)
الحاجة لغة ما تكون حياة الإنسان دونها عسيرة وشديدة، وتجمع
على
- الحاجة اصطلاحاً ما يفتقر إليها من حيث التوسعة ورفع الضيق المؤدي في الغالب إلى الحرج والمشقة اللاحقة بفؤت المصلحة، فإذا لم تراع دخل المكلفين ـ على الجملة ـ الحرج والمشقة).
وتنقسم الحاجة إلى قسمين: حاجة عامة، وحاجة خاصة.
1 - ومعنى كون الحاجة عامة أن يكون الاحتياج شاملاً جميع الأمة، أن الناس جميعاً محتاجون إليها فيما يمس مصالحهم العامة من زراعة وصناعة وتجارة، وسياسة عادلة، وحُكم صالح أو غير
بمعنى
ذلك.
(1) السالمي نفسه، 2/ 11 - 122. - الشاطبي نفسه، 8/ 2 - 12. - البوطي: ضوابط المصلحة في الشريعة الإسلامية، ص 118 وما بعدها. - الزحيلي نظرية الضرورة الشرعية،
ص
275،53 - 02
(2) الفيومي: المصباح المنير، 187/ 1. - قلعة جي: معجم لغة الفقهاء، ص 171.
(3) الشاطبي: الموافقات، 5/ 2. (2/537)
صفحة 1053
538
القواعد الفقهية عند الإباضية
2 - ومعنى كون الحاجة خاصة أن يحتاج إليها فئة من الناس كأهل مدينة،
(1)
أو أرباب حرفة معينة، أو يحتاج إليها فرد أو أفراد محصورين"
ب - المعنى الإجمالي للقاعدة:
إن التسهيلات التشريعية الاستثنائية لا تقتصر على الضرورة الملجئة، بل حاجات الجماعة مما دون الضرورة توجب التسهيلات الاستثنائية أيضاً، سواء كانت الحاجة عامة أم خاصة، فإنها تؤثر في تغيير الأحكام مثل الضرورة، فتبيح المحظور، وتجيز ترك الواجب، وغير ذلك مما يستثنى من القواعد الأصلية (2).
وبعبارة أوضح يمكن أن نقول: إن ما يفتقر إليه المكلف في حياته ويلحقه بفواته حرج ومشقة، فإنه يعطي حكم الضرورة، فيبيح المحظور المناسب لمقام الحاجة ليرتفع الحرج والضيق عن المكلف (3).
وزاد أحمد الزرقا توضيحاً لمعنى القاعدة، ووضع ضوابط لتحدد مفهوم الحاجة وتميزها عن الضرورة، وبيّن أن الحاجة تتنزل فيما يحظره ظاهر الشرع منزلة الضرورة عامة كانت أو خاصة، وتنزيلها منزلة الضرورة في كونها تثبت حُكماً، وإن افترقا في كون حكم الأولى مستمراً وحكم الثانية مؤقتا بمدة قيام الضرورة؛ إذ الضرورة تقدر بقدرها».
وذكر أنه كيفما كانت الحاجة فالحكم الثابت بسببها يكون عاماً، بخلاف الحكم الثابت بالعرف والعادة، فإنه يكون مقتصراً وخاصاً بمن تعارفوه وتعاملوا
(1) يراجع هذا التقسيم الموسوعة الفقهية الكويتية، وزارة الأوقاف الكويتية، مطابع ذات السلاسل، ط، الثانية، 1404 هـ، 16/ 250 - 251. - السدلان صالح بن غانم: القواعد
الفقهية الكبرى، ص
288 - 287
(2) الموسوعة الفقهية الكويتية، 256/ 16. - عوض السيد صالح أثر العرف في التشريع الإسلامي، ط 1979 م، المطبعة العالمية بمصر، ص 469 - 470.
(3) علوان إسماعيل: القواعد الفقهية الخمس الكبرى، ص 306. (2/538)
صفحة 1054
الفصل الثالث: القاعدة الكلية الكبرى الثالثة
539
لا
عليه واعتادوه؛ وذلك لأن الحاجة إذا مست إلى إثبات حكم تسهيلاً على قوم ذلك يمنع من التسهيل على آخرين ولا يضر، بخلاف الحكم الثابت بالعرف والعادة فإنه يقتصر على أهل ذلك العرف، إذ ليس من الحكمة التزام قوم بعرف آخرين وعادتهم ومؤاخذتهم بها (1).
الحالة
ثم إن الضرورة هي الحالة الملجئة إلى ما لا بد منه، والحاجة هي التي تستدعي تيسيراً أو تسهيلاً لأجل الحصول على المقصود، فهي دون الضرورة من هذه الجهة وإن كان الحكم الثابت لأجلها مستمراً، والثابت للضرورة مؤقتاً كما تقدم.
- ثم إنما يضاف تجويز الحكم إلى الحاجة فيما يظهر إذا كان تجويزه مخالفاً للقياس، وإلا كانت إضافة للقياس أولى.
والظاهر أن ما يجوز للحاجة إنما يجوز فيما ورد فيه نص يجوّزه أو تعامل، أو لم يرد فيه شيء منها، ولكن لم يرد فيه نص يمنعه بخصوصه، وكان له نظير في الشرع يمكن إلحاقه به، وجعل ما ورد في نظيره وارداً فيه، كما في الإقالة فإن مقتضاه عدم الجواز؛ لأنه إما من قبيل الربا؛ لأنه انتفاع بالرهن بيع بمقابلة الدين. ولكن لما مست الحاجة إليه في بعض البلدان بسبب كثرة الديون على أهلها، جوزه بعض الفقهاء بشروط (2). وقد يكون لم يرد فيه نص يجوّزه أو تعامل يكرسه، ولم يرد فيه نص يمنعه ولم يكن له نظير جائز في الشرع يمكن إلحاقه به، ولكن فيه نفع ومصلحة، كما وقع في الصدر الأول من تدوين الدواوين، وصك النقود، والعهد بالخلافة وغيره ذلك مما لم يأمر به الشرع ولم ينه عنه، ولم يكن له
(1) الزرقا أحمد: شرح القواعد الفقهية، ص 209. (2) الخليلي أحمد بن حمد فتاوى المعاملات، ص 56 - 60. - الزرقا أحمد: المصدر السابق،
ص 210. (2/539)
صفحة 1055
القواعد الفقهية عند الإباضية
نظير قبل، فإنه دعت إليه الحاجة وسوّغته المصلحة بخلاف الضرورة، فإن ما يجوز لأجلها لا يعتمد شيئاً ذلك. من
أما ما لم يرد فيه نص يسوغه، ولا تعاملت عليه الأمة، ولم يكن له نظير في الشرع يمكن إلحاقه به وليس فيه مصلحة عملية ظاهرة، فإن الذي يظهر عدم جوازه، جرياً على ظاهر الشرع؛ لأن ما يتصور فيه أنه حاجة والحالة
عندئذ
هذه يكون غير منطبق على مقاصد الشرع.
وأما ما ورد فيه نص يمنع بخصوصه فعدم الجواز فيه واضح ولو ظنت
فيه مصلحة؛ لأنها حينئذ وهم).
الضرورة
ج ـ ما تتفق فيه الحاجة مع 1 - تتفق الحاجة مع الضرورة في أن كلاً منهما يؤثر في تغيير الأحكام، فيبيح المحظور مؤقتاً، ويجيز ترك الواجب، ويخالف النص الحاظر (2). 2 - إن الحاجة كالضرورة تقدر بقدرها، فما شرع من الأحكام تخفيفاً وترخيصاً بس بسبب الأعذار الطارئة، يباح بالقدر الذي تندفع به الحاجة، كما أن «ما جاز للضرورة يقدر بقدرها»، وتزول الإباحة بزوال الحاجة
كما تزول بزوال الضرورة).
د - الفرق بين الضرورة والحاجة
قد يبدو للبعض أن هناك نوعاً من التداخل والتشابه بين القاعدة: «تنزل الحاجة منزلة الضرورة وبين قاعدة الضرورات تبيح المحظورات»، وعليه فلا بد من توضيح الفرق بين الضرورة، والحاجة، ليحصل التمييز بين ما هو ضرورة، وما هو حاجة؛ لأن كثيراً من الناس في زماننا صاروا يتساهلون في
(1) الزرقا أحمد شرح القواعد الفقهية، ص
(2) الموسوعة الكويتية، 261/ 16 - 262.
210
(3) ابن عبد السلام عز الدين قواعد الأحكام، ص 4 - 5. - القرافي هامش الفروق، 139/ 2. (2/540)
صفحة 1056
الفصل الثالث: القاعدة الكلية الكبرى الثالثة
541
استباحة المحظور، بحجة الضرورة، فكلما اعترض لهم أمر قالوا: هذا ضرورة، والضرورات تبيح المحظورات، فير خصون لأنفسهم ارتكاب المحظور باجتهاد خاطئ.
ومن هنا حدد الفقهاء فروقاً واضحة بين الضرورة والحاجة، تظهر
فيما يلي: 1 - أن الضرورة أشد باعثاً للحاجة؛ لأن الضرورة مبنية على فعل ما لا بد منه للتخلص من المسؤولية، ولا يسع الإنسان تركه، وأما الحاجة فهي مبنية على التوسيع والتسهيل فيما يسع الإنسان تركه).
2 - أن الحكم الاستثنائي الذي يتوقف على الضرورة هو إباحة مؤقتة لمحظور بنص الشريعة، تنتهي هذه الإباحة بزوال الاضطرار، وتتقيد بالشخص المضطر، أما الأحكام التي تثبت بناء على الحاجة فهي
نصاً لا تصادم
ولكنها تخالف القواعد والقياس وهي تثبت بصورة دائمة
يستفيد منها المحتاج وغيره (2).
3 - أن الضرورة تبيح المحظور، سواء كان الاضطرار حاصلاً للفرد أم للجماعة، بخلاف الحاجة فإنها لا توجب التدابير الاستثنائية من الأحكام العامة إلا إذا كانت حاجة الجماعة؛ ذلك لأن لكل فرد حاجات متجددة ومختلفة عن غيره، ولا يمكن أن يكون لكل فرد تشريع خاص به، بخلاف الضرورة فإنها نادرة وقاصرة (3).
هـ ـ شروط الحاجة المعتبرة يشترط لاعتبار الحاجة سبباً من أسباب التيسير عدة شروط نذكر منها:
(1) الزحيلي: نظرية الضرورة الشرعية، ص 55 - 56.
(2) الزرقا مصطفى: المدخل الفقهي العام، 998/ 2 - 999. - فقرة 603.
(3) الزرقا مصطفى: المرجع السابق. (2/541)
صفحة 1057
542
القواعد الفقهية عند الإباضية
1 ـ أن لا يؤدي اعتبار الحاجة إلى بطلان ضرورة من الضرورات؛ لأن الضرورات تعتبر أصلاً وأساساً للحاجات والتحسينيات؛ لأنها أعلى منها في رتب المقاصد، ومن شرط اعتبار الأدنى أن لا يعود على الأصل بالإبطال، فأصل البيع مثلاً ضروري، ومنع الغرر والجهالة مكمل، فلو اشترط نفي الغرر جملة لانحسم باب البيع ومثله جاز في الاطلاع على العورات، فلا يراعى ستر العورة أمام الطبيب إذا كان يؤدي إلى هلاك الإنسان وهكذا). 2 - أن تكون الحاجة قائمة لا منتظرة، بأن يكون سبب الحاجة موجوداً فعلاً وليس منتظراً، فالسفر من الأعذار التي تبيح قصر الصلاة والفطر للصائم، إلا أنه لا يجوز قصر الصلاة إلا إذا بدأ المسافر بالسفر فعلاً، وخرج من عمران بلده (3)، قال ابن بركة: اختلف أصحابنا في الموضع الذي يجب قصر الصلاة فيه للمسافر، فقال قوم: إذا خرج من منزله يريد سفراً قصر الصلاة، وقال بعضهم: إذا ابتدأ العمران بعمران بلده لم يقصر حتى يخرج من العمارة، والنظر عندي يوجب أن اتصال العمران لا يسمى به مسافراً من طريق اللغة؛ لأن السفر مأخوذ من الإسفار، ومن كان في العمران لا يقال قد أسفر، والذي اخترناه قول علي بن أبي طالب وغيره من الصحابة» (3). 3 ـ أن لا يكون الأخذ بمقتضى الحاجة مخالفاً لقصد الشارع، قال الشاطبي: «قصد الشارع من المكلف أن يكون قصده في العمل موافقاً لقصده في التشريع، والشريعة موضوعة لمصالح العباد والمطلوب من المكلف أن يجري على ذلك في أفعاله وأن لا يقصد خلاف ما قصد الشارع).
(1) السالمي: طلعة الشمس، 2/ 119 - 121. - الشاطبي: الموافقات، 2/ 13 - 16. - الموسوعة
الفقهية، 252/ 16.
(2) السدلان: القواعد الفقهية الخمس الكبرى، ص 291
(3) ابن بركة: الجامع، 578/ 1 - 579.
(4) الشاطبي: الموافقات، 331/ 2. (2/542)
صفحة 1058
الفصل الثالث: القاعدة الكلية الكبرى الثالثة
543
وعلى ذلك فلا يجوز مخالفة ما ورد به الشرع في العقود التي أبيحت للحاجة تيسيراً وتسهيلاً لمصالح الناس، فالإجارة مثلا شرعت لحاجة الناس، فيجب اجتناب ما نهى عنه الشرع، ولذلك لا يجوز الاستئجار على النوح والغناء والزمر، وكل ما منفعته محرمة (1). كذلك لا يجوز للإنسان أن يتحيّل لإيجاد سبب يترخص بمقتضاه، كمن أنشأ سفراً ليقصر الصلاة، أو أنشأ سفراً في رمضان ليأكل في النهار، أو كان له مال يقدر على الحج فوَهَبه كي لا يجب عليه الحج، أو خاف بلوغ ماله نصاب الزكاة فاشتري به عقاراً ونحو ذلك ... (2).
ثانياً: تأصيل القاعدة
استدل الفقهاء لهذه القاعدة بأدلة من السنة النبوية، نذكر منها:
1 - حديث أنس بن مالك عنه أن النبي الله ورخص لعبد الرحمن بن عوف والزبير بن العوام في قميص من حرير، من حكة كانت بهما. وفي رواية: أن عبد الرحمن بن عوف والزبير بن العوام شكوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم يعني القمل - فأرخص لهما في الحرير " ففي الحديث أن النبي رخص لعبد الرحمن بن عوف والزبير في لبس
(3)
الحرير، بسبب حاجتهما إلى ذلك، لأجل حكة كانت بهما. وقول الراوي: (رخص) فيه إشارة إلى أن حكم لبس الحرير غير مرخص فيه وهو المنع، كما جاء في أحاديث كثيرة عن النبي صلى الله عليه وسلم منها: حديث البراء بن
(1) الشماخي: الإيضاح، 2/ 209 - ابن قدامة: المغني 550/ 5. - القرافي: الفروق، 8/ 4. (2) الشاطبي: الموافقات، 379/ 2. (3) متفق عليه، أخرجه البخاري في كتاب الجهاد والسير، باب الحرير في الحرب. 10) مع الفتح وفي كتاب اللباس باب ما يرخص للرجال من الحرير للحكة. (10/ 295) مع الفتح. وأخرجه مسلم في كتاب اللباس والزينة، باب إباحة لبس الحرير للرجال إذا كان له حكة أو نحوها. (1646/ 3).
- (2/543)
صفحة 1059
544
القواعد الفقهية عند الإباضية
عازب له قال: أمرنا النبي بسبع، ونهانا عن سبع ... وذكر في المنهي
عنه الحرير
(1)
صلى الله عليه وسلم
وحديث عمر بن الخطاب له أن النبي نهي عن لبس الحرير إلا هكذا، وصف لنا النبي صلى الله عليه وسلم أصبعيه - يعني الوسطى والسبابة ـ (2). وحديث عبد الله بن الزبير أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من لبس الحرير في الدنيا لم يلبسه في الآخرة» (3).
فترخيص النبي صلى الله عليه وسلم لهما في لبسه؛ لأجل حاجتهما إلى ذلك لما بهما من مرض، فالرخصة في استعمال هذا المحظور هنا كانت لأجل حاجة التداوي والعلاج، فلو منع ذلك لكان يلحق المكلف حرج ومشقة، فالحمد لله رب العالمين على رحمته ورفقه بعباده (4). 2 ـ حديث أنس بن مالك منه أن قدح النبي صلى الله عليه وسلم انكسر، فاتخذ مكان الشعب (5) سلسلة من فضة (6). فهذا الحديث يبيّن جواز إصلاح الإناء المكسور
(4)
(1) متفق عليه، أخرجه البخاري في كتاب الأشربة، باب آنية الفضة. (206/ 7) وأخرجه مسلم في كتاب اللباس والزينة، باب تحريم استعمال إناء الذهب والفضة على الرجال والنساء.
(3/ 1635)
(2) متفق عليه، أخرجه البخاري في كتاب اللباس باب لبس الحرير وافتراشه للرجال وقدر ما يجوز منه. (273/ 7 - 274) وأخرجه مسلم في كتاب اللباس والزينة، باب تحريم استعمال إناء الذهب والفضة على الرجال والنساء. (1642/ 3 - 1643). (3) أخرجه البخاري في كتاب اللباس، باب لبس الحرير وافتراشه للرجال وقدر ما يجوز منه. (275/ 7)، وأخرجه مسلم من حديث أبي أمامة في كتاب اللباس والزينة، باب استعمال إناء الذهب والفضة على الرجال والنساء. (1646/ 3).
(4) علوان إسماعيل حسن القواعد الفقهية الخمس الكبرى، ص 303. (5) أي مكان الصدع والشق الذي فيه. - ابن الأثير الجزري: النهاية في غريب الحديث، 2/ 477. (6) أخرجه البخاري في كتاب فرض الخمس، باب ما ذكر من درع النبي صلى الله عليه وسلم وعصاه وسقيه وقدحه ... (212/ 6) مع الفتح، وفي كتاب الأشربة، باب الشرب من قدح النبي صلى الله عليه وسلم وآنيته.
(99/ 10) مع الفتح. (2/544)
صفحة 1060
الفصل الثالث: القاعدة الكلية الكبرى الثالثة
من
مع أن الأكل والشرب في آنية الفضة حرام أصلاً، كما جاء في
الفضة أحاديث عدة منها:
وكذلك حديث حذيفة بن اليمان عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهانا عن الحرير والديباج، والشرب في آنية الذهب والفضة، وقال: «هن لهم في الدنيا، وهي لكم في الآخرة» (1).
وكما في حديث أم سلمة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «الذي يشرب في إناء الفضة يجرجر في بطنه نار جهنم (). فجواز إصلاح الإناء المكسور بالفضة، باتخاذ رقعة من فضة لإصلاحه إنما جاز للحاجة إليه، ولو منع منه لكان الناس في حرج وضيق خاصة إذا كان بالناس ضيق وقلة في ذات اليد، فربما لا يجد أحدهم من الآنية إلا إناء واحداً يستعمله، فلو منع من إصلاحه لصار الناس في حرج وضيق، والحرج مرفوع في شريعتنا». فهذه الحاجة نزلت منزلة الضرورة، فأبيح هذا المحظور وهو استخدام الفضة في آنية الشرب لأجل الحاجة (3).
- حديث ابن عباس عنه قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يخطب بعرفات: «مَن لم
يجد النعلين فليلبس الخفين ومن لم يجد إزاراً فليلبس السراويل للمحْرِم
(1) متفق عليه، واللفظ للبخاري، أخرجه البخاري في كتاب الأشربة، باب الشرب في آنية الذهب. (205/ 7) ومسلم في كتاب اللباس والزينة، باب تحريم استعمال إناء الذهب والفضة على الرجال ... (1637/ 3). (2) متفق عليه، واللفظ للبخاري، أخرجه البخاري في كتاب الأشربة، باب آنية الفضة. (205/ 7 - 206). ومسلم في كتاب اللباس والزينة، باب تحريم استعمال أواني الذهب
والفضة في الشرب وغيره. (1634/ 3).
(3) علوان إسماعيل: القواعد الفقهية، ص 301.
(4) متفق عليه، أخرجه البخاري في كتاب جزاء الصيد، باب لبس الخفين للمحرم إذا لم يجد النعلين. (57/ 4) مع الفتح، وفي باب إذا لم يجد الإزار فليلبس السراويل. (58/ 4) مع الفتح، وفي كتاب اللباس باب السراويل. (272/ 10) مع الفتح، وأخرجه مسلم في كتاب الحج، باب ما يباح للمحرم بحج أو عمرة وما لا يباح (835/ 2). (2/545)
صفحة 1061
القواعد الفقهية عند الإباضية
وفي حديث ابن عمر قال: «لا يلبس المحْرِم القميص ولا السراويل ولا البرنس)، ولا الخفين، إلا أن يجد النعلين فليلبس ما هو أسفل من الكعبين (2). فهذا الحديث يفيد أنه لا يجوز للمُحْرِم لبس القميص والسراويل والمخيط من الثياب عموماً، وفيه بعد ذلك استثناء لمن لم يجد ما يباح لبسه للمخرم، فإن النبي صلى الله عليه وسلم أباح له أن يلبس ما حُظر عليه حال الإحرام، فإن لم يجد نعلين لبس خفين أسفل من الكعبين، وفي حديث ابن عباس أن من لم يجد إزاراً يلبس السراويل ـ وهي مخيطة ـ وإنما جاز ذلك لأجل الحاجة إلى ذلك، فنزلت منزلة الضرورة، فأبيح المحظور لهذه الحاجة. وأيضاً قد جاء في حديث كعب بن عجرة - لا الله قال: مرَّ بي النبي صلى الله عليه وسلم وأنا أوقد تحت القدر فقال: «أيؤذيك هوام رأسك؟ قلت: نعم، فدعا الحلاق، فحلقه ثم أمرني بالفداء» (3). فرخص له النبي صلى الله عليه وسلم بحلق رأسه وهو محرم،
(1) هو كل ثوب رأسه منه ملتزق به ابن الأثير النهاية في غريب الحديث، 122/ 1. (2) متفق عليه، أخرجه البخاري في كتاب الحج، باب ما لا يلبس المحرم من الثياب. (401/ 3) مع الفتح، وفي كتاب جزاء الصيد، باب لبس الخفين للمحرم إذا لم يجد النعلين. (57/ 4) مع الفتح، وفي كتاب اللباس، باب البرانس، (271/ 10 - 272) مع الفتح، في باب السراويل. (272/ 10) مع الفتح، وفي باب العمائم. (273/ 10) مع الفتح. وأخرجه مسلم
في كتاب الحج باب ما يباح للمحرم بحج أو عمرة وما لا يباح. (834/ 2 - 835). (3) متفق عليه، أخرجه البخاري في كتاب المرضى، باب ما رخص للمريض أن يقول أني وجع أو وارأساه. (123/ 10) مع الفتح، وفي كتاب المحصر، باب قول الله تعالى: {فَمَن كَانَ مِنكُم قَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِن رَأْسِهِ، فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ} (البقرة: 196). (12/ 4) مع الفتح، وفي مواضع أخرى من الصحيح، في ك، المحصر، حديث رقم: 1815، 1816، 1817، 1818، وفي ك، المغازي ح، ر 4159 و 4190، 4191 - وفي ك، التفسير، حديث رقم: 4517، وفي كتاب الطب، حديث رقم: 5703، وفي كتاب كفارات الأيمان، حديث رقم: 6708 ـ، وأخرجه مسلم في كتاب الحج، باب جواز حلق الرأس للمحرم إذا كان به أذى.
(159/ 2 - 862) (2/546)
صفحة 1062
الفصل الثالث: القاعدة الكلية الكبرى الثالثة
547
ومعلوم أن المحرم لا يجوز له أن يأخذ شيئاً من شعره، وكانت الرخصة
لأجل حاجته إلى ذلك، فأبيح المحظور لأجل الحاجة إليه).
4 - حديث أبي هريرة الله قال: كنت عند النبي صلى الله عليه وسلم فأتاه رجلاً فأخبره أنه امرأة من الأنصار، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أنظرت إليها؟ قال: لا،
تزوج
قال: فاذهب فانظر إليها، فإن فى أعين الأنصار شيئاً (2).
وعن المغيرة بن شعبة صل الله أنه خطب امرأة فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «انظر إليها فإنه أحرى أن يؤدم بينكما (3).
ففي الحديثين الرخصة للخاطب النظر إلى من أراد الزواج منه، بقدر ما يحصل به المقصود، مع أن الله تبارك وتعالى أمر المؤمنين والمؤمنات بغض أبصارهن، كما في قوله رحل: قُل لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَرِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ * وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبَصَرِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا} (النور: 30 - 31). فالأصل في نظر الرجال للنساء الأجنبيات أنه محرَّم، وكذلك نظر النساء إلى الرجال الأجانب، ولكن هنا رخص رسول الله الله للخاطب في النظر إلى المخطوبة؛ لأجل الحاجة إلى ذلك، فنزل هذه الحاجة منزلة الضرورة المبيحة للمحظور).
(1) علوان إسماعيل: القواعد الفقهية، ص 304. (2) أخرجه مسلم في كتاب النكاح، باب ندب النظر إلى وجه المرأة وكفيها لمن يريد تزوجها.
(1040/ 2)
(3) أن تكون بينكما المحبة والاتفاق، يقال: أدم الله بينكما ـ بالسكون أي ألف ووفق ـ ابن الأثير: النهاية في غريب الحديث، (32/ 1)، أخرجه الترمذي في كتاب النكاح، باب ما جاء في النظر إلى المخطوبة. (206/ 4 - (207) مع التحفة، وقال هذا حديث حسن ... والنسائي في كتاب النكاح، باب إباحة النظر، قبل التزويج. 69/ 6 - 70) وابن ماجه، في كتاب النكاح، باب النظر إلى المرأة إذا أرد أن يتزوجها. (599/ 1 - 600). ونقل المعلّق عن مصباح الزجاجة، أن إسناده صحيح، ورجاله ثقات، وصححه الشيخ الألباني، في السلسلة الصحيحة، (250/ 1) وفي صحيح سنن النسائي، (682/ 2).
(4) علوان إسماعيل: المصدر نفسه، ص 305. (2/547)
صفحة 1063
548
القواعد الفقهية عند الإباضية
ه - حديث أنس بن مالك الكعبي له، أن رجلاً من بني عبد الله بن كعب قال: أغارت علينا خيل رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فوجدته يتغذى، فقال: «أدنُ فكُل، فقلت: إني صائم، فقال: أدنُ أحدثك عن الصوم ـ أو الصيام - إنّ الله تعالى وضع عن المسافر الصوم وشطر الصلاة، وعن الحامل والمرضع الصوم أو الصيام ... » الحديث).
ومعلوم أن الصوم ركن من أركان الإسلام الخمسة، وهو فرض على كل مكلف، مقيم صحيح، كما قال تعالى: {يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} (البقرة: 183)، والرخصة للمسافر بالفطر إنما هي لما يحصل له من مشقة السفر غالباً، فيحتاج المسافر إلى الفطر ليتقوى به على سفره، وكذلك المرضع والحامل هما مأمورتان في الأصل بالصيام، لكن إن احتاجتا إلى الإفطار خوفاً على نفسيهما أو طفليهما، جاز لهما الإفطار لأجل الحاجة إليه (2).
ثالثاً: الفروع المتخرجة على القاعدة: الأمثلة التطبيقية لهذه القاعدة كثيرة جداً، ومجسدة في كثير من الأبواب الفقهية، وهي إن دلّت على شيء فهي دلت على شيء فهي تدل على أهمية هذه القاعدة، ودخولها في جميع مجالات الفقه الإسلامي، من عبادات ومعاملات، وعقوبات،
(1) أخرجه الترمذي في كتاب الصوم، باب ما جاء في الرخصة في الإفطار، للحبلى والمرضع. التحفة (401/ 3 - 402) مع وحسنه. وأخرجه رجه النسائي بنحوه في كتاب الصيام، باب ذكر وضع الصيام، عن المسافر، (178/ 4 - 179) في حديث عمرو بن أمية الضمري، أخرجه في حديث أنس، المذكور في باب وضع الصيام عن الحبلى والمرضع. (190/ 4). وأخرجه أبو داود في كتاب الصوم، باب اختيار الفطر. (796/ 2 - (797. وابن ماجه في كتاب الصيام، باب ما جاء في الإفطار للحامل والمرضع، (533/ 1) وأحمد (347/ 4)، (29/ 5)، وقال الألباني عنه في صحيح سنن الترمذي، (218/ 1)، وفي صحيح سنن ابن ماجه (279/ 1) حسن صحيح.
(2) علوان إسماعيل: المصدر السابق، ص 306. (2/548)
صفحة 1064
الفصل الثالث: القاعدة الكلية الكبرى الثالثة
549
وعادات وتقاليد اجتماعية وتجارية، وغير ذلك، وكلها يبدو فيها مظهر رفع الحرج، وما يحقق مصلحة العباد في العاجلة والآجلة، وفي ما يلي بيان لبعض هذه التطبيقات.
أ - تطبيقات الحاجة العامة:
هناك جملة من العقود ورد بجوازها نص شرعي استثناء من القواعد العامة على خلاف القياس لحاجة الناس إليها، كالإجارة والجعالة، والحوالة، والسلم والاستصناع، والوصية والصلح، وغيرها، فهذه العقود شرعت على خلاف القياس للحاجة العامة إليها والحاجة إذا عمت كانت كالضرورة، وبيان
ذلك على النحو التالي:
1 - في الزكاة بالقيمة:
ذهب بعض الفقهاء إلى جواز إخراج القيمة من الأموال في الزكاة عند الحاجة أو المصلحة أو العدل، مثل: من تجب عليه شاة في الإبل وليست عنده، ومثل: من يبيع عنبه ورطبه قبل جفافه، فإخراج عُشر الدراهم يجزيه، ولا يكلّف أن يشتري ثمراً أو حنطة، وكذا لو طلب المستحقون للزكاة إعطاءهم القيمة
لكونها أنفع لهم، فيعطيهم إياها، أو رأى الساعي أن أخذها أنفع للفقراء). وهذه الرخصة اعتمدها كثير من الناس في هذا العصر، فتجد من تجب عليه زكاة الفطر في القمح فيخرج قيمته نقداً، والأصل أن يخرج من جنسه؛ لأنه المعتمد في طعام أهل البلد، وذلك مراعاة لحاجة الفقير إلى النقود لتلبية حاجاته الضرورية، كالملابس وغيرها، ومثله في زكاة الذهب، فيجب على المرأة مقداراً معيناً من الذهب، فتقومه بالمال وتخرجه بما يعادل قيمته نقداً، مراعاة لحال الفقير، أو لعدم رغبتها في استهلاك ما عندها من حُلي، أو خوفاً
(1) ابن تيمية مجموع الفتاوى 46/ 25، 79 - 80، 83. (2/549)
صفحة 1065
550
القواعد الفقهية عند الإباضية
من تشويهه إذا أخذت جزءًا منه، فتفضل إخراج بدله نقداً، ولما أصبح هذا الأمر مما دعت إليه الحاجة العامة فتنزل منزلة الضرورة لرفع الحرج والمشقة عن الناس (1).
2 ـ في عقد السلم:
السَّلَم في اللغة - بالفتح - السَّلَف وزناً، ومعنى، وذكر الماوردي أن السلف لغة أهل العراق، والسلم لغة أهل الحجاز، وقيل: السلف تقديم رأس المال، والسلم تسليمه في المجلس، فالسلف أعم. والسلم شرعاً
بيع شيء موصوف في الذمة إلى أجل معلوم)، أو بيع عاجل بآجل، والآجل السلعة والعاجل الثمن، وقد ورد العقد فيه على شيء معدوم عند الانعقاد، وبيع المعدوم باطل منهي عنه في حديث: «لا تبع ما ليس عندك» (3) إلا أنه يرخص فيه شرعاً بحديث خاص في موضوعه: «من أسلف في شيء فليسلف في كيل معلوم ... ») وما روي طريق ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قدم المدينة وهم يسلفون في الثمار السنة والسنتين، فقال لي: «من أسلم فليسلم في كيل معلوم وضرب معلوم إلى أجل معلوم».
(1) لم أقف ـ حسب اطلاعي - على رأي الإباضية في هذه المسألة في مصادرهم رغم أنهم يفتون بهذا الرأي.
(2) أبو ستة المحشي حاشية على كتاب الإيضاح للشماخي، 238/ 6. ـ وينظر: الباجوري: حاشية الباجوري، 352/ 1. (3) رواه الترمذي، كتاب البيوع، باب كراهية بيع ما ليس عندك، رقم: 1233، وأبو داود، كتاب الإجارة، باب في الرجل يبيع ما ليس عنده، رقم 3505، عن حكيم بن حزام، قال الترمذي: حسن الزيلعي: نصب الراية، 18/ 4.
(4) متفق عليه، رواه البخاري، كتاب السلم، باب في السلم في وزن معلوم، رقم 2125، ومسلم، كتاب المساقاة، باب السلم، رقم 1604، عن ابن عباس ابن الأثير: جامع الأصول، 17/ 2. (5) رواه أبو بكر الشيباني في الآحاد والمثاني، عبد الله بن سلام، رقم 2082، عن ابن عباس، وابن عبد البر في التمهيد، 63/ 4. وهو بنفس معنى الحديث السابق، إذ السلف والسلم بمعنى. (2/550)
صفحة 1066
الفصل الثالث: القاعدة الكلية الكبرى الثالثة
551
فالحديثان يدلان على جواز هذا البيع، وقد أجمع الفقهاء على مشروعيته لحاجة الناس إليه؛ لأن أصحاب الزروع والثمار والتجارة قد تعوزهم النفقة، فجوز لهم السلم لينتفع طرفي العقد جميعاً، كلّ على حسب حاجته وقصده، والقياس أنه لا يجوز؛ لأنه بيع معدوم، ولكن جُوّز لاحتياجهم، وتيسيراً عليهم
(1)
في أمور حياتهم وقال بعضهم: لا يتم إلا بسبعة شروط وهي: النقد، والوزن، والنوع، والعيار، والأجل، والمكان، والشهود (2).
وقد بحث فقهاء الإباضية المعاصرين هذا العقد على ضوء احتياجات الناس في هذا العصر، فوسعوا من نطاقه فلم يقصروه على المبيعات المطعومة، بل جعلوا السلم جائز في كل ما يحتاج إليه الناس إذا كان مضبوطاً بضوابط معلومة، وعلى هذا يفتي شيخنا أحمد بن حمد حمد الخليلي، فقد أجاب عن سؤال مفاده: ما المعاملات التي يجوز فيها السَّلَم؟ وهل هي خاصة بالطعام أم يشملها مع غيرها؟ وما هو ضابط ما يجوز فيه السلم؟
فقال بما نصه: «استمد حكم السلم من تعامل الناس به بالمدينة المنورة، فقد هاجر إليها النبي صلى الله عليه وسلم والناس يسلمون في الحبوب، فأقرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم على ذلك، وإنما شرط عليهم أن يكون ذلك إلى أجل معلوم، وبوزن معلوم، أو كيل معلوم، واختلف العلماء من أجل هذا في السلم في الأنواع الأخرى مما يحتاج إليه الناس لغير مطعمهم، فمنهم من حصر الرخصة في الطعام وحده؛ لأنه حري بالتسامح فيه من أجل الاقتيات، وليس المقتات به كغيره، ثم إن هذه رخصة، والرخصة لا تتعدى مكانها ولا يقاس عليها؛ لأنها بنفسها خارجة عن سنن القياس، وكل ما خرج عن القياس فإن غيره عليه
(1) الأصم عثمان: البصيرة، 26/ 2 وما بعدها. - عزام عبد العزيز قواعد الفقه، ص 238. - السدلان: القواعد الفقهية، ص
293 - 292
(2) أبو ستة المحشي: حاشية على كتاب الإيضاح للشماخي، 54/ 6. (2/551)
صفحة 1067
552
القواعد الفقهية عند الإباضية
لا يقاس، وإنما كانت رخصة للنهي عن بيع الإنسان ما ليس عنده، والمعلوم أن السلم لا يكون إلا في غائب غير موجود.
يعمم
ومنهم من أباحه في كل ما يمكن أن يضبط بضوابط تحدده، وكان مما يحتاج إليه الناس، فيدخل في ذلك كل ما يحتاج إليه الناس للباس أو غيره من ضروراتهم، على أن يكون ذلك له ضوابط تحدده كما تضبط الحبوب بالكيل والوزن، ومن المعلوم أن ضوابط الأجناس تختلف فمنها ما يدخل الوزن في، ضبطه، ومنها ما لا يكون بالوزن رأساً، وإنما بطوله وعرضه وسائر أوصافه التي تراعى في قيمته» (1). وبعد أن عرض وجهة نظر الفريقين وأدلتهما خلص إلى القول بأن مثل هذا البيع ولو كان رخصة في المطعومات فإنه يجوز أن هذا الحكم على بقية الأجناس؛ لشدة حاجة الناس إليها، فهي من باب الحاجة العامة التي تنزل منزلة الضرورة، وفي ذلك يسر ورفع للحرج والمشقة عن الناس فيقول: «وما من ريب أن هذه المعاملة وإن كانت في أصلها رخصة والرخص لا تتعدى ـواضعها، إلا أن هذه الرخصة إنما كانت من أجل مراعاة حاجة الناس، لذلك كان الأخذ بها فيما تشتد إليه الحاجة، أو يدخل في حكم الضرورة أرفق بالناس، وأوفق بمصالحهم خصوصاً في هذا العصر لحاجة الناس إلى الاستيراد لكثير مما يعد من ضرورات حياتهم، كالعتاد الحربي وآلات العمل وغيرها مما لا يمكن الحصول عليه إلا بالاستيراد، وقد يتعذر الاستيراد إلا بهذه الطريقة، على أن الدقة في ضبط أوصاف كل هذه الأشياء المطلوبة، يمكن أن تحددها تحديداً دقيقاً، حتى تكون في حكم الشيء المشاهد، وكثيراً ما تكون لها نظائر من قبل معروفة عند الجميع، وعندما تطلب يمكن أن تصنع وفق أوصافها، وإن لم تكن موجودة وتسلم في الوقت المتفق عليه بين الطرفين.
(1) الخليلي أحمد فتاوى المعاملات، الكتاب الثالث.
ص 246. (2/552)
صفحة 1068
الفصل الثالث: القاعدة الكلية الكبرى الثالثة
553
وأرى من الضرورة الأخذ بذلك اعتماداً على هذه الرخصة في وقتنا هذا وإلا لتعطلت المصالح، أو يلجأ الناس إلى معاملات غير مباحة
أصلاً).
الرأي المختار:
أحمد
وبعد التأمل في رأي الفريقين يبدو أن ما ذهب إليه الشيخ الخليلي وغيره هو الرأي الراجح والأنسب في هذا العصر؛ لما فيه من اليسر ورفع الحرج، ومراعاة لحاجات الناس المتجددة، ولكن بشرط التقيد بالضوابط المحددة لكل سلعة، حسب ما أقره العلماء حتى لا يقع الخلاف
أو الغرر.
- في الإجارة:
عقد
وهي في اللغة: اسم للأجرة، واشتهرت في العقد، وأما شر. عاً: فهى على منفعة معلومة مقصودة قابلة للبدل، والإباحة، بعوض معلوم (2)، أو هي عقد على المنافع بعوض، وهذا أخص وأوضح.
قال أبو العباس أحمد: «والإجارة جائزة بين الناس، ولكنها لا تجوز إلا بأجر معلوم، لمعنى معلوم، إلى أجل معلوم، فإن لم يتبين الأجر والأجل والعمل فلا يجوز» (3).
ولما كانت المنافع في عقد الإجارة غير موجود عند التعاقد، فقد جوّزت على خلاف القياس للحاجة إليها؛ وذلك لأن عقد الإجارة على المنافع وهي معدومة، وتمليك المعدوم قبل وجوده لا يجوز، ولا يمكن جعل العقد فيها مضافاً إلى زمن وجود المنفعة؛ لأن التمليكات لا تقبل الإضافة، فكان جوازها
(1) الخليلي أحمد المصدر السابق، ص 246 - 247.
(2) القليوبي: الحاشية، 672/ 2.
(3) أبو العباس أحمد: كتاب أبي مسألة، ص 124. (2/553)
صفحة 1069
القواعد الفقهية عند الإباضية
استحساناً لقوله: أعطوا الأجير أجره قبل أن يجف عرقه). وقوله: من استأجر أجيراً فليسم له أجره. وفي رواية: «فليعطيه أجره» (2). والسبب الذي به كانت الإجارة منفعة عامة: أن الناس جميعاً ليس عندهم دور للسكنى، لا سيما في عصرنا فيحتاجون إلى الاستئجار، وقد يكون عند بعضهم أرض زراعية، ولكنه لا يقدر على زراعتها، فتفوت المصلحة المترتبة على زراعتها إذا تعطلت بدون زراعة ومثله يقال في المحلات التجارية وغيرها، فدعت الحاجة العامة إلى التعاقد على وجه الإجارة، نظراً لهذه الحاجة المنزلة منزلة الضرورة).
4 - في حكم أخذ الأجرة على الطاعات: اختلف الفقهاء قديماً وحديثاً في حكم أخذ الأجرة على الطاعات، فمنهم ذلك مطلقاً، من منع ومنهم من استثنى بعض الطاعات للحاجة العامة إليها وللضرورة، ومنهم من فرّق بين الطاعات القولية والفعلية، فمنع الأولى وأجاز الثانية، وقد حرر البكري هذه المسألة في حاشيته على قواعد الإسلام» وذكر فيها اختلاف الفقهاء وحججهم، ولا بأس بذكر بعض مما جاء فيه حتى تتضح هذه المسألة وينجلي حكمها.
(1) رواه ابن ماجه في السنن، كتاب الرهون باب أجر الأجراء - حديث: 2440، عن ابن عمر، قال الألباني صحيح لغيره. ورواه الطبراني في المعجم الصغير، من اسمه أحمد حديث: 34 عن جابر بن عبد الله قال الألباني: صحيح لغيره ورواه البيهقي السنن الكبرى، كتاب الإجارة، باب إثم من منع الأجير أجره - حديث: 10890 عن أبي هريرة. (2) أخرجه عبدالرزاق الصنعاني في المصنف، كتاب البيوع: باب: الرجل يقول: بع هذا بكذا، حديث: 14529. بلفظ: «عن أبي سعيد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من استأجر أجيراً فليسم له إجارته؟ قال: نعم، وحدث به مرة أخرى، فلم يبلغ به النبي صلى الله عليه وسلم
(3) الراشدي جواهر القواعد، ص 142. ـ الشماخي: الإيضاح، 207/ 6 وما بعدها. ـ عزام عبد العزيز محمد: قواعد الفقه الإسلامي، ص 235 - 236. - الزرقا أحمد، شرح القواعد
الفقهية، ص 211. (2/554)
صفحة 1070
الفصل الثالث: القاعدة الكلية الكبرى الثالثة
555
يقول في هذا الصدد: «أجمع علماء الإسلام على أن أخذ الأجرة على الطاعة حرام لقوله صلى الله عليه وسلم: «اقرؤوا القرآن ولا تأكلوا به»، ولأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم عثمان بن أبي العاص الثقفي قائلاً: «اتخذوا مؤذناً لا يأخذ على الأذان أجراً» (2). واختلفوا هل يستثنى من هذه القاعدة جزئيات توجبها مصلحة الإسلام، ويترتب على منعها إضاعة القرآن الكريم والشرع الحنيف بانقراض حملته كتعليم القرآن، وتعليم العلوم الشرعية من حديث وفقه وقضاء، والشهادة والأذان والرقيا والنيابة في الحج».
وقد عرض البكري آراء المذاهب الفقهية في هذه المسألة، وبسط فيها القول، ومن ذلك:
أ - رأي الإباضية، ومما نقل عنهم بنصه: «أما أصحابنا) فبعد أن قرروا القاعد العامة «حرمة أخذ الأجرة على الطاعات استثنوا منها للمصلحة استحساناً تعليم القرآن والعلوم والرقيا والنيابة في الحج، فأجازوا أخذ الأجرة على ذلك، وبالعكس منعوا أخذ الأجرة على الأذان والإمامة، ولم يعتبروا من الأجرة المحرمة ما يجري على الأئمة والمؤذنين من بيت المال أو أوقاف المحسنين، بل ذلك من الإعانة على الطاعة، كما منعوا أخذ الأجرة على أداء الشهادة كما نص المصنف على ذلك» (4).
من
(1) رواه أحمد، مسند المكيين، زيادة في حديث عبد الرحمن بن شبل رقم 15574، وابن أبي شيبة في المصنف، كتاب الصلاة، في الرجل يقوم بالناس في رمضان فيعطى، رقم 7742، قال الأرنؤوط عن حديث أحمد: حديث صحيح وهذا إسناد قوي.
(2) رواه الترمذي، أبواب الصلاة، كراهية أن يأخذ المؤذن على أذانه أجراً، رقم 209، وأبو داود، كتاب الصلاة، باب أخذ الأجر على التأذين، رقم 531، عن عثمان بن أبي العاص قال
الترمذي: حسن صحيح.
(3) بكلي عبد الرحمن حاشية على قواعد الإسلام للجيطالي، 234/ 2.
(4) بكلي عبد الرحمن المصدر نفسه، 235/ 2. - وينظر الجيطالي قواعد الإسلام، 233/ 2. -
الشماخي: الإيضاح، 221/ 6 - 222. (2/555)
صفحة 1071
القواعد الفقهية عند الإباضية
إليها، ومع
من
أحداً
وقال السالمي في هذا الصدد: «ليس للقائم بأمر المسجد أن يؤجر يصلي في المسجد من مال المسجد ولا من غيره؛ لأن الصلوات لا يؤخذ عليها أجر، وإنما رَخص من رخص من أصحابنا (الإباضية) في إقامة المتعلمين من مال المسجد، حيث إن التعلم لم يكن لازماً وإنما هو طاعة مرغب فيها ومندوب ذلك فالخلاف أخذ الأجرة على المندوب ثابت أيضاً ... » (1). في وبعد أن عرض رأي جمهور الإباضية صرح برأيه دون تردد فقال: «والذي أختاره لأهل الورع والصلاح أن لا يأخذوا أجراً إلا من الله، وذلك في موضع الاختيار، والاضطرار حكم يخالف الاختيار، فلو طلب رجل علمًا وليس له ما يقتات به إلا إذا أخذ من مال المسجد، فالذي اختاره حينئذ أن يأخذ حاجته مال المسجد بإذن مَنْ لهم الحل والعقد في ذلك، ولا يعجبني ترك التعلم لأجل التنزه عن مال المسجد فقط، وأحب أن لا يزيد على قدر الحاجة» (2). ب - رأي الحنابلة والحنفية: فالحنابلة وعلى الأخص الإمام أحمد وأبو حنيفة، على أن لا استثناء من القاعدة العامة؛ ذلك بأن الطاعة لا تقع إلا قربة ويحرم أخذ الأجرة عليها، بيد أنهم يجيزون ما يجري عليهم من رزق من بيت المال، أو وقف على عمل يتعدى نفعه؛ لأنه إعانة على الطاعات، ولا يخرجه ذلك عن كونه قربة، ولا يقدح في الإخلاص، بل يؤجر فوق ذلك إذا ما نصح وإلا ما استحقت الغنائم وسلب القاتل». ج ـ أما المالكية والشافعية وابن حزم فقد أجازوا الإجارة على تعليم القرآن وعلى تعليم العلم ... وعلى الرُّقَى ونسخ المصاحف، وكتب العلم؛ لأنه لم يأت في النهي عن ذلك نص، بل قد جاءت الإباحة، كما ورد أن نفراً أصحاب رسول الله مروا بماء فيه لديغ أو سليم، فعرض لهم رجل من أهل الماء، فقال: هل فيكم من راق؟ فإن في الماء رجلاً لديغاً أو سليماً،
لفاعله،
من
(1) السالمي: العقد الثمين، 229/ 4.
(2) السالمي: المصدر نفسه. (2/556)
صفحة 1072
الفصل الثالث: القاعدة الكلية الكبرى الثالثة
557
فانطلق رجل منهم، فقرأ بفاتحة الكتاب على شاء (شياه)، فجاء بالشاء إلى أصحابه فكرهوا ذلك، فقالوا: أخذت على كتاب الله أجراً، حتى المدينة فقالوا: يا رسول الله أخذ على كتاب الله أجراً، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن أحق ما أخذتم عليه أجرا كتاب الله!» (1). قال مالك: كما يجوز أخذ الأجرة على تعليم القرآن يجوز أخذ الأجرة على الحج والأذان، أما الإمامة فإنه لا يجوز الأجرة عليها، إن أفردها وحدها، فإن جمعها مع الأذان جازت الأجرة وكانت على الأذان والقيام بالمسجد، لا على الصلاة.
وقال الشافعي: تجوز الأجرة على الحج ولا تجوز على الإمامة في صلاة
أساتذة
الفرائض. د ـ رأي بعض الفقهاء المعاصرين ونقل البكري قول بعض الفقهاء وأشار إلى رخصتهم فقال: «وقد استثنى متأخروا الفقهاء بله المعاصرين من الشريعة الإسلامية في بعض العواصم الإسلامية من القاعدة العامة، تعليم القرآن والعلوم الشرعية، والإمامة والأذان فأجازوا أخذ الأجرة على ذلك للضرورة، ولم يجيزوه على قراءة القرآن، أجازوا ذلك استحساناً بعد أن انقطعت الصلات والعطايا التي كانت تجري على هؤلاء المعلمين في الصدر الأول من الموسرين وبيت المال؛ دفعاً للحرج والمشقة؛ لأنهم يحتاجون إلى ما به قوام حياتهم ومن يُموّنونهم، وفي اشتغالهم بالحصول عليه من الزراعة، أو التجارة أو الصناعة، إضاعة القرآن الكريم والشرع الشريف بانقراض حملته، فجاز إعطاؤهم أجراً على هذا التعليم).
(1) رواه البخاري، كتاب الطب، باب الشرط في الرقية بقطيع من الغنم، رقم 5405، عن ابن عباس.
(2) بكلي عبد الرحمن حاشية على قواعد الإسلام للجيطالي، 234/ 2، وينظر: السالمي: العقد الثمين، 2/ 179. - وأبو العباس أحمد كتاب أبي مسألة، ص 125. (2/557)
صفحة 1073
558
القواعد الفقهية عند الإباضية
الرأي المختار:
ولعل ما ذهب إليه الجمهور واختاره السالمي ورجحه عند الضرورة هو ما ينبغي أن يؤخذ به في جميع الطاعات المندوبة بسبب عزوف الناس عنها، وقلة خراجها وريعها المادي؛ حتى لا تضيع مصالح الدين والدنيا كالتعليم وغيره، فقد دأبت معظم البلاد الإسلامية ممثلة في وزارات الأوقاف والشؤون الدينية بتكليف الأئمة بإقامة الصلوات الخمس والأذان، وتعيين معلمين لتعليم القرآن الكريم والعلوم الشرعية للناشئة، مما دعت إليه الحاجة العامة والضرورة، حتى تضبط الأمور ولا يقع الاتكال على المتطوعين الذين غالباً لا ينضبطون، وفي ذلك تحقيق لمقاصد الشريعة العامة الداعية إلى حفظ الدين ورعاية
مصالح الناس، أما في حالات الاختيار، فلا ينبغي أن يرخص في أخذ الأجرة على الطاعات الواجبة كالإمامة والأذان، وغسل الموتى، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ونحوها، حتى لا يتخذها البعض ذريعة لكسب المال، واستغلالاً لحاجة الناس؛ لأن الشارع وعد القائمين بها أجراً عظيماً، وفي
التعفف سلامة للدين، وعوناً على الإخلاص لرب العالمين.
ه ـ في أعمال السمسرة: ومن العقود المشهورة أعمال السمسرة، فقد ألحقها بعض الفقهاء بالجعالة وأجرى عليها حكمها؛ إذ هي ما يعطيه شخص لسمسار لأجل أن يدله على محل للسكنى، أو للتجارة، فيجوز مع ما ينطوي عليه عمله من الغرر، فقد يحضر له ذلك المحل وقد لا يحضره، وإذا وجد له محلاً فقد يناسبه فيتم التعاقد، وقد لا يناسبه فلا يتم العقد، ولكن الحاجة العامة دعت إليه فينزل منزلة الضرورة). نقل أبو العباس في مصنفه هذه المسألة وأشار إلى خلاف الفقهاء فيها،
(1) عزام عبد العزيز: قواعد الفقه الإسلامي، ص 237. (2/558)
صفحة 1074
الفصل الثالث: القاعدة الكلية الكبرى الثالثة
559
أن أجرة السمسار يستحقها حسب عنائه، أو حسب ما يتفقا عليه في العقد، وفي هذا المعنى يقول: ويجوز للسمسار والطواف أخذ الأجرة على البيع والشراء إذا كان له فى ذلك عناء على قدر ما اتفق مع صاحب المال، وإن لم يتفق معه على شيء معلوم فليأخذ بقدر عنائه، باع ذلك الشيء أو لم يبعه، إذا تعنى في ذلك، وأما إن لم يتعنّ فليس له شيء، اتفق معه على ذلك أو لم يتفق، وإن اشترط عليه ألا يأخذ شيئاً إن لم يبع فهما على شروطهما، وإن باع على أن لا يأخذ شيئاً، فلا يأخذه اتفق مع أصحاب الشيء أو لم يتفق معه» (1). - في التسعير وحكمه:
أموالهم،
ثبت في السنة النبوية أن النبي ما نهى عن التسعير وقال: «إن الله هو المسعر القابض الباسط الرزاق). فلا يجوز لهذا الخبر أن يسعر أحد على الناس ولا أن يجبرهم على بيعها بغير طيب نفوسهم، إماماً كان أو غيره. قال ابن بركة: «وليس للإمام أن يسعر على الناس أموالهم ولا يجبرهم على بيعها لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن عام سنة، وإنما سميت عام سنة لشدة غلاء لحق الناس في تلك السنة، فسئل النبي الله و أن يسعر عليهم الأسوا أن الأسواق،
فامتنع وقال: «القابض الباسط هو المسعر ولكن سلوا الله» (3) (4).
(1) أبو العباس أحمد كتاب أبي مسألة، 97/ 1. البكري فتاوى البكري 137/ 2. (2) رواه الترمذي، كتاب البيوع، باب التسعير، رقم 1314، وأبو داود، كتاب الإجارة، باب في التسعير، رقم 3451، عن أنس قال الترمذي: حسن صحيح ابن ماجه، كتاب التجارات، حديث، 2119) (ترقيم العالمية)، أحمد: باقي مسند المكثرين من الصحابة، حديث 1345 (ترقيم العالمية).
(3) سبق: رواه الطبراني في الكبير، باب العين عبد الله بن عمر، رقم 13567، بلفظ: «التاجر ينتظر الرزق والمحتكر ينتظر اللعنة». قال العجلوني: حكم عليه بالوضع. وقال المناوي في إسناده وضاع». كشف الخفاء، 868/ 2.
(4) ابن بركة: الجامع، 604/ 2. (2/559)
صفحة 1075
1?
القواعد الفقهية عند الإباضية
ولكن إذا بلغ الناس من حال الضرورة من الحاجة إلى الطعام، وارتفعت أسعاره ولم يتمكنوا من شرائه، لغلائه مع سوء حال الناس وشدته إلى الطعام جاز للحاكم أن يأخذ أصحاب الطعام ببيع ما في أيديهم بالثمن الذي يكون عدلاً من قيمته ويجبرهم على ذلك (1).
يجبرهم
وقد يستغل بعض البائعين حاجة الناس الشديدة إلى الطعام، خاصة إذا كانوا في السفر فيرفعون عنهم السعر، فلا يستطيعون إنقاذ أنفسهم من المخمصة فيتعرضون إلى الهلاك بسببهم، فهنا يجوز للحاكم أو من يقوم مقامه أن على البيع بالسعر العادل، ويمنعهم من احتكار السلع ورفع أسعارها دون مراعاة حاجات الناس، خاصة إذا كان من الأطعمة الأساسية. وفي هذا المعنى يقول الكدمي: «ولو اشتط عليه البائع في حال الضرورة، فباعه بأكثر من عدل السعر بنقد أو نسيئة، كان ذلك مردوداً إلى عدل السعر في الحكم، وكان ذلك محجوراً على البائع أن يشتط في حال الضرورة؛ لأن هذا حرام؛ ولأنه لا يجوز له أن يحتكر ماله حين يأخذ منه بأكثر من عدل السعر؛ ولأنه قد جاء في الأثر عن النبي ليل بالنهي عن الاحتكار وكذلك بتحريم الاحتكار؛ لأنه من أكل أموال الناس بالباطل، واستغلال حاجة المضطر، وإجباره على استيفاء حاجته بما يخالف الوضع العادي، وكذلك قد جاء في الأثر عن النبي أن التاجر ينتظر الرزق والمحتكر ينتظر اللعنة، والعياذ بالله (2)، وقد جاء في الأثر أن الحكرة المحرمة داخلة في جميع الضرر، وكل ضرورة لا تجوز فيها الحكرة ولا تثبت فيها معاني الزيادة فوق عدل السعر عند خوف الهلاك ... » (3).
ويحدد شيخنا أحمد الخليلي موقف الشارع من مسألة التسعير، ويختار أن يكون في حالة الاضطرار عند وجود الاحتكار، فقد ورد إليه سؤال مفاده:
(1) ابن بركة المصدر نفسه. ـ باجو: منهج الاجتهاد عند الإباضية، ص 754 - 755.
(2) تقدم تخريجه. (3) الكدمي: المعتبر، 104/ 3. (2/560)
صفحة 1076
الفصل الثالث: القاعدة الكلية الكبرى الثالثة
ما رأي سماحتكم في التسعير؟ فقد ذهب البعض على أنه لا يجوز على أهل الأسواق، وأفتى البعض بجواز التسعير في الأقوات، وفي زمن الاضطرار، وأجاز البعض التسعير العادل إذ احتاج الناس إليه؟
فأجاب: «الأصل في التسعير أنه غير جائز؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم امتنع عنه، وقال: بأنه يريد أن يلقى الله وليست عليه ظلامة لأحد» (1). فمعنى ذلك أن التسعير ظلم، وقد قال: «دعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض (3).
والتسعير هو مناف لهذه الحكمة، ولكن إن أدى الأمر إلى ضرر الناس بحيث أخذ التجار يحتكرون المواد الضرورية التي تتوقف حياة الناس عليها وهي الأقوات، ورفعوا أسعارها في وقت الاضطرار إلى ذلك، فإن للحاكم أن يتدخل هنا بقدر ما يرفع الضرر عن المسلمين).
الرأي المختار:
ومن خلال نصوص الفقهاء المتقدمة يتبين أن التسعير يجوز في حالات الضرورة، إن لاحظ الحاكم ارتفاع حمى الأسعار في السوق، فإن من واجبه أن يتدخل لمراقبة السوق وتحديد الأسعار، والأخذ على أيدي المحتكرين، خاصة في بعض المناسبات كما يحدث في بعض البلدان عند اقتراب شهر رمضان، وهذا كله مراعاة لأحوال الناس وقدراتهم الشرائية، ومثل هذا الإجراء لا يمكن تعميمه في جميع الأحوال؛ لأنه مخالف للقياس، والقواعد الشرعية العامة، والنصوص الثابتة، ولكن الحاجة العامة دعت إليه فتنزل منزلة الضرورة، ورغم ذلك فقد ذهب بعض الفقهاء إلى جواز التسعير في حالة الضرورة والاختيار، أي أنه من حق الدولة أن تراقب السوق التجارية في كل
(1) أخرجه أبو داود في كتاب الإجارات باب التسعير، حديث رقم: 1287. (2) أخرجه مسلم في كتاب البيوع، باب تحريم بيع الحاضر للبادي، حديث رقم: 1522. (3) الخليلي: فتاوى المعاملات الكتاب الثالث، ص 118. (2/561)
صفحة 1077
562
القواعد الفقهية عند الإباضية
الأحوال، وتتحكم في تنظيم الأسعار بما يناسب أحوال الناس وحاجاتهم، ونقل ابن بركة رأي هؤلاء فقال: «والموجب تجويز التسعير، يرى التسعير في حال الضرورة وغيرها (1). ولكن النظر يوجب عندي أن هذا التصرف قد يضر بالبائعين ويحد من حركة السوق، وازدهار التجارة، فالأفضل أن يترك الناس يتاجرون بحرية كل حسب جهده وطاقته، ولا تتدخل الدولة إلا لمراقبة السوق ومنع الضرر، وقد تلجأ إلى التسعير في حالات الضرورة كحماية المواد الغذائية الأساسية من الاحتكار والمضاربة، للحفاظ على مصالح الناس وأمن معاشهم.
ب - تطبيقات الحاجة الخاصة:
ومن
أمثلة الحاجة الخاصة التي يحتاج إليها الفرد، أو أفراد محصورين، أو
طائفة خاصة:
1 - في مساكنة المرأة الأجنبية للأعمى
ورد عن الشارع الحكيم ما يدل على تحريم خلوة الرجل بالمرأة الأجنبية، وذلك فيما يروى عن ابن عباس اللهم أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ألا لا يخلون رجل بامرأة إلا ذي محرم (3).
ولكن إذا اقتضت الحاجة والضرورة إلى مساكنة المرأة الأجنبية للأعمى، واحتاج إلى خدمتها، هل يجوز ذلك أم لا؟ اختلف الفقهاء في حكم هذه المسألة، فمنهم من منع ذلك واعتبره خلوة، ومنهم من رخص له ذلك بشرط أن تكون معه زوجته، وبعضهم أباح ذلك ولو
(1) ابن بركة الجامع، 604/ 2.
(2) سبق: متفق عليه، رواه البخاري، كتاب النكاح، باب لا يخلون رجل بامرأة إلا ذو محرم، رقم: 4935، ومسلم، كتاب الحج، باب سفر المرأة مع محرم إلى حج وغيره، رقم: 1341، عن ابن عباس. (2/562)
صفحة 1078
الفصل الثالث: القاعدة الكلية الكبرى الثالثة
563
مع غيرها بشرط التزام آداب الاستئذان، وقال بعضهم: لا بأس إذا كانت المرأة تقية مستترة. قال أبو سعيد الكدمي: نهي الرجل عن الخلوة بالمرأة غير ذات محرم منه ثقة كان أو غير ثقة. وقال في شأن الأعمى: «إنه لا يجوز له مساكنة أحد من الأجنبيات إلا ذوات محارمه، وإن الأعمى وغير الأعمى في هذا سواء، إلا أنّ فرْضَ البصر زال عن الأعمى وهو أقرب إلى السلامة عند الضرورات في مثل هذا ما لم يخالف الحق في مساكنة، أو دخول بغير إذن، فإذا دخل بإذن برئ قلبه من الشهوة، جاز له معي الخلوة مع الحُرُم ما لا يجوز للذي يبصر؛ لأنه مثل من يكون وراء الحجاب وهو لا يبصر، وقد جاء الأثر بكراهية الخلوة مع غير ذوات المحارم إلا من وراء حجاب، أو من وراء باب لزوال النظر، فهذا فرق بزوال النظر، فهذا فرق بين الأعمى والبصير في هذا (1). ولخطورة مخالطة الأعمى بالنساء لغير محارمه دون ضوابط، اشترط الشارع عليهن الاحتجاب عنه؛ خوفاً من الفتنة وأمرهن بغض البصر وعدم الخلوة به دون محرم، يقول الشيخ بيوض في بيان ذلك: «وإذا كان هذا هو حكم غضٌ بصر المبصر، فما هو حكم الأعمى؟ هل يجوز للمرأة أن تنكشف له؟ لقد وقع مثل هذا في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، وبيَّن لنا الحكم فيه بقوله وفعله. كان النبي صلى الله عليه وسلم مع زوجتيه أم سلمة وميمونة رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، فاستأذن عبد الله بن أم مكتوم (مؤذن رَسُول الله صلى الله عليه وسلم) فقال رسول الله لزوجتيه: «احتجبا»، فقالتا إنَّهُ أعمى لا يبصرنا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أعمياوان أنتما»؟ وَعَلَيْهِ فلا يجوز لأعمى أن يدخل وسط النساء بدعوى أنه لا يبصر، وَهَذَا ما لا يقبله عقل، وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن دخول العميان على النساء، وَهَذَا يعطينا ضوءًا لنفهم حقيقة غض البصر الذي أمرت به النساء والأعمى إذا دخل وجلس وسط النساء فَإِنَّهُنَّ يملأن عيونهنَّ منه، ووجوده وسطهنَّ ليس كوجود أي رجل
تراه المرأة وهي عابرة سبيل.
(1) السالمي: معارج الآمال، 220/ 2. (2/563)
صفحة 1079
القواعد الفقهية عند الإباضية
عَلَى أَنَّ العميان في الغالب يكونون أَشَدَّ إحساساً في الشم والسمع؛ لأَنَّ الله تَعَالى في الغالب إذا انتزع حَاسَّة من أحد يعوّضها له حاسة أخرى، وربما يدرك الأعمى بسمعه أو شمه ما لا يدركه المبصر ببصره، لأنَّ فكره منصب ومحصور، لا يشغله تلهف العين. وإذا حاول أعمى الدخول على النساء يمنع
بتاتا» (1).
ويؤكد القطب ما ذهب إليه الكدمي والشيخ بيوض في منع النساء مخالطة الأعمى إلا عند الضرورة، ويشترط أن يكون مع الأعمى زوجته أو غيرها سدّاً لذريعة الفساد، فيقول: «ولها السكون مع أعمى إن كان معها امرأة أو غيرها، ولم تخف كما أمر صلى الله عليه وسلم امرأة أن تعتد عند ابن مكتوم (2). (3). ففي هذا النص ينبه الشيخ أطفيش إلى علة أطفيش إلى علة تحريم مساكنة الأجنبية دون ضوابط، وهي الخوف من الوقوع في المحذور، أما إذا اضطرت المرأة إلى السكن مع رجل أعمى فلا تخلو به، وتغض عنه بصرها خوفاً من الفتنة، ويجوز مساكنته مع زوجته أو غيرها لانتفاء الخلوة بالأجنبي. واعترض السالمي على أصحاب هذا الرأي فقال: «ولقائل أن يقول: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أمر بعض أزواجه أن يحتجبن حين دخل عليهن الأعمى فقلن له: أو ليس بأعمى يا رسول الله؟ قال: «أوَ عُمياوان أنتما؟» (4) ففي
هذا
(1) بيوض إبراهيم: في رحاب القرآن، 237/ 6. ينظر: الشيخ الناصر المرموري: مختصر في رحاب القرآن للشيخ بيوض، 103/ 1. (2) رواه مسلم، كتاب الطلاق باب المطلقة ثلاثاً لا نفقة لها، رقم 1480، عن فاطمة بنت أبي قيس، بلفظ: قال الرسول صلى الله عليه وسلم: «ليس لك عليه نفقة فأمرها أن تعتد في بيت أم شريك ثم قال: تلك امرأة يغشاها أصحابي اعتدي عند ابن أم مكتوم فإنه رجل أعمى تضعين ثيابك فإذا حللت فآذنين». (3) أطفيش أمحمد شامل الأصل والفرع، 149/ 1. (4) رواه الترمذي، كتاب الأدب، باب احتجاب النساء من الرجال، رقم 2778، وأبو داود، كتاب اللباس، باب في قوله تعالى وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن، رقم 4112، عن أم سلمة، قال الترمذي: حسن صحيح. (2/564)
صفحة 1080
الفصل الثالث: القاعدة الكلية الكبرى الثالثة
الحديث ما يدل على أن الأعمى والبصير في هذا الحكم سواء، وأيضاً فإن الحجاب المذكور في الأثر إنما يكون مانعاً لكل واحد من الرجل والمرأة عن رؤية الآخر، والعمى إنما يمنع أحدهما ويبقى الآخر يبصر صاحبه، فأين المساواة بينهما في الأمر بغض البصر؟
وأجاب أصحاب القول الأول: بأن الرخصة التي ذكرها الكدمي وغيره إنما هي للأعمى منها خاصة دون البصير، فإن الكلام في الأعمى وما يسعه من ذلك، وأما البصير فمسكوت عنه، وهو باق على حكمه الأول، وأيضاً فكلامه إنما هو في مقام الضرورة والحاجة إلى ذلك، وأن الأعمى عند الضرورة إلى ذلك أرخص من البصير. واعترض عليهم بالقول: أن القدح إنما هو في الاستدلال دون المستدل عليه، فإن تشبيه العمى بالحجاب غير مسلَّم؛ لأن الحجاب مانع للجانبين، والعمى إنما هو لأحدهما.
فَرُدّ عليهم بأن ذكر الحجاب بيان لحكم الخلوة معه، ولم يدع فيه مساواة
حكمه لحكم الأعمى. فحاصل المقام أنه لما كانت الخلوة مع الحجاب أوسع منها مع عدمه، كان المحجوب بالعمى من الجانبين أيسر حالاً من البصير والله أعلم.
الرأي المختار:
ومهما يكن من أمر، فإن ما ذهب إليه الكدمي والقطب في جواز مساكنة الأعمى للمرأة الأجنبية هو الرأي الأنسب الذي نميل إليه ونرجحه لقوة أدلته، ومراعاته لأحوال ذوي الاحتياجات الخاصة، ولكن مع التزام الآداب الشرعية، من حجاب واستئذان إذا كانت لا تخشى منه شيئاً، خاصة إذا كان معها غيرها، وهذه الحاجة تنزل منزلة الضرورة خلافاً للقياس والقواعد العامة.
(1) السالمي: معارج الآمال، 2/ 220 - 221. (2/565)
صفحة 1081
القواعد الفقهية عند الإباضية
2 - في لبس الرجل للحرير أجمع الفقهاء على تحريم لبس الحرير الطبيعي على الرجال وإباحته للنساء، ولكن يرخص لهم في لبسه إذا دعت لذلك حاجة بلغت حد الضرورة، كالمرض بالحكة والحساسية الجلدية مثلاً، أو عند القتال لتخويف الأعداء وإغاظتهم، كما ورد ذلك في الأخبار الصحيحة). قال السالمي: «ويجوز للرجل أن يصلي في ثوب الحرير في حالتين:
أحدهما: الحرب فإنه يباح له لبس الحرير في تلك الحالة، وقيل يستحب إرهاباً للعدو، ولقذف الرعب والخشية في قلوبهم قياساً على الاختيال في الحرب. وقد أجاز الشافعي وأبو يوسف استعمال الحرير للضرورة، كفجأة حرب ولم يجد غيره، ومنعه مالك وأبو حنيفة مطلقاً، ورُدَ قولهما بما في صحيح البخاري عن أنس له أن عبد الرحمن بن عوف والزبير شكوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم (يعني: القمل)، فأرخص لهما في الحرير فرأيته عليهما في غزاة» (2). ثانيهما: العذر، وذلك إذا لم يجد شيء يستر به، لوجوب ستر العورة (3). ويضيف السالمي: «قلت: وكذلك لبسه لضرورة العلاج من المشروعة، كما ثبت في الحديث المتقدم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رخص لعبد الرحمن بن عوف والزبير بن العوام في لبس الحرير لغرض التداوي، وقد وقع الترخيص للرجل في اليسير من الحرير ولو إذا دعت إليه الحاجة، فقد روي عن عمر بن الخطاب له قال: «نهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن لباس الحرير إلا موضع أصبعين)، فدل هذا الحديث على إباحة ما كان أقل من أصبعين).
(1) ذكرنا بعضها في تأصيل هذه القاعدة. (2) رواه البخاري، كتاب الجهاد والسير، باب الحرير في الحرب، رقم 2763، عن أنس. (3) السالمي: معارج الآمال، 2/ 260 - 261.
الأعذار
(4) سبق: رواه البخاري، كتاب الجهاد والسير، باب الحرير في الحرب، رقم 5491، بلفظ: «نهى
عن لبس الحرير إلا هكذا وصف لنا النبي صلى الله عليه وسلم إصبعيه ورفع زهير الوسطى والسبابة».
(5) السالمي: معارج الآمال، 262/ 6. (2/566)
صفحة 1082
الفصل الثالث: القاعدة الكلية الكبرى الثالثة
567
3 ـ في حكم خضاب الرجل، وتبختره بين الصفوف أثناء الجهاد: نقل الجيطالي في «القناطر» جواز الخضاب بالصفرة والحمرة عند الإباضية تلبيساً على الكفار في الغزو والجهاد، فإن لم يكن على هذه النية بل للتشبيه بأهل الدين فهو مذموم، وعن أبي عبيدة مسلم رحم الله قال: «سمعت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يصبغ شعره قط بشيء، ويقال: إن أبا بكر انه كان يصبغ (1). وفي أثر بعض أصحابنا أنه قال: «لا بأس بصبغ اللحية بالكتم
والحمرة» (3).
(2)
ونقل عن الغزالي في «الإحياء» قوله لا بأس بالأسود إذا صحت فيه النية ولم يكن فيه هوى ولا شهوة). فقد قال النبي لأبي دجانة الأنصاري
،1703
(1) روى مالك في الموطأ، رواية يحيى الليثي، كتاب الشعر، باب ما جاء في صبغ الشعر، رقم، «عن يحيى بن سعيد قال أخبرني محمد بن إبراهيم التيمي عن أبي سلمة بن عبد الرحمن أن عبد الرحمن بن الأسود بن عبد يغوث قال وكان جليساً لهم وكان أبيض اللحية والرأس قال فغدا عليهم ذات يوم وقد حمرهما قال فقال له القوم: هذا أحسن فقال: إن أمي عائشة زوج النبي الله أرسلت إلي البارحة جاريتها نخيلة فأقسمت علي لأصبغن وأخبرتني أن أبا بكر الصديق كان يصبغ، قال يحيى: سمعت مالكاً يقول: في صبغ الشعر بالسواد لم أسمع في ذلك شيئاً معلوماً وغير ذلك من الصبغ أحب إلي، قال: وترك الصبغ كله واسع إن شاء الله ليس على الناس فيه ضيق، قال: وسمعت مالكاً يقول في هذا الحديث بيان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يصبغ ولو صبغ رسول الله الله لأرسلت بذلك عائشة إلى عبد الرحمن بن الأسود» سود 949/ 2. ينظر: أبو عبيدة مسلم مسائل أبي عبيدة، مخ، ص 54. (2) الكتم: نبات يخلط مع الحناء للخضاب الأسود، قال الفيومي والكتم (بفتحتين) نبت فيه حمرة يخلط بالوسمة ويخضب به للسواد، وفي كتب الطب الكَتَم من نبات الجبال ورقه كورق الآس يخضب به مدقوقاً، وله ثمر كقدر الفلفل، ويسوَدُّ إذا نضج، وقد يعتصر منه دهن يستصبح به في البوادي الفيومي المصباح المنير، ص 312.
(3) أبو عبيدة: المرجع السابق.
:
(4) الغزالي أبو حامد: إحياء علوم الدين، 131/ 1، - الجيطالي: (ت: 750 هـ / 1350 م) قناطر الخيرات، القنطرة الثالثة، قنطرة الصلاة ووظائفها من الطهارات تحقيق وتعليق هيئة طلبة قسم الشريعة، سعيد غرداية، الجزائر ط 1، 1419 هـ / 1998 م، المطبعة العربية، ص 41/ 2 - 42.
معهد عمي (2/567)
صفحة 1083
القواعد الفقهية عند الإباضية
سماك بن خرشة حينما رآه يختال عند القتال في وقعة أُحُد: «إن هذه مَشْيَة
يبغضها الله إلا في هذا الموضع).
4 - في حكم اتخاذ الرجل الضرس أو تغليفه بالذهب أو الفضة
إنما
سئل الشيخ بيوض عن حكم اتخاذ أسنان أو نحوها من ذهب؟ فأجاب: «يجوز اتخاذ سِنّ أو ضرس أو أنف أو نحوها من الذهب، فضلاً عما كان سلك يشد به أسنانه، أو يخيط به جرحاً، وليس ذلك بمحرم المحرَّم التحلي، أعني التزين به على الرجل لا اتخاذه لضرورة» (2). ويؤكد الشيخ هذا الحكم في موضع آخر، ويبين جواز العبادة بها، وينبه إلى وجوب الحفاظ على الأسنان فقط، فيقول: يجوز اتخاذ أسنان، وشدّ المضطرب منها بأسلاك الذهب، وتغطية المسوّس منها أو المنكسر بغطاء ذهب، أو أي معدن آخر صالح لذلك، بشرط أن تدعو لذلك ضرورة أو حاجة غير التزين، ولا يضر ذلك صلاة ولا صياماً، فإن المنهي عنه هو التحلّي، أعني التزين بالذهب والحرير وهما محرمان على الرجال، وأما استعمالهما في معالجة أمراض فلا بأس به ... » (3).
(1) رواه الطبراني في الكبير، باب السين، سماك بن خرشة، رقم 6508، عن سماك، وابن سعد في الطبقات، باب السين، سماك بن خرشة 477/ 1، قال الهيثمي: «رواه الطبراني وفيه من لم أعرفه». الشوكاني، نيل الأوطار، 244/ 7. - السالمي: المصدر نفسه، 261/ 6.
(2) بيوض إبراهيم: فتاوى الإمام الشيخ بيوض، 655/ 2.
(3) بيوض إبراهيم: المرجع نفسه. (2/568)
صفحة 1084
المطلب الخامس
قاعدة: «الاضطرار لا يبطل حق الغير
لا ريب أن هذه القاعدة لها علاقة بالقاعدة الكلية الكبرى «المشقة تجلب التيسير» فالأصول العامة المقطوع بها، والمبادئ الأساسية في الشريعة الإسلامية تعتمد على مبدأ اليسر والتسهيل، ورفع الحرج والمشقة، والتسامح والاعتدال ورعاية المصلحة ودرء المفسدة، ومن مظاهر هذا إباحة الشارع أكل مال الغير عند الضرورة، إلا أن الشارع الحكيم قد قيد ذلك بأن لا يخالف المضطر قواعد الشريعة، من حفظ حقوق الغير والحفاظ عليها، فالاضطرار لا يبرر أخذ مال الغير بغير حق، ومعناه أن إباحة شيء للاضطرار لا ينافي الضمان، لأن أموال الناس مصونة، و «الضرر لا يزال بالضرر»، والقاعدة المقررة في الفقه الإسلامي أنه «لا يجوز للإنسان أن يأكل من مال غيره بدون إذنه إلا إذا كان مضطراً». وإذا كان مضطراً فإنه يأكل بشرط الضمان عند الإباضية (1) وجمهور العلماء، وهذا ما نصت عليه القاعدة الآتية: الاضطرار لا يبطل حق الغير فهي بمثابة قيد لقاعدة
«الضرورات تبيح المحظورات».
أولاً مدلول القاعدة
6 (
الاضطرار افتعال من الضرورة، وهو حمل الإنسان على ما يضره، والمراد هنا الإجبار على فعل الممنوع (3). وقيل: «حمل الإنسان على ما يكرهه» وذلك
على قسمين:
(1) ابن بركة الجامع 196/ 1 - 197. - السالمي: العقد الثمين، 257/ 1.
(2) القرطبي: الجامع لأحكام القرآن، 225/ 1 (2/569)
صفحة 1085
570
القواعد الفقهية عند الإباضية
يبيح
له
أحدهما: اضطرار بسبب داخلي، ويسمى (سماوي) ويكون إما بقهر قوة ذاتية يدفعها هلاك، كمن غلبت عليه شهوة خمر أو مخدرات، أو قمار، فيضطر إلى أخد مال الغير لتلبية هذه الرغبات المحرمة، فإنه يضمن ما أخذ؛ لأنه يمكن أن يقهر نفسه ويصبر، فلا يقدم على المحرّم، ولا نجد أحد من العلماء ذلك (1). وإما يقهر قُوّة يناله بدفعها الهلاك كمن اشتد به الجوع أو العطش فأكل وشرب، أو هجم عليه حيوان مفترس، ويعبر عنه ـ بالحيوان الصائل ـ فإنه يجوز له أن يأكل من مال الغير بقدر ما يدفع به الهلاك عن نفسه جوعاً، ويدفع الصائل بما أمكن ولو بالقتل، ويضمن في المحلّين وإن كان مضطراً، فإن الاضطرار يظهر في جواز الإقدام، لا في رفع الضمان وإبطال حق الغير). والثاني: اضطرار بسبب خارجي، ويسمى اضطرار غير سماوي، كمن يضرب أو يهدد حتى ينقاد، أو يؤخذ قهراً فيحمل على ذلك، لقوله تعالى: وَمَن كَفَرَ فَأُمَتِعُهُ، قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ} (البقرة: 126)، وهو
نوعان:
النوع الأول: إكراه تام أو ملجئ وهو في اصطلاح الفقهاء: حمل الغير على أن يفعل ما لا يرضاه، ولا يختار مباشرته لو ترك ونفسه، فيكون معدماً للرضى لا الاختيار؛ إذ الفعل يصدر عنه باختياره، حيث آثر الجانب الأسهل على الجانب الأشق (3).
ومثاله: التهديد بالقتل، أو التخويف بقطع عضو من الأعضاء، أو بضرب شديد متوال يخاف منه إتلاف النفس أو العضو، سواء قل الضرب أو كثر (4).
(1) السدلان: القواعد الفقهية الخمس الكبرى، ص 298
(2) الزرقا أحمد شرح القواعد الفقهية، ص 213.
(3) السالمي: طلعة الشمس، 271/ 2 - الزرقا أحمد المرجع نفسه، رقم القاعدة 32 مادة 33، ص 213. ـ سعدي أبو جيب، القاموس الفقهي، ص 222 – 223.
(4) ابن بركة: الجامع، 1/ 189 - 190. (2/570)
صفحة 1086
الفصل الثالث: القاعدة الكلية الكبرى الثالثة
571
النوع الثاني: الإكراه الناقص أو غير ملجئ وهو التهديد بما لا يضر النفس أو العضو، كالتخويف بالحبس، أو التقييد بالقيد، أو الضرب اليسير الذي لا يخاف منه التلف أو التهديد بإتلاف بعض المال).
والإكراه الملجئ هو الذي يعتبر حالة من حالات الاضطرار الشرعية). فإذا كان وارداً على إتلاف مال الغير فإن المكره - بالكسر ـ يضمنه، أما غير الملجئ فإنه لا يبيح الإقدام على الإتلاف ولو أقدم، فإن الضمان عليه لا على
المكره؛ لأن الإضرار لا يتحقق في غير الملجئ بالنسبة لمال الغير
(3)
وخلاصة القول: فإن المعنى الإجمالي للقاعدة أن الاضطرار وإن كان سبباً من أسباب إباحة الفعل، كما في حال أكل الميتة، وتناول الدم والخمر ونحوها، فقد اقتضى هنا تغيير الحكم من الحرمة إلى الإباحة، أو كان سبباً من أسباب امتناع المسؤولية الجنائية مع بقاء الفعل محرماً، كالتلفظ بكلمة الكفر عند الإكراه، ففي هذه الحالة اقتضى الترخيص في فعله مع بقاء حرمته، إلا أنه لا يسقط حق إنسان آخر من الناحية المادية، وإن كان يسقط حق الله تعالى، ويرفع الإثم والمؤاخذة عن المضطر أو المستكره؛ إذ لا ضرورة لإبطال حقوق الناس، وإلا كان من قبيل إزالة الضرر بالضرر وهذا غير جائز، طبقاً للقاعدة المشهورة الضرر لا يزال بالضرر».
وبناء عليه فإن الضرورة تتجلى في الحفاظ على حياة المضطر؛ فيجوز له أن يأكل من مال الغير بقدر ما يدفع به الهلاك عن نفسه، وبعد زوال الاضطرار
(1) ابن بركة المصدر نفسه،
ص
190
(2) الزرقا مصطفى: المدخل الفقهي العام 1044/ 2. - وزارة الأوقاف الكويتية: الموسوعة
الفقهية الكويتية، 105/ 6.
(3) الزرقا أحمد: المرجع
نفسه،
ص 213. (2/571)
صفحة 1087
572
القواعد الفقهية عند الإباضية
عليه يضمن قيمة ما أكل إن كان قيميًّا، ومثله إن كان مثليا، وكذلك يدفع الصائل بما أمكن ولو بالقتل ويضمن وإن كان مضطراً؛ لأن الاضطرار يفيد
إباحة الإقدام على الفعل المحرم، لا في رفع الضمان وإبطال حق الغير). قال البزدوي (2): «إن أثر الضرورة يظهر في إسقاط الإثم دون الحكم، فيلزم المضطر بالتعويض، فمن أصابته مخمصة يباح له تناول مال الغير، ولا يسقط
الضمان» (3).
ثانياً: تأصيل القاعدة
وقد استدل الإباضية لهذه القاعدة بأدلة من السنة والإجماع.
أ ـ من السنة: أحمد روي
في مسنده عن عمرو بن يثربي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا
يحل لامرئ من مال أخيه إلا ما طابت به نفسه (4). 1 - وقد احتج ابن بركة بهذا الحديث في هذه المناسبة برواية قريبة من هذا اللفظ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفسه).
(1) السدلان: القواعد الفقهية الخمس الكبرى، ص 299. 300. ـ الزرقا أحمد: شرح القواعد الفقهية، ص، 213. الزحيلي: نظرية الضرورة الشرعية، ص 259.
(2) علي بن محمد بن الحسين بن عبد الكريم، أبو الحسن، فخر الإسلام البزدوي (400 - 482 هـ/ 1010 - 1090 م): فقيه أصولي، من سكان سمره رقند، نسبته إلى «بزدة» قلعة بقرب نسف. ويعد من أكابر فقهاء الحنفية له تصانيف، منها: «المبسوط ـ خ» كبير، و «كنز
الوصول، في أصول الفقه، وكشف الأسرار».
(3) البزدوي: كشف الأسرار، 1511/ 1 - 1518.
(4) أخرجه الإمام أحمد بن حنبل في المسند، 423/ 3.
(5) سبق: رواه أحمد، مسند الكوفيين، حديث عم أبي حرة الرقيشي، رقم 20714، والدارقطني في سننه، كتاب البيوع، رقم 89، عن عمرو بن يثربي، بلفظ: «لا يحل لامرئ من مال أخيه شيء إلا ما طابت به نفسه». قال الزيلعي في حديث الدارقطني: إسناده جيد». نصب الراية، 223/ 4. (2/572)
صفحة 1088
الفصل الثالث: القاعدة الكلية الكبرى الثالثة
573
2 - روى مسلم عن أبي هريرة له أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «كل المسلم على
المسلم حرام دمه وماله وعرضه (1).
ب - من الإجماع:
أجمع الفقهاء على أن من تسبب في إتلاف مال الغير بسبب الإكراه التام في حال الاضطرار أو استهلكه لإنقاذ نفسه من الهلاك فإنه يضمنه، وقد حكى ابن بركة من الإباضية هذا الإجماع ولم يعلم فيه اختلافاً بين العلماء فقال: «فلا خلاف بين أهل العلم أن رجلاً لو كان في سفر أو حضر وعدم الطعام، وخاف على نفسه الهلاك من الجوع، ولم يجد ما يأكله إلا مال رجل مسلم، أنه يأكل منه بغير رأي صاحبه ويضمن، ويحيي نفسه من الموت، ولا أعلم في هذا اختلافاً بين أهل العلم (2).
ثالثاً: الفروع المتخرجة على القاعدة:
والأمثلة التطبيقية لهذه القاعدة الهامة كثيرة منها:
1 - من اضطر إلى مال غيره لإحياء نفسه من مخمصة أو عطش أو نحوه، جاز له الأخذ منه؛ لأنه مضطر إليه، يأخذ بقدر ما يحييه، لأن «الضرورة تقدر بقدرها وعليه قيمة مثله مع القدرة عليه في الحال، وإلا كان دَيناً عليه إلى ميسرته، وبعد زوال حال الاضطرار وجب عليه دفع قيمة الشيء الذي اضطر إليه؛ لأن الاضطرار إلى الشيء لا يبطل حق مالكه فيه (3).
(1) سبق: جزء من حديث ورد في صحيح مسلم، كتاب البر والصلة والآداب، باب تحريم ظلم المسلم، حديث رقم: 4756. وأبو داود في السنن، كتاب الأدب، باب في الغيبة، حديث: 4259. وابن ماجه في السنن، كتاب الفتن، باب حرمة دم المؤمن وماله - حديث: 3931. والترمذي في سنن الجامع الصحيح، كتاب الذبائح، أبواب البر والصلة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، باب ما جاء في شفقة المسلم على المسلم حديث: 1899 بزيادة، عن أبي هريرة، قال: «هذا حديث حسن غريب وفي الباب عن علي، وأبي أيوب». وصححه ابن بركة: الجامع، 196/ 1 - 197.
(2)
(3) الخليلي سعيد: تمهيد قواعد الإيمان، 233/ 9 - 234.
الألباني. (2/573)
صفحة 1089
574
القواعد الفقهية عند الإباضية
قال سعيد الخليلي في هذا الصدد: «لو اضطره الجوع فوجد طعاماً ما، لا يعرفه لمن هو؟ ولا يعرف حاله بربه، وقد يمكن الاحتمال أن يكون أضرّ منه إليه، جاز أكله منه ولو علم أن صاحبه محتاج إليه، أو يخاف أن يضطر إليه في وقت آخر، لم يمنع من جواز أكله في حال ضرورته؛ لأنه محل دفع الضرر عن نفسه، فأي وجه قدر به على دفعه عنها فلا مانع من التعلق به، إذا
ثبت أصل الجواز له لدفع الضرر، وعليه غرمه لربه في حال سعيه» (1). ويرى الخليلي أيضاً جواز مقاتلة الماء من يمنع عن العطشان إذا خاف على نفسه الهلاك، فيقول: «ولهذا قيل في العطشان في الطريق: إذا وجد الماء عند أحد فمنعه من شربه، وهو يخاف الهلاك على نفسه إن تركه، أن له أن يقاتله عليه على قول من غير أن يشترطوا فيه وجوب النظر في خلاص هذا الماء، وإن كان يحتاج إليه في طريقه، أو يكون محتاجاً إليه في حاله لشربه. وعلى صاحب الماء إذا علم ضرورته أن يسقيه منه، إلا أن يخاف ضرراً من ذلك على نفسه، فإذا خاف الضرر سقط اللزوم عنه، ولم يسقط جواز أخذه منه لذلك المضطر لإحياء نفسه» (2). ويشير الخليلي إلى أن حالة الاضطرار مهما بلغت لا يسقط حق الغير ماله فيجيب عليه ضمان ماله؛ لأن هذه ضرورة فتقدر بقدرها، فإذا سأل عن المضطر وما يجوز له أخذه من مال الغير لإحياء نفسه في غير ما يكون من سبب اليسر، ووسعوا له في الأخذ بغير قيد ولا شرط لدفع ضرورته، وإحياء نفسه من جوع أو عطش أو نحوه، وعليه قيمة مثله مع القدرة عليها في أكثر القول، ولا يمنعه الجواز عدم وجود القيمة معه، بل يكون ديناً عليه إلى ميسرته (3).
في
(1) الخليلي: المصدر نفسه، 233/ 9. (2) الخليلي نفسه، 233/ 9 - 234. (3) الخليلي: نفسه. (2/574)
صفحة 1090
الفصل الثالث: القاعدة الكلية الكبرى الثالثة
575
ذمته. وفي
واختلف الفقهاء فيما إذا وجد المضطر الميتة وهو يقدر على أكلها، ووجد طعاماً لرجل مسلم، فهل يكتفي بالميتة أم يقدم على مال الغير؟ فقال: أكثر العلماء: يأكل من المال ويضمن ولا يأكل من الميتة، قال ابن بركة معقباً: «فإذا كان الإجماع من الناس على أن للإنسان أن ينجي نفسه بمال غيره من الطعام الذي هو مال بغير رأي صاحبه، كان إحياؤه نفسه بمال غيره جائز، وعليه أن يضمن» (1). وخالف أبو سعيد الكدمي جمهور العلماء، واختار أن يأكل المضطر من الميتة؛ لأنها مباحة وليس فيها ضمان، وهذا أيسر له، أما مالُ الغير يتعلق به حق الغير فيضمنه، وربما لا يقدر على استيفائه، فيبقى ديناً في هذا المعنى يقول: «إذا وجد المضطر شيئاً من المحرمات مما يعصم ويحيي، وشيئاً من أموال الناس الحرام، الذي لا يحل له بوجه من الوجوه الحلال، من بيع ولا هبة، ولا دليل على أنه يحيي نفسه من الحرام المباح من الميتة، والدم ولحم الخنزير وما أشبهه، ولا يأكل من أموال الناس؛ لأن هذا مباح ولا يلزمه فيه الضمان، وهذا يلزمه في الضمان وجميعهما محجوران إلا عند الضرورة، فهذا عند الضرورة مباح لا يتعلق عليه فيه حكم، وهذا يتعلق عليه فيه الحكم والضمان ... ». ويضيف: ومعي أنه قد قيل: هو مخير إن شاء أحيى نفسه من هذا ولا تبعة عله، وإن شاء أحيى نفسه من هذا كله ودَانَ بما يلزمه من الضمان، والأفضل له أن يختار ما يتعلق عليه فيه حكم، حتى لا يقع عليه الحكم والضمان معاً». ونقل السالمي في «العقد الثمين مثله عن زياد بن الوضاح)، أنه سئل عن
عُمان
(1) ابن بركة: الجامع، 197/ 1. (2) زياد بن الوضاح بن عقبة، أبو الوضاح (حي في 237 هـ): أحد العلماء الكبار في. ويعرف في الأثر العُماني بابن عقبة. عاصر الإمام المهنا بن جيفر (حكم 226 - 237 هـ)، وكان معدياً (ضابط، أو موظف كبير لوالي الإمام بصحار كان من المبايعين للإمام بن مالك سنة 237 هـ، وكان من أهل المشورة والرأي في اختيار الإمام الصلت. ينظر: السالمي: تحفة الأعيان، 127/ 1، 156، 160. الفارسي، نزوى عبر الأيام، 92. معجم أعلام الإباضية بالمشرق، ص 158.
الصلت (2/575)
صفحة 1091
576
القواعد الفقهية عند الإباضية
المضطر إذا وجد الميتة ومالاً للغير، هل يلزمه أن يحيي نفسه من الميتة، أم يجوز له أن يأكل من مال غيره؟
فأجاب زياد بن الوضاح أنه لا يجوز له أن يأكل من مال غيره مع وجود الميتة؛ لأن الله قد أباح له الميتة عند الاضطرار وحرم عليه مال الغير إلا عن رضى، ولم له أكله عند الضرورة، كما أباح ذلك في الميتة والدم ولحم الخنزير، فبقيت حرمة مال الغير على إطلاقها، وقد أبيحت الميتة للمضطر، فلا يتجاوز ما أبيح له إلى ما حرم عليه، فإن أكل من مال الغير مع ذلك كان آثماً ضامناً).
يبح
الرأي المختار:
وعند التأمل في الرأيين أجد نفسي مضطراً إلى ترجيح رأي جمهور العلماء لوجاهته ومراعاته لمقصد الشارع في التيسير على الناس عند المشقة والضرورة، أن الله قد أباح للمضطر أن يأكل من الميتة وما أشبهها، ولكن لا يضمن نفسه وتنقذه من الهلاك، خاصة إذا كانت متعفنة قد عششت فيها
فرغم
أن
يحيي
الجراثيم المضرة بالصحة، وكذلك لحم الخنزير ولو كان طازجاً، فلا نأمن السلامة من أكله فهنا قد أزلنا ضرر الجوع بضرر أشد، وهي مظنة الإصابة بالأمراض الخطيرة الناجمة عن هذه المحرمات، أما مال الغير رغم حرمته ولكن نأمن معه السلامة من تناوله، هذا إذا كان صاحب المال أو الطعام فقيراً فقد تسبب بأخذ ماله ضرراً أشد، ولذلك وجب عليه الضمان أو التعويض، ولكن يتغير الحكم إذا كان صاحب المال غنيّاً فإن العلماء جوزوا للمضطر أن يأخذ منه ما يسدّ به جوعه وينقذ نفسه من الهلاك، وقد أخذ حقه المشروع من مال الغني؛ لأن الله قال: {وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ * لِلسَّابِلِ وَالْمَحْرُومِ} (المعارج: 24 - 25)، وبذلك لا يصبح هذا المضطر متعدياً على مال غيره، بل أخذه
بوجه حق، فلا إثم عليه ولا ضمان.
(1) السالمي: العقد الثمين، 207/ 1. (2/576)
صفحة 1092
الفصل الثالث: القاعدة الكلية الكبرى الثالثة
577
ولعل ما نقله السالمي في «عقده» عن بعض الفقهاء يؤيد ما ذهبنا إليه ورجحناه، إذ يقول: «وقيل: بل يجوز له أن يأكل من مال الغير؛ لأن إباحة الميتة ونحوها هي عند عدم وجود الحلال الذي جعله الله نفعاً لعباده، وصاحب المال أولى بماله ما لم يضطر غيره إليه، وقد جعل الله الله في أموال المؤمنين حقاً للسائل والمحروم، فالمضطر إلى مال الغير إنما أخذ حقه منه، وأيضاً فالميتة إنما هي حرام لعينه ومال الغير حرام لغيره، والمحرم لغيره أخف حرمة من المحرم لعينه (1).
ويوضح السالمي أن الذين أباحوا للمضطر أكل مال الغير قد اختلفوا فيما يترتب عليه، فمنهم من أجاز له ذلك وألزمه الضمان لصاحبه؛ لأن صاحب المال أولى بماله والضرورة إنما رفعت الإثم دون الضمان، ومنهم من لم يوجب عليه ذلك، ورأى أن المضطر قد أخذ حقه من ذلك ولا ضمان على من أخذ حقه، وأيضاً فإن صاحب المال لو رأى هذا المضطر وجب عليه أن يطعمه من ماله فعلمنا أن للمضطر في ذلك المال حقاً (2). فإن تركه على تلك الحالة حتى هلك، وكان قادراً على بذل ما عنده من مال لإنقاذه، فإنه آثم وتلزمه التوبة والكفارة، وقد أشار أبو سعيد الكدمي إلى هذا الحكم في معرض حديثه عن المحتكر إذا تسبب في ارتفاع الأسعار، ولم يجد من يخاف على نفسه الهلاك شراء أو كراء ما يدفع عن نفسه الضرورة، فيقول: «وله أن يختار أن يكون بيعه له بعدل السعر، أو كرائه بأجرة من نفس المخوّف، أو مركوب أو عبيد، وأما ما يقدر عليه من بذل المجهود في إحياء النفس المخوّف عليها الهلاك المحرم قتلها من جميع البشر من أهل الولاية أو من أهل الإقرار أو من أهل العهد والذمة من أهل الشرك، أو جميع من ثبت له أمان من أهل الشرك، فكل هؤلاء سواء لا يجوز قتل شيء
(1) السالمي: العقد الثمين، 257/ 1.
(2) السالمي المرجع نفسه. (2/577)
صفحة 1093
578
القواعد الفقهية عند الإباضية
من هذه النفوس المحرمة عند هذه الحال اللازمة ... ما لم يكن في حال الحرب ... فإذا كان على غير هذه الصفة، واضطر إلى ما يحيى به نفسه من شيء من المهالك اللازمة التي بها إهلاك، وقدر قادر على أن يجيئه من ذلك الهلاك، من غرق أو جوع أو حرق، أو انقطاع في مفازة فيها الهلاك، ولزم ذلك لازم خصه حكم ذلك، من قليل من الناس أو كثير، بعلم منهم بذلك، وقدر ذلك المخصوص بحكم ذلك عليه على إحياء تلك النفس، فلم يحيها حتى هلكت، ولزمه معنى من معاني أحكام الكتاب والسنة، والاتفاق حكم قتلها، وأنه هو الذي قتلها، ولزمه في معاني حكم الإثم من قتلها، ولا يبرئه ذلك فيما لا أعلم فيه اختلافاً، أن عليه إثم من قتلها، ولا يبرئه ذلك عند ثبوت الحكم عليه أن يلزمه ديتها والكفارة عن قتلها، في جميع ما يلزم في الحكم من أسباب قتلها» (1).
فهذا الحكم يلزم إذا كان القادر على الإغاثة والإنقاذ، لا يقصد الإضرار بهؤلاء الناس الطالبين للنجاة، أما إن قصد ترك تلك النفس حتى الموت، فيرى أبو سعيد الكدمي أنه لم يبعد عنده من ثبوت القَود فيها (الدية) إن كان مما يجب فيلزمه القود بها، ولزمه في ذلك معاني حكم ما قال الله تبارك وتعالى في كتابه الكريم: {مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَاءِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا (المائدة: 32) (2).
فانظر إلى سماحة الإسلام الذي لا يفرّق بين الناس في حالات الاضطرار ولو كانوا من غير ملّتنا؛ لأن النفس البشرية مكرمة في الإسلام ولو كانت كافرة، ولذلك أمره بصيانتها والمحافظة عليها عموماً، خاصة في
(1) الكدمي: المعتبر، 3/ 105 - 106.
(2) الكدمي: المعتبر، 106/ 3.
حالات (2/578)
صفحة 1094
الفصل الثالث: القاعدة الكلية الكبرى الثالثة
579
الضرورة، ولذلك حمّل هذا المتسبب في قتلها الإثم والكفارة إذا كان متعمداً، أما إذا قصد إهلاكهم وإفناء هم فهذا يكون آثماً، ويجب عليه القصاص أو القود كما عبّر عنه الكدمي.
2 ـ ومنها أيضاً أنه إذا اضطر شخص إلى مال غيره لدفع جبّار ظالم عن نفسه جاز له ذلك وعليه غرمه مع القدرة، وإلا كان دَيناً عليه إلى ميسرته. نقل سعيد الخليلي هذه الصورة في كتاب «التمهيد وأشار إلى اختلاف الفقهاء فيها فقال: واختلفوا فيه إذا كان لدفع الظلم عن نفسه، فقيل بجواز الأخذ له من مال الغير لفداء نفسه وإن عليه، وله أن يدفع الهلاك عن نفسه بأي وجه قدر عليه [وإن] قدر الآن على دفعه بهذا المال فعليه غرمه لربه مع القدرة. وليس عليه [في] هذا الموضع على قول من أجازه نظر في سعة صاحب المال ولا في حاجته؛ لأنه موضع ضرورته، وللضرورات أحكام غير حكم الاختيار، ولا يكلف في هذا إلا الالتزام بالضمان إن قدر على أدائه يوماً، وإلا فنظرة إلى ته. ميسرت وقيل: هو مخير إن شاء فدا نفسه بما قدر عليه من مال غيره والتزام ضمانه، وإن شاء صبر لما يكون فيه من أمر الجبّار فإنه ليس منه والله أولى بعذره وقيل: ليس له أن يفدي نفسه بمال غيره على حال إلا برضى ربه، وقد صرّح الصبحي بالجواز في مسألة الأمانة والشيخ نبهان ـ رحمة الله عليهما - بالاختلاف في أصل المسألة، وكذا في الآثار القديمة» (2).
(1)
(1) سعيد بن بشير الصبحي (ت: 1159 هـ): عمدة علماء القرن الثاني عشر الهجري في عمان، من قرية بني صبيح. كان واليا على نزوى للإمام سيف بن سلطان الثاني. عاصر الشيخ كلا من صالح بن سعيد الزاملي وعدي بن سليمان الذهلي. من مؤلفاته: الجامع
أصله سعيد
الكبير، وهو أجوبة في
الفقه والعقيدة، مطبوع في ثلاثة أجزاء. ينظر: السالمي: تحفة الأعيان،
110/ 2. معجم أعلام الإباضية بالمشرق: ص 183
(2) الخليلي سعيد: تمهيد قواعد الإيمان، 234/ 9 - 235. (2/579)
صفحة 1095
01.
القواعد الفقهية عند الإباضية
وينقل ابن بركة هذا الخلاف أيضاً في «جامعه» فيرخص للمضطر أن يفدي نفسه بوديعة غيره إذا كانت عنده ويضمنها إذا أكرهه جبار على ذلك، ويقول: «فإن أخذه الجبار بمال ولم يكن عنده إلا وديعة لغيره، هل كان عليه أن يفدي نفسه بها؟ قيل له: نعم ويضمن، فإن قال: فهل له أن لا يسلمها حتى يقتل؟ قيل له: ليس له أن يقاتل عليها إذا كان عنده أنه ألا يتخلص من القتل، ويؤخذ فلا يبقى ولا تبقى هي أيضاً، وإنما يجوز له أن يقاتل عليها وعلى ماله، وإذا كان بين الخوف والرجاء، فأما إذا كان العدو عشيرة وهو وحده، وليس في عادته عند القتال أن يغلب عند القتال اثنين منهم كان محاربته إياهم
قتلاً منه لنفسه» (1).
ويوضح ابن بركة أنه يباح للمضطر أن يفدي نفسه بمال غيره سواء كان أمانة أو غيرها ولا يعرض نفسه للهلاك وعليه الضمان، فيقول: «فإن طولب بمال ولم يجد إلا مالاً لغيره هل يقصد إليه فيأخذ منه، ويخلّص به نفسه، قيل له: نعم وعليه الضمان فإن قال: ولم أبحتم له أخذ مال غيره ليحيي به نفسه وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفسه»؟ (2) قيل له على صاحب هذا المال إذا علم بظلم الجبار، وأنه يريد قتله وقدر على تخليصه به، كان عليه أن يخلصه من القتل بهذا المال ... » (3).
- لو أكره إنسان بالقتل على إتلاف مال الغير وعلم أن المكره (بالكسر) ينفذ تهديده فيؤدي مخالفته إلى إتلاف نفسه أو بعض أعضائه، فله أن يفعل ذلك تقية لنفسه ويضمن مثله أو قيمته؛ لأن فداء النفس أولى من حفظ المال،
وفي هذا المعنى يقول السالمي: وكذلك يصح للمجبور الترخص بإتلاف مال الغير، فإذا أكره الجبار أحد على إضاعة مال غيره جاز التقية بذلك، فصح
(1) ابن بركة الجامع، 196/ 1. (2) رواه مسلم، كتاب البر والصلة، باب تحريم ظلم المسلم، رقم 2564، عن أبي هريرة.
(3) ابن بركة: الجامع، 196/ 1.
له (2/580)
صفحة 1096
الفصل الثالث: القاعدة الكلية الكبرى الثالثة
581
إتلافه بشرط ضمانه، لصاحبه، ومعنى ذلك أنه لا يكون آثماً في إتلافه؛ لأن النفوس تُفدَى بالمال ولا عكس، وإنما أوجبنا عليه الضمان؛ لئلا يضيع مال الغير في شيء، وفي الحديث: لا تواء على مال امرئ مسلم) والتواء: الهلاك (2).
4 ـ لو أشرفت سفينة على الغرق؛ فألقى الملاح أو غيره متاع غيره ليخفف حمولتها، ضمنه. وردت هذه المسألة في المصادر الإباضية، فقد روى ابن بركة عن أبي معاوية عزان بن الصقر وغيره من فقهاء أهل عُمان في قوم ركبوا سفينة في البحر فخافوا الغرق والهلاك لشدة البحر، أن لهم أن يلقوا ما فيها من حمولة الناس وأموالهم؛ ليخلصوا أنفسهم من الموت، إذا رَجَوْا ذلك بإلقاء أموال الناس في البحر، ويضمنوا القيمة (3).
وقال أبو معاوية أيضاً: «وإن كان صاحب المتاع رمى بمتاعه من غير مواطأة (موافقة) كانت بينه وبينهم فسلموا، كان له عليهم ضمان المتاع على عدد رؤوسهم، وأن الحاكم يحكم له عليهم بذلك).
ولكن الشماخي اشترط على أصحاب السفينة أن يتفقوا أولاً في كيفية ضمان مال الغير قبل أن يقذفوا به في البحر، حتى لا يحصل اختلاف بينهم على غُزم قيمته، أما إذا تصرف أحدهم دون مشورتهم، فألقى متاعه في البحر، فإنهم غير ملزمين بدفع قيمته إلا من باب الاستحسان، وإن فعل ذلك بمتاع غيره دون إذن منهم، ضمنه وحده.
(1) لم أقف عليه من كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإنما هو کلام منسوب إلى عثمان بن عفان، بلفظ: «ليس على مال امرئ مسلم توى. البيهقي: السنن الكبرى، باب من قال يرجع على المحيل
لا توى على مال مسلم، رقم: 11173، 71/ 6.
(3)
(4)
(2) السالمي: طلعة الشمس، 273/ 2 ابن بركة المصدر نفسه، 1/ 197 - 198. ابن بركة: نفسه. (2/581)
صفحة 1097
582
القواعد الفقهية عند الإباضية
يقول الشماخي في هذا الصدد: «وإن خافوا عليها (السفينة) الغرق فأرادوا أن يخففوا منها شيئاً من أموالهم ويلقوه في البحر، فإنهم يتفقون كيف يؤدونه من صاحبه ثم يلقونه، وإن وجدوه بعد ذلك وقد رمى به البحر، فهو بينهم على ما غرموا ثمنه لصاحبه الأول، وإن طرحوا منها شيئاً وقد اتفقوا أنهم يغرمونه لصاحبه، غير أنهم لم يقطعوا أمرهم على شيء، فإنهم يغرمونه على قيمة أموالهم لأنهم إنما فدَوْا بذلك، أموالهم، وإن ألقى أحد منهم شيئاً من متاعه بغير مشورتهم فليس عليهم غرمه له؛ لأنه متطوع إلا على جهة الاستحسان وكذلك أيضاً إن ألقى أحد منهم شيئاً من متاع الناس بغير
مشورتهم، فهو ضامن له دونهم (1).
(1) الشماخي: كتاب الإيضاح، 307/ 6 - 308. (2/582)
صفحة 1098
المطلب السادس
قاعدة: «إذا تعذر الأصل يصار إلى البدل» (1)
هذه القاعدة تفرعت عن القاعدة الكلية: «المشقة تجلب التيسير وصيغت بعبارة أخرى وهي: «إذا بطل الأصل يصار إلى البدل» (2)؛ لأن المصير إلى البدل إنما يجوز عند عدم الأصل؛ ولأن إتيان البدل عند تعذر الأصل رخصة من الرخص، فكانت هذه القاعدة مندرجة تحتها.
ولم تنص المصادر الفقهية الإباضية على هذه القاعدة صراحة، ولكن فروعهم الفقهية تشهد على اعتبارها واعتمادها في التخريج والتعليل، وفيما يلي بيان لمعنى القاعدة وأدلتها وتطبيقاتها:
أولاً: بيان معنى القاعدة:
التعذر في اللغة من تعذر عليه أمر إذا تعسر، ويقال تعذر الأمر إذا لم
يستقم
في
(1)
وبطل الشيء يبطله بطلاً وبطالاً، وبطلاناً إذا فسد أو سقط حكمه وأصله
اللغة ذهاب الشيء وقلة مكثه ولبثه).
والأصل في اللغة الأساس، وأصل كل شيء ما يستند إليه)، والأصل في
(1) الزركشي: المنثور في القواعد، 219/ 1، فما بعدها. - الزرقا مصطفى: المدخل الفقهي العام، ص، فقرة 1 ة 641. ـ مجلة الأحكام العدلية، مادة، (53) وشرحها للأتاسي، 127/ 1. وشرحها
لعلي حيدر، 49/ 1. (2) أحمد الزرقا: المصدر نفسه،
ص
287
0545
(3) ابن فارس: معجم مقاييس اللغة 255/ 4. - الفيومي: المصباح المنير، ص (4) ابن فارس: المرجع السابق، 258/ 1. - الفيومي المرجع السابق، ص 71. (5) ابن فارس: نفسه، 109/ 1. - الفيومي نفسه، ص 21. ـ ابن رجب: القواعد في الفقه
الإسلامي، (2/583)
صفحة 1099
584
القواعد الفقهية عند الإباضية
الاصطلاح يستعمل في عدة معاني منها ما ينبني عليه غيره ويقابله الفرع، والراجح، والدليل والقاعدة المستمرة، والمراد به هنا، القاعدة المستمرة أو ما يجب الوفاء به باستمرار، أو ما يجب أداؤه باستمرار، أو العزيمة، فإذا تعذر أو تعسر تطبيقه، أو شق على المكلف لظروف معينة، ولم يمكنه إيفاء الأصل
بالفوات أو التفويت ينقل الحكم إلى الرخصة، وهو البدال عن العزيمة (1). والبدل في اللغة (بفتحتين) والبدل (بالكسر) والبديل كلها بمعنى واحد يدل على قيام الشيء مقام الشيء الذاهب، أو تنحية الأول وجعل الثاني مكانه. وبناء على ما سبق يكون المعنى الإجمالي للقاعدة:
أن الشيء الواجب أداؤه هو الأصل ما دام ممكناً، فلا يصار إلى البدل فيوفي الأصل؛ لأنه هو الواجب لا بدله، وقد أمكن القيام به، فلا يسد غيره مسده، كالعين المغصوبة إذا كانت قائمة في يد الغاصب ترد عينها، ولا يصار إلى المثل أو القيمة،؛ لأنه تسليم غير الواجب، وهو الأصل على الراجح؛ لأنه رد صورة ومعنى، وتسليم البدل معنى فقط، وهو مخلص وخلف عن الواجب، والخلف لا يصار إليه إلا عند العجز عن الأصل. أما إذا تعذر الأداء أو الوفاء بالأصل لسبب من الأسباب فإنه يصار إلى البدل، كما إذا هلكت العين المغصوبة في يد الغاصب أو استهلكت، فإنه يضمن مثلها إذا كانت مثلية وقيمتها إذا كانت قيمية ولا يصار إلى القيمة إذا كان المثل ممكناً (2).
قال عثمان الأصم: «فالمنقول إذا تلف وجب على الغاصب مثله أو قيمته سواء تلف من جناية الغاصب أو غيره أو من قبل الله تعالى، ولا تنازع في ذلك» (3).
ص
(1) ابن فارس نفسه، 210/ 1. - الفيومي: نفسه (2) ابن جعفر: الجامع 275/ 5، وما بعدها. - الزرقا أحمد شرح القواعد الفقهية، ص 287. -
البورنو الوجيز، ص 247. . شبير محمد القواعد الكلية، ص 218 - 219.
(3) الأصم عثمان: البصيرة، ص 1/ 145، 146. (2/584)
صفحة 1100
الفصل الثالث: القاعدة الكلية الكبرى الثالثة
585
وإذا حكم بالبدل لتعذر الأصل، ثم قدر بعد ذلك على الأصل، فهل يرجع
إلى الأصل؟
إن كانت القدرة على الأصل بعد أداء البدل، فلا يرجع إلى الأصل، أما إذا كانت القدرة على الأصل قبل أداء البدل، فقد اختلف الفقهاء في ذلك على قولين:
القول الأول: ذهب الفقهاء إلى أنه يرجع إلى الأصل، كما لو وجد الماء قبل التيمم، ولأنه إنما انتقل إلى البدل لمانع، وقد زال المانع فيعود إلى
الأصل.
القول الثاني: ذهب فريق آخر من العلماء إلى أنه لا يرجع إلى الأصل؛ لأن الوجوب بالبدل تعلق به تعلقاً مستقراً فلا يصار إلى غيره، ولأن البدل صار بمثابة الأصل (1).
ومن باب الجمع بين القولين يمكن أن يُعمل بالقول الأول فيما إذا كان أداء البدل لا يحتاج إلى حكم حاكم، أما إذا كان يحتاج إلى ذلك فيعمل بالقول الثاني، عملاً بمبدأ استقرار القضاء).
ثانياً: تأصيل القاعدة
ولهذه القاعدة أدلة كثيرة من كتاب الله تعالى من ذلك:
1 - قول الله تعالى: {فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِين} (البقرة: 184).
2 - وقوله تعالى: {فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَمَن تَمَنَعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجَ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيَّ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجَ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُم تِلْكَ عَشَرَةُ كَامِلَةٌ} (البقرة: 196).
(1) الجيطالي: قواعد الإسلام 2/ 170. - الشماخي: الإيضاح، 308/ 1 - 309. (2) شبير محمد القواعد الكلية، ص 219. (2/585)
صفحة 1101
586
القواعد الفقهية عند الإباضية
-
وقوله عل: {حَفِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَوةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَنِتِينَ فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا فَإِذَا أَمِنتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَمَا عَلَمَكُم مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ} (البقرة: 238 - 239).
قوله عز من قائل: {وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلًا أَن يَنكِحَ الْمُحْصَنَتِ الْمُؤْمِنَتِ فَمِن مَّا مَلَكَتْ أَيْمَنَكُم مِّن فَنَيَتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ} (النساء: (25).
وقوله رجل: {وَإِن كُنتُم مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِّنكُم مِّنَ الْغَابِطِ أَوْ لَمَسْمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَأَمْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ} (النساء: 43). 6 - وقوله تبارك وتعالى: {وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن نَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَوةِ إِنْ خِفْتُمْ أَن يَفْيْنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الكَفِرِينَ كَانُوا لكم عدوا مبينا کاري
(النساء: 101).
ففي كل هذه الآيات كان الأصل عزيمة، ولما شق أداؤه وتعسر خفف الله سبحانه عن عباده بالانتقال إلى البدل وهو الرخصة؛ لأن «المشقة تجلب التيسير».
ثالثاً: تطبيقات القاعدة وما تخرج عنها:
1 - في التيمم بدل الوضوء والغسل:
من أراد أن يتطهر للصلاة وفقد الماء حقيقة أو حكماً، يصير إلى البدل وهو التيمم، يقول الشماخي موضحاً بعض حالات فقد الماء: «وأما العادم للماء الذي يجوز له التيمم فهو: كل مسافر يتعذر حصول الماء لديه؛ بأن لا يجده أصلاً، أو لا يجد ما يتناوله به فعلاً مثل: إن كان الماء في بئر وليس عنده دلو، أو كان لا يصل إلى الماء إلا بالشراء وليس عنده مال، فإن هذا عادم للماء يجزيه التيمم، وكذلك إن حال بينه وبين الماء يخاف منه، أو عدو سبع يقتله، فإنه غير واجد للماء ويجزيه التيمم وليس له أن يحمل نفسه على حالة (2/586)
صفحة 1102
الفصل الثالث: القاعدة الكلية الكبرى الثالثة
587
}
مخوفة، ولا يُعرّضها لخطة متلفة، وقد يسر الله على عباده تخفيفاً، وكان بهم ولله الحمد لطيفاً، والدليل على هذا ما روي من طريق ابن عباس قال: «خرج عمرو بن العاص في غزوة ذات السلاسل وهو أمير على الجيش فأجنب، فخاف من شدة الماء فتيمم، فلما قدم على النبي صلى الله عليه وسلم أخبره أصحابه بما فعل فقال: «يا عمرو لِمَ فعلت ذلك ومن أين علمته؟ فقال له: يا رسول الله وجدت الله يقول: {وَلَا نَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا له (النساء: 29)، فضحك النبي صلى الله عليه وسلم ولم يرد عليه شيئاً). وكذلك إن كان معه من الماء ما لا يستغني عنه لطعامه وشرابه، فإنه يتيمم، ويستعمل الماء لطعامه وشرابه، وينجي نفسه من الهلاك لهذا الحديث (2). ولكن هل شرع التيمم بدل الوضوء أم الغسل؟ فهذه المسألة محل خلاف بين الفقهاء.
يقول الشماخي في هذا الصدد: اتفق العلماء أن التيمم بدل من الطهارة الصغرى، واختلفوا في الكبرى، والقول الذي نأخذ به ونعتمد عليه، وهو قول أصحابنا الإباضية) أن هذه الطهارة بدل من الطهارتين تكون بدلاً من الصغرى وتكون بدلاً من الكبرى، والدليل قوله تبارك وتعالى: {يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَلَوةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَينِ} (المائدة: (6)، وذكر في ابتداء الآية أنواع الطهارة بالماء، فلما قال: {وَإِن كُنتُم مَّرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ} (المائدة: (6)، أراد أن تقوم طهارة التيمم مقام الطهارة بالماء، فوجب بقوله أَوْ لَمَسْتُمُ النِّسَاءَ} (المائدة: 6)، كناية عن الجماع ليقوم ذلك مقام قوله: {وَإِن كُنتُم جُنُبًا فَأَطَهَرُوا} (المائدة: 6)، ويؤيد
(1) رواه أبو داود، كتاب الطهارة، باب إذا خاف الجنب البرد أيتيمم، رقم 334، والحاكم في المستدرك، كتاب الطهارة، رقم 628، عن عمرو بن العاص. وقال الحاكم: حديث صحيح، ووافقه الذهبي. المباركفوري: المنذري حسن عون المعبود، 365/ 1.
(2) الشماخي: الإيضاح، 276/ 1 - 277. (2/587)
صفحة 1103
588
القواعد الفقهية عند الإباضية
هذا ما روي عن عمار بن ياسر الله قال أجنبتُ فتمعكتُ في التراب فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنما يكفيك هكذا ومسح وجهه ويديه إلى الرسغين». ومن طريق أبي هريرة، قال: سئل علي عن الجنب أيتيمم؟ قال: «التيمم
طهور المسلم، ولو عشر سنين، فإذا وجد الماء فليمسسه بشرته» (2). وعن أبي ذر ـ ه ـ أن رجلاً من ربيعة قال يا رسول الله إنا لا نُصيب
الماء ومعنا الأهلون فقال: التيمم كافيك ولو إلى عشر حجج) (3) ومن ذهب من مخالفينا إلى أن التيمم لا يكون بدلاً من الطهارة الكبرى تأوَّل قوله: {أَوْ لَمَسْتُمُ النِّسَاءَ} (المائدة: (6)، أنه اللمس باليد، فيكون عود
الضمير في قوله: {فَلَمْ تَجِدُوا مَاء (المائدة: (6)، على الأحداث الصغار (4). وقد ردّ السدويكشي على أصحاب القول الثاني بما نقله عن النووي في شرح مسلم، أنه أجمع العلماء على جواز التيمم من الحدث الأصغر، وكذلك أجمع أهل هذه الأعصار ومن قبلهم على جوازه للجنب والحائض والنفساء، ولم يخالف فيه أحد من الخلف ولا أحد من السلف، إلا ما جاء عن عمر بن الخطاب وعبد الله بن مسعود ها وحكى مثله عن إبراهيم النخعي الإمام التابعي، وقيل عمر وعبد الله رجعا عن ذلك، وهذه الأحاديث الصحيحة رادة عليهم).
(0)
(1) رواه البخاري، كتاب التيمم، باب المتيمم هل ينفخ فيهما، رقم:
ياسر.
331:
عن عمار بن
(2) سبق: رواه أبو داود، كتاب الطهارة، باب الجنب يتيمم، رقم: 332، والحاكم في المستدرك، كتاب الطهارة رقم 627، عن أبي ذر، وقال: حديث صحيح، ووافقه الذهبي.
(3) رواه الترمذي، أبواب الطهارة، التيمم للجنب إذا لم يجد الماء، رقم: 124، عن أبي ذر، وأحمد، مسند الأنصار، حديث المشايخ عن أبي بن كعب، رقم: 21343، قال الترمذي:
حسن صحيح.
(4) الشماخي: الإيضاح، 264/ 1 - 268.
(5) السدويكشي: الحاشية على الإيضاح للشماخي، 266/ 1 - 267. (2/588)
صفحة 1104
=
589
الفصل الثالث: القاعدة الكلية الكبرى الثالثة
القول المختار:
من خلال هذه الأدلة يظهر أن ما ذهب إليه أصحاب القول الأول بأن التيمم يكون بدلاً من الوضوء والغسل ـ هو الرأي الراجح؛ لأن مفهوم الآية يؤكده، وأما القول الآخر فقد جانبه الصواب؛ لأن أسلوب القرآن يستعمل المجاز والكناية عند حديثه عن أمور الجماع مثاله قوله تعالى: {نِسَاؤُكُمْ حَرْتُ
لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِنْتُمْ} (البقرة: (223)، والحرث هنا يقصد به مكان الولد. ولا يجوز أن يصار إلى التيمم إذا وجد الأصل وهو الماء، أو وجدت القدرة على استعماله؛ ولا يصار إلى البدل إلا إذا تعذر الأصل، وقد حدد الفقهاء من يباح له التيمم، وحكى الشماخي عنهم الإجماع فقال: «اتفق العلماء على جواز التيمم للمريض والمسافر الذي عدم الماء، واختلفوا في الحاضر يعدم الماء، والمريض الذي يجوز له التيمم عندهم من كان مظنا واهي الأعضاء، لا يستطيع تناول الماء وشق عليه أخذه، ومن كان يخاف استعمال الماء زيادة المرض أو تأخر البرء، مريضا أو جريحا أو مجدورا، أو مجروبا أو صاحب الدماميل يضرهم الماء، وما أشبه ذلك ... » (1). ومثاله كذلك من لم يجد الصعيد الطيب وهو التراب أو ما أشبهه للتيمم، ووجد الثلج أو الماء الجامد فإنه ينتقل إليه؛ لأنه بدل عن الأصل، وقد تعذر فيصار إليه، وسئل أبو نوح (2) عن الثلج قال: يتيمم بالصعيد قيل:
يتيمم
كما به
(1) الشماخي: المصدر السابق، 1/ 270، 271. - الجيطالي: قواعد الإسلام، 188/ 1 - 191. (2) صالح بن نوح الدهان أبو نوح (ت: 150 هـ) أحد العلماء العُمانيين الذين سكنوا البصرة. أخذ العلم عن جابر بن زيد وغيره، ومن تلاميذه: الربيع بن حبيب وأبو عبيدة وغيرهما.
جملة
وكان المرجع الرئيس للحركة الإباضية في البصرة بعد أبي عبيدة وضمام، كان من العلماء الصادقين الذين كانت لهم في تسيير الدعوة اليد البيضاء. ويروي أنه عاصر فتنة الصحابة مما يجعلنا نقول إنه تابعي له آراء خالف فيها علماء الإباضية في عصره، وكان
البعض يأخذ برأيه فيها فقد روي عن بعض مشايخ المغرب أنه يأخذ برأي الدهان، انفرد الدارمي بحديث رواه أبو نوح عن جابر بن زيد، قال عنه كل من يحيى بن معين وابن حبان: (2/589)
صفحة 1105
590
القواعد الفقهية عند الإباضية
وكذلك إذا لم يجد الصعيد، يعني التراب، فإن لم يجد التراب وما أشبهه من
الغبار جاز التيمم بالثلج.
وكذلك إن وجد الجنب الماء يابساً، قال بعض الفقهاء: يتيمم به كما يتيمم بالصعيد.
وقال غيره: «إذا لم يجد صعيداً يتيمم بالماء، وجاء في الأثر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ومن خاف على نفسه الموت إن اغتسل أو توضأ فعليه بالصعيد. قيل له: فإن لم يقدر على الصعيد؟ قال: يضرب بيديه على الماء الجامد ثم يتيمم، يتيمم بالتراب حتى يأمن على نفسه (1) (2).
كما
2 - في ثبوت الصيام برؤية الهلال أو بإكمال عدة شعبان: اتفق العلماء على أنه يعرف دخول شهر رمضان بالهلال وهو الأصل، فإن تعذر يصار إلى البدل وهو إكمال عدة شعبان ثلاثين يوماً. قال الجناوني: ويصام شهر رمضان برؤية الهلال ويفطر لرؤيته لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «صوموا
مع
موسي
عبد الله
«ثقة»، وقال عنه الدرجيني: «هو شيخ التحقيق وأستاذ أهل الطريق، وناهج طرق الصالحين، وناقض دعاوى الزائغين الجانحين، أخذ عنه الحديث والفروع، وكان ذا خشية الله وخضوع». ينظر: ابن سلام، بدء الإسلام، 114. - ابن مداد، سيرة، 9، 20. ـ الدرجيني، طبقات، 211/ 2، 239، 254 - 255. ـ الشماخي، السير، 1/ 82 - 83. ـ ابن خلفون، أجوبة، 109. (1) رواه مسلم، كتاب الحيض، باب التيمم، رقم 368، عن شقيق قال: كنت جالسا وأبي موسى فقال أبو موسى يا أبا عبد الرحمن أرأيت لو أن رجلا أجنب فلم يجد الماء شهرا كيف يصنع بالصلاة؟ فقال عبد الله لا يتيمم وإن لم يجد الماء شهرا فقال أبو. فكيف بهذه الآية في سورة المائدة: فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا (النساء: 43). فقال عبد الله: لو رخص لهم في هذه الآية لأوشك إذا برد عليهم الماء أن يتيمموا بالصعيد. فقال أبو موسى لعبد الله ألم تسمع قول عمار: بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم في حاجة فأجنبت فلم أجد الماء فتمرغت في الصعيد كما تمرغ الدابة ثم أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فذكرت ذلك له فقال: «إنما كان يكفيك أن تقول بيديك هكذا ثم ضرب بيديه الأرض ضربة واحدة ثم مسح على اليمين وظاهر كفيه ووجهه، فقال عبد الله أولم تر عمر لم يقنع بقول عمار؟. (2) أبو بكر أحمد الكندي: المصنف، 266/ 4.
الشمال (2/590)
صفحة 1106
=
091
الفصل الثالث: القاعدة الكلية الكبرى الثالثة
لرؤية الهلال وأفطروا لرؤيته، فإن غمّ عليكم فأكملوا العدة ثلاثين يوماً» () (). ونقل الجيطالي أقوال العلماء في هذه المسألة فقال سياق بيانه الأسباب الموجبة للصوم في أحد سَبَبَيْ موجب الصوم وهو الرؤية للهلال، لقوله صلى الله عليه وسلم: «صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته فإن غمّ عليكم فاقدروا له» (3).
وأجمع العلماء على أن الشهر العربي يكون تسعاً أن الشهر العربي يكون تسعاً وعشرين يوماً، ويكون ثلاثين، لثبوت ذلك في الحديث، واتفقوا على أن الاعتبار في تحديد بداية رمضان إنما هو الرؤية للحديث المتقدم، وأعني بالرؤية أول ظهور القمر بعد السرار، واختلفوا في الحكم إذا غمّ الشهر ولم تكن الرؤية في وقتها المعتبر لها، فذهب جمهور العلماء إلى أن الحكم في ذلك إكمال العدة ثلاثين يوماً، فإن كان الذي غمّ هلال أول الشهر عُد الشهر الذي قبله ثلاثين، وكان أول رمضان الحادي والثلاثين وإن كان الذي غمّ هلال آخر الشهر صام الناس ثلاثين يوماً إلا ما روي عن ابن عمر أنه ذهب إلى أنه إن كان المغمى هلال أول الشهر صام الناس اليوم المعروف بيوم الشك، وروي عن مطرف بن الشجري وكان من التابعين أنه إذا غم الهلال اعتبر الحساب بسير الشمس والقمر). ومثله مروي عن الشافعي أنه قال: من كان مذهبه الاستدلال بالنجوم
(1) متفق عليه، رواه البخاري، کتاب الصوم، باب قول النبي إذا رأيتم الهلال فصوموا، رقم: 1810، ومسلم، كتاب الصيام، باب وجوب صوم رمضان لرؤية الهلال، رقم: 1081، عن أبي هريرة.
(2) الجناوني: كتاب الصوم، ص 11. (3) متفق عليه، رواه البخاري، كتاب الصوم، باب هل يقال رمضان؟، رقم: 1801، ومسلم، كتاب الصيام، باب وجوب صوم رمضان لرؤية الهلال، رقم: 1080، عن ابن عمر. ورواه الربيع بن حبيب في مسند الجامع الصحيح بصيغة النهي لا تصوموا حتى تروا الهلال ... » كتاب الصوم، بَابُ النَّهْيِ عَنْ صِيَامِ الْعِيدَيْنِ وَيَوْمِ الشك، 323. (4) يشير هنا إلى العمل بالحساب الفلكي في إثبات أول رمضان وأول شوال، وقد بحث الفقهاء المعاصرون هذا الموضوع لما اختلف الناس هل يكتفى بالرؤية المجردة أم يمكن استعمال
6
المجهر لرؤية الهلال؟ وهل يمكن الاكتفاء بالحساب الفلكي ما دامت الأجهزة الحديثة (2/591)
صفحة 1107
592
القواعد الفقهية عند الإباضية
ومنازل القمر، ثم تبين له من قبل ذلك أن الهلال مرئي وقد غم، فإنه يعتقد الصوم ويجزيه (1).
ويشير الجيطالي إلى منشأ الخلاف في المسألة فيقول: «وسبب الخلاف الاحتمال الذي في قوله صلى الله عليه وسلم: فإن غمّ عليكم فاقدروا له»، فذهب أكثر العلماء إلى أن التأويل إكمال العدة ثلاثين يوماً، وذهب آخرون: إلى أن معناه التقدير بالحساب النجومي، ومنهم من رأى أن معناه أن المرء صائماً، يصبح صائماً، وهو مذهب ابن عمر كما قدمنا فيما روي عنه، وكان جابر بن زيد والحسن (البصري) إذا غمّ أصبحا مفطرين» (2).
الرأي المختار:
ولعل ما ذهب إليه جمهور العلماء هو الرأي الراجح؛ لأن الأحاديث السابقة تؤيده، كما أنه لا يجوز صوم يوم الشك، إلا أنه لو ثبت بالحساب الفلكي بواسطة الأقمار الصناعية وغيرها من الوسائل الحديثة، أن الهلال يمكن رؤيته بعد غروب شمس يوم التاسع والعشرين من شعبان، وأكد علم الفلك ذلك، فإنه من الأحسن الأخذ بهذا الرأي؛ لأن العلم لا يتناقض مع الشرع، وهذا ما رجحه بعض الإباضية، منهم عبد الرحمن بكلي والشيخ بيوض، ولا مانع من الجمع بين الرؤية المجردة والحساب الفلكي إذا أمكنت الرؤية، ولا يوجد ما يعيقها مثل الغمام، أما إذا عدمت الرؤية ولم تتوفر الوسائل الحديثة لرؤيته، فإنه يعمل بالنص المذكور وهو إكمال عدة شعبان ثلاثين يوماً.
والله أعلم.
تساعد على ضبطه وتحديد مساره أم يجمع بينهما؟ ينظر: بحث بكلي عبد الرحمن في حاشيته على قواعد الإسلام للجيطالي، 2/ 67 - 71.
(1) الجيطالي: قواعد الإسلام، 67/ 2 - 68.
(2) الجيطالي: المصدر نفسه، 69/ 2 - 71. (2/592)
صفحة 1108
الفصل الثالث: القاعدة الكلية الكبرى الثالثة
093
3 - في هذي التمتع بالعمرة إلى الحج: إذا نوى الحاج التمتع بالعمرة إلى الحج بأن جمع بين العمرة والحج بإحرامين وجب عليه هذي المتعة، فإن عجز عنه صار إلى الصيام، أما إذا قدر على الهدي قبل الشروع في الصيام فهل يرجع إلى الأصل أم يبقى على البدل؟ المسألة محل خلاف بين الفقهاء، ورجح بعضهم أن يرجع إلى الأصل؛ لأن هذا الأمر لا يحتاج إلى حكم حاكم. نقل الجيطالي هذه المسألة في «قواعده»، وذكر فيها خلاف الفقهاء، وبين سبب اختلافهم فقال: «في هدي التمتع ولا خلاف في وجوبه، واختلفوا في الواجب عليه فذهب جمهور العلماء إلى أن ما استيسر من الهدي شاة، واحتجوا بأن اسم الهدي يطلق على الشاة لقوله تعالى: {هَدْيَا بَلغَ الْكَعْبَةِ) (المائدة: (95)، ومعلوم بالإجماع أنه يجب في جزاء الصيد شاة، وذهب بعضهم إلى أن ما استيسر من الهدي الإبل، والبقر وروي ذلك عن ابن عباس. وأجمعوا أن هذه الكفارة على الترتيب، وأنه من لم يجد الهدي فعليه الصيام؛ يصوم ثلاثة أيام في الحج، وهو مخرم آخرها يوم عرفة، وسبعة إذا رجع في الطريق، وقيل إلى مصره، واختلفوا في حد الزمان الذي ينتقل بانقضائه فرضه من الهدي إلى الصيام، فقيل عن مالك بن أنس إذا شرع في الصوم، فقد انتقل فرضه إليه، ولا هدي عليه، وإن وجده في أثناء الصوم، وقال قوم: إن وجده قبل صوم الثلاثة الأيام فعليه أن يهديه، وإن وجده في صوم فلا هدي عليه، وهذا هو الصحيح؛ لأنه قد خرج من فرضه كما أنه لو صلى بالتيمم ثم وجد الماء فلا بدل له». وقال ابن جعفر في «الجامع»: «ومن أيسر (أي انتقل من العسر إلى اليسر) في صومه الثلاثة فعليه الهدي، وقيل أيضاً: إن وجد في أيام منى فعليه أن يذبح ... » (3).
(1) الجيطالي: قواعد الإسلام 2/ 170.
(2) ابن جعفر: الجامع، 291/ 3.
6
السبعة (2/593)
صفحة 1109
594
القواعد الفقهية عند الإباضية
ويشير الجيطالي إلى منشأ الخلاف بين الفقهاء في هذه المسألة فيقول: في هذه المسألة، هل ما هو شرط في ابتداء العبادة شرط في
وسبب
الخلاف
انتهائها أم لا؟
وبمعنى أن من جعل ما هو شرط في ابتداء العبادة شرط في انتهائنا، يرى أنه إذا فقد الهدي عند شروعه في الصوم فلا يلزمه الهذي ولو وجده في أثناء الصوم؛ لأنه انتقل من فرض ـ وهو الهدي ـ إلى فرض بدله ـ وهو الصيام ـ فلا ينقضه لأجل الهدي، ومن لم يشترط ذلك فلا يرى لزوم الهدي لمن لا يجده إذا شَرَع في الصوم، فإذا وجده أثناء الصوم وجب عليه نقض صومه ولزمه الهدي؛ لأنه إذا زال العذر وجب عليه العودة إلى الأصل ـ وهو الهديـ طبقاً للقاعدة: ما جاز لعذر بطل بزواله أو كما نص عليها الإباضية «الأبدال يرتفع حكمها بوجود المبدل منه (1).
4 - في الذكاة الاضطرارية
الأصل في حل لحوم الأنعام أن تذكى بالذبح أو النحر، فإذا تعذر ذلك يصار إلى الذكاة الاضطرارية، كما لو توحشت الأنعام، أو سقط الحيوان في بئر، فإنه يصار إلى جرحه بسهم أو سيف أو غير ذلك. يقول أبو إسحاق الحضرمي في هذا الشأن وكذلك إن امتنع شيء من الأنعام ونحوها عن الذكاة في الحلق واللَّيَّة، فأصبت بسيفك أو رمحك أو
سهمك في أي موضع، حل أكله» (2).
ه - في تحديد مدة الإيجار
من استأجر داراً لشهر - مثلاً -:
(1) ابن بركة: الجامع، 2/ 115. - الشماخي: الإيضاح، 310/ 1.
(2) الحضرمي أبو إسحاق: مختصر الخصال، ص 203. ـ الشماخي: الإيضاح، 118/ 4. (2/594)
صفحة 1110
الفصل الثالث: القاعدة الكلية الكبرى الثالثة
595
فإن جرى عقد الإيجار منذ أول يوم من الشهر، فإن الشهر يحسب بنهايته مهما كان عدد أيامه ثمان وعشرون أو تسع وعشرون، أو ثلاثون، أو واحد وثلاثون، ولكن لو جرى عقد الإيجار بعد مرور عدة أيام من الشهر يصار إلى البدل ـ وهو الشهر التقديري، وهو ثلاثون يوماً (1).
ومثله في استئجار العامل بالشهور، فقد ذكر الشماخي في «الإيضاح» أنه: ... إن استأجره بالشهور ثم دخل في عمله من أول الشهر، فعمل حتى استهل الشهر الذي يليه، فقد قضى ما عليه سواء كان الشهر ثلاثين أو تسعاً وعشرين ليلة، وأما إن لم يدخل من أول الشهر فإنما عليه أن يُوَفي الثلاثين يوماً كاملة، وكذلك في الأيمان والنذور والعِدَد على هذا الحال (2).
والفرق بين الصورتين أن الأولى اعتمد في حساب عقد الإيجار على الشهور الشمسية، وهذه الشهور ليس لها نهاية واحدة، فهي تختلف من شهر
إلى آخر.
دائماً
أما عقد الإيجار الثاني فقد اعتمد فيه على الشهور القمرية العربية، وهذه الشهور تنتهي بتسع وعشرين يوماً أو ثلاثين، وهذا ما ينبغي أن نعتمد عليه في معاملاتنا التجارية والمالية، ولكن للأسف سيطرت علينا الحضارة الغربية الأجنبية في اقتصادنا، ففرضت علينا نظامها التجاري والمالي، فأصبحنا نحسب ونقوم معاملاتنا المالية بالشهور الشمسية والسنة الميلادية، ورغم ذلك فلا زالت في الأمة بقية تتمسك بتراثها الأصيل ونهجها القويم ولا ترضى عنه بديلاً، وتعتز بالشهور القمرية والسنة الهجرية، وتجعلها أساساً لحساباتها المالية في جميع العقود، مثل: العبادات، باعتبارهما جزءا من مقومات شخصيتنا الإسلامية.
(1) منير القاضي: شرح مجلة الأحكام العدلية 115/ 1. (2) الشماخي: الإيضاح، 239/ 6 - 240. (2/595)
صفحة 1111
596
القواعد الفقهية عند الإباضية
- في الانتقال من عدة الإقراء إلى عدة الشهور: تعتد كل امرأة لزمتها العدة من طلاق أو خلع بثلاث حيض، فإن تعذر الاعتداد بالحيض كانت العدة بالأشهر، وهي ثلاثة شهور. يقول الجناوني في هذا الصدد: «وإذا طلق الرجل امرأته تطليقة غير بائنة، فحاضت حيضة أو حيضتين إن كانت ممن تحيض، أو شهراً أو شهرين إن كانت ممن لا تحيض، ثم مات عنها زوجها قبل انقضاء عدتها، فلتنتقل إلى عدة المتوفى عنها زوجها، ولا تبني على ما مضى من العدة الأولى، وتستأنف عدة المتوفى عنها زوجها من يوم مات عنها زوجها ....
- وإذا طلق الرجل امرأته ثلاثاً أو تطليقة بائنة، ثم مات عنها في عدتها، فليس عليها الانتقال من عدة المطلقة إلى عدة المتوفى عنها زوجها ... وأما الطفلة إذا طلقت ثمّ بلغت في عدتها، فلتعتد ثلاثة قروء ولا تبني على ما مضى من عدتها، ولتستأنف من يوم بلوغها ثلاثة قروء، وكذلك البالغة إذا كانت ممن تحيض، ثم طلقت ثمّ أيست من الحيض في عدتها، فلتعتد ثلاثة أشهر من يوم إياسها، ولا تبني على ما مضى من العدة الأولى قبل أيامها إذا حاضت قبل الإياس حيضة أو حيضتين ... » (1).
ـ في حكم التصرف في مال الوقف:
أ - حكم التصرف في مال الوقف بالإبدال
يرى أهل العلم أنه إذا كان مال موقوف يخرج من غلته صرف معين، مثل: عشر محمديات (2) من فضة تصرف في مصالح الوقف، كإصلاح شيء من الديار، أو الأنهار أو الآبار أو المسجد، ثم عدم ذلك الصرف أو تلك العملة، فالحكم فيه
(1) الجناوني: كتاب النكاح،
ص 314.
(2) عملة نقدية من الفضة كانت متداولة قديماً في سلطنة عُمان واختفت في عصر النهضة ولم يبق لها أثر حالياً إلا في المتاحف. (2/596)
صفحة 1112
الفصل الثالث: القاعدة الكلية الكبرى الثالثة
597
الأصل.
أنه يصار إلى البدل بأن يعطى بصرفها إن علم أو بقيمتها من نوع الصرف المتعامل به؛ لئلا تتلف الحقوق، وهذا ما رجحه المحقق سعيد بن خلفان الخليلي، وكثيراً ما يحدث ذلك في بعض الوصايا القديمة، فيحدد الموصي عملة معينة ويتقادم عليها الزمن فتتغير العملة، كما حدث لأصحاب الكهف، فهنا يلزم على من يتولى تنفيذ الوصية، أو وكيل الوقف أن يبحث عن تلك العملة إن وجدت، ـ وهذا هو، فإن عدمت ينتقل إلى البدل وهو قيمتها بالصرف الحاضر. وقد عُرضت هذه المسألة على الشيخ سعيد الخليلي في سؤال، وفضلنا أن ننقله مع جوابه حفاظاً على مضمون النص، وزيادة في البيان فيقول: «ما يقول شيخنا فيمن اشترى مالا (1) ووجد في ذلك المال مؤبداً (2) يخرج من عشر محمديات فضة لإصلاح شيء من الديار، أو الأنهار أو الآبار أو ما أشبه من أفعال البر، فمضى على ذلك خلفٌ بعد سلف، ثم عدم ذلك الصرف، وتعامل أهل تلك الأرض بصرف غيره نحاساً وعددًا من ذلك الصرف النحاس، يسمى بالاسم المتقدم، أيلزمه أن يحضر المحمدية المقدم ذكرها إذا لم توجد إلا في أطراف الأرض، والخروج لإتيانها أم لا عليه ذلك؟ وتلزمه قيمة محمدية الفضة على أشهر وزنها، وقيمة الفضة ذلك العصر؟ أم يكتفي بإخراج التسمية ولو نقصت عن ثمن الفضة؟ (3).
ذلك
غلته
فأجاب الخليلي عن ذلك، وصرح برأيه مع الإشارة إلى الرأي المخالف فقال: «والذي عندي أن عليه أن يخرجها محمديات فضة ما وجدت في التوقيف، كما حددها الموقف للمال، وليس له أن يخرج بدلها محمديات نحاساً بحسب التسمية، لأن النحاس غير الفضة فإن عدمت محمديات الفضة فلم توجد أصلاً جاز أن يكون القول في ذلك قول الغرم من المال، وعليه أن يحتاط لنفسه.
(1) المال يقصد به في اصطلاح أهل عُمان المال الأخضر، وهي الحقول والمزارع. (2) يقصد به ـ والله أعلم - الوقف أو الحبوس كما يعبر عنه أهل المغرب.
(3) الخليلي سعيد: المرجع السابق، 8/ 8. (2/597)
صفحة 1113
598
القواعد الفقهية عند الإباضية
- ويجوز القول ببطلان الوقف على رأي آخر إن عدمت عدماً لا يرجى وجودها.
-
- ويجوز الوقوف عن القطع بحكمها؛ لأن كل مشكوك موقوف». ويجوز القول بثبوت الوقف على حاله، ولكن لا يحكم فيه بشيء معين لإشكاله، حتى يأت زمان توجد فيه محمديات الفضة أو يرث الأرض، وارثها، ولو قيل فيه بأن تعطى بوزن المحمديات من أوسط الفضة في الحكم أو أعلاها في الاحتياط، إلا أن أن فضة
يصح
المحمديات أفضل مما يحكم أو أدنى، فيرد إلى ما صح من صفتها، لم أبعده كل البعد عن الصواب؛ لئلا تتلف الأوقاف والحقوق مع وجود العلم بكونها من جنس معين؛ لأنها من الفضة وهي موجود ومعلومة الوزن. وفي الأثر أن محمدية الفضة مثقال واللارية مثقال وربع فليحفظ، لكن لو وجدت محمدية من الفضة واحدة فيجوز أن يعطي بصرفها إن علم وإلا بقيمتها في ذلك الزمان من نوع الصرف المتعامل به، وإنما يتأكد اللبس وتتعارض الآراء إذا انقرضت أصلاً ... ).
الرأي المختار:
ولعل ما رجحه الخليلي هو الأقرب للصواب، والمعمول به حاليا حتى لا تتعطل مصالح الناس وتضيع الحقوق ما دام قد تعذر إيجاد عين تلك العملة، وهذا ما حدث في بعض البلدان كالجزائر مثلاً: حيث كان في الفترة الاستعمارية يتعاملون بالفرنك الفرنسي، ومنهم من ترك وصايا محددة بتلك العملة، وبعد الاستقلال أصبحت الجزائر تتعامل بالدينار الجزائري، ومع مرور الأيام اندثرت العملة الفرنسية من الأسواق فوجب
(1) الخليلي سعيد: تمهيد قواعد الإيمان، 8/ 8 - 9. (2/598)
صفحة 1114
الفصل الثالث: القاعدة الكلية الكبرى الثالثة
599
حينئذ البحث عنها في خارج الجزائر أو تقدير قيمتها بالصرف المحلي، حفاظاً على الحقوق، وتيسيراً على الناس في معاملاتهم لأن من مقاصد
الشرعة العامة حفظ المال.
ب ـ في صرف الوقف في غير موضعه:
ذهب أهل العلم إلى أن من أوصى بغلة أو محصول أرض زراعية وقفًا، لتعليم القرآن بمكان معلوم، فسطا عليه جبار واستولى على ذلك المكان المخصص للتعليم، فحكموا أنه يحوّل التعليم عن موضعه إلى موضع آخر
لتعذر ذلك، عملاً بالقاعدة المقررة: إذا تعذر الأصل يصار إلى البدل». وقد ورد ذكر هذه المسألة في سؤال طرح على المحقق سعيد الخليلي مفاده: «وما تقول في مال أرض زراعية مُوصَى بغلته لمن يعلم القرآن العظيم بمكان معلوم، وتغلب على ذلك المكان متغلب واتخذه حصناً ومنعه، كجامع نزوى)، أيجوز لمن في يده المال أن يترك أحداً يعلّم في غير ذلك المكان في القرية التي فيها الموضع أم يجعله في المدرسة الكبيرة التي بالمحلة؛ إذ هو مال لا يكفل ليتحجر به معلم؟ أم لا يسع هذا لعدم الجواز والمال تجمعت من غلته داره؟ كيف يصنع بها إذ غلة المال قليلة والآن حاقل (2) منها بقدر ثلاثين قرشاً؟ صف لي كيف أصنع ولك الجزاء
من الله؟ (3).
أجاب الخليلي: أنه إذا منع الموضع فيجوز تحويله عنه إلى موضع غيره،
ولا يعطل الوقف» (4).
(1) مدينة عُمانية تقع جنوب العاصمة مسقط تبعد عنها بحوالي (2) حاقل: لفظة عامية أو مصطلح عُماني متداول ومعناه باق أو بقي.
1 كلم.
(3) الخليلي: المرجع نفسه، 49/ 8.
(4) الخليلي: المرجع نفسه. (2/599)
صفحة 1115
600
القواعد الفقهية عند الإباضية
الرأي المختار:
ولعل ما ذهب إليه الخليلي هو الرأي الأعدل والأقرب للصواب؛ لأن المقصد من وقف تلك الغلة أن ينتفع بها من يتعلم القرآن ويُعلمه، فلا يجوز تجميدها أو تضييعها بسبب عدم توفر المكان المخصص للتعليم حسب نظر الواقف، «فإذا تعذر الأصل يصار إلى البدل»، و «العبرة في العقود بمقاصدها
ومعانيها لا بألفاظها ومبانيها ما دام لا يلحق بذلك أي ضرر.
ج - في صيانة مال الوقف: يقول أهل العلم: إن الأصل في تصريح سواقي الأفلاج وصيانتها بالمواد اللازمة تكون من أوقاف الفلج)، فإذا لم يكن للفلج أوقاف وخيف تلف الأموال إن لم يُصرّج الفلج، فإنه يحكم بتصريجه على أربابه، أي المالكين له،
أو المنتفعين منه (2).
(1) مصطلح عُماني يطلق على السواقي العامة التي يبنيها أهل البلد لسقي مزروعاتهم وتنبع من الأرض أو من الجبال، ويوجد مثلها في جنوب الجزائر بمنطقة أدرار وتميمون وهي نظام
وضعه الأولون للري مفيد جداً.
(2) الخليلي سعيد: المرجع نفسه، 163/ 8. (2/600)
صفحة 1116
المطلب السابع
قاعدة: «الميسور لا يسقط بالمعسور»
أولاً: أهمية القاعدة:
هذه القاعدة من قواعد الفقه الإسلامي، ذات أهمية معتبرة، تمسك بها جماهير الفقهاء وتداولوها بينهم، بل أشار إليها بعضهم بأنها من الأصول الشائعة التي لا تكاد تنسى ما أقيمت أصول الشريعة).
وتعتبر قيداً للقاعدة الكلية «المشقة تجلب التيسير ومتفرعة عنها، ووجه ذلك: «أن قاعدة الميسور لا يسقط بالمعسور يتمثل فيها جانب التيسير والتسهيل والتخفيف عن العباد، فيما كلفوا به من الطاعات؛ ذلك أن الإسلام راعى ما يعرض للإنسان من ظروف وملابسات تجعل قيامه بالتكاليف الشرعية مع يسرها وسهولتها شاقاً وصعباً عليه كالمرض والعجز ونحوه؛ فشرع من ذلك ما هو في حدود الطاقة البشرية، وتحاشى كل ما يكون فوق الطاقة أو يثقل الكاهل، فإذا تعذر على المكلف القيام ببعض الواجب وأمكن القيام بالبعض الآخر وجب عليه القيام بالممكن وسقط عنه ما تعذر أو عجز عنه. وإذا كانت قاعدة: «الضرورة تقدر بقدرها قيداً يعمل بها في نطاق المنهيات فإن قاعدة: «الميسور لا يسقط بالمعسور» يعمل بها في نطاق المأمورات حتى إن ابن القيم جمع بينهما في قاعدة واحدة وهي: لا واجب مع عجز ولا حرام مع ضرورة)، فأوامر الشريعة كلها معلقة بقدرة العبد واستطاعته، فإذا لم يقدر على واجب من الواجبات بالكلية سقط عنه، وجوبه، وإذا قدر على بعضه - وذلك البعض عبادة - وجب ما يقدر عليه منه، وسقط عنه ما يعجز عنه» (3).
(1) الجويني إمام الحرمين: الغياثي، ص 469.
(2) ابن القيم: إعلام الموقعين، 22/ 2.
(3) السعدي بهجة قلوب الأبرار، ص 210 - 211. (2/601)
صفحة 1117
602
القواعد الفقهية عند الإباضية
وقد نبه ابن تيمية إلى أهمية هذه القاعدة فقال: «فإن أصول الشريعة تفرق في جميع مواردها بين القادر والعاجز، والمفرط والمعتدي، ومن ليس بمفرط ولا متعد، والتفريق بينهما أصل عظيم معتمد، وهو الوسط الذي عليه أمة الوسط، وبه يظهر العدل بين القولين المتباينين).
كما أشار ابن القيم إلى أهميتها وجعلها قاعدة للعبادات فقال: «إن ما أوجبه الله تعالى ورسوله أو جعله شرطاً للعبادة، أو ركناً فيها، أو وقف صحتها عليه، فهو مقدر بحال القدرة؛ إلا أنها الحال التي يؤمر فيها العبد، أما في حال العجز فغير مقدور ولا مأمور؛ فلا تتوقف صحة العبادة عليه» (2).
وقد اعتمد الإباضية كغيرهم من العلماء قديماً وحديثاً على هذه القاعدة وعبروا عنها بتعبيرات متعددة وصيغ متقاربة، وتجسدت في فروعهم الفقهية، ومن ذلك ما ذكره ابن بركة البهلوي أن مَن أُمر بفعل شيئين فعجز عن فعل أحدهما لم يسقط عنه فعل ما قدر عليه» (3).
وأشار إليها السالمي في «المعارج» بقوله: (وإذا سقط بعض الواجبات لعذر لا يجوز ترك الواجب الآخر الذي لم يعذر في تركه» (4). وعبر عنها أيضاً في العقد الثمين بعبارة موجزة ومشهورة: «ما لا يدرك كله لا يترك
کله» (ه).
أما القطب أطفيش فقد ذكرها في معرض حديثه عن سقوط الاستئذان دون السلام في بعض الأحيان، فقال: ولا يسقط فرض بسقوط الآخر»).
(1) ابن تيمية مجموع فتاوي، 312/ 21 - 313.
(2) ابن قيم الجوزية: تهذيب السنن 47/ 1 - 48. - نفسه بدائع الفوائد، 34/ 2 - 36.
(3) ابن بركة: الجامع، 347/ 1.
(4) السالمي: معارج الآمال، 154/ 6.
(5) السالمي: العقد الثمين، 216/ 4.
(6) أطفيش: شرح النيل، 389/ 5. (2/602)
صفحة 1118
الفصل الثالث: القاعدة الكلية الكبرى الثالثة
603
كما ورد ذكرها في كثير من المصادر غير الإباضية، منها ما جاء في قواعد الأحكام للعز بن عبد السلام أن من كلف شيء من الطاعات فقدر على بعضه وعجز عن بعضه، فإنه يأتي بما قدر عليه ويسقط عنه ما عجز عنه، ونص عليها في موضع آخر بصيغة مركزة محكمة فقال: «لا يسقط الميسور بالمعسور»). و قريب من هذا المعنى عبّر عنها القرافي في فروعه بقوله: «إن المتعذر يسقط اعتباره والممكن يستصحب في التكاليف» (2).
ولسنا في مقام حصر المصادر التي ذكرت هذه القاعدة، فلا يخلو مصدر من مصادر القواعد الفقهية من ذكرها تصريحاً أو تلميحاً، تأكيداً على أهمية هذه القاعدة ومكانتها في الفقه الإسلامي
ثانياً: مدلول القاعدة:
(3)
الميسور من اليسر وضد العسر، ويسر الأمر ويسر أي سهل، ويسر الأمر
فهو ميسور، واليسر والميسور، السهل.
المعسور من العسر ضد اليسر: الضيق والشدة).
وسقط الشيء يسقط سقوطاً إذا وقع، وقول الفقهاء «وسقط الفرض» أي
سقط طلبه والأمر به (5).
(1) العز بن عبد السلام قواعد الأحكام في مصالح الأنام، 6/ 2 - 19.
(2) القرافي: الفروق، 198/ 3.
:
(3) ابن رجب الحنبلي: القواعد قاعدة رقم 8، ص 109 - 110. - وينظر الجويني: الغياثي، ص 469. ـ ابن السبكي تاج الدين الأشباه والنظائر، 1/ 155. ـ السيوطي، الأشباه والنظائر: 217. - الندوي: القواعد الفقهية، ص 320 - 321. - الشعراني: الميزان الكبرى، مطبعة
ص
مصطفى البابي الحلبي، مصر، 210/ 1. - البورنو الوجيز، ص. 296. وغيرها. (4) الفيروزآبادي الشيرازي: بصائر ذوي التمييز في لطائف الكتاب العزيز، طبع المكتبة العلمية،
وتوزيع دار البار، لبنان. مادة يسر وعسر.
(5) ابن فارس: معجم مقاييس اللغة، 86/ 3. (2/603)
صفحة 1119
604
القواعد الفقهية عند الإباضية
والمعنى الإجمالي للقاعدة:
أن المأمور إذا لم يتيسر فعله على الوجه الأكمل الذي أمر به الشرع لعدم القدرة عليه، وإنما يمكن فعل بعضه، فيجب فعل هذا البعض المقدور عليه، ولا يترك هذا بترك الكل الذي يشق فعله (1). فالشارع الحكيم لو كلفنا بأمر تيسر لنا فعل بعضه وتعسر علينا البعض الآخر، فلا يسقط الذي تيسر بما شق أو عسر، بل نأتي بالميسور ثم يسقط المعسور، وعليه فكل أمر يستطيع المكلف فعله وهو يسير عليه لا يسقط بما يشق عليه فعله أو عسره (2). ذكر بعض الفقهاء (3) أربع حالات للمكلف بالنسبة للقدرة والعجز في الشيء المأمور به والآلات المأمور بمباشرتها من البدن وهي: الأولى قدرته بهما فحكمة الإتيان بهما كالصحيح القادر على استخدام الماء. الثانية: عجزه عنهما: فحكمه عدم وجوب الإتيان بهما، كالمريض العادم للماء. الثالثة: قدرته ببدنه وعجزه عن المأمور به كالصحيح العادم للماء فحكمه الانتقال إلى البدل إن كان له بدل يقدر عليه كالتيمم، فإن لم يكن له بدل سقط عنه، كالعريان العاجز عن ستر عورته في الصلاة، فإنه يصلي حسب الإمكان ولا يعيد. الرابعة عجزه ببدنه وقدرته على المأمور به أو بدله، ولها صور: الصورة الأولى: المعضوب (4) الذي لا يستمسك على الراحلة، وله مال يقدر أن يحج عنه، فالصحيح يجب عليه الحج بماله، لقدرته على المأمور به إن عجز عن مباشرته هو بنفسه ونظيره القادر على الجهاد بماله العاجز ببدنه، يجب عليه الجهاد بماله في أصح قولي العلماء.
(1) ابن القيم الجوزية: بدائع الفوائد، 29/ 4.
(2) البورنو: الوجيز، ص 396. - عزام عبد العزيز: قواعد الفقه الإسلامي، ص 477. (3) ابن قيم الجوزية بدائع الفوائد، ط 2، مطابع الفجالة الجديدة، مصر، 1392 هـ، 304/ 4. (4) المعضوب الضعيف؛ تقول منه عضبته؛ قال الأزهري والمعضوب في كلام العرب: المخبول الزمن الذي لا حراك به؛ يقال عضبته الزمانة تعضبه عضباً: إذا أقعدته عن الحركة وأزمنته. وقال
أبو الهيثم العضب الشلل والعرج والخبل. ابن منظور: لسان العرب مادة عضب، 802/ 2. (2/604)
صفحة 1120
الفصل الثالث: القاعدة الكلية الكبرى الثالثة
الصورة الثانية: الشيخ الكبير العاجز عن الصوم، القادر على الإطعام، فهذا يجب عليه إطعام كل يوم مسكيناً في أصح الأقوال.
والصورة الثالثة: المريض العاجز عن استعمال الماء فحكمه حكم العادم، وينتقل إلى البدل كالشيخ العاجز عن الصيام.
وخلاصة القول:
إن الشارع الحكيم يفرق بين العجز والاستطاعة، وبين العجز ببعض البدن والعجز عن بعض الواجب فليس ذلك سواء، بل متى عجز ببعض البدن لم يسقط عنه حكم البعض الآخر، وعلى هذا إذا كان بعض بدنه جريحاً وبعضه صحيحاً، غسل الصحيح وتيمم للجريح على المذهب الصحيح، ونظيره إذا ذهب بعض أعضاء وضوئه وجب عليه غسل الباقي؛ وذلك لأن «الميسور لا يسقط بالمعسور» ونظير ذلك كله جميع الأمثلة والشواهد التي تفرعت عن هذه القاعدة والتي ستأتي قريباً ـ إن شاء الله ـ.
أما إذا عجز عن بعض الواجب فضابطه أنه إذا كان جزء هذا الواجب عبادة لزمه الإتيان به؛ أي يجب فعله عند تعذر فعل الجميع بغير خلاف، بناء على أن «الميسور لا يسقط بالمعسور» كمن قدر على بعض مناسك الحج وعجز عن بعضها لزمه فعل ما قدر عليه، ويستناب فيما عجز عنه.
وأما إذا لم يكن جزوه عبادة مشروعة فلا يلزمه الإتيان به، ويكون القاعدة. مستثنى من وهكذا ففى كل ما سبق إشارة جلية إلى أنه يشترط القدرة في جميع ما أوجبه الله تعالى على عباده، فمن لم يقدر على شيء فلا يكلفه الله بما عجز عنه، والشواهد على ذلك أكثر من أن نحصرها (1).
(1) السدلان صالح القواعد الفقه الكبرى، ص 318 - 319. (2/605)
صفحة 1121
القواعد الفقهية عند الإباضية
ثالثاً: تأصيل القاعدة
استدل الإباضية لهذه القاعدة من الكتاب والسنة نذكر منها:
أ ـ من القرآن الكريم.
1 - قوله تعالى: {لَا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} (البقرة: 286). -
ففي هذه الآية الكريمة نص الله تعالى على أنه لا يكلف العباد إلا بما في وسعهم، وفي مقتضى إدراكهم ما كان منهما من أعمال القلوب أو الجوارح وبهذا انكشفت الكربة عن المسلمين، فلا يجوز تكليف إلا بما يطاق من
الأحكام).
2 - قوله: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} (التغابن: 16).
ملے
وقوله تعالى: لِيُنفِقُ ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَتِهِ وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ, فَلْيُنفِقُ مِمَّا وَاللهُ اللهُ لَا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلَّا آتَنَهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرِ يُسْرا
(الطلاق: 7).
ب - من
السنة:
1 - ما رواه أبو هريرة عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «ما نهيتكم عنه فاجتنبوه، وما أمرتكم به فافعلوا منه ما استطعتم، فإنما أهلك الذين من
قبلكم كثرة مسائلهم واختلافهم على أنبيائهم» (2)
وفي رواية عنه أنه قال: «إذا نهيتكم عن شيء فانتهوا، وإذا أمرتكم
بشيء فأتوا فأتوا منه ما استطعتم.
(1) القرطبي: أحكام القرآن، 429/ 3.
(2) متفق عليه، رواه البخاري، كتاب الاعتصام بالكتاب والسُّنَّة، باب الاقتداء بسنة الرسول، رقم 6858، ومسلم، كتاب الحج، باب فرض الحج مرة واحدة في العمر، رقم 1337، عن
أبي هريرة. صحيح مسلم، 1830/ 4. (3) تقدم تخريجه. (2/606)
صفحة 1122
الفصل الثالث: القاعدة الكلية الكبرى الثالثة
607
وجه الاستلال بالحديث
قال السالمي: «هذا الحديث مؤكد لما فهمناه من معنى الآية الآتية؛ لأن قوله صلى الله عليه وسلم: «فأتوا منه ما استطعتم يدل على أنه يجب على المكلف أن يأتي من المأمورات ما استطاع، فإذا لم يقدر على شيء منها سقط عنه ذلك الذي لم يستطع فعله، وبقي الذي يستطيعه على حال اللزوم، فلا وجه لإسقاطه والعدول عنه إلى غيره).
وذهب جمهور الفقهاء إلى أن هذه القاعدة مستنبطة من الشطر الثاني من الحديث السابق، وقد صرح بذلك الإمام تاج الدين بن السبكي، في «أشباهه» وقال: «وهي من أشهر القواعد المستنبطة من قوله صلى الله عليه وسلم: «إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم)، وفيها دليل على أنه إذا تيسر البعض وتعسر البعض وجب الإتيان بالميسور؛ لأنه لا يسقط بالمعسور».
)
وقال ابن حجر الهيثمي في شرح الحديث المذكور: «وهذا من قواعد الإسلام المهمة مما أوتيه لله من جوامع الكلم؛ لأنه يدخل مالا يحصى من الأحكام، وبه وبالآية الموافقة له يخص عموم قوله تعالى: {وَمَا انَنكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَنكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا} (الحشر: 7)، فإذا عجز عن ركن أو شرط كنحو وضوء الصلاة، أو قدر على غسل أو مسح بعض بعض الأعضاء، أو التيمم، أو على ستر بعض العورة، أو على بعض الفطرة، لا عن الرقبة في الكفارة؛ لأن لها بدلاً أو بعض الفاتحة أو إزالة بعض المنكر، أتى بالممكن وصحت عبادته مع وجوب القضاء تارة، وعدمه تارة أخرى ... » (4).
(1) السالمي: معارج الآمال، 75/ 3 - 76.
(2) تقدم تخريجه.
(3) ابن السبكي تاج الدين الأشباه والنظائر، طبع دار الكتب العلمية، لبنان، 155/ 1.
(4) ابن حجر الهيثمي: فتح المبين شرح الأربعين للنووي، ص 132. (2/607)
صفحة 1123
608
القواعد الفقهية عند الإباضية
2 - ومن شواهد القاعدة وتطبيقاتها ما رواه البخاري عن عمران بن حصين له قال: كانت بي بواسير فسألت النبي صلى الله عليه وسلم عن الصلاة فقال: انه
صل
قائماً، فإن لم تستطع فقاعداً، فإن لم تستطع فعلى جنب)). فإنه يستفاد من الحديث: «أن الميسور لا يسقط بالمعسور» لأن وجوب التكليف منوط بوجود العقل؛ فحيث كان حاضراً لا يسقط التكليف عن المكلف، كما لا يسقط الركوع والسجود بالعجز عن القيام، وقد وضح من الترتيب المذكور أنه إذا عجز عن الأعلى وأتى بالأدنى كان آتياً ما استطاع من الصلاة (2). - والحديث الوارد في النهي عن المنكر أيضاً يحتمل هذا المعنى، فقد روى مسلم في صحيحه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من رأى منكم منكراً فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان (3).
ولما كانت الاستطاعة بالقلب وهي النفرة عن المنكر، والتنكر له بإظهار الأمارات الدالة على ذلك، كمقاطعة الشارب في مقدور كل شخص، فإنها لم تسقط عنهم في حال من الأحوال). 4 - ما رواه الحاكم عن عطاء بن أبي رباح، أنه يخبر أن رجلاً أصابه جرح على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم أصابه احتلام،
سمع عبد الله بن عباس له،
(1) رواه أبو داود، كتاب الطهارة، باب المجروح يتيمم، رقم 336، عن جابر، والحاكم في المستدرك، كتاب الطهارة رقم 585، عن ابن عباس وقال: حديث صحيح. ووافقه الذهبي.
ينظر: صحيح البخاري شرح فتح الباري لابن حجر العسقلاني، 587/ 2.
(2) ابن حجر: فتح الباري بشرح صحيح البخاري، ترقيم فؤاد عبد الباقي، 587/ 2. (3) أخرجه مسلم، كتاب الإيمان، باب بيان كون النهي عن المنكر من الإيمان، حديث: 95، صحيح مسلم، 69/ 1. وأخرجه ابن ماجه في السنن، كتاب الفتن، باب الأمر بالمعروف
والنهي عن المنكر، حديث: 4011 عن أبي سعيد الخدري.
(4) الندوي علي أحمد: القواعد الفقهية، ص 322. (2/608)
صفحة 1124
الفصل الثالث: القاعدة الكلية الكبرى الثالثة
فاغتسل فمات فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: «قتلوه قتلهم الله ألم يكن شفاء العي السؤال». فبلغنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن ذلك فقال: «لو غسل جسده، وترك رأسه حيث أصابه الجرح)). وفي رواية للطبراني عن ابن عباس له، أن رجلاً أصابه جدري فأجنب فغسل فكز فمات، فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «قتلوه قتلهم الله ألم يكن شفاء العيّ السؤال، ألا يمموه!» (2).
وهكذا يتبين من مجموع النصوص المتقدمة أنها كلها اتفقت على اشتراط الشارع الحكيم القدرة في جميع ما أوجبه على العباد، فمن لم يقدر على شيء من التكاليف الشرعية فلا يكلفه الله بما عجز عنه.
رابعاً: فروع القاعدة
أ ـ في باب الطهارات:
1 - في حكم طهارة العضو المصاب
إذا أصيب المكلف في أحد أعضاء الوضوء وكان محدثاً، فكيف يتطهر؟ هل يغتسل ثم يمسح على الجبيرة؟ أم يغتسل ويتيمم له؟ أم يكتفي بالغسل أم العكس؟
(1) رواه الحاكم في المستدرك، كتاب الطهارة رقم 585، عن ابن عباس وقال: حديث صحيح. ووافقه الذهبي والألباني. ورواه أبو داود، كتاب الطهارة، باب المجروح يتيمم، رقم 336، عن جابر، وضعفه الألباني. ورواه الدارقطني في سننه، كتاب الطهارة، باب جواز التيمم لصاحب الجراح مع استعمال الماء وتعصيب الجرح، حديث: 633. وزاد فيه لفظ «إنما كان يكفيه أن يتيمم ويعصر أو يعصب على جرحه ثم يمسح عليه ويغسل سائر جسده». (2) أخرجه الطبراني في المعجم الكبير، ـ من اسمه عبد الله وما أسند عبد الله عطاء حديث: 11268. وأخرجه عبد الرزاق الصنعاني في المصنف ـ باب إذا لم يجد الماء حديث: 841 عن زيد بن أنيس بلفظ «لو تيمم بالصعيد».
بن عباس ا (2/609)
صفحة 1125
610
القواعد الفقهية عند الإباضية
اختلف العلماء في هذه المسألة إلى أربعة أقوال، نقلها الشماخي في الإيضاح»، وأشار إلى محل الخلاف فقال: «واختلفوا في العضو العليل ما الواجب عليه فيه؟
فبعضهم يرون عليه المسح بالماء لما روي عن جابر بن زيد قال: بلغني عن علي بن أبي طالب أنه انكسر إحدى زنديه فسأل النبي علي أنه يمسح على الجبائر فقال: نعم).
وعن جابر بن زيد فيمن به جبائر على كسر أنه يمسح فوق الجبائر، وقيل: إلا أن يضرّ بها فلا يفعل (2).
وقيل: إن اجترح رأس رجل وطلاه دواء، ثم أراد الوضوء وقد تغطى الشعر
بالدواء فلم يستطع أن ينزعه، فجائز أن يمسح عليه.
قال أبو مالك (3): إلا أن يكون رأسه مغطى كله فيمسحه ويتيمم، ولكن ابن بركة عارضه ورفض الجمع بين المسح والتيمم لعضو واحد، وعلل ذلك بأن العضو قد وجب عليه فرض واحد، إما المسح أو التيمم، ولا يمكن تكليفه بطهارتين، ومن قال بذلك فقد غلط، ولعله قصد به الاحتياط، وفي هذا المعنى يقول: عندي أن الأمر بالتيمم مع المسح غير لازم، وإنما هو احتياط؛ لأن الله تعالى لم يوجب التيمم إلا عند عدم الماء، ولما كان هذا واجداً الماء لم يلزم فرض التيمم، وإن أوجب أحد من أصحابنا التيمم لأجل الجارحة الممتنعة من مس الماء؛ لأجل العلة التي بها، فهو عندي غلط فيما ذهب إليه، وذلك أن الله تعالى إما أن يكون أوجب عليه إجراء الماء عليها،
(1) رواه ابن ماجه، كتاب الطهارة، باب المسح على الجبائر، رقم 657، والبيهقي في الكبرى، كتاب الطهارة، باب المسح على العصائب والجبائر، رقم 1020، عن علي، قال ابن حجر: «قال النووي اتفق الحفاظ على ضعف حديث علي في هذا». تلخيص الحبير، 147/ 1.
(2) الكندي: المصنف، 4/ 228. - الشقصي: منهج الطالبين، 436/ 3.
(3) هو غسان الصلاني شيخ ابن بركة البهلوي، تقدمت ترجمته. (2/610)
صفحة 1126
الفصل الثالث: القاعدة الكلية الكبرى الثالثة
611
وهي على تلك الحال فلا يجزئه غيره، أو عذره من ذلك ونهاه أن يؤلمها ويؤلم نفسه بالماء، فالتيمم لا يلزمه إلا بدليل، وأيضاً فإنهم أجمعوا أن لا خلاف بينهم في أن الجارحة المعدومة لا يلزم صاحبها التيمم مع وجود الماء، وإنما يلزمه التطهر لباقي الأعضاء» (1).
وقال بعضهم: يغسل ويتيمم؛ لأن كل عضو عندهم قد انفرد بفرضه. وقال آخرون: يغسل، وليس عليه في التيمم شيء، وهؤلاء أنزلوه بمنزلة المقطوع؛ لأنه لم يخاطب بالفرض لوجود العلة فيه، لقوله عل: فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} (التغابن: (16)، ولقوله صلى الله عليه وسلم: «إذا أمرتكم بشيء
فأتوا منه ما استطعتم) والأمر بما لا يستطاع محال.
وقال آخرون: يتيمم وليس عليه في الوضوء شيء؛ لأن الوضوء عندهم فريضة واحدة والله تعالى لا يتعبدنا إلا بإحدى الطهارتين
(3)
بالماء أو التيمم).
وزاد أحمد الكندي توضيحاً لهذه المسألة، فحزر محل النزاع، ورجح أحد الأقوال وقال: «ومن كان في جارحة من حدود الوضوء جرح أو كسر عليه جبائر، وخاف إن مسه الماء أن يزداد فليس عليه أن يمسه الماء، ويوضئ بقية الجارحة يجري الماء حوله، وإن استفرغ تلك الجارحة كلها، توضأ لبقية جوارح الوضوء، وتيمم أيضاً ... ».
وقول: لا فرق بين استفراغ الجارحة أو بقاء شيء منها، والنظر يوجب التسوية بينهما؛ لأن العذر بالبعض كالعذر بالكل، بل العذر بالكل أولى؛ لأنه مأمور بطهارة الأعضاء، ومنهي عن تطهيرها عند الخوف على نفسه من تطهيرها أو تطهير شيء منها، لقوله وجَل: {وَلَا نَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ} (النساء: 29)،
(1) الكندي: المصدر نفسه. - الشقصي: المصدر نفسه.
(2) سبق تخريجه
(3) الشماخي: الإيضاح، 272/ 1 - 274. (2/611)
صفحة 1127
612
القواعد الفقهية عند الإباضية
كأنه قال لهم تطهروا إذا كنتم على ذلك، قادرين فما عجزتم عن تطهيره كان بمنزلة ما عدم منه، ولو لم يؤمر بتطهيره، والدليل على ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا نهيتكم عن شيء فانتهوا وإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم» (1) (2).
الرأي المختار: ولعل ما ذهب إليه الكندي ورجحه هو ما نميل إليه ونعتمده؛ لأن العضو المقدور على غسله هو الميسور، وما يعجز عنه هو المعسور، و «الميسور لا يسقط بالمعسور». وكذلك من أصابته جنابة وكان في جسده جرح أو قرح لا يقدر على غسله، فحكم طهارته على الاختلاف المتقدم عند العلماء في الوضوء، ولعل ما نقله الشقصي عن العوتبي صاحب الضياء» يؤكد ما أشرنا إليه أن مَن كان
به جرح يضره الماء ووجب عليه الغسل غسل سائر جسده ولا يتيمم؛ عليه غسل المواضع الصحيحة لإمكان غسلها، وقول: يجب عليه التيمم الجارحة التي لا يقدر على غسلها (3).
لأن
لأجل
2 ـ في حكم الطهارة من النجاسات والأحداث بماء غير كاف: اختلف الفقهاء فيمن وجبت عليه الطهارة من الحدث الأصغر أو الأكبر وليس له ماء يكفيه لتطهير كل أعضائه، فمنهم من أوجب عليه غسل بعض الأعضاء بذلك الماء، ومنهم من أسقط عنه الغسل؛ لأنه لا يجزيه وأوجب عليه
التيمم، وتفصيل ذلك كما يلي:
(1) سبق تخريجه.
(2) الكندي أبو بكر أحمد المصدر السابق، 223/ 4.
(3) الشقصي: منهج الطالبين، 348/ 3. (2/612)
صفحة 1128
الفصل الثالث: القاعدة الكلية الكبرى الثالثة
613
أ - الفريق الأول: الجمع بين الطهارتين
يرى أصحاب هذا القول أنه إذا اجتمع على المصلي نجاسة وحدث وليس معه من الماء ما يكفي إلا أحدهما، فإن عليه أن يغسل النجاسة، ويتيمم للوضوء). وكذلك من لزمه فرض الوضوء ولم يجد إلا ما يكفي بعض أعضائه للطهارة، كان عليه أن يتوضأ بما معه من الماء، وهذا ميسور ويتيمم
أعضائه؛ لأنه
معسور.
لما بقي من وكذلك من عجز عن غسل بعض الأعضاء في الجنابة، لزمه الإتيان بما قدر عليه منه، ويتيمم للباقي؛ لأن تخفيف الجنابة مشروع ولو بغسل أعضاء الوضوء، وهو قول جمهور الإباضية والحنابلة وغيرهم"
واستدلوا بأدلة عديدة منها:
1 - أن الفرض في كل عضو دون الآخر، فإذا توضأ بما معه من الماء لبعض أعضائه التي قد انفرد كل عضو منها بالأمر بغسله بقي الأمر بوضوء
باقيه، فإن وجد الماء لبقاء الخطاب في باقيه وإلا تيمم.
كان
2 - وقالوا: إن الله وكل لم ينقلنا إلى التيمم إلا بعد عدم الماء بالكلية، فمتى شيء ء منه وجب استعماله إن كان قادراً عليه، فيتطهر به إلى حيث ما بلغ، فإن لم يكن قادراً على استعماله يتيمم، قال تعالى: {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا} (المائدة: (6)، اسم شائع في كل الجنس يخرج على القليل والكثير ماء نكرة مستغرقة للجنس (3). وقالوا أيضاً لا يمكن قياس غسل بعض الأعضاء والتيمم للباقي بعتق جزء الرقبة في كفارة الظهار والصيام للباقي، فهما يفترقان؛ لأن الرقبة لو
(1) الجيطالي: قواعد الإسلام، 196/ 1. ـ بكوش يحيى: فقه جابر بن زيد، ص 169. (2) الشماخي: الإيضاح، 302/ 1. - السالمي: معارج الآمال، 75/ 3 - 76. ـ ابن رجب: القواعد في الفقه الإسلامي، القاعدة الثامنة ص 12. ـ ابن قدامة المقدسي، المغني، 276/ 1. (3) الشماخي: المصدر نفسه. (2/613)
صفحة 1129
614
القواعد الفقهية عند الإباضية
من
قطع بعضها لم تجزِ عن العتق، ولو قطع بعض أعضاء الوضوء كان الفرض باقياً في الباقي منها (1).
بحث السالمي هذه المسالة في «المعارج» وعرض فيها وجهة نظر الفريقين مع أدلتهما وناقشهما واختار الرأي الأول ورجحه اعتماداً على الدليل والبرهان فقال: إذا كان عند المحدث ماء قليل لغسل ما أمر بغسله أعضاء الوضوء، أو من جسده في الجنابة، ومع ذلك فلا نجاسة في جسده، وجب عليه عندنا أن يستعمل الماء إلى حيث ينتهي ثم يتيمم لما بقي من جوارحه، لقوله تعالى: {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا} (المائدة: (6)، والواجد للماء القليل واجد للماء، فلا يصح له أن يستعمل التيمم من أول مرة بل يجب عليه أن يستعمله حتى إذا فرغ صار غير واجد للماء فيجب
عليه حينئذ التيمم. وأيضاً فقوله صلى الله عليه وسلم: «إذا نهيتكم عن شيء فانتهوا، وإذا أمرتكم بشيء فاتوا منه ما استطعتم (2) مؤكد لما فهمنا من معنى الآية؛ لأن قوله: «فأتوا منه ما استطعتم يدل على أنه يجب على المكلف أن يأتي من المأمورات ما استطاع، فإذا لم يقدر على شيء منها سقط عنه ذلك الذي لم يستطع فعله، وبقي الذي يستطيعه على حال اللزوم؛ فلا وجه لإسقاطه والعدول عنه إلى غيره (3).
ب - الفريق الثاني: وجوب طهارة واحدة (الماء أو التراب): يرى أصحاب هذا القول أن من أراد الوضوء أو الغسل ولم يجد ماء يكفيه سقط عنه فرض الماء ووجب عليه التيمم؛ لأنه من أصحاب الأعذار، فيسقط
(1) ابن بركة: الجامع، 351/ 1.
(2) سبق تخريجه
(3) السالمي: معارج الآمال، 3/ 75 - 76. (2/614)
صفحة 1130
الفصل الثالث: القاعدة الكلية الكبرى الثالثة
615
استعمال الماء؛ لأن عدم بعض المبدل يبيح الانتقال إلى البدل، وهذا قول الحنفية (1) والظاهرية وبعض الإباضية (2).
—
يقول السالمي في هذا الشأن: وذهب بعض مخالفينا منهم أبو حنيفة و داود إلى أن عليه أن يتيمم ولا يستعمل الماء؛ لأن الله جل ذكره لم يتعبد في طهارة واحدة بالماء والتراب. واحتجوا بقول الله تعالى: فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً (المائدة: 6)، إذ المراد بالآية فإن لم تجدوا ماء تتطهرون به، ولا شك أن الماء الموجود لا يكفي للتطهر، فسقط الخطاب بالتطهر لتعذر المتطهر به، ووجب المعيد إلى التيمم؛ لأن الماء المشروط غير موجود. وأيضاً فمن لزمه عتق رقبة في الظهار ولم يجد إلا نصف رقبة سقط عنه العتق ووجب عليه الصوم، فكذلك من لزمه فرض الطهارة ولم يجد إلا مقدار ما يطهر البعض. ووجه القياس أن الصوم في كفارة الظهار خَلَفٌ عن العتق عند فقده، والتراب في الطهارة خَلَفٌ عن الماء عند فقده، فأشبه كل منهما الآخر فصح القياس» (3).
—
ولكن السالمي لم يسلم بهذا الرأي، بل ردّ عليهم بما يقوّض أدلتهم، وتتبعها بما يجعلها لا تقوى أمام أدلة الفريق الأول، وأظهر مدى ضعفها وتعارضها مع قواعد الاستدلال فقال: والجواب عن الاستدلال الأول: أنه الله لم يقل فلم تجدوا ماء يكفيكم للطهر، وإنما قال: {فَلَمْ تَجِدُوا} (المائدة: 6)، فهو عام، لأنه نكرة في سياق النفي، فأي ماء وجد لزم استعماله، والتخصيص محتاج إلى دليل.
(1) الشوكاني: نيل الأوطار، 1/ 284. - بكوش: فقه جابر، ص 170
(2) السالمي: المصدر السابق.
(3) السالمي: المصدر نفسه. (2/615)
صفحة 1131
???
القواعد الفقهية عند الإباضية
والجواب عن القياس المذكور أن الفرض عِتْق رقبة غير متعدد ولا متجزئ، بل نفس العتق فرض واحد، وأما الطهارة فهي متجزئة وفروضها متعددة بتعداد الجوارح المأمور بتطهيرها؛ فغسل الوجه مثلاً فرض على حياله، وكذلك غسل كل واحدة من اليدين ومسح الرأس وغسل الرجلين، فما أمكن فعله من هذه الفروض وجب، ولا يسقط بسقوط فرض آخر؛ فلا تشابه الطهارة والكفارة؛ لأنه لو لم يجد إلا نصف رقبة سقط عنه فرض العتق رأساً، لعدم قدرته على فعله؛ فاتضح الفرق وفسد القياس»).
منشأ الخلاف أشار الشماخي إلى أصل الخلاف في هذه المسألة فقال: «والأصل في هذا اختلافهم فيمن لم يجد الماء إلا قليلاً ولا يكفي لجميع أعضائه. قال بعضهم: يستعمل من الماء ما وجد حيث ما بلغ، وما بقي ليس عليه منه شيء إذا أتى في ذلك على العضوين الوجه واليدين، ذُكر هذا عن أبي عبيدة رحم الله وروي أيضاً عن الإمام جابر بن زيد الله قال في الجنب الذي لم يجد من الماء ما يكفيه للوضوء والاغتسال إلا قدر ما يتوضأ به، قال: يغسل مذاكيره وينزع النجس، ثم يتوضأ ويتيمم للجنابة، ويجزيه الوضوء.
وحكي عن ضمام بن السائب قال: خرجنا حُجَّاجاً ومعنا امرأة حائضة، فطهرت من حيضتها ولم يكن معنا الماء إلا القليل، فأمرناها فاستنقت وتوضأت، وقدمنا إلى أبي الشعثاء بمكة فأعلمناه بالذي أمرنا به المرأة فقال: أصبتم»، أو قال: أحسنتم»، وروي أيضاً عن ابن عباس في الجنب الذي لم يجد من الماء قدر ما يتوضأ، قال: يتوضأ ويتيمم للجنابة» (2).
(1) السالمي: معارج الآمال، 76/ 3 - 77. - ابن بركة الجامع، 350/ 1 - 351. ـ السيوطي: الأشباه والنظائر، ص 218. ـ ابن السبكي: الأشباه والنظائر، 1/ 155 - 158. ـ ابن رجب الحنبلي (ت: 795): القواعد في الفقه الإسلامي، دار الكتب العلمية، بيروت لبنان (دت)، ص 12. (2) الشماخي: الإيضاح، 300/ 1 - 302. (2/616)
صفحة 1132
الفصل الثالث: القاعدة الكلية الكبرى الثالثة
617
وقال آخرون: متى لم يجد من الماء ما يكفيه لوضوئه فليتيمم؛ لأن الله تعالى لم يتعبدنا إلا بإحدى الطهارتين: الطهارة بالماء أو الطهارة بالتراب عند عدم ما يكفيه لوضوئه من الماء، وذلك معنى قوله وجَل: فَلَمْ تَجِدُوا مَا
(المائدة: (6)، عندهم فإن لم تجدوا من الماء ما تتطهرون به فتيمموا). وعقب الشماخي على استدلالهم: «وحمل الآية على ظاهرها عندي أولى» (2)، ولعله بهذا التوجيه يميل إلى الرأي المخالف لجمهور الإباضية، وهو الاكتفاء بطهارة واحدة إما الوضوء أو التيمم، والله أعلم.
الرأي المختار:
مما تقدم يبدو أن ما ذهب إليه ابن بركة وغيره من الإباضية، واختياره السالمي هو الرأي الراجح والأعدل والأقرب للصواب؛ وذلك استناداً إلى الأدلة المتقدمة وعملاً بالقاعدة المشهورة: «الميسور لا يسقط بالمعسور» فينبغي لمن وجد بعض الماء أن يستعمله في طهارته ولو لبعض الأعضاء، فإن بقي له عضو له جمعاً للطهارتين، وحفاظاً على الأصل، وعليه فمن أخذ بهذا القول فقد أعمل القاعدة المسور لا يسقط بالمعسور ومن اختار القول الآخر فقد أخذ بظاهر النص فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً} (المائدة: (6)، وعممه دون التقييد بماء كاف، وكأن من وجد ماءً قليلاً هو في حكم المعدوم؛ لأنه لا يكفي لتطهير جميع أعضائه، فيباح له التيمم، وبذلك يكون هذا الفرع استثناء من القاعدة، والله أعلم.
تيمم
ب - في باب الصلاة:
1 - في حكم الصلاة بالثوب النجس إذا وجبت الصلاة على أحد ولم يجد إلا ثوباً نجساً أو محرماً، هل تسقط
(1) ابن قدامة المقدسي: المغني، 276/ 1.
(2) الشماخي: المصدر نفسه، 302/ 1. (2/617)
صفحة 1133
618
القواعد الفقهية عند الإباضية
عنه حتى يجد الثوب الطاهر أم يصلي به ولا يعيد؟ أم يعيد بعد حصوله عليه ولو بعد خروج وقت الصلاة؟
بحث فقهاء الإباضية هذه المسألة وبيَّنوا حكم كل صورة من تلك الصور مع ضوابطها، ومما جاء في عبارتهم ما ذكره الشماخي في «الإيضاح» أنَّ من لم يجد إلا ثوباً منجوساً فإنه يصلي به ولا يترك الفرض الواجب عليه، لقوله: تعالى: {وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ} (المزمل: (20)، ولا يُسقط هذا الأمر إلا دليل قاطع يجب المصير إليه؛ وذلك لأن الصلاة مأمور بها، والثوب الطاهر مأمور به، وكان عجزه عن أحد الفرضين لا يسقط عنه الفرض الآخر، وكذلك إن لم يجد إلا الحرير أو الحديد أو الرصاص، فإنه يصلي بهؤلاء المعاني على الاضطرار. وقال بعضهم: إن صلى بالثوب المنجوس على الاضطرار أعاد صلاته إذا وجد الثوب الطاهر، وهذا يوجب أن خروج الوقت مع العجز عما لا تتم الصلاة إلا به، مثل: الثوب الطاهر أو الماء أو التراب إذا عدمهما لا يسقط عنه فرض الصلاة، كالناسي والنائم خروج الوقت مع العجز لا يسقط عنهما فرض الصلاة).
ولكن الشماخي عارض هذا الرأي ورجح عدم وجوب إعادة الصلاة بالثوب النجس فقال: «والصحيح عندي أن من صلى بالثوب المنجوس عند عدم الثوب الطاهر، لا تلزمه الإعادة في الوقت ولا بعد الوقت؛ لأن العادم للثوب الطاهر لا يخلو أن يكون مأموراً بالصلاة أو غير مأمور بها؛ فإن كان مأموراً بها صلى في الوقت كما أُمر، فلا إعادة عليه إلا بأمر ثان، وإن كان غير مأمور بها فأحرى أن لا تلزمه الإعادة أيضاً، كما لا تلزم الإعادة للمرأة الحائض بعد خروج الوقت، لأنها غير مأمورة بها في زمان الحيض» (2).
(1) الشماخي: الإيضاح، 42/ 2 - 43.
(2) الشماخي: الإيضاح، ط 5، مكتبة مسقط، سلطنة عُمان 1425 هـ ـ 2004 م، 440/ 1. (2/618)
صفحة 1134
الفصل الثالث: القاعدة الكلية الكبرى الثالثة
619
—
ولعل ما رجحه الشماخي هو ما يتوافق مع القواعد العامة للشريعة من اليسر ورفع الحرج والمشقة، والمحافظة على الصلاة في أوقاتها، والمصلي في هذه الحالة لزمه فرضين فرض الصلاة وفرض الثياب الطاهرة، فأداء الصلاة ميسور عليه، والصلاة بالثوب الطاهر معسور عليه، فسقط المعسور ولزم الميسور، لأن الميسور لا يسقط بالمعسور» ولذلك لا نكلفه بإعادة الصلاة بعد توفر الثوب الطاهر ولو بعد خروج الصلاة؛ لأن في ذلك حرج ومشقة.
ملطخاً
ولكن لا يؤخذ هذا الأمر بإطلاق، فقد يتساهل البعض ولا يتحرى، ولا يلتزم بشروط الصلاة ما دامت تجوز عند الضرورة ولو بدون طهارة للبدن أو لثوب أو المكان فيعتاد ذلك باعتبار أن الدين يسر، وهذا ما نلحظه في بعض المجتمعات وكأنّ الطهارة عندهم ليست من الشروط الأساسية لصحة الصلاة، فيتهاونون فيها، وقد يصلي بعضهم بثوب العمل بالأوساخ والنجاسات قد تغير لونه ولا يتنزه من البول والغائط، والمهم عنده هو المحافظة على الصلاة في وقتها، وهذا أمر لا يستساغ في شرعنا، وقد وضع العلماء شروطاً وضوابط لمن يرخص له بالصلاة بالثوب النجس، فلا يكون إلا في حالة الاضطرار دون حالات الاختيار، ويجب عليه أن يجهز نفسه قبل الصلاة، ولا يكون مضيّعاً أو متهاوناً في هذا الأمر، ويؤكد الشماخي هذه المعاني فيقول: «وإنما يجوز له أن يصلي بهذه الثياب إذا لم يجد ثوباً طاهراً يصلي به، مثل: أن يكون في سفر أو في موضع لا يجد فيه ثوباً طاهراً، هذا كله بشرط أن يكون غير مضيع مثل: أن يخرج من منزله بثوب طاهر ثم ينجس له في موضع لا يقدر فيه على غسله قبل خروج وقت الصلاة، ولا يقدر على ثوب طاهر غيره، أو مريضاً يدخل فراشه وهو طاهر بثوب طاهر، والموضع الذي فيه الفراش طاهر، ثم حدث في فراشه وثيابه ومكانه نجس، وثقل عليه المرض لا يستطيع أن ينتقل عن فراشه أو عن (2/619)
صفحة 1135
620
القواعد الفقهية عند الإباضية
موضعه أو لا يستطيع أن يتحول من ثيابه، فإنه يصلي على هذا الحال
وليس عليه إعادة ... (1)
ويعجبني
كثيراً ما تعارف عليه أهل ميزاب من تخصيص ملابس خاصة
للصلاة، فإذا حضرت نزعوا ملابس العمل ولبسوها، لأنها تليق بمقام الصلاة وجلال الله وعظمته، ولذا فلا غرو إن قلنا بذلك ولو من باب الاحتياط والخروج من الخلاف.
6
ونقل القطب أطفيش عن البعض أنه إذا قدر على التطهر ولم يتطهر أعاد، ومما جاء عنه: (وهذا) أي المذكور من جواز الصلاة بما لا يصلى به ثابت إن لم يضيّع كمسافر خرج بطاهر فنجس حيث لا يغسله قبل خروج الوقت، وعجز عن طاهر بأن لم يكن في رحله ولم يجد من يعطيه إياه، أو مريض نجس ثوبه أو فراشه أو مكانه بعد مرضه وعجز عن تنقل، فلا يعيد الصلاة إن صلى كذلك. وإن سافر بنجس مع وجود طاهر أو قيمته أو دخل المريض فراشه بنجس، أو بطهارة فتنجس وقدر على التطهر ولم يتطهر حتى لا يقدر، أعاد، وقيل: لا يعيد» (2).
في
ويستنتج من عبارة القطب وكأنه يميل إلى الإعادة؛ لأن المتنجس تسبب هذا الأمر، وكان مضيعاً لطهارة ثوبه ويتأكد ذلك بما نقله عن غيره وقيل:
يعيد المسافر والمريض كل صلاة صلاها بثوب نجس ولو بحيث يعذر، وقصر في (الديوان) هذا القول على بعض الصور، ولا يكلف المريض أن ينقله غيره، وقيل يكلف بها إن وسعها ماله، وإن سافر بنجس على أن يجد طاهراً قبل خروج الوقت، أو على أن في رحله طاهر، أو سافر بطاهر في ظنه وخرج خلاف ذلك كله، فمعذور ... » (3)
(1) الشماخي: المصدر السابق، 46/ 2 - 47. (2) أطفيش: شرح كتاب النيل، 62/ 2.
(3) أطفيش: المرجع السابق، 63/ 2. (2/620)
صفحة 1136
الفصل الثالث: القاعدة الكلية الكبرى الثالثة
621
أما إن اتخذ المصلي كل الاحتياطات اللازمة للطهارة استعداداً للصلاة، ثم طرأت عليه النجاسة، ولم يقدر على إزالتها وخاف خروج وقت الصلاة، فهنا يرخص له في ترك الإعادة لأنه التزم بالميسور فسقط عنه المعسور، فهو في حكم المعذور، كما يفهم من عبارة القطب وأصحاب الديوان، عملاً بالقاعدة المقررة عند الفقهاء: «الميسور لا يسقط بالمعسور». والله أعلم.
2 - في حكم الصلاة بعورة مكشوفة:
أجمع أهل العلم أن ستر العورة واجب في الصلاة، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تقبل صلاة حائض إلا بخمار، وإن صلّت وبعض فخدها أو بعض ساقها مكشوفاً فسدت صلاتها» (1)، والحكم عام للمرأة والرجل.
ولكن اختلفوا فيمن عدم ثوباً ليستر به عورته في الصلاة ولو كان نجساً، فمن الفقهاء من رخص له أن يصلي على تلك الهيئة بعد أن يتخذ كل وسيلة لتغطية عورته، وإلا صلّى قاعداً مع الإيماء، ومنهم من أباح له الصلاة عارياً عند الضرورة وألزمه أداءها كاملة، وكل هذا حتى لا يسقط فرض الصلاة بسقوط فرض الستر؛ لأن الميسور لا يسقط بالمعسور».
وقد يعمد البعض إلى ترك الصلاة أو تضييعها، ويبرر ذلك بفقدان ثوبه، بسرقة ونحوها، كما يحدث في الحمامات العامة أو أماكن السباحة والازدحام، أو بسبب إكراه من جبار يلزمه خلع ثيابه، فلا يجوز له ترك الصلاة أو تأخيرها عن وقتها مهما كانت الظروف والأسباب، ولا يعتبر ذلك عذراً شرعياً، بل يلزم عليه الإتيان بها حسب الاستطاعة ولو كان عارياً، ولا تلزمه الإعادة، وهذا ما أقرّه الفقهاء مع بعض الاختلاف في بعض الفروع.
(1) رواه الترمذي، أبواب الصلاة، لا تقبل صلاة المرأة إلا بخمار، رقم 377، وأبو داود، كتاب الصلاة، باب المرأة تصلي بلا خمار، رقم 641، دون الجملة الأخيرة: «وإن صلّت وبعض
فخدها أو بعض ساقها مكشوفاً فسدت صلاتها». (2/621)
صفحة 1137
622
القواعد الفقهية عند الإباضية
يقول الشماخي موضحاً ومؤكداً لهذا الأمر: (وإن لم يجد ما يستتر به فإنه يستر نفسه ما أمكنه من نبات الأرض، وإن لم يجد فليستر نفسه قاعداً بما أمكنه من حجارة أو غيرها، أو يحفر حفرة لنفسه حتى يواري عورته ثم يصلي، وإن لم يجد إلا الماء فليستر نفسه قاعداً إلا إن لم يمكنه القعود في الماء فليصل قائما والتراب والحجارة أولى من الماء» (1).
ويؤكد القطب أطفيش أيضاً هذا المعنى فيزيد في بيانه، ويدعو إلى بذل الجهد في ستر العورة بأي شيء، حفاظاً على شروط صحة الصلاة، لأن مقام الله عظيم وجليل، فيقول: ومن سُلب من ثيابه صلّى بتستر وإن بنبات أو حجر، أو دفن عورته بحفرة أو بإهالة التراب عليها مع قعود وإيماء، وإن وجد أن يلطخ نفسه بتراب مبلول يستر به عورته ولا ينتثر صلى قائماً، وإن وجد ماء لا تراباً أو حجراً سترها به قاعداً إن أمكنه وإلا يمكنه بأن خاف الغرق أو وصول الماء موضعاً يضره، صلى قائماً فيه بإيماء مع ستر الماء له إلى السرة مثلاً، فصلاته هكذا بإيماء أولى من خروجه إلى الأرض» (2)
وحرصاً على الحفاظ على فرض الستر ولو بدون ثوب فقد أسقط بعض الإباضية فرض القيام والركوع والسجود عن المصلي حتى لا تنكشف عورته؛ لأن ذلك عندهم أؤكد من الصلاة قياماً خلافاً للبعض من باب ارتكاب أخف الضررين». وهذا ما أكده ابن بركة والشماخي والقطب أطفيش في عبارتهم، ومما جاء في «الإيضاح»: «وإنما يصلي قاعدا إذا لم يجد ما يستر به نفسه قائماً؛ لأن ستر العورة عندهم أكد وأوجب من الصلاة قائماً بالركوع والسجود؛ ولذلك يصلي قاعداً لأن صلاته قاعداً أستر له» (3).
(1) الشماخي الإيضاح، 47/ 2 (2) أطفيش المرجع نفسه 63/ 2.
(3) الشماخي: الإيضاح، 47/ 2. - أطفيش، شرح النيل، 63/ 2. (2/622)
صفحة 1138
الفصل الثالث: القاعدة الكلية الكبرى الثالثة
623
وقد أكد ابن بركة ما ذهب إليه الشماخي والقطب أطفيش في ترجيح الصلاة قعوداً عن القيام، ولكنه في الوقت نفسه يرشد إلى إمكانية الأخذ بالقول الآخر والعمل به في حالة تساوي الفعلين في الفرضية، ولا دليل على أحدهما عن الآخر، ففي هذه الحالة يجوز للمكلف أن يختار بين الأمرين، وفي هذا المعنى يقول: ويحتمل عندي أيضاً من جهة النظر أن يجوز له أن يصلي قائماً ويركع ويسجد بغير سترة، فإن قال قائل: لم أجزت صلاته قائماً بغير سترة؟
ترجيح
قيل له: إن الركوع والسجود فرض أيضاً، فإن كان الستر فرضاً من فروض الصلاة، فلما لم يمكنه فعل الستر وأمكنه بعض فروض الصلاة كان عليه فعل ما أمكنه وعذر بترك ما عجز عنه، وإذا كان الثوب نجساً فعند أصحابنا أنه يصلي به قائماً إذا لم يجد ثوباً طاهراً» (1). وتابع المحقق سعيد الخليلي ابن بركة في رأيه خلافاً لجمهور الإباضية وقال: «ويصلي العريان قائماً؛ لأن القيام فرض وهو قادر عليه، فإن كانوا جماعة صلوا قعوداً ويكون الإمام في وسطهم على ما قيل».
ولكن ابن بركه لم يسلّم بهذا الرأي ولم يرجحه رغم أنه يحتمل الجواز عند النظر والاجتهاد، ولكنه مال إلى رأي الجمهور ورجحه لما يستند إليه من أدلة راجحة فلم يسقط فرض القيام في الصلاة عن العراة إلا دفعاً للمفسدة وهي رؤية المصلين عورات بعضهم البعض، وهذا بلا شك محرم
المتحققة،
شرعاً وعرفاً فيمنع سداً لذريعة الفساد.
ومما جاء في نصه: (وإذا لم يقدر العريان على ثوب يستر به عورته صلي قاعداً ويومئ إيماء؛ لأن فرض الستر آكد من الأفعال، والدليل على ذلك أن
(1) ابن بركة الجامع، 541/ 1 - 542.
(2) الخليلي سعيد تمهيد قواعد الإيمان، 231/ 5. (2/623)
صفحة 1139
624
القواعد الفقهية عند الإباضية
الرجل يبتدئ التطوع على الراحلة إيماء، وليس له أن يصلي بغير ستر مع القدرة عليه، وإذا كان هكذا لزمه فعل ما هو ستر له وصلى إيماء، من قبل أنه لو ركع وسجد لبدا من عورته ما لم يكن يبدو، وإذا أومأ إيماء قلنا إن فرض القيام يسقط عنه أيضاً، من قبل أنه ليس في أصول صلاة الإيماء، فأمرناه بالقعود في الصلاة ليأتي بها على نحو ما في الأصول» (1).
وبعد عرض أدلته الدامغة خلص إلى القول إنه يجوز للعريان إذا وجد ثوباً نجساً يستر به عورته فلا يلزمه لبسه ويجوز له أن يصلي قاعداً عرياناً على حدّ قوله: «والنظر يوجب عندي أن له أن يصلي قاعداً على ما ذهبوا إليه، ويلقي الثوب النجس عن نفسه، ويصلي عرياناً قاعداً؛ لأنهما فرضان: السترة الطاهرة الوجود، والقيام مع القدرة، وإذا كان مدفوعاً إلى ترك أحدهما كان له أن مع يترك أيهما شاء لاستواء أحوالهما). وهذا ما رجحه القطب كذلك.
الرأي المختار
وبعد عرض أقوال الإباضية في هذه المسألة وتحليلها ومناقشتها مع مراعاة أصول الصلاة، وشروط صحتها، ومدى الالتزام بها في حالات الضرورة وذلك حفاظاً بها حتى لا يتهاون في شأنها بالتذرع بعدم توفر شروطها في الأحيان؛ لأنها أساس الدين، كما يظهر من خلال آرائهم وتعليلاتهم،
بعض
أن
أنهم يعملون بالقاعدة: «الميسور لا يسقط بالمعسور» فلم يجيزوا للمصلي يضيع الصلاة لأجل فقده بعض شروط صحة الصلاة، كطهارة البدن والثوب، وستر العورة، واستقبال القبلة، وعليه فلا نملك بعد هذا البيان إلا أن نرجح قول الجمهور لوجاهته وقوة أدلته، وموافقته لمقاصد الشريعة العامة الداعية إلى حفظ الدين.
(1) أطفيش: المرجع نفسه، 62/ 2 - 63. (2) ابن بركة: الجامع، 541/ 2 - 542. (2/624)
صفحة 1140
الفصل الثالث: القاعدة الكلية الكبرى الثالثة
625
3 - في حكم صلاة فاقد الطهورين
اختلف الفقهاء في حكم من كان في موضع لا يقدر فيه على استعمال
مع
الماء ولا التراب إلى رأيين فمنهم من قال بوجوب الصلاة عليه، ويتكيف ظروفه قدر استطاعته، كأن ينوي الوضوء أو التيمم ويصلي، فإذا وجد أحد الطهورين أعاد الصلاة ولو مضى وقتها؛ لأن فرض الصلاة ميسور وفرض الطهارة أصبح معسوراً، فلا يسقط الميسور بالمعسور». بينما ذهب أصحاب الرأي الآخر إلى سقوط فرض الصلاة عليه؛ لأنه فاقد الطهورين، ولكل فريق
أدلة
يحتج بها.
نقل الشماخي هذه المسألة وحرر فيها محل النزاع فقال: «وإن كان في موضع لا يقدر فيه على الماء ولا على التراب فقيل: إن له أن ينوي التيمم ويصلي، وقيل: من كان في البحر ولم يقدر على الوصول إلى الماء فإنه يتيمم من تراب المتاع، فإن لم يجد فينوي الوضوء في نفسه ويصلي وقيل: يتيمم على الهواء مع نيته وقصده لعدم التراب، فإذا قدر على الماء توضأ وأعاد تلك الصلاة، وإن مضى وقتها؛ لأن الدين لا يسقط بمضي الوقت؛ ولقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أحق ما أوفيتم به دين الله تعالى). ألا ترى إلى النائم والناسي لا يسقط فرض الصلاة بمضي الوقت، وكذلك هذا لا يسقط عنه الفرض بمضي الوقت؛ لأنه صلى على غير طهارة.
وقال أبو محمد ابن) بركة) نحمد لله: إذا صلى على ما أمكنه وقدر عليه فقد خرج من العبادة والأمر بإعادتها بعد وجود الماء فرض ثان، ولا يلزمه إلا بخبر يجب التسليم له» (2).
(1) متفق عليه، رواه البخاري، كتاب الصوم، باب من مات وعليه، صوم، رقم 1852، ومسلم،
كتاب الصيام، باب قضاء الصيام عن الميت، رقم 1148، عن ابن عباس بلفظ: «دين
أحق أن يقضى». وورد في قضاء الحج، وبلفظ: أحق بالوفاء.
(2) الشماخي: الإيضاح، 303/ 1 - 304.
الله (2/625)
صفحة 1141
626
القواعد الفقهية عند الإباضية
وعقب المحشي السدويكشي على قول الشماخي فقال: «قوله: (وقال أبو محمد) ما قاله أبو محمد الله هو مذهب المازني من أصحاب الشافعي وهو أقوى الأقوال دليلاً كما يشير لذلك المصنف رحم الله، ويؤيده ما رواه
المخالفون في حديث عائشة لا أنهم صلّوا بغير طهارة، ولم ينقل أنه أمرهم بإعادة تلك الصلاة).
ونقل الشماخي الرأي المخالف للإباضية فقال: «وأما من أسقط عنه فرض الصلاة إن لم يجد الماء ولا التراب من المخالفين، احتج بقوله علي: «لا يقبل الله صلاة بغير طهور» (2)، وقال فالله لا يكلف بصلاة غير مقبولة.
ورد عليهم الشماخي بقوله: «فإن الحجة عليه قوله تعالى: {وَأَقِيمُوا الصَّلوةَ (المزمل (20) عموماً ولا يسقط هذا الفرض إلا بخبر يجب التسليم له، والخبر الذي احتج به يحتمل أن يكون لا يقبل الله صلاة بغير طهور،
يعني مع القدرة عليه، فإن قال كذلك قوله تعالى: {وَأَقِيمُوا الصَّلوةَ (المزمل: 20) يحتمل أن يكون أقيموا الصلاة إن كنتم متطهرين، قيل له: فالصلاة فريضة والطهور فرضٌ أُمر بهما جميعاً، فعجزه عن أحد الفرضين لا يسقط عنه الآخر، ألا ترى أنه يصلي بالثوب النجس إذا لم يقدر على الثوب الطاهر، فكان عجزه عن الثوب الطاهر لا يسقط عنه فرض الصلاة، وكذلك السترة والبقعة الطاهرة على هذا الحال والله أعلم.
(1) روى البخاري، كتاب فضائل الصحابة، باب فضل عائشة، رقم 3562، عن عائشة نا أنها استعارت من أسماء قلادة فهلكت فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم ناساً من أصحابه في طلبها فأدركتهم الصلاة فصلّوا بغير وضوء فلما أتوا النبي صلى الله عليه وسلم شكوا ذلك إليه فنزلت آية التيمم. السدويكشي المحشي،، الحاشية على الإيضاح للشماخي، 304/ 1. (2) رواه مسلم، كتاب الطهارة، باب وجوب الطهارة للصلاة، رقم 224، عن ابن عمر. (3) الشماخي: المصدر نفسه، 304/ 1 - 305. (2/626)
صفحة 1142
الفصل الثالث: القاعدة الكلية الكبرى الثالثة
627
القول المختار:
ولعل ما ذهب إليه جمهور الإباضية في وجوب أداء الصلاة ولو فقد الطهورين هو الرأي الراجح والأعدل؛ لأنه لا توجد في الشرع حالة يكون فيها المكلف عاقلاً وتسقط عنه الصلاة، وإنما وجبت الصلاة عليه في كل الأحوال، في السلم والحرب، وفي حالتي الصحة والمرض، وبأية هيئة يقدر عليها ولو لم تتوفر شروط صحتها كالطهارة والسترة والقبلة، وغيرها، فإنه يؤديها حسب قدرته واستطاعته، إلا في حالة غياب العقل أو ضعفه، كالمجنون والصبي غير المميز، وفي حالتي الحيض والنفاس عند النساء، وتلك أعذار أقرها الشارع، عملًا بالقاعدة المعروفة: «الميسور لا يسقط بالمعسور»، ولذلك فإن هذا الفرع يدخل ضمن القاعدة ويتخرج عليها.
4 - في صلاة المريض:
إذا مرض المكلف فلا تسقط عنه الصلاة بل تجب عليه حسب قدرته واستطاعته، فإن قدر على القيام صلّى قائماً، وإن عجز عنه صلّى جالساً وأومأ للركوع وسجد، فإن عجز عنه أداه بالإيماء، فإن لم يطق الجلوس صلى مضطجعاً أو مستلقياً بالإيماء، فإن عجز عن الإيماء كبر للصلاة. مع خلاف في عددها؛ لأن ما يقدر عليه من أفعال الصلاة هو الميسور وما عجز عنه هو المعسور والميسور لا يسقط بالمعسور».
وقد تناولت المصادر الإباضية أحكام صلاة المريض بتفصيل، ومما جاء في مدونة أبي غانم الخراساني في باب صلاة المريض ما نصه: «سألتهما ـ أي الربيع وأبا المؤرج ـ أيصلي المريض على مرفقيه أو على عود يتقرب إليه؟ قال: لا، وقد رأيت أبا عبيدة مرض مرضاً أدنف (عجز) فيه، فكان قاعداً يصلي يومئ برأسه ويكون في السجود أخفض من الركوع، وقلت: أيقصر المريض الصلاة؟ قال: لا قلت ومن صلاة المريض إيماء بلا سجود؟ قال: نعم.
قلت: (2/627)
صفحة 1143
628
القواعد الفقهية عند الإباضية
إن هؤلاء يقولون يومئ برأسه للركوع ولا يومئ في السجود، ويفضي بوجهه إلى الأرض في السجود، قال: ليس فيما يقولون شيء وليس في صلاة الجالس
إلا إيماء في الركوع والسجود، غير أنه في السجود أخفض من الركوع (1). وعلق المرتب (القطب) على قول أبي غانم في المدونة: «وقيل: يسجد إذا قدر مطلقاً وقيل: إن صلى مع الإمام وإلا أوماً، وقيل إن صلى في المسجد وإلا أوماً، ولا بأس بقول قومنا من غير الإباضية يسجد مطلقاً؛ لأنه قادر، وقد قال: «إذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم)، ويدل للسجود في الأرض ممن يصلي بالإيماء، أنه رأى مصلياً بإيماء يسجد على وسادة قدامه فنزعها وأخذ عوداً فنزعه فقال: أسجد على الأرض إن قدرت، وإلا فأومى (3)، ورأى أم سلمة تسجد على وسادة ورأى عُديّاً يسجد على جدار قدر ذراع ولم ينههما (4) (5).
ونقل أبو غانم أيضاً عن شيخه أبي المؤرج قوله في صلاة المريض مع الإمام: وكذلك قال أبو عبيدة لها الله في صلاة المريض القاعد، إلا أنه قال: إلا أن يكون مع جماعة إمامهم، يصلي بهم قائماً ولا يطيق المريض القيام، فإنه
(1) الخراساني أبو غانم المدونة الكبرى، النسخة المصورة من المخطوط، طبعة دار اليقظة العربية، بيروت - لبنان، 189/ 1.
(2) تقدم تخريجه.
(3) رواه أبو يعلى في مسنده، مسند جابر، رقم 1811، وأبو نعيم في الحلية، 92/ 7، عن جابر بن عبد الله، والبزار في مسنده، قال الهيثمي: رجال البزار رجال الصحيح. مجمع الزوائد، 347/ 2. (4) حديث أم سلمة رواه البيهقي في الكبرى، جماع أبواب الخشوع في الصلاة، باب من وضع وسادة على الأرض وسجد عليها، رقم 3489، والشافعي في مسنده، ومن كتاب استقبال القبلة، رقم 117، عن أم الحسن البصري. وأما حديث عدي فرواه البيهقي في الكبرى، جماع أبواب الخشوع في الصلاة، باب من وضع وسادة على الأرض وسجد عليها، رقم 3491، عن أبي إسحاق. (5) أطفيش تعليقات على مدونة أبي غانم، 189/ 1 - 190. (2/628)
صفحة 1144
الفصل الثالث: القاعدة الكلية الكبرى الثالثة
629
يصلي
معه جالساً، فإذا هوى للركوع أومأ المريض لا يجاوز ذلك، فإذا هوى الإمام للسجود سجد في الأرض، قال أبو عبيدة: ليس يفعل هذا إلا مع الإمام، وأما غير الإمام فصلاته كما وصفت لك في أول المسألة» (1). ويبين أبو غانم في موضع آخر أن صلاة المريض تقوم أساساً على مراعاة ظروفه حسب القدرة والطاقة فلا يسقط عنه ما يقدر عليه ولا يكلف بما يعجز عنه، فيقول: وقال حاتم بن منصور الأمر عندنا (الإباضية) في صلاة المريض أنه إنما نضع عنه ما لا يطيق، إن أطاق السجود ولم يطق الركوع وضعنا عنه ما لا يطيق». وأضاف حاتم بن منصور: وكذلك الذي يخرج في جبهته أو أنفه قرح لا يستطيع أن يسجد عليه لا نأمره بالصلاة جالساً، ولكنه نأمره بالصلاة قائماً، ويفعل كلما أطاقه وكُلّما أمكنه، ونضع عنه ما لم يمكنه وما لم يستطعه» (2). وعلق المرتب (القطب) على قوله: قوله (وضعنا عنه إلخ ... ) هو الركوع إذ هو لا يطيق أن يركع من القيام وأطاق السجود على الأرض، وما قاله هو الحق المطرد وقد قال: إذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم (3) (4).
مجمل القول: وهكذا يتبين من خلال نص «المدونة» أن الشارع الحكيم ير حالة يراعي المريض، ويشرع له أحكاماً مخففة تناسب حالته، سواء في طهارته أو صلاته، فيؤديها حسب استطاعته، فإن عجز عن وضع ما انتقل إلى وضع أخف، تخفيفاً وتيسيراً له، ورفع للحرج والمشقة عنه، حتى يحافظ على صلاته، وهذا ما أكده الشيخ بيوض الله لما سأله سائل عن حكم طهارته وصلاته وصيامه في حالة
(1) الخراساني أبو غانم المدونة الكبرى، 190/ 1. (2) الخراساني: المصدر السابق، 190/ 1
(3) سبق تخريجه
(4) أطفيش: تعليقات على مدونة أبي غانم، 190/ 1. (2/629)
صفحة 1145
630
القواعد الفقهية عند الإباضية
المرض الشديد، فأجاب مشجعاً له على المحافظة عليها مهما كانت ظروفه «إنّ طهارة المريض ووضوءه وتيممه وصلاته جميعاً تجب عليه حسب ما يمكنه ويقدر عليه، و لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} (البقرة: 286)، {وَلَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} (المؤمنون: (62)، فإن قدرت على الوضوء فتوضأ، وإن لم تقدر أو فقد الماء فتيمم لكل صلاة كما يمكنك، وإياك أن يغرك من يقول لك إن الصلاة غير واجبة فإن هذا ضلال مبين فإن الصلاة واجبة في وقتها حسب الإمكان كيفما كانت حالة المريض، ولا تسقط عليه أبداً بل يجب عليه أداؤها في وقتها، فإن استطاع أن يصليها ببدن طاهر، وثوب طاهر، وفراش طاهر، فذلك من فضل الله، وإن عجز عن الثوب الطاهر، أو لم يقدر على الانتقال من الفراش النجس فليصليها على ما هو عليه فإنه معذور في الطهارة التي عجز عنها، ولا يعذر في ترك الصلاة أبداً، بل يصليها على الحالة التي هو فيها، والفراش الذي هو فيه يصليها بالإيماء على ما هو عليه قائماً أو قاعداً أو مضطجعاً على ظهره أو على أحد جنبيه، والنجاسة التي يعجز عن إزالتها والابتعاد عنها فإنها لا تعتبر في حقه نجاسة، والله يتقبل منه صلاته تلك؛ لأنه معذور). وفي موضع آخر من فتاويه يُطمئن الشيخ بيوض المرضى والعجزة والمصابين بأن صلاتهم صحيحة ولو كانت ناقصة، ولا إعادة عليهم بعد الشفاء؛ لأنهم قد أدوا ما قدروا عليه وهو الميسور، وسقط عنهم ما هو معسور
فيقول: من اشتد به المرض فصلى حسبما أمكنه قاعداً أو مضطجعاً،
بتيمم
بإيماء أو بتكبير، فتلك هي صلاته الواجبة في حقه، فلا إعادة عليه مطلقاً إذا شفي من مرضه، وله بفضل الله أجر الصلاة التامة كاملاً غير منقوص، ولا عبرة بالفترة التي قضاها في مرضه طالت أم قصرت ولو لزم الفراش سنين» (2).
(1) بيوض إبراهيم: فتاوى الإمام، 164/ 1 – 165.
(2) بيوض إبراهيم: المرجع السابق. (2/630)
صفحة 1146
الفصل الثالث: القاعدة الكلية الكبرى الثالثة
631
ج - في باب الزكاة:
إذا ملك المزكي نصاباً من المال وحال عليه الحول، وكان بعض هذا المال عنده والبعض الآخر في بلد يبعد مسافة القصر، فهل يخرج الزكاة عن الموجود عنده أم ينتظر حتى يخرج الزكاة عن الجميع؟
للفقهاء في هذه المسألة رأيان أحدهما: أنه يخرج الزكاة عما في يديه من المال؛ لأنه ميسور له ما دام في بلده، وإذا حضر الباقي أخرج زكاته؛ لجواز أن يكون النصف الآخر قد تلف، فالبعض ميسور وهو معه،،، والآخر معسور وهو الغائب والميسور لا يسقط بالمعسور» وهذا أحد قولي الشافعي وهو أقواهما (1).
والثاني: لا يجب عليه إخراج الزكاة عن المال الموجود معه، بل ينتظر حتى يصل يديه النصاب فيخرج عن الكل؛ لأن النصاب غير موجود معه، وعليه فالقول الأول هو الأصح ويتخرج على القاعدة والقول الثاني خارج القاعدة (2). عن
ولعل القول الأول هو الذي ينبغي العمل به؛ لأن فيه مراعاة مصلحة الفقراء والمساكين، وتلبية حاجاتهم، ومنعاً للمال من أن يبقى مجمداً إلى أمد غير معلوم ما دام صاحبه لا يقدر على إحضاره، فليخرج زكاة ما في حوزته، وهذا ميسور، والباقي يكون ديناً مؤجلاً حتى يتمكن من تقويمه ما دام معسو معسوراً.
د ـ في المعاملات:
1 - في مراتب تغيير المنكر:
من قدر على أن ينهى عن المنكر على أهل البلد في الطريق، وفي مظالمهم لبعضهم بعض ولغيرهم، وفي جميع ما عنده بصيرة في نفسه، ولكن قد
(1) ابن تيمية القواعد النورانية الفقهية، تحقيق: حامد الفقي، مكتبة السنة المحمدية، ص. (2) عزام عبد العزيز قواعد الفقه، ص 484 - 485.
90 (2/631)
صفحة 1147
632
القواعد الفقهية عند الإباضية
لا يُسمع قوله ويستهزأ به، فهل عليه أن يغير بيده أو يشتكي عند الحاكم إذا لم يرتدع الناس إلا بذلك، أم يكفي منه الإنكار بلسانه وقلبه؟ يقول سعيد الخليلي في هذا الشأن من لم يقدر على إنكار المنكر بيده فيكفيه بلسانه إن قدر، وإلا فبقلبه إذا خاف على دينه أو نفسه أو ماله، فوسع له السكون والتغاضي عن ذلك)، لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من رأى منكم منكراً فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان (3).
2 - في حكم الاستئذان والتسليم عند دخول بيوت الناس: شرع الإسلام الاستئذان والسلام عند إرادة الدخول في بيوت الناس لقوله تعالى: {يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا} (النور: (27). ولكن هناك بيوتاً رخص فيها الشارع فأباح دخولها بدون استئذان مثل البيت الشخصي، وبيت الزوج، والبيوت المهجورة أو التي يملك مفاتيحه، ولكن إذا سقط الاستئذان هل يسقط السلام؟ فالفقهاء في هذه المسألة على رأيين:
—
فمنهم من أسقط السلام مع الاستئذان، ومنهم من أوجب السلام ولو دون استئذان؛ لأن سقوط أحد الفرضين لا يسقط الآخر، وقد وردت هذه المسألة في شرح النيل فبين الشيخ أطفيش الآراء المختلفة ورجح أحدها معتمداً على الدليل والبرهان فقال: وجاز الدخول بإذن رب البيت والدار، وإن لم يكن فيه أو بها؛ أي الدار بأن كان خارجه أو داخله، لكن إذا لم يكن فيها أو فيه ولم يره خرج منها، أو منه أو رآه خرج، لا يدخل إلا إن اطمأن أن ليس فيها أو فيه غيره من العيال أو
(1) الخليلي سعيد: تمهيد قواعد الإيمان، 6/ 7 - 7. - ابن بركة الجامع، 1/ 180 - 182.
(2) سبق تخريجه (2/632)
صفحة 1148
الفصل الثالث: القاعدة الكلية الكبرى الثالثة
633
منكشفاً، وإن قال من داخل تعال دخل إليه وإن بدونه)؛
غيرهم بدون استئذان.
(وكذلك إن أرسل رجُلاً لبيته وليس فيه أحد، أو فيه من تهيأ لدخول الناس (أو أرسل إليه أن يأتيه) في بيته، (أو أعطاه مفتاحه)، قال صلى الله عليه وسلم: «إذا جاءك الرسول فقد أُذن لك).
وفي الأثر: المفتاح والرسول إذن، ولا يلزم السلام في هذه الصور الأربع، وإنما لزم إذاً احتياج للاستئذان؛ لأنه قُرن في الآية بالاستئذان ووجب معه، وجُعِل ركناً للاستئذان، فإذا لم يكن الاستئذان لم يلزم، ومثل ذلك وجوب الوضوء للصلاة، وإذا سقطت لم يلزم الوضوء، ووجوب الغسل من الجنابة للصوم مثلاً، فإذا لم يجب الصوم لم يجب الغسل، كذلك ظهر لنا في تعليل ما وجدنا في ـ الأثر ـ من عدم وجوب السلام في الصور الأربع). ولكن القطب أطفيش اختار الرأي الثاني ورجحه تطبيقاً للقاعدة: «الميسور لا يسقط بالمعسور» وعبّر عنه بقوله: «وعندي وجوب السلام فيهن أيضاً إذ لا سقط فرض بسقوط آخر، ولا نسلم أن اعتماد الاستئذان على السلام كاعتماد الصلاة والصوم على الغسل مثلاً (3). ولا ريب أن القطب قد أصاب كبد الحقيقة؛ لأن رأيه يتفق القاعدة، أما أصحاب القول الأول فلعلهم اعتمدوا في رأيهم على قاعدة أخرى وهي: «إذا سقط الأصل سقط الفرع، ولكن يرد عليهم أن الاستئذان أصل والسلام أصل، وكلاهما فرض مستقل، فإذا سقط أحدهما بقي الآخر والله أعلم.
مع
(1) روى البخاري، كتاب المظالم، باب الغرفة والعلية، رقم 2336، عن عمر بن الخطاب بما يشبه هذا المعنى: «جلست مع الرهط الذين عند المنبر ثم غلبني ما أجد فجئت الغلام فقلت استأذن لعمر، فذكر مثله فلما وليت منصرفاً فإذا الغلام يدعوني قال: أذن لك رسول الله صلى الله عليه وسلم فدخلت عليه». (2) أطفيش: شرح كتاب النيل، 389/ 5.
(3) أطفيش: المرجع نفسه. (2/633)
صفحة 1149
634
القواعد الفقهية عند الإباضية
خامساً:: الفروع المستثناة من القاعدة
كل واجب لم يكن جزؤه عبادة مشروعة لا يلزم المكلف الإتيان به
ذلك:
ويكون مستثنى من قاعدة الميسور لا يسقط بالمعسور» ومن 1 - من وجد بعض ثمن الرقبة في الكفارة لا يعتقها؛ لأن الرقبة عبادة كاملة وجزؤها ليس في نفسه عبادة).
2 - لو قدر على صوم بعض يوم من الفجر إلى الظهر ولم يستطع صيام اليوم كله، لا يلزمه الإمساك، وكان مقتضى القاعدة أنه يجب عليه الإمساك؛ لأنه ميسور، ولكنه خرج عن القاعدة؛ ولأنه لم يشرع صوم بعض يوم، فالميسور سقط بالمعسور (2).
- حق الشفعة يكون للشريك والجار عند الإباضية والحنفية (3)، فلو كان الشفيع ليس معه إلا بعض ثمن الشقص؛ (أي النصيب) فهل يلزم الشارع البائع أن يعطيه بالشفعة؟ ففي هذه المسألة لا يأخذ بعض الشفعة؛ لأنه إما أن يأخذ الكل أو يترك الكل، فالشفعة إنما شرعت على خلاف القياس لدفع الضرر، فلو الشفيع النصف وترك النصف للمشتري الجديد، لتحقق ضرر للشريك البائع وضرر للمشتري، والضرر يزال»، فحق الشفعة إذن لا يتجزأ، فإذا سقط بعضها سقط جميعاً كالقصاص، وكان مقتضى القاعدة جواز ذلك؛ لأن «الميسور لا يسقط
{
أخذ
بالمعسور»، وعليه فهذا الفرع خارج عن القاعدة على سبيل الاستثناء (4). إذا اطلع المشتري على عيب أخفاه عنه البائع، فيجب الرد فوراً أو الإشهاد على هذا العيب إذا كان البائع غائباً، فإذا لم يتيسر له الرد
(1) ابن بركة: الجامع، 351/ 1. - السالمي: معارج الآمال، 77/ 3. (2) السيوطي: الأشباه والنظائر، ص 218.
(3) ابن بركة المصدر نفسه، 423/ 2.
(4) ابن قدامة: المغني، 67/ 5. ـ السيوطي: الأشباه والنظائر، ص 218. (2/634)
صفحة 1150
الفصل الثالث: القاعدة الكلية الكبرى الثالثة
635
ولا الإشهاد عليه، فلا يلزمه التلفظ بالفسخ في الأصح، ويؤخر التلفظ بالفسخ لحين الوصول إلى الحاكم أو البائع نفسه، وكان مقتضى القاعدة؛ لأنه أن يتلفظ بالفسخ؛ ميسور، لكنهم قالوا: لا يلزمه التلفظ في الأصح، وعليه فهو مستثنى من القاعدة، ومقابل الأصح: يلزم التلفظ؛ لأنه ميسور فلا يسقط بالمعسور، وهو وجود البائع أو الحاكم، وعليه يكون الفرع
من
القاعدة (1).
(1) السيوطي: المصدر نفسه، ص 218. - عزام عبد العزيز قواعد الفقه، ص 486. (2/635)
صفحة 1151
الفهرس (2/637)
صفحة 1152
القواعد الفقهية عند الإباضية
الفصل الثاني
القاعدة الفقهية الكلية الكبرى الثانية
اليقين لا يزول بالشك، وما تفرع عنها
638
المبحث الأول: حقيقة القاعدة.
المبحث الثاني: تأصيل القاعدة
المبحث الثالث: فروع القاعدة وتطبيقاتها
المبحث الرابع: القواعد المندرجة تحت القاعدة الكبرى: «اليقين لا يزول بالشك». المطلب الأول: قاعدة: «الأصل بقاء ما كان على ما كان».
المطلب الثاني: قاعدة: «الأصل براءة الذمة». المطلب الثالث: قاعدة: «الأصل في الصفات أو الأمور العارضة العدم.
المطلب الرابع: قاعدة الأصل إضافة الحادث إلى أقرب أوقاته. المطلب الخامس: قاعدة: «هل الأصل في الأشياء والأعيان الإباحة أم الحظر؟ المطلب السادس: القواعد المستثناة من قاعدة: «الأصل في الأشياء الإباحة ..
الفصل الثالث
القاعدة الكلية الكبرى الثالثة: «المشقة تجلب التيسير» وما تفرع عنها
المبحث الأول: حقيقة القاعدة.
المطلب الأول: أهمية القاعدة ومكانتها عند الإباضية.
المطلب الثاني: تعريف القاعدة.
المبحث الثاني: أنواع المشاق وضوابطها. (2/638)
صفحة 1153
الفهرس
639
المبحث الثالث: تأصيل قاعدة: «المشقة تجلب التيسير».
المبحث الرابع: أسباب التيسير والتخفيف.
من
المطلب الأول: من أسباب التيسير السفر. المطلب الثاني: من أسباب التيسير: المرض. المطلب الثالث: أسباب التيسير النسيان. المطلب الرابع: من أسباب التيسير: الإكراه ... المطلب الخامس من أسباب التيسير الخطأ. المطلب السادس من أسباب التيسير الجهل.
المطلب السابع: من أسباب التيسير: العسر وعموم البلوى. المطلب الثامن من أسباب التيسير: النقص
المبحث الخامس: أنواع التيسيرات ومجالاتها.
المبحث السادس: تطبيقات وفروع قاعدة: «المشقة تجلب التيسير»
المبحث السابع: القواعد المتفرعة عن القاعدة الكبرى المشقة تجلب التيسير». المطلب الأول: قاعدة الضرورات تبيح المحظورات المطلب الثاني: قاعدة: «الضرورة تقدر بقدرها»، أو «ما أبيح للضرورة يقدر بقدرها ...... 509 المطلب الثالث: قاعدة: «ما جاز لعذر بطل بزواله.
529
المطلب الرابع: قاعدة تنزل الحاجة منزلة الضرورة عامة كانت أو خاصة ..... 536
المطلب الخامس: قاعدة الاضطرار لا يبطل حق الغير. المطلب السادس: قاعدة: إذا تعذر الأصل يصار إلى البدل».
المطلب السابع: قاعدة الميسور لا يسقط بالمعسور.
583 (2/639)
صفحة 1154
سلطنة عمان
وزارة الأوقاف والشؤون الدينية
سلسلة القواعد الفقهية الإباضية
القواعد الفقهية عند الإباضية
دراسة نظرية تحليلية تأصيلية تطبيقية
تأليف
مصطفى بن حمو أرشوم
إشراف
معالي الشيخ عبد الله السالمي
وزير الأوقاف والشؤون الدينية
الجزء الثالث (3/1)
صفحة 1155
حقوق الطبع محفوظة
لوزارة الأوقاف والشؤون الدينية سلطنة عمان
الطبعة الأولى 1434 هـ ـ 2013 م
لا يجوز نسخ أو استعمال أي جزء من هذا الكتاب في أي شكل من الأشكال أو بأية وسيلة من الوسائل - سواء التصويرية أو الالكترونية، بما في ذلك النسخ الفوتوغرافي أو سواه وحفظ المعلومات واسترجاعها - إلا بإذن خطي من الناشر. (3/2)
صفحة 1156
ه
?????
القواعد الفقهية عند
الأباضية
دراسة نظرية تحليلية تأصيلية تطبيقية
تأليف
و بعد طفى بن حمو از شدم
إشراف
معالي الشيخ عبد الله السالمي
وزير الأَوقَافِ وَالشُّؤُونِ الدِّينِيَّةِ
الجزء الثالث (3/3)
صفحة 1157
الفصل الرابع
القاعدة الكلية الكبرى الرابعة الضرر يزال» أو «لا ضرر ولا ضرار»
وما تفرع عنها
ويشتمل هذا الفصل على المباحث التالية:
المبحث الأول: حقيقة القاعدة.
المبحث الثاني: تأصيل القاعدة.
المبحث الثالث: أنواع الضرر وضوابطه وطرق إزالته.
المبحث الرابع: تطبيقات، القاعدة والفروع المتخرجة عليها. المبحث الخامس: القواعد المتفرعة أو المندرجة تحت هذه القاعدة. المطلب الأول: قاعدة الضرر يدفع بقدر الإمكان». المطلب الثاني:: قاعدة: «الضرر لا يزال بمثله أو بأعظم منه». المطلب الثالث قاعدة الضرر الأشد يزال بالضرر الأخف». أو يختار أهون الشرين أو أخف الضررين». أو «إذا تعارضت
-
مفسدتان روعي أعظمهما ضرراً بارتكاب أخفهما». المطلب الرابع قاعدة يتحمل الضرر الخاص لدفع
الضرر العام».
المطلب الخامس: قاعدة: «درء المفاسد أولى من جلب المصالح».
المطلب السادس: قاعدة إذا تعارض المانع والمقتضى
يقدم المانع».
- المطلب السابع: قاعدة: «الضرر لا يكون قديماً».
ونشرع في تفصيل هذه المباحث والمطالب فيما يأتي بإذن الله. (3/5)
صفحة 1158
القواعد الفقهية عند الإباضية
الفصل الرابع
القاعدة الكلية الكبرى الرابعة «الضرر يزال»،
أو لا ضرر ولا ضرار
وما تفرع عنها
في هذا الفصل سوف نبحث عن حقيقة القاعدة: الضرر يزال» و «لا ضرر ولا ضرار»، وعن أصلها الشرعي ونبين أنواع الضرر وضوابطه وطرق إزالته، ثم نستعرض جملة من الفروع الفقهية المتنوعة والمتخرجة عليها في الفقه الإباضي، ونختم الفصل بذكر بعض القواعد المتفرعة عنها أو المندرجة تحتها، مع شيء من التحليل والتأصيل والتطبيق، وسيكون ذلك ضمن المباحث التالية: (3/6)
صفحة 1159
المبحث الأول
حقيقة القاعدة
وفي هذا المبحث نوضح أهمية هذه القاعدة في التشريع الإسلامي ومكانتها في الفقه الإباضي، ونحدد مدلولها اللغوي والاصطلاحي والمعنى الإجمالي ونشير إلى علاقتها بالقاعدة الكلية المشقة تجلب التيسير»، والمجالات التي تدخل فيها هذه القاعدة. (3/7)
صفحة 1160
المطلب الأول
أهمية القاعدة ومكانتها عند الإباضية
تعد قاعدة الضرر يزال أو لا ضرر ولا ضرار) من القواعد المهمة في الفقه الإسلامي؛ إذ يبنى عليها كثير من أبواب الفقه (1)، حتى جعلها بعضهم شاملة نصف أحكامه، بناءً على أن الأحكام الشرعية إنما شرعت لجلب مصلحة أو لدفع مضرة، وإنّ من مقاصد الشريعة الإسلامية المحافظة على الضرورات وحمايتها، ودفع الضرر عنها (3)، والتي هي حفظ الدين، والنفس والعقل والعرض (النسب والمال، وهي ترجع إلى تحصيل المقاصد و تقديرها أو تخفيفها (3). ولأجل ذلك شرع الله تبارك وتعالى للناس ما يصلح شؤونهم، ودلّهم عن طريق الهادي البشير نبينا محمد صلى الله عليه وسلم على كل ما ينفعهم وما فيه صلاحهم، وحذَّرهم ونهاهم عن كل ما يضر بهم وما فيه فسادهم، وقد أخبر بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ جاء عنه أنه قال: «إنه لم يكن نبي قبلي إلا كان حقاً عليه أن يدل أمته على خير ما يعلمه لهم، وينذرهم شر ما يعلمه لهم ... » الحديث (4). ولعل أهمية هذه القاعدة تتجلى في ضبط النفس الإنسانية ومنعها من الاعتداء على الغير؛ لأنها كثيراً ما تغفل عن روح الشريعة فتعيث في الأرض بدافع الأنانية وحب الذات فلو تركت هذه النفس من دون مانع يمنعها،
فساداً
أو حاجز يوقفها عند حدها، أو رادع يزجرها ويقي المجتمع شرها لأدى ذلك
(1) السيوطي: الأشباه والنظائر، ص 76.
(2) الشاطبي: الموافقات، 10/ 2.
(3) ابن النجار: شرح الكوكب المنير للفتوحي، ص
390
(4) أخرجه مسلم من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص في كتاب الإمارة، باب وجوب الوفاء ببيعة الخلفاء الأول فالأول، 1472/ 30 - 1473. (3/8)
صفحة 1161
الفصل الرابع: القاعدة الكلية الكبرى الرابعة
بين
إلى انتشار المخاوف، وزعزعة الأمن والاستقرار، وذيوع الشحناء والبغضاء الأفراد، وتصدع بها المجتمع، ولهذا كان ما يحقق المنفعة وينشر المحبة، ويمنع الضرر ركناً من أركان الشريعة الإسلامية، وأساساً من أسس التشريع الإسلامي. فالضرر منفي شرعاً، ولا يحل لمسلم أن يضر غيره بقول أو فعل أو سبب
بغير حق، سواء كان له في ذلك مصلحة أم كان من باب الإضرار بالغير. اعتمد فقهاء الإباضية في فروعهم الفقهية على قاعدة: «الضرر يزال»، وصاغوها بصيغ متعددة متقاربة في المعنى، فعبّر عنها السالمي والراشدي بصيغة الضرر مزال)، وذكرها عثمان الأصم بصيغة «المضار مصروفة» (2)، وأما الشماخي فقال: «الضرر لا يحل» (3)، واختار ابن جعفر والكدمي والثميني عبارة: «لا ضرر ولا ضرار (4)؛ لأنها مقتبسة من حديث مشهور يعد من جوامع كلمه، وقد سار مسير القواعد الفقهية الكلية، فهو يعتبر دليلاً للقاعدة وأصلاً لها.
6
وذهب بعض الفقهاء المعاصرين إلى مثل هذا الرأي فعبروا عن القاعدة بتلك الصيغة وقالوا: «عبر أكثر من كتب في القواعد عن هذه القاعدة بقولهم: الضرر يزال» وجعلوا ما اعتمدنا به - وهو الحديث - دليلاً على القاعدة أصلاً لها، ولكن التعبير بصيغة الحديث عن القاعدة أشمل وأعم، حيث يشمل الضرر ابتداء ومقابلة، وأيضاً يُعطي ذلك القاعدة قوة؛ إذ يجعلها دليلاً شرعياً
(1) السالمي: العقد الثمين 4/ 179. - الراشدي جواهر القواعد، ص 133. ـ الخليلي أحمد، فتاوى المعاملات، الكتاب الثالث، ص 124 - 125.
(2) الأصم عثمان: 190/ 1.
(3) الشماخي: الإيضاح، 316/ 1 و 87/ 7 - 90.
(4) ابن جعفر: الجامع، 298/ 1. - الكدمي، المعتبر، 104/ 3. - الثميني، الورد البسام ص 248. ـ بكلي عبد الرحمن فتاوى البكري، 322/ 1. (3/9)
صفحة 1162
10
القواعد الفقهية عند الإباضية
صالحاً لبناء الأحكام عليه باعتبار أنها نص حديث نبوي كريم، بخلاف قولنا: «الضرر يزال فليس لهذا القول قوة شرعية كنص الخبر (1)، ولهذا اخترت أن يكون عنوان هذه القاعدة: (لا ضرر ولا ضرار» (2).
وتماشياً مع المصادر الفقهية الإباضية فإني سوف أعتمد على شرح المصطلحين جمعاً بينهما باعتبار أن العبارتين متقاربتين في المعنى إن لم نقل مترادفتين؛ لأن الأولى خصوص يراد بها العموم، والثانية من قبيل العام المخصوص، فكل منهما يراد بها نفي الضرر قبل وقوعه وبعده ابتداء وجزاء؛ لأن الضرر لا محالة واقع وليس من الممكن تلافيه بالكلية، فينصب النهي عن الضرر الذي يمكن تلافيه والحذر منه، ثم إن الضرر الخفيف الذي يتحمله الناس بلا مشقة ليس منهياً عنه على سبيل الوجوب (3).
وحتى يتضح معنى القاعدة، فلا بد من شرح ألفاظها وتحديد معانيها في اللغة والاصطلاح، ثم نبيّن المعنى الإجمالي للقاعدة كما يلي:
(1) الخليلي أحمد: فتاوى المعاملات، ص: 124 - 125. - البورنو الوجيز في إيضاح القواعد
الكلية، ص
251
(2) السدلان القواعد الفقهية الكبرى، ص 493.
(3) محمد بكر اسماعيل القواعد الفقهية بين الأصالة والتوجيه، ص 97. (3/10)
صفحة 1163
المطلب الثاني مدلول القاعدة
أ ـ الضرر في اللغة: مأخوذ من ضر ضد النفع فيقال ضره يضره ضراً، والضُّر بالضم الهزال وسوء الحال والمضرة خلاف المنفعة). وقيل: الضراء النقص في الأموال والأنفس، وكذلك الضرة والضرارة والضرر في والضرّ أيضاً هو حال الضرير، وهو الزمن، والضراء الزمانة، والضرير الذي به ضرر من عينه (2).
ماله،
وجاء في «محيط المحيط ضره وضرّ به ضراً وضره ضد نفعه؛ أي: جلب إليه الضرر، والصّر بالفتح مصدر وبالضم اسم، ويقال أضرني فلان إذا دنا مني دنوّاً شديداً، وأضر الرجل راحت عليه ضره في المال، وقال أيضاً: الضرر سوء الحال والضيق، والنقصان يدخل في الشيء وقيل: إن الضرر هو سيلان الدم في الجارحة، وكذا في حدود الأمراض (4). والضرر بالفتح ما يؤلم الظاهر من الجسم وما يتصل بمحسوسه من مقابلة الأذى، وهو إيلام النفس وما يتصل بها، وتشعر الضمة في الضُر بأنه قهر وعلو، والفتحة بأنه ما يكون من مماثل أو نحوه.
(1) ابن منظور لسان العرب، 153/ 6، 154. (2) ابن فارس: معجم مقاييس اللغة، 360/ 3. - الفيومي: المصباح المنير، 492. ـ الأصفهاني الراغب: المفردات في غريب القرآن، ص 293.
(3) البستاني بطرس: محيط المحيط 1241/ 2، 1242، نسخة طبق الأصل نقلا عن طبعة سنة 1870، الناشر مكتبة لبنان، بيروت.
(4) التهانوي الشيخ المولوي محمد أعلى بن علي موسوعة اصطلاحات العلوم الإسلامية المعروف بكشاف اصطلاحات الفنون منشورات شركة خياط للكتب والنشر، بيروت،
ص 883/ 4. (3/11)
صفحة 1164
12
القواعد الفقهية عند الإباضية
والضرار فعال بكسر أوله من ضَارَّ ومضارة وضرار بمعنى ضره، وأضره إلى كذا بمعنى ألجأه إليه وليس منه بد).
ومن خلال هذه المعاني اللغوية لكلمة الضرر والضرار بصيغه المختلفة نجد أن المعنى المناسب لمدلول القاعدة ما كان ضد النفع، وهو المعنى
المشاع والأكثر استعمالاً، ونادراً ما تستعمل المعاني الأخرى.
ب - وفي الاصطلاح وردت في معناهما تعاريف كثيرة منها: 1 - أن الضرر هو: إلحاق مفسدة بالغير مطلقاً، والضرار مقابلة الضرر بالضرر (2). 2 - وقيل: الضرر الاسم والضرار الفعل.
- وقيل: الضرر أن تضر من لا يضرك، والضرار أن تضر من أضر بك من غير جهة الاعتداء بالمثل، والانتصار بالحق (3).
4 - وقيل: الضرر ما تضر به صاحبك وتنتفع به أنت، والضرار أن تضره من غير أن تنتفع أنت به (4).
ه - وقال الراشدي: «الضرر: أي لا يضر الرجل أخاه فينقصه شيئاً من حقه، والضرار فعال: أي لا يجازيه على إضراره بإدخال الضرر عليه، والضرر فعل الواحد، والضرار فعل الاثنين أو الضرر ابتداء الفعل، والضرار: الجزاء عليه» ().
(1) الفيومي: المصباح المنير، 2/ 465.
(2) الرملي شمس الدين نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج الناشر المكتبة الإسلامية لصاحبها الحاج رياض الشبح، وكذا طبعة 1296 بمطبعة حسين بك حسني، 81/ 3. ـ الساعاتي أحمد عبد الرحمن البنا، بدائع المتن في جمع وترتيب مسند الشافعي والسنن، الطبعة الأولى
1369، دار الأنوار للطباعة والنشر، 193/ 2.
(3) الحموي أحمد غمز عيون البصائر، 188/ 1. (4) الراشدي: جواهر القواعد، ص 137. ـ الشوكاني، نيل الأوطار، 287/ 5. ـ الرملي، نهاية المحتاج، 81/ 3.
(5) الراشدي: المرجع نفسه. ـ ابن منظور، لسان العرب، مادة «ضرر»، 486/ 4. ـ ابن الأثير، النهاية في غريب الحديث، باب الضاد مع الراء، 81/ 3. (3/12)
صفحة 1165
الفصل الرابع: القاعدة الكلية الكبرى الرابعة
13
6 - وذهب البعض إلى أن الضرر والضرار لفظان بمعنى واحد تكلم بهما
جميعاً على وجه التأكيد لا غير
(1)
- والضرر يرجع إلى أحد أمرين: إما تقريب مصلحة أو حصول مفسدة بوجه من الوجوه (2).
مجمل القول:
ومن مجموع هذه التعريفات نخلص إلى القول إن الضرر هو الإخلال
هي
بمصلحة مشروعة للنفس أو الغير تعدياً أو تعسفاً أو إهمالاً (3)، فالمصلحة محل وقوع الضرر، وهي المنفعة التي قصدها الشارع الحكيم لعباده من حفظ دينهم ونفوسهم وعقولهم ونسلهم وأموالهم، طبق ترتيب معين فيما بينهما (4). ولعل من التعريفات المناسبة للضرر ما ذكره محمد بوساق أن «كل أذى يلحق الشخص سواء أكان مال متقوّم محرّم أم جسم معصوم أم عرض مصون»). وهذا التعريف اخترناه لأنه ـ في نظرنا ـ جامع ومانع، فقد تجنب كل المآخذ التي وردت في التعريفات السابقة من الخصوص والعموم، وحدد مفهومه تحديداً دقيقاً، فليس لأحد أن يضر غيره فرداً أم جماعة (شخصية طبيعية أم معنوية، سواء ضره أم لا، إلا أن له أن ينتصر ويعاقب إن قدر بما يسمح به الشرع، وليس ذلك ظلماً ولا ضراراً إذا كان على الوجه الذي أباحته السنة).
(1) الزيلعي نصب الراية، 386/ 4.
(2) ابن دقيق العيد، شرح الأربعين حديثاً النووية، ص 83، 84.
(3) موافي أحمد الضرر في الفقه الإسلامي، 97/ 1، دار ابن عفان السعودية، ط 1، 1997. (4) البوطي: ضوابط المصلحة، ص 23.
(5) بوساق محمد مدني، التعويض عن الضرر في الفقه الإسلامي، نشر دار إشبيليا الرياض، السعودية، ط 1، 1419 هـ / 1999 م، ص 28.
(6) ابن سعدي بهجة قلوب الأبرار، ص 49، 50. (3/13)
صفحة 1166
18
القواعد الفقهية عند الإباضية
ويشمل الضرر بالغير كل من قصد الإضرار بغيره ولم يقع لسبب من الأسباب، ولو زال ذلك لوقع، وكذلك من أوقع الضرر على غيره ولم يؤثر فيه، ولكن يحاسب على القصد السيئ.
ج ـ أما معنى الإزالة الوارد في القاعدة من زَوَل، فيقال: زال يزول زوالاً وهي ترجع في أصل اللغة إلى تنحي الشيء عن مكانه، ومنه زالت الشمس عن كبد السماء، ويقال أزالته عن المكان وزولته).
ولا يخرج المعنى الاصطلاحي للإزالة عن المعنى اللغوي لها، يقول صاحب معجم لغة الفقهاء: «الإزالة التنحية والإذهاب (3). ويستعمل في معنى الإزالة «الدفع» وهو في اللغة يدل على تنحية الشيء من مكانه، فيقال: دفعت الشيء أو دفعه دفعاً والمدفع الفقير الذي يدفعه الناس عند سؤاله (3)، ولا يخرج
المعنى الاصطلاحي للدفع عن المعنى اللغوي له، ولذلك قال المطرزي: الدفع معروف (4).
د ـ المعنى الإجمالي للقاعدة:
والسنة،
وهي
هذه القاعدة من جوامع الأحكام، ويشهد لها نصوص كثيرة من الكتاب الأساس لمنع الفعل الضار عن النفس والغير، وترتيب نتائجه في التعويض المالي والعقوبة، كما أنها سند لمبدأ الاستصلاح في جلب المصالح ودرء المفاسد، وهي عُدة الفقهاء وعمدتهم، وميزانهم في تقرير الأحكام الشرعية للحوادث).
(1) ابن فارس: معجم مقاييس اللغة، 383. - الفيومي، المصباح المنير، ص 354. (2) قلعة جي وقتيني، معجم لغة الفقهاء، ص 56.
(3) ابن فارس: المصدر نفسه 288/ 2. - الفيومي، المصدر نفسه، 266.
(4) المطرزي: المغرب في ترتيب المعرب، ص 166.
(5) الزرقا مصطفى: المدخل الفقهي العام فقرة 586، 978/ 2، 979. ـ الخليلي أحمد، فتاوى
المعاملات، ص 124. (3/14)
صفحة 1167
الفصل الرابع: القاعدة الكلية الكبرى الرابعة
15
يقول الراشدي في «الجواهر»: «فمعنى قولنا الضرر مزال»: محکوم بزواله؛ لأنه مفسدة، وقد جاء الشرع الشريف بدرء المفاسد، ولذا قال بعض العلماء بحصر الفقه في درء المفاسد، وجعل منه جلب للمصالح؛ لأنه مشروط بأن لا تكون مفسدة، فإن كانت قُدَّم درؤها على جلب المصلحة).
ونص القاعدة ينفي الضرر مطلقاً، فيوجب منعه سواء أكان الضرر عاماً أم خاصاً، وقفه قبل وقوعه بطرق الوقاية الممكنة؛ لأن الوقاية خير من ويوجب العلاج، أو رفعه بعد وقوعه بما يمكن من التدابير التي تزيل آثاره وتمنع تکراره، ومن ثُمَّ كان إنزال العقوبات المشروعة بالمجرمين لا ينافي هذه القاعدة، وإن ترتب على معاقبتهم ضرر بهم؛ لأن فيها عدلاً وإنصافاً، ودفعاً لضرر أعم وأعظم).
وشرع الجهاد لمقاومة الأعداء، ووجبت العقوبة لقمع الإجرام، وشرعت الشفعة لدفع ضرر الجار أو الشريك المتوقع.
والمقصود بمنع الضرر: نفي فكرة الثأر المحض لمجرد الانتقام؛ لأن هذا يزيد في الضرر ويوسع دائرته، ولأن الإضرار ولو على سبيل المقابلة لا يجوز أن يكون هدفاً مقصوداً وطريقاً عامة، وإنما يلجأ إليه اضطراراً عندما لا يكون غيره من طرق التلافي والقمع أفضل منه وأنفع، فمن أتلف مال غيره مثلاً: لا يجوز أن يقابل بإتلاف ماله؛ لأن في ذلك توسعة للضرر بلا منفعة، وأفضل منه تضمين المُتلف قيمة ما أتلف فإنَّ فيه نفعاً بتعويض المضرور وتحويل الضرر نفسه إلى حساب المعتدي، فإنه سيان بالنسبة إليه: إتلاف ماله، وإعطاؤه للمضرور لترميم الضرر الأول، فأصبحت مقابلة الإتلاف بالإتلاف مجرد حماقة، وذلك بخلاف الجناية على النفس والبدن مما شرع فيه القصاص،
(1) الراشدي: جواهر القواعد، ص 137.
(2) البورنو الوجيز، ص 79. - السدلان القواعد الفقهية الكبرى، ص 498. (3/15)
صفحة 1168
??
القواعد الفقهية عند الإباضية
فمَن قتل يقتل، ومن قطع يقطع، ومن جرح يجرح؛ لأن هذه الجنايات لا يقمعها إلا عقوبة من جنسها، كي يعلم الجاني أنه في النهاية كمن يعتدي على نفسه (1). وعلى كل حال، فإن القاعدة تفيد تحريم سائر أنواع الضرر إلا بدليل؛ لأن النكرة في سياق النفي تعم فلا إلحاق ضرر أو ضرار بأحد في ديننا، أي لا يجوز شرعاً إلا لموجب خاص)
(2)
(1) الزرقا مصطفى: المدخل، 2/ 978، 979. (2) المناوي فيض القدير، 431/ 6، 432. (3/16)
صفحة 1169
المطلب الثالث
علاقة قاعدة: الضرر يزال بقاعدة
المشقة تجلب التيسير
6
إذا تأملنا في قاعدة: «الضرر يزال أو لا ضرر ولا ضرار» والقاعدة التي قبلها المشقة تجلب التيسير نجد أن بينهما تقارباً واضحاً وتداخل بين، كما صرح بذلك السيوطي وابن نجيم في عبارتها هذه القاعدة مع التي قبلها متحدة أو متداخلة» (1) فالضرر من المشقة والمشقة تجلب التيسير فإزالة الضرر هو نوع من التيسير؛ لأن بقاءه فيه مشقة على العباد، ويترتب على ذلك ـ كما قال الحموي ـ: أن تصدق كل واحدة منهما على ما تصدق عليه الأخرى (2)، كما يترتب عليه صلاحية دخول بعض القواعد الفرعية تحت القاعدتين كقاعدة: «الضرورات تبيح المحظورات»، فقد اختار الراشدي في جواهره (3) وغيره إلحاقها بقاعدة: «الضرر يزال خلافاً لما ذهبنا إليه من إدراجها تحت قاعدة المشقة تجلب التيسير»، ومثله يقال في القاعدة الفرعية ما أبيح للضرورة يقدر بقدرها (4). هذا التداخل إلى أن كل قاعدة تعمل في نطاق الأخرى، فقاعدة: ويرجع الضرر يزال نطاقها الضرر الواقع بالناس الذي هو معنى الحرج والمشقة والضرورة، وتقضي القاعدة بإزالته، وقاعدة: «المشقة تجلب التيسير» نطاقها المشقة والحرج والضيق وهي بمعنى الضرر، وهذا يوحي بأنه لا فرق بين القاعدتين فلم أفردت كل واحدة بقاعدة؟
(1) السيوطي: الأشباه والنظائر، ص 114، ـ ابن نجيم، الأشباه والنظائر، ص 107.
(2) الحموي غمز عيون البصائر، 275/ 1. (3) الراشدي جواهر القواعد، ص 139. السيوطي، الأشباه والنظائر، ص 114. ابن نجيم،
الأشباه والنظائر، ص 107.
(4) الراشدي: المرجع نفسه، السيوطي، المصدر نفسه، ص 115. (3/17)
صفحة 1170
18
القواعد الفقهية عند الإباضية
فالذي يدقق النظر يجد فروقاً منها ما ذكره الجرجاني في بيان معنى الضرورة مشقة من الضرر وهو النازل مما لا مدفع له، فنطاق قاعدة: «المشقة تجلب التيسير المضار النازلة بالإنسان ولا يمكنه دفعها وإزالتها، وتقتضي التخفيف والتيسير في الأحكام.
أما قاعدة: «الضرر يزال فنطاقها المضار التي يلحقها الإنسان بنفسه أو بغيره، ويمكن إزالتها ودفعها بإزالة عينها، أو بالتعويض، أو بالعقوبة (2).
(1) الجرجاني: التعريفات، ص
180
(2) شبير محمد عثمان: القواعد الفقهية الكلية، ص 180. - إسماعيل علوان، القواعد الفقهية
الخمس الكبرى، ص 344. (3/18)
صفحة 1171
المطلب الرابع
ما يبنى على هذه القاعدة من أبواب الفقه
هذه القاعدة يبنى عليها الكثير من أبواب الفقه منها:
الأول الرد بالعيب لإزالة الضرر عن المشتري
الثاني جميع أنواع الخيار من اختلاف الوصف المشروط، والتغرير، وإفلاس المشتري ونحوها لرفع الضرر عن البائع والمشتري.
الثالث الحجر بأنواعه للمحافظة على مال غير القادر على التصرف
السليم. الرابع: الشفعة، شرعت للشريك، لدفع ضرر القسمة، وللجار لدفع ضرر
الجار السوء.
الخامس: القصاص، لدفع الضرر عن أولياء القتيل.
السادس: الحدود والتعزير، لدفع الضرر عن المجتمع وعمن لحق به.
السابع: الكفارات، لإزالة سبب المعصية.
الثامن: ضمان المتلف لإزالة الضرر اللاحق بمن أتلف له.
التاسع: القسمة لرفع الضرر عن أحد الشريكين أو كليهما.
العاشر: نصب الأئمة والقضاء، لمنع الضرر عن الأمة الإسلامية، حيث بوجودهم تقام الحدود، وتمنع الجرائم، وتستأصل شأفة الفساد. الحادي عشر: دفع الصائل، وهو المندفع إلى قتل غيره، وذلك لإبعاد ضرره عن النفس أو الغير أو المال.
الثاني عشر: قتال المشركين، لإظهار نور الحق ودحر فتنة الباطل، وصدّهم عن طريق الدعوة الإسلامية. (3/19)
صفحة 1172
20
القواعد الفقهية عند الإباضية
الثالث عشر: فسخ النكاح بالعيوب والإعسار، لإزالة الضرر عن الزوج أو
الزوجة.
يبني
وهكذا يظهر مما تقدم أن هذه القاعدة عليها من الفقه ما لا يحصر الأبواب الفقهية، مما في حكمة مشروعية دفع الضرر والإضرار عن
من العباد (1).
(1) الراشدي: جواهر القواعد، ص 138، 139. - السيوطي، الأشباه والنظائر، ص 114. (3/20)
صفحة 1173
المبحث الثاني
تأصيل قاعدة: «الضرر يزال»
تستند هذه القاعدة إلى نصوص كثيرة من القرآن والسنة، وآثار السلف الصالح من الصحابة والتابعين وأتباعهم، كما تستند إلى الإجماع والمعقول،
وقد تضافرت كل هذه الأدلة على بيان هذه القاعدة وتأييدها.
أولاً: من القرآن الكريم:
أ - نصوص تدل على النهي عن الضرر والمضارة منها: ما نقله الراشدي في «جواهره» بقوله: وأصل هذه القاعدة:
1 - قوله تعالى: {وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سرحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ صِرَارًا لِتَعْتَدُوا} (البقرة: (23).
وجه الاستدلال:
أرشد الله تبارك وتعالى في هذه الآية عباده المؤمنين إلى أن من طلق امرأته ثم بدا أن يراجعها قبل أن تنقضي عدتها لرغبته فيها وندمه على فراقها أن يراجعها، ونهاهم أن يراجعوهن لقصد الإضرار بهن كما يفعل أهل الجاهلية وبعض المسلمين في صدر الإسلام قبل تحديد الطلاق ثلاثاً، إذ لم يكن الطلاق محدداً بعدد معين، ولكن كان له عدة معلومة، فكان أحدهم يطلق المرأة حتى إذا أوشكت عدتها أن تنقضي راجعها ثم يطلقها ثم يراجعها وهكذا، يقصد بذلك الإضرار بالمرأة فلا هو يأوي إليها كما يأوي الزوج لزوجته، (3/21)
صفحة 1174
22
القواعد الفقهية عند الإباضية
ولا هو يطلق سراحها لتتزوج بغيره، فيضرها ذلك، فأنزل الله وعمل تحديد عدد الطلاق، ونهاهم عن المراجعة بقصد الإضرار بهن، وكل ذلك لدفع الضرر عن المرأة).
2 - وقوله تعالى: {الطَّلَقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكُ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحُ بِإِحْسَنِ}
(البقرة: 229).
أفادت هذه الآية مع التي قبلها معنى واحداً متقارباً، وذلك أن الرجل كان يطلق امرأته ثم يراجعها ولا حاجة له بها ولا يريد إمساكها، كما يطول بذلك العدة قاصداً إلى الإضرار بها في كل ذلك قال القرطبي: في هذا المعنى «فأفادنا هذا الخبر أن نزول الآيتين المذكورتين كان في معنى واحد متقارب وذلك حبس الرجل المرأة ومراجعته لها قاصداً إلى الإضرار بها، وهذا
ظاهر» (2).
فالتنبيه على منع الإضرار وتحريمه في القرآن الكريم يدل على خطورة هذا الموضوع، وأن نفي الضرر كان أمراً معنياً به في كل صغير وكبير (3). - قوله تعالى: {وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَن الرَّضَاعَةً وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لَا تُكَلِّفُ نَفْسُ إِلَّا وُسْعَهَا لَا تُضَارَ وَالِدَهُ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَن تَرَاضِ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا وَإِنْ أَرَدتُّمْ أَن تَسْتَرْضِعُوا أَوْلَدَكُمْ فلا جناح عليكم إِذَا سَلَّمْتُم مَّا عَانَيْتُم بِالْمَعْرُوفِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} (البقرة: 233).
(1) الطبري: جامع البيان، 456/ 2 و 480. ـ الواحدي، أسباب النزول، ص 111. . القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، 156/ 3 - إسماعيل علوان، القواعد الفقهية، ص 338، 339.
(2) القرطبي: المصدر نفسه، 156/ 3.
(3) الندوي: القواعد الفقهية، ص 290. (3/22)
صفحة 1175
الفصل الرابع: القاعدة الكلية الكبرى الرابعة
وجه الاستدلال
23
ففي هذه الآية ينهى الله تبارك وتعالى كلاً من الزوجين اللذين حصل بينهما خصام وفرقة، أن يتخذ الطفل وسيلة للإضرار بالآخر، فتنهى الأم عن الامتناع عن إرضاع طفلها بقصد الإضرار بأبيه، ما دامت تُعطى أجرة مثلها في الإرضاع، وينهى الأب عن انتزاع الطفل من أمه بقصد أن يضرها بذلك، ما دامت تقبل أجرة مثلها من المرضعات، وما ذلك إلا لدفع الضرر عن الطفل. وأشار سيد قطب في «الظلال» إلى هذا المعنى بعبارة بليغة بأن جعل وسيلة الإضرار عند الزوجين هو الضغط على الجانب العاطفي فيقول: فهذه الآية الكريمة فيها حثّ على الحنان والرأفة بالوليد، ونفي المضارة بين الزوجين، فلا ينبغي أن يتخذ أحد الوالدين من الطفل سبباً لمضارة الآخر، فلا يستغل الأب عواطف الأم وحنانها ولهفتها على طفلها ليهددها به، أو تقبل رضاعه بلا مقابل، ولا تستغل هي عطف الأب على ابنه له لتثقل كاهله بمطالبها» (2).
4 - وقال تعالى في شأن الوصية بالدين مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٌ} (النساء: (12).
وقال فيما يتعلق بالبيع: {وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ وَلَا يُضَارٌ كَاتِبٌ وَلَا شهيدٌ} (البقرة: 282).
فقد دلت هاتين الآيتين وغيرهما على تحريم الضرر ومنعه.
وإن من يستقرئ أحكام الشريعة في كل جزئياتها يدرك تماماً أن الشارع الحكيم قصد من ذلك تحريم كل أنواع الضرر، وأن الجزئيات تندرج تحت أصل كلي يمكن أن يرجع إليه كل ما كان من هذا القبيل.
(1) القرطبي: المصدر نفسه، 3/ 167. - الطبري، جامع البيان، 497/ 2، 498. (2) سيد قطب، في ظلال القرآن، ط 10، دار الشروق بيروت والقاهرة 1402 هـ / 1982 م، 254/ 1. (3/23)
صفحة 1176
24
القواعد الفقهية عند الإباضية
وقوله تعالى: {وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمْ} (النساء: 5).
وليس الضرر الذي ورد ذكره في القرآن الكريم منحصراً في نطاق اللفظ الذي تتكون مادته من الضرر بل ورد بصور وأشكال مختلفة مما يؤدي معنى الضرر، ولذلك فقد استدل الفخر الرازي على هذه القاعدة بهذه الآية وهي عن هذه القاعدة كذلك؛ لأن هذا الأصل مبثوث معناه
تعد
من
الأدلة الكاشفة
في سائر الأحكام، قال صاحب تيسير التحرير «فيها دليل على دفع الضرر وذلك لأجل أن لا يتلف ماله قطعاً» (1).
فكل من لم يكن له عقل يفي بحفظ المال سواء كان من النساء أو الصبيان والأيتام نهى الله الله عن تمكينه من التصرف في الأموال التي جعلها الله للناس قياماً: أي تقوم بها معايشهم في التجارات وغيرها (2).
والمقصود من ذلك الاحتياط في حفظ أموال الضعفاء والعاجزين، كما
ذكر ذلك الرازي وغيره في تفاسيرهم
6 - قوله تعالى: {وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَطِلِ} (البقرة: 188). 7 - وقوله تعالى: {وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا} (الأعراف: 56). 8 - وقوله عل: {وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ} (البقرة: 205).
_9
- وقوله تعالى: {وَلَا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا} (النساء: 29).
(1) الحسيني محمد أمين المعروف بأمير بادشاه، تيسير التحرير شرح على كتاب التحرير في أصول الفقه الجامع بين اصطلاحي الحنفية والشافعية لابن الهمام، ط 1، 1350 هـ، مطبعة مصطفى البابي الحلبي، مصر، 301/ 2.
(2) الرازي: التفسير الكبير، القول الرابع، 185/ 9. - ابن كثير، تفسير القرآن العظيم، ط 2 دار الفكر، تصوير 1389 هـ/ 1970 م، 203/ 2.
(3) الرازي: المصدر نفسه، 183/ 9. (3/24)
صفحة 1177
الفصل الرابع: القاعدة الكلية الكبرى الرابعة
25
10 - وقوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَتِ الْغَفِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} (النور: (23). فهذه الآيات الأخيرة تدل على أن كل ما يضر بالإنسان والحيوان والنبات والأموال هو من قبيل الفساد في الأرض والظلم والعدوان، وأن كل ذلك مما يوجب سخط الله تعالى وعقابه في الآخرة، كما يوجب على الحاكم اتخاذ التدابير الزاجرة لمنعه وإزالة ما يترتب عليه من آثار مادية أو معنوية (1).
ب - وردت نصوص تدل على إزالة الضرر بعد وقوعه منها قوله تعالى وَدَاوُدَ وَسُلَيْمَنَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَهِدِينَ * فَفَهَمْنَهَا سُلَيْمَنَ وَكُلًّا وَانَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا وَسَخَرْنَا
مَعَ دَاوُدَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرِ وَكُنَّا فَاعِلِينَ} (الأنبياء: 78 - 79).
ففي الآيتين ذكر لحادثة فعل ضار، وهو أن غنم شخص دخلت مزرعة آخر فرعت فيها وأفسدت الغلة، فذهبا إلى كل من داود وسليمان عليهما السلام ليقضيا بينهما، فقضيا بحكمين مختلفين دون أن يذكر في الآيتين حقيقة الحكمين، لكنهما أشارا إلى أن رأي سليمان هو الصواب والعدل الذي يحقق التعادل عن الضرر والعوض، فالآيتين تدلان على إزالة الضرر، وترميم الآثار الناجمة عن الضرر وقد نقل الطبري عن ابن عباس حكم سليمان عليه في هذه الحادثة، وهو أن الحرث لا يخفى عن صاحبه ما يخرج منه كل عام، فله من صاحب الغنم أن يبيع من أولادها وأصوافها ومنافعها حتى يستوفي ثمن الحرث في حين كان حكم داود أن يأخذ صاحب المزرعة الغنم؛ لأنها تقارب قيمة الغلة التي أفسدت (2).
(1) شبير محمد عثمان: القواعد الكلية، ص 166.
(2) الطبري: جامع البيان في تفسير آي القرآن، 38/ 17 - شبير القواعد الكلية، 166 - 167. (3/25)
صفحة 1178
26
مجمل القول:
القواعد الفقهية عند الإباضية
وهكذا يتضح من خلال الآيات القرآنية المتقدمة أن قاعدة: «الضرر يزال» دلت على العمل بها نصوص من الكتاب ومن السُّنَّة ـ كما سيأتي ـ، وتعزيزاً لما ذكر لا بأس أن نورد نصاً عن الشاطبي على بعض أنواع الأدلة الواردة في القرآن بقوله: «فإن الأدلة قد تأتي في معان مختلفة ولكن يشملها معنى واحد شبيه بالأمر في المصالح المرسلة والاستحسان فتأتي السنة بمقتضى ذلك المعنى الواحد فيعلم أو يظن ذلك المعنى مأخوذ من مجموع تلك الأفراد بناء على صحة الدليل الدال على أن السُّنَّة إنما جاءت مبينة للكتاب {وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ} (النحل: 44)، فلا تجد في السنة أمراً إلا والقرآن قد دلَّ على معناه دلالة إجمالية أو تفصيلية، ومثال هذا الوجه صلب معنى قوله: (لا ضرر ولا ضرار).
ثانياً: من السنة النبوية
إذا نظرنا إلى سُنّة الرسول صلى الله عليه وسلم وقضاياها وجدناها سارية على هذا المنهج مقررة لهذا المبدأ العظيم، فقد وردت عدة أحاديث بنفي الضرر والضرار،
وتوجب إزالة الضرر وجبر آثاره، وهي تعبير عن معنى القاعدة من ذلك: 1 ـ ما رواه أصحاب السنن والدارقطني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا ضرر ولا ضرار» (2).
(1) الشاطبي: الموافقات 47/ 4 الدليل الثاني (السُنّة). (2) رواه ابن ماجه في السنن، كتاب الأحكام، باب من بنى في حقه ما يضر بجاره، 2/ 784، وأشار المعلق نقلاً عن مصباح الزجاجة إلى تضعيفه بجابر الجعفي، وأخرجه أحمد في المسند، 313/ 1، وقد جاء الحديث من طريق عدد من الصحابة رضوان الله عليهم وبألفاظ مختلفة، فجاء من حديث عبادة بن الصامت له عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم «قضى أن لا ولا ضرار»، وأخرجه ابن ماجه في الموضع السابق وأشار المعلق نقلاً عن مصباح الزجاجة
ضرر
إلى أن رجاله ثقات، إلا أنه منقطع، وأخرجه أحمد 326/ 5، 327. وجاء أيضاً من حديث
= (3/26)
صفحة 1179
الفصل الرابع: القاعدة الكلية الكبرى الرابعة
27
أقوال العلماء في متن الحديث وسنده:
نقل الراشدي في «جواهره عن النووي بعض ما ذكره العلماء في درجة هذا الحديث فقال: «حديث حسن رواه ابن ماجه والدارقطني وغيرهما، ورواه مالك في الموطأ مرسلًا عن عمرو بن يحيى عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم فأسقط أبا سعيد، وله طرق يقوي بعضها بعضاً» (1). ونقل أيضاً عن ابن رجب الحنبلي في جامع العلوم والحكم قوله: أما ابن ماجه فخرجه عن عبادة بن الصامت أن النبي صلى الله عليه وسلم «قضى أن لا ضرر
ولا ضرار» (2).
ولعل أجود الطرق لهذا الحديث ما رواه الحاكم وغيره عن أبي سعيد الخدري الا الله أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: «لا ضرر ولا ضرار، من ضارّ ضاره الله ومن شاق شق الله عليه يوم القيامة» (3). وقد ورد الشطر الأخير
أبي سعيد الخدري عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا ضرر ولا ضرار، من ضار ضره الله، ومن شاق شق الله عليه». وأخرجه البيهقي في السنن الكبرى، كتاب الصلح، باب لا ضرر ولا ضرار، 69/ 6. وأخرجه الدارقطني في ك البيوع 77/ 3. وجاء أيضاً من حديث جابر بن عبد الله وعائشة ما أوردهما الهيثمي في مجمع الزوائد، 113/ 4 وعزاهما إلى الطبراني في الأوسط، وذكر أن في حديث جابر: محمد بن إسحاق، وهو مدلس، وفي حديث عائشة رجل متهم بالكذب.
ورواه مالك مرسلاً من حديث عمرو بن يحيى المازني عن أبيه في كتاب الأقضية، باب
القضاء في المرفق، 745/ 6، والحديث صححه الألباني في السلسلة الصحيحة 99/ 1. (1) الراشدي الجواهر، ص 135، 136 نقلاً عن النووي يحيى بن شرف الدين شرح متن الأربعين النووية، تحقيق عبد الله إبراهيم الأنصاري الناشر مكتبة جدة، السعودية (دت)، ص 124 بتصرف.
(2) الراشدي: المرجع نفسه، ص 136 نقلاً عن ابن رجب، جامع العلوم والحكم، ص 219 - 220.
(3) هكذا بلفظ الحاكم وقال: هذا حديث صحيح الإسناد على شرط مسلم ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي على ذلك، ينظر الحاكم في المستدرك مع تلخيص الذهبي، كتاب البيوع، ط بيروت، =
: (3/27)
صفحة 1180
28
القواعد الفقهية عند الإباضية
من الحديث في صحيح البخاري بلفظ: من شاق شق الله عليه يوم
القيامة» (1).
الصامت
وقال ابن عبد البر: «لم يختلف عن مالك في إرسال هذا الحديث، قال: ولا يسند من وجه صحيح، ورواه أيضاً ابن ماجه من حديث عبادة بن وفيه انقطاع ومن حديث ابن عباس له وفيه جابر الجعفي وهو ضعيف، ورواه الدارقطني والحاكم والبيهقي من حديث أبي سعيد الخدري، وقال الحاكم: صحيح الإسناد على شرط مسلم، وقال البيهقي: تفرد به عثمان عن الدراوردي، وخرجه الطبراني من وجهين ضعيفين عن عائشة وجابر ا، وخرّجه الدارقطني من حديث أبي هريرة الله
وقال أبو عمرو بن الصلاح: «هذا الحديث أسنده الدارقطني من وجوه، ومجموعهما يُقوّي الحديث ويحسنه، وقد تقبلته جماهير أهل العلم واحتجوا به» (2).
هذا وقد أجاد الإمام الشاطبي في قوله: «أنّ الحديث المذكور لا ضرر ولا ضرار رغم كونه من الأدلة الظنية داخل تحت أصل قطعي في هذا المعنى، حيث إن الضرر والضرار مثبوث منعه في الشريعة كلها على وقائع جزئيات وقواعد كليات، كقوله تعالى: {وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا} (البقرة: (23)، {وَلَا نُضَارُوهُنَّ لِيُضَيقُوا عَلَيْهِنَّ} (الطلاق: (6)، {لَا تُضَارَ وَلِدَةٌ بِوَلَدِهَا} (البقرة: 233)، ومنه النهي عن التعدي على النفوس والأموال والأعراض، وعن الغصب والظلم
57/ 2، 58، والشطر الثاني من الحديث رواه أبو داود في سننه عن طريق أبي صرمة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من ضارّ أضر الله به، ومن شاق شاق الله عليه»، ينظر: سنن أبي داود مع عون المعبود، ط 2، المكتبة السلفية، المدينة المنورة 1388 هـ / 1969 م، 64/ 10. (1) صحيح البخاري بفتح الباري، ط دار الفكر، ترقيم محمد فؤاد عبد الباقي، 128/ 13. (2) ابن الأثير: جامع الأصول في أحاديث الرسول، 644/ 6، 645، مطبعة الملاح، ومثله للمناوي في فيض القدير، 446/ 6. (3/28)
صفحة 1181
الفصل الرابع: القاعدة الكلية الكبرى الرابعة
29
وكل ما هو في المعنى إضرار أو ضرار، ويدخل تحته الجناية على النفس أو العقل أو النسل، فهو معنى في غاية العموم في الشريعة لا مراء فيه ولا شك، وإذا اعتبرت أخبار الآحاد وجدتها كذلك» (1).
وقد نبه الحافظ ابن عبد البر أيضاً إلى هذا المعنى فقال: «وأما معنى هذا
من
الحديث فصحيح في الأصول، وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: الله «حرم المؤمن دمه وماله وعرضه، وأن لا يظن به إلا الخير»، وقال: «إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام (3) يعني من بعضكم على بعض، وقال حكاية عن ربه: «يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي فلا تظالموا» (4)، وقال الله عَل: {وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا} (طه: 111)).
«والذي يصح في النظر ويثبت في الأصول أنه ليس لأحد أن يضر بأحد سواء أضر به قبل أم لا، إلا أنَّ له أن ينتصر ويعاقب إن قدر بما أبيح له من السلطان، والاعتداء بالحق الذي له هو مثل ما اعتدى به عليه، والانتصار ليس باعتداء ولا ظلم ولا ضرار إذا كان على الوجه الذي أباحته السنة ... ).
10 - 9/ 3
(1) الشاطبي: الموافقات، تحقيق محي الدين عبد الحميد، ط مصر محمد علي صبيح، (2) أخرجه الطبراني في المعجم الكبير، من اسمه عبد الله وما أسند عبد الله بن عباس ا - طاوس، حديث: 10762 بلفظ عن ابن عباس، قال نظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الكعبة فقال: «لا إله إلا الله ما أطيبك، وأطيب ريحك، وأعظم حرمتك، والمؤمن أعظم حرمة منك، إن الله جل جعلك حراماً، وحرم من المؤمن ماله ودمه وعرضه، وأن نظن به ظناً سيئاً». (3) متفق عليه، أخرجه البخاري، كتاب العلم، باب قول النبي صلى الله عليه وسلم: رب مبلغ ـ حديث: 67. ورواه مسلم، كتاب القسامة والمحاربين والقصاص والديات، باب تغليظ تحريم والأعراض والأموال، حديث: 3266 عن نفيع بن الحارث بن كلدة الثقفي. (4) رواه مسلم، كتاب البر والصلة والآداب، باب تحريم الظلم، حديث: 4780 وأحمد في مسند الأنصار حديث أبي ذر الغفاري حديث: 20893، وصححه الألباني، ابن حبان في صحيحه، كتاب الرقائق، باب التوبة، ذكر الإخبار عما يجب على المرء من لزوم التوبة في
جميع، حديث: 620 عن أبي ذر الغفاري صلي الله عن رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الله تعالى.
(5) ابن عبد البر، التمهيد 20/ 160 – 175 – 185.
الدماء (3/29)
صفحة 1182
القواعد الفقهية عند الإباضية
وجه الاستدلال بالحديث:
ووجه الدلالة من الحديث أن الرسول صلى الله عليه وسلم نفى الضرر مطلقاً؛ لأنه نكرة في سياق النفي فيعم فلا يكون النفي واقعاً على الإمكان ولا على الوقوع الفعلي؛ لأن كُلاً من الضرر والضرار واقع وموجود بكثرة، فلا يصح أن يراد ذلك أو إذا انتفى أن يكون المراد نفي الإمكان أو الوقوع، فتعين أن يكون المراد به أنه يجوز الضرر والضرار في ديننا، وإذا انتفى الجواز ثبت التحريم). ألا يكون هناك ضرر من إنسان لنفسه ولا لغيره؛ لأن الضرر هو
نفي
فينفي
(2)
إلحاق مفسدة بالغير مطلقاً والضرار مقابلة الضر بالضرر (2).
والحديث نص في تحريم الضرر مطلقاً؛ لأن النفي بـ (لا) الاستغراقية يفيد تحريم سائر أنواع الضرر من الشرع؛ لأنه نوع من الظلم إلا ما خص بدليل كالحدود والعقوبات (3).
وخبر لا النافية هو كائن أو جائز، أي لا ضرر جائز ولا ضرار جائز في الإسلام، فالغرض من الحديث منع الضرر أيا كان، ولهذا فلا يجوز لأحد أن يلحق الضرر لا بنفسه ولا بغيره، ولا يجوز أن يقابل الضرر بضرار، فكأن النبيصلى الله عليه وسلم يقول: لا تضروا ولا تقابلوا الضرر بضرار، وهذه مرتبة عليا، إذ لم يقابل الإنسان إضرار الناس بالضرار، كما قال تعالى: {فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّلِمِينَ} (الشورى: 40).
وأفضل ما قيل في شرح هذا الحديث ما ذكره ابن رجب في عبارة موجزة وفت بالغرض المراد: إن الضرر معناه به من لا يضره، والضرار أن يضر بمن
أضر به على وجه غير جائز» (4).
(1) بخيت الحاشية على شرح الأسنوي، 357/ 4.
(2) الزرقا مصطفى: المدخل الفقهي العام، 977/ 2 - الأتاسي، شرح المجلة، 24/ 1.
(3) السيوطي: الأشباه والنظائر،
، ص
92
(4) ابن رجب، جامع العلوم والحكم، ص 267. (3/30)
صفحة 1183
الفصل الرابع: القاعدة الكلية الكبرى الرابعة
31
فقوله على وجه غير جائز شرعاً احترز به مما لو كان الضرر مشروعاً، أي مأذوناً فيه، والنبي صلى الله عليه وسلم إنما نفى الضرر، والضرار بغير حق، فأما إدخال الضرر على من يستحقه، إما لكونه تعدى حدود الله فيعاقب بقدر جريمته، أو كونه ظلم غيره فيطلب المظلوم مقابلته بالعدل، فهذا غير مراد قطعاً، وأما غير ذلك من الأضرار فلا يجوز إلحاقها بأحد والنهي يشملها، جاء في إحكام الأحكام: وهو لا شك - أي حديث لا ضرر ولا ضرار - قاعدة من قواعد الدين يدل على تحريم الضرار على أي صفة كان» (1).
وعليه، فالضرر سواء كان ناتجاً عن فعل غير مشروع أو فعل مشروع يقصد به الإضرار، فلا يجوز إحداثه، ويقول ابن دقيق العيد في إحكام الإحكام أيضاً: «والمضارة معناها على القصد والإرادة، أو على فعل ضرر عليه، فمتى
قصد الإضرار ولو بالمباح أو فعل ضرراً من غير استحقاق، فهو مضار» (2). ولكن ما حكم الأفعال المشروعة إذا أدّت إلى ضرر من غير قصد من فاعلها، فهل تكون مضارًا أم لا؟ قال بعض أهل العلم: «أما إذا فعل الضرر المستحق للحاجة إليه والانتفاع به لا بقصد الإضرار فليس
بمضار» (3).
ولكن هذا الكلام يحتاج إلى تفصيل، فقد يكون الضرر الذي يلحق
بالآخرين جسيماً مقابل منفعة زهيدة لصاحب الفعل المشروع.
مما تقدم يظهر أنه لا يجوز إلحاق الضرر بالآخرين، ولو كان الفعل مشروعاً في ذاته؛ لأن «درء المفاسد مقدم على جلب المصالح» فيكون بالتالي نهياً عن الأسباب التي تؤدي إليه، سواء كان الضرر مقصوداً أم غير مقصود،
(1) النجدي عبد الرحمن بن حمد بن القاسم، إحكام الأحكام شرح أصول الأحكام، المطبعة
التعاونية بدمشق، 86/ 3 - 89.
(2) المصدر نفسه.
(3) نفسه. (3/31)
صفحة 1184
32
القواعد الفقهية عند الإباضية
اجتثاثاً لواقعة الضرر في أية صورة من صوره بمنع أسبابه المحرمة، وكذلك أسبابه المشروعة في الأصل، إذا أدت إلى إحداث ضرر جسيم بالآخرين، وهذا ما يدل عليه عموم الحديث، وإطلاقاً لمراد الشارع إلى أقصى ما يمكن أن يتضمنه اللفظ من الصور، إلا ما استثني منها بدليل، وهو الذي يقتضيه عموم الحديث وإطلاقه (1).
ومما تجدر الإشارة إليه أن بعض فقهاء المالكية خص النهي عن الضرر في الحديث بالضرر الذي يلحق الجار فحسب (2).
غير أن هذا التخصيص لم يقل به أحد، والجمهور على خلافه، بل هو محض تحكم، ولا دليل يسنده، ولذلك فقد شدّد العلامة الشوكاني في الإنكار على هذا التخصيص، وجزم بأن معنى الحديث يدل على تحريم الضرار على أي صفة كان من غير فرق بين الجار وغيره فلا يجوز في صورة من الصور إلا بدليل يخص هذا العموم، ومن ادعى جواز المضارة في بعض الصور فعليه بالدليل، فإن جاد به قبلته، وإلا ضربتُ بهذا الحديث وجهه، فإنه قاعدة من قواعد الدين تشهد له كليات وجزئيات (3). وجاء في بدائع المنن أن في الحديث تحريماً لسائر أنواع الضرر إلا بدليل مخصص؛ لأن النكرة في سياق النفي تعمّ، وفيه إلحاق أصله لا لحوق ولا إلحاق أو ضرر ولا ضرار بأحد، فبين اللفظين فرق والمعنى: أن الضرر منتف في الشرع أصلاً، ولا يجوز إدخال الضرر على أحد، ولعل هذا المعنى
(1) بوساق محمد مدني التعويض عن الضرر، ص 133 - 134. (2) الباجي القاضي أبو الوليد الأندلسي، المنتقى شرح موطأ إمام دار الهجرة مالك بن أنس، ط 1، سنة 1332 هـ مطبعة السعادة بمصر، 41/ 6.
(3) الشوكاني: نيل الأوطار، 387/ 5. (4) الساعاتي أحمد عبد الرحمن بدائع المنن في جمع وترتيب مسند الشافعي والسنن، الطبعة الأولى سنة 1379 هـ دار الأنوار للطباعة والنشر 193/ 2. (3/32)
صفحة 1185
الفصل الرابع: القاعدة الكلية الكبرى الرابعة
33
مما دلت عليه المعاني اللغوية لكلا اللفظين؛ إذ جاء في كتب اللغة أن الضرر هو الاسم، والضرار هو الفعل).
وقال الطوفي في شرح الحديث فيه حذف أصله لحوق أو إلحاق ضرر بأحد ولا فعل ضرار مع أحد، ثم المعنى لا لحوق ضرر شرعاً إلا بموجب خاص مخصص، أما التقييد بالشرع فلأن الضرر بحكم القدر الإلهي لا ينتفي، أما استثناء لحوق الضرر بموجب خاص؛ فلأن الحدود والعقوبات ضرر لاحق بأهلها وهو مشروع بالإجماع، وإنما كان ذلك دليلاً خاصاً (2).
2 ـ ما رواه أبو داود في سننه عن سمرة بن جندب أنه كانت له عضد (3) من نخل في حائط رجل من الأنصار، قال ومع الرجل أهله، قال فكان سمرة يدخل إلى نخله فيتأذى ويشق عليه، فطلب إليه أن يبيعه فأبى، فطلب إليه أن يناقله فأبى، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم وذكر له ذلك، فطلب إليه النبي صلى الله عليه وسلم أن يبيعه فأبى، فطلب إليه أن يناقله فأبى قال: فهَبْه له ولك كذا وكذا أمراً ورغبة فيه فأبى، فقال: «أنت مضار»، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم للأنصاري: «اذهب فاقلع نخله» (4).
(1) البستاني بطرس محيط المحيط، 1243/ 2. (2) الطوفي: شرح حديث لا ضرر ولا ضرار ملحق بكتاب المصلحة في التشريع الإسلامي لمصطفي زيد، ص 206.
(3) قال الأصمعي: إذا صار للنخلة جذع يتناول المتناول منه، فتلك النخلة العضيدة وجمعه عضدان، ينظر السهارنفوري بذل المجهود في حل سنن أبي داود، 361/ 15، ط دار الكتب العلمية لبنان. (4) رواه أبو داود، السنن، كتاب الأقضية باب من القضاء، حديث: 3170 عن سمرة بن جندب الفزاري. ينظر: السهارنفوري، بذل المجهود 316/ 15، وفي روايته في سنن أبي داود من حديث أبي جعفر محمد بن علي أنه كان له عذق من نخل في حائط رجل ومع الرجل أهله، ينظر: سنن أبي داود، باب القضاء، الأحكام السلطانية لأبي يعلى الحنبلي، ص 285. ابن رجب جامع العلوم والحكم، روايات متعددة، ص 296 وما بعدها. (3/33)
صفحة 1186
34
القواعد الفقهية عند الإباضية
وجه الاستدلال بالحديث:
أنه لا يجوز للمسلم إلحاق الضرر بأخيه المسلم، فإن صدر منه ذلك فعليه إزالة الضرر بنفسه، فإن امتنع عن ذلك فيجوز للحاكم أن يأمر من يقوم بإزالته طوعاً أو كرهاً كما حدث في هذا الحديث، فلما كان صاحب الأرض يتضرر بدخول صاحب الشجرة عليه، ويطلع على أهله عند الدخول إلى نخله، أو لما يكون أعلاها يقطف ثمارها، فحاول أن يتفاهم معه بالحسنى فأبى، فشكاه للرسول الا الله، فحكم عليه أن يقبل منه بدلها أو يتبرع له بها، فلم يفعل أنه وعده بأن يعوضه الله أحسن منها في الجنة، فهنا يجب إزالة الضرر مهما كان، فأذن الرسول له الصاحب الأرض، قلعها، وقال لصاحب الشجرة: إنما أنت مضار».
رغم
6
ولا شك أن هذه المسألة توضح مدلول قوله صلى الله عليه وسلم: «لا ضرر ولا ضرار». - وقوله: «كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه (1)، فهو يدل على عدم إلحاق الضرر بالغير.
ـ وقوله صلى الله عليه وسلم: «على اليد ما أخذت حتى تؤديه» (2). فالحديث يدل على
(1) أخرجه مسلم، كتاب البر والصلة والآداب باب تحريم ظلم المسلم، حديث: 4756. والترمذي سنن الجامع الصحيح، الذبائح أبواب البر والصلة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، باب ما جاء في شفقة المسلم على المسلم حديث: 1899، 325/ 4، وقال حسن غريب، ورواه أبو داود في السنن، كتاب الأدب باب في الغيبة، حديث: 4259 وصححه الألباني، عن أبي هريرة الدوسي. (2) أخرجه الحاكم في المستدرك، كتاب البيوع وأما حديث أبي هريرة ـ حديث: 2243 وقال: «هذا حديث صحيح الإسناد على شرط البخاري ولم يخرجاه». أخرجه الترمذي، كتاب البيوع، أبواب الجنائز عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أبواب البيوع عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، باب ما جاء أن العارية مؤداة، حديث: 1224، 566/ 3 عن الحسن عن سمرة بن جندب، وعلق على الحديث فقال: «قال قتادة ثم نسي الحسن، فقال: فهو أمينك لا ضمان عليه، يعني: العارية: هذا حديث حسن، وقد ذهب بعض أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وغيرهم إلى
في
هذا، وقالوا يضمن صاحب العارية، وهو قول الشافعي، وأحمد، وقال بعض أهل العلم -
= (3/34)
صفحة 1187
الفصل الرابع: القاعدة الكلية الكبرى الرابعة
35
وجوب رد المقبوض من مال الغير، ولا يبرأ إلا بمصيره إلى مالكه أو مَنْ يقوم مقامه، ويدخل في ذلك الغصب والوديعة والعارية (1)؛ فالغاصب المعتدي على مال الغير يبقى مسؤولاً عن أخذه المال حتى يرده إلى مالكه ذلك وفي رفع
(2)
للضرر (2).
ه ـ عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده رفعه قال: «من تطبب ولم يكن بالطب، معروفاً، فأصاب نفساً فما دونها فهو ضامن» (3). فالحديث يدل على تضمين المتطبب ما أتلفه من نفس فما دونها، سواء أصاب بالسراية أم بالمباشرة، وسواء كان عمداً أم خطأ؛ لأن المتطبب تكلف الطب ولم يكن طبيبا، فالمتطبب من ليس له خبرة بالعلاج ـ عن يحيى بن سعيد، قال: كان سعيد بن المسيب، يحدث أن معمراً، قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من احتكر فهو خاطئ، فقيل لسعيد: فإنك تحتكر،
(4)
قال سعيد: إن معمرا الذي كان يحدث هذا الحديث، كان يحتكر»).
من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وغيرهم: ليس على صاحب العارية ضمان إلا أن يخالف، وهو قول الثوري، وأهل الكوفة، وبه يقول إسحاق». أما الألباني فقد ضعفه. (1) خان نور الحسن بن صديق خان، فتح العلام لشرح بلوغ المرام، مؤسسة دار الكتب الثقافية، الكويت.
(2) شبير محمد عثمان: القواعد الكلية، ص 186.
بن
(3) أخرجه الدارقطني في السنن، كتاب الحدود والديات وغيره حديث: 2998، عن عبد الله عمرو بن العاص والحاكم في المستدرك، كتاب الطب أما حديث شعبة ـ حديث: 7551. بلفظ: «من تطبب ولم يعرف منه طب فهو ضامن. قال الحاكم: «هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه». وابن ماجه في السنن، كتاب الطب، باب من تطبب، حديث: 3464، والنسائي السنن الكبرى، كتاب القسامة، صفة شبه العمد، حديث: 6820 وحسنه الألباني. ينظر: الصنعاني، سبل السلام شرح بلوغ المرام 3 250. (4) الصنعاني: المصدر نفسه. - نور حسن خان فتح العلام 2/ 205. (5) رواه مسلم، کتاب المساقاة، باب تحريم الاحتكار في الأقوات، رقم 3097، وأبو عوانة، كتاب البيوع، باب الخبر الناهي عن الاحتكار والكراهية منه، رقم: 4451، عن معمر بن عبد الله. (3/35)
صفحة 1188
36
القواعد الفقهية عند الإباضية
وجه الاستدلال:
فهذا الحديث يدل على مسألة هامة في المعاملات التجارية وهي: جواز فرض الحظر على احتكار السلع التي هي من مقومات الحياة، متى أدى ذلك إلى الضرر بعامة الناس، كما يستفاد ذلك من تعليق الإمام المازري المالكي على هذا الحديث فيقول: «أصل هذا مراعاة الضرر، فكل من أضر بالمسلمين وجب أن ينفى عنهم، فإذا كان شراء الشيء بالبلد يغلي سعر البلد ويضر بالمسلمين امتنع المحتكر من شرائه نظراً للمسلمين عليه، كما قال العلماء: إنه إذا احتيج إلى طعام
رجل واضطر الناس إليه الزم بيعه منهم، فمراعاة الضرر هي هذا (1). الأصل في 7 ـ صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إن الله كتب الإحسان على كل شيء فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة وليحدّ أحدكم شفرته
وليرح ذبيحته» (2).
وجه الدلالة من الحديث
أن المسلم كما هو منهي عن الضرر والضرار فإنه مأمور بالإحسان، قال تعالى: {وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} (البقرة: 195). فهذه النزعة الإنسانية الكريمة وهي من مظاهر الشفقة والرحمة، تبرهن على نفي الضرر والضرار في كل دقيق وجليل، وعلى أن الشريعة وفي جميع أحكامها تتوخى العدل والسعة والسماحة (3).
(1) المازري أبو عبد الله محمد بن علي بن عمر، المعلم بفوائد مسلم، تقديم وتحقيق محمد الشاذلي النيفر، الطبعة الأولى، الدار التونسية للنشر، تونس 1987، 212/ 2. (2) رواه ابن ماجه في السنن، كتاب الذبائح، باب «إذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة» حديث: 3170، 1058/ 2، ورواه الترمذي: وقال: هذا حديث حسن صحيح، جامع الترمذي، الطبعة الثانية تحقيق إبراهيم عطوه عوض، كتاب الديات، باب ما جاء في النهي عن المثلة، حديث: 1366، 63/ 4. والنسائي في السنن الصغرى، كتاب الصيد والذبائح الأمر بإحداد الشفرة، حديث: 4353، عن شداد بن أوس. وصححه الألباني.
(3) الندوي على أحمد، القواعد الفقهية، ص 292. (3/36)
صفحة 1189
الفصل الرابع: القاعدة الكلية الكبرى الرابعة
37
فهذه الأدلة وغيرها تدل على مدى حرص الإسلام على حقوق الآخرين وإزالة الضرر عنهم، وسوف ننظر إلى فهم الصحابة رضوان الله عنهم لمدلول
هذه القاعدة.
ثالثاً: نصوص من الآثار:
1 - روى مالك عن عمرو بن يحيى المازني عن أبيه: أن الضحاك بن خليفة ساق خليجاً له من العريض، فأراد أن يمر به يمر به في أرض محمد بن مسلمة فأبى محمد، فقال له الضحاك: لم تمنعني وهو لك منفعة؟ تشرب به أولاً وآخراً ولا يضرك، فأبى محمد، فكلّم فيه الضحاك عمر بن الخطاب، فدعا محمد بن مسلمة، فأمره بأن يخلي سبيله، فقال محمد: لا، فقال عمر: والله لَيَمُرنَّ له ولو على بطنك، فأمره عمر أن يمر به ففعل الضحاك (1)، فقد فهم الصحابة رضوان الله عليهم أنه يمنع إلحاق الضرر بالغير، ويجب إزالته
عند وقوعه.
2 ـ عن علي بن أبي طالب - كرم الله وجهه ـ أن رجلين جاءا إليه ليشهدا على رجل بالسرقة فقطعه علي، ثم أتياه بآخر فقالا هذا الذي سرق وأخطأ في الأول، فلم يجز شهادتهما على الآخر، وأغرمهما الدية للأول؛ (أي دية اليد المقطوعة)، وقال: «لو علمت أنكما تعمدتما لقطعتكما» (2).
(1) أخرجه مالك في الموطأ، كتاب الأقضية، باب القضاء في المرفق، حديث: 1429، عن عمر بن الخطاب. ينظر: الباجي أبو الوليد سليمان بن خلف الأندلسي، المنتقى شرح موطأ الإمام مالك، ط 1، تصوير بيروت دار الكتاب العربي بمصر، مطبعة السعادة سنة
13331 هـ. 47/ 6.
(2) أخرجه البخاري، كتاب الديات باب إذا أصاب قوم من رجل هل يعاقب أو يقتص 42/ 8. وأخرجه عبد الرزاق الصنعاني في المصنف، كتاب العقول، باب من نكل عن شهادته، حديث: 17793 عن علي بن أبي طالب. (3/37)
صفحة 1190
38
القواعد الفقهية عند الإباضية
فهذا الأثر يدل على أن خطأ الشهود في شهادتهم يعد تسبباً في الضرر،
ويوجب الضمان (1).
ـ روى معاوية بن أبي سفيان أنه أُوتي بمجنون قتل رجلاً، فكتب إليه معاوية أن أعقله ولا تُقِدْ منه فإنه ليس على مجنون قود (2). فهذا النص يدل على أن المجنون مسؤول في ماله إذا صدر منه فعل ضار، كالقتل فإنه يتحمل الدية من ماله؛ لأن فعله من غير قصد يشبه قتل الخطأ، وقتل الخطأ يختص
بالعقل دون القصاص (3).
4
ـ وروى عن علي بن أبي طالب - كرم الله وجهه ـ أنه ضمن الغسال والصباغ، وقال: «لا يصلح الناس إلا بذلك» (4).
فقد ضمنه ما يتلف بعمله، أو ما يضيع عنده، وهذا استحسان على خلاف القواعد القياسية؛ لأن هؤلاء أجراء، و «الأجير لا يضمن إلا بالتعدي على الأمانة أو التقصير في حفظها».
رابعاً: الإجماع:
أجمع العلماء على تحريم أكل أموال الناس بالباطل، كما أجمعوا على تحريم الدماء إلا بحقها، كما أجمعوا على تحريم الأعراض وانتهاكها، وقد قررت الشريعة الإسلامية حفظ الضروريات، ومنعت كل اعتداء عليها، وشرعت
(1) الزرقا مصطفى أحمد الفعل الضار والضمان فيه، (2) السيوطي: الموطأ مع تنوير الحوالك. 182/ 2.
ص
40.
(3) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى، كتاب النفقات، جماع أبواب تحريم القتل ومن يجب عليه القصاص ومن لا قصاص، باب من عليه القصاص في القتل وما دونه، حديث: 14884 عن معاوية بن أبي سفيان. ينظر: الباجي، المنتقى، 71/ 7.
(4) المطيعي تكملة المجموع، 571/ 13. (5) الزرقا مصطفى الفعل الضار، ص 52. (3/38)
صفحة 1191
الفصل الرابع: القاعدة الكلية الكبرى الرابعة
39
الآثار
من الأحكام ما يرتب المسؤولية على المعتدي عليها، ويلزمه بتحريم الناجمة عن اعتدائه هذا ما قرره كثير من العلماء منهم السالمي وابن قدامه
وابن تيمية والشاطبي وغيرهم
(1)
يقول السالمي في هذا الصدد: فهذه الضروريات الخمس التي روعيت في كل ملة فشرع حفظها في كل شريعة ... (2).
خامساً: من المعقول
ويؤيد ما تقدم من الأدلة النقلية دليل عقلي، فقد ثبت عقلاً أن إباحة الضرر قبيحة والقبح لا يليق إن صدر من البارئ الله؛ ذلك أن المولى تبارك وتعالى قد وصف نفسه ووصف شرعه بأنه إصلاح لشؤون العباد، فلا يشرع ما هو قبيح أو فيه ضرر، فثبت عقلاً أن الضرر منفي ومرفوع).
(1) السالمي: طلعة الشمس، 2/ 120. - ابن قدامة: المغني 635/ 7. ـ ابن تيمية: مجموع
الفتاوى، 86/ 14. - الشاطبي: الموافقات، 9/ 2، 10.
(2) السالمي: طلعة الشمس، 2/ 120. - شبير محمد القواعد الكلية ص 169 - 170. - عزام
عبد العزيز: قواعد الفقه،
ص
(3) عزام عبد العزيز: المرجع نفسه، ص 158. (3/39)
صفحة 1192
المبحث الثالث
أنواع الضرر، ضوابطه وطرق إزالته
المطلب الأول أنواع الضرر
يتنوع الضرر أو الفعل الضار حسب اعتباره إلى ثلاثة أنواع: 1 - باعتبار محله يتعلق الضرر بالدين والنفس والعقل والعرض (النسب)
والمال (1).
2 - باعتبار دور فاعله إلى ضرر بالمباشرة أو غير المباشر كما يلي:
أ ـ الضرر المباشر:
وهو فعل الضرر من غير واسطة كالمباشر للقتل، وبعبارة أخرى: أن يتصل فعل الإنسان بغيره ويحدث منه التلف، كما لو ضرب غيره فمات (2).
وقد تناولت كتب الفقه قديماً تعريف المباشرة في إحداث الضرر من ذلك أن المباشرة هي إيجاد علة التلف فالضرر المباشر على هذا هو الفعل
(1) شبير محمد القواعد الكلية، ص
(2) شبير محمد: المرجع نفسه.
170 (3/41)
صفحة 1193
42
القواعد الفقهية عند الإباضية
الذي نتج عن علة المباشرة (1) وقيل: حد المباشر أن يحصل التلف بفعله من غير أن يتخلل بين فعله والتلف فعل مختار (2).
وعرفت المجلة العدلية المباشرة هي إتلاف الشيء بالذات، ويقال لمن فعله مباشر، فالضرر المباشر إذاً هو ما حصل في شيء بالذات، ويقال لمن
(3)
حصله فاعل مباشر). وعليه، يكون تعريف الضرر المباشر هو ما حصل بفعل من غير أن يتخلل بين حصوله والفعل المنتج له فعل مختار).
أو
هو
فهذه التعريفات جميعها قد وضحت أن الضرر المباشر هو ما كان من فاعل مباشر دون أن يتوسط بين الفاعل، وحدوث الضرر فعل آخر غير الأول، ما كان نتيجة تأثير لفعل بذاته دون واسطة وكان الفعل المنتج للضرر علة مباشرة، له كالذبح بسكين، فإن الذابح جالب للموت بذاته، وهو في الوقت نفسه علة للموت والإتيان بهذه العلة يسمى مباشرة، بحيث يضاف الهلاك إلى المباشرة في العادة، إضافة حقيقية كما إذا قتل إنساناً أو دابة أو أخرق ثوب شخص، أو قطع شجرة، أو أراق عصيره، أو هدم بناءه).
(1) العز بن عبد السلام قواعد الأحكام، 148/ 2. (2) القرافي: الفروق، 27/ 4. - الحموي: أحمد: غمز عيون البصائر شرح الأشباه والنظائر لابن نجيم، 196/ 1.
(3) حيدر علي شرح مجلة الأحكام العدلية، 452/ 2.
(4) القرافي: الفروق، 27/ 4. - الحموي: أحمد: غمز عيون البصائر شرح الأشباه والنظائر، لابن نجيم، 196/ 1.
(5) العز بن عبد السلام قواعد الأحكام، 2/ 148 و 194. - الكاساني، بدائع الصنائع، 164/ 7. - الرافعي، فتح العزيز، 11/ 239. - الحموي أحمد غمز عيون البصائر، 196/ 1. ـ ابن رشد: بداية المجتهد، 363/ 2. ـ ابن رجب القواعد، ص 218. - القرافي: الفروق، 27/ 4. عبد القادر عودة: التشريع الجنائي مقارناً بالقانون الوضعي الطبعة الخامسة 1388 هـ، 36/ 2. ـ علي الخفيف الضمان في الفقه الإسلامي، طبعة 1971 م، نشر معهد البحوث والدراسات العربية مصر، ص 74. - بوساق مدني: التعويض عن الضرر، 49، 50. (3/42)
صفحة 1194
الفصل الرابع: القاعدة الكلية الكبرى الرابعة
43
ب - الضرر غير المباشر:
4
-
والنوع الثاني ضرر بالتسبب، وعرفه الفقهاء بتعريفات عديدة منها:
أن يكون الإنسان سبباً في حصول ضرر بغيره، وبعبارة أخرى، أن يتصل أثر فعل الإنسان بغيره لا حقيقة فعله، كمن حفر بئراً فوقع فيه إنسان فمات (1).
هو ما حصل بفعل ناتج عن علة أخرى، حيث كانت هذه العلة المقتضية لوقوع الضرر).
هي
وقيل هو ما حدث بفعل متسبب، وتخلل بين وقوعه وفعل المتسبب
فعل مختار (3).
- وعرفته المجلة بأنه ما أفضى إليه فعل نتج عن إحداث أمر في شيء وكان يؤدي إليه عادة، ويقال لمن أحدثه متسبب (4)، كما إن قطع حبل قنديل معلق يكون سبباً مفضياً لسقوطه على الأرض وانكساره، فيكون حينئذ قد تلف الحبل مباشرة وكسر القنديل تسبباً، وكذلك إذا شق أحد ظرفاً فيه سمن وتلف ذلك السمن يكون قد أتلف الظرف مباشرة والسمن تسبباً).
خلاصة القول:
الضرر غير المباشر هو ما كان ناتجاً ليس عن السبب الأصلي مباشرة بل على علة أخرى متوقع حدوثها غالباً. أو هو ما كان يفعل في محل أفضى
(1) قلعة جي وقنيبي: معجم لغة الفقهاء، ص 129.
(2) القرافي: المصدر نفسه، 27/ 4.
(3) الحموي أحمد المصدر نفسه، 196/ 1. (4) حيدر علي المرجع نفسه المادة (88)، 453/ 2.
(5) بوساق محمد التعويض عن الضرر، ص 63 - 64.
(6) المحمصاني صبحي، النظرية العامة للموجبات والعقود في الشريعة الإسلامية، ط 2 (دت) دار العلم للملايين بيروت لبنان، 180/ 1. (3/43)
صفحة 1195
44
القواعد الفقهية عند الإباضية
إليه بواسطة فعل آخر متوسط بين السبب الأصلي والضرر الحادث، كأن يتصل أثر فعل الإنسان بغيره لا حقيقة فعله الذي باشره كما في عملية حفر البئر، فإن أثر الحفر وهو العمق، هو الذي اتصل فيمن وقع فيه فمات، فالتلف لم يحدث بحقيقة الفعل وهو الحفر؛ لأن الحفر متصل بالمكان لا بالواقع في البئر، فيكون المتسبب قد أثر في التلف، ولم يحصله بذاته.
وصور التسبب في الضرر قد تكون حسية، كحفر الآبار في طريق الحيوان في غير الأرض المملوكة للحافر، أو كان الحفر في أرضه لكنه قصد الإضرار بالغير، وكذا إيقاد النار قريباً من الزرع أو الأندر فتعدو فتحرق ما جاورها، وكَرَمي ما يزلق في الطرقات فيعطب بسبب ذلك حيوان أو غيره، وقد يكون التسبب شرعياً، كشهادة الزور على بريء بالقتل أو السرقة وغير ذلك كالكلمة الباطلة عند سلطان ظالم إغراء على مال إنسان، فيأخذه الظالم)، وكتقطيع الوثيقة المتضمنة للحق، وكترك صون مال المسلم مع القدرة على ذلك حتى يضيع أو يهلك، وكمن مرَّ على شبكة الصيد فوجد فيها صيداً يمكنه تخليصه وحوزه لصاحبه فتركه حتى مات، قد تسبب في إتلافه، ومثله مَنْ مرَّ بِلُقطة يعلم أنه إذا تركها أخذها من يجحدها، فإن تركها مع قدرته على أخذها فقد تسبب في إتلافها (2).
ج - الضرر باعتبار هيئته يتنوع إلى ضرر مادي ومعنوي: أ ـ الضرر المادي كالضرب والقتل وسرقة الأموال وغير ذلك، وينقسم إلى ضرر جسمي وضرر مالي:
(1) العز بن عبد السلام: قواعد الأحكام، 2/ 155. ـ ابن رجب: القواعد، ص 219. ـ البغدادي أبو محمد بن غانم بن محمد، ت 1030 هـ، تحقيق: محمد أحمد سراح، علي جمعة محمد،
مجمع
الضمانات
في مذهب الإمام الأعظم أبي حنيفة النعمان، 381/ 1. (2) القرافي: الفروق، 206/ 2. ـ ابن جزيء: القوانين الفقهية، ص 36. - الزيلعي: تبيين الحقائق، 149/ 5. ـ الكاساني: بدائع الصنائع، 200/ 6. (3/44)
صفحة 1196
الفصل الرابع: القاعدة الكلية الكبرى الرابعة
أما الضرر الجسمي: هو ما كان محله جسد الإنسان سواء أكان بإبانة عضو من الأعضاء، أم بتعطيل معنى من المعاني، أم جرح، أم تشويه بنقص الجمال، أم عاهة تُقعد عن العمل والكسب).
أما الضرر المالي: وهو ما كان محله مالاً، سواءً أكان حيواناً أم منقولاً أم عقاراً، وسواءً أكان الضرر الذي لحق به إتلافاً تاماً للذات، أم تعطيلاً لبعض
الصفات،
حدوث نقص فيها أم تعييب، حيث يخرج نقصان قيمته. هذا وينفرد الضرر الجسمي في كونه مضموناً بالهلاك تحت الأيدي الضامنة، ولو لم يحدث من الضامن مباشرة، أو تسبب في إحداث الضرر، حيث حدث الهلاك بسبب أجنبي لا بد للضامن فيه، كالآفة السماوية أو بفعل غيره (2). ب ـ الضرر المعنوي أو الأدبي والضرر المعنوي هو كل أذى يصيب الإنسان في عرضه أو عاطفته أو شعوره، أو التعدي على الغير في حريته، أو في شرفه أو سمعته، أو في مركزه الاجتماعي، أو غير ذلك. وسمي الضرر أدبياً أو معنوياً؛ لأنه غير مادي؛ فإن محله العاطفة والشعور، ويظهر فيما لو شتم أحد غيره فآلمه في نفسه، أو رماه بما يكره، أو لطمه على وجهه، أو جرحه ولم يترك أثراً ولم يفوت منفعة (3)، كأن يقول له يا ابن الأسودين، أو يا كلب أو يا خنزير، أو يا منافق أو يا فاجر أو يا عدو الله (4). وقد اعتنت الشريعة الإسلامية بحماية الجنس البشري من جميع الآفات، وخصته بالتكريم والتفضيل، قال تعالى: {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي عَادَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَهُم مِن الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا} (الإسراء: 70)،
(1) بوساق محمد التعويض عن الضرر ص)
(2) بوساق محمد المرجع السابق، ص
39
40 - 43
(3) بوساق محمد المرجع نفسه، ص 29. ـ شبير محمد: القواعد الكلية، 171.
(4) الثميني عبد العزيز الورد البسام، ص 146. (3/45)
صفحة 1197
46
القواعد الفقهية عند الإباضية
فجاءت الشريعة تجسيداً لهذا التكريم الرباني للإنسان، فصانت كل مقوماته وحفظتها من عبث العابثين فليس هذا الكائن البشري كماً مهملاً، يعبث به من شاء ومتى شاء، ومن هنا حرمت شريعة الإسلام إيذاء الناس بغير حق، سواء في أموالهم، أو في أجسادهم، أو في أعراضهم وعواطفهم ومشاعرهم. فكما وضعت حدوداً لردع وزجر المعتدي على أموال الناس وأنفسهم، كذلك وضعت حد القذف وعقوبات أخرى غير مقدرة حماية للأعراض، وصيانة للمجتمع من شيوع الرذيلة والفساد، فالجانب المعنوي في الإنسان
لا يقل أهمية عن الجانب المادي فيه).
(1) بوساق محمد: المرجع نفسه، ص 29. (3/46)
صفحة 1198
المطلب الثاني ضوابط الضرر
لإعمال قاعدة: «الضرر يزال وضع الفقهاء ضوابط وشروطاً تضبط الفعل
الضار وتتمثل فيما يلي:
1 - أن يكون الضرر محققاً
اتفق الفقهاء على أنه يشترط في الضرر الذي تبنى عليه الأحكام أن يكون محققاً في الحال أو المستقبل، فلا تبنى الأحكام على ضرر موهوم أو نادر الحصول عملاً بقاعدة: لا عبرة للتوهم»، المتفرعة عن قاعدة: «اليقين لا يزول بالشك فلا يقال: إن كثرة إنجاب النسل يترتب عليه ضرر بالغ في الاقتصاد الوطني، فهذا ضرر موهوم؛ لأن الله تعالى أودع في الأرض من الكنوز والموارد ما يكفي حاجة الإنسان ومتطلباته، وذلك إذا أحسن توظيف الأيدي العاملة والعقول المفكرة، وتمت مراقبة الله وتقواه في هذه الموارد)، كما قال الله تعالى: {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِن كَذَّبُوا فَأَخَذْنَهُم بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} (الأعراف: 96).
ومن
الأمثلة على الضرر النادر الحصول: بناء الشخص جداراً في أرضه، فادعى جاره أنه يحجب عنه الهواء، فلا يكون ذلك ضرراً مخلاً بالمصلحة
المشروعة؛ لأنه لا يقع حجب الهواء، وإذا وقع كان نادراً).
فالعبرة في الضرر كثرة الحصول، أما إذا كان الضرر مظنوناً أو غالباً، فهل تبنى عليه الأحكام أم لا؟
(1) بكلي عبد الرحمن فتاوى البكري، 317/ 1 - 318.
(2) الزحيلي وهبة الفقه الإسلامي وأدلته، 35/ 4. (3/47)
صفحة 1199
48
القواعد الفقهية عند الإباضية
ومن
الأمثلة التوضيحية للضرر الغالب بيع العنب لمن عرف يعصره خمراً، وبيع الحديد والنحاس لأهل الحرب، خشية تصنيع السلاح منه). اختلف الفقهاء في ذلك على قولين: القول الأول: ذهب جمهور الإباضية والمالكية والحنابلة إلى اعتبار الضرر الغالب أو المظنون؛ لأن الظن الغالب يجري مجرى العلم في الأحكام؛ ولأنه داخل في التعاون على الإثم والعدوان المنهي عنه، كما تؤيده قاعدة: «سد الذرائع في الشريعة الإسلامية (2). القول الثاني: ذهب الحنفية والشافعية إلى عدم اعتبار الضرر الغالب أو الأحوال، فيصححون بيع العنب لمن يعصره خمراً، وبيع
المظنون في جميع الحديد والنحاس لأهل الحرب مع الكراهة؛ لأن المشترى قد لا
بما اشتراه (3).
يعصي
الله
والراجح هو القول الأول من اعتبار الضرر المظنون أو الغالب ضرراً مخلاً بالمصلحة، فيمنع مراعاة لمقاصد الشريعة في منع الضرر ومنع فتح
أبوابه وسدّاً لذريعة الفساد.
أن يكون الضرر فاحشاً:
يشترط في الضرر الذي تبنى عليه الأحكام أن يكون مقداره كبيراً أو فاحشاً، فلا يعتد بالضرر اليسير، كما لا يعتد بالغرر اليسير، والعبرة في تحديد
(1) ابن بركة: الجامع، 352/ 2.
762
(2) ابن بركة كتاب التعارف، ص 39 و 50، الدسوقي، الحاشية على الشرح الكبير للدردير، 7/ 3. ـ ابن مفلح، الفروع 42/ 4. - باجو مصطفى، منهج الاجتهاد عند الإباضية، ص وما بعدها. ـ خالد بابكر الباعث وأثره في العقود والتصرفات، رسالة ماجستير من جامعة الأمير عبد القادر للعلوم الإسلامية، معهد الشريعة، نوقشت 1994، نسخة مصورة.
(3) المرغيناني: الهداية، 429/ 4.، الكاساني، بدائع الصنائع، 223/ 5. ـ النووي، المجموع،
354/ 9 (3/48)
صفحة 1200
الفصل الرابع: القاعدة الكلية الكبرى الرابعة
49
الكبير واليسير إلى العرف والعادة)، وهذا ما يحقق مرونة الفقه الإسلامي، وقدرته على مسايرة التطورات والأعراف.
ولكن لو سلمنا بهذا الشرط فقد يختلف الناس في تحديد الضرر اليسير؛ لأنه من الأمور التي يعسر تحديدها، فيلحق بسببه ضرر بالغير، ويختلف الناس في حكمه، ولذا فأرى أنه من الأحسن منع الضرر مطلقاً، وكل ضرر نتج عن اعتداء أو خطأ، ترتب عنه مسؤولية على الفاعل حتى نقلل من وقوعه. 3 - أن يكون الضرر بغير حق
يشترط في الضرر الذي تبنى عليه الأحكام أن يكون إخلاله بالمصلحة المشروعة بغير حق، كالتعدي والتعسف والإهمال، ومن التصرفات التي لا تعد ضرراً من الوجهة الشرعية، لكونها حاصلة بمقتضى إقامة الحدود والقصاص على أهلها، وكذلك التعازير والظفر بالحق، ودفع الصائل الذي يعتدي على غيره ولو أدى إلى قتله. ولكي نحكم على الضرر أنه بغير حق، ومضر بالمصلحة
المشروعة، لا بد أن نتحقق من وجود التعدي أو التعسف أو الإهمال. وقد حدد ابن رجب في تعريفه للضرر أنه يكون على وجه غير جائز، فقال: «إن الضرر معناه أن يضر به من لا يضره، والضرار أن يضر بمن أضر به على وجه غير جائز» (2). فقوله: على وجه غير جائز احترز به مما لو كان الضرر مشروعاً، أي مأذوناً فيه فالنبي صلى الله عليه وسلم إنما نفى الضرر والضرار بغير حق، فأما إدخال الضرر على من يستحقه، إما لكونه تعدى حدود الله فيعاقب بقدر جريمته، أو كونه ظلم غيره فيطلب المظلوم مقابلته بالعدل، فهذا غير مراد قطعاً، أما غير ذلك من الأضرار، فلا يجوز إلحاقها بأحد والنهي يشملها (3).
(1) ابن نجيم البحر الرائق، 32/ 7.
(2) ابن رجب: جامع العلوم والحكم، ص 267. (3) بوساق محمد التعويض عن الضرر، ص
133 (3/49)
صفحة 1201
القواعد الفقهية عند الإباضية
4 - أن يكون الضرر مخلاً بمصلحة مشروعة يشترط في الضرر الذي تبنى عليه الأحكام أن يكون مخلاً بمصلحة مشروعة في الأصل كاقتناء السيارة والثوب وغير ذلك، وأما إذا كانت المصلحة غير مشروعة فلا عبرة بالضرر الذي يقع عليها كإتلاف خمر لمسلم، وإتلاف آلات اللهو المحرمة وغير ذلك). 5 - أن يكون الضرر مخلاً بمصلحة مستحقة للمتضرر بأي وجه من وجوه الاستحقاق، ولذا لو كانت غير مستحقة للمتضرر، لم يعتبر الإخلال بها ضرراً، كمن بنى في أرض الغير بدون وجه حق، فإن البناء يزال ولا يضمن صاحب الأرض قيمة البناء المهدوم
حكم الأفعال المشروعة إذا أدت إلى ضرر بغير قصد: بعد أن بيناً ضوابط الفعل الضار الذي تبنى عليه الأحكام، يبقى أن نعرف حكم الأفعال المشروعة إذا أدت إلى ضرر من غير قصد من فاعلها، يقول أهل العلم: «أما إذا فعل الضرر المستحق للحاجة إليه والانتفاع به لا يقصد الإضرار، فليس بمضار» (3).
ولكن هذا الكلام يحتاج إلى تفصيل، فقد يكون الضرر الذي يلحق بالآخرين جسيماً مقابل منفعة زهيدة لصاحب الفعل المشروع، وعليه فالذي يظهر لي أنه لا يجوز إلحاق الضرر بالآخرين، ولو كان الفعل مشروعاً في ذاته، فيكون بالتالي نهياً عن الأسباب التي تؤدي إليه، سواء كان الضرر مقصوداً غير مقصود، اجتثاثاً لواقعة الضرر في أية صورة من صوره بمنع المحرمة، وكذلك أسبابه المشروعة فى الأصل إذا ما أدت إلى إحداث ضرر
(1) موافي: الضرر في الفقه الإسلامي، 849/ 2.
(2) الثميني: الورد البسام ص 191. - موافي الضرر في الفقه الإسلامي 849/ 2. (3) النجدي عبد الرحمن بن القاسم، إحكام الأحكام شرح أصول الأحكام، 86/ 3 - 89.
أسبابه (3/50)
صفحة 1202
الفصل الرابع: القاعدة الكلية الكبرى الرابعة
51
جسيم
الحديث
بالآخرين، وهذا ما يدل عليه عموم الحديث: «لا ضرر ولا ضرار»، وإطلاقاً لمراد الشارع إلى أقصى ما يمكن أن يتضمنه اللفظ من صور، إلا ما استثني منها بدليل، وهو الذي يقتضيه عموم الحديث وإطلاقه). غير أننا نجد أن الأصوليين قد انتهوا إلى وضع ضابط للفعل المشروع، ولا يفهم من وجود هذا الضابط عندهم أن هناك قيداً يحد من عموم المتقدم وإطلاقه؛ لأن هذا الضابط قد استنتج من تتبعهم لجزئيات الأحكام حتى وصلوا إلى وضع معيار للتمييز بين الفعل المشروع من غير المشروع، وبالنظر إلى نتيجة الفعل وما اشتملت عليه من نفع وضرر، فإن كانت كفّة الضرر هي الراجحة قالوا بعدم مشروعيته، وإن كانت كفة النفع هي الراجحة عدوه عندئذ مشروعاً (2).
وبناء على ما تقدم من الأخذ بعموم الحديث المتقدم وإطلاقه، يكون الضرر المنهي عنه في الحديث شاملاً لكل ضرر نتج عن طريق المباشرة، أو نتج عن طريق المتسبب مع التعدي، وهو كذلك شامل للفعل المشروع في ذاته، إذا نتج عنه ضرر غير مشروع، وإذا علمنا أن كل اعتداء ضار مخالف للشرع، فمن الطبيعي أن يوجب الشرع دفع ما يخالفه طبقاً للقاعدة الكلية
الضرر يزال» و «لا ضرر ولا ضرار».
(1) بوساق محمد: التعويض عن الضرر، ص 134.
(2) الشاطبي: الموافقات، 348/ 2 وما بعدها. ـ بوساق محمد، المرجع نفسه. (3/51)
صفحة 1203
المطلب الثالث
طرق إزالة الضرر
سبق أن بينا أن الضرر بالغير ظلم وغدر وتعدي، والواجب عدم إيقاعه،
وإقرار الظالم على ظلمه حرام وممنوع شرعاً، فيجب إزالته، فإذا وقع الضرر من شخص على آخر ولم يحتمله، ورفع أمره إلى القاضي، وجب على القاضي أن يحكم بإزالة الضرر، ووجب على الحاكم تنفيذ ما حكم به القاضي، تحقيقاً للعدل والأمن بين الناس، فـ لا ضرر ولا ضرار.
وعلى المتضرر أن يطلب من الذي تسبب له في الضرر إزالة الضرر بالطرق السلمية، وما أكثرها، فإن عجز عن ذلك رفع الأمر لأولي الأمر، فإن معالجة المشكلات بالطرق السلمية أيسر وأقرب للتقوى، وأبقى لدوام العشرة والإخاء.
وعلى المسلمين الذين يشاهدون الضرر أن يتعاونوا مع المتضرر لإزالة
صلے
الضرر عنه بالحسنى، عملاً بقوله تعالى: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبَرِ وَالتَّقْوَى وَلَا نَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَنِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ) (المائدة: 2)، فإزالة الضرر واجبة، والطريق إلى ذلك إما أن يكون بالطرق السلمية وهو الأولى، أو يرفع الأمر إلى القاضي، وهذا عند فشل الطريق الأول)، ويمكن اعتماد طريقتين لإزالة الضرر وهما:
أولاً: وقف استمرار الضرر ومنع تكراره وتجدده. ففي هذه الحالة يدفع الضرر بإزالته عيناً، سواء كان عاماً أم خاصاً، فمثلاً يؤمر صاحب الرحى التي تفسد الجدران بتوقيفها، ويؤمر الدباغ الذي يتأذى
(1) محمد بن إسماعيل، القواعد الفقهية بين الأصالة والتوجيه، ص 99. (3/52)
صفحة 1204
الفصل الرابع: القاعدة الكلية الكبرى الرابعة
53
الجيران بروائحه الكريهة بإبعاده عنهم، ومثل ذلك الدخان المتصاعد من المصانع الكيماوية فإنه يلوث الجو ويفسده، فيجب إبعادها عن التجمعات السكانية، وإذا سلّط إنسان ميزابه على الطريق العام، أو انفجرت بالوعته فأضرت بالمارة، فمثل هذا الضرر يزال، كذلك من كان له ساحة يلقي فيها التراب والحيوانات، ويتضرر بذلك الجيران، فإنه يجب على صاحبها أن يدفع الضرر عنهم، إما بعمارتها أو إعطائها لمن يعمرها، أو أن يلقى فيها ما يضر بالجيران (1).
يقول الثميني في هذا الشأن: ويحبس على نزع الضر جاعله، ولا يؤجل إلا بقدر وصوله إليه، ويجبر من ماتت له دابته في طريق أو مكان يصل منه الضر، أن يصرفها عنه إلى مكان لا تضر منه بلا تأخير يجده، وكذلك إن مات وليه يجبر على تكفينه ودفنه إن لم يكن لوليه مال ومن قتل أحداً أو سبعاً في طريق أو جنان أحد أو داره، فلا يلزمه صرفه عنه إذا فاجأه ودفعه عنه، وإلا لزمه» (2). وإذا طالت أغصان شجرة ونزلت على دار جداره، فأضرت به فيكلف صاحبها برفعها أو قطعها، يقول ابن جعفر: «وكل جدار أو نخلة ـ أو شجرة ـ
مالت كلها على أرض قوم أو شيء من أغصانها، فإن ذلك يصرف» (3). ويضيف الثميني في هذا المعنى ومن له نخلة أو شجرة في أرض أحد فظهر من جدارها أو من حريمها فسيل أو غصن، فلرب الأرض عليه نزعه، وكذا الصنوان في ذلك ... ومن له نخلة في أرض غيره وماتت، فلرب الأرض عليه نزع نخلته وقيل لا، ومن جعل ظلاً على ناس فلهم عليه نزعه، وكذا غير الظل .... وكذا من فتح نافذة أو باباً يشرف على جاره ويكشف عورته، فإنه
(1) السالمي: العقد الثمين، 4/ 186 - 187.
(2) الثميني الورد البسام 138. (3) ابن جعفر الجامع، 188/ 4.
(4) الثميني: الورد البسام، ص 247. (3/53)
صفحة 1205
54
القواعد الفقهية عند الإباضية
يؤمر بسدها، قال ابن جعفر: «وليس لأحد أن يحدث باباً في أرض غيره ولا يشرف منه على من تحته، ولا يحدث باباً قبالة بابه، ولو كان في الطريق جائزة، فإن أحدثه في الطريق بلا أن يقابل باب أحد، وكان من بعد خمسة أبواب لم يمنع ... ».
ومن هذا القبيل قضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم بقطع نخل سمرة بن جندب له بعد أن عرض عليه عدة خيارات، فرفضها جميعاً (2).
كما تُزال الأضرار التي تضر بالصحة العامة كمنع قوم مصابين بالجذام من ورود الماء المشترك (3)، ويوضعون في الحجر الصحي، لمنع انتقال العدوى إلى غيرهم، ويزال كذلك كل تعد يسبب ضرراً عاماً، كعرقلة السير في الطريق العام بإحداث بناء فيه، أو حفر بالوعة فيه، أو تضييقه بحيث يصعب على الناس المرور فيه بدوابهم وأمتعتهم.
(1) ابن جعفر الجامع، 190/ 4.
(2) ابن جعفر: الجامع، 4/ 188. - الثميني الورد البسام، 244 - 248. ـ أبو يعلى، الأحكام السلطانية، ص 300، والحديث رواه أبو داود في السنن، كتاب الأقضية، باب من القضاء، حديث: 3170 حدثنا واصل، مولى أبي عيينة، قال: سمعت أبا جعفر محمد بن علي، يحدث عن سمرة بن جندب، أنه كانت له عضد من نخل في حائط رجل من الأنصار، قال: ومع
يبيعه
الرجل أهله، قال: فكان سمرة يدخل إلى نخله فيتأذى به ويشق عليه، فطلب إليه أن فأبى، فطلب إليه أن يناقله فأبى، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم، فذكر ذلك له فطلب إليه النبي صلى الله عليه وسلم، أن يبيعه فأبى فطلب إليه أن يناقله فأبى، قال: «فهبه له ولك كذا وكذا أمراً رغبه فيه فأبى، فقال: «أنت مضار» فقال رسول الله الله الأنصاري: اذهب فاقلع نخله». ورواه البيهقي في السنن الكبرى، كتاب إحياء الموات، باب من قضى فيما بين الناس بما فيه صلاحهم ودفع الضرر، حديث: 11106. ورواه البيهقي في معرفة السنن والآثار، كتاب الصلح، باب من قضى فيما بين الناس لما فيه صلاحهم، حديث: 3866 ورواه الخرائطي في مساوئ الأخلاق، باب ما يكره من الإضرار بالناس حديث: 584 بزيادة: «فهبها له، ولك مثلها في الجنة».
(3) ابن القيم الجوزية، الطرق الحكمية في السياسة الشرعية، ص 306. (4) السالمي: العقد الثمين، 184/ 4. (3/54)
صفحة 1206
الفصل الرابع: القاعدة الكلية الكبرى الرابعة
55
ودليل ذلك ما رواه أبو هريرة له أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إذا اختلفتم في الطريق فاجعلوه سبعة أذرع)، والمراد بالطريق هنا: تلك التي تكون مجرى عامة المسلمين بأحمالهم ومواشيهم؛ ولذلك وردت في رواية أخرى بلفظ الميناء؛ قيل: إنها بمعنى أعظم الطرق، أو الطريق الواسع). نقل ابن جعفر في «الجامع» ما يشير إلى هذا المعنى عن أبي سعيد ومعي أنهم قد اختلفوا في عرض الطريق في المعنى، فقال من قال: ثمانية أذرع وقال من قال: ستة أذرع للطريق الجائز، وقال من قال: إذا اختلفوا في ذلك جعلت سبعة بين الستة والثمانية، وإن أدرك الطريق أوسع من ذلك ترك ذلك بحاله، ولا أعلم في ذلك اختلافاً» (3).
الكدمي
ما نصه: «ومعي
هذا
ولا ريب أن ما أرشد إليه الكدمي هو ما نص عليه الحديث المقدم، والحديث محمول على من ضيق الطريق لمرورها في ملكه أو محاذاته، والسعة التي أمر بها الرسول صلى الله عليه وسلم ليست تحديداً لسعة الطريق، وإنما المعتبر ذلك إزالة الضرر، فإذا كان الضرر لا يزول إلا بتوسيعها عشرين ذراعاً أو أكثر لزم ذلك (4).
في
(1) متفق عليه، رواه البخاري، كتاب المظالم والغصب، باب إذا اختلفوا في الطريق الميتاء: وهي الرحبة تكون بين حديث: 2361. صحيح البخاري، ط المكتب الإسلامي، 106/ 3. ومسلم، كتاب المساقاة، باب قدر الطريق إذا اختلفوا فيه، رقم: 3111، عن أبي هريرة، وابن ماجه بلفظ: «إذا اختلفتم في الطريق فاجعلوه سبعة أذرع»، كتاب الأحكام، باب إذا تشاجروا في قدر الطريق، رقم: 2336، عن عبد الله بن عباس .. وأحمد بن حنبل في المسند، ومن مسند بني هاشم مسند عبد الله بن العباس بن عبد المطلب، حديث:
2043، 327/ 5
(2) العاصمي عبد الرحمن، إحكام الأحكام، 87/ 3.
(3) ابن جعفر: الجامع، 204/ 4.
(4) محمد بوساق التعويض عن الضرر، ص 138. (3/55)
صفحة 1207
القواعد الفقهية عند الإباضية
آثار الضرر بعد وقوعه
ثانياً: ترميم أوجب الشارع الحكيم لإزالة ضرر الإتلاف ضمان المتلفات، فتضمين المال المتلف هو ما نسميه بالتعويض الذي يعني: إحلال مال محل مال فاقد، جبراً للضرر. جاء في «بدائع الصنائع لا شك أن الإتلاف سبب لوجوب الضمان؛ لأن إتلاف الشيء إخراجه أن يكون منتفعاً به منفعة مطلوبة منه عادة، وهذا اعتداء وإضرار؛ وحيث أنه «لا ضرر ولا ضرار في الإسلام والضرر يزال»، وقد تعذر نفي الضرر من حيث الصورة فيجب نفيه من حيث المعنى بالضمان، ليقوم الضمان مقام المتلف فينتفي الضرر بالقدر الممكن (1)؛ لأن مفسدة الجرم تندفع بتغريم الجاني نظير ما أتلفه، حيث لم يشرع القصاص في الضرر المالي كما شرع في الدماء، فالمتضرر إذا أخذ نظير ما فاته، تعود حالته كما كانت عليه من قبل حدوث الضرر، فينتفع بما يأخذ عوض ماله. ولا شك أن هذا أوفق بالناس وأليق بالفعل، وأبلغ في الصلاح، وأوفق
للحكمة (2).
وكذلك يزال الضرر بأخذ المتضرر نظير ماله ويزال كذلك بتغريم صاحب الفعل الضار قيمة المتلف إذا تعذر وجود نظير له؛ وذلك دفعاً للضرر بقدر
الإمكان، فالمتضرر في كلتا الحالتين صار كمن لم يفت عليه شيء). وزيادة في توضيح معنى ما تقدم نورد مثالاً تطبيقياً ذكره ابن بركة في جامعه يقول فيه: «وإذا غصب رجل جبار حبًّا فزرعه في أرض نفسه فنمت وطالت، فوجدها صاحبها المغصوبة منه، فإن الجبار إن شاء قلعها وأخذها
(1) الكساني: بدائع الصنائع، 164/ 7، 165. - الثميني، الورد البسام، ص 188. (2) ابن قيم الجوزية إعلام الموقعين، 123/ 2، 124.
(3) بوساق محمد: التعويض عن الضرر، ص 138. ابن بركة، الجامع، 200/ 1. (3/56)
صفحة 1208
الفصل الرابع: القاعدة الكلية الكبرى الرابعة
57
وإن شاء أخذ قيمتها، وهي على تلك الحال فإن قال قائل: فما الفرق بين غصب النخل والحب؟
قيل له: إن صاحب الحب لا يقدر أن يصير حبه لهلاكه وذهاب عينه وصاحب الفسلة يقدر عليها؛ لأنها قائمة العين فحقُ صاحبها عنها لم يزل، فلما زالت عينه وتلف بالتعدي كان مضموناً بالبدل أو القيمة، وما كانت عينه قائمة لم تكن الخصومة إلا في عينه» (1). وجاء في الورد البسام ما يؤكد هذا المعنى بما نصه: «ومن غصب أصلاً أو غيره ثم أراد التخلص منه، فإنه يفديه ويرده لربه إن قدر عليه وقام بعينه، وإلا فعليه التوبة وشرْوَى ذلك أي ضمان مثله أو قيمته وإن أتلف عروضاً فعليه مثلها من العروض» (2).
ببيع
«وإذا كان الضرر مما شأنه الاستمرار إذا لم يزل عيناً؛ وقد نتجت عنه أضرار قبل ذلك، فلا بد من الجمع بين الطريقتين: إزالته عيناً، وترميم آثاره؛ وذلك بوقف استمراره وتجدده في المستقبل، وتغريم المتسبب نظير ما تسبب فيه من ضرر في الماضي). وقال الثميني في سياق حديثه عن إلزام الحاكم من أحدث ضرراً بغيره برفع الضرر أو يحبسه حتى يُوفّي ما عليه: يجبر الحاكم أداء المعاملات والتعديات لأهلها بالحبس إلى أن يؤديها من لزمته، أو يبرئ منها ولا ينصت إليه إن طلب الخروج فيؤدي، فإن أمكنه أن يؤدي ذاك من الحبس، مثل: أن يقضي لغريمه ما رضي به أو يحيله على غريمه ونحو ذلك مما يبرئه، أو يوكل من يقضي عنه ما حبس فيه، فلا يخرج إن فعل ذلك إلا بإذن الحاكم ... » (4).
(1) ابن بركة المصدر نفسه.
(2) الثميني الورد البسام، ص 300.
(3) بوساق محمد المرجع السابق، ص 139.
(4) الثميني المصدر نفسه،
ص
123 (3/57)
صفحة 1209
المبحث الرابع
تطبيقات وفروع القاعدة
بينا فيما تقدم أن قاعدة: «الضرر يزال و لا ضرر ولا ضرار يبنى عليها كثير من أبواب الفقه، ولذلك فإن تطبيقاتها تفوق الحصر وقد أشرنا إلى بعضها، وسنكتفي بذكر أمثلة من الأبواب الفقهية تطبيقاً للقاعدة، وزيادة في توضيح مدلولها. (3/59)
صفحة 1210
المطلب الأول في العبادات
1 - في ملامسة النجاسات
ذلك
ذهب أهل العلم إلى منع الإنسان من مس النجاسات بيده أو تنجيس ملابسه، أو أشياء الناس؛ لأن ذلك ضرر والضرر يزال، وبناء عليه، فإن اضطر إلى مس النجاسة بيده فعليه أن يبادر إلى تطهيرها؛ حتى لا ينجس غيره، ولعل من الحكمة الشرعية أنه شرع الاستجمار بالحجارة أو ما يقوم مقامه، كالورق الصحي اتقاء للنجاسات؛ لأنه مما تتقزز منه النفس وتنفر منه، فلا يجوز التساهل في هذا الأمر، أما إذا نجس ثياب غيره فيجب عليه أن يرفع الضرر عنه، بأن يطهره له أو يخبره بذلك حتى لا يستعمله معتقداً طهارته ولكنه نجس، ويحاول أن يتحلل من تبعة ذلك قدر الإمكان، يقول الشماخي الشأن: «ولا يستحب له أن يعامل النجس بيده ما دام يجد غير ذلك، وكذلك ثيابه على هذا الحال إلا عند الضرورة، ولا يحل له أن أشياء الناس؛ لأن ذلك ضرر و الضرر لا يحل وإن نجسها فعليه الخلاص من تباعة
في
ذلك بالحل أو بالغرم).
2 - في منع الضرر عن المساجد:
ينجس
لا يجوز تنجيس أماكن العبادة كالمساجد والمصليات تعظيماً لحرمتها؛ لأن ذلك ضرر بالغير و لا ضرر ولا ضرار فيجب تطهيرها وإزالة الأذى عنها، وإبعاد كل من يكون مظنة لنجاستها، كالأطفال والنساء إلا عند الضرورة، وفي إعمال هذه القاعدة مراعاة لمقاصد الشريعة المتمثلة في حفظ الدين
(1) الشماخي الإيضاح، 316/ 1، بتصرف يسير. (3/60)
صفحة 1211
الفصل الرابع: القاعدة الكلية الكبرى الرابعة
61
الأطفال،
وحفظ المال، يقول الشماخي في هذا المعنى: «ومن نجس المسجد فقد شددوا في هلاكه، والدليل على هذا قوله تعالى: {يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذا (التوبة: 28) وكذلك المساجد كلها لا تُقرَب بنجس تعظيماً لحرمتها (1). ويؤكد عثمان الأصم (2) هذا المعنى وكذلك المساجد لا يُحدث فيها ولا في جانبها كيلا تؤذي رائحته المسجد، ولا يقرب منازل الناس» (3). وذهب الثميني إلى أنه يحق للحاكم أن يمنع المساجد عن فلا يدخلوها ولو لتعلم إذا خيف منهم النجاسة، وكذلك كل من يخاف منه إيقاع الضرر بالمسجد، فقال في باب الحجر والأخذ على نزع الضر: «وللحاكم أن يحجر على من يحدث في المسجد أو مصلّى أو حريمها ضرراً، وعلى الأطفال أن لا يدخلوا المساجد، ولا تجعل مكان للدراسة، ويمنع كل من خيف منه إفسادها أو تنجيسها من دخولها، وعلى النساء أن لا يدخلنها بعطر يفتن عمارها، وعلى من يتخذها طريقاً أو مخزناً لحبوبه أو منشراً لثماره عليها، أو يعمل فيها دنيويا أو يتكلم فيها، وعلى راقٍ على سقوفها لا لإصلاحها أو
(1) الشماخي: الإيضاح، 17/ 1 - 18. (2) عثمان بن أبي عبد الله الأصم أبو عبد الله (ت: 631 هـ)، وقيل أبو محمد عثمان بن أبي عبد الله بن أحمد العزري نسباً، الأصم لقباً، العقري النزوي مسكناً. الشيخ الفقيه، كان مثالاً للورع والعفة والنزاهة. له اطلاع واسع في علم الكلام والفقه. ويعد من علماء النصف الأخير من القرن السادس والثلث الأول من القرن السابع الهجريين. من مؤلفاته: «التاج» في الفقه، في خمسين جزءا مفقود ما عدا الأول والسادس والعشرين، وكتاب «النور في علم التوحيد» وهو مختصر كتاب «الضياء» للعوتبي الصحاري. وكتاب البصيرة»، وهو كتاب في العبادات والمعاملات في جزأين وكتاب «الأنوار في الأصول». وكتاب «الإبانة في أصول الديانة»، مفقود. كتاب «العقود». ينظر: البطاشي، إتحاف الأعيان، 350/ 1، 365. معجم أعلام الإباضية بالمشرق، ص 303. (3) الأصم عثمان: البصيرة، ص. 190، بتصرف.
يسير. (3/61)
صفحة 1212
62
القواعد الفقهية عند الإباضية
ضرورة، كعدو إن ألجأ الناس إليها وإلى طلوعها، وعلى من يغلقها في أوقات الصلاة، أو يخرج منها آنيتها أو حصيرها أو مصابيحها، أو نحو ذلك لينتفع به لنفسه» (1).
وفي السياق نفسه أجاز الإباضية الوضوء في المسجد ما لم يحدث ضرر بأرضيته أو بعُماره، كأن تكون أماكن الوضوء قريبة من مكان الصلاة، فقد يتسرب الماء إلى الداخل فيفسد الفراش ويتعفن وتتغير رائحة المسجد فيتأذى به الناس، أو تكون المراحيض داخل المسجد، فلعل كثرة استعمالها يتسبب في انتشار الروائح الكريهة فيها فينزعج المصلون كما هو ملاحظ في بعض المساجد، فيتعذر على الناس البقاء فيها لفترة طويلة، وهناك من تنبه إلى هذا الضرر فأزاله ببناء بيوت الخلاء خارج المسجد، حتى لا تصل نجاستها أو روائحها الكريهة إلى المصلين.
ولا ريب أن هذا العمل فيه مصلحة ظاهرة (2) - وهي تجنيب المساجد ما يضرها ويؤذي عمارها، وتوفير الجو المناسب للعبادة ـ وهذا الأمر قد صدر من نظر عميق وفكر ثاقب؛ لأن المساجد بيوت الله، فيجب أن نبعد عنها كل ما يؤذيها أكثر مما نفعل ببيوتنا، وقد نقل السالمي في «المعارج» أقوال الفقهاء في مسالة الوضوء والتطهر في المسجد، ثم رجح جواز ذلك بشرط عدم الضرر بالمسجد أو عُماره، يقول في هذا الصدد قال ابن المنذر (النيسابوري) في إشرافه (3): أباح كل من يحفظ عنه من علماء الناس الوضوء في المسجد،
(1) الثميني: الورد البسام ص 119، 188، بتصرف. (2) هذا ما جرى به العمل قديماً وحديثاً في مساجد الإباضية بوادي ميزاب، وذلك حرصاً منهم على المحافظة على طهارة المساجد.
(3) يشير إلى كتاب الإشراف لابن المنذر النيسابوري من علماء الشافعية وهو مطبوع ومحقق، وقد اهتم به أبو سعيد الكدمي الإباضي وأضاف إليه زيادات، وبلغنا مؤخراً أن الباحث أبو الأرواح
إبراهيم قد تصدى لتحقيقه بتكليف من وزارة الأوقاف والشؤون الدينية بسلطنة عُمان. (3/62)
صفحة 1213
الفصل الرابع: القاعدة الكلية الكبرى الرابعة
63
قال: وممن
حفظنا
عنهم ذلك ابن عباس وابن عمر وعطاء وطاووس وأبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، وابن جريج (1) وعبد الرحمن السلماني)، وهو قول عوام أهل العلم، قال: وبه نقول إلا أن يتوضأ الرجل في مكان من المسجد مثله يؤذي الناس بهذا الطهر، فإني أكره ذلك إلا أن يفحص الحصا على البطحاء، كما كان يفعل عطاء بن أبي رباح وطاووس، فإذا توضأ رد الحصا على البطحاء فلا أكره ذلك» (3).
وعقب عليه السالمي فقال: «وإنما أباحوا الوضوء في المسجد؛ لأنه طاعة، فإذا لم يحصل من الماء ضرر على المسجد أو أحد من عماره، فلا معنى للمنع منه، وإن حصل به الضرر أو الأذى فيمنع من ذلك، والضرر يتحتم في المساجد التي شطحت بالصاروج والجص وفرشت عليها البسط، ولا ضرر
في
المساجد المحصوبة إلا إذا كثر ذلك وخيف منه سريان الثرى ... » (4). هذا وقد نبه السالمي إلى بعض الأمور التي هي من باب الطاعة والمباح، ونظراً لما ينتج عنها من ضرر بالمسجد فإنه من المصلحة ذلك، حفاظاً
منع
لحرمته وقداسته. يقول في هذا الصدد: «فأما الطاعة فهي المأمور بفعلها في المساجد، كانت فرضاً أو نفلاً، إلا إذا كانت الطاعة يحصل منها للمسجد تلوّث أو انتهاك حرمة كالقتال وإقامة الحدود فإنها لا تفعل في المسجد، احتراماً لبيت الله تعالى وتنزيهاً له عن الدماء، وأما المباح فإما أن يكون فعله
(1) هو عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج، أبو الوليد وأبو خالد (80 - 150 هـ/ 699 - 767 م): فقيه الحرم المكي. كان إمام أهل الحجاز في عصره. وهو أول من صنف التصانيف في العلم بمكة. رومي الاصل، من موالي قريش مكي المولد والوفاة. قال الذهبي: كان ثبتاً، لكنه يدلس. ينظر: الذهبي تذكرة الحفاظ 1221، 160 وابن خلكان وفيات الأعيان، 286/ 1،
الزركلي، الأعلام، 160/ 4.
(2) من رواة الحديث لم نقف على ترجمته. (3) السالمي: معارج الآمال، 4/ 184 - 185. (4) السالمي: المصدر نفسه، 4/ 185 – 186. (3/63)
صفحة 1214
64
القواعد الفقهية عند الإباضية
مفضياً إلى حالة تمنع صاحبها من دخول المسجد، فما ظنك بفاعل أسباب الجنابة؟ وأيضاً: فإن الجماع حالة تنافي تعظيم المسجد ففعلها في المسجد حرام اتفاقاً، وإما أن يكون المباح مؤذياً بالمسجد أو لأحد من عماره فيمنع لما فيه من الأذى» (2)، كالأكل والشرب والنوم ورفع الصوت ونحو ذلك.
- في رفع الضرر عن الغير أثناء الصلاة:
قد يقوم المصلي للصلاة فيرى خطراً يحدق به أو بغيره، كالسقوط من السطح أو في الماء، أو اشتعال النار أو حريق، أو غرق، أو إغاثة ملهوف، أو إنقاذ مال من الضياع، كأن يأخذ سارق أمتعته أو حذاءه، فإنه يجوز له ترك الصلاة وتخليص غيره من الهلاك؛ لأن الضرر يزال»، ولا يجوز لأحد أن
أداء
يكون سبباً في إلحاق الضرر بالغير، واختلف العلماء في حكم الصلاة بعد واجب الإنقاذ، فذهب بعضهم إلى بطلانها ويجب عليه إعادتها، وهو رأي إباضية المشرق، وذهب بعضهم إلى جواز إتمام صلاته والبناء على ما سبق، وهو رأي إباضية المغرب.
أورد السالمي هذه المسألة في «المعارج» وذكر أقوال الفقهاء وأدلتهم، ومما جاء فيه: ومنها إغاثة الملهوف أو تخليص أحد من الهلاك، كالسقوط من السطح أو حرق أو غرق، وكذا إذا خاف ضياع ما قيمته درهم له أو لغيره، فإنه يباح له فعل هذا كله في الصلاة، ولكنه يستأنف الصلاة إن فعله على مذهب أصحابنا المشارقة وأجاز له المغاربة البناء عليها، وفرعوا على ذلك فروعاً:
(1) قد يتعجب البعض من هذا القول ولكن لا عجب من هذا فقد يحدث أحياناً للمسافر أو لعابر للسبيل أن يقف في الطريق للراحة أو لإصلاح مركبته فينام ليلته مع زوجته في
المسجد ويفعل معها ما أحله الله وينسى أنه في بيت الله الذي له حرمته ومكانته. (2) السالمي نفسه. (3/64)
صفحة 1215
الفصل الرابع: القاعدة الكلية الكبرى الرابعة
منها: اختلافهم في الدخول مع الإمام في حال إصلاحه لذلك، فمنهم من قال: لا يدخل معه؛ لأنه مشتغل بغير الصلاة، ومنهم من قال: يدخل لأنه في حكم المصلي، ثم ينتظره مع الجماعة المنتظرين له حتى يصلح ذلك ويرجع
إليهم، ويكون حكمه حكمهم، والكل عندهم في الصلاة.
ولهم قول آخر: وهو أنه إن اشتغل بإصلاح ماله أعاد ... ». وعقب السالمي عليه فقال: وكأن هذا القائل رأى أن المال يبذل لصلاح الدين، وكأنه مبني على قول من يوجب شراء الماء للوضوء إن لم يجده إلا بالشراء، فهي ثلاثة أقوال وليس عند المشارقة إلا القول الأول»). وبين السالمي أن الخلاف في حكم الصلاة في هذه المسألة يشبه الخلاف في
قتل الحية والعقرب، فإن المعنى في ذلك واحد وإن اختلفت الصور.
منشأ الخلاف
مسألة
ولعل منشأ الخلاف في هذه المسألة والتي سبقتها أن من حكم باستئناف الصلاة بعد القيام بعمل خارج عنها، أنه يرى للصلاة حرمتها، فلا يجوز قطع
الصلاة بغير معنى أو ضرورة، لقوله تعالى: {وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَلَكُمْ} (محمد: (33). ومن ذهب إلى صحة الصلاة مع الأفعال الخارجة عنها جوّز ذلك، ورخص في البناء عليها على التفصيل المتقدم؛ لأنهم نظروا إلى ذلك الفعل باعتباره من الضرر الواجب إزالته، فلا يجوز تركه حتى انتهاء الصلاة؛ لأن في إزالته حفظاً للدين والنفس والمال، وهذه من مقاصد الشريعة التي جاءت لحفظ الضروريات الخمس، فما دام هذا العمل من الضروريات فيجب على المصلي فعله ولو داخل الصلاة، فمن اليسر عليه أن يبني على صلاته ولا يعيدها، ولعل الذين ذهبوا إلى استئناف الصلاة أخذوا بالأحوط والله أعلم. ولعل ما يؤكد العمل بقاعدة الضرر يزال ما جرى عليه العمل عند
(1) السالمي: معارج الآمال، 217/ 11 - 219. (3/65)
صفحة 1216
66
القواعد الفقهية عند الإباضية
العلماء في وجوب إزالته مهما كانت حالته، فقد كان موسى بن علي الله يوماً صائحاً يصلي بالناس، فسمع يصيح على صبي وقع في بئر عند المسجد، فقطع موسى صلاته وانتقل ومن معه، وذهبوا وأخرجوا منها الغلام وابتدأوا الصلاة). ويلاحظ أن ما فعله موسى بن علي فيه موازنة بين المصالح والمفاسد، ومراعاة للمقاصد، فالصلاة واجبة يجب المحافظة عليها، وإنقاذ الغريق مصلحة واجبة يجب القيام بها، فالمصلحة الأولى هي حفظ الدين، والمصلحة الثانية هي حفظ النفس البشرية، وهنا يقدم حفظ النفس على حفظ الدين؛ لأن الأولى وقتها قصير تفوت بالتأخير، والثانية وقتها واسع لا تفوت بالتأخير، فهذا التصرف يؤكد أن فقهاء الإباضية كانوا يهتمون بمقاصد الشريعة ويراعوها في تصرفاتهم وأحكامهم. وينبغي على المسلم أن يلتزم ذلك في حياته، فلا إفراط ولا تفريط، ومن الأمثلة التي نقلها السالمي في هذا المجال ترجيحاً للمصالح ورفعاً للضرر ما يلي:
1 - لو رأى المصلي رجلاً يقتل رجلاً فهو مخير، إن شاء قطع صلاته وإن شاء تركه؛ لأنه يمكن أن يكون قتله بحق، وإن علم ظلم القاتل وكان
قادراً، قطع صلاته ونصر المظلوم، وهو قول أبي سعيد الكدمي. 2 - ومن رأى صبيا أشرف على الهلاك، أو مهدوفاً أو غريقاً، أو ما أشبه ذلك لزمه قطع صلاته للإنقاذ والإغاثة، وإن مضى فيها وهو قادر على إنقاذه ضمن الدية في ماله ولا قود عليه وكان الواجب عليه أن يمضي إليه ويصلي كما أمكنه.
- واختلف في من يرى دابته منخنقة، أو تُتلف في شيء من المتالف وهو يصلي فلم ينقذها، فقيل يضمن، وقيل: لا يضمن.
(1) السالمي: المصدر نفسه، 220/ 11. (3/66)
صفحة 1217
الفصل الرابع: القاعدة الكلية الكبرى الرابعة
TV
واستدل الإباضية على جواز قطع الصلاة لأجل إنقاذ النفس أو المال بالقياس والأثر.
أ - من القياس قاسوا تلك الأشياء على قتل الحية والعقرب الذي ثبت بالنص، وذلك مثل تنجية النفس، فإنه إذا جاز قتل العقرب مع أنها مخوّفة في الجملة، فدفع ما كان خوفه متعيناً أولى.
ب - من الأثر ويدل على إحراز المال وإنقاذه حديث أبي برزة نضيلة بن عبيد، وذلك أن الأزرق بن قيس الحارثي البصري (1) قال: كنا بالأهواز نقاتل الخوارج فبينما أنا على جرف نهر إذا رجل يصلي، وإذا لجام دابته بيده فجعلت الدابة تنازعه وجعل يتبعها.
قال شعبة: هو أبو برزة الأسلمي)، فجعل رجل من الخوارج يقول: «اللَّهُمَّ افعل بهذا الشيخ، فلما انصرف الشيخ قال سمعت قولكم، وإني غزوت مع
(1) الأزرق بن قيس الحارثي البصري من بني الحارث بن كعب، من رواة الحديث، سمع أبا برزة وأنساً وابن عمر وعسعساً، روى عنه التيمي وشعبة وحماد بن سلمة وحماد بن زيد، قال ابن حجر: ثقة من الثالثة مات بعد العشرين والمائة. وقال مسدد: كان الأزرق يختلف إلى قصص فاستقبله حملة من قصب فصدمته فمات منها البخاري، التاريخ الكبير 69/ 2. ابن حجر، تقريب التهذيب، 74/ 1.
(2) نَضْلَةُ بْنُ عُبَيْدٍ وَقِيلَ: ابْنِ عَبْدِ اللَّهِ، وَقِيلَ: ابْنِ عَائِذٍ أَبُو بَرْزَةَ الْأَسْلَمِيُّ مِنْ بَنِي سَلَامَانَ بْنِ أَسْلَمَ، وَقَالَ هِشَامُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْكَلْبِيُّ: هُوَ نَضْلَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ حِبَالِ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ دعبل بن أَنَسِ بْنِ خُزَيْمَةَ بْنِ مَالِكِ بْنِ سَلَامَانَ بْنِ أَسْلَمَ بْنِ أَفْصَى، صاحب رسول الله، حدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أَسْلَمَ قَديمًا، وَشَهِدَ فَتْحَ مَكَّةَ، وَهُوَ الَّذِي قَتَلَ عَبْدَ الْعُزَّى بْنَ خَطَل تَحْتَ أَسْتَارِ الْكَعْبَةِ يَوْمَ الْفَتْح لَمَّا أَمَرَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بِقَتْلِهِ، وَغَزَا مَعَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم غَزَوَاتٍ مِنْهَا خَيْبَرُ، سَكَنَ الْبَصْرَةَ، وَلَهُ بِهَا دَارٌ وعَقِبٌ، وغزا خراسان فمات بمرو، تُوُفِّيَ بَعْدَ أَبِي بَكْرَةَ، رَوَى عَنْهُ أَبُو الْعَالِيةِ الرِّيَاحِيُّ، وَأَبُو عُثْمَانَ النَّهْدِيُّ، وَأَبُو الْمِنْهَالِ سَيَّارُ بْنُ سَلَامَةَ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُطَرْفَ، وَسَعِيدُ بْنُ جُمْهَانَ، وَالْأَزْرَقُ بْنُ قَيْسٍ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ بُرَيْدَةَ، وَالْقَاسِمُ بْنُ عَوْفِ الشَّيْبَانِيُّ، وَسَعِيدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ جُرَيْجٍ وآخرين. ينظر: معرفة الصحابة لأبي نعيم، 2682/ 5. ابن ماكولا، إكمال الكمال، 237/ 1. (3/67)
صفحة 1218
68
القواعد الفقهية عند الإباضية
رسول الله صلى الله عليه وسلم است، غزوات، أو سبع غزوات أو ثماني غزوات، وشهدت تيسيره، وإني إن كنت أراجع مع دابتي أحب إلي من أن أدعها ترجع إلى مألفها، فيشق علي). وقال قتادة: إن أخذ ثوبه، يتبع السارق ويدع صلاته (2). واستدلوا أيضاً على جواز قطع الصلاة لدفع الضرر بما ثبت في الأثر عن
أقطع
جابر بن النعمان (3) قال: كنت أصلي فوقعت شاة على عشاءنا تأكله فلم صلاتي، فذكرت ذلك لهاشم بن غيلان (4) فقال لي: لو كنت مكانك لقطعت صلاتي، وأحرزت عشائي). وقال جابر: سمعت هاشماً يسأل سلمان بن عثمان (6) عن رجل يصلي وقد
(1) يصلح دليلاً لقاعدة: «المشقة تجلب التيسير» وقد ألمح إليه في عبارته. (2) حديث الأزرق بن قيس وفيه: «كُنا على شاطئ النهر بالأهواز فقد نضب عنه الماء فجاء أبو برزة على فرس، فصلي، وخلى فرسه فانطلق الفرس فترك صلاته وتبعها حتى أدركها فأخذها، ثم جاء فقضى صلاته». ابن الأثير، جامع الأصول في أحاديث الرسول، 502/ 2 رقم 3719
قال: أخرجه البخاري، 3/ 65 - 66 العمل في الصلاة السالمي، المعارج، 222/ 11. (3) جابر بن النعمان بن العلي، حي في 207 هـ)، عالم وفقيه عاصر الإمام عبد الملك بن حميد (208 - 226 هـ)، وعاصر العالم هاشم بن غيلان وموسى بن علي، السالمي، تحفة الأعيان، 135/ 1. معجم أعلام الإباضية قسم المشرق، ترجمة: 115، ص 79. (4) هاشم بن غيلان السيجاني أبو الوليد حي في: 207 هـ)، عالم فقيه، أحد كبار العلماء في القرنين الثاني والثالث الهجريين، من شيوخه: موسى بن أبي جابر، من تلاميذه: ابنه الشيخ محمد بن هاشم، والشيخ موسى بن علي وسليمان بن عبد العزيز وطالوت السمؤلي، له رسالة في نصيحة الإمام عبد الملك بن حميد، السالمي، تحفة الأعيان، 135/ 1، 138، 140. البطاشي، إتحاف الأعيان، 176/ 1 - 179 معجم أعلام الإباضية قسم المشرق، ترجمة: 1489، ص 487. (5) السالمي: معارج الآمال، 220/ 11، 221. (6) سليمان بن عثمان أبو عثمان (حي في: 192 هـ) قاض عالم فقيه، من عقر نزوى. من علماء القرن الثاني الهجري كان قاضياً للإمام الوارث بن كعب الخروصي، ثم قاضياً للإمام غسان بن عبد الله، وكان من جملة المبايعين للإمام غسان سنة 192 هـ. له أحكام مأثورة وآراء فقهية مشهورة. من مشايخه الشيخ موسى بن أبي جابر الأزكوي. ينظر: السالمي، تحفة الأعيان، 120/ 1. الشقصي، منهج الطالبين، 621/ 1، 629. البطاشي، إتحاف الأعيان، 428/ 1. معجم أعلام الإباضية بالمشرق، ص 216. (3/68)
صفحة 1219
الفصل الرابع: القاعدة الكلية الكبرى الرابعة
روح حَبًّا في الشمس، فوقعت عليه شاة تأكله، أيقطع صلاته ويطرد الشاة، أم يمضي على صلاته؟ قال: سلمان لا باس أن يقطع صلاته.
4 ـ في وجوب الإنفاق على الفقراء من غير الزكاة يعتقد كثيراً من الناس أن الفقراء لا يعطوا إلا من الزكاة، فإذا وجدت أعطوا منها، وإلا فلا تلزمهم، نفقتهم، وهذا فهم خاطئ للإسلام؛ لأن هناك موارد أخرى يمكن أن يعطوا منها، كالصدقات وغيرها، وذلك في حالة الاختيار، ويتأكد ذلك في حالة الاضطرار كالبرد والحر الشديدين، والجوع والعطش الشديدين، فيجب على المسلمين أن يكفلوهم ويرفعوا عنهم الضرر، وينقذوهم من الموت، وإلا يأثموا بهلاكهم، مثاله: إذا احتاج المصلي لثوب يستر به عورته للصلاة، فيجب على المسلمين أن يوفروا له ثوباً ليؤدي به واجب الصلاة، وإلا كانوا من الآثمين وقد عبّر ابن بركة عن هذه الحالة وبين حكمها فقال: «فإن كان بيننا فقراء قد أضرَّ بهم الجوع والبرد، ولم يكن على أحد منا زكاة هل يلزمنا لهم غير الزكاة؟ وإن نحن تركناهم، هل نحن آثمون بذلك؟
قيل له: الواجب عليكم أن تواسوهم من أموالكم إن لم تكن عليكم زكاة، تدفعوا عنهم الضرر الذي بهم وإلا كنتم آثمين، وكذلك إن كان متجرداً متكشفاً وليس عليه ما يستر به، ويصلي ولم يكن هناك
أحد
منهم
ثوب يواريه فيجب على المسلمين ستره ودفع ما يصلي فيه، وإلا كانوا
آثمين» (1).
فالجوع والعطش والبرد والحر وانعدام الثوب للسترة أو السكن للمأوى، كلها أضرار تصيب الفقير والمسكين خاصة في الظروف الاستثنائية،
(1) ابن بركة الجامع، 0/ 1 (3/69)
صفحة 1220
70
القواعد الفقهية عند الإباضية
كالحروب والزلازل والفيضانات فيجب على المسلمين أن يهبوا جميعاً متضامنين، لإزالة هذه الأضرار عن الفقراء بالطرق الممكنة، ولا ينتظرون جمع الزكاة وبلوغ النصاب حتى يخرجوا حق الفقراء؛ لأن هذه الظروف مستعجلة لا تحتمل الانتظار، فلو قصرنا مساعدتهم على أموال الزكاة ربما هلك أغلبهم قبل وصول هذا الحق إليهم، وفي ذلك ضرر كبير يترتب عليه
إثم عظيم. (3/70)
صفحة 1221
المطلب الثاني في المعاملات
1 - في رد البيع بالعيب
إذا دلس البائع على المشتري بإخفاء العيب الموجود في السلعة عند التعاقد، فالشارع الحكيم يجيز له الرد بالعيب؛ لأن المشتري قصد بالشراء السالم الذي تندفع به حاجته على التمام، فكان له حق رد المبيع إذا تحققت
شروط الرد بالعيب وهي:
- أن يخفيه البائع.
وألا يكون العيب ظاهراً وقت العقد.
وألا يعلم به.
وأن تُرد به فور علمه بالعيب.
وضابط العيب الذي ترد به السلعة، أن تنقص به عين المبيع أو منفعته نقصاً يفوت به غرض صحيح على المشتري، أو تنقص به القيمة بما لا يتغابن الناس بمثله كما إذا ظهرت الدابة المشتراة عمياء أو عرجاء، أو العقار وقفاً للمسجد أو ليتيم.
ولكن إذا ظهر عند المشتري عيب جديد امتنع رد المبيع بالعيب القديم لتضرر البائع بالعيب الحادث، إلا أن يرضى أو يرضى المشتري بالعيب القديم إذا كان على وفق ما يناسب مصلحته، ويحقق هدفه من غير ضرر ولا ضرار). وحكم هذا البيع موقوف، قال ابن بركة: (وأما البيع الغشي، وكتمان
العيب وما كان في معناهما، فموقوف على رضى المشتري له» (2).
(1) عزام عبد العزيز محمد، قواعد الفقه الإسلامي، ص 160.
(2) ابن بركة: الجامع، 372/ 2. (3/71)
صفحة 1222
72
القواعد الفقهية عند الإباضية
ويضيف بياناً لهذا المعنى: «والبيع الآخر هو الذي حق للمخلوق، ويجوز ما أجازه صاحب الحق من المتبايعين، وهو نحو، الضرر، ويدلس العيب وما كان في معناهما، فهو بيع وقع في وقته صحيحاً وللمشتري رده إذا وقف على عيبه، وما انكتم عليه منه مما هو حق له، وإن اختاره ورضي بعيبه كان ذلك جائزاً، والإثم على البائع إذا علم بالعيب فكتمه» (1).
والدليل على أن البيع وقع في وقته صحيحاً: أن الملك بعد العلم بالعيب لا يحتاج إلى عقد، ثان ولو كان غير صحيح لكان للبائع أن يسترجعه إذا لم يكن البيع ملك عليه، ويحتاج إلى عقد ثان غير الأول يقع المبيع به صحيح،
وهو في معنى الخيار والبيع الموقوف على رضى المشتري). ولا يشترط الإباضية مدةً لردّ العيب فمن اشترى سلعة فوجد بها عيباً كان له الرد، قصرت المدة أم طالت، ومن اشترى ثوباً فقطعه قميصاً ثم وجد به عيباً، لزمه البيع، وكان له أرش العيب، وقال بعض الإباضية له رد القميص على بائع الثوب ويرد ما نقصه القطع». فالشارع الحكيم لما شرع الرد بالعيب قد رفع الضرر عن المشتري؛ لأنه لو منع ذلك لكان البائع مستفيداً بالثمن، والمشتري متضرراً بالعيب الذي حرمه الانتفاع بالمبيع. وقد أكد الثميني موقف الإسلام من منع الغش، وكتمان العيب في البيع لما فيه من المضرة فقال: وعلى أهل الأسواق أن لا يحدثوا فيها مُضِرًا في نقص العيارات والموازين، أو كتم العيوب والغش كإظهار الحسن وإخفاء القبيح» (4).
(1) ابن بركة المصدر نفسه، 355/ 2.
(2) المصدر نفسه، 356/ 2.
(3) نفسه: 350/ 2
(4) الثميني: الورد البسام، ص 120 (3/72)
صفحة 1223
الفصل الرابع: القاعدة الكلية الكبرى الرابعة
73
2 - في بيع الخيار
بيع
6 (1) $
عرف القطب الخيار: بأنه بَيْعٌ وُقفَ بَتْهُ أَوَّلًا عَلَى إِمْضَاءِ يُتَوَفَّعُ وعرفه أبو غدة بأنه طلب خير الأمرين من الإمضاء أو الفسخ لظهور مسوغ شرعي، أو بمقتضى اتفاق عقدي (2). من خلال هذا التعريف يتبين لنا أن الشارع الحكيم قد شرع الخيار لحكمة جليلة، وهي حاجة المتعاقدين إلى التروّي، ليندفع الغبن ضماناً لرضا المتعاقدين، وحفظاً لمصلحتهما، ودفعاً للضرر الذي قد يلحق أحدهما، فالخيار مشروع للضرورة أو الحاجة، غير أنّ الفقهاء قيدوه بشروط تحفظ للعقد قيمته فلا يكون عرضة للنقض والإبطال بدون سبب صحيح). وهو محل خلاف بين الفقهاء ويشير الثميني إلى ذلك في عبارته: «وَهَلْ هُوَ رُحْصَةٌ لاسْتِثْنَائِهِ مِنْ بَيْعِ الْغَرَرِ وَحَجْرِ الْمَبِيعِ؟ خِلَافٌ (4) قال القطب معلقاً عليه: «هُوَ هُنَا أَنَّهُ لَا يَدْرِي لِمَنْ يَصِيرُ إِلَيْهِ ... وَوَجْهُ كَوْنِهِ رُحْصَةً، أَيْ فِيهِ غَرَرٌ إِذْ الَّذِي شَرَطَ عَلَيْهِ الآخَرُ الْخِيَارَ لاَ يَدْرِي هَلْ يَرْجِعُ إِلَيْهِ الْمَبِيعُ أَوْ لَا يَرْجِعُ إِنْ كَانَ بَائِعًا؟ وَلَا يَدْرِي هَلْ يَثْبُتُ لَهُ أَوْ لااَ؟ إِنْ كَانَ مُشْتَرِياً وَكَانَ الْمُشْتَرِطُ الْبَائِعَ وَإِنَّ فِيهِ حَجْرَ الْمَبِيعِ، أَيْ مَنْعُهُ مِنْ الاِنْتِفَاعِ بِهِ، وَالتَّصَرُّفِ فِيهِ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ مَا لَمْ يَقْبَلْ أَوْ يَرُدَّ إِنْ اشْتَرَطَ الْبَائِعُ، فَهُوَ مَانِعٌ لِلْمُشْتَرِي مِنْ الِانْتِفَاعِ بِهِ وَالتَّصَرُّفِ فِيهِ، وَإِنِ اسْتَرَطَ الْمُشْتَرِي فَهُوَ مَانِعٌ لِلْبَائِعِ مِنْ ذَلِكَ، وَقِيلَ: جَائِزٌ عَزِيمَةً غَيْرَ رُحْصَةٍ لَأَنَّ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى شُرُوطِهِمْ وَقَدْ فُتِحَ لَهُمْ بَابُ الشَّرْطِ فِي سَائِرِ أَمْرِهِمْ).
(1) أطفيش: شرح النيل، 99/ 17. (2) أبو غدة عبد الستار عبد الكريم الخيارات وأثرها في التصرفات، رسالة دكتوراه مقدمة لكلية الشريعة والقانون بالقاهرة، 1975، ص 3.
(3) أشرف الخطيب، خيار النقد وتطبيقاته في الفقه الإسلامي، رسالة دكتوراه مقدمة لكلية الشريعة والقانون بالقاهرة، 1418 هـ / 1997 م، ص 29.
(4) أطفيش: شرح النيل، 99/ 17.
(5) أطفيش: شرح النيل، 101/ 17. (3/73)
صفحة 1224
74
القواعد الفقهية عند الإباضية
ويبين السالمي أن الحكمة الشرعية من تشريع الخيار في البيوع؛ لئلا يغبن
الشاري (1) ويقسم الفقهاء بيع الخيار إلى أنواع وهي: خيار الشرط، وخيار المجلس، وخيار النقد، وخيار الرؤية، وخيار التعيين، وخيار التغرير، وخيار الزوجة، ولكن الإباضية لم يصرحوا بهذه الأنواع، ولعلهم يقولون بخيار الشرط وخيار التغرير، وهذا ما يستنتج من عباراتهم. واستدلوا على جواز بيع بقوله صلى الله عليه وسلم: «البيعان بالخيار ما لم يفترقا (3). قال ابن بركة: «والبيع في اللغة يقتضي بائعاً ومشترياً ومبيعاً).
(2)
الخيار
ويضيف بعد أن ذكر الحديث المتقدم: «قال بعض مخالفينا التفرق بالأبدان، وقال بعض أصحابنا التفرق عن البيع بالقول، قال تعالى: {وَإن
يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلاً مِّن سَعَتِهِ} (النساء: 130). فاعتبر أن التفرق بالقول». وقد سئل السالمي عن الافتراق من قول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث المذكور، والافتراق المذكور بالكلام أم بالأبدان على الأصح في المذهب، فقال: المذهب أن الافتراق تمام الصفقة، وصرح بذلك أبو عبيدة الله (5). واختاره القطب فقال: «وَالْمُتَبَايِعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَفْتَرِقَا مَعْنَاهُ بِالصَّفْقَةِ عِنْدَنَا لا بالأَبْدَانِ».
(1) السالمي: العقد الثمين، 66/ 4.
(2) ابن بركة: الجامع، 149/ 2. - السالمي، المصدر نفسه، 27/ 4 و 66.
(3) رواه الربيع بن حبيب، في مسند الجامع الصحيح، كتاب البيوع، باب في بيع الخيار وبيع الشرط، رقم: 568، عن ابن عبّاس والبخاري، كتاب البيوع، باب كم يجوز الخيار، رقم: 2003، عن ابن عمر. والبخاري بلفظ: البيعان بالخيار ما لم يتفرقا ... »، كتاب البيوع، باب إذا بين البيعان ولم يكتما ونصحا، رقم 1989، عن حكيم بن حزام.
(4) ابن بركة المصدر نفسه، 349/ 2.
(5) السالمي: العقد الثمين، 27/ 4. (6) أطفيش: شرح النيل، 373/ 14. (3/74)
صفحة 1225
الفصل الرابع: القاعدة الكلية الكبرى الرابعة
Vo
ومن عبارته نستنتج أن الإباضية لا يقولون بخيار المجلس؛ ولعلهم لا يربطون تمام العقد بترك مجلس العقد عند افتراق الأبدان، ومهما يكن من أمر فإن المعتبر هو إتمام العقد سواء تم في المجلس أو بعده، والخلاف يدور حول خيار البيع؛ لأنه يجعل البيع موقوفاً، ولذلك اختلف الفقهاء في تحديد مدة الخيار؛ فقيل ثلاثة أيام وقيل أكثر، إلا أن الإباضية لم يحددوا وقتاً معيناً لنهاية الخيار.
يقول ابن بركة في هذا الصدد: «والخيار في البيع جائز إذا اشترطه أحد المتبايعين إلى غير مدة، ولقول النبي صلى الله عليه وسلم: «المسلمون على شروطهم، ولم يختص وقتاً من وقت، والمدعي أن الشرط في الخيار لا يجوز فوق ثلاث محتاج إلى دليل» (2).
وقال السالمي: «وأما الدليل على ثبوت المدة فما نقل عنه أنه أمر البائع أن يجعل الخيار للمشتري في بعض المواطن إلى ثلاثة أيام، وليس الثلاثة حداً لا يزاد عليه وإنما هو موافقة حال، فإنه إن جاز إلى ثلاث جاز إلى أربع، وكذلك إلى سنة وإلى سنتين إلى غير ذلك، والحكمة في التوقيت الرفق
(1) رواه البيهقي في الكبرى، كتاب الشراكة باب الشرط في الشركة وغيرها، رقم: 11212، والترمذي، كتاب الأحكام، باب ما ذكر من الصلح بين الناس، رقم: 1352، عن عمرو بن عوف المزني، وقال: حديث حسن صحيح. ورواه الحاكم بلفظ: «المسلمون على شروطهم، والصلح جائز بين المسلمين ... »، كتاب البيوع، رقم: 2250، عن أبي هريرة. وأبو داود بلفظ: «الصلح جائز بين المسلمين»؛ وزاد أحمد، إلا صلحاً أحلَّ حراماً، أو حرم حلالاً؛ وزاد سليمان بن داود وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «المسلمون على شروطهم»، كتاب الأقضية، باب في الصلح، رقم: 3137، عن أبي هريرة.
(2) ابن بركة: الجامع، 249/ 2. (3) لعله يشير إلى حديث أخرجه الدارقطني في سننه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لرجل يخدع في الشراء: «إذا بعت فقل لاخلابة ثم أنت في كل سلعة تبتاعها بالخيار ثلاث ليال، فإن رضيت فأمسك، وإن سخطت فارددها على صاحبها». ينظر: حديث رقم
220، 055/ 3 (3/75)
صفحة 1226
76
القواعد الفقهية عند الإباضية
بالبائع والمشتري، وذلك أن في ثبوت الخيار قبل انقضاء المدة رفقاً بهما، وفي انقضاء المدة رفق بالشاري، إذ لا يتم له التصرف المطلق إلا بعد انقضاءها، لذلك اشترط تعيين الوقت والساعة؛ لأن فيها انتقال الأملاك، فوجب ضبطها بالتعيين (1).
وذهب بعض الفقهاء إلى ضرورة تحديد مدة الخيار اعتماداً على ظاهر حديث المصراة، وقد نقل الشيخ أطفيش هذه المسألة وأشار إلى الخلاف فيها، ورجح القول بعدم لزوم التزام مدة الخيار وصححه فقال: «(وَمُدَّتُهُ)، أَيْ مُدَّةُ خِيَارِ الْبَابِ، عِنْدَ الْمُجِيزِ) لَهُ (هَلْ هِيَ ثَلاثَةُ أَيَّامٍ لَا أَقَلَّ وَلَا أَكْثَرَ لِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم فِي حَدِيثِ الْمُصَرَّاةِ: وَالنَّظَرُ إِلَى ثَلاثَةِ أَيَّامٍ، وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِي وَأَبِي حَنِيفَةَ، وَذَلِكَ فِيمَا يَقْبَلُ التَّأْخِيرَ إِلَى ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ وَأَمَّا مَا لَا يَقْبَلُهُ فَتُجْعَلُ مُدَّتُهُ عِنْدَهُمَا دُونَ الثَّلَاثَةِ، وَبَعْضُ الظَّاهِرِيَّةِ يَمْنَعُ الْخِيَارَ فِيمَا يَفْسُدُ دُونَ الثَّلَاثَةِ، لِأَنَّ الْخِيَارَ لَا يَثْبُتُ عِنْدَهُ أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثَةٍ، وَالْحَقُّ أَنَّ الْحَدِيثَ لَا دَلِيلَ فِيهِ عَلَى أَدْنَى الْمُدَّةِ وَلَا عَلَى أَكْثَرِهَا لِخِيَارِ الْبَابِ، لِأَنَّ الْمُدَّةَ فِيهِ لَيْسَتْ بِاخْتِيَارِ الْبَائِعَيْنِ بَلْ حُكْمَ لَازِمٌ وَرَدَ مِنْ الشَّارِع، وَالْكَلَامُ إِنَّمَا هُوَ فِي مُدَّةٍ يَتَّفِقَانِ عَلَيْهَا، وَالَّذِي عِنْدِي أَنَّ الشَّافِعِيَّ وَأَبَا حَنِيفَةَ يَقُولُونَ أَكْثَرُ الْمُدَّةِ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ وَيَجُوزُ مَا دُونَهَا (أَوْ) الثَّلَاثَةُ (هِيَ أَدْنَاهَا، أَيْ أَدْنَى مُدَّةِ الْخِيَارِ (وَأَكْثَرُهَا إِلَى مَا يَفْسُدُ فِيهِ)، وَلَوْ كَانَ أَكْثَرَ مِنْ عُمْرِ الْمُشْتَرِي أَوْ الْبَائِعِ، فَيَكُونُ وَارِثُ الْمَيِّتِ بِمَقَامِهِ، وَقَوْلُهُ: إِلَى
(1) السالمي: العقد الثمين، 66/ 4.
(2) متفق عليه، رواه البخاري - كتاب البيوع، باب: إن شاء رد المصراة وفي حلبتها صاع من تمر ـ حديث: 2062. ومسلم، كتاب البيوع، باب حكم بيع المصراة - حديث: 2882 عن أبي هريرة الله بلفظ قال: «من ابتاع شاة مصراة فهو فيها بالخيار ثلاثة أيام، إن شاء أمسكها، وإن شاء ردها، ورد معها صاعا من تمر وفي رواية: «من اشترى شاة مصراة فهو بخير النظرين إن شاء، أمسكها، وإن شاء ردها وصاعا من تمر لا سمراء كتاب البيوع، باب حكم بيع المصراة - حديث: 2884. (3/76)
صفحة 1227
الفصل الرابع: القاعدة الكلية الكبرى الرابعة
VV
إِلَحْ
إلَخ هُوَ بِخُرُوج الْغَايَةِ، وَهِيَ أَوَّلُ الْوَقْتِ الَّذِي يَفْسُدُ فِيهِ، وَدُخُولِ مَا قَبْلَهَا، وَهُوَ آخِرُ مَا يَصْلُحُ فِيهِ، وَلَعَلَّ أَصْحَابَ هَذَا الْقَوْلِ تَرَاءَى لَهُمْ مِنْ حَدِيثِ الْمُصَرَّاةِ: أَنَّ الثَّلَاثَةَ أَقَلُّ مُدَّةٍ يَخْتَارُ فِيهَا الْإِنْسَانُ الشَّيْءَ الْمَبِيعَ، وَقَدْ عَلِمْتَ أَنَّ الْحَقَّ أَنَّهُ لَا دَلِيلَ فِي الْحَدِيثِ عَلَى الْقِلَّةِ وَلَا الْكَثْرَةِ لِخِيَارِ الْبَابِ، وَإِنَّمَا هُوَ تَوْسِيعٌ لِمُشْتَرِي الْمُصَرَّاةِ إِلَى ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فَقَطْ (أَوْ) مُدَّتُهُ (مَا اتَّفَقَا عَلَيْهِ) مِنْ
الْمُدَّةِ، وَهُوَ الصَّحِيحُ». ولم يأخذ الإباضية بخيار التعيين، وإنما اشترطوا أن تُعيَّن السلعة وتحدد العقد، ثم يترك له الخيار في إمضاء العقد أو فسخه، يقول السالمي في هذا المعنى: وأما تعيين المبيع فلكون البيع لا يقع على غير معلوم، ولا سيما بيع الخيار فإنه أشد (1).
في
ومن صور بيع الخيار: إذا باع أحد مزرعته بالخيار ثم مات وأراد بعض أولاده أن يفدي نصيبه أي يرد الثمن للمشتري ويسترد نصيبه من المزرعة، فامتنع المشتري وقال لا أرضى إلا أن تفدى كلها جملة، أله حجة في ذلك أم لا؟ وهل يحكم على باقي الورثة أن يفدوا نصيبهم لأجل أخيهم أم لا؟ أجاب السالمي عن هذه المسالة أنه إذا شاور هذا الوارث المشتري كان له ذلك؛ لأن الضرر وقع عليه، وإن لم يشاوره بل نقض البيع واختار نصيبه فإنه ينتقض كله وعلى شركائه من الورثة تسليم حصصهم؛ (2) لأنه لا ضرر ولا ضرار، فالوارث محتاج إلى نصيبه من المزرعة، فلو امتنع المشتري من قبول الفداء لحقه الضرر، ولو امتنع شركاؤه من تسليم حصصهم من الفداء لتضرر كذلك، فلا بد من رفع الضرر عنه وذلك بقبول المشتري الفداء ولو جزئياً وقبول إخوته الورثة دفع نصيبهم من الفداء لاسترجاع مزرعة أبيهم.
(1) السالمي: العقد الثمين، 66/ 4. (2) السالمي: المرجع نفسه، 78/ 4. (3/77)
صفحة 1228
V?
القواعد الفقهية عند الإباضية
وكذلك لا ينبغي إلحاق الضرر بالمشترى فربما تلك المزرعة لا تقبل القسمة، فإما يأخذها كاملة أو يردها، أما التجزئة فقد تسبب له ضرر، فيجب حينئذ أن يجبر الورثة على دفع حصصهم حتى يتمكن أخاهم والمشتري من استيفاء حقهم كاملاً.
وقد يتساءل البعض لماذا يجبر شركاءه من دفع حصصهم، فلربما لا يستطيع بعضهم فعل ذلك فيتضرر بدفع ما لا طاقة له به؟ فيجيب السالمي على هذا الاعتراض: «إذا كان الخيار لجملة فأراد أحدهم فداءه له، نقض الخيار ما دامت المدة باقية وإذا نقض أحد الشركاء الخيار انتقض البيع كله؛ لأنه كان في صفقة واحدة). وحتى لا نرفع الضرر عن البعض ونضر به غيره لأنه لا يزال الضرر بالضرر»، فإن الإخوة الورثة يتضامنون فيما بينهم ويدفع القادر عن العاجز، ويكون ما دفعه عنه ديناً في ذمته حتى يستوفيه، وبذلك يزول هذا الضرر عن الجميع والله اعلم. والحكمة من هذا التحديد كله رفع الضرر عن المتعاقدين؛ لأنه لا ضرر
ولا ضرار».
- في بيوع الغرر وخيار التغرير
بيع الغرر: هو ما لا يضبط المتبايعان مقداره في حال مبايعتهما فيه، كبيع الجزر في الأرض، والبصل في حال استتاره في الأرض، السمك غائباً وبيع في البحر، واللبن في ضرع الشاة أو البقر أو الناقة (2). ويفيد الغش والخديعة والتدليس معنى الغرر، قال القطب: «وَالْغِش وَالْغَرَرُ وَالْخَدِيعَةُ وَالتَّدْلِيسُ مُتَقَارِبَةُ الْمَعْنَى ... وَيُسْتَعْمَلُ الْغَرَرُ وَالْغِشُ بِمَعْنًى غَيْرِ مَا ذُكِرَ كَمَا يَأْتِي، وَيُسْتَعْمَلَانِ بِمَعْنًى، وَيُسْتَعْمَلُ الْغَرَرُ بِمَعْنًى يَعُمُّهُمَا فَهُوَ أَعَمُ،
(1) السالمي: نفسه.
(2) ابن بركة الجامع، 372/ 2 بتصرف. أطفيش، شرح النيل، 62/ 14. (3/78)
صفحة 1229
الفصل الرابع: القاعدة الكلية الكبرى الرابعة
79
وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرَادَ بِالْغَرَرِ مَا لَا يُعْلَمُ وُجُودُهُ أَوْ عَدَمُهُ أَوْ لَا تُعْلَمُ قِلْتُهُ أَوْ كَثْرَتُهُ أَوْ لَا يُتَيَقَّنُ الْقُدْرَةُ عَلَيْهِ كَطَائِرٍ فِي الْهَوَاءِ إِنْ بَاعَهُ مَالِكُهُ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَالْغِشُ تَصْويرُ الْقَبِيحَ فِي صُورَةِ الْحَسَنِ أَوْ تَكْثِيرُ الشَّيْء بِمَا لَيْسَ مِنْهُ وَنَحْوُ ذَلِكَ، وَالْخَدِيعَةُ أَنْ يَضُرَّهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُ وَيُطْلَقُ الْعِشُ عَلَى هَذَا أَيْضًا ... فَالْغَرَرُ التَّحَيُّلُ، وَالْغِش إيقَاعُهُ بِذَلِكَ التَّحَيُّل فِيمَا يُكْرَهُ ... وَالغَرَرُ مَعْلُومُ النَّهْيِ، مِنْ النَّهْي عَنْ أَكْلِ مَالِ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ، وَمِنْ الظُّلْمِ، وَعَنْ الْمَكْرِ وَالْحِيَلِ).
من صور بيوع الغرر
أ - تلقي الأجلاب وبيع الحاضر للباد: ثبت في السُّنَّة أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الغرر والخداع والغش في البيع فلا يظهر البائع للمشتري حقيقة سلعته، كأن يخفي عيوبها، وحكمة النهي هي: منع الضرر؛ لأن البائع يغز المشتري، فيبتاع السلعة فيجد فيها عيباً ولا ينتفع بها، والقاعدة تقرر أن لا ضرر ولا ضرار، ويشير الثميني إلى علة النهي عن
))
الغرر فيقول: «وَرَدَ نَهْيُ الْغَرَرِ لِلْجَهْلِ إِمَّا بِصِفَةِ ثَمَنٍ أَوْ مُثَمَّنٍ، أَوْ بِقَدْرِهِ، أَوْ أَجَلِهِ إِنْ أَجَلَ، أَوْ بِوُجُودِهِ، أَوْ تَعَذُّرِ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ وَإِبْقَائِهِ) ولا شك أنها أمور تلحق الضرر بأحد المتبايعين. وقد وردت في كتب السنة أحاديث عديدة الغرر من ذلك: عن صور بيع
تتحدث
(1) أطفيش: شرح النيل، 61/ 14 - 63، 190.
بيع
أبي
(2) مجموعة أحاديث رواه مسلم، كتاب البيوع، باب بطلان الحصاة، رقم: 1513، عن هريرة. دون لفظ: «الخديعة». والربيع، كتاب البيوع، باب في الربا والانفساخ والغش، رقم: 582، ص 231، عن ابن عباس والترمذي، كتاب البيوع، باب ما جاء في كراهية الغش في البيوع، رقم: 1273، وقال: «وفي الباب عن ابن عمر، وأبي الحمراء، وابن عباس، وبريدة، وأبي بردة بن نيار، وحذيفة بن اليمان حديث أبي هريرة حديث حسن صحيح، والعمل على هذا عند أهل العلم كرهوا الغش، وقالوا: الغش حرام».
(3) أطفيش: شرح النيل، 189/ 14. (3/79)
صفحة 1230
80
القواعد الفقهية عند الإباضية
ما روي عن عبد الله بن عمر له عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه «نهى أن تتلقى
الأجلاب، وأن
يبيع حضري لباد» (1).
وجه الاستدلال بالأحاديث
يقول ابن بركة في بيان معنى الحديث: «معناه هو ما نهى عنه من الخديعة والغرر، وأن خديعة المسلم محرمة، وذلك أن الرجل والقوم يبلغهم أن الركب قد أقبلوا فيلقاهم، فيخبرهم بكساد الأسواق فيشتري منهم ما لا يعرفون سعره في البلد، فيكون هذا غرر منه. ومعنى قوله لا يبيع حضري لبادي هو: أن الرجل والجماعة من أهل القرى يلتقون بالجماعة فيسألون البيع، ويتحكمون على أهل البلد بالأثمان التي يريدونها، فقال صلى الله عليه وسلم: ذروا الناس ينتفع بعضهم من بعض). فهذا وجه تأويل الخبر» (3).
(1) «نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تتلقى الأجلاب»، رواه ابن ماجه، كتاب البيوع، باب النهي عن تلقي الجلب، رقم: 2178، وأحمد، مسند المكثرين من الصحابة، مسند أبي هريرة، 2/ 284 رقم: 7812، عن أبي هريرة. قال الهيثمي: «رجال أحمد رجال الصحيح». مجمع الزوائد، 147/ 4. ولا يبيع حاضر لباد رواه الربيع، كتاب البيوع، باب ما ينهى عنه من البيوع، رقم: 562، عن أبي هريرة. وأبو داود، كتاب الإجارة، باب في النهي أن يبيع حاضر لباد، رقم: 3441، وأحمد، مسند العشرة المبشرين، مسند طلحة بن عبيد الله، رقم: 1404، 163/ 1، عن طلحة. قال الهيثمي: رجاله رجال الصحيح». مجمع الزوائد، 233/ 3. ورواه الطبراني في المعجم الكبير، من اسمه عبد الله، ومما أسند عبد الله بن عمر ها، مسلم الخياط، رقم: 13058. وابن الجعد في المسند ابن أبي ذئب عن سعيد المقبري، رقم: 2340، عن ابن عمر؛ ورواه البخاري بلفظ: «نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبيع حاضر لباد»، كتاب البيوع، باب من كره أن يبيع حاضر لباد بأجر، رقم: 2069، عن عبد الله بن عمر. (2) أخرجه أبو داود في السنن، كتاب البيوع، أبواب الإجارة، باب في النهي أن يبيع حاضر لباد، حديث: 3002 بلفظ عن جابر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يبيع حاضر لباد وذروا الناس يرزق الله بعضهم من بعض». وصححه
الألباني.
(3) ابن بركة: الجامع، 322/ 2، 323. (3/80)
صفحة 1231
=
81
الفصل الرابع: القاعدة الكلية الكبرى الرابعة
ويؤكد القطب أطفيش هذا المعنى بقوله: «وَفِي بَيْعِ حَاضِرِ لِبَادِ، وَالْغَبْنُ عَلَى الْحَاضِرِ الْمُشْتَرِي أَوْ الْبَائِع، إذْ َبيعَ لَهُ بِأَكْثَرَ مِمَّا يَشْتَرِي بِهِ لَوْ خُلِّيَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْبَادِي، وَفِي الاِحْتِكَارِ وَالْغَبْنِ وَاقِعٌ عَلَى الَّذِي يَشْتَرِي مِنْ الْمُحْتَكِرِ بَعْدُ، وَفِي النَّجْشِ وَالْغَبْنِ وَاقِعٌ عَلَى الْمُشْتَرِي الْمَزِيدِ عَلَيْهِ، وَأَوْضَحُ مَا يَتَبَادَرُ فِيهِ الْغَبْنُ تَلَقَّي الرُّكْبَانِ، وَلَا سِيَّمَا إِنْ أَخْبَرَهُمْ بِكَسَادِ السُّوقِ، فَإِنَّهُ غَرَرٌ ... ). وسئل السالمي هل يمنع بيع الحاضر للبادي لقوله صلى الله عليه وسلم: «لا يبيعن حاضر لباد» (2) أم هو جائز؟ ويعارض الحديث بدليل آخر ولعلكم تخيرونه عند الضرورة؟ فقال: «لا يجوز بيع حاضر لباد النهيه الله عن ذلك، ولا معارض لهذا لنهي، ولا يصح لمسلم أن يخالف نهيه، فكيف لي أن أجيز ما نهى عنه؟ هذا لا يصح ولا أرضاه لنفسي لنفسي ولا لغيري» (3).
وذكر ابن بركة أن الشافعي يجيز بيع الحاضر للبادي، وله حق الاختيار إن وجد أنه باع له بأنقص من ثمنه، ولكن الإباضية منعوا ذلك؛ لأن فيه غرر، فإذا وقع البيع فهو فاسد، ولا خيار فيه؛ لأن في إثباته إقرار للضرر، و «لا ضرر ولا ضرار فوجب إزالته، وهذا ما أكده ابن بركة بقوله: «وكان الشافعي يرى أن للبائع إذا تلقى جلبه فاشترى منه بأنقص من ثمنه الخيار، إن شاء أجاز، وإن نقص انتقض، وهذا قول يسوغ تأويله في النفس، ويعجبني أن يكون كل غرر يذهب له ماله هذا طريقه؛ لأن النبي له نهى عن الغرر، وقال: «خديعة المسلم محرمة» (4).
،2073
(1) أطفيش: شرح النيل، 306/ 14. (2) رواه البخاري، كتاب البيوع، باب النهي عن تلقي الركبان، رقم: عن عبد الله بن عباس؛ وروي بلفظ: «لا يبيعن حاضر لباد، ودعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض»، وابن حبان، كتاب البيوع، باب البيع المنهي عنه، ذكر الزجر عن أن يبيع المرء الحاضر للبادي من الأعراب، رقم: 5037، عن جابر بن عبد الله.
120
(3) السالمي: العقد الثمين، 27/ 4. - الثميني، الورد البسام، ص (4) رواه ابن ماجه، كتاب التجارات باب بيع المصرَّاة، رقم: 2241، وأحمد، مسند المكثرين
من الصحابة، مسند عبد الله بن مسعود: 433/ 1، رقم: 4125، عن ابن مسعود، بلفظ: «لا (3/81)
صفحة 1232
82
القواعد الفقهية عند الإباضية
ويروى أن رجلاً قال للنبي صلى الله عليه وسلم يا رسول الله إني رجل أخدع في البيع فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا بايعت فقل: لا خلابة» (1). ومعنى الخلابة الخديعة، وكل بائع خدع مشترياً في بيعه أو مشترياً خدع بائعاً فيما ابتاعه منه كان عاصياً، والبيع فاسد لنهي النبي صلى الله عليه وسلم (2) «المسلم أخو المسلم لا يضره ولا يغره ولا يخدعه ولا يمكر به ولا يخونه ولا يغشه وهم كالبنيان يشد بعضه بعضاً (3) (4).
صل الله (2)
مناقشة الأقوال مع الترجيح
يقول ابن بركة في هذا الصدد: «وأما الخبر الذي ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم بالنهي عن تلقي الأجلاب، وأن يبيع الحضري للبادي، ومنه أنه قال: «ذروا الناس يرزق بعضهم من بعض ()، وفي رواية أخرى قال أصحابنا: البيع والشراء مع النهي ثابتان والذي تقوم من أخبارنا أقرب إلى النفس وأشبه بأصولهم؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن ذلك لما ذكرنا من الرواية؛ لأن الحضري يتحكم على الناس بمال غيره ويتربص به والبدو يبيعون بما يرزقون من الشعر ويتصرفون (6).
خلابة ولا خديعة لمسلم». فيه جابر الجعفي متّهم. قال ابن عدي: «هو مع الضعف منه إلى الصدق». الكامل في الضعفاء، 119/ 2.
هذا كله أقرب إلى
(1) رواه البخاري، كتاب البيوع، باب ما يكره من الخداع في البيع، رقم: 2011، ومسلم، کتاب البيوع، باب من يخدع في البيع، رقم: 1533، 3/ 1165، عن ابن عمر. (2) ابن بركة: الجامع، 323/ 2.
(3) لم نقف على تخريجه بهذا اللفظ، وإنما ورد مفرقاً وبصيغ مقاربة، منها: «المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه، رواه البخاري، كتاب المظالم، والغصب، باب لا يظلم المسلم المسلم ولا يسلمه، رقم: 2330، عن عبد الله بن عمر، وبلفظ: «المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً» رواه البخاري، كتاب المظالم والغصب، باب نصر المظلوم، رقم: 2334، عن أبي موسى الأشعري. (4) الأصم عثمان: البصيرة، ص 186. (5) رواه مسلم، كتاب البيوع، باب تحريم بيع الحاضر للبادي، رقم: 2878، وابن منده، کتاب التوحيد، ومن أسماء الله وعجل: الرازق والرزاق، رقم: 270، عن جابر بن عبد الله. بلفظ:
«دعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض».
(6) ابن بركة المصدر السابق. (3/82)
صفحة 1233
الفصل الرابع: القاعدة الكلية الكبرى الرابعة
83
يرجح
ورغم أن ابن بركة أعجبه رأي الشافعي في أن كل غرر إذا تسبب في ضياع مال فإن للمتضرر حق الخيار كما تدل عليه عبارته: «وهذا قول يسوغ تأويله في النفس ويعجبني أن يكون كل غرر يذهب له مال هذا طريقه» (1)، إلا أننا نجده يميل إلى رأي جمهور الإباضية في إبطال ذلك البيع بسبب الغرر. وقد يتعجب البعض من تردد ابن بركة في حكم هذه المسألة ولماذا لم أحد الرأيين ويأخذ به؟ فأقول: يمكن الجمع بين الرأيين والعمل بهما حسب الأحوال: فإن كان المتعاقدان عازمان على الدخول في هذه المعاملة فنقول لهم إن البيع فاسد لما فيه من الإضرار بأحد المتعاقدين، ولكن لو تم هذا البيع فلا نقول البيع فاسد وإنما هو بيع موقوف، وللمتضرر حق الخيار في إتمام البيع أو فسخه، فإن وجد البدوي مثلاً أنه قد غبن في السعر وباع بأقل من سعر السوق فله الخيار في الإتمام أو النقض؛ لأن الضرر يزال وإن رضي بذلك تم البيع، وكذلك فيمن يتلقى الأجلاب ليرفع الأسعار، فيجوز للحاكم أن يمنعه ويجبره على البيع بالمثل حتى لا يتحكم في سعر السوق ارتفاعاً وانخفاضاً، فإما يبيع بالرخص فيتضرر البائعون، وإما يرفع السعر فيتضرر المستهلكون ولا بد من مراعاة أحوال الناس ومصالحهم بجلب المنافع ودفع المفاسد، وغلاء الأسعار ضرر يجب أن يزال. ويشير القطب إلى الحكمة من تحريم بيع الحاضر للباد بقوله: «وَقُصِدَ مِنْ عَنْ إِعَانَةِ حَاضِرٍ لِبَادِ، وَبَيْعِهِ لَهُ الرَّفْقُ بِأَهْلِ الْحَضَرِ لِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم: «ذَرُوا النَّاسَ يَنْتَفِعُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْض). وَالْبَادِي يَبِيعُ بِمَا رُزِقَ مِنْ سِعْرٍ، وَلَا يَتَحَكَمُ مُعِينُهُ بِمَالِهِ عَلَى النَّاسِ لَا كَحَاضِرٍ، وَلَا بَأْسَ بِإِعَانَةِ بَادٍ عَلَى بَادٍ أَوْ حَاضِرٍ عَلَيْهِ أَوْ عَلَى حَاضِرِ، وَقِيلَ: النَّهْي خَاصٌ بِالْجَاهِلِيَّةِ» (3).
(1) ابن بركة نفسه.
(2) تقدم تخريجه.
(3) أطفيش: شرح النيل، 317/ 14. (3/83)
صفحة 1234
=
القواعد الفقهية عند الإباضية
??
الرأي المختار:
يمكن أن يستخلص من عبارة ابن بركة أن ما ذهب إليه جمهور الإباضية من فساد بيع الغرر في تلقي الأجلاب، وبيع الحاضر والبادي هو الرأي المختار عنده؛ لأنه يتوافق مع النصوص، ويتمشى مع أصولهم، خلافاً لما ذهب إليه بعضهم إلا أنه يرى أنه لو وقع هذا البيع فلا يحكم ببطلانه، وإنما يعطى للمتعاقدين حق الخيار بين إمضاء البيع أو اختياره، ومن اطلع على عيب أو غرر في البيع فهو مخير بين إتمام البيع أو نقضه، وبذلك يرتفع الضرر ويزول، وهذا الرأي يوافق مذهب الشافعي، ولعله هو الأعدل والأصوب، والراجح عندي، لمراعاته لمقاصد الشريعة في حفظ المال من الغرر والخداع والاحتكار وفيه تيسير ورفع للحرج والمشقة عن الناس ومنع الضرر عنهم.
ب - بيع الثمار قبل ظهور صلاحها ومن صور الغرر القديمة والمتجددة في مجال الزراعة: بيع الثمار قبل بدو صلاحها، فقد ورد النهي عنها عند الإباضية في حديث رواه أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن أنس بن مالك الله قال: «نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن بيع الثمار حتى تزهو، فقيل له يا رسول الله وما تزهو؟ قال: تحمرّ» (1). وفي حديث أبي سعيد قال: «نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع الثمار حتى يبدو صلاحها» (2). وفي رواية أخرى ذكرها ابن بركة في الجامع بإضافة «ويؤمن عليها من العاهة» (3).
(1) رواه الربيع، كتاب البيوع، باب ما ينهى عنه من البيوع، رقم: 558، عن أنس بن مالك. والبخاري، كتاب البيوع، باب بيع الثمار قبل أن يبدو صلاحها، رقم: 2105، عن أنس بن مالك. (2) رواه الربيع، كتاب البيوع، باب ما ينهى عنه من البيوع، رقم: 560، عن أبي سعيد الخدري. والبخاري، كتاب البيوع، باب بيع النخل قبل أن يبدو صلاحها، رقم: 2107، بلفظ: «نهى عن بيع الثمرة حتى يبدو صلاحها، وعن النخل حتى يزهو، قيل: وما يزهو؟ قال: يحمار أو يصفار». عن أنس بن مالك.
(3) رواه البخاري، كتاب الزكاة، باب من باع ثماره، رقم: 1426، عن عبد الله. بلفظ: بن عمر. (3/84)
صفحة 1235
الفصل الرابع: القاعدة الكلية الكبرى الرابعة
85
وجه الاستدلال بالحديث:
قال ابن بركة في شرح هذا الحديث وبدء صلاحها: صفرتها وحمرتها، ومن باع ثمرة غير مدركة على أن يتركها المشتري على النخلة إلى أن يبدو
صلاحها فبيعه باطل، وهو عاص لربه، لنهي النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك»). وعلل السالمي حكم هذه المسألة وبين سبب التحريم والمنع فقال: وبيان ذلك أن النهي عن بيعها قبل ذلك الحدّ يدل على عدم استقلالها بنفسها، بل هي تابعة لأصولها قبل الدراك ومستقلة بنفسها بعده، وذلك أن الغرض من الثمار الانتفاع بها فإذا لم يبد صلاحها فلا ينتفع بها في المعيشة، فهي قبل الدراك لا تقع لها من حيث ذاتها، بل من حيث التبعية لأمهاتها، فكانت تابعة لها كالجنين في بطن أمه، فإذا أدركت صارت كالجنين إذا أمه» (2). انفصل من
ولعل الضرر يكون عند ترك الثمار على رؤوس الأشجار، فلا يضمن نضجها، فقد تأتي عليه جائحة فتضيعها، أو الجراد أو الحر الشديد فتتلف، فيكون بذلك البائع مستفيداً والمشتري خاسراً متضرراً.
كما أنه إذا تركت في مكانها فهل يتحمل المشتري تكاليف سقيها حتى بلوغها؟ لأن الأصل أن يقطعها مباشرة بعد البيع ولكن قد يتركها مدة طويلة حتى تنضج، فيتحمل البائع هذه المصاريف، وهذا غرر بالبائع، لأن بعد نضجها تتغير قيمتها، ولذلك أجاز الفقهاء بيع الثمار قبل ظهور صلاحها بشرط أن تقطع كما هي، ولا تترك حتى تنضج.
نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن بيع الثمرة حتى يبدو صلاحها، وكان إذا سئل عن صلاحها قال: حتى
تذهب عاهته ينظر: ابن بركة، الجامع: 327/ 2.
(1) ابن بركة المصدر نفسه.
(2) السالمي: العقد الثمين، 54/ 2. (3/85)
صفحة 1236
86
القواعد الفقهية عند الإباضية
نهيه عن بيع
وحكى ابن بركة إجماع الفقهاء على جواز ذلك فقال: «واتفق المنتسبون إلى العلم أن من باع هذه الثمرة المنهي عن بيعها قبل أن تدرك، على أن يقطعها المشتري، فبيعه جائز، والدليل على جواز ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم عقب الثمار قبل أن يبدو صلاحها أرأيت أن لو منع الله الثمرة فيم يأخذ أحدكم مال أخيه؟» (1) فدل أن النهي الواقع من أجل الغرر، ولا غرر في بيع البلح على أن يقطع من وقته وصلاح الثمار أن تصفر وتحمر، وتنجو بهذا عند العلماء من العاهة المخوف عليها، فحينئذ يجوز شراؤها على أن تترك في رؤوس النخل إلى أوان الجذاذ (2). ونقل ابن بركة قولاً عن الشافعي أنه يرى جواز بيع الثمار قبل بدو صلاحها، ويترك في رؤوس النخل إلى وقت الجذاذ، وضعفه ابن بركة لأنه مخالف للإجماع، وهو ما يُفهم من عبارته وزعم الشافعي كأنه رأي لا يستند إلى دليل وخلافاً للإجماع (3).
أما إذا باع الرجل غلته في الوقت الذي يبدو صلاحها فلا خلاف بين العلماء في جواز ذلك؛ لأنه سلم من ضمان الجائحة التي تأتي عليها، قال ابن بركة: «وإذا باع وقد بدأ صلاحه ثبت البيع؛ لأن نهيه عن البيع له قبل أن يبدو الصلاح فيه يقتضي جواز البيع إذا بدأ فيه الصلاح، وكانت الجائحة من مال المشتري؛ لأنه باع بأمر النبي).
وهناك بيع يشبه هذه الصورة يسمى بيع السنين ويطلق عليه إباضية عُمان
(1) رواه البيهقي، كتاب البيوع، باب من قال: لا توضع الجائحة، رقم: 9966، والبخاري، كتاب البيوع، باب إذا باع الثمار قبل أن يبدو صلاحها، رقم: 2108، عن أنس بن مالك، بلفظ:
«أرأيت إذا منع الله الثمرة، بم يأخذ أحدكم مال أخيه».
(2) ابن بركة الجامع، 327/ 2، 328. أطفيش، شرح النيل، 318/ 14، 319.
(3) ابن بركة: الجامع، 328/ 2.
(4) ابن بركة المصدر نفسه، 327/ 2. (3/86)
صفحة 1237
الفصل الرابع: القاعدة الكلية الكبرى الرابعة
87
بيع
القبالة، وهو بيع
الغلة أو الزرع قبل نضجه واستوائه، وقد ثبت عن
طريق جابر بن عبد الله الأنصاري: أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع السنين» (1). قال ابن بركة في بيان صورة هذا البيع وهو أن يبيع الرجل سنين: وهي التي يسميها أصحابنا القبالة ... وفي رواية أخرى عنه أنه قال: «لا يبيعن أحدكم ثمرته سنين، ومن باع ثمرته فأصاب جائحة فهي من ماله، ولم يأخذ أحدكم مال أخيه بغير حق)، قال: فهذا القول منه ل لعله يدل عن النهي عن جواز القبالة؛ لأنه عقب بيع السنين النهي» (3).
الثمر
ومن صور البيع المحرمة في مجال الزراعة بيع المزابنة: وهو بيع على رؤوس النخل بثمن معلوم إلى أجل، وكذلك إن كان عنباً بزبيب معلوم كيله إلى أجل وقد ورد فيه النهي عن النبي).
(1) رواه النسائي، كتاب البيوع، باب بيع السنين، رقم: 6037، وابن ماجه، كتاب التجارات، باب بيع الثمار سنين والجائحة رقم 2215، عن جابر بن عبد الله؛ ومسلم، كتاب البيوع، باب كراء الأرض، رقم 2957، عن جابر بن عبد الله.
بم
بم
(2) رواه النسائي، كتاب البيوع، وضع الجوائح رقم 5935، عن جابر بن عبد الله؛ بلفظ: «إن بعت من أخيك ثمرا فأصابته، جائحة، فلا يحل لك أن تأخذ منه شيئاً، تأخذ مال أخيك بغير حق؟». ومسلم، كتاب المساقاة، باب وضع الجوائح، رقم: 2988، عن جابر بن عبد الله. بلفظ: «لو بعت من أخيك ثمراً، فأصابته جائحة، فلا يحل لك أن تأخذ منه شيئاً، تأخذ مال أخيك بغير حق». والدارقطني، كتاب البيوع، رقم: 2546، بلفظ: «من ابتاع ثمراً فأصابته جائحة فلا تأخذن منه شيئاً، بم تأخذ مال أخيك بغير حق؛ عن جابر بن عبد الله. (3) ابن بركة: الجامع، 326/ 2. أطفيش، شرح النيل، 316/ 14 - 317.
عن
(4) رواه الربيع، كتاب البيوع، باب ما ينهى عنه من البيوع رقم 566، والبخاري، كتاب البيوع، باب بيع المزابنة، رقم: 2074، عن أبي سعيد الخدري ومسلم، كتاب البيوع، باب النهي المحاقلة والمزابنة، رقم: 2938، عن جابر بن عبد الله. بلفظ: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المحاقلة والمزابنة والمخابرة .... ، وأخرجه أبو عوانة في المستخرج، مبتدأ كتاب البيوع، باب بيع الرطب بالتمر كيلاً وبيع العنب بالزبيب كيلاً، رقم: 4107، عن عبد الله بن عمر، بلفظ: «نهى عن بيع المزابنة والمزابنة بيع الثمر بالتمر كيلاً الكرم بالزبيب كيلاً». وبيع
حظر (3/87)
صفحة 1238
88
القواعد الفقهية عند الإباضية
وكذلك نهى عن بيع المحاقلة)، وهو: أن يبيع الرجل سنبل زرعه
بحب معلوم كيله إلى أجل وقال بعض الفقهاء الحقل هو الزرع). وعلة تحريم هذه البيوع هي خوف الغرر الذي قد يحصل للتمر والعنب والسنبل، فقد تأتيها الجائحة، كالأمطار أو الرياح أو الجراد فتقضي على التمر، فلا يستفيد المشتري من تلك الغلة، أما البائع قد ضمن الثمن ولو كان مؤجلاً، والإسلام لا يرضى لأهله أن يتنازعوا بسبب ما يلحق أحدهم من مضار؛ لأنه
لا ضرر ولا ضرار».
- في باب القسمة:
عن
الضعفاء،
عزف الشماخي القسمة بأنها «فصل يحجز الله به الظلمة وهي حق من حقوق الناس يجبر عليها الشركاء إذا طلبها بعضهم)) قال المحشي أبو ستة في شرح هذا التعريف: قوله (يحجز الله به الظلمة عن الضعفاء) كان المراد به الظلمة من الورثة عن الضعفاء منهم، إذا كانت أموالهم مشتركة» (4).
وشرعت القسمة لرفع الضرر عن الشركاء في المال سواء كان عقاراً أو منقولاً، قال الشماخي «المقصود بالقسمة تبيين سهام الشركاء في الجنس الواحد، ويراد بها كذلك الانفصال» (5).
(1) رواه البخاري، كتاب البيوع، باب بيع المزابنة رقم 2097، عن عبد الله بن عباس؛ ومسلم، بلفظ: «نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المحاقلة والمزابنة والمخابرة .... »، كتاب البيوع، باب النهي عن المحاقلة والمزابنة، رقم: 2938، عن جابر بن عبد الله.
(2) ابن بركة: الجامع، 325/ 2، 326.
(3) الشماخي: الإيضاح، 85/ 7.
(4) القصبي أبو ستة عمرو: الحاشية على الإيضاح، 58/ 7.
(5) الشماخي: الإيضاح، 58/ 7 و 77. - ينظر أبو العباس أحمد كتاب أبي مسألة، ص 176. (3/88)
صفحة 1239
الفصل الرابع: القاعدة الكلية الكبرى الرابعة
89
ولكن قد تؤدي القسمة إلى ضرر بأحد الشركاء أو الورثة، وفي هذه الحالة
القسمة
يرى الإباضية أنه لا تجوز القسمة لأجل ذلك الضرر، ومن أحكامها: أ ـ أنه لا يقسم مال الغائب إذا لم يترك وكيلاً؛ لأن من شروط جواز القسمة: حضور جميع الشركاء أو وكلائهم، يقول الشماخي في المعنى: «وأما الغائب فإنه إن ترك وكيله بنفسه قام مقامه، وإن لم يترك وكيلاً لنفسه فقد اختلف العلماء فيه، قال بعضهم: المال الذي تركه الغائب قبل غيبته لا يقسم بعده ولو اتفقوا على ذلك، وذلك فيما يوجبه النظر؛ لأن الغائب له حجة في هذا، والتضييع إنما جاء من قبل الشركاء وهم الذين ضيعوا حقهم في حتى غاب، ومع هذا إنه لا يقضى على الغائب». وقال بعضهم: إن اتفقت العشيرة مع شركاء غائبهم، فاستخلفوا له خليفة، فاقتسموا وتراضوا بذلك، فهو جائز، ولكن الحاكم لا يجبرهم على ذلك، وكذلك الديون أيضاً يتوجه إليها هذا الاختلاف، أعني الديون التي تلزمه قبل غيبته، وأما المال الذي ورثه الغائب بعد غيبته، فإنه يدرك على العشيرة أن يستخلفوا لغائب خليفة، فيقتسم الورثة معه ولو لم يصلوا إلى قسمة ذلك، إلا بقسمة ما ترك قبل الغيبة؛ لأن الغائب ليس له في هذا حجة، والضرر لا يحل).
الرأي المختار: وعند التأمل في القولين نجد القول الثاني أقرب للصواب؛ لأن الغائب لا ندري متى عودته، فربما تعطلت مصالح الناس بسبب تجميد المال، ومنع القسمة بسببه، فإذا تدخلت عشيرته ووضعت له وكيلاً ينوب عنه، رفع الضرر عن الجميع، وأخذ كل شريك حقه، لأنه لا ضرر ولا ضرار»، سواء كان ما تركه من مال قبل غيبته أو ورثه بعد غيابه.
(1) الشماخي: المصدر نفسه 77/ 7 ينظر: أبو العباس أحمد كتاب أبي مسألة، ص 178. (3/89)
صفحة 1240
القواعد الفقهية عند الإباضية
ب ـ وأما إن اقتسموا ثم خرج وارث يرث معهم ولم يعلموا به، فإن قسمتهم لا تجوز ولو جوزها الداخل؛ لأن أصل القسمة لا تجوز، وقد اقتسموا ما لهم وما ليس من حقهم، وفي جواز القسمة أيضاً ضرر على الداخل، بتفريق سهمه في الاسهم. قال أبو ستة معقباً على قول الشماخي القائل أن يقول: إن ذلك يدفع برضاه، والتعليل الأول كاف؛ لأن القاعدة أن العقدة إذا اشتملت على ما يجوز وما لا يجوز، كانت غير جائزة على الراجح، وظاهر التعليل بوجود الضرر مطلقاً، أنه لا يجوز لأحد أن يحدث ضرراً على مال أحد ولو رضي به» (1).
ج ـ ويرى الشماخي أنّ ما لا يمكن فيه القسمة إلا بفساد فلا يجبرهم الحاكم على قسمته، لأن في قسمته ضرراً و «الضرر لا يحل»، ولا يجبرهم أيضاً على بيعه؛ لأن البيع لا يصح إلا بالتراضي من البائعين، لقوله عل: {إِلَّا أَن تَكُونَ تِجَرَةً عَن تَراضِ مِنكُمْ} (النساء: (29)، وليس البيع أيضاً بواجب على أحد في ماله فيجبر عليه، وذلك مثل: البيت الواحد إذا لم يُصب كل واحد من الشركاء في نصيبه مصالح بيته جميعاً، مثل: أن يصيب في نصيبه ما يرقد فيه، ويمد رجله وموضع أداة خدمته، ومن أين يستخرج بابه، فإذا أصابوا جميعاً ما ذكرنا فإنهم يجبرون على القسمة.
وعقب أبو ستة على قول الشماخي في عدم إجبار الشركاء على القسمة ولا على البيع، أن المالكية خالفوا الإباضية في هذا الرأي، وقالوا بوجوب الإجبار على القسمة لإزالة الضرر على بعض الشركاء، والقاعدة تنص على أن الضرر يزال و لا ضرر ولا ضرار، وهذا نصه: «قوله: (ولا أيضاً على بيعه إلخ ... ) خالف مالك أصحابنا في هذا، فذهب أنه
يجبرهم
(1) الشماخي: مع الحاشية، 87/ 7 - 88. (3/90)
صفحة 1241
الفصل الرابع: القاعدة الكلية الكبرى الرابعة
91
يبيع
أحمد بن
يجبرهم إزالة للضرر، وفي كتاب القسمة» للشيخ أبي العباس محمد بن بكر (الفرسطائي) رحمهم الله ما هو صريح في قول مالك، حيث قال بعد ما ذكر ما قاله المصنف رحمةالله: ومن العلماء من يقول في الشريك أنه يجبر على أن أو يشتري في الشيء الذي لا تمكن فيه القسمة؛ إذا دعاه شريكه إلى ذلك، وإن أراد أن يبيعاه جميعاً أو يشترياه جميعاً فليتزايدا عليه حتى ينتهيا في زيادتهما إلى من أراد فليأخذه قل أو كثر ... ومِنَ العلماء من يقول في ما لا تمكن فيه القسمة من جميع المشترك أنه لا يصيب فيه الشريك منع المنافع بينهم، ويقسمون منافع ذلك على قدر
حصصهم ... » (1).
ويضيف الشماخي: «وأما إذا لم تكن فيه القسمة وأراد واحد من الشركاء أن يأخذ شركاءه على إغلاقه فله ذلك؛ لأن القسمة لا يجبرون عليها لأجل الضرر الداخل بالقسمة، والبيع لا يجبرون عليه؛ لأن ذلك مخالفة الأصول، واستخدامه لا يكون إلا باتفاق من الشركاء، ولذلك
يتواخذون على إغلاقه ... » (2).
وفي السياق نفسه يرى فقهاء الإباضية أنه لا يمكن القسمة في الدابة الواحدة أو السيف أو الثوب الواحد، وما أشبه ذلك مما لا يمكن القسمة إلا بفساده، وكذلك كل زوجين لا يستنفع بأحدهما دون الآخر، مثل: الخفين والنعلين وأحجار المطحنة وما أشبه ذلك، وبالجملة كل شيء لا يمكن فيه القسمة لا يتواخذون على قسمته» (3). واستثنى الإباضية بعض الأمور التي تغلق وتحجز إذا تعذر قسمتها، كالجب والبئر، قال الشماخي: «إلا الجب فإنهم لا يتواخذون على إغلاقه، ولو
(1) القصبي أبو ستة عمرو، الحاشية عن الإيضاح، 90/ 7.
(2) الشماخي: الإيضاح، 907.
(3) الشماخي: المصدر نفسه، 91/ 7، 92. (3/91)
صفحة 1242
92
القواعد الفقهية عند الإباضية
كان القسمة لا يمكن فيه؛ لأن بيع الماء لا يحل، وقد ورد النهي فيه، لكن يستقي كل واحد من الشركاء ما أراد، ولا يصيب أن يستقي غيره بغير إذن شركائه، إذا وقعت المشاححة بينهم .... ونقل الشماخي عن بعض الإباضية أنهم يذهبون إلى أن الشركاء يتواخذون على قسمة ما لا يمكن قسمته ولو كان قليلاً، إذا طلب أحد الشركاء ذلك،
والحجة لهم قوله تعالى: {مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا} (النساء: 7). وذكر أنه جاء في الأثر عن الإباضية: أنه إذا كانت الدار صغيرة بين اثنين أو شقص ـ جزء ـ قليل في داره لا يكون بيتًا فإن ابن عبد العزيز يقول: «هو إن طلب القسمة قسمت له منه، ألا ترى أن صاحب القليل ينتفع بنصيب صاحب الكثير وبه نأخذ». ويفهم من هذا النص أن الشماخي يميل إلى هذا الرأي ويختاره، خلافاً لجمهور الإباضية، حيث نقل عنهم أن «الربيع كان يقول: لا يقسم شيء من هذا ونحوه، وقول الربيع هذا المأخوذ به عند أصحابنا، وأما ما اعتل به ابن عبد العزيز من انتفاع صاحب القليل بنصيب صاحب الكثير، فإن الانتفاع عند أصحابنا لا يكون إلا باتفاق من الشركاء» (2).
مجمل القول:
يظهر مما تقدم أن كلّاً من الفريقين من فقهاء الإباضية يسعى إلى رفع الضرر عن الغير، فابن عبد العزيز نظر إلى الشريك الذي يملك حصة كبيرة مع غيره، فوجده يتضرر إذا لم تتمّ القسمة في الملك المشترك؛ لأن الشريك الأقل
من حقه، وهذا ضرر يجب
أن يزال.
نصيباً ينتفع أكثر بينما ذهب الربيع وغيره من جمهور الإباضية إلى تعطيل القسمة في
(1) الشماخي: نفسه.
(2) الشماخي: الإيضاح، 92/ 7 - 93. (3/92)
صفحة 1243
الفصل الرابع: القاعدة الكلية الكبرى الرابعة
93
الملك الذي يتعذر تقسيمه؛ لأن في قسمته فساد وضرر يلحق الجميع، ولا يمكن الاستفادة منه، والله لا يحب الفساد، ولكن مع ذلك نقول كما قال الإمام مالك يجبر الجميع على البيع للضرورة لرفع الضرر عن الغير؛ لأنه يمكن أن يكون بعضهم ينتفع بالملك والآخر لا يمكنه، وبعد بيعه لأحدهم أو لغيرهم يأخذ كل واحد منهم نصيبه بالعدل، وينتفي بذلك الظلم، وبذلك يزول الضرر عن الجميع. د ـ ومن الصور التي ذكرها الفقهاء في القسمة، ومنعت لأجل الغرر والغبن الحاصل لبعض الشركاء، أنه إذا قسم رجلان أرضاً وتبين لهما فيها الغبن، واقتسماها على أن من وقعت قرعته على السهم الذي فيه الغبن أخذه فلا تجوز قسمتها؛ لأن قسمة الغبن لا تحل وهي ضرر. وكذلك إن اتفقا على المشترك على أن يتقارعا عليه، فمن وقعت عليه قرعته أخذه كله من غير قسمة، ويبقى صاحبه لا يأخذ شيئاً، فلا لأنه أخذ الأموال بغير حق (1).
يصح
هذا؛
«وإن تمت قسمة الدار وانهدم شيء من حيطان الدار من ناحية أحدهما بعد ما اقتسماها، فإن صاحبها يأخذه أن يبني ما انهدم من ناحيته، لأجل ما يدخل عليه من الضرر ويجبره الحاكم على ذلك، إلا إن اقتسما الدار أول مرة، على أن يبنيا فيما بينهما حائطاً، ولا يدرك عليه من بنيان ما انهدم من حيطان الدار شيئاً ... » (2).
كما استدل القطب على هذه القاعدة على أن الشركاء يجبرون على القسمة إن طلبها أحدهم؛ لأن عدم القسمة فيه ضرر لمن طلبها، والضرر لا يحل فيجب إزالته (3).
(1) الشماخي: المصدر، 103/ 7. - أبو العباس أحمد، كتاب أبي مسألة، ص 177.
(2) الشماخي: الإيضاح، 104/ 7. (3) أطفيش: مرجع سابق، 525/ 10. (3/93)
صفحة 1244
94
القواعد الفقهية عند الإباضية
ه - في باب الرهن:
إذا حدث للرهن ضرر أو أحدث الرهن ضرار للغير، فمن يتحمل مسؤولية إزالة الضرر عنه أو عن غيره؟ يرى أهل العلم أن الراهن يتحمل جميع المضرات؛ لأنه هو المالك له، وأحياناً يتحمل غيره إذا تسبب في إحداث الضرر، وقد فصل الشماخي القول في هذه المسألة، وبين حكم ذلك مع التعليل، فقال: «وبالجملة إن على الراهن جميع ما يحتاج إليه الرهن، وجميع ملازمه وجميع مضراته التي يؤخذ بنزعها، من حائط مائل أو شجرة مائلة وما أشبه ذلك، وتفصيل ما ذكرنا لا تخلو المضرة أن تحدث على الرهن من قبل غيره، أو تحدث على الغير من قبل الرهن، فإذا حدثت على الرهن من قبل أحد من الناس أو من قبل الله، مثل ما ينبت من الشجر أو هدم البنيان أو ما أشبه ذلك، فإنه يدرك نزعها على الذي أحدثها وأحدثت من قبل ماله من شاء منهم من الراهن والمرتهن والمسلط؛ لتعلق حق المرتهن في الشيء المرهون، ولهذا المعنى يتداركون نزوعها، أعني الراهن والمرتهن أو المسلّط، أيهما أحدثها على الرهن أدرك عليه صاحبها نزوعها، وكذلك المسلط» (1).
ويضيف الشماخي في السياق نفسه وكذلك بيت الكراء على هذا المعنى إذا أحدثت عليه مضرة، فإنه يدرك نزوعها أيهما شاء، رب البيت أو المتكاري - المستأجر - لتعلق حق المتكاري فى البيت إلا أن تكون مضرة لا تضر المتكاري في مدة الكراء، نحو الغُروس الصغار يدرك نزوعها صاحب البيت المتكاري، ويتداركان نزوعها صاحب البيت والمتكاري أيهما أحدثها أدرك عليه صاحبه نزوعها، كما ذكرنا في الرهن والمرتهن (3).
(1) الشماخي: المصدر نفسه، 239/ 7.
(2) المصدر نفسه 239/ 7، 240. (3/94)
صفحة 1245
الفصل الرابع: القاعدة الكلية الكبرى الرابعة
95
هذا إذا كان الرهن بيتاً مؤجراً، أما إذا كان الرهن بيتاً عارية فيتحمل مضرته صاحبه، وهذا ما أكده الشماخي في عبارته: «وأما بيت العارية فيدرك نزوع المضرة إذا أحدثت عليه صاحبه دون الساكن فيه بالعارية؛ لأنه لا حق له فيه من جهة الوجوب، إلا بإذن صاحبه» (1).
أما إذا حدث ضرر على الرهن وكان صاحبه غائباً أو طفلاً أو مجنوناً قبل حدوثها، فلا تجب إزالة الضرر على المرتهن أو المؤجر أو القابض للرهن، أو الساكن لبيت العارية حاضراً، وفي هذا المعنى يقول الشماخي: «وإن أتى على هذه المضرة حال ما تثبت نحو السنين والثمار أو ما أشبه ذلك، إلا أن يكون الراهن أو صاحب بيت الكراء والعارية غائباً، أو طفلاً أو مجنوناً قبل حدوث تلك المضرة، فإنها لا تثبت على هذا الحال ولو كان المرتهن أو المسلط - الذي يودع عنده الرهن كأمانة -، أو المتكاري أو الساكن في البيت العارية حاضراً؛ لأن ثبوت المضرة متعلق إلى سكوت من حضر، إذا كان ممن يجوز تجويزه لتلك المضرة؛ لأن سكوته يدل على تجويزه لتلك المضرة، والمرتهن والمتكاري والساكن بالعارية ليس لهم من ذلك شيء، ولا يضر حضورهم مع غيبة صاحب الشيء، كما لا تنفع غيبتهم مع وجود صاحب الشيء، وإنما يجوز نزوعها لهما لتعلق حقوقهما في ذلك الشيء الحادث عليه المضرة (2).
وأما إذا حدثت المضرة من العين المرهونة على الغير، فالراهن هو الذي يتولى إزالة الضرر؛ لأنه المالك للرهن ولا يتحمل غيره ذلك إذا لم يحدثها أو يتسبب فيها، يقول الشماخي في هذا الشأن: «وأما إذا حدثت على الغير من قبل الرهن أو قبل بيت الكراء أو بيت العارية فإنها إذا حدثت ولم يحدثها
(1) الشماخي: نفسه.
(2) الشماخي: الإيضاح، 240/ 7، 241. (3/95)
صفحة 1246
القواعد الفقهية عند الإباضية
أحد
منهم، أو حدثت من قبل الراهن أو صاحب البيت فإن الراهن أو صاحب البيت هما اللذان يؤاخذان على نزوع تلك المضرة؛ لأنهما المالكان للشيء الذي من قبله المضرة، ولا يؤخذان بذلك المرتهن، ولا المسلط، ولا المتكاري، ولا المستعير، إلا إن أحدثها أحد هؤلاء، فإنه يؤخذ بنزوعها لإحداثه المضرة، ويؤخذ أيضاً صاحب الشيء، لأنه المالك).
وإذا كان الرهن حيواناً فضيع الراهن علفه ورعايته، وامتنع الراهن عن ذلك،
جميع
من
أو هرب منه، فأنفق المرتهن على الرهن من ماله، فله أن يأخذ ذلك ثمن الرهن إن باعه إذا لم يرُدّ عليه الراهن نفقته، وإن لم يكن في الرهن زيادة عن حقه فليتبع الراهن ويأخذ من عنده؛ لأن ترك الحيوان بدون رعاية ضرر، وتحميل المرتهن نفقته دون عوض ضرر، والضرر يزال، ولا ضرر ولا ضرار). وقد وضع الشماخي لذلك ضابطاً عاماً يضبط هذه الصور فقال: «والأصل جميع ما يحتاج إليه الرهن مما يكون فيه هلاكه عند الترك، إذا
في
ذلك أن
فعله المرتهن بماله عند امتناع الراهن من ذلك، فإنه يدركه عليه» (3).
واستدل القطب أطفيش بهذه القاعدة في مسألة ما إذا قال الراهن أو قريبه أو صديقه للمرتهن، خذ مالك على الراهن لم يجز له بيعه بعد؛ لأن بيعه بعد عرض ماله عليه ضرر، والضرر لا يحل).
يبيع
وفي السياق نفسه قال: إن وجد المرتهن وفاء حقه في غلته، أو لا حيواناً مرهوناً إن وجد وفاء حقه من غلة الحيوان؛ لأن ذلك ضرر، و «الضرر
لا يحل»» (ه).
(1) الشماخي: المصدر نفسه، 241/ 7.
(2) الشماخي: نفسه.
(3) نفسه 22/ 70 23
(4) أطفيش: شرح كتاب النيل، 280/ 11.
(5) أطفيش: المصدر نفسه، 286/ 11 - 287. ـ الشماخي، المصدر السابق، 189/ 7 - 193. (3/96)
صفحة 1247
الفصل الرابع: القاعدة الكلية الكبرى الرابعة
97
وبيان ذلك أن المرتهن إذا تمكن من استرجاع قيمة دينه من غلة الرهن فلا يجوز له أن يبيع الرهن؛ لاستيفاء حقه، كالحيوان إذا كان ينتج لبنا فاستطاع من نتاجه أن يسدد دينه، فلا يجوز أن يبيعه؛ لأن في ذلك ضرر بالراهن.
6 ـ في باب الإجارة: اختلف الإباضية في حكم من استأجر داراً ليسكن وحده، فأدخل صديقه، أو تزوج فاستقر فيها مع أهله، فهل تصح الإجارة؟
معه
قال أبو ستة: «وإذا قلتم بصحتها هل تسكن معه؟ قال أبو حنيفة يسكنها
(1)
معه، وقال أبو ثور لا يسكنها معه، قال الضميري (1): وهو القياس وهو الظاهر
على القواعد والله أعلم (2).
وعقب أبو ستة على هذه الأقوال فقال: «أما صحة الإجارة فالظاهر أنه لا خلاف فيها، وأما زيادة الساكن فهي مضرة يزيلها صاحب الدار إن شاء، ولا يحل له ذلك من غير إذن صاحبها، وإن تقدم أن الثقل لا يؤثر في البيوت؛ لأن ضرر الساكن لا يلزم أن يكون من جهة الثقل، على أن لا نسلم عدم الضرر من جهة الثقل أيضاً إذا كانت علوية كما هو الظاهر والله أعلم. ولكن ما ذهب إليه أبو ستة وغيره غير مُسلّم به، فأي ضرر يلحق السكن بزيادة شخص واحد خاصة إذا كانت الغرفة واسعة، أو استأجر داراً كاملة، اللَّهُمَّ إلا إذا كان المؤجر اشترط عند العقد ألا يُسَكِّن معه أحداً إلا بإذنه؛ لأن
الحديث ورد
(1) لم نقف على ترجمته لتشابه الأسماء، ولعله الفضل بن عمرو بن أمية الضميرى من رواة ثقات اسمه في ابن حبان، 295/ 5. وذكر ابن حجر: جعفر بن عمرو بن أمية الضميري ولعله شخص واحد، الإصابة في معرفة الصحابة، 499/ 2. (2) القصبي أبو ستة، الحاشية على كتاب الإيضاح، 6/ 260 - 261. (3) القصبي أبو ستة، المرجع نفسه، 261/ 6. (3/97)
صفحة 1248
98
القواعد الفقهية عند الإباضية
الأجرة المتفق عليها كانت مقابل شخص واحد فإذا زاد غيره زاد في الإيجار، كما يحدث في أنظمة الفنادق، فيكون هذا من حقه، فإن تعدى المستأجر ذلك وأسكن معه زوجته أو غيرها بدون إذن المؤجر، فإنه يكون قد أخل بالعقد وألحق ضرراً به، فيجب عليه أن يزيل ذلك الضرر بالتزام شروط العقد، أو يزيده في الأجرة؛ لأنه «لا ضرر ولا ضرار». (3/98)
صفحة 1249
المطلب الثالث في الأحوال الشخصية
1 - في عضل الولي للمرأة في الزواج
لا يجوز للولي أن يمنع وليته من الزواج بالكفء فإن فعل ذلك فقد عضلها، ويجب على الولي أن يزوجها به وإلا وكلت من يقوم مقامه، أو ترفع أمرها للحاكم أو من يقوم مقامه من جماعة المسلمين فيجبره على تزويجها، أو تُزوّج بغير رضاه لرفع الضرر عنها؛ لأن العضل ظلم وضرر، «والضرر يزال»، وذهب بعض فقهاء الإباضية إلى جواز جبره بالحبس، وصححه القطب، وقيل بالضرب تأديباً له، وكذلك إن اشترط عليها أن يأخذ جزءا من صداقها، أو تُسلم له مبلغاً من المال حتى يزوجها، فهذا ضرر لا يقره الشارع، ولذلك يجب إزالته، لقوله تعالى: {وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ) (النساء: (19)، وقوله عل: {فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَن يَنكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ} (البقرة: 232). تعرض القطب أطفيش إلى هذه المسألة وفصل فيها القول وأجلاه، ومما جاء عنه في شرح النيل ويجبر الولي على تزويجها إن امتنع منه بلا عذر، وهو ظلم لها وكبيرة فرضها عليه، أو تجعله في حِلّ، ويجبر بلا ضرب إن لم يجد كفؤها ووجد غيره، وخاف عليها الزنا، وإن امتنع وكلت حينئذ من يزوجها، أو زوجها الحاكم أو الإمام أو الجماعة (فقيل) يجبر على الحبس، وهو الصحيح، وقيل يضرب بلا عدد محدود حتى يزوجها من كفئها إن حضر الكفؤ، وقيل يضرب تأديباً، ويزوجها الإمام أو نحوه، أو الجماعة، أو يوكّلون لها أو تؤكل هي، أو يزوجها ولي دون الولي الممتنع، كشقيق الأب، فيزوجها أبوي، زوجه الأولى، الإشارة إلى ضعف قول الضرب، لأنه لا تفوت نفس
بعدم التزويج بخلاف نفقة الولي ... »).
(1) أطفيش: شرح كتاب النيل، 112/ 6. (3/99)
صفحة 1250
1 ..
القواعد الفقهية عند الإباضية
ونقل القطب عن أصحاب الديوان أنه لا يجوز للولي أن يمنع المرأة من الزواج من الكفء بسبب الطمع في مالها، فكما لا يجوز مضارتها في نفسها كذلك لا يجوز مضارتها في مالها، وفي ذلك يقول: «قال في الديوان: ينظر المسلمين في منعه، فإن أراد به المال ومضرتها فلا يتركوه إلى ذلك، وليخوفوه بالله تعالى لقوله تعالى: {وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ} (النساء: (19). وإن اعتل بعلّة نظروا، فإن وجدوا لها وجهاً رجعوا إلى المرأة وأمروها بطاعة وليها لأنه الناظر لها، وإن أراد إضرارها أمرها أن تولي أمرها غيره، وإن طلبت إليه واحداً فردّه ثم آخر فرده أو أكثر، فهل يكون ذلك تعطيلاً أم لا؟ قولان، وإنما ينظر إلى إضرارها، إذ لاحد لذلك؛ لأنه ربما ردّ واحداً أو أكثر وله وجه، وربما رد واحداً وهو فيه أضر ... » (1). وقد أشار القطب إلى مسألة هامة كانت سبباً في بوار كثير من الفتيات في أن تكون الفتاة عاملة أو موظفة لها راتباً شهرياً تنفق به على
عصرنا، وهي أسرتها، فيعتمد عليها وليها في النفقة، ولما يتقدم لها من يتزوجها يمتنع الولي، فإذا أصرت البنت الموظفة على الزواج طلب منها وليها مبلغاً مالياً تعجز عن تسديده، أو يرهن لها أملاكها، فإذا تزوجت قضت مدة طويلة في تسديد دينها حتى تفك رهنها، وهذا من الإضرار الذي لا قره شرع ولا عرف وربما تسبب في خلافات زوجية تنتهي بالفراق.
يقول القطب أطفيش في هذا الشأن وحرُم على الولي أخذ مال من وليته على تزويجها بلا طيب نفسها، إن امتنع منه إلا بالمال؛ لأن تزويجه إياها فرض، ولا يحل له أخذ مال على فرض، وحَلّ لها أن تعطي، قال الله تعالى: {وَأَنكِحُوا الْأَيْنَمَى} (النور: (32) تأمر الأولياء بالإنكاح، والأمر للوجوب،
(1) أطفيش: المرجع نفسه، 114/ 6. (3/100)
صفحة 1251
الفصل الرابع: القاعدة الكلية الكبرى الرابعة
1 - 1
أي إِن أَرَدْنَ، وقال تعالى: {فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَن يَنكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ} (البقرة: 232)، أي يتخذن أزواجاً، فنهاهم أن يمسكوهن والنهي للتحريم إلا بقرينة، فلا يجوز له أن يفعل المنع ويتوصل به إلى الأجرة، إلا إن كان يسافر إلى العقد فله
الأجرة» (1).
مجمل القول:
فالشارع الحكيم أعطى الحق للولي أن يزوج وليته وأوجب على الأبناء إن كانوا قادرين أن ينفقوا على والديهم إن كانا فقيرين، وفي الوقت نفسه منع الولي من عضل وليته عن الزواج لأجل المال، لأن ذلك تعسف في استعمال الحق، وضرر للمرأة يجب إزالته، ولذلك سمح لها الشارع أن تؤكل من يقوم مقام وليها ليعقد عليها ولو كان وليا أبعد منه، بشرط أن يكون من العصبة، فإن تعذر ذلك ينوبه الحاكم أو جماعة المسلمين حتى لا يكون تعطيل طريق الزواج بتعنت الولي سبباً في انحرافها ووقوعها في الزنا.
2 - في التدليس في الزواج
ومن الصور التي تتخرج عن هذه القاعدة التدليس في الزواج، فالتدليس غش وتزوير، وهو ضرر يجب أن يزال، وقد ورد على البكري سؤال يقول فيه صاحبه: «هل يسوغ لمن يريد أن يتزوج بنتاً لم تبلغ السن القانونية للزواج (2) أن يعقد عليها خوفاً من طائلة القانون باسم أختها الكبرى؟». فأجاب بأنه لا يسوغ ذلك؛ لأنه غش وتدليس، ولا يليق بالمسلم أن يغش
(1) أطفيش: المرجع نفسه، 113/ 6. (2) حدد المشرع الجزائري السن القانونية بعد التعديل الأخير لقانون الأسرة بـ 19 سنة للجنسين، وكان قبل ذلك محدداً بـ 18 سنة للأنثى و 21 للذكر، ثم عدل عن ذلك لتكريس المساواة بين الجنسين، وهذا التحديد مخالف للشرع الذي جعل سن البلوغ هو المناسب للزواج لكل من الذكر والأنثى. (3/101)
صفحة 1252
102
القواعد الفقهية عند الإباضية
أو يدلس، لقوله صلى الله عليه وسلم: «من غشنا فليس منا» (1)؛ ذلك أن هذه العملية تترتب
عليها أحكام وتستتبعها نتائج منها:
1 - أنه يضاجع الصغيرة ولم يعقد عليها باسمها.
2 - أن أولادها ينتسبون إلى الكبيرة وليست لهم بأم في الحقيقة، وتُحرَم الصغيرة من نسبهم إليها وهي أحق.
{
- إذا ماتت الكبيرة ورثها غير أبنائها أو ماتوا ورثت غير بنيها.
- ومن وراء ذلك تعطيل الكبيرة عن الزواج. ولا ريب أن كل هذه الأمور المذكورة أضرار لحقت بالبنتين بسبب هذا التدليس، ولذلك يجب إزالتها لإعادة الأمور إلى وضعها الطبيعي، ولعلاج هذا الأمر يقترح شيخنا عبد الرحمن بكلي على المدلس اتباع الخطوات التالية: أن يدلس مرة ثانية أو يطلقها ولو صورياً، ثم لا بد له من أمرين: الأول: يجب عليه أن يباعدها فعلاً انتظاراً لانقضاء عدتها؛ لأنه قد قطع الصلة التي كانت تربطه بها انتحالاً، وإلا اعتبر في ظاهر الشرع زانياً. الثاني: تجديد العقد باسم الصغيرة.
وقد يتعذر ذلك لو انكشف أمره؛ لأنه يعتبر حينئذ في نظر القانون متبعلاً لها بلا عقد، بل يستوجب على تدليسه عقوبة إلى غير ذلك من الاعتبارات. وأنت خبير أن كل ذلك يسبب مشاكل قد تؤول إلى الخصومة وعداوة،
وهو ما يأباه الإسلام؛ لأنه كلها أضرار ولا ضرر ولا ضرار في الإسلام. هذا كله إذا كان التدليس في الشخص والاسم معاً، أما إذا كان التدليس في الاسم غير أن الشخص متفق عليه بين الطرفين، فأقل مسؤولية فيما بينه
(1) رواه الربيع، كتاب البيوع، باب في الانفساخ والربا والغش، رقم: 582، عن ابن عباس. بلفظ: «ألا ومن غشنا فليس منا .... وابن حبان بلفظ: كتاب البر والإحسان، باب الصحبة والمجالسة، ذكر الزجر عن أن يمكر المرء أخاه المسلم رقم 568، عن عبد الله بن مسعود. غشنا فليس منا، والمكر والخداع في النار».
من
،، (3/102)
صفحة 1253
103
الفصل الرابع: القاعدة الكلية الكبرى الرابعة
وبين الله لا في الحكم، سيما ونحن في عصر الشكليات، فإن المحذور باق على حاله نظراً لما يستلزمه من الشكليات، ويترتب على ذلك من أحكام"). وانظر نتائج الاحتكام إلى غير شرع الله، فتجد الناس يتحايلون على القانون الوضعي لقضاء مصالحهم، فيصطدمون بنصوص الشريعة، أو يقعون تحت طائلة القانون، ولذلك فليجتهد أبناء الإسلام في تحكيم شرع والمطالبة به، ولو في مجال الأحوال الشخصية، كالزواج والطلاق كما هو الحال في كثير من بلدان العالم الإسلامي
المطلقة
(2)
الله
(1) بكلي عبد الرحمن فتاوي البكري، 303/ 1، 304. (2) ومن صور التحايل على القانون في مجال الأسرة في بلادنا أن المشرع الجزائزي يشترط على الزوج إذا أراد تعدد الزوجات أن يأخذ رخصة الموافقة من زوجته الأولى حتى يوافق القاضي على العقد على الثانية، فتجد هذا الزوج يعقد عليها عقداً عرفياً ثم ينجب منها أولاداً، ثم يأتي إلى القاضي ليسجل هذا النكاح ولا يستطيع القاضي أن يمتنع من ذلك؛ لأنه صار مضطراً لإثبات نسب الولد. ومثله أن يضمن للمطلقة بيتاً لحضانة أولاده، أو إيجاراً مناسباً ضماناً لحق في أن تعتد في بيت الزوجية، ولكن لم يخل هذا القانون من التحايل عليه، فتجد أحد المطلقين يقدم لمطلقته إيجاراً لمدة ستة شهور أو سنة فتخرج من البيت، ثم بعد انقضاء تلك المدة يتملص من واجبه فلا يدفع لها بقية الإيجار، فيلحق بها أضراراً بليغة غير متوقعة. تراجع نشرة خاصة من الصحافة تتحدث عن هذه التغيرات في قانون الأسرة الجزائري العدد (4956) السنة السابعة عشر نشر المقال يوم الخميس 18 صفر 1428 هـ الموافق ل: 8 مارس 2007 م، ومما جاء فيه تحت عنوان «تغيرات ونقائص في قانون الأسرة» ومن أهم المواد التي أشار إليها القضاة مسألة التحايل بالزواج العرفي، حيث أن المادة 8 من القانون لم توضح شيئاً بخصوص الزواج العرفي وعلاقته بالرخصة التي تمنحها لزوجها حتى يتمكن من الزواج بثانية، فالكثير من الرجال يلجؤون إلى عقد قران عرفي ثم يتقدمون إلى العدالة لتثبيته، وهنا ليس ملزماً بطلب رخصة من الزوجة الأولى خاصة إن أثمر الزواج العرفي بذرية. كما أن المادة 72 من القانون ذاته أيضاً تحمل نقائص هامة فهي تنص على بقاء الزوجة في المسكن الزوجي مسكناً لغاية تنفيذ الحكم، وتوفير الزوج مسكناً لها، أو يدفع مبلغ الإيجار، وهنا لا يمكن التأكد من النية الحقيقية للزوج، وإن كان سيوفر للحاضنة مسكناً، حيث يلجأ بعض الأزواج للتحايل بدفعهم مقدم ستة أشهر أو سنة من الإيجار ثم يختفون، وتجد المطلقة نفسها من دون منزل.
= (3/103)
صفحة 1254
1.2
القواعد الفقهية عند الإباضية
- في التطليق للغياب
ومن المسائل التي وردت في المصادر الإباضية وفيها إضرار بالغير: أنه إذا سافر تاجر عن زوجته إلى بلد لم تبلغه فيه حجة الحاكم، ومكث فيه مقيماً، ولو بلغه كتاب الحاكم لم يجب؛ لأنه في بلد خارج عن حكم المسلمين، وزوجته تريد منه النفقة والكسوة، وليس له مال في بلده ولا غيره من البلدان، وطلبت من الحاكم أن يطلقها، أيجوز له أن يطلقها منه على هذه الصفة أم لا؟ فإن لم يكن هناك حاكم أيجوز لجماعة المسلمين أن يقوموا مقامه في التطليق؟ أجاب سعيد بن خلفان الخليلي على هذه المسألة فقال: «قد قيل في هذا إذا لم يكن مال تأخذ منه زوجته نفقتها وكسوتها بالمعروف، أو تُعطى ذلك منه بالحكم في موضع جوازه، فيفرِض لها الحاكم نفقتها وكسوتها، أو يأمرها أن تدان عليه إلى حد وصوله إن وجدت من يدينها عليه، وإلا فتؤمر بالصبر الجميل وتقوى الجليل).
فإن بقيت الضرورة عليها لفقرها، ووجدت حاكماً عدلاً يلزم الناس حكمه في المختلف فيه، فهنالك قد اختلف الفقهاء في جواز طلاقها، فقيل
بالمنع
مطلقاً، وهو الأحوط والأبعد من الريب والأقرب إلى السلامة. وقيل: يأمر الحاكم ولي هذا الغائب أن يطلقها منه، فيتم طلاقه بالحكم؛ لأنه والحالة هذه يحكم عليه بطلاقها ولوكره وبغيبته، لا يُعطل ما لزمه لغيره
وأشار القضاة إلى عدم وضوح القانون في مسألة إثبات النسب، حيث إنه في حالة اعتراف طرفين بعلاقة غير شرعية أنجبا من خلالها إبناً، فإن القاضي ملزم بتثبيت النسب، ويسجل الابن في السجلات المدنية بشهادة ميلاد تحمل اسم والديه الحقيقيين، لكن في حالة مطالبة هذا الابن عندما يكبر بقسطه من ميراث أبيه أو أمه لا يتحصل عليه بصفته ابن «الزنا» حسب ما تنص عليه الشريعة، فانظر إلى ما يترتب على مخالفة الله شرع من آثار سلبية وتبعات مختلفة ما أنزل الله بها من سلطان. - يراجع: جريدة الخبر الجزائرية العدد 4956 الصادرة
يوم الخميس 18 صفر 1428 هـ الموافق لـ 8 مارس 2007 م، ص 3.
(1) الخليلي سعيد: تمهيد قواعد الإيمان، 107/ 11. (3/104)
صفحة 1255
الفصل الرابع: القاعدة الكلية الكبرى الرابعة
1.0
في
من الأحكام في دين الإسلام من حقوق الأنام إن رأى الحاكم جواز ذلك، وهو ممن يجوز له القيام بمثله، وجماعة المسلمين إن وجدوا يوماً جاز قيامهم عدمه» (1). مقامه مع وفي السياق نفسه سئل سعيد الخليلي في امرأة ركب عنها زوجها البحر مسافراً منذ أربع سنين، ولم يترك لها نفقة ولا كسوة، ولا مالاً له في بلده، وقد دخلها الضرر وأبى أبوه القيام بنفقتها وكسوتها، فقال: «إذا كان الحال كذلك جاز للحاكم الحكم بطلاقها، فيأمر أباه بتطليقها، ويمضيه الحاكم
رفعاً للضرر» (2).
الرأي المختار:
بعد النظر في أقوال فقهاء الإباضية في هذه المسألة يظهر أن الزوج الغائب إن تعذر وصول الخبر لإلزامه بالإنفاق على زوجته، أن لا تلجأ زوجته إلى الطلاق لرفع الضرر عن نفسها إن شاءت ما دام لم يتخلّ عنها ولم يجحد حقها، وعلى جماعة المسلمين أن يكفلوا زوجته وأولاده إن استطاعوا حتى تتيسر أحواله، ولا يتعجلوا في تطليقها منه؛ لأن الطلاق يهدم أركان الأسرة ويشتت شملها، فلربما منعته الظروف من الحضور أو إرسال النفقة إليها، فإن استطاعت الزوجة الصبر على هذا الحرمان، فهذا من إحسانها؛ لأن التسرع في انفصالها عنه ضرر يقع عليه، أما لو بلغت الأمور إلى حد الضرورة، وشعرت المرأة بحاجتها إلى زوجها مادياً وعاطفياً، وتعسرت عليها سبل العيش، فمن حقها أن تطلب الطلاق للإعسار أو الغيبة رفعاً للضرر؛ لأن ترك الزوجة بدون إنفاق أو استمتاع لمدة طويلة ضرر لا يحتمل أيضاً، يجب إزالته، و «لا ضرر ولا ضرار في الإسلام».
(1) الخليلي سعيد: المرجع نفسه. 107، 108. وينظر أيضاً، 244/ 11 - 246. بتصرف يسير. (2) المرجع نفسه، 52/ 11. (3/105)
صفحة 1256
=
القواعد الفقهية عند الإباضية
106
والعلماء كما يبدو قد اختلفوا في ذلك، ولعل القول الأعدل والأقرب للصواب أن تنتظر مدة معينة قبل العزم على الطلاق، فإذا نفذ صبرها تلجأ إلى القضاء؛ لأن تركها معلقة لا متزوجة ولا مطلقة إمساك غير معروف، مناقض للنصوص الثابتة في القرآن والسُّنَّة والله أعلم.
عما
4 - في تعاطي الحبوب لتأخير الحيض وطلب الولد: ومن الصور التي تتخرج على قاعدة: الضرر يزال» أو «لا ضرر ولا ضرار»: أن امرأة أمرها الطبيب باستعمال الدواء فى الخمسة الأولى من أيام حيضها، وأمر زوجها أن يطأها في المدة ـ ابتغاء الولد ـ فأبت الزوجة اتباع هذا الإرشاد الطبي، لكن الزوج هددها بالطلاق إن لم تمتثل، فما رأي الشرع في هذه المسألة؟ أجاب البكري: أرى - والله أعلم - أنه لا حق للمرأة أن تمتنع أمرها الطبيب من استعمال، إلا أن يكون دواء محرماً لا يبيحه الشرع، وما دام هذا الاستعمال فيه تحقيق لرغبة الزوج ولخير الزوجين معاً، فلا حق لها في الامتناع. أما جماعها في الأيام الخمسة الأولى من حيضها ـ والمفهوم أنها داخل حيضها لا خارجه ـ فحرام على الزوج أن يفعل، وحرام على المرأة أن تطاوع، ولها كل الحق أن تمتنع وإن أمر بذلك الطبيب، فلا طاعة لطبيب في مخالفة أمر الله قال تعالى: {وَيَسْتَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا نَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِين (البقرة: 222). وقال: «من جامع امرأته في حيضها فقد أتى ذنباً عظيماً» (1).
(1) لم نقف على تخريجه. أورده البسيوي، الجامع، 51/ 3. وورد حديث يفيد هذا المعنى بلفظ: «من أتى حائضاً، أو امرأة في دبرها، أو كاهناً، فقد كفر بما أنزل على محمد» رواه الترمذي
سنن الجامع الصحيح، أبواب الطهارة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم باب ما جاء في كراهية إتيان (3/106)
صفحة 1257
الفصل الرابع: القاعدة الكلية الكبرى الرابعة
107
وتهديد الزوج إياها بالطلاق لوقوفها عند حدود الله ظلم لها لا يحل، لأنها لم تعص زوجاً إذا أطاعت ربّاً، ولا طاعة لمخلوق في معصية الخالق. وقال تعالى: {فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا نَبغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا} (النساء: 34). كل هذا لأجل ماذا؟ لأجل ابتغاء الولد؟ وأي خير في ولد أوله إقدام والده على الذنب العظيم، وهذا ضرر يعود عليه في دينه، وإرغام والدته عليه وتهديدها بالطلاق إن لم يفعل؟ وهذا ضرر بالغير، والقاعدة تقرر أن «لا ضرر ولا ضرار».
ولا شك أن بهذا الاعتبار شؤم على والديه، ثم من يدري لعل ما أشار به الطبيب لا يتحقق، وإنجاح الأسباب بيد الله، فيكون قد أطاع مخلوقاً وعصى خالقا في غير طائل؟ ومن حاول أمراً بمعصية الله كان أبعد مما رجا وأقرب مما اتقى (1) (2).
والحاصل أن ابتغاء الولد حق شرعي للمتزوجين، لكن لا يطلب بمعصية الله، فمن ابتغى ما عند الله يطلبه بطاعته، وذلك باتخاذ الأسباب المباحة، ثم يفوض أمره إلى الله الذي يختار لعبده ما فيه الخيرة.
الحائض، حديث: 128. عن أبي هريرة قال الترمذي: «لا نعرف هذا الحديث إلا من حديث حكيم الأثرم، عن أبي تميمة الهجيمي، عن أبي هريرة، وإنما معنى هذا عند أهل العلم على التغليظ». والدارمي في السنن، كتاب الطهارة، باب من أتى امرأته في دبرها، حديث: 1169. وأبو داود في السنن، كتاب الطب باب في الكاهن حديث: 3423. وابن ماجه في السنن، كتاب الطهارة وسننها أبواب التيمم، باب النهي عن إتيان الحائض، حديث: 636. قال الألباني: حديث صحيح. (1) رواه أبو نعيم، في حلية الأولياء بلفظ: «من حاول أمراً بمعصية كان أبعد لما رجا وأقرب لمجيء ما اتقى».، حلية الأولياء، أنس بن مالك رقم 9164، عن أنس بن مالك، وضعفه الألباني. وأخرجه الشهاب القضاعي في مسنده، من حاول أمراً بمعصية كان أفوت لما رجا وأقرب لمجيء ما، حديث: 485.
(2) بكلي عبد الرحمن فتاوى البكري، 281/ 2 - 282. (3/107)
صفحة 1258
المطلب الرابع
في باب الحقوق
1 - في رفع الضرر عن المؤجر والمستعير والجار
إذا أجر شخص لرجل داراً بكراء معلوم إلى أجل معلوم، فحدثت عليه مضرة، فعلى رب الدار نزعها على الذي أحدثها؛ لأنها داره، وكذلك المستأجر يدرك نزعها على الذي أحدثها، إن كانت المضرة تضر بالسكني؛ لأن منفعة الدار من حقه في تلك المدة والضرر يزال، إلا أنه في الحالة الأولى يزيل الضرر المؤجر صاحب الدار؛ لأن المستأجر قد أجر داراً صالحاً للإيجار، أما الحالة الثانية فيزيله المستأجر إذا كان الضرر قد حدث بسببه بعد أن دخل
في
المنزل وهو صالح للسكن).
واختلف الفقهاء في المستعير إذا استعار تلك الدار فحدث فيها ضرراً، أيدرك نزعه على الذي أحدثها - كالمؤجر في مدة السكني ـ أم لا يدرك نزعها إلا صاحب الدار؟
قال الشماخي في هذا الصدد والفرق بين المستعير والمتكاري - المستأجر أن المستعير ولو كان له حق في السكنى لو أراد صاحب الدار أن يخرجه لأخرجه، بخلاف المتكاري، وكذلك أيضاً ربُّ الدار والمتكاري يدرك كل واحد منهما على صاحبه ما أحدث في تلك الدار من المضرة؛ لأن كل واحد منهما له حق في تلك الدار» (2).
وإن أحدث رب الدار أو المستأجر أو المستعير في تلك الدار ضرراً على
(1) الشماخي: الإيضاح، 260/ 6 - 261.
(2) الشماخي الايضاح، 261/ 6 (3/108)
صفحة 1259
الفصل الرابع: القاعدة الكلية الكبرى الرابعة
109
جيرانها، فالذي حدثت عليه يدرك نزعها على الذي أحدثها دون من لم يحدثها؛ لأن كل واحد من المحدثين له حق في تلك الدار). ويرى الشماخي أن من حق جار الدار والحانوت ـ المحل التجاري ـ منع صاحبها أن يكريها لمن يضر بهم، ومثل ذلك إذا كانت الحانوت لرجل بين الصيارفة، أو الخياطين أو ما أشبه ذلك، فأراد صاحبها أن يكريها للحداد أو الصباغ أو الطحان أو النجار أو ما أشبه ذلك مما يضر جيرانه؛ لأن تلك الحرف تصدر عنها أصوات وغبار وأوساخ مؤذية، فيحق لهؤلاء منعه من ذلك، والأصل هذا ألا يحدث أحد مضرة على أحد لقوله صلى الله عليه وسلم: «لا ضرر ولا ضرار» (2) (3).
في
2 - في نفي الضرر عن الجيران واستدل الإباضية كذلك على قاعدة لا ضرر ولا ضرار» بأمثلة من معاملة الجار لجاره، وذلك بأن يكون أحدهم بجوار الحداد والصائغ والقصار والنساخ وغيرهم، واشتكى منهم جيرانهم لما يحدث لهم من ضرر وأذى بالإزعاج أو بالدخان أو غيره، نظر العدول فيهم، فإن رأوه أذى عليهم صرف عنهم،
ولا يحمل الضرر على الجار).
- في الضرر في الطرقات جاء في أجوبة علماء فزان سؤال عن رجل عمد إلى الطريق العام فبنى أعمدة جنانه (بستانه) وفيه أعمدة، فهل يجوز للحاكم أن يخرج ذلك أو حتى يرفع إليه ذلك كله ويزيله؟
(1) الشماخي: المصدر نفسه، 261/ 6 - 262. بتصرف.
(2) سبق تخريجه
(3) الشماخي نفسه، 262/ 6 - 263.
(4) أطفيش: شرح النيل، 171/ 10 - 172. (3/109)
صفحة 1260
11.
القواعد الفقهية عند الإباضية
قال أبو يوسف وريون بن الحسن الزقاق والطريق الناس فيه لدى الشرع سواء، ليس لأحد أن يقطع منه دكاناً (مرتفعاً يخصص للجلوس) يجلس، ويجعل على حيطانها سقفاً، وقد بلغنا أن أبا بكر الصديق الله قال: «من اقتطع من طريق المسلمين أو من أفنيتهم شبراً طوقه الله من سبع أراضين يوم القيامة)، ولا يجوز لسلطان المسلمين أن حدثاً يدع في الإسلام رفع إليه أو لم يرفع، وعليه الاجتهاد في رعاية الإسلام وأهله، وقد جاء في الحديث: «من أحدث حدثاً أو آوى محدثاً فعليه لعنة الله (2) (3).
ومن صور الإضرار في الطرقات والدور والمزارع: أن الناس إذا أحدثوا أضراراً في الأماكن العامة، كالطرقات والمساجد، أو في أموال الضعفاء، كاليتامى وغيرهم فيجب إزالتها، ولا يجوز أن يضروا بعضهم البعض في منازلهم أو دكاكينهم أو مزارعهم، وعلى الحاكم مسؤولية مراقبة ذلك والأمر بإزالة تلك الأضرار، تطبيقاً للقاعدة المشهورة (لا ضرر ولا ضرار». قال ابن جعفر في هذا الصدد: «وللحاكم أن يأمر بصرف المضار عن طريق المسلمين والمساجد ومال الأيتام والأغياب، ويقيم لذلك من يقوم به، ويحجر الناس أن يضر بعضهم ببعض» (4).
عن
(1) رواه مسلم، كتاب المساقاة، باب تحريم الظلم وغصب الأرض وغيرها، رقم: 3105، سعيد بن زيد بلفظ: «من اقتطع شبراً من الأرض ظلماً، طوقه الله إياه يوم القيامة من سبع أرضين»، والأثر أورده الحطاب، مواهب الجليل: 478/ 14.
(2) رواه البخاري، كتاب الحج، فضائل المدينة، باب حرم المدينة، رقم: 1777، عن أنس بن مالك. بلفظ: «المدينة حرم من كذا إلى كذا، لا يقطع شجرها، ولا يحدث فيها حدث، من أحدث حدثاً فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين»، وأبو داود، كتاب الديات، باب أيقاد
المسلم بالكافر، رقم: 3948، عن علي بن أبي طالب. (3) جناو بن فتى، وعبد القهار بن يخلف أجوبة علماء، فزان من علماء القرن الثالث الهجري. حققها عمرو خليفة النامي وأكمل تحقيقها وأشرف على طبعها إبراهيم طلاي، طبع بمطابع
دار البعث قسنطينة (د ت) ص 78 - 79.
(4) ابن جعفر: الجام، 188/ 4. (3/110)
صفحة 1261
الفصل الرابع: القاعدة الكلية الكبرى الرابعة
111
ولا ينظر الشرع إلى زمن وقوع الضرر، فيجب إزالته سواء كان قديماً أو حديثاً، يقول ابن جعفر: وكذلك كلما سبق من الأحداث في مثل هذا الذي يحدث في الطريق وغيرها، وإن مات المحدث له فقد توقف الأكثر من الحكام عن صرفه، ولا يجوز لأحد أن يحدث في شيء من الطريق الجائزة حدثاً في أرضها ولا سمائها، وكذلك لا يحدث إلى حينها كنيفاً ولا تنوراً يخاف منه ضرر النار وكل هذا مرفوع عن الناس أيضاً إذا طلبوا رفعه، وكان محدثاً عليهم وما سبق من ذلك، فإنما يرفع منه ما حدث منه من المضرة ... » (1).
وكل من تسبب في الاعتداء على الطريق ببناء، يتحمل مسؤولية إزالته سواء كان صاحب البناء أو من يقوم بالبناء، جاء في «الجامع ابن جعفر» عن أبي سعيد الكدمي ما يشير إلى هذا المعنى: «قلت له: فإذا قاطع (تعاقد) رجل رجلاً أن يبني له جداراً بجنب الطريق، والجدار كان في مال المقاطع، فتقدم عليه أنك لا تدخل بناءك في الطريق، وجد له في ذلك أو أقر الذي بنى
أنه
يعرف معناه، فلما بنى الجدار وقف عليه صاحب الجدار، فإذا هو داخل في الطريق هل يسعه تركه ولا يلزمه إزالته، ويكون ذلك الذي بناه، أم كيف يكون
الوجه فيه؟
قال
معي: إن إزالته على من أحدثه فيما معي في معنى اللازم فيما بينه وبين الله في الحكم، وإذا كان الجدار لهذا فهو مأخوذ بمعنى الحكم بإزالته على من أحدثه، لثبوت الحجة له في الطريق، وأرجو أن لا يكون عليه إثم ما لم تأخذه الحجة في ذلك» (2).
وكل هذا الحرص لأجل رفع الضرر عن الناس في طرقاتهم، وقد تأكد المصادر الإباضية إعمال هذه القاعدة في هذا المجال، فقد جاء في
(1) ابن جعفر المصدر نفسه، 189/ 4. بتصرف (2) ابن جعفر نفسه، 191/ 4. (3/111)
صفحة 1262
112
القواعد الفقهية عند الإباضية
«البصيرة» في باب الأحداث في الطريق ما نصه: ويمنع من أحدث في طريق المسلمين تعدياً مما يؤذيهم ويضر الطريق من بناء طين أو جص أو بآجر أو يكبس فيها تراباً، أو يحدث فيها حدثاً من حفر بئر أو ساقية، أو حصار أو شيء يكون فيه أذى للمسلمين، أو كنف بجنب الطريق أو المسجد يؤذي المسلمين، أو يغرس عليها غرساً أو يبني سقفاً ... أو نحر فيها ... فكل ذلك منكر على من فعله، ومن أحدث ذلك منكر عليه، ويؤمر أن يرد ما أحدث ولا يخطر فيها بشوك ولا وَعْث المسلك، ولا يحولها من موضعها، ولا يجعل فيها حجارة، ولا سلاً ولا أمتعة.
ولا يجوز له أن يجعلها دكاكين لبيع ولا شراء، ولا يتخذها مجالس ولا بوعث مسلكها، وتكبس تراب ولا رش ماء، ولا منازل ولا دواب، ولا غرس كرم ولا قرط ولا سدر ... ولا غير ذلك، وذلك كله منكر على من فعله، وإثم لمن عمله، وضمان لما يحدث فيه، وقد جاءت الرواية عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ملعون من آذى المسلمين في طرقاتهم.
ولا بقرب منازل الناس ولا تنور يؤذي الجار ولا ضرر في الإسلام ولا ضرار وكل المضار مصروفة»، ولا يفتح في الطريق باباً يقابل باب جاره، ولا في طريق غير جائزة، ولا يحدث مسقَى على المسلمين في غير حقه، في نهر يمر فيه ماؤهم، إلا أن تكون ساقية جائزة في حقه وماله» (2).
ولعل كل ما أشار إليه عثمان الأصم وغيره حادث في واقعنا، فقد أصبح الطريق لا حرمة له، فكل من أراد أن يدفع عن نفسه الضرر يلقيه في
(1) رواه الطبراني في المعجم الكبير، بلفظ: «من آذى المسلمين في طرقهم وجبت عليه لعنتهم»، باب من اسمه حمزة، حذيفة بن أسيد أبو سريحة الغفاري، أبو الطفيل عامر بن واثلة عن حذيفة بن أسيد، رقم 2979، والبيهقي في شعب الإيمان، فضل الجمعة، رقم: 2861، عن أنس بن مالك بلفظ: « .... من آذى المسلمين فقد آذاني، ومن آذاني فقد آذى الله وعل) (2) الأصم عثمان: البصيرة، 190/ 1. (3/112)
صفحة 1263
الفصل الرابع: القاعدة الكلية الكبرى الرابعة
113
الطريق، سواء كان مخلفات البناء أو المزروعات أو حتى القمامات، وقد يأتي بمواد البناء ويضعها أمام داره لمدة طويلة فتسدّ على الناس طريقهم، وقد تعطب مسالك المياه الجارية فتخرج في الطرقات فتنقل رشاش المياه القذرة إلى ملابس الناس الطاهرة، ولا شك أن الإثم يعود على من تسبب في هذا الضرر، وقد تجد بعضهم يوقف مركبته في وسط الطريق لإنزال أمتعته أو بضاعته، فتتوقف حركة المرور بسببه، كما تفعل الشاحنات عند تفريغ حمولتها، أو أصحاب سيارات الأجرة، فتسبب في أحداث مؤلمة للمشاة والمركبات، ويشير إلى هذه التصرفات المضرة عثمان الأصم، ويحمل الحكام ونوابهم مسؤولية منع هذه المضار فيقول: «وعلى السلطان يمنع الناس أن يجعلوا أمتعتهم في الطريق، وإن أتى حمال أو غيره فحطه في الطريق إلى أن يحمل، فإن كان لا يؤذي أحداً إلى أن يحمل فلا بأس بذلك» (1).
أن
ويرشد عثمان الأصم إلى المحافظة على الطريق وإصلاحها وإزالة كل ما يضر بالناس أو يعرقل سيرهم، ويشدد على من يتسبب في تخريبها، كأن يحفر فيها حفرة، أو يُؤخذ منها التراب؛ لأن ذلك يؤدي إلى تعثر الناس وسقوطهم، وفي هذا المعنى يقول: ومن كسح الطريق وحمل ترابها للسماد، وترك الطريق عارية من التراب فإن جرحها لم يجز له باتفاق وقد أجاز بعضهم أن يحمل منها ما لم يجرحها، ومنهم من لم يجز منها شيئاً، ولا يجوز له أن يكبسها بالتراب ولا يطرح فيها سماداً ولا وعوثة، (كأرواث الحيوان وفضلات الإنسان كما يحدث فى بعض الأودية عندنا)، فإن أسقط فيها تراباً لصلاح وكبس فقد أجاز بعضهم، ويلزم الضمان إن تلف في ذلك أحد، وإن كان في الطريق موضع خافق وموضع مرتفع
(1) الأصم عثمان المرجع نفسه. (3/113)
صفحة 1264
114
القواعد الفقهية عند الإباضية
فكبس المرتفع في الخافق ليستوي، فإن كان ذلك صلاحاً أراده جاز له ما لم يجعله يعثر به الناس» (1).
وجاء في كتاب أبي مسألة ما يشبه ذلك، قال أبو العباس أحمد: «ويضمن الرجل جميع ما أفسد ما أشرف من ماله إذا كان قُدّم إليه فيه، ولم ينزعه حتى أفسد في أموال الناس، وأما إن لم يقدم إليه فليس عليه في الحكم شيء، وأما فيما بينه وبين الله فهو ضامن إن علم بذلك ولم يصرفه عن الفساد، وهذا مثل الجدار إذا أراد أن ينقض على مال غيره، أو شجرة مائلة أو ساقية يضر انكسارها، فتركها حتى انكسر ماؤها ففسد بذلك مال غيره، ومثل ذلك كله من المضرات على الطريق، ومجازات الناس ومقاعدهم وموضع مجمعهم، ومن النقل مع غيره في الطريق بنفسه أو دابته، أو مراكبهم في البحر، والزقاق في البر، والدلاء في البئر، وفي كل موضع يجوز لهم الجواز فيه والاستعمال لمثله، فأفسد بعضهم بعضاً، فهم ضامنون كلهم بعضهم بعضاً، ولا إثم عليهم، ومنهم من يقول ليس عليهم، ضمان، وأما موضع لا يجوز لهم فيه الجواز والسلوك والاستعمال أنه يضمن بعضهم بعضاً، ويكون عليهم الإثم في ذلك، وأما إذا كان لبعضهم الجواز والاستعمال ولم يكن لبعضهم، فإنه يضمن من لم يكن لهم الجواز منهم لصاحبه ما أفسد له سواء في هذا الاستعمال كله في المعادن، وحفر الآبار والأنهار، وحفر المطامير والغيران، وهدم الحيطان
وبنيانها، وقلع الأشجار وغرسها وأشباه ذلك كله ما ذكرناه من الضمان (2). وقد بلغت جرأة بعض الناس أن اتخذت الطرقات وتحت الأشجار مكاناً مناسباً لقضاء حاجته، وهذا ضرر بيّن يجب إزالته ومعاقبة فاعله، وهذه الظاهرة للأسف منتشرة في القرى والمدن في بعض البلاد، وخاصة في
(1) المرجع نفسه، 1911.
(2) أبو العباس أحمد، كتاب أبي مسألة، ص 170 (3/114)
صفحة 1265
الفصل الرابع: القاعدة الكلية الكبرى الرابعة
115
الأسواق التي تنعدم فيها المراحيض العمومية، ولا يشعر أصحابها بالمسؤولية، ولا بالذوق السليم، وقد حرم الإسلام على الناس قضاء حاجتهم في طرقاتهم، وأماكن استراحتهم واستظلالهم، وشدد على من يفعل ذلك بالوعيد، وأوجب عليه اللعنة، يقول الشماخي في هذا الصدد: ولا يكون قعوده لحاجة تحت أشجار مثمرة كانت أو غير مثمرة، لقوله صلى الله عليه وسلم: «من قضى حاجته تحت شجرة مثمرة أو على ظهر نهر جار أو على طريق عامر أو على باب أو على ظهر مسجد من مساجد الله فعليه لعنة الله والملائكة والناس» (1) وقال أيضاً: «اتقوا الملاعن الثلاث: البراز في الموارد، وقارعة الطريق، والظل للخراءة» (2). وما روي عنه ل الله أنه قال: «لا ضرر ولا ضرار في الإسلام (3)». كذلك وكما لا يجوز الاعتداء على الناس في طرقاتهم واستراحتهم، لا يجوز إيذاء الجن في مساكنهم وطعامهم لورود النهي فيها؛ لأنه لا يؤمن ضررهم، فقد يصيبون من يعتدي عليهم، فيتضرر في جسمه أو عقله، وكم حدثت من مآسي لبعض الناس بسبب هذا الفعل، فلا يجوز قضاء الحاجة في
(1) تقدم تخريجه.
(2) رواه أبو داود، كتاب الطهارة، باب المواضع التي نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن البول فيها، رقم: 52. قال الألباني: حديث حسن لغيره. وابن ماجه، كتاب الطهارة، باب النهي عن الخلاء على قارعة الطريق، رقم: 332. بلفظ: «اتقوا الملاعن الثلاث: البراز في الموارد، والظل، وقارعة الطريق» عن معاذ. كما أورده النووي في المجموع: 40/ 3. بنفس اللفظ. رواه الحاكم في المستدرك، كتاب الطهارة، وأما حديث عائشة ـ حديث: 544 عن معاذ بن جبل. قال الحاكم: «هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه». ورواه أحمد بن حنبل في المسند، ومن مسند بني هاشم مسند عبد الله بن العباس بن عبد المطلب ـ حديث: 2635، عن ابن عباس بلفظ: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «اتقوا الملاعن الثلاث» قيل: ما الملاعن يا رسول الله؟ قال: «أن يقعد أحدكم في ظل يستظل فيه، أو في طريق، أو
في نقع ماء». (3) تقدم تخريجه. (3/115)
صفحة 1266
116
القواعد الفقهية عند الإباضية
الجحور، والدليل ما روي من طريق ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم: «نهى عن البول والغائط في الأجحر» (1) قال ابن عباس: «لأنها مساكن إخوانكم من الجن» (2)، وكذلك لا يقضي حاجته في أثر الحوافر كلها لأنها مساكن الجن (3)، وقد ورد عن النبي: أنه نهى عن الاستجمار بالروث والعظم» (4).
(1) رواه الربيع كتاب الطهارة، باب في الاستجمار، رقم: 83، عن ابن عباس.
(2) تقدم تخرجه.
(3) الشماخي: الإيضاح، 15017/ 1. - الثميني، الورد البسام، ص 286. (4) لم نقف على تخريجه بهذا اللفظ. ولكن روى البخاري، كتاب المناقب، باب ذكر الجن، رقم: 3647، بمعنى يقاربه، عن أبي هريرة. والترمذي، كتاب التفسير، باب ومن سورة الأحقاف، رقم: 3258، والربيع، كتاب الطهارة، باب في الاستجمار، رقم 81، بلفظ مشابه، عن ابن مسعود. ولفظ البخاري أن أبا هريرة الله كان يحمل مع النبي صلى الله عليه وسلم إداوة لوضوئه وحاجته، فبينما هو يتبعه بها، فقال: من هذا؟ فقال: أنا أبو هريرة، فقال: «ابغني أحجاراً أستنفض بها، ولا تأتني بعظم ولا بروثة. فأتيته بأحجار أحملها في طرف ثوبي، حتى وضعتها إلى جنبه، ثم انصرفت حتى إذا فرغ مشيت فقلت ما بال العظم والروثة؟ قال: «هما من طعام الجن، وإنه أتاني وفد جن نصيبين، ونعم الجن، فسألوني الزاد، فدعوت الله لهم أن لا يمروا بعظم، ولا بروثة إلا وجدوا عليها طعاماً». (3/116)
صفحة 1267
المطلب الخامس
في باب الجنايات والمظالم
نتناول فيه بعض المسائل العصرية التي تتعلق بالإضرار بالنفس والغير
وتتمثل فيما يلي:
1 - الأضرار الناجمة عن بعض الرياضات العنيفة يتساءل البعض عن حكم الرياضات التي شاعت ممارستها في هذا العصر، وهي خطيرة جداً كالملاكمة» و «الجيدو والكاراتي» و «لالوت» و «لايكيدو» وما شاكلها لما ينشأ عنها من كسر عضو أو تلف جارحة أو فقد حاسة أو موت، مع العلم بأنها لا تمارس إلا بالمشاركة بين اثنين فأكثر بدعوى تعلم وسائل الدفاع عن النفس.
وقد طرح هذا السؤال على الشيخ بيوض فأجاب عنه في فتاويه «أن الرياضة المشروعة في الإسلام هي - فيما نعلم - الفروسية، والسباحة، والرمي، والسباق، وقد وردت فيها سنن عن النبي صلى الله عليه وسلم وهي كلها تمارس بصورة فردية، حتى السباق، وإن كانت تجرى تحت إشراف مدرب، وإن وقع بسببها حادث فإنما هو خاص بصاحبه ولا تبعة فيه على غيره، وحتى المصارعة كانت معروفة عند العرب في صدر الإسلام، إلا أنها تمارس بصوره بسيطة جداً كما يعرفها شباب كل جيل، وهو أن يتشابك اثنان يحاول كل منهما إلقاء صاحبه على الأرض فقط وليست من المصارعة والملاكمة في عرف الناس اليوم في شيء، وما أبعد بينهما، وهي قليلة الخطر.
وأما المصارعة والملاكمة اليوم وما ذكر معها في سؤال، فإنها خطيرة جداً لما ينشأ عنها من إتلاف عضو إلى إزهاق روح فأما ممارستها هواية وطلباً (3/117)
صفحة 1268
118
القواعد الفقهية عند الإباضية
من
للشهرة أو المال فلا نرى أن الشريعة تبيحه، ولا أن أحدث ضراراً لنفسه أو غيره يسلم من تبعته في الدنيا والآخرة» (1).
بسبب
ذلك
ويبدو أن الشيخ بيوض نظر إلى هذه الرياضات باعتبار ما ينتج عنها، وإلى الدوافع والمقاصد من ممارستها، فلما كانت متعارضة مع الشرع منعها وحمّل أصحابها تبعاتها، أما إذا كان القصد منها التعلم للدفاع عن النفس عند الضرورة فلم يمانع ما لم تتسبب في ضرر أكبر على النفس أو الغير، وفي هذا الشأن يقول:
أن
وأما ممارستها تعليماً وتعلّماً لإتقان وسائل الدفاع عن النفس فإنا لا نستطيع ندعي أنه حرام لا يجوز عمله، لكننا نقول إنه خطير جداً يجب الاقتصار فيه على القدر الضروري وأقل ما يمكن فيه، وضبط النفس، وتهدئة الأعصاب عند التمرين، وأرى أن بعض صوره الأشد خطراً يحرم استعمالها كتوجيه الضربة إلى العين أو الجهاز التناسلي مباشرة، ولستُ على علم بسائر فنونه حتى أفصل الحكم فيه، ومن أحدث منهم ضرراً في بدنه فليستغفر الله وليسأله العفو عنه، فربما كان عند الله مخطأ، وأما من أحدث ضرراً في غيره فإن عليه أرش ما جرح ودية ما أتلف إلا أن يعفو المصاب والدية هنا شبه العمد وأما الإثم فلا إثم؛ لأن الضحية عرض بنفسه لذلك طائعاً مختاراً بل راغباً، وهذا العفو والمحاللة من المجني عليه للجاني هو المخرج الوحيد من هذه المآزق كلها.
ولمزيد من الاحتياط يمكن اشتراط التعهد بالمحاللة والمسامحة مسبقاً قبل الشروع في الممارسة بين جميع المشتركين في العمل من معلمين ومتعلمين، ثم إسداء النصح لهم عند إرادة العمل بأخذ الحيطة والحذر والتوجه إلى الله بالدعاء بالحفظ والسلامة مع إخلاص في النيات فالله خير حافظ وهو أرحم الراحمين» (2).
(1) بيوض إبراهيم، فتاوى الإمام الشيخ بيوض، 741/ 2. (2) بيوض إبراهيم، فتاوى الإمام الشيخ بيوض، 742/ 2. (3/118)
صفحة 1269
الفصل الرابع: القاعدة الكلية الكبرى الرابعة
119
الرأي المختار:
ورغم ما قدمه الشيخ بيوض رحم الله وغيره من تعليلات ومبررات لإباحة هذه الرياضات في بعض الأحوال مع مراعاة ضوابطها، وأخذ الحيطة والحذر من إصاباتها، فإن النظر يوجب عندي أن تمنع مثل هذه الرياضات العنيفة مطلقاً؛ لأنه مهما أخذنا من الحيطة والحذر أثناء ممارستها فلا نملك القدرة الدائمة على ضبط هذه الحركات وتوجيهها، خاصة في المنافسات الحاسمة ضعف الوازع الديني والأخلاقي عند بعض الرياضيين، والغاية لا تبرر الوسيلة، وعليه فالظاهر أن القول بحرمة هذه الرياضات واستبدالها برياضات أقل ضرر هو الأعدل والأصوب والأنسب سدّاً للذرائع، وحفظاً للأنفس، وإزالة لمظنة الضرر، اللَّهُمَّ إلا عند مواجهة العدو في المعارك ولا توجد وسيلة أخرى لردّ عدوانه للدفاع عن النفس.
مع
2 - في حكم تعاطي الدخان ونحوه: يتساءل بعض المدمنين على تعاطي الدخان أو المخدرات وما شاكلها عن علة تحريمها - رغم ثبوت ضرره وخطره على صحة الفرد والمجتمع ـ بحجة أنه لا توجد نصوص صريحة تحرم ذلك، وقد طلب بعضهم من الشيخ بيوض رحم الله الدليل في الحكم بحرمة الدخان وشبهه من المخدرات والمنبهات. فأجابهم: «سألت عن دليلها في الحكم بحرمة الدخان وما يشبهه من المخدرات التي تستعمل بطرق مختلفة من الأنف والفم والحقن من الكتاب
والسنة؟
فاعلم أنك لا تجد في الكتاب والسُّنَّة التنصيص الصريح على حرمة استعمال الدخان وسائر المخدرات، وإنما يؤخذ ذلك من عموم تحريم الخبائث وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبيثَ} (الأعراف: (157)، ولا يشك عاقل في خبث هذه الأشياء رغم استحسان بعض الناس لها بسبب الإلف والعادة، ثم يؤخذ (3/119)
صفحة 1270
120
القواعد الفقهية عند الإباضية
تحريمها من عموم حرمة الإضرار بالنفس والعقل والبدن، وأنت خبير بأن الأمة الإسلامية مجمعة على وجوب المحافظة على ستة أشياء وهي: النفس، والعقل، والنسل والعرض والمال والدين واتخذت هذا أصلاً فرعت عنه فروعاً كثيرة في الفقه الإسلامي، وأدلة تحريم الضرر كثيرة نصاً واستنباطاً، وضرر الدخان وما في حكمه في العقل والمال والبدن أمر محقق مقطوع به لا يختلف فيه اثنان، فالقول بتحريمه أقوى حجة وأصح دليلاً).
مجمل القول: وما دامت الأدلة متضافرة في تحريمه فيجب الامتناع عنه وإزالة ضرره على النفس وعلى الغير؛ لأنه لا ضرر ولا ضرار، وليس الأمر اختيارياً بل إجبارياً مثل سائر المحرمات كالخمر وغيرها، وأي تصرف أحدثه المدخن أو المخدر في إتلاف نفوس الناس وأموالهم يتحمل تبعاته ويضمن ذلك الضرر؛ لأنه تسبب بنفسه في إزالة عقله وفقد السيطرة والتحكم في تصرفاته.
- في حماية حقوق الملكية الفكرية
ومن المسائل العصرية المطروحة في المجال الثقافي والإعلامي حماية وضمان حقوق الملكية الفكرية وهي حقوق المؤلف والمنتج والناشر والطابع للكتب والأشرطة السمعية والبصرية، ولإعداد هذه الأشياء يتطلب جهداً فكرياً ومالياً مضنياً، وقد تأتي جهة معينة فتسطو على هذه الحقوق وتقوم بنسخها أو تصويرها وإعادة طبعها وبيعها بأقل من سعرها الأصلي فيتضرر بذلك صاحبها، فمن باب: «لا ضرر ولا ضرار» و «الضرر يزال» ذهب أهل العلم إلى وجوب ضمان حقوق الملكية الفكرية ومنع الاعتداء عليها، ومن تعدى عليها يضمن كل الأضرار الناجمة عليها شرعاً وقضاء.
(1) بيوض إبراهيم، نفسه، 682/ 2 - 683. (3/120)
صفحة 1271
الفصل الرابع: القاعدة الكلية الكبرى الرابعة
121
ذلك:
وقد وردت مسائل عديدة حول هذا الموضوع في «فتاوى المعاملات» من
1 ـ توجد في بعض الكتب أو الأشرطة عبارة حقوق الطبع محفوظة» هل يجوز لي طباعة أو تصوير أمثال هذه الكتب أو الأشرطة بهدف الاستعمال الشخصي لا التجاري، لا التجاري، أم أن في فعلي هذا مخالفة وانتهاكاً لحق الناشر أو المؤلف، وإن كان لا يجوز ألا يعتبر هذا احتكاراً من باب التحكم في السعر؟ أجاب شيخنا الخليلي ـ حفظه الله - لا وجه لاحتكار العلم فإن الانتفاع
به حق مشروع للجميع ولا أصل لقول حقوق الطبع أو النسخ محفوظة، وإنما رأي من رأى من أهل العلم مراعاة ذلك دفعاً للضرر، فإن «الضرر مزال»، والا ضرر ولا ضرار في الإسلام (1) فإن كان فتح باب الطبع أو التسجيل يؤدي إلى تضرر بعض المؤسسات التي قامت من أجل النهوض بالعلم ونشره، بحيث يُخشى لو لم يتقيد بهذا النظام أن يفضي الحال إلى تعثرها وعدم قدرتها على النهوض بأعباء مهماتها العلمية، فلا مانع من مراعاة هذا النظام والتقيد به، وهو مما يدخل ضمن المصالح المرسلة اعتمدها الفقهاء في ترجيح الآراء واستنباط الأحكام، وهذا إنما يكون في الذي يطبع أو يصوّر أو ينسخ لأجل الاتجار لا مجرد الإفادة والاستفادة، أما من قصد أحد الأمرين فلا وجه للجحر عليه والله أعلم (2).
2 ـ وفي صورة أخرى لدفع الضرر عن أصحاب الحقوق والملكية الفكرية يتساءل البعض بما نصه: «نحن مؤسسة لإنتاج الأشرطة السمعية والمرئية وتوزيعها، ونقوم بإصدار الشريط متضمنًا عبارة حقوق النسخ محفوظة» والذي دعانا إلى ذلك كثرة التكاليف وخوف الخسارة والأسئلة
هي:
(1) سبق تخريجه
(2) الخليلي أحمد: فتاوى المعاملات، ص 124. (3/121)
صفحة 1272
122
القواعد الفقهية عند الإباضية
هل مارسنا حقًا مشروعاً يمنع غيرنا من النسخ لأجل ما ذكرناه من أسباب؟ هل يجوز لغيرنا أن يقوم بنسخ ما ننتجه لغرض تجاري أو غيره دون إذن
منا؟
فكان جواب الخليلي أن الأصل في العلم أنه لا يحتكر، ولكن بما أنكم لو لم تفعلوا ذلك لترتبت عليكم مضار مادية، ومن القواعد الفقهية أن «الضرر مزال» «و لا ضرر ولا ضرار في الإسلام لا أرى مانعاً من اتباعكم هذا الأسلوب الذي أصبح متعارفاً عليه دَوْليَّا، وأراكم مارستم حقاً مشروعاً لكم،
ولا يجوز لغيركم إيقاعكم في الضرر).
(1) الخليلي نفسه، ص 124 - 125. (3/122)
صفحة 1273
المبحث الخامس
القواعد المندرجة تحت قاعدة: «الضرر يزال»
في
تندرج تحت قاعدة الضرر يزال» أو لا ضرر ولا ضرار قواعد فرعية بعضها مخصصة لعموم الضرر، وبعضها مقيدة للضرر المطلق، وفي حالة تعارض ضررين أحدها أشد من الآخر يرخص في الأخف لدفع الأشد، ويتحمل الضرر الخاص لرفع الضرر العام، لأن الضرر لا يكون دائماً درجة واحدة، وكما يجب إزالة الضرر في كل الأحوال ولو كان قديماً، ولبيان ذلك اقتضى تقسيم هذا المبحث إلى عدة مطالب كما يلي: المطلب الأول: قاعدة الضرر يدفع بقدر الإمكان». المطلب الثاني: قاعدة: الضرر لا يزال بمثله أو بأعظم منه». المطلب الثالث: قاعدة الضرر الأشد يزال بالضرر الأخف». أو يختار أهون الشرين أو أخف الضررين».
أو «إذا تعارضت مفسدتان روعي أعظمهما ضرراً بارتكاب أخفهما». المطلب الرابع: قاعدة: يتحمل الضرر الخاص لدفع الضرر العام». المطلب الخامس: قاعدة: «درء المفاسد أولى من جلب المصالح». المطلب السادس: قاعدة: إذا تعارض المانع والمقتضى يقدم المانع.
المطلب السابع: قاعدة: «الضرر لا يكون قديماً».
وسيكون دراسة هذه القواعد وفق المنهج السابق بإذن الله. (3/123)
صفحة 1274
المطلب الأول
قاعدة: «الضرر يزال بقدر الإمكان»
هذه القاعدة تتفرع عن قاعدة الضرر يزال لأنها تتعلق بدفع الضرر
(1)
قبل وقوعه بكل الوسائل والإمكانات المتاحة، ولم يصرح بهذه القاعدة فقهاء الإباضية في مصادرهم، ولكن أعملوها في فروعهم الفقهية (فهي مجسدة في كثير من المسائل الفقهية، ويمكن استنباطها من تعليلاتهم
للأحكام الشرعية.
أولاً: معنى القاعدة:
إن الضرر يدفع شرعاً، فإن أمكن دفعه بدون ضرر أصلاً، وإلا فيتوسل لدفعه بالقدر الممكن وهذه القاعدة تفيد وجوب دفع الضرر قبل وقوعه قدر الإمكان وفقاً لقاعدة المصالح المرسلة والسياسة الشرعية فهي من باب «سد الذرائع ومن باب الوقاية خير من «العلاج ويكون دفع الضرر بقدر الاستطاعة؛ لأن التكليف الشرعي مقترن بالقدرة على التنفيذ.
كما تفيد أنه إذا لم يمكن دفع الضرر بالكلية فيدفع بالقدر الممكن، فلا يترك ولا يتجاوز فيه إلى أكثر من القدر الممكن الدفع به، فإن كان يمكن أن يقابل بعوض جُبر به (3).
(1) المجلة العدلية المادة (32) من شرح الأتاسي، 71/ 1 فما بعدها. ـ الزرقا مصطفى: المدخل الفقهي، فقرة 587. بتصرف.
(2) البورنو: الوجيز في إيضاح القواعد الكلية، ص 256. - القاضي منير، شرح مجلة الأحكام، 1/ 90. ـ الزرقا أحمد، شرح القواعد الفقهية، ص 153. - شبير محمد عثمان، القواعد
الكلية، ص:
184 (3/124)
صفحة 1275
الفصل الرابع: القاعدة الكلية الكبرى الرابعة
125
ثانياً: دليل هذه القاعدة:
تستند هذه القاعدة إلى أدلة رعاية المصالح المرسلة وأدلة سد الذرائع، فقد قام الدليل العام على أن الشارع يراعي مصالح الخلق، ويقصد إليها في كل ما شرع من أحكام، كما يقصد رفع الضرر والفساد مادياً كان أو معنوياً أو متوقعاً، ومن ومن يرجع إلى كتب الفقه يجد الأمثلة من الأحكام التي لم تعلل إلا بمطلق مصلحة تُجلب أو ضرر يُدفَع وكان الصحابة ـ رضوان الله عليهم - أكثر الناس استعمالاً لهذه القاعدة، وأقضيتهم المتعلقة بالعقوبات والسياسة الشرعية خير شاهد على أن الشارع يسد الطريق إلى المفاسد بكل ممكن، ومن الأدلة التي يستشهد بها لهذه القاعدة من القرآن: 1 - قوله تعالى: {وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ} (الأنفال: 60). وجه استدلال هذه الآية أن الله و أمر المؤمنين بإعداد المستطاع للقوة؛ لدفع ضرر الأعداء بإرهابهم وتخويفهم بذلك الإعداد وتلك القوة، فلا يهاجمون المسلمين وإن هاجموهم كانوا لهم مستعدين
2 ـ وفي باب تحريم نكاح التحليل قال تعالى: {فَإِن طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ ??? بَعْدُ حَتَّى تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ فَإِن طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَن يَتَرَاجَعَا إِن ظَنَّا أَن يُقِيمَا حُدُودَ
الله (البقرة: 230).
ووجه الاستدلال بالآية: أنه إذا بانت المرأة من زوجها بثلاث تطليقات لم
يحل له مراجعتها حتى تنكح زوجاً غيره ثم يطلقها. ولكن إذا تزوجها هذا الأخير بنية طلاقها، وعلم بنيته بقرائن الحال كان النكاح محرّماً، وقد سماه الرسول صلى الله عليه وسلم بالتيس المستعار).
(1) نص الحديث: عن عقبة بن عامر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ألا أخبركم بالتيس المستعار؟» قالوا: بلى يا رسول الله، قال: «هو المحلل لعن الله المحلل والمحلل له ابن ماجه، السنن كتاب النكاح، باب المحلل والمحلل له، حديث: 1926، وحسنه الألباني ورواه الحاكم في المستدرك، كتاب الطلاق حديث: 2736 قال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه». (3/125)
صفحة 1276
126
القواعد الفقهية عند الإباضية
حكم الإباضية أنه إذا تبيَّن هذا القصد السيئ بأن علمه أحد الثلاثة: الزوج أو الخاطب أو المرأة، لم تحل الزوجة لزوجها الأول؛ ولو ندم الزوج الثاني بعد زواجه؛ لأن نكاحه بُني على هذا القصد؛ فلا اعتداد به في تحليل الزوجة وذلك إعمالاً لقاعدة سد الذريعة للفساد (1).
ثالثاً: من فروع القاعدة:
اعتنت كتب الفقه الإباضي عناية خاصة بهذه القاعدة، تجلت في كثير من اجتهادات فقهائه، وبخاصة في أنواع النكاح والبيوع (2). 1 - ففي جانب المصالح العامة: شرع الجهاد لدفع شر الأعداء، ووجبت العقوبات لقمع الإجرام، وصيانة الأمن (3).
2 - وجب سد ذرائع الفساد من جميع أنواعه، وهذا التأصيل من الأصول العمرية الواضحة، فقد عُرف عمر به بسياسته الوقائية وإجراءاته الردعية؛
لأنه وجه من وجوه رعاية مقصود الشارع في حفظ المصالح ودرء المفاسد). ومن الذرائع المحرمة التي تؤدي إلى الضرر:
من تسبب في تضييع من يرثه حتى مات كان بمنزلة قاتله، فلا يرثه، وإن لم يكن وارثاً وكان الهالك أوصى له بطلت وصيته قياساً على القاتل ومعاملة بنقيض قصدهما (ه).
(1) جابر بن زيد من جوابات الإمام جابر بن زيد، 148. - الخراساني، المدونة، 73/ 2. - باجو، منهج الاجتهاد عند الاباضية، ص 765. ـ وينظر: أرشوم مصطفى، النكاح صحة
وفساداً وآثاراً في المذهب الإباضي، ص 225.
(2) باجو: المرجع نفسه، نقلاً عن الخليلي أحمد في مقابلة خاصة معه بتاريخ 1 رمضان،
(3)
1417 هـ 99/ 1/10
1991 م.
ابن بركة: الجامع، 487/ 2.
(4) باجو: المرجع
نفسه،
ص
763
(5) أبو العباس أحمد كتاب أبي مسألة، ص 167. (3/126)
صفحة 1277
الفصل الرابع: القاعدة الكلية الكبرى الرابعة
127
وفي المعاملات حرموا بيع العينة لإفضائه إلى الربا المحرم، ومنعوا السلاح لأهل الفتنة، وكذلك العنب لمن يعصر خمراً). وقد روى الربيع في بيع العينة عن ضُمام عن جابر بن زيد في رجل يبيع من رجل متاعا نسيئة؟ قال: لا بأس أن يشتري منه ذلك المتاع بعينة، بأقل أو أكثر، قال الكوفيون: الشراء الثاني فاسد وهو ضرب من الربا (2). قال الفقيه باجو: فمن أجازه بنى على الظاهر ومن منعه اعتبر الباعث» (3).
رابعاً: في باب الأحوال الشخصية:
أ - طلاق الفار أقر الإباضية قول عمر الله فيمن طلق زوجته ثلاثاً في مرض موته، ومات في عدتها، أنها ترثه ما كانت في العدة ولا يرثها، وذلك إذا تبيَّن أن الضرر كان من الزوج لقصده لسيئ، أما إذا طلبت هي الطلاق فلا ميراث لها والعبرة دائماً للباعث والضرر يزال بقدر الإمكان (4).
ب ـ وفي نكاح المعتدة حكم عمر أن من نكح معتدة ودخل بها فرق بينهما فراقاً مؤبداً، وإن لم يدخل بها فسخ النكاح واعتدت بقية عدتها ثم صار واحد من الخطاب. وزاد الإباضية فحرموا حتى الخطبة من الرجل ومن المرأة سواء، وإلا حرمت عليه احتياطاً وسدّاً للذرائع
(1) باجو: منهج الاجتهاد، ص 764. (2) الربيع بن حبيب: آثار الربيع بن
زيد، ص
111 - 110
(3) باجو: المرجع
نفسه، ص 764.
(4) الخراساني: المدونة الكبرى، 73/ 2.
(0)
12. ـ جابر بن زيد، من جوابات الإمام جابر بن
(5) أبو العباس أحمد كتاب أبي مسألة، ص 149. ـ باجو، المرجع السابق، ص 766. (3/127)
صفحة 1278
128
القواعد الفقهية عند الإباضية
وتحريم المنكوحة في عدتها حكم متفق عليه عند الإباضية والمالكية، وهو قول عدد من الصحابة تأييداً لفعل عمر، إذ رآه صلاحاً للرعية فلم ينكروا عليه، فإذا ترك المسلمون النكير على الإمام حكمه في حادثة كان أثراً يعمل
به، ويعتمد عليه» (1).
ج ـ كما حكم الإباضية على من هوى امرأة فقتل زوجها أن المرأة تحرم عليه قياساً على قاتل وارثه ليرثه، وأنه يحرم من الميراث وسدّاً لذريعة الفساد، وزاد آخرون فيمن خبَّب امرأة على زوجها أنها تحرم عليه (2).
د ـ ومن ذلك أيضاً: تحريم نكاح المزنية على من زنى بها، واستند الإباضية في هذا الحكم إلى النصوص، ومن قياسه على اللعان (3)، ثم أيدوا ذلك بقاعدة سد الذرائع، حتى لا يتخذ الزنى الحرام ذريعة للنكاح الحلال؛ لأن الوسيلة المحرمة لا تفضي إلى الغاية المباحة، وفي هذا التحريم معاملة للزاني بنقيض قصده وطبقاً للقاعدة من تعجل الشيء قبل أوانه عوقب بحرمانه» ورفعاً للضرر بقدر الإمكان، فتبين أن هذا منسجم مع مقاصد الشارع في حفظ الأعراض، وكبح جماع الفساد، وحض الناس على اتخاذ السبل المشروعة لبلوغ الغايات المباحة (4).
هـ
(4)
-- والرجل إذا ظاهر زوجته بقصد تعطيلها وإضرارها ليدعها لا متزوجة ولا مطلقة، فإنهم حكموا عليه إذا مسها قبل أن يُكفّر أنها تحرم عليه أبداً معاملة له بنقيض مقصوده أيضاً وإزالة للضرر بقدر الإمكان).
و ـ والمرأة إذا زنت وخانت زوجها في فراشه فإنها ترجم لإحصانها،
(1) ابن بركة: كتاب الجامع، 139/ 2. - ابن خلفون المزاتي، الأوجوبة، ص 41. (2) الوارجلاني: العدل والإنصاف، 346/ 3.
(3) أرشوم مصطفى النكاح صحة وفساداً وآثاراً في المذهب الإباضي، ص 242 - 244. (4) باجو: المرجع نفسه، ص 766 - 767. (5) باجو: منهج الاجتهاد، ص 767. نقلاً عن محمد بن محبوب، أبواب من السُّنَّة، مخطوط 6 ظ. (3/128)
صفحة 1279
الفصل الرابع: القاعدة الكلية الكبرى الرابعة
129
والخلاف في ميراث زوجها منها، فذهب بعض الإباضية إلى أنه لا يرثها؛ لأنها قد بانت منه قبل موتها وحرمت عليه، بزناها وخرجت من عصمته، ورأى آخرون أن له الميراث ولا يحرمه بغيها وخيانتها من حقه في الميراث، ويرى الفقيه باجو أنه من العدل أن يرثها ويسترد الصداق؛ لأنها خانته في نفسها، فأبطلت بذلك حقها في صداقها، فيسترد الزوج ما أعطاها بنقيض مقصودها، وذلك رفعاً للضرر عن الزوج بقدر الإمكان (1). ز ـ ومن تطبيقات هذه القاعدة في مجال سد الذرائع في الميراث، ما أفتى به الإمام جابر بن زيد بمنع الرجل من التصرف في ماله إذا صار في حال يخشى فيه من الموت، ويضعف أمله في الحياة، فلا يجوز له في ماله إلا الثلث، وذلك كأن يكون في الحرب والمسايفة، أو داخل حريق لا يقدر أن ينجو منه أو البحر وقد صار إلى حد الغرق، وألحقوا به المرأة الحامل إذا ضر بها المخاض (2). فهولاء ليس لهم تصرف في أموالهم إلا في حدود الثلث حملاً لهم على
حال الوصية؛ لأنه تصرف مضاف إلى ما بعد الموت (3).
في
ولا ريب أن في هذا الإجراء وقاية للورثة من الضرر الذي قد يلحقهم من مورثهم إذا تصرف بكل ماله فيحرموا من الميراث، فوجب تحديده بالثلث
رفعاً للضرر بقدر الإمكان.
خامساً: في باب العبادات:
في دفع المصلي الضرر عن نفسه أثناء الصلاة:
قرر الفقهاء أنه يجوز للمصلي أن يبعد عن نفسه الأذى إذا شغله عن الصلاة وذلك لإصلاحها حتى لا ينشغل عنها، فإن فعل ذلك فلا نقض عليه،
(1) الخراساني: المدونة 65/ 2 - باجو، المرجع نفسه، 767. (2) جابر بن زيد من جوابات الامام جابر بن زيد، ص 105.
(3) باجو نفسه، ص 768. (3/129)
صفحة 1280
130
القواعد الفقهية عند الإباضية
ولكن اشترطوا أن يدفع الضرر عن نفسه بقدر الإمكان دون تجاوز حدود الشرع، والدليل على ذلك ما روي من طريق أبي سعيد الخدري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن أحدكم إذا قام يصلي فلا يدع أحداً يمر بين يديه فليدرأه ما استطاع فإن أبي فليقاتله فإنما هو شيطان» (1).
وما روي من طريق عائشة لها قالت: كنت أنام بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم ورجلاي في قبلته فإذا سجد غمزني، وإذا قام بسطتهما والبيوت يومئذ ليس فيها مصابيح» (2). وقد بني العلماء على هذين النصين أحكاماً لصور عديدة تطرأ للمصلي في صلاته، فيضطر إلى دفعها لإصلاح صلاته، وعدد الشماخي جملة من الصور في سياق تعقيبه على الحديثين السابقين فقال: «فعلى هذا المعنى إذا دخل الرجل صلاته ثم حدث إليه ما يخاف عليه أن يفسدها مثل: الريح إذا قامت عليه أو مطر نزل به أو دخان، أو خاف من البيت أن ينهدم أو ما أشبه ذلك، فإنه يشتغل في إصلاح صلاته بالتحوّل من مكان إلى
عليه
مكان ويمضي في صلاته مع تحوله، فإذا تم قراءته ركع وسجد، وإن لم يمكنه الركوع والسجود في ذلك الموضع زاد في قراءته حتى يبلغ موضعاً يمكنه فيه الركوع والسجود ما لم يخف فوات وقت الصلاة، فإن خاف فوات الوقت استأنف صلاته وقصرها كما أمكنه» (3). ويعلل جواز هذه
(1) متفق عليه واللفظ لمسلم رواه البخاري، كتاب بدء الخلق، باب صفة إبليس، رقم: 3100، والربيع، كتاب الصلاة، باب الجواز بين يدي المصلي، رقم: 243، ومسلم، کتاب صلاة المسافرين، باب منع المار بين يدي المصلي، رقم: 505، عن أبي سعيد الخدري. بلفظ: «إذا صلى أحدكم إلى شيء يستره من الناس فأراد أحد أن يجتاز بين يديه، فليدفعه فإن أبي فليقاتله فإنما هو شيطان». (2) متفق عليه، رواه البخاري، كتاب الصلاة، باب الصلاة على الفراش، رقم: 378، وكتاب الصلاة، أبواب سترة المصلي، باب التطوع خلف المرأة، حديث: 500. ومسلم، كتاب
الصلاة، باب الاعتراض بين يدي المصلي، رقم: 827، عائشة عن
(3) الشماخي: الإيضاح، 281/ 2 - 282. (3/130)
صفحة 1281
الفصل الرابع: القاعدة الكلية الكبرى الرابعة
131
الأفعال الاضطرارية في الصلاة بقوله: «لأنه مأمور بدفع المضرة عن نفسه
في
الصلاة» (1).
الصلاة
واشترط الشماخي ألا يزيد المصلي على ما فعل، بل يقتصر على الضروري فقط، فإن جاوز هذا الحد ذهب بعضهم إلى إعادة صلاته، وفي هذا المعنى يقول: «وإن استعمل يده فيما ينبغي له أن يستعمل فيه رجله أو رجله فيما ينبغي أن يستعمل فيه يده فإنه يعيد صلاته؛ لأن ذلك زيادة على ما يجزيه دفع المضرة، وقال بعضهم: لا إعادة عليه، ولعل هؤلاء ذهبوا إلى عموم قوله صلى الله عليه وسلم: «فليدرأه ما استطاع، ولم يلتفتوا إلى القياس في هذا، وكذلك إن دفع المضرة التي في رأسه بغير يديه من هذا الاختلاف مثل أن يدفع المضرة برأسه في أو ضره شيء في شفته فحكه بأسنانه أو نفخ بأنفه أو نفسه في الصلاة ... ومثل هذا كله إن ضره شيء في أضراسه مثل الطعام فإنه ينزعه بلسانه إن أمكنه، وإن لم يمكنه فلينزعه بعود ولا ينزعه بيده، وكذلك إن كان الطعام في فيه وخاف أن يشغله عن صلاته، فإنه يخرجه من فيه بلسانه، وليحذر أن يجاوز لسانه حمرة شفتيه لئلا يزيد في عمله، وإن جاوزهما أعاد صلاته ... » (3). ومن الحالات التي قد تعرض للمصلي في صلاته فيضطر إلى دفعها قدر استطاعته ولا نقض عليه ما ذكره الشماخي أيضاً: «وكذلك إن خاف في صلاته، فإنه ينظر إن أحسّ شيئاً، وإن لم يحس فلا ينظر، وكذلك إن ضره شيء في جسده فإنه يحكه بأصبعه، وإن حك جسده حتى قلع منه شعرة أو
(1) الشماخي: نفسه، 283/ 2.
(2) رواه النسائي في السنن الكبرى، كتاب القسامة، ذكر حديث عمرو بن حزم في العقول واختلاف الناقلين له، حديث: 6852 عن أبي سعيد الخدري سعد بن مالك. ورواه ابن حبان في صحيحه، كتاب الصلاة، باب شروط الصلاة، ذكر خبر قد يوهم من لم يحكم صناعة الحديث أن الزجر، حديث: 1723 بزيادة عن عبد الله بن مغفل وصححه
الألباني.
(3) الشماخي نفسه، 283/ 2 - 284. (3/131)
صفحة 1282
132
القواعد الفقهية عند الإباضية
جلدة فإنه يعيد صلاته؛ لأنه زيادة على ما يجزيه وقال بعضهم: لا إعادة عليه حتى يدمي بدم، فائض، وهؤلاء في ذلك عندهم دون زواله، وكذلك (إذا) وقع عليه شيء مما يخاف أن يشغله عن صلاته فإنه يصرفه عن نفسه، مثل ذبابة أو بعوضة أو غيرهما مما يضر الرجل في صلاته ولا يتعمد قتلهما، وإن قتلهما على ذلك فلا بأس عليه، وكذلك إن كان يصلي مقابلة رجل أعمى أو ما أشبهه ذلك، فنحى له عن موضعه حذراً على نفسه أن يضره، فلا بأس عليه؛ لأنه لا يدفعه عن نفسه كغيره من الأصحاء؛ لأنه أعمى لا حرج عليه (1). وختم الشماخي قوله بوضع ضابط عام لجميع الحالات والصور الضارة التي تعترض المصلي في صلاته فيضطر إلى إزالتها فقال: «وبالجملة إن جميع ما كان فيه إصلاح لصلاته يشتغل به إذا شغله عن صلاته (2) لأن مثل هذه الصور كثيرة ومتجددة لا يمكن حصرها.
سادساً: في باب الحقوق الخاصة: أ ـ في حق الشفعة:
شرع الإسلام حق الشفعة لدفع الضرر المتوقع عن الجار والشريك (3)، قال أبو العباس أحمد: «والشفعة جائزة لقول الرسول صلى الله عليه وسلم: «الجار أحق بصقبه» (4)
(1) الشماخي: نفسه، 286/ 2 - 187. (2) الشماخي: نفسه، 288/ 2.
(3) ابن جعفر الجامع، 301/ 4 ـ الحضرمي أبو إسحاق، مختصر الخصال، ابن بركة: الجامع، 423/ 2 - 424.
ص
_.101 - 10 •
(4) رواه البخاري، كتاب الحيل، باب احتيال العامل ليهدى له - حديث: 6599 بلفظ: عن عمرو بن الشريد أن أبا رافع ساوم سعد بن مالك بيتاً بأربع مائة مثقال، وقال: لولا أني سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «الجار أحق بصقبه ما أعطيتك». رواه أيضاً، كتاب الحيل، باب في الهبة والشفعة، رقم: 6594 عن أبي رافع. ورواه أحمد بن حنبل في المسند، مسند الأنصار، من مسند القبائل، حديث أبي رافع حديث: 26593 بلفظ: «الجار أحق بصقبه أو سقبه». (3/132)
صفحة 1283
الفصل الرابع: القاعدة الكلية الكبرى الرابعة
133
أي شفعته وهي: للشريك الذي لم يقاسم شريكه دون الملاصق، فإذا وقعت الحدود زالت الشفعة وهي إنما جعلت لشأن المضرة عن الشريك، ويؤكد أبو العباس أحمد هذا الأمر في موضع آخر بقوله: (وهي ـ الشفعة ـ إنما جعلت لشأن المضرة للشريك» (1). أي لدفع المضرة عنه».
قال ابن جعفر في «جامعه»: واعلم أن ليس لأحد أن يشتري مالاً بشفعة شفيع إلا برأيه، وأوجب الشُّفَع المشتركة في الأصول، ثم من بعد ذلك يشفع بالمضار، مثل الذي عليه ساقية الماء في ماله، أو طريق غير جائز أو طرح الميزاب ومجاري المياه من الأمطار إذا جرت على المزارع واجتماع الجذوع على الجدار بين الدارين ونحو ذلك» (2).
ما
ب - في الحجر على السفيه
وشرع الحجر على السفيه لدفع ضرر سوء تصرفاته المالية، قال الثميني في باب الحجر على السفهاء: «وقد ندب للحاكم أو الجماعة إذا رأوا من يفسد ماله أو يتلفه أن ينزعوه منه، ويجبرونه بالحبس أن يمكّنه لأمين يحرزه له إن أبى، ولا يعطيه منه إلا ما يحتاجه، ولهم أن يحرزوه له بأنفسهم أو يحجروا عليه أن لا يفسد فيه، فإن أفسد شيئاً فيه أدبوه» (3). وشرع الحجر أيضاً على المفلس منعاً للضرر عن الدائنين (4).
وصححه الألباني. وأخرجه الدارقطني في السنن، كتاب في الأقضية والأحكام وغير ذلك، باب في المرأة تقتل إذا ارتدت، حديث: 3970 بلفظ: أن أبا رافع سامه سعد ببيت له، فقال له سعد: ما أنا بزائدك على أربعمائة مثقال فقال له أبو رافع: لولا أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «الجار أحق بصقبه»، والصقب القرب، ما أعطيتك. عن أبي رافع، والدارقطني، كتاب الأقضية والأحكام، رقم: 3970، عن أبي رافع.
(1) أبو العباس أحمد، كتاب أبي مسألة، (2) ابن جعفر: المرجع السابق، 201/ 4.
ص
112
(3) الثميني: الورد البسام ص 154. - الحضرمي أبو إسحاق، مختصر الخصال، ص 145.
(4) الحضرمي: المصدر نفسه. (3/133)
صفحة 1284
134
القواعد الفقهية عند الإباضية
ج - في حق الجوار:
إذا كان لأحد المزارعين ساقية تمرّ من أرض جيرانه وينتفع بها وحده فاحتاجت هذه الساقية إلى إصلاح وترميم هل يجوز له أن يأخذ التراب من صاحب الأرض أم يجب عليه أن يجلبه إليها من خارجها، ويلحق الضرر بأرض غيره؟
فذكر بعض الإباضية أن إصلاح القناة المائية تكون على صاحبها ولا يتحمل غيره ذلك، ويجب عليه أن يزيل الضرر عنه بقدر الإمكان، ويجوز له أن يأخذ التراب من الأرض التي مرّت عليه بدون إلحاق الضرر بأرضه، فإن تطلب تراباً كثيراً فعليه أن يجلبه من خارجها رفعاً للضرر عن صاحب الأرض. وفي هذا المعنى يقول ابن جعفر: «وعن ساقية تمرّ في مال رجل في أرضه ونخله عليه ممر الماء في ماله إلى أرض أسفل منه حقيقة لهم عليه، فغابت الساقية فأراد الذين يجرون فيها الماء أن يصلحوها بالتراب، من أين يكون هذا التراب من مال الرجل ومن مالهم؟
فعلى ما وصفت فإنهم يحملون التراب من أرض الذي عليه الساقية بلا مضرة على صاحب الأرض، فإن كانت هناك مضرة كانت التقوية من الساقية، فإن لم يكن في الساقية كفاية على صاحب الساقية إصلاح الساقية ويأتوا بالتراب من حيث شاؤوا).
سابعاً: في تنظيم النسل وتحديده: ذلك اختلف العلماء في حكم تنظيم النسل وتحديده، فمنهم من منع ومنهم من أجازه عند الضرورة، ومن الذين درسوا هذه المسألة وفصلوا
مطلقاً،
فيها القول الشيخ عبد الرحمن بكلي ومما جاء في قوله: «فهناك حالات تعرض
(1) ابن جعفر: الجامع، 205/ 4. (3/134)
صفحة 1285
الفصل الرابع: القاعدة الكلية الكبرى الرابعة
135
للنساء تجعل حياتهن وحياة نسلهن في خطر كتعسر الولادة أو كانت قد أجرت لها العملية القيصرية من الجانبين فقرر الأطباء أن حملها مرة أخرى يلحق بحياتها الخطر، أو قرروا وجود مرض خبيث منتقل بأحد الزوجين أو بهما معاً، ويستعصي علاجه فلا ينتجون إلا مريضاً يحمل جراثيم ذلك المرض إلى من بعده أو ما شاكل ذلك.
وإزاء هذه الحالات نجد الشريعة الإسلامية الكاملة التي من قواعدها «الضرر مدفوع بقدر الإمكان والمشقة تجلب «التيسير» و «لا يكلف الله نفساً إلا وسعها و وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ} (البقرة: 286)، نجدها لا تضيق على هؤلاء المرهقات واسعاً وتحتم عليهن أن يمتن بدائهن، بل لا بد وأن تجعل أعذارهن محل اعتبار فتبيح لهن تحديد النسل إما مؤقتاً أو دائماً، وقد توجبه على بعضهن إيجاباً والضرورة تقدر بمقدارها» ولكن كل ذلك كان لضرورة وبصفة فردية وبنسبة يجب أن تكون ضئيلة في الأمة لا أن تكون إجماعية واختيارية» (1).
ولا ريب أن رأي البكري يتماشى مع مقاصد الشريعة في حفظ النفس وتقديمها على حفظ النسل عند التعارض، وفيها إزالة) للضرر بقدر الإمكان»
قبل وقوعه ما دامت هناك أسباباً مظنة لحدوث ضرر أعظم.
(1) بكلي عبد الرحمن فتاوى البكري، 320/ 1 - 321. (3/135)
صفحة 1286
المطلب الثاني
الضرر لا يزال بمثله أو بأعظم منه (1)
أولاً: معنى القاعدة:
هذه القاعدة تعتبر قيداً للقاعدة الكلية الكبرى الضرر يزال» لأن الضرر مهما كان واجب الإزالة فلا يكون بإحداث ضرر مثله ولا أعظم منه من باب أولى فشأنها شأن الأخص مع الأعم في الحقيقة، بل هما سواء؛ لأنه لو أزيل بالضرر لما صدق الضرر يزال ولكن يجوز دفع الضرر بما هو أقل منه، فالشرط إذا أن يزال الضرر بلا إضرار بالغير إن أمكن، وإلا بالأخف منه، قال الراشدي: «فيرتكب أخف الضررين إن اجتمعا وأقل المفسدتين)، فمثاله الطبيب الذي يجري عملية جراحية لمريض لعلمه أن ضر هذه العملية أقل من الضرر الذي يعانيه المريض، فإن الضرر في إجراء العملية أكبر من الضرر الذي يعاني منه المريض، أو كان مساوياً له لم يجز له إجراء العملية.
وتستند هذه القاعدة إلى أدلة كثيرة من الكتاب والسنة ذكرناها في القاعدة
الكبرى فلا داعي لإعادتها.
ثانياً: تطبيقات القاعدة:
هذه القاعدة تندرج تحتها مسائل كثيرة تخصص القاعدة الكبرى «الضرر يزال أو لا ضرر ولا ضرار وسوف نذكر بعضها زيادة في بيان مدلول القاعدة
كما يلي:
(1) الراشدي جواهر القواعد، ص 141.
(2) الراشدي: المرجع نفسه. (3/136)
صفحة 1287
الفصل الرابع: القاعدة الكلية الكبرى الرابعة
137
1 - التضحية بالنفس لجلب المنفعة لها أو للغير
ذهب أهل العلم إلى تحريم إلقاء النفس إلى الهلاك لأجل الطمع في جلب منفعة للنفس أو الغير، أو دفع ضرر أخف على النفس أو الغير؛ لأنه لا يجوز إزالة الضرر بمثله أو أشد منه، وفي هذا المعنى يقول أبو العباس أحمد: «لا يحل للرجل أن يلقي نفسه إلى التهلكة لاجترار المنافع إلى نفسه وإلى غيره، ولا يدفع المضار عن نفسه وعن غيره بما يتولد عنه تلف نفسه كلها، مثل أن يترك الطعام والشراب حتى يموت جوعاً أو عطشاً، سواء تركه كذلك من غير علة، أو طلب بتركه له منافع غيره من بني آدم
وغيرهم).
ويشير أبو العباس إلى قضية هامة يلجأ إليها بعض المعارضين السياسيين إذا أراد أن يُسمع صوته إلى الناس فيضرب عن الطعام حتى تتحدث عنه وسائل الإعلام، فيهب أصحاب حقوق الإنسان للدفاع عنه، وقد يصل به الأمر إلى الموت، وربما يفعل ذلك حمية، وقد يمتنع عن الطعام لأجل ظلم وقع على غيره، فيطالب الحاكم بإطلاق سراح المعتقلين، فيصبر مدة على تلك
أو
الحالة حتى يجبر الحاكم عن التراجع عن حكمه، ويخفف الحكم عنهم يطلق سراحهم، ولكن قد لا يخضع لهم فيبقوا على تلك الحالة حتى يموتوا ويهلكوا، وهذا يعتبر قتل للنفس بغير حق بل انتحار، والله ينهى عن ذلك بقوله: {وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَهْلُكَةِ} (البقرة: (195)، وقال أيضاً: {وَلَا نَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا} (النساء: 29). ولذلك فعملاً بهذه القاعدة: «لا يجوز إزالة الضرر بضرر مثله أو أشد منه»، و «درء المفسدة أولى من جلب المصلحة»، فعند تعارض المصالح مع المفاسد تُغلّب المفاسد على المصالح لدفع ضرر أعظم والله أعلم.
(1) أبو العباس أحمد، كتاب أبي مسألة، ص 144. (3/137)
صفحة 1288
138
القواعد الفقهية عند الإباضية
2 ـ إنقاذ النفس من الهلاك بالتضحية بالغير لو تعرض ركاب السفينة إلى خطر الغرق وخافوا الهلاك فلا يجوز لهم أن يضحوا بأحدهم ويطرحوه في الماء طمعاً في سلامهم ولو كان مشركاً أو كافراً؛ لأن غرق الجميع ضرر فلا يزال بضرر مثله وهو إلقاء بعض الناس في الماء لتخفيف حمولة السفينة، واستثنى العلماء من هذه الحالة إذا كان معهم رجل محارب فإنه يجوز إلقاؤه في الماء والتضحية به؛ لأن وجوده معهم يشكل عليهم ضرراً متوقعاً، وإلقاؤه في الماء لأجل نجاتهم فيه ضرر له محتمل كذلك؛ لأنه قد ينجو من الغرق إذا كان يحسن السباحة أو وجد من ينقده من الغرق من خارج السفينة.
وفي
هذا المعنى يقول الشماخي: «ولا يلقون شيئاً من بني آدم في البحر ولو كان مشركاً أو ذميّاً؛ لأن تنجية الأنفس بالأنفس لا تجوز باتفاق، إلا إن مشرك محارب فنعم، وإن أرادوا طرح شيء من الحيوان فلا بأس
كان
معهم
عليه بعد الذبح والله أعلم). قال الشارح تعليقاً على قول الشماخي: «قوله إلا إن كان معهم مشرك محارب فنعم، أنهم يلقونه في البحر لتنجية أنفسهم، وانظر هل يذبحونه إذا أرادوا طرحه كما يذبحون سائر الحيوانات لقوله صلى الله عليه وسلم: «إذا قتلتم فأحسنوا القتلة» (2) أو لا؛ لأن فيه قتل صبراً وهو أمر من الإلقاء في البحر، وأيضاً إلقاؤه كذلك يحتمل معه عدم الموت والخروج إلى البر خصوصاً إذا ألقيا له شيئاً يعتمد عليه فيكون المراد بقوله رحم الله شيئاً من الحيوانات غير ما يلقى من بني آدم» (3).
(1) الشماخي: الإيضاح، 308/ 6 - 309. (2) رواه مسلم، كتاب الصيد والذبائح، باب الأمر بإحسان الذبح والقتل، رقم: 3709، بلفظ: «إن الله كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبح، وليحد أحدكم شفرته، فليرح ذبيحته». وأبو داود، كتاب الضحايا، باب في النهي أن تصبر البهائم، رقم: 2447، ورواه ابن حبان في صحيحه، كتاب الحظر والإباحة، كتاب الذبائح، ذكر الأمر بحد الشفار، حديث: 5967. عن
شداد بن أوس. (3) القصبي أبو ستة عمرو، الحاشية على الإيضاح، 308/ 6. (3/138)
صفحة 1289
الفصل الرابع: القاعدة الكلية الكبرى الرابعة
139
وقد أباح العلماء إلقاء الحيوان بعد ذبحه؛ لأنه يجوز التضحية بالمال لإنقاذ النفس وهذا يتوافق مع مقاصد الشريعة أن حفظ النفس يقدم على حفظ
المال، والحيوان مال.
3 ـ في الإكراه: أ ـ يرى بعض الإباضية أنه لا يجوز لمن أكره بالقتل أن يقتل غيره إذا كان
قتله لمسلم بغير حق، فقتله ضرر وقتل غيره ضرر مثله فلا يجوز.
يحيي
قال ابن بركة في هذا الشأن في عبارة حوارية شيقة: «فإن قال: «فإن الجبار أمره بضرب رجل أو قتله، وقال له: إن لم تقتله قتلتك، هل له أن نفسه بهذا الفعل؟ قيل له: ليس له أن يحيي نفسه بتلف غيره، ولا يفدي النفس بمثلها، وإنما يجوز أن يفديها بدونها). ورغم أن حفظ النفس من المقاصد الكبرى للشارع الحكيم، ولكن لا يجوز لأحد أن نفسه ينجي بالتضحية بنفس بريئة، وهو ما حدده الرسول صلى الله عليه وسلم بقوله: «كن عبد الله المقتول ولا تكن عبد الله القاتل» (2) (3).
ب ـ وذكروا أيضاً أنه لا يجوز لمن أكره بالقتل على أن يزني بامرأة غصبا برضى منها؛ لأن القتل ضرر والزنى ضرر ولعله أشد منه؛ لأن ضرره يتعدى إلى غيره ولا يقتصر على المزني بها بخلاف المقتول.
أو
(1) ابن بركة الجامع، 191/ 2. (2) أخرجه أحمد، مسند البصريين حديث 20154، (ترقيم العالمية). ورواه الداني في السنن الواردة في الفتن، باب ما جاء في الفتن وغوائلها، حديث: 30 عن عبد الله بن خباب بلفظ: أبي يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «تكون فتن، فكن فيها عبد الله المقتول، ولا تكن القاتل». وأورده ابن حجر، كتاب الفتن، باب الأمر باتباع الجماعة، رقم: وابن أبي شيبة، كتاب الفتن، باب من كره الخروج في الفتنة وتعود منها، رقم: 36744، عن
قال: سمعت
جندب بن عبد الله.
(3) باجو: منهج الاجتهاد، ص 756.
،4450 (3/139)
صفحة 1290
12.
القواعد الفقهية عند الإباضية
وفي هذا المعنى يقول ابن بركة: «فإن قال: فإن كلفه الزنا وخاف القتل إن لم يفعل؟ قيل له: لا يجوز له ذلك؛ لأن الزنا ظلم للمرأة فليس له أن يظلم غيره ليحيي نفسه، فإن قال: فإن كانت المرأة راضية بذلك مطاوعة له هل له ذلك؟ قيل له: لا يجوز له أيضاً ذلك ولو طاوعته لأنه ظلم لها لما يكلفها (أو) يلحقها من العار والعيب القبيح والإثم العظيم عند الله جل، وإذا كانت بذلك راضية لأن الله جل اسمه لم يأذن لها بأن ترضى به فرضاها بما لم يجعل الله الرضا لها به لا يصير غير ظلم منه لها، كما أن لو رضي رجل بأن يقتله هذا المؤمن ليخلص به نفسه إذا أكرهه الجبار على أن يقتله لم يكن له ذلك، وإن الله لم يجعل له الرضا بذلك).
ج ـ وذكر أبو العباس أحمد والثميني جملة من الأفعال الضارة بالدين والنفس والغير، لا يجوز للمؤمن أن يفعلها ليفدي نفسه من القتل، كالقتل والزنى والضرب والجرح وأكل أموال الناس بالباطل وإتلافها، والتجسس والقذف وشهادة الزور والاستسلام للعدو في الحرب وأكل قاذورات البشر، فكل هذه أضرار لا يجوز إزالتها بأضرار مثلها أو أشد منها، وفي هذا المعنى يقول أبو العباس أحمد: «وأما الوجوه التي لا يتقي بها عن نفسه الموت وذلك: قتل النفس التي حرم الله قتلها من بني آدم كلها كائناً ما كان، وما دون النفس من الجروح والضرب والفساد في النفس كلها ـ أحياء كانوا أو أمواتاً ـ، وكذلك أكل أموال الناس بالتعدية كله والفساد فيها من غير حله من وجوه المتالف كلها، والتجسس في الأنفس والأموال، وقذف المحصنات، والشهادة بالزور، والفتوى بغير الحق، وإلقاء السلاح للعدو وإعطاء لباسه إياه، وشرب الخمر، وأكل أقذار بني آدم وجميع النجس الذي لم يكن فيه اختلاف العلماء في نجسه، فإنه يموت ولا يفعل شيئاً من هذه كلها (2).
(1) ابن بركة المصدر نفسه، 1931. - الثميني، الورد البسام، ص 226.
(2) أبو العباس أحمد، كتاب أبي مسألة،
ص
143 - 144 (3/140)
صفحة 1291
الفصل الرابع: القاعدة الكلية الكبرى الرابعة
وتابع الثميني أبا العباس أحمد في عرض المحرمات التي يجوز فعلها ولو أدى ذلك إلى الفداء بنفسه، وأضاف إليها الجماع في الحيض والنفاس أو في اعتكاف أو إحرام، فيقول في: باب فيما يموت الشخص ولا يفعله، ومن ذلك: الزنا وقتل النفس المحرم قتلها، وأكل مال الغير بتعدية، وقذف المحصن، وشرب الخمر، وإعطاء السلاح والثياب إن كان يبقى عرياناً به، واستهلاك الأموال والأنفس بالتجسس، والوقاع في الحيض والنفاس أو في اعتكاف أو إحرام على ما فصل في غير هذا الموضع ... ». وعند التأمل فيما ذهب إليه أبو العباس والثميني نجد أن بعض الأمور المحرمة يجوز للمكره ارتكابها عند الضرورة لتخليص نفسه من القتل ثم يفديها بالكفارة، وذلك كالصيام والإطعام مع التوبة والمحاللة إن كان قد ضر غيره؛ لأن القتل أعظم من هذه الأمور، كالاعتداء على أموال الناس بالأكل أو بالإتلاف، والتجسس على الغير، وقذف المحصنات وشهادة الزور، والفتوى بغير حق، وتسليم السلاح للعدو، وشرب الخمر وكشف العورة، وأكل القاذورات، والجماع في الحيض والنفاس وعند الاعتكاف أو الإحرام، فكل هذه الأمور محرمة وفيها ضرر بالدين والغير ولكن ضررها أخف من ضرر القتل، فيجوز أن يفدي نفسه بهذه الأمور عند الضرورة القصوى إذا كان لا يقوى على تحمل الأذى.
ويؤيد ذلك ما ذهب إليه ابن بركة البهلوي، فقد رخص في بعض الحالات لما يكون الإكراه على فعل دون القتل؛ لأن القتل متفق على تحريمه، فليس للإنسان أن يفدي نفسه بإزهاق نفس غيره، وله أن يفديها بما دونها، ولذلك أجاز شرب الخمر وأكل الميتة وقذف المحصنات إن خاف على نفسه القتل أو الضرب الشديد المؤدي إلى الهلاك.
(1) الثميني: الورد البسام، ص 226 (3/141)
صفحة 1292
142
القواعد الفقهية عند الإباضية
يقول في هذا الصدد: «فإن قال: فإن أخذه الجبار بشرب الخمر أو الميتة أن يأكلها هل له فعل ذلك؟ قيل له: نعم إذا خاف على نفسه، لأن الله جل ذكره قد أباح ذلك في الاضطرار بقوله وعل: فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمِ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} (المائدة: (3). وقال ل: {فَمَنِ اضْطَرَ غَيْرَ باغ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} (الأنعام: 145).
فإن قال: فإن كلفه أن يقذف المحصنات أو يقول في أحد المسلمين ما ليس فيه هل يجوز له ذلك؛ قيل له: نعم إذا خاف على نفسه القتل أو الضرب الشديد المؤدي إلى الهلاك، فإن قال: ولم أجزتم قذف المحصنات عند الاضطرار والقدح في المسلمين؟ قيل له: إن قذف المحصنات هو كذب عليهن، وكذلك القول في المؤمن بما ليس فيه ولا يشبهه هو كذب، وقد أباح الله جل ذكره عند الاضطرار للكذب لقوله: إلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَينُ بِالإِيمَنِ} (النحل: 106)، فعذره في هذا الحال وهو يقول: إن الله ثالث ثلاثة وهذا أعظم الكذب، لأنه كذب على الله تعالى، فالكذب على المسلمين أيسر إذا لم يعرف المعاريض، فأما إذا عرف المعاريض فليس له أن يقول إذا قدر، ألا ترى أنهم لو قالوا له: قل إن محمداً يكذب على الله وهو يعرف محمداً آخر يكذب على الله في تنزيل أو تأويل فقال محمد كذاب» (1)، وليس يقصد رسول الله.
محمد
ولكن الفقيه باجو خالف هذا الرأي ومال إلى رأي أبي العباس والثميني ورجحه وقال: «والذي يبدو لنا راجحاً هو الرأي المانع للعلة التي أوضحناها؛ ولأنه يتسامح في حق الله ما لا يتسامح في حق العباد، إذ حقوق الله مبناها المسامحة، وحقوق العباد مبناها المشاححة فالقياس على الكفر قياس مع الفارق (2).
(1) ابن بركة: الجامع، 191/ 1 - 192.
(2) باجو: منهج الاجتهاد، ص 757. (3/142)
صفحة 1293
الفصل الرابع: القاعدة الكلية الكبرى الرابعة
143
وبعد النظر في الأقوال المتقدمة يمكن موافقة الفقيه باجو في بعض ما رجحه، إلا أن المضرات التي لا تلحق بالغير وتلحق بالنفس، والتي هي من حقوق الله يجوز الترخص فيها عند الاضطرار، مثل شرب الخمر والجماع في حالات الحيض والنفاس والاعتكاف والإحرام، وأكل النجاسات وكشف العورة، فهذه الأمور يترتب على فعلها التوبة والاستغفار مع الكفارة عند بعض الفقهاء، فلا يجوز التضحية بالنفس في سبيل الامتناع عن هذه المحرمات، بل حتى في بعض المحرمات التي يلحق ضررها بالغير كإلقاء السلاح للعدو وإتلاف المال، فالراجح فيها الجواز ما دام ضررها أقل من القتل، يمكن إصلاحه وإزالته بالمال والله أعلم.
4 ـ تهريب السلع الضرورية إلى خارج البلد وهو في حاجة إليها: سئل السالمي عن صاحب السلعة يُمنع أن يحملها إلى بلد آخر إذا كان
أنه أهل بلده محتاجين لها، ما وجه المنع مع متصرف بماله؟ فأجاب: حاجة أهل بلده أولى من حاجة غيرهم، وعليه لهم حقوق ليست للغير، وأيضاً فحاجة هذا البلد متعينة حاضرة، وحاجة غيره مجهولة غائبة، ودفع الضرر المعلوم الحاضر ألزم من دفع الضرر المجهول الغائب؛ لأن الضرر المجهول الغائب يمكن ارتفاعه بوجه لا نعلمه فنحن جاهلون ببقائه إلى الآن، وهذا الحاضر نشاهد بقاءه، فهذه علل تمنع نقل السلعة من بلد إلى بلد، إذا احتاج إليها أهل البلد الأول كان صاحب السلعة من أهل البلد أو لم يكن، ولا يعارض هذا كونه متصرفاً في ماله، فإنه لم يمنع من التصرف في ماله، وإنما منع من إدخال الضرر على غيره، يقول تعالى: {وَالَّذِينَ فِي أَمْوَهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ * لِلسَّابِلِ وَالْمَحْرُومِ} (المعارج: 24 - 25) (1).
ويؤكد الثميني في باب حمل الطعام ونحوه وبيعه هذا المعنى بما نصه:
(1) السالمي: العقد الثمين، 17/ 4. (3/143)
صفحة 1294
144
القواعد الفقهية عند الإباضية
وجاز لأهل قرية غلا فيها الطعام أن يمنعوا من أراد أن يحمله منها إلى غيرها إن احتاجوه وخافوا على أنفسهم، ولكل قرية أن يقتصروا على ما عندها، وكذا الصيادون في البحر». قال الثميني: (قلت) ولعل البر أيضاً كذلك لا يحملون ما اصطادوه في بلدهم إلى آخر إلا إن اكتفوا منه .... وقد علل الثميني سبب المنع وهو ارتفاع الأسعار وغلاء الطعام الضروري كالقمح الذي يعد من غالب طعام الناس وهذا مما يضر بالمستهلكين ذوي القدرة الشرائية الضعيفة، فوجب منع البائعين والمحتكرين من رفع الأسعار أو نقلها إلى بلد آخر.
ويظهر من خلال ما ذهب إليه السالمي والثميني أنهما اعتمدا على قاعدة: «الضرر لا يزال بضرر بمثله أو أشد منه فحاجة أهل البلد الماسة إلى المواد الغذائية الأساسية تقضي الحفاظ على كل ما يتوفر من مواد في ذلك البلد، والحفاظ عليها وتوزيعها بالعدل حتى تسد كل حاجات المجتمع، وتهريب هذه المواد إلى بلد آخر لحاجته إليها أو طمعاً في الربح الوفير ضرر يصيب أهل البلد الأصلي، وترك البلد الآخر كذلك بدون جلب السلع إليه بتعريضه للحاجة والجوع هو ضرر أيضاً، إلا أنه لا يجوز إزالة ضرر بضرر مثله»، وخاصة إذا كانت حاجة البلد الأصلي ظاهرة وحاجة البلد الآخر محتملة غير مؤكدة فيقدم اليقين على الظن في هذه الحالة إذا أردنا الترجيح. ويرى بعضهم أن منع صاحب السلعة من نقل سلعته إلى بلد آخر منعاً للتصرف في ماله كما أشار إلى ذلك السالمي، والحال أن الشريعة ضمنت حرية كل مالك في التصرف في ماله، وهذا ضرر خاص قد يلحق به، ولكن حرمان أهل البلد من السلع قد يؤدي إلى هلاكهم وهذا ضرر أعم ولذلك قرر الفقهاء في هذه الحالة قاعدة فقهية يتحمل الضرر الخاص لدفع الضرر العام».
(1) الثميني: الورد البسام ص 264. (3/144)
صفحة 1295
الفصل الرابع: القاعدة الكلية الكبرى الرابعة
145
ه ـ اتخاذ أقراص منع الحيض لأداء عبادة معينة في أوقات مخصوصة: ومن الصور المخرجة على القاعدة ما أفتى به بعض العلماء في جواز تأخير العادة الشهرية عند النساء لأجل الحج والصوم، وهي من الأمور التي فطر الله النساء عليها، فهن يتعرضن إليها في كل شهر، فيأتيهن دم الحيض ليدل على براءة الرحم من الولد، ومن رحمته لهن أنه أسقط عنهن بعض التكاليف الشرعية أثناء فترة الحيض كالصلاة والصوم والحج، ولكن بعض النساء تريد أن تغير من النظام الذي وضعه الله لها فتتعاطى أقراص منع الحيض ليتأخر عنها، فتستطيع بذلك أداء الصوم كاملاً في وقته، والقيام بمناسك الحج أيضاً، فما حكم الشرع في هذه العملية؟ سئل الشيخ عبد الرحمن بكلي عن هذه المسألة في سؤال مفاده: «هل يجوز للمرأة أن تستعمل حبوب منع الحمل لتؤخر دم الحيض قصد أن رمضان كاملاً أو تؤدي مناسك الحج تامة؟».
تصوم
فأجاب: «كل ما عطّل سير الحياة الطبيعية في الإنسان أو غير مجراه لا بد وأن يكون له رد فعل طال الزمن أو قصر، إذ لو لم يكن لتعاطيه تأثير ما كان هناك تعطيل أو تغيير.
ومن ذلك ما يذكره بعض الأطباء المخلصين (1) عن حبوب وأقراص منع الحمل وتأخير الحيض من أن له تأثيراً خبيثاً وخطيراً على اللائي يستعملونها وإن بعد حين ذلك هو ما يعقبه من القلق واهتياج الأعصاب الذي يكدر صفو حياتهن، يشهد لذلك قوله تعالى: {وَيَسْتَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى (البقرة (222)، فقد أخبر العليم الخبير أن دم الحيض داء، فإذا كان داء فاحتقانه في جسم المرأة واتخاذ الوسائل لمنع خروجه استبقاء للداء في الجسم سوف لا يلبث أن ينبعث إن لم يظهر سريعاً متى ضعفت تلك الحصانة أو فقدت
(1) هكذا في الأصل ولعله يقصد المختصين. (3/145)
صفحة 1296
187
القواعد الفقهية عند الإباضية
يكون نتيجة طبيعية، ودم الحيض في المرأة كالبخار في جوف الأرض فإما أن يخرج وإما أن يحدث زلزالاً، وأنت خبير أن كل ما يضر بالصحة ويفقد توازنها يحرم تعاطيه لقوله: (لا ضرر ولا ضرار (1) (2).
خلاصة القول:
إن دم الحيض مضر بصحة المرأة يجب التخلص منه؛ لأن الله وصفه بأنه أذى، واستعمال الأقراص الكيماوية لتأخيره ينتج عنه ضرر مثله أو أشد منه، ولا يجوز إزالة الضرر بمثله أو أشد منه».
وبناء عليه فإن البكري رخص في استعمال الحبوب لأجل الحج ومنعه في رمضان، وعلل ذلك أن الحج يؤدى مرة واحدة في العمر بخلاف الصوم يتكرر كل سنة شهراً كاملاً وفي هذا المعنى يقول: «أما استعمالها ـ الأقراص - لمنع الحيض في رمضان لتؤديه كاملاً، وفي الحج لقضاء مناسكه تامة من غير تعطيل، ففرق بين الحالتين، أما بالنسبة لرمضان فلا، وأما بالنسبة للحج فلا بأس، ذلك أن الحج يقع غالباً مرة في العمر فلا يترتب على اتخاذها في هذه المناسبة النادرة ما يخشى معه ضرر، ولم يرخص الله فيه كما رخص في الصوم هذا أولاً.
ثانياً: استعمالها في الحج قد تلجئ إليه الضرورة. ثالثاً: قد نقل عن ابن عمر لها أنه لم ير بأساً للمرأة في الحج أن تستعمل ما يمنع حيضها لتنفر وتطوف، وروى سعيد بن منصور عن ابن عمر أنه «سئل عن المرأة تشتري الدواء لترفع حيضتها لتنفر فلم ير بأساً وبعث إليهن بماء
الأراك» (3).
(1) تقدم تخريجه.
(2) بكلي عبد الرحمن فتاوى البكري، ص 322.
(3) لم نقف على تخريج هذا الحديث في كتب السُّنَّة أو غيره. وأخرج عبدالرزاق الصنعاني في
= (3/146)
صفحة 1297
الفصل الرابع: القاعدة الكلية الكبرى الرابعة
147
أما عن الصوم فإن المحذور قد يقع لكثرة التكرار عادة هذا أولاً، وثانياً، قد عالج الله مسألة الحائض في رمضان بأن أباح لها أن تفطر أيام الحيض وإن وجب عليها قضاءها بعده لدى التيسير دون أن يقع هناك تعطيل أو تغيير لنظام الفطرة، ولولا ما يعلمه الله من ضرر في حبس حيض المرأة لما أهدر لأجله حرمة رمضان وأباح لها بل أوجب عليها الإفطار فيه» (1).
المصنف، كتاب الحيض، باب الدواء يقطع الحيضة حديث: 1176 عن ابن عمر ما يفيد
هذا المعنى ولم يصرح بسبب الرخصة، للحج أو الصوم، وهذا نصه: «عن رجل، سأل ابن عمر عن امرأة تطاول بها دم الحيضة فأرادت أن تشرب دواء يقطع الدم عنها، فلم ير ابن بأساً، ونعت ابن عمر ماء الأراك». قال معمر: «وسمعت ابن أبي نجيح يسأل.
عمر
فلم ير به بأساً».
عن
ذلك
(1) بكلي عبد الرحمن فتاوى البكري، ص 323. (3/147)
صفحة 1298
المطلب الثالث
الضرر الأشد يزال بالضرر الأخف أو ارتكاب أخف الضررين أو أهون الشرين»
أو إذا تعارضت مفسدتان روعي أعظمهما ضرراً بارتكاب أخفهما». أو إذا اجتمع ضرران أسقط الأصغر للأكبر».
أولاً مدلول القاعدة
هذه القواعد تبدو مختلفة في ألفاظها وصيغها ولكن متحدة المعنى ومغزاها ومؤداها، واحد وهو أن الأمر إذا دار بين ضررين أحدهما أشد من الآخر فيتحمل الضرر الأخف، ولا يرتكب الأشد.
وهذه القواعد متفرعة عن القاعدة الكلية الكبرى الضرر يزال» أو «لا
أخف
منه،
ضرر ولا ضرار باعتبار أنه يوجد في القاعدة الفرعية دفع ضرر أعظم. وهذه القواعد الفرعية توضيح كذلك لقاعدة الضرر لا يزال بالضرر» وتخصيص لها، فالضرر يجب إزالته ما أمكن ولكن لا ينبغي أن يزال الضرر بالضرر، فإن تحتم إزالته فعلينا حينئذ أن نزيل الضرر الأشد بضرر وهذا ما نص عليه السالمي في عبارته في سياق حديثه عن رفع الضرر عن المسجد فيقول: «وربما تولد الضرر على المسجد من الصعود على ظهره، فيمتنع من ذلك لخوف الضرر، إلا لدفع ضرورة أشد، فإنه إن تعارضت الضرورتان ولم يمكن إلا ارتكاب أحدهما ارتكب أقلهما ضرراً). ويؤكد الراشدي هذا المعنى بقوله: «الضرر لا يزال بضرر مثله أو أعظم منه فيرتكب أخف الضررين إن اجتمعا وأقل المفسدتين» (2).
(1) السالمي: معارج الآمال، 182/ 4.
(2) الراشدي: جواهر القواعد، ص 141. (3/148)
صفحة 1299
الفصل الرابع: القاعدة الكلية الكبرى الرابعة
149
«فإن كان الضرر الذي زال به الضرر مساوياً له خيرنا بين بقاء الضرر أو إزالته بما يساويه، أما إن كان الضرر المزيل أشد من الضرر المزال فارتكاب الضرر الأشد لا يجوز شرعاً ولا عقلاً، بل يكون سفهاً
وحماقة» (1).
ومجمل القول:
إن من مقاصد الشرع الحكيم الحث على تحصيل المصالح وتكميلها، وتعطيل المفاسد، وتعليلها وكل ما نهى الله عنه ورسوله فيه مفسدة، فما لم يمكن تعطيل مفسدته بالكلية فالواجب السعي إلى تقليلها قدر الإمكان، فإذا تعارضت مفسدتان إحداهما أكبر فساداً من الأخرى، وكان لا بد من فعل واحدة منهما، فإن الواجب هو درء الأكبر منهما بارتكاب الأصغر، وهذا مقتضى الحكمة والنظر الصحيح، ويكون الفاعل في ذلك محسناً؛ لأنه دفع
أشد الشرين بأدناهما (2).
ثانياً: تأصيل القاعدة:
والأصل في هذه القاعدة الفرعية قولهم: أن من ابتلي ببليتين ـ وهم متساويتان ـ يأخذ بأيتهما شاء وإن اختلفتا يختار أهونهما؛ لأن مباشرة الحرام لا تجوز إلا للضرورة، ولا ضرورة في حق الزيادة» (3). وقد استدل الفقهاء لهذه القاعدة بأدلة من القرآن والسنة من
62
ذلك:
(1) محمد بكر إسماعيل: مرجع سابق، ص 102. (2) السعدي عبد الرحمن بن ناصر، القواعد والأصول الجامعة، ص (3) ابن نجيم: الأشباه والنظائر، ص 111، نقلاً. عن الزيلعي في كتابه تبين الحقائق لما في الكنز من الحقائق، في باب شروط الصلاة فقال: «الأصل في جنس هذه المسائل أن من ابتلي ببليتين ... ». - وينظر أيضاً الأتاسي، شرح المجلة العدلية 68/ 1، وما بعدها. ـ وعلي حيدر، شرح المجلة، 36/ 1، وما بعدها.
: (3/149)
صفحة 1300
150
القواعد الفقهية عند الإباضية
أ ـ من القرآن الكريم:
1 ـ قال الله تعالى: {يَسْتَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالُ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدُّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرُ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِندَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ} (البقرة: 217).
وجه الاستدلال بالآية:
ففي هذه الآية الكريمة أوحى القرآن الكريم إلى أن ما نقمه الكفار على المسلمين من قتال في الشهر الحرام وإن كان مفسدة، فما أنتم عليه من الصد عن سبيل الله والكفر به وبسبيل هداه وبالمسجد الحرام وصدكم عنه وإخراج أهله منه أكبر عند الله، وفتنكم المؤمنين بشديد الأذى محاولين إرجاعهم إلى الشرك أشد ذنباً وأكبر من القتال في الشهر الحرام). واستنبط الفقهاء من هذه الآية الكريمة معياراً عاماً يعتمده الفقيه في الموازنة بين المفاسد، فالقتال في الشهر الحرام مفسدة والفتنة عن الإسلام مفسدة أعظم، «فيرتكب أخف الضررين إذا لم يكن بد من فعل أحدهما، ويتمثل ذلك المعيار في ما يلي:
أ ـ عند اختلاف رتب المفاسد ترتكب المفاسد المتعلقة بالتحسينات دفعاً لمفاسد الحاجات والضروريات، وترتكب مفاسد الحاجات دفعاً لمفاسد الضروريات، ولهذا قرر الفقهاء قاعدة يختار أهون الضررين () ومن تطبيقات هذا المعيار جواز الكذب في الحرب لدفع الهلاك عن النفس مع ما فيه من مفسدة تتعلق بالتحسينات (3).
(1) الشوكاني: فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير، مطبعة الحلبي، بمصر، الطبعة الثانية 1964 م، 27/ 1. - السعدي، القواعد الحسان لتفسير القرآن، مكتبة المعارف، الرياض - السعودية، 1402 ط / 1982 ص 120. ـ الندوي، القواعد الفقهية، ص 315.
(2) مجلة الأحكام العدلية، مادة (29).
(3) شبير محمد عثمان
ص 184.
صلے (3/150)
صفحة 1301
الفصل الرابع: القاعدة الكلية الكبرى الرابعة
151
ب - وعند اتحاد رتب المفاسد كأن تكون المفسدتان متعلقتين بالضروريات ترتكب مفسدة المال دفعاً لمفسدة النسل أو مفاسد العقل أو مفاسد النفس أو مفاسد الدين، وترتكب مفاسد النسل دفعاً للمفاسد الثلاثة التي قبلها وهكذا. ومن تطبيقات هذا المعيار:
- جواز إلقاء حمل السفينة من بضائع دفعاً لمفسدة هلاك نفوس الآدميين). وعند اتحاد الرتبة والكُلّي ترتكب المفسدة الخاصة دفعاً للمفسدة العامة، ولهذا قرر الفقهاء قاعدة: «يتحمل الضرر الخاص لدفع الضرر العام» وسيأتي لاحقاً، بيانها، كما ترتكب المفسدة الجزئية دفعاً للمفسدة الكلية، وعبر عنها الفقهاء إذا اجتمع ضرر أسقط الأصغر للأكبر» (2).
ومن تطبيقات هذا المعيار التحاق الشخص بالخدمة العسكرية الإلزامية لحفظ كيان الأمة ودفع الهلاك عنها مع ما فيه من ضرر خاص على الفرد
وأسرته (3).
2 ـ ومن
أدلة هذه القاعدة ما ذكره الإمام صلاح الدين العلائي في قواعده بعنوان: «احتمال أخف المفسدتين لدفع أعظمهما» أن «أصل هذه القاعدة قصة الحديبية ومصالحة النبي صلى الله عليه وسلم يومئذ المشركين على الرجوع عنهم؛ وإن جاء أحد من أهل مكة مسلماً ردّه إليهم، ومن راح من المسلمين لا يردونه، وكان في ذلك إدخال ضيم على المسلمين وإعطاء الدنيّة في الدين، ولذلك استشكله عمر الله لكنه احتمل لدفع مفاسد أعظم منه، وهي قتل المؤمنين والمؤمنات الذين كانوا حاملين بمكة ولا يعرفهم أكثر الصحابة، وفي قتلهم معرة عظيمة
(1) شبير محمد: المرجع السابق، ص 184. (2) أبو العباس أحمد بن يحيى الونشريسي، إيضاح المسلك إلى قواعد الإمام مالك، تحقيق أحمد بو طاهر الخطابي طبع اللجنة المشتركة لنشر التراث الإسلامي بين المغرب والإمارات العربية المتحدة، الرباط مطبعة فضالة المحمدية المغرب 1400 هـ / 1980 م. ص 370 - 372. (3) شبير محمد: المرجع نفسه. (3/151)
صفحة 1302
152
القواعد الفقهية عند الإباضية
على المؤمنين؛ فاقتضت المصلحة احتمال أخف المفسدتين لدفع أقواهما، وإلى هذا يشير قوله تعالى: {وَلَوْلَا رِجَالٌ مُّؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُّؤْمِنَتُ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَن تَطَبُوهُمْ فَتُصِيبَكُم مِّنْهُم مَّعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ} (الفتح (25)، فلما قدر الله تمييز المؤمنين المستضعفين بمكة، وخروجهم من بين أظهر المشركين، سلّط الله تعالى حينئذ رسوله صلى الله عليه وسلم والصحابة ـ رضوان الله عليهم - على أهل مكة؛ فافتتحوها كما قال تعالى: {لَوْتَزَيَّكُلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا} (الفتح: 25) (1)، فقوله تعالى: {لَوْتَزَيَّلُوا} (الفتح (25) معناه لو تفرقوا أي لو تميز الكفار من المؤمنين الذين بين أظهرهم (2).
وهذا ما استدل به الإمام عز الدين بن عبد السلام في كتابه «قواعد الأحكام في استنباط هذه القاعدة (3).
وكذلك جميع ما وقع في صلح الحديبية من هذا القبيل من التزام الشروط الصعبة التي ظاهرها ضرر ومذلة على المسلمين، ولكن تبين لهم في النهاية أنها كانت عين المصلحة لهم وذريعة إلى الفوز بالفتح المبين» (4). 3 ـ ويمكن الاستدلال لهذه القاعدة بالآيات التي وردت بتحريم الميتة والدم ولحم الخنزير والتي فيها إباحتها للمضطر إليها، وقد تقدم ذكرها عند قاعدة: «الضرورات تبيح المحظورات) واكتفى هنا بذكر آية واحد منها وهي: قوله وجَل: إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغِ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمُ} (البقرة: 173).
(1) العلائي صلاح الدين المجموع المذهب في قواعد المذاهب، الوجه الأول، و. 38، نقل عنه الندوي في القواعد الفقهية، ص 315.
(2) ابن كثير: تفسير القرآن العظيم، 346/ 6.
(3) العز بن عبد السلام، قواعد الأحكام، 811. - النووي، شرح النووي على صحيح مسلم،
135/ 12. - ابن القيم، زاد المعاد، 306/ 3.
(4) الندوي علي أحمد القواعد الفقهية، ص 316.
(5) ينظر: مكانها في الفصل الثالث. (3/152)
صفحة 1303
الفصل الرابع: القاعدة الكلية الكبرى الرابعة
153
فهذه الآية تقرر حكمين
الأول: حكم تحريم الميتة والدم ولحم الخنزير، والحكم الثاني: إباحة
هذا
الميتة للمضطر، وبالنظر في الآية يتبين أنه قد تعارض مفسدتان في الموضوع، مفسدة الأكل مما حرم الله وعمل مع مفسدة فوات النفس بالهلاك بسبب الجوع، وهذه المفسدة - أي الثانية - أعظم من المفسدة الأولى، فتدراً المفسدة الأشد وهي - فوات الروح - بالمفسدة الأخف ـ وهي الأكل من الميتة عند الاضطرار إليها - لا سيما وأن الحق هنا هو حق خالص الله وعل، وليس لمخلوق فيه مدخل وحقوق الله وعل مبناها على المسامحة، وهذا من عظيم فضل الله رجل وامتنانه على هذه الأمة، التي لم يجعل عليها في الدين من فالحمد لله على إحسانه والشكر له على توفيقه وامتنانه).
حرج،
6
وقوله تعالى: {وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلًا أَن يَنكِحَ الْمُحْصَنَتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِن مَا مَلَكَتْ أَيْمَنُكُم مِّن فَنَيَتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَنِكُم بَعْضُكُم مِّنْ بَعْضٍ فَانكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَنَتٍ غَيْرَ مُسَفِحَتٍ وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَتِ مِنَ الْعَذَابِ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنكُمْ وَأَن تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} (النساء: (25).
وجه الدلالة من الآية
فهذه الآية تشير إلى أن الأصل لا يجوز للحر أن ينكح الأمة، وبهذا قال جمهور العلماء (2). كما يقرر سبحانه في هذه الآية أن من لم يستطع سعة وغنى لنكاح الحرة المؤمنة وخشي على نفسه الوقوع في العنت ـ وهو ما يضره في دينه وبدنه كالزنا ـ، ومن كان حاله كذلك جاز له أن ينكح أمة مؤمنة كما شرع الله (3).
6
425 - 426
(1) علوان إسماعيل القواعد الفقهية الخمس الكبرى، ص (2) ابن بركة الجامع، 2/ 111 - 113. - ابن قدامة، المغني، 555/ 9. (3) ابن بركة المصدر نفسه، 2/ 113 - 114. (3/153)
صفحة 1304
154
القواعد الفقهية عند الإباضية
في
ففي هذه المسألة تعارضت مفسدتان
الأولى هي الزواج من الأمة، إذ فيه إرقاق الولد، ولذلك قال الله وعل آخر الآية: {وَأَن تَصْبِرُوا خَيْرُ لَكُمْ (النساء: (25)، أي الصبر على الغربة خير من نكاح الأمة؛ لأنه يفضي إلى إرقاق الولد، والغض من النفس والصبر على مكارم الأخلاق أولى من البذالة، وقد روي عن عمر بن الخطاب صل الله أنه قال: «أيما حر تزوج بأمة فقد أرق نصفه» (1) يعني: يصير ولده رقيقاً (2). المفسدة الثانية: هي وقوع العنت وهو الضرر بالدين والدنيا، وهو متمثل في الزنا، فمن وقع فيه لحقه ضرر في دينه بالإثم، وفي دنياه بالخزي والعار، وإقامة الحد عليه، مع ما فيه من الاعتداء على حرمات الآخرين، وهذه المفسدة أعظم من الأولى، ولأجل هذا احتملت المفسدة الأولى المتمثلة في إرقاق الولد لتجنب المفسدة الثانية، والحمد لله على
معافاته (3).
ه ـ كما يمكن الاستدلال لها بقصة موسى مع الخضر ـ عليهما السلام - حيث خرق الخضر السفينة وقتل الغلام فإن خرقه السفينة مفسدة ظاهرة، وذهاب السفينة كلها غصباً من الملك الظالم الذي أمامهم مفسدة أكبر من الأولى، فارتكب الأخف منها لدرء الأعظم.
وكذلك قتله الغلام فإنه في الظاهر مفسدة، ولكنها تعارضت مع مفسدة إرهاقه لأبويه بالكفر، وإفساده عليهما دينهما إن هو بقي، وهي مفسدة أعظم؛ لأن الفتنة أشد من القتل فارتكب المفسدة الأخف وهي
(1) رواه الدارمي، كتاب الفرائض، باب في الحر يتزوج بأمة، رقم: 3081، وسعيد بن منصور، كتاب الوصايا، باب نكاح الأمة على الحرة ... ، رقم: 713، عن عمر بن الخطاب. (2) القرطبي: الجامع لأحكام القرآن، 147/ 5. (3) الطبري: جامع البيان 25/ 5 - القرطبي، المصدر نفسه، 136/ 5. (3/154)
صفحة 1305
الفصل الرابع: القاعدة الكلية الكبرى الرابعة
155
قتله الغلام لدرء المفسدة الأعظم، وهي إيقاع أبويه في الكفر والله أعلم).
6 ـ وقد ساق الإمام عز الدين بن عبد السلام أمثلة متنوعة تتصل بهذه القاعدة، يقول في بعض المواضع شرحاً لهذه القاعدة: «النميمة مفسدة محرمة، لكنها جائزة أو مأمور بها إذا اشتملت على مصلحة للمنموم إليه ... ويدل على ذلك كله قوله تعالى: {وَجَاءَ رَجُلٌ مِّنْ أَقْصَا الْمَدِينَةِ يَسْعَى قَالَ يَمُوسَى إِنَّ الْمَلَا يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَأَخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّصِحِينَ} (القصص: 20)، وكذلك ما فعله أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المنافقين).
فهذه نبذة من الأدلة من كتاب الله الكريم فيما يخص هذه القاعدة الجليلة أوردناها لبيان مدى إعمال القرآن الكريم لهذه القاعدة.
ب ـ من السنة النبوية:
وهناك جملة من الأحاديث النبوية الشريفة فيها إيحاء إلى هذه القاعدة نكتفي بذكر قصة الأعرابي الذي بال في ناحية المسجد وتركه رسول الله صلى الله عليه وسلم
وشأنه حتى فرغ.
سمع
روى مسلم في صحيحه عن يحيى بن سعيد أنه أنس بن مالك يذكر أن أعرابياً قام إلى ناحية في المسجد فبال فيها، فصاح به الناس فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «دعوه»، فلما فرغ أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بذنوب فصبت على بوله).
(1) استدل بهذه القصة لهذه القاعدة الشيخ عبد الرحمن ناصر السعدي، في كتابه القواعد والأصول الجامعة، ص 62.
(2) العز بن عبد السلام قواعد الأحكام، ص 114 - 115. المثال السادس والأربعون. (3) رواه الربيع، كتاب الصَّلاة ووجوبها، باب في المساجد وفضل مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، رقم: 263، عن جابر بن زيد مرسلاً ومسلم، كتاب الطهارة، باب وجوب غسل البول وغيره من النجاسات إذا حصلت في المسجد، رقم: 284، عن أنس. صحيح مسلم مع شرح النووي (ط، دار إحياء الثرات العربي بيروت) 190/ 3. (3/155)
صفحة 1306
القواعد الفقهية عند الإباضية
وفي رواية أخرى عن ثابت بن أنس أن أعرابياً بال في المسجد فقام إليه بعض القوم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: دعوه ولا تزرموه (1)، قال: فلما فرغ، دعا
بدلو من الماء فصبه عليه (2).
وجه الاستدلال بالحديث:
ذكر أهل العلم أن هذا الحديث يرشد إلى الرفق بالجاهل وتعليمه ما يلزمه من غير تعنيف ولا إيذاء، إذا لم يأت بالمخالفة استخفافاً أو عناداً، وفيه: «دفع أعظم الضررين باحتمال أخفهما ولقوله صلى الله عليه وسلم: «دعوه» لمصلحتين: إحداهما: أنه لو قطع عليه بوله لتضرر، وأصل التنجيس قد حصل فكان
ومع
ذلك
احتمال زيادته أولى من إيقاع الضرر به. والثانية: أن التنجيس قد حصل في جزء يسير من المسجد، فلو أقاموه في أثناء بوله لتنجست ثيابه، وبدنه و مواضع كثيرة من المسجد (3). ويتضح من هذه الحادثة أن الأعرابي قد أتى فعلاً منكراً جلياً، نهى النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه أن يزجروه وأمرهم بأن يتركوه حتى يتم بوله، ثم أرشدهم إلى تطهير المكان بصب الماء عليه، ففعل هذا الأعرابي وبوله في المسجد مفسدة ظاهرة، ومع ذلك أرشد النبي صلى الله عليه وسلم إلى احتمالها؛ لأن زجرهم له سيترتب عليه مفسدة أكبر من هذه، فإنهم بزجرهم إياه قد يقوم ليهرب منهم فتنتشر النجاسة في مكان أكبر من المسجد، وستصيب ثيابه فتتنجس أيضاً، ثم
(1) لا تزرموه: وهو بضم التاء وإسكان الزاء وبعدها الراء، أي لا تقطعوا، والإزرام القطع، شرح النووي على صحيح مسلم، 190/ 3. (2) رواه البخاري، كتاب الأدب، باب الرفق في الأمر كله، رقم: 5686، ومسلم، كتاب الطهارة، باب وجوب غسل البول وغيره من النَّجاسات إذا حصلت في المسجد، رقم: 284، عن
أنس.
(3) النووي: شرح مسلم 1903. وينظر: قواعد العلائي، ص 38 نقل عنه الندوي في القواعد
الفقهية، ص 317. (3/156)
صفحة 1307
الفصل الرابع: القاعدة الكلية الكبرى الرابعة
157
لو فرض أنه حبس بوله بعد أن ابتدأه فإنه سيتأذى بذلك، فربما ضره، ثم إنهم بزجرهم إياه سينفر منهم، فيرفض أن يتعلم منهم وقد نهروه من قبل، فيكون تصرفهم هذا سبباً لرده الحق وعدم قبوله ولهذا احتملت تلك المفسدة، لدرء أشد تلك المفاسد التي هي من الأولى (1).
ثالثاً: الفروع الفقهية المتخرجة من القاعدة: «الضرر الأشد يزال بالضرر الأخف
وردت في المصادر الفقهية الإباضية أمثلة تطبيقية ومتنوعة لهذه القاعدة كلها تشهد على مدى إعمال الإباضية لهذه القاعدة أمثلة ذلك: ومن
أ.
-
في باب العبادات:
1 - جواز الصلاة بالثوب النجس عند الضرورة وإعمالاً لهذه القاعدة في الطهارات فقد رخص الفقهاء للمصلي أن يصلي بالثوب المنجوس عند الضرورة إذا فقد الثوب الطاهر ولم يجد غيره، ولكنهم اشترطوا مراعاة الترتيب والموازنة بين المفاسد فيبدأ بالمختلف في نجاسته قبل المتفق عليه من باب ارتكاب أخف الضررين» عند اجتماع مفسدتين إحداهما أعظم من الأخرى.
نقل الشماخي في هذه المسألة في الإيضاح وذكر جملة من النجاسات التي تصيب الثوب فتنجسه فيضطر إلى استعماله للصلاة عند فقدان الثوب الطاهر، وأشار إلى ضرورة الترتيب الذي يجب مراعاته عند إرادة استعمال الثوب المنجوس فى الصلاة إعمالاً للقاعدة: يختار أخف الضررين وأهون الشرين عند تعارض المفسدتين»، وهذا نص عبارته وإن لم يجد ما يصلي به إلا ثوباً منجوساً بالنطفة، وثوباً منجوساً بالقيء، وثوباً منجوساً بالدم، وثوباً
(1) علوان إسماعيل القواعد الفقهية الخمس الكبرى، ص 428 - 429. (3/157)
صفحة 1308
158
القواعد الفقهية عند الإباضية
منجوساً بالخمر، وثوباً منجوساً بالغائط، فالثوب المنجوس بالنطفة أولى من الثوب المنجوس بغيرها من هذه الأنجاس؛ لأن النطفة ليست من أعيان الأنجاس عند بعضهم، فهي منجوسة والمنجوس أولى من النجس، وقال آخرون: القيء أولى من النطفة؛ وذلك لأن القيء عند بعض الناس طاهر والمختلف فيه أولى من المتفق عليه، ثم بعد القيء النطفة، ثم بعد النطفة الدم، وهو أولى من الخمر والغائط؛ لأن الشرع قد رخص في قليله وهو أهون من الخمر والغائط، ثم من بعد الدم الخمر والخمر أولى من الغائط؛ لأن العلماء اختلفوا في علة تحريم الخمر ولم يختلفوا في الغائط، وأظن أن البول أقذر من الغائط والله أعلم) (1).
أعلم).
ويضيف الشماخي في السياق نفسه وكذلك النجس الذي فيه اختلاف العلماء أهون من النجس المتفق عليه، وكذلك الثوب الذي نجس منه الأصل أهون من الثوب الذي نجس منه الأكثر، وكذلك الثوب الذي لم يتعمده بالنجس أهون من الثوب الذي تعمده بالنجس، وعند بعض العلماء أنه يجوز له أن يصلي بما شاء من هذا الثياب ولم يفرز نجساً من نجس؛ وذلك عندي لأن هذه الأنجاس كلها تمنع صحة الصلاة فهي متساوية في جهة الصلاة
لتساويها في المنع».
مجمل القول:
يظهر مما تقدم أن فقهاء الإباضية يعتمدون على القاعدة الفقهية «إذا تعارضت مفسدتان روعي أعظمهما بارتكاب أخفهما» عند تعارض المصالح والمفاسد، وتعسر الترجيح بينها، ولا أدل على ذلك من هذا الترتيب الذي أقروه للمصلي إذا اضطر إلى لبس الثوب المنجوس عند فقده للطاهر، ففي
(1) الشماخي: الإيضاح، 45/ 2 - 46.
(2) الشماخي الإيضاح، 46/ 2. (3/158)
صفحة 1309
الفصل الرابع: القاعدة الكلية الكبرى الرابعة
159
ذلك موازنة بين المفاسد عند فقدان المصالح، وعند تعارض المفاسد تقدّم المفسدة القطعية على المفسدة الظنية، وكذا المفسدة القليلة على المفسدة العظيمة الكبيرة، وتقدم المفسدة المختلف في فسادها على المتفق في فسادها، وهكذا مراعاة لقاعدة: ارتكاب أخف الضررين»، ولكن إذا تساوت المفاسد وشملها وصف واحد مثل نجاسة الثوب الذي هو علة للمنع، فهنا لا يلزم اختيار ثوب معيَّن بل يختار المكلف ما يشاء من الثياب وغير ملزم
باختيار معين.
الرأي المختار:
ويبدو أن الشماخي يميل إلى هذا الرأي ويرجحه، وهذا ما يفهم من عبارته: «وذلك عندي» ذكر ذلك تعقيباً على رأي بعض الفقهاء القائلين بالمساواة بين النجاسات المختلفة دون النظر إلى أنواعها، ودون مراعاة للترتيب عند إرادة الاختيار بين الأشياء المتنجسة ولعل اختيار الشماخي هو الراجح عندنا استناداً للقاعدة المتقدمة والله أعلم.
2 - ترك بعض أركان الصلاة عند الضرورة:
رخص الإباضية للمصلي إذا كان جرحه ينزف دماً، ويزيد سيلانه عند سجوده أن يومئ ويصلي قاعداً أو قائماً، ويترك السجود أو الركوع؛ لأن ترك السجود أو الركوع أهون من الصلاة مع الحدث عند من يوجبون انتقاض الوضوء عند سيلان الدم، مع أن ترك السجود والركوع في هذه الحالة يدفع عن الجرح ضرر أعظم وهو خروج الدم ونزفه، فهنا «يختار أخف الضررين دفعاً لأعظمهما».
يقول الشماخي في هذا الصدد: وكذلك إن كان في فيه جرح يسيل منه الدم وحضرت الصلاة، فإنه إن كان الوقت واسعاً فلينتظر حتى يزول الدم، فإن خاف فوات الوقت فليصل كما أمكنه ويبزق الدم من فيه أمامه، ويطأطئ برأسه (3/159)
صفحة 1310
??
القواعد الفقهية عند الإباضية
إلى الأرض ويصلي كذلك لئلا يلحق الدم، ثوبه، وإن لم يمكنه أن يطأطئ برأسه ولا أن يبزق أمامه فإنه يصلي قاعداً، أو يضع المنديل على ركبتيه ويبزق فيه الدم على التراب لئلا ينجس ثوبه، فعلى هذا طهارة الثوب أكد من الصلاة بالقيام، وإن لم يمكنه إلا أن ينجس ثوبه، أو يصلي قاعداً من غير أن يلحق النجس ثوبه، فإنه يصلي قاعداً؛ لأن صلاة القيام لها بدل في الشرع ولا بدل لطهارة الثوب ... وإن بلغ هذا ما لا يقدر عليه من الدم فليس عليه شيء، ولا يكلف الله نفساً إلا وسعها ... ).
3 ـ في إنقاذ النفس من هلاك الجوع:
يتعرض الناس أحياناً إلى الجوع الشديد بسبب الحروب والفتن أو انقطاع السبل، ولا يجدون من الأكل الحلال ما يسد حاجتهم فيضطرون إلى أكل الحرام، وقد رخص لهم الشارع الحكيم في أكل الميتة والدم ولحم الخنزير عند الضرورة، وذلك في قوله تعالى: {قُل لَّا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَى مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَّسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِيْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ، فَمَنِ اضْطُرَ غَيْرَ بَاغِ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} (الأنعام: 145).
وقد لا نجد هذه المحرمات المنصوص عليها ونجد غيرها من ذوات السباع والطيور الجارحة، إما حية أو ميتة أو غيرها من الدواب، كالخيل والبغال والحمير فهل يجوز له أكلها؟ مذكاة أم ميتة؟ أم يصبر على الجوع حتى يهلك؟ - وقد يجد طعاماً نجساً أو حلالاً وماءً زلالاً ولكنه مملوك لغيره، فهل يقدمه على المحرمات والمتنجسات؟ وهل يضمن ذلك؟ (2) وهل يجوز له أن
يقاتل صاحبه إن منعه من ذلك؟ (3).
(1) الشماخي: الإيضاح، 285/ 2.
(2) أطفيش: شامل الأصل والفرع، 179/ 1.
(3) الثميني: الورد البسام، ص 266. (3/160)
صفحة 1311
الفصل الرابع: القاعدة الكلية الكبرى الرابعة
161
وقد يكون محرماً بالحج أو العمرة فيتعرض في طريقه إلى المخمصة المهلكة، فهل يباح له الأكل من الصيد ويضمن جزاء ذلك؟ أم يقدم عليه المحرمات من الأكل المنصوص عنها؟
أجاب فقهاء الإباضية على هذه الأسئلة وبينوا أن المضطر بالجوع أو العطش إلى أكل المحرمات من المطعومات أو المشروبات يجب عليه مراعاة قاعدة: ارتكاب أخف الضررين لدفع الضرر الأعظم، وهو الهلاك جوعاً أو عطشاً، فلا يجوز للمسلم أن يلقي بنفسه إلى الهلاك وهو يقدر على عصمتها ولو بالمحرمات المرخص فيها، أو بأي شيء يرجو النجاة به، فمنهم من جعل كل تلك المحرمات متساوية، فله الخيار بما شاء منها عند الاضطرار إذا كانت تعصمه من الهلاك، والأحسن أن يختار المحللات على المحرمات، أي ما أصله حلالاً كالميتة من الأنعام والطعام والنجس قبل المحرمات كلحم الخنزير والسباع وميتتها.
ومنهم من اشترط الترتيب والموازنة بين المفاسد والمضار، فيقدم ما أصله حلال على ما أصله حرام ولو كان فيه تعويض مثل: ميتة الحيوان الحلال، كالأنعام يقدم على المذكى من الحيوان المحرم، كالسباع والخنزير والبغال والحمير.
وكذلك ميتة الحيوان خير من لحم الصيد عند الإحرام، والميتة خير من مال الغير؛ لأن الميتة لا ضمان فيها، وأخذ مال الغير بغير إذنه حرام ويجب ضمانه، ولا بأس أن ننقل بعض نصوص العلماء لتوضيح ذلك: جاء في كتاب «المعتبر» للكدمي ما نصه: إنه كل ما كان يعصم من المحرمات يعني من الضرورة حلال للمضطر في حال ضرورته، أن يأكل منه أو يشرب بقدر ما يحيي به نفسه فأما الميتة ولحم الخنزير وما أشبه ذلك فتقع عنده موقع الإجماع عليه أنه جائز في حال الاضطرار في حكم كتاب الله تعالى في قوله تعالى: {قُل لَّا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَى مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا (3/161)
صفحة 1312
162
القواعد الفقهية عند الإباضية
اللَّهِ
أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَّسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ بِهِ فَمَنِ اضْطَرَ غَيْرَ بَاغِ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} (الأنعام: 145)، وأما سوى ذلك مما لم يأت فيه نص من كتاب الله ولا من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فمعي أنه قد قيل فيه كله إنه محجور إذا لم يأت فيه ترخيص، وإذ هو على جملة التحريم، وليس مستثنياً فيه في ضرورة ولا في غيرها وذلك مثل: الخمر والأبوال والعذرة وأشباه هذه المحرمات والرجس فقال من قال: لا يجوز ذلك لا في ضرورة ولا غيرها، أو جوع أو ظمأ، وقال من قال: كل ما رجاه المضطر من ذلك أن يعصم به ويحيي به من جوع أو ظمأ يخاف منه على نفسه الهلاك ويرجو فيه لنفسه الحياة فهو مثل المحرمات (1) أي يجوز إنقاذ
النفس به. ويفضل الكدمي عدم الإقدام على المحرمات ولو اضطراراً تنزيهاً وتورعاً، والأحسن لديه تركها، يقول في هذا المعنى ولا يعجبني الإقدام على شيء من ذلك نزاهة وتورعا إلا على معنى قد عرف أنه يحيي ويعتصم وإلا فهو على معنى الحجر والتحريم).
وتابع الثميني الكدمي في تحريم الخمر على المضطر إلا إذا علم أنه ينجيه من الهلاك، ويكون بالقدر القليل الذي لا يصل إلى الإسكار فيقول: «ولا يجوز للمضطر أن ينجي نفسه بالخمر؛ لأن الله عز وعلا لم يذكره في الإباحة وجوّز له قدر ما لا يسكره منها إن كان ينجيه من الهلاك وإلا فلا (3).
ويشير الكدمي وغيره إلى وجوب مراعاة الموازنة بين المفاسد إذا اجتمعت فإذا تساوت فيختار ما شاء منها، وإن اختلفت فيختار أقلهما ضرراً ومفسدة لدفع ما هو أعظم منها، ونص عبارته ومعي أنه قد قيل: أن الذي يذكى من
(1) الكدمي: المعتبر، 3/ 107 - 108.
(2) الكدمي: المصدر نفسه، 108/ 3.
(3) الثميني: الورد البسام، ص 265 - 266. (3/162)
صفحة 1313
الفصل الرابع: القاعدة الكلية الكبرى الرابعة
163
له
المحرمات بمعنى الميتة من المحللات، فبأيهم شاء المضطر أحيى نفسه منه، أي أنه إذا كانت أُحِلّت له عند الضرورة ميتة المحللات، فكذلك تقع الضرورة التي تبيح له في حالة الضرورة إحياء نفسه بالمذكى من المحرمات، وهو الخيار بينهما، ولكن معي أن ميتة المحرمات أشد من ميتة المحللات؛ لأن هذه ورد فيها النص في الكتاب صراحة، ولذلك فإنه لا يجوز للمضطر أن يأكل من ميتة المحرمات إذا وجد ميتة المحللات؛ لأن هذه رخص له الكتاب فيها، فهي أصل الرخصة تقع عليها ... »).
(2)
وتابع الثميني الكدمي في مذهبه واختار ترجيحه في حالة وجود مفسدة أقل من غيرها فتقدم على أكبرها فيقول في هذا الصدد: «والمضطر إذا حضره الدم والميتة ولحم الخنزير فإنه ينجي نفسه من أيها شاء بقدر ما يمسك روحه فقط، وقيل بقدر ما يطيق على أداء الفرض في وقته كان في سفر أو كان في حضر، ولم يجز ذلك للباغي والمعتدي () بناء على ظاهر قوله تعالى: {غَيْرَ باغ وَلَا عَادٍ} (الأنعام: 145)، وعليه أصحابنا [الإباضية] وقيل معنى قوله غير باغ أي في الأكل ولا معتد أي فيه أيضاً، لأنه يكون غير مضطر، فإذا اجتمع للمضطر ميتة نَعَمْ - والأنعام - وميتة خنزير فليقدم على الأولى؛ لأن الثانية قد اجتمع فيها حرمتان بناء على الراجح، وقيل ميتة الخنزير وذبيحته سواء ... ». ويحاول الكدمي أن يلتزم منهج الموازنة بين المفاسد، وترجيح أقلها ضرراً أو مفسدة على أعظمها ضرراً ويعممه في جميع الحيوانات حية وميتة فيدعو المضطرين إلى مراعاة هذا الترتيب في الاختيار فإن حدث أن خرج البعض عن هذا النظام فلا إثم عليه ما دام يعلم أن ذلك يكون سبباً لنجاته من الهلاك.
(1) الكدمي: المصدر نفسه، 3/ 108.
(2) يشير إلى قاعدة فقهية معتمدة عند الشافعية وغيرهم أن الرخص لا تناط بالمعاصي».
(3) الثميني: الورد البسام، ص 265. (3/163)
صفحة 1314
164
القواعد الفقهية عند الإباضية
يقول في هذا الشأن: ويعجبني أن تكون ميتة المحللات من الأنعام إن أمكنت أولى من ميتة غيرها من الدواب من الخيل والحمير والبغال وغيرها من أشباهها، ويعجبني أن يقدم ميتة الأنعام وما أشبهها من الصيد على ميتة البغال والحمير والخيل وما أشبهها مما هو مثلها أو دونها، فإن أحيى نفسه من ميتة البغال والحمير والخيل وما أشبهها، وترك ميتة الأنعام كالبقر والإبل والغنم والغزلان وما أشبهها من ميتة الطيور والدواجن ونحوها، فمعي أنه في هذه الحالة جائزة له؛ لأن المعنى فيه متقارب، وكذلك ميتة هذه الدواب من الخيل والبغال والحمير وما أشبهها، إذا أمكنت ووجد معها ميتة السباع، فمعي يقدم ميتة الخيل والبغال والحمير على ميتة السباع، ولكن المضطر إن أحيى نفسه من ميتة السباع وما أشبهها دون ميتة الأنعام كالإبل والبقر والغنم، ودون ميتة الخيل والبغال والحمير، فإن ذلك عندي لا يلزمه إثماً ولا يعتبر متعدياً، والذكية من جميع السباع من الدواب والنواشر من الطير أولى وأجوز عندي من ميتة الأنعام، ومن جميع الميتة» (1).
أنه
هنا
وهنا يلاحظ أن الكدمي يقدم الحيوان المذكى مهما كان على الميتة مطلقاً؛ لأن اللحم المذكّى إذا كان طازجاً أعظم نفعاً من المتعفن، خاصة إذا كان ميتة، فاللحم عموماً إن لم يحفظ في مكان بارد تعرض للتلف وكان بؤرة للجراثيم الضارة، فضرره أعظم من المذكى، وهذا ما قرره الأطباء، ومن ندرك أن فقهاءنا يعتمدون في نظرهم إلى الأمور على الخبرة والعلم ولا يمنعون إلا ما خالف الشرع، وقد سبقوا بذلك الاكتشافات العلمية الحديثة للجراثيم والميكروبات التي تنشط في الميتة خاصة إذا تحللت.
ولعل هذه النظرية تتجسد أكثر في لحم الخنزير حيث أنهم قدموا الميتة والدم عليه عند الاضطرار خاصة إذا كان ميتة، وقد أشار القطب أطفيش في
(1) الكدمي: المعتبر، 109/ 3. (3/164)
صفحة 1315
الفصل الرابع: القاعدة الكلية الكبرى الرابعة
«شامله» إلى هذا الأمر فقال: «قيل تُقدّم ميتة الأنعام وميتة كل ما لم يتفق على تحريمه عن الخنزير في الاضطرار، وقيل سواء، ويقدم سائر الخنزير على لحمه للخلاف بين الأمة في غير لحمه، ولو كان الصواب أنه كلحمه، ويأكل المضطر ما ينجيه ويقويه على فرض وقته» (1). وبعد أن سلك القطب أطفيش مسلك الموازنة بين المفاسد عند اجتماعها ضابطاً عاماً لا يضبط به الجزئيات وهو أن المضطر يأكل كل ما ينجيه
وضع
ويقويه»، أي الأصل في الأكل النجاة والقوة ولا يهم من أي شيء كان. ويحاول القطب في شرح النيل تعليل منهج الموازنة بين المفاسد المختلفة كالخنزير والميتة فيقول: « ... وهل يقدم مضطر لتنجية لحم خنزير بناء على أنه تعمل الذكاة [فيه] إذا اضطر إليه فإنه يذكي ويأكل، ثم (دما)؛ لأنه غير ميتة، ثم ميتة؛ لأنه لا تؤثر فيها الذكاة، (أو) يفعل (عكسه) أي عكس ما ذكر، بناء على أنه لا تعمل فيه الذكاة، ولو اضطر إليه بأكله بلا ذكاة، ووجهه أن الميتة طاهرة الأصل وحلال الأصل، وبعدها الدم؛ لأنه يحل بذكاة أصله في الحي، وتعمل الذكاة في أصله لا فيه، وأخر الخنزير لأنه لا تعمل فيه الذكاة على هذا القول، (أو مخير) وهو أن يُقدم الميتة ثم الدم ثم الخنزير، وقيل يقدم الدم ثم الميتة ثم الخنزير، ومعنى التقدم إلى واحد القصد إليه وحده وبترك غيره ... ». وفي السياق نفسه ورد في العقد الثمين سؤال يقول صاحبه: أرأيت إذا وجد هذا المضطر ميتة أنعام ولحم خنزير فمن أيهما فأجاب السالمي: «يحيي نفسه من ميتة الأنعام ويترك لحم الخنزير؛ لأن لحم الخنزير لا يمكن فيه الذكاة الشرعية فالمذكى منه ميتة، فتجتمع فيه خرمتان أحدهما حرمة كونه خنزيراً، والأخرى حرمة كونه ميتة، وليس في
(1) أطفيش شامل الأصل والفرع، 104/ 1 - 105.
(2) أطفيش: شرح كتاب النيل، 364/ 3 - 365.
يحيي
نفسه؟». (3/165)
صفحة 1316
166
القواعد الفقهية عند الإباضية
ذلك
ميتة الأنعام إلا حرمة واحدة وهي كونها ميتة، فإذا أمكن دفع الضرورة بأخف الأمرين حرمة فلا يتعدى إلى أشدهما في ذلك، ولو قال قائل: إن الله قد سوى في حكم المضطرين الميتة ولحم الخنزير فهما سواء في حقه، أو قال: إن المضطر إذا اضطر إلى الخنزير فذكّاه كانت ذكاته صحيحة لأنه في الحال مباح له وحلال في حقه، لما كان بعيداً على القول). ويستنتج من عبارة السالمي أنه لا يستبعد القول الثاني، إلا أنه لعله يميل إلى العمل بالقول الأول من باب اختيار أهون الشرين وأخف الضررين»، وإن
قدم أحد لحم الخنزير على الميتة فلا إثم عليه ما دام مضطراً إليه. وفي حكم المضطر إذا كان مُحْرِماً ووجد ميتة وصيداً أيهما يقدّم لإنقاذ
نفسه
من الهلاك؟
لو تعرض المحرم بالحج أو العمرة إلى جوع شديد ولم يجد إلا ميتة أو صيداً، فأكثر العلماء قالوا يختار الميتة ولا يأكل الصيد؛ لأن الميتة رخص فيها النص ولا ضمان فيها، أما الصيد ورد فيه النهي وفيه الجزاء أو الفدية أيضاً، ففي هذه الحالة يختار أخف الضررين مراعاة لأعظمهما، فلا يمكن أن يترك نفسه دون أكل؛ لأنه قد يعرض نفسه للهلاك ولا يأكل الصيد؛ لأن فيه جزاء، فيختار الميتة وهي أهون عليه، ويؤكد ابن بركة هذا المعنى فيقول: «وإذا اضطر المحرم إلى أكل صيد واتفقا له أكل الميتة؛ لأنها محللة في حالة الاضطرار، فإذا عدم الميتة جاز له أكل الصيد وعليه الجزاء ... (2).
ورغم ما علل به ابن بركة من تعليلات لترجيح مذهبه في تقديم الميتة على الصيد للمحرم فإنني أرى من الوجهة الصحية وإعمالا لقاعدة: «دفع المفسدة مقدم على جلب المصلحة فإن الميتة فيها ضرر معلوم ولا يلجأ إليها المضطر إلا إذا عضه الجوع وكاد أن يهلك، ولا يملك غيرها ويرجو منها
(1) السالمي: العقد الثمين، 256/ 1 - 257.
(2) ابن بركة: الجامع، 21/ 2. (3/166)
صفحة 1317
الفصل الرابع: القاعدة الكلية الكبرى الرابعة
167
النجاة، ولو اختار الصيد لكان أنفع وأصلح له؛ لأن ضرره يقع على المال دون النفس، ولا يجب عليه إلا تعويض مثله في حالة نجاته من الهلاك، وهو أمر مقدور عليه، ولكن ما الفائدة المرجوة من شخص أشرف على الموت فأنقذ نفسه بلحم متعفن فيه ضرر كبير بالصحة، وهنا اجتمعت ضرورتان ضرورة حفظ النفس وضرورة حفظ المال، فعند الموازنة بين المفاسد يقدم حفظ النفس على حفظ المال، وعليه فإنني أرجح أن يرتكب أخف الضررين وهو أكل الصيد؛ لضمان حياته وعافيته مع ضمان الفدية، وليدفع ضرراً أعظم
وهو خطر الإصابة بأمراض مهلكة، قد تنتقل إليه من الميتة والله أعلم. وفي سؤال ورد في العقد الثمين عن قول السالمي في «المشارق» حيث أوجب على المضطر المحرم إذا وجد الميتة وصيد البر أن يأكل صيد البردون الميتة مثلاً كيف ذلك؟ ولم يرد استثناء في صيد البر للمحرم لا لمضطر ولا غيره قال الله تعالى: {وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُما} (المائدة: (96)، ولم يستثن سبحانه مضطراً من غيره أم ثم دليل أباح ذلك له؟
أجاب السالمي: «خاطب الله تعالى في كتابه العزيز أهل العقول وقال: يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُم بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِى الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَتأُولِي الْأَبْصَرِ} (الحشر: 2)، وردّ الاستنباط إلى أهل العلم في قوله: {لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ} (النساء: 83)، ومن المعلوم من مقتضى العقول أنه إذا جاز دفع الضرر بالميتة التي لا تحل أبداً في غير الضرورة كان دفع ذلك بما هو حلال دائماً إلا في حال من الأحوال أولى وأخف، فالميتة نجس حرام بالإجماع إلا حال الاضطرار، وهذا حلال طاهر بالإجماع إلا حال الإحرام، ثم إنه الله أوجب الجزاء في قتل الصيد كما أوجب الفدية في حلق الرأس لمن كان به أذى من رأسه، فأباح له أن يحلق ويفتدي والقياس يقتضي مثل ذلك في المضطر إلى الصيد، وعلى كل حال المسألة فقصد الصيد في من طريق الحكم بالأولى وهو فحوى الخطاب).
(1) السالمي العقد الثمين، 257/ 1 - 258. (3/167)
صفحة 1318
القواعد الفقهية عند الإباضية
الرأي المختار: ولعل ما ذهب إليه السالمي وغيره في تفضيل الصيد للمحرم عند الضرورة هو الراجح عندنا لأدلته القوية ومراعاته للمصالح المرجوة، خلافاً للميتة التي ضررها أكبر من نفعها، ودفع المفسدة أولى من جلب المصلحة» كما قرر الفقهاء.
أما إذا وجدت تلك المحرمات ووجد مالاً أو طعاماً لغيره فهنا كذلك اختلف الفقهاء، فمنهم من يرى أنه لا يجوز له أخذ مال الغير بدون إذنه، خاصة إذا كان في حاجة إليه، ويكتفي بتلك المحرمات كالميتة وأشباهها، بينما يرى البعض أنه يقدم هذا المال على المحرمات ويضمنه؛ لأن أصله حلال (1)، وقد ذهب ابن بركة والثميني وأطفيش إلى هذا الرأي، يقول الثميني في هذا الصدد: «وإن حضر لمضطر بالجوع مال الغير والميتة ففي الذي ينجي به نفسه منها ويدفع الآخر خلاف مع الضمان في المال»).
ونقل ابن بركة هذه المسألة في «الجامع وحكى إجماع العلماء في جواز أكل المضطر من مال غيره بغير إذنه إذا لم يجد غيره، أما إن وجد معه ميتة ففيه خلاف وأكثرهم يرى تقديم أكل مال الغير على الميتة مع الضمان إذا اجتمعا ارتكابًا لأخفّ الضررين؛ لأن ضرر الميتة على الجسم أعظم من أكل مال الغير، وهذا ما صرح به ابن بركة في نصه فقال: «فلا خلاف بين أهل العلم أن رجلاً لو كان في سفر أو حضر وعدم الطعام، وخاف على نفسه الهلاك من الجوع، يجد ما يأكله إلا مال رجل مسلم أنه يأكل منه بغير رأي صاحبه، ويضمن ويحيي نفسه من الموت، ولا أعلم في هذا اختلافاً بين أهل العلم، واختلفوا فيه إذا وجد الميتة وهو يقدر على أكلها ووجد طعاماً لرجل مسلم، فقال أكثر
ولم
(1) الثميني: الورد البسام، ص 199. (2) الثميني: المرجع نفسه، ص 264. (3/168)
صفحة 1319
الفصل الرابع: القاعدة الكلية الكبرى الرابعة
169
العلماء يأكل من المال ويضمن، ولا يأكل من الميتة، فإن كان الإجماع من الناس على أن للإنسان أن يحيي نفسه بمال غيره من الطعام الذي هو مال بغير
رأي صاحبه، كان إحياؤه نفسه بمال غيره جائز، وعليه أن يضمن» (1). أما القطب فقد رجح تقديم مال الغير على الميتة مع قصد إرجاع المال لصاحبه، ونسب هذا القول إلى الأكثر من فقهاء الإباضية فيقول: «ويقدم مال الناس على الميتة في الاضطرار عند الأكثر بنية الخلاص، وإن مات ولم يخلص ولم يوص ولم يشهد إذ لم يقدر على ذلك، وكان دائناً بالحق خلص الله عنه» (2).
ويستنتج من عبارة القطب أنه رخص للمضطر أن يأكل من مال الغير ويترك الميتة، ولكن قيد ذلك بشرط أن ينوي رد المال لصاحبه وتعويض ما أخذ منه، ولا يخشى الموت بعد ذلك إن لم يتمكن من الوفاء بدينه، فالله
يخلص
عنه ما دام ينوي تخليص ذمته، سواء أشهد عليه؟ أم أوصى به؟ يفعل ذلك؟ فالله شاهد عليه وكافيه.
ولذلك فلا حجة لمن يتهرب من تنجية نفسه من الهلاك بمال الغير ما دام الله قد تكفل له بذلك، ولعل هذا - كما أشرنا - أفضل وأنفع له لحماية نفسه من أضرار الميتة، والله يقول: {وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إلى التهلكة} (البقرة: 195). فيختار أخف الضررين لدفع ضرر أعظم وهو الموت جوعاً، وإن نجا منه فلا يأمن الأضرار الناجمة من الميتة، وقد يتسامح معه صاحب المال فيتنازل له عن حقه فيحقق مصلحتين النجاة من الموت المحقق وبراءة ذمته من الدين. هل وضع العلماء حداً معيناً يقف عنده المضطر بالجوع أو العطش، إذا
اضطر إلى أخذ مال الغير؟
(1) ابن بركة: الجامع، 197/ 1.
(2) أطفيش: شامل الأصل والفرع، 164/ 1. (3/169)
صفحة 1320
170
القواعد الفقهية عند الإباضية
الفقهاء على خلاف في هذه المسألة: فمنهم من اشترط ألا يأخذ إلا بقدر ما يسد به رمقه، وينقذ نفسه من الهلاك ويضمن عملاً بالقاعدة: «الضرورة تقدر بقدرها» ومنهم من لم يضع قيداً ولا شرطاً، له أن يأخذ ما يشاء وسمح ويضمن مثله، وفي هذا يقول الخليلي سعيد: «فإذا سأل عن المضطر وما يجوز له أخذه من مال الغير لإحياء نفسه في غير ما يكون من سبب اليسر، ووسعوا له في الأخذ بغير قيد ولا شرط لدفع ضرورته وإحياء نفسه من جوع أو عطش أو نحوه، وعليه قيمة مثله مع القدرة عليها في أكثر القول، ولا يمنعه الجواز عدم وجود د القيمة معه، بل يكون دَيْناً عليه إلى ميسرته). جاء في «العقد الثمين» سؤال في هذه المسألة ونصه: «أرأيت إذا وجد هذا المضطر الميتة ومالاً للغير هل يلزمه أن نفسه من الميتة أم يجوز له أن
يأكل من مال غيره؟».
يحيي
فأجاب السالمي: «ذهب زياد بن الوضاح إلى أنه لا يجوز له أن يأكل من مال غيره مع وجود الميتة؛ لأن الله قد أباح الميتة عند الاضطرار، وحرم عليه مال الغير إلا عن رضى ولم يبح أكله عند الضرورة، كما أباح ذلك في الميتة والدم ولحم الخنزير فبقيت حرمة مال الغير على إطلاقها، وقد أبيحت الميتة للمضطر فلا يتجاوز ما أبيح له إلى ما حرم عليه، فإن أكل من مال الغير مع ذلك كان آثماً ضامناً، وقيل بل يجوز له أن يأكل من مال الغير؛ لأن إباحة الميتة ونحوها إنما هي عند عدم وجود الحلال الذي جعله الله نفعاً لعباده وصاحب المال أولى بماله ما لم يضطر غيره إليه، وقد جعل الله الله في أموال المؤمنين حقاً للسائل والمحروم؛ فالمضطر إلى مال الغير إنما أخذ حقه منه، وأيضاً فالميتة إنما هي حرام لعينه، ومال الغير حرام لغيره، والمحرّم لغيره أخف حرمة من المحرم لعينه»، ثم اختلف هؤلاء فمنهم من أجاز له ذلك وألزمه الضمان لصاحبه؛ لأن صاحب المال أولى بماله والضرورة إنما رفعت الإثم دون الضمان، ومنهم من
(1) الخليلي سعيد: كتاب التمهيد، 234/ 9. (3/170)
صفحة 1321
الفصل الرابع: القاعدة الكلية الكبرى الرابعة
171
لم يوجب عليه ذلك ورأى أن المضطر قد أخذ حقه من ذلك المال، ولا ضمان على من أخذ حق، وأيضاً فإن صاحب المال لو رأى هذا المضطر وجب عليه أن يطعمه من ماله فعلمنا أن للمضطر في ذلك المال حقاً ... )).
وخلاصة القول:
لأن
من
مما تقدم يمكن أن نستنتج من عبارة ابن بركة وغيره أن أكثر أهل العلم يجيزون أكل مال الغير للمضطر ولو وجد الميتة وأشباهها، بشرط القدرة على أكلها، ويكون مال الغير المسلم، ويُلزم بضمان رده لصاحبه بعد زوال حالة الجوع المهلك، ولعل اشتراط السالمي أن يكون مال الغير للمسلم؛ واجب المسلمين أن يكفلوا فقراءهم ولا يتركونهم يموتون جوعاً، فهذا حق ضمنه الله لهم في مال الأغنياء، بل أجاز العلماء لمن تعرض للعطش الشديد وخاف على نفسه الهلاك أن يقاتل صاحب الماء إن منعه من الشرب، قال الثميني في هذا المعنى: «وجاز لمن عطش أن يأخذ الماء ممن كان عنده وإن بمقاتلة إن قاتله عليه، ولكن لا يقصد قتله، وإن كان قاتلا تواسياً فيه، وإن خاف منه قتلاً فلا ينازعه عليه وليتوكل على الله»؛ (2) لأن في قتل الغير بسبب الماء ضرر أعظم، فلا يجوز لأحد أن يفدي نفسه بغيره، بل يسلم أمره إلى الله؛ لأنه لا يجوز إزالة الضرر بضرر مثله.
الرأي الراجح يظهر أن الفقهاء لم يتفقوا على رأي واحد في مسألة الموازنة بين الميتة ومال الغير، وكل فريق استند إلى أدلة يستأنس بها في اختياره، ولذلك وجدنا السالمي لم يستطع الترجيح بين الآراء المختلفة، وكأنه ترك الاختيار للمضطر إن شاء أنقذ نفسه بالميتة ولا شيء عليه، وإن شاء أخذ مال الغير وضمنه
(1) السالمي: العقد الثمين، 257/ 1. (2) الثميني: العقد الثمين، 266/ 1. (3/171)
صفحة 1322
172
القواعد الفقهية عند الإباضية
ولا إثم عليه، ولعل هذا القول هو الراجح ما دام في ماله حق للسائل والمحروم، وإضافة إلى أن الفائدة منه مرجوة ولا ضرر فيه، خلافاً للميتة، وأرى أنه يجب عليه ضمانه؛ لأن المال مملوكاً لا يجوز أخذه بدون إذن من مالكه، ولو كان فيه حق له، إلا أنه مشاع غير محدد، فربما يتجاوز المضطر فيه حقه فيأخذ أكثر من حقه فيلحق الضرر بصاحب المال والله أعلم.
4 ـ في فداء النفس بالمال عند الإكراه بالقتل
أ ـ فداء النفس بالمال الخاص:
إذا أكره أحد على تخليص نفسه بمال كثير، سواء كان بماله أو بمال غيره، هل يجوز أن يضحي بماله في سبيل نجاته من وعيد المكره؟ ذهب أهل العلم إلى وجوب ذلك عند القدرة وإلا كان عاصياً؛ لأن حفظ النفس مقدم على حفظ المال عند التعارض فضرر القتل أعظم من ضرر إتلاف المال بالمقابل، «فيرتكب أخف الضررين لدفع ما هو أشد»؛ لأن المال قابل للتعويض خلافاً للنفس (1).
يقول ابن بركة في هذا المعنى في حوار شيق فإن قال: فخبرني عن أخذه الجبار بمال كثير يطلبه منه، وعلم أنه إن لم يدفع إليه هذا المال أن يقتله، أيجوز أن لا يدفع ذلك إليه، وهو يقدر عليه؟
مؤمن
قيل له: لا يجوز إلا أن يدفعه إليه إذا كان عنده أن يقتله إن لم يدفعه إليه، وعليه أن يفدي نفسه بالمال وإلا كان عاصياً لربه؛ فإن قال: ولم قلتم ذلك؟ قيل له: إن الله أوجب عليه أن تكون نفسه أبر عنده من ماله، وأن ينفق ماله في صلاح نفسه، فلا صلاح لنفسه أكثر ولا أولى من أن يفدي نفسه من القتل ... وإذا وجب فداء النفس بالمال كان بالقليل والكثير)، بل أوجب عليه
(1) الخليلي سعيد: تمهيد قواعد الإيمان، 234/ 9.
(2)
ابن بركة: الجامع، 193/ 1 - 194. (3/172)
صفحة 1323
الفصل الرابع: القاعدة الكلية الكبرى الرابعة
173
أهل العلم أن يفدي نفسه بما يملك «فإن كانت نجاته من هذا الجبار ملكه، هل له أن يدفعه إليه؟ قيل له: نعم عليه أن نفسه بما
بجميع
يقدر عليه ... » (1).
يحيي
واحتج ابن بركة على وجوب فداء النفس بالمال بما أجمع عليه الفقهاء في وجوب شراء الماء للوضوء بالمال مع وجود البدل وهو التراب، وكذلك إذا خاف على نفسه من الهلاك بسبب العطش الشديد وجب عليه شراء الماء ماله؛ لأن النفس أعز من المال.
ولو بجميع
قال ابن بركة في هذا الشأن: ألا ترى أن الفقهاء جميعاً أوجبوا عليه أن يشتري الماء بالثمن الكثير مع وجود البدل وهو الصعيد، فإذا امتنع بالغلاء لم يكن عليه، وغلاؤه أن يدفع في ثمنه ما يخاف أن يضره إخراجه من ماله فإحياء نفسه، أولى، وكذلك لو وجده بملكه كله ليشرب من خاف على نفسه الموت من العطش، أن يشتريه بجميع ماله ولا يقتلها، وهو يقدر على فداءها، وكان على صاحب الماء أن يرد عليه فضل قيمة الماء في موضعه» (2). واشترط الإباضية أن تكون نجاته من الجبار محققة إذا دفع إليه ماله، أما لو علم أنه يأخذ منه المال ثم يقتله، كما يفعل بعض قطاع الطرق الذين يرهبون الناس، فلا يجوز إتلاف المال دون مقابل؛ لأن هذا ضرر «فلا يجوز إزالة الضرر بضرر مثله، يقول ابن بركة في هذا المعنى: «فإن قال: فإن كان عنده أن الجبار يأخذ منه الفداء ثم يقتله، هل له ألا يدفع إليه شيئاً؟ قيل له: لأن هذا يتلف مالاً في غير نفع، وكل من أنفق ماله بغير نفع في عاجل
نعم؛
ولا آجل فهو آثم» (3)
(1) ابن بركة المصدر نفسه، 1/ 194 - 195.
(2) ابن بركة: نفسه، 194/ 1.
(3) المصدر نفسه. (3/173)
صفحة 1324
174
القواعد الفقهية عند الإباضية
ب - فداء النفس بمال الغير
وذهب جمهور الإباضية إلى جواز فداء النفس من الجبار بمال الغير ولو كان وديعة عنده ويضمنها فإن قدر على الدفاع عنها وعن ماله فعل ذلك دون تعريض نفسه للهلاك). ولا يسلمه للجبار إلا في حالة العجز، لأن الله لا يكلف نفساً إلا وسعها.
قال ابن بركة في هذا الصدد: «فإن أخذه الجبار بمال ولم يكن عنده إلا وديعة لغيره، هل كان عليه أن يفدي نفسه بها؟
قيل له: نعم ويضمن، فإن قال فهل له ألا يسلمها حتى يقتل؟ قيل له: ليس له أن يقاتل عليها إذا كان عنده أنه لا يتخلص من القتل، ويؤخذ فلا يبقى ولا تبقى هي أيضاً، وإنما يجوز أن يقاتل عليها وعلى ماله، وإن كان بين الخوف والرجاء فأما إذا كان العدو عشرة وهو وحده، وليس في عادته عند القتال أن يغلب عند القتال اثنين منهم، كان محاربته إياهم قتلاً
منه لنفسه» (2).
ويقول الثميني مؤكداً لهذا المعنى: ومن بيده مال غيره يضرب به (يتاجر)
وقال له جبار إن لم تدفعه لي قتلتك، فلا يجد دفعه إليه» (3).
ولم يشترط الإباضية على المكرَه أن يفدي نفسه بمال غيره إذا كان في حوزته كالأمانات بل جوّزوا له أن يفديها ولو كان المال عند غيره، فينظر كيف يخلص نفسه به ويضمنه وفي هذا المعنى يقول ابن بركة: «فإن قال: فإن طولب بمال ولم يجد إلا مال غيره يقصد إليه فيأخذ منه ويخلص به نفسه، قيل له: نعم وعليه الضمان، فإن قال: ولم أبحتم له أخذ مال غيره ليحيي به نفسه
(1) الخليلي سعيد: تمهيد قواعد الإيمان، 234/ 9. (2) ابن بركة المصدر السابق، 195/ 1 - 196. (3) الثميني: الورد البسام، ص 200. (3/174)
صفحة 1325
الفصل الرابع: القاعدة الكلية الكبرى الرابعة
175
وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفسه». قيل له: على صاحب هذا المال إذا علم بظلم الجبار وأنه يريد قتله، وقدر على تخليصه به كان عليه أن يخلصه من القتل بهذا المال» (2).
وذكر سعيد الخليلي أن فقهاء الإباضية لم يكونوا محل اتفاق في هذه المسألة، فمنهم من أجاز للمكره فداء نفسه بمال غيره، وعليه غرمه لصاحبه، ومنهم من خيّره بين فداء نفسه من مال غيره مع ضمانه، وبين ترك الفداء والصبر على قهر الظالم ومنهم من رخص له أخذ مال غيره لتخليص نفسه من الجبار بشرط أن يأذن له بذلك ليحصل على موافقته؛ وذلك إعمالاً للقاعدة: «يختار أخف الضررين و إذا تعارض مفسدتان روعي أعظمهما ضرراً بارتكاب أخفهما». ونقل الخليلي في «التمهيد» خلاف الفقهاء في المسألة مع تعليلاتهم فقال: واختلفوا فيه إذا كان لدفع الظلم عن نفسه، فقيل بجواز الأخذ له من مال الغير لفداء نفسه وإن غلبه، وله أن يدفع الهلاك عن نفسه بأي وجه قدر عليه، وقد قدر الآن على دفعه بهذا المال، فعليه غرمه مه لربه مع القدرة.
وليس عليه في هذا الموضع على قول من أجازه نظر في سعة صاحب المال ولا في حاجته؛ لأنه موضع ضرورته واللضرورة أحكام غير حكم الاختيار ولا يكلف في هذا إلا الالتزام بالضمان إن قدر على أدائه يوماً، وإلا فنظرة إلى ميسرته.
وقيل: هو مخير إن شاء فدى نفسه بما قدر عليه من مال غيره والتزم ضمانه، وإن شاء صبر لما يكون فيه من أمر الجبار، فإنه ليس منه والله أولى بعذره.
(1) رواه الدارقطني كتاب البيوع، باب ... ، رقم: 2523، والبيهقي، كتاب الغصب، باب من غصب لوحاً فأدخله في سفينة ... ، رقم: 10787، عن حذيفة عم أبي حرة الرقاشي. (2) ابن بركة: الجامع، 196/ 1. (3/175)
صفحة 1326
176
القواعد الفقهية عند الإباضية
وقيل: ليس له أن يفدي نفسه بمال غيره على حال إلا برضى ربه، وقد صرّح الصبحي) بالجواز في مسألة الأمانة والشيخ أبو نبهان (2) ـ رحمهما الله ـ بالاختلاف في أصل المسألة، وكذا في الآثار القديمة ... » (3). ويلاحظ مما تقدم أن بعض الإباضية لم يسمحوا للمكره أن يضحي بنفسه في سبيل حفظ المال، بل أوجبوا عليه أن يفديها بماله، فإن لم يجد فيمال غيره ولو بغير رضاه مع الالتزام بالضمان؛ لأن التضحية بالنفس أشد ضرر من الفداء بالمال، فـ يختار أهون الشرين لدفع ما هو أعظم»، ومن القواعد المقررة في مقاصد الشريعة أن حفظ النفس مقدم على حفظ المال عند التعارض، ولا شك أن أصحاب هذا القول اعتبروا هذا المقصد فرخصوا في التضحية بالمال لفداء النفس، وذهب بعضهم إلى ترك الخيار له إن شاء فضل الفداء وإن شاء صبر وتحمل ضرر الجبار، أما ضمان مال الغير فقالوا حسب استطاعته، فلم يكلفوه فوق طاقته، ولم يلزموه تعجيله إذا كان في عسرة مراعاة لحاله.
وفي السياق نفسه قد يكره أحد على الأكل من أموال الناس، أو استعمالها، أو العمل بها، أو التصرف فيها بالبيع أو التأميم أو إتلافها، فهل يخضع المكره
إلى تهديدات الجبار وينفذ أوامره؟ أم يرفض ذلك ويعرّض نفسه للهلاك؟ أجاز العلماء ذلك للمكرَه مع الالتزام بالضمان أما إن أجبره على التصرف في مال غيره بما يعود عليه بالنفع والصلاح، فلا ضمان عليه إذا كان ذلك المال عند غاصب، وألزمه بالعمل فيه لإصلاحه وتنميته، كمن يغتصب أرضاً ويأتي بعمال لإصلاحها وزراعتها، ففي هذه الحالة لا يضمن شيئاً بل الغاصب هو الضامن للأرض وما أفسد فيها.
(1) تقدمت ترجمته.
(2) هو
جاعد بن خميس بن مبارك الخروصي (ت: 1237 هـ) تقدمت ترجمته.
(3) الخليلي سعيد: تمهيد قواعد الإيمان، 234/ 9 - 235. (3/176)
صفحة 1327
الفصل الرابع: القاعدة الكلية الكبرى الرابعة
177
يقول القطب أطفيش في هذا الشأن: «وللمقهور على أكل مال، أو استعماله، أو عمل فيه، أو تصرف فيه، أو إفساد فيه أن يفعل ويضمن، وإن قهر الظالم أحداً أن يعطيه مالاً أو طعاماً أو نعالاً، أو غير ذلك في حال ذهابه إلا ما لا يجوز من سلب أو قتل، فلا بأس عليه في ما ظهر لي ... لكن إن عمل فيه ما كان صلاحاً له فلا ضمان عليه عندهم، وقد يبحث فيه باستثناء ما إن تملكه غاصب وقهره على صلاح فيه، فإن إصلاحه يزيد
للغاصب
منه» (1) نفعاً
ج - فداء الأسرى بالمال العام:
إذا أسر العدو بعض المسلمين وطلب لإطلاق سراحهم فدية، فهل يجب على المسلمين بذل مالهم في سبيل تخليصهم من الأسر؟ أم ينوب عنهم حاكم المسلمين فيُفديهم من بيت مال المسلمين؟
ذهب الإباضية إلى وجوب فداء المسلمين من أعدائهم بأموالهم إذا قدروا على ذلك، بشرط ألا يترتب عليهم ضرر يضعف قوتهم ويزيد في قوة أعدائهم؛ لأنه قد اجتمعت هنا مفسدتان وتعارضت فإن ظهر أن فداءهم لا يضعفهم فيجوز ذلك ارتكاباً لأخف الضررين؛ لأن نقص المال مقابل إنقاذ الأنفس فيه مراعاة لمقاصد الشريعة، وإذا تبين لهم أن الفداء يؤدي إلى إضعاف قوتهم - وهذا ضرر كبير فيجوز ذلك مقابل إنقاذ إخوانهم ـ وهذا أيضاً ضرر ولكنه أقل، ففي هذه الحالة يتحمل الضرر الأخف لدفع الضرر الأشد العام كما
تقرر عند الفقهاء.
و زيادة في التوضيح والبيان نورد عبارة ابن بركة في هذه المسألة بما نصه: فإن قال: أرأيت إن كان بعض المسلمين في يد عدو وقد أسره، وطلب فداء عليه، كان على المسلمين تخليصه بشيء من مالهم؟
(1) أطفيش: شامل الأصل والفرع، 163/ 1 - 164. (3/177)
صفحة 1328
178
القواعد الفقهية عند الإباضية
قيل له: على الإمام أن يخلصه من بيت المال، فإن لم يكن إماماً فعلى المسلمين تخليصه، إلا أن يكون المال الذي يطلبه إذا دفعوه إليه أضعفهم وقوي العدو به على جميعهم، أو ضعفوا به عن عدوهم، فهو أشد ضرراً منه عليهم، فحينئذ لا يدفعون إليه شيئاً ولا يلزمهم؛ لأن قتل واحد أيسر على المسلمين من جميعهم أو ذهاب الحق من أيديهم).
وعلل ابن بركة وجوب تخليص أسرى المسلمين من أعدائهم بالمال باعتبار أن هذه الوسيلة تعد أسهل من القتال؛ لأجل تحريرهم إذا كان ذلك في مقدورهم، ولأنه ضرر أخف من بقاء المسلمين في أيديهم أسرى لإذلالهم أو استئصالهم، وكذلك يجب عليهم إنفاق أموالهم لإصلاح غيرهم، وفي هذا المعنى يقول: «فإن قال: ولم أوجبتم عليهم بتخليصه بالمال، قيل له: لأن عليهم أن يخلصوه بأنفسهم وأن يقاتلوا عنه ليخلصوه إذا رجوا ذلك، وكان الغالب على ظنهم أن يقدروا على تخليصه، فتخليصهم إياه بالمال أيسر، فإن قال: فلم أوجبتم على المسلمين أن ينفقوا أموالهم في صلاح غيرهم؟ قيل لهم: على المسلمين أن يأمروا بالمعروف وينهوا عن المنكر إذا رجوا القدرة على ذلك بأنفسهم وسلاحهم ودوابهم، وهذا إجماع من الناس ... » (2) وخالف سعيد الخليلي ابن بركة في رأيه فلم يلزم المسلمين فداء الأسير أو المضطر من القتل بل جعله في حدود طاقتهم، فلا يعرّض نفسه للحاجة لأجل تخليص أخيه من الأسر؛ لأنه لا يجوز إزالة الضرر بمثله أو أشد منه»؛ والمسألة جرى فيها الخلاف بين الفقهاء، وقد حرره الخليلي فقال: «هذا وإذا سأل عن الذي يجب عليه للمضطر فداؤه من القتل بماله، فلهم فيها جواب آخر لشروط تذكر وهو أن لا يدخل على نفسه الضرر بذهاب ماله، وإنما يدفع عنه في حالة ما يستغنى عنه المال بعد قضاء دينه وتبعاته، وترك
(1) ابن بركة: الجامع، 195/ 1.
(2) ابن بركة المصدر نفسه، 195/ 1 - 196.
من (3/178)
صفحة 1329
الفصل الرابع: القاعدة الكلية الكبرى الرابعة
179
ما يحتاج إليه لنفسه ولعياله وما يلزمه من شيء، فكأنه ليس عليه فداء إلا بما فضل في يده بعد أخذ حاجته منه أو نحو هذا من قولهم ... ». وفي موضع آخر يقول: «إن هذا مما يؤمر به فينبغي لمن قدره لخلاص أخيه المسلم ألا يذره ولكنه ليس مما يجتمع على وجوبه، لوجود الاختلاف فيه، فلينظر فيما جاز للمضطر أخذه في قول من قال لغير دفع ضرورته، وفيما كان على أهل الأموال على قول آخر فداؤهم إياه به من الهلكة المتوقع كونها من الجبابرة، فإن بينهما البؤن، وهذا يعلم أنهما أصلان في الحق لا يجتمعان ... » (2).
د - التضحية بالمال لإنقاذ النفس من الغرق
لو صادف أن سافر الناس على متن سفينة فلما وصلوا عُرض البحر اضطرب وارتفعت أمواجه، وخاف الركاب من الغرق، فهل يجوز طرح بعض الأمتعة في البحر لتخفيف حمولة السفينة حتى تنجو من الهلاك؟ قال أهل العلم: لا مانع من ذلك بشرط ضمان مال الغير بعدد أفراد السفينة، وذلك إعمالاً لقاعدة: «ارتكاب أخف الضررين لدفع الضرر الأعظم»، وهو هلاك الجميع بالغرق، فيجوز التضحية ببعض المال حفاظاً على سلامة النفوس؛ لأن
من مقاصد الشريعة حفظ النفس ويقدم على حفظ المال عند تعارضهما. بحث فقهاء الإباضية هذه المسألة وبينوا حكمها على ضوء قواعد الشريعة ومقاصدها، فذكر القطب أطفيش فى هذا الصدد أنه إذا قام البحر وخافوا الغرق فلهم طرح الأمتعة إن رجوا فيه النجاة، ولو لغائب أو يتيم أو مجنون، وإن طرحوا متاع بعض اشتركوا في ضمانه ولا يضمنون حصته، فإن كان النفع للمتاع فله قدره أو للأنفس فعلى الرؤوس، أو لهما فعليهما، ولزم الطرح من
(1) الخليلي سعيد: تمهيد قواعد الإيمان، 2359 (2) الخليلي سعيد: المرجع نفسه. (3/179)
صفحة 1330
180
القواعد الفقهية عند الإباضية
أبى، ولمن في المركب الطرح إذا تبين ذلك، ولصاحب المركب ولو وحده إذا تبين ذلك، ويمضي عليهم ذلك، وإن أمر بعضاً بطرح متاعهم فقط كان على الجميع إذا كانت المصلحة للكل لا كما قيل: إنه على صاحب المتاع فقط، وإن لم يتبين أمارة الخوف فاشتوَروا في الطرح أو احتمل التأخير، فطرح بعض متاعه أو متاع غيره قبل الاتفاق على الطرح، ضمن المتاع المطروح إذا كان للساكت أو المانع، وإن ترك صاحب المركب أو غيره ماله أو مال غيره، وادعى أنه تنجيه من الغرق، ضمن إن لم يتبين أن البحر قام، وأشرف على الإغراق، وكذا من كان وحده في السفينة صاحبها أو غيره، وخاف الغرق بما فيها فله طرحه تنجية لنفسه، وطرح بعض تنجية لنفسه وللباقي، فإن أنكروا ولا بيان ضمن وإلا فلا، وكان المطروح مضموناً بينهم ... »).
ونقل ابن بركة عن بعض فقهاء الإباضية غيرهم جواز إلقاء الأمتعة في البحر إذا هاج البحر في حالة الخوف من الغرق، والطمع في النجاة مع ضمان حق أصحابها تطبيقاً للقاعدة: يزال الضرر الأشد بالضرر الأخف»، يقول في هذا المعنى: وقال بعض - فقهاء مخالفينا - ولعل ذلك قول الجميع منهم، ووافقهم على ذلك أبو معاوية عزان بن الصقر وغيرهم من الفقهاء من أهل عُمان في قوم ركبوا سفينة في البحر فخافوا الغرق والهلاك لشدة البحر، فإن لهم أن يلقوا ما فيها من حمولة الناس وأموالهم؛ ليخلصوا أنفسهم من الموت إذا رجوا ذلك بإلقاء أموال الناس في البحر، ويضمنوا القيمة، ويوجد في الأثر عن أبي معاوية أيضاً: وإن كان صاحب المتاع رمى بمتاعه من غير مواطأة كانت بينه وبينهم فسلموا، كان له عليهم ضمان المتاع على عدد رؤوسهم، وأن الحاكم يحكم له عليهم بذلك» (2).
(1) أطفيش: شامل الأصل الفرع، 162/ 1.
(2) ابن بركة الجامع، 1/ 197 - 198. (3/180)
صفحة 1331
الفصل الرابع: القاعدة الكلية الكبرى الرابعة
181
ويؤكد الشماخي جواز إلقاء بعض أمتعة الركاب في السفينة؛ لتخفيف حمولتها، وأملاً في نجاتها، بشرط أن يتفق الجميع على ضمان المال الذي يلقونه في الماء، ويقول: «وإن خافوا عليها الغرق فأرادوا أن يخففوا منها شيئاً من أموالهم ويلقوه في البحر، فإنهم يتفقون كيف يؤدونه من صاحبه ثم يلقونه، وإن وجدوه بعد ذلك وقد رمى به البحر فهو بينهم على ما غرموه ثمنه لصاحبه الأول، وإن طرحوه منها وقد اتفقوا أنهم يغرمونه لصاحبه غير أنهم لم يقطعوا أمرهم على شيء فإنهم يغرمونه على قيمة أموالهم؛ لأنهم إنما فدوا بذلك أموالهم، وإن ألقى أحد شيئاً من متاعه بغير مشورتهم فليس عليهم غرمه له؛ لأنه متطوّع إلا على جهة الاستحسان، وكذلك أيضاً إن ألقى أحد منهم
شيئاً
منهم
من متاع الناس بغير مشورتهم فهو ضامن له دونهم ... ». واستدل الثميني على جواز التخلّص ببعض المال لإنقاذ السفينة من الغرق رجاء سلامة ركابها، أنه لو سافر تاجر على سفينة وحمل مال غيره ليتاجر فيه، وتعرضت السفينة للغرق، فيجوز له أن يلقي بذلك المال لإنقاذ نفسه وغيره، ويضمنه مع غيره الذين نجوا بسببه؛ لأنه يجوز إزالة الضرر الأشد بالضرر الأخف وفي هذا المعنى يقول: «وإن سافر بذلك المال في السفينة، فجاء ما يخاف منه الهلاك، جاز له أن يطرح ذلك المال رجاء للسلامة، فالأول طلب سلامة نفسه)، والثاني سلامة غيره.
ونوقش فيه فأجيب بأن البحر جاء أمره من قبل الله عز وعلا، فإذا ثبت خوف من قبل ذلك نحو غرق وحرق أو نحوهما، فترك تارك ما يقدر عليه من استنقاذ الأنفس من الهلاك ضمن، فإذا خاف الهلاك على الأنفس في السفينة ذلك المال وطرحه طمعاً في السلامة، جاز استبقاء الأنفس بالمال بالتزام
بسبب
(1) الشماخي: الإيضاح، 307/ 6 - 308.
(2) يشير إلى ما تقدم قبل هذا النص فيمن بيده مال لغيره يضارب به ويستثمره، وقال له جبار إن
لم تدفعه لي قتلتك فلا يجد دفعه إليه، ينظر الثميني، الورد البسام، ص 200. (3/181)
صفحة 1332
=
القواعد الفقهية عند الإباضية
182
ضمانه عند البعض، وقيل ما طرحه يلزم من تصرف عند المضرة من الرؤوس على قدرها أو من الأموال كذلك» (1).
ويظهر
من
خلال فهمنا لأقوال العلماء أن الضرر إذا شمل الجميع يتحمل
إزالته الجميع، فإذا ناب عنهم البعض يوزع الضمان عليهم ولو لم يكن لهم أموال؛ لأن سلامتهم كانت بطرح أموال الغير، فضرر الغرق سيلحق الجميع، ولذلك وجب عليهم إزالته بضرر أقل، وهو طرح بعض الأمتعة في البحر لتخفيف حمولة السفينة طمعاً في نجاتها.
ه - في باب النكاح:
أ ـ العلاقة المشبوهة بين الرجل والمرأة:
إذا تكونت علاقة مشبوهة بين رجل وامرأة ولم تصل حد الزنا فالمسألة في نظر الفقهاء محل خلاف، فجمهور الإباضية يحرم الزواج بينهما؛ لأن مقدمات الزنا كاللمس والتقبيل محرمة تؤدي إلى مفاسد)، ولكن لو نظرنا
(1) الثميني: المصدر نفسه.
(2) نقل الجناوني في كتاب النكاح هذه المسألة وأشار إلى اختلاف الإباضية في أثر مقدمات الزني على عقد النكاح، واختار القول بعدم التحريم ارتكاباً لأخف الضررين ودفعاً لمفسدة أعظم ما دام لم يقع الدخول الحقيقي، يقول في هذا الصدد: «وإذا نظر الرجل إلى امرأة حتى رأى منها ما بطن من فرجها، فلا يجوز له نكاحها ولا ما ولدها، ولا نكاح ما ولدت، تعمد أو لم يتعمد، ومنهم من يرخص إذا لم يتعمد ... وإذا نظرت المرأة إلى عورة الرجل حتى رأت فرجه فلا يجوز لها نكاحه هو ولا نكاح ما ولد، ولا نكاح ما ولده، ومنهم من يرخص إلا أن يكون الرجل في ذلك مثل المرأة». (ص 35 - 36). ويضيف في السياق نفسه: «وكذلك إن مس بيده ما بطن من فرجها، فلا يجوز له نكاحها هي ولا نكاح نسلها، وأما غير الفرج إن مسه بيده فلا يستحب له تزوجها، وإن فعل فلا أقول بالتحريم. وكذلك إن مست المرأة فر فرج الرجل بيدها، فلا يجوز لها تزوجه، وإن مست غير الفرج من جسده، فلا عليها بذلك نكاحه، وكذلك إن قبلها فلا يتزوجها، فإن فعل فلا يحكم عليه بالتحريم
يحرم
وكذلك العضة والقرصة فلا يستحب له، تزويجها، فإن فعل فليس بحرام ... » (ص 37 - 38). (3/182)
صفحة 1333
الفصل الرابع: القاعدة الكلية الكبرى الرابعة
183
إلى المسألة نظرة مقصدية حفاظاً على العرض وصوناً للنسب، نختار رأي من يقول: لو انتهت هذه العلاقة بالزواج يكون أحسن وأنسب؛ وذلك خوفاً من مفسدة أعظم؛ لأنه إذا أصرًا على الزواج ومنعا عنه، فقد يرتكبون ضرراً أشد - وهو الزنا - إعمالاً للقاعدة الفقهية «إذا تعارض مفسدتان روعي أعظمهما ضرراً بارتكاب أخفهما، ولذلك يرى بعض الفقهاء أنه يباح لهما الزواج لإحصان أنفسهما ـ وهو ضرر أخف ـ لدفع ضرر أعظم ـ وهو الزنا ـ بينما استند المانعون لهذا الزواج بقاعدة فقهية أخرى لعلها أقوى سنداً من غيرها، وهي: «من تعجل شيئاً قبل أوانه عوقب بحرمانه»، وحتى تتضح معالم هذه المسألة أكثر ننقل من فتاوى البكري سؤالاً مفاده: «أن شاباً وشابة تعارفا فوقع بينهما لمس وتقبيل ومص اللسان وغمز الثديين ثم تواعدا على الزواج، هذا الزواج شرعاً؟». فكان جوابه: «أن الذي جرى عليه أصحابنا (الإباضية) - رحمهم ومنهم صاحب النيل أن من قبل امرأة أو لمسها، أو عضها عن شهوة ألا يتزوجها استحساناً، فما بالك بمن أضاف إلى ذلك مص اللسان وغمز الثديين، فقد أبعد عن الشرع وأوشك أن يرتع في الحمى، وعليه فمن النزاهة والاحتياط ألا يتزوجها، لكنه نظراً لفساد المجتمع، وتطور الجيل، وخشية أن يكون هذا التعارف قد ترك في نفوسهما تعلقاً ببعضهما، ربما أدى بهما إذا تمكنا إلى الزنا لا سيما إذا تزوجت بغيره، فالأفضل عندي - والله أعلم ـ أن يتوبا ويستغفرا مما صدر منهما ويتزوجا طالما لم يبلغ الأمر بينهما حد الزنا ().
فهل يصح
الله -
قال المحقق علي يحيى معمر معقباً عليه: «مقدمات الفاحشة فاحشة، فالقُبلة والعضة والغمزة وما أشبهها كلها كبائر لا تجوز مع الأجنبية، فإن وقعت فهي في نفسها حرام، تجب التوبة منها، ولكنها لا تترتب عليها أحكام في تحريم النكاح على المختار الذي اختاره المؤلف ... » (ينظر هامش كتاب النكاح للجناوني، ص 38).
(1) بكلي عبد الرحمن فتاوى البكري، 282/ 1. (3/183)
صفحة 1334
184
القواعد الفقهية عند الإباضية
وفي صورة أخرى لو وقعت مع امرأة مقدمات الزنا ولم يصل الفعل إلى ما يوجب حد الزنا، فقد أفتى الشيخ أحمد الخليلي بعدم الحرمة وإمكان التزوج بها، وهذا من باب يختار أهون «الشرين وأخف الضررين» وهذا خير أن يحكم عليهما بالحرمة الأبدية فتسوّل لهما نفسهما فعلة الزنا فيقعون في
من
الضرر الأعظم.
وسئل الخليلي أيضاً: «ما قولكم في رجل أراد أن يتزوج امرأة كان قد قبلها ورأى عورتها ولامس ذكره فرجها جهلاً منهما بحكم ذلك لصغر سنهما، ثم تابا فهل يجوز زواجه بها؟».
فأجاب: «إن كان لم يولج الحشفة في فرجها وإنما هو مجرد مس،
فلا تحرم عليه ولا حرج عليهما أن يتزوجها والله أعلم). وفي صورة مشابهة سألت فتاة الشيخ الخليلي فقالت: «أنا فتاة مخطوبة وأخرج مع خطيبي فأغوانا الشيطان فوقعنا في الرذيلة، ولكن كلها أشياء
خارجية ولم يباشرني مباشرة الأزواج، نريد أن نتوب إلى الله ونتزوج». فرد عليها الشيخ بأن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «ما خلا رجل بامرأة إلا كان الشيطان ثالثهما)، ودعاهما إلى التوبة النصوح وقال: «فتوبا إلى الله يغفر الله خطيئتكما
ولا مانع من زواجكما إن كان ما دار بينكما لم يصل إلى حد المواقعة». ومما تجدر الإشارة إليه في هذا المقام أن عادة خروج الخطيبين معاً منفردين وفدت إلينا من البلاد الغربية التي لا تدين بالإسلام، وذلك عن طريق الأفلام والمسلسلات - نسأل الله العافية - وإزاء هذا الوضع ندرك حكمة
(1) الخليلي أحمد: فتاوى النكاح، ص 155. (2) رواه أحمد، مسند العشرة المبشرين مسند عمر بن الخطاب، رقم: 114، والبيهقي في الكبرى، كتاب النكاح، باب لا يخلو رجل بامرأة أجنبية، رقم: 13299، عن عمر. قال
المناوي: «قال الترمذي حسن صحيح. فيض القدير، 78/ 3.
(3) الخليلي أحمد: المرجع نفسه، 615. (3/184)
صفحة 1335
الفصل الرابع: القاعدة الكلية الكبرى الرابعة
185
الشارع الحكيم في تحريم خلوة الرجل بامرأة أجنبية ولو كانت خطيبته، وكان لذلك أثره الايجابي في التقليل من شيوع الفاحشة في المجتمع، ولعل التزام بعض المجتمعات المعاصرة) بهذا التشريع القويم قلل من ظاهرة الزنا والحمد لله - نسأل الله أن يصلح مجتمعاتنا ويعصمها من الوقوع في الحرام.
مجمل القول:
فالبكري الله والخليلي - حفظه الله - نظرا إلى الموضوع نظرة مقاصدية وهي ما دام الشابان لم يصلا إلى حدود الزنا فيمكن إصلاح هذه العلاقة، وتصحيحها بالزواج مناسب، ويكون سبباً في منعهم من الزنا إن أغلق الباب أمامهما، فما داما قد تابا فالتائب من الذنب كمن لا ذنب له، ولم تترتب عن العلاقة الأولى ما يتعذر إصلاحه من أبناء الزنا ـ لا قدر الله ـ فلذلك العمل بالرأي الثاني ما دام تحريم الزواج لم يرد فيه نص صريح من الشارع، وإنما هو من اجتهاد الفقهاء من باب سد الذرائع من الوصول إلى الفساد، ولا شك أنه هو القول الأعدل لعلاج مثل هذه الحالات، حفظاً للأعراض والأنساب.
رجح
ب - الآثار المترتبة على العلاقة غير الشرعية: إذا قامت علاقة غير شرعية بين رجل وامرأة ونتج عنها نسل من زنا فلا يجوز لهما أن يقيما علاقة شرعية بالزواج بعد ذلك؛ لأنه لا نكاح بعد سفاح عند الإباضية؛ ولأنه يحرم على الرجل الزواج بمزنيته حرمة مؤبدة، والأولاد يلحقون بنسب أمهم دون أبيهم، هذا في حكم الظاهر، ولكن لو حدث أن تزوجا بعد سفاحهما وأنجبا بعد ذلك أولاداً، فما حكم هذه العلاقة؟ هل يحكم عليها بالبطلان وينفصلان عن بعضهما؟ وما حكم نسب الأولاد؟ هل يلحقون بأبيهم أو أمهم؟
(1) ومن
هذه المجتمعات المحافظة على تعاليم الشرع الحنيف المجتمع الميزابي الذي يقطن في جنوب الجزائر، فقد منع مثل هذه السلوكيات وحذر منها، درء للمفاسد، وحفاظاً على سلامة المجتمع. (3/185)
صفحة 1336
186
القواعد الفقهية عند الإباضية
وردت على الشيخ بكلي مسألة تشبه هذه الصورة فأفتى بصحة ذلك الزواج خلافاً للإباضية، وأثبت نسب الأولاد بأبيهم؛ لأنه يثبت عند الفقهاء النسب بالنكاح الفاسد للشبهة، ويتضح أن هذه الفتوى تستند إلى قاعدة: «يزال الضرر الأشد بالضرر الأخف أو إذا تعارض مفسدتان روعي أعظمهما ضرراً بارتكاب أخفهما»، فالحكم باستمرار العلاقة الزوجية بعد السفاح ضرر أخف من الحكم
ببطلانها، وهدم كل ما يقوم عليها مثل إبطال نسب الأولاد هو ضرر أشد. ومما جاءه في السؤال: «اتصلت امرأة برجل ودام هذا الاتصال مدة، وأتت منه بولدين ثم أتم عقد الزواج وزادت منه ولدين آخرين، تريد المرأة أن تتوب إلى ربها وتكفر عن ذنبها، فما رأي الدين في المسألة؟».
أجاب البكري: «فبالنسبة لحق الله يجب عليها التوبة والاستغفار مما اقترفته في حقه حتى يتوب عليها، وبالنسبة لحق العباد قد ترتب فوق ذلك على جريمتها أن جنت على الولدين الأولين اللذين أصبحا في نظر الإسلام أولاد زنى ينسبان إليها ترثهما ويرثانها، فقد أفقدتهما نعمة النسب وأصبحا كالغثاء يعيشان على شاطئ الحياة كاسفي البال يتواريان من سوء ما لحق بهما من عار الزنا، وعليه فلا بد لها من التكفير بالإحسان إليهما كفاء ما ألحقت بهما من ضرر، أما الولدان الأخيران وإن ترتب وجودهما على نكاح فاسد على ما ذهب إليه علماء الإباضية وهو الحق فإن نسبهما ثابت؛ لأن النسب يثبت ولو من نكاح فاسد إذا لم يكن هناك زنا محض.
أما إتمامهما عقد النكاح بعد سفاح فإن هذا النكاح أيضاً يعتبر فاسداً في نظر المذهب الإباضي يستوجب التفريق بينهما، لكن تفادياً من هدم بناء أسرة علينا أن نحمله على ما ذهب إليه بعض المذاهب الإسلامية من
يتحتم الجواز ... » (1)
(1) بكلي عبد الرحمن فتاوى البكري، 304/ 1 - 305. (3/186)
صفحة 1337
الفصل الرابع: القاعدة الكلية الكبرى الرابعة
187
وخلاصة القول:
مقاصد
يظهر من جواب البكري الله أن فتواه فيها مراعاة للمصالح المتمثلة في مصلحة الأسرة القائمة، ومصلحة الأولاد وما يلحقهم من أضرار من فعلة والديهما، فرجح كل ذلك حفظاً للنسل، وهذا الرأي ينسجم مع الشريعة العامة، ولو تقيد برأي جمهور الإباضية لحكم ببطلان الزواج الذي سبقه سفاح، فتنهدم أركان الأسرة، ويتشتت الأولاد، ولا شك أن رأيه هذا ينمّ عن سعة علمه وتفتحه على غيره من الآراء المخالفة لمذهبه.
ج - حكم النظر إلى الأجنبية حرم الإسلام النظر إلى المرأة الأجنبية باشتهاء دفعاً لذريعة الفساد وحفظاً للحرمات؛ لأن في إباحته ضرر للمجتمع يؤدي إلى الوقوع في الحرام، ولكنه شرع النظر إلى المخطوبة استثناء لما قد يفضي إلى فساد أعظم ـ وهو الفرقة بين الأزواج المترتبة عن عدم النظر، فقال النبي صلى الله عليه وسلم للمغيرة حين هم بالزواج: «أنظر إليها فإنه أحرى أن يؤدم بينكما) (1) فبين الرسول الله في هذا الحديث الباعث من النظر في تلك الحالة، وهو ما يترتب عليه من محبة الزوجين ووفاق وألفة، وهو مقصد الشارع من وراء الزواج، فمنعُ النظر إلى المخطوبة يترتب عليه ضرر
أشد
روعي
من إباحته، ففي هذه الحالة يُعمل بالقاعدة الفقهية إذا تعارض مفسدتان أعظمهما ضرراً بارتكاب أخفهما»، فإباحة النظر إليها مع ما يترتب عليه من ضرر أخف، حيث لا تسمح بعض المجتمعات بذلك، وقد يستغل بعض الشباب هذه الرخصة فيطلب النظر ولا يتقدم للزواج، فيخدش كرامة المرأة، ولكن في إباحة النظر إليها لقصد الزواج أقل مفسدة لأجل مصلحة أعظم، ودفعاً لمفسدة أشد).
(1) رواه الترمذي، كتاب النكاح، باب ما جاء في النظر إلى المخطوبة، رقم: 1043، وابن ماجه، كتاب النكاح، باب النظر إلى المرأة إذا أراد أن يتزوجها، رقم: 1862، عن المغيرة بن شعبة. (2) بابكر عبد الرحمن بن صالح دراسات تطبيقية حول فلسفة المقاصد في الشريعة الإسلامية، تقنية الطباعة المحدودة، ط 1، 1422 هـ / 2002 م، ص 16. (3/187)
صفحة 1338
188
القواعد الفقهية عند الإباضية
د ـ إكراه المرأة على الزواج بغير رضاها:
شرع الإسلام الزواج وجعل من أركانه الرضا، فلا يجوز إكراه أحد الزوجين على الزواج بغير رضاه، ولكن قد يتعسف بعض الأولياء فيزوجون بناتهم دون رضاهن أو إذنهن، وذلك خوفاً من بوارهن أو وقوعهن في الفاحشة، قال الله تعالى: {فَأَنكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ} (النساء: 25).
واشترط الفقهاء الكفاءة بين الزوجين لضمان الوئام ودوام العشرة بين الزوجين، وقد يتجاوز بعض الأولياء حدود ولايتهم على النساء فيزوجوهن بغير الكفء، ولا شك أن هذا ظلم وإلغاء لحق اختيارهن، وينعكس سلباً على حياتهن الزوجية، فيجب على الولي أن يراعي لها الأصلح حفاظاً على كرامتها وشرفها، ورغم ذلك فقد ذهب بعض الفقهاء إلى جواز تزويج المرأة بغير الكفء عند الضرورة إذا خيف منها الزنا؛ وذلك ارتكابا لأخف الضررين فضرر الزنا أشد من ضرر الزواج بغير الكفء، وقد يتغير موقفها من الزوج بعد معاشرته فينزل الله بينهما المودة والرحمة ويقع الانسجام ويزول المحذور.
وفي هذا المعنى يقول القطب أطفيش: ولا يزوج وليته من غير كفئها، وإن زوجها بغير كفئها قهراً فرضيته زوجاً على كره، أو زوجها به غير عالمة بأنه غير كفء لعدم معرفتها حاله أو لكونها غير عالمة بالأمور، كبلهاء وصبية ومجنونة، أو نحو ذلك، فيطلب منها أن ترضى عنه ويرضيها بما ترضى به؛ لأنه ظالم لها، إن خاف منها زنا أو خافت زوجها بمن وجد من أهل التوحيد؛ لأن الضرورة تدفع بضرورة أهون منها والتحرز عن الزنا أهون» (1).
وفي موضع آخر يشير القطب إلى الذين يحرم على الولي أن يزوجهم موليته؛ لأنهم ليسوا كفؤاً لها فيقول: «ولا لمن لا يصونها، مثل أن يدخل بها
(1) القطب أطفيش: شرح كتاب النيل، 115/ 6. (3/188)
صفحة 1339
الفصل الرابع: القاعدة الكلية الكبرى الرابعة
189
الأسواق، أو يُدخل إليها الناس، أو يرضى بدخولهم، أو يرسلها إلى ما لا يحسن، وهلك هو والشهود والمرأة؛ لأن أمر النكاح إليها ... » (1) ويضيف: « ... والعاقد بالجَبّار إن منعها حقها، وبصاحب الحرام إن أطعمها إياه، وبالقاتل عمداً بحيث يتكافأ دمه ودم المقتول فيستحق القتل؛ لأنه لا يُقَر ولا يُؤوَى حتى يعطي الدية، أو يعفى عنه، أو يقتل، قال أبو العباس أحمد بن محمد: إن زُوّجت للجبار ضرورة فقد رخص في ذلك، وإن طلبها الجبار وإلا زنى بها أو قتلها، فتزوجت، فإن رضيته زوجاً على كره فلها المهر والإرث وإلا فلها الصداق ولا توارث وحرم كل
على الآخر ... » (2)
6 - في الرشوة
اتفق العلماء على أن تعاطي الرشوة في الحكم حرام على الآخذ بلا خلاف، لقوله تعالى: {أَكَلُونَ لِلسُّحْتِ} (المائدة: 42)، فقد فسره الحسن وسعيد بن جبير وابن سيرين فقالوا إنه الرشوة، وقالوا: إذا قبل القاضي الرشوة بلغت به الكفر، ولقوله ل له: لعن الله الراشي والمرتشي (3)
قال البكري «فالرشوة هو ما يعطى لحاكم تذرّعاً لإبطال حق أو إحقاق باطل، وهي محرمة على المعطي والآخذ معاً ملعونان على لسان الشارع، بل وحتى على الرائش الذي يمشي بينهما)، قال تعالى: {وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِّنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ} (البقرة: 188).
(1) أطفيش: المصدر نفسه، 116/ 6.
(2) القطب أطفيش: شرح كتاب النيل، 116/ 6
117
(3) رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح، تقدم تخريجه.
(4) بكلي عبد الرحمن فتاوي البكري، 223/ 1، 238. (3/189)
صفحة 1340
190
القواعد الفقهية عند الإباضية
وقال صلى الله عليه وسلم: «لعن الله الراشي والمرتشي والرائش الذي يمشي بينهما»). أما إذا أعطى المعطي ليتوصل به إلى حق ضاع له، أو يدفع عن نفسه ظلماً، فلا بأس بذلك عند جابر بن زيد وغيره، وقال بذلك عطاء والحسن (2). وقال البكري فى بيان الفرق بين الرشوة والمداراة والمداراة وإن كانت من قبيل الرشوة لكنها غير محظورة على معطيها، وهي محرمة على آخذها؛ لأن المعطي يصانع بها الجبار دفعاً لظلمه عن النفس أو العرض أو المال، قال: «قوا بأموالكم عن أعراضكم، وليصانع أحدكم بلسانه عن دينه (3). وروي عن جابر بن زيد والشعبي قالا: لا بأس أن يصانع الرجل عن نفسه وماله إذا خاف الظلم، قال الحسن: لعن الله الراشي والمرتشي ليبطل حقاً أو يحق باطلاً، أما أن تدفع عن مالك فلا بأس بك» (4).
:
وقال صاحب النيل: «ولا تحل المداراة لأحدهما لقوله ـ عليه الصلاة والسلام - شرّ الناس من يكرم مخافة شره» ()، وجاز للمسلمين أن يداروا على أنفسهم ومالهم وحرمهم بأموالهم، قال شارحه: أن يداروا من خافوا منه الظلم ولم يقدروا عليه مشركاً أو مخالفاً أو موافقاً. وروي عن جابر بن زيد أنه قال: «ما رأينا في زمن رياء أنفع لنا من الرشا». ورد هذا
(1) تقدم تخريجه.
(2) البغوي: شرح الستة، 88/ 10. - ابن قدامة المقدسي، المغني، 437/ 11. (3) أورده أبو نعيم، أخبار أصفهان باب العين من اسمه محمد، رقم: 2466، الشطر الأول منه، بلفظ: «ذبوا ... ». عن عائشة.
(4) عبد الرحمن بكلي، فتاوى البكري، 238/ 1. (5) رواه الترمذي، كتاب الفتن، باب ما جاء في علامة حلول المسخ والخسف، رقم: 2187، والطبراني (الأوسط)، من اسمه أحمد، رقم: 471، في حديث طويل مع زيادة، وأوله قوله:
«إذا فعلت أمتي خمس عشرة خصلة حل بها البلاء ... ». عن علي.
(6) الثميني: النيل وشفاء العليل، وشرحه أمحمد أطفيش، ينظر: النص في محله نقله البكري في الفتاوي، 1 ص 239 (3/190)
صفحة 1341
الفصل الرابع: القاعدة الكلية الكبرى الرابعة
191
المعنى في كتاب شرح بلوغ المرام، ورد عليه الشوكاني (1) بقوله أن هذا كلام في غاية السقوط (2)
والحاصل أنه يتضح مما سبق أن جمهور العلماء يدين بحرمة الرشوة عموماً للنصوص الصحيحة الثابتة (3)، وخالفهم الإمام جابر بن زيد في بعض الحالات، فقد رخص فيها إذا كان لدفع ضرر أشد، كالاستعانة بها لتخليص حق ضائع، أو لدفع ضرر عنه، كما يحدث في زمن الجبابرة يوم تعطل أحكام الله، والظاهر أن جابر بن زيد ربما قد استند في فتواه إلى القاعدة الفقهية «إذا تعارض مفسدتان روعي أعظمهما ضرراً بارتكاب أخفهما»، فالمفسدة الكبيرة هي ضياع الحقوق وانتشار الظلم في المجتمع، والضرر الأخف هو تقديم بعض المال إلى الظالم أو الجبار، أو من يتعامل معه لتخليص حق المظلوم ودفع الضرر عنه، كمن غصب أرض ظالم، وزوّر العقود ليثبت تلك الأراضي لنفسه، فإذا استطاع صاحب الأرض أن يقدم للعدالة ما يجعله يبطل هذه العقود ليحرر أرضه من الغصب، فلا أظن أنه وقع في محظور؛ لأنه لم يقصد بذلك إلحاق الضرر بالمغتصب، وإنما يريد الوصول إلى حقه، ولذلك قال بعض العلماء في هذه الحالة: المداراة حرام على الآخذ حلالاً على المعطي).
(1) محمد بن علي بن محمد بن عبد الله الشوكاني (1173 - 1250 هـ = 1760 - 1834 م): فقيه مجتهد من كبار علماء اليمن من أهل صنعاء. ولد بهجرة شوكان من بلاد خولان، باليمن) ونشأ بصنعاء. وولي قضاءها سنة 1229 ومات حاكماً بها. وكان يرى تحريم التقليد. صنف 114 مؤلفاً، منها: «نيل الأوطار من أسرار منتقى الأخبار - ط» ثماني مجلدات، و «البدر الطالع بمحاسن من بعد القرن السابع - ط» مجلدان، و «الفوائد المجموعة في الأحاديث الموضوعة ـ ط» و «الدرر البهية في المسائل - الفقهية - خ» و «فتح القدير ـ ط» في التفسير، خمسة مجلدات، و «إرشاد الفحول - ط» في أصول الفقه، و «السيل الجرار ـ ط» جزآن، في نقد کتاب الأزهار وغيرها. الزركلي، الأعلام، 298/ 6.
،
(2) الشوكاني: نيل الأوطار، 279/ 8. ـ يحيى بكوش، فقه جابر بن زيد، ص 524.
(3) الخليلي أحمد فتاوى المعاملات الكتاب الثالث، ص 123.
(4) بكلي عبد الرحمن: فتاوى البكري، 238/ 1. (3/191)
صفحة 1342
192
القواعد الفقهية عند الإباضية
حتى
ـ في باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: أوجب الفقهاء الأمر بالمعروف على القادر عليه لدفع الضرر عن نفسه أو ماله أو عن غيره، ولكن اشترطوا أن يراعي في التغيير الوسيلة المناسبة، فلا يجوز له التجاوز في ذلك وذلك إعمالاً للقاعدة المعروفة: «يختار أهون الشرين أو أخف الضررين فإن أمكنه دفع المنكر باللسان فلا يستعمل الضرب، وإذا توقف الضرر بالضرب فلا يلجأ إلى استعمال السلاح وهكذا، وقد ذكر الفقهاء شروط الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ووضعوا ضوابط خاصة لا يتجاوز حدوده. جاء في تمهيد قواعد الإيمان» بيان لهذه الشروط «ومنها: القدرة، فهي الشرط الأعظم لانحطاطه عن العاجز عنه بمرض أو عذر من تقية على نفس أو مال، فالنفس كأن يكون في محل الخطر على نفسه أو ولده أو فرسه، خوفاً من قتل أو جرح أو ضرب أو أشر، أو تنقيص به في عرض أو دين، بحيث يحذره على نفسه أو الملتبس به من ولد أو قريب أو جار أو صاحب، إذا خاف تولد الشر عليه من قبله حيث لا يقوى على دفعه ولا يقدر على إنقاذهم بمنعه، ولا على مقاومة أهل المنكر بكسر شوكتهم وإخماد نارهم وقطع أيديهم وألسنتهم، فإن قدر على تغيير المنكر ومقاومة أهله، ومنع نفسه وماله و علائقه، وجب الأمر والنهي.
وإن قدر على تغيير المنكر وعجز عن منع نفسه أو ماله أو الملتبس به، لم يجب عليه، ولكن يجوز له فيكون وسيلة ينال بها الثواب على الأمر والنهي، وعلى الرضى والصبر، والتفويض والتوكل، ولا يمنع منه لمخافة الضرر بدلالة الأمر على الصبر في قوله تعالى: {وَأَمُرُ بِالْمَعْرُوفِ وَأَنْهَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأَصْبِرْ عَلَى ما أَصَابَكَ» (لقمان: (17) (1))
(1) الخليلي سعيد: تمهيد قواعد الإيمان 4/ 7 - 50، نقل النص من كتاب السيف الحاد، وقد حققه الربخي وما زال مخطوطاً. (3/192)
صفحة 1343
الفصل الرابع: القاعدة الكلية الكبرى الرابعة
193
ويستفاد من نص الخليلي أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يجب على القادر عليه، بشرط ألا يلحق ضرراً بنفسه أو بغيره؛ لأن تركه أخف ضرر من ممارسته دون قدرة؛ لأنه يترتب على ذلك ضرر أشد، «فيرتكب في هذه الحالة الضرر الأخف لدفع الضرر الأشد». وإذا قدر على أداء الحسبة وهي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتمكن من تغيير المنكر، فإنه يراعي إزالة المنكر بأخف الأضرار حتى لا يقع في ضرر أشد.
يقول سعيد الخليلي في هذا الشأن: «الدفع عن المعصية بما قدر عليه من دفع أو دفر أو ضرب باليد أو السوط أو الحجر أو السهم أو الرمح أو السيف إن لم ينته إلا بذلك فإن تلفت نفسه في ذلك الدفع فدمه هدر، لا قود له ولا دية ولا كفارة، بل في ذلك الأجر والفضل فإنه نوع من الجهاد، مأذون به في محله لكل قادر عليه وعلى مثل هذه الحالة ... » (1).
6
وينبه المحقق الخليلي على ضرورة مراعاة الشروط السابقة لدفع الضرر الأشد بالأخف لتقليل المفاسد فيقول: « ... ولا تغفل عن مراعاة الشروط السابقة في تقديم الأخف على الترتيب، فمن كفاه الدفع لم يضرب، ومن كفاه الضرب باليد أو العصا لمن يقذف الحجارة، ومن ردعه الحجر لم يتعمد بالسلاح القاتل وعلى كل حالة فلا يقصد بذلك قتله ولا إضراره، ولكن ردعه عن انتهاك محارم الله سبحانه، ولذلك فإن أمكن ضربه في غير مقتل وكان في ذلك دفعه، فإن لم يرتدع بغير القتل فضرب عنقه؛ لأن دم الباغي طهارة للأرض بشهادة الرسول صلى الله عليه وسلم، فهذا الحد الجائز ... » (2) ولا ريب أنّ ما أرشد إليه الخليلي وغيره في تغيير المنكر بأخف الوسائل أساسه مراعاة مقاصد الشريعة في حفظ النفس، وليس الهدف من ذلك إلا
(1) الخليلي سعيد: المصدر نفسه، 57/ 7. (2) لم نقف على تخريجه ينظر: الخليلي: المرجع
نفسه. (3/193)
صفحة 1344
المجال: المطبوعات، كتب
المادة: أصول الفقه - فقه
------------------------------------------
العنوان: القواعد الفقهية عند الإباضية: دراسة نظرية تحليلية تأصيلية تطبيقية
المؤلف: مصطفى بن حمو أرشوم
إشراف وتقديم: عبد الله السالمي
الناشر: وزارة الأوقاف والشؤون الدينية
مكان النشر: سلطنة عمان
تاريخ النشر: 1434ه/ 2013م
الطبعة: 1
عدد الأجزاء: 4
أصله: أطروحة دكتوراه
سلسلة القواعد الفقهية الإباضية
مصدر البيانات من برنامج الرستمي بموقع المنهاج:
https://www.elminhaj.org/catalogue_rech_notis.php?id_liv=4585&id_ty=1
------------------------------------------
مصدر النسخة المصورة للكتاب (PDF) من موقع المكتبة السعيدية:
https://alsaidia.com/node/583
ملاحظة: قامت المكتبة السعيدية باستغلال تقنية التعرف الضوئي على الحروف في اللغة العربية (OCR) في إنشاء هذه النسخة المصورة (PDF)، لذلك فإنه يمكن البحث فيها للوصول إلى المعلومة بسهولة.
تنبيه: قام فريق مشروع المكتبة الشاملة الإباضية باستغلال تلك التقنية لتوفير النص المرقون، وذلك بالتحويل الآلي لصور صفحات الكتاب إلى نص، لذا فالنص الناتج ليس صحيحا 100%، لذا يمكن استخدام ذلك النص لنسخ جمل وفقرات من هذا النص الناتج، مع ضرورة مراجعته ومقارنته بنسخة (PDF) المرفقة، وتعديله وفقا لذلك قبل اعتماده.
ترقيم الصفحات: موافق للمطبوع
تاريخ النشر الرسمي بالشاملة الإباضية: 04 شعبان 1446ه/ 03 - شهر 02 - 2025م. 194
القواعد الفقهية عند الإباضية
إصلاح الفرد والمجتمع، وزجر المعتدين، لقطع شأفة الفساد، ولذلك إذا تحققت المصلحة، ودرئت المفسدة، ورجع المفسد عن الظلم والبغي فلا حاجة في إيذائه وملاحقته، وليس كما تفعل في عصرنا قوات قمع الشغب من استعمال مفرط للقوة ضد المتظاهرين، ولو كانت المظاهرة سلمية، فيؤدي ذلك إلى التصادم، وحدوث أضرار أشد في الأنفس والأموال، ولو سلكوا مسلك الإسلام في دفع الضرر بأخف الوسائل لقضوا على الشغب بأقل الخسائر.
8 - قضايا معاصرة متنوعة
أ ـ حكم شق بطن الميت:
إذا كان في بطن امرأة ميتة ولد ترجى حياته، فقد أجاز بعض الإباضية وغيرهم شق بطنها لإخراجه، ولا ريب أن هذا العمل ضرر واعتداء على حرمة الميت ولكن لو تُرك هذا الولد في بطنها لنتج عنه ضرر أعظم، «فيرتكب الضرر الأخف ـ وهو شق بطن الميتة - لدفع الضرر الأعظم» لإنقاذ حياته، ويكون ذلك بإخبار طبيب عدل أمين، أو بأمارات دالة على ذلك)، وقد أفتى بذلك أبو حنيفة وعاش الولد (2).
يقول القطب أطفيش في هذا الشأن: «وإن ماتت (المرأة) وكان يتحرك فكذلك، ولهم شق بطنها لإخراجه إن لم يجدوا إلا ذلك، ويتيقنوا موتها وحياته؛ لأن الميت ولو كان كالحي في منع ضربه وجرحه وخدشه ولزوم الضمان، لكن يرتكب أخف الضررين وهو الشق؛ لأن الميت لا يتألم بما فعل في بدنه، هذا ما أقول ثم رأيت الثوري قائلاً به، ومنعه أبو سعيد [الكدمي] من
أصحابنا المشارقة، وكرهه أحمد، وحرمه إسحاق كأبي سعيد ... » (3).
(1) أطفيش: شامل الأصل والفرع، 1321. (2) ابن نجيم ا الأشباه والنظائر، ص 88 - عبد العزيز محمد عزام قواعد الفقه الإسلامي، ص 197. (3) أطفيش: شامل الأصل والفرع، 132/ 1 - 133. (3/194)
صفحة 1345
الفصل الرابع: القاعدة الكلية الكبرى الرابعة
195
ب ـ حكم مداواة الرجل للمرأة والعكس عند الضرورة: ذهب أهل العلم إلى جواز مداواة الرجل للمرأة، ومداواة المرأة للرجل عند الضرورة إذا لم يجد أحدهما إلا ذلك، فيختار أخف الضررين» وأقل المفسدتين، وهي إباحة الرجل أن يطلع على عورة المرأة والعكس، لأجل علاجها وإنقاذها من الهلاك المحقق، كإجراء عملية جراحية في المخرجين، أو إخراج الجنين بإدخال اليد في فتحة الشرج، بشرط عدم وجود وسيلة أخرى لذلك، الالتزام بالضوابط الشرعية، كحضور المحرم معها، وكشف القدر الضروري؛ لأن هذه ضرورة، والضرورة تقدر بقدرها»، أما إذا أمكن الاستعانة بالأطفال دون البلوغ، وكانوا متمرسين لهذه المهنة، فلا مانع من ذلك ارتكاباً لأخف الضررين» ودفعا لأعظمهما، كموت الجنين في بطن أمه، أو هلاكها بسببه.
مع
جاء في «شامل الأصل والفرع ما نصه: ولها أن تظهر من عورتها لمن يداويها ما احتيج لإظهاره ولو كان المداوي رجلاً، فإن له مداواة امرأة بمحضر زوجها، أو محرمها، أو قريبها، أو متولي، أو غيره، ذكراً أو أنثى ممن لا يقدم على زنا بمحضره، وكذا مداواته بمحضر أحد كذلك ولو يكن قريباً له ولا لها، ولكن لا يجوز ذلك إن لم تجد من يداويها من النساء، ولم يجد من يداويه من الرجال، ولم يجدا من يعلمانه أو لم يحتمل ضرر التأخير إلى التعليم، ولم يجدا طفلة، وتُقدّم من لا يشتهي ليداويها، ويُقدم من لا يشتهيها لتداويه، فمن مات جنين في بطنها ونشب أو لم يمت وتعرض للخطر)، أو كان ما أشبه ذلك، فللرجل على حد ما ذكر أن يدخل يده لإخراجه، وإن ماتت وكان يتحرك فكذلك ... » (1).
ويبدو أن القطب اعتمد في هذه الرخصة على قاعدة: يزال الضرر الأشد بالضرر الأخف إذ يقول: «لكن ترتكب أخف الضرورتين ... (2).
(1) أطفيش: شامل الأصل والفرع، 132/ 1.
(2) أطفيش: المرجع نفسه. (3/195)
صفحة 1346
196
القواعد الفقهية عند الإباضية
وقد يتعرض الرجل أو المرأة إلى غرق، أو حرق، أو هدم، أو حادث مرور فتتدخل مصالح الدفاع المدني لإسعافه وإنقاذه من الموت، فتقع يد أحدهما على الآخر في مكان محظور دون قصد سيء، ففي هذه الحالات رخص الفقهاء بإنقاذ أحدهما للآخر؛ لأجل الضرورة مع انتفاء الشهوة، وذهب بعضهم إلى منع ذلك في حال الاختيار دون الاضطرار.
وفي هذا المعنى يقول الشيخ أطفيش وللرجل مس امرأة فيما يجوز له نظره بلا شهوة كوجه وكف، وما تظهره المتبرجة والقواعد، إن كان فوق السرة وتحت الركبة بلا، شهوة ولها مس ما فوق سرته وتحت ركبته بلا شهوة فإن داوته أو داواها في ذلك مع وجود غيرهما ممن يقدم في المداواة لم يبرأ منها، وقيل: لا يجوز مس ما جاز، نظره، وأنها لا تمس ولو وجهه إلا لضرورة، وله تنجيتها ولو بيده من فرجها بلا حائل إذا لم يجد إلا ذلك» (2).
الرأي المختار:
6
يتضح مما تقدم أنه عند الضرورات تتغير الأحكام، ولكن يراعى في إزالة الضرر القدر الضروري مع استعمال الوسيلة الأخف ضرراً، فمداواة الرجل للمرأة، ومداواة المرأة للرجل لا تجوز عند الاختيار، إذا تطلب منها اطلاع كل منهما على عورة الآخر، لأنه يترتب عنه ضرر كبير، لقوله صلى الله عليه وسلم: ملعون من أبدى عورته للناس لعن الله الناظر والمنظور إليه» (3). فإذا تعذر ذلك ولم يتوفر لكل منهما من يعالجه من جنسه ولا يمكن الاستعانة بمن يشتهي من الأطفال لإزالة الضرر، وإنقاذ المريض من الهلاك، فيرخص
لا
(1) المرأة العجوز.
(2) أطفيش نفسه 133/ 1.
(3) رواه البيهقي، كتاب النكاح، باب ما جاء في الرجل ينظر إلى عورة الرجل ... ، رقم: 12688،
بلاغاً، عن علي. (3/196)
صفحة 1347
الفصل الرابع: القاعدة الكلية الكبرى الرابعة
197
في كشف المرأة للرجل، وكشف الرجل للمرأة، وهذا ضرر أخف من تركهما دون علاج أو إنقاذ، لأن ذلك قد يتسبب في هلاكهما، وهو بلا ريب ضرر أعظم، فهنا ترجح ضرورة حفظ النفس على حفظ الدين عند التعارض،
إعمالاً لمقاصد الشريعة.
ج - حكم الإجهاض:
اتفق أهل العلم على حرمة إسقاط المرأة حملها دون مسوغ شرعي، سواء بفعلها أم بفعل غيرها؛ لأن في ذلك قتل للنفس البريئة وهذا ضرر لا يحل، ولكن قد تتعرض المرأة لحالات خطيرة تتوقف حياتها على التضحية بجنينها، فإذا حكم الأطباء الثقاة الأمناء على ضرورة إجهاضها، حفاظاً على سلامتها، وإنقاذها من الموت فيرخص ذلك في هذه الحالة، للضرورة القصوى؛ لأن حفظ حياة الأصل مقدمة على سلامة حياة الفرع، فحياتها محققة وحياة الجنين ظنية، وهذا إعمالاً لقاعدة: يختار أهون الشرين وأخف الضررين» لدفع الضرر الأعظم.
وردت أسئلة عديدة على الفقهاء يطلب أصحابها الرخصة في إسقاط الحمل، لأسباب عديدة، كالإجهاض المتكرر، والإصابة بالأمراض المعدية، كالإيدز، والتشوهات الخلقية، وضيق، الرحم، وغيرها من الحالات، فبعضهم وبعضهم نظر إلى حالة المرأة وقدّرها بما يناسبها، دون تجاوز
ذلك مطلقاً منع
حدود الشرع.
جاء في فتاوى البكري ما نصه: «لا يسوغ إسقاط الحمل متى تيقن وجوده أو ظن، وإن مضت عليه مدة قصيرة؛ لأن تعمد إسقاطه يعتبر في نظر الشرع جريمة، يغرم مرتكبها بأداء غرة (عبد أو أمة، أو قيمة الغرة، أي نصف عشر دية الأم؛ لأن الجنين وإن ظل صغيراً لكنه قابل للنمو فهو بشر على كل حال، ونظراً لكون جنين زوجتك لم يتم له أربعة أشهر ولم ينفخ فيه الروح بعد، فإن (3/197)
صفحة 1348
198
القواعد الفقهية عند الإباضية
تلك الغرة ترثها الأم إن لم تتعمد هي إسقاطه وإن كان الإسقاط من قبلها فتدفع لورثتها على ما قرره بعض العلماء المحققين ... »).
ويضيف: «هذا ووجه العمل في قضيتك على ما أرى هو: ـ أنه بناء على أن الزوجة لا تزال تشك في حملها ـ أن تترك الأمر يسير على حالته الطبيعية، فإن تبين الحمل وأخذ ينمو نمواً طبيعياً، ولم تظهر على الأم عوارض الخطر، فذلك المطلوب، أو بدت لها العوارض، فقرر الطب أن حياة الأم أصبحت مهددة، جاز حينئذ أن نضحي بالجنين؛ إنقاذاً للأم، عملاً بـ «ارتكاب أخف الضررين»، أما أن تقدم من أول الأمر على التخلص من الجنين قبل أن تحس بالخطر، فلا» (2). وفي صورة أخرى مشابهة عن «امرأة لديها طفل رضيع لم يتجاوز عمره بضعة شهور، وهي الآن حامل في شهرها الثاني، ولكنها تعاني بعد ولادتها الأولى من دوار شديد لا يذهب عنها إلا بعد تناول دواء معين، وقد نصحتها الطبيبة بعدم تناول الدواء أثناء فترة الحمل لخطورته على الجنين، وهي حائرة لا تدري ماذا تفعل؟ هل تستمر بالحمل رغم المتاعب الصحية التي ستلم بها، أم يجوز لها إسقاط ما في بطنها؟».
أجاب الشيخ أحمد الخليلي: إن كان استمرار الحمل ينذر بالخطر على حياتها فلها التخلص منه؛ لأن المحافظة على الأصل أولى، وإن كان يسبب إرهاقاً وتعباً لها من غير أن يؤدي ذلك إلى إهلاكها، فلا يصح لها التخلص منه؛ لأن الحمل له حرماته وحقوقه، إذ هو نسمة خلقها الله، وقد قال رجل: مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا} (المائدة: 32)، فلا يضحى بحياته من أجل راحتها هي، والله أعلم.
(1) بكلي عبد الرحمن فتاوى البكري، 307/ 1 - 308.
(2) بكلي: المصدر نفسه.
(3) الخليلي أحمد: فتاوى النكاح، ص 214. (3/198)
صفحة 1349
الفصل الرابع: القاعدة الكلية الكبرى الرابعة
199
ويظهر من عبارة الخليلي أنه استند في حكمه على قاعدة: «يختار أخف الضررين لدفع ما هو أعظم». وفي صورة أخرى للإجهاض: أن امرأة كلما حملت أجهضت، وكان هَم زوجها الوحيد أن يعقب ولداً، فخافت إن تمادى بها الحال أن يطلقها، فلما نفذ صبرها وحملت كعادتها، ومن المقدّر أن دام حملها هذه المرة إلى أن قرب ميلاده، فأدخلت المستشفى فأسقطته كسابقيه، ثم أنها تواطأت مع إحدى الممرضات فأعطتها مولوداً ذكراً كغيرها فاتخذته ابناً، وأخذت ترضعه وأخبرت زوجها أنها ولدت مولوداً ذكراً، وشاء الله أن يحيا وينشأ نشأة ممتازة، وكان لا يعلم سرها إلا أخوها وكتما الأمر، ومن حسن الصدف أن حملت بعد ذلك فتم حملها، فوضعت بنتاً عاشت هذه المرة على غير عادتها، وعاش الولدان حتى كبرا، ولما تقدمت الأم بالسن أرادت أن تتوب من فعلتها، ولكنها خافت من ردة فعل زوجها إن علم بالحقيقة فتخسر حياتها مع ابنتها في حين تريد أن تلقى ربها وهي بريئة الذمة، فما المخرج؟ فكان جواب الشيخ عبد الرحمن بكلي «لما كان الابن ابناً من الرضاع كان أمره أهون من التبنّي، ليس في كتمانه خوف على اختلاط النسب؛ لأن الرسول عليه الصلاة والسلام - يقول: يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب، ولولا مسألة الميراث ما كان ثمة فرق بين الابن من النسب والابن من الرضاع، وعليه ففي نظري أن هذه المرأة تسلك أحد السبيلين: - إما أن تبوح بالحقيقة لزوجها وإن ترتب على ذلك ما ترتب، فيدها أوكت وفوها نفخ)، وهذا أقرب طريق وأوضحه، بل هو المتعين وإن خيف
منه عاقبة سيئة.
(1) رواه الربيع، كتاب النكاح، باب في الرضاع، رقم: 524، والنسائي، كتاب النكاح، باب ما يحرم من الرضاع، رقم: 3302، عن عائشة.
(2) هذه العبارة مقتبسة من المثل العربي المشهور: «يداك أوكتا وفوك نفخ». (3/199)
صفحة 1350
200
القواعد الفقهية عند الإباضية
- وإما أن تذهب إلى المستشفى فتذكرهم بتاريخ نفاسها وأخذها الولد، وتستعلم عن حقيقة نسبه لجواز أن يكون مسجلاً هناك، فتوصي بالحقيقة حيناً مخافة أن تعاجلها المنية، ثم تحافظ على وصيتها حتى لا يضيع السر بضياعها، والأحسن أن تسجلها لدى موثق لتبقى محفوظة ثم تتحين فرصة ملائمة تبوح فيها لزوجها بالحقيقة دون أن يكون هناك رد فعل، وهذا المسلك يصعب تنفيذه وقد يتعسر من حيث الاستعلام وعليه فلا بد من كشف الحقيقة مهما كان الأمر، فإذا تيقنت أو ظنت ظنَّا راجحاً أن زوجها سينتقم منها بل يطلقها من صدمته بالحقيقة المرة، وكذا الأمر بالنسبة للولد الذي أفقدته نسبه الصريح فإنها حينئذ تقتصر على الإيصاء بالحقيقة ارتكاباً لأخف الضررين»، وخشية أن يموت الزوج فيطالب الولد بنصيبه من إرث أبيه، فتضطر حينئذ لكشف الحقيقة، فتكون قد قطعت الطريق بذلك الإيصاء على الولد أن يكذبها في دعوى الحرمان من الإرث ... » (1).
(1) عبد الرحمن فتاوى البكري، 271/ 1 - 272. (3/200)
صفحة 1351
المطلب الرابع
يتحمل الضرر الخاص لدفع الضرر العام
أولاً: تعريف القاعدة:
هذه القاعدة تدخل ضمنًا في القاعدة السابقة وإن كانت أخص منها موضوعاً، وهي مقيدة لقاعدة: «الضرر لا يزال بمثله»، إذ أن في حال تعارض مع المصلحة الخاصة يترتب عليه الإضرار بأحدهما، «فيدفع
المصلحة العامة
الضرر العام بتحمل الضرر الخاص).
وهي
قاعدة مهمة مبنية على المقاصد الشرعية في رعاية مصالح العباد، استخرجها المجتهدون من الإجماع ومعقول النصوص، فالشرع إنما جاء ليحفظ على الناس دينهم، وأنفسهم، وعقولهم، وأنسابهم، وأموالهم، فكل ما يؤدي إلى الإخلال بواحد منها فهو مضرة يجب إزالتها ما أمكن، وفي سبيل ذلك تأييد مقاصد الشرع بدفع الضرر الأعم بارتكاب الضرر الأخص»، ولهذه الحكمة شرع الله حد القطع حماية للأموال، وحد الزنا والقذف صيانة للأعراض، وحد الشرب حفظاً للعقول والقصاص وقتل المرتد صيانة للأنفس
والأديان (2).
ومن هذا القبيل شرع قتل الساحر المُضرّ، والكافر المضل؛ لأن أحدهم يفتن الناس، والآخر يدعوهم إلى الكفر، فيتحمل الضرر الأخص ويرتكب لدفع الضرر الأعم» (3).
(1) الحموي أحمد: غمز عيون البصائر شرح كتاب الأشباه والنظائر لابن نجيم، 1/ 280، عدنان جمعة، رفع الحرج في الشريعة الإسلامية، ط دار الإمام البخاري، ط 1، 1989 م.
(2) الحضرمي أبو إسحاق، مختصر الخصال، 187 - 191. - الثميني، الورد البسام، 143،
146، 149، 150
(3) البورنو: الوجيز في إيضاح قواعد الكلية،
ص
263 (3/201)
صفحة 1352
202
القواعد الفقهية عند الإباضية
وقد تقرر عند الفقهاء أنه إذا تعارضت المصلحة الخاصة مع المصلحة العامة، ولا يمكن التوفيق بينهما، ونتج عنها أضرار عامة، ففي هذه الحالة ترجح المصلحة العامة على الخاصة بالنظر إلى الضرر العام، ولو ترتب عليه ضرر خاص.
وقد أشار يوسف العالم إلى هذا الأمر فذكر أنه «إن أمكن انجبار الضرر ورفعه جملة، فاعتبار الضرر العام، أولى، فيمنع الجالب والدافع الجالب والدافع مما هم به؛ لأن المصالح العامة مقدمة على المصالح الخاصة؛ لأن العامة أشمل وتقدم أن من جوانب ميزان التفاوت في المصالح شمول المصلحة، وبذلك ترجح، ولذلك اتفق السلف والخلف على ترجيح المصلحة العامة على الخاصة، كالانتفاع العام بالكلاً أو الماء الواقعين في أرض غير مملوكة، على احتياز الفرد له وترجح مصلحة عامة أهل السوق على مصلحة الواحد منهم، ولذلك منع تلقي الركبان وبيع الحاضر للبادي، ومنع الاحتكار، وترجحت العامة في إجبار الممتنع عن بيع داره أو أرضه في حالة اضطرار الناس لمسجد جامع ونحوه؛ لأن حفظ الدين مقدم على حفظ المال، وهذا من مقاصد الشريعة. هذا القبيل أيضاً: مشروعية الحجر الصحي خشية انتشار الأمراض، الأفراد من نشر الزيغ أو الفساد، فمنع الفرد من ممارسة حرية الرأي والكتابة عند تعارض ذلك مصلحة الجماعة والأمة، واتفقوا أيضاً على مع تضمين الصناع مع أن الأصل فيهم الأمانة» (1).
ومنع
ومن
مجمل القول:
ومن خلال الأمثلة المتقدمة يتبيَّن أنه إذا تعارضت المصلحة العامة
مع
(1) يوسف العالم المقاصد العامة للشريعة الإسلامية، ص 193 ـ ابن عبد السلام قواعد الأحكام، 29/ 1. وما بعدها ـ ابن بركة الجامع، 322/ 2، 323 - الكدمي المعتبر، 103/ 3 ـ ابن
جعفر، الجامع، 207/ 4 - 209 - الشماخي، الإيضاح، 304/ 6 و 319. (3/202)
صفحة 1353
الفصل الرابع: القاعدة الكلية الكبرى الرابعة
203
المصلحة الخاصة ترجح العامة على الخاصة، إعمالاً للقاعدة: «يتحمل الضرر الخاص لدفع الضرر العام، فلا يمكن لأجل مراعاة المصلحة الخاصة أن نضحي بالمصلحة العامة، ويترتب عليها ضرر أعم للأمة.
ثانياً: تأصيل القاعدة:
ومن
الأدلة التي يستأنس بها على مشروعية هذه القاعدة:
1 ـ ما جاء في السُّنَّة من حديث جابر بن عبد الله الأنصاري له والذي فيه أن عمر بن الخطاب له استأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم في قتل عبد الله بن أبي بن سلول المنافق، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «دعه، لا يتحدث الناس أن محمداً يقتل أصحابه» (1).
وجه الاستدلال بالحديث:
ففي الحديث دلالة واضحة على أن النبي صلى الله عليه وسلم ترك قتل هذا المنافق مع ما في قتله من المصلحة، ولكن قتله سيفضي إلى مفاسد أعظم وأكثر من المصلحة المترتبة على قتله، فإنه بقتله ربما يغضب بعض قومه، وربما أدى ذلك إلى ردّة بعضهم عن الإسلام غضباً وحمية ثم إذا شاع نبأ قتله بين الناس، فسيقولون: إن محمداً يقتل أصحابه؛ لأن هذا المنافق محسوب على المسلمين، وبالتالي سيكون في ذلك صدّ عن الإيمان وبرسول الله صلى الله عليه وسلم وعن تصديقه واتباعه، بسبب تلك الشائعة، فهنا يتحمل ضرر خاص لدفع الضرر العام (2).
(1) متفق عليه، رواه البخاري، كتاب المناقب، باب ما ينهى من دعوة الجاهلية، رقم: 3348، 546/ 6، في الفتح وأخرجه مسلم في كتاب البر والصلة والآداب، باب نصر الأخ ظالماً أو مظلوماً، 4/ 1998 - 1999، والترمذي، كتاب تفسير القرآن باب ومن سورة المنافقون، رقم: 3318، عن جابر.
(2) علوان إسماعيل، القواعد الفقهية الخمس الكبرى، ص 396. (3/203)
صفحة 1354
204
القواعد الفقهية عند الإباضية
2 ـ حديث أصحاب السفينة في النهي عن المنكر: أخرج البخاري والترمذي عن النعمان بن بشير لها عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «مثل القائم على حدود ا الله، والواقع فيها كمثل قوم استهموا على سفينة، فصار بعضهم أعلاها، وبعضهم أسفلها، فكان الذين في أسفلها إذا استقوا من الماء، مروا على من فوقهم، فقالوا: لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقاً، ولم نؤذ من فوقنا، فإذا تركوهم وما أرادوا هلكوا جميعاً، وإن أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعاً). فهذا الحديث يرشد إلى الأخذ بالقاعدة الفقهية: يتحمل الضرر الخاص ـ وهو جلب الماء من فوق السفينة ولو مع إيذاء من يمرون عليهم ـ لدفع ضرر عام» وهو خرق السفينة وغرقهم جميعاً.
ثالثاً: الفروع المتخرجة على القاعدة: 1 - في الاحتكار
حرم الإسلام الاحتكار وهو حبس ما يتضرر الناس بحبسه بقصد تحين الغلاء، والبيع بأعلى الأسعار، فصاحبه محتكر يحرم عليه ذلك الحبس؛ لأن فيه ضرر بالناس قال الرسول صلى الله عليه وسلم لا يحتكر إلا خاطئ، وقال أيضاً: الجالب مرزوق والمحتكر ملعون (3). فالمحتكر خاطئ باحتکاره مرتکب للمنهي عنه، مضر بالناس، فعلى الحاكم أن يدفع أضراره عن الناس على وجه لا يستضر هو به فاحتكاره للسلع فيه مراعاة لمصلحته الخاصة على حساب المصلحة العامة، فهنا يقول أهل العلم: يجوز للحاكم أن يخرج الطعام من يد
(1) رواه البخاري، كتاب الشركة، باب هل يفرع في القسمة والاستهام فيه، رقم: 2381، والترمذي، كتاب الفتن، باب منه، رقم 2150، عن النعمان بن بشير. (2) رواه مسلم، کتاب المساقاة، باب تحريم الاحتكار في الأقوات، رقم: 3098، وأبو عوانة، كتاب البيوع، باب الخبر الناهي عن الاحتكار ... ، رقم: 4452، عن معمر بن عبد الله القرشي.
(3) تقدم تخريجه. (3/204)
صفحة 1355
الفصل الرابع: القاعدة الكلية الكبرى الرابعة
205
المحتكر قهراً ويبيعه للناس، وإن أضرَّهم بذلك؛ لأنه صار بمنعه مؤد إلى إضرار الغير، ولا ريب أن في إجباره على إخراج السلع وعرضها للبيع بالسعر المناسب قد يترتب عليه ضرر بالمحتكر، ولكن فيه منفعة عامة تمثلت في توفير السلع للناس، فيحتمل الضرر الخاص لدفع الضرر (العام)). ويوضح الكدمي حكم الاحتكار وما يترتب عنه فيقول: «ولأنه لا يجوز له أن يحتكر ما له حين يأخذ منه بأكثر من عدل السعر، ولأنه قد جاء في الأثر عن النبي بالنهي عن المحتكر، وكذلك بتحريم الاحتكار؛ لأنه من أكل صلى الله عليه وسلم أموال الناس بالباطل، واستغلال لحاجة المضطر، وإجباره على استيفاء حاجته بما يخالف الوضع العادي، وكذلك قد جاء في الأثر عن النبي صلى الله عليه وسلم: «أن التاجر ينتظر الرزق والمحتكر ينتظر اللعنة» (2) والعياذ بالله وقد جاء كذلك أن الحكرة المحرمة داخلة في جميع الضرر، والقاعدة أنه: «لا ضرر ولا ضرار»، وأنه لا يجوز الإلجاء إلى الضرورة، وكل ضرورة لا تجوز فيها الحكرة
في
الأثر
ولا تثبت فيها معاني الزيادة فوق عدل السعر عند خوف الهلاك ... » (3). ولا يقتصر الاحتكار على جانب البيوع فقط، بل يشمل كل شيء يشرك فيه الناس، كالماء والكلأ، والوقود فلا يجوز احتكارها لمصلحة خاصة؛ لأن ذلك يؤدي إلى الضرر العام.
كما وردت صور أخرى في فتاوى المعاملات توضح هذا المعنى، من ذلك ما جاء في سؤال: «ما قولكم في عين ماء تنزل من جبل وتسيل في الوادي، وليست قرب سكن؛ لأنها في الفلاة، لكنها في بعض الأحيان عند
(1) أطفيش: شرح النيل، 322/ 14. - الزرقا مصطفى المدخل الفقهي العام، 996/ 2. ـ قحطان الدوري، الاحتكار وآثاره في الفقه الإسلامي، ص 10، 18، 100، ط 2، 1403 هـ. ينظر:
عبد السلام الرفعي فقه المقاصد وأثره في الفكر النوازلي، ص 192 وما بعدها.
(2) تقدم تخريجه.
(3) الكدمي: المعتبر، 104/ 3. (3/205)
صفحة 1356
206
القواعد الفقهية عند الإباضية
المخل (1) ينزل عندها أصحاب البادية، ثم بعد ذلك يذهبون إلى مكان آخر، وأراد أحد من الناس أن ينتفع به حيث أنه يعمل لها حوضاً، والماء الذي يفيض من الحوض ينقله إلى مكان آخر عن طريق الأنابيب هل يجوز له ذلك؟ فأجاب الشيخ الخليلي - حفظه الله ـ «ليس له أن يحتكره عمن اعتاد الانتفاع به من الناس بل ينتفع به هو وغيره ... » (2)
وسئل الشيخ الخليلي عن الاحتكار في البيوع: «هل توجد نسبة محددة لربح التاجر في بيع بضاعة معينة أم لا؟ وهل للتاجر حرية البيع بأي ثمن أراد، فمثلاً يشتري بضاعة بريال ويبيعها بعشرة؟ وما قولكم إذا كان يبيع بثمن يرهق المشتري لضعف الأحوال الاقتصادية في بلاد التاجر؟».
فأجاب: «إن كان المشتري عارفاً بالقيمة، ورضي من تلقاء نفسه أن يشتري البضاعة بأضعاف قيمتها، فلا حرج في ذلك، وإنما يمنع الاحتكار الذي يؤدي
إلى مضاعفة البلاء، وإرهاق الناس في معايشهم، والله أعلم» (3). من خلال هذه النصوص المتنوعة يتبين أن الاحتكار فيه ضرر عام يجب منعه، ويتحمل المحتكر ما يترتب عليه من أضرار وعقوبات وغرامات، حماية للصالح العام، ولو نتج عن ذلك إضرار بمصلحته الخاصة، المتمثلة في جلب الربح، وتعويض الخسائر المحتملة؛ لأنه يتحمل الضرر الخاص لدفع
الضرر العام».
2 ـ في التسعير:
ذهب أهل العلم إلى جواز التسعير، وهو تحديد الأسعار على الباعة في بعض الأحوال عند تجاوزهم وغلوّهم فيها دفعاً لضررهم على العامة). وهذا
(1) الجفاف والقحط بلغة أهل عُمان.
(2) الخليلي أحمد فتاوى المعاملات، ص 122.
(3) الخليلي أحمد:
المرجع
نفسه.
(4) الزرقا مصطفى: المدخل الفقهي العام، 996/ 2. (3/206)
صفحة 1357
الفصل الرابع: القاعدة الكلية الكبرى الرابعة
207
الحكم مخالف للنصوص الشرعية حيث ورد النهي عن الرسول صلى الله عليه وسلم عن التسعير، لما يترتب عليه من ضرر على الباعة).
قال ابن بركة: «وليس للإمام أن يسعر على الناس أموالهم، ولا يجبرهم على بيعها، لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سئل عن عام سنة، وإنما سمي عام سنة لشدة غلاء لحق الناس في تلك السنة، فسئل النبي أن يسعر عليهم الأسواق صلى الله عليه وسلم فامتنع وقال ـ عليه الصلاة والسلام -: «القابض الباسط هو المسعر، ولكن سلوا الله (2). فلا يجوز لهذا الخبر أن يسعر أحد على الناس أموالهم، وأن يجبرهم على بيعها بغير طيب نفوسهم من إمام ولا غيره، ولكن إذا بلغ الناس حال الضرورة من الحاجة إلى الطعام، وحرم الطعام على ما في أيديهم، واستغنائهم عنه مع سوء حال الناس، والشدة جاز للإمام أن يأخذ أصحاب الطعام ببيع ما في أيديهم بالثمن الذي يكون عدلاً من قيمته، ويجبرهم على ذلك» (3). وينبه ابن بركة إلى أن حكم جواز التسعير لا يشمل كل الأحوال، بل يكون في حال الضرورة فقط، فلا يتدخل الحاكم في تحديد حركة الأسعار في السوق إلا إذا وجد ضرراً عاماً لحق بالناس وهذا ما دلت عليه عبارته، فيقول: «فإن قال قائل: فلم منعتم على الإمام وقد جوزتموه؟ قيل له: جوّزناه في حال الضرورة، والموجب تجويز التسعير يرى التسعير في حال الضرورة وغيرها ... » (4)
ويؤكد الشيخ الخليلي - حفظه الله ـ هذا التوجه، ويوضح أن التسعير مناف لحكمة الشارع في تشجيع الناس على التجارة، ليرزق بعضهم بعضاً،
(1) عبدالسلام الرفعي، فقه المقاصد وأثره في الفكر النوازلي، ص 197 وما بعدها. (2) رواه الترمذي، كتاب البيوع، باب ما جاء في التسعير، رقم: 1314، وأبو داود، كتاب البيوع،
(3)
(4)
،3451
باب في التسعير، رقم: ابن بركة: الجامع، 604/ 2، 605.
عن
أنس.
ابن بركة: المرجع نفسه، 2/ 604 - 605. (3/207)
صفحة 1358
208
القواعد الفقهية عند الإباضية
ولكن لما تسبب المحتكرون في ارتفاع الأسعار فتضرر الناس، فهنا وجب التدخل لمنع هذا الضرر بتحديد الأسعار، فقد سأله بعضهم: «ما رأي سماحتكم في التسعير؟ فقد ذهب البعض أنه لا يجوز على أهل الأسواق، وأفتى البعض بجواز التسعير في الأقوات، وفي زمن الاضطرار، وأجاز البعض التسعير العادل إذا احتاج الناس إليه؟». فأجاب أن: «الأصل في التسعير أنه غير جائز؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم امتنع عنه، وقال بأنه: «يريد أن يلقى الله وليست عليه ظلامة لأحد). فمعنى ذلك أن التسعير ظلم، فقد قال صلى الله عليه وسلم: «دعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض»، والتسعير هو مناف لهذه الحكمة، ولكن إن أدى الأمر إلى ضرر الناس، بحيث أخذ التجار يحتكرون المواد الضرورية التي تتوقف حياة الناس عليها، وهي الأقوات، ورفعوا أسعارها في وقت الاضطرار إلى ذلك، فإن للحاكم أن
يتدخل هنا بقدر ما يرفع الضرر عن المسلمين والله تعالى أعلم».
مجمل القول:
مما تقدم يمكن القول أن موقف العلماء من التسعير أنه لا يجوز في حالة الاختيار ما دام لم تدع الحاجة إليه، ولكن إذا ارتفعت أسعار الأقوات فتضرر الناس، يجب على الحاكم التدخل للحد من المضاربة بالأسعار، كما يحدث في بعض المناسبات في بعض البلدان مثل شهر رمضان والأعياد والأزمات ولا ريب أن الباعة سيلحقهم ضرر من جراء التسعير، ولمراعاة المصلحة
(1) أخرجه أبو داود في كتاب الإجازة، باب في التسعير (1287). وهو جزء من الحديث
المتقدم. (2) أخرجه مسلم في كتاب البيوع باب تحريم بيع الحاضر للبادي (1522). وهو جزء من الحديث المتقدم.
(3) الخليلي أحمد: فتاوى المعاملات، ص 118. ينظر، أطفيش، شرح النيل، طبعة وزارة التراث القومي.
والثقافة، عُمان، 347/ 27. (3/208)
صفحة 1359
الفصل الرابع: القاعدة الكلية الكبرى الرابعة
209
العامة، يتحمل الضرر الخاص لدفع الضرر العام، فإذا عاد السوق إلى حالته المعتادة وانخفضت الأسعار، وجب على الحاكم أن يطلق الأسعار ولا يتدخل في تحديدها ويتركها تخضع لقانون العرض والطلب ـ المعمول به في التجارة ـ لينتفع جميع الناس.
3 - تضمين الصناع وأصحاب الخدمات:
ذهب جمهور العلماء إلى وجوب تضمين الصناع وأصحاب الحرف والخدمات، وذلك منعاً لضررهم، وقد ظهر من خلال تعاملاتهم أنهم لا يلتزمون بشروط الأمانة، وهي حفظ الأشياء التي يقصدون صناعتها، ولا يمكن ردعهم إلا بتحميلهم مسؤولية تضييعهم وإهمالهم لمصالح الناس، فمن تسبب في تلف شيء يضمنه، فالخياط يضمن القماش، والنجار يضمن الخشب، وصاحب المركبات يضمن سلامة ركابه وما أشبه ذلك. بينما ذهب البعض إلى عدم تضمين الصناع؛ لأن الأصل فيه الأمانة، فهو كالوكيل والشريك أمين على مصالح موكله وشريكه، ولكن لما ظهر ضررهم واشتد خطرهم وجب تضمينهم، ولا شك أنه سيلحقهم بذلك ضرر معتبر، ولكن الضرر الذي يلحق الناس أعظم منه فهنا تعارضت المصلحة الخاصة مع المصلحة العامة، فتُرجح المصلحة العامة، عملاً بالقاعدة الفقهية يتحمل الضرر الخاص لدفع الضرر العام».
((
نقل الشماخي هذه المسألة في الإيضاح وأشار إلى اختلاف الإباضية في حكمها فقال: «وأما الضمان الذي يكون لمكان المصلحة وحفظ الأموال فقد اختلفوا فيه: قال بعض في الحمال أو العمّال الذي يعمل بيده بالأجرة ضامن لما هلك، أعني بالحمال: الذي يحمل على رأسه، فما سقط له من متاع أو وقع أو عشر، أو ما هلك منه فهو ضامن، وكذلك صاحب الدابة، قال من قال: يلزم الصناع الذين يصنعون بأيديهم، ولا يلزم الحمال على أنفسهم ولا على (3/209)
صفحة 1360
210
القواعد الفقهية عند الإباضية
دوابهم بالكراء، إلا ما أحدثوا وضيعوا، وقال من قال: لا يلزم أحد أولئك ضمان إلا ما ضيع أو أحدث بيده، وأما من أُخذ للحفظ بعينه، مثل الراعي والراقب، فلا ضمان عليه إلا على سبيل التضييع .... وقد ذُكر في الأثر: وإذا استأجر رجل رجلاً ليرعى له غنمه هذه، فما أفسدت من أموال الناس فهو ضامن له دون رب الغنم، وما هلك أيضاً فهو ضامن له إلا أن يكون أمراً غالباً، وقيل: إن الراعي إذا غلبه النوم وهو متكئ على عصاه فليس عليه شيء مما هلك من تلك الغنم، ولا فيما أفسدته في أموال الناس، وفرق بعضهم بين الأجير الخاص والمشترك، وفي الأثر: وروي عن الربيع بن حبيب الله أنه قال: كل أجير استأجره الرجل في داره وكان يعمل فيها ويخدم، فلا ضمان عليه، وكل أجير استأجره الرجل ولم يكن في داره في عمله وخدمته فهو ضامن، ومنهم من يرى عليهما الضمان جميعاً إلا أن يكون أمر غالب ... » (2)
وذهب جمهور الإباضية إلى تضمين المكاري، وهو الذي يتعاقد مع المسافرين لنقلهم أو نقل أمتعتهم على دوابه، ويمثل في عصرنا مركز السفريات والنقل، فقد يحجز المسافر مكانه في النقل البري أو البحري أو الجوي فتلغى الرحلة، أو تتأخر، أو تتسبب في ضياع الأمتعة، فيلحق هذا المسافر ضرراً بليغاً من جراء ذلك، ولذلك يجب على هذه الشركات أن تضمن لزبائنها حقوقهم، وتعوضهم أضرارهم إذا تسببت فيها، وهذا ما جرى عليه العمل في شركات النقل والشحن في يومنا. ولا يجوز لصاحب الشركة أن يدلس على الناس فيوهمهم بأن مركباته في حالة جيدة ومريحة فيظهر خلاف ذلك، وتلحقهم مشقة وعنت، ويزيد من معاناتهم في السفر، وهذا ما يوضحه الشماخي بقوله: «وكذلك أيضاً صاحب
(1) الشماخي: الإيضاح، 304/ 6.
(2) الشماخي: المصدر نفسه 304/ 6 - 305. (3/210)
صفحة 1361
الفصل الرابع: القاعدة الكلية الكبرى الرابعة
211
السفينة إذا أكراها لقوم فغرقت في البحر، ليس عليه ضمان ما هلك منها؛ لأن الماء عدو، إلا أن يكون غرّهم قبل ذلك فدلسهم بها، أو كان غير عالم بسياسة البحر، فهو حينئذ ضامن، ومنهم من يقول أن صاحب السفينة ليس عليه ضمان ما أصابها من فوقها، ولزمه ضمان ما أصابها من أسفلها من خرق أو كسر أو قطع به؛ لأن ذلك لا يكون من تضييعه ... » (1)
ويشير الشماخي إلى سبب اختلاف الفقهاء في تضمين الصناع والأجراء وعدمه، فيقول: «وهذا الاختلاف منهم يدل أن منهم من جعل الأجير بمنزلة المودع والوكيل والشريك، ولا ضمان عليه إلا فيما ضيع أو بغى بيده؛ لأنه أمين، ومنهم من جعله ضامناً؛ لأن المودع إنما قبض لمنفعة صاحب المال، والأجير إنما قبض لمنفعتهما جميعاً، فغلبت منفعة القابض، أصله القراض، والعارية عند من يرى تضمينها، وأما من فرّق في ذلك، فلعله إنما فرق من أجل قوة الدليل وضعفه في موضع من ذلك واستحساناً ... » (2).
4 - في الجنايات:
شرع القصاص والحدود لمنع القتل والحد من الجرائم، ومنع انتشار الفوضى، وظاهرة الانتقام والأخذ بالثأر، وجعل الشارع تنفيذ الأحكام والعقوبات من مسؤولية الحاكم أو نائبه، حفاظاً على سلامة الناس وحقوقهم، ولا شك أن في تطبيق العقوبات على المجرمين إضرار بهم، وفي ترك ذلك إضرار بالمجتمع، وسبب في زيادة معدل الجرائم وانعدام الأمن والسلام، فلما تعارضت المصلحة الخاصة مع المصلحة العامة ترجح العامة، فيتحمل الضرر الخاص لدفع ضرر عام، وعليه فالحدود التي شرعها الله لك لردع المعتدين كشرع قطع يد السارق مثلاً، فإنه عند النظر في هذا الأمر قد يقول
(1) الشماخي: نفسه 306/ 6 - 307.
(2) الشماخي: المرجع السابق، 305/ 6 - 306. (3/211)
صفحة 1362
212
القواعد الفقهية عند الإباضية
قائل: إن في إقامة هذا الحد من المصالح أكثر من هذه المفسدة، فإنه يحقق الأمن العام للناس جميعاً على أنفسهم وأعراضهم وأموالهم، والمصلحة العامة مقدمة على المصلحة الخاصة، ولأجل ذلك يتحمل هذا الضرر الخاص في سبيل دفع الضرر العام».
ولكن لو اعتدى أحد على شرف فتاة فاغتصبها وانتقم وليها منها ومن المغتصب فقتلهما، أو قتل أحدهما، فهل يسقط القصاص عليه ما دام في حالة الدفاع عن شرفه، أم تنفذ فيه العقوبة؟
وفي
هذه الحالة قد تعارضت مصلحة خاصة - وهي رد رد الاعتبار للولي المصلحة العامة الذي اعتدي على شرف بنته ـ مع وهي انتشار ظاهرة الانتقام والأخذ بالثأر، وتجاوز الحدود وانعدام الأمن العام سلامة الناس، فهنا تراعى المصلحة العامة ولو على حساب المصلحة الخاصة، ومع ذلك فالشارع الحكيم حافظ على حق الولي بأن كلف الحاكم بالانتقام له، وذلك بتطبيق عقوبة حد الزني على الزاني المغتصب. وقد ورد على الشيخ عبد الرحمن بكلي سؤال في هذا الموضوع فرجح المصلحة العامة على المصلحة الخاصة، وبيّن حكم الشرع بعيداً عن العاطفة. ومما جاء في فتاويه أنّ: إنساناً وجد رجلاً يرتكب فاحشة الزنا مع ابنته فقتلهما معاً، أو قتل أحدهما فماذا عليه؟». فأجاب: «الحدود والقصاص لا تقام إلا على يد الحاكم، وعلى يد من يأذن له الحاكم بإقامتها، فلا يقبل من أي أحد أن يتولى الاقتصاص من الجاني بنفسه حفظاً للنظام، ومنعاً للفوضى والفتنة، وإن ظل الزنا جريمة تثير الغيرة وتبعث على القتل كثيراً، وهذا إن سمع بالجريمة سماعاً، فكيف إذا شاهد ذلك المنظر المخزي بنفسه رأي العين، فقد لا يجد المجني عليه وسيلة لغسل العار الذي لحقه ولحق أهله إلا الدم. ورغم ذلك فإن لم يتمالك وأقدم على
(1) علوان إسماعيل، القواعد الفقهية الخمس الكبرى، ص 397. (3/212)
صفحة 1363
الفصل الرابع: القاعدة الكلية الكبرى الرابعة
213
قتل ابنته أو قتل الزاني بها، فإن كان المقتول هي ابنته فإنه لا يقتل بها؛ لأنه والد، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يقتل الوالد بالولد» (1) عن ابن عمر، وإنما تلزمه الدية يدفعها لورثتها ولا يرثها معهم. وإن كان المقتول هو الزاني فيقاد به ولا هوادة ولو أن الأمر موكول إلى القانون الوضعي لروعيت له ظروفه المخففة، أما والأمر قصاص ولا تبديل في القصاص، ولا مناص للحاكم إذا رفع الأمر إلا أن يجري القصاص طبق ما قرره الشرع، تطهيراً للمجتمع، وحفظاً للنظام، وإقراراً للأمن والسلام، وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَوَةٌ يَتأُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} (البقرة: 179)، ولو أن هذه الفاحشة كانت الزوجة لا مع مع البنت لكان لنا في حكومة عمر بن الخطاب أسوة حسنة، فقد قال هاني بن حزام كنت جالساً عند عمر بن الخطاب له فأتاه رجل فذكر أنه وجد مع امرأته رجلاً فقتلهما، فكتب عمر إلى عامله في العلانية أن يقتله، وكتب إليه في السر أن يأخذ الدية ... » (2).
مجمل القول:
يتضح مما سبق أن الشيخ عبد الرحمن يبدو أنه استند في حكمه إلى القاعدة الفقهية: «يتحمل الضرر الخاص لدفع الضرر العام»، فلا شك أن القاتل قد تضرر في عرضه وشرفه، ولكن حفظ النفس في هذه الحالة يقدم على حفظ النسل أو العرض، إلا إذا ثبت ذلك ببينة واضحة، فيعاقب بحد الزنا الرجم أو الجلد، ويكون من الحاكم اتقاء للضرر العام، وهو تفشي ظاهرة الانتقام في المجتمع، وما يترتب عليه من الفتن وسفك الدماء، وغياب الأمن والسلام ولذلك ترجح المصلحة العامة على المصلحة الخاصة في مثل هذه الأحوال.
(1) تقدم تخريجه. (2) رواه أنس، كتاب المدبَّر، باب ما جاء في الرجم، رقم: 1503، وعبد الرزاق، كتاب العقول، باب الرجل يجد على امرأته رجلاً، رقم: 17285، عن عمر بن الخطاب. ينظر: بكلي عبد الرحمن فتاوى البكري، 308/ 1 - 309. (3/213)
صفحة 1364
214
القواعد الفقهية عند الإباضية
في باب الحجر:
ومن الصور التي ذكرها الفقهاء في باب الحجر: جواز الحجر على المفتي الماجن حرصاً على دين الناس، والحجر على الطبيب الجاهل حرصاً على أرواح الناس، والحجر على المكاري المفلس حرصاً على أموالهم وأوقاتهم وإن تضرروا بذلك، دفعاً لضررهم عن الجماعة في أرواحها ودينها وأموالها)، عملاً بالقاعدة: يتحمل الضرر الخاص لدفع الضرر العام».
ذكر الثميني جملة من المضار يُحدثها بعض الناس ولهم فيها مصلحة خاصة، ولكن يضرون بها غيرهم، فيجوز للحاكم أن يحجر على من يحدثها، ويمنعه من فعلها، فإن تمادى في غيّه وأصر على نشر ضرره، عاقبه على ذلك. جاء في «الورد البسام»: «باب في الحجر والأخذ على نزع الضرر، وللحاكم أن يحجر على من يحدث قبراً في طرق أو أؤدية أو أسواق، أو مماصل أو أجبة أو بيوت وإن لخاص، أو في حريم ذلك، كبناء أو غرس أو طرح حجر، أو تراب أو رماد، أو نجس، أو حطب أو غير ذلك، وكذا في مسجد أو مصلى أو حريمهما ... وعلى من يفسد أموال الأخر أو المساكين، أو يحدث ضرّاً على مقبرة، وعلى من ينتزع العظام من القبور، وإن لدفن الموتى فيها، أو النبات أو الحجارة أو الحطب، أو ينشر القبور أو يرعى فيها أو يشقها بمشي ولو اندرست، ولا يترك ذمي أن يدفن في مقابر الموحدين، وعلى من يحدث ضراً في أموال الناس أو يؤذيهم في أنفسهم، أو يقطع عنهم ما ثبت لهم، وعلى من يغسل أو يغتسل في ماء راكد يحتاج إليه، أو يلعب فيه أو يغيره أو يورد فيه مواشي أو نحو ذلك ... » (2).
ويضيف الثميني في السياق نفسه وعلى أهل الملاهي كلعاب ومغنّ
(1) البورنو: الوجيز في إيضاح قواعد الفقه الكلية، ص 263. - الزرقا مصطفى: المدخل الفقهي
العام، 2/ 995.
(2) الثميني: الورد البسام، ص 188 - 189. (3/214)
صفحة 1365
الفصل الرابع: القاعدة الكلية الكبرى الرابعة
215
ونائح، وعلى من يقف إليهم ويغرد ولو غير بالغ، ويُفرَّقون ولو بضرب، أو تولد عنه فساد، ولا يضمن إن تولد، وعلى من يعمل آلات الملاهي كدف أو عود أو غيرهما، أو الأشربة المحرمة أو يبيعها، أو يأوي إليها أو يشتريها ... وعلى من يأمر بلعب أو قتال وإن بين حيوان، أو يلقب الناس بما يكرهون، أو يعلم الصبيان أخلاق السوء، وعلى اختلاط الرجال مع النساء في سوق أو عُرس أو غيرهما، وعلى دخولهن الأسواق، وعلى متشبه بهن من الرجال كعكسه ... وعلى ساحر وعرّاف وكاهن ومتعاط علم الغيب ... وعلى من يجمع بين الرجال والنساء، ومن يقودهن إليهم أو يقودهم إلى امرأته ... وعلى أهل الأسواق ألا يحدثوا فيها مضراً في نقص العيارات والموازين، وكتم العيوب والغش، كإظهار الحسن، وإخفاء، القبيح، وعلى من يتلقى السلع قبل أن تصل إلى منتهاها، وعلى محتكر وناجش، وعلى من يُدخل في الأسواق حراماً أو رباً، وعلى من يشتريها من آت بهما ... » (1).
ويتابع الثميني في ذكر أنواع أخرى من المضار فيقول: «وعلى الجزار ألا يترك مذبحاً بلا غسل، وألا يجر ذبيحة أو يسلخها قبل موتها، أو ينفخ في اللحم أو بغيره بدم، أو يجعل شحماً بين ضلوعها، أو ينزعه منها فيبيع الباقي بلا إظهاره، وعلى كل صانع ألا يغش ... وعلى الخبازين والشوائين ونحوهما أن يحسنوا طبخهم وألا يعملوا فيه مضراً، وعلى من يخلط ماء في زيت أو لبن، أو شعيراً في قمح أو في دواء غيره ... وعلى من يُعطش حيواناً ثم يبيعه بعد سقيه ... وللحاكم أن يحجر على من يحتطب من صبوب الأجنة، أو من زيتون أو نخل وتين ونحوهما، ومن يقطع الجريد والغصون، ومن ينزع
الليف، وعلى من يعجل بصرم نخله قبل الوقت إن أضر العامة (2).
(1) الثميني: المصدر نفسه، 190.
(2) الثميني: نفسه، ص 191. (3/215)
صفحة 1366
216
خلاصة القول:
القواعد الفقهية عند الإباضية
مما سبق يتضح أن جميع الصور التي ذكرها الثميني منهي عنها شرعاً؛ لما فيها من ضرر بالصالح العام ولو كان فيها مصلحة خاصة، فيجب أن يمنع صاحبها ويحجر عليه، ويعاقب إن تجاوز ذلك لدفع الضرر العام؛ لأن الشارع الحكيم أمر بحفظ الضرورات الخمس وهي الدين والنفس والعقل والنسل والمال، وجميع تلك المنهيات تتصادم تلك المنهيات تتصادم مع هذه الكليات، فيجب منع كل المفاسد التي تضر بالمصالح العامة، ولو لحق بالمصلحة الخاصة بعض الضرر، «فيتحمل الضرر الخاص لدفع الضرر العام» كما قرر الفقهاء. (3/216)
صفحة 1367
المطلب الخامس
قاعدة: «درء المفاسد أولى من جلب المصالح
أولاً: رعاية الشريعة الإسلامية للمصالح والمفاسد:
لما كان موضوع هذه القاعدة المصالح والمفاسد، فمن المناسب أن نمهد
للقاعدة بتمهيد عن رعاية المصلحة ودرء المفسدة في الشريعة الإسلامية. يعبر عن المصالح والمفاسد بالخير والشر، والنفع والضر، والحسنات والسيئات؛ لأن المصالح كلها خيور نافعات وحسنات، والمفاسد بأسرها شرور مُضرات وسيئات وقد غلب في القرآن الكريم استعمال الحسنات في المصالح والسيئات للمفاسد، قال تعالى: {إِنَّ الْحَسَنَتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذاكرين) (هود: 114).
ومعظم مقاصد القرآن تهتم باكتساب المصالح وأسبابها، والزجر عن اكتساب المفاسد وأسبابها، فكل مأمور به فيه مصلحة الدارين أو أحدهما، فما كان من اكتسابه محصلاً لأحسن المصالح فهو أفضل الأعمال، وما كان منهما محصلاً لأقبح المفاسد فهو أرذل الأعمال، فلا سعادة أصلح من العرفان والإيمان وطاعة
الرحمن، ولا شقاوة أقبح من الجهل بالديان والكفر والفسوق والعصيان). ولا يخفى على عاقل أن تحصيل المصالح المحضة، ودرء المفاسد المحضة عن نفس الإنسان وعن غيره محمود حسن، وأن تقديم أرجح المصالح فأرجحها محمود حسن، وأن درء أفسد المفاسد فأفسدها محمود حسن، وأن درء المفاسد الراجحة على المصالح الموجودة محمود حسن».
(1) العز بن عبد السلام، قواعد الأحكام في مصالح الأنام، 1/ 5. ـ السدلان، القواعد الفقهية الكبري، ص 514 - 515.
(2) ابن عبد السلام، قواعد الأحكام في مصالح الأنام، 1/ 5 - 7. (3/217)
صفحة 1368
218
القواعد الفقهية عند الإباضية
وقد التزمت الشريعة الإسلامية في أحكامها مبدأ رعاية مصالح الناس في الحياة وبعد الممات قال الشاطبي (1): إن وضع الشرائع إنما هو لمصالح العباد في العاجل والآجل معاً، واعتمدنا في ذلك على استقراء وتتبع الأحكام الشرعية فوجدنا أنها وضعت لمصالح العباد، فإن الله تعالى يقول في بعثة
و
الرسل: رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةُ بَعْدَ الرُّسُلِ ا (النساء: (16)، وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} (الأنبياء: 107). وقد علل ذلك الله بنفسه، فقال بعد آية الوضوء في تشريع رخصة التيمم: {مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٌ وَلَكِن يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ} (المائدة: 6). وقال في الصيام: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} (البقرة: 183). وفي الصلاة: إِن الصَّلَوَةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ} (العنكبوت: 45). وفي الجهاد: {أَذِنَ لِلَّذِينَ يُقَتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ (الحج: 39). وفي القصاص: {وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَوةٌ يَتأُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} (البقرة: 179). وفي تقرير مبدأ توحيد الإله: {أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَن تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَفِلِينَ} (الأعراف: 172).
هذا في الجانب الإيجابي للمطلوبات الشرعية، أما في الجانب السلبي فقد تعرض الزحيلي إلى بيان مظاهر رعاية الشريعة للمصلحة، فبين «أن الإسلام حرم كل نواحي الضرر والشر والفساد، وحرم الاعتداء على الحقوق وأكل أموال الناس بالباطل، ومنع كل ما يؤدي إلى ذلك من قمار وربا (فائدة) وغش في المعاملات، كما أنه حظر كل ما يلحقه الإنسان بنفسه من ضرر في جسده أو عقله، وحرم شرب الخمر، وتبديد الأموال والانتحار، وإجراء أي نوع من أنواع التعامل على الأعضاء والدم، كبيع النفس الحرة الكريمة، أو التصرف
(1) الشاطبي: الموافقات، 6/ 2، بتصرف. (3/218)
صفحة 1369
الفصل الرابع: القاعدة الكلية الكبرى الرابعة
219
بعوض في الدم والجوارح، أو إيجار المرأة نفسها للاستمتاع بها، ونحو ذلك مبدأ المحافظة على الكرامة الإنسانية كالاعتداء على حرية
مما يتنافى مع
الفكر والرأي والعمل والموطن أو الإقامة ... ). وهذه القاعدة تنطلق من مبدأ سد الذرائع الذي يقضي بتحريم كل الوسائل التي تؤدي إلى الفساد، يقول ابن القيم الجوزية: «لما كانت المقاصد لا يتوصل إليها إلا بأسباب وطرق تفضي إليها، كانت طرقها وأسبابها تابعة إليها مقيدة بها، فوسائل المحرمات والمعاصي في كراهيتها، والمنع منها بحسب إفضائها إلى غاياتها وارتباطاتها ووسائل الطاعات والقربات في محبتها والإذن بها بحسب إفضائها إلى غاياتها، فوسيلة المقصود تابعة للمقصود وكلامهما مقصود، لكنه مقصود قصد الغايات وهي مقصودة قصد الوسائل ... » (3).
ثانياً: مدلول القاعدة:
تتفرع هذه القاعدة عن قاعدة الضرر يزال، وعبّر عنها الإباضية بصيغة مماثلة أو قريبة منها، جاء في جواهر القواعد القاعدة الرابعة: «درء المفاسد أولى من جلب المصالح (3). وعبر عنها السالمي بقوله: «دفع المفسدة أهم من جلب المصلحة)، أو دفع المفسدة أهم من تحصيل المصلحة). الدرء: بمعنى الدفع، فيقال: درأت الشيء درءا من باب دفع دفعته
ودارأته: أي دافعته، وتدارؤوا تدافعوا.
(1) الزحيلي وهبة نظرية الضرورة الشرعية ص 49 - 50. الزرقا مصطفى، المدخل الفقهي العام، 540/ 2. وما بعدها. البوطي، ضوابط المصلحة، ص
(2) ابن قيم الجوزية إعلام الموقعين، 147/ 3.
(3) الراشدي: جواهر القواعد، ص
181
(4) السالمي: طلعة الشمس، 205/ 2.
(5) السالمي: المصدر نفسه، 119/ 2.
280
(6) الفيومي: المصباح المنير، مادة درأ، ص 263. - الراغب الأصفهاني، المفردات، ص 169. (3/219)
صفحة 1370
220
القواعد الفقهية عند الإباضية
وقد استعمله الفقهاء بهذا المعنى كقولهم: «درء الحدود بالشبهات، أي
دفع إقامة الحدود لشبهة من الشبه المعتبرة شرعاً).
الجلب الإتيان بالشيء من موضع إلى موضع
- المفاسد
(2)
جمع مفسدة، الضرر وما يؤدي إلى الفساد من لهو ولعب
ونحوهما، والمفسدة خلاف المصلحة (3). والمراد بدرء المفاسد: رفعها
وإزالتها، قال السالمي: «والمراد بالمفسدة الألم ووسيلته» (4).
المصالح جمع لمعنى الصلاح، كالمنفعة بمعنى النفع وكل ما كان فيه نفع، سواء كان بالجلب والتحصيل، كاستحصال الفوائد واللذائذ أو بالدفع والارتقاء، كاستبعاد المضار والآلام فهو جدير بأن مصلحة (5). يسمى
مصلحة، والمصلحة كالمنفعة لفظاً ومعنى، فهو مصدر
ويشير السالمي إلى هذا المعنى في سياق حديثه عن مدلول الحكمة فقال: والمراد بالحكمة تحصيل المصلحة أو دفع المفسدة، والمراد بالمصلحة اللذة ووسيلتها ... وكل منهما إما نفسي أو بدني أو ديني أو دنيوي ... ». ويلاحظ من تعريف السالمي أن مدلول المصلحة هو اللذة ووسيلتها، سواء كانت دينية أو دنيوية أو نفسية أو بدنية.
والمصلحة عند الفقهاء هي: المحافظة على مقصود الشرع بدفع المفاسد
عن الخلق).
(1) قلعة جي وقنيبي: معجم لغة الفقهاء، ص 207. (2) ابن فارس معجم مقاييس اللغة، 469/ 1. (3) سعدي أبو جيب: القاموس الفقهي لغة واصطلاحاً، ص 286.
(4) السالمي: طلعة الشمس، 119/ 2.
(5) السدلان: القواعد الفقهية، ص
520
(6) السالمي: طلعة الشمس، 119/ 2.
(7) الزحيلي وهبة نظرية الضرورة الشرعية، ص 54. (3/220)
صفحة 1371
الفصل الرابع: القاعدة الكلية الكبرى الرابعة
221
ويمكن أن تعرف بأنها «المنفعة التي قصدها الشارع الحكيم لعباده من حفظ دينهم، ونفوسهم وعقولهم ونسلهم وأموالهم، طبق ترتيب معين
فيما بينها» (1).
ومن نعم الله وفضله على أمة الإسلام أنه أحل لهم الطيبات وحرم عليهم الخبائث، وأحل لهم ما ينفعهم وحرم عليهم ما يضرهم، وما فيه مفسدة دينهم ودنياهم، وإن الفعل البشري مهما سما وكمل، فهو قاصر عن إدراك الحكم في الأمور، ولا يعلمها كلها على الحقيقة إلا العليم الخبير جل وعلا، ولا يكاد يخلو فعل من أفعال البشر من مصالح و مفاسد، والقسمة العقلية لموضوع اجتماع المصالح والمفاسد تقتضي تقسيم الأحوال إلى أربعة:
الأول: أن تزيد المصالح على المفاسد.
الثاني:
أن تزيد المفاسد على المصالح.
الثالث: أن تتساوى المصالح والمفاسد.
الرابع: التردد في أيهما الغالب.
وفي الحالتين الأوليين الحكم للغالب منهما، فإذا غلبت المصالح حل الشيء وجاز الفعل، وإذا غلبت المفاسد حرم الشيء ولا يجوز الفعل، كما الله وعمل الخمر لغلبة المفاسد على المنافع، وقد وضع الفقهاء قاعدة تضبط ذلك فقالوا: إذا تعارضت المصالح والمفاسد قدم الأرجح منها على المرجوح.
حرم
أما الحالتين الأخيرتين فهما اللتان تشملهما هذه القاعدة، وهذا من تمام لطف الله بعباده وفضله عليهم ورحمته إذ شرع درء المفاسد وتقليلها، وحث على تحصيل المصالح وتكميلها، فالحمد لله أولاً وأخيراً).
(1) البوطي محمد سعيد ضوابط المصلحة في الشريعة الإسلامية، ص 23.
(2) علوان إسماعيل، ص 390 - 391. (3/221)
صفحة 1372
222
القواعد الفقهية عند الإباضية
المعنى الإجمالي للقاعدة:
إذا تعارضت المصالح والمفاسد في فعل شيء أو الكف عنه فإنه يقدم دفع المفاسد على جلب المصالح؛ لأن الشارع الكريم حرص على منع المنهيات، وأكد على ذلك أكثر من تأكيده على تحقيق المأمورات؛ ولأن للمفاسد سرياناً وتوسعاً كالوباء والحريق، فمن الحكمة والحزم القضاء عليها في مهدها، ولو ترتب على ذلك حرمان من منافع أو تأخير لها. ويؤكد فقهاء الإباضية هذا المعنى، فيقول السالمي: «إذا تعارض دليلان أو في أحدهما تحصيل المصلحة وفي الآخر دفع مفسدة، ولم يمكن الجمع بينهما بوجه، قدّم الدافع للمفسدة على الجالب للمصلحة؛ لأن المفسدة أهم من تحصيل المصلحة (2).
علتان
دفع
ويؤكد هذا المعنى في موضع آخر في سياق حديثه عن ترجيح الأدلة من جهة الحكم، فيقول: «يكون الترجيح من جهة الحكم بوجوه منها، أن ما دل على التحريم مقدّم على ما دل على الإباحة، وعلى ما دل على الندب، وعلى ما دل على الوجوب وعلى ما دل على الكراهة ... وأما ترجيحه على ما دل على الندب؛ فلأن دفع المفاسد أهم وذلك واضح، فإن دفع الضرر أهم من استجلاب النفع، وأما ترجيحه على الدال على الكراهة؛ فلأن الأخذ بالحظر أحوط فهو أبلغ في درء المفاسد، وأما ترجيحه على الدال على الوجوب؛ فلأن الوجوب لجلب المصالح، والحظر لدفع المفاسد، ودفع المفسدة أهم من جلب المصلحة» (3). وتتفق عبارة الراشدي مع السالمي في قوله: «فإذا تعارضت مفسدة
ومصلحة قدم درء المفسدة غالباً، لاعتناء الشارع بالمنهيات» (4). ويوضح
(1) الزرقا مصطفى: المدخل الفقهي العام، 2/ 996 ـ شبير محمد عثمان، القواعد الكلية، ص
(2) السالمي: طلعة الشمس، 205/ 2.
(3) السالمي: المرجع نفسه، 205/ 2.
(4) الراشدي سفيان جواهر القواعد، ص 141.
182
أن (3/222)
صفحة 1373
الفصل الرابع: القاعدة الكلية الكبرى الرابعة
223
الشريعة جاءت لجلب المصالح ودفع المفاسد، فإذا تعارضت فتدفع المفاسد ولو على حساب المصالح، فيقول: فمعنى قولنا: (الضرر مزال) محكوم بزواله؛ لأنه مفسدة، وقد جاء الشرع الشريف بدرء المفاسد، ولذا قال بعض بحصر بدرء المفاسد وجعل منه جلب المصالح؛ منه جلب المصالح؛ لأنه مشروط
العلماء
الفقه
بألا تكون مفسدة، فإن كانت قُدّم درؤها على جلب المصلحة).
ثالثاً: الضابط في تحصيل المصالح ودرء المفاسد:
إن الفعل إذا تضمن مصلحة مجردة حصلناها، وإن تضمن مفسدة مجردة درأناها، وإن تضمَّن مصلحة من وجه ومفسدة من وجه، فإن استوى في نظرنا تحصيل المصلحة ودفع المفسدة، توقفنا على المرجح وإن لم يستو ذلك، بل ترجح أحد الأمرين تحصيل المصلحة أو دفع المفسدة فعلناه، «إذ إن العمل الراجح متعين شرعاً، وعلى هذا تتخرج جميع الأحكام الأحكام عند تعارض المصالح والمفاسد فيها أو عند تجريدها» (2).
يقول العز بن عبد السلام: «إذا اجتمعت مصالح ومفاسد، فإن أمكن تحصيل المصالح ودرء المفاسد فعلنا ذلك امتثالاً لأمر الله تعالى فيهما، لقوله: فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} (التغابن: (16)، وإن تعذر الدرء والتحصيل، فإن كانت المفسدة أعظم من المصلحة درأنا المفسدة ولا نبالي بفوات المصلحة (3). ويؤكد السالمي هذا المعنى في معرض حديثه عن ترجيح الدليل عند معارضته بأمور خارجية، فيقول: « ... ومنها تقديم الأقرب للمعهود، والمراد به ما عهدته العقلاء من جلب المصالح ودفع المفاسد، فإذا تعارض دليلان
(1) الراشدي: المصدر نفسه،
ص
137
(2) الطوفي: شرح مختصر الروضة، تحقيق د. عبد الله التركي، ط 1، مؤسسة الرسالة، لبنان،
1410 هـ / 1990 م، 214/ 3 - 215.
(3) العز بن عبد السلام: قواعد الأحكام، 98/ 1. (3/223)
صفحة 1374
224
القواعد الفقهية عند الإباضية
في
ذلك
مدلول أحدهما أقرب لجلب المصلحة، أو أبلغ في دفع المفسدة، رجح على معارضه، فإن تعارض الدليلان وكان أحدهما جالباً للمصلحة والآخر دافعاً للمفسدة، رجح الدافع للمفسدة؛ لأن دفع المفاسد أهم من جلب المصالح). وينبه ابن عبد السلام إلى أنه قد تجتمع المفاسد المجردة عن المصالح، فيرشدنا إلى طريقة الموازنة بينها، وذلك إذا اجتمعت المفاسد المحضة فإن أمكن درءها درأنا، وإن تعذر درء الجميع درأنا الأفسد فالأفسد، والأرذل فالأرذل، فإن تساوت فقد يتوقف وقد يتخير، وقد يختلف في التساوي والتفاوت، ولا فرق بين مفاسد المحرمات والمكروهات ولاجتماع المفاسد أمثلة منها: أن يكره على قتل مسلم بحيث لو امتنع منه قتل، فيلزمه أن يدرأ مفسدة القتل بالصبر على القتل؛ لأن صبره على القتل أقل مفسدة من إقدامه عليه، وإن قدر على دفع المكروه بسبب من الأسباب لزمه ذلك لقدرته على درء المفسدة، وإنما قدم درء القتل بالصبر لإجماع العلماء على تحريم القتل، واختلافهم في الاستسلام للقتل، فوجب تقديم درء المفسدة للجمع على وجوب درء المفسدة المختلف في وجوب درئها. ـ وكذلك لو أكره على الزنا واللواط، فإن الصبر مختلف في جوازه، ولا خلاف في تحريم الزنا واللواط).
ولكن نجد بعض الفقهاء المعاصرين يرى ترجيح المفسدة على المصلحة إذا تساوتا، ويخالف بذلك غيره من الفقهاء، فيقول: «عند الموازنة بين المصالح والمفاسد تعتبر المصالح إذا كانت غالبة، فتقدم على المفاسد، وتقدم المفاسد إذا كانت غالبة، أما عند التساوي بين المصالح والمفاسد، فتقدم المفاسد على المصالح، أي يقدم دفع المفاسد على جلب المصالح».
(1) السالمي: طلعة الشمس، 2/ 208 - 209. (2) ابن عبد السلام، قواعد الأحكام، 93/ 1. (3) شبير محمد عثمان: القواعد الكلية، ص 186. (3/224)
صفحة 1375
الفصل الرابع: القاعدة الكلية الكبرى الرابعة
225
ولم يعلل صاحب هذا الرأي اختياره وسبب ترجيح ذلك، ولعله اعتمد على ما لاحظه من أحكام الشارع أنه يعتني بالمنهيات أكثر من اعتنائه بالمأمورات، ولكن عند التأمل والنظر يظهر مدى وجاهة رأي الجمهور في ترك الاختيار للمكلف، إن شاء توقف وإن شاء رجح بين المصالح والمفاسد، والله أعلم.
رابعاً: معيار إدراك المصلحة والمفسدة في الإسلام
إن الشريعة المطهرة هي الميزان في تقدير المصالح والمفاسد، ثم الاعتبار باجتهاد الفقهاء المحققين في هذا الباب، وبناء عليه فإن المعيار الصحيح لإدراك المصالح ودرء المفاسد في الإسلام هو القرآن الكريم، وما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم. وإذا كان من أفضل نعم الله تعالى على عباده العقل الراجح والبصيرة النافذة، لهذا فهو يدرك المصالح ويدرك حسن الشريعة وقبح ما خالفها، وبه يعرف الأمور على ما هي عليه، ويميز به الحق من الباطل، فإن قدر المكلف على اتباع النصوص لا يعدل عنها وإلا اجتهد برأيه لمعرفة الأشباه والنظائر). يقول ابن تيمية تحت عنوان «القاعدة العامة»: «إذا تعارضت المصالح والمفاسد والحسنات والسيئات أو تزاحمت فإنه يجب ترجيح الراجح منها، فيما إذا ازدحمت المصالح والمفاسد، فإن الأمر والنهي وإن كان متضمناً لتحصيل مصلحة ودفع مفسدة، فينظر في المعارض له، فإن كان الذي يفوت من المصالح أو يحصل من المفاسد أكثر لم يكن مأموراً به، بل يكون محرماً إذا كانت مفسدته أكثر من مصلحته لكن اعتبار مقادير المصالح والمفاسد هو بميزان الشريعة، فمتى قدر الإنسان على اتباع النصوص لم يعدل عنها، وإلا اجتهد برأيه لمعرفة الأشباه النظائر، وقلّ أن تجوّز النصوص من يكون خبيراً بها وبدلالتها على الأحكام» (2).
(1) الندوي القواعد الفقهية ص 313 - السدلان القواعد الفقهية، ص 517. (2) ابن تيمية مجموع فتاوى شيخ الإسلام، ج 29/ 28. (3/225)
صفحة 1376
226
القواعد الفقهية عند الإباضية
فسواء أكان معرفة الحكم هو النص الصريح المباشر في القرآن الكريم أم السُّنَّة أم اجتهاد المجتهدين، فإن الله الله هو مصدر الشرائع والأحكام؛ لأن دور المجتهد ينحصر في إبراز حكم الله، والكشف عنه بطريق الاستنباط العقلي ضمن مقاصد الشريعة وحسب روحها العامة)، إلا أن ما يكون متفقاً مع الحكمة ومحققاً للمصلحة، فما أباحه فهو نافع وما حرمه فهو ضار خبيث، وقد تأكدت هذه الحكمة باستقراء الأحكام الشرعية وفهمها، فإنها كلها شرعت لتحقيق مصلحة الإنسان، إما لجلب النفع له أو لدفع الضرر عنه، فما جعله الشرع مباحاً مأذوناً أو واجباً مفروضاً على الإنسان فهو إما نافع له نفعاً محضاً، أو أن نفعه أكثر من ضرره، أو أنه محقق للمنفعة لأكبر مجموعة من الناس، وما جعله الشرع حراماً أو مكروهاً فلأنه شر محض، أو لأن ضرره أكثر من نفعه أو لأنه ضار بمصلحة أكبر مجموعة من الناس» (2).
ولهذه المعاني كلها وجب أن يكون مقياس اعتبار المصلحة والمفسدة، ومعيار النفع والضرر تقديم الشرع الحكيم وهو الله الله لما في ذلك من ثبات وخلود وضمان أكيد لمصلحة الفرد والجماعة، وتهيئة الإنسان في الحياة الأخرى (3). وفي الحقيقة إن إدراك معاني المصالح والمفاسد مبني على فهم مقاصد الحكيم، ومن المعلوم أن حظوظ الفقهاء متفاوتة في هذا المجال،
التشريع
محمد بن
(1) ذكر الفقيه باجو في كتابه منهج الإجتهاد عند الإباضية أن أبا العباس أحمد بن أبي بكر الفرسطائي اهتم في كتابه تبيين أفعال العباد» بالاجتهاد المقاصدي، وبناء الأحكام على اعتبار النوايا التي تصدر عنها من الأفعال، وبلغنا أن الكتاب محقق ولا يزال مخطوطاً،
يراجع منهج الاجتهاد عند الإباضية، ص 48.
(2) الشاطبي: الموافقات، 2/ 25. ـ ابن قيم الجوزية، إعلام الموقعين، 388/ 1. ـ الزحيلي وهبة، نظرية الضرورة الشرعية، ص 15 - 16.
(3) الشاطبي: المصدر نفسه، 37/ 2 وما بعدها، الزحيلي وهبة المرجع نفسه، ص 18. (3/226)
صفحة 1377
الفصل الرابع: القاعدة الكلية الكبرى الرابعة
227
فبقدر ما يرسخ الفكر المقاصدي في ذهن الفقيه تتسع آفاقه في دراية المصلحة أو المفسدة)، وإلى هذا المعنى يشير النص الآتي من «قواعد الأحكام»، ومما جاء فيه ومن تتبع مقاصد الشرع في جلب المصالح ودرء المفاسد حصل له من مجموع ذلك اعتقاد أو عرفان بأن هذه المصلحة لا يجوز إهمالها، وأن هذه المفسدة لا يجوز قربانها، وإن لم يكن فيها إجماع ولا نص ولا قياس خاص، فإن فهم نفس الشرع يوجب ذلك، ومثل ذلك أن من عاشر إنساناً الفضلاء الحكماء العقلاء فهم ما يؤثره ويكرهه في كل ورد وصدر، ثم سنحت له مصلحة أو مفسدة لم يعرف قوله فيها فإنه يعرف بمجموع ما عهده من طريقته وألفه من عادته أنه يؤثر تلك المصلحة ويكره تلك المفسدة، ولو تتبعنا ما في الكتاب والسُّنَّة لعلمنا أن الله أمر بكل خير دقه وجله، وزجر عن
كل شر دقه وجله (2). ويشير وهبة الزحيلي إلى جانب هام في تقدير النفع والضرر في الأشياء فيقول: «وأما إن ارتبط تقديم النفع والضرر بإرادة بشرية فإن الأنظمة تكون غالباً. عرضة للعبث والتلاعب والإخلال بالمصلحة العامة؛ لأن ما يتخيله الناس نفعاً أو ضرراً يتأثر عادة بالأهواء والأغراض الخاصة، أو يكون محصوراً في دائرة ضيقة، أو منظوراً إليه من زاوية معينة، أو قاصراً غير شامل، مما يجعل التشريع مطعوناً فيه بالنقص، أو عرضة للتغير والتبدلات التي لا صلة لها بتغير وجه المصلحة، وعندئذ تسوء الحال، ويعم الفساد، وتضطرب الأوضاع، ويكثر التبرم والسخط، لا سيما على الأخص عند التأثر بالأهواء الخاصة، فقد يرى الإنسان ما هو ضار نافعاً، فيستحل السرقة أو شرب الخمر مثلاً، وقد قد يرى ما هو نافع ضاراً، فيجد في الزكاة مثلا نقصاً لماله تطهير للمال، وقضاء على الفقر، كما يرى الرجل الخروج إلى الجهاد ضاراً به
مع أنها
من
(1) الندوي: القواعد الفقهية، ص 314.
(2) ابن عبد السلام: قواعد الأحكام، 160/ 2. (3/227)
صفحة 1378
228
القواعد الفقهية عند الإباضية
مع
أن فيه رعاية لمصالح الجماعة، وحماية البلاد»)، قال تعالى: {وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ) (المؤمنون: 71).
ولهذا كان لزاماً على المسلم أن يتجنب أولاً ما حرمه الشارع أو نهى عنه قبل أن يفعل ما أمر به؛ لأن درء المفاسد مقدم على جلب المصالح»، وذلك لتجنيب الناس الوقوع في الضرر والمفاسد القبيحة التي تؤذيهم في أموالهم وأنفسهم وأعراضهم وعقولهم، ومعلوم أن الإسلام لم يحرم شيئاً على الناس إلا أحلَّ خيراً منه، مما يسد مسده ويغني عنه، مما يدل على سماحة هذا الدين وإرادته الخير والهداية والرحمة للعالمين)
خامساً: تأصيل القاعدة
(2)
استدل الفقهاء على هذه القاعدة بأدلة من القرآن والسُّنَّة كلها تحث وتوجه
إلى معانيها، نذكر منها:
أ ـ من القرآن الكريم:
ومن النصوص القرآنية التي يمكن الاستئناس بها في تقرير هذا الأصل: 1 - قوله تعالى: {يَسْتَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمُ كَبِيرُ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِن نَفْعِهِمَا} (البقرة: 219).
وجه الاستدلال بالآية لا شك أن منفعة الخمر في الاتجار بها والانتفاع بثمنها، ومنفعة الميسر فيما يأخذه المقامر من المقمور، وإثمهما في إفساد العقل والإضرار بالصحة، وإحداث الشقاق بين الناس المؤدي إلى تفريق كلمة المسلمين والصدّ عن
(1) الزحيلي نظرية الضرورة الشرعية، ص 18.
(2) السدلان: القواعد الفقهية، ص 519. (3/228)
صفحة 1379
الفصل الرابع: القاعدة الكلية الكبرى الرابعة
229
ذكر الله وعن الصلاة، ولا شك أن هذا الإثم أكبر من ذلك النفع فوجب درء
مفسدة الإثم على جلب مصلحة النفع
(1)
جاء في تفسير المنار في قوله تعالى: {وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا * (البقرة: (219)، وهذا القول إرشاد للمؤمنين إلى طريق الاستدلال، فكان عليهم أن يهتدوا منه إلى القاعدتين اللتين تقررتا في الإسلام «قاعدة درء المفاسد مقدم على جلب المصالح وقاعدة ترجيح ارتكاب أخف الضررين إذا كان لا بد من أحدهما ... » (2)
2 - ومنه قوله تعالى: {وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُوا اللَّهَ عَدُوا بِغَيْرِ عِلْمٍ} (الأنعام: 108).
وجه الاستدلال بالآية:
6
إن في سب آلهة الكفار مصلحة وهي تحقير دينهم وإهانتهم لشركهم بالله الله، ولكن لما تضمن ذلك مفسدة وهي مقابلتهم السب بسب الله وحل نهى الله الله عن سبهم درءا لهذه المفسدة (3)، كما أن الآية تفيد أيضاً أن نهي الله الله عباده المؤمنين أن يسبوا أوثان المشركين يترتب عليه ضرر أشد؛ لأنه علم أنهم إذا سبوها نفر الكفار عن الإسلام، وازدادوا كفراً بسبهم، وقد روي في سبب نزول الآية عن ابن عباس الا الله أن المشركين قالوا: يا محمد لتنتهين عن سبك آلهتنا أو لنهجون ربك، فنهى الله أن يسبوا أوثانهم، فيسبوا الله عدواً بغير علم، وروي عن قتادة نحوه (4).
(1) العزبن عبد السلام: قواعد الأحكام في مصالح الأنام، 98/ 1. ابن عاشور: مقاصد الشريعة
الإسلامية، ص 178.
(2) محمد رشيد رضا، تفسير المنار المسمى بتفسير القرآن الحكيم 2322
(3) البورنو الوجيز، ص 265.
(4) الواحدي: أسباب النزول، ص 255. (3/229)
صفحة 1380
230
القواعد الفقهية عند الإباضية
قال القرطبي في تفسيره: «قال العلماء حكمها باق في هذه الأمة على كل حال، فمتى كان الكفار في منعة وخيف أن يسب الإسلام أو النبي صلى الله عليه وسلم أو الله رحل، فلا يحل لمسلم أن يسب صلبانهم ولا دينهم ولا كنائسهم وعل، ولا يتعرض إلى ما يؤدي إلى ذلك؛ لأنه بمنزلة البعث على المعصية ... » (1). ومن هنا نخلص إلى القول أن الآية الكريمة يستفاد منها أن مفسدة سب الله تعالى المترتبة على مصلحة سب آلهة المشركين، وإعلان البراءة منها، مقدمة على هذه المصلحة، فيجب على المسلم أن يمتنع عن هذه المصلحة إذا كانت تؤدي إلى مفسدة أو نحوها.
ب ـ من السنة النبوية:
أما السُّنَّة ففيها أحاديث كثيرة يمكن الاستدلال بها لهذه القاعدة فمن ذلك: 1 - ما رواه أبو هريرة عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «دعوني ما تركتكم فإنما أهلك من كان قبلكم سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم، فإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه، وإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم.
وجه الاستدلال بالحديث
قال الحافظ ابن حجر قال النووي: هذا من جوامع الكلم وقواعد الإسلام ويدخل فيه كثير من الأحكام واستدل به على أن اعتناء الشرع بالمنهيات فوق اعتنائه بالمأمورات؛ لأنه أطلق الاجتناب في المنهيات ولو مع المشقة في الترك، وقيد في المأمورات بقدر الطاقة» (3).
(1) القرطبي: الجامع لأحكام القرآن، ص 61/ 7.
(2) أخرجه البخاري في صحيحه (96)، كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة، باب الاقتداء بسنن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ص 1294، رقم: 7288، كما رواه الإمام مسلم في صحيحه بنحوه في (43)، كتاب الفضائل (37) باب توقيره وترك إكثار سؤاله عما لا ضرورة إليه ... ص 1022 رقم (3) ابن حجر العسقلاني، فتح الباري، 262/ 13، النووي الشرح على مسلم، 102/ 9.
130 (3/230)
صفحة 1381
الفصل الرابع: القاعدة الكلية الكبرى الرابعة
231
بالاستطاعة
جاء في جامع العلوم والحكم قال بعض العلماء: هذا يؤخذ منه أن النهي أشد من الأمر؛ لأن النهي لم يرخص في ارتكاب شيء منه، أما الأمر فقيد وروي هذا عن الإمام أحمد» (1). وقال ابن رجب: «والتحقيق في هذا: أن الله لا يكلف العباد من الأعمال ما لا طاقة لهم به، فقد أسقط عنهم كثيراً من الأعمال بمجرد المشقة رخصة عليهم ورحمة المشقة رخصة عليهم ورحمة بهم، وأما المناهي فلم يعذر أحداً بارتكابها بقوة الداعي والشهوات بل كلفهم تركها على كل حال، وأن ما أباح أن يتناول من المطاعم المحرمة عند الضرورة ما تبقي معه الحياة لا لأجل التلذذ والشهوة، ومن هنا يعلم صحة ما قاله الإمام أحمد: إن النهي أشد من الأمر ... » (2).
2 ـ حديث ابن عمر عنه أن النبي ما نهى عن الوصال: قالوا إنك تواصل،
قال: «إني لست كهيئتكم إني أطعم وأسقى (3). والوصال أن يصل صيام يومين وأكثر من غير أن يفطر بينهما، وقد نهى عنه له لما فيه من مفسدة إضعاف قوة البدن التي تسبب له القعود عن كثير من العبادات، فيفوته بذلك أكثر مما يحصل له بالوصال.
من
الأجر
وبالجملة فإن جميع ما نهى الله تبارك وتعالى عنه إنما نهى عنه لتضمنه من المفاسد ما اقتضى بتحريمه والنهي عنه؛ لأن الشارع لا يأمر إلا بما مصلحته
خالصة أو راجحة، ولا ينهى إلا عما مفسدته خالصة أو راجحة (4).
ولأن للمفاسد سرياناً وتوسعاً كالوباء والحريق، فمن الحكمة والحزم القضاء عليها في مهدها، ولو ترتب على ذلك حرمان من منافع أو تأخر لها،
(1) ابن رجب الحنبلي: جامع العلوم والحكم، 246/ 1. (2) ابن رجب المرجع نفسه، 249/ 1.
عن
الوصال في
الصوم،
(3) متفق عليه واللفظ لمسلم أخرجه مسلم في كتاب الصيام، باب النهي (772/ 2) وأخرجه في كتاب الصوم، باب بركة السحور من غير إيجاب ... (139/ 4) مع الفتح. (4) السعدي: القواعد والأصول الجامعة والفروق والتقاسيم البديعة النافعة، ص 5. (3/231)
صفحة 1382
232
القواعد الفقهية عند الإباضية
فإذا كان للشيء أو العمل محاذير تستلزم منعه، ودواعي تقتضي تسويغه يرجح منعه؛ لأن درء المفاسد مقدم على جلب المصالح).
3 ـ حديث سعد بن أبي وقاص له قال رد رسول الله صلى الله عليه وسلم على عثمان بن مظعون التبتل ولو أذن له لاختصينا» (2).
وجه الاستدلال بالحديث
ففي هذا الحديث نهى النبي صلى الله عليه وسلم هذا الصحابي عن التبتل وهو الانقطاع للعبادة، وترك أمور الدنيا كلها من طلب المعايش والنكاح ونحو ذلك (3). نهاه عن ذلك لما فيه من مفسدة تعريض نفسه للفتنة والسآمة بسبب التشدد، وتقليل عدد المسلمين بالإعراض عن النكاح الذي هو سبب التكاثر، وزيادة عدد الأمة وتكثير سوادها، نهى عنه مع ما قد يكون فيه من مصلحة خاصة بالمتبتل من صفاء ذهنه وخلوه عن الشواغل، مما يساعده على التفكير في خلق الله وعظمته وزيادة إيمانه لكثرة عبادته وصلاح نيته لانقطاعه عن الناس، ولكن هذه المصلحة الخاصة عارضتها مفسدة متعدية كما تقدم، ولو قدر أن النبي صلى الله عليه وسلم أباح لهم التبتل واختصُوا بعد ذلك؛ لئلا يفكر أحد منهم بشهوة النساء، فكيف يكثر سواد المسلمين؟ وكيف تقوى شوكتهم، ويهابهم عدوهم؟ (4).
4 ـ حديث أنس بن مالك له قال: جاء ثلاثة رهط إلى بيوت أزواج النبي يسألون عن عبادة النبي صلى الله عليه وسلم فلما أخبروا وكأنهم تقالوها فقالوا: وأين
(1) الزرقاء: المدخل الفقهي، 2/ 996، 997، الراشدي - جواهر القواعد، ص 141. ـ السدلان، القواعد الفقهية، ص 522. (2) متفق عليه واللفظ لمسلم أخرجه مسلم في كتاب النكاح، باب استحباب النكاح لمن تاقت نفسه إليه، واشتغال من عجز عن المؤن بالصوم (10202) وأخرجه البخاري في كتاب
النكاح، باب ما يكره من التبتل والخصاء، (117/ 9) مع الفتح.
(3) ابن الأثير: النهاية في غريب الحديث، 94/ 1.
(4) علوان إسماعيل القواعد الفقهية، ص 386. (3/232)
صفحة 1383
الفصل الرابع: القاعدة الكلية الكبرى الرابعة
233
نحن من النبي صلى الله عليه وسلم وقد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وقال أحدهم: أما أنا فأصلي الليل أبداً، وقال الآخر: أنا أصوم الدهر ولا أفطر، وقال آخر: أنا أعتزل النساء ولا أتزوج أبداً، وجاء الرسول صلى الله عليه وسلم إليهم فقال: «أنتم الذين قلتم كذا وكذا، أما والله إني لأخشاكم الله وأتقاكم له، لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني
وجه الاستدلال بالحديث: ففي هذا الحديث يَهُمَّ كُلٌّ من هؤلاء الثلاثة من الصحابة - ه - بعمل صالح، ويظهر أن لهم فيه مصلحة ككثرة العبادة، وزيادة الأجر، والقرب من الله تعالى بذلك، إلا أن النبي الله عَدَّ ما هموا به من الأعمال خروجاً من هديه وسنته، وأمرهم باتباعه، وهو صلى الله عليه وسلم أخشى الله منهم، وأتقاهم له، ومع ذلك لم يفعل ما هموا به ولننظر ما هموا به من الأعمال، هل فيه مفسدة؟ أم أنه
مصلحة خالصة؟
فالأول: قيام الليل فهو لا شك من الأعمال الصالحة التي تزيد المؤمن من الله قرباً وتزيده خشوعاً، إذ يقوم يناجي ربه والناس نيام لا سيما إذا وافق الثلث الأخير من الليل الذي هو من أوقات إجابة الدعاء، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يقوم من الليل ما شاء الله وقد قام من أوله ووسطه وآخره).
وأما ما هم به هذا الصحابي، وهو قيام الليل كله دائماً فهو مخالف لهذي النبي صلى الله عليه وسلم في هذه العبادة، ولذلك نهاه عنه، فإن في قيام الليل كله دائماً مفاسد
(1) متفق عليه، أخرجه البخاري في كتاب النكاح باب الترغيب في النكاح (104/ 9) مع الفتح، ومسلم في كتاب النکاح باب استحباب النكاح لمن تاقت نفسه إليه ووجد مؤونة
(1020/ 2)
(2) كما جاء في حديث عائشة قالت: «من كُلّ الليل قد أوتر رسول الله صلى الله عليه وسلم من أول الليل ووسطه وآخره فانتهى وتره إلى السحر». متفق عليه واللفظ لمسلم في كتاب صلاة المسافرين وقصرها (512/ 1) وأخرجه البخاري في كتاب الوتر باب ساعات الوتر (486/ 2)
مع
الفتح. (3/233)
صفحة 1384
234
القواعد الفقهية عند الإباضية
على بدن القائم وعلى أهله، وقد أمر النبي الله أن يعطي المكلّف كل ذي حق حقه (1)، فيعطي بدنه حقه من الراحة والنوم، ليستعين به على العبادة، ويعطي أهله حقهم منه بالمبيت عندهم وله في ذلك أجر والحمد الله.
وأما الثاني: فالصيام ولا شك أنه من أحب الأعمال إلى الله وعمل وأجره عظيم عنده كما جاء ذلك في أحاديث كثيرة من السُّنَّة، ولكن لما كان مراد هذا الصحابي صيام الدهر أبداً نهاه النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك؛ لأن فيه من المفاسد ما يضر ببدنه ويضر بغيره، فإن تتابع الصيام بهذا الشكل يضعف البدن جداً، وربما كان سبباً لقعوده عن واجبات أخرى من الدين كانت أحب إلى الله من صيام التطوع، فالجهاد في سبيل الله و لنشر دينه هو ذروة سنام الإسلام، ولا شك أن متابعة الصيام أبداً تضعف قوة المسلم، وتقعده عن الجهاد، ولذلك ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم أفطر هو وأصحابه من صيام الفرض في رمضان لما لاقوا العدو؛ ليكون ذلك أنشط لهم، وأقوى لأجسامهم (3)
أما الثالث: فهو الذي هم بترك سُنَّة الله في خلقه، وهي الزواج الذي جعله الله سبباً لدوام الجنس البشري، وعمارة الكون، وحث عليه النبي صلى الله عليه وسلم الإحصان الفروج، وغض الأبصار، وإكثار سواد الأمة، وزيادة عددها، فظن هذا الصحابي أن ترك الزواج قربة الله ل، لما به من ترك الملذات، فنهاه النبي صلى الله عليه وسلم عن وأمره بالاقتداء به إذ هو القدوة لهم، وقد تزوج النبي صلى الله عليه وسلم عدة زوجات.
س
ذلك،
وأبي
(1) جاء هذا المعنى في حديث أبي جحيفة في ذكر مؤاخاة النبي صلى الله عليه وسلم بين سلمان الفارس الدرداء وفيه حادثة بينهما، أخرجه البخاري في كتاب الصوم باب من أقسم على أخيه
ليفطر في التطوع. (209/ 4) مع الفتح. (2) جاء ذلك في حديث عمر بن الخطاب له قال: غزونا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم غزوتين في شهر
رمضان.
يوم بدر ويوم الفتح فأفطرنا فيهما، أخرجه الترمذي في كتاب الصوم، باب ما جاء في الرخصة للمحارب في الإفطار (400/ 3 مع التحفة وأحمد (22/ 1) وقد ضعف الشيخ الألباني إسناد الترمذي في ضعيف سنن الترمذي، ص 81. (3/234)
صفحة 1385
الفصل الرابع: القاعدة الكلية الكبرى الرابعة
235
ه - حديث عائشة لنا أن النبي قال لها: يا عائشة، لولا أن قومك حديث عهد بجاهلية لأمرت بالبيت فهدّم، فأدخلتُ فيه ما أخرج منه، وألزقته بالأرض، وجعلت له بابين باباً شرقياً، وباباً غربيّاً، فبلغت به أساس إبراهيم»).
وجه الاستدلال بالحديث ففي هذا الحديث دلالة ظاهرة على معنى هذه القاعدة؛ إذ ترك النبي صلى الله عليه وسلم مصلحة بناء البيت العتيق على أسس إبراهيم؛ لأنه توقع مفسدة خشي علي وقوعها إن هو هدمه وبناه عليها، وهي نفور الناس عن الإسلام، أو ردَّتهم هذا الفعل، فقدم النبي الله ل وراء هذه المفسدة على جلب تلك المصلحة (2).
بسبب
سادساً: الفروع المتخرجة على القاعدة:
وردت في المصادر الفقهية الإباضية مسائل عديدة تخرجت على هذه
القاعدة نذكر منها:
أ ـ في باب العبادات:
1 ـ حضور النساء والصبيان صلاة العيدين
يستحب في صلاة العيدين حضور النساء والصبيان مع الرجال في المصليات، فإنه ثبت أن الرسول الله أمرهم أن يخرجوا إلى الجبان ويخرج النساء والعبيد والصبيان (3) وقد بين العلماء المقصد والحكمة من ذلك، «فأما
کتاب
(1) متفق عليه واللفظ للبخاري، أخرجه في كتاب الحج باب فضل مكة وبنيانها وقوله تعالى: وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ: (البقرة: (125) (3439/ 3) مع الفتح وفي مواضع عدة من الصحيح، ففي كتاب العلم رقم: 126، وفي كتاب أحاديث الأنبياء، رقم: 3368. وفي التفسير رقم: 4484، وفي كتاب التمني رقم: 7243 مع الفتح وأخرجه مسلم في كتاب الحج باب نقض الكعبة وبنائها (968/ 2).
6
(2) علوان إسماعيل القواعد الفقهية، ص 390. (3) رواه البيهقي، كتاب صلاة الخوف، باب الأكل قبل الغدو، رقم: 1912، وأورده الشافعي (مسنده)، کتاب العيدين رقم،300، عن صفوان بن سليم. (3/235)
صفحة 1386
=
القواعد الفقهية عند الإباضية
236
الصبيان فليعرفوا شرائع الإسلام، وليعظموا شعائر الله، وليقتدوا بأهل الخير ولتشملهم بركة اليوم، أما النساء فلشهودهن الخير، وحضورهن دعوة المسلمين ورجاء بركة ذلك اليوم وطهرته (1) فقد ثبت في السُّنَّة أن أم عطية: قالت أمرنا أن نخرج العواتق وذوات الخدور»، وفي رواية عنها قالت أمرنا أن نخرج الحيض يوم العيد وذوات الخدور فيشهدن جماعة المسلمين ودعوتهم وتعتزل الحيض عن
مصلاهن» (2).
واختلف الإباضية وغيرهم في وجوب خروج النساء للمصلى، وأكثر القول أنه غير واجب بل مستحب، وقيل بوجوبه لظاهر الأمر (3). ولكن لما تغيرت الأحوال عبر الأزمان وأحدث الناس أموراً لم تكن من قبل، كاختلاط الرجال بالنساء ومعاكستهن ومضايقتهن في الطرقات، وقل الحياء وأظهرت النساء زينتهن للرجال وافتتنوا بهن كره بعض الفقهاء خروجهن، بل منعه بعضهم درءا للمفسدة وسداً لذريعة الفساد، فخروجهن دون فتنة فيه مصلحة ولكن ما دام فيه ضرر فدفع المفسدة أولى من جلب المصلحة». نقل السالمي أقوال الفقهاء في هذه المسألة وأشار إلى اختلافهم فقال: ثم اختلف القائلون بالاستحباب في خروجهن، فرخص فيه بعضهم وكرهه آخرون لخبر عائشة: لو علم رسول الله ما أحدثت النساء بعده لمنعهن المساجد» (4). وقال أبو حنيفة: ملازمات البيوت لا يخرجن
(1) السالمي: معارج الآمال، 71/ 11 - 72.
(2) رواه البخاري، كتاب الحيض، باب شهود الحائض العيدين رقم 322، ومسلم، كتاب صلاة العيدين، باب ذكر إباحة خروج النساء في العيدين ... ، رقم: 1520، عن أم عطية.
(3) السالمي: المرجع نفسه، 71/ 11، 72.
(4) متفق عليه، رواه البخاري، كتاب الأذان أبواب صفة الصلاة، باب خروج النساء إلى
المساجد بالليل والغلس حديث: 845، عن عائشة، ولفظه عن يحيى بن سعيد، عن عمرة، (3/236)
صفحة 1387
الفصل الرابع: القاعدة الكلية الكبرى الرابعة
237
ورد عليه ابن حجر: بأن ذلك قد ثبت في السنة ومجرد احتمال النسخ لا يجدي، إذ لا بد في النسخ الذي زعمه من تحقق معرفة الناسخ ومعرفة تأخره عن المنسوخ. وأجيب بأن ذلك كان أول الإسلام والمسلمون قليل فأريد التكثير بهن إرهاباً للعدو، ومراده أن المسبب بزوال السبب ولذا أخرجت المؤلفة قلوبهم من مصرف الزكاة.
قال إبراهيم النخعي ويحيى الأنصاري (1): لا نعرف خروج الشابة، قال أصحاب الرأي: يرخص للعجوز الكبيرة. وقيده بعض المتأخرين: بأن تكون غير مشتهاة في ثياب بذلة بإذن حليلها مع الأمن من المفسدة بأن لا يختلطن بالرجال، ويكن خاليات من الحلي والحلل والبخور والشموم، والتبختر والكشف ونحوها مما أحدثن في هذا الزمان من المفاسد.
وقال أبو سعيد (من الإباضية لا أعلم أحد من أصحابنا كره ذلك لهن سواء كانت بكراً أو ثيباً» (2).
ورد عليه السالمي بقوله: «قلت لكن ما ذكروه من التعليل قاض بالكراهة وقد تقدم قول عائشة في منعهن من المساجد باختلاف الأحوال، وقد كره خروجهن بعض المتأخرين أيضاً لخوف المفاسد المتولدة من خروجهن على الشرع إنما أمرهن بالخروج لما تقدم من المصالح وإن كان خروجهن على خلاف ذلك اقتضى الكراهة، بل المنع والأحوال تختلف ولكل نازلة حكم (3).
عن
عائشة، قالت: «لو أدرك رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أحدث النساء لمنعهن كما منعت نساء بني إسرائيل قلت لعمرة: أومنعن؟ قالت: «نعم». ورواه مسلم، كتاب الصلاة، باب خروج النساء إلى المساجد إذا لم يترتب عليه فتنة، حديث: 705.
(1) يحيى بن سعيد الأنصاري القطان من رواة الحديث، لم نقف على ترجمة مفصلة له. (2) السالمي: معارج الآمال، 72/ 11، 73.
(3) السالمي: المصدر نفسه. (3/237)
صفحة 1388
238
مجمل القول:
القواعد الفقهية عند الإباضية
مما تقدم يظهر أن ما ذهب إليه السالمي وغيره من المتأخرين هو الرأي الأعدل والأقرب للصواب، وينبغي العمل به في هذا العصر بعد انتشار الفساد بين الرجال والنساء، وضعفت الفضيلة، وقل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتعطلت الأحكام، فاقتضى الحال منع النساء من الخروج مع الرجال إلى صلاة العيدين، إلا إن أقيمت في المساجد دون اختلاط، وإن كان ولا بد فيسمح للقواعد من النساء اللاتي لا يرجون نكاحاً دون زينة مع مراعاة الآداب الشرعية في اللباس والمشي والاحتشام، وذلك سدّاً لباب الفتنة ودفعاً للفساد. أما الصبيان فيستحب استصحابهم لصلاة العيدين في المصليات والمساجد، فإن ظهر منهم فساد أو نجاسات وجب منعهم وتأديبهم صيانة لحرمة المساجد. قال الثميني في هذا الشأن: وعلى الأطفال ألا يدخلوا المساجد ولا تجعل محاضر لهم، ويمنع كل من خيف منه إفسادها أو تنجيسها من دخولها، وعلى النساء أن لا يدخلنها بعطر يفتن عمارها (1).
فإن سلم حال هؤلاء الصبيان والنساء من المفاسد كان الخروج مأموراً به لا محالة ما دام قد ثبت بالنص وفيه تحقيق للمصالح المشروعة، وذلك إعمالاً للقاعدة: «لا ينكر تغير الأحكام بتغير الأزمان».
2 - حكم التيمم للمشتغل بتنجية الأنفس والأموال:
قد يتعرض البعض في سفرهم إلى مفاسد كثيرة ومشاق جمة كانعدام الماء والعطش الشديد، وقطاع الطرق والاعتداء على الأنفس والأموال، وتتعسر عليهم الصلاة، فهل يشتغلون بطلب الماء لأداء الصلاة، أم يقتصرون على التيمم، ويشتغلون بحراسة أنفسهم وأموالهم، أو برد العدوان عند الهجوم عليهم؟ وقد يجدون ماء ولكن لا يملكون المال الكافي لشرائه،
(1) الثميني: الورد البسام، ص 119. (3/238)
صفحة 1389
الفصل الرابع: القاعدة الكلية الكبرى الرابعة
239
فهل يجب عليهم بذل كل مالهم لأجل إنقاذ أنفسهم من هلاك العطش وأداء فرض الصلاة؟
التيمم
اختلف الفقهاء في حكم هذه المسائل، فذهب أكثر الإباضية إلى جواز لأجل إنقاذ النفس والمال من الهلاك؛ لأن في إتلافها مفسدة وشريعتنا
تنهانا أن نعرض أنفسنا وأموالنا للهلاك قال تعالى: {وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَهْلُكَةِ (البقرة: 195)، ومن مقاصد الشريعة حفظ النفس والمال. وذهب بعضهم إلى جواز بذل المال لأجل صلاح الدين والنفس، ولذلك أوجبوا على فاقد الماء أن يشريه لأجل إنقاذ نفسه من العطش وأداء فرض الوضوء والغسل؛ لأن في ذلك مصلحة لحفظ النفس والدين.
ذكر السالمي في سياق حديثه عن الحالات التي تجب فيها إعادة الصلاة لمن اشتغل بفعل خارج عنها، فقال: «ولهم قول آخر وهو أنه إن اشتغل بإصلاح ماله أعاد»، وعقب عليه بقوله: «وكأنّ هذا القائل رأى أن المال يبذل لصلاح الدين، وكأنه مبني على قول من يوجب شراء الماء للوضوء إن لم يجده إلا بالشراء» (1).
وقد أشار ابن بركة إلى هذا الرأي في الجامع في سياق حديثه عن إنقاذ النفس والمال فقال: «وإذا وجب فداء النفس بالمال كان بالقليل أو بالكثير، ألا ترى أن الفقهاء جميعاً أوجبوا عليه أن يشتري الماء بالثمن الكثير مع وجود البدل وهو الصعيد، فإذا امتنع بالغلاء لم يكن عليه وغلاؤه أن يدفع في ثمنه ما يخاف أن يضره إخراجه من ماله فإحياء نفسه أولى، وكذلك لو وجده بملكه كله ليشرب من خاف على نفسه الموت من العطش أن يشتريه بجميع ماله ولا يقتلها وهو يقدر على فدائها وكان على صاحب الماء أن يرد عليه
قيمة الماء في موضعه ... » (2).
(1) السالمي: المصدر نفسه، 219/ 1.
(2) ابن بركة: الجامع، 194/ 1. (3/239)
صفحة 1390
240
القواعد الفقهية عند الإباضية
وما ذهب إليه ابن بركة من إجماع الفقهاء في وجوب شراء الماء للوضوء مع وجود البدل، أو شرائه لإنقاذ نفسه ولو بجميع ماله فيه نظر، فالصلاة دون وضوء مفسدة، ولكن شراء الماء بأغلى الأثمان مفسدة أعظم منها، فهنا ترجح المفسدة الأخف وهي الصلاة بالتيمم لدفع مفسدة أعظم وهي إنفاق كل المال لشراء الماء، إلا إن خاف هلاك نفسه بالعطش، فهنا يجب عليه بذل ماله لإنقاذ نفسه من الموت فإن حفظ النفس أولى من حفظ المال.
أن يرد
ويبدو أن ابن بركة لا يوافق رأي الجمهور في شراء الماء ولو بأعلى الأسعار لأجل الطهارة، ففي هذه الحالة يرخص له في التيمم حفاظاً على ماله، وهذا ما يستفاد من عبارته «فإذا امتنع بالغلاء لم يكن عليه». وكذلك إذا بذل ماله لشراء الماء لإنقاذ نفسه من الهلاك ألزم البائع للمشتري الزيادة التي دفعها فوق قيمة الماء المعروفة؛ وذلك حفاظاً على ماله من الضياع؛ لأنه مفسدة ومنعاً للبائع من استغلال حاجة الناس برفع الأسعار فيقول: «وكان على صاحب الماء أن يرد عليه فضل قيمة الماء في موضعه (2).
الرأي المختار:
وعند التأمل في النصوص المتقدمة نجد أن أصحاب الرأي الأول أقرب للصواب؛ لأن الاشتغال بإنقاذ النفس والمال ضرورة تقتضي التيسير ورفع الحرج، وفي إلزام مَن غُصب ماله واعتدي عليه أن يصبر ولا يقطع صلاته حرج ومشقة، وكذلك من فقد الماء ويُلزم ببذل جهده في البحث عنه، ولو اضطر إلى بذل ماله لشرائه ولو مع ارتفاع سعره، ولا ريب أن في هذا الأمر مشقة كبيرة يترتب عنها مفاسد جليّة، فهنا يتعيّن درء المفسدة قبل جلب المصلحة ولو أدى إلى تأخرها أو فواتها، وفي تنجية الأنفس من الهلاك والأموال من التلف والضياع حفاظاً لها ورعاية لمصالح الناس، ولذلك يترجح
(1) ابن بركة المصدر نفسه. (2) ابن بركة الجامع، 194/ 1. (3/240)
صفحة 1391
الفصل الرابع: القاعدة الكلية الكبرى الرابعة
241
لدينا رأي الجمهور في جواز قطع الصلاة لإنقاذ الأنفس والأموال، والاكتفاء بالتيمم بدل الوضوء والغسل عند فقد الماء، وللخروج من الخلاف يستحب إعادة الصلاة قبل فوات وقتها إذا وجد الماء احتياطاً.
ويشير الشماخي ما يفيد هذا المعنى مجسداً لهذا المقصد عند حديثه عن الأسباب المبيحة للتيمم، فيقول: وكذلك تنجية الأموال على هذا الحال مثل قوم غارت عليهم غارة فأخذت أموالهم فاشتغلوا بطلبها، وإن لم يردوا أموالهم فإنهم يجزيهم التيمم؛ لأن تنجية الأموال عندهم والأنفس أوجب من طلب الماء للوضوء، ألا ترى إلى حديث عائشة قالت: «سافرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض أسفاره حتى إذا كُنا بالبيداء انقطع عقد، لي، فأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم على التماسه، وأقام الناس معه، وليسوا على ماء ولا ماء معهم، فأتى الناس أبا بكر فقالوا له: ألا ترى ما صنعت ابنتك بالناس؟ أقامتهم على غير ماء، فجاء أبو بكر إليّ ورسول الله صلى الله عليه وسلم واضع رأسه على فخذي قد نام فقال: قد حبستِ رسول الله صلى الله عليه وسلم والناس على غير ماء ولا ماء معهم، قالت: فعاتبني أبو بكر وقال ما شاء الله أن يقول، وجعل يطعن بيده في خاصرتي ومنعت نفسي من الحركة لمكان رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أصبح على غير ماء، فأنزل الله آية التيمم، قالت: فبعثنا البعير الذي كنت عليه فوجدنا العقد (1) (2). وعقب الشماخي على هذا النص لبيان أهمية الحفاظ على المال ولو كان للغير؛ لما فيه من المصلحة؛ ولأنه من مقاصد الشريعة، وإتلافه فيه مفسدة، فقال: «ألا ترى إلى رسول الله الله و إنما أقام على غير ماء لأجل العقد، وهو مال الغير؛ لئلا يذهب، فجعل اشتغاله بحفظ المال أعظم من اشتغاله بطلب الماء (3).
(1) رواه البخاري، كتاب المناقب، باب قول النبي صلى الله عليه وسلم: لو كنت، رقم: 3490، ومسلم، كتاب الحيض، باب التيمم، رقم: 576، عن عائشة.
(2) الشماخي: الإيضاح، 279/ 1 - 280. (3) الشماخي: المرجع نفسه، 280/ 1. (3/241)
صفحة 1392
242
القواعد الفقهية عند الإباضية
- باب القضاء والإثبات
شرع الإسلام الحدود لردع المعتدين وزجر من تُسوّل له نفسه الاعتداء على غيره في النفس أو المال، ولكن قد يتمادى المجرمون في إجرامهم إذا تعطلت الأحكام، واكتفى الحاكم بطلب البينة من المدعي واليمين على المنكر، فيعم الفساد وينعدم الأمن والسلام، ولذلك ذهب أهل العلم إلى وجوب تطبيق الحدود على المجرمين لقطع شأفة الفساد، ونشر الأمن في المجتمع؛ لأن «درء المفاسد أولى من جلب المصالح»، فلا يجوز مراعاة ظروف الظالمين على حساب المصلحة العامة.
ورد على السالمي سؤال في هذا المعنى مفاده أن لصوصاً - قبحهم الله تعالى - إذا سرقوا يزعمون لأرباب الأموال أنا نعطيكم الشرع، وهم قد عرفوا المسألة أن على المدعى البيئة وعلى المنكر اليمين كما قال و حتى صارت عندهم كالتواتر، فهل يصح لأحد أن ينتظر المصلحة، ويقول إنّ على من ثبت ماله عند فلان يمين كأنه عليه أن يسلمه، والجزاء خصوصاً إذا كان المسروق ثقة عند المسلمين، أو ذلك، يصبح وعندي أن هذه أقطع للمفاسد في بلادنا المريضة ... ). فكان جوابه: «المفسدة في ترك الشرع أعظم منها في فعل اللصوص،،، أتدرأُ المفاسد بترك الأحكام؟
لا
كلا والله ما هذا إلا جور آخر فوق الأول، ألا أدلك بما تقطع به المفاسد من أصلها، استعمال الشريعة من أهلها كقطع الأيدي والأرجل، وقطع الرؤوس، وإزهاق النفوس، وليس الشرع مقصوراً على بينة، ويمين، بل هذا بعض الشرع، وبقيت أبواب الشريعة أخرى بها تدرأ المفاسد وتجلب المصالح في والدنيا، لكن عجز أهل زماننا عن فتحها فاقتصروا على اليمين، فظن العوام ومن لا خلاق له من الجهال أن ذلك هو الشرع لا غيره، فقبحوا محاسن الشريعة ... » (2)
(1) السالمي: العقد الثمين، 323/ 4.
(2) السالمي: المرجع نفسه.
الدين (3/242)
صفحة 1393
الفصل الرابع: القاعدة الكلية الكبرى الرابعة
243
ويتضح من عبارة السالمي أن درء المفاسد يكون بتطبيق أحكام الشريعة، وإقامة الحدود على المجرمين، وهذا ما يساعد على إصلاح الأفراد والجماعات، ونشر الأمن والسلام في أرجاء المعمورة.
4 - في اجتناب مجالسة العصاة:
ومن واجب المسلم أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر لمنع الفساد، وقد يظهر للبعض أن مجالسة العصاة في حال ممارسة منكرهم أمر مستساغ شرعاً ما دام يرجو منهم منفعة وإصلاحاً، فيحضر مجالسهم، ويسمع وباطلهم مجاملة لهم، وحفاظاً على مصالحه معهم، فيمتنع من إنكار منكرهم،
للهوهم
ولا يعظهم ولا ينصحهم. فذهب أهل العلم إلى عدم جواز ذلك ما دام عاجزاً عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ لأن درء المفاسد أولى من جلب المصالح ومجاراتهم في فسادهم يشجعهم على التمادي في غيّهم وظلالهم، فلا يفكرون في التوبة والإنابة إلى الله، فيأثم معهم. وقد أدرك ابن بركة أهمية هذا الموضوع وخطورته، ولذلك نجده ينبهنا إلى عواقب ذلك، ويبين وعيد من يقصر في القيام بهذا الواجب فيقول جواباً للسائل: فإن قال: أيجوز للمؤمن أن يجالس أهل المنكر والسفه وهم يخوضون في منكرهم وباطلهم؟
قيل له: لا يجوز ذلك، فإن قال: لم لا يجوز ذلك؟ قيل له: بل يجب عليه الإعراض عنهم إلى أن يتركوا ذلك، فإن قال: فلم نهيتم المؤمن عن مجالسة الظالمين وأهل السفه في حال منكرهم وخوضهم وباطلهم؟ قيل له: إن الله وعجل قد نهى نبيه صلى الله عليه وسلم عن مجالستهم بقوله وحل: {وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي عَايَئِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا نَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ * وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَيْءٍ (الأنعام: 68 - 69)، بعد الإنكار عليهن والموعظة لهم، ويدل على ذلك قوله جل: (3/243)
صفحة 1394
244
القواعد الفقهية عند الإباضية
وَلَكِن ذِكْرَى لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ} (الأنعام: 69). وقال تبارك اسمه في موضع آخر: {فَلَا نَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذَا مِثْلُهُمْ} (النساء: 140). وقال جل ذكره: {وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الرُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا
(الفرقان: 72)» (1).
قال السالمي في بيان مدلول هذه الآية: زعموا ـ والله أعلم - أنهم يعرضون عنهم وينكرون عليهم، ومعنى قوله لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ} (الفرقان: 72) أي لا يشاهدون أهله ولا يجالسونهم في حال ذلك منهم، وإذا جازوا بهم أعرضوا عنهم، وإن أمكنهم أنكروا عليهم بالوعظ لهم والتخويف والله أعلم. ولا يجوز للمسلم أن يخالط ويجالس أهل البدع والضلال حفاظاً على دينه، إلا إن كان يقصد من مجالستهم تبين الحق والرشاد، ويرجو منهم أو من يحضر معهم قبول ذلك، فإن خاف على نفسه من الزيغ والانحراف فيحظر عليه ذلك؛ لأن «دفع المفسدة أولى من جلب المصلحة». ويقول ابن بركة في هذا الشأن: «فإن قال قائل: فإن كان منكرهم بدعة عن أحد أهل المذاهب، هل يحضر مجالسهم؟ قيل له: إن حضر لمناظرتهم مع الرجاء أنهم يقبلون منه، أو يقبل منه أحد أو بعض من يحضرهم فجائز فإن قال: فإن كانوا في المسجد؟ قيل له: يكون في عزلة من ذلك المسجد إذا
منهم،
كان ينتظر الصلاة، ويُظهِر مع ذلك الكراهة لما هم عليه).
ه - في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر (الحسبة):
إذا كان المسلم قادراً على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ولا يمنعه من ذلك مانع، فإنه يجب عليه أداؤه، أما إذا غلب على ظنه إنه لا يقبل منه
(1) ابن بركة الجامع، 181/ 1 - 182. (2) ابن بركة المصدر نفسه، 182/ 1.
(3) نفسه. (3/244)
صفحة 1395
الفصل الرابع: القاعدة الكلية الكبرى الرابعة
245
ذلك فلا يجب عليه، وإن ظهر له أنه إذا أنكر على الحاكم أو الجماعة فلا يأمن على نفسه من ضررهم ومكرهم، فلا يجوز له أن يعرض نفسه أو ماله إلى الهلاك عملاً بالقاعدة: «درء المفسدة أولى من جلب المصلحة». وذهب البعض إلى جواز ذلك ولو لحقه منهم الضرر؛ لأن من قتل دون نفسه أو عرضه أو ماله فهو شهيد، فلا يشترط السلامة في أداء هذا الواجب. تعرض ابن بركة إلى هذه المسألة وعالجها وبين أحكامها وموقف العلماء منها فقال: «إذا رجا الإنسان قبول أهل المنكر وأمكنه القول كان واجباً عليه أن ينهى عنه، وإن يئس لم يكن عليه أن ينهى إذا كان قد نهى مرة واحدة؛ لأن النهي مع الإياس بعد ذلك يكون نفلاً ومع الرجاء وغلبة الظن يكون فرضاً، وما كان آمناً على نفسه وهو يرجو مع ذلك، وظن يغلب عليه بأن يقبل منه الحق، فعليه أن يقول ويدعو إلى الله ويأمر بالمعروف وينهي عن المنكر، قال الله تبارك وتعالى: وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَلِحًا» (فصلت (33). ومع الإياس من القبول فالفرض عليه من القول مرة واحدة فيما يكون الإنكار بالقول، فإن قال قائل: «أليس الله تبارك وتعالى قد ذم قوماً تركوا الإنكار على أهل السبت، ومدح قوماً أنكروا عليهم؟ فقال: {وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِّنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْما اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ} (الأعراف: 164). قيل له: أولئك تركوا النهي مع الرجاء، والدليل على ذلك قول الله تبارك وتعالى فيما أخبر عنهم أنهم قالوا قَالُوا مَعْذِرَةٌ إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ} (الأعراف: 164)، فإن قال: أليس قد أنجى الناهي وعذب القاعدين؟ قيل له: بل عذب الذين امتنعوا من القبول بقوله تعالى: {وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (الأعراف: 165) (1).
(1) ابن بركة: الجامع، 1/ 180 – 181. (3/245)
صفحة 1396
246
القواعد الفقهية عند الإباضية
ويبين ابن بركة أنه لا يجوز للمسلم أن ينكر على الجماعة إذا كان وحيداً لا يستطيع حماية نفسه من إيذائهم إلا إن غلب على ظنه قبول نصحه؛ لأن دفع مفسدة إيذائهم أولى من جلب مصلحة قبولهم لنصحه، يقول في هذا الصدد: «فإن قال: فلم لا يجوز أن ينكر الواحد على الجماعة؟
قيل له: ليس عليه أن ينكر على الجماعة إلا عند الطمع الغالب عليه، والأمن على نفسه، وأنهم يقبلون منه، إلا أن يكون قادراً عليهم، فإن قال: لم لا يجوز ذلك؟
قيل له: إن الله ل لم يوجب على الواحد أن يقاتل أكثر من الاثنين، فإن قال: أليس قد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «المقتول دون ماله شهيد» (1). وقال: أفضل الأعمال كلمة حق يقتل عليها صاحبها عند سلطان جائر»). قيل له: قد قال ذلك النبي صلى الله عليه وسلم والمعنى في ذلك أن الإنسان إذا قاتل على ماله من يرجو أن يظفر به، ويمتنع من تعديه فقتله المتعدي فهو شهيد؛ لأنه جاءه مائة رجل بالسلاح فله أن يقاتلهم مع علمه أنه لا يبلغ منهم مراده من المنع، وأما قتاله لهم يؤدي إلى قتله دون سلامته، فهذا قاتل لنفسه وألقى بيده إلى التهلكة» (3).
ولم يمنع ابن بركة المنكر من كلمة الحق أمام الحاكم المتجبر، ما دام يرجو من ذلك إعذار نفسه في الدنيا والآخرة، ويطمع في هدايته، ويختار الأسلوب الحكيم في نصحه، وهذا ما يستفاد من عبارته: «وإنما الذي يتكلم بالحق عند سلطان جائر، فقتل عليه، فهو أن يتكلم بكلمة حق وهو يرجو بها النجاة في الدنيا والآخرة من تصويب دين المسلمين، أو ينهى السلطان عن
(1) رواه ابن أبي عاصم، كتاب الآحاد والمثاني، عبد الله بن عامر، رقم: 529، وأحمد، مسند بني هاشم، مسند عبد الله بن عمرو رقم 6853، عن ابن عمرو.
(2) تقدم تخريجه.
(3)
ابن بركة: الجامع، 182/ 1 - 183. (3/246)
صفحة 1397
الفصل الرابع: القاعدة الكلية الكبرى الرابعة
247
أن
ذلك،
يقبل منه وينتهي عن ويحسن موضع
منكر يفعل، وهو يرجو معه ويقتل عليها، فهذا نحوه ... ).
النهي
ويلاحظ أن العلماء غالباً يميلون إلى تغليب جانب السلامة على المخاطرة إذا غلب على الظن أن في ذلك التغيير ينتج عنه مفسدة أعظم أو فتن كبيرة. وقد تساءل جناون بن فتى ـ أحد علماء فزان - هل يجوز أن يطلب أهل البلد من حاكمهم أن يغير ولاتهم إذا تسلطوا عليهم وجاروا في حكمهم؟ فوجههم شيخهم إلى اعتماد منهج الموازنة بين المصالح والمفاسد وإعمال قاعدة: «درء المفسدة أولى من جلب المصلحة وهذا نصه: «وما تقول ـ رحمك الله في قوم من أهل الدعوة ولي عليهم الجبابرة وهم الحاكمون عليهم بما لا يخفى عليك من الجور وما لا يستطاع له صفة هل ترى لسلطان المسلمين أن ينهض إلى أولئك الجبابرة ليزيلهم عنهم، ويحول بينهم أو يولي على أهل الدعوة ولاة، ولا يقصد إلى الجبابرة فأيما أحب إليك من ذلك؟ طلب أهل الدعوة ذلك إلى سلطان المسلمين أو لم يطلبوه؟».
قال الشيخ أبو يوسف وريون بن الحسن (2): «أحب إلينا في ذلك السلامة لدينك؛ فإن السلامة لا بعدها شيء، ولا يتكلف من الأمور ما تعجز عنه طاقته، فإن الأمر قد رق وضعف وعاد الإسلام غريباً كما بدأ» (3).
القائمين
(1) ابن بركة الجامع، 183/ 1 - 184. (2) وريون بن الحسن (أبو يوسف) (ت: أوائل ق: 3 هـ/ 9 م) عالم عامل، كان من بالأمر في مناطق فزَّان جنوب ليبيا. انهزم في موقعة بـ «تراغن»، وورد على «سبها» إذ كان قائد العساكر رفقة إبراهيم بن أسدين. كان يعيّن القضاة ويراقبهم. وهو صاحب العديد من الأسئلة التي وجهت إلى علماء فزان، فأجاب عنها العالمان جناو ابن فتى، وعبدالقهار بن خلف. وقد حقق هذه الأسئلة والأجوبة الدكتور عمرو خليفة النامي، وأتمه الشيخ إبراهيم طلاي، فطبعت تحت عنوان: «أجوبة علماء فزان». ينظر: علماء فزان: أجوبة علماء فزان، كله * البغطوري: سيرة (مخ). أحمد الشماخي: 165/ 1. علي معمر: الإباضية في موكب، ح 53/ 2 * بحاز: الدولة الرستمية، 321 معجم أعلام الإباضية بالمغرب، ص 445. (3) جناون بن فتى وعبد القهار بن خلف، أجوبة علماء فزان، ص 79 - 80. (3/247)
صفحة 1398
248
القواعد الفقهية عند الإباضية
ويستفاد من عبارته أنه من الأحسن أن يصبروا على ذلك الحال ولا يعمدوا إلى تغيير المنكر بالقوة، قد ينتج عنه ضرر أكبر ومفاسد عظيمة، تأكل الأخضر
أحداً
واليابس، خاصة إذا كان حاكم المسلمين ضعيفاً لا يستند إلى قوة تدعمه. ويلاحظ من منهج العلماء أنهم يوازنون بين المصالح والمفاسد إذا اجتمعت، فإذا تعارضت رجح إحداهما إذا غلبت، وغالباً ما يقدم درء المفاسد على جلب المصالح، وقد طبق المحقق الخليلي هذا المنهج في دعوته ونصحه، ودليل ذلك ما جاء في كتاب التمهيد عن سائل يرجو النصح والنجاة في دينه ودنياه وآخرته، فيقول: «ما تقول شيخنا الخليلي فيمن ابتلى في بلدته وصارت جميع أمانيها (1) في يده من وكالة فلج ووقوفات، ومن أمر ونهي وفي زمان جهله لم يشكك على نفسه في جميع ما يقضيها، فلما رد الله عليه عقله وعرف أمور الدنيا وبلائها، فأراد الخروج من الشبهة فلم ير يصلح لهذا الحال ليضع الأمانة على يديه، هل يجوز له أن تطيب نفسه ويضع الأماين على حضرة أهل البلد كافة؛ لعدم وصوله إلى أحكامه، لسلامة دينه من أمر الدنيا، وقلة علمه فيما يجوز وفيما لا يجوز بمصالح البلد؟ ربما هذا الأمر مخطر وأنا عبد مذنب تقتلني ذنوبي، والديرة (2) تحتاج إلى معاناة من إصلاح بين اثنين ومن كتابة مشاهد ورد المظالم عن المظلوم، ومن أمر بالمعروف، ونهي عن منكر، ومن ضَرّهم وضر دوابهم، وكسبهم أموال الناس على غير حق، ومن جميع الأشياء كلها الذي أحيط به علماً، والذي لا أحيط به علماً. فإن كان يحمل علي ما يقع من أهل البلد، وأنت لا يخفى عليك أمر أهل هذا الزمان، منهم طائع، ومنهم غير طائع، فالذي يأمرهم بالصلاح على قدر المعرفة، فاشتبه علي الأمران، ولم أعلم أيّهن أقرب إلى الحق، النزول لهذا الأمر المخطر خوف الفساد والضياع وقلة المصلحة والقيام على ما سبق في
(1) لعله يقصد الأمانات.
(2) لعله يقصد الإدارة والمسؤولية. (3/248)
صفحة 1399
الفصل الرابع: القاعدة الكلية الكبرى الرابعة
249
هذا الأمر مخافة على نفسي من البلاء العظيم، فتدبر هذه الأمور ودلني على طريق الحق والصواب، وبما يعجبك من الجواب ولكني في رجائي لربي
للخروج من جميع الشبهات ومنك المعونة على طاعة الله تعالى (1) فأجاب الخليلي على إشكاله وأرشده إلى سلوك منهج يعتمد على الموازنة بين المصالح والمفاسد، ومراعاة الأنسب منهما في مثل هذه الأحوال فقال: ما تقدر تدخل فيه بعلم وسلامة من الشبهة والفتنة في الدين، فهو من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والإصلاح بين الناس، فلا أحب لك تركه، وقد يلزم في بعض المواضع وما لم تقدر عليه إلا بالمخاطرة على دينك، فالسلامة منه أسلم، وتركه عين الصلاح، ولا يلزمك شيء لا تقدر عليه إلا بالمخاطرة بالدين، وما اشتبه عليك أمره فاسأل عنه أهل العلم قبل الدخول فيه؛ لتدخل فيه بعلم أو تتركه بعلم، وتقديم العلم قبل الشروع في العمل هو طريقة السلامة لمن أرادها، والله أعلم). ولقد أجاد الخليلي في نصحه وأخلص في إرشاده، وما أحوج أهل المسؤولية في عصرنا إلى سلوك هذا المنهج القويم في إدارة شؤون الأمة، بعيداً عن التهور والجهل والتسلط، وقد عانت الأمة ويلات الجبابرة المستبدين، لما تنكبوا طريق العدل واتبعوا أهوائهم وحرصوا على رعاية مصالحهم على حساب مصالح الأمة، فإن قدمت لهم النصيحة أعرضوا عنها، وتشبثوا بالمسؤولية، فعاثوا في الأرض فساداً، ولو أدركوا خطورة هذه المسؤولية لاعتزلوها وتركوها لمن يقدر عليها ويعرف قدرها، ويرحموا أنفسهم فينجو من تبعاتها وتسعد الأمة بغيرهم إذا التزموا شريعة الله وحرصوا على رعاية مصالح العباد في العاجل والآجل.
(1) الخليلي سعيد (المحقق كتاب تمهيد قواعد الإيمان، 5/ 7 - 6. (2) الخليلي سعيد: المصدر نفسه، 6/ 7. (3/249)
صفحة 1400
المطلب السادس
قاعدة: «إذا تعارض المانع والمقتضي يقدم المانع (1)
أولاً: تعريف القاعدة:
هذه القاعدة تتفرع عن القاعدة الكبرى لا ضرر ولا ضرار ولها علاقة بالقاعدة الفرعية السابقة «درء المفاسد أولى من جلب المصالح» فهي مثلها أو في معناها، ولم أعثر عليها في المصادر الإباضية بهذه الصياغة، إلا أن بعض فقهائهم أشار إليها في ثنايا فروعهم، وتوجد كثير من الفروع الفقهية تخرجت عليها تشهد بالعمل بها. والمراد بالمانع هنا: المفسدة والمراد بالمقتضي: الأمر الطالب للفعل لتضمنه المصلحة، فوجود المانع يمنع من الفعل إلا إذا كانت المصلحة أعظم. وهذا من باب تغليب جانب الحرمة على جانب الحلال، بناء على القاعدة الفقهية القائلة إذا اجتمع الحلال والحرام أو المبيح والمحرّم غلب الحرام» (2)؛ لأن في تغليب جانب الحرمة درء مفسدة، وتقديم المانع، ومن ثم إذا تعارض دليل يقتضي التحريم وآخر يقتضي الإباحة، قدم دليل التحريم في الأصح، تغليباً للتحريم ودرء للمفسدة".
تعرض السالمي لمدلول هذه القاعدة في بيان حديثه عن الترجيح بين الأحكام إذا اجتمعت فذكر أنه يكون الترجيح من جهة الحاكم بوجوه، منها:
(1) الزركشي: المنثور 1/ 348. - السيوطي، الأشباه والنظائر، 151. ـ ابن نجيم، الأشباه
ص
والنظائر، ص 144 الزرقا المدخل الفقهي، 997/ 2. - المجلة العدلية، المادة 46.
(2) الزركشي: المصدر نفسه، 1/ 125. - السيوطي، المصدر نفسه، ص 142. ـ ابن نجيم، المصدر 134. وسنتعرض لهده القاعدة بالشرح والتحليل والتطبيق لاحقاً في الفصول القادمة
نفسه،
ص
إن شاء الله.
(3) الزركشي نفسه، بتصرف. - البرنو، الوجيز، ص 266. (3/250)
صفحة 1401
الفصل الرابع: القاعدة الكلية الكبرى الرابعة
251
المفاسد
أن ما دل على التحريم مقدم على ما دل على الإباحة، وعلى ما دلّ على الندب وعلى ما دلّ على الوجوب، وعلى ما دلّ على الكراهة، أما تقديمه على ما دل على الإباحة؛ فلأن الأخذ بالحظر أحوط، والأحوطية مطلوبة منا شرعاً، لقوله: دع ما يريبك إلى ما لا يريبك» (1)، هذا قول أصحابنا، وبه قال الكرخي والرازي وأحمد بن حنبل، وذهب عيسى بن أبان (2) وأبو هاشم (3) إلى أنهما سواء فيتساقطان وأما ترجيحه على ما دل على الندب؛ فلأن دفع أهم، وذلك واضح، فإن دفع الضرر أهم من استجلاب النفع، وأما ترجيحه على الدال على الكراهية؛ فلأن الأخذ بالحظر أحوط، فهو أبلغ في درء المفاسد، وأما ترجيحه على الدال على الوجوب فلأن الوجوب لجلب المصالح، والحظر لدفع المفاسد، ودفع المفسدة أهم من جلب المصلحة» (4). مما سبق يتضح لنا أن المعنى الإجمالي لهذه القاعدة: أنه إذا كان للشيء أو العمل محاذير تستلزم منعه، ودواع تقتضي تسويغه، يرجح منعه؛ لأن درء المفاسد مقدم على جلب المصالح كما سلف بيانه في القاعدة السابقة).
(1) رواه البخاري، كتاب البيوع، باب تفسير المتشابهات، رقم .... ، والترمذي، كتاب صفة القيامة والرقائق والورع، باب ... ، رقم: 2518، عن الحسن بن علي. (2) عيسي بن أبان بن صدقة، أبو موسى (221 هـ (836 م قاض من كبار فقهاء الحنفية. كان سريعاً بإنفاذ الحكم عفيفاً. خدم المنصور العباسي مدة. وولي القضاء بالبصرة عشر سنين، وتوفي بها. له كتب، منها «إثبات القياس» و «اجتهاد «الرأي» و «الجامع» في الفقه، و «الحجة الصغيرة - خ» في الحديث. الزركلي، الأعلام، 100/ 5.
(3) أبو هاشم عبدالسلام بن محمد بن عبدالوهاب الجبائي المعتزلي (247 - 321 هـ/ 861 - 936 م)، من أبناء أبان مولى عثمان عالم بالكلام من كبار المعتزلة. له آراء انفرد بها. وتبعته فرقة سميت «البهشمية» نسبة إلى كنيته أبي هاشم». من مصنفاته: «الشامل ـ خ» في الفقه، و «تذكرة العالم والعدة في أصول الفقه. ينظر: ابن خلكان، وفيات الأعيان 1: 292. ابن كثير، البداية والنهاية 11: 176. الذهبي، ميزان الاعتدال 2: 1331. الزركلي، الأعلام 7/ 4. (4) السالمي: طلعة الشمس، 205/ 2.
(5) الزرقا: المدخل الفقهي، 998. (3/251)
صفحة 1402
252
القواعد الفقهية عند الإباضية
ومما تجدر الإشارة إليه أن هذه القاعدة ثبتت بأدلة كثيرة سبق ذكرها في القاعدة السابقة «درء المفاسد أولى من جلب المصالح» فلا داعي
لتكرارها هنا.
ثانياً: الفروع المتخرجة على هذه القاعدة:
أ ـ في باب العبادات:
1 - إذا سلَّم أحد على المصلي وهو في الإقامة أو التوجيه فلا يرد الله إلا بعد الفراغ من الصلاة؛ لأن رد السلام منه على تلك الصفة مبطل لإقامته أو توجيهه في أكثر القول عند الإباضية، فالمقتضى للرد هو الامتثال للأمر الوارد به والمانع كونه في صلاة تفسد برده، فيقدم المانع على المقتضى). 2 ـ لا يصلي المسافر سنة المغرب عند جمعه للعشاءين عند أكثر
أنه
الإباضية؛ لأن المقتضى للإتيان بها كونها سُنّة مؤكدة، عارضه مانع وهو متى صلاها فقد فصل بين الفريضتين، وألغى معنى الجمع بينهما الذي لا يتحقق بوجود الفاصل بينهما، وهو الإتيان بهذه السنة؛ لأن الجمع معناه عُرْفاً ولغة: تأليف المفترق وضمّ الشيء إلى غيره، فمتى صلاها فقد فصل بينهما وأبطل معنى الجمع، ولذا يقدم المانع هنا على المقتضى تفادياً من الوقوع في هذا المحذور (3).
وهذا الرأي هو المعمول به عند الإباضية، المشارقة، وأما عند الإباضية المغاربة، فلا يسقطون سُنّة المغرب عند الجمع بين الفريضتين، وإنما تصلى بعد العشاءين، فيكون هذا المثال استثناء من هذه القاعدة، لأنهم قدموا
المقتضى على المانع.
(1) الخليلي سعيد: كتاب التمهيد، 166/ 3 - 167. (2) الخليلي المحقق، المصدر نفسه، 191/ 5. (3/252)
صفحة 1403
الفصل الرابع: القاعدة الكلية الكبرى الرابعة
253
- من لزمه فرض الحج ولا يقدر على ركوب البحر مخافة على نفسه، لأجل ما يصيبه من الإغماء، ويخاف تضييع صلاته وطهارته، ولا طريق له إلا من جهة البحر، قال أهل العلم يعذر عن الحج إذا كان لا يتوصل إلى الحج إلا بتضييع صلاته وطهارته، فقد تعارض هنا المقتضى وهو توفر شروط وجوب الحج على هذا الشخص مع المانع، وهو خوفه من ضياع صلاته وطهارته بسبب ما يلحقه من الإغماء، فقدم المانع، لكن قالوا: عليه أن ينوي
الأداء متى قدر).
ب ـ في باب الشهادات:
1 ـ من جعل وصيّه خائناً أو مجهول الحال وأشهد على وصيته شهوداً ثم مات الموصي وخاف الشهود من الوصي التغلب على الورثة بالباطل لو أدوا الشهادة، فقيل هذا موضع عذر، وليس عليهم أداء هذه الشهادة حتى يزول المانع، فقد تعارض هذا المقتضي، وهو القيام بالشهادة لأجل إنفاذ ما أوصى به الموصي تبرئة لنفسه، والمانع وهو مخافة تغلب الوصي الخائن على الورثة بالباطل، بحجة تسليطه من قبل مورثهم على التركة، لأجل إنفاذ الوصية، فقدم المانع على المقتضى). ويلاحظ أن هذه الصورة جارية على رأي من يجيز الشهادة على هذه الوصية مع كون الوصي معروفاً عند الشهود بالخيانة لاحتمال تغيره، وأما على رأي من لا يجيزها والحالة هذه لا مقتضى ولا مانع.
2 ـ وفي الشهادات أيضاً: من كانت عنده شهادة لرجل قد رفع خصمه إلى حكام الجور، وخاف الشاهد إذا رأى شهادته أمام ذلك الحاكم أن يأخذ المشهود عليه بغير الجائز في الشرع، فله ألا يشهد بها حتى يأتي الله بمن
(1) الخليلي سعيد: المرجع نفسه، 236/ 6. (2) الخليلي سعيد: المرجع نفسه 38/ 12. (3/253)
صفحة 1404
254
القواعد الفقهية عند الإباضية
يأتمنه على أحكامه فيأمنه الخلق على أنفسهم وأموالهم، فقد تعارض المقتضى هنا، وهو القيام بهذه الشهادة وأدائها ليتمكن المشهود له من الوصول إلى حقه بها، والمانع لأدائها، وهو مخافة أن يأخذ الجائر المشهود عليه بغير الجائز في الحكم، فيكون الشاهد سبباً في ذلك، فقدّم المانع على المقتضى).
ج - باب النكاح لو وجد لقيط في قرية ولم يعرف أهله فيستحسن ألا يتزوج من تلك القرية؛ لئلا يقع على ذات محرم منه إن كان ذكراً، أو تقع على ذي محرم منها إن كانت أنثى، فهنا تعارض المقتضى وهو إباحة الزواج من الأجنبية مع المانع، وهو تحريم الزواج بذات محرم؛ لأنه يمكن أن تكون إحدى نساء القرية أمه أو أخته، فمن باب الاحتياط يمنع الزواج من تلك القرية للشبهة الحاصلة؛ لأن عدد النساء محصور فيها.
جاء في كتاب النكاح ما نصه: (وإن وجد المولود - غلاماً كان أو جارية ـ فعاش حتى كبر وبلغ الحلم، فلا يستحب له أن يتزوج في تلك القرية التي وجد فيها؛ لئلا يقع على أمه أو أخته أو خالته أو عمته، أو من يحرم عليه نكاحه من النساء، أو تقع هي - إن كانت جارية ـ على أبيها أو أخيها أو عمها أو خالها أو من كان يحرم عليه نكاحه من الرجال؛ لأنهما لا يعرفان نسبهما، وأما التحريم فإنه لا يحرم عليهما إلا من كان من نسلهما من ذوي المحارم» (2).
ـ
2 - وإذا دخل رجل في قرية فزنى فيها بامرأة ولم يكن يعرفها، فلا يستحب أن يتزوج من تلك القرية حتى لا يعقد على مزنيته أو إحدى محارمها؛ لأن الزنى يثبت الحرمة على المزني بها وعلى محارمها عند الإباضية، ومثل ذلك:
(1) المرجع نفسه.
(2) الجناوني أبو زكرياء يحيى، كتاب النكاح، ص 42. (3/254)
صفحة 1405
الفصل الرابع: القاعدة الكلية الكبرى الرابعة
255
تلك
إذا دخلت امرأة في قرية فزنت برجل تجهله فيستحسن أن لا تتزوج من القرية اتقاء للشبهة، فربما يعقد عليها من زنى بها، أو أحد من أصوله أو فروعه،
فهنا وقع التعارض بين المقتضي والمانع، فالمقتضى هو جواز العقد على أي امرأة غير محرم، أو رجل من غير محارمها والمانع هو تحريم الزواج بالزاني أو أحد محارمه، والزانية أو أحد محارمها، فهنا يقدم المانع على المقتضى احتياطاً واستحساناً.
وقد أشار الجناوني إلى هاتين المسألتين وبيَّن حكمهما عند الإباضية فقال: «وإذا دخل الرجل قرية بليل أو نهار فزني فيها بامرأة ولم يكن يعرفها، فلا يستحسن له أن يتزوج بعد ذلك بعد ذلك من تلك القرية، لئلا يوافق تلك المرأة التي زنى بها أو أمها أو ابنتها، أو من يحرم عليه نكاحه من النساء إذا زنى بتلك القرية بتلك المرأة ... وأما التحريم فلا تحرم عليه إلا التي زنى بها، أو من كان من نسلها أو من أمهاتها، أو من يحرم عليه نكاحها من النساء إذا زنى بها، ولكنه ليدع ما يريبه إلى ما لا يريبه» (1) ... (2). وفي شأن المرأة يقول: «وكذلك المرأة إذا دخلت في قرية فزنى بها رجل لم تعرفه، فلا يستحب لها أن تتزوج من تلك القرية بعد ذلك؛ لئلا توافق ذلك الرجل الذي زنى بها، أو شيئاً من آبائه، أو من يحرم عليها نكاحه بها، وأما من جهة التحريم فلا تحرم عليها إلا الذي زنى بها، أو أبوه أو ابنه، أو من يحوم عليها نكاحه إذا زنى بها ... ).
والجدير بالذكر أنه لو حدث أن تزوج الرجل أو المرأة أو اللقيط من القرية التي وقع فيها الزنى، أو وجد فيها، فالنكاح صحيح ولا غبار عليه، ما دام لم يثبت عندهما أن تلك المرأة أو الرجل من المحارم.
(1) يشير إلى حديث: «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك» تقدم تخريجه.
(2) الجناوني: كتاب النكاح، ص 42.
(3) الجناوني: المصدر نفسه. (3/255)
صفحة 1406
256
القواعد الفقهية عند الإباضية
ما يستثنى من القاعدة:
ومن الصور المستثناة من هذه القاعدة ما قيل في رجل صاحب عيال وله ولدان، وقد ضاق عليه الرزق في بلده وأراد الضرب في الأرض طلباً للرزق، فلما عزم على الخروج اعترضه والداه بعدم الرضا عنه، إذا خرج عنهما، وأظهرا سخطهما عليه؛ لأجل ذلك، فالحكم في هذه الصورة أنه إذا خرج طلباً للرزق لينفي الفقر عن نفسه وعلى من تلزمه نفقته، فيجوز له ذلك، وليس لوالديه منعه ولو خالفهما ما دام لم يجد في بلده عملاً يسترزق به. وخرج هذا المثال عن القاعدة؛ لأن المقتضى هنا وهو إباحة السفر بحثًا عن الرزق للقيام بنفقة نفسه، ومن يلزمه عوله، يترجح على المانع وهو منع والديه له،
فقدم المقتضى على المانع لرجحانه.
(1) الخليلي سعيد: كتاب التمهيد، 149/ 11. (3/256)
صفحة 1407
المطلب السابع
قاعدة: «الضرر لا يكون قديماً»
أولاً مدلول القاعدة
الضرر قديمه كحديثه في الحكم، فلا يراعى قدمه، ولا يعتبر بل يزال، فلا يحتج بتقادمه، وليس المراد عدم إمكان التقادم فيه، أن لا يتصور تقادم عليه بحيث لا يوجد من يعرف أوّله.
ويرى أهل العلم أن المنافع والمرافق التي يحترم قدمها هي التي لا تكون ضرراً ممنوعاً من أصله شرعاً، فإذا كانت كذلك وجبت إزالتها ولا عبرة لقدمها؛ وذلك لأن القديم إنما اعتبر لغلبة الظن بأنه ما وضع إلا بوجه شرعي، فإذا كان مضراً يكون ضرره دليلاً على أنه لم يوضع بوجه شرعي، إذ لا وجه في الشرع يبيح الإضرار بالغير)
(1)
وبيان من ذلك أن المراد بالضرر الذي يزال ولا يراعى قدمه، ما كان ضرره بيناً أي: فاحشاً. وقد قسم الفقهاء الضرر إلى قسمين: ضرر عام،
وضرر خاص (2).
1 - أما الضرر العام فإنه يزال مطلقاً بلا تفصيل بين الفاحش وغير الفاحش؛ لأن كونه عاماً يكفي لاعتباره فاحشاً، فلو كان لدار ميزاب يمنع الناس من المرور تحته لتسفله، أو كانت له غرفة بارزة وطيئة، أو مجرى أقذار على الطريق العام مضر بالجماعة، فإن كل ذلك يزال مهما تقادم؛ لأنه غير مشروع في الأصل، إذ الشرع لا يقرُّ لأحد بوجه من الوجوه حقا يضر بالعامة.
(1) الزرقا أحمد: شرح القواعد الفقهية، ص 101. الزرقا مصطفى: المدخل الفقهي، 999/ 2. المجلة العدلية المادة 19.
(2) الزرقا مصطفى: المصدر نفسه، 2/ 101 - 102. (3/257)
صفحة 1408
258
القواعد الفقهية عند الإباضية
2 - وأما الضرر الخاص فهو نوعان: فاحش وغير فاحش.
أ ـ فالفاحش يزال كما يزال الضرر العام ولا عبرة لقدمه، وذلك كما لو كان لرجل مسيل ماء، أو أقذار يجري في دار آخر من القديم، وكان يُوهن بناء الدار، أو ينجس ماء بئرها، فإن لصاحب الدار أن يكلف ذلك الرجل بإزالة هذا الضرر بصوره تحفظ البناء من التوهين والماء من التنجيس بأي وجه كان. وكذا لو كان لإنسان نافدة، وطيئة، تطل على مقر نساء جاره، فإنها تزال ولو كانت قديمة، إلا أن تكون دار الجار هي المحدثة تحت المطل.
ب ـ وأما الضرر الخاص غير الفاحش، كما لو كان لدار رجل حق إلقاء القمامات والتراب، أو حق التسييل في أرض الغير، أو في طريق خاص، فإن كل ذلك فيه نوع ضرر، ولكنه دون الضرر السابق الفاحش، فإذا كان من القديم يعتبر قدمه ويراعى ولا يجوز تغييره أو تبديله بغير رضا صاحب الحق؛ لأنه يمكن أن يكون مستحقاً بوجه من الوجوه الشرعية). وبناء عليه؛ فإن الممر والمسيل والبالوعة وأمثالها في دار الغير أو أرضه يحترم قدمها، ولو كان وجودها يقيد حرية تصرفه، وذلك ضرر له عملاً بالقاعدة: «القديم يترك على قدمه» (2).
ولكن عند النظر إلى الضرر يعسر التمييز بين الضرر الفاحش وغيره، فما هو الضابط في التفريق بين ما يحرم قدمه وإن أضر بالغير، وبين ما لا يحرم؛ لأنه ضرر غير مشروع؟
واستنبط الشيخ أحمد الزرقا عند شرحه لهاتين القاعدتين: «الضرر لا يكون قديماً»، «والقديم يترك على قدمه ضابطاً كلي تؤيده تعليلات نصوص الفقهاء، يفيد أن ما يمكن استحقاقه على الغير بأحد الأسباب المشروعة يحترم قدمه وإلا فلا. يقول في هذا الصدد: إن كل ما يمكن أن يستحق على الغير بوجه
(1) الزرقا أحمد: المرجع نفسه. - الزرقا مصطفى: المدخل الفقهي، 999/ 2. (2) المجلة العدلية المادة 6 الزرقا أحمد المرجع نفسه، ص 95. - الزرقا: المدخل، 998/ 2. (3/258)
صفحة 1409
الفصل الرابع: القاعدة الكلية الكبرى الرابعة
259
من الوجوه الشرعية، فهو ليس بضرر فاحش فتجب حينئذ مراعاة قدمه إذا كان قديماً، وما لا يمكن أن يستحق على الغير بوجه شرعي، فهو ضرر فاحش ويرفع مهما كان قديماً).
يحترم
فالممر والمسيل مرتفق يمكن أن يستحق بالتعاقد أو القسمة في الملك المشترك وغير ذلك من الأسباب المشروعة، وكذا حق وضع الجذع على جدار الغير، ومد الجناح أو الغرفة البارزين الواطئين في ملك الغير، والطريق الخاص هو مما يمكن أن يستحقه الإنسان على الغير بوجه شرعي، فكل ذلك قدمه عند جهل سببه، وضرر الخصم منه في تقييد حريته يستحق عليه أمثاله بعقد المعاوضة وغيره؛ لأن كل حق يكتسبه شخص على آخر هو منفعة لمكتسبه، ونوع ضرر خاص للآخر، ومع ذلك يستحق عليه بعقد المعاوضة وغيره، ويورث عن مستحقه. ففي حالة القدم يمكن حمله على أنه في الأصل وضع بأحد الطرق المشروعة، أما إضرار جماعة الناس وإزعاجهم في مرافقهم العامة، فإنه لا يمكن أن يستحق عليهم شرعاً بوجه من الوجوه.
وكذا الإطلال على مقر نساء الغير، فإنه فسق لا يستحق، ولا يقره الشارع، ومثل ذلك ما لو كانت بالوعة الدار القديمة تنجيس آبار الجيران فإن قدمها على هذه الصورة لا يُحترم كما نص عليه الفقهاء في هذا المقام إذ لا يجوز شرعاً تنجيس المياه الطاهرة دون مصلحة، ولا يستحق ذلك على أحد، ولكن صاحبها يكلف إزالة ضررها بإصلاح مجراها على شكل يضبطها ويمنع تسربها، فيبقى عندئذ مجرد مرورها من المنافع التي يمكن استحقاقها على الغير بوجه مشروع، فإن تعذر إصلاحها وضبطها أو لم
يفعله صاحبها تزال (2).
(1) الزرقا: شرح القواعد الفقهية، ص 3.
(2) الزرقا مصطفى: المدخل 2/ 1000. (3/259)
صفحة 1410
260
القواعد الفقهية عند الإباضية
ثانياً: تطبيقات القاعدة
1 - ورد في «العقد الثمين سؤال: عن كوّة (فتحة) في جدار بين بيتين لرجلين يخرج من تلك الكوة دخان إلى بيت الرجل الثاني فيتأذى بها وهي سابقة، هل يحكم بصرفها عن الضرر، مع العلم أن هذه الكوة يوقد بقربها نار لصاحب أحد البيتين لا كلاهما؟».
فأجاب السالمي أن الضرر مزال، فإما أن يزيل ناره من هناك، وإما أن تسد الكوة، والخيار له، إلا أن تكون الكوّة والوقود كلاهما سابق على بيت هذا الرجل المتضرر، فجاوره على ما يرى من ذلك الأذى، فإنه لا يزال الموقد ولا الكوة)، بل يتحمل ذلك؛ لأنه لم يجبره على البناء بجواره، ومثله من وجد جاره قد فتح نافدة تطل على الخارج فيبني داره أمامها، فأصبحت تطل على نسائه، فهنا لا يطلب من جاره سد هذه النافدة، وإنما يحاول أن يستر داره بمنع جاره من الإطلاع على عوراته.
جاء في «جامع ابن جعفر» سؤال عن رجل ورث من والده بستانين بينهما طريق جائز أو غير جائز، فخشت (دخلت) كرمة (شجرة العنب) في أحد البستانين على الطريق إلى البستان الثاني في حياة والده، أيلزم الوارث إزالة
الكرمة أم لا؟
قال
معي:
إذا ورثها ولم يعلم باطل ذلك، فأحسب أنه قيل: لا يزال حتى يعلم باطله قلت له فالقرظ والسدر والأثب (3) وغيره من الأشجار مثل هذه
(1) السالمي: العقد الثمين 179/ 4.
(2) القرظ: «ورق السلم يدبغ به وقيل قشر البلوط»، مختار الصحاح، 222. والسدر: «شجر
النبق». المصدر نفسه، ص
123
والأثب أو «الأَثْأَبُ: شجر يَنْبُت في بُطُونِ الأَوْدية بالبادية، وهو على ضَرْب التِّين يَنبُت ناعماً كأنه على شاطيء نَهْر، وهو بَعِيدٌ من الماء، يَزْعُمُ النَّاسُ أَنها شجرة سَقِيَّةٌ؛ واحدتُه أثابةٌ». ابن منظور: لسان العرب، 234/ 1. (3/260)
صفحة 1411
الفصل الرابع: القاعدة الكلية الكبرى الرابعة
261
الكرمة؟ قال: لا أعلم أنه قد قيل في هذا مثل هذا، وهو مزال إذا حدث إذا كان مضر، وأنه يوجد أنه إذا ثبت مثل هذه الأشجار على الأموال، ومات من كانت
له نبت في أيامه وخلفها على ورثته أنها لا تُزال إلا أن يكون باطلاً). 3 ـ من اغتصب أرضاً فغرس فيها نخلاً، فاشتكاه صاحب الأرض إلى الحاكم، ولكن لم يفعل شيئاً، فتقادم العهد، فهل يبقى حقه في أرضه؛ لأن الضرر لا يكون قديماً وله حق المطالبة به حتى يعود إليه؟ أما الغاصب فليس له إلا نزع نخله أو أخذ قيمتها؛ لأنه ليس لعرق ظالم حق؟ سئل أحد علماء فزان الإباضية عن هذه المسألة فقال: «وعن قوم أهل بغي وفساد غصبوا أرضاً لقوم من المسلمين ففسلوها (2)، فشكا أهلها إلى وال من ولاة المسلمين، ولم يكونوا له برعية وإنما ولى عليهم جبار من الجبابرة، هل ينبغي لسلطان المسلمين أن يقطع تلك النخيل التي اغتصبوها؟ وإنما ذلك الغصب مشهور يشهد بذلك أهل تلك البلدة الذين زعموا أنه غصب منهم، وقد مضت سنون عدة في يد الغاصبين».
فأجاب أبو يوسف وريون بن الحسن: «قد بينت في المسائل التي قبلها أن عليه نزع الحدث، وتغيير المنكر، وقطع الشكِيَّة على الله، والقيام مع المظلوم، فإذا لم يفعل فلا طاعة له، وهو خليع بقول النبي صلى الله عليه وسلم: «وإنما أشهد الله على من وليناه شيئاً من أمور المسلمين قل أو كثر فلم يعدل، فلا طاعة له وهو خليع مما وليناه» (3).
(1) ابن جعفر: الجامع، 201/ 4.
(2) فسلوها: أي غرسوا فيها فسائل النخل، ومفردها فسيلة، وهي الصغيرة من النخل، وأفسل الفسيلة انتزعها من أمها واغترسها (ينظر: ابن منظور اللسان، مادة فسل).
(3) رواه ابن حجر، کتاب الخلافة والإمارة، باب عهد الإمام إلى عماله ... ، رقم: 2223، والحارث (مسند)، كتاب الجهاد، باب عرض الإسلام والدعاء إليه، رقم: 632، مع زيادة
عن عثمان. (3/261)
صفحة 1412
262
القواعد الفقهية عند الإباضية
وأما قولك: أن يقطع النخيل، فكل ما غرس الغاصب أو زرع فليس له إلا زريعته (بذوره)، أو قيمة الأعواد التي غرس، وما نبت وأدرك فهو لصاحب الأرض، ألا ترى أن من حرث أرضاً محجور عليها، ليس له إلا زريعته التي زرع، والزرع لصاحب الأرض، وليس لعرق ظالم حق». وقولك: مضت سنون عدة، والحق لا يبطله عدد السنين).
4 ـ إذا وجد الناس يمرون فوق القبور بدعوة وجود طريق عليها، فيجب أن يمنعوا من ذلك مراعاة لحرمة الأموات، فحرمتهم كحرمة الأحياء، ويصرف هذا الحدث؛ لأنه باطل ولو تقادم العهد؛ ولأن الضرر لا يكون قديماً»، أما المشي بين القبور فجائز.
سئل المحقق الخليلي: «ما يقول شيخنا في مقبرة قديمة وجدت وسط البلد، وأحاطت بها الجدر على الأموال (الحقول)، ووجد بين الجدر فتوح لطريق جائز مقابلة وسط المقبرة، وتطرق الناس وسط المقبرة ويمرون فوق القبور، ولم يدر بهذه الفتوح أنها أحدثت على هذه المقبرة أم لا، وفي الظن أن المقبرة أزلية سابقة، أيجوز المرور عليها أم لا؟».
فأجاب: «لا يجوز المرور فوق القبور، ولا يمكن أن يكون الطريق عليها،
وأما بين القبور فلا بأس (3).
5 - في الاشتراك في المنافع:
ومن المسائل التي تخرجت على هذه القاعدة ما ورد في كتاب «التمهيد» أن: «من هلك وترك جملة بيوت من الثمانية فصاعداً في سكة واحدة، من تحت أبواب متفرقات، ومن فوق مختلطات، وواحد من هؤلاء البيوت فيه بئر، وقسم الورثة البيوت، واختار كل أحد بيته وكلهم يوردون من البئر ويمرون
(1) علماء، فزان أجوبة علماء فزان، ص 80، 81.
(2) الخليلي سعيد: كتاب التمهيد، 32/ 6. (3/262)
صفحة 1413
الفصل الرابع: القاعدة الكلية الكبرى الرابعة
263
على نساء بعضهم بعضاً في وسط البيوت، وعند القسمة لم يصح بينهم شرط
أحد
في الطريق، ولا في الشرب والسقي من البئر، ولم ينكر منهم على صاحبه، ومكثوا على ذلك سنين وهم إخوة، والآن نكروا الذين يمرون في بيوتهم، وقالوا: لا نرضى بذلك، فاليوم أنتم وإن بعتم ليجيء غيركم. وما تقول في الضرر إذا وقع، وما الحكم في ذلك؟» (1).
فأجاب الخليلي: «إذا لم يشترطوا البئر للجميع فلا يكون لسائر البيوت شيء فيها إذا ثبت القسمة على ذلك، ولا يجوز المرور على البيوت المسكون إلا بإذن من أربابها بعد الاستئذان، وإن صح لهم عليهم شرط طريق إلى الماء وشركة في البئر، فهو على ما شرطوه في القسمة (2).
ويستفاد من عبارة الخليلي أن الضرر ولو كان قديماً يجب إزالته، ولا يجوز التمادي فيه، فإن دخول الرجال على النساء الأجنبيات غير المحارم لا يجوز، ولو كان لجلب منفعة أو لتحصيل حق ثابت، كسفي الماء أو العبور إلى السكنات المجاورة، فهذا الحق إن ثبت لا يقتضي منهم تجاوز حدود الله في الاعتداء على الحرمات ولو كان هذا الأمر قديماً، وقد سكتوا عنه ثم ظهر لهم أن ينكروا ذلك، فلهم ذلك لحفظ الدين، وحفظ الأعراض، ويجب عليهم إن أراد الدخول الاستئذان على أصحاب البيوت، وهذا ما أكده الخليلي في عبارته: ولا يجوز المرور على البيوت المسكونة إلا بإذن من أربابها بعد الاستئذان» (3).
(1) الخليلي: المرجع نفسه، 303/ 7. (2) الخليلي: نفسه، 304/ 7.
(3) نفسه. (3/263)
صفحة 1414
الفصل الخامس
القاعدة الفقهية الكبرى الخامسة:
العادة محكمة» وما تفرع عنها
ويشتمل هذا الفصل على المباحث التالية:
المبحث الأول: حقيقة القاعدة.
المطلب الأول: أهمية القاعدة.
- المطلب الثاني: مدلول القاعدة.
المبحث الثاني: أنواع العرف والعادة وشروط اعتبارهما في
الأحكام الشرعية.
المطلب الأول: أنواع العرف والعادة.
المطلب الثاني: شروط العرف والعادة واعتبارهما في
الأحكام الشرعية.
المبحث الثالث: تأصيل القاعدة.
-
المطلب الأول: الأدلة من القرآن الكريم.
- المطلب الثاني: الأدلة الأدلة من السنة النبوية وآثار الصحابة.
- المطلب الثالث: الأدلة من الإجماع والمعقول.
المبحث الرابع: تطبيقات القاعدة وفروعها الفقهية عند الإباضية. - المطلب الأول: تحكيم العادة والعرف في مجال العبادات.
المطلب الثاني: تحكيم العادة والعرف في مجال المعاملات المالية. (3/265)
صفحة 1415
266
القواعد الفقهية عند الإباضية
المطلب الثالث: تحكيم العادة والعرف في مجال الأحوال الشخصية. المطلب الرابع: تحكيم العادة والعرف في مجال الحقوق والآداب. - المطلب الخامس: تحكيم العادة والعرف في مجال الجنايات والعقوبات. المبحث الخامس: القواعد الفقهية المتفرعة عن القاعدة الكبرى «العادة محكمة». المطلب الأول: القواعد الفقهية المعبرة عن بعض شروط العرف والعادة. الفرع الأول: قاعدة تعتبر العادة إذا اضطردت أو غلبت». - الفرع الثاني: قاعدة: «العبرة للغالب الشائع لا القليل النادر» (العبرة للأغلب).
المطلب الثاني: القواعد الفقهية المعبرة عن تأثير العرف العملي. - الفرع الأول: قاعدة: «المعروف عرفاً كالمشروط شرطاً».
-
الفرع الثاني: قاعدة التعيين بالعرف كالتعيين بالنص. الفرع الثالث قاعدة المعروف بين التجار كالمشروط بينهم». المطلب الثالث: القواعد الفقهية المعبرة عن تأثير العرف القولي. الفرع الأول: قاعدة: «الحقيقة تترك بدلالة العادة».
- الفرع الثاني: قاعدة: الكتاب كالخطاب». الفرع الثالث: قاعدة: الإشارة المعهودة للأخرس كالبيان باللسان المطلب الرابع قاعدة: لا ينكر تغير الأحكام بتغير الأزمان». (3/266)
صفحة 1416
الفصل الخامس: القاعدة الفقهية الكبرى الخامسة
267
الفصل الخامس
القاعدة الفقهية الكبرى الخامسة:
العادة محكمة وما تفرع عنها
يتناول هذا الفصل بيان حقيقة قاعدة: «العادة محكمة»، ومضمونها وموضوعها، وتأصيلها الشرعي، وأنواع العرف والعادة، وشروطهما، ومدى اعتبارهما وتحكيمهما عند الإباضية في مختلف مجالاته، ثم ينتهي الفصل بذكر أهم القواعد المتفرعة عنها أو المندرجة تحتها، مع التحليل والتأصيل والتطبيق على الفروع الفقهية، قديماً وحديثاً، وسيكون تفصيل ذلك في المباحث التالية. (3/267)
صفحة 1417
المبحث الأول
حقيقة القاعدة
وفي هذا المبحث نبيّن أهمية هذه القاعدة وضرورتها في الاجتهاد المعاصر
لعلاج القضايا الفقهية المتجددة، ومكانها عند الإباضية، ونحدد المفهوم اللغوي والاصطلاحي والمعنى الإجمالي للقاعدة.
6 (3/269)
صفحة 1418
المطلب الأول
أهمية القاعدة ومكانتها عند الإباضية
للعرف والعادة أثر كبير في القواعد الفقهية والفروع الفقهية، فلم يخل كتاب من كتب القواعد من قاعدة أساسية في العرف والعادة، أو قاعدة من القواعد المتفرعة على قاعدة أساسية، فإن الأفعال العادية وإن كانت أفعالاً شخصية حيوية وليست من قبيل المعاملات والعلائق المدنية والحقوقية، إلا أنه عندما يتعارفها الناس وتجري عليها عادات حياتهم يصبح لها تأثير وسلطان في توجيه أحكام التصرفات، فتثبت تلك الأحكام على وفق
ما تقضي
به العادة (1).
ولما نظر الفقهاء إلى هذا المعنى ورأوا اعتبار العرف والعادة في التشريع وبناء الأحكام عليها، لم يغفلوا ذلك وهم يقعدون القواعد أو يخرجون الفروع والمسائل المتفرعة على هذه القواعد، فقد ذكروا أكثر من قاعدة تتعلق بالعرف وتحكمه في الوقائع والتصرفات ... ومن هذه القواعد: قاعدة العادة محكمة. وقد نال العرف من اهتمام فقهاء الإسلام نصيباً موفوراً، وعدوه من أدلة الأحكام، واحتكموا إليه في كثير من المسائل الفرعية.
وللإباضية إسهامهم المتميز في الاعتماد على العرف في كثير من فتاويهم، وإن لم يتطرقوا إلى تقاسم العرف وأنواعه من عرف قولي وعرف عملي، وخاص وعام وصحيح، وفاسد، واكتفوا بمراعاته في مجال الأيمان والنذور والنكاح والطلاق وبعض العقود). وقد وردت في مصنفاتهم قاعدة العادة
(1) الزرقا: المدخل الفقهي، 836/ 3 - ابن عابدين رسائل ابن عابدين، 2/ 115 - 120. (2) باجو: منهج الاجتهاد عند الإباضية، ص 747. (3/270)
صفحة 1419
الفصل الخامس: القاعدة الفقهية الكبرى الخامسة
271
محكمة بصيغ مختلفة ومتقاربة، فبعضهم استعمل الصيغة المشهورة المتداولة، کالسالمي) والراشدي (2).
قال السالمي: «القاعدة الخامسة قولهم: إن العادة محكمة؛ أي حكمها الشرع، ومن فروع هذه القاعدة بيان أقل الحيض وأكثره، ومسائل التعارف ونحو ذلك» (3). وقد اعتمد أيضاً على هذه القاعدة في كتابه «المعارج» في مسألة الختان وأشار إلى اختلاف حكمه بين الصبي والبالغ فقال: «إن الفرق بين الصبي والبالغ إنما هو خوف الضرر في العادة مع البالغ وعدم خوفه مع الصبي، والعادة محكمة فوجب اعتبارها» (4).
بينما عبّر عنها الكدمي بصيغة قريبة من هذا المعنى فقال: «وقد يخرج في معنى الاطمئنان والتعارف وما تجري به العادات ما يشبه معنى الحكم الثابت في الأحوال فتصبح بذلك العادات والتعارف في معنى ما يشبه الأحكام الثابتة» (5).
وفي موضع آخر قال: فكان حكم الأغلب والتعارف والاطمئنان فيما تجري به أمور عامة الناس).
في
القاعدة
أما ابن بركة المعاصر للكدمي في القرن الرابع الهجري عبّر عن مسألة تحديد مقدار النفقة بقوله: « ... وأما ما فعله الناس من عاداتهم من
إطعام لأهلهم أكلتين».
(1) السالمي: طلعة الشمس، 2/ 191. - معارج الآمال، 198/ 1.
(2) الراشدي: جواهر القواعد، ص 143.
(3) السالمي: طلعة الشمس، 191/ 2. (4) السالمي: معارج الآمال، 198/ 1.
(5) الكدمي: المعتبر، 83/ 4. (6) الكدمي: المرجع نفسه، 84/ 4.
(7) ابن بركة: كتاب التعارف، ص 13. الجامع، 18/ 2. (3/271)
صفحة 1420
272
القواعد الفقهية عند الإباضية
وفي موضع آخر قال: « ... فإن المكلف إذا توجه إليه الحكم بيقين فإنه يرفع بمثله بيقين أو بعلم يسكن إليه القلب والعادة الجارية ليقوم مقام اليقين المتعارف (1). وفي معرض بيان حكم قبول الهبة وانتقال ملكيتها يقول: «فزوال ملكها
من صاحبها المتيقن حصل بما يسكن إليه القلب وجرت عليه العادة» (2). وخصص ابن بركة رسالة مستقلة تضمنت تطبيقات عملية للعرف والعادة سماها «كتاب التعارف» ولم يفرد له السالمي مبحثاً مستقلاً في كتابه الأصولي طلعة الشمس وإن أشار إليه ضمن القاعدة الفقهية «العادة محكمة» أي أن الشرع حكمها، وذكر فروعها، وبيان أقل الحيض وأكثره، ومسائل التعارف (3). وهو صنيع السيابي (4) في كرسي الأصول، وإن نص على أن قواعد العرف راجعة إلى الاستقراء وهذا ما أشار إليه الرواحي في «نثار الجوهر»، إذ يقول: وحكموا العادة في أشياء كما حكموا الاستقراء واستصحاب الأصل).
(1) ابن بركة: التعارف، ص 9. (2) ابن بركة مصدر نفسه، ص 16.
(3) السالمي: طلعة الشمس، 191/ 2.
(4) لم نعثر على ترجمة لهذا المؤلف ولا كتابه بعد البحث ولعل الكتاب ما زال مخطوطا. (5) الرواحي أبو مسلم نثار الجوهر، 82/ 1 طبعة مصورة من المخطوط الأصلي بخط المؤلف. (3/272)
صفحة 1421
المطلب الثاني مدلول القاعدة
لمعرفة معنى القاعدة لا بد من تحديد مفهوم العادة والعرف في اللغة
والاصطلاح:
أ ـ العادة في اللغة:
مأخوذة من العود والاستمرار على الشيء والمعاودة وهو الرجوع إلى الأمر الأول، والعادة الديدن يعاد إليه وجمعها عادات وعوائد، وسميت بذلك لأن صاحبها يعاودها، أي يرجع إليها مرة بعد أخرى، وعودته كذا فاعتاد، وعوده أي صيرته له عادة). فهي اسم لتكرير الفعل والانفعال حتى يصير سهلاً تعاطيه كالطبع ولذلك قيل: العادة طبيعة ثابتة (2).
وفي مفردات الراغب الأصفهاني: العود الرجوع إلى الشيء بعد الانصراف عنه إما انصرافاً بالذات أو بالقول والعزيمة ... قال تعالى: {رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَلِمُون (المؤمنون: (107). قال تعالى: {وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ
وَإِنَّهُمْ لَكَذِبُونَ} (الأنعام: 28 (3).
ب - العادة في الاصطلاح:
أما العادة في الاصطلاح فهي ما استمر الناس عليه على حكم العقول، وعادوا إليه مرة بعد مرة» (4).
(1) ابن منظور: لسان العرب، 316/ 3 - 317. الفيومي المصباح المنير، ص 166، 170. ابن فارس: معجم مقاييس اللغة، 181/ 4.
(2) الزرقا مصطفى: المدخل، 2/ 870.
(3) الأصفهاني: المفردات في غريب القرآن، مادة «عود»، ص 351.
(4) الجرجاني: التعريفات، ص 188. (3/273)
صفحة 1422
274
القواعد الفقهية عند الإباضية
وعرفها زكريا الأنصاري بأنها: «ما استقرت الناس فيه على حكم العقول وعادوا إليه مرة بعد أخرى)، والأولى التغيير بالاستمرار؛ لأنه يناسب العود إليه مرة بعد أخرى.
وقال الحموي الحنفي: «إن مادة العادة تقضي تكرار الشيء وعوده تكراراً كثيراً، يخرج عن كونه واقعاً بطريق الاتفاق» (2).
وعرفها بعض المعاصرين بقوله: « ... الأمر الذي يتقرر بالنفوس ويكون
مقبولاً عند ذوي الطباع السليمة).
أما عند علماء الأصول فالعادة هي: «الأمر المتكرر من غير علاقة عقلية (4)، فإذا كان التكرر ناشئاً عن علاقة عقلية وهي التي يحكم بها العقل بهذا التكرار لم يكن عندئذ من قبيل العادة، بل من قبيل التلازم العقلي، وذلك كتكرر حدوث الأثر كلما حدث مؤثره، بسبب أن المؤثر علة لا يتخلف عنها معلولها، كتحرك الخاتم بحركة الأصبع، وتحرك أوراق الأشجار بحركة الرياح، وتبدل مكان الشيء بحركته، فهذا لا يسمى عادة مهما تكرر، لأنه ناشئ عن تلازم وارتباط في الوجود بين العلة والمعلول يقضي به العقل، وليس ناشئاً عن ميل أو طبع أو عامل طبيعي).
فكون العادة الأمر المتكرر متفق عليه بين الأصوليين والفقهاء، والأمر المتكرر يشمل كل حادث يتكرر، لأن لفظ الأمر من أوسع ألفاظ اللغة عموماً وشمولاً، ويفترق تعريف الفقهاء عن تعريف الأصوليين بأنه لم يشترط نفي العلاقة الفعلية؛ فتعريف الأصوليين أخص وتعريف الفقهاء أعم من هذا الوجه (6).
72
(1) الأنصاري زكرياء، الحدود الأنيقة والتعريفات الدقيقة، ص 2 (2) الحموي أحمد غمز عيون البصائر بشرح كتاب الأشباه والنظائر لابن نجيم، 1/ 295 - 296. (3) علي حيدر: درر الحكام شرح مجلة الأحكام العدلية، مادة 36.
(4) ابن أمير الحاج: التقرير والتحبير، شرح التحرير، لابن الهمام، 769/ 2. (5) الزرقا: المدخل، 871/ 2. ابن أمير الحاج: التقرير والتحبير، 769/ 2. (6) البورنو الوجيز، ص 274 - 275. (3/274)
صفحة 1423
الفصل الخامس: القاعدة الفقهية الكبرى الخامسة
275
يتبين من هذا التعريف أن العادة في الاصطلاح لها مفهوم شامل واسع الحدود يشمل كل متكرر من الأقوال والأفعال، سواء أكان صادراً عن الفرد أم الجماعة، وسواء كان مصدره طبيعياً أم عقليّاً وتلقته الطباع السليمة بالقبول، أم كان مصدره الأهواء والشهوات؛ لأن قولهم في تعريفها: «الأمر المتكرر» يشمل كل حادث يتكرر من حيث أن لفظ: «الأمر كلفظ: «الشيء» من أوسع ألفاظ
اللغة عموماً وشمولاً.
ومع
((
أن تعريف الفقهاء للعادة يتضمن قبولها عند الطباع السليمة لكن
إطلاق لفظ العادة عند الفقهاء يتضمن ما يلي:
1 ـ فالعادة تطلق تارة على ما يعتاده الفرد من الناس في شؤونه الخاصة، كعادته في نومه وأكله ونوع مأكوله وحديثه، وكثير من أفعاله، وهذه التصرفات يطلق عليها العادات الفردية
2 ـ وتطلق تارة أخرى على ما تعتاده الجماعات والجماهير مما ينشأ في الأصل عن اتجاه عقلي وتفكير، حسناً كان أم قبيحاً، وهذه التصرفات ترادف أيضاً العادة رغم كونها صادرة عن الجماعة (1).
وتطلق العادة أيضاً بوجه عام على كل حالة متكررة، سواء أكانت ناشئة
أ ـ عن سبب طبيعي كإسراع بلوغ الأشخاص، ونضج الثمار في الأقاليم الحارة وإبطائه في الباردة، وكثرة الأمطار في بعض المناطق صيفاً وفي بعضها شتاء بحسب الموضع الجغرافي والعوامل الطبيعية.
6
(1) يقول بعض الفقهاء: «إن العادة تتحقق بتكرر الفعل مرتين أو ثلاثا؛ لأنها مأخوذة من العود أو المعاودة». ينظر: ابن نجيم الأشباه والنظائر الفن الأول تحت القاعدة السادسة، 128/ 1. قال الزرقا: «ولا يخفى أن مرادهم بذلك عادة الفرد، أما عادة الجماعة التي هي بمعنى عرف الجمهور، فلا ينطبق عليها هذا الحد؛ لأن العادة لا تشيع وتنتشر بين الجماهير إلا بعد أن تتكرر بين الناس مرات لا تحصى». ينظر، الزرقا: المدخل الفقهي
العام، 871/ 2. (3/275)
صفحة 1424
276
القواعد الفقهية عند الإباضية
ب ـ أم كانت ناشئة عن الأهواء والشهوات وفساد الأخلاق، كالتقاعس عن فعل الخيرات والسعي بالضرر والفساد وتفشي الكذب وأكل المال بالباطل والفسق، والظلم مما يسميه الفقهاء فساد الزمان.
ج ـ أو ناشئة عن حادث خاص كفشو اللحن الناشئ من اختلاط العرب بالأعاجم فكل ذلك، يعتبر في نظر الفقهاء من قبيل العادات، وقد راعاها
المجتهدون في الفتيا والقضاء وقرر لها الفقهاء ما يناسبها من أحكام. ومهما يكن من أمر فلا تعارض بين التعريفات السابقة، لأن العادة مأخوذة من المعاودة وهي بتكررها ومعاودتها مرة بعد أخرى صارت معروفة مستقرة في النفوس والعقول متلقاة بالقبول من غير علاقة عقلية ولا قرينة، حتى غلبت على معاملات الناس واطردت بينهم سواء إلى جميع البلاد أم بعضها (2).
ج - مدلول كلمة «محكمة:
أما كلمة محكمة فهي اسم مفعول من التحكيم، ومعنى التحكيم القضاء والفصل بين الناس، أي أن العادة هي المرجع للفصل عند النزاع (3).
د - مدلول العرف لغة واصطلاحاً من الألفاظ ذات الصلة بالعادة وشاع استعماله عند الفقهاء العُرف وفيما يلي بيان لحقيقته في اللغة والاصطلاح. العرف لغة مأخوذ عن عرف الشيء، وهو ما تعارف عليه الناس في
ومعاملاتهم، وهو في أصل اللغة يطلق على معنيين:
عاداتهم
(1) أحمد فهمي أبو ستة رسالة العرف والعادة في رأي الفقهاء / 10. ـ الزرقا مصطفى:
المدخل، 2/ 871 – 872.
(2) صالح السدلان القواعد الفقهية الكبرى، ص 334.
(3) البورنو الوجيز، ص 273. (3/276)
صفحة 1425
الفصل الخامس: القاعدة الفقهية الكبرى الخامسة
277
الأول: تتابع الشيء متصلاً بعضه ببعض.
الثاني: السكون والطمأنينة، والمراد به هنا التتابع وما تطمئن إليه النفس، فإذا اطمئن الناس إلى شيء وسكنوا إليه وتتابع العمل به صار معروفاً وسمي عرفاً).
وقد أشار الكدمي إلى هذا المعنى بقوله: فكان حكم الأغلب والتعارف والاطمئنان فيما تجري به أمور عامة الناس» (2).
ويؤكد هذا المعنى ابن بركة عند حديثه عن إزالة الحكم الثابت باليقين فقال: «فإن المكلف إذا توجه إليه الحكم بيقين فإنه يرتفع بمثله من اليقين أو
بعلم يسكن إليه القلب والعادة الجارية ليقوم مقام اليقين». ويقول أيضاً: «ولعل جميع ما تعبد الله به عباده من طريق الشريعة ما أخذ عليهم أن يخرجوا منه بما هو يقين عندهم، بما يستدلون على معرفته بالعادة الجارية والأحوال الظاهرة، لا بما يعلم حقيقته (3).
ويعرفه السالمي بقوله: «أما التعارف فهو عبارة عن حصول حالة تدل على
إباحة ما يجوز إباحته بين قوم مخصوصين مثل أحد الخوص (4) والصروم ولقاط التمر من النخل والثمر من الشجر وما جرى هذا المجرى».
(1) ابن فارس: معجم مقاييس اللغة 60/ 3. - الفيومي: المصباح المنير، ص 396. (2) الكدمي: المعتبر، 84/ 4.
(3) ابن بركة: كتاب التعارف، ص 7.
127
(0)
(4) قال أبو بكر الرازي: الخوص، ورق النخل، الواحدة (خوصة) والخواص، بائع الخوص ينظر: مادة خ وص، إيضاح مختار الصحاح للرازي، أخرجه نديم وأسامة وعادل مرعشلي نشر دار البشائر للطبع والنشر والتوزيع ـ دمشق، 1417 هـ / 1997 م، ص (5) صرم الشيء: ء: قطعه، وصرم النخل جده، وأصرم النخل، حان له أن يُصرم، والصرم: الجلد فارسي معرب، والصرام - بفتح الصاد وكسرها - جذاذ النخل، والصارم: السيف القاطع،
راجع الرازي مختار الصحاح (مرجع سابق) مادة (ص ر م) ص 238.
(6) السالمي: العقد الثمين، 127/ 4. (3/277)
صفحة 1426
278
القواعد الفقهية عند الإباضية
ونقل السالمي في العقد الثمين عن أبي مالك أن هذا أبي مالك أن هذا يرجع إلى ما تسكن إليه النفس ويعلم بالقلب، وأن النفوس لا تخرج بمثل هذا، ولا تطالبه الناس فيما بينهم حتى لو أن رجلاً أبيح له ماء ليشرب منه فقال لصاحب الماء: أتأذن لي أن أسقي صاحبي منه، لاشتد عليه قوله وكره ذلك منه ورأى أنه قد نسبه إلى غاية البخل في منعه شربه من ماء مع إمكان الماء معه، وليس هنالك عداوة بينهما.
ولما ختم السالمي من بيان رأي أبي مالك في العرف خلص إلى القول بأنه: «إنما سميت هذه الحالة بالتعارف؛ لأن أهل البلد مثلاً يتعارفون أي يتعالمون بثبوت الإباحة بعد ذلك» (1).
ومما تقدم يتبين أن العرف في الاصطلاح هو: «ما استقرت النفوس عليه بشهادة العقول وتلقته الطبائع بالقبول». ومعنى ذلك: أن كل قول أو فعل اطمأنت إليه النفوس وعرفته وألفته مستندة في ذلك إلى استحسان العقل ولم ينكره أصحاب الذوق السليم في الجملة يسمى غرفاً، كما في تعامل الناس بالاستصناع ووقف المنقول واشتراط شروط خاصة في البيع ... إلخ.
وعرفه أحد الفقهاء المعاصرين بأنه: «ما استقر في النفوس واستحسنه العقول وتلقته الطباع السليمة بالقبول واستمر الناس عليه مما لا ترده الشريعة وأقرتهم عليه» (3).
فقوله مما لا ترده الشريعة»: قيد وجيه يخرج العرف الذي ترده الشريعة الإسلامية، لأنه يخالف نصوصها وأحكامها؛ كالتعامل بالربا بكل مظاهره وألوانه في المصارف وغيرها، لأنها أعراف استقرت تبعاً للأهواء والشهوات.
(1) السالمي: المرجع السابق، 127/ 4. (2) الجرجاني: التعريفات ص 198. - الأنصاري الحدود الأنيقة، ص 72.
(3) عوض السيد صالح أثر العرف في التشريع الإسلامي، ص 52. (3/278)
صفحة 1427
الفصل الخامس: القاعدة الفقهية الكبرى الخامسة
279
وأما قوله: «وأقرتهم عليه أي ما تعارفه الناس واستمروا عليه، وكان له اعتبار في الشريعة فهو العرف المعتبر شرعاً).
هـ - الفرق بين العرف والعادة
لو نظرنا في التعريفات التي قدمت للعرف والعادة نجد أن العادة مأخوذة من العود والمعاودة، فهي بتكررها مرة بعد أخرى صارت معروفة مستقرة في النفوس والعقول متلقاة بالقبول من غير علاقة ولا قرينة حتى صارت حقيقة عرفية (2). فهل العرف يختلف عن العادة؟ يقول الراشدي في جواهره: «العرف والعادة بمعنى، وهو ما كان مقرراً بالعقول وتلقته الطباع السليمة بالقبول» (3). وقريباً من هذا المعنى عرف بعضهم العادة فقال: «العادة والعرف ما استقر في النفوس من جهة العقول وتلقته الطباع السليمة بالقبول» (4). فهنا يلاحظ أن الفقهاء اشترطوا في العرف والعادة الاستقرار وتلقي الطباع السليمة لما يُعهد ويُروى بين الناس بالقبول، وأن يقر الشارع ذلك الذي تعارفه الناس واستمروا عليه، كما جاء في تعريف العادة عند الفقهاء أيضاً أنها ما تكررت مرة بعد أخرى لأنها مأخوذة من المعاودة والتكرار.
فعلى هذا؛ فالعرف هو العادة المعروفة، فالعرف والعادة بمعنى واحد ويصدقان عليه، وهو العادة المعروفة، وإن كانا مختلفين من حيث المفهوم اللغوي - حيث أن مفهوم كل واحد منهما مختلف عن الآخر، فالعادة هو
العودة والتكرار، والعرف هو المتعارف (5).
335
(1) السدلان صالح القواعد الفقهية، ص (2) الأتاسي: شرح مجلة الأحكام العدلية، 97/ 1.
(3) الراشدي: جواهر القواعد، ص
143
(4) الأتاسي: المرجع السابق، 97/ 1.
(5) البورنو الوجيز، ص 276. (3/279)
صفحة 1428
280
القواعد الفقهية عند الإباضية
وبناء على ما سبق يكون العرف والعادة لفظان مترادفان بمعنى واحد، إذا ما تحدث عنهما الفقهاء وبنوا الأحكام عليهما ولا وجه للتفرقة بينهما، لأن العادة تنشأ بتكررها مرة بعد أخرى واستمرارها يجعلها تستقر في النفوس فتسمى عرفاً إذا تلقته الطباع السليمة بالقبول واستحسنته العقول وجرى عمل الناس به، وهذا هو العرف المعتبر أو العادة المعتبرة عند الفقهاء (1). هذا وقد فرّق بعض الفقهاء المحدثين بين مدلولي العرف والعادة، فأطلق العادة على ما يشمل عادة الفرد والجماعة، وخص العرف بعادة الجماعة، حيث عرفه بأنه عادة جمهور قوم في قول أو عمل (3). يتضح من جميع ما تقدم أن العادة أعم من العرف لأنها تشمل العادة الفردية والعادة الناشئة عن عامل طبيعي وعادة الجمهور التي هي العرف، فتكون النسبة بين العادة والعرف هي العموم والخصوص المطلق؛ فكل عرف هو عادة وليست كل عادة عرفاً، لأن العادة قد تكون فردية أو مشتركة (3).
و - المعنى الإجمالي للقاعدة: إن العادة عامة أو خاصة تجعل حكماً لإثبات حكم شرعي لم ينص على خلافه بخصوصه)، وبعبارة أخرى: «أن للعادة في الاعتبار الشرعي حاكمية تخضع لها أحكام التصرفات، فتثبت تلك الأحكام على وفق ما تقتضي به
العادة أو العرف إذا لم يكن هناك نص شرعي مخالف لتلك العادة»).
(1) أبو ستة: العرف والعادة، ص 10 - 11. - شبير محمد عثمان: القواعد الكلية، ص 231. السدلان صالح القواعد الفقهية، ص 336.
(2) الزرقا مصطفى: المدخل، 2/ 872 - البورنو: الوجيز، ص 276.
(3) الزرقا المرجع السابق، 874/ 2.
(4) الأتاسي: شرح المجلة العدلية، 87/ 1.
(5) الزرقا أحمد شرح القواعد الفقهية، ص 165. (3/280)
صفحة 1429
المبحث الثاني
أنواع العرف والعادة وشروط اعتبارهما في الأحكام الشرعية
وفي هذا المبحث نتعرف على نشأة العرف والعادة وأنواعهما، وما يتميز
كل نوع عن الآخر، ثم نحدد الشروط التي تضبط العرف والعادة حتى يكونا شرعيين يمكن الاعتماد عليهما في استنباط الأحكام الشرعية وبيان ذلك
فيما يلي: (3/281)
صفحة 1430
المطلب الأول أنواع العرف والعادة
وقبل بيان أنواع العرف والعادة نجد من المناسب الحديث عن نشأة العرف والعادة، وأسبابها، وكيف كانت الأمم تعتمد عليها في وضع النظم الاجتماعية والاقتصادية لحل المشكلات المتجددة لتسهيل حياة الناس.
الفرع الأول: نشأة العادة وسلطانها على النفوس: تنشأ العادة من تصرفات، فكل عمل اختياري لا بد له من باعث وهذا الباعث إما خارجي كظهور منفعة شيء، وإما داخلي نفسي، كحب الانتقام الدافع إلى التأثر، والحياء الشديد الدافع إلى اعتزال الناس، والسكوت، فإذا
ارتاح الفرد للفعل الذي حال إليه وكرره أصبح بذلك التكرار عادة له. وإذا حاكاه الناس بدافع حب التقليد، وتكررت هذه المحاكاة وانتشرت
بين الناس أصبحت بذلك عرفاً، والذي هو في الحقيقة عادة الجماعة. كما يجري هذا في الأفعال يجري في الأقوال أيضاً، كالمصطلحات التي تنشأ بين أهل الحرف أو العلوم أو الأديان.
فالإنسان مضطر إلى التفاهم مع من يعيش بينهم، وإن التفاهم بالإشارات ونحوها عسير وبطيء، ولذا لجأ البشر إلى طريق التعبير بالألفاظ التي هي أصوات يعتادون التعبير بها حتى تصبح لغة عامة بينهم. ثم بتوسيع الصناعات والعلوم المدنية يصبح التعبير باللغة العامة الأصلية في هذه الصناعات والعلوم عسيراً وطويلاً ومورثاً للاشتباه، لذلك يلجأ أهل الحرف أو العلوم أو الأديان إلى استعمال ألفاظ خاصة يصطلحون عليها، بطريق المبدأ أو بطريق التداول المتكرر للدلالة على معان وأشياء تفهم
الوضع (3/282)
صفحة 1431
الفصل الخامس: القاعدة الفقهية الكبرى الخامسة
283
بسهولة من هذه الألفاظ الاصطلاحية التي لا تقوم مقامها في الدلالة إلا
شرح طويل (1).
وترجع
نشأة العادة في المجتمعات إلى ثلاثة أسباب وهي:
الأول: الحاجة وهي تعد سبباً لمعظم العادات، إذ يعرض للناس ظرف خاص يدعوهم إلى عمل خاص، فيتكرر العمل ويشيع بين الناس حتى يصبح عرفاً دارجاً، كوقف الكتب وأدوات الجنازة وبيع الوفاء.
وهذه الحاجات تختلف بحسب البيئات الطبيعية ومرافقها وبحسب الهيئات الاجتماعية، وأنظمتها ومميزاتها (2) من المعتقدات والشعائر الدينية والأخلاق،
ونظام الحكم، ومعاهد العلم، والصنائع والفنون وحرية الفكر ... إلخ. الثاني: صدور أمر سلطاني أو توجيه حكومي للقيام بعمل من الأعمال، وذلك بان تنشأ العادات والأعراف بأمر صاحب السلطان الحاكم أو برغبته وتوجيهه كعادة الاحتفال بذكرى المولد النبوي التي أنشأها الحكم الشيعي
الفاطمي، ثم عمّت واقتبستها سائر البلدان الإسلامية. الثالث: سبب وراثي تناقله الخلف عن السلف، فقد تكون العادات والأعراف وراثية محضة عن الأسلاف دون أن تدعو إليها حاجة حقيقية؛ كالبقية من عادات الجاهليين المتصلة بعقائدهم قبل سيادة الإسلام في بلاد العرب كعادة الأربعين للميت، ووأد البنات (3).
وللعادات والأعراف سلطان كبير على النفوس وتحكم في العقول، فمتى رسخت العادة اعتبرت من ضروريات الحياة، لأن العمل كما يقول علماء النفس، بكثرة تكراره تألفه الأعصاب والأعضاء، ولا سيما إذا اقتضته الحاجة،
(1) الزرقا المدخل، 867/ 2 - 868.
(2) مثال ذلك: النظام الاجتماعي الجاري به العمل في منطقة وادي ميزاب بجنوب الجزائر، ويطلق عليه نظام العزابة. ينظر: صالح أسماوي نظام العزابة.
(3) الزرقا المدخل، 868/ 2 - 869. - شبير: القواعد الكلية، ص 239 - 240. (3/283)
صفحة 1432
284
القواعد الفقهية عند الإباضية
(2)
ومن ثم يقولون: إن العادة طبيعة ثابتة ويقول الفقهاء: إن في نزع الناس عن عاداتهم حرجاً عظيماً). ولذلك يقاسي الأنبياء والمصلحون كثيراً من المصاعب والأهوال، فيأخذون الناس بالعنف تارة، وبالتدريج تارة أخرى، لتحويلهم عن مفاسد عاداتهم وأعرافهم هذا المعنى تقول عائشة أم المؤمنين لها واصفة سياسة التشريع الإسلامي: «إنما نزل أوّل ما نزل من القرآن سورة فيها ذكر الجنة والنار حتى إذا ثاب الناس إلى الإسلام نزل الحلال والحرام، ولو نزل أول شيء: لا تشربوا الخمر ولا تزنوا، لقالوا: لا ندع الخمر ولا الزنى أبداً» (3).
وفي
ويتضح مما سبق أن العادات والأعراف منها الحسن ومنها القبيح، إذ ليس كل ما يعتاده الناس ويتعارفونه ناشئاً عن حاجة صادقة ومصلحة حكيمة يكون الأمر المعتاد وسيلة ميسرة لها.
فقد يعتاد الناس عادات تقوم على جهالات وضلالات موروثة يشقى بها المجتمع وليس فيها منتفع، كاسترقاق المدين المعسر عند الرومان وفي جاهلية العرب، وكوأد البنات والغزو الداخلي في الجاهلية وكدفن الزوجة
(1) ابن عابدين رسالة نشر العرف في مجموعة رسائله، ص 119 - 120. (2) الزرقا المدخل، 869/ 2. (3) رواه البخاري، كتاب فضائل القرآن باب تأليف القرآن - حديث: 4712 عن عائشة، بلفظ عن يوسف بن ماهك، قال: «إني عند عائشة أم المؤمنين، إذ جاءها عراقي، فقال: أي الكفن خير؟ قالت: ويحك، وما يضرك؟ قال: يا أم المؤمنين، أريني مصحفك؟ قالت: لم؟ قال: لعلي أولف القرآن عليه، فإنه يقرأ غير مؤلف، قالت: وما يضرك أيه قرأت قبل؟ «إنما نزل أول ما نزل منه سورة من المفصل، فيها ذكر الجنة والنار، حتى إذا ثاب الناس إلى الإسلام نزل الحلال والحرام، ولو نزل أول شيء: لا تشربوا الخمر، لقالوا: لا ندع الخمر أبداً، ولو نزل: لا تزنوا، لقالوا: لا ندع الزنا أبداً، لقد نزل بمكة على محمد صلى الله عليه وسلم وإني لجارية ألعب: بل الساعة موعدهم والساعة أدهى وأمر وما نزلت سورة البقرة والنساء إلا وأنا عنده»، قال: فأخرجت له المصحف، فأملت عليه آي السور». ورواه عبد الرزاق الصنعاني في المصنف، كتاب صلاة
العيدين، باب إذا سمعت السجدة وأنت تصلي وفي كم يقرأ القرآن، حديث: 5753. (3/284)
صفحة 1433
الفصل الخامس: القاعدة الفقهية الكبرى الخامسة
285
مع
حية مع زوجها إذا مات عند الهنود الوثنيين، وكدفن نفائس الأموال أصحابها الموتى عند قدماء المصريين، وكأخذ أولياء البنات مهورهن عند
تزويجهن في عادة البدو من العربان في بعض البلاد العربية وحتى عند أهل الحضر حتى اليوم. فكل هذا وأمثاله عادات وأعراف قبيحة مصادمة للنصوص التشريعية ومقاصد الشريعة العامة، فيجب أن تكافح بالتعلم والتشريع وبالأنظمة التي يقرها ويصدرها أولياء الأمر هذا وقد راعي الشارع الحكيم عادات الناس وأعرافهم فاعتبرها في كثير من الأحكام، والرسول صلى الله عليه وسلم في فترة التشريع أبقى على كثير من العادات، ومن أهمها الأخلاقيات السائدة والمحمودة فقد قال: «جنت متمماً لمكارم الأخلاق» (2).
ومنها في العبادات كالأيمان والمقادير وفي المعاملات كالبيوع والإيجار، والأنكحة والصناعة والزراعة والبناء وغيرها من المجالات، وأصبحت قاعدة
العرف والعادة معتمدة عند الفقهاء ويرجع إليها في كثير من أبواب الفقه. وقد أطلق القرآن الكريم والسُّنَّة النبوية الأحكام في بعض المواضع وترك تحديدها وتقديرها للعادة والعرف كتقدير طعام المساكين في الكفارة والنفقة بالمعروف للزوجة والمطلقة والمرضعة، وقد تجلت هذه القاعدة في فقه الإباضية واستندوا عليها في كثير من الأحكام الفقهية، ويعد ابن بركة من السابقين في هذا المجال، فقد جعل هذه القاعدة مخصصة لقاعدة: «اليقين لا يزول بالشك»؛ ذلك أن المكلف إذا توجه إليه الحكم بيقين فإنه يرتفع بمثله
(1) الزرقا: المدخل، 2/ 870.
(2) رواه أحمد، مسند المكثرين من الصحابة، مسند أبي هريرة، رقم 8939، والبيهقي في الكبرى، كتاب الشهادات باب بيان مكارم الأخلاق، رقم 20572، عن أبي هريرة بلفظ: صالح الأخلاق. ورواه الحاكم في المستدرك، كتاب تواريخ المتقدمين من الأنبياء والمرسلين، من كتاب آيات رسول الله، رقم 4212، وقال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط مسلم، ووافقه الذهبي. (3/285)
صفحة 1434
286
القواعد الفقهية عند الإباضية
من اليقين أو بعلم يسكن إليه القلب والعادة الجارية ليقوم مقام اليقين). يقول في هذا الصدد: «ولعل جميع ما تعبد الله به عباده من طريق الشريعة ما أخذ أن يخرجوا منه بما هو يقين عندهم، بما يستدلون على معرفته بالعادة الجارية والأحوال الظاهرة لا بما يعلم حقيقته» (2).
عليهم
ولعل ابن بركة يعتبر أول من ألف كتاباً مستقلاً لبيان أهمية هذه القاعدة وتطبيقاتها على الأحكام، فقد ألف رسالة كاملة في العرف والعادة وما يسكن إليه القلب مما يجري بين الناس من التعامل سمّاها: «كتاب التعارف»، ولم نعثر على مثلها عند الإباضية أو غيرهم من المتقدمين حسب اطلاعنا المحدود في التراث الفقهي.
الفرع الثاني: أنواع العادة أو العرف
عرف الزحيلي العرف بأنه: ما اعتاده الناس وساروا عليه من كل فعل شاع بينهم أو لفظ تعارفوا على معنى خاص لا تألفه اللغة، ولا يتبادر غيره
عند سماعه (3).
من خلال هذا التعريف نستنتج أن العرف إما أن يتعلق باستعمال بعض الألفاظ في معان يتعارف الناس على استعمالها لها، وإما أن يتعلق باعتياد أنواع من الأعمال أو المعاملات، ومن هنا قسم العلماء العادة أو العرف باعتبارات مختلفة إلى أقسام:
1
- التقسيم الأول:
وهو تقسيم العادة أو العرف باعتبار الموضوع أو متعلقه إلى نوعين: عرف قولي (لفظي) وعرف عملي (فعلي).
(1) ابن بركة: كتاب التعارف، ص 9.
نفسه، (2) المرجع ص 7. (3) الزحيلي
وهبه نظرية الضرورة الشرعية، ص 158. (3/286)
صفحة 1435
الفصل الخامس: القاعدة الفقهية الكبرى الخامسة
287
أ ـ العرف اللفظي أو القولي:
اللفظ،
هو الذي يسميه الأصوليون بالحقيقة)، ويسميه بعض الفقهاء بالعادة في أن وهو يشيع بين الناس استعمال بعض الألفاظ أو التراكيب في معنى معين لا تألفه باللغة، بحيث يصبح ذاك المعنى هو المفهوم المتبادر منها إلى أذهانهم عند الإطلاق، بلا قرينة ولا علاقة عقلية).
وعرف ابن عابدين بأنه: يتعارف قوم إطلاق لفظ لمعنى بحيث لا يتبادر عند سماعه إلا ذلك المعنى (3)، وقد سموا استعمال اللفظ فيه حقيقة عرفية، لأن المعنى اللغوي صار مجهوراً لا تقصد من اللفظ إلا بقرينة تدل على إرادته. ذلك: فلو قال شخص لآخر اشتر لي سيارة بخمسة آلاف ولم يعين النقود، هنا يلزم الوكيل أن يشتري له بالعملة السائدة في البلد كالدينار الجزائري، أو الريال العُماني؛ لأنها المتعارفة لديهم عند الإطلاق وليس له أن يشتري بريالات قطرية أو بدراهم مغربية أو بدنانير تونسية.
وتوضيح
وكذلك من قال لآخر اشتر لي دابة ـ والمتعارف عندهم أن لفظ الدابة يطلق على الحمار مثلاً، فليس له أن يشتري فرساً أو بغلاً؛ استنباطاً من أن لفظ الدابة يطلق عند آخرين على ذات الأربع (4).
ومثل تعارفهم إطلاق (الولد) على الذكر دون الأنثى، وعدم إطلاق لفظ (اللحم على السمك، واستعمال (البيت) في بعض البلدان بمعنى الغرفة وفي
(1) الحقيقة اللغوية هي: ما صار اللفظ دالاً فيها على المعنى بالعرف لا باللغة، وقد يكون تارة أعم من المعنى اللغوي: كالرقبة تطلق في العرف على جميع البدن، وتارة أخص كاختصاص الفقيه ببعض العلماء، وتارة يكون مبايناً كالغائط، وهو المطمئن من الأرض. ينظر: ابن تيمية: مجموع الفتاوى، 96/ 7.
ص
(2) القرافي: الإحكام في تمييز الفتاوى من الأحكام، 234. ـ الزرقا مصطفى: المدخل 2/ 875. ـ شلبي محمد مصطفى أصول الفقه الإسلامي، ص 314. (3) ابن عابدين تنبيه الرقود على مسائل النقود، ضمن رسائله، 56/ 2. (4) البورنو الوجيز، ص 281. (3/287)
صفحة 1436
288
القواعد الفقهية عند الإباضية
بعضها الآخر بمعنى الدار وكاستعمال لفظ (الدراهم) بمعنى النقود الرائجة البلد مهما كان نوعها وقيمتها حتى الورق النقدي اليوم مع أن الدراهم
في
في الأصل نقد فضي مسكوك بوزن معين، وقيمة محددة.
وهذا النوع من العرف هو في الحقيقة من قبيل اللغة الخاصة لأصحابه،
فإذا احتاج فهم المعنى المقصود إلى قرينة أو علاقة عقلية لم يكن ذلك عرفاً
بل هو من قبيل المجاز).
ب ـ العرف العملي:
وهو ما جرى عليه عمل الناس وتعارفوه في معاملاتهم وتصرفاتهم، وهو الذي يطلق عليه الفقهاء وما جرى عليه العمل). وبعبارة أخرى، هو اعتياد الناس على شيء من الأفعال العادية أو المعاملات المدنية كالتصرفات المنشئة للالتزامات (3). والمراد بالأفعال العادية: أفعال الناس الشخصية في شؤونهم الحيوية مما لا يقوم على تبادل المصالح وإنشاء الحقوق، وذلك كالأكل والشرب واللبس والركوب والحرث والزراعة وغير ذلك.
والمراد بالمعاملات المدنية: التصرفات التي يقصد منها إنشاء الحقوق بين الناس، أو تصفيتها وإسقاطها، سواء أكانت تلك التصرفات عقوداً أم غيرها كالنكاح والبيع والإبراء وكالغصب والقبض والأداء (4).
(1) الزرقا: المدخل، 876/ 2. - شبير محمد عثمان: القواعد الكلية، ص 240، 241. ـ الزحيلي وهبة نظرية الضرورة، ص 158.
(2) ابن بركة: كتاب التعارف، ص 9. ـ الكدمي: المعتبر، 4/ 84. - شبير: القواعد الكلية، ص 241.
(3) الزرقا: المدخل، 876/ 2. - البورنو الوجيز، ص 280. - الزحيلي: نظرية الضرورة،
ص 158.
(4) الزرقا مصطفى: المرجع نفسه، 877/ 2. (3/288)
صفحة 1437
الفصل الخامس: القاعدة الفقهية الكبرى الخامسة
289
فمن أمثلة العرف في الأفعال اعتياد الناس تعطيل بعض أيام الأسبوع عن العمل، كالخميس والجمعة، وكذا اعتيادهم في بعض الأماكن أكل نوع خاص من اللحوم كالضأن أو المعز أو البقر، أو استعمال نوع من الملابس والأدوات ونحو ذلك.
ومن
أمثلته المعاملات: في
اعتياد الناس في بيع بعض الأشياء الثقيلة مثل: الحطب والفحم والحديد
والقمح أن تكون على البائع حمولتها إلى بيت المشتري.
2 - واعتيادهم تقسيط الأجور السنوية للعقارات إلى أقساط معدودة، وتعارفهم تقديم الأجرة قبل استفاء المنفعة في إجارة الأماكن شهرياً أو
سنوياً.
- وتعاملهم ببيع والقبول.
المعاطاة من غير وجود صفة لفظية تدل على الإيجاب
4 - وتعارفهم في الأنكحة تعجيل جانب معين من مهور النساء، كالنصف أو الثلثين، وتأجيل الباقي إلى ما بعد الوفاة أو الطلاق في بعض البلدان،
بينما اعتاد أهل ميزاب بالجزائر تعجيل كل الصداق قبل الدخول. وتعارف الناس على أجرة معيّنة عند نقل الركاب من مكان إلى آخر. 6 - وتعارفهم في بعض المهن والصنائع أن يأخذ الصانع من رب العمل أجراً وفي بعضها الآخر أن يأخذ رب العمل من الصانع أجراً كما في الخياطة وصناعة الذهب، عندما يكون المقصود تعليم الصانع تلك الصناعة مجرد استخدامه، إلى غير ذلك مما لا يخص من أعراف الناس العملية
لا
الممكن جريانها في معاملات الناس وتفاريع التزاماتهم فيها).
(1) الزرقا: المدخل، 877/ 2. - البورنو الوجيز، ص 28 - شبير القواعد الكلية، ص 241. -
الزحيلي نظرية الضرورة، ص 158. (3/289)
صفحة 1438
290
القواعد الفقهية عند الإباضية
2 ـ التقسيم الثاني:
يقسم العرف باعتبار عمومه وخصوصه إلى عرف عام، وعرف خاص.
أ ـ العرف العام:
هو ما يشترك فيه غالب الناس في جميع البلاد على اختلاف أزمانهم وبيئاتهم وثقافاتهم ومستوياتهم
(2)
وعند بعضهم هو الذي يكون فاشياً في جميع البلاد بين الناس في أمر من الأمور (2). بينما عرّفه آخر بأنه عُزف هيئته غير مخصوصة بطبقة من طبقاتها وواضعه غير متعيّن، وهو العرف الجاري منذ عهد الصحابة ـ رضوان الله عليهم ـ حتى زماننا، وهو العرف الذي قبله المجتهدون وعملوا به ـ ولو كان مخالفاً للقياس ويثبت به حكم عام.
والعموم قد يكون عموماً زمانياً، فيكون العرف عاماً في الأزمنة كلها منذ عهد الصحابة إلى الآن، أو في عصر من العصور، وقد يكون عموماً مكانياً، بمعنى أن العرف يعمّ الأمكنة كلها ويعمل به في جميع البلاد أو أكثرها (3). ومن خلال التعريفات المتقدمة يتضح أن العرف العام قد يشمل جميع الناس أو غالبيتهم، وقد يعُمّ كل الأزمان والأمكنة أو أكثرها، ولا يختص طبقة معينة أو فئة معينة من الناس أو زماناً أو مكاناً محدداً.
من
أمثلة العادة العرفية العامة:
1 - تعارف الناس عقد الاستصناع أو المقاولة في كثير من الحاجات واللوازم من أحذية وألبسة وأدوات وغيرها، فإن الناس قد احتاجوا إليه ودرجوا عليه من قديم الزمان ولا يخلو اليوم من التعامل به مكان، وقد أصبح جارياً
(1) محمد تقي الحكيم الأصول العامة للفقه المقارن، ص 420.
(2) الزرقا المدخل، 877/ 2 - 878.
(3) البورنو: الوجيز، ص 277. (3/290)
صفحة 1439
الفصل الخامس: القاعدة الفقهية الكبرى الخامسة
291
في جميع الحاجات حتى استصناع المعامل بكاملها والبواخر، في حين لو نظرنا إلى طبيعة هذا العقد نجده عبارة عن اتفاق على صنع أشياء معينة بأوصاف مبينة محددة، وهو بيع المعدوم، ولكن جاز؛ لتعارف الناس وتعاملهم به من العصر الأول.
2 ـ إذا حلف إنسان أن لا يضع قدمه في دار فلان، فهو يحنث ولو دخلها محمولاً وبقيت قدمه خارجها، ولا يحنث لو وضع قدمه فيها وبقي هو خارجها؛ لأن المراد بوضع القدم عند الجميع هو الدخول وليس مجرد وضع قدم فقط. .
3 ـ ومثله في العموم اليوم تأجيل جانب من مهور النساء في بعض البلاد الإسلامية، فقد تعورف تقسيم المهر إلى معجل ومؤجل، بنسبة يختلف مقدارها بين بلد وآخر، وقد تكون هذه النسبة ثابتة بحيث أنه متى ذُكر بين الطرفين مبلغ المعجل عرف المؤجل.
4 ـ واستعمال لفظ (الحرام) بمعنى الطلاق لإزالة عقد الزواج. ه - ودخول الحمام (1) من غير تقديم الأجرة، أو مدة المكث، أو مقدار الماء المستهلك (2)، ونحو ذلك من الظواهر الاجتماعية المنتشرة في العالم.
ب ـ العرف الخاص:
أما العرف الخاص: فهو الذي يكون مخصوصاً ببلد أو مكان دون آخر، أو بين فئة من الناس دون أخرى (3)، وهو ما أشار إليه السالمي بقوله: هو «عبارة عن
(1) يختلف مدلول الحمام في البلدان الإسلامية، فيطلق مثلاً في الجزائر وغيرها على أماكن الاستحمام والاغتسال التي يوجد فيها مياه دافئة تنبع من الأرض، بينما يطلق هذا اللفظ في
سلطنة عُمان على بيت الخلاء والمرحاض، فالعرف هنا يختلف من مكان إلى آخر. (2) الزرقا المدخل 878/ 2 - شبير: القواعد الكلية، ص 241، الزحيلي: نظرية الضرورة، ص 158 - 159. البورنو الوجيز، ص 277.
(3) الزرقا: المدخل، 878/ 2. (3/291)
صفحة 1440
292
القواعد الفقهية عند الإباضية
حصول حالة تدل على إباحة ما يجوز إباحته بين قوم مخصوصين، كالتقاط التمر من النخل والثمر والشجر وما جرى هذا المجرى؛ وإنما سميت هذه الحالة بالتعارف لأن أهل البلد مثلاً يتعارفون أي يتعالمون بثبوت الإباحة بعد ذلك» (1). والعرف الخاص متنوع كثير ومتجدد لا تحصى صوره، ولا تقف عند حد؛ لأن مصالح الناس وسبلهم إليها وإلى تسهيل احتياجهم وعلائقهم متجددة أبداً، وذلك كالأعراف التي تسود في بلد أو قطر خاص، أو تسود بين أرباب مهنة خاصة، كعرف التجار فيما يُعدّ عيباً ينقص الثمن في البضاعة المبيعة أو لا يُعد عيباً، وكعرفهم في بعض البلاد أن يكون ثمن بعض البضائع المبيعة بالجملة مقسطاً إلى أقساط معلومة، وعُرفهم أن لا تقبل المبالغ الكبيرة من أجزاء النقود الصغيرة في الصفقة الواحدة إلا بنسبة معينة. ومثل ذلك عُرف المحامين اليوم تقسيم أجرة المحامي إلى معجل ومؤجل إلى حين ربح الدعوى، فيكون جانباً معلوماً من أجور الدعاوى التي يتقبلونها، كالنصف مثلاً يكون مؤجلاً ومعلقاً على ربح الدعوى وصيرورة الحكم بها
مبر
رماً واستخراج وثيقة الحكم ووضعها في دائرة، التنفيذ (2).
3 - التقسيم الثالث: ـ
ينقسم العرف من حيث اتفاقه مع الشرع أو تعارضه معها إلى صحيح
وفاسد.
أ ـ العرف الصحيح:
هو ما تعارفه الناس وليست فيه مخالفة لنص شرعي أو إجماعي ولا تفويت لمصلحة ولا جلب مفسدة). وقيل: هو ما تعارفه الناس دون أن يحرم حلالاً
(1) السالمي:: العقد الثمين، 127/ 4.
:
(2) الزرقا: المدخل 878/ 2 - شبير القواعد الكلية، ص 242.
(3) الخياط: نظرية العرف، ص 36 - 37. (3/292)
صفحة 1441
الفصل الخامس: القاعدة الفقهية الكبرى الخامسة
293
أو يحلّ حراماً كتعارفهم تقديم عربون في عقد الاستصناع وأن الزوجة لا تنتقل إلى بيت زوجها إلا بعد قبض جزء من المهر، وأن المهر قسمان: معجل ومؤجل، وأن ما يقدمه الخاطب لخطيبته أثناء الخطبة يعتبر هدية وليس جزءًا من المهر، وتعارفهم وقف بعض المنقولات والأمثلة كثيرة في ألفاظ البيع والشراء والهبة واليمين وكل ما يجري بين الناس من الأعراف الصحيحة ويكون من نظام حياتهم وحاجاتهم
ب - العرف الفاسد:
ـ
ـ
النساء
هو ما تعارفه الناس ولكنه يحلّ حراماً أو يحرم حلالاً، كتعارف التجار على اعتبار الفوائد الربوية من الأرباح وتعارفهم أكل الربا والتعامل مع المصارف بالفائدة والمقامرة باليانصيب وكتعارف الناس اليوم خروج سافرات يكشفن ما يحرم شرعاً ـ إلا من رحم الله - ومثل لبس خاتم الذهب للرجال - للدلالة - على أن لابسه متزوج وكتعارف بعض البلدان الإسلامية اختلاط النساء بالرجال في حفلات الزواج والأندية العامة والمعاهد، وإقامة محافل الرقص في الأفراح والحفلات، وتقديم الخمور والأنبذة، وترك الصلاة في الاحتفالات العامة كالمباراة الرياضية، فكلها أعراف فاسدة وغير معتبرة يراعيها الفقيه ولا القاضي ولا المفتي في فتواه).
لا
ولهذا ألغى التشريع الإسلامي كثيراً من أعراف العرب الفاسدة التي تعارفوا عليها قبل الإسلام كالتعامل بالربا والطواف بالبيت عُراة، وشرب
الخمر ولعب الميسر والاستقسام بالأزلام ووأد البنات، وكل ما كان باطلاً عادات الجاهلية، حيث خالف نصوص الشريعة ومقاصدها العامة (3).
(1) الخياط: المرجع نفسه، ص 37 - الزحيلي نظرية الضرورة، ص 159. (2) ابن عابدين رسائل 2/ 116. - الزحيلي: نظرية الضرورة، ص 159. (3) عمر عبد الله العرف في الفقه الإسلامي، ص 23 - 25.
من (3/293)
صفحة 1442
294
القواعد الفقهية عند الإباضية
هذا وقد قسم الإمام الشاطبي العرف (العوائد) بهذا الاعتبار شبه التقسيم السابق، فيطلق لفظ الشرعي على الصحيح، وغير الشرعي على الفاسد الذي لا يتناوله الدليل، ولا بأس أن نورد ما جاء في عبارته لصلته بموضوعنا، وزيادة في التوضيح حيث قسم العادة باعتبار نص الشارع على اعتبارها أو عدم نصه إلى شرعية وجارية بين الخلق - مما ليس فيه نص شرعي.
فالعادات الشرعية: هي التي كلف بها الشرع وأمر بها إيجاباً أو ندباً، أو نهى عنها كراهية أو تحريماً، أو أذن فيها فعلاً أو تركاً وثبت في ذلك بالنص من كتاب أو سُنَّة أو إجماع. وهذه العادات ثابتة أبداً، كما في الأمر بالصلاة، وستر العورة، وإباحة ما أباحه من المعاملات، والأمر بإزالة النجاسة، ومشروعية الزواج والطلاق، وعدم الطواف بالبيت الحرام عرياناً، وإباحة بيع العرايا، وجعل الدية في القتل الخطأ على العاقلة وهكذا. . والعادات الجارية بين الخَلْق بما ليس في نفيه ولا إثباته نص شرعي العادات غير (الشرعية وهي تتنوع إلى نوعين: النوع الأول: العادات الجارية الثابتة وهي لا تختلف باختلاف الأزمان والأماكن والأشخاص والأحوال، لأنها تعود إلى طبيعة الإنسان وفطرته وغرائزه، كشهوة الطعام والشراب والحزن والفرح والنظر والكلام والبطش والمشي، وميل الإنسان إلى ما يلائمه ونفوره عما لا يلائمه وأشباه ذلك، ولما كانت تلك العادات أسباباً لمسببات حكم بها الشارع واعتبرها وبنى عليها الأحكام. والنوع الثاني: العادات الجارية (غير شرعية) المتبدلة: وهي ما كان للزمان
أو المكان أو الحال دخل في تبدلها وغيرها وينتظم تحتها عدة صور منها: الصورة الأولى: العادات التي تختلف باختلاف البقاع والبيئات، فتكون في بعضها حسنة وفي البعض الآخر قبيحة، مثل كشف الرأس، فإنه لذوي المروءات قبيح في البلاد المشرقية، وغير قبيح عند أهل المغرب هذا في الماضي، أما الآن فقد تغير عند أهل المشرق أيضاً، فالحكم الشرعي يختلف (3/294)
صفحة 1443
الفصل الخامس: القاعدة الفقهية الكبرى الخامسة
295
باختلاف ذلك، فيكون عند أهل المشرق قادحاً في العدالة وعند أهل المغرب
غير قادح.
ومن
الأمثلة أيضاً الأكل في الشوارع والأسواق، فقد ذكر الفقهاء أنه يقدح العدالة؛ لأنه مخلّ بالمروءة، وقد أصبح الآن غير قبيح عند كثير من الناس فإذا تغير مناط الحكم تغير الحكم.
في
عن
الصورة الثانية: العادات التي تختلف باختلاف الأقوال والألفاظ المعبرة المقاصد والنيات، أو ما يريد الإنسان قوله أو فعله، وكذلك المصطلحات المستخدمة بين أهل الحرف والمهن، والمذاهب فهذه تختلف باختلاف الجماعات والمذاهب والمصطلحات، فيُحمل اللفظ على عادة المتكلم بحسب ما يفهم عند أمثاله، ويدخل تحت هذه الصورة الألفاظ المستعملة في الأيمان والعقود والطلاق كتابة وتصريحاً.
الصورة الثالثة: العادات التي تختلف باختلاف الأفعال في المعاملات: كالعادة في البيع والشراء نقداً أو نسيئة، والعادة في قبض الصداق قبل الدخول. الصورة الرابعة: العادات التي تختلف بحسب أمور خارجة عن إرادة المكلف، كاختلاف الأقطار حرارة أو برودة، وأثر ذلك في الإسراع بالبلوغ في الأقطار الحارة وبطئه في البلاد الباردة، وكذلك أثرها في مدة الحيض ومدة وسن اليأس وغير ذلك.
الحضانة
الصورة الخامسة: ما يكون في أمور خارقة للعادة كبعض الناس تصير له خوارق العادات عادة جارية، فإن الحكم عليه يتنزل على مقتضى عاداته الجارية لا المطردة الدائمة بشرط أن تصير العادة الأولى الزائلة لا ترجع إلا بخارقة أخرى، ومن الأمثلة على ذلك: البائل أو المتغوط من جرح حدث له حتى صار کالمخرج المعتاد له، أما المخرج المعتاد في الناس فأصبح في حكم العدم.
(1) الشاطبي: الموافقات، 283/ 2 - 286. ـ عوض السيد صالح: أثر العرف في التشريع، 95 - 121. - خليل نصار: من القواعد الفقهية الهامة العادة محكمة»، ص 105 - 111. (3/295)
صفحة 1444
المطلب الثاني
شروط العرف والعادة
واعتبارهما في الأحكام الشرعية
إن قاعدة: «العادة محكمة تتضمن حُكما كُليّاً وهو اعتبار العادة في الأحكام الشرعية، بحيث يعتمد عليها لإثبات الحكم الشرعي، سواء كانت عامة أم خاصة، ولها سلطان واسع المدى في استنباط الأحكام وتجديدها،
وتعديلها وتحديدها، وإطلاقها وتقييدها.
ولكن ما معنى اعتبار العرف والعادة في بناء الأحكام؟ وما شروط اعتبارهما؟ ستكون الإجابة على هذين السؤالين في فرعين
الفرع الأول: مجالات اعتبار العرف والعادة في الأحكام الشرعية لا ريب أن الشريعة تعمل على تحقيق مصالح الإنسان والمصالح دائمة، وهي عادة من العادات وقد اعتبر الشارع المصلحة التي تتفق ومقاصد الشريعة، وهذا هو معنى اعتبار العرف والعادة سواء نص عليها الشارع وأقرها أو حدثت تباعاً للحاجة والضرورة.
يقول الشاطبي: «العوائد الجارية ضرورية الاعتبار سواء كانت شرعية في أصلها أم غير شرعية؛ أي سواء أكانت مقررة بالدليل شرعاً أمراً أو نهياً أو إذناً أم لا، أما المقررة بالدليل فأمرها ظاهر، وأما غيرها فلا يستقيم إقامة التكليف إلا بذلك، لأن الشارع لما جاء باعتبار المصالح كما هو معلوم قطعاً، لزم القطع بأنه لا بد من اعتباره العوائد، لأن أصل التشريع سببه المصالح، والتشريع دائم، فالمصالح كذلك، وهو معنى اعتباره للعادات في التشريع، ووجه آخر، وهو أن العوائد لو لم تعتبر لأدى إلى تكليف ما لا يطاق وهو غير جائز أو غير واقع» (1).
(1) الشاطبي: الموافقات، 286/ 2 وما بعدها. (3/296)
صفحة 1445
الفصل الخامس: القاعدة الفقهية الكبرى الخامسة
297
ولكي يتضح معنى اعتبار العرف والعادة في التشريع يحسن أن نذكر المجالات التي يعمل فيها العرف والعادة، مع ذكر الأمثلة الدالة على استعمال الفقهاء لهما، وقد اختلفت أنظار الفقهاء في تحديد هذه المجالات ويتضح ذلك مما يلي:
أ ـ الرأي الأول: ذهب بعض الفقهاء المعاصرين إلى أن مجالات استعمال العرف والعادة الأحكام الشرعية ثلاثة وهي:
في
المجال الأول: تفسير النصوص التي وردت مطلقة ولم يأت الشرع ولا اللغة بتفسيرها كما قال الراشدي: كل ما ورد به الشرع مطلقاً ولا ضابط له فيه ولا في اللغة يرجع فيه إلى العرف).
وفي نفس المعنى يقول ابن تيمية كل اسم ليس له حد في اللغة ولا في الشرع فالمرجع إلى العرف (3).
ومن الأمثلة التي استشهد بها الراشدي على هذا المجال: ما تعارف عليه الناس واعتادوه من الحرز في السرقة والقبض جاء في شرح النيل: «ويختلف القبض في المبيع، فالأصول والعروض والجُزاف مجرد العقد، والتخلية بين المبيع والمشتري وإحاطة عِلم بها، والمكيل استيفاؤه بكيل كمؤزون بوزن» (4). كما تعارف الناس بعادات معينة في إحياء الموات، قال الصنعاني في سبل السلام»: «واعلم أن الإحياء ورد عن الشارع مطلقاً، وما كان كذلك وجب الرجوع فيه إلى العرف لأنه قد يبين مطلقات الشارع كباقي قبض المبيعات والحرز في سرقة مما يحكم به العرف). وذكر الراشدي أن الذي
(1) شبير محمد عثمان: القواعد الكلية، ص 244.
(2) الراشدي: جواهر القواعد، ص
169
(3) ابن تيمية مجموع الفتاوى، 40/ 7.
(4) الثميني عبد العزيز: كتاب النيل وشفاء العليل مع الشرح للقطب أطفيش، 63/ 8 - 64، بتصرف. (5) الصنعاني: سبل السلام، مجلد 2، 82/ 3. (3/297)
صفحة 1446
298
القواعد الفقهية عند الإباضية
يحصل به الإحياء في العرف أحد خمسة أسباب؛ تبييض الأرض وتنقيتها للزرع، وبناء الحائط على الأرض، وحفر الخندق القعير الذي لا يطلع من نزله إلا بمطلع ((2).
(2) (1)
المجال الثاني بناء الأحكام الشرعية عليها للقضايا التي لم يرد فيها نص شرعي. فنصوص الشريعة لا يمكن أن تستوعب جميع التفصيلات والاحتمالات فلا بد من الرجوع إلى العرف لبناء الأحكام عليه، ومن الأمثلة على ذلك: القراض (المضاربة) فقد أجمع العلماء على أنها لم تستند إلى نص مرفوع إلى
6
النبي صلى الله عليه وسلم، وإنما أجيزت؛ لأنها كانت معاملة معروفة، فتعامل بها الصحابة و • المجال الثالث: تجديد بناء الأحكام الشرعية وتعديلها مما هو مبني أصلاً على العادات والأعراف، فإذا تغيرت تلك العادات والأعراف وجب تغيير الحكم، ولهذا قال القرافي: إن إجراء الأحكام التي مدركها العوائد مع تغير تلك العوائد خلاف الإجماع وجهالة في الدين بل كل ما هو في الشريعة يتبع العوائد يتغير فيه عند تغير العادة إلى ما تقتضيه العادة المتجددة). وقال أيضاً: «الجمود على المنقولات أبدا ضلال في الدين وجهل بمقاصد علماء المسلمين والسلف الماضين).
(1) الراشدي: جواهر القواعد، ص 170. (2) سئل سماحة شيخنا أحمد الخليلي - حفظه الله ـ عن صفة إحياء الموات فقال السائل: «أصبح إحياء الموات الآن لا كما يريد الإنسان إذ قد تتدخل الجهات الرسمية لمنع الإنسان من الإحياء، فهل لا بد لمن أراد أن يبيع أرضا أن يحييها؟ وما هي صور هذا الإحياء؟». فأجاب: «إن أحياها بإحاطتها أو بغرسها ببعثها بحيث اعتنى بتسويتها وبقلع الشجر منها، فكل بسور من ذلك يُعد إحياء، ومثل ذلك: لو جاء بآلات الحفر الحديثة وأمرهم بتسويتها ... » ينظر: الراشدي: جواهر القواعد - الهامش للمحقق محمد بن يحيى الراشدي ـ، ص (3) الشوكاني: نيل الأوطار، 365/ 5.
(4) القرافي: الإحكام في تميز الفتاوى من الأحكام، ص 231.
(5) القرافي: الفروق، 177/ 1.
170 (3/298)
صفحة 1447
الفصل الخامس: القاعدة الفقهية الكبرى الخامسة
299
ومما سبق يظهر أن نطاق تأثير العرف عند الفقهاء يتحدد في أنه حجة في تفسير النصوص التشريعية، وقد يراعى كذلك في تشريع وتوليد وتعديل الأحكام، وبيان وتحديد أنواع الإلزامات والالتزامات في العقود والتصرفات والأفعال العادية حيث لا دليل سواه.
وعلى هذا فقد يترك النص الخاص ويؤخذ بالعرف عند الضرورة، وقد يخصص النص بالعرف أو تعامل الناس، وقد يقيّد إطلاقه له، وقد يترك القياس الاجتهادي أو الاستصلاح الذي لا يستند إلى نص، بل إن مجرد المصلحة الزمنية؛ لأن العرف دليل الضرورة أو الحاجة، فهو أقوى من القياس ونحوه (1).
ب ـ الرأي الثاني: وذهب بعض الفقهاء المتقدمين والمعاصرين إلى أن مجال الاستعمالات
الفقهية للعرف والعادة ينحصر بالاستقراء في أربعة: الأول: العرف الذي يكون دليلاً على مشروعية الحكم ظاهراً، فقد اعتبره الفقهاء واعتدوا به واستدلوا عليه بنصوص اشتملت على أحكام استند فيها إلى العرف كدليل على مشروعيتها، بل وصرح في بعضها بأنه دليل، يقول القرافي: «إن أدلة مشروعية التصرفات تسعة عشر وعدّ منها العوائد» (2). وقال فخر الدين الزيلعي (3) في دليل مشروعية المضاربة: «فإنه بعث
والناس يتعاملونها فتركهم وتعاملها الصحابة» (4).
(1) الزحيلي نظرية الضرورة، ص 160.
(2) القرافي: تنقيح الفصول، ص 198.
(3) الزيلعي: عبد الله بن يوسف بن محمد، أبو محمد، جمال الدين (762 هـ/ 1360 م): فقيه، عالم بالحديث. أصله من الزيلع (في الصومال ووفاته في القاهرة. من كتبه «نصب الراية في تخريج أحاديث الهداية ـ ط في مذهب الحنفية، وتخريج أحاديث الكشاف ـ خ».
الزركلي: الأعلام، 147/ 4.
(4) الزيلعي: تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق دار المعرفة لبنان، 51/ 5 - 52. (3/299)
صفحة 1448
300
القواعد الفقهية عند الإباضية
وقال السرخسي (1) في «المبسوط من باب البيوع إذا كان فيها شرط ما نصه: «وإن كان فيها شرط لا يقتضيه العقد وفيه عُرف ظاهر فذلك جائز أيضاً، كما لو اشترى نعلاً وشراكاً على أن يحذوه البائع، لأن الثابت بالعرف
ثابت بدليل شرعي، ولأن في النزوع عن العادة الظاهرة حرجاً بينا» (2). ولم يكن في اعتبار العرف دليلاً شرعياً مستقلاً محل اتفاق بين الفقهاء، فبعد أن عرض أحدهم النصوص السابقة خلص إلى القول: «فهذه بلا ريب شواهد على أن العرف يصلح دليلاً على الأحكام ومعنى اعتباره والاعتداد به في بناء الأحكام وأنه دليل على الأحكام ظاهراً ولا بد في هذا النوع من العرف أن يرجع إلى أصل من الأصول الشرعية، السُّنَّة والإجماع أو المصلحة المرسلة أو الإباحة» (3). بينما يرى آخرون أن العادة ليست دليلاً مستقلاً من أدلة الشريعة الإسلامية من قرآن أو سُنَّة وإنما ترد إليهما لاعتبارها وبناء الأحكام الشرعية عليها، وهذا ما يظهر لنا عند التحقيق بأنه ليس العرف أو العادة دليلاً شرعياً للتحقيق؛ لأنه مبني في الغالب على مراعاة الضرورة أو الحاجة والمصلحة أو دفع الحرج والمشقة والتيسير في مطالب الشرع). الثاني: العرف الذي يُرجع إليه في تطبيق الأحكام المطلقة على الحوادث، فهو باب عظيم من أبواب العرف يبتني عليه شطر كبير من الأحكام ولا يكاد ينكره فقيه، وهو كذلك برهان ثابت وحجة دامغة على عظمة الشريعة وجلالتها وأنها صالحة لكل زمان ومكان. ومعنى اعتبار هذا النوع من العرف هو الرجوع إليه في الأحكام الكلية
(1) السرخسي شمس الأئمة أبو بكر محمد بن أحمد صاحب المبسوط، لم نقف على ترجمته. (2) السرخسي: المبسوط، 13/ 1 - 14.
(3) السدلان صالح القواعد الفقهية، ص 348 - 349.
(4) شبير: القواعد الكلية، ص 245. - الزحيلي: نظرية الضرورة، ص
160 (3/300)
صفحة 1449
الفصل الخامس: القاعدة الفقهية الكبرى الخامسة
301
عند تطبيقها على جزئيات الحوادث، فالمجتهد أو القاضي إذا عرضت له مسألة أو حادثة لم يرد من الشرع إلا حكم كلي يجعلها. مع أمثالها كالتعزير وأسبابه، والنفقة، وأجل السَّلَم، رجع في هذه الحوادث أو المسائل الجزئية إلى تحكيم العرف والعادة، فمثلاً: الحكم الكلي المستفاد من قوله تعالى: وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ} (البقرة: (233) فالمجتهد أو القاضي إذا عرضت له مسألة أو حادثة لم يرد من الشرع إلا حكم كلي يجعلها مع أمثالها كالتعزير وأسبابه، والنفقة وأجل السلم رجع في هذه الحوادث أو المسائل الجزئية إلى تحكيم العرف والعادة فمثلاً: الحكم الكلي وجوب النفقة على المولود للوالدة المرضع فنفقتها وتقديرها يرجع في تحديدها إلى العرف والعادة بعد معرفة حال الوالد، وينبغي أن يبذل في سبيل ذلك الوسع ويعمل النظر جهد المستطاع، ليكون قريباً من الحق واثقاً من العدالة ثم يبنى حكمه على أغلب ظنه وأحسن الرأي عنده).
الثالث: العرف الذي ينزل منزلة النطق بالأمر المتعارف، فهو ذلك العرف الجاري أو العادات الجارية بين الناس مجرى النطق بالألفاظ والعبارات الدالة على مضمونها، ذلك أنه قد تجري بين الناس في تصرفاتهم أو تكون قرينة تسوغ للشاهد أن يشهد، وللقاضي أن يقضي وللمفتي أن يفتي، وهذه العادات لها قوة النطق باللفظ في اعتبار الشرع يرتب عليها ما رتبه على الألفاظ من الأحكام. ومعنى اعتبارها أن قيامها بين الناس يكون بمثابة نطق المتصرف، عاقداً أو حالفاً أو غيرهما، بكلام يفيد مضمونه، فإذا كان العرف في الأسواق أنهم يبيعون بثمن مؤجل إلى أول الشهر كان ذلك اشتراطاً للتأجيل بالفعل في العقد، فكما أن التصريح باللفظ يرتب عليه الشارع من الأحكام ما يناسبه فكذلك العرف يكون علة جعلية لهذه الأحكام.
(1) السدلان القواعد الفقهية، ص 349. (3/301)
صفحة 1450
302
القواعد الفقهية عند الإباضية
ومعنى اعتباره إذا كان قرينة أن يكون كالدليل الصريح المسموع أو المرئي الذي يقوم عند القاضي أو المفتي أو الشاهد أو الشخص في
خاصة نفسه، فيعتمد عليه كلّ فيما يعمل والأدلة عليه كثيرة).
واعتبر الإباضية هذا النوع من العرف وأطلقوا عليه «الإدلال والتعارف» وذكر السالمي في «العقد الثمين»: «أن الإدلال عبارة عن حصول حال تسكن معه النفس برضى الغير في التصرف في ماله أو في شيء منه خاصة، مأخوذ أدل عليه إذا عرف رضاه بالدليل الذي ظهر من حاله، وذلك أمر دون الإباحة بالنطق، فإن شئت فقل بأنه: فعل شيء في مال الغير يستر به ذلك الغير، لو فعله بحضرته لم يكره، قال الحسن بن أحمد وجدت أن الربيع بن رحم الله دخل على المليح بن حسان (2) يعوده من مرض، فقال الربيع: يا قرشية هاتِ الطعام، فتهلل وجه المليح حتى استوى جالساً كأن ما به من المرض قليل ولا كثير، فهيأت الطعام، فقال الربيع للقوم: كلوا فأكلوا، وكان الربيع صائماً، قال وقد قيل إنهم ذكروا الدلالة عند أبي عبيدة رحمة الله فقال أبو عبيدة: لا أعرف ما يقولون غير أني لو أشاء لذهبت إلى منزل حاجب فقلت: يا جارية هات الكيس فأخذت منه ما أريد ... » (3).
حبيب
وذكر السالمي أن الإباضية وغيرهم قد اختلفوا في حكم الإدلال المتقدم، فذهب الجمهور إلى جوازه، وذهب البعض إلى منعه؛ لأنهم يرون أن إباحة التصرف في ملك الغير لا تكون إلا بالنطق الصريح وفي هذا المعنى يقول: وأما حكمه فقد اختلف فيه، فبعض لم يجز الدلالة أصلاً، ولعل هؤلاء
(1) السدلان القواعد الفقهية، ص 350. (2) من علماء الإباضية المتقدمين لم أقف على ترجمة مفصلة ووافية له، وإنما وجدت الشماخي يقول: «ومنهم - أي من أعلام طبقة الربيع - المليح، وكان من العلماء الأخبار الأبرار». روى عنه محمد بن محبوب عاش في القرن الثاني الهجري ينظر الشماخي، كتاب السير، 102/ 1. (3) السالمي: العقد الثمين، 124/ 4.
: (3/302)
صفحة 1451
الفصل الخامس: القاعدة الفقهية الكبرى الخامسة
303
لا
يرون الإباحة إلا بالنطق الصريح، وأن الأصل عندهم حجر أموال الغير إلا بصحة الرضى، ولا يتوصل إلى صحة الرضى إلا بالنطق وأجازها أكثر المسلمين» (1).
وبعد أن بين السالمي مفهوم العرف العملي عند الإباضية، تعرّض لبيان حكمه ومجالات اعتباره عندهم فقال: «وأما حكمه فالأكثر على جوازه، ولم يستبحه بعضهم لما فيه من المخالفة لحكم الظاهر، واحتج من جوزه بجواز استعمال أشياء من أبواب الشرع بسكون النفس والتعارف وغلبة الظن، كقبض الهدية من رسول المهدي، ودفع اللقطة إلى من جاء بعلامتها، ووطء الرجل امرأة تُهدى إليه عند التزويج وجماع الأعمى لزوجته، وقبول الشهرة من غير الثقات، وشهادة الشاهد بما في الكتاب من خزانته، ووجوب طاعة الإمام على الغرباء الذين يقدمون من غير مصره ... » (2).
وذكر السالمي أن الذين عوّلوا على اعتبار هذا النوع من العرف لم تتفق كلمتهم في جميع الأحوال، فمنهم من أجاز العمل به بإطلاق ومنهم من قيده، وهذا نصه: «ثم اختلف المجوّزون للتعارف، فمنهم من جوزه مطلقاً حتى في أموال المساجد والأيتام والأغياب والمغصوبين، ومنهم من لم يجوّزه كلهم وإنما يقصرون جوازه على مال البالغ العاقل المختار الحاضر؛ لأن الغالب لا يدري ما عنده، ومن لا عقل له لا يصح إباحته، ومن لا يملك أمره فلا إباحة له، ولعل المجوّزين لهذا كله نظروا إلى حكم الإباحة بالتعارف أنه أمر خاص به الشرع لا يحتاج في إباحته إلى إذن مالكه بيان ذلك؛ أن أدلة الشرع قامت على جواز الأخذ بالتعارف ولم تفرّق بين من يملك أمره ومن لا يملك أمره، فصار حكماً مخصوصاً بنفسه لا يتوقف على إذن المالك .... (3).
(1) السالمي: المرجع نفسه.
(2) السالمي العقد الثمين، 127/ 4 - 128.
(3) السالمي: المرجع نفسه. (3/303)
صفحة 1452
304
القواعد الفقهية عند الإباضية
قال العز بن عبد السلام في قواعد الأحكام: «فصل: في تنزيل دلالة العادات وقرائن الأحوال منزلة صريح الأقوال في تخصيص العموم وتقييد المطلق وغيرهما، وله أمثلة منها: تقديم الطعام إلى الضيفان إذا أكمل وضعه بين أيديهم ودخل الوقت الذي جرت العادة بأكلهم منه، فإنه يباح الإقدام عليه تنزيلاً للدلالة العرفية منزلة اللفظية.
ومنها: الإذن في التقاط كل مال حقير جرت العادة أن مالكه لا يعرج عليه
ولا يلتفت إليه، فإنه يجوز تملكه والارتفاق به لاطراد العادات ببذله. ومنها: اندراج الأبنية والأشجار في بيع الدار ولو لم يصرح البائع بذلك بناء على العرف الغالب فيه واندراجهما في بيع الأراضي. ومنها: حفظ الودائع والأمانات في حرز مثلها، فلا تحفظ الجواهر والذهب والفضة بإحراز الثياب والأحطاب تنزيلاً للعرف منزلة تصريحه بحفظها في حرز مثلها.
وكذا إذا وقعت الإجارة على مدة معينة كان عمل الأجير محمولاً على المتوسط في العرف من غير خروج على العادة في التباطؤ والإسراع، وكذا يعمل الأجير في الزمن الذي جرت العادة العمل فيه دون غيره ... »).
هذا وقد اعتمد الإباضية العرف العملي والعادة في تحديد عمل الأجير قال الشماخي: «وعلى الأجير نُصح عمله بالنهار دون الليل بما أطلق بقدر قوته لا يكلف الله نفسا إلا وسعها، والنهار من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، وله أن ينام في وقت النوم ولا يصل نافلة ولا يصم نافلة إلا بإذنه؛ لأن ذلك مما يضعفه عن عمله في ذلك الأجل، ولا يحتاج إلى ذلك في الفريضة من الصلاة والصوم؛ لأن ذلك مستثنى من الأجل بالعرف والعادة» (2).
(1) العز بن عبد السلام قواعد الأحكام، 126/ 2. ـ أبوستة: العرف والعادة في رأي الفقهاء،
ص 52.
(2) الشماخي: الإيضاح، 230/ 6 - 231. (3/304)
صفحة 1453
الفصل الخامس: القاعدة الفقهية الكبرى الخامسة
305
وهكذا كل ما ورد به الشرع مطلقاً ولا ضابط فيه ولا في اللغة يرجع فيه إلى العرف (1).
الرابع من الاستعمالات الفقهية للعادة، العرف القولي: وهو أن يشيع بين الناس استعمال بعض التراكيب والألفاظ في معنى بحيث يصبح ذلك المعنى هو المفهوم المتبادر منها إلى أذهانهم عند الإطلاق بلا قرينة ولا علاقة عقلية، وهو معتبر باتفاق الفقهاء إلا من شذ منهم في بعض الفروع. ومعنى اعتباره: أن كل متكلّم يحمل كلامه على عرفه، سواء كان ذلك في خطاب الشارع أم تصرفات الناس، فلفظ الصلاة مثلاً: تطلقه اللغة على الدعاء، ويطلقه الشرع على الأقوال والأفعال المخصوصة، وكذلك الزكاة
اللغة:
والصوم والحج وغيرها من المصطلحات الشرعية، فالزكاة معناها في الزيادة أو الطهارة، والصوم يراد به مطلق الإمساك، والحج معناه القصد، لكن انتقلت هذه الألفاظ عن معانيها اللغوية إلى معانيها الشرعية، فأصبحت حقائق شرعية وأعرافاً شرعية بحيث أنها إذا أطلقت لم يتبادر إلى الأذهان إلا المعنى الشرعي. ومثل هذا أقوال الناس التي تدور عليها العقود والتصرفات، تحمل على عرفهم ومخاطبتهم (2).
ومن
قال:
(2)
أمثلة العبارات المتداولة عند بعض الناس وتدل على الموافقة لفظ
(إيه)، وقد يراد به معنى آخر عند غيرهم، وهذا الصدد سئل أبو سعيد الكدمي عن رجل قال لرجل أنا في الحِلّ من مالك فقال: إيه، هل يكون ذلك حِلا؟ أنه إذا استحله من شيء يثبت له فيه الحل أو استباحة من شيء يثبت له فيه الإباحة، فإجابته بهذا الجواب تخرج عندي على معنى ما يعرف لفظ المجيب في تعارف الكلام منه فإن كان يخرج على معنى الحكم
من
معي
(1) الراشدي: جواهر القواعد، ص. 169. - البورنو: الوجيز، ص 167. (2) أبوستة: العرف والعادة في رأي الفقهاء، ص 50 - 51. - الزرقا: المدخل، 2/ 885 - 886. البورنو الوجيز، ص 278 السدلان القواعد الفقهية، ص 351 - 352. (3/305)
صفحة 1454
306
القواعد الفقهية عند الإباضية
6
وتلك لغته كان عندي على كل واحد لغته وله، تغيير وإن كان لا يخرج على الأغلب من لغته، وإنما هو على معنى الإيماء بذلك ولم يفهم من معاني الكلام، فهو يخرج عندي معنى الاطمئنانة لا في الحكم». ويفهم من عبارة الكدمي أن الألفاظ إذا كانت صريحة يحكم بها على صاحبها، ولكن إذا كانت غير واضحة أو محددة فنغلب فيها جانب العرف والعادة الجارية في الناس في لغتهم، أو ما تعارفه كل شخص في لغته فإن وجدنا من عادته يستعمل مثلاً كلمة (إيه) ليدل على الموافقة حكمنا عليه بذلك، وإن كان لا يستعملها لذلك المعنى فلا نحكم عليه بذلك؛ لأن العادة محكمة في أقوال الناس وتصرفاتهم، وإذا تعذرت الحقيقة اللغوية يُحكم العرف والعادة.
الفرع الثاني: شروط اعتبار العرف والعادة في الأحكام الشرعية ليس كل عُرف صالحاً لبناء الأحكام الفقهية عليه، ولا اعتباره دليلاً يرجع إليه الفقيه إذا أعوزه النص من كتاب أو سُنّة أو افتقده الإجماع؛ بل العرف الذي اعتبره الفقهاء والعادة التي عوّلوا عليها وجعلوها أساساً لبعض الأحكام
الشرعية واعتبروها حجة وحكماً هي ما توافرت فيها الشروط التالية: 1 - الشرط الأول: أن يكون العرف أو العادة مطردة أو غالبة بأن يكون العمل بها مستمراً في الحوادث أو في أغلبها كما قال الراشدي: تعتبر العادة إذا اطردت» (2). وقال السيوطي: «إنما تعتبر العادة إذا اطردت فإذا اضطربت فلا» (3)، وقال ابن نجيم: «إنما تعتبر العادة إذا طردت أو غلبت» (4).
جميع
(1) الكدمي: الجامع المفيد، 215/ 2، بتصرف.
(2) الراشدي: جواهر القواعد، ص 166.
، ص
(3) السيوطي: الأشباه والنظائر، (4) ابن نجيم: الأشباه والنظائر، ص
123
93 (3/306)
صفحة 1455
الفصل الخامس: القاعدة الفقهية الكبرى الخامسة
307
والمراد هنا من اطراد العرف بين متعارفيه: أن يكون عملهم به مستمراً في جميع الحوادث لا يتخلف، مثال ذلك: إذا ما جرى العرف بين الناس في بلد أو إقليم بتعجيل المهر قبل الدخول أو تقسيمه إلى معجل ومؤجل، فإنه يكون مطرداً في هذا البلد أو الإقليم إذا كان أهله يجرون على الحالة المتعارفة من التعجيل أو التقسيم في جميع حوادث النكاح).
والمراد من غلبة العُرف أن يكون جريان أهله عليه حاصلاً في أكثر الحوادث، فاشتراط الاطراد أو الغلبة في العرف معناه اشتراط الأغلبية العملية فيه، لأجل اعتباره حاكماً في الحوادث (2)؛ فيرجع إليه في المعاملة التي تجرى أهله فمثلاً: «من باع شيئاً وأطلق نزل على نقد البلد فإن كانت أنواعاً يتعاملون بها فعلى الغالب، فإن اضطربت العادة ولم يكن بيان بطل البيع، وكذا الإجارة» (3).
بين
وبالاطراد والغلبة يكون العرف مقطوعاً بوجوده ولا يقدح في اعتباره ترك العمل به في بعض الوقائع القليلة، وكذا العادة فلا يضير شيء إن تخلّفت في بعض الحوادث النادرة؛ لأن العبرة للغالب الشائع لا القليل
النادر (4).
ويؤكد الشاطبي هذا المعنى فيقول: «وإذا كانت العوائد معتبرة شرعاً
فلا يقدح في اعتبارها انخراقها ما بقيت عادة عن الجملة).
وبناء عليه؛ فالعادة المطردة محكمة في التصرفات، كما قرر الفقهاء يقول إمام الحرمين الجويني: «كل ما يتضح فيه اطراد العادة فهو المُحكّم، ومضمره
(1) النجار السيد صالح عوض: أثر العرف في التشريع الإسلامي، ص 189 - 190.
(2) الزرقا المدخل، 897/ 2 - 898. (3) الراشدي: جواهر القواعد، ص 166. (4) النجار: أثر العرف، ص 190.
(5) الشاطبي: الموافقات، 288/ 2. (3/307)
صفحة 1456
308
القواعد الفقهية عند الإباضية
كالمذكور صريحاً). وعلل بعض الفقهاء ذلك بقوله: «لأن العادة المطردة تنزل منزلة الشرط كما تنزل منزلة صريح الأقوال في النطق بالأمر المتعارف (2). ويرى بعض الفقهاء أن الغلبة والاطراد إنما يعتبران إذا وجدا عند أهل
العرف واشتهرا بينهم لا ما اشتهر في كتب الفقه، فالاشتهار في الكتب غيره في العرف وبناء عليه؛ لو ورد على المفتي من يستفتيه في واقعة عرفية كان عليه أن ينظر في عوائد بلده فيبني حكمه عليها لا على ما اشتهر في كتب المذاهب؛ لأن ما دُوّن في كتب الفقهاء كان عرفاً سائداً في زمانهم فإذا تغير العرف كلّه أو بعضه واطرد أو غلب عمل بمقتضى ذلك (3).
أما إذا اضطربت العادة وصارت مشتركة بين العمل بها والعمل بغيرها فلا تعتبر، كما قال الغزالي: ولا يصلح - أي العرف المشترك ـ مقيداً؛ لأنه لما كان مشتركاً صار متعارضاً» (4).
في
فإن العادة تسمى عرفاً متى اعتادها أكثر القوم ولو كانوا لا يجرون عليها
أقل أعمالهم وإذا تساوى عملهم بها وعدمه سميت عرفاً مشتركاً. وبهذا الذي ذكر خرج العرف الذي لم يكن غالباً، وهو ما تساوى العمل به وتركه، وهو لا يعتبر في معاملات الناس ولا يصح مستنداً أو دليلاً يرجع إليه في تحديد الحقوق والواجبات المطلقة؛ لأن عمل القوم به أحياناً إذا صلح دليلاً على قصدهم إلى تحكيمه فتركهم له أحياناً مماثلة أو أكثر ينقض
هذه الدلالة).
وقد علل ابن عابدين ذلك بأن العرف المشترك يؤدي إلى التردد في
(1) السيوطي: الأشباه والنظائر، ص 123. (2) النجار: أثر العرف، ص 190 - 191.
354
(3) السدلان: القواعد الفقهية، ص: (4) ابن عابدين نشر العرف، 134/ 2.
(5) الزرقا المدخل، 898/ 2. (3/308)
صفحة 1457
الفصل الخامس: القاعدة الفقهية الكبرى الخامسة
309
ترجيح
المعنى المراد فلا يقطع بأن المتكلّم قصد هذا المعنى أو غيره، فلا يتقيد أحد المعنيين لتعارضهما بتحقق الاشتراك؛ لأنه يقتضي تساوي المعنيين دون لأحدهما، فالعرف المشترك غير معتبر ولا يعمل به ولا يبني عليه الحكم، ومثاله: أن يوجد عُرف في بلد بأن جهاز الأب لابنته المتزوجة من ماله يعتبر عارية، ووُجد عُرف آخر في نفس البلد يعتبر جهاز الأب لابنته هدية وتساوى العرفان، وجهز الأب ابنته وحصل نزاع بين الأب وابنته حول هذا الجهاز، هل هو عارية يُرد إلى الأب أم هدية تملكه البنت؟ ولا بينة لأحدهما، فلا يصلح هذا العرف المشترك دليلاً مرجحاً لدعوى أحد الخصمين، لتعارض العرفين حيث لا مرجح لأحدهما على الآخر لتساويهما، وحينئذ يكون القول
للأب بيمينه، فيحكم له بدعواه لأنه المعطي وهو أدرى بصفة الإعطاء). أما لو كان أحد العرفين غالباً عمل به ولا يلتفت إلى الآخر، ويكون القول لمن يشهد له العرف الغالب بيمينه فيحكم له بدعواه، إذ لا تعارض حينئذ بين العرفين لعدم تساويهما وترجّح أحدهما عن الآخر فيعمل به (2).
2 - الشرط الثاني أن تكون العادة أو العرف المراد تحكيمه في التصرفات قائماً عند إنشائها، بأن تكون سابقة للتصرف أو مقارنة له، وإلا فلا تعتبر
ومعناه أن يكون العرف الذي يحمل عليه التصرف موجوداً وقت إنشائه بأن يكون حدوث العرف سابقاً على وقت التصرف، ثم يستمر إلى زمانه فيقارنه سواء أكان التصرف قولاً أو فعلاً (3)، فإذا طرأ عرف جديد بعد اعتبار العرف السائد عند صدور الفعل أو القول لا يعتبر هذا العرف؛ لأنه ـ أي هذا
(1) ابن عابدين نشر العرف، 134/ 2. (2) الزرقا: المدخل، 898/ 2. (3) أبوستة: العرف والعادة، ص 65. (3/309)
صفحة 1458
310
القواعد الفقهية عند الإباضية
العرف الطارئ - يعمل فيما يوجد بعده لا فيما مضى قبله (1). فخرج بهذا
الشرط أمران:
الأول: ما إذا كان العرف طارئاً على التصرف وحادثاً بعده أو قارن العمل
بمقتضاه.
لا
الثاني:
: ما إذا كان سابقاً على التصرف وتغيَّر قبل إنشاء التصرف، فإنه
يصبح حمله على كل منهما (2).
قال الراشدي: «العرف الذي تحمل عليه الألفاظ هو السابق في الاستعمال أو المقارن لا المتأخر» (3). وهذا ما نصَّ عليه السيوطي أيضاً، وزاد عليه ابن نجيم فقال: «ولذا قالوا لا عبرة بالعرف الطارئ» (). ذلك؛ لأن القاعدة أن ما له عرف أو عادة في لفظ إنما يحمل لفظه على عرفه السائد، أما العادات الطارئة بعد النطق فلا يُقضى بها على النطق، فإن النطق سالم من معارضتها فيحمل على اللغة)، ومثال ذلك: «من باع بنقد نُزِّل على نقد البلد السابق على البيع، أو في حالة لا على نقد تُعورف به بعده، ويُقتفَى بالوقف شنته السابقة على الإيقاف إن أوقف على ذلك، لا ما حدث بعد»).
وبناء على ما تقدم، لو ألزمنا الإنسان بما جرى به عُرف غير قائم وقت التصرف لألزمناه بما لم يلزمه، وصرح الفقهاء بأن العرف المعتبر هو عرف
الزمن والبلد الذي وجد فيه التصرف (8).
(1) الزرقا المدخل، 899/ 2 - الخياط نظرية العرف، ص 54.
(2) أبوستة: العرف والعادة ص 65.
(3) الراشدي: جواهر القواعد، 169. (4) السيوطي: الأشباه والنظائر، ص 128. (5) ابن نجيم: الأشباه والنظائر،، ص
(6) النصار: العادة محكمة،
ص
101
87. نقلاً عن القرافي، شرح تنقيح الفصول.
(7) الراشدي: جواهر القواعد، 169. (8) النجار: أثر العرف في التشريع، ص 225. (3/310)
صفحة 1459
الفصل الخامس: القاعدة الفقهية الكبرى الخامسة
311
قال ابن نجيم مشيراً إلى هذا المعنى: « ... والأحكام تُبنى على العرف فيعتبر في كل إقليم وفي كل عصر عُرف أهله» (1).
وقال ابن قيم الجوزية: .... فإياك أن تهمل قصد المتكلم ونيته وعرفه، فتجني على الشريعة وتنسب إليها ما هي بريئة منه، وتلزم الحالف والناذر والعاقد ما لم يلزمه الله ورسوله به» (2)
وذكر الشاطبي «أن العوائد تختلف باختلاف الأعصار والأمصار والأحوال وغير ذلك من الأمور التي تتغير من زمن إلى زمن، وبلد إلى آخر، ولذا فإنها لا يُقضى بها البتة على ما تقدم حتى يقوم دليل على موافقة العرف الجاري اليوم لما سبقه، فيكون الدليل هو الذي جعلنا نقضي به على الماضي لا بمجرد العادة، وكذلك في المستقبل، لا يُحكم فيه بالعادة الماضية أو العرف السابق؛ لأنها غير مستقرة في ذاتها
وحيث كانت غير مستقرة لا يتأتى الحكم بها إلا على التصرف الحادث» (3). ورعاية لهذا الشرط فإن الفقهاء يرون وجوب تفسير حجج الأوقاف والوصايا والبيوع والهبات ووثائق الزواج وما يرد فيها من شروط واصطلاحات على غرف المتصرفين الذي كان موجوداً في زمانهم، لا على عُرف حادث، فلو أن شخصاً وقف سنة ألف من الهجرة مزرعة على علماء الشريعة وكان المتبادر من كلمة العلماء، من لهم خبرة كافية بعلوم الدين واللغة العربية، وإن لم يحمل شهادة علمية أو غيرها، ثم حدث عُرف في هذا الزمان يطلق هذا اللفظ على حملة الشهادة العلمية لا غيرهم ورفعت دعوى من العلماء الذين لم يحصلوا على هذه الشهادة، فمن له النظر في هذه الدعوى يفسر هذا اللفظ بالعُرف الذي كان مستمراً وقت إنشاء الوقف، وهو كل من حاز صفة العلم، ولا يحمله على العرف الحادث (4).
102 - 101
(1) ابن نجيم: الأشباه والنظائر، ص (2) ابن قيم الجوزية: إعلام الموقعين، 68/ 3. (3) الشاطبي: الموافقات، 297/ 2 - 298. (4) أبوستة: العادة، والعرف، ص 65 بتصرف. (3/311)
صفحة 1460
312
القواعد الفقهية عند الإباضية
وعليه فإن النصوص التشريعية يجب أن تفهم بحسب مدلولاتها اللغوية والعرفية في عصر صدور النص؛ لأنها هي مراد الشارع، ولا عبرة لتبدل مفاهيم الأعراف الزمنية المتأخرة، وإلا لم يستقر للنص التشريعي معنى،
الألفاظ في
فمثلاً لفظ «في سبيل الله في آية مصارف الزكاة له معنى عُرفي إذ ذاك هو مصالح الجهاد الشرعي، أو سُبل الخيرات مطلقاً على اختلاف العلماء
بين
في
ذلك.
ولفظ «ابن سبيل» فيها أيضاً معناه العرفي: «المنقطع في سفره»). فإذا تبدل عُرف الناس في شيء من هذه التعابير، فأصبح مثلاً معنى «سبيل الله» طلب العلم خاصة، وأصبح معنى ابن السبيل الطفل اللقيط الذي لا يُعرف له أهل، فإن النص التشريعي يظل على معناه العرفي الأول عند صدوره، ومعمولاً به في حدود ذلك المعنى؛ لأنه هو مراد الشارع)، ولا عبرة للمعاني العرفية أو الاصطلاحية الحادثة بعد ورود النص (3). يقول القرافي في هذا الشأن: «دلالة العرف مقدمة على دلالة اللغة؛ لأن العرف ناسخ للغة، والناسخ يقدم على المنسوخ، فكما أن عقد البيع يحمل فيه الثمن على النقود المعتادة، ولا عبرة في هذا البيع لتبدل العادات بعده في النقود، كذلك نصوص الشريعة لا يؤثر فيها إلا ما قارنها من العادات» (4).
(1) السيوطي جلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر وجلال الدين محمد بن أحمد المحلي، تفسير الجلالين مذيلاً بكتاب لباب النقول في أسباب النزول للسيوطي، سورة التوبة، الآية 61، دار المعرفة، بيروت، ط 2، 1403 هـ / 1983 م، ص 250. - ابن عابدين، رد المحتار، باب المصرف في الزكاة، 61/ 2.
(2) جاء في حاشية الصاوي المالكي على تفسير الجلالين في تفسير قوله تعالى: {وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ ما يفيد هذا المعنى بما نصه: «قوله: أي القائمين بالجهاد إلخ» أي ويشتري منها آلته من سلاح ودرع وفرس، ومذهب مالك: «أن طلبة العلم المنهمكين فيه لهم الأخذ من الزكاة ولو أغنياء إذا انقطع حقهم من بيت المال؛ لأنهم مجاهدون ... » الصاوي: الحاشية على الجلالين، دار الفكر، بيروت، ط 1397 هـ / 1977 م، 154/ 2.
(3) الزرقا: المدخل، 2/ 900. (4) القرافي تنقيح الفصول، ص 194. يتصرف. - أبو زهرة: محمد كتاب «مالك»، فقرة 93، ص 250. (3/312)
صفحة 1461
الفصل الخامس: القاعدة الفقهية الكبرى الخامسة
313
وفي العرف العملي أيضاً إنما يعتبر في كل تصرف من الأعراف المؤثرة فيه ما كان موجوداً عند التصرف دون الحادث بعده، فلو تبدل عرف الناس مثلاً فيما يُعد عيباً في البيع أو فيما يدخل في البيع تبعاً للمبيع، أو في تقسيط أجرة العقارات المأجورة، أو في كون سنة الإيجار شمسية أو قمرية، أو في تقسيم المهر في النكاح إلى معجل أو مؤجل إلى غير ذلك من الشؤون، فإن العرف الحادث لا يسري على التصرفات السابقة ولا يبدل شيئاً من أحكامها والتزاماتها وإنما تخضع له التصرفات الجديدة الواقعة في ظله).
- الشرط الثالث
ألا يعارض العرف تصريح، بخلافه، أو ألاً تعارض العادة شرطاً للعاقدين أو أحدهما بعد العمل بها. وهذا الشرط يختص بالعرف الذي ينزل منزلة النطق بالأمر المتعارف؛ لأن العادة المطردة مع قوم تُنزّل منزلة الشرط كما صرح بذلك الراشدي (2).
(2)
أن
و بيان ذلك أنه لا يوجد قول أو عمل يفيد عكس مضمونه، وقد تقدم علة تنزيل الأمر المعروف منزلة المشروط هي أن سكوت المتعاقدين عن الأمر المتعارف وعدم اشتراطهم إياه صراحة، يعتبر واقعاً منهم اعتماداً على العرف الجاري. فإثبات الحكم المتعارف في هذه الحال إنما هو من قبيل الدلالة، فإذا صرح بخلافه بطلت هذه الدلالة، إذ من القواعد الفقهية المقررة، أنه لا عبرة للدلالة في مقابلة التصريح». ومفهوم هذا الكلام أن العرف لا يعتبر ولا يكون حجة إذا كان هناك
(1) الزرقاء مصطفى: المدخل، 2/ 900 - 901.
(2) الراشدي: جواهر القواعد، ص 169.
(3) المجلة العدلية المادة 13. (3/313)
صفحة 1462
314
القواعد الفقهية عند الإباضية
تصريح يخالف ما تعارف عليه الناس؛ لأن المتعارف عليه إنما هو من قبيل الدلالة، والدلالة تقوم مقام الكلام الصريح عند عدمه، فإذا وجد التصريح بخلاف ما تفيده تلك الدلالة لم يبق لها هذه الخلفية والنيابة في التعبير عن الإرادة وحينئذ يصار إلى العمل بما صرح به ويترك العرف).
يقول الإمام العز بن عبد السلام في قواعده كل ما يثبت في العرف إذا صرّح المتعاقدان بخلافة بما يوافق مقصود العقد ويمكن الوفاء به صح (2). وهذا تقييد وجيه يخرج ما لا يوافق مقصود العقد ولا يمكن الوفاء به، فلا يعتبر ولو صرّح به المتعاقدان بيانه كما مثل به ابن عبد السلام أنه «لو شرط المستأجر على الأجير أن يستوعب النهار بالعمل من غير أكل وشرب يقطع المنفعة، لزمه ذلك، ولو شرط عليه أن يعمل شهراً في الليل والنهار بحيث لا ينام ليلاً ونهاراً، فالذي أراه بطلان هذه الإجازة لتعذر الوفاء به فكان ذلك غررا لا تمس الحاجة إليه» (3). أما لو شرط عليه أن لا يصلي السنن الرواتب ويقتصر على الفروض صح ووجب الوفاء به؛ لأن تلك الأوقات إنما خرجت على الاستحقاق بالعرف القائم مقام الشرط فإذا صرح بخلاف ذلك مما يجوز الشرع ويمكن الوفاء به جاز (4). جاء في «الإيضاح»: «وعلى الأجير نصح عمله بالنهار دون الليل بما أطاق بقدر، قوته لا يكلف الله نفساً إلا وسعها والنهار من طلوع الفجر إلى غروب الشمس وله أن ينام وقت النوم ولا يصلّ نافلة ولا يصم نافلة إلا بإذنه؛ لأن ذلك مما يضعفه عن عمله في ذلك الأجل، ولا يحتاج إلى ذلك في الفريضة
من الصلاة والصوم؛ لأن ذلك مستثنى من الأجل بالعرف والعادة).
(1) وحيد الدين سوار التعبير عن الإرادة، ص 208 بتصرف.
(2) ابن عبد السلام: قواعد الأحكام، 178/ 2.
(3) المرجع السابق، ص 178 - 179.
(4) المرجع نفسه، ص 186.
(5) الشماخي: الإيضاح، 230/ 2 - 231. (3/314)
صفحة 1463
الفصل الخامس: القاعدة الفقهية الكبرى الخامسة
315
ومن
الأمثلة أيضاً: إذا كان العرف جاريًا على أن يدفع المستأجر أجرة البيت مقدماً في أول كل شهر فاتفقا على دفع الأجرة في آخر الشهر جاز). ويقول علي حيدر التركي شارح مجلة الأحكام العدلية: «إن العرف حجة إذا لم يكن مخالفاً لنص أو شرط لأحد العاقدين، فلو استأجر شخص أجيراً للعمل من الظهر إلى العصر فقط، ليس له أن يلزمه بالعمل من الصباح إلى المساء بحجة أن عُرف البلدة هكذا» (2).
وعلى ذلك تتقيد الإعارة في الزمان والمكان والمقدار بما يقيدها به المعير ولو جاء قيده مخالفاً للمعتاد، إذ لا عبرة للمعتاد مع التصريح بخلافه، ولنضرب لذلك أمثلة أخرى للتوضيح فمثلاً:
1 - فلو استعار شخص دابة مثلاً للركب أو للتحميل يعتبر مأذوناً بركوبها أو بتحميلها القدر المعتاد في أمثالها عُرفاً، ولكن لو نهاه المعير صراحة عن ركوبها أكثر من مدة أو عن تحميلها أكثر من مقدار حدده له، لا يجوز للمستعير أن يزيد عليه ولو مقداراً لا يتجاوز المعتاد، فإن زاد كان متعدياً في حكم الغاصب (3)
2 ـ ومن الإعارة أيضاً لو نهى صاحب السيارة (المعير) أن يركبها (المستعير) أكثر من مرتين، وأن لا يسير إلا في وقت معين، وأن لا يخرج من
البلدة التي هو فيها، فعلى المستعير أن يتقيد بذلك ولو خالف العرف (4). 3 ـ إذا كان العرف أن تكون نفقات تسليم المبيع على المشتري ولكن
اتفق العاقدان على أنها على البائع فيعمل بذلك الذي اتفق عليه).
(1) شبير محمد عثمان القواعد الكلية، ص 237. (2) علي حيدر درر الحكام شرح مجلة الأحكام العدلية المادة رقم 37، تعريب: الشرح
المذكور للمحامي فهمي الحسيني.
(3) الزرقا: المدخل، 902/ 2.
(4) السدلان صالح القواعد الفقهية، ص 361.
(5) أبوستة: العرف والعادة، ص 67. (3/315)
صفحة 1464
316
القواعد الفقهية عند الإباضية
4 ـ لو اطرد عُرف الناس على أن يستثنى الليل في عمل لا يُتولّى إلا في النهار فاشترط صاحب العمل على الأجير أن لا يعمل إلا في الليل، فلا يعتبر العرف حينئذ (1).
ه ـ ولو تعارف الناس تأجير البيوت للسكنى واتفق العاقدان على تأجيرها للانتفاع بها في غير ذلك، فلا عبرة للعرف مع التصريح بخلاف).
4 ـ الشرط الرابع أن لا يكون في العرف أو العادة تعطيل لنص ثابت أو لأصل قطعي في الشريعة (3)؛ أي أن العرف لا يكون معتبراً في التشريع إذا خالف النص الشرعي من كتاب أو سُنَّة وقد عبّر عنه بعضهم بقوله: ألا تخالف العادة نصاً أو سُنة أو أصل قطعي في الشريعة الإسلامية).
ومعنى
من
کتاب
هذا الشرط أن تكون عادات الناس موافقة للأحكام التي أفادتها
الأدلة، فلو خالفتها بطل اعتبارها فإذا كان العرف مخالفاً لبعض الأدلة الشرعية من نصوص الشريعة أو من قواعدها وأصولها، فالمبدأ العام الذي يستخلص من أقوال الفقهاء الباحثين إجمالاً هو أنه: إذا ترتب على العمل بالعرف تعطيل لنص شرعي أو أصل قطعي في الشريعة لم يكن عندئذ للعرف اعتبار؛ لأن نص الشارع مقدم على العرف كتعارف الناس التعامل بالربا وشرب الخمر ولعب الميسر، ومشي النساء وراء الجنائز، وإضاءة الشموع على المقابر وكشف بعض العورة، وككثير مما خالف الشرع مما تعارفه الناس في الجاهلية، ثم جاءت النصوص
(1) عمر عبد الله: العرف وأثره في الفقه الإسلامي، نسخة مصورة من المكتبة المركزية، جامعة الإمام سعود، الرياض، برقم 4412.
(2) النجار: أثر العرف في الشريعة الإسلامية، ص
223
(3) الزرقا المدخل، 902/ 2. - السدلان صالح القواعد الفقهية، ص 308.
(4) شبير محمد عثمان: القواعد الكلية، ص 245. (3/316)
صفحة 1465
الفصل الخامس: القاعدة الفقهية الكبرى الخامسة
317
الشرعية بتحريمه والنهي عنه، فهذه الأعراف وهذه العادات تسمى بالعادات الفاسدة والأعراف الباطلة. أما إذا لم يترتب على العرف هذا التعطيل، بل كان العرف مما يمكن تنزيل النص الشرعي عليه أو التوفيق بينهما، فالعرف عندئذ معتبر وله سلطان محترم. والتمييز بين هاتين الحالتين يقوم على نظر تفصيلي تختلف فيه النتائج بحسب كون العرف مخالفاً لنص أو أصل قطعى، أو مخالفاً لأدلة اجتهادية، وكذا بحسب كون العرف المخالف للنص مقارناً له أو حادثاً بعده، وبحسب كون العرف لفظياً أو عمليّاً وعاماً أو خاصاً، وهذا ما نبحثه في الفرع التالي. تلك هي أهم الشروط التي اتفق فيها فقهاء الشريعة الإسلامية على وجوب توافرها في العرف والعادة، لكي يكون لهما هذا السلطان الواسع في بناء الأحكام عليهما.
الفرع الثالث: حالات مخالفة العرف والعادة للأدلة الشرعية: إذا وافق العرف والعادة الدليل الشرعي فيجب مراعاته وتطبيقه؛ لأن العمل في الحقيقة بالدليل الشرعي لا بالعرف وإنما يستأنس بالعرف فقط، ولكن قد يتخطى عرف الناس وتعاملهم حدود التشريع الأساسية، فيخالف نصاً من نصوص الشريعة أو بعض الآراء الاجتهادية المقررة فيها فما موقف الفقه الإسلامي عندئذ؟ وما درجة تسامحه مع العرف في هذا التخطي؟ لا ريب أن هذه القضية جوهرية يظهر آثارها في الفروع الفقهية وتنزيل الأحكام الفقهية على النوازل والحوادث المتجددة، ولذلك وقف فيها الفقهاء موقفاً حكيماً جمع بين المرونة اللازمة لتطور الأحكام التي يجب أن تتطور بحسب ظروف الحياة، وبين المحافظة على القواعد العامة الأساسية، وقد رصد الفقهاء أربع حالات لمخالفة العرف للنصوص الشرعية
مختلفة النتائج: (3/317)
صفحة 1466
318
القواعد الفقهية عند الإباضية
1 - الحالة الأولى: حالة اصطدام العرف بنص تشريعي خاص: إذا خالف العرف الدليل الشرعي من كل وجه ويلزم من اعتبار العرف ترك النص، فهذا لا شك في رده وعدم اعتباره، فلا يعتبر العرف مطلقاً وذلك فيما إذا اصطدم العرف بنص تشريعي خاص من نصوص الكتاب أو السنة بأمر بخلاف ما جرى عليه العرف فلو تعارف الناس على أمر من الأمور وجاءت الشريعة بنصوصها معارضة له، فلا يؤخذ بهذا العرف ولا يعتبر بل هو عرف مرفوض يجب تغييره لا إقراره، ولا يجوز القضاء به بحال سواء أكان العرف خاصاً أم عاماً، وسواء أكان حادثاً بعد ورود النص أم قائماً قبل؛ لأن العرف أو العادة إنما تعتبر حكماً لإثبات حكم شرعي إذا لم يرد نص في ذلك الحكم المراد إثباته، فأما إذا ما ورد النص فيجب العمل بموجبه ولا يجوز ترك النص للعمل بالعادة أو العرف لأسباب: 1 - لأنه ليس للعباد حق تغيير النصوص الشرعية. 2 - ولأن النص أقوى من العرف ولا يترك الأقوى لما هو 3 ـ ولأن العرف قد يكون مستنداً على باطل، وأما نص الشارع فلا يجوز أن يكون مبنياً على باطل، فلذلك لا يترك القوي لأجل العمل بالضعيف). جاء في «المبسوط»: «وكل عرف ورد النص بخلافه فهو غير معتبر»). ويقول الكمال بن الهمام في مصادمة العرف للنص الشرعي: «إن النص الشرعي أقوى من العرف، لأن العرف جاز أن يكون على باطل، كتعارف أهل زماننا إخراج الشموع والشرج إلى المقابر ليالي العيد، والنص بعد ثبوته لا يحتمل أن يكون على باطل، ولأن حجية العرف على الذين تعارفوه والتزموه فقط والنص حجة على الكل فهو أقوى» (3).
أضعف منه.
(1) الزرقا: المدخل، 903/ 2 - 905. - البورنو الوجيز ص 283 - 285. - النجار: أثر العرف، ص 206. (2) السرخسي: المبسوط، 146/ 1.
(3) ابن الهمام: فتح القدير 157/ 6 وما بعدها. - صالح السدلان: القواعد الفقهية،
ص 367 - 368. (3/318)
صفحة 1467
الفصل الخامس: القاعدة الفقهية الكبرى الخامسة
319
ولذا جاءت الشريعة الإسلامية بالنهي عن كثير من العادات والأعمال والعقود التي كانت متعارفة في الجاهلية بلا نكير، وحرمت التبني وإجراء حكم البنوة الحقيقية فيه فنهى عنه القرآن بخصوصه وكان متعارفاً عند أهل الجاهلية، فهذا العرف أصبح لا اعتبار له ولا قيمة فهو مرفوض يجب تغييره
لا إقراره، ولا يجوز القضاء به بحال لأنه صادم إرادة الشارع الخاصة. وكذلك حرمت الربا ولعب الميسر وشرب الخمر، والتحلي بالذهب للرجال ولبسهم الحرير ونكاح الشغار، ونهى النبي صلى الله عليه وسلم عن عقود كانت متعارفة بين العرب، لانتفاء التراضي الحر فيها ولما فيها من الغرر وكثير من المشكلات، ومن ذلك نهيه عليه الصلاة والسلام عن البيع بالمنابذة (1) والملامسة وإلقاء الحجر وبيع الملاقيح والمضامين وبيع ضربة القانص (2) والغائص، وغير ذلك مما ورد تحريمه نصاً، وكل ذلك كان معروفاً في الجاهلية فنهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم فأصبح في الإسلام ممنوعاً باطلاً. فلو تعارف الناس في زمان أو مكان وعاودوا تجارة الخمر المحرمة، وتناول المخدرات، وشرب المسكرات، والتعامل بالربا الممنوع شرعاً، فلا عبرة لعرفهم، ولا تصح عقودهم فيه بنظر الشرع الإسلامي"
(3)
(1) البيع بالمنابذة أو الملامسة أو إلقاء الحجر هو أن يتراوض المتبايعان، أي يتساوما على مقايضة سلعة بسلعة، فمتى نبذ كل منهما سلعته إلى الآخر أو لمس سلعة رفيقه فقد انبرم البيع بلا خيار، ولو لم يطلع على المبيع، كما لو كان ثوباً مطوياً لم يتأمله. وطريقة إلقاء الحجر في عرفهم أن يلقي المشتري حصاة على عدة أثواب مثلاً، فما أصابته كان مبيعا بلا خيار كالقمار وهو أشبه بطريقة اليانصيب» في عصرنا اليوم. والمضامين: ما يستنتج من فحول الإبل من ولد، والملاقيح ما يستنتج من إناثها. (2) وضربة القانص: ما سيقع في شبكة الصياد من صيد البر أو البحر، وضربة الغائص ما سيخرجه الغوّاص من اللآلاء في غوصته ينظر: الزرقا المدخل الفقهي الهامش، 907/ 2، نقلاً. الهداية وشرحها، برهان الدين علي المرغيناني باب البيع الفاسد، 55/ 6. ابن عابدين: رد
المحتار، 106/ 2، 109.
(3) الزرقا المدخل، 906/ 2 - 908.
عن (3/319)
صفحة 1468
320
القواعد الفقهية عند الإباضية
والحاصل، أن العرف إنما يعمل في حدود الحرية التي تركها للمكلفين في ميادين الأعمال والالتزامات، دون الحالات التي تولى الشرع فيها بنفسه تحديد الأحكام عن سبيل الإلزام، وإلا لأمكن أن تقلب الأعراف على مرّ الزمن أسس التشريع كلها رأساً على عقب، فتنقرض الشريعة بتاتاً وتصبح أثراً بعد عين، فالنص الخاص الأمر هو المعتبر المحترم ولو صادمه عرف عام، فلا يعتبر أي عرف أو اتفاق على خلافه (1).
مثال تطبيق لعرف خاص خالف النص الشرعي: إقامة العزاء والمآتم من مال الورثة مع أمور أخرى محرمة، فإذا خالف العرف الخاص النص الشرعي وفيه ضرر بالغير فلا اعتداد به ولا اعتبار له ولو جرى العمل به عند الناس؛ لأنه بدعة في الدين كإقامة الولائم في العزاء من مال الورثة واختلاط الرجال بالنساء في المآتم.
وقد سئل السالمي عن ابن عم الميت أراد أن يقيم له عزاء برضى البالغين من ورثته، وقد خلف الميت أيتاماً وبالغين، هل يجوز لابن عم الميت ذلك أو لا؟ والميت لم يوص بذلك؟
فأجاب الله: «أما ابن عمه فلا يجوز له أن يأخذ من مال الأيتام شيئاً لذلك، وإذا أخذ ضمن، وإن جرت العادة في أهل داره بذلك فهي ظلم، وأما الحاضر للعزاء فله أن يأكل مما قدم إليه، إذا قدمه البالغ العاقل ما لم يعلم أن ذلك الشيء بعينه من تركة الهالك، وعلى من قدمه الضمان إن أخذه من غير حلّه، فإذا علم أنه من تركة الهالك امتنع على كل من علم، أقول: إن ما يصنعه الناس من العزاء في هذا الزمان بدعة، وكانت السُّنَّة
على غير ذلك ... » (2).
(1) الزرقا: المرجع نفسه، 908/ 2.
(2) السالمي: العقد الثمين، 410/ 3 - 411. (3/320)
صفحة 1469
الفصل الخامس: القاعدة الفقهية الكبرى الخامسة
321
2 - الحالة الثانية: حالة تعارض العرف مع نص شرعي عام
من أحوال العرف والعادة أمام النصوص الشرعية حالة تعارض العرف مع نص شرعي عام، وعبر عنها البعض بقوله: «أن تكون مخالفة العرف للدليل لا من كل وجه، وذلك بأن يرد الدليل عاماً والعرف خالفه في بعض أفراده أو كان الدليل قياساً» (1).
الشرعي
فإذا عارض العرف النص التشريعي ولم يكن النص وقت وروده مستنداً إلى العرف ولا مبنياً على تعامل الناس وعاداتهم بل كان نصاً تشريعياً عاماً شاملاً بعمومه الأمر المتعارف، ففي سلطان العرف عندئذ تفصيل). وفي اعتباره نظر بحسب كون العرف مقارناً لورود النص أو حادثا بعده وبيان ذلك:
أولًا: العرف المقارن لورود النص العام المعارض له:
العرف القائم عند ورود النص التشريعي إما أن يكون عرفاً لفظياً أو عملياً «فإذا كان لفظيّاً فلا خلاف بين الفقهاء في اعتباره فينزل النص التشريعي العام على حدود معناه العرفي عند الخلو عن القرائن ولو كانت دلالة اللفظ الذي استعمله الشارع هي في أصل اللغة أوسع من دلالته العرفية؛ فألفاظ البيع والشراء والإجارة والصيام والصلاة والحج وعدة النساء في الطلاق والوفاة، كل ذلك ونحوه من النصوص يحمل على معانيه العرفية عند ورود النصوص بها وإن اختلفت عن المعاني الوضعية في أصل اللغة (3).
وأما إذا كان العرف القائم عند ورود النص المخالف له عرفاً عملياً فلدى من يعتبره صالحاً لتخصيص النص العام يوجد تفصيل بين أن يكون العرف عاماً أو خاصاً وتلخيصه فيما يلي:
(1) البورنو الوجيز، ص 283. (2) الزرقا المدخل، 913/ 2. بتصرف.
(3) المرجع السابق، 914/ 2. (3/321)
صفحة 1470
322
القواعد الفقهية عند الإباضية
1 - العرف المقارن العام إذا كان العرف القائم عند ورود النص العام المعارض له عرفاً عاماً فإنه يعمل بالعرف والنص معاً، ويكون العرف مخصصاً للنص العام لا مبطلاً له فيعتبر عندئذ ذلك النص مقصور الشمول على ما سوى الأمر المتعارف؛ لأن العرف العملي يدل على حاجة الناس إلى ما تعارفوا عليه، وفي نزع الناس عما تعارفوه عسر وحرج، وبناء عليه؛ فإن العمل بهما معاً أولى وأوفى بالحاجة مثال ذلك: أن النص ورد في نهي الإنسان
عن
أن
(1).
يبيع ما ليس عنده وجَوّز الفقهاء الاستصناع لعرف الناس وتعاملهم به مع أن النص يشمله ويتناوله، إذ يصدق على الاستصناع أن بيع ما ليس عند الإنسان فهو منهي عنه بالنص، فقد عمل بمقتضى النص في غير الاستصناع وعمل بالعرف في الاستصناع، فلم يلزم من العمل بالعرف المخالف للنص ترك
النص.
فكأنما ورد النص باستثناء الاستصناع ضمناً كما استثنى السلم صراحة وبقي النص في غير ذلك من أنواع بيع المعدوم، وقد نقل الإجماع على صحة الاستصناع).
2 - العرف المقارن الخاص وأما إذا كان العرف القائم المعارض للنص العام عرفاً خاصاً بمكان دون آخر أو بفئة من الناس دون سواهم، كعرف التجار أو الصناع في بعض البلدان أو بعض الأصناف، فلا يصلح مخصصاً للنص العام المعارض ولو كان قائماً عند ورود النص إلا على رأي ضعيف؛ لأنه ليس له عند معارضة النص ما للعرف من قوة وسلطان، فقد يقتضي عُرف
(1) رواه أبو داود في السنن، كتاب الإجارة، باب في الرجل يبيع ما ليس عنده، رقم 3503، والترمذي، أبواب البيوع عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، باب ما جاء في كراهية بيع ما ليس عندك، رقم 1232. وقال: حسن. (2) الزرقا المدخل 2/ 916. عبد العزيز الخياط نظرية العرف ابن عابدين رسائل، 116/ 2. (3/322)
صفحة 1471
الفصل الخامس: القاعدة الفقهية الكبرى الخامسة
323
البلاد أو الناس تخصيص النص، ولكن عدم وجود هذا العرف لدى بقية الأماكن أو الناس لا يقتضيه فلا يثبت التخصيص بالشك).
ثانياً: العرف الحادث بعد النص المعارض له:
إذا كان العرف المعارض للنص العام حادثاً بعد ذلك النص، فإن هذا العرف لا يعتبر ولا يصلح مخصصاً للنص التشريعي باتفاق الفقهاء، ولو كان عرفاً عاماً؛ لأن العرف الحادث هو طارئ بعد أن حدد مفهوم النص التشريعي ومراد الشارع منه أصبح نافذاً منذ صدوره عن الشارع، فإذا ساغ تخصيصه بعد ذلك بعرف طارئ مخالف له، كان ذلك نسخاً للنص التشريعي بالعرف وهذا غير جائز؛ إذ لو جاز لأدى إلى تبديل معظم أحكام الشريعة بأعراف طارئة تلغيها وتحل محلها، فلا يبقى للشرع معنى ولا فرق في ذلك بين العرف العملي واللفظي في عدم صلاحية الطارئ منهما لتخصيص النص السابق عليه.
وعلى هذا الأساس يجب أن تطبق نصوص الفقهاء، وتُفسّر صكوك الوقفيات والوصايا والبيوع والهبات والزواج، وسائر الصكوك العقدية وما يرافقها من شروط و اصطلاحات، فإنها جميعاً يجب أن تفسر بحسب عرف العاقدين المنشئين لها في زمانهم قياساً على نصوص الشارع، ولا يسوغ تنزيلها في الفهم على عُرف حادث يخرج به كلامهم عن مرادهم. مثال ذلك: لفظ «اليمين» الوارد في الكتاب والسُّنَّة، فإن مفهومه اليمين بالله تعالى؛ لأنها هي المعروفة في لسان الشرع، وعليها يحمل قوله تعالى: {لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَنِكُمْ وَلَكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَدَتُمُ الْأَيْمَنَ} (المائدة: 89)
ص
(1) ابن نجيم: الأشباه والنظائر آخر القاعدة السادسة، 134. ابن عابدين: نشر العرف، الباب الأول من مجموع رسائله 2/ 116. الزرقا المدخل، 916/ 2 - 917. البورنو: الوجيز، ص 283.
(2) الزرقا: المدخل العام، 921/ 2. (3/323)
صفحة 1472
324
القواعد الفقهية عند الإباضية
فلا
يصح حمله على اليمين المستحدثة بالطلاق والعتاق، لأنها لم تكن معروفة في الجاهلية، فلا يكون اللغو فيها معفى).
يصح
وكذلك المعاني الاصطلاحية التي تعارفها الفقهاء في تقسيماتهم لضبط المسائل وترتيب الأحكام كالفرض والواجب والمسنون والمندوب والمكروه تنزيهاً أو تحريماً وغير ذلك من الاصطلاحات الفقهية المستحدثة، لا تفسير نصوص القرآن والسُّنَّة بها على أنها هي المراد بالأوامر والنواهي، بل إن صيغة الأمر في تلك النصوص تارة تفيد الطلب المحتم للفعل، وتارة أفضليته أو إباحته، والنهي يفيد عكس ذلك ولنسميه بعد ذلك بما شئنا من الاصطلاحات، فإنها لا تبدل شيئاً من تلك المدلولات الأصلية التي كانت في لغة الشارع هي المفهومة، ولا توجد فيها الاصطلاحات الحديثة حدوداً جديدة» (2).
مع
العرف
مبنياً على
الحالة الثالثة: أن يكون النص المخالف مبنياً على العرف والعادة أن يكون النص الذي جاء العرف بمخالفته مبنياً على العرف والعادة السائدة في زمان، فإذا كان النص نفسه حين صدوره عن الشارع مبنياً على عرف قائم ومعللا به فإن النص عندئذ يكون عرفياً فيدور حكمه ويتبدل بتبدله» (3). فإن بعض الفقهاء قالوا: إذا كان النص الشرعي العرف والعادة السائدين في زمان نزوله فإنه يترك النص ويصار إلى العرف والعادات إذا تبدلت بتبدل الزمان، ومعنى هذا أنه يصار إلى العرف الطارئ بعد النص، على أن تغير العادة يستلزم تغيّر النص» (4). مثال ذلك: مقياس الأموال الربوية، فهي إما وزنية كالذهب والفضة، وما يقاس عليها، وإما كيلية، كالتمر والبر والشعير والملح وما يقاس عليها، فمن المقرر عند جمهور الفقهاء
(1) أبوستة أحمد فهمي: رسالة العرف والعادة، ص
(2) الزرقا المدخل، 2/ 920. (3) الزرقا: المرجع نفسه، 908/ 2.
95
(4) النجار: أثر العرف، ص 212 - 213. - البورنو: الوجيز، ص 283. (3/324)
صفحة 1473
الفصل الخامس: القاعدة الفقهية الكبرى الخامسة
325
أن الأموال التي تعتبر شرعاً من الأنواع الربوية يمتنع فيها بيع مقدار منها بأكثر أو أقل منه إذا كان من جنس واحد؛ لأن الفضل عندئذ يكون رباً محرماً، فلا تجوز مبادلة القمح بالقمح مثلاً، ولا الذهب بالذهب إلا إذا تساوى البدلان، بمعنى أنه لا يجوز بيع الوزني بالوزني بجنسه إلا وزناً ولا بيع الكيلي بالكيلي، بجنسه إلا كيلاً، لأن النص ورد فيها كذلك (1). فإذا اختلف الجنسان كبيع الذهب بالفضة أو القمح بالشعير، جاز التفاضل ولكن تمنع النسيئة، أي تأجيل أحد البدلين فيجب التقابض في مجلس العقد، وهذا من قبيل سد الذرائع كيلا يتخذ جواز التفاضل عند اختلاف الجنسين ذريعة ووسيلة إلى ربا النسيئة، فيستقرض الشخص ذهباً مثلاً إلى أجل ثم يوفّي فضة أكثر منه بقدر الربا المراد.
فهذا الحكم كما هو ظاهر يقوم على أساس وجوب تساوي الكميات المتبادلة في الجنس الواحد، فما هو مقياس هذا التساوي فقد يتساوى المقداران وزناً ويتفاوتان كيلاً وبالعكس؟
ومن المتفق عليه أن التساوي يعتبر شرعاً بالمقياس العرفي في كل صنف، فما كان وزناً عرفاً كالزيت والسمن، يجب تساوي الكميتين فيه بالوزن، وما كان كيلياً عرفاً يجب التساوي فيه بالكيل كاللبن والعسل مثلاً، وإذا تبدل العرف في مقياس شيء فأصبح كَيْلياً مثلاً بعد أن كان وزنياً أو أصبح وزنياً بعد أن كان كَيْليا، تبدل القياس الربوي فيه تبعا للعرف. غير أنه قد ورد النص عن النبي صلى الله عليه وسلم في ستة أصناف من الأموال الربوية (ومنها القمح) أنه يجب التساوي في بعضها بالوزن وفي بعضها بالكيل (2)، فذهب
(1) البورنو الوجيز، ص 214. الزرقا المدخل، 2/ 908 - 909. (2) الأصناف الربوية الستة هي: الذهب والفضة والحنطة القمح والبر والشعير والملح والتمر، وفي مبادلة الذهب بالذهب والفضة بالفضة بيعاً أو قرضاً، أوجب النبي صلى الله عليه وسلم تساوي البدلين وزناً وفي الأصناف الربوية الأخرى أوجب التساوي كيلاً، المرغيناني: الهداية وشروحها، 157/ 6. (3/325)
صفحة 1474
326
القواعد الفقهية عند الإباضية
جمهور الفقهاء ومنهم أبو حنيفة إلى أنه يعتبر في خصوص هذه الأشياء المقياس الذي ورد النص به أبداً، ولا عبرة لتبدل العرف فيه، ففي مبادلة القمح مثلاً يجب التساوي كيلاً لا وزناً، ولو تعارف الناس بيعه بالوزن كما في زماننا اليوم)؛ لأن هذا نص خاص بالمقياس الربوي في هذه الأصناف فلا يعتبر العرف على خلافه. وبناء عليه، فلو تغير عُرف الناس وأصبح الذهب يباع عدداً مثلاً والتمر وما معه يباع وزناً، فلا يجوز استبدال الذهب بالفضة بجنسهما إلا وزناً، وكذلك لا يجوز استبدال التمر أو أحد أخواته إلا كيلاً وإلا كان رباً فيحرم. ولكن ذهب بعض الفقهاء كأبي يوسف صاحب أبي حنيفة وهو اختار ابن تيمية وغيرهم إلى أن المقياس المعتبر حتى في تلك الأشياء الستة هو المقياس العرفي، وأنه يتبدل العرف كما في سائر الأموال الربوية الأخرى التي لم يرد نص خاص بشأن مقياسها، فإذا تبدل العرف فيجوز استعمال الناس العرف الحادث، ويقول في هذا المعنى: «إن النص في مقياس تلك الأصناف الستة معلل بالعرف، فإنما ورد النص بلزوم التساوي فيها كيلاً أو وزناً؛ لأن هذا مقياسها المتعارف في عهد النبي عليه الصلاة والسلام، فلو كان العرف فيها على مقياس آخر لورد النص معتبراً فيها ذلك المقياس الآخر» (2). قال ابن تيمية في هذا المعنى: إن بيع المكيل بشيء من جنسه وزناً ساغ». وقال في الفروع: ويتوجه من جواز بيع حب بدقيقه وشويقه جواز بيع مکيل وزناً وموزون كيلاً اختاره شيخنا»، يعني: ابن تيمية.
(1) ليس معنى ذلك أن يمتنع شرعاً على هذا الرأي بيع هذه الأصناف بغير المقياس المنصوص إذا قوبلت بغير جنسها كالنقود مثلاً، بل للناس أن يتعارفوا في بيعها بخلاف جنسها، أيَّ مقياس أرادوا أو بلا مقياس أي جزافاً، ولكن معناه أنه إذا بيع شيء منها بجنسه كقمح بقمح أو استقرض منها شيء، فإنه يجب عندئذ في الوفاء التساوي بالقياس الذي ورد به
النص. انظر: الزرقا المدخل الهامش 2/ 910.
(2) المرغيناني: الهداية وشروحها، 157/ 6. (3) ابن قدامة: المغني 66/ 2. ابن مفلح: الفروع، 157/ 4. (3/326)
صفحة 1475
الفصل الخامس: القاعدة الفقهية الكبرى الخامسة
327
ولا شك أن رأي أبي يوسف الحنفي وابن تيمية الحنبلي وجيه كما يبدو لي وهو أقوى حجة وأقوم محجة رغم انفرادهما به، ويعد هذا في الحقيقة تسهيل ورفع حرج عظيم عن الناس فيما اعتادوه من استعمال ما نص عليه الشارع أنه مكيل موزوناً، وبالعكس دون مراعاة عرف الناس وتبدله عبر الأزمان.
ومن النصوص التشريعية الخاصة المبنية على العرف والعادة، ويتبدل حكمها تبعًا لتبدلهما، ما رواه ابن ماجه بسنده عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «الثيب تعرب عن نفسها والبكر رضاها صمتها» (1)؛ فقد اعتبر سكوتها عند استئذان وليها في تزويجها من رجل معين وبمهر معين إذناً منها وتوكيلا، واتفق الفقهاء على أن هذا الحكم في الفتاة البكر مبني على ما هو معروف فيها من الخجل عن إظهار رغبتها في الزواج عند استئمار وليها لها، فعادتها أن تعبّر بالسكوت عن رغبتها وإذنها دون التصريح بالقبول خشية اتهامها بالميل إلى الرجال، وهذا أمر يجافي محاسن العادات في ذلك العرف، وهذا الاستحياء لا يزال إلى اليوم غالباً عليهن في معظم الأوساط الإسلامية بحسب التربية
والتقاليد الاجتماعية.
فلو حدث أن تغيرت هذه التربية وهذه العادة وأصبحت الفتيات الأبكار لا يتحرجن من إعلان هذه الرغبة أو عدمها على السواء (كعادة الثيبات)، فليس ثمة ما يدعو إلى اعتباره قبولاً في عُرف هذا العصر الذي خرجت فيه المرأة من خدرها وكثر اختلاطها بالرجال - إلا من رحم الله ـ في بعض المجتمعات الإسلامية، ولذا غلبت جرأتها على التصريح بقبول من ترغب فيه ورفض من ترغب عنه، ولذلك فإن الإذن عندئذ بالتزويج لا يكفي فيه
(1) رواه ابن ماجه السنن، کتاب النکاح باب استثمار البكر والثيب رقم 1868. 340/ 1، عن أبي زرارة عدي بن عميرة الكندي وصححه الألباني والبخاري ومسلم بلفظ: «لا تنكح الأيم حتى تستأمر ولا تنكح البكر حتى تستأذن قالوا يا رسول الله وكيف إذنها؟ قال: أن تسكت». (3/327)
صفحة 1476
328
القواعد الفقهية عند الإباضية
السكوت، بل يحتاج عندئذ إلى بيان وتصريح كالإذن من الثيبات ليعتبر توكيلاً يسري به عليهن عقد التزويج منذ وقوعه من الولي المستأذن، وعند عدم الإذن بالتوكيل من الفتاة البكر البالغة يعتبر تزويجها فضولياً يحتاج إلى إجازة منها ليصبح نافذاً عليها، وإن سكتت عند استثمار وليها لها.
الحالة الرابعة حالة تعارض العرف والاجتهاد أن يخالف العرف مسائل فقهية لم تثبت بصريح النص ـ بل بالاجتهاد والرأي ـ وكثير منها بناه المجتهد على ما كان في عُرف زمانه، بحيث لو كان في الزمان الذي حدث فيه العرف الجديد لقال بخلاف ما قال أولاً، فهذا يعتبر فيه عُرف الحادثة ولو خالف حكماً سابقاً مبنياً على عرف مخالف وهذا مبنى على قاعدة: «لا ينكر تغير الأحكام بتغير الأزمان (3).
إن الأحكام الاجتهادية التي يثبتها الفقهاء المجتهدون استنباطاً وتخريجاً عند عدم النص الشرعي عليها، إما أن تكون ثابتة بطريق القياس النظري على حكم أوجبه الشارع بالنص، لاتحاد العلة بين الحكم المقيس عليه والمقيس، وإما أن تكون ثابتة بطريق الاستحسان أو الاستصلاح عندما لا يوجد حكم مشابه منصوص يقاس عليه.
والاجتهادات الفقهية تكاد تكون متفقة على أن الحكم القياسي يترك للعرف ولو كان عرفاً حادثاً؛ لأن المفروض عندئذ أن هذا العرف لا يعارضه نص خاص ولا عام معارضة مباشرة، والعرف غالباً دليل الحاجة فهو أقوى من القياس، فيترجح عليه عند التعارض).
(1) الزرقا: المدخل، 2/ 910 - 911، وحيد الدين سوار: التعبير عن الإرادة في الفقه الإسلامي،
ص 267.
(2) البورنو الوجيز، 284 - 285.
(3) ابن عابدين نشر العرف في مجموعة رسائله، 116/ 2. (3/328)
صفحة 1477
الفصل الخامس: القاعدة الفقهية الكبرى الخامسة
329
بل لقد ذكر ابن الهمام في شرح الهداية أن العرف بمنزلة الإجماع شرعاً عند عدم النص). ومن المعلوم أن ترجيح العرف على القياس يعتبر عند جمهور الفقهاء من قبيل الاستحسان الذي تترك فيه الدلائل القياسية لأدلة أخرى منها العرف. ويوضح أبو العباس الشماخي مفهوم الاستحسان عند الإباضية بأنه: «العدول عن قياس إلى قياس أقوى، وقيل تخصيص قياس بأقوى منه، وقيل العدول إلى خلاف النظير لدليل أقوى، وقيل العدول عن حكم الدليل إلى العادة لمصلحة الناس». وقد شرح هذه التعاريف نفسها ونقلها السيابي بإيجاز").
وإذا كان العرف يترجح على القياس الذي يستند إلى نص تشريعي غير مباشر، فهذا يدل على أنه يترجح أيضاً على الاستصلاح الذي لا يستند إلى نص بل إلى مجرد المصلحة الزمنية التي هي عرضة للتبدل بحسب اختلاف الأزمنة، وما يجد فيها من أوضاع ومقتضيات (4).
ويوضح ابن عابدين موقف الفقهاء المجتهدين من اعتبار العرف الحادث إذا تغيرت الأحوال، ويجب على المجتهد أن يعيد النظر في اجتهاده إذا تغير عرف البلد لرفع الحرج عن الناس فيقول: «كثير من المسائل الفقهية ما يبنيه المجتهد على ما كان في عُرف زمانه، بحيث لو كان في زمان العرف الحادث لقال بخلاف ما قاله أولاً، ولهذا قالوا (العلماء) في شروط المجتهد: إنه لا بد فيه من معرفة عادات الناس، فكثير من الأحكام تختلف باختلاف الزمان لتغير عرف أهله، أو لحدوث ضرورة، أو فساد أهل الزمان، بحيث لو بقي الحكم
(1) ابن الهمام الكمال، فتح القدير، 157/ 6.
(2) الشماخي: شرح مختصر العدل والإنصاف الوارجلاني، تحقيق: مهني التيواجني، 589. (3) السيابي خلفان، فصول الأصول، ص 354. ـ السالمي، طلعة الشمس، / 185. وما بعدها، وحول مدلول الاستحسان ينظر أيضاً: الغزالي المستصفى، 1/ 274 - 283.
(4) الزرقا المدخل، 9312 - 932. (3/329)
صفحة 1478
330
القواعد الفقهية عند الإباضية
على ما كان عليه أوّلاً للزم منه المشقة والضرر بالناس، لبقاء العالم على أتم نظام وأحسن إحكام، ولهذا نرى مشايخ المذهب (أي الحنفي) خالفوا ما نص عليه المجتهدون في مواضع كثيرة بناها على ما كان في زمنه لعلمهم بأنه لو كان في زمنهم لقال بما قالوا به أخذاً من قواعد مذهبه (1).
وما ذهب إليه ابن عابدين الحنفي هو ما عليه العمل عند فقهاء الإباضية،
حيث نجد اجتهاداتهم تتغير بتغير الأزمان والعادات، ومن أمثلة ذلك: 1 - أن مَن وَكَّل إنساناً أن يشتري له سلعة من مكان بعيد فاشتراها واستأجر لحملها إليه بكراء، فإن الكراء لا يلزم الموكل؛ لأنه أمره بالشراء دون الحمل، وأما من طريق الاستحسان والعادة بين الناس فالكراء يلزمه؛ لأن
تسليم المبيع غير مقدور إلا بكراء، فصار كالمنطوق به في الوكالة). 2 ـ حكم الفقهاء على المفقود والغائب بالوفاة بعد مضي مدة كافية لغلبة موتهما، استحساناً وحملاً على أغلب الأحوال، وكان القياس يقضي بعدم الحكم بموتهما حتى يصح ذلك يقيناً.
3 ـ إفتاؤهم بجواز الاستئجار على تعليم القرآن ونحوه لانقطاع عطاء المعلمين، إذ لو اشتغل المعلمون بالتعليم بلا أجرة يلزم ضياعهم وضياع عيالهم، ولو اشتغلوا بالاكتساب من حرفة أو صناعة يلزم ضياع القرآن والدين، فأفتوا بأخذ الأجرة على التعليم، وكذلك على الإمامة والأذان، أن ذلك مخالف لما اتفق عليه كثير من أئمة المذاهب من عدم جواز الاستئجار وأخذ الأجرة عليها كبقية الطاعات من الصوم والصلاة والحج وقراءة القرآن ونحو ذلك).
(1) ابن عابدين: رسائل، 125/ 2. (2) ابن بركة: الجامع، 293/ 2 - 294.
(3) السالمي: طلعة الشمس، 179/ 2.
مع
(4) ذكر السالمي هذه المسألة في جواباته، وفيه كلام مفصل وهام عن حكم أخذ الأجرة عن الطاعات، كالأذان وتعليم القرآن ينظر جوابات الإمام السالمي ط 1، 1417 هـ / 1996 م،
404/ 4 - 405. ينظر: البورنو، الوجيز، ص 285. (3/330)
صفحة 1479
الفصل الخامس: القاعدة الفقهية الكبرى الخامسة
331
4 - تضمين الساعي للفساد بالنميمة، مع أن ذلك مخالف لقاعدة الضمان على المباشر دون المتسبب، ولكن أفتوا بضمانه زجراً بسبب كثرة السعاة المفسدين).
ه - إن الأصل القياسي يقضي بأن على الحاكم أن يستمع إلى كل دعوى ترفع إليه، ثم يقضي للمدعي أو عليه بحسب ما يثبت لديه، ولكن الفقهاء تركوا هذا القياس فيما إذا ادعت الزوجة المدخول بها أن زوجها لم يدفع إليها شيئاً من معجل، مهرها وطلبت القضاء بإلزامه بجميع المهر المعجل، فقالوا: لا تسمع دعواها هذه، بل يردها القاضي دون أن يسأل عنها الزوج، وعللوا ذلك بالعرف لأن عادة الناس مطردة لا تكاد تتخلف في أن المرأة لا تزف إلى زوجها ما لم يدفع بعض المهر المعجل أو كله، فتكون دعواها هذه مما يكذبه ظاهر الحال بعد الدخول،
فلا تسمع (2). 6 ـ كما أن القواعد القياسية تقضي بأنه لا يجوز دفع الدين لغير صاحبه، ولا ينفذ قبضه على الدائن ما لم يكن القابض نيابة عن الدائن من ولاية أو وكالة، ولكن الفقهاء تركوا القياس في البنت البكر البالغة إذا قبض أبوها، أو جدها ـ عند عدم الأب - مهرها من زوجها حين زواجها، واعتبروا هذا القبض نافذاً عليها ومبرئاً لذمة الزوج للعرف والعادة ما لم يصدر منها نفي عن دفع المهر إلى سواها (3).
هذا بعض من الفروع التي استدللنا بها على ترك الفقهاء فيها حكم القياس للعرف المخالف وغيرها كثير.
(1) البورنو الوجيز، ص 580.
(2) ابن عابدين رد المحتار: باب: المهر، 363/ 2.
(3) الزرقا: المدخل، 932/ 2. (3/331)
صفحة 1480
332
القواعد الفقهية عند الإباضية
الفرع الرابع: تعارض الألفاظ بين العرف والشرع واللغة أولاً: تعارض اللفظ بين العرف والشرع:
ومعناه أن يرد لفظ له معنى في الشرع ومعنى في العرف، ويكون معناه في الشرع أعم أو أخص.
فإذا تعارض لفظ بين العرف والشرع، والعرف يستعمله في غير ما يستعمله الشرع فينظر:
أ ـ إذا كان ذلك اللفظ استعمل في الشرع بلا تعلق حُكْم ولا تكليف، قدّم العرف وخاصة في الأيمان؛ لأن الأيمان مبناها على عُرف الحالف (1)،
فمن ذلك:
1 ـ إذا حلف لا يجلس على الفراش أو السياط أو لا يستضيء بالسراج، لم يحنث بجلوسه على الأرض وإن سماها الله تعالى فراشاً وبساطاً، ولا يحنث بالاستضاءة بالشمس وإن سماها الله تعالى سراجاً.
2 - وكذلك إذا حلف تحت سقف فجلس تحت السماء لم يحنث وإن سماها الله تعالى سقفاً.
3 ـ وكذلك لو حلف لا يأكل لحماً، لم يحنث بأكل السمك، وإن سماه الله تعالى لحماً.
جاء في «جواهر القواعد» ما نصه: «وإلا بأن يستعمله الشرع تسمية بلا تعلق حُكم وتكليف كتسمية السمك لحماً، والأرض بساطاً، والسماء سقفاً، والجبال أوتاداً، فالمعتبر - هنا - العرف والعادة، قال الثميني في النيل: «وإن حلف لا يأكل اللحم، لم يحنث إن أكل سمكاً بالعرف والعادة ولزمه بمقتضى اللفظ» (2) (3).
(1) السدويكشي: الحاشية على كتاب الإيضاح للشماخي، 43/ 1.
(2) الثميني: كتاب النيل وشفاء العليل مع الشرح للقطب أطفيش، 305/ 4. بتصرف.
(3) الراشدي: جواهر القواعد، ص 167. (3/332)
صفحة 1481
الفصل الخامس: القاعدة الفقهية الكبرى الخامسة
333
ويؤكد المحشي السدويكشي هذا التوجه فيقول: «إن الافتراش يُسمّى لَبْساً، وقد استدل على منع افتراش الحرير لعموم النهي عن لبس الحرير، ولا يُرَدّ على ذلك أن من حلف لا يلبس حريراً أن لا يحنث بالافتراش؛ لأن الأيمان مبناها على العرف ... (1). ويؤكد ابن بركة هذا المعنى ردّاً على من يقدم الشرع على العرف عند تعارض الألفاظ، ولو حلف لا يسكن بيتاً، فكل بيت من حجر أو مدر يسكنه حنث، وإن سكن بيتاً من شعر أو نحو ذلك لم يحنث؛ لأن البيوت المعروفة والمقصود إليها هو ما ذكرنا فإن قال قائل: فالله تعالى سَمّى بيوتاً من غير ما ذكرت لقوله جل ذكره: {وَجَعَلَ لَكُم مِّن جُلُودِ الْأَنْعَامِ بُيُوتا} (النحل: 80)، قيل له لو تركنا ومانع عليه الأسماء في الأيمان، لكان الحالف على أكل اللحم لا يأكل مع قول الله تعالى: {وَهُوَ الَّذِى سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيَّا (النحل: 14)، وكذلك لو حلف لا يبيت تحت سقف، لما كان إذا بات تحت السماء حنث لقول الله جل ذكره: {وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا تَحْفُوظًا وَهُمْ عَنْ اَيْهَا مُعْرِضُونَ} (الأنبياء: (32)، وكذلك لو حلف لا يبيت على فراش فبات على الأرض حنث لقول الله تعالى: {الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا} (البقرة: 22)، فإن
السمك
الأيمان على المقاصد والعادات مع تعلق الأسماء بمسمياتها .... (2). ب ـ أن يكون اللفظ في إطلاق الشارع قد تعلق به حكم فيقدم استعمال الشرع على الاستعمال العرفي، ومن أمثلته: - إذا حلف لا يصلي، لم يحنث إلا بذات الركوع والسجود، أو حلف لا يصوم، لم يحنث بمطلق الإمساك، أو حلف لا ينكح، حنث بالعقد إن كان غير متزوج لا بالوطء؛ لأنه الشائع شرعاً، وأما إن كان له زوجة وحلف لا ينكح فيحنث بالوطء.
(1) السدويكشي: الحاشية على كتاب الإيضاح للشماخي، 43/ 1. (2) ابن بركة الجامع، 89/ 2 - 90 بتصرف يسير. (3/333)
صفحة 1482
334
القواعد الفقهية عند الإباضية
- أو قال: إن رأيت الهلال فأنت طالق - فرآه غيرها وعلمت به ـ طُلقت حملاً له على الشرع، فإن الرؤية فيه بمعنى العلم لقوله صلى الله عليه وسلم: «صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، فإن غُبي عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين). وقد نصَّ الراشدي في جواهره على تقديم المعنى الشرعي على الغرف عند تعارض الألفاظ، وهو رأي الإباضية، وذهب البعض إلى العكس، فقال: «فلا يخلو إما أن يتعلق بالمعنى الشرعي حكم كالصلاة والصوم والزكاة والحج، فلا أثر هنا للعرف، فمن حلف أن قد صلَّى الهاجرة، لم يحنث إن كانت منتقضة أو لقد صام فخرج منتقضاً، أو زكَّى فدفعها إلى من لا تجوز له، حج وحجه فاسداً، فلا يحنث. وكذلك: التزويج فظهرت، محرمته، والبيع فإذا البائع محجور عليه، أو المبيع مما لا يجوز بيعه أو قضى دَيْنه فخرجت زيوفاً، وقيل يحنث، نظر إلى مطلق الاسم، جاء في شرح النيل»: «أو حلف لقد صلّى الهاجرة، أو تزوج امرأة، أو قد أوفى فلاناً دراهم عليه فخرجت زيوفاً، والمرأة محرمته والصلاة منتقضة، ففي حنثه قولان» (2) (3).
أو
ج ـ وأما إن كان اللفظ العرفي يقتضي العموم والشرعي يقتضي التخصيص اعتبر خصوص الشرع.
وهذا ما صرح به الراشدي في قوله: «ولو كان اللفظ عاماً في العرف وخصصه الشرع اعتبر التخصيص الشرعي». ومن أمثلة ذلك:
(1) متفق عليه، رواه البخاري كتاب الصوم، باب: هل يُقال رمضان أو شهر رمضان، رقم: 1810. ومسلم، كتاب الصيام، باب وجوب صوم رمضان لرؤية الهلال، حديث: 1874 عن أبي هريرة بلفظ: «صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، فإن غمي عليكم الشهر فعدوا ثلاثين». (2) القطب أطفيش: شرح كتاب النيل وشفاء العليل لعبد العزيز الثميني، 307/ 4. بتصرف. (3) الراشدي: جواهر القواعد، ص 166، 167. بتصرف يسير.
(4) الراشدي: المرجع
نفسه، ص 168. (3/334)
صفحة 1483
الفصل الخامس: القاعدة الفقهية الكبرى الخامسة
335
إذا حلف لا يأكل لحماً لم يحنث بأكل الميتة؛ لأن الشارع ما سمى
الميتة لحماً.
وإذا أوصى لأقاربه، لم يدخل ورثته عملاً بتخصيص الشرع حيث قال النبي: الا وصية لوارث (1) (2). جاء في «جواهر القواعد ما نصه: «فمن أوصى لأقاربه لم يدخل ورثته؛ لأن الشرع خصص الأقربين الذين يجب لهم الوصية بمن عدا الوارث وحالف لا يشرب ماء، لا يحنث بمتغير كثيرا بزعفران ونحوه ولا بمضاف
إلى خارج منه» (3).
بين اللغة والعرف
ثانيًا ـ تعارض اللفظ إذا تعارض العرف مع اللغة فهل يقدم عليها، لأن العرف محكّم في التصرفات أو تُقدم عليه؟ فالظاهر من عبارة الراشدي أن جمهور الإباضية يرجحون العرف إذا غلب استعمال الاسم العام في بعض أفراده حتى صار حقيقة عرفية، فهذا خصوا به العموم دون خلاف، أي أعملوا العرف وإن كان استعمال اللغة غلب في جميع أفراده ففيه وجهان، تقديم اللغة أو العرف، وإن اختلف العرف خصوصاً وعموماً فالمصير إلى الأغلب.
(1) رواه أبو داو، كتاب الوصايا، باب ما جاء في الوصية للوارث، رقم 2870، والترمذي، كتاب الوصايا، باب لا وصية لوارث، رقم 2120، عن أبي أمامة، وقال: حسن صحيح. رواه ابن ماجه السنن، كتاب الوصايا، باب لا وصية لوارث، حديث 2711. عن أنس بن مالك النجاري، وصححه الألباني الدارقطني السنن، كتاب الفرائض والسير وغير ذلك، رقم: 3637. عن جابر بن عبد الله. وعبد الرزاق الصنعاني، المصنف، كتاب الوصايا، لا وصية لوارث والرجل يوصي بماله كله، حديث: 15825 عن عمرو بن خارجة الأشعري. قال ابن
حجر: «روي من طرق أخرى لا يخلو إسناد كل منها عن مقال لكن مجموعها يقتضي للحديث أصلاً بل جنح الشافعي في الأم إلى أن هذا المتن متواتر». فتح الباري، 372/ 5.
(2) السيوطي: الأشباه والنظائر، ص 93. ابن نجيم: الأشباه والنظائر، ص 96 - 97.
(3) الراشدي: المرجع السابق، ص 168.
أن (3/335)
صفحة 1484
336
القواعد الفقهية عند الإباضية
فلو حلف لا يشرب الماء لم يحنث بشرب المالح، لأنه لم يُعتَد شربه وقيل: يحنث، عملاً باللغة. وإن حلف لا يشتري بعيراً لا يحنث بناقة عرفاً، وحنث لغة، ولا يأكل خبزاً، لم يحنث بخبز الأرز عرفاً، وحنث به لغة؛ لأن اللغة هنا عامة فيحمل على الوجهين.
كذلك لو أوصى بكذا وكذا مكيالاً حَبّاً، وهو من قوم يطلقونه على الأرز
حُمِل عليه، فهنا غلب العرف على اللغة.
ولو قال: يلزمني الطلاق إن فعلت كذا، فحنت لزمه طلاق واحد وإن كان المعرّف بأل الجنسية يعم لغة وهو ثلاث تطليقات، فإن اختلف العرف خصوصاً وعموماً فالمصير إلى الأغلب، وهنا يُقدّم العرف على اللغة فتحسب له طلقة واحدة). «ولو حلف رجل لا يأكل البيض ولا نية له أنه لا يحنث إن أكل بيض السمك؛ لأن الناس وعاداتهم ومقاصدهم على بيض الدجاج»).
(1) الراشدي المرجع السابق، ص 167 بتصرف. (2) ابن بركة: الجامع، 89/ 2. (3/336)
صفحة 1485
المبحث الثالث
تأصيل القاعدة
إن قاعدة: «العادة محكمة دخلت للقعيد الفقهى منذ وقت مبكر أصلها الكرخي حيث قال في أصوله: «الأصل أن السؤال والخطاب يمضي على ما عم وغلب لا على ما شذ وندر»، و «الأصل أن جواب السؤال يمضي على
ما تعارف كل قوم في مكانهم).
ويرجع
سبب
هذا التقعيد المبكر للقاعدة أنها تستند إلى نصوص من
القرآن والسنة، ومن الأدلة التي تدل عليها:
(1) الكرخي أبو الحسن أصول الكرخي مع تأسيس النظر للدبوسي الحنفي، نشره زكرياء علي يوسف، طبع بمطبعة الإمام، 13 شارع محمد كريم بالقلعة، القاهرة، ص 112. (3/337)
صفحة 1486
المطلب الأول
الأدلة من القرآن الكريم
استدل الإباضية لهذه القاعدة بالآيات الكريمة التي دلت على مراعاة العرف والعادة منها:
1 ـ قوله تعالى: خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَهلِينَ} (الأعراف: 199). وجه الاستدلال بالآية:
فالآية الكريمة تدل على اعتبار العرف، وهي أصل لهذه القاعدة كما ذكر كثير من العلماء، وقد استدلوا بها على اعتبار العرف في التشريع الإسلامي. قال الراشدي: «أصلها (القاعدة) وأمر بالعرف؛ لأن العرف والعادة بمعنى، وهو ما كان مقرراً بالعقول وتلقته الطباع السليمة بالقبول».
وقال السيوطي في بيان معنى هذه الآية: «قال ابن العربي: المعنى: اقض بكل ما عرفته النفوس مما لا يرده الشرع، وهذا أصل القاعدة الفقهية في اعتبار العرف، وتحتها مسائل كثيرة لا تحصى» (2).
وقال القرافي في سياق حديثه عن اختلاف الزوجين في متاع البيت: «إن القول لمن شهدت له العادة لنا قوله تعالى: {خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ} (الأعراف: 199) فكل ما شهدت به العادة قضي به لظاهر هذه الآية، إلا أن يكون هناك بينة (3). واستدل علاء الدين الطرابلسي (4) في «معين الحكام» بهذه الآية، فقال: «الباب الثامن والعشرون في القضاء بالعرف والعادة قال الله تعالى: {خُذِ الْعَفْوَ
(1) الراشدي: جواهر القواعد، ص
143
(4)
(2) السيوطي: الإكليل في استنباط التنزيل، ص 11، دار الكتب العلمية، بيروت.
(3) القرافي: الفروق، 1943. (4) علي بن خليل أبو الحسن، علاء الدين الطرابلسي توفي سنة 844 هـ، فقيه حنفي كان قاضياً بالقدس،
له: «معين الحكام فيما يتردى بين الخصمين من الأحكام. ينظر: موسوعة الأعلام، 368/ 1. (3/338)
صفحة 1487
الفصل الخامس: القاعدة الفقهية الكبرى الخامسة
339
وَأمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَهلِينَ} (الأعراف: (199)، والعادة غلبة معنى من المعاني البلاد أو بعضها». وقال: «والأصل في تحكيم العرف قوله تعالى:
على
جميع
خُذِ الْعَفْوَ وَأمُرْ بِالْعُرْفِ} (الأعراف: 199)، أي ما يعرفه الناس ويعتادونه (2). 2 - واستدلوا بقوله تعالى: {وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا نَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا} (النساء: 115). وجه الاستدلال بالآية:
قال الراشدي في بيان معنى الآية ووجه الاستدلال بها: «سبيل المؤمنين: طريقهم التي يسلكونها من اقتفاء دين الإسلام والتمسك بأحكامه ... وبيان الاستدلال بالآية: أن من طريقة المؤمنين التي سلوكها في دينهم الحكم بالعادة في كثير منه (3).
وذكر صاحب المواهب السنية شرح نظم القواعد الفقهية» في قاعدة العادة محكمة أنه يستدل بهذه الآية على اعتبار العرف والعادة في التشريع، ووجه الاستدلال بها أن السبيل معناه لغة الطريق، وسبيل المؤمنين طريقهم التي استحسنوها، وقد توعد الله بالعقاب والعذاب من اتبع غير سبيلهم، فدل على أن
اتباع سبيل المؤمنين واجب (4)، فتكون العادة محكمة فيجب العمل بها (5). 3 - واستدل الإباضية لهذه القاعدة أيضاً بقوله تعالى: {لَّيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى أَنفُسِكُمْ أَن تَأْكُلُوا مِنْ
(1) الطرابلسي: معين الحكام، ص 161. (2) بلوغ السُّؤل وحقول المأمول شرح منظومة المالكي بحاشية فتح الورود، وشرح ألفية الشنقيطي في الأصول، مطابع فاس، المغرب، ص 321.
(3) الراشدي: جواهر القواعد، ص 144. (4) الفاداني أبو الفيض: الفوائد الجنية حاشية المواهب السنية شرح الفرائد البهية في نظم القواعد الفقهية، دار البشائر، بيروت، 1996، 185/ 1.
(5) عزام عبد العزيز قواعد الفقه الإسلامي، ص 245. ـ النجار سيد عوض: أثر العرف في التشريع الإسلامي، ص 175 (3/339)
صفحة 1488
340
القواعد الفقهية عند الإباضية
وتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ وَاب بِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ إِخْوَانِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخَوَتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَعْمَمكُمْ أَوْ بُيُوتِ عَمَّتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخْوَلِكُمْ أَوْ بُيُوتِ خَلَاتِكُمْ أَوْ مَا مَلَكْتُم مَفَاتِحَهُ أَوْ صَدِيقِكُمْ} (النور: (6). وجه الاستدلال بالآية:
يرى الراشدي أنّ إباحة الأكل من بيوت من ذُكر في الآية يرجع إلى المعروف والعادة)، واستدل على ذلك بقول القاضي البيضاوي، حيث علل جواز الأكل من تلك البيوت بقوله: «وخصوا بالذكر؛ لأن العادة جارية بالتبسط بينهم ... » (2). وقال القطب أطفيش في «تيسير التفسير»: «والآية باقية على اطمئنان النفس من صاحب المال، كما فعلت الصحابة بعده يدخل دار صديقه باستئذان، فيسأل جاريته عن كيسه، فتعطيه، فيأخذ ما شاء، فإذا جاء وأخبرته أعتقها سروراً. ودخل أصحاب الحسن البصري (ت: 116 هـ) داره باستئذان، وأكلوا أطيب طعامه فاستنار وجهه فرحاً وقال هكذا وجدناهم يفعلون، يعني الصحابة فلا نسخ بحديث: «لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفس» (3)، لأن قد اشترطنا للآية الاطمئنان ... » (4).
ولم يقتصر هذا الأمر على الصحابة فحسب، بل تبعهم فيه التابعون أيضاً،
(1) الراشدي الجواهر، ص 145. (2) البيضاوي القاضي ناصر الدين أبي سعيد عبد الله بن عمر بن محمد الشيرازي: أنوار التنزيل وأسرار التأويل المسمى تفسير البيضاوي، تحقيق: محمد صبحي حسن حلاق ومحمد أحمد الأطرش،
6
ط 1، 1421 هـ ـ 2000 م دار الرشيد، دمشق، بيروت، ومؤسسة الإيمان، بيروت، لبنان، 508/ 2. (3) رواه أحمد، مسند الكوفيين، حديث عم أبي حرة الرقاشي رقم 20714، والبيهقي في الكبرى، كتاب الغصب، باب من غصب لوحاً وأدخله في سفينة، رقم 11325، عن عم أب حرة الرقاشي الهيثمي: رواه أحمد وأبو حرة الرقاشي وثقه أبو داود وضعفه ابن معين. وفيه علي بن زيد وفيه كلام مجمع الزوائد، 3/ 585.
(4) أطفيش أمحمد بن يوسف، تيسير التفسير: نشر وزارة التراث القومي والثقافة، سلطنة عُمان، 1407 هـ / 1987 م، 101/ 9 - 102 بتصرف. (3/340)
صفحة 1489
الفصل الخامس: القاعدة الفقهية الكبرى الخامسة
341
فقد نقل الكندي صاحب المصنف أنّه: روي عن أبي عبيدة) أنهم تذاكروا في الإدلال، فسألوه عن ذلك فقال: ما أعرف ما تقولون، غير أني لو أردت لذهبت
إلى منزل حاجب (2) فقلت يا جارية، هات الكيس فآخذ منه ما شئت. وروى أبو عبد الله (محمد بن محبوب بن الرحيل القرشي) أن الربيع بن حبيب دخل على المليح بن حسان (3) ذات يوم، والمليح مريض فقال الربيع: يا قرشية: هات الطعام، قال: فتهلل وجه المليح حتى قام وقعد وكأن ما به شيء من المرض، فأتت به فقال الربيع للقوم كُلوا، وكان الربيع صائماً» (4). وبعد أن عرض أحمد الكندي الأقوال الواردة عن سلف الإباضية خلص إلى القول: إن الناس على تعارفهم، وجائز أكل ما يبيحونه بينهم، وتسخو به أنفسهم، وذلك بسكون القلب، فليعمل به ما يعمل باليقين»). 4 ـ ومن الآيات الكريمة التي ورد فيها تلميح بليغ إلى اعتبار هذه القاعدة ما جاء في قوله: {لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَنِكُمْ وَلَكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَدتُمُ الْأَيْمَنَ فَكَفَّرَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ} (المائدة: (89).
(1) أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة التميمي من أعلام الإباضية بالمشرق (تقدمت ترجمته). (2) حاجب بن مودود، الطائي العُماني، وهو من كبار تلامذة الإمام أبي الشعثاء جابر بن زيد به ومن طبقة أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة الله كان موصوفاً بالاجتهاد، معروفاً بالورع والتقوى والزهد، وكان هو القائم بأمر المسلمين في شؤون الحرب، وجمع المال والمعونة والخصومة، كانت وفاته قبل وفاة أبي عبيدة في أيام جعفر بن منصور العباسي، أي ما بين (136 – 158 هـ) ينظر: الشماخي، السير 84/ 1 وما بعدها. والدرجيني، الطبقات، 648/ 2 وما بعدها. البطاشي، إتحاف الأعيان عن علماء علمان، 210/ 1. العلامتان: إبراهيم العبري، وأبو إسحاق إبراهيم
أطفيش، تعليق على جوهر النظام للإمام السالمي 13/ 3. 399/ 4 بتصرف.
(3) تقدمت ترجمته.
(4) الكندي: أبو بكر أحمد بن عبد الله، المصنف، آمون للتجليد والطباعة، مصر، نشر وزارة التراث القومي والثقافة سلطنة عُمان، 1403 هـ / 1983 م، 29/ 18 بتصرف.
(5) الكندي: المصدر نفسه، 36/ 18. (3/341)
صفحة 1490
342
القواعد الفقهية عند الإباضية
وجه الاستدلال بالآية
قال أهل العلم قوله سبحانه: {مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ}، يقرّر لنا الضابط الذي يلجأ إليه في تحديد مقدار الطعام وتوفير الكسوة في جميع الأحكام المتعلقة بالكفارات التي لم ينص الشرع فيها على مقدار معلوم معين، فينظر فيها إلى الأعراف السائدة والعوائد المتبعة وتفصل القضايا حسب مقتضياتها). وإلى هذا المعنى يوحي تفسير بعض العلماء لهذه الآية الكريمة، قال الإمام الطبري: «وأولى الأقوال في تأويل قوله: {مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أهليكم، عندنا قول من قال: من أوسط ما تطعمون أهليكم في القلة والكثيرة، وذلك أن أحكام رسول الله صلى الله عليه وسلم في الكفارات كلها وردت بذلك، وذلك كحكمه في كفارة الحلق من الأذى بفرق (2) من طعام بين ستة مساكين لكل مسكين نصف صاع» (3).
ويزيد ابن تيمية توضيحاً للنص المذكور عند بيان فدية المحرم في الحج، وتحديد ما هو الأفضل في إطعام الطعام في هذه الكفارة، وفي سائر الكفارات فيقول: «والواجب في ذلك كله ما ذكره الله تعالى بقوله: {إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ} الآية، فأمر الله
294
(1) الندوي: القواعد الفقهية، ص (2) الفرق: معناه، قال الزمخشري: «هو إناء يأخذ ستة عشر رطلاً، وفيه لغتان: تحريك الراء، وهو الفصيح وتسكينها» ينظر: الفائق في غريب الحديث، تحقيق: محمد علي البجاوي ومحمد أبو الفضل إبراهيم، ط: عيسى البابي الحلبي، 104/ 3. قال أبو بكر: «قد بينت في كتاب الأيمان والكفارات مبلغ الفرق، وأنه ثلاثة أصع، وبينت أن الصاع أربعة أمداد، وأن الفرق ستة عشر رطلاً، وأن الصاع، ثلثه، إذ الفرق ثلاثة أصع، والصاع خمسة أرطال وثلث بدلائل أخبار النبي. ينظر: ابن خزيمة الصحيح، الجامع للحديث النبوي. (3) الطبري: جامع البيان عن تأويل آي القرآن، تحقيق وتعليق محمود محمد شاكر، مراجعة وتخريج: أحمد محمد شاكر، ط: دار المعارف، مصر، 543/ 10. وأخرجه الطبري في جامع البيان في تفسير القرآن سورة المائدة، القول في تأويل قوله تعالى: من أوسط ما تطعمون أهليكم - حديث: 11311 عن عبد الله بن عباس. (3/342)
صفحة 1491
الفصل الخامس: القاعدة الفقهية الكبرى الخامسة
343
تعالى بإطعام المساكين من أوسط ما يطعم الناس أهليهم، وقد تنازع العلماء في ذلك هل ذلك مقدر بالشرع، أو يرجع فيه إلى العرف؟ وكذلك تنازعوا في النفقة نفقة الزوجة، والراجح في هذا كله أن يرجع فيه إلى العرف، فيطعم كل قوم مما يطعمون أهليهم قدراً ونوعاً، ولما كان كعب بن عجرة ونحوه يقتاتون التمر، أمره النبي الله أن يطعم فَرْقاً من التمر بين ستة مساكين ... »). ويؤكد ابن تيمية هذا المعنى في موضع آخر فيقول: «المنقول عن الصحابة والتابعين هذا القول، ولهذا كانوا يقولون الأوسط خبز ولبن، خبز وسمن، خبز وتمر، والأعلى خبز ولحم، وهذا القول هو الصواب الذي يدل عليه الكتاب والسُّنَّة والاعتبار، وهو قياس مذهب أحمد وأصوله، وهذا لم يقدره الشارع فيرجع فيه إلى العرف، لا سيما مع قوله تعالى: {مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ، وأن العبرة بالعرف في كل حال من أحوال الرَّخص والغلاء، والإعسار واليسار، والصيف والشتاء وغير ذلك ... » (2). وفي هذه النصوص التي ذكرها الفقهاء دلالة على أن الحكم المطلق الذي أوجبه القرآن في النفقة والكفارة وغيرهما، يرجع في تفصيله إلى العرف، فدل على اعتبار العرف في التشريع، ومن ثم وجدنا العلماء يؤصلون هذه القاعدة في ضوء الكتاب والسُّنَّة ويذكرون لها شواهد (3).
(1) ابن تيمية: مجموع الفتاوى، 113/ 26، 114 و 19/ 252 و 349/ 35، 350. ونص الحديث: «عن كعب بن عجرة، أن رسول الله، آه وقمله يسقط على وجهه، فقال: «أيؤذيك هوامك قال نعم فأمره أن يحلق وهو بالحديبية لم يبين لهم أن يحلوا بها وهم على طمع أن يدخلوا مكة، فأنزل الله وعمل الفدية فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يطعم فرقاً بين ستة أو الهدي شاة أو يصوم ثلاثة أيام». أخرجه ابن خزيمة في صحيحه، كتاب المناسك، جماع أبواب ذكر أفعال اختلف الناس في إباحته للمحرم، باب ذكر الدليل على أن في قوله تعالى: وَلَا تَحْلِفُوا، حديث: 2499.
(2) ابن تيمية: المرجع السابق، 349/ 35 - 352. الجصاص: أحكام القرآن، 487/ 1. (3) السدلان صالح القواعد الفقهية الكبرى وما تفرع عنها، ص 341. (3/343)
صفحة 1492
344
القواعد الفقهية عند الإباضية
ه ـ ومن شواهد هذه القاعدة أيضاً قوله تعالى: {يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَعْذِنكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَنُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنكُمْ ثَلَثَ مَرَّتٍ مِّن قَبْلِ صَلَوَةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُم مِنَ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلَوَةِ الْعِشَاءِ ثَلَاثُ عَوْرَاتِ لَكُمْ} (النور: 58). وجه الاستدلال بالآية
قال السالمي في «المعارج موضحاً مدلول هذه الآية: «الأوقات التي يلزم المسلمين أن يأمروا مماليكهم وصبيانهم بالاستئذان فيها إذا أرادوا الدخول عليهم ثلاثة أوقات:
أحدهما من قبل صلاة الفجر؛ لأنّه وقت القيام من النوم، ووقت طرح ثياب النوم، ولبس ثياب اليقظة؛ ولأنه ربما يوجد الرجل في هذا الوقت عارياً أو مع امرأته في جماع.
-
والوقت الثاني: حين تضعون ثيابكم من الظهيرة والظهيرة وقت اشتداد الحرّ قبل الزوال؛ لأن غالب الناس في ذلك الوقت يضعون ثيابهم للقيلولة. والوقت الثالث من بعد صلاة العشاء؛ لأنه وقت تجرّد عن لباس اليقظة
ولبس لباس النوم.
فهذه الثلاثة الأوقات يجب على المرء أن يأمر عبيده وغلمانه أن
لا يدخلوا عليه فيها إلا بإذن» (1).
وقد أشار بعض العلماء إلى هذا الوجه عند تفسير هذه الآية، قال القرطبي في تفسيره»: أدب الله تعالى عباده في هذه الآية ... يستأذنون على أهليهم في هذه الأوقات الثلاثة، وهي الأوقات التي تقتضي عادة الناس الانكشاف فيها، وملازمة التعرّي إلى آخر ما قاله في تفسيره ... »
كما أشار إلى هذا المعنى الإمام العلائي وتقي الدين الحصني في
(1) السالمي: معارج الآمال، 176/ 2.
(2) القرطبي: الجامع لأحكام القرآن، 304/ 12. (3/344)
صفحة 1493
الفصل الخامس: القاعدة الفقهية الكبرى الخامسة
345
قواعدهما بعد ذكر هذه الآية: «فأمر الله بالاستئذان في هذه الأوقات التي جرت العادة فيها بالابتذال ووضع الثياب، فابتنى الحكم الشرعي على ما كانوا يعتادونه (1).
6 ـ وهناك آيات عديدة صرّح فيها الله بالاحتكام إلى العرف، فقد ورد لفظ المعروف في القرآن العظيم في سبعة وثلاثين موضعاً، ومن الآيات الكريمة التي فيها تلميح بليغ إلى اعتبار هذه القاعدة: أ - قوله تعالى: {وَهَنَ مِثْلُ الَّذِى عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ} (البقرة: 228). فسرها بعض الفقهاء بأن لهن من حسن الصحبة والعشرة بالمعروف على أزواجهن، مثل الذي عليهن لهم من الطاعة فيما أوجب الله تعالى له عليها). وذكر ابن قيم الجوزية أنه يدخل في هذه الآية جميع الحقوق التي للمرأة وعليها، وأن مردّ ذلك إلى ما يتعارفه الناس بينهم، ويعدونه معروفاً لا منكراً).
ب - وقوله عل: {فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَن يَنكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَضَوا بَيْنَهُم بِالْمَعْرُوفِ (البقرة: 232). فذكر سبحانه في هذه الآية أنه إذا تراضى الأزواج والنساء بما يحل، ويجوز أن يكون عوضاً من أبضاعهن من المهور، ونكاح جديد مستأنف، فإنّه لا يجوز للولي أن يمنع موليته من هذا النكاح، وأن ذلك التراضي يكون بين الأزواج بالمعروف (4).
ج ـ وقوله تعالى: {وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ
سرحوهن بمعروف (البقرة: 231).
(1) العلائي: المجموع المذهب في قواعد المذهب مخطوط، ورقة 42 الوجه الثاني. - والحصني: قواعد الفقه، مخطوط، و 6، نقل عنهما السدلان صالح: القواعد الفقهية،
ص
341
(2) الطبري: جامع البيان، 453/ 2.
(3) ابن قيم الجوزية: إعلام الموقعين عن رب العالمين، 334/ 1 - 335.
(4) الطبري: جامع البيان، 488/ 2. (3/345)
صفحة 1494
346
القواعد الفقهية عند الإباضية
د - وقوله جل: فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ) (الطلاق: 2). فبين الله تبارك وتعالى في الآيتين الكريمتين أن الإمساك والتسريح يكون بالمعروف.
(2)
وقد تعرّض ابن تيمية في فتاويه إلى تفسير معنى هذه النصوص الكريمة فبين الأبضاع هي من الحقوق والواجب الحكم بين الزوجين بما أمر الله تعالي به من إمساك بمعروف، أو تسريح بإحسان، فيجب على كل من الزوجين أن يؤدّي إلى الآخر حقوقه، ووطء الزوج زوجته واجب عليه عند الجمهور، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن عمرو بن العاص لها الله لما رآه يصوم النهار ويقوم الليل: وإن لزوجك عليك حقاً)، فيجب على الزوج وطؤها بالمعروف على قدر قوته وحاجاتها، كما تجب عليه النفقة بالمعروف كذلك (2). هـ ـ وقوله عل: {وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ} (النساء: 19). وهذا أمر من الله تعالى للأزواج أن يعاشروهن بالمعروف قال القرطبي: «العرف والمعروف والعارفة كل خصلة حسنة ترتضيها العقول وتطمئن إليها النفوس» (3). فأرشد الله الزوجين في عشرتهما وأداء حق كل منهما إلى الآخر إلى المعروف المعتاد الذي يرتضيه العقل ويطمئن إليه القلب، ولا شك أن ذلك متغير حسب الاختلاف بين المناطق وأحوال الناس (4).
و - وقال تعالى: {وَالْوَلِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرَّضَاعَةً وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لَا تُكَلَّفُ نَفْسُ إِلَّا وُسْعَهَا} (البقرة: 233).
(1) متفق عليه، أخرجه البخاري في كتاب الصوم، باب حق الضيف في الصوم، رقم: 1888. 217/ 4 مع الفتح، ومسلم في كتاب الصيام، حديث رقم 1159. عن عبد الله بن عمرو بن
العاص.
(2) ابن تيمية مجموع، الفتاوي، 28/ 383 - 384. (3) القرطبي: الجامع لأحكام القرآن، 346/ 7.
(4) الندوي: القواعد الفقهية، ص 294. (3/346)
صفحة 1495
الفصل الخامس: القاعدة الفقهية الكبرى الخامسة
347
وجه الاستدلال بالآية
فالآية واضحة الدلالة في اعتبار العرف في التشريع؛ لأن المُراعى في أجرة الرضاع للأم إذا طلبتها حال الزوج يساراً وإعساراً وتوسّطاً، لا حال الزوجة ولا حالهما، لقوله تعالى: {لَا تُكَلِّفُ نَفْسُ إِلَّا وُسْعَهَا} (البقرة: 233)، ومراعاة حال الزوج تقتضي تحكيم العرف والعادة في ذلك (1). وقد فسر ابن بركة البهلوي المعروف في النفقة» الوارد في الآية الكريمة بقوله: «أن المعروف إنما يرجعون فيه إلى عادتهم في غالب ظنونهم من بعد اجتهادهم، والذي عندي - والله أعلم - أن المعروف في النفقة هو دون السرف وفوق التقتير، فالله تعالى قال: مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ} (المائدة: (89)، ولذلك أقول: إن الإطعام الذي ذكر في القرآن ولم يبيّن وصفه، هو دون اللين وفوق الخشن، ودون الجيد، وفوق الرديء» (2). ويؤكد ابن كثير هذا المعنى في عبارة موجزة موضحاً مدلول الآية فيقول: أي وعلى والد الطفل نفقة الوالدات وكسوتهن بالمعروف، أي بما جرت عادة أمثالهن في بلدهن من غير إسراف ولا إقتار، بحسب قدرته في يساره، وتوسطه وإقتاره كما قال تعالى: {لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَتِهِ} (الطلاق: 7) ... » (3). ومن هنا يتضح أن مفهوم الآية يدل على أن على والد الطفل المرتضع أجرة الرضاع للأم، وهي نفتقها وكسوتها بالمعروف، سواء كانت زوجة أو مطلقة. ز ـ وقال لا في السياق نفسه: {فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَتَاتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ} (الطلاق: 6). فالآية الكريمة تدل على أن هذا الأجر هو رزقهن وكسوتهن بالمعروف إذا
لم يكن بينهما مسمّى يرجعان إليه (4).
(1) السيوطي: الإكليل في استنباط التنزيل، ص
110
(2) ابن بركة البهلوي: كتاب التعارف، ص 13 بتصرف.
(3) ابن كثير: تفسير القرآن العظيم ط 2، دار الفكر، بيروت، لبنان، 503/ 1. (4) ابن تيمية مجموع الفتاوى، 324/ 31. (3/347)
صفحة 1496
348
القواعد الفقهية عند الإباضية
ح ـ وقال تعالى في متعة المطلقة: {وَلِلْمُطَلَّقَتِ مَتَعُ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى
الْمُتَّقِينَ} (البقرة: 241). فهذه الآية تدل على اعتبار العرف في المتعة المفروضة للمطلقة التي يسم لها مهر فيراعى حال المرأة فيها (1).
لم
ي - وقال تعالى أيضاً في شأن المطلقات قبل الدخول ولم يحدد لهن المهر: وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْوُسِع قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَنَعَا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ} (البقرة: 236). ط ـ وقال عل: لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَتِهِ، وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ, فَلْيُنفِقُ مِمَّا وَانَهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَنهَا} (الطلاق .. فالآية الكريمة تدل على اعتبار العرف وبناء الأحكام عليه، وقد بنى استدلاله على أن الإنفاق ليس له تقدير شرعاً، لكنه مفوّض إلى العرف والعادة (2).
وجه الاستدلال بالآية بين ابن بركة وجه الدلالة من الآتين السابقتين المتعلقتين بالمطلقات قبل الدخول، واللواتي لم يفرض لهن صداقاً فذكر أن ذلك يخضع للعرف والعادة، ومن حق الحكام أو القضاة أن يجتهدوا في تقديره، ولا يجوز تخطئة بعضهما، يقول في هذا المعنى: «ألا ترى أن الحكام قد كلفوا أن يحكموا بالظاهر بما هو عندهم صواب، ولا يجوز أن يكونوا مخطئين إذا اجتهدوا وفعلوا ما أمرهم الله به من الظاهر وإن اختلفوا في مقادير النفقات ... ولا يعتقد واحد منهم تخطئة صاحبه فيما خالفه لا يدعي عليه الخطأ في حكمه، بل كل واحد منهم يصوب صاحبه، وإن خالفه في تقديره، وإن من حكم منهم درهم، أو قيمته نفقة لها في كل يوم، لم يخطئ من حكم لها بدانقين أو قيمتهما، ولا يدعي أن قوله أولى بالصواب من قول صاحبه؛ لأنهم وكلوا في هذا الحكم إلى ما عندهم من غلبة ظنونهم وما تسكن إليه نفوسهم أنه كاف
(1) محمد عبده ورشيد: رضا تفسير المنار، 412/ 2.
(2) ابن العربي: أحكام القرآن، 302/ 1.
للمطلقة بنصف (3/348)
صفحة 1497
=
349
الفصل الخامس: القاعدة الفقهية الكبرى الخامسة
لمن يحكمون له به وعليه، ولم ينصب لهم مع ما كلفوا دليلاً يعملون عليه، ولا عِلْماً يقصدونه، أكثر من اجتهادهم، وقال الله تعالى: {عَلَى الْوُسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَنَعَا بِالْمَعْرُوفِ} (البقرة: (236)، فهذا في بعض المطلقات، وليس يرجعون في هذا إلا إلى ما يظهر لهم من أمر من يحكمون عليه بما يغلب على ظنونهم وتطمئن إليه نفوسهم، ولا أقول إن كان حكم هذا طريقه؛ لأن من الأحكام ما قد وقف الحكام عليها، ومنها ما قد وكلوا في اجتهادهم فيما يحقق قوله جل، فالمعروف إنما يرجعون فيه إلى عاداتهم في غالب ظنونهم من بعد اجتهادهم، والذي عندي - والله أعلم - أن المعروف في النفقة هو دون السرف وفوق التقتير، ولذلك أقول: إن الإطعام الذي ذكر في القرآن، ولم يبين
وصفه هو دون اللين، وفوق الخشن ودون الجيّد وفوق الرديء ... »). 7 ـ واستدل بعض الإباضية أيضاً بأدلة من القرآن الكريم على مشروعية
العمل بالعرف والعادة والاحتكام إليها في مختلف شؤون الحياة من ذلك: أ ـ ذكر السالمي أن أصل اعتبار العرف والعادة ثابت من الكتاب في قوله تعالى: {وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ} (الماعون (7). وبين معنى الماعون الوارد في الآية بحديث روى عن ابن مسعود أن الماعون: «ما يتعاور في العادة من الفأس والقدر والدلو والمقدحة ونحوها ... ». وعن عائشة ا: «الماء والنار والملح» (3).
(1) ابن بركة كتاب التعارف، ص 12 - 13.
(2) أخرجه البزار في البحر الزخار مسند البزار عاصم بن بهدلة، حديث: 1522 عن عبد الله بن مسعود بلفظ: «كنا نعد الماعون على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم الدلو، والفأس، والقدر»، قال البزار: «وهذا الحديث لا نعلم أحداً رواه بهذا اللفظ، عن عاصم إلا أبو عوانة» ورواه الطبراني في المعجم الكبير، من اسمه عبد الله، عبد الله بن مسعود الهذلي، باب حديث: 8875، بزيادة «لا يستغنى عنهم». تفسير مجاهد، سورة أرأيت حديث: 2094 بلفظ: «كنا نعد الماعون عارية الدلو والقدر والفأس وما تتعاطون بينكم وعن مجاهد، عن ابن عباس، قال: «الماعون: متاع البيت». (3) أخرجه الطبراني في المعجم الأوسط، باب العين باب الميم من اسمه: محمد ـ حديث:
6711. ونص الحديث: «عن عائشة أنها قالت: يا رسول الله، ما الشيء الذي لا يحل منعه؟ (3/349)
صفحة 1498
350
القواعد الفقهية عند الإباضية
وجه الاستدلال بالآية
قال السالمي: «أنّه تعالى ذمّ المنافقين على منعهم الماعون ولو لم يكن استقضاؤه مباحاً وجائزاً للمستقضي لما توجه الذم إلى المانع، بل إلى المستقضي، ولما ذم المانع علمنا أن استقضاءه، مباح، وهو نوع من التعارف كما ترى، لا يقال إن استقضاء الماعون واستعارته خارج عن حد التعارف؛ لأنه إنما يكون عن رضى صاحبه وتسليمه، والتعارف ليس فيه استئذان؛ لأنا نقول إن طلب الماعون من صاحبه مع تحريم السؤال شرعاً هو نوع من التعارف، وبإباحته يباح التعارف» (1).
ب ـ وكذلك استدلوا على اعتبار العرف والعادة في الشرع بقوله تعالى حكاية عن بنتي شعيب: {قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاهُ} (القصص: 23) فإنه يحتمل أنهما كانتا تنتظران ما يبقى من الماء في الحياض بعد سقي الناس مواشيهم، فيسقيان منه أغنامهما، فيكون ذلك دليلاً على استباحة الباقي من الماء من التعارف أيضاً (2). ج ـ واستدل على العادة أيضاً بقوله تعالى: {إِلَّا أَن تَكُونَ تِجَرَةً عَن تَرَاضِ مِنكُمْ (النساء: 29). قال السالمي: «ووجه ذلك، أنه تعالى علل إباحة الأموال في التجارة بالتراضي فتكون ذلك إشارة إلى استباحة الأموال عند التراضي، ولو لم يكن تجارة في المواضع التي حرمها الشرع، كالربا ومناهي البيوع ... » (3).
=
قال: «الماء والملح والنار قالت هذا الماء قد عرفناه، فما بال الملح والنار؟ فقال: «من أعطى ملحاً فكأنما تصدق ما طيب ذلك الملح، ومن أعطى ناراً فكأنما تصدق بجميع ما أنضجت تلك النار، ومن سقى مسلماً شربة من ماء حيث يوجد الماء فكأنما أعتق بجميع رقبة، ومن سقى مسلماً شربة من ماء حيث لا يوجد الماء فكأنما أحياه». (1) السالمي: العقد الثمين 128/ 4. (2) السالمي: المصدر نفسه. (3) السالمي: نفسه، 128/ 4 - 129. (3/350)
صفحة 1499
المطلب الثاني
الأدلة من السنة النبوية وآثار الصحابة
ومن الأدلة الواردة في السُّنَّة المطهرة والآثار الصحيحة على تحكيم العادة والعرف في بعض الأحكام الشرعية ما يلي:
1 ـ استدل جمهور فقهاء الإباضية بحديث روي مرفوعاً وموقوفاً عن ابن مسعود الله أنه قال: «ما رآه المسلمون حسناً فهو عند الله حسن، وما رأوه سيئاً فهو عند الله سيّئ» (1).
أقوال العلماء في درجة هذا الحديث وسنده:
استدل جُلّ من كتب في القواعد الفقهية من الإباضية وغيرهم لهذه القاعدة بهذا الحديث أو الأثر الوارد عن ابن مسعود الله، ولكن علماء الحديث تكلموا فيه، فمنهم من رفعه إلى الرسول صلى الله عليه وسلم وصححه، كالحاكم والهيثمي والراشدي من الإباضية، ومنهم من اعتبره موقوفاً عند ابن مسعود، ولا بأس أن ننقل جانباً
من أقوالهم لتتضح صورة هذا الحديث وتنجلي حقيقته للعيان، من ذلك: أ ـ أما الذين رفعوه إلى النبي صلى الله عليه وسلم كالراشدي وعزاه إلى الحاكم وقال فيه: وما روي مرفوعاً وموقوفاً على ابن مسعود لله، وصحح (2).
ويؤيد ما ذهب إليه الراشدي ما صرح به الحاكم في المستدرك على الصحيحين فقد أخرجه في كتاب معرفة الصحابة»، وموضع الشاهد منه وفيه زيادة: «ما رأى المسلمون حسناً فهو حسن، وما رآه المسلمون سيئاً فهو عند
(1) رواه الحاكم: المستدرك على الصحيحين، كتاب معرفة الصحابة، رقم: 4465. قال الحاكم: «هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه، وله شاهد أصح منه إلا أن فيه إرسالاً».
وصححه الذهبي. وقال العجلوني: موقوف حسن». كشف الخفاء، 188.
(2) الراشدي جواهر القواعد، ص 143 - 144. (3/351)
صفحة 1500
352
القواعد الفقهية عند الإباضية
الله سيئ، وقد رأى الصحابة جميعاً أن يستخلفوا أبا بكر انه»، وقال عنه هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه ووافقه الذهبي (1). وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (2) في باب الإجماع، وعزاه إلى أحمد والبزار والطبراني في الكبير، وقال: ورجاله موثوقون، وذكره أيضاً في كشف الأستار عن زوائد البزار (3).
ب ـ أما الذين اعتبروه موقوفاً بالصحابي ابن مسعود له فاحتجوا بما ذهب إليه العلائي في قواعده، قال شبير واعتبره كثير من العلماء حديثاً مرفوعاً إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأصلاً لقاعدة: «العادة محكمة»، والصحيح أنه ليس بحديث مرفوع، قال العلائي: لم أجده مرفوعاً في شيء من كتب الحديث أصلاً ولا بسند ضعيف بعد طول البحث عنه وكثرة الكشف والسؤال، وإنما هو قول عبد الله بن مسعود نه موقوفاً عليه»)، وقد أخرجه أحمد في مسنده من حديث أبي وائل عن ابن مسعود له (ه). وكما أخرجه البزار والطيالسي والطبراني وأبو نعيم في «الحلية» وعند البيهقي في «الاعتقاد» من وجه آخر عن ابن مسعود وأورده الألباني في السلسلة الضعيفة وضعفه.
(1) الحاكم النيسابوري، كتاب معرفة الصحاب، 78/ 3 - 79، وقد رأى الصحابة جميعاً أن يستخلفوا أبا بكر له. قال: «هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه، وله شاهد أصح منه إلا أن فيه إرسالاً».
(2) الهيثمي علي مجمع الزوائد، دار الكتاب العربي، بيروت، 182/ 1 - 183. (3) الهيثمي علي كشف الأستار عن زوائد البزار، 81/ 1.
(4) العلائي أبو سعيد: المجموع المذهب في قواعد المذهب، ط 1، مطابع الرياضي، نشر وزارة الأوقاف الكويتية، الكويت، 1994، 2/ 400. ـ شبير محمد عثمان: القواعد
الكلية، ص 237.
6
(5) رواه أحمد، مسند المكثرين من الصحابة، مسند ابن مسعود، رقم
3600
(6) العجلوني: كشف الخفاء ومزيل الالتباس عما اشتهر به الحديث على ألسنة الناس، دار إحياء
التراث العربي، لبنان، 1351، ص 188.
(7) الألباني: ناصر الدين سلسلة الأحاديث الضعيفة، ص 533. (3/352)
صفحة 1501
الفصل الخامس: القاعدة الفقهية الكبرى الخامسة
353
موقفنا من هذا الحديث:
6
والذي يظهر للباحث بعد التأمل في أقوال العلماء المتقدمين والمتأخرين في الحديث المتقدم، أن الذين اعتبروه موقوفاً عند ابن مسعود دون أن يرفعوه إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقولهم يحتاج إلى إعادة نظر لضعف حجتهم؛ لأنهم اعتمدوا على قول الإمام العلائي، الذي زعم أنه لم يجده مرفوعاً ولا بسند ضعيف، ويفهم من عبارته أنه لم يصرّح بضعف الحديث، بل توقف في الحكم عليه، ولذلك لا ينبغي أن نضعف الحديث لأجل تعذر الحصول عليه في كتب الصحاح، ولعله لم يطلع على كل كتب السُّنَّة وأحوال الرجال في عصره؛ لأنه يعسر على الفقيه أو المحدث أن يعثر على تلك الكتب بسهولة لاعتمادهم على النسخ اليدوي، أما في عصرنا فيختلف الوضع؛ لأن معظم كتب السنة والجرح والتعديل قد طبعت فيسهل الحصول على الحديث ودرجته؛ ولذلك فاحتمال العثور عليه وارد.
ومما يؤيد صحة هذا الحديث ما صرح به الحاكم في «المستدرك» وعلي الهيثمي في مجمع الزوائد»، ووافقهما الإمام الذهبي فقال الأول: «هذا حديث الإسناد ولم يخرجاه البخاري ومسلم في صحيحيهما، ووافقه الذهبي
صحيح
اعتبار
فيما ذهب إليه، ويؤكد الهيثمي هذه الحقيقة فيقول: «ورجاله موثوقون». وبعد أن ظهرت الحقيقة وثبتت، لم يبق إلا أن يسلّم بصحة هذا الحديث، ويرجح العمل به، فلا يعقل أن يتخذ الفقهاء هذا الحديث أصلاً في العادة والعرف وتحكيمهما في المسائل الفقهية مع علمهم بضعفه، فلا ريب أنهم قد اطلعوا على درجته من جهة الصحة والضعف بالنظر في أحوال رجاله، فجعلوه دليلاً لهذه القاعدة، ولا يمكن أن يجتمعوا على الخطأ. ومن جهة أخرى فإن هذا الحديث لا يتصادم مع النصوص الشرعية، مقاصد الشريعة العامة، ولو سلمنا فرضاً أنه ضعيف فهناك
ولا يتعارض مع
نصوص صحيحة ثابتة تتفق مع
معناه تعضده وتقويه. (3/353)
صفحة 1502
354
القواعد الفقهية عند الإباضية
وجه الاستدلال بالحديث:
يعتبر الإباضية العرف أو العادة حجة لإثبات الأحكام الشرعية، وقد صار حجة بالنص، وتعامل الناس به من غير نكير أصل من الأصول، ويؤكد الوارجلاني هذا الأمر فيقول: ومناهي المسلمين من مناهي الرسول صلى الله عليه وسلم ومن قوله: (وما رآه المسلمون حسناً فهو عند الله، حسن وما رآه المسلمون سيئاً فهو عند الله سيّى»، فإن حجر المسلمون على مباح كان محظورا، وإن أهملوه رجع إلى الإباحة» (1). ويشير ابن بركة إلى اعتماده على مدلول هذا الحديث واعتباره دليلاً شرعياً على المسائل والنوازل المستجدة إذا أعوره الدليل من القرآن أو السُّنَّة أو الإجماع أو القياس فيقول: ويدل أيضاً أن الله تعالى تعبد عباده بما يتعارفون فيما بينهم، ويتجاوزونه فيما جرت به عاداتهم ما لم يقم على تحريمه دليل من كتاب أو إجماع من الأمة؛ لأن جواز ذلك حسن في العقل» (2). واستدل الإمام أبو عبيدة مسلم التميمي بهذا الحديث واعتبره دليلاً شرعيّاً لإثبات تحكيم العرف والعادة في مسألة عُشر الزكاة وكيفية جمعه، فقد ورد إليه سؤال من الإمام أبي الخطاب المعافري الإباضي يسأله عن كيفية جمع الزكاة وتوزيعها، فأرشده إلى الطريقة المثلى اعتماداً على العرف فقال: ذكرتم في كتابكم العشر وكيف جمعه، فاعلموا - رحمكم الله ـ أنه يجتمع ـ أهل البلد في الإقليم الذي هو فيه، فيوكلوا لعشورهم رجالاً أمناء من قبلهم في كل منزل، فينقله الناس إليهم حتى إذا اجتمع عن آخره نظر فيه خواص من أهل الفقه والفضل والمعرفة في الدين، واجتهدوا رأيهم فيه على ما أمر الله من تفريقه لمن أمر الله بإعطائه، بلا حيف ولا ميل ولا أثرة قريب دون بعيد، ولا لاجترار منافع، ولا لرفع مضرتها، فما رآه المسلمون حسناً فهو كذلك إن
به
(1) الوارجلاني أبو يعقوب يوسف بن إبراهيم العدل والإنصاف في أصول الخلاف، 130/ 1. (2) ابن بركة كتاب التعارف، ص 14. (3/354)
صفحة 1503
الفصل الخامس: القاعدة الفقهية الكبرى الخامسة
355
شاء الله، وما رأوه سيئاً فهو سيّئ، فأحضرتم تفريقه، حكم أولئك الرهط أمرهم، ولا يحضر عند تفريقه جماعة من يأخذ ولا من يُعطى، فيفرق عشور كل قرية في فقرائهم ... » (1). ولا شك أن أبا عبيدة مسلم قد اعتمد طريقة جمع الزكاة وتوزيعها على مستحقيها على عرف بلده، السائد في البصرة وبلاد المشرق، وأراد أن ينقله إلى أهل المغرب بلد الإمام المعافري، ولم يعتمد في منهجه على نصوص من القرآن أو السُّنَّة، بل على العرف الجاري به العمل في تلك البلاد. ونجد ابن بركة أيضاً يأخذ بمقتضى العرف والعادة في مسألة تحريم شرب النبيذ وبيعه - رغم جواز ذلك عند بعض الفقهاء - استناداً إلى هذا الحديث فيقول: «وكذلك قولنا في النهي عن شرب النبيذ، فإن كان حلالاً فإنا ننهى عنه؛ لأن شربه ينقص من شاربه، ويقل من هيبته ولما يحدث مع شربه من السكر الذي يلزم فيه الحد، وإن كان الله تعالى هو المحدث للسكر ... فإن قال: أفَتُجيزون بيعه كما تجيزون شربه؟ قيل له: لا يجوز بيع النبيذ، فإن قال: فلم حرمتم بيع ما أحللتم شربه؟ قيل له: لما وجدنا المسلمين جميعاً يستعظمون فعل الخمارين والنباذين ويضربون بهم الأمثال في الخسة وقبح الفعل، ولم نجد أحداً من المسلمين أباح ذلك؛ علمنا أن ما كان عند المسلمين قبيح فهو عند الله قبيح، كما أن ما كان عند المسلمين حسن فهو عند الله حسن ... والذي يدل على سقوط هذه المعارضة، أن جميع من جوز شرب النبيذ على اختلافهم واختلاف مذاهبهم لم يجوّزوا الاجتماع عليه، ولو كانت هذه المعارضة صحيحة لكان لقائل أن يقول: فَلِم لا يجوز الاجتماع على شُرب الحلال الذي يجوز أن يفترق عليه؟ وقد أغنانا الإجماع عن الاحتجاج فيه ... » (2).
(1) أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة التميمي: رسالة أبي كريمة في الزكاة للإمام أبي الخطاب المعافري نشر وزارة التراث القومي والثقافة سلطنة عُمان، أغسطس 1982، ص 4. (2) ابن بركة: الجامع، 536/ 2. (3/355)
صفحة 1504
356
القواعد الفقهية عند الإباضية
ولعل ما ذكره ابن بركة من أدلة قوية تعتمد على تشخيص حالة الشاربين للنبيذ وعادة الناس في تعاملهم معه يجعلنا نميل إلى هذا القول ونرجحه؛ لأنه الأعدل والأقرب للصواب لموافقته للنصوص الثابتة في تحريم الخمر،
وملاءمته لمقاصد الشريعة العامة الداعية إلى حفظ الدين والعقل والمال. كما استدل السرخسي أيضاً بهذا الحديث لإثبات أن العرف الجاري بين الناس محكّم في معاملاتهم، فذكر في باب الوقف ما نصه: «أن ما جرى العرف بين الناس بالوقوف فيه من المنقولات يجوز باعتبار العرف كثياب الجنازة وما يحتاج إليه من القدور والأواني في غسل الميت، وهذا الأصل معروف: أن ما تعارفه الناس وليس في عينه نص يبطله، فهو جائز، وبهذا الطريق جوزنا الاستصناع فيما فيه تعامل، لقوله صلى الله عليه وسلم: «ما رآه المسلمون حسناً فهو عند الله حسن»). ويؤكد الكاساني كذلك هذا المعنى استناداً إلى هذا الحديث، ويرى ما لم ينص عليه شرعاً، فهو محمول على العرف والعادة، والعرف حجة لقوله: «ما رآه المسلمون حسناً فهو عند الله حسن (2).
2 ـ ومن
أن
الأحاديث المأثورة عنه الله في الاعتداد بالعرف الجاري بين
الناس ما رواه البخاري في صحيحه عن عائشة لنا أن هند بنت عتبة قالت: يا رسول الله؛ إن أبا سفيان رجل شحيح وليس يعطيني ما يكفيني وولدي إلا ما أخذت منه وهو لا يعلم، فقال: خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف (3).
(1) السرخسي شمس الأئمة المبسوط، دار المعارف، لبنان، 45/ 12. (2) الكاساني الحنفي بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع، دار الكتاب العربي، ط: 2، لبنان، 1974 م، 223/ 5.
(3) متفق عليه واللفظ للبخاري، أخرجه البخاري في كتاب النفقات، باب: إذا لم ينفق الرجل فللمرأة أن تأخذ بغير علمه ما يكفيها وولدها بالمعروف رقم 5055. (507/ 9) مع الفتح لابن حجر، وفي موضع عنده من الصحيح ففي كتاب المظالم والغصب حديث رقم (2460)، وفي كتاب النفقات أيضاً حديث رقم (5359) و 5364) وفي كتاب البيوع حديث رقم (2211)، وفي كتاب الأيمان والنذور حديث رقم (6641)، وفي كتاب (3/356)
صفحة 1505
الفصل الخامس: القاعدة الفقهية الكبرى الخامسة
357
وجه الاستدلال بالحديث
قال النووي في شرح مسلم: «في هذا الحديث فوائد، وذكر منها: اعتماد العرف في الأمور التي ليس فيها تحديد شرعي وقال عز الدين بن عبد السلام: «ومن أدلة العرف أيضاً: قوله صلى الله عليه وسلم: «خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف، ولم تكن هند عارفة بكون المعروف مُدَّيْن في حق الغني، ومداً في حق الفقير، ومداً ونصفًا في حق المتوسط، وقد نص الله على أن الكسوة بالمعروف في قوله تعالى: {وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بالمعروف} (البقرة: (233)، وكذلك السكن وماعون الدار يرجع فيها إلى العرف من غير تقدير والغالب في كل ما رُدَّ في الشرع إلى المعروف أنه مقدر، وأنه جع فيه إلى ما عرف في الشرع، أو إلى ما يتعارفه الناس» (2).
ويؤكد ابن تيمية العمل بالمعروف في تحديد نفقة الزوجة استناداً إلى هذا الحديث فيقول: والصواب المقطوع به عند جمهور العلماء أن نفقة الزوجة مرجعها إلى العرف وليست مقدرة بالشرع، بل تختلف باختلاف أحوال البلاد والأزمنة وحال الزوجين وعادتهما، فإن الله تعالى قال: {وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ) (النساء: 19)، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف» (3). وقال: «ولهن رزقهن وكسوتهن بالمعروف» (4) (5).
الأحكام حديث رقم (7161)، وأخرجه مسلم في كتاب الأقضية باب قضية هند، حديث رقم (1714)، (1338/ 3).
(1) النووي محي الدين: شرح صحيح مسلم ط البابي الحلبي، وصبيح بمصر، 7/ 2 - 8. (2) العز بن عبد السلام قواعد الأحكام في مصالح الأنام، 61/ 1.
(3) تقدم تخريجه. (4) أصل هذا الحديث متفق عليه عن جابر بن عبد الله، وقد جاءت هذه العبارة في رواية مسلم في كتاب الحج، باب حجة النبي صلى الله عليه وسلم وهو حديث طويل رواه جابر بن عبد الله الأنصاري في صفة حجة النبي صلى الله عليه وسلم، وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في خطبته بعرفات: «ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف»، (886/ 2). (5) ابن تيمية: مجموع الفتاوى، 8334. وينظر: ابن بركة كتاب التعارف، ص 13. (3/357)
صفحة 1506
358
القواعد الفقهية عند الإباضية
هذا وقد حدد بعض الإباضية نفقة الزوجة حسب العرف الجاري، عندهم، لعدم وجود نص شرعي يحدد ذلك.
جاء في «جامع ابن جعفر» في الباب التاسع في مؤنة المرأة على زوجها ما نصه: (وإذا طلبت المرأة إلى زوجها، نفقتها، فإن عليه أن يحضرها نفقتها لكل شهر، فإن ضاق، فلكل أسبوع، فإن لم يمكنه إلا في كل يوم أعطاها في كل يوم مؤنتها، وقد قال من قال: شِبَعُها من الخبز والتمر، وإن كانت رغيبة فعليه أن يشبعها، فإن اختلفوا ولم يتفقوا في النفقة، فالذي مضى عليه الحكام عندنا ما يفرضون لها النفقة المعروفة عندهم، لكل يوم ربع الصاع حبّاً ومنا (1) من تمر، والأدم (2) في كل شهر، والدهن على ما يرى الحاكم ... (3) 3 ـ ومن الأدلة الواردة في النبوية على تحكيم العادة في بعض الأحكام قوله صلى الله عليه وسلم: الوزن وزن أهل مكة والمكيال مكيال أهل المدينة» (4). وجه الاستدلال
السنة
قال العلائي في قواعده: «وجه الدلالة منه أن أهل المدينة لما كانوا أهل نخيل وزرع فاعتبرت عادتهم في مقدار الكيل، وأهل مكة كانوا أهل متاجر
(1) المن: المنا وهو رطلان والجمع أمنان. ينظر: الرازي مختصر الصحاح، 422. ويستعمله أهل عمان في وزن التمر. وجاء في معجم لغة الفقهاء المن بالفتح والتشديد ج أمنان. مكيال سعته رطلان عراقيان، أو أربعون أستارا = 815,39 غراماً. ينظر: قلعة جي وقنيبي:
معجم
لغة الفقهاء، ص
360
(2) الأدم: والإدام: ما يؤتدم به، تقول منه أدم الخبز باللحم. ينظر: الرازي: مختار الصحاح،
ص 7.
(3) ابن جعفر: جامع ابن جعفر، 171/ 4.
(4) رواه أبو داود، كتاب البيوع، باب قول النبي صلى الله عليه وسلم: «المكيال مكيال أهل المدينة»، رقم 3340،
(صححه
والنسائي في المجتبى، كتاب الزكاة، كم الصاع، رقم 2520، عن ابن عمر. المناوي: «ص ابن حبان والدارقطني والنووي وابن دقيق العيد والعلائي ورواه بعضهم عن ابن عباس قيل خطأ ورمز المصنف لحسنه فيض القدير، 374/ 6.
وهو (3/358)
صفحة 1507
الفصل الخامس: القاعدة الفقهية الكبرى الخامسة
359
فاعتبرت عادتهم في الوزن، والمراد بذلك فيما يتقدر شرعاً: كنصب الزكاة،
ومقدار الديات وزكاة الفطر والكفارات، ونحو ذلك (1).
6
وقال الخطابي: «فهذا مبدأ عام قرره النبي صلى الله عليه وسلم في الاعتداد بالعرف الجاري بين الناس، وليس المراد من الحديث تعديل الموازين والأرطال والمكاييل وجعل عيارها أوزان أهل مكة، ومكاييل أهل المدينة لتكون عند التنازع حكماً بين الناس يحملون عليها إذا تداعوا ... فإن أقرّ الرجل بمكيله براً أو بعشرة أرطال من تمر أو غيره، واختلفا في قدر المكيلة، والرطل، فإنهما يحملان على عرف البلد وعادة الناس في المكان الذي هو به، ولا يكلف أن يعطي برطل مكة ولا بكيال المدينة» (2).
ما
كما نبه الإمام العيني إلى هذا المعنى في شرح البخاري فقال: «كل شيء لم ينص عليه الشارع أنه كيلي أو وزني، فيعتبر في عادة أهل كل بلدة على بينهم من العرف فيه؛ لأن الرجوع إلى العرف جملة من القواعد الفقهية» (3). هذا ونقل ابن بركة في جامعه اختلاف الفقهاء في تجديد مقادير بعض المكاييل والموازين، وألمح أن ضبط مقاديرها يرجع إلى ما جرى به العمل وتعارف عليه الناس في كل بلد وهذا نصه: «اختلف الناس في مقدار الصاع والمد، فقال أهل العراق: الصاع ثمانية أرطال والمد رطلان، وذهبوا إلى خبر النبي الله و كان يغسل بالصاع وزعموا أنه كان يغتسل بثمانية أرطال)، وأما أهل الحجاز فلا يختلف معهم أن الصاع خمسة أرطال وثلث، والمد رطل وثلث
(1) العلائي: المجموع المذهب في قواعد المذهب، «مخطوط»، و 42، الوجه الثاني نقلاً عن الندوي، القواعد الفقهية، ص 297، والمطبوع: 404/ 2.
(2) الخطابي: معالم السنن، مطبوع مع مختصر أبي داود للمنذري، 12/ 5 وما بعدها. (3) العيني: عمدة القارئ شرح صحيح البخاري، دار الفكر، بيروت، 102/ 16. (4) رواه البخاري: الجامع الصحيح، كتاب الوضوء، باب الوضوء بالمد، رقم: 197. عن أنس بن مالك. ونص الحديث عن ابن جبر، قال: سمعت أنساً، يقول: «كان النبي صلى الله عليه وسلم يغسل، أو كان يغتسل بالصاع إلى خمسة أمداد، ويتوضأ بالمد». (3/359)
صفحة 1508
360
القواعد الفقهية عند الإباضية
يعرفه عالمهم وجاهلهم لكفارة الأيمان والزكاة، وصدقة النسك، وصدقة الفطر، وإلى هذا يذهب أصحابنا (الإباضية)، وأما الفَرَق: فهو ستة عشر رطلاً، والقسط: نصف صاع فهذه مكاييل أهل الحجاز ... »).
4 ـ ومن
الأحاديث التي استدل بها الإباضية على هذه القاعدة ما رواه الشيخين عن علي بن أبي طالب - كرّم الله وجهه - أنّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا طاعة في معصية الله، إنما الطاعة في المعروف).
وجه الاستدلال:
قال عبد الرحمن السعدي في بيان مدلول هذا الحديث: «وهذا الحديث قيد في كل من تجب طاعته من الولاة والوالدين والزوج وغيرهم، فإن الشارع أمر بطاعة هؤلاء، وكل منهم طاعته فيما يناسب حاله، كلها بالمعروف، فإن الشارع ردّ الناس في كثير مما أمرهم به إلى العرف والعادة، كالبر والصلة والعدل والإحسان وطاعة من تجب طاعته تقيّد بهذا القيد فلا طاعة لمخلوق معصية الخالق، ولا طاعة مع عدم الاستطاعة».
في
ه - ومن الأحاديث التي حكم فيها النبي العرف والعادة، ما قضاه النبي فيما رواه حرام بن محيصة عن أبيه: «أن ناقةً للبراء بن عازب دخلت
(1) ابن بركة: كتاب الجامع، 302/ 1.
(2) رواه مسلم بلفظه في صحيحه في كتاب الإمارة، باب وجوب طاعة الأمراء في غير معصية وتحريمها في المعصية عن علي - كرم الله وجهه - حديث رقم 39، ص 830. وأخرجه البخاري بنحوه في صحيحه في كتاب المغاري، باب سرية عبد الله بن حذافة السهمي حديث رقم (4340)، ص 755، وفي كتاب الأحكام باب السمع والطاعة للإمام ما لم تكن معصية، حديث رقم (7145)، ص 1269، وبلفظ قريب منه في كتاب أخبار الآحاد، باب ما جاء في إجازة خبر الواحد الصدوق في الأذان والصلاة حديث رقم (7257)، ص 1289. (3) السعدي عبد الرحمن الناصر: بهجة قلوب الأبرار، ص 221 - 222 بتصرف. وينظر: الراشدي جواهر القواعد، ص 150 - 151. (3/360)
صفحة 1509
الفصل الخامس: القاعدة الفقهية الكبرى الخامسة
361
حائط رجل فأفسدته، فقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم على أهل الأموال حفظها بالنهار، وعلى أهل المواشي حفظها بالليل».
وفي رواية أخرى: «فقضى أن حفظ الحوائط بالنهار على أهلها، وأن حفظ الماشية بالليل على أهلها، وأن على أهل الماشية ما أصابت ماشيتهم بالليل» (2). وذهب الفقهاء استناداً إلى هذا الحديث إلى أن ما أفسدت الماشية بالنهار من مال الغير فلا ضمان على أهلها وما أفسدت بالليل ضمنه مالكها، وعلل ذلك الخطابي بقوله: «لأن في العرف أن أصحاب الحوائط والبساتين يحفظونها بالنهار ويوكلون بها الحفاظ والنواطير» (3). ومن عادة أصحاب المواشي أن يسر حوها بالنهار ويردوها مع الليل إلى المراح، فمن خالف هذه العادة كان به خارجاً عن رسوم الحفظ إلى حدود التقصير والتضييع فكان كمن ألقى متاعه في طريق الشارع، أو تركه في غير موضع حرز، فلا يكون على آخذه قطع» (4).
ويوعز العلائي حُكم النبي له بالضمان لما تحدثه الدواب من مضار بقاعدة العرف والعادة فيقول: «وهذا أذل شيء على اعتبار العادة في الأحكام الشرعية وبنائها عليها؛ لأن عادة الناس إرسال مواشيهم بالنهار للرعي، وحبسها بالليل للمبيت وعادة أهل البساتين الكون في أموالهم بالنهار - غالباً ـ دون
(1) رواه مالك، كتاب الأقضية، باب القضاء في الضواري والحريسة، رقم 1435، وأبو داود، أبواب الإجارة، باب المواشي تفسد زرع قوم، رقم 3569، وأحمد، مسند الأنصار، حديث محيصة بن مسعود، رقم 23087، وقد اختلف في إسناده عن الزهري وكلهم أثبات ثقات،
6
قال ابن عبد البر: على أي حال كان فالحديث من مراسيل الثقات لأن ثقة جميعهم حديث تلقاه أهل الحجاز وطائفة من أهل العراق بالقبول والعمل». الاستذكار، 205/ 7.
(2) رواه أبو داود، كتاب البيوع، باب المواشي تفسد زرع قوم، رقم 3570.
6
6
وهو
(3) الناطر والناطور حافظ الزرع مادة نطر الفيومي المصباح المنير، ص 611. (4) ابن جعفر: جامع ابن جعفر (مع الهامش)، 4/ 199 - 200. الخطابي معالم السنن مع
مختصر سنن أبي داود، باب المواشي تفسد زرع قوم، حديث رقم (3425)، 202/ 5. (3/361)
صفحة 1510
362
القواعد الفقهية عند الإباضية
الليل، فبنى النبي صلى الله عليه وسلم التضمين على ما جرت به عادتهم»، وتابعه في هذا ابن النجار الحنبلي). ومن جهة أخرى فقد ذهب بعض الفقهاء المعاصرين إلى أن دلالة هذا الحديث تفيد أيضاً أن لولي الأمر توزيع المسؤوليات والواجبات بين الناس وأرباب المصالح من حيث الزمان، ومن حيث المكان، وينطبق ذلك مثلاً على الشاحنات اليوم من السير على بعض الطرق مطلقاً، أو في الليل دون النهار ... إلخ، فمن خالف كان مقصراً أو مسؤولاً (3).
منع
ويرى الإمام الدهلوي (4) أن النبي صلى الله عليه وسلم قد شرع في الواقع أصولاً، ونصب
(1) العلائي: المجموع المذهب في قواعد المذهب، 402/ 2. نص الحديث: «عن الزهري، عن حرام بن محيصة، عن أبيه قال: أفسدت ناقة للبراء بن عازب في حائط قوم، فرفع ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقضى بحفظ الماشية على أهلها بالليل، وحفظ الحوائط على أهلها بالنهار». رواه النسائي في السنن الكبرى، كتاب العارية والوديعة، ذكر الاختلاف على الزهري في هذا الحديث، حديث: 5617 عن سعد بن مسعود الأنصاري. والحاكم في المستدرك، كتاب البيوع، وأما حديث أبي هريرة - حديث: 2244 بزيادة عن البراء بن عازب، قال: كانت له ناقة ضارية، فدخلت حائطاً، فأفسدت فيه فكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها ... وإن على أهل الماشية ما أصابت ماشيتهم قال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد على خلاف فيه بين معمر والأوزاعي، فإن معمراً قال: عن الزهري، عن حرام بن محيصة، عن أبيه». ورواه أبو داود في السنن، كتاب البيوع، أبواب الإجارة، باب المواشي تفسد زرع قوم حديث: رواه أبو داود، كتاب البيوع، باب المواشي تفسد زرع قوم، رقم
452/ 4
(2) ابن النجار شرح الكوكب المنير للفتوحي، (3) الزرقا مصطفى الفعل الضار والضمان فيه، ص 28. (4) أحمد
:
3570
بن عبد الرحيم الفاروقي الدهلوي الهندي أبو عبد العزيز، الملقب شاه ولي الله (1110 - 1176 هـ/ 1699 - 1762 م): فقيه حنفي من المحدثين. من أهل دهلي بالهند. زار الحجاز سنة 1143 - 1145 هـ. من كتبه: الفوز الكبير في أصول التفسير، ألفه بالفارسية، وترجم بعد وفاته إلى العربية والأردية ونشر بهما، وفتح الخبير بما لا بد من حفظه في علم التفسير، وحجة الله البالغة مجلدان، والإرشاد إلى مهمات الإسناد، والإنصاف في أسباب الخلاف، وعقد الجيد في أحكام الاجتهاد والتقليد، والمسوى من أحاديث الموطأ، مجلدان وشرح تراجم أبواب البخاري وغيرها ينظر الزركلي: الأعلام، 149/ 1. (3/362)
صفحة 1511
الفصل الخامس: القاعدة الفقهية الكبرى الخامسة
363
ضوابط يرجع إليها في كثير من المسائل والقضايا العويصة، لا سيما للقاضي عندما يتعذر له الحكم في قضية معروضة عليه، لوجود شبهة، أو لعدم توافر الأمارات والقرائن الكافية في ترجيح جانب على جانب آخر، فمن تلك الأصول الحكم باتباع العرف والعادة المسلمة عند جمهور الناس، ومثال تلك القضية هذا الحديث الذي نحن بصدده، فكل واحد منهما ـ صاحب الناقة وصاحب البستان ـ كان معذوراً في دعواه فقضى صلى الله عليه وسلم بما هو المعروف من عادتهم من حفظ أهل الحوائط أموالهم بالنهار، وحفظ أهل المواشي مواشيهم بالليل»).
6 ـ ومما يدل على قاعدة العادة والعرف أيضاً ما ورد في السُّنَّة المجتمع عليها في اللقطة أنها تدفع بعلامة يأتي بها المدعي لها، وفي قول رسول الله صلى الله عليه وسلم عن سؤال السائل: «أمارتها عفاصها ووكاؤها). وفي خبر آخر عنه أنه قال: «وعاؤها ووكاؤها» (3).
(1) الدهلوي ولي الله حجة الله البالغة، 169/ 2. (2) متفق عليه واللفظ للبخاري، رواه في كتاب في اللقطة، باب إذا لم يوجد صاحب اللقطة بعد سنة فهي لمن وجدها، حديث: 2319 کتاب المساقاة، باب شرب الناس والدواب من الأنهار، حديث: 2265، ولفظه: جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسأله عن اللقطة، فقال: «اعرف عفاصها ووكاءها، ثم عرفها سنة، فإن جاء صاحبها وإلا فشأنك بها»، قال: فضالة الغنم؟ قال:: «هي لك أو لأخيك أو للذئب»، قال: فضالة الإبل؟ قال: «ما لك ولها، معها سقاؤها، وحذاؤها ترد الماء، وتأكل الشجر حتى يلقاها ربها ومسلم، كتاب اللقطة، حديث: 3333، عن زيد بن خالد الجهني الله (3) متفق عليه واللفظ للبخاري، رواه في كتاب في اللقطة، باب إذا أخبره رب اللقطة بالعلامة دفع إليه - حديث: 2316 ولفظه: «عن سلمة، سمعت سويد بن غفلة، قال: لقيت أبي بن كعب له، فقال: أخذت صرة مائة دينار، فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: «عرفها حولاً»، فعرفتها حولاً، فلم أجد من يعرفها، ثم أتيته، فقال: «عرفها حولاً فعرفتها، فلم أجد، ثم أتيته ثلاثاً، فقال: «احفظ وعاءها وعددها ووكاءها، فإن جاء صاحبها، وإلا فاستمتع بها»، فاستمتعت، فلقيته بعد بمكة، فقال: لا أدري ثلاثة أحوال أو حولاً واحداً». ومسلم، كتاب اللقطة، حديث: 3337 عن أبي بن كعب بزيادة. (3/363)
صفحة 1512
364
القواعد الفقهية عند الإباضية
وجه الاستدلال بالحديث:
أن
بين ابن بركة وجه الاستدلال بهذين الخبرين فقال: «والأمارة هي العلامة وقد جاز أن يدفع المال الكثير بالعلامة والصدق بذلك سكون القلب، كما يجوز تسليمها بالبينة العادلة، وإن قال قائل: لم قلت إن تسليم اللقطة بسكون النفس دون أن يكون ذلك يقيناً بالبينة؟ قيل له: إنما أُمرنا بذلك على وجه التعبد بسكون قلوبنا في تصديق المدعي لها بما عنده من السرّ الذي لا يجوز يتحرى غيره، فيوافقه إلا كان ذلك نادراً في الناس، والنادر لا يعتمد عليه ولا يحتج به؛ لأن اللقطة إذا جاء مزيد عليها مع العلامات التي لو رام الإنسان أن يتحرّى إصابتها بالتخريص والظن لبعد ذلك عليه، ولم يتفق ذلك له، ولذلك جاءت السُّنَّة به، وبالأمر بتسليمه، فمن أتى بعلامة جاءت بها السُّنَّة ومما كان في معنى السُّنَّة مما تدل على صدق مدعيها جاز الدفع بذلك، وصح بما جاء، وقلنا إنما تسكن إليه النفس ويطمئن إليه القلب، ويشهد تصديقه كالعلم به، والسنة شاهدة أيضاً بما قلنا ما روى النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لرجل من أصحابه عند سؤاله إياه: «يا وابصة اسفت نفسك» (1). فأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يستدل على صحة ما يحتاج إليه علمه بدليل قلبه وسكون نفسه» (2). 7 - أما أحوال النساء وعوارضهن، فالرجوع في كثير من الأحكام في هذا الباب إلى العرف والعادة ومن ذلك: - ما روي عن حمنة بنت جحش أنها اشتكت إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقالت: كنت أستحاض حيضة كثيرة شديدة فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم أستفتيه وأخبره فوجدته في بيت
صل الله
(1) رواه الدارمي في السنن، ومن كتاب البيوع، باب: دع ما يريبك إلى ما لا يريبك، رقم 2533، وأحمد، مسند الشاميين حديث وابصة بن معبد، رقم 18030، المناوي: «رمز المصنف لحسنه ورواه الإمام أحمد والدارمي في مسنديهما قال النووي في رياضه: إسناده حسن وتبعه المؤلف فكان ينبغي له الابتداء بعزوه كعادته ورواه أيضاً الطبراني قال الحافظ العراقي وفيه عنده العلاء بن ثعلبة مجهول». فيض القدير، 495/ 1.
(2) ابن بركة كتاب التعارف، ص 15 - 16. (3/364)
صفحة 1513
الفصل الخامس: القاعدة الفقهية الكبرى الخامسة
365
أختي زينب، فقال: تحيضي ستة أيام أو سبعة أيام في علم الله ثم اغتسلي: فإذا رأيت أنك طهرتِ واستنقأت فصلّي أربع وعشرين ليلة أو ثلاثاً وعشرين ليلة وأيامها، وصومي وصلّي، فإن ذلك يجزئك وكذلك فافعلي كما تحيض النساء وكما يطهرن لميقات حيضهن وطهرهن ... » (1).
فالحديث فيه تنبيه على الرجوع إلى الأمر الغالب والعادة، وهي ستة أيام أو سبعة أيام، قال الخطابي في «المعالم»: «فردّ رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرها إلى العرف الظاهر والأمر الغالب من أحوال النساء، كما حمل أمرها في تحيضها كل شهر مرة واحدة على الغالب من عادتهن ويدل على ذلك قوله: «كما تحيض النساء ويطهرن لميقات حيضهن وطهرهن، وهذا أصل في قياس أمر النساء بعضهن على بعض في باب الحيض والحمل، أو البلوغ وما أشبه هذا من أمورهن، ويشبه أن يكون ذلك منه على غير وجه التغيير بين الستة والسبعة، لكن على معنى اعتبار حالها بحال من هي مثلها، وفي مثل سنها من نساء أهل إقليمها، فإن كانت عادة مثلها منهن أن تقعد ستاً، قعدت ستاً، وإن سبعاً فسبعاً» (2).
وروى البخاري ما يفيد معنى الحديث السابق عن عائشة: أن فاطمة بنت أبي حبيش سألت النبي صلى الله عليه وسلم قالت: إني أستحاض فلا أطهر، أفأدع الصلاة؟ فقال: «لا، إن ذلك عِرْق ولكن دَعي الصلاة قدر الأيام التي كنت تحيضين فيها، ثم اغتسلي وصلي (3). فقوله صلى الله عليه وسلم: «قدر الأيام» ... إلخ فيه دلالة واضحة على إعادة الأمر إلى العادة التي كان يجري عليها أمرها.
(1) رواه أبو داود، كتاب الطهارة، باب من قال إذا أقبلت الحيضة تدع الصلاة، رقم: 287، والترمذي، كتاب الطهارة، باب في المستحاضة أنها تجمع بين الصلاتين بغسل واحد، رقم:
128. عن حمنة بنت جحش. وقال حسن صحيح.
(2) الخطابي: معالم السنن، 1/ 184.
(3) البخاري: الجامع الصحيح، باب إذا حاضت في شهر ثلاث حيض، رقم: 323، عن عائشة
بنت أبي بكر الصديق. 89/ 1. (3/365)
صفحة 1514
366
القواعد الفقهية عند الإباضية
ـ ومما يستأنس به أيضاً في تأصيل هذه القاعدة ما رواه أبو داود عن سعد بن أبي وقاص، قال: لما بايع قامت امرأة جليلة)، كأنها من نساء مصر، فقالت: يا نبي الله إنا كُلّ على أبنائنا - قال أبو داود وأرى فيه وأزواجنا ـ فما يحل لنا من أموالهم؟ فقال: «الرطب تأكلنه وتهدينه»، قال أبو داود: «الرَّطّب: الخبز والبقل والرطب، وكذا رواه الثوري عن يونس (2).
(2)
قال الندوي: «والسرُّ بتخصيص الرَّطب، أن خطبه أيسر، وليس هو مما يتكلف به، والخطابي رحمه لله حمل الترخص بذلك اعتباراً بالعادة، قال في «المعالم»: «وقد جرت العادة بين الجيرة والأقارب أن يتهادوا رطب الفاكهة والبقول، وأن يغرفوا لهم من الطبيخ، وأن يتحفوا الضيف والزائر بما يحضرهم منها، فوقعت المسامحة في هذا الباب، بأن يترك الاستئذان له، وأن يجري على العادة المستحسنة في مثله (3) (4).
ـ ومن النصوص الدالة على هذه القاعدة الثابتة بالسُّنَّة التقريرية ما تعارف عليه الناس في زمن النبي صلى الله عليه وسلم من أمور تتعلق بشؤون الحياة فلم يحرمها أو ينهاهم عنها، فدلّ على جوازها، كما تعارفوا أموراً جاء ما يفيد أن النبي صلى الله عليه وسلم أقرهم عليها أو شاركهم في فعلها، فهذا أيضاً يدل على جوازها. وكذلك أقر الإسلام ما كان صالحاً للبقاء في ظل التشريع الإسلامي مما تعارف عليه الناس قبل الإسلام وألغى ما كان غير صالح؛ فألغى عقود الربا،
(1) الجليلة: تكون بمعنيين: أحدهما: أن تكون جسيمة، والآخر أن تكون بمعنى المسنة، ينظر: الخطابي، معالم السنن: 257/ 2. وقال الجوهري في الصحاح جل الرجل أيضاً: أي أسن
1660/ 4
(2) رواه أبو داود، كتاب الزكاة، باب المرأة تتصدق من بيت زوجها، رقم 7640، والحاكم في المستدرك، كتاب الأطعمة، رقم 7185، عن سعد بن أبي وقاص وقال: صحيح على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي.
(3) الخطابي: معالم السنن مع مختصر سنن أبي داود للمنذري، 257/ 2.
(4) الندوي علي أحمد القواعد الفقهية، ص 301. (3/366)
صفحة 1515
367
الفصل الخامس: القاعدة الفقهية الكبرى الخامسة
وعقود الغرر، وأقر عقود الشركة والإجارة والمضاربة، ووضع لها قواعد وشروطاً ليكون الغرض منها تحقيق المصلحة ومن أظهر الأمثلة على ذلك: عقد السلم، فقد عرفه العرب في الجاهلية وأقرهم عليه، فعن ابن عباس لا أنه قال: «قدم المدينة، وهم يُسلفون التمر السنة والسنتين فليسلف في كيل معلوم ووَزْن معلوم إلى أجل
معلوم»
(2)
فقال: «من أسلف في شيء م (1) فهذا يدل على اعتبار العرف في التشريع ومما يزيد أدلة اعتبار العرف بالسُّنَّة التقريرية قوَّة، أن النبي صلى الله عليه وسلم فعل بعض ما أقرهم عليه، فقد عرفوا عقد الاستصناع، فشاركهم النبي صلى الله عليه وسلم في العمل به، أنه استصنع منبراً وخاتماً".
فقد روي
10 ـ ومن الأحاديث النبوية التي استدل بها بعض الإباضية على اعتبار العرف وتحكيمه في معاملات الناس ما ذكره السالمي في «العقد الثمين»، رواية عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان ينهى عن تحصين البساتين عن المحتاجين والجائعين بالحيطان والزروب أن يأكلوا منها، وقال لأصحابه: «يوم كنتم في الجاهلية أذلاء تعبدون غير الله تحملون الكَلَّ، وتفعلون في أموالكم المعروف، وتفعلون في ابن السبيل، حتى إذا مَنَّ الله عليكم بالإسلام وبنبيه إذا أنتم تحصنون أموالكم، إنّ فيما يأكل ابن آدم أجراً وفيما يأكل السبع والطير أحد إلا هدّم من حديقته ثلاثين باباً.
أجراً» (4). فرجع القوم،
فما
منهم
(1) البخاري: الجامع الصحيح، كتاب السلم حديث باب السلم في وزن معلوم، رقم: 2146، عن عبد الله بن عباس 44/ 3.
(2) ابن جعفر: جامع ابن جعفر، 5/ 195 - 221. الشماخي: الإيضاح، 356/ 3 - 393. البسيوي أبو الحسن: جامع أبي الحسن البسيوي، 8/ 4، 22.
(3) البخاري: الجامع الصحيح، كتاب الصلاة، باب الاستعانة بالنجار والصناع في أعواد المنبر، حديث رقم: (448)، وكتاب اللباس، حديث رقم (5566)، وسنن الدارمي، 16/ 1 - 17. (4) رواه الحاكم في المستدرك، كتاب الأطعمة، رقم 7183؛ وقال: «هذا حديث صحيح الإسناد
ولم يخرجاه». وسكت عنه الذهبي. ورواه البيهقي في الشعب، باب في الزكاة، فصل في
= (3/367)
صفحة 1516
368
القواعد الفقهية عند الإباضية
11 ـ واستدل السالمي لهذه القاعدة أيضاً بما روي عن عائشة لا أنها قالت، قال النبي صلى الله عليه وسلم: إذا طعمت المرأة من بيت زوجها غير مفسدة، لها أجرها وله مثله وللخازن مثل ذلك له ما اكتسب ولها ما أنفقت» (1).
وجه الاستدلال
(2)
نقل السالمي عن القسطلاني (2) قوله في بيان وجه الدلالة في هذا الحديث أنه «جاز لها ذلك للإذن المفهوم من المراد العرف، فإن علم شُحه أو شك فيه لم يجز، قال: فظاهره يعطي التساوي للمذكورين في الأجر، ويحتمل أن يكون المراد بالمثل: حصول الأجر في الجملة، وإن كان أجر الكاسب أوفر، لكن يعكّر عليه حديث أبي هريرة بلفظ «فلها نصف أجره (3)، إذ هو يشعر بالتساوي» (4). 12 ـ ومن الأحاديث النبوية التي استدل بها السالمي لقاعدة العرف والعادة واعتبارهما في باب جواز الأكل من النُّقطة والانتفاع بها، إن تبين أن
،1383:
يروي
عن
عائشة بنت
الاعتذار إذا سئل ولم يكن عنده ما يعطي منه، رقم 3500. والطبراني في المعجم الأوسط، باب الألف، باب من اسمه إبراهيم، رقم 2419، عن جابر بن عبد الله. قال الهيثمي: «لا عن جابر إلا بهذا الإسناد قلت: وفيه جماعة لم أعرفهم». مجمع الزوائد، 316/ 3. وضعفه الألباني في السلسلة الضعيفة وضعيف الترغيب والترهيب. (1) رواه البخاري، كتاب الزكاة، باب أجر المرأة إذا تصدقت، رقم: أبي بكر الصديق. (2) أحمد بن محمد بن أبي بكر بن عبد الملك القسطلاني القتيبي المصري، أبو العباس، شهاب الدين (851 - 923 هـ / 1448 - 1517 م): من علماء الحديث. مولده ووفاته في القاهرة. من مصنفاته: إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري، عشرة أجزاء والمواهب اللدنية في المنح المحمدية في السيرة النبوية ينظر الزركلي: الأعلام، 232/ 1. (3) رواه البخاري، كتاب البيوع، باب قول الله تعالى أنفقوا من طيبات ما كسبتم، رقم عن أبي هريرة بلفظ: «إذا أنفقت المرأة من كسب زوجها عن غير أمره فلها نصف أجره». (4) السالمي: العقد الثمين 129/ 4. نقلاً. عن القسطلاني.
:
،1960 (3/368)
صفحة 1517
الفصل الخامس: القاعدة الفقهية الكبرى الخامسة
369
صاحبها لا يطلبها، ما روي عن أنس بن مالك الله أنه قال: مر رسول الله صلى الله عليه وسلم بتمرة في الطريق فقال: «لأن أخشى أن تكون من الصدقة لأكلتها». وفي رواية عن جابر بن عبد الله عنه قال: رخص لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في
العصا والسَوْط والحَبْل وأشباهه يلتقطه الرجل ينتفع به» (2). ويروى عن أم الدرداء قالت: قال لي أبو الدرداء له: «لا تسألي أحداً شيئاً، قلت إن احتجت؟ قال: «تتبعي الحصادين فانظري ما يسقط منهم
فخذيه فاخبطيه ثم اطحنيه ثم اعجنيه ثم كليه ولا تسألي أحداً شيئاً» (3). قال السالمي بعد أن عرض هذه الأحاديث المأثورة في تأصيل القاعدة: «فهذه الأحاديث كلها دالة على ثبوت الحكم بالتعارف، فلا وجه للمنع بعد ذلك» (4)، فهو بهذا يرد على من يرى عدم اعتبار العرف والعادة في التشريع. 13 - ومن الآثار الدالة على العمل بالعرف والعادة في حياة السلف ـ رضوان الله عليهم ـ ما روي عن علي بن أبي طالب ـ كرّم الله وجهه ـ أنه قضى في متاع البيت أن ما كان للرجال فهو للرجال، وما كان للنساء فهو للنساء» (ه)، فهذا الأثر يدل على اعتبار العرف في التشريع.
وفي ضوء تلك النصوص الشرعية ونظائرها أدرك العلماء مكانة العرف
(1) رواه البخاري، كتاب في اللقطة، باب إذا وجد تمرة في الطريق رقم 2320؛ ومسلم، كتاب الزكاة، باب تحريم الزكاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم، رقم: 1846، عن أنس بن مالك. (2) رواه أبو داود، كتاب اللقطة، باب التعريف باللقطة، رقم 1472، والبيهقي في الكبرى، كتاب اللقطة، باب ما جاء في قليل اللقطة، رقم 11878، عن جابر بن عبد الله. ابن حجر: «وفي إسناده ضعف واختلف في رفعه ووقفه». فتح الباري، 85/ 5.
(3) رواه البيهقي في السنن الكبرى، كتاب اللقطة، باب ما جاء في اتباع الحصادين وأخذ ما يسقط منهم، حديث: 11312 عن عويمر بن مالك الأنصاري.
(4) السالمي: العقد الثمين، 130/ 4.
(5) رواه البيهقي في الكبرى، كتاب الدعوى والبينات باب متاع البيت يختلف فيه الزوجان، حديث: 19810 عن علي بن أبي طالب. (3/369)
صفحة 1518
370
القواعد الفقهية عند الإباضية
يعني
في التشريع الإسلامي واحتكموا إليه في كثير من المسائل والقضايا المستجدة واعتبروه مصدراً للتشريع فيما لا نص فيه، وهذا ما يرمز إليه قول القاضي شريح في عهد عمر بن الخطاب الله للغزالين): «سُنَّتكم بينكم ربحاً»، «عادتكم وطريقتكم بينكم معتبرة). هذا وقد وضع بعض العلماء لذلك ضابطاً يضبط تلك المعاملات العرفية الجارية بين الناس، فقال: «وضابطه: كل فعل رُتّب عليه الحكم، ولا ضابط له في الشرع ولا في اللغة، كإحياء الموات، والحرز في السرقة، والأكل من بيت الصديق، وما يُعَدُّ قبضاً وإيداعاً وإعطاءً وهديةً وغضباً، والمعروف في المعاشرة، وانتفاع المستأجر بما جرت به العادة، وأمثال هذه كثيرة لا تنحصر» (3).
(1) الغزال: بائع الغزل.
(2) العيني: عمدة القارئ شرح صحيح البخاري، باب من أجرى أمر الأمصار على ما يتعارفون بينهم في البيوع والإجارة والمكيال والوزن، وسننهم على نياتهم ومذاهبهم المشهورة ... وقال عبد الوهاب، عن أيوب عن محمد لا بأس العشرة بأحد عشر، ويأخذ للنفقة ربحاً ... واكترى الحسن، من عبد الله بن مرداس حماراً، فقال بكم؟ قال: بدانقين، فركبه ثم جاء مرة أخرى، فقال: الحمار الحمار، فركبه ولم يشارطه، فبعث إليه بنصف درهم». 16/ 12. ورواه ابن أبي شيبة في المصنف، كتاب البيوع والأقضية، في القوم يتراضون بالشيء بينهم، حديث: 22832 عن شريح بن الحارث الكندي، بلفظ: «جاءه قوم يختصمون من الغزالين فقالوا سُنّتنا فيما بيننا، فقال: سُنّتكم فيما بينكم».
(3) ابن النجار: شرح الكوكب المنير للفتوحي، 452/ 4 - 453. (3/370)
صفحة 1519
المطلب الثالث
الاستدلال بالإجماع والقياس
استدل الإباضية وغيرهم على اعتبار العرف والعادة وتحكيمهما في معاملات الناس وتصرفاتهم بأدلة من الإجماع والقياس، نذكر منها:
أولاً: من الإجماع:
أجمع العلماء على اعتبار العرف والعادة في الأحكام الشرعية، فقد عمل به أئمة المذاهب الفقهية المعروفة، وأتباعهم كالإباضية والحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة والشيعة وغيرهم. وظهر ذلك في فروعهم الفقهية المتناثرة في مصنفاتهم، ويؤكد ذلك الإمام القرافي المالكي، فيقول: «نقل عن مذهبنا أنَّ من خواصه اعتبار العادات والمصلحة المرسلة وسد الذرائع ... أما الغرف فيها» (1).
فيشترك بين المذاهب، ومن استقرأها وجدهم يصرحون بذلك فيها (1). فإمام الإباضية جابر بن زيد الأزدي وأصحابه عملوا بالعرف والعادة في أحكام العبادات والمعاملات والأسرة، والعقوبات التعزيرية والسياسة الشرعية). يقول الكدمي: « ... وقد يخرج في معنى الاطمئنان والتعارف وما تجري به العادات ما يشبه معنى الحكم الثابت في الأصول، فيصبح بذلك العادات والتعارف في معنى ما يشبه الأحكام الثابتة (3).
(1) القرافي: مختصر تنقيح الفصول، ص 86. ـ شلبي محمد مصطفى: أصول الفقه الإسلامي،
ص 322.
(2) الإمام جابر بن زيد، من جوابات الإمام جابر بن زيد، ص 21 - 22، 111، 151. ـ ابن بركة: كتاب الجامع، 2/ 89، 172، 659. وكذلك ينظر: باجو مصطفى: منهج الاجتهاد عند
الإباضية، ص 748، 752.
(3) الكدمي: المعتبر، 83/ 4. (3/371)
صفحة 1520
372
القواعد الفقهية عند الإباضية
ملك
من
ونقل ابن بركة إجماع العلماء على قبول الهدية وانتقالها إلى أهديت إليه بواسطة رسول، ورُبَّما كان صبياً، فزوال ملكها من صاحبها المتيقن حصل بما يسكن إليه القلب وجرت عليه العادة). يقول ابن بركة في هذا الصدد: «ومما يدل على ذلك ما قُلْنَا، الإجماع من الأمة على جواز أخذ الهدية التي هي مال من غير بينة، بل قالوا جميعا إنَّ جواز أخذها وزوال ملكها عن مهديها، وحدوث ملكها لمن أهديت إليه بشكون القلب إلى صدقه من صبي أو عبد أو ذمّي مع سكون القلب بالرسالة، أو دليل يدله على ذلك، ولو لم يذكر الرسول عند المُهدَى شيئًا، أَلا تَرَى أنهم اجتمعوا جميعاً لا خلاف بينهم أنَّ المُهْدَى إليه لو أنكرها قلبه ولم يكن في نفسه ما يدله على صدق الرسول بها، أو رأى أن صاحبها ليس بينه وبين المُهدَى ما يوجبها لم يحل له أخذها.
أَلا تَرَى أن الإنسان لو وصل إليه رجل بشيء مما هو مال يذكر أنه هدية له من عند من كان بينه وبينه قتال أو مخاصمة - على مثل شراك نعل ـ ـ قبلها بيوم، لا يشكن ذلك قلبه، وظن أنها أهديت إلى غيره فغلط الرسول، أو بعثه بها إلى من كان أعانه عليه بالأمس في حال مقاتلتهما، فليس له أن يأخُذَها؛ لأن العادة جرت بأن الإنسان لا تسمح نفسه لعدوّه من ماله بقبر يُقبر فيه، وإجماعهم مع أخذها مع سكون قلب المُهدى إليه ما يوجب إليه
صحة الرسالة ... » (3).
وكذلك يذهب أبو حنيفة وأصحابه إلى أنّ الزرع إذا أصابته جائحة فأتلفته، فإن الخراج الموظف يسقط عنه، وتلك عادة طبقها الأكاسرة في
العراق أيام حكمهم
(3)
(1) ابن بركة كتاب التعارف، ص 16. (2) ابن بركة كتاب التعارف، ص 16 - 17. (3) القرافي: مختصر تنقيح الفصول، ص 76. (3/372)
صفحة 1521
الفصل الخامس: القاعدة الفقهية الكبرى الخامسة
373
كما أن الحنفية صححوا الشروط التي تعارفها الناس، والإمام مالك عمل بالعرف واعتبره نوعاً من المصلحة، والإمام الشافعي لما ذهب إلى مصر غير مذهبه لتغير العادات والأعراف، والإمام أحمد بن حنبل اعتبر كثيراً من الأعراف وبخاصة في تطبيق الأحكام وتفسير النصوص.
قال أبو زهرة في هذا الصدد: ولا شك أن مراعاة العرف الذي لا فساد فيه ضرب من ضروب المصلحة، لا يصلح أن يتركه فقيه».
ثانياً: من المعقول:
إذا كانت مراعاة العرف ضرباً من ضروب المصلحة، فما وجوه المصلحة
المتحققة
من
ذلك؟
ذكر بعض الفقهاء بعض وجوه تلك المصلحة المتحققة من اعتبار العرف والعادة تمثلت فيما يلى:
1 - اعتبار العرف يترتب عنه رفع الحرج والمشقة عن الناس والتيسير
عليهم.
- اعتبار العرف يؤدي إلى إقامة التكليف وتحققه، فالعرف جرى بأن الزجر سبب الانكفاف عن المخالفة كما في القصاص، فلو لم تعتبر العادة شرعاً لم يتحتم القصاص ولم يشرع.
3 ـ إن في عدم اعتبار العرف والعادة في التشريع يحدث عنه تناقضاً لا تقبل به الشريعة؛ لأنها جاءت بمبدإ امتناع التكليف بما لا يطاق، فإذا لم نعتبر العرف فكأنما قررنا عكس ذلك المبدأ (2).
(1) أبو زهرة محمد: كتاب الإمام مالك، ص 336.
(2) الشاطبي: الموافقات 288/ 2 شبير محمد عثمان: القواعد الكلية، ص 238. (3/373)
صفحة 1522
374
مجمل القول:
القواعد الفقهية عند الإباضية
لو دققنا النظر في الفروع الفقهية، وتقضينا الأحكام الشرعية لأيقنا أن كثيراً منها يقوم على هذه القاعدة وجلُّ ما ذكرنا هنا من الأدلة إنما هو غيض من فيض ولا ندَّعِي استقصاءها، لأن ذلك متعذر.
وبهذا يتبين لنا أن الشريعة الإسلامية لم تغض الطرف عن العادة الجارية في الناس، ولم تصرف نظرها عن الأعراف السائدة في المجتمعات، كيف وقد كان العرف دستور العرب - قبل الإسلام - في شؤونهم الاجتماعية، وقانونهم في معاملاتهم وتصرفاتهم بأوسع معانيها في كل ما يتصل بالحياة من مبادلات مالية، وارتباطات عائلية، وغير ذلك من الأمور التي لا غنى عنها لأية أمة؛ هذه المجموعة من العادات والأعراف والتقاليد والمعتقدات، فلما جاء الإسلام وبعث محمد صلى الله عليه وسلم بالشريعة السمحة لم يعمد إلى هدم تلك العادات والأعراف كلها ولا إلى إقرارها كلها، بل ميز بين النافع والضار، والصحيح والفاسد، والناقص والكامل منها، والحسن والقبيح، والصالح والطالح، مراعياً في كل ذلك تحقيق مقاصد الشريعة في أحكامه من جلب المصلحة للناس، ودفع المضرة عنهم، ورفع المشقة والحرج عنهم فيما يكلفهم به من عادات ومعاملات، وفيما يشرع لهم من أحكام.
هذا ومما تجدر الإشارة إليه أن جمهور الفقهاء نظروا إلى هذه المقاصد وجسدوها في اجتهاداتهم، واحتكموا في كثير من أحكامهم إلى الأعراف والعادات إذا أعوزتهم النصوص الشرعية، فجاءت أحكامهم مخففة تستجيب لحاجات الناس وتطلعاتهم.
(1) النجار السيد صالح عوض: أثر العرف في التشريع الإسلامي، ص 44. عمر عبد الله: العرف
وأثره في الفقه الإسلامي، 18 - 20. (3/374)
صفحة 1523
المبحث الرابع
تطبيقات قاعدة: «العادة مُحكمة»
وفروعها المتخرجة عليها
اعتمد الإباضية على قاعدة العادة محكمة في كثير من اجتهاداتهم الفقهية، وخرَّجوا عليها فروعاً كثيرة في شتى المجالات كالعبادات والمعاملات المالية، والأحوال الشخصية والزراعة والصناعة، وحتى السياسة الشرعية وسيظهر ذلك فيما يلي: (3/375)
صفحة 1524
المطلب الأول
تحكيم العرف والعادة في العبادات
أولا في الطهارات
1 - الماء الطهور:
اختلف الفقهاء في حكم الماء الطاهر والطهور، أيهما يصلح للطهارة وإزالة النجاسات؟ فذهب الجمهور من الإباضية وغيرهم إلى أن الماء الطهور المتعارف عليه هو الذي يستعمل للطهارة وإزالة النجاسات؛ لأن الله تعالى قال شأنه: {وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا} (الفرقان: 48).
في
والطهور في لغة العرب هو الفعول للطهارة، وهو الذي تعرف منه تطهير الشيء بعد الشيء، والماء الذي لا يطهر الأشياء لا يستحق هذا الاسم؛ لأن الإنسان إذا غرف من عادته في غذائه المتعارف، ومن شربه المتعارف، لم يسم أكولاً ولا شروباً، وإنما يسمى أكولاً إذا أكثر الأكل، ومنه سمي شروباً إذا أكثر شربه، فظاهر الآية يوجب أن الماء الذي سماه الله طهوراً إذا لاقى شيئاً من النجاسات طهرها بتسمية
إياها ماء طهوراً، فالواجب إجراء العموم على ظاهره، وإلا ما قام عليه دليله). وذكر ابن بركة وجها آخر وحكى فيه الإجماع، فقال: «أجمع المسلمون جميعاً أن الماء قد يُحكم له بحكم الطهارة وإن دخلته النجاسة، ما لم يتغيَّر له لون ولا طعم ولا رائحة وإنما اختلفوا في الحدود والنهايات، والحدود الله تعالى، وليس لأحد من الأمة أن حداً يضع يوجب بوضعه في الشريعة حكماً، إلا أن يتولى وضع ذلك الحد كتاب ناطق، أو السُّنَّة ينقلها صادق عن صادق، أو يتفق على ذلك علماء أمة محمد (2).
(1) ابن بركة: كتاب الجامع، 292/ 1 - 293. (2) ابن بركة: المرجع نفسه، 292/ 1 - 294. (3/376)
صفحة 1525
الفصل الخامس: القاعدة الفقهية الكبرى الخامسة
377
ويستنتج من عبارة ابن بركة أنه لا يجوز وضع مُعين لطهارة الماء ما لم تتغير حالته، فإذا تغيرت حكمنا بنجاسته، والشارع الحكيم هو الذي يملك حق تحديد حالة الماء من طهارة أو نجاسة، وقد وضع مقاييس ثابتة لذلك وهي الطعم واللون والرائحة، ويثبت ذلك إما بدليل من القرآن أو
السنة أو الإجماع. واختلف الفقهاء في حكم الماء إذا كان أقل من القلتين وخالطته النجاسة، ولو لم يتغير شكله وأوصافه، فالجمهور ذهب إلى نجاسته استناد إلى النصوص والعادة الجارية في الناس.
وذهب بعضهم إلى عدم نجاسته استناداً إلى الحديث الذي يقول فيه النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا كان الماء أقل من قُلَّتين لم يتنجس ... ).
وقد أشار ابن بركة إلى هذه المسألة وذكر فيها خلاف الفقهاء فقال: «ثم اختلفوا في الماء القليل الطاهر إذا دخلته النجاسة، فلم تغير له لونا ولا طعماً ولا ريحاً، فقال بعضهم: حكم الماء نجس مع ارتفاع علامات النجاسات وقال آخرون: الماء طاهر إذا لم يكن فيه شيء من أمارة النجاسة، والقرآن قد أورد أن الماء طهوراً، فهذا الطاهر يوجب أن يكون البول قد طهر بغلبة الماء
(1) لم نقف على هذا اللفظ، وروى ابن خزيمة في صحيحه ما يفيد معناه، كتاب الوضوء، جماع أبواب ذكر الماء الذي لا ينجس، باب ذكر الدليل على أن سقوط الذباب في الماء لا ينجسه «وفيه ما دل على أن لا نجاسة في الأحياء، وإن كان لا يجوز أكل لحمه، إلا ما خص به النبي صلى الله عليه وسلم الكلب، وكل ما يقع عليه اسم الكلب من السباع إذ الذباب لا يؤكل، وهو من الخبائث التي أعلم الله أن نبيه المصطفى يحرمها في قوله: «ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث وقد أعلم أن سقوط الذباب في الإناء لا ينجس ما في الإناء من الطعام والشراب لأمره بغمس الذباب في الإناء إذا سقط فيه، وإن كان الماء أقل من قلتين». وروى أبو عوانة في المستخرج مبتدأ كتاب الطهارة، بيان تطهير الأرض التي يصلي عليها إذا أصابها البول، والدليل على أن النجاسة إذا خالطها الماء، والماء أقل من قلتين فلم يغير طعمه ولا ريحه كان طاهراً». (3/377)
صفحة 1526
378
القواعد الفقهية عند الإباضية
عليه من ارتفاع أعلام النجاسة التي حلت، فإن الله وكل قلب عينه؛ لأن الله جل وعلا يجعل الماء بولاً، والبول ماء، والقائل إن الماء غير مطهر في هذا الموضع محتاج إلى دليل»).
ولتأكيد هذا الأمر فقد جوّز بعض فقهاء الإباضية لمن كان عنده إناءان مشتبهان لا توجد علامة تميزهما عن بعضهما في الطهارة أو النجاسة، وكان أحدهما، نجس، ولا يجد ماء غيره، أنه يتحرّى الطاهر منهما ويتطهر به، وهذا إنما يرجع إلى ما تسكن إليه نفسه ويطمئن إليه قلبه حسب العادة الجارية بين الناس، ولو كان اليقين غير ذلك)، وذلك تيسيراً للناس ورفع الحرج والمشقة عنهم لقوله تعالى: {يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} (البقرة: 185)، وقوله: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَج (الحج: 78). کے
2 ـ في الاستنجاء وتطهير الصبيان للثياب والأواني:
اعتمد الإباضية أيضاً على قاعدة العرف والعادة في تطهير الأشياء والأبدان من النجاسات ولو من الصبيان دون الرجوع إلى البينات والشهادات؛ لأن الأصل وجوب التيقن من الطهارة، ولا يحصل ذلك إلا بوسائل الإثبات المعروفة، ولا يتأتى ذلك في جميع الأحوال، ولذلك اكتفوا بسكون القلب وعادة الناس، خاصة في حالتي الاستجمار والاستنجاء، فمنهم من يكتفي بقليل الماء، ومنهم من يستجمر بالحجارة أو الورق الصحي، ثم يستنجي بالماء حتى يطمئن قلبه دون تحديد كمية الماء، ولعل هذا هو الأفضل؛ لأنه أدعى للاطمئنان ونفي الشك، ولم يحدد الشارع الحكيم مقدار الورق أو الماء المستعمل في الاستجمار والاستنجاء، بل ترك الأمر دون تحديد يخضع ذلك لعادات الناس وما تعارفوا عليه، ويمكن الاستئناس ببعض النصوص الواردة
(1) ابن بركة: كتاب الجامع، 292/ 1 - 293. (2) ابن بركة: كتاب التعارف، ص 39 - الثميني: الورد البسام، ص
260 (3/378)
صفحة 1527
الفصل الخامس: القاعدة الفقهية الكبرى الخامسة
379
عن الرسول صلى الله عليه وسلم وسيرته في مثل هذه الأحوال دون إلزام بها، وفي ذلك
تيسير وتخفيف للناس ورفع الحرج والعسر عنهم. يقول ابن بركة في هذا الشأن: «وما أجاز الفقهاء من الاستطابة بالماء في الاستنجاء من الغائط بسكون القلب، وطيب النفس دون البيئة والشهادة لموضع النجاسة، وهذا أيضاً يدل على جواز التعبد بسكون القلب، ويؤيد هذا خبر النبي الله أنه قال: «يا وابصة استفت نفسك ... » (2). ويدل على ذلك أيضاً ما عليه عمل الناس من تطهير أوانيهم بأيدي صبيانهم؛ لأن النفس تسكن إلى صدقهم في ذلك، ويصدقونهم فيما يخبرون به عن أنفسهم، وكذلك غيرهم من الأحرار ممن هو غير ثقة، ولا تقبل شهادته في الحكم على نواة، ويقبل قوله في تطهير الثياب وأجازوا الصلاة فيها؛ لأنهم يرون الثياب عليها أثر الغسالة، فيقبلون منهم مع الدليل، ولو أخبروهم ولم يروا عليها أثر الغسالة لم
يقبلوا منهم، وهذا يدل على أن هذه الأشياء تعرف بسكون القلب ... » (3). ولعل سبب تحرّج البعض من طهارة الصبي أنه لا يدرك أهمية الطهارة في العبادات، فلذلك لا يتحراها كالبالغ المكلف، وأما تحرجهم من البالغ غير الثقة؛ لأنه ما دام لا يصدق في أقواله وأفعاله مع الناس، ولا يخشى الله في
(1) الإشارة إلى حديث الرسول ومدحه لأهل قباء في طهارتهم نص الحديث: عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: نزلت هذه الآية في أهل قباء فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَنْطَهَرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَهِّرِينَ، قال: كانوا يستنجون بالماء، فنزلت هذه الآية فيهم». رواه أبو داود، كتاب الطهارة وسننها، باب الاستنجاء بالماء، رقم 44، عن أبي هريرة، ورواه الحاكم، كتاب الطهارة،
رقم 554، عن أبي أيوب وجابر بن عبد الله وأنس بن مالك. وقال: صحيح. ووافقه الذهبي. (2) رواه الدارمي في السنن، ومن كتاب البيوع، باب: دع ما يريبك إلى ما لا يريبك، رقم 2533، وأحمد، مسند الشاميين حديث وابصة بن معبد، رقم 18030، قال المناوي: «رمز المصنف لحسنه ورواه الإمام أحمد والدارمي في مسنديهما قال النووي في رياضه إسناده حسن وتبعه المؤلف فكان ينبغي له الابتداء بعزوه كعادته ورواه أيضاً الطبراني قال الحافظ العراقي وفيه عنده العلاء بن ثعلبة مجهول». فيض القدير، 495/ 1.
(3) ابن بركة: كتاب التعارف، ص 27 - 28. (3/379)
صفحة 1528
380
القواعد الفقهية عند الإباضية
معاملاته، فلا بد من دليل يستدل به على صدقه في طهارته، فجعلوا أثر الغسل على الثياب دليلاً على طهارتها، ولو أن ذلك لا يقطع بطهارتها تماماً، وفي هذا تخفيف للناس ورفع الحرج عنهم.
- حكم الوضوء عند التنابز بالألقاب المذمومة:
اعتاد بعض الناس أن ينادي غيره بأسماء وألقاب غير معهودة، فبعضها حسن لكن أغلبها قبيح أو مذموم، ومعظم الناس يكرهون ذلك، ولكن مع مرور الوقت اعتادوها وألفوها وعُرفوا بها رغماً عنهم، فما حكم ذلك؟ وهل يترتب عليها نقض الوضوء؟
لا شك أن النداء بالألقاب المذمومة والقبيحة مُحرم شرعاً، وقد نهى عنه القرآن الكريم في قوله تعالى: {وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الإيمَنِ} (الحجرات: 11)؛ لأن في ذلك استنقاص من مقام الناس وتحقير لهم، ومن يفعل ذلك فهو آثم يجب عليه التوبة، ويطلب المسامحة من المعتدى عليه، ولكن ما حكم وضوئه إذا كان على طهارة؟
اختلف الإباضية في حكم وضوئه، فمنهم من ذهب إلى نقضه مطلقاً ما دام اسماً قبيحاً، سواء كان معروفاً به عند الناس واعتادوا النطق بمثل هذه الأسماء في بلدهم، أم غير ذلك؟
وذهب بعضهم إلى اشتراط أن يكون اسماً قبيحاً تعارفه الناس في ذلك البلد الذي يطلق فيه، أما إن كان غير معروف عندهم بقبحه فلا نقض فيه؛ لأن العادة
محكمة فقد يستعمل الناس اسماً فيكون قبيحاً في بلد وغير قبيح في غيره. ذكر السالمي في «المعارج» ما يفيد هذا المعنى فقال: والقبح بحسب عرف أهل كل موضع، فقد يَقبَح اسم عند قوم دون آخرين، فلا نقض لمن نطق به ممن لا قبح عندهم فيه، وقيل: لا نقض إلا إن شتم بها أحدا).
(1) السالمي: معارج الآمال، 245/ 2. (3/380)
صفحة 1529
الفصل الخامس: القاعدة الفقهية الكبرى الخامسة
381
ولعل القول الأخير هو الأقرب للصواب؛ لأنه يراعي مقاصد الناس ونواياهم، فليس كل من يطلق اسماً قبيحاً يريد به الشتم والعيب، واستنقاص الناس، فقد يطلقه ولا يدري أنه قبيح في ذلك البلد، فلا يجوز مؤاخذته، وعليه فلا نقض عليه، أما إذا علم بقبحه وتعمد النطق به ليشتم به أحداً أو فئة، فإنه يحاسب على قوله ويجب عليه إعادة وضوئه. وحتى نقضي على هذه العادات القبيحة كالتنابز بالألقاب والسخرية، فإننا نميل إلى منع ذلك مطلقاً سواء قصد به الشتم أم لا، ونلزم صاحبه إعادة وضوئه احتياطاً إذا لم يقصد، أما إن قصد فيلزمه من باب أولى وأحرى
والله أعلم.
4 - تحكيم العرف والعادة في مسائل الحيض والنفاس يعتمد الفقهاء في بيان حكم الحيض والنفاس وتوابعهما على قاعدة: العادة محكمة ونظراً لكثرة هذه المسائل وتشعبها فإننا سنقتصر على أهمها من باب التمثيل لا الحصر، لتوضيح مدى اعتماد الإباضية على هذه القاعدة، وذلك كما يلي.
المسألة الأولى: علامات الحيض والنفاس والطهر:
وضع الإباضية وغيرهم للحيض والنفاس والطهر علامات ظاهرة تستطيع المرأة أن تميز بينها، سواء كانت مبتدأة أو معتادة، واعتمدوا في تحديدها على النصوص الشرعية، وعلى عُرف النساء وعاداتهم في تلك الأحوال؛ لأنها أمور تخضع لعوامل كثيرة، كطبيعة المرأة وبنيتها، وحالتها النفسية وبيئتها، ولذلك لا يمكن أن تتفق النساء جميعاً على عادة واحدة، ولكن إذا تأكدت المرأة من ظهور هذه العلامات فإنه يحكم عليها بالحيض أو الطهر أو النفاس أو الاستحاضة، وتؤمر بترك العبادة أو البقاء عليها، أو العودة إليها
بعد تغير حالتها. (3/381)
صفحة 1530
382
القواعد الفقهية عند الإباضية
يقول ابن بركة في سياق بيانه للأحكام المترتبة على المرأة في حالتي الحيض والطهر إذا ظهرت لها علاماتها المعتادة والمعروفة عند النساء: «وكذلك
أنه
دم
المرأة تترك الصلاة، ويحكم لها بالحيض إذا طبق الدم بها بغير يقين حيض، ولا الوقت الذي تركت فيه الصلاة وقت حيضها، ولكن لما كانت عادتها جرت بأن تحيض في مثل ذلك الوقت، أو في كل شهر، حُكم لها على التحري وقتاً تدع فيه الصلاة، فقد جاز أن تترك الصلاة المفروضة بغير يقين. وكذلك تصوم وقتاً وتترك الصلاة والصيام في شهر رمضان وقتاً؛ لأجل حيض يُحكم به لها، مع التحري لوقتها، وليس ذلك بيقين معها، ولا مع من حكم به لها، وكذلك بانقضاء عدتها مع مرور السنين إذا كان مثلها قد أيس من الحيض، ويحرم عليها أخذ النفقة من المطلق بعد أن كان تأخذه بالحكم، ويجوز لها التزويج بعد أن كان محرماً عليها، وهذا أيضاً لا يؤخذ مع اليقين). ويلخص الثميني هذه الأحكام تأكيداً لما تقدم، فيقول: «فإذا رأت المرأة الدم المعتاد تترك الصلاة ويحكم لها بالحيض، وتأكل في رمضان بدم تراه في معتادها،
ويحكم لها بالطهر بانقطاعه، وبانقضاء العدة، وإباحة النكاح والوطء ... » (2). ويقول ابن بركة في هذا الصدد: «وإذا رأت المرأة الدم تركت له الصوم والصلاة إذا كان ممن يجوز من مثلها الحيض وامتنع زوجها من وطئها إلا أن يعلم أنه دم، استحاضة، وقد بيّن النبي الا الله و دم الحيض من دم الاستحاضة وغيره، وعرف ذلك في قوله: «دم أسود ثخين تعادله زيادة ورائحة». وقوله صلى الله عليه وسلم في
ص
259
(1) ابن بركة كتاب التعارف، 56/ 1. (2) الثميني: الورد البسام (3) رواه أبو داود في السنن، كتاب الطهارة، باب من قال إذا أقبلت الحيضة تدع الصلاة، رقم 285، والنسائي في المجتبى، كتاب الطهارة، باب الفرق بين دم الحيضة والاستحاضة، رقم 216، والحاكم في المستدرك، كتاب الطهارة رقم 618، عن فاطمة بنت أبي حبيش بلفظ: «إن دم الحيض دم أسود يعرف». قال الحاكم صحيح على شرط مسلم ووافقه الذهبي. (3/382)
صفحة 1531
=
383
الفصل الخامس: القاعدة الفقهية الكبرى الخامسة
دم الاستحاضة: «أنه دم عرق). ويدل على أنه قد جعل على كل دم تراه تعبدت فيه دليلاً وعلامة وليس يجهل من جهل من النساء بمعرفة دم الحيض من دم الاستحاضة، دليل على أنه غير متميز بنفسه، وإذا رأت صفرة أو كدرة في الوقت الذي كان الحيض يأتيها فيه، فليس ذلك عندي بحيض وإن كان قد قال بذلك بعض أصحابنا، فإن اتصل بالصفرة دم، فقد قال بعض أصحابنا يكون ذلك حيضاً، وقال آخرون: لا يكون ذلك حيضاً إلا أن يتقدمه الدم وتتصل الصفرة والكدرة به في أيام عادتها وهذا القول العمل عليه أكثر، والحجة له أقوى؛ لأن المرأة ما لم تر الدم فهي طاهرة باتفاق الأمة، فإذا رأت صفرة أو كدرة اختلف الناس في حكمها، فسماها بعضهم حائضاً، وسماها بعضهم مستحاضة، وسماها بعضهم محدثة كسائر الأحداث الموجبة لرفع الطهارة، والاختلاف غير مزيل للإجماع إلا بحجة، فهي أبداً عندي طاهر ما لم يتفقوا على أنها حائض أو ترى دماً فيكون دمها ذلك دليل على حيضها، إذا الصفرة والكدرة ليست من ألوان دم الحيض ... (2).
ويضيف الشماخي توضيحاً لهذه المعاني فيقول: «وإذا سبقت إلى المرأة علقة ثم تبعتها صفرة، فلتترك الصلاة، وكذلك العلقة مع الصفرة، فهو حيض، وكذلك إذا سبقت الصفرة فهو حيض إذا اتبعتها، العلقة، وأما علامة الطهر فهو الماء الأبيض
لقول عائشة: «لا تطهر المرأة من حيضتها حتى ترى القصة البيضاء» (3).
(1) رواه الربيع بن حبيب في مسند الجامع الصحيح، كتاب الطهارة، باب جامع النجاسات حديث رقم 149. بلفظ عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «دَمُ الِاسْتِحَاضَةِ نَجِسٌ، لأَنَّهُ دَمُ عِرْقٍ، يَنْقُضُ الْوُضُوءَ». ورواه البخاري، كتاب الطهارة، ما جاء في المستحاضة التي قد
عدت أيام إقرائها، رقم 620، عن فاطمة بنت أبي حبيش، بلفظ: «إنما ذلك عرق». (2) ابن بركة: الجامع، 2/ 230 - 231. (3) أخرجه الربيع بن حبيب، في مسند الجامع الصحيح، باب الحيض رقم (543)، 147/ 2؛ وقد جاء موقوفاً عن عائشة لا أن النساء كن يبعثن إليها بالدَّرَجَة فيه الكرْسُف فيه الصفرة
من دم الحيض يسألنها عن الصلاة فتقول لهن: لا تعجلن حتى ترين القصة البيضاء»، ساقه (3/383)
صفحة 1532
384
القواعد الفقهية عند الإباضية
الله
قال الجيطالي: «هي ماء رقيق أبيض يأتي في آخر الحيض كما القصة وهو لجير)، وقال الشماخي والقصّة البيضاء (2) قطعة من الجص، وذهب بعض أصحابنا إلى أنه قطعة من الورق، وقال قوم: علامة الطهر نوعان: الماء الأبيض، والجفوف (3)، فنزول الماء الأبيض هو الأقعد في الطهر عند أصحابنا ـ رحمهم كان ذلك عادة للمرأة أو ليس ذلك بعادة، والتي عادتها الجفوف فهو طهرها ... » (4). وبعد أن ختم الشماخي كلامه عن علامات الحيض والطهر عند الإباضية، أشار إلى القاعدة التي اعتمدها الفقهاء في تحديد هذه العلامات وهي العرف والعادة، وعلل ذلك بقوله: «لعلهم استدلوا في هذا إلى التجربة، والعادة على أن تلك الدماء لا تدوم أكثر من ثلاثة أيام ... ).
البخاري معلقاً في صدر باب إقبال المحيض وإدباره من كتاب الحيض، ورواه مالك في الموطأ، كتاب الطهارة رقم (117)، والبيهقي في السنن الكبرى رقم (1486)، (335/ 1) وعبد الرزاق في مصنفه، كما أورده ابن الأثير في النهاية في الغريب الحديث»، (70/ 4) ـ يراجع الزيلعي، نصب الراية 193/ 1 والدرجة جمع الدرجة، وهي الخرقة الصغيرة تدخر فيها المرأة طيبها وأدائها؛ والكُرسف: القطن.
(1) الجيطالي: قواعد الإسلام مع حاشية أبي ستة عمرو القصبي، 271/ 2. (2) قال ابن بركة في «الجامع»: «وقد روي عن عائشة لا أنها قالت: إذا رأت المرأة الدم فتمسك عن الصلاة حتى ترى بعده البياض كالقصة ثم تغسل وتصلي» والقصة: قصة الصبح (بياض النهار) الذي يرتفع بطهوره حكم الليل وسواده وكدرته، وقد قال بعض أهل اللغة لم تعن به عائشة قصة الصبح وإنما أرادت القصة: قصة هي الصبح وذهب أصحابنا (الإباضية) إلى أنها القطعة من الجص، ووجدت أهل اللغة على القولين اللذين قدمنا ذكرهما «(ينظر: ابن بركة: الجامع، 321/ 2) وقال بعضهم: القصَّة الجصّ الأبيض والقصة البيضاء (البياض الخالص)، إذ تعرف المرأة انتهاء حيضها بإدخال قطعة من القطن الأبيض في فرجها الداخل فإذا خرجت بيضاء كالقصَّة فقد انتهى حيضها وطهرت، وإن خرجت ملوثة بألوان أخرى، فمعنى أن حيضها لما ينته بعد». ينظر: قلعة جي وقنيبي، معجم لغة الفقهاء: ص: (3) الجفوف: وهو أن تدخل المرأة الخرقة فتخرجها جافة. ينظر: الجيطالي قواعد الإسلام مع
حاشية أبي ستة، 271/ 2.
(4) الشماخي: الإيضاح، 188/ 1 - 200. - ابن بركة: الجامع، 231/ 2.
(5) الشماخي: الإيضاح، 183/ 1.
364 (3/384)
صفحة 1533
الفصل الخامس: القاعدة الفقهية الكبرى الخامسة
385
ومن خلال عبارة الشماخي يتبين أن الإباضية اعتمدوا في تحديد علامات الحيض والطهر على العرف والعادات الجارية بين النساء في الدماء، وهذا دليل قاطع على اعتبار العرف وتحكيمه في دماء النساء ما دام لم يرد نص بتحديدها يكون قاعدة عامة معتمدة في حالات النساء.
صريح
جميع
ـ وفي السياق نفسه سئل أبو سعيد الكدمي عن امرأة ترى الصفرة في أيام حيضها فقال: «هو حيض، وإن رأت في أيام طهرها فليست بحيض، فتتوضأ لكل صلاة وتصلي ما دامت الصفرة»). وقال أيضاً: «قد قيل: إن الحائض إذا انقطع عنها الدم والصفرة والحمرة والكدرة، اغتسلت، وإنما الحيض بأحد هؤلاء ... » (2).
المسألة الثانية: تحديد الأقل والأكثر من الحيض والنفاس اختلف فقهاء الإباضية في تحديد أقل الحيض وأكثره، وأقل النفاس وأكثره، فذهب بعضهم إلى أن أقل الحيض ثلاث أيام وأكثره عشرة أيام، ونسب ابن بركة هذا القول إلى الجمهور، وذهب بعضهم إلى أن أقله يوم وليلة، بينما يرى آخرون أن أقله دفعة واحدة وأكثره خمسة عشر يوماً، وقال بعضهم أقل الحيض ساعة، قال ابن بركة: وهو قول شاذ ونسبه إلى الأوزاعي، إلا أن المعمول به عند جمهور الإباضية هو القول الأول. أما النفاس فأقله عشرة أيام وأكثره أربعون يوماً فما زاد على ذلك فهو
استحاضة (3).
قال أبو سعيد الكدمي والقول من أصحابنا أنهم يذهبون أنه أقل الحيض ثلاثة أيام وأكثره عشر أيام وأقل الطهر عشرة أيام، وإذا لزم العمل والمحنة
(1) الكدمي: المعتبر، 48/ 3.
(2) الكدمي: المرجع نفسه، 65/ 3.
(3) الشماخي: كتاب الإيضاح، 214/ 1، 215 - 217. ابن بركة: الجامع، 226/ 2. (3/385)
صفحة 1534
386
القواعد الفقهية عند الإباضية
استعمل الأقل من الأمور؛ لئلا يتطاول عليها أسباب ترك الصلاة، ولما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في مستحاضة أنه أمرها أن تدع الصلاة أيام حيضها وتصلّي أيام طهرها» (1) (2). وعلّل الكدمي صحة ما ذهب إليه جمهور الإباضية في تحديد أقل الحيض وأكثره بقوله: «فقال أصحابنا إنه إذا كان الحيض أياماً والطهر أياماً ما لم يكن أقل من ثلاثة أيام ولا أكثر من عشرة أيام لقوله صلى الله عليه وسلم: «أيام»، لأنك تقول يوم ويومان وثلاثة أيام، فثبت في اسم الأيام في الثلاثة فصاعداً، وتقول ثلاثة أيام إلى سبعة أيام إلى عشرة أيام، ثم تقول إحدى عشر يوماً، فسقط الأيام أحد عشر يوماً فصاعداً، فثبت عندهم أن أقل الحيض ثلاثة أيام أو أكثر، وعشرة أيام لا يجاوزه، وثبت عنهم أن الطهر عشرة أيام فيما خاطب النبي صلى الله عليه وسلم أن المرأة تغتسل وتصلي سنة إذا كانت تلك عادتها، ووقع عليها الطلاق، وخرج ذلك من حد التعارف ولما جعل الله من (الأقراء) في الأشهر، ولا تساوي بين الحيض والطهر في الأقل والأكثر، ولكنها تجعل أكثر الحيض أقل الطهر لا تساوي بينهما ... » (3).
اسم
أما أكثر الطهر فلم يحدده الشارع وإنما ترك تحديده للعادة الجارية بين النساء حسب تجربة كل امرأة وحالتها. وقد أشار الشماخي إلى هذا الأمر، وبين أنه لا حد لأكثر الطهر بل يخضع للعادة والتجربة في تحديده فقال: «وذُكر عن الربيع بن حبيب في كتاب محمد بن جعفر قال: «كل دم وُجد بعد طهر عشرة أيام فهو حيض، وقال
(1) رواه البخاري، كتاب الطهارة، باب المستحاضة، رقم 300 عن فاطمة بنت أبي حبيش عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إنما ذلك عرق وليس بالحيضة فإذا أقبلت الحيضة فاتركي الصلاة فإذا ذهب قدرها فاغسلي عنك الدم وصلي».
(2) الكدمي: المعتبر، 61/ 3 - 62. (3) الكدمي: المرجع نفسه، 62/ 3. (3/386)
صفحة 1535
=
387
الفصل الخامس: القاعدة الفقهية الكبرى الخامسة
آخرون: كل دم وُجد بعد طهر خمسة عشر يوماً فهو حيض؛ لأن الحيض يرفعه
المرض والكبر والرضاع والرّيح، فلا حد لأكثر الطهر عند هؤلاء ... »). واختار الشماخي القول الأول وصححه وهو أن أكثر الطهر عشرة أيام: وصححه استناداً إلى العادة والتجربة، فقال: «والقول الأول عندي أصح، ولا مستند لهذا عندي إلا التجربة، والعادة فمن كان لأقل الحيض عنده قدر معلوم وجب أن يكون ما دون ذلك إذا ورد في سِنّ الحيض عنده استحاضة، ومن لم يكن لأقل الحيض عنده قدر محدود وجب أن يكون الدفعة حيضاً عنده، وكذلك النفاس، وكذلك أيضاً من كان عنده أكثره محدوداً أوجب أن يكون ما زاد على ذلك استحاضة» (2). أما أقصى مدة النفاس فقد اختلف الإباضية أيضاً في تحديدها وذكر الشماخي والمحشي السدويكشي أن أقصى مدته عند جمهور الفقهاء أربعون يوماً، وما زاد عليها فهو استحاضة وأقل مدة النفاس عشرة أيام على الصحيح. جاء في الإيضاح ما نصه: «واختلفوا في أقصى حد النفاس، قال أكثر أهل العلم وهو الصحيح أربعون يوماً إلا أن تَرَى الطهر قبل ذلك، والدليل حديث سلمة لا أنها قالت: «كُنَّا نقعد في النفاس على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أربعين يوماً إلّا أن نرى الطهر قبل ذلك» (3)، وقال آخرون ستون يوماً، وقال ناس من
201 - 200
(1) الشماخي: كتاب الإيضاح، 0/ 1 (2) الشماخي: المرجع نفسه، 201/ 1.
(3) رواه أبو داود، كتاب الطهارة، باب المستحاضة يغشاها زوجها، رقم 311، والترمذي، أبواب الطهارة، باب كم تمكث النفساء، رقم 139، عن أم سلمة. قال المباركفوري: «قلت الظاهر أن هذا الحديث حسن صالح الحديث للاحتجاج وفي الباب أحاديث أخرى تؤيده». تحفة الأحوذي، 364/ 1.
وقد نقل ابن المنذر في «الأوسط» في كتاب الحيض، ذكر النفساء، حديث: 801 ـ اختلاف الفقهاء في أقصى مدة النفاس، وبعد أن ذكر حديث أم سلمة: «كانت النفساء على عهد
رسول الله صلى الله عليه وسلم تقعد بعد نفاسها أربعين يوماً، أو أربعين ليلة، وكنا نطلي على وجهها الورس (3/387)
صفحة 1536
388
القواعد الفقهية عند الإباضية
أهل العلم من النساء من أهل السعة والترفه من يبلغ تسعين يوماً، وقالوا قد كان ذلك معروفاً في بيوتات العرب ... ).
ويشير الشماخي إلى علة تأخر النفاس عند بعض النساء حتى يصلن تسعين يوماً ولعل السبب يعود إلى الظروف المعيشة للمرأة، فالغذاء الجيد يؤثر في دم الإنسان مما يجعله يتدفق بغزارة أو يستمر فوق العادة، والعكس صحيح إذا كانت تغذية المرأة ضعيفة، فقد يتأثر جسمها فيقل دمها، وتقصر مدة حيضها أو نفاسها، ولكن الحكم يكون للأغلب عادة، وهو أربعون يوماً كما صححه الجمهور، وقد عقب الشارح أبو محمد السدويكشي في حاشيته على متن الشماخي فقال: «قوله في أقصى حد النفاس، وأما أقله فعشرة أيام على الصحيح، وبمعنى ما رواه أبو داود والترمذي من قومنا
=
عن رجع
عن
ذلك
من الكلف». قال: وبه قال سفيان الثوري، وأحمد بن حنبل، وإسحاق، وأبو عبيد، والنعمان، ويعقوب، ومحمد، قال أبو عبيد: وعلى هذا جماعة الناس لم يختلفوا في أقصاه اختلافهم في الحيض، وفيه قول ثان، قاله الحسن البصري، قال: النفساء لا تكاد تجاوز أربعين يوماً، فإن جاوزت خمسة وأربعين إلى الخمسين، فإن جاوزت الخمسين فهي مستحاضة، وقالت طائفة: أقصى النفاس شهران، روي هذا القول عن الشعبي، وبه قال مالك، والشافعي، وأبو ثور، وذكر ابن القاسم أن مالكاً هذا القول آخر ما لقيناه، فقال: يسأل النساء، وأهل المعرفة، فتجلس أبعد ذلك، وقالت طائفة تجلس كامرأة من نسائها، وروينا هذا القول عن عطاء، وقتادة، وبه قال الأوزاعي، وقد اختلف فيه عن عطاء، وروينا عنه أنه قال كما قال الشعبي: تربص شهرين، فهذه أربعة أقوال، وفي هذه المسألة سوى ذلك قولان شاذان، أحدهما أن تنتظر إذا ولدت سبع ليال، أو أربع عشرة، ثم تغتسل وتصلي. يروى هذا القول عن الضحاك، والقول الثاني ذكر الأوزاعي عن أهل دمشق يقولون: إن أجل النفساء من الغلام ثلاثون ليلة، ومن الجارية أربعون ليلة، وقال قائل: إذا استمر بالنفساء الدم حتى تجاوز ستين يوم رماً، فهي مستحاضة تغتسل عند الستين، وتصلي، وتتوضأ لكل صلاة، وتقضي الصلاة التي تركتها في الستين يوماً كلها، إذ جائز أن تكون النفاس لم يأت فيها وقت صلاة، وسائر الدم دم استحاضة، فلما جاز وصفنا، كان الاحتياط للصلاة لا عليها، هذا إذا أشكل دم نفاسها من دم استحاضتها».
(1) الشماخي: المصدر نفسه، 196/ 1. ابن بركة: الجامع، 233/ 2. (3/388)
صفحة 1537
الفصل الخامس: القاعدة الفقهية الكبرى الخامسة
389
وصححه الحاكم، قالت كانت النفساء على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم تقعد بعد
نفاسها أربعين يوماً (1) (2).
مجمل القول:
وبعد أن عرض الشماخي الأقوال المتباينة في تحديد أقصى الحيض والنفاس وأقلهما خلص إلى القول بأن هذه المسائل لا نصوص تحددها وإنما تحكمها التجربة والعادة الجارية في أحوال النساء فقال: «وذكر في بعض كتب أهل الخلاف أن التوقيت في أيام الحيض وأيام الطهر وأيام النفاس لا مستند له إلا التجربة والعادة، ولذلك كثر الاختلاف فيه لاختلاف أحوال النساء ... » (3).
بيان أقل النفاس وأكثره
اختلف الإباضية أيضاً في تحديد مدة النفاس من حيث القلة والكثرة، فذهب الجمهور إلى أن أقله عشرة أيام وأكثره أربعون يوماً وهو المشهور عند الإباضية صرح بذلك السالمي في «المعارج» فقال: «إن أقل النفاس عشرة أيام
الصلاة
بعد
(1) رواه أبو داود، كتاب الطهارة، باب المستحاضة يغشاها زوجها رقم 311، والترمذي، أبواب الطهارة، باب كم تمكث النفساء، رقم 139، عن أم سلمة. قال المباركفوري: «قلت الظاهر أن هذا الحديث حسن صالح الحديث للاحتجاج وفي الباب أحاديث أخرى تؤيده». تحفة الأحوذي، 364/ 1. قال الترمذي: «وقد أجمع أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، والتابعين، ومن بعدهم على أن النفساء تدع الصلاة أربعين يوماً، إلا أن ترى الطهر قبل ذلك، فإنها تغتسل وتصلي، فإذا رأت الدم بعد الأربعين فإن أكثر أهل العلم قالوا: لا تدع الأربعين، وهو قول أكثر الفقهاء، وبه يقول سفيان الثوري وابن المبارك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، ويروى عن الحسن البصري، أنه قال: «إنها تدع الصلاة خمسين يوماً إذا لم تر الطهر». ويروى عن عطاء بن أبي رباح، والشعبي: «ستين يوماً». وأبو داود في السنن، كتاب الطهارة، باب ما جاء في وقت النفساء، حديث: 270. ورواه الحاكم في المستدرك على الصحيحين، كتاب الطهارة، وأما حديث عائشة حديث: 574. (2) السدويكشي: الحاشية على متن الإيضاح للشماخي، 196/ 1. (3) الشماخي: المرجع نفسه، 197/ 1. (3/389)
صفحة 1538
القواعد الفقهية عند الإباضية
390
كمقدار أكثر الحيض على القول المشهور في المذهب، وتكتفي المرأة في أكثر النفاس بالأربعين يوماً على المذهب المشهور أيضاً، ونسبه أبو محمد (ابن بركة) إلى بعض الإباضية وقال: وهو أشيق إلى قلبي ونسبه ابن جعفر (الأزكوي) إلى الربيع، وأحبه أبو سعيد (الكدمي)، وصححه الشيخ عامر الشماخي)، قال أبو إسحاق الحضرمي) وعليه العمل)، واستدلوا بحديث روته أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «النفساء تعتد أربعين يوماً» (2). وهناك أقوال أخرى في المذهب غير مشهورة تزيد على هذا الحد أو تنقص منه، وحسبنا أننا ذكرنا الرأي المشهور وما عليه العمل في المذهب الإباضي، وقد أشار الشماخي إلى هذه الأقوال بعد أن اختار رأي الجمهور وصححه فقال: «واختلفوا في أقل النفاس قال بعضهم عشرة أيام وهو الصحيح عندي مقدار حيضة واحدة وقال من قال أقله أسبوعان، وقال من قال الدفعة الواحدة تكون نفاساً، وليس الحيض كذلك عند أكثرهم ... » (3).
منشأ الخلاف
ولعل اختلاف الفقهاء في تحديد أقل الحيض وأكثره، وأقل النفاس وأكثره، يرجع إلى اعتمادهم على أدلة ظنية، واختلاف أحوال النساء في الدماء، فبعضهم استند إلى تلك النصوص واحتج بها، وبعضهم احتكم إلى العرف والعادة، ويؤكد الشماخي هذا الأمر فيقول: «ولا مستند لهذا عندي إلا التجربة
6
(1) السالمي نفسه، 4، 126. ابن بركة كتاب الجامع، 233/ 2. (2) رواه أبو داود، كتاب الطهارة، باب المستحاضة يغشاها زوجها، رقم 311، والترمذي، أبواب الطهارة، باب كم تمكث النفساء، رقم 139، عن أم سلمة قال المباركفوري: «قلت: الظاهر أن هذا الحديث حسن صالح الحديث للاحتجاج، وفي الباب أحاديث أخرى تؤيده». تحفة الأحوذي، 364/ 1.
(3) الشماخي: كتاب الإيضاح، 198/ 1. ابن بركة الجامع، 233/ 2 - السالمي: معارج الآمال،
126/ 4 (3/390)
صفحة 1539
الفصل الخامس: القاعدة الفقهية الكبرى الخامسة
391
والعادة، فمن كان لأقل الحيض عنده قدر معلوم وجب أن يكون ما دون ذلك، إذا ورد في سن الحيض عنده استحاضة، ومن لم يكن لأقل الحيض عنده قدر محدود وجب أن تكون الدفعة حيضاً عنده، وكذلك النفاس، وكذلك أيضاً من كان عنده أكثره محدوداً أوجب أن يكون ما زاد على ذلك استحاضة ... » (1). وقد أشار السالمي إلى هذا المعنى أيضاً حيث اعتبر قاعدة: «العادة هي المعتمدة عند الفقهاء في مسائل دماء النساء وتحديد مدتها، وهذا ما نص عليه بعد عرض أحد الأقوال ..... ولا دليل لذلك إلا أن يكون القائل رأى ذلك موجوداً في بعض النساء، فقال به عن عِلم وخبرة، والعادة في هذا
محكمة»
الباب محكمة» (2).
ويشير السالمي في موضع آخر إلى ما خلصنا إليه في معرض كلامه عن مسألة انتساب المرأة في حيضها ونفاسها إلى قريباتها ردًّا على قول ابن بركة، فيقول: «قال أبو محمد (ابن بركة): وفي إجازة هذا القول إغفال من قائله، إذ فرض الله عليها أن تدع الصلاة؛ لأنها حائض أو نفساء والفرض عليها غير الفرض على أمها، قلت: (والقول للسالمي لا إغفال فيه بل هو مبني بتحكيم العادة، وأشبه شيء من أحوال المرأة عادة أمهاتها وقريباتها، وكثير من مسائل الحيض والنفاس، بل غالبها مبنية على أدلة ظنية فلا سبيل إلى القطع».
المسألة الثالثة ما تثبت به العادة للمرأة المبتدأة:
اختلف فقهاء الإباضية وغيرهم في حكم المرأة المبتدأة في الحيض والنفاس، إذا رأت دم الحيض والنفاس لأول مرة في حياتها، متى تعتبر ذلك حيضاً أو نفاساً؟ وكيف تحسب عادتها وتحددها، لتعتمد ذلك في الدورات القادمة؟
(1) الشماخي: الإيضاح، 201/ 1.
(2) السالمي: المعارج، 32/ 4. (3) السالمي: معارج الآمال، 137/ 4. (3/391)
صفحة 1540
392
القواعد الفقهية عند الإباضية
بحث السالمي هذه المسألة في «المعارج» وذكر أن الفقهاء قد اختلفوا في أقل ما يمكن أن تكون الصبية حائضاً، فقيل: إذا دخلت تسع سنين فقد أمكن بلوغها، ويكون الدم الخارج منها حيضاً.
وقيل: إذا دخلت في تسع السنين، واختاره أبو ستة (القصبي) واعتمد
عليه المصنف (السالمي). وقيل: إذا دخلت عشر سنين، فإن أتاها في أواخر السنة السادسة إلى أوائل السابعة، أو في أواخر التاسعة إلى أوائل العاشرة، فقيل: إنها تعطى للحيض إذا تم لها أقل الحيض بعد البلوغ، وإلا أعادت ما تركت من
الصلاة (1).
ويبين السالمي أن مبنى هذه الأقوال كلها على العرف والعادة، وقد تختلف أحوال النساء بؤفور الأسباب وقوة الشباب، فقد يمكن في بعض النساء البلوغ قبل إمكانه في بعض كل ذلك بحسب قوة الحال وضعفه (3).
فإذا وجدت الصبية في وقت يمكن بلوغها فيه دماً عبيطاً ودام بها ثلاثة أيام كانت حائضاً بلا خلاف، وحكم عليها بالبلوغ وتكون تلك عدتها فيما أقبل من الأوقات.
- وإذا دام بها الدم يومين، فقيل: إنها تكون حائضاً في ذلك، وتجعلها أصلًا لحيضها فيما أقبل وجزم به صاحب الوضع (الجناوني) (3)، وصححه
أبو ستة.
وقيل: لا تبني إلا على ثلاثة أيام، وقيل على يوم واحد (4).
(1) السالمي: المرجع نفسه، 19/ 4.
(2) السالمي: نفسه، بتصرف. (3) الجناوني: كتاب الوضع، ص 72. (4) السالمي: معارج الآمال، 19/ 4 - 20. (3/392)
صفحة 1541
الفصل الخامس: القاعدة الفقهية الكبرى الخامسة
منشأ الخلاف
393
في
- ويعتبر السالمي أن أصل الخلاف هذه المسألة يرجع إلى اختلاف الفقهاء في أقل الحيض (1) بينما يرى غيره أن سببه يعود إلى اختلافهم في الضابط المعتمد في التمييز بين الدماء، فمنهم من يقدم حكم العادة، ومنهم من ينظر إلى مدى معرفة المبتدئة التمييز بين الدماء.
ويشير خميس الشقصي إلى هذا الخلاف في المنهج» فيقول: «اختلف الناس في العادة والتمييز، فقال قوم: إن التمييز مقدّم على حكم العادة، وقال قوم: إن العادة مقدمة على التمييز والعادة ما اعتادته المرأة في أيام الحيض، والتمييز هو معرفة تمييز دم الحيض من غيره.
وقال بعض أصحابنا (الإباضية) في المبتدأة في الحيض والنفاس إنها تقعد للحيض والنفاس كعادة أمهاتها وأخواتها وقول تنتظر بعد وقت أمها يوماً أو يومين، وقال أبو عبد الله (محمد بن محبوب) رحم الله في البكر يدوم بها الدم أو ما تحيض، فإن عرفت وقت أمها، فهو لها وقت، فإن كان وقت أمها مختلفاً أخذت بأكثر، وإن لم تعرف وقت أمها ودام بها الدم فتجعل حيضها عشراً وطهرها خمسة عشر يوماً، فإذا أرادت بدل العشر ألحقت معها بدل خمسة أيام حتى تتم خمسة عشر يوماً، فيكون ذلك استحاضة عنها» (2).
وذهب القطب أطفيش إلى أن عادة المرأة المبتدأة التي لم يسبقها حيض
(1) السالمي: المرجع نفسه، 20/ 4.
(2) الشقصي: خميس بن سعيد الرستاقي، منهج الطالبين وبلاغ الراغبين، تحقيق: سالم بن حمد بن سليمان الحارثي نشر وزارة التراث القومي والثقافة سلطنة عُمان، طبع بمطبعة عيسى البابلي الحلبي وشركاه القاهرة، مصر، 3/ 295 - 296. - الجيطالي: قواعد الإسلام مذيلاً بحاشية أبي ستة القصبي تحقيق بشير بن موسى الحاج موسى، ط 1، المطبعة العربية، غرداية، الجزائر، 1422 هـ / 2001 م، 263/ 2 - 264. (3/393)
صفحة 1542
394
القواعد الفقهية عند الإباضية
مرة واحدة، فإذا جاء الدم مرة واحدة ودام مدة تجعل ذلك وقت حيضها وعادتها، ولا تعتمد على عادة أمها وأخواتها واختار هذا القول وصححه، فقال في «الشامل» ما نصه: والصحيح أنه يثبت بمرة أولاً، فإذا جاءها الدم أول مرة ودام مدة تصلح أن تكون وقت حيض فهي وقته لا غير»)، وتبعه في هذا القول الراشدي).
المسألة الرابعة حكم المستحاضة:
أن
اختلف الإباضية وغيرهم في حكم المستحاضة، وهي التي تمادى بها الدم بعد انقضاء مدة الحيض أو النفاس، فما حكم صلاتها وصومها، وكيف تستطيع تميز بين دم الحيض والاستحاضة؟ بحث الشماخي هذه المسألة في «الإيضاح» وأشار إلى اختلاف الإباضية في حكم المستحاضة فقال: «اختلف أصحابنا في المرأة إذا تمادى بها الدم، وكانت مستحاضة، قال بعضهم: تترك الصلاة وقت أقرائها (حيضها) ثم تغتسل وتصلي إلى أن يعود إليها مثل أيامها، لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم للتي سألته وكانت مستحاضة: «اقعدي أيامك التي كنت تحيضين، فإذا دام بك الدم فاستنظري بثلاثة أيام ثم اغتسلي وصلّي (3).
وقال قوم تترك الصلاة عشرة أيام وتغتسل وتصلّي عشرة أيام لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم لفاطمة بنت حُبَيش: «إذا أقبلت الحيضة فاتركي لها الصلاة، وإذا أدبرت وذهب قدرها، فاغسلي عنك الدم)، والمجاورة لأكثر أيام الحيض قد
ذهب قدر حيضتها ضرورة.
(1) أطفيش أمحمد شامل الأصل والفرع، 237/ 1.
(2) الراشدي جواهر القواعد، ص 164.
(3) تقدم تخريجه بلفظ قريب منه.
(4) تقدم تخريجه بلفظ قريب منه. (3/394)
صفحة 1543
الفصل الخامس: القاعدة الفقهية الكبرى الخامسة
395
وقال قوم: تترك الصلاة خمسة عشر يوماً وتغتسل وتصلي خمسة عشر يوماً؛ لأن أكثر الحيض خمسة عشر يوماً عندهم، وأقل الطهر خمسة عشر يوماً، وقال قوم تترك الصلاة عشرة أيام وتغتسل وتصلّي عشرين يوماً؛ لأن عندهم في كل شهر حيضة وطهراً، والحيضة لا تتجاوز عشرة أيام عندهم، وقال قوم تترك الصلاة يوما وليلة، وتغتسل وتصلي تسعة وعشرين يوماً؛ لأن أقل الحيض عندهم يوم وليلة، والعادة جارية أن المرأة تحيض في كل شهر مرة إذا لم تكن بها آفة تمنع الحيضة فحكموا لها في كل شهر بأقل الحيض وهو عندهم يوم وليلة، وأكثر من اليوم محتمل عندهم، فلا تترك العبادات والواجبات بالدم المحتمل ... ».
وبين ابن بركة أيضاً أن حكم النفساء إذا طهرت وعاودها الدم مثل الحائض تترك الصلاة في تلك المدة على حد قوله: وحكم النفساء كذلك أيضاً إذا طهرت لم تدع الصلاة فإن رجع الدم في بقية أيام النفاس تركت له الصلاة إلى أن ينقطع أو تبلغ مدة عادتها من نفاسها، والحائض بمثابتها، فإذا استمر الدم بالحائض بعدما يحكم لها بحكم الحائض إلى أن يأتي لها الوقت الذي كانت تدع فيه الصلاة في وقت حيضها من كل شهر عود أن يأتيها الحيض فيه، ثم تدع الصلاة أياماً كانت تدع الصلاة في مثلهن من عادة الأيام في قول بعض أصحابنا.
وقال بعضهم: تدع الصلاة في كل عشرة أيام لأن أكثر عادة النساء ذلك، وقال كثير منهم: تصلّي عشرة أيام، وتدع الصلاة عشرة أيام ما دام الدم مستمراً
بها ... » (2).
(1) الشماخي: الإيضاح، 229/ 1 - 231. - ابن بركة الجامع، 228/ 2، 229. ـ الجيطالي: قواعد الإسلام مع الحاشية لأبي ستة، 273/ 2 - 276.
(2) ابن بركة: كتاب الجامع، 226/ 2 - 227. - الجيطالي: قواعد الإسلام مع الحاشية لأبي القصبي الجربي، 2/ 285 - 286.
ستة (3/395)
صفحة 1544
396
القواعد الفقهية عند الإباضية
المسألة الخامسة طلوع الدم ونزوله عند الحائض والنفساء: قد تعتري المرأة الحائض أو النفساء حالات غير معتادة، فتتغير عادتها، ويأتيها الدم المعتاد قبل موعده المألوف، وقد يتأخر فيلتبس عليها الأمر، فلا تدري هل هو حيض أم استحاضة؟ وهل تترك الصلاة والصوم؟ أم تبقى على عادتها ولا تنظر إلى هذا الاضطراب في النزول والصعود؟ فما رأي فقهاء الإباضية في مثل هذه الحالات؟
قال الشماخي في بيان ذلك والطلوع والنزول إنما هي زيادة الحيض ونقصانه، وذلك إذا كان للمرأة وقت معلوم في الحيض والنفاس، فإنها تطلع في الحيض من ثلاثة إلى عشرة وهو أكثر أيام الحيض، وفي النفاس من عشرة إلى أربعين؛ لأنه أكثر أوقات النفاس، وتنزل في الحيض من عشرة إلى ثلاثة؛ لأنها أقل الحيض، وفي النفاس من أربعين إلى عشرة؛ لأنها أقل النفاس، ويكون الطلوع بالدرجات باليوم واليومين والأكثر حتى تنتهي إلى أكثر أيام الحيض، ويكون الطلوع بمرة واحدة إلى أكثر الأوقات ... ).
ويبين الشماخي كيفية البناء على الأصول، فيقول: «وتفسير هذا البناء: أن ترى الدم أول ما تراه، فيتمادى عليها يومين، أو يوماً واحداً عند بعضهم، ثم ترى الطهر وتصلي به سبعة أيام، وفي العاشر رأت دماً ثم انقطع، فإنّ هذه عند بعضهم وقتها ثلاثة أيام؛ لأنها تلفق أيام الدماء وتترك أيام الطهر. وقال آخرون: وقتها عشرة أيام تلفّق أيام الدماء وأيام الطهر؛ لأن أيام الطهر لا يخلو أن تكون أيام حيض أو أيام طهر، فإن كانت أيام طهر ليس يجب أن تلفق أيام الدماء إذا تخللها طهر، وإن كانت أيام حيض فيجب أن تلفقها».
واختار الشماخي ألا تعتبرها أيام طهر فقال: «والنظر عندي أنها ليست بأيام طهر؛ لأن أقل الطهر عشرة أيام، ويجب على هذا أن تكون أيام حيض
(1) الشماخي: الإيضاح، 233/ 1 - 234. (3/396)
صفحة 1545
الفصل الخامس: القاعدة الفقهية الكبرى الخامسة
397
كلها، لأنها أيام الحيض والنفاس تجري ثم تنقطع يوماً أو يومين أو أكثر، كما تنقطع ساعة أو ساعتين أو أكثر في النهار ... ).
وفي موضع آخر صرح الشماخي بالضابط الذي وضعه الإباضية لضبط مسألة البناء على الأصول، أو الطلوع والنزول في دماء النساء، وبين أنهم اختلفوا فيما يكون أصلا للمرأة تبني عليه في الحيضة الأولى والنفاس الأول، وذكر أن بعضهم يرى يومان للحيض وحيضة واحدة ـ وهي عشرة أيام ـ للنفاس ويبني عليهما، ونفى أن تكون الصفرة والكدرة والثريّة والعلقة أصلاً لبناء الحيض أو النفاس عليها، ولا حكم لهذه المعاني، إنّما الحكم لما سبقهم وتقدّمهم، فإن
(2)
سبقهم دم فحكمهم حكم الدم، وإن تقدمهم طهر فحكمهم حكم الطهر (2). وأما النفاس إذا نفست وليس لها وقت فدام بها النفاس حتى أتمت أربعين يوماً ولم تر الطهر فتمادى بها الدم، فإنها تصلّي عشرة أيام بعد الانتظار، ثم تعطي للحيض، وإن رأت الطهر بعد ذلك فيما ردّت ثلاثة أيام إلى عشرة، اغتسلت وصلت ويكون ذلك وقتها للحيض، وأما النفاس فإنما هو حيض زادت أيامه (3).
أما إباضية المشرق فلهم ضوابط أخرى يعتمدوها لضبط مسألة الطلوع والنزول في دم النساء، ويطلقون عليها انتقال الحيض، وقد بحث الإمام السالمي هذه المسألة في المعارج» وأشار إلى الخلاف الحاصل بين إباضية المشرق والمغرب في هذه المسألة فقال: « ... هذه المسألة انتقال مدة الحيض إلى الزيادة والنقصان ويعبر عنها أصحابنا من أهل المغرب (4) ـ رحمهم الله
(1) الشماخي: الإيضاح، 211/ 1 - 212.
(2) الشماخي المصدر نفسه، 211/ 1، 219. ـ ابن بركة: الجامع، 2/ 230 - 231.
(3) الشماخي نفسه، 195/ 1. الجناوني: كتاب الوضع،
ص
75 - 76
(4) يقصد به الإباضية المتواجدون في المغرب الإسلامي قديماً، ويطلق عليه حالياً الجزائر
وتونس وليبيا، والمغرب الأقصى. (3/397)
صفحة 1546
398
القواعد الفقهية عند الإباضية
تعالى ـ بمسألة الطلوع والنزول، وأنت خبير بأن هذه المسألة مبنية على القول بثبوت الأوقات في أكثر الحيض وأقله ...
وأما على مذهب من لا يحدد بالأوقات فلا تتمشى على قاعدته هذه المسألة؛ لأنه لا يعتبر الأيام والليالي في ذلك، وإنما يعتبر إقبال الحيضة وإدبارها). وبعد أن حدد السالمي ضابط هذه المسألة عند المشارقة شرع في توضيحه فقال: «إن المرأة إذا حاضت في أول حيضة، ثم طهرت كان ذلك الوقت أصلاً لحيضها، وتكون تلك المدة هي عدتها فيما أقبل من زمانها، فإذا استمر بها الدم بعد ذلك الوقت في الحيضة الثانية أو الثالثة انتظرت عند من أثبت عليها الانتظار، على ما تقدم من الخلاف فيه، ثم اغتسلت وصلت. فإذا تكررت عليها تلك الزيادة مراراً فإما أن تكون زيادة منضبطة، أو تكون زيادة غير منضبطة.
فإذا كانت غير منضبطة فلا تنتقل بها عن حكمها الأول، بل يكون وقتها الأول هو وقت حيضها، وذلك كما إذا جاءتها الزيادة في المرة الأولى يوماً وفي المرة الثانية يومين مثلاً فإن هذه الزيادة غير منضبطة في نفسها، فلا تصلح أن تكون قاعدة لغيرها.
وإن كانت تلك الزيادة منضبطة فإن تكررت عليها ثلاث مرات انتقلت في الرابعة، وذلك أن يكون وقتها خمسة أيام مثلاً فتزيد يومين في ثلاث
حيض، فإنها تنتقل في الرابعة إلى سبعة أيام ويكون ذلك وقتها (2).
ويضيف السالمي بيانه لأحكام الحيض في حالة النقصان: «وإذا تكررت بالنقصان فإنها تنزل عن وقتها الأول إلى ما دونه بما إذا توالى عليها ثلاث
مرات كل ذلك دون وقتها الأول.
(1) السالمي: المعارج، 50/ 4 - 51. (2) السالمي: المصدر نفسه، 51/ 4 - 52. (3/398)
صفحة 1547
الفصل الخامس: القاعدة الفقهية الكبرى الخامسة
399
وإن أُمرت بالاغتسال والصلاة من حين ما ترى الطهر في أيام حيضها، فإن
ذلك الأمر مبني على الاحتياط لا على الانتقال.
وقيل: إذا تحول إلى وقت أو عدد ثم دام على ذلك مرتين فقد صار لها وقتا وتدع الوقت الأول.
في
وقيل: تنتقل بمرة واحدة في الطلوع والنزول.
وقيل: تنتقل في الطلوع بثلاث مرات، وفي النزول بمرتين، واختاره الشيخ عامر (الشماخي) في إيضاحه)، وأطفيش في الشامل)، وتبعهما الراشدي. وقيل: لا تتحول عن وقتها الأول ولو زاد من بعد أو نقص، وضعفه الشيخ عامر في إيضاحه، وعلل ذلك بأن دم الحيض يزيد وينقص ذلك موجود النساء، ولذلك صارت أوقات النساء، ولو كان لا يزيد ولا ينقص لكان أوقات النساء كلها متفقة، وأهل الترفُه والشعة من النساء في زيادة الحيض، وكذلك أهل الجهد منهن في نقصان الحيض بخلاف غيرها ... » (4). قال السالمي معقبا على هذه الأقوال ومشيراً إلى اعتبار العادة في مثل هذه الحالات: ولعلّ حجة القول الأول: أن الثلاث المرات إذا توالت تكون عادة، وأمر الحيض مبني على العادة.
(E),
وأما القول بأنها تنتقل بمرتين، فإنه مبني على القول بأن أقل الجمع
اثنان، فالمرتان عادة عند هذا القائل. - وأما القول بأنها تنتقل بمرة، فدليله ما روي أنه قال عليه الصلاة والسلام لفاطمة بنت حبيش: «إذا أقبلت الحيضة فاتركي لها الصلاة، وإذا أدبرت وذهب قدرها فاغتسلي الدم عنك وصلي».
(1) الشماخي عامر بن علي: الإيضاح، 235/ 1. (2) أطفيش: شامل الأصل والفرع، 237/ 1. (3) الراشدي سفيان جواهر القواعد، ص 164. (4) الشماخي: المصدر نفسه، 1/ 235 - 236.
(5) سبق تخريجه. (3/399)
صفحة 1548
400
القواعد الفقهية عند الإباضية
وضعف الشماخي هذا القول وعلله بأن القائل بذلك جعلها كالمبتدئة في كل مرة، وقال: «وهو عندي ضعيف؛ لأنّه لا ترجع عند الاختلاط إلا إلى ما كان معتاداً بخلاف المبتدئة، والمعتاد لا يكون بمرة واحدة، وإنما يكون معتاداً بثلاث مرات أو مرتين، وهو أقل الجمع عند بعضهم». وأما القائل بأنها تطلع بثلاث وتنزل بمرتين فاستدل بالتفرقة بأن الطلوع زيادة في الحيض، فلا تترك بتلك ما تيقنت وجوبه من العبادات، إلا بالعدد الذي اتفقوا أن تكون تلك الزيادة بها دم حيض وهو ثلاث مرات، والنزول بخلافه؛ لأنها لا تترك عبادة متيقنة في النزول، فلذلك قال: إنها تنزل بمرتين وهو أقل الجمع عند بعضهم، بل الواجب عليها أن تصلي وتصوم في الطهر إذا رأته داخل وقتها لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا أدبرت الحيضة فاغتسلي فصلّي (2) (3). هذا، وقد نقل الراشدي في قواعده أن القطب رحمه الله يرى أن انتقال المرأة عن المعتاد به في الحيض بالنقص يكون مرتين، وبالزيادة ثلاثاً على ما صححه في «الشامل» بما نصه: «ولو خالف ذلك في المرة الأخرى حتى يخالفه بالنقص مرتين متواليتين أو بالزيادة ثلاثاً متواليات فإنها تنتقل»). ويبدو من عبارة القطب أنه وضع للمرأة الحائض ضابطاً تضبط به حالات النزول والصعود في الحيض، ولا تتسرع في تغيير عادتها وانتقالها إلى عادة جديدة بمرة واحدة، إلا إذا تكررت حالة النقص مرتين متتاليتين، أو زادت عن حالتها السابقة ثلاث مرات متتاليات وما أقره القطب وتبعه فيه الراشدي هو المعتمد والمعمول به عند جمهور الإباضية المعاصرين، وقد سئل سماحة شيخنا أحمد الخليلي - يحفظه الله ـ عن امرأة كانت عادتها في الحيض خمسة
(1) الشماخي: الإيضاح، 236/ 1. السالمي: المعارج، 53/ 4.
(2) سبق تخريجه من حديث فاطمة بنت أبي حبيش.
(3) الشماخي: المصدر نفسه، 236/ 1 - 237. السالمي: المصدر نفسه، 52/ 4 - 53. (4) القطب أطفيش شامل الأصل والفرع، 2371. الراشدي: الجواهر، ص 164. (3/400)
صفحة 1549
الفصل الخامس: القاعدة الفقهية الكبرى الخامسة
2 - 1
أيام، وفي الفترة الأخيرة أصبح يعادوها خروج الدم بعد أن تطهر، وبعد الخمس، وغالباً ما يعاودها في اليوم التاسع أو العاشر، فهل يعتبر هذا الدم الأخير دم حيض أم دم استحاضة؟
هي
فأجاب بما نصه: «ثبت في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «أقل الحيض ثلاثة أيام وأكثره عشرة أيام). وهذا يعني أن حيضة المرأة لا تتجاوز عشرة أيام منذ بدايتها إلى نهايتها، فإن كانت لها عادة معلومة فتلك العادة المحكمة إذا التبس عليها الأمر عندما تستحاض فإن رأت طهراً بعد عادتها وأدرف بالدم مرة أخرى فلا تلتفت إليه، بل تستمر على صلاتها وصومها، اللهم إلا إذا تكرر لها ذلك ثلاث مرات، فقيل: تعطيه للحيض، وفي هذه الحالة وهو رأي علمائنا العُمانيين» (2).
خلاصة القول:
وهكذا بعد عرض أحكام مسائل الحيض والنفاس المختلفة يتبين لنا أن معظمها لا يستند فيه الفقهاء إلى النصوص الشرعية من القرآن أو السنة أو الإجماع، وإنما مستندهم في ذلك غالباً إلى التجربة والعادة الجارية في أحوال النساء، وكذلك تعددت أقوالهم واختلفت آراؤهم وتشعبت إلى درجة يعسر على الدارس استيعابها، ولذلك يتحرج بعض الفقهاء في الإجابة عنها، لأن جل هذه الأقوال تعتمد على غلبة الظن واطمئنان النفس وليست مبنية على اليقين ولا يمكن الجزم بصحتها لأنها صدرت عن اجتهاد بعد النظر في أحوال النساء وعادتهن في الدماء. وللتخفيف والتيسير ورفع الحرج والمشقة عن النساء فقد حاول بعض الفقهاء وضع ضوابط خاصة لضبط بعض الحالات المستعصية والمتكررة والمنتشرة بين يرجع إليها عند الحاجة، وقد أشار ابن بركة إلى هذا الأمر فقال: «وكذلك
النساء
(1) تقدم تخريجه.
(2) الخليلي أحمد بن حمد: الفتاوى الكتاب الأول، ص 17 – 18. (3/401)
صفحة 1550
402
القواعد الفقهية عند الإباضية
المرأة تترك الصلاة ويحكم لها بالحيض إذا طبق الدم بها بغير يقين أنه دم حيض، ولا الوقت الذي تركت فيه الصلاة وقت حيضها، ولكن لما كانت عادتها جرت بأن تحيض في مثل ذلك الوقت أو في كل شهر حكم لها على التحري وقتاً تدع فيه الصلاة، فقد جاز أن تترك الصلاة لعلّة الصيام في شهر رمضان وقتاً لأجل حيض، يحكم به لها مع التحري لوقتها إلا بيقين معها، ومع من حكم به لها ....
ثانياً: تحكيم العادة في الصلاة
وردت في المصادر الإباضية بعض المسائل في الصلاة والإمامة احتكم فيها الإباضية إلى العادة والعرف؛ لأنه لا توجد نصوص تنص عليها، أو جاءت فيها نصوص عامة فخصصتها العادة أو العرف أو كانت مطلقة فقيدت بالعادة الجارية بين الناس، من ذلك:
1 - الشك في قراءة الفاتحة مع الإمام من صلى وراء الإمام وشك في قراءة الفاتحة بعد أن تجاوزها الإمام، فإنه إن ترك قراءتها اعتماداً على أنه قرأها وسكت، ثم شك في ذلك، فإنه يسعه ذلك بشرط ألا يكون في العادة يترك قراءتها مع الإمام، فإن كانت له عادة في ذلك، فعليه قراءتها؛ لأن العادة محكمة» (2).
2 ـ في تحديد المسافة بين الإمام والمأموم: ذكر أهل العلم أنه يجب على المأمومين إذا كانوا جماعة مصطفة خلف الإمام أن يتركوا بينهم وبينه مسافة قدر مربض شاة، لحديث سهل بن سعد قال: «كان بين مُصلَّى رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين الجدار ممر الشاة» (3).
(1) ابن بركة كتاب التعارف، ص 35 - 37.
(2) الخليلي سعيد (المحقق: كتاب تمهيد قواعد الإيمان، 101/ 5. (3) متفق عليه، رواه البخاري، كتاب الصلاة، أبواب سترة المصلي، باب قدر كم ينبغي أن يكون (3/402)
صفحة 1551
الفصل الخامس: القاعدة الفقهية الكبرى الخامسة
403
وجه الاستدلال بالحديث
أشار السالمي إلى مدلول هذا الحديث فذكر أنه «يفيد أن النبي صلى الله عليه وسلم جعل الجدار سترة للإمام، والإمام سترة للجماعة، فوجب أن يتساويا في مقدار المسافة، وذلك أقل ما يؤمر به، وأكثر ما يكون بينه وبينهم قدر مريض ثور، فإذا تباعدوا، فإلى خمسة عشر ذراعاً، وإن زاد على ذلك فلا تصح صلاتهم بصلاته. وكذلك يكون القدر بين الصفين والثلاثة وإن تباعد الصف عن الصف أكثر من خمسة عشر ذراعاً، فلا تجوز صلاتهم حتى قال أبو معاوية (عزان بن الصقر) في رجل وجده وعنده متاع في أقصى المسجد فخاف على متاعه أن يتلف قال: ليس له أن يصلي بصلاة الإمام، فإن صلى فعليه النقض. ورخص غيره أن يصلي هناك لأجل الضرورة، وقيل: لا يصلّي، فإن صلّى فصلاته تامة). وذكر أبو إسحاق الحضرمي أن من نواقض الصلاة، أن يكون بين المأمومين وبين الإمام أكثر من مدّ الصوت، ومقتضاه أن ما دون ذلك غير ناقض (2). وأفاد السالمي أن هذا التحديد كله إنما هو في موضع لم يحل بين الإمام والجماعة حائل لا منفذ فيه كحائط وستر ونحو ذلك، فإن كان حائلاً لا منفذ فيه، وكان يمنع الوصول إلى الإمام أو النظر إليه أو إلى من خلفه، فسدت صلاتهم، إذ الحيلولة بذلك تمنع الاجتماع، وإن كان فيه منفذ جازت حتى قيل: يجوز للرجل أن يصلّي في بيته بصلاة الإمام إذا كان بينه وبين المسجد باب مفتوح ولم يقطع بينهم طريق (3).
بين المصلي والسترة؟ حديث: 483. ومسلم، كتاب الصلاة، باب دنو المصلي من السترة، حديث: 817. عن سهل بن سعد
الأنصاري.
(1) السالمي: معارج الآمال، 9/ 191 – 192 بتصرف.
(2) الحضرمي أبو إسحاق إبراهيم بن قيس: مختصر الخصال، ص 69.
(3) السالمي: معارج الآمال، 192/ 9 - 193. الحضرمي: مختصر الخصال، ص 69. (3/403)
صفحة 1552
القواعد الفقهية عند الإباضية
404
واشترط بعض الفقهاء أن يكون المنفذ أكثر من ثلاثة أشبار قياساً على السترة، وقيل: حتى يكون موضعاً يدخل الرجل منه بغير معالجة، وإن كان أقل امتنعت ولم يشترط بعضهم شيئاً من ذلك بل قالوا: إذا كانت كوة يبصر منها الإمام أو من خلفه، جازت الصلاة بصلاة الإمام.
ونقل السالمي عن الشافعية أنهم اشترطوا في الفضاء أن لا يزيد بين الإمام والجماعة ولا بين الصفوف على ثلاثمائة ذراع. قال الرملي: ولا تضر زيادة أذرع يسيرة كثلاثة ونحوها (1).
وقال غيره: ولو كان المأموم والإمام في البر؛ فالمأموم في سفينة والإمام في أخرى وهما مكشوفان، فالصحيح أنه يصح الاقتداء به إذا لم يزد ما بينهما على مقدار ثلاثمائة ذراع كالصحراء.
وقال النووي: وكذا لو كان أحدهما في سفينة، والآخر على الشط وإن كان مسقفتين فهما كالدارين والسفينة التي فيها بيوت كدارات البيوت، قال: وهذا التقدير مأخوذ من العرف (2).
ويوضح السالمي مرادهم بالفضاء أنه الموضع الذي لا حائل فيه بين المصلّي يمنع التطرق والمشاهدة في أي محل كان فهو عندهم فضاء ولو كان محوطاً أو مسقفاً، مملوكاً أو مواتاً أو وقفاً.
ـ ويعد عرض مختلف الأقوال في تحديد المسافة الجائزة بين الإمام بأن هذا القول هو مذهب الإباضية وهو ألا يزيد على خمسة
والمأمور صرح عشر ذراعاً، وقد تعجب من رأي الإباضية وغيرهم في تقدير المسافة الفاصلة بين الإمام والمأموم، حيث استندوا في تحديدهم إلى العرف ولا سند لهم
(1) الرملي نهاية المحتاج شرح المنهاج للخطيب الشربيني، طبعة مصطفى الحلبي، القاهرة،
98/ 6
(2) السالمي: المرجع السابق، 193/ 9 - 194. - النووي: المجموع شرح المهذب للشيرازي،
308/ 4 (3/404)
صفحة 1553
الفصل الخامس: القاعدة الفقهية الكبرى الخامسة
405
ثابت من النص، وكأنه بذلك لا يرى تحكيم العرف في العبادات؛ لأنها أمور تعبدية وتوقيفية، فيقول: «ولا أعرف الوجه في التحديد عندنا ولا عند قومنا إلا ما ذكره الرملي بأن ذلك التقدير عندهم مأخوذ من العرف» (1).
وهكذا نجد السالمي يخالف الإباضية وغيرهم فيما ذهبوا إليه من اعتبار العرف والعادة في العبادات، وتحكمه في مسألة سترة الصلاة، وفضل الاحتكام إلى النصوص الشرعية الثابتة وجعلها سنداً في تحديد المسافة بين الإمام والمأموم فيقول: «ولعل أصحابنا - رحمهم الله - أخذوا ذلك التحديد من أحوال الصفوف خلف النبي صلى الله عليه وسلم أو فهموه من حديث سهل بن [أبي] حثمة مرفوعاً: «إذا صلّى أحدكم إلى سترة فليدن منها لا يقطع الشيطان صلاته» (2). واستدل أيضاً بأن الفرض من الجماعة الاجتماع، والتباعد مناف لذلك. وأيضاً فقد قال تعالى: {وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا} (الأعراف: 204)، والتباعد لا يتأتى معه الاستماع فلا يتم الواجب إلا بالقرب من الإمام (3). الإمام» (3).
مجمل القول: إن الأصل في المسافة الفاصلة بين الإمام والمأموم لم ينص عليها الشارع ولم يحددها الرسول صلى الله عليه وسلم باب الأذرع ولا بالأشبار، وإنما دعا إلى الاقتراب من الإمام وعدم التباعد عنه، ولم يقيد ذلك بل تركه مطلقاً. فاجتهد الفقهاء في تحديد هذه المسافة حتى يتجنبوا نقض الصلاة بطول المسافة بين الإمام والمأموم، وحسب ما يظهر من كلام السالمي وغيره أن الفقهاء لاحظوا من خلال أحوال الصفوف التي كانت تقف خلف النبي صلى الله عليه وسلم حيث كانت المسافة بينه
(1) السالمي: المرجع نفسه، 194/ 9.
(2) رواه أبو داود، كتاب الصلاة، باب الدنو من السترة رقم 695، والنسائي في المجتبى، كتاب القبلة، باب الأمر بالدنو من السترة، رقم 748، عن سهل بن أبي حثمة. الزيلعي: «قال
النووي في «الخلاصة: إسناده صحيح. نصب الراية، 47/ 2.
(3) السالمي: المرجع السابق. (3/405)
صفحة 1554
406
القواعد الفقهية عند الإباضية
وبين المصلين قريبة، ولا يوجد بينهم وبين الإمام فاصل يفصلهم عنه، فقدروا هذه المسافة بمربض الشاه أو الثور، أي في حدود خمس عشرة ذراعاً، وما زاد فيها عن ذلك ينقض الصلاة، على أنه يمكن الجمع بين القولين بأنه إذا كان المأمومون في حالة الاختيار، فيجب عليهم الاقتراب من الإمام قدر مربض الشاة، فإن حال بينهم وبين الإمام أو الصفوف التي خلفه حائل، فإنه يجوز ذلك بشرط عدم تجاوز أقصى المسافة المشار إليها، وهذا عند الضرورة، والضرورة تقدر بقدرها»، وبذلك نكون قد جمعنا بين رأي الجمهور ورأي السالمي في العمل بهما حسب الأحوال، فالأولى تحديد المسافة بالنص فإذا تعذر ذلك، ولم يرد نص صريح من الرسول صلى الله عليه وسلم يحدد ذلك فنحتكم إلى العادة والعرف الجاري في البلد، ما دام معتبراً في الشرع وأصلاً من أصول التشريع الإسلامي.
ثالثاً: تحكيم العرف والعادة في الزكاة
في منح الزكاة للبنات المقبلات على الزواج ومن مسائل الزكاة المعاصرة ما ذكره بعض العلماء في حكم إعطاء الوالد زكاته لبناته البالغات لتجهيزهن للزواج، وقد اختلف فقهاء الإباضية في حكم هذه المسألة، فذهب بعضهم إلى منع ذلك مطلقاً؛ لأنه تجب عليه نفقتهن فلا تعطى الزكاة لمن يعول، ومنهم من رخص فيه على شرط أن تكون فقيرة ومقبلة على الزواج، وتصرفها في الضروريات استناداً إلى العرف الجاري في البلد.
- سئل الشيخ عبد الرحمن بكلي الله عن رجل متوسط الحال عليه زكاة، وله بنات عديدات، فهل له أن يعطيهن من زكاته ما يلزم لزواجهن؟ فأجاب: «أجل، له أن يعطيهن من زكاته على من لا يلزمه نفقتهن بعد البلوغ، أما من يلزمه نفقتهن ما لم يتزوجن ويُجلبن، وإن كن بالغات، فلا يجوز له أن يعطيهن من زكاته، وحيث أن البنات لا يملكن في الغالب أموالاً بل (3/406)
صفحة 1555
الفصل الخامس: القاعدة الفقهية الكبرى الخامسة
407
يظللن عالة على آبائهن، وقد جرى العرف عندنا (1) أن الأب يتكلف ـ بحكم التكافل العائلي - بتجهيز ابنته لدى الزواج، وإن استدان لذلك، وحيث أن الأب غير متوفر الحال ليس في استطاعته أن يقوم بتجهيز بنات عديدات، وحيث أن نفقات التجهيز نفقة غير واجبة على الأب لبناته، فالمستحسن أن يعطي زكاته لمن ليس لها منهن مال لتجهيزها، شريطة أن يقتصر على ما هو ضروري لزواجهن ولا ينفق في الزوائد التافهة، والكماليات» (2).
- في إخراج المؤجر زكاة الأجير:
إذا تعاقد التاجر مع أجير ليعمل معه في تجارته، وكان الأجير يترك أجرته عند المؤجر، فلما بلغت نصاب الزكاة، وجب عليه إخراجها، فتولى المؤجر ذلك من ماله الخاص مقابل الانتفاع بأجرة العامل، فهل يجوز له ذلك؟ أم يدخل هذا التصرف في شبهة الربا؟
- ورد على الشيخ عبد الرحمن بكلي الله سؤال في هذا الشأن مفاده أنه جرى العرف التجاري أن الصانع الذي يترك أجرة عمله بين يدي معلمه (رب العمل) ـ وهذا يستفيد منها طبعاً ـ يلتزم المعلم أو يتبرع بإخراج زكاته من ماله فهل يكفي ذلك عنه، سيما إذا اتفقا على ذلك من أول الأمر، ألا ذلك كفائض يأخذه على وديعة أو كقرض جرّ منفعة؟ أم ثمّ مخرج
يعتبر
يقره الشرع؟».
فأجاب الشيخ: «أجل، هناك مخرج يبعد بهما عن المحذور، ذلك أن لا يسقطها التاجر من ماله ويعتبرها دَيْناً فى ذمته، وأنت خبير أن هناك فريقاً من علماء الإسلام كإبراهيم النخعي، وابن عباد المصري من أصحابنا (الإباضية)
القدامى يقول: إن زكاة المال على المديان من أكل مهنأة لزمه زكاته.
(1) يشير إلى ما جرى عليه العمل في بلده بوادي ميزاب بالجزائر من تجهيز الوالد لبناته في الزواج. (2) بكلي عبد الرحمن فتاوى البكري، 164/ 1 - 165. (3/407)
صفحة 1556
408
القواعد الفقهية عند الإباضية
وعليه فلا حرج على الأجير إذا أدى عنه التاجر زكاة أجرته؛ لأنه لما يقبضها بعد ولا أخرجها التاجر من ماله فعلاً (1).
ويستنتج من عبارة البكري أن زكاة الأجير لا تسقط عليه في الأصل، بل تبقى ديناً عليه ولو دفعها عنه المؤجر، حيث لم يستطع إخراجها من ماله الخاص في وقتها؛ لأن أجرته ما زالت تحت تصرف المؤجر لم يقبضها منه بعد، فيجوز للمؤجر أن يخرجها نيابة عنه في وقتها، ويخصمها من أجرة الأجير حتى تبرأ ذمته وكذلك يفهم من عبارته أيضاً أن التاجر يمكن أن يخرجها عنه دون طلب منه مقابل انتفاعه بأجرة العامل، وذلك من باب المسامحة، فكأنما أخرج زكاة ماله ما دام لم يسلمه لصاحبه، أما إذا اشترط الأجير ذلك فلا يجوز؛ لشبهة الربا، فالزكاة تجب على صاحب المال سواء كان تاجراً أو أجيرا ما دام المال بلغ النصاب، ومن جهة أخرى قد تكون أجرة العامل ديناً في ذمة التاجر فلا يجوز للأجير أن يطلب من التاجر فائدته، كأن يتحمل عنه زكاة أجرته أو يدفع عنه ضريبة لزمته، فما يدفعه عنه هو بمثابة قرض جز منفعة وهو عين الربا والله أعلم.
رابعاً: تحكيم العرف والعادة في الأيمان والقسم: نص ابن بركة والعوتبي على أن الإيمان على الإرادات والمقاصد والعادات مع تعلق الأسماء بمسمياتها» (2).
الحالف.
ويفيد هذا النص أن الأيمان مردّها إلى العادات الجارية في كلام الناس إذا غاب القصد من وقد حكم الإباضية العرف والعادة في كثير من الفروع الفقهية إذا تعذر معرفة نية الحالف وقصده، من ذلك:
(1) بكلي عبد الرحمن المرجع السابق، 162/ 1.
(2) ابن بركة: الجامع، 2/ 89 - 90. - العوتبي سلمة بن مسلم الصحاري: كتاب الضياء، 14/ 3. (3/408)
صفحة 1557
409
الفصل الخامس: القاعدة الفقهية الكبرى الخامسة
??
1 - في الحلف بالأكل والشرب: ما ذكره ابن بركة البهلوي أن من حلف لا يأكل البيض ولا نية له لا يحنث بأكل بيض السمك؛ لأن عرف الناس وعاداتهم ومقاصدهم على بيض الدجاج»).
ومثله ما ذكره ابن جعفر الأزكوي أن من حلف لا يأكل اللحم أكل الطري من السمك؛ لأن الذي عند العامة أن اللحم هو لحم الأنعام، وكذلك
الطير، ولحم الغيلم (3) والسمك، إلا أن يقصد إليه بعينه في يمينه» (3). وقال الثميني في النيل وأطفيش في شرحه: (وإن حلف لا يأكل اللحم لم يحنث إن أكل سمكاً بالعرف والعادة في أن اللحم غير السمك، وقد يكون السمك في عُرف قوم وعادتهم لحماً فيعترف كل أحد عرف نفسه (ولزمه بمقتضى اللفظ عند من قال: اليمين على اللفظ وإن حلف لا يأكل السمك حنث بالقاشع والكسيف وهما منه، وقيل لا.
وقال أبو عبد الله (محمد بن محبوب): من حلف على اللحم لا يأكل طري السمك، وقال في محل آخر: إن السمك ليس من اللحم إلا إن نواه، وخالفه القطب أطفيش واعتبره من أنواع اللحم، فقال: والحق أنه منه لنص القرآن إلا إن نوى الحلف خروجه أو اعتاد أنه لا يسمى لحماً أقل ما يكون به غير طري بل مالحاً يوم وليلة، وزعم بعض أن من حلف عن لحم الغنم فأكل الظباء والوعل يحنث إن لم يعن غيرها بل أرسل وزعم أن من حلف على لحم الشاة لا يحنث بالتيس إن أرسل ... » (4).
(1) ابن بركة: الجامع، 89/ 2.
(2) الغليم: الضفدع.
(3) ابن جعفر: الجامع، 458/ 3.
(4) أطفيش: شرح كتاب النيل وشفاء العليل لعبد العزيز الثميني، 305/ 4 - 306. (3/409)
صفحة 1558
21.
القواعد الفقهية عند الإباضية
2 ـ في الحلف بالسكنى والإقامة والطلاق:
ولو حلف لا يسكن بيتاً، فكل بيت من حجر أو مدر يسكن فيه حنث، وإن سكن بيتاً من شعر أو نحو ذلك لم يحنث؛ لأن البيوت المعروفة والمقصود إليها هو ما ذكرنا؛ ولا اعتبار لتسميتها في القرآن بيوتاً).
ورد ابن بركة عمّن احتج عليه في اعتبار المقاصد والعادات في الأشياء دون النظر إلى مسمياتها في اللغة فقال: «فإن قائل، فإن الله تعالى سمى بيوتاً من غير ما ذكرت وَجَعَلَ لَكُم مِّن جُلُودِ الْأَنْعَامِ بُيُوتًا) (النحل: 80)، قيل له: لو تركنا وما تقع عليه الأسماء في الأيمان لكان الحالف على أكل اللحم لا يأكل السمك إذ في القرآن تسمية السمك لحماً وَهُوَ الَّذِى سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيَّا} (النحل: 14)، وكذلك لو حلف لا يبيت تحت سقف لما كان
إذا بات تحت السماء حنث لقوله جل ذكره وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا (الأنبياء: 32)، وكذلك لو حلف لا يبيت على فراش فبات على الأرض حنث لقوله الله تعالى: {الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا} (البقرة: 22)، فإنما الأيمان على المقاصد والعادات مع تعلق الأسماء بمسمياتها ... » (3).
ورد ابن جعفر على المعترضين عليه بقوله: «فمن حلف على زوجته إن لم يطأها على، وتد فيطؤها على جبل، ولا حنث عليه؛ لأن الله تعالى قال: وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا (النبأ: (7)، أي جعلناها، إلا أن يكون للحالف نية، وإن حلف إن لم يطأها على بساط فوطئها على الأرض، ولم يطأها على بساط فقيل: إنه بحنث؛ لأن البسط معروفة مع العامة، وهي ما يمكن أن يطأ زوجته عليها، والوتد والأوتاد لا يمكن أحداً أن يطأ زوجته على شيء منها، وقد سمى الله الجبال أوتاداً، ولا يحنث إن وطئ على واحد منها ... » (3).
(1) ابن بركة: الجامع، 89/ 2.
(2) ابن بركة المصدر نفسه، 2/ 89 - 90.
(3) ابن جعفر: الجامع، 461/ 3. (3/410)
صفحة 1559
الفصل الخامس: القاعدة الفقهية الكبرى الخامسة
411
ومثله لو حلف لا يكلم بني آدم فكلّم رجلاً واحداً حنث؛ لأنه لا يقدر أن يكلم بني آدم كلّهم، ولو قال: لا آكل الطعام ولا أتزوج النساء، فإنه يحنث في أقل القليل من ذلك).
- وإذا حلف لا يسكن دار، فلان فسكن شيئاً منها، أو انهدمت وبقي موضع منها لم ينهدم فسكنه فإنه يحنث، وقالوا أيضاً فيمن حلف لا يدخل لفلان بيتاً فمشى على ظهر بيته أنه لا يحنث.
وكذلك من حلف لا يدخل بيت فلان وله بيت من الطين فدخل قبة له، فإن كان مرسلاً ليمينه فدخل قبة له أو خيمة أو عريشاً، فإنه يحنث، فإذا أوقع نيته على بيت من الطين لم يحنث إن دخل قبة، أو خيمة، أو عريشاً، وإن حلف لا يدخل بيتاً لم يدخل قبة ولا خيمة، ولا يدخل العريش، والعريش مثل القبة). ولو حلف لا يقعد هذه الدار، فجلس على أطراف بنان رجله
لا يحنث (3). ومن الصور التي ذكرها ابن جعفر في الأيمان التي لا يحنث فيها الحالف
حسب العرف الجاري، لأنه حلف بالكل وفعل البعض أن: - من حلف لا يلبس ثياب، فلان فلبس من ثيابه ثوباً واحداً، فإنه لا يحنث إذا كان مرسلاً ليمينه حتى يلبس من ثيابه ثلاثة أثواب ثم يحنث؛ لأن الثلاثة
أقل الجمع.
ومن
حلف لا يعرف مال، فلان وكان يعرف بعضه، ولا يعرفه كله فنرجو
أنه لا يحنث حتى يعرف كله.
وكذلك إن حلف لا يحفظ القرآن، وهو يحفظ بعضه فلا يحنث؛ لأنه لم
يحفظه كله.
(1) ابن بركة: الجامع، 2/ 0
(2) ابن جعفر: الجامع، 448/ 3 - 460.
(3) مجهول كتاب المعلقات، ص 53. (3/411)
صفحة 1560
412
القواعد الفقهية عند الإباضية
ومن
حلف لا يصعد هذه النخلة، ثم صعد منها بعضها فقد حنث. - وعن أبي علي (موسى بن علي الله في رجل حلف لا يحلب شاة وأنه حلب بعضها، ثم ذكر يمينه فأمسك عن الحلب، قال لا يحنث حتى يحلبها كلها (1).
- ومن الصور التي استدل بها ابن بركة على اعتبار العرف في الأيمان وتحكيمه ما ذكره في الحلف بالطلاق، أنه يحنث صاحبه خلافاً للجمهور، إذ يقول: فإن قال لها أنت طالق إن لم أضرب فلاناً وهو ميت، حنث قال: والنظر أن ضرب الأموات من بني آدم وغيرهم ليس بضرب، وأن حكم البشرية قد زال عنه عند الموت؛ لأن أيمان الناس على عرفهم وعاداتهم وما يقصدون به في أيمانهم، أن الضرب لإدخال المكروه على المضروب، والألم الذي
يوجب
يوجد
مع الضرب» (2).
ولكن جمهور الإباضية خالفوه، وقالوا: إنه لا يحنث وحكمهم هذا يستند إلى الفعل الظاهر، دون مراعاة القصد والعرف المعمول به.
خامساً: في الكفارات
3 ـ في تقدير طعام المساكين في الكفارة.
لم تحدد نصوص القرآن الكريم والسُّنَّة النبوية مقدار طعام المساكين في كفارة اليمين والظهار والقتل الخطأ، بل ترك تقدير ذلك للعرف والعادة الجارية في الناس، ولذلك اختلف الفقهاء في تقديرها، وقد أجمع فقهاء الإباضية على يلزم المطعم للمساكين في كفارة اليمين وغيرها بأكلتين مأدومتين على حسب المتوسط من عادة الناس في إطعام أهاليهم).
أنه
(1) ابن جعفر: الجامع، 3/ 460 - 463.
(2) المصدر نفسه 168/ 2 - 169.
(3) ابن بركة: الجامع، 98/ 2. (3/412)
صفحة 1561
الفصل الخامس: القاعدة الفقهية الكبرى الخامسة
413
وقد حكى ابن بركة هذا الإجماع في الجامع»، فقال: «اتفق أصحابنا فيما تناهى إلينا عنهم أن على مطعم المساكين عن كفارة الأيمان والظهار أكلتين لكل واحد منهم غذاء وعشاء أو غذاء وعشاء، أو كيف ما أطعم الأكلتين في يوم أو يومين أو أكثر، والغذاء عندهم أول أوقاته طلوع الفجر الآخر إلى نصف النهار قبل الزوال، ثم العشاء أول أوقاته إذا زالت الشمس وآخر العشاء إلى ثلث الليل، ولا ينبغي لمن أراد ذلك أن يقرب بين الأكلتين قصداً منه للنفع والربح المعجل، ولتكن رغبته وقصده فيما يتوفر عليه ثوابه عند الله، فإن قال قائل ممن يخالفنا لم أوجبتهم الأكلتين وليس في الآية تكرار الطعام والأمر إذا ورد مطلقاً وجب استعماله مرة واحدة إلا أن تقدم دلالة توجب التكرير؟
كل يوم
قيل له: قامت الدلالة من الكتاب والسُّنَّة، فأما من الكتاب فيقول الله: من أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ} (المائدة: (89). والمعتاد من طعام الناس لأهليهم في أكلتان؛ لأن النادر من فعلهم إطعام أكلة، وثلاث أكلات؛ وأما ما فعله الناس من عادتهم من إطعام لأهليهم: أكلتين» (1). وأما الدليل من السُّنَّة ما ذكره النبي لا الهلال الكعب بن عجرة وقد رآه في إحرامه والقمل ينتثر من رأسه أيؤذيك هوام رأسك؟» فقال: نعم يا رسول الله، قال: «فاحلق شعر رأسك، وانسك بشاه، أو صم ثلاثة أيام، أو أطعم ستة مساكين، كل مسكين نصف صاع».
(1) ابن بركة المصدر نفسه، 98/ 2، 99.
(2) متفق عليه، رواه البخاري، كتاب المغازي، باب غزوة الحديبية. ديث: 3968 عن كعب بن عجرة له. ونص الحديث، قال: أتى علي النبي صلى الله عليه وسلم زمن الحديبية والقمل يتناثر على وجهي، فقال: «أيؤذيك هوام رأسك؟ قلت: نعم، قال: فاحلق، وصم ثلاثة أيام، أو أطعم ستة مساكين، أو انسك نسيكة». ومسلم، كتاب الحج، باب جواز حلق الرأس للمحرم إذا كان به أذى، حديث: 2155. (3/413)
صفحة 1562
414
القواعد الفقهية عند الإباضية
قال ابن بركة معقباً: «علمنا أن نصف الصاع هو للأكلتين؛ لأن العادة الجارية أن نصف صاع بر لواحد أكلتان» (1).
علمائنا،
ويبدو أن ما ذهب إليه جمهور الإباضية فى تقدير طعام المساكين في الكفارات ليس محل اتفاق بين جميع الفقهاء، فقد نقل ابن بركة اختلاف الفقهاء في تحديد هذا القدر فقال: وإطعام المساكين في كفارة الأيمان والنذور أكلتين في اليوم عن اليمين الواحد والنذر الواحد لم أعلم خلافاً بين وروي عن ابن سيرين أنه قال: تكفي أكلة مأدومة، وعن الحسن البصري، نحو ذلك أنه قال أكلة واحدة في اليوم تكفي، والأكلة الواحدة إذا كانت من عادة الإنسان في اليوم تسمّى الوجبة، فقال: فلان يأكل الوجبة، وإن كان أكلة في كل يوم مرة، وربما يسمونها الورمة، والذي من عادته أن يشرب في كل يوم مرة واحدة يقال يشرب العصيرة ... » (2).
حَلَفَ يميناً بالله وحنث
وفي السياق نفسه سئل أبو سعيد الكدمي «عمن فيها وهو غني وطعامه البرّ وحده أو السمك وحده أو التمر وحده وهو في موضع لا يقدر على الحبّ، بما يكفّر هذا الحالف؟
قال: فمعي؛ إنه يكفّر بإطعام أهل بلده الذي عليه عامة غذاؤهم من جميع الأطعمة كما قال الله تعالى: {مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ} (المائدة: (89)، ولا يكلف من الإطعام فوق ما يطيق (3).
ويلاحظ أن أبا سعيد لم يجعل له حدّاً معيناً في الإطعام، بل ترك ذلك للعرف يحدده حسب ما تعارف الناس عليه في طعامهم وجرى عليه العمل في
بلدهم؛ لأن «العادة محكمة».
(1) ابن بركة: الجامع، 2/ 98 - 99. (2) ابن بركة: الجامع، 108/ 2.
(3) الكدمي: الجامع المفيد، 196/ 2. (3/414)
صفحة 1563
الفصل الخامس: القاعدة الفقهية الكبرى الخامسة
415
سادساً: في النذور:
سئل محمد بن إبراهيم الكندي عمن نذر على إنسان بشيء، هل هو للناذر أو المنذور عليه؟
قال: «هو على ما تجري به العادة من فعل الفاعل فإن كان المتعارف بين الناس أنه يقصد به المفعول له على وجه الهبة والعطية فهو للمنذور عليه، وإن كان ذلك مما تجري به العادة أن ذلك شيء يبيحه الناذر لمن حضر المنذور، فهو على ذلك، ويجوز من ذلك ما جرت به العادة بين الناس ومضى
عليه التعارف» (1).
(1) الكندي محمد بن إبراهيم بيان الشرع، ج 103/ 25. (3/415)
صفحة 1564
المطلب الثاني
تحكيم العرف والعادة في المعاملات
أولا في البيوع
ذكر فقهاء الإباضية جملة من البيوع يتم التعامل بها بين الناس ويحكمها
العرف والعادة من ذلك:
1 - بيع
وهو
المعاطاة:
يعني
يتم
أن يأخذ المشتري السلعة من البائع ويسلم له الثمن دون أن بينهما إيجاب وقبول، وهو أن يكون أحدهما هذه السلعة بكذا فيقول الآخر قلبت، فيتم عقد البيع بالرضى ويتم فيه تسليم الثمن والمثمن. أجاز الإباضية بيع المعاطاة ومارسوه في معاملاتهم، فقد سئل يوسف بن أبي عمران بن زكرياء (1) عن رجل جاء إلى رجل يشتري سلعة،
(1) لن نقف على هذا الاسم ولعل الصواب هو موسى بن زكرياء ـ المزاتي الزمريني - (أبو عمران) (حي في: (405 هـ / 1014 م) ووقع تصحيف في اسمه بفعل النساخ، وهو رأس من رؤوس العلم في زمانه، وهو من أهل تجديت، أو هو من زمرين. أخذ العلم عن أبي صالح بكر بن قاسم، وعن أبي القاسم يزيد بن مخلد الحامي. كان صاحب حلقة للعلم، تخرج فيها تلامذة سادوا. وكان كلّ منهم منارة للعلم، ومن هؤلاء: أبو عبد الله محمد بن بكر النفوسي (ت: 440 هـ) الذي درس عنده الفروع في قصطاليا، وكذا ابنه العالم المفتي أبو يعقوب يوسف. وكان أبو عمران أحد السبعة الذين ألفوا ديوان العزابة في غار أمجماج بجربة، وكان رأس هؤلاء، فهو الذي خطه بيده فنسب إليه. والعزابة السبعة هم: جابر بن سدرمام، وكباب بن مصلح، وأبو مجبر توزين المزاتي، وأبو عمرو النميلي، وأبو محمد بن مانوج اللمائي، وأبو يحيى زكرياء بن جرنان النفوسي. والمصنف يقع في اثني عشر جزءا. تولى نسخه أبو عمران لما خصه الله من جودة الخط، فنسب إليه التصنيف،
عبد الله
وليس له ما عليهم سوى فضل البنان، وإلا فهو كأحدهم في فضل البنيان، شريك فيما
أودعوه شركة «عنان». ويعتبر ديوان العزابة من أقدم الموسوعات الفقهية. وله أقوال مأثورة،
= (3/416)
صفحة 1565
الفصل الخامس: القاعدة الفقهية الكبرى الخامسة
417
فقال بكم هذا؟ فقال: بدينار، فقال له خذ دينارك فأعطاه الدينار وأخذ السلعة، فقال: ذلك جائز» (1). ويشير الراشدي إلى حقيقة بيع المعاطاة وحكمه عند الإباضية فيقول: وفي المعاطاة وهو إعطاء ذي سلعة مريدها ببيع وإعطاؤه الثمن بلا
عقد» (2).
وفي شرح النيل: «وذكر في الديوان (3) أنه إذا أراد الرجل أن يشتري شيئاً من رجل فليطلب إليه البيع، وإن باع له بلا طلب جاز وإن قال البائع: هاء وهاء، جاز» (4).
ويبيّن الراشدي معنى (هاء وهاء) وهو خذ وآخذ فإحداهما بمعنى الماضي، والأخرى بمعنى المضارع).
وحكم بليغة، فمن ذلك قوله مرارًا في مجالس كثيرة: «تعلم حرف واحد من العربية كتعلم ثمانين مسألة في علم الفروع، وتعلم مسألة واحدة كعبادة ستين سنة، ومن حمل كتابًا إلى بلد لم يكن فيه ذلك الكتاب فكأنما حمل ألف حمل من الدقيق، وتصدق بها على أهل ذلك البلد. وهكذا في فضل العلم وطلبه». ينظر: أبو زكرياء السيرة (ط. ت) 242/ 1، 253؛ 284/ 2، 352 (ج) 253، 264 الدرجيني طبقات، 159/ 1، 160، 169؛ 391/ 2، 401، 409 - 411 - البرادي: الجواهر المنتقاة، 220 الشماخي: السير، 73/ 2، 74، 141. سالم بن يعقوب: تاريخ جربة، 98 دبوز تاريخ المغرب، 397/ 3، 411. (1) مجهول كتاب المعلقات، ص 43.
(2) الراشدي: جواهر القواعد، ص
152 - 153
(3) هناك ديوانان في الفقه عند الإباضية مشهورة عند المغاربة ديوان الغار، وقد ألفه سبعة من علماء القرن الرابع الهجري في اثني عشر جزءا، وديوان الأشياخ، ويطلق عليه أيضاً «ديوان العزابة» وقد ألفه عشرة من علماء القرن الخامس الهجري، يوجد في خمسة وعشرين جزءا، والظاهر أنه هو المراد، لأنه موجود إلى اليوم، وأما الآخر فإنه مفقود (كما قيل). ينظر: بكلي عبد الرحمن بن عمر، تعليق على كتاب النيل وشفاء العليل، ط 2، المطبعة العربية لدار الفكر
الإسلامي، الجزائر، 1389 هـ / 1969 م، 3 1080 – 1081 بتصرف.
(4) أطفيش: شرح النيل للثميني، 204/ 8.
(5) الراشدي: جواهر القواعد،
ص
153 (3/417)
صفحة 1566
418
القواعد الفقهية عند الإباضية
وقد صرح الثميني أيضاً بجواز هذا البيع مشيراً إلى أنه يجري التعامل به استناداً إلى عرف الناس فقال: «وقد جاز في العرف أن يأتي المرء بدراهم إلى خباز أو جزار أو غيرهما ويسلمها إليه من غير أن يقول له بع لي بها، فيقبضها الخباز أو نحوه منه ويسلّم إليه ما أراد من ذلك، فيتصرف كل بما أخذ من الآخر ويأكله وتطيب نفسه، كمبايعة العجم والصبيان بلا خطاب، وإن وجد من الصبيان فهو كعدمه، ويتم ذلك إذا تمم ولم يقع فيه ترافع إلى الحاكم، وهذا الباب طويل ومرجعه إلى التعارف وسكون القلب ... » (1).
مجمل القول:
يبدو أن فقهاء الإباضية لم يمنعوا هذا البيع ما دام فيه تراض بين الطرفين، ولم يترتب عليه خلاف ولا نزاع من أحد العاقدين، وقد أصبح هذا البيع منتشراً في عصرنا ولم نعلم من العلماء من ينكره أو يحرمه، ما دام قد توفرت فيه شروط عقد البيع الصحيح. وقد سئل ابن بركة البهلوي عن حكم هذه البيوع فأجازها أيضاً كما يستظهر من عبارته: «قلت: فما تقول في هذه البياعات التي تجري بين العامة ممن يسلم المشتري الدراهم إلى الثمار والخباز، ولم يقل له بع لي به فيقبض منه ويسلّم إليه، فيقول: إن كان هذا أخذ منهما، فقد ملك ما صار له وطاب له أكله. قلت: وكذلك الرجل يصل إليه صاحب البطيخ فيدفع إليه الفضة (الثمن) ويسلّم إليه صاحب البطيخ بطيخة أو أكثر وينصرف، أو يدفع إلى صاحب البقل رغيف خبز فيسد له البقل، ولا يكون بينهما خطاب في ذلك من ذكر أيكون هذا بيعاً صحيحاً؟ بيع
قال: نعم، إذا تتامموا عليه ولم يتناقضوا ولم يدفعوا فيه إلى الحاكم» (2).
(1) الثميني: الورد البسام، ص 261. (2) ابن بركة كتاب التعارف، ص 45. (3/418)
صفحة 1567
الفصل الخامس: القاعدة الفقهية الكبرى الخامسة
419
الأهلية
2 ـ في التعاقد مع ناقصي سئل ابن بركة عن حكم البيع إذا صدر من مشتر قاصر كالأعجمي والصبي والعبد ومن لا يفهم كلامه وهؤلاء ونحوهم قد لا يعبرون عن قصدهم ولا يحسنون التصرف، فهل يجوز مبايعتهم والتعامل معهم؟ فأجاب: إن كان ذلك معروفاً بين الناس ويجري به العمل فيما بينهم فلا مانع من ذلك، وهذا ما تدل عليه عبارته التالية: قلت له: فالبيع يكون بغير القول؟ قال: نعم مبايعة العجم بغير قول، وكذلك الصبيان، وإن تكلم الصبيان فكلامهم في المبايعة بمنزلة السكوت فهذا على مذهب من أجاز مبايعة
الصبيان والعجم. قال: والمسترسل (المرسل) أيضاً غير مبايع والبيع عليه جائز مع سكوته. قلتُ: ولو كانت مبايعة الصبيان والعجم جائزة على قول من ذهب إلى إجازتها؟ قال بتسليم البدل إليهم. قلت: ولو كان اليتيم إذا قبض منه شيئاً من ماله ودفع البدل منه أيكون ضماناً على الدافع إليه؟
قال: إذا كان ممن يحفظ على نفسه ويأكل ما يدفع إليه وهو ممن يميّز، فهذه حال توجد في البالغ وأيضاً فإنّ إجازة ذلك على تعارف الناس فيما بينهم، وإذا كانت سنة البلد بمبايعة الصبيان والعجم جائزة بينهم، فالتعارف يوجب الإجازة لذلك» (1).
فالشارع الحكيم لم يحدد طريقة معينة في عقد البيوع بل ترك الحرية للناس في اختيار الأساليب المناسبة لتبادل المنافع بينهم ما دامت تحقق المصالح ولا تؤدي إلى مفاسد ونزاعات، وفي ذلك مراعاة للعادات والأعراف السائدة في المجتمع تخفيفاً على الناس ورفع الحرج والمشقة عنهم.
(1)
ابن بركة: كتاب التعارف، ص 45 - 46. (3/419)
صفحة 1568
420
القواعد الفقهية عند الإباضية
الأمور
هذا وقد أجاز الإباضية أيضاً التعاقد مع الصبي والمملوك في اليسيرة رغم نقصان أهلية التصرف عندهما ما داموا يحسنون ذلك إذا ثبت في العادة والعرف أن يكون بإرسال من ولي الصبي أو سيد المملوك خاصة إذا برز في السوق، ويجوز تسليم الثمن لهما إن كانا حافظي في العادة له؛ لأن العادة إذا وقعت على ذلك محكمة. فهي
قال البسيوي في بيان حكم التعاقد مع الصبيان والممالك في البيوع ونحوها: «وأما العبد فلا يجوز مبايعته إلا بأمر سيده قال تعالى: {عَبْدًا مَمْلُوكًا لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ} (النحل: 85)، أي لا يملك شيئاً، فلا يجوز بيعه بالإجماع ... ولا يجوز لأحد أن يشتري من عبد أحد ما لا يملكه، فلا يثبت البيع إلا أن يكون أمره سيده، وأذن له في التجارة، ففي إجازة البيع اختلاف، قال قوم يثبت، ولم يجز آخرون ذلك ... » (1).
ومن خلال عبارة البسيوي يظهر أن التعامل مع العبد دون إذن سيده باطل، لأنه لا يملك شيئاً، وهو في حكم فاقد الأهلية؛ لأن فاقد الشيء لا يعطيه. وقد حكى البسيوي إجماع الفقهاء على ذلك، ولكن بعد النظر في أقوال الفقهاء وجدنا من يجيز التعامل مع العبد في الأمور البسيطة، كبيع الخبز والخضر والفواكه ونحوها، وبهذا القول ينتقض إجماعه اللَّهُمَّ إن كان يقصد الأمور الكبيرة كبيع السيارات والعقارات ونحوها. أما ما نقله من اختلاف الفقهاء في البيع مع المماليك بأمر سيدهم، أجازوا ذلك لعلهم نظروا إلى أنهم وكلاء عنهم ينوبونهم في التجارة، ولولا
إذنهم
لما
صح تصرفاتهم.
فالذين
أما الذين منعوا البيع معهم مطلقاً ولو بإذن سيدهم، فلا ريب قد استندوا في حكمهم على أن العبيد لا يملكون شيئاً، بل هم ملكاً لغيرهم كالدواب، ومن لا يملك لا يصح منه التمليك.
(1) البسيوي: جامع أبي الحسن البسيوي، 23/ 4. (3/420)
صفحة 1569
الفصل الخامس: القاعدة الفقهية الكبرى الخامسة
421
صح
على أنه يمكن التوفيق بين القولين، وذلك إذا تم البيع مع العبيد دون إذن السيد فالبيع موقوف على إجازته، فإن أتمه وإن رفضه بطل. هذا وقد ذهب البسيوي أيضاً إلى بطلان تصرفات الصبي المالية فلا يجوز بيعه ولا شراؤه؛ لأنّه لا يملك القبض ولا الدفع على حد عبارته إذ يقول: «فالصبي لا يثبت بيعه، لأنه لا قبض له في ماله ولا دفع، ولا يجوز أمره: ه ولا نهيه، ومن أخذ له شيئاً ضمن له، وكذلك عقده باطل ولا يحكم به عليه ... » (1).
وذهب بعض الإباضية إلى جواز بيع الصبي والعبد إذا تعارف الناس على إرسالهم إلى السوق لشراء حاجاتهم، فيجوز التعامل معهم بما تطمئن به النفس أنهم مأمورين من أهليهم ومواليهم وبرضاهم، وليست تصرفاتهم في ذلك، فيقول البسيوي في هذا المعنى: «أما التعارف، فقد أجاز بعضهم مبايعة الصبي والعبيد من طريق الرسالة، يرسل العبد مولاه، ويرسل أهله يشتريان لهم من عند التاجر حاجتهم، فقد أجازوا ذلك من وجه
مستقلة
الصبي
الرسالة في غالب الظن والتعارف في ذلك بين الناس» (2).
هذا وذهب بعض فقهاء الإباضية إلى جواز الشراء من الصبيان حتى في الأصول الثابتة كالعقارات، والأشياء الكبيرة المنقولة كالأثاث ما دام لا يمانع وليه من ذلك، فهو بمثابة وكيله
نقل الراشدي عن بعض الإباضية جواز البيع والشراء مع الصبيان والعبيد؛ لأنه مما تعارفه الناس وجرى العمل به فيقول: «وفي الشراء من العبيد والصبيان، وإن لم يعلم إذن أوليائهم ما لم يعلم الحَجر، قال شارح النيل: قال ابن جعفر ـ رحمة الله عليهم - إن اعتيد إرسال المرأة والعبد والصبي للبيع
(1) البسيوي الجامع، 23/ 4.
(2) البسيوي: المصدر نفسه. (3/421)
صفحة 1570
422
القواعد الفقهية عند الإباضية
والشراء جازت مبايعتهم، ولكن لا ينقصهم البائع عما يبيع للكبير وللماكس
في
الأشياء القليلة» (1).
ويلاحظ من عبارة ابن جعفر أنه جعل المرأة في مرتبة الصبيان والعبيد في مسألة الشراء، فلا تصح تصرفاتها المالية إلا بإذن الولي قياساً بولاية الزواج، وقد يفهم البعض أن ذلك إنقاصاً من قدرها ومكانتها، ولعله نظر إلى طبيعة المرأة التي غالباً لا تخالط الرجال في الأسواق وليس لها خبرة في البيع والشراء، وقد تخجل في مماكسة الرجال في التجارة فترضى بما يفرض عليها من قيمة السلعة فتغبن، ولذلك نجد في بعض المجتمعات لا يسمحون للمرأة أن تخرج للأسواق وتتولى بنفسها الشراء والبيع وينوب عليها وليها أو وكيلها ليراعي لها مصلحتها ويحفظ لها كرامتها. أما إذا كانت المرأة خبيرة بالتجارة وتأمن على نفسها الفتنة فلا مانع من مباشرتها للبيع والشراء مع مراعاة الآداب الشرعية من عدم الاختلاط والحجاب والحياء، مع مرافقة أحد محارمها، ولعلّ هذا الأمر أصبح اليوم متعارفاً عليه بعد أن خرجت المرأة لطلب العلم والعمل فأصبحت تتحمل مسؤولية شراء مستلزمات بيتها ومطبخها بنفسها.
وقد تعرض المحقق الخليلي إلى مسألة التعامل مع الصبيان والمماليك في البيع والشراء، ولخص أقوال العلماء ليزيل الالتباس وينفي الحرج في التعامل معهم، فيقول في هذا الصدد جواباً عن سؤال: «وعنه في البيع للصبي وفي الشراء من عند الصبي قد قيل بجوازه فيما عدا الأصول، وقيل: لا يجوز في شيء إلا بإذن وليه، وقيل: يجوز في الشيء اليسير لمن يبيع من التجار في الأسواق أو الحوانيت، أو ما يكون في البلد من المواضع المعروفة بالبيع من
(1) الراشدي: جواهر القواعد، ص 153 - 154. ينظر: أطفيش شرح النيل مع متن النيل للثميني، (3/422)
صفحة 1571
الفصل الخامس: القاعدة الفقهية الكبرى الخامسة
423
طريق التعارف بالرسالة من أهله إلى مثل ما أراد أن يبيعه أو يشتريه أو يكون
من
مصلحته.
وبعض أجازه في هذه المواضع للتاجر وغيره، والقول في المملوك على هذا الحال إذا اطمأن في قلبه من يعامله إلى أنه مرسل إلى ذلك من ربّه إلا أن أنه قد أخرجه للتجارة فيجوز أن يباع له ويشتري منه في جميع
معه يصح
ما لجنسها من الأنواع إلا أن يخص شيئاً دون غيره.
وعلى هذا يكون القول في الإجازة أو يصح أنه قد وكله إلى نفسه فيما يحتاج إليه من الأشياء فيكون في هذا وذاك كالذي يملك أمره من العقلاء» (1). وقد يتساءل البعض هل يجوز التعامل مع الصبي مطلقاً أم مع الصبي المميز فقط؟ فيجيب المحقق الخليلي: «في مبايعة الصبي المميز، وفي الشراء من عنده قد قيل بجوازه من الأصول، وقيل بالمنع من جوازه في شيء؛ لأنه لا قبض في ماله ولا دفع.
وقيل إلا في الشيء اليسير من طريق التعارف في بيعه وشرائه، بأنه عن إرسال له من أوليائه وما يحتاج إليه لنفسه في حاله أو يكون له مكتسبة، فإنه لا بأس به ولا بتسليم الثمن إليه إذا كان حافظاً لماله» (2).
واشترط بعض الإباضية عند التعامل مع الصبيان والعبيد أن يعاملهم التاجر مثل معاملة الكبير البالغ والحر، فلا يزيد عليه في السعر ولا ينقص في الوزن والكيل.
واشترط أيضاً أن تقتصر معاملتهم في حدود المطعومات دون غيرها، وتكون قيمتها بسيطة، لا في الأشياء الثمينة والخطيرة، إلا أن يكون ذلك
بإذن أوليائهم.
(1) الخليلي سعيد: كتاب تمهيد قواعد الإيمان، 51/ 9.
(2) الخليلي سعيد: المصدر نفسه. (3/423)
صفحة 1572
424
القواعد الفقهية عند الإباضية
جاء في جامع ابن جعفر عن معاملة القاصر ما نصه: «عن الشري والبيع والمعاملة مع الصبيان والمملوكين إن كان ذلك سنة أهل البلد أن الموالي
بيع
يبعثون الجارية والمملوك والصبي للشري فلا بأس، ولا ينقصهم عما للكبير الذي يماكسه، ثم قال بعضهم أيضاً هم كما قال، وأحبّ أن يكون هذا البيع من الصبيان والمماليك ليس له كثير ثمن مما يؤكل أشباه ذلك، وأما غير ذلك من المتاع والدواب، والأشياء التي لها خطر ويستكثر شرائهم فيكون ذلك برأي موالي المماليك وآباء الصبيان»).
ولأهمية هذه الشروط فقد أحدها بعض فقهاء الإباضية ونقلها ابن جعفر في موضع آخر، وأشار إلى ضرورة موافقة الولي على تصرفات الصبي والخادم حتى تكون صحيحة، حيث قال: «فقيل: لا يجوز البيع للعبيد إلا بأمر مواليهم، ولا الصبيان إلا برأي آبائهم بقليل ولا كثير، وقال من قال: لا يجوز ذلك إلا في الأسواق والحوانيت المعروفة بالبيع بقدر ما يطمئن إلى القلب أنه مرسول بذلك أو مملكه من أهله أو مواليه» (2).
وفي السياق نفسه يقول أبو الحواري: «إن لمن أبرز نفسه في السوق أو في بيته أن يبيع للصبي وإن لم يسأله عن أمر وليه، وإن لم يكن كذلك فحتى يسأله على معنى قوله، إلا أنه وإن أخبره بأنه قد أرسله إلى ذلك فأمره فكأنه في نفسي من قبوله إلا أن يطمئن في نفسه، فيجوز في الواسع من طريق الاطمئنانة، وفي الأثر لا بأس بالشراء من الصبي لما ينادى عليه من السلع في السوق ولا في تسليم الثمن إليه، وإن كان
ذلك» (3).
من
أهل
(1) ابن جعفر: الجامع، 146/ 5.
(2) ابن جعفر المصدر نفسه.
(3) الخليلي سعيد: كتاب التمهيد، 52/ 9. (3/424)
صفحة 1573
الفصل الخامس: القاعدة الفقهية الكبرى الخامسة
425
وخلاصة المسألة:
أن الفقهاء في حكم التبايع مع الصبيان والمماليك على خلاف يتلخص في أربعة أقوال. الأول: لا يجوز مبايعة الصبيان والمماليك مطلقاً، سواء بإذن من أوليائهم أو بدونه، وهو قول البسيوي وغيره؛ لأنه لا قبض له ولا دفع. الثاني: لا يجوز التبايع مع الصبيان والعبيد دون أمر أوليائهم، ويجوز
بإذنهم.
الثالث: يجوز البيع الصبيان مع الصبيان والخدم في الصبيان والخدم في الأمور البسيطة كالمطعومات وما يختص بهم من حاجاتهم كلعبهم ونحوها، ولو بدون أمر أوليائهم، ولا يجوز في الأشياء الكبيرة الثمينة أو الخطيرة، كبيع العقارات
والذهب والسيارات.
الرابع: يجوز التعاقد بالبيع مع الصبيان والعبيد مطلقاً في الأمور البسيطة والكبيرة والقليلة والكثيرة، فيما تعارف عليه الناس أنهم مكلفون ومبعوثون من أهلهم وأسيادهم لمظنة تصرفهم بإذنهم.
الرأي المختار:
والحاصل أن التجارة عبارة عن عقد بين طرفين يتم بموجبه عملية البيع والشراء ويترتب عليه نقل ملكية الثمن والمثمن إلى الطرفين، ولا أظن أن الصبي والمملوك يقدر على تحمل كل مسؤولياته نحو الطرف الآخر في هذا الجانب، خاصة في الأمور الكبيرة والثمينة والخطيرة، ويضمن عيوب المبيع ويسلم من الغبن والغرر، ولذلك لا بد من تدخل الولي والسيد لإتمام هذه العقود، حتى تكون صحيحة ونافذة، ولا مانع أن نعطي للصبي والمملوك بعض الحرية في التصرف في المال اليسير بالبيع والشراء؛ ليكون فرصة لتدريبه على تحمل المسؤولية في المستقبل، خاصة إذا تعارف الناس على ذلك بإرساله (3/425)
صفحة 1574
426
القواعد الفقهية عند الإباضية
للسوق للشراء والبيع، بشرط يكون ذلك تحت رقابة الأولياء، فإن حصل لهم غبن أو غرر، فمن حق الولي أن يتدخل لإصلاح العقد أو فسخه، وبذلك تكون عقودهم في هذه الحالة موقوفة حتى يتمها، أولياؤهم، وهذا الرأي هو الذي نرجحه عند إرادة التعامل مع الصبيان والخدم خاصة في الأمور الكبيرة، وقد أحسن بعض فقهاء الإباضية لما اشترطوا من التجار معاملة الصبيان والخدم مثل الكبار دون التمييز بينهم حتى نضمن عدم استغلالهم وغبنهم.
2 - في نقل البضاعة إلى المشتري: اعتاد الناس في بعض البلدان أن يتولى البائع نقل بضاعة المشتري إلى محل إقامته دون مقابل وتسمى خدمة التوصيل، وتكون داخلة في ثمن البضاعة أو مجاناً، خاصة إذا كانت البضاعة يتعذر حملها على الأيدي، كمواد البناء والأجهزة الكهر منزلية الكبيرة كالثلاجة والتلفاز وجهاز التكييف، ولكن إذا أراد المشتري نقلها إلى بلد آخر هل يتولى حملها البائع أم المشتري؟
وإذا انتقض البيع أو ظهر عيب في البضاعة فمن يتولى ردّها إلى محل البيع؟ بحث فقهاء الإباضية هذه المسألة وبينوا حكمها استناداً إلى العرف السائد في كل بلد، وقالوا إن كان من عادة الناس في ذلك البلد تكليف البائع بنقل البضاعة، فإنه يتولى ذلك بنفسه، أو يؤجر من يحملها إلى المشتري، أو يدفع للمشتري أجرة النقل والتوصيل، وإن كان أهل ذلك البلد لم يتعارفوا على ذلك، فإن المشتري يتولى بنفسه شحن بضاعته، سواء كان مسكنه داخل البلد أو خارجه، وهذا حسب المتعارف عليه من عادة الناس؛ لأن مسؤولية البائع عن البضاعة تنتهي بتسليمها للمشتري داخل محله، ولا يتحمل شيئاً منها إذا خرجت من عنده إلا في بيع الخيار، ولأن نقل البضاعة ليس تبعاً للبيع. وردت هذه المسألة في جامع ابن جعفر في حوار بليغ بين السائل والمفتي ما نصه: «وسألته عن رجل باع لرجل جراب تمر والمشتري من أهل البلد فأراد حمله إلى قرية هل له ذلك؟ (3/426)
صفحة 1575
الفصل الخامس: القاعدة الفقهية الكبرى الخامسة
427
قال: ليس له حمل التمر إلا برأي البائع.
قلت له: فإن أذن له بحمله إلى قرية أخرى، ثم نقض المشتري على البائع، أيكون على المشتري كراء حمل التمر؟
قال: نعم.
قلت له: فيكون عليه رده إلى البائع إن طلب ذلك البائع أو لم يطلبه، ولم يأذن له بتركه في موضعه؟
قال: إذا كان حمله بإذن البائع لم يكن عليه ردّه.
قلت له: فإن حمله من غير إذن المشتري من أهل البلد، أترى عليه كراء
حمله وردّه إلى البائع؟
هكذا
قال: نعم، معي.
قلت له أرأيت إن كان المشتري من الغرباء الذين يشترون للحمل إلى
القرى، فحمل التمر من غير إذن البائع إلى قرية ثم نقض البيع، أترى على المشتري كراء حمل التمر وردّه؟
قال: الذي يبين لي أن عليه كراء حمله وليس عليه ردّه؛ لأنه المتعارف أنه إنما يشتريه للحمل. قلت له: فإن حمله برأي البائع إلى قرية معروفة أو إلى بلد لم يعرفه البائع
ولا اشترطه فنقض البيع، أترى حمل التمر على المشتري؟
قال: نعم، وليس عليه رده وهو للبائع في موضعه ذلك ... ». وقال: للبائع أن يمنع المشتري حمل ما باع له مما هو غير ثابت البيع عليهما، ولهما أو لأحدهما نقض البيع في البلد الذي هو فيه، أعني البائع؛ لأنه يدخل عليه الضرر في حمل ماله، ولأحدهما فيه الرجعة ... ).
(1) ابن جعفر: الجامع لابن جعفر، تحقيق: جبر محمود الفضيلات، 5/ 100 - 101. (3/427)
صفحة 1576
428
والحاصل:
القواعد الفقهية عند الإباضية
يمكن أن يستنتج من عبارة ابن جعفر أنه جعل مسؤولية نقل البضاعة من محل البائع إلى إقامة المشتري خاضعة للعرف والعادة الجارية في ذلك البلد، واشترط أن يكون البيع تاماً، أي ليس بيع الخيار، فإذا نقضه أحد المتبايعين، تولّى رد البضاعة إلى محل البيع من نقض البيع.
3 ـ في بيع الصرف: وصورته: أن من أراد أن يصرّف ويحوّل عملة نقدية إلى أخرى، فيجب عليه
أن يتفق مع الصرّاف على نوع الصرف وقيمته في نفس الوقت ويتبادلان العملات فيما بينهما، فإذا تمت المعاملة على هذه الشروط صحت، وجاز للبائع أن يسلّم هذا الصرف إلى صاحب المشتري إذا طلب منه ذلك ما دام قد حضر معهما المصارفة، وقد صوّر لنا الثميني هذه الصورة في سياق حديثه عن بعض المعاملات المالية التي يحكمها العرف ولو خالفت الأصول فيقول: «وكذا من عنده دينار ومعه عبده أو صاحبه، فأتى إلى رجل يصرف منه الدينار بالدراهم فتصارفاً، فأمر صاحب الدينار من ذكر معه أن يقبض الدراهم من الرجل فدفعها له، ولم يكن صاحب الدينار، قبضها، فقد تمّ الصرف بينهما ولو لم يكن غير هذا، وجاز وصح ما لم يتناكرا ويتناقضا في البيع، ويرجعا فيه إلى الحاكم، فإن المصارفة بيع، وتصح بمعرفة البائع والمشتري الثمن والمثمن مع الوزن والحضور ... ». تعرض ابن بركة إلى هذه المسألة وفصل فيها القول وبين كيفية المصارفة لمن سأله عنها، وأشار إلى جواز تسليم النقد لصاحب المشتري إذا ظهر منه الرضى وهذا نصه: «قلت: أرأيت رجلاً دفع إلي ديناراً وسألني أن أبيع له به دراهم، فعرفته الصرف، وأوقفته على الدراهم، فرضي، ثم وزنت الدينار و دفعت إليه الدراهم وانصرف من عندي كانت هذه مصارفة وبيعاً تاماً؟
(1) الثميني: الورد البسام، ص 260 - 261. (3/428)
صفحة 1577
الفصل الخامس: القاعدة الفقهية الكبرى الخامسة
429
قال ابن بركة: نعم.
قال السائل: «قلت: فما الذي يفعله أصحابنا الإباضية) في المبايعة عليه، ويكون في يد كل واحد منهما ماله عند المصارفة، ويقول قد صارفني وشروط أسمعها منهم، ثم يتقايمان؟ (1).
قال: هذه مبايعة وطلب غاية الأحكام، والذي ذكرناه هو جائز وكان عن غيره. قال: والمصارفة هي بيع من البيوع، وإن عرف البائع والمشتري السعر
والثمن، وانصرفا عن ذلك، فقد صح البيع والصرف.
قال السائل: قلت: أرأيت لو كان عند صاحب هذا الدينار صاحب له، أو عبد يتبعه، وأمره أن يقبض الثمن الدراهم مني، فدفعتها إلى المأمور، ولم يقبضها هو، ولم يكن عن أمر هذا أكان بيعاً صحيحاً؟
قال: نعم، ما لم يتناكرا أو يتناقضا البيع ويرجعا فيه إلى الحاكم ... » (2). ويستفاد من عبارة الثميني وابن بركة المتقدمة أنه يجوز بيع الصرف بشروط والمتمثلة في اختلاف الجنسين وتحديد قيمة العملة وصفتها وحضورها مع التسليم في المجلس ولا مانع من تسليم الصرف بعد تمام البيع إلى أحد رفقاء المشتري إذا أقر بذلك دون نكير.
في
العقد
ه - في بيع الإقالة (خيار الرهن
ومن البيوع التي تعارفها الناس وجرى بها العمل في معاملاتهم المالية بيع الإقالة أو بيع الخيار أو خيار الرهن أو بيع الرجوع وكلها مسميات لنوع واحد من البيوع، ويطلق عليه الحنفية بيع الوفاء وهو «عقد توثيقي في صورة بيع على أساس احتفاظ الطرفين بحق الترادد في العوضين» (3).
(1) لعله يريد يتتامان، ووقع التصحيف في هذه الكلمة.
(2) ابن بركة كتاب التعارف ص
43 - 44
(3) مجلة الأحكام العدلية، ص 118 - 119 و 396 و 403. الزرقا مصطفى: المدخل الفقهي
العام، 544/ 1. (3/429)
صفحة 1578
430
القواعد الفقهية عند الإباضية
وفسره مصطفى الزرقاء بأنه مزيج من بيع ورهن، وشبهه بالبيع: أن المشتري يملك منافع الشيء المبيع وفاء، بخلاف الرهن، فإنه يقتضي احتباس المال المرهون عن كل تصرف، أما شبهه بالرهن فإن المشتري لا يملك حق استهلاك المبيع ولا نقل ملكيته إلى أحد ولا رهنه، ولا إنشاء حق عيني لأحد فيه، بل يجب عليه حفظه وصيانته، وفوق ذلك، فإنّ المشتري ملزم برد المبيع بالوفاء إلى البائع، متى ردّ هذا إليه الثمن، وهو معنى «الوفاء» الذي سمي به
(1) ,
هذا النوع من البيوع وقد ظهر هذا البيع عند الإباضية بالمشرق واشتهرت تسميته ببيع الخيار، واختلفوا في حكمه بين مجيز ومانع وبين مضيق وموسع، فمنهم من أجازه بشروط، ومنهم من جعله بيع موقوف، ومنهم من منعه مطلقاً.
أشار الشيخ أحمد بن حمد الخليلي - يحفظه الله ـ إلى اختلاف الإباضية في حكمه، فقد سئل عن رجل باع بيتاً بالإقالة واستلمه المشتري، فقام بتأجيره لمن يكون العائد من الإيجار للمالك الأول، أو المشتري بالإقالة؟
فأجاب: «بيع الإقالة فيه خلاف كبير، ومن أباحه من علمائنا اختلفوا في حکمه، فمنهم من قال بأنه بيع ثابت مع بقاء شرط الإقالة للبائع، ومنهم من قال بأنه موقوف، فمن قال بثبوته قال غُنمه للمشتري وغرمه عليه، بشرط أن يكون قصده الأصل لا الغلة، وإن قصد الغلة فقد دخل في الربا، ومن قال بوقفه قال بوقف الغنم والغرم أيضاً، وإن استحق الأصل في النهاية كان له الغنم وعليه الغرم).
وقد بين الشيخ الخليلي - يحفظه الله - حقيقة هذا البيع وحكمه فذكر أن بيع الإقالة من البيوع المستحدثة التي لم تكن معروفة عند الرعيل الأول من
(1) الزرقا مصطفى: المرجع نفسه.
(2) الخليلي أحمد بن حمد: فتاوى المعاملات الكتاب الثالث، ص 59. (3/430)
صفحة 1579
الفصل الخامس: القاعدة الفقهية الكبرى الخامسة
الأمة، وإنما حدث في القرن الخامس للهجرة بسمرقند، ومن هناك انتشر في بقاع كثيرة من الأرض، وقد اختلفت فيه الأمة بين موسع ومضيق وكان اللجوء إليه من الحيل التي استعملها بعض الفقهاء للاستغناء به عن المعاملات الربوية الصريحة، ولا يراه حسب تعامل الناس به في عصرنا إلا رباً خفياً والله يعلم السرائر من عباده.
وذكر أن من الأصول المتبعة عند الإباضية وعند كثير من أهل المذاهب الأخرى سد الذرائع، وطبقاً لهذا الأصل فإنه يرى منعه بتاتاً من الضرورة بمكان لحماية الأمة من آفة الربا، ولا أدل على كونه من ذرائع الربا من أغلب عوام الناس المتعاملين به لا يعرفونه بيعاً بل يسمونه رهناً، وهو إلا
أن
نفعاً
دليل واضح أن المتعاملين به لم يقصدوا إلا الإقراض الذي يجرّ باستغلال المشتري عين المبيع إلى أن يسترده البائع بالإقالة المعهودة، وفي هذا من وضوح الحقيقة ما لا يخفي على ذي لب من كون المشتري لم يقصد إلا الغلة.
ويؤكد أن الذين ذهبوا من الإباضية إلى أنه بيع منجز مع مراعاة شرطه، اشترطوا في جواز استغلال المشتري للعين المبيعة أن يكون قصده الأصل لا الغلة، ونصوا على أن قصد الغلة هو الربا بعينه ... »).
وحاول الشيخ الخليلي أن يوضح الفرق بين بيع الإقالة والرهن حتى لا يلتبس على البعض فيحسبه شيئاً واحداً كما هو مشهور عند عامة الناس فيقول: والفرق بين الرهن وبين بيع الإقالة أن بيع الإقالة نقل لملكية العين المبيعة من البائع إلى المشتري حالاً - عند من يقول بثبوته ـ مع بقاء حق
الإقالة للبائع إلى مدة يتفقان عليها، وبعد انتهاء مدة الإقالة عند من يقول بوقفه
في.
حال
عدم مطالبة البائع بحقه في الإقالة إلى انتهاء مدتها ...
(1) الخليلي أحمد بن
نفسه، حمد: المرجع
ص
ov (3/431)
صفحة 1580
432
القواعد الفقهية عند الإباضية
بيع
أما الرهن هو توثيق مادي للدَّيْن بتسليم المدين إلى الدائن عيناً يمتلكها المدين لتبقى في يد الدائن إلى أن يستلم حقه من غير أن يستغلها وينتفع بريعها، وإنما تبقى في يده ضماناً لحقه ... ). وتذكر المصادر الفقهية الإباضية أن أبا عمران موسى بن زكرياء (2) أجار الرجوع (بيع الإقالة) وهو أول من أجازه من الإباضية، وثبت أن رجلاً باع له جناناً بيع الرجوع بأربعين ديناراً، فلما حضره الموت قال لأولاده: «إن أعطاكم في الجنان ستين ديناراً، فردوه، وإلا أمسكوا جنانكم (3). ويفهم من عبارة هذا النص أن أبا عمران موسى بن زكرياء، تسلّم الجنان من صاحبه، وأصبح يتصرف فيه تصرفاً كاملاً؛ لأنه اعتبره بيع منجز يعطي للمشتري حرية التصرف فيه، واستغلال منافعه خلافاً للرهن، كما أنه أوصى أبناءه بإرجاع هذا البستان إلى صاحبه عند حلول الأجل المتفق عليه إذا طلبه، ولكن بزيادة في ثمنه، وهي ستون ديناراً، لأنه يعتبر هذا الاتفاق عقداً جديداً يمنح له الحق في تحديد سعر البستان، ولا يلزم بإرجاعه إلى البائع بنفس القيمة. وليس كل ما تعارفه الناس في معاملاتهم يقرّه الشرع، فكثير من العقود
جرى العمل بها بين الناس ولكنها تتصادم مع النصوص الشرعية. وقد سئل السالمي عما تعارفه القوم في بيع الخيار على أن كل ذي مال باع بيع خيار، ثم بدا له نقض الخيار من ماله والثمرة من بعد غير مدركة أنها للمشتري، هل هذا التعارف ثابت فيحِل أخد الثمرة للمشتري أم غير ثابت فيخرم؟
ماله
(1) الخليلي أحمد: المرجع نفسه، ص 58.
(2) موسى بن أبي زكرياء المزاتي (450 - 500 هـ/ 1058 - 6 1 م) من علماء تيجديت، وهو أحد مؤلفي ديوان الأشياخ الذي يقع في خمس وعشرين جزءاً. يمكن أن يكون هو نفسه أبو عمران موسى بن زكرياء، رغم الاختلاف في عدد أجزاء الكتاب الذي شارك في تأليفه. ينظر: الوسياني: سير، (مخ) 1/ 114. - الشماخي السير، (ط. ح) 431. ـ باجية: الإباضية بالجريد، 56. ـ مزهودي: جبل نفوسة منذ الفتح الإسلامي (مر) 293.
(3) مجهول كتاب المعلقات، ص 43. (3/432)
صفحة 1581
الفصل الخامس: القاعدة الفقهية الكبرى الخامسة
433
فأجاب: «لعلهم جعلوا ذلك في مقابلة المدة التي مضت على دراهمه حتى لا تذهب سبهللاً فيصدق فيهم نظر المانعين لبيع الخيار حيث قالوا: إن المشتري لم يرد إلا نفس الغلة ... وما أرى عرفهم نافعاً لهم، ولا يغنيهم عن الحق شيئاً، أتعارف فيما حرّم الله أم تعامل بالربا بعد أن حُرّم في جميع الملل، وإن أقل باب منه كالذي يأتي أمه ... » (1) (2).
ويحذر السالمي من اللجوء إلى مثل هذا النوع من البيوع بالتحايل على الشرع لتحقيق مكاسب مادية محرمة، ولا تنفع فيه النية الحسنة ما دام التصرف يتعارض مع الشرع، فقد سئل عن المشتري نخلة أو نخلات بالخيار وقصده الغلة؛ لأن صاحب الأصل لا يتمنى بيع القطع، ما نرى لهذا الشاري أولاً، الترك أم التشبث ببيع الخيار؟ وهل تنفعه نية طلب الأصل إذا كان عالماً بصاحب الأصل لا يبيع؟ فأجاب: «الخير كله في ترك بيع الخيار ولم تجزه العلماء. الله -
على
-
رحمهم
هذا الأمر، الذي فعله عوامنا، وإنما أجازوه مع صحة النية وقصد الخير،
فأنت تعلم أن هؤلاء لا يطلبون إلا نفس الغلة حتى أنهم لو ترك لهم الأصل، ما قبلوه وحتى أن أحدهم يقول: لا أفرط على فلان ألا فالبعاد البعاد والفرار الفرار، ومن حام حول الحمى أو شك أن يقع فيه ... » (3). وقد يقصد بعض
(1) يشير إلى حديث مشهور، رواه الطبراني في المعجم الكبير، من اسمه عبد الله، ومما أسند عبد الله بن عمر لها، رقم: 13832، ونص الحديث: «إن أبواب الربا اثنان وسبعون حوباً أدناه كالذي يأتي أمه في الإسلام»، وصححه الألباني. وفي مسند الشاميين، ما انتهى إلينا من مسند إبراهيم بن أبي عبلة، ما روى ابن ثوبان عن المصريين، رقم: 249، عن أبي هريرة بزيادة، قال: «الربا اثنان وسبعون باباً أدناها كالذي يأتي أمه». ثم قال: لتركبن طريق أهل الكتاب حذو النعل بالنعل». شرح أصول الاعتقاد، سياق ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم في الحث، حديث: 127 عن عبد الله بن عمرو بن العاص بلفظ مختلف وزيادة قال الراوي: حديث ثابت.
(2) السالمي: العقد الثمين، 68/ 4 - 69.
(3) السالمي: العقد الثمين، 64/ 4. (3/433)
صفحة 1582
434
القواعد الفقهية عند الإباضية
الناس إلى بيع الخيار ويسمونه الرهن، فيلتبس الأمر على المفتي أو القاضي عند النزاع، والاختلاف، فهناك يرى الفقهاء أن العرف والعادة الجارية عند الناس هو الحكم في مثل تلك المعاملات. وقد سئل السالمي عن بيع الخيار يسميه بعض الناس رهناً وإن قلت لهم لعله بيع خيار قالوا لك نعم رهن بيع خيار، هل يسع الحاكم أو المعامل أن يحكم له وعليه في ذلك المال بحكم الخيار، والمعامل أن يعامله فيه على أنه خيار أم يأخذه على فلتات لسانه أو لا؟
فأجاب: «لا يؤخذ في مثل هذا بفلتات لسانه فإنما يعامل فيه بمقتضى العرف والعادة، ولا ضير في التسمية ولا مشاحة في الاصطلاح إذا اتحد المقصود، ومن قواعد الفقه الشهيرة، أن الأمور بمقاصدها، وفي الحديث:
إنما لكل امرئ ما نوى (1) (2).
ثانياً: في الشركات:
ويتجسد أيضاً تحكيم الإباضية للعرف والعادة في مجال المعاملات في
باب الشركات، ومنها:
1 - في شركة المضاربة
وهي
أن يتفق صاحب المال مع العامل بأن يعمل بماله ويقتسمان الربح
والخسارة ولا يتحمل المضارب الخسارة المالية لأنه قد خسر جهده. وعرفها ابن بركة فقال: «أن يدفع الرجل إلى آخر مالاً يتجر به ويكون الربح بينهما على ما يتفقان عليه والوضيعة (3) على رأس المال» (4).
(1) سبق تخريجه.
(2) السالمي: المرجع نفسه، 71/ 4، 72.
(3) الوضيعة لعله يقصد الخسارة التي تكون في رأس المال ولا تكون في جهد العامل.
(4) ابن بركة: الجامع، 2/ 380. (3/434)
صفحة 1583
الفصل الخامس: القاعدة الفقهية الكبرى الخامسة
435
وأركان المضاربة هي المضارب وهو العامل الذي يعمل، وصاحب رأس المال، ورأس المال نفسه مع كون التجارة معروفة، فإما أن يطلق له العنان بحيث يتجر بأي شيء في أي مكان، وإماً يحدد له صاحب المال ما يتجر فيه). وحكى ابن بركة اتفاق الفقهاء على إجازة شركة المضاربة وجواز ذلك بالسُّنَّة، ولولا الاتفاق على جوازها لم تَجُز؛ لأنها أجرة غير معلومة وقال: وهي عندي ضَرْبٌ من الإجارة وحكمه حكم الأمين، وأجمعوا أن المضارب لا خُسران عليه ولا يضمن من المال شيئاً ما لم يتعد فيه، وإن شرط عليه رب المال الضمان فالشرط باطل» (3).
ونقل ابن بركة عن بعض فقهاء الإباضية أنه: «إذا اشترط رب المال على المضارب ضمان المال أو ضمان بعضه، فإن المضاربة تصبح باطلة ويكون المال قَرْضاً له على المضارب والربح له بما، ضمن، وقال بعضهم: إن تلف المال لزم المضارب بالشرط، وإن ربح فالربح بينهما على ما تشارطا عليه»، قال ابن بركة: «والنظر يوجب عندي ما قلنا إن الشرط باطل والمضاربة صحيحة؛ لأن رب المال لم يقصد إلى إقراضه إياه فتكون ديناً له عليه على ما ذهب إليه أصحاب القول الأول، ولم يتعمد فيه المضارب فيلزمه الضمان على ما ذهب إليه أصحاب القول الثاني (3).
واختلف الإباضية في نفقة المضارب وكسوته إذا اشترطها على رب المال مما في يده، فقال أكثرهم: إن الشرط ثابت وله من ذلك الوسط من الكسوة والنفقة حسب ما يجري به العمل في عُزف البلد. وقال آخرون: الشرط باطل إلا أن يشترط شيئاً معلوماً لكسوته ونفقته،
وخالف ابن بركة جمهور الإباضية فى صحة هذا الشرط، ونقل إجماع غير
(1) الخليلي أحمد فتاوى المعاملات، الكتاب الثالث،
ص
(2)
(3)
ابن بركة: الجامع، 368/ 2.
ابن بركة المصدر نفسه، 369/ 2، 368.
233 - 232 (3/435)
صفحة 1584
436
القواعد الفقهية عند الإباضية
الإباضية على فساد المضاربة بهذا الشرط، وقال: والنظر يوجب عندي ذلك؛ لأن ما شرطه المضارب لا يكون إلا في الزرع والربح ولا يعلم أنه يربح ولا يخسر؛ لأن الأخذ من الأصل يوجب الضمان ... ).
وذهب الفقهاء إلى أنه يجوز للمضارب أن يشترط على رب المال أن يتجر في أجناس معلومة، وفي ضرب من التجارة معلومة، وفي بلد معلوم، وبلدان معلومة، ولرب المال عليه مثل ذلك من الشرط، وليس له أن يتعدى شرطاً رُسِم له، فإن تعدَّى كان ضامناً، وإن لم يشترط بلداً بعينه ولا موضعاً بعينه كان له أن يتجر حيث شاء من المتاجرة (2).
واختلف فقهاء الإباضية في المضاربة في بلدان يقطع فيها المضارب البحر عن بلده فأجاز البعض ذلك ما لم يشترط عليه منعه من ذلك، وقال آخرون ليس له الخروج إلى البحر إلا بأمر صاحب المال.
قال ابن بركة والنظر يوجب عندي أن المضارب والمضاربة المقصودة بذلك المال يراعى الحال فيهما، فإن كان المضارب معروفاً بالمضاربات إلى أماكن معروفة وجرت العادة منه في التجارة في بَر وبحر فهو على
عادته» (3).
ويرى الفقهاء أن المضارب إذا أراد بهذا المال تجارة لا تُعرَفُ بالمضر الذي هو فيه كان له الخروج إلى حيث تكون تلك التجارة، وبذلك المال ما لم يمنعه شرط.
وقالوا: أيضاً إنه ليس للمضارب أن يستعمل بالمال الزراعات وغرس الأشجار والنخيل، وشراء العقارات؛ لأن ذلك لا يعرف كله في متاجر الناس
(1) المصدر نفسه، 369/ 2.
(2) ابن بركة: الجامع، 369/ 2، الكندي
أحمد بن عبد الله: المصنف، ج 109/ 25. (3) ابن بركة المصدر نفسه، ج 370،2 369، الكندي أحمد بن عبدالله المصنف،
ج 109/ 25. (3/436)
صفحة 1585
الفصل الخامس: القاعدة الفقهية الكبرى الخامسة
437
ولا يُسَمُّون به تجارًا، وقد أجاز بعض الإباضية ذلك ولم يروه متعدياً إذا رأى الصلاح في ذلك لنفسه ولرب المال (1).
وأجمع الفقهاء على أنه لا يضمن المضارب الربح والخسارة إذا لم يَتَعَدَّ في شيء منها، وإذا اختلف المضارب ورب المال في الربح كان للمضارب ما يأخذ مثله في مثل تلك التجارة في ذلك البلد والموضع الذي يتاجر فيه، وهذا عملاً بالقاعدة: «العادة محكمة».
وذهب بعض الإباضية إلى أن له أجر مثله بِقَدْرِ عنائه في ذلك المال وذلك البلد، فإن اختلف في الربح وكان بينهما شرط واتفقا عليه واختلفا في مقداره فذهب محمد بن محبوب إلى أن على رب المال اليمين بما يدعيه المضارب من الزيادة على ما يُقِرُّ، له به وعلى المضارب البينة بالزيادة والشرط
الذي ادعاه.
فإني
وقال موسى بن علي: «إذا اختلفا في المقدار وكان بينهما شرط اختلفا فيه أرُدُّهُما إلى أجرة مثله بعد أن يتحالفا ... » (2).
وهكذا يتبين لنا من خلال ما ذكره الفقهاء في أحكام المضاربة وشروطها أنهم يحتكمون إلى العادة والعرف السائدين في ذلك البلد في حل الخلافات الناشئة بين المضاربين وأرباب الأموال، ومن هنا يظهر مدى اعتبار قاعدة: العادة محكمة وتطبيقاتها في المعاملات المالية.
2 - في الاشتراك في ملكية العقار: ومن صور الشركات: أنه لو اشترك بعض الناس في ملكية دار قديمة فاحتاجت إلى ترميم وصيانة حتى يحافظ عليها وتستمر منافعها، فإن على الجميع الاشتراك في نفقات الترميم والإصلاح، ولكن لو تكفل أحدهم بذلك
(1) ابن بركة نفسه 2/ 370 - الكندي: المصدر نفسه، ج 25/ 110. (2) ابن بركة المصدر السابق، 371/ 2 - 370، الكندي: المصنف، 25/ 110. (3/437)
صفحة 1586
438
القواعد الفقهية عند الإباضية
بعد أنْ أَعْلَمَ الشركاء أو فعل دون علمهم، فهل يعتبر متبرعاً، أم له الحق في مطالبة شركائه بتعويض نفقاته على المنزل المشترك؟
اختلف الفقهاء في حكم هذه المسألة، فذهب بعضهم إلى أنه إذا قام بالترميم بإذن شركائه فيجب عليهم تعويضه، أما إن كان فعل ذلك دون مشاورتهم، فيعتبر متبرعاً، ولا يحق له المطالبة بالتعويض، وقد ورد سؤالاً على الشيخ بكلي عبد الرحمن في مثل هذه المسألة ومفاده: أن إنساناً يستحق ربعاً في دار قديمة فجدّد شريكه بناءها، فهل يستحق الربع باعتبارها قديمة أم جديدة؟
وهل يعتبر ذلك الشريك متبرعاً، وإن كانت الشركة بين والد وولده أو
قاصر ووصيه؟
فأجاب البكري: «لا بد من الإخبار والإعذار قبل الشروع في البناء وموافقة الشركاء على ذلك، أما إذا استبد بالأمر وجدد البناء بلا سابق إنذار فمتبرع، وإن ادعى الدالة)، هذا إذا لم يكن الشركاء قاصرين، وكانوا تحت وصاية، أو كان يتصرف في شؤون الشركاء عادة ولا منازع له، فهو يعتبر نفسه كالأب رئيساً للأشرة بحكم العرف، يُرَاعِي لهم ما فيه صلاحهم، وقد رأى ثُمُناً (8/ 1) في دار جديدة خير من رُبع (4/ 1) في دار قديمة وشيكة السقوط، ثم إن هذا كله إذا كان الشريك المجدد حيّاً وأمكننا أن نعرف هل كان تجديده بعد سابق إنذار وموافقة؟ أم لا إخبار ولا إعذار؟
أما إذا كان ميتًا وأصبح الأمر بين ورثته وسائر الشركاء فمِنْ أين نَعْلَم أنه لم يشاور ما دام لم يقع إحياء الحق في حياته، ثم ما بَالُهم لم ينكروا عليه تصرفه أوّل الأمر بطريقة رسمية إقامة للحجة عليه وتسجيلاً لعدم إخباره؟ وما يُدرينا لعله شاور فَكَتَم الشركاء الأمر لغاية في نفوسهم؟
(1) يقصد بالدَّالَّة الإدلال وهو: أن يتصرف في مال غيره بما تعارف عنده أنه إذا عَلِمَ بذلك رضي ولا يمنعه من ذلك. (3/438)
صفحة 1587
الفصل الخامس: القاعدة الفقهية الكبرى الخامسة
439
وعليه فمن العدل والمروءة أن تُراعَى هذه الجوانب كُلِّهَا، فلا نهضم حقوق الشريك المجدّد، أو نهدر أتعابه ومصاريفه تماماً، وقد أصلح ولم يفسد
وزاد ولم ينقص، والأولى عندي أن تفصل القضية بينهم صلحا ... ). واقترح البكري الله، حَلاً مناسباً وعادلاً للصلح بين الشركاء المتخاصمين
يُرضي الجميع ويحفظ حقوقهم وهو: أن الدار قديمة ونقومها جديدة، فإذا وجدناها جديدة تساوي ضعفها قديمة مثلاً وكانت القديمة يملكها أربعة شركاء بالسوية، أعطينا كل شريك من الشركة الثلاثة (6/ 1) في الجديدة بدل (4/ 1) في القديمة وذلك (6/ 3) أو نصف الدار، وأعطينا الشريك المُجَدِّد النصف الآخر، وبذلك نكون قد أنصفنا وأرضينا كلا الفريقين إن شاء الله ونرجو أن نكون في ذلك مأجورين ... » (2).
ثالثاً:
في تحديد مقادير الموازين والمكاييل بالعرف: وردت عن الشارع الحكيم أسماء لموازين ومكاييل كالصاع والمد والفرق والقسط ونحوها، ولكن مقاديرها تختلف من بلد إلى آخر، فمقادير أهل الحجاز تختلف عن مقادير أهل العراق، ولتسهيل العمل بها لجأ الفقهاء إلى تحكيم العرف الجاري به العمل في كل بلد، تخفيفا عن الناس ورفع الحرج عنهم في أداء الحقوق والواجبات، كإخراج زكاة أموالهم ودفع الكفارات وفي مبادلاتهم التجارية كالمقايضة. قال الراشدي في هذا الشأن: «ويراعى في وزن أو كيل اختلف فيه متعاقدان عادة بلد البيع ... » (3).
وقد أشار ابن بركة إلى هذا الخلاف فقال: «واختلف الناس في مقدار الصاع والمد، فقال أهل العراق: الصاع ثمانية أرطال، والمد رطلان، وذهبوا
(1) البكري عبد الرحمن بكلي: فتاوى البكري، 338/ 1.
(2) البكري: المرجع نفسه، / 339.
(3) الراشدي: جواهر القواعد، ص 5
0010 (3/439)
صفحة 1588
440
القواعد الفقهية عند الإباضية
إلى خبر النبي صلى الله عليه وسلم كان يغسل بالصاع (1)، وزعموا أنه كان يغتسل بثمانية أرطال، وأما أهل الحجاز فلا يختلف معهم أن الصاع خمسة أرطال وثلث والمد رطل وثلث يعرفه عالمهم وجاهلهم لكفارة الأيمان والزكاة وصدقة النسك وصدقة الفطر، وإلى هذا يذهب أصحابنا (الإباضية) وأما الفرق فهو ستة عشر رطلًا والقِسْطُ نصف صاع، فهذه مكاييل أهل الحجاز» (2).
وفي مسألة التجاوز عن الزيادة أو النقصان في مقادير الأوزان والمكاييل يقول ابن بركة في هذا الصدد: «وفيما عليه الناس من دفع الحقوق وإبرائهم منها بالمكاييل والموازين، ونحن نعلم أن المكاييل والموازين لا تبلغ معرفتها إلى الغاية من وفاء الحق منها على أن لا يكون هناك زيادة ولا نقصان، فإن المكاييل كلما زيد عليها لِنَصب منها، وهو مع ذلك لو حمل شيئاً ليحمل، فقد جازت البراءة للإنسان من الحق على هذا الوصف وهو غير يقين كما تقول من أغفل أن اليقين لا يزول إلا بيقين مثله ... » (3).
وينقل ابن بركة أن بعض علماء الإباضية كانوا يتشددون في أموال الناس ويوجبون طلب البراءة من أصحابها إن وقع منهم تجاوز، ومع ذلك فقد أجاز الزيادة أو النقصان الطفيف في الموازين والمكاييل لما جرت عليه عادة الناس في المسامحة فيها، وفي هذا تيسير للناس ورفع الحرج والمشقة عنهم. يقول في هذا الصدد وكذلك ما يرجح في الموازين، ويزاد على المكاييل بعد وفائه على أن أبا معاوية) قال: لا يمشي في طريق لا يعرف حَدُّهَا إِلا بمقابل يقدم به، وكان الشيخ أبو مالك (5) عن أبي عبد الله محمد بن
(1) تقدم تخريجه.
(2) ابن بركة: الجامع، 302/ 1.
(3) ابن بركة: كتاب التعارف، ص 32 - 33. (4) أبو معاوية عزان بن الصقر: تقدمت ترجمته.
(5) أبو مالك الصلاني شيخ ابن بركة البهلوي سبقت ترجمة. (3/440)
صفحة 1589
الفصل الخامس: القاعدة الفقهية الكبرى الخامسة
441
محبوب رحم الله أن أبا معاوية - رحمة الله عليهما - كان يضع أصبع يده بالحائط ثم يرى ما لصق بها من غبار فيقول: هذا مال والمرء أحق بمنافع ماله وغيره، وإن قل إلا بإذن من صاحبه، والأخبار بمثل هذا عن أبي معاوية أكثر من أن يحصيه أهل زماننا هذا، فقد أجاز استباحة ما ذكرنا بقول أبي معاوية وجرت عليه العادة في تعارف الناس بينهم، فهذا يدل إنما هو علم باليقين وبالبينة العادلة، وتعمل بمثل هذا في سكون القلب .. ».
رابعاً: في الإجارة
1 - في كراء المحل:
ومن صور الإجارة المتعارف عليها أنه لو استأجر أحد داراً للسكنى فأجرى فيها بعض الإصلاحات، فتغيّر شكلها وارتفعت قيمتها، وأراد المستأجر أن يؤجر هذه الدار لغيره بإذن صاحبها هل يحق له أخذ الزيادة التي أضافها على أجرة الكراء المتفق عليها؟
ورد على الشيخ بكلي عبد الرحمن سؤال في هذا الباب مفاده أن إنسانًا اكترى محل سكنى فأحدَث فيه إصلاحات، ومن المعلوم أن المكتري إذا أرجع المفاتيح ليس له أن يطالب رَبَّ المحل بتعويض، بل يدفع المحل بلا مقابل كما هو المتعارف في قانون الأكرية، وبما أن المحل أصبحت أجرة كرائه أرفع من الأجرة الأصلية قبل الإصلاحات، فهل للمكتري أن يكريه غيره بمبلغ أرفع من الأجرة الأصلية ويأخذ فرق ما بين الكروتين؟ أم أن ذلك الفاضل حق لصاحب المحل يجب على المكتري أن يرجعه إليه رغم إصلاحه؟ أجاب البكري بما نصه: «أجاز بعض العلماء لمن اكترى محلاً ثم أدخل عليه إصلاحات ازدادت بها قيمته ثم أكْرَاهُ بأزيد من أجرة كرائه الأصلية أن
(1)
ابن بركة: كتاب التعارف، ص 20 - 21. (3/441)
صفحة 1590
442
القواعد الفقهية عند الإباضية
المسألة خلافاً
يأخذ له تلك الزيادة، أما إذا لم يدخل عليه إصلاحات وأكراه غيره بأزيد، فإن في بين العلماء، بعضهم يثبت الزيادة للمكتري وبعض يوجب إرجاعها إلى رَبِّ المحل)، وهذا ما قرره الإمام نور الدين السالمي في جوهره (2):
وقيل في مقتعد (3) الدكان أقعد بزايد الأثمان وقال بعض إن يكن قد أصلحا فيه صلاحاً فله ما ربحا فإن للمقتعد الزيادة وقيل للأول ما استفاده». قال البكري معقباً على كلام السالمي والذي أراه في استحقاق الزيادة بالنسبة لما إذا لم يدخل الإصلاحات عليه أن نُحَكِّمَ العُرْف الذي جَرَى عليه العمل في ذلك البلد، فإن سوّغ لمكتري محل أن يكريه غيره ولو بأزيد مما اكتراه من صاحبه سواء كان ذلك بعلم ورضاء صاحب المحل أو بدون علمه ورضاه، فإن الزيادة يأخذها المكتري؛ لأنها نابعة من حق التصرف وقد حوله العرف إياه، أو لا يُسَوّغه العرف، فإنَّ تلك الزيادة إلى رب المحل؛ لأن له حق التصرف فيه وحده، اللهم إلا أن تكون ثمة شروط بينها، فالشرط حينئذ أملك، ومقاطع الحقوق عند الشروط»، قال
(1) بكلي عبد الرحمن فتاوى البكري، 343/ 1 - 344.
(2) السالمي: جوهر النظام، 49/ 2.
(3) مقتعد: اسم فاعل من فعل قعده وأقعده، أي أجره وأكْرَى له وهذا المصطلح كثير الاستعمال عند العُمانيين.
(4) رواه البخاري، كتاب الشروط، باب الشروط في المهر عند عقدة النكاح وقال عمر: «إن مقاطع الحقوق عند الشروط، ولك ما شرطت» وقال المسور: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم ذكر صهراً له، فأثنى عليه في مصاهرته، فأحسن قال: حدثني وصدقني، ووعدني فوفى لي». ورواه سعيد بن منصور في السنن، كتاب الوصايا، باب ما جاء في الشرط في النكاح، حديث: 638. وابن أبي شيبة في المصنف، كتاب النكاح، في الرجل يتزوج المرأة ويشترط لها دارها، حديث: 12463. (3/442)
صفحة 1591
الفصل الخامس: القاعدة الفقهية الكبرى الخامسة
443
رسول الله صلى الله عليه وسلم: «المسلمون عند شروطهم إلا شرطاً أحلَّ حراماً أو حَرَّم حلالا (1) (2)
وبعد أن عرض البكري آراء الفقهاء وحُجَجهم، وبين أن الحكم في هذه المسألة يستند إلى العرف الجاري به العمل بين الناس في كل بلد، اختار أن يأخذ المستأجر تلك الزيادة لقاء ما أدخل على المحل من إصلاحات إن لم يمنعه عنها قانون الإيجار المعمول به في ذلك البلد).
2 - في الإجارة في الأعمال اليدوية: ذكر العلماء صوراً أخرى للإجارة في بعض الأعمال اليدوية جرى العمل بها رغم وجود جهالة فيها، وقالوا لا يصح الإجارة إلا بأجرة معلوم، فإن كان مجهولاً لم يصح، ولكن للأجير أجر المثل باتفاق الأمة. فالصباغ الذي يصبغ
الثياب فعمله مجهول، وقد أجازوه على المتاممة، فإذا أفسد الثوب ضمنه. يقول عثمان الأصم في هذا الشأن: «إن النساج الذي يعمل الثوب إذا كان الثوب بكراء معلوم، والغزل وزنًا معلوماً، وطول الثوب وعرضه معلوماً فقد ثبت عندهم، والعمل في الثوب مجهول، ومجهول في كَمْ يعمله الأجير، وقد أثبتوه، وإذا كان بغير وزن ولا معرفة طول ولا عُرض، فذلك أيضاً مجهول، وفي المناقضة منتقض، وإن رجع أحدهما فله الرجعة، وإن عمل بعضاً فله عناؤه، وإن أفسد النساج الثوب فله عمله، وضمن الغزل برد مثله أو قيمته إلى
(1) رواه أبو داود، كتاب الأقضية، باب في الصلح، رقم 3594، والحاكم في المستدرك، كتاب البيوع، رقم 2309، عن أبي هريرة بلفظ: المسلمون على شروطهم». ورواه الترمذي، كتاب الأحكام، باب ما ذكر في الصلح بين الناس، رقم 1352، عن عمرو بن عوف المزني. وقال حسن صحيح. وصححه الألباني كذلك. قال ابن حجر: «كثير بن عبد الله ضعيف عند الأكثر لكن البخاري ومن تبعه كالترمذي وبن خزيمة يقوون أمره». فتح الباري، 451/ 4. حكم
بضعفه في التلخيص.
(2) بكلي عبد الرحمن فتاوى البكري، 344/ 1. (3) بكلي: المرجع نفسه. (3/443)
صفحة 1592
222
القواعد الفقهية عند الإباضية
ربه، وإن عمل الغزل على الجهالة ورضي صاحب الثوب، جاز بينهما، وإن لم يكن له أجر معلوم فله أجر مثله برأي العدول عدولاً لصنعته، وإذا اختلفوا في العمل، فالقول في الثوب والأجر قول رب الثوب، والقول في العمل قول الصانع، والبيئة والأيمان بينهما إذا قال أمرتك أن تعمل لي ثوباً خماسياً، وقال النساج أمرتني أن أعمل رباعياً، فالقول قول صاحب الثوب، ويضمن الغزل، وإن شاء رب الغزل أخذ الثوب وأعطى كراء رباعيّاً كما ادَّعَى، وكذلك الغسال الذي يغسل الثياب مجهول ذلك، وقد عملوا بذلك وله أجر مثله، فإن ادعى تلف الثوب ضمن).
وتنقل بعض المصادر الإباضية جملة من الإجارات على أعمال يدوية تعارفها الناس وجرى العمل بها رغم ما فيها من جهالة في الأجرة ومقدار العمل وتحديد مدته، وقد أباحها الفقهاء رغم تعارضها مع بعض شروط الإجارة الشرعية، وقالوا عند الاختلاف بين المؤجر والمستأجر يُسار إلى أجر المثل، ومن هذه الأعمال حفر الآبار والأفلاج واستخراج المعادن والحجامة والحلاقة والفلاحة وغيرها من الصنائع والحرف اليدوية. جاء في «البصيرة» ما نصه والإجارة في حفر الأفلاج قد عملوا بذلك ودفع الكراء، وإن كان كل يوم شيئًا معروفاً من الكراء والمقاطعة (2) فقد أجازوه، وإن كانت الإجارة معلومة ومقدار العمل مجهولاً، فإذا كانت الإجارة لكل يوم شيء معلوم فقد عملوا بذلك.
وفي حفر الأفلاج وتسريح الأنهار إن كان للحافر كل شيء يوم معلوم فقد عملوا بذلك، وإن كان مقدار ما يعمل مجهولاً؛ لأنه لا يدري كم يخرج من الطين وما يحفر من باع وهذا من المجهولات.
(1) الأصم عثمان البصيرة، 211/ 1 - 213، 215. - الراشدي: جواهر القواعد، ص 169. (2) المقاطعة: أي قطع الأجرة يراد بها تحديد مقدارها، والقطع بفتح فسكون، مقدر قطع: وهو الفصل. ينظر: محمد رواس قلعة
جي معجم
لغة الفقهاء، ص 366. (3/444)
صفحة 1593
الفصل الخامس: القاعدة الفقهية الكبرى الخامسة
وحفر المعادن أيضاً مجهول فإن كانت الأجرة كل يوم للأجير شيء معلوم معروف، فإن العمل الذي يعمله لا يدري ما هو؟ وهو مجهول، وقد عملوا ذلك في المتاممة، ومقدار عنائه في اليوم وهو مجهول، ولو تناقضوا لانتقض. وأجرة الحجام مجهولة؛ لأنه لا يدري كم شرط (1)، وإنما له أجرة مثله، وقد عملوا بذلك، وحلق الشعر للحجام شيء مجهول فذلك منتقض وله مثله. وعمل الأرض بنصيب مما يخرج منها سدس أو ربع فذلك مجهول العمل والنصيب، ومجهول ما يتوصل إليه ولا يدري ما يحصل للعامل من ذلك العوض، وقد عملوا به ... » (2).
ومن صور الإجارة الجائزة أيضاً مع الجهالة: الرغي بالأجرة لكل شهر عن شاة مبلغًا معينًا، فذلك جائز وقد عُمل به وهو من المجهولات في
مسافة الراعي.
وكذلك الوكيل في المال بلا أجرة جائز، وذلك أن قيامه بالوكالة مجهول،
وقد عملوا به.
والذي يصوغ بالكراء حُلِيَّا من ذهب أو فضة، فذلك غائب المعمول
ومقدار العمل، وفيه الجهالة وقد عملوا به.
وكذلك الذي يحصد الثمرة في الجرار والدوس وحصاد النخيل مجهول المقدار، وقد عملوا به واتفقوا عليه عند المتاممة، وله عمل مثله فيما تراضوا به. - والنجار الذي يقطع الخشب ويعمل الأبواب والدور مجهول المقدار، وقد أثبتوا له الأجرة وأعطوه ذلك، وإن تناقضوا فله أجرة مثله.
وكذلك البائع بالمناداة مجهول أيضاً المقدار من خطوه وندائه وبيعه، وقد أثبوا له أجرته، وبائع الماء أيضاً مجهول مقدار ما يشتريه المشتري وقد أعطاه عوضه في ذلك.
(1) لعله يقصد: الشرطات التي يشرطها الحجام بالمشرط ليخرج الدم.
(2) الأصم عثمان: البصيرة، 209/ 1 - 210. (3/445)
صفحة 1594
446
القواعد الفقهية عند الإباضية
وكذلك الحاج بالأجرة قد جوّز له الفقهاء ذلك بالأجرة وإن كان مجهولاً عناؤه في ذلك، وأجازوا له أجرته.
وكذلك من ينقل الناس في السفر بوسائله المختلفة كالجمال والحمير قديماً والسيارات والحافلات والطائرات حديثا يكون بكراء معلوم إلى بلد معلوم، وقد أثبت له الفقهاء أجرته لكن مقدار السير والنزول مجهول، وإن لم الاتفاق على الأجرة كان له كراء مثله). وفي مجال كراء الدواب للنقل
يتم
و اختلاف صاحب الدابة مع المستأجر في أجرة الكراء، فالحكم غالباً يكون أ للعرف والعادة يقول الجناوني في هذا الشأن: «وكذلك الإجارات على هذا الحال إن قال ربّ الدابة للمكتري كراء دابتي عشرة درهم وقال المكتري لا بل خمسة ومنهم من يقول بأن لها أجرة، عنائها وكذلك إن قال المكتري لرب الدابة كراء دابتك خمسة دراهم وقال رب الدابة لا بَلْ عشرة دراهم فَسَاقها المكتري كذلك فاستعملها فكراؤها عشرة كما قال رب الدابة، ومنهم من يقول بأن له أجرة عنائها ... » (2).
والملاحظ أن في الحالة الأولى رجح الجناوني قول المكتري وهو خمسة دراهم رغم أن صاحبها طلب عشرة، وفي الحالة الثانية رجح كلام صاحب الدابة وهو عشرة ولم يعتد بكلام المكتري، ولعل ترجيحه استند إلى الواقع والعرف الجاري به العمل بين الناس أن مَن يُسَلَّم دابته للمستأجر رغم اختلافه عه في سعر الكراء يدل على رضاه بسعره أو رضوخه له بعد إصراره على تلك الأجرة، وبعد انتهاء المستأجر من استعمال الدابة رجع صاحب الدابة عن رأيه فطالبه بالسعر الذي رغب فيه في البداية.
أما في الحالة الثانية فيبدو أن المكتري اقترح عليه سعراً فرفضه صاحب الدابة ثم تنازل له المكتري بعد ذلك فقبل بسعره لما كان مضطراً لاستعمال
(1) الأصم عثمان البصيرة، 212/ 1 - 213، 215.
(2) الجناوني: كتاب النكاح، ص 87. (3/446)
صفحة 1595
الفصل الخامس: القاعدة الفقهية الكبرى الخامسة
447
الدابة، وهذا كثيراً ما يحدث للناس مع أصحاب سيارات الأجرة في بعض الحالات العصبية كأيام الأعياد، وأوقات الليل حيث تقل المواصلات، فيستغل أصحاب السيارات الخاصة هذه الظروف فيرفعون أسعارهم، فيضطر المسافرون إلى قبول ذلك دون رضى حتى لا يتعرضون للتأخر عن أعمالهم ومصالحهم وذويهم.
هذا وقد وضع بعض فقهاء الإباضية ضوابط للإجارة على بعض الأعمال إذا لم يشترط فيها أجرة محددة ولا جهد معين، فإنه يحتكم إلى العرف الجاري
في تلك المهن بأجرة المثل، وعند الاختلاف على مقدارها يُلزم بالبينة. يقول الأصم في هذا المعنى والصائغ والنساج والصناع والبائع وكل من عمل بالأجرة، إذا لم يشترط له عناء معلوم ولا أجرة معروفة يتفقان عليها، فله عناء مثله وأجرة مثله، وإذا اختلفا في الأجرة كان على صاحب العمل البينة»).
خامساً:
في المساقاة:
وضع فقهاء الإباضية نظاماً بديعاً لتنظيم السقي في المزارع وتقسيم المياه بين الشركاء بالعدل، فمن تعدَّى ذلك عُوقِب، وإن تسبب في إلحاق الضرر بغيره ضمن ما تلف.
يقول الثميني في هذا الصدد: من أجرى ماء إلى أرضه في الساقية فانخرقت أو فاض منها فأضر غيره بذلك، فإن زاد فيها من الماء ما فوق المعتاد المتعارف من سقي أهل البلد، أو لم يُحْكم الساقية ولم يمتنها على المعتاد في مثلها، ضمن ما تولد من ذلك على غيره، وإن لم يزد في الماء على المعتاد وقد أحكم الساقية إحكاماً متعارفًا في مثلها بنظر العدول، وانخرقت
من غير فعله فلا يضمن ذلك ... » (2).
(1) الأصم عثمان: البصيرة، 213/ 1. (2) الثميني: الورد البسام، ص 281. (3/447)
صفحة 1596
448
القواعد الفقهية عند الإباضية
ومنها: أنه قد يكلف صاحب المزرعة صبيا ليسقي زرعه أو نخله فيسبب في ضرر غيره، فلا يضمن الصبي تبعه ذلك، بل يتابع فيها من كلفه بذلك ويتحمّل مسؤولية تصرفاته حسب ما تعارف عليه الناس في ذلك البلد؛ لأن تصرفات الصبي يحكمها العرف والعادة. قال أبو سعيد الكدمي في هذا المعنى: «فأما الصبي فقد قيل: إنه إذا عَمِل للإنسان عملاً بأمره ولم يأمره بذلك الإنسان الذي عمله له مما قد عمله له فعله له في ماله فيما هو مباح له، فذلك جائز ولا تبعة على المعمول له ذلك، وأرجو أن هذا الذي ذكرتُ إذا استقى مما هو مباح في سقائك، والعرف والعادة أنه يوجد ذلك لاَ لَهُ، فهذا عندي جائز لك، ويجوز ذلك أن تشرب منه أنت وغيرك بأمرك إذا كان الماء لك، وكذلك العرف والعادة أن الصبي إنما هو يسقي لك من سقائك لاَ لَهُ، وإنما يستقي من ماء مباح أم من ماء غيره بأمر على سبيل الاستقاء لك، فعندي أنَّ الماء يكون لك على هذا الوجه في معنى التعارف ... (1)
فإذا كانت تصرفاته في المباح فلا شيء عليه، كسقي الماء، أما إن أمره بسقي الماء وتجاوز الصبي ذلك وأخذ من ماء غيره دون إذنهم فالأمر هو مسؤول عن ذلك، وعليه ضمان ذلك.
ويشترط عثمان الأصم للانتفاع من ماء الغير ألا يكون في حصن، فإن كان كذلك فيجب عليه استئذان أصحابه في الاستقاء حتى ولو كان ماء الفلج المشرك؛ لئلا يصبح ذلك اعتداء. يقول في هذا المعنى: «لا يجوز لأحد أن يمنع من الاستقاء من الأطوي حيث الحاجة إليها، وليس لأحد أن يدخل الحصون بغير رأي أهلها في الاستقاء، ولا في غيره، ولا يجوز أن يستقي من الأفلاج إلا برأي أهله من الفائض من الوسل إلا أن يكون ذلك مباحاً،
(1) الكدمي أبو سعيد الجامع المفيد، 213/ 2 - 214. (3/448)
صفحة 1597
الفصل الخامس: القاعدة الفقهية الكبرى الخامسة
449
لا يتمانعه أهل البلد فيما بينهم، ولا يصرفه صاحب المال إلى ماله، فعند ذلك جائز، وما فاض من الأجايل وصار إلى حد التلف والذهاب من
أهله،
فجائز الانتفاع به ... ).
سادساً: في الهدية:
- في حكم قبول الهدية:
جرت العادة أنه إذا قدّم أحد هدية لغيره وكان بينهما رابطة تربطهما، كالقرابة أو الصداقة، قبلها منه توطيداً لتلك العلاقة، سواء قدمها بنفسه، أو أرسلها مع رسوله، فإنه يقبلها دون ريبة، ولكن لو جاءت هذه الهدية من شخص مجهول، أو من عدو، أو قدمت لحاكم أو قاض أو وال، فلا يجوز له أخذها للشبهة، فقد تكون تقية أو رشوة أو خديعة يترتب عليها ضرراً في نفسه
أو دينه، وهذا ما تعارف عليه الناس، وجرى العمل به، وأقره أهل العلم. قال الثميني: «ومن التعارف أيضاً قبض الهدية من رسول المهدي ... »)، ويقول في موضع آخر في بيان حكم الهدية وفي رد ظرف الهدية، وقبول القاضي الهدية ممن جرت العادة بينه وبينه بها قبل الاستقضاء، قال في النيل: «ولا يقبل هدية إلا من قريب أو صديق معتاد» (4).
ويشير ابن بركة إلى هذه المعاني في سياق حديثه عن تحكيم العلماء للعرف والعادة في المعاملات الجارية بين الناس إذا أعوزهم الدليل من كتاب أو سُنَّة ومما يدل على جواز ما قلنا الإجماع من الأمة على جواز أخذ
(1) المصدر نفسه، 141/ 1، 140.
(2) الثميني: الورد البسام: ص 261.
(3) عبارة ناقصة تحتاج إلى استكمال لفهم المعنى المراد.
(4) الثميني ضياء الدين النيل وشفاء العليل مع شرح القطب، 76/ 13. ـ وينظر: الراشدي:
جواهر القواعد، ص 155. (3/449)
صفحة 1598
القواعد الفقهية عند الإباضية
من صبي
الهدية التي هي مال من غير بينة بل قالوا جميعاً إن جواز أخذها وزوال ملكها عن مهديها، وحدوث ملكها لمن أهديت إليه بسكون القلب إلى صدقه أو عبد أو ذمي مع سكون القلب بالرسالة، أو دليل يدله على ذلك، ولو لم يذكر الرسول عند المهدى شيئاً، ألا ترى أنهم أجمعوا جميعاً لا خلاف أن المهدي إليه لو أنكرها قلبه، ولم يكن في نفسه ما يدله على صدق الرسول بها، أو رأى أن صاحبها ليس بينه وبين المهدي إليه ما يوجبها لم يحل له أخذها ....
بينهم
بيوم،
(1)
ألا ترى أن الإنسان لو وصل إليه إنسان بشيء مما هو مال، فذكر أنه هدية له من عند من كان بينه وبينه قتال أو مخاصمة على مثل شسع نعل قَبْلَها لأنكر ذلك قلبه، وظن أنها أهديت إلى غيره فغلط الرسول، أو بعثه بها إلى من كان أعانه عليه بالأمس في حال مقاتلتهما، فليس له أن يأخذها؛ لأن العادة جرت بأن الإنسان لا تسمح نفسه لعدوه من ماله (بأقل شيء)، وإجماعهم على أخذها مع سكون قلب المَهدِيَةِ إليه ما يوجب إليه صحة الرسالة (2). ويضيف ابن بركة دليلاً آخر يؤكد على أن قبول الهدية يكون حسب ما جرى
التمور
به عرف الناس وعادتهم، وذلك بسكون القلب، وهذا يظهر في موسم جني ا حيث يتهادى الناس بالتمور والرطب ويتسابقون في هذا الإكرام طمعاً في الأجر والثواب وتوثيق الصلات بينهم يقول ابن بركة: ويدل على ما قلنا أيضاً ما الناس عليه في أيام غير القيظ (3) أن رجلاً لو وصل إليه رجل في مال (4) لا يملكه فدفع
(1) شئع من فعل (ش. س. ع) والشَّسْعُ واحد وشُسُوع النعل التي تُشَدُّ إلى زمامها ... ينظر: إيضاح مختار الصحاح أبو بكر الرازي،
(2) ابن بركة كتاب التعارف، 31/ 1.
ص
222
(3) القيظ: حمارة الصيف وأصله (ق، ي، (ظ) و (قاظ المكان وتقيظ) به أقام به في الصيف والموضع (مقيظ) و (قاظ) يَومُنَا اشتد حَرُّهُ، ينظر: أبو بكر الرازي، إيضاح مختار الصحاح،
ص 369. وهذا المصطلح يستعمل في عُمان بكثرة للدلالة على المعنى.
(4) المال: يقصد به المال الأخضر وهي أشجار النخيل. (3/450)
صفحة 1599
الفصل الخامس: القاعدة الفقهية الكبرى الخامسة
451
إليه شيئاً من الطعام، لم يجز له أن يأخذه منه لعلمه بأنه غير مالك له، ولو كان ذلك في أيام القيظ وجد هذا الرجل الدافع إليه ذلك المال، وقد عمل عريشاً وهو يخرف (1) ويجدّ (2) لكان له أن يأخذ منه من تلك التمرة، وما دفع إليه منها، وإن كان غير ثقة إذا كان صاحب المال في المضر، وحيث تناله - نسخة - تبلغه الحجة، ويصل إليه الخبر، وهذا إنما يرجع في العلم بجواز سكون القلب؛ لأن العريش والنزول وبسط اليد يدل على شراء التمرة وتملكه لها، فهذا ونحوه مما يعلم بسكون القلب، ويعمل به كما يعمل باليقين ... » (3).
ويستدل ابن بركة على جواز قبول الهدية ممن تربطه به علاقة لا شبهة فيها أن الله كلفنا بعبادات نلتزم بها استنادًا لما تسكن به نفوسنا، وكذلك ثبت عن الرسول الله أنه يأمر بالهدية بين الناس ويقبلها.
جاء في كتاب التعارف ما نصه: ويدل على أن الله تعالى تعبدنا بعبادات أمرنا بإنفاذها والعمل بها، أخذها بدليل سكون القلب، وفي الهدية دليل لا يدفعه دافع؛ لأن فيها سُنَّة مشهورة بقول النبي صلى الله عليه وسلم: «تهادوا تحابوا» (4)،
(1) خرف الثمار: اجتناها وبابه نصر والتمر، مخروف ينظر الرازي إيضاح مختار الصحاح، ص 114.
(2) جد يجد، وأصله (جدد) وجد الشيء: قطعه وبابه ردَّ، وثوب جديد وهو في معنى مجدود يراد به حين جده الحائك أي قطعه ينظر: أبو بكر الرازي إيضاح مختار الصحاح، ص 62. وفي نفس المعنى (جده) بالذال المعجمة وأصله (ج) ذ ذ بمعنى كسره وقطعه وبابه رَدّ و (الجذاذ) بضم الجيم وكسرها ما كسر منه والضم أفصح، وعطاء غير (مجذوذ) أي غير مقطوع ... يراجع الرازي إيضاح مختار الصحاح،
(3) ابن بركة: كتاب التعارف، ص 36، 35.
ص
63
بين
الناس،
(4) رواه البيهقي في الكبرى، كتاب الهبات، باب التحريض على الهبة والهدية صلة رقم 11726، والبخاري في الأدب المفرد، كتاب المريض باب قبول الهدية، رقم 594، عن أبي هريرة العراقي: «أخرجه البخاري في كتاب الأدب المفرد والبيهقي من حديث أبي هريرة بسند جيد». تخريج أحاديث الإحياء، 41/ 2. (3/451)
صفحة 1600
452
القواعد الفقهية عند الإباضية
وقوله: «لو دعيتُ إلى دَاع لأجبتُ ولو أُهدِيَ إِليَّ لقبلتُ (1) بعض أهل العراق إن قبول الهدية فرض واجب ... » (2).
ووردت عن فقهاء الإباضية نصوص عديدة تمنع الحكام والقضاة والولاة من قبول الهدية من الناس؛ لأنها من باب الرشوة ورخص بعضهم إن جاءت هذه الهدايا ممن عادته فعل ذلك قبل أن يكون المهدى إليه مسؤولاً على المسلمين أو ما يكون بين الأقرباء من باب صلة الرحم.
نقل ابن جعفر في جامعه جواباً عن الفضل بن الحواري (3) الله يقول فيه وليس لحاكم من إمام ولا قاض ولا وال أن يقبل من رعيته الهدية إلا من قد كان يجوز بينهما من قبل، إلا من والد أو ولد أو أخ أو عم أو خال أو جد أو ولد أو مثل ذلك يجوز له، وقد فسر أهل التفسير قول الله تعالى: أَكَلُونَ لِلسُّحْتِ (المائدة: (42) أنه الرشاء، وبلغنا أن المختار (4) رحمه الله قال في كلام له وهو يعيب الجبابرة، سَمُّوا الخمر طلاء فشربوها، والرشا هدية فأكلوها، فأما من لم يكن حاكماً أو سبب من السلطان يجوز أمره ونهيه وحكمه، فالهدية جائزة بين المسلمين والأرحام والناس، إلا أن يَعْنِي المسلمين عناية في حرب أو سفر أو غيره فتعينهم الرعية لعامة المسلمين
في معناهم، فذلك جائز من طعام أو غيره، فإن قبل هدية، فعليه أن يردها
(1) رواه البخاري، كتاب الهبة وفضلها والتحريض عليها، باب القليل من الهبة، رقم 2429، عن أبي هريرة، بلفظ: «لو دعيت إلى كراع لأجبت ولو أهدي إلي كراع لقبلت». والترمذي: كتاب الأحكام عن رسول الله صلى الله عليه وسلم باب ما جاء في قبول الهدية وإجابة الدعوة، حديث: 1295 عن أنس. بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لو أهدي إلي كراع لقبلت، ولو دعيت عليه لأجبت». وفي الباب عن علي، وعائشة، والمغيرة بن شعبة، وسلمان، ومعاوية بن حيدة، وعبد الرحمن بن علقمة وقال: حديث أنس حديث حسن صحيح.
(2) ابن بركة كتاب التعارف، ص 18.
(3) ينظر: ترجمته في جامع، ابن جعفر، 266/ 4، هامش رقم 1. (4) ينظر: ترجمته في جامع ابن جعفر 266/ 4، هامش رقم 2. (3/452)
صفحة 1601
الفصل الخامس: القاعدة الفقهية الكبرى الخامسة
?
453
فإن كان قد أتلفه رَدّ مثله أو ثمنه (لعله أراد تلفها رَدّ مثلها أو قيمتها) (1) وقد فعل ذلك الصلت بن مالك حين خرج إلى بُهلا في حين خرج إلى بهلا في أمر خثعم (2) فقبل الهدايا على عهد بقايا من الأشياخ، فأمر ببعث أثمانها إلى أهلها وبعث بها إليهم ... (3).
فهذا النص يؤكد لنا حرمة أخذ الحاكم للهدايا إلا في حالات خاصة مثل: أن يكون في سفر أو حرب فينزل عند قوم فيقدمون له هدايا إكراماً له، فيجب عليه ردها فإن انتفع بها ضمن لهم قيمتها.
جاء في جواب أبي المؤثر الصلت بن خميس إلى الرجل الذي قدم بيت الله الحرام واستشاره في الوصول إلى عُمان قال: وسألت عن قاضي قضاة
المسلمين يقبل هدايا الناس ويستلف منهم ويبيع أو يشتري ما منزلته؟ فأجابه: «فأما الهدايا فليس لقاضي المسلمين قبولها من الناس إلا أن بعض المسلمين قد رخص في قبول هدية من تجري بينه وبينه المهاداة قبل أن يدخل القضاء فأما غير ذلك فلا، ومنزلته في قبول الهدايا خسيسة، ولا نتقدم على البراءة منه، غير أنه يُنهى عن ذلك، فإن كانت تلك الهدايا مما يبلغ به إلى تضييع حق أوجبه الله هلك بذلك وبُرئ منه إلا أن يتوب ويرد ما أخذ عن ذلك، وذلك من السحت وهو حرام حرمه الله ... » (4).
(1) يلاحظ كأن هذه العبارة من تفسير أحد الشراح للنص وليست من كلام الفضل بن الحواري. (2) جاء في جامع ابن جعفر ما نصه: «وقد كان إمام المسلمين بعمان الصلت بن مالك رحمه لله سار مسيراً يريد به حرب رجل بغى على المسلمين يقال له خثعم، فنزل قرية يقال لها بهلا وهي عمله، فأهدى إليه أهلها هدايا من الطعام فقبلها وأكلها الناس، ثم رجع الإمام وبعث إلى الباغي سرايا، فلما رجع إلى منزله أمره فقهاء المسلمين برد تلك الهدايا فحسب قيمتها وردها إلى أهلها» ينظر: ابن جعفر، الجامع، 265/ 4.
من
(3) ابن جعفر: الجامع، 265/ 4.
(4) ابن جعفر: الجامع، 264/ 4. (3/453)
صفحة 1602
القواعد الفقهية عند الإباضية
ويضيف أيضاً في السياق نفسه واعلم أن من قبل هدايا الناس شيئاً من حكام المسلمين فعليه رد ذلك إلى أهله، إلا ما قد أعلمتك من ترخيص من رخص من الفقهاء فيمن كان يهاديه قبل ذلك ... ).
أخذناه
ويؤكد أبو عبد الله محمد بن محبوب (من علماء الإباضية) هذا الحكم ويعتبر قبول الهدية من الحاكم رشوة محرمة يجب ردها والتوبة من ذلك، وفي ذلك جواب له إلى أهل المغرب عن سؤال يقول فيه: وعن الإمام والقاضي أو العامل يقبل الهدايا من رعيته وينتصف منهم ويكون لمن أُهدي إليه عندهم منزلة ليس لغيرهم، هل لذلك من سيرة أهل العدل؟ فكان جوابه: «فإن الذي من أسلافنا العلماء أن الإمام والقاضي والوالي لا يجوز لهم الهدايا ولا يقبلونها إلا من كانت بينه وبينهم الخلطة متقدمة من قبل الإمامة والقضاء والولاية، فذلك لا بأس عليهم أن يتموا على مخالطة أولئك، فأما ما كان من بعد ولايتهم فلا يجوز لهم قبوله، فإن قبلوه قبولاً يعتذرون فيه بعذر يقبله المسلمون منهم قبلوا، معاذيرهم وإن كانوا يقبلون ذلك من أوجه الرشا على الحاكم، فإنه يُنصح لهم في ترك ذلك، فإنه ليس من أخلاق المسلمين، فإن قبلوا النصيحة قبل ذلك منهم، وإن أبوا كان ذلك منقضاً لهم عند المسلمين ولو استدلوا بهم وأزالوهم عن أمر المسلمين كانوا أهلاً لذلك، والرشا في الحكم حرام، وقد فسر المسلمون قول الله تعالى: {أَكَلُونَ لِلسُّحْتِ (المائدة: 42) قالوا: أكالون للرشا» (2). وذكر في جوابه أيضاً أنه يجب على الحاكم ردّ الهدايا إلى أصحابها؛ لأن من شروط قبول التوبة الإقلاع عن المعصية وقبول الحاكم للهدية معصية تستوجب التوبة، إلا إن ترك الحكم فيجوز له قبولها، وهذا نصه: «وقلتم: إن
(1) ابن جعفر المصدر نفسه. (2) ابن: جعفر نفسه. (3/454)
صفحة 1603
الفصل الخامس: القاعدة الفقهية الكبرى الخامسة
تاب فهل عليه أن يرد ما كان يهدي إليه الناس، فإنا نرى ذلك له وعليه، إلا أن يزول عن الحكم فيطيب الناس له نفساً فعسى أن يسعه ذلك، فأما ما كان حاكماً فعليه رد ذلك ... ).
وسئل ابن محبوب أيضاً عن قبول العالم الهدية ممن يعلمهم، فرخص لهم في قبولها ما دام لم يتسبب فيها، كأن يطلبها صراحة أو تلميحاً مقابل ما يبذل من جهد في نشر العلم للناس، فإن فعل ذلك تحرم عليه. وهذا ما يفهم من جوابه لأهل المغرب لما سئل عن الرجل إذا كان عنده علم وفقه فجعل الناس يكرمونه ويهدون إليه وهو يظن إنما يفعلون به ذلك من أجل العلم، هل عليه في ذلك بأس؟ فأجاب: «فنرجو أن لا بأس عليه ما لم يتسبب ـ لعله ما لم يكن بسبب السلطان ـ (2)، أو كان لا يعلم علمه إلا لطلب الدنيا فلا يحل له ذلك، وقد كان الأشياخ المسلمين والعلماء تأتيهم الهدايا والصلات والكرامات من إخوانهم من الآفاق إلى مكة فيقبلونها، وإن كان من وجه الكرامة والصدقة عليه فلا بأس ما لم يكن بموضع سلطان، فإن السلطان لا يجوز له الهدية إلا فيمن كان يُهدى إليه من قبل سلطانه، هذا وأهل العلم لهم تنزّه عن هذا إجلال العلم عن الدنيا ولو كان حلالاً، ففكروا في هذا
ذلك
وانظروا في قول من يرخص في الهدية، ولو كان سلطان في الحق» (3). هذا وذهب بعض أهل العلم إلى أنه يستحب لمن كان له سلطان في الحق إذا قبل هدية ممن عوّده الإهداء قبل أن يكون له سلطان في الحق من صديق أو من أخ أو رحم أن يكافيه عما أهداه إليه إذا لم يمكن من ذلك؛ لأنه يرى أن ترك المكافأة من التطفيف).
(1) ابن جعفر نفسه.
:
(2) يلاحظ كأن هذه العبارة من تفسير أحد الشراح للنص وليست من عبارة ابن محب
(3) ابن جعفر المصدر نفسه، 262/ 4.
(4) نفسه 262/ 4 - 0263 (3/455)
صفحة 1604
القواعد الفقهية عند الإباضية
مجمل القول:
بنظرتهم
في
الأخطاء
وهكذا من خلال نصوص العلماء الأجلاء يظهر أنه كانت لهم نظرة ثاقبة. عدم قبولهم هدايا الحكام أو الرعية حفاظاً على عزة النفس؛ لأنهم يعلمون أن قبول الهدايا يحتاج إلى نوع من المهادنة وغض الطرف عن كما هو حاصل هذه الأيام - نسأل الله العافية - فالأصل أن أهل العلم ينزهون العلم عن الدنيا وإن كانت الهدية لهم حلال كما يرى ابن محبوب، وكيف من كان له سلطان في الحق يأمر بالمعروف وينهى عن النكر ولا يخشى في الله لومة لائم. والحاصل أن قبول الهدية تخضع إلى العرف والعادة الجارية في الناس
ما لم تتصادم مع النصوص الشرعية أو تؤدي إلى شبهة وريبة.
سابعاً: في اللقطة: تُعرف اللقطة عند أهل اللغة بأنها اسم لما يلقط، وفيها أربع لغات وهي:
لقطة اللقطة ساكن القاف المال الملقوط، أو اسم الشيء الملتقط، ومفتوحها: اسم الرجل الملتقط، ولقاطة: بضم اللام الكثير الالتقاط، ولقط بلا هاء وفتح اللام والقاف: أي أمسك (1).
وعرفها بعض الفقهاء بأنها: المال الساقط لا يعرف مالكه (2)، وقيل: هي مال معصوم عُرِض للضياع، وعند ابن جزي: كل مال معصوم معرض للضياع في عامر أو غامر (3).
وقد بين الفقهاء كيفية تسلّم، اللقطة فذكروا أن على صاحب اللقطة أن يذكر الوكاء والعفاص أي الكيس والخيط الذي ربطت به، وعدد النقود
(1) ينظر: النظم المستعذب شرح غريب المهذب، 466/ 1. - يراجع: المؤلف ـ والمطلع على
أبواب المقنع، ص
282
(2) الكسائي بدائع الصنائع، كتاب اللقطة، 74/ 14.
(3) ابن جزي القوانين الفقهية، 223/ 1. (3/456)
صفحة 1605
الفصل الخامس: القاعدة الفقهية الكبرى الخامسة
457
ونوعها، ويجب أن يكون الملتقط عالماً بذلك حتى يؤدي الحق لصاحبه، فلا تعطى لكل من يعرفها، بل عليه أن يستوثق حتى يقع مع صاحبها الحقيقي، ولا يقع مع محتال، فلا يسلمها إلا لمن ذكر الأوصاف. جميع
واشترط الفقهاء أن يعرفها مدة كافية واختلفوا في مدة تعريف اللقطة، فقال بعضهم: إذا كانت قيمتها ثلاثة دراهم فصاعداً عرفت سنة، وإن كانت قيمتها درهمين عرفت بشهرين، وإن قيمتها درهماً أو أقل عرفت شهراً، وهو أكثر القول وعليه العمل عند الإباضية). وذهب عثمان الأصم إلى أنه «إن كانت قيمتها ثلاثة دراهم
عرفها ثلاثة أشهر حتى تكون قيمتها أربعة دراهم إلى ما أكثر فيعرفها بسنة» (2). نقل ابن جعفر في «الجامع أقوال الإباضية في تحديد مدة اللقطة فقال: ومن لزمته اللقطة عرفها سنة، وسأل عن صاحبها فإن قدر عليها باعها واجتهد وتصدق بثمنها على الفقراء، فإن جاء صاحبها خيّره بينها وبين الأجر، فإن طلبها فعليه له غرمها، وقالوا: إن كانت شيئاً يسيراً لم يكن عليه أن يعرفها سنة ويعرفها ما فتح الله له، فإن لم يجيء صاحبها تصدق بها على فقير أو ثمنها، وكل ذلك جائز، قال أبو المؤثر: اللقطة مختلفة فيها، منها ما يُعرف سنة، ومنها
ما يعرف أقل، ومنها ما يعرّف أكثر على قدر عظم اللقطة ودناءتها ... » (3). ولعل الذين أوجبوا تعريف اللقطة لمدة معينة استندوا إلى الحديث الذي رواه أبي بن كعب إذ يقول: «التقطت على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم مائة دينار فأتيت بها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «عرّفها سنة فعرفتها سنة، ثم أتيته فقلت قد عرفتها سنة، فقال: عرّفها سنة أخرى، فعرفتها سنة أخرى، ثم أتيته في الثالثة فقال: أحصي عددها ووكاءها واستمتع بها» (4).
(1) ابن جعفر: الجامع، 240/ 4. (2) الأصم عثمان: البصيرة، 136/ 1.
(3) ابن جعفر المصدر نفسه، 240/ 3.
(4) متفق عليه، رواه البخاري، كتاب اللقطة، باب إذا أخبره رب اللقطة بالعلامة دفع إليه،
رقم 2294،
، ومسلم، كتاب اللقطة، رقم 1723، عن أبي بن كعب. (3/457)
صفحة 1606
القواعد الفقهية عند الإباضية
وجاء عن علي بن مرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من التقط لقطة يسيرة درهماً أو حبلاً أو شبه ذلك، فليعرّفه ثلاثة أيام فإن كان فوق ذلك فليعرفه سنة). فهذه الأحاديث تدل على أن مدة التعريف تتفاوت من لقطة رخيصة إلى لقطة ثمينة.
واشترط الفقهاء أن يعرف اللقطة حيث يكون تجمع الناس من الأسواق والمساجد حتى يصل خبرها إلى من ضاعت له، وطريقة التعريف أن تقول: من ذهبه شيء؟ لا يخبر بها فيقول من ضاع له كذا وكذا؟ ومن جاء بتعريفها دفعت إليه، فقيل بعلامة واحدة تدفع إليه وقال من قال: لا يدفع إلا بالثلاثة). وقد استدل الفقهاء على جواز التقاط اللقطة وتعريفها من السنة من ذلك، ما ورد عن زيد بن خالد الجهمي أن رجلاً سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن اللقطة قال: أعرف عفاصها ووكاءها ثم عرّفها سنة فإن جاء صاحبها وإلا فشأنك بها، قال: فضالة الغنم؟ قال: هي لك أو لأخيك أو للذئب»، قال: فضالة الإبل؟ قال: «ما لك ولها معها سقاؤها، وحذاؤها ترد الماء، وتأكل الشجر حتى يلقاها ربها» (3)، وفي رواية «فإن لم يعرف فاستنفقها ولتكن وديعة عندك، فإن جاء طالبها يوم من الدهر فادفعها إليه»، قال: يا رسول الله: «فضالة الغنم؟ قال: خذها فإنها هي لك، أو لأخيك أو للذئب»، قال فضالة الإبل، قال: فغضب رسول الله.
رقم
11880. قال
(1) رواه أحمد، مسند الشاميين حديث يعلى بن مرة الثقفي عن النبي صلى الله عليه وسلم، رقم 17602، والبيهقي في الكبرى، كتاب اللقطة، باب ما جاء في قليل اللقطة، ابن حجر: لم يصح لضعف عمر. تلخيص الحبير 743. وقال البيهقي: «تفرد به عمر بن عبد الله بن، يعلى، وقد ضعفه يحيى بن معين ورماه جرير بن عبد الحميد
وغيره بشرب الخمر». (2) الأصم عثمان: البصيرة، 136/ 1.
(3) متفق عليه، رواه البخاري، كتاب في اللقطة، باب إذا لم يوجد صاحب اللقطة بعد سنة فهي لمن وجدها - حديث: 2319 عن زيد بن خالد الجهني. ومسلم، كتاب اللقطة،
حديث: 3333 (3/458)
صفحة 1607
الفصل الخامس: القاعدة الفقهية الكبرى الخامسة
459
احمرت وجنتاه أو احمر وجهه ثم قال: «ما لك ولها معها حذاؤها وسقاؤها ترد الماء، وتأكل الشجر حتى يلقاها ربها (1).
وكتب عمر بن الخطاب له إلى عماله لا تعرضوا للضوال، فكانت
تتناتج هملاً ترد المياه، فلا يعرض لها (2)، وقال الربيع بن حبيب قبض ضالته فهو لها ضامن إلا أن يموت أو يأكلها سبع من غير ضياع. ولكن هل يضمن اللاقط اللقطة إذا أعطاها للفقير فظهر صاحبها؟ سئل السالمي بما يشبه ذلك عن قولهم في اللقطة إذا عرفها اللاقط إلى الحد الذي قدر لها، ثم أعطاها الفقراء أنه يضمنها لربها إذا ظهر ما وجهه مع قوله صلى الله عليه وسلم ثابت بعد تعريف اللقطة: لك هي وهي مال الله يؤتيه من يشاء» (4) ولم
لزيد
بن
يأمر بضمانها؟
فأجابه: «الله أعلم وعندي أنه لا يلزمه ضمانها لهذا الحديث، لأن إعطاءها
(1) متفق عليه، واللفظ لمسلم، رواه البخاري، كتاب في اللقطة، باب ضالة الإبل، حديث: 2317 عن زيد بن خالد الجهني له قال: جاء أعرابي النبي صلى الله عليه وسلم، فسأله عما يلتقطه ... وذكر «فتمعر وجه النبي صلى الله عليه وسلم بدل فغضب». ومسلم، كتاب اللقطة حديث: 3335 عن زيد بن خالد الجهني. قال مسلم زاد ربيعة فغضب حتى احمرت وجنتاه». (2) رواه عبد الرزاق الصنعاني في المصنف ـ كتاب اللقطة، حديث: 17944 عن عمر بن الخطاب بلفظ عن الزهري قال: كتب عمر إلى عماله: «لا تضلوا الضالة أو الضوال» قال: «فلقد كانت الإبل تتناتج هملاً، وترد المياه ما يعرض لها أحد، حتى يأتي من يعترفها، فيأخذها»، حتى إذا كان عثمان كتب أن «ضموها، وعرفوها، فإن جاء من يعرفها، وإلا فبيعوها، وضعوا أثمانها في بيت المال، فإن جاء من يعترفها، فادفعوا إليه الأثمان».
(3) ابن جعفر: الجامع، 242/ 4. (4) لم نقف عليه بهذا اللفظ، وقد روى البخاري، كتاب اللقطة، باب ضالة الإبل، عن خالد الجهني قال: «جاء أعرابي النبي صلى الله عليه وسلم فسأله عما يلتقطه فقال: عرفها سنة ثم احفظ عفاصها ووكاءها فإن جاء أحد يخبرك بها وإلا فاستنفقها وروى أحمد، مسند الشاميين، حديث عياض بن حمار، رقم 17516، بلفظ: «إن لم يجئ صاحبها فإنه مال
زيد بن
الله يؤتيه من يشاء». (3/459)
صفحة 1608
القواعد الفقهية عند الإباضية
الفقراء خلاص منها، ولولا ذلك لما جاز تسليمها إليهم والخلاص لا يتكرر مرتين؛ لأنه إذا كان الأول خلاصاً، فالثاني تحصيل للحاصل، وإن كان الأول غير خلاص فلا معنى لفعله، ولعل القائلين بالضمان رأوا أنه مال مملوك وأن مالكه أحق به إذا ظهر، وجعلوا إنفاذه إلى الفقراء خلاصاً مشروطاً بعدم ظهور ربه، فإن ظهر كان في حكم الخطأ في الأموال والخطأ في الأموال مضمون»، قلنا ليس لربها فيها شيء بعد أن حكم الشارع بأنها لغيره وأنها مال الله يؤتيه
من يشاء» (1).
ولا ريب أن ما ذهب إليه السالمي أقرب للصواب؛ لأنه يستند إلى النص
الثابت عن الرسول صلى الله عليه وسلم وفيه التيسير ورفع الحرج عن الناس. وفي حديث آخر سئل رسول الله عن اللقطة الذهب أو الورق فقال: «أعرف وكاءها وعفاصها ثم عرّفها، فإن لم تكن تعرف فاستنفقها ولتكن وديعة عندك فإن جاء طالبها يوماً من الدهر فأدها إليه (2).
وقد تعرضت المصادر الإباضية إلى حكم اللقطة وكيفية تسليمها ومدة تعريفها، وجعلوا العرف والعادة حكماً في معرفة من تدفع إليه إذا تعدد من يطلبها وكثرت أوصافها، وقالوا: ويعرف صدق المدعي لها بما تسكن إليه النفس وما تعارف عليه الناس في شأنها (3). يقول ابن بركة في هذا الصدد: «ومما يدل على ذلك السُّنَّة المجتمع عليها اللقطة أنها تدفع بعلامة يأتي بها المدعي لها، وفي قول رسول الله صلى الله عليه وسلم عن سؤال السائل: «أمارتها عفاصها ووكاؤها» (4). وفي خبر آخر عنه أنه قال:
في
(1) السالمي: العقد الثمين، 152/ 4.
(2) رواه مسلم، كتاب اللقطة، حديث: 3335 عن زيد بن خالد الجهني. وأبو عوانة في المستخرج، مبتدأ كتاب الأحكام، باب الخبر الدال على أن الملتقط لقطة، حديث: 5190.
(3) الثميني الورد البسام ص 261. - السالمي، المرجع نفسه، 127/ 4.
(4) تقدم تخريجه. (3/460)
صفحة 1609
الفصل الخامس: القاعدة الفقهية الكبرى الخامسة
461
«وعاؤها ووكاؤها»). والأمارة هي العلامة، وقد جاز أن يدفع المال الكثير في العلامة، والصدق بذلك سكون القلب، كما يجوز تسليمها بالبيئة العادلة، وإن قال قائل: لم قلت إن تسليم اللقطة بسكون النفس دون أن يكون ذلك يقيناً بالسنة؟
قيل له: إنما أمرنا بذلك على وجه التعبد بسكون قلوبنا في تصديق المدعي لها بها عنده من السر الذي لا يجوز أن يتحرى غيره فيوافقه، إلا كان ذلك نادراً في الناس، والنادر لا يعتمد عليه ولا يحتج به؛ لأن اللقطة إذا جاء مزيد عليها من العلامات التي لو رام الإنسان أن يتحرى إصابتها بالتخريص والظن، لبعد ذلك عليه، ولم يتفق ذلك له فالقلب يسكن إلى صدقه بخروج هذا عن عادة الناس، ولذلك جاءت السُّنَّة به، وبالأمر بتسليمه فمن أتى بعلامة جاءت بها السُّنَّة، ومما كان في معنى السُّنَّة مما تدل على صدق مدعيها جاز الدفع بذلك، وصح بما جاء، وقلنا إنما تسكن إليه النفس ويطمئن إليه القلب، ويشهد تصديقه كالعلم به ... » (2).
ويضيف ابن بركة بأن السُّنَّة شاهدة أيضاً بما قلنا ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لرجل من أصحابه عند سؤاله إياه: «يا وابصة استفت نفسك» (3). فأمره النبي أن يستدل على صحة ما يحتاج إلى علمه بدليل قلبه وسكون نفسه (4).
ويستنتج من عبارة ابن بركة أن السُّنَّة النبوية جاءت لتؤكد ما جرى العمل به عند الناس في شأن اللقطة، وأنها لا تسلم إلا لمن جاء بأمارتها ولا تعطى
لغيره إذا أعوزه ذلك.
(1) تقدم تخريجه.
(2) ابن بركة كتاب التعارف، ص 14 - 15.
(3) تقدم تخريجه.
(4) ابن بركة كتاب التعارف، ص 15 - 16. (3/461)
صفحة 1610
462
القواعد الفقهية عند الإباضية
ويؤكد ابن جعفر ما ذهب إليه ابن بركة وغيره فيقول: «وللذي في يده اللقطة أن يدفعها إلى الذي يدعيها ويجيء بعلامتها، فإن دفعها إلى الذي جاء بعلامتها ثم جاء آخر بعلامتها فلا أرى له شيئاً إلا أن يصح أنه له، فعلى الذي دفعها غُرمها له، وإن ادعاها اثنان فأكثر وكلهم يأتي بالعلامة فلست أرى عليه أن يدفعها إلى أحدهم إلا بصحة أو يتفقون هم فيما بينهم بصلح ... ). ويرى عثمان الأصم أن الملتقط لا يلحقه ضمان إذا دفعها للمدعي الأول إذا جاء بعلامتها فيقول: ومن جاء بعلامة فدفعها إليه بالعلامة ثم جاء آخر يدعي علامتها، فلا ضمان على الذي لقطها، ولا يلحقه شيء ولم يلزم الملتقط الأول في الحكم شيء، وإذا لم يأت أحد بعلامتها فانقضى الأجل الذي قال به المسلمون باع اللقطة وتصدق بثمنها، وإن كان فقيراً أخذ مثل غيره وإن أخذها جاز له، ولا يجوز للغني الانتفاع بها. ويؤكد عثمان الأصم ما ذهب إليه ابن بركة وابن جعفر من وجوب التعريف باللقطة وطلب أمارتها من المدعي، أما إذا التقط شيئاً لا علامة ولا أمارة له فإنه يتصدق بها في حينه على الفقراء، وإذا تقدم للمطالبة بها أكثر من واحد وكل منهم يدعي أمارتها فإنه يجب على الملتقط أن يتحرى صدقهم بما تسكن به نفسه.
وهذا نص عبارته: «وإن التقط ما لا يكون له علامة ولا أمارة، مثل قطعة دراهم أو دراهم منثورة، أو شيء لا علامة له ولا أمارة، تصدق به من حينه على الفقراء ولا يحبسه، ومن التقط ما له علامة وأمارة عرّفه، وعلامة اللقطة وعاؤها ووكاؤها، فإذا جاء بالعلامة التي تعرف بها ولا يجترئ الإنسان أن يأتي بمثل الصفة في الوعاء والوكاء دفعت إليه مع سكون النفس واتباع السنة، فإن جاء آخر يدعي علامتها وقد دفعت إلى الأول لم يقبل منه، وإن جاء اثنان
(5) ابن جعفر الجامع، 245/ 4. (6) الأصم عثمان: البصيرة، 137/ 1. (3/462)
صفحة 1611
الفصل الخامس: القاعدة الفقهية الكبرى الخامسة
463
يدعيان علامتها ويجيئان بالعلامة، فلا تدفع إليهما إلا بالصحة أو يتفقان عليهما، ومن جاء يدعي اللقطة ولم يأت بعلامة لم تدفع إليه ... ). ولم يحصر بعض الفقهاء علامات اللقطة فى الوكاء والعفاص بل أضافها إلى صفة معروفة كالوزن، وغيرها، فإذا اجتمعت هذه الأوصاف فيها وذكرها المدعي سلمت إليه. جاء في جامع ابن جعفر: واللقطة الدراهم إن كانت في خرقة وجاء رجل بعلامتها دفعت إليه».
وقال من قال: وإن لم تكن خرقة وقد جاء طالبها بعلامة معروفة فقال فيها درهم من صفته كذا وكذا دفعت إليه، وأما إن قال وزنها كذا وكذا فليست
تلك بعلامة ...
وذهب بعض أهل العلم إلى أنه إذا أتى أحد بصفة وزنها عشرة دراهم أو كذلك درهم وهي فمعي أنه يختلف في ذلك، فقال من قال: إنها علامة، وقال من قال ليس بعلامة، وقال من قال: حتى يجتمعن العلامات ويأتي بصفتهن، وهو الوعاء ـ يعني الكيس، والوكاء ـ وهو الخيط الذي يشد به، والوزن، فعلى هذا القول لا يكون علامة إلا باجتماعهن كلهن.
وسئل بعضهم عن الرجل يجيء بالشيء ليبيعه ويقر أنه لقطه وإنه قد عرفه فلم يعرفه أحد، هل يجوز لي أن أشتريه منه قال نعم وقال غيره، لا يشتري منه). وذهب بعض الإباضية إلى أن اللقطة التي لا يرجى من صاحبها الرجوع إليها والبحث عنها يجوز أخذها مثل: الحبل والعصا والإناء، واستدلوا على
جواز ذلك بما روي عن جابر: قال رخص لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في ا والسوط وأشباهه يلتقطه الرجل ينتفع به (3). وروي عن أنس قال: «مرّ
(1) الأصم عثمان: المصدر نفسه، 138/ 1.
(2) ابن جعفر: الجامع، 231/ 4.
(3) رواه أبو داود، كتاب اللقطة، باب التعريف باللقطة، رقم 1717، 11، والبيهقي في الكبرى، كتاب اللقطة، باب ما جاء في قليل، اللقطة، رقم 11878، عن جابر بن عبد الله. ابن حجر: «في
إسناده ضعف واختلف في رفعه ووقفه. فتح الباري، 85/ 5. (3/463)
صفحة 1612
464
القواعد الفقهية عند الإباضية
رسول الله صلى الله عليه وسلم بتمرة في الطريق فقال: لولا أن أخشى أن تكون من الصدقة لأكلتها (). ويروى أن أبا الدرداء كان يقول لأهله لا تسألوا أحد شيئاً، فقالت له أمه يوماً فإن احتجت قال: تتبعي أثر الحصادين فانظري ما يسقط منهم
فخذيه فاحنطيه ثم اطحنيه ثم اعجنيه ثم كليه ولا تسألي أحد شيئاً (2). فهذه النصوص تدل على جواز التقاط اللقطة التي لا يرجع إليها صاحبها والانتفاع بها. أما التي يعتقد أن صاحبها يبحث عنها إذا فقدها فلا يجوز أخذها و امتلاكها، فمن أخذها ألزم نفسه بحفظها وتعريفها حتى تمر مدة التعريف بها، فيجوز له الانتفاع بها مع ضمان قيمتها أو يوزعها على الفقراء، وتحديد قيمة الأشياء من حيث أهميتها ودناءتها يعود إلى ما تعارف عليه الناس وجرى العمل به في تقييم الأشياء، ولا توجد نصوص تحدد ذلك، ولأجل ذلك
اختلف الفقهاء في تحديد اللقطة التي يجب تعريفها وضمان قيمتها. وإن أخذ اللقطة على سبيل التعدي أو أخذها على وجه السهو، فإنه إن عرف ربها وسلمها إليه، برئ، وإن لم يعرف ربها، ضمن فإن فرقها على الفقراء وأوصى لربها في ماله بضمان ما لزمه إن عُرف لها رباً سلّم إليه وحينئذ يبرأ منها، أو خيره بين أجرها أو الذي له فله مثله (3).
أخذها
يقول ابن جعفر في هذا الشأن وأما أخذ اللقطة فهفوة من ومغالطة، وقد كان منها سالماً فصار بأخذها لها غارماً، وعليه أن يطلب البراءة على ما يفتيه العالم، ويراه، فأما مثل العصا والشيء الذي يستدل أن صاحبه إليه فلا بأس بأخذه، وأما مثل الذي يرجع إليه صاحبه في طلبه فإن
لا
يرجع
أخذه أو رفعه من موضعه فقد لزمه» (4).
(1) متفق عليه، رواه البخاري، كتاب البيوع، باب ما يتنزه من الشبهة رقم 1950، ومسلم، كتاب الزكاة، باب تحريم الزكاة على رسول الله، رقم 1071، عن أنس.
(2) تقدم تخريجه.
(3) الأصم عثمان: البصيرة، 137/ 1.
(4) ابن جعفر: الجامع، 239/ 4. (3/464)
صفحة 1613
الفصل الخامس: القاعدة الفقهية الكبرى الخامسة
من
والذي يبدو ويفهم من عبارة عثمان الأصم وابن جعفر أن أخذ لقطة لها قيمة معتبرة عند الناس ولم يعرفها، فعليه التوبة وضمان قيمتها، ولا تبرأ ذمته إلا بذلك.
ويعدد عثمان الأصم جملة من اللقط لا إليها أصحابها ولا يسألون يرجع عنها لتفاهتها. جاء في «البصيرة» ما نصه: «ومن التقط من اللقطة مثل ما لا يرجع إليه صاحبه ولا يطلبه فذلك لا بأس بأخذه وذلك مثل: القضيب والعصا في السير في الطريق والسنبلة والثمرة، واقعة وما كان مثله مما يستدل أنه لا يرجع إليه، صاحبه، ولا يطلبه وإن نفسه لا تخرج بمثله، ولا شيء على من لقط مثل ذلك، ومثل السقاء والنعل في طريق مكة، حيث لا يرجع إليه صاحبه، أخذ مثل ما يطلبه صاحبه ويرجع إليه حفظه وعرفه وشدا به فإن يعرف
ومن
سلمه، وإن لم يعترف فرقه (1).
وفي موضع آخر يذكر عثمان الأصم ما يجوز أخذه والانتفاع به إذا كان الملتقط فقيراً وكلها أشياء تعارف الناس على المسامحة فيها فيقول: ولا بأس من لقط السنبل في الأرض من الفقراء بعد أن تركه أصحاب الأرض، ويذهبوا عنه فلا بأس به، وكذلك من لقط من موضع الدرس من الفقراء بعد أن يذهبوا من الحبوب، وكذلك من لقط التمر بعد الجذاذ حين يذهب أرباب النخل منها، وقد حصدوها إذا لم يكن جميع ذلك في الحصون؛ لأن الحصون لا يجوز لقط شيء منها ... » (2) وفي هذا المعنى يقول الراشدي في «جواهره»: «وتناول الثمار الساقطة قال في والنخل إذا لم يكن عليها حصن، فلا أرى بأساً بلقط ثمرها إذا كان ساقطاً مضيعاً لا من ريح عاصف، وإن كان عليها حصن فلا تعرض لما فيه حصن القوم. واختلفوا في تقييد الريح المسقط للثمر الذي يمنع لقطه فقيل: ما لا
(1) الأصم عثمان: البصيرة، 137/ 1 - 138. (2) الأصم: المرجع نفسه، 139/ 1.
«المصنف»: (3/465)
صفحة 1614
466
القواعد الفقهية عند الإباضية
تطيب به نفوس أرباب النخل، وقيل: ما سقط به سبع دفعة، وقيل: ثلاث
مرات» (1).
ويؤكد ابن بركة أن الناس قد يتسامحون في أشياء سقطت على الأرض مما تسكن النفس إلى عدم الرجوع إليها، ولا يتسامحون في أشياء أخرى مثل لقطة الذهب والفضة والنقود لما لها من قيمة في نفوس الناس فيقول: «وأما إجازة الفقهاء من لقط ما لا يرجع إليه صاحبه مما يعرف جوازه بالقلب، ألا ترى أنهم لم يجيزوا لمن لقط قيراط فضة وأجازوا ما أخذ ما قيمته فوق ذلك من أمتعة لما يعرفون من طيب قلوب أربابها، مما يسقط منهم في الطريق ولا يرجعون إليه، فتسمح نفوسهم بذلك ولا تسمح نفوسهم بالقليل من الفضة، وكذلك لم يجيزوا للإنسان أن يكسر من مال غيره المسواك بغير رأيه، ويجيزوا لقط التمر من ماله، وقيمته أضعاف ذلك، حيث تكون الإباحة بينهم بالقلوب دون اللفظ والإطلاق له (2). ويضع عثمان الأصم ضوابط تضبط هذه الأشياء المباحة التي يجوز وغير المباحة التي يجب حفظها لصاحبها، أو التصدق بها على الفقراء إذا لم تكن لها علامة تميزها، وذلك أن صاحبها عادة لا يرجع إليها، أو لا يمانع من أخذها، أو لا تخرج النفس به، أو كان شيئاً قليلاً لا يطمع فيه، فيقول: «ولا يجوز لقط السماد من أموال الناس - مزارعهم - مما تلقيه الدواب ولا ما يطرحه السيل؛ لأن ذلك مما يصلح الأرض ولا يسمح به صاحب الأرض، وهو مما كسبته الأرض، فلا يجوز لقطه، والتي من غير الحصون من المواضع المعروفة بالإباحة الذي لا يلقطه، ولا تخرج النفس به لا بأس بأخذه، إلا أن تكون ريح خارب أو طير، فإن ذلك لا يجوز وما لم يكن مباحاً لا يجوز،
أخذها
(1) الكندي أبو بكر أحمد بن عبد الله: المصنف، 66/ 18 - 67، ط، 1403 هـ / 1983 م، آمون للتجليد والطباعة بتصرف - وينظر الراشدي جواهر القواعد، ص 152.
(2) ابن بركة كتاب التعارف، ص 26 - 27. (3/466)
صفحة 1615
الفصل الخامس: القاعدة الفقهية الكبرى الخامسة
467
ولا يجوز من الحصون والحطب من المباحات جائز لقطه وحطبه، ولا يجوز من غير المباحات، وإن كان شيء مباحاً وشيء ممنوعاً كان حكم ذلك كله على الممنوع حتى يصح المباح منه)، وإنما قلت ذلك حيث يعلم بالإباحة، وحيث لا يتمانع من ذلك، ولقط ما حمل الفلج من التمر، حيث لا يرجع إليه صاحبه ولا يطلبه ويصير في حد الذهاب عن ربه ويتلف لا بأس بأخذه للفقير، وما حمله السيول من جذوع النخل والحطب الذي لا يرجع إليه ربه ولا يطلبه وصار في حد التلف والذهاب جائز أخذه وفيه اختلاف، وكذلك البحر في لقطته، اختلاف وما علم له ربّ أو علامة مما حمله السيل أو البحر، دفعه إلى ربه إن علم له ربّ أو علامة أو شدا به وعُرف بعلامته، إن كانت له علامة، وإن لم يعلم ذلك وكان فيما لا يكون في مثله الإباحة وهو مال صرف في الفقراء، وما لم تكن له علامة صرف في الفقراء، وإن كان مما لا: يرجع إليه صاحبه ولا يطلبه ولا له كثير بثمن، فذلك من المباحات الذي لا يرجع إليه صاحبه ولا بأس بأخذه، وما كان من هذه الأشياء كلها فهي مثل ذلك .. » (2).
(1) يشير إلى قاعدة فقهية مشهورة وهي: «إذا تعارض المانع والمقتضى يقدم المانع». ينظر: أحمد الزرقا: شرح القواعد الفقهية، ص 243.
(2) الأصم عثمان: البصيرة، 1/ 139 - 140. (3/467)
صفحة 1616
المطلب الثالث
تحكيم العرف والعادة في الأحوال الشخصية
أولا: في باب النكاح
1 - في صيغة الزواج:
أجمع فقهاء الإباضية وغيرهم على أنه يتحقق الإيجاب والقبول في عقد
الزواج بلفظي الزواج والنكاح، وكل ما هو مشتق منهما، وكذلك يجوز عند البعض أن يقول المزوج ملكتك أو أخطبتك، ويؤكد هذا ما ذهب إليه محمد الكندي والعوتبي حيث قالا: إن قال المزوّج للمرأة قد زوجتك أو ملكتك أو خطبتك أو أنكحتك ولك ذلك، جاز» (1).
وقد توسع بعض فقهاء الإباضية في صيغة النكاح، فلم يشترطوا ألفاظاً معينة، بل جعلوا كل لفظ يفيد التزويج في عرف الناس يجوز العقد به، يقول أبو مسألة في هذا المعنى: «ويصح للنكاح بلغة الناكح كائنة ما كانت في جميع ما جرت عليه العادة في كلامهم مما يكون عندهم معنى التزويج ما لم يوافقوا في ذلك محرماً لهم في الكلام، والمعنى، وكذلك قبول الزوج على هذا
الحال» (2).
ولعل سبب إطلاق أبي مسألة وغيره لألفاظ النكاح دون تقييد أنه يقصد الأخذ بما جرت به عادات الناس وأعرافهم في عقودهم حيث لا يتقيدون باللغة العربية، وقد يصعب عليهم النطق بها فيفضلون التحدث بلغات يألفونها، كاللغة البربرية والفارسية والمالوية، وغيرها، وفي هذا الإطلاق ما لا يخفى من
(1) الكندي محمد بن إبراهيم بيان الشرع، 41/ 47 وما بعدها. - العوتبي سلمة، الضياء، 347/ 8. وما بعدها. ـ مصطفى أرشوم: النكاح صحة وفساداً وآثاراً في المذهب الإباضي، ص 51. (2) أبو العباس أحمد بن بكر الفرسطائي (ت: 504 هـ): كتاب أبي مسألة،
ص 151. (3/468)
صفحة 1617
الفصل الخامس: القاعدة الفقهية الكبرى الخامسة
فضلاً عن
التيسير على الناس ورفع الحرج والمشقة عنهم في إنشاء عقودهم، كون الأصل أن «العبرة في العقود للمقاصد والمعاني لا للألفاظ والمباني (1)
2 ـ في تحديد مقدار الصداق:
اختلف فقهاء الإباضية وغيرهم في تحديد مقدار الصداق فقال بعضهم: أقله أربعة دراهم، وقيل ما تراضى عليه الناس ولو بسواك أو خاتم من حديد، استناداً إلى الحديث المشهور عن الرسول صلى الله عليه وسلم إذ قال للرجل الذي يريد الزواج بامرأة وهو فقير «التمس ولو خاتماً من حديد .. (2) أما أكثر الصداق فلم يثبت
عن الفقهاء حداً معروفاً بل تُرك لما تراض عليه الناس وتعارفوا عليه. نقل الجناوني في كتاب النكاح اختلاف الفقهاء في هذه المسألة فقال: والذي يجوز من الصداق فيه اختلاف بين الفقهاء فمنهم من يجوز ما تراضى الناس عليه قل أو كثر ولو بسواك، ومنهم من يقول: أدنى الصداق أربعة
6
دراهم فما فوقها مثل الذي يقطع به يد السارق، ومنهم من يقول: خمسة دراهم فما فوقها، ومنهم من يقول للبكر عُشر ديتها، وللثيب نصف عشر ديتها، وللأمة عُشر ثمنها للبكر، وللثيب نصف الثمن، وأقصى الصداق ما تراضى الناس عليه ليس له حد معروف، ولو كان أكثر من دية الحرة أو أكثر من ثمن الأمة فهو جائز إلا أنه غير محمود الإسراف في الصداق، وقد
07 - 01
(1) مصطفى أرشوم: المرجع نفسه، ص (2) متفق عليه، واللفظ للبخاري، رواه البخاري، كتاب النكاح باب السلطان ولي حديث 4844، عن سهل بن سعد الساعدي، بلفظ: جاءت امرأة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت: إني وهبت من نفسي، فقامت طويلاً، فقال رجل زوجنيها إن لم تكن لك بها حاجة، قال: «هل عندك من شيء تصدقها؟ قال: ما عندي إلا إزاري، فقال: إن أعطيتها إياه جلست لا إزار لك، فالتمس شيئاً فقال: ما أجد شيئاً، فقال: «التمس ولو خاتماً من حديد» فلم يجد، فقال: «أمعك من القرآن شيء؟ قال: نعم، سورة كذا، وسورة كذا، لسور سماها، فقال: «قد
زوجناكها بما معك من القرآن». ومسلم، كتاب النكاح، باب الصداق، حديث: 2632. (3/469)
صفحة 1618
470
القواعد الفقهية عند الإباضية
روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: اليسير في الصداق دليل على يُمْنه» (1)، وفي
من نسائه ولا زوّج شيئاً من
بعض الروايات عن النبي صلى الله عليه وسلم «أنه ما تزوج شيئاً بناته بأكثر من اثنتي عشر أوقية (2) والأوقية أربعون درهماً، وذلك أربعمائة
وثمانون [درهماً]» (3).
وقد سئل جابر بن زيد هل فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم للنساء مهوراً؟ قال: «لا أعلمه إلا ما اصطلح عليه الناس بينهم ... » (4).
3 - في باب الطلاق:.
متى يقع الطلاق؟ هل يقع قبل العقد أم بعده؟ وما حكم الطلاق المعلّق بشرط؟
اختلف الإباضية في رجل يقول لامرأة لا يملكها ولم يتزوجها، إذا
تزوجتك فأنت طالق فتزوجها، فقال بعضهم: لا يقع الطلاق بها. وقال بعضهم: يقع بها الطلاق؛ لأنه عيَّنها عند اليمين، قال ابن بركة معقباً عليهم: «وهذا القول أشبه بأصولهم وإن كان من قولهم كالشاذ فعلى هذا القول: إذا قال رجل لامرأة لا يملكها إذا نكحتك فأنت طالق، فإذا عقد عليها
(1) رواه أحمد، باقي مسند الأنصار الملحق المستدرك من مسند الأنصار، حديث السيدة عائشة، رقم 24056، والحاكم في المستدرك، كتاب النكاح، رقم 2739، عن عائشة بلفظ: «من يمن المرأة أن يتيسر خطبتها، وأن يتيسر صداقها، وأن يتيسر رحمها».». قال عروة: «يعني يتيسر رحمها للولادة وقال الحاكم: صحيح على شرط مسلم، ووافقه الذهبي. العراقي: إسناده جيد. تخريج أحاديث الإحياء، 40/ 2. (2) رواه الترمذي، كتاب النكاح، باب من المهور، رقم 1114، والنسائي في المجتبى، كتاب النكاح، باب القسط في الأصدقة، رقم 3349، عن عمر بن الخطاب، قال الترمذي:
حسن صحيح.
(3) الجناوني: كتاب النكاح، ص
10 - 18
(4) الخروصي سعيد بن خلف، من جوابات الإمام جابر بن زيد، نشر وزارة التراث القومي والثقافة، سلطنة عُمان، ط، 1404 هـ / 1984 م، طبع بمطابع سجل العرب بمصر، ص 88. (3/470)
صفحة 1619
الفصل الخامس: القاعدة الفقهية الكبرى الخامسة
471
التزويج وقع الطلاق؛ لأن النكاح قبل التزويج اسم يقع على العقد دون الوطء، ولو قال لزوجته أو أمته إذا نكحتك فأنت طالق، أو لأمته أنت حرة فإن هذا يقع على الجماع، وهذا على مقاصد الناس والعرف بينهم. ولو قال رجل لجارية له بكر: إن افتضتك فأنت حرة، فافتضها بإصبعه لم
تعتق؛ لأن فعل ذلك عقر وليس افتضاض على ما يعرفه الناس ... ). وكذلك لو قال لزوجته: إن وطئتك أو باضعتك أو أتيتك ـ يعني الجماع - فوطئ دون الفرج حتى نزل الماء لم تحرُم؛ لأن ذلك كله يعرف بالفرج نفسه؛ لأن العرف جار على أن المراد من هذه الألفاظ الجماع، ولو قال: أردت بقولي وطئتك برجلي، لم يقبل منه في الحكم، وإن صدقته زوجته رجوت أن يسعها
المقام معه. ولو أن رجلاً حلف بطلاق زوجته إن خرجت من منزله إلا أن يأذن لها، فأذن لها فلم تخرج حتى أعاد نهاها على الخروج، فخرجت، فإنها لا تطلق؛ لأنها قد أذن لها (2). «ولو قال رجل لامرأته أنتِ طالق متى قدم زيد، فجيء به ميتاً لم يقع به الطلاق؛ لأنه لم يجيء، بل جيء به، وكذلك إن قال لها: إن دخل الدار، فأُدخل كَرها لم يقع الطلاق»).
مع
اللاعبين
وسئل الثميني عمن حلف بطلاق زوجته أن لا يلعب، فقعد يراهنهم في لعبهم إن أخذ فلان كذا أنا أقضي كذا وكذا من الدراهم. فقال: «لا تطلق زوجته بذلك، لأنه ليس بلعب في العرف» (4).
(1) ابن بركة: كتاب الجامع، 172/ 2.
(2) ابن بركة: المرجع السابق. - المسعودي زهران: الإمام ابن بركة السلمي البهلوي ودوره
الفقهي في المدرسة الإباضية، ص 114.
(3) ابن بركة: الجامع، 168/ 2.
(4) السالمي: العقد الثمين، 228/ 3. (3/471)
صفحة 1620
472
القواعد الفقهية عند الإباضية
في ادعاء أحد الزوجين ملكية متاع البيت بعد وفاة الآخر:
اختلف أهل العلم من الإباضية وغيرهم في حكم إذا مات أحد الزوجين فادعي أحدهما ما في المنزل كانا يسكنانه أيام اجتماعهما فيه، فذهب أكثر الإباضية إلى أن القول في ذلك للحي منهما من حيوان ورقيق
وأثاث وغير ذلك.
وقال بعضهم: لا يصدق الحي منهما إلا فيما يملك من طريق العادة بين الزوجين، كأنه يذهب إلى أن المرأة تُصدَّق فيما هو من آلة النساء في البيوت، نحو الطبلة وما تحويه، ويُصَدِّق الرجل في السيف والجحفة (1) والفرس وما يصلح له، ولا يصدّق منهما فيما ليس من شأنه واتخاذه لنفسه.
أدلة الفريقين: احتج من قال بصدق الحي منهما: أن المرأة قد ترث من أبيها وأخيها مما يكون للرجال ويُشترى لمعونة المحاربين، وقد يكون في يدها أمانة لغيرها، ومثل هذا لا يجوز. وأما أصحاب القول الآخر فيجري أمر هذه المسألة على العادة والعرف بين الناس؛ لأن العادة محكمة» فيما لا نص فيه (2). ولكن ابن بركة خالف الرأيين وجنح إلى اعتبار هذه الدعوى كبقية الدعوات وأن المدعين متساوون في دعواهما لا فضل لأحدهما على الآخر، وعليه فمن كان في يده شيئاً فالقول قوله مع يمينه؛ لأن اليد دليل الملك، ومن ادعى عليه غير ذلك فعليه البينة عملاً بالقاعدة المشهورة في الدعاوى البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه وهذا ما يفهم من عبارته إذ يقول: والنظر يوجب أنهما مدعيان في سبيل ما يدعيانه سبيل ما يتداعاه الناس في الأملاك، ويدعي بعضهم على بعض، فمن كان في يده منهما شيء وفي
(1) الجحفة الترس من جلد بدون خشب.
(2) ابن بركة المصدر نفسه، ص 266 - 267.
قبضه (3/472)
صفحة 1621
الفصل الخامس: القاعدة الفقهية الكبرى الخامسة
473
و دخل في حوزه كان القول قوله فيه، ومن ادعى عليه دعوى ملك أو مشاركة كان عليه البينة لقول النبي: لو أعطى الناس بدعواهم لاستحل قوم دماء قوم وأموالهم، ولكن البينة على من ادعى وعلى المنكر اليمين»، وهذا يدل عن أن دعوى الحي منهما مع ورثة الهالك كدعوى غيرهما من الخصوم (2).
مجمل القول:
ولكن بعد النظر في أدلة كل الفريقين ومدى ملاءمتها لواقع الناس يترجح عندي الرأي القائل بتحكيم العادة والعرف في مثل هذه الحالات، فما وافق عرف الناس وعادتهم وكان مناسباً ومتعلقاً بخصوصيات كل من الزوجين ذكر كان أو أنثى فهو له خاصة إذا كان تحت يده، فليس من المعقول والمعتاد عند الناس أن يدعى الرجل امتلاك ثياب زوجته أو تدعي المرأة مثل ذلك، وعليه فأثاث غرفة النوم وحُلي الزينة وأدوات الخياطة من خصوصيات المرأة وتحتاج إليها، فهي لها خاصة إذا كانت تحت يدها، وأما ما يتعلق بعمل الرجل كأدوات
(1) لم نقف عليه بهذا اللفظ، وورد بصيغ أخرى قريبة منها تفيد هذا المعنى منها: ما رواه مسلم، کتاب الأقضية، باب اليمين على المدعى عليه حديث: 3314، عن ابن عباس، بلفظ: «لو يعطى الناس بدعواهم، لادعى ناس دماء رجال وأموالهم، ولكن اليمين على المدعى عليه». والنسائي في السنن الكبرى، كتاب القضاء على من اليمين حديث: 5809. وابن ماجه في السنن، كتاب الأحكام، باب البينة على المدعي، حديث: 2318. وصححه الألباني. والبيهقي السنن الكبرى، كتاب الدعوى والبينات باب البينة على المدعي، واليمين على المدعى عليه حديث: 19721 بلفظ: عن ابن أبي مليكة، قال: كنت قاضياً لابن الزبير على الطائف، فذكر قصة المرأتين، قال: فكتبت إلى ابن عباس فكتب ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لو يعطى الناس بدعواهم لادعى رجال أموال قوم ودماءهم، ولكن البينة على المدعي، واليمين على من أنكر». وفي رواية أخرى عند البيهقي بلفظ: «ولكن البينة على الطالب، واليمين على المطلوب»، حديث: 19720. وأحمد بن حنبل في مسند بني هاشم، مسند عبد الله بن العباس بن عبد المطلب، حديث: 3324) بلفظ: إن اليمين على المدعى عليه، ولو أعطي الناس بدعواهم، لادعى أناس أموال الناس ودماءهم»».
(2) ابن بركة: الجامع، 267/ 2. (3/473)
صفحة 1622
474
القواعد الفقهية عند الإباضية
الفلاحة أو البناء أو الحدادة أو الحرب فهي له أما إذا كان بعض المتاع مشتركاً بين الرجل والمرأة يستعملها كل منهما كالكتب وأدوات المطبخ والمفروشات ووسائل التعليم والحيوانات وغيرها، فإن وقع عليها خلاف، فمن كان شيئاً منها في حوزته فهو له مع يمينه، وعلى من ادعى عليه غير ذلك، فعليه بالبينة؛ لأنها ربما تكون أمانة في يده فيأتي بما يثبت ذلك وتسلم له.
ه - في أحكام المفقود والغائب عرف القطب أطفيش الفقد فقال: «والفقد هو انقطاع خبر إنسان مع إمكان الكشف عنه، والمفقود من انقطع خبره مع إمكان الكشف عنه، وشرع حكم الفقد بإجماع أهل العصر على عهد عمر بن الخطاب؛ لأنه جرى على يده زمان ولايته ولم ينكر عليه أحد من أهل عصره، فكان حكمه وسكوتهم إجماعاً» (1).
وقيل: المفقود: هو الذي يصح أنه في صف الحرب ثم تنجلي ولا يدرى مات أو حي أو قتل، والذي يكون في السفينة فتكسر السفينة، ثم لا يعلم أحي غرق أو مات، والذي يكون في الحريق، والذي يحمله السيل أو يحمله السبع فهؤلاء مفقودون (2).
«وهو
ومن
وعدد الجناوني حالات الفقد وألحق بعضها إلى حالات الغياب فقال: خمسة أوجه منها من أحاط به الماء ثم لم يُرَ بعد ذلك حياً ولا ميتاً، أحاط به الحريق ولم ير بعد ذلك حياً ولا ميتاً، ومن أحاط به الرجال في المعركة ولم يُر بعد ذلك حيّاً ولا ميتاً، ومن خرج في الليل وليس معه السلاح ولم يعلم له حاجة هو طالبها، والمتخلف عن الرفقة، وقد قيل في المتخلف من الرفقة أن يكون غائباً، ومن حمله السيل، فمنهم من يقول هو مفقود؛ لأنه
(1) أطفيش أمحمد: شرح النيل، 178/ 12. على يحيى معمر، الحاشية كتاب النكاح، ص 219. (2) الأصم عثمان: البصيرة، 107/ 1. (3/474)
صفحة 1623
الفصل الخامس: القاعدة الفقهية الكبرى الخامسة
475
قد أحاط به الماء، ومنهم من يقول هو غائب، ومن حملته دابة فهو غائب،
وكذلك من انهدم عليه جبل أو حائط ولا يطاق نزعه فهو غائب ... ). وعلق علي يحيى معمر على هذه الحالات فقال: «هذه هي الأوجه التي وقع الإجماع على اعتبارها داخلة تحت أحكام المفقود، أما الأحوال التي تشبهها مما يغيب فيها الشخص في مظنة هلاك ثم لا يُرى بعد ذلك حياً ولا ميتاً، كمن وقع عليه الجبل أو احتمله حيوان مفترس فإنها تلتحق بأحكام الغائب (2). وسئل جابر بن زيد عن المفقود؟ قال: «الذي يخرج من بيته إلى طريق مخطر فذلك المفقود، والذي يخرج إلى أرض بعيدة مسافراً فذلك بمفقود وإن طالت غيبته، وليس لامرأته أن تتزوج حتى يأتي أو يبلغها موته أو
طلاقه ... (3).
ويشير ابن بركة إلى المدة التي حددها الفقهاء للحكم بموت المفقود بعدها فيقول: «ويحكم بموت المفقود إذا مضى أجل الفقد وهو أربع سنين، واليقين خلافه، وكذلك من حمله السيل، والمُلقَى في جزيرة البحر ثم لم يعلم له نجاة إلى مدة أربع سنين حكم له بالموت واليقين خلافه» (4).
ويفهم من عبارة ابن بركة أن هذه المدة لم تثبت بالنصوص الشرعية وإنما قدرها الفقهاء بما تعارف عليه الناس وجرى بها العمل في هذه الحالات لأن
العادة محكمة».
أما الأحكام المترتبة على الفقد كزوجة المفقود وماله وميراثه فقد بينها الفقهاء أيضاً، يقول عثمان الأصم في هذا الصدد: والمفقود مدته أربع سنين وماله له، وهو على حكم الحياة، وارث، لكل من مات من ورثته حتى ينقضي
(1) الجناوني: كتاب النكاح، ص
220
(2) علي يحيى معمر الحاشية على كتاب النكاح، ص 22.
(3) الخروصي سعيد بن خلف من جوابات الإمام جابر بن زيد، ص 151. ابن بركة: كتاب التعارف، ص 36 - 37. - الثميني: الورد البسام، ص 259.
(4) (3/475)
صفحة 1624
476
القواعد الفقهية عند الإباضية
أجل فقده، ونفقة زوجته وعياله من ماله إلى مدة الأربع سنين، وليس لوارثه في الأربع سنين في ماله حجة، ولا مدخل فإذا انقضى أربع سنين أماته أهله واقتسموا، ماله وطلقت زوجته واعتدت أربعة أشهر وعشراً، وبانت ولا نفقة لها في عدة الأربعة الأشهر؛ لأن ذلك عدة المميتة ولا نفقة فيها، فإذا انقضت الأربعة أشهر وعشراً فلها أن تزوّج، وإن لم يطلقها الأولياء فالحاكم، فلا تتزوج إلا بعد الطلاق وانقضاء العدة ولها بعد ذلك صداقها في ماله إن كان لها حق عليه» (1).
الذي
قال الجناوني: وإن أتى على المفقود أربع سنين من يوم فقده حكم بموته وقسم ماله، ولا تنكح امرأته حتى يطلقها أولياء المفقود، ثم تعتد بعد ذلك أربعة أشهر وعشراً، وقد قيل: بأن تزيد على ذلك يوماً ونصف يوم وهو حکم به عمر بن الخطاب له فيما بلغنا، روى ذلك الشيخ عبد الله الفرسطائي (3) حمد لله»، وعن غيره مثل ذلك (4).
(2)
عن
أبي
وسئل جابر بن زيد عن امرأة فقدت زوجها؟ قال: «تتربص أربع سنين ثم يطلقها أولياء زوجها، ثم تعتد أربعة أشهر وعشراً، قال السائل: فكيف بنفقتها؟ فأجاب لها أن تنفق من ماله بالمعروف فإن علم له حياة بعد ذلك كانت النفقة عليه، وإن مضى موته كان ما أنفقت من حصتها من الميراث، وذلك مما يبتلي الله به من يشاء من عباده، مع أني أحب أن ينفق عليها بالمعروف ما تربصت به عليه، وأرى ذلك حسناً، إن طابت أنفس الورثة بذلك» (ه).
(1) الأصم عثمان: البصيرة، 107/ 1. ـ الجناوني: مرجع سابق، ص 223 - 224. (2) شيخه هو أبو الربيع سلمان بن هارون، تقدمت ترجمته.
(3) الجناوني: كتاب النكاح، ص 222 - 223. (4) ينظر: ترجمة في الحاشية على كتاب النكاح، ص 222. فهو أبو عبد الله محمد بن بكر الفرسطائي، من أعظم أئمة الإباضية عاش في القرنين الرابع والخامس الهجريين، في
440 هـ على أرجح الأقوال.
(5) الخروصي سعيد بن خلف
سابق، ص 151. مرجع (3/476)
صفحة 1625
الفصل الخامس: القاعدة الفقهية الكبرى الخامسة
477
ونقل الجناوني من بعض كتب المتقدمين عن علي بن أبي طالب أن امرأة المفقود هي مبتلاة لا تتزوج حتى يأتيها موت زوجها أو طلاقه، وبين أن المعمول به عند جمهور الإباضية ما ذكر من قبلُ من أن امرأة المفقود إذا مضى على فقده أربع سنين قسم ماله واعتدت امرأته أربعة أشهر وعشراً، فتتزوج إن شاءت بعد طلاق الأولياء، وإن قَدِم المفقود بعد ذلك وقد تزوجت امرأته فإن شاء أخذها وإن شاء اختار أقل الصداقين وهو المأخوذ به عندنا، ومنهم من يقول بأن يختار أكثر الصداقين، ومنهم من يقول بأن يأخذ امرأته ولا خيار له، ومنهم من يقول بأنها حرمت عليه وعلى الآخر»). وخالف القطب في شرح النيل ما ذهب إليه الجناوني وصحح ما نقل عن علي بن أبي طالب ـ كرم الله وجهه ـ فقال: «وأما ما روي عن علي أنه قال: امرأة المفقود لا تتزوج حتى يأتيها موته أو طلاقه، فغير صحيح عنه، بل الصحيح عنه أنه قال كعمر، وكذا قال عثمان، وإن صح فلعله قبل انعقاد الإجماع» (3). أما الغائب فقد حدد عثمان الأصم حقيقته فقال: «فإنه من غاب ولم يدر أين توجه ولا ما كان من سببه، فإن ذلك غائب حتى يصح موته أبداً، ولو تطاول ذلك وقد قيل فيه الاختلاف، وأقل فيه مدة مائة سنة ... » (3). وذكر الجناوني أن الغائب الذي تجوز عليه أحكام الغياب: «هو الخارج من الحوزة فإذا صحت غيابته فهو غائب حتى يدخل منزله، ومن كان على طرف من الحوزة، وكان بين منزله - وحدّ الحوزة أقل من فرسخين ـ فلا يجوز عليه أحكام الغياب إذا خرج من الحوزة» (4).
(1) الجناوني كتاب النكاح ص 227 - 229. وأيضاً 225. - الخليلي أحمد بن حمد، فتاوي النكاح الكتاب الثاني، ص
37
(2) القطب أطفيش: شرح النيل، 178/ 12. ينظر: علي يحيى معمر: الحاشية على كتاب النكاح
للجناوني، ص 228.
(3) الأصم عثمان: البصيرة، ص 109.
(4) الجناوني: المصدر نفسه، ص
222 - 221 (3/477)
صفحة 1626
478
القواعد الفقهية عند الإباضية
وبين المحقق علي يحيى معمر الفرق بين حكم الغائب والمفقود فيقول: والفرق بين حكم الغائب والمفقود كبير؛ لأن المفقود إذا ثبت فقده يُحكم بموته بعد تمام أربع سنوات فتقسم أمواله وتتزوج نساؤه، أما الغائب فقد اختلفت الآراء حوله. ومن الفقهاء من يرى أنه لا يحكم عليه بالموت أبداً مهما طال غيابه، ومنهم من يرى أنه يحكم على موته في مدة زمانية تتراوح بين سبعين سنة ومائة وعشرين سنة، فعلى أيسر الأقوال لا يحكم بموته إلا بعد سبعين سنة، وحينئذ تطلق زوجته وتورث أمواله، ومنهم من يقول: لا يحكم بموته إلا إذا انقرض جميع أنداده» (1). وخالف بعض علماء الإباضية المتأخرين - جمهور الإباضية ـ فذهبوا إلى
عدم التفريق بين الغائب والمفقود في المدة، فإذا غاب الشخص مدة أربع سنوات جرت عليه أحكام المفقود من طلاق زوجته وعدتها، وتقسم أمواله لسهولة معرفة أخبار الغائب والمفقود في هذا العصر، بعد أن أصبح العالم قرية واحدة وتطورت وسائل الإعلام والاتصال، فلا حاجة إلى انتظار مدة طويلة للتأكيد من حياته أو موته.
ورد سؤال على سماحة الشيخ أحمد الخليلي في هذا الموضوع مفاده: أن رجلاً خرج منذ خمسة وستين ولم يعرف عنه شيء، وبحث عنه في
عاماً
البلدان المجاورة فلم يتبين خبره فهل هذه المدة كافية للحكم بموته، فتقسم تركته وتعتد زوجته منه أم لا؟».
فأجاب: «أرى أن أربع سنوات كافية للحكم عليه بالموت كما ذهب إليه الإمام الخليلي رضوان الله عليه)، بناء على عدم التفرقة بين الغائب والمفقود، وهو رأي وجيه يستند في هذا العصر إلى ما حصل من قرب البعيد، وإمكان الحقائق ولو مع تنائي الديار» (3).
تقصي
(1) علي يحيى معمر: الحاشية، ص
(2) هو
220
6
الإمام العادل محمد بن عبد الله الخليلي كان إمام علم ودولة في سلطنة عُمان له أجوبة
مجموعة الفتح الجليل» توفي سنة 1373 هـ. (3) الخليلي أحمد بن حمد: فتاوى النكاح، الكتاب الثاني،
ص
373 (3/478)
صفحة 1627
الفصل الخامس: القاعدة الفقهية الكبرى الخامسة
479
ولعل ما ذهب إليه الشيخان هو ما يصلح به العمل في هذا العصر لتيسير الأمور على الناس، حتى لا تتعطل أحكام الشريعة بسبب عرف قديم يعسر الاحتكام إليه، والعلماء قرروا قاعدة تؤكد ذلك وهي «لا ينكر تغيير الأحكام
بتغير الزمان» (1).
وقد اهتم الفقهاء بيان أحكام الغائب ومن يرتبط به كزوجته وأولاده ومصير أمواله فقالوا: وماله في يد أولاده يحتفظون به حتى يصح موته، وإن غاب ولم يدر أحي أو ميت، وقد خلا له مائة سنة أو مائة وعشرون سنة، أماته وارثه وقسم ماله، واعتدت زوجته. واستحب عثمان الأصم أن يُعتبر الغائب في حكم الأحياء حتى يصح موته فقال: «وأحب إلي أنه في الحياة حتى يصح موته» (2)، خوفاً أن يتسرع في إماتته، وتقسم أمواله، ثم يظهر من جديد.
ومن أحكامه أيضاً: أنه إذا غاب رجل أو امرأة ولم يُدر أين توجه وله مال في يد رجل، فماله في يد من هو في يده، حتى يصح موته، وإن كان في يد بنيه وزوجته فكذلك هو في أيديهم، والمؤنة التي عليه في المال تجرى على من عليه له نفقته، أو موته ووصاياه لا تؤدى حتى يصح موته أنه مات ماله بعد الصحة» (3). ثم تنفذ وصيته ويقسم
ويذكر الجناوني: «أن الغائب إذا قدم وقد تزوجت امرأته فليأخذها عليه ولا خيار له، وقد قيل بأن يختار أقل الصداقين مثل المفقود، وليس عليه العمل، وقد قيل بجواز قول أهل الجملة في الفقد، وليس عليه العمل» (4).
(1) الزرقاء أحمد: شرح القواعد الفقهية، ص
(2) الأصم عثمان: البصيرة، 109/ 1. (3) الأصم عثمان: نفسه.
(4) الجناوني: كتاب النكاح، ص 229.
227 (3/479)
صفحة 1628
480
وخلاصة القول:
القواعد الفقهية عند الإباضية
من خلال ما تقدم يتبين أن الإباضية حكموا على موت المفقود بمرور مدة أربع سنوات من فقده، وعلى الغائب مدة معينة أقلها سبعون سنة، بمرور وأقصاها مائة وعشرون سنة، وقيل أربع سنوات قياساً بالمفقود، وهذا الحكم لا يعتمد على اليقين بل على غلبة الظن والعادة الجارية عند الناس في مثل هذه الأحوال، ويؤكد ابن بركة هذا المعنى فيقول: «ويحكم على الغائب بعد مضي مائة وعشرون سنة بموجب العرف والعادة الجارية أنه لا يعيش أكثر هذا القدر، وليس مرورها يوجب موته بيقين (1) وقد صرح الثمينى بذلك بما نصه: ويحكم بموت المفقود بمضي مدته بموت الغائب على القول به، وغير ذلك، وكله خلاف اليقين» (2).
وقد يتساءل البعض لماذا يحكم على المفقود والغائب بهذا الحكم وربما يكونان أحياء؟
فنقول: لا يجوز تعطيل الأحكام بسبب أحوال طارئة، وأحكام الشريعة شرعت لتساير كل الأحوال مهما تغيرت وتبدلت عملاً بالقاعدة الفقهية: «لا ينكر تغير الأحكام بتغير الأحوال والأمكنة والأزمنة».
6 - في الوصية:
وفي تنفيذ الوصية حسب ما ورد فيها نجد كثيراً ما يترك الموصي من بعده وصية تتضمن أموراً مخالفة للشرع ويطلب تنفيذها، مثل: إقامة الولائم في أيام العزاء والمأتم، فيتحرّج الوصي أو الوكيل أو الورثة في تنفيذها، فهل يجوز تحقيق رغبته بتنفيذ وصيته مع ما فيها من مخالفات شرعية صريحة؟ أم لا ينفذ منها إلا ما وافق الشرع والعرف الصحيح ويترك المخالف؟
(1) ابن بركة كتاب التعارف، ص 39.
(2) الثميني: الورد البسام، ص 259 (3/480)
صفحة 1629
الفصل الخامس: القاعدة الفقهية الكبرى الخامسة
481
درس بعض الإباضية هذه الوصية وبيَّنوا حكمها، تجسد ذلك في جواب الشيخ سعيد الخليلي على سؤال يقول فيه صاحبه: «ما تقول في رجل أوصى بإطعام من شاء الله من الناس ممن يحضر عزاءه ومأتمه على رأي وصيته ... فهل تثبت هذه الوصية؟».
وقبل أن يوضح حكم هذه الوصية استهل جوابه بتحديد مفهوم العزاء والمأتم في اللغة والعرف، فقال: «أما العزاء لغة وعرفاً: ففي اللغة أن العزاء هو الصبر، وقيل حسن الصبر، فلا يصح إلا بتأويل.
وأما معناه عرفاً: فهو معنى التعزية لا غير، أي لمن حضر لأجل تعزية أهله
وتسليتهم. وأما المأتم فمعناه لغة ما صرح به القاموس: أنه كل مجتمع في حزن أو أو هو خاص بالنساء، وفي شمس العلوم (1) هو النساء المجتمعات في
فرح
خير أو شر.
فعلى القول الأول: فالمأتم كل اجتماع من رجال ونساء في مصيبة أو عيد أو عرس أو ضيافة أو لهو أو طرب أو غيره. وفي القول الثاني: هو خاص بالنساء المجتمعات في ذلك كله. وفي قول صاحب شمس العلوم: ما دل على قول الأخير أيضاً إلا أنه أعم؛ لأنه يشمل النساء المجتمعات في كل حال» (2).
وبعد أن حدد الخليلي مدلول العزاء والمأتم وبين أنهما يختلفان في المعنى ذكر حكم الوصية المتضمنة إطعام من يحضر العزاء والمأتم، فقال: وعلى هذا فالوصية به مشتملة من حيث أنه أوصى لمن يحضر عزاءه ويحضر
(1) عنوان الكتاب كاملاً هو: شمس العلوم ودواء كلام العرب من الكلوم تأليف نشوان بن سعيد الحميري، وهو معجم لغوي، يحتوي على عدة أجزاء نشرته وزارة التراث القومي والثقافة سلطنة عُمان وطبع في مطبعة عيسى البابي الحلبي وشركاه، مصر
(2) الخليلي سعيد كتاب التمهيد، 12/ 185 – 187.
1983 (3/481)
صفحة 1630
482
القواعد الفقهية عند الإباضية
أحوالاً أُخر محتملة للوجوه المذكورة، لكن أشهر ما في لفظة المأتم أنها تكون لموضع اجتماع النساء في المصائب للندب والنياحة، ويجوز أن يشاركهن في ذلك الرجال الحاضرون للعزاء على قول.
وعلى هذا فإن كان المعروف من عادة النساء أنهن لا يجتمعن في المأتم مع حدوث المصائب إلا للندب والنياحة، فالوصية به باطلة؛ لأنها وصية بمعصية قد نهى عنها الشارع صلوات الله عليه وحرمها فلا معنى لجوازها وقد ثبت لغة وعرفاً أنها بالنساء أخص من الرجال؛ لأن أهل اللغة لم يختلفوا في تخصيصهن بها.
وإنما وقع الاختلاف في إطلاق ذلك على الرجال أيضاً، فإن كان إطلاقه عليهن أعرف وأخص، ويجوز أن يكون في هذا لكل قوم لغتهم، فإن كان في عرف قوم ولغتهم أنها تكون لغير ذلك، فالمرجع به إلى
لغة. ما عرفوه منهم وكذلك إن كان عند قوم أو اجتماعهن يكون لا لنوح ولا لندب وإنما الأمر جائز، كقراءة القرآن أو اتعاظ أو تسلية لأهل الميت أو نحوه، فالوصية به جائزة كما هو المعمول به في وادي ميزاب فلا نكاد نسمع صوت النساء في العزاء أو المأتم بل يذكرن الله ويقرأن القرآن وإن غير هذا، فقد منعه الخليلي وقال: «فلا يجوز لها فيما عندي»).
ولكن الخليلي مال إلى القول بمنع تنفيذ هذه الوصية نظراً لما يحدث في واقع الناس في عصره وبلده أيام العزاء والمآتم تحكيماً للعرف والعادة؛ لأن الحكم للأغلب كما تقرره القواعد الفقهية. ورغم أن المدلول اللغوي للعزاء خلاف ذلك كما ذكرنا فيقول في هذا الصدد: «ونحن بحسب ما نشاهد ونراه
(1) الخليلي: المرجع نفسه، 187/ 12. (3/482)
صفحة 1631
الفصل الخامس: القاعدة الفقهية الكبرى الخامسة
483
من عوائد أهل العصر لا نرى اجتماعهن في المأتم إلا من أكبر المناكر وأقبح المعاصي، والحكم في ذلك للأغلب على اختلاف الأحوال من الناس في الأمكنة والأزمنة بحسب العوائد المعروفة معهم في ذلك»).
(1) الخليلي نفسه. (3/483)
صفحة 1632
المطلب الرابع
تحكيم العرف والعادة في الحقوق والآداب العامة
1 - في الاستئذان
أجمع الفقهاء على وجوب الاستئذان عند إرادة الدخول في بيوت الناس ولو كان الداخل من أولي القربى واستثنوا من هذا الحكم بعض الحالات التي جرت العادة عند الناس ألا يستأذنوا فيها، فمن دخل فيها اختياراً أو اضطراراً فلا حرج عليه ولا إثم ما دام العرف يبيح ذلك؛ لأن «العادة محكمة»، ومن أمثلة ذلك:
أ ـ إذا كانت جماعة تسكن في بيت واحد فليس عليهم استئذان بعضهم من بعض، فإن كن نساء يقمن جميعاً في بيت واحد وخرجت إحداهن قدام البيت يجب عليها أن تسلّم قبل الدخول حتى تُعلم من في البيت ولا تستأذن، وإن خرجت في حاجة من القرية ثم رجعت فلتستأذن من
معها.
واختار السالمي تعميم هذا الحكم على جميع الناس فقال: « ... وينبغي أن يكون هذا الحكم في جميع المتساكنين سواء كانوا ذكوراً أو إناثاً). وقيل: من قد جرت العادة له بإباحة الدخول فهو غير محتاج إلى الاستئذان» (2). «ولعل القائل بالفرق إنما فرق بين الرجال والنساء نظراً منه إلى الأحوال، فإن غالب أحوال النساء لا يمتنعن مع بعضهن من بعض مما يمتنع منه الرجال مع بعضهم من، بعض وإلا فالحكم سواء» (3).
(1) السالمي: معارج الآمال، 172/ 2. (2) السالمي: المصدر نفسه 181/ 2 - 182 (3) السالمي: نفسه. (3/484)
صفحة 1633
الفصل الخامس: القاعدة الفقهية الكبرى الخامسة
485
وذهب بعض فقهاء الإباضية إلى منع الدخول إلى بيوت الناس مطلقاً إلا بإذن أهلها ولو أباح له صاحب الدار ذلك، فيدخل متى شاء عند حضورهم أو غيابهم، وعللوا ذلك أن المنع كان لأجل الخوف من الهجوم على الغير فيؤذيهم، فربما كان بعضهم منكشف الأعضاء، فهذا الحكم يدخل فيه الكل إلا الزوجات وملك اليمين، وإن كان لأجل أنه كان مشتغلاً بأمر يكره إطلاع الغير عليه وجب أن يعم الكل حتى لا يكون له أن يدخل على الزوجة والأمة إلا بإذن. يقول السالمي في هذا المعنى: وظاهر كلام أصحابنا أن النهي إنما ورد لأجل جميع ذلك، فإنهم صرحوا بأن الاستئذان لم يشرع لخوف الإطلاع على العورات، ولا لئلا تسبق عينه إلى ما لا يحل النظر إليه فقط، وإنما شرع لئلا يوقف على الأحوال التي يخفيها الناس في العادة عن غيرهم، ويتحفظون من اطلاع أحد عليها؛ ولأنه تصرف في ملك الغير فلا بد من أن يكون برضاه وإلا أشبه الغصب والقهر» (1).
واعترض السالمي على من يقول لصاحبه ادخل منزلي متى شئت فهو منزلك وفيها نساء حرمات، واشترط عليه الاستئذان مع الإباحة؛ لأن ذلك مخالف للشرع والعرف وبيَّن أن من قال لرجل: ادخل بيتي متى شئت على سبيل الإباحة وفي منزله حُرُم، فليس له أن يدخل بغير إذن حضر أو غاب، بل وليس لصاحب المنزل أن يبيح ذلك؛ لأن فيه تعطيل فرض الاستئذان وتحليل ما حرم الله تعالى من انتهاك حرمة البيوت، وتضييع ما أوجبه من ستر المسلمين، وإن لم يكن معه حُرم دخل بغير إذن إذا أباح له على قول بعض المسلمين. واستند السالمي في مذهبه إلى قول محمد بن الحسن السري (2): أن الإباحة
في دخول المنازل على أهلها لا يجوز إلا بإذن حين الدخول.
(1) السالمي: المعارج، 2/ 173 - 174.
(2) لم نقف على ترجمته. (3/485)
صفحة 1634
486
القواعد الفقهية عند الإباضية
وقال غيره: ويعجبني إن كان في المنزل من تجوز مساكنته أن يجوز له ذلك، وإن قال: قد أسكنتك في منزلي فله أن يدخل بلا إذن، والإدلال مثل
الحل.
وأوَّل البعض قول من قال لصاحبه أدخل منزلي متى شئت: «أنه ليس له إلا أن يُخرج في اعتبار الداخل في حينه ذلك ووقته؛ لأن المدخول عليه فارغ وليس عنده من يجب أن يستتر، وأحب هذا القائل أن يكون ذلك على
الاطمئنان» (1).
أما البيوت التي تدخل بغير استئذان فهي ما ذكر الله تعالى في قوله عز من قائل: {لَّيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيهَا مَتَعُ لَكُمْ} (النور: 29) (3). جاء في سبب نزول هذه الآية أن أبا بكر الله عنه قال للرسول صلى الله عليه وسلم: «إن الله قد أنزل عليك آية في الاستئذان، وإنا نختلف في تجارتنا فننزل في هذه الخانات، أفلا ندخلها إلا بإذن؟» فنزلت الآية (3).
وروي
أنه لما نزلت آية الاستئذان قالوا كيف بالبيوت التي بين مكة والمدينة والشام على ظهر الطريق ليس فيها ساكن؟ فنزلت الآية (4).
(1) السالمي نفسه، 173/ 2.
(2) أبو حاتم: تفسير ابن أبي حاتم، سورة النور، قوله تعالى: {لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ. والوجه الثاني، حديث: 1336 عن سعيد بن جبير، في قول الله: {لَّيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةِ) يعني: ليس بها مساكن، وهي الخانات التي على طرق الناس، للمسافر ليس فيها ساكن: قال لا جناح عليكم أن تدخلوها بغير استئذان ولا تسليم فيها يعني في البيوت التي في طرق الناس، وروي عن مجاهد في إحدى الروايات، والضحاك، والسدي نحو ذلك». (3) الزمخشري أبو القاسم جار الله محمود بن عمر الخوارزمي، (467 - 538 هـ) الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل، تحقيق محمد مرسي عامر نشر دار المصحف القاهرة (دت)، 122/ 4.
(4) أطفيش القطب تيسير التفسير، تحقيق: إبراهيم طلاي المطبعة العربية غرداية الجزائر
2001 م، 96/ 10. (3/486)
صفحة 1635
الفصل الخامس: القاعدة الفقهية الكبرى الخامسة
487
وقيل: المراد جميع البيوت التي لا ساكن فيها؛ لأن الاستئذان إنما جعل لشيء لا يطلع معه على عورة، فإن لم يخف ذلك جاز له الدخول بغير استئذان.
وبين الفقهاء المراد بالمتاع في قوله تعالى: {فِيهَا مَتَعُ لَّكُمْ} (النور: 29)،
فقالوا: إنه الاستمتاع والنفع كدخولها للحر أو البرد أو غيرهما (1). وقال بعضهم: المراد بالمتاع المال فإذا كان لك مال في بيت غير مسكون جاز دخوله بلا إذن (2).
قال جابر بن زيد: «ليس يعني بالمتاع الجهاز ولكن ما سواه من الحاجة، إما منزل ينزله قوم من ليل أو نهار، أو خربة يدخلها لقضاء حاجة، أو دار ينظر إليها، فهذا متاع وكل منافع الدنيا متاع. وعقب عليه أبو جعفر النحاس فقال: «وهذا شرح حسن من قول إمام من أئمة المسلمين وهو موافق للغة، والمتاع في كلام العرب المنفعة ومنه أمتع الله بك ومنه فمتعوهن، فالمعنى على قوله ليس عليكم جناح أن تدخلوا بيوتاً مسكونة فيها منفعة لكم من قضاء حاجة أو دخول رجل إلى دار يقلبها لشراء أو إجارة، وما تقدم من قول العلماء سوى ابن زيد داخل في هذا» (4). قال القطب أطفيش: والصحيح المنع إلا بإذن ما لم يمنعه صاحب البيت من ماله» (ه).
-
غير
(1) نقل النحاس في «الناسخ والمنسوخ - سورة النور باب ذكر الآية الثانية. حديث 402. تفسير جابر بن زيد للآية عن عمرو بن هرم. ينظر: القرطبي: الجامع لأحكام القرآن،
221/ 6
(2) السالمي نفسه، 174/ 2. - البسيوي، جامع أبي الحسن البسيوي، ط، 1404 هـ/ 1984 م، طبع بمطابع دار جريدة عُمان للصحافة والنشر، سلطنة عُمان. 222/ 4.
(3) القرطبي: الجامع لأحكام القرآن طبعة دار إحياء التراث العربي، 221/ 6. (4) القرطبي: المصدر نفسه.
(5) أطفيش القطب: تيسير التفسير، 95/ 10. (3/487)
صفحة 1636
القواعد الفقهية عند الإباضية
488
وعقب السالمي عليه فقال: «قلت: وهذا التصحيح إنما هو في المنازل التي لها أرباب فوضعت فيها متاعك بإذن أربابها، فإنه لا يحل لك أن تدخلها لأخذ متاعك بغير إذنهم، ولو علمت أنه ليس فيه أحد؛ لأن ذلك تصرف في ملك الغير، وما أباحته الآية إنما هو في المنازل المعدة لذلك، أو المنازل التي علم من صاحبها أنه لا يسوؤه ذلك، بل يرضى به ويحبه، لقيام الدليل على منع التصرف في ملك الغير إلا برضى أو إذن» (1)».
2 ـ في عادات الأكل والشرب والجلوس
يتعارف الناس فيما بينهم على طرق معينة يُفهم منها الإذن بإباحة الأكل والشرب والجلوس دون التصريح به ذلك بما تسكن به نفوسهم، وقد أشار إليها بعض الفقهاء.
(2)
جاء في كتاب التعارف عن ابن بركة قوله: «وقد أخبرنا من نثق به عن محمد بن دهيم العلفي (2)، وكان عدلاً فاضلاً، قال: سألت أبا المنذر بشير بن الله - عن رجل يدفع إلي بكفه بشراً أو رطباً، محمد بن محبوب ـ رحمهم أو يمد يده إلي بنبق ولا يأمرني بأكله، ولا بحفظي له ولا لغيره، ولم يقل لي فيه شيئاً، هل لي أن آكله؟
قال: نعم ما لم ينكره قلبك، وسكنت نفسك إلى أنه أرادك به دون غيرك.
(1) السالمي: نفسه، 2/ 175.
(2) لم أقف على ترجمة له، لكن الظاهر من كلام المؤلف انه من أعلام القرن الثاني تقريباً. (3) هو الشيخ أبو المنذر بشير بن محمد بن محبوب الزحيلي القرشي، من علماء عُمان في القرن الثالث الهجري، من شيوخه والده الشيخ محمد بن محبوب، له آثار علمية كثيرة منها: كتاب «المحاربة» يشتمل على أكثر من 80 باباً وكتاب «أسماء الدار وأحكامها» بالإضافة إلى كتاب «أحكام القرآن والسُّنَّة وكتاب البستان» وهذان الأخيران مما فقد، توفي بعد عزل الإمام الصلت بن مالك أي في سنة 273 أو بعدها تقريباً [سيف البطاشي؛ إتحاف الأعيان
[254/ 1 - 255 - 568 (3/488)
صفحة 1637
الفصل الخامس: القاعدة الفقهية الكبرى الخامسة
489
قلت: وكيف ينكر قلبي ذلك؟
قال: يكون بينه وبينك صبي أو رجل فترى أنه قد مدّ يده إليك لتسلمه إليه كالرسول أو المناول، وإذا لم يكن هذا ونحوه جاز لك أكله، وهذا يدل على أن للمسلم أن يعمل بما تسكن إليه نفسه).
وكذلك طلب الماء للشرب يحكمه العرف والعادة، وقد نقل ابن بركة حواراً بليغاً دار بينه وبين شيخه مالك الصلاني وأحد من أصحابه وهذا نصه: «وقد كنا صحبنا الشيخ أبا مالك إلى (سر عُوتَب)) فلما كان في رجوعنا استسقيت قوماً فسقوني، وكان بعض أصحابنا له حاجة إلى شرب الماء، فدفعت إليه ليشرب فامتنع وقال: إنما سألت لنفسك فقال الشيخ: هذا يُعرف جوازه بسكون القلب والنفس؛ لأن صاحب الماء حمله ليشرب لا ليختص به على بعض دون بعض قال الممتنع: فيه مخالفة لصاحب الماء؛ لأن صاحب الماء قال: اشرب فليس له أن يشرب ويسقي غيره قال الشيخ فيجب - على
6
هذا ـ أن يكون إذا طلب ماء للمسح (للوضوء) لا يستنجي منه للغائط. قال الممتنع إذا دفعه للمسح فهو للغائط [قال الشيخ: المسح غير الاستنجاء فإذا دفع للمسح] فيجب أن لا يستنجي) منه على قولك؛ لافتراق اسم المسح من اسم الاستنجاء، قال: وكذلك لو أدخلك صاحب المنزل إلى منزله، فقال لك: اجلس على هذا السرير، لم يجز لك أن تتكئ عليه ولا تنام، وكذلك لو دعاك إلى طعام، فقال لك كُل، لم يجز لك أن تأكل منه إلا أوّل ما يقع عليه اسم أكل، وذكر له أشياء كثيرة غير هذا ثم قال: هذا يرجع فيه إلى ما تسكن إليه النفس ويُعلم بالقلب، وإن النفس لا تخرج بمثل هذا ولا يطالبه الناس فيما بينهم، حتى لو أن رجلاً أبيح له من ماء ليشرب منه فقال لصاحب الماء، ائذن لي لأسقي صاحبي منه، لاشتد عليه قوله، وكره ذلك منه، ورأى
(1) ابن بركة كتاب التعارف النسخة المحققة، 38/ 1.
(2) قرية تقع في منطقة الباطنة قريبة من مدينة صحار بسلطنة عُمان. (3/489)
صفحة 1638
490
القواعد الفقهية عند الإباضية
أنه قد نسبه إلى غاية البخل في منعه شربة ماء مع إمكانه الماء معه، وليس هنالك عداوة بينهما ... ).
وكذلك آداب الجلوس يحكمها العرف والعادة وتختلف من مجتمع إلى
آخر، وهذا ما صرح به بعض الفقهاء.
يقول ابن بركة في هذا الشأن: «وكذلك الجلوس على دكاكين الدور والأسرة التي في الطرق وأبواب الدور، وقد كان أبو المنذر يقول بجواز ذلك ويعمل به مع علمه وورعه، وأخبرني محمد بن يزيد بن الربيع) قال: صحبت أبا عبد الله محمد بن محبوب إلى أن وافينا باب أحمد بن هارون (3) فجلسنا على أرجلنا، فجاءنا إنسان بكرسيين فأقعدنا عليهما، فأقبل علي أبو محمد فقال: أقعد عليهما ولم يضمنًا إياهما حين قمنا وتركناهما، ولعله رأى هذا غير العارية، أو رآهما في حرز صاحبهما فيه، أو الموضع الذي هو حرز لهما يحرزهما صاحبهما فيه وكان من قوله إن الإنسان إذا أعاره رجل كرسيا ليقعد عليه أنه إذا انصرف وهو في بيت صاحبه تركه، وإن كان في الطريق أو خارج البيت سلّمه إلى ربه أو يدعه بأمره» (4).
ويضيف ابن بركة في السياق نفسه وقد كنتُ دخلت أنا وأبو خالد (5) (5) مع
(1) ابن بركة: المرجع السابق، ص 42/ 1. (2) لم أقف على ترجمة له مع ملاحظة أن الاسم ورد في أكثر من نسخة من بيان الشرع الكندي وقاموس الشريعة للسعدي: محمد بن يزيد عن الربيع، ينظر: مثلاً: بيان الشرع (مخ)
ج 80/ 65. وقاموس الشريعة (مخ) ج 131/ 83.
(3) لم أقف على ترجمة له مع ملاحظة أن الاسم ورد في نسخة بيان الشرع الكندي 87/ 65:
أحمد بن مروان. (4) ابن بركة نفسه، 41/ 1.
(5) لم أقف على هذه الكنية من بين الشخصيات المعاصرة للمؤلف، لكن أحد المؤرخين أن يكون من علماء القرن الثالث خالد البهلوي، ورجح بن
ذكر أحد العلماء باسم محمد
الهجري، فلعله هو. ينظر: سيف البطاشي؛ إتحاف الأعيان 281/ 1. (3/490)
صفحة 1639
الفصل الخامس: القاعدة الفقهية الكبرى الخامسة
491
الشيخ أبي مالك لله على مريض في عيادة فقعدت أنا وأبو مالك على الكراسي وامتنع أبو خالد عن القعود عليها حتى أذن له رب البيت، وكان مريضاً فقال له الشيخ أبو مالك: القعود على الكراسي بغير أمر صاحب البيت جائز بالتعارف والعادة الجارية بين الناس فقال أبو خالد: صاحب البيت مريض، فقال له الشيخ أبو مالك: إنّ إباحة المريض لا تجوز، كما هبته وعطيته لا تجوزان، فقد كان ينبغي لك أن لا تقعد إذا قعدت بأمر
أنّ
وهو مريض ... » (1).
ويؤكد الثميني هذه المعاني فيقول: «وإن أُعير لأحد كرسي ليقعد عليه فإنه يتركه عند قيامه في بيت صاحبه إن كان فيه وإلا سلّمه إليه أو يتركه في محله بأمره، وجاز للزائرين أن يقعدوا على الكراسي التي يجدونها في بيت المزور بلا إذنه إن لم يكن مريضاً، وقد مُنع قيل إذن المريض في
ذلك كهبته» (2).
مجمل القول:
وبعد أن ذكر ابن بركة أمثلة تطبيقية لآداب الأكل والشرب والجلوس خلص إلى القول أن: «هذه أشياء تعرف بالدليل في القلب، وسكون النفس بما
يجري بها في العادة بين
الناس» (3).
وهكذا يتبين مما تقدم أن قاعدة العادة محكمة حاضرة في الفروع الفقهية الإباضية ومجسدة في سلوكات الناس وتصرفاتهم يرجعون إليها إذا
أعوزتهم النصوص.
(1) ابن بركة المصدر نفسه.
(2) الثميني الورد البسام، ص 261 - 262.
(3) ابن بركة كتاب التعارف، 43/ 1. (3/491)
صفحة 1640
492
القواعد الفقهية عند الإباضية
ـ في صلة الرحم
اختلف فقهاء الإباضية في حكم صلة الأرحام في الأفراح والأتراح، هل هو واجب أم مندوب؟ وما صفة صلة الأرحام؟ هل يشترط الحضور بالنفس أم يكتفي بإرسال التهنئة أو التعزية؟
فمن اعتبر صلة الأرحام واجبة اشترط الحضور، فإن لم يفعل ذلك فهو مجافياً يُدَمُ فعله، ومن اعتبرها مندوبة أجاز أن تكون صلتهم ولو بالمراسلة إن تعذر الحضور، وذهب بعضهم إلى تحكيم العرف والعادة في مثل هذه الحالات.
سئل السالمي عن قولهم إنه مندوب بتأكد وصل الرحم في ترح وفرح
ومصيبة، ما وجهه؟
فأجاب: «ذلك؛ لأن هذه الأحوال أشد الأسباب المقتضية لاجتماع الأرحام بعضهم إلى بعض، فمن وصلهم في هذه الأوقات، صار كأنه مواسياً لهم في الفرح والترح، فيرون أنه قد وصلهم بنفسه وشاركهم في أمرهم، وبذلك جرت العادة بين الناس، فإنّ من لم يصلهم في ذلك الوقت مع قدرته على الوصول يعدونه جفاء، ومن هنا يتأكد إرساله التعزية في الكتاب على من بعد، وكذلك يُظهر السرور في كتابه بما يسرهم». فإن قيل: إن صلة الأرحام واجبة فما وجه هذا التأكيد في الندبة دون
الوجوب؟
قلنا ذلك لأن وجوبها في الجملة، ولم يقيد بوقت، ولا بحال دون حال كما في قوله: «صلوا أرحامكم ولو بالسلام)، وعنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إن
(1) رواه البيهقي في الشعب التاسع والثلاثون من شعب الإيمان السادس والخمسون من شعب الإيمان، وهو باب في صلة الأرحام، رقم: 7719، وابن أبي الدنيا في مكارم الأخلاق، صلة الرحم، رقم 207، عن سويد بن عامر بلفظ: «بُلُّوا أرحامكم ولو بالسلام». ابن حجر: قال إسناده حسن إلا أنه مرسل. المطالب العالية. (3/492)
صفحة 1641
الفصل الخامس: القاعدة الفقهية الكبرى الخامسة
493
الرحم إذا تناست تقاطعت). وبذلك حفظت العرب أنسابها، ومن هنا قال أبو محمد (2): «ليس لصلة الأرحام حد يُعرف، ولكن يكون على النية والوصول إذا قدر متى كان، فإن ظهر لك أن صلة الرحم غير محدودة بشيء مخصوص، وإن وجوبها في الجملة لا غير، ظهر لك وجه الندبة في تخصيصها بالترح والفرح، وإذ اعتبرت الحديث الثاني رأيت أن الحكمة في صلة الأرحام حفظ الأنساب، وإن كان الغرض هذا ظهر لك وجه الاكتفاء بالسلام؛ لأن في إرساله وتبليغه حفظاً للنسب (3).
4 ـ في تحديد حدود الجار:
اختلف فقهاء الإباضية وغيرهم في تحديد حد الجوار، فمنهم من اعتمد في تحديده على الشرع، ومنهم من اعتبر الاسم اللغوي وهو لفظ الجار، ومنهم من ذهب في تحديده بالعرف والعادة ما دام الشرع واللغة لم يتفقا في تحديد مفهوم الجوار وحدوده.
نقل السالمي اختلاف الفقهاء في هذه المسألة واختار تحكيم العرف والعادة في تحديد حد الجوار، فقد جاء في «العقد الثمين» سؤال عن تحديد حد الجوار، هل بأربعين ذراعاً كما قاله أبو عبيدة، أو بأربعين بيتا كما قال أبو عبد الله وقدرها من البراح وإن كانوا في الفلاة، وقيل: إن الجوار ينتهي إلى قبس النار بعضهم من بعضهم، وقيل ما يبلغ صوت المغرف، وقيل مقدار ما يحميه الكلب، وقيل مقدار ما يبلغ رائحة القدر. فما مستند هذا التحديد؟ وما وجه هذه الأقوال؟» (4).
(1) لم نقف عليه بعد البحث الدؤوب.
(2) يقصد أبو محمد عبد الله بن بركة السليمي البهلوي تقدمت ترجمته.
(3) السالمي العقد الثمين، 476/ 1 - 477.
(4) السالمي: المصدر نفسه، 477/ 1. - الشماخي: الإيضاح، 205/ 4 - 206. (3/493)
صفحة 1642
494
القواعد الفقهية عند الإباضية
أجاب السالمي: «لا أعرف لهذا كله وجهاً إلا أني وجدت رجلاً جاء إلى رسول صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله: إني نزلت محلة فلان وإن أشدهم إلي إيذاءً أقربهم إلى جواراً، فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر وعمر وعلياً يأتون المسجد فيقيمون على بابه فيصيحون: «ألا إن أربعين داراً جار، ولا يدخل الجنة من
خاف جاره بوائقه» (1).
منشأ الخلاف:
يرى السالمي أنه لو صح ذلك الخبر فهو حجة لأبي عبد الله محمد بن محبوب الله وأما سائر الأقوال فلا يعرف وجهها إلا أن الشيخ عامر (2) قال فيما يوجبه نظره أن أصل اختلافهم في ذلك اختلافهم
الشماخي فيما يقع عليه اسم الجوار، إما من طريق اللغة، أو من طريق الشرع قال: وذلك إن قول من قال مقدار ما تبلغ رائحة، القدر، يدل أن قائله اعتبر في ذلك أن مَن يؤذيه بقِتَار قدره فهو جاره، وعليه أن يعطيه منه، ومن لم يبلغه فليس بجاره ولا يجب عليه حقه إذا لم يؤذيه، به قال: وكذلك على هذا المعنى من اعتبر مقدار صوت المغرف قال: والجار في اللغة: مأخوذ من تداني مساكنهم بعضهم من بعض وهو المجاورة، والجيران: الناس المتجاورون» (3). وعقب السالمي على كلام الشماخي بعد بيان أصل اختلاف الفقهاء في تحديد مفهوم الجوار بقوله: «وحاصل كلامه رحم الله أن الخلاف في ذلك
مبني
(1) رواه الطبراني في الكبير، باب الكاف كعب بن مالك رقم 143، الهيثمي: فيه يوسف بن السفر وهو متروك. مجمع الزوائد، 309/ 8. والحديث قسمان: الجار أربعين داراً. رواه أبو داود في المراسيل، رقم 350، عن الزهري مرسلاً، والقسم الثاني: «ولا يدخل الجنة من خاف جاره بوائقه». رواه مسلم، كتاب الإيمان، باب تخريج إيذاء الجار، رقم 46، عن أبي هريرة.
(2) يقصد أبو ساكن عامر بن علي الشماخي، (ت: 792 هـ).
(3) السالمي: العقد الثمين، 477/ 1 - 478. - الشماخي: الإيضاح، 206/ 4. (3/494)
صفحة 1643
الفصل الخامس: القاعدة الفقهية الكبرى الخامسة
495
على قاعدتين منهم من اعتبر المعنى الشرعي، وهو: كف الأذى عن الجار فتحرى أقصى ما ينتهي إليه الأذى بين المساكن فجعلهم جيراناً، ومنهم من اعتبر الاسم اللغوي وهو لفظ الجوار فاعتبر القرب والبعد، فمن كان قريباً كان جاراً، ومن بعد خرج عن الجوار، ثم اختلفت أنظارهم في تحديد ذلك على حسب اختلاف أفهامهم في القرب والبعد .. ).
كما نبه السالمي إلى قاعدة أخرى قد يغفل عنها بعض الفقهاء يمكن اعتبارها أساساً في تحديد حد الجوار، وتعتمد على ما يجري به العرف والعادة في كل بلد وقوم للتوفيق بين الأقوال المتباينة إذا تعذر الترجيح بينها؛ لأن العرف والعادة حجة يجب العمل بها، و «العادة محكمة» إذا تعذرت النصوص. يقول في هذا الصدد: «وها هنا قاعدة ينبغي أن ينبه عليها، وهي اختلاف العرف بين أهل النواحي في صفة الجوار، فإن لكل أهل ناحية من الأرض عُرفاً في ذلك، ولكل منهم عادة يُعدّون التمسك بها صلة، وتركها قطيعة فحدوه في القرى بالبيوت، وفي الفلاة بقبس النار، وما ذاك إلا لاختلاف أحوالهم وتباين عاداتهم ومنافعهم، فإن أهل البادية يعدون جاراً كل من أمكن أخذ منافعهم الحاضرة منهم كاقتباس النار، وأخذ الملح للقدر التي على النار وأشباه ذلك، وأما أهل القرى فلا يعدون ذلك جواراً؛ لأن مساكنهم متقاربة متصلة فجاء عُرفهم بالجوار بأقرب البيوت إلى بعضهم بعض، ثم اختلف هذا العرف في تحديد هذا المقدار من عدد البيوت، فكُلُّ قال بما وقع له من العرف، وهذه القاعدة كما ترى أجمع من القاعدتين اللتين ذكرهما الشيخ عامر كم الله فينبغي أن يعوّل عليهما في الجمع بين الأقوال في هذا الباب إن ظهر صوابها» (2).
(1) السالمي: المرجع نفسه، 478/ 1. (2) السالمي: العقد الثمين، 478/ 1 - 479. (3/495)
صفحة 1644
القواعد الفقهية عند الإباضية
مجمل القول:
يتضح من خلال ما ذهب إليه السالمي والشماخي أنه الرأي الراجح، وينبغي العمل به ما دامت لا تتوفر نصوص تحدد مفهوم الجوار، فالعرف الجاري به العمل عند الناس هو الذي يحتكم إليه ما دام يتعذر تحديد الجوار عن طريق الحقيقة اللغوية أو الشرعية، فيترجح العمل بما يحدده العرف والعادة في مثل هذه الأحوال وذلك جمعاً للأقوال، كما تشير إلى ذلك عبارة السالمي خاصة بعد أن توسع العمران وظهرت وسائل حديثة توصل صوت الجار إلى أبعد المسافات فتلحق به أذى، كما يحدث في مناسبات الأفراح في أيامنا باستعمال مكبرات الصوت، فيجب في هذه الحالة إعادة النظر في تحديد الجوار اعتماداً على عرف كل مجتمع وناحية.
- في آداب الضيافة
من آداب الضيافة أن يُوفّر للضيف كل أسباب الراحة والإقامة الطيبة، فلا ينبغي أن يشعر بالحرج وهو في دار المضيف، ومن ذلك: أن يذهب إلى بيت الخلاء من أراد قضاء حاجته ما دام قد دخل الدار باستئذان، قال الشماخي في هذا الصدد: ولا بأس على من دخل الدار بإذن مثل: الضيفان أن يخرجوا لحاجتهم فيه بغير إذن صاحب الدار؛ لأنه لذلك عُمِل وهذا عندي - والله اعلم - إنما جرى على عادة الناس وسيرتهم في الضيفان والكنيف» (1).
وأرى أنه لو كان بيت الخلاء في بيت الضيافة فلا حاجة إلى استئذان، أما إن كان خارجه فإنه يحتاج إلى ذلك حتى لا يقع نظره على محارم صاحب الدار، وهذا حسب ما تعارف عليه الناس، فلا يجوز للضيف أن يتعدى على
(1) الشماخي: الإيضاح، 316/ 1. (3/496)
صفحة 1645
الفصل الخامس: القاعدة الفقهية الكبرى الخامسة
497
حرمة الدار، مصداقاً لقوله صلى الله عليه وسلم: «إياكم والدخول على النساء .... ») وإذا قدّم الطعام والشراب فلا يحتاج في أكله إلى إذن؛ لأنه ما قدم ذلك إلا ليأكله ولا يشترط مشاركة المضيف في الأكل حتى لا يشعر الضيف بالحرج كما
اعتاده بعض البلاد.
محرم،
(1) متفق عليه، رواه البخاري كتاب النكاح ـ باب لا يخلون رجل بامرأة إلا ذو رقم 4934، ومسلم، كتاب السلام، باب تحريم الخلوة بالأجنبية والدخول عليها، رقم 2172، عن عقبة بن عامر. (3/497)
صفحة 1646
المطلب الخامس
تحكيم العرف والعادة في الجنايات والعقوبات
1 - تحكيم العرف والعادة في التأديب والتعزير
لم يحدد الشارع الحكيم وسائل معينة لتأديب العصاة وتعزيرهم، وإنما ترك الأمر دون تقييد يخضع لتقدير المجتهدين والحكام، ولذلك اختلفت أنظار الإباضية في تحديد وسائل التأديب، فاختار بعضهم أن يكون الضرب على الرجلين، بينما ذهب الجمهور إلى أن التأديب بالضرب يكون على المقعدين أو الكتفين، وقد يختار غيرهم الحبس أو النفي أو القيد، ولا شك أن العرف والعادة
هو الذي يحدد نوع التأديب، وموضع الضرب الذي ينفذ في حق العصاة. أشار المحقق الخليلي في قواعده إلى اختلاف فقهاء الإباضية في هذه المسألة، وبيّن أن سببه يعود إلى ما تعارفه الناس في كل بلد وما يجري به العمل عندهم، فقد ورد عليه سؤال يستفسر فيه صاحبه عن الضرب للتأديب، وذكر أن ما اتفق عليه بنو مصعب (1) من إيقاع الضرب للتأديب والتعزير على الرجلين (3) ومخالفتهم لآثار السلف الموجودة معكم من وجوب كونه على المقعدين أو الكتفين، وتداول هذا عملاً بين فقهائهم وأسلافهم من أهل مصعب وجربة مع مخالفته لآثار الأقدمين وطلب السائل من الخليلي أن يفيده بما يجري به العمل عند إباضية المشرق من أهل عُمان (3). فأجاب: «أما أصحابنا المشارقة فلم نجد في جواز هذا معهم يهتدى، ولا عملاً به يقتدى، وإنما قالوا في المقعد فخصوا به العبيد في قولهم السديد، تنزيهاً للأحرار عن الضرب على الأدبار، وإنما الظهر هو موضع
أثراً به
(1) بنو مصعب: هم أهل وادي ميزاب من الإباضية يسكنون جنوب الجزائر. (2) يطلق أهل ميزاب بالجزائر على مثل هذا النوع من التأديب بـ (فلق) وهي كلمة بربرية. (3) الخليلي المحقق كتاب التمهيد، 83/ 7 - 84.
أظهر (3/498)
صفحة 1647
الفصل الخامس: القاعدة الفقهية الكبرى الخامسة
499
التعزير في الحر والكتفان هما بعض من كله في هذا الشأن، فهو أعم من قولكم على الكتفين في البيان، إلا أنهما في الأصل فيما عندي أنها مسألة
اجتهاد ومحل رأي ونزاع، فلا يجوز أن يقضى فيها بحكم الإجماع. وإن عمل الفقهاء ونحارير العلماء وأهل العدل والفضلاء من أهل مصعب وجربة إذا ثبت عن الأكابر عملاً تبع الأوائل فيه الأواخر، فإنه ليجوز أن يُعدّ رأياً في سداده، فلا أقوى عن الحكم بفساده، ولا يجب فيما ظهر لي إنكاره بعدما استقرت عن سلفهم آثارهن، فإن نفس الأعمال من الفقهاء أثر يقتدى به كالأقوال. وربما كان العمل أقوى للمتبع دليلاً وأظهر حجة وأقوم قيلاً، ما لم يصح
فساده ويظهر للحق عِناده وليس هذا من ذلك، ولا يُعد هناك إذ لا مانع منه في الأصول الدينية، وإنما ورد الأثر بغيره اجتهاداً من فقهاء أهل النحلة المرضية، وما لم يكن المنع منه بدين لم يضق فسيح الرأي فيه على المجتهدين والعلماء لهم النبع وبهم يقتدى. ولا تقليد إلا لإمام الوجود، ذي المقام المحمود المبعوث رحمة للعالمين وهدى ... ).
مجمل القول:
وبعد أن عرض الخليلي أقوال الإباضية في المسألة وبين أنها آراء اجتهادية يجوز فيها الخلاف، ما دام لم يرد فيها نص يحدد أسلوب التأديب الشرعي، ولذلك لا مانع من الأخذ بها ما دامت لا تتعارض مع النصوص. ثم خلص إلى القول: «وبهذا يتضح لك أن الضرب على الرّجلين إن جاز في رأي لهم فقد منع في قولين وعلى قياد قول من أجازه من أولئك الناس، فلا إثم على فاعله ولا ضمان ولا بأس، وعلى قول من يرى منعه، فلم يثبت أصله وفرعه فلا أمان على فاعله من لزم الضمان وهو الموجود معنا في آثار أهل عمان، إلا أننا على ما ذهبوا إليه من تحديد موضعه المعوّل عندهم عليه.
(1) الخليلي: التمهيد، 7/ 84 - 85. (3/499)
صفحة 1648
0 ..
القواعد الفقهية عند الإباضية
واستدرك الخليلي على السائل أنه بعد بيان رأي الإباضية المشارقة في المسألة المخالف لرأي المغاربة عثر في آثارهم على من يوافقهم في هذا الأمر ويقول بجواز إيقاع الضرب في باطن القدمين وعقب عليه بقوله: «ولا يخرج عن الصواب ولا بأس، فالرأي في عدله متسع لهذا وهذا كله، فإن رجع أهل جربة ومصعب (المغاربة) إلى ما عليه السلف فهو لهم أولى، وإن كان عليهم أصعب، وإن أبَوْا إلا ما هم عليه فنرجو لهم السلامة، ولا إنكار عليهم ولا تثريب ولا ملامة، ما لم يتعدوا الحدود الجائزة فيه عند أهل المعرفة في ذات أو صفة» (1). ويمكن أن نستخلص من عبارة الخليلي أنه يفضل الأخذ برأي السلف من فقهاء الإباضية، لأن العمل به أولى، وإن كان لا يرى بأساً في العمل بخلافه ما لم يتعدّ الحدود المشروعة ما دام اجتهاداً يعتمد على غلبة الظن، ولا ريب أن كلاً الفريقين قد استند في رأيه إلى العرف والعادة بين الناس وما يجري به العمل في بلدهم، فالمعتبر في ذلك التأديب والتعزير، ولا يهم بأي وسيلة يقع ذلك ما دام يحقق هذا المقصد؛ لأن الوسائل تتغير حسب الأزمنة والأمكنة، والعبرة بالمقاصد والغايات لا بالوسائل والآلات، ولا ينكر تغير الوسائل بتغير الأزمان والأماكن.
2 - في تقدير المتلفات وارش العيوب والجراحات، وجزاء الصيد في الحرم:
من
أن
اختلف الإباضية في تحديد معايير تقدير قيمة المتلفات الأموال وأرش العيوب والجراحات وجزاء الصيد لمن اعتدى عليه في الحرم، ويذكر بعضهم تحديد ذلك مرده إلى العرف والعادة، ونظر المجتهدين وما تطمئن به نفوسهم ولا توجد نصوص صريحة تضبط ذلك ويستند إليها المجتهدون في التقدير.
(1) الخليلي: المرجع نفسه، 85/ 7. (3/500)
صفحة 1649
الفصل الخامس: القاعدة الفقهية الكبرى الخامسة
501
يقول ابن بركة البهلوي في سياق حديثه عن اعتماد العلماء على العرف والعادة وما تطمئن إليه نفوسهم، وهو من غلبة الظن لا يصل إلى درجة اليقين وكذلك قولي في قيم المتلفات فإنما الاعتبار فيه أن تجري القيمة على حسب ما تبايع الناس به، وتجري به البياعات بينهم، فيرجع في ذلك إلى أهل المعرفة دون من لا معرفة معه، وقد يقع البياعات بين التجار على الأثمان المتقاربة، والمغابنة اليسيرة، وقد تقع بينهم أيضاً المغابنة الفاحشة، وهذا نادر بينهم بأعلام كثيرة بينهم، فانظر في ذلك ما أبيح لأهل القيم إذا كانوا من أهل الخبرة والمعرفة
بالأثمان المتقاربة دون المتفاوتة الفاحشة، وفوق الناقصة الخسيسة ... »). ولعل ما ذهب إليه ابن بركة هو ما ينبغي العمل به في تقدير الأشياء، فعندما يُفتقر إلى معايير ثابتة في الشرع يُحتكم إلى العرف والعادة الجارية في الناس ويستعان بأهل الخبرة والمعرفة في تحديد قيمة المتلفات في المبيعات والمزروعات والجروح دون تجاوز للحدود المعقولة بما يحقق العدل والرضى.
6
- تحكيم العرف والعادة في تحديد صغائر الذنوب
اختلف فقهاء الإباضية في التمييز بين كبائر الذنوب وصغائرها، ومتى يحكم على صاحبها بالبراءة؟ وهل تعتبر تلك المعاصي ظلماً في حق الله والعباد؟ وهل للعرف والعادة مدخل في اعتبارها؟
ذهب بعضهم إلى تحديد كبائر الذنوب وصغائرها وبيان الفرق بينهما، بينما يرى بعضهم خلاف ذلك، كل وقد أجاب الإباضية عن هذه الأسئلة
وغيرها حسب ما يظهر لهم استناداً للنصوص أو العقل أو العرف والعادة. يقول السالمي في هذا الصدد: «قال بشير: لو أن رجلاً ضرب رجلاً بخشبة أو ما فوق ذلك لألزمنا الضارب البراءة؛ لأنه قد قامت الحجة في العقل أن ذلك ظلم.
(1) ابن بركة كتاب التعارف، ص 13 - 14. (3/501)
صفحة 1650
502
القواعد الفقهية عند الإباضية
قال: وهذا وأشباهه من حجة العقل.
وكذلك لو سرق منه في الميزان قدر حبة فما فوقها متعمداً للتطفيف وكان ذلك في تعارف الناس أنه ظلم، فعليه البراءة مما كان في مثل هذا ولم يجز الوقوف؛ لأن الحجة قد قامت
وأما الصغير من الذنوب فقيل: ليس هو بشيء محدود؛ لأنهم قالوا إن
ما دون الكبائر فهو صغير.
وقد
حده بعضهم، قال: أبو عبد الله محمد بن محبوب ـ رحمهما الله ـ في قوله تعالى: {إِلَّا اللَّمَمَ} (النجم: (32). قال: ما دون الكبائر من الذنوب التي تكون بين العباد وبين الله مثل: الغمزة واللمزة والنظرة، وما كان أهله يدينون منه التوبة والاستغفار فذلك هو اللمم، وكل ما لم بالقلب من ذكر المعصية، والهم بها، والنية للعمل بها من غير شتم المسلمين ولا وقوع في أعراضهم، فهذا إذا نسي أن يستغفر الله منه لقول الله تعالى: {إِنَّ رَبِّكَ وَسِعُ الْمَغْفِرَةِ} (النجم: 32). فهذا إذا كان يدين بالتوبة منه، ومما نهاه الله عنه أجزأه، أي تجزيه الدينونة بالتوبة من هذا كله ولا يلزمه أن يتوب منه بعينه كما يلزمه ذلك في الكبائر). وذهب بعضهم إلى أن الصغير من الذنوب مثل الكذبة التي لم يتلف بها
مال أو نفس، فإن أتلف بها مال أو نفس فهي من الكبائر. وقيل: إن صغائر الذنوب مثل الرفسة والنخسة والركضة والوجية والكذبة
ما لم يكن بها إنكار حق لأحد. وقيل: إنها من الكبائر مطلقاً.
وقيل: ومن أخذ من مال غيره حبة أو حطبة أو خلالاً أو نباتة أو لبس ثوبه، أو ركب دابته أو استعمل خادمه عملاً يسيراً، أو كثيراً، أو استعار شيئاً
(1) السالمي: معارج الآمال، 276/ 2. (3/502)
صفحة 1651
الفصل الخامس: القاعدة الفقهية الكبرى الخامسة
503
فاستعمله بغير ما استعاره له، أو وطئ في حرث قوم فتلف شيء منه بوطئه، أو قعد على سرير غيره أو حصيرة، أو كتب من دواته أو قلمه، أو رقعة قرطاس، أو استسقى بدلوه، أو زجر على دابته أو شرب من إنائه، فكل هذا وما أشبهه مما أصابه من المعروفين بالمنع من صغائر الذنوب).
ويبين السالمي أن فاعلها يكفر بفعلها إن أصر عليها، وعليه التوبة من ذلك، واستثنى من ذلك ما إذا تعارف الناس أن مثل تلك الأفعال يتسامح فيها ولا يحاسب عليها فيقول: «وإنما يكفر فاعلها بالإصرار عليها لا بركوبها، وهي من حقوق العباد، وعليه الخلاص والخروج منه إليهم إلا ما كان من إدلال بين الأصدقاء أو الإخوان في الله أو تعارف بين الناس، فإن الإدلال والتعارف أمارة للرضا ... » (2). وقد خالف السالمي أصحاب هذا القول واعتبر مثل هذه الأفعال من كبائر الذنوب؛ لأن فيها اعتداء على حقوق العباد، ولعله يرى أن التسامح يكون في حقوق الله دون العباد، وكأنه بذلك يحصر الصغائر فيها، أما إذا تعلقت بحقوق العباد فهي من الكبائر.
وهذا نصه: «قلت والظاهر أن ارتكاب هذه الأشياء بغير إدلال ولا تعارف من كبائر الذنوب؛ لأنها ظلم بالغير وهو موجب للنار، وما أوجب النار لفاعله فهو من كبائر الذنوب» (3).
مجمل القول:
مما تقدم يمكن أن نجمل آراء الإباضية في حد الصغائر إلى خمسة أقوال: الأول: الصغائر من الذنوب لا حدود لها سواء تعلقت بحق الله أم بالعباد.
(1) السالمي: معارج الآمال، 276/ 2 - 277. (2) السالمي المصدر نفسه.
(3) المصدر نفسه. (3/503)
صفحة 1652
504
القواعد الفقهية عند الإباضية
الثاني: الصغائر من الذنوب محدودة في مجال حقوق العباد، يتجاوز عنها ما لم يصر عليها فاعلها، فإن أصر عليها فهي من الكبائر التي يجب التخلص منها. الثالث: الصغائر من الذنوب هي ما لا يترتب عليها ضرر بالغير في المال والنفس، فإن تجاوزت ذلك فهي من الكبائر.
الرابع: تصرفات من صغائر الذنوب، لكن تعارف الناس عليها أن فاعلها لا يلام عليها، خاصة إذا صدرت من الإخوان والأصدقاء، أو ثبت عن طريق الإدلال والتعارف إن وقعت عليه رضي بها مثل الكتابة بقلمه، وركوب دابته، فإذا ظهر منه إنكار فهي من الصغائر التي يجب الاستغفار منها، وعدم الإصرار عليها، وإلا انقلبت إلى كبائر
الخامس: إن الصغائر تعتبر من الكبار مطلقاً سواء تعلقت بحق الله أم بالعباد، أو يترتب عليها ظلم بالغير، ويبدو أن صاحب هذا القول لا يفرق بين الصغائر والكبائر بل يسوي بينهما.
ولعل ما نستخلصه من هذه الأقوال أن ارتكاب أي شيء ضد الغير - صغيراً أو كبيراً ـ يعد معصية في حق الله، وضرر للعباد بغير إدلال ولا تعارف بين الناس، ويعتبر من كبائر الذنوب؛ لأنها ظلم للغير يستوجب العقوبة، ويجب التخلص منه بالتوبة والاستغفار، وطلب المسامحة من المعتدى عليه خاصة إذا كان مصرّاً عليها، أما إذا لم يترتب عليها ضرر فهي من الصغائر التي يتجاوز عنها، وينبغي التسامح فيها، وتكون من باب الخطأ، ولعل هذا القول يكون قريبا مما خلص إليه السالمي واستظهره والله أعلم.
2 -
ما يستثنى من القاعدة - لا يتخرج عليها وردت في كتاب تمهيد قواعد الإيمان مسألتان في باب المساقاة والمزارعة لا تتخرج على قاعدة العادة محكمة» وهما:
1 ـ إذا وُجد جار يسقي نخلة من ساقية جاره ثم صح نزاع بينهما، فصاحب (3/504)
صفحة 1653
الفصل الخامس: القاعدة الفقهية الكبرى الخامسة
505
الساقية يدعي
أنه أعار جاره لكي يسقي نخلة في ساقيته وادعى الآخر أنها عطية، فقيل إذا صحت العطية، فالساقية أصل لمن أعطي، وإن لم تصح العطية فهي عارية، ولا يلتفت في ذلك إلى ما جرت به عادة الناس من إعارة السواقي لبعضهم بعضاً أو عدمه (1).
- إذا وجدت بلدة فيها أموال مخصوصة جرت فيها سنة وعادة أنه لا يباع من هذه الأموال (2) شيء من الأصول إلا ومعها شيء من الماء وغيرها من الأموال قد يباع الأصل فيها بدون ماء، أو الماء بدون أصل، فالحكم أن هذه العادة والسُّنَّة الجارية فى تلك الأموال بعينها غير لازمة ولا توجب منع المالك من التصرف بالبيع لأصل دون ماء أو العكس؛ لأن هذه العادة لا تشبه السنن الثابتة في الأملاك (3).
(1) الخليلي: كتاب التمهيد، 163/ 7 (2) مصطلح عُماني يراد به بساتين النخيل. (3) الخليلي: المرجع نفسه، 99/ 9. (3/505)
صفحة 1654
المبحث الخامس
القواعد الفقهية المتفرعة
عن القاعدة الكلية الكبرى «العادة محكمة»
توجد عدة قواعد فقهية لها علاقة بقاعدة: «العادة محكمة»، منها ما يمثل فرعاً عن القاعدة، أو أثراً، أو قيداً فيها، ونظراً لكثرة المسائل والفروع الفقهية المتخرجة على هذه القاعدة وصعوبة حصرها، وضع الفقهاء لهذه الفروع قواعد فرعية تعتبر ضوابط لكثير من الأحكام الفرعية المبنية على اعتبار العرف والعادة، وفيها من المرونة ما يجعلها صالحة لكل يجد من وقائع وأحداث تحتاج إلى بيان الحكم الشرعي فيها، وفيما يلي بيان لأهم هذه القواعد مع ذكر ما اشتملت عليه من أحكام وتطبيقاتها في الحياة العملية، وسيكون دراستها في المطالب التالية.
المطلب الأول: القواعد الفقهية المعبرة عن بعض شروط العرف والعادة.
الفرع الأول: قاعدة تعتبر العادة إذا اضطردت أو غلبت».
- الفرع الثاني: قاعدة: «العبرة للغالب الشائع لا القليل النادر» (العبرة
للأغلب).
المطلب الثاني: القواعد الفقهية المعبرة عن تأثير العرف العملي في الأحكام. الفرع الأول: قاعدة: «المعروف عرفاً كالمشروط شرطاً».
الفرع الثاني: قاعدة: «التعيين بالعرف كالتعيين بالنص». - الفرع الثالث قاعدة المعروف بين التجار كالمشروط
بينهم». (3/507)
صفحة 1655
0.1
القواعد الفقهية عند الإباضية
المطلب الثالث: القواعد الفقهية المعبرة عن تأثير العرف القولي في الأحكام. - الفرع الأول: قاعدة: «الحقيقة تترك بدلالة العادة».
ـ - الفرع الثاني قاعدة: الكتاب كالخطاب».
ـ
- الفرع الثالث قاعدة: «الإشارة المعهودة للأخرس كالبيان باللسان».
المطلب الرابع قاعدة: «لا ينكر تغير الأحكام بتغير الأزمان». وبعد عرضها إجمالاً نشرع في بيانها تفصيلاً على النحو التالي: (3/508)
صفحة 1656
المطلب الأول
القواعد الفرعية المعبرة
عن بعض شروط العرف والعادة
1 - قاعدة: «العبرة للغالب الشائع لا النادر). 2 - قاعدة: «إنما تعتبر العادة إذا اضطردت أو غلبت (2).
هاتان القاعدتان من القواعد المتفرعة عن قاعدة: «العادة محكمة»، وهما تنصان على أحد شروط العادة والعرف وهو اشتراط كَوْن العرف غالباً؛ لأن العرف النادر لا عبرة له ولا اعتداد به ومن شروط إعمال العادة أن تكون غالبة شائعة، أما إذا كانت نادرة فلا يعمل بها، ومن جهة أخرى فإنهما تصلحان أن تكونا أصلاً عاماً في الشريعة الإسلامية، وهو اعتبار الغالب وتقديمه على النادر، وقد اعتبرهما السالمي والرواحي نوعاً من الاستقراء الذي هو نوع من الاستدلال. يقول السالمي في هذا الصدد: الحكم بالأغلب من الأمور قاعدة مستمرة عند كثير من الفقهاء، وعليها عوّل أبو سعيد رحم الله في كثير من المواضع، وهي نوع من الاستقراء الذي هو نوع من الاستدلال ... (3).
(1) الكدمي أبو سعيد: الجامع المفيد، 276/ 2 - 277. - وينظر أيضاً كتابه: «المعتبر»، 116/ 3. الشماخي الإيضاح، 213/ 1، 219. - الكندي محمد بن إبراهيم بيان الشرع، 78/ 28. -
السالمي:
: العقد الثمين، 185/ 3. - وينظر أيضاً كتابه معارج الآمال 196/ 1 – 197. 176/ 2.
الخليلي سعيد (المحقق): كتاب تمهيد قواعد الإيمان، 178/ 1. - المجلة العدلية، المادة 42. (2) الراشدي: جواهر القواعد، ص 166. - هرموش محمود معجم القواعد الفقهية الإباضية،
ص 305.
(3) السالمي: العقد الثمين، 175/ 3. (3/509)
صفحة 1657
510
القواعد الفقهية عند الإباضية
العادات
كما صرح الرواحي أيضاً بهاتين القاعدتين ومثل لهما بمثال، فقال: «وحكموا العادة في أشياء كما حكموا الاستقراء ... وأما الاستقراء الناقص فهو أن يستقري مثلاً المستدل أغلب عادات النساء في حيضهن في أقصى مدة الحيض، فيجد مثلاً عادتهن في أقصى مدته عشرة أيام، فيأخذ هذه العادة المأخوذة بهذا الاستقراء حَكَماً لحيض النساء بأن لا يزيد عن عشرة أيام، ويعرف هذا الفقهاء بإلحاق الفرد بالأغلب، وهو دليل ظني اتفاقاً، وهل الاستقراء) الكامل قطعي أو ظني قولان الأول للأكثر، ووجه الثاني: كؤن حكم تلك الصورة مخالفاً لأحكام سائر الأفراد، ورُدَّ بأن الاحتمالات العقلية بمنزلة العدم فلا تقدح في الأحكام العادية، فالاستقراء بنوعيه تتبع لتكون حاكمة على أفراد الجنس المنسوبة إليه العادة تماماً أو غالباً ... ». وهكذا يمكن أن نستنتج من عبارتي السالمي والرواحي أن الاستقراء هو الاحتكام إلى الأغلب من عادات الناس، وقد يكون استقراء تاماً، وقد يكون غالباً، وهو ما قرره الفقهاء في القاعدة الفرعية: «إنما تعتبر العادة إذا اضطردت أو غلبت». وليست هاتين القاعدتين خاصة بالإباضية بل أخذ بهما فقهاء المذاهب الأخرى مع اختلاف في صياغتها، قال الكرخي في رسالته في الأصول: الأصل أن السؤال والخطاب يمضي على ما عم وغلب لا على ما شد وندر .... ومن مسائله: أن من حلف لا يأكل بيضاً، فهو على بيض الطير دون بيض السمك ونحوه» (2).
(1) الرواحي أبو مسلم ناصر: نثار الجوهر، وهو عبارة عن شرح جوهر النظام للسالمي مخطوط مصور، 82/ 1 - 83.
(2) الكرخي أبو الحسن: رسالة في الأصول التي عليها مدار فروع الحنفية مع شواهدها لأبي حفص النسفي، طبعت مع كتاب تأسيس النظر لأبي عبد الله بن عمر الدبوسي الحنفي، نشر زكرياء
عمر
علي يوسف، مطبعة الإمام، 13 شارع محمد كرم بالقلعة القاهرة 1972، ص 112. (3/510)
صفحة 1658
الفصل الخامس: القاعدة الفقهية الكبرى الخامسة
011
وهو
ويقول القرافي في «فروقه»: «الأصل اعتبار الغالب وتقديمه على النادر، شأن الشريعة كما يقدم الغالب في طهارة المياه وعقود المسلمين، ويقصر في السفر ويفطر بناء على غالب الحال، وهو المشقة، ويمنع شهادة الأعداء والخصوم؛ لأن الغالب منهم الحيف).
وقد عقد العز بن عبد السلام فصلاً في الحمل على الغالب والأغلب في العادات، وذكر أمثلة منها: أن من أتلف متقوّماً فإنه يلزمه ضمانه بقيمته من نقد البلد، أو غالبه إن كان فيه نقود بعضها أغلب من بعض، ومنها وجوب صدقة الفطر من غالب قوت البلد كالقمح والأرز» (2).
وصرح بها إسحاق الشيرازي في باب من تقبل شهادته ومن لا تقبل» فقال: « ... ولا يمكن قبول الشهادة مع الكثير من الصغائر؛ لأن من استجاز الإكثار من الصغائر استجاز أن يشهد بالزور، فعلقنا الحكم على الغالب من أفعاله؛ لأن الحكم للغالب والنادر لا حكم له، ولهذا قال تعالى: {فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَبِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَمَنْ خَفَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَتِبِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَلِدُونَ} (المؤمنون: 102 - 103)» (3).
وقال عبد الهادي الحنبلي: «العبرة بالغالب والنادر لا حكم له» (4). فهذه النصوص جميعاً تصرّح أن المذاهب الفقهية اتفقت كلمتها في اعتبار هاتين القاعدتين، والعمل بهما في الأحكام، بل جعلهما بعضهم أصلاً عاماً في الفقه الإسلامي يبنى عليها الأحكام. وحتى ندرك حقيقة هاتين القاعدتين، وأثرهما في الفروع الفقهية، يستحسن أن نعرف بهما، ونبين صلتهما بغيرهما
من القواعد، ثم نذكر بعض من فروعهما الفقهية كما يلي:
(1) القرافي: الفروق، 104/ 4.
(2) ابن عبد السلام قواعد الأحكام في مصالح الأنام، طبعة مكتبة الكليات الأزهرية، القاهرة، 1411 هـ / 1991 م، راجعه وعلق عليه طه عبد الرؤوف سعد، 142/ 2.
(3) الشيرازي أبو إسحاق، المهذب، 2/ 324 - 325.
(4) ابن عبد الهادي، مغني ذوي الأفهام عن الكتب الكثيرة في الأحكام، ص 175. (3/511)
صفحة 1659
512
القواعد الفقهية عند الإباضية
أولا ـ تعريف مفردات القاعدة:
الغالب في اللغة هو: الأكثر، والأغلبية الكثرة، يقال: غلب على فلان كان أكثر صفاته أو خصاله وغلبت عليه الحمرة أو الصفرة كانت
الكرم
أكثر فيه (1).
أحد
والتغليب في الاصطلاح هو: إعطاء الشيء حكم غيره، وقيل ترجيح المغلوبين على الآخر إجراء للمختلفين مجرى المتفقين» (2). والشائع هو الأمر الذي يصبح معلوماً للناس وذائعاً بينهم» (3). والنادر في اللغة هو: «القليل والشاذ، نذر الكلام، أي ما شذ وخرج من
الجمهور» (4). وفي
الاصطلاح «النادر ما وجوده سواء كان مخالفا للقياس أم لا. ومعنى الغلبة في الشيوع في العرف والعادة أن يكون غالباً ومستمراً العمل به في جميع الأوقات والحوادث، فالعرف إذا لم يكن غالباً لا يُجعل حَكَماً في الحوادث (6). ولكن ما المراد بالغالب الشائع في هذه القاعدة؟ ومتى يعتبر الغالب في ترتيب الأحكام عليه، ويكون مقدماً على النادر؟ والمراد بالغالب الشائع هنا: أن يكون جريانهم عليه حاصل في أكثر الحوادث لا يتخلف، فكل عُرف معتبر سواء كان عاماً أو خاصاً إذا تحقق فيه معنى الغلبة والذيوع والاشتهار بين أهله الذين تعارفوه، ويثبت
(1) إبراهيم مصطفى وآخرون: المعجم الوسيط، 644/ 2.
(2) التهانوي: كشاف اصطلاحات الفنون، مادة «غلب».
(3) هرموش محمد مصطفى عبود: معجم القواعد الفقهية الإباضية، ص 228. ـ مجلة الأحكام
العدلية مادة 42، ص
45
(4) الجرجاني: التعريفات، ص 258.
(5) البركتي عميم الإحسان الحنفي: القواعد الفقهية، ص 13.
(6) هرموش محمود: معجم القواعد الفقهية الإباضية، ص 39. (3/512)
صفحة 1660
الفصل الخامس: القاعدة الفقهية الكبرى الخامسة
513
بالعرف العام الحكم العام، وبالعرف الخاص الحكم الخاص عند الذين
تعارفوه» (1).
ويستخلص من هذا التعريف أن القاعدة - بالمعنى العام ـ يراد بها: أن الأحكام لا تبنى على النادر المغلوب، وإنما تبنى على الشائع الغالب. وأما المعنى الخاص لها: أن المعتبر في بناء الأحكام على العادة هو النظر إلى الأحوال الشائعة الغالبة الوقوع، ولا ينظر فيها إلى الأحوال النادرة الوقوع؛ لأن المراد بالشيوع في هذه القاعدة - بالمعنى الخاص - اشتهار العمل بذلك العرف وانتشاره بين الناس.
أما إذا كان العمل به نادراً أو مغلوباً فلا يعمل به، وكذلك إذا كان العمل به مساوياً لعدم العمل به، وهو المسمى بالعرف المشترك، فلا يعتبر أيضاً للتردد فيه كما بينا سابقاً (2).
ثانياً: صلة القاعدة بغيرها:
وردت في كتب القواعد الفقهية قاعدة قريبة منها تعتبر قيداً للقاعدة الكبرى العادة محكمة»، ومكملة للقاعدة الفرعية العبرة بالغالب»، وهي: وإنما تعتبر العادة إذا اضطردت أو غلبت؛ ذلك أنه لما كان ظاهر القاعدة الكبرى تحكيم العادة على الإطلاق أثبت الفقهاء هاتين القاعدتين لتقييد العادة بما اضطردت أو غلبت أما إذا كانت نادرة فلا تُحَكَّم (3). واقتصر بعضهم على الاضطراد
فقال: «العادة تعتبر إذا اضطردت» (4).
(1) النجار: العرف وأثره في التشريع،
ص
205، 407
(2) القاضي منير: شرح مجلة الأحكام مطبعة العاني، بغداد، 1949، 104/ 1.
(3) الراشدي: جواهر القواعد، ص 166. - السيوطي الأشباه والنظائر، ص 93. ـ ابن نجيم، الأشباه والنظائر، ص 99. - المجلة الأحكام العدلية، المادة 41.
(4) هرموش: معجم القواعد الفقهية الإباضية، ص 305. (3/513)
صفحة 1661
514
القواعد الفقهية عند الإباضية
وتعبر هاتان القاعدتان عن بعض شروط العادة التي تجعل حَكَماً لإثبات حكم شرعي، وتكون معتبرة، وهي الاطراد والغلبة والشيوع). الاضطراد في اللغة من اضطر الأمر، تبع بعضه بعضاً، واضطردت الأنهار، جرت، واضطرد الحد تتابعت أفراده وجرى مجرى واحداً تجري الأنهار (2).
والمراد باضطراد العادة في القاعدة: أن يكون العمل مستمراً بها في جمع الأوقات والحوادث، بحيث لا يتخلف إلا بنص على خلافه، ومعنى ذلك أن تكون العادة مستمرة لا تتخلف من بلد إلى آخر أو من مكان إلى آخر (3). مثال ذلك: تشطير المهر إلى معجل ومؤجل حيث جرى به العمل في أكثر البلاد. والتعبير بالغلبة: يوحي بأنه لا يشترط لإعمال العادة أن تكون مضطردة، بل
يكفي أن تكون معمولاً بها في أغلب الحوادث. إذن فمعنى الاضطراد أو الغلبة: أن يكون العمل بالعرف أكثر من العمل بخلافه، وأما إذا كان العرف خاصاً أو نادراً فإنه لا يعتد به، ولا تحمل عليه النصوص المطلقة في الكتاب والسُّنَّة؛ لأنه لا سلطان للعرف النادر أو الخاص في تفسير نصوص الشريعة (4). وبناء عليه يكون معنى القاعدة: أن العادة المعتبرة هي المضطردة التي لا تتخلف أبداً أو الغالبة التي تتخلف قليلاً، كما سبق أن بينا في شروط العرف، أما العادة المغلوبة فلا عبرة لها ولا تحكم. قال السيوطي: «إنما تعتبر العادة إذا اضطردت، فإن غلبت فلا (0). وعبر صاحب تهذيب الفروق
(1) البورنو الوجيز، ص 295.
(2) الفيومي: المصباح المنير، ص 506
(3) هرموش المرجع نفسه، ص 305 - شبير: القواعد الكلية، ص 266 - 267.
(4) هرموش: المرجع نفسه.
(5) السيوطي: الأشباه والنظائر، ص 92. (3/514)
صفحة 1662
الفصل الخامس: القاعدة الفقهية الكبرى الخامسة
515
بالتكرار وقصد به الاضطراد حيث قال: إن مجرد الاستعمال من غير تكرار
لا يكفي في النقل، بل لا بد من تكرار الاستعمال، بحيث يفهم المنقول إليه بغير قرينة ويكون هو السابق إلى الفهم دون غيره).
ولا يعني
هذا أن العادة لا تثبت إلا بالتكرار وإنما تثبت ولو بمرة واحدة
إذا غلب على الظن المعاودة والتكرار، فالمرة الواحدة تكفي لإثبات العادة إذا وجدت قرينة تدل على التكرار والاضطراد (2).
ثالثاً: فروع القاعدة:
أ ـ في العبادات:
1 - حكم الانتفاع بالأشياء المتنجسة:
ذلك.
هل يجوز الانتفاع بالأشياء التي كان أصلها طاهر ثم تنجست، كالماء والزيت واللبن والتمر؟ اختلف فقهاء الإباضية في حكمها، فذهب بعضهم إلى تحريم ذلك، بينما يرى آخرون أن الحكم يكون بالنظر إلى الغالب فيها من طهارة أو نجاسة، فإن غلبت الطهارة فيجوز ذلك، وإن غلبت النجاسة فيمنع يقول أبو سعيد الكدمي في هذا الشأن: «وأما ما كان أصلها طاهراً فعارضته النجاسة فلم يخرج مخرجه مستهلكاً فيها، وتغلب عليه أحكامها حتى لا يكون له حكم فيها، فيخرج عندي معناه معنى الاختلاف في بيع ذلك، والانتفاع به من إطعام الدواب والأطفال، والانتفاع به فيما يجوز من جميع ذلك، ولا يجوز أن يكون مثل ذلك من الاختلاف في مثل الخمر والميتة ولحم الخنزير، وما أشبهه أيطعم شيئاً من الدواب ولا شيئاً من الأطفال، ولا يباع ولا ينتفع به
عندي
بحال إلا في حال ما خصه من الضرورات ... » (3).
(1) محمد علي تهذيب الفروق بهامش فروق القرافي، 82/ 1. (2) شبير: القواعد الكلية، ص 267.
(3) الكدمي أبو سعيد المعتبر، 102/ 3 - 103. (3/515)
صفحة 1663
516
القواعد الفقهية عند الإباضية
ويقول أيضاً في تطهير التمر والحبوب: إذا غلب الماء النجاسة، فيجوز الانتفاع بها. وكذلك عندي يخرج معاني التمر إذا أصابته النجاسة والتمر غير مكنوز (أي غير معجون)، أنه قد قيل إنه يجري فيه طهارة الصبّ عليه صبا إذا كان الماء أكثر من النجاسة، وبلغ حيث بلغت في الاعتبار وذلك في الشح من
التمر والحبوب كلها» (1).
مما تقدم يتبين أنه يمكن تطبيق قاعدة العبرة بالغالب في الانتفاع بالأشياء إذا كانت طاهرة فخالطتها النجاسة، كما قرر ذلك بعض الفقهاء؛ ولأن المنع من ذلك قد يكون ضياعاً للمال، وهذا الأمر يتنافى مع مقاصد الشريعة العامة
الداعية إلى حفظ المال.
2 ـ في جهل أصل الدم:
إذا جهل المرء أصل الدم فرأى على ثوبه دماً شائعاً ولم يدر حقيقة هذا الدم من أيّ الدماء هو، فقيل في بعض القول أنه يحكم عليه بالأغلب من أمور مثله (2).
3 ـ في الخارج من الفروج من ماء وغيره: ذكر أهل العلم أنه لو خرج من الدبر أو من قبل الرجل أو البكر ماء أو قيح، أو نحو ذلك من الطاهرات، وجب أن يحكم بنجاسته لمروره على المحل النجس.
أما الخارج من قبل المرأة الثيب فإن كان قد خرج من موضع تناله الطهارة وجب أن يحكم له بالطهارة؛ لأن داخل فرج الثيب الذي يناله الغسل في حكم الجارحة الظاهرة من الجسد لا فرق بينهما لثبوت تطهيره عليها.
(1) الكدمي: المرجع نفسه، 97/ 3.
(2) الخليلي سعيد: كتاب التمهيد، 232/ 3. (3/516)
صفحة 1664
الفصل الخامس: القاعدة الفقهية الكبرى الخامسة
517
وعليه فلو خرج من فرجها بعد الغسل ماء، واحتمل أن يكون من الماء الطاهر قد احتقن هنالك، فحكمه أنه طاهر ما لم يعلم أنه أصاب الموضع الذي لا تناله الطهارة.
تعلم هي
أن
وأ (1).
وقيل: إن كان ما جاء من ذلك الموضع فهو نجس، إلا أن ذلك يحتقن من الماء في موضع الطهارة. وقيل: طاهر ما لم يخرج متغيراً وقد وجه السالمي هذه الأقوال وبين مستندها من القواعد فقال: «فأما القول الأول فمبني على أن أصل الماء الطهارة، وأن الموضع طاهر فهو طاهر أقام في طاهر، فحكمه الطهارة حتى يصح غير ذلك. وأما القول الثاني: فمبني على الأغلب من أحوال الخارج من
فإنه مجرى النجس، وإن حكم الخارج منه النجاسة.
ذلك الموضع
الغالب
وأما القول الثالث: فقد اعتبر فيه حال التغير بالمكث، فإنه في لا يخرج متغيراً إلا وقد غيره شيء من غير جنسه، وأغلب المغير في ذلك الموضع نجس، فأثبت له حكم النجس (2).
4 - في الشك
في أداء بعض الفرائض:
إذا عرض لشخص شك في أداء بعض الفرائض وكان من المفروض أن تؤدى في وقتها، ولكن بعد ذهاب وقتها طرأ عليه الشك في أدائها وعدمه، وكيفية أدائها، فإنه في هذه الحالة ينظر إلى الأغلب من حاله، هل اعتاد أداءها
في وقتها؟ وهل تعتبر من الفرائض التي لا يجوز تأخيرها عن وقتها؟ قال بعض الإباضية: إذا غلب على ظنه أنه مواظب عليها، ولا يؤخرها أو يتركها تأخيرها إلا لعذر، فإنه يجعل نفسه في حكم من فعلها، ولا ينظر إلى
حالة الشك التي اعترضته.
(1) السالمي: معارج الآمال، 313/ 3.
(2) السالمي المعارج، 314/ 3 (3/517)
صفحة 1665
518
القواعد الفقهية عند الإباضية
ذكر الكدمي صوراً للشك العارض، وكيفية علاجه اعتماداً على قاعدة: الحكم للأغلب من أحواله، ذلك: من
أ ـ في الصلاة:
إذا كان قد صلى أو مضى عليه وقت الصلاة لم يعلم أنه لم يصلها؛ لأنه إذا مضى عليه وقت الصلاة وحان حكم وقتها ثم شك فيها، هل هو صلاها أم لم يصلها فقد قيل: إنه ليس عليه أن يصليها حتى يعلم أنه لم يصلها ....... وكذلك إذا شك في الصلاة بدون طهارة هل صلاها بعد الاغتسال والوضوء أم لا؟ قال: «وعندي أنه لا يخرج في أكثر العادة أنه لا يصلي إلا بغسل، كما أنه لا يصلي إلا بوضوء، فيخرج عندي معنى الوضوء والصلاة، أنه إذا كان صلى صلاة ثم شك صلاها بوضوء أو بغير وضوء، كان في وقتها أو قد فات وقتها، إلا أنه قد علم أنه صلاها، فيخرج عندي في معنى الحكم مما يشبه ذلك أنه لا إعادة عليه حتى يعلم أنه صلى بغير وضوء، وإذا فات وقتها فشك هل هو صلاها أم لم يصلها؟ خرج عندي على معنى الحكم أنه لا إعادة عليه فيها حتى يعلم أنه لم يصلها (2).
ب ـ في الزكاة:
معي
في زكاة النقدين والثمار: إذا كان معتاداً على أدائها في وقتها وليس من عادته تأجيلها، ثم طرأ عليه الشك بعد مرور وقتها، فيحكم على الأغلب من
حاله بما غلب عليه ظنه أنه أداها ولا يعيدها حتى يتيقن أنه لم يؤديها. يقول الكدمي في هذا المعنى والزكاة عندي أقرب إذا كان يعرف نفسه بأنه يزكي في كل عام، إذا كان مما يجب عليه أداؤه من الزكاة من الورق سواء
(1) الكدمي المعتبر، 78/ 4 - الكندي أحمد بن عبد الله المصنف، 321/ 4 - 322.
(2) الكدمي المصدر نفسه - الكندي: المصدر نفسه. (3/518)
صفحة 1666
الفصل الخامس: القاعدة الفقهية الكبرى الخامسة
519
كان ذلك ذهباً أو فضة، وكذلك في الثمار، وأنه لا يترك الزكاة في وقتها، فإذا كان يعرف نفسه بهذا ثم شك في ذلك بعد انقضاء وقته، وكان في أكثر عاداته أنه يطرد عنده باستمرار أداء الزكاة في مواعيدها ومقاديرها، خرج
عندي معنى الحكم أن ذلك في معنى الاطمئنان أنه لا شيء عليه حتى يعلم أنه لم يترك ... » (1). ويؤكد الكدمي أنه إذا ثبت عن المزكي أنه أخرج الزكاة من ماله، سواء أداها بنفسه للمحتاجين أم أخذها منه جباة بيت المال، وثبت عنده في الحكم أنه خرجت منه، ثم طرأ عليه الشك فلا يتردد في ذلك بل يبني على اليقين أو حسب عادته وما غلب على ظنه، فيقول: «وفيما يعتقده ويلزم به نفسه ما قد ثبت عليه في الحكم، فشك في أداء ذلك كله بعد انقضاء وقت أدائه، كان ذلك عندي من هذا النوع مثل الزكاة التي تجب عليه فشك فيها بعد انقضاء وقتها، ويعجبني أن يكون له في معنى الاطمئنان أن يكون مؤدياً لذلك، حتى يعلم أنه لم يؤده أو يأخذه في ذلك الحكم الذي يوجب عليه أداؤه في أحكام أهل العدل الذين يجب عليه حكمهم، ولا يسعه الخروج منه» (2).
ج - في الصوم:
وفي صوم شهر رمضان إذا مضى الشهر وشك الصائم هل صا. يصم، ولم يكن له عذر يبيح له الإفطار فيرجح غلبة الظن بأنه صامه ما دام معتاداً على ذلك. يقول الكدمي في هذا المعنى وكذلك صوم شهر رمضان إذا كان فيه مقيماً غير مريض ولا كان له عذر عن صومه، ويكون فيه سالماً فشك من بعد انقضاء وقته، سواء كان قد صامه أم لم يصمه، فكل حالة كان
(1) الكدمي نفسه، 79/ 4 - 80 - الكندي، نفسه، 324/ 4. (2) الكدمي: نفسه، 82/ 4. (3/519)
صفحة 1667
520
القواعد الفقهية عند الإباضية
فيها لا يخرج معه أن يترك صومه لعذر يعذر فيه، خرج عندي معنى صومه له في معنى الحكم بمنزلة الصلاة، إلا أن يغلب عليه حكم الارتياب؛ لأن وجوب صوم شهر رمضان في وقته لا يسعه تركه إلا لعذر» (1).
د ـ في الحج وكذلك في الحج يعتمد المكلف على الأغلب من أحواله، والغالب أنه لا يحج في كل عام، فالغالب عند الناس أنهم لا يحجون في كل عام؛ لأن الحج يجب مرة في العمر، فإذا وجب عليه وشك في أدائه وعدمه فيرجح أدائه. يقول الكدمي في هذا الشأن: ويخرج ذلك عندي في الحج والزكاة من حقوق الله، وفي الحج أثبت ذلك، أنه إذا وجب عليه ثم شك أنه أداه أو لم يؤده في وقت واحد؛ ولأنه ليس مما تجري به العادة أنه كل عام يحج، وأنه لا يجب عليه الحج إلا حج في عامه ذلك .... (2).
عدم
ثانياً في المعاملات المالية
1 ـ الشك في ملكية المال:
أباح الشارع الحكيم للمسلم أن يحوز من المال ما يشاء، ويملكه من وجوهه المشروعة، كالتجارة والعمل والهبة، والميراث وقد يطرأ على البعض شك في أصل هذا المال من أين اكتسبه؟ وكيف وصل إليه؟ وهل هو حلال أو حرام؟ ففي هذه الحالة يقول الفقهاء عليه أن يعتمد على ما تعارف عليه الناس، وما غلب على ظنه أن ذلك المال ملكه وصل إليه من طرق مشروعة، وله الحق في التصرف فيه بوجه مشروع، ويبعد عن نفسه تلك الشكوك والوساوس ولا يعبأ بها.
(1) الكدمي: المعتبر 814 - الكندي: المصنف، 324/ 4.
(2) الكدمي المصدر نفسه، 079/ 4 - الكندي: المصدر نفسه، 323/ 4. (3/520)
صفحة 1668
الفصل الخامس: القاعدة الفقهية الكبرى الخامسة
021
يقول الكدمي في توضيح هذا الأمر في معرض حديثه عن القاعدة: «الأصل في الأشياء الإباحة، وكذلك الأموال في الحوز لها والتسليم، والحوز من غير غلبة وحوزة على غيره، أو من غير يد من طرف ميراث، أو سبب لا يعلم أصله، ولم يكن قبل ذلك له ولا في يده، فكل ذلك معناه واحد ... » (1). وكذلك ما أشبهه ونزل منزلته من جميع الأحكام والحقوق من الأموال التي في يده، إذا نصب نفسه إلى معرفتها من أين اكتسبها وأصابها بعد أن لم تكن في يده لم يعرف من أين كان ذلك؟ وفي معنى حكم الأصل محجور عليه كل ذلك إلا بحله، وكان الأغلب في التعارف في مثل هذا أثبت في حكم القضاء، وكذلك عليه ترك البيوع التي يعرف أنه دخل فيها، ولا يعرف حلالها من حرامها، وهو يطأ بها الفروع ويتمتع ويأكل بها، ويعرف أنه إنما اكتسبها بالبيع والشراء من أيدي الناس، ويعرف أنها كانت لغيره قبله في معنى الحكم، ثم حازها إليه على وجه التملك، ولا يعرف كيف صارت إليه، وهل كان ذلك بالبيع، أو العطية، أو الهبة، أو الهدية، أو الغصب؟ وكان في يده واعتقد أنه يحوزه بمعنى التملك عن نفسه على معنى الاطمئنان، ولو لم يعلم في الحكم من أين صار إليه ذلك بعد أن علم في الحكم أنه كان لغيره أولى من الحكم، ولو كان في الأصل قد صار إليه بمعنى غير ثابت، ونسي ذلك وغاب عنه، لم يضره ذلك إذا كان قد نسي الأصل، ولو كان ذلك من الربا أو من الغصب (2).
2 - في حالة الاشتباه في مال الغير
كثيرا ما يُقدّم الولد لوالدته طعاماً جلبه من خارج البيت، ويشتبه في أمره، فلا تدري الوالدة حكمه، هل تأخذ منه ذلك الطعام على أساس أنه عطية، أو
(1) الكدمي: نفسه، 4/ 85 - 86.
(2) الكدمي: المعتبر، 84/ 4. - الكندي: المصنف، 326/ 4 - 327. (3/521)
صفحة 1669
522
القواعد الفقهية عند الإباضية
هدية، أو ضيافة قدمت له من غيره، فتأكل منه وتنتفع به أم تشك في مصدره لعله مال مسروق، أو مغتصب فترده عليه؟ ومثل ذلك قد يحدث مع الخادم وسيده. اختلف فقهاء الإباضية في حكم هذه المسألة، فمنهم من أباح الانتفاع به دون البحث عن مصدره ما دام قد تعارف منه ذلك، ومن عادته لا يقترب من المال الحرام، عملاً بالقاعدة: «الحكم للأغلب من حاله»، وذهب بعضهم إلى منع ذلك حتى يتأكد حاله.
من
قال الكدمي في هذا المعنى: وأما العبد إذا وصل إليك بآنية فيها طعام يطمئن قلبك أن ذلك من عند من يجوز لك أخذ ذلك منه على وجه العطية، أو الهدية، أو الضيافة، أو الرسالة، واطمأن قلبك إلى ذلك على هذا السبيل أو إلى شيء منه، فلا بأس عندي بأخذك، لذلك كان العبد صغيراً أو كبيراً أقرّ بذلك العبد أو لم يقر، وسلمه على وجه التسليم إليك على ما يطمئن قلبك أنه لك من أحد هذه الوجوه أو غيرها مما يجوز، كل ذلك عندي سواء إن شاء الله، وأكثر أمور الناس تجري على الاطمئنانة، وتطبق عليهم الأحكام إن حملوا أنفسهم عليها، وسواء عندي سألته أم لم تسأله فلا أُحب لك أن تسأله تشغله بذلك عن حال من أحواله، إلا أن يكون ذلك يجوز لك في مال سيده إباحة بإدلال أو بإذن، أو بحال من الأحوال ... ).
ويُفهم من عبارة الكدمي أنه يميل إلى جواز أخذ ما يأتي به الخادم ما دام يغلب عليه أنه لا يسرق، وإنما يأتي به ألا يكون إلا عطية، أو هدية، أو ضيافة، أو رسالة من غيره، فرجح فيه جانب الصلاح، ولا يريد أن يكلف نفسه عناء السؤال عن مصدر ذلك؛ لأنه ألف منه ذلك، وهو ما تعارف عليه أغلب الناس
في مجتمعهم.
(1) الكدمي: الجامع المفيد، 214/ 2. (3/522)
صفحة 1670
الفصل الخامس: القاعدة الفقهية الكبرى الخامسة
523
ثالثاً: الأحوال الشخصية:
1 - الشك في العلاقة الزوجية
اعتاد الناس أنهم إذا وجدوا رجلاً يعاشر امرأة من محارمه كأخته وأمه وعمته وخالته فلا يرتابون فيه، وكذلك من وُجِد يعاشر امرأة معاشرة الأزواج ويسكن معها فلا يشكون في صحة هذه العلاقة، ولكن قد تطرأ على بعض الناس بعض الأحوال فتجعلهم يشكون في علاقتهم مع محارمهم وأزواجهم، ولا يتذكرون كيف تمت هذه العلاقة، فالفقهاء يرشدون هؤلاء إلى الاحتكام إلى العادة الجارية في الناس؛ لأن أغلب هذه الحالات لا تتم إلا بالعقد الشرعي، ولا يمكن عُزفاً أن يسمح لشخص أن يعاشر امرأة معاشرة الأزواج، ويختلي بها في مسكن دون أن يرتبط بها بعقد شرعي؛ ولأن المجتمع يستنكر ذلك ما دامت العلاقة مخالفة للشرع.
معني
وقد أكد الكدمي هذه الحقيقة في سياق حديثه عن فروع قاعدتي: «العادة محكمة والعبرة للغالب الشائع لا النادر الشاذ فيقول: «وقد تخرج في الاطمئنان والتعارف وما تجري به العادات وما يشبه معنى الحكم الثابت في الأحوال، فتصبح بذلك العادات والتعارف في معنى ما يشبه الأحكام الثابتة، وكذلك ربما يحدث أن يزيل معنى مثلها ذلك الأغلب من الأحوال حكم أثبتته الأصول من ذلك، فلو أنه ثبت بين رجل وبين امرأة معاشرة ومساكنة، وكان بينه وبينها ما يشبه معنى التزويج الذي يقوم بين المرء وزوجه، وهو نفسه يعرف أنه لا يجوز أن يساكن تلك المساكنة ولا يعاشر تلك المعاشرة في قليل من ذلك ولا في كثير منه، إلا من يجوز له مساكنة، ومعاشرة بزوجة أو رحم، أو نسب أو صهر، أو رضاع، فعارضه الشك في حكم هذه الزوجية، ولم يعرف حين ذلك أن ما كان بينه وبين تلك المرأة في الحكم فيه معنى الزوجية بعلم منه كيف كان التزويج، ولا من أي وجه من الوجوه تم؟ (3/523)
صفحة 1671
524
القواعد الفقهية عند الإباضية
ولا يعرف من الذي زوّجه بها، ولم يعرف أيضاً كيف كان تزوجه بما يجوز أو بما لا يجوز، ولا عَلم من شهد عليها معه من تجوز شهادته على الرضاع، بأنه كان يقوم عارض لهذا التزويج كأن تكون هذه أخته من الرضاع، كذلك سائر ذوات محارمه بسبب أو نسب أو صهر، أو غير ذلك من أنواع المحارم، فيرى الكدمي أن هذا كله يعتبر شك عارض غير معتبر، وإن كان موضع حكم؛ لأنه في الأصل محكوم عليه باعتزال هؤلاء النساء في المعاشرة لهم والمساكنة والجماع، حتى يثبت ويصح منهن ما يجوز له ذلك، وإلا فهن محجورات كلهن في الأصل؛ لأنهن حرمة على الرجال حتى يصح ما يحل به شيء منهن، مثل زوجة أو غيرها، فكان حكم الأغلب والتعارف والاطمئنان فيما تجري به أمور عامة الناس ذلك؛ لأن هذا هو الأغلب والجائز والمعمول به، دون ثبوت الأحكام عليهم في مثل هذا ......
ولا نتعجب من هذا الشك العارض، فقد ينتاب بعض الناس في بعض الحالات المرضية كاختلال في العقل، أو فقدان للذاكرة، أو عند التعرض للأزمات النفسية الحادة، فلا ينبغي للمصاب بمثل ذلك أن يُعرض علاقته الزوجية للشك والارتياب، بل يبقى على الأصل ما دام العرف والواقع ينفي هذه الشكوك، ويؤكد سلامة علاقته مع زوجته.
2 ـ الشك في الطلاق: قد يطلق البعض زوجته وتخرج من عصمته، ثم يطول به العهد فينسى أسباب الطلاق، فيشك في طلاقه، هل تم ذلك حقيقة أم لا؟ فالفقهاء يرشدون مثل هذا إلى ما تعارفه الناس من حالات الطلاق أنها ثبتت، فتخرج المرأة عن الرجل ولا تعيش معه، وتنقطع كل العلاقات الزوجية السابقة، ولا عبرة بهذا الشك العارض؛ لأن الواقع يكذبه. يقول الكدمي في هذا المعنى وكذلك لو علم الأصل الذي يثبت له منه (3/524)
صفحة 1672
الفصل الخامس: القاعدة الفقهية الكبرى الخامسة
525
في
أن الحكم الذي تزوج عليه زوجه، وتأكد له أن ذلك الأصل حلال جائز، ثم بانت عنه زوجه بأي وجه من الوجوه، وعلى أي حال من حالات البينونة مما ثبت عنده في الأصل أنها تحرم عليه من وقت أن تركها وفارقها، فلما طال به ذلك، كنحو ما طالت عنده مدة زوجته فإن تعقب أمر ذلك السبب الذي بانت معه على أي وجه من الوجوه، فلم يعرف ذلك السبب وغاب عنه، لم يكن ذلك عندي في حكم الجائز والمحجور يجيزها له إذا لم يعلم الأصل الذي بانت منه، ويتركه لها لطول المدة، ولو كان إذا تعقب الأمر فيها علم حقيقة التزويج، ولم يعلم حقيقة الفرقة، وهو في معنى السبب الذي بانت منه على أي وجه من الوجوه، إذا كان قد تركها وبانت منه على سبيل ما معه أن ذلك يحرمها عليه، ولو كان في الأصل لم يكن ذلك ينفيها منه، ولكن من الأفضل هنا ومن الأولى هذه الحالة أن يكون حكم الاسترابة أكثر اعتباراً من حكم القضاء ... »). ويلاحظ أن الكدمي غلب في هذه الحالة جانب الشك في هذه الفرقة التي تمت مع زوجته، ما دام يجهل الأسباب التي أدت به إلى الفرقة، رغم أن القضاء حكم عليه بالطلاق، ولعله يميل إلى إعادة العلاقة مع زوجته، ويعتبرها زوجته كما كانت في الأصل، ولا ينظر إلى الشكوك التي تعترضه، يقول في هذا الصدد: «وأما إن كان إنما وقع بينهما كلام أو سبب مما يدخل عليه فيه الريب ولم يعلم الحكم في أصل هذا القول ولا حقيقة ذلك الأمر كما يظهر من وصف حقيقته إذا تعقبه، ولم يكن قد تركها على وجه ما تحرم به عليه، وإنما وقع ذلك الأمر ثم التمس معرفة ذلك من نفسه، فغاب علم بقية ذلك فنسيه، فلا يقف على معنى ضرورة ذلك من قول أو فعل، وقد كانت زوجته في معنى الحكم أو ما لا يَشك فيه من معنى الاطمئنان في الأصل في زوجته على معنى الأصل الذي كانت عليه في معنى ما يسعه، ويجوز له على معنى حكم ذلك أن يثبت العلاقة على ما كانت عيه في الأصل، ولو كان ذلك
(1) الكدمي: المعتبر، 84/ 4 - 85. (3/525)
صفحة 1673
526
القواعد الفقهية عند الإباضية
المعنى في الأصل هو الذي عارضه، سواء كانت تلك المعارضة في فعله أو كانت في قوله مما يحرمها عليه، إذا نسي ذلك وغاب عنه علمه، والأصل في هذا المعنى أولى به فيما يسعه من المعارضة التي كانت قد تمت من فعله أو قوله بما لم يثبت به حكم قضاء، وكذلك بما لم يثبت به حكم استرابة، وإنما يثبت معنى حكمها ثبوت العمل بها، والترك لها في حكم الأصل).
3 ـ في الرضاع:
اعتاد الناس أن يفطموا الرضيع في حدود السنتين، كما ثبت بالنصوص الشرعية، ولكن قد يتجاوز البعض هذه المدة إلى أربعة شهور، أو أقل أو أكثر حسب حاجة الصبيان إلى الرضاع واستغنائهم عنه بالطعام، وهذا ما تعارف عليه أغلب الناس وجرى به العمل في أحوال الصبيان (2). فما رأي الفقهاء في هذه المسألة؟
سئل السالمي عن قول بعضهم: إن الصبي إن لم يكتف بالطعام عن الرضاع بعد الحولين إلى أربعة أشهر فهو في حكم الرضاع، وقيل: إلى ستة أشهر بعد الحولين، وقيل: إلى ثلاث سنين وقيل: إلى أربعة سنين ما وجهها مع قوله تعالى: {وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ} (البقرة: (233)، فإن الآية دالة على أن السنتين رضاع فما وجه الزيادة؟ فأجاب: «اعتبروا أن الغرض من الرضاع قوام البنية، وأنها متى لم تستغن البنية عن الرضاع فهي في حكم الرضاع، وذلك أنهم نظروا فرأوا أحكام الرضاع ثابتة للصبي قبل سنتين فهي في حكم الرضاع؛ لأنه لا يقوم بدونه فاطردوا هذه العلة فيما فوق السنتين، فمنهم من اطردها إلى أربعة أشهر، اعتباراً
(1) الكدمي: المصدر نفسه، 85/ 4.
(2) البسيوي: جامع أبي الحسن البسيوي، 55/ 3. (3/526)
صفحة 1674
الفصل الخامس: القاعدة الفقهية الكبرى الخامسة
527
للغالب من أحوال الصبيان فإنه قلّ من يبلغ هذا الحد إلا يستغني بالطعام، ومنهم من اطردها إلى ما فوق ذلك، اعتباراً للنادر، وحمل هؤلاء كلهم الآية على الأغلب المعتاد بين الناس فإن العادة في الرضاع إلى سنتين، وبذلك تتم المدة المعروفة عندهم، فلا يفيد ذلك تقييداً عندهم، ويفيد عند الجمهور؛ لأنهم لم يحملوها على هذا المعنى، وإنما حملوها على التحديد لمدة الرضاع، وأن أحكامه ثابتة في تلك المدة لا غير؛ لاحتمال أن تكون الرضاعة في السنتين خصوصية لم تكن فيما بعدهما).
وفي موضع آخر ينقل بعضهم أقوال الفقهاء في حد الفصال فيتساءل عن دليل التخصيص للآية، هل هو من النصوص؟ أم من الاجتهاد اعتماداً على
القواعد الفقهية؟
ورد في «العقد الثمين سؤال عن وجه ما قيل في رضاع الطفل بزيادة أربعة أشهر فوق الحولين عند الأصحاب (الإباضية) إن لم يستغن عن الرضاع بالطعام، وستة أشهر في قول قوم، وأربع سنين في قول آخرين منهم، ذكرهما أبو الحسن في «جامعه» (2) والله تعالى يقول: {وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ} (البقرة: 233)، ولقوله صلى الله عليه وسلم: «لا رضاع بعد أن الله تعالى نصَّ على الفصال بقوله: {وَحَمْلُهُ وَفِصَلُهُ ثَلَاثُونَ
صلے
فصال» (3). ثم
(1) السالمي العقد الثمين، 2/ 116 - 117. (2) البسيوي: المصدر السابق.
(3) رواه الطيالسي في المسند، الأفراد عن جابر بن عبد الله، رقم 1767،، والبيهقي في الكبرى، كتاب الخلع والطلاق، باب الطلاق قبل النكاح، رقم 14657، عن جابر، والطبراني في الصغير، باب الميم، من اسمه محمد، رقم 952، عن علي بن أبي طالب، وعبد الرزاق في المصنف، كتاب الطلاق باب الطلاق قبل الزواج، رقم 11450. وهو موقوف على جويبر في إسناد علي، أو على الثوري، أو معلول السند بأيوب بن سويد في سند الثوري، أو بحرام بن عثمان في سند جابر. الزيلعي نصب الراية، 211/ 3. وورد محفوظاً عن ابن عباس موقوفاً: لا رضاع إلا ما كان في الحولين ابن حجر: فتح الباري، 146/ 9. (3/527)
صفحة 1675
528
القواعد الفقهية عند الإباضية
شَهْرًا} (الأحقاف: (15)، فاستنبط العلماء من الآية أقل الحمل ستة أشهر، فيبقى أربعة وعشرين شهراً، فذلك الحولان وهما حد الفصال، فأين الدليل المخصص لذلك؟ ولعله لم يكن إلا محض الاجتهاد، فيكون تخصيصاً بالقياس عند مجوّز التخصيص به.
قال ابن وصاف (1) في شرحه على الدعائم ما نصه: «قال بعض الفقهاء: وزيادة أربعة أشهر بعد الحولين فهو رضاع، ونأخذ بذلك إلا أن يكون قد
أنه
اكتفى عن الرضاع بالطعام بعد الحولين فليس برضاع. وإذا صح لا مخصص لذلك إلا محض الاجتهاد فكان القولين الذين ذكرهما أبو الحسن عن مخالفينا ليسا بأؤهن من قول أصحابنا بزيادة أربعة أشهر بعد الحولين؛ لأنه إن كانت العلة عندهم في ذلك التقييد بكونه إلا يُستغنى بالطعام عن الرضاع بعد الحولين يقال: إن هذا التقييد يمكن في الستة الأشهر وفيما فوقهن إذ لا مانع من ذلك، وليس هو أيضاً بمستحيل عقلاً، اللهم إلا أن يقال أن الطفل في العادة لا يجاوز أربعة أشهر فوق الحولين إلا وهو مستغن بالطعام عن الرضاع» (2).
أجاب السالمي عن هذا السؤال المفصل بإجابة كافية شافية اعتماداً على القاعدة المشهورة: «العبرة بالغالب الشائع لا النادر الشاذ» فقال: «تلك الأقوال كلها مبنية على اعتبار الأحوال في عادة الصبيان، وكأن القائلين بها يحملون الآيتين على بيان الأغلب من أحوالهم، فلا يفيدان تقييداً عندهم ولا حصراً، إذ لم يصرحا بنفي الرضاع بعد السنتين، بل غاية ما فيها جواز الفصال بعد السنتين، وأن من رضع تلك المدة فقد تمَّ، رضاعه، أي يكون والداه مؤديين
لحقه تماماً (3).
(1) لم نقف على ترجمته.
(2) السالمي: العقد الثمين، 117/ 3 - 118.
(3) السالمي: المرجع نفسه، 55/ 3. (3/528)
صفحة 1676
الفصل الخامس: القاعدة الفقهية الكبرى الخامسة
مجمل القول:
529
ولعل ما ذهب إليه بعض الفقهاء بزيادة شهرين على الحولين هو الأقرب للصواب والأعدل من الأقوال؛ لأنه هو الأغلب مما تعارفه الناس، وجرى به
العمل في كثير من البلدان، ومع ذلك لا يمكن تخطئة بقية الأقوال ما دام يعمل بها ولكن نادراً.
هل اختلاط اللبن بالطعام مما يحرم بالرضاع؟ أجاب البسيوي عن هذا السؤال، وبين حكمه اعتماداً على قاعدة: «الحكم للأغلب» فقال: «وما قطر من لبن المرأة في قذر أو في طعام أو شراب، وأكله الصبي أو شربه، فليس ذلك برضاع إذا كان ذلك الطعام غالباً للبن وأذهبه فكان الماء والطعام هو الغالب، أما إذا كان اللبن هو الغالب على الشيء الذي فيه وظاهر فيه، ثم أكله الصبي أو شربه فإنه يكون رضاعاً ... » (1). ويفهم من عبارة البسيوي أنه إذا غلب الطعام والماء على اللبن، ثم أكله الصبي أو شربه، فلا يعتبر رضاعاً ولا تنشأ به الحرمة أما إذا غلب اللبن على الطعام والماء فاستهلكه الصبي، فهو رضاع وتثبت به الحرمة.
ـ تحديد أقصى سن البلوغ:
ومنها أيضاً يحكم بالبلوغ من بلغ خمسة عشرة سنة في الغالب؛ لأنه هو السن الشائع للبلوغ، وإن كان البعض لا يبلغ إلا في السابعة عشر، أو الثامنة عشر، إلا أنه نادر لا ينظر إليه). جاء في «البصيرة» ما نصه: «ويصدق الغلام في دعواه بالبلوغ إذا صار له خمسة عشرة سنة، وإذا لم يقر بالبلوغ، فإذا صار ابن ثماني عشرة سنة حكم عليه بالبلوغ، وقول في الجارية إلى تسعة عشرة سنة، إلى عشرين سنة، فإذا بلغ الغلام والجارية عشرين سنة ولم يحتلم
(1) البسيوي الجامع، 55/ 3.
(2) الكندي محمد بن إبراهيم بيان الشرع، ج 78/ 28. (3/529)
صفحة 1677
530
القواعد الفقهية عند الإباضية
الغلام ولم تحض الجارية، وبلغ إنزالهما، فهما عند الفقهاء قد بلغا، يلزمهما ما يلزم البالغ من الرجال والنساء، ويجوز لهما وعليهما ما يجوز منهم إذا كانا صحيحي العقل).
والملاحظ أن الفقهاء لم يتفقوا في أقصى مدة لسن البلوغ عند الصبي والفتاة، ولكن جعلوا سن الخامسة عشر حداً للبلوغ؛ لأنه هو السن الغالب الذي تعارفه الناس للبلوغ، وما زاد على ذلك فهو النادر ولا يقاس عليه.
لحضانة
ه ـ في تحديد سن الحضانة: ومنها أيضاً: أن الحكم بسبع سنين لمدة حضانة الصبي، وتسع البنت، مبني على الشائع المتعارف من أن الصبي إذا بلغ السابعة من عمره يستغني عن معين له في لباسه وأكله واستنجائه مثلاً، والبنت إذا صار عمرها تسع سنوات تصبح مشتهاة في الغالب، وذهب الشيخ بيوض رحم الله إلى أن المشهور عند الإباضية والمعمول به عندهم أنه إذا بلغ الطفل خمسة أعوام، ورجح البكري سن السادسة.
وعلل ذلك بعضهم بأنّ «اختلاف النمو في البعض زيادة ونقصاً بتأثير التربية والأقاليم لا عبرة له، بل المعتبر السبع سنوات للصبي والتسع للبنت، لأنه الشائع الغالب).
جاء في فتاوى البكري» ما نصه: «لم يرد في القرآن ولا في السنة النبوية حصر لمدة الحضانة، ولا للوقت الذي تنتهي عنده غير أن الفقهاء المتقدمين رأوا أنها تنتهي بالنسبة للغلام عندما مستغنياً خدمة النساء، ويقدر أن عن
يصبح
يقوم بنفسه بحاجاته الأولية التي من أجلها شرعت الحضانة، ولم يقدروا لذلك
(1) عثمان الأصم البصرة 402 - 41.
(2) بيوض إبراهيم: فتاوى الشيخ الإمام الشيخ بيوض، 444/ 2. ـ بكلي عبد الرحمن: فتاوى البكري، ط 2، تحقيق داود بورقيبة، المطبعة العربية غرداية، الجزائر، 1424 هـ / 2003 م، 4/ 80 - 81. (3/530)
صفحة 1678
الفصل الخامس: القاعدة الفقهية الكبرى الخامسة
531
سنين معينة، ثم إن الفقهاء المتأخرين رأوا ذلك أمراً غير منضبط تمام الانضباط محتاج لتقدير يدفع التردد واللبس فرأوا بحسب اجتهادهم وبما عاينوه من صبية زمانهم، أن الصبي يزول عنه العجز ببلوغه سبع سنين، والصبية يزول عنها العجز ببلوغها تسع سنين، فحددوا سن الحضانة بسبع في الغلام، وبتسع في الجارية، فلا تمتد حضانة الغلام أكثر من سبع، ولا تمتد حضانة الجارية بعد التسع على هذا فترى المذهب الحنفي الأحقاب الطويلة، وكان العامل عليه في محاكم مصر الشرعية، وعليه الفتوى والعمل في محاكم لبنان الشرعية. أما عند علماء الإباضية، فإن حضانة النساء تنتهي بالنسبة للغلام إذا تمت له خمس سنين، أي دخل السنة السادسة، وبالنسبة للأنثى نكاحها، ولو بلغت إن لم تسترب الأم. قال صاحب النيل ما نصه: «وبإبقائه، أي يجبر الأب بإبقاء الصبي عندها في صغره حتى يطيق الذكر لَبس ثيابه وغسل يديه، والأنثى حتى تنكح، ولو بلغت إن لم تسترب»، أي الأم. وقال شارحه: «وقيل: حتى يتم خمس سنين» (1).
قال البكري معقباً على قول الثميني والقطب وعلى هذا جرى العمل في ميزاب إلى يومنا، وعليه فما ذهب إليه أصحابنا من انتهاء حضانة النساء بالنسبة للطفل تمام السنة الخامسة، أي بدخوله السنة السادسة هو القول المعقول المطابق لحكمة تشريع الحضانة ... » (2).
واستدل البكري على صحة ما ذهب إليه بأدلة منها:
أ ـ أن المتفق عليه لدى جمهرة فقهاء الإسلام أن الحضانة مشروعة لتكميل نقص المحضون؛ لأنه عاجز عن القيام بحاجات نفسه الأولية من أكل وملبس ونظافة، فإن استغنى وزال السبب زال الوجوب الذي انبنى عليه.
(1) القطب أطفيش: شرح النيل وشفاء العليل للثميني ط 2، 414/ 7. (2) البكري عبد الرحمن فتاوى البكري، ط 2، 1424 هـ / 2003 م، 4/ 80 - 81. (3/531)
صفحة 1679
532
القواعد الفقهية عند الإباضية
ب ـ إذا دخل المحضون السنة السادسة استقبلته مرحلة جديدة، وافتقر للتحلي بأخلاق الرجال، والتأدب بآدابهم، والأخذ بأسباب العلم والمعرفة، فالأب أقدر من الأم على هذا، فيعهد إليه به.
وجه
ج. كذلك نجد معاهد التعليم في سائر دول العالم وأممه تفتح أبوابها في الطفل متى بلغ السنة السادسة).
وبعد عرض هذه الأدلة القوية رجح السنة السادسة وجعلها هي سن نهاية حضانة الأم للولد فقال: «ولذا كانت السنة السادسة أنسب تقدير وأعدله ما دام الأمر موكولاً في التقدير إلى الاجتهاد» (2).
مجمل القول:
بعد التأمل في آراء الفقهاء في مسألة سن حضانة الولد يترجح عندنا ما ذهب إليه البكري لقوة حجته ومناسبة لقاعدة: «الحكم للأغلب»، أما البنت فلعل رأي المتقدمين القائل بعدم تحديد سن الحضانة أنسب للفتاة؛ لأن الأنثى تنسجم أكثر مع أمها، وتأخذ منها صفات الأمومة، وتعدها للقيام بوظيفتها الأساسية في الحياة وهي الأمومة، حتى تتزوج وتنتقل إلى بيت الزوجية، فمن المناسب لها أن تستمر حضانتها مع أمها حتى تتزوج، وهو اختيار الثميني والقطب.
رابعاً: في السياسة الشرعية: أرشد الفقهاء الحاكم والوالي والقاضي إلى مراعاة العدل في تنفيذ الأحكام، وقد ينتج عن ذلك رضى العامة والخاصة أو سخطهم، فهنا يجب عليهم أن يراعوا الأغلب من أحوال الناس فإذا كان أغلب الرعية راضية والبعض ساخط فلا عبرة للشاذ محافظة على استقرار الحكم، والعكس
(1) البكري: فتاوى البكري، 4/ 80 - 81. (2) البكري: المرجع نفسه، 82/ 4. (3/532)
صفحة 1680
الفصل الخامس: القاعدة الفقهية الكبرى الخامسة
533
صحيح،
وإن كانت الأقلية راضية والأغلبية ساخطة يراعى دائماً رأي الأغلبية، حفاظاً على وحدة الأمة، وتطبيقاً للعدل والمساواة دون تجاوز الحدود الشرعية.
. .))
يقول محمد بن إبراهيم الكندي في معرض كلامه عما يؤمر به القضاة والحكام: ومنها: ليكن أحب الأمور إليك أوسطها في الحق وأعمها في العدل وأجمعها للرعية، فإن سخط العامة يحجب برضى الخاصة، وسخط الخاصة يفقد مع رضى العامة هكذا يجب ويحسن، وأحسب أن معناه أن «الحكم للأغلب»، فإذا كان الرضى عاماً في الرعية، والسخط نادراً من
بعضهم، رجا سلامة الأمور واستقامة الجمهور على كل ذلك بالعدل والنظر
في الفضل» (1).
(1) الكندي محمد بن إبراهيم بيان الشرع، 28/ 780. (3/533)
صفحة 1681
المطلب الثاني
القواعد الفقهية المعبرة عن تأثير العرف العملي في الأحكام
1 - قاعدة المعروف عرفاً كالمشروط شرطاً.
2 - قاعدة التعيين بالعرف كالتعيين بالنص.
ـ قاعدة المعروف بين التجار كالمشروط بينهم.
هذه القواعد الثلاث تندرج تحت القاعدة الكلية الكبرى العادة محكمة» وتتفرع عنها؛ لأنها تعبر عن سلطان العرف العملي وأثره في إنشاء الحقوق والالتزامات، ذلك أنه عندما يكون عُرف الناس منصبا على توزيع الحقوق والالتزامات بين الطرفين في بعض المعاملات المدنية، وعاداتهم موافقة للأحكام التي أفادتها الأدلة الشرعية دون أن تصادم نصاً تشريعاً آمراً، يكون من الطبيعي احترام هذه العادات، واعتبارها في إثبات الحقوق وانتفائها؛ لأنها عندئذ تكون في قوة العبارة المنشئة للحق والالتزام)، كما تعتبر بمنزلة الاشتراط الصريح، فكما لا تسمع الدعوى بخلاف ما شرط صريحاً مما تُعورف لا تسمع الدعوى بخلاف ما تعورف واعتيد العمل به بدون شرط (2).
فالناظر في نصوص الفقهاء يرى أن للعرف العملي في نطاق أفعال العباد وتصرفاتهم العادية ومعاملاتهم الحقوقية سلطاناً، وسيادة تأمين في فرض الأحكام، وتقييد آثار العقود، وتحديد الالتزامات على وفق المتعارف والمعمول
450 - 451
(1) الزرقا مصطفى: المدخل الفقهي العام 863/ 2. - أبو ستة: العرف والعادة في رأي الفقهاء، ص 61. - السدلان: القواعد الفقهية ص. (2) الزرقا أحمد: شرح القواعد الفقهية، دار القلم دمشق، ط 3، 1414 هـ / 1993 م، ص 237. (3/534)
صفحة 1682
الفصل الخامس: القاعدة الفقهية الكبرى الخامسة
535
به عند الناس، ما لم يصادم ذلك العرف نصاً شرعياً، فالعرف عند ذلك يلتزم به، ويعتبر مرجعاً للأحكام، ودليلاً شرعياً عليها، حيث لا دليل سواه.
وقد جاءت قاعدة: «المعروف عرفاً كالمشروط شرطاً» (2) في الكتب الفقهية بعبارات أخرى كلها تدور حول هذا المعنى، فعبّر عنها بعضهم بقوله: «المعروف عرفاً كالمشروط شرعاً» (3). وقاعدة: «المعروف بالعرف كالمشروط باللفظ» (4).
وقاعدة: «التعيين بالعرف كالتعيين بالنص). وبصيغ قريبة منها «الثابت بالعرف كالثابت بالنص»). والثابت بالعرف كالثابت بدليل شرعي وقاعدة: «كل ما ورد به الشرع مطلقاً ولا ضابط له فيه ولا في اللغة يرجع إلى العرف (8).
والظاهر من خلال ما تقدم أن الصيغ المختلفة للقاعدة رغم اتحاد معناها وتقاربها قد مرت بعمليات صقل وتهذيب حتى استقرت بهذه الصيغة المختصرة المركزة.
(1) البورنو: الوجيز، ص 306. (2) السيوطي: الأشباه والنظائر، ص 92
ابن نجيم: الأشباه والنظائر، ص. 99. ـ الأتاسي: شرح المجلة العدلية، المادة 43، 1/ 1. - الزرقا أحمد شرح القواعد الفقهية، ص 237. الزرقا مصطفى: المدخل الفقهي، الفقرة 43/ 81، 09/ 1 هر موش: معجم القواعد الفقهية الإباضية، ص 538.
(3) السدلان صالح القواعد الفقهية، ص 451
(4) علي حيدر: شرح مجلة الأحكام العدلية المادة، 45، 46/ 1.
(5) الزرقا مصطفى: المدخل الفقهي، فقرة،81 1/ 1009. - الزرقا أحمد: شرح القواعد الفقهية، 241. - علي حيدر شرح المجلة 46/ 1. - الأتاسي شرح المجلة، 102/ 1.
ص 451
(6) السرخسي: المبسوط، 171/ 15 - 172. - السدلان صالح: القواعد الفقهية، ص (7) السرخسي المصدر نفسه، 13/ 14. ـ محي هلال سرحان: القواعد الفقهية، ص 44.
(8) ابن تيمية: مجموع الفتاوى، 40/ 7. السدلان القواعد الفقهية، ص 451 - شبير محمد عثمان: القواعد الكلية، ص 250. (3/535)
صفحة 1683
536
القواعد الفقهية عند الإباضية
والملاحظ في هذا المقام أن المصادر الإباضية لم يرد فيها ذكر لهذه القواعد الثلاث تصريحاً أو تلميحاً، ولكن عند تتبع الفروع الفقهية والمسائل الجزئية نجدها مجسدة في تلك الفروع تفهم من عباراتهم وإن لم ينص عليهم صراحة، ويسهل الوصول إليها؛ لأن عملهم بالعرف العملي مثل عملهم بالعرف القولي، وهذا واضح من خلال شروط العرف التي سبق الإشارة إليها، ولذلك ارتأينا أن ننص عليها صراحة حتى نبين للمهتم بدراسة القواعد الفقهية عند الإباضية أنهم اهتموا بها وعملوا بها رغم غياب ذكرها صراحة في مصنفاتهم.
عن
وقد أشار محمد بن إبراهيم الكندي إلى هذه القاعدة في معرض كلامه أسباب البحر، وملخص كلامه أن للركاب في السفينة أن يشترطوا على صاحب السفينة أن يجد في السير، ولا يتحول في السير إلى السواحل، كي لا يقطعهم عن قضاء حوائجهم، ويعوقهم عن بلاغ مقصدهم إلا أن تكون لأصحاب المركب سُنَّة معروفة مشهورة في ذلك لا يحتاج فيها الراكب إلى شرط (1).
:أولاً: معنى القاعدتين: «المعروف عرفاً كالمشروط شرطا» و «التعين بالعرف كالتعين بالنص:
القاعدتان الأوليان من هذه القواعد الثلاث وهما: «المعروف عرفاً كالمشروط شرطاً» و «التعيين بالعرف كالتعيين بالنص تعبّران عن العرف العملي. فالمعروف هو ما تعارف عليه الناس في عاداتهم ومعاملاتهم، والمشروط
ما يشترطه أحد المتعاقدين أو كلاهما ليلتزم في العقد (2).
(1) الكندي محمد بن إبراهيم بيان الشرع، 6/ 105. - الكندي أحمد بن عبد الله: المصنف،
ج 25/ 69.
(2) البورنو: الوجيز في إيضاح القواعد الفقهية الكلية، ص 306. (3/536)
صفحة 1684
الفصل الخامس: القاعدة الفقهية الكبرى الخامسة
537
في
والتعيين بالعرف معناه أن كل ما عيَّنه العرف فهو كالمنصوص عليه
العقد (1).
قال ابن عابدين) في رسائله: «الثابت بالعرف كأنه منصوص في العقد كالانتفاع بالأعيان المؤجرة والمستعارة التي لم يبين في العقد كيفية الانتفاع بها، فإن ذلك يتعين بالعرف (3).
المعنى الإجمالي للقاعدتين:
أن ما تعارف عليه الناس في معاملاتهم، أو ما اعتادوا التعامل به لا يحتاج إلى ذكر صريح في العقد، وهو يقوم مقام الشرط في الالتزام والتقييد، إذا توافرت فيه شروط اعتبار العرف المتقدم ذكرها، بشرط ألا يكون مخالفاً للنصوص الشرعية.
أما إذا خالف نصاً بخصوصه فلا يعتبر ذلك العرف، كتعارف الناس تضمين المستعير والمستأجر ما تلف من العين المستعارة أو المأجورة بدون
تعد منه ولا تقصير، فلا يعتبر ذلك العرف ولا يراعى لمصادمته نصاً شرعياً. ونخلص من هذا أن الفقهاء يعتبرون الشرط العرفي كالشرط الثابت شرعاً وكالمصرح به في العقد؛ بشرط عدم معارضته نصوص الشريعة وقواعدها الكلية، ومبادئها العامة، ثم هو مقيد أيضاً بأن يكون شرطاً متعارفاً؛ لأن المتعارف لا يعتبر إلا إذا كان شرطاً يقتضيه العقد، كاشتراطه جنس المبيع
(1) السدلان: القواعد الفقهية، ص 459.
غير
(2) أحمد بن عبد الغني بن عمر المشهور كأسلافه بابن عابدين: (1238 - 1307 هـ / 1823 - 1889 م): فقيه حنفي، ولد ومات في دمشق. تولى الإفتاء في بعض المدن الصغيرة ثم عين أميناً للفتوى مع السيد محمود حمزة مفتي دمشق. له نحو 20 كتاباً ورسالة، منها رسالة في «تبرئة الشيخ الأكبر مما نسب إليه من القول بالحلول والاتحاد» و «شرح العقيدة الإسلامية» للحمزاوي، وشرح قصة المولد لابن حجر المكي - خ».
(3) ابن عابدين الرسائل، 2/ 114 - 115. (3/537)
صفحة 1685
538
القواعد الفقهية عند الإباضية
لاستفاء الثمن أو شرطاً يلائم العقد، كاشتراط كفيل حاضر أو رهن معلوم، وهو غير ما نحن بصدده (1).
متى يكون الشرط العرفي معتبراً ويعمل به؟
الشرط العرفي عند من يعتد به من الفقهاء لا يكون إلا فيما للناس فيه تعامل، فلا يجوز فيما لم تجري عادات الناس التعامل فيه؛ لأن جوازه ـ مع أن القياس يأباه ـ ثبت بتعامل الناس، فيختص بما لهم فيه تعامل، وبناء عليه: فالأعراف والعادات التي تجري بين الناس في معاملاتهم تقوم مقام النطق بالألفاظ الدالة على الإذن في الشيء أو المنع منه، وتكون أيضاً قرينة تسوّغ للشاهد أن يشهد، والقاضي أن يقضي وللمفتي أن يفتي، وكل ذلك يقوم مقام اللفظ في التعبير عن المقصود).
ثانياً: معنى القاعدة: «المعروف بين التجار كالمشروط بينهم» هذه القاعدة في معنى سابقتيها لا تفترق عنهما إلا أن القاعدتين الأوليتين في مطلق العرف، وهذه خاصة بعرف التجار، وأرباب الصنائع والحرف؛ فهي داخلة تحتهما، ولكن ذكرها من قبيل ذكر الأخص بعد الأعم، اهتماماً بشأن المعاملات التجارية، فما يقع بين التجار من المعاملات التجارية، أو بين غيرهم من أرباب الصنائع والحرف من العقود والتصرفات التي هي من نوع التجارة ينصرف عند الإطلاق إلى العرف والعادة ما لم يوجد شرط مخالف، أو ثمة نص يعارضه أو يقيده، وهذه القاعدة لها سلطاناً حاكماً كالعرف العام،
(1) الزرقا أحمد: شرح القواعد الفقهية، ص 237 - 238. - السدلان: القواعد الفقهية، 451 - 452. البورنو الوجيز في إيضاح قواعد الفقه الكلية، ص 306. ـ شبير محمد
ص
عثمان: القواعد الكلية، ص
251
(2) عوض السيد صالح: أثر العرف في التشريع الإسلامي، المطبعة العالمية بمصر، 1979،
ص 126. (3/538)
صفحة 1686
الفصل الخامس: القاعدة الفقهية الكبرى الخامسة
539
لكنه يقتصر على متعارفيه دون سواهم. ويمكن أن تصاغ هذه القاعدة بصياغة أخرى دقيقة وهي: «المعروف بين أهل كل طائفة كالمشروط بينهم». وهذه القاعدة رغم أهميتها لم يرد ذكرها صراحة في المصنفات الفقهية الإباضية، ولكن كسابقتيها نجد لها فروعاً فقهية تخرجت عليها، تؤكد العمل بها في مجال التجارة والمعاملات المالية.
ثالثاً: الفروع التطبيقية للقواعد الثلاث المتقدمة:
1 ـ في البيوع:
في توابع المبيع المعروفة التي لم يصرح المشتري باشتراطها في العقد،
قد تعارف عليها الناس ويجري بها التعامل بينهم من ذلك: أ ـ ما ذكره ابن بركة في كتاب التعارف عن أبي معاوية عزان بن الصقر: أن الرجل يشتري من العطار الزعفران والأشياء التي تشترى إلى البيوت، فيأخذ المشتري ما يدفع إليه العطار مما وقع البيع عليه، ومما يدفعه إليه العطار من الخيوط والقراطيس، والشيء اليسير من الأشجار التي يصلح بها الأدهان، وهو زائد عما اشتراه أي) لم يطلبه من البائع، ولا يسأل العطار عن ذلك، ولا يستحله من شيء منه، ولا يردّه عليه لعلمه بأن ذلك يطيب قلب صاحبه ما لم ينكره قلبه أن صاحبه غلط على نفسه فدفعه من غير علم؛ لأن المعروف عرفاً كالمشروط شرطاً).
ب - وكذلك ما يشتريه من صاحب الكتان فيدفع إليه ما باعه، ثم يسده بدون كتان من عنده، أو يدفعها إليه، ولا يقول له فيها، فيعلم المشتري أنه ينزع
إليه بها ويدفعه إليه» (2).
(1) ابن بركة كتاب التعارف، ص 19. (2) ابن بركة: المرجع نفسه، ص 19 - 20. (3/539)
صفحة 1687
القواعد الفقهية عند الإباضية
ج ـ وكذلك ما يشتريه الإنسان من الأرز والأشياء التي تشد بالخيوط والحبال، وتحمل في النواسم والأغلال كل ذلك جائز أخذه، كحبل الدابة إذا بيعت كالخطام، وإزار العبد، وما جرى هذا المجرى لم يرجع صاحبه يطلبه، ولو كثر عن هذا المقدار لم يجز لعلم المشتري؛ لأن نفس البائع لا تطيب بذلك قلبه» (1)، وكل هذه الأمور تدخل تحت قاعدة: المعروف عرفاً كالمشروط شرطاً». 2 - بيع الثمار في قشورها
اعتاد التجار أن يبيعوا بعض الثمار في قشورها كالفول السوداني والفاصوليا والرمان، فلا يكلفوا أنفسهم تقشيرها لما فيه من مشقة وعنت، وقد تعارف الناس على ذلك ولو كان فيه نوعاً من الغبن؛ لأن فيه جهالة، ولكنه يسير يتسامح فيه عادة، فمثلاً: لو أراد المشتري أن يطمئن من سلامة تلك الثمار، فعليه أن يفتح حبة من اللوز أو الرمان أمام البائع ليتأكد من سلامتها، فإن خرج من المحل ثم فتحها في داره ووجد فيها فساداً فلا يجوز له ردها؛ لأن البائع لا يعرف ما بداخلها، عملاً بالقاعدة الفقهية المعروف عرفاً كالمشروط شرطاً»، والمعروف بين التجار كالمشروط بينهم».
جاء في جامع ابن جعفر ما نصه: وقيل إنه مما يجوز بيعه وهو مجهول؛ لأنه غائب مثل الجوز واللوز والرمان والنارجيل وما يكون على نحو هذا، فإذا ذهب به المشتري ثم كسره فوجده فاسداً، فليس له رده بعد أن يفترقا؛ لأنه مما يحدث فيه الفساد في يد المشتري، وإذا كسره من حينه من قبل أن يفترقا فوجده فاسداً، فهو مردود على البائع ... (2).
قال المحقق معلقاً على كلام ابن جعفر: بيع اللوز والرمان والنارجيل، فذلك جائز ولا يعتبر من بيوع الغرر، لخفاء ما بداخل الحبة، فالعرف عمل
(1) ابن بركة: المرجع
نفسه، ص
(2) ابن جعفر: الجامع 273/ 5.
20 (3/540)
صفحة 1688
الفصل الخامس: القاعدة الفقهية الكبرى الخامسة
541
بهذا البيع، والعرف شرع ما لم يتعارض مع الشرع، وهذه البيوع تعارف عليها القوم، والقاعدة الفقهية تقول: المعروف بين التجار كالمشروط بينهم المعروف عرفاً كالمشروط شرطاً).
وفي السياق نفسه أجاز بعض الفقهاء بيع التمر مختلطاً ببعض الحشف (2)، وذلك حسب تعارف الناس، ولا يجوز رده عملاً بالقاعدة: المعروف عرفاً كالمشروط شرطاً؛ لأن في فرزه بالحبة مشقة وعسر قد لا يتمكن كل التجار من فعل ذلك فتجاوزوا فيها ولأنه من الغبن اليسير المرخص فيه.
وذهب بعض الفقهاء إلى أن ذلك من العيوب التي يرد بها المبيع ولو كان قليلاً؛ لأنه في الأصل اشترى تمراً خالصاً غير مخلوط، ولذلك أجازوا له رده إن وجد فيه حشفاً.
جاء في جامع ابن جعفر: وعن رجل اشترى من رجل تمراً فوجد فيه شيئاً من الحشف، فليس له رده إلا أن يكون ذلك خارجاً من التعارف بكثرة الفساد، ثم له رده». قال أبو سعيد الكدمي مؤكداً هذا المعنى: «معي إنه قيل أن له رده ولو بحشفة واحدة؛ لأن قليل العيب وكثيره سواء في معنى العيب، ولا يبين لي غير هذا في قول أصحابنا، وأما في قول قومنا فيما عندي فإنه يخرج نحو ما ذكر، ويعجبني ذلك في معنى التعارف لا في معنى الحكم». وقال أبو علي الحسن بن أحمد يبدله بالحشف، والبيع ثابت (3).
(1) الفضيلات محمود جبر، محقق كتاب الجامع لابن جعفر، الهامش، 274/ 5. (2) الحشف: التمر وهو الذي يجف بغير نضج ولا إدراك، فلا يكون له لحم، والواحدة حشفة، وحشفت النخلة أي يبست ينظر: هامش الجامع لابن جعفر للمحقق جبر
الفضيلات، 55/ 5
(3) ابن جعفر: الجامع، 5/ 55 - 56. (3/541)
صفحة 1689
542
الحاصل:
القواعد الفقهية عند الإباضية
إن للفقهاء في هذه المسألة ثلاثة أقوال:
- القول الأول لجمهور الإباضية: أن قليل العيب وكثيره سواء، يردّ به المبيع ويؤدي إلى فسخ البيع، مثل: إذا اشترى تمراً فوجد فيه حشفاً قليلاً أو كثيراً، فالمشتري بالخيار في رد المبيع أو إتمامه.
ـ القول الثاني لغير الإباضية: يقولون بجواز قليل العيب دون الكثير إذا تعارفه الناس وجرى به العمل عندهم فلا يرد به المبيع، مثل: قليل الحشف التمر يتسامح فيه عرفاً، واختار أبو سعيد الكدمي من الإباضية هذا القول عملًا بالقاعدة: «المعروف عرفاً كالمشروط شرطاً».
مع
القول الثالث: إذا وجد عيباً في المبيع، فيجوز للمشتري أن يطالب البائع باستبدال البضاعة الفاسدة بغيرها، ويبقى البيع ثابت، مثل: أن يرد الحشف إلى البائع ويستبدله بالتمر دون فسخ العقد.
- القول المختار:
وبالنظر في هذه الأقوال نجد القول الثاني هو ما تميل إليه النفس ويترجح عندنا، لما فيه من اليسر ورفع الحرج والتسامح، وفيه مراعاة لأعراف الناس وعاداتهم؛ لأن التسامح في العيب والغبن اليسير يساعد في تسهيل المعاملات التجارية بين الناس، ويخفف من النزاعات والخصومات بينهم.
- أجرة السمسار أو الدلال
اعتاد الناس أن يستعينوا بالسمسار (1) والدلال ليقوما بدور الوساطة بين البائع والمشتري لتسهيل بيوعهم، فقد يتعذر عليهم مباشرة ذلك بأنفسهم،
(1) السمسار: بسينين مهملتين، وهو في الأصل القيم بالأمر والحافظ، ثم اشتهر في متولي البيع والشراء لغيره بالأجرة، أما بغير أجرة فجعله البخاري من باب النصيحة والمعاونة، فأجازه العلماء. ينظر: الصنعاني، سبل السلام، 818/ 3. (3/542)
صفحة 1690
الفصل الخامس: القاعدة الفقهية الكبرى الخامسة
543
ويأخذون مقابل خدماتهم أجرة معينة يحددونها بأنفسهم، وقد يترك ذلك إلى ما تعارف عليه الناس. ذكر بعض فقهاء الإباضية أنه كان معروفاً عن الدلال أو السمسار أو النخاس (1) لا يعمل إلا بأجر، فيأمره أحد من الناس ببيع شيء له ولم يكن بينهما ذكر للأجر، والأمر يعلم أن هذا لا يعمل إلا بأجر، فالحكم أن الدلال أو السمسار له أجرة بقدر المثل ولو لم يشترطاه، ولا يعدُّ ذلك العمل تبرعاً منه؛ لأن العرف جرى على أن هؤلاء لا يعملون إلا بأجر، و «المعروف عرفاً كالمشروط شرطاً (2).
جاء في جامع ابن جعفر ما يؤكد أن السمسار لا يعمل إلا بأجرة سواء حددها أو تركها للعرف فقد سئل عن بيع السمسار يشتري (له) المتاع ويشترط في كل ألف كذا وكذا قال: كره الفقهاء ذلك، إلا أن يشترط أجرة يوماً أو شهراً، أو يشتري له بغير شرط ثم يكافئه أو يرضيه من قليل أو كثير» (3).
4 ـ في المضاربة:
تعتمد المضاربة على تقديم صاحب المال رأس ماله إلى صاحب العمل ليتاجر فيه ويقتسمان بينهما الربح، وقد يشترط صاحب المال أن لا يسافر المضارب بماله من بلده، أو لا يتاجر إلا في تجارة معينة، وقد يترك له حرية التصرف في المال بما يحقق المصلحة، فإذا علم أن المضارب من عادته التحرك بالمال والانتقال به عبر البلدان لجلب السلع المفقودة، وأقره على ذلك، فلا يجوز له أن يمنعه بعد ذلك، خاصة إذا كان يتاجر في سلعة لا يجدها في بلده، كأنواع من الأسماك والثياب ومواد البناء والأثاث، وهذا
(1) النخاس: من يبيع العبيد والإماء والدواب في سوق النخاسين. (2) الخليلي (المحقق كتاب تمهيد قواعد الإيمان، 205/ 8. (3) ابن جعفر: الجامع، 103/ 5. (3/543)
صفحة 1691
544
القواعد الفقهية عند الإباضية
عملاً بالقاعدة: «المعروف عرفاً كالمشروط شرطاً»، وهذه المسألة لم تكن محل اتفاق بين الفقهاء. نقل ابن بركة الخلاف في المسألة فقال: «واختلف أصحابنا في الخروج بالمضاربة إلى بلدان يقع فيها البحر من مضرة، فأجاز ذلك بعضهم له ما لم يكن عليه شرط يمنعه، وقال آخر: ليس له الخروج إلى البحر إلا بأمر رب المال، والنظر يوجب عندي أن المضارب والمضاربة المقصودة بذلك المال يراعى الحال فيهما، فإن كان المضارب معروفاً بالمضاربات إلى أماكن معروفة، وجرت العادة منه في التجارة في بر وبحر، فهو على عادته، وكذلك إذا أراد بهذا المال تجارة لا تعرف بالمصدر الذي هو فيه، كان له الخروج إلى حيث تكون تلك التجارة وبذلك المال ما لم يمنعه شرط، وليس للمضارب أن يستعمل بالمال الزراعات، وغرس الأشجار والنخيل، وشراء العقارات؛ لأن ذلك لا يعرف كله في متاجر الناس، ولا يسمون به تجاراً، وقد أجاز بعض أصحابنا (الإباضية) ذلك ولم يروه متعدياً إذا رأى الصلاح في ذلك لنفسه ولرب المال (1).
مجمل القول:
ولعل ما ذهب إليه ابن بركة ومن معه من الفقهاء هو الرأي المناسب عندنا، إذا كانت المضاربة مطلقة غير مقيدة بشروط معينة، كعدم السفر بالمال عبر البحار، أو حصر التجارة في مجالات معينة، بشرط أن يتاجر فيما تعارف عليه الناس، ولا يخالف به الشرع، كبيع بعض المحرمات، أو استثمار المال في الزراعة أو الصناعة؛ لأن التجارة المعروفة عند الإباضية وغيرهم تقوم على أساس البيع والشراء، وهي مبادلة السلع والبضائع بالمثل أو بالقيمة، عملاً بالقاعدة المشهورة المعروف بين التجار كالمشروط بينهم».
(1) ابن بركة: الجامع، 369/ 2 - 370. (3/544)
صفحة 1692
الفصل الخامس: القاعدة الفقهية الكبرى الخامسة
ه -. في الوكالة: أ ـ في الوكالة المطلقة:
6
يرى الإباضية أن المؤكل إذا أطلق الوكالة لوكيله في ماله، فإن للوكيل أن يأتي في مال موكله كل ما يجوز له إتيانه في مال نفسه شر شرعاً من بيع وشراء وهبة وغير ذلك؛ لأن المطلق يجري على إطلاقه ما لم يقيد بنص»، هذا هو الأصل، لكنهم قالوا في أكثر قولهم: إن الوكالة العامة تقتصر على القبض والحفظ وما يخرج من هذا على معنى الصلاح في الأموال والغلال، وتتناول بيع الأصول والإتلاف والتزويج في العبيد، وما كان مثله كطلاق وعتق إلا أن يحده الموكل ويُفوّضه إلى وكيله، فإذا فعل الوكيل شيئاً من هذا بطل، ولو كانت الوكالة مطلقة لا ذكر فيها لحجره عن مباشرة مثل هذا؛ لأن العرف جرى بذلك، و «المعروف عرفاً كالمشروط شرطاً» (1).
6
ب ـ وفي وكيل الأوقاف:
ذكر بعض فقهاء الإباضية أنه إذا لم يُجعل للوكيل على قبضه للأوقاف وريعها أجراً معيناً فله العُشر على أكثر القول لا أجر المثل؛ لأنهم تعارفوا على صرف العشر له، وبهذا جاءت آثارهم، و «المعروف عرفاً كالمشروط شرطاً».
جاء في العقد الثمين ما يشير إلى هذا المعنى فقد سئل السالمي: «هل يفرض للوكيل العشر أو الثَّمن؟ ويفرض له العامة أم الثقاة إن لم نجد الثقاة، فالعامة يجزيه أم لا؟». فأجاب: إن قدر على فعل المعروف فلا يتركه، فإن جعل له الثقاة
(1) الخليلي سعيد: التمهيد، 243/ 7. (3/545)
صفحة 1693
القواعد الفقهية عند الإباضية
أجرة من مال المسجد فله أن يأخذها، وإن عدم الثقاة فجماعة
المسجد (1).
تلك
هي أهم أحكام القواعد الثلاث التي تعبّر عن سلطان العرف العملي، وبناء الأحكام عليه والمنبثقة عن القاعدة الكلية الكبرى «العادة
محكمة».
(1) السالمي: العقد الثمين، 256/ 4 - 257. (3/546)
صفحة 1694
المطلب الثالث
القواعد الفقهية المعبّرة عن تأثير العرف القولي في الأحكام
1 - قاعدة: «الحقيقة تترك بدلالة العادة».
2 - قاعدة: «الكتاب كالخطاب».
- قاعدة: «الإشارة المعهودة من الأخرس كالبيان باللسان».
هذه القواعد الثلاث تتفرع عن القاعدة الكلية: «العادة محكمة» وتتعلق باعتبار العرف اللفظي وسلطانه على الأحكام، وما يقوم مقامه عرفاً في التعبير، کالكتابة والإشارة، فلا ريب أن المعاني التي في النفس لا تنضبط إلا بالألفاظ التي قد جعلت لإبانة ما في القلب، وإظهار ما يجيش في الصدر، فاللسان خلق معبراً عن الجنان والعبارات هي الأصل في الدلالة على الأشياء، وهي
العماد الأول في التعبير عن التصرفات وإنشاء العقود والالتزامات). وكل متكلم يُحمل كلامه على لغته، وعرفه ويترتب على ذلك إلزامه في عقوده وإقراره وحلفه، وطلاقه وسائر تصرفاته القولية من حقوق وواجبات، ولا يضر أن تكون أية لغة من لغات الناس ما دامت معبرة عن الإرادة، كما لا يضر أن يعبّر في كل مكان عُرفه الخاص من التخاطب حتى ولو كان باللغة العامية؛ إذ يحمل كلام الناس فيها على معناه المتعارف بينهم، وقد يقوم مقام اللفظ مظاهر خارجية أخرى للتعبير عن الإرادة كالرسالة والكتابة، والإشارة الأخرس، والسكوت، وغير ذلك مما يدل على الرضا (2).
من
(1) ابن تيمية: مجموع الفتاوى، ج 6/ 29. ـ أبو زهرة الملكية ونظرية العقد في الشريعة الإسلامية، ص 234 - 237. بتصرف.
(2) الزرقا: المدخل الفقهي العام 852/ 2. - السنهوري: مصادر الحق في الفقه الإسلامي، 99/ 1. (3/547)
صفحة 1695
548
القواعد الفقهية عند الإباضية
بدليل من
أدلة
نعم قد تقوم الكتابة في مقام العبارة عند الحاجة، وتقوم الإشارة مقام العبارة عند العجز عنها، يقول ابن قيم الجوزية: «فمن عرف مراد المتكلم الأدلة وجب اتباع مراده، والألفاظ لم تقصد لذواتها وإنما هي يستدل بها على مراده، فإذا ظهر مراده ووضح أي طريق كان عمل بمقتضاه، سواء كان بإشارة أو كتابة أو إيماء أو دلالة عقلية أو قرينة حالية أو عادة له مطردة لا يخل بها» (1).
فلئن كان حقيقة الوضع اللغوي هي الأصل للدلالة على المعاني، ولكن إن تعذرت يصار إلى عادة الناس، وعرفهم، ولئن كان النطق باللسان هو الأصل في التعبير عن الإرادة والرضا، فقد يقوم مقامه ما يدل على الرضا ويعبر عنه تعبيراً كافياً.
وعلى هذا قرر الفقهاء أن يقوم مقام النطق باللسان: الرسالة والكتابة والإشارة، أو أي موقف يدل على الرضا، وصاغوا لذلك قواعد عدة منها: «الحقيقة تترك بدلالة العادة»، و «الكتاب كالخطاب» و «الإشارة المعهودة للأخرس كالبيان باللسان»، وسوف نتحدث فيما يأتي عن هذه القواعد على حدة، مبيناً أحكامها ودورها في مجال التعبير عن الإرادة، ومدى تعويل الأنظار الفقهية وسيلة للتعبير.
الفرع الأول: قاعدة الحقيقة تترك بدلالة العادة»
هذه القاعدة تتعلق بالعرف القولي وتدخل تحت مسألة تعارض اللغة مع العرف، حيث إن كل متكلم إنما يحمل لفظه على عرفه، وإن كان مخالفاً للمعنى اللغوي.
(1) ابن قيم الجوزية: إعلام الموقعين عن رب العالمين، 218/ 1. (3/548)
صفحة 1696
الفصل الخامس: القاعدة الفقهية الكبرى الخامسة
549
1 - معنى القاعدة:
الحقيقة في اللغة من حق الشيء إذا ثبت سميت بها الكلمة المستعملة فيما وضعت له لثبوتها في موضعها، فهي فعيلة بمعنى فاعل على سبيل التجوّز في إسناد الحقيقة إليها (1).
والحقيقة في الاصطلاح هي اللفظ المستعمل فيما وضع له لغة أو عرفاً أو شرعاً). أو هو كل لفظ استعمل فيما وضع له (3). أو هو ما أريد به ما وضع له (؟)؛ أي تعين له بحيث يدل عليه بغير قرينة، سواء كان التعيين من جهة واضع اللغة، فيكون حقيقة لغوية، أم غيره فيكون حقيقة عرفية أم شرعية). فخرج بالمستعمل اللفظ قبل الاستعمال، فإنه لا يسمى حقيقة ولا مجازاً، وخرج بالمستعمل فيما وضع له المجاز، فإنه مستعمل في غير ما وضع له لعلاقة بقرينة).
2 - أنواع الحقيقة:
الحقيقة إما لغوية وإما عرفية وإما شرعية.
أ ـ الحقيقة اللغوية هي اللفظ المستعمل في أصل ما وضعته له العرب، كلفظ الأسد للحيوان المفترس، ولفظ الإنسان لابن آدم، والدابة لكل ما يدب على الأرض، والحجر للجماد المعروف).
(1) السالمي: طلعة الشمس، 1931. (2) السالمي: المصدر نفسه، 194/ 1.
(3) الوارجلاني: العدل والإنصاف في أصول الخلاف، 39/ 1. سعيد بن على الخيري الجربي (ت: 927 هـ / 1521 م) من جوابات الشيخ عمي سعيد، تحقيق: محمد صالح بوكراع، ط 1،
1427 هـ / 2007 م، ص 13.
(4) الملشوطي: الأدلة، ظ، نقلاً عن كتاب منهج الاجتهاد عند الإباضية، باجو، ص 399. (5) البورنو: الوجيز، ص 299.
(6) السالمي: طلعة الشمس، 194/ 1.
(7) سعيد الجربي: الجوابات، ص 13. خلفان بن جميل السيابي (1392 هـ/ 1972 م): کتاب فصول الأصول، دراسة وتحقيق سليم بن سالم بن سعيد آل ثاني، مطابع مؤسسة عُمان
للصحافة والأنباء والنشر والإعلان، ط 2/ 1426 هـ / 2005 م. ص 187. (3/549)
صفحة 1697
550
القواعد الفقهية عند الإباضية
ب - والحقيقة العرفية هي اللفظ الذي غلب استعماله في غير مسماه اللغوي، وهي عامة، وذلك كأن يستعمل أهل العربية شيئاً من الألفاظ في غير ما وضع له لغة، ثم يغلب استعماله عليه حتى يكون هو المتبادل عند الإطلاق، كلفظ الدابة فإنها في أصل الوضع لكل ما يدب على الأرض، كما في قوله تعالى: {وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا» (هود: 6)، ثم غلب عليها استعمال العامة في ذوات الأربع، أو على الحمار خاصة، أو الفرس في بعض البلدان ... ولفظ الغائط فإنه في الأصل للمكان المنخفض ثم نقله العرف إلى زبل مخصوص وكالحائض فإنه في الأصل لكل فائض يقال حاض الوادي إذا فاض، ثم نقل إلى فيض الدم المخصوص وقد يكون العرف خاصاً بقوم دون، آخرين فيسمى اصطلاحاً عرفاً خاصاً، وهو ما تواضع عليه طائفة من الناس كاصطلاح لهم، كلفظ الفعل والفاعل والمفعول عند النحاة، والجوهر والعَرَض عند المناطقة (1).
في
ج - الحقيقة الشرعية: هي لفظ استعمله الشارع في معنى خاص وغلب عليه، سواء كان له معنى في أصل الوضع فنقله عنه إلى معنى ثان، أو لم يكن له معنى الأصل، وذلك كالوضوء فإنه في أصل وضعه إنما هو للنظافة مطلقاً، ثم استعمله الشارع في غسل الأعضاء المخصوصة على الوجه المخصوص، وكالصلاة فإنها في أصل وضعها للدعاء، ثم استعملها الشارع في العبادة المشتملة على الأذكار والأفعال على الوجه المخصوص، وكذلك الزكاة والصيام والحج وغيرها، فاستعمال اللفظ في هذه المعاني الدينية يسمى حقيقة شرعية، وإن كان لها معنى آخر في أصل الوضع، والشرع طارئ على اللغة، فغلبت الشريعة اللسان، ووجب العدول إلى معاني تلك الألفاظ كما حددها الشرع (2).
(1) الزرقا مصطفى: المدخل الفقهي، 123/ 2. (2) السالمي: طلعة الشمس، 194/ 1 - 195. الوارجلاني: جواب الأبدلاني، ص 218 نقلاً عن باجو، منهج الاجتهاد عند الإباضية. ـ باجو: أبو يعقوب الوارجلاني وفكره الأصولي مقارنة (3/550)
صفحة 1698
الفصل الخامس: القاعدة الفقهية الكبرى الخامسة
551
د ـ الحقيقة الدينية وأضاف بعض الفقهاء هذه الحقيقة، ونقل السالمي رأيهم فقال: «وزاد قوم الحقيقة الدينية، كالفاسق فإنه عندنا اسم لمرتكب الكبيرة مطلقاً، وعند المعتزلة لمرتكب كبيرة غير الشرك، فهو حقيقة عند كل واحدة من الطائفتين في المعنى الذي جعلوه له، وكذلك المؤمن فإنه حقيقة عندنا وعند المعتزلة، فمن أوفى بالواجبات عليه ديناً وهكذا ... ». ولكن السالمي بعد التحقيق اعتبر أن هذه الحقيقة داخلة ضمن الحقيقة العرفية ما دامت تعتمد على ألفاظ اصطلح عليها أهل العقيدة لتدل على معان خاصة غير مرادها في أصل الوضع فقال: «وعند التحقيق يرجع هذا القسم إلى الحقيقة العرفية فإنه نوع منها» (1).
ـ المعنى الإجمالي للقاعدة:
إن دلالة اللفظ الحقيقية تُترك ولا تعتبر إذا دل العرف والعادة على استعمال هذه اللفظة استعمالاً مغايراً لمعناها الحقيقي، ويبنى الحكم على المعنى الذي دل عليه العرف والعادة (2).
فإذا تعارضت الحقيقة العرفية مع الحقيقة اللغوية فالمقدم منها الحقيقة العرفية، وذلك لما كان الأصل في الكلام الحقيقة كان الواجب استعمال كل لفظ في معناه الحقيقي، ولكن قد يهجر المعنى الحقيقي عرفاً أو عادة فيكون ذلك متعذراً أو كالمتعذر، وبيان ذلك أنه إذا كان للمصطلح معنيان، أحدهما حقيقي والآخر عرفي، فإن المعنى الحقيقي يترك، ويحمل المصطلح على المعنى العرفي عند المتعاقدين، فاليوم في عرف إجارة العمال
الحكم في
بأبي حامد الغزالي، ط 1 1415 هـ / 1995 م، نشر وزارة التراث القومي والثقافة، سلطنة عُمان، 331. - البورنو الوجيز، ص 300. (1) السالمي: طلعة الشمس، 196/ 1. (2) البورنو: المرجع نفسه. (3/551)
صفحة 1699
552
القواعد الفقهية عند الإباضية
ثماني ساعات أو سبع، ومعناه الحقيقي أكثر من ذلك فيرجع إلى المعنى
العرفي ويترك المعنى الحقيقي
(1)
فتعتبر العادة هنا بمعنى القرينة الدالة على العمل بالمعنى المجازي، وتُرك المعنى الحقيقي كما قال السالمي: «إن شرط المجاز قرينة تصرف اللفظ عن معناه الحقيقي إلى المعنى المجازي ... ؛ لأنه لو لم تكن القرينة هادية إلى معناه المراد به لما صرف عن أصله الذي وضع له). وهي:
أ - إما قرينة عقلية كما في قوله تعالى: {وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُم بِصَوْتِكَ (الإسراء: 64). فإن العقل يمنع من حمل هذا الأمر على حقيقته، ويصرف إلى بيان الأقدار له والتهديد، فإن الحكيم تعالى لا يأمر بالفساد. ب - وإما قرينة حسية نسبة لها إلى الحس وهي إما لفظية نحو: رأيت الأسد يرمي، فإن الرمي قرينة لفظية صارفة للفظ الأسد عن معناه الحقيقي؛ لأن الرمي لا يصدر من الحيوان المخصوص الذي وضع له اسم غير لفظية، نحو لا آكل من هذه النخلة، فإن الحس الذي هو اللمس يمنع من أكل أصل النخلة ويصرف هذا اللفظ إلى تمرها.
الأسد، وإما
ج ـ وإما قرينة عادية ومثل له بعضهم بيمين، الفور، وهي ما إذا حلف رجل على امرأته وقد أرادت الخروج، فقال: إن خرجت فأنت طالق، قالوا: إن هذا اليمين يحمل على الفور لاقتضاء العادة ذلك، فلا تطلق إن خرجت بعد ذلك الوقت عنده. د - وإما قرينة حالية وهي أن يكون حال المتكلم مقتضياً لصرف اللفظ عن حقيقته إلى مجازه، كما في قول المسلم أشابني الدهر وغيرهم صروف الأيام، ونحو ذلك، فإن حال المسلم يقضي بصرف هذا اللفظ عن حقيقته إذ يوجب أن فاعل ذلك هو الله تعالى (3).
اعتقاده
(1) السالمي:: الطلعة، 1/ 195. - البورنو الوجيز، ص 300. - شبير: القواعد الكلية، ص (2) السالمي: المرجع نفسه، 199/ 1، 204.
353
(3) السالمي: الطلعة، 204/ 1 - 205. (3/552)
صفحة 1700
الفصل الخامس: القاعدة الفقهية الكبرى الخامسة
553
والظاهر أن ما ذهب إليه السالمي من اشتراط القرينة لصرف المعنى الأصلي عن اللفظ إلى المعنى المجازي، هو ما عليه علماء الأصول، فقد ذكر التفتازاني في شرح التوضيح ما نصه: «لا بد للمجاز من قرينة تمنع إرادة الحقيقة عقلاً أو حِسّاً أو عادة أو شرعاً» (1).
ويقول ابن عابدين في توضيح هذا المعنى التحقيق أن لفظ الواقف والموصى والحالف، والناذر وكل عاقد يحمل على عادته في خطابه ولغته التي يتكلم بها وافقت لغة العرب ولغة الشارع أو لا» (2).
الحاصل:
إذا كان المعنى الحقيقي غير مستعمل لتعذره أو لكونه أصبح مهجوراً شرعاً أو عادة، كما لو حلف شخص أن لا يأكل من هذه الشجرة، وكان الأكل من نفس الشجرة متعذراً، فإنه يصار إلى المعنى المجازي، فيحمل على ثمار الشجرة، فإن أكل ثمارها حنث في يمينه، وإلا فلا، ولو أكل من نفس الشجرة أو من أوراقها، هذا إن كانت الشجرة مستثمرة، أما إذا كانت غير مثمرة فيحمل الأكل على الانتفاع بثمنها. أما إذا كان المعنى الحقيقي مستعملاً بصورة أكثر من المجازي أو مساوية، فإنه يصار إلى المعنى الحقيقي باتفاق). ذكر السالمي في معرض حديثه عن المطلق إذا قال لزوجته: يوم تكلمين فلاناً فأنت طالق هل يعمل بظاهر اللفظ، وهذا اليوم أو يرجح مدلوله في
العرف وهو الساعة؟
(1) التفتازاني سعد، شرح التوضيح، 92/ 1. (2) ابن عابدين رسالة نشر العرف، 133/ 2.
(3) السالمي: الطلعة، 204/ 1 - 205. - البورنو الوجيز «. - شبير عثمان: القواعد
الكلية، ص 254. (3/553)
صفحة 1701
القواعد الفقهية عند الإباضية
فقال: «أن يحمل اليوم على الساعة أخذاً بالعرف المتبادر في أدهان العامة، ومن قواعدهم إذ اختلف العرف واللغة في لفظة خرج فيها الخلاف، فمنهم من يعتبر اللغة ومنهم من يعتبر العرف فكان الواجب أن يكون هذا الخلاف خارجاً ها هنا، إذ لا بد منه، واعتبار العرف عندي أرجح إذ لكل قوم ما اصطلحوا عليه، وإن اللغات تختلف، ويحكم على كل فريق بما يقتضيه لسانهم من إقرار ووصية وعطية وتزويج وتطليق وبيع وشراء، وغير ذلك من المعاني التي لم يشترط فيها القرينة، فكذلك العرف إذ لم يتبادر في الأذهان غيره، وإن كانت العلماء توجهه إلى وجوه، فإن العوام لا يحضرهم ذلك، والمحكوم عليه كلام العامة لا توجيه العلماء» (1).
4 - تطبيقات القاعدة:
أ ـ في اليمين والحلف:
ذكر فقهاء الإباضية أمثلة كثيرة لهذه القاعدة في باب اليمين والحلف، وحكموا العرف في حكمها، فإذا أطلق اليمين على شيء ولا يمكن جريانه حقيقة، فإنه يصرف إلى المعنى العرفي، فإن فعل ذلك حنث، وعليه كفارة،
ومن ذلك:
1 - من حلف لا يأكل اللحم وأكل الشحم حنث؛ لأنه جزء منه، قال أبو عبد الله محمد بن محبوب أخبرنا أبو صفرة (3) عن والدي رحم الله أنه قال:
(1) السالمي: العقد الثمين، 179/ 3 - 180. (2) عبدالملك بن صفرة، أبو صفرة (ت: أوائل ق 3 هـ)، عالم فقيه، وحافظ ثقة من علماء الإباضية بالعراق، عاش في أواخر القرن الثاني وأوائل القرن الثالث. أخذ العلم عن الربيع بن حبيب وله روايات كثيرة عنه، كما كانت له روايات وأخبار عن محبوب بن الرحيل. عاصر الإمام محمد بن محبوب وكانت بينهما أجوبة ومراسلات كثيرة. ولعله انتقل إلى عُمان في آخر حياته. من آثاره: روايات أبي صفرة عن الهيثم عن الربيع بن. عن ضمام عن جابر، وروايات وآراء منثورة في كتب الفقه والسير. (3/554)
صفحة 1702
الفصل الخامس: القاعدة الفقهية الكبرى الخامسة
555
وحلف لا يأكل من لحم هذه الشاة، فأكل من شحمها، فإنه يحنث؛ لأن الشحم إنما يخرج من اللحم. 2 - وإن حلف لا يأكل من شحمها، فيأكل من لحمها؛ لأن اللحم لا يجيء من الشحم، وقال بعض الفقهاء: من حلف لا يأكل اللحم أكل من الشحم، ومن حلف لا يأكل الشحم أكل اللحم؛ لأن لكل واحد منها اسماً معروفاً ينفرد به، وكذلك ما كان مثل هذا).
3 ـ ومن حلف لا يأكل اللحم أكل الطري من السمك؛ لأن الذي عند العامة أن اللحم هو لحم الأنعام، أما لحم الطير ولحم السلحفاة والسمك فلا يتبادر للناس إلا أن يعقد إليه بعينه في يمينه).
4 ـ وعنه أيضاً فيمن حلف على زوجته إن لم يطأها على وتد، فيطؤها على جبل، فلا حنث عليه؛ لأن الله تعالى: قال وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا} (النبأ: 7). إلا أن يكون للحالف نية.
الله
وإن حلف إن لم يطأها على بساط فوطئها على الأرض ولم يطأها على بساط، فقيل: إنه يحنث؛ لأن البسط معروفة مع العامة، وهي ما يمكن أن يطأ زوجته عليها، والوتد والأوتاد لا يمكن أحد أن يطأ زوجته على شيء منها، وقد سمى الجبال أوتاداً، ولا يحنث إن وطئ على واحد منها، وكذلك قال تعالى: {وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِسَاطًا (نوح): 19). إلا أن المعنى يختلف لما أعلمتك في هذا (3).
ب ـ من نواقض الوضوء ذكر العورة بأقبح أسمائها: يرى فقهاء الإباضية أن تقبيح الأشياء قد يخضع لعرف الناس وعادتهم، إذا لم ينص عليها الشارع، ومن ذلك أن بعضهم اعتبر ذكر العورات بأقبح أسمائها،
(1) ابن جعفر: الجامع 459/ 3 - 460، 463.
(2) ابن جعفر نفسه، 458/ 3.
(3) ابن جعفر المصدر السابق، 461/ 3. (3/555)
صفحة 1703
القواعد الفقهية عند الإباضية
أو شتم
أحد بها من نواقض الوضوء. قال السالمي في هذا المعنى مجيباً على سؤال: «وذكر الفرج والعورة بأقبح أسمائها، وشتم أحد بها، قال: والقبح بحسب عرف أهل كل موضع، فقد يقبح اسم عند قوم دون آخرين، فلا نقض إلا لمن نطق به ممن لا قبح عندهم فيه. وقيل: لا نقض إلا إن شتم بها أحداً). ج - في تحريم الربا:
اختلف الفقهاء في تحريم الربا في الطعام، هل يراد به أصنافاً خاصة، أم
كل ما يطلق عليه الطعام يحرم فيه الربا؟
ـ فذهب الجمهور إلى أن العرف والعادة لا يخصص اللفظ العام، وعليه فإذا ورد من الشارع ما يدل على تحريم الربا في الطعام فإن النص يشمل على كل ما هو مطعوم يعتمد عليه الناس في معيشتهم، ولا يقتصر على أصناف معينة من الطعام، كالقمح والشعير والأرز والذرة والتمر.
فقط.
وذهب بعضهم إلى أن العادة والعرف تخصص عموم النص، فالطعام يراد به ما اعتاده كل قوم في أكلهم، كالقمح أو الأرز مثلاً دون غيرها من الحبوب؛ لأنه غالب طعامهم، وعليه فإذا أطلق الطعام مثلاً، يراد به القمح خاصة، حسب ما اعتاده الناس في معيشتهم، ولذلك لا يجوز الربا في القمح وقد تعرض السالمي إلى هذه المسألة وذكر فيها أقوال الفقهاء وحججهم في سياق حديثه عن التخصيص، هل يكون بالعرف والعادة عند ورود دليل عام؟ فقال: «كذلك العادة لا تخصص (العام)، وقال قوم إنها تخصص، أي إذا ورد الدليل الشرعي عاماً فلا يصح تخصيصه بعادة المخاطبين، مثاله: أن يقول الشارع حرمت الربا في الطعام، وكان عادة المخاطبين تناول البر مثلاً، فلا يكون ذلك العام محمولاً على البر خاصة، بل يكون شاملاً لكل ما يسمى طعاماً، فهذا مذهبنا (الإباضية) ومذهب الجمهور من المعتزلة والأشعرية ... ».
(1) السالمي: معارج الآمال، 244/ 2 - 245. (3/556)
صفحة 1704
الفصل الخامس: القاعدة الفقهية الكبرى الخامسة
557
وذهب الحنفية إلى أنه يصح التخصيص بذلك، فزعموا أن الربا في نحو المثال السابق إنما يحرم في البر خاصة؛ لأنه الذي تناوله لفظ الطعام لأجل عادتهم. - وأجيب بأنه إن صار لفظ الطعام حقيقة في البر فلا عموم حينئذ، وإن لم يصر حقيقة فيه وحده بل مع غيره، فلا يخصص باعتيادهم أكله، قالوا: لو قال لعبده اشتر لحماً والعادة تناول لحم والعادة تناول لحم الضأن لم يفهم سواه.
وأجيب بأن تلك الحالة قرينة في المطلق كلامنا إنما هو العموم ... ». وفي موضع آخر يؤكد السالمي أن العرف والعادة من مخصصات العموم إذا وجدت علاقة بين المعنى الحقيقي والمجاز العرفي، ومثل لذلك بمثال الدابة، فقال: «مجاز عرفي كإطلاق الدابة على كل ما يدب من ذوات الأربع وغيرها، فإن العرف خصص اسم الدابة بذوات الأربع، فإطلاقه عليها وعلى غيرها استعمال له في غير ما وضع له عرفاً، وهكذا في جميع ما نقله العرف إلى شيء مخصوص، ثم استعمل في ذلك الشيء لعلاقة ... (2).
»
د ـ الإبراء من الديون: إذا طلب المدين من الدائن إبراؤه من الدين الذي عليه، فأجابه بعبارة قد يفهم منها الموافقة، فإن كان من عادته استعمالها للدلالة على ذلك، سقط عنه الدين، وإن كانت هذه العبارة لا يستعملها عادة ولا يفهم منها الإبراء من الدين، فالدَّيْن باق في ذمته حتى يصرح له بالتنازل عنه، فالعرف والعادة الغالب عليه هو المحكم في مثل هذه الحالات، وهذا ما تشير إليه عبارة الكدمي. فقد سئل عن رجل قال لرجل: أنا في الحِلّ من مالك، فقال: إيه، هل يكون ذلك حلا؟
(1) السالمي: طلعة الشمس، 159/ 1 - 160.
(2) السالمي: المرجع نفسه، 210/ 1. (3/557)
صفحة 1705
558
القواعد الفقهية عند الإباضية
قال: «معي
أنه إذا استحله من شيء يثبت له فيه الحل أو استباحة من شيء، ثبتت له الإباحة بهذا الجواب خرج عندي على معنى ما يعرف من لفظ المجيب في تعارف الكلام منه، فإن كان يخرج على معنى الحكم، وتلك لغته، كان عندي على كل حال، لغته، وله تغيير ذلك، وإن كان لا يخرج على الأغلب لغته، وإنما هو على معنى الإيماء بذلك، ولم يفهم من معاني الكلام فهو يخرج عندي معنى الاطمئنانة لا في الحكم).
من
- - في الزواج والطلاق:
لكل قوم عبارات اصطلحوا عليها في معاملاتهم وعقودهم فإذا تعارف أهل بلد على ألفاظ معينة يستعملونها في الزواج والطلاق فلهم ذلك ما دامت تحمل معنى الزواج أو الطلاق، خاصة إذا كانوا أعاجم لا يفهمون اللغة العربية، لأن «العبرة في العقود للمقاصد والمعاني لا للألفاظ والمباني» ويتضح هذا من خلال الأمثلة التالية:
1 - سئل السالمي: «ما القول في تزويج الأعاجم وطلاقهم، فإنهم لا يعرفون العربية ولا يفهمونها، فلو قال قائل لأحدهم: زوجتك لما عرف معنى ذلك، وكذا لا يعرف معنى قول القائل لزوجته: أنت طالق وهم يتناكحون على ألفاظ معروفة عندهم، فهل هذا النكاح وهذا الطلاق منهم ثابت أم لا؟ فإن كان غير ثابتين، فهل يلزمهم أن يتعلموا ذلك بالعربية أم لا؟». قال السالمي: إن لكل قوم ما اصطلحوا عليه، وإذا انطبقت سُنّة هؤلاء الأعاجم على وضع بعض الكلمات للتزويج وعلى وضع بعضها للطلاق صح بذلك تزويجهم وطلاقهم؛ لأن المشروط في ذلك حصول الوضع، وقد حصل ها هنا، ولا يشترط في كون ذلك الوضع عربياً، وإلا لهلك أكثر الأمة، والقول بهلاكهم مناف لمقتضى الحنفية السهلة، ومخالف لسعة الدين
(1) الكدمي: الجامع المفيد، 2/ 215. (3/558)
صفحة 1706
الفصل الخامس: القاعدة الفقهية الكبرى الخامسة
559
الذي ما جعل الله علينا فيه من حرج، فلا يلزمهم تعلُّم ألفاظ ذلك باللفظ العربي، ولا يلزمنا على هذا القول بالطلاق لكل ما نوى به الطلاق؛ لأننا نمنع تزويج الأعاجم وطلاقهم بغير الألفاظ التي وضعوها لذلك، وإن نووا بها التزويج والطلاق فالحكم في عربيتنا وفي عجميتهم واحد، فلا تشكل عليك» (1). 2 ـ وسئل السالمي أيضاً: «أرأيت إذا كان طائفة من العرب قد انحازوا في جهة من الجهات، وقد اختصوا فيما بينهم بألفاظ دالة على النكاح دلالة حقيقية عندهم لا يفهمون منها إلا ثبوت العقد، فهل لهم أن يتناكحوا بهذه الألفاظ، ويكون حكمهم في ذلك حكم من ذكرت من الأعاجم أم لا؟ قال: نعم حكمهم واحد فيما عندي ولهم أن يتزوجوا بتلك الألفاظ لحصول الوضع فيها، ولا يلزم أن يكون الوضع عاماً بين جميع العرب» (2). وسئل أيضاً: «أرأيت إذا تركت العرب أصل لغتهم، وتعارفوا باصطلاح جديد فيما بينهم، وصاروا لا يفهمون مدلولات العربية أصلاً، هل لهم أن
يتناكحوا بالألفاظ الدالة على التزويج في اصطلاحهم الجديد أم لا؟.
قال: نعم لهم ذلك لحصول الوضع المشروع في صحة العقد» (3). 3 - وعن رجل حلف بطلاق زوجته لا يسكن البلدة الفولانية متنقلاً دوام الأبد، فلما طمحت (رغبت) عليه زوجته وهي من تلك البلدة التي حلف عليها، فطلب زوجته إلى تلك البلدة، ومكث فيها قدر ليلة أو ليلتين، فهل ترى زوجته تطلق عليه أم لا؟.
فأجاب السالمي: «إذا أراد بيمينه هذا أنه لا يسكن تلك البلدة السكون المتعارف به عند أهل الزمان، وهو طول الإقامة والمكث، فلا تطلق عندي
(1) السالمي: العقد الثمين، 153/ 3 - 154.
(2) السالمي: العقد الثمين، 155/ 3.
(3) السالمي: المرجع نفسه. (3/559)
صفحة 1707
1?
القواعد الفقهية عند الإباضية
زوجته بمبيت ليلة أو ليلتين، إذا كان إنما يأتِ وهو غير ناو للإقامة ولا المكث الذي يتعارف أنه سكن عند أهل الزمن، وإن لم ينو ذلك فأحسب أنهم قالوا بطلاق زوجته، ولا تخلو في الصورة الأولى من قول بطلاقها أيضاً على ما في قواعدهم» (1). 4 ـ وفي الحالف بالطلاق أيضاً جاء في العقد الثمين» عن بعض الإباضية ما نصه: «فإن قال يوم تكلمين فلاناً فأنت طالق، ثم وطئها في أول النهار وكلمته في آخره أنها تحرم عليه أبداً؛ لأن وطأه ذلك كان حراماً». قال السائل: هلاً قيل بعدم تحريمها؟ أفلا يصح أن يحمل قوله يوم تكلمين بمعنى ساعة تكلمين، إذا كان عُرف العامة كذلك؟ أم لا قول إلا بتحريمها ولا ينفع هنا عُرف إلا ما اقتضاه ظاهر اللفظ؟ أم كيف القول في
ذلك؟
قال السالمي: «أما قول نحفظه فلا، وأما التخريج فإنه يقبل قولاً ثانياً، وذلك أن تحمل اليوم على الساعة أخذاً بالعرف المتبادر في أذهان العامة،
ومن قواعدهم إذا اختلف العرف واللغة في لفظة خرج فيها الخلاف، فمنهم اللغة ومنهم من يعتبر العرف فكان الواجب أن يكون هذا الخلاف من يعتبر خارجاً ها هنا، إذ لا بد منه، واعتبار العرف عندي أرجح إذ لكل قوم ما اصطلحوا عليه، وأن اللغات تختلف، ويحكم على كل فريق بما يقتضيه لسانهم من إقرار، ووصية وعطية وتزويج وتطليق وبيع وشراء، وغير ذلك من المعاني التي لم يشترط فيها العربية، فكذلك العرف إذا لم يتبادر في الأذهان غيره، وإن كانت العلماء توجهه إلى وجوه فإن العوام لا يحضرهم ذلك، والمحكم عليه كلام العامة لا توجيه العلماء» (2).
(1) السالمي: العقد الثمين، 159/ 3. (2) السالمي: المرجع نفسه، 179/ 3 – 180. (3/560)
صفحة 1708
الفصل الخامس: القاعدة الفقهية الكبرى الخامسة
و ـ في الوصية:
ذكرنا فيما سبق أن الألفاظ التي تعذر إعمالها فيما وضعت له أو كانت معانيها مهجورة فإننا نلجأ إلى استعمالها في العرف ونحتكم إليه، ومن ذلك: ألفاظ الوصايا إذا كانت عامة أو مطلقة، فينظر ما تعارف عليه الناس في ذلك الموضوع ويُعمل به، مثل: إطلاق لفظ المال في الوصية، هل يراد به المعنى الحقيقي العام أم له مدلول خاص؟
جاء
في «العقد الثمين سؤال عمّن قال أوصيتُ بمالي من البلد الفلاني
للمسجد الفلاني، أيدخل في الوصية النخل والماء أم النخل فقط؟». أجاب السالمي قائلاً: يتجاذب هذه المسألة أصلان عليهما بني الفقه، أحدهما: العرف الخاص بنا معشر أهل عُمان، فإنا قد خصصنا إطلاق المال (1) على النخيل وهو المتبادر في أفهامنا فهو حقيقة عرفية في حقنا، وثانيهما: اعتبار الوضع اللغوي، فإن اسم المال يطلق لغة على جميع ما يملك، فإذا عرفت هذين الأصلين، فاعلم أن الفقهاء اختلفوا في ترجيح كل منهما على صاحبه، فبعضهم رجح العرف وعوّل عليه نظراً إلى أن الأحكام الشرعية غير مقصورة على اللغة العربية، وإلا لسقط غالب الأحكام
عن
الأعاجم. وبعضهم رجح الاعتبار اللغوي نظراً إلى أن اللغة العربية غير مهجورة بين هؤلاء المتخاطبين، فهم يفهمونها في مثل هذا الخطاب، وأن الأعاجم يخالفوننا في نحو هذا؛ لأن العربية صارت عندهم مهجورة ولا يفهمونها، فبهذا يفارقوننا هذه الأحكام، وقد بنوا على هذين الأصلين عدة فروع من أبواب الفقه، فتراهم يختلفون عند وجودهما ومسألتك هذه يخرج فيها هذا الخلاف» (2).
في
(1) يطلق المال عند أهل البدو في الجزائر على الماشية من أغنام وماعز، فإذا أطلق المال يتبادر في أذهانهم هذا المعنى المعروف عندهم.
(2) السالمي: العقد الثمين، 411/ 3. (3/561)
صفحة 1709
562
القواعد الفقهية عند الإباضية
الفرع الثاني: قاعدة: الكتاب كالخطاب»:
سلطان
هذه القاعدة تتفرع عن قاعدة: «العادة محكمة» لأنها تعبر عن العرف اللفظي وأثره في الأحكام، ومما يقوم مقام اللفظ في التعبير عن القصد: الكتابة، فيصار إليها عند الحاجة، ويعمل بالكتاب على الوجه المتعارف به،
ويعد حجة على من حرّره، وفيما يلي بيان لمعنى القاعدة وتطبيقاتها. أولاً: معنى القاعدة: الكتاب لغة من كتب يكتب كتاباً، والاسم الكتابة، الخط (1).
وهي
وعرفه الجرجاني بأنه «تصوير اللفظ بحروف هجائه (3). والخطاب من خاطبه مخاطبة وخطاباً، وهو الكلام بين متكلم وسامع.
والمعنى الإجمالي للقاعدة:
أن العبارات الكتابية كالمخاطبات الشفهية تحرر على الوجه المتعارف به
بين الناس، وتكون حجة على كاتبها كالنطق باللسان فما يترتب على المكالمة الشفهية يترتب على المكالمة الكتابية، فكما قيل: القلم أحد اللسانين، والكتابة ممن تأتي بمنزلة الخطاب ممن دنا، ألا تري أن النبي صلى الله عليه وسلم كان مأموراً بتبليغ الرسالة إلى الناس كافة، وبَلّغهم مرة بالكتاب ومرة بالخطاب، والقرآن أصل الدين قد وصل إلينا بالكتاب بعد أن ثبت بالحجة (4).
وإن الكتاب من الغائب كالخطاب من الحاضر، تعقد به العقود من بيع وإجارة وكتابة وغيرها، فللعاقدين أن يعقدا ذلك بينهما بطريق الكتابة، كما جاز لهما العقد بطريق المشافهة، وحتى تكون الكتابة معمول بها ويعتد بها فلا بد أن تكون وفق شروط معينة كما سنبين فيما سيأتي:
(1) الفيومي: المصباح المنير، ص 719.
(2) الجرجاني: التعريفات، ص
133
(3) الفيومي: المصباح المنير، ص 236.
(4) البورنو: الوجيز، 301. - هرموش: معجم القواعد الفقهية الإباضية، ص 368. (3/562)
صفحة 1710
الفصل الخامس: القاعدة الفقهية الكبرى الخامسة
ثانياً: شروط الكتابة المقبولة:
أ - مراتب الكتابة
الكتابة على مراتب
563
1 - الكتابة المستبينة المرسومة وهي ما كانت على وجه الرسالة والخطاب وفقاً للمراسم والتقاليد المعتادة، وذلك بأن تكون بينة وواضحة ومُعَنْونة، أي تكون مصدرة بالعنوان من فلان إلى فلان على ما جرت به العادة في تسيير الكتاب، فتعبر بهذا كالنطق، وقد أشار إلى ذلك الثميني فقال: «إن كان الكتاب مختوماً على يد عدل عند المتراسلين، وقد قبل المسلمون ذلك وعملوا به، أو كان الخط معروفاً عند الحاكم، وإن لم يختم على الكتاب في عرفنا وبلادنا» (1). 2
- الكتابة المستبينة غير مرسومة وهي ما كان لها بقاء بعد الفراغ منها، ويمكن قراءتها، كالكتابة على الجدران وأوراق الأشجار، أو على الألواح والأوراق المعروفة لا على وجه الرسم، فإن هذا يكون لغواً؛ لأنه لا عرف في إظهار الأمر بهذا الطريق فلا تكون حجة إلا بانضمام شيء آخر إليه، كالنية والإشهاد عليه، والإملاء على الغير حتى يكتبه؛ لأن الكتابة قد تكون للتجربة وتكون للتحقيق، وبهذه الأشياء تتعين الجهة وقيل الإملاء من غير إشهاد لا يكون حجة، والأول أظهر (3).
وبناء عليه فإن كانت الكتابة غير مرسومة ومُعَنْوَنة فلا يُعمل بها، ويستثنى من ذلك حق السمسار والبياع والصراف فإنهم يكتبون ما عليهم في دفاترهم، فيعمل به وإن لم يكن مُعَنْوناً (3).
(1) الثميني: الورد البسام، ص 266.
(2) الحموي: غمز عيون البصائر شرح الأشباه والنظائر لابن نجيم،
450
(3) البورنو الوجيز، ص 302 - السدلان القواعد الفقهية، ص 467. ـ هرموش: معجم الفقهية الإباضية، ص 368. - والأتاسي شرح المجلة العدلية، المادة (69)، 191/ 1.
القواعد (3/563)
صفحة 1711
القواعد الفقهية عند الإباضية
ـ الكتابة غير المستبينة: وهي ما ليس لها بقاء بعد الانتهاء منها، كالكتابة على الماء وفي الهواء؛ إذ لا يستطاع قراءتها ولا فهمها والتعبيرات التي تكتب على هذه الصورة يجب إغفالها واعتبارها في حكم العدم؛ لأنها بمنزلة كلام غير مسموع، فلا يثبت به شيء من الأحكام وإن نوى).
يقول الكاسائي: «وإن كتب كتابة غير مستبينة بأن كتب على الماء أو على الهواء، فذلك ليس بشيء، حتى أنه لا يقع به الطلاق وإن نوى؛ لأن ما لا يستبين به الحروف لا يسمى كتابة فكان ملحقاً بالعدم).
ب - المراد بالكتابة في هذه القاعدة:
وأما المراد بالكتابة في هذه القاعدة فهو: الخطاب الذي تكتب فيه عبارة الإيجاب والقبول موجهة من أحد العاقدين إلى الآخر، وصورة ذلك: أن يكتب المشتري إلى البائع: إني اشتريت منك كذا بكذا، فيكتب إليه البائع قد قبلتُ، أو قد بعتك ما طلبت بما ذكرت من الثمن ونحو ذلك، فيكون هذا كما لو تشافها الإيجاب والقبول مطلقاً.
وقد بين الفقهاء أن الكتابة معبّرة في المعاملات بين الناس بأي لغة كانت ما دامت مفهومة، وعلى أي شيء ما دامت تقرها الأعراف والتقاليد الاجتماعية والرسمية، ويمكن أن تعبر عن الإرادة الجازمة تعبيراً كافياً، كوسائل الكتابة العصرية مثل التلكس والتلغراف والفاكس والشفرة المصطلح عليها، والرسالة الإلكترونية، وغيرها مما اشتهر في زماننا.
ج ـ أحكام المعاملات والتصرفات المنعقدة بالكتابة: اتفقت الشرائع على أن مدار وجود العقد وتحققه هو صدور ما يدل على
(1) ينظر: المراجع السابقة.
(2) الكاساني: بدائع الصنائع، 109/ 3.
(3) الزرقا المدخل الفقهي العام 326/ 1 327. - السدلان: المرجع نفسه، ص 467. (3/564)
صفحة 1712
الفصل الخامس: القاعدة الفقهية الكبرى الخامسة
التراضي من كلا الجانبين بإنشاء التزام بينهما، وهذا هو ما يعرف عند الفقهاء بصيغة العقد، أي صورته التي يقوم بها من إيجاب وقبول إن كان العقد التزاماً بين طرفين، أو إيجاباً فقط إن كان التزاماً من جانب واحد فهو ما يسمى عند القانونيين بالتعبير عن الإرادة» (1).
ومما ينبغي الإشارة إليه أن الفقهاء ليسوا على اتفاق بينهم في اعتبار الكتابة أداة يحصل بها التراضي، فمنهم من اعتبرها ندا للفظ وأجاز التعاقد بها مطلقاً، ولا فرق في ذلك بين التعبيرات التعاقدية التي تتم بين طرفين أو التصرفات الفردية، ففي كليهما يعتد بالتعبير الكتابي إذا حصل على المناط الذي بيناه من كونه مستبيناً مرسوماً سالماً من شبهة التزوير، بينما اعتبر البعض الكتابة وسيلة احتياطية يلجأ إليها عند الضرورة والضرورة تقدر بقدرها (3). وقد قسم بعض الفقهاء التصرفات والعقود التي تتم بالكتابة إلى تصرفات
فردية، وتصرفات غير فردية (3).
القسم الأول: التصرفات غير الفردية:
وهي التي تكون بين طرفين، أحدهما يعبّر عن إرادته بالإيجاب والآخر بالقبول، فقد يتم التعاقد فيها بين حاضرين بالمكاتبة أو بين غائبين، أو أحدهما حاضر والآخر غائب، ويشمل ذلك جميع العقود، كالبيع والهبة والإجارة وغيرها، ما عدا عقد النكاح فإنه يستثنى من بين سائر العقود والتصرفات المالية، فإنه لا يصح التعاقد فيه بالكتابة بين حاضرين حيث أجمع الفقهاء (4)
(1) عبد السميع إمام أصول البيوع الممنوعة في الشريعة والقانون، ص 16 – 18. ـ وهبة الزحيلي: الفقه الإسلامي وأدلته، 348/ 4.
(2) السدلان القواعد الفقهية ص
468
(3) وحيد الدين سوار التعبير عن الإرادة، بتصرف، ص 209.
(4) الشقصي: منهج الطالبين، 86/ 15. - الكاساني: بدائع الصنائع 2/ 231. ـ الدردير: الشرح
الصغير على متن خليل، ط دار المعارف بمصر، 1393 هـ، 2/ 350 ـ الشربيني الخطيب:
= (3/565)
صفحة 1713
القواعد الفقهية عند الإباضية
على إلزام المتناكحين القادرين على النطق ـ أو من يقوم مقامهما ـ باستعمال اللفظ؛ لأن من شروط الزواج الصحيح حضور الشهود وسماعهم كلام العاقدين، وهذا غير ممكن في حالة الكتابة؛ ولأن اللفظ هو الأصل في التعبير عن الإرادة ولا يلجأ إليه إلا عند الضرورة، ولا ضرورة هنا).
أما في غير الزواج فإذا كان التعاقد بين حاضرين في مجلس العقد فإن الراجح من قول الفقهاء هو الاعتداد بالكتابة بين المتعاقدين، ولو كانا حاضرين ناطقين، أو عاجزين عن النطق (2).
الرأي المختار:
ولعل الذين لم يعتبروا صحة الكتابة إذا كان العاقدان حاضرين هو القول الأقرب للصواب؛ لأنهما قادرين على النطق، فلا ينعقد العقد بغيره، بخلاف إذا كانا غائبين (3).
فإذا كان التعاقد بين غائبين بالمكاتبة، فإن الراجح المنقول عن الفقهاء (4) جواز التعاقد بها سواء كانت من الجانبين، كما لو كان رجل في المشرق فكتب إلى أخيه في المغرب: بعتك داري الكائنة في الجزائر أو غيرها، وذكر
مغني المحتاج شرح المنهاج، مطابع مصطفى الحلبي، مصر، 1377 هـ، 141/ 3. ـ البهوتي منصور، كشاف القناع عن متن، الإقناع ط 1 - 1394 هـ، 39/ 5. (1) وهبة الزحيلي: الفقه الإسلامي وأدلته، 45/ 70104/4. - مصطفى أرشوم: النكاح صحة وفساداً وآثاراً في المذهب الإباضي، ص
53، 59 - 60
(2) الدردير الشرح الصغير 2 350 ـ ابن عابدين: الحاشية رد المحتار على الدر المختار، 206/ 9 السدلان: القواعد الفقهية، ص 469.
(3) الشيرازي الفيروز آبادي: المهذب في فقه الإمام الشافعي، ط عيسى الحلبي وشركاه، ر، 257/ 1. - مرعي بن يوسف الحنبلي: غاية المنتهى ط 2، مؤسسة السعيدية،
مصر، الرياض، 4/ 2.
6
(4) السرخسي المبسوط 15/ 5. - الرملي نهاية المحتاج، 8/ 3 - وحيد الدين سوار: التعبير
عن الإرادة، ص 209 (3/566)
صفحة 1714
الفصل الخامس: القاعدة الفقهية الكبرى الخامسة
أوصافها وحدودها، والمبلغ الذي سيبيعها له، فكتب إليه الآخر: اشتريت منك الدار المذكورة، وينعقد بينهما البيع بالمشافهة.
وكذلك لو كانت الكتابة من جانب واحد كما لو كان المكتوب إليه حال قراءة الكتاب في المجلس اشتريت أو قبلت أو خاطبه بذلك هاتفياً، وعلى هذا سائر التصرفات المالية والعقود، من كفالة أو حوالة أو إجارة وغيرها.
على أنه يجب أن يلاحظ أن حكم الكتابة لا يبدأ منذ كتابة العبارة، بل عقب وصول الكتاب وقراءته، فعندئذ تأخذ العبارة مفهومها، فيعتبر حينئذ الإيجاب والقبول وهذا في العقود بخلاف التصرفات التي لا تتوقف عن
الطرف الآخر، ورضاه، كالطلاق والإعتاق فإنها تأخذ حكمها فور الكتابة (1). وذهب بعض الفقهاء إلى أنه لا يصح التعاقد بالكتابة في عقد النكاح بين غائبين إلا في أحد شطري العقد، وهو الإيجاب فقط، أما القبول فلا تكفي فيه الكتابة وحدها، بل لا بد أن يقرأ المكتوب إليه الكتاب، ويعلن الموافقة بمحضر الشهود، وهذا رأي الحنفية). أما الجمهور فقالوا لا ينعقد النكاح بكتابة في غيبة وحضور
القسم الثاني: الكتابة في التصرفات الانفرادية
المقصود بالتصرفات الانفرادية: أي التصرفات التي يتولاها طرف واحد فقط، ولا تتوقف على علم الطرف الآخر ورضاه كالطلاق والإعتاق والإقرار
والإبراء وغيرها من التصرفات.
(1) الزرقا: المدخل الفقهي العام، 327/ 1. (2) الكاساني: بدائع الصنائع 2312.
(3) الدردير: الشرح الصغير، 2/ 235. - الشربيني مغني المحتاج 3/ 141. ـ البهوتي: كشاف
القناع، 39/ 5. (3/567)
صفحة 1715
القواعد الفقهية عند الإباضية
لكن الفقهاء ليسوا على اتفاق فيما بينهم في صحة الكتابة كأداة للتعبير في هذه التصرفات، فالجمهور توسعوا في الاعتداد في الكتابة ومنهم الإباضية)، حيث أنهم لم يفرقوا بين التصرفات المنفردة وغير المنفردة. وللشافعية وجهان في ذلك (2). واحتج بعضهم بالطلاق فإنه يُعدّ من التصرفات المنفردة التي تقع بالقول والفعل، فإذا كتب فقد عمل (3) بدليل قوله صلى الله عليه وسلم: «إن الله تجاوز لأمتي ما حدثت به أنفسها ما لم يعملوا به أو يكلموا» (4).
ولتوضيح ذلك نورد بعض النصوص نقلاً عن بعض العلماء من الإباضية
لتأكيد ما تقدم ذكره.
وغيرهم 1 - سئل الشيخ أحمد الخليلي - حفظه الله - عن حكم الطلاق بالكتابة بما
نصه: «ما قولكم فيمن طلق زوجته بالكتابة فهل طلاقه واقع؟». فقال: «اختلف العلماء فى الذي يكتب طلاق امرأته دون أن يتلفظ به هل يكون له حكم الطلاق؟ والراجح أن الطلاق يقع بالكتابة كما يقع بالقول؛ لأن أحد اللسانين، وهو يعبر عن كل ما يعبر عنه اللسان، ويفهم عنه ما يفهم اللسان، فلا مناص عن وقوع الطلاق، واحتجاج القائلين بخلاف ذلك يقول الله تعالى: {قَالَ وَايَتُكَ أَلَّا تُكَلِمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزا) (آل عمران: 41)،
القلم
عن
(1) السالمي: العقد الثمين، 158/ 3. - الخليلي أحمد فتاوى النكاح الكتاب الثاني، ص 314. (2) ابن حزم المحلى بالآثار شرح المحلي، تصحيح حسن زيدان طلبة، مطابع دار الإتحاد العربي، مصر، 1390 هـ / 1970 م، 11/ 515. - الكاساني الحنفي بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع، 2313 - الدردير: الشرح الصغير، 568/ 2. (3) البكري السيد الدمياطي إعانة الطالبين على حل ألفاظ فتح المعين، ط (دت) دار إحياء التراث العربي بيروت لبنان، 16/ 4.
صالح المقبلي الحاشية على المنار في المختار من جواهر البحر الزخار، مؤسسة الرسالة، لبنان، 1/ 515. ـ ابن تيمية شيخ الإسلام مجموع فتاوى نشر وتوزيع الرئاسة العامة إدارة البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد، السعودية، 29/ 9. (4) متفق عليه، رواه البخاري، كتاب الطلاق، باب الطلاق في إغلاق، رقم 4968، ومسلم، كتاب الإيمان، باب تجاوز الله عند حديث النفس، رقم 127، عن أبي هريرة. (3/568)
صفحة 1716
الفصل الخامس: القاعدة الفقهية الكبرى الخامسة
مردود بأن الآية أدل على الطلاق منها على خلافه فإن الاستثناء دليل على أن المستثنى من جنس المستثنى منه، وإذا كان ذلك في مطلق الرمز فكيف بالكتابة أكثر دلالة وأبين معنى
التي
هي
2 ـ وقال ابن قدامة في المغني»: «إذا كتب الطلاق فإن نواه طلقت زوجته؛ لأن الكتابة حروف يُفهم منها الطلاق، فإذا أتى فيها بالطلاق، وفهم منها ونواه وقع كاللفظ؛ لأن الكتابة تقوم مقام قول الكاتب؛ بدلالة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان مأموراً بتبليغ رسالته فحصل ذلك في حق البعض بالقول، وفي حق آخرين بالكتابة إلى ملوك الأطراف).
3 ـ وقال السرخسي في المبسوط»: «الكتاب ممن نأى كالخطاب ممن دنا، فإن الكتاب له حروف ومفهوم يؤدي عن معنى معلوم، فهو بمنزلة الخطاب من الحاضر» (3).
4 ـ وقال الكاساني في «البدائع»: «وأما الكتاب فهو أن يكتب رجل أما بعد: فقد بعتُ عبدي فلاناً منك بكذا، فبلغه الكتاب فقال في مجلسه اشتريت؛ لأن خطاب الغائب، كتابه فكأنما حضر بنفسه، وخاطب بالإيجاب وقبل
الآخر في المجلس» (4).
- ومجمل القول:
إن الكتابة تقوم مقام النطق فيما ذكر في التعبير عن الإرادة عند جمهور الفقهاء، فيصح بها البيع والشراء والهبة والطلاق والإقرار وغيرها من العقود والفسوخ، إلا ما استثني من العقود، كعقد الزواج - كما أسلفنا ـ فإنه لا يصح بالكتابة إذا كان من غير تلفظ.
(1) الخليلي أحمد بن حمد: فتاوى النكاح الكتاب الثاني، ص 314.
(2) ابن قدامة المقدسي: المغني، 241/ 7 - 242.
(3) السرخسي: المبسوط، 16/ 5.
(4) الكاساني: بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع، 138/ 5. (3/569)
صفحة 1717
570
القواعد الفقهية عند الإباضية
ثالثاً: تطبيقات القاعدة:
أجاز الإباضية البيع والشراء وأداء الحقوق المالية والإبراء منها، والإشهاد واليمين والتوكيل والإقرار بالبيع والرهن بالمراسلة، وكذلك جوّزوا إنشاء عقد الزواج وإنهائه بالكتابة، وذلك كله حسب العرف والعادة، ويظهر ذلك من خلال الأمثلة التالية:
1
- جواز أداء الحقوق وسداد الديون بالمراسلة: أجاز الإباضية التراسل بين الناس وقضاء حوائجهم بالكتابة، ففي الإبراء من الحقوق والالتزامات قال الثميني: «ومن له حق على أحد وكان في غير بلده فكتب إليه أن يسلمه إلى فلان وعرف خطه بعلاماته، جاز له تسليمه إليه، وقد تبرأ منه فيما بينه وبين صاحبه إذا لم يرجع إليه في طلبه، ولا يبرأ في الحكم إلا إن كان الكتاب مختوم على يد عدل عند المتراسلين وقد قبل المسلمون ذلك وعملوا به، أو كان الخط معروفاً عند الحاكم وإن لم يختم على الكتاب في عرفنا وبلادنا»).
2 - تسليم الودائع بالكتاب والرسالة: ويبين الثميني كذلك أنه يجوز تسليم الودائع بالكتاب والرسالة؛ لأنه بمثابة الخطاب أو النطق باللسان فيقول: «ومن عنده لأحد وديعة فأتاه منه رسول بكتاب يأمره فيه بتسليمها فله دفعها إليه إذا صح ومرجعه إلى التعارف، فإن أنكر ربها بعد أن يكون كتب إليه الكتاب، فعلى الدافع أن يغرمها له ويقبض من أتاه بالكتاب فيها، وإن اعترف له بالكتابة، ولكن قال فيها ضعف، فلا ينصت لدعواه الضعف بعد الاعتراف، وتبرأ الدافع وسقط رجوعه على الرسول» (2).
(1) الثميني: الورد البسام، ص 266. (2) الثميني: المرجع نفسه، ص 267. (3/570)
صفحة 1718
الفصل الخامس: القاعدة الفقهية الكبرى الخامسة
571
- وفي التجارة الخارجية: أجاز الثميني أيضاً التراسل بين الناس في مجال التبادل التجاري مع تجار البلاد المتباعدة استناداً إلى العرف والعادة وما يجري به العمل، وذلك كأن يكتب الرجل من مصر إلى صاحبه في ميزاب بأني وجهتُ إليك من المتاع كذا وكذا على يد فلان فاقبضه منه إذا وصلك وبعه على ما ترى واشتر لي من المتاع كذا وكذا ووجهه إلي، فيفعل ذلك، وإذا بلغه الكتاب وسكنت النفس إلى خطه جاز العمل به عرفاً وعادة لا حكماً، فقد جاز إنقاذ الأموال العظيمة بالرقعة الصغيرة ما لم يقع ريب أو إنكار، ومن أتاه كتاب من أحد ببيع شيء من أمواله وسكنت نفسه إليه، وكان حامله إليه ثقة، فقيل بإجازته؛ لأن أمور الناس لم تزل تجري بمثل هذا من المكاتبة، ويدفع للبائع الثمن إن كان المبيع عروضاً، وإن كان أصلاً (عقاراً) فحتى تصح وكالته حكماً (1).
4 - ثبوت اليمين بالكتابة:
يرى بعض فقهاء الإباضية أن من حلف يميناً لا يُكلم صديقه، فكتب إليه كتاباً يسأل عن أحواله، أو يطلبه فى حاجة، فوصله المكتوب فقرأه، فإنه يحنث بذلك الكتاب؛ لأن «الكتاب كالخطاب».
جاء في جامع ابن جعفر ما نصه: كذلك قيل من حلف لا يكلم فلاناً، فكتب إليه، أو أرسل إليه رسولاً بكلام عنه، فقد حلف» (2).
وعن رجل حلف لا يكلم فلاناً، فكتب إليه، هل يحنث؟ قال: لا، ليس الكتاب بكلام؛ لأن الله ولا قال: {وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيَا أَوْ مِن وراي حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ} (الشورى: 51).
(1) الثميني: المرجع نفسه، ص 266 - 267.
(2) ابن جعفر: الجامع، 463/ 3. (3/571)
صفحة 1719
572
القواعد الفقهية عند الإباضية
قال: وسألت أبا عبد الله محمد بن محبوب رحم الله عن رجل حلف لا يكلم فلاناً فكتب إليه كتاباً فوصل إليه ذلك الكتاب وقرأه أو قرئ عليه، أيكون قد كلمه ويحنث؟
قال نعم، قد قيل أن الكتاب إذا قرئ فهو كلام في قول الله تعالى: {فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَمَ اللَّهِ} (التوبة: (6). فهو كتاب الله، أي حتى يسمع القرآن ... قال السائل: «قلت له: فإن أرسل إليه رسولاً أن يقول له كذا وكذا، أو كتب إليه كتاباً مع الرسول، ثم رجع إلى الرسول وقال: لا تدفع كتابي إلى فلان الذي أمرتك أن تدفعه إليه، أو قال له: لا تقل له شيئاً مما قلته لك أن تقول له؛ فذهب ذلك الرسول فدفع إليه بعد ذلك الكتاب أو قرأه، وبلغ إليه
ذلك الكلام، أيحنث؟ قال: نعم).
ه - في التوكيل والإيصاء بالكتابة:
ومن صور المعاملات تعيين الوكيل والوصي بالكتابة، فقد نقل عثمان الأصم مثالاً للوكالة بالكتابة فقال: «إذا أراد أحدهم أن يقيم وصيّاً كتب، وأشهدنا فلان ابن فلان المذكور في وصيته هذا الكتاب، أنه قد جعل فلان ابن فلان وكيله في حياته ووصيه بعد وفاته في قضاء دينه واقتضاء ديونه، وإنفاذ جميع وصاياه من ماله بعد وفاته، جائز الأمر يقوم في جميع ذلك مقامه، وأنه قد جعل له أن يبيع ما شاء من ماله بما شاء من الثمن على ما شاء من الناس بنقد أو بنسيئة، أو بنداء أو بمساومة، بحكم من حاكم أو غير حكم من حاكم، بمشورة على وارث أو بغير مشورة على وارث له أن يحتج على أحد من ورثته في بيع ما جعله وكيله فيه ووصيه في قضاء دينه وإنفاذ وصيته، وأنه قد جعل له في هذه الوكالة والوصاية جميع ما يجوز له أن يجعل له، وأن يجيز للوكلاء والأوصياء قيمة جميع الأشياء كلها، وبذلك يشهد الله تعالى على
(1) ابن جعفر المصدر نفسه، 463/ 3 - 464. (3/572)
صفحة 1720
الفصل الخامس: القاعدة الفقهية الكبرى الخامسة
573
نفسه والشهود المسلمين في هذا الكتاب في شهر كذا وكذا من سنة كذا وكذا،
شهد الله وكفى به شهيداً» (1).
- عقد الزواج بالرسالة:
إذا كتب رجل لامرأة كتاباً وقال فيه: تزوجتك على مهر قدره كذا وكذا، وأشهد عليه الشهود، فلما وصل الكتاب إليها قالت قبلتُ نكاحك على المهر المذكور، فإن العقد صحيح بالشروط السابقة، وهي: أن يكون الكتاب مُعَنْوناً مثل: أن يكون على رأسه عقد نكاح فلان على فلانة، وأن يكون الخط واضحاً بحضرة الشهود (2).
ومن نماذج عقود الزواج المكتوبة التي تعارف عليها الناس في عمان: ما كتبه عثمان الأصم بتكليف من الزوج وولي الزوجة بما نصه: «أقر عندنا فلان بن فلان الفلاني الساكن محلة كذا من قرية كذا، وأشهدنا على نفسه في صحة عقله وبدنه، وجواز أمره وفعله أنه قد تزوج فلانة بنت فلان، الساكنة محلة كذا من قرية كذا تزوجها على حكم كتاب الله المنزل، وسُنَّة نبيه المرسل محمد صلى الله عليه وسلم، وعلى إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان، وعلى حسن العشرة لها وجميل الصحبة عندها، وعلى الإحسان إليها، ورفع الإساءة عنها، وعلى صداق عاجل وآجل، فالعاجل من ذلك وهو كذا وكذا درهماً، يؤدى إليها أو إلى من يقوم في ذلك من مقامها بأمرها، وعلى صداق آجل، وهو كذا وكذا، صداقاً آجلاً لها ديناً حياً مؤجلاً لما عليه إلى أن تبين منه بطلاق، أو بوجه من وجوه الفراق فمتى حدث بينهما ما يوجب حلّ هذا الصداق عليه، فجميع ذلك ثابت عليه، لا إبراء له منه إلا بتسليمه إليها تاماً وافياً وإلى من يقوم في ذلك، مقامها، وقد قبل هذا التزويج ورضيه،
(1) الأصم: المرجع نفسه، 2/ 140 - 141.
(2) هرموش: معجم القواعد الفقهية الإباضية، ص 369. (3/573)
صفحة 1721
574
القواعد الفقهية عند الإباضية
جميع
وأتمه وأثبته على نفسه، وأنه قد قبلها زوجة بجميع هذا الصداق العاجل منه والآجل، وأنه قبلها بجميع ما سمي وَوُصف في هذا الكتاب، وأنه قد أجاز هذا التزويج ورضيه، وأنه قد أثبت لزوجته فلانة بنت فلان على نفسه ما في هذا الكتاب، كان ثابتاً أو غير ثابت فقد أثبته لها على نفسه، وبذلك أشهد الله تعالى على نفسه والملائكة والشهود المسلمين في هذا الكتاب، وذلك بعد أن قرأ عليه جميع ما فيه، فأقر بفهمه ومعرفته جميع ما فيه، فألزمه نفسه طالباً راغباً من غير جبر ولا إكراه، وذلك في شهر كذا من سنة كذا شهد الله وكفى به شهيداً. فإذا قرأ الكتاب على الشهود وقالا أنت قد عرفت وفهمت ما قرأته عليك من هذا الكتاب فإذا قال نعم قال له أشهد عليك أنا والجماعة الحاضرون بجميع ما في هذا الكتاب فقد عرفته وفهمته وأثبته على نفسك، فإذا قال نعم كتب شهد عليك جميع ما في هذا الكتاب فلان ابن فلان، وكتب بيده على هذا النسق» (1). وقد اشتهرت هذه العقود باسم صكوك التزويج، وما زال العمل بها جارياً في بلاد عُمان (2).
جميع
- في الطلاق بالكتاب ومن فروع القاعدة أيضاً أنه إذا أرسل المطلق خطاباً بطلاق امرأته ونوى طلاقها وكان الخط واضحاً طُلقت، وذهب محمد بن محبوب إلى أن الطلاق يقع ولو لم ينو التطليق).
سئل السالمي عمّن كتب لامرأته إذا وصلك كتابي هذا فأنت طالق بعد أن تطهري من حيضك، فلم تحض المرأة بعد أن فارقته زائرة حتى تطهر بل كان
(1) عثمان الأصم البصيرة، 143/ 2، 144.
(2) الشقصي: منهج الطالبين، 94/ 15.
(3) السالمي: العقد الثمين 369/ 3. - هرموش معجم القواعد الفقهية الإباضية، ص 158. (3/574)
صفحة 1722
الفصل الخامس: القاعدة الفقهية الكبرى الخامسة
575
من
بها حمل، فهل يقع الطلاق إذا صادفها حاملاً؛ لأن طلاق الحامل يجوز وهو السُّنَّة ... أم لا يقع؛ لأنه معلق على شرط، وهو وجود الطهارة بعد الحيض، وتبقى زوجته له إلى أن تطهر من نفاسها بعد أن تضع حملها، ثم يقع الطلاق؛ لأنه وقع بعد أن طهرت من النفاس؟
لا؛
فأجاب: «لا معنى لذكر طلاق الحامل ها هنا بكونه من السُّنَّة أ لأن المطلق لم يعلق ذلك بطلاق السُّنَّة، وإنما علقه بمجيء كتابه إليها، فإذا ألغينا قوله بعد أن تطهري من حيضتك كما يقتضيه قول بعضهم وقع بمجيء الكتاب إليها، إن اعتبرناه لم يقع إلا بعد أن تطهر من حيضتها لا من نفاسها، فافهم ذلك، فما لم تحض وتطهر فهي امرأته على
الطلاق
هذا القول ... » (1).
وسئل السالمي أيضاً عمَّن كتب لزوجته طلاقاً وهو بزنجبار (2) مثلاً هل لا تطلق حتى يصلها؟ فإن كانت تطلق من حين
تطلق من حين ما كتب ما كتب فمتى تبتدئ بالعدة أمن يوم الكتابة أم من ساعة ما يصلها فقط؟ فأجاب: «قال محمد بن محبوب من كتب طلاق امرأته ولم يحرك به لسانه ولا نوى طلاقاً طلقت حين كتب، وذلك إذا كتب امرأته طالق، وزاد
• (1)
غيره ولو محاه، وقال أبو الوضاح (3): إذا قرأه طلقت، ورواه عن أبي
(1) السالمي: المصدر نفسه، 178/ 3.
(2) زنجبار جزيرة تقع شرق إفريقيا وتابعة حاليا لدولة تنزانيا الاتحادية وكانت سابقاً تحت حكم
العُمانيين.
(3) زياد بن الوضاح بن عقبة، أبو الوضاح (حي في: 237 هـ): أحد العلماء الكبار في عمان، ويعرف في الأثر العُماني بابن عقبة. عاصر الإمام المهنا بن جيفر (حكم 226 - 237 هـ)، وكان معدياً (ضابط، أو موظف كبير لوالي الإمام بصحار. كان من المبايعين للإمام الصلت بن مالك سنة 237 هـ، وكان من أهل المشورة والرأي في اختيار الإمام الصلت ينظر السالمي: تحفة الأعيان، 127/ 1، 156، 160. معجم أعلام الإباضية بالمشرق، 107/ 1. (3/575)
صفحة 1723
576
القواعد الفقهية عند الإباضية
عثمان (1) قال أبو عبد الله القول الأكثر أنها طلقت إذا كتب، ومثل إذا كتب طلقت، وقال أبو الحواري عن أبي المؤثر: لا تطلق إذا
أما بعد:
فأنت طالق
كتبه، وقيل وإن كتبه وهو يريد به الطلاق طلقت من حين ما كتب أنت
طالق ... » (2).
ـ
وسئل الشيخ أحمد الخليلي أيضاً عمن طلق زوجته بواسطة رسالة دون
تلفظ منه، أيقع أم لا؟.
فقال: الطلاق على الصحيح، إن لم يكن هذا الطلاق مسبوقاً بطلاقين من قبل فلا مانع من مراجعتها، وذلك بإشهاد شاهدين على الرجعة قبل إشهاد عدتها ويخبرها بالرجعة، قبل أن يواقعها الزوج
وسئل الخليلي ما قولكم في رجل كتب طلاق زوجته في رسالة، ثم ندم على ذلك وتدارك الرسالة قبل وصولها إلى زوجته فهل يقع طلاقه
على ذلك؟
فقال: «القلم أحد اللسانين والكتابة كالنطق فتطلق المرأة سواء وصلتها الرسالة أم لم تصلها هذا هو القول الصحيح» (4)؛ لأن الطلاق من العقود المنفردة لا يشترط رمز الطرف الآخر.
(1) سليمان بن عثمان أبو عثمان (حي في: 192 هـ)، قاض عالم فقيه، من عقر نزوى. كان قاضياً للإمام الوارث بن كعب الخروصي، ثم قاضيا للإمام غسان بن عبد الله، وكان من جملة المبايعين للإمام غسان سنة 192 هـ. له أحكام مأثورة وآراء فقهية مشهورة. من مشايخه الشيخ موسى بن أبي جابر الأزكوي. ينظر السالمي: تحفة الأعيان، 120/ 1. الشقصي: منهج الطالبين، 621/ 1، 629. ابن مداد، السيرة، 11، 25. البطاشي: إتحاف الأعيان، 428/ 1. الكندي: بيان الشرع، 65/ 1.
(2) السالمي: العقد الثمين 158/ 3.
(3) الخليلي أحمد فتاوى النكاح الكتاب الثاني، ص 314.
(4) الخليلي أحمد: المرجع السابق. (3/576)
صفحة 1724
الفصل الخامس: القاعدة الفقهية الكبرى الخامسة
577
الفرع الثالث: قاعدة: «الإشارة المعهودة للأخرس كالبيان باللسان) هذه القاعدة تتفرع عن القاعدة الكلية الكبرى (العادة محكمة لأنها تعبّر عن سلطان العرف اللفظي وأثره في بناء الأحكام، وأن الإشارة تقوم مقام اللفظ كما أشرنا في القاعدة السابقة.
ولم ترد في المصادر الفقهية الإباضية هذه القاعدة بهذه الصيغة المحكمة، ولكن جاءت عباراتهم قريبة منها، فعبر عنها بعضهم أن «الإشارة من الأخرس کالكلام من صاحب اللسان، أو إشارة الأبكم ككلامه). وقد نجد تلميحاً إليها في مواضع أخرى وتفهم من خلال عباراتهم، ولكن معناها نجده مجسداً في فروعهم الفقهية». قال الشقصي: «وإنما الأخرس إذا أراد أن يتزوج فإنه إذا كان يعقل بالإشارة كان تزويجه وقبوله بالإشارة» (3).
أولاً: معنى القاعدة:
الإشارة تعني إقامة الحركة مقام النطق في التعبير)، ومنه إشارة الأخرس، والأخرس مأخوذ من خرس الإنسان خرساً منع الكلام خلقة أو بآفة فهو أخرس، والأنثى خرساء والجمع خُرس وخرسان، وقيل الأخرس من الناس من كان فيه خرس فانعقد لسانه) عن الكلام أو من العجز الكلي الدائم عن الكلام لعاهة، وقد يطلق الأخرس على الأعجم ومنه الحيوان الأعجم، أي الأخرس والعجماء الحيوان.
(1) مجلة الأحكام العدلية مادة (70).
(2) الكندي أحمد بن عبد الله: كتاب المصنف، 43/ 41. الشقصي: منهج الطالبين، 239/ 14. (3) الشقصي: منهج الطالبين، 306/ 15.
(4) قلعه
جي وقنيبي: معجم
227
لغة الفقهاء، ص (5) الفيومي: المصباح المنير، ص) (6) قلعه جي: المصدر نفسه، ص 50.
نفسه (7) المرجع ص 76.
71 (3/577)
صفحة 1725
578
القواعد الفقهية عند الإباضية
والبيان الإظهار والوضوح والكشف عن المقصود، ويراد به الكلام الذي بياناً لكشفه عن المعنى المقصود إظهاره).
يبين به ما في قلبه،
الكلام وسمي
والمعنى الإجمالي للقاعدة:
أن إشارة الأخرس المعهودة أو المعروفة مقاصده منها تعتبر كبيان الناطق في بناء الأحكام عليها، وتقوم مقام الكلام أو النطق باللسان؛ لأنه لو لم تعتبر إشارته لما صحت معاملته لأحد من الناس ولوقع في الحرج الشديد، ولكان عرضة للموت جوعاً وعطشاً وعرياً إن لم يجد أحداً يقضي له مصالحه نيابة عنه، ووجود النائب في كل حال متعذر، وكيف تقبل نيابته إذا لم تعتبر إشارته (2). هذا وإشارة الأبكم ككلامه سواء باليد أو الحاجب أو الرأس أو العين، وكما تقرر عند الفقهاء أن طرق الدلالة على مراد المتكلم ثلاثة: العبارة، والكتابة، والإشارة، ولكن أقوى العرف العبارة ثم الكتابة ثم الإشارة، وقد تتقدم الإشارة على الكتابة، ويفهم من إيراد هذه القاعدة مطلقة أن إشارة الأخرس تكون معتبرة سواء كان عالماً بالكتابة أو غير عالم؛ لأن الكتابة بدرجة واحدة من حيث الدلالة على المراد (3)؛ لأن المناط هو الإفهام وكلاهما مفهم (4). ويذكر الفقهاء أن هناك فرقاً بين الإشارة والكتابة؛ فالكتابة مقدمة على الإشارة من حيث أنها تتضمن ما يقصده الكاتب عيناً، أما الإشارة مقدمة على الكتابة من حيث أنها تكون بالرأس واليدين، وهما العضوان اللذان يستعين بهما المتكلم للإعراب عما في نفسه).
(1) الفيومي: المصباح المنير، ص 97. - الراغب الأصفهاني المفردات في غريب القرآن،
ص 69.
256 - 257
(2) البورنو الوجيز، ص " 302. - شبير: القواعد الكلية، ص. (3) هرموش: معجم القواعد الفقهية الإباضية، ص 211. - البورنو الوجيز، ص 302. (4) وحيد الدين سوار: التعبير عن الإرادة، ص 215. (5) علي حيدر: شرح مجلة الأحكام العدلية المادة (70)، ص
63 (3/578)
صفحة 1726
الفصل الخامس: القاعدة الفقهية الكبرى الخامسة
579
وتبرز قيمة الكتابة بالنسبة للإشارة من حيث القوة التعبيرية فيما إذا كان الأخرس يعرف الكتابة، ولذلك رجح بعضهم عدم صحة تصرفاته إلا بالكتابة؛ لأنها في الدلالة كالنطق من كل وجه، أما الإشارة فهي في هذه الحالة دون الكتابة دلالة، فلا تقبل مع إمكان الكتابة، أما الجمهور فيرى أن الأخرس بالخيار بين الكتابة والإشارة؛ لأنه لا مرجح لواحدة منها على
الأخرى).
ثانياً: مراتب الآفة النطقية في عُرف الفقهاء:
الآفة النطقية في عُرف الفقهاء على مراتب ثلاثة:
الأولى صاحبها إما أن يكون أخرس، وهو الذي يجمع بين الصمم والعجمة، وانعقد إجماع الفقهاء على التعويل على إشارة الأخرس واعتبارها وسيلة أصلية في التعبير عن إرادته في الوقت الذي قد لا تعطيه بقية الشرائع الأخرى هذا المطلب (2).
الثانية: يكون (مُصمتَا) وهو الذي اعتقل لسانه لمرض أو غيره بعد أن
كان يتكلم، ويسمى (معتقل اللسان).
الثالثة: يكون أعجماً، وهو الذي يسمع ولا يتكلم ويصدق هذا على العجماوات من الحيوانات، ولذلك يدرجه البعض ضمن أحكام الأخرس، بينما اعتبره البعض مثل الأخرس وإشارته معتبرة (3).
(1) الزرقا مصطفى: المدخل الفقهي، ط، دار الفكر لبنان، 328/ 1. - السدلان: القواعد الفقهية الكبرى، ص 475، 476. - هرموش: معجم القواعد الفقهية الإباضية، ص 111.
(2) سوار وحيد الدين: التعبير عن الإرادة،
ص
215
(3) الكدمي: الجامع المفيد، 305/ 2 - الخليلي سعيد، كتاب التمهيد، 53/ 9 ـ السدلان: القواعد الفقهية، ص 478 - قلعة جي وقنيبي معجم لغة الفقهاء، ص 76 - الشقصي: منهج
الطالبين 305/ 15 - 307. (3/579)
صفحة 1727
580
القواعد الفقهية عند الإباضية
ثالثاً: الأدلة الشرعية على اعتبار إشارة الأخرس
أ ـ من الكتاب العزيز
1 ـ قال الله تعالى مخاطباً زكرياء علي: قَالَ رَبِّ اجْعَل لِي وَايَةً قَالَ وَايَتُكَ أَلَّا تُكَلِمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمزًا وَاذْكُر رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَرِ
(آل عمران: 14).
قال القرطبي في بيان وجه الدلالة من الآية: «في هذه الآية دليل على أن الإشارة تنزل منزلة الكلام، وذلك موجود في كثير من السنة وأكد الإشارات ما حكم به النبي الله من أمر السوداء حين قال لها: أين الله؟» فأشارت برأسها إلى السماء فقال: «أعتقها فإنها مؤمنة). فأجاز الإسلام بالإشارة الذي هو أصل الديانة الذي يحرز الدم والمال، وتستحق به الجنة، وينجي به من النار وحكم بإيمانها كما يحكم بنطق من يقول بذلك، فيجب أن تكون الإشارة عاملة في سائر الديانة، وهو قول عامة الفقهاء (2). 2 ـ وقال تعالى على لسان مريم: فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَن عالم كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا} (مريم: (29).
قال القرطبي في تفسير معنى الآية: الإشارة بمنزلة الكلام وتفهم ما يفهم القول، كيف لا وقد أخبر الله تعالى عن مريم فقال فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ} (مريم: (29)، وفهم منها القوم غرضها ومقصودها فقالوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَن كَانَ فِي الْمَهْدِ صبيا) (مريم): 29). قال المهلب (3): وقد تكون الإشارة في كثير من أبواب الفقه
(1) رواه مسلم، كتاب المساجد، باب تحريم الكلام في الصلاة، رقم 537، عن معاوية بن الحكم. (2) القرطبي المالكي: الجامع لأحكام القرآن، 4/ 80 - 81. (3) المهلب بن أبي صفرة العتكي وأسم أبي صفرة ظالم بن سراق ويكنى المهلب أبا سعيد (7 - 83 هـ / 628 - (702 م تابعي من أهل البصرة، أمير بطاش، جواد، قال فيه عبد الله بن ر هذا سيد أهل العراق. أدرك عمر ولم يرو عنه شيئاً وقد روى عن سمرة بن جندب وغيره، ينظر: ابن سعد الطبقات الكبرى. 129/ 7. ابن عساکر تاريخ دمشق، 283/ 61. الزركلي: الأعلام، 315/ 7.
الزبير: (3/580)
صفحة 1728
الفصل الخامس: القاعدة الفقهية الكبرى الخامسة
581
أقوى من الكلام؛ مثل قوله عليه الصلاة والسلام: بعثت أنا والساعة كهاتين» (1) تعرف قُرب ما بينهما بمقدار زيادة الوسطى على السبابة وفي إجماع العقول على العيان أقوى من الخبر دليل على أن الإشارة قد تكون في بعض المواضع
أقوى من الكلام»).
ب - من السنة النبوية:
1 ـ ما رواه أبو داود في سننه) بسنده عن ابن عمر قال: قال رسول الله: إنا أمة أمية لا تكتب ولا تحسب الشهر هكذا وهكذا وهكذا». وخنس سليمان أصبعه في الثالثة تسعاً يعني وعشرين، وثلاثين (3). قال الخطابي في بيان وجه الدلالة في الحديث: «وفي الحديث مستدل لمن رأى الحكم بالإشارة، وإعمال دلالة الإماء كمن قال: امرأتي طالق، وأشار بأصابعه الثلاثة فإنه يلزمه ثلاثة تطليقات على الظاهر من الحال (4). 2 - ومن السُّنَّة أيضاً ما رواه البخاري في صححيه من أحاديث معلقة وموصولة في كتاب الطلاق وغيره ... منها ما رواه عن ابن عمر ـ عنه - قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يعذب الله بدمع العين، ولكن يعذب بهذا، وأشار إلى لسانه» (ه). ـ وقال كعب بن مالك أشار إلي النبي أن خذ النصف).
(1) متفق عليه، رواه البخاري، كتاب الرقاق، باب قول النبي صلى الله عليه وسلم: «بعثت والساعة كهاتين»، رقم 6139، ومسلم، كاب الفتن وأشراط الساعة، باب قرب الساعة، رقم 2951، عن أنس.
(2) القرطبي: الجامع لأحكام القرآن، 104/ 11. (3) رواه أبو داود، كتاب الصيام، باب الشهر يكون تسعاً وعشرين، رقم 2319، عن ابن عمر. والحديث متفق عليه صحيح البخاري، رقم: (1913). صحيح مسلم، رقم (1080).
(4) الخطابي: معالم السنن، شرح الحديث السابق، 360/ 1.
(5) متفق عليه، رواه البخاري، كتاب الجنائز، باب البكاء عند المريض، رقم 1242، ومسلم، كتاب الجنائز، باب البكاء عند المريض، رقم 924، عن ابن عمر.
(6) متفق عليه، رواه البخاري، كتاب الخصومات باب الملازمة، رقم 2292، ومسلم، كتاب المساقاة، باب استحباب الوضع من الدين، رقم 1558، عن كعب. وعبارة مسلم: الشطر. (3/581)
صفحة 1729
582
القواعد الفقهية عند الإباضية
4 ـ وقالت أسماء: «صلى النبي صلى الله عليه وسلم في الكسوف فقلت لعائشة: ما شأن الناس؟ فأومأت برأسها إلى الشمس، فقلت: آية؟ فأومأت برأسها أي نعم ... » الحديث).
وهي
تصلّي
قال ابن حجر العسقلاني: «قال أبو الحسن بن بطال رحم الله: ذهب الجمهور إلى أن الإشارة إذا كانت مفهمة تنزل منزلة النطق وخالفه الحنفية في بعض ذلك، ولعل البخاري رد عليهم بهذه الأحاديث التي جعل فيها النبي صلى الله عليه وسلم الإشارة قائمة مقام النطق، وإذا جازت الإشارة في أحكام مختلفة من الديانة فهي لمن لا يمكنه النطق أجوز» (2).
ج - من العرف والعادة:
وأما العرف فلأن اعتبار الكتاب من الغائب كالخطاب من الحاضر، ففي حق الأخرس أولى؛ لأن عجزه أظهر وألزم عادة؛ ولأن الغائب يقدر على الحضور غالباً والأخرس لا يقدر على الكلام والتعبير عادة، فكان قبول إشارته أولى إذا تُعورف ما دل عليه في العادة، وهذا من باب (استحسان الضرورة) لما يصيب الأخرس من ضرر وحرج لو لم تعتبر إشارته» (3).
رابعاً: أنواع إشارة الأخرس وأهمية الاتصال غير اللفظي في حياته: الاتصال الصامت وغير اللفظي حقيقة واقعة في حياة البشر، وبصورة خاصة في حياة الأخرس؛ إذ أنه أهم مصدر لاتصاله بالآخرين، وعلاقته معهم خاصة أثناء تعلمه أو استيعابه للحياة والبيئة المحيطة به، والاتصال غير اللفظي يراد: كل أنواع الاتصال الإنساني بدون كلمات منطوقة أو مكتوبة، كتعابير الوجه، والإشارة باليد إلى مكان أو اتجاه معين أو تحريك الرأس بالموافقة أو
(1) ابن حجر العسقلاني: فتح الباري، 435/ 9.
(2) ابن حجر: المرجع نفسه، 438/ 9.
(3) البورنو الوجيز، ص 303. (3/582)
صفحة 1730
الفصل الخامس: القاعدة الفقهية الكبرى الخامسة
583
الرفض، وجميع الإيماءات والحركات التي تصاحب تعامله أو تصرفه الشخصي تعتبر كبيان الناطق في بناء الأحكام عليها). وقد اهتم الفقهاء بالإشارات التي تصدر من الأخرس وبنوا عليها تصرفاته الشرعية، وجعلوها على نوعين:
الأول: تحريك الأخرس رأسه، طولاً، فهذه الإشارة إشارة إنكار، فهاتان
الإشارتان إذا كانتا مفهومتين معروفتين للأخرس أو الأبكم أو الأعجم، تعد الأولى إذا صدرت منه إقراراً والثانية إنكاراً. فمثلا لو كُتبت وصية الأخرس بحضوره وخاطبه الحاضرون قائلين له: نشهد عليك، فأشار بتحريك رأسه الحركة المتعارفة بأنها إشارة له على الموافقة، يكون قد أمضى ما في الوصية، ولو أشار بتحريك رأسه الحركة المتعارفة بأنها إشارة له على عدم الموافقة يكون قد أنكر ما في الوصية. والملاحظ أن القاعدة قيَّدت الإشارة بالأخرس أو الأبكم؛ لأن إشارة الناطق غير معتبرة، كما لو قال شخص لناطق هل لفلان عليك كذا دنانير؟ فخفض رأسه، فلا يكون ذلك إقراراً بالدنانير)
خامساً: ما يشترط لصحة إشارة الأخرس
(2)
ليس كل إشارة تصدر من الأخرس معتبرة، بل يشترط لصحتها واعتبارها نوعان من الشروط عامة وخاصة
أ ـ الشروط العامة: وهي أن تكون الإشارة مفهومة معهودة يفهمها كل من وقف عليها، ويراد بها (الإشارة (الصريحة عند من لم يحدد ضابطاً بالإفهام، وهم الجمهور.
(1) عبد العزيز حمزة: بشائر الأمل، معهد الأمل الابتدائي للصم، الأحساء، السعودية العدد الرابع 401، ص 3 - 7.
(2) السدلان القواعد الفقهية، ص 472 - 473. -:هرموش معجم القواعد الفقهية، ص 111. (3/583)
صفحة 1731
584
القواعد الفقهية عند الإباضية
والإشارة من الأبكم كالعبارة من الناطق، فإذا كانت مفهومة للجميع فهي كالصريح من الناطق، وإذا كانت غير مفهومة فهي كالكناية، وفي هذه الحالة يتحقق منها بواسطة أهله وأقاربه وجيرانه وأصحابه ماذا يقصد منها)، فالقاضي مثلاً إذا لم يفهم إشارة الأخرس يلزم استفساره ممن يعرفونه، ويشترط أن يكون المترجم عدلاً؛ لأن الفاسق لا يقبل كلامه (2).
قال أبو سعد الكدمي مشيراً إلى هذا المعنى وأما الأعجم فمعنى أنه قد قيل يجوز استعماله والاستعانة به في الأعمال إذا كان يعقل منه بالإيماء ما يعرف به الرضى والكراهة، والمساعدة من الانتفاع والمعونة من الأجرة إذا كان سعر البلد، وكان يفهم منه معاني الاعتبار من الربح والمساومة في ذلك، فهو كغيره من الرجال إذا عرف منه ذلك، وكان ذلك ويعقل عنه كان العمل بأجر أو سهم كل ذلك سواء إذا استدل على معرفته بذلك» (3). ويقول الكاساني: «يجوز بيع الأخرس وشراؤه إذا كانت الإشارة مفهومة ذلك» (4). وعند المالكية لا تكون إشارة الأخرس كناية، فإذا كانت مفهومة فهي صريحة، وإلا فَلَغْو). ويؤكد ذلك ابن قدامة فيقول: «وأما الأخرس فإن نكاحه بها ... وإن لم تفهم إشارته لم يصح فهمت إشارته صح وأما من حدد ضابطا للإفهام في إشارة الأخـ وهم الشافعية، فقد صرحوا بأن إشارة الأخرس منقسمة إلى قسمين:
في
منه (6).
1 - صريحة مغنية عن النية وهي التي يفهم منها المقصود كل من
وقف عليها.
(1) هرموش: المرجع السابق، ص 111. (2) البورنو المرجع السابق، ص 303 - 304. (3) الكدمي أبو سعيد: الجامع المفيد، 213/ 2.
(4) الكاساني: بدائع الصنائع، 5/ 135. (5) الزرقاني: شرح الزرقاني على متن الرسالة، 104/ 4. (6) ابن قدامة: المغني، 43/ 7. (3/584)
صفحة 1732
الفصل الخامس: القاعدة الفقهية الكبرى الخامسة
585
2 ـ كنائية مفتقرة إلى النية وهي التي يختص بفهم المقصود بها دووا الفطنة والذكاء، وتعرف نية الأخرس فيما إذا كانت إشارته كناية بإشارة أخرى أو كتابية، أما إذا لم يفهم إشارته أحد فهي لغو).
- وأما الشروط الخاصة: فتختلف حسب طبيعة التعبير، فإذا كانت الإشارة تعبيراً تعاقديّاً في عقد النكاح وجب أن تكون تعبيراً صريحاً ومفهوماً من الشاهدين.
لم يصح
يقول ابن قدامة: «ولأن النكاح عقد بين شخصين لا بد من فهم كل واحد منهما ما يصدر من صاحبه، ولو فهم ذلك صاحبه العاقد معه يفهم الشهود أيضاً؛ لأن الشهادة شرط ولا يصح على ما لا يفهم). - وإذا كانت الإشارة تعبيراً عن إرادة الطلاق وجب أن تكون مقرونة بصوت من المطلق الأخرس قال الحموي ولا يخفى أن التي يقع بها طلاقه الإشارة المقرونة بتصويت منه؛ لأن العادة منه في ذلك؛ فكانت بياناً لما أجمله الأخرس» (3).
سادساً: ما تُقبل فيه إشارة الأخرس وما لا تُقبل فيه: تعتبر إشارة الأخرس في كل تصرفاته ومعاملاته وجميع العقود، كالبيع والشراء، والإجارة، والرهن والهبة والإبراء، والنكاح والطلاق، والإقرار والنكول، والوصية والدعوى واللعان، والقذف والإسلام، وغير ذلك من الأحكام، فكما أن الشرع قد اعتبر إشارة الأخرس في العبادات، فإذا حرّك لسانه بالقراءة والتكبير كان صحيحاً معتبراً، فكذلك في المعاملات.
(1) البكري السيد الدمياطي إعانة، الطالبين ط دار إحياء التراث، لبنان 16/ 4 ـ الرملي: نهاية المحتاج، 11/ 3. - السيوطي: الأشباه والنظائر، 364. - وحيد الدين سوار: التعبير عن
الإرادة، ص 316.
(2) ابن قدامة: المغني، 43/ 7.
(3) الحموي أحمد: غمز عيون البصائر، 188/ 1. (3/585)
صفحة 1733
586
القواعد الفقهية عند الإباضية
وإذا كانت الإشارة قد تكون بياناً من القادر في بعض المواضع كما ثبت عن الرسول صلى الله عليه وسلم ـ وهو أفصح العرب والعجم - وقد أخبرنا بالإشارة عن عدد أيام الشهر حينما قال: «الشهر هكذا» ويشير بيده تسعة وعشرون يوماً أو ثلاثون). فالعاجز عن النطق أولى أن تقبل إشارته وتكون بياناً لما يريد (2). ـ واستثنى بعض الفقهاء في قبول إشارة الأخرس بعض الأحكام، كالشهادة واليمين عند البعض، والحدود الخالصة لله تعالى فلا تقبل فيها إشارته بحال، أما العقوبات التي ليست خالصة لله تعالى وفيها حق العبد، كالقصاص والقذف ففيها خلاف بين الفقهاء، فلم يقبلها البعض بناء على قاعدة وجوب الحدود بالشبهات، واعتبرها البعض بناء على أنها حق للعبد، ولذلك يُحدُّ الأخرس بالقذف، ويسقط بإسقاط المقذوف، وكذلك القصاص؛ لأنه حق ليس خالصاً الله تعالى وفيه معنى المعاوضة (3).
6
حقاً
سابعاً: في إشارة المصمت أو معقل اللسان: وهو الذي اعتقل لسانه بعد أن كان يتكلم، وذلك بسبب مرض أو غيره، وهذا لا يعتبر خرسه أصليّاً بل عارضاً لهذا السبب، ويسمى معتقل اللسان، وقد اختلف الفقهاء في حكم إشارته، ومذهب الجمهور أن معتقل اللسان إن كان عاجزاً عن النطق فهو كالأخرس، وتقوم إشارته المفهمة مقام العبارة، فكَوْن إشارته مفهومة أحد الشرطين اللذين يجب توافرهما لصحة إشارة معتقل اللسان.
(1) سبق تخريجه.
(2) الزركشي: المنثور في القواعد، 1/ 165. - السيوطي: الأشباه والنظائر، ص 312. (3) ابن هبيرة: الإفصاح 171/ 2 - البورنو الوجيز، 304 - الأتاسي: شرح المجلة، 193/ 1 - علي حيدر: شرح المجلة، 62/ 1، 63.
(4) كثيرا ما يحدث ذلك نتيجة الصدمات النفسية العنيفة، أو لأصحاب العقد النفسية، أو نتيجة الشلل الجسمي فتتعطل عنده حاسة النطق. (3/586)
صفحة 1734
الفصل الخامس: القاعدة الفقهية الكبرى الخامسة
587
والشرط الثاني: أن تدوم عقلة لسانه حتى الموت، فإذا تحقق هذا الشرطان انعقدت تصرفاته بإشارته التي اعتادها في التعبير عن إرادته، موقوفة إلى حين وفاته، فإذا مات على عقلته نفذت مستندة إلى تاريخ صدورها.
فلو أوصى معتقل اللسان بالإشارة، أو قرئت عليه الوصية وأشار أن (نعم)، صحت وصيته عند الجمهور خلافاً لأكثر الحنابلة).
وقد ورد عن الرسول صلى الله عليه وسلم على قبول إشارة المصمت (معتقل اللسان) فقد صح عن أنس عنه أنه قال: عدا (2) يهودي في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم على جارية فأخذ أوضاحا كانت عليها ورضخ رأسها، فأتى بها أهلها رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي في آخر رمق وقد أصمتت، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من قتلك؟ فلان؟ ـ لغير الذي قتلها ـ فأشارت برأسها أن لا قال فقال لرجل آخر غير الذي قتلها، فأشارت أن لا، فقال: ففلان لِقاتِلها؟ فأشارت أن نعم، فأمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم فرضخ رأسه بين حجرين» (3).
على أن من الفقهاء من جنح إلى التحقيق من شدة الشرط الثاني وهو: امتداد عقلة لسانه حتى الموت فذهب بعضهم إلى الاكتفاء بوقف تصرفات المصمت إلى حين وقوع اليأس من شفائه، وذهب بعضهم إلى وقفها مدة سنة يصبح بعدها المصمت كالأخرس الأصلي، فتقبل حينئذ إشارته المعهودة ويكون لها نفاذ فوري جاء في بدائع الصنائع ما نصه: «يجوز بيع الأخرس وشراؤه، هذا إذا
(1) السيوطي: الأشباه والنظائر، ص 89 - وحيد الدين سوار: التعبير عن الإرادة، ص 219. ـ ابن مفلح المبدع شرح المقنع المكتب الإسلامي، دمشق، 1391 هـ، 7/ 6. (2) عدا: تعدى. أوضاحا: حليا من الدراهم الصحاح. رضخ: كسر، رمق: نفس لفظاً. أصمتت: اعتقل لسانها فلم تستطع النطق لكن مع حضور عقلها.
ومعنى
(3) رواه البخاري في عدد من المواضع في صحيحه منها: كتاب الطلاق برقم (5295)، في باب الإشارة في الطلاق والأمور. (3/587)
صفحة 1735
588
القواعد الفقهية عند الإباضية
كان الخرس أصلياً بأن ولد أخرس، فأما إذا كان عارضاً بأن طرأ عليه الخرس فلا، إلا إن دام به حتى وقع اليأس من كلامه، وصارت الإشارة مفهومة، فيلحق بالأخرس الأصلي). وقال ابن نجيم: «وأما إشارة غير الأخرس فإذا كان معتقل اللسان ففيه اختلاف، والفتوى على أنه إذا دامت العقلة إلى وقت الموت يجوز إقراره بالإشارة، والإشهاد عليه، ومنهم من قدر الامتداد بسنة، وهو ضعيف).
مجمل القول:
وقد رجح بعضهم، وقف تصرفات المصمت سنة فقط يجوز بعدها نفاذ تصرفاته إذا امتدت عقلة لسانه؛ لأن ذلك أدفع للحرج وأدعى إلى استقرار التعامل، وكيف يقال في شريعة خصها الله باليسر والسماحة بأن تظل تصرفات
المصمت موقوفة حتى ولو دامت عقلة لسانه إلى حين قد يطول أمده (3). ولعل ما ذهب إليه بعض الفقهاء في تحديد مدة توقف تصرفات المصمت سنة هو ما يترجح عندنا أيضاً، لما فيه من يسر ورفع للحرج، ومراعاة لأحوال الناس للتخفيف عنهم.
وهكذا يمكن القول: إن لمعتقل اللسان أن يمضي جميع العقود والتصرفات وتعتبر إشارته المفهمة كالأخرس في اعتبار إشارته في كل ما سبق ذكره، فإن كان يقدر على الكتابة انعقدت تصرفاته، بها، كما تنعقد بالإشارة، وإن كان عاجزاً عن الكتابة فإنها تنفذ بالإشارة المفهمة المعلومة بالاتفاق، وتكون حينئذ
الوسيلة المتعينة للتعبير عن الإرادة).
(1) الكاساني: بدائع الصنائع، 135/ 5.
(2) ابن نجيم: الأشباه والنظائر، ص 344.
(3) وحيد الدين سوار التعبير عن الإرادة، ص 220، بتصرف.
(4) وهبة الزحيلي: الفقه الإسلامي وأدلته، 46/ 7. (3/588)
صفحة 1736
الفصل الخامس: القاعدة الفقهية الكبرى الخامسة
ثامناً:
فروع القاعدة:
589
1 - حكم إشارة الأخرس في إبرام العقود والتصرفات المالية: الإشارة من الأخرس قائمة مقام العبارة في كل شيء من بيع وإجارة ورهن، وطلاق، وإبراء، وإقرار، وقصاص، والحاصل يحق للأخرس بإشارته المعهودة أن يأتي كل ما يأتيه الناطقون فيعقد أي عقد أراد ويجيز ويقر، وينكل عن حنث اليمين، ويوكل بإدارة أموره (1).
واستدل أحمد بن عبد الله الكندي على جواز ذلك بما رُوي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لا يقتل بالإشارة» (2). فدل على أن الإشارة بالقتل تقوم مقام النطق به؛ لأن أمره بالإشارة كأمره بالنطق، وامتثال أمره بالإشارة كامتثاله بالكلام» (3). ويؤكد المحقق الخليلي هذا المعنى في معرض حديثه عن حكم تصرفات الأصم والأخرس قياساً بالأعمى، ويبين أنّ فقهاء الإباضية قد اختلفوا في بيعه وشرائه، ورهنه، وسلفه، وهبته، فمنعها البعض وأجازها آخرون.
ومما جاء في نصه أنّ في قول أبي علي الله ما دل في عدله على المنع من هذا كله، وفي قول أبي عبد الله الله كذلك في بيعه وشرائه وهبته إلا ما يجوز بين الناس من الهدايا لا غيره من الأصول، فإنه لا يجوز له في ذلك. ـ وفي قول أبي المؤثر رحم الله ما هو من نحو هذا، إلا ما أبصره من قبل أن يعمى فلم يتحول عما كان عليه فإنه يجوز إلا أنهما لم يصرحا في سلفه بشيء يذكر فيه.
(1) علي حيدر: شرح المجلة، 63/ 1.
(2) لعله قصد حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قتل عبد الله بن سعد بن أبي السرح، رواه أبو داود، كتاب الجهاد، باب قتل الأسير، رقم 2683، والنسائي في المجتبى كتاب تحريم الدم، الحكم على المرتد، رقم 4067، عن سعد، بلفظ: قال أما كان فيكم رجل رشيد يقوم إلى هذا حين رآني كففت يدي عن بيعته فيقتله؟ فقالوا: ما يدرينا يا رسول الله ما في نفسك هلا أومأت إلينا بعينك قال: إنه لا ينبغي لنبي أن يكون له خائنة الأعين». ابن حجر: إسناده صالح. تلخيص الحبير، 130/ 3. (3) الكندي أحمد بن عبد الله: المصنف، 43/ 41. (3/589)
صفحة 1737
590
القواعد الفقهية عند الإباضية
وفي قول الحواري حمله مثل ما قاله أولئك فيما ينظر بالعين لا ما عداه من شيء لا يبصر بها في حين، فإنه لا يجوز فلا يمنع.
وفي قول أبي الحسن، لمن سأله عن الشراء منه ما دل عل جوازه في الشيء الخفيف لا ما فوقه، فإنه لم يذكر له، إلا أنه لما خص في مجمل قوله بالإجازة ما قد عرفه به احتمل أن يكون معه ما ثقُل في خير ما لم يره من الجائز، فامتنع من أن يرخص فيه، وعسى في المنع أن يكون من طريق الجهالة؛ لأنه لا يرى ما يبيع أو يشتري ولا ما يهب فيعطى لا التحريم). وبعد أن ذكر المحقق الخليلي رأي الإباضية في تصرفات الأعمى ناقش أقوالهم، أشار إلى علة المنع، ورجح جواز تصرفات الأعمى فيما تعارف عليه الناس، وكذلك الأصم والأخرس إذا كانت عبارتهم أو إشارتهم يفهم
منها قصدهم.
فيقول: «ألا وإنه لا بأس به من الأصم وإن كان لا يسمع فإنه يرى ويتكلم، فلا يمنع من أن يجوز في شيء من هذا أبداً، ومختلف في جوازه من الأعمى لمن قد عرفه من إيمائه إن كان في تصرفه بحال من لا يُغبن لبلاهة في بيعه ولا في شرائه.
وعلى رأي من يجيزه فعسى أن يكون في المسالمة لأني لعدم ما به منه في إيجابه وقبوله من كلام يوجبه لفظاً من قوله، ولعل بعضاً قد يستحب في الأصول أن تكون مع أمره عن وكيل فإن لم يكن فيحضره أحد من أوليائه. وعلى من لم يجزه فلا بد في البيع ولا في الشراء، لما جاز أن يباع أو يشترى له من ماله حقيره وجليله من أن يكون عن رأي وكيله، وإلا فلا يصح، إلا أني أقربهما من الإجازة على يديه في الواسع من الاطمئنان به لمن بلغ فهمه إلى معرفة ما يومئ به له ولم يشك في معرفته هو لما يومئ به إليه، فألحق بهما ما يكون من هبته لعدم ما يدل في غير الحكم على صحة المنع
(1) الخليلي سعيد: كتاب التمهيد، 48/ 9. (3/590)
صفحة 1738
الفصل الخامس: القاعدة الفقهية الكبرى الخامسة
091
من جواز هديته، إلا أن يكون في غير تقدير فعسى أن يجوز، فيمنع لوجود ما به من تدبير، والقول في الأخرس على هذا الحال فيما يبيعه أو يهبه أو يشتريه من المال وإن خالفه في السمع، فجاز أن يزيده قُرباً فإنه ممنوع اللسان، فلا يكون ذلك منه ما لم يجزم من لفظ يوجبه في الحكم، كلا فهما إذا في المعنى يشبهان لرجوعهما فيه إلى الإيماء لا ما زاد عليه، ألا وإنه قد يجوز أن يصح بكتابة إن عرفها، وجميع ما كان على لغة لا يفهمها الآخر منه في البيع أو ما أشبهه، فكذلك إن نزلا فيه لغرة فهم العبارة إلى ما يكون من الإشارة؛ لأنه بالإضافة إليه، والأخرس في المعنى بمثابة واحدة إن صح ما أراه» (1).
والحاصل: يستنتج من عبارة الخليلي أنه يرجح جواز تصرفات الأخرس والأصم إن كانت لهما إشارة مفهومة، أما إن كانا يعرفان الكتابة فيجوز لهما الإفصاح عن قصدهما بها، ويلزم الأخذ بها في جميع الأمور حسب العرف والعادة ما دامت إشارتها وكتابتها مفهومة، بينما يذهب بعض الإباضية إلى جواز ذلك في الأمور البسيطة دون غيرها، كبيع العقارات أو شرائها أو هبتها.
2 - زواج الأخرس والأعجم وطلاقهما: اختلف الإباضية في حكم زواج الأخرس والأعجم وطلاقهما، والجمهور على جواز ذلك ووقوعه إذا كانت لهما إشارة مفهومة ويعقلان ذلك، فإن لم يكن كذلك فإن الولي ينوب عنهما في ذلك. قال الشقصي في هذا الشأن: «وأما الأخرس إذا أراد أن يتزوج، فإنه إذا
كان يعقل بالإشارة كان تزويجه وقبوله بالإشارة، وأما الأعجم فيختلف في
تزويجه إن كان يعقل منه الإيماء.
(1) الخليلي: المرجع نفسه، 49/ 9 - 50. (3/591)
صفحة 1739
592
القواعد الفقهية عند الإباضية
حال،
- وأما العجماء إذا كانت يفهم منها الإيماء بالرضى، فقد أجاز من أجاز تزويجها وكرهه من كرهه، ويفسده بعض وقال بعض أمرها إلى وليها، وإن لم يكن للعجماء ولي، فيختلف في أمرها، قال بعض: لا يجوز تزويج العجماء على ويوجد ذلك محمد عن بن محبوب حمد لله، وقول يجوز تزويجها بما يعرف من رضاها في ذلك بما يعقل عنها الذين يفهمون ذلك من إيماءها، كما جاز بيعها فيما دون الأصول من مالها، وقول لا يجوز ذلك إلا بنظر أوليائها لها، فإن رأوا ذلك القيام لها بالقسط في بيع مالها الأصول منه برأي الحاكم، إذا سألوا ذلك، وإنما هذا كله في اختلاف أمر رضاها على التزويج، ولزوم التزويج لها، والمسلمون بعد السلطان ولي من لا ولي له، وهم الناطقون في ذلك بالقسط». ويضيف الشقصي في السياق نفسه: «وإن تزوجت امرأة بأعجم، ثم قالت: إنه طلقها، وفهمت منه الطلاق بالإيماء، وعرفت أن ذلك منه طلاق، وتزوجت وهي من أهل الولاية، فإنه ما يكون من حالها الوقوف عنها، أي عدم البراءة منها، لأن في تصرفها شبهة، فقد تكون إشارته لا يعني بها الطلاق، ولكن المرأة فهمت منه الطلاق أو تأوّلت ذلك، فالأولى عدم الحكم عليها بالبراءة ... » (2).
ـ حكم بيع الأعجم وشراؤه:
جاء في كتاب التمهيد للخليلي ما نصه: «والأعجم) مختلف في جواز بيعه وشرائه إذا دل على رضاه بما به يعرف من إيمائه ... ».
(1) الشقصي: منهج الطالبين، 306/ 15. (2) الشقصي: المرجع نفسه، 307/ 15.
(3) قال الرازي: الأعجم: كل من لا يقدر على الكلام أصلاً فهو أعجم ومستعجم، والأعجم الذي لا يفصح ولا يبين كلامه، وإن كان من العرب، والمرأة عجماء، والأعجم أيضاً الذي في لسانه عجمة وإن أفصح بالعجمة، والعجماء البهيمة لا تتكلم ... ينظر: الرازي: إيضاح مختار الصحاح، ص 271. (3/592)
صفحة 1740
الفصل الخامس: القاعدة الفقهية الكبرى الخامسة
593
ونقل عنه فيمن باع مالاً له ولأخ له أعجم بنصيبه مالاً وفي النظر أنه صلاح للأعجم، هل يجوز ذلك له ولمن اشترى منه المال، أو بايعه له إذا كان هذا الأعجم يعرف بالإيماء، ولما أشير عليه أشار بالرضى بما فعله أخوه؟». قال الخليلي: «فإن كان هذا الأعجم بالغ الحلم وسالم العقل يعرف ما يومأ به إليه، ويفهم منه ما يومئ هو به جاز ذلك في قول السالمي إذا عرف منه الرضى منه فاستدل عليه بالإيماء).
فالرضا هو الأساس في صحة العقود، فإذا ظهر من الأخرس أو الأعجم ما يدل على رضاه بإشارة منه مفهومة، وهو يعقل فعله، ويفهم إشارة غيره قبل تصرفه واعتبر نافذاً.
(1) الخليلي سعيد: كتاب التمهيد، 53/ 9. (3/593)
صفحة 1741
>>
المطلب الرابع
لا ينكر تغير الأحكام بتغير الأزمان
أولاً: أهمية القاعدة:
من
الأصول العامة المقطوع بها، ومن القواعد الأساسية للشريعة الإسلامية
أنها جاءت وافية بمصالح العباد متضمنة كل ما فيه سعادتهم في دنياهم وأخراهم، ومما يحفظ هذه المصالح مراعاة العرف الصحيح والعادة المستحسنة، ولكن هذه المراعاة قد تستدعي لا محالة تغير الأحكام، فقد تحدث للناس أعراف، وتنشأ للناس، حاجات، وتجد أحوال وتتبدل ظروف تجعل بقاء الحكم معها في الواقعة المعينة مثار شرور ومفاسد، تؤثر على المصلحة الأولى فتتلاشى تلك المصلحة، وتنخرم المناسبة بين الحكم والحال التي كانت عليه مفضية إلى تشريعه فلم يعد يلائمها هذا الحكم ولا تترتب المصلحة المقصودة منه مع بقائه، فتقضي أصول الشريعة إلى تبديله بحكم آخر لتُدرأ تلك المفاسد (1).
ويؤكد الزرقاء هذه الحقيقة فيقول: «من المقرر في فقه الشريعة أن لتغير الأوضاع والأحوال الزمنية تأثيراً كبيراً في كثير من الأحكام الشرعية الاجتهادية، فإن هذه الأحكام تنظيم أوجبه الشرع يهدف إلى إقامة العدل وجلب المصالح ودرء المفاسد، فهي ذات ارتباط وثيق بالأوضاع والوسائل الزمنية وبالأخلاق العامة، فكم من حكم كان تدبيراً وعلاجاً ناجعاً لبيئة في زمن معين، فأصبح بعد جيل أو أجيال لا يوصل إلى المقصود منه، أو أصبح يفضي إلى عكسه بتغير الأوضاع والوسائل والأخلاق» (2).
(1) السدلان القواعد الفقهية، ص 426 - 427. (2) الزرقا مصطفى: المدخل الفقهي العام، 941/ 1. (3/594)
صفحة 1742
الفصل الخامس: القاعدة الفقهية الكبرى الخامسة
595
ومن هنا لم يجد المحققون من فقهاء المسلمين في مختلف العصور أي
أن
غضاضة أو حرج في إعلان وجوب تغير الفتوى بتغير الأزمنة والأمكنة والأعراف والأحوال، وهذا يدل على مقدار احترامهم للعرف وفهمهم القواعد الفقهية ما وضعت إلا لمصلحة الناس وضبط معاملاتهم التي يجب لأعرافهم، حتى لا يجمد الفقه أمام ما يطرأ من حوادث بحسب
أن تخضع
اختلاف الأحوال وتغير الأزمان).
ولا بأس نورد بعض نصوص العلماء تؤكد جواز تغيير الفتوى بسبب تغير الزمان وأخلاق الناس وعاداتهم.
يقول السالمي في سياق حديثه عن شهادة المرأة في الرضاع: «ثبت في السُّنَّة أنه تقبل شهادة امرأة واحدة في الرضاع ولا يشترط فيها العدالة، ولكن لما تغير الزمان فأصبحت النساء يسعين إلى إفساد النكاح بشهادتهن، اشترط بعض الفقهاء أن تكون الشاهدة عدلة وإلا لا تُقبل شهادتها، قال موسى بن علي: لا أقبل في هذا الزمان قول امرأة في الرضاع بعد النكاح إلا عدلة لما ظهر من الفساد؛ لأن الناس إذا شاؤوا فساد النكاح أحضروا امرأة فشهدت بالرضاع» (2).
ويقول ابن عابدين في هذا المعنى: «إن المسائل الفقهية إما تكون ثابتة بالنص، وإما أن تكون ثابتة بضرب اجتهاد، ورأي وكثير منها ما يبنيه المجتهد على ما كان في زمانه، بحيث لو كان في زمان العرف الحادث لقال بخلاف ما قال أولاً، ولهذا قالوا في شروط المجتهد أنه لا بد فيه من معرفة عادات الناس؛ فكثير من الأحكام تختلف باختلاف الزمان؛ لتغير عُرف أهله ولحدوث ضرورة أو فساد أهل الزمان، بحيث لو بقي الحكم على ما كان عليه للزم منه
(1) السدلان
نفسه، ص 427. المرجع
(2) السالمي: العقد الثمين، 116/ 3. (3/595)
صفحة 1743
596
القواعد الفقهية عند الإباضية
الحرج والمشقة والضرر بالناس ولخالف قواعد الشريعة المبنية على التيسير ودفع الضرر والفساد، لبقاء العالم على أتم نظام وأحسن إحكام، ولهذا نرى مشايخ المذهب خالفوا ما نص عليه المجتهد في مواضع كثيرة على ما كان في زمنه؛ لعلمهم بأنه لو كان في زمنهم لقال بما قالوا به أخذاً من قواعد مذهبية» (1).
وعلى هذا الأساس استثنيت القاعدة الفقهية القائلة: «لا ينكر تغير الأحكام بتغيّر الأزمان» (2). وهذه القاعدة تتفرع عن القاعدة الكلية الكبرى العادة محكمة» لأن العادات تنقسم إلى ثابتة ومتبدلة، وتتعلق بالقسم الثاني، وتُعبر عن تغيير الأحكام المبنية على الأعراف تبعاً لتغير العادات والأعراف والأحوال.
أما القسم الأول: وهو العادات الثابتة؛ فلا مجال لهذه القاعدة فيها، فتبقى
أحكامها ثابتة لا تتغير ولا تتبدل كالأحكام الثابتة بالنصوص الشرعية. ولم نعثر في المصادر الإباضية على عبارة صريحة لهذه القاعدة أو صيغة قريبة منها، ولكن نجد أثرها مجسداً في فروعهم الفقهية، لأنها قاعدة عظيمة النفع لا يستغني عنها طالب علم ولا فقيه ولا مجتهد، وقد نبه على أهميتها كثير من العلماء (3).
يقول الشاطبي: «إن العوائد تختلف باختلاف الأعصار والأمصار والأحوال،
هذه
(1) ابن عابدين نشر العرف رسائل ابن عابدين، 125/ 2. (2) مجلة الأحكام العدلية، المادة (39). (3) فضل الشاطبي القول في هذه القاعدة، ينظر: الموافقات، 2/ 285. وتكلم القرافي عن القاعدة في أغلب كتبه، مثل: كتاب الإحكام في تمييز الفتاوى عن الأحكام في الإجابة عن السؤال التاسع والثلاثين، ص 231، وفي الفروق، 176/ 1 وتعرض ابن القيم لهذه القاعدة في إعلام الموقعين تحت عنوان «تغيير الفتوى واختلافها بحس، تغيير الأزمنة والأمكنة والبيئات والعوائد»، 583/ 3. (3/596)
صفحة 1744
الفصل الخامس: القاعدة الفقهية الكبرى الخامسة
597
وغير ذلك من الأمور التي تتغير من زمن إلى زمن، وبلد إلى آخر؛ ولذا فإنها لا يقضى بها البتة على من تقدم حتى يقوم دليل على موافقة العرف الجاري اليوم لسابقه فيكون الدليل هو الذي جعلنا نقضي به على الماضي لا بمجرد العادة، وكذلك في المستقبل لا يحكم بالعادة الماضية أو العرف السابق؛ لأنها غير مستقرة في ذاتها، وحيث كانت غير مستقرة لا يتأتى الحكم بها إلا على التصرف الحادث وقت قيامه ... ).
ويرشد أهل الفتوى إلى مراعاة عادات الناس وأعرافهم في تقرير الأحكام حسب تغير الأحوال والأزمان ويحذر من الجمود عليها.
يقول القرافي: «الأحكام المرتبة على العوائد تدور معها كيفما دارت وتبطل معها إذا بطلت كالنقود في المعاملات والعيوب في الأعراض في البيئات ونحو ذلك ... وبهذا القانون تعتبر جميع الأحكام المترتبة على العوائد ... وعلى هذا القانون تراعى الفتاوى على طول الأيام ... فمهما تجدد العرف اعتبره، مهما سقط أسقطه، ولا تجمد على المسطور في الكتب طول عمرك، بل إذا جاءك رجل من غير إقليمك يستفتيك لا تجره على عرف بلدك، واسأله عن عرف بلده، وافته به دون عرف بلدك، والمقرر في كتبك، فهذا هو الحق الواضح، والجمود على المنقولات أبداً ضلال في الدين، وجهل بمقاصد علماء المسلمين والسلف الماضين، وعلى هذه القاعدة تتفرع جميع أيمان الطلاق، وصيغ الصرائح
والكنايات ... » (2).
ولأهمية هذه القاعدة سأفصّل القول فيها، وأبين معناها وأدلتها وعناصرها،
وتطبيقاتها على الفروع الفقهية:
(1) الشاطبي: الموافقات، 2/ 220 - 221.
(2) القرافي: الفروق، 176/ 1 – 177. (3/597)
صفحة 1745
598
القواعد الفقهية عند الإباضية
ثانياً: معنى القاعدة:
النكر لغة من نكر الشيء وأنكره إنكاراً لم يقبله قلبه ولم يعترف به لسانه، وأنكرت عليه فعله إنكاراً إذا عبته ونهيته والإنكار خلاف الاعتراف،
وأصله في اللغة خلاف المعرفة التي يسكن إليها القلب).
والتغيير: مأخوذ من غيرت الشيء تغييراً إذا أزلته عما كان عليه فتغير هو، وأصله في اللغة يدل على اختلاف شيئين (2).
والأحكام: جمع حُكم وهو في اللغة: القضاء، وأصله في اللغة المنع والإتقان والفصل (3).
والحكم في الاصطلاح إسناد الأمر إلى آخر إيجاباً أو سلباً، وإدراك وقوع النسبة أو عدم وقوعها (ه).
ـ والحكم الشرعي كما عرفه الشماخي: هو خطاب الله تعالى المتعلق بأفعال المكلفين بالاقتضاء أو التخيير أو الوضع)، وهو التعريف الذي اصطلح عليه أهل الأصول). بينما اختار السالمي تعريفه بأنه: «أثر خطاب الله المتعلق بأفعال المكلفين بالاقتضاء أو التخيير أو الوضع) (8)
(1) ابن فارس: معجم مقاييس اللغة 476/ 5. - الفيومي: المصباح المنير، ص 858. (2) ابن فارس: المرجع نفسه 403/ 4 - الفيومي: المرجع نفسه، ص 629.
نفسه، (3) الفيومي: ص 200 ـ ابن منظور لسان العرب مادة: حكم، 951/ 2. (4) الجرجاني: التعريفات، ص 123
(5) السالمي: طلعة الشمس، 12/ 1.
(6) الشماخي: شرح المختصر، (مخ) ص 272
(7) الغزالي: المستصفى، 2/ 55. - الآمدي الإحكام، 1/ 135 - ابن قدامة: روضة الناظر،
1/ 90. ـ الأسنوي: نهاية السول، 47/ 1. ـ الشوكاني: إرشاد الفحول، ص 5. ـ ابن عبد الشكور: فواتح الرحموت، 54/ 1.
(8) السالمي: طلعة الشمس، 12/ 1، 213/ 2. (3/598)
صفحة 1746
الفصل الخامس: القاعدة الفقهية الكبرى الخامسة
599
والأزمان جمع زمان وزمن وهو اسم لقليل الوقت وكثيره، وبعبارة
أخرى المدة من الوقت قصيرها وطويلها» (1).
والمراد بتغير الزمان في هذه القاعدة تغيير أحوال الناس وعاداتهم وأعرافهم بتقلبات الأزمان عليهم).
والمعنى الإجمالي للقاعدة: أن الأحكام الجزئية في الواقع إذا كانت مبنية على العرف في زمن قد تتبدل في أمثالها من الوقائع لتبدل العرف والعادة في هذا الزمان فإن العادات تتبدل بتبدل الأزمان فالأحكام المبنية عليها تتبدل أيضاً تبعاً لتبدلها، أما الأحكام المبنية على نصوص شرعية أو أعراف ثابتة فلا تتغير ولا تتبدل بتقلبات الأزمان وتبدلها، كالقصاص من القاتل العمد لم يُبن على عرف وعادة بل على
(3)
أدلة شرعية فلا يتغير وعليه فإن تغير الأوضاع والأحوال الزمنية له تأثير كبير في كثير من الأحكام الشرعية الاجتهادية؛ لأن ما كان من الأحكام الشرعية مبنياً على عرف الناس وعاداتهم تتغير كيفية العمل بمقتضى الحكم باختلاف العادة عن الزمن السابق، أما أصل الحكم الثابت بالنص فلا يتغير. فمثلاً: أثبت الشرع خيار الرؤية لمن اشترى شيئاً ولم يره)، وهذا ثابت بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم القائل:
من اشترى شيئاً لم يره فله الخيار إذا رآه).
(1) قلعة جي وقنيبي: معجم
لغة الفقهاء، ص
233
(2) شبير محمد عثمان القواعد الكلية، ص 260.
(3) سليم القاضي شرح المجلة، 1/ 99. ـ شبير محمد ثمان المرجع نفسه. ـ زيدان عبد الكريم: المدخل لدراسة الشريعة الإسلامية، ص 102.
(4) ابن جعفر الجامع 137/ 5.
(5) الحديث روي مسنداً ومرسلاً، أخرجه الدارقطني وابن شيبة في مصنفه، والبيهقي وفي سنده مقال، ينظر: الزيلعي جمال الدين أبو محمد عبد الله بن يوسف: ت: 762 هـ، كتاب نصب الراية لأحاديث الهداية، 9/ 4. (3/599)
صفحة 1747
600
القواعد الفقهية عند الإباضية
فبناء على هذا الحديث وقد رأى المتقدمون اعتياد الناس في عصرهم بناء الدور على نسق واحد لا تفاوت بين بيوتها فقالوا: إن رؤية بيت واحد من الدار يُغني عن رؤية الجميع في إسقاط الخيار.
ولكن لما اختلفت طرق الإنشاءات وهندستها وصارت الدور يختلف بعض بيوتها عن بعض بحسب عاداتهم أفتى المتأخرون بأنه لا بد من رؤية جميعها، فهذا ليس اختلاف حجة وبرهان بل اختلاف عصر وزمان، وكذلك أفتى المتأخرون من الفقهاء بعدم تصديق الزوجة بعد الدخول بأنها لم تقبض المشروط تعجيله من المهر، مع أنها منكرة للقبض والقاعدة إن القول للمنكر مع يمينه، لكنها في العادة لا تسلّم نفسها قبل قبضه (1).
6
ثالثاً: أدلة القاعدة:
يستدل لهذه القاعدة بأدلة كثيرة من القرآن والسُّنَّة وآثار الصحابة والإجماع والمعقول، وفيما يلي بيان لتلك الأدلة:
أ ـ من القرآن الكريم:
1 - قوله تعالى: {يَتَأَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَبِرُونَ يَغْلِبُوا مِاثَنَيْنِ وَإِن يَكُن مِّنكُم مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفَا مِّنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمُ لَا يَفْقَهُونَ} (الأنفال: 65).
وجه الاستلال بالآية:
روى البخاري في تفسير هذه الآية عن ابن عباس لما قال: «لما نزلت إن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَبِرُونَ يَغْلِبُوا مِاثَنَيْنِ} (الأنفال: (65)، شق ذلك على المسلمين حين فرض ألا يفر أحد من عشرة فجاء التخفيف: {الْكَنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ
(1) البورنو: الوجيز، ص 310 - عبد الكريم زيدان المدخل لدراسة الشريعة الإسلامية، 102. (3/600)
صفحة 1748
الفصل الخامس: القاعدة الفقهية الكبرى الخامسة
أَن فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِن يَكُن مِّنكُم مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ} (الأنفال: 66). قال: فلما خفف الله عنهم من العِدة نقص من الصبر بقدر ما خفف عنهم وهذه الرواية لا تدل على النسخ الأصولي الذي زعمه بعضهم وهو رفع الحكم الذي تضمنته الآية الأولى وانتهاء العمل به على الأبد»، بل إن الآية الأولى عزيمة أو مفيدة بحال القوة، والثانية رخصة مفيدة بحال الضعف (2)، وبناء عليه، فإن الآية الثانية شرعت لحالة معينة غير الحالة التي جاءت لها الآية الأولى (3)، وتغيير الحكم يكون بحسب الحال، ففي حال القوة يعمل بالآية الأولى، وفي حال الضعف يعمل بالآية الثانية (4).
ب - من السنة النبوية: والناظر في السُّنَّة النبوية يجد لهذا النوع من التغيير أصلاً فيها، ودليلاً
عليها في أكثر من شاهد ومثال، فمن ذلك: 1 ـ ما رواه البخاري عن سلمة بن الأكوع قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «مَن ضحى منكم فلا يصبحنَّ بعد ثلاثة ويبقى في بيته منه شيء» (). فلما كان العام المقبل قالوا يا رسول الله نفعل كما فعلنا العام الماضي، قال: «كلوا وأطعموا وادخروا فإن ذلك العام كان بالناس جهد فأردت أن تعينوا فيها. وفي رواية: «إنما نهيتكم من أجل الدافة التي دفّت، فكلوا وادخروا وتصدقوا».
(1) ابن حجر العسقلاني: فتح الباري شرح صحيح البخاري، كتاب التفسير باب 7 حديث رقم 4653، 312/ 8. - ينظر أيضاً ابن كثير: تفسير القرآن العظيم، 324/ 2. ـ القرطبي: الجامع لأحكام القرآن، 44/ 8
(2) ابن حجر: المرجع نفسه - ابن الجوزي نواسخ القرآن، ط، 1404/ 1 هـ، الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة تحقيق ودراسة محمد الميار، 352/ 1.
(3) السدلان القواعد الفقهية، ص 422.
(4) شبير عثمان: القواعد الكلية، ص
261
(5) صحيح مسلم، كتاب الأضاحي، رقم (234) 1563/ 3. (6) صحيح البخاري، كتاب الأضاحي، رقم (5569). (7) صحيح مسلم، رقم (28) 1561/ 3. (3/601)
صفحة 1749
602
القواعد الفقهية عند الإباضية
وجه الاستدلال بالحديث
فقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن ادخار لحوم الأضاحي فوق ثلاثة أيام وأمر بالتصدق بالباقي، ثم أباح في العام التالي لهم الادخار، فالنهي في السنة الأولى يُحمل على حالة معينة طارئة، وهي وجود ضيوف وافدين على المدينة وهم يحتاجون إلى الإكرام والمواساة، وهذا ما يوجبه كرم الضيافة وسماحة الأخوة من لحم الضحايا، وفي السنة الثانية ارتفع ذلك الظرف العارض وزالت تلك العلة، فأذن لهم بالادخار، فقد زال الحكم الذي أفتى به الرسول صلى الله عليه وسلم وتبعاً لها غير فتواه من المنع إلى الإباحة، مما يدل على أن الحكم المبني على حالة طارئة يتغير بتغير تلك الحالة (1). قال القرطبي في تفسيره: اعلم أن المرفوع بالنسخ لا يحكم به أبدا والمرفوع لارتفاع علته يعود الحكم لعود العلة، فلو قدم على أهل بلدة ناس يحتاجون في زمان الأضحى ولم يكن عند أهل تلك البلدة سعة يسدون بها فاقتهم إلا الضحايا لتعين عليهم ألا ينحروها فوق ثلاث كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم (2). 2 - ومن السُّنَّة أيضاً ما رواه البخاري في صحيحه عن أبي هريرة الله قال: «سئل النبي صلى الله عليه وسلم أي الأعمال أفضل؟ قال: إيمان بالله ورسوله، قيل: ثم ماذا؟ قال: الجهاد في سبيل الله قيل: ثم ماذا؟ قال: حج مبرور (3) فجعل الجهاد في سبيل الله، أفضل الأعمال بعد الإيمان.
وروى البخاري أيضاً عن عائشة أم المؤمنينا عن النبي صلى الله عليه وسلم: سأله
نساؤه عن الجهاد فقال: «نغم الجهاد الحج» (4).
(1) السدلان وجوب تطبيق الشريعة الإسلامية والشبهات التي تثار حولها، من البحوث المقدمة لمؤتمر الفقه الإسلامي المنعقد بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، السعودية، 1404،
261
ص 118 - 119. - وينظر شبير عثمان: القواعد الكلية، ص (2) القرطبي: الجامع لأحكام القرآن، دار الكتاب العربي للطباعة والنشر بالقاهرة 1387 هـ، 48/ 2.
(3) صحيح البخاري، كتاب الإيمان، باب من قال إن الإيمان هو العمل، رقم (26). (4) صحيح البخاري، كتاب الجهاد، باب جهاد النساء، رقم (2876). (3/602)
صفحة 1750
الفصل الخامس: القاعدة الفقهية الكبرى الخامسة
603
فالجهاد وإن كان من أفضل العمل، فذلك في حق الرجال، أما النساء فأفضل جهاد لهن حج مبرور كما جاء في الحديث السابق، ونجد هنا أنه تغيرت فتوي رسول الله صلى الله عليه وسلم وجوابه لما كان السائل امرأة، إذ الأصل في حمل السلاح أن يكون للرجال.
وهكذا كان يجيب علي الله عن السؤال الواحد بأجوبة مختلفة، وذلك لاختلاف أحوال السائلين؛ فهو يجيب كل واحد بما يناسب حاله، ويعالج قصوره أو تقصيره، ويعطي كل إنسان من الدواء ما يرى أنه أشفى لمرضه، وأصلح لأمره).
ج ـ من آثار الصحابة رضوان الله عليهم:
والناظر في هذي الصحابة وسُنَّة الراشدين لم يجدهم أفقه الناس في اختيار هذه القاعدة، ولذلك أمثلة عديدة يجدها من طلبها في مظانها ومنها: 1 ـ تغير فتواهم في عقوبة شارب الخمر، فإنه لم يكن في زمن النبي صلى الله عليه وسلم حد مقدر وإنما جرى الزجر فيه مجرى التعزير، ولما انتهى الأمر إلى أبي بكر الله
قرر العقوبة أربعين عن طريق النظر كما قال الشاطبي في الاعتصام). وخالفه القطب أطفيش في هذا الحكم فقال: «وجلد أبو بكر على الشرب ثمانين مع أنه ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه جلد عليه أربعين، واقتدى عمر بأبي بكر على الثمانين فنزل جلده ثمانين مع إقرار الحاضرين إياه على ذلك منزلة خبره بأنه رجع إلى الثمانين فوجب قبوله، حتى أن الربيع (3) حكم بهلاك تارك الثمانين ... » (4).
(1) السدلان: القواعد الفقهية، ص 444.
(2) الشاطبي: الموافقات، ط مطبعة السعادة بالقاهرة، مصر، 118/ 2.
(3) يقصد الربيع بن حبيب أبو عمرو الأزدي العُماني (ت: حوالي سنة 170 هـ) ودفن في لوى
بعمان. سبقت ترجمته.
(4) أطفيش أمحمد بن يوسف: شامل الأصل والفرع، ط 1402 هـ / 1984 م، نشر وزارة التراث القومي والثقافة سلطنة عُمان، 12/ 1. (3/603)
صفحة 1751
604
القواعد الفقهية عند الإباضية
والروايات التي وردت في كتب السنن ترجح ما ذهب إليه الشاطبي من أنّ أبا بكر له كان يجلد شارب الخمر أربعين جلدة، ولم يشر القطب إلى مصدر الرواية التي اعتمدها في حكمه. - وروى البيهقي في سننه عن ابن عباس الا أن الشراب كان في خلافة بكر أكثر منهم في عهد النبي صلى الله عليه وسلم؛ فقال أبو بكر: لو فرضنا لهم هذا، «فتوخى لهم نحواً مما كانوا يضربون في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، فكان أبو بكر يجلدهم أربعين حتى توفي الله (1).
في
ـ وروى عبد الرزاق في مصنفه عن أبي سعيد الخدري أن أبا بكر ضرب الخمر بالنعلين أربعين والضرب بالنعلين ليس من جنس الضرب في الحدود المقدرة ... فلما كان عهد عمر بن الخطاب له شاور الناس في جلد شارب الخمر، وقال: إن الناس قد شربوها واجترأوا عليها فقال علي: إن السكران إذا سكر هذى، وإذا هذى افترى أي) قذف الأبرياء)، فاجعله حدّ الفرية (أي القذف، فجعله عمر حد الفرية ثمانين» (2). ـ وجاء عن عمر منه أنه زاد النفي على الضرب لمن شرب الخمر في، رمضان، لما في ذلك من انتهاك حرمة الشهر الكريم ... فقد أُتي بشيخ شرب. في رمضان فقال: للمنخرين للمنخرين (أي كبّه الله للمنخرين) أفي شهر رمضان وولداننا صيام؟ فضربه ثمانين ثم سيَّره إلى الشام "
فالملاحظ أن حد الشرب كان مخففا في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر ولما عمت به البلوى وانتشر شرب الخمر وجاهر بها الناس، شدد عليهم ورفعه عمر الله إلى حد القذف وهو ثمانين جلدة، وهذا يدل على أن العقوبة تختلف باختلاف حال المجرم، ومقدار عُتوه واشتهاره بالفجور، وتكرر
(1) البيهقي: السنن الكبرى، 320/ 8. (2) الصنعاني عبد الرزاق: المصنف، 379/ 7.
(3) البيهقي: السنن الكبرى، 321/ 8. (3/604)
صفحة 1752
الفصل الخامس: القاعدة الفقهية الكبرى الخامسة
الجريمة منه مرة بعد مرةً، وعدم ارتداعه بالعقوبة لأجل هذه الأحوال يُشدّد عليه، بخلاف من لم يشتهر بفسق ولا فجور، ولم ينتهك الحرمات. 2 ـ يرى بعض الإباضية أن الحاكم إلى نظره أحوج إلى أثره، فما دامت العقوبة غير مقدرة فهي متروكة لأولي الأمر واجتهادهم، بل وحتى لو كانت مقدرة وكان الحكم قطعيا فقد تجد أحوال وتطرأ ظروف تجعل الحاكم يؤخر تنفيذ الحكم، أو يُسقط أثره عن صاحبه.
فقد روى ابن أبي شيبة في مصنفه بسنده قال: «كتب عمر بن الخطاب أن لا يجلدن أمير جيش ولا سرية أحداً بحد حتى يطلع على الدرب؛ لئلا تحمله حمية الشيطان أن يلحق بالكفار).
وقد ثبت أن حذيفة بن اليمان الله الله منع أن يقام الحد على الوليد بن عقبة وهو أمير في الغزو، وقال أتحدّون أميركم وقد دنوتم من عدوكم؛
فيطمعون فيكم (2).
وثبت أن سعد بن أبي وقاص الله لم يقم الحد على أبي محجن، وقد
شرب الخمر يوم القادسية (3).
ويدخل في هذا الباب أيضاً «ما فعله عمر منه حين لم يعط المؤلفة قلوبهم من الزكاة)، وحين أسقط الحد عمّن سرق في عام المجاعة). وعقب ابن قيم الجوزية على اجتهادات الصحابة في الأحكام الاجتهادية التي لا يتعارض تغييرها مع الأصول العامة للشريعة الإسلامية على الناس
(1) ابن أبي شيبة: الكتاب المصنف في الأحاديث والآثار، 103/ 10، کتاب الحدود، باب 1523، حديث رقم (8910).
(2) البيهقي: الجوهر النقي بذيل السنن الكبرى، 105/ 9، كتاب السير، باب من زعم لا تقام الحدود في أرض الحرم، ط دار المعرفة لبنان.
(3) ابن أبي شيبة: الكتاب المصنف، 560/ 12، 562.
(4) الكاساني: بدائع الصنائع، ط 2، 1974، دار الكتاب العربي لبنان، 45/ 2.
(5) البيهقي: السنن الكبرى، 278/ 8. (3/605)
صفحة 1753
القواعد الفقهية عند الإباضية
بقوله: «وليس في هذا ما يخالف نصاً ولا قياساً، ولا قاعدة من قواعد الشرع ولا إجماعاً، بل ادعي أنه إجماع الصحابة كان أصوب» (1). وقال ابن قدامة في المعنى نفسه وهذا اتفاق لم يظهر خلافه» (2). 3 - أمر عثمان الله التقاط ضالة الإبل والتعريف بها؛ لتغير حال الناس في زمنه، فقد روى الإمام مالك عن ابن شهاب الزهري قال: «كانت ضوال الإبل في زمان عمر بن الخطاب إبلاً مؤبلة تناتج لا يمسها أحد، حتى إذا كان عثمان بن عفان أمر بتعريفها ثم تباع، فإذا جاء صاحبها أعطي ثمنها (3). وهذا على خلاف ما أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم: فقد قال عندما سئل عنها: «معها سقاؤها وحذاؤها، تَرد الماء وتأكل العشب حتى يلقاها ربها» (4)، فهي قادرة على العيش وحدها فهي ترد الماء وتأكل العشب ولا يخاف عليها من اعتداء الذئب خلافاً للغنم، ولا يخاف عليها من أخذ الصحابة لها، وإخفاءها بقوة الوازع الديني فلما خفَّ الوازع الديني وتغير الحال أمر عثمان بالتقاطها لاختلاف
عندهم
6
(1) ابن قيم الجوزية: إعلام الموقعين عن رب العالمين، 18/ 3. (2) ابن قدامة: المغني، تحقيق: ابن التركي والحلو، مطابع هجر القاهرة مصر، 1410 هـ، 174/ 3. (3) الإمام مالك: الموطأ مع تنوير الحوالك، للسيوطي، مطبعة مصطفى الحلبي القاهرة، 1951 م، 129/ 2، وفي نسخة أخرى للموطأ، رواه مالك في الأقضية، 759/ 2، أنه سمع ابن شهاب يقول: «كانت ضوال الإبل ... الحديث». قال ابن الأثير في جامع الأصول: «إبلاً مؤبلة إذا كانت الإبل مهملة». 711/ 10.
(4) رواه البخاري في كتاب العلم (28) باب الغضب في الموعظة والتعليم إذا رأى ما يكره (91) عن زيد بن خالد الجهني أن النبي لما سأله رجل عن ضالة الإبل فغضب حتى احمرت وجنتاه فقال: «وما لك ولها؟ معها سقاؤها وحذاؤها، ترد الماء وترعى الشجر، فذرها حتى يلقاها ربها». 31/ 1، ورواه في اللقطة (2436). - ومسلم رقم (1722) في اللقطة قال ابن الأثير في «جامع الأصول»: «إنما شدد في ضالة الإبل بقوله: معها حذاؤها وهو الأرض من حقها، لأنه أراد أنها تقوى به على قطع الأرض، وقوله (سقاؤها) أراد أنها تقوى على ورود الماء ورعي الشجر والامتناع من السباع المفترسة، وكذا ما كان في معنى الإبل من البقر والخيل والحمير». اهـ 202/ 10.
ما تطأ
به (3/606)
صفحة 1754
الفصل الخامس: القاعدة الفقهية الكبرى الخامسة
607
الحال؛ ذلك لأنه رأى أن الناس قد دبّ إليهم فساد الأخلاق والذمم، وامتدت أيديهم إلى الحرام، فهذا التدبير أصون لضالة الإبل وأحفظ لحق صاحبها خوفا من أن تنالها يد سارق أو طامع، فهو بذلك ـ وإن خالف أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم في الظاهر - إنما هو موافق لمقصوده، إذ لو بقي العمل على موجب ذلك الأمر بعد فساد الزمان لآل إلى عكس مراد النبي عليه الصلاة والسلام في صيانة الأموال، وكانت نتيجته ضرراً).
د - من الإجماع: أجمع العلماء على أن الأحكام المبنية على الأعراف المتغيرة تتغير بتغير الأعراف والعادات، وممن نقل الإجماع القرافي حيث يقول: «ألا ترى أنهم - الفقهاء ـ أجمعوا على أن المعاملات إذا أطلق فيها الثمن يحمل على غالب النقود، فإذا كانت العادة نقداً معيناً حملنا الإطلاق عليه، فإذا انتقلت العادة إلى غيره عينًا انتقلت العادة إليه، وألغينا الأول لانتقال العادة منه، وكذلك الإطلاق في الوصايا والأيمان، وجميع أبواب الفقه المحمولة على العوائد إذا تغيرت العادة تغيرت الأحكام في تلك الأبواب» (2).
هـ ـ من المعقول:
ولأن الجمود على الأحكام المبنية على أعراف متغيرة يوقع الناس في حرج شديد ومشقة، وتكليف ما لا سبيل إليه كما يقول ابن القيم في وصف فصل: «تغير الفتوى واختلافها بحسب تغير الأزمنة والأمكنة والأحوال والنيات والعوائد»: «هذا فصل عظيم النفع جداً وقع بسبب الجهل به غلط عظيم على
(1) الزرقا: المدخل الفقهي العام، 950/ 1 - 951، نقلاً عن تاريخ الفقه الإسلامي، إخراج كلية الشريعة في الأزهر، ط، مطبعة وادي الملوك، ص 48. - وينظر: شبير: القواعد الكلية،
ص 261.
(2) القرافي: الإحكام في تمييز الفتاوى عن الأحكام، ص 232. (3/607)
صفحة 1755
608
القواعد الفقهية عند الإباضية
الشريعة أوجب من الحرج والمشقة، وتكليف ما لا سبيل إليه ما يعلم أن الشريعة الباهرة في أعلى رتب المصالح لا تأتي به)، فإن الشريعة مبناها وأساسها على الحكم ومصالح العباد في المعاش والمعاد، وهي عدل كلها، ورحمة كلها، ومصالح كلها، وحكمة كلها، فكل مسألة خرجت من العدل إلى الجور، وعن الرحمة إلى ضدها، وعن المصلحة إلى المفسدة، وعن الحكمة إلى العبث فليست من الشريعة وإن أدخلت فيها بالتأويل ... (2).
ويقول القرافي في هذا المعنى: «الجمود على المنقولات أبداً ضلال في
الدين، وجهل بمقاصد علماء المسلمين والسلف الماضيين». ولهذا اشترط الفقهاء والأصوليون في المفتي الذي يتصدى للإفتاء أن يكون عارفاً بأحوال الناس وعاداتهم، فقال ابن عابدين: «والتحقيق أن المفتي في الواقع لا بد له من ضرب اجتهاد، ومعرفة بأحوال الناس» (4)؛ لأن كثيراً من الأحكام الاجتهادية ذات ارتباط وثيق بالأوضاع، والوسائل الزمنية، وبأخلاق العامة، فكم من حكم كان تدبيراً أو علاجاً ناجحاً لبيئة في زمن معين، فأصبح بعد جيل أو أجيال لا يوصل إلى المقصود منه، أو أصبح يفضي على عكسه بتغير الأوضاع والوسائل والأخلاق.
كما أن من المقرر في فقه الشريعة أن لتغير الأوضاع والأحوال الزمنية تأثيراً كبيراً في كثير من الأحكام الاجتهادية؛ لأن هذه الأحكام تنظيم أوجبه الشرع، يهدف إلى إقامة العدل، وجلب المصالح، ودرء المفاسد. وعلى هذا أفتى الفقهاء المتأخرون من شتى المذاهب الفقهية في كثير من المسائل بعكس ما أفتى به أئمة مذاهبهم وفقهاؤها الأولون، وصرح هؤلاء
(1) ابن قيم الجوزية: إعلام الموقعين، 3/ 3.
(2) ابن قيم الجوزية المرجع نفسه، طبعة فرج الله زكي الكردي، 27/ 3.
(3) القرافي: الإحكام، ص 232.
(4) ابن عابدين: نشر العرف في بناء الأحكام على العرف، 117/ 2. (3/608)
صفحة 1756
الفصل الخامس: القاعدة الفقهية الكبرى الخامسة
المتأخرون بأن سبب اختلاف فتواهم عمن سبقهم هو اختلاف الزمان، وفساد الأخلاق، فليسوا في الحقيقة مخالفين للسابقين من فقهاء مذاهبهم، بل لو وُجد الأئمة الأولون في عصر المتأخرين، ورأوا اختلاف الزمان والأخلاق لعدلوا إلى ما قال المتأخرون (1).
رابعاً: عناصر قاعدة: «لا ينكر تغير الأحكام بتغير الأزمان» تتكوّن هذه القاعدة من عدة عناصر رئيسية وهي الأحكام التي تخضع للتغيير، وأسباب تغير الزمان، والمقصد الشرعي من تغير الأحكام بتغير الزمان، وفيما يلي بيان لهذه العناصر:
أ ـ الأحكام التي تخضع للتغيير والتي لا يدخلها التغيير (الثابتة): الأحكام الشرعية نوعان:
1 - منها ما يكون مستنده صريح النص من القرآن والسنة والإجماع. 2 ـ ومنها ما يكون مستنده الاجتهاد من مصلحة أو قياس لعرف أو عادة،
ومن الأمور التي توهم خلاف ما يجب أن تنضبط به الأحكام الشرعية في الشريعة الإسلامية هو أنه ما دام عرف الناس محكماً، بناء على تلك القاعدة العظيمة العادة محكمة» وما دامت أعرافهم متطورة بتطور الأزمان فلا يلزم أن تكون الأحكام الشرعية كذلك؛ لأن نص القاعدة عام في ظاهره، فالتغير في الظاهر شامل للأحكام النصية، وغيرها، لكن هذا العموم ليس مقصوداً، لأنه اتفقت كلمة الفقهاء على أن الأحكام التي تتبدل بتبدل الزمان وأخلاق الناس إنما هي الأحكام الاجتهادية، وعلى ذلك فالأحكام النصية ثابتة لا تقبل التغير، ولا تدخل تحت هذه القاعدة (2).
(1) الزرقا: المدخل الفقهي، 941/ 1، نقلاً من نشر «العرف لابن عابدين في مجموعة رسائله،
2/ 125، بتصرف.
(2) البورنو الوجيز، ص 311 - السدلان القواعد الفقهية، ص 429. (3/609)
صفحة 1757
610
القواعد الفقهية عند الإباضية
وقد أكد بعض الفقهاء معنى هذه القاعدة، ونبه إلى الخطأ الذي يقع فيه بعض الناس فقال: «والحقيقة هي أن الحكم الشرعي لا يتبدل مهما تبدلت
الأزمان وتغيرت الأعراف اللَّهُمَّ إلا عن طريق النسخ، وقد أغلق بابه بعد الله النعمة على عباده بكمال هذا الدين الحنيف؛ فليس لمجتهد ولا سلطة من السلطات نسخ شيء من الشريعة بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم والأحكام باقية ما بقيت الدنيا، إذن فالقاعدة الفقهية «العادة محكمة» ليس معناها أن بعض الأحكام الشرعية تتبدل بتبدل الأزمان حقيقة كما يُفهم من ظاهر هذا اللفظ.
وبيان ذلك يحتاج إلى تحقيق في معنى هذه القاعدة؛ فلطالما كان ظاهرها مزلقاً للأقدام، ومتاهة عن حقيقة المعنى المراد بها. كيف ولو كانت هذه القاعدة على ظاهرها لاقتضت أن تكون مصير شرعية الأحكام كلها رهنا بعادات الناس وأعرافهم، وهو ما لا يمكن أن يقول به أحد» (1).
قالب
ولذلك يرى بعض الفقهاء ضرورة إعادة صياغة القاعدة في أحسن وأجود مما هي عليه، إذ أن مجرد التعبير بـ «الأحكام» هنا تعبير موهم، فالأولى أن تصاغ بصيغة واضحة وهي: «لا ينكر تغيير الأحكام الاجتهادية المبنية على المصلحة والعرف بتغير الأزمنة والأمكنة والأحوال والأعراف والعوائد» (2).
ولأجل ذلك فإننا سنفضل القول فيما يتغير من الأحكام بناء على عادات الناس وأعرافهم، وما لا يتغير، حتى نزيل اللبس الذي طالما يقع فيه كثير من الناس لما تذكر القاعدة: «لا ينكر تغير الأحكام بتغير الأزمان». هذا وقد تتبع بعض الفقهاء ما تعارف عليه الناس واعتادوه وأصبح عرفاً لهم، فحصروه في ثلاث صور:
(1) البوطي محمد سعيد رمضان ضوابط المصلحة في الشريعة الإسلامية، طبع مؤسسة الرسالة
بيروت،
ط 5، 1406 هـ / 1986 م، ص 281.
(2) الندوي علي أحمد القواعد الفقهية، ص 158. (3/610)
صفحة 1758
الفصل الخامس: القاعدة الفقهية الكبرى الخامسة
611
الصورة الأولى:
أن يكون ما تعارف عليه الناس هو بعينه حكم شرعي، بأن أوجده الشرع، أو كان موجوداً فيهم فدعا إليه وأكده.
مثال ذلك: الطهارة عن النجس والحدث عند القيام إلى الصلاة، وستر العورة فيها، وثبوت نفقة الزوجة على الزوج، وستر المرأة زينتها عن الأجانب، والقصاص في الجنايات، والحدود في الزنا والسرقة والخمر، وما شابه ذلك، فهذه كلها أمور تُعدّ من أعراف المسلمين وعاداتهم، وهي في نفس الوقت أحكام شرعية يستوجب فعلها الثواب وتركها العقاب، سواء منها ما كان متعارفا قبل الإسلام، ثم جاء الحكم الشرعي مؤيداً ومحسنا له، كحكم القسامة، والدية، والطواف بالبيت، وما كان غير معروف قبل ذلك، وإنما أوجده الإسلام نفسه كأحكام الطهارة وحجاب المرأة وغير ذلك. فهذه الأحكام ثابتة أبداً لا يجوز أن تدخلها يد التغيير أو التبديل، مهما تبدلت الأزمنة، وتطورت العادات والأحوال؛ لأنها ثبتت بأدلة باقية ما بقيت الدنيا، وليست هذه الصورة هي المعنية بالعادة في قول الفقهاء «العادة
محكمة» (1).
الصورة الثانية:
أن لا يكون ما تعارف عليه الناس حكماً شرعاً، ولكن يعلق به الحكم الشرعي بأن كان مناطاً له (أي علة له).
و مثاله ما يتعارفه الناس من وسائل التعبير وأساليب الخطاب والكلام وما يتواضعون عليه من الأعمال والشؤون المخلة بالمروءات والآداب، وما يعتادونه مما لا حكم شرعيّاً فيه من شؤون المعاملات، كعادة قبض الصداق قبل الدخول، والصورة التي بها يتم قبض المبيعات وما يجد من وسائل توثيق
(1) البوطي: ضوابط المصلحة، ص 281 - 282 - السدلان: القواعد الفقهية، ص
430 (3/611)
صفحة 1759
612
القواعد الفقهية عند الإباضية
العقود والمعاملات، وما تفرضه سُنّة الخلق والحياة في الإنسان مما لا مدخل للإرادة والتكليف به، كاختلاف عادات الأقطار في سن البلوغ وفترة الحيض والنفاس، فهذه الأمثلة أمور ليست بحد ذاتها أحكاماً شرعية كالأمثلة التي قبلها، ولكنها متعلق ومناط لها، فاصطلاحات الناس في تعابيرهم وكلامهم ليست أحكاماً شرعية، ولكنها مناطات الأحكام المتعلقة بصيغ العقود والطلاق والأيمان، وما تعارفوا عليه من الأمور المخلة بالمروءة ليست إلا مناطاً للحكم بقبول شهادة الشاهدين أو رفضها، وما تعارفوه فيما بينهم من وسائل قبض المبيعات ووقت قبض الصداق ليس إلا أساساً لما رتب عليه الشارع من الأحكام، وهذه الصورة من العرف هي التي عناها الفقهاء بقولهم «العادة محكمة؛ لأن الشارع جعلها هي الأساس والمناط لما علق بها من أحكام ولا جرم أن صورة الحكم تتغير بتغير مناطه ألا ترى أن وسيلة الطهارة تتبدل ما بين الماء والتراب حسب تبدل حالة المكلف من قدرته على استعمال الماء وعدمها؛ لأن الشارع جعل قدرته على استعماله هو مناط وجوب الطهارة به. ومن الخطأ البين أن يُظن أن دوران مثل هذه الأحكام مع مناطاتها هو تبدل وتغير لجوهرها، بل الحكم في كل الحالات واحد، كما أن حكم الطهارة التي تؤدى بالماء تارة وبالتراب أخرى واحد (1). وبناء على ذلك اتفقت كلمة الفقهاء على أن الأحكام التي تتبدل بتبدل الزمان وأخلاق الناس، هي الأحكام الاجتهادية المبنية على المصلحة، أو على القياس والاستحسان، وأقوال الصحابة، وشرع من قبلنا، أو على العرف والعادة، وغير ذلك من مآخذ الاجتهاد، وطرائق الاستحسان التي ثبتت بالنص، فإنه لا يجوز أن تدخلها يد التبديل أو التغيير أبداً؛ لأنها ثبتت بأدلة شرعية باقية
ما بقيت الدنيا (2).
(1) البوطي: ضوابط،
ص
283 - 282
(2) الزرقا المدخل، 924/ 2 - 925، السدلان القواعد، ص 431. (3/612)
صفحة 1760
الفصل الخامس: القاعدة الفقهية الكبرى الخامسة
613
هذا وقد أوضح الشاطبي في موافقاته الفرق الحاصل بين هاتين العادتين،
وما يترتب عليه، فقال ما ملخصه:
العوائد المستمرة ضربان:
أحدهما: العوائد الشرعية: وهي التي أقرها الدليل الشرعي أو نفاها، ومعنى ذلك أن يكون الشرع أمر بها إيجاباً أو ندباً، أو نهى عنها كراهة أو تحريما، أو أذن فيها فعلاً وتركاً.
والضرب الثاني: هي العوائد الجارية بين الخلق بما ليس في نفيه ولا إثباته
دليل شرعي.
وأما الأول: فثابت أبداً، كسائر الأمور الشرعية، كما قالوا في سلب العبد أهلية الشهادة، وفي الأمر بإزالة النجاسة وطهارة التأهب للمناجاة، وستر العورات والنهي عن الطواف بالبيت على العري وما أشبه ذلك من العوائد الجارية في الناس، إما حسنة عند الشارع أو قبيحة، فإنها من جملة الأمور الداخلة تحت أحكام الشرع، فلا تبديل لها وإن اختلفت آراء المكلفين فيها، أن ينقلب الحسن فيها قبيحاً، ولا القبيح حسناً، حتى يقال مثلاً: إن قبول شهادة العبد لا تأباه محاسن العادات الآن، فلنجزه، أو أن كشف العورة الآن ليس بعيب ولا قبيح فلنجزه، أو غير ذلك، إذ لو صح مثل هذا لكان نسخاً للأحكام المستقرة المستمرة، والنسخ بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم باطل، فرفع العوائد الشرعية باطل.
فلا
يصح
ومع
فهي
أسباب
وأما الثاني: فقد تكون العوائد ثابتة وقد تتبدل، ذلك لأحكام تترتب عليها، فالثابتة كوجود شهوة الطعام والشراب والوقاع والنظر والكلام، والبطش والمشي وأشبه ذلك. وإذا كانت أسباباً من مسببات حكم بها الشارع فلا إشكال في اعتبارها والبناء عليها والحكم وفقها دائماً).
(1) الشاطبي: الموافقات، 283/ 2 - 284. (3/613)
صفحة 1761
614
القواعد الفقهية عند الإباضية
ويضيف الشاطبي في السياق نفسه والمتبدلة منها ما يكون متبدلاً في العادة من حسن إلى قبح وبالعكس، مثل كشف الرأس، فإنه يختلف بحسب البقاع في الواقع، فهو لذي المروءات قبيح في البلاد المشرقية، وغير قبيح في البلاد المغربية، فالحكم الشرعي يختلف باختلاف ذلك، فيكون عند أهل المشرق قادحاً في العدالة وعند أهل المغرب غير قادح).
الصورة الثالثة:
أن لا يكون حكماً شرعياً ولا مناطاً لحكم شرعي؛ فهذه الصورة تنطبق على كل ما يعتاده الناس من العادات والتقاليد في مظاهر حياتهم المختلفة، ومما لم يصبح حكماً شرعياً ولا يتأسس عليه حكم شرعي، ويكون ضمن حدود المباحات والحريات الشرعية، فللناس أن يمارسوا عاداتهم وتقاليدهم ما دامت لا تعارض أمراً من أمور الشريعة الثابتة ولهم أن يطوروا عاداتهم وتقاليدهم هذه حسبما يرونه من مقتضيات الزمن). ويقول حسن الهضيبي تحت عنوان سَن القوانين ووضع النظم والتشريعات: والحق أن الله قد ترك لنا كثير من أمور دنيانا ننظمها حسب ما تهدينا إليه عقولنا، في إطار مقاصد عامة، وغايات حددها لنا الله وأمرنا بتحقيقها، وبشرط أن لا تحلّ حراماً أو تحرم حلالاً .....
وبعد أن بين الهضيبي أن الحكم مع الفرض والحرام ثابت بالنصوص، لا يجوز تغييره ولا الخروج عنه، أردف قائلا: « ... أما المباحات؛ فإن للمسلمين أن يستووا فيها من الأنظمة - التي قد تتخذ شكل قرار أو لائحة أو قانون - ما تقتضيه الحاجة تنفيذاً لنصوص وردت بضرورة تحقق مقاصد عامة، ومن هذا القبيل: قوانين تنظيم الشورى التي أمر الله تعالى بها: {وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ} (الشورى: 38)، {وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ} (آل عمران: 159).
(1) الشاطبي: المرجع نفسه.
(2) البوطي ضوابط، ص 286 (3/614)
صفحة 1762
الفصل الخامس: القاعدة الفقهية الكبرى الخامسة
615
وأيضاً قوانين تنظيم المرور في الشوارع العامة، وقوانين الوقاية الصحية، وقوانين مقاومة الآفات الزراعية، وتنظيم استعمال مياه الري، وقوانين التعليم، وقوانين تنظيم المهن المختلفة كالطب والهندسة والصيدلة، وتحديد الشروط التي يجب أن تتوافر فيمن يزاولها، وقوانين تنظيم الإدارات والمصالح، وتحديد اختصاصاتها وسلطات كل منها، وتنظيم الجيش، وتحديد الشروط التي يجب توافرها فيمن يلتحق به وفي ضباطه وصف ضباطه، وقوانين شروط بناء المساكن بما يحقق سلامتها، وتوافر الشروط الصحية فيها، والقوانين المتعلقة بالشروط اللازم توافرها في المصانع المختلفة، كل حسب طبيعة العمل فيها، وقوانين تنظيم المحال العامة ... إلخ ما ماثل ذلك ... »). ويختم قوله: بأن «هذه تشريعات وقوانين تتبدل وتتغير حسب ما تقتضيه الحاجة بتغير وسائل المواصلات ونحن غير معصومين من الخطأ في سنها وفي اجتهادنا فيها، والخطأ والوهم واردان علينا فيها، وقد نحسن وضع النظام بما يحقق القصد المطلوب، وقد ينتج عن خطئنا الإضرار ببعض الناس بدلاً من حمايتهم من الضرر والهلاك ... » (2).
فهذه هي الصور الثلاث التي لا تخرج أعراف الناس عنها بحال من الأحوال، وعليه ينبغي أن نفهم معنى هذه القاعدة: «لا ينكر تغير الأحكام بتغير الأزمان»، والمقصود بها الأحكام المرتبطة من أصلها بما قد يتبدل ويتغير من أعراف الناس ومصالحهم التي لم يقض فيها بحكم مبرم، كتلك الأمثلة التي مر ذكرها في الصورتين الثانية والثالثة، أما الأحكام الأساسية التي جاءت الشريعة لتأسيسها
وتوطيدها بنصوصها الأصلية الآمرة الناهية فهذه لا تتبدل بتبدل الأزمان (3).
(1) الهضيبي حسن إسماعيل دعاة لا قضاة أبحاث في العقيدة الإسلامية ومنهج الدعوة إلى الله، ط دار الصديقية للنشر حسين داي، الجزائر، 1989 م، ص 96.
(2) الهضيبي: المرجع نفسه، ص 97.
(3) السدلان القواعد، ص (3/615)
صفحة 1763
???
القواعد الفقهية عند الإباضية
ب ـ العوامل المؤثرة في تغير الأحكام (أسباب تغير الزمان): الزمان ظرف يجمع عادات الناس وأحوالهم وعلومهم وضرورياتهم وحاجياتهم، وأوضاعهم التنظيمية والإدارية والإجراءات التي تحقق لهم المصالح وتدفع عنهم المضار، وهي تختلف من زمان إلى زمان ومن مكان إلى مكان، ولذلك يمكن إرجاع أسباب تغيير الزمان الموجب لتبديل الأحكام الفقهية الاجتهادية إلى الأسباب التالية:
السبب الأول:
فساد أخلاق الناس وانحرافهم عن الجادة، وضعف الوازع الديني وفقدان الورع، وهو الذي سبب فساد (الزمان حيث ينشأ عن ذلك تبدل وتشدد في بعض الأحكام، ومن أمثلة ذلك:
1 ـ كان النبي صلى الله عليه وسلم أباح للنساء أن يخرجن للمساجد لحضور صلاة الجماعة، فقد روى البخاري وغيره عن أبي هريرة عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
«لا تمنعوا إماء الله ـ النساء ـ مساجد الله» (1). واستمر ذلك على عهده وعهد أبي بكر له إلى أن منعهن عمر بن الخطاب له عن الخروج إلى المساجد لفساد الزمان وتغير حال أهله وتبدل حالة النساء، حيث حدث في عهده ما لم يحدث في عصر النبي صلى الله عليه وسلم، وعهد أبي بكر الصديق له حتى قالت عائشة: «لو أدرك رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أحدث النساء لمنعهن المسجد
6
كما منعه نساء بني إسرائيل). 2 ـ ومنها جواز إغلاق أبواب المساجد في غير أوقات الصلاة في زماننا؛ وذلك صيانة للمسجد عن العبث والسرقة.
(1) رواه البخاري، ح، ر (900)، ومسلم ح ر (442)، وأبو داود ح، ر (565، 566)، والترمذي ح، ر (570)، ورواه مالك في الموطأ، 1971.
(2) صحيح البخاري، ح ر (869)، كتاب صفة الصلاة، باب خروج النساء إلى المسجد بالليل والغلس، ورواه مسلم ح ر (445)، وأبو داود ح، ر (569) واللفظ له. (3/616)
صفحة 1764
الفصل الخامس: القاعدة الفقهية الكبرى الخامسة
617
أن
3 ـ ومنها أيضاً: تضمين الساعي بالفساد؛ لتبدل أحوال الناس، مع القاعدة: «الضمان على المباشر دون المتسبب» (1)، وهذا من باب الزجر للمفسدين. 4 ـ ومنها أن المقرر في أصول المذاهب المدين تنفذ تصرفاته في أمواله بالهبة، والوقوف وسائر وجوه التبرع، ولو كانت ديونه مستغرقة أمواله كلها، باعتبار أن الديون تتعلق بذمته، فتبقى أعيان أمواله حرة فينفذ فيها التصرف، وهذا مقتضى القواعد القياسية، ولكن لما فسد الزمان، وخربت الذمم، وكثر الطمع، وقل الورع، وأصبح المدينون يعمدون إلى تهريب أموالهم من وجه الدائنين عن طريق، وقفها، أو هبتها لمن يثقون به من قريب أو صديق، أفتى المتأخرون من فقهاء الحنفية والحنابلة في وجه عندهم، وهو ظاهر مذهب المالكية بعدم جواز ونفاذ هذه التصرفات من المدين إلا فيما يزيد عن وفاء الدين من أمواله .. (2). ه ـ ومنها: «أن الأصل في بعض المذاهب الفقهية أن القاضي يقضي بعلمه الشخصي في الحوادث، قال بعضهم: «الحاكم إلى نظره أحوج إلى أثره». أي إن علمه بالوقائع المتنازع فيها يصلح مستنداً لقضائه، ويغني المدعي عن إثبات مدعاه بالبينة، فيكون علم القاضي بواقع الحال هو البينة، وفي ذلك أقضية مأثورة عن عمر بن الخطاب له الله، وغيره، ولكن لوحظ فيما بعد أن القضاة قد غلب عليهم الفساد والسوء وأخذ الرشا، ولم يعد يختار للقضاة الأوفر ثقة وعفة وكفاية، بل الأكثر تزلفاً إلى الولاة وسعياً في استرضائهم، وإلحافاً في طلب التوظيف.
لذلك أفتى المتأخرون بأنه لا يصح أن يقضي القاضي بعلمه الشخصي في الوقائع، بل لا بد أن يستند قضاؤه إلى البينات المثبتة في مجلس القضاء، حتى
(1) سليم رستم باز اللبناني شرح المجلة العدلية المادة (90)، ط إحياء التراث العربي، لبنان،
ص 59.
(2) ابن رجب القواعد، رقم القاعدة،11، 14/ 1. - الزرقا: المدخل، 2/ 945. (3/617)
صفحة 1765
618
القواعد الفقهية عند الإباضية
لو شاهد القاضي بنفسه عقداً أو قرضاً أو واقعة ما بين اثنين خارج مجلس القضاء، ثم ادعى بها أحدهما وجحدها الآخر، فليس للقاضي أن يقضي للمدعي بلا بينة، إذ لو ساغ ذلك بعد ما فسدت ذمم كثير من القضاة لزعموا العلم بالوقائع زوراً وميلاً مع الأقوى وسَلْبُه من الخصمين، فهذا المنع وإن أضاع بعض الحقوق لفقدان الإثبات، يدفع باطلاً كثيراً.
وهكذا استقر عمل المتأخرين على عدم نفاذ قضاء القاضي بعلمه على أن للقاضي أن يعتمد علمه في غير القضاء من أمور الحسبة والتدابير الإدارية الاحتياطية، كما لو علم بينونة امرأة مع استمرار الخلطة بينها وبين زوجها، أو علم بغصب مال فإن له أن يحول بين الرجل ومطلقته، وأن يضع المال المغصوب عند أمين إلى حين الإثبات).
السبب الثاني:
تغير العادات والأعراف التي جعلها المجتهد مناطاً لحكم شرعي، فإن هذا
التغير يوجب تبدل الحكم وتغيره، ومن أمثلة هذا السبب:
1 ـ عادة قبض المهر قبل الدخول وتقسيم المهر إلى معجل ومؤجل. 2 - سقوط خيار الرؤية برؤية غرفة من غرف الدار الجريان العرف في الزمن القديم على بناء الدور ومشتملاتها على نمط واحد، ثم لما تغير عُرف الناس وعاداتهم في بناء الدور أفتى بعض الفقهاء بعدم سقوط خيار الرؤية برؤية غرفة واحدة، بل لا بد من رؤية جميع مشتملات الدار).
(1) ابن عابدين: رد المحتار شرح الدر المختار، 345/ 4، 355 ـ ابن نجيم: الأشباه والنظائر، ط 1، المكتبة العصرية لبنان 1418 هـ / 1998 م، ص 277. - الزرقا، المدخل، 947/ 2، 948. ـ نقل عن بعض فقهاء الإباضية قولهم: الحاكم إلى نظره أحوج منه إلى أثره» ذكرها
السالمي في العقد الثمين 146/ 3. ولعل في هذه المقولة علاقة بهذا الحكم. (2) زيدان عبد الكريم: المدخل، ص 102. (3/618)
صفحة 1766
الفصل الخامس: القاعدة الفقهية الكبرى الخامسة
السبب الثالث:
619
حدوث معطيات علمية جديدة تستدعي تغير الحكم الذي بني على معطيات علمية قديمة، ومن الأمثلة على ذلك:
أ - أن الفقهاء اختلفوا في أقصى مدة الحمل، فقال الزهري تحمل المرأة
(2)
ست سنين وسبع سنين، وقال عبادة بن العوام (1) خمس سنين، وقال الليث ثلاث سنين، وذهب جمهور الفقهاء من الإباضية والحنفية والمشهور عند المالكية والشافعية وأحمد إلى أنه سنتان، وذهب ابن حزم إلى أنه لا يجوز أن يكون حمل أكثر من تسعة أشهر () وقد أثبت الطب الحديث القائم على الملاحظة والتجربة أن أصح الأقوال: هو قول ابن حزم، وأنه لا يمكن أن يتأخر الحمل أكثر من شهر زيادة على التسعة أشهر، أما أقوال الفقهاء الآخرين فلم تكن مبنية على نص صريح من الكتاب والسُّنَّة، إنما كانت مبنية على ملاحظة النساء للحوامل، وعلى اختبار الأطباء في عصرهم، فلا يعمل بها (3).
هذا وقد نقل المحقق علي يحيى معمر الرأي المعمول به عند الإباضية وغيرهم من الفقهاء في هذه المسألة، فقال تعليقا على موقف الجناوني وغيره من الإباضية من الفقيه أبي يوسف مجدول بن حسان (4) الله فقد روى عنه أنه طلق امرأته فماتت بعد سنتين فأخذ ميراثه منها فلم يحمد له ذلك قال معمر: «أبو
(1) من رواة الحديث لم نقف على ترجمة وافية عنه ينظر الطحاوي، شرح معاني الآثار، 129/ 3. ابن أبي شيبة، المصنف، 571/ 6. (2) علي يحيى معمر: الحاشية على كتاب النكاح، لأبي زكرياء يحيى الجناوني، ص 316. ـ ابن المغني،، 477/ 7 ـ ابن قيم الجوزية: التبيان في أقسام القرآن، ص 212 ـ الحصني: كفاية الأخيار،، دار المعرفة بيروت، 148/ 1 - ابن حزم المحلى شرح المجلي، دار الاتحاد العربي، القاهرة 1968 م، 316/ 1.
قدامة
(3) علي يحيى معمر الحاشية، ص 316. - شبير محمد عثمان: القواعد، ص 264.
(4) تقدمت ترجمته. (3/619)
صفحة 1767
620
القواعد الفقهية عند الإباضية
يوسف (مجدول) كان كأهل عصره جميعاً، يعتقد أن الجنين قد يبقى في بطن أمه عدة سنين، وقدا اختلفت آراء الفقهاء في هذا الموضع اختلافاً كبيراً، يرى بعضهم أن أطول مدة يمكن أن يبقى الجنين في بطن أمه سنة واحدة، وقال بعضهم سنتان وثلاث سنين وخمس وغير محدد والقول المعمول به في المذهب سنتان، فما دامت المرأة تدعي أنها حامل فهي في العدة حسب التحديدات السابقة، فلما توفيت مطلقة أبي يوسف وهي تدعي أنها حامل منه أخذ منها ميراثه، فلم يحمد له المشايخ موقفه هذا وكانوا يحبون منه أن يتنزه عنه ... ). ويبين الشيخ علي يحيى معمر أن تلك الأقوال بعيدة عن الواقعية والحقيقة العلمية، حسب معطيات العلمية والطبية الجديدة فقال: «أما فيما يتعلق ببقاء الجنين في بطن أمه أكثر من مدة الحمل، فقد أثبت الطب اليوم بوسائله العلمية أن ذلك مستحيل، ومن السهل اليوم أن تعرض مدعية الحمل بعد مدته على الطب الشرعي، فيقرر ما إذا كانت حاملاً أو غير حامل، بل ربما كان من الأفضل أن تعرض نفسها بمجرد الطلاق أو خلال العدة حتى يؤكد الطب المبني على العلم، هل هي حامل أو غير حامل؟ حتى تنتفي كل الشكوك والشبه، وعرض المرأة نفسها على الطب الشرعي يقطع جميع الشبه والشكوك والمشاكل» (2).
السبب الرابع:
تطور الأوضاع التنظيمية والترتيبات الإدارية المبنية على تلك الأسباب الاقتصادية وغيرها، مما يستدعي تغير الأحكام المبنية على تلك الأساليب والأوضاع، ومن الأمثلة على ذلك:
1 ـ ما يتخذه الحكام وولاة الأمور من الوسائل والأنظمة والمظاهر في
(1) علي يحيى معمر: الحاشية على النكاح، ص 316.
(2) علي يحيى معمر: المرجع نفسه. (3/620)
صفحة 1768
الفصل الخامس: القاعدة الفقهية الكبرى الخامسة
621
سياسة المُلك والإمارة وحفظ الأمن والنظام، فإن ذلك يختلف باختلاف عُرف الناس وعاداتهم بحسب الأزمة والأمكنة واختلاف البيئات والأمم والشعوب. فقد جاء في الفروق للقرافي: «لما قدم عمر بن الخطاب الشام ووجد معاوية بن أبي سفيان - عامله على إقليم الشام - قد اتخذ الحُجاب، وأرخى الحجاب واتخذ المراكب النفيسة والثياب الهائلة العليّة، وسلك ما يسلكه الملوك فسأله عن ذلك، فقال: إنا بأرض نحن فيها محتاجون لهذا، فقال له: لا آمرك ولا أنهاك، ومعناه أنت أعلم بحالك، هل أنت محتاج إلى هذا، فيكون حسناً، أو غير محتاج فيكون قبيحاً، فدل ذلك من عمر وغيره على أن أحوال الأئمة وولاة الأمور تختلف باختلاف الإعصار والأمصار والأحوال، فلذلك يحتاجون إلى تجديد زخارف وسياسات لم تكن قديماً، وربما وجبت في بعض الأحوال» (1).
2 ـ كان في الماضي يتم النكاح بتحقيق أركانه المعروفة: من الزوج والزوجة والولي والشهود وصيغة الإيجاب والقبول وإعلان النكاح من غير حاجة إلى تسجيل أو توثيق للعقد في الجهات الرسمية في الحالة المدنية، ولكن لما تغيرت أعراف الناس وتطورت أساليب حياتهم أوجبت المحاكم الشرعية تسجيل عقد النكاح لدى المأذون أو الموثق أو في دار الحالة المدنية، ثم توثيقه بعد ذلك من القاضي أو نائبه في المحكمة، ويعطى الزوجان وثيقة رسمية بذلك. 3 ـ وكان للتطور العالمي في ميدان التقنية العلمية، والتنمية الاقتصادية، والعلاقات بين الدول والشعوب واتساع التجارة، وقيام الغرف التجارية، ووجود أوضاع حديثة في كثير من ميادين الحياة، اقتضى ذلك كله وضع تنظيمات إدارية متعددة، واستنباط أحكام جديدة تناسب أوضاع الناس، وتتمشى
مع.
نمط حياتهم ومن ذلك:
(1) القرافي: الفروق، 203/ 4 - 204. (3/621)
صفحة 1769
622
القواعد الفقهية عند الإباضية
أ ـ إلزام كل واحد بأن يحمل جواز سفر لا يستطيع السفر إلى خارج حدود البلاد التي هو منها إلا به، وكذلك إلزامه بحمل بطاقة التعريف الشخصية الوطنية؛
لإثبات هويته داخل وطنه، حتى يتمكن من أخذ حقوقه المادية والمعنوية. ب ـ إلزام أصحاب السيارات على اختلاف أنواعها بالترخيص من دائرة الترخيص أو المرور، ولا يتم الترخيص إلا بالتأمين على السيارة تأميناً شاملاً أو ضد الغير مما جعل العلماء يبحثون في موضوع التأمين على السيارات وغيره، لبيان حكمه الشرعي هل يجوز أم لا يجوز؟ وما هي الحالات التي يجوز فيها التأمين؟ (1).
فلا
6
وكذلك إلزام السائقين الاختبارات اللازمة لمنحهم رخصة السياقة،
يسمح
لهم بها إلا بحملهم لها (2). ج - ومنها إنشاء المدارس ومراحل التعليم المختلفة، والجامعات بأنواعها، وبناء المستشفيات، واتخاذ الوزارات المتخصصة.
د ـ إنشاء المحاكم على درجات مختلفة، وتحديد أحكام القضاة والمفتين بناء على الحوادث التي لا عهد للسلف بها، ولم ترد في كتبهم، فيستنبطون لها أحكاماً طبق القواعد التي جاءت بها الشريعة، وسيستمر هذا ما بقيت الحوادث متجددة والأعراف متغيرة، وما ظلت حاجة الناس إلى القضاء والإفتاء، وهذا باق حتى يرث الله الأرض ومن عليها.
وهكذا نجد في جميع المجالات مرونة وسماحة في النواحي العلمية والتطبيقية، مما يتصل بالطرق والأساليب لا بالمبادئ والأهداف. وبناء على ذلك، فالمجتمع المسلم مساير لركب التقدم والتطور فلا مانع أن يأخذ بأحدث الطرق والوسائل في تعبئة الجيوش، أو تنظيم المواصلات، أو في توزيع البريد، أو في تحسين الإنتاج، أو في تحديث الصناعة أو الزراعة، أو في
(1) بكلي عبد الرحمن بن عمر: فتاوى البكري، ط 1، 1402 هـ / 1982 م، 227/ 1، 243. (2) الخياط عبد العزيز نظرية العرف ص 925. - السدلان القواعد، ص 439 - 440. (3/622)
صفحة 1770
623
الفصل الخامس: القاعدة الفقهية الكبرى الخامسة
تخطيط القرى والمدن، أو في حفظ الصحة العامة ومقاومة الأوبئة، أو في تسخير القوى الكونية بسلطان العلم لمصلحة الإنسان، أو نحو ذلك من كل ما يتعلق بالجانب العلمي، والإبداع المادي، والتنظيم العملي، بشرط أن لا يصطدم بأحكام الإسلام وقواعده (1).
السبب الخامس:
حدوث ضرورات وحاجات عامة تتطلبها الحياة المعاصرة مما يستدعي تغير الأحكام القديمة، ولأجل ذلك أفتى المتأخرون من الفقهاء بجواز أخذ الأجرة على تعليم القرآن والآذان والإقامة وغيرها من الشعائر التعبدية، وكانت
في القديم تؤدى تطوعاً، وما زالت في بعض البلاد لا يتقاضى عليها أجر. ولما تغيرت أحوال الناس، وفترت هممهم عن أداء هذه الواجبات تطوعاً تغير الحكم السابق، وهو تحريم أخذ الأجرة على العبادات الواجبة، فأصبح القائمون بها لا يؤدونها إلا بأجرة، وقد علل بعض الفقهاء ذلك فقال: إن القيام بالعبادات الدينية والأعمال الواجبة كالإمامة وخطبة الجمعة، وتعليم القرآن والعلم لا يجوز أخذ الأجرة عليه، بل على المقتدر أن يقوم بذلك مجاناً؛ لأنه واجب ديني، غير أن المتأخرين من الفقهاء لحظوا قعود الهمم عن الواجبات، وانقطاع الجرايات من بيت المال عن العلماء، مما اضطرهم إلى التماس الكسب، حتى أصبح القيام بهذه الواجبات غير مضمون إلا بالأجر، لذلك أفتى المتأخرون من الفقهاء بجواز أخذ الأجور عليها، حرصاً على تعليم القرآن، ونشر العلم وإقامة الشعائر الدينية بين الناس).
هذه
(1) القرضاوي يوسف الخصائص العامة للإسلام، دار غريب للطباعة، القاهرة، 194/ 1. (2) الشماخي: الإيضاح، 212/ 6 - 222. - ابن جعفر الجامع مع الحاشية للمحقق جبر الفضيلات، 139/ 5 - 140. ابن عابدين: نشر العرف 125/ 2 - 126. - الزرقا المدخل، 948/ 2 - 949. - الكاساني: بدائع الصنائع، باب شرائط المعقود عليه في الإجارة
-
191/ 4 - 192 (3/623)
صفحة 1771
624
القواعد الفقهية عند الإباضية
ومن فروع هذا المبدأ الفقهي أيضاً: أن الشهود الذين يقضى بشهادتهم في الحوادث يجب أن يكونوا عدولاً، أي ثقات، وهم المحافظون على الواجبات الدينية، المعروفون بالصدق والأمانة، وإن عدالة الشهود اشترطها
القرآن لقبول شهادتهم، وأيدتها السُّنَّة، وأجمع عليها فقهاء الإسلام. غير أن المتأخرين من فقهاء بعض المذاهب لاحظوا ندرة العدالة الكاملة التي فسرت بها النصوص، لفساد الزمن، وضعف الذمم، وفتور الوازع الديني، فإذا تطلب القضاة دائماً نصاب العدالة الشرعية في الشهود ضاعت الحقوق لامتناع الإثبات، فلقد أفتوا بقبول شهادة الأمثل فالأمثل من القوم حيث تقل العدالة الكاملة. وكذلك قالوا إذا تعذر أو عدم وجود القضاة العارفين بحل الأحكام الشرعية جاز أن يلي القضاء الأمثل فالأمثل)، ومعنى الأمثل فالأمثل: الأحسن فالأحسن حال بين الموجودين، ولو كان في ذاته غير كامل العدالة بحدها الشرعي، أي أنهم تنازلوا عن اشتراط العدالة المطلقة إلى العدالة النسبية (2). وكذلك أفتى المتأخرون في إثبات الأهلة لصيام رمضان وللعيدين بقبول رؤية شخصين، ولو لم يكن في السماء علة تمنع الرؤيا من غيم أو ضباب أو غبار، بعد أن كان في أصل المذهب الحنفي لا يثبت إهلال الهلال عند صفاء السماء إلا برؤية جمع عظيم؛ لأن معظم الناس يلتمسون الرؤية، فانفراد اثنين بادعاء الرؤية مظنة الغلط أو الشبهة.
-
وقد علل المتأخرون قبول رؤية الاثنين بقعود همم الناس عن التماس رؤية الهلال، فلم تبق رؤية اثنين منهم مظنة الغلط إذا لم يكن في شهادتهما شبهة أو تهمة تدعوا إلى الشك والريبة (3).
(1) الخليلي أحمد: المرجع السابق، ج 7/ ص 151.
(2) الطرابلسي علاء الدين علي بن خليل معين الحكام، (ت: 844 هـ، القسم الثاني، الباب 22، ص 145. - الزرقا، المدخل، 949/ 2.
(3) أبوستة: العرف والعادة، ص 111، 112. - الزرقا: المدخل، 949/ 2. (3/624)
صفحة 1772
الفصل الخامس: القاعدة الفقهية الكبرى الخامسة
خلاصة القول:
625
فهذه نماذج قليلة من كثير من المسائل التي تغيرت فيها الآراء الفقهية والفتاوى وعمل القضاء، لا لاختلاف في الأنظار والمبادئ الفقهية التي بنيت عليها الأحكام الأولى، بل بسبب تغير الزمان وفساد الأخلاق العامة، كقعود الهمم عن رصد الهلال، وفساد الذمم في المعاملات، وفشو الظلم، وضعف الوازع الديني عن أكل الحقوق بالباطل) كما أن الشريعة الإسلامية تساير في كل العصور تطورات الزمن، وتواكب مقتضيات الحياة على اختلاف صورها وألوانها، وتنسجم مع جميع الوقائع والحوادث المتجددة في كل زمان ومكان ولا تقف أمامها جامدة، ولا تضيق قواعدها وأصولها العامة بحاجات الناس ولا تعجز عن حل مشاكلهم الاجتماعية والفردية ومختلف الشؤون، مهما تغيرت الأحوال، وتبدلت الظروف، ومهما تطورت وسائل المعاملات بين الناس وتعددت صور الحياة وتنوعت مطالبها (2).
6
ج - المقصود الشرعي من تغير الزمان إن المقصود الشرعي من تغير الأحكام بتغير الزمان هو تحقيق المصالح ودفع المفاسد، ورفع الحرج عنهم، قال تعالى: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرج (الحج: 78)، ورفع الحرج بمراعاة عادات الناس وأعرافهم الصالحة، وكذلك اعتبار المصالح يقتضي اعتبار العادات في الأحكام
الشرعية (3).
(1) الزرقا: المرجع نفسه، 950/ 2.
(2) النجار السيد أثر العرف في التشريع، ص 102.
(3) الشاطبي: الموافقات 288/ 2 - شبير: القواعد، ص 247، 265. (3/625)
صفحة 1773
626
القواعد الفقهية عند الإباضية
خامساً: تطبيقات القاعدة:
هذه القاعدة تتعلق بكثير من أبواب الفقه، وتطبيقاتها كثيرة لا تعد
ولا تحصى، وقد وردت في المصادر الإباضية فروعا فقهية عديدة تجسد هذه القاعدة، أشرنا إلى بعضها في المسائل السابقة عند الحديث عن الأحكام التي تتغير بتغير الأزمان، والعوامل التي تسبب بتغيرها، ولا بأس أن نذكر أمثلة أخرى تطبيقا للقاعدة، من ذلك:
1 - في حكم خروج النساء لصلاة العيدين كره بعض العلماء المتأخرين خروج النساء إلى صلاة العيدين لما يُحدثن من مفاسد منهي عنها، كالتبرج والاختلاط بالرجال وغيرها، قال السالمي في هذا الصدد «قلت لكل ما ذكروه من التعليل قاض بالكراهة، وقد تقدم قول عائشة في منعهن من المساجد باختلاف الأحوال، وقد كره خروجهن بعض المتأخرين أيضاً لخوف المفاسد المتولدة من خروجهن، على أن الشارع إنما أمرهن بالخروج لما تقدم من المصالح، وإذا كان خروجهن على خلاف ذلك
اقتضى الكراهة بل المنع والأحوال تختلف، ولكل نازلة حكم ... ». أما إذا أمنت الفتنة والتزمت النساء بالآداب الشرعية في خروجهن وحضورهن المساجد، فلا مانع من ذلك؛ لأن الأحكام تتغير بتغير الأزمان والأخلاق العامة، وينبه السالمي إلى أن جواز خروج المرأة في العيد قد «قيده بعض المتأخرين بأن تكون غير مشتهاة في ثياب بذلة بإذن حليلها مع الأمن من المفسدة، بأن لا يختلطن بالرجال ويكن خاليات من الحلي والحلل، والبخور والشموم، والتبختر والتكشف، ونحوها مما أحدثن في هذا الزمان من المفاسد» (2).
(1) السالمي: معارج الآمال، 73/ 11 وما بعدها. (2) السالمي: المرجع نفسه، 72/ 11 - 73. (3/626)
صفحة 1774
الفصل الخامس: القاعدة الفقهية الكبرى الخامسة
627
2 ـ في شهادة المرأة الواحدة في الرضاع: يرى جمهور الفقهاء أنه يجوز للمرأة أن تشهد في الأمور الخاصة بالنساء كالعورات، والإرضاع، ويمكن الاقتصار على شهادة امرأة واحدة إن لم يوجد غيرها ما دامت أهلاً للثقة، ولكن لما تغيرت أخلاق الناس بفساد الزمان لم يعترف بعض الفقهاء بشهادة امرأة واحدة في الرضاع لأنها مظنة للريبة والشك والإفساد بين الزوجين.
نقل السالمي رأي الإباضية في هذه المسألة فقال: «ثبت في السنة أنه يقبل شهادة امرأة واحدة في الرضاع ولا يشترط فيها العدالة، ولكن لما تغير الزمان فأصبحت النساء يسعَيْن إلى إفساد النكاح بشهادتهن اشترط بعض الفقهاء أن تكون الشاهدة عدلة وإلا لا تقبل شهادتها، قال موسى بن علي: لا أقبل في هذا الزمان قول امرأة في الرضاع بعد عقد النكاح إلا عدلة، لما ظهر من الفساد؛ لأن الناس إذا شاؤوا فساد النكاح أحضروا امرأة
فشهدت بالرضاع ... ).
2 - في الزكاة بالسنة الشمسية:
أجاز بعض فقهاء الإباضية أن يخرج التاجر زكاة أمواله بالسنة الشمسية بدل السنة القمرية مع مراعاة الفارق بينهما، وقالوا لا مانع أن يحدد لنفسه شهراً قمريّاً ويقدر له حسب ظروفه التجارية.
(1) يشير إلى الحديث الذي رواه البخاري وغيره - كتاب الشهادات باب شهادة الإماء والعبيد حديث: 2537 عن عقبة بن الحارث: «أنه تزوج أم يحيى بنت أبي إهاب، قال: فجاءت أمة سوداء، فقالت: قد أرضعتكما، فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم، فأعرض عني، قال: فتنحيت، فذكرت ذلك له، قال: «وكيف وقد زعمت أن قد أرضعتكما فنهاه عنها. وفي رواية عنه في كتاب النكاح، باب شهادة المرضعة - حديث: 4817 بزيادة بلفظ ... فقالت: وهي كاذبة، فأعرض عني، فأتيته من قبل وجهه قلت إنها كاذبة، قال: كيف بها وقد زعمت أنها قد أرضعتكما، دعها عنك» - السالمي، المرجع السابق، 116/ 3. (3/627)
صفحة 1775
628
القواعد الفقهية عند الإباضية
جاء في فتاوى البكري سؤال مفاده: «بما أن المعتبر في الزكاة هي السنة القمرية، فكيف يمكن الانتقال من الشمسية إلى القمرية؟».
فأجاب: «من أراد نقل زكاته من السنة الشمسية إلى السنة القمرية فليتخذ له شهراً قمريّاً معيناً، كرمضان أو محرم قبل أجل تقويمه على رأس السنة الشمسية، ثم يعتمد في إخراج زكاته على آخر تقويم سبق، وهكذا يزكي في شهره المعين من كل سنة قمرية على آخر تقويم له في السنة الشمسية على ما قرره بعض المحققين. وبيان ذلك: أن المعتبر في الزكاة إخراجها لدى رأس كل سنة قمرية لا شمسية، وحيث أن التجار يجرون تقويمهم لدى كل سنة شمسية للإجراءات العامة التي تتعلق بالأحوال التجارية من مغارم ومحاسبات وأجور، وغير ذلك ما أصبح عرفاً عاماً في عالم الاقتصاد، الأمر الذي يصعب معه على التاجر الخروج من إطاره، فيتجاذبه عاملان عامل المحافظة على زكاته، وهذا يفرض عليه مراعاة السنة القمرية وعامل نظام التجارة العام وهذا ما تقتضيه السنة الشمسية، فللتوفيق بينهما يتحتم عليه قبل أجل تقويمه على رأس السنة الشمسية أن يتخذ لزكاته شهراً قمريّاً معيناً كرمضان مثلاً، ويزكي على آخر تقويم سبق، وهكذا تكون زكاته لدى رأس كل حول قمري.
هذا ويجب على الذي كان يزكي بالسنة الشمسية أن يحتاط لزكاته تبعاً لطول مدتها أو قصرها، ونظراً لكثرة ماله أو قلته؛ لأنه يأكل زكاة سنة كاملة كل ثلاث وثلاثين سنة، فليحتط استبراء لدينه وعرضه» (1).
4 ـ في دخول بيوت المجرمين دون إذنهم:
جوز الفقهاء إحداث أحكام سياسية لقمع أرباب الجرائم عند كثرة فساد الزمان، كدخول أوكار الفساد دون إذن أصحابها، وأوّل من فعل
(1) بكلي عبد الرحمن: فتاوى البكري، ط 2، 1424 هـ / 2003 م، 166/ 2. (3/628)
صفحة 1776
الفصل الخامس: القاعدة الفقهية الكبرى الخامسة
629
ذلك عمر بن عبد العزيز فإنه قال: ستحدث للناس أقضية بقدر ما أحدثوا من الفجور» (1).
هو
من
ومن ذلك أن الأصل المنع للقائم بالأمر أو من قام مقامه من الدخول على الناس في بيوتهم، وخرق ستورهم بلا إذن؛ بغية تغيير المنكر لأنه تجسس ممنوع شرعاً، ولو أبيح لربما وجد بعض القائمين على الأمر سبيلاً إلى نيل مآرب خاصة بهم، ولذا اشترطوا أن يكون المنكر المراد تغييره ظاهراً غير مستور، هذا الأصل هنا، لكن بعض العلماء، قالوا: إذا تبين في زمن من الأزمان أن المنع ذلك جزأ الناس على ارتكاب المنكرات في السرّ حتى أفضى هذا الحال إلى فساد المجتمع، وتعذر قطع مادة الفساد بدون ذلك، ففي هذه الحالة لا بد من إباحة اقتحام بيوت الفساد ومباغتة المفسدين؛ لكف الأذى ودفع المظالم والمنكرات، سرها وجهرها ما أمكن؛ لأنه مثلاً فى حالة شرب أصحاب البيت الخمر سرّاً حتى يبلغوا حدّ السكر، ثم يخرجوا إلى الشارع فلا نأمن منهم حدوث أضرار في الأنفس والأموال والأعراض، فإذا تكرر ذلك منهم بعد إنذارهم وجب توقيف هذا الفساد واجتثاثه من جذوره بأية وسيلة ممكنة، ولا يكون إلا بخرق ستورهم وكشف سرّهم لإلقاء القبض عليهم وهم متلبسين بالجرم، ولعل هذا ينطبق أيضاً مع بيوت الدعارة لشدة خطرها على الفرد والمجتمع
(2)
في سفر المرأة من وادي ميزاب إلى خارجه: أباح الإسلام للمرأة أن تسافر من بلدها إلى بلد آخر مع محارمها متسترة، ولكن لو طرأت ظروف جديدة تعرضها للخطر فلا يجوز ذلك ولو كان ذلك مع ذي محرم، مثل: ظروف الحرب، أو تسافر إلى بلد لا تأمن فيها على نفسها وشرفها كالبلدان الأجنبية، وقد راعى فقهاء الإباضية في وادي ميزاب هذا
(1) الزرقا أحمد شرح القواعد الفقهية، ص 174.
(2) الخليلي: التمهيد، 55/ 7. (3/629)
صفحة 1777
630
القواعد الفقهية عند الإباضية
الجانب فأصدروا حكماً عاماً اتفقوا عليه بمنع المرأة من السفر إلى خارجه، لما كان وادي ميزاب يرزح تحت نير الاستعمار لأجل المحافظة على سلامة المرأة ووحدة المجتمع.
ومما جاء في هذا القرار بنصه: هذا وقد اجتمعت عزابة سبعة قصور وادي ميزاب واتفقوا على ... أننا لا نرضى لميزابي بإخراج زوجته أو بنته أو حرمة كانت إباضية مطلقاً من وادي ميزاب إلى بلدة من سائر البلدان مطلقاً غير واحدة من القرى السبع أي القرارة - بريان - غرداية - مليكة - بني يسجن بنورة ـ العطف، فجعلنا ذلك حداً محدوداً وحائطاً مشيداً مرصوصاً وسداً وثيقاً، فمن تعداها فقد تعدى حدود الله ولزمته دعوة السوء من المذهب، وعليه اللعنة والخزي في الحياة الدنيا والآخرة ... ».
وعلل هؤلاء الفقهاء هذا الحكم بضعفهم أمام سلطة الاستعمار الفرنسي فلا طاقة لهم في معارضها ولا قدرة لهم في منع النساء من السفر ما دامت الحكومة الفرنسية المستعمرة تبيح ذلك وأضافوا في بيانهم ما نصه: «معشر الإخوان، إننا لا نقدر على إبطال الجمهورية ولاحق لنا ولا طاقة لمعارضتها، فإن الدولة لا تمنع من فعل ذلك (أو) () أراد يفعل ذلك، فنحن لا نجهل ذلك إلا أننا نحذركم وننذركم ما لا يرضى به المسلمون، فإن عقوبة ذلك خسراناً مبيناً؛ لأن هذا مما تسوؤنا عقباه وديننا وأعراضنا وبدعة في سيرتنا والله على ما نقول وكيل» (2).
ولا شك أن اتفاق فقهاء الإباضية على منع المرأة في تلك الفترة جاء تطبيقا للقاعدة الفقهية لا ينكر تغير الأحكام بتغير الأزمان».
(1) «أو» كذا في الأصل، والأولى أن يقول: «من» ليستقيم المعنى.
(2) بعمارة عيسى: من أرشيف ميزاب اتفاقيات المجالس العامة لميزاب (ط 1405 هـ ـ 1928 م، طبعة دار الشهاب باتنة، وقع هذا الاتفاق في 06 جوان عام 1346 هـ الموافق لـ 28 مارس
1928 م). (3/630)
صفحة 1778
الفصل الخامس: القاعدة الفقهية الكبرى الخامسة
631
ولما استقلت الجزائر عن فرنسا وعاد الحكم إلى المسلمين أباح بعض فقهاء الإباضية سفر المرأة إلى خارج ميزاب مع شرط التقيد بالضوابط الشرعية. جاء سؤال في فتاوى الشيخ بيوض مفاده: «هل يجوز للرجل أن يسافر بزوجته إلى بلد أوربية؟».
فأجاب: «يجوز للرجل أن يسافر إلى أيّ بلد شاء شرط أن يصونها ويحفظها ويمنعها من التبرج والسفور المحرَّم شرعاً، إذا كان يمكنه أن يقيم شعائر دينية في ذلك البلد، ويحرم عليه أن يسافر إلى بلد كفر لا يستطيع يؤدي فيه شعائر دينه ... » (1).
أن
وقد أيد الشيخ بيوض رحم الله إجماع علماء ميزاب الإباضية ومنع المرأة من السفر خارج ميزاب ـ ولو مع محارمها - لما قد تتعرض إليه من مفاسد تضر
بدينها وشرفها.
وجاء في سؤال آخر ورد عليه بما نصه: «ما حكم خروج المرأة من
وطنها؟».
فقال: «أما إخراج المرأة من وطنها فليس بمحرم شرعاً، لكن سلفنا بميزاب لما رأوا ما تتعرض له من المفاسد والشرور، وما يترتب على الهجرة من خراب الوطن الذي فروا إليه ولجؤوا إلى حماه للمحافظة على دينهم اتفقوا على تحجير الهجرة بالمرأة فجرى العمل بذلك، وأذعن له الناس لاقتناعهم بفائدته وصلاحه، وها هو الزمان قد جاء مصداقاً لما رأوا إذ انتشر الفساد فيه، وتفتحت أبوابه وسهلت أسبابه، وعز فيه أمر صيانة الحريم وحياطته في غير ميزاب، فالأولى العمل بذلك الاتفاق والدفاع عنه، ونهي الناس عن الهجرة بالمرأة وصدهم عن ذلك بمختلف الوسائل إلا إذا
(1) بيوض إبراهيم بن عمر: فتاوى الإمام الشيخ بيوض، 709/ 2 - 710. (3/631)
صفحة 1779
632
القواعد الفقهية عند الإباضية
حدثت «ضرورة فإنها تقدر بقدرها ولا يمكن أبداً فتح الأبواب على مصاريعها فإن الفساد فيه محقق ... » (1).
ولا شك أن الشيخ بيوض رحمه الله قد استند في حكم هذه المسألة إلى قاعدة: لا ينكر تغير الأحكام بتغير الأزمان»، وفيه إشارة أيضاً إلى قاعدة أخرى وهي: «دفع المفاسد أولى من جلب المصالح».
(1) بيوض: المرجع السابق، 710/ 2، 711. (3/632)
صفحة 1780
الفهرس (3/633)
صفحة 1781
الفهرس
الفصل الرابع
القاعدة الكلية الكبرى الرابعة: الضرر يزال» أو «لا ضرر ولا ضرار»
المبحث الأول: حقيقة القاعدة
وما تفرع عنها
المطلب الأول: أهمية القاعدة ومكانتها عند الإباضية
المطلب الثاني: مدلول القاعدة
المطلب الثالث: علاقة قاعدة الضرر يزال بقاعدة: «المشقة تجلب التيسير
المطلب الرابع: ما يبنى على هذه القاعدة من أبواب الفقه.
المبحث الثاني: تأصيل قاعدة: «الضرر يزال»
المبحث الثالث: أنواع الضرر، ضوابطه وطرق إزالته.
المطلب الأول: أنواع الضرر.
المطلب الثاني: ضوابط الضرر.
المطلب الثالث: طرق إزالة الضرر.
المبحث الرابع: تطبيقات وفروع القاعدة
المطلب الأول: في العبادات.
المطلب الثاني: في المعاملات
المطلب الثالث: في الأحوال الشخصية.
المطلب الرابع: في باب الحقوق
المطلب الخامس: في باب الجنايات والمظالم (3/635)
صفحة 1782
القواعد الفقهية عند الإباضية
المبحث الخامس: القواعد المندرجة تحت قاعدة: «الضرر يزال»
المطلب الأول: قاعدة الضرر يزال بقدر الإمكان»
المطلب الثاني: «الضرر لا يزال بمثله أو بأعظم
منه
المطلب الثالث: الضرر الأشد يزال بالضرر الأخف»
أو ارتكاب أخف الضررين أو أهون الشرين.
المطلب الرابع: يتحمل الضرر الخاص لدفع الضرر العام
المطلب الخامس: قاعدة: «درء المفاسد أولى من جلب المصالح»
المطلب السادس: قاعدة: «إذا تعارض المانع والمقتضي يقدم المانع. المطلب السابع: قاعدة: «الضرر لا يكون قديماً».
الفصل الخامس
القاعدة الفقهية الكبرى الخامسة: «العادة محكمة» وما تفرع عنها
المبحث الأول: حقيقة القاعدة
المطلب الأول: أهمية القاعدة ومكانتها عند الإباضية
المطلب الثاني: مدلول القاعدة
المبحث الثاني: أنواع العرف والعادة وشروط اعتبارهما في الأحكام الشرعية.
المطلب الأول: أنواع العرف والعادة.
المطلب الثاني: شروط العرف والعادة واعتبارهما في الأحكام الشرعية.
المبحث الثالث: تأصيل القاعدة
المطلب الأول: الأدلة من القرآن الكريم.
المطلب الثاني: الأدلة من السُّنَّة النبوية وآثار الصحابة له
المطلب الثالث: الاستدلال بالإجماع والقياس. (3/636)
صفحة 1783
الفهرس
المبحث الرابع: تطبيقات قاعدة: «العادة مُحَكَمة» وفروعها المتخرجة عليها.
المطلب الأول: تحكيم العرف والعادة في العبادات.
المطلب الثاني: تحكيم العرف والعادة في المعاملات المطلب الثالث: تحكيم العرف والعادة في الأحوال الشخصية
المطلب الرابع: تحكيم العرف والعادة في الحقوق والآداب العامة. المطلب الخامس: تحكيم العرف والعادة في الجنايات والعقوبات.
المبحث الخامس: القواعد الفقهية المتفرعة عن القاعدة الكلية الكبرى العادة محكمة»
المطلب الأول: القواعد الفرعية المعبّرة عن بعض شروط العرف والعادة.
المطلب الثاني: القواعد الفقهية المعبرة عن تأثير العرف العملي في الأحكام ...... 534 المطلب الثالث: القواعد الفقهية المعبّرة عن تأثير العرف القولي في الأحكام.
المطلب الرابع: «لا ينكر تغير الأحكام بتغير الأزمان
547
594 (3/637)
صفحة 1784
سلطنة عمان
وزارة الأوقاف والشؤون الدينية
سلسلة القواعد الفقهية الإباضية
القواعد الفقهية عند الإباضية
دراسة نظرية تحليلية تأصيلية تطبيقية
تأليف
مصطفى بن حمو أرشوم
إشراف
معالي الشيخ عبد الله السالمي
وزير الأوقاف والشؤون الدينية
الجزء الرابع (4/1)
صفحة 1785
القواعد الفقهية عند
الأباضية
4 (4/2)
صفحة 1786
حقوق الطبع محفوظة
لوزارة الأوقاف والشؤون الدينية سلطنة عمان
الطبعة الأولى 1434 هـ ـ 2013 م
لا يجوز نسخ أو استعمال أي جزء من هذا الكتاب في أي شكل من الأشكال أو بأية وسيلة من الوسائل - سواء التصويرية أو الالكترونية، بما في ذلك النسخ الفوتوغرافي أو سواه وحفظ المعلومات واسترجاعها - إلا بإذن خطي من الناشر. (4/3)
صفحة 1787
ه
?????
القواعد الفقهية عند
الأباضية
دراسة نظرية تحليلية تأصيلية تطبيقية
تأليف
و مصر طفى بن حمو از شدم
إشراف
معالي الشيخ عبد الله السالمي
وزير الأوقافِ وَالشُّؤُونِ الدِّينِيَّةِ
الجزء الرابع (4/4)
صفحة 1788
الفصل السادس
القواعد الفقهية الكلية الصغرى
ويشتمل على ثلاثة مباحث وهي:
المبحث الأول: القواعد الكلية المتعلقة بنظرية الضمان.
ويتفرع إلى مطالب.
المبحث الثاني: القواعد الكلية المتعلقة بنظرية الملكية.
ويتفرع إلى مطالب.
المبحث الثالث: القواعد الكلية المتعلقة بنظرية الإثبات
أو الخاصة بالقضاء وطرق الإثبات.
ويتفرع إلى مطالب. (4/6)
صفحة 1789
الفصل السادس: القواعد الفقهية الكلية الصغرى
V
الفصل السادس
القواعد الفقهية الكلية الصغرى
اقتضت طبيعة مادة هذا البحث تقسيم القواعد الفقهية إلى قواعد كلية كبرى، وهي التي يندرج تحتها قواعد فرعية لها علاقة بموضوعها، أما القواعد التي لم يتفرع عنها قواعد جزئية ولا يمكن إدراجها ضمن القواعد الكبرى ارتأيت أن أجعلها في فصل منفصل وسميتها قواعد كلية صغرى، وقد حاولت إيجاد علاقة موضوعية تربط بين هذه القواعد المتناثرة في الفروع الفقهية الإباضية فاهتديت إلى منهج أحسب أنه مناسب لتصنيف هذه القواعد، وذلك بأن تجمع تلك القواعد تحت نظريات فقهية مشهورة مثل: نظرية الضمان ونظرية الملكية، ونظرية العقد، ونظرية الإثبات، وهناك قواعد تشترك في موضوع واحد كالحلال والحرام أو السياسة الشرعية، أو الاجتهاد الفقهي،، أما القواعد التي يتعسر الجمع بينها في وحدة خاصة أو موضوع خاص فيمكن جعلها في مبحث خاص يطلق عليه القواعد الكلية المتفرقة؛ لأنها تتناول موضوعات مختلفة ومتنوعة لا تربطها وحدة موضوعية وقابلة للزيادة، وهكذا استطعت بفضل الله أن أجمع في هذا الفصل بعض شتات القواعد الفقهية المتناثرة في المصادر الفقهية الإباضية، وقسمت هذا الفصل إلى ثلاثة مباحث توزعت مادتها في عدة مطالب كما يلي:
المبحث الأول: القواعد الكلية المتعلقة بنظرية الضمان.
المطلب الأول: قاعدة: «الخراج بالضمان».
المطلب الثاني: قاعدة: «الغُرم بالغُنم». (4/7)
صفحة 1790
القواعد الفقهية عند الإباضية
المطلب الثالث قاعدة «الخطأ لا يزيل الضمان ويرفع الإثم. المطلب: الرابع قاعدة المباشر ضامن وإن لم يتعمد والمتسبب لا يضمن إلا بالتعدي. ومنه كل صانع بكراء عليه ضمان ما أتلفه (1). المطلب الخامس قاعدة لا ضمان إلا بالتعدي أو التقصير» أو «المفرط
ضامن». المطلب السادس: قاعدة: «المؤتمن لا يضمن إلا بالتعدي»). المطلب السابع قاعدة الأجر والضمان لا يجتمعان».
المطلب الثامن: قاعدة: «جناية العجماء جبار».
المطلب التاسع قاعدة: «الجواز الشرعي ينافي الضمان».
المبحث الثاني: القواعد الكلية المتعلقة بنظرية الملكية. المطلب الأول: قاعدة: «اليد دليل الملك».
المطلب الثاني: قاعدة: «لا يجوز التصرف في ملك الغير بلا إذن». المطلب الثالث: قاعدة: «الأمر بالتصرف في ملك الغير باطل».
المطلب الرابع قاعدة «ليس لعرق ظالم حق».
المطلب الخامس: قاعدة: «ما حرم أخذه حرم إعطاؤه» «وما حرم
حرم طلبه، وما حرم استعماله اتخاذه».
حرم
فعله
-المطلب السادس: قاعدة: «من ملك شيئاً ملك ما هو من ضروراته» أو
«التابع تبع».
المطلب السابع قاعدة لا يتم التبرع إلا بالقبض». «لا
(1) تضمين الصناع.
(2) يراجع أطفيش: شرح النيل، 321/ 10. (4/8)
صفحة 1791
الفصل السادس: القواعد الفقهية الكلية الصغرى
أنكر».
المبحث الثالث: القواعد الكلية المتعلقة بنظرية الإثبات (1). المطلب الأول: قاعدة البينة على المدعي واليمين على من المطلب الثاني: قاعدة البينة حجة متعدية والإقرار حجة قاصرة».
المطلب الثالث: قاعدة المرء مؤاخذ بإقراره» (3). المطلب الرابع: قاعدة: «الأمين مصدق باليمين». المطلب الخامس: قاعدة: «الحدود تدرأ بالشبهات».
(1) القواعد الكلية الخاصة بالقضاء وطرق الإثبات.
(2) ويتفرع عنه قاعدة أو ضابط فقهي: «لا إنكار بعد إقرار». وقد أشرت إليه عند الكلام عن حكم الرجوع عن الإقرار (4/9)
صفحة 1792
المبحث الأول
القواعد الكلّية المتعلقة بنظرية الضمان
التعريف والمشروعية:
أولاً: التعريف: الضمان لغةً: مصدر ضمن الشيء ضماناً فهو ضامن، ومنه ضمنته المال: ألزمته إياه، وأصله في اللغة: جعل الشيء في شيء يحويه، ومنه ضمنت الشيء إذا جعلته في وعائه، وتسمى الكفالة بذلك؛ لأنه إذا ضمنه فكأنه استوعب ذمته، ومنه المضامين ما في بطون الحوامل وضمين إذا كفل به، وقالوا: هو الالتزام ويقال للملتزم بحق الغير فهو ضامن (1).
والضمان في اصطلاح الفقهاء يراد به أحد معنيين:
الأول: الكفالة، وتسمى أيضاً الحمالة والزعامة وهي ضم ذمة الكفيل إلى ذمة الأصيل فى المطالبة (2)، وذلك بأن يلتزم الشخص بتحمل ما في ذمة غيره من حقوق الناس، كأن يقول لمن له على آخر دين حلّ أجله ولم يقضه: أنظره وأنا كفيل به، ويسمى الشخص الذي يتحمل ذلك ضامناً وكفيلاً وزعيماً وحميلاً، وبمقتضى التزامه يكون مسؤولاً عن ما في ذمة مضمونه (مكفوله) بحيث يجوز لصاحب الحق أن يقاضيه (3).
(1) ابن فارس: معجم مقاييس اللغة 372/ 3. - الفيومي: المصباح المنير، ص 497.
(2) قلعة
جي وقنيبي: معجم لغة الفقهاء، ص
382
(3) الروكي محمد: قواعد الفقه الإسلامي من خلال كتاب الإشراف على مسائل الخلاف
= (4/11)
صفحة 1793
12
القواعد الفقهية عند الإباضية
وعرف ابن عرفه الضمان بقوله: التزام دين لا يسقطه طلب من هو عليه لمن هو له).
الثاني: الغُرْم، وهو ما يتحمله الغارم عند تلف شيء برد مثله إذا كان مثلياً، أو قيمة إذا كان قيميّاً (أي: لا مثيل (له كضمان المتلفات مثلاً)، وهذا هو المعنى الذي يهمنا في هذا المبحث لا المعنى الأول، وعلى المعنى الثاني تنبني نظرية الضمان في الفقه الإسلامي كما يظهر في كتابة العلماء القدامى
والمعاصرين (3).
والفقهاء لم يفردوا للضمان ـ بهذا المعنى ـ فصلاً خاصاً كما فعلوا في الضمان بمعناه الأول، بل بثوا أحكامه في سائر الأبواب والفصول الفقهية؛ لأن دائرة موضوع الضمان - كنظرية عامة - واسعة ترتبط بمعظم الموضوعات الفقهية من عبادات ومعاملات وجنايات (4)، فهي تتعلق بالأموال في بيعها وإحرازها واستيداعها وغير ذلك مما هو مبسوط في أبواب المعاملات، وتتعلق أيضاً بالأنفس من حيث حفظها وعدم التعدي عليها، وأرش ما يقع فيها من جنايات وغير ذلك مما هو مفصل في أبواب القصاص والجنايات.
للقاضي عبد الوهاب البغدادي المالكي، ط 1، نشر دار القلم، دمشق، مجمع الفقه الإسلامي، جدة، 1419 هـ / 1998 م، ص 226. - شرح بشارة الفاسي على تحفة الحكام، 119/ 1. (1) ابن عرفه الحدود، 2/ 155.
(2) قلعة جي وقنيبي: معجم
لغة الفقهاء، ص
385
(3) ابن غانم البغدادي أبو محمد، مجمع الضمانات في مذهب أبي حنيفة، 4/ 1 وما بعدها كل الكتاب يتناول موضوع الضمان - علي الخفيف نظرية الضمان في الفقه الإسلامي. - الزحيلي وهبة: نظرية الضمان - محمد فوزي فيض الله نظرية الضمان نقلاً من هامش كتاب محمد
(311
شبير القواعد الكلية ص (4) أما بالنسبة للعبادات فتتمثل في أحكام القضاء والكفارة وسائر ما يسميه الفقهاء جوابر، أما المعاملات فهي حافلة بأحكام الضمان، وخصوصاً في باب الغصب والإتلاف، أما الجنايات
فهي في باب الاعتداء على مال الغير والقصاص والأروش وغيرها. (4/12)
صفحة 1794
الفصل السادس: القواعد الفقهية الكلية الصغرى
13
ثانياً: المشروعية:
وقد شرع الضمان حفظاً للحقوق، ورعاية للعهود، وجبراً للأضرار، وزجراً
للجناة، وحداً للاعتداء.
ذلك:
ووردت في أصل مشروعية الضمان آيات قرآنية وأحاديث نبوية كثيرة، من
أ ـ من القرآن:
قوله تعالى: {وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِ} (النحل: 126). وقوله أيضاً: {وَلِمَن جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ، زَعِيمُ) (يوسف: 72)؛ أي: ضامن.
ب - من السنة:
ما رواه أنس بن مالك
، قال: أهدت بعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم طعاماً في قصعة، فضربت عائشة القصعة بيدها فألقت ما فيها، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: طعام بطعام وإناء بإناء» (1).
وما رواه سمرة بن جندب عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «على اليد كما أخذت حتى تؤدي (2)؛ أي ضمانه.
وقد وردت في هذه النظرية عدة قواعد فقهية ذكرها الإباضية وغيرهم في مصنفاتهم، وسأقتصر في هذا المبحث على أبرزها وأشهرها، مقسماً لها إلى مطالب، كما يأتي:
(1) رواه الترمذي، كتاب الأحكام، باب ما جاء في من يكسر له شيء، رقم 1359، ورواه البخاري، كتاب المظالم، باب إذا كسر شيئاً أو قصعة لغيره، رقم 2349، عن أنس. بلفظ مقارب. (2) رواه الترمذي، كتاب البيوع، باب العارية مؤداة رقم 1266، وقال: حسن صحيح، ورواه أحمد، مسند الكوفيين، من حديث سمرة بن جندب، رقم 20098، قال ابن حجر: «روي وصححه الحاكم من حديث الحسن عن سمرة رفعه على اليد ما أخذت حتى تؤديه وسماع الحسن من سمرة مختلف فيه فإن ثبت ففيه حجة لقول الجمهور والله أعلم». فتح
الأربعة
الباري، 241/ 5. (4/13)
صفحة 1795
المطلب الأول
قاعدة: «الخراج بالضمان
إن قاعدة: «الخراج بالضمان من القواعد المهمة في الفقه الإسلامي، إذ أنها تتعلق بكثير من أبواب المعاملات المالية؛ من بيع وإجارة، وكفالة ووكالة، ورهن وشركة، وغير ذلك، وهي تعبر عن أهم المبادئ في المعاملات المالية، وهو مبدأ العدل، وقد استعمل فقهاء الإباضية هذه الصيغة وصيغاً أخرى قريبة منها، مثل: الغلة بالضمان)، وفيما يلي بيان لحقيقة هذه القاعدة وأصلها
وتطبيقاتها عند الإباضية:
أولاً: معنى القاعدة:
الخراج في اللغة: مأخوذ من خرج يخرج خروجاً ومخرجاً، وأصله النفاذ عن الشيء، ويطلق على الغلة والإتاوة)، فخراج الشيء غلته ومنفعته. قال ابن بركة البهلوي: «الخراج هو ما يستخرج من الغلة» (4). وقال الزمخشري: «كل ما خرج من شيء من نفعه فهو خراجه فخراج الشجر ثمره، وخراج الحيوان نسله، و دره والخراج والخرج ما يخرج من غلة الأرض)).
(1) ابن بركة: الجامع، 324/ 2. - الكندي محمد بن إبراهيم بيان الشرع، 9/ 30. ـ الكندي أحمد بن عبد الله المصنف، 79/ 25. - العوتبي: كتاب الضياء، 265/ 13، 302. 66/ 11،
71. 17/ 241، 247، 265. ـ الشماخي: الإيضاح، 200/ 3، 231.
(2) الكندي محمد بن إبراهيم: بيان الشرع، 9/ 30.
(3) ابن فارس: معجم مقاييس اللغة 175/ 2.
(4) ابن بركة: الجامع، 324/ 2.
(5) الزمخشري جار الله أبو القاسم محمود بن. بن محمد الخوارزمي: الفائق في غريب
الحديث، 365/ 1. (4/14)
صفحة 1796
الفصل السادس: القواعد الفقهية الكلية الصغرى
15
والمراد بالخراج اصطلاحاً ما يحصل من غلة العين المباعة عبداً كان أو أمةً أو ملكاً، وبعبارة أعم: كل منفعة منفصلة حصلت من عين مملوكة» (1). فالخراج الحاصل من الشيء إذا كان منفصلاً عن الشيء غير متولد منه، ككسب العبد وسكن الدار وأجرة الدابة.
وخراج الشيء ما حصل منه والذي يكون منه بمقابلة الضمان ما كان منفصلاً غير متولد كالكسب والأجرة والهبة والصدقة فإنه يطيب لمن كان
عليه الضمان (2).
والضمان في اللغة:
هو الكفالة والالتزام، والمراد به في القاعدة الغرم، وهو ما يتحمله الغارم عند تلف الشيء برد مثله إذا كان مثلياً، أو قيمته إذا كان قيميّاً)، ويقصد به أيضاً: المؤونة، كالإنفاق والمصاريف وتحمل التلف والهلاك والخسارة والنقص (4). وبعبارة أخرى، فالضمان يكون بمقابلة دخوله في ضمان من شلم له خراجه، فما لم يدخل في ضمانه لم يسلم له خراجه، وقد «نهى عن بيع ما لم يضمن» (5). (6).
(1) معابدة محمد نوح قاعدة الخراج) بالضمان وتطبيقاتها، رسالة دكتوراه في الجامعة الأردنية: 1998 م، ص 9.
(2) الزرقا أحمد: شرح القواعد الفقهية، القاعدة الرابعة والثمانون (المادة 85) من المجلة
العدلية، ص
429
(3) شبير محمد عثمان: القواعد الكلية، ص
312
(4) هرموش محمود: معجم القواعد الفقهية الإباضية، ص 241.
(5) رواه ابن حبان في صحيحه كتاب العتق باب الكتابة رقم 4324، والنسائي في الكبرى، كتاب التدبير، باب الاختلاف على علي في المكاتب، رقم 5027، عن عبد الله بن عمرو. وروى بلفظ: ربح ما لم تضمن رواه الترمذي، كتاب البيوع، باب كراهية بيع ما ليس عندك، رقم 1234، وأبو داود، كتاب الإجارة، باب الرجل يبيع ما ليس عنده، رقم 3504،
عن ابن عمرو. قال الترمذي: حسن صحيح.
(6) الزرقا أحمد: المرجع السابق، ص 429. (4/15)
صفحة 1797
??
القواعد الفقهية عند الإباضية
المعنى الإجمالي للقاعدة:
إن منفعة الشيء أو غلته يستحقها من يكون هلاك ذلك الشيء على ضمانه وحسابه، وبعبارة أخرى: أن من يضمن شيئاً لو تلف فإنه ينتفع به في مقابلة الضمان حالة التلف، فالمشتري الذي له الحق في رد المبيع إلى البائع وأخذ الثمن بعيب لم يبينه البائع يستحق غلة المبيع قبل الرد ولا يجب عليه ردها إلى البائع، لأنها تُجعَل في مقابلة الضمان عليه فيما لو هلك المبيع وهو في يده. قال القطب أطفيش في بيان معنى هذه القاعدة: «الخراج بالضمان: أعني ما خرج من غلة الأشياء فكما يكون للمشتري غلة المبيع ونماؤه، فعليه ضمانه، والمراد بالغلة ما يترتب على الشيء مطلقاً، فتشمل الفائدة التي تظهر في الشيء بعد العقد قبل الوزن والكيل ... » (1) وبناءً عليه، فكل ما خرج من الشيء المبيع من غلة ومنفعة وعين فهو للمشتري عوض ما كان عليه من ضمان ملك، فإنه لو تلف المبيع كان من ضمانه، فالغلة له لتكون في مقابلة الغرم، وهذه القاعدة تتضمن معنى القاعدة المشهورة: «الغنم بالغُرم».
الحاصل: أن
منافع الشيء يستحقها من يلزمه ضمانها إذا هلكت في يده وكان مستنداً في أخذه في حالة مشروعة، وأما الغاصب فإنه يضمن المغصوب ولا تباح له منفعته، كما أن الخراج غير المتولّد الذي هو سبب من أسباب الملكية، فإن الضمان لا يقتضي تملك الضامن ولد الدابة ولبنها وصوفها (2). وقد أشار القطب أطفيش إلى هذا الملحظ فقال: ((وغلته) إن كان شجراً أو حرثاً ودخل فيها النتاج إن كان حيواناً: أمة أو ناقة وما لزم من أفسد فيه كعقر أمة وأرش جرح وقيمة ما أفسد في الشيء المبيع ونمائه كصوف ووبر ولبن وما يخرج
(1) أطفيش أمحمد: شرح كتاب النيل لثميني، 515/ 8. (2) مدكور محمد سلام مدخل الفقه الإسلامي، ص 123. (4/16)
صفحة 1798
الفصل السادس: القواعد الفقهية الكلية الصغرى
17
منه، وكراء إن كان داراً ونحوها مما يُكرى أو دابة تكرى وحطب يكونان بيد من كان بيده وهو مالكه الأول الذي باعه بالخيار سواء كان في الحال بيده أو كان في الحال بيد المشتري، وذلك فيما انفصل من ذلك، وأما ما اتصل بالمبيع ولم ينفصل يُحتَج إلى فصله فإنما يكون بيد من كان الشيء بيده في الحال وهو المشتري كما هو القاعدة: المبيع ولو بخيار يكون بيد المشتري إلا إن اتفقا أن يكون بيد المشتري ... ).
ويؤكد أحد الفقهاء المعاصرين ما تقدم ذكره ويبن أن هذه القاعدة تتعلق برد المبيع بعيب، ومعناها: أن المشتري له الحق في أن يرد المبيع إذا وجد به عيباً لم يبينه البائع وذلك رغم استفادته منه قبل علمه بالعيب؛ لأنه لو تلف في يده قبل رده لكان من ضمانه، فضمانه هذا هو الذي أعطاه شرعية خراجه (2). ويمكن أن يقال أيضاً: أن من يحمل الخسارة في شيء يحتمل الخسارة والربح فله ربحه؛ لأن النعمة بقدر النقمة، والنقمة بقدر النعمة كما يقرر الفقهاء.
ثانياً: تأصيل القاعدة:
يستدلّ لهذه القاعدة بأدلة من السُّنَّة والمعقول من ذلك:
أ ـ من السنة:
ـ ما روت عائشة: قالت إن النبي الله قال: «الخراج بالضمان» (3).
(1) أطفيش أمحمد شرح النيل، 276/ 9 - 277.
(2) الروكي محمد: قواعد الفقه الإسلامي، ص 227. - البورنو: الوجيز في قواعد الفقه، ص 366. (3) رواه الترمذي، كتاب البيوع، باب من يشتري العبد ويستغله ثم يجد به عيباً، رقم 1285، وأبو داود، كتاب الإجارة، باب من يشتري العبد ويستغله ثم يجد به عيباً، رقم 3508، کتاب البيوع، رقم: 3508 - 3510 ورواه أحمد في المسند، رقم: 5217. وأبو داود. والنسائي، كتاب البيوع، رقم: 4490، سنن النسائي مع تخريج السيوطي، 254/ 7، وابن ماجه، كتاب التجارات، رقم: 2242 - 2243، وابن حبان، رقم: 1126. عن عائشة ا. قال الترمذي: حسن صحيح. (4/17)
صفحة 1799
18
القواعد الفقهية عند الإباضية
وقد بين السيوطي درجة هذا الحديث فقال: هو حديث صحيح، أخرجه الشافعي وأحمد وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه وابن حبان من حديث عائشة، وفي بعض طرقه ذكر سبب ورود الحديث، وهو ما رُوي عن عائشة لنا أن رجلاً ابتاع عبداً فأقام عنده ما شاء الله أن يقيم، ثم وجد به عيباً فخاصمه إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فرده عليه، فقال الرجل: يا رسول الله قد استعمل غلامي، فقال: «الخراج بالضمان» (1)، وبذلك قضى شريح.
وجه الاستدلال
جميع
الثمن
قال أبو عبيد): «الخراج في هذا الحديث غلّة العبد، يشتريه الرجل فيستغله زماناً، ثمّ يعثر منه على عيب دلسه البائع، فيرده ويأخذ. ويفوز بغلته كلها؛ لأنّه كان في ضمانه، ولو هلك هلك من ماله» (3). وقال ابن الأثير: «يريد بالخراج: ما يحصل من غلة العين المبتاعة، عبداً كان أو أمةً أو ملكاً، وذلك أن يشتريه فيستغله زماناً، ثم يعثر منه على عيب قديم لم يطلعه البائع عليه أو لم يعرفه فله ردّ العين المبيعة وأخذ الثمن ويكون للمشتري ما استغله؛ لأن المبيع لو كان تلف في يده لكان من ضمانه ولم يكن على البائع شيء» (4). فمثلاً: لو ردّ المشتري حيواناً بسبب عيب أخفاه البائع عنه أو لم يكن البائع عالماً به، وكان قد استعمله مدّة لا تلزمه أجرته؛ لأنه لو تلف في يده قبل الرد،
(1) رواه أبو داود، السنن، كتاب البيوع، رقم: 3510. وابن ماجه، السنن، كتاب التجارات،
رقم: 2242.
(2) هو
المحدث الحافظ اللغوي المقرئ: أبو عبيد القاسم بن سلام (150 - 222 هـ)، صاحب «الأمثال» و «الأموال» و «المصنف الذي أخذ منه ابن نجيم الغريب المصنف في غريب الحديث» له. ينظر السيوطي، الأشباه والنظائر، ص 178. ـ ابن نجيم: م الأشباه والنظائر، الهامش، ص 177. (3) ابن الأثير: النهاية في غريب الحديث والأثر، 287/ 1. (4) ابن الأثير: المصدر نفسه، 286/ 1. (4/18)
صفحة 1800
الفصل السادس: القواعد الفقهية الكلية الصغرى
19
ما جاز له أن يرجع على البائع بثمنه، بل ولا بجزئ من ثمنه؛ لأنه تلف وهو في ملكه، وقد حكم عمر بن عبد العزيز في هذه المسألة بالأجرة للبائع، ولكنه لما
اطلع بعد ذلك على الحديث الشريف: الخراج بالضمان نقض الحكم) وخلاصة معنى الحديث - كما أفاد الشيخ محمد طاهر الأتاسي ـ: «أنّ الشيء الذي مؤنته على إنسان، وإذا تلف يكون تلفه عائداً عليه، يقال لذلك الشيء إنه في ضمانه، وبمقابل هذا تكون منافعه خاصة به، سواء انتفع بها بنفسه أو تناول غلتها» (2).
ب - من المعقول
القياس على الأصل: من ملك شيئاً ملك منافعه بجامع ضمان الهلاك في كل»، فالعين المملوكة إذا هلكت تهلك على مالكها والعين المشتراة قبل الرد بالعيب إذا هلكت تهلك على المشتري إذا كانت في يده فله منفعتها».
ثالثاً: تحليل قاعدة: «الخراج بالضمان»:
هذه القاعدة تتكون من الموضوع والحكم الكلي ومناط الحكم.
القاعدة: 1 - موضوع
هو الخراج أو غلّة العين المملوكة أو الزيادة الحاصلة في العين، وقد قسم
الفقهاء هذه الزيادة إلى أربعة أقسام:
الأول: زيادة متصلة ومتولدة من الأصل كسمن الدابة، ونماء الشجر.
(1) محمد بكر إسماعيل: القواعد الفقهية بين الأصالة والتوجيه، ص 207.
(2) الأتاسي: شرح المجلة العدلية، 241/ 1.
(3) معابدة محمد نوح قاعدة الخراج بالضمان،
ص
(4) الكاساني: البدائع، 286/ 5. - ابن رشد: بداية المجتهد، 159/ 2. - الشربيني: مغني المحتاج،
62/ 2. البهوتي: كشاف القناع، 207/ 3. (4/19)
صفحة 1801
20
القواعد الفقهية عند الإباضية
الثاني: زيادة متصلة بالأصل، ولكنها غير متولدة منه، وإنما تحصل بفعل الإنسان، كالبناء في الأرض وزراعة الأشجار، وصباغة الثوب، ودبغ الجلود. الثالث: زيادة منفصلة متولدة من الأصل كثمار الأشجار، وأولاد الماشية،
وغير ذلك.
الرابع: زيادة منفصلة غير متولدة من الأصل، وإنما تحصل من المنفعة؛ كأجرة السيارة وأجرة الدابة وغير ذلك).
2 - الحكم الكلّي للقاعدة:
هو أن غلة العين تملك لمن عليه الضمان، ويشترط لذلك عدة
شروط، وهي: الأول: أن تكون الغلة منفصلة عن الأصل سواء كانت متولدة عنه أو غير ولدة، أما إذا كانت الزيادة متصلة فلا تدخل في ملك المشتري؛ إذا ردّ المبيع بالعيب كالسمن والكبر؛ لأنها نماء وليست خراج.
متول
:
الثاني: أن تكون الغلة حاصلة عن عين مملوكة ملكاً شرعياً؛ كالملك عن طريق البيع، ولو في مدة خيار العيب، أو مدة خيار الشرط، أو عن طريق الهبة، أو عن طريق الشراء، ولو كانت العين مستحقة للغير بالشفعة، فيكون الخراج لمن بيده العين بأحد تلك الطرق، أما إذا كانت الغلة حاصلة من عين غير مملوكة
بطريقة شرعية، كغلة المغصوب والمسروق فلا يستحقها من وقعت تحت يده. الثالث: أن تكون الغلة حاصلة بعد وقوع سبب الملك؛ كعقد البيع، أما إذا كان قبل ذلك فلا يستحقها من وقعت تحت يده؛ مثل لبن المصراة، فهو موجود في الشاة أو الناقة قبل البيع فيضمنه المشتري، ويرد بدله
صاعا من تمر
(2)
(1) شبير محمد عثمان: القواعد الكلية، ص
313
(2) الكاساني: البدائع، 5/ 286. - ابن رشد: بداية المجتهد، 159/ 2. - الشربيني: مغني المحتاج، 2/ 62. ـ البهوتي:: كشاف القناع، 208/ 30. - شبير: القواعد الكلية، 313 - 314. (4/20)
صفحة 1802
الفصل السادس: القواعد الفقهية الكلية الصغرى
21
3 ـ مناط الحكم الكلّي:
-
هو الضمان؛ حيث يتعلق الحكم بمن وجب عليه الضمان، فلما كان الذمة غير مطالب بأي التزام إلا بدليل أو سبب شرعي، فإن
الإنسان بريء أسباب الضمان هي "
أ - السبب الأول: الإتلاف لمال الغير
الأمثلة
إذا أتلف شخص مالاً لغيره بالمباشرة أو التسبب، ضمنه، ومن على الإتلاف بالمباشرة هدم الدور وحرقها وأكل الطعام المملوك، وشرب
الماء المحوز، وغير ذلك.
ومن
أمثلة الإتلاف بالتسبب إيقاد نار قرب زرع جاره، فتؤدي إلى حرقه فهذا إتلاف بالتسبب؛ لأنه لم يتلف بالمباشرة، وإنما فعل ما من شأنه عادة أن يؤدي إلى التلف (2).
ب - السبب الثاني وضع اليد القدرة على تصرف الشخص في العين قسم الفقهاء الأيدي - باعتبار الضمان وعدمه - إلى يد أمانة، ويد ضمان. فيد الأمانة: هي التي قبضت العين لا بقصد التملك، بل نيابة عن المالك، فكان قبضها لمنفعة المقبوض منه؛ كالوديع، وعامل المضاربة، والوصي على مال اليتيم، فأصحاب هذه الأيد لا يضمنون ما تلف تحت أيديهم إذا كان بدون تعد أو تفريط؛ لأن صاحب اليد قصد من القبض منفعة مالك العين. ويد الضمان: هي التي قبضت العين لمنفعة القابض نفسه، سواء أكان بإذن المالك وهي تسمى اليد المؤتمنة؛ كيد البائع على المبيع قبل التسليم، أم بغير إذن المالك، وهي تسمى اليد العادية، كيد الغاصب (3) أو السارق، فإن أصحاب
(1) السيوطي: الأشباه والنظائر، ص 362. ـ الزحيلي: نظرية الضمان، ص 64. ـ محمد فوزي
فيض الله: نظرية الضمان، ص 19.
(2) ابن غانم البغدادي: مجمع الضمانات، 2923. (3) البسيوي جامع أبي الحسن البسيوي، 52/ 4 - 53. (4/21)
صفحة 1803
22
القواعد الفقهية عند الإباضية
هذه الأيدي يضمنون بمجرد القبض، ولو كان التلف بآفة سماوية، أو قوة قاهرة، فالضمان على الحائز أي أنه يتحمل تبعة الهلاك.
ج - السبب الثالث: العقد:
العقد مصدر للضمان إذا نص فيه صراحة على شرط من الشروط، أو كان الشرط مفهوماً ضمناً حسب العرف والعادة ثم أخل العاقد بما تقتضيه طبيعة العقد، أو يتطلبه الشرط، فلم يقم بتنفيذ التزامه على الوجه المتفق عليه. قال السيوطي: «ما يضمن ضمان عقد قطعاً هو: ما عين في طلب عقد بيع، أو سَلَم، أو إجارة، أو صلح»).
ما يرد على هذه القاعدة من اعتراض:
وقد ورد على هذه القاعدة سؤالان استشكل فيهما بعض الفقهاء: السؤال الأول: إذا كان الخراج في مقابلة الضمان فكان يجب أن تكون الزوائد قبل قبض المبيع - من قبل المشتري للبائع لا للمشتري ـ؛ لأن المبيع قبل قبض المشتري على ضمان البائع، تمّ العقد أو انفسخ، لكونه من ضمانه، ذلك لم يقل بهذا أحد؛ لأن الزوائد من حق المشتري هنا (2). ومع فأجيب: إن علة جعل الزوائد هنا من حق المشتري أن المبيع هنا أصبح مملوكاً للمشتري، فالزوائد هي زوائد ملكه، وأما بعد القبض فإن حق المشتري يتأكد فى الزوائد بعلة الملك والضمان معا.
واقتصر في الحديث على التعليل بالضمان؛ لأنه أظهر عند البائع وأقطع لطلبه، وأدفع لاستنكاره أن الخراج للمشتري.
السؤال الثاني: إنه لو كانت علة الخراج بسب الضمان للزم أن تكون زوائد المغصوب للغاصب؛ لأن الغاصب يضمن ما غصب، وبهذا احتج
(1) السيوطي: الأشباه والنظائر، ص 362 شبير محمد عثمان: القواعد الكلية، ص 214 - 215. (2) القطب أطفيش: شرح كتاب النيل، 514/ 1. (4/22)
صفحة 1804
الفصل السادس: القواعد الفقهية الكلية الصغرى
23
بعض الفقهاء وقالوا إن الغاصب لا يضمن منافع المغصوب، فهو هنا ظاهر الحديث (1).
مع
والجواب على ذلك: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى بالخراج في ضمان الملك لا لمجرد الضمان ـ وجعل الخراج لمن هو مالكه فعلاً، إذا تلف على مالكه وهو المشتري، والغاضب لا يملك المغصوب، وبأن الخراج وهو: المنافع جعلها لمن عليه الضمان، ولا خلاف أن الغاصب لا يملك المنافع، بل إذا أتلفها فالخلاف في ضمانها عليه والتعليل إن الخبث إن كان لعدم الملك فإن الربح لا يطيب، فربح الغاصب من المغصوب، والأمين من الأمانة من هذا الباب، فلا يحل للغاصب ولا للأمين، وأما إن كان الربح لفساد الملك كالبيع الفاسد، فإن الربح يطيب؛ لأن المبيع كان على ضمان المشتري (2).
خامساً: فروع القاعدة
وردت في بعض المصنفات الإباضية أمثلة تطبيقية لقاعدة: «الخراج بالضمان»، نذكر منها:
1 ـ ما نص عليه أبو محمد بن بركة في «الجامع» أن من اشترى عبداً بثمن معلوم واستعمله واستغله، ثم وجد به عيباً رده بالعيب الذي كان فيه؛ إذا كتمه إياه البائع، ولم يعلم المشتري به مع الغلة والخدمة؛ لما روته عائشة عن النبي أنه قال: «الخراج بالضمان» (3)، وقد علل ابن بركة سبب استحقاق المشتري للخراج دون غيره، وأنه مقابل ضمان تلف المبيع، فقال: «فإن قال
(1) البسيوي: الجامع، 4/ 52 - 55. (2) السيوطي: الأشباه والنظائر، ص 178 - 179. ابن نجيم: الأشباه والنظائر، ص 177. وقال: لم أجده منقولاً عن مشايخنا (الحنفية). ـ البورنو: الوجيز في قواعد الفقه، البسيوي: جامع أبي الحسن البسيوي، 52/ 4 وما بعدها. ـ القطب أطفيش: شرح كتاب
ص
367 - 368
النيل، 9/ 215 - 216.
(3) تقدم تخريجه. (4/23)
صفحة 1805
24
القواعد الفقهية عند الإباضية
قائل: فما هذا الضمان الذي أوجب أن يكون الخراج يجب به للمشتري دون غيره؟ قيل له: ما ضمن من ثمنه، وأيضاً فإن كشب العبد لم يكن ملكاً للبائع؛ لأن العبد كان ملكا للمشتري، فلما ظهر على العيب كان له رده به واسترجاع ما سلّمه من الثمن ولا يبرأ من ضمانه إن لم يكن سلمه (1).
2 - ومنها: إذا ردّ المشتري حيواناً أو سيارة أو شجراً مثمراً أو نحو ذلك، فما له غلة بخيار العيب وكان قد استعمل هذه الأشياء وهو غير عالم بالعيب لا يلزمه رد الغلة؛ لأنها مقابل ضمانه لها لو هلكت في يده (2).
يرد معه
وقد فرق القطب أطفيش بين بيع الخيار والبيع بنية الاختبار، فأباح للمشتري ردّ المبيع في مدة الخيار ما لم يتصرف في المبيع على صورة يظهر فيها قبوله للبيع ولو بعيّنة خاصة إذا انقضت مدة الخيار، وإذا رده فلا الغلة والخراج لأنه مقابل ضمانه في حالة التلف، أما إذا اشتراه على نية الاختبار والتجربة فيجوز له رده مع غلته، ورغم تقارب الصورتين إلا أن القطب فرق بينهما؛ فاشترط رد المبيع مع غلته في حالة البيع للاختبار، وعدم ردها في حالة رد المبيع للعيب في حالة بيع الخيار.
يقول في هذا الصدد نقلا عن الثميني: وفي «التاج»: «من اشترى أرضاً على الخيار إلى مدة وبنى فيها أو عرضها للبيع، أو دابة فركبها، أو ثوباً فلبسه، فذلك رضى منه به ولزمه، وكذلك إن انقضت المدة ولم يرده فقد لزمه، إلا إن صح أنه نقضه فيها، وكذا إن وطئ جارية فقد لزمته (3).
ويضيف في السياق نفسه ومن حلب دابة أو جزها لم يجد ردها؛ لأن ذلك رضى، وإن أُقيل لم يرد الغلة؛ لأنها بالضمان، وإن استخدم دابة أو عبداً
(1) ابن بركة: الجامع، 324/ 2.
(2) الكندي أحمد بن عبد الله: المصنف، 79/ 2.
(3) الثميني: التاج، 474/ 4. (4/24)
صفحة 1806
الفصل السادس: القواعد الفقهية الكلية الصغرى
25
أو أمة بلا إذن بائع، لزمه البيع وله الغلة على قول: وإن اشترى على أن يختبر فلم يعجبه المبيع، رده، وغلته، وإن اشترى أمة أو عبداً على أن ينظر شأن معيشة ذلك وأذن له، لم يلزمه رد الأجرة، وفوق ثلاثة أيام في الحيوان ضرر، وقيل له من الغلة ما أنفق، وإن حدث عيب بالمبيع فقيل له رده فيرد أرشه، وقيل لا يرده إلا إن برئ في المدة).
وقد يؤكد القطب أطفيش جواز رد المشتري للمبيع في بيع الخيار إذا ظهر فيه عيب ولم يطلع عليه المشتري عند العقد، سواء علم به البائع وأخفاه عنه، أم نسيه، أم أخطأ فسلمه المبيع بعيبه، ومثل لذلك بالدابة التي تؤذي الناس بالعض والرفس، فإن البائع يضمن الأضرار الناجمة عنها؛ لأنها ما زالت ملكه ولم تنتقل إلى المشتري نهائياً، أما منفعتها فهي للمشتري مقابل الضمان إذا تلفت عنده حتى يردها لصاحبها.
في
يقول في هذا الصدد: «وضمن بائع ما جره العيب الذي لم يخبر به المشتري ولو لعدم اطلاعه، أو لنسيانه أو غلطه، وذلك فيما إذا جره العيب بعد قبوله بالأرش)، ومطلقا عن قول التخيير والفسخ، وقيل: إن رآه المشتري لم يلزم البائع ما جره، وهكذا بحسب الأقوال في الإخبار بالعيب، ووضع اليد عليه وعلم المشتري، فإذا لزم المشتري لم يضمن البائع ما جر، بل يلزم المشتري وإلا لزمه، مثل: أن يبيع دابة تعُضُّ أو تضرب، فإنه يضمن ضربها أو عضها ما لم يلتزمها المشتري بالقبول». 3 ـ ومنها: ما ذكره العوتبي في «الضياء» أن من اشترى دابة فاستعملها ثم علم أنها مسروقة، فلا رد عليه فى الغلة؛ لأنها مقابل الضمان إذا تلفت عنده).
(1) القطب أطفيش: شرح النيل، 286/ 9.
(2) التعويض عن الضرر.
(3) القطب: شرح النيل، 504/ 8.
(4) العوتبي سلمة بن مسلم الصحاري كتاب الضياء، 66/ 11. (4/25)
صفحة 1807
26
القواعد الفقهية عند الإباضية
ـ ومنها: ما ذكره محمد بن إبراهيم الكندي في معرض كلامه عن الشفعة بما نصه: «وإذا اشترى رجل من رجل أرضاً وادعى رجل أنها شفعته وأنكر المشتري فعلى طالب الشفعة البينة أنها شفعة له، فإن صحت البينة أنها شفعته حكم له بذلك، وإن لم تصح بينته وأراد يمين المشتري حلف بالله أنه اشترى هذه الأرض ولم يعلم أنها شفعة لهذا المدعي، ولا يعلم أن عليه له حقاً من قبل ما يدعي أنها شفعة له، فإن أقر بها أو قامت بينته أنها شفعة له حكم له بها، وإن كان المشتري قد استغل منها غلة فلا رد عليه في الغلة للشفيع؛ لأن الغلة بالضمان).
ه - ومنها ما جاء في كتاب التمهيد» أنه إذا اشترى رجل من آخر بستاناً واعتنى به وأنفق عليه وفسل فيه صرماً، ثم نقض البيع لوجه يصح له فيه النقض، فالحكم فيما أخذه من غلة هذا البستان أنها له؛ لأن «الخراج بالضمان» وقد كان في ضمانه. سئل المحقق الخليلي عن الحكم فيمن اشترى مالاً وعنى فيه وغرم وفسل
فيه صرماً، ثم نقض البيع بوجه يصح له فيه النقض، ما الذي له؟ فأجاب: «قد قيل أن له عناه وغرمه وإخراج صرمه إن شاء، ولم يكن في إخراجه على البائع ضرر، وإلا فليس له إلا القيمة كما هي نظر من له في عدله معرفة بقيمة مثله إن أدرك، وإلا فالقول للغارم مع يمينه إن رضي البائع بتركه فيما له، وإلا حكم عليه بزواله». قال السائل: «قلت له وما أخذ من غلة هذا المال فأكله أو بقي في يده أهو له أم لربه؟ وما أتلفه أيرد له أم لا؟ قال: ما أخذه فهو له؛ لأن الغلة بالضمان وما أنفقه فليس بشيء، وقيل: إن عليه غرم ما أتلفه وردُّ ما بقي في يده، وله ما أنفق إن بقي له شيء لعلة، وإن بقي عليه سلمه.
(1) الكندي محمد بن إبراهيم: بيان الشرع، ج 9/ 30.
أخذه (4/26)
صفحة 1808
الفصل السادس: القواعد الفقهية الكلية الصغرى
27
فتتبع
قلت له وما كان في المال من غلة مدركة أولاً؟
قال: قد قيل في المدركة إنها للمشتري وقيل للبائع، وأما غير المدركة
المال، ولا يبين لى فيها إلا هذا على حال. قلت له: فإن كان البائع هو الذي نقض البيع فغيره.
غلة
من
قال: قد قيل في المشتري إن له ما غرمه ولا رد عليه فيما أخذه في هذا الموضع. وقيل: فيه بمثل ما مضى من القول في التي من قبلها بما فيه من الرأي والاختلاف بالرأي؛ لأن بعضا فرّق بينهما وبعضاً لم يفرق في ذلك، وكله من قول المسلمين رأيا في هذا والله أعلم).
6 ـ في ردّ المبيع إلى صاحبه في حالة الاستحقاق دون غلته، وذلك إذا اشترى أحد شيئاً من رجل على أنه له فخرج ذلك الشيء لغيره بالبينة العادلة، فالحكم فيه أن يأخذ صاحب الشيء شيئه ويرجع المشتري على البائع بالثمن، وهذا إذا خرج من يد صاحبه بالتلف أو بالغصب أو بالسرقة، وعند بعض أنه يدرك عليه المشتري الثمن الذي اشترى به ويرجع هو على البائع بما أعطى للمشتري، وأما إن كان ذلك الشيء في يد بائعه بالوديعة، أو بالعارية، أو بالكراء، أو باللقطة، أو بجميع الأمانات، فإنه لا يدرك ماله حتى يعطي للمشتري ما اشتراه به، ويرجع هو على البائع بما أعطى، وعند بعض: أنه يأخذ ماله ولا شيء عليه، ويرجع المشتري على البائع بما أعطاه له فيأخذه"). وعقب أبو ستة القصبي على هذا القول فقال: «قوله حتى يعطي للمشتري ... إلخ هذا ظاهر إذا كان المشتري غير عالم بأنه حرام، وأما إذا علم فإنه يأخذه صاحبه من غير شيء قولا واحدا كما يدل عليه كلامه فيما يأتي ... » (3).
(1) الخليلي سعيد بن خلفان (المحقق كتاب تمهيد قواعد الإيمان، 74/ 9 - 75. (2) الشماخي: الإيضاح، 4/ 6. (3) القصبي أبو ستة (المحشي) الحاشية على كتاب الإيضاح للشماخي، 4/ 6. (4/27)
صفحة 1809
28
القواعد الفقهية عند الإباضية
ولم يعتبر الشماخي العارية كغيرها من الأمانات في درجة واحدة في الحكم، فلو باعها مستعيرها ففي حكمها ثلاثة أقوال:
الأول: يأخذها من يد المشتري ويرجع المشتري على البائع قياساً على السرقة، واستدلوا على ذلك بما روي عن النبي أنه قال: «من شرق منه شيء أو ضاع منه فوجده في يد رجل قد اشتراه أن صاحبه أحق به، ويرجع المشتري على البائع بالثمن).
الثاني: قالوا يأخذها من يد المشتري بثمن مثله. الثالث: قالوا ليس له أن يطالب المشتري، لكن يطالب المستعير حتى يمكنه من المشتري).
وعلق الشارح أبو ستة على قول الشماخي في تخصيص العارية في الحكم دون غيرها بقوله: «لعل وجه تخصيص العارية بكونها فيها ثلاثة أقوال: قوة تسليط المعير للمستعير، حيث جعله متصرفاً من غير مقابل، بخلاف الأمانة والمكري فإنه في الأول لا تصرف له أصلاً، وفي الثاني بمقابل، فضعف التسليط» (3).
وهل يستحق صاحب المال غلة ماله المستحق إذا وجده بيد المشتري؟
الله،
قال الشماخي: «وأما غلة الشيء المستحق فهي لصاحبه فيما بينه وبين وأما في الحكم فيمسكها المشتري؛ وذلك لأن الشيء المستحق لم يستحقه صاحبه إلا الوقت الذي استحقه فيه من يد المشتري؛ لأنه لا يخرج من يد المشتري إلا كما دخل» (4).
(1) رواه ابن ماجه، كتاب الأحكام، باب من سرق له شيء فوجده، رقم 2331، وأحمد، مسند الكوفيين، من حديث سمرة، رقم 20158، عن سمرة بن جندب، قال الأرنؤوط: حسن.
(2) الشماخي: المرجع نفسه، 4/ 6 - 5. (3) القصبي أبو ستة: المرجع نفسه، 4/ 6 - 5.
(4) الشماخي: الإيضاح، 6/ 6. (4/28)
صفحة 1810
الفصل السادس: القواعد الفقهية الكلية الصغرى
29
قال الشارح معقباً عليه: «قوله وأما في الحكم فيمسكها ... إلخ أي لعموم قوله: «الخراج بالضمان ثم الظاهر أن المراد بالغلة التي يمسكها، الغلة التي لم تحضر الصفقة، وأما التي حضرت فالظاهر أنه يردها؛ لأنها لها قسط من الثمن، فلو أمسكها وأخذ الثمن كاملاً كان قد أخذ أكثر من حقه، وخصوصا إذا كانت تلك الغلة موجودة حين خرج الشيء من يد مالكه، ويدل عليه قوله: لأن الشيء لا يخرج من يد المشتري إلا كما دخل»، يعني: فإن دخل بغلة فإن كانت موجودة ردها مع الشيء، وإن كانت قد استهلكت دفع قيمتها، وإن دخل بغير غلة وحدثت عنده، كانت له لعموم الحديث ـ والله أعلم. هذا إذا وجد صاحب الشيء ملكه الذي خرج منه كما هو، فإن حصل فيه تغيير بأن نما وتطور وزاد في يد المشتري، فهل يتركه في حوزته، أم يأخذه صاحبه منه دون مقابل؟ أم يدفع قيمته للمشتري ويستلمه منه؟
يقول الشماخي في هذا الصدد: «وإن زاد فيه المشتري شيئاً فهو له؛ لأن المستحق لا يستحق إلا ماله ومثل ذلك إن اشترى أرضاً فغرس فيها غُروساً ثم استحقها صاحبها، فإنه يمسك تلك الغروس التي غرس في تلك الأرض، ويأخذ صاحب الأرض أرضه، وكذلك إن اشترى فسيلاً فغرسها في أرضه، فاستحقت تلك الغُروس في أرضه، فليمسكها الذي استحقها في تلك الأرض، ويرجع هو على البائع بالثمن فهذا مما وجد في الأثر ... » (2).
ـ في ردّ المرأة الصداق دون غلته عند الفداء:
من فروع هذه القاعدة ما ذكره الجناوني في كتاب النكاح»: أنه «إذا تزوج الرجل امرأة وأصدقها حيواناً أو دنانير أو أشجاراً، فتناسل الحيوان، وأثمرت الأشجار في يدها، فاستغلت من الحيوان من أوبارها وأشعارها وأصوافها
(1) القصبي المحشي الحاشية على الإيضاح، 6/ 6. (2) الشماخي: الإيضاح، 7/ 6. (4/29)
صفحة 1811
القواعد الفقهية عند الإباضية
وألبانها، أو أكلت ثمار الشجر، أو تجرت في الدنانير فربحت فيها، ثم افتدت من زوجها بصداقها، فليس عليها ردّ ما أكلت من ثمار الشجر، ولا ما استغلت من الحيوان ولا ما ربحت من الدنانير في جميع ما ذكرنا ... ».
قال المحقق علي يحيى معمر معقباً على قول الجناوني استناداً إلى القاعدة: «لأن الخراج بالضمان فما أكلته من الثمار في هذه الصورة، أو أكل هو من الغلال في الصورة التي بعدها، وما يشبه هذا فلا ردّ؛ لأنه في مقابل ضمان الأصل، إذ لو هلك الأصل لضمنه، كما في المسألة السابقة التي تشدد فيها بعض الفقهاء حتى قالوا: إن المرأة إذا أضاعت الصداق ثم افتدت به من الزوج، فإنها تطالب بإحضاره، وإذا لم تحضره تُصفّد بالحديد، وعفا الله عن هؤلاء كيف طاوعتهم أنفسهم أن يضعوا الحديد في موضع الذهب؟» (2) ولكن
هل تردّ المرأة كل ما نتج عن الصداق من نتاج وغلال إذا كان حيواناً؟ اختلف الفقهاء في هذه المسألة نقل الجناوني رأي الإباضية وأشار إلى الخلاف فيها فقال: «وأما فسل الحيوان ففيه قولان منهم من يقول ترده ومنهم من يقول لا ترده، وكذلك الأشجار التي أحدثها في تلك الأرض بعد النكاح، فمنهم من يقول هي للمرأة، ومنهم من يقول هي للزوج، وذلك في الأشجار التي غرست من الأغصان، وأما الفسائل فهي للمرأة، وتؤخذ بنزعها بعد الفداء إن طلب إليها ذلك الزوج بعد الفداء، ومن قال الأشجار التي غرست من الأغصان؛ إنها للمرأة فلا يدرك عليها الزوج نزعها من تلك الأرض، وكذلك إن رجع ذلك الصدق الذي ذكرنا إلى الزوج بالفداء، فاستغل منه مثل ما ذكرنا في الثمار والربح والغلة وحدوث النسل والغروس بعد الفداء، ثم رد الصداق على المرأة على المراجعة فليس عليه رد شيء من
(1) الجناوني: كتاب النكاح، تحقيق: علي يحيى معمر، ص 271 - 272. (2) علي يحيى معمر: الحاشية على كتاب النكاح للجناوني، ص 272. (4/30)
صفحة 1812
الفصل السادس: القواعد الفقهية الكلية الصغرى
31
ذلك كله، إلا ما ذكرنا من الاختلاف في النسل الحادث من الحيوان عند الزوج بعد الفداء والغروس الحادثة عنده من الأغصان، وأما الفسائل فهي للزوج إذا أحدثها في تلك الأرض بعد الفداء، وتدرك عليه المرأة نزعها إن طلبت إليه ذلك» (1).
واستثنى الفقهاء من الخراج أو الغلة ما تناسل من الحيوان لما كان بيد المرأة، صداقاً، وكذلك الفسائل من الأشجار، فيجب عليه ردها للزوج، وكذلك إذا كان الصداق بيد الرجل بعد الفداء، ثم رده للمرأة بعد إرجاع زوجته إلى عصمته؛ لأن الفقهاء اشترطوا في جواز أخذ الخراج إذا كان زيادة منفصلة غير متولدة من الأصل وتحصل من المنفعة كأجرة السيارة، وكراء الدار، أما إذا كانت متصلة متولدة من الأصل، كزرعه الأشجار، وبناء المنزل، أو زيادة منفصلة متصلة بالأصل كثمار الأشجار، ونسل الحيوان، فهي تابعة للأصل، وحكمها حكم الأصل، تردّ مع أصلها إلى صاحبها).
وذهب فقهاء الإباضية إلى أن تلك الزيادة لا ترد لصاحبها بل تبقى للمشتري أو المرأة مقابل ضمان الأصل إذا تلف أو ضاع، ومقابل ما ينفق على الأصل لحفظه، كالعلف للحيوان، فيأخذ ما نتج عنه من لبن أو سمن أو شعر أو صوف، وهذا الحكم يختلف في المغتصب فإنه يضمن الأصل وغلته؛ لأن يده على المال يد مغتصب وليس يد مالكه الشرعي.
ـ في الإجارة:
ذلك
ومن فروعها ما جاء في جامع ابن جعفر من غيره: «وسألت عن رجل استأجر داراً من رجل بخمسين درهما ثم أجرها بمائة، قالوا: لا يصلح ولا يحل هذا، والفضل لصاحب الأصل داراً كانت أو غلاماً، وكذلك العامل
(1) الجناوني: المرجع نفسه.
(2) شبير محمد عثمان: القواعد الكلية، ص 313. (4/31)
صفحة 1813
32
القواعد الفقهية عند الإباضية
ليس له فضل، قال أبو سعيد رحمه الله: قد قيل: إذا أدخل في الدار شيئاً من المنافع من بناء أو باب أو سبب من الأسباب، أو أصلح صلاحاً، أن له الزيادة، وقيل: إن الزيادة على حال؛ لأنه ثبتت له الأجرة، فله زيادته، وعليه نقصانه. وقيل: ليس له ذلك على حال، وأكثر ما يؤخذ من قول أصحابنا (الإباضية) إن كان أصلح صلاحاً، كان له الزيادة من الأجرة، وإذا لم يكن قد أصلح فيه، لم يكن له زيادة»).
-
قال المحقق معلّقاً على هذا القول: «أرى - والله أعلم - أن الزيادة لا تكون لصاحب البيت إلا إذا اشترط صاحب البيت، فهنا تنفيذ للشرط؛ لأن العقارات في عصرنا الحاضر اختلفت عن العصور الماضية، فهنا يقول المؤجر إلى المستأجر أنت تُصلح كل شيء على حسابك الخاص، فلو كان المؤجر يتحمل ذلك لَقُلنا: الغرم بالغنم، ولكن هنا الغرامة على المستأجر فقط، ومن حق المؤجر أن يرفع سعر المأجور إذا لم يكن هناك عقد يحدد المدة، أما إذا
كان هناك عقد يحدد المدة، فبعد انتهاء المدة، يجوز له زيادة الأجرة» (2). وفي السياق نفسه سئل الشماخي عن حكم أخذ المستأجر زيادة في الأجرة إذا أعاد تأجير العين؟ وبعبارة أخرى، هل يجوز للمستأجر أن يؤجر العين التي أجرها بزيادة دون مقابل؟ فذكر أنّ هذه المسألة محل خلاف بين الفقهاء، ومما جاء في عبارته أنه إذا أكرى رجل لرجل داراً بعشرة دنانير في السنة، أو دابة لحمل متاع معلوم إلى بلد معروف بعشرة دنانير، وما أشبه هذا، ثم إن المكتري أكرى الدار أو الدابة لغيره بخمسة عشر دينارا، فلا تحل له تلك الزيادة، وهو بمنزلة ربح ما لم تضمن في البيوع؛ [لأن «الخراج بالضمان»] إلا إن زاد في الدار شيئاً من عنده من أداتها ومصالحها، نحو الباب، أو المفتاح، أو
(1) ابن جعفر أبو جابر محمد: جامع ابن جعفر، 220/ 4. - وينظر: الشماخي: الإيضاح،
6/ 250 - 254
(2) الفضيلات جبر محمود، الحاشية على كتاب جامع ابن جعفر، 220/ 4. (4/32)
صفحة 1814
الفصل السادس: القواعد الفقهية الكلية الصغرى
33
السرير، أو الفراش، أو طيّنَ شيئاً (رمّم)، أو زاد على الدابة شيئاً من أداتها من: رَسَن أو خطام (زمام) أو سرج أو إكاف، ثم استأجر تلك الدابة، أو الدابة بما
زاد عليها، فله أن يحبس تلك الزيادة؛ لأنها مقابلة ما زاد من عنده (1). ـ وكذلك الخياط إن استأجره لخياطة معروفة بأربعة دراهم، ثم إن الأجير استأجر أجيراً غيره لخياطتها بأقل من ذلك، فليس له أن يحبس الزيادة وهي لرب الثوب، إلا أن يكون زاد من عنده شيئاً من الأداة التي يستعان بها على الخياطة، فله أن يحبس تلك الزيادة كما ذكرنا (2)؛ لأن «الخراج بالضمان»، و «الغرم بالغنم.
ـومن الصور التي ذكرها الشماخي تطبيقاً لهذه القاعدة أيضاً أنه: «لو استأجر رجل رجلاً بمائتي دينار واتجر الأجير بتلك الدنانير قبل دخوله في العمل، فربحها لرب العمل، وللأجير عناؤه، وإن عمل بعد ذلك العمل، فله أجرته والربح مردود لرب العمل، وإن اتجر بها بعد دخوله في العمل، فله من الربح بقدر ما يقابل عمله من الأجرة، ولرب العمل ما بقي» (3).
وبعد أن عرض الشماخي تلك الصور خلص إلى القول: «وبالجملة أن زيادة هذا الكراء ونماؤه لربه ما لم يدخل الأجير في العمل، ولذلك عليه نقصانه، وجناياته ونفقته وكسوته، فإذا دخل الأجير في العمل صار هو رب العمل مشتركين في ذلك الشيء» (4)؛ لأن كل منهما يملك جزءا من المال المستثمر في الشركة، فالعامل بماله الذي أخذه من رب العمل مقابل جهده وصاحب العمل بماله وما داما يضمن كل منهما حصة من المال فله أخذ الربح؛ لأن «الخراج بالضمان».
(1) الشماخي: الإيضاح، 251/ 6.
(2) الشماخي: المصدر نفسه.
(3) الشماخي: المصدر نفسه، 251/ 6 - 252.
(4) الشماخي: نفسه. (4/33)
صفحة 1815
34
القواعد الفقهية عند الإباضية
تكون
ويزيد الشماخي توضيحاً لهذا الأمر بصورة أخرى فيقول: «لو كان الكراء عبداً وليس مالاً نقداً فإن المؤجر لا يملك العبد بل يملك منفعته، ولذلك جميع أحكام العبد من النكاح والطلاق والعتاق والهبة والبيع وما أشبه ذلك بيد رب العمل؛ لأنه يملكه ويضمنه ولا يجوز للأجير فيه شيء مما ذكرنا ما لم يدخل في العمل، فإذا دخل في العمل صار هو رب العمل فيه شريكين بقدر، عمله ولا يجوز فيه لرب العمل بعد ذلك بيع ولا هبة ولا وصية ولا رهن، إلا في حصته، ولا يجوز نكاحه ولا طلاقه ولا مراجعته حتى يتفقا؛ لأن ذلك مما لا يتجزأ، وإن أعتقه أحدهما عُتِق وضمن لشريكه قدر حصته لقوله صلى الله عليه وسلم: «من أعتق شقصاً له في عبد قوم له».
ويضيف في هذا الشأن: «وإن كان الكراء دابة أو شجرة فما حدث في الدابة والشجرة من النسل والثمار بعد عقد الكراء وقبل دخول الأجير في العمل فهو لرب العمل، وليس للأجير إلا رأس الشجرة أو رأس الدابة إذا عمل العمل، وإن دخل العمل قبل أن تطيب ثمرة الشجرة وقبل ولادة الدابة، فله عناؤه إذا تم له عمله، بنظر أهل العدل؛ لأن زيادة الكراء يوجب زيادة العمل، كما أن زيادة العمل توجب زيادة الكراء، وتلك الزيادة لم يتفقا عليها، فلذلك وجب أن يرد إلى عنائه، وإن كانت الثمرة على الشجرة، والدابة حاملة في وقت الكراء فهي حملها، والشجرة مع ثمرها؛ لأن ذلك كله أجرة العمل» (2).
للأجير
مع
سادساً: ما يستثنى من القاعدة:
قاعدة: «الخراج بالضمان عامة تشمل كل مبيع معيب يريد أن يرده المشتري، فهو له الحق في الرد واسترجاع ثمنه دون أن يكون عليه أي شيء،
(1) رواه مالك، رواية الليثي، كتاب العتق والولاء، باب من أعتق شركا له في مملوك، 1462، ورواه بلفظ مقارب البخاري كتاب الشركة باب الشركة في الرقيق رقم 2369، عن ابن عمر. (2) الشماخي: الإيضاح، 254/ 6 - 253. (4/34)
صفحة 1816
الفصل السادس: القواعد الفقهية الكلية الصغرى
35
مقابل خراج المبيع المعيّن، ولا يستثنى إلا ما ثبت بالنص، لذلك يسري مفعولها على كل مشمولاته من الجزئيات إلا في المصراة، فإنها إذا ردت للبائع مع صاع تمر؛ لورود الحديث في ذلك، وهو قوله صلى الله عليه وسلم: «لا تُصَرُّوا الإبل والغنم، فمن ابتاعها بعد ذلك فهو بخير النظرين بعد أن يحلبها، إن رضيها أمسكها، وإن سخطها ردّها وصاعاً من تمر» (2). وليس معنى ذلك أن حديث: «الخراج بالضمان» محمول على حديث المصراة، بل هو ـ كما تقدم - عام لا يستثنى منه إلا هذه الجزئية المنصوصة، بدليل أن الرجل إذا اشترى بقرة - مثلاً - ووجد بها عيبا غير التضرية فله أن يردها بالعيب ولا شيء عليه فيما استفاده من خراجها، فالصاع ـ إذا ـ إنما يكون عوضا عن الخراج في حالة التصرية» (3).
وينبه العوتبي إلى أن قاعدة الخراج بالضمان» لا يعمل بحكمها في جميع الفروع الفقهية، ويستثنى منها الوديعة والعارية والمضاربة، فيقول: والخراج بالضمان إلا في الوديعة والعارية والمضاربة» (4).
ولم يشر العوتبي إلى علة استثناء هذه المسائل من القاعدة، ولعل ذلك يعود إلى أن المستودع والمستعير والمضارب لا يملكون ما في أيديهم من أموال، فهي ملك لغيرهم وهم أمناء عليها لهم حق الانتفاع بها، ومن شروط
(1) المصراة: اسم مفعول من التصرية، وهي تجميع اللبن في ضرع الحيوان، إيهاماً للمشتري أن الحيوان حلوب كثير اللبن. (2) رواه البخاري، كتاب البيوع، باب النهي للبائع ألا يحفل الإبل، رقم 2041، عن ابن مسعود. وروى مسلم الحديث في الشياه. (3) ابن قدامة: المغني، 255/ 4. وهذا إذا قررنا أن الصاع عوض عن خراج المصراة، وإلا فقد ذهب بعض الفقهاء إلى أنه ليس عوضاً في الخراج، بل ذهب الحنفية إلى أبعد ذلك، فلم يقولوا برد الصاع أصلاً، اعتماداً على القياس ينظر الروكي محمد، قواعد الفقه
الإسلامي، ص 228.
(4) العوتبي: الضياء، 71/ 11.
من (4/35)
صفحة 1817
36
القواعد الفقهية عند الإباضية
القاعدة ملك الشيء، وحرية التصرف فيه بدون إذن الغير، والمؤتمن لا يملك ذلك، فلا يضمن إلا في حالة التعدي أو التقصير في حالة الاعتداء على الأمانة أو تضييعها، أو التسبب في إتلافها لعدم حفظها، ولأجل ذلك وضع العلماء قاعدة أخرى تضبط مثل هذه التصرفات فقالوا: «المؤتمن لا يضمن إلا بالتعدي أو التقصير»، وسيأتي شرحها لاحقا. أما القطب فقد استثنى من القاعدة المال المغصوب، فلم يجعل للغاصب خراجه على الراجح، وبناء عليه، فلا يجوز للغاصب الانتفاع بأصل المال المغصوب ولا بغلته، وإنما يجب عليه رده لصاحبه مع غلته وما نتج عنه في يده، ولا عبرة بما أنفقه حفظه في وتنميته، فلا يضمن له رب المال المغصوب عناءه ونفقته؛ لأنه ليس لعرق ظالم حق» كما يقرر الفقهاء.
يقول القطب في هذا المعنى وجاز التقاضي فيما أكل الغاصب أو السارق أو الغالط، وأراد بالأكل مجرد الإتلاف أكلاً أو غيره، (من غلته) كثمار الشجر والنخل والأرض، وصوف الحيوان ووبره وشعره ولبنه وسمنه، وما يتولد من ذلك، وأجرة كرائه، وكراء البيوت وغيرها، (واستخدامه) وذلك بتقويم حيواناً كان أو غيرها كسكني البيوت وجميع ما جرى حد التقاضي المذكور من قضاء الجنس، أو الخلاف قبل البيع أو بعده قضاء متساو أو أقل لأكثر، وإن لم يتلف ذلك فلا يقض كما لا يقضي أصله إذا بقي، وقيل يقضي إذا لم يصل إليه، وإنما صح له قضاء الغلة ونحوها؛ لأن حديث: «الخراج بالضمان»، إنما هو لغير الغاصب على الراجح لقوله صلى الله عليه وسلم: ليس لعرق الغاصب حق (1) (2).
(1) رواه الترمذي، كتاب الأحكام، باب ما ذكر في إحياء أرض الموات، رقم 1378، وأبو داود، كتاب الخراج، باب في إحياء الموات، رقم 3073، عن سعيد بن زيد، قال الترمذي: «حديث
حسن غريب وقد رواه بعضهم عن هشام بن عروة عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلاً».
(2) القطب أطفيش: شرح النيل، 215/ 9 - 216. (4/36)
صفحة 1818
الفصل السادس: القواعد الفقهية الكلية الصغرى
37
هذا وقد وافق القطب رأي جمهور الفقهاء من الشافعية والحنابلة وبعض المالكية، خلافاً للحنفية وجمهور المالكية الذين لا يقولون برد منافع المال المغصوب وغلته؛ لأنها مال غير متقوم، ولذلك لا يضمنه
الغاصب أو السارق).
(1) الروكي محمد: قواعد الفقه الإسلامي من خلال كتاب الإشراف على مسائل الخلاف
لعبد الوهاب البغدادي، ص
233 - 234 (4/37)
صفحة 1819
المطلب الثاني
قاعدة: الغُرم بالغُنْم»
بالرغم من أن هذه القاعدة عكس القاعدة السابقة «الخراج بالضمان» إلا أنها بمعناها؛ أي: أنّ المستفيد بمنفعة الشيء هو أولى من غيره بتحمل خسارة ذلك الشيء، عملاً بمبدأ العدل في المعاملات الذي قررته الشريعة الإسلامية.
أولاً: تعريف القاعدة:
أ - الغُزم في اللغة: من غرم في تجارته إذا خسر، ويقال: أغرم إن أدى غرماً ومغرماً وغرامة، ويتعدى بالتضعيف بتشديد الراء)، فيقال: غرمه وأغرمته، جعلته غارماً، وأصل الغرم في اللغة يدل على الملازمة، وهو ما يلزم المرء لقاء شيء، من مال أو نفس (2).
والغُرم في الاصطلاح ما يتحمله الغريم في ماله تعويضاً عن ضرر بغير
جناية ولا خيانة» (3).
ب - والغُنم في اللغة من غنمتُ الشيء، أغنمه غنما أصبته غنيمة ومغنماً، وأصلة في اللغة يدل على إفادة شيء لم يملك من قبل، أو هو الربح؛
(4)
والغنم في الاصطلاح هو ما يحصل له من مرغوبه من ذلك الشيء).
(1) ابن بركة: الجامع، 2/ 345. - الكندي محمد بن إبراهيم بيان الشرع، 18/ 77. ج 169/ 35. ج 114/ 57. ـ العوتبي سلمة بن مسلم الضياء، 63/ 17. 102/ 11.
(2) ابن فارس: معجم مقاييس اللغة، ص
أحمد: شرح القواعد الفقهية، ص
(3) قلعة
جي
وقنيبي: معجم
419/ 4. - الفيومي: المصباح المنير، ص 610. ـ الزرقا
437
لغة الفقهاء، ص 303.
(4) ابن فارس: المرجع نفسه، 397/ 4. - الفيومي: المرجع نفسه، ص 622.
(5) قلعة جي وقنيبي: المرجع نفسه، 330. (4/38)
صفحة 1820
الفصل السادس: القواعد الفقهية الكلية الصغرى
39
ج - المعنى الإجمالي للقاعدة:
كما أن المالك يختص بالغُنْم ولا يشاركه فيه أحد، فكذلك يتحمل الغرم ولا يتحمل معه أحد، سواء كان المالك فرداً أم جماعة، وبعبارة أخرى يمكن القول: إن الغرم هو نوع من الخسارة التي تلحق من له حق الانتفاع بالغُنم وهو المنفعة ـ أو الربح الحاصل من ملك شيء أو استئجاره أو العمل فيه؛ لأن من ناله نفع شيء يجب أن يتحمل ضرره بقدر منفعته، ولذا قالوا بوجوب نفقة الفقير العاجز عن الكسب واجبة في بيت المال؛ لأنه وارث من لا وارث له، وحكموا بنفقة رد العارية على المستعير ورد الوديعة على المودع. ولا فرق في الغرم بين أن يكون مشروعاً، كمؤونة تعمير الملك المشترك، فإنها عليهم بمقابلة انتفاعهم به انتفاع الملاك، وكمؤونة تعمير وإصلاح السواقي والأفلاج المشتركة، وتعمير حافاته وتطهير مائه، فإنه على الشركاء فيه بمقابلة انتفاعهم بحق الشرب والسقي، وكأجرة القسام، والكيال، والوزان، فإنها على الشركاء والورثة؛ لأن نفع ذلك عائد لهم. أو يكون الغرم غير مشروع كالتكاليف والغرامات التي تفرضها بعض الحكومات الجائرة على الأملاك، فإنها بمقابلة سلامة أملاكهم وكالتكاليف التي تطرح على الأنفس
فإنها بمقابلة سلامة أنفسهم).
ثانياً: تأصيل القاعدة:
أ ـ أصل هذه القاعدة حديث نبوي شريف وهو قوله صلى الله عليه وسلم في شأن زيادة الرهن ونمائه: «لا يغلق الرهن لصاحبه غنمه وعليه غُرمه (2).
(1) الزرقا أحمد: شرح القواعد الفقهية، ص 437، 438. ـ شبير محمد عثمان: القواعد الكلية، ص 316. ـ محمد بكر إسماعيل: القواعد الفقهية بين الأصالة والتوجيه، ص 208. ـ مدكور محمد سلام مدخل الفقه الإسلامي، ص 121.
(2) رواه ابن حبان كتاب الرهن، رقم 5934، والحاكم في المستدرك، كتاب البيوع، رقم 2315، عن أبي هريرة، وقال: «حديث صحيح على شرط الشيخين. ووافقه الذهبي». (4/39)
صفحة 1821
40
القواعد الفقهية عند الإباضية
وجه الاستدلال بالحديث:
تعرض ابن بركة البهلوي إلى بيان مدلول هذا الحديث، وبيّن أقوال العلماء فيه فقال: «فما معنى قول النبي: لا يُغلق الرهن، لصاحبه غنمه وعليه غرمه»؟
قيل له: هذا من النبي تعريف لأمته؛ لأن الذي كان عليه الغُرم قبل ذلك في معاملاتهم في الرهن باطلة، وذلك أن أحدهم كان يرهن الرهن ويشترط إلى وقت كذا وكذا، ويقول: فإن لم آتك فهو لك بحقك، فأبطل ذلك النبي صلى الله عليه وسلم وقال: «لا يغلق الرهن»؛ أي: يبطل ملك صاحبه عنه بهذا الشرط، ولا يزول حقه عنه في الفكاك، وهذا مثل شرطين في بيع، أو شرط وبيع، والشرط لا يوجبه، ووجه آخر إذا ملكه إياه في وقت قد كان على وجه البيع فلا يجوز، كنحو قوله: إذا دخلت الدار فهو لك بحقك، وإذا نظرت إلى السماء فهو لك بكذا وكذا من الثمن أو يقول: إذا كان رأس الشهر هذا فقد بعتك عبدي بكذا وكذا من الثمن، فالبيع متى وقع على هذا ونحوه من الشروط لم يجز لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «له غنمه وعليه غرمه»، يعني - والله أعلم ـ له زيادته وعليه نقصانه؛ لأنه قال: «له غنمه وعليه غرمه»، والهاء راجعة إلى الرهن نفسه» (1). وينبه ابن بركة إلى أنّ هذا المفهوم هو ما عليه جمهور الإباضية، وذهب بعضهم إلى أن المقصود من قوله: له غنمه وعليه غرمه»؛ أي: لصاحبه زيادة الرهن وعليه غرامة الدين، وبناء عليه، فالذي يذهب إلى هذا القول لا يسقط الحق مع ضياع الرهن؛ لأن المرتهن معهم أمين فيه، والرهن في يده ثقة بحقه لقاء تمكنه من استيفاء دينه منها، وذلك بمنزله الضامن على المضمون عليه، وأن الحق متعلق بالرهن والرهن متعلق بالمرتهن، والراهن
(1) ابن بركة: الجامع 345/ 2. - الكندي أحمد بن عبد الله الصنف 162/ 25، 167 - 168. الشماخي: الإيضاح، 241/ 4. (4/40)
صفحة 1822
الفصل السادس: القواعد الفقهية الكلية الصغرى
41
كالضامن، فالمرتهن ليس له تملك المرهون ولو لم يؤد الراهن الدين؛ لأن حكم الرهن ليس بالملكية بل هو عبارة عن حبس المرهون لاستيفاء حقه، كذلك فهو وثيقة بالدين). ويخالف ابن بركة أصحاب هذا القول، ويختار رأي الجمهور ويصححه فقول: «والتأويل الأول عندي أصح؛ لأن الشرط في الرهن والدين في الذمة، وقوله: «لا يغلق الرهن معناه - والله أعلم - أن لا ينقطع من صاحبه من الفكاك؛ لأن العرب تقول فلان منغلق مفتون لا يروم الكلام، وكذلك أغلقوا الباب الذي لا يتعدون الوصول إليه ... » (3). ب - وذهب البعض إلى أن أصل هذه القاعدة مستفاد من مفهوم الحديث النبوي: «الخراج بالضمان وقد جرى مجرى القواعد يقول الشاه ولي الله الدهلوي مشيراً إلى أصل هذه القاعدة: ومن القواعد المبنية عليها كثير من الأحكام أن الغنم بالغرم، وأصله ما قضى النبي صلى الله عليه وسلم أن: «الخراج بالضمان» (3) ومعناها: أن التكاليف والخسارة التي تحصل من الشيء تكون على من ينتفع
به شرعاً).
ثالثاً: فروع القاعدة وتطبيقاتها
1 ـ في ضمان عيوب المبيع:
- ومن فروعها إذا اشترى أحد بضاعة ووجد فيها عيباً، فله الخيار في قبولها، ويطالب البائع بالتعويض، وله رد المبيع بعيبه واسترجاع ثمنه؛ لأن «الغرم بالغنم التعويض والضمان مقابل الانتفاع بالثمن.
(1) ابن بركة الجامع، 3452 - هرموش محمود: معجم القواعد الفقهية الإباضية، ص 468.
(2) ابن بركة المصدر نفسه، 2/ 345 - 346.
(3) الدهلوي شاه ولي الله حجة الله البالغة مبحث القضاء، 169/ 2.
(4) الزرقا: المدخل الفقهي العام، 1029/ 2. (4/41)
صفحة 1823
42
القواعد الفقهية عند الإباضية
نقل القطب أطفيش في شرح النيل» صوراً كثيرة لعيوب المبيع ومما جاء فيه بنصه: «وضمن بائع ما جرّه العيب الذي لم يخبر به المشتري ولو لعدم اطلاعه أو لنسيانه أو غلطه، وذلك فيما إذا جره العيب بعد قبوله بالأرش، و مطلقاً على قول التخيير والفسخ، وقيل: إن رآه المشتري لم يلزم البائع جره، وهكذا بحسب الأقوال في الأخبار بالعيب ووضع اليد عليه، وعلم المشتري، فإذا لزم المشتري لم يضمن البائع ما جرّ، بل يلزم المشتري وإلا لزمه، مثل: أن يبيع دابة تعض أو تضرب فإنه يضمن ضربها أو عضها ما لم يلتزمها المشتري بالقبول ... ).
ما
ومن الصور التي استشهد بها الثميني ووضحها القطب في هذا الباب أنه يحق للمشتري رد المبيع إذا وجد فيه عيباً: الرمان والجوز إذا فتحهما ووجد حبه فاسداً، وكذلك البطيخ إذا وجده لم ينضج، وكذا البيض إذا وجده فاسداً أو تفرّخ ولا يمكن الانتفاع به فله الحق في رده واسترجاع ثمنه؛ لأن «الغرم بالغنم يقول في هذا المعنى: (ومن اشترى كـ (رمان) أو جوز فكسره أو بعضه ولم يجد به حباً) أو وجد بها حبّاً فاسداً أو رديئاً (رد القشر) إلى البائع (وأخذ ثمنه من البائع ولا يجد ردّ بيض إن تفرّخ أو تنجس بكون أكثر من نصفه دماً ممزوجاً، أو يكون قليل منه دما أحمر خالصاً، وكَفَقوس تمزر)؛ أي بطيخاً صار مرّاً (بعد كسر) متعلق بقوله لا يجد، وله أرش) ما تمرّر من نحو فقوس، وأرش ما يكون داخل البيض، ويسقط عنه قشره إذا كان فيه نفع مقصود بالذات كبيض على النعام فإنه له ويعطيه البائع قيمة ما سواه، ويضمن له مقدار الفرخ من أبيض البيض على القول بأنه يجوز أكل ماعدا الفرخ من البيضة، فيكون ما عداه للمشتري؛ وأما إذا نجس بالدم وتفرخ، وقلنا بنجس ما كان مع الفرخ وهو المشهور، ولم يكن نفع بالقشر أو تمزر نحو الفقوس
(1) أطفيش أمحمد: شرح كتاب النيل للثميني، 504/ 8. (4/42)
صفحة 1824
الفصل السادس: القواعد الفقهية الكلية الصغرى
43
حتى لا يمكن أكله، فالظاهر أنه يرجع بعد الكـ يرجع بعد الكسر على البائع بالثمن كله؛ إذا لم تبق في ذلك منفعة، اللهم إلا أن يقال إنه لو لم يكسر البيض لحيي فرخها ولو لم يكسر الفقوس مثلاً لطاب ولو بعد القطع من منبته، فتزول مرارته، فيكسر المشتري ذلك لزمه لتفويته ذلك على البائع ... »).
2 - في تلف البضاعة:.
إذا تلف الشيء المبيع فهو من مال من هو في يده مشترياً كان أو بائعاً؛ لأن له غُنْمه فعليه غُرْمه، إلا إذا كان المشتري قبضه من بائعه، ثم رده إليه على سبيل الأمانة والوديعة فتلف، فهو من مال المشتري لا البائع
قال الثميني في سياق حديثه عن بيع الخيار وأحكامه، تطبيقاً لهذه القاعدة ما نصه: «ومؤونة البيع وجنايته في المدة على البائع ورجع بها على المشتري إن قبله، وقيل: لزم ذلك من شرطه وغلته ونماؤه بيد من كان بيده، وتبعته في رد وقبول» (3).
وشرح القطب ما أجمله الثميني فقال: ومؤونة البيع، من أكل وشرب ولبس وسكنى ومداواة، ورغي وسقي ودهن إن كان لا بد منه، وكل ما يحتاج إليه وجنايته)؛ أي: ما أفسد في غيره، كوقوع نخله أو جدار على مال ما من الأموال، أو على نفس مطلقاً، أو بعد الإقدام على ما في محله من الخلاف، وكإفساد الحيوان في مال أو نفس في المدة مدة الخيار على البائع، يؤخذ بذلك كله ولا يترك، لئلا يضيع المال، ولتعلق حق المشتري به، وكان مشترط الخيار هو البائع؛ لأنه قد يُمضي البيع فيكون الشيء للمشتري، ولا سيما إن كان الخيار للمشتري، ولاستصحاب الأصل؛ لأن أصله للبائع، فلم يخرج من
(1) أطفيش: 504/ 8 - 505.
(2) الخليلي سعيد (المحقق) تمهيد قواعد الإيمان، 341/ 8. (3) أطفيش أمحمد: شرح كتاب النيل للثميني، 275/ 9 - 276. (4/43)
صفحة 1825
44
القواعد الفقهية عند الإباضية
ملكه جزماً بل تعليقاً، فيحكم بحكم المالك ما لم يجزم البيع بالقبول، فكانت الجناية عليه، وإذا فعل تلك الأشياء ورجع بها على المشتري، لأنه قد انكشف أن الشيء للمشتري ولو لم يعلم بأنه قد جنى، وأن البائع قد ضمن، ولا أنه صرف شيئاً في مؤونة (إن قَبِله ذلك المشتري، إذا كان الخيار للمشتري، أو قبله البائع إذا كان الخيار للبائع ... فيضمن المشتري للبائع ما صرف على الشيء من ذلك حتى الجناية، وذلك من مال المشتري إذا كان الشراء له، ومن مال غيره إذا كان الشراء لغيره ولم يكن منه تقصير، وظهر له الصلاح في قبوله ولو بعد أن جنى إن أجاز له المنوب عنه، أو قائم المنوب عنه أن يشتري بخيار له أو بخيار عليه، وإن لم يصرف الجناية، أو ما لزم من أجرة سكنى، أو أجرة رعي أو سقي أو نحو ذلك، فلمن له ذلك الرجوع على البائع أو المشتري؟ أما البائع: فلأن ذلك كان قبل أن يجزم البيع وقبل أن ينفصل عن ملكه، وأما المشتري فلصيرورة ذلك إليه، مع أنه قد تعلق إليه بالشراء المعلق إلى رضاه أو رضى البائع أو غيرهما.
وقيل: لزم ذلك من شرطه؛ أي: الخيار لتعلق البيع به وتعطله، بخلاف الآخر، فإن شرطه البائع لزمه على حد ما ذكر، وإن شرطه المشتري لزم المشتري، ورجع به على البائع إن لم يقبله المشتري ... »).
أفسد فيه
ويبين القطب أن الغلة تكون للمالك الحقيقي وهو البائع في مدة الخيار، مقابل ما يجب عليه من غُرم ما أفسد في المبيع فيقول: «وغلته إن كان شجراً أو حرثاً، ودخل فيها النتاج إن كان حيواناً كأمة وناقة، وما لزم من كعقر أمة، وأرش جرح، وقيمة ما أفسد في الشيء المبيع، (ونمائه) كصوف ووبر، ولبن وما يخرج منه، وكراء إن كان داراً ونحوها مما يكرى، أو دابة تكرى، وحطب يكونان بيد من كان بيده وهو مالكه الأول الذي باعه
(1) أطفيش المصدر السابق. (4/44)
صفحة 1826
الفصل السادس: القواعد الفقهية الكلية الصغرى
بالخيار، سواء كان في الحال بيده، أو كان في الحال بيد المشتري، وذلك فيما انفصل من ذلك.
وأما ما اتصل بالمبيع ولم ينفصل لم يحتج إلى فصله، فإنما يكون بيد من كان الشيء بيده في الحال، وهو المشتري كما هي القاعدة أن «المبيع ولو بخيار يكون بيد المشتري، إلا إن اتفقا أن يكون بيد البائع»، وظاهره أن المراد فيمن في يده: البائع أو المشتري ... ).
ـ في زكاة المال المؤجر:
إن استأجر رجل رجلاً بألف دينار لمدة معينة ليعمل عنده، فزكاة ذلك المبلغ على رب العمل إذا حلّ أجل زكاته ما لم يدخل الأجير في العمل، فإذا دخل في العمل، فكلما عمل جزءًا من العمل استحق جزءا من الأجرة حتى يتم العمل، ولا يسقط رب العمل عند أداء الزكاة إلا ما استحقه الأجير بعمله؛ لأن «الغرم بالغنم، فما دام تلك الأجرة لم يستحقها الأجير فهي للمؤجر، وتجب زكاته عليه حتى يخرجها من ماله فتجب على المستأجر إذا
بلغت النصاب (2).
4 - في العقد المعلق:
ملكاً
وإذا كان العقد معلقاً كبيع أو هبة أو نكاح، فأوقع فيه أحد العاقدين فسادا،
ضمن ذلك ما دام لم تنتقل ملكيته إلى غيره، وذلك مقابل انتفاعه به؛ لأن «الغرم بالغنم». يقول الثميني في هذا المعنى وأما إن أفسده ما علق إليه ببيع أو هبة، أو ما علقه هو إلى غيره، فضمان ذلك ونفقته وما يحتاج إليه على من انتهى إليه وصار في ملكه وكذا النكاح المعلق مثل: إن تزوج بهذا العبد أو
(1) أطفيش: شرح النيل، 275/ 9 - 276.
(2) الشماخي: الإيضاح، 251/ 6. (4/45)
صفحة 1827
46
القواعد الفقهية عند الإباضية
غيره من الحيوان بلا شهود؛ أي: جعل ذلك، صداقاً، وقيل على الزوج ضمان ذلك حتى يستشهدا، وكذا فيما مرّ من البيع والهبة ضمانه على البائع والواهب حتى يقع القبول لذلك من مشتريه وموهوبه» (1).
ه ـ في المضاربة
ومن فروعها إن اقترض أحد بمال المسلمين وتاجر به، فالربح له، وعليه ضمان رأس المال، قال محمد بن إبراهيم الكندي: «الربح له والضمان عليه».
6 ـ في الشركاء في الملك:
إذا رغب أحد الشركاء - في ملك الأرض أو العقار ـ أن يجعل نصيبه لفائدة المساكين ينتفعون من غلته، ثم حدث فيه ضرر، فقد اختلف الفقهاء فيمن يتولى إزالة ذلك الضرر، هل يتحمله جميع الشركاء أم الذي جعل سهمه
للمساكين؟
يقول أبو العباس أحمد في بيان حكم هذه المسألة: «وأما الشركاء في الأرض أو غيرها من الأصول إن جعل أحدهم سهمه للمساكين، فحدثت في تلك الأرض مضرة على غيره، فإن الشركاء يُؤخذون على نزع ذلك جميعاً، ومنهم من يقول لا يؤخذ على ذلك إلا الذي جعله للمساكين؛ لأنه قد ضمن سهم شركائه (3). والظاهر أنّ الضرر يتحمله من أوقعه على الملك أو تسبب فيه، سواء
منهم، وإنما
كان فرداً أو جماعة إلا إن كان الضرر عاما لم يوقعه أحد. حدث بسبب خارجي، كالأمطار والسيول والحرائق العامة، ففي هذه الحالة
(1) الثميني: الورد البسام، ص 238.
(2) الكندي محمد بن إبراهيم بيان الشرع، 77/ 18. (3) أبو العباس أحمد: القسمة وأصول الأرضين، ص 379. (4/46)
صفحة 1828
الفصل السادس: القواعد الفقهية الكلية الصغرى
47
يتحمل جميع الشركاء نزع الضرر، وإصلاح الملك وترميمه، ليسهل عليهم الانتفاع به؛ لأن «الغُرم بالغنم».
V
- في الرهن:
ومن فروعها أن الرهن إذا كان له غَلّة ونماء فغلته ونماؤه للمرتهن؛ لأن الرهن لو هلك عنده كان ضمانه عليه؛ لقاء تمكنه من استيفاء دينه منها، كما تجب عليه أجرة البيت الذي يحفظ فيه العين المرهونة، وأجرة حافظها مقابل استحقاقه حسبها بدينه (1). ومنها: إذا رهن شخص قطعة أرض فزرعها المرتهن، فالزراعة تبع للأرض، وهي للراهن ترفع من الحق، لقوله: «لا يغلق الرهن، لصاحبه غنمه وعليه غرمه (2) (3).
ومنها أيضاً: إذا رهن شاة فالنتاج للراهن، وجميع غلة الرهن للراهن (4).
(1) هر موش محمود معجم القواعد الفقهية الإباضية ص 337 - الزرقا شرح القواعد الفقهية،
ص
437
(2) سبق تخريجه
(3) الكندي أبو بكر: المصنف، 162/ 25.
(4) الكندي: المصدر نفسه، 167/ 25. (4/47)
صفحة 1829
المطلب الثالث
قاعدة «الخطأ لا يزيل الضمان ويرفع الإثم
أولاً: مكانة القاعدة عند الإباضية
تعتبر هذه القاعدة من القواعد العامة في نظرية الضمان، فقد اعتمدها الإباضية في فروعهم الفقهية المختلفة في مجال المعاملات والجنايات وتقاربت عباراتهم حول مدلول هذه القاعدة، وصاغوها بصيغة متقاربة، ومن ذلك ما صرح به ابن بركة في الجامع» فقال: «وإن أخطأ، لأنه أتلف مالاً لغيره بغير علم، والخطأ في الأموال لا يزيل الضمان). ويقول تلميذه أبو الحسن البسيوي أيضاً: «والأموال مضمونة في الخطأ والعمد» (3). ونص عليها الشماخي في معرض حديثه عن جزاء قتل الصيد في الحرم فقال: «ومع أوجبوا الجزاء في العمد والخطأ، ولم يمتثلوا دليل الخطاب في هذه الآية، وهو هذا الوجه؛ لأن الخطأ لا يزيل الضمان» بل يرفع الإثم فقط» (4).
الشبه في
هذا التخصيص
له
ويؤكد هذا المعنى في موضع آخر في باب الإجارة فيقول: «وأما كل ما تلف في أيدي الأجراء مما أتى على أيديهم من كسر أو قطع في المصنوع، فهم ضامنون؛ لأنهم هم الذين أفسدوه بأيديهم، و «الخطأ في الأموال لا يزيل الضمان).
(1) ابن بركة الجامع، 437/ 2. - الشماخي: الإيضاح، 373/ 3 - 374. 314/ 6، 377. الجيطالي، قواعد الإسلام، 231/ 2، 230. ـ البسيوي: جامع أبي الحسن البسيوي، 164/ 4. ـ الأصم عثمان البصيرة، 1/ 215. - الثميني: الورد البسام، 209. ـ القطب
6
أطفيش: شرح كتاب النيل.277/ 9. 527/ 12، 548، 654، 668، 736، 743.
(2) ابن بركة المصدر نفسه، 437/ 2.
(3) البسيوي: الجامع، 164/ 4.
(4) الشماخي: الإيضاح، 373/ 3 - 374.
(5) الشماخي: المصدر نفسه، 314/ 6. (4/48)
صفحة 1830
الفصل السادس: القواعد الفقهية الكلية الصغرى
49
ويشير الجيطالي إلى هذا المعنى في سياق كلامه عن مظالم الأموال حيث
يقسمها إلى ثلاثة أقسام:
الأول: العمد، وفيه الضمان والإثم.
والثاني: ما يلزم من قبل الخطأ والنسيان، فهذه يلزمه فيه الغُرم دون الإثم.
والثالث: جناية العبيد والبهائم، ففيها الضمان على مالكها).
كما عبّر عثمان الأصم عن هذه القاعدة بعبارة صريحة فقال: «ومن تعمد على مال رجل فأتلفه، فإنه ضامن، فإن أخطأ أو غلط، فعليه الضمان؛ لأن الأموال مضمون»، ومن أعان على ظلم في قول أو مال آثم، وضمن
«الخطأ
في
إن تلف على بدنه شيء ... » (2).
ويلاحظ من عبارات من تقدم من الإباضية أنهم قصروا الضمان على الأموال دون الأنفس، بينما نجد الجيطالي والثميني يعممه على الأنفس والأموال، ولعل هذا أنسب ما دامت القاعدة تشملهما، جاء في شرح كتاب أن «الخطأ في الأموال والأنفس لا يزيل الضمان» قال القطب أطفيش معقباً عليه بل يزيل الإثم والمراد بعدم إزالته الضمان في
«النيل» ما نصه: «وقد مر
((
الأنفس عدمها فيما دون ثلث الدية، وأما ثلثها فصاعدا فيزيل الخطأ فيه الضمان، وينقله إلى العاقلة». ويضيف: «ويذكر الشيخ (3) الأنفس؛ لأن الكلام الأموال؛ ولأن الأنفس فيها فيه تفصيل، وما فيه تفصيل لا يعترض بعدم ذكره، والأولى ذكرها» (4).
في
(1) الجيطالي إسماعيل قواعد الإسلام، 2/ 230 - 231
(2) الأصم عثمان البصيرة، 181/ 1.
(3) ويقصد بالشيخ: صاحب متن النيل عبد العزيز الثميني.
(4) أطفيش: شرح النيل، 273/ 10 - 274. - الجيطالي: قواعد الإسلام، 172/ 2 - 173. (4/49)
صفحة 1831
القواعد الفقهية عند الإباضية
ثانياً: تعريف القاعدة
-
الخطأ في اللغة ضد الصواب).
وفي الاصطلاح هو الذنب الذي ليس للإنسان فيه قصد، وضده الصواب). قال أبو سعيد الكدمي: «الخطأ ما أُريد بشيء فأخطأ بغيره» (3). وقال السالمي في بيان مدلول الخطأ «الخطأ وهو أن يفعل فعلاً من غير أن يقصده قصدا تاما، وذلك أن إتمام قصد الفعل بقصد محله» (4).
وقد أشار عمروس بن فتح إلى ماهية الخطأ الذي يجب به الضمان، وسماه الخطأ المحض، وذكر له صوراً متنوعة، فقال: «وأما الخطأ المحض الذي تعقله العاقلة فهو أن يهوي الرجل بضربة أو رمية إلى صيد، أو دابة، أو إنسان، فيصيب غيره، أو يسقط منه شيء فيصيب إنساناً، أو يسقط هو بنفسه، أو يصيح فيقع إنسان من أجل صيحته، وما يشبه هذه الوجوه، فهو الخطأ المحض الذي تعقله العقلة بالبينة).
والضمان: عبارة عن ردّ مثل الهالك إن كان مِثْلياً أو قيمته إن كان قيميّاً. والإثم هو ما يجب التحرز منه شرعاً، وهو المأثم، قال الراغب: «وهو اسم الأفعال المبطئة عن الثواب، والمراد به في القاعدة معنى العقاب
والمؤاخذة الأخروية.
المعنى الإجمالي للقاعدة:
ومعنى القاعدة: أن الإنسان إذا أخطأ يترتب عليه ضمان مالي أو جزاء
(1) الرازي أبو بكر: مختار الصحاح، ص 118.
(2) البركتي: تعريفات البركتي، ص 278.
(3) ابن جعفر: الجامع، 283/ 4.
(4) السالمي: طلعة الشمس، 2/ 270 - 271.
(5) أبو حفص عمروس بن فتح النفوسي: أصول الدينونة الصافية، ص 133.
(6) البركتي: التعريفات، ص 359. (4/50)
صفحة 1832
الفصل السادس: القواعد الفقهية الكلية الصغرى
51
6
مادي، فإنّ خطأه هذا وإن كان يرفع الإثم والمؤاخذة الأخروية إلا أنه لا يزيل الضمان المالي وعليه فمن أخطأ في مال الغير فأتلفه بغير وجه حق وجب عليه ضمانه؛ لأن الخطأ في المال لا يسقط الضمان عن المخطئ، وكذلك من أصاب نفساً خطأ فتسبّب في هلاكها أو تعطيلها، فعليه ضمانها، ويرفع عنه الإثم ما دام غير قاصد ولا متعمد (1).
ثالثاً: دليل القاعدة:
ثبتت مشروعية قاعدة: «الخطأ لا يزيل الضمان ويرفع الإثم وحجيتها في القرآن الكريم والسنة النبوية، من ذلك:
أ ـ قال تعالى في جزاء قتل الصيد في الحرم: {وَمَن قَتَلَهُ مِنكُم مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاهُ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ} (المائدة: 95).
يعني
ومع
قال الشماخي في بيان وجه الاستدلال بالآية: متعمداً لقتله، هذا التخصيص أوجبوا الجزاء في العمد والخطأ ولم يمتثلوا دليل الخطاب في هذه الآية، وهو الأشبه في هذا الوجه؛ لأن «الخطأ لا يزيل الضمان» بل يرفع
الإثم فقط» (2).
ب ـ ورد في السُّنَّة النبوية الشريفة حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه».
(1) هرموش: معجم القواعد الفقهية الإباضية، ص 243، 245.
(2) الشماخي: الإيضاح، طبعة 1983، نشر وزارة التراث القومي والثقافة، سلطنة عُمان،
273/ 3 - 274
(3) رواه ابن ماجه، کتاب الطلاق باب طلاق المكره والناسي رقم 2045، وابن حبان في صحيحه، کتاب إخباره عن مناقب الصحابة، باب فضل الأمة، رقم 7219، عن ابن عباس. بلفظ: «وضع» و «تجاوز». قال النووي: حديث حسن». ينظر: ابن حجر، تلخيص الحبير، 281/ 1. (4/51)
صفحة 1833
02
القواعد الفقهية عند الإباضية
قال السالمي في بيان وجه الاستدلال بالحديث: «والمراد هنا رفع إثم الخطأ، والخطأ عذر يسقط الوزر، وكذلك يسقط به الحد والقصاص، ولا يُسقط الخطأ شيئاً من حقوق الخلق، فيلزم من أخطأ في مال الغير ضمانه» (1). رابعا فروع القاعدة:
ذلك:
ورد في المصادر الإباضية فروعاً عديدة تخرّجت على هذه القاعدة، من
1 ـ في الإجارة:
صور
ومن فروع القاعدة في باب الإجارة ما ذكره الشماخي في «الإيضاح» من للخطأ في الأموال يجب فيها الضمان اعتماداً على قاعدة: «الخطأ لا يزيل الضمان ويرفع الإثم فيقول: «وأما كلّ ما تلف في أيدي الأجراء مما أتى على أيديهم من كسر أو حرق أو قطع في المصنوع فهم له ضامنون؛ لأنهم هم الذين أفسدوه بأيديهم و «الخطأ في الأموال لا يزيل الضمان».
وفي الأثر: وكذلك الرجل يأمر رجلاً أن يضرب له وتداً أو مسماراً في باب فانكسر الباب، فإنه إن كان الباب ضعيفاً قبل ذلك فلا شيء على النجار، وإن كان الباب قوياً فهو غارم، وكذلك الرجل يدفع ثوباً إلى غال ليغسله فحرقه، إنه إن كان الثوب خلَقاً والحرق يسير فعلى الغسال رفؤه، وإن كان خرقا يهلك فيه الثوب كان عليه قيمته أو مثله، وكذلك الرجل يدفع جلداً إلى الحذاء يحدّه نعلاً، فأفلتت الشفرة فقطعته إنه ضامن، وكذلك الجزار لو قيل له: انحر هذا البعير أو اذبح الثور أو انحره، أو اذبح هذه الشاة، فذبح ثم قطع منها هو أو غيره قبل أن تموت حكمه أن من قطع منها ضامن لقيمتها؛ لأنه أفسدها على أهلها، ولا يكلف قيمة اللحم؛ لأنه ليس بلحم ولا قيمة الحي؛
(1) السالمي: طلعة الشمس، 2/ 270 - 271. (4/52)
صفحة 1834
الفصل السادس: القواعد الفقهية الكلية الصغرى
53
مَن
لأنها قد زالت عن حال الحيوان وهي إلى الموتى أشبه منها بالحيوان، وأما ترك التسمية عمداً فإنما عليه قيمتها وهي حية؛ لأنه تعمد فسادها، وكذلك صاحب الفرن لو قيل له: اطبخ العجين بكذا وكذا فأفسده بحرق نار، وإنما عليه عجين مثله مركب على الاختيار مختمراً أو فطيراً» (1).
ـ في تضمين الصناع: ومن صور إتلاف أموال الناس عند الصناع: أنه لو أتلف الخياط ثوباً فعليه ضمانه ولو كان التلف بطريق الخطأ، نقل ذلك القطب أطفيش عن بعض فقهاء الإباضية فقال: «من أعطى حَيّاكاً غزلاً يعمله ثوباً فخرج رديئاً، فإن عدول الصنعة ينظرونه وقيمة ما أفسده ويدفعها لربه معه، وقيل: يخيّر في أحد ثوبه وقيمة نقصه بالعدول، وفي ردّ الثوب على الحياك، ورد مثل غزله منه، والكراء المأخوذ منه والكراء المأخوذ منه، وكذا ما أشبه ذلك، وإن طلب النساج أجلاً يبيع فيه الثوب أو يرد ما لزمه أجل له أجلاً غير بعيد من خمسة أيام على عشرة، فإذا انقضى لم يكن له عذر من شراء ما لزمه غرمه، ولا يبرح من السجن حتى يأتي بما يلزمه، وإنما يكون له الأجل لحال ما يطلب عند
(2).
الحكم ... » (2). واستثنى الإباضية بعض الأعمال اليدوية التي يحتاج إليها الناس ويصعب صناعتها لدقتها وحساسيتها وقالوا لا ضمان فيها على الصانع إلا إن تجاوزا شروط الصنعة وقواعدها المعتادة، فإذا ظهر أنه لم يلتزم بهذه الشروط المحددة فإنه يضمن إذا أحدث تلفاً بأموال الناس. يقول الشماخي في هذا الشأن معللاً سقوط الضمان عليهم: «وإنما لم يوجبوا الضمان على هؤلاء فيما يوجبه النظر؛ لأن في أعمالهم تغريراً، وقد
(1) الشماخي: الإيضاح، 314/ 6 - 316. - وينظر: الثميني مع القطب شرح النيل، 10/ 275 - 278. (2) أطفيش: شرح النيل، 276/ 10. (4/53)
صفحة 1835
54
القواعد الفقهية عند الإباضية
أُمروا بذلك فلا ضمان عليهم حتى يجاوزوا الحد الذي أمروا به، وكذلك على
هذا المعنى فيما يوجبه النظر ثقب اللؤلؤ ونقش الفصوص وتقويم السيوف واحتراق الخبز عند الفرّان؛ لأنه ربما أن يكون الفساد يلحق ذلك لاختلاف المعمولات (المصنوعات) في ذاتها، ولو كان العمل واحداً ويظهر منه فساد في معمول دون معمول» (1).
الخطأ 3 ـ في تضمين غير المقصود: ومن فروع هذه القاعدة: الضمان مما نتج عن استعمال النار والسلاح خطأ، ومن ومن صور ذلك ما ذكره الثميني في الورد البسام أن من جلس إلى حداد ينظر إليه كيف يضرب حديده فأصيب بشرارة، فعليه دية ما أصابت مطلقاً، وقيل: إن جلس إليه بإذنه وإلا فلا، وقيل: إذا كان الحداد في منزله ودخله أحد بغير إذنه، فلا يضمنه، وأما إن دخله بإذنه أو كان المصاب في محل أبيح له القعود فيه، فإنه يضمنه، وقيل: إن حذر الناس من الشرر قبل أن يضرب الحديد بقدر ما يقومون ثم ضرب فلا ضمان عليه، وكذا غيره من الصناع كالنجار والنساج» (2). وتجدر الإشارة في هذا الصدد أن مسؤولية الضمان تقع على الحداد، أو النجار، أو النساج في حالات التقصير والإهمال وعدم مراعاة شروط العمل، أما إذا التزم بهذه الشروط وأخذ كل أسباب الحيطة والحذر ثم وقع غير مقصود فلا ضمان حينئذ.
منه
شيء
ويضيف الثميني صوراً أخرى للضمان في حالة التعامل مع النار أو السلاح فيقع بسببها تلف في الأنفس والأموال عن طريق الخطأ، مثل: «مَن أحرق أجمة أو خشباً في أرضه أو داره، لم يضمن ما أحرقته النار، وقيل: إذا علت
(1) الشماخي الإيضاح، 315/ 6 - القطب أطفيش: شرح النيل 275/ 10. (2) الثميني: الورد البسام، ص 209 (4/54)
صفحة 1836
الفصل السادس: القواعد الفقهية الكلية الصغرى
55
فأحرقت بلهبها مالاً ضمنه إن كان ذلك بلا أمالتها، وأما إن كان بها فلا، ريح ومن أوقدها في صغار الفسيل له فتتابع الحرق حتى احترق نخل أو غيره لأحد، فلا يضمنه قيل: لأن ابتداء الإيقاد كان في مباح له، وقيل يضمنه ولا يزيل الضمان خطوه في ذلك ... ).
4 - في الوديعة:
ومن فروعها ما نص عليه ابن بركة من أنه إذا استودع رجل رجلاً وديعة، ثم ردها إليه، أو مات ربها، فدفعها المستودع إلى من سلمها إليه أو إلى وارثه إن كان قد مات ثم صح للميت وارث آخر بشهادة عدل وصح أن المستودع كان غاصباً لها بعد أن ردها إليه، فذهب الكثير من الإباضية أن المستودع ضامن للوديعة؛ لأنه ردها إلى غير مالكها، أو كان سلّمها إلى وارث كان غيره أولى بها
وإن أخطأ؛ لأنه أتلف مالا لغيره بغير علم والخطأ في الأموال مضمون (2). ويضيف ابن بركة في السياق نفسه قالوا ولصاحب هذا المال الخيار في المطالبة بين من صارت إليه الوديعة وبين المسلم لها، وقال قوم: لا ضمان على الوصي ولا المودع وهما أمينان لم يكن منهما في أمانتهما ما يخالف أمر الله لهما، ولم يكن منهما إلا أداء الأمانة كما قال الله تعالى، والضمان إما يكون بالتعدي والجور وإنما تعبدنا الله بما عنده» (3).
ه - في الوصية
ومن فروعها ما ذكره ابن بركة في معرض كلامه عن قسمة الوصية للأقربين أن «من أخطأ في قسمتها، أو في نسب أحد من القرابة حتى فات
(1) الثميني: المصدر نفسه.
(2) ابن بركة الجامع، 437/ 2.
(3) ابن بركة المصدر نفسه.
ملاحظة: هذا النص الأخير يمكن استغلاله في قاعدة أخرى وهي المؤتمن لا يضمن إلا بالتعدي. (4/55)
صفحة 1837
القواعد الفقهية عند الإباضية
حصصهم؛
أحد
من القرابة
الكل من يده، فقال بعضهم: لا غُرم عليه ولا يكون بينه وبين ممن لم يصل إليهم بشيء خصومة إذا اجتهد في قسمها، ولا ترجع إليهم مثل لأن المتولّي للقسمة أدى اجتهاده في الوقت، فلا يُرجع على من تولى القسمة، ولا على من قسمها فيهم؛ لأنهم ملكوا من صار إليهم، وليس سبيل الوصية سبيل الأملاك التي يجب فيها الدرك، وقال آخرون بل عليه الضمان؛ لأنه أتلف لهم حقا بفعله فعليه ضمانه كان متعمداً أو مخطئاً، والخطأ فى الأموال لا يوجب زوال الضمان» (1).
6 - في الخطأ الطبي الطبي وما يترتب عليه إذا عالج طبيباً مريضاً فارتكب خطأ طبياً في حقه، كأن قطع له عضواً، أو ترك شيئاً داخله بعد الجراحة، أو تسبب في إعاقة مستديمة، كالعمى والشلل وغيرها، فالإباضية يقولون لا يضمن إلا إذا تجاوز حدود الطب ولم يلتزم بالقواعد اللازمة للعلاج، فإنه يضمن أما إذا التزم ذلك وحدث فساداً فلا يتحمله الطبيب؛ لأنه قد يكون لسبب عارض لا علاقة له بذلك. جاء في الإيضاح ما نصه: وفي الأثر: وأما المتطبب والبيطار والختان والحجام، وأمثال هؤلاء إذا أتلف أحد بمعالجتهم، فلا ضمان عليهم حتى يعلم أنهم زادوا أكثر مما أمروا به، فإن زادوا فتلفت بذلك، فعليهم القود (القصاص)، وإنما لم يوجبوا الضمان على هؤلاء فيما يوجبه النظر؛ لأن في أعمالهم تغريراً
وقد أمروا بذلك، فلا ضمان عليهم حتى يجاوزا الحد الذي أمروا به» (2). ويبدو مما سبق أن الفقهاء إذا استثنوا من الأجراء من يمارس الطب وما أشبهه، ولا يمكن الاستغناء عنهم، فلم يلزموهم بالضمان إذا التزموا شروط عملهم، فإن تجاوزوا حدود صنعتهم وزادوا فيها ضمنوا خطأهم، فالضمان
(1) ابن بركة: الجامع، 437/ 2.
(2) الشماخي: الإيضاح، 315/ 6. القطب أطفيش: شرح النيل، 272/ 10 - 274. (4/56)
صفحة 1838
الفصل السادس: القواعد الفقهية الكلية الصغرى
57
يكون في حالة التجاوز، فهو مقيد بالزيادة على ما أمروا به كما يؤكد ذلك القطب في شرح النيل إذ يقول: «فالدية إن زادوا على ما أمروا به في الطب والصناعة، وإنما لم يضمنوا إلا إن زادوا؛ لأنهم أمرهم الشارع بالعمل، وقد علم ما فيه من الغموض والغرر، فلم يستحقوا أن يحمل عليهم وقد كان قصدهم الصلاح، ولم يزيدوا على ما أمر الشارع، فلما لم يزيدوا لم يحكم بأن قطعاً، فتغريمهم ظلم لهم).
الفساد منهم
ونقل القطب أطفيش عن بعض العلماء أن الطبيب الذي ارتكب خطأ طبياً في حق المريض فمات من أجله، تجب عليه الدية إذا كان خبيراً في الطب، أما إذا كان لا يعرف الطب أو غير متقن له، فإن عليه القود ـ وهو القصاص - إذا ترتب عنه إعاقة مستديمة، فيقول: «وفي لقط أبي عزيز): كل طبيب يقطع ويكوي فعليه الدية وإعتاق رقبة مؤمنة إن مات به المطبوب وكان معروفاً بالطب، وإن لم يعرف به فعليه القود؛ لأنه يتولد من القطع والكي وجوه كثيرة، كالموت والبطلان والعمى، والعرج، ونقصان العمل، وذهاب النسل، وإماتة الشهوة ... (3)
(1) أطفيش: شرح النيل، 274/ 10.
(2) إبراهيم بن أبي يحيى، أبو غالي، أبو عزيز (ت: 746 هـ/ 1345 م) من علماء جبل نفوسة بليبيا، من أسرة آل بارون، التحق بمدرسة أبي عيسى الطرميسي وتعلم بها. تولى التدريس في عدد من المدارس في جبل نفوسة. وممن تتلمذ على يديه الشيخ أبو عبد الله محمد الباروني الذي نقل عنه كتاب اللقط له مؤلفات في التراجم والفقه الإباضي، وله كتاب اشتهر بـ «لقط أبي عزيز»، وهو مجموع من السير والأخبار والفقه وفتاوى النوازل التي وقعت في عصره. وللقط ترتيبان: الأول للشيخ يوسف بن حمو بن عدون، والثاني للقطب أمحمد بن يوسف أطفيش. ينظر: أبو عزيز لقط أبي عزيز الشماخي السير * أمانة الإعلام والثقافة: دليل المؤلفين الليبيين، 16. الجيطالي: تذكرة النسيان ملحقة بدليل المخطوطات، فهرس
إروان، ص 316 - 324 * جمعية التراث: دليل المخطوطات. (3) أطفيش: المصدر نفسه فهرس آل يدر، فهرس الحاج سعيد .. (4/57)
صفحة 1839
58
القواعد الفقهية عند الإباضية
ختن
وذكر الشماخي في السياق نفسه صوراً أخرى للأخطاء الطبية يجب فيها الضمان فقال: وكذلك البيطار إن ضرب مسماراً في يد دابة أو رجلها فأبطلها فعرجت من ذلك، فهو ضامن، وكذلك لو أن ختاناً صبياً فأصاب حشفته أو بعضها، أنه ضامن بلغنا ذلك عن عمر بن الخطاب (1). ويشير أبو العباس أحمد إلى الحالات التي يضمن فيها الأطباء إذا لم يقصروا في واجبهم فيقول: «وأما الوجوه التي يطلب الرجل فيه الصلاح كلها مثل: الطبيب إن عالج أحداً على وجه الصلاح من ختن الرجل، أو حلق له شعر رأسه، أو نزع له ضرساً، آذته، أو شيئاً ضره، أو ما أشبه هذا كله، فتولد على فعله ذلك تلف النفس أو تلف عضو من أعضائه، فليس عليه إثم وعليه ضمان الدية، ومنهم من يرخص له في هذا كله إلا إن جاوز فيه مقدار العادة، فإن جاوز فهو ضامن على كل حال إلا إن جعله في حِلّ من ذلك، وكل مما يجوز له أن يفعله ولم يجاوز فيه فتولد على ذلك الفساد أو تلف للعضو فقد اختلفوا فيه منهم من يجعل دية ذلك كله على العاقلة، ومنهم من يجعلها في بيت مال المسلمين» (2).
ويقول الثميني في السياق نفسه: «ولا بأس بنزع سنّ وظفر وحلق ليتيم إن أذاه ذلك، ويفعل له كل صالح له، والبالغ إن أمر أحداً أن يقلع له ضرسه فغلط عليه بغيرها ضمنه، ومن أكره أحدا على ختنه أو نزع ما ينزع منه ضمن، والبيطار والطبيب الذي يكوي أو يقطع ضامنا إن لم يصيبا (أي: أخطأ)، ورُخص لهما مطلقاً، وإن سقى لأحد دواء فمات به ضمنه، وإن ناوله إياه فشربه بنفسه فعليه ديته.
(1) الشماخي: المصدر نفسه، 316/ 6. - وينظر: الثميني والقطب أطفيش، شرح كتاب النيل،
276/ 10، 277
(2) أبو العباس أحمد بن أبي محمد بن أبي بكر، كتاب أبي مسألة، ص 168. (4/58)
صفحة 1840
الفصل السادس: القواعد الفقهية الكلية الصغرى
59
ومن جرح برمح أو سهم فانكسر فيه، فلا بأس عليه أن يقطع إليه حتى
ينزعه ولو من غير ما دخل ولا على من يقطع له، ومن وقع على حجر أو عود، فزاد في جرحه أو زادت فيه الأدوية، فهل لزم جارحه ذلك الزائد، أم
لا قولان .. » (1).
وفي السياق نفسه جاء في جامع ابن جعفر بيان لحكم الخطأ في إصلاح اليتيم واليتيمة، فقد سئل أبو سعيد الكدمي فيما يقول في امرأة معها يتيمة قائمة بمصالحها وليس لها ولي حاضر، فأرادت أن تقص لها قضتها فقطعتها فقصت الناصية هل يلزمها أرش ذلك؟
قال: «معي إنه يشبه في معاني ما عندي أنه قيل أنها إذا فعلت ذلك على وجه الصلاح والمباح، فأخطأت فعقرتها أنه لا ضمان عليها في بعض القول،؛ لأن ذلك كأنه يخرج من فعل غيرها في مثلها، ولا يكاد يتعرى من ذلك، فكان القصد إلى المباح أشبه زوال الضمان لهذا المعنى، كما قيل في الحجام والختان أنه إذا مات أحدهم من فعلهم أو تولّد منه مضرة أنه لا ضمان عليه إلا أن يكون تعدى فعل مثله بالمعروف، ويخرج عندي في هذا ما يشبه معنى الضمان؛ لأنه إنما كان المباح القص للشعر المحجور للبدن، وهذا هو الأغلب من الأمر، فلما أرادت المباح فأخطأت بالمحجور وكان معنى الضمان على سبب الخطأ، وهذا يشبه الخطأ؛ لأن الخطأ ما أريد بشيء فأخطأ بغيره ... » (2). ومن خلال هذه الصور يتبيَّن أن الضمان يلزم الطبيب والبيطار في حالات التجاوز، ويسقط عنهم في الحالات المعتادة الموافقة لشروط المهنة، ولا ريب في مراعاة ظروف أصحاب الوظائف الدقيقة الحساسة تشجيعاً لهم على ممارسة هذه الصنائع حتى يتقنوها فتقل أخطاؤهم ولا ينفرون منها خشية تحمل المسؤولية.
أن
(1) الثميني: الورد البسام، 215، 217 - 218.
(2) ابن جعفر: الجامع، 283/ 4. (4/59)
صفحة 1841
القواعد الفقهية عند الإباضية
وفي موضع آخر يقول: «ومن بأرضه قصَبُ زرع فأراد أن يحرثها فطرح القصب في وقت لا هبوب فيه لريح، ثم هبت وحملت النار فأحرقت
ناراً في
ما يقرب أرضه من نخل أو غيره ففي لزوم الضمان وسقوطه عنه قولان، واستحسن أنه إن كان طرح النار في محل الأمن له من وقوع الضرر فلا ضمان عليه، وكذا قيل فيمن سخن تنوراً (فرنا) له وإن كان التنور محدثاً فوقعت النار في بيت جاره، فأحرقته فلا ضمان عليه إذا كان تسخينه كغيره عادة مما يؤمن به من ضرره وتولد الضرر من ذلك ... ).
«ومن كسر خلخالاً لشخص فإن كان يريد صنعه فعلى كاسره أن يصنعه له، وإلا فعليه قيمته مصنوعاً (2).
- في القتل الخطأ:
ومنها: أن من وقع على طفل خطأ فقتله وجب عليه الضمان، قال الثميني في هذا المعنى وإن غطت الأم ولدها بثوب لا يستطيعه، أو جعلت ثديها على فيه فغم بذلك، أو انقلبت عليه في فراشها أو أرضعته، أو أطعمته حتى ملأ فاه فقتله ذلك، ضمنته وإن رفعته فسقط من يدها بلا عمد فلا تضمنه» (3). - ومنها: لو أراد شخصاً قتل طائر فأصاب إنسانا أو أتلف به مالاً فقد وجب الضمان قال: البسيوي: ولو أنه رمى طيراً فأصاب إنساناً فمات، فعليه الدية، وكذلك لو رمى إنساناً فأصاب أحداً، ففيه الدية، وهي خطأ على
العاقلة» (4).
(1) الثميني: الورد البسام،
(2) الثميني: المصدر نفسه،
ص
209
215
217
ص
(3) الثميني: الورد البسام ص
(4) البسيوي: جامع أبي الحسن البسيوي، 163/ 4 - 164. (4/60)
صفحة 1842
المطلب الرابع
قاعدة المباشر ضامن ولو لم يتعمد والمتسبب لا يضمن إلا بالتعدي»)، وقاعدة: «إذا اجتمع المباشر والمتسبب يضاف الحكم إلى المباشر
أولاً: معنى القاعدة:
أخطأ
من باشر إتلاف شيء يتعلق بحق الغير وجب عليه ضمان ما أتلفه، إما بإصلاحه حتى يعود كما كان وإما بالإتيان بمثله، وإما بدفع ثمنه سواء في الإتلاف أم تعمد، وعلى هذا أكثر الفقهاء (2).
قال ابن رشد الحفيد: «وهل يشترط في المباشرة العمد أو لا يشرط؟ فالأشهر أن الأموال تضمن عمداً وخطأ (3)، وهو الذي اعتمدته مجلة الأحكام العدلية في قواعدها الفقهية، فقد جاء في القاعدة الحادية والتسعين (المادة (92) ما نصه المباشر ضامن وإن لم يتعمد).
ووجه التسوية بين العمد والخطأ في المباشر للفعل، أن مجرد المباشرة للإتلاف يكفي أن ينتهي موجباً للضمان، بغض النظر عن العمد والخطأ، فإذا صاحب ذلك تعمّد، ترتب على المباشرة حينئذ حكمان، حكم على مباشرة الإتلاف، وحكم على تعمده، فيكون آثما ديانة وضامناً من جهة القضاء، أما في حالة الخطأ فليس عليه إلا الضمان؛ لأن الإثم يرتفع بالخطأ، ولذلك كان
:
(1) الكندي أبو بكر المصنف، 17/ 41. - العوتبي: الضياء، 17/ 14. (2) محمد بكر إسماعيل: القواعد الفقهية بين الأصالة والتوجيه، ص 214.
(3) ابن رشد: الحفيد بداية المجتهد، 311/ 2.
(4) الزرقا أحمد: شرح القواعد الفقهية، ص 453. - وابنه مصطفى الزرقا، المدخل الفقهي،
1044 (4/61)
صفحة 1843
62
القواعد الفقهية عند الإباضية
جزاء القاتل عمداً وعدوانا القصاص في الدنيا، والعقاب في الآخرة، بينما جزاء القاتل خطأ الكفارة والدية).
والمباشر للفعل في نظر الفقهاء هو الذي يحصل التلف من فعله دون
من يتخلل بينه وبين التلف فعل فاعل آخر.
- أما المتسبب في الإتلاف فيختلف عن المباشر، فإنه لا يضمن إلا إذا كان معتمداً متعدياً.
السبب من
والمتسبب للضرر هو الفاعل للسبب المفضي إلى إتلاف الشيء، ولم يكن شأنه أن يؤدي إلى هذا الإتلاف بذاته، فلا يضمن ما أفضى إليه عمله من الضرر؛ لأنه بانفراده لا يصلح علة مستقلة للإتلاف إلا إذا كان متعدياً، ويكفي في كونه متعدياً أن يتصل فعله في غير ملكه بما لا يسوغ له وكان فعله مقروناً بالتعمد، وقد اعتمدته مجلة الأحكام العدلية في قواعدها، فقد جاء في القاعدة
الثانية والتسعين (المادة (92) قولها: المتسبب لا يضمن إلا بالتعدي). والفرق بين المباشرة والسبب هي أن المباشرة علة صالحة، وسبب مستقل للإتلاف قائم بذاته، فلا يجوز إسقاط حكمها بحكم عدم التعمد، ولا يصلح هنا أن يكون عذراً مسقطاً للحكم، وهو الضمان عن المباشر المتعدي، وبما أن السبب ليس علة مستقلة، وأن الحكم لا يضاف إلى السبب الصالح إلا بالقصد،
لزم
أن يقترن العمل فيه بصفة الاعتداء والتعمد ليكون موجباً للضمان (3). وعلى هذا يجب على من أتلف شيئاً بيده أو بيد شخص آخر متعدياً، أن يصلحه إن أمكنه إصلاحه، أو يأتيه بمثله، أو يدفع له ثمنه، ولا خلاف في ذلك بين الفقهاء.
232
(1) الروكي: قواعد الفقه الإسلامي من خلال كتاب الإشراف لعبد الوهاب البغدادي، ص (2) الزرقا أحمد شرح القواعد الفقهية، ص 455 محمد بكر إسماعيل: القواعد الفقهية،
ص 214.
(3) الزرقا أحمد المصدر نفسه، ص 453، 455. - محمد بكر إسماعيل: المصدر نفسه. (4/62)
صفحة 1844
الفصل السادس: القواعد الفقهية الكلية الصغرى
63
- مثال المباشر: رجل أعطاه أخوه ساعة فلبسها، فلما طلبها منه كسرها عمداً وعدوانا، أو وقع على شيء وضربه برجله عمداً، ضمن كل ذلك. ومما يتعلق بحقوق الله، أنه لو اجتهد شخص في صرف زكاته فأعطاها لمن يعتقد أنه فقير، ثم تبين أنه غني، فإنه يضمن تلك الزكاة، ولا تبرأ منها ذمته؛ لأنه باشر حق الله لمن لا يستحقه (1).
-
ومن زلقت به رجله فسقط على مال غيره بدون قصد وأتلفه، فإنه يضمنه؛ لأنه باشر الفعل، وكذلك من كان يتدرب على الرمي بالرصاص فأصاب حيواناً أو إنساناً فقتله، فإنه يضمنه.
أما المتسبب فمثاله: لو أحرق شخص أعشاباً جافة في أرضه، فسرت
النار إلى شيء لشخص فأحرقته، فلا ضمان إلا إذا كان متعدياً، بأن كان أحرق الأعشاب في يوم شديد الريح.
-
وكذا لو حفر إنسان بئراً في الطريق العام ولم يكن مأذونا بذلك من قبل ولي الأمر، فسقط في البئر حيوان وتلف فيكون ضامناً بافتياته على ما ليس فيه حق وتعديه بخلاف ما لو استأذن، لحفره، فلا ضمان عليه (3).
قال أبو العباس أحمد في بيان المباشرة: «وكل ما فعل الرجل أو باشره من ذلك فهو ضامن بموت، حيث يجب عليه القتل وتجب عليه التوبة فيما لم يكن عليه فيه ضمان النفس والدية، ووجه المباشرة في ذلك أن يباشر الرجل الآخر بما يقتله به مثل: السيف أو غير ذلك من السلاح، أو الحجر أو العصا أو أشباه ذلك، أو يلقي عليه ما يقتله من الهوام مثل: الأفاعي والعقارب، ومثل ذلك حتى يقتله، أو يلقيه على ذلك، أو يطعمه السم مباشرة له به، فهذا يقتل به إن كان ممن قتل به» (3).
(1) البغدادي عبد الوهاب: كتاب الإشراف في مسائل الخلاف، ص 191/ 1.
(2) الأصم عثمان: البصيرة، 1/ 181. . ـ محمد بكر إسماعيل: القواعد الفقهية، ص 214 - 215. (3) أبو العباس أحمد: كتاب أبي. مسألة،
ص 167. (4/63)
صفحة 1845
القواعد الفقهية عند الإباضية
أما غير المباشر وهو المتسبب فى الاعتداء على غيره، ويبين أبو العباس صورته وما يترتب عليه فيقول: والوجه الذي يجب به الدية وإلا يقتل به، فهو مثل من تركه للحيّة حتى قتلته، أو العقرب حتى لسعته، أو تركه للحر والبرد حتى هلك، أو تركه يأكل السم، أو دلّ عليه فأهلكه، فمات من هذا كله، فهو ضامن، وعليه الدية، ولا يقاد فيه» (1).
ويشير أيضاً إلى وجه آخر وهو: إذا اجتمع المباشر والمتسبب فإنه يضاف الحكم إلى المباشر ويضاف الفعل إلى الفاعل لا الآمر ما لم يكن مجبراً، فيقول: «والوجه الثالث الذي يكون عليه فيه الذنب والعصيان، ولا يكون عليه فيه القتل والدية فهو أن يأمر غيره أن يقتله، أو يعطيه الأجرة على قتله، أو أشباه ذلك، فعليه التوبة من هذا كله وليس عليه الدية والقتل، إلا فيما ذكروا فيمن أمر عبده أو طفله، أو مُعلّما أمر صبيانه، أو سلطاناً أمر رعيته بقتل أحد فقتلوه، فإنهم يقتلون به، ومنهم من يقول بالدّية في هذا كله، ومنهم من يقول المُعلّم والسلطان ألا يكون عليهما إلا التوبة في في سلط هذا، واختلفوا فيمن عليه دابته فقتلته، منهم من يقول يقتل به، ومنهم من يقول عليه الدية، وأما تسليطه لدابة غيره، أو جميع من لا عقل له سلطه حتى قتله، فإنهم يوجبون عليه الدية، والغُرم في المال، والهلاك فيما بينه وبين الله» (2).
- ولكن قد يجتمع المباشر للفعل والمتسبب له، ففي هذه الحالة يرى الفقهاء أنه يضاف الحكم إلى المباشر؛ لأن الفاعل هو العلة المؤثرة، والأصل في الأحكام أن تضاف إلى عللها المؤثرة لا إلى أسبابها الموصلة؛ لأن تلك أقوى وأقرب إذ المتسبب هو الذي تخلل بين فعله والأثر المترتب عليه من تلف أو غيره فعل فاعل مختار، والمباشر هو الذي يحصل الأثر بفعله من غير
(1) أبو العباس أحمد: المصدر نفسه. (2) المصدر السابق، ص 167 - 168. (4/64)
صفحة 1846
الفصل السادس: القواعد الفقهية الكلية الصغرى
أن يتخلل بينها فعل فاعل مختار، فكان أقرب لإضافة الحكم إليه من المتسبب، وقد أشار سلمة بن مسلم العوتبي إلى هذا المعنى فقال: «والسبب والمباشرة إذا اجتمعا فالحكم للمباشرة، كمن حفر بئراً في أرض لا يملكها فدفع رجل إنساناً فيها، فالضمان فيها على الدافع).
وقد اعتمدت المجلة العدلية هذه القاعدة في قواعدها الفقهية، فقد جاء في القاعدة التاسعة والثمانون قولهم: إذا اجتمع المباشر والمتسبب يضاف
الحكم إلى المباشر (2).
1
ثانياً: فروع القاعدة:
وردت في المصادر الإباضية فروع كثيرة تجسدت فيها هذه القاعدة، وأغلبها في مجال المعاملات والحقوق والجنايات نذكر منها:
في ضمان ضرر الحائط والمسكن
وصورة ذلك ما جاء في «البصيرة» أنه: «لو كان لرجل حائط مائلاً أو نخلة فخُوف منها على طريق، وقدّم عليه فلم يغيرها مع القدرة على ذلك، ضمن ما تلف منها بعد التقدمة، قال بعض مخالفينا يضمن ولو لم تتقدم عليه، وقال بعض أهل الخلاف أيضاً لا شيء عليه، ولو تقدم إليه في إزالته، وأجمعوا بأن لا قود عليه كذلك؛ لأنه متسبب وليس مباشرا للفعل، ويضمن بسبب طلب منه إزالة الضرر فلم يلتزم بذلك.
و
أنه
واشترط عثمان الأصم لتحمل مسؤولية الضرر ولزوم الضمان: أن يُحذر من خطره ويُطلب منه إزالة الضرر حسب المستطاع، أما إذا لم يكن يعلم به، ولم يتقدم إليه أحد لأجله، فلا يتحمل المسؤولية. يقول في هذا الصدد: «ومن
(1) العوتبي سلمة بن مسلم: الضياء، 17/ 14. (2) الزرقا أحمد شرح القواعد الفقهية، ص 447. (4/65)
صفحة 1847
القواعد الفقهية عند الإباضية
مال له جدار على طريق المسلمين فصرع على أحد، لم يضمن، وإن تقدم عليه في صرفه وكان مخوفاً، فلم يصرفه، فوقع على أحد، ضمن بعد التقدمة، وكذلك إن كانت نخلة مائلة على الطريق أو شجرة، فتقدم على ربها في صرفها، فوقعت على أحد فقتلته، ضمن ما أصاب من ذلك» (1) فهو غير مباشر للحادث ولكنه تسبب فيه.
وينفي الثميني الضمان عن المتسبب في الضرر إذا كان الحائط المتداعي مبنياً في ملكه، إلا إن طُلب منه ذلك فتأخر عن إزالة الضرر، ضمن ما تلف من الأنفس والأموال، وفي هذا المعنى يقول: «ومن مال حائطه قيل أو وَهَى، فوقع في الطريق فقتل فيها إنساناً، فلا يضمنه؛ لأنه بناء في ملكه، ولم يُحدث في الطريق شيئاً، وما حدث فيه من الوهي والسقوط فهو شيء لم يكن من فعله، وإن تقدم إليه في نقضه فأخره حتى قتل أحد، فهو ضامن لديته، ولكنها على عاقلته ... » (2). ويؤكد عثمان الأصم هذا الحكم في السياق نفسه فيقول: «ومن عمل في داره جناحاً أو ميزاناً على الطريق، ثم أخرجها من ملكه، ضمن ما أصاب من ذلك، ويلزم العملة (العمال ما سقط من عملهم وقت العمل، وبعد الفراغ رب الدار إن كان ذلك في غير ملكه» (3).
ويُحمّل الثميني مسؤولية الضمان كلّ من ألقى من داره شيئاً على الطرقات، كما يفعل اليوم سكان العمارات، فإن أصابت نفساً أو مالاً ضمن ولو كان الساقط شخصاً، يقول في هذا الصدد ومن سقط من علا نخلة أو جدار على أحد، فقيل إن كان ما ذكر على الطريق، فالساقط ضامن له مطلقا، وقيل إن كان
(1) الأصم عثمان البصيرة، 183/ 1. - الجيطالي: قواعد الإسلام، 231/ 2. ـ أبو العباس أحمد بن محمد بن أبي بكر الفرسطائي النفوسي: كتاب أبي مسألة،
ص
170
(2) الثميني: الورد البسام، ص 206.
(3) الأصم: المصدر نفسه، 182/ 1. (4/66)
صفحة 1848
الفصل السادس: القواعد الفقهية الكلية الصغرى
67
جاساً من إعياء، أو مانع له من الانصراف فأرجو أن لا ضمان عليه، وعندي فيه تأمل؛ لأن المناسب لهذا أن يكون الساقط هو الذي مات، فلا يضمنه المسقوط عليه الجالس لعذر ... » (1).
ولا شك أن ما ذهب إليه الثميني بتأمله يتناسب مع العدل والقواعد الشرعية، وهو أن المعتدي هو الذي يضمن ولو كان خطأ.
ويتابع الثميني في هذا السياق فيقول: « ... وكذلك إن سقط الحائط في الطريق على دابة، أو أفسد متاعا، فهي في ماله ولا يضمن إلا مالك الحائط أو الدار، ولا يضمن المرتهن أو المستعير أو المستأجر، ولو طُلب منهم كفاية الضرر؛ لأنه لا يملك العقار».
ويضيف الثميني في تحديد مسؤولية الأضرار الناجمة عن المنزل أو الحائط المتداعي: «وإن كان الحائط مرهوناً فتقدم فيه على المرتهن، أو الراهن أو عليهما، فلم ينقضاه حتى أتلف نفساً أو مالاً، فإن تقدم إليهما أو إلى الراهن، ضمن، لا إن تقدم إلى المرتهن؛ لأنه ليس بمالك له، ولا ضمان على المستعير والساكن وإن تقدم إليهما ... (2) ولكن إذا كان صاحب الملك غائباً يجب على من ينتفع بالدار أن يبلغه بالخطر؛ حتى لا يكون متسببا فيه.
2 ـ في ضمان حوادث الآبار والطرقات:
ذكر ابن بركة وغيره أن من حفر بئراً أو ألقى حجراً في غير حقه فمات مسلم، لزمته الدية ولا قود عليه في إجماع هذه الأمة، وإذا وضع حجراً أو حفر بئراً في ملكه، لم يكن ضامناً لمن تلف به، قال أصحابنا: إلا أن يكون صاحب البئر أذن للداخل فسقط في البئر ولم يحذره (3).
(1) الثميني: المصدر نفسه، ص 206. (2) الثميني نفسه، ص 206 - 208. (3) ابن بركة: الجامع، 501/ 2. (4/67)
صفحة 1849
68
القواعد الفقهية عند الإباضية
ويؤكد عثمان الأصم هذه الصورة، ويحمل مسؤولية الفعل للمباشر والمتسبب أيضاً إذا تعمد وتعدى فيقول: «ومن حفر بئراً في الطريق الأعظم أو طريق المسلمين، ضمن ما وقع فيها فتلف من نفس أو مال، ومن حفر بئرا أو نهراً في غير حقه، ضمن ما عطب فيه، ومن حفر ذلك في حقه فلا ضمان فيه لأحد عليه إن وقع في ذلك أحد؛ لأنه فعل ما هو جائز له، ومن حفر بئراً في منزله فدخل إنسان إليه بلا رأيه فوقع فيها، فلا شيء عليه، وإن أدخل أحداً في الليل فلم يدر، أو أدخل أعمى ولم يحذرهم ذلك، فإنه إن وقع فيه ضمن ... ومن وضع في طريق حجراً فعَبر فيه آخر فمات كان الضامن على الذي
وضع الحجر؛ لأنه هو المتسبب في موته بالاعتداء على الحق العام»). ويؤكد الثميني في السياق نفسه حكم من تعتدى على الحق العام فتسبب في إتلاف النفس أو المال، فالمسؤولية تقع على المباشر والمتسبب إذا تعمدا ذلك، ويستوي في ذلك أن يكون الضرر بسبب فرد أو جماعة، فيشتركان في الضمان، سواء حدث ذلك عمداً أم خطأ، فلا يسقط الضمان، وفي هذا المعنى يقول: «ومن طرح في طريق أو فيما لا يملك حجراً أو ماء، أو بنى فيه بناء، أو أبدع فيه كنيفاً، أو عمل فيه جناحاً أو ميزاباً أوصله بمنزله، أو وضع فيه جذعاً، ولا يحرمه ذلك ميراثاً ممن تركه إن قتل به؛ لأنه ليس بقاتل له لا عمداً ولا خطأ، وقيل: إنما يلزم العاقلة فعل الخطأ باليد وهي فيما ذكر عليه بخاصة ... ومن عثر على آخر بذلك وماتا، فالضمان على من أحدث ذلك في الطريق أو نحوه، ومن حوّل ذلك عن موضعه إلى آخر من الطريق، فعليه ضمان ما عطب به، وسلم الأول، وقيل: فيمن نضح الطريق بماء أو توضأ فيه إنه يضمن ما عطب به أيضاً، إلا إن كان لا يعطب بمثله عادة ... » (2).
(1) الأصم عثمان البصيرة، 181/ 1 - 182. - الثميني: الورد البسام، ص 191، 193. (2) الثميني: الورد البسام، ص 191 (4/68)
صفحة 1850
الفصل السادس: القواعد الفقهية الكلية الصغرى
وفي ضمان حوادث الآبار يقول الثميني: «ومن حفر بئراً في طريق ثم حفر في أسفلها غيره، فعطب فيها أحد، ففي القياس قيل: لا يضمه الأول، ولكن يترك ويختار تضمينها معاً ... » (1).
وهنا نجد الثميني يحمّل المسؤولية للأول والثاني ويقع عليهما الضمان وهذا الرأي هو المختار عنده. ويضيف في هذا الشأن: «وكذا إن حفرها أكثر من اثنين، كما إذا وسع رأسها ثالث، فإنهم يغرمونه كما مرّ في نحو أثلاثاً، وهكذا في الأكثر، وإن سدها من حفرها وفتحها غيره وأظهرها، فعليه الضمان كما مر دون الأول (2)؛ لأن الثاني هو المعتدي المجاوز لحقه، فهنا اجتمع المباشر والمتسبب يضاف الحكم إلى المباشر.
ويبين الثميني في السياق نفسه أنّ من وضع حجراً في الطريق وإلى جنبه بئر حفرها غيره، فغفل إنسان بالحجر ولم ينتبه إليه، فسقط في البئر ومات، ضمنه واضع الحجر؛ لأنه كالدافع له، وإن لم يكن له واضع فالضمان على حافر البشر، ومن وضع فيها كما مر حجراً أو حديداً أو عوداً، فوقع فيها أحد
فقتله ذلك، لزم حافرها؛ لأنه كالدافع له، واختير أنه عليهما معاً ... » (3). والظاهر أن الثميني اختار تحميل مسؤولية الضمان على المتسببين في القتل، وهما صاحب البئر وواضع الحجر بجانبه، فتسبب في سقوط أحد فيه، فالمسؤولية تقع على عاتق المتسبب؛ لأنه متعد بسبب التقصير في تغطية البئر، وكذلك تقع على الذي وضع الحجر في الطريق بجانب البئر فعثر فيه الهالك. ويوضح الثميني في موضع آخر أن مسؤولية الضمان يتحملها أيضاً كل من تسبب في تعطيل حركة السير في الطرقات العامة، وذلك الأنقاض
(1) الثميني: المصدر نفسه. (2) الثميني: المصدر نفسه، 192. (3) الثميني: نفسه.
بوضع (4/69)
صفحة 1851
70
القواعد الفقهية عند الإباضية
والنفايات فيها، أو بسبب الجلوس واللعب فيها، أو بفعل التجارة فيها، فكل ذلك يُؤدي إلى الإضرار بالطريق العام والمارة فما يترتب على ذلك من ضرر يتحمله من تسبب فيه.
يقول في هذا الصدد وتلزم قائماً أو قاعداً على قارعة الطريق جناية ما أصاب مارًا عليه به كما مرّ، إن لم يكن ذلك منه لعياء أو حاجة، ويذهب من حينه، فإن قعد من إعياء فلا يضمن وتلزم قاعداً فيه بلا عذر جناية عاثر به، ولو أصيب هو أيضاً، ومن وضع متاعه في الطريق فعثر به إنسان، أو تلف به مال أو نفس، فإنه يضمن ... وكذلك الشوك، فمن ألقاه في الطريق أو في غير حقه، ضمن لمن وقع فيه ما أصابه ... »).
ومن وضع قلة ماء في طريق فعثر بها إنسان فانهرق الماء وانزلق به من مر عليه ضمنه من قلبها لا من وضعها فيها، وضمن من بسط جلداً أو حصيراً أو تبناً أو سُنبلاً أو نحو ذلك في الطريق منزلقاً به فيها).
ومن اتخذ الطريق مأوى وملجأ يفترش الأرض وينام فيه، فيتسبب في إلحاق الضرر بغيره، يتحمل مسؤولية فعله، يقول ابن بركة في هذا الشأن: «وإذا نام رجل في طريق المسلمين أو في موضع ليس له أن ينام فيه، فعثر به رجل فماتا جميعاً، أو مات النائم دون صاحبه، أو مات الذي وقع على النائم، الجواب في ذلك على أصول أصحابنا: أن النائم إن مات كان دمه هدراً، وكأنه هو الذي جنى على نفسه، وإن مات العاثر ضمن النائم ديته في نفسه، وقال بعضهم: تكون على عاقلته ما ضمنه من ذاك على هذا الوجه وإن ماتا جميعاً ضمنت عاقلة النائم، وكان دم النائم هدراً، كأنه في التقدير قتل نفسه وصاحبه خطأ» (3).
(1) الثميني: الورد البسام ص 191 - 193. - الأصم عثمان: البصيرة، 1/ 182 - 183. (2) الأصم: المصدر نفسه. الثميني: المصدر نفسه.
(3)
ابن بركة: الجامع، 471/ 2، 508. (4/70)
صفحة 1852
الفصل السادس: القواعد الفقهية الكلية الصغرى
71
- أما عُمّال النظافة وإصلاح الطرقات فلا يضمنون ما يحدث للناس من ضرر إذا وضعوا في الطريق ما ينبههم للخطر، ويحذرهم من تجاوز ذلك، أما إن أهملوا ذلك فحدث بسببهم تلف في الأنفس والمال فإنهم يتحملون مسؤولية تقصيرهم، وقد صرّح بذلك الثميني فقال: «ولا يضمن كانس الطريق عطباً إن وقع بموضع كنسه ... ومن ألقى في الطريق تراباً وكبسه فيه ولم يبسطه ورشه بماء، وكان يعثر بمثله عادة فهو ضامن، ولو أراد صلاحه، كواضع خشب والحجر فيه» (1).
أما ممارسة التجارة فى الطرقات كما يفعله الباعة المتجولون فيقول فيهم: والتاجر الطواف والسماك ونحوهما إن قعدوا في الطريق ليشتري منهم أهل البيوت، فالبائع والمشتري يضمنان من عثر عليهما، وليس ذلك منها بعذر (2).
3 ـ في ضمان حوادث النار:
وفي ضمان ما أحرقت النار بسبب فاعل غير مباشر يقول صاحب «البصيرة»: «وكذلك من ألقى في الطريق ناراً فأصابت مالاً أو نفساً، ضمن ما أصاب من ذلك، ومن وقعت منه جمرة ولم يعلم بها، فما أصابت تلك الجمرة ضمنه، وإن أتى آت فألقى عليها حطباً فأصابت بلهبها وبزيادتها، فإن ذلك على الذي ألقى الحطب، وإن وضع في غير حقه نارا فحملت الريح اللهب إلى غيره لم يضمن، وإن وضع في غير حقه ناراً فزادت على الناس وأحرقت أموالاً وبشراً فإن ضمان ذلك عليه» (3).
ويؤكد العوتبي هذا المعنى ويبين أن الضمان في مثل هذه الحالة يقع على المباشر دون المتسبب، «فلو أجج ناراً في أرض غيره فجاء آخر وألقى في
(1) الثميني: الورد البسام
ص
193
(2) الثميني: المصدر نفسه، ص 194. (3) الأصم عثمان: البصيرة، 183/ 1. (4/71)
صفحة 1853
72
القواعد الفقهية عند الإباضية
النار إنساناً أو حيواناً أو مالاً، فالضمان على من باشر الإلقاء وليس على
المتسبب، والسبب والمباشرة إذا اجتمعا فالحكم للمباشرة ... ». أما إذا أشعل ناراً في ملكه لحاجة، ثم انتقلت من محله فأحرقت أموال غيره، فلا يضمن، وإن أوقدها بجوار أموالهم فأتلفتها، وجب عليه الضمان، وفي هذا المعنى يقول الثميني: ومن أوقد نارا في محل لحاجته فاشتعلت حتى لا يقدر أن يطفئها فأحرقت أموالاً أو نفوساً، فلا يلزمه ما قام عنها إن أوقدها حيث يجوز له، وإن أوقدها بالقرب من زروع الناس أو حيوانهم، أو بمحل اتصل فيه العشب، ضمن ما أفسدت (2)؛ لأنه لم يتخذ لذلك ما يلزم من التدابير والاحتياطات اللازمة لمنع انتقالها إلى جيرانه.
وتأكيداً للقاعدة: ذكر الثميني صورة أخرى لنفي المسؤولية عن المتسبب إلا بالتعدي فقال: «فمن وضع ثوباً في مسجد فحوّله من مكانه غيره ليصلي فيه، ففسد بذلك ثوبه بنار أو بغيرها، أو فسد ما فيه من حبّ أو دراهم، فلا يضمن ذلك محوّله، ولزمت قيمته من جعل النار في المسجد إن فسد بها، وإن حوّل الثوب في غير المسجد ضمن ذلك ولو في المصلى، ورخص وإن في غيره ... » (3).
4 ـ في ضمان ما يتلفه القاصر:
وفي تحمل مسؤولية القاصر وضمان ما يحدثه بسبب الغير يقول عثمان الأصم: ومن قاد الأعمى فليحذره ما يلقاه به، فإن لم يحذره ضمن إن وقع في متلفه ... وإن أطلع صبياً نخلة أو عبداً بلا رأي مولى العبد ولا أبي الصبي فضرع، ضمن، وإن أطلع بالغاً وصُرع لم يضمن ... ) وحكى ابن بركة إجماع
(1) العوتبي سلمة بن مسلم: الضياء، 17/ 14. (2) الثميني: المصدر نفسه، 241.
(3) الثميني: الورد البسام، ص 240. (4) الأصم عثمان: البصيرة، 181/ 1، 182. (4/72)
صفحة 1854
الفصل السادس: القواعد الفقهية الكلية الصغرى
73
الفقهاء على تحمّل المتسبب مسؤولية القاصر عند حدوث الضرر به أو بغيره فقال: «وأجمع الناس على تضمين من حمل صبياً على دابة أو حمل عبداً لرجل بغير إذن سيده فرمت به» (1).
في ضمان جناية الحيوان:
جاء في جامع ابن جعفر ما نصه: «وإن حفر الرجل حول حرثه وداره حفاراً عن الفساد من غنم تربض حول الدار، أو تأكل الزروع، فأما ما كان في ماله فلا ضمان فيما يؤدي ذلك، وأما ما كان في غير ماله حول زرعه فهو
ضامن». قال: «وأخبرني محمد بن محبوب - رحمهما الله ـ عن نزار (2) وكان واليا بـ «فَرْق» وأن مسعدة بن تميم) رأى عليه الضمان قال: وأما محمد بن محبوب - رحمهما الله - فقال: وأما الذي يعرفه فيمن حفر في غير ملكه كان عليه الضمان، وأما من حفر في ماله لم يكن عليه ضمان، قال: والذي أقول على حد الوجه أن البهائم لا تعقل، وإذا حفر في زرعه فلا شيء عليه، وإذا حفر حول زرعه فإن كان الحفرة خفية فعليه الضمان وإن كانت متبنية تنظره الدواب والبشر فلا ضمان عليه» (4).
(1) ابن بركة: الجامع، 501/ 2. (2) لم نقف على ترجمته.
(3) مسعدة بن تميم النزوي (حي في: 226 هـ) عالم فقيه من علماء القرن الثاني الهجري. عاصر الإمام المهنا بن جيفر (226 - 237 هـ). أشار إليه العالم منير في كتاب نصح طويل للإمام غسان مع كوكبة من العلماء والصالحين، قصد الاستعانة بهم في القيام بمهام الإمامة وما تتطلبه من صبر وتضحية وغيرها. وللشيخ مسعدة رأي في إجازة شهادة أمين واحد في رد المطلقة، وهو خلاف ما عليه الإباضية. ينظر: السالمي: تحفة الأعيان، 131/ 1. البطاشي: إتحاف الأعيان، 433/ 1. الكندي: بيان الشرع، 65/ 1.
الفارسي: نزوى عبر الأيام، 93 - 94.
(4) ابن جعفر: الجامع، 227/ 4. (4/73)
صفحة 1855
74
القواعد الفقهية عند الإباضية
خرجت
«وإن دخلت في غنمه شاة فلا يضمنها إلا إن ردها فيها بعد أن منها، أو دخلت فيها بمعنى تسبب فيه، وكذا الراعي إن رعى غنماً أو إبلاً أو نحوهما وهو يظنها حلالاً ثم تبين له أنها حرام، يضمنها حتى يوصلها لربها. وقيل: يتركها في مكانها وقت علمه بها، ورُخص له أن يردها إلى من كانت بيده، وإن علم بأنها حرام فاسترعى لها، فرعاها، ضمن بلا خلاف» (1). فالراعي في هذه الحالة ليس غاصباً، ولكن لما علم بالغصب فرعى تلك
الأغنام فهو متسبب ومتعدّ، و «المتسبب لا يضمن إلا بالتعدي».
6 ـ في ضمان الحامل: ومن فروع القاعدة أنه إذا أجهضت الحامل جنينها بسببها أو بفعل غيرها، لزم ضمانه؛ حيث يعتبر اعتداء على حياة الجنين؛ لأن «المباشر ضامن ولو بغير عمد والمتسبب لا يضمن إلا بالتعدي» يقول الثميني في هذا الشأن: «وإذا رفعت ثقلاً، أو احتجمت أو أكلت حاراً مفرط، أو شربت بارداً كذلك، أو دواء مضرّا، ضمنت إن أسقطت بذلك، أو بامتناع لزوجها من جماعها، وإن لم تمتنع وجاء من عنف الزوج ضمن، وإن شربت دواء يتوهم منه السقوط ضمنت مطلقاً، وإن كان لا يتوهم منه ذلك فأسقطت به، ضمنت أيضاً إن علمت بالحمل وإلا فلا ورُخص لها ولو شربت متوهماً منه ذلك إن لم تعلم بالحمل، ومن سقاها متوهماً منه السقوط على كره منها ولو كان زوجها، ضمن، وإن راودها عن نفسها غيره فأبت، أو بغى عليها فضربها أو خوفها، فأسقطت بذلك، ضمن ولو كان الباغي والمخوّف زوجها ... » (2).
ويضيف الثميني في بيان الأسباب الداعية للإسقاط والتي يلزم منها
(1) الثميني: الورد البسام، ص 241.
(2) الثميني: المصدر نفسه. (4/74)
صفحة 1856
الفصل السادس: القواعد الفقهية الكلية الصغرى
Vo
الضمان إذا نتج عنها الإجهاض فيقول: وإن اشتهت شيئاً فطلبته من عند أحد فلم يناوله إياها، ضمن إن أسقطت، وضمنت إن منعها الحياء من الطلب، وإن أرسلت أحداً إلى من عنده ما تشتهيه فلم يأتها به، أو لم يعطه له صاحبه، ضمن الممتنع منهما إن علم بالحمل ... وإن حضرتها الولادة ولم ترسل للقابلة، أو أبت أن تأتيها، أو الرسول أن يذهب إليها، أو منعهما أحد من هلکت الذهاب حتى هي أو ولدها، فالكل ضامن إن علم، وضمن من علم بولادة الحامل إن لم يأت لها بالقابلة، ولو لم ترسله، وإن قطعت القابلة فقصرت عن الأم أو الولد، ضمنت لمن قصرت له ما أصابه من أجل ذلك، ولا عليها إن لم يصبهما شيء، وإن ضيعت الولد حتى بلغ ما يقتله أو لم تعقد ما يليه أو ما يلي أمه، أو قطعت مقابل وجهه حتى بلغ ما يقتله أيضاً، ضمنت في كل ذلك ... » (1).
V
في ضمان حصة الشريك عند التصرف في سهمه: ورد في كتاب «التمهيد» سؤال: فيمن له حصة في مال مشاع من الأصول، أو الأراضي أو الحيوان، أو ما يكون من المتاع، وأراد أن يبيعها على من شاء أن يبتاعها منه، أيجوز له ذلك في غير الشركاء؟».
فأجاب المحقق الخليلي: «إن الفقهاء اختلفوا إلى أقوال، قال بعضهم: فنعم، إن كان ثقة، وعلى قول آخر: من الأمناء، وقيل لا يجوز إلا على شريك، وقيل بجوازه لغيره مطلقاً، وعلى قول من لم يجزه إلا بشرط الثقة أو ما دونها من الأمانة، فليس له فيمن عرفه بالخيانة، أو جهله، أو جاز عليه معه في حاله؛ لأن تلحقه التهمة بالتعدي على من يخالطه في ماله إذ لا يجوز أن يوثق بأحد هؤلاء فيما يكون لغيرهم فيه من الأنصباء ... » (2).
(1) الثميني: المصدر نفسه، ص 216 - 217.
(2) الخليلي: قواعد الإيمان، 9/ 65 - 66. (4/75)
صفحة 1857
76
القواعد الفقهية عند الإباضية
حجة المجوّزين والمانعين بالتصرف في حصة الشريك: أ ـ دليل القائلين بالجواز:
ويبين الخليلي حجة القائلين بجواز البيع: أنه على فرض ثبوته في البيع فيجوز أن يأت على القضاء، والرهن والتولية والإقالة والقياض بما فيه من وجه في رأي جاز عليه فيجزي في النحلة والهبة والعطية والصدقة والمنحة والوصية، فيكون في هذه من تلك أظهر في الأصل والعلة؛ لأن المخافة من تولد المضرة به على الشريك هي العلة الموجبة للمنع من جواز بيعها على من لم يؤمن منه كون وقوعها إلا لوجه آخر أعرفه في هذا المبيع، ولا غيره من معلولاتها ... فإن صح جاز في النظر؛ لأن يخرج في المساقات والقعادة والمشاربة مع ما فيه الشفعة ... ). «وإن لم تكن من المشاع ما به يخشى من الضرر، فإنه هو الجامع لهذه الأنواع كلها بما له من حكم بالمنع، إلا أن يكون على رأي من له الرأي في ماله من أهلها فإنه لا يصح فيه إلا جوازه، بالقطع، وما أشبهها من شيء فهو كمثلها» (2).
خلاصة القول:
ببيع
إنه لا يمكن أن يمنع الشريك من التصرف في ماله حصته لغير الشركاء؛ لأنه قد أباح له الشارع التصرف فيه بطرق أخرى مشروعة، كقضاء دينه برهنه، أو بالإقالة أو المقايضة، بمعنى له أن يتصرف في حصة بعوض، وكذلك له الحق في التصرف فيها بغير عوض، كأن يجعلها صداقاً أو هبة أو عطية أو صدقة أو منحة أو وصية لغيره، ولا يمنع من ذلك، وقد يخرج حصته من منافع الأرض ويعطيها لغيره لينتفع بها كالمساقاة والإجارة والمزارعة،
ولا يمكن أن يمنع من ذلك إلا من له حق الشفعة في ذلك.
(1) الخليلي: المحقق المرجع نفسه.
(2) الخليلي: نفسه. (4/76)
صفحة 1858
الفصل السادس: القواعد الفقهية الكلية الصغرى
VV
ثم خلص الخليلي إلى القول: «وبالجملة فإن هو فعله في هذه المواضع، فخالف إلا ما قد نهى عنه لغيره ما به يعذر فالبيع وما أشبهه في هذا المعنى لا يُرَد، وإن كان قد أتى ما ليس له كالإيلاء والظهار في ثبوتهما مع ما بهما
من إثم على من فعلهما (1).
ب - دليل القائلين بالمنع:
معه
أما القائلون بمنع البيع فقالوا: إذا باع لغير الشريك أو الأمناء والثقات فهو آثم، وعليه الغرم والضمان للضرر الذي أحدثه المشتري بشريكه؛ لأن ما فعله به كان ظلماً وعدواناً، وإذا ثبت ذلك بالحجة والبينة وبالأخص إذا كان يعلم أن المشتري سيلحق الضرر بشريكه. يقول الخليلي في هذا المعنى: «وعلى قول آخر: ما دل في البيع على رده فجاز أن يتعدى إلى تلك المذكورة من بعده، إلا وإن من ورائه في هذا المكان يكون الإثم في قول من يعلمه مع الغرم، لما يأتيه في حصة الشريك على وجه الظلم أو العدوان، هذا الذي أدخله عليه من شيء لا بد أن يلزمه ما به من الضمان متى ظهر له، فصح لحجة به لا بقول من له الحق وحده، فإنه في معنى الدعوى، فليس عليه شيء من قبوله، إلا أن يصدقه ويطمئن إلى قلبه فيتخلص إليه، وإلا فالبينة هي الحكم فيه» (2). ولكن الخليلي اختار موقفاً وسطاً من هذه المسألة، فلم يمنع البيع لغير الشركاء والأمناء في كل الأحوال، ولم يجز البيع لهم مطلقاً، بل أجاز أن لغيرهم بشروط، رغم أنه يرى المنع في حالة ثبوت نية الإضرار بالشريك عند البيع. ويتساءل كيف يحكم على البائع بالإثم والتغريم، ولم يثبت عليه ظلم لشريكه، ولا قصد الإضرار به، في حين لو يمنعه من بيع حصته لغير شريكه
(1) الخليلي سعيد: التمهيد، 67/ 9.
(2) الخليلي: المرجع نفسه.
يبيع (4/77)
صفحة 1859
V?
القواعد الفقهية عند الإباضية
عند الحاجة، فإنه سيلحقه بذلك ضرراً كبيراً، خاصة إذا أعطوه قيمة أقل من مثله، والقاعدة الفقهية تقول: (لا ضرر ولا ضرار».
يقول الخليلي في هذا الصدد: غير أني وإن كنت على هذا لا أدري في المصرح به من القول في البيع على غير الأمين إلا المنع من جوازه، ولا فيما يظلمه من مال الشريك، فيصح معه إلا التضمين، فكأني في موضعه كون الحاجة إليه لا أُبعده من أن يجوز له، ولا تبعة عليه إن لم يبلغ الثمن من شريكه ولا المأمونين، ولم يجد من ينصفه في إخراجه له، ولا أقوى على تغريمه فضلاً عما زاد عليه من تأثيمه لا لأنه كالظالم المباشر، ولا الدال ولا الأمر ولا المعين، فأي موضع إثمه يكون مع عدم كون ظلمه، أو يجوز أن يصح في أحكامه أن لا يكون له من بعد أن أعرضه على الشريك، أو من يكون مقامه حاضرا أو غائبا فلم يزده أو قبل البيع إلا بوكس (نقص) من قيمته لعجز أو غيره، وأراد الزيادة إلى حد ماله من قيمته فلم يزده ... ).
وختم الخليلي قوله ببيان رأيه المختار وأرشد البائع إلى اتباع خطوات معينة قبل البيع لغير المؤتمن، حتى لا يتحمل الأضرار الناجمة عن تصرفه، ويبدأ أولا: بعرض البيع على شريكه، فإن عجز عن الشراء يبيع لمن يرضى عنه الشريك، فإن لم يجد فيقدم أهل الثقة فإن لم يجد يختار المؤتمن عن غيره، فإن لم يجد يعرض أمره على الحاكم أو من يقوم مقامه، فإن قدر على تقدير قيمة حصته وإخراجها من الملك المشترك فذلك هو المطلوب، وإلا باع لمن شاء عند الاضطرار لا الاختيار، وفي هذه الحالة يكون معذورا لا يأثم ولا يغرم، خاصة إذا كان في حاجة إلى إعالة أهله ومن يقوم عليهم، فلا يجوز هذه الحالة منعه من ممارسة حقه في التصرف في حصته حتى لا يلحقه الضرر، طبقاً للقاعدة الفقهية: لا يزال الضرر بضرر مثله أو أشد»؛ لأن في
في
(1) الخليلي: التمهيد، 67/ 9. (4/78)
صفحة 1860
الفصل السادس: القواعد الفقهية الكلية الصغرى
79
اشتراط الضمان عليه ضرر به، وفي منعه من البيع لغير الشريك ضرر أيضاً مقابل مراعاة مصلحة الشريك.
يقول الخليلي في هذا المعنى والذي أحبه له فأختاره في بيع. ماله أن لا يعدو الشريك إن أمكنه، فاتفق له، إلا برضاه في موضع جوازه منه وثبوته عليه، وإلا فالثقة إن وجده، فإن عزّ عليه فذوا الأمانة بعده، وإلا فلا يبيعه من خائن ولا مجهول عنده ولكن يرجع إلى الحاكم أو إلى من يكون لعدمه من الجماعة بدلا منه. فإن أوصله إلى حقه فأخرجه له ثمناً أو جزءا من أصله، وإلا باعه لمن شاءه على ما به حال الضرورة إلى بيعه»، ثم ختم قوله: «ولا يمنعه من جواز حالة ضره، وربما دعاه إلى بيع على من جهله أو علمه بما هو به وعليه من ضرّه بما قد نزل به فى حالة من حق له، أو لمن يكون له في لازم عوله من عياله، أو الله أو من عباده، فجاز له إن لم يجد من هو الأحق في ظاهر ماله من حكم يوجبه الحق بشرط الضرورة إليه، أو ما يكون في تركه من مضرة عليه، وإلا فلا يدخله على شريكه فيه مختارا من أي جنس
كان نوعه ... ).
مجمل القول:
مما تقدم نستنتج أن البائع إذا باع لغير الشريك أو الثقة أو الأمين، وكان يقصد بذلك الإضرار بشريكه، فإنه آثم بفعله، ويلزمه ضمان الأضرار التي تلحق شريكه، فهو غير مباشر للضرر ولكنه تسبب فيه، و «المتسبب لا يضمن إلا بالتعدي، والمباشر ضامن ولو لم يتعمد»، كمن يبيع حصته لأحذ فيجعلها ملهى ومكاناً للفساد والدعارة، أو ورشة للحدادة أو النجارة، والظاهر أن المالك له مطلق الحرية في التصرف في ملكه، وعليه يجوز أن يبيع حصته من المال المشاع بشرط انتفاء القصد والباعث السيئ، وهو الإضرار بشريكه،
(1) الخليلي: المصدر نفسه، 69/ 9 - 70. (4/79)
صفحة 1861
80
القواعد الفقهية عند الإباضية
ولزوم البدء بشريكه؛ لأن له حق الشفعة، فإن عجز عن دفع ثمن المثل، أو بخس له حقه، فله أن لغيره، ولا يجوز للشريك أن
يبيع
يمنعه من
ذلك، أما
ما اشترطه الخليلي من جواز بيعه لأهل الثقة والأمانة قبل مجهول الحال أو الخائن، فهذا استحسان منه وليس واجبا، وأما اشتراطه ألا إلا في حالة ببيع الضرورة لا الاختيار، فهذا شرط فيه تعسف؛ لأنه المالك يده مطلقة فيما
يملك، يتصرف فيه كيف يشاء، بالبيع أو الهبة أو الصدقة أو غير ذلك. - في ضمان الوصية:
ومن فروع هذه القاعدة أيضاً: أن الوصية يجب إنفاذها على من كانت بيده، سواء كان الوصي أو الوارث، فإن كان هذا الأخير فعليه أن يدفعها إلى الوصي حتى يوصلها إلى أصحابها، فإن ضيع أحدهما أو فرط فيها ضمنها؛ لأن المتسبب لا يضمن إلا بالتعدي»، يقول القطب أطفيش في هذا المعنى: «ولزمه أي: الوارث ولو كان في الورثة يتامى أو مجانين أو غياب ـ (دفعه له)؛ أي: للخليفة (ويبرأ منه)؛ أي من ضمانه به أي بالدفع، وإلا يدفعه له، بأن دفعه لغيره ممن ليس صاحب الشيء، أو أبقاه عنده (ضمنه) إن علم أنه وصية ... ».
(1) أطفيش: شرح كتاب النيل، 661/ 12. (4/80)
صفحة 1862
المطلب الخامس
قاعدة: «الضمان لا يجب إلا بالتعدي أو التفريط»، أو الضمان بالتعدي والمفرط ضامن)
أولاً: معنى القاعدة:
من تعدى أو فرّط في حق من الحقوق المالية التي يجب فيها الضمان، وجب عليه ضمان ما فرط أو تعدى فيه، وذلك بردّ مثله إن كان مثلياً، أو قيمته إن كان قيمياً، فمن أتلف مال غيره عمدا فهو ضامن ومن قصر في حفظ ماله أو مال غيره فضاع أو تلف ضمنه.
وهذه القاعدة مشهورة في جميع المذاهب الفقهية، ولها فروع في شتى أبواب الفقه كالمعاملات والجنايات، وغيرها وقد اعتمدها الإباضية في اجتهاداتهم، وخرجوا عليها فروعاً كثيرة، وصرح بها ابن بركة في باب العارية فقال: «فالضمان لا يجب إلا بالتعدي» (2) وقال أيضاً في باب الوديعة: «والضمان إنما يكون بالتعدي والجور ... (3) ولم يحصر الفقهاء هذه القاعدة في الضمان بالتعدي على الأموال فقط، بل عمموها على كل اعتداء، كالاعتداء على النفس والعرض وغيرهما، سواء باشر الاعتداء بنفسه، أو تسبب فيه فأنفذه غيره فالقاعدة شاملة للضمان لجميع ذلك (4).
(1) ابن بركة: الجامع، 297/ 2 - 298. - الكندي أحمد بن عبد الله: المصنف، ج 31/ 20. ج 201/ 21، 226 - 228. ج 111/ 25. ج 17/ 41. - العوتبي: الضياء، 123/ 13، 157، 190. ـ الكندي محمد إبراهيم بيان الشرع، 116/ 6، 213. 65/ 16. ج 36/ 35، 48، 79، 85، 102، 152. - الشماخي: الإيضاح، 23/ 40169/2.
(2) ابن بركة الجامع، 426/ 2.
(3) ابن بركة المصدر نفسه، 2/ 438.
(4) أبو العباس أحمد: كتاب أبي
مسألة،
ص 166. (4/81)
صفحة 1863
82
القواعد الفقهية عند الإباضية
ثانياً: فروع القاعدة وتطبيقاتها
1 - في ضمان التعدي على الأموال بنفسه أو بمن تحت مسؤوليته: يقول أبو العباس أحمد في هذا الصدد: «وأما ما يكون فيه الضمان في الأموال فهو على وجوه منه ما أفسده الرجل بنفسه، وما أفسده بماله، ومنه ما أفسده بأطفاله أو مجانينه، فما أفسده أطفاله وماله من عبيد وغيرهم من الحيوان بأمر، أو بأسباب تكون من قبله، فكل ما أفسده بنفسه وماله، فهو له ضامن فمن ذلك ما يكون فيه منه الأب، ومنهم من يقول: لا يثبت الحاكم الخصومة في ذلك، ولكن يدرك ذلك على أبيه» (1).
ويقول الثميني في السياق نفسه عن حكم من اعتدى على نفس أو مال: «فإن تعمد إفساداً في نفس أو مال لزمه الغرم والإثم، وإلا لزمه الغرم فقط إن علم، به ولا شيء عليه فيما لم يتعمده ولم يعلم به، وكذا كل ما كان بيده من ماله أو مال غيره إن تعمد إفساده أو ضيعه حتى أفسد غيره، يلزمه ذلك من ماله، ولا يرجع به على ربّ الشيء إن كان لغيره، ويرجع عليه فيما أفسد ذلك بلا عمد منه ولا تضييع إن غرم، وما أفسده حيوانه وإن بلا عمد ضمنه، ولو كان أكثر من قيمته، وما أفسده ما علّق إليه ببيع أو هبة أو ما علقه هو على غيره، فضمان ذلك ونفقته وما يحتاج إليه على ما انتهى إليه وصار في وكذا النكاح المعلق مثل: إن تزوج بهذا العبد أو غيره من الحيوان بلا شهود، وقيل على الزوج حتى يستشهدا، وكذا فيما مرّ من البيع والهبة ضمانه على البائع والواهب، حتى يقع القبول لذلك من مشتريه وموهوبه ... » (3). وفي ضمان ما فسد في الزراعة يقول الثميني: «وما أفسده فيما نبت من الزراريع وغلة الأشجار قبل أن يُدرك، يضمن قيمته إن كانت له قيمة، وإلا
(1) أبو العباس أحمد كتاب أبي مسألة، ص 168.
(2) الثميني: الورد البسام ص 238
مکانه، (4/82)
صفحة 1864
الفصل السادس: القواعد الفقهية الكلية الصغرى
83
ضمن ما بين قيمة الأرض عليها النبات وقيمتها خالية منه، وكذا الأشجار إن لم تكن لغلتها قيمة فإنه يدرك ما بين قيمتها عليها غلة وبينها عارية منها، والفريك من الزرع والبسر والرُّطب إن أفسده غرم قيمته، وقيل كيله، ومن نزع ما ذكر به الشجر أو النخل قبل أن يلقح منه، ضمن قيمته ما نزع الذكار
لإفساد الغلة ... ).
2 ـ في ضمان المغصوب:
تعرض فقهاء الإباضية إلى أحكام المغصوب وما يترتب عليه، وأشاروا إلى اختلاف أحكامه من مال منقول ومال ثابت فقد جاء في «البصيرة» أن المغصوب على ضربين فغضب منقول وغير منقول، فالغصب المنقول فهو المنقول من موضع إلى موضع مثل المتاع والأثاث والدراهم والدنانير والحيوان وغير ذلك، ومغصوب لا ينقل عن موضعه كالدور والعقار والأرضين، فالمنقول إذا تلف وجب على الغاصب مثله أو قيمته، سواء إن تلف من جناية الغاصب أو غيره، أو من قبل الله تعالى، ولا تنازع في ذلك. وإذا تلف ما لم ينقل من غير جناية الغاصب فلا شيء عليه في البدل والقيمة، وإذا تلف بعض ما ينقل من غير جناية الغاصب أو من جنايته، كان عليه ما نقص بالإجماع أنه ضامن وإن لم يباشر الإتلاف (2).
واختلف الإباضية وغيرهم في المال المغصوب إذا تحوّل في يد الغاصب، وذلك بزيادة أو نقصان، وقالوا كيف يكون ضمانه؟ هل يضمنه يوم اغتصبه أم يوم هلك وتلف؟
أشار ابن بركة إلى هذا الخلاف ورجح أحد الأقوال فقال: «اختلف أصحابنا في رجل اغتصب شيئاً فزاده في يده، ثم هلك المغصوب، فقال
(1) الثميني: المصدر نفسه.
(2) الأصم البصيرة، باب في التعدي والغصب، 145/ 1. (4/83)
صفحة 1865
??
القواعد الفقهية عند الإباضية
يوم
غصبه،
بعضهم: يضمن قيمته يوم غصبه وقال أكثرهم: يضمن أفضل قيمته أو يوم هلك في يده، وهذا هو القول عندي؛ لأن الزيادة يحكم له بها الحاكم إذا وجدها قائمة كما يحكم بما اغتصبه في وقته، وهذا دليل على أن ملك المغتصب منه ثابت في الجميع، ولما كانت الزيادة له وجب أن تكون مضمونة في كل وقت، وإلى هذا القول يذهب الشافعي، وأما أبو حنيفة فلا يوجب الزيادة لصاحبها ولا يحكم بها للمغصوب؛ لأن المغتصب لم يكن زعم ملكها، فتكون مضمونة له» (1).
كما نقل أبو إسحاق الحضرمي هذه المسألة هذه المسألة في «مختصر الخصال»، وبين حكم الزيادة التي طرأت على المغصوب، هل يستحقها الغاصب أم مالك الأصل المغصوب؟ ووضع لذلك ضابطاً يضبطها فقال: «وكل من غصب شيئاً ثم زاد في يده لزمه رده بزيادة إلا في خصلتين:
أحدها: أن يغصب شيئاً ثم يغيّره عن حاله أو أصله من غير تلف، وينمو ذلك عنده، فإنه لا يلزمه إلا مثله أو قيمته يوم غصبه إن أمكن له المثل. الثاني: أن يزيد الشيء المغصوب في يده ثم يتلف وهو بحاله، فإنه لا يلزمه إلا قيمته يوم اغتصابه إن كان مما ليس له مثل أو مثله إن كان له مثل» (2). ويضيف قائلاً: «وسائر ذلك يلزمه رده وقت مطالبة مولاه، أو عند تبريه من غصبه، فإن نما عنده أو أتلفه قبل المطالبة لزمه إن كان له مثل أو قيمةٌ يوم أتلفه، إلا أن تكون قيمته أكثر من وقت غصبه، لزمه أكثر القيمتين إذا كان التلف من جنايته فيما له قيمة، والمثل في غير ذلك ... ولا يلزمه أجرة إلا مع نقصان عينه، إن كان ممن ليس له مؤونة، وإلا فالأجرة لازمة مع عينه إذا كان
(1) ابن بركة الجامع، 470/ 2.
(2) أبو إسحاق الحضرمي: مختصر الخصال، ص 149 - 150. (4/84)
صفحة 1866
الفصل السادس: القواعد الفقهية الكلية الصغرى
85
ممن ليس له مؤونة، وإن تلف من غير جناية مثله إن كان له مثل، أو يوم غصبه
لا غير).
ولكن ما حكم المغصوب إذا نقص في يد الغاصب؟
يرى الإباضية أنه لو غصب رجل عبداً أو حيواناً فحبسه عنده إلى أن قلت قيمته بكبر، أو مرض أو نحو ذلك، فعليه ضمان ما نقص من قيمته؛ لأنه تعدى بحبسه، فمثلاً: لو كانت قيمته قبل الغصب ألف دينار ثم صارت بعد الحبس مائة دينار، ردّه إلى صاحبه مع تسعمائة دينار).
نقل ابن بركة هذه المسألة في «جامعه» وأشار إلى اختلاف الإباضية فيها فقال: «اختلف أصحابنا في رجل اغتصب عبداً قيمته مائة درهم فرباه وعلمه وغذاه حتى بلغت قيمته إلى ألف درهم، ثم نقصت قيمته بمرض أو كبر أو غير ذلك حتى رجعت قيمته إلى مائة درهم فقال بعضهم: بعضهم: لا شيء على المغتصب إذا رده إلى صاحبه، وقيمته لم تنقص عن قيمته في الوقت الذي أخذه فيه، وإن نقص عن قيمته الأولى ضمن النقصان وقال بعضهم: إذا رده إليه زائدة قيمته أو ناقصة فقد رد العين التي كان غصبها إذا كانت قائمة جاهزة، وليس معصية بحبسه إياه يوجب عليه حكماً غير رد العين التي كان غصبها إذا
کانت قائمة ....
وقال بعضهم: إذا غصبه وهو يساوي مائة درهم، فزاد في يده بتعليم أو ألف غذاء فبلغ درهم، ثم نقصت قيمته بكبر أو مرض أو غير ذلك فرجعت إلى مائة درهم أن عليه رده وتسعمائة درهم؛ لأنه تعدى بحبسه إياه على صاحبه، فنقصانه يلزمه؛ لأنه أنقص ماله بالتعدي فلزمه ضمان النقصان، فألزمه ضمان العين إذا تلفت قبل ردها إلى صاحبها» (3).
(1) الحضرمي: المرجع
نفسه،
ص
(2)
(3)
ابن بركة الجامع، 407/ 2.
ابن بركة: الجامع، المصدر نفسه.
150 (4/85)
صفحة 1867
86
القواعد الفقهية عند الإباضية
ويوضح ابن بركة رأي الإباضية في العين المغصوبة إذا تلفت قبل ردها لصاحبها، زادت أو نقصت فى يده فيقول: واختلفوا إذا تلفت العين المغصوبة وقد كانت زادت قيمتها في يد الغاصب أو نقصت فقال بعضهم: يضمن قيمته يوم هلك زادت قيمته أو نقصت وقال آخرون تلزمه قيمته يوم غصب، وقال آخرون تلزمه قيمته يوم هلك إلا أن يكون نقصت عن قيمته يوم اغتصبه، فعليه تمام قيمته يوم اغتصبه، ولم يختلفوا أنّ عليه التوبة إلى الله تعالى من ذنب اغتصابه إن رده أو غرم (1).
في حكم غضب الحيوان واستغلاله
يقول عثمان الأصم: ومن تعدى على دابة غيره وأخذها، فإنه ضامن
من
لذلك، فإن استعملها فعليه ضمانها وكراء، استعمالها، وإن تعدى وأخذها المرعى ثم استعملها وعاد ردّها إلى المرعى فهو ضامن لها؛ لأن المرعى ليس حفظاً لربها إن تلفت ضمنها وعليه كراء، استعمالها، فإن غصبها فعليه في كل حال، ردها، وإن نقصت من غصبه عليه أفضل قيمتها، وإن زادت فعليه ردها، ولا شيء له إن تلفت وقد زادت أو نقصت فعليه لربها أفضل قيمتها
هو
يوم
غصبها أو يوم أتلفها ...
وإن غصب دابة فزادت وتناتجت فهي لربها المغصوب منه، وإن باع من الأنتجة شيئاً كان قيمة ذلك عليه وعليه ردها وأولادها، وإن استهلك ذلك كان عليه أفضل قيمة ذلك إذا باعه أو أتلفه أو أكله، ولا عناء له ولا عرق في ذلك، وإن أنتجت الدابة أنتجةً ثم تلفت الأنتجة بموت، فقد قالوا لا ضمان عليه في الأنتجة» (2).
(1) ابن بركة المصدر نفسه، 407/ 2 - 408.
(2) الأصم عثمان البصيرة، 146/ 1 - 147. ابن بركة: المصدر نفسه، 408/ 2. (4/86)
صفحة 1868
الفصل السادس: القواعد الفقهية الكلية الصغرى
87
ولم يسلّم عثمان الأصم بهذا القول بل عقب عليه بقوله: «وفي نفسي من ذلك شيء») وكأنه يميل إلى تضمين الغاصب قيمة ما نسل منها، ولعل ما ذهب إليه هو القول الأعدل والأصوب؛ لأن المغتصب معتد على الدابة، أولادها إن تلفت، ولعل الذين أسقطوا عليه الضمان اختاروا
فيضمنها مع التيسير عليه حتى لا يجد مشقة في رد الدابة المغتصبة.
ويضيف صاحب البصيرة في السياق نفسه صوراً أخرى يظهر فيها استغلال المغضوب، فيقول: «فإن غصب دابة وحمل عليها حمالاً فعليه كراء استعمالها منذ غصبها إلا أن يردها، وإن كان غصب عبداً فاستعمله فعليه رده وكراء استعماله، وإن استغل منه غلّة فعليه، ردها، وإن استخدمه لزمه أجرة استخدامه، وإن نقص فعليه أن يرد ما نقص منه، في حبسه إياه عنه بعد أن
يرده، وإن زاد في القيمة فلا شيء للغاصب فيه ولا عرق»). ويشير القطب إلى هذه المسألة في سياق حديثه عن كيفية استخراج ما أخذ من المال غصباً من المغتصب، وما تولد عنه من منافع، فيقول شارحاً لمتن الثميني: ((وجاز) التقاضي فيما أكل) الغاصب أو السارق أو الغالط، وأراد بالأكل مجرد الإتلاف أكلاً أو غيره، (من غلته) كثمار الشجر والنخل والأرض، وصوف الحيوان ووبره وشعره ولبنه وسمنه وما يتولد من ذلك، وأجرة كرائه، وكراء البيوت وغيرها، واستخدامه)، وذلك بتقويم حيواناً كان أو غيرها كسكن، البيوت وجميع ما جرى على حد التقاضي المذكور من قضاء الجنس، أو الخلاف قبل البيع أو بعده قضاء مساو أو أقل لأكثر، وإن لم يتلف ذلك فلا يقض كما لا يقض أصله إذا بقي، وقيل: يقضي إذا لم يصل إليه، وإنما صح له قضاء الغلة ونحوها؛ لأن حديث:
(1) الأصم: المصدر نفسه.
(2) الأصم: 147/ 1. (4/87)
صفحة 1869
88
القواعد الفقهية عند الإباضية
الخراج بالضمان» (1) إنما هو لغير الغاصب على الراجح لقوله صلى الله عليه وسلم: «ليس لعرق غاصب حق (2) (3).
في ضمان الأرض والزراعة المغتصبة:
ومنها ما يقع من اعتداء الإنسان على أرض غيره فيأخذها عنوة دون رضى مالكها، ويزرع فيها ما يشاء، أو يستغلها دون مقابل فيعجز صاحبها عن إخراجه منها، ويحرمه من استغلال أرضه ومائه، فما حكم فعله؟ وإذا أراد التوبة والتنصل من ذلك فماذا يجب عليه؟
بحث فقهاء الإباضية وغيرهم هذه المسألة وعالجوا هذا الأمر، وأوجبوا على المعتدي، الضمان وإزالة الأضرار الناجمة عن اعتدائه، ولعل أبو العباس أحمد يُعد من أحسن ما وجدتُ من الفقهاء بياناً لحكم هذه المسألة، بأسلوب واضح ورصين فيقول: «وإذا غصب الرجل أرضاً أو شجراً أو ماءًا فيمنعه صاحبه حتى ذهب أو فسد، قال: كل ما ذهب أو فسد من ذلك بما جاء من قبل الله فليس عليه منه شيء، وما تلف من سبب غيره فإنه يضمنه من أفسد بتضييعه من جميع ما منع لصاحبه من حفظه، وإصلاحه، فهو له ضامن أيضاً، سواء في التضييع الأصل بنفسه أو غلته، ومنهم من يقول في الأصل أن لا يضمنه، ويضمن الغلات إذا أدركت على كل حال، وإن لم تدرك ففيه اختلاف، منهم من يقول يضمنها، ومنهم من يقول لا يضمنها بما جاء من قبل الله، ويضمنها على كل حال ولا تبريه منه غير التبرئة منه لصاحبه، أو أبرأه صاحبه سواء حضر ذلك الأصل أو غاب، إذا وصلت التبرئة إلى الغاضب ... » (4).
(1) تقدم تخريجه.
(2) تقدم تخريجه.
(3) أطفيش: شرح النيل، 215/ 9 - 216.
(4) أبو العباس أحمد بن محمد: كتاب أبي مسألة، ص 172 - 173. (4/88)
صفحة 1870
الفصل السادس: القواعد الفقهية الكلية الصغرى
89
ء، مما
ولم يترك أبو العباس هذا المغتصب الظالم يتمادي في غيه بل أرشده إلى التوبة، وبين له كيفية التخلص من ظلم غيره، فيقول: «وأما من غصب أرضاً فغرس فيها الأشجار ثم تاب فإن صاحب الأرض بالخيار، إن شاء أعطاه قيمة الغروس وإن شاء أمره بقلعها ويدرك عليه ذلك، فإن لم يجد صاحب الأرض ذلك الغاصب، فليقلعها بنفسه ويأخذ منه عناء قلعه، وليس عليه شيء، أفسد من الغروس في قلعه إياها في كل ما لا يصل إلى قلعه إلا به، ويدرك على الغاصب أيضاً ما أفسد على الأرض في حين قلعه الأشجار، ولو كان يصل إلى قلعها إلا بذلك وليس على الغاصب غَرْم ما استغل من أشجاره في تلك الأرض، ولكن يدرك عليه الفساد في الأرض والنقصان منها ... »). هذا، وقد تعرض أبو العباس أحمد إلى بيان حكم من يتعدى على أرض غيره فيحرثها بغير إذنه، فقال في شأنه في باب من حرث أرض غيره، بالتعدي: ومن حرث أرض غيره بغير إذن صاحبها، فلا يحل له ذلك، ويكون متعدياً بذلك، ويمنعه صاحب الأرض، وكذلك الشريك يمنع من أراد أن يحرث أرضاً قد اشترك فيها مع غيره، ومن كانت في يده أرض غيره يمنع من أراد أن يحرثها بغير إذن أصحابها، وإن حرثها المتعدي في هذه الوجوه التي ذكرناها فأتى صاحبها، فأراد أن يرد عليه بذره فله ذلك، وسواء في ذلك أبذرها أو لم يحرثها، أو حرثها ولم ينبت بذره، أو نبت بذره ولم يدرك، فإنه يعرض عليه بذره، فإن أراد المتعدي أخذه، وإن شاء تركه، ويكون الزرع لصاحب الأرض، ويدرك بذره متى شاء، ولا يعرض عليه صاحب الأرض إلا جنس بذره، وسواء في هذا زرارع الصيف أو زرارع الشتاء، ولا يدرك المتعدي على صاحب الأرض عناءه ولا عناء دوابه ولا يدرك شيئاً سوى بذره (2).
ص
(1) أبو العباس أحمد: المرجع نفسه، 173 - 174. - الأصم عثمان: البصيرة، ص 1/ 147 - 150. (2) أبو العباس أحمد القسمة وأصول الأرضين، ص 278. (4/89)
صفحة 1871
القواعد الفقهية عند الإباضية
أما إذا أراد المعتدي التوبة ورد الحقوق إلى أصحابها، فقد أرشده أبو العباس كذلك إلى أقوم السبل فقال: «وإن تاب المتعدي، فإنه يطلب بذره عند صاحب الأرض، فإن أعطاه له، فالزرع لصاحب الأرض، وإن لم يعطه له ولم يتبرأ له من بذره فلا يأكل ذلك الزرع ويأكله الفقراء، وهذا إذا تركه حتى أدرك ولم يترادد البذر، ولم يتحاللا ... ).
وفي موضع آخر تعرض أبو العباس إلى توضيح حكم من تعدى على أرض غيره فحرثها ببذر صاحبها، فيقول: «ومن حرث أرض غيره بالتعدي فخرج البذر الذي بذره فيها لصاحب الأرض بالغلط أخذه، أو بالسرقة، أو سرقه على أنه لغير صاحب الأرض فإذا هو له، أو اشترى منه البذر فحرثه في أرض البائع بالتعدي فخرج بيعهم منفسخاً، فإن الزرع في هذا كله لصاحب الأرض، وليس للمعتدي عناءه، ولا يكون على المعتدي من تباعة ذلك الطعام شيء إن حصد منه صاحبه، مثل بذره أو أكثر منه، وكذلك إن برأه فليس عليه شيء، وأما إن لم يحصد منه شيئاً أو حصد منه بعضاً فكل ما نقص من الزراعة الأولى بالتعدي فهو له ضامن، وإن فضل من ذلك الزرع شيئاً، أو انتفع منه بقدر بذره الأول، فقد برأ المتعدي، وكذلك إن انتفع بذلك الزرع دوابه أو عبيده، أو أفسدوا منه بقدر البذر الأول، فالمعتدي في أما إذا انتفع به طفله أو ما أفسده من ذلك الزرع أو اليتيم الذي استخلف عليه أو المجنون، فكل ما أفسد هؤلاء من ذلك الزرع فلا يبرأ منه المتعدي، ويلزمه ضمان البذر، ويدرك صاحب الأرض على من أفسد ذلك قيمته ويمسكه لنفسه، ومنهم من يقول يتصدق به ... » (2).
هذا بريء.
(1) أبو العباس أحمد: المرجع نفسه هذا المثال يصلح للتطبيق في قاعدة: (لا يجوز التصرف
في ملك الغير بغير إذن). (2) أبو العباس أحمد: المصدر نفسه،
ص
293 - 294 (4/90)
صفحة 1872
الفصل السادس: القواعد الفقهية الكلية الصغرى
91
مع
ومن جهة أخرى نجد أبو العباس يحمّل المتعدي كامل المسؤولية على ما صدر منه، أو من تحت مسؤوليته، ويلزمه تغريم الأضرار الواقعة على صاحب الأرض لإصلاح ما فسد فيقول: «وإن أفسد المعتدي ذلك كله، فعليه البذر وقيمة ذلك الفساد، وكذلك مواشيه إن أفسدت ذلك كله، فعليه البذر وقيمة ذلك الفساد، وكذلك طفله فيكون عليه غرم قيمة الفساد البذر الأول ... وما كان في يد المعتدي من مواشي غيره إن أفسدت ذلك الزرع، فكل ما يلزمه ضمانه فهو عليه، وما لا يلزمه فهو على صاحب المواشي، وأما ما أفسد الطفل الذي استخلف عليه أو المجنون أو مال الغائب الذي استخلف عليه فالمعتدي يؤخذ بهذا كله، ويغرمه من مال من أفسده من هؤلاء، وأما ما أفسد مما كان في يده من مال غيره بالرهن أو الوديعة أو العارية وأما أشبه ذلك فإنه يغرمه من ماله ويرجع به على صاحب المال، وأما إن مات صاحب الأرض والبذر، فورثة المعتدي وحده فقد برأ من البذر ... » (1).
ورغم أن أبا العباس يوجه المعتدي إلى التوبة ورد المظالم إلى أصحابها نجده ينقل إلينا قولاً آخر يسقط فيه التبعة على المعتدي، إذا قصد التوبة ولم يستطع أن يرد المظالم إلى أصحابها، إذا خرجت من يده ولم يقدر عليها، وبهذا يكون قد فتح باب التوبة على مصراعيه لمن أراد أن يتوب فيقول: «وكل ما دخل يده بالتعدي ولو بوجه من وجوه الضمان كلها، فخرج من يده ولم يعلم له موضعاً، أو كان في موضع لا يصل إليه بوجه من الوجوه، فهو له ضامن، ويضمن عناءه وخدمته وصداقه إن كان مما يكون له الصداق (كالمرأة) غلاته ونمائه إذا كان حيواناً أو أشجاراً ما لم يتب، فإن تاب فليس عليه شيء مما حدث بعد التوبة من جميع ما ذكرنا ومنهم من يقول ضامن لذلك كله ولو تاب ما لم يغرم صاحبه فيحط ذلك عنه» (2).
وجميع
(1) أبو العباس أحمد: القسمة وأصول الأرضين، ص 296.
(2) أبو العباس أحمد كتاب أبي مسألة 171 – 172. (4/91)
صفحة 1873
92
القواعد الفقهية عند الإباضية
والظاهر مما تقدم أن ما ذهب إليه أبو العباس في تشجيع التائبين على التوبة، ورد المظالم لأصحابها هو ما أميل إليه وأدعو إليه، ولعله الرأي الأنسب والأعدل، فإذا وجد التائب وسيلة لرد الحقوق فلا يتردد في ذلك، أو يطلب من أصحابها التنازل عنها، حتى لا تبقى ذمته معلّقة ومشغولة، فإن عجز عن ذلك فيطلب المسامحة من أصحابها والله غفور رحيم، ويبقى لأصحاب الحقوق أن يساعدوهم على التوبة ويعفوا ويصفحوا عنهم، حتى لا يتعذبوا بذنوبهم ويحتسبون الأجر عند الله.
3 ـ في ضمان النفس عند الاعتداء عليها:
نقل أبو العباس صوراً عديدة لمن يعرّض نفسه للهلاك ويريد القضاء عليها، وحكم عليه بالهلاك والضمان فقال: ومن ترك اللباس حتى مات بالحرّ وبالبرد، أو أسلم نفسه لما يتلفها من مثل هذا، وهو قادر على أن يمنعها منه حتى هلك، أو رمى نفسه في الحريق أو الغريق أو تردى من الجدار الذي لا يطمع من الخلاص إن سقط منه، أو أسلم نفسه للسباع أو الهوام المؤذية كلها من الحيات والأفاعي والعقارب وأشباه ذلك من المتالف كلها، إن فعل هذا كله فمات من أجله، أو ذهب عضو من أعضائه فهو هالك ضامن نفسه، فإن نجا ذلك كله من مع ذلك، فقد عصى ربه بتقدمه في فعل ما لا يحل له، العلماء من يرخص في جميع ما لا يلجئه إلى ذلك، إلا طمعاً لخلاص نفسه أو طمعا لخلاص غيره مع خلاص نفسه ....
ومن
4 - في تضمين المتسبّب في ضياع حقوق الناس:
ومن صور تفويت مصالح الناس وتضييع حقوقهم المالية ما ذكره الثميني عن الذي «أخذ كتابا لأحد فيه ديون فقصد إلى إتلافها، لزمته الديون، وإن لم
(1) أبو العباس أحمد: كتاب أبي مسألة، ص 166. (4/92)
صفحة 1874
الفصل السادس: القواعد الفقهية الكلية الصغرى
93
يقصده لزمه ضمان القرطاس دون ما فيه من الديون، وبعبارة أخرى ومن له كتاب فيه ديون عن الناس وشهادات فأخذه أحد، فأتلفه وذهبت الديون، فإن تعمد إتلافه وقد حفظ الشهود شهاداتهم وقاموا بها، فلا يضمن إلا القرطاس، وإن ماتوا أو نسوا ما فيه فإنه يضمنه وما فيه من الديون، ولو عرف ما فيه منها أو لم يكن يعرف أن فيه ديوناً، وإن استوفى صاحبه ما فيه منها، ضمن المتلف القرطاس فقط أيضاً، وإن غرم الديون من عنده لزمها، فإنه يلتزم بها مداينه بالرجوع عليهم بها» (1).
سئل ابن جعفر عن رجل له كتاب فيه حساب ديون على الناس والشهادات، أخذها رجل فأتلف ذلك الكتاب وذهبت الديون التي كانت على الناس، وقد عرف الآخذ بما في الكتاب أو لم يعرف.
فأجاب: «فعلى ما وصفت، فإن كان هذا الرجل أتلف الكتاب عمداً منه، فإن كان الشهود يحفظون شهادتهم التي في الكتاب وقاموا بها، فليس عليه إلا ضمان القرطاس، وإن كان الشهود لا يشهدون إلا على ما في هذا الكتاب كان على الرجل ضمان تلك الديون والقرطاس، عرف ما في هذا الكتاب من الديون أو لم يعرف، وإذا كان يعرف أن في الكتاب ديوناً للقوم وائتمنوه عليها، وإن كان الشهود يقولون لا نحفظ ما في الكتاب ولو حضر الكتاب، لم يشهدوا على ما فيه، لم يكن على الرجل إلا ضمان القرطاس، إلا أن يقول أصحاب الكتاب الذين لهم فيه الديون لا يحفظون ديونهم إلا بما في الكتاب، فنقول إن عليه ضمان الكتاب وما فيه من الديون لأصحاب الديون، إلا أن يستوفي أصحاب الكتاب من غرمائهم، فإنما على الرجل ضمان القرطاس. وكذلك إذا أقرت الغرماء بما عليهم من الديون لأصحاب الديون مع الحاكم أو مع الشهود لم يكن على الرجل إلا ضمان القرطاس، وإذا لزم
(1) الثميني: الورد البسام، ص 213. - ابن جعفر الجامع، 282/ 5 - 283. (4/93)
صفحة 1875
94
القواعد الفقهية عند الإباضية
الرجل ضمان الديون فأداها إلى أهلها لحق الرجل الغرماء بما أدى عنهم من الديون» (1).
ومن الصور التي ذكرها الثميني في التسبب في ضياع أموال الناس، ويعتبر الفاعل فيها مفرطاً، أنه: «إذا رأى فسادا استقبل مال أحد فمنع ربه من دفعه عنه حتى فسد، ضمنه مثل: إن رأى ذئباً قصد غنمه، أو جَمَلين أو غيرهما يقتتلان، أو حيواناً آخر أشرف على هلاك فمنع ربه من ذبحه، ومن سرق لأحد لحما أو تيناً أو نبيذاً أو لبناً فأمسكه حتى تغيّر عن حاله، ضمن النقص من قيمته، وإن فسد حتى لا ينتفع به، ضمنها كلها».
ومن صور التسبب في ضمان مال الغير أو تفويت منفعة على مالكه: تنجيس ما ينتفع به طاهراً، يقول الثميني في هذا الصدد: «ومن نجس ثياب غيره أو إناءه أو ما من شأنه أن يُغسل، ضمن ما بين قيمته طاهراً وبينها نجساً، وقيل ما أنقصه الغسل، وقيل ما يغسله به، ولا يدرك عليه ربّه أن يغسله له إن أمره، به وإن غسله قيل بأمره ضمن ما أنقصه الغسل أيضاً ....
ومن نجس زيتاً بدم أو ميتة أو لحم خنزير ضمن قيمته أو كيله، وقيل إن ربه مخيَّر في ذلك، وفي أخذ زيته منجوساً لينتفع به، وأخذ ما بينه كذلك وبينه طاهراً، وقيل لا ينتفع بالزيت إن نجس ...
ومن نجس بيت غيره، أو داره أو حيوانه أو شجره أو حيطانه، ضمن أُرش ذلك، وإن لم يغرمه حتى زال النجس بمرور الزمان، فهل زال عنه ضمانه بذلك أم لا؟ قولان» (3).
ـ ومن صور الاعتداء على المال العام أو الوقف، وما يلزمه من تغريم، وكيفية التعويض عن الضرر ما ذكره الثميني فيمن يعتدي على المسجد أو
(1) ابن جعفر المصدر نفسه.
(2) الثميني: الورد البسام، ص 239. (3) الثميني: المصدر نفسه، ص 240. (4/94)
صفحة 1876
الفصل السادس: القواعد الفقهية الكلية الصغرى
95
بعض لوازمه، فيقول: ومن أفسد شيئاً من حيطان المسجد أو سقوفه أو في حصره أو زيت مصباحه، أو في قلله أو أزقاقه أو قناديله، أو في ماء يستقى منه، ضمنه، وكذا في كل ما جعل للأجر، ويغرم قيمة حيطانه وسقفه لقائمه، ولا يبرئه من ذلك إلا غرمه، وقيل يبرئه إصلاحه، ويغرم ما ذكر من الزيت والحصر والآنية وغيرها لقائمه أيضاً إن وجده، وإلا فليجعل في المسجد مثل ما أفسد فيه مما ذكر، ورخص في الزيت إن أهرقه من المصباح أن يرده فيه، ويبرأ به لا في إنائه كالخابية، وإن أراقه منها فليرده فيها، ولا يجزي مفسداً في هذه المعاني أن يجعل ما أفسد فيها لغيرها، مثل إن أفسد في المسجد فلا يجعل قيمة فساده في الحصر والمصابيح، وكذا لا يجزيه أن يجعل ما أفسده في الحصر للمصابيح، وقيل يجزيه أن يجعل قيمة كل مما يكون في المسجد من الحصر وغيرها لحيطانه وسقفه، وإن أفسد في ماء الأجر لزمه أن د مثله في مكانه لمن يشرب منه، وقيل ينفق قيمته ويجعل للمسجد ما نبت فيه، وقيل ينفقه، وكذا ما ثبت عليه أو في المصلى فيما كان للأجر، أو في نبات المقبرة أو حيطانها، وعليه أن يرد في حائط غير المسجد ما نزع منه، منه، ويصلحه، وقيل يغرم قيمته لربه ولا عليه ... » (1).
ثم
يرد
- في تضمين الشاهد أضرار رجوعه عن الشهادة: وإذا شهد شاهد أمام القاضي أن لفلان على آخر حقاً فقضى القاضي به، كذب نفسه، نقض حكم القاضي وغرم الشاهد، لأنه اعتدى على غيره بشهادته فضيع حقه، ولذلك يتحمل كل الأضرار الناجمة عن رجوعه في شهادته، ويغرمها للمتضرر، وقد أكد العوتبي هذا الأمر فقال: «إذا شهد شاهدان على رجل بمال فقضى به القاضي ثم ادعى المشهود عليه أنهما رجعا عن شهادتهما، وأرادا أن يستحلفهما، قال أصحاب الرأي: لا يمين عليهما، في
(1) الثميني: نفسه، ص 239. (4/95)
صفحة 1877
القواعد الفقهية عند الإباضية
ذلك، وقال بعض الناس عليهما اليمين وقال ألا ترى أنهما أتلفا مال هذا الرجل، فإن حلفا وإلا قضيتُ عليهما بالمال ... وإذا رجع أحد الشاهدين ضمن جميع الذي تلف بشهادته، أما لو رجعا عن الشهادة قبل انقضاء القضاء فلا شيء عليهما (1).
وأرى أن يعزرهما الحاكم حتى يكونا عبرة لمن تسول له نفسه بتضليل العدالة، أو التسبب في تضييع حقوق الناس ولا يتقدم للشهادة إلا من يتيقن من شهادته، ولا يبتغي من ورائها شيئاً إلا إثبات الحق لصاحبه.
وفي السياق نفسه، ذهب أهل العلم إلى أن شاهد الزور إذا شهد زوراً على آخر فأتلف بشهادته مالاً، أو نفساً أو عضواً أو دونه مما فيه قصاص، فإنه يقتص منه، وتعتبر شهادته من باب العمد، كما أن كل من رجع عن شهادته على وجه السهو والنسيان فإنه غارم ما أتلف مما لا قصاص فيه؛ لأن فيه تضييع لمصالح الناس (2).
ومنها أيضاً: أن «الراجع عن شهادة الزنا بعد تمامها بالأربعة ـ نفذ الحكم ولم ينفذ ـ عليه الجَلْد، وإن كان نفذ جلد وغرم، والراجع عن شهادة الزنى، وقد بقي منهم من يتم الحكم، فلا حد عليه ولا غرم، ومن تم على شهادته بعد الحكم كذلك. وإن لم يتم الشهادة بالأربعة جلد من شهد ... ومن رجع من شهود الزنا لزمه ما أتلفه في الرجم والجلد» (3).
ويقرر البسيوي هذا الأمر أيضاً ويحكم بتضمين الشهود إذا أضروا بغيرهم بشهادة الزور، فيقول: «وإذا شهد أربعة بالزنا على محصن فرجم، ثم رجعوا عن شهادتهم، أو رجع أحد منهم بعد أن حكم الحاكم بشهادتهم المشهود
(1) العوتبي سلمة بن مسلم الصحاري: كتاب الضياء، 46/ 12.
(2) العوتبي: المرجع نفسه، 47/ 12.
(3) العوتبي: نفسه، 48/ 12. (4/96)
صفحة 1878
الفصل السادس: القواعد الفقهية الكلية الصغرى
97
عليه، فإن أحد في الدية وحدّ، القاذف ولا شيء على الثلاثة، وقد قيل عليه الدية في المرجوم كاملة، لأن الخطأ لا يزيل الضمان).
رجع منهم فقال: غلطت أو سهوت في شهادتي، فعليه الحصة
وإذا قال قد تعمدت عليه، زورا، فعليه الحد ثم القود بالقذف، إلا أن يرضى أولياء المرجوم بالدية، وإن رجعوا كلهم وقالوا: تعمدنا زوراً، فعلى قول: لأوليائه أن يختاروا واحداً فيقتلونه، ويرجع أولياء المقتول على الآخرين بحصصهم من الدية.
وإن شهد قوم على رجل بالزنا وشهد شاهدان بالإحصان، فرجم، ثم رجعوا عن الشهادة جميعاً، قال بعض الدية عليهم جميعاً نصفان، الذين شهدوا بالإحصان النصف، وقال آخرون لا شيء على من شهد بالإحصان، والدية على الذين شهدوا بالزنا، وقال آخرون ليس عليهم كلهم قود، والدية عليهم جميعاً، كل واحد سدس الدية والكفارة، فإن قالوا اشتبه علينا، فالدية على عاقلتهم؛ لأن الشبهة ترفع الحد. وقيل: إن الدية في أموالهم، وقد قيل أيضاً: «إن قالوا تعمدنا فالقود يلزم ذلك؛ لأن الضمان لا يجب إلا بالتعدي أو التفريط»، وهؤلاء قد تعدوا
في
على غيرهم بتهمة الزنا» (2).
هذه
ـ ومنها أيضاً: لو شهد اثنان بطلاق زوجة، ثم فرق القاضي بين الزوجة وزوجها، ثم رجعا عن الشهادة، فإن القضاء ينتقض، ويغرمان المهر للزوج على قول من يقول إنها لا ترجع إلى زوجها، وعلى قول من يقول: «إنها ترجع إلى زوجها فليس عليهما غرم الصداق».
(1) البسيوي: الجامع، 83/ 4. يصلح هذا المثال تطبيقاً في قاعدة الخطأ لا يزيل الضمان»، فهو
مناسب له.
(2) البسيوي: جامع أبي الحسن البسيوي، 84/ 4.
(3) العوتبي: المرجع السابق، 48/ 12. (4/97)
صفحة 1879
المطلب السادس
:قاعدة «المؤتمن لا يضمن إلا بالتعدي أو التقصير
(التفريط) (1)
أولاً: تعريف القاعدة:
هذه القاعدة من القواعد المتعلقة بنظرية الضمان في الفقه الإسلامي وهي مقتبسة من حديث رواه الدارقطني عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا ضمان على مؤتمن). وفي رواية «ليس على المستودع ضمان» (3). وفي رواية «من استودع وديعة فلا ضمان عليه» (4). وهو قول أبي عبيدة مسلم والربيع بن حبيب من علماء الإباضية (5).
وهي من القواعد المشهورة المعتمدة في جميع المذاهب الفقهية، ولها
(1) ابن بركة: الجامع، 297/ 20626/11 - 298. 426، 437،. - العوتبي: الضياء، 123/ 13، 157، 190. ـ الكندي محمد بن إبراهيم بيان الشرع، 116/ 6، 213. 65/ 16. ج 36/ 35، 48، 79، 85، 102، 152. - الكندي أحمد بن عبد الله المصنف، ج 111/ 25. ج 17/ 41. ج 31/ 20. 201/ 21، 226 - 228. - الشماخي الإيضاح، 169/ 2. 23/ 4. ـ الأصم عثمان البصيرة، 129/ 1 - 132. (2) رواه الدارقطني، كتاب البيوع، رقم: 2593، عن عبد الله بن عمرو بن العاص، والحديث حسن، والبيهقي، كتاب الوديعة باب لا ضمان على مؤتمن رقم 11884، عن عبد الله بن عمرو بن العاص، والحديث حسن. (3) رواه ابن أبي شيبة، كتاب البيوع والأقضية في المضاربة والعارية الوديعة، رقم 21016، عن الزهري، ورواه الدارقطني بلفظ: «ليس على المستعير غير المغل، ولا على المستودع غير المغل ضمان»، كتاب البيوع، رقم 2596، عن شريح بن الحارث بن قيس الكندي. قال الحافظ في إسناده ضعف ينظر: ابن حجر: تلخيص الحبير، رقم 1382.
(4) رواه البيهقي السنن الكبرى، كتاب الوديعة، باب لا ضمان على مؤتمن، حديث: 11885 عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده.
(5) ابن جعفر: الجامع، 252/ 4. (4/98)
صفحة 1880
الفصل السادس: القواعد الفقهية الكلية الصغرى
99
فروع في شتى أبواب الفقه كالبيوع، والرهون، والوكالة، والوديعة، والأمانة، والعارية، واللقطة، والوصية، وغير ذلك من الأبواب كما سيأتي. وقد اعتمد فقهاء الإباضية هذه القاعدة في فروعهم الفقهية، ونص عليها ابن بركة وغيره، فقال في باب الوديعة: وقال قوم لا ضمان على الوصي ولا المودع وهما أمينان لم يكن منهما في أمانتهما ما يخالف أمر الله لهما، ولم يكن منهما إلا أداء الأمانة كما قال الله تعالى والضمان إنما يكون بالتعدي والجور، وإنما تعبدنا الله بما عنده (1).
وقال في ضمان المزكي: إذا ضاعت الثمار لطارئ قبل توزيعها على أصحابها، « ... وإن لم يكن منهم تفريط في تأخير الزكاة، والنظر يوجب عنده أن لا زكاة عليهم لأنهم أمناء لشركائهم من الفقراء، ولا ضمان عليهم إلا بالتعدي فيها بخيانة تكون منهم بمنع أو تأخير»).
ومعنى المؤتمن هو من اشتهر بالأمانة بين الناس فاستودعوه ما يخشون عليه من الضياع أو التلف. ولا يختص هذا الوصف بصاحب الأمانة فقط، بل يشمل كل من ائتمنه الناس على أماناتهم، كالوصي، والوكيل، والمرتهن والمستودع والمستعير، والكفيل، والمضارب، والأجير، وأصحاب الصناعات وجامع الزكاة وغيرهم، فكل هؤلاء أمناء في نظر الشارع لا يضمنون ما في أيديهم إلا عند التعدي أو التفريط في الحفظ والرعاية، فهؤلاء تشملهم القاعدة: «المؤتمن لا يضمن إلا بالتعدي أو التقصير»، فالمؤتمن غير ضامن لما اؤتمن عليه إذا ضاع منه أو تلف عنده، أو نقص شيء منه، إلا إذا ثبت تفريطه في حفظه، أو تعدى عليه باستعماله، أو أعاره لغيره، فإن أودعه عند غيره من الأمناء لخوفه عليه، أو لضعفه عن
(1) ابن بركة: الجامع، 437/ 2. (2) ابن بركة: الجامع، 626/ 1. (4/99)
صفحة 1881
1 ..
القواعد الفقهية عند الإباضية
حفظه، أو لسفره، ثم تلف عند هذا الأمين، فلا يضمنه هو ولا من أودعه عنده على الصحيح من أفراد الفقهاء (1).
وقال أبو العباس أحمد في هذا الشأن: «وأما ما كان عليه الضمان من قبل التضييع فهو جميع ما كان في يده من أموال الناس بالتعدي أو بالمعاملة، مثل الانفساخ في البيع، أو ما يكون في يده بالخلافة، أو الوكالة، أو الوديعة، والعارية، أو غير ذلك من وجوه الأمانات كلها، وأما فعل أطفاله ومواشيه وعبيده بغير أمره، وما لا سبب له فيه فليس عليه فيه إلا الغرم، وقد قيل في الحيوان إلا يكون عليه من فعلهم أكثر من قيمتهم (2) وقيل: عليه الضمان في كل حال سواء فرط أو لم يفرط، ومن قال بذلك عطاء والشافعي وأحمد وأشهب» (3).
ويعتبر الإباضية أن حكم الوديعة هو حكم الأمانة في الحفظ والصيانة، يجب على المستودع الحفاظ عليها، ولا يضمنها إلا بالتعدي، ويؤكد ذلك عثمان الأصم، فيقول: «والوديعة مثل الأمانة في الحفظ والاحتساب، والوديعة أمانة مؤداة مودعة في حفظ من هي في يده حتى يدفعها إلى من دفعها إليه، وعليه دفعها، ولا فرق بين الأمانة والوديعة معناً). هذا وقد حدد بعض الفقهاء الأسباب الموجبة لضمان الوديعة أو الأمانة
فقال:
1 - أن يودع عند غيره: أي من استودعه فوضع هذه الوديعة عند آخر دون إذن المودع، ولغير عذر، فإن فعل ذلك ثم استردها فضاعت ضمن. 2 - نقل الوديعة من قرية إلى قرية إن كان بينهما مسافة، ضمن بالسفر.
(1) الأصم عثمان: البصيرة، 129/ 1.
(2) أبو العباس أحمد: كتاب أبي مسألة، ص 169. (3) القرطبي: الجامع لأحكام القرآن، 257/ 5. (4) الأصم: البصيرة، 131/ 1. (4/100)
صفحة 1882
الفصل السادس: القواعد الفقهية الكلية الصغرى
1 - 1
3 - خلط الوديعة بما لا يتميز عنه مما هو غير مماثل لها، كخلط القمح بالشعير، فإن خلطها بما تنفصل عنه كذهب بفضة لم يضمن.
4 - التقصير في دفع المهلكات.
ه - الانتفاع بالوديعة، فلو لبس الثوب، أو ركب الدابة دون إذن المودع
فهلكت، ضمن.
المخالفة في كيفية الحفظ ().
وقد منع الفقهاء التصرف في الوديعة والأمانة دون إذن صاحبها، فقالوا: الوديعة حكمها حكم الأمانة، فلا يجوز التصرف بها إلا بموافقة صاحبها، فإذا تصرف فيها دون موافقة صاحبها عليه الضمان إذا تلفت، وإذا لم يصبها شيء فعليه أن يطلب المسامحة» (2).
كما بين الفقهاء أحكام الوديعة ومتى يجب ضمانها؟ ومتى يسقط ذلك على المستودع؟ يقول أبو العباس أحمد: «والوديعة على وجهين: أحدهما ما أخذ الرجل بيده وقبضه من صاحبها، أو وكيله، أو صاحبه بإذنه في مكان معروف، فهذا عليه حفظه وحرزه من جميع ما يفسده، ويجعل فيه يده فينقلها من موضع إلى موضع، وينقضها إذا خاف فسادها، وإن لم يفعل هذا وتركها حتى وصل إليها فهو ضامن، سواء هذا ما جاء من قبل الله إذا استطاع إصلاحه، وما جاء من قبل غيره، فإن لم يستطع إصلاحه إلا بالأجرة، فليعطيها ويدركها على صاحبها، وينقلها من بلد إلى بلد، ويعطي الكراء ويدركه على صاحبها، ويبيعها أيضاً إذا خاف فسادها، ويرفع ثمنها حتى يوصله صاحبها» (3). والوجه الآخر: «إذا وضعها صاحبها في بيت رجل بإذنه ولم يناولها إياه، ولم يقبضها ولم يضعها بيده، فهذه لا يمسها، وليس عليه شيء فيما أصابها من
(1) الفضيلات: محمود جبر (المحقق): الحاشية على كتاب الجامع لابن جعفر، 293/ 5.
(2) الفضيلات المرجع نفسه. (3) أبو العباس أحمد: كتاب أبي
مسألة، ص 121 - 122. (4/101)
صفحة 1883
102
القواعد الفقهية عند الإباضية
قبل الله، مثل: السوس، والفساد الذي يلحقها من طول مكثها ومكانها، وليس عليه شيء في بيعها ونقلها من بلد إلى بلد إلا إن انتقل بجميع ماله وعياله، فحينئذ لا يتركها لئلا يكون بمنزلة من أفسدها بنفسه، ويكون عليه إحاطتها من أراد فسادها من المخلوقين ما وجد إلى ذلك سبيلاً، وإن لم يحفظها ممن ذكرنا حتى أفسدها، فهو ضامن. فإن جعل فيها يده على وجه الإصلاح فلا يضمنه، ويكون عليه أن يشهد، ويخبر ورثته بسبيلها أو صاحبها، فإن لم يفعل ذلك وتركها حتى ضاعت أو أكلها الورثة، فهو ضامن ... » (1).
جميع من
والحاصل:
أن «المؤتمن لا يضمن إلا بالتعدي أو التقصير فإن تعدى على مال غيره فأفسده، أو فرط في حفظه فتلف ضمنه، ويؤكد ذلك الثميني فيقول: «ومن بيده (مال)، كوديعة أو عارية أو أمانة أو (مال) بكراء، أو قراض، أو حرام، أو لقطة، فضيعه حتى فسد، أو أفسد هو فيه، فإنه يضمنه، ويخرج من الكل إن أوصى به، وكذا خليفة غائب، أو أو مجنون، أو الجماعة، أو قاضيهم، أو وليهم، فيما يجب عليهم حفظه من الأموال، كمال اللقيط، ومن لا يعرف له ولي من طفل أو مجنون، فإنهم يضمونه إن ضيعوه حتى تلف ..... (2).
ثانيا - أدلة القاعدة:
يتيم
استدل الجمهور على صحة هذه القاعدة بأدلة من القرآن والسنة والإجماع:
أ ـ من الكتاب:
قال تعالى: وَالَّذِينَ هُمْ لِأُمَتَنِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَعُونَ} (المعارج: 32). وقال أيضاً:
(1) أبو العباس أحمد: المرجع السابق، 122.
(2) الثميني: الورد البسام، 231 - 232. (4/102)
صفحة 1884
=
103
الفصل السادس: القواعد الفقهية الكلية الصغرى
فَلْيُؤَدِ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَنَتَهُ} (البقرة: (283). وقال رجل: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا
الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا} (النساء: 58).
وجه الاستدلال:
قال عثمان الأصم عقب ذكر هذه الآيات: «فوجب إتباع أمره وما أمر به رسول الله الله من أداء الأمانة، فمن اؤتمن على أمانة فعليه حفظها حتى يؤديها إلى أهلها ولا يجوز تضييعها، فإن ضيعها ضمنها وإن أعارها ضمنها، وإن أخذ منها شيئاً بلا رأي صاحبها، ضمنه، وإن جعلها مع غير أمين فضاعت ضمنها، وإن ضاعت الأمانة من يده من غير ضياع منه لا يضمن وإن سلمها وجعلها مع ثقةٍ، أمين ومع من يؤتمن على ماله فضاعت، لم يضمنها، وإذا غُلِب عليها فأخذت منه أو سرقت، لم يضمنها، قال الله تعالى: مَا عَلَى الْمُحْسِنِين من سبيل} (التوبة: 91).
ب - من السنة:
وردت أحاديث شريفة في باب الأمانة يستدل بها على هذه القاعدة،
نذكر منها:
1
-
روي عن النبي لو أنه قال: «أد الأمانة إلى من ائتمنك، ولا تخن من
خانك» (1).
2 - عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ليس على المستعير غير المغل، ضمان ولا المستودع غير المغل ضمان»).
تحت
(1) رواه الترمذي، أبواب الجنائز عن رسول الله، رقم 1222، عن أبي هريرة، وقال الترمذي: حسن غريب، وأبو داود، كتاب البيوع، أبواب الإجارة، باب في الرجل يأخذ حقه من يده، رقم 3085، عن أنس. ينظر: ابن حجر: تلخيص الحبير، 97/ 3، حديث رقم 1381.
(2) رواه البيهقي، كتاب الصلح، باب العارية، رقم 3772، عن أبي هريرة، وقال: «وهذا إسناد
ضعيف». ورواه الدارقطني، كتاب البيوع، رقم 2594، عن عبد الله بن عمرو بن العاص، وفيه (4/103)
صفحة 1885
1.2
القواعد الفقهية عند الإباضية
وفي رواية بهذا السند سبق ذكرها أنه قال: «ليس على المستودع ضمان). وفي رواية لا ضمان على مؤتمن (3).
- عمله في مكة عندما ترك علي بن أبي طالب بعد هجرته ليرد
على قريش ودائعها» (3).
له
وهذا الحديث يؤيده ما روي عن جابر نه، «أن أبا بكر الصديق قضى في وديعة كانت في جراب فضاعت من خرق الجراب، أن لا ضمان فيها» (4).
4 - وقد استودع عروة بن الزبير أبا بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام مالا من مال بني مصعب قال: فأصيب المال عند أبي بكر أو بعضه، فأرسل إليه عروة: أن لا ضمان عليك إنما أنت مؤتمن، فقال أبو بكر: «قد علمتُ أن لا ضمان عليَّ، ولكن لم تكن لتُحدث قريشاً أن أمانتي قد خربت، ثم باع مالا له فقضاه» ().
عمرو وعبيدة وهما ضعيفان، وإنما يروى عن شريح غير مرفوع قال الحافظ ابن حجر: «إنما يروى هذا عن شريح غير مرفوع، وفي إسناده ضعيفان ينظر: ابن حجر: تلخيص الحبير، 97/ 3 حديث رقم 1382.
(1) تقدم تخريجه. (2) تقدم تخريجه.
(3) ذكره ابن سعد في الطبقات، 223. ينظر: ابن حجر تلخيص الحبير، 97/ 3 – 98 حديث
رقم 1384.
(4) رواه البيهقي في السنن الكبرى، كتاب الوديعة، باب لا ضمان على مؤتمن، حديث: 11882 عن أبي بكر عبد الله بن عثمان الله
(5) ذكره ابن سعد في الطبقات الكبرى طبقات البدريين من الأنصار، الطبقة الثانية من أهل المدينة من التابعين، أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام بن المغيرة، حديث:
5905. ينظر: محمد بكر إسماعيل القواعد الفقهية، ص 217 - 218. (4/104)
صفحة 1886
الفصل السادس: القواعد الفقهية الكلية الصغرى
1.0
ج - من الإجماع:
أجمعت الأمة الإسلامية قاطبة على أنّ أداء الأمانة من علامات الإيمان، ومن عمل المؤمنين وأما الخيانة فهي من علامات النفاق، وعمل الفساق، وأن حسن الإيداع من سمات المؤمنين الصادقين).
ـ قال ابن بركة في المضاربة: «وأجمع الناس أنه لا ضمان على مضارب رَبِحَ أو خسِرَ إِذا لم يتَعَدَّ في شيء منها (2). وقال ابن رشد الحفيد بعد أن أورد طرفاً من مسائل الوديعة وبالجملة، فالفقهاء يرون بأجمعهم أن لا ضمان على صاحب الوديعة إلا أن يتعدى» (3).
وقال أبو بكر الجصاص: «ما ائتمن عليه الإنسان فهو أمانة، فعلى المؤتمن عليها ردها إلى صاحبها، فمن الأمانات الودائع، فعلى مودعها ردها إلى من أودعه إياها، ولا خلاف بين فقهاء الأمصار أن لا ضمان على المودع فيها إن
هلکت» (4).
ثالثاً: فروع القاعدة
- الضمان في الوكالة
ـ من فروع هذه القاعدة: أنه إذا دفع الموكل لوكيله مالاً ليشتري له به عقاراً أو منقولاً، فهلك المال بتفريط من الوكيل ضمن الوكيل لتفريطه. قال ابن بركة في هذا المعنى .... وإذا دفع إلى الوكيل مالاً ليشتري له به مالاً (بستاناً) أو غيره، فهلك الملك بعد الشراء، ضمن الوكيل في قول
جميع
(1) الفضيلات جبر محمود (المحقق): الحاشية على كتاب الجامع لابن جعفر الأزكوي، 292/ 5. (2) ابن بركة: الجامع، 370/ 2.
(3) ابن رشد: الحفيد بداية المجتهد ونهاية المقتصد، 311/ 2. (4) محمد بكر إسماعيل القواعد الفقهية، بين الأصالة والتوجيه، ص 218 نقلًا عن أبي بكر
الجصاص، ج؟ /؟. (4/105)
صفحة 1887
106
القواعد الفقهية عند الإباضية
أصحابنا، ويكون البيع للوكيل؛ لأنه ضامن لمخالفته الأمر والموكل، فكان عليه أن يعقد البيع على الثمن المأمور بالشراء به، وقال أبو حنيفة: البيع لمن
اشتراه له، ويرجع على الموكل مثل ما كان دفع إليه من الثمن ... ). وينبه ابن بركة على أن الوكيل أمين في مال الموكل لا يضمن إلا إن خالف أوامره وتعدى في تصرفه، فيقول: «وإذا وكل رجل رجلاً في شراء عبد ولم يدفع إليه الثمن، فاشترى له كما أمره وسلمه إليه، كان الثمن للبائع على الوكيل دون الموكل، وعلى الموكل للوكيل ذلك الحق الذي ضمنه الوكيل على الثمن، وإذا دفع الموكل الثمن إلى الوكيل فضاع من يده زال عن الموكل، وكان الغرم على الوكيل البائع العبد، ولو كان الوكيل قبض الثمن له قبل الشراء فضاع قبل الشراء، لم يضمن شيئاً؛ لأنه أمين في ذلك، وقبضه للثمن بعد الشراء قبض عن حق كان مقبوضاً له، والأول كان أميناً فيه، والوكيل أمين فيما وُكّل فيه من مال الموكل إلا أن يخرجه التعدي، فلا يكون على ما في يده أميناً» (2). ومن صور الضمان بالوكالة على التقصير في مجال الفلاحة والرعي ما نص عليه الثميني في «الورد البسام إذ يقول: «وكل ما وكّل على حفظه أو فعله في أوانه، كحصاد زرع، أو سقيه، أو درسه، أو تذكير نخل، أو أو غلق باب، أو ربط دابة، ضمن ما ضيع من ذلك حتى تلد، وما لم يذكر من الغلة يضمن ما بين قيمتها، مذكرة وبين قيمتها غير مذكرة.
صرم
غلته،
ومن أطلق مواشيه أو مواشي كانت بيده، أو ضيع ما كان بيده من غيرها
حتى أفسد شيئاً، فإنه يضمنه إن ضيع وإلا فلا، ويلزم ذلك ربها إن وجد، وإلا فليغرمه من كانت بيده، ثم يرجع به على ربها إن وجده يوماً» (3).
(1) ابن بركة الجامع، 297/ 2.
(2) ابن بركة المصدر نفسه.
(3) الثميني: الورد البسام ص 224. (4/106)
صفحة 1888
الفصل السادس: القواعد الفقهية الكلية الصغرى
107
2 - في ضمان المضاربة:
ومن فروع القاعدة في المضاربة، أن المضارب في مال غيره لا خسران عليه، ولا يضمن من المال شيئاً إلا إذا فرّط فيه، وإن اشترط عليه رب المال الضمان فالشرط باطل، وحكى ابن بركة الإجماع في ذلك فقال: «وأجمع أنه لا ضمان على مضارب ربح أو خسر، إذا لم يتعد في شيء منها). ويشير ابن بركة إلى الخلاف الحاصل بين الفقهاء عند اشتراط صاحب المال على المضارب ضمان رأس ماله ويرجح القول الثاني، فيقول: واختلفوا في المضاربة إذا اشترط ربها على المضارب ضمانها، فقال أكثرهم: يصح الشرط، ويكون المال قَرْضاً على المضارب والربح له، وقال بعضهم: «الشرط باطل والمضاربة بحالها وهذا القول أنظر؛ لأن المضاربة في يد المضارب، وهذا القول أشبه بأصولهم في سقوط الضمان لأنها في معنى الأمانة» (2).
أمانة
ويقول أيضاً: «واتفق الناس على إجازة شركة المضاربة وجواز ذلك بالسنة، ولولا الاتفاق على جوازها لم تجز، لأنها أجرة غير معلومة، وهي عندي ضرب من الإجارة، وحكمه حكم الأمين، وأجمعوا أن المضارب لا خسران عليه ولا يضمن من المال شيئاً ما لم يتعد فيه، وإن اشترط عليه رب المال الضمان فالشرط باطل، قال بعض أصحابنا: إذا اشترط رب المال على المضارب ضمان المال أو ضمان بعضه، أنّ المضاربة باطلة، ويكون قرضا له على المضارب والربح له بما ضمن وقال بعضهم: إن تلف المال لزم المضارب بالشرط، وإن ربح فالربح بينهما على ما تشارطا عليه» (3).
(1) ابن بركة: الجامع، 368/ 2. (2) ابن بركة: الجامع، 427/ 2. ابن بركة: الجامع، 368/ 2 - 369.
(3) (4/107)
صفحة 1889
108
القواعد الفقهية عند الإباضية
واختار ابن بركة رأي الجمهور و رجحه فقال: والنظر يوجب عندي ما قلنا: إن الشرط باطل والمضاربة صحيحة؛ لأن رب المال لم يقصد إلى إقراضه إياه فيكون ديناً له على ما ذهب إليه أصحاب القول الأول، ولم يتعد
فيه المضارب، فيلزمه الضمان على ما ذهب إليه أصحاب القول الثاني). كما تعرض البسيوي إلى المضاربة في حالة فسخها، وبين كيفية تصفية هذه الشراكة، وذكر أنّ فيها ثلاثة أقوال فقال: وإن كانت المضاربة منتقضة فإن المال وربحه لربه، وللمضارب عناؤه من ذلك وأجر مثله، ولا ضمان، وبعض يوجب الربح للمضارب، ولرب المال ورأس ماله، وأرجو أن فيها قولاً ثالثاً: أن الربح بينهما ولا يغرم فيه، ولكن هو أمين وله أجر مثله والمال لربه» (2).
له
ويبدو أن البسيوي اختار القول الأخير إعمالاً للقاعدة: أن المضارب مؤتمن ولا ضمان عليه إلا بالتعدي أو التقصير. ويلاحظ أن الذين قالوا بجواز اشتراط صاحب المال الضمان المضارب، أنهم بذلك الشرط أبطلوا المضاربة و انتقلوا إلى عقد جديد وهو القرض، فيصبح المضارب مالكاً للمال المقترض ربحه وعليه ضمانه، وتسقط الشراكة بينه وبين صاحب المال. ومن هنا يتبين لنا أن ما ذهب إليه الجمهور في بطلان ضمان رأس المال على المضارب هو الرأي الصحيح المعتمد عند الإباضية؛ لأن أساس المضاربة يقوم على تحمل الطرفين للربح والخسارة، فالمضارب يخسر جهده، ورب المال يخسر، ماله، ولا يمكن للمضارب أن يتحمل خسارتين، ورب المال يعفى منها ويكون الرابح الوحيد، ولا يضمن المضارب رأس المال إلا في حالة التعدي وتجاوز ما اتفق عليه في عقد المضاربة.
(1) ابن بركة المصدر نفسه، 369/ 2.
(2) البسيوي: الجامع، 21/ 4. (4/108)
صفحة 1890
الفصل السادس: القواعد الفقهية الكلية الصغرى
109
ـ في ضمان الإجارة:
وردت فروع كثيرة في المصادر الفقهية الإباضية للقاعدة المقررة في باب
الإجارة والكراء نذكر منها:
- أنه إذا استأجر رجل خادماً على شهر معلوم في عمل معلوم، وانقضت الأجرة لم يكن له أن يستعمله بعد ذلك، إلا بعقد ثان وأجرة مستقبلة، وإن استعمله ضمنه إن تلف وضمن أجراً مثله إلى وقت ما هلك، ولا يبعث به أن يسلم إلى سيده إلا أن يأذن له في ذلك، فإن أرسله بغير إذنه فهلك قبل أن يصل إلى سيده ضمنه؛ لأنه هلك في تعديه عليه، وإن هلك بعد انقضاء الأجرة في يده في حال حفظه كان سبيله سبيل الأمانة عنده، ولم يكن
ضامناً له» (1).
وما قيل في ضمان الخادم يقال في ضمان الطفل قبل البلوغ إذا استعمله
أحد في عمل بأجرة، فلو كلفه فوق طاقته فهلك ضمنه، وكذلك الدابة. ومن فروعها: في استئجار الراعي لرعي الغنم، ذكر ابن بركة أنه إذا استرعى الرجل رجلاً بالغاً، فإن رعى بأجرة فهو ضامن، وإن رعى بغير أجرة فلا ضمان عليه إلا بالتضييع). وحكى ابن جعفر إجماع الفقهاء على هذا فقال: والراعي لا ضمان عليه إلا أن تقوم بينة أنه ضيع اجتمعنا على هذا (3). والصحيح أن المسألة محل خلاف بعض الفقهاء، وإن كان الأجير يرعى تلك الغنم في البرية فأتاه من يطالبه بدم وليه، وقد قتله قبل ذلك عمداً، فإنه إن قتله فعليه أن يوصل الغنم إلى أربابها، وإن ضيع فما هلك منها أو ما أفسدت من أموال الناس فهو له ضامن، إلا أن يكون ربّ الغنم علم أنه قتل وليه ثم استرعاه لغنمه على ذلك الحال، فله قتله حيث ما وجده،
(1) ابن بركة الجامع، 391/ 2. بتصرف
(2) الشماخي: الإيضاح، 311/ 6.
(3) ابن جعفر: الجامع 291/ 5. بتصرف بسيط. (4/109)
صفحة 1891
11.
القواعد الفقهية عند الإباضية
ولا ضمان عليه لما هلك من الغنم وأفسدته من أموال الناس؛ لأن ربّ الغنم حين علم أنه قتل وليه فاسترعاه هو المضيع لغنمه، وإن قتل وليه بعدما كانت الغنم في يده، فإنه لا يقتله حتى يؤدي الغنم إلى أربابها؛ لأن رب الغنم في هذا معذور غير عالم). قلت: ورغم أن ولي المقتول قد أعطاه الشرع حق القصاص، لكنه لا يمكنه أن ينفذه بنفسه ولو تمكّن من القاتل، وإنما يستعين بالحاكم في تنفيذ الحكم، وقد يسمح له بإلقاء القبض عليه وتسليمه للعدالة، حتى لا يُتخذ ذلك ذريعة
إلى سفك الدماء، وكل من تجاوز في ذلك يتحمل مسؤوليته أمام الحاكم. ويؤكد ابن جعفر في موضع آخر أن الراعي وكل أجير لا يعمل بيده لا ضمان عليه، إلا أن ضيّع وفرّط في عمله، فيقول: «وأما الراعي وكل أجير لا يعمل بيده، فليس عليه إلا الاجتهاد، ولا يضمن حتى يضيع أو يزيل ما استرعى إلى يد غيره فيضيع».
واستثنى عثمان الأصم من الضمان أيضاً بالإضافة إلى الراعي: الحارس والحافظ والوكيل فلا يضمنون إلا بالتعدي فيقول: «إلا الشايف (3) والراعي والحافظ والوكيل، فإذا ادعى أنه تلف لم يضمن، والقول قوله مع يمينه حتى يعلم أنه ضيع أو أتلف؛ لأنه ليس يعمل بيده إنما هو حافظ بعينه، فلم يلزموه
عنهم
ضماناً» (4).
4 - في ضمان الأمانة:
ومن فروع القاعدة في باب الأمانة ما نص عليه ابن بركة بقوله: «ومن
(1) ابن جعفر: المصدر نفسه. (2) ابن جعفر: الجامع، 213/ 4.
(3) الشايف: هو الحارس أو المراقب الذي يطرد العصافير من الزرع والثمار، ولعله يقصد
(الفزاعة)، وهو تمثال رجل محشو بالقش ينصب وسط الزرع.
(4) الأصم عثمان: البصيرة، 215/ 1. (4/110)
صفحة 1892
الفصل السادس: القواعد الفقهية الكلية الصغرى
111
خرج من حدّ الأمانة بتعديه وجب أن يكون ضامناً لما تعدى فيه، وقال بعضهم: لا ضمان عليه إلا فيما أخذ، والباقي هو على ملك صاحبه» (1). ومن صور ضمان الأمانة إذا ضاعت بالتعدي أو بالتقصير والتفريط في حفظها ما ذكره عثمان الأصم فى الأمين: إن كانت معه أمانة وأراد الخروج فليحملهما معه، أو يجعلها عند ثقة، وإن لم يفعل وتركها ضمن ذلك، وإن تركها مع القدرة ضمن ذلك لربها، وإن كان لا يقدر على دفعه من خوف على نفسه، وغُلب عليها فغصبت مع ماله، لم يضمنها، وإن تركها فتلفت لم يضمن إلا ما أخذه، وإن اتجر بها فهي وربحها لربها، ولا شيء له فيها، وإذا أخذ منها
شيئاً لم يكن له رده حتى تتخلص من ذلك إلى ربه المؤتمن ...
-
وإن كانت معه أمانة فغاب ربها، كانت في حفظه إلى أن يطلبها، وإن مات سُلّمت إلى ورثته، وإن خاف تلفها وضياعها وكانت مما يتلف ولا يبقى، فليجتهد في ذلك ويبيعها، ويحفظ الثمن لربها، وقد قيل: يضمن الثمن إن تلف وقيل لا ضمان عليه وفيه: قول أنه لا يتعرض لها وتترك بحالها» (2).
- وقد حرص عثمان الأصم على تبيان أحكام الأمانة وما يلزم فيها، حتى يحمل مسؤولية ضياعها أو تلفها للمؤتمن إذا تعدى عليها أو فرط فيها، فيقول: «وإن دفعت إلي أمانة فمات الدافع لها، وخلف ورثة أيتاماً وبالغين، فجاء الورثة من البالغين يطلبون الذي لهم ولليتامى، لم يسلمها إليهم حتى يحضروا جميعاً أو وكلاؤهم، ثم يدفعها إليهم وقد برئ منها، وإن سلم إلى كل ذي حق حقه منها على وجه الجواز برئ منها، وإن أعطى البالغين وحبس لليتامى والأغياب حصصهم فضاع من يده ضمن وأسلم
(1) ابن بركة: الجامع، 431/ 2. (2) الأصم: عثمان البصيرة، 130/ 1 (4/111)
صفحة 1893
112
القواعد الفقهية عند الإباضية
للبالغين منه حصة الأيتام أو الأغياب؛ لأن القسم غير جائز، وحصة اليتامى مبقاة في الذي سُلّم حتى يصير إليهم حقهم، ولا ضمان عليه لأحد في الذي تلف من يده إذا لم يضيعه»). أما إذا تعرضت الأمانة للسرقة فعلى المؤتمن الدفاع عنها قدر طاقته
ولا يسلمها للمغتصب لفداء نفسه فإن فعل ذلك ضمن. يقول الأصم في هذا الشأن ومن كان معه أمانة فلقيه مغتصب ليأخذها، فإن فدى نفسه بما ضمنها، وأن غلب عليها فلا ضمان عليه، وعليه المنع والمحاربة عليها» (2).
-
وسئل ابن جعفر عن رجل اؤتمن بأمانة فغاب وتركها في بيته، أو خاف على بيته فحوّلها إلى بيت رجل آخر، فضاعت هل يلزمه ضمان؟ فقال: «فعلي ما وصفت فإذا تركها عند متاعه وجعلها حيث حول متاعه، أو جعلها حيث السلامة، أو يرجو مع من يؤمنه على متاعه، فضاعت فلا يضمن عليه» (3). وقيل في الأمين إنه لو جعل الأمانة في نعله وهي مثل دراهم، أو في حجره من مجلسه خارجاً من داره في المسجد أو غير ذلك، إن ذلك ليس موضع الدراهم، وعليه أن يجعلها في ثيابه أو يصرها في ثوبه، أو يحرزها إحراز الدراهم، فإن لم يحرزها إحرازا مثلها وتركها في غير حرزها مثلها فتلفت كان ضامناً لها، قيل له وكذلك لو جعلها في منزله في غير موضع حرزها ثم تلفت فعليه الضمان، وإذا جعلها حيث يأمن عليها فتلفت فلا ضمان عليه، وقيل: لو جعل الدراهم تحت وسادة فتلفت فلا ضمان عليه؛ لأن الناس قد يجعلون أشياءهم تحت وسادتهم، وإنما على الأمين أن يجعل أمانته حيث يأمن عليها بلا مخاطرة.
(1) الأصم عثمان: البصيرة، نفسه.
(2) الأصم: المصدر نفسه، 1/ 131 – 130. - ابن بركة: الجامع، 196/ 1.
(3) ابن جعفر: الجامع، 249/ 4. (4/112)
صفحة 1894
الفصل السادس: القواعد الفقهية الكلية الصغرى
113
- ومن صور حفظ الأمانة وصيانتها في الحالات الاضطرارية: ما ذكره الأصم في «البصيرة» بما نصه: (ومن ائتمن بأمانة ثم وقع في البلد خوف أو حرق أو غرق أو سلطان، فاكترى للأمانة إلى موضع يرجو لها السلامة بثلث أو ربع أو بكراء، لم يكن يحمله بمثله في الأمان في مثل ذلك؛ فإنه إذا لم يُجز له صاحب الأمانة ذلك كان الكراء على الأمين خاصة، إلا أن يكون وكيلاً، أو وصيّاً لليتيم، أو وكيلاً لغائب، فإن الكراء في الأمانة، إلا أن يكون الكراء يأتي على الأمانة كلها، فلا يجوز ذلك في بعض قول
الفقهاء» (1).
ه - في ضمان الوديعة
ومن فروعها في باب الوديعة أنه إذا أودع رجل رجلاً مالاً أو أمره أن يجعله في منزله دون غيره فخاف المستودع عليه التلف في المنزل، فله أن يعزله ويخرجه إلى بيت حيث يكون أحرز، له ولا ضمان عليه فيه إن تلف، واحتج ابن بركة على ذلك بقوله: والدليل على زوال الضمان عنه في ذلك؛ أنه لو رأى البيت وهو يحترق بالنار وفيه ذلك المال المودع، كان عليه تخليصه، وينقله إلى موضع يرجو أن يسلم فيه، وإذا كان قادراً على تخليص ذلك المال من التلف ثم تركه حتى هلك، أنه يكون ضامناً) (2)؛ لأنه مفرط ومقصر في حفظه، والمؤتمن لا يضمن إلا بالتعدي أو التقصير».
ويضيف أيضاً: «وأن ينقله من حيث يخاف عليه التلف ويغلب على ظنه إلى موضع يرجو سلامته فيه، كما يفعل في مال نفسه المتعبد بحفظه وترك إضاعته، وكل من قدر على تخليص مال المسلمين من تلف فتركه حتى هلك، أنه يضمنه. ولقد روى لنا عن أبي المنذر بشير بن محمد بن محبوب
(1) الأصم: المصدر السابق. - ابن بركة الجامع، 2/ 435 - 436.
(2) ابن بركة: الجامع، 435/ 2.
رحمة الله (4/113)
صفحة 1895
114
القواعد الفقهية عند الإباضية
واحد منهم
قولًا يدل على صحة ما قلناه أخبرني الشيخ أبو مالك (1) ـ كرم الله مثواه ـ أن أبا المنذر بشير بن محمد بن محبوب ما أخبره جماعة من الناس كانوا في طريق الحج أن رجلاً مات فيما بينهم عن غير وصي، وخلف مالاً فكره كل أن يتعرض لأخذه، ثم أخذوه فقال لهم أبو المنذر: لو تركتموه حتى يضيع لزمكم ضمانه، قال الله تعالى: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى * (المائدة: 2). وقال رجل: {وَأَفْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} (الحج: (77)، فمن البر والتقوى التعاون على البر والتقوى وفعل الخير، وإدخال السرور والنفع على الأخ المسلم في حفظ نفسه وماله» (2).
ومن فروعها أيضاً: ما ذكره ابن جعفر في جامعه لما سئل عن الذي أخلط الوديعة في ماله فضاع ماله مع الوديعة أعليه ضمان لأنه لم يستأذنه في ذلك غير أنه يرى أنه أسلم؟ قال: فلا نرى عليه ضماناً حتى يخرجها من يده إلى غيره (3). ومن غيره وقال أبو علي الحسن بن أحمد (4)، وقد قيل: إنه إذا خلطها
فيما لا يتجزأ منه ألا يقسمه، كان عليه الضمان (ه).
ومن فروعها في الوديعة أيضاً: إذا استودع رجلان رجلاً مالاً فغاب أحدهما، فطلب الحاضر منهما حصته منها، فقال البعض: لا يدفع منها إليه شيئاً حتى يحضر شريكه، أو يصح أنه أمره بقبض حصته، أو تصح أنها للطالب لها، والعلة فيه أن المؤتمن ليس بوكيل في القسمة، ولا تلزم الغائب أيضاً قسمته، وهذا القول يوجب عند صاحب هذا الرأي التضمين لتعديه في
(1) أبو مالك الصلاني شيخ ابن بركة، تقدمت ترجمته.
(2) ابن بركة: الجامع، 435/ 2 - 436.
(3) ابن جعفر الجامع، 291/ 5.
(4) تقدمت ترجمته.
(5) ابن جعفر المصدر نفسه، 292/ 5.
أمانته (4/114)
صفحة 1896
الفصل السادس: القواعد الفقهية الكلية الصغرى
115
ما لم يؤذن له فيها، وقال البعض الآخر عليه أن يدفع إلى الحاضر حصته منها
إذا طلبها (1).
ومن فروعها أيضاً: هذه الصورة الواردة في جامع ابن جعفر فقد سئل: عن رجل ائتمن رجلاً على أمانة، فلما طلبها جحده فقدر الرجل على شيء بقدر ما كان له من النوع أو غيره، هل له أن يستوفي منه؟
قال: فله ذلك فيما ترى وليعلمه أنه قد استوفى، وقال: كل مستودع ثقة أو غير ثقة، وقال إذا أراد المستودع أن يحلّفه هل له ذلك؟ قال: فرأينا نحن
فيحلف.
قال: فالذي عنده مال غيره وديعة أو وصية أو مضاربة أو يشبه ذلك، أو عليه دين، فبعث إليه صاحب المال أن ابعث الذي عليك لي والذي عندك، ولم يقل على يدي من شئت أو قال، إلا أنه لم يقل على يد فلان، فبعث المال فضاع ولم يصل إلى صاحبه، أهو له لزم في هذا كله؟ أو قال على يد أمين، فبعث على يد من هو عنده أمين، فضاع، قال: فإنا نأمره أن لا يبعثه إلا عند أمين، وإن لم يشترط عليه، فإذا بعث عند أمين اشترط عليه أو لم يشترط لم يضمن؛ لأنه قد أمره أن يبعثه وإن قال على يد فلان فبعثه مع غيره ضمن» (2). ومن فروعها أيضاً ما نقله ابن جعفر في جامعه، في رجل أتى ببضاعة
فاستودعها رجلاً، فقال له صاحب المنزل: ضعها هناك، ووضعها صاحب المنزل، ثم حوّلها من بعد إلى غير المنزل حفظاً منه لها، أو لحاجة عنت في موضعها فتلف المال فلا ضمان على صاحب المنزل، وإن كان صاحب البضاعة وضعها بأمره بلا أمر من صاحب الدار، فحوّلها صاحب الدار ولزمه الضمان (3).
(1) ابن بركة: الجامع، 2/ 434. - الأصم عثمان البصيرة، 1/ 130.
(2) ابن جعفر الجامع 294/ 5.
(3) ابن جعفر: الجامع، 246/ 4. (4/115)
صفحة 1897
116
القواعد الفقهية عند الإباضية
ومن فروعها أيضاً: ما ذكره ابن بركة في جامعه أنه: «إذا استودع رجل رجلا وديعة ثم ردها إليه أو مات ربها، فدفعها المستودع إلى من سلّمها إليه،
أن
أو إلى وارثه إن مات، ثم صح للميت وارث آخر بشاهد عدل، وصح المستودع كان غاصباً لها بعد أن ردها إليه، قال كثير من أصحابنا أن المستودع ضامن للوديعة؛ لأنه ردها إلى غير مالكها، أو كان سلّمها إلى وارث كان غيره أولى بها، وإن أخطأ؛ لأنه أتلف مالا لغيره بغير علم، و «الخطأ في الأموال مضمون» لا يزيل الضمان.
وقالوا: ولصاحب هذا المال الخيار في المطالبة بين من صارت إليه الوديعة وبين المسلم لها، وقال قوم: لا ضمان على الوصي ولا المودع، وهما أمينان لم يكن منهما في أمانتهما ما يخالف أمر الله لهما، ولم يكن منهما إلا أداء الأمانة، كما قال الله تعالى والضمان إنما يكون بالتعدي (والجور وإنما تعبدنا الله بما عنده»). والنظر يقتضي أن لا ضمان على المستودع الذي وضعت عنده الأمانة؛ لأنه مؤتمن ولا يجب عليه أن يسأل المستودع مصدر الوديعة، هل يملكها إن اغتصبها؟ لأن الأصل عند الناس البراءة ما لم تثبت عليهم التهمة، فلما تبين بعد أن ردّ إليه أمانته أنه اغتصبها، فلا ضمان عليه لصاحبها ما دام لم يتعد ولم يفرط في حفظها، اللهم إلا إذا كان المستودع اشتهر بالسرقة والغصب فلا يقبل منه ودائعه، فإن أراد أن يحفظها له، فعليه التأكد من مصدرها حتى لا يتحمل تبعة ذلك.
ومن فروعها أيضاً ما ذهب إليه فقهاء الإباضية في منع الإنسان من فداء نفسه بالودائع ولو طلب منه ذلك مغتصباً أو جباراً، فإن فعل ذلك ضمنها، يقول ابن بركة في هذا المعنى: «فإن أخذه الجبار بمال ولم يكن عنده إلا وديعة لغيره، هل كان عليه أن يفدي نفسه بها؟ قيل له: نعم ويضمن، فإن قال: فهل له أن لا يسلّمها حتى يقتل؟ قيل له: ليس له أن يقاتل عليها إذا كان عنده
(1) ابن بركة: الجامع، 437/ 2. (4/116)
صفحة 1898
الفصل السادس: القواعد الفقهية الكلية الصغرى
117
أنه ألا يتخلص من القتل، ويؤخذ فلا يبقى ولا تبقى هي أيضاً، وإنما يجوز له أن يقاتل عليها وعلى ماله، وإن كان بين الخوف والرجاء، فإن كان العدو عشرة
كان
وهو وحده، وليس في عادته عند القتال أن يغلب عند القتال اثنين منهم، محاربته إياهم قتلاً منه لنفسه، فهنا أباح له الشرع أن يحافظ على نفسه ويضحي بالمال، ولكن ضمانه لأصحابه» (1). مع
- في ضمان العارية
ذهب فقهاء الإباضية إلى جواز العارية، وقد ثبتت مشروعيتها بالسنة وقالوا: إن العارية إذا تلفت بغير تعد، فسبيلها سبيل الأمانات لا يلزم فيها إلا الحفظ، فإن تلفت بغير تعدّ لم يكن ضامناً، فإن تعدى فيها كان ضامناً، لا سيما إذا اشترط ربها على المستعير الضمان، لقوله الله الصفوان «عارية مضمونة مؤداة» (2). وقوله صلى الله عليه وسلم: «كل يد ترد ما قبضت» (3).
(1) ابن بركة: الجامع، 196/ 1 - بتصرف. ينظر: عثمان الأصم، البصيرة، 131/ 1. (2) رواه أبو داود، كتاب الإجارة، باب في تضمين العارية رقم 3566، والدارقطني في السنن، كتاب البيوع، رقم 160، عن يعلى بن أمية. قال ابن حجر: «وأعل بن حزم وابن القطان طرق هذا الحديث». تلخيص الحبير، 53/ 3.
(3) لم أجده فيما بحثت من مصادر بهذه الصيغة. وورد في السنن ما يفيد معناه بلفظ مختلف، أخرجه الترمذي في سنن الجامع الصحيح أبواب الجنائز عن رسول الله أبواب البيوع عن رسول الله صلى الله عليه وسلم باب ما جاء في أن العارية مؤداة حديث: 1224 عن الحسن البصري عن سمرة بن جندب الفزاري، عن النبي الا الله، قال: على اليد ما أخذت حتى تؤدي». قال قتادة: ثم نسي الحسن، فقال: فهو أمينك لا ضمان عليه، يعني: العارية. قال الترمذي: هذا حديث حسن، وقد ذهب بعض أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وغيرهم إلى هذا، وقالوا: يضمن صاحب العارية، وهو قول الشافعي، وأحمد، وقال بعض أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وغيرهم ليس على صاحب العارية ضمان إلا أن يخالف، وهو قول الثوري، وأهل الكوفة، وبه يقول إسحاق. وضعفه الألباني. ورواه ابن أبي شيبة، مصنف، كتاب البيوع والأقضية، في العارية من كان لا يضمنها، حديث: 20131 بلفظ: «على اليد ما أخذت حتى تؤديه». والنسائي في السنن الكبرى، كتاب العارية والوديعة المنيحة، حديث: 5614. (4/117)
صفحة 1899
118
القواعد الفقهية عند الإباضية
قال أبو العباس أحمد العارية مضمونة مؤداة على الحفظ والحرز لها، فإن ضيعها المستعير أو أضمنها صاحبها المستعير فهو ضامن على كل حال، ويجوز في جميع المقبوض من الأموال كلها إلا ما يكون فيه ذهاب العين فلا يجوز فيه العارية ... (1). وقال ابن بركة وقال أصحابنا العارية لا تكون مضمونة إلا بالتعدي، وكان شريح ممن لا يرى تضمين العارية إذا ضاعت إلا بالتعدي فيها، والتضييع لها، والمحفوظ من لفظه ليس على المستعير غير المغل ضمان، ولا على المستودع غير المغل ضمان» (2)، يعني: الخائن» (3).
ويؤكد ذلك أبو إسحاق الحضرمي فيقول: والعارية عندنا (الإباضية) غير
مضمونة إلا في ثلاث خصال:
أحدها: أن يستعير ما يكال أو يوزن ويعد.
الثاني: أن يتعدى فيها.
الثالث: أن يقول عارية مضمونة (4) أي (مردودة).
واختلف فقهاء الإباضية في ضمان العارية، هل يجب باشتراط أحد
الطرفين ذلك، أم يكون بدون شرط؟
وسبب الخلاف منشؤه اختلافهم في مفهوم الحديث المتقدم، أشار إليه ابن بركة في سياق بيانه لأحكام العارية فقال: اختلف الناس في قول النبي الله:
(1) أبو العباس أحمد: كتاب أبي مسألة، ص 122.
(2) رواه عبد الرزاق الصنعاني في مصنف كتاب البيوع، باب العارية، حديث: 14292 عن شريح قال: سمعته يقول: «ليس على المستعير، ولا على المستودع غير المغل ضمان»، أخبرنا عبد الرزاق قال: سمعت هشاماً يذكر، عن محمد، عن شريح مثله، وزاد: «المغل: المتهم». ورواه الدارقطني السنن، كتاب البيوع حديث: 2596 عن محمد، أن شريحاً قال: «ليس على المستعير غير المغل، ولا على المستودع غير المغل ضمان». (3) ابن بركة: الجامع، 426/ 2 - 428. (4) أبو إسحاق الحضرمي: مختصر الخصال، 149. ـ الشماخي: الإيضاح، 4/ 6. (4/118)
صفحة 1900
الفصل السادس: القواعد الفقهية الكلية الصغرى
119
عارية مضمونة مؤداة»، فقال أهل العراق ليس في قوله: «عارية مضمونة مؤداة ما يوجب الضمان؛ لأنا قد علمنا أنها أمانة وأنه لا يملكها، وأن عليه أن يرد الأمانة إلى صاحبها، فإن تلفت بغير تعد فسبيلها كسبيل سائر الأمانات لا يلزمه فيها إلا الحفظ لها، وهذه إخبار عن التزامه لحفظها حتى يؤديها واستعماله لها بأمر صاحبها، فإن تلفت بغير تعد لم يكن ضامناً لها. وقال أهل الحجاز معنى قوله: «عارية مضمونة مؤداة»، أي: أنا لها ضامن حتى أؤديها إليك، ولو لم تكن مضمونة بهذا القول كان فيه تقدير
لصاحبها. وقال أصحابنا (الإباضية إذا اشترط لصاحبها الضمان لم يضمن إلا بالتعدي فيها، وعندهم أن المستعير متى شرط لصاحب العارية ردها أو شرط عليه ربها كان لها ضامنا، وقول أصحابنا أعدل وأشبه بظاهر السنة، وإذا لم يشترط لم يكن عليه ضمان إلا بالتعدي فيها؛ لأنها لم تنتقل عن ملك ربها. وبناءً عليه: فمن أعار إنساناً عارية إلى وقت معلوم لم يكن له أخذها قبل انقضاء المدة من طريق الديانة، وعلى صاحبها الوفاء للمستعير بوعده. قال الله تبارك وتعالى: {يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ} (المائدة: 1). وقال في موضع آخر يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ} (الصف: 2 - 3). وبعد أن عرض ابن بركة رأي الفقهاء في ضمان العارية وبين الخلاف، رجح رأي الإباضية لأنه الأعدل والأنسب لموافقته لظاهر الحديث، وناقش من خالفه، ووجه الأدلة توجيهاً يتماشى مع رأي الجمهور، وبين موطن الضعف في استدلالهم فقال: «فإن قال قائل: ما أنكرتم وجوب الضمان، يقول النبي الصفوان بن أمية عارية مضمونة مؤداة»، وقوله عليه الصلاة والسلام: كل يد تردّ ما قبضت لها قيل له معنى الخبرين واحد، ونحن نقول بذلك أنه يجب على المستعير رد ما، استعاره وعلى كل يد ترد ما قبضت إن كانت قادرة
منشأ (4/119)
صفحة 1901
120
القواعد الفقهية عند الإباضية
على ذلك، لا يقال لها ردي ما لم تقدري عليه، فإن قال قائل: ما أنكرتم أن يكون معنى ذلك أن الضمان يلزمه إذا ضاعت، قيل له: هذا غلط، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما قال: «تردّ ما قبضت» والبدل فلم تقبضه، فيجب أن ترده، والموجب عليه إخراج البدل بغير تعد محتاج إلى دليل، قال الله تعالى: {إِنَّمَا
السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ} (الشورى: 42). وقال أصحابنا: العارية لا تكون مضمونة إلا بالتعدي، فإن شرط صاحبها على المستعير ضمانها، ضمن وقالوا: وإن شرط صاحب الأمانة الضمان على المؤتمن له لم يضمن، وكان شرطه باطلاً، فيجب ألا يكون في العارية ضمان وإن شرط فيها؛ لأن ما أصله غير مضمون لا يجب أن يكون الشرط لا يوجب ضمانه كما أن أصل ما كان مضموناً لا يبطل ضمانه بالشرط» (1).
ولعل الفرق بين وجوب ضمان العارية إذا اشترط ذلك صاحبها، وصحة ذلك الشرط، وعدم ضمان الأمانة بدون تعد إذا اشترط ذلك، وبطلان الشرط، أن العارية ينتفع بها المستعير، ومقابل ذلك يجوز لصاحبها أن يشترط عليه الضمان، أما الأمانة فلا يجوز للمؤتمن الانتفاع بها إلا بإذن صاحبها، ولذلك لا يجوز له أن يحمله الضمان ما دام لم يتعد فيها، وإلا استنكف الناس عن
حفظ الأمانات.
- في ضمان الوصية
وفي ضمان الوصية بالتفريط ما ذكره أبو العباس أحمد في الضمان بسبب التقصير في تعيين الوصي ويجب على الرجل إذا خاف على نفسه الموت أن يستخلف على وصيته وأولاده الأطفال والمجانين وماله إذا لم يحضر ورثته، أطفال أو مجانين، فإن مات ولم يفعل فعلى العشيرة أن
أو حضروا وهم يستخلفوا للطفل والمجنون والغائب خليفة يحرز، ماله فإن لم تكن العشيرة
(1) ابن بركة: الجامع، 426/ 2 - 427. (4/120)
صفحة 1902
الفصل السادس: القواعد الفقهية الكلية الصغرى
121
فعلى من حضر من الناس أن يستخلف لذلك كما تفعل العشيرة، فإن لم يستخلفوا حتى ضاع المال فهم ضامنون لذلك» (1)؛ لأنهم أمناء على هؤلاء وقد فرّطوا في واجبهم، فوجب عليهم الضمان.
واختلف الإباضية في كيفية تضمين من يجب عليه تعيين الخليفة أو الوكيل على الوصية، قال أبو العباس: واختلفوا في ضمانهم، منهم من يقول: كل واحد ضامن لذلك كله، ومنهم من يقول: الضمان على رؤوسهم ولا تدخل النساء ولا العبيد في الضمان إلا إن لم يكن غيرهم فعليهم حرز ذلك المال، وإن ضيعوه حتى تلف فهم ضامنون، أما الخلافة فليس عليهم شيء» (2). ولكن إذا استخلفوا وصياً أو وكيلاً على الوصية وكان غير أمين، فهل
يضمون ذلك إذا ظهرت منه الخيانة؟
قال أبو العباس: «وإن استخلفوا، فمنهم من يقول لا يستخلفون في هذا كله إلا الأمين، وإن استخلفوا غير الأمين فلا يبرؤون ومنهم من يقول: إن استخلفوا غير الأمين فقد برئوا ما لم تظهر الخيانة، وكان من ذلك ما يفوق طاقته ولا يصل إلى حفظه وحياطته بمعنى من المعاني، فعليهم حينئذ أن يحرزوا ما قدروا عليه الأمين فهو ضامن، وليس عليه من تضييعه شيء، وإن
من
ذلك، وإن ضيع استخلف الميت غير الأمين على ولده وماله فليس عليهم شيء .....
وأضاف القطب في نفس المعنى، ومنهم من يرخص أن يستخلفوا غير المتولى إذا كان أميناً في المال على اليتيم وماله، ومال الغائب ولا شيء عليهم ما لم تظهر منه الخيانة، وكذا إن قام باليتيم أو ماله أو مال الغائب من تعنى بذلك ما لم تصلهم الضيعة وليّاً له، أو أجنبياً من العشيرة أو غيرها حراً أو
(1) أبو العباس أحمد: كتاب مسألة، ص 129. (2) أبو العباس: المصدر نفسه، ص 129، 130.
(3) المصدر نفسه، ص
130 (4/121)
صفحة 1903
122
القواعد الفقهية عند الإباضية
مع
بأن
عبداً ذكراً أو أنثى العشيرة، إن ضيع امتنع عن الخلافة أو قبلها وضيع وعلموا بتضييعه، أو ضيعوا الاستخلاف لو كان المال في يد غيرهم وهو ضامن معهم، بل هو الضامن؛ لأنه تلف المال بيده مضيعا له، وإن لم يغرم فعلى الورثة؛ لأنهم ضيعوا الاستخلاف ... ).
ـ في تضمين المزكي:
ومن فروع القاعدة أيضاً ما ذكره الإباضية في تضمين المزكِّي زكاة ماله إذا فرّط في إخراجها، بأن أخرها وماطل فيها حتى ضاعت وتلفت، أو منعها عن مستحقيها حتى ينتفع من، غلاتها، ففي هذه الحالات قد تعدى وفرّط، فإنه لا يضمنها إلا إن أعدَّها للإخراج فتلفت بأمر غالب عليه، فلا يضمن عملاً بالقاعدة: لا يضمن بالتعدي أو التفريط»، وقد تعرض ابن بركة إلى هذه المسألة، ونقل فيها خلاف الفقهاء، فقال: «اختلف أصحابنا ـ الإباضية ـ في رجل تسلّم زكاة ماله إلى رجل من العوام يؤديها عنه إلى أهلها ـ وهو عنده ثقة ـ فضيع الزكاة قبل أن تصل إلى الفقراء، فقال بعضهم: إذا أخرجها إلى ثقة وقبضها منه فقد زال عنه ضمانها قبل أن تصل إلى الفقراء، فضياعها بعد ذلك يوجب عليه الضمان، قالوا: كرجل دفع زكاة ماله إلى الساعي والقابض للزكاة بأمر الإمام، ثم تضيع قبل أن تصل إلى الإمام ـ الحاكم ـ.
لا
وقال آخرون: إذا دفعها إلى صاحب الإمام فتلفت، فلا ضمان على أحدهما، وإذا دفعها إلى ثقة عنده فتلفت قبل أن تصل إلى الفقراء، فعلى المرسل بها الضمان؛ لأنه دفعها إلى أمين له، فكأنها فقدت في يده، وهذا القول أشبه وأقرب إلى النفس، وذلك أنه دفعها إلى ثقة فهو وكيل له في قضاء ما عليه، فلا يزول عنه ما عليه من حق، إلا أن يؤديه هو عن نفسه، أو يؤديه عنه وكيله والإمام هو وكيل الفقراء في قبض حقهم من الزكاة فإذا تلفت من
(1) أطفيش: شرح كتاب النيل للثميني، 765/ 12. (4/122)
صفحة 1904
الفصل السادس: القواعد الفقهية الكلية الصغرى
123
يده أو يد رسوله الذي قبض هو قبضه، فقد زال الضمان عن المزكّي؛ لأن قبض الوكيل والموكل سواء. . .»).
ومن فروعها في باب الزكاة أنه لو سلّم الزكاة إلى غير أمين، كفاسق أو جبار، أو أخذها منه غصباً وعلم بوصولها إلى الفقراء، أو لم يعلم بذلك، فهل يضمن ذلك أم لا يضمن؟
يقول ابن بركة في هذا الصدد: «فإن قال فإن دفعها إلى جبار أو فاسق من الرعية، هل يبرأ من ضمانها علمت أنها صارت إليهم أو لم تصر إليهم؟ قيل لهم: إن كان جعلهم رُسُلاً له بها إلى الفقراء، فعلم أنهم قد أدوها عنه، فقد زال الضمان، وإن لم يعلم فالضمان باق عليه، فإن قال قائل: فإن وثب عليها جبار فأخذها بغير رأي صاحبها، ولا بطيب من نفسه فدفعها إلى الفقراء بحضرته وهو يرى ذلك، هل يبرأ من ضمانها؟ قيل له: لا يبرأ ولا يزول عنه الضمان، فإن قال قائل: ولِمَ لمْ يُزل عنه الضمان وقد زالت وصارت إلى الفقراء؟
قيل له لما وثب عليها الجبار فأخذها متعدياً على أخذها منه كان عليه ضمانها لصاحبها، فلا يجوز أن تكون لصاحبها ضمانها والفرض زائل عنه، فإن قال هل للفقراء أخذ الزكاة المأخوذة من غير أن يدفعها إليه من المزكّي؟ قيل له: لا، فإن قال أو ليس هي لهم؟
قيل له: هي للفقراء وليست لقوم منهم دون بعض، ولا هي من المال شيء معلوم دون غيره، وأنها يزول فرضها عن صاحبها؛ بأن يقصد إلى إخراجها»؛ (2) لأن الأمور بمقاصدها»، فلما أخذها منه الجبار غصباً دون رضى في ذمته يضمنها؛ لأنه لم يقصد إخراجها، أما إن نوى ذلك
(1) ابن بركة الجامع، 1/ 598 - 599.
(2) ابن بركة: الجامع، 599/ 1، 600. (4/123)
صفحة 1905
124
القواعد الفقهية عند الإباضية
فأخذها منه الفاسق أو الجبار وصرفها في مستحقيها، وعلم بذلك، برئت ذمته
وسقط عنه الضمان.
9 - في ضمان اللقطة:
اختلف الفقهاء في حكم اللقطة هل يجوز التقاطها والحفاظ عليها حتى يظهر صاحبها بعد تعريفها مدة عام؟ أم يتركها صاحبها في مكانها حتى لا يتحمل مسؤولية تلفها عنده؟
1 - ذهب جمهور الإباضية إلى جواز التقاطها وتعريفها، حتى يظهر صاحبها، ولا تسلّم له حتى يأتي بعلامتها لما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سأله أعرابي عن اللقطة فقال له: «عرّفها سنة، فإن جاءك مدعيها بوصف عفاصها)، ووكائها (2)، فهي له وإلا فانتفع بها» (3).
قالوا لا يجوز الانتفاع بها إلا إن كان فقيراً، فإن كان غنياً يصدق بها على الفقراء، وضمن قيمتها، فإن ظهر صاحبها سلّمها له. أما إباحة الرسول صلى الله عليه وسلم للأعرابي بالانتفاع بها بعد سنة، فيحتمل أن يكون الأعرابي
(1) قال ابن بركة في بيان معنى العفاص والوكاء والعلامة التي سماها النبي صلى الله عليه وسلم عفاصها ووكاؤها هو: معناها الذي فيه من خرقة أو جلدة أو غير ذلك يقوم مقامه أو يكون في معنى ذلك، وكذلك سميت العرب ما يشد به رأس القارورة عفاصها؛ لأنه كالوعاء، والصمام ما يدخل في فم القارورة فهو يسد به رأسها، وليس ذلك عفاصها. (2) الوكاء: هو الخيط الذي يشد به، يقال: أوكيت إكياء وعفصتها إعفاصاً إذا شد العفاص عليها، وإذا جعل لها الجاعل عفاصا فقال: عفصتُها. ينظر: ابن بركة، الجامع، 217/ 1. (3) متفق عليه، رواه البخاري في كتاب اللقطة، باب إذا لم يوجد صاحب اللقطة. فهي لمن وجدها، حديث: 2319 عن زيد بن خالد الجهني ه، قال: «جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسأله عن اللقطة، فقال: «اعرف عفاصها ووكاءها، ثم عرفها سنة، فإن جاء صاحبها وإلا فشأنك بها»، قال: فضالة الغنم؟ قال: «هي لك أو لأخيك أو للذئب»، قال: فضالة الإبل؟ قال: «ما لك ولها معها سقاؤها، وحذاؤها ترد الماء، وتأكل الشجر حتى يلقاها ربها»، ورواه مسلم كتاب اللقطة، حديث: 3333.
بعد
سنة (4/124)
صفحة 1906
الفصل السادس: القواعد الفقهية الكلية الصغرى
125
التقط شيئاً يسيراً، ويحتمل أن يكون الأعرابي فقيراً فأمره بالانتفاع بها، فهو إذا أحق بها لفقره). 2 ـ وذهب بعض الإباضية وغيرهم إلى عدم جواز أخذ اللقطة، وقالوا يجب على الملتقط أن يردها إلى مكانها ولا شيء عليه.
وردّ عليهم ابن بركة بقوله: وهذا عندي غلط من قائله؛ لأنها عرضها للتلف، بإلقائه لها بعد أن صارت في يده وخلصت لصاحبها عنده، وخالف أمر النبي ا إياها بحفظها وتعريفها، فأقلُّ أحواله أنه ضامن لها» (2). وحكى ابن بركة إجماع الإباضية على تضمين الملتقط للقطة إذا عرَّفها سَنَة، سواء ظهر صاحبها أو تلفت بسببه، أو تصدق بها على الفقراء، وهذا نصه: «واتفق أصحابنا على تضمين الملتقط اللقطة إذا عرّفها حوْلاً، وأمروه بالصدقة بها، ولم يسقطوا عنه الضمان بعد أن يفرّقها على الفقراء، ووافقهم على ذلك الحسن البصري ... وأمروه بحفظها لصاحبها بأن يتصدق بها بعد الحؤل إذا لم يعرف ربها، وألزموه بعد ذلك ضمانها، ولم يجعلوه إن شرقت خصماً. مطالبتها إذا وجدها مع سارقها ... » (3).
في
وخالفهم ابن بركة في هذا الرأي فقال: ونحن نطلب لهم الحجة في ذلك إن شاء الله» (4). ومقتضى كلامه أنه إذا غُصِبت منه اللقطة فلا يضمنها، ولا يطالب بها السارق؛ لأن هذا الأمر فوق طاقته، فهو فاعل خير لا مصلحة
له في أخذها، فلا نحمله تبعة ذلك ما دام لم يتسبب في ضياعها من يده. وقد نظر ابن بركة إلى ملتقط اللقطة نظرة مقصدية، فحكم عليه بالضمان باعتبار النية والقصد من أخذها حسب الاحتمالات التالية:
(1) ابن بركة: الجامع 213/ 1 - الثميني: الورد البسام، ص 249.
(2) ابن بركة: الجامع، 214/ 1.
(3) ابن بركة: المرجع نفسه، 214/ 1.
(4) ابن بركة نفسه. (4/125)
صفحة 1907
126
القواعد الفقهية عند الإباضية
هل كان يقصد بفعله الخيانة وإحراز ملك غيره دون حق، فيكون
متعدياً فيها. 2 - أم أخذها خطأ دون قصد الخيانة والاعتداء على مال الغير، بل كان غافلاً عن حكمها، فلعله يظن أن صاحبها لا يبحث عنها، أو لا يدري أن صاحبها ما زال حقه متعلقا بها، وقد يطلبها منه في يوم ما، ولذلك وجب الحفاظ عليها وضمانها.
- وقد يكون قد أخذها بقصد الحفاظ عليها لصاحبها، محتسباً بذلك أجرها عند الله، ولذلك فهو غير متعد عليه، بل محافظاً لمال أخيه من الضياع والتلف؛ لأنه يتوقع ظهور صاحبها فيطلبها، فلا يضمنها إن أخذها لنفسه وهو فقير، أو يتصدق بها على الفقراء إن كان غنياً أو متعففاً (1)؛ لأنه كان بفعله ذلك محسناً.
ولا بأس أن نورد عبارة ابن بركة زيادة في الإيضاح وتفصيلاً لما أجملنا، يقول في هذا الصدد: «والقاصد إلى أخذ اللقطة لا يخلو بأن يكون تناولها لنفسه، أو تناولها ليحفظها لصاحبها، أو تناولها غافلاً في أخذها لا ليخون ربها فيها، ولا محتسباً في أخذها لمالكها، فإذا كانت أحوال اللقطة لا تخلو من هذه الوجوه الثلاثة، والنظر يوجب عندي:
إن كان قصد إلى أخذها لنفسه ثم عزم على ردها وتاب من نيته وفعله فعليه الضمان في حال أخذه مال غيره بتعديه فيه، فالضمان الذي يلزمه بها لا يبرئه منها إلا الخروج إلى صاحبها منها.
وإن كان أخذه لها غافلاً في أخذها فالضمان أيضاً يلزمه؛ لأن «الخطأ في الأموال يوجب الضمان»، وأرجو أنه لا إثم عليه إذا لم يقصد إلى التعدي.
(1) ابن بركة نفسه، 214/ 1 - 218. (4/126)
صفحة 1908
الفصل السادس: القواعد الفقهية الكلية الصغرى
127
3 ـ وأما إن كان أخذها ليحفظها على ربها محتسباً لأخيه المسلم في ماله وحفظه له متأولاً بذلك قول الله تبارك وتعالى: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى (المائدة: 2). ولئلا يكون قد قدر على حفظ مال أخيه المسلم فيدعه حتى يتلف، فهذا أنه لا ضمان عليه؛ لأنه في الابتداء، محسن، وإذا كان في ابتدائه محسناً لم يكن لها ضامناً، قال الله تعالى: {مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَن من سبيل (التوبة: 91) (1). ولكن ما حكم الملتقط إذا أخذها على نية التعريف بها وحفظها لصاحبها
عندي
حتى يتسلمها، ثم ضاعت منه دون تعدّ هل يجب عليه الضمان؟
يقول ابن بركة في هذا الصدد: والذي يوجبه النظر عندي ما تقدم ذكره من اختياري فيها أن الملتقط إذا التقط ما يجب عليه تعريفها مما يعرف بوصف يوصل إلى معرفته، وهو عازم على أن يعرفه، ويقوم بحق الله فيه وحفظه لصاحبه، فضاع منه بغير خيانة كانت منه، لم يكن لها ضامناً؛ لأنه لم يتعد فيه ولم يتعمد، وإنما فعل ما أمره الله به من حفظ غيب مال أخيه المسلم، والحفظ عليه وما أمره النبي علي من التعريف لها (2).
أن
ثم يوضح ابن بركة أنه يجوز للملتقط المحتفظ للقطة مدة سنة بعد تعريفها ينتفع بها لحاجته، أو يأكلها إن كانت طعاماً، وإن كان غنياً تصدق بها على الفقراء، ويضمن قيمتها لصاحبها في الحالتين، وهذا ما اختاره ابن بركة كما يفهم من عبارته والذي نختاره أن الملتقط إذا قصد إلى أخذها محتسباً لربها في حفظها عليه، غير متعد فيها وكان فقيراً فليأكلها، وهو أحق بها بعد تعريفه إياها سنة، إذا كانت مما يوصل إلى معرفتها، وكانت مما تبقى إلى تلك المدة، وإن كان غنياً تصدق بها بعد المدة على الفقراء، وإن لها مالك
صح
بقيمتها على الملتقط غنيّاً كان أو فقيراً، إلا أن يختار ربها الآخر ...
(1) ابن بركة الجامع، 214/ 1 - 215.
رجع
(2)
ابن بركة: نفسه، 216/ 1. (4/127)
صفحة 1909
=
القواعد الفقهية عند الإباضية
128
فإن قال قائل: لم حكمتم بوجوب الضمان عليه بعد أن برئت ذمته منها؟ قيل له: إنما حكمنا له بالرجوع عليه كما حُكم لمن ملك مالاً حلالاً في الظاهر، يأكله وينفق منه ثم يستحقه عليه بعد ذلك مستحق، فلا يكون غاصباً فيما تقدم من فعله قبل الدرك، وهو مال الله تبارك وتعالى يحله لواحد وقتاً ويحرمه عليه وقتاً، والضمان قد يلزمه بغير التعدي لعلة من طريق التعدي). ولعل اختيار ابن بركة يترتب عليه مشقة وحرج على الملتقط، خاصة إذا مرت سنة بعد تعريف اللقطة فانتفع بها أو تصدق بها على الفقراء، ثم نطالبه بضمانها وتعويض مثلها أو قيمتها لصاحبها إذا طلبها، وهذا يتنافى مقاصد مع الشريعة التي تدعو إلى رفع الحرج والمشقة عن الناس، فالملتقط لم يتعد في تصرفه، بل تصرف وفقاً للمصلحة الشرعية وفي حدود طاقته، ولذلك فإنني أجد نفسي لا تميل إلى رأي ابن بركة ومن وافقه من الإباضية وأخالفهم في الرأي وأقول: لا ضمان عليه إن لم يظهر صاحبها بعد مرور الحول، ولعل هذا الرأي هو الأعدل والأنسب لموافقته لظاهر النصوص الثابتة في حكم اللقطة فهي تؤيده؛ حيث أباح الرسول صلى الله عليه وسلم للأعرابي أن ينتفع بها بعد تعريفها إن كان فقيرا، أو يتصدق بها إن كان غنياً. وهذا الرأي هو ما ذهب إليه الشافعي ومالك حيث قالا: إن وجد لها رباً بعد تعريفها سنة ردها، وإلا فهي وقد رُوي أن ابن عمر ـ مع زهده ـ كان إذا مر بتمرة ساقطة التقطها وأكلها (2)، وأما ابن عباس فرُوي عنه قوله: من وجد من سقط المتاع فلينتفع
(1) ابن بركة المصدر نفسه، 218/ 1.
له.
(2) رواه البيهقي في السنن الكبرى، كتاب اللقطة، باب ما جاء في قليل اللقطة، حديث: 11307 قال: «ومر ابن عمر بتمرة مطروحة في الطريق فأكلها قال البيهقي: رواه البخاري في الصحيح عن قبيصة، وأخرجه مسلم من وجه آخر عن الثوري دون ابن عمر. وقد رويناه من حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم، إلا أنه قال: «إني لأدخل بيتي أجد التمرة ملقاة على فراشي»، وفي رواية: ولا أدري أمن تمر الصدقة أو من تمر أهلي فأدعها»، وذلك لا يتناول (4/128)
صفحة 1910
الفصل السادس: القواعد الفقهية الكلية الصغرى
129
به، كالسوط والنعلين والعصا وشيء من سائر المتاع). قال ابن بركة: «وقد كان يُجوز ذلك كثيراً من أصحابنا» (2).
ونقل ابن بركة الرأي المخالف له ثم رجع عن رأي جمهور الإباضية بعد أن ظهر له الصواب والحق في غيره، وقال بعدم تضمين الملتقط، إذا لم يقصد بفعله التعدي، أما إن تصدق بها على الفقراء بعد تعريفها واليأس من صاحبها، عملًا بالقاعدة المشهورة كل مال جهل صاحبه فسبيله الفقراء والمساكين). يقول ابن بركة موضحاً وجهة نظره بعد عرض رأي الإباضية المجمع عليه: «قالوا: فإن لم يجد ربها وعدم معرفة صاحبها تصدق بها ملتقطها على الفقراء، وأجمعوا على تضمينه إياها بعد ذلك، وجعلوا الخيار لربها إذا جاء أنه كان مالكاً لها إن شاء أخذ بدلها مالاً مثلها، أو القيمة، أو
يطلبها، وصح
الثواب والأجر الذي هو عِوَض عنها، ولم أعلم أن أحداً من أهل الخلاف عليهم، أوجب الضمان على الملتقط لها إذا بالغ في طلب ربها ثم تصدق بها بعد سنة أو سنتين على ما جاء الخلاف بينهم، وقد وجدت أن لأبي أيوب
اللقطة. وقد ورد عنه ما يؤكد ذلك، فقد رُوي عنه أنه كان يدعو الناس إلى دفع اللقطة إلى الحاكم ولم ينقل عنه جواز أكلها، من ذلك ما رواه ابن أبي شيبة في المصنف، كتاب البيوع والأقضية في اللقطة ما يصنع بها؟ حديث: 21177 ونصه: «عن حبيب بن أبي ثابت، قال: سئل ابن عمر عن اللقطة، فقال: «ادفعها إلى الأمير وفي رواية أخرى عند ابن أبي شيبة في المصنف، كتاب البيوع والأقضية في اللقطة ما يصنع بها؟ حديث: 21184 عن ابن عمر، قال في اللقطة: «عرفها، لا آمرك أن تأكلها، لو شئت لم تأخذها». ورواه البيهقي في السنن الكبرى، كتاب اللقطة، باب اللقطة يأكلها الغني والفقير إذا لم تعترف بعد تعريف سنة ـ
حديث: 11275
(1) لم نعثر على هذه الرواية، وتوجد روايات أخرى تفيد هذا المعنى منها ما رواه ابن أبي شيبة في المصنف، كتاب البيوع والأقضية، ما رخص فيه من اللقطة، حديث: 21189 عن إبراهيم
النخعي، قال: «كانوا يرخصون من اللقطة في السير، والعصي والسوط».
(2) ابن بركة الجامع، 218/ 1.
(3) ابن بركة المصدر نفسه، 1/ 220 - 223. (4/129)
صفحة 1911
=
القواعد الفقهية عند الإباضية
130
وائل بن أيوب (1) (الحضرمي) فيمن لزمه ضمان من مال الناس لا يعرفهم من تجارة أربى فيها، أو ضمان التجاهل في البيع والشراء ثم رغب في التوبة، أن عليه أن يتصدق بها على الفقراء إذا لم يعرف أرباب تلك الأموال التي ضمنها وأخذها، ولم يوجب عليه بعد الصدقة ضمانا، وقد شككت في قوله في اللقطة، وأظن أن سبيلها عنده في زوال الضمان بعد الصدقة بها سبيل ما جناه التاجر في تجارته وما لزمه من الضمان في معاملته وعندي أن أمر اللقطة أيسر في باب العذر» (2) ..
واحتج بسقوط الضمان عن المتلقط غير المتعدي دون غيره بما ورد عن السلف الصالح، أنهم كانوا يتصدقون بالأموال التي جهل صاحبها كما فعل الإمام عبد الله بن يحيى الحضرمي (3) طالب الحق وغيره، فقال: «والحجة
(1) وائل بن أيوب الحضرمي، أبو أيوب (حي في 192 هـ) من أهل حضرموت باليمن. عالم فقيه، من الذين أخذوا العلم عن أبي عبيدة، وهو من الذين روى عنهم أبو غانم مدونته، فقد كان من طبقة الربيع ثم خلفه على رئاسة الإباضية بعد وفاته، كان الكثير من طلبة أبي أيوب من العراق وحضرموت وخراسان والحجاز. وكانت له مساهمات فعلية في إقامة إمامة طالب الحق باليمن، والإمامة بعُمان. وكانت له قدم راسخة في الفقه وعلم الكلام، حتى أن أبا عبيدة الصغير، عندما يسأل يقول: عليكم بوائل فإنه آخر عهد بالربيع. وكان في فتواه يحب التسهيل ويقول: إنما الفقيه الذي يعلم الناس ما يسع الناس فيه مما سألوا عنه، وأما من يضيق عليهم، فكل من شاء أخذ بالاحتياط. من آثاره: مناظرة مع رجل من المعتزلة، وله رة مشهورة ضمن مجمو سير علماء الإباضية تنبئ عن رسوخ قدمه وسعة اطلاعه. وله يرة في اعتقاد الدين منشورة. ينظر: الدرجيني، طبقات، 78/ 2. الشماخي، سير، 97/ 1. الباروني، مختصر تاريخ الإباضية، 25. ابن خلفون، الأجوبة، 10 ملحق.
سير
عة
(2) ابن بركة نفسه، 220/ 1، 221. - الثميني، الورد البسام، ص 249. (3) عبد الله بن يحيى بن عمر الكندي، أبو يحيى (طالب الحق) (ت: 130 هـ) إمام الشراة، وأحد أقطاب المذهب الإباضي في عهود تأسيسه. لم تشر إلى المصادر ظروف نشأته الأولى، بينما اهتمت بمناقبه وأعماله، والراجح انه ولد في حضرموت، وبها تلقى علومه الأولى. انتقل مع أبي الخطاب عبد الأعلى بن السمح المعافري إلى البصرة، ليأخذ ممن عاصرهم من التابعين،
وعلى رأسهم أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة، وضمام بن السائب ولما ملأ وطابه علما عاد إلى (4/130)
صفحة 1912
الفصل السادس: القواعد الفقهية الكلية الصغرى
131
توجب عندي أن اللقطة، إذا أخذها الآخذ لها على وجه التعدي أو الغفلة أن سبيله في أمرها سبيل من يلزمه ضمان مال لأحد الناس لا يعرفه إذا تصدّق به على الفقراء بعد إياسه لمعرفة صاحبه ... وإذا تناول اللقطة وكان أخذه إياها ليحفظها لصاحبها من طريق الاحتساب والقربة إلى الله في ذلك، وأن لا يضيع مال امرئ مسلم بين ظهراني المسلمين وهم يقدرون على حفظه، لم يلزمه الضمان إذا تصدّق بها على الفقراء بعد إياسه من معرفة صاحبها، قال الله جل ذكره: {مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِن سَبِيل} (التوبة: (91). واستند ابن بركة لترجيح رأيه بعدة أمور منها:
بن يحيى
لما
1 ـ قال: ويدل على صحة ما قلنا فعل عبد الله الحضرمي ظهر على اليمن واستولى على خزائن السلطان الذي كان بها مما كان جباه على سبيل الخراج من أموال أهل اليمن واختلطت الأموال فلم يعرف لها رباً، فتصدق بها على الفقراء ولم يرد الخبر أنه ألزم ضمان تلك الأموال، ولو كان يعتقد أن ضمانها يلزمه لم يقصد إلى مال غيره ويتلفه على أربابه ويلزم نفسه الضمان، وكان ينبغي على هذا أن يكون في فعله ذلك متعدياً حاشاه الله مما لا يليق في صفته» (1).
=
بلده اليمن، فتولى منصب القضاء أقام أول إمامة ظهور إباضية باليمن سنة 129 هـ / 746 م، وبايعه أصحابه على ذلك، فاتجه إلى دار الإمامة بحضرموت، فعامل واليها أحسن معاملة، ثم استولى على صنعاء، حيث خطب في الناس خطبة أبان فيها دعوته ومنهجه في الدعوة إلى دين الله الحق، وإلى نبذ الحكم الجائر أطنبت المؤرخون في ذكر صفاته الخلقية، فهو شيخ الزهد والورع، عادل في سيرته، متورع عن أموال المسلمين في خزائن بني أمية، إذ سارع إلى توزيعها على أصحابها من الفقراء والمساكين. الوسياني، سير (مخ)، 86/ 1. الشماخي، السير، 1/ 91. ـ الدرجيني طبقات 5/ 1،،،،،،187، 25/ 2 - 262، 265، 279. ابن الأثير: الكامل، 1388/ 5 - 3392 - ابن كثير: البداية والنهاية 36/ 10. ـ المسعودي: مروج الذهب، 259/ 3. - البطاشي: إتحاف الأعيان، 139/ 1 - 158.
(1) ابن بركة: الجامع، 222/ 1 - 223. (4/131)
صفحة 1913
132
القواعد الفقهية عند الإباضية
2 ـ واستدل أيضاً بما رواه الإباضية وغيرهم أن علي بن أبي طالب لما هزم طلحة والزبير ما وقصد ما كان جَبَياه من أموال أهل البصرة على وجه الخراج، وأنهما يستحقان في حال تقدمهما عليه، عمد إلى تلك الأموال وفرقها بين أصحابه، وكان عددهم كبير ()، وعلق ابن بركة على ذلك بقوله: ولا يجوز أن يكون علي بن أبي طالب فرقها على أصحابه علمه بأن مع أربابها يوصل إلى معرفتهم، فلما جعلها الإمام علي - كرّم الله وجهه ـ في عِزّ دولته على سبيل ما يجعل الزكاة التي هي صدقة للفقراء، فهذا يدل على أن هذه الأموال التى لا ربَّ لها يعرف أن سبيلها سبيل ما يتصدق به، ولم ير فيما عَلِمنا أن عليّاً ألزم نفسه ضمانها، وكل مال أيس من معرفة ربه أنه مصروف في الفقراء والمساكين، واللقط مال من هذه الأموال التي ذكرناها» (2).
ما يستثنى من القاعدة:
- تضمين الصناع:
أحد
استثنى جمهور الفقهاء من الإباضية وغيرهم من هذه القاعدة مسألة تضمين الصُّناع أو الأجير المشترك، وصاغ بعضهم لذلك ضابطاً فقهياً فقال: «كل صانع بكراء عليه ضمان ما أتلفه» (3).
وقد كان في صدر الإسلام أنّ الصانع محسن يحافظ على أمانات الناس استجابة لقوله تعالى: {مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِن سبيل (التوبة: 91)؛ «لذلك لم
(1) لم نعثر على هذه الرواية، وتوجد رواية أخرى تشير إلى هذا المعنى، أخرجها ابن أبي شيبة عائشة في المصنف، كتاب الجمل وصفين والخوارج، في وعلي وطلحة والزبير، مسير
حديث: 37146.
(2) ابن بركة: الجامع، 222/ 1 - 223.
(3) ابن جعفر: الجامع، 206/ 4 وما بعدها. الكندي محمد بن إبراهيم بيان الشرع، ج 405/ 40،
472. - الشماخي الإيضاح، 298/ 6 وما بعدها. ـ (4/132)
صفحة 1914
133
الفصل السادس: القواعد الفقهية الكلية الصغرى
يكن على الصانع أو الأجير ضمان فيما أتلف، لِقُرب العهد من عصر الرسالة، وما يلزم عنه من الأمانة والصدق، والنصح الله ورسوله، لكن لما فسد الزمن، وخربت الذمم، واتخذ الصناع من تصديقهم، وركون الناس لأمانتهم ذريعة لأكل أموال الناس بالباطل، كان لا بد من تضمينهم. وفي زمن عمر له رأى أن هؤلاء الصناع لا يصلحهم إلا تضمينهم ما أتلفوه وأفسدوه، وقد وافق الصحابة الكرام على تدبير عمر القضائي فكان إجماعاً» (1). وقد أشار بعض الفقهاء إلى الحكمة من تضمين الصناع، وعلل ذلك بقوله: «لأنهم اشتهروا بخلف الوعد والإهمال فيما عندهم من الثياب والنعال وغيرها من الأدوات الدنية والراقية، فكان تضمينهم من باب التنكيل بهم، ومعاقبتهم على خلفهم الوعد وإهمالهم فيما يؤتمنون عليه، ويسند إليهم إصلاحه أو تصنيعه» (2).
وقد أعمل الإباضية هذه القاعدة في فروعهم، وأشار إليها بعضهم بعبارات متقاربة في الصياغة والمعنى يقول محمد بن إبراهيم الكندي: «كل عامل بيده بالكراء فهو ضامن لما نقص من السلعة إذا كان نقصاناً لا يحتمله ما بين المكاييل والموازين.
ـ
وقال في موضع آخر: «فاعلم أن كل صانع بكراء إذا احتج أنه ضاع، لزمه ضمان غرمه، إلا أن يصح السبب الذي عناه، مثل: غضب أو حريق أو غرق أو سرقة، فعند ذلك يصدق أنه تلف ولا يلزمه غرم» (4). وقد صرح عثمان الأصم بتضمين الصناع، ونص بعدم تصديقهم إذا
(1) هرموش معجم القواعد الإباضية، ص 390.
(2) محمد بكر إسماعيل: القواعد الفقهية بين الأصالة والتوجيه، ص 219.
(3) الكندي محمد بن إبراهيم بيان الشرع، ج 405/ 40.
:
(4) الكندي: بيان الشرع، ج 40/ 472. ـ الشماخي الإيضاح، 313/ 6. ـ الأصم عثمان: البصيرة،
211/ 2 (4/133)
صفحة 1915
134
القواعد الفقهية عند الإباضية
ادعوا ضياع ما في أيديهم من متاع، وقال: وكل من عمل بالأجرة ثم ادعى ضياع العمل لم يصدق وعليه البينة وإلا غرم ... والأجراء الذين يعملون بأيديهم كلهم جميعا ضامنون، إذا تلف لم يصدقوا إلا ما صح من ذلك أنه تلف من غير أن يتلفوه، فيصدقوا فلا ضمان فيه، وإذا لزمهم الضمان سقط قدر ما عملوا، وإذا لم يلزمهم الضمان ولم يسلموا العمل، وتلف لم
عنهم
يكن لهم عناء» (1).
ويشير بعض فقهاء الإباضية إلى أحد أسباب تضييع الصناع لما في أيديهم، وذلك أنهم يحبسون مصنوعاتهم ومتاع الناس ضمانا لأجرتهم، فقد أجيز لهم ذلك حتى لا يضيع جهدهم إذا ما طلبهم الناس في دفع ما عليهم. ولكن يترتب على ذلك ضياع أموال الناس وتلفها إذا أهملت وتركت عندهم مدة طويلة، وحفاظاً عليها يضمنون في كل الأحوال.
يقول الشماخي في هذا الصدد وللأجراء منع الأشياء التي كانت في أيديهم حتى يأخذوا أجرتهم، وإن تلفت الأشياء في أيديهم وهي معمولة، فهم ضامنون لقيمتها مع أخذهم الأجرة في قول بعضهم. وقال بعضهم: إنما عليهم قيمتها وهي غير معمولة مصنوعة) ولم تكن لهم الأجرة، وإن تلفت بأمر غالب من سرقة أو حرق أو غير ذلك فلا ضمان عليه، وله أجرته ولا يذهب عمله باطلا؛ لأن المصيبة إنما نزلت بالمستأجر، وقد ذكر في الأثر: وإن أتى المستأجر بعذر من اللصوص، أو سلب أو مكابرة، وأقام على ذلك بينة، فلا ضمان عليه ولا كراء له، فلعل صاحب هذا القول إنما ذهب إليه؛ لأن الأجرة إنما استوجبت في مقابلة العمل، وإذا تلف العمل بتلف محله قبل أن يدخل في يد مالكه يطلب الأجرة واشتركا في المصيبة (2).
(1) الأصم عثمان: البصيرة، 215/ 1. (2) الشماخي: الإيضاح، 313/ 6 - 314. (4/134)
صفحة 1916
الفصل السادس: القواعد الفقهية الكلية الصغرى
135
واختار الشماخي القول الأول وصححه وقال: «والقول الأول أصح» (1)، وهو ما نميل إليه ونعتمده؛ لأنه الأعدل والأظهر من الأقوال. ويضيف الشماخي في السياق نفسه: «وأما إن حبس الصانع ما في يده بعدما استوفى أجرته من غير عذر يحول بينه وبين المضي به إلى ربه، أنه ضامن له لكل حال ولو سرق أو حرق. وأما كل ما تلف في أيدي الأجراء مما أتى على أيديهم من كسر أو حرق أو قطع في المصنوع فهم له ضامنون؛ لأنهم هم الذين أفسدوا بأيديهم والخطأ في الأموال لا يزيل الضمان (2).
أدلة القائلين بتضمين الصناع:
استدل القائلون على تضمين الصناع بأدلة كثيرة نذكر منها:
1 - ما روي عن علي - كرم الله وجهه ـ أنه كان يضمن الأجراء، ويضمن الصناع والصوّاغ ويقول: «لا يصلح للناس إلا هذا (3).
(1) الشماخي: المصدر نفسه، 314/ 6.
(2) الشماخي نفسه. - عثمان الأصم البصيرة، 1/ 215. - أطفيش أمحمد: شرح كتاب النيل للثميني، 271/ 10 - 272.
(3) السنن الكبرى للبيهقي، كتاب الإجارة، باب ما جاء في تضمين الأجراء، حديث: 10895، عن الشافعي قال: «قد ذهب إلى تضمين القصار شريح، فضمن قصارا احترق بيته فقال: تضمنني وقد احترق بيتي، فقال شريح: أرأيت لو احترق بيته كنت تترك له أجرك؟» أخبرنا بهذا عنه ابن عيينة. قال الشافعي: وقد روي من وجه لا يثبت أهل الحديث مثله أنّ علي بن أبي طالب ضمن الغسال و الصباغ وقال: لا يصلح الناس إلا ذلك. أخبرنا إبراهيم بن أبي يحيى، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، أن عليا قال ذلك. قال: ويروى عن عمر تضمين بعض الصناع من وجه أضعف من هذا، ولم نعلم واحداً منهما يثبت قال: وقد روي عن علي من وجه آخر أنه كان لا يضمن أحداً من الأجراء من وجه لا يثبت مثله. وثابت عن عطاء بن أبي رباح أنه قال: لا ضمان على صانع، ولا على أجير». ورواه البيهقي في معرفة السنن والآثار، كتاب الصلح، باب تضمين الأجراء، حديث: 53803. (4/135)
صفحة 1917
136
القواعد الفقهية عند الإباضية
2 - وقال ابن رشد ومن ضمنه فلا دليل له إلا المصلحة، وسد الذريعة، ووجه هذه المصلحة أنهم لو لم يضمنوا لاستهانوا بالمحافظة على أمتعة الناس وأموالهم، وفي الناس حاجة شديدة إليه، فكانت المصلحة في تضمينهم ليحافظوا على ما تحت أيديهم). - وقالوا بأن عمل الأجير المشترك مضمون عليه، ودليل ذلك أنه لا يستحق العوض إلا بالعمل، وأن الثوبَ لو تلف في حرزه بعد عمله لم يكن أجر فيما عمل فيه، وكان ذهاب عمله من ضمانه، وإذا كان عمله مضموناً عليه وجب أن يكون ما تولد من العمل أيضاً مضموناً عليه. أدلتهم أيضاً، أنّ الحفظ مستحق على الصانع إذ لا يمكنه العمل إلا
ومن
به، فإذا هلك بسبب يمكن الاحتراز عنه ـ كالغصب والسرقة ـ كان التقصير من جهته فيضمنه وقاسوا ذلك على الوديعة إذا كانت بأجر فإنه يضمن، وإن كانت العين عنده أمانة، ولذلك قالوا: لا يضمن إذا هلك بالحريق الغالب وغيره؛ لأن التقصير لم يكن من جهته، ولأن الهلاك حصل بسبب لا يمكن الاحتراز عنه.
ه - واستند بعضهم أيضاً في استدلاله على الاستحسان فقالوا: إن تضمين الأجير المشترك نوع استحسان لصيانة أموال الناس (2).
تطبيقات القاعدة:
- من فروع القاعدة ما ذكره ابن جعفر في جامعه من جواب محمد بن أحمد السعالي (3): في رجل طرح إلى صقيل سيفاً يصقله له بالكراء، وادعى
(1) ابن: رشد بداية المجتهد، 2/ 230.
73
(2) البغا مصطفى ديب، أثر الأدلة المختلف فيها في الفقه الإسلامي ـ رسالة دكتوراه ـ نشر وتوزيع دار الإمام البخاري حلبوني، دمشق، د. ت، ص (3) محمد بن أحمد السعالي النزوي، أبو علي (ق: 4 هـ) من الفقهاء، عاش في القرن الرابع
= (4/136)
صفحة 1918
الفصل السادس: القواعد الفقهية الكلية الصغرى
137
الصقيل أن بيته نهب، وأن السيف ذهب في ذلك النهب، ما يلزمه في ذلك؟ وإن كان يلزمه السيف وادعى أن عنده بيّنة، فعلى ما تشهد البينة على نهب البيت أو على ذهاب السيف؟ فأجابه: «فالذي نأخذ به من القول: إن الذي يأخذ بالأجر على الأعمال إذا ادعى ذهاب الشيء من يده بغصب أو سرق أو حرق، يلزمه البينة على دعواه، وإلا فهو غارم له إذا أنكر صاحب الشيء أنه ما يعلم أنه غُصب أو سرق أو حرق من يد الصانع، وإذا شهدت البينة بذهاب هذا السيف من يده بأحد الآفات التي تعرضه للذهاب فيها، برئ من ضمانه، ولا نجيز بشهادة الشهود على نهب البيت؛ لأنه يمكن أن ينهب الشيء من البيت ويسلم السيف عن القول الذي نأخذ به» (1).
ويعمم ابن جعفر هذا الحكم على جميع الصناع إذا ادعوا تلف أو ضياع ما بأيديهم، فيجب عليهم تحمل ذلك على حد قوله: «قلت: وكذلك النساج والصانع والحداد وأمثالهم ممن يعمل بيده إذا ادعوا أنها تلفت، هل عليهم غرم؟ قال: فإذا كان بأجر فقد اختلف في ذلك، وأُحب أن يضمن إذا كان صانعاً بيده بالأجر» (2).
ويبين ابن جعفر في موضع آخر ما يلزم الصانع جراء تقصيره فيقول: «فإذا عمل هذا الصانع عملاً ثم ضاع فله كراه فيما يلزمه فيه الضمان، وما لم يلزمه فيه ضمان لم يكن له في عمله كراء، وقيل إذا قرض الفأر الثوب من بيت القصار ضمن، وقال: وكان يجعله في صندوق؛ لأن البيت حصين من السارق وليس بحصين من الفأر، وقال من قال من قومنا إنه يضمن من كان من فعل
374
الهجري، من شيوخه: أبو عبد الله محمد بن الحسن بن الوليد السمدي. ينظر: فواكه العلوم، 246/ 1. ـ البطاشي: إتحاف الأعيان، 434/ 1. معجم أعلام الإباضية، ص: (1) ابن جعفر: الجامع، 207/ 4.
(2) ابن جعفر المصدر نفسه. (4/137)
صفحة 1919
138
القواعد الفقهية عند الإباضية
قال:
نفسه، وأما فعل غيره فلا أرى، ورأي أصحابنا أحب إلي» (1)، وهو الضمان ما دام الثوب في يده. ونقل أبو الحواري عن بعضهم أنه لم يكن يرى عليه ضمانا إذا قرضه الفأر من بينه، قال أبو سعيد: «نعم قد قيل هذا، وقال لا ضمان على أحد من أهل الصناعة إلا ما جنت أيديهم، وقال من قال يلزم الصناع الذين يصنعون بأيديهم ... » (2).
من
2 - ومن فروعها أيضاً: ما ذكره أبو سعيد الكدمي جواباً عن سؤال «عن رجل يعمل للناس الثياب بالكراء، فسلّم إليه الرجل كُبّة غزل ليعملها له ثوباً بكراء معروف، فرفعها عند جيران له حيث يرفع غزله أو غزل الناس، فوقع السلطان على جيرانه فنهبهم ونهب غزله وهذه الكُبّة، فهل عليه غرم فيما نهبه السلطان من غزل الناس وقد رفعها عند جيرانه؟
قال معي
صفتك، فإذا جعل الغزل حيث يأمن عليه وظهر أخذ السلطان له
أو غيره من القاهرين فليس عليه ضمان في الحكم» (3).
ويؤكد الأصم هذا الحكم بقوله: «وإن أفسد النساج الثوب فله عمله،
وضمن الغزل بردّ مثله أو قيمته إلى ربه» (4).
3 ـ ومن فروعها أيضاً ما نقله القطب في شرح النيل بما نصه: «ومن أتى يصوغ (من ذهب أو فضة) يلحمه فانكسر عند اللحام ضمن؛ لأنه أُمر أن يلحمه لا أن يكسره، وإن شرط عدم الضمان فلا ضمان إلا إن ضيع، وإذا قلب الصانع الشيء، ولم ير فيه شيئاً، ثم عمله فرأى فيه حرقاً أو كسراً ونحو ذلك مثل: أن يُقصِّر الثوب أو يغسله، ضمن إلا إن قال صاحب ذلك من عنده» (5).
(1) ابن جعفر: الجامع، 208/ 4 - 209.
(2) ابن جعفر المرجع نفسه.
(3) الكدمي: الجامع المفيد، 2/ 250 - 251.
(4) الأصم عثمان: البصيرة، 211/ 1.
(5) أطفيش: شرح كتاب النيل، 273/ 10. (4/138)
صفحة 1920
الفصل السادس: القواعد الفقهية الكلية الصغرى
139
4 ـ ومنها: ما يحدث من نزاع واختلاف بين الصانع وصاحب السلعة إذا لم يلتزم أحدهما بشروط عقد الإجارة، فيغيّر في صفته بزيادة أو نقصان، فإنه يضمن، وقد عالج فقهاء الإباضية هذه المسألة، وبينوا حكمها وما يترتب عنها. يقول ابن بركة في هذا الشأن: «وإذا اختلف صاحب السلعة والعامل فيها، كان القول قول صاحب السلعة، مثال ذلك: أن يدفع رجل إلى خياط ثوباً ليقطعه قميصاً أو قباء أو سراويل، أو يدفع إلى صبّاغ ثوباً ثم يختلفان، فالقول قول صاحب السلعة؛ لأنه لا خلاف بين العلماء من أهل الوفاق وأهل الخلاف أن من أحدث حدثاً في مال لا يملكه أنه مأخوذ بحدثه، وأن الدعوى لا تنفعه، والخياط مقر بأن الثوب لربه، وأنه أحدث فيه حدثاً، وادعى إذنه وإجازته عليه،
فإن أقام بينة على دعواه، وإلا حلف صاحبه وضمنه ما أحدث في ثوبه» (1). ويرشد الشماخي أيضاً إلى كيفية حلّ هذا الخلاف قضاءً فيقول: «وإذا اختلف الصانع ورب المصنوع في صفة الصنعة، مثل: إن قال الصانع أمرتني أن أقطع هذا الثوب سراويل، وقال له رب الثوب: بل أمرتك أن تقطعه قميصاً، فالقول قول رب الثوب، وعلى الصانع البينة؛ لأنه مدعى عليه في شبيه، وقال آخرون: القول قول الصانع، وعلى رب الثوب البينة؛ لأنه حين أقر للصانع بالقطع صار مدعياً، والقول الأول فيما يوجب النظر أصح. وكذلك أيضاً، على هذا المعنى إن اختلف في صفة الصباغ، إن قال له ربّ الثوب: أمرتك أن تصبغه أحمر، فقال له الصانع، بل أمرتني أن أصبغه أسود» (2).
ويضيف الشماخي قائلاً: «وإن أتى الصانع بالبينة فليأخذ الشيء شيئه، وإن لم تكن له بينة، حلف رب الثوب على قوله، ثم هو بعد بالخيار، إن شاء أخذ قيمة الثوب غير معمول ثم يكون للصانع، وإن شاء أخذ ثوبه بصباغه، ويعطي
(1) ابن بركة: الجامع، 394/ 2. (2) الشماخي: الإيضاح، 318/ 6 (4/139)
صفحة 1921
القواعد الفقهية عند الإباضية
للصباغ قيمة ما نقصه ذلك عن قيمة ثوبه الأول. وإن ادعى الصباغ ردَّ ما في أيديهم وأنكر ذلك، أصحاب الأشياء، فالقول قول أصحاب الأشياء، وعلى
الصباغ البينة؛ لأنهم ضامنون لما في أيديهم ولا يبرئهم سوى البيان). ويؤكد ابن جعفر هذا المعنى فيقول: قال صاحب الثوب للخياط: أمرتك أن تعمله قميصاً فعملته سروالاً، أو قال للصابغ أمرتك أن تصبغ الثوب أصفر فصبغته أحمر، وكذلك الصابغ والنتاج فيقول العامل: أمرتني أن أعمله كذا وكذا، ويقول المعمول له بل أمرتك أن تعمله كذا وكذا، فالقول في كل هذا قول صاحب البضاعة، والعامل ضامن لقيمة ذلك لصاحبه وعمله ذلك له. وخالف أبو المؤثر ذلك فقال: العامل في الصناعة، وأما في الأجرة، فالقول قول صاحب السلعة المعمول له» (2). ه ـ ومنها: في كيفية الضمان إذا أفسد الصانع السلعة: يقول ابن جعفر: وكذلك النساج إذا عمل الثوب وأفسد عمله، كان عليه أن يضمن لصاحبه مثل غزله، ويأخذ هو ذلك الذي عمله إلا إن يتفقا أن يأخذه صاحبه، ويلحق العامل بما بقي عليه من قيمة ما لزمه وأما الصبّاغ الذي صبغ الثوب بغير ما أمره به صاحبه لزمه ضمانه، فإذا طلب صاحب الثوب أن يأخذ ثوبه وطلب الصباغ كراءه، فإن الثوب يقوم أبيض مصبوغاً، ثم للصباغ على صاحب الثوب ما زاد الصبغ فيه. وإن كانت قيمته ناقصة على الأبيض قيل له: إن شئت فدع الثوب وخذ قيمته أبيض، وإن شئت فخذه وما نقص من قيمته وردّ الصباغ في ثوبك وقال من قال: لا شيء للصبغ؛ لأنه أثر ليس بعين،
قيمة صبغه؛
لأنه
والعين ما قدر على إخراجه (3).
(1) الشماخي: المصدر نفسه، 318/ 6 - 319. (2) ابن جعفر: الجامع، 213/ 2.
(3) ابن جعفر: المرجع نفسه، 213/ 4 - 214. (4/140)
صفحة 1922
المطلب السابع
قاعدة: «الأجر والضمان لا يجتمعان»
هذه القاعدة مشهورة نصت عليها مجلة الأحكام العدلية العثمانية في المادة السادسة والثمانون (1)، واعتمدها الإباضية في فروعهم الفقهية، وقد نص عليها الشماخى فى باب الإجارة وغيرها فقال: «إذا استأجر دابة إلى مكان فجاوز ذلك المكان، فقد ذكر في الأثر فإن له الأجر فيما تسمى ولا أجر له فيما لم يسم؛ لأنه قد خالف ويضمن، ولا يجمع والأجر فيما خالف» (2).
أولا - بيان مدلول القاعدة:
الأجر: أي بدل المنفعة.
الضمان: هو الغرامة لقيمة الشيء أو نقصانه.
الضمان
لا يجتمعان إذا اتَّحدت جهتهما، لأن الضمان إنما يكون بسبب التعدي،
والتعدي على مال الغير غصب له، أو كالغصب.
وعقد الإجارة لا يبقى مع صيرورة المستأجر ضامناً، بل يرتفع، إذ لا يمكن اعتباره مستأجراً أميناً، وغاصباً ضميناً في آن واحد؛ لتنافي الحالتين (3). ـ ويشرط في عدم اجتماع الأجر والضمان اتحاد السبب والمحل فيهما،
وإلا فالاثنان قد يلزمان في وقت معاً.
(1) علي حيدر أفندي، كتاب درر الحكام شرح مجلة الأحكام، دار الكتب العلمية، بيروت 78/ 1. ـ وينظر: الزرقا: أحمد شرح القواعد الفقهية القاعدة الخامسة والثمانون، المادة
(86) ص
(2) الشماخي: كتاب الإيضاح، 298/ 6 - 299. (3) الزرقا أحمد شرح القواعد الفقهية، ص 431. (4/141)
صفحة 1923
142
القواعد الفقهية عند الإباضية
قال أحمد الزرقا: «وقيَّدنا بقولنا: إذا اتحدت جهتهما ليخرج ما إذا اختلفت جهتهما، وذلك كما لو استأجر دابة لركوبه فركبها، وأردف وراءه ليستمسك بنفسه، وكانت تطيق حمل الاثنين فعطبت بعد بلوغ المقصد، فعليه كل الأجر ويضمن نصف قيمتها، وذلك لعدم اتحاد جهة الأجر وجهة الضمان، ولو كانت لا تطيق حمل الاثنتين ضمن كل قيمتها). وعليه فيلزم الأجر على المستأجر، لأنه قد استوفى المنفعة المرادة من استئجار ذلك الحيوان بوصوله للمكان المقصود، ويُلزم ضمان نصف قيمة الحيوان، لأنه يكون قد تعدى بإردافه شخصا خلفه.
والحاصل أنه لما كان سبب لزوم الأجر، وسبب الضمان مختلفين، يلزمان في وقت معاً، ولا يقال بأن الضمان قد اجتمع مع الأجر، فلكلّ غير سبب الآخر (2).
والمعنى الإجمالي للقاعدة:
أنه لا تجب الأجرة في الحالة التي يجب فيها الضمان ولا يجب الضمان في الحال التي يجب فيها الأجرة، وبعبارة أخرى فمن وجب عليه ضمان الشيء بمقتضى موجب شرعي؛ فإنه لا يلزمه أجر ما ينتفع به منه، فلو استأجر شخص
دابة فهلكت بالتعدي أو الإهمال، فإنه يضمن قيمتها ويسقط عنه الأجر (3). ولو استأجر أيضاً سيارة فعطبت بلا تعد لا يضمن سوى الأجرة، وإذا غصبها فهلكت عنده، يضمن قيمتها ولا أجرة عليه كيلا يجتمع عليه الأجر والضمان.
(1) الزرقا: شرح القواعد الفقهية، ص
(2) حيدر: شرح مجلة الأحكام 79/ 1. -:وينظر محمود: هرموش: معجم القواعد الفقهية
الإباضية، ص 65.
(3) مدكور محمد سلام مدخل الفقه الإسلامي، ص 121 - 122. (4/142)
صفحة 1924
الفصل السادس: القواعد الفقهية الكلية الصغرى
143
وذهب الإباضية إلى أنه إذا استعمل السيارة أو انتفع بالعين المؤجرة مدة اغتصابه؛ فإنه يضمن للمغصوب أجر المنفعة الضمان (1)، وهذا خلافاً لما مع
ذهب إليه غير الإباضية (2).
ثانيا - فروع القاعدة:
1 - من فروع القاعدة ما ذكره الشماخي في: «ما لو استأجر رجل من رجل بيتاً شهراً فسكنه، شهرين، أو استأجر دابة إلى مكان فجاوز ذلك المكان، فقد ذكر عبد الله بن عبد العزيز (3) أنّ له الأجر فيما سمى ولا أجر له فيما لم يسم؛ لأنه قد خالف ويضمن، ولا يجتمع الأجر والضمان فيما خالف. وقال الربيع: عليه الأجر فيما خالف أيضاً إن سلمت الدابة، وإن لم تسلم فعليه الضمان، وليس عليه الأجر. وذهب أبو عبيدة مسلم إلى وجوب الضمان والأجر معاً مطلقاً، سواء سلمت الدابة أو عطبت إذا تعدى المدة المتفق عليها في العقد» (4). مما تقدم يمكن القول أن جمهور الإباضية كأبي عبيدة وعبد الله بن عبد العزيز والربيع بن حبيب وغيرهم من فقهاء الإباضية اتفقوا على أنّ
المستأجر يجب عليه الأجر المسمى في العقد مقابل الانتفاع بالسكن في المحددة، وهي شهر، والانتفاع بالدابة إلى المكان المحدد، ولا ضمان على المستأجر، واختلفوا فيما إذا تعدى المستأجر ما اتفق عليه في عقد الإجارة، فزاد في مدة الإجارة وسكن، شهرين أو تجاوز المكان المحدد، ففي الحالة، هل يجب عليه إيجار المثل للمدة والمسافة الزائدة؟ أم يضمن تلك المدة وتلك المسافة المضافة على المتفق عليه بسبب التعدي؟ وهل
(1) الأصم عثمان: البصيرة، 146/ 1.
(2) هرموش: معجم القواعد الفقهية الإباضية، ص 64.
(3) تقدمت ترجمته.
(4) الشماخي: الإيضاح، 298/ 6 - 301.
هذه (4/143)
صفحة 1925
144
القواعد الفقهية عند الإباضية
عليه الضمان في حالة التلف والعطب؟ أم لا يجب عليه إذا سلمت العين المؤجرة من الأضرار؟ وهل يجب عليه أجر المثل إذا سلمت، ويضمن إذا عطبت وهلكت؟ أم عليه الضمان والأجر مطلقاً؟
والحاصل في المسألة ثلاثة أقوال: الأول: ذهب ابن عبد العزيز إلى أنه يجب عليه الضمان دون الأجر في المدة والمسافة المتجاوزة، لأن الأجر والضمان لا يجتمعان»؛ فبالتعدي أصبح ملزماً بالضمان، فإذا هلكت الدابة أو العين المؤجرة ضمن، وإلا فإنه لا يجب عليه إلا الأجر المسمى.
الثاني وذهب الربيع بن حبيب إلى وجوب أجر المثل إذا تعدى وتجاوز مدة الإيجار أو المسافة المحددة إلى المكان المقصود، ولا يجب عليه الضمان إذا هلكت الدابة بعد التعدي أو تضررت الدار بعد نهاية المدة المتفق عليها، وهذا القول يتوافق مع قول ابن عبد العزيز في إعمال القاعدة، وهي أن «الأجر
والضمان لا يجتمعان». الثالث يرى أبو عبيدة أن الضمان والأجر يجتمعان معاً إذا تعدى المستأجر وجاوز المسافة المحددة، أو المدة المعينة في العقد، فيكون ذلك غير خارج عن القاعدة، فكأنه يقول الأجر والضمان يجتمعان في التعدي ولا يجتمعان
عند عدمه (1).
2 ـ ومن فروعها أيضاً: أنه إذا اكترى رجل سيارة ليحمل عليها عشر قناطر من القمح، فحمل عليها أكثر من ذلك، فتعطلت السيارة بسبب تلك الزيادة؛ فمذهب ابن عبد العزيز - في هذه الحالة - أنه ضامن لقيمة الدابة أو السيارة بحساب ما زاد عنها وعليه الأجرة تامة إذا كانت قد بلغت المكان، ويرى الربيع أن عليه قيمتها تامة ولا أجر عليها (2).
(1) الشماخي: المصدر نفسه، 299/ 6 - 300.
(2) الشماخي: المصدر السابق. (4/144)
صفحة 1926
الفصل السادس: القواعد الفقهية الكلية الصغرى
ونقل الشماخي في «الإيضاح» ما جاء في الأثر عن وائل (بن أيوب الحضرمي) قال: وفي الخَبًا مشايخ من أهل حضرموت فقهاء علماء، فسألتهم
عن رجل اكترى دابة إلى موضع معلوم فجاوز الموضع فتلفت الدابة، قال: فأجمعوا كلهم أنه ضامن، قال: قلت لهم ما تقولون في الكراء؟ قالوا: ما نرى عليه الكراء إذا ضمناه ثمن الدابة، قال: وكان أبو عبيدة غائباً أو نائماً فاستيقظ قال: وقال لي حاجب (1): يا حضر مي سَل الشيخ عن المسألة قال: فسألته قال: يضمن ثمن الدابة والكراء جميعاً قال: فقال له محمد بن سلمة (2): من أين يا أبا عبيدة يضمن الكراء؟ قال: من حيث لا تعلم».
(1) حاجب بن مودود الطائي، أبو مودود (ت: حوالي 150 هـ) من طي، أصله من البصرة، ومولده بها، عالم وفقيه وداعية، تلقى العلم عن أبي عبيدة مسلم، وكان ساعده الأيمن في نشاطاته. أوكل إليه مهمة الإشراف على الشؤون المالية والعسكرية، والمتابعة لسير الدعوة خارج البصرة، وكان منزل حاجب مجلساً للذكر، يحضره المشايخ والفتيان، ويقصدونه خفية وتستراً من ولاة الأمويين. جاوز أثره البصرة إلى حضرموت واليمن والمغرب. ويذكر أن حاجباً هو الذي جمع الأموال التي جهز بها أبو حمزة الشاري جيشه لدخول مكة والمدينة وإنقاذها من جور الأمويين. إلى جانب ذلك كان فقيهاً وخطيباً ومناظراً، وله سيرة تدل على سعة علمه وغزارة فقهه. ولما مات قال الخليفة العباسي أبو جعفر المنصور (ت: 158 هـ (775 م): ذهبت الإباضية». ـ ينظر: أبو زكرياء: السيرة، 1/ 64. - الدرجيني: طبقات،242/ 2، 252، 262، 276، 481 ابن مداد سيرة، 6، 8، 9، 19 - 20. - الشماخي: السير، 84/ 1، 86. (2) محمد بن سلمة المدني (ق: 2 هـ) أحد تلاميذ أبي عبيدة، وأحد فقهاء الإباضية بالمدينة المنورة. له شأن كبير عند شيخه، حتى يذكر أن أبا عبيدة لم يكن يقوم من مجلسه لمن يأتيه إلا لمحمد بن سلمة، ومحمد بن حبيب، المدنيين احتفاء بهما، لأنهما من مدرسة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان يعتنقهما. لم تذكر المصادر شيئاً عن وفاة الشيخ محمد سلمة بن ولا عن ولادته، رغم أن البعض يذكر أن من الممكن أن تكون وفاته في ركة وادي القرى معر مع جيش أبي حمزة سنة: 131 هـ. - ينظر: الراشدي: 241. - طبقات الدرجيني: 242/ 2. سير الشماخي: 1/ 90. - الباروني: الأزهار، 108/ 2. (3) الشماخي: 6/ 300 - 301. (4/145)
صفحة 1927
187
القواعد الفقهية عند الإباضية
يعني
وعلق أبو ستة المحشي على قول المشايخ وقول أبي عبيدة فقال: «قوله ما نرى عليه الكراء، ينظر هل المراد أنه لا كراء عليه تعدى حيث ضمنها؟ أما الحمل الذي يحكم عليه فيه بالضمان لا يحكم فيه بالكراء. ولا شك أنه لا يحكم عليه بالضمان إلا ما بعد التعدي، وأما الكراء السابق على التعدي فالظاهر أنه لازم بالاتفاق؛ لأنه لا ضمان معه، أو المراد أنه لا كراء عليه أصلا حين ضمن ثمن الدابة وهو المتبادر من ظاهرة العبارة. والمناسب لقول الربيع عليه قيمتها تامة ولا أجر عليها، والأول المناسب لما تقدم من الخلاف بين ابن عبد العزيز والربيع، فإن الظاهر أنه في الزائد فقط» (1).
جميع
هو
وحاول أبو ستة أن يوضح قول أبي عبيدة في إلزام المستأجر المعتدي الضمان والأجر معاً، فقال: (قوله: ثمن الدابة والكراء جميعاً، ينظر أيضاً هل المراد بالكراء الكراء المتفق عليه فقط، فيكون المشايخ يسقطونه عنه لأجل ضمان، وأبو عبيدة يوجبه لترتبه في ذمته قبل التعدي مثلاً؟ أو المراد به المسمى مع كراء المثل أيضاً؛ لأن ما عملت الدابة مثلاً قبل تلفها فهو لصاحبها والضمان إنما جاء وقت التلف فقط، فيما إذا يسقط ما تقدم عليه. أو المراد كراء المثل فقط، وهو كراء التعدي، وذلك أن المشايخ ـ رحمهم نفوا عنه كراء المثل، حيث أوجبوا عليه الضمان وأبو عبيدة رحم الله أوجبه عليه للعلة السابقة، وأما الكراء المسمى فهو محل الاتفاق نظراً إلى علية ترتبه في ذمته قبل التعدي» (2). ويبدو أن أبا ستة يميل إلى قول أبي عبيدة في الضمان والأجر معاً عند التعدي، وهذا ما استظهره من الأقوال، فقال: «والظاهر قول أبي عبيدة (3).
(1) أبو ستة القصبي: الحاشية على كتاب الإيضاح للشماخي، 301/ 6.
(2) أبو ستة: المصدر السابق.
(3) المصدر نفسه.
الله - (4/146)
صفحة 1928
الفصل السادس: القواعد الفقهية الكلية الصغرى
147
مع
مقاصد
ولكن بعد النظر في الأقوال المتقدمة يظهر أن ما ذهب إليه ابن عبد العزيز والربيع بن حبيب هو القول الأعدل والأقرب إلى الصواب؛ لتماشيه الشريعة في رفع الحرج والمشقة عن الناس في معاملاتهم، وهو ما تقرره أيضاً القاعدة الفقهية المشهورة «لا ضرر ولا ضرار».
ما يستثنى من القاعدة في باب الغصب:
خالفنا
ومن فروعها ما ذكره ابن بركة في ضمان المغصوب مع الكراء أنه: «إذا اغتصب رجل داراً أو دابة أو عبداً وهلك المغصوب في يد الغاصب، أنّ عليه ضمان المغصوب والكراء إن كان يستعمل شيئاً من ذلك، أو استعمله في مدة ما كان في يده، فإن قال قائل لِمَ أوجبتم الضمان والكراء وقد خالفكم في إيجاب الكراء أهل العراق (الحنفية)؟ قيل له: قد أجمع أهل العراق عند أهل الحجاز (1) عندنا على أن رجلًا لو اغتصب الرجل أمة فوطئها وماتت في يده، أن عليه عقرها لسيدها، وضمان قيمتها، فإجماعهم معناه على هذا يوجب تصويبنا في ذلك، وغلط فيما فرّق بين المغصوبات، وفي نسخة المضمونات» (2). - أما إن غصب أمة فوطئها وبقيت حية عنده، فعليه عقرها وردها، وإن باعها فوطئها المشتري فولدت له فأولادها للمغصوبة منه، ويرجع المشتري على الغاصب بثمنها، يقول عثمان الأصم في هذا المعنى: «وإن كانت جارية فوطئها فعليه عقرها وردها، وإن ولدت أولاداً فعليه ردها، وهي وما ولدت لمولاها الذي غصبت منه وإن باعها فوطئها فولدت له أولاداً فجاز بها فأخذها، فإنه يأخذها ويأخذها المشتري قيمة أولادها عبيداً، ويأخذ من
(1) لعله يقصد فقهاء المالكية والحنابلة.
(2)
ابن بركة: الجامع، 408/ 2.
من (4/147)
صفحة 1929
148
القواعد الفقهية عند الإباضية
المشتري عقرها، ويرجع المشتري على البائع الغاصب بمال أعطاه من ثمنها، وما أخذ منه قيمة أولاده فيأخذه منه، وهذا كله إذا ذلك» (1).
صح
ولعل قائل يقول: لماذا نورد مثل هذه المسائل المنقرضة في هذا العصر، وقد مضى وولى زمن الإماء والعبيد؟
نقول: لا بد من معرفة أحكامهم، ولعل ما يزال في بعض البلاد من يحتفظون بهم، وربما يعود يوماً، فيجدون حلولهم في التشريع الإسلامي؛ لأن الإسلام نظام وضعه الله ليكون صالحا لكل زمان ومكان.
ومن جهة أخرى يمكن إسقاط هذا المال على من اغتصب حيواناً كناقة أو بقرة، فيجب على المغتصب رد المغصوب إلى صاحبه وما تولد عنه، وإن باعه لغيره ضمنه، وإن وجده المغصوب منه عند المشتري قيمته للمشتري.
أخذه منه
ضمان
مع
وهذه المسألة محل خلاف بين الفقهاء هل المستحق للمال يأخذه مباشرة من المشتري؟ أم يُسلَّم له مثله؟ أم يجمع يجمع المستحق بين الغاصب البائع والمشتري ثم يأخذه منه؟
مجمل القول:
أنه من خلال ما تقدم يظهر أن الإباضية يفرقون بين الضمان والكراء في حالة الإيجار، وبين الضمان والكراء في حالة الغصب، ففي الحالة الأولى يعملون بقاعدة: «الأجر والضمان لا يجتمعان»، وفي الحالة الثانية أن الأجر والضمان يجتمعان فالضمان يجب بالغصب، والكراء مقابل الانتفاع بغلة المغصوب وخراجه، وهذا خلافاً لمذهب الحنفية، فهم لا يفرقون بين حالة الإيجار وحالة الغصب. وقد اعترض عليهم ابن بركة وبيّن أن قاعدتهم لم يعملوها في صورة
(1) الأصم عثمان: البصيرة، 147/ 1. (4/148)
صفحة 1930
الفصل السادس: القواعد الفقهية الكلية الصغرى
149
اغتصاب الأمة، وهلاكها، فهم متفقون مع الإباضية وغيرهم في وجوب العقر
مقابل الغضب، والضمان مقابل هلاكها.
ومن فروعها في باب غصب الحيوان واستغلاله
نقل عثمان الأصم في مصنفه توضيحاً للصورة التي يجب فيها الضمان والإيجار فقال: «ومن تعدى على دابة غيره وأخذها؛ فإنه ضامن لذلك، فإن استعملها فعليه ضمانها وكراء استعمالها، وإن تعدى وأخذها من المرعى ثم استعملها وأعاد ردها إلى المرعى، فهو ضامن لها؛ لأن المرعى ليس هو حفظاً لربها، إن تلفت ضمنها، وعليه كراء استعمالها، فإن غصبها فعليه في كل حال ردها، وإن نقصت من غصبه عليه أفضل قيمتها، وإن زادت فعليه ردها، ولا شيء له إن تلفت، وإن زادت أو نقصت فعليه أفضل قيمتها يوم غضبها أو يوم أتلفها ... » (1).
ومن فروعها في الأرض المغصوبة وزراعتها: يقول البسيوي في هذا الشأن: «وقد اختلف العلماء في تضمين الغاصب مع نقصان الأرض، فقال قوم: أن يجتمع عليه نقصان وضمان وأجرة، وقال آخرون: النقصان وأجر مثلها، وهذا القول قد قيل به إن أكثر الناس ما عندهم غير هذا أنّ الزرع الذي نقصت منه ليس هو للغاصب فيلزمه ضمان، فلا يجب عليه أجر؛ ولأن الزرع ليس له والزرع لصاحب الأرض، فإن كان الغاصب قد حصد الزرع وثمر الأرض، فإن عليه رَدُّ تلك الزراعة كلها أو غلة المال جميعاً، وما استغل مضموناً عليه، كذلك إن استغل النخل فعليه رد الثمرة، وكذلك يرد ثمرة الشجرة أو قيمة ذلك، ولا حق له في جميع ذلك، ولا عرق له ولا عرق ... » (3).
(1) الأصم: المصدر نفسه، 146/ 1. بتصرف بسيط. (2) البسيوي: جامع أبي الحسن البسيوي، 54/ 4 - 55. (4/149)
صفحة 1931
المطلب الثامن
قاعدة: «جناية العجماء جبار
هذه القاعدة من القواعد المتعلقة بنظرية الضمان في الفقه الإسلامي، وفيها نفي الضمان عن الضرر الذي تسببه البهيمة من تلقاء نفسها، إذا كان صاحبها محافظاً عليها وحارساً لها، أما إذا أهملها لزمه الضمان.
أنّ
وأصل هذه القاعدة حديث شريف ثبت عن أبي هريرة النبي صلى الله عليه وسلم قال: «العجماء جرحها جبار (1) وفي رواية: عن عبادة بن الصامت الله قال: «إن من قضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم: أن المعدن جبار، والبئر جبار، والعجماء جرحها جبار (2)، قال أحمد بن حنبل: والعجماء: البهيمة من الأنعام وغيرها، والجبار هو الهدر الذي لا يغرم، «ومعناه ما أتلفته البهيمة هدر لا ضمان على صاحبها، وهذا إذا أتلفت البهيمة بنفسها بدون تعد أو تقصير من صاحبها» (3).
أولاً: مدلول القاعدة:
الجناية: اسم لصورة الفعل الذي ينشأ منه التلف أو النقصان بالنفوس
والأموال.
(1) متفق عليه، رواه البخاري، كتاب الديات، باب المعدن جبار والبئر جبار، حديث: 6530 بلفظ «العجماء جرحها جبار والبئر جبار والمعدن جبار وفي الركاز الخمس» ومسلم،
کتاب الحدود، باب جرح العجماء، حديث: 3312 عن أبي هريرة الدوسي له (2) رواه أحمد بن حنبل في المسند، مسند الأنصار، حديث عبادة بن الصامت، حديث: 22185. وابن ماجه في السنن، كتاب الديات، باب الجبار، حديث: 2671. عن عبادة بن الصامت،
قال الألباني صحيح بما قبله.
(3) ابن بركة: الجامع، 444/ 2. (4/150)
صفحة 1932
الفصل السادس: القواعد الفقهية الكلية الصغرى
151
والعجماء: البهيمة لأنها لا تتكلم.
جبار معناه هدر لا ضمان فيه ولا مؤاخذة وروي عن مالك بن أنس كان يفسر الجبار: أنه لا دية فيه (1).
عن
جناية العجماء: أي ما تفعله البهيمة من الإضرار بالنفس أو بالمال. خبار: أي هدر، لا حكم له إذا لم يكن منبعثاً عن فعل فاعل مختار؛ كسائق أو قائد أو راكب أو ضارب أو ناخس أو فاعل للإخافة، أما إذا كان منبعثاً فعل فاعل مختار فقد بين الفقهاء حكمه (2). قال ابن بركة: «وإنما يكون جرح العجماء هدراً إذا كانت منفلتة ليس لها قائد ولا سائق ولا عليها راكب فإن كان معها واحد من هؤلاء الثلاثة فهو ضامن؛ لأن الجناية حينئذ ليس للعجماء، وإنما هي جناية صاحبها الذي أوطأها الناس» (3).
ثانياً: نفي التعارض بين الأدلة
ينبغي
عازب
التنبيه على أنه لا تناقض بين الحديث المذكور وحديث البراء بن
الذي يوجد فيه تصريح بقضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم على أهل البساتين أو المزارع حفظها بالنهار، وعلى أهل الماشية ضمان ما أفسدته ماشيتهم بالليل. أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى على أهل الأموال حفظها بالنهار، وعلى أهل الماشية حفظها بالليل» (4)؛ لأن حديث البراء يقتضي فقط أنه يجب على
فقد روي
(1) ابن بركة: الجامع، 444/ 2. - البسيوي: الجامع، 163/ 4. (2) الكاندهلوي محمد زكرياء أوجز المسالك إلى موطأ الإمام مالك، دار الفكر بيروت، 103/ 13. - الزرقا أحمد: شرح القواعد الفقهية، ص 457. ـ الندوي علي أحمد: القواعد الفقهية، ص 405. ـ مدكور محمد سلام مدخل الفقه الإسلامي، (3) ابن بركة: الجامع، 444/ 2.
ص
123
(4) رواه أبو داود، أبواب الإجارة، باب المواشي تفسد زرع قوم، رقم 3115، وأحمد، مسند
الأنصار، حديث محيصة بن مسعود، رقم 23087، وقد اختلف في إسناده عن الزهري
= (4/151)
صفحة 1933
152
القواعد الفقهية عند الإباضية
المالك ضمان ما أتلفته البهيمة بالليل دون النهار (1)؛ ولأنه يجب على صاحبها أن لا يُسيّب دابته في الليل (3).
أما جنايتها في النهار سواء كانت على النفوس أم الأموال فيما فعلته من تلقاء نفسها، فلا يتقرر عليها الضمان بناءً على حديث: «العجماء جرحها جبار»
ضامناً، وقد
الذي أصلت على أساسه هذه القاعدة، إلا إذا كان معها الراكب والسائق أو القائد وداست شيئاً للغير أو جرحت إنساناً، ففي هذه الحالة يعتبر أومأ ابن بركة والثميني إلى هذا المعنى فقالا: وإن كان لها سائق وقائد وراكب لزمهم جميعاً ما أصابت» (3). وقد أكد ابن دقيق العيد هذا المعنى وقال: «فيمكن أن يقال إن جنايتها، هدر، إذا لم يكن ثمة تقصير من المالك، ومن تحت يده، وينزل الحديث على ذلك» (4).
هذا وقد بحث الإمام الشافعي هذه المسألة في كتابه «اختلاف الحديث» وبين عدم مخالفة حديث البراء لحديث: «العجماء جرحها جبار»، ثم قال: وفي هذا دليل على أنه إذا كان على أهل العجماء حفظها، ضمنوا ما أصابت، فيضمن أهل الماشية السائمة بالليل ما أصابت من زرع، ولا يضمنونه بالنهار،
وكلهم أثبات ثقات، قال ابن عبد البر: «على أي حال كان فالحديث من مراسيل الثقات لان جميعهم ثقة وهو حديث تلقاه أهل الحجاز وطائفة من أهل العراق بالقبول والعمل». الاستذكار، 205/ 7. ورواه البيهقي في السنن الصغير، كتاب الأشربة، باب الضمان على البهائم حديث: 2749 عن البراء بن عازب. ورواه عبد الرزاق الصنعاني في المصنف، كتاب العقول، باب العجماء، حديث: 17710 قال: « ... وكان أهل الجاهلية يضمنون الحي، ما أصابت بهائمهم وآبارهم ومعادنهم، فلما ذكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم قال في ذلك الذي قال من القضاء». عن يعقوب بن عتبة بن المغيرة الثقفي.
(1) البسيوي: جامع أبي الحسن البسيوي، 164/ 4. (2) ابن دقيق العيد: إحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام، 2/ 189. (3) ابن بركة: الجامع، 2/ 444. - الثميني: الورد البسام، ص 194. (4) ابن دقيق العيد إحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام، 190/ 2.
19.- (4/152)
صفحة 1934
الفصل السادس: القواعد الفقهية الكلية الصغرى
153
ويضمن القائد والراكب والسائق؛ لأن عليهم حفظها في تلك الحالة
ولا يضمنون لو انفلتت» (1).
ثالثاً: فروع القاعدة:
1 - ما تفسده البهائم من الزروع:
هذه مسالة فيها تفصيل، وهي محل خلاف بين الفقهاء.
قال ابن بركة: اختلف فيما تناهى إلينا عنهم في الدابة تأكل زرع إنسان أو طعامه في الليل والنهار، في حال الإرسال والإطلاق والشد والاستيثاق، فقال بعضهم: يضمن ربها أكلها، وما أتلفت على صاحب الطعام والزرع في الليل والنهار في حال الرعي أو الشدّ، وقال بعضهم: لا يضمن فعل النهار في رعي أو شدّ، وقال بعضهم: لا يضمن فعل النهار منها على كل حال، وعلى صاحب الزرع والطعام حفظ زرعه وطعامه في النهار، وعلى صاحب الدابة حفظ دابته وشدها في الليل؛ لأنهم ينشغلون عن حفظ أموالهم براحة النوم والليل، وما يحجبهم من ظلمة الليل، وقال بعضهم: إذا أطلقها ربها في موضع الرعي والفلاة فرجعت في النهار فأكلت فلا شيء على ربها، وإن أطلقها ربها في القرية والعمارة وقرب المزارع، ضمن ما أكلت في النهار والليل. واختلفوا في أكلها في الليل إذا انطلقت من رباطها: فقال بعضهم:
لا ضمان على صاحبها إذا لم يتعمد ويفرّط، وضمنه آخرون. ـ واتفقوا في عقرها ونطحها وإتلاف نفس أو مال بفعلها في حماية ربها في منزله وحصنه، أنه لا ضمان عليه في شيء من ذلك، إلا أن يكون أذن للداخل وأسكنه في داره وكتمه ما جرى من عادتها، فيكون عند ذلك ضامناً
(1) الشافعي محمد بن إدريس كتاب اختلاف الحديث، الجزء الثامن من كتابه «الأم» دار المعرفة. ط 1، بيروت. 1381 هـ / 1961 م، ص 566 - 567. (4/153)
صفحة 1935
154
القواعد الفقهية عند الإباضية
ومن
لجنايتها إذا كانت معروفة بذلك؛ لأنه كالدال على المجني عليه والآمر به، غر غيره في أمر كان فيه تلف نفسه أو ماله، ضمن، وإن أدخله على دابته أو سَبْعه وهما لا يُعرفان بأكل ولا عقر، ثم أخذت منهما في الداخل عليهما عقراً أو نطحاً، أنه لا ضمان على من أدخله عليهما من مالك أو غيره». ولم يرجح ابن بركة بين هذه الأقوال، وفضل التوقف وقال: «والله أعلم بأعدل هذه الأقوال» (2)، ولعله تساوت عنده الأدلة ولم يظهر عنده وجه الصواب فيرجحه.
- في انفلات الدابة من رباطها أو من صاحبها
يقول ابن بركة في بيان حكم هذه المسألة: «وقد وجدت عن محمد بن محبوب في الدابة المعروفة بالعقر أنها إذا انطلقت من وثاق ربّها، فما أتلفت وعقرت فلا ضمان على ربها، إذا كان قد أوثقها بما يوثق به مثلها، وقد روي عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: جراح العجماء جبار، والبئر جبار، والمعدن جبار (3). ورُوي نحو ذلك عن علي بن أبي طالب وعبد الله أظنه ابن
مسعود وشريح وغيرهم).
(1) ابن بركة: الجامع، 444/ 2.
(2) ابن بركة المصدر نفسه.
(3) سبق تخريجه.
عبد الله عن
بن
(4) رواه الدارقطني في السنن، كتاب الحدود والديات وغيره، حديث: 2897 مسعود. وأبو عوانة في المستخرج، كتاب الحدود، باب إسقاط الحكم في الدية عن أصحاب الدواب، حديث: 5123 عن عبد الله بن عباس. وابن ماجه في السنن، كتاب الديات، باب الجبار، حديث: 2670 عن عمرو بن عوف المزني والنسائي في السنن الكبرى، كتاب الركاز، باب ذكر الركاز، حديث: 5661 عن عامر بن ربيعة بن كعب بن مالك العنزي. والبيهقي في معرفة السنن والآثار، كتاب الأشربة والحد فيها، باب الضمان على البهائم حديث: 5527 عن محيصة بن مسعود قال البيهقي معقبا على هذا الحديث: «وكان شريح القاضي يضمن ما أفسدت الغنم بالليل، ولا يضمن ما أفسدت بالنهار، ويتناول هذه الآية: {وَدَاوُدَ وَسُلَيْمَنَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرَّثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَهدِينَ) (الأنبياء: 78) = (4/154)
صفحة 1936
الفصل السادس: القواعد الفقهية الكلية الصغرى
155
ويؤكد الجيطالي في قواعده ما ذهب إليه ابن بركة فيقول: «وأما البهائم فإن ضيع لزمه الضمان قليلاً كان أو كثيراً، وقيل: مقدار الرقاب، وإن لم يضيع فلا ضمان عليه، إذا أوثقها بما يوثق به مثلها فانفلتت ولم يقدر عليها» (1).
ونقل ابن جعفر في الجامع» عن أبي عبد الله محمد بن محبوب، قال: وجدت في بعض الكتب أن الحيوان كله لا يضمن إلا أن يعلم أنه ضيع،
فهل عندك حسن قال: نعم (2).
نعم» (2).
قلت:
وحكى ابن بركة إجماع فقهاء الإباضية على ذلك فقال: «وأجمعوا على أن الدابة لو انفلتت بنفسها من وثاق سيدها فقتلت رجلا فلا شيء على ربها (3).
التوفيق بين الأقوال:
ولعل أعدل الأقوال في جناية العجماء أن يقال: إنها من الأحكام التي تتغير بتغير الأحوال والأعراف والأزمان، ففي الأماكن التي يتوفر فيها المرعى وتنتشر فيها الجنان وتقل فيها الفلوات وتكثر فيها الماشية إلى درجة يصعب على أصحاب الزروع حفظ زروعهم ليلاً ونهاراً، خاصة إذا كانت المزارع تفتقر إلى الأسوار والحواجز المانعة، بينما يسهل على أصحاب الماشية القليلة حفظ مواشيهم ليلاً ونهاراً، ففي مثل هذه الأحوال يتعين على أصحاب المواشي الحفظ، وعليهم الضمان بالتعدي والتفريط.
ويقول: «كان النفش بالليل ولا يجوز دعوى النسخ في حديث البراء بحديث: «العجماء جبار» من غير تاريخ ولا سبب يدل على النسخ والحكم في الحديثين على ما قال صاحبنا رحم الله ... ». ولم نعثر على رواية لعلي بن أبي طالب، ولعل ابن بركة اختلط عليه الأمر فتوهم ذلك. ينظر: ابن بركة الجامع، 444/ 2. وينظر: الثميني: الورد البسام، (1) الجيطالي إسماعيل قواعد الإسلام تحقيق بكلي عبد الرحمن، 213/ 2.
(2) ابن جعفر الجامع، 2905.
ص
248
(3) ابن بركة: الجامع، 500/ 2. (4/155)
صفحة 1937
1??
القواعد الفقهية عند الإباضية
وأما الأماكن التي تكثر فيها الفلوات ويقل فيها الكلأ، وتكثر فيها المواشي، كالصحاري والبراري والبوادي، ففي تلك الأماكن يؤخذ بالقاعدة المتقدمة، ويكون على أصحاب الزرع حفظ زروعهم نهاراً، وعلى أهل الماشية حفظ مواشيهم ليلاً. وبذلك قضى النبي عليه الصلاة والسلام: في ناقة البراء بن عازب لي الله عندما أهلكت حائطاً بدخولها عليه، فسأل النبي صلى الله عليه وسلم عن عادة الناس في ذلك، فقالوا يا رسول الله: العادة هي أن على أهل المواشي حفظها في الليل، وعلى أهل الحوائط والزروع حفظ حوائطهم وزروعهم في النهار، فأخذ النبي صلى الله عليه وسلم بالعرف والعادة، وأقرهم على ذلك، وهو قضاء داود في الزرع الذي نفشت فيه غنم القوم)، والنفش هو الخروج ليلًا؛ فكان هذا في الحديث دلالة على أصلين عظيمين من أصول الشريعة، أما الأصل الأول: فهو اعتبار العرف وحجيته، وأما الأصل الثاني: فهو «اعتبار شرع من قبلنا شرع لنا إذا لم يرد في شرعنا ما ينسخه» (2).
3 - في حكم عقر الدواب الضارة بالأموال: ـ
قال الثميني في بيان ذلك: وقيل: إن الضواري بالأموال يتقدم إلى أهلها فإن هم كفُوها فذاك، وإلا عُقرت، ولا ضمان على من عقرها في مزرع أو تحته، وقيل تعقر، وقيل تعقر حيث أدركت، وقيل: إذا انطلقت المعروفة بالعقر من وثاقها فأحدثت فلا ضمان على ربها إذا ربطها بما يوثق به مثلها عادة، ولا يعاقب أهل الدواب بالتهم، ولكن بما صح وثبت» (3).
واشترط بعض الفقهاء لسقوط الضمان حالة هروب الدابة من عقالها أو من صاحبها، ألا يعدو خلفها أو يصيح عليها، قال القطب: «ولا ضمان عليه،
:
(1) النحاس أبو جعفر الناسخ والمنسوخ، سورة الأنبياء، حديث: 373
(2) هرموش محمود: معجم القواعد الفقهية الإباضية، 205 - 206.
(3) الثميني: الورد البسام، ص 248.
عن عبد
الله
بن عباس. (4/156)
صفحة 1938
الفصل السادس: القواعد الفقهية الكلية الصغرى
157
فيما أفسدته الدابة حالة هروبها إن لم يتبعها يصيح ... وإن اتبعها يصيح ضمن؛ لأنها تزيد هرباً بالصياح، فإفسادها فيه دخل للصياح)، وقيل: يرخص ذلك، ومن اتبعها في الزروع ضمن ما فسد فيها برجله ورخص أيضاً» (2). ويؤكد أبو الحسن البسيوي العمل بحكم هذه القاعدة، ويُبين أن الدابة إذا هربت وكانت معروفة بالعقر فأصابت أحدا؛ فإن أطلقها صاحبها بعد أن علم بها ضمن وإلا فلا. يقول في هذا الصدد: «ولا قسامة في العبيد، ولا في الأموال، ولا في الحيوان، وإنما يضمن ذلك لربه على من جناه إذا علم ذلك، فأما ما يحدث بالدواب من أكل أو قتل أو عقر، فلا يلزم أربابهن شيء من ذلك، وقد جاء عن النبي أنه قال: «حدث العجماء جبار» (3)، ومعناه هدر إلا ما قالوا إنه كان معروفا بذلك فيُقدم فيه على ربه، وأطلقه بعد التقدمة، فأصاب أحدا بعقر أو قتل من نفس أو مال فيما يعرف به من ذلك؛ فإنه يضمن ربه ديَة ذلك، ولا قَوَد فيه، وفيه الدية ... » (4).
وذكر ابن جعفر في «الجامع» أنه: «إذا» هجم واعتدى البعير على رجل فخافه على نفسه فقتله، فلا شيء عليه إذا جاء على ذلك ببينة، وأما بقوله فلا يُصدّق، وقال معمر عن الزهري: أنه ضامن للبعير)، قال أبو معاوية عزان بن الصقر) قد اختلف في هذا وأحب إلينا أن لا يضمن؛ لأنه ليس
(0)
(1) أطفيش أمحمد شرح كتاب النيل للثميني، 659/ 12.
(2) الثميني: الورد البسام، ص 197.
(3) سبق تخريجه
(4) البسيوي أبو الحسن: الجامع، 163/ 4.
(5) من رواة الحديث.
(6) رواه عبد الرزاق الصنعاني في المصنف، كتاب العقول، باب العجماء، حديث: 17713، ونص الحديث: «عبد الرزاق عن معمر عن الزهري، قال: لو أن رجلا أراده فحل فقتله الرجل قال: يغرمه الرجل قال: قلت للزهري: لم؟ قال: لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «العجماء جبار بجرحها». قال الزهري: ومن أصاب العجماء بشيء غرم». (4/157)
صفحة 1939
158
القواعد الفقهية عند الإباضية
بمتعمد وإنما هو دفع عن نفسه إلا أن يكون الجمل يندفع بدون القتل فإنه
يضمن.
ومن غيره قال: نعم، كذلك جميع الدواب المخوّفه فقد قيل: إذا اعتدت فقتلت، فقد قيل: في ذلك بالضمان؛ لأنه لا حجة على العجماء إلا هو مطلق، له أن يدفع عن نفسه وعن مال غيره (1).
وقال بعضهم: «أما إذا قتلها المعتدى عليه فهنا نقول: لا بد من البينة أنها لا تندفع إلا بالقتل وعلى صاحبها أن يحافظ عليه» (2).
4
- حكم المتسبب في الأضرار التي تحدثها الدواب: لو ربط شخصان فرسيهما في مكان مُعَدّ لذلك، فأتلف فرس أحدهما فرس الآخر، فليس من ضمان على صاحب الحيوان المتلف. ومنها: لو أتلف هِرّ طيرا لإنسان، أو نطحت جاموسة إنسانا آخر وتلف،
فلا ضمان على صاحبها إذا لم يفرّط (3).
ومنها: إذا انطلق جمل فأكل، فلا ضمان إذا لم يقصر صاحبه. ومنها: أن البقرة إذا أكلت الثياب فلا ضمان عليها، قال ذلك محمد بن محبوب، وقال غيره: إذا علم أنها تأكل الثياب وأرسلها على الناس، فهو حقيق
أن يعلم، فإن لم يعلم منها فلا يغرم
مجمل القول:
(4)
مما تقدم ندرك أن جناية العجماء لا تكون هدراً في حالتي التقصير والتعدي من صاحبها؛ لأن عليه أن يأخذ بأسباب الحفظ، فيعقلها أو يغلق
(1) ابن جعفر: الجامع، 199/ 4.
200
(2) الفضيلات جبر محمود المحقق: الحاشية على جامع ابن جعفر، 00/ 4 (3) حيدر علي: شرح مجلة الأحكام العدلية، المادة (94) 83/ 1.
(4) العوتبي سلمة بن مسلم كتاب الضياء، 18/ 135. (4/158)
صفحة 1940
الفصل السادس: القواعد الفقهية الكلية الصغرى
159
عليها باب الزريبة، لا سيما في الليل عندما يكون أصحاب الزروع قد تخلو عن حراسة زروعهم.
6
ـ كما يضمن صاحب الدابة أو غيره ما تتلفه الدابة؛ إن تسبب في ذلك بضربها أو نخسها، أو فعلت ذلك بأمر صاحبها، أو الراكب، أو من غيره. قال الثميني في هذا المعنى وتلزم ناخساً لها أو ضارباً ولو واقفة ما أصابت بذلك، وإن سقط به راكبها على أحد ضمن الناخس أو الضارب ما أصابها، وهدر قيل دمه إن رمحته أو قتلته، ولا يلزم راكبها شيء، وإن نخسها بأمره وكانت تسير فعليها ما أصابت ولو كان هو فعلا للراكب، وإن سارت في حين النخس من بعد نخسه وسوقه، فما أصابته فهو على الراكب دونه، ويكون عليها إن أبعد في السوق بعد النخس، وإن كان لها سائق وقائد وراكب لزمهم جميعاً ما أصابت، وتلزم راكبا ما أصابته دابته بمقدّمها لا ما أصابته بمؤخرها. ومن سار على بعير وعارضه إنسان بكلمة فذعر البعير بها وألقى راكبه، فهلك أو انكسر هو أو البعير، فإن ذعر به أو بكلامه وكان لا يُعرف بالذعر، فالدية على عاقلته وهدر دمه إن عُرف البعير بذلك، وإن تعمد الإنسان ذلك فهي في ماله» (1).
ويؤكد الثميني أن المتسبب في الإضرار بالغير يتحمل ما ترتب على فعله، سواء كان بنفسه أو بدابته، ولا يعفى من المسؤولية، إلا إن حدث ذلك دون تسب، ومن ذلك:
لو عثرت دابة مركوبة فى الطريق بحجر أو دكان، أو زلقت بماء فتلفت أو أتلفت غيرها، فضمان ذلك على جاعل ما ذكر في الطريق لا على راكبها. وكذا من أوقف دابة ولو مربوطة فيها، فما أصابت بيديها أو رجلها أو فَمِها فقد لزمه إن لم تتحول عن مكانها، وإن تحولت عنه ولو غير مربوطة
(1) الثميني: الورد البسام، ص 194 - 196. (4/159)
صفحة 1941
القواعد الفقهية عند الإباضية
فلا يلزمه ما أصابت وقيل يلزمه ولا يبطله تغيرها عن حالها كالمربوطة، إن احتالت في الحَلّ من غير حال لها، فلا يبرأ رابطها بذلك.
وكذلك من ركب فرسه في الطريق فذب بذنبه، فهو ضامن لما أفسد به ومن ساق دابة وعليها حمل فدفع حملها فيها أحداً ممن كان فيها، ضمنه إن لم يخبرهم بذلك، وقيل مطلقاً، وكذا يضمن ربها فاسداً برأسها، أو بجنبها، أو ببولها، أو روثها إن وضعته في الطريق فزلق به أحد، ورخص فيهما إن لم يتعمد ربها وضعهما فيها أن لا يضمن بهما.
وإن ركبها اثنان ضمنا ما أفسدت بمقدمها أو مؤخرها، وقيل: الحاكم عليها منهما فقط، وكذا القائد والسائق واحدا كان أو متعددا، يضمنها الحاكم
أمرها منهما (1).
ومن استعار دابة فتبعها ولدها أو ما ترضعه ضمن ما أفسده الولد أو
6
،
نحوه ولو لم يضيّع إلا إن قال لربه ردّه عني ولا ضمان عليه إن تلف الولد ولم يضيعه، وكذا لا يضمن إن اكتراها وتبعها الولد أو تلف، إلا إن أوصاه عليه ربها، وقيل: يضمن إلا إن قال له: رده عني ولا يضمن في العارية إن أوصاه عليه ربه، وإن تبعها ما لا ترضعه فإنه يلزم ربها ما أفسد (2).
وذكر الشماخي صوراً أخرى لهذه القاعدة فقال: «إذا استأجر رجل رجلاً ليرعى له غنمه، فما أفسدت من أموال الناس فهو ضامن له دون رب الغنم، وما هلك أيضاً فهو ضامن له إلا أن يكون أمر غالب، وقيل: إن الراعي إذا غلبه النوم وهو متكئ على عصاه، فليس عليه شيء مما هلك من تلك الغنم، ولا فيما أفسدته في أموال الناس» (3).
(1) الثميني: المصدر نفسه،
ص
197
(2) الثميني. نفسه.
(3) الشماخي الإيضاح، طبعة دار الفتح بيروت 1391 هـ / 1971 م، 606/ 3 - 607. (4/160)
صفحة 1942
الفصل السادس: القواعد الفقهية الكلية الصغرى
161
وفي موضع آخر، يبين الشماخي أن القاصر لا يتحمل مسؤولية حفظ الماشية ومنعها من إتلاف أموال الغير، وإنما يتحملها وليه أو سيده، ومثاله: «إن استرعى رجل عبد رجل أو طفله بكراء أو بغير كراء، فإنه إن أتى به إلى داره فاسترعاه هناك، أو استخدمه لغير ذلك مما اتفقا عليه، فما أفسدت تلك الغنم من أموال الناس فهو على صاحبها، أو ما هلك منها فليس على سيد العبد أو والد الطفل منها بشيء؛ لأن رب الماشية هو الذي يجب عليه حفظ ذلك كل حين، أخذ العبد أو الطفل لداره، وكذلك أيضاً إن أخذ السيد أو الأب الماشية فأتى بها إلى داره فكان عبده أو طفله يرعاها هنا بكراء أو بغير كراء، فما هلك منها أو ما أفسدت في أموال الناس فهو على الأب والسيد، لأنهما هما اللذان وجب عليهما الحفظ فضيعوا إلا أن يكون
أمر غالب» (1).
ومسؤولية حراسة البساتين والمزروعات مشتركة بين أصحابها، فإن ضيعوا ذلك ودخلتها الماشية في وقت النهار، فلا يتحمل الرعاة مسؤولية ما أتلفت. يقول الثميني في هذا المعنى في معرض حديثه عن منع الضرر عن الناس: «وأن لا يتركوا المواشي تدخل حرثا، أو بساتين، أو أجنة، أو كلها أو بعض المواشي، ويجعل على ذلك قائما ينفق من بيت المال إن كان، وإلا فله أجرته على أصحاب الأصول على قيمة ما لكل» (2). كما لا يجوز لأحد أن يأخذ أغنام غيره من المرعى أو الطريق على نية حفظها لصاحبها مقابل أجرة، لأن ذلك تعد. يقول الثميني في هذا الشأن: «ولا يسوق أحد مواشي وجدها في الخط إلى منزله إلا على حرز، فإن ساقها على أخذ الأجرة عليها ضمن ما تلف منها أو فسد، وكان متعدياً، ولا لهم
(1) الشماخي: المصدر نفسه، 613/ 3.
(2) الثميني: الورد البسام، ص 121.
أخذ (4/161)
صفحة 1943
162
القواعد الفقهية عند الإباضية
شيء ممن دخلت مواشيه الخط، وإن استرعى لها بالغاً أو مراهقاً أدب الراعي إن دخلت فيه ربّها، إن استرعى لها طفلا أو أعجم ... » ().
- في حكم تسميم الدواب المضرة بعد إعلام أصحابها:
جاء في كتاب التمهيد»: سئل المحقق سعيد الخليلي عن الحمير والغنم إذا أضرت بزروع الناس، أيجوز عقرهن وإطعامهن السم بعد إقامة الحجة على أربابهن، فلم يكفوها أو لا؟
فأجاب: ومن حق هذا أن يراعي القواعد الشرعية في يراعي القواعد الشرعية في ذلك، فيعلم بها مقتضى الأحكام في ذلك بحسب الوقت والموضع حتى يضع كل شيء من هذا في موضعه، فإن كان إرسال الغنم أو الحمير من أربابها في موضع مباح في الأصل، فوقع الخراب منها في وقت لا يضمن أربابها في إجماع أو على قول من يراه في الحق كذلك، فلا سبيل إلى هذا.
وإن وقع في وقت يجب الضمان فيه على أربابها، فعليهم الغرم والعقوبة إن وجد الحكم والسبيل إليه، وإلا جاز له الانتصار من أموالهم في السريرة بقدر ما أتلفت عليه دوابهم إن قدر على ذلك، فإن توحشت فلم يقدر على قبضها وكفها فيتقدم على أربابها في حفظها وصرف أذاها، فإن فعلوا فقد أجيز في وقت ما لا يباح إطلاقها لربها أن يثخنها بالجراح قدر ما يدفع
له في الأثر أذاها ويمنعها عن الاعتداء، فيعاقبها إن شاء إذا لم يقدر عليها إلا بذلك (2). ويفهم من عبارة الخليلي أنه لا يجيز معاقبة دواب الجيران على ما أحدثته من أضرار في أموال الناس، بل يتحمل ذلك أصحابها، لأن «جناية العجماء جبار»، خاصة إذا كانت ترعى في الوقت المباح، أما إن كانت متوحشة ولم يقدر صاحبها على إمساكها، فيجوز للمعتدى عليه أن يستعمل كل الوسائل
(1) الثميني: المصدر السابق، ص 197. (2) الخليلي سعيد: كتاب التمهيد، 309/ 7. (4/162)
صفحة 1944
الفصل السادس: القواعد الفقهية الكلية الصغرى
163
المتاحة لمنعها ولو بتعطيلها، حتى لا تتسبب في ضرر أكبر، ولو أدى ذلك إلى هلاكها، أما أن يضع لها سُمّاً لقتلها فلم يصرح الخليلي بجواز ذلك، كما يفعل بعض الناس لقتل الكلاب والقطط والطيور المتعدية انتقاما منها، فهذا مما لا يقره الشرع ولم يعضده دليل. ولا ريب أن ما ذهب إليه الخليلي هو الرأي الأعدل والأصوب لتوافقه مع النصوص الشرعية، والمقاصد العامة للتشريع الإسلامي، حيث أمرنا الشارع
الحكيم بالرفق بالحيوان والمحافظة عليه ما
دام
نافعاً. (4/163)
صفحة 1945
المطلب التاسع
قاعدة: «الجواز الشرعي ينافي الضمان
هذه القاعدة اعتمدها الفقهاء في تخريجاتهم الفقهية وعبروا عنها أيضاً بصيغة الإذن الشرعي لا يجتمع مع الضمان، ولم يصرح فقهاء الإباضية بهذه القاعدة، ولكن فروعهم الفقهية تشهد اعتمادهم عليها، وقد أشار إليها بعضهم في معرض حديثه عن الضمان فقال: ومن حفر بئراً أو نهراً في غير حقه ضمن ما عطب فيه، ومن حفر ذلك في حقه فلا ضمان فيه لأحد عليه، إن وقع في ذلك أحد؛ لأنه فعل ما هو جائز له» (1).
أولاً: مدلول القاعدة:
ـ «الجواز الشرعي» أو «الإذن الشرعي هو كون الأمر مباحاً، فعلاً كان أو تركا، والمراد به إذن الشارع المطلق.
ينافي الضمان لما حصل بذلك الأمر الجائز المأذون فيه من التلف، فإذا تصرف الشخص تصرفا يقره الشرع فتنشأ عنه إتلاف مال، لا يضمنه ولا يغرم ثمنه».
فالمعنى الإجمالي للقاعدة: أن الإنسان لا يؤاخذ بفعل ما يملك أن يفعله شرعاً، فإذنُ الشارع يمنع المؤاخذة، ويدفع الضمان إذا وقع بسبب الفعل المأذون فيه ضرر للآخرين). فمن كسر لمسلم طبلًا أو مزماراً، أو قتل خنزيراً، فلا يضمن على الأصح؛ لأن فعله بإذن الشرع، ولكن إذا كان هناك حاكم مسلم منفذ لشرع الله فله، تعذيره لافتياته على حق الحاكم في ذلك.
(1) الأصم عثمان: البصيرة، 181/ 1.
(2) البورنو: الوجيز في إيضاح قواعد الفقه الكلية، ص 362. (4/164)
صفحة 1946
الفصل السادس: القواعد الفقهية الكلية الصغرى
(1)
وكذلك إذا حدّ القاضي فيما يوجب الحد، أو عزر ومات المضروب، فلا ضمان على القاضي للإذن الشرعي). واشترط بعضهم لسقوط الضمان شرطين:
أو
أحدهما: أن لا يكون ذلك الأمر الجائز مقيدا بشرط السلامة.
ثانيهما: وأن لا يكون عبارة عن إتلاف مال الغير لأجل نفسه، وذلك لأن
الضمان يستدعي سبق التعدي، والجواز يأبى وجوده فتنافيا (2). أما إذا كان الأمر المباح فِعْلاً مثاله: لو حفر إنسان بئرا في ملكه الخاص به أو في طريق العامة، ولكن بإذن ولي الأمر، فوقع فيها حيوان رجل، أو وقع فيها إنسان فهلك، لا يضمن حافر البئر شيئاً؛ لأن «الجواز الشرعي ينافي الضمان»، وتصرف المرء بملكه غير مقيد بشرط السلامة، أما لو تلف الحيوان في بئر حفره شخص في الطريق العام بدون إذن ولي الأمر، أو في ملك الغير، في الملك المشترك، فإنه يلزمه حينئذ ضمانه؛ لأنه لا يحق لأحد أن يحفر بئرا في أرض بدون مسوغ شرعي. وأما إذا كان الأمر المباح تركاً، فكما إذا امتنع الوكيل بالبيع أو بالشراء عن فعل ما وكل به حتى هلك في يده أو الثمن، أو امتنع المضارب عن العمل في رأس مال المضاربة بعد أن قبضه حتى هلك في يده، أو أخر إنسان عنده المال المدفوع إليه ليوصله إلى آخر، أو ليقضى به دين الدافع حتى هلك عنده، فإنه لا ضمان عليهم؛ لأن امتناع من ذُكِرَ جائز، و «الجواز الشرعي ينافي الضمان» (4).
(1) الخادمي: شرح قواعد الخادمي ص 35. - الزرقا مصطفى المدخل الفقهي العام، فقرة 648. - البورنو الوجيز، ص 363. (2) الزرقا أحمد: شرح القواعد الفقهية، ص
ص 210.
(3) الأصم عثمان: البصيرة، 181/ 1.
449
- محمد بكر إسماعيل: القواعد الفقهية،
(4) الزرقا أحمد: شرح القواعد الفقهية، ص 449 - 450. (4/165)
صفحة 1947
166
القواعد الفقهية عند الإباضية
وعلل أحمد الزرقا سبب تقييد الفعل الجائز بشرط السلامة، ولا يكون إتلاف مال الغير لأجل نفسه حتى يسقط الضمان، فقال: «إنما شرطنا لعدم الضمان أن لا يكون الفعل الجائز مقيداً بشرط السلامة، وأن لا يكون عبارة عن إتلاف مال الغير لأجل نفسه، ليخرج ما لو تلف بمروره بالطريق العام شيء، أو أتلفت دابته بالطريق العام شيئاً بيدها أو فمها، وهو راكبها أو سائقها أو قائدها فيضمن؛ لأن مروره ذلك وإن كان مباحاً لكنه مقيد بشرط
السلامة».
وهناك حالات اضطرارية تبيح للإنسان التصرف في ملك الغير دون إذنه لمنع ضرر خاص لحق به، ولكن يضمن ما يترتب عن فعله، وقد أشار إليها أحمد الزرقا بقوله: «وليخرج المضطر لأكل طعام الغير؛ فإنه يضمن قيمته. وليخرج ما لو هدم دار جاره وقت الحزق لمنع سريان الحريق بغير إذن ولي الأمر، وبغير إذن صاحبها، فإنه يجوز له ذلك، ويضمن قيمتها معرضة للحريق؛ لأنه فعل ذلك الهدم لأجل نفسه (1).
ثانيا: فروع القاعدة وتطبيقاتها
يتفرع عن هذه القاعدة مسائل تتعلق بالإجارة والأمانة، والهبة، والشركة والوكالة، والحدود، وغيرها، نذكر منها:
1 ـ ما قيل فيمن عليه زكاة فميّزها عن ماله، وتركها في موضع يأمن فيه عليها ينتظر بها أهل الفضل من الفقراء، فذلك جائز له شرعاً، فإذا تلفت قبل أن تصل إلى أهلها فلا غرم عليه، لأنه لما جاز له ذلك انتفى
الضمان عنه» (2).
ص
450 - 451. - ابن بركة الجامع، 196/ 1، 197.
الثميني:
(1) الزرقا المصدر نفسه، الورد البسام، ص 197.
(2) الخليلي سعيد: كتاب التمهيد، 136/ 6. (4/166)
صفحة 1948
الفصل السادس: القواعد الفقهية الكلية الصغرى
167
(1)
2 ـ وذكر المحقق الخليلي أنّ في شاري الإمام أو قاضيه أو نائبه أو واليه، جعل الإمام لكل واحد منهم الإذن في تأديب وضرب وتعزيز من يستحق ذلك، ثم رفع بعض الرعية على أحد منهم أنه ضربه أو قتل والده، وأقر الشاري أو القاضي أو الوالي بذلك، غير أنه قال: ضربته لتأديبه وزجره، أو قتلت والده لاستكباره عن الحق ومقاتلته لنا، فلا ضمان عليهم إذا كان مأذوناً لهم من قبل الإمام في ذلك، ولم يتعدُّوا فيه ما شرع لهم 3 ـ كما أجاز الشارع على الحاكم أن ينفذ الحدود الشرعية على المجرمين متى ثبتت في حقهم، فإن حدث خطأ أثناء التنفيذ أو تسبب في تلف عضو آخر، فضمانه على بيت المال، ولا يضمن المنفذ؛ لأن «الجواز الشرعي ينافي الضمان»، ومن ذلك ما ذكره البسيوي في مُحصن زنى فوجب عليه الرجم فقتله الإمام بالسيف، فقال: «قد أخطأ الإمام السنة، ولا شيء على الإمام غير التوبة، فإن فعل ذلك والي الإمام أو قاضيه، فإنه لا يلزمه غير التوبة ولا يُقتد منه بما فعل، وإن فعل ذلك رجل بلا رأي الإمام من سائر الناس فعليه القصاص (2).
خطأ
وقد أشار أبو العباس أحمد إلى اختلاف الفقهاء فيمن يتحمل الإمام أو القاضي فقال: وكل مما يجوز له أن يفعله ولم يجاوز فيه، فتولد على ذلك الفساد أو تلف للعضو، فقد اختلفوا فيه منهم من يجعل دية ذلك كله على العاقلة، ومنهم من يجعلها في بيت مال المسلمين» (3).
ـ في ضمان الحامل، فلو استحقت الحامل للحد للشرعي وتسبب منفذ الحكم في إسقاط حملها، هل يضمنه أم يسقط عنه الضمان؟ وإذا لزمه فهل
تتحمله عاقلته أم بيت المال؟
(1) الخليلي: كتاب التمهيد، 144/ 7 - 145. (2) البسيوي: جامع أبي الحسن البسيوي، 86/ 4. (3) أبو العباس: كتاب أبي مسألة، ص 168. (4/167)
صفحة 1949
القواعد الفقهية عند الإباضية
اختلف فقهاء الإباضية في حكم هذه المسألة تبعاً لعلم المنفذ بالحمل أو عدمه، وأثر ذلك في تنفيذ الحكم. يقول الثميني في هذا الصدد: وكذا من إخراج الحق منها أو الحد، وأن يقطع اليد ضامن، قيل: وإن جهل بحملها، إلا إن علمت هي به ولم تخبره فتضمن وقيل: لا يضمن من ذكر إن لم يعلم بالحمل كما مرَّ، وليس عليهم غير دية السقط إن أسقطت وعليهم الإثم أيضاً إن علموا، وإن ماتت بما ذكر من الحد وإخراج الحق ولم تسقط لم يضمنوها، وإن أسقطت ثم ماتت ضمنوا السقط، وعندي أن هذا إن لم يعلموا بالحمل، وأما إذا علموا به وتعمدوا ضربها فإنهم يضمنون ديتها أيضاً كما استظهرناه فيما مر، وإن حلفوها بمصحف فأسقطت، فهل يلزمهم الضمان أو لا؟ قولان ولا تُقتل إن قتلت نفساً حتى تضع كما مر، وكذا إن استوجبت الرجم أو طعنت في الدين ... ).
ه ـ وذهب الإباضية إلى أنه يجوز لوكيل اليتيم أن يسلم له بعض ماله عند بلوغه، ليختبر به حاله في أخذه وعطائه وبيعه وشرائه، وليتأكد من صلاحه ورشده وحسن تدبيره أو فساده، وسفهه وتبذيره، ولا ضمان على الوكيل في هذه العطية، ولو ظهر من اليتيم التبذير لها؛ لأنها خرجت على وجه جائز شرعاً مأذون فيه و «الجواز الشرعي ينافي الضمان» (2). 6 ـ ومنها: إذا أباح شخص لآخر أن يأكل من طعامه، أو يشرب من مائه، أو يلبس من لباسه على سبيل الهبة لا يجوز للواهب أن يطالب الموهوب له بثمن ما أكله أو شربه أو بثمن الثوب الذي لبسه، بل ولا يجوز له ردّ الثوب إذا بقي على حاله عند أكثر الفقهاء لقوله صلى الله عليه وسلم: «لا يحل للرجل
(1) الثميني: الورد البسام، ص 216. (2) الخليلي سعيد: كتاب التمهيد، 271/ 11. (4/168)
صفحة 1950
الفصل السادس: القواعد الفقهية الكلية الصغرى
169
أن يعطي العطية فيرجع إلا الوالد فيما يعطي ولده، ومثل الرجل يعطي العطية ثم يرجع فيها، كمثل الكلب أكل حتى إذا شبع قاء، ثم رجع في
قيئه» (1) (2).
(1) رواه الترمذي، أبواب الولاء والهبة عن رسول الله، باب ما جاء في كراهية الرجوع في الهبة، رقم 2109، وأبو داود، كتاب الإجارة، باب الرجوع في الهبة، رقم 353، عن ابن عباس
وابن عمر. قال الترمذي: حسن صحيح.
(2) ابن بركة: الجامع، 418/ 2. (4/169)
صفحة 1951
المبحث الثاني
القواعد الكلية المتعلقة بنظرية الملك
تندرج نظرية الملك ضمن فقه المعاملات المالية، ولأهمية المال ودوره في حياة الناس فقد بحث الفقهاء أحكامه، وبينوا كيفية تملكه وتنميته، والتصرف فيه ضمن القواعد الشرعية خاصة إذا تعلق به حق الغير، سواء كان عاماً أو خاصاً، وبعد الاطلاع في المصادر الفقهية الإباضية عثرنا على بعض القواعد الفقهية المتعلقة بنظرية الملك فجمعناها ضمن هذا المبحث وتسهيلاً في دراستها سوف نبحث هذه القواعد في المطالب التالية:
المطلب الأول: قاعدة: اليد على الشيء دليل ملكه»، أو «اليد دليل
الملك».
المطلب الثاني: قاعدة: «لا يجوز التصرف في ملك الغير بلا إذن».
المطلب الثالث: قاعدة ليس لعرق ظالم حق. المطلب الرابع: قاعدة من ملك شيئاً ملك ما هو من ضروراته» أو
«التابع تابع».
- المطلب الخامس: قاعدة: «ما حرم أخذه حرم إعطاؤه، وما حرم فعله
حرم طلبه، وما حرم استعماله
حرم
اتخاذه».
المطلب السادس: قاعدة: «لا يتم التبرع إلا بالقبض». (4/171)
صفحة 1952
المطلب الأول
قاعدة: اليد على الشيء دليل ملكه أو «اليد دليل الملك (1)
من القواعد التي اعتمدها الإباضية في تخريجاتهم الفقهية قاعدة: اليد على الشيء دليل ملكه وعبّر عنها ابن بركة بقوله: «إن اليد دليل على الملك غير موجبة للملك أما سعيد الخليلي فجاءت عنده بصيغة ذو اليد أولى بما في يده» (2)، ولم يرد ذكرها في مجلة الأحكام العدلية ولم نعثر عليها في المصنفات الخاصة بالقواعد الفقهية عند غير الإباضية (3)، ولعل الإباضية انفردوا بها، وإذا ثبت ذلك فهي من القواعد
الخاصة بالمذهب.
أولاً: مدلول القاعدة:
المراد باليد هنا صاحبها من باب إطلاق البعض وإرادة الكل، وعبّر باليد لأن بها الأخذ والإعطاء (4). والمعنى الإجمالي للقاعدة: أن من كان بيده مال وادعاه رجل آخر لنفسه، فالقول قول من في يده المال؛ لأنه ذو يد فيه حتى يثبت المدعي تملكه له
(1) ابن بركة: الجامع، 469/ 2. - الكندي محمد بن إبراهيم بيان الشرع، 81/ 7. ج 10/ 30، 17، 90، 155، 172. - العوتبي: الضياء، 53/ 11، 71.
(2) الخليلي سعيد: كتاب التمهيد، 139/ 7، 142. (3) ذكر الشهرزوري نحواً منها في معرض الكلام عن الوقف، فقال: «وإن لم يكن لأحدهما تاريخ فذو اليد أولى». ينظر: عثمان بن عبد الرحمن بن عثمان الشهرزوي أبو عمرو: أدب المفتي والمستفتي، تحقيق: د. موفق عبد الله عبد القادر مكتبة العلوم والحكم، عالم الكتب، بيروت، الطبعة الأولى، 1407 هـ، 736/ 2. (4) البورنو: الوجيز في قواعد الفقه، ص 372. (4/172)
صفحة 1953
الفصل السادس: القواعد الفقهية الكلية الصغرى
173
بالإقرار من المدعى عليه أو بيّنة عادلة، وسواء كانت دعوى المدعي أن المدعى عليه حازه منه أو من وارثه).
ومثاله: إذا تنازع اثنان في دار أو أرض فأقام كل واحد منهما بينة، وكان المدعى بيد أحدهما، فإن اليد مع البيئة دليل الملك، وأن اليد مع البينة أثبت وأقوى فيما يوجب الحكم من بينة بغير يد (2).
ثانياً: تأصيل القاعدة:
ودليل هذه القاعدة ما روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه حكم ببينة صاحب الفرس الذي شهدت له البينة أنه أنتجها، فحكم له ببينته وهي اليد، وأبطل بينة المدعي الذي ليس معه يد في الفرس، فثبت بهذا أن اليد توجب الملك (3).
كما حكم عمر بن الخطاب صلي الله بأحقية الدرع لليهودي على حساب علي بن أبي طالب عليها رغم ادعائه له؛ لأن يد اليهودي على الدرع ثابتة أما
علي
فلا بينة له (4).
0584
(1) الخليلي سعيد: كتاب التمهيد، 139/ 7، 142. (2) ابن بركة الجامع، 468/ 2. - هر موش محمود معجم القواعد الفقهية الإباضية، ص (3) رواه البيهقي في الكبرى، كتاب الدعوى والبينات، باب المتداعيان يتنازعان شيئاً بيد أحدهما، رقم 21013، والدارقطني في السنن، كتب عمر إلى أبي موسى الأشعري، رقم 21، ورواه الشافعي في مسنده كتاب الأحكام رقم 637، كلهم عن جابر بن عبد الله. قال ابن حجر: «إسناده ضعيف». تلخيص الحبير، 210/ 4. (4) ذكره الحاكم في الكنى، وأبو نعيم في الحلية، 139/ 4 - 140، وابن الجوزي في الواهيات. ابن حجر: «قال الحاكم: منكر وأورده ابن الجوزي في العلل من هذا الوجه، وقال لا يصح تفرد به به أبو سمير. .. ورواه البيهقي من وجه آخر من طريق جابر عن الشعبي، قال: خرج علي إلى السوق فإذا هو بنصراني يبيع درعا فعرف علي الدرع فذكره بغير سياقه. وفي رواية له لولا أن خصمي نصراني لجثيت بين يديك وفيه عمرو بن شمر عن جابر الجعفي وهما ضعيفان وقال: ابن الصلاح في الكلام على أحاديث الوسيط لم أجد له إسنادا يثبت. وقال:
ابن عساكر في الكلام على أحاديث المهذب إسناده مجهول». تلخيص الحبير، 193/ 4. (4/173)
صفحة 1954
174
القواعد الفقهية عند الإباضية
ثالثاً: مذاهب الفقهاء في تعارض البينة مع اليد اختلف الفقهاء من الإباضية وغيرهم في اعتبار بيّنة المدعي وبينة صاحب اليد، فذهب بعض الإباضية إلى اعتبار بينة صاحب اليد؛ لأن «اليد دليل الملك». وذهب آخرون ووافقهم الشافعي إلى أن البينة بينة المدعي، وعلى المدعى عليه اليمين لقوله صلى الله عليه وسلم: «البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه» (1).
تخريج الحديث:
نقل ابن بركة هذه المسألة في «جامعه» وأشار إلى اختلاف الفقهاء في حكمها فقال: «فإن أصحابنا (الإباضية) يختلفون في قبول البينة اليد فقال مع بعضهم: تجعل البينة بينة صاحب اليد؛ لأن اجتماع اليد مع البينة أثبت وأقوى فيما يوجب الحكم من بينة بغير يده وبعضهم حكم ببينة المدعي الذي لا يد له ولا تسمع بينة صاحب اليد، والذي لا يحكم ببينة صاحب اليد يحتج بظاهر قول النبي صلى الله عليه وسلم: «على المدعي البينة وعلى المنكر اليمين) فجعل البينة بينة المدعي، وأن «اليد عنده دليل على الملك» وليست بموجبة للملك. وأما من أوجب البينة مع اليد فاحتج بما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه حكم ببينة صاحب الفرس الذي شهدت له البينة أنه أنتجها، فحكم له ببينته وأبطل بينة المدعي الذي ليس معه يد في الفرس، فاحتج هؤلاء بأن اليد توجب الملك.
(1) رواه الترمذي، كتاب الأحكام، باب البينة على المدعي، رقم 1341، عن ابن عمرو بن العاص، والربيع، كتاب الأحكام، رقم 592، والنسائي في الكبرى، كتاب القضاء، على من اليمين، رقم 5994، عن ابن عباس، قال النووي في أربعينه: حديث حسن، رواه البيهقي وغيره وبعضه في الصحيحين وقد روي بألفاظ أخرى. ينظر: العجلوني كشف
الخفاء، 341/ 1.
(2) تقدم تخريجه. (4/174)
صفحة 1955
الفصل السادس: القواعد الفقهية الكلية الصغرى
175
وكذلك قال آخرون إن البينة لما كانت توجب الملك لم تحتج إلى استماع البيّنة معها، وكانت البيّنة بيّنة المدعى لها، ولهذا قلنا: «إن اليد دليل على الملك غير موجبة للملك»، وكل من الفريقين قد تعلق بمعنى يسوغ له به
الاحتجاج. وأما أبو حنيفة فيجعل البينة بيئة المدعي لا يسمع بينة صاحب اليد، وأما الشافعي فيجعل البينة بينة صاحب اليد، ويحكم له ببينته ويبطل بينة المدعي الذي ليست له يد).
رابعاً: فروع القاعدة وتطبيقاتها:
من فروع القاعدة ما ورد في كتاب التمهيد سؤال مفاده أن رجلاً: ضمن في يده مال وادعاه عليه رجل آخر أنه له، فقال الذي في يده المال: أنا اشتريته منك، هل القول قول من في يده المال أنه اشتراه؟ أم يكون مدعياً للشراء وعليه البينة بما ادعى؟».
أجاب سعيد الخليلي: إن كان في يده فهو أولى به؛ لأن ذا اليد أولى بما في يده وقوله أنا اشتريته من فلان لا يخرجه عن حكم اليد ولا يكون فيه
مدعياً» (2).
2 ـ ومن فروعها: ما جاء في كتاب «التمهيد» في رجل ادعى على آخر أنه حاز له ماله الذي خلفه له أبوه ميراثاً، فقال المدعى عليه: أنا ما حزت لهذا مالاً، هذا المال اشتريته من فلان غائب من مدة خمس سنين، ومن تلك المدة أحوزه وأثمره، وشهد الشهود أنّ هذا المال مما خلفه أبو هذا المدعي، لكن من مدة خمس سنين وجدناه يحوزه هذا المدعى عليه، والمدعي هذا يجيء
(1) ابن بركة: الجامع، 468/ 2 - 469.
(2) الخليلي سعيد: كتاب التمهيد، 138/ 7 - 139. (4/175)
صفحة 1956
176
القواعد الفقهية عند الإباضية
البلد مرة بعد مرة ويعلم بحوز هذا المال ولم يُغيّر، أترى له حجة في هذا المال؟ أم تبطل حجته بما صح من سكوته مع مشاهدته لحوز ماله؟ فأجاب الخليلي: «إن هذا المال أولى به من هو الآن في يده، وشهادة
حُكْماً
الشهود أن هذا المال مما خله أبو هذا المدعي ليست بشيء، فلا تفيد بمجرد لفظها، وشهادتهم بحوز هذا المدعى عليه إلى آخرها أقرب إلى تثبيته له أيضاً، وسكوته حجة عليه إذا كان يعلم بحوزه عنه وادعائه عليه، فلم يغيره ولم ينكره (1) لأن اليد دليل الملك».
3 ـ ومنها في الاختلاف في ملكية العقار فلو اختلف رجلان في قطعة أرض كلّف كل واحد منهما البينة على ما يدّعي فإن عجزا عن البينة كانت الأيمان بينهما، فإن حلفا على ذلك الموضع الذي يدعيانه وهو في أيديهما كان ذلك بينهما نصفين، فإن حلف أحدهما ونكل الآخر عن اليمين لم يكن له شيء، ومنعه الحاكم أن يعارض الآخر الذي حلف، وكذلك لو أقام كل واحد منهما البينة أن ذلك الموضع كان له كان بينهما نصفان بعد الأيمان، وإن كان لأحدهما فيه أثر من فشل أو بناء وليس للآخر فيه أثر، كان للذي له فيه الأثر؛ لأنه هو ذو اليد، وعلى الآخر البيئة على ما يدعي
(2)
وينقل ابن بركة عن فقهاء الإباضية صورة أخرى في الاختلاف في الملك تطبيقاً لهذه القاعدة، وذلك أنه لو تنازع رجلان في دار أو أرض وهي في أيديهما، فادعى أحدهما الكل له، وادعى الآخر النصف ولا بينة لهما، ويرشدهما إلى حلّ مناسب لهذا النزاع فيقول: «فإنما تُقسم بينهما نصفين بعد أن يحلف من ادعى النصف لمدعي الكل على ما ادعى من الزيادة، فإن أقام كل واحد منهما شاهدي عدل على دعواه، فإن أصحابنا يختلفون في قبول
(1) الخليلي سعيد: المصدر نفسه، 142/ 7.
(2) الكندي: المصدر نفسه، ج 10/ 30. (4/176)
صفحة 1957
الفصل السادس: القواعد الفقهية الكلية الصغرى
177
البينة مع اليد، فقال بعضهم: تجعل البينة بينة صاحب اليد؛ لأن اجتماع اليد مع البينة أثبت وأقوى فيما يوجب الحكم من بينة بغير يده، وبعضهم حكم ببينة المدعي الذي لا يَدَ له، ولا تسمع بينة صاحب اليد.
وبناءً عليه، فعلى قول من جعل البينة بينة المدعي الذي ليست له يد وجعل الكل لمُدّعيه؛ لأن الآخر قد اعترف له بالنصف، فإن البينة له مطلوبة فيما في يده، ولا تسمع بينة لثبوت يده في النصف الذي فيه الدعوى، وأما من جعل البينة بينة صاحب اليد فإنه يذهب إلى تقسيم الدار والأرض، ويحكم بها لهما على نصفين؛ لأن صاحب النصف قد شهدت له البينة مع يده، وشهدت بينة مدعي الكل على الكل فيثبت له النصف ليده، وبينته وبينة الآخر شهدت على النصف الباقي بغير يد، فلذلك قلنا ما قلنا ... »). 4 ـ ومنها الاختلاف في الميراث ما ذكره سعيد الخليلي في أُمّ وولد لها يسكنان بيتاً واحداً، ولهما بعض الأصول من النخل لم تعرف لمن منهما، ثم مات الولد قبل أمه، وحازت الأم المال وتمسكت به حتى ماتت، فحاز ورثة الأم المال، وباعوه فحازه مشتريه مدة من الزمان، ثم جاء ورثة ولد الأمّ يَدعون أن هذا المال لمورّثهم، وهو ولد الأم وأنكر ذلك ورثة الأم، فيرى الخليلي أن الحكم فيه في الأصل أنّ المال لورثة الأم لكونهم ذوي يد فيه بتصرفهم فيه بالبيع، وعلى ورثة الولد البينة العادلة.
ولا بأس أن أنقل عبارة السائل مع جواب الخليلي زيادة في البيان وتأكيداً للقاعدة، وهذا نصه: وعن امرأة وولدها في بيت واحد وعندهما مال لم يعرف لمن منهما، ومات الولد قبل، أمه، وتمسكت الأم بالمال حتى ماتت فوصل على ورثة الأم، وتمسكوا بالمال فباعوه فحاز المشتري المال ما شاء الله من الزمان، وادعى ورثة الولد أنّ المال لهالكهم - ولد هذه المرأة ـ فأنكرهم ورثة
(1) ابن بركة: الجامع، 468/ 2 - 469. (4/177)
صفحة 1958
178
القواعد الفقهية عند الإباضية
المرأة الهالكة وقالوا: المال مالنا وجدناه في يد هالكتنا فبعناه وتصرفنا فيه، على من يكون البينة؟ وعلى من منهما اليمين؟ وهل لا يعتبران ورثة الهالكة في هذا المال ذو اليد؟».
فأجاب الخليلي: «نعم» تعتبر اليد إن لم يصح أنه لغيرهم؛ لأن اليد أولى
أنه لغيره (1).
بما في يده حتى يصح ومنها الاختلاف في ملكية الأرض الميتة ما ذكره السالمي في «العقد الثمين» جواباً عن سؤال في أرض موات لم يقربها نهر، وليس عليها جدار ظاهر، غير أنها تسقى بماء، ويدعيها أناس معروفون، ويتصرفون فيها ما شاءوا، ويعطون منها من أرادوا بغير نكير أحد عليهم من أهل البلد، وقيل: إنها لأناس غياب لا يعلم لهم مكان، وهذه الأرض بالجملة أرض موات، أيجوز الأخذ من هؤلاء الذين يتصرفون بها كيف شاءوا من غير نكير إذا احتيج إلى هذه الأرض مثلاً كبناء منزل أو غير ذلك، وما تَرى قول من يقول: إنها لأناس غياب أيلتفت إليه أم لا؟ والقائل بذلك مثلا رجل ثقة».
فكان جوابه: إذا سُقيت الأرض بالماء فليست بموات بل هي عمران إذا كان ذلك الشيء لأجل إحيائها، ومن كانت بيده هذه الأرض ويدعيها ملكاً له فهو أولى بها من غيره في الحكم الظاهر، ما لم يقم بينة بأنها لغيره، وقول الثقة أو من يصدق من الناس أن الأرض لغياب يورث شبهة في تلك الأرض، فينبغي لطالب السلامة التنزه عنها وأرض الله واسعة» (2). ويفهم من عبارة السالمي: أنه ما لم تثبت بيّنة عادلة على أن الأرض يملكها أناس غياب فهي ملكاً لمن في يده؛ لأنه أحياها بعد مماتها، و «اليد دليل الملك ولكن إذا ثبت أنّ الأرض لغيرهم فمن الأحسن ترك التصرف
(1) الخليلي سعيد: كتاب التمهيد، 147/ 7.
(2) السالمي: العقد الثمين، 307/ 4. (4/178)
صفحة 1959
الفصل السادس: القواعد الفقهية الكلية الصغرى
179
فيها ببناء أو زرع للشبهة الحاصلة، خروجاً من الخلاف وأحوط في الدين، ولعل هذا الرأي هو اختيار السالمي ونرجحه ما دام الخبر قد نقله من يوثق به
والله أعلم. 6 - في دعوى الزوجين في ملكية متاع البيت ما جاء في ادعاء الزوجين أحقيتهما في متاع البيت بعد وفاة أحدهما.
ذكر ابن بركة هذه المسألة في «جامعه» واعتمد في إثبات حق كل منهما في متاع البيت على قاعدة اليد على الشيء دليل ملكه»، فقال: «وإذا مات أحد الزوجين فادعى أحدهما ما في المنزل الذي كانا يسكنانه أيام اجتماعهما فيه، فإن القول في ذلك قول الحي منهما، مما ترك من حيوان ورقيق وأثاث وغير ذلك في قول أكثر أصحابنا (الإباضية)، وقال بعضهم: لا يُصدق الحي منهما إلا فيما يملك من طريق العادة بين الزوجين، كأنه يذهب إلى أن المرأة تُصَدَّق فيما هو من آلة النساء في البيوت، نحو الطبلة وما تحويه، ويُصدق الرجل في السيف والجحفة والفرس وما يصلح للرجل، ولا يصدق كل واحد منهما فيما ليس من شأنه واتخاذه لنفسه، واحتج من قال يصدق الحي منهما: أن المرأة قد ترث من أبيها وأخيها مما يكون للرجال، ويُشترى لمعونة المحاربين، وقد يكون في يدها أمانة لغيرها، ومثل هذا يجوز، وأما صاحب القول الآخر فيجري أمرها على العادة والعرف بين الناس). ولكن ابن بركة رجح العمل بالقاعدة: «اليد دليل الملك»؛ لأن كلا منهما يدعي أحقيته في تملك ذلك، فمن كان في يده شيئاً من متاع فهو ملكه، ادعى عليه خلاف ذلك فعليه البيّنة، وهذا نص عبارته: «والنظر يوجب عندي أنهما مدعيان في سبيل ما يدعيانه سبيل ما يتداعاه الناس في الأملاك، ويدعي بعضهم على بعض، فمن كان في يده منهما شيء وفي قبضته، ودخل في
(1) ابن بركة: الجامع، 266/ 2 - 267.
ومن (4/179)
صفحة 1960
180
القواعد الفقهية عند الإباضية
حوزته كان القول قوله فيه، ومن ادعى عليه دعوى ملك أو مشاركة كان عليه البينة لقول النبي صلى الله عليه وسلم: ولو أعطي الناس بدعواهم لاستحل قوم دماء قوم وأموالهم، ولكن البينة على من ادعى وعلى المنكر اليمين». وهذا يدل على أن دعوى الحي منهما مع ورثة المالك كدعوى غيرها من الخصوم (2). ويلاحظ من عبارة ابن بركة أنه لم يرجح دعوى الحي على دعوى ورثة الهالك، بل جعلها كبقية الدعوات، واحتكم فيها إلى البينة الظاهرة، فإن عدمت فاليمين، وقد تنازع في هذا الفرع قاعدتان قاعدة اليد دليل الملك»، وقاعدة: العادة محكمة»، فجمهور الإباضية رجح الأولى، بينما ذهب بعضهم إلى
ترجيح
الأخيرة.
7 ـ ومنها في دعوى نسبة الولد لأمه فلو اختلفت امرأتان في ولد ولم تكن ثمة بينة تقطع بأنه لواحدة منهما، فمن كانت تحمل الطفل وتلقمه ثديها وهو في حجرها أولى به من الأخرى التي ليس لها إلا مجرد الدعوى؛ لأن اليد دليل الملك»، وقد يكون الذي في يدها مرضعة له فقط، والأخرى أمه من النسب فعليها إثبات أمومتها بالبينة العادلة (3).
(1) تقدم تخريجه.
(2) ابن بركة: الجامع، 268/ 2.
(3) هرموش: معجم القواعد الفقهية الإباضية، ص 558. (4/180)
صفحة 1961
المطلب الثاني
قاعدة: «لا يجوز لأحد أن يتصرف في ملك الغير بلا إذن»، أو «لا يجوز التصرف في ملك الغير بلا إذنه
هذه القاعدة لها صلة بنظرية الملك، فقد أوردها بكلي عبد الرحمن في ملحق كتاب «النيل» للثميني بعبارة: «لا يجوز لأحد أن يتصرف في ملك الغير بلا إذنه الأمر بالتصرف في ملك الغير «باطل» (1) وهذه الصيغة هي ما نصت عليه المجلة العدلية في مادتي الخامسة والسبعين والسادسة والسبعين (2)، وقد أدمجهما البكري فى عبارة واحدة، وعبّر عنهما ابن بركة بعبارة بليغة قريبة من هذا المعنى، وهي أنّ من أحدث حدثاً في مال لا يملكه أنه مأخوذ، بحدثه، وأن الدعوى لا تنفعه (3)، ويمكن إعادة صياغة هذه القاعدة بعبارة موجزة وهي كل من أحدث حدثاً في مال لا يملكه فهو مأخوذ بحدثه». وقد اعتمد فقهاء الإباضية على هذه القاعدة في فروعهم الفقهية، وخرّجوا عليها مسائل عديدة في أبواب فقهية مختلفة (4)، ونشير في هذا الصدد إلى أن ابن بركة أضاف في هذه القاعدة قيداً مهماً وهو: إلزام الضمان لمن تصرف فى ملك الغير بغير إذن، وهذا ما أغفلته المجلة العدلية.
(1) بكلي عبد الرحمن ملحق القواعد الفقهية على كتاب النيل للثميني، 1106/ 3. (2) الزرقا أحمد شرح القواعد الفقهية، ص 461.
(3) ابن بركة: الجامع، 394/ 2.
(4) أبو العباس أحمد: كتاب القسمة وأصول الأرضين، تحقيق محمد ناصر والشيخ بالحاج بكير، ص 278. - السالمي: معارج الآمال، 174/ 2 - 175، 181. ـ عبد الرحمن بكلي: ملحق القواعد الفقهية على كتاب النيل للثميني، 1106/ 3. - الخليلي سعيد: كتاب التمهيد،
330/ 9 (4/181)
صفحة 1962
182
القواعد الفقهية عند الإباضية
أولاً: تعريف القاعدة:
هذه القاعدة تمنع التصرف في ملك الغير بغير إذنه أو إذن الشرع، وقد بين
الفقهاء مدلولها اللغوي والشرعي
كما يلي:
التصرف لغة: التقلب في الأمور والسعي في طلب الكسب، يقال: صرف
الشيء إذا أعمله في غير وجهه، وكأنه يصرفه عن وجه إلى وجه آخر، ومنه
التصرف في الأمور). والتصرف في الاصطلاح ما يصدر عن الإنسان بإرادته، ويُرتب الشرع عليه أحكاما مختلفة، وبهذا المعنى يكون التصرف أعم من الالتزام، إذ من التصرف ما ليس فيه التزام). -
لا يجوز لأحد أي لا يحل له ولا يصح منه أن يتصرف تصرفاً فعلياً أو قولياً في ملك الغير، سواء كان خاصاً أو مشتركاً بلا إذن سابق أو إجازة لاحقة، وعبر مصطفى الزرقا بعبارة: «بلا إذن ليشمل إذْنَ المالك وإذنَ الشارع، فكما يجوز من المالك يجوز من الشارع أيضاً، وكذلك إذنَ العرف.
والإذن في اللغة: اسم من أذنت له في كذا أطلقت له فعله. والإذن قد يكون صريحاً، كمن يوكل شخصاً ما في ماله، أو قد يكون دلالة، وذلك كما لو مرضت الشاة مع الراعي المستأجر في المرعى، وأشرفت على الموت فذبحها حتى لا تموت حتف أنفها فلا يضمنها؛ أن ذلك مأذون فيه له دلالة)، ويقوم مقام إذن المالك كل من له حق الإذن، كالولي، والوصي، والوكيل، والكفيل، والخليفة.
ويرجع عدم جواز التصرف في ملك الغير بلا إذنه؛ إلى اعتبار ذلك اعتداء
(1) الفيومي: المصباح المنير، ص 462.
(2) عبد العظيم محمود: معجم المصطلحات والألفاظ الفقهية، 456/ 1.
(3) الفيومي: المصباح المنير، ص 13.
(4) الزرقا أحمد: شرح القواعد الفقهية، ص 462. - البورنو: الوجيز، ص 391. (4/182)
صفحة 1963
الفصل السادس: القواعد الفقهية الكلية الصغرى
183
على حق المالك، وعدم جواز التصرف شامل لجميع أنواع التصرف، من استعمال، أو إعارة، أو إيداع، أو إجارة، أو صلح، أو هبة، أو بيع، أو رهن، أو هدم، أو بناء، أو تزويج، لكن ما أجراه من عقود تمليكاً بعوض أو غيره يتوقف على إجارة المالك، فإن أجاز نفذ وإلا بطل؛ لأن «الإجازة اللاحقة کالوكالة السابقة» (1).
والمعنى الإجمالي للقاعدة: أن من تصرف في مال الغير أو ملكه بغير إذنه فأتلفه، أو أحدث فيه عيبا، فإن عليه ضمان ما أتلف (2).
ثانياً: أنواع التصرف في ملك الغير
التصرف في ملك الغير نوعان فعلي وقولي:
1 ـ أما التصرف الفعلي في ملك الغير وذلك مثل: الأخذ، أو الاستهلاك، أو الحفر، أو الذبح، فكل من فعل ذلك دون إذن من مالكه يعتبر متعدياً، وفاعله ضامن؛ لأنه في حكم الغصب، فإن تقدمه إذن سابق يحل ويصح؛ لأن
الإذن السابق توكيل.
والتصرف الفعلي في ملك الغير لا يخلو من أن يكون غضباً بوضع اليد فقط، أو تصرفاً بإحداث ذي أثر أو إتلاف، فإن كان غصباً فهو محظور يوجب ردّ العين، ومضمون بالتلف، إلا إذا لحقته إجازة المالك وكانت العين المغصوبة قائمة، فإنها بالإجازة تنقلب أمانة.
- وإن كان التصرف بإحداث التصرف فعل ذي أثر في العين؛ كالحفر في ملك الغير بلا إذنه، فليس للمالك أن يجبر الحافر على الطم عند بعض الفقهاء، بل يضمنه النقصان الحادث في الأرض، بخلاف الحفر في الطريق العام، فإن الحافر فيه يجبر على الطم، اتفاقا ويتحمل كل الأضرار الناشئة
(1) الزرقا: شرح القواعد الفقهية، ص 461. - البورنو الوجيز في إيضاح قواعد الفقه، ص 390. (2) هرموش: معجم القواعد الفقهية الإباضية، ص 425. (4/183)
صفحة 1964
184
القواعد الفقهية عند الإباضية
عن حفره، كسقوط إنسان أو حيوان في الحفرة وهلاكه، ويضمنها؛ لأنه
متسبب متعد.
وإن كان التصرف في ملك الغير إتلافاً، كتشغيل جهاز كهربائي فتعطل بسببه، أو تحطيم قفل لفتح الباب فهو مضمون بكل حال، سواء أجازه المالك أو لا؛ لأن الإجازة لا تلحق الإتلاف).
أو
2 ـ وأما التصرف القولي في ملك الغير: يكون بطريق التعاقد، كالبيع، الهبة، أو الإعارة، أو الإجارة، وهو إما أن يكون قولياً محضاً، أو يكون قولياً يعقبه فعل كالتسليم، فإذا صاحب ذلك تنفيذ كان تصرفاً فعلياً، والمتصرف كان غاصبا بالتسليم، وضامناً ولو يعقبه تسليم، وعقده موقوف على إجازة المالك، فإذا لحقته إجازته بشرطها لزم العقد، وشرطها بقاء المالك، والعين المتصرف فيها والمتعاقدين، ويزاد في البيع قيام الثمن ولو بغير نقد، ويزاد في الإجارة بقاء المدة. وإن كان التصرف قولياً محضاً لم يعقبه تسليم فهو موقوف على إجازة المالك بشروطها، وهو سائغ صحيح مع توقفه؛ لأن الموقوف من قسم الصحيح.
وبناءً عليه ففي حالة التصرف الفعلي دون إذن المالك يكون معنى عدم الجواز المنع الموجب للضمان، وأما التصرف القولي فمعناه عدم النفاذ (2).
ثالثاً: فروع القاعدة وتطبيقاتها
1 - في باب الوكالة:
ذكر ابن بركة في «الجامع» ما يفيد العمل بهذه القاعدة فقال: «لو وكل غائبا جاز من قبل أن الوكالة كالإباحة للغائب مع الغيبة تصح، ألا ترى أنه لو
(1) الزرقا أحمد: شرح القواعد الفقهية، ص
461 - 462
(2) الزرقا أحمد المرجع نفسه. البورنو الوجيز، ص 390. ـ الكندي محمد: بيان الشرع، 76/ 35. ـ ابن بركة: الجامع، 125/ 2. (4/184)
صفحة 1965
الفصل السادس: القواعد الفقهية الكلية الصغرى
185
ـاح أكل طعامه لغائب جاز له أكله، ولو أذن لعبده وهو غائب أن يشتري له أو يبيع جاز، قال أبو حنيفة: وليس للوكيل أن يتصرف ما لم يعلم بالوكالة؛ لأن هذا عقد له الرجوع فيه وللوصي أن يتصرف فيه قبل أن تبلغه الوصية ... » (1).
وعقب ابن بركة على قوله ولا يجوز عندنا أن يتصرف الوكيل ولا الوصي ولا غيرهما في مال أحد إلا بأمره، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «كل أولى بماله حتى الوالد والولد»).
2 - في باب الوصية:
ويؤكد القطب أطفيش في شرح النيل العمل بهذه القاعدة في باب الوصية، ويرى أنه لا يجوز للوصي أن يتصرف في مال الموصي إذا كان في يد الورثة إلا بإذنهم وكذلك الوارث لا يجوز له التصرف في مال مورثه إذا كان في يد الوصي إلا بإذنه، فإن تعدى أحدهما على المال ضمنه. يقول القطب في هذا المعنى ولا يأخذ الخليفة الموصى به، تعيّن للوصية أو لم تعين، تعيّن صاحبه أو لم يتعين من الوارث)، أو من غيره أو من حيث كان، (إلا بإذنه)؛ لأنه أولى بمال المورث أن يتناوله الخليفة أو صاحبه؛ لأنه في يده، كما أنه لا يجوز لصاحب الحق أن يأخذه من مال من عليه الحق بلا إذن منه، ولا إدلال، إلا إن أنكر؛ لأن ذلك الشيء ليس ملكا للخليفة، ولأن للوارث أن يعطيه غير ذلك ينفذ به إن لم يعينه وإن عينه وعين صاحبه فقيل: لا يجوز له أن يعطيه غيره وقيل يجوز، وما يفعله الإنسان فيخرج به من الخلاف أولى؛
(1) ابن بركة: الجامع، 296/ 2 - 297.
(2) رواه الدارقطني في السنن، كتاب عمر، باب في المرأة تقتل ارتدت، رقم 112، والبيهقي في الكبرى، كتاب النفقات، باب نفقة الوالدين، رقم 15531، عن حيان بن أبي جبلة، بلفظ: «كل أحد أحق بماله من والده وولده والناس أجمعين قال المناوي: «قال الذهبي في المهذب فقال: قلت لم يصح مع انقطاعه». فيض القدير، 9/ 5. (4/185)
صفحة 1966
186
القواعد الفقهية عند الإباضية
ولأن الوارث لو أنفذ الوصية لجاز، ولا يحذر في ذلك إلا قيام الفتنة أو الحقد، وقيل: لا يجوز ... » (1).
وأجاز الثميني والقطب للوصي - خليفة الموصي ـ أن يأخذ الوصية من التركة دون إذن الوارث، ما دام له حق تنفيذ الوصية، وقد مكنه الموصي من التصرف في تركته، ولكن أبا العباس أحمد خالفهما في هذا الرأي إذا كان المال في غير يد الوصي.
جاء في شرح النيل ما نصه: ((وجوّز) للخليفة أخذه بلا إذن وارث؛ لأن الميت قد جعل له سلطاناً على ذلك حيث جعله خليفة وأقامه مقام نفسه، وعلى القول الأول يجري إذن وارث واحد؛ لأنه لو أنفذه أحد الورثة لجاز، وقال الشيخ أحمد (أبو العباس): لا يأخذ الخليفة من التركة جنس ما أوصى به ولا غيره إن لم يجعل المال بيده إلا بإذن الورثة ورخص أن يأخذ الجنس الذي أوصى به بلا إذن ولا يأخذ من مال الوارث، وأما ما لا يحتاج إلى التصرف والتبديل فلا يأخذ إلا بإذن إلا إن جعل فيه الميت، وصيته فأمر الخليفة أن ينفذها، وكذا إن أمره أن ينفذ الوصية من ماله على هذا الوجه، وإن اقتسموا ما عين للوصية أخذ من كل منابه، ولا ينفذ من ماله شيئاً الخليفة إلا إذا كان وارثاً، وإلا لم يجز الميت ولا إياه، ولا يضمن له الوارث، وقيل يجزيه لوصيته وإن لم يكن للميت مال أجزأ عنه ما أنفق الوارث أو غيره خليفة أو غيره ... » (2).
3 ـ في باب العارية
وفي تصرف المستعير في العارية يرى فقهاء الإباضية أنه يجوز للمستعير الانتفاع بالعارية في الحدود المسموح بها، ولا يجوز له التصرف فيها ببيع أو إجارة أو رهن أو هبة، فإن فعل ذلك ضمن.
(1) أطفيش: شرح كتاب النيل، 660/ 12.
(2) أطفيش: المصدر نفسه، 661/ 12. (4/186)
صفحة 1967
الفصل السادس: القواعد الفقهية الكلية الصغرى
187
واختلفوا فيمن وجد عاريته أو وديعته عند شخص، وادعى أنه اشتراها من المستعير، فكيف يتصرف في هذه الحالة؟ نقل ابن بركة هذه المسألة في «الجامع»، وأشار إلى اختلاف الإباضية في حكمها، وصرح برأيه المختار فقال: «اختلف أصحابنا فيمن استعار دابة أو عبداً فوجدها قد باعها المستعير، فقال بعضهم يأخذها ربها بالثمن الذي بيعت به، وقال بعضهم: ليس لربها أخذها، وله أن يأخذ المستعير حتى يمكنه من المشتري فيطالبه، وقال آخرون لصاحبها أخذها بغير ثمن، ويرجع المشتري على البائع بالثمن، وهذا هو القول الذي يوجبه النظر، ويشهد لصحته الخبر، ولو لم يكن عن النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك، والخبر والنظر متفقان معاً في صحته، الدليل على ذلك: أن كل مالك فملكه محبوس عليه إلا أن يزيله عن نفسه، وعليه فإذا كان البائع متعدياً عليه في ماله وملكه كان بيعه ما لا يحل له فاعل ما لا يحل له، فبيعه باطل؛ لأنه تصرف فيما لا يجوز التصرف فيه. وأيضاً فيدل على صحة اختيارنا لهذا الرأي ما روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من شرق منه شيء أوضاع منه فوجده في يد رجل قد اشتراه أن صاحبه أحق به، ويرجع على البائع بالثمن (1) (2). وجاء في كتاب التمهيد ما يؤكد هذا المعنى يقول سعيد الخليلي في هذا الصدد: «ينبغي النظر في مسألة المستعير إذا باع العارية ووجدها صاحبها في يد من اشتراها منه على ما جاز فقال موسى بن علي: هي ويتبع المستعير البائع، وكأنه شبهها بالغضب على قول من يقول بذلك، وهو في النظر كذلك؛ لأن العارية بغير إذن ربها نوع من اغتصابها ولا لبس في بيع ذلك، وقيل: ليس له أخذها إلا أن يدفع للمشتري الثمن؛ لأنه لا تَوَى على
للمعير
(1) رواه ابن ماجه، كتاب الأحكام، باب من سرق له شيء فوجده، رقم 2331، وأحمد، مسند الكوفيين، من حديث سمرة، رقم 20158، عن سمرة بن جندب، قال الأرنؤوط: حسن. ابن بركة: الجامع، 333/ 2.
(2) (4/187)
صفحة 1968
188
القواعد الفقهية عند الإباضية
مال امرئ مسلم)، وهذا قد أمكن المستعير من ماله، وهو يتبعه به، قيل: وقد عمل بهذا في زمن الجلندي، وفي قول الربيع ليس له أخذها إلا أن يأتي البائع فيمكن المشتري منه» (2). وقاس أبو محمد الخليلي حكم الأمانة والوديعة بالعارية إذا وقع التصرف
عن
(1) يشير إلى الحديث الذي أخرجه البيهقي في السنن الكبرى، كتاب الحوالة، باب من قال: يرجع على المحيل، حديث: 10654 عثمان بن عفان قال: «ليس على مال امرئ مسلم توى». «يعني حوالة ورواه غيره عن شعبة مطلقا، ليس فيه يعني حوالة. قال الشافعي: في رواية المزني في الجامع الكبير، احتج محمد بن الحسن بأن عثمان بن عفان قال في الحوالة أو الكفالة يرجع صاحبها، لا توى على مال مسلم، فسألته عن هذا الحديث، فزعم أنه رجل مجهول، عن رجل معروف منقطع، عن عثمان، فهو في أصل قوله يبطل من وجهين، ولو كان ثابتاً عن عثمان لم يكن فيه حجة؛ لأنه لا يدري أقال ذلك في الحوالة أو في الكفالة قال الشيخ: الرجل المجهول في هذه الحكاية خليد بن جعف، وخليد بصري لم يحتج به محمد بن إسماعيل البخاري في كتاب الصحيح. وأخرج مسلم بن الحجاج حديثه الذي يرويه مع المستمر بن الريان، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد في المسك وغيره، وكان شعبة بن الحجاج إذا روى عنه أثنى عليه، والله أعلم. والمراد بالرجل المعروف أبو إياس معاوية بن قرة المزني، وهو منقطع كما قال فأبو إياس من الطبقة الثالثة من تابعي أهل البصرة، فهو لم يدرك عثمان بن عفان، ولا كان في زمانه». وأخرجه عبد الرزاق الصنعاني في المصنف، كتاب البيوع، باب الإحالة، حديث: 14676، عن إبراهيم قال: كان يقال: «لا توى على مال مسلم يرجع على غريمه الأول، هذا في الإحالة قال: قلنا وإن أخذ بعض حقه؟ قال: وإن كان يقال: لا توى على حق مسلم». وأخرجه الترمذي في سنن الجامع الصحيح، أبواب الجنائز عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أبواب البيوع عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، باب ما جاء في مطل الغني أنه ظلم، حديث: 1267. عن ابن عمر، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «مطل الغني ظلم، وإذا أحلت على مليء فاتبعه، ولا تبع بيعتين في بيعة». وعلق عليه الترمذي بقوله: «قال بعض أهل العلم: إذا توي مال هذا بإفلاس المحال عليه فله أن يرجع على الأول واحتجوا بقول عثمان، وغيره، حين قالوا: ليس على مال مسلم توى قال إسحاق: معنى هذا الحديث ليس على مال مسلم توي: هذا إذا أحيل الرجل على آخر وهو يرى أنه ملي، فإذا هو معدم فليس على مال مسلم
توى».
(2) سعيد الخليلي كتاب التمهيد، 219/ 9 - 220. (4/188)
صفحة 1969
الفصل السادس: القواعد الفقهية الكلية الصغرى
189
فيها بغير إذن صاحبها فقال: «وما ثبت من هذا في العارية فيخرج أيضاً في في الأمانة والوديعة؛ لأنهن من باب واحد، والذي عندي في هذا كله، أن كل موضع جاز له فيه أخذ ماله بغير شرط ولا غُرم من يد المشتري من المغتصب أو للمستعير، ولم تقم له به حجة في الظاهر نزعه من يده، فيجوز له في السر إذا قدر على الأكل منه، والأخذ له. وعلى قول آخر: لا يُرى له أخذه إلا بغرم ثمنه، أو بإحضار البائع والجمع بينهما، فهو ممنوع من ماله، لا يباح له أخذه، ولا الأكل منه في السر ولا في الجهر؛ لأنه ممنوع منه ولو قامت له به البينة العادلة حتى يأتي بما يبيحه له من ثمنه أو من الجمع بينهما على ما في المسألة ويبدو من خلال الأقوال المقدمة أنه إذا وجد صاحب الأمانة، أو العارية، أو الوديعة في غير يد المستعير، أو الأمين أو المودع فلا يجوز أخذها منه إذا أثبت أنه اشتراها، وعليه ملاحقة المستعير والمؤتمن والمودع الخائن، ومطالبته بحقه حتى لا يكون تصرفه مناقضاً للقاعدة: لا يزال الضرر بضرر مثله؛ لأنه لو أخذها من المشتري لألحق به ضرر بتلف ماله، وما دام لا يدري أن البائع مغتصبا تصرف في غير ماله.
من
أقوال» (1).
وبناءً عليه، فإما يدفع للمشتري ثمن المثل ويأخذ حاجته ضمانا لحقه، وإما يجمع بين البائع الخائن والمشتري فيرد المبيع للبائع مقابل ثمنه ويستلمه منه، ولعل هذا الرأي هو الأوفق والأعدل والمختار من الأقوال، ويؤيده قول الربيع بن حبيب وابن بركة خلافا للمحقق الخليلي الذي أجاز أخذ ماله إذا
قدر عليه في السر.
4 ـ في باب الإجارة:
ومن فروعها ما نقله ابن بركة في باب الإجارة إذا اختلف صاحب السلعة
(1) الخليلي سعيد: المصدر نفسه، 220/ 9. (4/189)
صفحة 1970
190
القواعد الفقهية عند الإباضية
والعامل فيها، كان القول قول صاحب السلعة وذلك مثل: أن يدفع رجل إلى خياط ثوباً ليقطعه قميصاً أو قباء أو سراويل، أو يدفع إلى صباغ ثوبا ثم يختلفان، فالقول قول صاحب السلعة؛ لأنه لا خلاف بين العلماء من أهل الوفاق وأهل الخلاف أنّ من أحدث حدثاً في مال لا يملكه أنه مأخوذ بحدثه، وأن الدعوى لا تنفعه والخياط مقر بأن الثوب لربه، وأنه أحدث فيه حدثاً، وادعى إذنه وإجازته عليه، فإن أقام بينة على دعواه، وإلا حلف صاحبه وضمنه ما أحدث في ثوبه (1)؛ لأنه لا يجوز أن يتصرف في مال الغير بلا إذن، والخياط في هذه الحالة قد تصرف في الثوب خلافا لما أذن له، وكذلك الصبّاغ، ولذلك
وجب عليهما ضمان ما فسد.
ه - في باب المضاربة والقراض
ذهب جمهور فقهاء الإباضية إلى أنه لا يجوز للمضارب أو المقارض أن يتصرف في مال إن منعه صاحب المال من ذلك، فإن تصرف دون إذنه فتلف ضمنه، وكذلك الأمر لو مات المضارب وتسلّم ورثته إدارة محل التجارة، فلا يحل لهم ذلك، ويتحملون تبعة المال إن ضاع في أيديهم.
يقول الشماخي في هذا المعنى: وإن منعه المضارب) صاحب المال على التصرف في ماله، فإنه إن لم يكن الربح في المال فلا يجوز له فيه التصرف بعد منع صاحبه، وإن كان الربح فجاز له التصرف، ويبيع ويوصل لصاحب المال ماله ومنابه من الربح، وكذلك إن لم يتبين له أكان الربح في المال أو لم يكن يجوز له التصرف، وكذلك ورثة المقارض إن مات، لا يجوز لهم التصرف في ذلك؛ لأنهم ليسوا بمقارضين لصاحب المال، إلا أن يبيعوا ما يحتاج إلى البيع ويجمعوا المال، ويأخذوا سهم مورثهم من الربح إن كان، ويوصلوا المال إلى صاحبه ومنابه من الربح، ويدرك صاحب المال عليهم؛
(1) ابن بركة الجامع، 394/ 2 - 395. - الشماخي: الإيضاح، 318/ 6 - 321. (4/190)
صفحة 1971
الفصل السادس: القواعد الفقهية الكلية الصغرى
191
لأن عليهم ما لزم مورثهم قد اتجر، وإن اتجروا بالمال بعدما مات مورثهم، فإنه إن اتجر مورثهم بالمال أول مرة فلهم نصيبهم من الربح، كان الربح أول مرة أو لم يكن؛ لأن مورثهم قد اتجر به، فإن تلف المال فعليهم الضمان إن علموا بموت مورثهم؛ لأن صاحب المال لم يضاربهم بذلك المال، وإن لم يعلموا بموت مورثهم فلا ضمان عليهم. وإن اتجر مورثهم أول مرة فاتجروا هم به بعد موته، فلهم أجر عنائهم إن لم يعلموا بموت مورثهم ولا ضمان عليهم إن تلف المال، وإن علموا فعليهم الضمان وليس لهم بشيء في الحكم، ولهم عناؤهم فيما بينهم وبين الله؛ لأنهم اتجروا بمال بغير إذن مالكه (1).
بموته؛
وبعد أن بين الشماخي حكم المضارب وورثته إذا اتجروا في المال بعد منع صاحب المال لهم انتقل إلى بيان ما يترتب على المضارب وورثته إذا تصرفوا بالتجارة في المال بعد وفاة رب المال فقال: وكذلك أيضاً إن مات صاحب المال على هذا الحال، فإنه إن اتجر به أول مرة ثم اتجر به بعد موته، فله نصيبه من الربح حين اتجر به أول مرة، وإن تلف فهو ضامن إن علم لأنه ه حين مات انتقل الأمر إلى الورثة، واتجر في مالهم بغير رأيهم، وإن لم يعلم بموته فلا ضمان عليه، وأما إن لم يتجر به قبل أن يموت صاحب المال ثم اتجر به بعد موته، فإن علم بموته فليس له شيء، ومنهم من يقول: له أجر عنائه؛ لأنه ليس بمتعد، وإن تلف المال فهو ضامن؛ لأن ذلك المال في يده بمنزلة الوديعة، وإن لم يعلم بموته فله أجر عنائه، وليس عليه الضمان» (2). ولعل سبب وجوب الضمان عند تلف المال على المضارب، أنه تصرف في مال غيره دون رضاه بعد منعه من ذلك، أما لو كان راضياً بالمضاربة
(1) الشماخي: الإيضاح، ط 1، دار الفتح، لبنان 1394 هـ / 1974 م، 17/ 4 – 19. (2) الشماخي: المصدر نفسه، 19/ 4 - 20. (4/191)
صفحة 1972
192
القواعد الفقهية عند الإباضية
وحدثت خسارة في شركة المضاربة، فلا يتحمل المضارب الخسارة، بل يتحمله صاحب المال وحده؛ لأن المضارب قد خسر عناءه، فلا يتحمل
الخسارة مرتين، والله أعلم.
6 - في باب قضاء الدين:
ومن فروع هذه القاعدة ما ذهب إليه بعض فقهاء الإباضية في جواز قضاء الدائن دينه من مال الهالك المنقول سِراً إذا لم يوص به، ومنع آخرون ذلك؛ لأنه تصرف في ملك الغير دون إذن، وحكى بعضهم إجماع الفقهاء في جواز أخذ مثل ماله سراً إذا وجده بعينه.
نقل ابن بركة هذه المسألة في «الجامع»، وأشار إلى محل الخلاف بين الإباضية، فقال: «اختلف علماؤنا في رجل مات وعليه دين لرجل، ولم يوص إلى أحد من الناس، ولم يكن لصاحب الدين بينة على الميت، فقال بعضهم: إن قدر على شيء من مال الهالك من العروض والحيوان أخذه سراً وباعه، واستقضى منه وقبض حقه، ويقيم نفسه في ذلك مقام الحاكم. وقال آخرون: ليس له ذلك ويكون متعدياً في الظاهر والباطن؛ لأنه يفعل بغير أمر الله لأنه ليس بوكيل فيم يبيع ولا وصي، فأجمعوا على أنه إذا وجد في مال الهالك مثل عين ماله من الجنس الذي له من الذهب والفضة، أو ما يضبط بالكيل والوزن ويتساوى ولا يختلف، أنّ له ذلك إذ قدر عليه سرا ولا يأخذه جهاراً، ويواجه بأخذه ظاهرا؛ لأنه يكون متعدياً في الظاهر ... » (1).
وتعقب ابن بركة هذه الأقوال، وناقش أدلتها، وبين قوتها من ضعفها، ومدى صلاحيتها للاحتجاج بها، وقال: وقوله ليس بحجة في دعواه، فإن قال قائل: أليس للحاكم أن يقضي عن الميت الدّين من ماله، فلم لا يجوز لصاحب
(1) ابن بركة: الجامع، 210/ 1 - 211. (4/192)
صفحة 1973
الفصل السادس: القواعد الفقهية الكلية الصغرى
193
الدين إن عدم، البينة، وعدم الحاكم، وقدر على أن يأخذ من مال الميت مما
خلفه
فيبيع ذلك ويقضي دينه منه؟ قيل له: إن الحاكم هو الذي جعل لذلك ونُصب له، وليس ذلك للعوام، ولو جاز لرجل من العوام أن يقول فيبيع من مال الميت، ويقضي عنه دينه كما لا يجوز للحاكم. فإن قال: فإن جحده وقدر على شيء من ماله، هل له أن يأخذه من ماله؟ قيل له: إذا جحده أو هلك فكان ذلك سواء؛ لأنه لا يقدر على أخذه منه بالجحد والموت. فإن قال: لم لا يأخذه ويقضي حقه ماله أو قيمة، ببيع ويكون هذا اتفاق بينهم؟
من
هذا
قيل له: ليس له ذلك عند هذه الطائفة من أجل أنّ عَيْن ماله غير ما أخذه، فلا يجوز أن يملك هذا المتاع إلا بشراء، ولا يجوز له أيضاً أن يتصرف بالبيع في مال لا يملكه إلا بوكالة أو وصاية أو بملك تقدّم له فيه). واستدل من ذهب إلى جواز قضاء الدين من مال المدين الهالك ولو بالبيع بما رُوي عن زوجة أبي سفيان، لما أذن لها رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تأخذ من ماله ما يكفها لنفقتها وعياله، ولا شك أن هذا الدليل لا يصلح الاحتجاج به في المقام لكون المدعية زوجته لها عليه، حقوق وقضاء الرسول صلى الله عليه وسلم لها بذلك باعتباره حاكماً ومشرعاً يجوز له ذلك. ولا بأس أن نورد عبارة ابن بركة في هذا الصدد واعتراضه على هذا الدليل فيقول: «فإن قال: أليس قد أذن رسول الله صلى الله عليه وسلم لهند بنت عتبة وقد شكت إليه من زوجها أبي سفيان بن حرب أنه قطع عنها وعن أولادها الكسوة والنفقة فأمرها رسول الله الله أن تأخذ من ماله بغير إذنه؟ (2). صلى الله عليه وسلم
(1) ابن بركة المصدر نفسه، 212/ 1.
(2) متفق عليه، رواه البخاري، كتاب النفقات، باب إذا لم ينفق الرجل فللمرأة أن تأخذ بغير علمه، رقم 5055، ومسلم، كتاب الأقضية، باب قضية هند رقم 3320، عن عائشة بنت أبي بكر الصديق. (4/193)
صفحة 1974
194
القواعد الفقهية عند الإباضية
قيل له ورد الخبر بأنه أذن لها أن تأخذ حقها وحق صبياتها من ماله، وليس في الخبر أنه أمرها أن تأخذ غير ما يجب لها، وتبيعه وتملكه عليه من حق منعها إياه سوى ما صار إليها، بل الذي يجب أن يكون الرسول صلى الله عليه وسلم أمرها أن تأخذ ما يكفيها ويكفي صبيانها من ماله وللمرأة على زوجها حقوق مختلفة من حب وتمر وأدم ودهن وثياب وصداق وغير ذلك، فكل شيء من جنس حق لها.
أخذته فهو
وأيضاً: فإنه إن صح أنه أذن لها أن تأخذ غير الذي لها وغير عين حقها عليه، فإنها أخذت بحكم حاكم، ومن حكم له حاكم بأخذ حق له في مال غريمه جاز له خذه ... (1)
مجمل القول:
وبعد النظر في أقوال الفقهاء وأدلتهم يظهر أن ما ذهب إليه جمهور الإباضية وابن بركة في عدم جواز أخذ الدائن دينه من مال المدين لقضاء حقه سراً أو جهرا، سواء كان حيا أو ميتا، دون إذنه أو علمه، هو الرأي الأعدل والأوفق، عملا بالقاعدة: «لا يجوز لأحد أن يتصرف في مال الغير وملكه إلا بإذن»؛ لأنه مهما بدل من جهد في استيفاء حقه قد يتعدى ذلك فيلحق الضرر بغيره، ولذلك يجب عليه أن يطلبه من أصحابه، كالوصي، أو الورثة، إن كان المدين ميتاً، أو من الحاكم إن كان حياً، خاصة إذا جحده حقه أو ماطله، والله أعلم. واختلف الفقهاء أيضاً فيمن اغتصب مالاً، أو كان عليه دينا فجحده، وظفر صاحب الحق بماله أو بمال للغاصب أو المدين، هل يجوز له أن يأخذه منه، أو يتصرف فيه بالبيع، ويقضي به دينه أو حقه؟ نقل أبو الحسن البسيوي هذه المسألة في «جامعه»، وعرض أقوال الفقهاء وأدلتهم فقال: «ومن غصب رجلاً مالاً من ماله أو ديناً كان له عليه فجحده
(1) ابن بركة المصدر السابق. - البسيوي: جامع أبي الحسن البسيوي، 59/ 4. (4/194)
صفحة 1975
الفصل السادس: القواعد الفقهية الكلية الصغرى
195
إياه، فإن ظفر له بمال استوفى منه حقه فذلك له، وإن كان من جنس ما أخذ فذلك جائز له، والاختلاف بينهم إذا أخذ من غير الجنس الذي له عليه، قال قوم جائز له، ويبيع ذلك ويستوفي، وقال قوم: إن أخذ من غير الجنس الذي له، كان ضامناً لما أخذ وقال قوم: يأخذ من أمانته إذا ظلمه المؤتمن، وقال آخرون: لا يأخذ من أمانته، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: ردّ أمانتك إلى من ائتمنك ولا تخن من خانك» (1). وفي كتاب الله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الأَمَنَتِ إِلَى أَهْلِهَا} (النساء: 58)، يدل على ذلك، فلا يأخذ من أمانته لهذا الخبر، وأما من غير ذلك فلعله يأخذه ... » (2).
في
ماله
واحتجوا على جواز أخذ حقه من الغاصب أو الجاحد، دون إذنه بما ثبت السُّنَّة أن هند بنت عتبة شكت إلى النبي الله فقالت: «إن أبا سفيان رجل لئيم، لا ينفق علي ولا على أولادي ـ أو عيالي ـ فقال لها: «خذي من ما يكفيك ويكفي عيالك بالمعروف، أو قال: «بالقصد» (3)» (4). ويضيف البسيوي في السياق نفسه فالذي يجيز لهذا أن يأخذ من الجنس وغيره؛ لأن هندا أمرها النبي و أن تأخذ، ولم يحدد لها شيئاً بعينه، فأما من لم يجز الأخذ إلا من الجنس، فإن الحجة له أن هنداً حكم لها الرسول صلى الله عليه وسلم بذلك من
مال زوجها، ومن حكم له حاكم بشيء جاز له أن يأخذ بالحكم مما حكم به. وكذلك قال: إن لها عليه حقوقاً من نفقة وكسوة وصداق، وما أخذت من
(1) رواه الترمذي، كتاب البيوع، رقم 1264، وأبو داود، كتاب الإجارة، باب في الرجل يأخذ حقه من تحت يده، رقم 3535، عن أبي هريرة قال الترمذي: «حسن غريب». والغالب على تضعيفه. قال الشوكاني: «لا يخفى أن وروده بهذه الطرق المتعددة مع تصحيح إمامين من الأئمة المعتبرين لبعضها وتحسين أمام ثالث مما يصير به الحديث منتهضا للاحتجاج».
نيل الأوطار، 29/ 6.
(2) البسيوي: الجامع، 59/ 4.
منهم
(3) رواه البخاري عن عائشة، التجريد الصحيح لأحاديث الصحيح، كتاب البيوع، 172/ 1.
(4) البسيوي: المصدر نفسه. (4/195)
صفحة 1976
196
القواعد الفقهية عند الإباضية
ذلك حسب من حقها الذي يجب لها من ذلك، فأما من أقر له بحقه، فإنه لا يأخذ بيده وليتقاضى غريمه حتى يعطيه، فأما إن جحده فله أن يأخذ حقه، وقد قيل: يعرفه بينه وبينه أنه قد استوفى حقه لعله يتوب، فيعلم براءة ذمته، أو يحضره الموت فيوصي له، فإذا عرّفه لم يلزمه غير ذلك. وقال البعض، فإن خافه واتقاه فيشهد أنه قد استوفى من فلان ما كان له عليه، ولا يطلبه بحق، فإن حضره الموت أوصى أنه قد استوفى، لعل الظالم يتوب فلا يأخذ ورثته منه شيئاً» (1).
- في باب الاستئذان:
ومن فروعها: أن الإسلام منع الدخول في بيوت الناس دون استئذان، وأوجب ذلك حتى على ذوي المحارم، لما روي عن عطاء بن يسار أن رجلاً سأل النبي صلى الله عليه وسلم فقال: أستأذن على أختي؟ فقال عليه الصلاة والسلام: «نعم، أتحب أن تراها عريانة؟!).
ويرجع السالمي سبب وجوب الاستئذان، وتحريم الدخول دون إذن عند الإباضية اعتماداً على هذه القاعدة، فيقول معللًا: «وظاهر كلام أصحابنا أن ذلك، فإنهم صرحوا بأن الاستئذان لم يشرع
جميع
النهي إنما ورد لأجل بخوف الاطلاع على العورات ولا لئلا تسبق عينه على ما لا يحل النظر إليه فقط، وإنما شرع لئلا يوقف على الأحوال التي يخفيها الناس في العادة عن غيرهم، ويتحفّظون من إطلاع أحد عليها؛ ولأنه تصرف في ملك الغير، فلا بد
من أن يكون برضاه، وإلا أشبه الغصب والقهر (3).
(1) البسيوي: جامع البسيوي، 59/ 4 - 60.
(2) البسيوي: المصدر نفسه، 221/ 4 - 222. ـ السالمي: معارج الآمال، 173/ 2. والحديث رواه البخاري في الأدب المفرد، كتاب الاستئذان، باب يستأذن على أخته، رقم 1063. قال ابن حجر: «أسانيد هذه الآثار كلها صحيحة». فتح الباري، 25/ 11.
(3) السالمي: معارج الآمال، 2/ 173 - 174. (4/196)
صفحة 1977
الفصل السادس: القواعد الفقهية الكلية الصغرى
197
ويذهب بعض فقهاء الإباضية إلى تعميم حكم الاستئذان على جميع البيوت دون استثناء، سواء كانت مسكونة أو خالية، ولو كان للمستأذن فيها حاجة، وسواء كانت ملكاً خاصاً أو عاماً، واختار القطب هذا الرأي وصححه خلافاً للجمهور. ويشير السالمي إلى منشأ الخلاف في هذه المسألة فيقول: «وأما البيوت التي تدخل بغير استئذان فهي ما ذكر الله تعالى في قوله عز من قائل: {لَّيْسَ علَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيهَا مَتَنْعُ لَكُمْ} (النور: (29)).
ونقل السالمي سبب نزول هذه الآية فقال: قال أبو بكر الله إن الله قد أنزل عليك آية في الاستئذان، وإنا نختلف في تجارتنا في هذه الخانات، أفلا ندخلها إلا بإذن؟ فنزلت الآية.
وروي
أنه لما نزلت آية الاستئذان قالوا كيف بالبيوت التي بين مكة
والشام على ظهر الطريق ليس فيها ساكن؟ فنزلت هذه الآية.
وقيل: المراد جميع البيوت التي لا ساكن فيها؛ لأن الاستئذان إنما جعل لشيء لا يطلع معه على عورة، فإن لم يخف ذلك جاز له الدخول بغير
استئذان.
والمراد بالمتاع في قوله تعالى: فِيهَا مَتَعُ لَّكُمْ} (النور: 29). الاستمتاع
والنفع، كدخولها للحر أو البرد أو غيرهما. وقيل: المراد بالمتاع المال، فإذا كان لك مال في بيت غير مسكون جاز
دخوله بلا إذن.
واختار القطب تعميم الحكم على جميع البيوت فمنع من دخولها إلا بإذن ولو كان له فيها حاجته، وصححه فقال: والصحيح المنع إلا بإذن ما لم يمنعه
صاحب
حب البيت من ماله» (1).
(1) السالمي نفسه، 173/ 2. - البسيوي: جامع أبي الحسين البسيوي، 222/ 4. (4/197)
صفحة 1978
198
القواعد الفقهية عند الإباضية
وخالف السالمي رأي القطب ولم يسلّم به وعقب عليه بقوله: «فقلت: وهذا التصحيح إنما هو في المنازل التي لها أرباب فوضعت فيها متاعك بإذن أربابها، فإنه لا يحل لك أن تدخلها لأخذ متاعك بغير إذنهم، ولو علمت أنه ليس فيها أحد، لأن ذلك تصرف في ملك الغير، وما أباحته الآية إنما هو في المنازل المعدة لذلك، أو المنازل التي علم من أصحابها أنه لا يسوؤه ذلك، بل يرضى به ويحبه لقيام الدليل على منع التصرف في ملك الغير إلا برضى أو إذن» (1).
والحاصل:
أنه يظهر من خلال ما تقدم من أدلة الفريقين أن ما ذهب إليه السالمي والجمهور يتوافق مع مدلول الآية، فبعد أن بينت الحكم العام في دخول البيوت خصصت هذا العموم بترك الاستئذان، إذا كانت البيوت غير مسكونة أو فيها متاع للناس. ولعل تعميم القطب للاستئذان في كل البيوت حكم جانبه الصواب لمخالفته لمنطوق الآية، ومفهومها وما قرره السالمي هو الرأي الأعدل والأوفق رفعا للحرج والمشقة، وتيسيراً على الناس، وقد أكده سبب نزول الآية.
ـ هذا وقد استدل السالمي بهذه القاعدة أيضاً عند بيانه لصفة الإذن فقال: «وهو إجازة الدخول، فيدخل المستأذن بما إذا سمع الإذن من البيت سواء كان من أهل البيت أو من غيرهم.
وقيل: لا يدخل إلا بإذن من هو من أهل البيت؛ لأن الدخول بغير إذنهم
تصرف في ملك الغير بلا إذنه (2).
(1) السالمي: معارج الآمال، 2/ 175. (2) السالمي: المرجع نفسه، 181/ 2. (4/198)
صفحة 1979
الفصل السادس: القواعد الفقهية الكلية الصغرى
199
- في تصرفات الفضولي
المراد بالفضولي هو الذي يتصرف في شؤون الغير بغير إذنه ولا رأيه، فمن اشترى لغيره بغير إذنه ولا رأيه كان شراؤه في حق الغير باطلاً، ويصحح في حق نفسه، فبيعه موقوف على إذن صاحبه، وكذلك شراؤه، وكذلك لو عقد النكاح على يتيمة، فإن العقد موقوف على إمضائها بعد البلوغ، وجميع تصرفاته بيعا وشراء، ونكاحاً، ورهناً، وإجارة، وقضاء، وشركة وقراضاً، لا تصح عن الغير بغير إذنه ولا رأيه (2).
ومن فروعها ما ذكره الإباضية في حكم تصرفات الفضولي، فقد اعتبروها كلها موقوفة؛ لأنه تصرف بغير إذن؛ كمن يتبرع بقضاء دين غيره دون إذنه، فلا ضمان على المدين؛ لأنه تصرف بغير إذنه، ولا يجوز له المطالبة بالمثل، وقد ذكر محمد بن إبراهيم الكندي هذه المسألة وقال: «وقد قال المسلمون من تبرّع على إنسان بقضاء دين عليه فقضاه عنه بغير أمره، أو قضاه ليأخذ، عوضه إن الضمان يسقط على المقضي عنه ولا شيء للقاضي عن المقضي عنه» (3).
وقال أيضاً: «وليس له أن يأخذ من المقضي عنه مثل ما قضى عنه؛ لأنه قضى بغير رأيه ولا أمره ... وتسمى هذه الدراهم التي قضاها عنه بغير رأيه بمنزلة العطية المقبوضة» (4).
فهنا قد أبطل الكندي تصرف الفضولي في حق الغير وصححه في حق نفسه، واعتبر الدراهم المدفوعة بمثابة العطية، فكأنه أعطى هذه الدراهم عطية مبتدأة من. نفسه وليس ديناً عن غيره؛ لأن تصرف الفضولي لا يصح عن الغير.
(1) ابن بركة الجامع، 124/ 2 - 125.
(2) هرموش: معجم القواعد الفقهية الإباضية، ص 182 - 183.
(3) الكندي محمد إبراهيم بيان الشرع، ج 76/ 35.
(4) الكندي: المرجع نفسه. (4/199)
صفحة 1980
200
القواعد الفقهية عند الإباضية
ما يستثنى من القاعدة
استثنى بعض فقهاء الإباضية بعض الفروع من القاعدة لثبوت أدلة أخرى
تخالف هذه القاعدة ذلك: من
1 - التصرف في الرهن المغصوب ونحوه:
ذكر الشماخي في باب الرهن أنه إذا قدّم الراهن للمرتهن رهناً فظهر أنه مال حرام مغصوب، فإنه يتصرف فيه بغير إذن صاحبه، يقول في هذا الصدد: «إذا رهن رجل لرجل رهناً فإذا هو حرام، فإن المرتهن يرده لصاحبه دون الراهن، وكذلك الوديعة والعارية والبضاعة إذا كانت بيد رجل مسلم ثم علم أنها حرام، فإنما يرد جميع ذلك لمولاه دون الذي جعل ذلك في يده إذا علمه، وإن لم يعلمه فليبعه وينفق ثمنه، ولا يرد الذي جعله في يده؛ لأن ذلك تصرف في مال الغير بغير حق، ومنهم من يرخص في رد ذلك إلى الذي في يده إذا جاء معترفا وعلم منه الإنصاف؛ لأنه أعلم بذلك منه).
في ما يحل للوالد من مال ولده:
اختلف فقهاء الإباضية في حكم تصرف الوالد في مال ولده، وما يحل له فيه، وما يحرم، فمنهم من لم يعمل بالقاعدة، واستثنى منها حالة تصرف الوالد في أملاك ولده، فأجاز ذلك مطلقاً بعد حكم الحاكم له بذلك، ومنهم من منعه من التصرف في مال ولده في حالة اليسر، والغنى فإن فعل ذلك ضمن ومنهم من أجاز ذلك وقيده بحالة إعساره ويسر ولده.
نقل ابن بركة هذه المسألة في «الجامع» وأشار إلى اختلاف الإباضية في حكمها فقال: «اختلف أصحابنا في مال الولد هل للأب أخذه في حياته، ويتملكه عليه أو شيء منه في حال الإعسار أو غير الإعسار، فأجاز بعضهم للأب أخذ مال ولده وإن كان الأب موسرا، ويحكم له الحاكم بجواز ذلك
(1) الشماخي الإيضاح، 217/ 7 (4/200)
صفحة 1981
الفصل السادس: القواعد الفقهية الكلية الصغرى
201
الفعل، وقال بعضهم: لا يجوز ذلك الفعل له إذا كان موسراً، فإن أخذ من مال ولده شيئاً كان أخذه له ضامناً.
فلا
وقال بعضهم: ما يأخذه الأب من مال ولده انتزاعاً، والانتزاع لا يكون إلا فيما يتلفه، وأما فيما عَيْنه قائمة ينقلها إلى ملكه نحو الدور والأرضيين والنخيل يصح الانتزاع فيه، والعين قائمة. وقال بعضهم: لا يجوز له أخذ شيء من مال ولده إلا لكسوته أو نفقته بفرض حاكم إذا كان معسراً، والابن موسراً ... ). وقال أبو غانم في المدونة»: «قلت لهما، فالرجل يأخذ من مال ولده
ويتصدق ويهب؟
قالا جميعاً: ذلك للوالد من مال ولده، يصنع في ذلك ما أَحبَّ، إلا أن ابن عبد العزيز: قال ما لم يضر بولده وتجحف بماله ولاحقاً بالضرر. قالا جميعاً: ولا يحل للوالد أن يأخذ من مال ولده شيئاً إلا بإذنه» (2).
قال أبو المؤرج: حدثني أبو عبيدة رفع الحديث إلى ابن عباس وإلى جابر بن زيد عن عائشة أنها قالت: إن أطيب ما تأكلون من كسبكم وإن أولادكم من كسبكم فكلوا من كسبكم.
قلت لابن عبد العزيز: فلو أن رجلا محتاجاً وابنه غني، إن هو بسط يده
إلى مال ابنه حال ابنه بينه وبين
الأخذ
من ماله؟
(1) ابن بركة: الجامع، 362/ 2. - الشماخي: الإيضاح، ط دار الفتح لبنان، 424/ 4. ـ العوتبي:
الضياء، 73/ 14.
(2) الخراساني أبو غانم بشر، مدونة أبي غانم تحقيق يحيى النبهاني ولعساكر إبراهيم،
ص 285.
(3) ورد حديثاً مرفوعاً إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم رواه الترمذي (1358). وأبو داود (5330). والنسائي (4449). وابن ماجه (2290) وأحمد (25652). وابن الجارود (995). وابن حبان (4259). والحميدي (646). وإسحاق بن راهويه (1656). وابن أبي شيبة (36213) من حديث عائشة رضي اله عنها، قال الترمذي: «هذا حديث حسن صحيح». وقال الحاكم في المستدرك (2294): «حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه». (4/201)
صفحة 1982
202
القواعد الفقهية عند الإباضية
قال: فليأت به إلى القاضي وليعلمه بحاجته وأنه حال بينه وبين
من ماله.
الأخذ
قلت له: أفيعطيه القاضي إذا أتاه فأعلمه بما ذكر على أخذ ما أحب
من ماله؟
قال: نعم يعطيه القاضي من مال ولده ما احتاج إليه، ويجيزه على ذلك، ويأخذ برزقه ونفقته وكسوته وكسوة عياله بالمعروف على قدر سعة الابن، غير مضار ولا مشرف (1) عليه فيما لا يحل» (2). قال أبو المؤرج: «حدثني أبو عبيدة أن رجلاً أخذ من مال ولده في حياة النبي فانطلق الابن إلى النبى لا يشكوا بوالده ويقول له أخذ والدي من مالي، فقال النبي: اذهب أنت ومالك لأبيك» (3) (4). ويظهر مما تقدم أن الذين منعوا تصرُّف الوالد في مال ولده بغير إذنه هو الرأي الأعدل والأقرب للصواب، وذلك حتى لا يستغل الآباء سلطتهم فيحرمون أبناءهم من ممتلكاتهم، ويتعسفون في سلطتهم الأبوية خاصة إذا كان أبناؤهم بالغين وراشدين، ولعل هذا القيد الذي وضعه الفقهاء يحد من
(1) مشرف: من الإشراف وهو الحرص والطمع، ومنه قول الشاعر:
لقد علمت ما الإشراف من طبعي أن الذي هو رزقي سوف يأتيني
(2) الخراساني أبو غانم بشر: مدونة أبي غانم الخراساني، تحقيق: يحيى النبهاني ولعساكر إبراهيم، ص
(410). عن
285
(3) رواه أيضاً أبو داود (3063). وابن ماجه (2283) وأحمد (6608). وابن الجارود (995). وابن أبي شيبة (22708). والطحاوي في شرح الآثار باب الوالد هل يملك مال ولده أم لا؟ (158/ 4). عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده. وأخرجه ابن حبان في صحيحه عائشة كما رواه ابن أبي خزيمة في صحيحه (5731). وابن حبان في صحيحه (4662) وأبو يعلى في مسنده (5731) من حديث ابن عمر، وللحديث طرق أخرى عن جابر بن عبد الله، وسمرة بن جندب، وعمر بن الخطاب، وابن مسعود. (4) الخراساني: المصدر السابق. (4/202)
صفحة 1983
الفصل السادس: القواعد الفقهية الكلية الصغرى
203
جشعهم، وهذا ما مال إليه ابن بركة ورجحه إذ يقول: «وهذا القول أنظر عندي وأدلّ على موافقة تأويل السُّنَّة» (1).
واختلف فقهاء الإباضية أيضاً في تصرف الوالد في مال ولده الكبير بالبيع، كاختلافهم في مال الولد القاصر، فمنهم من منع ذلك إلا بشروط، وذلك إعمالاً للقاعدة، ومنهم من جوّز تصرفه بشروط استثناء من القاعدة، باعتبار أن الولد فرع منه وتابع له، وما يملكه ولده تابع له أيضاً، عملا بالقاعدة: «التابع تابع»، ولعل الذين منعوا ذلك عند الكبير دون الصغير استندوا إلى أن تصرفات الولد الكبير في ماله نافذة لا تحتاج إلى إجازة الولي خلافاً للصبي، فهي
موقوفة على إجازته، فالأول يملك ملكية مطلقة والثاني ملكية مقيدة. نقل ابن بركة أقوال الإباضية وأدلتهم في هذه المسألة فقال: «اختلف أصحابنا في بيع الرجل مال ولده الكبير، فقال بعضهم: يجوز ذلك إذا كان فقيراً محتاجاً إلى مال ولده، وإن كان غنياً فلا يجوز ذلك له، وأجاز بعضهم انتزاعه وتملكه عليه وهو غني أو فقير، وقال بعضهم: الانتزاع الذي يجوز للأب في مال ولده هو ما يأكله الأب من مال ولده، أو يقضيه في دين أخذ به لا يجد سبيلاً إلى أدائه، وما يتلفه عليه، فأما ما كان يتملكه عليه ويكون قائماً في يده فلا، وأما موسى بن علي كان يُسمي أكل مال الولد لصاً»، وعقب عليه ابن بركة بقوله: وعندي أنه كان يريد بذلك من الآباء الأغنياء» (2).
وذهب بعض الفقهاء إلى جواز تصرف الوالد في مال ولده بالبيع أو غيره، ولو أدى به إلى التلف، ولكن يَحِق للولد أن يطلب من أبيه تعويض قيمة ما أخذه أو أتلفه، فإن كان له مالاً سدد له ذلك، وإن لم يكن له فلا شيء عليه، وفي هذا المعنى يقول محمد ابن جعفر وكلما باعه الوالد من مال
(1) ابن بركة: الجامع، 362/ 2. - الشماخي: الإيضاح، 424/ 4.
(2) ابن بركة المصدر نفسه، 357/ 2. (4/203)
صفحة 1984
204
القواعد الفقهية عند الإباضية
رجع
ولده، أو أتلفه فهو جائز، فإن كان للوالد مال فإن الولد إذا طلب ذلك عليه بقيمة ما أخذ عليه من ماله وإن لم يكن له مال فلا شيء عليه، وقال
أتلفه،
أبو علي الله: إنما يلزم الوالد لولده قيمة ما أتلف من مال ولده يوم فينظر في ذلك لعل معناه أنه استفاد مالاً من بعد لم يلزمه، وله أن يبرئ نفسه من حق ولده ويبرئ منه إلا ما كان من قبل الأرش فقيل لا يبرئ منه، ومن كان أبرأ نفسه من حق ولده وهو مريض ثم مات الولد، فقال من قال: يبرأ، وقال من قال: لا يبرأ (1). ويلاحظ من عبارة ابن جعفر أنه لم يُميّز بين تصرفات الوالد في مال ولده، سواء كان صغيراً أو كبيراً، إلا أنه يفهم من كلامه أن تصرفاته تختص بالولد الصغير دون الكبير، بدليل أنه صرح بجواز مطالبة الولد والده قيمة ما أخذه منه أو أتلفه من ماله، ولا يمكن أن يفعل ذلك إلا الولد الكبير؛ لأن تصرفاته نافذة خلافاً للصبي فهي موقوفة على إجازة الولي، فله الحق في التصرف في ماله في حدود المصلحة، أما الكبير فيملك استقلالية في التصرف في ماله
ببيع
6
أو هبة، أو رهن، ونحو ذلك.
واحتج من أجاز للأب أخذ مال ولده وهو غني بقول النبي صلى الله عليه وسلم: «أنت ومالك لأبيك» (2) فقالوا: قد ملك النبي صلى الله عليه وسلم الأب مال ولده بظاهر هذا الخبر، ورد عليهم ابن بركة بقوله: والنظر يوجب عندي أن هذا الخبر لا يوجب تمليك المال، وأن النبي صلى الله عليه وسلم أراد به منزلة الأب وعظم حقه على ولده، وتعريف الولد أنه من والده وبضعة منه، وأن الولد من كسب الوالد، وقد قال الله تعالى: {مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ} (المسد: (2). يعني: على ما قال أهل التفسير، والله أعلم: «فلما كان الولد مضافاً إلى الأب وهو كسبه، جاز أن
(1) ابن جعفر: الجامع، 343/ 4. (2) تقدم تخريجه. (4/204)
صفحة 1985
الفصل السادس: القواعد الفقهية الكلية الصغرى
205
يكون كسب كسبه مضافاً إليه أيضاً، فقال: «أنت ومالك لأبيك» يعني: من أبيك؛ لأن أدوات الخفض ينوب بعضها عن بعض، فأراد صلى الله عليه وسلم تعظيم شأن الوالد ورفع منزلته؛ أي: لو لم يكن هو لم تكن أنت أيها الابن ولا مالك؛ لأن الابن فرع للأب والمال فرع للابن، وقد روى عن النبي صلى الله عليه وسلم في أمر عمه العباس، وقد أخذ ناقته العضباء لبعض أسفاره مع النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «أنا والعضباء للعباس» (1)، حيث أُخبر أنه أخذها، وقال: ردوا علي أبي»، يعني: عمه
العباس، وقد غاب في حملة حملها فأبطأ (2).
وأضاف ابن بركة قائلاً: «ولو كان قوله: أنت ومالك لأبيك» يوجب أن يكون مال الابن لأبيه، ما لم يكن الحاكم يفرض للأب على ولده النفقة إذا كان فقيراً أو محتاجاً؛ لأن الحاكم لا يفرض لأحد النفقة في مال يملكه، وإنما يفرض له في مال غيره، فهذا المعنى والخبر» (3).
مجمل القول:
بعد التأمل في الأقوال المتقدمة يظهر أنه لا يجوز للوالد التصرف في مال ولده الكبير ما دام راشداً إلا بإذنه، ولا يحق له أن ينتزع منه شيئاً إلا بالحق، وفي حالة الإعسار يجوز للحاكم أن يحكم له في ماله بالنفقة عليه حتى لا يتعرض لذل السؤال والحاجة، حفاظاً على كرامته ورداً للجميل، ولعل هذا الرأي هو الأقرب والأعدل والأوفق والأقرب للصواب والله أعلم.
(1) لم أجده فيما بحثت من مصادر.
(2) رواه ابن أبي شيبة في المصنف، كتاب المغازي، باب فتح مكة، رقم 36902، عن عكرمة.
(3)
ابن بركة الجامع، 3572، 358 - العوتبي: الضياء، 150/ 14. (4/205)
صفحة 1986
المطلب الثالث
قاعدة: «ليس لعرق ظالم حق)
أولاً: تعريف القاعدة:
هذه القاعدة الفقهية لها علاقة بنظرية الملك فهي أساس يبنى عليه تحقيق العدالة، ومنع العدوان على أملاك الغير، أياً كان نوعه، وفي أي مكان كان، وفي أي زمان وقع، ومن أي شخص صدر منه وهذه القاعدة جزء من حديث صحيح أيضاً وتعني في الأساس أن العدوان لا يكسب المعتدي حقا، فمن غصب أرضاً فزرع فيها، أو غرس أو بنى لا يستحق تملكها بالقيمة، أو البقاء فيها بأجر المثل، ولا يُكسب تلك الأرض أو الدار أيضاً بالتقادم، ويقاس على الأرض والدار غيرها من المغصوبات (2).
وقد وردت هذه القاعدة بهذه الصيغة في المصنفات الإباضية، واعتمدت في كثير من المسائل الفقهية المتعلقة بالغصب والتعدي على أملاك الغير، وذلك في مجال الزراعة والبناء، وامتلاك الحيوان واستغلاله، وعبّر عنها البسيوي وغيره بعبارة قريبة من هذا المعنى وهي: «لا عِرق ولا عرق لغاصب أو ظالم (3). فالعزق بكسر العين يراد به عروق الشجر، والعرق بفتح العين يراد به الجهد الذي بذله الغاصب في تنمية المال والعناية به والعناء الذي يتحمله في
ذلك،
(1) ابن جعفر: الجامع، 277/ 5. - البسيوي الجامع، 51/ 4 - 54. ـ جناون بن فتى وعبد القهار بن خلف أجوبة علماء فزان، ص 80 - 81.
262
(2) الزرقا مصطفى: المدخل، 2/ 109. - الندوي أحمد: القواعد الفقهية، ص 270. ـ البورنو: الوجيز، ص 375. - محمد بكر إسماعيل: القواعد الفقهية، ص (3) البسيوي: الجامع، 53/ 4. - الأصم عثمان البصيرة، 146/ 1. - أبو العباس أحمد: القسمة وأصول الأرضين، ص 278. - القصبي أبو ستة عمرو: الحاشية على كتاب الإيضاح
للشماخي، ط 2، دار الفتح لبنان، 1970 م، 18/ 4. - الثميني: الورد البسام، ص 237. (4/206)
صفحة 1987
الفصل السادس: القواعد الفقهية الكلية الصغرى
207
وزاد عليها عثمان الأصم فقال: «لا عرق للغاصب ولا عناء»). وكلها عبارات متقاربة تتضمن المعنى المرد من القاعدة وهو: أن الغاصب ظالم معتد لا يستحق بغصبه شيئاً، ولا يكتسب من ظلمه حقا ولو تقادم الزمن والعهد، وعناؤه وجهده هدر، لا تعويض له، وما عليه إلا رد المغصوب إلى صاحبه والتوبة من فعله.
ثانياً: تأصيل القاعدة:
وردت هذه القاعدة في كتب السُّنَّة وهي جزء من حديث نبوي نصه: «من أحيا أرضاً ميتة فهي له وليس لعرق ظالم حق» رواه أبو داود والترمذي)، ويحيى بن آدم القرشي في كتاب الخراج)، وأبو القاسم بن سلام في بحث إحياء موات الأرض من كتابه الأموال (4).
وأخرجه البخاري تعليقاً في «الحرث باب من أحيا أرضاً مواتاً» فقال: وقال عمر: من أحيا أرضاً ميتة فهي له، ويروى عن عمرو بن عوف عن النبي صلى الله عليه وسلم: أنه قال: في غير حق مسلم، «وليس لعرق ظالم فيه حق»).
(1) الأصم: البصيرة، 149/ 2.
(2) رواه الترمذي، كتاب الأحكام، باب ما ذكر في إحياء أرض الموات، رقم 1378، وأبو داود، كتاب الخراج، باب في إحياء الموات، رقم 3073، عن سعيد بن زيد، قال الترمذي: «حديث
حسن غريب وقد رواه بعضهم عن هشام بن عروة عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلاً».
(3) القرشي يحيى بن آدم كتاب الخراج تعليق أحمد محمد شاكر، ص 84. (4) أبو القاسم (ت: 702): كتاب الأموال، ص 276.
(5) رواه أبو داود وإسناده حسن عن سبل السلام للصنعاني رقم 844، 3/ 907، قال الشوكاني في نيل الأوطار: حديث عروة سكت عنه أبو داود والمنذري وحسن الحافظ في بلوغ المرام إسناده»، 320/ 3 ذكر الحديث في سنن أبي داود، الخراج باب 37. والترمذي (13780). والبيهقي، 99/ 6، 142 - 143، 148. والهيثمي مجمع الزوائد، 174/ 4. ابن حجر: تلخيص الحبير، 54/ 3. العجلوني: كشف الخفاء ومزيل الإلباس، 241/ 2. الطبراني في المعجم، 17/ 14، 19/ 14. - ينظر: صحيح البخاري، طبعة دار القلم بيروت، 822/ 2، وطبعة المكتبة الإسلامية القاهرة، مصر، 70/ 3. (4/207)
صفحة 1988
208
القواعد الفقهية عند الإباضية
وفي رواية عن عروة بن الزبير لله قال قال رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن رجلين اختصما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في أرض غرس أحدهما فيها نخلاً والأرض للآخر، فقضى رسول الله بالأرض لصاحبها، وأمر صاحب النخل أن يخرج نخله وقال: «ليس لعرق ظالم حق» قال الراوي: «فلقد رأيتها وأنها لتضرب أصولها بالفؤوس» (1).
وفي رواية عن رافع بن خديج الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من زرع في
أرض قوم بغير إذنهم فليس له من الزرع بشيء وله نفقته» (2).
بيان معنى الحديث العرق في اللغة هو أحد عروق الشجر، والمراد الشجرة نفسها، وهو على حذف المضاف؛ أي: لذي عرق، ظالم، فجعل العرق نفسه ظالماً والحق لصاحبه، ووصف العرق بالظلم مجاز والمراد ظلم صاحبه.
قال ابن الأثير: «والرواية لعزق بالتنوين، وهو على حذف المضاف؛ أي: لذي عِرْقٍ، ظالم، فجعل العزق نفسه ظالماً والحق لصاحبه، أو يكون الظالم من صفة صاحب الحق وإن روي عِرق بالإضافة فيكون الظالم صاحب العزق والحق للعرق وهو أحد عروق الشجرة» (3). وعليه يكون ظالم صفة للعرق على سبيل المبالغة فإسناد الظلم إليه مجاز يشير إلى ظلم من وضعه، وقد روي بالإضافة فيكون العرق منسوباً إلى
الظالم.
قال ابن حجر في «الفتح»: رواية الأكثر بتنوين (عرق)، وظالم نعت له،
(1) رواه الترمذي، كتاب الأحكام فيمن زرع أرض قوم بغير إذنهم، رقم 1366، وأبو داود، كتاب البيوع، باب في زرع الأرض بغير إذن صاحبها، رقم 3403، عن رافع بن خديج. ذكر الترمذي
عن البخاري أنه حديث حسن ابن الأثير النهاية في الحديث، مادة (عرق) 219/ 3. (2) البسيوي: الجامع، 53/ 4.
(3) ابن الأثير: النهاية في غريب الحديث والأثر، مادة (عرق) 219/ 3. (4/208)
صفحة 1989
الفصل السادس: القواعد الفقهية الكلية الصغرى
209
وهو راجع على صاحب العرق؛ أي: ليس لذي عرق ظالم أو إلى العرق؛ أي: ليس لعرق ذي ظلم، ويروى بالإضافة، ويكون الظالم صاحب العرق، ويكون
(2)
المراد بالعرق الأرض»). وسئل سفيان بن سعيد (2) عن العرق الظالم فقال: هو المنتزي، والانتزاء هو النزو وهو الوثبان يقال انتزى على أرضه؛ أي: وثب عليها فغصبها (3). ويبين الشوكاني أنّ «العرق قد يكون ظاهراً وقد يكون باطناً، فالباطن ما احتفره الرجل من الآبار واستخرجه من المعادن، والظاهر بناؤه أو غرسه» (4).
ومعنى العرق الظالم أن يجيء الرجل إلى أرض قد أحياها قبله رجل: فيغرس فيها غرساً غصباً، أو يزرع أو يحدث فيها شيئاً ليستوجب به الأرض (5). وَقَالَ البعض: الظَّالِم مَنْ غَرَسَ أَوْ زَرَعَ أَوْ بَنَى أَوْ حَفَرَ فِي أَرْضِ غَيْرِهِ بِغَيْرِ حَقٍ وَلَا شُبهة. وأنه إنما صار ظالماً؛ لأنه غرس في الأرض وهو يعلم أنها ملك لغيره، فصار بهذا الفعل ظالماً غاصباً، فكان حكمه أن يقلع ما غرس أو يهدم ما بني؛ لأن الظلم لا يكس لا يكسب الظالم الظالم حقاً، ولا يجوز لأحد أن يأخذ مال أحد
(1) ابن حجر: فتح الباري، 192/ 7.
مناة،
(2) سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري (97) - 161 هـ / 716 - 778 م)، من بني ثور بن عبد من مضر، أبو عبد الله أمير المؤمنين في الحديث كان سيد أهل زمانه في علوم الدين والتقوى. ولد ونشأ في الكوفة، وراوده المنصور العباسي على أن يلي الحكم، فأبى. وخرج من الكوفة سنة 144 هـ، فسكن مكة والمدينة. ثم طلبه المهدي، فتوارى. وانتقل إلى البصرة فمات فيها مستخفياً. له من الكتب: «الجامع الكبير» و «الجامع الصغير» كلاهما في الحديث. الزركلي: الأعلام، 104/ 3
(3) القرشي يحيى بن آدم، كتاب الخراج، ص 86.
(4) الشوكاني: نيل الأوطار، باب إحياء التراث، ط، إدارة البحوث العلمية، السعودية، 15/ 6. ابن حجر: الفتح 1927.
(5) ابن منظور لسان العرب مادة (عرق)، طبعة دار لسان العرب بيروت (دت)، 751/ 2.
(6) ابن حجر: المصدر السابق. (4/209)
صفحة 1990
210
القواعد الفقهية عند الإباضية
إلا بسبب شرعي)، ولكن لو رضي صاحب الأرض ببقاء الغرس أو البناء، ويدفع للغاصب قيمة الشجر أو البناء فله ذلك (2).
ثالثاً: فروع القاعدة:
1 - في باب الغصب
ومن فروع القاعدة في باب غصب الأرض وزراعتها ما نقله عثمان الأصم في «البصيرة» بنصه: «وإن غصب أرضاً وزرع فيها زرعاً، فالزرع لرب الأرض، ولا عرق للغاصب ولا عناء، وإن كان بذر فله مثل بذره، وإن كان فسل فيها فسلاً، فالنخل لرب الأرض، ولا حق له في ذلك، وإن غصب ماءً فسقى أرضه فعليه ضمان الماء والزرع للأرض، وعن غصب سمادَاً فعليه ثمنه والزراعة للأرض، وإن سرق حبا فبذره فالزرع له وعلي قيمة الحب أو مثله، وقد قيل في مثل هذا الزرع الذي ليس له ولا لرب البذر وذلك الزرع فاسد للفقراء ... » (3). واستدل البسيوي على بطلان حق الغاصب في الأرض المغصوبة، وما
زرع فيها بما روي عن النبي الله أنه قال: «لا عِرْق ولا عَرَق لغاصب»)، على هذا لا حق له فيما زرع في مال غيره ولا عرق له، وفي حديث آخر: «ليس لعرق الظالم حق). وفي بعض القول: ليس لعرق ظالم حق، ليس له حق في الزراعة وهو المعتدي فيها بالظلم، وعلى أربابها إذا زرع في أرض غيره ليس له فيها حق»).
(1) الخادمي: قاعدة من قواعده، ص 329.
(2) البسيوي: الجامع، 53/ 4 - 54. - البورنو: الوجيز، ص 374.
(3) الأصم عثمان البصيرة، 149/ 2. ـ أبو العباس أحمد: كتاب القسمة وأصول الأرضين، ص
(4) تقدم تخريجه.
(5) تقدم تخريجه.
ص.
278
(6) البسيوي: الجامع، 15/ 4. (4/210)
صفحة 1991
الفصل السادس: القواعد الفقهية الكلية الصغرى
211
وسئل أبو يوسف وريون بن الحسن (1) عن قوم أهل بغي وفساد غصبوا أرضاً لقوم من المسلمين ففسلوها ()، فشكا أهلها إلى وال من ولاة المسلمين ... هل ينبغي لسلطان المسلمين أن يقطع تلك النخيل التي اغتصبوها، وإنما ذلك الغصب مشهور يشهد بذلك أهل تلك البلدة الذين زعموا أنه غصب منهم، وقد مضت سنون عدة في يد الغاصبين.
فأجاب: «أما قولك أن يقطع النخيل، فكل ما غرس الغاصب أو زرع فليس له إلا زريعته أو قيمة الأعواد التي غرس، وما نبت وأدرك فهو لصاحب الأرض، ألا ترى أن من حرث أرضاً محجوراً عليها، ليس له إلا زريعته التي زرع، والزرع لصاحب الأرض، وليس لعرق ظالم حق. وقولك: مضت سنون عدة والحق لا يبطله عدد السنين» (3).
واختلف فقهاء الإباضية فيما ينفقه الغاصب على الأرض من بذور وفسائل وسماد، هل يضمنها صاحب الأرض له فيقدم له مثلها أو قيمتها، أم يأمره بقلعها ونزعها؟ أم هو بالخيار إن شاء أخذها وسلمه قيمتها، وإن شاء تركها ولا يضمن ذلك؟
جاء في جامع البسيوي ما نصه: إنه قد قيل: إن ثمرة الزراعة كلها لصاحب
(1) وريون بن الحسن أبو يوسف أوائل ق: (3 هـ 9 م عالم عامل من علماء الإباضية، كان من القائمين بالأمر في مناطق فزان، جنوب ليبيا. كان يعين القضاة ويراقبهم. وهو صاحب العديد الأسئلة من التي وجهت إلى علماء فزَّان، فأجاب عنها العالمان جناو ابن فتى، وعبد القهار بن خلف. وقد حقق هذه الأسئلة والأجوبة الدكتور عمرو خليفة النامي، وأتمه الشيخ إبراهيم طلاي، فطبعت تحت عنوان «أجوبة علماء فزَّان». ينظر: علماء فزان: أجوبة علماء فزان، كله. البغطوري: سيرة (مخ). الشماخي: 165/ 1. علي معمر: الإباضية في موكب التاريخ، ح 53/ 2. بحاز: الدولة الرستمية، 321. (2) فسلوها: أي غرسوا فيها فسائل النخل، واحدتها فسيلة، وهي الصغيرة من النخل، وأفسل الفسيلة: انتزعها من أمها واغترسها. ينظر ابن منظور لسان العرب مادة (فسل). 519/ 11.
(3) جناون بن فتى وآخرون أجوبة علماء فزان، ص
81 - 80 (4/211)
صفحة 1992
212
القواعد الفقهية عند الإباضية
الأرض، وليس لصاحب الغصب عناؤه وبذره وقد أكلته الأرض، وقد قيل: له بذره وأما العناء فلا (1).
وذكر ابن جعفر أن: «من سرق من رجل شجرة أو نخلة فغرسها في ماله حتى كبرت فإنه يردها على صاحبها وقال من: قال يرد مثلها، وقال من قال: يرد مثلها أو قيمتها، وقال من قال: قيمتها يوم يستحقها مفسولة بغير أرض، والقول الأول هو الأكثر.
وقيل عن النبي: ليس لعرق ظالم حق، ولصاحبها الخيار إن شاء أخذها بعينها ويقلعها بترابها إلا تموت ويرد على صاحب الأرض تراباً مثل ما خرج فيها من التراب وإن شاء أن يأخذ منه قيمتها اليوم حية ليس
يوم
أخذها.
ـ وقال بعض في الحديث أنه ليس لعرق ظالم حق»، وقيل إن ثمرة الزراعة كلها لصاحب الأرض، وليس للزارع عناء ولا رَزِيّة، وحبّه الذي قد بذره قد أكلته الأرض.
قال أبو الحواري له بذره، وقال: من قال بل له أيضاً بذره وأما العناء فلا، وهذا في الغاصب، وأما الذي يزرع بسبب ينتقص فله عناؤه.
ويبين ابن جعفر أنّ «الغاصب إذا فسل أرضاً لرجل فصارت نخلاً فهي لصاحب الأرض، وللفاسل على صاحب الأرض فشل ما فسله يوم فسله، أو قيمة ذلك اليوم؛ لأنه قائم بعينه وليس له عناء) ..
ونقل البسيوي أقوال الإباضية في هذه المسألة وأشار إلى رأي الجمهور ومن خالفهم فقال: «وسُن أنه من اغتصب أرضاً فغرس فيها غرسا من نخل أو شجر ثم جاء ربّ الأرض فاستحق أرضه، أن له أن
(1) البسيوي: الجامع، 51/ 4.
(2) ابن جعفر: الجامع، 276/ 5 - 278. (4/212)
صفحة 1993
الفصل السادس: القواعد الفقهية الكلية الصغرى
213
يأخذ أرضه، ويقول للغاصب اقلع مالك منها، وليس لعرق الظالم حق»، وهذا يوافق قول بعض المسلمين، وعلى الغاصب ما نقص من قيمة الأرض إن كانت نقصت، فأما قول أكثر أصحابنا من أهل عُمان أن الزرع لرب الأرض، وكذلك النخل والشجر هو لربّ الأرض؛ لأنه لا عزق ولا عرق لغاصب، وفي قوله هو ليس لعرق الظالم حق» يدل على ما قلنا أنه لا حق له فيما غرس وبنى فى أرض غيره، إلا أن بعض أصحابنا قال: يحصي الغاصب قيمة النخل يوم فسلها في الأرض، وكذلك قيمة الشجر يوم غرسه، وليس فيما زاد في أرض من اغتصب منه؛ لأنه لا عرق ولا عرق لمغتصب بالسنة ولا لعرق الظالم حق، فوجب الأخذ بذلك إنما له قيمة ما وضع يوم وضع في الأرض وغرسه، وذلك لصاحب الأرض، وكذلك للزارع بذره لا غير ذلك» (1).
ويضيف البسيوي في سياق بيانه لموقف الإباضية ممن اغتصب أرضاً فزرع فيها زرعاً، ثم طلبها صاحبها وأراد استرجاعها من الغاصب، فما حكم ما زرع فيها، فيقول مؤكداً لما تقدم أن: «من اغتصب أرضاً فزرع فيها زرعاً ثم استحقها ربها أنه يأخذها، والزرع ونماؤه للغاصب، وعليه ما نقص للأرض إن كانت نقصت من زراعته للمغصوب منه قيمة ذلك، وإن أراد مثل ذلك فلا شيء له، قال: وهذا قوله هو، وقد قال بمثله بعض أصحابنا، فأما أكثر قولهم وعليه موافقة الخبر ومعناه أنه لا عرق ولا عرق للغاصب»، فإن الزرع لصاحب الأرض في قول كثير من المسلمين، ولا شيء للغاصب في ذلك من العناء؛ لأنه لا عرق ولا عرق ولا شيء له، فأما ما بذر فقد قال قوم: له قيمة بذره، ولم يوجب له قوم شيئاً من البذور، وأما غَرْم غرامة في الزرع لغير العرق فإنه لا يرد عليه ذلك على قول بعضهم، وعندهم أن من تعدى وزرع أرض غيره
(1) البسيوي: جامع أبي الحسن، 53/ 4. (4/213)
صفحة 1994
214
القواعد الفقهية عند الإباضية
بغير أمره أن الزرع لرب الأرض والمعنى واحد؛ لأنه متعد، فيفعله على مال غيره بغير حق ولا سبب ولا إجارة منه ... » (1).
ويؤكد عثمان الأصم ما ذهب إليه جمهور الإباضية في أن الغاصب لا حق له في الثمرة، لأنها لصاحب النخلة والشجرة، والزرع لصاحب الأرض، بل يجب عليه أن يرد الغاصب الفسيلة المغتصبة إلى صاحبها وكذلك البذور، ولا حق له في جميع ذلك، يقول في هذا الصدد: وإن سرق صزماً فغرسه في أرضه، فالنخل لصاحب الصرم المقلوعة منه؛ لأنه قائم بعينه، ولا عرق لغاصب، ولربّ الصرم الخيار إن شاء قلع، صرمه، وإن شاء أخذ منه قيمته يوم يستحق عليه في الحكم نخلاً بلا أصول أرض) وإن أثمرت، فالثمرة لصاحب النخلة المغصوبة منه، وإن غصب ذُرَة فغرسها في أرضه فالذرة لصاحبها، وثمرها، ولا شيء للغاصب فيها من عناء ولا عرق؛ لأنها قائمة العين، وكذلك الكرم والقطن وما كان مثله.
وإن غصب أرضاً فغرس فيها غرساً من كرم أو شجر فإن ذلك لرب الأرض، وله قيمة شجره يوم فسل ذلك في أرض الرجل، ولا عناء له ولا زيادة في أرض الرجل، وإن شاء رب الأرض قال: اقلع مالك فيها قبل ذلك ... » (2). ويؤكد ذلك ما جاء في «جامع ابن جعفر» جواباً عن سؤال فيمن سرق صرمة أو قورة كرم أو قورة شجر من الأشجار، أما الصرمة فقد اختلفوا فيها، فمنهم من يقول عليه صرمة مثل الصرمة التي سرقها، ومنهم من يقول عليه قيمتها يوم تستحق، ومنهم من يقول لصاحب الصرمة الخيار إن شاء قلعها وإن شاء أخذ قيمتها هذا اليوم، قال السائل: قلت له أنا بعد ذلك، فما يعجبك أنت من هذه الأقاويل؟ قال يعجبني أن يكون عليه قيمتها يوم سرقها، قال: وأما
(1) البسيوي: الجامع، 54/ 4. (2) الأصم: البصيرة، 150/ 1. (4/214)
صفحة 1995
الفصل السادس: القواعد الفقهية الكلية الصغرى
215
الأشجار فعليه أن يرد قيمتها يوم اقتلعها وكذلك النبقة وغيرها من البذور يرد مثلها إذا كان مما يكال أو يوزن، ومعنا أن الأكثر من القول: أن الخيار لصاحب الصرمة يوم يستحقها، وكذلك أصحاب الأرض المفسول في أرضهم إن أرادوا قيمتها يوم يستحقونها، وإن أرادوا قالوا لصاحبها أن يقلعها» (1).
مجمل القول:
يستخلص من أقوال الإباضية المتقدمة أنّ الغاصب لا يستحق شيئاً بالغصب؛ لأنه ظالم، أما المال فهو للمغصوب منه سواء كانت أرضاً، أو شجراً، أو نخلاً، أو بذراً، وأما جهده فلا يأخذ عليه مقابلاً بل يذهب هدراً، ويجب عليه التوبة ورد المظالم إلى أصحابها، وذهب بعض الفقهاء إلى ضمان صاحب الأرض ما أنفقه الغاصب في الأرض من بذر وأشجار وسماد، فإما يسلّمه مثلها أو قيمتها، أو يأمره بقلعها مع ضمان ما نقص من الأرض من
تراب وغيره
ولا ريب أن ما حكم به الفقهاء يستند إلى النصوص الشرعية، ويجسد العدل في إحقاق الحق وإبطال العدوان ويتماشى مع مقاصد الشريعة التي جاءت أحكامها موافقة للعدل ومنع الظلم والعدوان، وضمان حقوق الناس.
-
في باب غصب الحيوان ومن فروعها في باب غصب الحيوان وما نتج عنه: يرى الإباضية أن من تعدى على دابة غيره وأخذها غصباً ضمنها، ووجب عليه ردها، وإن نقصت من غصبه وجب عليه أفضل قيمتها، وإن زادت فعليه ردها ولا شيء له إن تلفت وإن زادت أو نقصت فعليه لربها أفضل قيمتها يوم غضبها أو يوم أتلفها،
وإن غصب دابة فزادت وتناتجت فهي وما نتجت لربها المغصوبة منه
(1) ابن جعفر الجامع 279/ 5 (2) عثمان الأصم: البصيرة، 146/ 1.
(2) (4/215)
صفحة 1996
216
القواعد الفقهية عند الإباضية
أنه
من
وتأكيداً لما سبق نقل البسيوي رواية عن الفقهاء أنه قال: وسن رسول الله صلى الله عليه وسلم اغتصب شيئاً من الحيوان كائنا ما كان من البهائم أو من ولد آدم، فزاد في يده، ثم جاء المغصوب فاستحق ذلك، فهو له بزيادته ونمائه، لا عناء للغاصب ولا مؤونة).
وعقب عليه البسيوي بقوله: وقد وافق في هذا أنه لا عرق للغاصب وماله أتلفه، ولا يلزم له شيء من المغصوب لربه؛ لأنه الغاصب، عليه في كل حالٍ رده، فصح ما رواه في معناه عند فقهائنا ... وسُن أنه ما كان في يدك من الحيوان من نماء أو زيادة في النتاج والأولاد أن ذلك كله للمغصوب منه بزيادته ونمائه ولاشيء للغاصب من نفقة ولا مؤونة، فقد وافق هذا القول أنّ المغصوب لربه وزيادته له وعلى الغاصب في كل حال ردّ بزيادته، ولا عرق له بالسُّنَّة، فوافق ما رواه أنه سنة» (2).
ويضيف قائلاً: «وإن تلف من ذلك بعد نمائه وزيادته، فالغاصب ضامن لقيمته على ما وصفت، وهذا القول منه صواب موافق للحجة؛ لأنه لربه بزيادته، فإن أتلفه أو أتلف في يده ضمنه وقيمته يوم اغتصبه، أو أو يوم أتلفه» (3). وذكر البسيوي أن في بعض قول الإباضية أن الزيادة والأولاد إن تلف في يد الغاصب، ثم استحق الحيوان المغتصب أنه لا ضمان على الغاصب في تلك الزيادة، وقال آخرون عليه ضمان ذلك لربه (4).
هذا ما ذكره البسيوي وعثمان الأصم في حكم انتفاع الغاصب بالحيوان المغتصب وما تناسل عنه من نسل، ولكن ما الحكم إذا باع تلك الأنتجة، أو
أتلفها أو أكلها؟
(1) البسيوي: الجامع، 52/ 4. (2) البسيوي: المرجع نفسه.
(3) البسيوي: نفسه.
(4) المصدر نفسه. (4/216)
صفحة 1997
الفصل السادس: القواعد الفقهية الكلية الصغرى
217
يرى عثمان الأصم أن من باع من الأنتجة شيئاً، كان قيمة ذلك عليه إذا باعه أو أتلفه أو أكله، ولا عناء ولا عرق له في ذلك، أما إن أنتجت الدابة ثم تلفت الأنتجة بموت، فقد قالوا لا ضمان عليه في الأنتجة. أن عثمان الأصم لم يرض بهذا الحكم، ولذلك صرح بقوله: «وفي
أنتجة
ويبدو
نفسي من ذلك، ولعله بهذا القول يميل إلى تضمين الغاصب للأنتجة التي تولدت عن الدابة المغصوبة، ثم تلفت في يده؛ لأنه يجب عليه ردها مع أولادها كما تقرر ذلك عند الفقهاء.
ويشير البسيوي إلى اختلاف الفقهاء فى هذه المسألة فيقول: «واختلفوا أيضاً إذا تناتج الحيوان، ثم هلكت الأنتجة مع الغاصب فقال قوم: يضمن قيمة ذلك، وقال آخرون لا يضمن إلا ما غصب ولا ضمان في الأنتجة عليه، وأما ما استغل فعليه الغلة» (2).
3 ـ ومن فروعها أيضاً: في غصب السكنى: قال الإباضية: لو غصب داراً وأنفق عليها نفقة لترميمها وصيانتها حتى تصير صالحة للسكن، فلا عناء له وله ما أنفق عليها من مواد لإصلاحها إن شاء صاحب الدار. يقول الأصم في هذا الشأن: «وإن غصب داراً وجعل فيها خشباً وغرم غرامة، فإن له قيمة خشبه ذلك الذي قد ثبت في الدار بعينه يوم وضعه، أو يوم الحكم، وله ما غرم، ولا عناء له في الدار ولا عرق، وإن شاء ربّ الدار أمره بإخراج ماله فيها، فذلك إليه، وإن سرق خشبة وجعل في داره، فقد قيل أن لصاحب الخشبة أفضل قيمتها، وأُحبّ أن له الخيار فيها أو في قيمتها» (3).
(1) عثمان الأصم: البصيرة، 146/ 1 - 147.
(2) البسيوي: الجامع، 57/ 4.
(3) عثمان الأصم: البصيرة، 150/ 1. (4/217)
صفحة 1998
218
القواعد الفقهية عند الإباضية
4 - في غصب المال واستثماره
ومن فروعها: أنَّ من اغتصب مالاً وتاجر فيه، هل يجوز له أخذ الربح؟ قال ابن جعفر: «وإن أخذ مالاً فتاجر به وربحه لصاحبه، وإن تلف الربح أو تلف المال كله فإنه يضمن رأس المال).
نقل ابن جعفر في «الجامع بيان حكم المتاجرة بالمال المغصوب، أو التصرف فيه دون إذن صاحبه، عن أبي سعيد الكدمي مشيراً إلى اختلاف الفقهاء في هذه المسألة فقال: «في رجل يتجر بمال غيره حتى ربح فيه بربح أنه قد قيل في ذلك باختلاف، فقال من قال الربح له والضمان عليه،
فعندي
وقال: من قال الربح والمال لربه وللمتجر عناؤه في ذلك، وقال: من قال الربح للفقراء، وله عناؤه والمال الأول لربه وقال: من قال إن كان اشترى المال على نفسه كان له الربح والمال لربه، وإن اشترى المال صفقة واحدة كان المال والربح لربه، وله عناؤه من ذلك، وقال: من قال من قومنا إن كان المال من النقود وما يحكم بمثله مما يكال أو يُوزن فسواء اشترى به صفقة أو على نفسه، فلا يكون الشري تبعاً للمال، وهو للمتجر به، وعليه ضمان وله ربحه، واختار أبو سعيد هذا القول وحسنه فقال: وهو قول حسن عندي»). وقال من قال: «في هذا إن كان أخذ المال على وجه الاغتصاب غير أنه اتجر به، فلا عناء له ولا ربح له، وعليه الضمان، وإن كان ثُمّ سبب غير
الاغتصاب، فله عناؤه فيما مضى من القول الذي يرى له العناء ... » (3). وعقب عليه أبو سعيد بقوله: ولا أرى له أبطل عناءه ممن يرى له العناء إلا إذا كان مغتصباً، أما أصحابنا فلا يفرقون في ذلك عن نقد ولا غيره عندي ... » (4).
(1) ابن جعفر: الجامع، 278/ 5.
(2) ابن جعفر المصدر نفسه.
(3) ابن جعفر نفسه.
(4) ابن جعفر: الجامع، 278/ 5. (4/218)
صفحة 1999
الفصل السادس: القواعد الفقهية الكلية الصغرى
219
مجمل القول:
ويستخلص من الأقوال المتقدمة أن المغتصب للمال يضمن المال المغتصب في كل الأحوال، أما الربح فمختلف فيه، فمنهم من يرى أن له ربحه والمال لصاحبه، ومنهم من يرى أن المال وربحه لصاحب المال، وللتاجر المغتصب عناؤه على اعتبار أنه أجير فيه، ومنهم من يرى أن المال والربح للمغصوب منه، ولا شيء للمغتصب، وعليه الضمان، فقد سقط حقه في الربح أو الأجرة، ويجب عليه الضمان؛ لأنه مغتصب تصرف في مال غيره دون إذنه. ومنهم من جعل الربح للفقراء والمال لصاحبه، وللمغتصب عناؤه، ولم يصرحوا بتضمينه للمال، فقد جعلوا الربح للفقراء باعتبار أنه مال مشبوه جهل صاحبه؛ لأن تصرفه المال فيه شبه فيعطى للفقراء خروجا من الخلاف. والحاصل أنه بعد النظر في هذه الأقوال بدت أمامنا متكافئة وكلها محتملة لم يجانبها الصواب ولكن من باب الاحتياط ينبغي أن يتعفف المغتصب من أخذ الربح، ويلزمه ردّ المال لصاحبه، ولا يطالبه بأجرة المضاربة في ماله، عملا بالقاعدة الفقهية ليس لعرق ظالم حق، وأما صاحب المال فهو مخير في هذا الأمر إن شاء أخذ الربح لنفسه أو تصدق به للفقراء، وإن شاء قدم للتاجر المغتصب جزء منه إن وجده تائباً نادماً من فعله، تشجيعاً له على التوبة، ومكافئة له على حفظ ماله واستثماره ودعوة له بالمتاجرة بالمال الحلال بدل اللجوء إلى الاغتصاب، والله أعلم.
في
،
ه - ومن فروعها فيمن حوّل شيئاً عن حاله بسبب مخالفته شروط العقد إذا عمل فيه، فهل يأخذ أجرة عنائه، وهل يضمن ما نقص منه؟ بحث الثميني هذه المسألة فقال: وما يكال أو يوزن إن حوّله أحد عن حاله، كدنانير إن صاغها حُليّاً، أو بر إن طحنه، فربه مخيّر في أخذ دنانيره أو به، وفي أخذ ما عمل من ذلك، وإن أخذ المعمول فلا يدرك عليه المتعدي عناءه إذ لا عرق لغاصب، وإن أحدث عيباً في حَبّ أخذه ربه ونقصه بالعيب.
60 (4/219)
صفحة 2000
220
القواعد الفقهية عند الإباضية
وإن صبغ ثياب أحد أخذها وغرم قيمة الصبغ للمعتدي، وإن شاء أخذ قيمتها، وإن سرق صوفاً، فصبغه فربه مخيّر في أخذ وزنه أو أخذ صوفه بعينه، وغرم قيمة الصبغ، وإن عمل منه ثياباً أخذها رب الصوف بلا عناء. ومن أخلط أموالاً بلا إذن أهلها حتى لا تفرز ضمن قيمتها لهم إن كانت مما لا يكال ولا يوزن ولو كانت في يده فإن غرمها أمسك الأشياء لنفسه، وإن كانت منها أخذ كل واحد كيله أو وزنه إن، عرفه، وإلا فليتفقوا على أمر يصلح بينهم ولا ضمان عليه إن أخلط ما يفرز ... ).
(1) الثميني: الورد السام، ص 237. (4/220)
صفحة 2001
المطلب الرابع
قاعدة: «ما حَرُم أخذه حرم إعطاؤه، وما حرم فعله حرم طلبه، وما حرم استعماله حرم اتخاذه (1)
أولاً: مدلول القاعدة:
هذه القواعد الثلاث متقاربة المعنى، وكلها تفيد سدّ أبواب الحرام أخذا وإعطاء، وفعلاً وطلباً، واستعمالاً واتخاذاً، وتمنع من الاقتراب من المال الحرام بتملكه، أو استعماله، أو الانتفاع به، وإذا كان أخذ الشيء حراماً ممنوعاً على الناس فإعطاؤه حرام ممنوع أيضاً، أي أن الحرمة على كل من الآخذ والمعطي، فهو ممنوع عليهما، لذلك يترتب العقاب على المعطي، كما يترتب على المعطى، وكذلك على الآخذ، وقد يترتب على المعطي الضمان أيضاً كما يترتب على الآخذ.
كما أن كل ما يحرم على المكلف أخذه لا يجوز أن يتصدق به، أو يهبه، أو يهديه لواحد من الناس، ولا يجوز له أن يتبرع به لجهة من الجهات الخيرية، وكذلك لا يجوز للناس إعطاؤه ما يحرم أخذه (2). ومن معاني هذه القواعد أيضاً: أن ما حرم استعماله واقتناؤه لنجاسة أو لهو محرم، فإنه يحرم بيعه لخلوه عن أي قيمة أو فائدة مشروعة (3). فكل شيء خلا من منفعة أو قيمة في نظر الشرع لا يجوز تملكه ولا بذل المال فيه؛ لأن من إضاعة المال المنهي
ذلك
عنه (4)
(1) ابن بركة: الجامع، 337/ 2، 1556 - 557. - ابن جعفر: الجامع، 1/ 300. ـ الكدمي: المعتبر، 3 100 - 102. ـ الكندي محمد بن إبراهيم بيان الشرع 23/ 35 - 24. ـ الكندي أحمد:
المصنف، 57/ 20، 67، 078
(2) الكدمي أبو سعيد: المعتبر، 3/ 100. ـ ابن جعفر: الجامع، 300/ 1.
(3) ابن بركة: الجامع، 337/ 2. - الكدمي المعتبر، 102/ 3. (4) الكندي محمد بن إبراهيم بيان الشرع، ج 23/ 35 - 24. - الكندي أبو بكر أحمد بن عبد الله:
المصنف،
ج 20/ 57، 68، 78. (4/221)
صفحة 2002
222
القواعد الفقهية عند الإباضية
مما تقدم يتبين
أن هذه القواعد الثلاث لها علاقة بنظرية التملك للمال بطرق غير مشروعة، فيحرم على المكلف أن يحوز شيئاً محرماً عنده عنده بأي سبب من أسباب التملك بشراء أو هبة أو نحوهما، ولو لم يقصد استعماله؛ لأن وجوده في حوزته عامل قويّ يؤدي إلى استعماله، فإن اتخذه ولو لم ينو استعماله حرام، وكل ما يؤدي إلى الحرام فهو حرام).
والمعنى الإجمالي لهذه القواعد: أن الشيء المحرم الذي لا يجوز لأحد أن يأخذه ويستفيد منه يحرم عليه أيضاً أن يقدّمه لغيره، أو يعطيه إياه، سواء أكان على سبيل المنحة ابتداء أم على سبيل المقابلة؛ وذلك لأن إعطاءه للغير عندئذ يكون من قبيل الدعوة إلى المحرم أو الإعانة والتشجيع عليه، فيكون المعطي شريك الفاعل، ومن المقرر شرعاً أنه كما لا يجوز فعل الحرام لا يجوز الإعانة والتشجيع عليه (2)، لقوله تعالى: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ} (المائدة: 2).
كما أن ما حرم فعله حرم، طلبه، وكذا ما يكره فعله يكره طلبه، فإن طلبه منه تحريضاً على فعله، كما أن السكوت على الحرام أو المكروه والتمكين منه حرام ومكروه، ولا شك أن طلبه فوق السكوت عليه، والتمكين منه، فيكون مثله في أصل الحرمة بالأولى وإن تفاوتت الحرمتان بالقوة (3)، وذلك كأخذ الرشوة، وشهادة الزور، وسرقة أموال الناس، وما إلى ذلك من الأفعال المحرمة، فلا يجوز لشخص أن يقول لآخر ادفع
(1) هرموش: معجم القواعد الفقهية الإباضية، ص 492 - 501. - البورنو: الوجيز، ص 387. عزام عبد العزيز: قواعد الفقه الإسلامي، 390. - شبير محمد عثمان: القواعد الكلية،
ص
ص 332 - الروكي: قواعد الفقه الإسلامي، ص 248.
(2) الزرقا أحمد: شرح القواعد الفقهية، ص 215. - المجلة العدلية، المادة: 340.
(3) الزرقا أحمد: المرجع السابق، ص 217. - المجلة العدلية، المادة: 35. (4/222)
صفحة 2003
الفصل السادس: القواعد الفقهية الكلية الصغرى
223
رشوة، أو اشهد زوراً، أو اسرق مال فلان فإن قال له ذلك ففعل ما أمره
به كان شريكه في الإثم
(1)
ثانياً: تأصيل القاعدة:
ثبت دليل هذه القاعدة بمبدأ سد الذرائع، وهو أصل معمول به في الشريعة الإسلامية، ودل عليه كثير من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية، من ذلك:
أ ـ من القرآن الكريم قال الله تعالى: {يَنِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ
بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا} (الأحزاب: 32). وقال تعالى: {قُل لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَرِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ
أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ} (النور: 30).
- وقال سبحانه: {وَقُل لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَرِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَابِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَابِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَتِهِنَّ أَوْ نِسَآبِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَنُهُنَّ أَوِ التَّبِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} (النور: (31).
وجه الاستدلال
إن النظر إلى المحرّم من النساء وكشف العورات من أسباب فتنة الرجال بالنساء، وضرب المرأة برجلها ذات الخلاخل ذريعة إلى النظر والافتتان، كما
(1) محمد بكر إسماعيل: القواعد الفقهية، ص 138. (4/223)
صفحة 2004
224
القواعد الفقهية عند الإباضية
أن القول الليّن المنكسر ذريعة إلى ذلك فنهى الله عنه؛ لأنه يوصل إلى الزنا المشتمل على المفاسد.
وإذا تتبعنا التكاليف الشرعية وجدنا الشارع الحكيم يعطي الوسيلة حكم الغاية؛ لأن «للوسائل حكم المقاصد»، فلا ينهى عن شيء إلا وينهى عن كل
ما يوصل إليه؛ لأن ما يوصل إلى الحرام فهو حرام).
ب ـ من
السنة
1 ـ ما روي عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لعن الله الخمر وشاربها وساقيها وبائعها ومبتاعها، ومعتصرها وعاصرها وحاملها والمحمول إليه). وزاد ابن ماجه «وآكل ثمنها» (3).
وفي رواية عن النبي هل هو أنه قال: إن الله حرم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام فقيل: يا رسول الله أرأيت شحوم الميتة، فإنه يطلى بها السفن، ويدهن بها الجلود، ويستصبح بها الناس؟ فقال: «لا هو حرام»، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم عند ذلك: «قاتل الله اليهود، إن الله و لما حرم عليهم شحومها أجملوه، ثم باعوه فأكلوا ثمنه). والضمير في قوله: «هو حرام يحتمل أن يكون عائدا على الانتفاع ويحتمل أن يكون عائدا على البيع، فعلى الاحتمال الأول يكون الانتفاع بشحوم الميتة وما هو في حكمها
، ص
390
(1) البرديسي: أصول الفقه، ص 351. - عزام عبد العزيز: قواعد الفقه الإسلامي، (2) رواه أبو داود، كتاب الأشربة، باب العنب تعصر، للخمر، رقم 3674، عن ابن عمر. ابن حجر: «صححه ابن السكن تلخيص الحبير، 73/ 4. (3) رواه ابن ماجه، كتاب الأشربة، باب لعنت الخمر على عشرة أوجه، رقم 3380، أحمد، مسند المكثرين من الصحابة، مسند عبد الله بن عمر رقم 5716. عن ابن عمر. (4) أجملوه بالهمزة وردت في رواية مسلم، وفي رواية أخرى (جملوه) وهما بمعنى واحد؛ أي: وَدَكاً. أذابوه حتى يصير (5) متفق عليه، رواه البخاري، كتاب البيوع، باب بيع الميتة والأصنام، رقم 2121، ومسلم، كتاب المساقاة، باب تحريم بيع الخمر والميتة رقم 1581، عن جابر بن عبد الله الله (4/224)
صفحة 2005
=
225
الفصل السادس: القواعد الفقهية الكلية الصغرى
حراماً، وعلى هذا جمهور الفقهاء (()، وإذا كان الانتفاع بذلك حراماً، فحرمة بيعه أولى وأحرى.
وعلى الاحتمال الثاني يكون الانتفاع مباحاً والبيع محرماً، وهو ما ذهب إليه بعض الفقهاء كالشافعي، وقد روي مثل ذلك أيضاً عن مالك وغيره من
الفقهاء (2).
2 ـ كما يؤيد هذه القاعدة أيضاً قوله صلى الله عليه وسلم: «لعن الله آكل الربا وموكله، وكاتبه وشاهديه، وهم في الإثم (سواء» (3).
ـ وكذلك: لعن رسول الله الله الراشي والمرتشي
ثالثاً: فروع القاعدة
1 - في تحريم بيع الخمر واستعمالها:
(4) «
ومن فروع هذه القاعدة ما نقله ابن بركة أنه يحرم بيع الخمرة لكونها محرمة الاستعمال، ذكر ذلك في معرض حديثه عن قصة الرسول صلى الله عليه وسلم مع صديق له رواها عنه ابن عباس الا الله فقال: «كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم صديق من دَوْس أو قال: من ثقيف فلقيه بمكة عام الفتح براوية خمر يهديها إليه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا فلان أما علمت أن الله حرمها»؟ فأمر الدوسي غلامه أن يذهب لبيعها، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «بماذا أمرته؟ فقال: أمرته ببيعها. فقال له: «إن الذي حرّم شربها حرم بيعها»، فأمر بها فأفرغت في بطحاء مكة).
(1) ينظر: شرح النووي على صحيح مسلم، 11/ 6. وابن حجر، فتح الباري، 425/ 4. (2) كابن جرير الطبري، ينظر النووي، المصدر نفسه. - الأحوذي، عارضة الأحوذي، 301/ 5. (3) رواه مسلم، كتاب المساقاة، باب لعن آكل الربا وموكله، رقم 1598، عن جابر بن عبد الله. (4) رواه أبو داود، كتاب الأقضية، باب في كراهية الرشوة، رقم 3580، عن ابن عمرو، والترمذي، كتاب الأحكام، باب الراشي والمرتشي في الحكم، رقم 1336، عن أبي هريرة.
وقال: حسن صحيح.
(5) رواه الدارمي في السنن، ومن كتاب الأشربة، باب النهي عن بيع الخمر وشرائها، (4/225)
صفحة 2006
226
القواعد الفقهية عند الإباضية
وعقب ابن بركة على هذا الحديث فقال: «فالخمرة حرام شربها بهذا الخبر والانتفاع بها، وثمنها محرم وبيعها محظور، وشاربها عاص، وبائعها خرج) و مشتريها آثم» (2). اختلف فقهاء الإباضية وغيرهم في حكم الانتفاع بالخمر إذا تحولت إلى خل، فأجازه بعضهم وحرمه آخرون ولكل فريق حجته، يقول ابن بركة في هذا الصدد: «اختلف أصحابنا في الخمر إذ غيرت بشيء من الملح أو غيره مما يُرقها ويذهب شدتها ويصير بذلك خلاً، فقال بعضهم: إذا زالت الشدة بعلاج، بإلقاء الملح فيها أو غيره، جاز الانتفاع بها،؛ لأن التحريم عندهم لأجل الشدة، وقال آخرون: لا تحل أبداً، ولا تنتقل خلا، إذ لو كان ذلك جائزاً ما أمر النبي بإراقتها، وهو ينهى عن إضاعة المال» (3). ويؤكد هذا الحكم في موضع آخر فيقول: «قال مخالفونا وفرقة من أصحابنا: لا يجوز الانتفاع به لتحريم الله إياه، وإن نقل خلا بقدح من ملح أو غيره، واحتجوا بذلك بأن العين محرمة لا يجوز أن تتحوّل حلالاً، وأن الشريعة قد أقرت على حكم بعد النبي ... ).
ووافق محمد الكندي رأي ابن بركة في حرمة الانتفاع بالخمرة ما دامت باقية على أصلها ولم تتغير خصائصها، أما إذا تحولت إلى خل فيجوز ذلك،
بن
حديث: 2076. ورواه أحمد بن حنبل في المسند، ومن مسند بني هاشم، مسند عبد الله العباس بن عبد المطلب، حديث: 1986 عن ابن عباس نه وصححه الألباني. ورواه مسلم في صحيحه، كتاب المساقاة، باب تحريم بيع الخمر - حديث: 3042 بلفظ متقارب. (1) لعله يقصد خرج عن طاعة الله ورسوله في امتثال النهي. (2) ابن بركة الجامع، 337/ 2. - وأضاف ابن بركة رواية أخرى للحديث وذكر أن صديق الرسول من ثقيف ولم يشر إلى الدوسي، ولعل الراوي تردد بينهما فذكرها في الرواية السابقة
معا. ينظر: ابن بركة المصدر نفسه، 556/ 2، 557.
(3) ابن بركة: الجامع، 337/ 2. (4) ابن بركة المصدر نفسه، 556/ 2. (4/226)
صفحة 2007
الفصل السادس: القواعد الفقهية الكلية الصغرى
227
يقول في هذا الشأن: «لا يجوز شراء الخمرة إلا إذا استحالت خلا بنفسها، وقال من قال: لا يجوز تملكها ولو استحالت خلاً، ولا تتحول بعد الرجس طهراً، ولا بعد الحرام حلالاً ... وقالوا أيضاً فإنه عليه الصلاة والسلام قال: بعثت لكسر الصليب، وقتل الخنزير، وإراقة الخمر»)، ولا يجوز للمسلم إمساكها عنه بعد علمه بتحريمها دون إراقتها» (2).
ويرد ابن بركة على القائلين بمنع الانتفاع بالخمر ولو بعد تحولها وتغير حالها، فيقول: «يقال لهم هذا غلط منكم وتوهّم فيما تأولتم، وذلك أن جلد الميتة قد حرمه الله ورسوله كما حرم ومنع ذلك، فإذا جاز الانتفاع بعد الدباغ، وأجاز حبسه مع التحريم له على حال يعالج فيتغير حكمه فيصير حلالاً، كذلك الخمر يعالج حتى يتغير فيصير حلالاً. وأيضاً فإن جلد الميتة أصل متفق عليه، فيجب أن يُرَدّ عليه المختلف فيه من الانتفاع به من الخمر، كجلد الميتة المحرم يجوز الانتفاع به بعد الدباغ (3).
ويبدو من عبارة ابن بركة أنه يميل إلى الرأي الأول القائل بجواز الانتفاع بالخمر بعد تحولها إلى خلّ حلال قياساً على جلد الميتة النجس الذي تحوّل
(1) لم أجده فيما بحثت من مصادر، وثبت أن المسيح سيأتي في آخر الزمان فيكسر الصليب ويقتل الخنزير. دون عبارة إراقة الخمر. متفق عليه، رواه البخاري، كتاب البيوع، باب قتل الخنزير، حديث: 2130 عن أبي هريرة له. ومسلم، كتاب الإيمان، بشريعة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم - حديث: 246، رواه الترمذي
باب نزول عيسى
ابن مريم
حاكماً
في سنن الجامع الصحيح الذبائح، أبواب الفتن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم باب ما جاء في نزول عيسى ابن مريم، حديث 2211 بلفظ: «عن أبي هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «والذي نفسي بيده ليوشكن أن ينزل فيكم ابن مريم حكما مقسطا، فيكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية، ويفيض المال حتى لا يقبله أحد» قال الترمذي: «هذا
حديث حسن صحيح.
(2) الكندي محمد بن إبراهيم بيان الشرع، ج 24/ 35.
(3) ابن بركة المرجع السابق، 557/ 2. (4/227)
صفحة 2008
228
القواعد الفقهية عند الإباضية
بالدباغة إلى جلد طاهر جاز الانتفاع به، ومصداقا لقوله صلى الله عليه وسلم: «أيما إهاب دبغ فقد طهر» (1).
وإذا قلنا بجواز الانتفاع بالخمر المخللة والجلد المدبوغ نكون بذلك قد خرجنا عن القاعدة الفقهية ما حرم استعماله حرم اتخاذه أي ما حرم شربه أو أكله حرم الانتفاع الانتفاع به، ويعتبر هذا الفرع استثناء من القاعدة، فنقول: يجوز الانتفاع بالمحرم بعد تحويله، ولعل هذا الرأي هو ما نرجحه ما دام يتوافق مع مقاصد الشريعة العامة الداعية إلى حفظ المال وصيانته، وتنهى عن إضاعته وإتلافه
ومن جهة أخرى وتطبيقاً لهذه القاعدة نقول: إذا كان بيع الخمر والانتفاع بها حرام إلا إذا تحوّلت عن حالتها الأصلية، وزالت عنها حالة الشدة والشكر، فما الحكم إذا استعملت لأغراض أخرى نافعة غير الأكل والشرب، كالعلاج والزينة دون البيع، فالفقهاء متفقون على تحريم ذلك عملاً بالقاعدة المتقدمة ما حرم استعماله اتخاذه».
حرم
(2)
جاء في جوابات الإمام جابر بن زيد عن عمرو بن هرم قال: «سئل جابر بن زيد هل يصلح لرجل أن يتدلك بدردي (2) الخمر، أو يتداوى منه بشيء في جراحه أو سواهما؟ قال لا هو رجس أمر الله، باجتنابه قيل له: فهل تمتشط به المرأة؟ قال: لا يحل ذلك نقل ذلك عمرو بن هرم عن الصحابة والتابعين فقد روي عن عكرمة أنه قال: إن ابن عباس قال: إن أبا هريرة له سئل عن
(1) رواه الترمذي، أبواب اللباس، باب ما جاء في جلود الميتة إذا دبغت، رقم 1695، وقال: «هذا حديث حسن صحيح. وابن ماجه، کتاب اللباس، باب لبس جلود الميتة إذا دبغت، رقم 3607، والربيع، باب أدب الطعام والشراب، رقم 389، عن ابن عباس. (2) الدردي بضم الدال الأول وكسر الثانية وسكون الراء ما رسب في أسفل الإناء من عكره، ودردي الخمر ما رسب في أسفل الإناء منه. ينظر: قلعة وقنيني، معجم لغة الفقهاء، جي ص 208. - وينظر أيضاً الرازي أبو بكر إيضاح مختار الصحاح، ص 133. (4/228)
صفحة 2009
الفصل السادس: القواعد الفقهية الكلية الصغرى
229
ذلك فقيل له: إن النساء تمتشطن به فقال: مزق الله رؤوسهن وأتفل (1) ريحهن، فإنّ ما كان حراماً لا يصلح لرأس، ولا شفاء فيما حرم الله، ولكنه إثم وسقم). وهكذا يتبيَّن من خلال عبارة الإمام جابر بن زيد مدى تشدد سلف الأمة من الصحابة والتابعين في تحريم الانتفاع بالمحرمات كالخمر والميتة وغيرهما سداً لذريعة الفساد، ما دام يوجد في المحللات مندوحة تسد حاجات الناس وتغنيهم عن الحرام، وذلك التزاما بترك ما حرم الله، ووقوفا عند حدوده.
2 - في حكم الانتفاع بالمطعومات المتنجسة:
حرم
اتخاذه».
ومن فروعها: إذا تنجست المطعومات كالخبز والحبوب والباقلاء والأرز والقمح واللحوم والسمك بنجاسة فاختلطت بها، فما حكمها؟ وهل يصح الانتفاع بها؟ المسألة محل خلاف بين فقهاء الإباضية، ويمكن حصره في قولين: أ ـ ذهب أكثرهم إلى تحريم الانتفاع بها؛ لأنها أصبحت في حكم الأشياء النجسة، ولا يجوز إعطاؤها للغير ولو كان إنساناً غير بالغ أو حيواناً، عملاً بالقاعدة المقررة: «ما حرم أخذه حرم إعطاؤه، وما حرم استعماله يقول أبو سعيد الكدمي في هذا الصدد: ويخرج في هذه المعاني كلها عندي في جميع المطبوخات المتنجسات بمعاني الطبيخ منه أو من غيره، أن ذلك متروك بنجاسته، ولا طهارة منه ولا له وكذلك الخبز يلحقه معنى ولعله أكثر ما قيل أن هذه الأشياء كلها إذا تنجست وما أشبهها وما خرج بمعناها، أنه لا وجه إلى تطهيرها ويدفن، ولا يطعم شيئاً من الدواب، ولا أحداً من الناس صغيراً ولا كبيراً ولا يباع ولعله يخرج في معاني ذلك أنه لا يوهب؛
ذلك،
(1) هكذا في الأصل ولعل الصواب أتلف» لإمكان وقوع التصحيف من النساخ. (2) جابر بن زيد من جوابات الإمام جابر بن زيد جمع وترتيب الخروصي سعيد بن خلف، ط 1404 هـ / 1984 م، نشر وزارة التراث القومي والثقافة سلطنة عُمان، طبع بمطابع سجل العرب، مصر، ص 120، 121. (4/229)
صفحة 2010
=
القواعد الفقهية عند الإباضية
230
لأنه إذا ثبتت أن لا ينتفع بها بوجه يبطل بيعها وهبتها، وكانت لا تقع عليها الأملاك، وهي باطل متروكة).
ب ـ وذهب بعض الإباضية إلى جواز الانتفاع بالمطعومات إذا كان أصلها طاهر ثم تنجست بنجاسة خالطتها، وذلك بعد تطهيرها بوسائل التطهير المعتادة، كالماء والنار والشمس، وإذا جاز الانتفاع بها جاز بيعها وإعطاؤها للكبير والصغير والحيوان.
يقول الكدمي في هذا الشأن: «وقد قيل في ذلك: أعني الخبز إذا تنجس العجين باختلاف فيه وتفصيل فمعنى أنه قيل لا يطهر على حال وهو متروك، وأحكامه أحكام النجاسة. وقيل: إنه يُغسل ويؤكل إذا ثبت معاني غسله عندي لم يلزمه غسلاً يضره، وكان إذا صبّ عليه الماء صبّاً بقدر ما يأتي عليه كله، دواخله وخوارجه كان ذلك طهارته ... ومعي معي أنه قيل إن خبزه بالنار طهارته، بجميع ما خبز في تنور أو طابخ أو حصى، ومعي أنه قيل: إنّ ذلك إنما هو في خبز التنور دون الحصى والطابخ وأشباهه، ومعي أن ذلك كله سواء، وإذا ثبت معنى زوال رطوبة النجاسة بأي وجه من المُذهبات من أسباب
النار، فهو سواء، وثبت معنى طهارته على هذا المعنى عندي ... »). يفهم من عبارة الكدمي أنه يميل إلى جواز الانتفاع بالخبز أو نحوه إذا أزيلت نجاسته بالماء أو النار، فيصبح نافعاً حفاظاً على المال، وهذه بلا ريب نظرة مقصدية وجيهة تقرها أحكام الشريعة ومقاصدها العامة.
ويتابع الكدمي عرض الرأي الآخر القائل بجواز الانتفاع بالمطعومات إذا طهرت، مثل اللحوم والسمك، فيقول: «وأما السمك الممقور (3) فمعي أنه قيل:
(1) الكدمي أبو سعيد المعتبر، 3/ 99 - 100. - ابن جعفر: الجامع، 300/ 1. (2) الكدمي: المعتبر، 98/ 3.
(3) السمك الممقور هو المملح، ولعله ما يطلق عليه عند المصريين بالفسيخ، له رائحة نافذة
ونتنة، ولا أظنه يشبهه لأنهم يخللونه في الماء والملح، أما الذي ذكره الكدمي لعله سمك (4/230)
صفحة 2011
الفصل السادس: القواعد الفقهية الكلية الصغرى
231
إذا تنجس بشيء من النجاسات بعد أن صار بحد ما لا ينشف من النجاسات شيئاً؛ لأنه قد شرب من الماء الطاهر ما لا يحتاج إلى زيادة من الماء النجس، فإنه يخرج في معاني القول فيه أنه يغسل من حينه وتخرج معاني طهارته بذلك الغسل.
وأما إذا كان يخرج في معاني الاعتبار له أنه قد شرب من الماء النجس ما ولج فيه بقدر ما لا يبلغه في الاعتبار ذلك الغسل في الوقت، ولا يبلغه الماء الطاهر عند غسله، فإنه يخرج في معاني غسله أن يغسل ثم يجفف بالشمس، أو يشوى بالنار حتى تزول عنه معاني رطوبات النجاسة، ثم بعد ذلك فإنّ لا مضرة في غسله غسلاً، وتلك طهارته في بعض ما يخرج من القول ... وفي بعض ما يخرج أيضاً من القول أنه يجعل في الماء الطاهر؛ لأنه كان لا مضرة عليه بقدر ما يبلغ الماء الطاهر، حيث بلغت النجاسة في الاعتبار، وتلك طهارته إذا صبّ منه ذلك الماء، وفي بعض القول أنه يصب منه ذلك الماء ويغسل ثم تلك طهارته. أنه إن أمكن أن يُشوى بالنار حتى تذهب بمعاني رطوبات النجاسة
ومعي
منه، كان ذلك بمرة واحدة من الشؤي، وتخرج معاني طهارته على حسـ ما قد قيل، ولعله يخرج في بعض القول أن هذا بمنزلة المطبوخ من السمك وهو نجس متروك، إذا كان قد تنجس بنجاسة تنشفها ... ). وبعد أن بين الكدمي طريقة تطهير السمك المتنجس ليصبح صالحا للانتفاع به، وضع ضابطاً عاماً يضبط جميع الجزئيات المتشابهة، إذا تعرضت للنجاسة وخالطتها، فصعب الانتفاع بها على تلك الحالة، فقال: «والقول عندي في المطبوخ كالقول في هذا، إذا أمكن فيه ما أمكن في هذا من جميع الأشياء
صغير يجفف ويدخر ويستعمل في التغذية وقت الحاجة، خاصة في المناطق التي لا يتوفر فيها السمك الطازج.
(1) الكدمي: المرجع نفسه، 3/ 98 - 99. - ابن جعفر: الجامع، 298/ 1 - 299. (4/231)
صفحة 2012
232
القواعد الفقهية عند الإباضية
التي أصلها طاهر، وإنما عارضتها النجاسة، فهذا عندي خارج من جميع الأشياء إذا احتملت هذه المعاني من اللحوم والسمك والحبوب من الباقلاء واللوبياج والأرز، وجميع ما خرج مخرج هذا، فكل هذا معناه عندي واحد إذا أحسن النظر فيه، وفي تطهيره بأحد معاني ما قد قيل فيه من هذه الأقاويل، ولا يختلف ذلك عندي في شيء يخرج مخرجه ... ).
ولا شك أنه إذا تمكنا من طهارة هذه المطعومات يجوز الانتفاع بها، ويمكن إعطاؤها إلى الدواب كعلف مغذي ما دامت قد زالت عنها النجاسة، ولكن ما الحكم لو تعذر تطهيرها وبقيت على حالتها؟
ذهب بعض فقهاء الإباضية إلى جواز الانتفاع بالمطعومات المتنجسة إذا تعذر تطهيرها، وذلك بأن يطعم بها الأطفال والدواب، ولعلهم يرون أن لا إثم عليهم في أكلها؛ لأنهم غير مخاطبين بالأحكام الشرعية، فلا يحاسبون بأكل الحرام والنجاسات ما دامت نافعة غير ضارة بهم، وقد نقل الكدمي قولهم أنه قد قيل إنها وإن تنجست وثبت أنه لا وجه إلى طهارتها، أو
فقال: «ومعي
ما كان منها لا وجه إلى طهارته، فقد قيل إنه يطعم الدواب ولو كان نجسا؛ لأن الدواب لا إثم عليها، وليست هي في أكلها متعدية ولا آثمة، وكذلك المعين على ذلك غير معين على إثم ولا عدوان (3).
وأما القائلين بحرمة الانتفاع بها مطلقاً سواء للإنسان أو الحيوان، فحجتهم كما نقلها أبو سعيد الكدمي يخرج من معنى قوله إن ذلك إثم محرم، ولا يطعم أحداً من الخَلْق، وأنه وإن كانت الدابة ليست آثمة، ولا النجاسة عليها
المحرم
محرمة فإن الإنسان محجور عليه الإثم والحرام أن ينتفع به، أو أن يعين على
الانتفاع به ... » (3).
(1) الكدمي: المعتبر، 993 - ابن جعفر المرجع السابق، 299/ 1.
(2) الكدمي: المصدر نفسه، 0/ 3
(3) الكدمي: المصدر نفسه. (4/232)
صفحة 2013
الفصل السادس: القواعد الفقهية الكلية الصغرى
233
ويستنتج من عبارة الكدمي أنه يميل إلى جواز إعطاء الطعام المتنجس للأطفال والدواب، وكل من لا إثم عليه ما دام ينفعهم ولا يضرهم، فيقول:، أنه يخرج في معاني القول أنه يجوز أن يطعم ذلك الدواب والأطفال من الناس، وكل من لا إثم عليه؛ لأن ذلك يقع لهم موقع النفع، وليس معي عليهم فيه مضرة ولا إثم عليه ... ).
ومعي،
واختلف الإباضية أيضاً في بيع المطعومات المتنجسة، فمنهم من منع ذلك مطلقاً، ولو أخبر المشتري بنجاسته، ومنهم من أجاز ذلك ما دام صالحاً للانتفاع به؟ نقل الكدمي أقوال الفقهاء في هذه المسألة وبسط أدلتها فقال: «ولا يبيعه البالغ ولا ينتفع بثمنه ولو أخبر بذلك وبنجاسته، وإذا ثبت أنه لا يبيعه فلا يبيعه لأهل الذمة ولا لأهل الإسلام، لأن ذلك مخالط للحرام، ولا يجوز بيع الحرام والحلال بصفقة واحدة، ولأن بيع الحلال والحرام في صفقة واحدة كله حرام ... ). بينما ذهب بعضهم إلى جواز بيع الطعام المتنجس إذا أخبر به المشتري؛ لأنها نجاسة عارضة وليست أصلية، يقول الكدمي في هذا الشأن: قيل يجوز أن يباع إذا علم بذلك المشتري، وإنما ذلك عيب معارض للحلال، وليس هو في الأصل من المحرمات، وإنما النجاسة له معارضة، ويجوز الانتفاع به إذا ثبت طعمه للدواب والأطفال، وجاز ذلك، ولو كان لا يجوز الانتفاع به بوجه من وجوه الحلال، ولا يجوز في الأصل اعتبار معانيه لم يجز بيعه بحال، ولو تراضيا على ذلك البائع والمشتري وعلما به؛ لأن في ذلك إدخال الضرر من المشتري على نفسه، وكل شيء من الضرر فهو غرر، وكل غرر فهو باطل، ولا يجوز بيعه، وهو من السحت ... » (3).
(1) الكدمي: نفسه.
(2) الكدمي: المعتبر، 100/ 3.
(3) الكدمي: المعتبر، 100/ 3 - 101.
ومعي
أنه (4/233)
صفحة 2014
234
القواعد الفقهية عند الإباضية
ويشترط الكدمي لجواز بيع الطعام المتنجس أن يكون مما يمكن الانتفاع به في الأكل أو الشرب ولو للدواب، ويمكن تطهيره فيقول: «وأما إذا كان يخرج في معانيه أنه يلحق منه الانتفاع بما يجوز في الأصل، ويدرك في بعض القول تطهيره، ينتفع به لإطعام دواب أو أطفال يلحق الانتفاع به في أكل أو شرب في بعض ما يجوز من قول أهل العلم، فالبيع له جائز والشراء له جائز، والبائع والمشتري فيه سواء، وهذا يخرج عندي إذا ثبت معاني الانتفاع به في أكل أو شرب لشيء من
أو
الدواب أو لشيء من الأطفال، أو المعنى من المعاني بحال من الحال .... أما إذا كانت النجاسة المحرمة في الشيء أصلية كالميتة، ولحم الخنزير والدم المسفوح ونحوها، فلا يجوز الانتفاع به، ولا يجوز إطعامه لأحد باتفاق الفقهاء عند الاختيار؛ لأن «ما حرم أخذه حرم إعطاؤه، مهما كان إلا في حالة الضرورة والضرورات تبيح المحظورات». يقول الكدمي في هذا المعنى: ولا يجوز عندي أن يكون مثل ذلك من الاختلاف في مثل الخمر والميتة ولحم الخنزير وما أشبهه، أن يطعم شيئاً من الدواب ولا شيئاً من الأطفال ولا يباع ولا ينتفع به بحال من الحال إلا ما خصه من الضرورات» (2).
استعماله
ويؤكد الكدمي هذا الأمر في موضع آخر عملاً بالقاعدة: «ما حرم حرم بيعه وشراؤه فيقول: «وأما ما خرج معناه من الأشياء أنه لا ينتفع بها من المحرمات إلا بمعاني الإثم، أو في حال الضرورات، فلا يجوز بيعه ولا شراؤه، وذلك محجور محرّم معي، بمعاني الاتفاق من كل ما كان أصله حراماً أو رجساً، وليس الرجس معارضاً له من رجس غيره، ولا أعلم في بيع ولا شرائه اختلافاً، وذلك مثل الخمر والخنزير والميتة، وكل ما كان أصله حراماً رجساً لا نفع به معاني الانتفاع في الجائز إلا بمعاني الضرورة أو الإثم؛
(1) الكدمي: المصدر نفسه.
(2) الكدمي: المصدر نفسه، 3/ 102 - 103. ـ ابن جعفر: الجامع، 300/ 1.
هذا (4/234)
صفحة 2015
الفصل السادس: القواعد الفقهية الكلية الصغرى
235
لأنه لو أنه اضطر لمثل ذلك ليحي به نفسه من الميتة وأشباهها ما لا يجوز
التملك فيه لأهل القبلة، ما جاز لأحد أن شيئاً. من ذلك ... » (1).
3 ـ حكم بيع مال البغاة:
منهم
يبيع
ومن فروعها: ما ذكره سعيد الخليلي في حكم بيع مال البغاة وتملكه، فيرى أنه يحرم تملك مال البغاة الموحدين، وبناءً عليه، يحرم بيع أموالهم أو شراؤها من غيرهم إن لم يكن وكيلاً لهم في البيع والشراء، فمتى وجد القائم بالأمر أحداً يبيع أموال البغاة من أهل القبلة بإقرار منه بغير وجه حق شرعي، وجب عليه الإنكار ومعارضة الفاعل؛ لأن ما حرم تملكه حرم بيعه وشراؤه وهبته (2). 4 ـ في حكم البيع بالغصب: ومنها أيضاً: ما جاء في أجوبة المحقق الخليلي أنه إذا اشترى أحد بيع خيار، أو أصلاً كعقار، ثم صح أنّ المبيع أخذه بائعه بالغصب، أو بحكم باطل من يد مالكه، فهذا البيع باطل؛ لأن ما
آخر مالاً
وشراؤه، ويطلب المشتري دراهمه من البائع
ه ـ ثبوت الدين في ذمة الكافر:
(3)
حرم تملکه
أحد من
حرم بيعه
ومن فروعها ما ذكره محمد الكندي أنه لو كان لرجل حق على يهودي فمات اليهودي وخلف خمراً وخنازير أو ثمن خمر أو ثمن خنزير، فلا يجوز أخذ ذلك والانتفاع به، وعلل ذلك بقوله: «وما لم يجز الانتفاع به لم يصح
ملكه)، أو ما حرم
أخذه حرم إعطاؤه.
(1) الكدمي: نفسه، 1023
(2) الخليلي سعيد: كتاب التمهيد، 73/ 7. (3) الخليلي: المرجع نفسه، 128/ 9 - 129.
(4) الكندي محمد إبراهيم: بيان الشرع، ج 23/ 35. (4/235)
صفحة 2016
236
القواعد الفقهية عند الإباضية
وفي السياق نفسه إذا أقرض مشرك مشركاً خمراً أو خنزيراً، ثم أسلم المقرض حرم عليه أن يقتضي الخمر والخنزير من المشرك (1).
ما يستثنى من
القاعدة:
ـ نقل بعض فقهاء الإباضية في مصنفاتهم بعض الفروع خرجت عن مقتضى القواعد السابقة نذكر منها:
1 ـ لا يجوز للحاج بيع لحم النُّسُك وشحومها باتفاق، وجائز الأكل منها، وقد ثبت أن ما كان جائزا أكله جاز بيعه.
2 ـ ومنها: «تحريم بيع لبن النساء في الأسواق محلوبا، لاشتراك الأطفال فيه، واشتراكهم في الانتساب لهن، حيث يتفرقون، فلا يعرف النسب، فتكثر الشبهة في النكاح، وأجازوا مع ذلك إجارة المرضعة للبنها، وهو بيع لبنها على من تغذي له، به ولو كان القياس كان بيعه وهو محلوب ظاهر، يُرى مقداره وتعلم جملته، أولى بالجواز من بيعه غائباً أو غير محلوب ولا معلوم، فالتعبد بهذا وأمثاله طريق الخبر وليس طريق القياس والفعل ... » (3). ورغم أن بيع النسك أو الهذي حرام، «وما حرم بيعه حرم أكله وشربه»؛ كالخمر والميتة، ومع ذلك أباح الفقهاء أكل المحرم منه، وكذلك بيع لبن النساء يحرم بيعه في الأسواق خوفاً من اختلاط الأنساب، ولكن قالوا بجواز إجارة المرضعة لبنها وهو نوع من بيع اللبن؛ ولكن في بيعه للعموم ينتج عنه شبهة، وفي إعطائه لرضيع مُعيّن تنفي الشبهة؛ لأن صاحبة اللبن معروفة كذلك، وبذلك خرج الفرعين من القاعدة.
والرضيع
3 ـ ويرى بعض الإباضية أنه يجوز الانتفاع بالعذرة رغم أنها من النجاسات المحرمة التي يحرم بيعها وشراؤها والانتفاع بها؛ لأن «ما حرم اتخاذه حرم
(1) الكندي: المصدر نفسه، 24/ 35.
(2) ابن بركة: الجامع، 546/ 2. (4/236)
صفحة 2017
الفصل السادس: القواعد الفقهية الكلية الصغرى
237
إعطاؤه وبيعه وشراؤه»، ومع ذلك قالوا بجواز بيعها إذا اختلطت بالتراب أو الرماد أو الروث استثناءا القاعدة.
من
يقول الكدمي في هذا الشأن: «كما قيل في العذرة أنها من الحرام من ذوات النجاسة، ولا يخرج في معاني ذلك اختلاف، وأنها إذا اختلطت بالتراب أو غيره من الطواهر من رماد أو روث أو بغر أو شيء من الطواهر، أن يبيعها في جملة ذلك حلال جائز؛ لأن معنى الانتفاع بها ثابت في معاني الاعتبار، ولأن الشراء لها لا يقع موقع الضياع ولا إضاعة المال، وإنما يشتري الانتفاع بها بمعاني الجائز والحلال ... » (1).
4 ـ واستثنى بعض الفقهاء من القاعدة أيضاً ما يدفعه الإنسان لتسوية أمره عند الحاكم، أو لمن يمنع الحق إلا بتسلم رشوة له؛ لكي يصل المعطي إلى حقه، فهنا ذهب بعض الفقهاء إلى جواز إعطائه ذلك، والإثم على الآخذ دون المعطي، وهذا خلافا لما اتفق عليه الفقهاء في أن تعاطي الرشوة في الحكم
حرام على الآخذ والمعطي بلا خلاف لقوله تعالى: {أَكَلُونَ لِلسُّحْتِ
(المائدة: 42)، فقد فسره الحسن وسعيد بن جبير وابن سيرين وقالوا: إنه الرشوة، وقالوا: إذا قبل القاضي الرشوة بلغت به الكفر، فإذا لم يجد المرء طريقاً للوصول إلى حقه إلا بالرشوة، وقدم المعطي شيئاً ليتوصل به إلى حق ضائع أو يدفع عن نفسه ظلماً، فلا بأس بذلك عند جابر بن زيد، نقله عنه البغوي وابن قدامة، وقال بذلك أيضاً عطاء والحسن (2).
ولكن مع
ذلك أرى من الأفضل أن يصبر المظلوم، ويتحمل الأذى إن قدر
عليه حتى لا يقع في شبهة الحرام، وسوف ييسر الله له طريقاً آخر يصل به إلى
(1) الكدمي: المعتبر، 101/ 3.
(2) البغوي: شرح السُّنَّة، 88/ 10 - ابن قدامة: المغني، 437/ 11. - بكوش يحيى: فقه جابر بن
زيد، 524. (4/237)
صفحة 2018
238
القواعد الفقهية عند الإباضية
حقه، وقد تساهل البعض في تعاطي الرشوة فاستعملوها في غير الضرورة أخذاً بهذه الرخصة، فشاعت في تصرفاتهم خاصة في مجال التجارة والقضاء نسأل من الله العفو العافية ...
وإذا ضعف الإنسان أمام الحاكمين، ولحقته مشقة وعنت وضرر بالغ، فيجوز الأخذ بالرخصة؛ لأن الجواز في نظري يجب أن يكون مقروناً بالعجز المحقق عن استيفاء حقه، أو دفع الضرر والظلم عن نفسه، وذلك بأن تعذر عليه إيجاد جهة حكومية أو وسيلة شرعية تستطيع أن تنصفه من ظالمه، أو وجدها لكنه لم تتعاون معه، فلحقه ضرر أكبر، فحينئذ يجوز له ذلك، عملاً بالقاعدة: «ارتكاب أخف الضررين، ورغم ذلك نقول: ما زال في الأمة شرفاء ينصرون المظلوم فالأخذ بالعزيمة أولى (1). ه - ومن الفروع المستثناة ما ذكره زهران المسعودي أنه إذا تنازع شخصان في شفعة، ولم يكن لأحدهما سبب لأخذ الشفعة، ولم يقدر صاحب السبب للشفعة على الوصول إلى شفعته إلا بإعطاء بعض المال لهذا الخصم الذي لا سبب له في الشفعة، لأجل أن يكف عنه مخاصمته، فقيل يجوز له أن يعطيه ذلك المال ويحرم على الآخذ أخذه (3).
والحاصل أن هذه المسائل المستثناة أجاز بعض العلماء فيها لمن أعطى المال أن يعطي مع الحكم بالحرمة على الآخذ، وكان الأصل حسب القاعدة أنه لا يجوز للمعطي أن يدفع إليه مالا ولو كان ظالما، ويحرم على الآخذ أخذ ذلك؛ لأنه سحت أخذه بغير حق.
(1) الطريفي عبد الله بن عبد المحسن جريمة الرشوة في الشريعة الإسلامية مع دراسة مكافحة الرشوة في المملكة العربية السعودية، ص 57.
(2) المسعودي زهران: قاعدة: «ما حرم أخذه حرم إعطاؤه»، بحث مرقون نسخة لدى الباحث، ص 121. ومعظم هذه القواعد استخرجها من كتاب التمهيد لسعيد الخليلي. (4/238)
صفحة 2019
المطلب الخامس
قاعدة: «من ملك شيئاً ملك ما هو من ضروراته» أو «التابع تابع» أو «التابع لا يفرد بالحكم ما لم يصر مقصوداً ()
أولاً مدلول القاعدة
إن ما كان تابعاً لغيره في الوجود حقيقة أو حكما ينسحب عليه حكم المتبوع، فلا يفرد بالحكم، بل يدخل في الحكم مع متبوعه.
والمراد بالتابع هنا: ما لا يوجد مستقلا بنفسه بل وجوده تابع لوجود غيره، فهذا لا ينفك حكمه عن حكم متبوعه مثاله: إذا بيعت دابة وفي بطنها حمل، يدخل الحمل في البيع تبعا لأمه، ولا يجوز إفراده بالبيع، وكذا الشرب والطريق ـ أي: حق المرور به ـ يدخلان في بيع الأرض تبعاً، ولا يفردان بالبيع، فعلى هذا كل ما جرى في العرف على أنه من مشتملات المبيع يدخل في البيع من غير ذكر (2). وكذلك ما كان في حكم جزء من أجزاء المبيع مما لا يقبل الانفكاك عن المبيع، نظرا إلى عرض المشتري، يدخل في المبيع بدون ذكر، ومثل الجنين في الحكم كل ما كان اتصاله خلقة، كاللبن في الضرع، واللؤلؤ في الصدف، والصوف على ظهر الغنم والجلد على الحيوان والنوى في التمر، اللهم إلا إذا صار التابع مقصوداً، فإنه يفرد بالحكم، كما يجوز بيع المفتاح دون القفل، والحمايل دون السيف (3).
(1) ابن بركة: الجامع، 2/ 205، 350، 355. - الكندي محمد إبراهيم بيان الشرع، 83/ 7، 154. ج 17/ 36. - الكندي أبو بكر: المصنف، ج 15/ 25. - العوتبي: الضياء، 251/ 17 - 253.
الشماخي: الإيضاح، 210/ 5. 188/ 7 - 189. المجلة العدلية، المادة 47 - 49. (2) هرموش: معجم القواعد الفقهية الإباضية، ص 168. - البورنو الوجيز، في إيضاح قواعد الفقهية الكلية، ص 331 - الندوي القواعد الفقهية، ص 401 - 402.
(3) الزرقا أحمد: شرح القواعد الفقهية، ص 257. (4/239)
صفحة 2020
240
القواعد الفقهية عند الإباضية
ثانياً: فروع القاعدة:
1 - من فروعها في باب الطهارة
- يرى جمهور الإباضية أن جميع ما يخرج من الحيوانات البرية هو تبع لها من حيث الطهارة والنجاسة، يقول الكدمي في هذا الشأن: «وقد اختلفوا في ميتة غير ذوات الدم، فقال قوم بطهارتها، وهو عندنا الأرجح؛ لأن التحريم في قوله تعالى: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ} (المائدة: 3). من باب العام أريد به الخاص، فاستثنى البعض ميتة البحر، وعندي: أن هذه الأشياء من ذوات الأرواح البرية من الطيور البرية والدواب من غير ذوات الدماء الأصلية، أنها طاهرة في الممات والحياة، وأن جميع ما خرج منها فهو تبع لها من فم أو دبر، ومن بول أو بغر، أو ما أشبه ذلك، ولا يثبت ولا يستقيم في هذا النوع من ذوات الأرواح معنا معنى الاختلاف ... ).
جميع
ويظهر من عبارة الكدمي أنه أقرّ بقاعدة: التابع تابع» وخرج عليها هذا
جميع
الفرع، وهو أن تابع للأصل في حكمه.
الحيوانات التي لا دم لها طاهرة، وما خرج منها كذلك
ومنها ما ذكره محمد بن إبراهيم الكندي من طهارة شعر بني آدم تبعاً لطهارة جسده فيقول: «وعندي أن أشعار أهل القبلة من بني آدم طاهرة ...
وأشعارهم تبع لهم).
3 ـ في باب الصلاة:
تسري هذه القاعدة على من يتبع غيره في صلاته كالزوجة ونحوها، فالمرأة إذا خرجت مع زوجها في سفر كانت نيتها في القصر والإتمام تبعا لنية زوجها؛
(1) الكدمي: المعتبر، 183/ 3، 184.
(2) الكندي: بيان الشرع، 83/ 7. (4/240)
صفحة 2021
الفصل السادس: القواعد الفقهية الكلية الصغرى
241
لأنها تبع له، و «التابع (تابع). ويلحق بعض الفقهاء إلى هذا الحكم: العبد مع سيده، وكل من تلزمه طاعة غيره، كالحاكم وقائد الجيش، يقول الكاساني في هذا المعنى: «والمعتبر في النية هو نية الأصل دون التابع، حتى يصير العبد مسافراً بنية مولاه، والزوجة بنية الزوج، وكل من لزمه طاعة غيره، كالسلطان وأمير الجيش؛ لأن حكم التابع حكم الأصل).
4 ـ في باب الزكاة: إذا أسلم أحد والدي الصبي فهو تبع لمن أسلم منهما، وتجب في ماله
الزكاة (3).
ه ـ في باب البيوع:
ومن فروع هذه القاعدة ما ذكره ابن بركة أنه: «إذا باع رجل لرجل أرضاً بما فيها، دخل في البيع الشجر والخشب والنبات وما يعرف بها؛ لأنه تبع للبيع، وإذا باع أرضا ولم يذكر غير ذلك لم يكن له غيرها ... » (4). وذكر ابن جعفر في جامعه أنه: «إذا باع رجل أرضاً له لرجل وقال: قد بعت له هذه الأرض، أو أوصى بها هالك، وفي الأرض نخل أو شيء من شجر مثل سدرة أو غيرها، فإنما تقع الوصية أو البيع على الأرض وحدها حتى يقول بما فيها، وإن قال قد بعت له هذه القطعة أو أوصي له بقطعة، فإنها تثبتُ وما فيها من شجر ونخل ولو لم يفعل بما فيها، وكذلك إن كان بستان فإنه يثبت بما فيه من نخل أو شجر، وأثبت ذلك أن يقول بما فيه ... »).
(1) الكندي: المصدر نفسه، ج 14/ 137. - الخليلي سعيد: كتاب التمهيد، 294/ 7. (2) الكاساني: بدائع الصنائع، 290/ 1.
(3) الكندي: المصدر السابق، 36/ 17. (4) ابن بركة: الجامع، 2/ 250، 350.
(5) ابن جعفر: الجامع، 154/ 5. (4/241)
صفحة 2022
242
القواعد الفقهية عند الإباضية
ومنها: من باع نخلة وتحتها صرم صغير وكبير، فالصغير منها تابع لها فهو للمشتري، والكبير المدرك للقطع غير تابع لها فهو للبائع
-
أمه جائز مع
أنه ليس بمرئي، وإنما جاز تبعاً لأمه؛ ومنها: بيع الحمل مع لأن التابع لا يفرد بالحكم عن متبوعه ما لم يصر مقصوداً». يقول ابن بركة في هذا المعنى: «فإن قال قائل نبيع الحمل جائز مع أمه وقد عرى من ظهور عيبه وصفته، وقالوا له البيع لا يقع على الحمل إذ ليس بمرئي ولا موصوف، وإنما جاز لمشتري أُمه باتفاق أنه تبع للمبيع حيث لا يستثنى، فإذا استثني وقع الاختلاف
بينهم، فإذا اختلفوا فالنظر يوجب عندي أن يبقى على أصل الملك ... (2). ويستنتج من عبارة ابن بركة أنه يرجح العمل بقاعدة «التابع تابع» ولو وقع في استثناء الحمل في البيع عن أمه، ويرى أنه تابع لها ومملوك للمشتري، ولا يجوز للبائع أن يمنعه عنه أو يطالب به؛ لأنه مجهول وغير
الاختلاف
مقدور على تسليمه.
6 - في باب الرهن
ومن فروعها في هذا الباب ما نقله الشماخي من اختلاف الفقهاء في منافع الرهن هل تكون للراهن أم تابعة للرهن؟ يقول في هذا الصدد: «فإن قال قائل: أرأيت إن لم يشترط الرهن والمرتهن أن تكون هذه المنافع في الرهن فلمن تكون؟ أتكون للراهن أو الرهن؟ أو يجوز اشتراط الراهن لها؟
هي
تابعة
قيل له: اختلف العلماء في ذلك، ففي الأثر: واختلفوا في غلات الرهن ونمائه، قال بعضهم: هي معقولة مع الرهن (3)، لا يذهب المال بذهابها، ومنهم
(1) الخليلي سعيد: كتاب التمهيد، 148/ 9.
(2) ابن بركة الجامع، 355/ 2. (3) قال المحشي أبو ستة: «قوله معقولة مع الرهن، يعني وليس منه فلا تبيع ببيعه؛ لأنه حينئذ رهن سخري. يراجع الحاشية على كتاب الإيضاح للشماخي، 189/ 7. (4/242)
صفحة 2023
الفصل السادس: القواعد الفقهية الكلية الصغرى
243
من يقول: هي مثل الرهن في جميع الوجوه في البيع والذهاب والتقاضي، ولا يبيع العين المرهونة في ذلك الوجه ما وجد وفاء ماله في الغلات، وإنما النماء والشيء المرهون سواء، ومنهم من يقول في النماء والغلات هي لصاحبها، لم يدخل في الرهن ولا يمنعه، المرتهن، وعمدة من جعل الغلات والنماء مع الرهن أن الفروع تابعة للأصول فوجب لها حكم الأصل، وعمدة، الفريق الآخر أن مادة الرهن لربه ونفقته عليه، استناداً لقوله: «لا يغلق الرهن لصاحبه غنمه وعليه غرمه (1)؛ أي لصاحبه غلة الرهن وخراجه، وعليه غرامة الدين، أي افتكاكه عليه ومصيبته منه، وعلى مذهب الآخرين معنى الحديث، أي لصاحبه زيادته، وعليه نقصانه» (2).
وهكذا بعد أن عرض الشماخي مختلف الأقوال وحجتهم في اعتبار غلات الرهن، وزيادته ونقصانه تابعة له، أو غير تابعة له، وما يترتب عليه من أحكام، أخذ يناقش هذه الأقوال ويعقب عليها، ثم خلص إلى القول: «والذي يوجبه النظر، أن تفضيل غلة الرهن ونمائه لا يخلو أن تكون متصلة أو منفصلة، فالمتصلة حكمها حكم الرهن مثل نماء الأشجار والحيوان والغلات، وهي زيادة الشيء في ذاته، وكذلك فيما حدث في الرهن من الغلات، إذا كانت غير مدركة في وقت البيع، والحمل كذلك، وأما المنفصلة فلا تخلو أن تكون من الشيء المرهون أو لا تكون منه، فإذا كانت منه فلا تخلو أن تكون أصلها من خارج أو أصلها منه، فإذا كانت الغلة المنفصلة من الشيء المرهون وأصلها منه، فحكمها حكم الرهن، مثل غلاة الأشجار وثمارها، وألبان الحيوان وأصوافها، وإذا كانت الزيادة المنفصلة من الشيء المرهون وأصلها من خارج فهي معقولة مع الرهن؛ لأنها منه، ولا تباع معه؛ لأن أصلها من خارج، وذلك مثل فسيل الحيوان الحادث في الرهن. وأما الغروس والنقص الحادث في الرهن المرهونة إذا كان أصلها من
(1) تقدم تخريجه.
(2) الشماخي: الإيضاح، 188/ 7 - 191. - أبو العباس أحمد كتاب أبي مسألة، ص 117. (4/243)
صفحة 2024
244
القواعد الفقهية عند الإباضية
معين
أنه من خارج
خارج فهو لمن أدخله، ولا يكون مع الرهن؛ لأن أصله فإذا كانت الزيادة في الرهن ليست منه مثل كراء الدور والحوانيت، وخراج العبيد والدواب، ففيه ما فيه ... »).
الرأي المختار:
ويبدو بعد هذا العرض المفصل للآراء الفقهية أنّ ما ذهب إليه الشماخي من التمييز بين الأشياء التابعة لأصل الرهن من حيث اتصالها به وانفصالها عنه قبل الرهن وبعده هو الرأي العدل والأقرب للصواب، فلا يمكن الحكم على الشيء الفرعي إلا بالنظر إلى علاقته بأصله، فغلات الرهن، وزيادته ونقصانه مرتبطة بالأصل، فإن زادت في يد الراهن فهي تابعة للرهن، وإن زادت في يد المرتهن فهي منه، فلا يتصرف فيها؛ لأنها من خارج الرهن، فهي لمن أحدثها على الرهن وهكذا.
- في حكم ذكاة الجنين
جواز
اتفق أهل العلم أن الجنين إذا خرج من الحيوان ـ الحلال أكله ـ حياً ذُكِّيَ ذكاة شرعية؛ لأنه لم يعد تابعاً لأمه، فإن مات قبل أن يتمكن من تذكيته ففي أكله وعدمه خلاف واختلف الفقهاء في الجنين إذا خرج من أمه ميتاً بعد موت أمه، نقل الشيخ أحمد الخليلي في فتاويه حكم ذكاة الجنين فقال: والجنين الذي يخرج بعد موت الأم إذا كان حياً فلا خلاف في أنه يذكّى، أما إذا كان ميتاً فمذهب الإمام الشافعي وإمام مالك أن ذكاة الجنين ذكاة أمه، وهو قول أصحابنا (الإباضية)، وصرح بذلك الشماخي فقال: «كما أن ذكاة أمه ذكاته إذا كان مما يذكى). وقد ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم ما يؤكد ذلك:
(1) الشماخي: الإيضاح، 1917 - 193. (2) الشماخي: الإيضاح، 4/ 185 - 186. (4/244)
صفحة 2025
الفصل السادس: القواعد الفقهية الكلية الصغرى
245
فعن أبي سعيد الخدري انه قال: «قلنا يا رسول الله ننحر الناقة، ونذبح البقرة والشاة وفي بطنها الجنين أنلقيه أم نأكله؟ فقال: «كلوه إن شئتم، فذكاته ذكاة أمه» (1)؛ لأن التابع تابع ما لم يفرد بحكم مستقل».
وخالف أبو حنيفة الجمهور فيرى أن الجنين يذكى كما تذكى أمه، وحمل هذا الحديث ـ مع قوله بصحته ـ على التشبيه البليغ؛ أي: على حذف أداة التشبيه، فيكون المعنى تذكية الجنين كتذكية، أمه، واستدل لذلك بورود التشبيه البليغ في القرآن في قوله تعالى: {وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ} (آل عمران: 133)، فأداة التشبه محذوفة.
وقد اعتُرِض على قوله هذا باعتراضات كثيرة منها: أ - أن الحذف خلاف الأصل، فلا يصار إليه إلا مع القرينة التي تدل عليه والتي تمنع من قصد غيره.
كما أن الجنين يكون جنيناً إذا بقي في رحم أمه، أما إذا مات فلا يكون جنيناً.
فلا خلاف في أنه يذكى، وهذا
ج - ومنها: أن ما خرج من بطن أمه وهو حي الحكم، معروف، فلا ينبه عليه الرسول صلى الله عليه وسلم.
د ومنها أيضاً أن هذا يخالف القياس، فإن حكم الجنين كعضو من الأم في جميع الأحكام، ومن ذلك أن أحدا لو قتل امرأة وفي بطنها جنين، فألقت الجنين ميتاً بعد أن ماتت هي، فحكم ذلك الجنين كحكم الأم، فتكفي دية الأم للجنين، ولا يعطي الجنين دية مستقلة؛ لأن «التابع تابع»، إلا إذا خرج ميتاً قبل أن تموت الأم ثم ماتت الأم بعد ذلك، أو أخرج حيا بعد ما ماتت الأم ثم مات.
(1) رواه الترمذي، أبواب الأطعمة، باب ما جاء في ذكاة، الجنين رقم 1435، وأبو داود، كتاب الضحايا، باب ما جاء في ذكاة، الجنين رقم 2459، عن سعد بن مالك الأنصاري، قال
الترمذي: «حسن». (4/245)
صفحة 2026
246
القواعد الفقهية عند الإباضية
ومن
ذلك أيضاً أن أحدا لو أعتق امرأة وفي بطنها جنين، فحكم العتق سرى عليه وهكذا؛ لأن التابع تابع، ولو باع أحد دابة وفيها جنين فحكم البيع سرى عليه.
وهكذا يتبيَّن أن هذا الحكم - وهو أنّ ذكاة الجنين ذكاة أمه ـ شامل لما إذا كان الجنين بقي في بطن الأم ولم يخرج حتى أخرج، أو خرج بعد ما ماتت الأم، كان ميتا ولم يكن حيا).
ويشير
أكل
أحمد الخليلي إلى بعض الحكم والعلل الهامة من تحريم الميتة، ووجوب الذكاة الشرعية فيقول وتحريم الميتة لما فيها من المضار فإن الدورة الدموية إذا توقفت ترسبت في الجسم مفاسد من هذا الدم، وقد جعل الله سبحانه النحر والذبح إهراقاً لهذا الدم وإخراجاً له، فيبقى الجسم من هذه الترسبات التي تبقى في جسم الميتة، ولأجل ذلك كانت ذكاة
نظيفاً
الجنين ذكاة أمه؛ لأن دم الجنين يخرج عادة مع دم الأم (2).
ويقول المحشي أبو ستة القصبي معقباً على قول الشماخي: «قوله كما أن ذكاة أمه ذكاته ... إلخ، هذه العلة تقضي أن الحكم الجاري على الأم يجري على حملها مطلقاً، لا فرق بين العتق وغيره، فالأولى - والله أعلم ـ في الفرق بين العتق وغيره أن يقال: لأن الشارع متشوّق للحرية، ألا ترى أن أفعال المريض
من البيع وغيره غير جائزة على الصحيح إلا في العتق فإنه جائز باتفاق» (3). ولا ريب أن ما أشار إليه أبو ستة يتوافق مع القاعدة الفقهية التابع تابع» وأن التابع لا يفرد بالحكم ما لم يصير مقصودا، وهذا يسري مع الرهن
(1) الخليلي أحمد بن حمد: الفتاوى الكتاب الخامس، نشر مكتب الأجيال للتسويق، روي - مسقط - سلطنة عُمان، ط 1 1427 هـ / 2006 م، طبعة شركة مطبعة عُمان ومكتبتها المحدودة،
سلطنة عُمان، ص 349 - 350.
(2) الخليلي أحمد: الفتاوى، 350/ 5.
(3) القصبي أبو ستة: الحاشية على كتاب الإيضاح للشماخي، 4/ 175 – 176. (4/246)
صفحة 2027
الفصل السادس: القواعد الفقهية الكلية الصغرى
247
والبيع والهبة والصدقة والوصية، وإن حدث استثناء فيكون مع العتق؛ لأن الشارع يشجع على ذلك ويدعو إلى تحرير العبيد، ولا شك أن في نظرته هذه رؤية مقصدية عميقة، أما الذين ذهبوا إلى جواز استثناء الراهن الحمل دون أمه باعتباره شيئاً مخالفاً للأم، ففي هذه الحالة خرجوا هذا الفرع على القاعدة المتفرعة عنها أن «التابع لا يفرد بالحكم ما لم يصير مقصوداً، وفي هذه الحالة أصبح مقصودا في العقد، فيجوز استثناؤه في الحكم عن ويقول البسيوي في السياق نفسه مبيناً حكم تصرف المريض في العتق: «فأما المريض فلا تثبت منه الوصية، وله أن يرجع فيها ما لم يمت، إلا ما قالوا فيمن علق عتق عبده عليه، أو قال في مرضه إذا مت فغلامي حر ثم مات فهو حرّ، وإن صح ورجع فلا رجعة له، فأما إذا مات عتق العبد ... » (1)، وهذا استثناء
من
القاعدة.
أصله.
(1) البسيوي: الجامع، 188/ 3. (4/247)
صفحة 2028
المطلب السادس
قاعدة: «لا يتم التبرع إلا بالقبض
أولاً: تعريف القاعدة
هذه القاعدة من القواعد المتعلقة بنظرية الملك في الفقه الإسلامي
(2)
وتشمل كل تبرع كالهبة والصدقة والعطية، والنّحلة، والهدية، والوصية ولا يتم هذا التبرع إلا بالقبض»، ويشترط بعض فقهاء الإباضية لتمامه أن يتقدمه قبول من المتبرع له أو الموهوب له، ولكن اختلفوا في كيفية القبض ووقته، ومن يتولى ذلك، وهل يجوز التراجع عن التبرع قبل القبض أو بعده؟ ومتى يكون ذلك؟ كل هذه الأسئلة أجاب عنها الفقهاء بتفصيل (2). وقد وردت هذه القاعدة في المصنفات الإباضية المتقدمة والمتأخرة، وعبّر عنها بعضهم بقوله: (كل العطايا» لا تثبت إلا بالإحراز من المعطي). والمقصود بإحراز العطية هو أن يقبضها المعطى له أو يزيلها، أو يستعمل فيها أو نحو هذا). وصاغ بعضهم من عبارات المتقدمين هذه القاعدة بصياغة مختصرة، بعد صقلها فقال: «لا إحراز بغير قبض ()، وهي تتضمن نفس معنى القاعدة المتداولة لا يتم التبرع إلا بالقبض
(1) ابن بركة الجامع، 417/ 2 0 - الكندي أبو بكر: المصنف، 16/ 182 - 200. ج 27/ 188 - 200. الشماخي: الإيضاح، 401/ 4 - 404.
(2) ينظر: ابن جعفر: الجامع، 363/ 4 وما بعدها. ـ ابن بركة الجامع، 417/ 2 وما بعدها. الشماخي: الإيضاح، 401/ 4 وما بعدها. ـ أطفيش: شرح النيل، 6/ 12 وما بعدها. (3) ابن جعفر: المصدر السابق، 343/ 4 و 345. ـ البسيوي، جامع أبي الحسن البسيوي،
189 - 187/ 3
(4) ابن جعفر المصدر نفسه.
(5) المسعودي زهران: القواعد المستخرجة من كتاب تمهيد قواعد الإيمان وتقييد شوارد مسائل الأحكام والأديان، بحث مرقون للمحقق سعيد ابن خلفان الخليلي، ص 96. (4/248)
صفحة 2029
المجال: المطبوعات، كتب
المادة: أصول الفقه - فقه
------------------------------------------
العنوان: القواعد الفقهية عند الإباضية: دراسة نظرية تحليلية تأصيلية تطبيقية
المؤلف: مصطفى بن حمو أرشوم
إشراف وتقديم: عبد الله السالمي
الناشر: وزارة الأوقاف والشؤون الدينية
مكان النشر: سلطنة عمان
تاريخ النشر: 1434ه/ 2013م
الطبعة: 1
عدد الأجزاء: 4
أصله: أطروحة دكتوراه
سلسلة القواعد الفقهية الإباضية
مصدر البيانات من برنامج الرستمي بموقع المنهاج:
https://www.elminhaj.org/catalogue_rech_notis.php?id_liv=4585&id_ty=1
------------------------------------------
مصدر النسخة المصورة للكتاب (PDF) من موقع المكتبة السعيدية:
https://alsaidia.com/node/583
ملاحظة: قامت المكتبة السعيدية باستغلال تقنية التعرف الضوئي على الحروف في اللغة العربية (OCR) في إنشاء هذه النسخة المصورة (PDF)، لذلك فإنه يمكن البحث فيها للوصول إلى المعلومة بسهولة.
تنبيه: قام فريق مشروع المكتبة الشاملة الإباضية باستغلال تلك التقنية لتوفير النص المرقون، وذلك بالتحويل الآلي لصور صفحات الكتاب إلى نص، لذا فالنص الناتج ليس صحيحا 100%، لذا يمكن استخدام ذلك النص لنسخ جمل وفقرات من هذا النص الناتج، مع ضرورة مراجعته ومقارنته بنسخة (PDF) المرفقة، وتعديله وفقا لذلك قبل اعتماده.
ترقيم الصفحات: موافق للمطبوع
تاريخ النشر الرسمي بالشاملة الإباضية: 04 شعبان 1446ه/ 03 - شهر 02 - 2025م. الفصل السادس: القواعد الفقهية الكلية الصغرى
249
بيان معني القاعدة:
التبرع
لغة
هو تمليك للحال والآجل مجاناً بلا مقابل فيشمل الهبة
والهدية، والصدقة، والوقف، والوصية.
واصطلاحاً ليس لأحد تمليك غيره بلا رضاه)، فلا بد من رضا الموهوب
له أو المهدى إليه، أو المتصدق عليه، أو الموصى له بما يعطى، وإنما يظهر المُمَلَّك وتسلمه في الحال أو الآجل).
ذلك
ويتم بقبض
ثانياً: شروط صحة التبرع:
للتبرع شرطان لا يتم إلا بهما:
1 ـ لما كان التبرع تمليكاً في الحال في بعضه، كالهبة، والهدية، والصدقة، فلا يصح في هذه الأمور أن يكون معلقا بما له خطر الوجود والعدم؛ أي: لا يعلق تنفيذه على أمر مستقبل بحدث ـ أو لا بحدث، كقدوم فلان مثلا أو دخوله - كما لا يجوز إضافته إلى وقت كملكتك غداً أو آخر الشهر. سئل السالمي عن اختلاف الفقهاء في العطية على شرط، هل تثبت أو لا؟ فقال: «ذلك إن كان الشرط راجعاً إلى نفس العطية، كما إذا قال له: أعطيتك الشيء الفلاني إن رضي فلان وأعطيتك مال كذا إن عافى الله ولدي، أو إن قدم غائبي أو نحو ذلك، فهذا الشرط هو الذي يثبت فيه الخلاف، هل يهدم العطية أو لا؟ فأما القول بأنه يهدمها فلأنها لم تكن عطية جازمة، وما ليس كذلك فلا ينقل المال عن أصله، وأما القول بأنه لا يهدمها، فلأن العطية كسائر العقود الممكن توقيفها على الشروط، فإذا وجد الشرط تم العقد (3).
(1) الزرقا مصطفى: المدخل الفقهي، الفقرة: 712.
(2) البورنو الوجيز في إيضاح قواعد الفقه الكلية، ص 376. - الخادمي: قواعد الخادمي،
ص 327.
(3) السالمي: العقد الثمين 114/ 4 - 115. بتصرف يسير. (4/249)
صفحة 2030
250
القواعد الفقهية عند الإباضية
2 ـ إن القبض شرط صحة التبرع، فلو لم يقبض لم يتم العقد؛ أي: لا يكتفي فيه بالإيجاب والقبول، بل لا بد من القبض والتسليم، فلا يملك الموهوب أو المهدى أو المتصدق به قبل قبضه، وهذا الشرط أخذ به جمهور فقهاء الإباضية وغيرهم فيرون أن القبض شرط صحة الهبة، وكذلك الهدية، بينما ذهب البعض إلى أنه شرط تمام ولذلك تصح عندهم الهبة بدون قبض ويكفي القبول)، وهو رأي مالك، وفي رواية أحمد مثله (2). وذهب آخرون إلى أن الهبة تصح بدون قبض ولا قبول مثل الهبة للصبي. وزاد بعض الفقهاء شرطاً آخر لصحة الهبة، وهو أن تكون معلومة ومقسومة:
أي: غير مجهولة العين أو المنفعة ومقسومة: أي غير مشاعة (3).
والعلة في لزوم القبض: أنّ إثبات ملك الموهوب له قبل القبض فيه إلزام المتبرع بما يتبرع به فيثبت للموهوب له، والمهدى إليه، والمتصدق عليه، والموصى له ولاية مطالبة المتبرع بالتسليم، فيصير عقد ضمان، وهذا تغيير المشروع فلا يجوز. وعلى ذلك، إذا توفي الواهب أو الموهوب له قبل القبض تبطل الهبة، وللواهب أن يرجع عن هبته قبل القبض بدون رضاء الموهوب له، وكذلك المهدي والمتصدق (4).
(4)
ولأهمية إدراك مدلولات الهبة والصدقة والهدية، والعطية، والوقف
والوصية، فلا بأس من بيان معانيها لبيان مدى ارتباط معانيها ببعضها البعض، وللتمييز بين أنواع التبرعات والعطايا من حيث المدلول والحكم كما يلي.
هي
التبرع بما ينتفع به الموهوب، وقيل أيضاً: إيصال
1 - الهبة في اللغة: الشيء لأحد بما ينفعه مالاً كان أو غير مال.
(1) الشماخي: الإيضاح، 405/ 4، 407.
(2) ابن هبيرة الإفصاح 56/ 2. - ابن جزي المالكي: القوانين الفقهية، ص 399.
(3) الشماخي: الإيضاح، 407/ 4.
(4) البورنو: الوجيز، ص 377. (4/250)
صفحة 2031
الفصل السادس: القواعد الفقهية الكلية الصغرى
251
وأما
في الشرع تمليك العين بلا عوض، ويقال لفاعله واهب، ولذلك
المال موهوب ولمن قبله الموهوب له (1).
والهبة قد تكون بعوض، وتسمى هبة، ثواب، وهو كالبيع، والهبة لأجل
ثواب الآخر، وتسمى أيضاً صدقة.
2 - وأما الصدقة فعرفها بعضهم بأنها تمليك بلا عوض للمحتاج لثواب الآخرة. وقد أشار بعض الفقهاء إلى الفرق بين الهبة والصدقة فقال: «والفرق بين الصدقة والهبة أن الهبة شرط لها ألا تكون شائعة قابلة للقسمة، وفي الصدقة لا يشترط ذلك إذا كان بين اثنين، كما لو تصدق على اثنين مشاعاً» (2). 3 - والهدية هي: تمليك ما يُبعث غالباً بلا عوض، إكراما للمبعوث إليه". 4 - والوصية هي: تمليك بلا عوض لما بعد الموت (4). وقيل: هي تمليك للآجل يجوز إضافته لما بعد الموت؛ لأنه لا يتم التسليم إلا بعد وفاته، وهي تبرع.
ه ـ وأما الوقف أو الحُبس فهو أيضاً: تمليك منفعة بلا عوض
فكل من الهبة والصدقة والهدية والوصية، والوقف، يشتركان في معنى التمليك بلا عوض إلا أنها تختلف في كيفية التمليك ونوعه، هل يتم ذلك بالقبول مع القبض، أم بأحدهما، أم بدونها؟ وهل يكون ذلك في الحال أم الآجل لما بعد الممات؟
فأما الهبة والهدية والصدقة والوقف يكون التملك في الحياة، أما القبول والقبض ففيه خلاف، وأما الوصية وأحيانا الوقف فهو تمليك لما بعد الموت.
(1) أطفيش: شرح النيل، 12/ 5. - هرموش: معجم القواعد الفقهية، ص 562. ـ البركتي المجددي: تعريفات البركتي، ص 550.
(2) الزرقا أحمد شرح القواعد الفقهية، ص
(3) أطفيش: شرح النيل، 625/ 12.
(4) ابن بركة: الجامع، 416/ 2. (5) أطفيش: المرجع نفسه، 5/ 12.
299 (4/251)
صفحة 2032
252
القواعد الفقهية عند الإباضية
- سئل السالمي عن معنى العطية والمنحة والنّحلة هل تتضمن معنى واحداً أم لكل واحد من هذه الأسماء معنى غير الآخر؟ وكذلك الهدية والهبة بمعنى واحد أو بينهما فرق؟ وهل هما نوع من العطية؟ وهل بين هذه الأسماء عموم وخصوص؟ كذلك الرقبي والعمرى والسكنى بمعنى واحد أم لا؟ فأجاب موضحاً مدلول هذه المصطلحات إن العطية والنحلة بمعنى واحد وهو ما يعطى لغير عوض دنيوي، وأما المنحة فهي ما يعطى لينتفع بثمرته، ثم يرجع إلى صاحبه، كالأرض يمنحها الرجل غيره ليستغل ويزرع ثم ترجع إليه، وكذلك الناقة، وأما الهبة فهى بمعنى العطية. وأما الهدية فهي ضرب من الهبة غير أنها مقرونة بما يشعر بإعظام المهدى إليه، فهي أخص من الهبة بهذا المعنى. ـ وأما العمرى: فهبة شيء مدة عُمر الموهوب له أو الواهب، بشرط الاسترداد بعد موت الموهوب له، مثل: أن يقول داري لك عُمري، قال الجرجاني: «فتمليكه صحيح وشرطه باطل». وأما الرقبي فهو أن يقول: إن مِتُ قبلك فهي لك، وإن مت قبلي رجعت
-
إليَّ، كأن كل واحد منهما يراقب موت الآخر وينتظر ... » (3). وأما السكنى فهي: «إعطاء منفعة البيت ليسكن فيه المعطى ثم يرجع إلى صاحبه، فهذه الأسماء مختلفة المعاني باختلاف العبارات، إلا العطية والنحلة والهبة فإنها متفقة المعنى والهدية أخص منها (3). وقد وضع بعض الفقهاء ضابطاً للهبة متفرعاً عن هذه القاعدة فقال: الهبة لا تثبت إلا بالقبض، وقيل: لا تصح الهبة إلا بقبول وقبض).
(1) الجرجاني: التعريفات، ص 170.
(2) الجرجاني: المصدر نفسه، ص (3) السالمي: العقد الثمين، 118/ 4.
123
(4) ابن بركة: الجامع، 2/ 415. - الشماخي: الإيضاح، 02/ 4
الفقهية الإباضية، ص 562.
موش
القواعد (4/252)
صفحة 2033
253
?
الفصل السادس: القواعد الفقهية الكلية الصغرى
ومعنى هذا الضابط: أن من وهب لآخر هبة ثم حال دون قبض الهبة حائل، كأن أكره أحد الورثة الموهوب له على عدم قبضها أو نحو ذلك، لم يجر على المال الموهوب أحكام الهبة، بل يبقى مالاً موروثاً للورثة، والإثم على من حال دون قبضها، لأنه مناع للخير معتد أثيم).
ثالثاً: أحكام وشروط صحة القبض: قال أهل العلم: «لا يتم التبرع إلا بالقبض؛ ولأن عقد التبرع لو تم بدون قبض لثبت للمتبرع عليه مطالبة المتبرع بالتسليم فيصير عقد ضمان، وهو تغيير للمشروع. وقالوا أيضاً: ولا فرق في اشتراط القبض لتمام التبرع بين ما كان تبرعاً ابتداء وانتهاء كالهدية والصدقة والهبة بلا شرط عوض، وبين ما كان تبرعاً ابتداء معاوضة انتهاء، كالهبة بشرط العوض، والقرض والرهن فإن القبض شرط لتمام جميعها، فإذا وجد القبض مستوفياً شروط صحته تمت تلك العقود التبرعية، وإلا فلا (2)
وقد وضع بعض الفقهاء شروطاً لصحة القبض نذكرها كما يلي:
1 ـ أن يكون إذن المالك صريحاً نحو اقبضه أو أذنت لك بالقبض، أو رضيت، وما شاكل ذلك، فيجوز قبضه ولو بعد الافتراق، أو دلالة: وذلك أن يقبض العين في المجلس ولا ينهاه إذا كانت العين لا تحتاج إلى الفصل عن غيرها، فلو تحتاج إلى الفصل عن غيرها كالثمر على الشجر، والصوف على الغنم، والحلية على السيف، ففصلها وقبضها بدون إذنه الصريح، لم يجز القبض، سواء كان الفصل والقبض بحضرة المالك أو لا (3).
(1) هرموش: المرجع نفسه.
(2) الزرقا أحمد: شرح القواعد الفقهية، ص 299.
(3) الحضرمي أبو إسحاق: مختصر الخصال، ص 154. - الزرقا: أحمد: شرح القواعد الفقهية،
ص 299. (4/253)
صفحة 2034
254
القواعد الفقهية عند الإباضية
2 - وأن يكون المقبوض غير مشغول وقت القبض بغيره، وإن كان شاغلاً يصح، كما لو وهب الحمل على الدابة، أو الحنطة في الرحى، ونحو ذلك، فلو وهب دابة عليها، حمل أو داراً فيها متاع الواهب، وسلمها مع الشاغل، لم يجز القبض، بخلاف متاع غير الواهب فإنه لا يمتنع صحة القبض. 3 ـ أن لا يكون المقبوض متصلاً بغيره اتصال الأجزاء؛ لأنه حينئذ في معنى المشاع، فلو وهب الزرع دون الأرض، أو الأرض دون الزرع، أو الثمر
دون الشجر، أو الشجر دون الثمر، وسلمها جميعاً لم يجز القبض. 4 ـ وأن يكون المقبوض محلاً للقبض، فلو وهب ما في بطن غنمه أو ضرعها، أو سمناً في اللبن أو زيتاً في زيتون، أو دقيقاً في حنطه، أو سمكاً في ماء، لم يجز القبض، وإن سلطه على قبضه عند الولادة، أو عند استخراج ذلك، وذكر الشيخ أطفيش أن من نحل ما بما في بطن أمته فهو جائز، وقد تعذر القبض (1).
ه - وأن يكون القابض أهلاً للقبض، فلا يجوز قبض المجنون، والصغير الذي لا يعقل نقل القطب عن بعض الفقهاء أن الهبة على الصغير غير الوالد
لا تحتاج إلى قبض، بل هي لازمة إن مات قبل البلوغ، فهي لوارثه). - وإن يكون هناك ولاية من يقبض بطريق النيابة، فيقبض للصغير أبوه، أو وصيه، أو جده أبو أبيه، أو وصي جده، سواء كان الصغير في عيالهم أم لا، ويجوز قبض غير هؤلاء مع وجود واحد منهم إن كان الصغير عيال من يريد القبض، ولو زوجاً لصغيره، ولا يجوز قبض من ليس الصغير في عياله ولو ذا
منه
(3)
(1) أطفيش: شرح النيل، 11/ 12. ـ الحضرمي: مختصر الخصال، ص 154.
(2) أطفيش المرجع نفسه.
(3) ابن بركة الجامع، 2/ 420. - الشماخي: الإيضاح، 403/ 4 - 404. ـ الزرقا أحمد: شرح القواعد الفقهية، ص 299 - 300. بتصرف يسير. (4/254)
صفحة 2035
الفصل السادس: القواعد الفقهية الكلية الصغرى
255
رابعاً: تأصيل القاعدة:
استدل فقهاء الإباضية على هذه القاعدة بما ثبت من السنة والأثر والإجماع.
أ ـ من السنة:
أ ـ روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: لا تجوز الهبة إلا مقبوضة) أي: لا تملك إلا بالقبض. ب ـ من الأثر اعتبر البعض أن أصل هذه القاعدة يرجع إلى أثر روي عن أبي بكر الصديق أنه وهب لابنته عائشة لا ثمرة له بالمدينة في صحته، فلم تكن قد قبضت الوصية، فلما حضرته الوفاة قال لها: «بنية إن ذلك المال لم تكن قد قبضتيه وهو الآن مال للورثة). فصح بهذا أن الهبة ما لم تقبض،
فالملك فيها لا يصح للموهوب له، ويجوز للواهب الرجوع فيها أيضاً). وفي رواية أخرى عن أبي بكر الصديق له أنه وهب لعائشة جذاذ عشرين وسقاً من تمر فلم تقبضه حتى حضرت والدها الوفاة، فقال لها: «بنية إنك لم تقبضيه وإنه الآن مال للوارث (4) قال ابن بركة: «فدل هذا على أن الهبة ما لم تقبض لم تنتقل عن ملك الواهب، فلو كانت هبة التبرع تملك قبل القبض لكان المال لعائشة و لا للورثة)).
(1) قال الزيلعي: «غريب ورواه عبد الرزاق من قول النخعي رواه في آخر الوصايا من مصنفه، فقال: أخبرنا سفيان الثوري عن منصور عن إبراهيم قال: لا تجوز الهبة حتى تقبض والصدقة تجوز قبل أن تقبض نصب الراية، 162/ 4.
(2) رواه البيهقي، كتاب الهبات، باب شرط القبض في الهبة، رقم 11166، عن عائشة، ومالك في الموطأ، كتاب الأقضية، باب ما لا يجوز من النحل، رقم 1435، عن عبد الله بن عثمان، بلفظ مقارب. (3) ابن بركة المصدر السابق، 417/ 2.
(4) رواه مالك في الموطأ في القضاء بلفظ: كنت نحلتك جذاذ عشرين وشقاً من مالي بالعالية، وإنك لم تكوني قبضتيه ولا حزتيه، وإنما هو مال الورثة. ينظر: الموطأ، دار الآفاق الجديدة،
ط 2، ص 643 - 644. (5) البورنو: الوجيز، ص 376. (4/255)
صفحة 2036
256
القواعد الفقهية عند الإباضية
وروي عن أبي بكر وعمر وابن عباس ومعاذ بن جبل الله أنهم قالوا: لا يتم الصدقة إلا بالقبض).
ب ـ من الإجماع:
لما رجع أبو بكر في هبته لابنته عائشة عند موته، وكان تزك الصحابة الإنكار عليه وردّ حكمه تصويبا له، فصار الحكم منهم بذلك كالإجماع.
خامساً: فروع القاعدة:
1 - في حكم قبض الهبة
اختلف فقهاء الإباضية في أحكام الهبة إذا كانت لغير الثواب ـ وهي التي لم يتبين سبيلها ـ، رغم أنهم اتفقوا على جوازها، فيرى بعضهم: لا تصح إلا بالقبول والقبض، وذهب آخرون إلى ثبوتها دون قبول وقبض، وذهب آخرون إلى صحتها بالقبول دون القبض، وقد بحث بعض الإباضية هذه المسألة وأشاروا إلى سبب الخلاف.
يقول ابن بركة في هذا الشأن تنازع الناس في حكم الهبة، فقال بعضهم: تصح بلا قبول ولا قبض، وقال آخرون لا تصح إلا بقبول ولو لم يقبض، وقال بعضهم: لا تصح الهبة إلا بقبول، وقبض، وهذا قول أصحابنا، والدليل على ما ثبت بنقل الناقلين أن أبا بكر الصديق وهب لعائشة ابنته نخلاً كانت له
(1) رواه عبد الرزاق الصنعاني في المصنف باب لا تجوز الصدقة إلا بالقبض. والبيهقي في السنن الكبري، کتاب الهبات باب شرط القبض في الهبة. وأبو يوسف في الآثار، باب القضاء، حديث: 741 بلفظ: «عن أبي حنيفة، عن حماد، عن إبراهيم، أنه قال في الهبة والصدقة: «لا تجوز إلا مقبوضة معلومة». وقال: لا أدري كان إبراهيم لا يجيز حتى
يعاين الشهود القبض أم لا».
(2) ابن بركة: الجامع، 416/ 2، 420. (4/256)
صفحة 2037
الفصل السادس: القواعد الفقهية الكلية الصغرى
257
بالمدينة، فلما حضرته الوفاة جعله ميراثاً، فتكلمت عائشة في ذلك، فقال لها أبوها: إنك لم تقبضيه وإنه الآن مال للوارث).
وعقب ابن بركة على هذا النص فقال: «فلم ينقل أن أحداً عابه بذلك، ولا أنكر عنه، وفي تسليم الجميع له ترك الإنكار عليه دليل على صحة ما ذهب إليه أصحابنا دون من خالفهم).
ويبين الشماخي أن من اشترط في الهبة تلازم القبول مع القبض فهي عنده لا تصح إلا بهما، ولا تجوز عنده هبة المشاع ولا هبة ما كان في الذمة؛ لعدم صحة القبض، إلا أن يكون وهب سهمه في المشترك لشريكه، فلا بأس لوجود القبض في المشترك، وكذلك الدين للمديون فلا بأس. وأما من اشترط فيها القبول دون القبض فهي عنده تصح بالقبول، وإن لم يكن القبض كالبيع، ويجوز هبة المشاع كما يجوز بيعه، وقد أخذ بهذا القول جمهور الإباضية، وصرح بذلك الشماخي ونسبه إلى بعض الصحابة، فقال: «وهو المأخوذ به عندنا، وهو قول علي وابن مسعود لما ذكر في الأثر» (3). وقال البعض: إن الهبة جائزة بغير، قبض، ونسب أبو ستة القصبي هذا القول إلى بعض الإباضية، ونفى ذلك ابن بركة والشماخي إغفال من قائله والدليل على ذلك حديث أبي بكر المتقدم، وهذا يدل من فعله مع ترك النكير والمخالفة عليه أن الهبة لا تصح إلا بقبض، وفي ذلك أيضاً دلالة أن فعل المريض ليس جوازه كجواز فعل الصحيح في البيع وغيره، وفي الرواية أن أبا بكر قال لعائشة: وددت لو أنك قبضتيه وهو اليوم مال للوارث» (4).
(1) سبق تخريجه.
(2) ابن بركة: الجامع، 2/ 415. - الشماخي: الإيضاح، 402/ 4.
(3) الشماخي: الإيضاح، 402/ 4.
(4) ابن بركة المصدر نفسه، 420/ 2. - الشماخي: المصدر نفسه، 404/ 4.
فقالا: «وهو (4/257)
صفحة 2038
258
القواعد الفقهية عند الإباضية
ورد ابن بركة على من جوز الهبة بدون قبض قياساً بالوصية، فإن قال قائل: فلم جازت الوصية بغير قبض وهي هبة أيضاً؟
قيل له: إن الوصية تجب بعد الموت كالميراث والهبة تجب في حياة الواهب، ألا ترى أن الوارث يجب له المال عن الميت ولو لم يقبض كذلك الوصية؟
فإن قال: فإن لم يقبل الموصى له، قيل له: أن يرجع ما أوصى له به إلى الورثة، كما أن الوارث لو لم يقبل ميراثه رجع إلى سائر الورثة» (1).
منشأ الخلاف
وسبب الخلاف بين الفقهاء في اشتراط القبض والقبول في الهبة والعطية يرجع إلى اختلافهم في مدلول الحديث الذي رُوي عن أبي بكر في رجوعه في هبته لابنته عائشة، هل يعتبر شرط القبض خاص بالوالد مع ولده، أم هو عام لكل هبة لا تصح إلا بالقبول والقبض؟
يقول القطب أطفيش في هذا الصدد بعد أن أورد قصة أبي بكر انه مع ابنته: «ويبحث بأنه دليل خاص والمدعي عام؛ لأن هذه الهبة هبة أب لولد، والمدعى أنّ الهبة مطلقا لا تصح إلا بالقبض والقبول.
ويجاب: بأن العبرة بعموم التعليل في قوله: «إنك لم تقبضيه»، فإنه تعليل معنوي يفيد أن القبض شرط على الإطلاق، وعلى القول الأول، لا حكم
للواهب فيها، إلا إن لم يقبل الموهوب له، فيؤخر إلى قبوله أو رَدّه.
ـ وعلى الثاني: هي في حكم الواهب إن رجع إليها قبل القبول والقبض، ولا يجبر الموهوب له على القبض أو الرد ومؤنتها وجنايتها من مال الواهب إذا كان في يده، وإن مات الموهوب له فورثته يقومون مقامه، وإن قبل
(1) ابن بركة المصدر نفسه، 416/ 2. (4/258)
صفحة 2039
الفصل السادس: القواعد الفقهية الكلية الصغرى
259
بعض وردّ بعض فحتى يقبلوا جميعاً أو يدفعوا جميعاً، وثُمّ من يقول: يأخذ الذين قبلوا أنصابهم ... وذلك فيما بينهم وبين الله لا في الحكم، وقيل: في الحكم أيضاً.
واختلف فقيل أيضاً: يأخذ الموهوب له الكل أو يتركه، وقيل: له أن يأخذ بعضا ويترك بعضا» (1).
وقيل: تصح الهبة بقبول فقط، وهو قول علي وابن مسعود والربيع بن حبيب في غير الأب، وهو اختيار القطب، كما أن البيع يصح بلا قبض، وكذا الرهن عند بعض، وكذا النكاح بلا حضور، وغير ذلك في غير هبة الأب لولده ذكرا أو أنثى (2).
في حكم هبة المشاع
ومن فروعها: أنه لا تصح هبة المشاع لعدم صحة القبض. يقول الثميني: ولا تصح في شياع وما بذمة عند مشترطهما». قال الشيخ أطفيش في شرح هذه العبارة: ولا تصح في شياع»؛ أي: في مال شركة ذي شياع يتوصل فيه إلى تحقيق سهامه وأهله؛ أي: ولا في ذي شياع جهلت فيه الأنصباء، إذ قد تجوز فيه هبة الغلة ويحتمل أن يريد ما يشمل الشياعين).
وقد أشار ابن بركة إلى هذه المسألة وبيّن أنّ هبة المشاع محل خلاف بين فقهاء الإباضية، فمنهم من اشترط القبول مع القبض، ومنهم من لم يشترط القبض فقال: «واختلف أصحابنا في هبة المشاع فقال بعضهم جائزة؛ لأن البيع بالمشاع جائز، وقال بعضهم: لا يجوز لعدم صحة القبض، والنظر يوجب صحة هذا القول، ويشهد بصحته ما رويناه من الخبر؛ لأن الخبر لا يصح في
(1) أطفيش: شرح النيل، 6/ 12.
(2) أطفيش: المصدر نفسه، 9/ 12 - 10.
(3) المصدر نفسه، 11/ 12. (4/259)
صفحة 2040
260
القواعد الفقهية عند الإباضية
المشاع؛ لأن الكلّ في يده أو يد شريكه أو في يديهما، فالوصول إلى قبض الحصة من الجملة متعذر عن الموهوب له.
ويؤكد ابن بركة في موضع آخر صحة هذا القول: وهو عدم جواز هبة المشاع لعدم صحة القبض، ويشير إلى أنه رأي أكثر الإباضية فيقول: «واختلف أصحابنا في هبة المشاع فلم يجزها أكثرهم لعدم صحة القبض لها، ولتعذر قبض الحصة من المشاع، وأجاز بعضهم ذلك قياساً على بيع المشاع ... » (2). ويرد ابن بركة على من قال بجواز هبة المشاع ولو بدون قبض قياساً بجواز بيع المشاع فيقول: «وأما ما شبه أصحاب الرأي الأول الهبة بالبيع فغلط عندي؛ لأن المراد من البيع ثبوت الملك به، ولا يقال لا يصح البيع إلا بالقبض، والمراد من الهبة أن تكون مقبوضة فيصح ملكها».
وذهب البعض إلى جواز الهبة للشريك إذا كان واحدا فقط، فإن زاد عليه فلا تصح، يقول ابن بركة في هذا الصدد: «وتصح لشريك في مشترك، مثل أن يشترك اثنان في أصل أو عروض فيهب أحدهما سهمه للآخر إن لم يشترك ثالث معهما فصاعداً، وإلا لم تصح لبقاء شريك آخر أو شركاء لم تتميز سهامهم لشياعها ولوت ميزت التسمية فلا قبض حينئذ (3).
يصبح
هكذا:
(1) ملاحظة: أضاف محقق كتاب «الجامع لابن بركة البهلوي عيسى يحيى الباروني كلمة (القبض) بعد قوله والنظر يوجب صحة»، فصار كلامه متناقضا إذ والنظر يوجب صحة القبض؛ لأن القبض لا يصح، بينما العبارة الصحيحة: «والنظر يوجب صحة هذا القول؛ لأن القبض لا يصح في المشاع كما أشرنا، يراجع ابن بركة: الجامع، 417/ 2. (2) ابن بركة الجامع، 417/ 2.
(3) ابن بركة المصدر نفسه. (4/260)
صفحة 2041
المبحث الثالث
القواعد الفقهية المتعلقة بنظرية الإثبات
يتناول هذا المبحث دراسة بعض القواعد الخاصة بالقضاء وطرق الإثبات، وقد عثرت عليها لما كنت أتصفح الكتب الفقهية الإباضية، وقد بحثت عن رابط يربط بين هذه القواعد فوجدتها تتمحور حول فقه الأحكام القضائية، وطرق إثبات الحقوق كالشهادة والبينة، والإقرار، واليمين، وقرائن الأحوال، والجنايات والعقوبات المترتبة عليها، كالحدود والتعازير، وإمكانية سقوطها بالشبهات، وما يترتب على ذلك من أحكام، وكل هذه المصطلحات لها علاقة بالقضاء والمرافعات ووسائل الإثبات، وتدخل ضمن نظرية الإثبات ولعل دراسة هذه القواعد تحت مسمى هذه النظرية أنسب وأشمل وأضبط للمسائل الفقهية، ولأجل ذلك سلكت هذا المنهج. ولا تقتصر هذه النظرية على هذه القواعد فحسب، فقد نعثر على قواعد أخرى لها صلة بهذه النظرية فنضمها إليها تعميما للفائدة، ولأهمية هذه القواعد وارتباطها بالحياة العملية للناس، سنقوم بدراستها تعريفاً، وتأصيلاً، وتطبيقاً، ويكون تفصيلها في المطالب التالية:
التالية:
المطلب الأول: قاعدة البينة على المدعي واليمين على من أنكر». المطلب الثاني: قاعدة البينة حجة متعدية والإقرار حجة قاصرة».
المطلب الثالث: قاعدة: المرء مؤاخذ بإقراره».
المطلب الرابع: قاعدة: «الأمين مُصدَّق باليمين».
المطلب الخامس: قاعدة الحدود تسقط بالشبهات».
ونشرع بعون الله في بيان هذه القواعد الهامة من هذا المبحث في المطالب (4/261)
صفحة 2042
المطلب الأول
قاعدة البينة على المدعي واليمين على من أنكر)
أولاً: التعريف بالقاعدة ومكانتها:
تتألف
هذه القاعدة من القواعد المهمة في باب القضاء، يعتمد عليها القضاة ومن يقوم مقامهم في أحكامهم للفصل بين المتخاصمين وفض النزاعات من مقدمتين ينتج من إحداهما الحكم في القضية، فالأولى منهما مقدمة على الأخرى وهي: البينة على المدعي، والثانية: تكون عند فقد البينة وهي: «اليمين على من أنكر»، فالمدعي يطالب بالبينة، والمدعى عليه
وهي
إن أنكر يطالب باليمين (2).
- مكانة القاعدة عند الإباضية
وردت هذه القاعدة في المصنفات الإباضية المتقدمة والمتأخرة بالصيغة
(1) جابر بن زيد: من جوابات جابر بن زيد، ص 136. - ابن جعفر: الجامع، 198/ 4 و 211. - ابن بركة البهلوي الجامع، 333347/ 2 - 334، 370، 451 - 452، 467 - 469. الكدمي أبو سعيد: الجامع المفيد، 206/ 1. - البسيوي: جامع أبو الحسن البسيوي، 191/ 3. ـ الحضرمي أبو إسحاق: مختصر الخصال، ص 199. ـ أبو العباس أحمد بن محمد الفرسطائي: القسمة وأصول الأرضين، ص 381 - 383، 391 - 394، 397، 403. الجناوني أبو زكرياء يحيى: ص 54 - 55، 177 - 181. ـ الهجاري أبو زكرياء يحيى بن سعيد: الإيضاح في الأحكام، 177/ 2 - 178، 190، 217، 3/ 16، 22، 41 - 42. ـ الأصم عثمان: البصيرة، 213/ 1. - الشماخي: الإيضاح، 206/ 3، 279، 393، 449 - 450، 456، 620، 4/ 108,32، 113، 118، 136، 303، 380، 397. - الثميني عبد العزيز: الورد البسام، ص 109 – 112. ـ السالمي: العقد الثمين، 53/ 4، 84، 309، 313. ـ الخليلي خلفان: تمهيد قواعد الإيمان، 134/ 7 - 136. - بكلي عبد الرحمن: ملحق القواعد
سعيد بن
والضوابط الفقهية على كتاب النيل وشفاء العليل للثميني، 100/ 3 (2) محمد بكر إسماعيل: القواعد الفقهية بين الأصالة والتوجيه، ص 172 (4/262)
صفحة 2043
الفصل السادس: القواعد الفقهية الكلية الصغرى
263
المعروفة، وبصيغ قريبة منها تتضمن معناها ولا بأس بذكر بعضها حتى ندرك أصالة هذه القاعدة، ومدى تطورها وتجدرها عند الإباضية.
أشار ابن جعفر الأزكوي في جامعه إلى هذه القاعدة في باب الإجارة فقال ما نصه: وكذلك أصحاب الصناعات الذين يعملون بالكراء فعلى المدعي البينة أنه أعاره .... وعلق المحقق الفضيلات على عبارته بأن «من كان القول قوله فعليه اليمين).
ولعل أول من صرح بالقاعدة من فقهاء الإباضية المتقدمين أبو إسحاق الحضرمي إذ قال: «والبينة على من ادعى واليمين على المدعى عليه (2). واستشهد ابن بركة بهذه القاعدة أيضاً في سياق كلامه عن اختلاف المتبايعين في ثمن السلعة فقال معللاً لأن الثابت عن النبي لا أن البينة على المدعي وعلى المنكر اليمين (3). كما استند أبو زكرياء الجناوني في بيان حكم هدايا الزوجين قبل العقد على هذه القاعدة فقال: وإن أنكر فعليه اليمين إن لم تكن البينة للمدعي ... » وعقب عليه المحقق علي يحيى معمر جرت بينهما الخصومة على أسلوب المحاكم في الإسلام البينة على المدعي واليمين على المنكر ويؤكد أبو زكرياء يحيى بن سعيد الهجاري حجية هذه القاعدة في باب الاختلاف في القرض جواباً عن سؤال بما نصه: «فعلى ما وصفت فإذا لم تكن مع المدعي بينة كانت اليمين على المدعى عليه أمره أن يتسلف
عليه. . .» (ه).
199
(?) (
(1) ابن جعفر الجامع مع الحاشية للمحقق محمود جبر الفضيلات، 211/ 4. (2) الحضرمي أبو إسحاق إبراهيم بن قيس: مختصر الخصال، (3) ابن بركة البهلوي: الجامع، 334/ 2.
ص
(4) الجناوني أبو زكرياء يحيى: كتاب النكاح مع الحاشية لعلي يحيى معمر، ص 54، 55.
(5) الهجاري أبو زكرياء الإيضاح في الأحكام، 85/ 2. (4/263)
صفحة 2044
264
القواعد الفقهية عند الإباضية
وتجسد العمل بهذه القاعدة أكثر في كتاب الإيضاح، فقد علل الشماخي بها بعض الأحكام في مواضع عديدة، وأشار إلى مصدرها، يقول في سياق ردّ الحيوان للعيب معللاً لأن الحديث أنّ البينة على من ادعى واليمين على من أنكر). وجاء في حاشية الإيضاح ما نصه والقواعد الشرعية تقضي إن وجدت البينة عُمل بها وإلا حلف المنكر منهما» (2).
فكل هذه النصوص وغيرها تؤكد مدى اعتماد فقهاء الإباضية على هذه القاعدة واستئناسهم بها في تعليل الأحكام الشرعية في المسائل المختلفة وهذا
غيض من فيض.
- مدلول القاعدة:
المراد بالبيئة في اللغة الدليل والشهادة والحجة الواضحة، قال تعالى: وَلَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكَ آيَتٍ بَيِّنَتٍ وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلَّا الْفَاسِقُونَ} (البقرة: 99). وفي الاصطلاح اسم لكل ما يُبيّن الحق ويظهره، وهي مخصوصة بالشاهدين أو الشاهد واليمين، وهي في كلام الله ورسوله صلى الله عليه وسلم وكلام الصحابة رضوان الله عليهم). وهي تارة تكون أربعة شهود كما في الزنا، وتارة ثلاثة كما في المفلس، وتارة تكون شاهدين كما في الحدود والنكاح والطلاق، وتارة تكون شاهداً واحداً، كالطبيب المسلم، وتارة تكون امرأة واحدة كما في الرضاع، وتارة تكون يميناً عند إنكار المدعي عليه، وتارة تكون خمسين يميناً يحلفها أولياء المقتول على أن فلاناً قتل أخاهم، ولديهم أمارة على ذلك، لكن لا تقوم مقام البيئة، وتسمى هذه الأمارة (باللَّوْث) كالدم ونحوه مما يثير حول
(1) الشماخي: الإيضاح، 279/ 36.
(2) أبو ستة محمد بن عمر الحاشية على الإيضاح للشماخي، 206/ 3.
(3) قلعة جي وقنيبي: معجم لغة الفقهاء، ص 115. ـ سعدي أبو جيب: القاموس الفقهي لغة واصطلاحا، ص 47. ـ العاملي ياسين عيسى الاصطلاحات الفقهية في الرسائل العلمية. ص 36.
: (4/264)
صفحة 2045
الفصل السادس: القواعد الفقهية الكلية الصغرى
265
القاتل الشبه، وتارة تكون أربعة أيمان كما في اللعان، وهو أن يدعي الزوج أنه رأى امرأته تزني، أو يدعي أنَّ حملها ليس منه. وتجدر الإشارة إلى أن البينة والدلالة والحجة والبرهان، والآية
هذا
والعلامة والأمارة كلها ألفاظ متفاوتة في المعنى، يسميها البعض قرائن وأدلة للإثبات، أو طرق الإثبات في القضاء (1). يقول ابن القيم في المعنى: «ومن خص البيئة بالشهادة لم يوف مسماها حقه، ولم تأت البينة قط في القرآن مراداً بها الشاهدان، وإنما أتت مراداً بها الحجة والدليل والبرهان، مفردة ومجموعة ... والشاهدان من، البينة ولا ريب أن غيرها من أنواع البينة قد يكون أقوى منها، كدلالة الحال على صدق المدعي، فإنها أقوى من دلالة إخبار الشاهد ... فالشارع لم يلغ القرائن والأمارات ودلائل الأحوال، بل من استقرأ الشرع في مصادره وموارده وجده شاهداً لها بالاعتبار مرتباً عليها الأحكام» (2).
واليمين في اللغة تجمع على أيمن وأيمان وأيامن، ومعناها القسم، وفي الكتاب المجيد: {لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَنِكُمْ وَلَكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَدتُم الْأَيْمَنَ (المائدة: 89).
وفي الاصطلاح عبارة عن عقد قوي به عزم الحالف على الفعل أو الترك، وهي تشمل أيضاً التعليق، وهو ربط حصول جملة بحصول مضمون جملة أخرى، وهي أنواع اليمين اللغو (3)، واليمين المنعقدة)،
(1) محمد بكر إسماعيل: القواعد الفقهية بين الأصالة والتوجيه، ص 172.
(2) ابن القيم الجوزية الطرق الحكمية في السياسة الشرعية، ص 14 بتصرف. (3) اليمين اللغو أن يحلف على أمر يظنه كما حلف عليه، فإذا هو على غير ذلك، أو يجري اليمين على لسانه من غير قصد له.
(4) اليمين المنعقدة: أن يحلف على أمر مستقبل أن يفعله أو لا يفعله، وتسمى عند بعض الفقهاء
يمين
النحلة. (4/265)
صفحة 2046
266
القواعد الفقهية عند الإباضية
واليمين الغموس (1)، ويمين الصبر)، ويمين المضرة)، وغيرها. ويجوز اللجوء إلى الأيمان في كل شيء إلا في بعض الحالات المستثناة ذكرها بعض الإباضية. جاء في الجامع المفيد: والأيمان بين الناس في كل شيء إلا الحدود، والنسب والقذف والشتم، فليس فيهن أيمان، وكذلك النكاح لا يثبت بالأيمان ويجوز في الطلاق وغيره» (4).
وفصل أبو سعيد القول فيما أجمله عن الحالات التي لا يقبل فيها الأيمان فقال: «أما الحدود قيل: ليس فيها يمين على حال، وأما الشتم الذي يجوز فيه التعزير والعقوبة، فمعي أنه يختلف في اليمين فيه، ويعجبني ذلك من قول أصحابنا
(1) اليمين الغموس: اليمين الفاجرة ن وهي أن يحلف على أمر وهو يعلم أنه كاذب، وهي بذلك تغمس صاحبها في الإثم، ثم في النار إن لم يتب، وقد يظهر من بعض النصوص اختصاصها باليمين على حق امرئ أو منع حقه كذباً، وأثرها الشرعي فقط من ناحية الكذب، ولا ينعقد اليمين الاصطلاحي بها. وقد نص عليها النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الشريف: «الكبائر: الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، وقتل النفس، واليمين الغموس رواه البخاري، كتاب الأيمان والنذور، باب اليمين الغموس، رقم 6309، عن عبد الله بن عمرو بن العاص. ينظر: أطفيش، شرح النيل، 295/ 4. (2) يمين الصبر عند الحنفية والشافعية والزيدية: هي التي يحلفها المرء متعمداً الكذب قاصداً لإذهاب مال شخص آخر، وأصله حديث شريف روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من حلف على يمين صبر يقتطع بها مال امرئ مسلم لقي الله وهو عليه غضبان» رواه البخاري، كتاب الأيمان والنذور، باب قول الله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَنِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا .... 6310، عن عبد الله بن مسعود. والربيع في المسند، كتاب الأيمان والنذور، باب في الأيمان والنذور، رقم 657، عن عبد الله بن عباس. (3) يمين المضرة عند الإباضية: هي اليمين التي يقصدها الخصم ليغيظ صاحبه أو يهينه بها أو يشغله أو يتعبه، وأن يتهم الأمناء المدعي أنه إنما أراد أن يحلف المدعى عليه على ما ليس عليه فأراد بيمينه المضرة». ينظر: سعدي أبوجيب القاموس الفقهي لغة واصطلاحاً، 395، 396. - قلعة جي وقنيبي معجم لغة الفقهاء، ص 514. - العاملي ياسين عيسى:
رقم
ص
الاصطلاحات الفقهية ولرسائل العلمية، ص 235.
(4) الكدمي: الجامع المفيد، 44/ 1. (4/266)
صفحة 2047
الفصل السادس: القواعد الفقهية الكلية الصغرى
267
أنه لا يمين فيه، وأحسب في بعض قول قومنا أن فيه اليمين، ويعجبني ذلك من قولهم؛ لأن لو أقرهم به ثبت فيه الحق على الزوج والزوجة من النفقة والكسوة»). المعنى الإجمالي للقاعدة:
أن المدعي هو الذي يزعم خلاف الظاهر، فعليه الإثبات بالبينة، كما أفادته القاعدة البينة لإثبات خلاف الظاهر، واليمين لإبقاء الأصل (2). أما المدعى عليه فإنه بإنكاره متمسك بالحالة الأصلية، وهي براءة ذمته من المسؤولية، فيجب قبول قوله إلى أن يثبت شغل ذمته بسبب طارئ، ولكن لاحتمال كذب المدعى عليه في إنكار يوثق قوله باليمين إذا طلب المدعي تحليفه عند عجزه عن الإثبات (3).
يدعي
ويشير بعض الفقهاء إلى الحكمة من تشريع البيئة بجانب المدعي واليمين بجانب المدعى عليه فيقول: إن الحكمة فيه: أنّ جانب المدعى ضعيف، لأنه خلاف الظاهر، فكانت الحجة القوية واجبة عليه ليتقوى بها جانبه الضعيف، والحجة القوية هي البينة، وجانب المدعى عليه قوي، لأن الأصل عدم المدعى به فاكتفي منه بالحجة الضعيفة وهي اليمين). وهذا أصل لا يعدل عنه حتى لو اصطلح المتخاصمان على أن المدعي لو حلف، فالمدعى عليه ضامن للمال وحلف المدعى لم يضمن خصمه
ونشير في هذا الصدد إلى أن هذه القاعدة من القواعد الأساسية في طرق الإثبات في مجال القضاء والمرافعات ولا يمكن تجاوزهما كما ورد في درر الحكام أنه لا يعدل عنها مطلقاً حتى لو ادعى شخص على آخر بمبلغ في
(1) الكدمي: المصدر نفسه.
(2) المجلة العدلية العثمانية: المادة 77 - الزرقا مصطفى: المدخل الفقهي العام، 1055/ 2. (3) الزرقا: المدخل الفقهي، 1056/ 2.
(4) الزرقا أحمد شرح القواعد الفقهية، ص 369.
(5) الزرقا المصدر نفسه. (4/267)
صفحة 2048
268
القواعد الفقهية عند الإباضية
ذمته، وقال المدعى عليه للمدعي: إذا حلفت بأن هذا المبلغ يلزم ذمتي أدفعه لك، فحلف المدعي اليمين، فلا يلزم المدعى عليه دفع المبلغ المذكور).
ثانياً: تأصيل القاعدة
هذه القاعدة مشهورة عند الفقهاء والمحدّثين جرت على ألسنتهم كثيراً في أبواب الأقضية والشهادات، ومن الأدلة الثابتة على مشروعيتها ما يلي:
أ ـ من السنة النبوية
-
1 ـ استدل الإباضية على ثبوت هذه القاعدة بحديث مشهور رواه الربيع بن حبيب عن أبي عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم البينة على من ادعى واليمين على من أنكر» (2). قال السالمي في بيان معنى الحديث: «قوله البينة على من ادعى أي»: طلب الحق بدعواه أنه له. وقوله: «اليمين على من أنكر: أي أنكر الدعوى فإنه يحلف بعد حكم الحاكم عليه بذلك، فلو حلف قبل الحكم لم يجزه، وكذلك إذا حلفه الحاكم قبل طلب المدعي فإنه لا يجزيه من لا يكون قاطعاً لدعوى الخصم، فلو طلب أن يُحلّفه ثانية كان له ذلك ... » (3).
2 - وترجم البخاري لهذه القاعدة باباً من أبواب الرهن فقال: باب إذا أتلف الراهن والمرتهن ونحوه، فالبينة على المدعي واليمين على المدعى عليه، وساق فيه حديثين بإسناده.
(1) علي حيدر: درر الحكام شرح مجلة الأحكام العدلية، 66/ 1. (2) أخرجه الربيع بن حبيب في المسند: كتاب الأحكام، باب ما جاء أن البينة على من ادعى واليمين على من أنكر، برقم (83) 251/ 3.
(3) السالمي أبو محمد عبد الله بن حميد بن سلوم (ت: 1332 هـ): شرح الجامع الصحيح مسند الإمام الربيع بن حبيب بن عمرو الفراهيدي الأزدي، صححه وعلق عليه: عز الدين التنوخي،
نشر مكتبة الاستقامة بمطابع النهضة، مسقط، سلطنة عُمان، ط (دت)، 252/ 3. (4/268)
صفحة 2049
269
الفصل السادس: القواعد الفقهية الكلية الصغرى
الأول: عن نافع مولى ابن عمر عن ابن أبي مليكة قال: «كتبت إلى ابن
صل الله
عباس فكتب إلي أن النبي صلى الله عليه وسلم: قضى أن اليمين على المدعى عليه». الثاني: عن أبي وائل قال: قال عبد الله الله من حلف على يمين يستحق بها مالاً وهو فيها فاجر لقي الله وهو عليه غضبان، فأنزل الله تصديق ذلك: إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَنِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا}»، فقرأ إلى: {وَلَهُمْ عَذَابٌ (آل عمران (77). ثم إن الأشعث بن قيس خرج إلينا فقال: ما يحدثكم أبو عبد الرحمن، قال: فحدثناه، قال فقال: صدق لَفيَّ والله نزلت، كانت بيني وبين رجل خصومة في بئر فاختصما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: شاهدك أو يمينه قلت إنه إذاً يحلف ولا يُبالي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من حلف على يمين يستحق بها مالاً وهو فيها فاجر لقي الله وهو عليه غضبان» فأنزل الله تصديق ذلك» (2).
ـ وروى مسلم في صحيحه عن ابن أبي مليكة عن ابن عباس عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لو يُعطى الناس بدعواهم لادعى ناس دماء رجال وأموالهم، ولكن اليمين على المدعى عليه» (3). وروى أيضاً عن نافع مولى ابن عمر عن ابن أبي مليكة عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى باليمين على المدعى عليه).
(1) رواه البخاري، كتاب الرهن، باب إذا اختلف الراهن والمرتهن ونحوه، رقم: 2399، عن عبد الله بن عباس.
(2) رواه البخاري، كتاب الرهن باب إذا اختلف الراهن والمرتهن ونحوه، رقم: عبد الله بن مسعود، 116/ 3.
2400، عن
(3) رواه مسلم، كتاب الأقضية، باب اليمين على المدعى عليه، رقم 3314، عن عبد الله بن
عباس، 1336/ 3.
عن
عبد الله
بن
(4) رواه مسلم، كتاب الأقضية، باب اليمين على المدعى عليه، رقم: 3315، عباس. ينظر: صحيح مسلم بشرح النووي: كتاب الأقضية، باب اليمين على المدعى عليه»،
3/ 12 (4/269)
صفحة 2050
270
القواعد الفقهية عند الإباضية
4
-
أن
وروى الترمذي بسنده عن عبد الله بن عمرو بن العاص رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في خطبته: «البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه». وجه الاستدلال بالحديث
قال النووي في شرح مسلم: «هذا الحديث قاعدة شريفة كلية من قواعد أحكام الشرع، ففيه أنه لا يقبل قول الإنسان فيما يدعيه بمجرد دعواه، بل يحتاج إلى بينة، أو تصدق المدعى عليه، فإن طلب يمين المدعى عليه فله ذلك ... واستدل بالحديث لمذهب الجمهور في وجوب البينة على كل من ادعي، واليمين على كل من أنكر، فحملوا الحديث على عمومه في حق كل أحد سواء كان بين المدعي والمدعى عليه اختلاط أم لا، وقال مالك وأصحابه والفقهاء السبعة وفقهاء المدينة: إن اليمين لا تتوجه إلا على من بينه وبينه خلطة، لئلا يبتذل السفهاء أهل الفضل بتحليفهم مراراً في اليوم الواحد، فاشترطوا الخلطة لدفع المفسدة ... » (2).
وأشار النووي إلى الحكمة من رفض النبي الله منح الحق لمجرد الدعوى، واشترط البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه، فيقول: «وقد بين صلى الله عليه وسلم الحكمة في كونه لا يعطى بمجرد دعواه أنه لو أعطى بمجردها لادعى قوم دماء قوم وأموالهم، واستبيح ذلك، ولا يمكن المدعى عليه من صون ماله ودمه، وأما المدعى فيمكنه صيانتها بالبينة ... » (3).
(1) رواه الترمذي، كتاب الأحكام، باب البينة على المدعي رقم 1341، عن ابن عمرو بن العاص، والربيع، كتاب الأحكام، رقم 592، والنسائي في الكبرى، كتاب القضاء، على من اليمين، رقم 5994، عن ابن عباس، قال النووي في أربعينه: حديث حسن، رواه البيهقي وغيره وبعضه في الصحيحين من حديث ابن عباس 252/ 10، وحسن إسناده الحافظ ابن في الفتح وقد روي بألفاظ أخرى». ينظر: العجلوني كشف الخفاء، 341/ 1. (2) السالمي: شرح الجامع الصحيح مسند الربيع بن حبيب، 253/ 3. - ينظر: النووي: صحيح مسلم بشرح النووي، 3/ 12.
حجر
(3) النووي: شرح صحيح مسلم، 3/ 12. (4/270)
صفحة 2051
الفصل السادس: القواعد الفقهية الكلية الصغرى
271
البينة؛
ويضيف النووي: «وقال جماعة من أهل العلم: الحكمة في ذلك: أن جانب المدعي ضعيف؛ لأنه يقوم بخلاف الظاهر، فكلف الحجة القوية، وهي لأنها لا تجلب لنفسها نفعاً ولا تدفع ضرراً، فيقوى بها ضعف المدعي، وأما جانب المدعى عليه فهو قوي، لأن الأصل فراغ، ذمته، فاكتفى فيه باليمين، وهي حجة ضعيفة؛ لأن الحالف يجلب لنفسه النفع ويدفع عنها الضرر، فكان ذلك في غاية الحكمة، ولا مانع من اجتماع حكمتين أو أكثر في معنى واحد، على أنّ الحكمة التي أشار إليها الحديث متعلقة بالمصالح العامة المترتبة على نفس القضاء، والحكمة التي استنبطها العلماء إنما هي مجرد مناسبة؛ لأنها تبين الوجه الذي لأجله اختص المدعي بالبينة والمنكر باليمين).
ب - من
قاعدة براءة الذمة»:
وقد بنيت هذه القاعدة على أصل أصيل وهو براءة الذمة»، فالأصل أنّ المدعى عليه لا يتعلق في ذمته للمدعي ببرهان شرعي على صحة دعواه، ورجال القانون الوضعي يأخذون بهذه القاعدة التي نحن بصدد شرحها وإيضاحها، ويعملون أيضاً بالأصل الذي بنيت عليه هذه القاعدة وهو «براءة
الذمة، فيقولون: المتهم برئ حتى تثبت إدانته).
ثالثاً في بيان طرفي النزاع
وهما المدعي والمدعى عليه، ويمثلان ركناً القضاء، والركن الثالث هو الدعوى، وإن تمييز القاضي بين المدعي والمدعى عليه من أهم الأمور؛ لأن الحكم يبنى على معرفة هذا التمييز، وبه يعرف القاضي من يطالبه بالبينة أو
(1) النووي: شرح صحيح مسلم ط 2 نشر دار إحياء التراث العربي، بيروت لبنان، 1392 هـ / 1972 م. 30/ 12. - وينظر السالمي شرح الجامع الصحيح مسند الربيع بن حبيب، 253/ 3.
(2) محمد بكر إسماعيل: القواعد الفقهية بين الأصالة والتوجيه، ص 174. (4/271)
صفحة 2052
272
القواعد الفقهية عند الإباضية
اليمين، وذلك كالطبيب إذا عرف علة المريض سهل عليه معرفة الدواء الموافق لذلك المريض، وإذا جهل تشخيص العلة كان الخطر عظيماً إن وصف له دواء
لا يتفق مع
علته.
يقول سعيد بن المسيب في هذا المعنى من عرف المدعي والمدعى عليه عرف وجه القضاء»، ولهذا كانت صفة الفطنة في القاضي أهم من صفة العلم، وقالوا القاضي إلى نظره أحوج منه إلى أثره. والأصل أن الشريعة الإسلامية قررت على المدعي إحضار البينة التي تتثبت له صحة ما ادعاه، وعلى المدعى عليه اليمين لتأكيد إنكاره للدعوى.
- طرق التمييز بين المدعي والمدعى عليه: ومن الأمور اللازمة المهمة التفريق بين المدعي والمدعى عليه، وتمييز أحدهما عن الآخر قد يشتبه أمرها في بعض الأحيان على القاضي، فلا يعرف على وجه الدقة من هو المدعي ومن هو المدعى عليه، ومن هنا اختلف الفقهاء في تعريف طرفي الدعوى على أقوال كثيرة منها، ولأجل ذلك وضع فقهاء الإباضية ضوابط خاصة للتمييز بين المدعي والمدعى عليه، ومن
الضوابط:
هذه
أن المدعي من يقول خلاف الظاهر، واليد دليل الملك»: فقد يكون هناك رجل قد وضع يده على شيء وادعى أنه له، وأنه يريد أن يتصرف فيه تصرف الملاك، فجاء رجل آخر وادعى أن هذا الشيء له، فكلا منهما حينئذ يكون مدعياً ومدعى عليه في ظاهر الحال، وبما أن المدعي من يقول خلاف الظاهر، فواضع اليد في هذه المسألة هو المدعى عليه، والأجنبي هو المدعي. 2 ـ أن المدعي من تخالف دعواه الظاهر، والمدعى عليه من لا يخلَّى إذا
سکت (1).
(1) السالمي: شرح الجامع الصحيح مسند الربيع بن حبيب، 252/ 3. (4/272)
صفحة 2053
الفصل السادس: القواعد الفقهية الكلية الصغرى
273
وعقب الشوكاني على هذين التعريفين بأن الأول أشهر والثاني أسلم. واحتج بعضهم على التعريف الأول بأن المودع إذا ادعى الردّ أو التلف، فإن دعواه تخالف الظاهر، ومع ذلك فالقول قوله، لكن يمكن أن يجاب بأن الثقة في هذا المودع من قبل من استودعه تجعل دعواه لا تخالف الظاهر، ومن الظلم أن تنعكس الأمور، فيطالب المدعى عليه بالبينة على ما في يده وتحت حوزته، كأن يدعي إنسان على آخر بيته الذي بناه وسكنه، فيقال لمن في يده البيت هات حجة على أن البيت بيتك ... » (2).
- النظر إلى الجاحد من المتداعيين وقد صرح أبو زكرياء يحيى بن سعيد بهذا الضابط فقال: «فأصل معرفة المدعي من المدعى عليه أن يُنظر إلى المنكر منهما، فهو المدعى عليه، والمدعي الآخر».
هذا وقد أشار السالمي إلى اختلاف العلماء في ضوابط التمييز بين المدعي والمدعى عليه، وأرشد إلى طريقة التفريق بينهما، فقال: «واختلفوا في بيان المدعي والمدعى عليه، فقيل: المدعي من تُخالف دعواه الظاهر، والمدعى عليه بخلافه، وقيل: المدعي من إذا سكت ترك، والمدعى عليه مَن لا يُخَلَّى إذا سكت وبمعناهما قيل إن المدعي من لا يجبر على الخصومة، والمدعى عليه من يجبر عليها، وردّ على الأول بأن المودع إذا ادعى الرد أو التلف، فإن دعواه تخالف الظاهر، ومع ذلك فالقول قوله ... ).
(1) الشوكاني: نيل الأوطار، 350/ 8.
(2) الحارثي خلفان بن محمد بن عبد الله (قاضي بمحكمة الاستئناف بمسقط - سلطنة عُمان) الفقه القضائي عند الإمام محمد بن محبوب، بحث قدمه في ندوة تطور العلوم الفقهية في عُمان خلال القرن الثالث الهجري، الإمام محمد بن محبوب ـ أنموذجاً ـ مراجعة سلطان بن سعيد،، ط 1 1427 هـ / 2006 م. مطابع النهضة، مسقط سلطنة عُمان، ص (3) الهجاري أبو زكرياء يحيى بن سعيد: الإيضاح في الأحكام، 15/ 3، 16. محمد بن بكر
الهنائي،
إسماعيل: القواعد الفقهية، ص 174.
(4) السالمي: شرح الجامع الصحيح مسند الربيع بن حبيب، 252/ 3.
174 - 173 (4/273)
صفحة 2054
274
القواعد الفقهية عند الإباضية
ووضع المالكية ضوابط قريبة من هذه لتمييز المدعي من المدعى عليه يقول البقوري المالكي في هذا الشأن: «إذ هما ملتبسان، لأنه ليس كل طالب مدعياً، ولا كل مطلوب مدعى عليه وضابط المدعي والمدعى عليه للأصحاب فيه عبارتان
إحداهما: أن المدعي هو أبعد المتداعيين سبباً، والمدعى عليه هو أقرب المتداعيين سبباً.
(2)
والعبارة الثانية: وهي توضيح الأولى - المدعي من كان قوله على خلاف أصل أو عُرف، والمدعى عليه من كان قوله على وفق أصل أو عُرف»). وإلى هذا المعنى ذهب القرافي وقال ابن شاش المالكي: المدعي من تجردت دعواه عن أمر يصدقه، أو كان أضعف المتداعيين أمراً في الدلالة على الصدق، أو اقترن بها ما يوهنها عادة، وذلك كالخروج عن معهود، والمخالف لأصل، وشبه ذلك. ومن ترجح جانبه بشيء من ذلك فهو المدعى عليه، وإذا ادعى أحدهما ما يوافق العرف، وادعى الآخر ما يخالفه، فالأول المدعى عليه، والثاني هو المدعي. وكذلك كل من ادعى وفاء ما عليه، أو ردّ ما عليه من غير أمر يصدق دعواه، فإنه مدع. واختصر ذلك ابن الحاجب، فقال: المدعي من تجرد قوله عن مصدق، والمدعى عليه من ترجح بمعهود أو أصل. قال ابن عبد السلام: المعهود هو شهادة العرف، والأصل استصحاب الحال. وقال أبو عمر ابن عبد البر: إذا أشكل عليك المدعي من المدعى عليه، فواجب الاعتبار فيه أن ينظر هل هو آخذ أو دافع، وهل يطلب استحقاق شيء
(1) البقوري أبو عبد الله محمد بن إبراهيم (ت: 707 هـ) ترتيب الفروق واختصارها، رتب فيه واختصر فروق شهاب الدين القرافي في القواعد الفقهية، تحقيق عمر ابن عباد، نشر وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بالمغرب، ط، 1416 هـ / 1996 م، مطبعة فضالة المغرب، 224/ 2.
(2) البقوري: المصدر نفسه، 223/ 2. (4/274)
صفحة 2055
الفصل السادس: القواعد الفقهية الكلية الصغرى
275
على غيره أو ينفيه، فالطالب أبداً مدع، والدافع المنكر مدعى عليه، فقف على هذا الأصل»، وقال غيره: «كل من يريد الأخذ، أو يطلب البراءة من شيء وجب عليه فهو مدع» (1). وكلامهم يحوم على شيء واحد وهو أن المتمسك بالأصل هو المدعى
عليه، ومن أراد النقل عنه فهو المدعي. وحاول البقوري أن يوضح هذه الضوابط فقال: وبيان ذلك بالمثال: أن اليتيم إذا بلغ وطلب الوصي بماله فإنه مدعى عليه، والوصي مدّع، عليه البينة، لأن الله تعالى أمر الأوصياء بالإشهاد على اليتامى إذا دفعوا إليهم أموالهم، فلم يأتمنهم على الدفع بل على التصرف والإنفاق خاصة، وإذا لم يكونوا أمناء كان الأصل عدم الدفع، فهذا طالب واليمين عليه، لأنه مدعى عليه والوصي مطلوب، وهو مدع، وإنما قلنا: اليمين عليه، لقوله صلى الله عليه وسلم: «البينة على المدعي، واليمين على من أنكر). ونظائر هذا كثير، فيكون الطالب فيها مدعى عليه، ويعتمد ـ أبدا ـ الترجيح بالعوائد وظواهر الأحوال والقرائن» (4).
-
رابعاً من وسائل الإثبات اعتماد قرائن الأحوال: هل يقتصر القاضي أو الحاكم في الحكم على المتخاصمين بظاهر الحال،
أم يعتمد على وسائل أخرى، كفطنته وخبرته المهنية وقرائن الأحوال؟ اختلف الفقهاء في هذه المسألة، فذهب أكثرهم إلى وجوب اعتماد القاضي على الأدلة الظاهرة المعروفة في الإثبات، كالشهود، والأيمان والإقرار، ولا يجوز له أن يبني أحكامه على فطنته وخبرته ونظره، وقرائن
(1) ينظر: ابن عباد الحاشية على ترتيب الفروق واختصارها للبقوري، 225/ 2.
(2) وذلك في قوله تعالى: {فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا} (النساء: 6).
(3) تقدم تخرجه.
(4) البقوري: ترتيب الفروق واختصارها، 224/ 2 - 226. (4/275)
صفحة 2056
276
القواعد الفقهية عند الإباضية
الأحوال؛ لأنها أدلة ظنية خلاف الظاهر، وذهب بعضهم إلى جواز الأخذ بكل وسيلة تساعد القاضي في التوصل إلى الحقيقة.
جاء في كتاب النيل ما نصه: «باب يتقي الله حاكم في حكمه ما قدر، ويأخذ بالظاهر ... » (1) علق المحقق بكلي عبد الرحمن على هذا النص بقوله: ولا يتنافى ذلك أن يستنطق قرائن الأحوال، وما يجري به العرف، ويستعمل فراسته وفطنته في استجلاء غامض الحكم، فكم للفراسة واستنطاق قرائن الأحوال، واعتبار العرف من تأثير فى إصابة الحق، وإقامة قسطاس العدل، وليس كل ما يدل عليه الظاهر حقاً، وقديماً جاء إخوة يوسف أباهم عشاء يبكون وهم غير صادقين، ومن تتبع أقضية الرسول صلى الله عليه وسلم والصحابة ومشاهير القضاة في الإسلام استبان ذلك جلياً، ثم لا يكون حكمه مع مراعاة ذلك إلا مبنياً على الظاهر.
أما أن يحكم مقتصراً على ظاهر كلام الخصمين دون أن يبحث ويناقش ويقارن، ويفرق بين الصادق والكاذب، وبين الأمين والخائن، لا سيما في عصرنا المطبوع بطابع الكيد والاحتيال، وغاب فيه معين الثقة والأمانة، فهناك مزلة الأقدام، فإن وجه الحق كثيراً ما يخفى عن الحاكم، ومن وراء ذلك إضاعة الحقوق، وفوات العدل» (2).
الرأي المختار:
وعند النظر في رأي عبد الرحمن بكلي يظهر مدى وجاهته، وقوة حجته؛ لأن هدف القضاء هو إثبات الحقوق لأصحابها، ومعاقبة المعتدين عليها، الوسيلة التي يتوصل إليها ما دامت صحيحة، ولا تصادم الشرع، ولأجل ذلك يترجح هذا الرأي عندنا لأنه الأعدل والأقرب، للصواب والله أعلم.
ولا
يهم
(1) الثميني عبد العزيز: كتاب النيل وشفاء العليل، 795/ 3. (2) بكلي عبد الرحمن: الحاشية على كتاب النيل للثميني، 3/ 795 - 796. (4/276)
صفحة 2057
الفصل السادس: القواعد الفقهية الكلية الصغرى
277
خامساً: تطبيقات وفروع القاعدة:
تجسدت هذه القاعدة في الفقه الإباضي وظهر أثرها في كثير من الأبواب الفقهية، خاصة عند الاختلاف، فيلجأ الخصوم إلى القضاء للفصل بينهم فيحتاج القاضي إلى وسائل الإثبات، ويعتمد على هذه القاعدة لتجلية الحكم في القضايا المتنوعة، وسنذكر نماذج منها في الفروع التالية:
أولاً: في المعاملات:
1 - في الاختلاف في عقد البيع
ذكر الشماخي في «الإيضاح حكم البيع بعد افتراق المتبايعان، وأشار إلى أن الافتراق عند جمهور الإباضية يراد به افتراق الصفقة وليس افتراق الأبدان ونقل قول من خالفهم من الإباضية وغيرهم وحجتهم في ذلك حديث ابن مسعود: إذا اختلف البائعان وليس بينهما بينة والبيع قائم، فالقول قول البائع أو يترادان البيع (1) (2). وعقب المحشي أبو ستة على رواية ابن مسعود لله بقوله: «قوله: فالقول قول البائع: أراد ـ والله أعلم ـ مع يمينه، وهذا ظاهر إذا أنكر البيع، وأما إذا ادعاه البائع وأنكره المشتري ولم توجد البينة، فالظاهر أن القول حينئذ قول المشتري، ولعل قوله: «أو يترادان» أن البيع ناظر إلى هذا، وإن كل واحد منهما يرد ما أخذ من صاحبه ... » (3). واختتم أبو ستة بيانه بتأكيد العمل بهذه القاعدة والاحتكام إليها عند الاختلاف فقال: والقواعد الشرعية تقضي إن وجدت البيئة عمل بها، وإلا
حلف المنكر منهما ... » (4).
(1) تقدم تخريجه.
(2) الشماخي: الإيضاح، 205/ 3.
(3) أبو ستة محمد بن عمر القصبي: الحاشية على كتاب الإيضاح للشماخي، 205/ 3 - 206.
(4) أبو ستة: المصدر نفسه، 206/ 3. (4/277)
صفحة 2058
278
القواعد الفقهية عند الإباضية
2 ـ في الاختلاف في المضاربة:
كما اعتمد الإباضية على هذه القاعدة في الحكم على الشريكين إذا اختلفا في ربح المضاربة، يقول ابن بركة في هذا الشأن: «وإذا اختلف المضارب ورب المال في الربح، كان للمضارب مثل ما يأخذ مثله في مثل تلك التجارة في ذلك البلد والموضع الذي يتجر فيه، قال بعض أصحابنا له أجر مثله بقدر عنائه في ذلك المال وذلك البلد، فإن اختلفا في الربح وكان بينهما شرط واتفقا عليه، واختلفا في مقداره، وقال بعض أصحابنا ـ وأظنه محمد بن إن على رب المال اليمين بما يدعيه المضارب من الزيادة على ما يقر له به وعلى المضارب البينة بالزيادة والشرط الذي ادعاه، وقال موسى بن علي إذا اختلفا فيه فإني أردهما إلى أجرة مثله بعد أن يتحالفا والذي ذكرناه في صدر هذا الفصل من وجوب ربح المثل أو لا شرط كان بينهما، واختلفا فيه، أو غير شرط»).
محبوب:
والحاصل من خلال ما تقدم يتبن أن ابن بركة وغيره من فقهاء الإباضية استندوا في حكمهم على الشريكين في المضاربة على القاعدة المشهورة «البينة
على المدعي واليمين على من أنكر».
3 ـ في الاختلاف في استيفاء الديون:
ومن تطبيقات هذه القاعدة في المعاملات المالية أنه إذا اختلف الدائن والمدين في صفة الدين أو مقداره أو في أجله، فالحكم يكون بناء على أن «البينة على المدعي واليمين على من أنكر»، يقول ابن بركة في هذا الصدد: «وإذا ادعى رجل على رجل ألف درهم عاجلاً، وأنكر المدعى عليه، فأقام المدعي البينة عند الحاكم شاهدين، أحدهما يشهد بأنها عاجلة،
(1) ابن بركة البهلوي: الجامع، 2370 - 371. (4/278)
صفحة 2059
الفصل السادس: القواعد الفقهية الكلية الصغرى
279
والآخر يشهد بأنها آجلة إلى كذا وكذا، ففي الجامع (1) أن الشهادة جائزة، ويكون الحق إلى ذلك الأجل ... ».
والظاهر من عبارة ابن بركة أنه حكم بسقوط شهادة الشاهد بالآجل ولم يأخذ برأي صاحب «الجامع»، ويعلل ذلك بقوله: «والنظر يوجب عندي سقوط شهادة الشاهد بالآجل، لأن المدعي أكذب شاهده بدعواه، ألا ترى أنه لو ادعى المدعي إلى ذلك الأجل؟ فشهد أحد الشاهدين إلى ذلك الأجل، وشهد أحدهما أنّ الحق، عاجلاً، كانت شهادته غير جائزة من قبل أن الشاهد يشهد له بغير حقه» (2).
أما إذا عدمت البينة فيكون اليمين هي الوسيلة المناسبة للإثبات، ويطالب كل من المداينين أن يحلف على صدق دعواه، وهذا ما صرح به بعض الإباضية، يرى ابن بركة أنه إذا اختلف المقرض والمقترض وقال أحدهما أقرضته براً، وقال الآخر أقرضني شعيراً، فيجب عليهما اليمين، ويردّ المستلف الثمن، لأنه أقر بقبضه، وأنكر الدعوى إلا أن يصدقه خصمه، أو تقوم بينة لأحدهما بصدق دعواه (3).
فقد أرشد ابن بركة المدانيين إلى إثبات دعواهم بالأيمان ما دامت لم تتوفر لديهما البينة، لأن كلا منهما صار مدعياً ومنكراً للدعوى في آن واحد.
4 - الاختلاف في الإجارة على الصناعة: إذا كلف شخص رجلاً محترفاً في صناعة معينة، كالخياطة والطباعة والحدادة والنجارة، فاختلفا في صفة الصنعة، فالفقهاء يستندون في حلّ ذلك
(1) لعله يقصد كتاب الجامع لابن جعفر الأزكوي عاش في القرن الثالث الهجري، وتوفي في بداية القرن الرابع وقد شرحه في كتابه «التقييد» وما يزال مخطوطاً.
(2) ابن بركة الجامع، 2/ 280 - 281.
(3)
ابن بركة المصدر نفسه، 347/ 2. (4/279)
صفحة 2060
280
القواعد الفقهية عند الإباضية
الخلاف على قاعدة: «البينة على المدعي واليمين على من أنكر» جاء في الإيضاح: وإذا اختلف الصانع ورب المصنوع في صفة الصنعة، مثل: إن قال الصانع: أمرتني أن أقطع هذا الثوب سراويل، وقال له رب الثوب: بل أمرتك أن تقطعه قميصاً، فالقول قول رب الثوب، وعلى الصانع البينة لأنه مدعى عليه في شبيه، وقال آخرون: القول قول الصانع، وعلى رب الثوب البينة؛ لأنه حين أقر للصانع بالقطع صار مدعياً). واختار الشماخي القول الأول وصححه فقال: «والقول الأول فيما يوجبه النظر أصح» (2).
وتابع المحشي أبو ستة الشماخي في اختياره وبين وجه التعليل فقال: «قوله: وقال آخرون إلخ ... ذهب إلى هذا مالك وابن أبي ليلى وأحمد، والقول الأول أصح قال شيخنا (3) رحم الله لأنهما لو اختلفا في أصل الإذن كان القول قوله، فكذا في صفته، ولأن الخياط ونحوه معترفان بأنهما أحدثا نقصاً الثوب، وادّعيا أنهما مأذون لهما، والأصل عدمه ... » (4).
في
وعرض الشماخي صوراً أخرى في الاختلاف في مواصفات الصناعة، فقال: «وكذلك أيضاً على هذا المعنى إن اختلفت في صفة الصباغ إن قال له رب الثوب: أمرتك أن تصبغه أحمر، فقال له الصانع: بل أمرتني أن أصبغه أسود ...
وإن أتي الصانع بالبينة فليأخذ صاحب الشيء شيئه، وإن لم تكن له بينة حلف رب الثوب على قوله، ثم هو بعد بالخيار إن شاء أخذ قيمة ثوب غير معمول، ثم يكون للصانع، وإن شاء أخذ ثوبه بصباغه ويعطي للصباغ قيمة
(1) الشماخي: الإيضاح، 620/ 3.
(2) الشماخي: المصدر نفسه.
(3) لعله يقصد القطب أمحمد بن يوسف أطفيش، أو سعيد السدويكشي وكان محشياً أيضاً، وربما يريد به الثميني الذي اختصر الإيضاح في كتاب النيل.
(4) أبو ستة القصبي: الحاشية على الإيضاح، 620/ 3. (4/280)
صفحة 2061
الفصل السادس: القواعد الفقهية الكلية الصغرى
281
الصبغ، وفي المسألة الأولى أيضاً بالخيار، فإن أخذ السراويل أخذ قيمة ما نقصه ذلك عن ثوبه الأول ... ).
ويضيف الشماخي صوراً أخرى من الاختلاف في الإجارة على الصناعة فيقول: وإن ادعى الصباغ ردّ ما في أيديهم، وأنكر ذلك أصحاب الأشياء، فالقول قول أصحاب الأشياء، وعلى الصباغ البينة؛ لأنهم ضامنون لما. أيديهم ولا يبرئهم سوى البيان ....
وإن اختلف أصحاب الثوب والصباغ فقال الصباغ: هذا ثوبك، وقال رب الثوب: ليس هو بثوبي، فقد ذكر في الأثر: أنّ القول قول الصباغ مع يمينه، وعلى صاحب الثوب البينة، ويجزيه الخبر فيها، فإن أتى ببينة ليس هذا بثوبه، فليؤخذ الصباغ على أن يأتي بثوبه، وإن لم تكن له بينة، حلف الصباغ بأن هذا ثوبه، ثم يأخذ صاحبه، فإن أيقن أنه ثوبه فليأخذه أيضاً ما لم يتيقن أنه ليس بثوبه، فليقضه له في ثوبه» (3).
وذكر الشماخي صوراً أخرى قياساً على الصور المتقدمة يحتكم في
مع
جميعها إلى هذه القاعدة عند الاختلاف، وكذلك الغاصب إن اختلف المغصوب منه، والراهن مع المرتهن إذا اختلفا على حسب ما في هذه المسألة، فالقول في ذلك قول الصانع والغاصب والمرتهن، وعلى رب الثوب البينة أن هذا ليس بثوبه، ومنهم من يقول في ذلك كله القول قول رب الثوب مع يمينه، وعلى الصباغ والغاصب والمرتهن البينة بأنه هو ثوبه»، والقول الأول هو المأخوذ به، ويرجح القول الثاني فيقول: «والذي يوجبه النظر عندي القول الثاني؛ لأن كل ثوب أتى به الصباغ، فيقول رب الثوب ليس هذا بثوبي، فيحتاج فيه إلى البينة على القول الأول، ويتسلسل ذلك إلى ما لا نهاية له، لأن الصباغ
(1) الشماخي: الإيضاح، 620/ 3 - 621. (2) الشماخي: الإيضاح، 621/ 3 - 622. (4/281)
صفحة 2062
282
القواعد الفقهية عند الإباضية
ربما يتشاكل عليه الثوب ولم يعلمه، أو يتلف له ولم يعلم بذلك ... وأما إن قال رب الثوب هذا ثوبي، وقال الصباغ: لا، بل هذا؛ فالقول قول الصباغ، وعلى رب الثوب البينة، لأنه مدع لما في أيدي الصباغ في هذه المسألة،
بخلاف الأولى ... » (1).
مجمل القول:
يمكن أن يستخلص مما تقدم أن الفقهاء يأخذون بقول المدعى عليه مع يمينه؛ لأن قوله يوافق الظاهر، أما المدعي فيطالب بالبينة؛ لأن دعواه تخالف ظاهر الحال، كما أنهم ينظرون إلى من في يده الشيء المتنازع عليه؛ لأن اليد دليل الملك وليست موجبة له كما تقرر عند الفقهاء.
ثانياً في الأحوال الشخصية
1 - الاختلاف في مقدار الصداق:
ومن تطبيقات هذه القاعدة في هذا الباب أيضاً ما يقع بين الأزواج من خلاف على الصداق في مقداره أو قيمته فيدعى أحدهما الزيادة وينكرها الآخر، أو حول تأخير المعجل منه، أو في تحديد صفة المهر ونحو ذلك،
فالمرجع
غالباً
في فض مثل هذه النزاعات إلى حكم هذه القاعدة سئل جابر بن زيد عن رجل تزوج امرأة وأشهد أنا تراضينا على كذا وكذا، ثم دخل الرجل بامرأته، ثم ادعى أبوها أن ابنتي بكذا وكذا».
قال: «القول ما قال الزوج من قليل أو كثير، فإن قالت المرأة لم يعطني قليلاً ولا كثيراً، فالبينة عليها، وما أقرّ به زوجها، فالبينة عليه أنه قد
بري (2)
(1) الشماخي: المصدر نفسه، 622/ 3 - 623.
(2) جابر بن زيد من جوابات الإمام جابر بن زيد، ص 136. (4/282)
صفحة 2063
الفصل السادس: القواعد الفقهية الكلية الصغرى
283
وقال أيضاً: «أيما رجل تزوج إلى قوم، وأشهدوا على ذلك المهر عاجله وآجله، ثم دخل الرجل بامرأته، فادعت بعد ذلك أنه لم يوفها العاجل، فليس لها ذلك، ويصدق الرجل فيما قال إن قال: لم يدخلوني حتى أوفيتها حقها، فالبينة عليها أنه قد بقي عليه كذا وكذا، فأما ما لم يدخل بها، فالبينة عليه أنه برئ من كذا وكذا). ويؤيد هذا الحكم أيضاً ما تعارف عليه الناس في تسليم المهر قبل الدخول، فلا تسلم الزوجة لزوجها حتى تقبض صداقها المتفق عليه
في
العقد.
وسئل أيضاً: «عن رجل زوج ابنته رجلاً، فلما طلب إليها الصداق قال الرجل: والله ما تزوجتها، فقالت المرأة: والله لقد وطئني ودخل علي مراراً، وقال الرجل: والله ما قربتها». قال جابر: «تجلد المرأة حدين: حد الزنى وحدّ الفرية، وليس لها عليه مهر إلا ببينة» (2).
ويمكن أن يستخلص من جواب جابر المتقدم أنه يعتمد في علاج الخلاف بين الزوجين في مسألة الصداق من حيث قيمته، أو تقسيمه إلى معجل ومؤجل، أو تسليمه قبل الدخول أو بعده على القاعدة البينة» على المدعي واليمين على المدعى عليه فمن استطاع إثبات حقه أخذه بالبينة أو اليمين. ـ وفي الاختلاف في مقدار المهر أيضاً يقول أبو زكرياء الجناوني: «وإذا تزوج الرجل امرأة وأصدقها نصف ماله في الأصل، ثم استشهدت عليه عند الحاكم، فحكم الحاكم لها بذلك، فلما أرادوا القسمة، فقال الزوج: إني قد استفدت فدان كذا وكذا بعد هذا الصداق، فعليه البينة على ذلك، ويجزيه عن ذلك خبر الأمناء، فإن لم تكن له بينة فلا يعين له
عليها» (3).
(1) جابر بن زيد المصدر نفسه.
(2) المصدر نفسه.
(3) الجناوني: كتاب النكاح، ص 113. (4/283)
صفحة 2064
284
القواعد الفقهية عند الإباضية
2 - في دعوى ثبوت الزوجية ونفيها من الآخر
ومن الدعاوى التي ترفع في القضاء ادعاء امرأة أنها زوجة لرجل، وهو ينكر عليها ذلك، أو ادعاء رجل على امرأة أنها زوجته، فيطالبهما القاضي بالبينات لإثبات صدق دعواهما، فإن عجزا عنها يطلب من المدعى عليه اليمين، عملا بالقاعدة: «البينة على المدعي واليمين على من أنكر»، وقد بحث بعض فقهاء الإباضية هذه المسألة، وبينوا الأحكام المترتبة عليها من نفقة وسكن ونسب، وما يتصل بذلك من حقوق وواجبات.
يقول الجناوني في هذا الصدد: وإذا استمسكت المرأة برجل فادعت أنه زوجها، فأنكر ذلك فعليها البينة، وليس لها عليه نفقة في الأجل الذي يؤجله الحاكم أن تأتي فيه ببينتها، فإن لم تكن لها بينة فعليه اليمين)، لأن حق النفقة لا يجب على الزوج بالادعاء حتى تثبت الزوجية بينهما، فلو لم يشترط الفقهاء ذلك، لادعت كل امرأة طمعت في مال رجل أنها زوجته، فتظفر به من غير حق، ولأجل ذلك قالوا لا ينفق عليها خلال مدة المحاكمة التي يحددها القضاء، فإن تبين أنه زوجها، وأنكر علاقته الشرعية بها هرباً من واجباته نحوها، يطالبه القاضي بالنفقة بأثر رجعي حفاظا على حقوق الزوجة.
وقد يحدث العكس فيدعي الرجل على المرأة أنها زوجته وتنكر عليه ذلك، يقول الجناوني في شأنه وإذا ادعى رجل إلى امرأة أنها زوجته، فعليه البيئة، وعليه نفقتها حتى يأتي ببينته، فإن طلبت عليه حميلاً (كفيلاً) فلها ذلك، وإن طلبت إلى الحاكم أن يحلّفه بطلاقها ثلاثا إن لم يأت ببينة إلى ذلك الأجل الذي يؤجله الحاكم له، فلها ذلك، فإن لم يأت ببينة إلى ذلك الأجل، لزمه ذلك الطلاق، وإن لم تكن له بينة، فعليها اليمين).
(1) الجناوني: كتاب النكاح، ص 177. (2) الجناوني: المصدر نفسه، 177 - 178. (4/284)
صفحة 2065
الفصل السادس: القواعد الفقهية الكلية الصغرى
285
ويؤكد الجناوني في موضع آخر ما يترتب من أحكام إذا ادعى الرجل الزوجية من المرأة وعجز عن البيئة، واستمسكت هي بتلك الدعوى، وطالبته بحقوقها المترتبة عليه فيلزمه القضاء بالوفاء بها، وهذا نصه: «وإذا ادعى الرجل إلى المرأة أنه قد تزوجها وأنكرت المرأة، فأوقف عليها البينة، ثم استمسكت المرأة به بعد ذلك على النفقة والكسوة وغير ذلك من حقوقها، فإن الحاكم ينصب الخصومة بينهما على ذلك، وكذلك إن استمسكت به المرأة على الصداق وترث إذا مات ... » (1).
ولا شك أن القاضي قد اعتمد في حكمه لحل ذلك النزاع على القاعدة المقررة «البينة على المدعي واليمين على من أنكر»، وعلى قاعدة: «المرء مؤاخذ بإقراره، فمن ألزم نفسه شيئاً ألزمناه عليه.
أقامت فيه
ويضيف الجناوني في السياق نفسه بيان حكم ادعاء الزوجية من المرأة، وما يترتب عليه من أحكام تتعلق بمولودها فيقول: «وإذا ادعت المرأة إلى رجل أنه زوجها، فكلّفها الحاكم البينة على ذلك، فأجلها أجلاً تأتي فيه ببينتها، فأتت بولد فيما دون ستة أشهر من يوم أقامت فيه بينتها، فلا يلزمه ذلك الولد وإن أتت به من بعد ستة أشهر من يوم بينتها، فهو لازم لذلك الرجل الذي ادعته المرأة، إذا أتت بينتها ثم أرخ تاريخها، فكان فيه أكثر من ستة أشهر من يوم تزويجها إلى يوم الولد» (2)؛ لأن في الحالة الأول لو أتت به قبل ستة أشهر قد يكون من غيره أو من ولد زني، وإن جاءت به بعد الادعاء عليها بستة أشهر، فيلحق بنسبه فلربما تزوجها ثم أنكر ذلك؛ لأن النسب يثبت إن ولد بعد ستة أشهر من
العقد
مع إمكان الوطء.
(1) الجناوني: نفسه، ص 179.
(2) المصدر نفسه،
ص 181. (4/285)
صفحة 2066
286
القواعد الفقهية عند الإباضية
3 - في دعوى الطلاق
وقد يحدث أن تدعي المرأة على زوجها أنه طلقها، فينكر ذلك عليها، فهل يثبت الطلاق بهذه الدعوى؟ وإذا لم يسمع القضاء لادعائها، فهل يثبت الطلاق في حقها ديانة، إذا تيقنت من طلاقها البات، وماذا يترتب على ذلك من أحكام؟ يقول الجناوني في هذا الشأن: «وإذا ادعت المرأة إلى زوجها أنه طلقها، فلا يسعها المقام عنده، إذا أيقنت بالطلاق البائن فلتهرب وتفدي نفسها منه بما استطاعت من مهرها أو مالها، إن لم تكن لها بينة على ذلك، فإن كانت لها بينة وقفتها عليه، وإن لم تكن لها بينة، فعليه اليمين، ولا يسعها المقام معه تُحلّفه، فإن حلفته فليس له عليها بعد ذلك حقوق، ولا طاعة، وتنزله منزلة غيره من الناس ممن أراد البغي عليها، ولا تتزين له، وتمنعه من نفسها ما استطاعت فإن لم تجد إلى الخروج من عنده سبيلاً، فلها عليها النفقة والكسوة والسكن؛ لأنه قد عطلها ومنعها من الزواج ... ».
حتى
ويؤكد الجناوني ثبوت الطلاق في حق المرأة إذا تيقنت ذلك، ولا يهم إنكار الزوج له، ولا عدد الطلقات التي تلفظ بها، وهذا ما تدل عليه عبارته: وكذلك لو أنّ امرأة ادعت إلى زوجها أنه قد طلقها طلاقاً بائناً أو ثلاثاً، فأنكر الزوج ذلك، ولم تكن للمرأة بينة فحلفته أو لم تحلفه، ثم استمسكت به بعد ذلك على النفقة، والكسوة والصداق، فإن الحاكم ينصب الخصومة بينهما على ذلك، ولو قالت في ادعائها: أعطني حقي من فلان بن فلان زوجي ... » (3). ولعل ما يستنتج من عبارة الجناوني أن حقوق المرأة تثبت على زوجها ما دام ينفي طلاقها، وهي أيضاً متمسكة به، وتفتقر للبينة التي تثبت الطلاق،
(1) الجناوني: كتاب النكاح، ص 179.
(2) الجناوني: المصدر نفسه، 179 - 180. (4/286)
صفحة 2067
الفصل السادس: القواعد الفقهية الكلية الصغرى
287
وخاصة إذا أقرت بأنه زوجها استصحابا للأصل، وما دامت دعوى الطلاق طارئة ففي ذلك شك يحدث شبهة، واليقين لا يزول بالشك»، وهو البقاء على الزوجية، وإبطال الطلاق، ولذلك رخص لها الفقهاء البقاء معه، وتستفيد من حقوقها المشروعة.
4 - في الاختلاف على قسمة الميراث. وقد يقع الخلاف على قسمة المال المشترك بين الورثة، كأن يدعي الأخ على أخته بعد زواجها ملكية جزء من الأرض الزراعية التي ورثتها من أبيها، فينازعها في حصتها، ويحاول أن يضمها إلى أرضه المتصلة بها، ففي هذه الحالة ما دام مدعياً، فالقضاء يطالبه بإحضار بينته لإثبات صحة دعواه، يقول الجناوني في هذا المعنى: وكذلك الأخت إذا اقتسمت مع أخيها، فقال الأخ: إني قد استفدت فدان كذا وكذا بعد موت والدنا، فعليه البينة، ويجزيه في ذلك خبر الأمناء، فإن لم تكن بينة فلا يدرك اليمين على الأخت. وأما إذا ادعى أنه قد استفاده بعد خروجها إلى زوجها، وادعت الأخت أنه استفاده من قبل خروجها إلى زوجها، فعلى الأخ البينة أنه قد استفاده بعد خروجها إلى زوجها وهو قول الشيخ (1) الله.
10
(1) المراد بالشيخ هو سليمان بن موسى أبي هارون الملوشائي من علماء الإباضية بجبل نفوسة بليبيا (أبو الربيع) (ق: 4 هـ / 10 م) أصله من تملوشايت. أخذ العلم عن الشيخ يحيى بن سفيان، وغيره من علماء عصره، وكان عالماً، مفتياً، وشيخاً تقياً، درّس بمسجد إِبَنايَن بجبل نفوسة، تخرج على يده العلامة أبو زكرياء يحيى بن الخير الجناوني الذي كان رديفه في سلسلة نسب الدين. ومن تلامذته أيضاً: أبو محمد وافي بن عمار الزواغي، وأبو محمد عبد الله المجدولي. ترك مراسلات فقهية وفتاوى إلى مختلف العلماء منهم أبو يعقوب تالوف بن أحمد، وأبو زكرياء يحيى ابن إبراهيم الأمير على نفوسة. بالإضافة إلى ما دونه تلميذه أبو زكرياء يحيى بن الخير، في كتابه «النكاح» فجلُّ رواياته عنه. ضعف بصره في آخر عمره، ولم يمنعه ذلك من المطالعة الكثيرة الدؤوبة، وَلَما جاءته الكتب من فَزَّان قال: ياليتني أدركتها في شبيبتي»، فيقرأ عليه أحد طلبته حتى يفتر، ثُمَّ يرجع الآخر فيدرس = (4/287)
صفحة 2068
288
القواعد الفقهية عند الإباضية
وقال غيره: إنّ على الأخت البينة بأنه قد استفاده من قبل خروجها
إلى زوجها» (1).
:ثالثاً في الدعاوى في الحقوق العامة والخاصة:
1 - منهج الحاكم في الفصل بين الخصوم
سئل أبو سعيد الكدمي عن منهج الحاكم في الحكم على المتخاصمين، فذكر أنه يعتمد أساساً على القاعدة الفقهية المشهورة «البينة على المدعى واليمين على من أنكر». قال السائل: «وسألته عن الحاكم إذا حضره رجلان يتنازعان مدع ومدعى عليه، وتنازلا إلى اليمين قال فإن عجز البينة، فاليمين
رها،
على المدعى عليه احتج عليه الحاكم إن كانت له بينة، فإن شاء فليحضرهـ وإن أبطأها أو أهدرها أو تركها استحلف له المدعى عليه، وإن لم يهدرها أمره
الحاكم بإحضار بينته، فإن ردّ المدعى عليه اليمين إلى المدعي، فقولنا: إنّ على المدعي أن يحلف فإن أبى لم يكن له شيء، واليمين الله، وقد قال بعض بصدقهما يتنازعان فيه» (2).
ويضيف الكدمي بياناً لمنهج القاضي في الفصل بين المتداعيين فيقول: «إن فصل الخطاب في معنى الحكم هو معرفة الحاكم عند الخصام موضع المدعي من المدعى عليه فيما ينطقان به معه ويتداعيان، فيلزم المدعى عليه، ولو لم يطلب ذلك خصمه، لقطع الحجة بين الخصمين، فإن أعجزها، قال
كذلك إلى آخر الليل. ينظر: البغطوري سيرة أهل نفوسة (مخ) 9 - 11، أحال إليه عمرو النامي. الشماخي السير، 252/ 1، 1/ 2 - 4، 178 - 180، 182. الباروني محمد: نسبة الدين، ملحق بسير الشماخي، 580. القطب: الرسالة الشافية، 125. الباروني أبو الربيع:
مختصر تاريخ الإباضية، 53.
(1) الجناوني: كتاب النكاح، ص 113.
(2) الكدمي أبو سعيد: الجامع المفيد، 42/ 1. (4/288)
صفحة 2069
الفصل السادس: القواعد الفقهية الكلية الصغرى
289
الحاكم للمدعي لك اليمين على خصمك، لقطع الحجة بينهم وفصل الخطاب، فإن طلب يمينه ثبت عليه الحاكم في إهدار بينته، وأبطل حقه بما كان من اللفظ، فإن أهدرها حلف له خصمه المدعى عليه، وقطع حجيتها عن بعضهما بعض باليمين من المدعى عليه، وإهدار البينة من المدعي، وإن ردّ المدعى عليه اليمين إلى المدعي ففي قول أصحابنا أن عليه اليمين، إلا في أشياء لا يعرفها ولا يدعيها بمعرفة، فقد يكون من الأيمان ما يكون على المدعى عليه دون المدعي ولو ردها إليه، وذلك شيء واسع ينظر فيه ... ». ومن هنا يتضح من عبارة الكدمي أن القاضي إذا أراد الفصل في الدعاوى فعليه الاعتماد على قاعدة البينية على المدعي واليمين على المدعى عليه»، فإن أهدر المدعي البينية يطالب المدعى عليه باليمين، وقد يمتنع عنها فيردها عليه إن شاء ذلك، وهو قول بعض الإباضية.
2 - في دعوى حيازة العقارات أو المنقولات: ذكر الإباضية صوراً أخرى في دعوى حيازة العقارات والمقولات وكل طرف يدعي أنها ملكه، قالوا يجري القاضي عليهما حكم القاعدة المتداولة البينة على المدعي واليمين على من أنكر» للفصل بينهما.
جاء في كتاب الإيضاح في الأحكام إذا ادعى رجلان داراً وذكر كل واحد منهما أنها في يده فكل واحد منهما مدّع، وعلى كل واحد منهما البينة، فإن أقاما جميعا البيئة، وشهدت بينة كل واحد منهما أنها في يده جعلت في يد كل واحد منهما نصفهما، فإن أقام كل واحد منهما البينة قضيت بها له، وإن لم تقم لهما البيئة وطلب كل واحد منهما يمين صاحبه ما هي في يده، فعلى كل واحد منهما أن يحلف ما هي في يده، فإن حلفا لم يجعلها القاضي في يد واحد منهما، وأيهما نكل عن اليمين لم يجعلها في يده، ونهاه أن يعرض الآخر
(1) الكدمي: المصدر نفسه. (4/289)
صفحة 2070
290
القواعد الفقهية عند الإباضية
فيها، وإذا وجدها القاضي في يد غيرهما لم ينزعها من يده بالذي أنقد هذين» (1)، لأن «اليد دليل الملك».
-
من
ومنها: أنه إذا ادعى رجل عبداً في يد رجل، وداراً أو دابة أو أمة أو ثوباً، أو عرضاً من العروض أو إجارة من قبل فلان كائناً ما كان، فقال الذي في يده: ليس هذا لي إنما هو في يدي وديعة من قِبَل فلان لا يُصدق عليه فهو خصم، وعلى المدعي البينة على دعواه، فإن أقام الذي في يده ذلك الشيء بينة على ما ذكر، لم يكن بينه وبين المدعي خصومة في شيء من ذلك، حتى يحضر صاحب المتاع المؤجرة والمُعِيرة، فيكون هو الخصم في ذلك، وتكون الدعوى قبله، وعلى المدعي البينة ... وإذا كانت الدار في يد رجل فادعاها رجلاً أنها له، وأنه أجره إياها، وادعى أحد أنها له، وأنه أودعها إياه، فكل واحد منهما مدع، وعلى كل واحد منهما البينة، فإن أقام كل واحد منهما البينة على ما ذكرناه، فإنه يقضي بينهما نصفين» (2). - دعوى الجنايات
أ ـ في الجناية على النفس ودعوى الصلح:
ومن فروع هذه القاعدة وتطبيقاتها في باب الجنايات على النفس والإصابة بالجروح في الأبدان، فقد يدعي البعض أن شخصا اعتدى عليه فأصابه في جسده فجرحه، فينكر ذلك المدعى عليه، فكيف يستطيع المدعي إثبات ذلك حتى يتحصل على القصاص أو التعويض عن الضرر؟ وكيف يمكن للمدعى عليه نفي التهمة عن نفسه إن كان حقا بريئا منها؟ بحث فقهاء الإباضية هذه القضية، وبينوا فيها الحكم الشرعي، وميزوا بين حالة العمد والخطأ، وبين الإصابة في النفس وما دونها، وتعددت أقوالهم
(1) نفسه.223 - 23.
(2) الهجاري: الإيضاح في الأحكام، 24/ 3 - 25. (4/290)
صفحة 2071
الفصل السادس: القواعد الفقهية الكلية الصغرى
291
وعللهم، وكان أساسها يقوم على القاعدة الفقهية المشهورة في القضاء وطرق الإثبات البينة على المدعي واليمين على من أنكر». يقول صاحب كتاب الإيضاح في الأحكام في هذا الشأن: «وإذا ادعى رجل قبل رجل جراحة عمداً أو خطأ، أو دَماً، وجحد المدعى عليه قبله ذلك، فإن على المدعي في هذا الوجه البينة، وعلى المنكر اليمين، فإن حلف برئ، وإن نكل عن اليمين، لزمه القصاص في قول بعضهم: في كل عمد دون النفس فيه القصاص، ولزمه ما كان الأرش في من خطأ في النفس أو دونها، وأما العمد في النفس فإن بعضاً قال أحبسه حتى يقرّ، وفي ما دونها يقرّ أو يحلف، وقال بعضهم: عليه في العمد في النفس وفي ما دونها الدية ولا قصاص عليه .... ولكن قد يدعي المدعى عليه الصلح أو العفو عليه فيما أحدثه من إصابة في جسد المدعي بعد الجناية عليه، فهل يصدّق في دعواه، وماذا يشترط عليه إن أنكر المصاب دعوى الصلح، أجاب أبو زكرياء على هذا فقال: «ولو ادعى قبله الجراحة، وادعى الصلح فيها والعفو كان في هذا الوجه هو المدعي، وكانت عليه البيئة، فإن لم تكن له بينة فعلى الآخر اليمين، فإن حلف أخذ حقه، وإن نكل عن اليمين لزمه ما ادعى الآخر من الصلح. وإذا أقر الجارح بجرحه عمدا يخرج فيها القصاص، وادعى ذلك عليه، وادعى الصلح، فإن المجروح في هذه المنزلة هو المدعي وعليه البينة، وعلى الجارح اليمين، فإن حلف برئ من المال، وإن نكل كان عليه القصاص، لأن الآخر قد أبرأه منه، وإن نكل عن اليمين لزمه دعوى المال» (2).
ب ـ وفي دعوى الجناية على المال: وسئل السالمي عمن ادعى على أهل قرية جميعاً بأنهم أكلوا عليه مالاً، أو
(1) الهجاري أبو زكرياء الإيضاح في الأحكام، 19/ 3 - 20.
(2) الهجاري: المصدر نفسه، 20/ 3. (4/291)
صفحة 2072
292
القواعد الفقهية عند الإباضية
سرقوا عليه دابة أتلزمهم اليمين إن كان لم يعين أحداً بعينه؟ وإذا وجدت دابة مقتولة في قرية، أيلزم أهل القرية غرمها؟
فأجاب: «هذه دعوى غير مسموعة حتى يسمي المدعي واحداً أو جماعة مخصوصين، فحينئذ تكون البينة على المدعي واليمين على المنكر).
4 - في دعوى التعدي على أملاك الجار
مع
ومن المواضع التي طبّق فيها الإباضية حكم هذه القاعدة: مجال الزراعة، وما يحدثه الجيران فيما بينهم من أضرار على الأراضي والمزروعات، ثم ينكر بعضهم ذلك، فيلجأ المظلوم إلى القضاء طلباً في إنصافه، بعد أن يستنفذ جاره كل طرق الحوار لإماطة الأذى عنه. جاء في كتاب «القسمة وأصول الأرضين»، في باب إحداث الضرر بالجار في الأصول كلها من الأرض والأشجار، والحيطان والمماصل، والسواقي والمجازات كلها والبيوت، يقول أبو العباس أحمد: «وأما من أحدث في أرضه أو ما اتصل بها ما يكون مضرة لجاره، فاستمسك به من لا يُعرف له شيء في ذلك بوجه من وجوه الملك، ولم يُعرف أن ذلك كان في يده بمعنى من المعاني، فلا يدرك عليه نزعها، ولا يستردده الحاكم، فإن تبين بعد ذلك أن تلك الأرض له بوجه من الوجوه، أو هي لمن ولي أمره، فإن الحاكم يأخذه بنزعها، وتنفعه دعوته الأولى، وإن لم يستمسك به حتى مكث مقدار ما تثبت فيه، فلا يشتغل بدعوته، ولو صح أنها له، وكذلك إن ادعى أنه لم يعلم أنها له، فلا يشتغل بقوله، وكذلك إن ادعى أنه لم يعلم بحدث المضرة، فلا يشتغل به أيضاً، وهذا كله إذا تبين عندنا في هذا الوقت أن ذلك له، ولم يعلم أنها لأحد في وقت حدوث المضرة ... (2).
(2)
(1) السالمي: العقد الثمين 309/ 4. وينظر: المصدر نفسه: 310/ 4 - 113. (2) أبو العباس أحمد القسمة وأصول الأرضين، ص 381 - 382. (4/292)
صفحة 2073
الفصل السادس: القواعد الفقهية الكلية الصغرى
293
ويوضح أبو العباس أحمد أن هذا الحكم يختلف حسب الأحوال والظروف، كحالة علمه بالمضرة وعدم علمه، وحالة دخول الأرض المتنازع عنها في ملکه، وعدم دخولها، أو كانت لغيره ثم انتقلت إليه، فحدث فيها مضرة، يقول في بيان هذه المعاني وأحكامها وفق القاعدة المقررة: «وما عُرف لغيره ثم دخل ملكه ولم يعلم به، فحدثت فيه المضرة في ذلك، فمنعها أو لم يمنعها، فمكثت مقدار ما تثبت فيه أو أكثر من ذلك، فادعي أن ذلك له، فاستمسك بنزع تلك المضرة، فأتى بالبينة على أن ذلك له قبل حدوث المضرة، فإنه يحكم له بذلك، ويحكم له بنزع المضرة، ولا تضره عمارة من أحدث فيه المضرة قبل أن يأتى بالبينة، وإن لم يستمسك بنزع المضرة بعد
ما أقام البينة حتى مكث مقدار ما تثبت فيه، فلا يشتغل بدعوته ... ». وفي موضع آخر يجسد أبو العباس العمل بهذه القاعدة، ويصرح بها في عبارة واضحة فيقول: «وإن ادعى من أحدث المضرة أن خصمه قد علم أن ذلك له قبل أن يمكث مقدار ما يثبت فيه المضرة، فأنكره الآخر، فهو مدع وعليه اليمين، فإن لم يأتِ حلف صاحبه ونزع مضرته ... » (2).
ويقرر الفقهاء أنه لا يشترط في مسؤولية الجار عن الأضرار التي تقع على أرض جاره أن يباشر فعلها بنفسه، بل يكفي في ذلك أن يكلف غيره فيحدثها، ولكن مسؤولية وقوع الضرر وإزالته تقع على عاتق المباشر وغير المباشر، المالك أو الآمر، ويلزم الجار المتضرر أن يثبت دعواه بالبينة، أو يطلب من جاره أن يحلف له يميناً بعدم علمه بالمضرة، وعدم أمر غيره بإحداثها، يقول أبو العباس في هذا المعنى: وأما من أذن لرجل أن يحدث فيه ما تكون فيه المضرة، فأحدثه، ثم أتى من ادعى أن ذلك الشيء له، فأقر الذي أذن له أن
(1) أبو العباس أحمد: المصدر نفسه، (2) المصدر نفسه.
ص
383 (4/293)
صفحة 2074
294
القواعد الفقهية عند الإباضية
ذلك الشيء للذي ادعاه قبل أن يأذن فيه الآخر، فإنه إن صدقهما في ذلك الذي أحدث المضرة، فليؤخذ بنزعها، وإن لم يُصدّقهما فلا يجوز له قولهما إلا بالبينة ... » (1).
هذا
ولا يقتصر تحديد مسؤولية الضرر على من يحدثه، فكل من له صلة بالحادث مسؤول عن فعله، سواء كان فرداً أم جماعة، مباشراً أو غير مباشر، ويُلزمه القضاء بإزالة الضرر إذا ثبت عليه ذلك. يقول أبو العباس في الصدد: وإن كانت تلك المضرة إنما أحدثها رجلان أو ثلاثة، فأقر بعضهم وأنكر بعض فإنه إن تبين ما لكل واحد منهم فلينزع من أقر منهم ما ينوبه
6
تلك المضرة، وإن لم يتبين ما لكل واحد منهم، فلا يدرك نزعها، ويدرك اليمين على من أنكره منهم على عدم علمه، فإن أقر الذي أحدث المضرة بدعوة من استمسك بنزع المضرة فأخذ بنزعها، فمنعه جاره من ذلك من أجل أنه كانت له المنفعة في ذلك، ولم يجوز إقراره للذي استمسك به، فإن القول قول جاره في منعه إياه إلا إن أقاموا البينة على دعوتهم، ويدرك عليه اليمين أنه لم يعلم بدعوته ... » (2).
ويتجسد العمل بمقتضى هذه القاعدة عند أبي العباس في القضايا المتعلقة بإحداث الضرر في ملك الغير سواء كانت المضرة متصلة به أم منفصلة عنه، فهذا سائل يسأله «قلت فقوم وجدوا مضرة في أرض رجل فاستمسك به جاره بنزع تلك المضرة، اتصلت تلك المضرة بتلك الأرض أو لم تتصل، إن كان للقاضي أو الجماعة المسلمين أن يجبروه على نزعها.
فأجابه أبو العباس: «كل ما اتصل بالأرض فلا يجبروه على نزعه، وما لم يتصل بها فلا يدركون عليه نزعه، إلا ما قعد فيه صاحب الأرض فليأخذوه
(1) أبو العباس أحمد القسمة وأصول الأرضين، ص 383.
(2) أبو العباس أحمد: المصدر نفسه. (4/294)
صفحة 2075
الفصل السادس: القواعد الفقهية الكلية الصغرى
295
بنزعه، مثل: ما كان في بيته مما وصلت مضرته إلى جاره من الخشب الواقعة، والحجارة المجموعة، فضر به صاحبها أو غير ذلك).
ويحدد أبو العباس صاحب المسؤولية في رفع الضرر عن الجار، ولا يكفي عنده الادعاء، بل يلزم إثبات ذلك بالبينة على حد قوله: «وأما إن قال صاحب الأرض إنما أحدث تلك المضرة رجل آخر، وليس لي فيها شيء، فلا يُشتغل به، إلا إن كانت له البينة على ذلك، فإن كانت له البينة فليؤخذ بذلك من أحدثها، وإن لم تكن له بينة فأراد أن يحلّفه على علمه أنه لم يعلم إنما أحدث غيره، فله ذلك» (2).
ويوضح أبو العباس متى يُجبر المعتدي على إزالة الضرر فيقول السائل: «وإن استمسك به من حدثت فيه تلك المضرة، هل يؤخذ بنزعها، مثل: ما لم يتصل بالأرض، ولم يُعرف له، فادعي أن ذلك له؟».
فيجيب: «فإنه إن أقرّ أنّ ذلك له أخذ بنزعه، وإن جحد فإنه يكلف بالبينة، فإن أتى فليؤخذ من أتت عليه البينة بنزع ذلك، وإن لم يكن له بينة فليحلفه، ولا يدرك عليه غير ذلك، وإن قال المدعى عليه قد علم المدعي أن هذا ليس لي فيه شيء، فإنه يدرك عليه اليمين وإن نكل عن اليمين فلا يدرك عليه هو أيضاً اليمين، وإن حلف أنه لم يعلم أنّ ذلك الشيء لغيره، فليحلفه أنه ليس له في ذلك شيء، ولا يدرك عليه غير ذلك. وأما ما اتصل بالأرض من ذلك، وما قعد فيه ولم يتصل بالأرض مما يؤخذ بنزعه، إن ادعى أنه ليس له فيه شيء ولم يحدثه أيضاً، فإنه يكلفه بالبينة، فإن أتى بها فلا يدرك عليه شيئاً، وإن لم يأت بها فليؤخذ بنزعه، ويدرك اليمين على صاحبه أنه لم يعلم أنه ليس له فيه شيء، ولم يحدثه، أو لم يعلم أنه أحدثه غيره .... (3).
(1) المصدر نفسه
ص
391
(2) نفسه.
(3) أبو العباس أحمد: القسمة، ص 391. (4/295)
صفحة 2076
296
القواعد الفقهية عند الإباضية
وقد يدعي الجار المتضرر أنه كان أثناء وقوع الضرر مشغولاً بعذر شرعي، كالغياب عن المكان، أو فقدان الأهلية، فلم يتمكن وقتئذ تقديم دعوى التضرر إلى القضاء ضد جاره، وقدّم بنفسه أو بواسطة وليه أو وكيله ما يؤكد صدق ادعائه.
يقول أبو العباس في هذا المعنى ومن أحدث لرجل مضرة فاستمسك به على نزعها، وادعى من أحدثت له أنه غائب في تلك الحال، أو مجنون، أو طفل، وقد عرّف لهم ذلك، فعليهم البينة على ما ادعوا من ذلك، فإن لم تكن لهم بيئة حلفوا الناكر على دعواتهم، وإن نكل عن اليمين أُخذ بنزع أُخذ بنزع ما أحدث،
أن
وأما إن أحدث مضرة لطفل أو مجنون أو غائب، فادعى أن الطفل بالغ قبل يحدث له، أو أفاق المجنون، أو قدم الغائب قبل أن تحدث لهم المضرة، فعليه البينة، فإن لم تكن له بينة حلفوا على دعوته إن كانوا في حال يحلفون فيه، فإن لم يكونوا فيه، فلا يدرك عليهم اليمين ويؤخذ بنزع ذلك ... ).
مجمل القول:
وهكذا يتبين من خلال الصور التي نص عليها أبو العباس في باب التعدي على الجيران، أنه لم يخرج في أحكامه على المتنازعين عن مقتضى القاعدة الفقهية البينة على المدعي واليمين على من أنكر»، وأنه في حالة فقدان المدعي للبينة يطالب المعتدى عليه باليمين فإن رفض ذلك، تلزمه الدعوى، ويطالبه بإزالة الضرر عن المدعي المتضرر، وذلك كله تحقيقاً للعدل بين الناس، ورفعا للظلم عن المظلومين.
ه ـ في دعوى النسب:
ومن فروعها في باب النسب: أنّ الذي يدعي نسبه بأحد مهما كان فعليه
(1) أبو العباس: المصدر نفسه، ص 403. (4/296)
صفحة 2077
الفصل السادس: القواعد الفقهية الكلية الصغرى
297
البينة، ومن ينكر ذلك فعليه اليمين، يقول حمد بن عبيد السليمي): «وكل من ادعى نسباً من أحد أباً كان أو غير أب أو ابناً أو أخاً، أو ابن أخ، أو عماً أو ابن عم أو جدا من أب أو أم، أو كانوا من ساير العصبة أو القرابة أو الرحم، وسواء كان المدعي في ذلك حراً أو عبداً، أو نساء أو عبيداً، ذكوراً أو إناثاً، مسلمين كانوا أو مشركين، فهو مدع وعليه البيان، وعلى منكر النسب أو الولاء أو النكاح اليمين» (2).
6 ـ ظهور البينة بعد يمين المدعى عليه:
اختلف فقهاء الإباضية في حكم الدعوى إذا عجز المدعي عن إثبات دعواه، فأهدر بينته وطلب من المدعى عليه أن يحلف له اليمين، وبعد أدائها جاء ببينة تؤكد دعواه، فهل يقبلها القضاء ويعتد بها؟ أم يعتبرها مهدرة غير شرعية، لأنها قدمها بعد فوات وقتها وصدور الحكم؟ يقول أبو إسحاق الحضرمي في هذا الشأن وكل من أقام البينة على دعواه سمع منه الحاكم إلا في أربع خصال: أحدها: أن يدعي أحد عند الحاكم
من
على
(1) حمد بن عبيد بن مسلم السليمي، أبو عبيد (ت: 1390 هـ)، مولده في وطنه الأول: سدّي، أعمال إزكي عام ثمانين ومائتين وألف (1280 هـ). فقيه دراكة حاذق، بصير في الأحكام الشرعية، ذو رأي وسياسة ودهاء جمع في شخصه عدة أمور، فهو قاض، ومدرس، ومفت، شاعر. تتلمذ على يد العلامة الشيخ أحمد بن سعيد الخليلي، ثم على يد الشيخ السالمي، فاستفاد منه كثيراً وعليه تخرج ولي القضاء في ولايتي سمائل وبدبد للإمامين الخروصي ثم الخليلي. عمل مدرساً بمسجد الخور في عهد السلطان سعيد. واستمر على ذلك إلى أن ضعف وتقدمت به السن. ومن مؤلفاته: «الشمس الشارقة في علم التوحيد» و «هداية الحكام إلى منهج الأحكام» و «خزانة الجواهر في الفقه 5 أجزاء. و «العقد الثمين في الدعوى واليمين» و «تبصرة المهتدين». و «بهجة الحنان في وصف الجنان وقلائد المرجان حول أسئلته وأجوبته الفقهية نظماً. ينظر: شقائق النعمان: 275/ 3 معجم أعلام الإباضية بالمشرق، ص 107.
(2) السليمي حمد بن عبيد السمائلي: العقد الثمين في أحكام الدعوى واليمين، ط 1404 هـ / 1983 م. المطبعة العالمية، القاهرة، ص 170 (4/297)
صفحة 2078
298
القواعد الفقهية عند الإباضية
دعوى، فيسأله الحاكم البينة على دعواه، فيقول: معي البينة ولكن قد أهدرتها ورضيت باليمين، فيحلف الحاكم المطلوب على ذلك، فإن القاضي لا يسمع له بينة بعد ذلك على هذه الدعوى ... » (1). سئل أبو زكرياء يحيى بن سعيد عن رجل ادعى على رجل حقاً فسأله الحاكم البينة، فقال: «إنه ليس عنده بينة، وقال للحاكم: حلفه لي، ولم يقل للحاكم قد أهدر بينته ولا هدمها، وحلفه على ذلك، ثم أحضر بينة في هذا الحق الذي قد حلّفه له خصمه عليه، هل يسمعها الحاكم ويحكم له بما حلف خصمه عليه على هذا الوجه؟
قال: يخرج في معنى هذا القول أن يسمع بينة على ذلك، وقد انقطع الحكم ليمين المدعى عليه، ولأن البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه، وهو فصل الخطاب، وكان على المدعي لا يحلف خصمه ويطلب بينته. . .» (2).
ويبين أبو زكرياء أن اليمين لم يجعل لها الشارع زمنا محددا، فيجوز تقديمها أو تأخيرها، وإذا وجب على الخصم يمين لخصمه، فليس يجوز للحاكم تأخيرها على الخصم حكماً، إلا أن يفسح الخصم في تأخيرها لخصمه، لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر باليمين على المنكر، ولم يخص فيها بوقت، والأمر على الوجوب إلا ما خص به الأوقات ... » (3).
ما يستثنى من القاعدة
ذكر الإباضية فروعا فقهية تستثنى من حكم القاعدة: «البينة على المدعي
(1) الحضرمي أبو إسحاق إبراهيم بن قيس: مختصر الخصال، ص (2) الهجاري أبو زكرياء الإيضاح في الأحكام، 187/ 2.
200
(3) الهجاري المصدر نفسه، 1902. ينظر: زهران المسعودي ابن بركة السليمي ودوره
الفقهي في
المدرسة الفقهية الإباضية، ص 406 - 413. (4/298)
صفحة 2079
الفصل السادس: القواعد الفقهية الكلية الصغرى
299
القضاء،
واليمين على من أنكر»، ورغم أن في الحالات العامة يكون العمل بمقتضى هذه القاعدة، ولكن توجد حالات يسقط فيها اليمين على المدعى عليه، وأحيانا يرُدّ المدعى عليه اليمين على المدعي، فهل يعتمد ذلك في وتكون وسيلة شرعية لثبوت الحق، وإنهاء الخصومات؟ نقل ابن بركة في جامعه رأي الإباضية ومن وافقهم، ورأي من خالفهم، وأشار إلى أدلتهم وتعليلاتهم، وعقب عليها وناقشها فقال: «واتفق أصحابنا على القول بردّ اليمين إذا طلب ذلك المدعى عليه، ووافقهم على ذلك مالك بن أنس، وأما الشافعي وأبو حنيفة فلم يريا ردّ اليمين على المدعي إذا طلب المدعى عليه ذلك، إلا أن الشافعي أوجب اليمين على المدعي إذا شهد له شاهد على دعواه، وإن لم يرد المدعى عليه ذلك، فجعل يمين المدعي مع شهادة شاهد فإن قال قائل ممن لم يرد اليمين على المدعي، فلم قلتم ذلك، والسنة دالة على خلاف قولهم، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: على المدعي البينة واليمين على المدعى عليه).
قيل له: بل السُّنَّة دالة على صحة ما قلناه ومبينة لإغفالك، ونحن أولى بموافقة السُّنَّة والعمل بها، ومن أسقط بعضها، أو فائدة بعض أخبارها كان خارجا عن حلها، يقول النبي: البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه (2) إذا اختار أن يحلف، وأما إذا رغب أن يحلف المدعي على ما يدعي من صدقه عند نفسه ويسلم إليه استعفي من اليمين، لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه لما اعتل ودخل عليه الناس يعودونه وكان شاداً رأسه بعصابة، فجلس، وقال: يا معشر الناس من يدعي علي حقاً أو مظلمة من مال يلزمني، أو حقاً في يدي»، فقال رجل أنا يا رسول الله أخذت مني ـ أو قال ـ اقترضت مني
(1) تقدم تخريجه.
(2) تقدم تخريجه. (4/299)
صفحة 2080
300
القواعد الفقهية عند الإباضية
ثلاثة دراهم في سراويل اشتريتها، فقال: «أما أني أصدقك ولا أحلفك» وقال للفضل بن العباس: ادفع إليه» (1) (2).
وعلق ابن بركة على هذا الحديث فقال: فهذا يدل على أن المدعى عليه أن يستحلف المدعي إذا لم يصدقه بدلالة قول النبي صلى الله عليه وسلم، وإن تصديق المدعى عليه للمدعي يسقط اليمين، فنحن قلنا بالخبرين جميعاً، وعلمنا بفائدتهما، وأنت أسقطت أحدهما، ومن احتج بخبرين كان دليله أهدى
أحدهما» (3).
ممن
أسقط
ولا ريب أن ما ذهب إليه ابن بركة وجمهور الإباضية في جواز ردّ المدعى عليه اليمين على المدعي هو القول الأعدل والأقرب للصواب؛ لأن الجمع بين الدليلين أولى من إهمالهما إذا جاز ذلك، كما تقرر عند الفقهاء، وما دام
(1) رواه الحافظ ابن حجر العسقلاني في المطالب العالية، كتاب السيرة والمغازي، باب وفاة سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم تسليماً كثيراً - حديث: 4430. ونصه عن الفضل بن عباس، قال: «دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم في مرضه، وعنده عصابة حمراء، أو قال: صفراء، فقال: «ابن عم، خذ هذه العصابة، فاشدد بها رأسي فشددت بها رأسه، قال: «ثم توكأ علي» حتى دخلنا المسجد، فقال: «يا أيها الناس إنما أنا بشر مثلكم، ولعله أن يكون قرب مني الرحيل من بين أظهركم، فمن كنت قد أصبت من عرضه، أو من بشره، أو من شعره، أو من ماله شيئاً، فهذا عرض محمد، وشعره، وبشره، وماله، فليقم فليقتص، ولا يقولن أحد منكم: إني أتخوف من محمد العداوة والشحناء، إلا إنهما ليسا من طبيعتي، وليسا من خُلقي» قال: ثم انصرف، لا أحسب أن مقامي بالأمس أجزأ عني، الغد أتيته، فقال: «ابن عمي، العصابة فاشدد بها رأسي» قال: فشددت بها رأسه، قال: ثم توكأ علي» حتى دخل المسجد، فقال مثل مقالته بالأمس، ثم قال: «إن أحبكم إلينا من اقتص»، قال: فقام رجل، فقال: يا رسول الله، أرأيت يوم أتاك السائل فسألك، فقلت: «من معه شيء يقرضنا؟» فأقرضتك ثلاثة دارهم فقال: قم يا فضل، أعطه، فأعطيته، ثم قال: «ومن غلب عليه، فليسألنا ندع له» قال: فقام رجل، فقال: يا رسول الله، إني رجل جبان كثير النوم، فدعا له، قال الفضل: فلقد رأيته أشجعنا، وأقلنا نوماً، قال: ثم أتى بيت عائشة، فقال للنساء مثل ما قال للرجال».
فلما كان
من
(2) ابن بركة البهلوي: الجامع، 451/ 2 - 452.
(3) ابن بركة المصدر نفسه.
خذ هذه (4/300)
صفحة 2081
الفصل السادس: القواعد الفقهية الكلية الصغرى
301
القصد من ذلك إظهار الحق وإبطال الباطل، وإنصاف المظلوم، ونشر العدل بين الناس، وتلك من أهداف التشريع الإسلامي.
ومن الحالات التي نص عليها بعض فقهاء الإباضية خرجت عن مقتضى القاعدة المقررة، جوّزوا فيها إسقاط اليمين على المدعى عليه، ما ذكره عبد العزيز الثميني في الورد البسام بما نصه وكل ما جاز فيه دعوى مدع في نفس، أو مال أو نكاح، أو طلاق، أو عتق، أو نحو ذلك، فإنه يدرك فيه اليمين على منكره، وليس في الحدود يمين أصلاً، ولا فيما ادعى أحد على أنه وليه، أو أن له ولياً أو عبداً يسمى فلاناً ليأتي به إلى الحاكم أن يأخذ منه حقه في كذا وكذا من التعديات، أو على وليه أن له مالاً لينفقه، ففى ذلك ونحوه لا يمين فيه على المدعى عليه، وكذا إن ادعى عليه ديناً فادعى الإفلاس، فإن لم يبينه فلا يحلف المدعي عليه أن له مالاً ... ).
وهذا الحكم قبل أن تصل الدعوى إلى القضاء، أما إذا بلغت، فالحكم يكون وفق القاعدة المقررة: «البينة على المدعي واليمين على من أنكر». يقول الثميني في هذا المعنى وإذا وصلت الدعوى إلى الحاكم، وجازت عنده، فاسترد المدعى عليه الجواب، فأجاب بالإنكار، فعلى المدعي البيان، فإن لم يجده وطلب يمينا من المدعى عليه حلفه له، وإن لم يطلبه فلا، إلا بإذنه» (2). ويشير أبو إسحاق الحضرمي إلى هذه الحالات التي يسقط فيها اليمين على المدعى عليه بشيء من التفصيل، فيقول: والبينة على من ادعى، واليمين على المدعى عليه إلا في ثلاث عشر خصلة: أحدها: أن تدعي عليه امرأته أنه طلقها أو آلاً منها ولم يف، أو خالعها، أو ظاهر منها، ولم يكفّر عنه حتى انقضت أربعة أشهر، فإن قامت بينة، وإلا
فلا يمين على الزوج في ذلك، ولا ردّ يمين.
(1) الثميني: الورد البسام، ص 109.
(2) الثميني: المصدر نفسه، ص 109. (4/301)
صفحة 2082
302
القواعد الفقهية عند الإباضية
ذلك.
الثاني: أن يدعي أنه راجع امرأته فإن أقام البينة، وإلا فلا يمين عليها في
الثالث: أن أنه تزوج هذه المرأة، فإن أقام البينة على تزويجها أنه
يدعي
تزوجها بولي أو من يقوم مقامه، فإن أقام بينته، وإلا فلا يمين عليها. الرابع: أن يدعي أن يدعي العبد أن مولاه أعتقه، فإن أقام على ذلك بينة، وإلا فلا يمين على السيد.
الخامس: أن يدعي شيئاً بينه وبين أحد، فإن أقام بينة، وإلا فلا يمين عليه
في ذلك.
السادس: أن يدعي على رجل أنه قد قذفه بالزنا، فإن أقام بينة، وإلا فلا يمين في ذلك.
في
السابع: أن يدعي على القاضي أنه حكم عليه باطل، فلا يمين على القاضي
ذلك.
الثامن: أن يدعي على الشاهد أنه شهد عليه بباطل، أو أشهده على أحد، فإن أقام بينة، وإلا فلا يمين عليه.
ذلك.
التاسع: إن أقام بينة على أهل الحدود، وإلا فلا يمين في العاشر: أن يدعي على صبي أو مجنون، فلا يمين على الصبي حتى يبلغ، أو يفيق المجنون.
الحادي عشر: أن يدعي على أبيه، فلا يمين عليه.
الثاني عشر: أن يدعي سهماً في الغنيمة، فإن أقام بينة، وإلا فلا يمين. الثالث عشر: أن يدعي أن هذا عبد لي فلا يمين على هذا بنفسه إذا كان لا يعرف له مولى).
(1) الحضرمي أبو إسحاق إبراهيم بن قيس مختصر الخصال: ص 199 - 200. (4/302)
صفحة 2083
الفصل السادس: القواعد الفقهية الكلية الصغرى
303
- في دعوى الشفعة:
ومنها: في الشفيع إن قال له المشتري اشتريت مالك فيه شفعة كذا وكذا، يبين دعواه، وإلا حلف وأعطى له الشفيع ذلك أو تركها.
- في دعوى الرهن:
ومنها: في المرتهن إن قال للراهن هذا رهنك الذي عندي، فأنكره فليبين
المرتهن، وإلا حلف أنه هو، وتركه (1)
- في دعوى النسب:
استثنى بعض الإباضية أيضاً من القاعدة فى ثبوت النسب بعض الحالات، يقول حمد السليمي في معرض كلامه عن الحالات التي لا يثبت فيها النسب للمدعي إلا بالبينة: وقيل على المدعي في هذا ومثله البينة، وليس على المنكر يمين في غالب المواضع، ولا ردّ في يمين هنا، ولا بينة على خلاف مشهور النسب، ولا على من كان أكبر سناً أو مساوياً أنه ابنه، ولا يمكن أن يولد في
عادة مثله ... » (2).
(1) الثميني: نفسه.
(2) السليمي حمد بن عبيد العقد الثمين في أحكام الدعوى واليمين، (4/303)
صفحة 2084
المطلب الثاني
قاعدة: «البينة حجة متعدية والإقرار حجة قاصرة»
أولاً: أهمية القاعدة
تعد هذه القاعدة من القواعد المعتبرة في باب القضاء والإثبات، وتميز بين البينة والإقرار من حيث درجتها وحدود استعمالها، وقد اعتمد عليها فقهاء الإباضية في تخريج فروعهم الفقهية، ولم ترد هذه القاعدة بتلك الصيغة، وإنما جاءت بصيغ أخرى قريبة منها تفيد معناها من ذلك ما ذكره ابن بركة في باب الإقرار: «إن الإقرار إذا تضمن حكماً على الغير لم يسمع، ويقبل ممن أقر به، وهذا اتفاق بيننا وبينهم. وفي إقرار العبد على نفسه يقول: «فإن قال قائل: ما الفرق بين إقراره والشهادة له؟ قيل له: الشهادة على الغير مقبولة، والإقرار على الغير غير مقبول» (2). وقريباً من هذا المعنى يشير الشماخي إلى القاعدة في سياق كلامه عن ثبوت الذين على الشركاء فيقول: «وقوله في ذلك مقبول أنه لحوائجهم إذا الدين بالبينة، وأما إقراره بالدين فغير مقبول؛ لأنه إقرار عن الغير» (3).
صح
ثانياً: مدلول القاعدة:
البيئة هي
الحجة الواضحة، أو الشهادة العادلة التي تبين صدق دعوى
المدعي، ويقوم مقامها السند المكتوب الموثق، ونحوه من البراهين كما تقدم
في
القاعدة السابقة (4).
(1) ابن بركة البهلوي: الجامع، 276/ 2.
(2) ابن بركة المصدر نفسه.
(3) الشماخي: الإيضاح، ط مكتبة مسقط عُمان 1425 هـ / 2004 م، 109/ 4.
(4) محمد بكر إسماعيل القواعد الفقهية، ص 176. ينظر: تفصيل ذلك في قاعدة: «البينة على المدعي واليمين على من أنكر» من هذا البحث. (4/304)
صفحة 2085
الفصل السادس: القواعد الفقهية الكلية الصغرى
305
الحجة ما دل به على صحة الدعوى، وهي بينة عادلة، أو إقرار، أو نكول عن يمين، أو قسامة، أو عِلْم القاضي بعد توليته، أو قرينة قاطعة (1).
ومعنى متعدية: أي مجاوزة إلى من قامت عليه، وملزمة له.
والحجة المتعدية هي التي لا تقتصر قوتها الإثباتية على من أقيمت عليه، بل تتجاوزه إلى غيره، فهي تتجاوز المشهود عليه إلى كل من له صلة بالقضية، فالحكم المقضي به استنادا على بينة يكون شاملا لعموم الناس، أو شاملا لكل من ينطبق عليه الحكم الإقرار في اللغة الاعتراف وفي الاصطلاح خبر وجب حكم صدقه على قائله فقط، بلفظه أو لفظ نائبه، مثل: القذف (3).
(2)
ومعنى قاصرة: لا يتعدى بها إلى غير المقرّ، فهي حجة قاصرة على نفس المقر لا تتجاوزه إلى غيره؛ لأن كونه حجة يبتنى على زعمه، وزعمه ليس بحجة على غيره. وهذا ما صرح به علي يحيى معمر في قوله: «الإقرار حجة على المقر فقط، أما على غيره فلا يكون حجة حتى يجتمع إليه ما يقوّيه؛ كأن تكون من أمينين أو من ثلاثة من أهل الجملة () (). ويؤكد هذا المعنى
(1) البركتي: التعريفات ص 187.
(2) الزرقا مصطفى: المدخل الفقهي العام، 1073/ 2. (3) أطفيش أمحمد شرح كتاب النيل، 572/ 13.
(4) الزرقا أحمد: شرح القواعد الفقهية، ص الإباضية: ص 137.
395
- محمود هرموش معجم القواعد الفقهية
(5) أهل الجملة: مصطلح إباضي في العقيدة يطلقونه على الموحدين من المسلمين، وقد يراد به غير الإباضية حسب السياق. ينظر: معجم مصطلحات الإباضية، مجموعة من الباحثين، ط 1، 1429 هـ / 2008 م، نشر وزارة الأوقاف والشؤون الدينية، 1056/ 2. الجناوني:
الوضع، ص
ص
191 هامش الثميني النور، ص 247. أطفيش القطب: شرح النيل، 16/ 385.
شامل الأصل والفرع: 65/ 1.
(6) معمر علي يحيى الحاشية على كتاب النكاح، ص 233. (4/305)
صفحة 2086
306
القواعد الفقهية عند الإباضية
أبو الحسن الكرخي بقوله: «المرء يعامل في حق نفسه كما قرّ به، ولا يصدق على إبطال حق الغير، ولا بإلزام الغير حقا» (1).
والحجة القاصرة: هي التي تقتصر قوتها الإثباتية على من أقر على نفسه، ولا تتجاوزه إلى غيره، بمعنى أن إقراره أمام القاضي لا يكون حجة إلا عليه (2).
ثالثاً: الفرق بين البينة والإقرار
ووجه الافتراق بين البينة والإقرار يتمثل في أمرين:
1 - أن البينة لا تصير حجة إلا بقضاء القاضي، وبما أن للقاضي ولاية عامة، فينفذ قضاؤه في حق الجميع.
2 - أن الدلالة بالبينة كالدلالة بالحس شرعاً، وما يثبت من طريق الحس والمشاهدة ينسحب حكمه على سائر الناس، فالحكم على أحد الورثة بدين على مورثهم يتعدى إلى جميعهم. وأما المُقرّ فله ولاية على نفسه دون غيره، فتبقى هذه الحجة مقصورة على صاحبها مع قوتها (3). وقد أشار السالمي إلى هذين الأمرين لما سئل عمن يكاتب، فكتب عليه له صكا، أثبت هذا الصك شرعاً، وهل الإقرار كالشهادة هنا؟ فأجاب: «ليس الإقرار في هذا كالشهادة، فلو أقر لولده بشيء ثبت عليه، بخلاف ما إذا أشهد له بحق على الغير، وذلك أن الإقرار إثبات حق على النفس، وأما الشهادة فإثبات حق على الغير، ولهذا يكون الإقرار من الوالد على نفسه حجة، ولا يكون في الشهادة بأقل من عدلين ... » (4).
(1) الكرخي: أصول الكرخي مطبوع مع تأسيس النظر للدبوسي
القاهرة (دت).
(2) شبير محمد عثمان: القواعد الكلية والضوابط الفقهية، ص
عبيد الله بن عمر، مطبعة الإمام،
350
(3) الأتاسي: شرح المجلة العدلية، 222/ 1. - المحاسني: شرح المجلة العدلية، 99/ 1.
(4) السالمي: العقد الثمين، 136/ 4. (4/306)
صفحة 2087
الفصل السادس: القواعد الفقهية الكلية الصغرى
307
(1)
ولقد صاغ الحصيري (1) هذه القاعدة وذكر هذا الوجه فقال: «إن إقرار الإنسان حجة عليه لا على غيره لقصور ولايته على نفسه، والبينة حجة على الناس كافة، لأنها إنما تصير حجة بالقضاء» (2). ويقول أحمد الجندي في هذا المعنى النص الشرعي يقضي بأن الإقرار حجة ملزمة بنفسه لا يحتاج فيه إلى القضاء، وإطلاق اسم القضاء عليه مجاز؛ وإنما هو أمر بالخروج عما لزم بإقراره؛ لأن الحق ثبت به بدون حكم لا بالقضاء» (3).
المعنى الإجمالي للقاعدة:
إن البينة حجة متعدية للغير ومتجاوزة على غير من قامت عليه، وملزمة له، ولا تكون حجة موجبة إلا بانضمام القاضي إليها، فتراعي شرائط كونها حجة القضاء، أما الإقرار فحجته قاصرة موجبة بنفسه لا تتجاوز إلى غيره، ولا يشترط انضمام القاضي إليه، لكونه حجة، فمن أقر على نفسه بعد الزني أقيم عليه الحد وحده، ولا يُسأل عمن زنى بها، ولو ذكر من زنى بها، فإن
إقراره حجة قاصرة عليه، ولذلك لا يقام عليها الحد لا سيما إن كذبته (4). وبعبارة أخرى: إن البينة إذا أقيمت على شخص كانت ملزمة له، وملزمة لغيره من الناس؛ لأن البينة برهان يكشف الواقع ويوضحه بالنسبة إلى جميع
-
سبع
أحمد (1) محمود بن بن عبد السيد بن عثمان أبو المحامد، جمال الدين البخاري الحصيرى (546 - 636 هـ / 1151 - 1238 م): فقيه، انتهت إليه رياسة الحنفية في زمانه. مولده في بخارى ونسبته إلى محلة فيها كان يعمل بها الحصير. سكن دمشق ودرس بالمدرسة النورية، وتوفى بها من كتبه التحرير في شرح الجامع الكبير، فقه، مجلدات، و «خير مطلوب في العلم المرغوب - خ» فقه، و «الطريقة الحصيرية». ينظر: الزركلي: الأعلام، 161/ 7. (2) الحصيري جمال الدين: التحرير في شرح الجامع الكبير، 505/ 2. (3) الجندي أحمد نصر: مبادئ القضاء الشرعي في خمسين عاماً، تحت عنوان «الإثبات» المبدأ (57) ط 2، دار الفكر العربي 1398 هـ / 1978 م، القاهرة، 34/ 1. ـ محمد بكر إسماعيل:
القواعد الفقهية بين الأصالة والتوجيه، ص 176.
(4) الصدر الشهيد: شرح أدب القاضي للخصاف، 2922. (4/307)
صفحة 2088
308
القواعد الفقهية عند الإباضية
الناس، وليس خاصاً بشخص معين، فلذا كان الثابت بالبينة يُحتج به على سائر الناس. أما الإقرار حجته قاصرة على المقر وحده؛ لأن المقر لا ولاية له إلا على نفسه، فله أن يلزم نفسه بما يشاء، وليس له سلطة على إلزام غيره، ولأنه من المحتمل أن يكون المقر كاذبا في إقراره، ومتواطئا مع المقر له لإضاعة حق شخص ثالث فلا يسري إقراره على الغير).
رابعاً: تأصيل القاعدة:
استدل الإباضية على مشروعيه هذه القاعدة بأدلة من الكتاب والسنة
والإجماع أ ـ من الكتاب:
قال الله تعالى: {قَالَ وَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَالِكُمْ إِصْرِى قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ
فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُم مِّنَ الشَّهِدِينَ (آل عمران: (8).
- وقال الله ل: {يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَأَكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُب بَيْنَكُمْ كَاتِبُ بِالْعَدْلِ وَلَا يَأْبَ كَاتِبُ أَن يَكْتُبَ كَمَا عَلَمَهُ الله فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ} (البقرة: 282).
وجه الاستلال بالآية: قال السالمي: «فإن الإملال هو الإملاء لمعنى المكتوب، وهو الإقرار بعينه» (2).
السنة: ب - من
1 - رُوي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «البينة على المدعي، واليمين على المدعى
عليه» (3).
(1) الزرقا مصطفى المدخل الفقهي: 1073/ 2 - شبير محمد عثمان: القواعد الكلية
ص
350 - 351
(2) السالمي: العقد الثمين، 106/ 4.
(3) تقدم تخريجه في الصفحات السابقة. (4/308)
صفحة 2089
الفصل السادس: القواعد الفقهية الكلية الصغرى
309
وجه الاستدلال بالحديث: أنه لو لم يكن الإقرار حجة لما كان ليمين
المنكر معنى). 2 - رُوي عن وائل بن حجر أنه قال: جاء رجل من حضرموت ورجل من كندة إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال الحضرمي: يا رسول الله: إن هذا قد غلبني على أرض كانت لأبي، فقال الكندي هي أرض في يدي أزرعها ليس له فيها حق فقال النبي صلى الله عليه وسلم للحضرمي: ألك بينة؟ قال: لا، ولكن يحلف بالله تعالى ما يعلم أنها أرضي غصبها مني أبوه، فتهيأ الكندي لليمين، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يقطع رجل مالا بيمين إلا لقي الله جل وهو عنه غضبان» (2)، فتركها الكندي.
6
3 ـ وروي عن أبي هريرة الله أنه قال: «أتى رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في المسجد فناداه، فقال: يا رسول الله: إني زنيت فأعرض عنه حتى ردّد عليه أربع مرات، فلما شهد على نفسه أربع شهادات، دعاه النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «أبك جنون؟» فقال: لا، قال: فهل أحصنت» قال نعم فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «اذهبوا به فارجموه، قال فرجمناه بالمصلى، فلما أذلقته الحجارة هرب فأدركناه بالحرة، فرجمناه» (3).
- وروى سهل بن سعد قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إنه زنى بامرأة سماها، فدعاها فسألها عما قال، فأنكرت فحده وتركها» (4).
(1) السالمي: العقد الثمين، 106/ 4.
(2) رواه مسلم، صحيح مسلم، كتاب الإيمان باب وعيد من اقتطع حق مسلم بيمين فاجرة بالنار، رقم 225، عن وائل بن حجر الحضرمي رمي.
(3) رواه البخاري، كتاب الحدود، باب لا يرجم المجنون والمجنونة، رقم 6445، عن أبي هريرة. (4) رواه أحمد، مسند الأنصار، حديث أبي مالك سهل بن سعد الساعدي، رقم 22297، والحاكم في المستدرك، كتاب الحدود، رقم 8179، عن سهل بن سعد، وقال: «هذا إسناد
صحيح ولم يخرجاه» ووافقه الذهبي. (4/309)
صفحة 2090
310
القواعد الفقهية عند الإباضية
است
ه ـ وروى ابن عباس عنه قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأقر أربع مرات أنه زنى بامرأة، فجلده مائة، وكان بكراً، ثم سأله البينة على المرأة فقالت كذب والله يا رسول الله، فجلده حدّ الفرية ثمانين جلدة).
6 ـ وروي أن النبي رجم ماعزاً لما أقر على نفسه أربع مرات، ولم يتعد الإقرار إلى غيره، ولم يسأله النبي صلى الله عليه وسلم عمن زنى بها (2).
ج - من الإجماع:
أجمعت الأمة الإسلامية قاطبة دون اختلاف على أن الإقرار حُجّة، ولم يقل أحد منهم فيما علمنا أنه ليس بحجة على نفس المقر، وأي شهادة أثبت على الإنسان من شهادة لسانه، ومن المعلوم أنه لو لم يكن الإقرار حجة لما ثبت ل إسلام المسلم، ولا كفر على كافر، ولا حق على أحد، إذ لا يتوصل إلى معرفة شيء من ذلك في أول الأمر إلا بالإقرار، ثم تصدر عنه سائر الأفعال، إن كان الإقرار خيراً صدرت أفعال الخير، وإن كان العكس فالعكس، وقد عذر الله تعالى المقرّ بالكفر تقية، وشدد على من شرح به صدرا (3)، فقال عز من قائل: {مَن كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَنِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَنُ بِالْإِيمَنِ وَلَكِن مِّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} (النحل: 106).
(1) رواه أبو داود، كتاب الحدود، باب إذا أقر الرجل بالزنا، رقم 3895، والحاكم في المستدرك، كتاب الحدود، رقم 8180، عن عبد الله بن عباس، وقال: «هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه». قال ابن حجر: «سكت عليه أبو داود وصححه الحاكم واستنكره النسائي». فتح الباري، 141/ 12. (2) الرواية مختلفة في ماعز وهل طلبه الرسول أم جاءه، وفي موضوع سؤاله عمن زنى بها روي مسلم في كتاب الحدود، باب من اعترف على نفسه بالزنى، رقم 1693، عن ابن عباس: «أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لماعز بن مالك: أحق ما بلغني عنك؟ قال: وما بلغك عني؟ قال: أَنَّكَ وَقَعْتَ بجارية آل فلان، قال نعم قال فشهد أربع شهادات ثم أمر به فرجم».
(3) السالمي: العقد الثمين، 107/ 4. (4/310)
صفحة 2091
الفصل السادس: القواعد الفقهية الكلية الصغرى
311
وكذلك اتفق العلماء على أن البينة حجة متعدية حكمها يتعدى إلى الغير، وتثبت بها الدعوى إذا كانت عادلة وواضحة لا يشوبها ما يبطلها.
خامساً: فروع القاعدة:
تجسدت قاعدة البينة حجة متعدية والإقرار حجة قاصرة» في كثير من الفروع الفقهية عند الإباضية وخرجوا عليها مسائل مختلفة شملت أغلب أبواب العبادات والمعاملات والأحوال الشخصية، والزراعة، والقضاء، والجنايات، وغيرها، وسوف نتعرض لأهمها فيما يلي بشيء من التفصيل
حسب ما يقتضيه المقام:
1 - في باب الصوم
ثبوت الصوم بشهادة العدل
أجاز فقهاء الإباضية شهادة العدل في وجوب صوم رمضان؛ لأنها إقرار منه على نفسه يلزمه دون غيره فمن رأى هلال شهر رمضان وجب عليه الصوم، ولا يجب على غيره إلا بالبينة وهي شهادة عدلين). يقول ابن بركة في هذا المعنى: «فإن قال قائل: أجزت شهادة العدل في الصوم، فأوجبته بقوله، ولم تقبل قوله في الفطر؟ قيل له: إنه في الابتداء شاهد على نفسه، وفي الفطر شاهد لنفسه، فإن قال فما أنكرت ألا تقبل شهادة الشاهدين في الفطر على ما أصلت، لأنهما يشهدان لأنفسهما.
قيل له: إن شهادة الواحد في الابتداء إقرار منه على نفسه يلزمه دون غيره، كما قلنا إنه لا يلزم غيره قوله في الثاني، وشهادة الشاهدين جائزة، ويجب العمل بها، ويفيدنا علم الظاهر والإجماع على ذلك» (2).
(1) ابن بركة الجامع، 21/ 2. - الشماخي: الإيضاح، ط مكتبة مسقط عُمان، 2004، 269/ 2. (2) ابن بركة المصدر نفسه، 21/ 2 - 22. (4/311)
صفحة 2092
312
القواعد الفقهية عند الإباضية
ويؤكد الشماخي ما ذهب إليه ابن بركة فيقول: «وأما الخبر، فإنهم اتفقوا إذا شهد عدلان أنهما رأيا الهلال أنه يصام بهما، ويفطر بهما، لأنهما حجة، واختلفوا في الواحد العدل، هل يصام به أم لا؟ قال بعضهم: لا يصام به، وذلك أنه عند هؤلاء لا يصام به كما لا يفطر (1). وقال بعض: يصام بالواحد العدل ولا يفطر به والدليل عندهم أن خبر الواحد يوجب حكماً ولا يوجب
علماً (2).
ولا شك أنّ الذين قبلوا شهادة الواحد العدل في الصوم، ورفضوها في الفطر، ولا يوجبونه إلا بشهادة عدلين يعملون بالقاعدة: «البينة حجة متعدية، والإقرار حجة قاصرة»؛ لأنه يشترط في البينة شهادة عدلين حتى يلزم الصوم والفطر جميع المسلمين، أما شهادة الواحد فتلزمه في الصوم والفطر وحده دون غيره؛ لأنها حجة قاصرة.
2 - في باب البيوع
أ ـ الإقرار بالبيع
ومن فروعها: أنه لو أقر أحد أنه قد باع لفلان قطعة أرض معينة بقيمة كذا
من الثمن، واستوفى منه، الثمن، فالإباضية يقولون إقراره جائز عليه وعلى ورثته، والقطعة لمن أقر له ببيعها، وللورثة إن أرادوا أخذوا تلك القطعة، ويردون عليه الثمن الذي أقر به، أو قيمة المال إن لم يقر بالثمن، وذلك في المرض، فأما إذا أقر في الصحة فهو ثابت (3)؛ لأن إقراره في المرض يكون فيه متهما بخلاف إقراره في الصحة؛ لأن في الصحة يتعدى حكمها للغير، وفي المرض تكون حجة إقراره قاصرة عليه، ولا تلزم ورثته.
(1) الشماخي: الإيضاح، 270/ 2.
(2) ابن بركة: الجامع، 20/ 2. (3) ابن جعفر: الجامع: 348/ 4. (4/312)
صفحة 2093
الفصل السادس: القواعد الفقهية الكلية الصغرى
313
ب - الإقرار بالعيب في المبيع
إذا تم البيع بين المبايعين بعد الخيار ثم ظهر بالدار أو السيارة مثلا عيباً لم يطلع عليه المشتري وقت العقد، فأقر البائع أو شهد بذلك عند جاره، فلما أراد المشتري أن يبيع ذلك أو يؤجره لغيره عزف عنه الناس، ورفضوا منه الشراء أو الإجارة، فلحق به الضرر، فهل يقبل هذا الإقرار، أو هذه الشهادة، ويؤخذ بهما أم لا؟ اختلف فقهاء الإباضية فى حكم هذه المسألة، فذهب بعضهم إلى جواز هذا الإقرار، وهذه الشهادة المنفردة، ومنهم من منع ذلك، ولكل منهما حجته ودليله. يقول أبو العباس أحمد الفرسطائي: ولا يجوز في ذلك إقرار البائع على المشتري في كل ما يضرّ به المشتري، ولا تجوز عليه شهادته، ولكن إذا أراد المشتري أن يأخذه بإقراره وشهادته فليفعل ومنهم من يقول: يجوز إقرار البائع على المشتري أن يأخذه بإقراره وشهادته فليفعل، ومنهم من يقول: يجوز إقرار البائع على المشتري فيما كانت فيه الخصومة قبل البيع، علم المشتري بذلك أو جهل» (1).
6
ولعل الذين رفضوا إقرار البائع للجار أو غيره دون موافقة المشتري اعتبروا ذلك تدخلاً فيما لا يعنيه، ولو كان من باب النصيحة، ما دام يتضرر
لأحد
بذلك المشترى، وقد يتسبب البائع في إلحاق الضرر بالجار إذا باع عقارا ولم يخبره بعيوبه، فطلب الجار من المشتري رفع الضرر، وشهد البائع بوجود الضرر قبل البيع، فهل يأخذ الجار بإقراره؟ وهل يتحمل إزالة الضرر المشتري أم البائع؟
يقول أبو العباس في هذا الصدد: من باع لرجل شيئاً مما تكون فيه مضرة على جاره فاستمسك جاره ذلك بالمشتري أنه أحدث له المضرة، فأنكر المشتري،
(1) أبو العباس أحمد القسمة وأصول الأرضين، ص 404 - 405. (4/313)
صفحة 2094
314
القواعد الفقهية عند الإباضية
وأقر البائع أن تلك المضرة قد حدثت في ذلك الشيء قبل أن يبيعه، فلا يجوز قوله على المشتري، ويكون المشتري على خصومته، وأما إن قال البائع إنما حدث ذلك عند المشتري، ويشهد بذلك، فشهادته جائزة عليه مع شاهد آخر،
ومنهم من يقول: لا تجوز شهادته ولو كان معه غيره، وأما إن لم يكن معه شاهد غيره، ثم بعد ذلك ذلك رجع الشيء إليه بالانفساخ فإنه يؤخذ بنزعها» (1). ويمكن أن يستنتج من عبارة أبي العباس أنّ الذين قالوا برد إقرار البائع وشهادته بالضرر بعد انتقال الملك إلى المشتري اعتمدوا على القاعدة المقررة «الإقرار حجة قاصرة، فتلزمه وحده دون غيره، ولا تتجاوزه، وفيه ضرر يلحق بالمشتري، إلا إن شهد مع غيره بذلك، فبعض الفقهاء يقول بجواز إقراره؛ لأنه أصبح يملك بينة على ما يدعي والبينة حجة متعدية»، أما لو شهد على وجود الضرر بالعقار قبل البيع، فهذا الإقرار لا يؤخذ به، ومن حق المشتري رفع
دعوى قضائية ضده.
ولكن لو رجع ذلك العقار إلى البائع بسبب العيب أو الإقالة، أو الهبة، أو الميراث، فإنه يحاسب على إقراره، ومن حق الجار متابعته قضائيا، ومطالبته بإزالة الضرر عنه، عملا بالقاعدة الفقهية «المرء مؤاخذ بإقراره»، وفي هذا المعنى يقول أبو العباس: وأما إذا رجع ذلك الشيء في ملكه بالعيب، أو بالهبة، أو بالبيع، أو الميراث، أو بغير ذلك، فاستمسك به من حدثت له المضرة، فإنه يدرك عليه، نزعها، ويكون عليه إقراره الأول حجة» (2).
3 ـ في باب الشركة:
ومن فروع هذه القاعدة في باب الشركات ما نُقل عن الإباضية أنه لو أقرّ الشريك بالدين على نفسه يلزم بدفعه لغريمه، لأن «المرء مؤاخذ بإقراره»، أما
(1) أبو العباس أحمد: القسمة، 404 - 405.
(2) أبو العباس: المصدر نفسه، ص 405. (4/314)
صفحة 2095
الفصل السادس: القواعد الفقهية الكلية الصغرى
315
لو أقر بدَين على غيره، فلا يؤخذ بإقراره إلا بالبينة عملاً بالقاعدة المقررة «البيئة» حجة متعدية والإقرار حجة قاصرة».
صح
يقول الشماخي في هذا المعنى: وكذلك الشركاء إذا قعدت لهم الشركة، فكل ما جعله أحدهم من ذلك المال في منافعه خاصة، فإنه يدرك عليه شركاؤه حصصهم إذا قسموا، وكذلك ما أخذه من دين لمنافعه فهو عليه إذا تبين ذلك، وما أخذه لحوائجهم فعليهم جميعاً ... وقوله في ذلك مقبول أنه لحوائجهم، إذا الدين بالبينة، وأما إقراره بالدين فغير مقبول، لأنه إقرار على الغير»). ـ وفي السياق نفسه لو أقر الشريك بالتصرف في حصته المشتركة مع غيره، جاز له ذلك، لأن إقراره حجة عليه، وأما إقراره بالتصرف في حصة شريکه بغير إذنه فغير مقبول، ولا يعتد بفعله، ولا يلزم به شريکه، ويضمن كل ما ترتب عليه من ضرر، ولو كان ذلك عن قصد حسن، أو لمصلحة تعود إليه بالنفع، يقول الثميني في سياق كلامه عن تحرير الشريك حصته من العبد: وجاز إقرار شريك في مشترك ولو مُقارضاً إن كان ربح، ولزمه غُرم نصيب شريكه فيه، وكل ما جاز له أن يعتق جاز إقراره به عليه، والإقرار به على الغير لا يجوز، إلا من شريك على شريكه إن أعتق ما اشتركاه، ويضمن المقرّ نصيب شريكه فيه لإقراره به عليه، وقيل: لا يضمنه» (2).
4 - وفي إقرار كافل اليتامى
جعل الله الكفيل أو الخليفة لينوب الولي في رعاية اليتامى، فيجلب لهم ما ينفعهم ويدفع عنهم ما يضرهم وفق الشريعة الإسلامية، ولكن لو ادعى شخص على اليتامى في أمر من الأمور، فهل ينوب والدهم في إقراراتهم وشهاداتهم إن كانوا قصارى؟ فيقر الكفيل للمدعي بما يضرهم، أو يشهد لهم
(1) الشماخي (ت: (792) الإيضاح، 4/ 108 - 109. (2) الثميني: الورد البسام، ص 70. (4/315)
صفحة 2096
316
القواعد الفقهية عند الإباضية
وعليهم، أو يحلف يميناً نيابة عنهم إن كان مدعى عليهم؟ أثار بعض الإباضية هذه المسألة، وقالوا إقرار الكفيل على اليتامى لا يقبل أما شهادته فيؤخذ بها لهم أو عليهم، لأنها بيئة عملا بالقاعدة المقررة «البينة حجة متعدية والإقرار حجة قاصرة»، فلو أقر على نفسه يُقبل قوله، أما إن أقر على اليتامى فلا يقبل إقراره، وتقبل شهادته.
يقول أبو العباس في بيان الأحكام المترتبة على إقرار الكفيل على اليتامى: ولا يجوز على اليتامى إقرار الخليفة، وحده، ولكن تجوز عليهم شهادته ويجوز لهم أيضاً شهادته، وإن لم تكن للمدعي بينة، فلا يحلف الخليفة، ولكن يوقف ذلك إلى بلوغ اليتامى، فإن أراد أن يحلّفهم فله ذلك، وإن أراد أن يحلف بعضهم دون بعض فله ذلك أيضاً، ولو أنه لا يدرك عليه نزع ما نابه دون غيره من اليتامى ... » (1).
ويؤكد أبو العباس رأي الإباضية في ردّ إقرار الخليفة على اليتيم، أو الغائب، أو المجنون ونحوهم، فلا يقبل منه إقراره عليهم، ولا يمينه نيابة عنهم، إلا إن أحدث بنفسه الضرر في مال المستخلف، وهذا ما تدل عليه: عبارته وأما خليفة الغائب أو اليتيم أو المجنون أو كل ما كان في يد رجل بالأمانة؛ إن ادعى عليه رجل أنه قد كانت له عليه المضرة على واحد من هذه الوجوه، ولم تكن له بينة فلا يدرك اليمين على الخليفة في ذلك، ولا يجوز إقرار الخليفة أيضاً، ويكون شاهداً على ذلك، إلا ما أتلف بنفسه مما يجوز له أن يتلفه من ذلك لمنافع من استخلف عليه، فإن فعله جائز، وكذلك إقراره ما دام ذلك في يده، وهو عليه خليفة، فإن زال ذلك من يده أو خرج من الخلافة، فلا يجوز له فيه فعل ولا قول (3).
(1) أبو العباس أحمد: القسمة طبعة مكتبة الضامري عُمان، ص 406. (2) أبو العباس أحمد: القسمة، ص 384. (4/316)
صفحة 2097
الفصل السادس: القواعد الفقهية الكلية الصغرى
317
ولا يقتصر رفض النيابة في الإقرار على اليتامى والغائبين ونحوهم، بل يشمل هذا الحكم كل وكيل أو شريك، فلا يقر على موكله ولا على شريكه،
إلا إن كلّفه أو فوّضه في ذلك، لأن إقراره قاصر على نفسه دون غيره. يقول الثميني في هذا المعنى: ولا إقرار خليفة على خصومة على مستخلفه، إلا إن أجاز له أو فوّض إليه ما فعل فيها، ولا مقارض على رب المال أن عليه فيه كذا وكذا، ولا رب المال على المقارض فيه أيضاً، إن كان فيه ربح بعد خروجهم من ذلك، ولا إقرار أحد المتفاوضين بعد افتراقهما على صاحبه، وإن أقر أحدهما بما عليه من قبل تعدية، أو مؤروثة، أو صداق، جاز على نفسه لا على صاحبه، وعليهما إن كان من قبل تجارة أو نحوها، وإقرار أحد المشتركين غياباً بما عليه فيما اشتركاه على صاحبه جائز، وغير المتفاوضين من الشركاء لا يجوز إقرار أحدهم على صاحبه في حال شركتهم ولا بعدها ... » (1).
ه - الإقرار في مرض الموت بالدين ومن فروعها أنه إذا أقر العاقل في مرض غالب الموت بسببه، وكان إقراره لوارث أو لغيره، وكان لإقراره ابتداء أو استفاء، كالذي يقر أنه استوفى حقه ممن عليه له، فقد اختلف الفقهاء في حكم هذه المسألة، فمنهم من أبطل الإقرار مطلقاً، للوارث كان أو لغيره ومنهم من أثبته مطلقاً، والمثبتون منهم من قيده بعدم وجود التهمة، ومنهم من لم ير هذا التقييد، وهناك فريق ثالث فضل في المسألة، فأثبته لغير الوارث، وأبطله إن كان للوارث، فهي تتلخص
في
ثلاثة أقوال:
القول الأول بطلان إقرار المريض مطلقاً:
إذا أقر المريض مرض الموت بدين فيبطل إقراره سواء كان لوارث أو
(1) الثميني: الورد البسام، ص
070 (4/317)
صفحة 2098
القواعد الفقهية عند الإباضية
318
مع
لغيره، وهو قول بعض الإباضية)، ووافقهم عليه الحنابلة (2) والإمامية (3) رجوع إقراره إلى ثلث التركة وهم بهذا القول ضيقوا على أصحاب الثلث فإذا ضاق عليهم المال لا بد من المحاصصة.
القول الثاني: ثبوت إقراره للوارث وغيره:
وذهب بعض الفقهاء إلى ثبوت إقرار المريض مرض الموت لوارث أو لغيره، ولم يقيد بعضهم إقراره، بل جعله مطلقا سواء كان متهماً أم غير متهم، والبعض قيده بعدم التهمة، ومن الذين يرون الإطلاق الظاهرية (4) والزيدية (5) والشافعية (6) في أصح القولين، والصحيح عند الإمامية)، وقول عند الإباضية)، وهو المشهور. ويرى الإباضية ثبوت إقراره لو أقر بكل ماله العيني أو بجزء منه، وللورثة الخيار في دفع المال أو القيمة، على تقدير العدول كأن المال قضاه إياه عن حق لزمه (9).
(1) الكدمي: الجامع المفيد، 120/ 3. - الصبحي سعيد بن بشير: كتاب الجامع الكبير. 137/ 2. (2) ابن قدامة المقدسي: المغني، دار الفكر بيروت، 1414 هـ / 1994 م، 5/ 275. (3) الحلي يحيى بن سعيد: نزهة الناظر في الجمع بين الأشباه والنظائر ضمن سلسلة الينابيع
الفقهية، 312/ 13.
(4) ابن حزم الأندلسي: المحلى بالآثار: تحقيق عبد الغفار سليمان البنداري دار الكتب العلمية بيروت، 1422 هـ/ 2001 م، 106/ 7.
(5) ابن المرتضى البحر الزخار الجامع لمذهب علماء الأمصار، 4/ 6. (6) العمراني يحيى بن أبي الخيرين سالم العمراني: البيان في مذهب الإمام الشافعي شرح كتاب
المهذب، 421/ 13.
(7) العجلي الحلي أبو منصور محمد بن إدريس (ت: 598 هـ) السائر الحاوي لتحرير الفتاوى، ضمن سلسلة الينابيع الفقهية، 271/ 12.
(8) المحيلوي سالم بن خميس بن سالم بن يجاد: فواكه البستان، 2/ 16. - الحواري محمد: جامع أبي الحواري، 178/ 4. - البوسعيدي مهنا بن خلفان (ت: 1250 هـ): لباب الآثار ط 1، 118/ 13. (9) البوسعيدي مهنا: لباب الآثار 75/ 13 75، 146. - السالمي: جوابات الإمام السالمي،
111/ 0 (4/318)
صفحة 2099
الفصل السادس: القواعد الفقهية الكلية الصغرى
319
ومن النصوص المأثورة عن بعض الإباضية في ثبوت إقرار الرجل للوارث ولغيره مطلقاً، ما صرح به ابن بركة في جامعه، مشيراً إلى إجماع الإباضية عليه، في قوله: «لم يختلف أصحابنا فيما علمت أن الحر البالغ المميز يثبت إقراره فيما أقر به على نفسه من دَيْن أو غيره، صحيحا كان أو مريضاً مما الإقرار ماله أو يخص شيئاً منه، لا فرق عندهم في ذلك، وسواء كان المقر له وارثا أم أجنبيا ... »). ويؤكد ذلك في موضع آخر فيقول: «وإذا أقر رجل لوارث في مرضه قبل
يعم
إقراره، ولا فرق بين الصحيح والمريض القريب والبعيد ... ». ويبين ابن بركة أنّ ما نقله عن الإباضية في جواز الإقرار للوارث وغيره هو الرأي المشهور والمعتمد في المذهب، وعليه العمل، فيقول في عبارة صريحة والذي عليه جلّ أصحابنا ومعتمد مذهبهم، وتجري به الأحكام بينهم ما ذكرنا في صدر المسألة؛ أنّ الإقرار في الصحة والمرض للوارث وغير الوارث ثابت له ويشارك المقر له الغرماء فيما يثبت لهم بالبينة؛ إذ الإقرار حق في الذمة، فإذا كان الإقرار في عين قائمة لم يشركه الغرماء ولم يشركهم، ويشارك الورثة فيما بقي من التركة بعد الدين والوصايا ... ولا فرق عند أصحابنا أن يقر بين في مرضه، وعليه دين يحيط بجميع ملكه، أو يقر في صحته؛ لأن الصحيح إذا كان عليه دين يحيط بجميع ملكه قبل إقراره، ولا فرق بين الصحيح والمريض ... » (3).
وتشير عبارة ابن بركة إلى مقتضى القاعدة الفقهية المقررة «البيئة حجة متعدية، والإقرار حجة قاصرة، ولذلك لا يكفي إقرار الرجل لغيره بدين أو وصية، بل يحتاج إلى إثبات ذلك بالبينة من المستحق، الغارم وبخاصة بعد وفاة المقر.
(1) ابن بركة: الجامع، 283/ 2.
(2)
ابن بركة المصدر نفسه، 2/ 600.
(3)
ابن بركة: نفسه، 283/ 2. (4/319)
صفحة 2100
320
القواعد الفقهية عند الإباضية
هذا وقد عقب ابن بركة على الحنفية في تمييزهم بين إقرارات الرجل في حالتي الصحة والمرض، حيث أثبتوا إقراره في الصحة وأبطلوه في المرض إلا في حدود الثلث. ومما جاء عنه: «قال أبو حنيفة إذا أقر لوارث بإقرار ثبت إقراره في الصحة، ويبطل في المرض، قال: وإن أقر لأجنبي في المرض ثبت ولم يشارك الغرماء، وإنما يدفع إليهم إن فضل بعده شيء دفع إليهم منه ... ). وناقش ابن بركة أدلة الحنفية وحججهم وبين وجه ضعفها، فقال. «فإن قال: إن التهمة تلحقه في المرض بأن يدخل مع المستحقين لماله وإن شاركهم، قيل له: وكذلك إقراره في صحته يوجب مشاركتهم، فإن كانت العلة التي من أجلها منع من المشاركة، فيجب أن يجريها في الوجهين جميعاً، فإن أجمعوا على إجازة إقراره في صحته مع ما يضمن المشاركة بطل اعتلاله بالمشاركة، وقد قارب هذا المعنى قول أبي زياد (2) وأبي معاوية في إقرار المريض للوارث
(1) ابن بركة المصدر السابق.
(2) لم يصرح ابن بركة باسم أبي زياد، لعله يقصد خلف بن عزرة، أبو زياد (ق 3 هـ) عالم فقيه. لعله نجل الشيخ علي بن عزرة من بني سامة بن لؤي وعم للعلامة موسى بن علي بن عزرة (ت: 230 هـ) من قرية إزكي. ومن علماء ومشايخ إزكي الأجلاء الفضلاء وقد عاصر أبي معاوية عزان بن الصقر (268) أو 278 هـ). له جوابات من الشيخ محمد بن محبوب. ينظر: الكندي: بيان الشرع: 426/ 68 - 457 معجم أعلام الإباضية بالمشرق، ص 124. ويوجد أيضاً أبو زياد الوضاح بن عقبة النزوي، (حي في: 237 هـ) عالم فقيه، حمل العلم عن موسى بن علي وغيره من الفقهاء كان من رجال دولة الإمام المهنا ابن جيفر حكم (226 - 237 هـ)، وكان من المبايعين للإمام الصلت بن مالك سنة 237 هـ. وكان إذا حضر في مجلس ارتضاه الناس كلهم وأطاعوه. وكان مصلحا مفتياً ناصحاً في الله لا يخاف في الله لومة لائم. كان من العلماء الذين اجتمعوا في عهد الإمام المهنا للفصل في قضية خلق القرآن، والتي كادت أن تؤدي إلى الفرقة بين المسلمين، فاتفقوا على أن ما سوي الله مخلوق. العلماء الذين نهوا عن الخوض في سيرة الإمام المهنا، إذ وقع الخلاف في ولايته أو البراءة منه. ينظر: السالمي: تحفة الأعيان، 154/ 1، 158، 160. ابن مداد: السيرة، 11، 25. البطاشي: إتحاف الأعيان، 424/ 1.
وقد كان
مع (4/320)
صفحة 2101
الفصل السادس: القواعد الفقهية الكلية الصغرى
321
بحق ما
أنه لا يثبت له إلا أن يذكر وجه الحق المقر من أجله، فإذا لم يذكر الحق هو ولا من قبل ما هو، فإقراره باطل ... » (1).
وينقل ابن بركة في موضع آخر رأي الحنفية مبيناً مذهبهم ومناقشاً حججهم فيقول: «قال أبو حنيفة: لا يجوز إقراره في مرضه لوارثه، فإن احتج له محتج فقال: إن الوارث لا يزاد على ميراثه، ولو جاز له الإقرار لجازت له الوصية.
قيل له: لسنا نقول أنه يملك بإقراره، وإنما إقراره يقع في شيء في ذمته
له، فإن قال فإنما نمنع من ذلك لئلا يتوصل إلى الإثبات فوق ما حُدّ له. قيل له: هذا يفسد من جهات أحدها أن لو كان الأمر على ما ذكرت بالمنع عن إقراره له أيضاً في صحته، لأنه قد يتوصل به إلى أن يزيد على حد له، ولم يمنعه أحد من ذلك، ولو كان هذا الاعتلال شائعاً لمنع بأن يقر للأجنبيين بإقرار يحيط بجميع ملكه، إذ ليس له أن يوصي للأجنبيين بأكثر من الثلث، وكما ليس له أن يوصي للوارث بشيء وإن قلّ، والوارث في قليل ما يوصي به للأجنبيين فيما عدا الثلث، كما ليس له أن يوصي للوارث، وفي إجماعهم أن إقراره مقبول للأجنبي، وإن أحاط بجميع ملكه دليل على إبطال ما اعتل به مخالفنا وإن كان الأمر على ما ذكرنا كانت الإقرارات مقبولة محكوما بها غير مردودة إلى الوصايا كما تقدم ذكرنا له ... » (2).
- ومن الفتاوى المأثورة عن الإباضية في هذا الباب: أنه سئل أبو الحسن البسيوي عن الإقرار للوارث أو لغيره، هل يجوز ذلك؟ فقال: «حُق ما صدق الناس عند الموت، فمن أقرّ بحق في مرضه، ثبت عليه، كان للوارث أو غيره؛ لأن إقراره إخبار عن واجب، وحق متقدم، وهو متهم في إقراره ... ومن قال:
(1)
ابن بركة نفسه.
(2) ابن بركة: الجامع، 2/ 0
600 - 601 (4/321)
صفحة 2102
322
القواعد الفقهية عند الإباضية
علي حق لفلان، فإن متُ فله قطعة كذا وكذا من مالي، فقد قيل: إنها وصية؛ لأنه قال: علي حق ولم يبين كم، إلا أن يقول: هي له بذلك الحق بذلك قضاء). التقييد بعدم التهمة والريبة
وقيد بعض الفقهاء إقرار المريض مرض الموت بعدم التهمة بحيث يكون إقراره لمن أقر له غير مُتهم أنه يريد أن يصرفه عن الورثة، وهو قول عند الإباضية وعليه الثميني (2) والقطب أطفيش (3)، وقال به الإمام مالك (4) وهو المعتمد عند المالكية، وقول عند الشيعة الإمامية) إلا أنه يرد إلى الثلث إذا عدم البينة على إثبات حقه، جاء شرح النيل ومذهبنا أن الإقرار يصح لقريب وصديق وغيرهما في صحة أو مرض إلا أن يستريب»). وفي المعيار المعرب: وقد نص أئمتنا على أن أصل قول مالك الذي يعتمد عليه في باب إقرار
المريض اعتبار التهمة» (7).
القول الثالث: ثبوت إقراره للأجنبي دون الوارث
و فصل بعض الفقهاء إقرار المريض مرض الموت بالنظر إلى من أقر له من حيث أنه وارث أو غير وارث، فأثبتوا الإقرار لغير الوارث، وهو المقصود للأجنبي، وأبطلوا إقراره للوارث، وعلى هذا مذهب الحنفية، وهو الصحيح
(1) البسيوي: جامع أبي الحسن، 186/ 3، 189. - وينظر: أطفيش: شرح النيل، 584/ 13. (2) الثميني: عبد العزيز الورد البسام، ص 64. (3) أطفيش أمحمد شرح النيل، 575/ 13.
(4) الونشريسي أحمد بن يحيى (ت: 914 هـ): المعيار المعرب والجامع المغرب عن فتاوى علماء افريقية والأندلس والمغرب، دار الغرب الإسلامي، المغرب، 15/ 6.
(5) الطرابلسي عبد العزيز بن براج المهذب، ضمن سلسلة الينابيع الفقهية، 144/ 12.
(6) أطفيش: شرح النيل، 575/ 13.
(7) الونشريسي: المعيار المعرب، 173/ 2.
(8) السمرقندي محمد: تحفة الفقهاء، 1228/ 3. (4/322)
صفحة 2103
الفصل السادس: القواعد الفقهية الكلية الصغرى
323
عند الحنابلة (1) وقول للشافعية (2) والإمامية (3)، وقيده البعض منهم بأن يكون مالياً، أو أقر دون الثلث، وإذا أجازه الورثة فإقراره ماض (4).
مجمل القول:
يمكن تقسيم إقرارات المريض مرض الموت إلى قسمين:
أ - مريض مرض الموت لا تقبل إقراراته المالية لمن يتهم بهم من قريب أو صديق، وتسمى ديون المرض إذا لم تكن موثقة بالكتابة أو الشهود، وسواء كان وارثاً أو غير وارث، إلا أن يجيزه الورثة.
ب - مريض مرض لا يعدم المسؤولية: إقراراته مقبولة؛ لأنه في حاجة تسمح له بذلك، وتسمى هذه الحقوق ديون الصحة).
6 - في الإقرار بالهبة والعطية للغير
بحث الإباضية إقرارات الشخص بالعطايا والهبات في حالة الصحة والمرض، وبينوا حكمها سواء كانت للوارث أو للأجنبي، وقالوا: «إقرارات الإنسان في حالة الصحة مقبولة، أما في حالة الحجر عليه لمرض أو إفلاس ففيها خلاف، فإن كانت قبل الحجر تُقبل، وإن كانت بعده فلا تقبل، لأنها مظنة تهمة، وإنما ثبتت في ذمته حتى ينتهي الحجر، فمثلاً: لو اعترف لأحد أصدقائه أو لزوجته بمائة ألف دينار جزائري عندما حُجر عليه لفلس، يقول القاضي: الحق يبقى في الذمة، ولكن من أقررتَ له دون بينة لا يأخذ شيء
(1) ابن قدامة الشرح الكبير على المقنع، 275/ 5.
(2) الغزالي: الوسيط، 197/ 2.
:
(3) ابن بابويه محمد بن الحسن القمي (ت: 381 هـ) من الحضرة الفقهية، دار الأضواء، بيروت
1413 هـ / 991 ام،
211/ 4
(4) الراشدي أحمد بن ناصر بن حميد أثر الشبهة على الإقرار، دراسة فقهية مقارنة ط 1، 1426 هـ / 2005 م. مكتبة الجيل الواعد، مسقط، عمان، ص 78 - 79.
(5) الفضيلات محمود جبر: الحاشية على كتاب الجامع ابن جعفر، 224/ 5. (4/323)
صفحة 2104
324
القواعد الفقهية عند الإباضية
مما حجر عليه من الأموال، وبعد انتهاء الحجر للمقر، له الحق في مطالبتك بما أقررت له؛ لأن الإقرار حجة قاصرة على المقر والبينة حجة متعدية»،
وإقرارات المريض مرض الموت فما زاد على الثلث موقوفة، إن أجازها الورثة نفذت وإن أبطلوها لا تنفذ، وإن عاد إلى صحته ونفاد أمره تنفذ عليه» (1).
وهكذا يتضح أن الفقهاء حكموا بنفاد إقراراته للغير في حدود الثلث ـ
وهو الحق الذي جعل له فى الوصية لأنه في مرضه يكون متهما. ومن فروعها: لو أقر رجل بعطية أو هبة لغيره ثم مات، فهل تصح
له
بالإقرار؟ أم تبقى موقوفة حتى يُثبت ذلك بالبينة؟ جاء في جامع ابن جعفر ما يوضح حكم هذه المسألة بما نصه: «قيل في رجل أقرّ عند موته أني كنت أعطيت فلان بن فلان قطعة كذا وكذا، وقد أحرزها علي، فقال: أبو عبد الله ـ محمد بن محبوب ـ كان أبو علي يقول: إقراره جائز عليه وعلى ورثته من بعده، وذلك في الصحة (2).
ويشير ابن جعفر في صورة مشابهة إلى حكم هذه القاعدة فيقول: «عن رجل أعطى رجلاً عطية من ماله وأشهد على نفسه أنه قد أحرز عليه هذه العطية، قال: لا يجوز ذلك على ورثته حتى تقوم بينة عدل أنه قد أحرز، وإنما هو بمنزلة الرهن إذا أقر الراهن أن المرتهن قبض هذا الرهن، ثم رجع لم يجز عليه، ولا على ورثته حتى تقوم بينة عدل أن المرتهن قد قبض هذا الرهن، وذلك عندنا إذا أقر عند الموت، فأما إذا أقر في الصحة فإقراره هذا جائز عليه، وإن مات جاز على ورثته، ويوجد عن أبي علي الحسن بن أحمد أنه كان يجيز إقراره بهذا في الصحة، ولو لم تصح بينة أنه أحرزه، وكذلك على قول من
(1) الفضيلات محمود جبر الحاشية على كتاب الجامع لبن جعفر. 374/ 4.
(2) ابن جعفر: الجامع، 347/ 4. (4/324)
صفحة 2105
الفصل السادس: القواعد الفقهية الكلية الصغرى
325
يرى أن لا يقبل ذلك عند الموت إلا ببينة عدل أنّ المعطى قد قبل في صحة
المعطي). ومن فروعها أيضاً في الإقرار بالهبة للغير ما ذكره السالمي في جواباته لما سئل: «عن قولهم فيمن أقر بجميع ماله أو بشيء منه في المرض، فالورثة بالخيار إن شاءوا أعطوا القيمة، وإن شاءوا المال بخلاف ما إذا كان الإقرار الصحة، فإنه يثبت ما أقر به خاصة، ما وجهه؟».
في
فأجاب: «قاسوا إقراره في مرضه على قضائه، غير أن الإقرار ثابت في نفسه، فلم يمكن إلغاؤه في نفسه، وجعلوا الورثة مخيرين بين دفع القيمة والمال، بيان ذلك أنه إذا أقر أحد بماله في المرض، فكأنه قضاه إياه عن حق لزمه لما علموا أن المال ماله، وإذا شاء به القضاء في هذه الصورة خير الورثة فيه، إما أن يسلموه تماما لما قضاه الهالك، وإما تسليم القيمة نقضاً لتصرف المريض، ولا يوجد شيء من هذا المعنى مع الإقرار في الصحة، فلذلك ثبت ما أقر به» (2).
(1) ابن جعفر: الجامع، 349/ 4.
(2) السالمي: العقد الثمين، 109/ 4 - 110. (4/325)
صفحة 2106
المطلب الثالث
قاعدة: «المرء مؤاخذ بإقراره» (1)
أولاً مكانة القاعدة عند الإباضية
هذه القاعدة تتعلق بسيد الأدلة في القضاء والإثبات، وهو الإقرار؛ لأنه الفيصل في إنهاء النزاع وإعفاء المدعي من عبء الإثبات، لعدم الحاجة إليه بعد إقرار المدعى عليه، وقد اعتمد الإباضية على هذه القاعدة في كثير من المجالات الحياتية كالمعاملات والأحوال الشخصية، والزراعة، والجنايات، والقضاء وغيرها، وتنوعت عباراتهم، فمنهم من صرح بها بصيغة قريبة تتضمن معناها، ومنهم من ألمح إليها في ثنايا حديثه، يقول الشيخ أحمد الخليلي في سياق كلامه عن الطلاق والإنسان مؤاخذ باعترافه» (2). وعبر عنها السالمي بقوله: «من أقر على نفسه بشيء ألزمناه إياه (3).
وإذا رجعنا إلى النصوص المأثورة عن الإباضية المتقدمين نجد فيها ما يشير إلى هذه القاعدة، فقد روى الربيع عن ضمام عن أبي الشعثاء قال: «ما أقر به المُكاتب من دين أو حد لزمه الولد» (4). وسئل أبو الحواري
(1) جابر بن زيد: من جوابات الإمام جابر زيد، ص 122. ـ ابن جعفر: الجامع، 258/ 5، 264. ابن بركة: الجامع، 260/ 2، 532. ـ الهجاري أبو زكرياء يحيى بن سعيد: الإيضاح في الأحكام، 18/ 3. - البسيوي: جامع أبي الحسن البسيوي، 186/ 3. ـ أبو العباس أحمد الفرسطائي: |: القسمة وأصول الأرضين: ص 383، 402. - الثميني: الورد البسام، 63 - 79. أطفيش: شرح كتاب النيل، 553/ 13، 575. - السالمي: العقد الثمين، 109/ 4.
(2) الخليلي أحمد: فتاوى النكاح، الكتاب الثاني، ص (3) السالمي: العقد الثمين 109/ 4.
324
(4) جابر بن زيد: من جوابات الإمام جابر بن زيد، باب الأحكام والشهادات والإقرار والديات
والجروح والحدود والفتنة، ص 122. (4/326)
صفحة 2107
الفصل السادس: القواعد الفقهية الكلية الصغرى
327
عن إقرار الرجل بالصداق، ثم أنكره، أيجوز لها ذلك؟ قال: «إن إقراره مأخوذ به (1). ومن مجموع هذه النصوص يتبين أن هذه القاعدة كانت حاضرة في فقه
الإباضية منذ مؤسس المدرسة الإباضية جابر بن زيد، حتى هذا العصر، ولا شك أن صيغة القاعدة مرت بمراحل الصقل والتحوير والتطوير حتى استقرت عندهم بالصيغة المعروفة المتداولة عند الفقهاء، كبقية القواعد في مختلف المذاهب. ولإدراك أهمية هذه القاعدة لا بد من بيان حقيقتها، وأدلتها، وتطبيقاتها.
ثانياً: حقيقة القاعدة:
ولمعرفة حقيقة هذه القاعدة يستلزم بيان معناها اللغوي والاصطلاحي
وتحليل عناصرها كما يلي:
1 - معنى القاعدة:
الإقرار في اللغة من أقر بالشيء اعترف به، وأصل الإقرار في اللغة
6
التمكن يقال قرّ واستقر قال ابن فارس ومن الباب عندنا ـ وهو قياس صحيح - الإقرار ضد الجحود، وذلك أنه إذا أقر بحق أقره قراره» (3).
والإقرار في الاصطلاح إخبار بحق لآخر عليه» (3).
وعرفه القطب أطفيش بأنه: خبر وجب حكم صدقه على قائله فقط، بلفظه
أو لفظ نائبه» (4).
(1) ابن جعفر: الجامع، 264/ 5.
(2) ابن فارس: معجم مقاييس اللغة 7/ 5 - الفيومي: المصباح المنير، ص 681.
(3) الجرجاني: التعريفات، ص 50. (4) أطفيش أمحمد شرح النيل، 572/ 13. (4/327)
صفحة 2108
328
القواعد الفقهية عند الإباضية
فالإقرار في الشرع هو عبارة عن الإخبار بما يلزم المقر من الحقوق لغيره، وهو ضد الجحود.
والمؤاخذة: «من آخذه بالشيء مؤاخذة حاسبه عليه، وآخذه بذنبه مؤاخذة
عاقبه عليه، وآخذه بإقراره ألزمه إياه» (1).
والمعنى الإجمالي للقاعدة: أن الشخص إذا أقر بشيء على نفسه، فإنه يلزم به، ولا ينفعه بعد ذلك ادعاؤه الخطأ في الإقرار، ولخص السالمي هذا المعنى فقال: «من أقر على نفسه بشيء ألزمناه إياه» (2).
2 - تحليل القاعدة:
تتكون هذه القاعدة من الموضوع، والحكم ومناطه.
القاعدة: أ - موضوع
هو الإقرار الصادر من المرء على نفسه، ويشترط لصحته حتى يكون ملزماً عدة شروط، بعضها يتعلق بالمقر وبعضها بالمقر له وبالمقر به، وبصيغة الإقرار، نذكرها بإيجاز كما يلي:
يشترط في المقر: أن يكون بالغاً أو مميزاً للضرورة، عاقلاً (غير مجنون)، مختاراً غير مكره)، غير مُتهم في إقراره كإقرار المريض لوارثه بدين عليه (3)، معلوماً غير مجهول)، حراً غير عبد)، وغير محجور عليه بحيث يمنع من نفاد التصرفات، جاداً (غير هازل)). وقد أشار الثميني إلى معظم هذه الشروط، وحكى فيها الإجماع، فقال: «وأجمعوا أن إقرار الأحرار البلغ العقلاء جائز
(1) الفيومي: المصباح المنير، ص 9. (2) السالمي: العقد الثمين، 109/ 4.
(3) وهو رأي جمهور الفقهاء، ولم يقل بهذا الشرط من الإباضية غير الثميني والقطب أطفيش وأصحاب الديوان خلاف لبقية فقهائهم. ينظر الثميني: الورد البسام، ص 64. ـ أطفيش: شرح النيل، 575/ 13.
(4) ابن بركة: الجامع، 2/ 260. - أطفيش شرح النيل:، 575/ 13. (4/328)
صفحة 2109
الفصل السادس: القواعد الفقهية الكلية الصغرى
329
عليهم ويؤخذون به، إلا إقرار المكره والمحجور عليه في ماله والمفلس، فلا يجوز عليهم في أموالهم، ولا يجوز من عبد إلا إن جوزه ربه، ولا من طفل أو مجنون، ويجوز من أخرس بإيماء إن عرفت إشارته» (1).
ويشترط في المقر له أن يكون معينا (غير مجهول)، ذا أهلية للتمليك ولو المال، كالحمل، مصدقاً لما أقر به المقر، وأن يكون مستحقاً للمقر به عقلاً وشرعاً، كمن أقر لحمل بألف دينار بسبب التعامل والإقراض، فلا يقبل عقلا. قال الثميني: وجاز لجميع الناس، والخُلْف فيه للحمل إذا وُلد حياً، ولا يجوز لغير الآدميين، وجاز للأموات منهم (2).
ويشترط في المقر به: أن يكون معلوماً غير مجهول)، وأن يكون ملكاً للمقرّ، غير محال عقلا أو شرعاً، ولا يكذب به ظاهر الحال. يقول الثميني في بيان ذلك: «وإن قال كذا وكذا درهما قبل أن أُخلق أو أن تُخلق الدنيا بطل
إقراره» (3).
ويشترط في صيغة الإقرار أن تكون جازمة (غير مفيدة للشك)، منجزة غير معلقة على المستقبل. ووضح الثميني ذلك فقال: «وإن أقر (الزوج) بزيادة على أربع، أو بامرأة مع بنتها، أو أختها، أو بكل مال يصح اجتماعه بطل إقراره» (5).
واعتبر السالمي هذه الشروط ضوابط كافية لصحة الإقرار وقبوله، فقد سئل عن ضابط الإقرار الثابت هل هو إلا البلوغ والعقل والحرية من المقر،
(1) الثميني: الورد البسام، ص 63.
(2) الثميني: الورد البسام، ص 64. - ينظر: أطفيش: شرح النيل، 573/ 13 - 574.
(3) الثميني: المصدر نفسه، ص
69
(4) ينظر: الثميني: المصدر نفسه، ص 63 - 64. - أطفيش: المصدر نفسه. ـ شبير محمد عثمان:
القواعد الكلية، ص 348.
(5) الثميني: المصدر نفسه، ص 67. (4/329)
صفحة 2110
330
القواعد الفقهية عند الإباضية
وكون لفظه تاماً مفهوم المراد، وكون المقر به معلوما، وكذا المقر له؟ فقال: الله أعلم، وأراه ضابطاً جامعاً لشروط الإقرار الصحيح الثابت). هذا وقد ذكر أحمد الزرقا أغلب هذه الضوابط مجملة في عبارة وجيزة بعد ذكر هذه القاعدة، فقال: «المرء مؤاخذ بإقراره إذا كان بالغاً عاقلاً طائعاً فيه، ولم يصر مكذباً فيه بحكم الحاكم، ولم يكن محال من كل وجه عقلاً أو شرعا، ولم يكن محجوراً عليه، وأن لا يكون مما يكذبه ظاهر الحال، وأن لا يكون المقر له مجهولاً جهالة فاحشة» (2).
ثم شرع الزرقا في شرح بعض هذه الشروط مشيراً إلى المحترزات التي لو اجتمعت مع الإقرار لأفسدته، فلا يعتد به، وذلك «لو أقر صغيرا أو معتوها أو مكرها، لا يعتبر إقراره إلا في السارق إذا أقر مكرهاً فأفتى بعضهم بصحته، وكذا إذا صار مكذباً بحكم الحاكم بطل إقراره، كما إذا ادعى مشتري العقار أنه اشتراه بألف مثلا، وأثبت البائع أن الشراء كان بألفين، وقضى له، فإن الشفيع يأخذه بألفين، وإن كان المشتري أقر بالشراء بألف، لأنه لما قضى عليه بالبينة صار مكذبا بحكم الحاكم، وبطل .. إقراره ... - وكذا إذا كان المقر به مُحالاً من كل وجه عقلاً أو شرعاً فالأول: كما إذا أقر له بارش يده التي قطعها وهي قائمة والثاني: كما إذا أقر لوارث معه أن يستحق بطريق الإرث أكثر من حصته الشرعية كان باطلاً. وكما لو أقر بالدين بعد أن قبل إبراء الدائن منه، كان باطلاً. وكما لو أقرت المرأة أن المهر الذي لها على زوجها، هو لفلان أو لوالدها، فإنه لا يصح. وكما لو أقر لزوجته بنفقة مدة ماضية كانت فيها ناشزة فإنه لا يصح إقراره» (3).
(1) السالمي:: العقد الثمين، 108/ 4. (2) الزرقا أحمد: شرح القواعد الفقهية، ص 401. ينظر: تفصيل هذه الشروط في كتاب وسائل
الإثبات لوهبة الزحيلي، ص 284.
(3) الزرقا أحمد شرح القواعد الفقهية، ص 401 - 402. (4/330)
صفحة 2111
الفصل السادس: القواعد الفقهية الكلية الصغرى
331
ب - حكم القاعدة الكلي: الحكم الكلي للقاعدة هو: إلزام المقر بإقراره، وإذا صدر أمام القاضي يلزم القاضي الحكم به؛ لأن الإقرار إذا صدر من الإنسان فإنه يظهر به الحق، والقاضي مكلف بالحكم بالحق.
ج - مناط الحكم:
ومناط الحكم في قاعدة المرء مؤاخذ بإقراره أن الإنسان البالغ العاقل الحرّ له ولاية على نفسه فى إلزامها بما يشاء من الحقوق والالتزامات، وهو أدرى من غيره بما في ذمته من حقوق والتزامات، فيؤاخذ بما يقر على نفسه بجميع الحقوق من التعديات وغيرها والمعاملات بالأمانات، والودائع، والعواري والقراضات ونحو ذلك، ولو غير مضمونة).
يقول مصطفى الزرقا في هذا المعنى: «المرء مؤاخذ بإقراره»، وذلك إذا كان عاقلاً كامل الأهلية؛ لأن المفروض أنه أعلم من غيره بما فعل من أسباب الالتزام، وبما عليه من حقوق وأنّ له ولاية على إلزام نفسه بما يشاء من طريق الإنشاء بالعقود وغيرها من الأسباب المنشئة، فله بل عليه شرعاً أن يكشف الحجاب عن الالتزامات المستقرة عليه؛ لأن كتمان حقوق الناس
وهضمها حرام).
د - حكم الرجوع عن الإقرار:
قسم الفقهاء ألفاظ الرجوع عن الإقرار إلى قسمين:
الأول: الألفاظ الصريحة في الرجوع مثل قوله: رجعت عن إقراري، أو كنت مازحا أو مخطئا فيما أقررت به، وما أشبه ذلك من العبارات التي تدل
على رجوعه عن إقراره.
(1) الثميني: الورد البسام ص 64. - ينظر أطفيش شرح النيل، 573/ 13. (2) الزرقا مصطفى: المدخل الفقهي العام، 1053/ 2 - 1054. (4/331)
صفحة 2112
332
القواعد الفقهية عند الإباضية
الثاني كأن يردد في إقراره أو هروبه من الحد خلال تنفيذه، وهذا في الحدود كالرجم والجلد.
وبناءً على ما تقدم فإن حكم الإقرار يكون بالنظر إلى حالة المقر عند إقراره، وما يصدر عنه من ألفاظ، وكذلك بالنظر إلى نوع الحق المقر به، فإن كان الإقرار متعلق بحق الله مثل الزنا، والسرقة، فيقبل الرجوع فيه، ويدرأ عنه الحد، أما إذا تعلق الإقرار بحق العباد فلا يقبل الرجوع عنه بعد الاعتراف؛ لأن الإقرار الناتج عن رضى وعدم كراهية إقرار مقبول، ويعتبر الأدلة، وقاصر على المقر بالحق، ومتعلق بالذمة، على المقر أن يؤدي
سيد
ما أقر به.
والدليل على قبول الرجوع عن الإقرار في حق الله قصة الصحابي ماعز له، ففي رواية ابن عباس له قال النبي صلى الله عليه وسلم له: «العلك قبلْتَ أو غمزت؟ (1) وفي رواية: «هل ضاجعتها قال نعم قال: «فهل باشرتها؟» قال: نعم، قال: «هل جامعتها؟ قال: نعم (2)
واستدلوا أيضاً بحادثة ماعز لانه عندما فر لما وجد مس الحجارة ومس
الموت فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «هلا تركتموه» (3). (4).
وبناءً على القاعدة المقررة: المرء مؤاخذ بإقراره» لو أقر أحمد ليوسف
(1) رواه البخاري، كتاب الحدود، باب هل يقول الإمام للمقر: لعلك لمست أو غمزت، رقم 6452، عن عبد الله بن عباس. (2) رواه أبو داود، كتاب الحدود، باب رجم ماعز بن مالك، رقم 3857، وأحمد، مسند الأنصار، حديث هزال، رقم 21347، عن نعيم بن هزال الأسلمي.
(3) رواه الترمذي، باب ما جاء في درء الحد عن المعترف إذا رجع، رقم 1386، وقال: «هذا حديث حسن»، ورواه الحاكم في المستدرك، كتاب الحدود، رقم 8152، عن أبي هريرة. (4) الفضيلات محمود جبر سقوط العقوبات، 2/ 78 - 79. - ينظر: حاشيته على كتاب الجامع لابن جعفر: 224/ 5 - 225. (4/332)
صفحة 2113
الفصل السادس: القواعد الفقهية الكلية الصغرى
333
بمبلغ معلوم من الدنانير ديناً عليه، ثم ادعى الغلط والخطأ لم يقبل؛ لأن «المرء مؤاخذ بإقراره (1).
-
وكذلك إذا قبض المؤجر الأجرة، وبعد إقراره بذلك ادعى أن النقود
التي تسلمها مزيفة، لا يقبل ادعاؤه).
ـ وكذلك من أقر بسبب موجب للضمان ادعى البراءة عنه، لا يصدق إلا بالبينة، أو بتصديق المدعى عليه (3). ويمكن تلخيص الموضوع بذكر ضوابط
كما يلي: 1 - إقرار الإنسان العاقل على نفسه مقبول معتبر
2 ـ كل من أقر بشيء يضر به غيره فلا يعتد بإقراره.
ـ كل من أقر بشيء ثم رجع عنه فإنه لا يقبل رجوعه، إلا فيما كان حداً الله تعالى، عملا بالقاعدة الفقهية (الحدود تدرأ بالشبهات» (4). وسوف تتضح معالم هذه القاعدة أكثر، وما يرتبط بها من ضوابط وقيود من خلال الفروع والتطبيقات الفقهية.
ثالثاً: تأصيل القاعدة
الإقرار حجة شرعية ثبتت حجيته بالنقل والعقل.
أ ـ من القرآن
- فمن الأدلة النصية على هذه القاعدة إرشاد القرآن الكريم إلى توثيق المداينة بالكتابة، كما جاء في قول الله تعالى: {وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا يَبْخَسٌ مِنْهُ شَيْئًا} (البقرة: 282). فقد أمر الله تعالى المدين
(1) ينظر: الأتاسي: شرح المجلة العدلية، 227/ 1.
(2) ينظر: علي حيدر: درر الحكام، 70/ 1.
(3) ينظر: الحصيري: التحرير شرح الجامع الكبير، 72/ 2.
(4) الزركشي: المنثور في القواعد، 187. وينظر: الندوي علي أحمد القواعد الفقهية، ص 419. (4/333)
صفحة 2114
334
القواعد الفقهية عند الإباضية
أن يُملي على الكاتب ما عليه من حق للدائن والإملال من المدين هو إقرار واعتراف بالدين والتزام به، فلو لم يكن الإقرار حجة عليه يؤاخذ به لما كان في الإملال فائدة، ولما أمر به، وكذلك لو لم يُقبل إقراره لما كان لإملائه معنى؛ إذ الإملاء لا يتحقق إلا بالإقرار (1).
- وقال ل: {وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِثَقَ النَّبِيِّنَ لَمَا آتَيْتُكُم مِّن كِتَبٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقُ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ، وَلَتَنصُرُنَّهُ، قَالَ وَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِى قَالُوا أَقْرَرْنَا) (آل عمران: (81). قال القطب أطفيش في بيان مدلول الآية: «أمرهم أن يعطوا الله الميثاق في الإيمان بمحمد الله فإذا لزمهم ذلك فأولى أن يلزم أممهم، صلى الله عليه وسلم والعهد مع المتبوع عهد مع التابع ... ومعنى أَقْرَرْتُمْ (آل عمران: 81). المراد حمل المخاطب على الإقرار، ولذا أجابوا بـ أَقْرَرْنَا) (آل عمران: 81). إنشاء، والتقدير: أقررنا بذلك وأخذنا إصرك، فحذف للعلم به مما قبل» (2) وقال جل وعلا: {وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّنَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَن تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَمَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غفِلِينَ} (الأعراف: 182). قال القطب في تفسير هذه الآية مشيراً إلى هذه القاعدة: وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ} (الأعراف: (182). قال احملوا لي عليكم شهادة، وليشهد
أيضاً بعضكم على بعض، وشهادة المرء على نفسه إقرار».
وكذلك قوله تعالى: {يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ
وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ} (النساء: (135)، فيه توجيه إلى اعتبار هذه القاعدة. وقال تعالى: {وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلَا تُخْرِجُونَ أَنفُسَكُم
(1) ينظر: الزيلعي: تبين الحقائق - كتاب الإقرار 3/ 5 - شبير محمد عثمان: القواعد الكلية:
ص
347
(2) أطفيش: تسير تفسير القرآن الكريم، تحقيق وإخراج إبراهيم بن محمد طلاي، ط 1993،
المطبعة العربية، غرداية، 378/ 2.
(3) أطفيش: تيسير التفسير، ط 1 1419 هـ / 1998 م، 227/ 5. (4/334)
صفحة 2115
الفصل السادس: القواعد الفقهية الكلية الصغرى
335
مِن دِيَرِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنتُمْ تَشْهَدُونَ} (البقرة: 84). قال القطب في بيان وجه الاستدلال بالآية: «أي اذكروا وقت أخذ العهد على آبائك، لا يقتل بعضكم بعضاً، أو لا يقتلون أمثالكم، أَقْرَرْتُمْ} (البقرة: 84). أي: اعترفتم بأن ذلك الميثاق حق فقبلتموه، ومن لازم ما يُقرّ به أنه حق أن يُقبل»).
ب - من السنة:
استدل الإباضية على حجية هذه القاعدة بأحاديث نبوية تؤكد مسؤولية المقر على أقواله وأفعاله ذلك:
من
1 - روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إقرار الرجل على نفسه أكبر من الشهادة عليه» (2). فهو يدل على أن الإقرار أقوى حجة على صاحبه من الشهادة عليه. 2 ـ عن أبي هريرة عنه أن رجلاً من الأعراب أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله أنشدك الله ألا قضيت لي بكتاب الله، فقال الآخر وهو أفقه منه: فاقض بيننا بكتاب الله وائذن لي فقال: «قل»، قال: إن ابني كان عسيفاً (3) على هذا، فزني بامرأته، وإني أخبرت أنّ على ابني الرجم فافتديت منه بمائة شاة ووليدة، فسألت أهل العلم فأخبروني أنّ على ابني جلد مائة وتغريب عام، وأنّ على امرأة هذا الرجم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «والذي نفسي بيده لأقضين بينكما بكتاب الله، الوليدة والغنم ردُّ عليك، وعلى ابنك جلد مائة وتغريب عام، واغد يا أنيس إلى امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها)، فهذا الحديث يدل على أن الإقرار حجة على صاحبه.
6
(1) أطفيش: المصدر نفسه، ط، 1417 هـ/1996 م، 1/ 165.
(2) لم أجده فيما بحثت من مصادر.
(3) العسف: بفتح فكسر، ج عُسفاء: الأجير المستهان به لتفاهة عمله. ينظر: قلعة جي وقنيبي:
لغة الفقهاء، ص 312 معجم
(4) متفق عليه، رواه البخاري، كتاب المحاربين من أهل الكفر والردة، باب من أمر غير الإمام بإقامة الحد غائباً عنه،، رقم 6446، ومسلم، كتاب الحدود، باب من اعترف على نفسه
بالزني، رقم 1697، عن أبي هريرة وزيد بن خالد الجهني. (4/335)
صفحة 2116
=
القواعد الفقهية عند الإباضية
336
- وروي عن امرأة من جهينة أتت النبي صلى الله عليه وسلم وهي حبلى من الزنى فقالت: يا رسول الله أصبتُ حداً فأقمه عليّ فدعا نبي الله وليها، فقال: «أحسن إليها فإذا وضعت فأتني بها»، ففعل، فأمر بها رسول الله صلى الله عليه وسلم فشدّت عليها ثيابها، ثم أمر بها فرجمت ثم صلّى عليها). فهذا النص يدل على أنّ الإقرار حجة، وإذا كان الإقرار حجة في الحدود التي تدرأ بالشبهات ففي غيرها أولى.
4 ـ وفي رواية أخرى أن امرأة من عامر أو غامد وصلت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله طهرني قد، زنيتُ فقال: «ارجعي»، ثم عادت إليه فقالت: أريد أن تُطهرني، فقال: «حتى تضعي حملك»، ثم أتته بعد ذلك، فقال: «حتى تفطميه»، ثم أتته بعد ذلك وبيده قطعة خبز فأمر بها فحفر لها حفرة إلى صدرها، وأمر برجمها فرجمها الناس حتى جاء خالد بن الوليد فرمى بحجر فطار الدم من رأسها حتى نضح به فيها، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «يا خالد لقد تابت توبة لو تابها صاحب مكس لَغُفر له. فأمر النبي الله أن يصلى عليها وتدفن (2). قال ابن بركة معقباً على هذا الحديث لا يقام الحد عليها حتى تنقضي وقت الرضاع لهذا الخبر، ولم يعتبروا فيه وجود مرضعة له» (3).
ه ـ وروي أن رجلاً اعترف على نفسه بالزنا فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بسوط فجلد به، ثم قال: «يا أيها الناس قد آن لكم أن تنتهوا عن حدود الله تعالى، فمن أصاب منكم شيئاً من هذه القاذورات فليستتر بستر الله عليه، فإن أبدى صفحته إلينا أقمنا عليه حدَّ الله» (4).
(1) رواه مسلم، کتاب الحدود، باب من اعترف على نفسه بالزنى رقم 1696، عن عمران بن حصين. وأخرجه الترمذي في السنن، كتاب الحدود باب (9) وقال حديث حسن، 42/ 4.
(2) رواه مسلم، كتاب الحدود، باب من اعترف على نفسه بالزني، رقم 3295، عن عمران بن
حصين.
(3) ابن بركة: الجامع، 526/ 2.
(4) رواه الحاكم في المستدرك، كتاب الحدود، وأما حديث شرحبيل بن أوس، رقم: 8227، (4/336)
صفحة 2117
الفصل السادس: القواعد الفقهية الكلية الصغرى
337
ج - من الإجماع:
أجمع العلماء على أن الإقرار حجة على المُقرّ في التعامل بين الناس وأمام القضاء (1)، ونقل ابن بركة هذا الإجماع فقال: «واتفق الجميع على أن كل بالغ حر عاقل أقر على نفسه بحق أخذ به (2).
ويؤكد السالمي ثبوت حجية الإقرار من الإجماع بقوله: «فإن الأمة من موافق ومخالف لم يختلفوا في الإقرار، ولم يقل أحد منهم فيما علمنا أنه ليس بحجة على نفس المُقر، وأي شهادة أثبت على الإنسان من شهادة لسانه، وأنت خبير أنه لو لم يكن الإقرار حجة لما ثبت إسلام المسلم، ولا كُفر على كافر، ولا حق على أحد، إذ لا يتوصل إلى معرفة شيء من ذلك في أول الأمر إلا بالإقرار، ثم تصدر عنه سائر الأفعال، إن كان الإقرار خيراً صدرت أفعال الخير، وإن كان العكس، فالعكس، وقد عذر الله تعالى المقر بالكفر تقية، وشدّد على من شرح به صدراً فقال: {إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنُ بِالْإِيمَنِ وَلَكِن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِّنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} (النحل: 106) (3).
د ـ من المعقول:
أما كوْنُ القاعدة يساندها العقل، فإنه من المعلوم أن الإنسان العاقل لا يقر على نفسه كاذباً، ولا يدفع نفسه متعمداً إلى ما فيه ضرر بين (4)، ولذلك اعتبره
عن عبد الله بن عمر، ومالك في الموطأ، كتاب المدبر، باب ما جاء فيمن اعترف على نفسه بالزنا، رقم 1508، عن زيد بن أسلم العراقي: رواه الحاكم، وإسناده حسن. تخريج أحاديث
الإحياء، 106/ 3.
(1) ابن قدامة: المغني، 138/ 5.
(2) ابن بركة الجامع، 2/ 260. (3) السالمي: جوابات، 107/ 5 - 108. (4) السرخسي: المبسوط، 17/ 184 - 185. (4/337)
صفحة 2118
338
القواعد الفقهية عند الإباضية
الشرع غير متهم فيما يقر به على نفسه، وإلى هذا المعنى أشار الله تعالى في قوله: {بَلِ الإِنسَنُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرة} (القيامة: 14).
كما أن الإقرار يقاس على الشهادة بجامع أن كُلا منهما إخبار بحق لآخر، فلما كانت الشهادة حجة شرعية في الإثبات مع احتمال الكذب فيها، فالإقرار حجة بالأولى؛ لأن تُهمة الكذب في الإقرار أقل منها في الشهادة؛ لأن الإنسان لا يكذب على نفسه، وإن كذب على الآخرين).
رابعاً: فروع القاعدة:
من
خلال تتبع المصنفات الفقهية الإباضية عثرنا على جملة من الفروع الفقهية تخرجت على القاعدة المرء مؤاخذ بإقراره، تناولت قضايا مختلفة المعاملات والأحوال الشخصية والجنايات والقضاء، وغيرها ونحاول
في
عرض بعضها وتحليلها فيما يلي:
في الذين يقبل إقرارهم ومن لا يقبل منهم: نقل القطب أطفيش عن أصحاب الديوان ما نصه: «أجمع العلماء أن إقرار
هذا
الأحرار البالغين من الرجال والنساء جائز عليهم ومؤاخذون به، سواء في الموحدون والمشركون إلا إقرار المكروه والمحجور عليه في ماله والمفلس، فإنه لا يجوز عليهم إقرارهم في أموالهم، واختلفوا في إقرارهم المُعدَم بعد ما قام عليه أصحاب الديون، وإقرار العبد لا يجوز إلا إن جوزه مولاه، ولا يجوز إقرار الطفل والمجنون، ويجوز إقرار الأخرس بالإيماء إذا كانت له إشارة يعرف بها رضاه من سخطه، وأمره ونهيه، وقيل: لا يلزم بالإيماء شيء، ولا يجوز إقرار الناطق بالإيماء ويحكم على من أقر بالكتاب، وقيل: لا حتى
(1) ينظر: الشربيني مغني المحتاج 2/ 238. - النووي المجموع شرح المهذب للشيرازي،
524/ 18 (4/338)
صفحة 2119
الفصل السادس: القواعد الفقهية الكلية الصغرى
339
ينطق، ويجوز إقرار الإنسان للرجال والنساء والأحرار والعبيد، والمجانين والأطفال، والأحياء والأموات والإقرار للحمل منهم من أبطله، ومنهم من أجازه إن ولد حيا ... » (1). ويضيف القطب في بيان أحكام الإقرار وثبوته: «ولا يجوز الإقرار لغير بني آدم وجاز الإقرار بجميع الحقوق ولو مجهولة، أو بالخطأ، وبالأمانات، والعارية والقراض، ونحو ذلك مما هو مضمون أو غير مضمون ... » (2).
2 - حكم الإقرار عن التصرفات قبل البلوغ:
ومن المسائل التي اختلف فيها فقهاء الإباضية إقرار البالغ عن تصرفاته في مرحلة الصبا، قولية أو فعلية نافعة أو ضارة، هل يؤخذ به ويحاسب عليها
أم لا؟
تفطن الثميني لهذا الأمر فطرح هذا السؤال: وهل يؤخذ بالغ بإقراره بما فعل في طفوليته أو لا؟ إذا تبين. أنه فعله فيها - وهو الأكثر، قولان وإن أقر على نفسه بقول أو فعل فنسبه إلى طفوليته، فليؤخذ به إن لم يتبين صحة ما نسب، وقيل يؤخذ بالفعل فقط، وقيل بهما معا، ولا يحكم عليه بذلك» (3).
وحاول القطب توضيح ما أجمله بعبارة بسيطة فقال: «ومن أقر بما فعل في الطفولية لم يؤخذ إن تبين أنه فعل فيها، وقيل: يؤخذ، وإن أقر بقول أو فعل و نسبه للطفولية أخذ به، إلا إن تبيّن أنه فعل أو قال فيها، وذكر في الكتاب أنه يؤخذ بالفعل دون القول، وقيل: القول قوله فيهما، ولا يحكم عليه بذلك ... » (4).
(1) أطفيش: شرح النيل، 573/ 13. - وينظر: الثميني: الورد البسام،
(2) أطفيش: المصدر نفسه - الثميني: المصدر نفسه، ص 64.
(3) الثميني: المصدر نفسه، ص 64.
(4) أطفيش: المصدر نفسه، 573/ 13 - 574.
ص
63 - 64 (4/339)
صفحة 2120
340
القواعد الفقهية عند الإباضية
مجمل القول:
يبدو من عبارة القطب أنه يميل إلى عدم مؤاخذة المقر عن تصرفاته في مرحلة الطفولة، واشترط أن يكون مباشراً لها، أما إذا أقر بالقول ثم تبين عدم
الفعل، فلا يؤخذ به، وقيل يحكم عليه حسب قوله وفعله إن تبين صحة إقراره، القولين وذكرهما معا، ولعل ذلك سببه
أما الثميني فالظاهر أنه
لم يرجح
أحد
تساوي الأدلة وصعوبة الترجيح بينها، والبحث يقتضي ذلك ما دام لا تتوفر أدلة تؤكد صدق المقر أو كذبه، فإن ثبت صحة ما أقرّ به أخذ به، وإن لم يثبت
سقطت عنه المسؤولية.
4 - في الإقرار في المعاملات:
فله
أ ـ في الرجوع عن البيع:
جواز الرجوع في البيع إذا أقر المشتري بعدم معرفته لحقيقة المبيع. جاء في جامع ابن جعفر أنّ من اشترى بستاناً من نخيل وأشجار، وأراد أن يردّه لصاحبه بسبب ارتفاع ثمنه عن القيمة الحقيقية فجمهور الإباضية يرون أن له الحق في «أن يرجع فيه إذا لم يعرفه، أو لم يعرف شيئاً من حدوده، أو لم يعرف حيث ينتهي بشيء من حدود ما اشترى إلى الحد الذي يواليه لغيره فيه، في كل هذا الرجعة فإن شهد على نفسه بالمعرفة لزمه ذلك؛ لأنه قد باشر البيع وهو محيط بكل تفاصيل ذلك البستان، فلم يشتر مجهولا. وقال من قال إن شهد أنه عارف هذه الأرض التي اشتراها، ولم يقر بمعرفة حدودها، ثم احتج أنه غير عارف بالحدود، فله أنه غير عارف بالحدود، فله في ذلك الرجعة، وأما إن أقر بماله من أرض كذا وكذا لفلان، أو بماله كله لفلان ثم احتج أنه غير عارف بماله له، فلا حجة له في ذلك؛ لأنه إقرار، وقد خالفنا في ذلك من خالف، وكان هذا الرأي هو الأكثر» (1).
(1) المصدر نفسه، 263/ 5. (4/340)
صفحة 2121
الفصل السادس: القواعد الفقهية الكلية الصغرى
341
وبعد أن عرض ابن جعفر موقف الفقهاء من مؤاخذ المقر على إقراره صرح بأن ما ذهب إليه هو رأي جمهور الإباضية، وهناك من خالفهم.
ب - في الاختلاف في قيمة الدين المقر به
ومن فروعها في هذا الباب أنه قد يُقرّ شخص بمبلغ معين، ويستعمل ألفاظاً غير صريحة تحتمل أكثر من معنى، فيلتبس الأمر على المقر له، ففي هذه الحالة يتدخل القاضي للفصل بين المقر والمقر له بما يستوضحه حسب الظاهر من عبارة المقر، ويذكر الفقهاء صوراً من هذا القبيل. يقول ابن بركة في هذا الشأن: «وإذا أقر رجل لرجل بدرهم في دينار لم يكن عليه إلا الدرهم، إلا أن يريد درهما ودينارا، وعلى الحاكم أن يوجب على المقر ما أوجبه الحكم بظاهر لفظة المقر، ويسأله عما احتمل من كلامه ما أراد به وإن قال عليّ له درهم، و درهم فهو در همان، وإن قال له علي درهم فدرهم، فهو درهمان، وإن قال درهم في درهم، كان درهماً واحداً، أو قال فوق درهم [أو تحت درهم لم يكن إلا درهماً واحداً؛ لأنه يحتمل أن يعني فوقه من الجودة أو تحته في الزيادة، وعلى الحاكم أن يستفسره من الألفاظ وما يريد بها.
ولو قال له: علي درهم مع درهم كان درهم واحد؛ لأنه يحتمل أن يكون مع درهم لغيره أو لنفسه، قال بعض أصحاب أبي حنيفة: هما درهمان، وكذلك لو قال له علي درهم مع دينار لم يكن عليه إلا درهم واحد؛ لأنه يحتمل أن يقول مع دينار لي ....
-
ولو قال: علي له درهم قبله درهم أو بعده، درهم، كان درهمان ... ولو قال له علي دينار بقفيرين، كان عليه دينار، ولو قفيران باطل؛ لأنه اختار
عن بيع
(1) ابن بركة: الجامع، 409/ 2. (4/341)
صفحة 2122
342
القواعد الفقهية عند الإباضية
ويتابع ابن بركة بيان الصور المحتملة في الاختلاف بين المقر والمقر له بسبب استعماله ألفاظاً تحتمل أكثر من معنى، مما يتوجب على المقر له أن يستفسر منه كلما التبس عليه الأمر، حتى لا يقع عليه الضرر، أو يحصل النزاع بينهما. ومن هذه الصور: «لو أقر له يوم السبت بدرهم، ثم أقر له بدرهم، لم يكن عليه إلا درهم واحد.
يوم
الأحد
ولو قال: عليّ له يوم السبت درهم ويوم الأحد درهم، لزمه درهمان. ولو قال: علي له درهم يوم السبت ويوم الأحد، لم يلزمه أكثر من درهم واحد. ولو قال: علي درهم وديعة، فهو وديعة؛ لأنه وصل الكلام، ولو سكت ثم قال: وديعة، لم يقبل منه، وهو إقرار؛ لأنه ادعى البراءة منه بعد أن ضمن بالإقرار ... » (1).
وكذلك يورد الثميني صوراً أخرى للإقرار بالنقود، وعبارة المقر تحتمل أكثر من معنى فيقول: «وإن أقر له بدينار ونصف، فله ذلك، وقيل الدينار فقط، وإن قال بدينار ونصف دينار كانا له اتفاقاً، وكذا عشرة دنانير وعشرة دنانير له بهما عشرون وإن قال عشرة دنانير وعشرة، فله العشرة دنانير فقط.
6
وإن قال علي: دينارا أو عشرة دنانير، حُكم له بدينار، وقيل بالعشرة، وقيل: لا يحكم بها حتى يتبيَّن للحاكم معنى قوله ذلك. وإن قال علي هذا الدينار أو الجمل، أو غيرهما جاز إن حضر، وقيل لا يجوز مطلقاً.
وإن أقر بأن عليه كذا وكذا وديعة أو قراضا أو نحوهما من الأمانات، جاز، وقيل: لا إلا إن قال عندي، وجاز في الدين أيضاً، وقيل: لا يجوز فيه إلا عليّ أو في في ذمتي» (2).
(1) ابن بركة: المصدر نفسه، 409/ 2 - 410. - ينظر: الثميني: الورد البسام، ص 78 - 79.
(2) الثميني: الورد البسام، ص 79 - 80 (4/342)
صفحة 2123
الفصل السادس: القواعد الفقهية الكلية الصغرى
343
4 ـ في الإقرار بالطلاق البائن:
ومن فروعها في باب الطلاق ما جاء في فتاوى الخليلي لما سئل فيمن قال: «إذا ركبت زوجتي سيارة فلان في هذا اليوم فهي طالق بالثلاث، ولم تركب المرأة في ذلك اليوم، وإنما ركبت في يوم آخر، فظن الرجل أن زوجته قد طلقت بذلك، فذهب إلى المحكمة وقال لهم بأني طلقت زوجتي بالثلاث وأريد شهادة على ذلك، وقد مضى على ذلك عدة أشهر، ويسأل إن كان الطلاق واقعا بهذا أم لا؟».
فأجابه الشيخ: يركب أحدكم الأحموقة ثم يسعى إلى الناس في طلب حلها، لم تكتف بارتكابها أوّل مرة إذ علقت طلاق الثلاث على ركوب زوجتك السيارة في ذلك اليوم، والإنسان مؤاخذ باعترافه، أما من حيث الحكم فيما بينك وبين الله فالطلاق غير واقع إن لم ترد إنشاء طلاق باعترافك، وأما في الحكم الظاهر فأنت مؤاخذ باعترافك كما قلت ... ).
ويلاحظ من جواب الشيخ أنه قد استند في فتواه على القاعدة: «المرء مؤاخذ بإقراره»، حيث صرح بها وبين للسائل أنّ الإنسان يحاسب على كل ما يصدر عنه من إقرارات واعترافات على نفسه ولغيره، ويتحمل مسؤولية تصرفاته الطائشة، ومجاوزته للحدود الشرعية قضاء وديانة.
ه
في الإقرار بالولد بعد القذف:
ومن فروعها إذا قذف الرجل امرأته بالزنا ونفى ولدها، ثم أقر بعد اللعان لحق به نسبه؛ لأنه أقر بشيء كان أنكره، وقد كان يدعي عليها، وكذلك يلزمه في جميع الحقوق التي تدعى عليه إذا أقر بشيء منها بعد إنكاره لها لزمه المال، ولا يقع للمقر به ولا عليه في ذلك).
(1) الخليلي أحمد فتاوى النكاح الكتاب الثاني، ص 224. (2) ابن بركة: الجامع، 532/ 2. (4/343)
صفحة 2124
344
القواعد الفقهية عند الإباضية
ويستخلص من هذا أن المقر قُبِل إقراره لما رجع عن قذف زوجته بالزنى، ونَفي الولد منها، وأما وقد ظهرت منه التهمة حيث لم يلحق ولده به إلا طمعاً في ماله، فإن إقراره غير مقبول ولا يعتد به.
6 ـ في الإقرار بالقتل والرجوع عنه:
اختلف فقهاء الإباضية في حكم الرجوع عن الإقرار في الحدود عند يرجع المقر بالقتل عن إقراره، فمنهم من أجاز مطلقاً،
الشبهة، كأن
ومنهم من
أجازه في حقوق الله، ومنعه في حقوق العباد، كالسرقة ونحوها. سئل الشيخ السالمي عمّا يوجد فيمن أقر بقتل رجل أن له أن ينكر، فلا يلزمه شيء، ما معناه؟
فأجاب: «معناه لا يلزمه شيء من القود، وذلك على رأي من جعل القود حداً؛ لأن الرجوع عن الحدود نافع؛ إذ لا تقام على شبهة، قال بريدة: «وكنا نتحدث أنّ الغامدية وماعزاً لو رجعا بعد اعترافهما، أو قال لو يرجعا بعد اعترافهما لم يطلبهما، وإنما رجمهما بعد الرابعة)، وأما على قول من يرى القود حقاً للعباد، فلا ينفع الرجوع بل يقاد بإقراره، والخلاف مصرح به في الأثر، وإن طلب أولياء المقتول منه الدية لزمته الدية في ماله، وقال العلامة الصبحي (2) لا رجعة له في حقوق العباد، وإنما الرجعة في حق الله على بعض القول، وقيل: لا رجعة له» (3).
(1) رواه أبو عوانة: المستخرج كتاب الحدود، باب بيان الإباحة للإمام أن يصلي على الزانية المرجومة، حديث: 5070، قال بريدة بعد أن ساق قصة ماعز: «كنا نتحدث بيننا أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أن ماعزاً لو جلس في رحله بعد اعترافه ثلاث مرات لم يطلب إنما رجمه عند الرابعة» وأخرجه أبو عوانة أيضاً في المستخرج كتاب الحدود، باب بيان الإباحة للإمام أن يصلي على الزانية المرجومة، حديث: 5071، عن بريدة بن الحصيب الأسلمي، وذكر قصة
الغامدية ولم يعلق عليها.
(2) تقدمت ترجمته.
(3) السالمي: العقد الثمين، 107/ 4 - 108. (4/344)
صفحة 2125
الفصل السادس: القواعد الفقهية الكلية الصغرى
345
7 - في حكم الاستثناء في الإقرار
اختلف الإباضية في حكم الاستثناء في الإقرار فأجازه بعضهم، وأبطله آخرون. يقول الثميني في هذا الصدد: «وإن أقر لأحد ببستان إلا شجرة، جاز، وقيل، لا، وإن أقر له بمعصرة أو بحمام أو رحى، فلا يأخذ الأداة، وإن أقر له بعين ماء، فله العين خاصة، وإن أقر له بمائها دون بقعتها أو بالعكس، جاز، وإن أقر له بطريق أو ساقية، أو ممصل له في أرضه، وعيَّنه له، جاز وصح له ذلك، وإن لم يُعيّنه فيها أخذ بإخراجه له في أرضه ...
وكذا إن تشاكل عليه ذلك فيما بين حدود معلومة، فليؤخذ أيضاً بإخراجه له، وإن أقر له بشجر إلا ثماره أو بالعكس، جاز، وإن أقر له بشجر واستثنى غلة، لم تكن فيه أو بدار إلا سكناه، فله الغلة والسكن، كالشجر والدار، وإن أقر له بسكنى هذه الدار، أو بغلة هذه الأشجار، وهي لم توجد لم يجز إقراره، وإن أقر له بهذا البيت إلا ما فوقه من الهواء، أو إلا بقعة، أو إلا ما فيه، جاز» (1).
وهكذا يتبيَّن أن الإباضية انقسموا في قبول الاستثناء في الإقرار إلى فريقين، ولعل الذين قالوا ببطلانه يرون أن الأصل إذا استثني منه شيء تعسّر الانتفاع به، ولذلك أوجبوا الإقرار به كاملاً، وأما الذين أجازوه نظروا إلى الشيء المقر به بأنه لا يخلو من منفعة، فقبول جزء منه خير من إبطاله كله، ما دام المستثنى يمكن حصوله عقلاً وشرعاً، عملاً بالقاعدة المشهورة: «مالا يدرك كله لا يترك جله، ولعل هذا الرأي هو الصواب والراجح عندنا لوجاهته وقوة تعليله.
وفي الاستثناء من الإقرار أيضاً: ـ
سئل نور الدين السالمي عن اختلاف الفقهاء في الاستثناء والشرط، فقيل
(1) الثميني: الورد البسام ص 75 (4/345)
صفحة 2126
346
القواعد الفقهية عند الإباضية
إنه يبطله، وقيل: الشرط باطل ويثبت الإقرار وقيل يصح الإقرار ويجوز الاستثناء، ما وجهه؟
فأجاب: «نعم ثبت الخلاف في الشرط في الإقرار، فقيل يثبت الإقرار والشرط، وقيل يفسدان معاً، وقيل يثبت الإقرار ويبطل الشرط، والاستثناء في هذا كله كالشرط، لأنهما بمعنى واحد، وهذا كله فيما إذا رجع الشرط إلى نفس الإقرار لا إلى المقر به، وذلك كما إذا قال علي لفلان ألف درهم إن شاء الله، وإن قال: علي ألف درهم إن شاء فلان، أو قال: علي ألف درهم إن كان كذلك، وإن كان حقا لم يلزمه ... وكذلك إن قال عليّ ألف درهم إن دخل الدار، أو إن أمطرت السماء، أو هبت الريح، أو تكلم أو نام، أو قال: علي ألف درهم فيما لا أظن وفيما أرى، فهذه الشروط والاستثناءات كلها راجعة إلى نفس الإقرار والخلاف فيها وارد على الثلاثة الأقوال:
فأما الشرط والاستثناء الراجعان إلى المقر به لا إلى الإقرار، كَعَلَي مائة درهم إلا درهما، أو علي له الدرهم الذي أخذته منه بالأمس، فهذا ثابت بلا خلاف نعلمه بين أحد من أهل المِلَّة، وإنما اختلفوا في استثناء الشيء من غير جنسه، كما إذا قال عليّ له ألف دينار إلا درهماً أو إلا ثوباً، فالدرهم والثوب من غير جنس الدنانير، فمنهم من أثبت هذا الاستثناء وحَطّ عنهم الدرهم وقيمة الثوب ... ). واختار السالمي هذا القول وصححه وقال: والصحيح عندي اعتباره؛ لأن الدرهم والثوب يقضي عن الدنانير عند التراضي، وكذلك اختلفوا في استثناء الأكثر والمساوي، كعلي له مائة درهم إلا تسعين درهما أو خمسين درهماً،
والصحيح اعتباره فيهما أيضاً» (2).
(1) السالمي: العقد الثمين، 4/ 108 - 109. (2) السالمي: المصدر نفسه، 109/ 4. (4/346)
صفحة 2127
الفصل السادس: القواعد الفقهية الكلية الصغرى
347
وبعد أن عرض السالمي أقوال الفقهاء المختلفة في حكم الاستثناء والشرط في الإقرار خلص إلى القول: «وإذا تحرر لك محل النزاع المتقدم، وأنه في الشرط العائد إلى نفس الإقرار دون الراجع إلى المقر به، فها هنا نقول: إن القائل بصحة الإقرار والشرط جعل الإقرار عقداً متوقفاً، والعقود تُمكَّن فيهما الشروط، ومن ألغاهما معاً جعل الشرط مفسداً للإقرار وهادماً؛ لأن الإقرار عنده في حكم الإخبار عن الشيء، وإذا لم يكن الخبر جازماً فلا يعقد به، ومن ألغى الشرط وأثبت الإقرار، فقد جعل الإقرار كالشهادة على نفسه بالحق؛ لأنه أخبر عن واقع، ولا معنى للشروط في هذا، بل يثبت إقراره ويلغى شرطه وهذا القول عندي هو الصحيح؛ إذ لا معنى للتردد في الحقوق وإن كانت عليه، ولا معنى لإقراره وإن لم تكن عليه، والحكم لا يتلاعب به، فمن أقر على نفسه بشيء ألزمناه إياه» (1).
مجمل القول:
يظهر من خلال ما بسطه السالمي من القول في حكم الاستثناء والشرط في الإقرار، وما رجحه وصححه منها أنه لا اعتبار للاستثناء والشرط في الإقرار، فإذا ثبتت الحقوق على المقر لزمه، وإن لم تثبت عليه فلا يلزمه والشرط لا يقدم ولا يؤخر في الحكم، والشارع الحكيم لا يبني أحكامه على التردد والظن، بل على القطع واليقين، أو غلبة الظن، ولعل ما ذهب إليه السالمي وصححه هو ما يختاره الباحث ويرجحه، لأنه الرأي الأعدل والأقرب للصواب للاعتبارات المتقدمة والله أعلم.
(1) السالمي: نفسه. (4/347)
صفحة 2128
المطلب الرابع
قاعدة: «الأمين مصدق باليمين»
أولاً: أهمية القاعدة:
تعد هذه القاعدة من القواعد الهامة التي تتعلق بنظام القضاء وطرق الإثبات، فكثيراً ما يلجا إليها القضاة والمفتين في حل النزاعات، وفك الخصومات بين المتداعيين، وقد اعتمدها الإباضية في أحكامهم وفروعهم الفقهية، وتجسدت في مواضع عديدة خاصة في أبواب الأمانة والوديعة والعارية واليمين، وصرح بها ابن جعفر الأزكوي (1)، وابن بركة البهلوي (2)، وأبو العباس أحمد الفرسطائي (3)، وسلمة العوتبي)، وعامر الشماخي)، وسعيد بن خلفان الخليلي)، وغيرهم، كما اعتمدها غيرهم من الفقهاء، وظهر
ذلك في مصنفاتهم
(V)
ثانياً: مدلول القاعدة
لعل المعنى الذي تدل عليه عبارة القاعدة أن الأمين مُصدَّق فيما ادعاه في الأمانة والوديعة من التلف أو التصرف فيها بإذن ربها، أو أنها إذا أصابتها
(1) ابن جعفر جامع ابن جعفر 24/ 4، 252 - 253 154/ 5، 296، 300. (2) ابن بركة الجامع، 2/ 270 - 432 - 433 .. (3) أبو العباس أحمد بن محمد الفرسطائي: القسمة وأصول الأرضين، ص 120. (4) العوتبي سلمة بن مسلم كتاب الضياء، 13/ 37، 40، 44، 127، 140، 155. (5) الشماخي: كتاب الإيضاح، طبعة وزارة التراث عُمان، 199/ 7.
(6) الخليلي سعيد: كتاب التمهيد، 277/ 9.
(7) الكاسائي: بدائع الصنائع، مطبعة العاصمة، القاهرة، 14/ 4 - 20. ـ الزرقا أحمد: شرح القواعد الفقهية، ص 482. - الزرقا المدخل الفقهي فقرة 5/ 83 - 4، وكذلك مجلة الأحكام العدلية، المادة: 1774. (4/348)
صفحة 2129
الفصل السادس: القواعد الفقهية الكلية الصغرى
349
(1)
جائحة من غير تقصير منه ولا تَعَدِّ، فلا ضمان عليه؛ لأنه محسن وما على المحسنين من سبيل. ولكن هل يصدق الأمين في قوله من غير يمين؟ أم يلزمه اليمين؟ اختلف فقهاء الإباضية في ذلك إلى ثلاثة أقوال: الأول: ذهب أكثرهم إلى وجوب اليمين على الأمين مطلقاً سواء طُلب منه
لم يطلب، وسواء كان متهماً في التضييع والتقصير أم لم يتهم، وسواء اشترط عليه ضمان الأمانة أو لم يشترط ذلك، وهو القول المشهور عند الإباضية، صرح بذلك أبو ستة عمر القصبي، إذ يقول معلقاً على قول الشماخي في «الإيضاح»: «قوله وقال بعضهم إن اتهم ... إلخ يؤخذ منه الخلاف في المؤتمن، هل يحلف أو لا؟ والمشهور الذي عليه العمل في زماننا أنه يحلف ويقولون: الأمين أميناً وعليه اليمين» (2).
الثاني وذهب البعض إلى عدم وجوب اليمين على الأمين ما دام أميناً، فهو مصدق في قوله، والقول قوله ما لم يتعد أو يفرط فيما ائتمن فيه، أما إن اتهم في تصرفه بالتضييع والتقصير وطلبت منه اليمين، فالقول قوله مع يمينه، نقل ذلك ابن جعفر والعوتبي ونسبا ذلك إلى أبي عبيدة مسلم، والربيع بن حبيب، وعللوا ذلك: أن الأصل فيه الأمانة، والأمين مصدق (3).
الثالث وذهب آخرون إلى عدم وجوب اليمين على الأمين؛ لأنه مصدق، إلا إذا اتهم فيما يلزمه فيه الضمان، فلا يصدق في دعواه إلا بالبينة؛ لإثبات براءة ذمته من العمد، أو الخطأ، أو التقصير، صرح بذلك ابن جعفر والعوتبي، فقالا: «وإذا قال المستودع: إن صاحب المال أمره أن يتصدق به، فإنه يصدق
151
(1) هر موش: معجم القواعد الفقهية الإباضية، ص (2) القصبي أبو ستة عمر الحاشية على كتاب الإيضاح للشماخي، 7/ 199. ـ البسيوي: جامع أبي الحسن البسيوي، 252/ 4.
(3) ابن جعفر: الجامع، 252/ 4. - العوتبي: الضياء، 37/ 13. (4/349)
صفحة 2130
350
القواعد الفقهية عند الإباضية
في ذلك؛ لأن الأصل أمانته والأمين مصدق، وما كان أصل ضمان فإنه لا يصدق إلا بالبينة).
الرأي المختار: بعد النظر في الأقوال السابقة وتعليلها يظهر أن القول الأول هو الراجح؛ لأن الأصل يصدق الأمين في قوله دون حاجة إلى يمين أو بينة، ولكن بعد أن ظهرت الخيانة في سلوك الناس وخربت الذمم، وانخفض مستوى الأمانة في مجتمعاتنا المعاصرة، يترجح عندي لزوم اشتراط اليمين على الأمين حتى يصدق في دعواه، ولو كان غير متهم قطعاً للشك والريبة، وعليه فما ذهب إليه جمهور الإباضية هو الأعدل والأقرب للصواب حتى يتأكد قول الأمين، ويكون دافعاً لقبول صاحب الوديعة أو الأمانة ادعاءه التلف دون عمد منه أو تقصير، فيكون عفوه عن وديعته أو أمانته مبنيا على يقين فلا يعتريه شك ولا ريبة، ولا يحدث بينهما خصام، أو إعراض وهجران والإسلام حريص على بقاء الألفة والمودة بين المسلمين ولهذا نجده يسعى بتشريعاته الحكيمة إلى إزالة كل ما من شأنه إحداث الخصومة والنفرة في نفوس المسلمين، وسوء الظن والوسوسة المؤدية إلى التدابر والقطيعة، وفساد العشرة). كما أن الشارع الحكيم لو حكم بتضمين الأمناء ما ضاع منهم أو تلف من غير تفريط؛ لوقع الظلم عليهم، ولكان لهم الحق في رفض كل وديعة يريد أن يستودعها عندهم مودع (3)، وكل هذا لرفع الحرج والمشقة عنهم، فلا يُضمنون إلا إن ثبت عليهم بالبيئة العادلة تعمدهم في التلف أو تقصيرهم وتضييعهم للأمانة، فإن استطاعوا في حالة التهمة إثبات عكس ذلك بالبينة الثابتة صدقوا
(1) ابن جعفر: المصدر نفسه. ـ العوتبي: المصدر نفسه. (2) محمد بكر إسماعيل: القواعد الفقهية، ص 218.
(3) محمد بكر: المرجع نفسه. (4/350)
صفحة 2131
الفصل السادس: القواعد الفقهية الكلية الصغرى
351
في ادعائهم وانتفت عنهم التهمة، وإن عجزوا عن ذلك، تحملوا الضمان وذلك كله حفاظاً على الأعراض والأموال التي هي من مقاصد الشريعة
الإسلامية الغراء.
أ
ثالثاً: فروع القاعدة:
-
في باب الأمانة والوديعة:
1 ـ أن من استودع رجلاً أمانة أو وديعة فلا ضمان عليه، لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من استودع وديعة فلا ضمان عليه»). وهو قول أبي عبيدة التميمي والربيع بن حبيب من الإباضية. وإذا قال المستودع: إن صاحب المال أمره أن يتصدق به، فإنه يُصدق؛ وذلك لأن الأصل اعتبار أمانته، والأمين مصدق». وقيل: وهذا إذا أقر المؤتمن أنه أمره أن يتصدق بها، وإن أنكر أنه لم يأمره، فلا يُصدق، وما كان أصله ضمانا فلا يصدق إلا بالبينة (2). 2
2 - وفي تسليم الأمانة: جاء في جواب أبي الحسن البسيوي «في رجل عليه لرجل حق، فقال له: سلّمه إلى رجل، فقال: إنه قد سلّمه وأنكر ذلك الآمر له، قال: إنه أمين، فالقول قوله مع يمينه لقد سلّمه إليه على ما أمره، وكذلك إن أمره أن يسلمه إلى يتيم فقال: إنه قد سلّمه إليه، كان القول قوله مع يمينه، وقال من قال: أنه لا يقبل قوله في ذلك إلا بالبينة؛ لأنه مدعي إزالة ذلك عن نفسه إلا أن يكون ذلك أمانة في يده، فهو مصدق في ذلك، وأما الأول
(1) روي الدارقطني الحديث عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ليس على المستعير غير المغل ضمان ولا على المستودع غير المغل ضمان»، السنن، کتاب البيوع، رقم 168. قال ابن حجر: «وفي إسناده ضعيفان قال الدارقطني: وإنما يروى هذا عن شريح غير مرفوع، ورواه من طرق أخرى ضعيفة». تلخيص الحبير، 97/ 3.
(2) ابن جعفر: الجامع، 252/ 4. - العوتب الضياء، 37/ 13. بتصرف. (4/351)
صفحة 2132
352
القواعد الفقهية عند الإباضية
فلا يقبل قوله إلا أن يصدّقه الذي أمر أن يدفعه إليه، أو يصح له ذلك بالبينة، أو يقر الأمر له بذلك» (1). ويفهم من عبارة أبي الحسن البسيوي أن الفقهاء اختلفوا في حكم الأمين، فمنهم من يرى أن القول قول الأمين مع يمينه، إذا أنكر من تسلّم له الأمانة، ومنهم من قال: لا يقبل قوله إلا بالبينة، أو يصدقه صاحب الأمانة، أو من سلّمها إليه، فلم يتفقوا على حكم واحد رغم أنه في الأصل أمين لم تثبت عليه خيانة، ولكن بعضهم اتهمه، وبعضهم صدقه في ادعائه بالتسليم؛ لأن «الأمين مصدق»، واكتفى البعض بتأكيد صدقه باليمين احتياطا، ولعل هذا القول أقرب للصواب
وأدعى إلى نفي الريب والشك، وهو ما ينبغي العمل به عند فساد الزمان. 3 - وفي دعوى ضياع الأمانة: سُئل السالمي عمن وضع عند رجل أمانة، فادعى الأمين أنها سُرقت منه، هل يقبل قوله إذا لم تكن سرقة بينة شاهرة،
وماذا عليه؟
فأجاب: «الأمين أمين على ما وضع معه، والقول قوله في بقائه وتلفه، فإن اتهم فيه بتضييع، أو غير ذلك مما يلزمه فيه الضمان لصاحب الأمانة، عليه يمين، فيحلف بالله أنه ما ضيع أمانته، أو نحو ذلك من أيمان القطع، خلافا أن اليمين عن التهم يمين علم؛ لأن يمين العلم إنما تكون على فعل الغير، وهذا إنما يتهمه على فعل نفسه، والأمين ينفي عن نفسه ذلك التضييع» (2).
لمن زعم
ب - في الوكالة:
ورد في جامع ابن جعفر سؤال عن التوكيل بالشراء في «رجل أمر رجلا أن يشتري له بضاعة من صحار أو غيرها من عنده، فلما رجع الرجل من سفره قال له: قد اشتريت لك ما أمرتني به وتلف، وطلب إليه الثمن، قال: فإنه
(1) ابن جعفر نفسه، 252/ 4. (2) السالمي: العقد الثمين، 307/ 4. (4/352)
صفحة 2133
الفصل السادس: القواعد الفقهية الكلية الصغرى
353
يلزمه الثمن إذا صح أنه اشترى له بضاعة وتلف وأقر الأمر أنه أمره، فإن
اتهمه وطلب يمينه، لزمه اليمين.
أنه
ومن غيره قال أبو علي (الحسن بن أحمد): وإنما تلزمه اليمين إذا صح اشترى له، وأما دعواه فلا تلزمه ذلك إلا أن يصدقه ولا أعلم في هذا يميناً). 2 ـ ومنها في الوكالة أيضاً: ما نقله أبو زكرياء يحيى بن سعيد في «الإيضاح» عن بعض فقهاء الإباضية قائلاً ورجل دَفعت إليه امرأة ذهباً أو فضة يدفعه إلى الصائغ يصوغ لها حليّاً، أو قالت ادفعه إلى فلان الصائغ يصوغه، فقبضه منها، ثم قال: قد دفعه إلى الصائغ الذي أمرته أن يدفعه إليه، ثم قال الرجل: فإن الصائغ ذهب منه، أو جحده الصائغ أنه لم يدفع إليه شيئاً. قال أبو سعيد الكدمي فلا أرى عليه ضماناً، والقول قوله مع يمينه لقد فعل كما أمرته وما خانها فيه.
قال غيره: نعم هو كذلك؛ لأنه أمين، وإن دفعه إلى صائغ سوى من أمرته ضمنه، وإن أمرته بدفعه إلى الصائغ يصوغه فدفعه هو برأيه، وقال: إني قد
دفعته إلى صائغ فأنكر الصائغ، فالقول قوله، ولا ضمان عليه مع يمينه. قال السائل: لو أنه هو طلب إليها ذلك، ففعلت ذلك سواء؟ قال: لا ضمان عليه، قال غيره نعم» (3).
ويظهر مما تقدم أن أبا زكرياء الهجاري اعتمد في فتواه على قاعدة: الأمين مصدق باليمين؛ لأن هذا الوكيل المرسل إلى الصائغ تصرف بأمرِ تلك المرأة، وما أحدثه ذلك الصائغ من تعدّ على مالها لم يتسبب فيه الأمين، فهو عبارة عن رسول نائب عنها، خاصة إذا سلّم الأمانة إلى صاحبها، وحتى في حالة طلب الوكيل منها فعل ذلك فوافقت على طلبه، فلا ضمان لما أحدث
(1) ابن جعفر الجامع، 154/ 5.
(2) أبو زكرياء يحيى بن سعيد الهجاري: كتاب الإيضاح في الأحكام، 74/ 2. (4/353)
صفحة 2134
354
القواعد الفقهية عند الإباضية
الصائغ؛ لأنه أمين مصدق مع يمينه والضامن هو الصائغ المتعدي، والفقهاء: قرروا تضمين الصناع، عملا بالقاعدة كل صانع بأجر يضمن ما أتلفه». ج - في حفظ الرهن:
1 - ومن فروعها ما ذكر أبو العباس أحمد في مسألة الاختلاف في الرهن أن القول قول المرتهن في تلف الرهن، وكذلك في الشيء المرهون بعد التلف، ويكون القول قوله أيضاً في المبيع وجميع الغلات والنماء، والقول قوله أيضاً في رهن الشيء في الدين كله، أو في بعضه إن اختلف مع الراهن في ذلك، وكذلك القول قوله فيما اتفقا عليه في جميع ما يدركه على الراهن من النفقات كلها، وعليه اليمين في هذا كله، ويكون القول قول الراهن في كثرة الدين وقلته، وفي جنس الدين ما هو، وفي الأجل إن كان في عقد الرهن أو لم يكن، أو حلول الأجل بعد اتفاقهما عليه وأشباه ذلك» (1). وهكذا يظهر من عبارة أبي العباس أنه جعل المرتهن أميناً على الرهن محافظاً عليه من التلف ولا يتصرف فيه دون إذن الراهن، وعند الاختلاف يؤخذ بقوله مع يمينه؛ لأن «الأمين مصدق باليمين». 2 - ومنها في الرهن أيضاً أنه لو اتفق الراهن مع المرتهن بأن يجعلا الرهن بيد أمين عذل يحافظ عليه، ويطلق عليه عند الفقهاء بالمسلط أو العدل، وهو رجل عدل أمين. قال الشماخي في هذا الصدد: «ويجوز للراهن والمرتهن إذا اتفقا على أن يجعلا بينهما رجلاً عدلاً يكون الرهن بيده، كما يكون رهناً بيد المرتهن ... ويجوز أن يجعلاه في يد أمين أو غيره إذا تراضيا على ذلك ... وأصل هذه الوكالة كل من تصح فيه الوكالة يجوز لهما أن يسلطاه، ويدل على ذلك أنه إذا اتفق الراهن والمرتهن على المسلط فنزعاه من التسلط، فقد زال، ولا يزول بأحدهما دون صاحبه ...
(1) أبو العباس أحمد: كتاب أبي مسألة ص 120. (4/354)
صفحة 2135
الفصل السادس: القواعد الفقهية الكلية الصغرى
355
وكذلك أيضاً على هذا المعنى، يجوز أن يسلطاه على بعض هذه الوجوه فقط، مثل أن يوكلاه على حرزه فقط، أو على بيعه فقط، أو قبض الثمن إذا بيع حتى يدفعه إلى المرتهن فقط، فلا يتعدى ما وكّل عليه مما قيد له إلى غيره، وليس له من غير ما قيد له فعل لم يرجع إليه شيء غير ما قيد له، وإن ذهب الرهن على هذا المعنى فى يد المسلط فهو من مال الراهن؛ لأنه لم يكن في يد المرتهن، وقال آخرون هو من مال المرتهن ... »).
ويضيف الشماخي في السياق نفسه والمسلّط مصدق في دعواه إذا ادعى تلف الرهن أو ثمنه إذا باعه، أو الفضل الذي كان فيه عن حق المرتهن إذا باعه؛ لأنه أمين لهم، وقال بعضهم: إن اتهم في جميع هذه الوجوه التي ذكرنا فعليه اليمين» (2).
ويفهم من عبارة الشماخي أن من الفقهاء من لا يُحمّل المُسلّط الأمين على الرهن ضمان تلفه؛ لأنه مصدق، ومنهم من لا يصدقه إلا باليمين؛ لأنه متهم بإتلاف الرهن ولم يشر إلى الرأي القائل بتضمينه ما دام متهما، وعليه البينة لإثبات صدقه، ولعله يميل إلى الرأي الأول وهو تصديق الأمين في دعواه بغير يمين وعندي أن الأمين على حفظ الرهن مثل غيره مصدق بيمينه سواء كان متهما بالتضييع والتقصير أم غير متهم لنفي التهمة
عن نفسه.
د ـ في الإعارة
نقل ابن بركة في معرض حديثه عن إعارة الأرض للانتفاع بها، قول أبي عبد الله محمد بن محبوب في رجل طلب إلى رجل أرضاً له يبني فيها بناء، وما غَرَم ضمن له رب الأرض، على أن يكون البناء لرب الأرض؛ لأنه مصدق،
(1) الشماخي: الإيضاح، ط، دار الفتح بيروت، 195/ 4 - 197.
(2) الشماخي: المصدر نفسه، 199/ 4. (4/355)
صفحة 2136
356
القواعد الفقهية عند الإباضية
والقول قوله في النفقة مع يمينه، وكذلك إذا أمره أن ينفق على عياله ويضمنه له، أن القول قوله، وهما مدعيان على الغير»).
واعترض ابن بركة على هذا القول وتساءل: وكيف جاز أن يقبل قولهما، في هذا نظر (2). ولعل اعتراض ابن بركة على قول ابن محبوب سببه أنه يعتبر كل من أنفق على البناء من عنده، أو أنفق على أولاد غيره مدعيان للنفقة، ويطالبان بالتعويض، والمدعي لا يقبل دعواه إلا بالبينة، أو تصديق المدعى عليه لدعواه، فلا يقبل قولهما إلا بذلك، أما ابن محبوب فيعتبرهما أمينان فيما استأمنهما فيه مالك الأرض وصاحب العيال فيصدق قولهما في النفقة مع اليمين؛ لأن الأمين مصدق باليمين، فلا حاجة إلى البينة ما داما غير مُتهمين، وما أنفقاه كان باتفاق ورضى الطرفين.
هـ ـ في باب الكراء: أشار ابن جعفر إلى المعنى المتقدم، فقال لما سئل «عن رجل اكترى أرضاً بكراء معلوم إلى وقت معلوم، على أن يبني فيها، ويرفع عنه ما أنفق من الكراء الذي عليه، قال ذلك جائز، ومصدّق فيما أنفق مع يمينه» (3)؛ لأنه أمين في قوله
والأمين مصدق باليمين
(1) ابن بركة الجامع، 2/ 270. (2) ابن بركة نفسه.
(3) ابن جعفر: الجامع، 296/ 5. (4/356)
صفحة 2137
المطلب الخامس
قاعدة: «الحدود تسقط بالشبهات
أولاً: مكانة القاعدة:
في
فهي
تعدّ قاعدة: «الحدود تسقط بالشبهات من القواعد الفقهية الهامة والمشهورة باب الحدود والجنايات ولها علاقة وثيقة بنظرية القضاء وطرق الإثبات قاعدة جليلة في باب القضاء والأحكام والمرافعات، وتتجلى أهميتها في اعتماد مبدأ الاحتياط والتدقيق في تنفيذ العقوبات المقدرة، كالحدود والقصاص، وهي مقررة عند جماهير العلماء، ومستندة إلى سنة النبي صلى الله عليه وسلم القولية والفعلية، واشتهر تطبيقها في عصر الصحابة - رضوان الله عليهم - والتابعين ومن بعدهم، وقد اعتمدها الإباضية كغيرهم من الفقهاء في الإفتاء، والقضاء، لتحقيق العدالة ومراعاة جانب المتهمين الذين هم في أشد الحاجة لالتماس الأعذار، والعقوبات المخففة، فظهر أثرها في فروعهم الفقهية، خاصة في باب الحدود والقصاص والتعزير، ويؤيد ذلك ما ذكره ابن بركة في إشارة صريحة إليها إذ يقول: «والحد تراعى فيه الشبهة فمن احتمل الشبهة سقط بأمر النبي (1).
فمن هذا النص وغيره يظهر جلياً مدى حرص الحاكم المسلم على حفظ كرامة الإنسان، وأنه لا تستباح نفس ولا عرض بمجرد الشبهة، فقد درأ الرسول صلى الله عليه وسلم الحدود بأدنى شبهة، كما تؤكد ذلك ظواهر النصوص التي نذكرها لاحقاً.
ويعتبر فقهاء الإباضية أن الحدود تسقط بالشبهات»، فإذا ثبتت جاز لصاحب الحق أن يعفو عن الجاني، ويصطلحا قبل وصول أمرهما إلى الحاكم،
(1) ابن بركة: الجامع، 532/ 2. (4/357)
صفحة 2138
358
القواعد الفقهية عند الإباضية
فإن بلغ في
ذلك فلا يجوز العفو عن الحدود، ولا الشفاعة فيها، يقول البسيوي هذا الشأن والحدود عند المسلمين تدرأ بالشبهات، وقد كانوا يتعارفون بينهم في الحدود ما لم يترافعوا إلى الحاكم، وإذا رفع إلى الحاكم لا تعطل الحدود» (1).
وقد وردت هذه القاعدة في المصنفات الإباضية بصيغ متقاربة، تتضمن معنى واحداً، وأشهرها «تدرأ الحدود بالشبهات» (2). وقريباً منها: «الحد يندفع بالشبهة» (3).
ثانياً: بيان معنى القاعدة:
الحد في
اللغة: المنع، وسميت العقوبات حدوداً لكونها مانعة من
ارتكاب أسبابها (4)، وقيل هو الحاجز بين شيئين (5). أما في الاصطلاح فقد اختلفت عبارات الفقهاء في تعريفه، فقال بعضهم: عقوبة مقدرة شرعاً، وجبت حقاً لله تعالى، لتمنع من الوقوع في مثلها. وقال آخر: عقوبة مقدرة وجبت على الجاني. وقال آخرون: الحدود هي: العقوبات
(1) البسيوي: جامع أبي الحسن البسيوي، 81/ 4. (2) ابن بركة المرجع السابق 1/ 185. - و 2/ 165، 269، 363 - 364، 476، 477، 504، 528، 532، 550. ـ جابر بن زيد من جوابات جابر بن زيد، 125، 126. ـ والكندي محمد بن إبراهيم: بيان الشرع، ج 60/ 97، 121 و 15/ 67. - أبو سعيد الكدمي: الجامع المفيد، 97/ 4. - الكندي أبو بكر المصنف، 6/ 40، 9، 26، 48، 85. . - الثميني: الورد البسام، ص 144. السالمي: العقد الثمين، 408/ 4، 414. وطلعة الشمس، 2/ 205 - 206. جناون بن فتى وعبد القهار بن خلف وآخرون أجوبة علماء فزان، 69 - 70. (3) بكلي عبد الرحمن ملحق القواعد والضوابط الفقهية، في كتاب النيل وشفاء العليل، للثميني،
1101/ 3
(4) الفيروز آبادي: القاموس المحيط، باب الدال فصل الحاء، 1/ 284. ـ الشوكاني: نيل الأوطار،
98/ 7
(5) إبراهيم مصطفى وآخرون: المعجم الوسيط، 160/ 1. (4/358)
صفحة 2139
الفصل السادس: القواعد الفقهية الكلية الصغرى
359
الشرعية التي جعل الله لها مقداراً محددا، ومنه الحدود المقدرة في الشريعة،
(1)
كالجلد والرجم للزاني ويدخل تحت الحدود العقوبات المقدرة لجرائم الحدود، كالزنا، وشرب الخمر، والقذف والعقوبات المقدرة لجرائم القصاص والدية، كالقتل العمد، وشبه العمد والجناية على ما دون النفس عمدا أو خطأ، أما العقوبات المقدرة لجرائم التعازير (") فلا تعتبر حدوداً؛ لأنها عقوبات غير مقدرة، وجرائم التعازير غير محدودة، قد نصت الشريعة على بعضها، وهو ما يعتبر جريمة في كل وقت كالربا وخيانة الأمانة، والسب والرشوة).
(2)
- الشبهة في اللغة: معناها الالتباس وعدم التميز، أي: لا يتميز أحد الشيئين من الآخر لما بينهما من التشابه عينا كان أو معنى. ومنه قوله تعالى: {وَأُتُوا بهِ مُتَشَبِهَا} (البقرة: (25)؛ أي يشبه بعضه بعضاً لوناً لا طعماً وحقيقة). وسميت شبهة؛ لأنها تشبه الحق، والجمع شبه وشبهات قال تعالى: {وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِن شُبِّهَ لَهُمْ} (النساء: (157). أي: مُثْل لهم من حسبوه إياه).
(1) الجرجاني: التعريفات، ص 97. - العنقري: الروض المربع وحاشيته، 3/ 305. ـ الماوردي: الأحكام السلطانية، ص 321. - البهوتي: كشاف القناع، 47/ 4. ـ العاملي ياسين عيسى: الاصطلاحات الفقهية في الرسائل العلمية، دار، البلاغة، بيروت، ط 1، 1414 هـ / 1993 م،
ص 65.
:
(2) التعازير: جمع تعزير وهو في اللغة مأخوذ من فعل عزر، فنقول عزره؛ أي: منعه وردّه بمعنى أدبه، وفي الاصطلاح هو التأديب دون الحد، كتأديب من شتم دون قذف، وقيل يطلق على العقوبة المتروك تقديرها إلى الحاكم الشرعي مقابل الحد، وهو منوط بنظر الحاكم، يراجع: الجرجاني: التعريفات، ص 85 ـ العاملي ياسين: المرجع السابق، ص 46. (3) عودة عبد القادر: التشريع الجنائي، 1/ 207. - البدوي يوسف أحمد: أحكام الاشتباه الشرعية، ط 1، دار النفائس للنشر والتوزيع، الأردن، 1421 هـ / 2001 م، ص 271. (4) الأصفهاني الراغب المفردات في غريب القرآن، ط دار المعرفة، بيروت، ص 257. - نديم مرعشلي وإخوانه إيضاح مختار الصحاح لأبي بكر الرازي، لفظ (ش ب ه)، ص 217. (5) الأصفهاني: المصدر نفسه، ص 258. (4/359)
صفحة 2140
360
القواعد الفقهية عند الإباضية
والشبهة في الاصطلاح ما التبس أمره فلا يدري أحلال هو أم حرام، وحق هو أم باطل، وقيل: هي ما يشبه الثابت وليس بثابت، أو هي وجود المبيح صورة مع عدم حكمه أو حقيقته، وقيل: هي ما لم يتيقن كونه حراماً أو
حلالاً (2).
والمعنى الإجمالي للقاعدة أن الحدود الشرعية تسقط على الجاني إذا ظهرت شبهة تمنع من تنفيذه، سواء كانت الشبهة في الفاعل، أو المحل، أو الملك، أو العقد، أو الطريق، فكل هذه الشبه صالحة لدرء الحد عن المتهم والجاني، وسبباً كافياً لإسقاط الحد عنه.
من
أنّ
وبناءً عليه، فلا يجوز للقاضي أن يحكم بالعقوبة إلا بعد التثبت الجاني قد ارتكب الجريمة، وأن النص المجرم ينطبق على الجريمة، فإذا كان ثمة شك في أن الجاني قد ارتكب الجريمة، كما إذا رجع الشهود عن شهادتهم أو في انطباق النص المجرّم على الفعل المنسوب للجاني، كمن تزوج بلا شهود، أو بغير ولي وجب الحكم بالبراءة، أو تخفيف الحكم ونقله من إلى التعزير، فبهذا الشك يكفي لأن يكون شبهة تسقط الحد".
ثالثاً: أنواع الشبهة:
قسم الفقهاء الشبهة إلى أربعة أقسام:
الحد
لغة الفقهاء،
(1) سعدي أبو جيب القاموس الفقهي، ص 189. - قلعة جي وقنيبي: معجم ص 257. ـ المرغيناني الحنفي أبو الحسن علي بن أبي بكر عبد الجليل الراشدي: الهداية شرح بداية المبتدي، صححه طلال يوسف، ط دار إحياء التراث العربي، بيروت لبنان، 1415 هـ / 1995 م، 344/ 1.
(2) الجرجاني: التعريفات، ص 137. ـ عبد العزيز عامر: الأحوال الشخصية، ص العاملي ياسين الاصطلاحات الفقهية، ص 114.
(3) عزام عبد العزيز قواعد الفقه الإسلامي، ص 369 - 370.
-. 128 - 127 (4/360)
صفحة 2141
الفصل السادس: القواعد الفقهية الكلية الصغرى
361
النوع الأول: شبهة في الفاعل أو الفعل:
وتسمى شبهة الاشتباه، وهي تتحقق في حق من اشتبه عليه الحل والحرمة فيظن غير الدليل دليلاً، فلا بد فيها من الظن وإلا فلا شبهة أصلاً، كمن يجد امرأة أجنبية نائمة في فراشه فيظنها زوجته فيأتيها، ثم يتبين أنها ليست زوجته، وكمن تُزَفُ إليه امرأة على أنها زوجته فيدخل بها، ثم يظهر أنها ليست بزوجته، أو يظن حل وطء جارية زوجته أو أبيه أو أمه وهي ليست بشبهة في حق من لم يشتبه عليه، وكوطء المعتدة من طلاق الثلاث ظاناً أنها تحل له. تلك الحالات وما شابهها لا حد عليه ولا تعزير؛ لأنه فعل يعتقد
ففي إباحته بما يعذر مثله؛ لأن الحدود تدرأ بالشبهات»، وهذا إذا لم يكن مقصراً في معرفة من وطئها أما لو قصر في معرفتها فإنه يعزر. فأساس الشبهة هنا ظن الفاعل واعتقاده، بحيث يأتي الفعل وهو يعتقد أنه لا يأتي محرماً، بخلاف ما لو كان يعلم أنه يأتي فعلاً محرماً فلا شبهة له، ويقام عليه الحد، كمن يريد أن يطأ امرأة أجنبية فيطأ غيرها، فإن الحد يقام عليه؛ لأنه لا يعذر لهذا، فأشبه ما لو قتل رجلا يظنه ابنه.
وسميت شبهة فاعل؛ لأنها ترجع إلى الواطئ نفسه حيث يغلب على ظنه أنه ما قام به وقع في محله، حيث اشتبهت عليه الموطوءة).
النوع الثاني: شبهة في المحل
وتسمى الشبهة الحكمية وشبهة ملك، وشبهة الدليل؛ أي: شبهة في حكم الشرع بحل المحل، وهي أن يظن المحل محلاً فإذا هو ليس كذلك، وتتحقق بقيام الدليل النافي للحرمة في ذاته، ولا تتوقف على ظن الجاني واعتقاده.
(1) النووي روضة الطالبين دار، العلمية لبنان 92/ 10. - عزام عبد العزيز: المصدر السابق، ص 351. ـ البدوي يوسف أحمد أحكام الاشتباه، ص 261، 262. ـ الجرجاني: المرجع السابق، ص 137. - قلعة جي قنيبي: المعجم، ص 257. (4/361)
صفحة 2142
362
القواعد الفقهية عند الإباضية
وأهم الشبهات التي ترفع إلى المحل أن تكون لهذه الشبهة في الموطوءة ذاتها من حيث الحل والحرمة، كمن يطأ زوجته وهي حائض، أو يطؤها في دبرها، فالشبهة هنا قائمة في محل الفعل المحرم؛ لأن المحل مملوك له، ومن حقه مباشرة زوجته إلا أنه وقع في الدبر أو في القبل أثناء الحيض، ومن ثَمّ لا يقام عليه الحد، سواء اعتقد الفاعل بحل الفعل أم بحرمته؛ لأن أساس الشبهة ليس الاعتقاد أو الظن، وإنما أساسها محل الفعل وتسلط الفاعل شرعاً عليه، وسميت شبهة الملك أيضاً؛ لأنه يملك من الشيء جزءا منه، كسرقة الشريك من مال الشركة، ووطء الأمة المشركة، أو يكون له فيه شبهة ملك، كسرقة الشخص من مال ابنه لقوله: «أنت ومالك لأبيك» (1).
النوع الثالث: شبهة العقد:
وهي ما وجد صورة العقد لا حقيقته، فهذه الشبهة تتحقق بأن توجد صورة العقد في الزواج مثلاً: إذا تزوج امرأة وكانت حراما على الزوج حرمة ثابتة بالإجماع كأمه وأخته، فإذا وجد العقد فصورته تكون مسقطة للحد ولو كان التحريم على التأبيد؛ لأن صورة العقد من أهله إن لم يكن مثبتاً للحل فهو مثبت للشبهة المسقطة للحد، وذلك يتحقق بوجوده صورة، إلا أن هذه الشبهة محل خلاف بين الفقهاء، فذهب الجمهور ومنهم الإباضية أن معنى العقد من الرجل على المرأة التي لا يحل له نكاحها لا يعتبر شبهة تدرأ الحد، بل الحد واجب ما دام يعلم التحريم.
وهنا نظر الإباضية إلى عاملين أساسين هما التعمد والعلم، واعتبروا من يفعل ذلك مستحلاً ما حرم الله فهو مثل المرتد يجب عليه حد القتل بالسب،
(1) أخرجه ابن ماجه، السنن، 769/ 2، من حديث جابر بن عبد الله بإسناد صحيح، - ينظر: الزيلعي عبد الله بن يوسف: نصب الراية لأحاديث الهداية، ط 2، المكتبة الإسلامية، 1973 م، 337/ 3. - السخاوي: المقاصد الحسنة، ص (4/362)
صفحة 2143
الفصل السادس: القواعد الفقهية الكلية الصغرى
363
وليس حد الزنا، أما إذا لم يتعمد ذلك فيسقط عنه الحد، ويجب عليه التعزير أو النكال، وهي عقوبة غير مقدرة).
وذهب أبو حنيفة والنووي وزفر إلى أن مجرد العقد على المرأة، وإن كانت لا تحل له بحال يعتريه شبهة تدرأ الحد وإن قال: علمتُ أنها علي حرام).
منشأ الخلاف في شبهة العقد:
ومدار الخلاف عند الفقهاء في وجوب الحد أو عدم وجوبه على من عقد على امرأة لا تحل له ثم دخل بها، ناتج من أنّ هذا العقد يوجب شبهة أو لا؟ فعند الجمهور: لا يوجب شبهة؛ لأن الوطء في هذه الحالة وطء في فرج امرأة مجمع على تحريمه من غير ملك ولا شبهة ملك، والواطئ من أهل الحد عالم بالتحريم ومتعمد في فعله، فيلزمه الحد، كما لو لم يوجد العقد، فيكون فعله هذا زنا حقيقة لعدم الملك والعقد (3)، وإليه أشار الله تعالى بقوله: {وَلَا تَنكِحُوا مَا نَكَحَ وَابَاؤُكُم مِّنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا} (النساء: 22).
(1) العوتبي: کتاب الضياء، 231/ 8. ـ الجناوني: كتاب النكاح، ص 32. ـ أطفيش: شرح كتاب النيل، 38/ 6. ـ ابن رشد: بداية المجتهد، 2/ 434. - الصاوي أحمد: بلغة السالك، 2/ 260. ـ ابن عبد البر: الكافي في فقه أهل المدينة، ص 240. ـ الشربيني الخطيب: مغنى المحتاج، 146/ 4. - ابن الهمام محمد بن عبد الواحد السواسي الحنفي، فتح القدير على الهداية، ط 1، شركة مكتبة ومطبعة مصطفى البابي الحلبي، مصر 1970، 249/ 5 و 253. - ابن قدامة، المغني، 182/ 8 - 183. (2) ابن الهمام: فتح القدير، 249/ 5، 253. ـ ابن عابدين حاشية رد المحتار، 23/ 4. - التفتازاني سعد الدين مسعود بن عمر: شرح التلويح على التوضيح لمتن التنقيح في أصول الفقه، دار الكتب العلمية، بيروت، 184/ 2. (3) الكدمي أبو سعيد: الاستقامة، 206/ 3. - أطفيش، شرح النيل، 37/ 6، 38. ـ الجناوني: كتاب النكاح، ص 32 ـ ابن قدامة: المغني، 182/ 1. - ابن الهمام: المرجع السابق،
253/ 5. - الصاوي أحمد بلغة السالك، 2/ 260. - ابن عبد البر: الكافي، ص 240. (4/363)
صفحة 2144
364
القواعد الفقهية عند الإباضية
بينما يعتبر أبو حنيفة وسفيان الثوري وزفر أنّ هذا العقد يوجب شبهة، لقوله صلى الله عليه وسلم: «أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل، فإن دخل بها فلها المهر بما استحل من فرجها)، فمع الحكم ببطلان النكاح أسقط الحد به، وهذا دليل على أن صورة العقد مسقطة للحد، وإن كان باطلا شرعا (2).
النوع الرابع: شبهة الطريق
المراد بالطريق المذهب، وهي كل جهة صححها بعض العلماء الذين يعتد برأيهم، وأباح الوطء بها، بينما حرمها، آخرون وهي تكون في الوطء نفسه، حلالاً بأن يقع عند قوم وحراماً عند آخرين، ويقيم كل فريق منهم الدليل على صحة دعواه، فتنشأ الشبهة من هذا التعارض قال النووي: «وأما الشبهة في الجهة، فقال الأصحاب كل جهة صححها بعض العلماء وأباح الوطء بها، الأخذ فيها على المذهب وإن كان الواطئ يعتقد التحريم، وذلك كالوطء في النكاح بلا ولي، وبلا شهود، ونكاح المتعة» (3).
وكذلك نكاح الزانية حرام وباطل عند الإباضية صحيح عند جمهور العلماء، والنكاح بلا شهود إذا أعلن عنه صحيح عند مالك باطل عند الجمهور، والنكاح بلا ولى صحيح عند أبي حنيفة وباطل عند الجمهور، ونكاح المتعة عند الشيعة الإمامية باطل عند الجمهور، وكل نكاح مختلف فيه يعد
صحيح
داخلا في
هذا النوع من الشبهة (4).
يقول ابن قدامة المقدسي في هذا الصدد: ولا يجب الحد بالوطء في
(1) رواه الترمذي، كتاب النكاح، باب لا نكاح بلا ولي رقم 1102، وأحمد في مسند الأنصار، رقم 25365، عن عائشة. قال الترمذي: حسن.
(2) السرخسي: المبسوط، 85/ 9 - عزام عبد العزيز: قواعد الفقه، ص (3) النووي روضة الطالبين، 312/ 7.
353
(4) ابن خلفون المزاتي: أجوبة ابن خلفون، ص 35 43، 65 - 71. عزام عبد العزيز، ص 354، (4/364)
صفحة 2145
الفصل السادس: القواعد الفقهية الكلية الصغرى
365
نکاح مختلف فيه كنكاح المتعة والشغار والتحليل، والنكاح بلا ولي ولا شهود، ونكاح الأخت في عدة أختها البائن، ونكاح الخامسة في عدة الرابعة البائن ... وهذا قول أكثر أهل العلم؛ لأن الاختلاف في إباحة الوطء فيه شبهة، والحدود تدرأ بالشبهات» (1).
ويستفاد مما تقدم أن الحنفية انفردوا بشبهة العقد، وأن الجمهور انفردوا بشبهة الطريق إلا إذا اعتبرنا أن شبهة العقد وشبهة الطريق داخلتان في شبهة المحل، أي الشبهة الحكمية، فيكون الفريقان قد اتفقا في شبهة المحل وشبهة
(2)
الفاعل (2).
هذا وقد بين العز بن عبد السلام أن الشبهة في الفاعل قد درأت عن الواطئ الحد؛ لأنه غير آثم لعدم تعمده للجريمة، وعدم هجومه عليها قصداً، وأن الشبهة في المحل درأت الحد؛ لأن ما فيها من ملك الفاعل يقتضى الإباحة، وما فيها ملك غيره يقتضي التحريم فلا تكون المفسدة فيه كمفسدة الزنا المحض، وأن الشبهة الثالثة ـ وهي الشبهة في السبب والطريق - قد درأت الحد لاختلاف العلماء، وإنما لتعارض أدلة التحريم والتحليل، وإنما غلب درء الحدود مع تحقيق الشبهة؛ لأن المصلحة العظمى في استيفاء الإنسان لعبادة الديان
من
والحدود أسباب محظرة، فلا تثبت إلا عند كمال المفسدة وتمحضها (3). وإذا كان الفقهاء قد اتفقوا على درء الحدود بالشبهات إلا أنهم لا يتفقون على كل الشبهات كما بينا، فهناك ما يراه البعض شبهة صالحة للدرء، بينما لا يراه البعض الآخر شبهة (4).
(1) ابن قدامة: المغني، 183/ 8 - 184. (2) البدوي يوسف، أحكام الاشتباه، ص
263
(3) ابن عبد السلام: قواعد الأحكام، 137/ 2. - وينظر: التفتازاني، التلويح، 2/ 184. ـ القرافي:
الفروق، 172/ 4.
(4) عودة عبد القادر، التشريع الجنائي، 209/ 1. (4/365)
صفحة 2146
366
القواعد الفقهية عند الإباضية
رابعاً: تأصيل القاعدة:
هناك شواهد كثيرة تؤيد هذه القاعدة وتعززها في السنة المطهرة، وآثار الصحابة، وإجماع العلماء، نذكر منها:
أ ـ من
السنة النبوية:
1 - يعتبر الإباضية وغيرهم أن الأصل في هذه القاعدة قول الرسول صلى الله عليه وسلم: أدرؤوا الحدود بالشبهات). وهذا الحديث روي بألفاظ مختلفة ومن طرق متعددة، لكنها لا تخلوا عن سندها (2). مقال في
،12972
(1) رواه ابن ماجه، کتاب الحدود، باب الستر على المؤمن ودفع الحدود بالشبهات، رقم 2541، عن أبي هريرة. قال الشوكاني: رواه الترمذي وذكر أنه قد روى موقوفاً وأن الوقف أصح، قال وقد روى عن غير واحد من الصحابة الاولي أنهم قالوا مثل ذلك». نيل الأوطار، 156/ 7. (2) أخرجه ابن عدي في جزء من حديث ابن عباس: «أدرؤوا الحدود بالشبهات واقبلوا الكرام عثراتهم إلا في حد من حدود الله ينظر، كنز العمال، رقم ا، العجلوني إسماعيل بن محمد الجراحي، كشف الخفاء ومزيل الالتباس عما اشتهر من الأحاديث على ألسنة الناس، ط 3/ دار إحياء التراث العربي بيروت، 1351 هـ، 73/ 1. قال ابن حجر: «وفي سنده من لا يعرف» وقال الشوكاني: الصواب أن الحديث موقوف، ينظر: الشوكاني، نيل الأوطار، طبعة مصطفى البابي الحلبي، مصر، 118/ 7، ولكن الحديث المذكور روي بلفظ «ادرؤوا الحدود بالشبهات في مسند أبي حنيفة للحارثي، عن ابن عباس مرفوعاً. ينظر: الحديث الرابع، في ك، الحدود، ص 32 من طبعة المتن، مطبعة شركة المطبوعات العلمية، ص 157. من تنسيق النظام شرح الإمام للعلامة السنبهلي، ط، كراتشي)، فالظاهر أن هذا الإسناد صحيح فإن سنده فيه: عن مقسم عن ابن عباس، ومقسم ثقة، قال عنه أحمد بن صالح المصري: ثقة ثبت لا شيء فيه، وقال العجلي مكي تابع ثقة، ووثقه يعقوب بن سفيان والدار قطني أيضاً، ينظر: ابن حجر، تهذيب التهذيب، رقم (507)، ط، دار صادر، بيروت، 10/ 288، 289. وذكره الحافظ ابن جر في تلخيص الحبير، 353/ 2، وفي مسند. أبي حنيفة للحارثي من طريق مقسم عن ابن عباس بلفظ الأصل مرفوعاً. أ هـ، وسكت عنه فهو حسن أو صحيح على أصله، إعلاء السنن، 523/ 11، وقال ابن حجر ورواه أبو محمد بن حزم في ك، الإيصال من حديث عمر بن الخطاب له مرفوعاً عليه بإسناد صحيح. ينظر: العسقلاني أحمد بن علي بن محمد بن حجر،
التلخيص في تخريج أحاديث الرافعي الكبير، المكتبة الأثرية، باكستان، 56/ 4. (4/366)
صفحة 2147
الفصل السادس: القواعد الفقهية الكلية الصغرى
367
ـ أخرجه ابن ماجه من حديث أبي هريرة ه: «ادفعوا الحدود
ما استطعتم». وقال مسدد في مسنده: حدثنا القطان
يحيى
عن شعبة عن عاصم عن ابن وائل عن ابن مسعود صل الله قال: «ادرؤوا الحدود بالشبهة». وهو موقوف حسن الإسناد (2). وأخرجه الطبراني عنه موقوفاً «ادرؤوا الحدود والقتل عن عباد الله ما استطعتم (3). ـ وأخرجه الترمذي والحاكم وغيرهم من حديث عائشة: «ادرؤوا الحدود عن المسلمين ما استطعتم، فإن وجدتم للمسلم مخرجا فخلوا سبيله، فإن الإمام لأن يخطئ في العفو خير من أن يخطئ في العقوبة» (4).
(1) رواه ابن ماجه، کتاب الحدود، باب الستر على المؤمن ودفع الحدود بالشبهات، رقم 2541، عن أبي هريرة. قال الشوكاني: «رواه الترمذي وذكر أنه قد روى موقوفاً وأن الوقف أصح قال وقد روى عن غير واحد من الصحابة أنهم قالوا مثل ذلك». نيل الأوطار، 156/ 7. (2) قال الشوكاني: وأصح ما فيه عبد الله بن مسعود موقوفاً: «ادرؤوا الحدود»، «ادفعوا القتل عن المسلمين ما استطعتم وينظر: الشوكاني، نيل الأوطار، 118/ 7، وفي فيض القدير للمناوي: عبد الله بن مسعود موقوفاً بلفظ: «ادرؤوا الحدود بالشبهة بلفظ الإفراد، قال ابن حجر: «وهو موقوف حسن الإسناد». المناوي محمد عبد الرؤوف، فيض القدير شرح الجامع الصغير، ط 2، دار المعرفة للطباعة والنشر، بيروت 1391 هـ / 1972 م، 227/ 2. (3) رواه الطبراني، المعجم الكبير، من اسمه عبد الله عبد الله بن مسعود الهذلي، رقم: 9538، عن عبد الله بن مسعود، (الجامع للحديث النبوي).
(4) رواه ابن ماجه، کتاب الحدود، باب الستر على المؤمن ودفع الحدود بالشبهات، رقم 2541، عن أبي هريرة قال الشوكاني: رواه الترمذي وذكر أنه قد روى موقوفاً وأن الوقف أصح قال وقد روى عن غير واحد من الصحابة على أنهم قالوا مثل ذلك نيل الأوطار، 156/ 7. رواه الترمذي، كتاب، الحدود، باب ما جاء في درء الحدود رقم (1424)، 25/ 4. والحاكم في المستدرك، 4/ 384. - رواه البيهقي في السنن الكبرى كتاب الحدود رقم (57017). ـ قال السيوطي: «أخرجه البيهقي عن عمر وعقبة بن عامر ومعاذ بن جبل موقوفاً». ينظر: السيوطي جلال الدين عبد الرحمن الأشباه والنظائر في قواعد وفروع الشافعية، المكتبة العصرية، صيدا، لبنان، ص 161. (4/367)
صفحة 2148
368
القواعد الفقهية عند الإباضية
وجه الاستدلال بالحديث:
أشار بعض الفقهاء إلى مدلول هذا الحديث وأهميته في باب القضاء وتنفيذ العقوبات، فذكر أن الناظر في حديث أم المؤمنين عائشة لا يجده
يفرض على القاضي عند النظر في القضية أن يلاحظ مبدأين أساسين: المبدأ الأول: درء الحد بالشبهة، وهو مأخوذ من الشق الأول من الحديث:
«ادرؤوا الحدود بالشبهات، فإن كان له مخرج فخلوا سبيله».
المبدأ الثاني: تفضيل الخطأ في العفو على الخطأ في العقوبة، وأساس هذا المبدأ هو الشق الثاني من الحديث: «فإن الإمام لأن يخطئ في العفو خير من أن يخطئ في العقوبة». وفي مراعاة هذين المبدأين ضمان لتحقيق العدالة، ومراعاة لجانب المتهمين الذين هم في أشد الحاجة لالتماس الأعذار، وفيه كذلك بيان حرص الإمام على حفظ كرامة الإنسان، وأنه لا تستباح نفسه ولا عرضه بمجرد الشبهة (1).
هذا وقد يثبت في حق المتهم دليلان أحدهما يثبت عليه الجريمة، ويلزمه الحد، والآخر ينفي عنه ذلك، فالشارع الحكيم يرشد القائمين بتنفيذ الحدود إلى ترجيح الدليل المسقط للحد، لأجل تعارض الأدلة، وخوفاً من الوقوع في الخطأ، ومراعاة لمصلحة المتهم، يقول السالمي في هذا المعنى ومنها (الخبر) الدال على درء الحد مقدّم على الدال على ثبوته؛ لأن الحدود تدراً بالشبهات، ولأن الخطأ في ترك الحد أهون من في فعله، ولا شك أن
الخطأ
أن
الخبر المقتضي لسقوط الحد يورث شبهة، فيسقط به الحد؛ ولأن مداخل
الخطأ والغلط في إثبات الحد أكثر منها في درء الحدود (2).
(1) عزام عبد العزيز قواعد الفقه، ص 368.
(2) السالمي: طلعة الشمس في الأصول، 2/ 205 - 206. (4/368)
صفحة 2149
الفصل السادس: القواعد الفقهية الكلية الصغرى
369
ويضيف عبد العزيز عزام في السياق نفسه بيان أهمية مراعاة هذين المبدأين وهما: درأ الحد للشبهة، وتفضيل الخطأ في العفو، فضلاً عما سبق بيانه، فإن
ذلك
يعني أمرين:
أن
الأول: أنه لا يجوز للقاضي أن يحكم بالعقوبة إلا بعد التثبت من الجاني قد ارتكب الجريمة، وأن النص المجرم منطبق على الجريمة، فإن كان ثمة شك في أن الجاني قد ارتكب الجريمة، كما إذا رجع الشهود عن شهادتهم، أو انطباق النص المجرم على الفعل المنسوب للجاني، كمن تزوج بلا شهود أو بغير ولي، وجب الحكم بالبراءة، فإن الحكم ببراءة المجرم في حال الشك خير للجماعة، وأدعى إلى تحقيق العدالة من عقاب البريء، وفي هذا تضييق لدائرة العقاب، وجعله رمزاً مانعاً بدل أن يكون عاماً جامعاً، وحسب المؤمن أن تكون هناك يد مقطوعة كل عام مثلا، ليكون ذلك مانعاً زاجراً يجعل كل سارق يترقب مثل ما نزل بغيره، فيكون الامتناع عن السرقة، وحسب أرباب الشهوات أن يكون بين أيديهم حد يقام على الزنا يشهده طائفة من المؤمنين، حتى يتجهوا إلى الزواج، ويفروا من عار العقاب إلى أمن البراءة وطريق السلامة، فتنفيذ القليل من عقوبات الحد صالح للردع والزجر.
: مبدأ تفضيل الثاني: الخطأ في العفو، وينطبق على كل أنواع الجرائم، فهو ينطبق على جرائم الحدود، والقصاص، والدية، وجرائم التعزير، ففيه حماية المتهم لنفسه، وعرضه وماله، فيفسر بناء على هذا المبدأ كل شك لصالح المتهم. وهذا يؤدي بالطبع إلى حمايته بتبرئته، أو تخفيف العقوبة عنه، ويوافق هذا ما عليه العمل في القوانين الوضعية الحديثة، فإن المحكمة إذا شكت في توافر ركن الجريمة كالقصد الجنائي في السرقة بالإكراه، فُسّر هذا الشك لمصلحة المتهم واعتبرت الواقعة سرقة عادية، وعوقب عليها بعقوبة
(1) عزام عبد العزيز قواعد الفقه، ص 369 - 370. (4/369)
صفحة 2150
370
القواعد الفقهية عند الإباضية
الجنحة بدلاً من عقوبة الجناية، وإذا شكت المحكمة في ثبوت الجريمة، أو في توافر ركن من أركانه حكمت ببراءة المتهم)
(1)
2 ـ أخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة له قال: جاء رجل من بني فزارة إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إن امرأتي ولدت غلاماً أسود فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «هل لك إبل؟ قال نعم قال: «وما لونها؟:قال حُمر قال هل فيها من أورق؟ (2) قال: إن فيها لورقاً، قال: «فأنّى أتاها ذلك؟ قال: عسى أن يكون نزعه عرق)، قال: «عسى أن يكون نزعه عرق» (4).
3 ـ جرت بعض الوقائع والأحداث في عهد النبي صلى الله عليه وسلم ترمز إلى اعتبار هذه القاعدة، ومدى أهميتها وخطورتها فى باب الحدود، وقد أشار الكمال بن الهمام إلى ذلك بقوله: «وفي تتبع المروي عن النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة ما يقطع المسألة، فقد علمنا أنه عليه الصلاة والسلام قال لماعز «لعلك قبلت لعلك لمست، لعلك غمزت» ()، كل ذلك يلقنه أن يقول: «نعم» بعد إقراره بالزنا، وليس لذلك فائدة إلا كونه إذا قالها، ترك، وإلا فلا فائدة ... ولم يقل لمن اعترف عنده بدين لعله كان وديعة عندك فضاعت ونحوه ...
في
(1) بدوي علي: القانون الجنائي، ص 106. - كامل مرسي: شرح قانون العقوبات، ص 114 - 115.
(2) الأوراق هو الذي فيه سواد ليس بصاف. (3) المراد بالعرق هنا الأصل من النسب، ومعنى نزعه عرق أي اجتذبه إليه، وأظهر لونه عليه. ينظر: عزام عبد العزيز المرجع السابق، ص 349. (4) متفق عليه، رواه البخاري، كتاب، الطلاق، باب إذا عرض بنفي الولد، رقم 5003، صحيح البخاري، 178/ 6 ورواه مسلم، كتاب اللعان، رقم 2834، عن أبي هريرة. صحيح مسلم بشرح النووي، 725/ 3.
(5) رواه البخاري، كتاب الحدود، باب: هل يقول الإمام للمقر: لعلك لمست أو غمزت، رقم: 6452، عن ابن عباس بلفظ لما أتى ماعز بن مالك النبي صلى الله عليه وسلم قال له: «لعلك قبلت، أو
غمزت، أو نظرت ... ». ينظر: صحيح البخاري، 2502/ 6. (4/370)
صفحة 2151
الفصل السادس: القواعد الفقهية الكلية الصغرى
371
والحاصل من هذا كله كون الحد يحتال في درئه بلا شك ... فكان هذا
المعنى مقطوعاً بثبوته من جهة الشرع»).
ب - من الآثار
وردت عن الصحابة آثار كثيرة تدل على أنّ درأ الحد بالشبهة عندهم ثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فهناك شواهد عديدة تؤيد هذه القاعدة وتعززها في السُّنَّة المطهرة منها: 1 ـ ما روى عن عمر الله أنه قال: «لأن أخطئ في درء الحدود بالشبهات أحب إلى من أن أقيمها بالشبهات).
2 - وذكر الحافظ ابن حجر في المطالب العالية» أن أبا مطر (3) قال: رأيت علياً أُتي برجل فقالوا: إنه قد سرق جملاً فلما جاء فقال: ما أراك سرقت قال بلى قال فلعله شبه لك؟ قال بلى قد سرقت قال اذهب به يا قنبر فشدّ إصبعه وأوقد النار وادع الجزار ليقطع، ثم انتظر حتى أجيء فلما قال له: أسرقت؟ قال: لا، فتركه، قالوا: يا أمير المؤمنين لم تركته وقد أقر لك؟ قال آخذه بقوله، وأتركه بقوله» (4).
3 - وأخرج عبد الرزاق في مصنفه عن ابن عيينة عن عمرو بن دينار عن ابن المسيب قال: ذكروا الزنا بالشام فقال رجل زنيتُ، قيل: ما تقول، قال: أو
(1) ابن الهمام: فتح القدير شرح الهداية - ينظر الثميني الورد البسام، ص 143. ـ وينظر: الشيخ محمد عوامه: أثر الحديث الشريف في اختلاف الأئمة الفقهاء، ط 1، ص 108. (2) رواه ابن أبي شيبة، المصنف، كتاب الحدود، في درء الحدود بالشبهات، رقم 27917، عن عمر بن الخطاب، بلفظ: «لئن أعطل الحدود بالشبهات أحب إلي من أن أقيمها». ينظر: الشوكاني، نيل الأوطار، 118/ 7.
(3) أبو مطر عمرو بن عبد الله البصري الجهني روى عن علي له روى عنه مختار بن نافع، وله ترجمة في لسان الميزان وفيها انه روى عنه معمر بن زياد الجرح والتعديل. 191/ 4.
أيضاً
(4) ابن حجر المطالب العالية بزوائد المسانيد الثمانية، 119/ 2. (4/371)
صفحة 2152
372
القواعد الفقهية عند الإباضية
حرّمه الله؟ قال ما علمت أن الله حرمه؟ فكتب إلي عمر بن الخطاب، فكتب: إن كان علم أن الله حرّمه فخذوه، وإن لم يعلم فعلموه، وإن عاد فخذوه). ولا شك أن فائدة الأحاديث والآثار المتعددة في هذا الباب بعد أن ثبت أن بعضها موقوف وبعضها مرفوع يقوي بعضها بعضاً في الإسناد، وتصير صالحة للاستدلال بها على هذه القاعدة.
ج - من الإجماع:
قاعدة «الحدود تسقط بالشبهات قاعدة مقررة عند جماهير العلماء، وهي مستندة إلى سُنَّة النبي صلى الله عليه وسلم القولية والفعلية، وقد اشتهر تطبيقها في عصر الصحابة من غير نكير كما تقدم، وقد أجمع فقهاء الأمصار على أن الحدود تدرأ بالشبهات. قال ابن المنذر: «أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم
أن
الحدود تدرأ بالشبهات (2).
خامساً: فروع القاعدة
وردت في المصنفات الفقهية الإباضية فروعا كثيرة تخرجت على هذه
القاعدة
من
ذلك:
أ - في سقوط حد القذف بالشبهة:
1 - ومن فروعها ما ذكره ابن بركة في الرجل إذا قال لزوجته زنيت بفلان، فالحكم عند الإباضية يكون قاذفاً لها، فإن أقام بينة على دعواه، وإلا حُدّ للمقذوف، ولاعن الحاكم بينه وبين زوجته وفرّق بينهما، إلا أن يكون يكذب نفسه فيسقط اللعان عنه، ويلزمه الحد لها، ويفرق بينهما ولا يجتمعان أبداً.
الخطاب.
(1) أورده عبد الرزاق الصنعاني المصنف، كتاب الطلاق، باب لا حد إلا على من علمه، رقم 13198، 405/ 7 - والبيهقي: السنن، 236/ 8، عن عمر بن (2) ابن قدامة: المغني، 184/ 8. (4/372)
صفحة 2153
الفصل السادس: القواعد الفقهية الكلية الصغرى
373
احتج ابن بركة على من خالفه في هذا الحكم فقال: «فإن قال قائل: فلم فرقتم بينهما، وقد أكذب نفسه ورجوعه بعد وجوب الحكم بالفراق، ولا يسقط عنه ما أوجبه الحكم؟ والنظر يوجب عندي ألا يكون قاذفاً بغير زوجته؛ لأن قوله: زنيت بفلان قذفاً لها، وليس إذا كان قاذفاً بهذا القول يكون قاذفاً لها أيضاً؛ لأنها قد تزني به وهو غير زان بها من قبل أن يكون مستكرها على زناها أو مغلوباً على عقله، والحد متى اعترضت فيه الشبهة سقط، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «ادرؤوا الحدود بالشبهات ما استطعتم .. وإنما يكون قاذفاً لها لو قال لها: زنيت بفلان، وزنا بك، وكذلك لو قال: زنى بك فلان، ولم يكن قاذفاً له دونها، فإن نفى ولدها وهي زوجته لم يكن قاذفا لها، ولا لعان بينهما إلا أن يرميها بالزنا؛ لأنها قد تغلب على الوطء بالاستكراه في حال النوم وحال زوال العقل بجنون أو برسام)، والحد تراعى فيه الشبهة، فمن احتمل الشبهة سقط بأمر النبي (3).
2 ـ ومنها أيضاً ما جاء في جوابات الإمام جابر بن زيد رواية عن الربيع عن ضمام عن أبي الشعثاء في رجل قذف ابن الملاعنة قال: إنك لأبن زانية ولست بابن فلان - الذي لا عن أمه، قال عليه الحد. وقال الكوفيون لا حد عليه؛ لأنه قذفها بمولود معطل النسب فيدرأ عنه الحد للشبهة» (4).
(1) رواه ابن ماجه، کتاب الحدود، باب الستر على المؤمن ودفع الحدود بالشبهات، رقم 2541، عن أبي هريرة قال الشوكاني: رواه الترمذي وذكر أنه قد روى موقوفاً وأن الوقف أصح قال وقد روى عن غير واحد من الصحابة لهم أنهم قالوا مثل ذلك». - نيل الأوطار: 156/ 7. (2) البرسام: ـ بكسر الباء - لفظ معرب ورم في الدماغ يتغير منه عقل الإنسان فيهذي، ويقال لمن ابتلي به مبرسم، وقال الرازي البرسام - بالكسر ـ علة معروفة، وقيل: هو التهاب الغشاء المحيط بالرئة. ينظر: قلجه جي وقنيبي معجم لغة الفقهاء، ص 106. ـ نديم
ص
32
في مرعشلي وإخوانه إيضاح مختار الصحاح، للرازي، (3) ابن بركة: الجامع، 531/ 2 - 532. (4) جابر بن زيد من جوابات جابر بن زيد جمع وترتيب سعيد بن ص 125، 126.
خلف الخروصي، (4/373)
صفحة 2154
374
القواعد الفقهية عند الإباضية
- ومنها فى باب القذف باللواط أيضاً ما ذكره ابن بركة وأبو بكر أحمد الكندي: «إن قال رجل لرجل يا لوطي لم يكن قاذفا له؛ لأن الإضافة إلى لوط ل وهو المدح أشبه، ولا يجب بذلك الحد؛ لأن نسبته إلى ذلك يحتمل أن يكون نسبة إلى الفعل، أو إلى لوط، فإذا اعترضت الشبهة سقط الحد عندها، وإلى هذا ذهب أصحابنا» (1). الإباضية. وقد تصدى ابن بركة إلى الاحتمالات التي اعترض بها من خالف رأي الإباضية في سقوط حد القذف على القاذف وناقشهم بحججه الدامغة فقال: ولكن قالوا إن كان قد قال له إنك تعمل عمل قوم لوط لزم الحد، وعندي
أن الحد لا يجب هاهنا أيضاً؛ لأن قوم لوط أعمالهم كانت مختلفة ... فإن قال قائل: إنك تأتي الذكور في أدبارهم بغير الفرج، فإن الحد يلزمه، فإن قال قائل: لم تسقط الحد هاهنا أيضاً فقد يأتي الذكور في أدبارهم بغير الفرج؟ وقد لا يقوم بالفعل، فلا يلزمه الحد عندك، قيل: أو جبنا ذلك بظاهر الكتاب فيما علمنا من قصة لوط وقومه: {أَتَأْتُونَ الذِّكْرَانَ مِنَ الْعَلَمِينَ} (الشعراء: (165)، وإتيان الذكران لا يعرف إلا على هذا الوصف الذي يجب الحد به. وإذا قال الرجل لجماعة لا يرميني منكم إلا ابن الزانية، فرماه واحد منهم، لم يلزمه الحد؛ لأن الحد لا يتعلق بالصفات.
فإن قال رجل لرجل: بلغني عنك يا فلان إنك، زان، لم يلزمه الحد بهذا القول وعليه التعزير؛ لأنه مؤذ له بذلك، ومن قال يا من وطئ فرجاً محرماً عليه، لم يلزمه الحد؛ لأنه قد يطأ أجنبية من حيث لا يعلم على فراشه أو يطأ زوجته وهي حائض ونحو ذلك» (2).
(1) ابن بركة: الجامع، 476/ 2. - الكندي، أبو بكر أحمد بن عبد الله: المصنف، 85/ 4. (2) ابن بركة: الجامع، 477/ 2. (4/374)
صفحة 2155
الفصل السادس: القواعد الفقهية الكلية الصغرى
375
وبعد مناقشة ابن بركة كل هذه الاحتمالات والاعتراضات، وضع ضابطاً يضبط العمل بهذه القاعدة عند احتمال الشك في قول القاذف، فقال: «وكل لفظ يحتمل معنيين، وأمكن أن يكون قذفا وأمكن أن يكون غير قذف، لم يحكم فيها بحكم القذف» (1)، ومثل لذلك بقوله: «والتعريض والشتم بالخيانة، وأكل الربا وأكل الحرام، والخمر، والخنازير، ويا سكران، فليس على قائله حد بإجماع الناس، ولكن يؤدب حتى يرتدع عن أذى المسلمين» (2).
ب - في سقوط حد الزنى بالشبهة:
ومن فروعها: ما عرضه أبو الحسن البسيوي من صور وحالات يسقط فيها
حد الزنى بالشبهة نذكر منها:
1 ـ إذا شهد أربعة شهود على رجل أنه زنى بامرأة لا يعرفونها، فاحتج بأنها جاريته أو امرأته، فيدرأ عنه الحد لذلك، وكذلك لو ادعت هي أيضاً ولو كان وليها ينكر.
2 ـ ومن شهد عليه أربعة أنه زنى بفلانة، وشهد شاهدان أنه استكرهها،
فإن عليه الحد بالزنا، والصداق بالاستكراه ويدرأ عنها الحد بذلك. - يرى كثير من فقهاء الإباضية وغيرهم أن مقدمات الزني لا يجب منها الحد ولو أقر الفاعل بذلك، أو ثبت ذلك بالشهادة ما لم يولج في المحل، ولكن يعزر الفاعل وحده إن فعل ذلك غضباً، أما إن كان برضا المرأة تعزر كذلك، وسقوط الحد كان للشبهة وعدم انطباق الفعل مع النص المحرم. جاء في جامع ابن جعفر عن أبي علي موسى بن علي في رجل قامت عليه بينة، أو أقر أنه مس فرج امرأة بيده أو بفرجه، من غير أن يفضي إليها أو ينظر بعينه، فما يلزمه من الحد؟
(1) ابن بركة المصدر نفسه.
(2) المصدر السابق. (4/375)
صفحة 2156
376
القواعد الفقهية عند الإباضية
قال: ما يلزمه عندنا بمثل هذا حد، وإن رفع ذلك إلى الحاكم كان عليه عقوبة إن كان استكرهها، وإن طاوعته فعليهما جميعاً، وليس لها شيء إذا طاوعته، وإن اغتصبها حتى مس أو نظر، فالعقوبة عليه وحده، قال أبو الحواري: عليه صداقها تاما (1).
ـ ومن صور الزني والوطء الحرام ما ذكره ابن بركة في من وطئ زوجة ابنه أو أمة ابنه، مع علمه بالحرمة معتبراً ذلك من حقه؛ لأن ابنه من كسبه وماله وزوجته وأمته كذلك، وقد اعتبر بعض الفقهاء أن ذلك شبهة في المحل أو الدليل تسقط الحد، ويشير ابن بركة إلى اختلاف الفقهاء في هذه المسألة فيقول: واختلفوا فيه إذا وطئ أم ولد ابنه مع علمه بحظرها عليه، فقال بعضهم عليه الحد، وقال بعضهم: يسقط الحد عنه بالشبهة، واحتج أصحاب هذا القول الأخير في زوال الحد عنه بقول النبي صلى الله عليه وسلم: «أنت ومالك لأبيك» (2) فقالوا: ففي هذا تعلق شبهة في مال الولد للوالد، والشبهة إذا وقعت في مواطأة بطل الحد» (3). ولم يُسلّم ابن بركة بهذا القول واحتج على أصحابه وبين خطأهم، وناقش أدلتهم وحجتهم، وأشار إلى قصورها مما جعلها غير صالحة للاحتجاج والاستدلال بها، وأكد أنه ليس كل شبهة تصلح لأن تكون سبباً لسقوط الحد فقال: «وهذا عندي غلط في باب التأويل، ولعمري أن الشبهة إذا وقعت درئ الحد بها، وليس كل من ادعى الشبهة قبلت منه ألا ترى أن أبا حنيفة وأصحابه جعلوا العقد الفاسد على الأمهات والبنات مع العلم بحظرهن، والعقد عليهن لا يبيحهن لشبهة يدرؤون به، الحد فليس كل من ادعى شبهة قبلت منه إلا أن يدل عليها بدليل ... ».
(1) ابن جعفر المصدر نفسه، 238/ 6.
(2) سبق تخريج الحديث.
(3) ابن بركة: الجامع، 363/ 2. (4/376)
صفحة 2157
الفصل السادس: القواعد الفقهية الكلية الصغرى
377
فإن قال من احتج بهذا الرأي لقول النبي: أنت ومالك لأبيك»، قال: فقد أثبت النبي صلى الله عليه وسلم معنى فرق بينه وبين الأجـ جنبي، يقال له: هذه تفرقة توجب عندك أنّ الشبهة وقعت في ماله لحال الوطء، وتكون شبهة وقعت في حال ثان. فإن قال: إن الوالد يحكم له على ولده بالنفقة إذا عُسر ويلزمه أن يُعفّه، فهذه هي الشبهة؛ لأنها تعلقت بماله، وأم الولد عندك أحكامها أحكام المماليك، يقال له: فأي شبهة ها هنا، ولم يقل أحد من الناس فيما علمنا أن على الولد أن يعف أباه بأم ولده وبمن كان وطئها، وأما الشبهة التي يدرأ الحد بها هي التي تقع بالواطئ فيحن إلى محظور لا يعلمه فيوافقه من طريق الجهل، فأما من أقدم على محظور مع العلم بحظره فلا شبهة هناك (1).
واعترض كذلك على أدلة القائلين بسقوط الحد على الوالد إذا وطئ أم ولد ابنه، واحتجوا بأن الله رفع من مقام الأب وألزم الولد طاعته، كما أن الولد من كشب الوالد وأم ولد ابنه وماله يجوز له التصرف فيها كذلك.
قال في الاعتراض الأول: فإن قال: فإن الله تعالى بين فضل الآباء وأوجب حقوقهم على أولادهم، ورفع منازلهم عليهم، وإن كان الأمر على ما ذكرنا فالشبهة واقعة، قيل له: إذا رفع الله منزلة الأب على الابن ورفع مقداره، وألزم الولد طاعته وفضله عليه بالأبوة، لم يكن من حق من ألزم هذا أن يطأ حرمته، ويتناول من ماله ما حرم الله عليه، إذ وطء الابن أبلغ في باب التحريم من الأجنبيات، وقد رفع الله منزلة الابن أيضاً حيث نهاه أن يطأ من وطئ (أباه)، وجعل لهذه المواطأة عليه من الحرمة ما لم يجعل لسائر الأجنبيات، وألحقها بالأمهات والبنات والأخوات تحريما مؤبدا، فالواجب أن يزاد في عقوبته؛ لأنه
تعرض لما لا سبيل له إلى وطئه لا بعقد نكاح ولا ملك يمين).
(1) ابن بركة: الجامع، 363/ 2 - 364.
(2) ابن بركة المصدر نفسه، 364/ 2. (4/377)
صفحة 2158
378
القواعد الفقهية عند الإباضية
وقال في الاعتراض الثاني: «فإن قال: فإن الله جل وعلا قال: {مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ} (المسد: (2). والكسب ها هنا الولد في قول بعض المفسرين، قيل له: ليس لك فيما تعلقت به فائدة، غير أنا نسلّم أن الكسب ها هنا، وإن كان كثيراً من أهل العلم بالتفسير عندهم أن الكسب في هذا الموضع الأعمال التي يتقبلها الله تعالى؛ لأنها كانت لغيره، وبعد فلم إذا كان الولد كسبا ارتفع الحد عنه؟
هي
لا
فإن قال: للإنسان أن يتصرف في كسبه، فلما رأيت الولد كتباً كان كسب الكسب أولى، يقال له: هذا اعتلال لا يتعلق به أهل العلم؛ لأن هذا الاستدلال يبيح له وطء أم ولد ابنه، وهذا ما لم ينقله أحد فيما علمنا، وليس كل ما سُمِّيَ كشباً جاز التصرف فيه وارتفعت الحدود عند مواقعته، ألا ترى أن الابنة كشب الوالد ولو وطئها لزمه الحد بإجماع الأمة، فلما كان وقع اسم الكسب يرفع الحدود؛ لأن رفع الحد عن الزاني إذا زنا بابنته، فإذا كان الحد واقعاً، وأن كسبه لم يمنع وقوعه عن كسب كسبه، وقد أجمع الناس أن قول الرسول صلى الله عليه وسلم: «أنت ومالك لأبيك» أنّ هذه اللام ليست بلام تمليك، ولو كانت لام تمليك ما حُدّ رجل في ابنته، والحد في الابنة واقع وإن أضيف إلى الأب، والإضافة لا ترفع الحدود، وكذا ما كان ماله مضافا إليه لا الحد ... » (1). يرفع مجمل القول:
بعد مناقشة ابن بركة أدلة القائلين بسقوط الحد على الأب للوطء الحرام، حدد المعنى الصحيح من الحديث المتقدم، وما ينبغي أن يفهم من مدلوله، وما يترتب عليه من أحكام، فقال: «وإن رجع في السؤال علينا فقال: فما فائدة هذا بذلك الخبر؟ قيل له: هذا خبر يجب أن يصرف إلى جهة لا يلحقها التناقض والكذب، ومن حمله على التمليك، فالأمة دافعة له من ذلك، ونقول
(1) ابن بركة: الجامع، 2/ 364 - 365. (4/378)
صفحة 2159
الفصل السادس: القواعد الفقهية الكلية الصغرى
379
إن معنى قوله: «أنت ومالك لأبيك أراد بذلك ـ والله أعلم - إن احتاج إلى خدمتك فعليك أن تخدمه ومالك إن احتاج إليه فعليك الإنفاق منه عليه، وهذا ما لا تنازع فيه، وأما في الحال التي يكون فيها موسرا فالخبر ما يوجبها نحوه ... فلما قال: أنت ومالك لأبيك فأجمع الناس أن ليس طريق هذا طريق التمليك، كان معناه أنت ومالك من أبيك؛ لأن الأب هو الأصل والولد هو فرعه، والمال فرع فرعه، فكأنه حثه من طريق الاستحباب في حال اليسر على زيادة بره، وألا يبخل عليه بماله إذا طلب إليه شيئاً منه، وأراد بهذا القول أن لولا هو لم تكن أنت ().
ج - في سقوط حد السرقة بالشبهة:
ومن فروعها: ما ذكره ابن بركة أنه: إذا سرق العبد من مال سيده، والزوجة إذا سرقت من مال زوجها، أو سرق الزوج من مال زوجته، سقط عنهم. الحد للشبهة؛
لأن بين هؤلاء من تعلق الحدود ما لا يخفى فأثبت ذلك شبهة دارئة للحد (2). ويشير الثميني إلى هذا المعنى فيقول: ولا قطع على آخذ مما له فيه شبهة، أو شركة أو من بيت المال، أو من الغنيمة، ولا على الزوجين المتساكنين، ولا على الوالد وولده أو عبده، ولا على سارق جملاً من طريق وقيل: يقطع إن أطلقه من قيده أو من عقاله، وقيل: لا يقطع آخذ دابة من غير حرز ولو أطلقها من وثاقها والحرز قيل: هو ما لا يقدر أحد أن يتسوّره حتى يتعاون بيديه، وقيل: على الإمام أن يسأل من رفع إليه سارقا، هل له شريك أم لا؟ ولعله إن كان فربما عفا عنه، وإن رُفع إليه سارقان وقد غاب أحدهما فلا يقطع الحاضر حتى يحضر الغائب، ولعله يدعي أن المسروق متاعه ... » (3).
(1) ابن بركة المصدر نفسه، 2/ 365 - 366.
(2) ابن بركة نفسه 4732.
(3) الثميني: الورد البسام ص 147. - ينظر الحضرمي أبو إسحاق مختصر الخصال، ص 189. (4/379)
صفحة 2160
380
القواعد الفقهية عند الإباضية
ويستخلص من نص الثميني أن الشارع الحكيم يدعو إلى التريث في تنفيذ الحكم على الجاني، ويبحث عن الشبهة التي تدرأ الحد عنه، كمن سرق من مال ولده، ففيه شبهة لزوم النفقة على أبيه، وكذا سرقة الزوجة من مال زوجها، وذلك كله خوفا من الوقوع في الخطأ، وحفاظا على كرامة المتهم.
د - في سقوط حد القتل بالشبهة:
ومن فروعها ما ذكره بعض علماء الإباضية من «فزان) تطبيقا لهذه القاعدة في معرض حديثهم عن خطورة الاعتداء على دماء الناس، وتحذيراً من تنفيذ العقوبات لمجرد الشبهة وقرروا أن الحد يسقط إن وجدت الشبهة، وإذا ثبت فلا ينفذه إلا الحكام العادلون، يقول أبو يوسف وريون بن الحسن (1): «إن القتل من الحدود ولا يقيم الحدود إلا الأئمة العادلة، ولا يقاتل بالناس إلا من هو أولاهم بالله، لتكون كلمة الله هي العليا، ليعلو الحق على الباطل، ولا يجترأ على الدماء التي حرم الله بالقرآن إلا بتحليلها بالقرآن بالحدث الذي جعل الله به السبيل على المجترحين اعتبر ذلك بالحدود، إذا وقعت شبهة زال الحد، لقوله صلى الله عليه وسلم: «ادرؤوا الحدود بالشبهات فالدماء أشد ما يكون من الحدود، ولقد يقال: لأن أترك دما حلالا أحب إلي من أن أسفك دما حراما» (2). ويذكر الثميني أيضاً في باب القصاص صورا أخرى لسقوط حد القتل بالشبهة، فيقول: روي أنه لا يقتل مسلم بكافر، ولا مجنون بعاقل، ولا طفل ببالغ، ولا حر قيل يعبد إلا إن فتك به، وأنّ العفو عفوان: عفو عن القتل بالرجوع إلى الدية، وعفو عنها وعن القود معا ... ومن قصد أحداً بالضرب بعصاً ولم يرد قتله، لزمته (الدية) في ماله، ولا قود (قصاص) عليه، وقيل فيمن ضَرَب أحدا بما لا يقتل بمثله عادة
(1) تقدمت ترجمته.
(2) جناون بن فتى وآخرون، أجوبة علماء فزان، ص 69 - 70. (4/380)
صفحة 2161
الفصل السادس: القواعد الفقهية الكلية الصغرى
381
فمات، أنّ على عاقلته ديته؛ لأنه مخطئ ... ولا يقاد والد لولده، ويقاد لولد ابنه، واختير أنه لا يقاد الجد له، ولا قصاص بين الزوجين وكان بينهما
القود» (1).
مجمل القول:
ويستنتج من الحالات التي ذكرها الثميني أنّ حدّ القتل يسقط لوجود الشبهة، كزوال العقل في المجنون، أو نقصه في الصبي، ولحرمان العبد من الحرية، ولعدم التكافؤ بين المسلم والكافر، ولزوال قصد العمد عند الضرب، ووجود علاقة الأبوة والبنوة، فمثل هذه الأمور تصلح أن تكون شبهة مانعة من الحد، ولا شك أن الشارع الحكيم قد راعى بهذا التشريع جانب عدم التكافؤ في القدرات العقلية والاجتماعية، فخفف في الحكم، وجعل ذلك سبباً لإسقاط الحد وتعطيله، فالكافر لا يساوي المسلم، والعبد لا يكافئ السيد الحر، والصبي لا يماثل البالغ الراشد، والوالد لا يكافئ الابن، فلا يمكن أن يهمل هذا الجانب وينظر إلى ظاهر الأمور، فإن ذلك سيحدث خللاً في المنظومة التشريعية الإسلامية القائمة على العدل والمساواة في الحقوق والواجبات،
ومراعاة أحوال الناس ومصالحهم.
هـ ـ في سقوط الحد عن المرتد:
ومن فروعها كذلك ما ذكره بعض فقهاء الإباضية في باب الشهادة أنها لا تكفي وحدها دليلاً لتنفيذ حد القتل على المرتد، فلا بد من التثبت من صحة الشهادة، ومن الأمر الذي جعلهم يحكمون عليه بالردة، يقول ابن بركة فى هذا الشأن: «وإذا شهدت البينة على رجل بارتداده لم يجب قتله بذلك، وكذلك لو شهدوا بأنه كفر حتى يسألهم الإمام عن صورة الأمر
(1) الثميني: الورد البسام، ص
150 (4/381)
صفحة 2162
382
القواعد الفقهية عند الإباضية
الذي شهدوا به، فإن بينوا أمراً أو فعلاً كان منه، ويجب عليه به إقامة الحد، وإلا لم يقم الحد عليه بظاهر الشهادة المحتملة للشبهة، ألا ترى أن الله تبارك وتعالى أمر بقتال الفئة الباغية، ومع ذلك لم يَخْلُ من اسم الإيمان)، لقوله تعالى: {وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إحْدَتهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ الله (الحجرات: 9)، فالأصل أن الأحكام على الظاهر، فلا يحكم على الناس بالكفر أو النفاق ما دام لم يظهر منهم ما يخرجهم من حظيرة الإسلام، كأن يطعن بعضهم في القرآن، أو في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو في أحد زوجاته؛ لأن ذلك يلزم عنه تكذيب صريح القرآن، أو تكفير المسلمين، ورمي أهل التوحيد بالشرك، وفي هذه الأحوال يجب على القاضي أن يتأكد من صحة الشهادة، وعدالة الشهود؛ لأن ادعائهم أو خطأهم وارد فإن ارتاب في شهادتهم، أو أنكر المتهم دعواهم، أو طلب منه التوبة فتاب ورجع عن موقفه، درأ عنه الحد؛ لأن ذلك يكفي أن يكون شبهة تسقط الحد.
و ـ في سقوط الحد عن شارب الخمر: ومن فروعها أيضاً: ما نقله ابن بركة عن الإباضية أنّ «مَن وُجِد منه رائحة الخمر لم يلزمه الحد؛ لأنه يمكن أن يكون مكروها، ويمكن أن يكون قد وضعه في فيه ثم تركه، والموجب عليه الحد من أصحابنا محتاج إلى دليل مع احتمال الشبهة» (2).
فهنا قد أسقطوا عنه الحد للشبهة فما دام لا يوجد دليل قوي يثبت شربه للخمر فلا يمكن أن يُبنى الحكم على الشك والاحتمال؛ لأن «الحدود تسقط
بالشبهات».
(1) ابن بركة: الجامع، 504/ 2. (2) ابن بركة المصدر نفسه، 550/ 2. (4/382)
صفحة 2163
الفصل السادس: القواعد الفقهية الكلية الصغرى
383
ز - في سقوط الحد بالنكاح الفاسد:
اختلف الفقهاء في حكم النكاح إذا وقع فاسدا هل يعتبر زني، ويترتب عليه الحد؟ أم يسقط الحد لشبهة العقد؟ وإذا انتفى الحد للشبهة، فهل تسقط العقوبة مطلقاً؟ أم يجب فيه التعزير والتنكيل؟ وهل تجب العقوبة في النكاح المتفق على فساده والمختلف فيه؟ أم تجب في أحدهما دون الآخر؟ وللإباضية في هذه المسائل عدة أقوال يمكن حصرها في قولين حسب نوع العقد. أولاً: النكاح المتفق على فساده:
يرى جمهور الإباضية أن العقد الفاسد المجمع على فساده إذا وقع فيه دخول فإن وجوب العقوبة الحدية تتقرر بناء على النظر في واقعة العقد نفسه، هل تم العقد بعد العلم مع التعمد في الفعل أم غير ذلك؟
أ - في حالة العلم مع العمد: إذا وقع العقد فاسداً وكان الرجل والمرأة عاقلين عالمين بالحرمة، أو أحدهما عالماً وتعمد ذلك، ثم وقع الدخول بعده، وجب الحد عليه، ولا قيمة لذلك العقد؛ لأنه باطل من أصله، ولا عبرة بوجود صورته، ولا يصلح أن يكون شبهة يدرأ بها الحد؛ لأن العقد صار كالعدم، فيعتبر الدخول فيه زنى، ويجب عليهما حد الزنى وهو الرجم للمحصن، والجلد لغير المحصن، واختلفوا أيضاً في عقوبة من يتزوج ذات محرم منه عمداً وكان عالماً بالحرمة أو جاهلاً بها، ولكنه يعلم أنها مَحْرَمته، كأخته أو أمه أو عمته، من النسب أو الرضاع.
1 - يرى أكثر الإباضية أنه إذا مس ذات محرم منه مطلقاً عن طريق النكاح، أو التسري، أو الزنى، يقتل بالسيف حداً لا قتل زجر وكفر، ولا تدفع عنه التوبة القتل، ولا فرق بين كونه محصناً أو غير محصن؛ لأن ذلك ليس من باب رجم الزاني أو جلده، وإنما يلزمه ذلك لاعتدائه على حرماته، ومجاوزة حدود (4/383)
صفحة 2164
384
القواعد الفقهية عند الإباضية
الله، ولو لم يدخل بها، أو لم يعلم بالتحريم؛ لأن ذلك مما يعلم من الدين بالضرورة، ولا يعذر جاهله ولو ادعى الجهل بالحكم، فلا اعتبار لجهله). يقول العوتبي في هذا الصدد: ومن تزوج ذات محرم منه وقال حسبته جائز، فلا يمنع جهل ذلك، وعليه الحد» (2).
2 ـ وذهب بعض فقهاء الإباضية إلى سقوط حد القتل وحد الزني على من تزوج ذات محرم منه متعمداً ولو وقع الدخول والمس، ويعوض عنهما بالتنكيل أو التعزير حسب ما يقدره الحاكم أو نائبه، وتجري كذلك على من تزوج زوجة غيره، أو في العدة، أو أكثر من أربعة نسوة، أو مشركة، ويستوي في هذه العقوبة كل من الزوجين والولي والشهود (3). وقد صرح القطب أطفيش بهذا الحكم في شرح النيل» نقلاً عن أصحاب الديوان فقال: «وينكل متزوج ذات زوج، أو في عدة، أو زوجة ابنه وإن سفل، أو أبيه وإن علا أو محرمته وإن برضاع أو صهر، أو أكثر من أربع، أو امرأة وأختها، أو مجوسية أو وثنية، وكذلك المرأة ومُزوّجها وشاهدها مع تعمد وعلم).
ب ـ في حالة انتفاء العمد:
أما إذا وقع العقد فاسدا، وتم الدخول، وكان ذلك عن جهل أو خطأ أو إكراه، فإن العديد من فقهاء الإباضية يذهبون إلى سقوط الحد بسبب شبهة العقد؛ لأن وجود الشبهة يمنع من إقامة الحد، لحديث رواه البيهقي عن علي بن أبي طالب - كرم الله وجهه - أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ادرؤوا الحدود بالشبهات، ولا ينبغي للإمام أن يعطل الحدود»).
(1) أرشوم مصطفى: النكاح صحة وفساداً وآثاراً في المذهب الإباضي، ص 358 - 359. (2) العوتبي: الضياء، 231/ 8.
ص 32. - الثميني: الورد البسام ص
(3) الجناوني: كتاب النكاح، (4) أطفيش: شرح النيل للثميني، 38/ 6.
132
(5) رواه البيهقي في السنن الكبرى، كتاب الحدود، باب ما جاء في درء الحدود بالشبهات، (4/384)
صفحة 2165
الفصل السادس: القواعد الفقهية الكلية الصغرى
385
غير أنه مما يلاحظ في هذا المقام أن جمهور الإباضية قد غالوا في حكمهم لما ذهبوا إلى وجوب الحد في نكاح المحارم والمشركات، بصرف النظر عن توفر العمد والعلم أو عدمهما وهو أمر يحتاج إلى تأمل وإعادة نظر، فليس،
الخطأ والجهل كالعلم والتعمد، لأنهما من أسباب التخفيف المشروعة. وحتى تتضح وجهة نظر الإباضية بجلاء في الأثر المترتب على النكاح المتفق على فساده، إذا وقع عن جهل، أو خطأ، أو إكراه، فإننا سوف نذكر بعض النماذج من هذه الأنكحة الفاسدة كما يلي:
1 - في الجمع بين المحرمين: ويرى فقهاء الإباضية أنه لا حدّ على من جمع بين محرمين ولو عمداً إن
لم يعلم تحريم ذلك، وهذا لشبهة حِلّية كل منهما إذا تزوجها منفردة. أما إذا جمع بين المرأة وأمها في عقد واحد ودخل بها، فقد اختلفوا في عقوبته، فذهب بعضهم إلى اعتبار ذلك من الزنى ويجب عليه الحد، وذهب آخرون إلى سقوط الحد عنه للشبهة، وذلك إن كان جاهلاً بالتحريم، كحديث عهد بالإسلام يعتقد حلّ نكاح الأم وابنتها، أو كان غير عالم بالقرابة من أصلها). 2 - في نكاح المعتدة:
اختلف فقهاء الإباضية في نكاح المعتدة، وذلك كأن يعقد الرجل على المرأة في عدتها من غيره من طلاق أو وفاة، ويدخل عليها متعمداً، هل يجب عليه الحد أم يدرأ عنه؟ فذهب بعضهم إلى ثبوت الحد عليه؛ لأنه كان يعلم
=
رقم 16837، عن علي. وقال: «قال البخاري المختار بن نافع منكر الحديث». وأخرجه الصنعاني في سبل السلام، 28/ 4، وقال: وذكر البخاري في التلخيص أن في سند هذا الحديث المختار بن نافع وهو منكر، إلا أنه ساق المصنف عدة روايات موقوفة صحيح بعضها وهي تعاضد المرفوع وتدل على أن له أصلاً في الجملة، وفيه دليل على أنه يدفع الحد للشبهة التي يجوز وقوعها لدعوى الإكراه. يراجع المصدر نفسه، 28/ 4. (1) أطفيش: شرح كتاب النيل 35/ 6 - وينظر أرشوم مصطفى النكاح صحة وفساداً وآثاراً، ص 364. (4/385)
صفحة 2166
386
القواعد الفقهية عند الإباضية
بالعدة، وحرمة النكاح منها، وتعمد ذلك، فزواجه في حكم الزنى، وذهب آخرون إلى سقوط الحد عنه لشبهة العقد، قال الشيخ أطفيش في بيان ذلك نقلاً عن ديوان الأشياخ ولا يثبت نسب متزوج في العدة عمداً ويحدان وقيل يثبت ولا يحدان» (1).
واختار البسيوي سقوط الحد على من نكح في العدة واكتفى بالتعزير فقال: «ومن تزوج امرأة في عدتها فرّق بينها، ولا حدّ عليها في قولنا إلا الأدب والضرب في ذلك» (2)، وقال شيخنا أحمد الخليلي بعد تبيان حكم عمر بن الخطاب له فيمن تزوج المعتدة من غيره: «وقد علمت أن عمر انه لم يقم الحد الشرعي على اللذين فرق بينهما فرقة أبدية؛ لتزويجهما في أثناء العدة، بل اكتفى بتعزير هما (3) للشبهة الحاصلة» (4).
ـ في نكاح الكافر بالمسلمة:
إذا تزوج المشرك أو الكافر بالمسلمة وكانا عالمين بالحرمة، أم غير عالمين بالحكم، فهل يجب الحد عليهما أم لا؟ فالمسألة محل خلاف بين الإباضية، فذهب بعضهم إلى وجوب الحد مطلقا سواء كانا عالمين بالتحريم أم جاهلين به، ويرى آخرون وجوب الحد عند العلم بالحرمة مع التعمد، بينما يرى بعضهم سقوط الحد عليهما لوجود الشبهة.
(1) أطفيش المصدر نفسه، 38/ 6. (2) البسيوي: جامع أبي الحسن، 84/ 4.
(3) لعله يشير إلى حديث رواه البيهقي في السنن الكبرى، كتاب العدد، جماع أبواب عدة المدخول بها، باب الاختلاف في مهرها وتحريم نكاحها على الثاني، حديث: 14488 عن عمر بن الخطاب له، ونص الحديث: «رفع إلى عمر بن الخطاب له امرأة تزوجت في عدتها فقال لها: «هل علمت أنك تزوجت في العدة؟ قالت: لا فقال لزوجها: «هل علمت؟» قال: لا قال: لو علمتما لرجمتكما فجلدهما أسياطاً، وأخذ المهر فجعله صدقة في سبيل الله قال: لا أجيز مهرا لا أجيز نكاحه، وقال لا تحل لك أبدا».
(4) الخليلي أحمد بن حمد: فتاوى النكاح، الكتاب الثاني،
ص
153 - 154 (4/386)
صفحة 2167
الفصل السادس: القواعد الفقهية الكلية الصغرى
387
قال القطب أطفيش في هذا الصدد: وحرُم» على مسلمة موحدة نكاح مشرك ولو كان كتابياً، وإن فعلت لم يثبت النسب، ويحد إن علمها موحدة، ولا صداق لها إن علمته مشركاً وتحدّ، وقيل لا يحدان للشبهة ولا يترك ذو خصلة من الشرك أن يتزوجها، ولا صداق لها إن علمت، ولا نسب، وحُرمت وقيل لا تحرم إن تاب (1).
ثانياً: الأنكحة المختلف في فسادها:
وهناك أنكحة مختلف فى فسادها عند الفقهاء كالنكاح بدون ولي، ونكاح الزاني والزانية، ونكاح الشغار، ونكاح المتعة ونكاح التحليل، فلو وقع العقد مع الإقرار بالفساد، فالفقهاء قد اختلفوا في وجوب الحد فيها وسقوطه إذا وقع الدخول، وإذا سقط الحد فهل يجب فيها التعزير أم تسقط العقوبة المادية مطلقاً؟ وهل ينظر إلى حالة العمد مع العلم، وحالة الجهل والخطأ لإثبات العقوبة أم لا؟ وحتى نطلع على وجهة نظر الإباضية في هذا النوع من الأنكحة نورد
مثالين منها للتوضيح كما يلي:
-
في النكاح دون ولي:
اتفق الإباضية على أن الولي من أركان عقد الزواج، فإذا خلا منه بطل العقد، ولا يصح العقد إلا بموافقة الولي، ولكن إذا وقع العقد دون ولي، وتعمد الزوجان إبعاده عن النكاح، أو إخفاء الأمر عنه سواء كانا عالمين بحرمة ذلك جاهلين، فهل يجب عليهما الحد؟ وإذا سقط الحد فهل يجب عليهما التعزير؟ أم تسقط العقوبة المادية مطلقا؟ وللإباضية في هذه المسألة قولان: القول الأول: سقوط الحد دون التعزير ذهب جمهور فقهاء الإباضية إلى سقوط الحد في النكاح بلا، ولي ولكن يعزّر كلُّ من شارك في إنشاء هذا
(1) أطفيش: شرح النيل، 119/ 6. (4/387)
صفحة 2168
=
القواعد الفقهية عند الإباضية
388
العقد، كالزوج والزوجة، والشهود، والعاقد، نقل ابن خلفون في أجوبته: «عن المؤرج عن أبي عبيدة أنه إن وقع النكاح بغير ولي فرق بينهما، ويعزر الرجل والمرأة والشهود ومن أنكحها (1).
واستند أصحاب هذا القول إلى ما ورد في الأثر من تعزير عمر بن الخطاب صلي الله للزوج والمزوّج من غير رضى الولي، فقد أخرج البيهقي عن عكرمة بن خالد قال جمعت الطريق ركباً فجعلت امرأة ثيب أمرها بيد رجل غير ولي فأنكحها، فبلغ ذلك عمر الله الله فجلد الناكح والمنكح ورد نكاحها). وفي رواية ذكرها ابن جعفر بزيادة أنّ الولي كان حاضراً معهم في السفر قال: «بلغني عن عمر بن الخطاب له الله أنه ضرب رجلاً تزوج امرأة في طريق مكة زوجها به غير وليها بغير إذنه ووليها في الرفقة، فلما رجعوا رفع ذلك إلى عمر بن الخطاب الله وأمر بهما فضربا بسوط جميعاً المتزوج والمرأة (3). القول الثاني: سقوط العقوبة مطلقا يُروي عن عبد الله بن عبد العزيز (4) أنه إذا وقع النكاح بغير ولي مع حضوره، يفرّق بين الزوجين، ولا يرى عليهما حدا ولا تعزيرا (5).
79 - 71
(1) ابن خلفون المزاتي: أجوبة ابن خلفون، ص (2) رواه البيهقي في السنن الكبرى، كتاب النكاح، باب لا نكاح إلا بولي، رقم 13417، عن عكرمة بن خالد، 111/ 7. قال ابن حجر: «فيه انقطاع؛ لأن عكرمة لم يدرك ذلك». تلخيص
الحبير، 160/ 3. (3) ابن جعفر: الجامع، 192/ 6.
(4) عبد الله بن عبد العزيز أبو سعيد من فقهاء الإباضية (ق 2 هـ) في البصرة، عالم وفقيه مجتهد، أخذ العلم عن أبي عبيدة مسلم وصالح الدهان، وصاحب الربيع ووائل بن أيوب وغيرهما، من الذين روى عنهم أبو غانم الخراساني مدونته كان شغوفا بالعلم وكتابته، كثير القياس، لديه نزعة للتحرر ملتزماً بالدليل، مما جعل الإباضية يعرضون عن آرائه ويأخذون برأي الربيع في الغالب، ينظر الشماخي السير، ص 97/ 1. الراشدي مبارك، أبو عبيدة مسلم ... وآراؤه الفقهية، ص 32 ابن سعد: الطبقات، 232/ 2.
:
(5) ابن خلفون: أجوبة ابن خلفون، ص 68 - 69. ينظر: أبو غانم الخراساني: المدونة الكبرى (4/388)
صفحة 2169
الفصل السادس: القواعد الفقهية الكلية الصغرى
389
2 ـ في نكاح الزاني والزانية:
إذا زنى الرجل بامرأة ثم عقد عليها ووقع الدخول، أو تزوج بزانية وتزوجت بزان، فما حكم هذا العقد؟ وهل تجب فيه عقوبة؟
أجمع الإباضية - ولا نعلم فيه خلاف - أن من تزوج بمزنيته ثم عقد عليها يفسخ العقد قبل الدخول وبعده؛ لأن الحرام عندهم يحرم الحلال، ولا نكاح بعد سفاح، ولكن لا يجب عليهما الحد لشبهة العقد، وإنما يجوز للحاكم أن يعزرهما لزجرهما ورع غيرهما، ويقيم عليهما حد الزنى إن ثبت عليهما الزني قبل العقد، أما إذا تزوج بزانية مع غيره، أو تزوجت بزان مع غيرها، فقد اختلفوا في حكمهما، فأكثر الإباضية ذهبوا إلى فساد هذا العقد ووجوب فسخه قبل الدخول وبعده؛ لأن الحرام يحرم الحلال، أما الحد فيسقط عنهما للشبهة، ويجب عليهما التعزير قال أبو إسحاق الحضرمي في هذا المعنى: «والذي يوجب الوطء الحرام بزنا أو شبهة أو خطأ عشر خصال منها: أنه يوجب الحد إذا لم تكن شبهة أو التعزير إن وجدت شبهة» (1).
وذهب بعض الإباضية إلى جواز نكاح الزاني والزانية إذا لم يقع بينهما وطء، وكان العقد بعد التوبة والصلاح؛ لأن الحرام عندهم لا يحرم الحلال وهو رأي جمهور الفقهاء من غير الإباضية (2).
بتعاليق القطب أمحمد بن يوسف أطفيش تحقيق مصطفى، باجو، ط 1، 1428 هـ / 007 نشر وزارة التراث والثقافة سلطنة عُمان، 233/ 2.
20 م،
(1) الحضرمي أبو إسحاق: مختصر الخصال، 159/ 2. - أطفيش شرح النيل، 47/ 6 - 49. (2) الخرشي: حاشية الخرشي على مختصر خليل، 5/ 105. ـ الدسوقي: الحاشية على الشرح الكبير لمختصر خليل لأحمد الدردير المالكي، 251/ 2، - الأزهري: جواهر الإكليل، 289. ـ الجعلي عثمان سراج السالك، 47/ 2. الكاساني: بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع، 453/ 3. - البهوتي: كشاف القناع، 79/ 5. ـ الشربيني الخطيب: مغني المحتاج، 388/ 3. ابن قدامة: المغني، 563/ 9.
ص (4/389)
صفحة 2170
390
القواعد الفقهية عند الإباضية
جاء في جامع ابن جعفر عن أبي الحسن البسيوي في تزويج الزاني والزانية قوله وقد اختلفوا فيمن رأى رجلا يزني، فقال قوم لا يزوجه ولا يشهد تزويجه، ولا يزوجه حُرمته، وقال قوم: إذا رآه يزني زنئ ثم تاب وأصلح، تولاه وزوجه بحرمته، وصلى على جنازته، قال: لأن توبته تأتي على ذلك، وقول هذا يدل على أن التائب جائز له أن يتزوج المسلمة الحرة غير المحدودة، فأما المحدودة فلا يتزوج لعلة عند أصحابنا، إلا محدودة ولو تاب
عندهم في ذلك» (1).
مجمل القول:
مما تقدم يتبين أن فقهاء الإباضية لم يكونوا محل اتفاق في عقوبة من تزوج امرأة متفق على تحريمها كالأم والأخت والمشركة، والمعتدة، فمنهم من ذهب إلى وجوب الحد عليه؛ لأنه يعتبر في حكم الزنى ولا عبرة بالعقد، ولا يصلح شبهة دارئة للحد، وهو رأي أكثرهم، ومنهم من قال: يسقط عليه الحد، وتجب عليه عقوبة تعزيرية للشبهة الحاصلة، خاصة إذا كان جاهلاً بالحرمة، واستثنى بعضهم المحارم، ومنهم من يرى سقوط الحد والتعزير لشبهة العقد، ولعل هذا الرأي أيسرهم وأرفعهم للحرج والمشقة، خاصة إذا انتفى عنصري العلم والتعمد، إلا أنني أرى أنه في حالة العلم والتعمد يثبت عليه الحد، وإن وقع الدخول مع الجهل بالحرمة يعزر ولا يحد، وفي حالة وقوع العقد دون الدخول مع انتفاء العلم والعمد، فمن المناسب سقوط العقوبة على الناكح أصلاً.
أما النكاح المختلف فيه كالنكاح بلا ولي أو نكاح الزاني والزانية، فقد اتفق فقهاء الإباضية على سقوط الحد، واختلفوا في وجوب التعزير، وذلك لوجود شبهة العقد، فمنهم من أوجبه خاصة عند توفر عنصري العلم والعمد
(1) ابن جعفر: الجامع، 202/ 6. (4/390)
صفحة 2171
الفصل السادس: القواعد الفقهية الكلية الصغرى
391
مع الدخول، ومنهم من يرى سقوط العقوبة إذا لم يقع الدخول، ومنهم من أسقط العقوبة مطلقاً، سواء توفر العلم والعمد والدخول أم لا، واتفقوا على ثبوت العقوبة لمن تزوج مزنيته؛ لأنهم أجمعوا على حرمته خلافا للجمهور، ولعل هذا القول هو الأعدل والأنسب في هذا الزمان، سدا لذريعة الفساد، وزجراً لمن تسول له نفسه أن يزني بامرأة ثم يتزوجها، وتكفيراً لخطيئته؛ لأنه لا نكاح بعد سفاح كما يقرر جمهور الإباضية والله أعلم.
ح - في الإكراه: ومن فروعها ما ذكره محمد بن إبراهيم الكندي أنه لو أكره جبار رجلاً على وطء امرأة بالقتل فغشيها، فعليه مهرها ولا حد عليه لشبهة الإكراه (1). ولكني أرى أنه قد تتحرك نفس الرجل نحو المرأة مع الإكراه، فيفعل بها ما يفعل الرجل بزوجته في الأحوال العادية، فإن حدث ذلك معه، فقد ينجو من عقوبة الحد في الدنيا لشبهة الإكراه، ولكن لا يفلت من عقوبة الآخرة، لأن
الله
مطلع على السرائر.
ط ـ إشارة الأخرس:
إشارة الأخرس بما يوجب الحد عليه لا توجب عليه الحد للشبهة، فقد يقصد بها غير ما يُفهم منه (3). ومثله الأعجم إذا زنى فلا حد عليه، والعبد إذا زنى ولم يحصن، فلا حد عليه، وعليه التعزير) ويفهم من هذه العبارة أن العاجز عن الكلام، كالأخرس والأعجمي يسقط
(3)
عنهما الحد، لفقدهما حاسة النطق، وهذه شبهة تدرأ، الحد، أما العبد غير المحصن فيسقط عنه للشبهة أيضاً، ولكن يجب أن يعزر حتى يرتدع عن الفاحشة.
(1) الكندي محمد بن إبراهيم: بيان الشرع، 121/ 6.
(2) ابن بركة: الجامع، 528/ 2.
(3) البسيوي: الجامع، 87/ 4. (4/391)
صفحة 2172
392
القواعد الفقهية عند الإباضية
ي - في شبهة الدليل
ذكر بعض فقهاء الإباضية أن المرأة إذا تزوجت برجل وهي في عصمة زوجها يفرق بينهما، ولا صداق لها، ويجب عليها حد الرجم إذا ثبت عليها العلم والتعمد، أما إن ظهر منها ما يدل على جهلها أو خطئها في فهم النص الشرعي المبيح للرجل تعدد النساء، وظنت أن حكم النساء مثل الرجال في التعدد يدرأ عنها الحد لشبهة التأويل.
قال الثميني في هذا الصدد: ويدرأ الحد بالشبهة حتى لو تزوجت ذات زوج بآخر بلا علمه، يفرّق بينهما، ولا صداق لها لخيانتها، وترجم إن لم تعتذر وتقل: ظننت أن زوجي مات، أو أنه جاز للمرأة ما جاز للرجل من الأربعة، وقد وري أنّ امرأة تزوجت بغلامها فرُفعت إلى عمر، فأراد أن يعاقبها فقالت: بالله إنكم ليحل لكم ما ملكت أيمانكم، فنحن لا يحل لنا ما ملكت أيماننا فدرأ عنها الحد» (1).
وفي السياق نفسه، سئل الإمام السالمي عن المرأة إذا تسرّت عبدها متأوّلة الآية الكريمة، لظنها الجواز، وعموم ذلك للرجال والنساء، فهل تحد على هذا
المعنى؟ فأجاب: «يوجد أن هذه المسألة وقعت في أيام أمير المؤمنين عمر بن الخطاب الا الله وأنه أمر بإقامة الحد عليها فقالت: أيحل لكم ما ملكت
(1) الثميني: الورد البسام ص 144. ورد هذا الأثر بلفظ قريب منه، رواه سعيد بن منصور في السنن، كتاب الوصايا، باب ما جاء في المرأة تزوج عبدها حديث: 688 ونص الحديث: عن بكر بن عبد الله، أن عمر بن الخطاب أتي بامرأة قد تزوجت عبداً لها فضربهما وفرق بينهما. فقالت المرأة: أليس الله جل يقول في كتابه أو ما ملكت أيمانكم؟ وكتب إلى أهل الأمصار: أي امرأة تزوجت عبدها أو تزوجت بغير بينة أو ولي، فاضربوها الحد». ابن أبي شيبة في المصنف، كتاب الحدود، في المرأة تزوج عبدها، حديث: 28176، عن عمر بن
الخطاب له. (4/392)
صفحة 2173
الفصل السادس: القواعد الفقهية الكلية الصغرى
393
أيمانكم
ولا يحل لنا ما ملكت أيماننا؟ فقال: «دعوها فإنها متأوّلة». فهذا
أمير المؤمنين قد درأ عنها الحد الشبهة التأويل، وقد قال صلى الله عليه وسلم: «ادرؤوا الحدود بالشبهات (1) (2).
(1) سبق تخريجه
(2) السالمي: جوابات، 512/ 2. (4/393)
صفحة 2174
المصادر والمراجع (4/395)
صفحة 2175
المصادر والمراجع
397
القرآن الكريم برواية حفص عن عاصم
:أولاً: المصادر والمراجع المطبوعة
2
إبراهيم أنيس وآخرون المعجم الوسيط، ط 2، نشر مجمع اللغة العربية، مطابع دار المعارف بمصر، 1392 هـ/ 1972 م.
إبراهيم مدكور وآخرون: المعجم الفلسفي، الهيئة العامة لشؤون المطابع الأميرية، القاهرة، 1403 هـ / 1983 م.
ابن الأثير المبارك بن محمد الجزري: النهاية في غريب الحديث، تحقيق: محمود محمد الطناجي، دار الفكر، مصر، د. ت.
ابن الأثير مجد الدين بن الجزري (606 هـ): النهاية في غريب الحديث والأثر، تحقيق: طاهر أحمد الزاوي، محمود الطانجي، ط 1، دار إحياء الكتب العربية، لعيسى البابي الحلبي وشركاه، مصر، 1383 هـ.
ابن الحاجب جمال الدين أبو عمرو عثمان: مختصر منتهى السؤل والأمل في علمي الأصول والجدل تحقيق نذير، حمادو، دار ابن حزم، بيروت، 2006 م.
ابن السبكي تاج الدين عبد الوهاب بن علي (ت: 771 هـ): الأشباه والنظائر، تحقيق:
عادل عبد الموجود، وعلي عوض، ط 1، دار الكتب العلمية، لبنان، 1411 هـ. ابن السبكي تاج الدين عبد الوهاب بن علي (ت: 771 هـ): جمع الجوامع في شرح الجلال المحلي حاشية العطار أبي السعادات حسن بن محمد، نشر دار الكتب العلمية، بيروت.
ابن السبكي تاج الدين عبد الوهاب بن علي (ت: 771 هـ): طبقات الشافعية الكبرى، تحقيق: عبد الفتاح الحلو، محمود الطناجي، طبع عيسى البابي الحلبي بالقاهرة، 1383 هـ / 1964 م.
ابن العربي أبو بكر: أحكام القرآن، تحقيق: علي محمد البجاوي، دار الفكر، د. ت. 10. ابن العماد عبد الحي الحنبلي (1089 هـ): شذرات الذهب في أخبار من ذهب، طبعة القدسي بالقاهرة، 1350 هـ. (4/397)
صفحة 2176
398
القواعد الفقهية عند الإباضية
11. ابن الملقن عمر بن علي بن أحمد سراج الدين (804 هـ): الأشباه والنظائر، مخطوط مصور، مصدره استانبول مكتبة أحمد الثالث، رقم 752، أصول الفقه.
12. ابن النجار، محمد أحمد بن بن عبد العزيز الفتوحي الحنبلي (972 هـ): شرح الكوكب المنير، تحقيق: نزيه حماد ومحمد الزحيلي، منشورات مركز البحث العلمي بجامعة أم لقرى، مكة دت. 13. ابن الوكيل محمد بن عمر بن مكي (716 هـ): الأشباه والنظائر، مخطوط مصور من مكتبة شستربتي رقم 3228.
14. ابن بركة أبو محمد عبد الله بن محمد البهلوي كتاب التعارف، نشر وزارة التراث القومي والثقافة عُمان، مطابع سجل العرب مصر 1983 م.
15. ابن بركة أبو محمد عبد الله بن محمد البهلوي: كتاب الجامع، جزأين حققه عيسى يحيى الباروني، دار الفتح، بيروت، 1394 هـ / 1974 م.
16. ابن تيمية تقي الدين أحمد بن عبد الحليم (728 هـ): مجموع فتاوى شيخ الإسلام أحمد بن تيمية، جمع وترتيب، عبد الرحمن محمد بن قاسم العاصمي الحنبلي بمساعدة ابنه محمد، أشرف على الطباعة والإخراج المكتب التعليمي السعودي
بالمغرب، ط 2 طبعة مكتبة المعارف، الرباط - المغرب، 1401 هـ / 1981 م. 17. ابن تيمية تقي الدين أحمد بن عبد الحليم (728 هـ): القواعد النورانية، تحقيق: معمر حامد الفقهي،، ط،2، 1404 هـ، نشر مكتبة المعارف، الرياض. 18. ابن جعفر أبو جابر محمد الأزكوي، تحقيق: عبد المنعم عامر ومحمود جبر الفضيلات، نشر وزارة التراث القومي والثقافة عُمان، ج 1، ج 2، مطبعة عيسى البابي الحلبي وشركاؤه مصر دت، ج 3 مطبعة الألوان الحديثة عُمان 1988 م ج 4، المطبعة، العالمية عُمان، 1414 هـ / 1994 م. ج 5، شركة مطبعة عُمان ومكتبتها المحدودة،
1415 هـ / 1995 م. ج،6، المطبعة الشرقية ومكتبتها، عُمان، 1422 هـ / 2001 م. 19. ابن حجر العسقلاني شهاب الدين أبو الفضل أحمد بن علي (ت: 852 هـ): الإصابة في تمييز الصحابة، نشر دار الكتب العلمية، بيروت. 20. ابن حجر العسقلاني شهاب الدين أبو الفضل أحمد بن علي (ت: 852 هـ): التلخيص الحبير في تخريج أحاديث الرافعي الكبير، تصحيح وتعليق: السيد عبد الله هاشم
اليماني المدني، شركة الطباعة الفنية المتحدة، القاهرة، 1384 هـ. (4/398)
صفحة 2177
المصادر والمراجع
399
21. ابن حجر العسقلاني شهاب الدين أبو الفضل أحمد بن علي (ت: 852 هـ): فتح الباري شرح صحيح البخاري، تحقيق: محَمَّد فؤاد عبد الباقي ومحب الدين الخطيب، دار المعرفة، بيروت، 1379 هـ.
22. ابن حزم أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد الظاهري، مراتب الإجماع في العبادات والمعاملات والمعتقدات، ومعه نقد مراتب الإجماع لابن تيمية، ط 1، منشورات دار الآفاق الجديدة، بيروت 1978 م.
23. ابن حزم أبو محمد علي محمد أحمد بن سعيد: المحلي، منشورات المكتب التجاري للطبع والنشر والتصوير، بيروت.
24. ابن خلدون عبد الرحمن بن محمد الحضرمي المغربي (ت 808 هـ): مقدمة ابن خلدون المسمى بكتاب العبر وديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب والعجم والبربر
ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر، دار العودة، بيروت د. ت.
25. ابن خلفون أبو يعقوب يوسف خلفون المزاتي: أجوبة ابن خلفون، تحقيق وتعليق:
عمرو خليفة النامي، دار الفتح للطباعة والنشر ط 1، 1394 هـ / 1974 م. 26. ابن رجب أبو الفرج عبد الرحمن بن أحمد الحنبلي القواعد، مراجعة: طه عبد الرؤوف سعد، ط 2، دار الجيل، بيروت، 1988 م.
27. ابن رجب أبو الفرج عبد الرحمن بن أحمد الحنبلي: تقرير القواعد وتحرير الفوائد، تحقيق: مشهور ابن حسن آل سلمان دار ابن عفان السعودية، ط 1، 1998 م. 28. ابن رجب أبو الفرج عبد الرحمن بن أحمد الحنبلي جامع العلوم والحكم في شرح خمسين حديثاً من جوامع الكلم.
29. ابن رشد محمد بن أحمد بن محمد بن أحمد القرطبي أبو الوليد (الحفيد): بداية المجتهد ونهاية المقصد ط 1، دار الكتب العلمية، بيروت 1988 م.
30. ابن عابدين محمد أمين (1252): مجموعة الرسائل، عالم الكتب، القاهرة، دت. 31. ابن عاشور محمد الطاهر مقاصد الشريعة نشر المؤسسة الوطنية للكتاب، الجزائر الشركة التونسية للتوزيع، تونس، 1985 م.
32. ابن عبد البر: التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد، تحقيق: سعيد أحمد إعراب دط الشؤون الدينية، المغرب، 1981 م. (4/399)
صفحة 2178
400
القواعد الفقهية عند الإباضية
33. ابن عبد السلام أبو محمد عز الدين السلمي، قواعد الأحكام في مصالح الأنام، تعليق: طه عبد الرؤوف سعد، ط 2، دار الجيل، بيروت، 1980 م.
34. ابن عبد الهادي: مغني ذوي الأفهام عن الكتب الكثيرة في الأحكام.
35. ابن فارس أبو الحسن أحمد بن فارس بن زكرياء الرازي (ت: 395 هـ): معجم مقاييس اللغة، تحقيق: عبد السلام محمد هارون، ط 1، دار إحياء الكتب العربية - القاهرة، سنة 1371 هـ.
36. ابن فرحون أبو إسحاق إبراهيم بن علي بن محمد اليعمري: الديباج المذهب في معرفة أعيان علماء المذهب، تحقيق: علي، عمر مكتبة الثقافة الدينية، القاهرة، 2003 م.
أحمد بن المقدسي الدمشقي: المقنع في
37. ابن قدامة موفق الدين أبو محمد عبد الله فقه إمام السُّنَّة أحمد بن حنبل الشيباني، دم، 1973 م.
38. ابن قدامة موفق الدين أبو محمد عبد الله بن أحمد المقدسي الدمشقي: المغني الشرح
بن قدامة المقدسي، تحقيق: ابن التركي
الكبير على متن المقنع لمحمد أحمد بن والحلو، مطابع هجر، القاهرة - مصر 1410 هـ.
39. ابن قدامة موفق الدين أبو محمد عبد الله بن أحمد المقدسي الدمشقي: روضة الناظر وجنة المناظر في أصول الفقه على مذهب الإمام أحمد بن حنبل، ومعها شرحها نزهة الخاطر العاطر لعبد القادر بن أحمد بن مصطفى بدران الدومي الدمشقي،
6
مكتبة المعارف، الرياض السعودية، ط 2، 1404 هـ / 1984 م.
40. ابن قيم الجوزية أبو عبد الله محمد بن أبي بكر (751 هـ): إعلام الموقعين عن رب العالمين، حققه عصام فارس الخرستاني وحسان عبد المنان، ط 1، دار الجيل، بيروت، 1419 هـ/ 1998 م. نسخة أخرى، ط 2، مصابيح السعادة، مصر، 1374 هـ، أخرى: مراجعة وتعليق طه عبد الرؤوف سعد، دار الجيل بيروت ـ لبنان 1973 م.
41. ابن قيم الجوزية أبو عبد الله محمد بن أبي بكر (751 هـ): بدائع الفوائد، تحقيق: هاني الحاج المكتبة التوفيقية، القاهرة، دت.
42. ابن كثير أبو الفداء إسماعيل القرشي تفسير القرآن العظيم، ط 3، مؤسسة المختار، القاهرة، 2002 م. (4/400)
صفحة 2179
المصادر والمراجع
2 - 1
43. ابن منظور أبو الفضل جمال الدين محمد بن مکرم (ت: 711 هـ)، لسان العرب، حققه عامر أحمد حيدر، دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان، ط 1، 1424 هـ / 2003 م. 44. ابن نجيم زين الدين بن إبراهيم (ت: 970 هـ): الأشباه والنظائر، تحقيق: عبد الكريم الفضيلي، ط 1، المكتبة العصرية، بيروت - لبنان، 1418 هـ / 1998 م. 45. ابن هبيرة يحيى بن محمد، الإفصاح عن معاني الصحاح، شرح المسانيد العشرة والمشهود لهم بالجنة تحقيق فؤاد عبد المنعم أحمد، رئاسة المحاكم الشرعي، 1985 م.
46. أبو البقاء الكليات معجم في المصطلحات والفروق اللغوية، تحقيق: عدنان دروس ومحمد المصري، ط 2، مؤسسة الرسالة، بيروت، 1419 هـ / 1998 م.
47. أبو السعود الحنفي، تفسير ابن السعود المسمى (إرشاد العقل السليم إلى مزايا القرآن الكريم)، تحقيق: عبد القادر عطا، توزيع ونشر الرئاسة العامة للإفتاء بالسعودية 1401 هـ. 48. أبو العباس أحمد بن محمد بن بكر الفرسطائي النفوسي (ت: 504 هـ): السيرة في الدماء، تحقيق: عبد الرحمن بن إبراهيم طباخ نسخة مرقونة غير منشورة.
49. أبو العباس أحمد بن محمد بن بكر الفرسطائي النفوسي (ت:504 هـ): القسمة وأصول الأرضين، كتاب في فقه العمارة الإسلامية، تحقيق:، بكير بن محمد الشيخ
6
بالحاج، ومحمد صالح، ناصر ط 2 نشر جمعية التراث القرارة، المطبعة العربية، غرداية، الجزائر 1418 هـ / 1997 م. 50. أبو العباس أحمد بن محمد بن بكر الفرسطائي النفوسي (ت: 504 هـ): كتاب أبي مسألة، حققه وطبعه: محمد صدقي والسبع إبراهيم، دار البعث، قسنطينة، الجزائر ط 1، 1404 هـ / 1984 م.
51. أبو المنذر بشير بن محمد بن محمد بن محبوب المستأنف، مخطوط ضمن مجموع السير العُمانية، محفوظ بمكتبة الإمام غالب بن علي الهنائي بالدمام، السعودية وتوجد نسخة مصورة منه لدى الباحثة منى بنت هلال الكندية نزوى، سلطنة عُمان. 52. أبو داود سليمان بن الأشعث السجستاني الأزدي (275 هـ): سنن أبي داود بشرح عون المعبود، ط 3 دار الفكر، بيروت، 1399 هـ / 1979 م.
أبو زهرة محمد مالك وآراؤه الفقهية، ط دار الفكر العربي، القاهرة. (4/401)
صفحة 2180
402
القواعد الفقهية عند الإباضية
54. أبو ستة أبو عبد الله محمد بن عمرو القصبي المعروف بالمحشي (1087 هـ): حاشية الترتيب على الجامع الصحيح مسند الإمام الربيع بن حبيب الفراهيدي، تحقيق: إبراهيم طلاي، د ط دار البعث، قسنطينة، الجزائر، 1994 م.
55. أبو سنة أحمد فهمي: النظريات العامة للمعاملات في الشريعة الإسلامية، مطبعة دار التأليف، مصر، 1386 هـ / 1967 م.
56. الأبي صالح عبد السميع الأزهري: جواهر الإكليل شرح العلامة خليل في مذهب الإمام مالك، دار الفكر، بيروت، د. ت.
57. الأتاسي محمد خالد وابنه محمد طاهر الأتاسي الحمصي: شرح المجلة العدلية، ط 1، مطبعة حمص، سوريا، 1429 هـ.
58. إتبيرن مصطفى داود المصلحة المرسلة عند الإباضية بين النظرية والتطبيق من خلال اجتهادات المتأخرين، رسالة ماجستير في الفقه وأصوله، نوقشت في جامعة الأمير عبد القادر للعلوم الإسلامية بقسنطينة، الجزائر سنة 1425 هـ / 2004 م. 59. أحمد بن عبد الله بن حميد: مقدمة تحقيق كتاب القواعد لأبي عبد الله المقري.
6
بن
أنس
60. أحمد زقور: القواعد الفقهية المستنبطة من المدونة الكبرى للإمام مالك الصبحي برواية الإمام سحنون بن سعيد عن الإمام عبد الرحمن القاسم، ط 1، دار ابن حزم بيروت دار، التراث الجزائر، 1426 هـ / 2005. 61. أرشوم مصطفى بن حمو القواعد الفقهية وعلاقتها بفقه المقاصد، بحث نشر في كتاب القواعد الفقهية بين التأصيل والتطبيق ضمن بحوث ندوة تطور العلوم الفقهية في عمان خلال القرن الرابع الهجري - القواعد الفقهية أنموذجاً ـ تنسيق ومراجعة، مصطفى باجو، بإشراف وزارة الأوقاف والشؤون الدينية، سلطنة عُمان، مطابع النهضة، عمان، 2005 م. 62. أرشوم مصطفى بن حمو النكاح صحة وفساداً وآثاراً في المذهب الإباضي مقارنة بالمذاهب الإسلامية والقوانين الوضعية، ط 1، مطابع النهضة، روي، سلطنة عُمان، 1424 هـ / 2002 م.
جمع
63. إسماعيل علوان القواعد الفقهية الخمس الكبرى والقواعد المندرجة تحتها، ودراسة من مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية دار ابن الجوزي، السعودية ط 1، 1420 هـ / 2000 م. (4/402)
صفحة 2181
المصادر والمراجع
403
64. الأشعري أبو الحسن علي بن إسماعيل بن إسحاق البصري المتكلم الشهير (ت: 224 هـ) ـ الفتح المبين. 65. الأشقر عمر سليمان النيات في العبادات، ط، دار النفائس الأردن، 1415 هـ / 1995 م. 66. الأصفهاني أبو القاسم الحسين بن محمد الراغب المفردات في غريب القرآن، ط 4، دار المعرفة، بيروت ـ لبنان، 1426 هـ / 2005 م. ونسخة أخرى: مفردات ألفاظ القرآن الكريم، تحقيق نديم مرعي، دار الفكر، بيروت. 67. الأصم أبو محمد عثمان بن أبي عبيد الله، البصيرة، جزآن، نشر وزارة التراث القومي والثقافة، عُمان، مطبعة عيسى البابي الحلبي وشركاؤه، مصر، 1982 م.
68. أطفيش أمحمد بن يوسف القطب (1236 - 1332 هـ): تفسير القرآن المسمى هميان الزاد إلى دار المعاد نشر وزارة التراث القومي والثقافة سلطنة عُمان، طبعة 1401 هـ / 10/ 1980 م. 69. أطفيش أمحمد بن يوسف القطب (1236 - 1332 هـ): شامل الأصل والفرع، تصحيح أبو إسحاق إبراهيم أطفيش د ط وزارة التراث القومي والثقافة، سلطنة، عمان، 1404 هـ / 1984 م. 70 أطفيش أمحمد بن يوسف القطب (1236 - 1332 هـ): شرح كتاب النيل وشفاء العليل، 17 مجلدا، نشر مكتبة الإرشاد، جدة السعودية، ط 3، 1405 هـ / 1985 م. 71. أطفيش أمحمد بن يوسف القطب (1236 - 1332 هـ): كتاب النيات ضمن مجموع
ثلاثة كتب.
72 الألباني محمد ناصر الدين إرواء الغليل في تخريج أحاديث منار السبيل، ط 2، المكتب الإسلامي، بيروت ـ لبنان. د. ت.
73. الآمدي سيف الدين أبي الحسن علي بن أبي علي بن محمد، الإحكام في أصول الأحكام، د. ط دار الكتب العلمية، بيروت، 1403 هـ/ 1983 م.
74. بابكر خالد الباعث وأثره في العقود والتصرفات، رسالة ماجستير، نوقشت في الجامعة الإسلامية قسنطينة - الجزائر، في عام 1994 م.
75. باجو مصطفى أبو يعقوب الوارجلاني وفكره الأصولي، نشر وزارة التراث القومي والثقافة، سلطنة عُمان، ط 1، 1415 هـ / 1995 م. (4/403)
صفحة 2182
404
القواعد الفقهية عند الإباضية
76. باجو مصطفى: القواعد الفقهية عند الإمام أبي سعيد الكدمي من خلال كتاب المعتبر، صدر في كتاب القواعد الفقهية بين التأصيل والتطبيق، بحوث ندوة تطور العلوم الفقهية في عُمان خلال القرن الرابع الهجري، القواعد الشرعية أنموذجا، تنسيق ومراجعة، مصطفى بن صالح باجو. نشر وزارة الأوقاف والشؤون الدينية بسلطنة عُمان، 2005 م. 77. باجو مصطفى: منهج الاجتهاد عند الإباضية، ط 1، مكتبة الجيل الواعد، مسقط، عُمان، 1426 هـ / 005 200 م.
78. الباجي أبو الوليد سليمان بن خلف بن سعد (474 هـ): المنتقى شرح موطأ الإمام مالك، تحقيق: محمود شاكر ط 1، دار إحياء التراث العربي، بيروت ـ لبنان،
1425 هـ / 2005 م.
6
79. الباحسين يعقوب قاعدة الأمور بمقاصدها، ط 1، نشر مكتبة الرشد، الرياض،
1419 هـ / 1999 م.
80 باز سليم رستم، شرح مجلة الأحكام العدلية، ط 3، دار إحياء التراث العربي، لبنان، د. ت. 81. البخاري أبو عبد الله محمد بن إسماعيل (256 هـ): الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله صلى الله عليه وسلم وسننه وأيامه، دار الفكر، بيروت، 2003 م.
82. البخاري عبد العزيز صدر الشريعة (730 هـ): التوضيح بشرح التلويح. . البخاري عبد العزيز صدر الشريعة (730 هـ): كشف الأسرار عن أصول فخر الإسلام البزدوي، ط 1، دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان، 1418 هـ / 1997 م.
84 بدران أبو العينين بدران: الفقه المقارن للأحوال الشخصية، دار النهضة العربية، بيروت. 85. البدوي يوسف أحمد أحكام الاشتباه الشرعية ط 1، دار النفائس للنشر والتوزيع،
الأردن، 1421 هـ / 2001 م.
200 م.
86. البرهاني محمد هشام سد الذرائع في الشريعة الإسلامية، مطبعة الريحاني. بيروت،
الطبعة الأولى، 1985 م.
87 البري زكرياء الأحكام الأساسية للميراث.
88. البسيوي أبو الحسن على بن محمد جامع أبي الحسن البسيوي، ط 1، دار جريدة عمان للصحافة والنشر، سلطنة عُمان، 1984 م. (4/404)
صفحة 2183
المصادر والمراجع
405
89. البسيوي أبو الحسن على بن محمد: مختصر البسيوي، نشر وزارة التراث القومي والثقافة سلطنة عُمان د. ت.
90. البصري أبو الحسين محمد بن علي بن الطيب: المعتمد في أصول الفقه، تحقيق: محمد حميد وآخرون، المطبعة الكاثوليكية، دمشق - سوريا، 1384 هـ/ 1964 م. 91. البطاشي سيف بن حمود بن حامد: إتحاف الأعيان في تاريخ بعض علماء عُمان، ط 2، (3 أجزاء) مطابع النهضة، مسقط، سلطنة عُمان، 1425 هـ / 2004 م.
92. بعمارة عيسى من أرشيف ميزاب اتفاقيات المجالس العامة لميزاب، طبعه دار الشهاب، باتنة. 1405 هـ / 1985 م.
93. البغدادي عبد الوهاب بن علي بن نصر البغدادي (ت: 422 هـ): الإشراف على مسائل الخلاف، مطبعة الإرادة، المغرب، الطبعة الأولى.
94. البكري محمد: الاعتناء في الفروق والاستثناء نشرته دار الكتب العلمية بلبنان، حققه: عادل عبد المجيد وعلي معوض.
95. بكلي عبد الرحمن: فتاوى البكري، تحقيق: بورقيبة داود، ط 1، 1423 هـ / 2003 م. ونسخة أخرى، ط 1، 1402 هـ / 1982 م.
96. بكوش يحيى: فقه الإمام جابر بن زيد، ط 2، المطبعة العربية، غرداية ـ الجزائر، 1408 هـ / 1988 م.
97 البناني محمد حاشية البناني على شرح الخليل المحلى على جمع الجوامع ط 1،
مصر
1331 هـ / 1913 م.
98. البهوتي منصور بن يونس بن إدريس كشاف القناع عن متن الإقناع، راجعه وعلق عليه هلال مصيلحي ومصطفى هلال نشر مكتبة النصر الحديثة، الرياض، د. ت. البورنو أبي الحارث محمد صدقي بن أحمد بن محمد الغزي: الوجيز في إيضاح قواعد الفقه الكلية، ط 5، مؤسسة الرسالة، بيروت - لبنان، 1422 هـ / 2002 م.
99
100. بوساق محمد مدني، التعويض عن الضرر في الفقه الإسلامي، نشر دار إشبيليا الرياض السعودية، ط 1، 1419 هـ / 1999 م.
6 (4/405)
صفحة 2184
406
القواعد الفقهية عند الإباضية
101. البوسعيدي مهنا بن خلفان بن محمد (1250 هـ): كتاب لباب الآثار (14 مجلدا) تحقيق: عبد الحفيظ شلبي، د. ط وزارة التراث القومي والثقافة، سلطنة عُمان،
1404 هـ / 1984 م.
102. البوطي محمد سعيد ضوابط المصلحة في الشريعة الإسلامية، بيروت ـ لبنان، 1408 هـ / 1988 م.
103. البيضاوي القاضي عبد الله بن عمر (ت: 685 هـ): تفسير البيضاوي المسمى أنوار التنزيل وأسرار التأويل، ط 1، دار الكتب العلمية، د. ت.
104. التاجي هبة الله: التحقيق الباهر على الأشباه والنظائر، مخطوط. 105. التفتازاني سعد الدين (792 هـ)، التلويح على التوضيح شرح التنقيح، ضبطه وخرج آياته وأحاديثه زكرياء عميرات ط 1، دار الكتب العلمية، بيروت ـ لبنان، 1416 هـ/ 1996 م. 106. التلاتي عمرو بن رمضان الجربي (1187 هـ): رفع التراخي في مختصر الشماخي 137 ورقة) نسخ عمر بن موسى ت. ن. 1264، مكتبة الحاج صالح لعلي، بني يزجن - غرداية ـ الجزائر.
107. التهانوي محمد بن علي بن محمد الفروقي (كان حيا 1158 هـ): کشاف اصطلاحات الفنون، حققه لطفي عبد البديع، وراجعه أمين الخولي، مكتبة النهضة المصرية،
القاهرة، شركة خياط للكتب والنشر بيروت، 1353 هـ / 1963 م. ونسخة أخرى:
نشر دار صادر، بيروت.
108. الثميني ضياء الدين عبد العزيز بن الحاج إبراهيم (ت: 1223 هـ): الورد البسام في رياض الأحكام، تحقيق: محمد بن صالح الثميني، المطبعة التونسية، تونس 1345 هـ.
109. الثميني ضياء الدين عبد العزيز بن الحاج إبراهيم (ت: 1223 هـ): كتاب النيل وشفاء العليل، تحقيق وتعليق بكلي عبد الرحمن بن عمر 3 أجزاء، ط 2، المطبعة العربية
6
لدار الفكر الإسلامي، الجزائر، 1387 هـ / 1968 م.
110. الثميني عبد العزيز بن الحاج إبراهيم، التاج المنظوم من درر المنهاج، اختصره من كتاب منهج الطالبين وبلاغ الراغبين لخميس الشقصي العُماني، وكل من الكتابين مطبوعين، والأول حققه محمد بابا عمي بن موسى ومصطفى بن محمد شريفي، ط 1، 1421 هـ / 2000 م. (4/406)
صفحة 2185
المصادر والمراجع
407
111. جابر بن زيد رسائل جابر بن زيد، ترتيب كروم أحمد بن حمو وبازين عمر بن
أحمد، مخطوط مصور.
خلف الخروصي،
112. جابر بن زيد: من جوابات الإمام جابر بن زيد، ترتيب سعيد بن نشر وزارة التراث القومي والثقافة سلطنة عُمان، ط 1404 هـ / 1984 م.
113. الجرجاني علي بن محمد: التعريفات، ط 1، دار الكتاب اللبناني، بيروت ـ دار الكتاب المصري، القاهرة، 1411 هـ/ 1991 م.
114. الجصاص أبو بكر أحمد بن علي الرازي (380 هـ): أحكام القرآن، تحقيق: محمد الصادق قمحاوي، ط 1، دار الإحياء التراث العربي، بيروت - لبنان، 1412 هـ / 1992. 115. الجعبيري فرحات بن علي البعد الحضاري للعقيدة عند الإباضية، نشر جمعية التراث القرارة، المطبعة العربية غرداية - الجزائر، 1991 م.
116. جعفر جواد الفضل بحث الأصل براءة المتهم في الشريعة الإسلامية، بعنوان المتهم وحقوقه في الشريعة الإسلامية، من مجموعة بحوث الندوة العلمية الأولى
للمركز العربي للدراسات الأمنية والتدريب في الرياض 1402 هـ / 1982 م.
117. الجعلي عثمان بن حسين بري: سراج السالك شرح أسهل المسالك لأبي بكر بن حسن الكشناوي، مؤسسة العصر، الجزائر، 1992 م.
118. جمعية التراث لجنة البحث العلمي: معجم أعلام الإباضية قسم المغرب، ط 1، المطبعة العربية، غرداية، الجزائر، 1999 م.
119. جناون بن فتى، وعبد القهار بن خلف أجوبة علماء، فزان من علماء القرن الثالث الهجري. حققها عمرو خليفة النامي وأكمل تحقيقها وأشرف على طبعها إبراهيم طلاي طبع بمطابع دار البعث، قسنطينة، د. ت.
120. الجناوني أبو زكرياء يحيى بن الخير بن أبي الخير: كتاب الصوم، مكتبة الضامري للنشر والتوزيع السيب، سلطنة عُمان، 1411 هـ / 1991 م.
121. الجناوني أبو زكرياء يحيى بن الخير بن أبي الخير كتاب النكاح، تعليق: علي معمر، أعده للنشر سليمان أحمد عون الله ومحمد ساسي زعرود، ط 2، يحيى
المطابع العالمية، روي - سلطنة عُمان، 1988 م. (4/407)
صفحة 2186
408
القواعد الفقهية عند الإباضية
122. الجناوني أبو زكرياء يحيى بن الخير بن أبي الخير: كتاب الوضع مختصر في الأصول والفقه، تحقيق: أبو إسحاق إبراهيم أطفيش، ط 1، د. ت، مطبعة
الفجالة الجديدة، مصر.
123. الجوهري إسماعيل بن حماد (400 هـ): الصحاح، تحقيق: د. أحمد عبد الغفور عطار، مطابع الكتاب العربي القاهرة، طبعة سنة 1377 هـ.
124. الجيطالي أبو طاهر إسماعيل بن موسى (750 هـ): قناطر الخيرات؛ القنطرة الثالثة، قنطرة الصلاة ووظائفها من الطهارات تحقيق وتعليق: هيئة طلبة قسم الشريعة، معهد عمي
سعيد، غرداية، الجزائر، ط 1، المطبعة العربية غرداية الجزائر، 1419 هـ / 1998 م.
125. الجيطالي أبو طاهر إسماعيل بن موسى (750 هـ): قواعد الإسلام، تحقيق وتعليق: بكلي عبد الرحمن بن عمر، ط 1، المطبعة العربية غرداية، 1976. ونسخة أخرى مذيلة بحاشية لأبي عبد الله محمد بن عمر بن أبي ستة الجربي (1088 هـ/ 1678 م) تحقيق وتعليق بشير بن موسى الحاج موسى ط 1، المطبعة العربية، غرداية، الجزائر 1418 هـ / 1998 م.
أحمد مصطفى الشك وأثره في العبادات رسالة ماجستير نوقشت بكلية دار
126. حسن العلوم، القاهرة.
6
127. الحسيني محمد أمين المعروف بأمير بادشاه، تيسير التحرير شرح على كتاب التحرير في أصول الفقه الجامع بين اصطلاحي الحنفية والشافعية لابن الهمام،
ط 1، 1350 هـ، مطبعة مصطفى البابي الحلبي، مصر.
128. الحصري أحمد محمد القواعد الفقهية للفقه الإسلامي، مكتبة الكليات الأزهرية القاهرة، 1413 هـ / 1993 م.
129. الحصني أبو بكر تقي الدين محمد بن عبد المؤمن (ت: 829 هـ): كتاب القواعد، تحقيق: عبد الرحمن بن عبد الله الشعلان ط 1، نشر مكتبة الرشد وشركة الرياض
6
للنشر والتوزيع، الرياض، السعودية، 1418 هـ / 1997 م.
130. الحضرمي أبو إسحاق إبراهيم بن قيس مختصر الخصال ط 1، نشر وزارة التراث
القومي والثقافة سلطنة عُمان، طبع دار نوبار للطباعة مسقط، 1403 هـ / 1983 م. (4/408)
صفحة 2187
المصادر والمراجع
409
131. الحطاب محمد بن محمد بن عبد الرحمن (954 هـ): مواهب الجليل شرح مختصر خليل، بهامشه التاج والإكليل مختصر خليل لأبي عبد الله العبدري الشهير بالمواق (867 هـ) ط 3، دار الفكر، بيروت، 1412 هـ / 1992 م. ونسخة أخرى ط مكتبة النجاح، طرابلس ليبيا ومطبعة السعادة، مصر، ط 1، سنة 1329 هـ.
132. الحكيم محمد تقي الدين الأصول العامة للفقه المقارن مدخل إلى دراسة الفقه المقارن، ط، دار الأندلس، 1983 م.
133. الحموي أحمد: غمز عيون البصائر شرح الأشباه والنظائر لابن نجيم الحنفي، ط 1، دار الكتب العلمية، لبنان، 1405 هـ / 1985 م.
134. حيدر علي: درر الحكام شرح مجلة الأحكام، تعريب فهي الحسني. 135. الخراساني أبو غانم بشر بن غانم المدونة الصغرى، نشر وزارة التراث القومي والثقافة، سلطنة عُمان، 1404 هـ / 1984 م.
136. الخراساني أبو غانم بشر بن غانم المدونة الكبرى النسخة المصورة من المخطوط، طبعه دار اليقظة العربية، بيروت ـ لبنان.
137. الخصاف: كتاب أدب القاضي بشرح الجصاص، مخطوط.
138 الخطابي أبو سليمان حمد بن محمد بن إبراهيم معالم السنن (مطبوع مع مختصر سنن أبي داود (للمنذري تحقيق محمد حامد الفقي، مصر، مطبعة السُّنَّة المحمدية، 1368 هـ. 139. الخليلي أبو محمد سعيد بن خلفان بن أحمد (المحقق)، کتاب تمهيد قواعد الإيمان وتقييد شوارد مسائل الأحكام والأديان من جوابات أبي محمد سعيد بن بن أحمد الخليلي، نشر وزارة التراث القومي والثقافة، عمان، مطابع سجل
خلفان
العرب، مصر، ط 1، 1407 هـ / 1986 م.
140. الخليلي أحمد بن حمد الفتاوى الكتاب الثاني الصلاة والزكاة والصوم والحج، راجعه قسم البحث العلمي بمكتب الإفتاء وزارة الأوقاف والشؤون الدينية بسلطنة عُمان، نشر المكتبة الفني للأجيال ط 1، 1421 هـ / 2001 م.
141. الخليلي أحمد بن حمد: الفتاوى الكتاب الأول، طبع شركة مطبعة عُمان ومكتبتها المحدودة سلطنة عُمان، ط 3، 1423 هـ / 2003 م. (4/409)
صفحة 2188
21.
القواعد الفقهية عند الإباضية
142. الخليلي أحمد بن حمد: فتاوى المعاملات الكتاب الثالث، نشر مكتب الأجيال، سلطنة عُمان، إعداد ومراجعة قسم البحث العلمي بمكتب الإفتاء بوزارة الأوقاف
والشؤون الدينية، سلطنة عُمان، ط 1، 1422 هـ / 2001 م.
143. الخليلي، أحمد
بن حمد، فتاوى النكاح المكتب الفني للأجيال، شركة مطبعة عمان ومكتبتها، عُمان، ط، 1423 هـ / 2003 م.
144. الدبوسي
أبو زيد عبيد الله بن عمر (ت: 420 هـ): تأسيس النظر، تعليق وتصحيح: مصطفى القباني الدمشقي، نشر دار ابن، زيدون بيروت بالاشتراك مع مكتبة
الكليات الأزهرية، مصر.
145. دداش سعد الدين، القواعد الأصولية والفقهية من كتاب الفروق، بحث تقدم به لنيل درجة الدكتوراه في الفقه وأصوله من جامعة الأمير عبد القادر للعلوم الإسلامية بقسنطينة - الجزائر.
146. الدردير أبو البركات أحمد الشرح الصغير على مختصر أقرب المسالك، مؤسسة العصر، الجزائر، 1992 م.
147. الدريني محمد فتحي بحوث مقارنة في الفقه الإسلامي وأصوله، ط 1، مؤسسة الرسالة، بيروت، 1414 هـ / 1994 م.
148. الدريني محمد فتحي نظرية التعسف في استعمال الحق، د ط، مطبعة جامعة دمشق، 1967 م.
149. الدسوقي محمد عرفة، الحاشية على الشرح الكبير لمختصر خليل لأحمد الدردير المالكي، وبهامشه تقريرات عليش تحقيق: محمد عبد الله شاهين، دار الكتب
150
العلمية، بيروت 1996 م.
الرازي فخر الدين محمد بن عمر بن الحسين (606 هـ): التفسير الكبير ومفاتيح الغيب،
دار الفكر، بيروت، 1983 م. نسخة أخرى، المطبعة الأميرية، القاهرة، 1905 م.
151. الرازي فخر الدين محمد بن عمر بن الحسين (606 هـ): المحصول في علم أصول الفقه، تحقيق: طه جابر فياض العلواني، ط 3 مؤسسة الرسالة، سنة 1418 هـ / 1997 م.
نسخة أخرى، ط، دار الكتب العلمية، بيروت 1408 هـ / 1988 م. (4/410)
صفحة 2189
المصادر والمراجع
411
152. الراشدي أبو الحسن سفيان بن محمد: كشف الغوامض في فن الفرائض، صححه: الشيخ أحمد بن حمد الخليلي المفتي العام لسلطنة عُمان، نشر معهد القضاء الشرعي
والوعظ والإرشاد، ط 2 طبع بالمطابع الذهبية سلطنة عُمان، 1412 هـ / 1991 م. 153. الراشدي سفيان بن محمد بن عبد الله: جواهر القواعد من بحر الفرائد تحقيق: محمد بن يحيى بن سفيان، الراشدي، نشر مكتبة الاستقامة سلطنة عُمان، ط 1،
1425 هـ / 2005 م.
154. الراشدي مبارك بن عبد الله: نشأة
1422 هـ / 2001 م.
تدوين الفقه واستمراره عبر العصور: ط 1،
155. الربيع بن حبيب: آثار الربيع، مخطوط مصور.
156. الرحموني محمد الشريف الرخص الفقهية من القرآن والسنة النبوية، مؤسسة عبد الكريم، تونس، 1992 م.
157 رفيق يونس المصري الخطر والتأمين، هل التأمين التجاري جائز شرعا؟ ط 1، نشر دار القلم دمشق، والدار الشامية، بيروت، ودار البشير جدة، 1422 هـ / 2001 م. 158. الرملي شمس الدين نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج الناشر المكتبة الإسلامية لصاحبها الحاج رياض الشبح دت، وكذا طبعة 1296 بمطبعة حسين بك حسني. 159. الرواحي ناصر بن سالم بن عديم أبو مسلم نثار الجوهر في علم الشرع الأزهر، طبعة مصورة من المخطوط الأصلي بخط المؤلف، سلطنة عُمان.
160. الروكي محمد: القواعد الفقهية من خلال كتاب الإشراف على مسائل الخلاف للقاضي عبد الوهاب البغدادي المالكي، دار القلم، دمشق ط 1، 1419 هـ / 1998 م.
وطبعة دار البحوث للدراسات دبي، الإمارات العربية المتحدة، 2003 م. 161. الروكي محمد: نظرية التقعيد الفقهي أثرها في اختلاف الفقهاء، تقديم فاروق حمادة، دار الصفاء، الجزائر، دار ابن حزم، بيروت لبنان، 1421 هـ / 000 20 م.
162. الزبيدي محب الدين (1250 هـ): تاج العروس من جواهر القاموس، ط 1، مطبعة الخيرية مصر، منشوراتدار مكتبة الحياة، بيروت ـ لبنان.
163. الزحيلي وهبة: الفقه الإسلامي وأدلته ط 2 دار الفكر المعاصر، 1981 م. (4/411)
صفحة 2190
412
القواعد الفقهية عند الإباضية
164 الزحيلي وهبة نظرية الضرورة الشرعية مقارنة مع القانون الوضعي، ط 5، مؤسسة الرسالة بيروت، 1997 م.
165. الزرقا أحمد بن محمد: ت: 1357 هـ / 1938 م، شرح القواعد الفقهية، تحقيق: مصطفى أحمد الزرقا دار القلم دمشق سوريا، الطبعة الخامسة 1419 هـ / 1998 م. 166. الزرقا مصطفى أحمد: المدخل الفقهي العام، مطبعة طبرية، دمشق 1378 هـ / 1968 م. نسخة أخرى، ط 2، دار القلم، دمشق، 1425 هـ / 2004 م. 167 الزرقا مصطفى أحمد نظام التأمين - حقيقته - والرأي الشرعي فيه، ط 4، نشر مؤسسة الرسالة، بيروت - لبنان، 1415 هـ / 1994 م.
168. الزركشي بدر الدين محمد بن بهادر بن عبد الله (794 هـ): البحر المحيط في أصول الفقه، ط 2، دار الصفوة للطباعة والنشر، مصر، 1413 هـ / 1992 م.
169. الزركشي بدر الدين محمد بن بهادر بن عبد الله (794 هـ): المنشور في القواعد، تحقيق: تيسير فائق أحمد محمود، ط 1، مؤسسة الخليج للطباعة والنشر، الكويت،
1402 هـ / 1982 م. 170. الزركشي بدر الدين محمد بن بهادر بن عبد الله (794 هـ): تشنيف المسامع بجمع الجوامع، تحقيق: عبد الله ربيع سيد عبد العزيز، ط 2، مؤسسة قرطبة والمكتبة
المكية، 1419 هـ / 1999 م.
171. الزمخشري جار الله محمود بن عمر: (ت: 528 هـ): تفسير الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل، ط 1، مطبعة مصطفى محمد التجارية الكبرى، مصر، 1354 هـ. ونسخة أخرى، تحقيق: محمد مرسي عامر، نشر دار المصحف، شركة مكتبة ومطبعة عبد الرحمن محمد القاهرة ـ مصر، د. ت.
172. الزنجاني شهاب الدين محمود: تخريج الفروع على الأصول، تقديم، محمد سلام مذكور، تحقيق: محمد أديب الصالح، ط ه، مؤسسة الرسالة، سوريا ـ بيروت،
1407 هـ / 1984 م.
173 زيدان عبد الكريم المدخل لدراسة الشريعة الإسلامية، ط 16، مؤسسة الرسالة،
بيروت، 1999 م. (4/412)
صفحة 2191
المصادر والمراجع
413
174. الساعاتي أحمد عبد الرحمن البنا: الفتح الرباني لترتيب مسند الإمام أحمد بن حنبل، مطبعة الفتح الرباني، القاهرة، د. ت.
175. الساعاتي أحمد عبد الرحمن البنا، بدائع المتن في جمع وترتيب مسند الشافعي والسنن، ط 1، دار الأنوار للطباعة والنشر، 1369 هـ.
176. السالمي أبو محمد عبد الله بن حميد بن سلوم (1332 هـ): العقد الثمين نماذج من فتاوى نور الدين فخر المتأخرين وسابق المتقدمين، تحقيق وتعليق: سالم بن
حمد بن سليمان الحارثي، أربعة أجزاء، دار الشعب، القاهرة، 1393 هـ.
177. السالمي أبو محمد عبد الله بن حميد بن سلوم (1332 هـ): جوابات الإمام السالمي، تنسيق ومراجعة عبد الستار أبو غدة، نشر مكتبة الإمام السالمي بإشراف
عبد بن محمد السالمي، بدية عُمان، ط 3، 1422 هـ / 2001 م.
178. السالمي أبو محمد عبد الله بن حميد بن سلوم (1332 هـ): شرح طلعة الشمس على الألفية، نشر وزارة التراث القومي والثقافة مطبعة الألوان الحديثة، سلطنة عُمان. 1401 هـ / 1981 م. ونسخة أخرى محققة بعنوان: طلعة الشمس شرح شمس الأصول، تحقيق: عمر حسن القيام نشر مكتبة الإمام السالمي، بدية، سلطنة عمان، ط 1، 2008 م طبع دار الراشد، بيروت ـ لبنان.
179. السالمي أبو محمد عبد الله بن حميد بن سلوم (1332 هـ): معارج الآمال على مدارج الكمال بنظم مختصر الخصال لأبي إسحاق الحضرمي، تحقيق: محمد محمود إسماعيل، نشر وزارة التراث القومي والثقافة، عُمان ط 1، 1403 هـ / 1983 م. وطبعة أخرى تحقيق: سليمان بابزيز وإبراهيم بولرواح وآخرون نشر مكتبة الإمام السالمي بدية عُمان دار الرشيد بيروت لبنان، ط 1، 2008 م. 180. السبكي تاج الدين عبد الوهاب بن علي الأشباه والنظائر، تحقيق: عادل أحمد عبد الموجود وعلي محمد عوض دار الكتب العلمية، بيروت.
181. السبكي علي بن عبد الكافي (756 هـ): الإبهاج في شرح المنهاج، تحقيق وتعليق: شعبان محمد إسماعيل مطبعة أسامة، ط، القاهرة 1402 هـ/ 1982 م. ونسخة
أخرى تعليق جماعة من العلماء نشر دار الكتب العلمية، بيروت. (4/413)
صفحة 2192
414
القواعد الفقهية عند الإباضية
182
السدلان صالح بن غانم القواعد الفقهية الكبرى وما تفرع عنه، دار بلنسية، الرياض،
السعودية، 1996 م.
1. السدلان صالح بن غانم: النية وأثرها في الأحكام الشرعية، مطابع الفرزدق للنشر والتوزيع - مكتبة الخريجي، الرياض، 1402 هـ / 1991 م.
184. السدويكشي أبو محمد عبد الله بن سعيد: الحاشية على كتاب الإيضاح للشماخي أبو ساكن عامر بن علي، نشر وزارة التراث القومي والثقافة، سلطنة عُمان،
1404 هـ / 1983 م.
185. السرخسي شمس الدين المبسوط، دار المعارف، لبنان، 1989 م. 186. سعدي أبو جيب، القاموس الفقهي لغة واصطلاحا، ط 2، دار الفکر، دمشق، 1988 م. 187. السعدي عبد الرحمن الناصر: بهجة قلوب الأبرار وقرة عيون الأخيار في شرح جوامع الأخبار، تعليق: أبو الحارث نادر بن سعيد آل مبارك التعمري، دار بن حزم، 2003 م. 188. السنهوري عبد الرزاق أحمد: مصادر الحق في الفقه الإسلامي، مطابع دار المعارف، 1968 م، ونسخة أخرى ط 2، منشورات الحلبي الحقوقية، بيروت ـ لبنان، 1988 م.
189. سوار وحيد الدين التعبير عن الإرادة في الفقه الإسلامي، الشركة الوطنية للنشر والتوزيع، الجزائر، طبعة 1979 م.
190. سيد قطب في ظلال القرآن، ط العاشرة، دار الشروق بيروت والقاهرة، 1402 هـ / 1982 م.
191 السيوطي جلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر (911 هـ): الإكليل في استنباط التنزيل، تحقيق: سيف الدين عبد القادر، بيروت، دار الكتب العلمية، 1401 هـ.
192. السيوطي جلال الدين الأشباه والنظائر في قواعد وفروع فقه الشافعية، تحقيق: عبد الكريم الفضلي، ط 1، نشر المكتبة العصرية، لبنان، 1421 هـ / 2001 م.
193. السيوطي جلال الدين الحاوي في الفتاوي ط 3، المكتبة التجارية، القاهرة،
1959 م. (4/414)
صفحة 2193
المصادر والمراجع
415
194. الشاطبي أبو إسحاق إبراهيم بن موسى: الموافقات في أصول الشريعة، تحقيق: عبد الله دراز، دار الفكر، بيروت، دت.
195. الشافعي محمد بن إدريس الأم، تحقيق: رفعت فوزي عبد المطلب، ط 3، دار الوفاء المنصورة، 2005 م.
196. الشال إبراهيم: القواعد والضوابط في المعاملات المالية عند ابن تيمية، إشراف سليمان الأشقر، دار النفائس، عمّان، 2002 م.
عمر
197. شبير محمد عثمان: القواعد الكلية والضوابط الفقهية في الشريعة الإسلامية، ط 1، دار الفرقان للنشر والتوزيع، الأردن، 1420 هـ / 2000 م.
198. الشربيني شمس الدين محمد بن أحمد الخطيب (977 هـ): مغني المحتاج إلى معرفة ألفاظ المنهاج، مطبعة الباي الحلبي، القاهرة، طبعة سنة 1377 هـ.
199. الشقصي خميس بن سعيد بن علي بن مسعود الرستاقي: منهج الطالبين وبلاغ الراغبين، تحقيق سالم بنحمد بن سليمان الحارثي نشر وزارة التراث القومي
والثقافة، عُمان، مطبعة عيسى البابي الحلبي وشركاؤه، مصر، 1981 م.
200. شلبي محمد مصطفى: المدخل في التعريف بالفقه الإسلامي وقواعد الملكية والعقود فيه، دار النهضة العربية، بيروت، 1985 م.
201. الشماخي أبو ساكن عامر بن علي الشماخي (792 هـ): كتاب الإيضاح، مع حاشية أبي محمد عبد الله بن سعيد السدويكشي (1068 هـ)، على الجزأين الأول والثاني، وحاشية لمحمد بن عمر بن أبي ستة القصبي الجربي (1088 هـ) على الجزأين الثالث والرابع ط 2 نشر دار الفتح، لبنان، 1394 هـ / 1974 م. نسخة أخرى، طه، نشر مكتبة مسقط عُمان، 1425 هـ / 2004 م.
202. الشوكاني محمد بن علي بن محمد: إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول، دار الهدى، عين مليلة الجزائر، 1998 م. ونسخة أخرى: تحقيق:
أبو مصعب محمد سعيد البدري، ط 2، مؤسسة الكتب الثقافية، بيروت، 1993 م. ونسخة أخرى طبعة دار الطباعة المنيرية بمصر
1347 هـ.
203. الشوكاني محمد بن علي فتح القدير، دار المعرفة، بيروت. (4/415)
صفحة 2194
416
القواعد الفقهية عند الإباضية
204 الشوكاني محمد بن علي نيل الأوطار شرح منتقى الأخبار من أحاديث سيد الأخيار، تحقيق طه عبد الرؤوف سعد ومصطفى محمد الهواري، مكتبة الكليات الأزهرية، القاهرة، دت.
205. الشيخ بالحاج محمد بن بابه: أصول الجمع وكليات الوفاق بين المذهبين الإباضي والمالكي مع تخريج بعض الفروع الخلافية، مطابع دار البعث، قسنطينة، 1992 م. 206. الشيخ بالحاج محمد بن بابه الاجتهاد في المذهب الإباضي، دون بيانات الطبع والنشر. 207. الشيخ بالحاج محمد بن بابه مميزات الإباضية نشأة وتأصيلا وتفريعا وسلوكا، دار البعث، قسنطينة، 1991 م.
208. الشيرازي أبو إسحاق إبراهيم بن علي المهذب في فقه الإمام الشافعي، دار الفكر،
بيروت، دت.
209. الصنعاني أبو بكر عبد الرزاق بن همام المصنف، تحقيق: حبيب الرحمن الأعظمي، المكتب الإسلامي، بيروت، 1972 م.
210. الطبري أبو جعفر محمد بن جرير (310 هـ): جامع البيان في تفسير القرآن ومعه تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان الحسن بن محمد بن حسين القمي النيسابوري، دار الفكر، بيروت 1978 م.
211. الطوفي نجم الدين أبو ربيع بن سعيد: شرح حديث لا ضرر ولا ضرار» ملحق بكتاب المصلحة في التشريع الإسلامي لمصطفى زيد، تعليق: محمد يسري إبراهيم، دار اليسر، مصر، د. ت.
212. الطوفي نجم الدين أبو ربيع بن سعيد شرح مختصر الروضة، تحقيق: عبد الله بن عبد المحسن التركي، ط 2، مؤسسة الرسالة، بيروت، 1998 م.
213. العاملي ياسين عيسى الاصطلاحات الفقهية في الرسائل العلمية، دار البلاغة، بيروت، ط 1، 1414 هـ/ 1993 م.
214. عبد المنعم محمود: معجم المصطلحات والألفاظ الفقهية.
215. عبد الوهاب بن عبد الرحمن بن رستم (ت: 250 هـ) كتاب مسائل نفوسة، تحقيق وترتيب: إبراهيم محمد طلاي، المطبعة العربية غرداية، الجزائر، 1991 م. (4/416)
صفحة 2195
المصادر والمراجع
417
216. العدوي عبد الرحمن، الوسيط في الفقه.
217. عزام عبد العزيز محمد قواعد الفقه الإسلامي، مطبعة مكتب الرسالة الدولية للطباعة والكمبيوتر، الشرقية - مصر، ر، 1998 م.
218 عزام عبد العزيز النظام القضائي في الإسلام
219. العسكري أبو هلال: الفروق في اللغة، تحقيق: لجنة إحياء التراث العربي، ط 7، دار الآفاق الجديدة، 1991 م.
عبد الله
220. عفيفي أبو العلاء المنطق التوجيهي، لجنة التأليف والترجمة والنشر، القاهرة، 1951 م. 221. العلائي خليل بن كيكلدي تلقيح الفهوم في تنقيح صيغ العموم، تحقيق: بن محمد إسحاق آل الشيخ إدارة البحوث العامة، السعودية، 1983 م. 222. عمر عبد الله كامل الرخصة الشرعية في الأصول والقواعد الفقهية، نماذج تطبيقية في فتاوى شرعية لبعض المعاملات المالية دار ابن حزم، بيروت، 1999 م.
223. عمروس بن فتح النفوسي، أبو حفص (ت: 283 هـ): كتاب أصول الدينونة الصافية، تحقيق: حاج أحمد بن حمو كروم، مراجعة مصطفى بن محمد شريفي، ومحمد بن
موسي
بابا عمي، نشر وزارة التراث القومي والثقافة العُمانية، مطبعة عُمان ومكتبتها المحدودة، مسقط سلطنة عُمان، ط 1، 1420 هـ / 1999 م.
224. العوتبي سلمة بن مسلم بن إبراهيم الصحاري كتاب الضياء، نشر وزارة التراث القومي والثقافة العُمانية، مطبعة الألوان الحديثة، سلطنة عُمان، 1411 هـ / 1990 م.
225. عودة عبد القادر التشريع الجنائي الإسلامي مقارنا بالقانون الوضعي، دار الكتب العلمية، بيروت، 2005 م.
226. الغزالي أبو حامد محمد بن محمد (505 هـ): إحياء علوم الدين، دار قتيبة، دمشق - بيروت، 1992 م.
227. الغزالي أبو حامد محمد بن محمد (505 هـ): المستصفى في علم الأصول، ط 2، دار الكتب العلمية، بيروت، 1983 م.
228. الغزالي أبو حامد محمد بن محمد (505 هـ): المنخول من تعليقات الأصول، تحقيق: محمد حسن هيتو دار الفكر، بيروت، 1980 م. (4/417)
صفحة 2196
418
القواعد الفقهية عند الإباضية
229. الفاداني محمد ياسين أبو الفيض: الفوائد الجنية حاشية المواهب السنية شرح الفرائد البهية في نظم القواعد الفقهية دار البشائر، بيروت، 1996 م.
230 الفاسي علال مقاصد الشريعة ومكارمها ط ه، دار الغرب الاسلامي، لبنان. 1993 م.
231. الفضيلات محمود جبر: حاشية على كتاب الجامع لابن جعفر الأزكوي، نشر وزارة التراث القومي والثقافة سلطنة عُمان، الجزء الرابع 1414 هـ / 1994 م، طبع بالمطبعة العالمية، روي عُمان. الجزء الخامس 1415 هـ / 1995 م، طبع بشركة مطبعة عُمان ومكتبتها المحدودة، الجزء السادس 1422 هـ / 2001، طبع بالمطبعة الشرقية ومكتبتها، سلطنة عُمان.
232. الفيروز آبادي مجد الدين محمد بن يعقوب (ت: 717 هـ): القاموس المحيط، مؤسسة الحلبي وشركاه القاهرة، تصوير، د. ت.
233. الفيومي الشرح
أحمد بن محمد بن علي المقري (770 هـ): المصباح المنير في غريب
الكبير الرافعي، المكتبة العلمية، بيروت.
234. القاسمي محمد جمال الدين محاسن التأويل، تص: محمد فؤاد عبد الباقي، دار الفكر، بيروت، 1978 م.
235. القرافي: شهاب الدين أبو العباس أحمد بن إدريس الصنهاجي المالكي: الذخيرة في فروع المالكية، تحقيق: إسحاق أحمد عبد الرحمن نشر دار الكتب العلمية ط 2001 م. 236. القرافي: شهاب الدين أبو العباس أحمد بن إدريس الصنهاجي المالكي: الفروق المسمى أنوار البروق في أنواء الفروق، وبهامشه تهذيب الفروق والقواعد السنية في الأسرار الفقهية لابن الشاط أبي القاسم بن عبد الله بن محمد بن محمد الأنصاري، عالم الكتب، بيروت، دت. ونسخة أخرى ط 1، دار الكتب العلمية، لبنان، 1998 م. القرشي يحيى بن آدم: كتاب الخراج، تحقيق: حسين مؤنس، دار الشروق، جدة، 1987. 238. القرضاوي يوسف: الفقه الإسلامي بين الأصالة والتجديد، ط 1، دار الصحوة للنشر القاهرة، 1406 هـ / 1986 م.
239 القرطبي أبو عبد الله محمد بن أحمد الأنصاري الجامع لأحكام القرآن، تحقيق: سالم مصطفى البدري، دار الكتب العلمية، 2005 م. (4/418)
صفحة 2197
المصادر والمراجع
419
240. قلعة محمد رواس وقنيبي حامد صادق
جي
بيروت ـ لبنان، 1405 هـ / 1985 م.
لغة الفقهاء، ط 1، دار النفائس،
معجم
241. الكاساني علاء الدين أبو بكر بن مسعود الحنفي (ت: 587 هـ): بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع، تحقيق: محمد طعمة خير حلبي، ط 1، دار المعرفة، بيروت،
1420 هـ / 2000 م.
242. الكباوي عمرو بن مسعود: الربيع بن حبيب محدثا وفقيها، رسالة ماجستير، جامعة الفاتح، ليبيا، بإشراف عمرو التومي الشيباني طبعه إبراهيم بن محمد علواني، المطبعة العربية غرداية ـ الجزائر، 1994 م.
243. الكدمي محمد بن سعيد أبو سعيد: الجامع المفيد من أحكام أبي سعيد، نشر وزارة التراث القومي والثقافة عُمان، مطابع سجل العرب، مصر، 1406 هـ / 1985 م. 244. الكدمي محمد بن سعيد أبو سعيد: المعتبر، نشر وزارة التراث القومي والثقافة، سلطنة عمان، مطابع جريدة عُمان للصحافة والنشر، روي سلطنة عُمان، 1405 هـ / 1985 م. 245. الكرخي أبو الحسن أصول الكرخي مع تأسيس النظر للدبوسي الحنفي، نشره زكرياء علي يوسف طبع بمطبعة الإمام، 13 شارع محمد كريم بالقلعة، القاهرة. 246. الكفوي أبو البقاء الكليات، معجم في المصطلحات والفروق اللغوية، تحقيق: عدنان دروس ومحمد المصري، ط 2، مؤسسة الرسالة، بيروت، 1419 هـ / 1998 م. 247. الكندي أبو بكر أحمد بن عبد الله بن موسى السمدي النزوي (557 هـ): المصنف، تحقيق: عبد المنعم عامر وجاد الله أحمد، نشر وزارة التراث القومي والثقافة، عُمان، مطبعة عيسى البابي الحلبي وشركاؤه، مصر، 1979 م.
248. الكندي محمد بن إبراهيم (508 هـ): بيان الشرع حقق بعض أجزائه سالم بن حمد بن سليمان الحارثي، نشر وزارة التراث القومي والثقافة عُمان، ط 1، 1413 هـ / 1993 م. 249. الكيلاني عبد الرحمن إبراهيم: قواعد المقاصد عند الإمام الشاطبي عرضا و دراسة وتحليلا، دار الفکر، دمشق، 2000 م.
250. الكيلاني عبد الله: نظرية الباعث في الفقه الإسلامي، مطابع وزارة الأوقاف، الأردن. (4/419)
صفحة 2198
420
القواعد الفقهية عند الإباضية
251 لشهب أبو بكر: زاد القاضي والمفتي في القواعد الفقهية والضوابط الأصولية، مجلة جامعة الأمير عبد القادر للعلوم الإسلامية قسنطينة - الجزائر، عدد 12/ 154.
252. المالكي محمد على بن حسين تهذيب فروق القرافي في الحاشية. عالم الكتب،
بيروت.
253. الماوردي أبو الحسن علي بن الحسن البصري (ت: 450 هـ): النكت والعيون (تفسير الماوردي)، تحقيق: محمد خضر، نشر وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية الكويت، ط 1 مطابع مقهوي الكويت 1402 هـ / 1982 م.
6
254 الماوردي أبو الحسن علي بن الحسن البصري (ت: 450 هـ): الأحكام السلطانية والولايات الدينية، دار الكتب العلمية، بيروت، 1997 م.
255. مجموعة من المشايخ المشارقة: سير المسلمين، مخطوط مصور منقطع من آخره
653 صفحة.
معجم
مصطلحات الإباضية، إشراف: إبراهيم بن بكير
256. مجموعة من المؤلفين: بحاز، نشر وزارة الأوقاف والشؤون الدينية، عمان، 2008 م.
257
محمد أبو الأجفان وحمزة أبو فارس، تحقيق مقدمة الفروق الفقهية لأبي الفضل
الدمشقي.
20 م.
258. محمد أبو النور زهير: أصول الفقه، دار المدار الإسلامي، ليبيا، 259. محمد بكر إسماعيل: القواعد الفقهية بين الأصالة والتوجيه، دار المنار، هليوبولس،
260
مصر، 1417 هـ / 1997 م.
محمد بن الحواري جامع أبي الحواري نشر وزارة التراث القومي والثقافة، سلطنة عُمان، مطابع سجل العرب، مصر، 1405 هـ / 1985 م.
261. محمد بن محبوب أبو عبد الله أبواب مختصرة من السُّنَّة، حققه سليمان بابزيز، مخطوط بمكتبة جمعية أبي إسحاق بغرداية، الجزائر.
262
محمد رشيد: رضا تفسير المنار، دار المعرفة، بيروت، دت. (4/420)
صفحة 2199
المصادر والمراجع
421
263
محمد مصطفى عبود آل هرموش: معجم القواعد الفقهية الإباضية،. جزأين نشر وزارة الأوقاف والشؤون الدينية، سلطنة عُمان، د. ت.
264. محمد يوسف موسى: المدخل لدراسة الفقه الإسلامي، دار الفكر العربي، القاهرة،
د. ت.
265. المحمصاني صبحي: النظرية العامة للموجبات والعقود في الشريعة الإسلامية، الطبعة الثانية (دت) دار العلم للملايين، بيروت ـ لبنان.
266. مرعشلي نديم ومرعشلي أسامة: إيضاح مختار الصحاح في اللغة، ط، دت، دار الحضارة العربية، بيروت.
267. المرغيناني أبو الحسن علي بن أبي بكر عبد الجليل الراشدي الحنفي: الهداية شرح بداية المبتدي، صححه طلال يوسف، ط دار إحياء التراث العربي، بيروت ـ لبنان، 1415 هـ / 1995 م.
268. المسعودي زهران: ابن بركة السلمي البهلوي ودوره الفقهي في المدرسة الفقهية الإباضية من خلال كتابه «الجامع». نشر وزارة الأوقاف والشؤون الدينية، سلطنة عُمان، د. ت.
269. المسعودي زهران: القواعد الفقهية المستخرجة من كتاب تمهيد قواعد الإيمان للشيخ سعيد بن خلفان الخليلي، بحث مخطوط في حوزة الباحث.
270. معمر علي يحيى الإباضية في موكب التاريخ الإباضية في الجزائر، ط 1، نشر مكتبة وهبة، القاهرة مطبعة الدعوة الإسلامية القاهرة، 1399 هـ / 1979 م.
271. المناوي عبد الرؤوف: تاج العارفين (ت: 1031 هـ): التوقيف على مهمات التعاريف، تحقيق: عبد الحميد صالح حمدان، نشر عالم الكتب، مصر، ط 2، 1410 هـ / 1990 م.
272. منير القاضي شرح المجلة، الطبعة الأولى، مطبعة العاني، بغداد، 1949 م. موافي أحمد، الضرر في الفقه الإسلامي، دار ابن عفان، السعودية، ط 1،
273
1997 م. (4/421)
صفحة 2200
422
القواعد الفقهية عند الإباضية
274. الميداني عبد الرحمن حسن حبنكة ضوابط المعرفة وأصول الاستدلال والمناظرة، صياغة للمنطق وأصول البحث متمشية مع الفكر الإسلامي، دار القلم، دمشق ـ بيروت، 1401 هـ / 1981 م.
275. الندوي علي أحمد القواعد الفقهية مفهومها، نشأتها، تطورها، قدم لها مصطفى الزرقا دار القلم، دمشق ط 5، 1420 هـ / 2000 م.
276. النسفي نجم الدين أبو حفص عمر بن محمد (ت: 537 هـ): طلبة الطلبة في الاصطلاحات الفقهية، تعليق خالد عبد الرحمن العك دار النفائس، بيروت -
لبنان ط 2، 1420 هـ / 1999 م.
277. النووي أبو زكرياء محيي الدين بن شرف (676 هـ): شرح صحيح مسلم بن الحجاج النيسابوري (204 هـ/ 261 هـ)، تحقيق: عصام الصبابطي وحازم محمد
وعماد عامر، ط، دار الحديث القاهرة، مصر، 1419 هـ / 1998 م.
278. النووي محيي الدين أبو زكريا يحيى بن شرف الدمشقي الشافعي (676 هـ): المجموع شرح المهذب، نشر زكرياء علي يوسف، مطبعة الإمام، مصر. د. ت.
279. الهجاري أبو زكرياء يحيى بن سعيد، كتاب الإيضاح في الأحكام، تحقيق: محمد محمود إسماعيل، نشر وزارة التراث القومي والثقافة، عمان، مطابع سجل العرب، مصر، 1404 هـ / 1984 م.
280. الواحدي أبو الحسن علي بن أحمد النيسابوري (487 هـ): أسباب النزول. دار الضياء، قسنطينة، قصر الكتاب البليدة، الجزائر، د. ت.
281. الوارجلاني أبو يعقوب يوسف بن إبراهيم (570 هـ): العدل والإنصاف في معرفة أصول الفقه والاختلاف، نشر وزارة التراث القومي والثقافة، سلطنة عُمان،
ط 1404 هـ / 1984 م.
282. الوائلي محمد: القواعد الفقهية، تاريخها وأثرها في الفقه، ط 1، 1407 هـ /
1987 م. (4/422)
صفحة 2201
المصادر والمراجع
423
283. الونشريسي أبو العباس: إيضاح المسالك إلى قواعد الإمام مالك، تحقيق: أحمد بوطاهر الخطابي، ط 1، مطبعة فضالة المحمدية، الرباط، 1400 هـ / 1980 م. يوسف حامد العالم: المقاصد العامة للشريعة الإسلامية، يوسف حامد العالم، ط 3، دار الحديث، القاهرة، 1997.
284
ثانياً: البرامج الرقمية
شركة البرامج الإسلامية الدولية موسوعة الحديث الشريف، الإصدار الثاني 2.00،
1997 م.
صفحة 2202
الفهارس
فهرس الآيات القرآنية الكريمة
فهرس
الأحاديث والآثار
فهرس القواعد الفقهية والأصولية
فهرس الأعلام
فهرس المذاهب والطوائف والأديان
فهرس الأماكن والبلدان
فهرس الموضوعات (4/425)
صفحة 2203
فهرس الآيات القرآنية الكريمة وفق السور وترتيبها في القرآن الكريم
وَلَا الضالين
ـة
1 - سورة الفاتحة
2 - سورة البقرة
427
رقمها
رقم الجزء والصفحة
V
ج 52/ 2
الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا)
وَأَتُوا بِهِ مُتَشَبِهَا
هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا)
وَأَقِيمُوا الصَّلَوَةَ وَآتُوا الزَّكَوةَ)
وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَنقَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنفُسَكُم باتخاذكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَى بَارِيكُمْ فَاقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِندَ بَارِيكُمْ فَنَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ الثَّوَابُ الرَّحِيمُ وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلَا تُخْرِجُونَ أَنفُسَكُم مِّن دِيَرِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنتُمْ تَشْهَدُونَ}
22
29
43
54
??
99
ج 3/ 333،
ج 359/ 4
67، 105، 106
ج 152/ 2، 163
ج 67/ 1
ج 221/ 2
ج 4/ 334، 335
وَلَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكَ وَايَتٍ بَيِّنَتٍ وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلَّا ج 264/ 4
الْفَاسِقُونَ)
وَمَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ، قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ
المصير
) وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَعِيلُ
126
127
ج 2/ 570
ج 50/ 1 (4/427)
صفحة 2204
428
الآن
ــة
على الموسِع قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ
إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغِ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ
عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمُ
فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغِ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ
غَيْرَ بَاغِ وَلَا عَادٍ
وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَوةٌ يَتأُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ
تَتَّقُونَ
القواعد الفقهية عند الإباضية
رقمها
رقم الجزء والصفحة
136
ج 220/ 1
173
ج 461/ 2،
ج 3/ 152
173
173
179
ج 1/ 187، 218،
ج 511/ 2، 512، 513
ج 1/ 187،
ج 512/ 2، 513
ج 3/ 213، 218
يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ 183 ج 131/ 1، ج 2/ 402،
عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}
184
548، ج 3/ 218
الله فمن كان مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ ج 236/ 2، 239،
أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ
،24، 251، 261
وَأَن تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ)
وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ
يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ
وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحَكَامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَلِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ}
184
184
188
،262، 369، 370
405، 585
ج 2/ 245
ج 351/ 2، 401، 402
ج 217/ 1، ج 76/ 2،
،206، 217،175
489، ج 3/ 378
ج 1/ 345،
ج 24/ 3، 189 (4/428)
صفحة 2205
فهرس الآيات القرآنية الكريمة
وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَوةٌ يَتأُولِي الْأَلْبَابِ)
فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَأَعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا أَعْتَدَى عَلَيْكُمْ
وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَهْلُكَةِ
وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ}
فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِّن رَأْسِهِ، فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكِ
فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَمَن تَمَنَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجَ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْي فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجَ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ
عَشَرَةُ كَامِلَهُ
وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهُدَى يَحِلَّهُ)
لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُوا فَضْلًا مِّن
ربِّكُمْ
وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدُ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ)
وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِى نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ
الله وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ
وَاللهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ)
صلے
يَسْتَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالُ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدُّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرُ بِهِ، وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِندَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ)
يَسْتَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمُ كَبِيرُ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا
429
رقمها
رقم الجزء والصفحة
189
ج 131/ 1
ج 219/ 1
195 ج 1/ 440، ج 3/ 137،
195
196
196
196
198
205
207
216
217
219
169، 239
ج 3/ 36
ج 409/ 2، 501
ج 2/ 585
ج 2/ 500
ج 1/ 330
ج 3/ 24
ج 301/ 1
ج 469/ 1
ج 3/ 150
ج 3/ 228، 229 (4/429)
صفحة 2206
430
الأم
وَيَسْتَلُونَكَ عَنِ الْيَتَمَى قُلْ إِصْلَاح لَّهُمْ خَيْرٌ وَإِن تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ وَلَوْ شَاءَ اللهُ لَأَعْنَتَكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمُ
وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ
وَيَسْتَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ
فِي الْمَحِيضِ وَلَا نَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ}
نِسَاؤُكُمْ حَرْتُ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ}
لَّا يُؤَاخِذُكُمُ اللهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَنِكُمْ وَلَكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ}
وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلَثَةَ قُرُوءٍ وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَن يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِن كُنَّ يُؤْمِنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَبُعُولَهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا وَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللَّهُ
عزيز حكيم
وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ
الطَّلَقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكُ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحُ بِإِحْسَنِ}
فَإِمْسَاكُ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحُ بِإِحْسَنِ}
القواعد الفقهية عند الإباضية
رقمها
رقم الجزء والصفحة
220
ج 301/ 1
220
222
223
225
228
228
ج 1/ 236
ج 2/ 492، 521،
ج 106/ 3، 145
ج 2/ 589
ج 1/ 300
ج 294/ 1، 360،
ج 2/ 90
ج 3/ 345
229 ج 220/ 1، ج 3/ 22 ج 3/
229
ج 409/ 2
230
فَإِن طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ فَإِن ج 479/ 1، 515،
طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَن يَتَرَاجَعَا إِن ظَنَّا أَن يُقِيمَا حُدُودَ
ج 3/ 125
الله وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ}
فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ
230
ج 481/ 1، 482 (4/430)
صفحة 2207
رقمها
رقم الجزء والصفحة
فهرس الآيات القرآنية الكريمة
231
وَإِذَا طَلَقْمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ ج 1/ 294،
سَرْحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ سِرَارًا لِتَعْتَدُوا وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ وَلَا نَتَّخِذُوا وَايَتِ اللَّهِ هُرُوا وَاذْكُرُوا
نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنزَلَ عَلَيْكُم مِّنَ الْكِتَبِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُم بِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ)
ج
وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ صِرَارًا لِتَعْتَدُوا)
فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ بِمَعْرُوفٍ
فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَن يَنكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَضَوا بَيْنَهُم
231
231
232
233
ج 21/ 3، 345
ج 3/ 28
ج 458/ 1
ج 99/ 3، 101، 345
ج 2/ 222، 233،
346، 526، 527
ج 3/ 357،
ج 301/ 3، 357
ج 3/ 347
ج 3/ 28
ج 2/ 104
ج 360/ 1
ج 3/ 348، 349
233
233
233
234
234
236
بالمعروف
وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَن الرَّضَاعَةُ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لَا
تُكَلِّفُ نَفْسُ إِلَّا وُسْعَهَا لَا تُضَارَ وَالِدَهُ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا
عَن تَرَاضِ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا وَإِنْ أَرَدتُّمْ أَن تَسْتَرْضِعُوا أَوْلَدَكُمْ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُم مَّا عَانَيْتُم بِالْمَعْرُوفِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ)
لَا تُكَلِّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا}
لَا تُضَارَ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا
وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا)
وَيَذَرُونَ أَزْوَجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا)
وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِع قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَعَا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ} (4/431)
صفحة 2208
432
الأيـ
ـة
القواعد الفقهية عند الإباضية
رقمها
رقم الجزء والصفحة
لحَفِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَوةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ 238، ج 586/ 2
قَنِتِينَ فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا فَإِذَا أَمِنتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُم مَّا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ)
وَلِلْمُطَلَّقَتِ مَتَعُ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ}
وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَوْا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَنُ مِنَ الْمَسِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبوا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبوا)
وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبوا)
239
241 ج 3/ 348
ج 1/ 175
269
275
279
ج 341/ 1
ج 200/ 1، 457
يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ 278، ج 341/ 1 الرِّبوا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ * فَإِن لَّمْ تَفْعَلُوا فَأَذَنُوا بِحَرْبٍ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ)
وإن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا
تُظْلَمُونَ
لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ
279
279
ج 344/ 1
ج 343/ 1
وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَن تَصَدَّقُوا 280 ج 220/ 1،
خَيْرٌ لَكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ)
ج 393/ 2
يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنِ إِلَى أَجَلٍ 282 ج 458/ 1،
مُسَمَّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبِ بَيْنَكُمْ كَاتِبُ بِالْعَدْلِ وَلَا يَأْبَ كَاتِبُ أَن يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ
ج 4/ 308 (4/432)
صفحة 2209
فهرس الآيات القرآنية الكريمة
الآي
وَلْيُمْلِلِ الَّذِى عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا يَبْخَسٌ
مِنْهُ شَيْئًا
وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ وَلَا يُضَارَ كَاتِبُ وَلَا شَهِيدٌ
وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِن رِّجَالِكُمْ فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ
أَن تَضِلَّ إِحْدَثُهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَبُهُمَا الْأُخْرَى) وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ
وَإِن كُنتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِنَا فَرِهَنُ مَقْبُوضَةٌ فَلْيُودِ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَنَتَهُ)
لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنتَ مَوْلَنَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ)
رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا)
وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ
- سورة آل عمران
قَالَ رَبِّ اجْعَل لِي آيَةً قَالَ وَايَتُكَ أَلَّا تُكَلِمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزاً وَاذكُر رَبِّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ
433
رقمها
رقم الجزء والصفحة
282
ج 127/ 2،
ج 4/ 333
282
ج 3/ 23
282
ج 317/ 2
282
282
283
283
286
286
286
14
ج 2/ 380
ج 2/ 134
ج 1/ 471
ج 4/ 103
ج 217/ 1، 300،
ج 2/ 220، 221،
606، 630
ج 439/ 1،
ج 2/ 269، 293
ج 3/ 135
ج 3/ 580
وَالْإِنْكَرِ
قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمزًا
ج 3/ 568 (4/433)
صفحة 2210
434
الآن
القواعد الفقهية عند الإباضية
رقمها
رقم الجزء والصفحة
VV
إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَنِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا} ج 269/ 4
وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمُ
وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّنَ لَمَا آتَيْتُكُم مِّن كِتَبٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقُ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ، وَلَتَنصُرُنَّهُ، قَالَ وَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَالِكُمْ إِصْرِى قَالُوا أَقْرَرْنَا)
قَالَ وَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِى قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَأَشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُم مِّنَ الشَّهِدِينَ}
لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ
فَإِنَّهُمْ ظَلِمُونَ
وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ)
ثُمَّ أَنزَلَ عَلَيْكُم مِّنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُّعَاسًا يَغْشَى طَائِفَةٌ مِّنكُمْ وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَل لَّنَا مِنَ الْأَمْرِ مِن شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ يُخْفُونَ فِي أَنفُسِهم مَّا لَا يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَهُنَا قُل لَّوْ كُنتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمُ
بِذَاتِ الصُّدُورِ)
VV
81
81
128
133
154
ج 269/ 4
ج 4/ 334
ج 308/ 4، 334
ج 283/ 1
ج 4/ 245
ج 1/ 284
وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ
إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَنُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ, فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ
إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ)
159
175
ج 3/ 614
ج 1/ 387 (4/434)
صفحة 2211
فهرس الآيات القرآنية الكريمة
فَتَبَدُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ}
الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَما وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ}
4 - سورة النساء
فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاءِ
فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَيْءٍ مِّنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِتَا مَّرِيئًا
وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمْ}
وَمَن كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَن كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ
بِالْمَعْرُوفِ
مِمَّا قَلَ مِنْهُ أَوْ كَثُر نَصِيبًا مَّفْرُوضًا)
وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ)
مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَا
وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ)
وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ)
وَأَخَذْنَ مِنكُم مِّيتَقًا غَلِيظًا
435
رقمها
رقم الجزء والصفحة
187
ج 2/ 465
191
ج 2/ 400
5
V
12
12
19
19
21
ج 457/ 1
ج 457/ 1، 458
ج 3/ 24
ج 220/ 1
ج 3/ 92
ج 2/ 104
ج 3/ 23
ج 409/ 2،
ج 3/ 346، 357
ج 3/ 99، 100
ج 1/ 484
22
وَلَا تَنكِحُوا مَا نَكَحَ وَابَاؤُكُم مِّنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا ج 363/ 4
قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا
23
ج 1/ 518
وَأَن تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ)
وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلًا أَن يَنكِحَ الْمُحْصَنَتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِن مَّا مَلَكَتْ أَيْمَنُكُم مِّن فَنَيَتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ...
ج 2/ 586،
ج 3/ 153، 154 (4/435)
صفحة 2212
436
الأم
فَانكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ)
يُرِيدُ اللهُ أَن يُخَفِّفَ عَنكُمْ وَخُلِقَ الْإِنسَنُ ضَعِيفًا)
القواعد الفقهية عند الإباضية
رقمها
رقم الجزء والصفحة
25
ج 3/ 188
28
ج 2/ 218
29
يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم ج 220/ 1، 301،
بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضِ مِّنكُمْ وَلَا
تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا)
إِلَّا أَن تَكُونَ تِجَرَةً عَن تَرَاضِ مِنكُمْ
29
ج 2/ 226
ج 457/ 1،
ج 3/
90، 350
وَلَا نَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا)
إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا)
فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا}
وَالَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا
يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَن يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا فَسَاءَ قَرِينًا
يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصِّلَوْةَ وَأَنتُمْ سُكَرَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ
وَإِن كُنتُم قَضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِّنكُم مِّنَ الْغَابِطِ أَوْ لَمَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَأَمْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ
فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا *
إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الْأَمَنَتِ إِلَى أَهْلِهَا}
29
29
38
43
43
43
58
V
ج 421/ 2، 473،
،611،587
ج 24/ 3، 137
ج 2/ 500
ج 3/ 107
ج 298/ 1، 436
ج 353/ 1، 355،
ج 374/ 2، 376
ج 250/ 2، 251،
586،420
ج 408/ 2
ج 4/ 103، 195 (4/436)
صفحة 2213
فهرس الآيات القرآنية الكريمة
لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ}
إلَّا أَن تَكُونَ تِجَرَةٌ عَن تَرَاضِ مِّنكُمْ)
وَمَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَئًا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ)
وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن نَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَوَةِ إِنْ خِفْتُمْ أَن يَفْيْنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكَفِرِينَ كَانُوا لكُمْ عَدُوًّا مبينا)
وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلوةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِّنْهُم مَّعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِن وَرَابِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةً أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ)
ه يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ
وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا نَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ
مَصِيرًا
مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ
وَإِن يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلَّا مِّن سَعَتِهِ،
يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ
وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ}
فَلَا نَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ
إذا مِثْلُهُمْ
وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِن شُبِّهَ لَهُمْ)
437
رقمها
رقم الجزء والصفحة
83
ج 3/ 167
92
92
ج 1/ 458
ج 2/ 290
101
ج 236/ 2، 403،
102
108
115
123
130
135
157
ج 2/ 406
ج 469/ 1
ج 339/ 3
ج 1/ 220
ج 3/ 74
ج 334/ 4
ج 244/ 3
ج 359/ 4 (4/437)
صفحة 2214
438
القواعد الفقهية عند الإباضية
الأيـ
رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ
که دوم روز حُجَّةَ بَعدَ الرُّسُلِ
رقمها
رقم الجزء والصفحة
ج 3/ 218
ه
سورة المائدة
ج 220/ 1، ج 119/ 4
ج 1/ 365، ج 2/ 173، ج 52/ 3، ج 114/ 4،
{يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبَرِ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ
222،127
حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ
فَمَنِ اضْطُرَ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لَإِثْمِ فَإِنَّ اللَّهَ
ج 2/ 472، ج 4/ 240
ج 283/ 2، 284،
غَفُورٌ رَحِيمٌ
،285، 473، 511
صلے
يَسْتَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَتُ) وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَبَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ هَمْ يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا
وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَينِ وَإِن كُنتُمْ جُنُبًا فَأَطَهَرُوا وَإِن كُنتُم مَّرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِّنكُم مِّنَ الْغَابِطِ أَوْ لَمَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَأَمْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم مِّنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ وَلَكِن يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ}
أَوْ لَمَسْتُمُ النِّسَاءَ)
640، ج 3/ 142
ج 220/ 1
ج 2/ 170 ج 2/ 399، 587
ج 488/ 2، 587
وَأَرْجُلَكُمْ
ج 2/ 487 (4/438)
صفحة 2215
فهرس الآيات القرآنية الكريمة
وَإِن كُنتُمْ جُنُبًا فَأَطَهَرُوا فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً
مَا يُرِيدُ اللهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ وَلَكِن يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ}
فَبَعَتَ اللهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ}
مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا
النَّاسَ جَمِيعًا
مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا
فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا)
أَكَلُونَ لِلسُّحْتِ
رقمها
31
32
32
42
439
رقم الجزء والصفحة
ج 2/ 587
ج 2/ 588، 613،
614، 615، 617
ج 3/ 218
ج 1/ 68
ج 578/ 2
ج 3/ 198
ج 346/ 1، ج 189/ 3،
،452، 454
ج 4/ 237
وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْن بِالْعَيْنِ وَالْأَنفَ بِالْأَنفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسَنِ وَالْجُرُوحَ قِصَاصُ
لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَنِكُمْ وَلَكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَدتُمُ الْأَيْمَن فَكَفَرَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَثَةِ أَيَّامٍ
45
89
ج 1/ 220
ج 2/ 400، 407،
ج 3/ 323، 341،
،342، 34
ج 4/ 265 (4/439)
صفحة 2216
440
القواعد الفقهية عند الإباضية
الأب
{مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ
يَأَيُّهَا الَّذِينَ مَامَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنصَابُ وَالْأَزْلَمُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَنِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} وَمَن قَتَلَهُ مِنكُم مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاءُ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ، ذَوَا عَدْلٍ مِنكُمْ هَدْيَا بَلِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَرَةٌ طَعَامُ مَسَكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ وَمَنْ عَادَ فَيَنتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ وَاللَّهُ عَزِيزُ
ذُو انتقام
هَدْيَا بَلغَ الْكَعْبَةِ ال
أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ، مَتَنَعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِ مَا دُمْتُمْ حُرُمَا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ
رقمها
رقم الجزء والصفحة
ج 3/ 347، 413،
89
95
20
96
414
ج 219/ 1
ج 408/ 2،
ج 51/ 4
ج 2/ 593
ج 2/ 167،
ج 3/ 167
تُحْشَرُونَ
6 - سورة الأنعام
وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَذِبُونَ}
28
ج 3/ 273
وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي وَايَتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى 68، 69 ج 243/ 3، 244
يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ، وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا نَقْعُدْ
بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ * وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَيْءٍ
قَدْ جَاءَكُم بَصَابِرُ مِن رَّبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ، وَمَنْ عَلَى فَعَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُم بِحَفِيظ
104
ج 1/ 175
وَلَا تَسُبُوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ 108 ج 1/ 131، ج 131/ 1،
عَدُوا بِغَيْرِ عِلْمٍ
ج 229/ 3 (4/440)
صفحة 2217
فهرس الآيات القرآنية الكريمة
441
وَمَا لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُم مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا أَضْطَرِرْتُمْ إِلَيْهِ
وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذكر أسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ) وَعَاتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ
قُل لَّا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَى مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إلا أَن يَكُونَ مَيْتَةٌ أَوْ دَمًا مَّسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنزير فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ، فَمَنِ اضْطُرَ غَيْرَ بَاعَ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ}
رقمها
رقم الجزء والصفحة
119
ج 463/ 2، 464،
121
141
145
قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا 151 بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَنَا وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُم مِّنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَّ وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَنَكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ}
وَلَا نَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا
152
472،471
ج 317/ 2، 502
ج 67/ 1
ج 2/ 153، 163،
،284، 462
ج 3/ 142، 160،
161، 163
ج 2/ 153
ج 2/ 222
- سورة الأعراف
قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ، وَالطَّيِّبَتِ مِنَ
الرِّزْقِ.
قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَن تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِلْ بِهِ سُلْطَنَا
وَأَن تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ
وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا
32
33
ج 153/ 2، 163
ج 2/ 153
ج 3/ 24 (4/441)
صفحة 2218
442
القواعد الفقهية عند الإباضية
الآن
ــة
وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَةٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِن كَذَّبُوا فَأَخَذْنَهُم بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ}
وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَلَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ}
وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبيثَ)
ور
وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِّنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْما اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ}
قَالُوا مَعْذِرَةٌ إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ}
رقمها
رقم الجزء والصفحة
96
ج 3/ 47
157
157
164
221، 449
ج 221/ 2،
ج 119/ 3
ج 3/ 245
ج 3/ 245
وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ} ج 3/ 245
أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَن تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ
إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَفِلِينَ}
وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِى آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُم وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَن تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَمَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ}
خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَهِلِينَ
172
182
ج 3/ 218
ج 334/ 4
199 ج 218/ 1،
وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْوَانُ فَاسْتَمِعُوا)
204
ج 3/ 337، 339
ج 3/ 405
- سورة الأنفال
وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِبَاطِ
الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوكُمْ}
ج 3/ 125
يَأَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِن يَكُن مِّنكُمْ ج 3/ 600
عِشْرُونَ صَيرُونَ يَغْلِبُوا مِاثَنَيْنِ وَإِن يَكُن مِّنكُم مِائَةٌ
يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمُ لَا يَفْقَهُونَ} (4/442)
صفحة 2219
فهرس الآيات القرآنية الكريمة
التَنَ خَفَّفَ اللهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِن
يَكُن مِّنكُم مِائَةٌ صَابَرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ
9 - سورة التوبة
فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَمَ اللَّهِ
لَا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلَّا وَلَا ذِمَّةً
443
رقمها
رقم الجزء والصفحة
ج 3/ 600
8
ج 572/ 3
ج 2/ 109
ج 61/ 3
يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا
وَلَكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَةُ)
وفي سبيل الله
28
42
ج 201/ 2
ج 328/ 1
وَلَين سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ 65، 66 ج 1/ 444
قُلْ أَبِاللَّهِ وَعَايَيْهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِءُونَ * لَا
تَعْنَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَنِكُمْ إِن نَّعْفُ عَن طَائِفَةِ مِنكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةٌ بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ)
نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ)
مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِن سَبِيلِ
إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَاهُم بأن لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَكَةِ وَالْإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُم بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ)
وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَتْهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُم مَّا يَتَّقُونَ
67
91
115
ج 2/ 268
ج 1/ 365، ج 103/ 4،
132،131،127
ج 301/ 1
ج 2/ 165 (4/443)
صفحة 2220
222
الأبـ
لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزُ
عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ
رَءُوفٌ رَّحِيمُ
10 - سورة يونس
إلا ظنا
11 - سورة هود
وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا
لِيَبْلُوَكُمْ أَنَّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا)
إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ، فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشيد
إِنَّ الْحَسَنَتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ
وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَأَعْبُدُهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَمَا رَبُّكَ بِغَفِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ
12 - سورة يوسف
وَرَوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَن نَّفْسِهِ، وَغَلَقَتِ الْأَبْوَبَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَاى إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّلِمُونَ)
وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنَّا إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ
شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ
وَلِمَن جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ، زَعِيمُ
القواعد الفقهية عند الإباضية
رقمها
رقم الجزء والصفحة
128
ج 2/ 200، 219،
36
6
V
97
114
123
23
36
72
439
ج 26/ 2
ج 50/ 3 د
00
ج 329/ 1، 436
ج 283/ 1
ج 3/ 217
ج 1/ 284
ج 1/ 419
ج 2/ 25
ج 4/ 13 (4/444)
صفحة 2221
فهرس الآيات القرآنية الكريمة
رقمها
رقم الجزء والصفحة
16 - سورة النحل
وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَّمْ تَكُونُوا بَلِغِيهِ إِلَّا
بِشِقِّ الْأَنفُسِ
وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَبِيلِ وَمِنْهَا جَابِرٍ وَلَوْ شَاءَ هَدَيكُمْ
أجمعين
) وَهُوَ الَّذِى سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيَّا
وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ)
فَأَتَى اللهُ بُنْيَنَهُم مِّنَ الْقَوَاعِدِ
ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ)
فَسْتَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ}
وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ
تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا}
وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَنَنَا وَمَتَنَعًا إِلَى حِينٍ}
وَجَعَلَ لَكُم مِّن جُلُودِ الْأَنْعَامِ بُيوتا
عَبْدًا مَمْلُوكًا لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ
مَنْ عَمِلَ صَلِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَوَةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ
مَن كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَنِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَينُ بِالْإِيمَنِ وَلَكِن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِّنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ)
V
16
ج 201/ 2
ج 1/ 129
ج 333/ 3، 410
ج 2/ 148
0.110
26
32
43
44
67
80
80
ج 1/ 413
ج 2/ 157
ج 3/ 26
ج 1/ 422
ج 148/ 2، 176
ج 3/ 333، 410
ج 420/ 3
??
810/ 10
97
106
،280، 284
ج 298/ 1، 445،
ج 2/
463، ج 310/ 4 (4/445)
صفحة 2222
446
الآن
إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَنُ بِالْإِيمَيْنِ وَلَكِن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِّنَ اللَّهِ وَلَهُمْ
عَذَابٌ عَظِيمٌ
فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاعَ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ
رحيم
القواعد الفقهية عند الإباضية
رقمها
رقم الجزء والصفحة
1.7
ج 449/ 1، ج 2/ 287،
115
،75، 479
ج 142/ 3، ج 4/ 337
ج 2/ 240، 473
وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَلٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ
ج 220/ 1،
ج 2/ 157
وَإِن عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِ
17 - سورة الإسراء
وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَدَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَقٌ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ
قَتْلَهُمْ كَانَ خِطَا كَبِيرًا
وَلَا تَقْرَبُوا الزِنَى
وَلَا نَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْم
وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُم بِصَوْتِكَ}
وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْتَهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا
تفضيلا
18
- سورة الكهف
فَمَن كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَلِحَا وَلَا يُشْرِكْ
بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا
126
31
32
36
64
70
11
ج 1/ 219، ج 13/ 4
ج 505/ 2
ج 05/ 1
1+76160
ج 156/ 2
ج 552/ 3
ج 3/ 45
ج 1/ 425 (4/446)
صفحة 2223
فهرس الآيات القرآنية الكريمة
19 - سورة مريم
فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَن كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبيَّاً:
وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيّا
20 - سورة طه
فَأَخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى
وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا}
21 - سورة الأنبياء
فَسْلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ
وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا تَحْفُوظًا وَهُمْ عَنْ عَابَهَا
مُعْرِضُونَ
447
رقمها
رقم الجزء والصفحة
29
64
12
V
32
ج 580/ 3
ج 2/ 154
ج 2/ 177
ج 3/ 29
ج 1/ 150، ج 2/ 157
ج 3/ 333، 410
وَدَاوُدَ وَسُلَيْمَنَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ 78، 79 ج 3/ 25 فِيهِ غَنَّمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَهِدِينَ، فَفَهَمْنَهَا سُلَيْمَنَ وَكُلًّا وَاليْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا وَسَخَرْنَا مَعَ دَاوُدَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرِ وَكُنَّا فَاعِلِينَ}
وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ}
22 - سورة الحج
لِيَشْهَدُوا مَنَفِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَةٍ عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَمِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَابِسَ الْفَقِيرَ)
أذِنَ لِلَّذِينَ يُقَتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى
نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ
107
28
39
ج 3/ 218
ج 1/ 332
ج 3/ 218 (4/447)
صفحة 2224
448
الآن
وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ)
وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَج
القواعد الفقهية عند الإباضية
رقمها
رقم الجزء والصفحة
77
ج 4/ 114
78
ج 218/ 1، 361،
ج 2/ 175، 219،
،449، 492،435
23 - سورة المؤمنون
496، ج 378/ 3، 625
وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَوة فَعِلُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ 4 - 7 | ج 2/ 187
حَفِظُونَ * إِلَّا عَلَى أَزْوَجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَتُهُمْ
فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَبِكَ
هُمُ الْعَادُونَ)
إِلَّا عَلَى أَزْوَجِهِمْ}
وَلَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا
وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ
6
62
71
ج 2/ 187
ج 2/ 630
ج 3/ 228
ومن فيهن
فَمَن ثَقُلَتْ مَوَزِينُهُ فَأُولَبِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَمَنْ 102، ج 511/ 3 خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَبِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ
خَلِدُونَ
رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَلِمُونَ
أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْتَكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ)
24 - سورة النور
103
107
110
ج 3/ 273
ج 2/ 155
وَلَا تَأْخُذَكُم بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ ج 2/ 210
الآخر (4/448)
صفحة 2225
فهرس الآيات القرآنية الكريمة
إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَتِ الْغَفِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ}
يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا}
لَّيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيهَا متنع لكم
449
رقمها
رقم الجزء والصفحة
23
ج 3/ 25
27
29
ج 2/ 632
ج 1/ 237، ج 486/ 3،
487، ج 4/ 197
قُل لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَرِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ 30، 31 ج 1/ 500،
ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ * وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَرِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَا بِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَابِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَا بِهِنَّ أَوْ
مَا مَلَكَتْ أَيْمَنُهُنَّ أَوِ التَّبِعِينَ غَيْرِ أُوْلِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ
وَأَنكِحُوا الْأَيْمَى مِنكُمْ
فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا}
وَآتُوهُم مِّن مَّالِ اللَّهِ الَّذِى عَاتَنكُمْ)
يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَعْذِيكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَنُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا المعلم مِنكُمْ ثَلَثَ مَرَّتٍ مِّن قَبْلِ صَلَوَةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُم مِّنَ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلَوَةِ الْعِشَاءِ ثَلَاثُ عَوْرَاتِ لَكُمْ)
32
33
58
ج 2/ 547،
ج 4/ 223
ج 1/ 457، ج 3/ 100
ج 2/ 15، 77
ج 2/ 410
ج 3/ 344 (4/449)
صفحة 2226
الأبـ
ــة
وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ الَّتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحَا.
وَأَن يَسْتَعْفِفْن خَيْرٌ لَهُنَّ
لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى أَنفُسِكُمْ أَن تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ مَابَا بِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَتِكُمْ أَوْ
بُيُوتِ إِخْوَنِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخَوَتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَعْمَمِكُمْ أَوْ بُيُوتِ عَمَّتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخْوَلِكُمْ أَوْ بُيُوتِ خَلَتِكُمْ أَوْ مَا مَلَكْتُم مَّفَاتِحَهُ أَوْ صَدِيقِكُمْ
25 - سورة الفرقان
وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءَ مَّنثُورًا}
وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا)
وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الرُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا
كراما
القواعد الفقهية عند الإباضية
رقمها
رقم الجزء والصفحة
60
ج 51/ 1، 52
60
ج 1/ 383
61
ج 339/ 3
23
48
72
ج 23/ 1
ج 376/ 3
ج 3/ 244
26 - سورة الشعراء
أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ)
ج 374/ 4
28 - سورة القصص
وَجَاءَ رَجُلٌ مِّنْ أَقْصَا الْمَدِينَةِ يَسْعَى قَالَ يَمُوسَى إِنَّ الْمَلَا
ج 3/ 155
يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَأَخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّصِحِينَ
قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاهُ)
فَأَمَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَلِحًا فَعَسَى أَن يَكُونَ مِنَ
الْمُفْلِحِينَ
23
67
ج 350/ 3
ج 413/ 1 (4/450)
صفحة 2227
فهرس الآيات القرآنية الكريمة
29 - سورة العنكبوت
إِن الصَّلوةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ
30 - سورة الروم
وَمِنْ آيَتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا
إلَيْهَا
وَمَا عَاتَيْتُم مِّن رِبًا لِيَرْبُوا فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُوا عِندَ اللَّهِ وَمَا آنَيْتُم مِّن زَكَوةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُوْلَبِكَ
هُمُ الْمُضْعِفُونَ)
فَلَا يَرْبُوا عِندَ اللهِ
وَمَا عَانَيْتُم مِّن زَكَوة
31 - سورة لقمان
وَأَمُرُ بِالْمَعْرُوفِ وَأَنْهَ عَنِ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ الله
33 - سورة الأحزاب
أَدْعُوهُمْ لِآبَابِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِندَ اللَّهِ فَإِن لَّمْ تَعْلَمُوا
آبَاءَهُمْ فَإِخْوَنُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَلِيكُمْ وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُم بِهِ، وَلَكِن مَّا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا)
وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُم بِهِ
يَنِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ، مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا
معْرُوفًا
451
رقمها
رقم الجزء والصفحة
45
21
39
39
39
17
32
ج 3/ 218
ج 504/ 1
ج 336/ 1، 421
ج 1/ 422
ج 1/ 422
ج 3/ 192
ج 299/ 1
ج 395/ 1،
ج 2/ 290، 293
ج 223/ 4 (4/451)
صفحة 2228
452
الآد
وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَعًا فَسْتَلُوهُنَّ مِن وَرَاءِ حِجَابٍ)
36 - سورة يس
إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ
37 - سورة الصافات
فَنَبَذْنَهُ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ سَقِيمٌ)
39 - سورة الزمر
وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى)
41 - سورة فصلت
وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا
42 - سورة الشورى
وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ)
وَجَزَاؤُا سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا}
فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ
إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ
بِغَيْرِ الْحَقِّ
وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيَا أَوْ مِن وَرَايِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ
44 - سورة الدخان
وَمَا خَلَقْنَا السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَعِبِينَ الله
القواعد الفقهية عند الإباضية
رقمها
رقم الجزء والصفحة
53
ج 2/ 445
82
145
V
33
38
40
40
42
10
38
ج 1/ 290
ج 2/ 465
ج 218/ 1
ج 3/ 245
ج 614/ 3
ج 219/ 1، 274
ج 30/ 3
ج 4/ 120
ج 3/ 571
ج 2/ 155، 164 (4/452)
صفحة 2229
فهرس الآيات القرآنية الكريمة
45 - سورة الجاثية
وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ
46 - سورة الأحقاف
وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَثُونَ شَهْرًا}
47 - سورة محمد
فَإِمَّا مَنَّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً
وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَلَكُم
48 - سورة الفتح
لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَرُ وَمَن يَتَوَلَّ يُعَذِّبْهُ عَذَابًا أَلِيمًا}
وَلَوْلَا رِجَالٌ مُّؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُّؤْمِنَتُ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَن تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكُم مِّنْهُم مَّعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ)
لَوْ تَزَيَلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا ما
49 - سورة الحجرات
453
رقمها
رقم الجزء والصفحة
13
01
4
33
17
25
25
ج 152/ 2، 161،
185
ج 3/ 527
ج 2/ 410
ج 3/ 65
ج 2/ 390
ج 152/ 3
ج 3/ 152
ياأَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا نُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا
ج 1/ 499
اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ
وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَنَهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إلَى أَمْرِ الله
ج 4/ 382 (4/453)
صفحة 2230
القواعد الفقهية عند الإباضية
الأبـ
ــة
رقمها
رقم الجزء والصفحة
يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَا فَتَبَيَّنُوا)
ج 2/ 62
وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَنِ}
11
وَلَا يَغْتَب بَعْضُكُم بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ
12
ج 380/ 3
ج 2/ 485
53 - سورة النجم
وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى)
إن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنفُسُ
وَمَا هُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا
يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا
إِنَّ رَبَّكَ وَسِعُ الْمَغْفِرَةِ
هو إلا اللهم
وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَيْنِ إِلَّا مَا سَعَى
??
لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ}
-
سورة الواقعة
3، 4 ج 76/ 1
23
ج 2/ 26، 27
28
ج 2/ 26
32
32
39
79
ج 502/ 3
ج 502/ 3
ج 220/ 1، 428
ج 179/ 2، 183
إِنَّهُ لَقُرْهَانٌ كَرِيمٌ. فِي كِتَبٍ تَكْنُونِ. لَّا يَمَسُّهُ إِلَّا 77 - 79 ج 316/ 1
الْمُطَهَّرُونَ}
58 - سورة المجادلة
ج 2/ 400
وَالَّذِينَ يُظَهِرُونَ مِن نِّسَا بِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ
ج
رَقَبَةٍ مِّن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ * فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا فَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِيِّينَ مِسْكِينًا (4/454)
صفحة 2231
فهرس الآيات القرآنية الكريمة
59 - سورة الحشر
يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُم بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَتَأُولِي
الْأَبْصَر
وَمَا آلَنَكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَنكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا)
60 - سورة الممتحنة
فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ
رقمها
رقم الجزء والصفحة
V
ج 3/ 167
ج 607/ 2
ج 2/ 15، 77، 157
61 - سورة الصف
يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ) 2، 3 ج 119/ 4
كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ)
64 - سورة التغابن
فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ
17
ج 606/ 2، 611،
،606،
67+7/ 9€
ج 3/ 223
65 - سورة الطلاق
فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ) ج 346/ 3
وَالَّتِعِي يَسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِن نِّسَابِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ
ج 2/ 90
ثَلَاثَةُ أَشْهُ
فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَاتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ
وَلَا نُضَادُّوهُنَّ لِيُضَيقُوا عَلَيْهِنَّ
لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَتِهِ وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ، فَلْيُنفِقُ
مِمَّا وَاللهُ اللهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَنَهَا}
V
ج 1/ 457، ج 3/ 347
ج 3/ 28
ج 220/ 1، ج 606/ 2،
ج 3/ 347، 348 (4/455)
صفحة 2232
الأب
القواعد الفقهية عند الإباضية
رقمها
رقم الجزء والصفحة
70 - سورة المعارج
وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ * لِلسَّابِلِ وَالْمَحْرُومِ} 24، 25 ج 576/ 2، ج 143/ 3
وَالَّذِينَ هُمْ لِأُمَتَيهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَعُونَ}
71 - سورة نوح
وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِسَاطًا
وَأَقِيمُوا الصَّلَوَةَ
73 - سورة المزمل
32
19
20
ج 4/ 102
ج 3/ 555
ج 226/ 2، 618
75 - سورة القيامة
بَلِ الْإِنسَنُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ
ج 43/ 2، ج 338/ 4
76 - سورة الإنسان
وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينَا وَيَتِيمَا وَأَسِيرًا}
إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ
77 - سورة المرسلات
أَلَمْ تَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَانَا. أَحْيَاهُ وَأَمْوَانَا
وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا
فسنيسره
لليسرى
برووو
فسنيسره للعسرى
VA
8
ج 297/ 1، 435
ج 1/ 436
25، 26 ج 1/ 68
- سورة النبأ
92 - سورة الليل
V
V
10
ج 410/ 3، 555
ج 206/ 2
ج 2/ 206 (4/456)
صفحة 2233
فهرس الآيات القرآنية الكريمة
457
رقمها
رقم الجزء والصفحة
لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ
95 - سورة التين
98 - سورة البينة
وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ
وَيُقِيمُوا الصَّلَوةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَوةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ)
ج 2/ 385
ج 297/ 1، 323،
،401، 404،359
وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ *
107 - سورة الماعون
مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ
مِن شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ
111 - سورة المسد
114 - سورة الناس
V
2
439
ج 349/ 3
ج 204/ 4
ج 57/ 2 (4/457)
صفحة 2234
459
فهرس الأحاديث والآثار
&
أ
• إبك جنون؟ فقال: لا ج 309/ 4
أجاز رسول الله صلى الله عليه وسلم لأهل السقاية من أهل بيته أن يبيتوا بمكة ليالي منى
اتخذ مؤذناً لا يأخذ على أذانه أجراً ج 2/ 437
ج 338/ 1
أجاز لهم النبي صلى الله عليه وسلم أن يشربوا في
اتخذوا مؤذناً لا يأخذ على الأذان أجراً الأديم، فقالوا: إن ببلدنا الجرذان،
ج 555/ 2
فقال: وإن أكله الجرذان ج 2/ 465
أتشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً. أجرك على قدر نَصَبك ج 2/ 214
رسول الله؟ ج 2/ 64
• أتعجبون من ذا قد فعل ذا من هو خير ج 4/ 336 مني ج 2/ 345
اتقوا الملاعن الثلاث: البراز في
• أحسن إليها فإذا وضعت فأتني بها
أحق ما أوفيتم به دين الله تعالى
ج 2/ 625
الموارد وقارعة الطريق والظل. أحل لكم ميتتان ودمان ج 2/ 167
للخراءة ج 3/ 115
أتى رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في
المسجد ج 309/ 4
أد الأمانة إلى من ائتمنك ج 103/ 4
ادرؤوا الحدود بالشبهات ج 236/ 1،
240، ج 2/ 123، ج 366/ 4، 367،
393،380،368
• أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقلت: يا رسول الله إني طلقت امرأتي البتة فقال: ما ادرؤوا الحدود بالشبهات ما استطعتم أردت؟ قلت: واحدة، قال: والله؟
ج 1/ 73، 226، ج 373/ 4
قلت: والله قال: فهو ما أردت، ادرؤوا الحدود بالشبهات ولا ينبغي
ج 1/ 295
للإمام أن يعطل الحدود ج 4/ 384 (4/459)
صفحة 2235
460
القواعد الفقهية عند الإباضية
ادرؤوا الحدود عن المسلمين ما. إذا أقبلت الحيضة فاتركي لها الصلاة ج 394/ 3، 399
لم ينزل ج 1/ 268
استطعتم ج 4/ 367 ادرؤوا الحدود والقتل عن عباد الله ما إذا التقى الختان وجب الغسل، أنزل أو استطعتم ج 4/ 367 ادرؤوا القتل والجلد عن المسلمين ما إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم استطعتم ج 1/ 230 ادفعوا الحدود ما استطعتم ج 4/ 367. إذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم ادن فكل، فقلت: إني صائم، فقال: ج 611/ 2، 628، 629 أدنُ أحدثك عن الصوم - أو الصيام - إذا أنفق رجل على أهله يحتسبها فهو له
ج 2/ 548
ج 221/ 2، 399، 607
صدقة ج 423/ 1
إذا ابتلت النعال فالصلاة في الرحال. إذا بايعت فقل لا خلابة ج 3/ 82
ج 2/ 345
إذا اختلف البائعان، وليس بينهما بينة ج 4/ 277
إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث
ج 2/ 327
• إذا اختلف عليك أمران فانظر أيسرهما ج 2/ 633 فإنه أقرب إلى الحق ج 225/ 2
إذا جاءك الرسول فقد أُذن لك
إذا حُمَّ أحدكم فليرش عليه الماء البارد
إذا خرجت المرأة إلى المسجد فلتغسل
إذا اختلفتم في الطريق فاجعلوه سبعة ج 254/ 2
أذرع ج 3/ 55
• إذا أدبرت الحيضة فاغتسلي فصلي من الطيب كما تغسل من الجنابة
ج 3/ 400
ج 377/ 1
إذا استأذنت أحدكم امرأته إلى المسجد. إذا ذهب أحدكم لغائط أو بول فلا
يستقبل القبلة ولا يستدبرها بفرجه
فلا يمنعها ج 1/ 381. إذا استعطرت المرأة فمرت على قوم ج 2/ 114
ليجدوا ريحها فهي زانية ج 377/ 1
• إذا رأت المرأة الدم فتمسك عن الصلاة
إذا اشتد الحر فأبردوا بالصلاة ج 348/ 2 ج 2/ 48
إذا أغمي عليه الشهر كله وهو صائم • إذا رميت الجمرة فيت حيث شئت
ج 368/ 2
ج 2/ 437 (4/460)
صفحة 2236
فهرس الأحاديث والآثار
461
إذا زاد الماء على قلتين لا يحتمل خبثاً إذا كان في الصحاري والقفار، وأما في
ج 328/ 2
• إذا ساق الرجل دابته سوقاً رقيقاً فلا
البيوت فلا بأس ج 2/ 115
إذا كان الماء أقل من قلتين لم يتنجس
ضمان عليه، وإذا أعنف في سوقها ج 377/ 3
إذا لم تصطبحوا ولم تغتبقوا، ولم
فأصابت فهو ضامن ج 231/ 1. إذا سها أحدكم في صلاته، فلم يدر تحتفئوا بها بقلا، فشأنكم بها ج 468/ 2 أواحدة صلى أم اثنتين؟، فليبن على إذا نسي أحدكم صلاة أو نام عنها
فليقضها ج 2/ 364
واحدة ج 29/ 2 إذا شك أحدكم في صلاته فلا ينصرف إذا نسي أحدكم فأكل وشرب ج 2/ 270 حتى يسمع صوتاً أو يشم ريحاً. إذا نهيتكم عن شيء فانتهوا وإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم ج 2/ 606،
ج 27/ 2، 39، 41
612، 614
إذا شك أحدكم في صلاته، فلم يدركم صلى ثلاثاً أم أربعاً؟ فليطرح الشك إذا وجد أحدكم في بطنه شيئاً فأشكل عليه أخرج منه شيء أم لا ج 29/ 2
وليبن على ما استيقن ج 29/ 2. إذا صلى أحدكم إلى سترة فليدن منها لا. أذن رسول الله لهند بنت عتبة وقد
يقطع الشيطان صلاته ج 3/ 405 شكت إليه من زوجها ج 193/ 4. إذا صلى أحدكم فليخفف، فإن فيكم. اذهب أنت ومالك لأبيك ج 4/ 202 الضعيف وذا الحاجة، وإذا صلّى وحده. أرأيت إن شككت أكون أحدثت؟ فليطل ما شاء ج 2/ 228 قال: فلا تقم للصلاة إلا بيقين. إذا ضاع لأحدكم متاع أو سرق له متاع ج 1/ 234 فوجده في يد رجل بعينه، فهو أحق به • أرأيت أن لو منع الله الثمرة فيما يأخذ أحدكم مال أخيه؟ ج 86/ 3
ج 2/ 101 • إذا طعمت المرأة من بيت زوجها غير، ارجعي، ثم عادت إليه ج 336/ 4 مفسدة، لها أجرها وله مثله ج 368/ 3. أردت أن أعلمكم صلاة السفر. إذا قتلتم فأحسنوا القتلة ج 3/ 138 إذا قلت: أشهد أن لا إله إلّا الله الاستنجاء بثلاثة أحجار ليس فيهن
ج 2/ 345
ج 2/ 238
رجيع ج 2/ 343 (4/461)
صفحة 2237
462
القواعد الفقهية عند الإباضية
• استودع عروة بن الزبير أبو بكر بن إقرار الرجل على نفسه أكبر من ج 335/ 4 عبد الرحمن بن الحارث بن هشام. اقرؤوا القرآن ولا تأكلوا به ج 2/ 555 • اقعدي أيامك التي كنت تحيضين، فإذا
ج 4/ 104
أصدق الأسماء حارث وهمام دام بك الدم فاستنظري بثلاثة أيام ثم اغتسلي وصلّي ج 394/ 3
ج 291/ 1
• أصدق ذو اليدين؟ قالوا: نعم، فقال • أقل الحيض ثلاثة أيام وأكثره عشرة أيام رسول الله صلى الله عليه وسلم: كل ذلك لم يكن ج 1/ 269، ج 401/ 3
ج 59/ 2
أطعمه الله وسقاه ج 2/ 295
• أعتقها فإنها مؤمنة ج 3/ 580
أقم حتى تأتينا الصدقة فنأمر لك بها
ج 2/ 514
ألا أخبركم بالتيس المستعار، قالوا: بلى
الأعرابي الذي بال في المسجد فأمر يا رسول الله قال: هو المحلل ج 1/ 481 رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يصب عليه ذنوب من • ألا لا يخلون رجل بامرأة إلا ذي محرم الماء ج 2/ 415. أعرف عفاصها ووكاءها ثم عرفها سنة. إلا نكاح رغبة ج 1/ 481، 482
ج 3/ 458، 460
ج 562/ 2
التمس لو خاتماً من حديد ج 469/ 3. أغروا النساء يلزمن الحجال ج 378/ 1 الذي يشرب في إناء الفضة يجرجر في. أعطوا الأجير أجره قبل أن يجف عرقه بطنه نار جهنم ج 2/ 545
ج 554/ 2
ألست تقاتل أن تكون كلمة الله هي
الأعمال بالنيات ولكل امرئ ما نوى العليا ج 1/ 425 ج 276/ 1، 302، 303
ألك بينة؟ قال: لا ج 309/ 4
أعندك بينة؟ فقال: لا، قال: فيمينه اللهم إني أريد الحج ج 402/ 1
ج 2/ 525
• أفضل الأعمال كلمة حق يقتل عليها ج 1/ 332
صاحبها عند سلطان جائر ج 246/ 3
أفطر الحاجم والمحتجم ج 2/ 315
اللهم حجة لا رياء فيها ولا سمعة
إما أني أصدقك ولا أحلفك ج 300/ 4
أما الأول فقد أخذ بالرخصة، وأما
اقرأ القرآن على أية حالة كنت فيها إلا الثاني فقد صدع بالحق فهنيئاً له
جُنُباً ج 2/ 181
ج 2/ 477 (4/462)
صفحة 2238
فهرس الأحاديث والآثار
463
أما والله إني لأخشاكم الله وأتقاكم له،، أن أبا بكر الصديق وهب لعائشة لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد ج 4/ 256
وأتزوج النساء ج 233/ 3
أمارتها عفاصها ووكاؤها ج 363/ 3، 460
الإمام ضامن ج 259/ 1
• أن أبا بكر ضرب في الخمر بالنعلين أربعين ج 3/ 604
• أن أبا الدرداء كان يقول لأهله: لا تسألوا
• أمر الرسول صلى الله عليه وسلم أن يؤمر الصبيان أحد شيئاً ج 464/ 3
إن أبا سفيان رجل لئيم لا يصرف عليَّ
بالصلاة ج 356/ 2. أمر النبي صلى الله عليه وسلم الأنصار أن يحطوا ج 4/ 195
ويعجلوا ج 2/ 171
، أن أبا هريرة له سئل عن ذلك
امرأة المفقود لا تتزوج حتى يأتيها موته ج 4/ 228 أو طلاقه ج 3/ 477
• أن ابن عمر كان إذا مر بتمرة ساقطة
أمرنا أن نخرج الحيض يوم العيد وذوات ج 4/ 128 الخدور، فيشهدن جماعة المسلمين. إن أحدكم إذا قام يصلي فلا يدع أحداً
ودعوتهم ج 236/ 3
يمر بين يديه ج 3/ 130
• أمرنا أن نخرج العوائق وذوات الخدور، إن أحق ما أخذتم عليه أجراً كتاب الله!
ج 3/ 236
ج 557/ 2
أمرنا النبي صلى الله عليه وسلم بسبع، ونهانا عن سبع إن أُخذ ثوبه، يتبع السارق ويدع صلاته
ج 3/ 68
ج 201/ 4
ج 544/ 2 أمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يطعم فَرْقاً من التمر. إن أطيب ما تأكلون من كسبكم بين ستة مساكين ج 343/ 3. أن الآية نزلت في الصلاة ج 2/ 400. إن أعظم المسلمين جُرماً من سأل عن. أن أبا بكر انه قال للرسول صلى الله عليه وسلم: إن الله شيء لم يحرم على المسلمين .. قد أنزل عليك آية في الاستئذان .. ج 1/ 155، ج 2/ 163 إن الذي حرم شربها
ج 3/ 486
إن أبا بكر انه كان يصبغ ج 2/ 567
ج 4/ 225
بيعها
أن أبا بكر الصديق الله قضى في وديعة إن الله تجاوز عن أمتي الخطأ والنسيان
كانت ج 4/ 104
وما استكرهوا عليه ج 1/ 308، ج 2/ 280 (4/463)
صفحة 2239
464
القواعد الفقهية عند الإباضية
إن الله تجاوز لأمتي ما حدثت به. أن امرأة من عامر أو غامد وصلت إلى أنفسها ما لم يعملوا به أو يكلموا ج 4/ 336
ج 3/ 568
إن أول الناس يقضي يوم القيامة عليه
• إن الله حرم بيع الخمر والميتة رجل استشهد، فأُتي به فعرفه نعمه
ج 224/ 4
فعرفها ج 306/ 1
إن الله فرض فرائض فلا تضيعوها وحد إن أولادكم من كسبكم ج 201/ 4 حدوداً فلا تعتدوها ج 2/ 154، 164
أن التاجر ينتظر الرزق والمحتكر ينتظر
إن الله قد أنزل عليك آية في الاستئذان اللعنة ج 2/ 560
ج 4/ 197
إن الله كتب الإحسان على كل شيء
فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة .. ج 36/ 3
إن الله لا يحب الذواقين ج 487/ 1
أن الحمى من فيح جهنم فأطفؤوها
بالماء البارد ج 254/ 2
إن خير دينكم أيسره إن خير دينكم
أيسره ج 2/ 225
إن الله لا ينظر إلى صوركم ولا إلى. إن دم الحيض أسود يُعرَف، فإذا كان أموالكم ولكن ينظر إلى قلوبكم ذلك فأمسكي عن الصلاة .. ج 49/ 2 وأعمالكم ج 1/ 411
إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم
إن الله هو المسعر القابض الباسط حرام ج 2/ 185، ج 29/ 3
الرزاق ج 559/ 2
إن الدين يسر ج 206/ 2
رخصه ج 243/ 2 أن رجلاً ابتاع عبداً فأقام ج 18/ 4
إن الله يحب أن تؤتى • أن أم قيس بنت محصن أتت بابن لها. أن رجلاً أخذ من مال ولده ج 4/ 202 صغير يأكل الطعام إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ... • أن رجلاً اعترف على نفسه بالزنا
ج 2/ 415
ج 4/ 336
إن الإمام أن يخطئ في العفو خير من • أن رجلاً سأل النبي صلى الله عليه وسلم فقال: أستأذن
على أختي؟ ج 4/ 196
أن يخطئ في العقوبة ج 1/ 226. إن الإمام لأن يخطئ في العفو خير من • أن رجلاً من الأعراب أتى رسول
أن يخطئ في العقوبة ج 368/ 4
الله صلى الله عليه وسلم فقال ج 4/ 335
• أن امرأة تزوجت بغلامها فرفعت إلى أن رجلين اختصما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم
عمر
ج 4/ 392
ج 4/ 208 (4/464)
صفحة 2240
فهرس الأحاديث والآثار
• إن الرحم إذا تناست تقاطعت ج 3/ 492
• أن رسول الله صلى الله عليه وسلم انتهى إلى مضيق هو مائتي درهم .. ج 1/ 239
وأصحابه ج 348/ 2
إن الزكاة في الذهب والفضة إذا بلغ
إن شدة الحر من فيح جهنم ج 348/ 2
أن رسول الله دخل مكة وفي سيفه أن الشراب كان في خلافة أبي بكر أكثر
شيء من ذهب ج 1/ 375
• أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في خطبته: البينة
منهم في عهد النبي صلى الله عليه وسلم ج 604/ 3
إن الشيطان ثالثهما ج 504/ 2
ج 4/ 270
إن الشيطان ليأتي أحدكم فيقول أحدثت
أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى باليمين على أحدثت، فلا ينصرفن حتى
المدعى عليه ج 269/ 4
أو يجد ريحاً ج 87/ 2
يسمع
صوتاً
أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى على أهل. إن الشيطان ليأتي أحدكم وهو في الصلاة
فينفخ بين إليتيه، فلا ينصرف حتى يسمع
الأموال ج 4/ 151. أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا أراد أن يذكر صوتاً أو يشم ريحاً ج 391/ 1
حاجته ج 2/ 275
إن صلاتنا هذه لا يصلح فيها شيء من
أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان في غزوة تبوك كلام الآدميين ج 2/ 365
ج 2/ 403
إن صلاتنا هذه لا يصلح فيها شيء من
أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يجمع بين الظهر كلام الناس ج 2/ 277
والعصر ج 2/ 244
أن العباس بن عبد المطلب سأل
أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يكتحل وهو النبي صلى الله عليه وسلم في ج 404/ 2
صائم ج 2/ 98
أن عبد الرحمن بن عوف والزبير شكوا
أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يصبغ شعره قط إلى النبي صلى الله عليه وسلم (يعني: القمل)، فأرخص
بشيء ج 2/ 567
لهما في الحرير ج 566/ 2
• أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهانا عن الحرير. أن على بن أبي طالب له لما هزم
والديباج، والشرب في آنية الذهب طلحة والزبير ج 132/ 4
والفضة .. ج 2/ 545
أن عمر بن الخطاب
أن الرسول صلى الله عليه وسلم أمرهم أن يخرجوا إلى أبو لؤلؤة عبد المغيرة ج 391/ 2 الجبان ويخرج النساء والعبيد والصبيان. أن عمر بن عبد العزيز كان يرى الجمع
ج 3/ 235
بين الصلاتين في ج 2/ 350 (4/465)
صفحة 2241
466
القواعد الفقهية عند الإباضية
• أن عمر
الله كان يلتف في عباءته فينام أن ناقة للبراء بن عازب دخلت حائط
في زاوية المسجد، وكان عثمان يقيل في المسجد أيام خلافته ج 431/ 2 • أن ع انه لم يقم الحد الشرعي على
عمر
اللذين ج 4/ 386
رجل فأفسدته، فقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم
على أهل الأموال حفظها بالنهار
ج 360/ 3
• أن النبي صلى الله عليه وسلم أذن لهند بنت عتبة حين
أن قدح النبي صلى الله عليه وسلم انكسر، فاتخذ مكان شكت إليه من زوجها أبي سفيان بن الشعب سلسلة من فضة ج 544/ 2
حرب ج 2/ 526
• إن كان علم أن الله حرمه فخذوه. إن النبي صلى الله عليه وسلم أرسل في أثر هذه المرأة بعض أصحابه ج 2/ 470
ج 4/ 372
إن كنت في صلاة فلا بأس ج 2/ 430 أن لا ضمان عليك إنما أنت مؤتمن
ج 4/ 104
أن النبي صلى الله عليه وسلم اكتحل في رمضان وهو صائم ج 2/ 98
، أن النبي صلى الله عليه وسلم امتنع عنه، وقال بأنه يريد أن يلقى الله وليست عليه ظلامة لأحد
أن الماعون: «ما يتعاور في العادة من ا الفأس والقدر والدلو والمقدحة ج 561/ 2 ونحوها .... ج 349/ 3
أن النبي صلى الله عليه وسلم جمع بالصلاتين في
أن المشركين قالوا: يا محمد لتنتهين ج 2/ 347 عن سبك آلهتنا أو لنهجون ربك ..
ج 3/ 229
أنَّ المعدن جبار والبئر جبار ج 4/ 50
أن النبي صلى الله عليه وسلم رجم ماعزاً لما ج 310/ 4 • أن النبي صلى الله عليه وسلمرخص لعبد الرحمن بن عوف والزبير بن العوام في قميص من
أن المغمى عليه لا يقضي إلا حرير، من حكة كانت بهما ج 543/ 2. أن النبي صلى الله عليه وسلم سلم من اثنتين فقيل له: يا
ج 2/ 332، 368
إن مقاطع الحقوق عند الشروط ولك ما رسول الله، أقصرت الصلاة؟ .. ج 59/ 2
شرطت ج 229/ 1
• إن من قضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم أنَّ المعدن
ج 4/ 150
، أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن الثمر المعلق؟
فقال: من
أصاب بفيه من ذي حاجة غير
متخذ خبنة فلا شيء عليه ج 468/ 2
• إن المنبت لا أرضاً قطع ولا ظهراً أبقى. أن النبي صلى بأصحابه ركعتين ثم
ج 2/ 224
سلّم ج 77/ 2 (4/466)
صفحة 2242
فهرس الأحاديث والآثار
467
أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى أن اليمين ج 269/ 4 • أنظرت إليها؟ قال: لا، قال: فاذهب أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا سار وأراد أن فانظر إليها، فإن في أعين الأنصار شيئاً يصلي تطوعاً على راحلته ج 2/ 494، ج 2/ 547
495
أنعت لك الكرسف ج 2/ 259
أن النبي صلى الله عليه وسلم كان ربما أؤثر على الراحلة إنك جئتني وفي يدك جمرة من نار
ج 2/ 494
صائم ج 1/ 447
ج 373/ 1
أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصيب من الرأس وهو. إنك لم تقبضيه وإنه الآن ج 257/ 4. إنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله. أن النبي صلى الله عليه وسلم لما رفعت له امرأة صبياً إلا أُجرت عليها، حتى ما تجعل في فم قالت ألهذا حج؟ قال: نعم ولك أجر امرأتك ج 309/ 1
ج 416/ 1
أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع السنين
ج 87/ 3
إنما الأعمال بالنيات ج 201/ 1، 221،
،359، 360، 388،343،309،302،405، 421، 437، 444، 445،393
أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن لبس الحرير إلا 468، 497، ج 2/ 376، ج 3/ 434 هكذا، وصف لنا النبي صلى الله عليه وسلم أصبعيه. إنما أنا لكم مثل الوالد أعلمكم أمر
دينكم ج 2/ 342
ج 544/ 2 إن هذه مَشْيَة يبغضها الله إلا في هذا إنما بنيت المساجد لما بنيت له
الموضع ج 568/ 2
ج 2/ 432
• إن هذين حرام على ذكور أمتي إنما ذلك دم عرق وليس بحيض
ج 373/ 1
ج 2/ 257
أن هند بنت عتبة شكت إلى النبي صلى الله عليه وسلم إنما كان ذلك قبل نزول المائدة
ج 4/ 195
ج 2/ 486
إنما كان يجزيه التيمم ج 422/ 2
أنا والعضباء للعباس ج 4/ 205. أنت ومالك لأبيك ج 4/ 202، 204، إنما نزل أوّل ما نزل من القرآن سورة
379،378،377،205، 362، 376
فيها ذكر الجنة والنار ج 284/ 3
انظر إليها فإنه أحرى أن يؤدم بينكما إنما نهيتكم من أجل الدافة التي دفت، ج 2/ 547، ج 3/ 187
فكلوا وادخروا وتصدقوا ج 3/ 601 (4/467)
صفحة 2243
468
القواعد الفقهية عند الإباضية
إنما يكفيك هكذا ومسح وجهه ويديه. أنه قضى في متاع البيت أن ما كان
إلى الرسغين ج 588/ 2
أنه استصنع منبراً وخاتماً ج 3/ 367
للرجال فهو للرجال، وما كان للنساء
فهو للنساء ج 369/ 3
أنه أمر بالإثمد المروح عند النوم وقال: • أنه كان لا
ليتقه الصائم ج 99/ 2
ينهى
أحد من
الشباب
وغيرهم عن النوم في المسجد
أنه أمر من دخل بحجة أن ينقلها إلى ج 2/ 430
العمرة ج 1/ 394
• أنه انكسر إحدى زنديه فسأل النبي
، أنه كان يضمّن الأجراء، ويضمن الصناع
ج 4/ 135
أنه يمسح على الجبائر فقال: نعم • أنه لا بأس بجميع الحبوب التي
ج 2/ 610
ج 2/ 336
• أنه حكم ببينة صاحب الفرس. إنه لم يكن نبي قبلي إلا كان حقاً عليه
ج 4/ 173، 174 • أنه دم عرق ج 3/ 383
أنه سأله أعرابي عن اللقطة فقال
ج 4/ 124
أن يدل أمته على خير ما يعلمه لهم،
وينذرهم شر ما يعلمه لهم ج 8/ 3
أنه لما اعتل ودخل عليه الناس
ج 299/ 4
• أنه سئل عن المرأة تشتري الدواء لترفع إنه ليس في النوم تفريط، إنما ج 2/ 364 حيضتها لتنفر فلم ير بأساً، وبعث إليهن. أنه ما تزوج شيئاً من نسائه ولا زوج شيئاً من بناته بأكثر من اثنتي عشر أوقية
بماء الأراك ج 522/ 2. أنه رأى مصلياً بإيماء يسجد على ج 470/ 3 وسادة قدامه فنزعها وأخذ عوداً فنزعه • أنه نهى عن الاستجمار بالروث والعظم
ج 2/ 628
ج 116/ 3
• أنه ضرب رجلاً تزوج امرأة في طريق أنه نهى النساء عن إتباع الجنائز
ج 379/ 1
مكة زوجها ج 388/ 4 • أنه عليه الصلاة والسلام خرج يوماً، أنه نهى النساء عن الجلوس في السكك، والخروج في اليوم المطير أو ريح
بأصحابه ج 2/ 238. أنه قال في الجنب لا يقرأ القرآن، ولا عاصف ج 1/ 382 حرفاً واحداً ج 2/ 181
• أنه وهب لابنته عائشة ج 4/ 255 (4/468)
صفحة 2244
فهرس الأحاديث والآثار
469
أنه وهب لعائشة جذاذ ج 4/ 255
• أيما حرّ اشتراه التجار فاردد عليهم
إنها ليست بنجس إنها من الطوافين رؤوس أموالهم ج 229/ 1
عليكم والطوافات ج 321/ 2
أيؤذيك هوام رأسك؟ فقال: نعم
إني لأقوم إلى الصلاة وأنا أريد أن أطيل قال: فاحلق رأسك وانسك ..
فيها فأسمع بكاء الصبي فأوجز مخافة ج 2/ 501، 546، ج 413/ 3
أن أشق على أمه ج 228/ 2
• إني لأكون في الصلاة فأسمع صوت
الصبي يبكي فأتجوز في صلاتي مخافة. بالله إنكم ليحل لكم ما ملكت أيمانكم
أن أشق على أمه ج 2/ 230 • أهدت بعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم طعاماً
ج 4/ 392
بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر وعمر وعلياً
ج 13/ 4
يأتون المسجد فيقيمون على بابه
أوصى أبو بكر الصديق الله أن تغسله: فيصيحون ألا إن أربعين داراً جار
زوجه أسماء فغسلته ج 2/ 105
أوعمياوان أنتما؟ ج 564/ 2
ج 3/ 494
بعثت أنا والساعة كهاتين ج 581/ 3
أولكن لحوقاً بي أطولكن يداً ج 1/ 448 بعثت بالحنيفية السمحة ج 223/ 2. أومأ النبي صلى الله عليه وسلم بيده إلى أبي بكر بعثت بالسمحة السهلة ج 496/ 2. بعثت لكسر الصليب، وقتل الخنزير
ج 389/ 2
• أومأ النبي صلى الله عليه وسلم لأخرج ج 389/ 2
ج 227/ 4
إياكم والدخول على النساء .. ج 3/ 497. بلغنا عن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يرخص لأحد
أيحل لكم ما ملكت أيمانكم يبيت بغير منى من ليالي منى إلّا الرعاة،
ج 4/ 392
أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها ج 364/ 4
ويصبحون يرمون مع الناس ج 436/ 2
بلغه عن عثمان بن عفان كان ينهى
الحركة ج 230/ 1
• أيما امرأة نكحت في عدتها فإن كان بنية إن ذلك المال لم تكن قد قبضتيه
زوجها الذي تزوج بها لم يدخل بها ج 255/ 4
فرق بينهما .. ج 502/ 1
بنية إنك لم تقبضيه وإنه ج 4/ 255
أيما إهاب دبغ فقد طهر ج 4/ 228
• البيعان بالخيار ما لم يفترقا ج 74/ 3 (4/469)
صفحة 2245
470
البينة على المدعي واليمين على
تلجمي ج 259/ 2
القواعد الفقهية عند الإباضية
المدعى عليه ج 1/
،273،223،200
ج 2/ 112، ج 472/ 3، ج 174/ 4،
،299،298،289،283،270
308،301
البينة على المدعي واليمين على من
تناكحوا تكثروا فإني مباه بكم الأمم يوم القيامة ج 2/ 505
تهادوا تحابوا ج 451/ 3 توضئي لكل صلاة ج 259/ 2
التيمم طهور المسلم ولو إلى عشر
أنكر ج 1/ 228، 236، 265، 275، سنين مالم يجد الماء ج 1/ 268، ج 2/ 119، 127، 307، ج 4/ 275 البينة على المدعي وعلى المنكر اليمين. التيمم كافيك ولو إلى عشر حجج
ج 263/ 4.
البينة على من ادعى واليمين على من أنكر ج 4/ 264، 268
البينة على من ادعى وعلى المنكر اليمين ج 4/ 180
ج 2/ 588
ج 2/ 588
أن
ثبت أن حذيفة بن اليمان عنه منع يقام الحد على الوليد بن عقبة وهو أمير
في الغزو .. ج 3/ 605
ثبت أن سعد بن أبي وقاص لله
• التاجر ينتظر الرزق والمحتكر ينتظر لم يقم الحد على أبي محجن،
اللعنة ج 3/ 205
وقد شرب الخمر يوم
ج 3/ 605
القادسية
تحريمها التكبير وتحليلها التسليم ج 2/ 50 تحيضي ستة أيام أو سبعة أيام في علم الثيب تعرب عن نفسها والبكر رضاها
الله ثم اغتسلي ج 3/ 365
صمتها ج 3/ 327
• ترآى الناس فأخبرت رسول الله صلى الله عليه وسلم أنني رأيته فصام وأمر الناس بصيامه
ج
ج 2/ 64
جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأقر أربع مرات
ترد ما قبضت ج 4/ 120
ج 4/ 310
تقعد إحداكن شطر دهرها لا تصلي ولا. جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال إنه زنى
تصوم ج 2/ 91
ج 309/ 4 (4/470)
صفحة 2246
فهرس الأحاديث والآثار
471
• جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا حديث الغامدية، أمر بها فشكت عليها
رسول الله إن جاء رجل يريد أخذ مالي؟ ثيابها، ثم رجمت ج 2/ 16 قال: فلا تعطه مالك ج 469/ 2
حرم الله من المؤمن دمه وماله وعرضه
جاء رجل من بني فزارة إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأن لا يظن به إلا الخير ج 29/ 3
فقال ج 4/ 370
• جاء رجل من حضرموت ورجل من
كندة ج 309/ 4
الحلال بين والحرام بين وبينهما أمور
مشتبهات ج 1/ 226، ج 2/ 157
الحلال ما أحل الله في كتابه، والحرام
جاءت امرأة لأم المؤمنين أم سلمة لنا ما حرم الله في كتابه، وما سكت عنه
فقالت ج 2/ 321
الجار أحق بصقبه ج 3/ 132
فهو مما عفا عنه ج 2/ 154، 164 حمّى ساعة كفارة ذنوب شهر
الجالب مرزوق والمحتكر ملعون ج 3/ 204
ج 254/ 2
خ
خديعة المسلم محرمة ج 3/ 80، 81
جراح العجماء جبار، والبئر جبار، والمعدن جبار ج 154/ 4
جعلنا أقل الحيض ثلاثاً وأكثره عشراً، خذوا من الأعمال ما تطيقون فإن الله لا
وجعلنا أقل الطهر عشرة أيام ج 199/ 2 يمل حتى تملوا ج 203/ 2، 212 جمعت الطريق ركباً فجعلت امرأة. خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف ج 4/ 388
ج 356/ 3، 357
الجمعة واجبة إلا على امرأة ج 244/ 2. خذي من ماله ما يكفيك ويكفي عيالك
جئتُ متمماً لمكارم الأخلاق ج 3/ 285 بالمعروف ج 4/ 195
ح
الخراج بالضمان ج 1/ 200، 236 ج 1/
خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم وعليه جبة
حدث العجماء جبار ج 4/ 157
من صوف شامية ضيقة الكمين، فصلّى
خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم وعيناه
حدثني سبعون من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بها وليس عليه غيرها ج 176/ 2
أنه كان
على الخفين ج 2/ 488 يمسح
الحدود تدرأ بالشبهات ج 314/ 2، مملوءتان من الإثمد وذلك في رمضان
375
وهو صائم ج 99/ 2 (4/471)
صفحة 2247
472
القواعد الفقهية عند الإباضية
خرج عمرو بن العاص في غزوة ذات دعوها فإنها متأولة ج 393/ 4 السلاسل وهو أمير الجيش، فأجنب دم أسود ثخين تعادله زيادة ورائحة وخاف من شدة الماء ج 2/ 226 • خرجنا مع الرسول صلى الله عليه وسلم في سفر فمطرنا
ج 2/ 345
ج 3/ 382
• الخيل لرجل أجر، ولرجل ستر، وعلى ذروا الناس يرزق بعضهم من بعض
رجل وزر ج 1/ 437
دباغ الأديم طهارته ج 1/ 268
دباغ جلد الميتة ذكاته وطهارة له ج 97/ 1
ج 3/ 80، 82، 83
ذكاته ذكاة أمه ج 4/ 245
• ذكروا الزنا بالشام فقال رجل زنيت
ج 4/ 371
دخلت على حفصة فرأيتُ رسول
الله صلى الله عليه وسلم جالساً لحاجته في بيت حفصة. الراجع في هبته كالكلب يرجع في قيئه
بين لبنتين .. ج 2/ 114
ج 336/ 1
دع ما يريبك إلى ما لا يريبك ج 1/ 226،. الراشي والمرتشي في النار
600
ج 2/ 55، ج 3/ 251
دعه، لا يتحدث الناس أن محمداً يقتل
أصحابه ج 203/ 3
دعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض
ج 561/ 2، ج 3/ 208
ج 346/ 1
رأى أم سلمة تسجد على وسادة ورأى عدياً يسجد على جدار قدر ذراع ولم
ينههما ج 2/ 628
رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم يمسح على خفيه
دعوني ما تركتكم فإنما أهلك من كان فقيل له: هل كان ذلك قبل المائدة أو
قبلكم سؤالهم واختلافهم على
أنبيائهم .. ج 2/ 215، ج 3/ 230
بعدها؟ .. ج 488/ 2
رأيت علياً أتي برجل فقالوا: إنه قد
دعوه، فلما فرغ أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم سرق ج 371/ 4
بذنوب قصبت على بوله ج 3/ 155. رب صائم حظه من صيامه الجوع
العطش، ورب قائم حظه من قيامه
دعوه ولا تزرموه قال: فلما فرغ دعا
بدلو من الماء فصبه عليه ج 156/ 3
السهر ج 1/ 417 (4/472)
صفحة 2248
فهرس الأحاديث والآثار
473
الرجل أحق بغسل امرأته من النساء. سألت النبي صلى الله عليه وسلم قالت: إني أستحاض فلا أطهر، أفأدع الصلاة؟ فقال: لا، إن
ج 2/ 105
• رخص لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في العصى ذلك عرق .. ج 3/ 365 والسوط والحَبْل وأشباهه يلتقطه الرجل. ستحدث للناس أقضية بقدر ما أحدثوا ينتفع به ج 369/ 3، 463
من الفجور .. ج 629/ 3
• ردّ أمانتك إلى من ائتمنك ولا تخن من السلف على ثلاثة وجوه: سلف تريد به الله، فلك وجه الله، وسلف تريد به
خانك ج 4/ 195
رد رسول الله صلى الله عليه وسلم على عثمان بن
وجه
وجه صاحبك .. ج 231/ 1
مظعون التبتل ولو أذن له لاختصينا. سمعت قولكم، وإني غزوت مع رسول
ج 3/ 232
ردوا علي أبي ج 4/ 205
الرطب تأكلنه وتهدينه ج 366/ 3
الله صلى الله عليه وسلمست غزوات، أو سبع غزوات،
أو ثماني غزوات ج 3/ 68
سئل جابر بن زيد هل فرض رسول
رفع عن أمتي الخطأ والنسيان الله صلى الله عليه وسلم للنساء مهوراً؟ قال: لا أعلمه إلّا وما أكرهوا عليه ج 33/ 1، 395، ما اصطلح عليه الناس بينهم ج 470/ 3
ج 2/ 269، 274، 276، 291، 293،. سئل عن المرأة تشتري الدواء لترفع حيضتها لتنفر فلم ير بأساً وبعث إليهن
ج 51/ 4
• رفع القلم عن ثلاث، عن النائم حتى بماء الأراك ج 146/ 3 يستيقظ، وعن الصبي حتى يحتلم، وعن. سئل النبي صلى الله عليه وسلم أي الأعمال أفضل؟ قال:
المجنون حتى يفيق ج 307/ 1، 452،
ج 354/ 2، 360
إيمان بالله ورسوله، قيل: ثم ماذا؟ قال:
الجهاد في سبيل الله .. ج 602/ 3
س
• سافرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض
ش
شاهدك أو يمينه ج 269/ 4
أسفاره حتى إذا كُنا بالبيداء انقطع عقد شر الناس من يُكرم مخافة شره
لي ج 3/ 241
سافرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في رمضان ج 2/ 247
ج 1/ 347، ج 3/ 190
شكوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم - يعني: القمل - فأرخص لهما في الحرير ج 543/ 2 (4/473)
صفحة 2249
474
القواعد الفقهية عند الإباضية
الشهر هكذا ويشير بيده تسعة وعشرون
يوماً أو ثلاثون ج 586/ 3
طاف رسول الله صلى الله عليه وسلم على بعيره
ج 389/ 2
طعام بطعام وإناء بإناء ج 13/ 4
صاغ النبي صلى الله عليه وسلم خاتماً من ذهب طلب العلم فريضة على كل مسلم
ج 1/ 374
ج 406/ 1
الصائم في السفر كالمفطر في الحضر • طوافك بالبيت وسعيك يكفيك ج 401/ 2 ج 2/ 245
صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن بيع ما
ع
لم يُقبض، ورِبْحُ ما لم يُضمن. العادة هي أن على أهل المواشي حفظها
ج 1/ 473
ج 4/ 156
صل قائماً؛ فإن لم تستطع فقاعداً، فإن. عادية مضمونة مؤداة ج 117/ 4، 119
لم تستطع فعلى جنب ج 608/ 2 صلاة المرأة في مخدعها أفضل من 223، ج 4/ 150، 152
العجماء جرحها جبار ج 135/ 1،
عدا يهودي على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم
صلاتها في صحن دارها، .. ج 381/ 1. الصلح جائز بين المسلمين إلا صلحاً جارية ج 389/ 2 أحل حراماً أو حرم حلالاً .. ج 228/ 1 • عرضنا على النبي يوم قريظة، من. صلوا أرحامكم ولو بالسلام أنبتَ قُتل، ومن لم ينبث خلي سبيله
ج 3/ 492 ج 2/ 470
صلى نبي الله صلى الله عليه وسلم في الكسوف • عرفها سنة فعرفتها سنة، ثم أتيته فقلتُ: قد عرفتها سنة، فقال: عرفها سنة
ج 2/ 388
صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته فإن غم أخرى .. ج 3/ 457 عليكم فاقدروا له ج 64/ 2، 591،. عسى أن يكون نزعه عرق ج 4/ 370 على المدعي البينة واليمين على
592، ج 334/ 3
صوموا لرؤية الهلال وافطروا لرؤيته،
المدعى عليه ج 299/ 4
فإن غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين على المدعي البينة وعلى المنكر اليمين
يوماً ج 591/ 2
ج 4/ 174 (4/474)
صفحة 2250
فهرس الأحاديث والآثار
475
على اليد ما أخذت حتى تؤديه. فرق بين رجل وامرأة تزوجها، واقترن
ج 1/ 222، ج 3/ 34
بها قبل انسلاخ عدتها وقال: لا يجتمعان
عليكم برخصة الله التي رخص لكم أبداً ج 501/ 1
ج 227/ 2
عليكم بهذه الثياب البيض ألبسوها
فقضى أن حفظ الحوائط بالنهار على
أهلها، وأن حفظ الماشية بالليل على
• فلا تخن من خانك ورد الأمانة إلى من
أحياءكم وكفنوا فيها موتاكم، فإنها من أهلها .. ج 361/ 3
خير ثيابكم ج 2/ 176
عن امرأة من جهينة أتت النبي صلى الله عليه وسلم وهي ائتمنك ج 528/ 2
فلها نصف أجره ج 3/ 368
حبلى ج 4/ 336 عن النبي صلى الله عليه وسلم: سأله نساؤه عن الجهاد. فليدرأه ما استطاع ج 3/ 131
فقال: نعم الجهاد الحج ج 602/ 3
فليعطيه أجره ج 554/ 2
عهد إلينا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ننسك فماتت عندهم ناقة لهم، أو لغيرهم، فرخص
للرؤية، فإن لم نره وشهد شاهدا عدل لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم في أكلها ج 2/ 468
نسكنا بشهادتهما ج 64/ 2
غ
غزونا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ارتحل وقد
ج 2/ 243
فأتوا منه ما استطعتم ج 607/ 2، 614
فهبه له ولك كذا وكذا أمراً ورغبة فيه
فأبى، فقال: أنت مضار .. ج 33/ 3
القابض الباسط هو المسعر ولكن سلوا
الله ج 559/ 2، ج 3/ 207
قاتل الله اليهود، إن الله عز وجل لما
حرم عليهم ج 224/ 4
فأمرها رسول الله أن تأخذ من ماله بغير • قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في الجنب والحائض
إذنه ج 193/ 4
فإن لم يعرف فاستنفقها ولتكن وديعة
والذين لم يكونوا على طهارة لا
يقرؤون القرآن .. ج 179/ 2
عندك، فإن جاء طالبها يوم من الدهر. قال رسول الله لزوجتيه احتجبا،
فادفعها إليه .. ج 3/ 460
فانطلق فحج مع امرأتك ج 502/ 2
فقالتا: إِنَّهُ أعمى لا يبصرنا، فقال رسول
الله: أعمياوان أنتما ج 563/ 2 (4/475)
صفحة 2251
476
القواعد الفقهية عند الإباضية
• قتل الخطأ ديته عشرون حقة وعشرون • كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أباح للعرنيين أن يشربوا من أبوال الإبل وألبانها مع
جذعة ج 290/ 2
قتلوه قتلهم الله ألم يكن شفاء العي الضرورة ج 2/ 467
السؤال ج 2/ 422، 609
كان رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر، فرأى
قد وقع أجرك على الله، وردّ الله عليك زحاماً ورجُلاً قد ظلل عليه، فقال: ما
جاريتك ج 1/ 337 القصد القصد تبلغوا ج 204/ 2
هذا؟ .. ج 227/ 2
• كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يمتنع من قراءة
• قل، قال: إن ابني كان عسيفاً ج 4/ 335 القرآن إلا إذا كان جنباً ج 2/ 180 قلنا: يا رسول الله ننحر الناقة ج 245/ 4 كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخرج من الخلاء. قوا بأموالكم عن أعراضكم وليصانع فيقرئنا القرآن ويأكل معنا اللحم .. أحدكم بلسانه عن دينه ج 347/ 1، ج 2/ 180
ج 3/ 190
كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ القرآن على كل
• قول القاضي شريح في عهد عمر بن حال ما لم يكن جنباً ج 2/ 180 الخطاب الله للغزالين: «سُنتكم بينكم • كان إذا دخل العشر الأواخر من شهر رمضان أيقظ أهله، ورفع المئزر
ربحاً ج 370/ 3
قوموا لا ترقدوا في المسجد، فإنما ج 1/ 448 بنيت المساجد لما بنيت له ج 431/ 2، • كان صلى الله عليه وسلم إذا سافر قصر حتى يرجع
432
• كان ابن عباس الله يقول: إنما كان ذلك
قبل نزول المائدة ج 486/ 2
ج 2/ 240
كان عمر يكره أن يقرأ القرآن وهو جنب
ج 2/ 181
كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم صديق من دَوْس
ج 4/ 225
كان إذا قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم رهط كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا كان الحر أبرد بالصلاة من الفقراء أنزلهم مع أهل الصفة في ج 349/ 2
المسجد .. ج 2/ 432
• كان بين مُصلَّى رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين
الجدار ممر الشاة ج 402/ 3
كانت عائشة تقول: والله ما كان
للنبي
خفان قط، ولا مسح
عليهما .. ج 487/ 2 (4/476)
صفحة 2252
فهرس الأحاديث والآثار
477
كانت الكلاب تبول وتقبل وتدبر زمان • كُلَّ لَحْم نَبَتَ مِنْ سُحْتِ فَالنَّارُ أَوْلَى
ج 321/ 2
ج 1/ 346
• كانت النفساء على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، كُل ما شككت حتى لا تشك ج 58/ 2
به
تقعد بعد نفاسها أربعين يوماً ج 389/ 3 • كل مسكر حرام ج 1/ 82، 224 • كتب عمر بن الخطاب له أن لا • كل المسلم على المسلم حرام دمه
يجلدن أمير جيش ولا سرية أحداً وماله وعرضه ج 2/ 573، ج 34/ 3
بحد حتى يطلع على الدرب .. • كل يد تردّ ما قبضت لها ج 117/ 4، ج 3/ 605
119
• كتبت إلى ابن عباس فكتب إليّ. كلوا وأطعموا وادخروا فإن ذلك العام ج 269/ 4
• كل امرأة طلقها زوجها، فلها النفقة
والسكنى في عدتها ج 81/ 1
كان بالناس جهد فأردت أن تعينوا فيها
ج 3/ 601
• كلوه إن شئتم، فذكاته ذكاة أمه
• كل امرأة لم يكن لها مال فلها عندنا أن ج 4/ 245
تأخذ من صداقها الآجل لما تحج به • كما تحيض النساء ويطهرن لميقات
عن نفسها .. ج 243/ 1
كل أولى بماله حتى الوالد والولد
ج 4/ 185
حيضهن وطهرهن ج 3/ 365
كن عبد الله المقتول ولا تكن عبد الله
القاتل ج 2/ 283، 3، ج 3/ 139
• كل دم عرق فهو نجس بسنة النبي صلى الله عليه وسلم كنا في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم نام في
إلا ما قام دليله ج 258/ 1
• كل راع مسؤول عن رعيته ج 1/ 82،
269
المسجد، ونقيل فيه ونحن شباب لم
نتزوج ج 2/ 430
كنا لا نعد الصفرة ولا الكدرة حيضاً في
• كل شرط ليس في كتاب الله تعالى فهو زمان النبي صلى الله عليه وسلم ج 49/ 2
باطل ج 82/ 1، 222
كنا نأكل في المسجد على عهد رسول
• كل شيء في القرآن (أو)، (أو): فهو الله صلى الله عليه وسلم الخبز واللحم، وهو ينظر، وربما
مخير ج 229/ 1
أكل معنا ج 2/ 433
• كل قرض جر منفعة فلا خير فيه كنا نتحدث أن الغامدية وماعزاً لو رجعا
ج 233/ 1، 339
بعد اعترافهما ج 344/ 4 (4/477)
صفحة 2253
478
القواعد الفقهية عند الإباضية
كنا نصنع للنبي صلى الله عليه وسلم نبيذاً في الليل يشربه لا تتخذوا المساجد مرقداً ج 2/ 430 في النهار، ونصنعه في النهار ويشربه في • لا تجوز الهبة إلّا مقبوضة ج 4/ 255
• لا تخن من خانك ج 103/ 4
الليل .. ج 2/ 466 • كنا نعزل والقرآن ينزل ج 2/ 148، 149. لا تصح الهبة إلا بقبول وقبض. كُنَّا نقعد في النفاس على عهد رسول ج 4/ 252 الله صلى الله عليه وسلم أربعين يوماً إلا أن نرى الطهر • لا تصرُّوا الإبل والغنم فمن ابتاعها قبل ذلك ج 3/ 387 كنت أخدم رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا فرغت
من خدمته آويت إلى المسجد
ج 35/ 4 لا تطهر المرأة من حيضتها حتى ترى
القصة البيضاء ج 383/ 3
فاضطجعت، فكان هو بيتي ج 431/ 2 • لا تطهر المرأة من حيضها حتى ترى • كنت أنام بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم القصة البيضاء ج 48/ 2 ورجلاي في قبلته فإذا سجد غمزني، • لا تقبل صلاة حائض إلّا بخمار، وإن وإذا قام بسطتهما .. ج 130/ 3 صلت وبعض فخدها أو بعض ساقها • كنت في سبي بني قريظة، وكان يُنظر: مكشوفاً فسدت صلاتها ج 621/ 2 فمن خرج شعرته قتل، ومن لم تخرج • لا تقبل صلاة من أحدث حتى يتوضأ. وفي رواية: لا يقبل الله صلاة ج 2/ 90،
استحيى ولم يقتل ج 2/ 470
كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم فتوضأ فأهويت
لأنزع خفيه فقال: دعهما فإني أدخلتهما
طاهرتين فمسح عليهما ج 2/ 488
لا تقطع اليد في عذق ولا عام ج 229/ 1
• لا تمنعوا إماء الله - النساء ـ مساجد الله
• كيف ترون قواعدها وبواسقها ج 51/ 1 ج 616/ 3
ل
لا تواء على مال امرئ مسلم ج 2/ 581
لا ثواب إلا بنية ج 1/ 221
لا بأس أن يصانع الرجل عن نفسه. لا خلاط ولا وراط ج 1/ 490، 506
وماله إذا خاف الظلم ج 1/ 347
لا تبع ما ليس عندك ج 2/ 550
لا رضاع بعد فصال ج 3/ 527
لا شريك له ج 1/ 425
لا تبغضوا الله إلى عباده، يطوّل أحدكم في. لا صيام لمن لم يبيت النية من الليل
صلاته حتى يشق على من خلفه ج 2/ 232 ج 412/ 1، 440 (4/478)
صفحة 2254
فهرس الأحاديث والآثار
479
• لا ضرر ولا ضرار. وفي رواية: لا ضرر لا
يتم
الصدقة إلّا بالقبض ج 256/ 4
ولا ضرار في الإسلام ج 1/ 24، 200،. لا يجمع بين المرأة وعمتها ولا المرأة
221، ج 2/ 161، 165، 454، 455،
521، ج 6/ 3، 8،
،17، 26، 27،10
،89،81،77،51،34،31،28،112،109، 105، 102، 98،96
1، 146، 25023، 122، 121،115
وخالتها ج 1/ 518
• لا يحتكر إلا خاطئ ج 204/ 3
• لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر مسيرة يوم وليلة إلا معها
محرم ج 502/ 2
لا ضمان على مؤتمن ج 98/ 4، 104 • لا يحل لامرئ من مال أخيه إلا ما
لا طاعة في معصية الله، إنما الطاعة في طابت به نفسه ج 572/ 2
المعروف ج 3/ 360
• لا يحل للرجل أن يعطي فيرجع
لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق ج 169/ 4 ج 1/ 269
لا طلاق في إغلاق ج 1/ 225
لا عِرْق ولا عرق لغاصب ج 4/ 210،
213
لا فيء إلا في الجماع ج 1/ 230
لا قضاء على المغمى عليه ج 2/ 332،
368
• لا يحل لمسلم أن يحمل إلى عدو المسلمين سلاحاً يقويهم به على
المسلمين .. ج 1/ 234
لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفس ج 2/ 478 572، 580، ج 3/ 175،
340
لا يخلون رجل بامرأة إلا ومعها محرم
لا وصية لوارث ج 225/ 1، 243، ج 502/ 2
335، 494
• لا يرث القاتل قتيله ج 523/ 1
لا وضوء إلا من صوت أو ريح ج 37/ 2 • لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن
لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله على ج 2/ 288
وضوءه ج 1/ 318
لا يبيع حاضر لباد ج 3/ 81
لا يصلح الناس إلّا بذلك ج 38/ 3
لا يصلح للناس إلا هذا ج 4/ 135
• لا يبيعن أحدكم ثمرته سنين، ومن باع. لا يعذب الله بدمع العين، ولكن يعذب ثمرته فأصاب جائحة فهي من ماله .. بهذا، وأشار إلى لسانه ج 388/ 2
ج 87/ 3
ج 3/ 581 (4/479)
صفحة 2255
480
القواعد الفقهية عند الإباضية
لا يغلق الرهن، لصاحبه غنمه ج 39/ 4،. لأنها مساكن إخوانكم من الجن
343،47،41 40
لا يقاد والد لولده ج 381/ 4
ج 116/ 3
لعلك قبلت أو غمزت؟ ج 332/ 4
• لا يقبل الله صلاة بغير طهور ج 2/ 626 • لعلك قبَّلت لعلك لمست، لعلك
لا يقتل بالإشارة ج 589/ 3
غمزت ج 4/ 370
• لا يقتل مسلم بكافر ولا مجنون بعاقل. لعن الله آكل الربا وموكله، وكاتبه ج 4/ 380
• لا يقتل الوالد بالولد ج 213/ 3 لا يقرأ القرآن، ولا حرفاً واحداً ج 224/ 4
ج 2/ 181
ج 4/ 225
• لعن الله الخمر وشاربها وساقيها
• لعن الله الراشي والمرتشي ج 346/ 1،
• لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم المتشبهين من
• لا يقرؤون القرآن ولا يطؤون مصحفاً 347، ج 3/ 189، 190
ج 2/ 179
لا يقطع رجل مالاً بيمين إلا ج 309/ 4 الرجال بالنساء والمتشبهات من النساء لا يقطع فإنه إنما أقر بعد ضربه بالرجال ج 373/ 1
ج 231/ 1
لعن رسول الله المحلل والمحلل له
لا يلبس المخرم القميص ولا السراويل ج 1/ 481
ولا البرنس، ولا الخفين .. ج 546/ 2
لقد تابت توبة لو تابها ج 336/ 4
لا ينبغي للإمام أن يعطل الحدود. للمنخرين للمنخرين (أي: كبه الله
ج 4/ 384
للمنخرين) أفي شهر رمضان وولداننا
لا ينفتل - أو لا ينصرف ـ حتى يسمع صيام؟ ج 3/ 604 صوتاً أو يشم ريحاً ج 28/ 2
• لما كان عهد عمر بن الخطاب.
لا ينفع عمل إلا بعمل، ولا ينفع قول شاور الناس في جلد شارب الخمر ..
ج 3/ 604
وعمل إلا بنية ج 403/ 1 لأن أعطل الحدود بالشبهات أحب إليّ لما نحر البدنات قال من شاء من أن أقيمها في الشبهات .. ج 229/ 1 اقتطع ج 1/ 462
• لأن فيه تصاوير، وقد قال فيه. لما نزلت آية الاستئذان قالوا: كيف رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قد علمتم ج 2/ 178
ج 4/ 197 (4/480)
صفحة 2256
فهرس الأحاديث والآثار
481
له غنمه وعليه غرمه ج 40/ 4 لو أدرك رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أحدث النساء
لمنعهن المسجد كما منعه نساء بني إسرائيل ج 3/ 616
ليس على المستودع ضمان ج 4/ 98، 104. ليس لعرق ظالم حق ج 226/ 1، ج 8/ 4، 36، 206، 207، 208،
213،212،210
• لو أعطى الناس بدعواهم لاستحل قوم • ليس لعرق غاصب حق ج 36/ 4، 88 دماء قوم وأموالهم، ولكن البينة على من. ليصل من شاء منكم في رحله ج 2/ 345 ادعى وعلى المنكر اليمين ج 473/ 3،
ج 4/ 180
لو أن ثوبك هذا كان في تنور أهلك. ما أسكر كثيره فقليله حرام ج 1/ 224. ما أحل الله في كتابه فهو حلال، وما
لكان خيراً لك ج 448/ 1 • لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت حرم فهو حرام، وما سكت عنه فهو عافية، فاقبلوا من الله عافيته ج 2/ 154
يدها ج 2/ 210
• لو دعيتُ إلى دَاع لأجبتُ ولو أُهدِيَ، ما جعل الله شفاء أمتي فيما
إلى لقبلت ج 452/ 3
لو علم رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أحدثت النساء
بعده لمنعهن المساجد ج 236/ 3
ج 2/ 467
حرم
عليهم
ما خلا رجل بامرأة إلا كان الشيطان
ثالثهما ج 3/ 184
لو كنت استقبلت من أمري ما استدبرت • ما خير رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أمرين
ما غسل النبي صلى الله عليه وسلم غير نسائه ج 104/ 2
أحدهما أيسر من الآخر، إلّا اختار
لو يعطى الناس بدعواهم لادعى ناس أيسرهما ج 226/ 2
ج 269/ 4
• ما رآه المسلمون حسناً فهو عند الله
لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم حسن. وفي رواية: ما رآه المؤمنون حسناً
بالسواك عند كل صلاة ج 202/ 2،
340، 395
لولا أن شق على المؤمنين ج 227/ 2
ج 1/ 31، 230، ج 354/ 3، 356
• ما روي من حديث أنس حين ذكر صلاة
رسول الله صلى الله عليه وسلم أم به هو والعجوز، وهي
• لولا أني شقتُ الهدي لأحللت ج 442/ 2 جدته مليكة .. ج 2/ 415 ليس على المستعير غير المغل ضمان. ما زال المسلمون يصلون في جراحاتهم
ج 4/ 103، 118
ج 322/ 2 (4/481)
صفحة 2257
482
القواعد الفقهية عند الإباضية
• ما شأن الناس ـ وهي تصلي ـ فأومأت معها سقاؤها وحذاؤها، ترد الماء وتأكل العشب حتى يلقاها ربها ج 606/ 3
ج 2/ 388
• ما مسح رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد المائدة المقتول دون ماله شهيد ج 246/ 3
ج 2/ 487
ملعون من آذى المسلمين في طرقاتهم
ما نهيتكم عنه فاجتنبوه، وما أمرتكم به ج 3/ 112
فافعلوا منه ما استطعتم .. ج 606/ 2
• الماء والنار والملح ج 349/ 3
ملعون من أبدى عورته للناس، لعن الله
الناظر والمنظور إليه ج 196/ 3
مثل الرجل يعطي العطية ثم يرجع فيها، من ابتاع طعاماً فلا
كمثل الكلب ج 4/ 169
ج 459/ 1
يبعه حتى يقبضه
مثل القائم على حدود الله، والواقع فيها من أجبَى فقد أربى ج 512/ 1
كمثل قوم استهموا على سفينة ..
ج 3/ 204
من اجتهد وأخطأ فله أجر ج 2/ 291
من احتكر فهو خاطئ ج 35/ 3
• مر رسول الله صلى الله عليه وسلم بتمرة في الطريق. من أحدث حدثاً أو آوى محدثاً فعليه
فقال: لولا أن أخشى أن تكون من لعنة الله ج 3/ 110
من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو
الصدقة لأكلتها ج 369/ 3، 464
مروا أولادكم بالصلاة وهم
أبناء
سبع
رد ج 1/ 226
سنين واضربوهم عليها
وهم
أبناء عشر
(سنين) ج 1/ 416
من أحيا أرضاً ميتة فهي له ج 207/ 4
من أحيا أرضاً مواتاً ج 4/ 207
• مزق الله رؤوسهن وأتفل ريحهن • من أدرك من العصر ركعة فقد أدرك
ج 229/ 4
الصلاة ج 323/ 1
• المسلم أخو المسلم لا يضره ولا يغره • من استأجر أجيراً فليسم له أجره ولا يخدعه ولا يمكر به ولا يخونه ولا ج 554/ 2
يغشه ج 3/ 82
• المسلمون على شروطهم. وفي رواية المؤمنون على شروطهم ما وافق الحق
من استعملناه على عمل فرزقناه رزقاً،
فما أخذه بعد ذلك فهو غلول ج 348/ 1
من استودع وديعة فلا ضمان عليه
منها، أو إلّا شرطاً أحل حراماً أو حرم ج 351،98/ 4 حلالاً .. ج 276/ 1، ج 3/ 75
• مطل الغني ظلم ج 227/ 1
من أسلف في شيء فليسلف في كيل
معلوم .. ج 2/ 550، ج 3/ 367 (4/482)
صفحة 2258
فهرس الأحاديث والآثار
483
من أسلم فليسلم في كيل معلوم وضرب من بنى الله مسجداً بنى الله له بيتاً في
550
معلوم إلى أجل معلوم ج 2/ 50
الجنة ... وفي رواية بزيادة: (يبتغي به
من اشترى شيئاً لم يره فله الخيار إذا رآه وجه الله ج 1/ 422، 461
ج 599/ 3
من ترك الختان من الرجال فلا صلاة له
من أشراط الساعة بيع الحكم وقطيعة ولا تزويج ولا يؤكل له ذبيحته ج 243/ 1 الرحم، والاستخفاف بالدم، وكثرة. من تطبب ولم يكن بالطب معروفاً، فأصاب الشروط، وأن يتخذ القرآن مزامير يقدمون
نفساً فما دونها فهو ضامن ج 35/ 3
أحدهم ليس بأقرئهم ولا بأفضلهم إلا من تعلم عِلْماً مما يتبغي به وجه الله
عزَّ وجلَّ ج 423/ 1
ليغنيهم به غناء .. ج 1/ 337 من أصبح بجنابته وهو صائم من غير من جامع امرأته في حيضها فقد أتى ذنباً عمد بتأخيرها كان عليه قضاء يومه عظيماً ج 106/ 3
ج 1/ 258
من جمع بين الصلاتين في الحضر
من حلف على يمين فرأى غيرها خيراً
من حلف على يمين يستحق بها مالاً
من اطلع في بيت قوم بغير إذنهم، فقد ج 346/ 2 حل لهم أن يفقئوا عينه ج 469/ 2. من اطلع في بيت قوم بغير إذنهم ففقئوا منها ج 2/ 404 عينه فلا دية ولا قصاص ج 469/ 2 • من أعتق شقصاً له في عبد قوم له ج 269/ 4
ج 34/ 4
من اغتصب شيئاً من الحيوان كائناً ما
من خاف على نفسه الموت إن اغتسل أو توضأ فعليه بالصعيد ج 590/ 2 من رأى منكم منكراً فليغيره بيده فإن لم
كان ج 216/ 4. من أغمي عليه في حال صومه ج 2/ 371 يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه من إقرار رسوله: قول حسان ج 608/ 2، 632
لعمر ما: كنت أنشد فيه، وفيه من هو. من رجع إلى بلده ولم يطف طواف
خير منك ج 2/ 149
من
الوداع فعليه دم ج 1/ 242
التقط لقطة يسيرة درهماً أو حبلاً أو. من زرع في أرض قوم بغير إذنهم شبه ذلك، فليعرفه ثلاثة أيام فإن كان ج 4/ 208
فوق ذلك فليعرفه سنة ج 458/ 3
• من زنى بإمرأة ثم تزوجها فهما زانيان
من أنظر معسراً أو وضع عنه ج 393/ 2 أبداً ج 503/ 1 (4/483)
صفحة 2259
484
القواعد الفقهية عند الإباضية
من سرق صغيراً فإنه يقطع، ومن سرق. من لبس الحرير في الدنيا لم يلبسه في كبيراً فإنه لا يقطع ج 243/ 1
الآخرة ج 2/ 544
من شرق منه شيء أو ضاع منه فوجده. من لم يجد النعلين فليلبس الخفين، ومن
ج 4/ 28، 187
من سلك طريقاً يبتغي فيه علماً سلك به ج 545/ 2
طريقاً إلى الجنة ج 1/ 424
من السنة إذا كان يوم مطير أن ج 347/ 2
لم يجد إزاراً فليلبس السراويل، للمخرم
من مات من أمتي وهو يشرب الخمر
الله عليه شربها في الجنة ..
حرم
من شك في النقصان فليأت بما بقي حتى ج 1/ 373
من مس ذكره فليجدد الوضوء ج 389/ 1
يشك في الزيادة ج 58/ 2 من ضار ضارّه الله، ومن شاق شق الله من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا
عليه يوم القيامة ج 3/ 27
من ضحى منكم فلا يصبحن بعد ثلاثة
ويبقى في بيته منه شيء ج 3/ 601
من عمل عملاً أشرك فيه غيري فهو له كله، وأنا أغنى الشركاء عن الشرك
ج 314/ 1، 426
من غشنا فليس منا ج 102/ 3
ذكرها ج 453/ 1، ج 2/ 365
من
نفس عن غريمه أو محا عنه
ج 2/ 393
من وجد من سقط المتاع فلينتفع
ج 4/ 128
المنفق في الحج كالمنفق في سبيل الله
الدرهم بسبعمائة ج 1/ 332
به
من فاته حضور ليلة من ليالي منى فعليه المؤمنون تتكافأ دماؤهم، ويسعى بذمتهم
دم ج 1/ 242
أدناهم، وهم يد على من سواهم
• من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو ج 223/ 1 في سبيل الله ج 1/ 305
• من قتلك؟ فلان - لغير الذي قتلها ـ فأشارت
برأسها أن لا ج 389/ 2، ج 3/ 587
من قضى حاجته تحت شجرة مثمرة، أو على ظهر نهر جار، أو على طريق عامر
ج 3/ 115
الْمُؤْمِنونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ ج 3/ 75 المنيحة مردودة، والعارية مؤداة، والدين
مقضي، والزعيم غارم ج 223/ 1
ن
النساء ناقصات عقل ودين ج 2/ 380
من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يلبس. نعم أتحب أن تراها عريانة ج 4/ 196
حريراً ولا ذهباً ج 1/ 372
النفساء تعتد أربعين يوماً ج 3/ 390 (4/484)
صفحة 2260
فهرس الأحاديث والآثار
485
نهانا أن نستقبل القبلة بغائط أو ببول
ج 2/ 342
نهى يوم خيبر عن لحوم الحمر الأهلية، وأذن في لحوم الخيل ج 462/ 2
نهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن لباس الحرير إلا. نهيه صلى الله عليه وسلم أن يبول أحد في الماء الدائم
موضع أصبعين ج 566/ 2
ج 2/ 328
نهى أن تتلقى الأجلاب، وأن يبيع • نية المؤمن خير من عمله ج 303/ 1،
حضري لباد ج 80/ 3
• نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع الثمار حتى
404
يبدو صلاحها ج 84/ 3
نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كل ذي ناب من
هل جامعتها؟ قال: نعم ج 4/ 332
السباع، وعن كل ذي مخلب من الطير • هل لك إبل؟ قال: نعم، قال ج 4/ 370
ج 2/ 462
هلا تركتموه ج 4/ 332
نهى عن البيع بالمنابذة ج 319/ 3. هن لهم في الدنيا، وهي لكم في الآخرة
عن بيع ما لم يضمن ج 4/ 15
نهى عن بيع
المحاقلة ج 3/ 88
ج 545/ 2
هو لك يا عبد الله بن عمر تصنع به ما
هي لك وهي مال الله يؤتيه من يشاء
• نهى عن البول والغائط في الأجحر شئت ج 1/ 461
ج 3/ 116
نهى عن بيع الغرر والخداع والغش في ج 459/ 3
البيع ج 79/ 3
نهى عن صوم يوم الشك ج 2/ 61
و
• نهى عن الوصال، قالوا: إنك تواصل، والذي نفسي بيده لأقضين بينكما بكتاب قال: إني لست كهيئتكم، إني أطعم الله ج 4/ 335
وأُسقى ج 231/ 3
وَالنَّظَرُ إِلَى ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ج 76/ 3
نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن بيع الثمار حتى تزهو، وإن لزوجك عليك حقاً ج 346/ 3
فقيل له: يا رسول الله وما تزهو؟ قال:. وإنما أشهد الله على من وليناه شيئاً من
تحمر ج 3/ 84
أمور المسلمين قل أو كثر فلم يعدل
نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن بيعتين في بيع ج 473/ 1 ج 3/ 261
نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الشرطين في البيع وجدت في الأثر أن إبراءه من الدين
ج 473/ 1
وإقراره بالمال للوارث ج 2/ 267 (4/485)
صفحة 2261
486
القواعد الفقهية عند الإباضية
• يا معشر الناس من يدعي علي.
وددت لو أنك قبضتيه وهو اليوم ج 257/ 4. ورجل دعته امرأة ذات حسن وجمال فقال: ج 299/ 4 إني أخاف الله رب العالمين ج 1/ 419
• الوزن وزن أهل مكة، والمكيال مكيال
أهل المدينة ج 358/ 3
حقاً
يا وابصة استفت نفسك .. ج 364/ 3،
379، 461
يُبعث الناس على نياتهم ج 309/ 1
وسكت عن كثير من غير نسيان فلا. يتناوله تناولاً ج 328/ 2 تتكلفوها رحمة لكم فاقبلوها ج 2/ 154. يجزيك طواف وسعي ج 401/ 2
وعاؤها ووكاؤها ج 363/ 3، 461
يجزيك لحجك وعمرتك طواف وسعي
وعليكم برخصة الله التي رخص لكم ج 2/ 402
ج 2/ 227
الولد للفراش ج 1/ 225
ج 3/ 357
يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب
ج 3/ 199
ولهن رزقهن وكسوتهن بالمعروف • يدع شهوته وطعامه من أجلي ج 371/ 2. يدع ما يريبه إلى ما لا يريبه ج 2/ 190. وما ضرك لو مت قبلي فقمت عليك يروى عنه في خروج النساء إلى فغسلتك وكفنتك وصليتُ عليك ودفنتك الجنائز أنهن يرجعن من الوزر بمثل ما
ج 2/ 105
ي
• يا خالد لقد تابت توبة لو ج 336/ 4 • يا صاحب الحوض لا تخبرنا، فإنا نرد السباع وترد علينا ج 2/ 231
يرجع الرجال من الأجر ج 1/ 379 يريد أن يلقى الله وليست عليه ظلامة
لأحد .. ج 3/ 208
يسروا فإن الله يحب اليسر .. ج 54/ 2 اليسير في الصداق دليل على يُمْنِه ج 470/ 3 يطهره ما بعده ج 321/ 2
يمينك على ما يصدقك عليه صاحبك
• يا صاحب الميزاب لا تخبرنا ج 2/ 231. يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي ج 446/ 1 فلا تظالموا ج 29/ 3
يا عمرو: ولم فعلت ذلك؟ ج 421/ 2،
587
ينضح بول الصبي، ويغسل بول الجارية ج 2/ 414
يوم كنتم في الجاهلية أذلاء تعبدون غير • يا فلان أما علمت أن الله حرمها؟ الله تحملون الكل، وتفعلون في أموالكم
ج 225/ 4
المعروف .. ج 3/ 367 (4/486)
صفحة 2262
فهرس القواعد الفقهية والأصولية
487
، الأجر والضمان لا يجتمعان ج 1/ 136،
• الإباحة الأصلية، أو قاعدة الإباحة ج 4/ 8، 141، 144، 148 الأصلية، أو يبقى الأمر على البراءة • الأجر والضمان يجتمعان، فالضمان
الأصلية .. ج 2/ 98، 169
يجب بالغضب ج 4/ 148
إباحة التخفيف واليسر للأمة عند وجود. الإجماع لا يزول بالشك ج 8/ 2
المشقة ج 199/ 2، 421
إباحة شيء للاضطرار لا ينافي الضمان
لأن أموال الناس مصونة ج 2/ 596
الأجير لا يضمن إلا بالتعدي على الأمانة أو التقصير في حفظها ج 38/ 3
احتمال أخف المفسدتين لدفع
الأبدال ترتفع بوجود المبدل منه، أو أعظمهما أو لدفع أقواهما ج 151/ 3 الأبدال يرتفع حكمها بوجود المبدل. الأحكام تعلل بالأغراض ج 1/ 264 منه، أو إذا وجد الأصل بطل البدل، أو. الأحكام منوطة بغايات الأمور ومقاصدها لا بالألفاظ والعبارات الأبدال المتفق عليها أنه يرتفع جميع حكمها بوجود المبدل منه ج 1/ 265، ج 276/ 1
ج 531،529/ 2
الأبوال كلها نجسة ج 1/ 97
الإجازة لا تلحق الإتلاف ج 4/ 184
الإدلال والتعارف أمارة للرضا ج 503/ 3
إذا اتسع الأمر ضاق ج 453/ 2
إذا اجتمع أمران من جنس واحد، متفقا
• الإجازة اللاحقة كالوكالة السابقة القصد، دخل أحدهما في الآخر غالباً
ج 4/ 183
ج 1/ 162
الاجتهاد لا ينقض بالاجتهاد، أو. إذا اجتمع الحلال والحرام أو المبيح الاجتهاد لا ينقض بمثله أو بالاجتهاد والمحرم غلب الحرام ج 161/ 1، ج 1/ 114، 147، 161، 169
ج 250/ 3 (4/487)
صفحة 2263
488
إذا اجتمع السبب أو الغرور والمباشرة
قدمت المباشرة ج 163/ 1
القواعد الفقهية عند الإباضية
إذا تعارضت المصالح والمفاسد قدم
الأرجح منها على المرجوح ج 3/ 221
• إذا اجتمع ضرر أسقط الأصغر للأكبر، إذا تعارضت المصلحة العامة
ج 3/ 151
مع
المصلحة الخاصة ترجح العامة على
• إذا اجتمع المباشر والمتسبب يضاف الخاصة .. ج 202/ 3
الحكم إلى المباشر ج 61/ 4، 65
أحدهما
• إذا تقابل في المرأة حل وحرمة غلب
جانبها ج 2/ 188
إذا زال القبض بطل الرهن ج 1/ 166
• إذا اختلف الجنسان جاز بيع بالآخر مطلقاً ج 1/ 94 إذا اختلف الراهن والمرتهن فالقول. إذا زال المانع عاد الممتنع ج 1/ 100،
قول الراهن ج 1/ 234
إذا أمكن دفع الضرورة بأخف الأمرين
ج 459/ 2، 530
إذا زالت الضرورة قبل تمام الصلاة
حرمة فلا يتعدى إلى أشدهما في ذلك أعادها لاستحالة وجود الضرورة
ج 3/ 166
والقدرة ج 1/ 259
إذا سقط الأصل سقط الفرع
• إذا بطل الأصل يصار إلى البدل. أو إذا تعذر الأصل يصار إلى البدل ج 2/ 195، ج 2/ 633
453، 599،583
إذا شككت في الوضوء قبل الصلاة
ج 1/ 233
• إذا ترك المسلمون النكير على الإمام فتوضأ، وإذا شككت وأنت في الصلاة حكمه في حادثة كان أثراً يعمل به، أو بعد الصلاة، فلا تُعِد تلك الصلاة ويعتمد عليه ج 1/ 517 إذا تعارض المانع والمقتضى يقدم إذا ضاق الأمر اتسع ج 453/ 2 المانع، أو يقدّم المانع على المقتضى .. إذا كان جزء هذا الواجب عبادة لزمه ج 3/ 5، ه، 123، 250. إذا تعارض مفسدتان روعي أعظمهما ضرراً • إذا لم يعمل ما أمر به بقصد واختيار لم بارتكاب أخفهما أو إذا تعارضت مفسدتان يُسمّ مطيعاً ج 1/ 260، 281 روعي أعظمهما بارتكاب أخفهما .. . إذا لم يكن دليل لا من كتاب ولا من
6
ج 1/ 122، 140، ج 3/ 5، 123، 148،
191،187،186، 183، 175، 157
الإتيان به ج 2/ 605
سُنَّة ثابتة يبقى الأمر على البراءة الأصلية
وهي الإباحة ج 2/ 180 2/ 180 (4/488)
صفحة 2264
فهرس القواعد الفقهية والأصولية
489
إذا مس الختان فقد وجب الغسل. الإشارة من الأخرس كالكلام من
ج 1/ 237
صاحب اللسان، أو إشارة الأبكم
• إذا وجدت العلة وجد الحكم، وإذا
ککلامه ج 3/ 577
زالت العلة زال الحكم ج 1/ 100، الاشتغال بغير المقصود إعراض عن
355
المقصود ج 1/ 165
الإذن الشرعي لا يجتمع مع الضمان • الأشياء إذا افترقت وجب لكل واحد منها حكم، وإذا اجتمعت كان حكمها
ج 164/ 4
واحداً ج 1/ 97
ارتكاب أخف الضررين ج 238/ 4 الاستثناء في اليمين ينفع في المستقبل. الأشياء على أصولها حتى يصح تحولها لا في الماضي .. ج 1/ 274، ج 212/ 2 بما لا شك فيه ولا ريب ج 102/ 2 الاستحسان عند الإباضية بأنه. الأشياء على أصولها حتى ينقلها ناقل العدول عن قياس إلى قياس أقوى» عنها ج 2/ 88
ج 329/ 3
• الأصل إبقاء العموم على عمومه وإبقاء استصحاب الأصل ج 79/ 2، 90، 92، النص على حاله حتى يرد المخصص للعموم أو الناسخ للمنصوص ج 83/ 2
ج 3/ 272
استصحاب الأصل حجة في بقاء ما كان • الأصل إضافة الحادث إلى أقرب على حاله الأول من غير أن يزاد حكماً أوقاته. أو إلى أقرب زمن أو الأصل
آخر ج 2/ 85
الاستصحاب حجة للدفع والاستحقاق معاً ج 2/ 84
الاستصلاح ج 329/ 3
في كل حادث تقديره بأقرب وقت. أو الحادث يحال بحدوثه إلى أقرب
60
الأوقات .. ج 2/ 5، 80، 139، 140،
استعمال الناس حجة يجب العمل به. الأصل الذي تبني عليه المرأة حيضها ونفاسها؛ أما في الحيض فالصحيح
ج 128/ 1
• الإشارة المعهودة للأخرس كالبيان يومان، وأما في النفاس فثلاثة
ج 76/ 1
باللسان ج 3/ 266، 508، 548، 577 الإشارة المعهودة من الأخرس كالبيان. الأصل أن جواب السؤال يمضي على
باللسان ج 3/ 547
ما تعارف كل قوم في مكانهم ج 338/ 3 (4/489)
صفحة 2265
490
القواعد الفقهية عند الإباضية
الأصل أن الخبر المروي عن النبي صلى الله عليه وسلم كان عليه ج 1/ 35، 271، ج 2/ 40،5،
مقدم على القياس الصحيح ج 76/ 1
60
،104،101،99، 97،87،80،79
1+ V 61+7
الأصل أن السؤال والخطاب يمضي على ما عم وغلب، لا على ما شذ ونذر. أصل بني آدم الحرية والرق طارئ ... ج 3/ 338، 510
ج 1/ 76، 271، ج 2/ 88، 134
الأصل أن الظاهر يدفع الاستحقاق ولا. الأصل التحريم في القتل والوطء
يوجبه ج 2/ 84
ج 1/ 69، ج 2/ 88
• الأصل أن لا فرض على الإنسان حتى. أصل الحيوان التحريم حتى يحلها التذكية الشرعية ج 69/ 1، 271، ج 2/ 88
تصح
الدلالة على إيجاب الفرض عليه
ج 1/ 272
• أصل الدم النجاسة ج 69/ 1، 271،
• الأصل براءة الذمة، أو الأصل براءة ج 2/ 88 ذمة الإنسان أو في الإنسان، قاعدة • الأصل العدم. أو براءة الذمة ج 123/ 2،
براءة للذمة، وهذا الأصل يعمل به إذا
131،129
كان لا يتعارض مع حكم الظاهر .. . الأصل عدم الوطء ج 2/ 138 ج 76/ 1، 78، 168، 272، 275،. أصل الفروج التحريم حتى يحلها واحد من أوجه أحكام التحليل ج 69/ 1،
ج 2/ 5، 21، 80، 107، 109، 110،
،118،117،116،114
146،133،125
،121
الأصل براءة ذمته من الحقوق وبراءة
271، ج 2/ 88
• الأصل في الأبضاع التحريم ج 2/ 184،
195،189،188،186
جسده من القصاص والحدود والتعزيرات، • الأصل في الأحكام الشرعية التقيد
وبراءته من الانتساب إلى شخص معين،
بالدليل ج 220/ 1
ومن الأقوال كلها والأفعال بأسرها. الأصل في الأشياء الإباحة، أو الأصل
ج 2/ 112
الأصل براءة المتهم ج 122/ 2
فيها الحل، إلا ما دل دليل على حرمته.
أو ما لم يثبت دليل الحرمة. أو
• الأصل بقاء ما كان على ما كان حتى بالتحريم. أو حتى يثبت النهي. أو حتى يثبت خلافه، أو قاعدة الأصل بقاء ما يثبت الحظر والمنع أو حتى يصح كان على ما كان أو بقاء ما كان على ما المنع بوجه لا معارض له، ودليل غير (4/490)
صفحة 2266
فهرس القواعد الفقهية والأصولية
491
محتمل للتأويل .. ج 35/ 1، 67، 78،. الأصل في الأمور العارضة أو الصفات
491، ج 5/ 2، 81،
العارضة العدم .. ج 1/ 168، ج 2/ 5،
6101 6100
،162، 163، 166، 169، 171، 176
،187،18،179،178،177
ج 521/ 3
136،133،131،129،80
• الأصل في البيع اللزوم، والخيار شرط
زائد عليه ج 2/ 132
الأصل في الدماء التحريم، أو الحرمة،
• الأصل في الأشياء إبقاء ما كان ولا. الأصل في الحيوان الحرمة ج 78/ 1 تغيير إلا لسبب مشروع ج 266/ 1. الأصل في الأشياء التحريم. أو الأصل أو المنع ج 2/ 184، 192 في الأشياء الحرمة. أو الحظر، إلا ما. الأصل في الذبائح التحريم، أو الحرمة دل دليل على إباحته أو الأصل فيها ج 2/ 21، 184
التحريم حتى يدل الدليل على الإباحة .. ج 1/ 69، ج 2/ 150، 156، 157،
161
الأصل في ذلك أن جميع ما يحتاج إليه الرهن مما يكون فيه هلاكه عند الترك،
إذا فعله المرتهن بماله عند امتناع الراهن
ذلك، فإنه يدركه عليه ج 94/ 3
الأصل في الأشياء الطهارة. أو الأصل من في الأحكام أن الأشياء على طهارتها ما. الأصل في العام أن يتناول جميع ما
لم يثبت بالنظر غير ذلك ج 67/ 1،
ج 37/ 2، 92
يصلح له، وهذا هو المتيقن ولا يصرف
عنه إلى الخصوص ما لم يقم دليل عليه
الأصل في الأشياء العارضة العدم ج 21/ 2
ج 2/ 184
• الأصل في العلل أن يستخرج الحكم
الأصل في الأشياء والأعيان الإباحة ما بموجبها من غير الموضع الذي لم يرد نص بالإلزام أو المنع ج 2/ 147، استخرجت منه وأن يتعداه ج 71/ 1
184
الأصل في العقود الإباحة ما لم يرد
الأصل في الأشياء والأعيان الحظر دليل على تحريمها أو بالمنع ج 2/ 175 حتى يثبت دليل الإباحة ج 2/ 162 • الأصل في الفرائض براءة الذمة منها لا. الأصل في الأموال الحرمة. أو الحظر، فرض إلا بثبوت الشرع عليه، فمن ادعى ولا يجوز إباحتها إلا بدليل موجب شغلها فعليه الدليل، ومن نفاه بعد ثبوته لذلك ج 1/ 157، ج 2/ 184، 185
فعليه الدليل ج 2/ 110 (4/491)
صفحة 2267
492
القواعد الفقهية عند الإباضية
الأصل في كل ثابت إباحته بقاؤه على. الاضطرار حكم يخالف الاختيار
ج 556/ 2
حاله ج 98/ 2. الأصل في الكلام الحقيقة ج 1/ 274، • الاضطرار لا يبرر أخذ مال الغير بغير
ج 2/ 21
الأصل في المنافع الإباحة ج 2/ 155. الأصل في المياه الطهارة، أو أصل الماء
حق ج 2/ 596
الاضطرار لا يبطل حق الغير ج 2/ 195،
453، 596،484
الطهارة ج 1/ 69، 168، ج 2/ 21، 88،. اعتبار شرع من قبلنا شرع لنا إذا لم يرد
414، ج 3/ 517
في شرعنا ما ينسخه ج 156/ 4
الأصل في الناسي في الشرع أنه معفو. إعمال الكلام أولى من إهماله عنه إلا أن يقوم الدليل على غير ذلك ج 1/ 162، 168
ج 390/ 1
• إقرار الأب على ابنه الطفل (غير البالغ)
الأصل في النكاح الحرمة والحظر، جائز، أما إقراره على ابنه البالغ
وأبيح لضرورة حفظ النسل ج 186/ 2
فلا يجوز ج 1/ 266
• أصل المنافع التحليل، وأصل المضار • الإقرار حجة قاصرة على المقر، والبينة التحريم ج 2/ 161 حجة متعدية ج 214/ 4، 324، 337. أصل النكاح الإباحة حتى يحظره • أقصى مدة الحيض خمسة عشر يوماً، وأن التحريم ج 1/ 69، 271، ج 2/ 88 أقل الطهر خمسة عشر يوماً ج 90/ 2
الأصل هو حمل الأمر المطلق على • أقل الحيض ثلاثة أيام وأكثره عشرة أيام الوجوب حتى يدل الدليل على الندب ج 166/ 1
ج 70/ 1
الإكراه نوع من الاضطرار، فينبغي
الا
أصلها [العلل] أن يوجب الحكم في يعطى أحكامه في صحة الترخص
سائر ما وجدت فيه ج 71/ 1
ج 2/ 474
أصلهم (بني آدم الجهل والعلم حادث. الإكراه يبطل العقد ج 1/ 127
لهم ج 271/ 1
أصلهم الحياة والموت حادث عليهم ج 1/ 168
ج 271/ 1
• ألفاظ الواقفين تُبنى على عرفهم
• الله عز وجل لا يقبل الطاعة ممن أطاعه
أصلهم العدم والفناء حادث لهم ج 1/ 271 إلا بالنية ج 260/ 1، 281 (4/492)
صفحة 2268
فهرس القواعد الفقهية والأصولية
493
• أُمّ الأم أولى من أم الأب، والخالة أولى، الأمين مصدق باليمين ج 9/ 4، 261،
من العمة، والعم أولى من الخال
ج 1/ 244
351، 353، 354، 356
إن جميع ما كان فيه إصلاح الصلاته
الأمر بالتصرف في ملك الغير باطل يشتغل به إذا شغله عن صلاته
ج 4/ 8، 181
ج 3/ 132
الأمر للوجوب ج 1/ 56، 106، 108،. إن ما أوجبه الله تعالى ورسوله أو جعله شرطاً للعبادة، أو ركناً فيها، أو وقف
110
الأمر يبقى على الإباحة الأصلية حتى صحتها عليه، فهو مقدّر بحال القدرة
يثبت خلافه ج 2/ 180
ج 602/ 2
• الأموال مضمونة في الخطأ والعمد أن النية إنما تؤثر في الطاعات والمباحات دون المعاصي والسيئات
ج 4/ 48
• الأمور بمقاصدها .. ج 14/ 1، 22، ج 404/ 1
،122،111،102،93،2،33،251،221،201، 1136، 160، 68،278،277،2260، 272، 275، 76،295،293،283،281،280،279
،325، 326،32،312،311،34، 349، 352، 3570،329،358، 361، 362، 363، 364 389،384،37365، 366 5،431،21،413،397،394
• الإنحال ميراث ما لم يقبض ج 229/ 1. الإنسان مؤاخذ باعترافه ج 4/ 326. انقلاب الأعيان هل له تأثير في الأحكام أو لا؟ ج 1/ 137
إنما تعبدنا الله بما عنده ج 116/ 4 إنما تعتبر العادة إذا اضطردت، فإن غلبت فلا أو تعتبر العادة إذا اضطردت أو غلبت ج 1/ 128، ج 266/ 3، 507،
513،509، 514
438، 454، 496، ج 238/ 2، • أهل الضرر تحل لهم أشياء محرمة على ج 3/ 434، ج 4/ 123 غيرهم ممن ليس في حالتهم، رخصة الأمور مبنية على أصولها والشروط فيها من الله تعالى، والرخصة لا يقاس عليها
ج 2/ 467
واقعة بمعاني الاختلاف ج 1/ 244 الأمين لا تلحقه التهمة ولا يمين • الإيثار في القرب مكروه، وفي غيرها
المضرة ج 1/ 265
محبوب ج 1/ 161 (4/493)
صفحة 2269
494
القواعد الفقهية عند الإباضية
• الإيسار أحب إلى الله من الإعسار البيوع على ما عقدت في الأحكام وعلى ما أسست في الحلال والحرام
ج 1/ 237
• الأيمان على الإرادات والمقاصد والعادات مع تعلق الأسماء بمسمياتها
ج 1/ 272، ج 3/ 408، 410
ج 513/ 1
• الأيمان مبناها على عرف الحالف التابع تابع ج 161/ 1، 169،
ج 3/ 332
أيمان الناس على عرفهم وعاداتهم وما يقصدون به في أيمانهم ج 412/ 3
ج 4/ 171، 203، 239، 241، 242،
245، 246
التابع تابع ما لم يفرد بحكم مستقل
ج 4/ 245
• التابع تبع ج 8/ 4
• البدل لا يكون إلا كالمبدل منه التابع لا يفرد بالحكم عن متبوعه
ج 1/ 273
براءة الذمة ج 271/ 4
يصر
مقصوداً ج 4/ 242
التابع لا يفرد بالحكم ما لم يصر
براءة الذمة من التكاليف الشرعية قبل مقصوداً ج 239/ 4، 246، 247
مجيء الشرع، وبعد مجيئه أيضاً عند
عدم الدليل الشرعي ج 2/ 112
تجب النفقة عندنا لكل حامل بانت من
زوجها بلعان أو خلع أو ظهار أو طلاق
• التحريم مغلب في الأبضاع ج 187/ 2
بناءً على الظاهر والله يتولى السرائر ج 241/ 1
ج 1/ 467، 0
01.
البينة حجة متعدية والإقرار حجة • التخفيف والتيسير ورفع المشقة من قاصرة ج 275/ 1، ج 9/ 4، 261، مقاصد الشارع في تشريع الأحكام
،15،14،312،311،30
319،316
ج 2/ 200
تدرأ الحدود بالشبهات ج 358/ 4
البينة على المدعي واليمين على من ترتكب أخف الضرورتين ج 3/ 195 أنكر ج 3/ 242، ج 9/ 4، 261، 262، • ترجح المفسدة الأخف ج 240/ 3
،288،285،284، 280، 278،263
296، 301،291،289
تزول الإباحة بزوال الحاجة كما تزول
بزوال الضرورة ج 2/ 540 (4/494)
صفحة 2270
فهرس القواعد الفقهية والأصولية
495
• التزين بالذهب على الرجال حرام ج 1/ 367، 368
الثابت بالعرف كالثابت بالنص. أو الثابت بالعرف كالثابت بدليل شرعي.
• تصرف الإمام على الرعية منوط أو الثابت بالعرف كأنه منصوص في
بالمصلحة ج 136/ 1، 163
التصرف في ملك الغير بغير إذنه لا
يجوز وقبيح ج 158/ 2
تضمين الصناع ج 4/ 132، 135
تضمين المزكي ج 4/ 122
تطهير القلوب من الذنوب بالقصد
والإرادات والنيات ج 281/ 1
• تعلق الأسماء بمسمياتها ج 1/ 273،
ج 3/ 408، 410
العقد ج 299/ 3
ج
الجزاء من جنس العمل ج 219/ 1
الجمعة عزيمة من الله على المؤمنين
ج 1/ 238
جناية العجماء جبار ج 1/ 135، ج 4/ 8،
150، 162
الجهالة تبطل العقد ج 1/ 127
• التعيين بالعرف كالتعيين بالنص. الجواز الشرعي ينافي الضمان ج 89/ 1،
ج 128/ 1، ج 266/ 3، 507، 534،
275، ج 4/ 8، 164، 165، 167، 168
535
تفضيل الخطأ في العفو ج 369/ 4
ح
• تنزل الحاجة منزلة الضرورة ج 536/ 2،، الحاجة تنزل منزلة الضرورة عامة كانت
540
المشقة
التيسير ورفع ج 303/ 2
الثابت باستصحاب الحال يصلح حجة لإبقاء ما كان على ما كان ولا يصلح
لإثبات ما لم يكن ج 2/ 84 الثابت بالبرهان كالثابت بالعيان. أو الثابت بالبينة الشرعية، فإنه في نظر الشرع يقين
كالثابت بالعيان ج 1/ 275، ج 23/ 2
أو خاصة .. ج 275/ 1، ج 195/ 2،
453، 536، 562،552،538،337
الحاكم إلى نظره أحوج إلى أثره ج 3/ 605، 617
الحدود تدرأ بالشبهات. أو الحدود تسقط بالشبهات، أو يدرأ الحد بالشبهة ج 1/ 161، 355، 356، 441، ج 58/ 2، 123، 484، ج 261،9/ 4، 314، 333،
،372،365،361،357، 358،336 382،375 (4/495)
صفحة 2271
496
القواعد الفقهية عند الإباضية
الحد تراعى فيه الشبهة ج 357/ 4 الحر لا يدخل تحت اليد ج 1/ 162 الحرام لا يتعلق بذمتين ج 1/ 218
الحرام يحرم الحلال ج 1/ 169 الحرج في الشرع مرفوع. أو الحرج
على الحال الأغلب ج 263/ 1، 272، ج 46/ 2 89، 168، 504،
ج 3/ 271، 277، 482، 509، 511،
،5، 524، 52922،518،516
533،532
مرفوع في شريعتنا. أو الحرج والمشقة. الحكم بالمشهور مبلغه إلى ارتفاع مرفوع على المكلفين ج 133/ 1،
الريب معه .. ج 1/ 274
218، 359، ج 212/ 2، 372، 385،. حكم التابع حكم الأصل ج 241/ 4 الحكم الثابت بالدليل يبقى ثابتاً ما لم
429، 545
• حرمة أخذ الأجرة على الطاعات يَرِدْ دليل يرفعه ج 22/ 2
ج 2/ 555
الحريم له حكم ما هو حريم له ج 1/ 165
حفظ النفس مقدم على حفظ المال عند التعارض ج 176/ 3
الحق لا يقوم بالباطل ج 1/ 466 الحقيقة تترك بدلالة العادة ج 266/ 3،
547،508، 548
حكم المختلف فيه يرد إلى حكم المتفق فيه ج 273/ 1
الحكم يدور مع المعلول وجوداً وعدماً ج 2/ 349
الحلال لا يكون حراماً والحرام لا يكون حلالاً ج 1/ 240
الحيض حدث طارئ لا يسقط به ما وجب في الأصل إلا ما قام الدليل على
حكم الأشياء كلها قبل ورود الشرع إسقاطه ج 90/ 2
الإباحة، أو الأصل في الأشياء الإباحة
قبل ورود الشرع .. ج 1/ 70، ج 2/ 147
خ
• حكم الأغلب والتعارف والاطمئنان خبر الواحد يفيد العمل دون العلم فيما تجري به أمور عامة الناس. ج 2/ 60 أو الحكم بالأغلب. أو على الأغلب خبر الواحد يوجب حكماً ولا يوجب أو للأغلب أو الحكم للغالب والنادر لا حكم له، أو الحمل على الختان من المسلمين سنة واجبة لا الغالب والأغلب في العادات، أو يبني ينبغي تركها ج 238/ 1
علماً ج 4/ 312 (4/496)
صفحة 2272
فهرس القواعد الفقهية والأصولية
497
• الخراج بالضمان ج 111/ 1، 135، درء المفاسد أولى من جلب المصالح. أو درء المفاسد مقدم على
،474،275،222،1162، 67
،35،3،33،32،30
ج 4/ 7، 14، 16، 17، 18، 19، 23، جلب المصالح. أو دفع المفاسد ... أو درء المفسدة أولى من جلب المصلحة. أو يقدم درء المفاسد على
،26، 29
36، 38، 41، 88
الخراج بالضمان إلّا في الوديعة والعادية جلب المصالح ج 14/ 1، 31،
والمضاربة ج 35/ 4
الخراج والضمان لا يجتمعان ج 1/ 275 الخروج من الخلاف مستحب ج 163/ 1. الخطأ في الأموال لا يزيل الضمان أو الخطأ في الأموال مضمون. أو الخطأ في الأموال يوجب الضمان. أو الخطأ لا يزيل الضمان ويرفع الإثم، أو العمد والخطأ في أموال الناس سواء، أو
،272،221،140،136،122
،478،383،382،378،275
ج 5/ 3، 15، 31، 123، 137،
،222،219،217،1166، 68،229،228،227،224 223،240، 242،236،235،232
6
،243، 244، 245، 247، 24
252،251،250
الخطأ لا يرفع الضمان ج 33/ 1، 166،. دع الريبة وخذ العارف ج 233/ 1 266، 276، 365، 366، ج 460/ 3، دفع أعظم الضررين باحتمال أخفهما. أو ج 4/ 48، 4، 52، 56، 116، 126 دفع الضرر الأعم بارتكاب الضرر الخطأ لا يسقط الضمان ويرفع الإثم الأخص أو دفع الضرر الأكبر بالضرر ج 2/ 299، ج 4/ 48،8، 51، 52، 97 الأصغر أو الضرر الأشد يزال بالضرر الخلوة توجب العدة والصداق الكامل الأخف .. ج 1/ 31، 168، ج 3/ 5، 156،
201،181،180
ج 1/ 274. خليفة الطفل والمجنون بمقامهما في. الدفع أقوى من الرفع ج 1/ 164
قسمة مالهما مع الشركاء ج 1/ 266
دفع البدل يزيل الضمان ج 1/ 265
دلالة العرف مقدمة على دلالة اللغة
ج 312/ 3
• درء الحدود بالشبهات ج 4/ 365، • الدليل إذا عارضه الاحتمال سقط به
369،368، 371
الاستدلال ج 2/ 416 (4/497)
صفحة 2273
498
القواعد الفقهية عند الإباضية
الدليل المثبت للحرام مثبت لتحريم ما سد الذرائع، أو سد الذريعة ج 119/ 3،
،129،128،127،12124، 5
أدى إليه ج 1/ 114. الدين لا يسقط بمضي الوقت ج 2/ 625 ج 3/ 187، 219، 236، 325، 371، 431، ج 4/ 136، 223
• ذر ما يريبك إلى ما لا يريبك ج 1/ 238
• سقوط الحد بالنكاح الفاسد
ج 383/ 4
الذمة لا تبرأ مما طلب منها إلا بيقين سقوط حد الزني بالشبهة ج 375/ 4
ولا يقين عند الشك ج 2/ 39. ذو اليد الأولى بما في يده ج 4/ 172
ر
• الرخص لا تناط بالشك .. ج 1/ 164
سقوط الحد عن شارب الخمر
ج 4/ 382
سقوط الحد عن المرتد ج 381/ 4
سقوط حد القتل بالشبهة ج 4/ 380 السنة في زكاة البقر كالسنة في زكاة
• الرخص لا تناط بالمعاصي، أو العصيان الإبل يؤخذ من الإبل ويعمل فيها ما هل ينافي الترخيص أم لا؟ أو هل تجوز يعمل في الإبل وليس بينهم اختلاف الرخصة للعصاة أم لا؟ ج 1/ 137،
169، 187، 218، 271، ج 2/ 514 الرخصة لا تتعدى مكانها ولا يقاس عليها؛ لأنها بنفسها خارجة عن سنن القياس ج 551/ 2
ج 1/ 239 السؤال معاد في الجواب ج 1/ 162 السياسة الشرعية ج 7/ 4
ش
رفع الحرج والمشقة عن الناس الشبهة ترفع الحد ج 97/ 4
ج 2/ 331، ج 4/ 128، 147 الرياء يحبط العمل كما يحبطه الشرك
ج 320/ 1، 426
شبهة العقد ج 363/ 4
الشرط الباطل لا يؤثر في العقد
ج 1/ 127، 223
شعر الحيوان في حكم المنفصل عنه لا
في حكم المتصل ج 98/ 1
السابق إلى المشاع أولى من غيره الشفعة لكل شريك من غريب أو يتيم ما
ج 266/ 1
خلا أهل الكتاب ج 1/ 241 (4/498)
صفحة 2274
فهرس القواعد الفقهية والأصولية
499
• الشك لا يرفع اليقين، أو اليقين لا يزول والتحريم مأخوذ منها من طريق إلا بيقين مثله، التيقن لا يرتفع بالشك، السمع ج 1/ 273
أو لا يرفع الشك ما ثبت باليقين، أو لا صورة الفعل لا تدل على طاعة ولا يزيل اليقين إلّا يقين مثله، أو بيقين مثله. معصية، إنما يصير كذلك إذا أضيفت أو ما ثبت باليقين لا يزول إلا باليقين. إليه النية، أو إن صورة الفعل وهيئته لا أو ما ثبت بيقين لا يزيله إلا اليقين، أو تدل على طاعة ولا معصية إنما يصير من ثبت له حكم يقين بشيء لم يزل الفعل طاعة أو معصية إذا أضيفت إليه الحكم عنه إلا بيقين ثان أو اليقين لا النية ج 221/ 1، 261، 281، 362،
يزول حكمه إلّا بيقين مثله ج 22/ 1،
،9،83،71،42،35،31،30،123، 136، 160، 168، 201، 204،246، 251، 255، 258، 262، 264
270، 271، 272، 275، ج 5/ 2، 6،
،41،39،35، 33، 28،22،21،8،50، 54، 58، 65، 69، 70، 74،71،128،122،109،87،85،80،77
139، 10، ج 3/ 285، 440، ج 287/ 4
الشك يفسر لصالح المتهم ج 123/ 2
436،431
صيغة الأمر يفيد الوجوب إذا لم يصرفها عنه صارف ج 1/ 112
ض
• ضابط العيب الذي ترد به السلعة، أن تنقص به عين المبيع أو منفعته نقصاً يفوت به غرض صحيح على المشتري، أو تنقص به القيمة بما لا يتغابن الناس بمثله ج 71/ 3
شهادة العدلين توجب عملاً لا علماً • الضرر لا يحل ج 265/ 1، ج 9/ 3،
ج 1/ 274
96،93،90،89، 49، 60
الضرر لا يزال بالضرر، لا يزال الضرر
بالضرر، أو بضرر مثله، أو الضرر لا يزال
لا
الصغير والمجنون لا حيازة لهم ولا بضرر بمثله أو أشد منه، أو أعظم منه، أو قبول ج 1/ 265 يجوز إزالة الضرر بمثله أو أشد منه. صورة الأشياء لا تدل على تحليلها ج 1/ 101، ج 596/ 2، 571، ج 5/ 3،
وتحريمها من طريق مشاهدتها،
والعلم بها وبأوصافها، وأن التحليل
،14،137، 135، 123،78،
201،178،173، 171، 1146، 48 (4/499)
صفحة 2275
0 ..
القواعد الفقهية عند الإباضية
الضرورة إنما رفعت الإثم دون الضمان • الضرر لا يكون قديماً ج 3/ 5، 123، ج 3/ 170
257، 258، 262
الضرورة تدفع بضرورة أهون منها • الضرر مدفوع بقدر الإمكان، أو الضرر ج 3/ 188 يدفع بقدر الإمكان، أو الضرر يزال
بقدر الإمكان، أو الضرر منفي ومرفوع
إزالة الضرر بقدر الإمكان ج 5/ 3، 39،
124، 125، 134،123
6
الضرورة تقتضي التيسير ورفع الحرج
ج 3/ 240
الضرورة تقدر بقدرها. أو ما أبيح
للضرورة يقدر بقدرها. أو ما جاز • الضرر يزال ج 1/ 14، 23، 42، 93،
،1، 136، 160، 169، 18022،101
،25، 262، 275، 3641،221،201
6
ج 2/ 433، 454، 455، 506، 511، 536، 634، ج 5، 6، 8، 9، 15، 17،
للضرورة يقدر بقدرها ج 168/ 1،
،343، 349، 368، 376، 380
ج 2/ 195، 429، 433، 448، 453،
،458، 490، 501، 509،507،506،529،528،519،517،511،510،5، 574، 60173،538، 540
631،565
،26، 47، 53،51، 59،55، 21،18،60، 64، 65، 83، 90، 96، 99، 106،123، 124،122،121، 120، 108
127، 136، 148، 219، 223، 260
ج 17/ 3، 135، 170، 195، 406،
ضمان الإجازة ج 109/ 4 • الضرورات تبيح المحظورات، أو • ضمان الأمانة ج 4/ 110 الضرورة تبيح المحظور، سواء كان
الضمان إنما يكون بالتعدي والجور الاضطرار حاصلاً للفرد أم للجماعة
،33،27169، 218، 5،
ج 136/ 1،
ج 2/ 195، 453، 454، 455، 456،
،45، 471، 486، 504، 509،506
،54، 54، 5960،529،511
ج 3/ 17، 152
ج 4/ 81، 99، 116 الضمان بالتعدي والمفرط ضامن
ج 81/ 4
الضمان شرط لازم والضامن غارم
ج 1/ 244
ضمان العارية ج 4/ 117 • الضرورات تعتبر أصلاً وأساساً
الضمان على المباشر دون المتسبب للحاجات والتحسينيات؛ لأنه أعلى منها
في رتب المقاصد ج 2/ 542
ج 331/ 3، 617 (4/500)
صفحة 2276
فهرس القواعد الفقهية والأصولية
الضمان في الوكالة ج 4/ 105
501
،252، 260، 263، 272، 276
الضمان لا يجب إلّا بالتعدي أو التفريط ج 2/ 33، 70، ج 3/ 267، 270،
ج 1/ 4، 97 ضمان اللقطة
ج 4/ 124
ضمان المضاربة ج 4/ 107
ضمان المغصوب ج 147/ 4 ضمان الوديعة ج 113/ 4
ضمان الوصية بالتفريط ج 4/ 120
ط
،27، 272، 296، 306، 338، 3391
،402،391،381،380،375،352
،437، 472، 475، 484، 491،414
6
6
،523،513،509،507، 495، 504
6
،534، 577،562،547،546، 596
609، 610، 611، 612، ج 4/ 180 العبرة بالمقاصد والمعاني لا بالألفاظ والمباني، أو العبرة بالمقاصد والغايات
طاعة الله في الوالدين فرض وإن كانا لا بالوسائل والآلات، العبرة بمعاني مشركين، ولا تطعهما في معصية الله العقود لا بصيغها، أو العبرة في العقود بمقاصدها ومعانيها لا بألفاظها ومبانيها،
ج 1/ 239
• طريق الحكم بالأولى وهو فحوى أو العبرة في العقود للمقاصد والمعاني لا للألفاظ والمباني .. ج 277/ 1،
الخطاب ج 3/ 167. الطهر هو الأصل والحيض حادث 398، 454، 464، 483، ج 2/ 601،
ج 271/ 1، ج 2/ 88
ظ
ج 469/ 3، 500، 558
• العبرة للأغلب، أو العبرة بالغالب
الشائع لا النادر الشاذ، أو العبرة
الظلم لا يكسب الظالم حقاً ج 209/ 4 بالغالب، والنادر لا حكم له العبرة. الظن، هل ينقض بالظن أو لا؟ ج 1/ 137 للحكم الغالب الشائع لا للنادر، أو العبرة للغالب الشائع لا القليل النادر،
ع
أو الأصل اعتبار الغالب وتقديمه على
العادة تحكم فيما لا ضبط له شرعاً النادر ج 272/ 1، ج 266/ 3، 306،
ج 1/ 169
5، 52823،510،509،507
• العادة محكمة ج 14/ 1، 23، 42،. العدة عبادة لا تؤدى إلا بقصد وإرادة
،128، 136، 160، 168، 246، 247
ونية ج 281/ 1، 360 (4/501)
صفحة 2277
502
القواعد الفقهية عند الإباضية
العذر له تأثير في التخفيف ج 264/ 1 العرف بالمقارن الخاص ج 322/ 3
• العرف بالمقارن العام ج 322/ 3 • العرف بمنزلة الاجتماع شرعاً عند عدم النص ج 329/ 3
• العرف الحادث ج 3/ 313، 329 • العرف الحادث بعد النص المعارض له ج 323/ 3
العمد والخطأ في أموال الناس سواء
ج 2/ 299
عموم البلوى ج 319/ 2، 320، 322،
340،339،337 336
عند الضرورات تزول الأحكام، ويتبدل
الضيق سعة ج 454/ 2
غ
العرف حجة إذا لم يكن مخالفاً لنص أو الغاية لا تبرر الوسيلة ج 119/ 3
شرط لأحد العاقدين ج 3/ 315
العرف العملي ج 3/ 313
• الغرم بالغنم ج 7/ 4، 32، 33، 38،
42، 45، 4
العقد على الأعيان كالعقد على منافعها. الغلة بالضمان ج 14/ 3، 26
ج 1/ 127
• العقد على البنات الأمهات يحرم والدخول على الأمهات يحرم البنات
الغنم بالغرم ج 1/ 474، ج 4/ 16، 41
ج 93/ 1
العقود لا تثبت في الذمم ج 1/ 127
الفرض أفضل من النفل ج 1/ 162. الفريضة لا تؤدى إلا بالإرادات وصحة
فساد بعض الفرض فساد لجميعه
• العقوبة لا تكون إلا على ترك الفريضة العزائم ج 1/ 281
ج 1/ 264
العقيقة لا يجزي فيها إلا ما يجزي في ج 1/ 260
الأضحية من الأسنان وشرف العيون
ج 1/ 239
العلة تدور مع المعلول وجوداً وعدماً، قاصد الغلال مراب ج 1/ 475 أو الحكم يدور مع المعلول وجوداً القديم يترك على قدمه ج 79/ 2،
ج 3/ 258
وعدماً .. ج 110/ 1، 368 • على اليد كما أخذت حتى تؤدي القول بالإباحة دون دليل تصرف في ملك
ج 13/ 4
الله بغير إذنه، وهذا باطل ج 158/ 2 (4/502)
صفحة 2278
فهرس القواعد الفقهية والأصولية
503
القول قول من دعا إلى ما كانت عليه كتابي، أو لبسه واحد هؤلاء، أو صبي فهو على الطهارة حتى يعلم أن فيه
العادة ج 266/ 1
القيام بأمور اليتامى جائز من كل ثقة أو نجاسة ج 83/ 1
غير ثقة إلا في التسليم لمال اليتيم. كل جواز (أي: مرور في أرض) لا يدعي
وقبض ماله؛ فلا يجوز ذلك إلا
من ثقة
ج 1/ 244
به إثبات الطريق، ولم يمنعه صاحب
الأرض، ولم يكن في سلوكه فيها مضرة
فجائز له الجواز فيها ج 266/ 1
• كل حال قدر المصلي فيها على تأدية
• الكتاب كالخطاب، أو الكتاب ممن نأى فرض الصلاة كما فرض الله تعالى عليه، كالخطاب ممن دنا ج 266/ 3، 508، صلاها وصلى ما لا يقدر عليه كما
547، 548، 571،569،562
يطيق ج 83/ 1
• كل الأشياء على أصولها حتى ينقلها. كل حرام على أصله حتى يصح تحليله ج 1/ 70، 88، 271، ج 2/ 88
ناقل عنها ج 1/ 70 كل أمر لا يتم إلا بأمرين لم يجز أن كل حسن حلال وليس كل حلال حسناً
ج 88/ 1، 271
يملك بواحد ج 83/ 1 كل أمر لم يكن عليه أمر المسلمين زمن • كل حق وجب عليه فلا يبرئه منه إلّا
النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته، فهو ردّ ج 276/ 1
أداؤه ج 83/ 1
• كل إيجاب فقبوله بعد موت الموجب، كل حلال فهو على أصله حتى يصح
باطل إلا في الوصية ج 89/ 1
• كل بلاد المشركين يأمن فيها تجار
تحريمه ج 1/ 70، 88، 271، ج 2/ 88
كل حي طاهر العين، وكل طاهر العين
طاهر سوره ج 1/ 264
المسلمين والموحدين لا تحل غنيمة تلك البلاد ولا سباياهم ج 1/ 85، 238 كل
• كل تصرف من مكلف مرتهن وصفه
فهو على حكم الحياة حتى يصح موته ج 271/ 1، ج 2/ 88 بطاعة أو معصية على نيته وقصده كل حيلة باطلة تبطل ج 1/ 488
ج 277/ 1، 397، 431
كل خلع أخذ عليه فداء فهو طلاق،
كل ثوب جهل من ينسجه، أنسجه مسلم وهو تطليقة بائنة، أو كل خلع تطليقه
أو مشرك، أو وثني، أو مجوسي، أو بائنة ج 1/ 232، 233 (4/503)
صفحة 2279
504
القواعد الفقهية عند الإباضية
كل دم وجد بعد طهر عشرة أيام فهو • كل شيء يلزم الذي في يده غرامته مما
حيض ج 96/ 1
• كل سلف جرّ نفعاً فهو حرام ج 55/ 1
يكال أو يوزن فعليه أن يأتي بمثله؛ فإن
كان عرضاً مثل السيوف والثياب فعليه
كل شابة تتربص حتى تحيض أو يتبين القيمة ج 1/ 244،86
بها حمل ج 1/ 85، 239
• كل شرط قبل النكاح فليس بشيء،
• كل صانع بأجر يضمن ما أتلفه ج 8/ 4،
132، 354
وكل شرط بعد النكاح فهو عليه • كل صائم أكل أو شرب أو جامع نهاراً
ج 1/ 234
ناسياً لم يفطر ج 81/ 1
• كل شرط لا يحل تملكه، فالبيع جائز • كل طاهر على حكم الطهارة حتى يصح والشرط باطل ج 1/ 166 نجاسته، أو كل طاهر على حكم طهارته • كل شيء أجازه المال ليس بطلاق حتى. مح تنجيسه ج 70/ 1، 271،
ج 2/ 88
ج 230/ 1 كل شيء على أصله ثابت حتى يصح. كل طاهر من الماء طهور إلا واحداً، عن حال ما ثبت عليه ج 2/ 102 وهو المستعمل الذي أدي به الفرض • كل شيء فإن لم تجدوا: فهو الأول
انتقاله
فالأول ج 229/ 1
ج 1/ 84
• كل عبادة مؤقتة بميقات لا يجوز
كل شيء لا يقاد منه فهو على العاقلة تقديمها ولا تأخيرها ج 1/ 500
ج 1/ 235
• كل شيء لا يمكن فيه القسمة لا
يتواخذون على قسمته ج 92/ 3
• كل عرف ورد النص بخلافه فهو غير
معتبر ج 3/ 318
• كل العطايا لا تثبت إلا بالإحراز من
• كل شيء متفرع على شيء أو متوقف المعطي ج 1/ 86، ج 4/ 248 صحته عليه لا بد في معرفته من معرفة • كل عقد جاز أن يكون على القسمة جاز
المتفرع عليه، أو معرفة ما يصح
به
ج 70/ 1
كل شيء من الضرر فهو غرر ج 233/ 4
أن يكون على الشياع ج 127/ 1
• كل عقد فاسد مردود إلى صحيحه
ج 1/ 127
كل شيء يكون على أصوله فهو ثابت • كل عمد دون النفس فيه القصاص
فيه حكمه ج 79/ 2
ج 291/ 4 (4/504)
صفحة 2280
فهرس القواعد الفقهية والأصولية
505
• كل عمل بغير نية فهو هدر من فاعله • كل الكذب مكتوب إلا أن يكذب الرجل في الحرب فإن الحرب خديعة،
ج 404/ 1
• كل غائب فهو على حكم الغيبة حتى يصح أو يكذب بين اثنين فيصلح بينهما، أو يكذب لامرأته ليرضيها ج 1/ 88
موته وفيه اختلاف ج 271/ 1، ج 2/ 88
• كل غرر فهو باطل ج 233/ 4
• كل كفارة سببها معصية فهي على الفور
كل فرج وطئ بحرام فلا يحل أبداً ج 94/ 1
ج 89/ 1
• كل ما أبيح لأجل الضر أنه يرتفع
• كل فرض كلفه الله تعالى الإنسان، فإن تحليله بارتفاع الضرر، أو كل ما أبيح قدر عليه لزمه، وإن عجز عن جميعه لأجل الضرورة فإنه يرتفع حله بارتفاع سقط عنه، وإن قوي على بعضه وعجز
الضرر ج 1/ 19، 265، ج 523/ 2
عن بعضه سقط عنه ما عجز عنه، ولزمه • كل ما اتفقت منافعه فهو صنف واحد، وإن اختلفت أسماؤه ج 89/ 1
ما قدر عليه ج 221/ 2 • كل فرقة كانت من قبل الرجل فهي • كل ما أدرك من الغلات يتآخذ الشركاء تطليقة، وكل فُرقة من قبل المرأة فليست على جنيه إلا إن كان في تركه وصلاح بشيء ج 1/ 235 كل فعل أوجبه الله على أحد من عباده. كل ما أدى إلى الحرام والمحظور فهو فليس بمؤد له من لم يقصده إلى أداء حرام محظور بالمنع ج 2/ 450
فرضه ج 1/ 260، 281
زيادة ج 1/ 88
• كل ما أشكل وجوبه فالأصل براءة
الذمة فيه ج 2/ 116
• كل فعل رُتب عليه الحكم، ولا ضابط له في الشرع ولا في اللغة، كإحياء • كل ما تجب منه الفدية لا يجوز الموات، والجرز في السرقة، والأكل استصحابه وهو محرم ج 267/ 1 من بيت الصديق، وما يُعَدُّ قبْضاً وإبداعاً، كل ما خالف المعتاد عيب ج 89/ 1 وإعطاء وهدية وغصباً، والمعروف في. كل ما خرج عن القياس فإن غيره عليه المعاشرة، وانتفاع المستأجر بما جرت لا يقاس ج 551/ 2
• كل ما صلح أن يكون طهوراً منها صلح
به العادة ج 3/ 370 • كل قرض جر منفعة فهو ربا، أو مكروه أن يكون مسجداً للمصلى عليها
ج 1/ 233، 234
ج 259/ 1 (4/505)
صفحة 2281
القواعد الفقهية عند الإباضية
• كل ما علم المشتري أنه لا حق فيه • كل ما لا يمتثل الأمر إلا به فهو مأمور للبائع أنه لا رجوع فيه للمشتري على به ج 1/ 265 البائع، وأنه يعد متبرعاً ج 89/ 1
كل ما هو نصف في الحر فهو في العبد
• كل ما عمل الشريك في المشترك من نصف ثمنه ج 1/ 87، 243 العمارة والصلاح ودفع المضار مما • كل ما ورد به الشرع مطلقاً ولا ضابط له فيه ولا في اللغة يرجع إلى العرف
يتآخذون عليه، فإنه يدرك عناءه على
شركائه على قدر اشتراكهم ج 88/ 1
ج 3/ 535
• كل ما في المرأة من عضو فديته كنصف • كل ما يثبت في العرف إذا صرح
ذلك العضو من الرجل ج 87/ 1
المتعاقدان بخلافة بما يوافق مقصود
• كل ما في يد رجل من مال غيره يصنع
العقد ويمكن الوفاء به صح ج 314/ 3
فيه ما يصنع في ماله من دفع المضار • كل ما يجوز بيعه من الغائب تجوز قسمته أيضاً مما لا يتغير في حال غيابه
عنه ج 1/ 87 • كل ما قسناه حلالاً حكمنا له حكم بالزيادة أو النقصان ج 87/ 1 الحلال في كل حالاته، وكل ما قسناه • كل ما يصح تأبيده من عقود
حراماً حكمنا له حكم الحرام ج 83/ 1
المعاوضات فلا يصح توقيته ج 127/ 1
• كل ما كان على الإنسان أن يرده بعينه،
رده بقيمته ج 1/ 83
كل ما يصل الشركاء إلى منعه من المضار يتجابرون عليه، وما لا يصلون إلى دفعه فلا يتجابرون عليه
• كل ما كان على يقين من تمام طهارته ثم شك في فسادها لم تجب عليه إعادتها، ج 266/ 1
وكذلك من تيقن أنه قد أحدث ثم شك أنه • كل ما يضر بالصحة ويفقد توازنها يحرم
قد تطهر فشكه غير مزيل لتيقنه ج 258/ 1
تعاطيه ج 521/ 2
• كل ما كان لأحد المتعاقدين فسخه
بوجه، كان للآخر فسخه بمثل ذلك
الوجه ج 1/ 127
كل ماء وجد متغيراً، ولم يعلم أن تغييره
من نجاسة فهو محكوم له بحكم
الطهارة ج 2/ 37
• كل ما كان من غرس الإنسان فلا شيء • كل مال أيس من معرفة ربه أنه مصروف فيه، وكل ما كان نباتاً من قبل الله ففيه في الفقراء والمساكين ج 87/ 1،
الجزاء ج 1/ 267
ج 129/ 4، 132 (4/506)
صفحة 2282
فهرس القواعد الفقهية والأصولية
507
• كل مال يؤدي عليه ربه، فالغرم يسقطه. كل من فاته الحج بخطأ من العدد في الأيام، أو لخفاء الهلال عليه، أو غير
ج 89/ 1
كل مال يورث فحرام غنيمته وكل مال ذلك من الأعذار؛ فحكمه عند العلماء يغنم فحرام ميراثه ج 89/ 1، 97، 275 حكم المحصر بمرض ج 267/ 1
كل مالك فملكه محبوس عليه إلّا أن • كل من فعل ما يجوز له فعله، فتولد منه يزيله عن نفسه ج 1/ 87، 101 تلف لم يضمن ج 89/ 1
، كل من
• كل مباح أدى فعله إلى حرام، أو أدى كان على يقين من طهارته، ثم الإتيان به إلى حرام فهو حرام شك في فسادها، لم يجب عليه إعادتها
ج 1/ 114
• كل مجمع على تحريمه حرام بيـ وأكل ثمنه ج 1/ 274
ج 2/ 37
كل من له عند شخص حق وامتنع من
أدائه، جاز له أن يأخذ من ماله مقدار،
كل من وجب له بإجماع المسلمين اسم
• كل محرّم الأكل فهو في معنى الخمس حقه ج 2/ 527
ج 1/ 267
كل مشكوك فيه موقوف ج 413/ 2، أو حكم ثم أحدث حدثاً لم ينزل عنه ذلك الاسم والحكم إلى غيره من
598
كل مشكوك فيه يجعل كالمعدوم الذي الأسماء والأحكام إلا بإجماع من
يجزم بعدمه ج 31/ 2
المسلمين له على ذلك ج 1/ 85، 241
• كل مضاربة انتقضت، فالمال وربحه، كل من يتمسك بخلاف الظاهر ويريد لربه، وللمقارض أجر مثله على قدر إثبات أمر عارض فهو مدع وعليه البينة
عنائه ج 166/ 1
ج 2/ 112
كل مكان دخل إليه بإذن تجوز فيه • كل من يصدق في دعوى التلف، يصدق
الصلاة ولو بلا إذن ج 1/ 274
• كل من استحق اسم آكل فصومه باطل
ج 1/ 260
• كل من غصب شيئاً ثم زاد في يده،
في دعوى الرد إذا كان قبضه بغير بينة
ج 89/ 1
النهي
كل نبيذ عولج في الجر وغيره مما جاء عنه من كل مختمر في غير سقاء لزمه رده بزيادة إلا في خصلتين .. فلا يصح للمرأة أن تمشط به لأن كل
ج 84/ 4
مختمر خمر ج 1/ 240 (4/507)
صفحة 2283
0.1
القواعد الفقهية عند الإباضية
• كل نجاسة غسلت مرة تأتي عليها • لا ضرر ولا ضرار ج 23/ 1، 111
طهرت، إلا ولوغ الكلب والخنزير فإنه يغسل سبعاً، منها مرة بالتراب ج 1/ 84
• كل نجس فهو على نجاسته حتى تصح طهارته .. ج 1/ 70، 88، 271، ج 88/ 2. كل وصية لم تتبين رجعت إلى الأقرب ج 1/ 275
،140، 167، 236، 262، 275
ج 3/ 5، 6، 9، 17، 51، 52، 56،
،96،90،88،79،78،59، 60 106، 07،98،123،120
ج 4/ 78، 147
،112،
6
09،
،205
،136، 148
• لا ضمان إلا بالتعدي أو التقصير
• كل يمين حالت بين الرجل وبين امرأته ج 8/ 4 فهي إيلاء ج 233/ 1
كل يمين منعت الجماع فهي إيلاء ج 233/ 1
ل
لا إحراز بغير قبض ج 248/ 4
• لا ضمان على الوصي وعلى المودع
ج 4/ 116
• لا عبرة بالظن البين خطوه ج 1/ 163. لا عبرة بالعرف الطارئ ج 1/ 169
لا عبرة في الدلالة في مقابلة التصريح
ج 3/ 313
• لا تأخذ المرأة الوقت للصلاة ما لم. لا عرق للغاصب ولا عناء ج 207/ 4 تأخذ الوقت للحيض؛ لأن أيام الطهر. لا عرق ولا عرق لغاصب أو ظالم الأصل في العبادات الواجبات ج 4/ 206
هي
عليها ج 90/ 2
لا عقد من الغرر ج 1/ 127
• لا تجب الأجرة في الحالة التي يجب لا فرار من الصدقة، والفار يؤدي
فيها الضمان ج 4/ 142. لا تشرع عبادة إلا بشرع الله، ولا تحرم عادة إلّا بتحريم الله ج 2/ 165
0.0/ 16
• لا قطع في إقرار بالإكراه ج 231/ 1
لا قطع لعذر الشاك فيما لم يقم به
• لا ثواب ولا عقاب إلّا بالنية ج 1/ 277، شواهد البينونة ج 273/ 1
416،414،397
لا قياس في العبادات ج 1/ 100
لا حظ للنظر عند وجود الأثر لا نكاح بعد سفاح ج 169/ 1،
ج 1/ 273، 392، ج 2/ 416
ج 3/ 185 (4/508)
صفحة 2284
فهرس القواعد الفقهية والأصولية
509
• لا واجب مع عجز ولا حرام مع ضرورة فعل ما قدر عليه ج 83/ 1، 165،
ج 2/ 601
لا وصية مع الميراث ج 241/ 1. لا يتم التبرع إلا بالقبض ج 4/ 8، 171،
248، 253
لا
يجب
الضمان في الحال التي
فيها الأجرة ج 4/ 142
لا يجتمع خراج وعُشر ج 96/ 1
ج 2/ 195، 453، 601، 603، 605،
،608، 612، 617، 619، 621، 624 635،634،633،627،625، 631
لا يصح لغاصب أن يوطن بيتاً غصبه ج 1/ 274
لا يضمن بالتعدي أو التفريط ج 4/ 122
لا يضمن المضارب رأس المال إلا في
لا يجوز الإقرار لغير بني آدم .. حالة التعدي ج 4/ 108
ج 339/ 4
• لا يضمن المضارب الربح والخسارة
لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة إذا لم يَتَعَدَّ في شيء منها ج 3/ 437
ج 2/ 497
• لا يجوز التصرف في ملك الغير بلا إذن
ج 4/ 8، 171، 181
لا يقصد الشارع التكليف بالشاق من
الأعمال ج 1/ 131
لا يقضى على الغائب ج 1/ 232، ج 89/ 3. لا يجوز لأحد أن يتصرف في ملك. لا يقوم العمل إلا بالنيات فإذا وقع الغير بلا إذن ج 181/ 4، 194 العمل على غير نية لم يتم ج 1/ 281
لا يجوز للإنسان أن يأكل من مال غيره. لا ينسب للساكت قول ج 1/ 162 بدون إذنه إلا إذا كان مضطراً ج 596/ 2، لا يَنقُض النكاح شرط ولا استثناء • لا يزال الضرر بضرر مثله أو أشدّ ج 1/ 486
ج 4/ 78، 189
الميسور لا يسقط بالمعسور، أو بعبارة
لا يُنكر تغير الأحكام بتغير الأزمان. أو
لا يسقط الميسور بالمعسور، أو لا ينكر تغير الأحكام بتغير الأحوال والأمكنة والأزمنة. أو لا ينكر تغيّر أخرى: إذا سقط بعض الواجبات لعذر الأحكام المبنية على المصلحة أو لا يجوز ترك الواجب الآخر الذي لم العرف) بتغير الزمان. أو لا ينكر تغير يعذر في تركه. أو لا يسقط فرض الأحكام المبنية على الأعراف بسقوط الآخر، أو من أُمر بفعل شيئين والمصالح بتغير الزمان، أو لا ينكر تغيّر فعجز عن فعل أحدهما لم يسقط عنه الوسائل بتغير الأزمان والأماكن أو لا (4/509)
صفحة 2285
510
القواعد الفقهية عند الإباضية
ينكر تغيير الأحكام الاجتهادية المبنية ليس على صاحب العارية ضمان على المصلحة والعرف بتغير الأزمنة ج 231/ 1
والأمكنة والأحوال والأعراف العوائد ليس على المستعير، ولا على المستودع
ج 16/ 1، 128، ج 238/ 3، 266،
،479، 480، 500، 508، 594، 596
60، 610، 615، 632،6309
غير المغل ضمان ج 1/ 232
• ليس في ذكر الجزاء وجوب الجزاء في
الخطأ ج 1/ 395
• لا يُنكر المختلف فيه، وإنما يُنكر. ليس في القطاني زكاة ج 1/ 240 المجمع عليه ج 1/ 165 ليس كل ما عمت به البلوى يجلب اللفظ أولى من الرأي، فإذا جاء النص التيسير والتخفيف ج 2/ 320 بطل القياس، وإذا تعارض الأثر والنظر • ليس لعرق ظالم حق ج 261/ 3، 262، كان الحكم للأثر وسقط اعتبار النظر ج 4/ 171، 219
ج 273/ 1
لكل غالب شرر ج 2/ 335
للإمام أن يسوي بين رعيته فيما يراه
صلاحاً لهم ج 97/ 1
ليس لنا أن نتصرف في ملك الغير إلا
بإذن ج 2/ 158
للشاري مغنمه وعليه مغرمه ج 474/ 1 ما أبيح لعلة يرتفع تحليله بارتفاع العلة. للضرورات أحكام غير حكم الاختيار، ج 531،529/ 2 أو للضرورة أحكام غير حكم الاختيار، من أحدث حدثاً يوجب الضمان عليه، أو الضرورة يباح معها ما لا يباح في ولم يدر هل فعله في صباه أم بعد الاختيار ج 2/ 433، 579، ج 3/ 175 بلوغه، ففي الحكم لا يلزمه ج 2/ 102. للوسائل حكم المقاصد ج 442/ 1،. ما أوجب أعظم الأمرين بخصوصه، لا
467، ج 224/ 4
يجب أهونهما بعمومه ج 1/ 164
• لو تقابل في المرأة حَل وحرمة غُلّبت. ما أوجب الوضوء فهو على العمد
الحرمة ج 186/ 2
والسهو سواء ج 389/ 1، 391
ليس على الآحاد حكم، وإنما الحكم
ما بني على الباطل فهو باطل ج 1/ 517
على الأعم الأكثر والأغلب الأظهر ما تكلم به السكران من شيء جاز عليه
ج 272/ 1
ج 1/ 233 (4/510)
صفحة 2286
فهرس القواعد الفقهية والأصولية
011
• ما ثبت بالشرع مقدم على ما ثبت
بالشرط ج 1/ 164
ما عمّت بليته خفت قضيته ج 2/ 334
ما كان من أمر خولف فيه السُّنَّة نقض
ج 1/ 238
ما ثبت بزمان يحكم ببقائه ما لم يوجد دليل على خلافه. أو ما ثبت على حال • ما لا يتم الفعل إلا به فهو مثله في الزمان الماضي ـ ثبوتاً أو نفياً ـ يبقى ج 1/ 265
على حاله، ولا يتغير ما لم يوجد دليل • ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب يغيره .. ج 79/ 2 ما جاز لعذر بطل بزواله .. ج 2/ 195، • ما لا يدرك كله لا يترك جله ج 602/ 2،
453 459، 472، 531،529، 594
ما جرت به عادة الناس ج 505/ 3. ما جرى به العمل ج 3/ 288، 359
ج 2/ 250
ج 4/ 345
• ما لا يصلّى به لا يصلى عليه ج 1/ 102،
274
ما حرم أخذه حرم إعطاؤه وما حرم فعله ما لا يقبل التبعيض فاختيار بعضه حرم طلبه وما حرم استعماله حرم اتخاذه كاختيار كله، وإسقاط بعضه كإسقاط ج 1/ 163، ج 4/ 8، 171، 221، 228،
234، 236، 237،229
کله ج 1/ 163
ما لم يجز الانتفاع به لم يصح ملكه
ما حرم استعماله حرم اتخاذه ج 1/ 164، ج 4/ 235
6
169، ج 4/ 171
ما لم يدل دليل على تحريمه فهو حلال،
ما حرم فعله حرم طلبه وما حرم استعماله أو ما لم ينص على تحريمه فهو مباح
حرم اتخاذه ج 8/ 4
ج 2/ 151، 164
• ما خرج عن العادة، فحكمه حكم، ما لم يعلم فيه تحريم يجري على حكم الأصل الذي تجري به العادة ج 1/ 265 الحل ج 2/ 147
ما دل الدليل على حله فهو الحلال • ما ليس شرطاً في صحة العقد فليس من الواجب أن يقترن به ج 1/ 127
ج 2/ 156
• ما سكت عنه فهو مما عفا الله عنه ج 2/ 158
ما هو من موجب العقد لا يحتاج إلى
اشتراطه ج 1/ 127
ما عرف لغيره ثم دخل ملكه ولم يعلم المباحات تنقلب طاعة بالنية
به ج 4/ 293
ج 405/ 1 (4/511)
صفحة 2287
القواعد الفقهية عند الإباضية
512
المباشر ضامن وإن لم يتعمد والمتسبب لا يضمن إلا بالتعدي ج 386/ 1، ج 4/ 61،8، 74
• المتسبب لا يضمن إلا بالتعمد ج 1/ 386، ج 4/ 62، 74، 79، 80
• المتعذر يسقط اعتباره، والممكن يستصحب في التكاليف ج 603/ 2
،217،213،199،197،19195، 6
،233، 234، 243، 322، 344،230،346، 34، 426، 27، 429، 445،511،506،448، 476، 454، 489
،521، 536، 596، 583، 601،586
ج / 7، 17، 18، 135
المشترك كالواحد حكماً ج 96/ 1
المتهم بريء حتى تثبت إدانته ج 2/ 123، المشغول لا يشغل ج 1/ 165 المصالح العامة مقدمة على المصالح
ج 271/ 4
محال اجتماع الأضداد في حال الخاصة ج 202/ 3
ج 1/ 272
المضار مصروفة ج 9/ 3، 112
المحرم لغيره أخف حرمة من المحرم • المضارب لا خُسران عليه ولا يضمن من المال شيئاً ما لم يتعد فيه ..
لعينه ج 3/ 170
المخصوص حجة ظنية ج 1/ 112
ج 3/ 435
المرء مؤاخذ بإقراره ج 9/ 4، 261، • المضارب مؤتمن ولا ضمان عليه إلّا
بالتعدي ج 108/ 4
المضطر يأكل كل ما ينجيه ويقويه
،332،331،330،285، 314، 326
33،338،333
مراعاة المقاصد مقدمة على مراعاة
الوسائل ج 1/ 135
المسافر يقصر ما دام على نية السفر ج 1/ 274
ج 3/ 165
المطلق يجري على إطلاقه ما لم يقيد
بنص ج 3/ 545
المعتبر في النية هو نية الأصل دون
المسلمون عند شروطهم إلا شرطاً أحلَّ التابع .. ج 241/ 4 حراماً أو حرم حلالاً ج 443/ 3
المشقة تجلب التيسير ج 14/ 1، 22،
،160،133، 100، 94، 93،33 42،22، 252، 2760، 217،201،180
• المعتدي في الصدقة كمانعها ج 1/ 233 المعروف بالعرف كالمشروط باللفظ ج 3/ 535
المعروف بين التجار كالمشروط بينهم،
312، 359، 361، 413، ج 2/ 174، أو المعروف بين أهل كل طائفة (4/512)
صفحة 2288
فهرس القواعد الفقهية والأصولية
513
كالمشروط بينهم ج 128/ 1، 168،. المُكْبر لا يكبر ج 1/ 165
ج 3/ 266، 507، 534، 538، 539،
541،540، 544
المعروف عرفاً كالمشروط شرطاً، أو
من
أحدث حدثاً في مال لا يملكه، أنه
مأخوذ بحدثه، وأن الدعوى لا تنفعه
ج 2/ 133، ج 4/ 181 المعروف عرفاً كالمشروط شرعاً، أو من استعجل (أو تعجل) الشيء (أو المعروف عرفاً كالمشروط حكماً شيئاً قبل أوانه عوقب بحرمانه، أو ج 1/ 128، 276، ج 266/ 3، 507، من تعجل حقه أو ما أبيح له قبل وقته على وجه محرم عوقب بحرمانه
،542،541،540، 539، 534، 535
543، 544، 545
• المعروف في النفقة هو دون السرف وفق التقتير ج 3/ 347، 349
المعلوم لا يرتفع بغير معلوم ج 71/ 1،
270، ج 2/ 38
• المفرط ضامن ج 1/ 222، ج 4/ 8 المقاصد تغير أحكام التصرفات
ج 1/ 130
مقاصد اللفظ على نية اللافظ في اليمين
حلفه إلا من
443
ج 1/ 163، 277، 398، 496، 497،
،5، 504، 506، 51503،198،523،521،520،518،517
ج 3/ 128، 183
• من استعمل ما أخره الشرع يجازى برده ج 1/ 498
من أسلم ثم أشرك يقتل ج 243/ 1 • من أقر على نفسه بشيء ألزمناه إياه
ج 4/ 326، 328
الحاكم ج 277/ 1، 398، من ألزم لنفسه شيئاً ألزمناه له ج 1/ 232
من تحايل على أحكام الشريعة أبطلت
• المقاصد معتبرة في التصرفات، أو حيلته ج 1/ 488
المقاصد والاعتقادات معتبرة في من ترك الصلاة من طريق الاستحلال التصرفات والعبارات، كما هي معتبرة في كان مرتداً بذلك يقتل إن لم يتب باتفاق القربات والعبادات ج 1/ 130، 454
ج 259/ 1
مقاطع الحقوق عند الشروط ج 442/ 3 • من ترك الغسل من الجنابة من غير
مقصود الشارع من مشروعية الرخص الرفق بالمكلف من تحمل المشاق
عذر وهو يجد الماء حتى يذهب وقت
الصلاة ضلّ في قول المسلمين
ج 1/ 133
ج 1/ 242 (4/513)
صفحة 2289
514
القواعد الفقهية عند الإباضية
من تيقن أنه قد أحدث ثم شك أنه تطهر من كان على سفر ولم يجد الماء تيمم أم لا، فشكه غير مزيل ليقينه، ولا يزيل صعيداً طيباً ج 1/ 242 ما ثبت من الطهارة إلّا كتاب أو سُنَّة أو من كان عليه دين حط من حسب ماله إجماع، وبعبارة أخرى من تيقن حدثاً بقدر ما عليه من الدين ج 242/ 1 ثم شك، هل تطهر أم لم يتطهر؟ كان من الطاعات فقدر على على حدثه، ومن تيقن طهارة ثم شك بعضه وعجز عن بعضه، فإنه يأتي بما فلم يدرِ أحدث أم لم يحدث، فهو على قدر عليه ويسقط عنه ما عجز عنه طهارته الدليل على ذلك أن التيقن لا ج 2/ 603
كلف شيء من
يرتفع بالشك؛ لأنه تيقن بعلم، وما شك من لم يتحكم في الأصول قلما تتحصل فيه غير معلوم، والمعلوم لا يرتفع بغير عنده الفصول ج 36/ 1
معلوم .. ج 1/ 258، ج 36/ 2
من لم يُسم شيئاً يتصدق به عنه فإنه لا
من حرّم على امرأته عضواً من أعضائه تجب في ماله صدقة، لأنه لم يسم شيئاً
ولم يعلمه ج 1/ 241
فقد حرمت عليه ج 239/ 1 من شرط اعتبار الأدنى أن لا يعد على من ملك شيئاً ملك ما هو من ضروراته
الأصل بالإبطال ج 542/ 2
ج 8/ 4، 171، 239
من شرط الشرط إمكان اجتماعه مع. من هرب من الحق رُدَّ إليه ج 521/ 1
المشروط ج 193/ 1
• المؤتمن لا يضمن إلا بالتعدي أو
من طلق في نفسه فليس طلاقه ذلك التقصير (التفريط) ج 8/ 4، 36، 98،
بشيء ج 1/ 234
من عرف المدعي والمدعى عليه عرف وجه القضاء ج 4/ 272
113،102،99
من قصد بتصرفه (أو بفعله) غرضاً غير الناسخ يقدم على المنسوخ ج 3/ 312 مشروع عومل بنقيض مقصوده، أو النجس يؤثر في الوضوء بعد تمامه لا يعامل السيئ النية بنقيض قصده أو في الغسل ج 96/ 1
المعاملة بنقيض المقصود الفاسد
النسيان معفو عنه ج 389/ 1
ج 1/ 277، 356، 398، 496، 498، النظر في المآل معتبر ومقصود شرعاً
523،519،517،509،507،506
ج 1/ 138 (4/514)
صفحة 2290
فهرس القواعد الفقهية والأصولية
515
نظرية الإثبات، أو الخاصة بالقضاء
وطرق الإثبات ج 4/ 5، 7، 261 نظرية الضمان ج 4/ 5، 7، 11
نظرية العقد ج 7/ 4
نظرية الملك ج 171/ 4، 181
نظرية الملكية ج 4/ 7،5 النفل أوسع من الفرض ج 165/ 1
الدليل على عدم الإباحة ج 170/ 1،
ج 2/ 5، 80، 147، 150، 151 • هل الزكاة عبادة أم حق واجب
للمساکين؟ ج 1/ 137، 270
• هل العبرة بصيغ العقود أم بمعانيها؟ ج 454/ 1
• هل العشر حق الأرض أو الزرع؟
النكاح في العدة يحرم المرأة ج 1/ 522، ج 1/ 137، 270
ج 4/ 385
هل الفرض في الاستقبال ـ للقبلة ـ
النهي المطلق يفيد التحريم، أو النهي الاجتهاد أو الإصابة؟ قولان ج 1/ 137،
للتحريم ج 56/ 1، 108،
270
نوادر الصور، هل يعطى لها حكم نفسها • هل المرأة في جميع العبادات كالرجل
أو حكم غالبها؟ ج 1/ 137. النية أساس العبادات ج 277/ 1، 397
أم لا؟ ج 1/ 137، 270
النية لا تقوم إلا مع الفعل ج 281/ 1
النية لباب الفعل وصفوه، وعماد الدين • الواجب الاجتهاد أو الإصابة؟ ج 137/ 1 • الواجب لا يترك إلا لواجب ج 1/ 164
وأشه ج 1/ 404. النية هي أساس قبول الأعمال عند الواجب المخير يخرج المكلف عن العهدة فيه بفعل واحد مما خير فيه
الله وبدونها يكون العمل كالعدم مهدراً لا قيمة له ولو كان صالحاً
ج 404/ 1
الهبة لا تثبت إلّا بالقبض ج 252/ 4
11*/10
• الوديعة حكمها حكم الأمانة ج 4/ 101 الوضوء فريضة لا تؤدى إلا بالإرادات
وصحة العزائم ج 1/ 261
الولاية الخاصة أقوى من الولاية العامة
• هل الأصل في الأشياء (والأعيان) (قبل ج 1/ 163، 168
ورود الشرع) الإباحة أم الحظر؟ هل • الولد تابع لمن أسلم من أبويه الأصل في الأشياء الإباحة حتى يدل ج 1/ 274 (4/515)
صفحة 2291
516
ي
• يتحمل الضرر الخاص لدفع الضرر العام، أو يتحمل الضرر الأخص
ويرتكب لدفع الضرر الأعم، يتحمل
الضرر الأخف لدفع الضرر الأشد العام،
القواعد الفقهية عند الإباضية
،184،179،177، 176، 175، 172،195،194،193، 192،188، 186،199،198، 197، 196،201،2،211،209،204، 205، 206،203
216، 229،
يجوز إزالة الضرر الأشد بالضرر • اليد دليل على الملك غير موجبة للملك الأخف، أو يختار أخف الضررين دفعاً ج 4/ 175
لأعظمهما، أو يختار أخف الضررين • اليد دليل الملك ج 472/ 3، ج 4/ 8،
وأهون الشرين عند تعارض المفسدتين.
أو يختار أهون الشرين لدفع ما هو
،17، 176، 1785،174،172،171
290،272،179
أعظم أو يدفع الضرر العام بتحمل يدخل القوي على الضعيف ولا عكس الضرر الخاص. أو يرتكب الضرر
ج 1/ 165
الأخف لدفع الضرر الأشد، أو يزال. يدرأ الحد بالشبهة ج 4/ 392 الضرر الأشد بالضرر الأخف أو يغتفر في البقاء ما لا يعتبر في الابتداء ارتكاب أخف الضررين. أو بعبارة أخرى ج 1/ 97، 167، ج 2/ 419 إذا تعارضت الضرورتان ولم يمكن إلا يغتفر في التابع ما لا يغتفر في المتبوع ارتكاب أحدهما ارتكب أقلهما ضرراً .. ج 1/ 265
ج 1/ 276، ج 2/ 622، ج 3/ 5، 123، يغتفر في الوسائل ما لا يغتفر في
،144، 148، 150، 151، 157،136
،15، 161، 166، 168، 1699،158
المقاصد ج 1/ 165، 215
• اليمين على نية المستحلف ج 1/ 445 (4/516)
صفحة 2292
فهرس الأعلام
517
مشاكل عويصة في فرز هذه القائمة: أسماء كثيرة مجردة مبهمة، فلا بُدَّ من التمييز بينها، مثلاً:
الخليلي اثنان: سعيد وأحمد
جابر اثنان ابن عبد الله وابن زيد
أبو عبد الله (؟)
أحمد اثنان: أحمد بن حنبل وأحمد محَمَّد
بن
بن بكر
والراشدي كثيرون الراشدي سفيان والراشدي عبد الله، والراشدي محمد بن
والراشدي هلال بن محمد؟؟؟!!!! ...
وهكذا من هذا النوع من الإبهام كثير. فلا بُدَّ من الرجوع إلى كُل صفحة وقراءة النص والرجوع إلى الهامش لمعرفة أي منهم المقصود وَعَلَى أَي كِتَابٍ ثُمَّ الاعتماد.
ابن الأثير ج 1/ 51، ج 2/ 202، ج 4/ 18،
آدم ج 308/ 2، ج 4/ 216 الآلوسي ج 26/ 2، 390
أبان بن عثمان ج 404/ 2 إبراهيم بن يحيى ج 379/ 1
إبراهيم ج 223/ 2، ج 3/ 235
ابن إباض = عبد الله بن إباض
• ابن أبي شيبة ج 3/ 605
ابن أبي ليلى ج 98/ 2، ج 4/ 280. ابن أبي مليكة ج 269/ 4
208
• ابن أمير الحاج موسى بن محمد
التبريزي، أبو الفتح ج 361/ 2
• ابن بركة أبو محمد عبد الله السليمي البهلوي ج 1/ 16، 17، 26، 27، 28،
،154،99،97،87،، 64،30،29،214، 246،209، 208،20167، 4
،254، 255، 258، 274، 315، 316،353، 354،332،329،323،322 (4/517)
صفحة 2293
القواعد الفقهية عند الإباضية
518
،4، 408، 410، 412، 41301،395،418، 419، 428، 429، 434، 414،450، 460، 461،35، 436، 449،462، 470، 472، 475، 480، 488،489، 490، 491، 493، 501، 539 6
544، ج 14/ 4، 23، 40، 41، 48،
،86،85،83،81،72،70 6.67،55،110،109، 108، 107، 106،99،123،122، 9، 1، 116، 1813،131،129،128،127، 1125، 26،14، 148، 151، 152، 1547،132،174، 176، 181، 184، 185،172،200، 194،193،192،189،187،203، 204، 205، 225، 226، 227،241، 242، 255، 256، 257، 258
،299،279،2259، 260، 263، 78،321،319،312،311،30،300،341، 342، 355،348،337،336،374، 376،373،372،357،356
382،381،379،378
،356، 358، 359، 366، 369، 370،431،413،394،393،392،389،438، 442، 450، 467،436،433
503، 523،521،509، ج 11،8/ 2،
،36، 37، 38،33، 20، 15، 1، 12،9، 7، 48، 49، 59،53،52،50،60، 61، 62، 71، 72، 73، 74، 76،117، 124، 1، 104، 0601،98،198،133،132، 127،125، 126،2، 243، 25739،228،218،199
،259، 260، 283، 284، 285، 286،345، 346، 350، 356، 373،288،398،397،378،377،375، 376
،401، 403، 408، 412،411، 414
،423، 424، 425، 436، 466،465
،467، 473، 478، 479، 480، 493
،5، 523،514، 52413،512،511،525، 526، 531، 532، 559،535
،5، 575، 602،58073،572،562
،610، 61، 623، 625، 626
،14، 166، 1681،139،86،85
ابن بشير المالكي ج 193/ 1 ج 56/ 3، 1، 74، 75، 80، 81، 84،
ابن بطال أبو الحسن ج 582/ 3 ابن تيمية ج 179/ 1، 224، 310، 402، ج 602/ 2، ج 39/ 3، 225،
297، 326، 327، 342، 346، 357
ابن جريج ج 1/ 234، ج 63/ 3 • ابن جرير = الطبري، محمد بن جرير
،239،207،174، 173،172،171،240، 243، 244، 245، 246، 271،347، 348،333،285،277،272،354، 355، 356، 364، 372، 376،391،390،385،382،379،377 (4/518)
صفحة 2294
فهرس الأعلام
519
ابن جزي ج 456/ 3
• ابن حجر الهيثمي ج 607/ 2
ابن حزم ج 1/ 215، 221، ج 556/ 2،
• ابن جعفر، أبو جابر محمد بن جعفر ج 619/ 3 الأزكوي ج 25/ 1، 29، 65، 86،
،97،318،245،243،209
521،517، ج 17/ 2، 22، 53، 58،
،2، 264، 265، 266، 27119،59،325،309،299،298،287،419، 454،351،337،326،461، 45، 4 479، 481
534، 593، ج 9/ 3، 53، 54، 55،
،260، 358، 386،134،133،110،41، 411، 422،421، 4240،390،426، 428، 452، 457، 462، 463،464، 465، 540، 54، 5
ابن الخطاب ج 126/ 3، 128 ابن خلدون ج 1/ 145، 185. ابن خلفون ج 388/ 4
ابن دقيق العيد ج 188/ 1، 194، ج 2/ 227، ج 3/ 31، ج 4/ 152 ابن رجب ج 1/ 98، 103، 172، 176، 304، ج 2/ 270، ج 27/ 3، 30، 49،
231
• ابن رشد (الحفيد) ج 61/ 4، 105، 136. ابن السبكي، تاج الدين ج 54/ 1، 57،
،142، 165، 99، 98،95،62، 94
ج 4/ 31، 59، 73، 93، 109، 110،
،140،137،114، 115، 136،112،212،206،203،157،155،263، 324،241،218،21
،341، 348، 349، 352،340
390،388،375،356
ابن جماعة ج 156/ 1
ابن الحاجب ج 516/ 1، ج 274/ 4
ابن حامد ج 156/ 3
• ابن حبان ج 4/ 18
• ابن حجر ج 1/ 303، 409، 410، 423، ج 2/ 30، 225، 530، ج 230/ 3، 237، 582، ج 208/ 4، 371
177، 178، ج 2/ 161
ابن سريج ج 1/ 154
ابن سيرين ج 1/ 234، 503، ج 189/ 3، 414، ج 4/ 237
ابن شاش المالكي ج 274/ 4
• ابن شبرمة ج 2/ 98 • ابن شهاب الزهري ج 501/ 1، ج 606/ 3
ابن الصلاح ج 3/ 28. ابن عابدين ج 2/ 16، ج 3/ 287،
،553،5، 59537، 330،329،308
ابن عاشور، محمد الطاهر ج 1/ 181
ابن عباد المصري ج 3/ 407 (4/519)
صفحة 2295
520
القواعد الفقهية عند الإباضية
• ابن عيينة (سفيان) ج 371/ 4 • ابن عباس، عبد الله ج 206/ 1، 229،
،448، 461، 482،373،308،302
6
522، ج 2/ 27، 58، 75، 99، 105،
،226،223،218،18176، 0،245، 276، 342، 346،237،414، 421، 430، 437،389،462، 486، 488، 494، 495
،562
،5، 545، 546، 55002
587، 593، 608، 616، ج 25/ 3،
،28، 63، 116، 229، 367، 600
604، ج 4/ 128، 201، 225، 228،
256، 268، 269، 310، 332
• ابن فارس ج 283/ 1، ج 2/ 81، 201، 205، 250، 268، ج 327/ 4
• ابن فرحون ج 1/ 194 ابن القاص ج 1/ 84
ابن قدامة الحنبلي ج 19/ 2، 156، ج 39/ 3، 569، 584، 585، 606،
ج 4/ 237، 364 ابن القطان ج 429/ 1
ابن قيم الجوزية ج 219/ 1، 227، 228، 288، 309، 483، ج 31/ 2،
،602 67+1،211،165،83
ج 219/ 3، 311، 345، 548، 605،. ابن عبد البر ج 2/ 152، 232، ج 3/ 28،
29
607، ج 4/ 265
ابن عبد السلام ج 2/ 112
• ابن عبد العزيز ج 201/ 4
• ابن عبيدان ج 2/ 103
ابن كثير ج 3/ 347
ابن اللحام، علي بن محمد، أبو الحسن
ج 2/ 318
• ابن ماجه ج 1/ 154، 161، ج 28/ 3، ابن العربي ج 196/ 1، ج 324/ 2،
513، ج 3/ 337
ابن عرفه ج 12/ 4
• ابن عمر، عبد الله ج 212/ 1، 231، 373، 381، 462، ج 64/ 2، 99،
ج 4/ 18، 224، ج 4/ 367 ابن المبارك ج 488/ 2
ابن مسعود، عبد الله ج 230/ 1، 360، 403، 481، 503، ج 2/ 105، 124، 276، 400، 588، ج 349/ 3، 351، 352 353، ج 154/ 4، 257، 259،
277، 367
،37،321،29245، 5، 115، 114،4، 404، 430، 494،388،370،592،591،5، 54622،504
ج 63/ 3، 80 146، 213، 231، 581، ج 4/ 128، 224
ابن المسيب = سعيد بن المسيب ابن المفلس ج 522/ 1 (4/520)
صفحة 2296
فهرس الأعلام
021
ابن الملقن سراج الدين ج 17/ 2
• أبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم
• ابن المنذر ج 276/ 2، 430، 488، ج 63/ 3
ج 3/ 62، ج 4/ 372
ابن منظور ج 1/ 141، ج 2/ 22
ابن النجار الحنبلي ج 362/ 3 ابن نجيح ج 1/ 448
• ابن نجيم ج 143/ 1، 152، 153،
،189،188،1160، 161، 163، 75
أبو بكر الصديق ج 447/ 1،
140
ج 2/ 105، 389، 567، ج 110/ 3،
،241، 352، 486، 494، 603
616، ج 104/ 4، 197،
256، 257، 258
• أبو بكر الصيرفي ج 159/ 2
249، 414، ج 17/ 2، 19، 20،. أبو بكر، عتيق بن أسدين ج 57/ 2
151، 156، 454، ج 17/ 3، 306، أبو ثعلبة الخشني ج 2/ 154
588،311،310
ابن الهمام (الكمال) ج 318/ 3، 329،
ج 4/ 370
ابن وائل ج 4/ 367
ابن وصاف ج 528/ 3
ابن الوكيل ج 1/ 140، 152
=
أبو إسحاق الحضرمي - الحضرمي أبو إسحاق
أبو أيوب الأنصاري ج 2/ 114، 115 أبو أيوب، وائل بن أيوب ج 443/ 2،
ج 4/ 129
أبو برزة الأسلمي ج 3/ 67
• أبو برزة، نضيلة بن عبيد ج 3/ 67 أبو البقاء الكفوي ج 67/ 1، 283، 410، ج 2/ 10، 17، 291
أبو ثور ج 2/ 98، ج 97/ 3 أبو جعفر النحاس ج 3/ 487
=
،255
أبو الحسن البسيوي - البسيوي أبو الحسن
أبو حنيفة النعمان، الإمام ج 28/ 1،
،71، 148، 174، 216، 246، 249
ج 2/ 126، 127، 155، 156، 238،
،245، 276، 401، 556، 566
615، ج 16/ 3، 97، 194، 236، ج 4/ 84،
،372،185،175،106،31،321،320،299،245
363، 364، 376
أبو الحواري، محمد ج 26/ 1، 210، 236، 483، 485، ج 44/ 2، 46،
337، 417، 481، ج 424/ 3، 576،
أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن ج 4/ 138، 212، 326، 376
هشام ج 4/ 104
أبو خالد ج 490/ 3، 491 (4/521)
صفحة 2297
522
القواعد الفقهية عند الإباضية
أبو الخطاب، عبد الأعلى المعافري 387 392 ج 27/ 4، 28، 146،
ج 354/ 3
349،280،2246، 257، 77
• أبو داود السجستاني ج 303/ 1، أبو سعيد الخدري ج 2/ 29، ج 3/ 27، ج 2/ 468، ج 33/ 3، 366، 388،،84، 1330، 604، ج 4/ 245
581، ج 4/ 18، 207
أبو سعيد الكدمي = الكدمي، أبو سعيد
أبو دجانة الأنصاري، سماك بن خرشة أبو سفيان بن حرب ج 526/ 2، ج 356/ 3، ج 4/ 193، 195
ج 2/ 567
أبو الدرداء ج 154/ 1، ج 154/ 2، أبو سفيان = محبوب بن الرحيل. أبو سلمة بن عبد الرحمن ج 2/ 347
ج 369/ 3، 464
• أبو ذر الغفاري ج 431/ 2، 588
أبو ذؤيب ج 2/ 295
أبو سنة فهمي ج 119/ 1
أبو الشعثاء = جابر بن زيد
أبو زكرياء الجناوني = الجناوني. أبو صفرة ج 25/ 1، ج 554/ 3
أبو زكرياء
أبو طاهر، إبراهيم بن عبدالصمد
• أبو زكرياء، يحيى بن أبي بكر، ج 1/ 194
الهجاري ج 2/ 150، ج 263/ 4، 273،
353،298،291
• أبو زهرة، محمد ج 116/ 1، 117،
ج 2/ 172، ج 3/ 373
أبو الطفيل ج 403/ 2
أبو طلحة الأنصاري ج 463/ 1،
ج 2/ 178
• أبو الطيب القاضي ج 430/ 1
• أبو زياد (لعله خلف بن عزره) أبو العباس أحمد بن محمد بن بكر
ج 320/ 4
أبو ساكن - الشماخي أبو ساكن عامر بن علي. أبو ستة القصبي السدو يكشي، المحشي ج 38/ 1، 286، 410، 420، 445، ج 2/ 8، 87، 95،
الفرسطائي ج 1/ 32، 87، 247، 250،
،266، 455، 459، 472،470، 473
475، 523، ج 2/ 192، 193، 282،
،285، 296، 434، 435، 477،283،478، 479، 482، 553،502،483
،400،303،30
،496، 526،497،373،371،332
527، 626، ج 88/ 3، 90، 97،
558، ج 91/ 3، 114، 132، 133،
،189،14، 141، 1420،137
ج 46/ 4، 58، 6، 64، 82، 88، (4/522)
صفحة 2298
فهرس الأعلام
100،92،91،90،89
،118، 101،293،292،16، 1867، 121،120،316،314،313،29294، 295، 6
348، 354
523
أبو علي، الحسن بن أحمد ج 541/ 3، ج 4/ 114،
20، 324، 353
أبو علي، موسى بن علي ج 53/ 2،
ج 3/ 66، 412، 589، ج 4/ 375
أبو العباس المنجور ج 61/ 1
أبو عمر ابن عبد البرج 274/ 4
أبو عبد الله محمد بن بكر الفرسطائي • أبو عمران، موسى بن زكرياء ج 432/ 3
ج 3/ 476
أبو عبد الله محمد بن عمر بن مداد ج 512/ 1
أحمد بن
أبو عبد الله
أبو عبد الله
=
محمد بن محبوب،
أبو غانم، بشر بن غانم الخراساني ج 25/ 1، 85 147، 209، 216، 236، 239، 520، ج 2/ 360، 366،
،368، 369، 627، 628، 629
ج 201/ 4
أبو عبيد، القاسم بن سلام ج 51/ 1، • أبو غدة ج 43/ 1
ج 4/ 18
أبو القاسم بن سلام ج 207/ 4
أبو عبيدة، مسلم بن أبي كريمة التميمي أبو القاسم بن منده ج 488/ 2 ج 25/ 1، 84، 207، 209، 213،. أبو لؤلؤة عبد المغيرة ج 391/ 2
،321،302،238،235،216
426، ج 27/ 2، 97، 237، 295،
،367، 368 369، 446، 447
،567، 616، 627، 628، 629
أبو مالك الصلاني ج 379/ 1، ج 2/ 74،
،610
ج 3/ 278،
ج 4/ 114
،440، 489، 491
أبو محجن ج 3/ 605
ج 3/ 74، 8، 302، 341، 354، • أبو محمد = ابن بركة
355، 493، ج 4/ 98، 143، 144، أبو محمد القاضي ج 502/ 1
،268،202،201،1145، 46
388،339، 51
أبو عبيدة، معمر بن المثنى ج 303/ 1
أبو عثمان ج 3/ 575
أبو محمد ويسلان ج 338/ 1
• أبو مسألة = أبو العباس، أحمد بن بكر
الفرسطائي
• أبو مسعود البدري ج 1/ 423
أبو عزيز، إبراهيم بن أبي يحيى، أبو أبو مطر، عمرو بن عبد الله الجهني
غالي ج 4/ 57
ج 371/ 4 (4/523)
صفحة 2299
524
القواعد الفقهية عند الإباضية
أبو هلال العسكري ج 2/ 10، 14
• أبو معاوية، عزان بن الصقر ج 377/ 1 517، ج 2/ 437، 511، ج 180/ 3،. أبو واقد الليثي ج 468/ 2 403، 440، 441، 539، ج 157/ 4،. أبو وائل ج 352/ 3، ج 269/ 4
320
أبو الوضاح = زياد بن الوضاح
• أبو المنذر = بشير بن محمد بن محبوب. أبو يعقوب = الوارجلاني، أبو يعقوب • أبو المنذر = سلمة بن مسلم العوتبي يوسف بن إبراهيم
الصحاري
أبو يوسف، صاحب أبي حنيفة ج 2/ 330،
• أبو المؤثر، الصلت بن خميس ج 26/ 1، 566، ج 326/ 3، 327 425، ج 2/ 72، 351، 377، 481،، أبو يوسف، مجدول بن حسان ج 3/ 453، 457، 576، 589، ج 4/ 140
ج 619/ 3، 620
أبو المؤرج ج 25/ 1، ج 627/ 2،. أبو يوسف = وريون بن الحسن
628، ج 201/ 4، 202، 388
أبو موسى الأشعري ج 1/ 140، 144،
305، 421،228،213،149
أُبي بن كعب ج 3/ 457
الأتاسي ج 1/ 190، ج 19/ 4
أحمد (اسم (علم) ج 4/ 332
أبو نبهان، جاعد الخروصي ج 513/ 1، • أحمد بن حنبل، الإمام ج 304/ 1،
ج 2/ 434، ج 176/ 3
• أبو نعيم ج 352/ 3 • أبو نوح، صالح بن نوح الدهان ج 2/ 589
أبو هاشم الجبائي ج 251/ 3. أبو هريرة ج 306/ 1، 309، 377، ج 2/ 29،
،417، 23، 446، 503
،342، 469،328،295،270،224
،486، 495، 573،547، 588، 606
426 429، ج 98/ 2، 181، 276، 430، 469، 556، 572، ج 231/ 3، 251، 344، 352، 619، ج 18/ 4،
1، 250، 28050، 100
أحمد بن عبد الله بن حميد ج 1/ 62. أحمد بن فارس ج 141/ 1. أحمد بن هارون ج 490/ 3. أحمد بوطاهر الخطابي ج 118/ 1
ج 2/ 3، 55 230، 368، 602، أحمد الجندي ج 307/ 4
616، ج 4/ 150، 228، 309، 335، • الأزرق بن قيس الحارثي البصري
367، 370
ج 3/ 67 (4/524)
صفحة 2300
فهرس الأعلام
525
بن جعفر ج 424/ 2 محمد. الأزهر بن. أسبع إبراهيم ج 1/ 34
• إسحاق بن راهويه ج 98/ 2، 404، 430، ج 3/ 194
• أسماء بنت أبي بكر الصديق ج 2/ 105،
VVA
الأشعث بن قيس ج 269/ 4. الأشعري، أبو الحسن ج 2/ 159
،188،179، 199، 164، 168، 69،474،399،393،340، 19194، 5
487، 531، 603، ج 16/ 4، 24،
،25، 36 42، 43، 44، 49، 53
،156،138،121،87،80،57،254، 258، 259، 322،198،185
،340،339،338،335،336،327
384، 386، 387
• أفلح بن عبد الوهاب بن عبد الرحمن بن
أشهب ج 4/ 100 رستم ج 380/ 1. الأصفهاني الراغب = الراغب الأصفهاني
الألباني، ناصر الدين ج 352/ 3. الأصم، عثمان ج 2/ 584، ج 9/ 3، 61،
،448، 45،447،443،113،112
،462، 465، 466، 475، 77، 479
أم حفيد ج 1/ 461
أم الدرداء ج 369/ 3
• أم الرحيل ج 2/ 351 572، 573، ج 49/ 4، 65، 66، 68،
أم سلمة ج 2/ 321، 545، ج 387/ 3
390
،110،103،100،87،72، 86
،147،138، 133،113،112،111
2، 216، 21714، 210،207، 19
أم عطية الأنصارية ج 48/ 2، 49،
ج 236/ 3. أطفيش، أمحمد بن يوسف، القطب
• أم قيس بنت محصن ج 414/ 2 ج 25/ 1، 43، 211، 214، 251،
ج 2/ 106
امرأة من جهينة ج 4/ 336. أنس بن مالك، الكعبي ج 206/ 1، 232، 426، 447، ج 105/ 2،
،247، 249،245،237،230،44، 467، 4949،389،254،504، 54، 544، 548، 566
،418، 425،415،343،31252، 4
،26، 428، 430، 444، 480، 494،227، 2،121،254، 257، 306، 307، 343، 348،439،437،371،370،369، 368،5، 564، 56519،503، 445، 498،602، 620، 622، 623، 628، 629
633، ج 13/ 3، 74، 76، 81، 93،
ج 3/ 84، 155، 232، 369، 463، 587، ج 13/ 4 (4/525)
صفحة 2301
526
القواعد الفقهية عند الإباضية
• الأنصاري، يحيى بن سعيد ج 3/ 237 • أنيس ج 335/ 4
الأوزاعي، الإمام ج 501/ 1، ج 97/ 2، 245، 295، 404، 430، ج 3/ 385
• البابرتي ج 1/ 174
590، ج 4/ 48، 60، 96، 108، 149،
،167، 194، 195، 206، 210،157
،321،2، 216، 217، 24712،211 390،386،375،358،352،351
بشير بن محمد بن محبوب، أبو المنذر ج 1/ 85، 241، ج 2/ 447، ج 3 490،
ج 4/ 113، 114
البغدادي ج 1/ 215 • باجو مصطفى بن صالح ج 17/ 1، 25،
،467، 483،436،431،255
البغوي ج 237/ 4
• البقوري، أبو عبد الله، محمد بن إبراهيم
ج 3/ 127، 129، 142
الباجي، أبو الوليد ج 502/ 1
ج 274/ 4، 275
• البكري ج 2/ 332 • الباحسين، يعقوب ج 61/ 1، 95،
،19،191،1124، 146، 55
ج 26/ 2، 274، 278
البخاري ج 1/ 422، 446، ج 28/ 2،
6
،469، 470، 566، 608،322،227
بكلي، عبد الرحمن البكري ج 78/ 1،
،25، 252، 2530، 167، 103،96،325، 326، 340، 341، 34،343، 344، 345، 347، 348،468، 469،405،350،349
ج 3/ 28، 204، 353، 356، 365،
،602،600، 616،582،581
ج 4/ 207، 370
البراء بن عازب ج 503/ 1، ج 2/ 543،
ج 360/ 3، ج 151/ 4، 156. بريدة ج 2/ 488، ج 344/ 4. البزار ج 352/ 3
البزدوي ج 572/ 2
البسيوي، أبو الحسن ج 1/ 320، ج 2/ 41،
،417،414،378،377،370،44
470 50، ج 89/ 2، 93، 169،
،23،199،175،17،170،8، 4897،420،419،372،506،492، 507، 522،521،520،592،557،500،50،523،135،134، 106، 102، 101،197،187،145، 146، 183، 186،2، 213، 406، 407، 43812،199،441، 442، 443، 531،530، 628
ج 3/ 101،
ج 181/ 4، 276 ج 420/ 3، 421، 425، 527، 529، (4/526)
صفحة 2302
فهرس الأعلام
527
بلال الحبشي ج 2/ 435، 486، 488
البناني ج 1/ 94
بنتي شعيب ج 350/ 3 البورنو ج 2/ 79، 207
• البيضاوي، القاضي ج 1/ 400، ج 340/ 3
البيهقي ج 303/ 1، ج 28/ 3، 352، 604، ج 4/ 384، 388
بيوض إبراهيم ج 252/ 1، ج 2/ 200،
الثميني، عبد العزيز ج 43/ 1، 79، 89،
،25، 2521، 250، 210،97،96،366، 416، 468، 472،470، 473
475، ج 2/ 15، 107، 117، 118،
،294، 348، 420، 91،122،121
436، 498، 519، ج 9/ 3، 53، 57،
،141،140،133،79،73،2، 61،14، 144، 162، 163، 1683،14،214، 215، 216، 181، 174،171،4، 18، 428، 42909،382،238،447، 449، 471، 480، 491، 531
،263، 341، 426، 27، 439، 440،442، 500، 563، 564، 592،568
ج / 117، 118، 119،
563، 570، 571، ج 24/ 4، 42،
،629، 630
632،631،530
التاجي ج 143/ 1
تبغورين ج 77/ 1
الترمذي ج 1/ 295، ج 2/ 29، 468، ج 3/ 204، 388، ج 18/ 4، 207،
270، 367
التفتازاني، سعد الدين ج 54/ 1، 57،
62، ج 2/ 285، 473، ج 553/ 3
تقي الدين الحصني ج 344/ 3. التهانوي ج 1/ 92، 95
،43، 45 49، 54، 58، 60، 66 6
،82،74،72،71، 69،68،67
،106، 152،102،94،92،87
،159، 16، 168، 181، 186، 219،329،328،317،315،301،259،380،379،3339، 340، 342، 45
392،381
• الثوري = سفيان الثوري
ج
جابر بن زيد، أبو الشعثاء، الإمام ج 1/ 25، 139، 206، 207، 208،
ثابت بن أنس ج 156/ 3
،235،232،216،213،212،209،2، 255، 302، 346، 347، 42637،466، 493، 494، 521،509،503 (4/527)
صفحة 2303
528
القواعد الفقهية عند الإباضية
ج 27/ 2،
،237،180، 179، 115،
،29، 296، 352،351، 3675،271
،40، 487، 592، 610،368، 371
الجوهري ج 2/ 10
الجويني، أبو محمد والد إمام
الحرمين) ج 1/ 155، 156
الجويني، أبو المعالي، إمام الحرمين 616، ج 3/ 84، 127، 129، 190،
،4، 476،457، 48770،371،191
ج 1/ 188، 189، ج 3/ 307
• الجيطالي، أبو طاهر، إسماعيل ج 1/ 17، ج 1/ 201، 228، 229، 237، 268،
373،327،283،282
• جابر بن سمرة ج 468/ 2 جابر بن عبد الله ج 463/ 1، 503،
6
ج 2/ 148، 223، 227، 345، 442، 462، ج 3/ 28، 87، 203، 369،
463، ج 4/ 104
• جابر بن النعمان ج 3/ 68
• جابر الجعفي ج 28/ 3 ج 290/ 1،
الجرجاني ج 1/ 290، ج 2/ 22، 110،
ج 562/ 3، ج 4/ 252
جرير البلجي ج 2/ 488، 498
الجصاص ج 1/ 144، ج 4/ 105
جناو بن فتى المديوني ج 2/ 57، ج 3/ 247
،248،138،88،71،70،35، 68،3، 400، 40499، 270، 2255، 67
405، ج 9/ 2، 94، 237، 240،
،247، 248، 257، 261، 305، 306،337،333،332،331،327،307،3، 486، 48783،371،3341، 68،5، 59493،592،591،567
ج 3/ 384، ج 49/ 4، 155
ح
حاتم بن منصور ج 629/ 2
• حاجب الطائي، أبو مودود ج 302/ 3،
محمد ج 17/ 1، خلفان
بن. الحارثي، الجناوني، أبو زكرياء، يحيى بن الخير
ج 1/ 247، 516، 519، ج 110/ 2،
255
،190،189، 142، 137، 12،111
،191، 246، 306، 311، 497، 51
الحارثي سالم بن حمد ج 43/ 1
حاطب بن أبي بلتعة ج 2/ 470
الحاكم النيسابوري ج 1/ 343، 388، 519، 520، 590، ج 3/ 255، 392،
،479،77،446، 469، 474، 476
619، ج 29/ 4، 30، 263، 283،
284، 285، 286، 287
481، ج 2/ 608، ج 3/ 28، 283، 351، 353، 389، 418، ج 4/ 367 حبيب بن سالم ج 370/ 1، 371، 372 (4/528)
صفحة 2304
فهرس الأعلام
529
الحجاج بن أنماط السلمي ج 449/ 1
حذيفة بن اليمان ج 488/ 2، 545،
ج 3/ 605
حرام بن محيصة ج 360/ 3
الحرث بن حاطب ج 64/ 2
الحموي ج 54/ 1، 58، 60، 61،
،189،153، 150،13،133،92
ج 2/ 16، 20، 151، ج 3/ 17، 274،
585
الحنبلي، عبد الهادي ج 511/ 3 الحنفي ج 274/ 3، 624
حسان بن ثابت ج 149/ 2 الحسن البصري ج 233/ 1، 503،. الحواري ج 3 590
ج 2/ 29، 97، 322، 332، 368، 369،، حيدر علي ج 1/ 134، ج 3/ 315 429، 437، 488، 592، ج 189/ 3،
،190
190، 340، 414، ج 4/ 125، 237
الحسن بن أحمد ج 302/ 3
خ
خالد بن الوليد ج 4/ 336 حسين، القاضي ج 428/ 1، 429،. الخراسيني ج 1/ 510
ج 2/ 278
الحسيني ج 1/ 143، 150
ج 4/ 307
• الخزري، أبو الحسن الحنبلي
ج 2/ 160
الحصيري، محمود بن أحمد، أبو المحامد. خزيمة بن ثابت ج 2/ 488
الخضر ج 3/ 154
الحضرمي، أبو إسحاق، إبراهيم بن قيس الخطابي ج 1/ 224، ج 2/ 30، 87، ج 39/ 1، 246، 247، ج 260/ 2، ج 359/ 3، 361، 365، 366، 581. الخليلي، أحمد بن حمد ج 44/ 1،
،267، 305، 310، 316، 323، 376
391، 93، 594، ج 390/ 3، 403، ج 4/ 84، 118، 264، 297، 389 حفصة بنت عمر ج 114/ 2 الحلاني، الحسن بن محمد ج 1/ 67 حماد ج 1/ 235 • حمد بن عبيد، السليمي، أبو عبيد ج 4/ 297، 303
حمنة بنت جحش ج 364/ 3
،329،327،32252، 253، 6،402، 1، 76، 478، 497
503، 510، 511، ج 2/ 170، 175، 176، 551، 553، 556، ج 121/ 3،
،206،198،185،184،122،4، 430، 43100،248،207
478، 568، 576، ج 244/ 4، 246،
326، 386 (4/529)
صفحة 2305
530
القواعد الفقهية عند الإباضية
الخليلي، سعيد بن خلفان، المحقق ج 38/ 1،
،358،330،251،201
،387، 464، 488، 489، 490، 491
492، 493، 505، ج 11/ 2، 95،
الذهبي ج 352/ 3، 353
ذو اليدين ج 59/ 2، 77
ج 3/ 104
،579،96، 97، 106، 143، 574،632،623،600،599،598،597،178،175، 170، 1 406،248، 249، 262، 263، 422،193،2، 478، 481، 482، 498، 499،593،592،591،590،589،500
6
ج 26/ 4، 75، 77، 78، 79، 80،
الرازي فخر الدين ج 17/ 2، 33 275، 285، 473، ج 24/ 3، 251 • الراشدي ج 1/ 62، ج 406/ 2، ج 313/ 3،
• الراشدي، سفيان ج 53/ 1، 57، 94،
،25، 2541،250،2248، 49
ج 8/ 2، 79، 85، 119، 120،
،188،185،1139، 156، 57،444، 454،230،224،217،529، 536،511،510،458
،162، 163، 167، 172، 175، 176،235،189،188،187، 178،177
343، 348
الدارقطني ج 26/ 3، 27، 28، ج 4/ 98 داود ج 2/ 615، ج 3/ 25
داود الظاهري ج 1/ 450، ج 2/ 343. داود النبي ل ج 3/ 25، ج 4/ 156 • الدباس، أبو طاهر ج 246/ 1. الدبوسي ج 66/ 1، 78، 186
الدراوردي ج 28/ 3 الدردير، أحمد ج 2/ 39
الدريني، فتحي ج 289/ 1
الدهلوي = الشاه ولي الله الدهلوي
• الدوسي ج 4/ 225
ج 9/ 3، 12، 15، 17، 21، 27،
،279،271،222،1136، 48،337،313،297، 306، 310،399،39340، 351، 4،339 400، 417، 421، 439، 465
• الراشدي، عبد الله ج 1/ 160 الراشدي، محمد بن يحيى ج 249/ 1 الراشدي، هلال بن محمد ج 1/ 255 الراغب الأصفهاني ج 1/ 284، ج 2/ 16،
ج 3/ 273، ج 4/ 50. رافع بن خديج ج 208/ 4. الرافعي ج 1/ 429 (4/530)
صفحة 2306
فهرس الأعلام
531
الزرقا مصطفى ج 119/ 1، 120، • الربيع بن حبيب ج 1/ 25، 37، 138،
،3، 425، 46602، 235،21،209
،293،200،191،182،173
499، ج 2/ 175، ج 3/ 430، 594،
509، 520، 521، ج 27/ 2، 335، ج 331/ 4، 627، ج 3/ 92، 127، 210،
،306، 741، 386، 390، 459، 603
ج 4/ 98، 14، 144، 146، 147،
،25، 268، 349، 3519،189،188
373
ربيعة ج 2/ 295، 588
رُشَيْد الثقفي ج 501/ 1
رشيد رضا
= محمد رشيد رضا
• ركانة ج 1/ 295
الرملي ج 404/ 3، 405
الزركشي ج 1/ 84، 155، 156، 172،
6
176، ج 2/ 19، 151، 156، 334 • زكريا الأنصاري ج 274/ 3
زكرياء ج 580/ 3
الزمخشري ج 1/ 50، 428، ج 14/ 4 • الزنجاني ج 1/ 107
الزهري ج 2/ 49، ج 619/ 3، ج 4/ 157
• زياد بن الوضاح ج 2/ 575، 576،
ج 3/ 170، 575
زيد بن ثابت ج 1/ 147. الرواحي ج 1/ 414، ج 3/ 272، 509،
10
• زيد بن خالد الجهمي ج 458/ 3
الزيلعي فخر الدين ج 299/ 3 الروكي، محمد ج 1/ 61، 100، 102،. زينب ج 1/ 448، ج 3/ 365
1، 186، 22803
ز
حميد
بن السالمي نور الدين عبد الله • الزبير بن العوام ج 543/ 2، 566،
ج 4/ 132
الزجاج، إبراهيم ج 1/ 50
الزحيلي، وهبة ج 1/ 120، ج 3/ 227،
286
زفر ج 363/ 4، 364
الزرقا، أحمد ج 2/ 538، ج 3/ 258،
ج 4/ 142، 166، 182، 330
ج 1/ 39، 40، 41، 42، 43، 53، 57،
،210،20160، 4. 93،74،72،62
6
،317،313،287، 252، 251، 21،355، 356،333،322،320،318،357، 358، 363، 368، 369، 370،375، 376، 377،374،372،371،4، 402، 40901،383،382،378 (4/531)
صفحة 2307
القواعد الفقهية عند الإباضية
532
،392،391،367، 368، 369، 389،40، 404، 406، 4323،398،393،460، 484، 485، 492،433، 44
،41، 412، 20، 427، 4421،410
،514،513،452،451، 475، 512
ج 2/ 17، 27، 28، 35، 36، 41، 46،
،493، 494، 495، 497، 501، 503
،509،504، 526، 552،551،528
،553، 556، 559،557، 593،560
595، 626، 627، ج 50/ 4، 52،
،249،198،197، 196،179،178،2، 306، 32591، 273، 2252، 68،3، 345،34437،329،32326، 8
352، 368، 392،347،346
،416، 493، 588، 626،415
،53،52،51، 62، 64، 65، 70، 71
،104،103،102، 99، 98،872، 6
،150، 155، 159، 160 6
1312 V 31
،200 ،199 ،187 ، 185 ، 184 ، 161 ،24 ، 245، 252، 2640 ، 239 ،238 ،275 ،273 ،2265، 266 ، 267، 71 ،285، 286 ،281 ،280 ،279 ،277 ،296، 297 ،293 ،289 ،288 ،287 ،314 ،313 ،312 ،305 ،30 ،299 ،346 ،335 ،333 ،330 ،316 ،315 ،350، 352، 356، 357، 360، 361
،403 ،389 ،388 ،372 ،369 ،364 ،41، 429، 430، 432،4313 ، 407 ،446، 447، 454، 471، 472 ،433 ،47، 474، 475، 476، 477، 480 ،485، 496 ، 497 ، 498، 499، 502 ،5، 556، 55830 ،512 ،509 ،503 ،564، 575 ، 577 ، 602، 614، 615
617 ، ج 9/ 3، 39، 62، 63، 64، 65،
6
،85،81،78،77،،،، 66، 74،144، 148، 165، 166، 167، 168،239،238،237، 220، 171،170،272،271،242، 243، 244، 250،3، 344، 35020،303،302،277
السامري ج 1/ 157
السبكي ج 2/ 184، 185، 186
سحنون ج 65/ 1، 216 السدويكشي، أبو محمد ج 38/ 1، 69، 74، 28، 317، 362، ج 2/ 180،
ج 3/ 333، 388. السدي ج 2/ 513
السرخسي ج 3/ 300، 356، 569. الشري، محمد بن الحسن ج 46/ 2، ج 3/ 485
• سعد بن أبي وقاص ج 309/ 1، ج 2/ 155،
488، ج 3/ 232، 366، 605 • سعد الدين التفتازاني = التفتازاني، سعد الدين
السعدي، عبد الرحمن ج 3/ 360 (4/532)
صفحة 2308
فهرس الأعلام
533
سعيد بن جبير ج 2/ 245، ج 189/ 3،
ج 4/ 237
السيابي،
خلفان
بن جميل ج 1/ 490،
ج 3/ 272، 329
• سيد قطب ج 3/ 23 سعيد بن زنغيل (أبو نوح) ج 2/ 375 السيوطي ج 1/ 94، 144، 148، 153،. سعيد بن المسيب ج 501/ 1، ج 2/ 272،
429، ج 3/ 35، ج 4/ 272، 371
• سعيد بن منصور ج 2/ 522، ج 146/ 3
=
سعيد الخليلي - الخليلي، سعيد بن خلفان سفيان الثوري ج 98/ 2، ج 194/ 3،
366، ج 209/ 4، 364 سلمان بن عثمان ج 68/ 3 سلمان الفارسي ج 154/ 1، 488، ج 342/ 2
السلماني، عبد الرحمن ج 63/ 3
سلمة بن الأكوع ج 601/ 3
سليمان بن مظفر ج 370/ 1، 372 سليمان بن موسى، الملوشاتي، (الشيخ) ج 4/ 287
سليمان بن يسار ج 501/ 1
سليمان (راوي) ج 581/ 3
• سليمان ج 25/ 3. السمرقندي ج 78/ 1 سمرة بن جندب ج 2/ 101، ج 3/ 33، 54، ج 13/ 4 السنباطي ج 1/ 173
السنهوري ج 1/ 184
سهل بن أبي حثمة ج 3/ 405
،163، 169، 175 6 154، 160، 161
،248 6 182،171،387، 454،378،21156، 5،151
301، ج 7/ 2،
536، ج 3/ 17، 310، 337، 514،
ج 4/ 18، 22
الشاطبي ج 59/ 1، 63، 134، 179، 181، 93، 194، ج 2/ 198، 202،
،274،230،223،212،211،209
324، 456 542، ج 26/ 3، 28،
،311،307، 2، 294، 29618،39
614،613،603،596
الشافعي، محمد بن إدريس، الإمام ج 28/ 1، 82، 138، 17، 153، 192، 303، 29، ج 39/ 2، 71،
،24، 245، 2760،127، 105، 97،591،29،404،378،295
ج 76/ 3، 81، 83، 84، 86، 373،
ج 18/ 4، 84،
،152،128، 100
244، 299،225، 175،17
الشال، إبراهيم ج 61/ 1
الشالوسي، عبد الكريم ج 430/ 1. سهل بن سعد ج 402/ 3، ج 309/ 4 (4/533)
صفحة 2309
534
القواعد الفقهية عند الإباضية
• الشاه ولي الله الدهلوي ج 227/ 2، ج 3/ 362، ج 41/ 4
شبير ج 352/ 3
• شريح القاضي ج 232/ 1، 520، ج 3/ 370، ج 4/ 118، 154
• الشريف الجرجاني ج 52/ 1، 53، 57، 62، 66، 75، ج 18/ 3
• شعبة بن الحجاج ج 3/ 67، ج 4/ 367 الشعبي، عامر ج 233/ 1، 347،
ج 2/ 225، 245، ج 3 190 • الشقصي، خميس بن سعيد، الرستاقي ج 1/ 485، ج 18/ 2، 53، 55، 56،
،422،421، 423، 466،436، 467،491، 523، 527،526،524،490،5، 532، 582،581،53331،529،589، 610، 618،617،616،587
619، 622، 623، 626، ج 9/ 3،
،92،91،90،89،88،60، 61،132،130، 109، 108،95،9،209،181،159، 158،157،138،385،384،383،3024، 41،210،39،390،389،388،387،386،494، 495، 497،399،397،396
ج / 28، 29، 32، 33، 34، 48،
6
،139،135،135، 48،53،52،51،161، 190، 160،145،14،141
،2، 242، 243، 244، 24600،191
،304،281،28257، 264، 277، 0
349، 354، 355،38،312
،3، 454، 48690،362، 25،189،489، 494، 495، 496، 612
ج 3/ 393، 577، 591، 592
شلبي، محمد مصطفي ج 1/ 117
الشماخي، أبو ساكن عامر بن علي
الشماخي، أبو العباس، أحمد بن سعيد ج 1/ 35، 65، 69، 88، 99، 204،
،214، 248، 254، 264، 297،210،298، 336، 338، 339، 340، 415
،4، 474، 50539،33،431
ج 2/ 5، 15، 35، 36، 37، 40، 48،
6
ج 1/ 35، ج 2/ 121، ج 329/ 3
الشهرستاني ج 1/ 215
الشوكاني ج 220/ 2، 232، 280،
ج 3/ 32، 191، ج 4/ 209، 273 الشيخ بالحاج بكير باشعادل ج 1/ 34،
250
،114،91،90،63، 64، 61،49،178،177،150، 147، 134،131،242، 243،230،226،199،179،247، 248، 256، 262، 326، 329،402،4، 40401،391،370،32
الشيخ بالحاج محمد بن بابه ج 253/ 1، 275، 497، 520، ج 449/ 2، 450،
،، (4/534)
صفحة 2310
فهرس الأعلام
535
20
الشيخان ج 20/ 1
الشيرازي، إسحاق ج 511/ 3
الشيعي ج 3/ 382
الصبحي ج 579/ 2، ج 176/ 3،
ج 344/ 4
طلحة ج 4/ 132
طليحة الأسدية ج 501/ 1
الطوفي، نجم الدين ج 1/ 160، ج 33/ 3
الطيالسي ج 352/ 3
عاصم ج 4/ 367
ع
الصحاري = العوتبي، سلمة بن مسلم. العالم يوسف ج 202/ 3
صدر الشريعة ج 1/ 55
صدقي،
، محمد ج 33/ 1 صفوان بن أمية ج 117/ 4، 119
• الصنعاني ج 3/ 297
الضحاك بن خليفة ج 2/ 218، ج 3/ 37. ضمام بن السائب ج 139/ 1، 466، 521، ج 2/ 616، ج 3/ 127، ج 4/ 373 • الضميري ج 3/ 97
عامر الشعبي = الشعبي، عامر. عامر الشماخي = الشماخي، عامر عائشة أم المؤمنين ا ج 307/ 1،
503، ج 48/ 2، 49، 98، 104،
،466، 201
،388،22105، 214، 5
486، 495، 626، ج 28/ 3، 130،
،235، 236، 237، 241، 284، 349
356، 368، 602، 616، ج 13/ 4،
،255، 256،201،23،18،17 257، 367، 368
الطاهر بن عاشور = ابن عاشور
عائشة بنت عميس ج 2/ 105 عبادة بن الصامت ج 176/ 2، ج 3/ 27،
28، ج 4/ 150
طاووس ج 1/ 26، ج 2/ 295، ج 63/ 3. عبادة بن العوام ج 619/ 3 الطبراني ج 1/ 481، ج 2/ 154، 223، العباس بن عبد المطلب ج 462/ 1،
609، ج 3/ 28، ج 4/ 367
الطبري، محمد بن جرير ج 219/ 1،
ج 404/ 2، ج 4/ 205
عبد الله بن إباض ج 206/ 1، 207، 235
304، 421، ج 26/ 2، 221، 223، عبد الله بن أُبي بن سلول، المنافق
461، 513، ج 25/ 3، 342
ج 203/ 3 (4/535)
صفحة 2311
536
القواعد الفقهية عند الإباضية
• عبد الله بن أم مكتوم ج 563/ 2. عبد الله بن الحارث ج 2/ 433
عبد الله بن الزبير ج 544/ 2 عبد الله بن زيد ج 2/ 28
عبيدة بنت محمد ج 53/ 2 عتبان بن مالك ج 1/ 334
عتبة بن عامر ج 1/ 481
عثمان الأصم = الأصم، عثمان
عبد الله بن عباس = ابن عباس، عبد الله عثمان بن أبي العاص الثقفي ج 338/ 1،
عبد الله بن عبد العزيز، أبو سعيد ج 1/ 25، ج 2/ 555
37، 494، ج 3/ 92، ج 143/ 4، 144،
146، 147، 388
عبد الله بن عمر = ابن عمر، عبد الله
عثمان بن
عفان ج 230/ 1، 422، 462،
ج 2/ 120، 431، ج 3/ 28، 606. عثمان بن مظعون ج 3/ 232
• عبد الله بن عمرو بن العاص ج 346/ 3،. عُدي ج 2/ 628
ج 4/ 270
• عبد الله بن مسعود = ابن مسعود، عبد الله
عروة بن الزبير) ج 2/ 49، ج 104/ 4،
208، 276
الكندي، • عز الدين بن عبد السلام ج 211/ 2
عبد الله بن يحيى بن عمر أبو يحيى (طالب الحق) ج 4/ 130 عبد الله بن يحيى الحضرمي ج 131/ 4
215، 603، ج 152/ 3، 155، 223،
،511،357،314،30224، 4
عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب ج 2/ 64 ج 274/ 4، 365 • عبد الرحمن بن عوف ج 29/ 2، 245،. العساكر، إبراهيم ج 1/ 25
543، 566
عبد الرحمن بن النعمان بن معبد بن
هوذة ج 99/ 2
عبد الرزاق ج 604/ 3، ج 4/ 371
عبد الستار أبو غدة ج 74/ 3
عبد العزيز عزام ج 369/ 4
عبد القيس ج 2/ 464، 466
عبد الوهاب بن عبد الرحمن، الإمام
ج 1/ 37، 240، 247
6
عبيدة ج 2/ 181، ج 3/ 344
عطاء بن أبي رباح ج 26/ 1، 234،
349، ج 48/ 2، 245، 295، 429،
237 100
608، ج 3/ 63، 190، ج 4/ 100، 237 4. عطية القرظي ج 2/ 470
عكرمة ج 2/ 513، ج 4/ 228، 388
علاء الدين الطرابلسي ج 3/ 337 العلائي ج 2/ 405، 406، ج 151/ 3،
352، 353، 361
العلقمي، محمد بن عبد الرحمن
ج 281/ 2 (4/536)
صفحة 2312
فهرس الأعلام
537
عمران بن حصين ج 608/ 2 • علي بن أبي طالب ج 231/ 1، 502،
503، ج 2/ 105،
،218،181،180
،29، 415، 486، 487، 4885
،237
542، 610، ج 37/ 3، 38، 360،
،4، 494، 60477،369، 458
ج 104/ 4، 132، 135، 154، 173،
6
25، 371، 3849،257
علي بن مرة ج 458/ 3
• علي حيدر التركي = حيدر، علي
عمرو بن دينار ج 371/ 4 عمرو بن شعيب ج 1/ 336، ج 2/ 468، ج 3/ 35، ج 4/ 98 عمرو بن العاص ج 226/ 2، 231، 421، 587، ج 207/ 4 عمرو بن عثمان بن يعلى بن مرة ج 347/ 2
• عمرو بن هرم ج 1/ 237، ج 4/ 228
• عمرو بن يثربي ج 572/ 2
• عمرو بن يحيى المازني ج 3/ 27، 37 علي يحيى معمر ج 253/ 1، 274،
516، ج 3/ 475، 478، 619، 620،
ج 4/ 30، 263، 305
• عمار بن ياسر ج 289/ 2، 435، 475،
588
عمروس بن فتح ج 86/ 1، 208،
242، 247، ج 297/ 2، 305، 306،
308، 309، 316، ج 4/ 0
0.
• العوتبي، سلمة بن مسلم، الصحاري
ج 35/ 1، 65، 71، 72، 77، 88، عمر بن الخطاب ج 1/ 140، 144،
،229،228،213، 1145، 147، 49،4، 445، 44920،328،327،302،520،517،503،501،481،461
522، ج 2/ 120، 149، 180، 181،
،4، 544، 56631،391،3،231
،272،271،270، 2، 24610،209
511، ج 88/ 2، 612، ج 408/ 3،
468، ج 25/ 4، 35، 65، 71، 95،
349،348، 384
عيسى بن أبان ج 251/ 3
العيني ج 359/ 3 588، ج 37/ 3، 151، 154، 203،
،45، 476،474، 4949،370،213
،603، 605، 606، 616، 617، 621
غ
• الغامدية ج 2/ 16، ج 344/ 4 ج 4/ 58، 133، 173، 207، 256،
392،388،386،372،371
عمر بن عبد العزيز ج 1/ 522، ج 2/ 350،
404، ج 3/ 629، ج 19/ 4
• الغزالي، أبو حامد ج 33/ 1، 98،
182، 192، 195، 567، ج 329/ 2،
378، ج 3/ 308 (4/537)
صفحة 2313
القواعد الفقهية عند الإباضية
538
• الفاداني، محمد ج 1/ 155
فاطمة بنت حبيش ج 2/ 259، ج 3/ 365،
399،39
الفاطمي ج 3/ 483
الفتني ج 2/ 16
الفخر الرازي = الرازي
الفضل بن الحواري ج 452/ 3
الفضل بن العباس ج 4/ 300
القسطلاني ج 368/ 3
القطب = أطفيش أمحمد بن يوسف
قنبر ج 4/ 371
قيس بن سليمان ج 2/ 267
الكاساني ج 356/ 3، 564، 569،
584، ج 241/ 4
• كبشة بنت كعب بن مالك ج 321/ 2
• الكدمي، أبو سعيد ج 17/ 1، 29، 30، الفيومي ج 53/ 1، 57، 62، 92، 95
،208،2065، 14، 4،32،31
،2، 245، 255، 261، 319، 33509
،382،381،380،377،3336، 68
،38، 442، 465، 485، 4879،388
،42، 44، 45، 1،23
القاسمي ج 2/ 206 القاضي، أبو يعلى ج 156/ 2
• قبيصة بن مخارق الهلالي ج 514/ 2
• قتادة بن دعامة ج 206/ 1، 234، ج 2/ 98، ج 3/ 68، 229 القرافي ج 1/ 63، 101، 108، 112،
495، ج 8/ 2،
،47، 54، 55، 56، 66، 67، 68، 69،15، 1611،145،92،79،71،183،182،181،180، 1166، 67،302،301،300، 277،199،189،418، 413،3، 338، 36234،310،419، 424، 425، 430، 443، 454،457، 463، 485، 494، 495، 503،515، 516، 529، 563،560، 564
،181،178،177، 173، 172،135
193، 287، 290، ج 23/ 2، 31، 274، 603، ج 3/ 298، 299، 311،
،5، 60797،511،371،337،312
565، 575، 577، 578، ج 3/ 55،
608، 621، ج 274/ 4
القرضاوي ج 1/ 118
• القرطبي ج 218/ 1، 219 349 42، ج 280/ 2، ج 22/ 3،
،66، 111، 162، 163، 194، 205،3، 306، 37105،277، 271،237،385، 386، 390، 14، 448، 50
،299
230، 344، 346، 580، 602 (4/538)
صفحة 2314
فهرس الأعلام
،522،521،520،519،518،515
،523، 524، 525، 557،542، 584
المازري ج 36/ 3
539
ج 4/ 32، 50، 59، 138، 218، 229، • المازني ج 2/ 626
،237،23،233،232،231،230
353،289،28240، 266، 8
الكرابيسي ج 1/ 143
ماعز ج 310/ 4، 332، 370
مالك بن أنس، الإمام ج 1/ 65، 71،
،429،230،147،127،118
الكرخي ج 78/ 1، 154، ج 84/ 2، ج 29/ 2، 240، 245، 295، 404،
151، ج 3 251، 337، 509، 510،
ج 4/ 306
• كَعْب بن عُجْرَةَ ج 346/ 1، ج 501/ 2،
546، ج 3/ 343، 413
كعب بن مالك ج 581/ 3 الكفوي = أبو البقاء
ج 37/ 3، 93، 606، ج 128/ 4،
،151، 225
،280،270،250،21، 44
3، 344، 36422،299
مالك الصلاني ج 489/ 3
، الماوردي ج 26/ 2
، مجاهد ج 1/ 26، ج 218/ 2، 245،
513
الكندي، أحمد بن عبد الله ج 1/ 210، 246، 316، 447، ج 37/ 2، 45، • محبوب بن الرحيل، أبو سفيان
69، 70، 611، 612، ج 341/ 3، 589،
ج 1/ 235، 441، ج 2/ 335، 437،
ج 374/ 4
504
• الكندي، محمد بن إبراهيم ج 209/ 1، محبوب بن محبوب ج 278/ 4 246، 399، 403، 405، ج 446/ 2،. المحبوبي ج 1/ 143
،536،533،466،415
447، ج 415/ 3،
المحشي = أبو ستة، القصبي السدويكشي
ج 26/ 4، 46، 133، 199، 226،. المحقق الخليلي = الخليلي، سعيد
391،240،235
الكندية، منى = منى بنت هلال
ل
• لوط ا ج 374/ 4
• المحلي ج 2/ 161
محمد بن أحمد السعالي النزوي،
أبو علي ج 136/ 4
• محمد بن دهيم العلفي ج 3/ 488
محمد بن
سلمة المدني ج 4/ 145
الليث ج 1/ 501، ج 2/ 108، ج 3/ 619 • محمد بن عبد الله بن أبي رافع ج 98/ 2 (4/539)
صفحة 2315
• محمد بن محبوب، أبو عبد الله
مسدد ج 4/ 367
القواعد الفقهية عند الإباضية
ج 25/ 1، 26، 86، 241، 243،. مسعدة بن تميم النزوي ج 73/ 4
371، 393، 512، 518، ج 51/ 2،. المسعودي، زهران بن خميس ج 16/ 1،
،271،132،105،97،72،53،4، 404، 41003،351،347
446، 447، 479، ج 341/ 3، 393،
،404 437، 440، 454، 455
،4، 493، 4949456، 488، 0
575،57،572،502، 554
95، 97، 433، 490، ج 4/ 238 مسلم بن الحجاج ج 29/ 2، 155، 469، 573، 588، 608، ج 28/ 3، 155،
ج 269/ 4، 270، 370
مسيلمة بن حبيب الحنفي ج 476/ 2
المطرزي ج 14/ 3
576، 589، 592، ج 3/ 4، 154،. مطرف بن الشجري ج 591/ 2
،331، 336،326،158،155
355، 369،356
• معاذ بن جبل ج 2/ 243، ج 4/ 256
المعافري، الإمام ج 3/ 355
• محمد بن المسبح ج 2/ 325، 338. معاوية بن أبي سفيان ج 38/ 3، 621
محمد بن مسلمة ج 3/ 37 • محمد بن يزيد بن الربيع ج 490/ 3
• محمد بوساق ج 13/ 3
ج 4/ 157. معمر
المغيرة بن شعبة ج 488/ 2، 547،
ج 3/ 187
محمد رشيد رضا ج 1/ 342، ج 2/ 273،. مقاتل ج 2/ 218
275
• محمد عبده ج 2/ 273، 274، 275 • محمد ناصر ج 34/ 1 محمد يوسف موسى ج 1/ 117
المختار بن عوف ج 452/ 3 مرداس بن حدير ج 207/ 1
المرغيناني ج 276/ 2. مريم علا ج 580/ 3
المقري ج 1/ 54، 60، 61، 93، 101
• مكحول ج 332/ 2، 368 المليح بن حسان ج 302/ 3، 341 منصور بن المعتز ج 98/ 2 منى بنت هلال الكندية ج 1/ 17، 255 منير بن النير الجعلاني ج 2/ 417. المهلب بن أبي صفرة ج 580/ 3
• موسى بن أبي جابر ج 72/ 1، 73 (4/540)
صفحة 2316
فهرس الأعلام
541
موسى بن علي، أبو علي ج 1/ 42، 73، 588، ج 3/ 27، 230، 404، ج 4/ 270،
ج 53/ 2، 55، 132، 271، 532،
2، 363، 36471
ج 3/ 437، 595، 627، ج 187/ 4،
278،203
موسي ج 2/ 177، ج 3/ 154
ميمونة ج 563/ 2
هاشم بن غيلان ج 423/ 2، 446،
ن
ج 3/ 68
هاني بن حزام ج 3/ 213
هر موش، محمود ج 18/ 1، 255
النابلسي، عبد الغني ج 143/ 1، 150،. الهضيبي، حسن ج 614/ 3
153
• ناصر بن خميس ج 103/ 2. نافع ج 1/ 481
نافع مولى ابن عمر ج 269/ 4. نبهان ج 579/ 2
النبهاني، يحيى ج 1/ 25 النخعي، إبراهيم ج 26/ 1، 233، 447،
ج 2/ 97، 588، ج 3/ 237، 407
هلال بن محمد الراشدي ج 18/ 1
• هند بنت عتبة ج 441/ 1، 526،
ج 356/ 3، 357، ج 4/ 193، 195. هود بن محكم ج 1/ 210. الهيثمي، علي ج 352/ 3، 353
• الوارجلاني، أبو يعقوب، يوسف بن
الندوي، علي ج 1/ 62، 120، ج 3/ 366 إبراهيم ج 1/ 69، 210، 247، 254،
نزار (كان والياً بفَرْق) ج 73/ 4
النسائي ج 2/ 468، ج 4/ 18
النسفي ج 1/ 144 النعمان بن بشير ج 204/ 3
نور الدين السالمي = السالمي نور الدين
ج 2/ 13، 82، 151
وائل بن حجر ج 309/ 4
وائل الحضرمي ج 1/ 25، ج 4/ 130، 145
وريون بن الحسن، أبو يوسف ج 110/ 3،
247، 261، ج 211/ 4، 380
النووي ج 1/ 428، 429، 430، 446،. الوليد بن عقبة ج 3/ 605
ج 7/ 2، 19، 28، 30، 238، 390،. الونشريسي ج 1/ 118، 138، 187 (4/541)
صفحة 2317
542
يحيى بن آدم القرشي ج 207/ 4 يحيى بن سعيد ج 3/ 35، 155
القطان ج 367/ 4
يوسف اسم علم) ج 4/ 332
• يوسف بن أبي عمران بن زكرياء
ج 416/ 3
• يوسف ج 276/ 4
يونس ج 366/ 3
القواعد الفقهية عند الإباضية (4/542)
صفحة 2318
فهرس المذاهب والطوائف والأديان
آل ياسر ج 2/ 435
أ
• الأكاسرة ج 372/ 3
543
الإمامية ج 2/ 156، ج 4/ 318، 323
الإباضية/ المذهب الإباضي/ الأصحاب/. أمة محمد صلى الله عليه وسلم (الأمة الإسلامية) أصحابنا: لم نقم بفهرسة هذه الكلمات، ج 2/ 313، ج 4/ 105 لأنها محور الدراسة، ولا تكاد تخلو. الأمويون ج 1/ 207. أهل الاستقامة ج 208/ 1
منها صفحة.
الإباضية المشارقة / إباضية المشرق. أهل الإسلام ج 233/ 4 ج 1/ 251، ج 2/ 326، ج 64/ 3، 65،. أهل التحقيق ج 2/ 292. أهل التفسير ج 204/ 4، 378
194، 252، 397، 498
الإباضية المغاربة ج 1/ 252، ج 2/ 326،. أهل جربة ج 3/ 500. أهل الجملة ج 305/ 4
343، ج 64/ 3، 252، 500
الأشعرية ج 556/ 3
أصحاب الرأي ج 98/ 2، 99، 295، ج 4/ 119، 147
ج 3/ 237، ج 4/ 95، 341
أصحاب المذاهب الأربعة ج 36/ 1
• أهل الحجاز ج 360/ 3، 439،
أهل الحديث ج 212/ 1، 213، 483،
ج 156/ 2
• الأصوليون أهل الأصول ج 55/ 1، 56،. أهل حرب ج 2/ 313
،57، 60، 62، 91، 114، 144، 186
6
،2، 268، 35450، 147، 110،8،82
194، 197، 207، ج 31/ 2، 79، 81،
أهل الحضر ج 3/ 285. أهل الحق ج 1/ 208
أهل الدعوة ج 208/ 1، ج 3/ 247
363، ج 3/ 51، 274، 287، 598، 609. أهل الذمة ج 2/ 313، ج 233/ 4 (4/543)
صفحة 2319
544
القواعد الفقهية عند الإباضية
أهل الرأي ج 212/ 1، 213
أهل الظاهر ج 70/ 1، ج 2/ 245
بنو قريظة ج 2/ 470
بنو مصعب ج 3/ 498، 499
أهل العراق ج 134/ 2، ج 359/ 3، بنو النضير ج 2/ 171
439، 452، ج 119/ 4، 147
أهل العرف من العرب ج 459/ 1
أهل عُمان ج 326/ 2، ج 498/ 3، التابعون ج 11/ 1،
561، ج 213/ 4. أهل الفكر ج 2/ 172
،2، 25، 26
،235، 236،227،212،36
267، 459، 503،501، ج 231/ 2،
أهل القبلة ج 1/ 35، ج 4/ 235، 240 ج 21/ 3، 340
أهل الكتاب ج 2/ 170، 312
• أهل اللغة ج 286/ 1، 459،
ج 456/ 3
ج
جماعة المسلمين ج 208/ 1
أهل المدينة ج 483/ 1، ج 2/ 134، جماعة من السلف ج 426/ 1
200، ج 3/ 358، 359
أهل المشرق ج 1/ 206، ج 3/ 294،
614
أهل مصعب ج 498/ 3
أهل المغرب ج 3/ 294، 355، 397،
454، 455، 614
أهل مكة ج 358/ 3، 359
• أهل الملة ج 4/ 346 • أهل ميزاب ج 289/ 3
البدو ج 3/ 285
• بنو عبد الله بن كعب ج 548/ 2
الجمهور (الفقهاء) (العلماء) ج 4/ 108،
،2، 363، 36425،212،198،119
365
ح
الحنابلة ج 483/ 1، ج 39/ 2، 83، 5، 6، 556، 613، ج 251/ 2، 264، 275، 345، ج 48/ 3، 371،
587، 617، ج 4/ 37، 318، 323. الحنفية المذهب الحنفي ج 78/ 1،
،249، 401،198،1150، 69
429، 470، 482، ج 39/ 2، 83،
،124،118، 108،98،86، (4/544)
صفحة 2320
فهرس المذاهب والطوائف والأديان
ش
الشافعية ج 1/ 71، 84، 150، 169، 401، 429، 482، ج 39/ 2، 83،
،251،239،115، 551،150،85
،390،299،278،277، 27264، 5
،151،150،13125، 126، 4
،239، 264،223،17159، 4
،299،276،275،272،270
،324، 366، 556، 615،300
6
6
، ج 3، 371، 373، 429،
،531، 55، 56، 582، 617
،320
619، ج 147/ 4، 148،
365،322،321
خ
الخلفاء الراشدون ج 1/ 207، 212. الخوارج ج 207/ 1، ج 3/ 67
556، 55، ج 48/ 3، 371، 584، 619، ج 4/ 37، 318، 323. الشيعة ج 3/ 371
• الشيعة الإمامية ج 2/ 155، ج 4/ 322،
364
، الصحابة ج 1/ 11، 20، 23، 25، 26،
الدولة الرستمية ج 209/ 1
،227،219، 212،1، 20647،36،231، 236، 267، 382، 459، 463
480، 501، 503، 517، ج 62/ 2،
• الرومان ج 3/ 284
الزيدية ج 318/ 4
ر
ز
،247، 248،231،230،105، 104،344، 34، 441، 442، 486، 488
495 542، ج 21/ 3، 37، 125،
،298،290،233، 152،151،128،340، 34، 352، 600، 603، 605
السلف ج 1/ 25، 30، 37، ج 550/ 2،
606، 612
ظ
الظاهرية ج 2/ 39، 265، 615، ج 76/ 3، 588، ج 3/ 21، 202، 283، 500،
ج 4/ 130
ج 4/ 318 (4/545)
صفحة 2321
546
القواعد الفقهية عند الإباضية
ع
العرب ج 1/ 402، ج 3/ 276، 284،
،367، 374، 376، 388، 293،285،487، 493، 549، 553، 559،558
586
العرنيون ج 466/ 2، 467 علماء الإباضية من فزان ج 4/ 380 علماء الأصول ج 274/ 3، 553
علماء المنطق ج 22/ 2
العُمانيون ج 401/ 3
الفقهاء: لم نقم بفهرسة هذه الكلمة
لكثرة ورودها.
فقهاء الأمصار ج 4/ 372
الفقهاء السبعة ج 404/ 2، ج 4/ 270
فقهاء المدينة ج 4/ 270
الفقهاء المعاصرين ج 17/ 4
ج 2/ 39، 40، 85، 126، 134، 152،
،264، 324، 339، 556،239،17
ج 3/ 32، 8، 90، 128، 371، 584، 617، 19 6، ج 4/ 37، 274، 322 المتكلمون ج 31/ 2
المحامون ج 3/ 292. المدرسة الإباضية ج 327/ 4. مدرسة الرأي ج 1/ 26. مذهب أحمد ج 343/ 3
المشارقة ج 2/ 344
المصريون ج 3/ 285
المعتزلة ج 2/ 83، 86، 156، 230،
ج 551/ 3، 556
معتزلة بغداد ج 2/ 155. المفسرون ج 26/ 2 المناطقة ج 1/ 55، 80، ج 10/ 3
ن
النحاة ج 1/ 55، 60
550
النصرانية ج 2/ 170، 226، 313
القانونيون ج 3/ 565
• الكوفيون ج 139/ 1، 467، 509،
الهنود ج 3/ 285
ج 3/ 127، ج 4/ 373
ل
اللغويون ج 1/ 145
و
الوثنيون ج 3/ 285
المالكية ج 1/ 193، 401، 483، 517،
اليهودية ج 2/ 170،
170، 226، 313 (4/546)
صفحة 2322
فهرس الأماكن والبلدان
547
أ
الأندلس ج 209/ 1
الأهواز ج 3/ 67
• البحرين ج 464/ 2
بريان ج 630/ 3
البصرة ج 1/ 37، 206، 209، 212،
213، ج 3/ 355، ج 4/ 132
البقيع ج 2/ 105
البلاد الإسلامية ج 291/ 3
البلاد العربية ج 3/ 285
تبوك ج 2/ 211، 403، 488. تنزانيا ج 209/ 1
• تشاد ج 209/ 1
تمنكرت ج 338/ 1. تهامة ج 2/ 446
• تونس ج 1/ 18، 44، 209
ج
الجامعة الزيتونية ج 1/ 18
الجبل، يقصد به جبل نفوسة ج 2/ 245
الجحفة ج 2/ 439، 440
بلاد المشرق / البلاد المشرقية ج 3/ 294،. جدة ج 1/ 44، ج 2/ 438، 440، 441،
355، 614
البلاد المغربية ج 614/ 3
البلدان الإسلامية ج 483/ 3
بنورة ج 630/ 3
بني يسجن ج 630/ 3. البيت الحرام) ج 2/ 385 بيت المقدس ج 2/ 114
442
جربة ج 3/ 498
الجزائر ج 1/ 44 209، ج 2/ 343، 349، 449، 598، ج 289/ 3، 566،
631
الجزيرة الخضراء ج 209/ 1
الجزيرة العربية ج 209/ 1 (4/547)
صفحة 2323
548
القواعد الفقهية عند الإباضية
ح
الحجاز ج 1/ 212، ج 2/ 550، ج 119/ 4،. الشام ج 3/ 486، 604، 621، ج 4/ 197،
الحديبية ج 151/ 3، 152
• حضرموت ج 4/ 145، 309
خ
• خراسان ج 209/ 1
371
شبه الجزيرة العربية ج 2/ 489
شمال إفريقيا ج 209/ 1
• صحار ج 352/ 4
الديار المزابية بالجزائر ج 1/ 340
طريق مكة ج 388/ 4
ذو الحليفة ج 2/ 238
روسيا ج 209/ 1
ز
زنجبار ج 209/ 1، ج 3/ 575
سلطنة عُمان ج 1/ 44، 249
السنغال ج 209/ 1
سمرقند ج 1/ 477، ج 431/ 3
السودان ج 209/ 1
ع
العراق ج 1/ 212، ج 2/ 550، ج 3/ 372،
ج 4/ 119، 147
عرفات ج 442/ 2، 545 العطف ج 3/ 630
عُمان ج 104/ 1، 209، 213، 248، 249، 478، 581، ج 326/ 2،
ج 86/ 3، 180، 453، 561، 573،
574، ج 213/ 4
• عوتب ج 74/ 2
غانا ج 209/ 1 غرداية ج 630/ 3
غ (4/548)
صفحة 2324
فهرس الأماكن والبلدان
549
،404، 440، 551،550، 238،200
فَرْق ج 73/ 4. فرنسا ج 631/ 3
• فزان ج 109/ 3، ج 4/ 380
القادسية ج 3/ 605. قباء ج 344/ 2
،247، 261،109
القبلة ج 2/ 296، 302، 311، 387، ج 4/ 235، 240 • القرارة ج 630/ 3
ك
الكعبة ج 2/ 114، 333
• كينيا ج 209/ 1
لبنان ج 531/ 3
ليبيا ج 209/ 1
ل
557، ج 4/ 255، 257، 270 المسجد الحرام ج 2/ 347، ج 61/ 3
، المشرق ج 209/ 1، 244، 246،
ج 3/ 397، 566،430
مصر ج 209/ 1، ج 2/ 114، 192،
ج 373/ 3، 531، 571
المغرب ج 1/ 34، 36، 206، 209، 244، 246، 247، ج 2/ 440، 449،
479، ج 3/ 397، 566
مكة المكرمة ج 1/ 375، ج 2/ 64، 115،
،4، 438، 440، 442، 47037،200
616، ج 335/ 2، ج 151/ 3، 152، 465، 486، ج 104/ 4، 197، 225،
388
مليكة ج 2/ 415، ج 3/ 630
منطقة ميزاب ج 2/ 450
منى ج 436/ 2، 438، 593
ميزاب ج 2/ 620، ج 531/ 3، 571،
630، 631
مالي ج 209/ 1
المحلة ج 599/ 2
مدغشقر ج 209/ 1
• نجران ج 373/ 1
نزوي ج 2/ 599
نفوسة ج 1/ 37
النيجر ج 209/ 1 • المدينة المنوّرة ج 134/ 2، 171، (4/549)
صفحة 2325
550
هجر ج 2/ 328
وادي ميزاب ج 1/ 44، ج 449/ 2، 450، ج 482/ 3، 629، 630
اليمن ج 1/ 209، ج 4/ 131
القواعد الفقهية عند الإباضية (4/550)
صفحة 2326
فهرس الموضوعات (4/551)
صفحة 2327
فهرس (الجزء الأول)
552
تقديم
المقدمة
الفصل التمهيدي: القواعد الفقهية المفهوم والتطور
المبحث الأول: حقيقة القواعد الفقهية وبيان علاقتها بالعلوم المشابهة.
المطلب الأول: تعريف القواعد الفقهية
المطلب الثاني: القواعد الفقهية وعلاقتها بالعلوم والمصطلحات ذات الصلة بها
المبحث الثاني: أنواع القواعد الفقهية وأهميتها وحجيتها
المطلب الأول: أنواع القواعد الفقهية ومراتبها
المطلب الثاني: أهمية القواعد الفقهية وفائدتها
المطلب الثالث: حجية القواعد الفقهية
المبحث الثالث: نشأة القواعد الفقهية وتطورها ومصنفاتها عند الإباضية
المطلب الأول: لمحة مختصرة عن المدرسة الفقهية الإباضية
المطلب الثاني: نشأة القواعد الفقهية
المطلب الثاني: تطور القواعد الفقهية عند الإباضية
المبحث الرابع: التراث الفقهي المتضمن للقواعد الفقهية عند الإباضية
الفصل الأول: القاعدة الكلية الكبرى الأولى
الأمور بمقاصدها وما تفرع عنها
المبحث الأول: حقيقة القاعدة (4/552)
صفحة 2328
فهرس الموضوعات
553
المطلب الأول: أهمية القاعدة ومكانتها عند الإباضية المطلب الثاني: تعريف قاعدة: «الأمور بمقاصدها»
المطلب الثالث: الألفاظ ذات الصلة بالقصد
المطلب الرابع: المعنى الإجمالي لقاعدة: «الأمور بمقاصدها»
المبحث الثاني: تأصيل القاعدة
المبحث الثالث: تطبيقات القاعدة وفروعها
المطلب الأول: أثر المقاصد على العقيدة
المطلب الثاني: أثر المقاصد في العبادات
المطلب الثالث: أثر المقاصد في المعاملات المطلب الرابع: أثر المقاصد في الأحوال الشخصية المطلب الخامس: أثر المقاصد في الحقوق والآداب المطلب السادس: أثر المقاصد في الجنايات والعقوبات المطلب السابع: أثر المقاصد في السياسة الشرعية المطلب الثامن مستثنيات القاعدة
المبحث الرابع: القواعد المتفرعة عن القاعدة الكلية الكبرى «الأمور بمقاصدها» المطلب الأول: القاعدة الأولى: «النية أساس العبادات»
المطلب الثاني: قاعدة لا ثواب ولا عقاب إلا بالنية»
المطلب الثالث: قاعدة كل تصرف من المكلف مرتهن وصفه بطاعة أو معصية
على نيته وقصده»
المطلب الرابع: قاعدة: «مقاصد اللفظ على نية اللافظ في اليمين إلا
الحاكم»
مَن
حلفه
المطلب الخامس: قاعدة: العبرة في العقود للمقاصد والمعاني لا للألفاظ والمباني ... 454 المطلب السادس: قاعدة: «من استعجل الشيء قبل أوانه عوقب بحرمانه»
أو «من قصد بتصرفه غرضاً غير مشروع عومل بنقيض مقصوده»
496 (4/553)
صفحة 2329
فهرس (الجزء الثاني) البابا
الفصل الثاني: القاعدة الفقهية الكلية الكبرى الثانية
اليقين لا يزول بالشك» وما تفرع عنها
المبحث الأول: حقيقة القاعدة.
المبحث الثاني: تأصيل القاعدة.
المبحث الثالث: فروع القاعدة وتطبيقاتها
المبحث الرابع: القواعد المندرجة تحت القاعدة الكبرى: «اليقين لا يزول بالشك». المطلب الأول: قاعدة: «الأصل بقاء ما كان على ما كان».
المطلب الثاني: قاعدة: «الأصل براءة الذمة» المطلب الثالث: قاعدة: «الأصل في الصفات أو الأمور العارضة العدم. المطلب الرابع: قاعدة: «الأصل إضافة الحادث إلى أقرب أوقاته» المطلب الخامس: قاعدة: «هل الأصل في الأشياء والأعيان الإباحة أم الحظر؟». المطلب السادس: القواعد المستثناة قاعدة: «الأصل في الأشياء الإباحة». من
الفصل الثالث: القاعدة الكلية الكبرى الثالثة
المشقة تجلب التيسير» وما تفرع عنها
المبحث الأول: حقيقة القاعدة.
المطلب الأول: أهمية القاعدة ومكانتها عند الإباضية.
المطلب الثاني: تعريف القاعدة. (4/554)
صفحة 2330
فهرس الموضوعات
555
المبحث الثاني: أنواع المشاق وضوابطها.
المبحث الثالث: تأصيل قاعدة المشقة تجلب التيسير.
المبحث الرابع: أسباب التيسير والتخفيف
المطلب الأول: من أسباب التيسير السفر ..
المطلب الثاني: من أسباب التيسير: المرض.
المطلب الثالث من أسباب التيسير النسيان.
المطلب الرابع من أسباب التيسير الإكراه. المطلب الخامس من أسباب التيسير الخطأ. المطلب السادس من أسباب التيسير الجهل.
المطلب السابع من أسباب التيسير: العسر وعموم البلوى.
المطلب الثامن من أسباب التيسير النقص.
المبحث الخامس: أنواع التيسيرات ومجالاتها.
المبحث السادس: تطبيقات وفروع قاعدة: «المشقة تجلب التيسير».
المبحث السابع: القواعد المتفرعة عن القاعدة الكبرى المشقة تجلب التيسير. المطلب الأول: قاعدة الضرورات تبيح المحظورات
المطلب الثاني: قاعدة: «الضرورة تقدر بقدرها»، أو «ما أبيح للضرورة يقدر بقدرها ..... 5009 المطلب الثالث: قاعدة: «ما جاز لعذر بطل بزواله.
المطلب الرابع: قا
529
قاعدة تنزل الحاجة منزلة الضرورة عامة كانت أو خاصة ...... 536
المطلب الخامس: قاعدة الاضطرار لا يبطل حق الغير» المطلب السادس: قاعدة: «إذا تعذر الأصل يصار إلى البدل».
المطلب السابع: قاعدة الميسور لا يسقط بالمعسور».
583 (4/555)
صفحة 2331
فهرس (الجزء الثالث)
الفصل الرابع: القاعدة الكلية الكبرى الرابعة:
«الضرر يزال» أو «لا ضرر ولا ضرار وما تفرع عنها
المبحث الأول: حقيقة القاعدة
المطلب الأول: أهمية القاعدة ومكانتها عند الإباضية
المطلب الثاني: مدلول القاعدة
المطلب الثالث: علاقة قاعدة الضرر يزال بقاعدة: المشقة تجلب التيسير»
المطلب الرابع: ما يبنى على هذه القاعدة من أبواب الفقه.
المبحث الثاني: تأصيل قاعدة: «الضرر يزال» المبحث الثالث: أنواع الضرر، ضوابطه وطرق إزالته.
المطلب الأول: أنواع الضرر.
المطلب الثاني: ضوابط الضرر. المطلب الثالث: طرق إزالة الضرر.
المبحث الرابع: تطبيقات وفروع القاعدة المطلب الأول: في العبادات.
المطلب الثاني: في المعاملات المطلب الثالث: في الأحوال الشخصية.
المطلب الرابع: في باب الحقوق
المطلب الخامس: في باب الجنايات والمظالم.
المبحث الخامس: القواعد المندرجة تحت قاعدة: «الضرر يزال» المطلب الأول: قاعدة الضرر يزال بقدر الإمكان»
المطلب الثاني: «الضرر لا يزال بمثله أو بأعظم
منه
المطلب الثالث: الضرر الأشد يزال بالضرر الأخف أو ارتكاب أخف الضررين
أو أهون الشرين». (4/556)
صفحة 2332
فهرس الموضوعات
المطلب الرابع: يتحمل الضرر الخاص لدفع الضرر العام.
المطلب الخامس: قاعدة: «درء المفاسد أولى من جلب المصالح
المطلب السادس: قاعدة: إذا تعارض المانع والمقتضي يقدم المانع
المطلب السابع: قاعدة الضرر» لا يكون قديماً».
الفصل الخامس: القاعدة الفقهية الكبرى الخامسة العادة محكمة» وما تفرع عنها
المبحث الأول: حقيقة القاعدة
المطلب الأول: أهمية القاعدة ومكانتها عند الإباضية
المطلب الثاني: مدلول القاعدة
المبحث الثاني: أنواع العرف والعادة وشروط اعتبارهما في الأحكام الشرعية.
المطلب الأول: أنواع العرف والعادة
المطلب الثاني: شروط العرف والعادة واعتبارهما في الأحكام الشرعية
المبحث الثالث: تأصيل القاعدة.
المطلب الأول: الأدلة من القرآن الكريم.
المطلب الثاني:: الأدلة من السنة النبوية وآثار الصحابة
المطلب الثالث: الاستدلال بالإجماع والقياس
المبحث الرابع: تطبيقات قاعدة: «العادة مُحَكَمة وفروعها المتخرجة عليها.
المطلب الأول: تحكيم العرف والعادة في العبادات.
المطلب الثاني: تحكيم العرف والعادة في المعاملات
المطلب الثالث: تحكيم العرف والعادة في الأحوال الشخصية
المطلب الرابع: تحكيم العرف والعادة في الحقوق والآداب العامة.
المطلب الخامس: تحكيم العرف والعادة في الجنايات والعقوبات
المبحث الخامس: القواعد الفقهية المتفرعة عن القاعدة الكلية الكبرى «العادة محكمة»
المطلب الأول: القواعد الفرعية المعبّرة عن بعض شروط العرف والعادة.
المطلب الثاني: القواعد الفقهية المعبرة عن تأثير العرف العملي في الأحكام.
المطلب الثالث: القواعد الفقهية المعبّرة عن تأثير العرف القولي في الأحكام ..... 5447
المطلب الرابع: «لا ينكر تغير الأحكام بتغير الأزمان (4/557)
صفحة 2333
فهرس (الجزء الرابع)
الفصل السادس
القواعد الفقهية الكلية الصغرى
المبحث الأول: القواعد الكلّية المتعلقة بنظرية الضمان
المطلب الأول: قاعدة: «الخراج بالضمان»
المطلب الثاني: المطلب: قاعدة: «الغُزم بالغُنم»
المطلب الثالث: قاعدة: «الخطأ لا يزيل الضمان ويرفع الإثم» المطلب الرابع: قاعدة: «المباشر ضامن ولو لم يتعمد، والمتسبب لا يضمن إلا بالتعدي»، وقاعدة: «إذا اجتمع المباشر والمتسبب يضاف الحكم إلى المباشر» المطلب الخامس: قاعدة: الضمان لا يجب إلا بالتعدي أو التفريط»، أو «الضمان بالتعدي والمفرط ضامن المطلب السادس: قاعدة «المؤتمن لا يضمن إلا بالتعدي أو التقصير» (التفريط): قاعدة: «الأجر والضمان لا يجتمعان»
المطلب السابع:
المطلب الثامن: قاعدة «جناية العجماء جبار» المطلب التاسع: قاعدة: «الجواز الشرعي ينافي الضمان»
المبحث الثاني: القواعد الكلية المتعلقة بنظرية الملك المطلب الأول: قاعدة: «اليد على الشيء دليل ملكه» أو «اليد دليل الملك» المطلب الثاني: قاعدة: «لا يجوز لأحد أن يتصرف في ملك الغير بلا إذن»، أو «لا يجوز التصرف في ملك الغير بلا إذنه»
المطلب الثالث: قاعدة: «ليس لعرق ظالم حق» (4/558)
صفحة 2334
فهرس الموضوعات
المطلب الرابع:: قاعدة: «ما حَرُم أخذه حرم إعطاؤه، وما حرم فعله حرم طلبه، وما حرم استعماله حرم اتخاذه»
المطلب الخامس: قاعدة من ملك شيئاً ملك ما هو من ضروراته»
أو التابع تابع أو التابع لا يفرد بالحكم ما لم يصر مقصوداه المطلب السادس: قاعدة: «لا يتم التبرع إلا بالقبض»
المبحث الثالث: القواعد الفقهية المتعلقة بنظرية الإثبات المطلب الأول: قاعدة: «البينة على المدعي واليمين على من أنكر» المطلب الثاني: قاعدة البينة حجة متعدية والإقرار حجة قاصرة»
المطلب الثالث: قاعدة المرء مؤاخذ بإقراره» المطلب الرابع: قاعدة: «الأمين مصدق باليمين» المطلب الخامس: قاعدة: «الحدود تسقط بالشبهات»
المصادر والمراجع
الفهارس
فهرس الآيات القرآنية الكريمة
فهرس الأحاديث والآثار
فهرس القواعد الفقهية والأصولية
فهرس الأعلام
فهرس المذاهب والطوائف والأديان
فهرس الأماكن والبلدان
فهرس الموضوعات
فهرس (الجزء الأول)
فهرس (الجزء الثاني)
فهرس (الجزء الثالث) (4/559)