صفحة 1
المجال: غير المطبوعات، ملتقيات وندوات
المادة: أصول الفقه
------------------------------------------
العنوان: المباحث الأصولية في كتاب الضياء للعوتبي دراسة وصفية
المؤلف: جابر بن سليمان فخّار
الجهة المنظمة: كلية التربية - جامعة السلطان قابوس
تاريخ التنظيم: مارس 2022م
عنوان المؤتمر: الموسوعات الشرعية العمانية وآفاقها التربوية والحضارية
الكلمات الدالة: الاباضية، أصول الفقه، العوتبي، كتاب الضياء
------------------------------------------
مصدر النسخة المُصوّرة (PDF):
https://www.researchgate.net/publication/362554341_almbahth_alaswlyt_fy_ktab_aldya_llwtby_drast_wsfyt
تمّ الحصول على ملف (Word) مِن المُؤلِّف مباشَرة (جزاه الله خيرا).
ترقيم الصفحات: موافق للمطبوع
تاريخ النشر الرسمي بالشاملة الإباضية: 16 رجب 1446ه/ 16 - شهر 01 - 2025م. المباحث الأصولية في كتاب الضياء للعوتبي: دراسة وصفية
د. جابر بن سليمان فخار
إمام وخطيب، وزارة الأوقاف والشؤون الدينية، سلطنة عمان
شهد التدوين في علم أصول الفقه لدى الإباضية نماء وتطورًا عبر القرون، وقد ترك علماؤها تراثًا علميًّا متنوِّعًا أسهموا به في حركة التأليف في علم الأصول. وكان لعلماء عمان نتاج غزير في هذا المجال، تجسَّد في تلك الموسوعات الشاملة في علوم الشريعة، والتي شكَّلت نمطا خاصا في التصنيف في هذا العلم.
وقد تم اختيار موسوعة "الضياء" لأبي المنذر سلمة بن مسلم العوتبي نموذجا للدراسة في هذه الورقة، حيث تناول فيها المؤلف مباحث أصولية في الأجزاء الأولى منها.
وتكمن أهمية هذا البحث في دراسة نمط مختلف في التأليف الأصولي عند الإباضية، يتجلى في المقدمات الأصولية على الكتب الفقهية، بحيث نحاول تحليل المادة التي حوتها موسوعة الضياء، والكشف عن عناصرها المنهجية، ثم تقويم هذا النتاج ضمن السياق التاريخي للتأليف الأصولي عموما، وعند الإباضية على وجه الخصوص.
أما مشكلة البحث فتتحدد في السؤال عن منهج العوتبي في تصنيف المادة الأصولية في كتابه الضياء.
ويتفرع عن هذا السؤال الرئيس أسئلة جزئية هي:
1 - ما مدى استيعاب المؤلف للمباحث الأصولية المتداولة في ذلك العصر؟
2 - ما طريقته في التصنيف؟ وما مصادره المعتمدة؟
3 - ما هي خصائصه المنهجية، وإلى أي مدرسة أصولية ينتمي؟
وتتغيَّا هذه الدراسة تحقيق جملة أهداف تتمثل في إبراز جهود العوتبي في التأليف الأصولي، ثم تقويم ذلك مقارنة بما وصل إليه علم الأصول في تلك الحقبة التاريخية، وكذا إبراز قيمته العلمية في سياق تطور التأليف الأصولي عند الإباضية.
أما المنهج المعتمد في البحث فهو وصفي تحليلي.
هذا وتنتظم محاور هذه الورقة في مقدمة ومبحث تمهيدي، ثم ثلاثة مباحث وخاتمة.
المبحث التمهيدي:
أولا: العوتبي حياته وعصره (1):
هو أبو المنذر سلمة بن مسلم بن إبراهيم العوتبي الصحاري، نسبة إلى بلدة عَوْتَب في ولاية صحار، عالم موسوعي جمع بين علوم الشريعة واللغة العربية وآدابها، إضافة إلى خبرته بتاريخ العرب وأنسابها.
ورغم شهرة هذا العَلَم، فإن الغموض يكتنف جوانب أساسية من حياته، إذ لا تفيدنا المصادر ولا كتب التراجم
__________
(1) ينظر ترجمته لدى: البطاشي، إتحاف الأعيان في تاريخ بعض علماء عمان، 1/ 350. السعدي، معجم الفقهاء والمتكلمين الإباضية، 2/ 120، رقم:348. الكندي أحمد، منهج الشيخ العوتبي الصحاري في كتابه الضياء، ص 21. كتاب الضياء (مقدمة التحقيق)، 1/ 12. (1/1)
صفحة 2
بمعلومات وافية عن مولده ونشأته ولا العصر الذي عاش فيه، وهو ما لا يتناسب مع ما خلَّفه من آثار نفيسة، وما قدَّمه من خدمة جليلة للتراث الإباضي خاصة والإسلامي عامة.
لذلك غاية ما تفيده تلك المصادر إشارات وقرائن استفاد منها الباحثون والمؤرِّخون لسدِّ ذلك الفراغ عن سيرته، وهو ما جعلهم يختلفون اختلافًا بيِّنًا في تحديد الفترة الزمنية التي عاشها، حيث امتدَّ هذا التقدير من القرن الرابع إلى القرن السادس الهجري (1).
وليس من غرضنا في هذه الورقة استقصاء البحث في هذه المسألة، غير أن ما نميل إليه أنه عاش خلال القرن السادس؛ بناءً على قوة القرائن المستشهد بها ورجحانها على غيرها، ويرجع أهمها إلى المصادر التي اعتمد عليها العوتبي في تأليف موسوعته ونقل نصوصا منها، والتي يرجع وفاة أصحابها إلى القرن السادس، ككتب الزمخشري (ت 538 هـ) (2)، وكتاب المحرر الوجيز لابن عطية (ت 542 هـ) (3)، وكتاب الملل والنحل للشهرستاني (ت 548) (4)، مع غلبة الظن أن النقل منه وليس من الزيادات على الكتاب.
وبناء عليه فإننا نتخذ هذه المقاربة مرجعا في تحديد الإطار الزماني الذي ألف فيه العوتبي مقدمته الأصولية، وتساعدنا في وضع هذا النتاج العلمي ضمن سياقه التاريخي لمسيرة تطور علم الأصول عموما، وعند الإباضية على وجه الخصوص.
وغاية الأمر التقريب قدر الإمكان، وإلا فإن الحسم يغدو محالا مع عدم توفر المعلومات القاطعة، وتضارب الأمارات واضطرابها، والمسألة مفتوحة لمزيد التحقيق والنظر.
أما مسيرته العلمية فلا تفيدنا المصادر بأسماء مشايخه، غير ما ذكره ابن مداد (ت 917 هـ) في سلسلة نسب العلماء (5) أنه أخذ عن الشيخ سعيد بن قريش (6)، إلا أن المؤرخ سيف البطاشي (ت 1420 هـ) جعل ابنه أبا علي الحسن (7) شيخا للعوتبي (8)، وفي هذا من التضارب وعدم توافقه مع عصر العوتبي ما يدعو إلى التثبت من هذه المعلومات. غير أن الأظهر أنه أخذ مبادئ العلم عن والده (9).
ولعله كان عصاميا في تحصيل العلوم في المراحل اللاحقة من حياته، فعكف على كتب العلماء مدارسة وحفظا،
__________
(1) ينظر: الكندي، منهج الشيخ العوتبي الصحاري في كتابه الضياء، ص 27 وما بعد. مقدمة تحقيق الضياء، 1/ 17 وما بعد.
(2) مقدمة تحقيق الضياء، 1/ 82 - 83.
(3) المرجع نفسه، 1/ 83.
(4) المرجع نفسه، 1/ 80.
(5) ابن مداد، السيرة، ص 24.
(6) سعيد بن قريش العقري النزوي، أبو القاسم (ق 4 - 5 هـ): فقيه قاض من علماء نزوى، روى عن الشيخ أبي الحسن ومحمد بن المختار. ينسب إليه كتاب الإيضاح. (ينظر: السعدي، معجم الفقهاء والمتكلمين، 2/ 99، رقم:326).
(7) الحسن بن سعيد بن قريش أبو علي (ت 453 هـ): قاض فقيه من علماء القرن الخامس، أخذ العلم عن والده سعيد بن قريش، تولى القضاء للإمام راشد بن سعيد والخليل بن شاذان. (ينظر: السعدي، معجم الفقهاء والمتكلمين، 1/ 143، رقم:120).
(8) ينظر: البطاشي، إتحاف الأعيان، 1/ 350.
(9) ينظر: الكندي، منهج الشيخ العوتبي الصحاري في كتابه الضياء، ص 32 - 33. مقدمة تحقيق الضياء، 1/ 29. (1/2)
صفحة 3
خاصة آثار أشياخ المدرسة الرستاقية التي ينتمي إليها، وعلى رأسهم الإمام ابن بركة البهلوي، وكذا أبي الحسن البسيوي، ومما يؤيد هذا أنه اعتبرهما شيخيه في العلم كما عبَّر بذلك في مواضع من موسوعته (1)، وهذا ما يفسر عناية العوتبي بآثار أعلام هذه المدرسة في تأليف موسوعته "الضياء".
هذا، وقد عاش العوتبي في زمن شهدت فيه عمان اضطرابات داخلية وتقلبات سياسية، وعلى خلاف المشهد السياسي، فقد عرفت الحركة العلمية تطورًا وازدهارًا، نتيجة التنافس الذي كان بين المدرستين الرستاقية والنزوانية (2)، توِّج هذا النشاط العلمي بتأليف أشهر الموسوعات العمانية وهي: "بيان الشرع" لمحمد بن إبراهيم الكندي (ت 508 هـ)، و"المصنف" لأحمد بن عبد الله الكندي (ت 557 هـ)، وكذا "الضياء" وغيرها؛ حيث كان لهذه الموسوعات الدور البالغ في حفظ تراث الأعلام السابقين من الاندثار والضياع.
ثانيا: التعريف بموسوعة الضياء:
يعد كتاب الضياء من أهم الموسوعات العلمية التي ألفها العمانيون في القرون السابقة، وهي بما تحويه من شتى أصناف العلوم وغرر الفوائد، تشهد لمؤلفها بسعة الاطلاع وطول الباع في شتى فنون المعرفة الأدبية والشرعية.
وقد بيَّن العوتبي في مقدمة كتابه دواعي التأليف، وطريقته في التصنيف؛ حيث هدف من خلال مشروعه إلى جمع آثار علماء الإباضية المشارقة، وإعادة تنصيفها وترتيبها في أبوابها العلمية، وقد كان أكثر اعتماده على مؤلفات أعلام المدرسة الرستاقية التي ينتمي إليها، وعلى رأسهم الإمامان ابن بركة وأبو الحسن البسيوي.
ولم يمنعه انتماؤه المذهبي من الاستفادة من تراث أعلام الإسلام، حيث ضمنه آراء المدارس الفقهية الأخرى، فغدت موسوعة متميزة في الفقه المقارن، أضف إلى ذلك ما حوته من مباحث لغوية وشذرات أدبية، ومواعظ وغيرها؛ فينتقل القارئ بين أفانين العلوم ورياض المعارف دون سآمة ولا كلالة.
أما محتوى الموسوعة فقد جاءت شاملة لعلوم الشريعة فروعها وأصولها، حاوية للدُّرر والمُلَح، في العقيدة والتفسير والحديث والفقه واللغة وغير ذلك، تتوزع على أربعة وعشرين جزءا على الأشهر، طبع منها اثنان وعشرون جزءا (3). ضمنها المؤلف في أجزائها الثلاثة الأولى ما يتعلق بأصول الدين ومسائل التوحيد وعلم الكلام، وكذا مباحث علم الأصول، بادئا بأبواب العلم وآدابه. ثم خصص الجزء الرابع للتزكية وأعمال القلوب، مع شيء من فقه السياسة الشرعية.
ثم تناول في بقية الأجزاء فقه الحلال والحرام، بدءا بفقه العبادات، إلى الأحوال الشخصية، ثم أحكام القضاء وفقه الجنايات، ثم تطرق إلى أحكام الوصايا والمواريث، وانتهى بأحكام المعاملات.
ويبدو من خلال هذه المحاور الكبرى للموسوعة أن العوتبي ابتغى وضع مدونة تحيط بكافة الجوانب التعبدية للمكلف، وفق المفهوم الشامل والمعنى الواسع للعبادة، عقيدة وفقها وسلوكا، على أن الفقه كان غايته المقصودة
__________
(1) ينظر: الضياء، 16/ 199.
(2) حول التعريف بالمدرستين ينظر: راشد بن علي الحارثي، الاختلافات الفقهية بين المدرستين النزوانية والرستاقية، ندوة تطور العلوم الفقهية: التأليف الموسوعي والفقه المقارن، ص 71 - 87.
(3) انظر الخلاف في حجم موسوعة الضياء وما فقد منها: مقدمة التحقيق، 1/ 50 - 53. (1/3)
صفحة 4
بالتصنيف، فنال النصيب الأكبر وحظي بالقسط الأوفر في التأليف، وفي هذا يقول: «على أن الغرض المقصود به، والغرض الموضوع له هو الفقه الذي هو العلم الأعم والفن الأتم» (1).
قد بذل العوتبي جهدا معتبرا في تأليف هذه الموسوعة، فخرجت بهذا الحسن في التصنيف، والإحكام في الترتيب، والجودة في الصياغة، ولعل هذا من مميزات المدرسة الرستاقية، حيث كان اهتمامها ظاهرا واطلاعها واسعا بعلوم العربية وعلم أصول الفقه، ونتيجة لذلك كانت مؤلفاتهم أكثر انسجاما ورصانة (2).
وبهذه الخصائص والمزايا تبوأت موسوعة الضياء مكانة خاصة لدى علماء الإباضية، وحظيت باهتمامهم مشارقة ومغاربة، وغدت مصدرا أصيلا في المذهب الإباضي يرجع إليها العلماء والدارسون.
ثالثا: التأليف الأصولي عند الإباضية إلى ما قبل العوتبي (3):
انطلق التأليف عند الإباضية منذ أواخر القرن الأول للهجرة، وهذا من خلال أعمال الأئمة الأوائل كجابر بن زيد (ت 93 هـ) وأبي عبيدة مسلم (ت حواليي 150 هـ) والربيع بن حبيب (ت ما بين 175 - 180 هـ)، حيث كانت المؤلفات جامعة للسنن والآثار والفتاوى، وفيها امتزج الفقه مع العقيدة والحديث، وكانت قواعد الأصول مبثوثة في ثنايا مسائل الفقه وجوابات الفقهاء كما نجده في ديوان أبي غانم الخراساني (ق 2 - 3 هـ).
وفي القرن الثالث الهجري تنامت ظاهرة التأليف عند إباضية المشرق، وبرزت مدونات فقهية تعتبر المصادر التأسيسية في تاريخ الإنتاج الفكري العماني، وذلك كآثار الإمام محمد بن محبوب (ت 260 هـ)، وجامع ابن جعفر (حي: 280 هـ)، وأعمال أبي المنذر بشير بن محمد بن محمد (ت بين 280 و 290 هـ)، غير أنه لم يعرف علم الأصول استقلالا في التأليف، غير ما ينسب إلى أبي المنذر كتاب البستان في الأصول كما وصفه بذلك الإمام السالمي (4)، وهو في عداد المفقودات، ولا ندري مقصوده بالأصول أصول الدين أم أصول الفقه، لذا لا يمكن تصنيفه ضمن المؤلفات الأصولية جزما.
وفي القرن الرابع الهجري تتزود المكتبة الإباضية بمؤلف فقهي فريد وهو كتاب "الجامع" لأبي محمد عبد الله ابن بركة البهلوي (ت حوالي 363 هـ)، إذ يعتبر من أهم مصادر الفقه الإباضي، حيث أفرد الفصول الأولى في كتابه لمسائل في أصول الفقه، كانت المرجع الأساس للمؤلفات المشرقية اللاحقة. كما أن له كتاب "التعارف"، وهي رسالة صغيرة تحدث فيها عن أصل العرف، وعن اليقين الذي تبنى عليه الأحكام الشرعية. وبهذا يعد نتاج ابن بركة محور التأليف الأصولي عند الإباضية، وبالخصوص عند المشارقة منهم.
وخلال القرنين الخامس والسادس الهجريين نشطت حركة التأليف في عمان عموما، وعرف ميلاد الموسوعات الفقهية
__________
(1) الضياء، 1/ 199.
(2) ينظر: الخليلي أحمد بن حمد، العوتبي بين الفقه والأصول والأدب، قراءات في فكر العوتبي، ص 68.
(3) للتفصيل حول مصادر علم الأصول عند الإباضية ينظر: مصطفى بن صالح باجو، منهج الاجتهاد عند الإباضية، ص 84. جابر فخار، التأليف الأصولي عند الإباضية: دراسة كرونولوجية وصفية، مجلة المنهاج، جمعية الشيخ أبي إسحاق إبراهيم اطفيش لخدمة التراث، غرداية، الجزائر، العدد 4، محرم 1437 هـ/ أكتوبر 2015 م، ص 105.
(4) ينظر: السالمي عبد الله بن حميد، اللمعة المرضية، ص 105. (1/4)
صفحة 5
الشاملة، منها "بيان الشرع" لمحمد بن إبراهيم الكندي (ت 508 ه)، و"الضياء" لسلمة بن مسلم العوتبي (ق 6 ه)، و"المصنف" لأحمد بن عبدالله الكندي (ت 557 ه)، وغيرها. ولم تخل هذه الموسوعات من ذكر مسائل أصولية في الأجزاء الأولى منها، وفيما يأتي من المباحث دراسة لهذا النمط من التدوين الأصولي لدى الإباضية من خلال موسوعة "الضياء".
المبحث الأول: المباحث الأصولية في الكتاب: سؤال الاستيعاب:
تتوزع مباحث علم الأصول على الأجزاء الأولى من موسوعة الضياء، وقد حاولت جمعها وتصنيفها في الجدول الآتي، مع بيان عدد المسائل تحت كل باب، كما أشرت خصوصا إلى المسائل المتضمنة مما لا تدل عليه ترجمة الباب، خدمة للقارئ لمعرفة مظانِّ بعض المسائل.
وتجدر الملاحظة هنا أن العوتبي سمى الباب الأول من الجزء الثالث بـ (باب في شيء من الأصول)، واستهلَّه بذكر حد الأصل والفرع، ثم بيان أهمية علم الأصول للفقيه والمتفقه. وتناول في الباب الثاني مسائل في القياس.
وقد يعتقد الناظر أن مسائل الأصول في الموسوعة تقتصر على ما في هذين البابين، والواقع أن العوتبي قد أورد مباحث أخرى في الجزأين الأول والثاني، وعملنا يتثمل في تتبع هذه المادة الأصولية وعرضها وفق ترتيب المؤلف، كما هو مبيَّن في الآتي:
رقم الجزء ... الباب الأصولي ... عنوان الباب في الكتاب ... عدد المسائل
الأول (كتاب العلم والعقل وما يتعلق بهما) ... الاجتهاد والتقليد والإفتاء ... باب في آداب المسؤول والسائل والفتيا والجواب عن المسائل ... 36 مسألة
باب صفة المستحق للسؤال عن الحلال والحرام
باب التقليد ... وفيه مسألة في قول الصحابي
مصطلحات أصولية ... باب الدرس والمذاكرة والمراء والمناظرة ... حوى تعريف 16 مصطلحا. وتضمن ذكر أقسام الإجماع، والترجيح بين العلل تحت مصطلحي الإجماع والترجيح
الثاني (كتاب التوحيد) ... دليل الكتاب ... باب 08 في القرآن ... 8 مسائل، وأغلبها في موضوع النسخ
باب 09 في أحكام القرآن
دلالات الألفاظ ... باب 10 في المحكم (1/5)
صفحة 6
والمتشابه ... 8 مسائل، ويشمل مسائل في العام والخاص، ومسألة في الإضمار والكناية
باب 11 في الأوامر والنواهي ... 21 مسألة، والأخيرة تعريف لبعض مصطلحات الحكم الشرعي التكليفي. ... ويتضمن الباب مسائل في البيان، وفي المنطوق والمفهوم
دليل السنة ... باب 12 في الأخبار عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ... 7 مسائل، وفيه مسألة حول الترجيح بين الأخبار المتعارضة
الثالث (كتاب الأصول) ... مصادر الاستدلال (مختصر) ... باب 1 في شيء من الأصول ... مسألتان
أسباب الخلاف ... مسألة واحدة
الاجتهاد ... الصواب والخطأ في الاجتهاد
قاعدة اليقين لا يزول بالشك وما يتفرع عنها ... 17 قاعدة وضابطا فقهيا
مسالك العلة ... مسألتان
الدليل الشرعي ... مسألة في الأدلة غير النصية، وأخرى في الإجماع
دلالات الألفاظ+ أنواع القياس ... فصل من كتاب الجلابي الشافعي
دليل القياس ... باب في القياس ... 13 مسألة
(1 - المباحث الأصولية في موسوعة الضياء)
ملاحظات واستنتاجات:
1 - يمكن ترتيب الأبواب الأصولية حسب حجمها المادي في الكتاب كالآتي:
الاجتهاد والتقليد - دلالات الألفاظ - دليل الكتاب- السنة- القياس- التعريفات- مصادر الاستدلال- الإجماع - التعارض والترجيح.
2 - يحتل باب الاجتهاد والتقليد الصدارة من حيث حجم المادة الأصولية في الموسوعة؛ حيث توزعت مسائله في الجزء الأول منها، وتطرق فيها المؤلف إلى قضايا الفتوى والاستفتاء بإسهاب، مفصِّلًا أحوالها، ومبيِّنًا أحكامها، مع ملاحظة ذكره لهذه المسائل ضمن أبواب العلم وآداب العالم والمتعلِّم، وقد ألحقناها بمباحث علم الأصول بناء على ما فيها من مسائل تتعلق بهذا العلم، ولو أن المؤلف لا يقصد تصنيفها تحته كما يبدو من خلال ترتيبه. (1/6)
صفحة 7
ولعل ما يفسِّر استهلال العوتبي موسوعته بموضوع الاجتهاد والتقليد وما يتَّصل به من أحكام الإفتاء والاستفتاء، كونه من أولويات ما يجب على المكلف علمه من أحكام دينه، إذ لا يُعبَد الله إلا بعلمٍ، ويستوي في هذا العالم والعاميُّ؛ كما أن أمر الاجتهاد والتقليد لا يتعلق بالأحكام العملية فحسب، بل يشمل أحكام الدين عقيدة وفقها.
3 - حاز دليل القياس النصيب الأوفر من الأدلة الأصولية في الكتاب، وتناول فيه المؤلف جملة من المسائل المتداولة في كتب الأصول، لكن مع غيابٍ لأهمِّ محور في القياس وهو مسالك العلة وشروطها، إلا ما تناوله باقتضاب في صفحة واحدة حول مسلك الدوران وقادح النقض.
4 - يلاحظ غياب بابَيْن أصوليَّين هما: الحكم الشرعي، والأدلة المختلف فيها؛ نحو الاستصلاح والاستحسان، وشرع من قبلنا. رغم حضورهما في خارطة التأليف الأصولي إلى حدود القرن السادس الهجري (1).
ولعل المؤلف لم يقصد الاستقصاء لكل المباحث الأصولية، واقتصر على ما وجده فيما سبق من المصادر الإباضية، مع العلم أن التأليف على نمط المقدمات الأصولية لا يستقصي فيها أصحابها جميع مباحث هذا العلم، وإنما يقتصر فيه على ما يهم الفقيه، وله أثرٌ في الفروع، لذلك تأتي مباحث دلالات الألفاظ في طليعة المسائل المركزية في هذه المقدمات وذلك ما نجده في موسوعة الضياء.
على أنه لم تخل الموسوعة من إشارات تتَّصل بنظرية الحكم الشرعي، من ذلك ما أورده العوتبي حول اتفاق العلماء على أن الشرع هو المصدر الوحيد لمعرفة أحكام الحلال والحرام، حيث قال: «لا تنازع بين أهل العلم أن صورة الأشياء لا تدل على تحليلها وتحريمها من طريق مشاهدتها والعلم بها وبأوصافها، وأن التحليل والتحريم مأخوذ منهما من طريق السمع» (2). كما يذكر في موضع آخر تعريفات لأقسام الحكم التكليفي من الواجب والحرام والمندوب والمباح والجائز (3).
- أما ما يتعلق بالأدلة المختلف فيها فقد صرح ببعضها في سياق ذكر الخلاف في المعتبر من الأدلة غير النصية؛ حيث يقول: «تنازع الناس في الدليل الذي هو غير النص؛ فقال بعضهم: الدليل الذي هو غير النص: القياس أو إجماع أهل الأعصار. وقال بعضهم: القياس والاستحسان. وقال بعضهم: القياس وعمل أهل المدينة» (4).
أما دليل الاستصحاب فلا نجد له ذكرا باسمه، غير أن معناه حاضر في بعض القواعد الدالة عليه، وألصقها به قاعدة "اليقين لا يزول بالشك"؛ حيث أورد جملة من القواعد المعبرة عن مضمونها بما يصل إلى 17 قاعدة وضابطا فقهيا (5)، من ذلك قوله:
"الأشياء على أصولها حتى ينقلها ناقل عنها".
__________
(1) وذلك ما نجده في أهم المؤلفات الأصولية سواء على مذهب الجمهور أو الحنفية؛ كأصول السرخسي، كالمستصفى للغزالي، وغيرهما.
(2) الضياء، 2/ 32.
(3) انظر: الضياء، 2/ 405 - 406.
(4) الضياء، 3/ 27.
(5) انظر: الضياء، 3/ 23 - 24. (1/7)
صفحة 8
"الأصل أنه لا فرض على الإنسان حتى تصح الدلالة على إيجاب الفرض عليه".
"أصل بني آدم الحرية، والرقُّ طارئ عليهم، وأصلهم الحياة، والموت حادثٌ عليهم".
5 - إذا كان المعتبر في موضوع علم الأصول عند الجمهور هو الأدلة السمعية وكيفية دلالتها على الأحكام الشرعية، فنجد تعلق المسائل الأصولية في كتاب الضياء بهذه الموضوعات وتتمثل في بابي الأدلة الشرعية، ودلالات الألفاظ. وعلى هذا يمكن القول إن العوتبي استوعب أهم موضوعات علم الأصول، واحتوى كتابه على لبابه إجمالا.
6 - رغم اشتمال الموسوعة على رؤوس الموضوعات الأصولية، فإننا نلحظ عدم استيعاب الباب لكل مسائله المبحوثة في علم الأصول، كما نجد ذلك في مباحث دلالات الألفاظ (1)، ومباحث القياس (2)؛ حيث اقتصر العوتبي على إيراد بعض المسائل، مائلا إلى إبراز معاني المصطلحات مع استطرادات لغوية (3).
وفيما يتعلق بدليل السُّنة فقد ركَّز العوتبي على الاستدلال لحجيَّة خبر الواحد، وحكم العمل به في الفقه والعقائد، كما بيَّن أنواعه وطرق الترجيح بينها عند التعارض، وفي الجزء الثالث تطرَّق إلى حجيَّة السُّنة على وجه الإجمال. غير أنا نلحظ غياب مبحث الفعل النبوي وما يتعلق به من المسائل المتداولة في كتب الأصول في تلك الحقبة التاريخية.
المبحث الثاني: مصادر العوتبي في التصنيف:
لا يخفى على قارئ موسوعة الضياء ذلك الثراء المعلوماتي والتنوُّع المعرفي في ثنايا أجزائها، وهذا يدل على سعة اطِّلاع مؤلفها، وامتلاكه لثروة مصدرية في شتى فنون المعرفة، خاصة ما تعلق بعلوم الشريعة واللغة العربية (4).
ولا ريب أنه اعتمد في إعداد مادته الأصولية على ما توفَّر لديه من كتبٍ في هذا الفن، لذا نحاول في هذا المبحث حصر هذه المصادر، واكتشاف أصول بعض النصوص.
هذا، ونجد العوتبي عادة لا يصرِّح باسم المصدر الذي نقل منه، وإنما يكتفي بذكر العالم الذي أخذ منه المسألة، كقوله: «قال أبو محمد»، أو «عن الحسن بن محمد الجلابي»، ويعدُّ هذا من أيسر الوسائل في معرفة مصدر النقل. كما يستعمل في أحايين أخرى أسلوب الإبهام؛ حيث يشير إلى مصدر المعلومة بقوله: «عن قومنا» (5)، أي: أنه منقول من كتاب غير إباضي. ورغم إبهامه فإنه يشكِّل نوعًا من العزو يفيدنا في اكتشاف مصادره في التأليف.
وإن كانت الأساليب الأولى فيها التصريح بالنقل عن الغير، فإنه غالبا ما يستقي النصوص ولا يشير إلى مصدرها على عادة المؤلفين في ذلك الزمن، وقد حاولنا الوصول إلى مصادر بعض النصوص من خلال أدوات البحث الرقمية، وكذا من خلال الاطلاع على الكتب الإباضية السابقة لعصر المؤلف.
وعليه، يمكن تصنيف هذه المصادر إلى مصرحة ومكتشفة:
__________
(1) ينظر مثلا: باب المحكم والمتشابه، الضياء: 2/ 376 - 384.
(2) ينظر: الضياء، 3/ 37 - 53.
(3) ينظر مثلا: الضياء، 1/ 492 - 498. 2/ 378، 382، 393.
(4) قام المحققان بجهد مشكور في تتبع مصادر العوتبي في تأليف الضياء وتصنيفها. ينظر: الضياء (مقدمة التحقيق)، 1/ 75.
(5) الضياء، 2/ 405. (1/8)
صفحة 9
أولا: المصادر المصرَّح بأسماء مؤلفيها:
ذكرنا آنفا أن التصريح يكون من خلال ذكر اسم المؤلف لا عنوان الكتاب، وبالتتبع فنجد العوتبي قد صرح باسم عالمين نقل عنهما في الموسوعة:
1 - الإمام ابن بركة (1): حيث نقل عنه كثيرا من المسائل الأصولية من خلال كتابه "الجامع"، مستهلاًّ النقل بقوله "قال أبو محمد" (2).
يعتبر هذا الكتاب من بواكير التأليف الأصولي لدى الإباضية، والذي يعود إلى منتصف القرن الرابع الهجري؛ حيث ضمَّنه المؤلف فصولا مهمة في علم الأصول، صدَّر بها مدونته الفقهية، مع وجود مسائل أصولية أخرى متناثرة بين الأبواب (3).
2 - الحسن بن أحمد بن محمد الجلابي (4): أحد علماء الشافعية، نقل عنه العوتبي بعض مباحث دلالات الألفاظ وجملة من التعريفات الأصولية وذلك في ثلاثة مواضع من الكتاب (5).
لكن يلاحظ أن كتب التراجم والطبقات لا تنسب لهذا العالم كتابا مفردا في الأصول ولا كتبا أخرى، غير كتاب واحد بعنوان "المدخل في الجدل"، ولعله الكتاب الذي نقل منه العوتبي، نظرا لما بين علمي الجدل والأصول من التداخل المعرفي.
ثانيا: المصادر المكتشفة:
إن القارئ لما حواه الضياء من فصول في الأصول يجده حافلا بالآثار المنقولة عن الصحابة والتابعين، وبسائر أقوال العلماء من مختلف المدارس الإسلامية، على غرار الثروة اللغوية والأدبية. وهو دليل على استقاء العوتبي مادته من مظان مختلفة وإن لم يصرح بأسمائها.
وقد حاولت اكتشاف المصادر التي رجع إليها العوتبي من خلال قراءاتي السابقة لبعض النصوص الأصولية لدى الإباضية، ومن خلال تقنية البحث الرقمي، فتوصلت إلى جملة منها بيان ذلك في الآتي:
1 - كتاب الجامع لابن بركة: على غرار المواضع التي يستهلُّ فيها النقل من هذا الكتاب بقوله «قال أبو محمد»، فإنه قد أخذ عنه نصوصا أخرى دون الإشارة إلى ذلك. وبعد الاستقصاء تبيَّن أن العوتبي قد تتبع كل المادة الأصولية
__________
(1) عبد الله بن محمد بن بركة السليمي أبو محمد (ت ما بين: 362 هـ-363 هـ): من أشهر علماء الإباضية، أخذ العلم عن أبي مالك غسان الصلاني وغيره. استقر بمدينة بهلا وبها أنشأ مدرسته العلمية، وكان له أثر في الحركة الفكرية والسياسية بعمان. ترك عدة مؤلفات أبرزها كتابه "الجامع". (ينظر: السعدي، معجم الفقهاء والمتكلمين، 2/ 291).
(2) ينظر مثلا: الضياء، 1/ 506، 2/ 387، 403، 413، 3/ 7، 54.
(3) عن محتوى الكتاب وأهميته ينظر: جابر فخار، نظرية المصلحة عند الإباضية وتطبيقاتها الفقهية من خلال آثار ابن بركة وأبي سعيد الكدمي (ق 4 هـ)، أطروحة دكتوراه، ص 30.
(4) الحسن بن أَحْمد بن مُحَمَّد الطبري أَبُو الْحُسَيْن الجلابي (ت: 375 هـ): من فقهاء الشافعية، أخذ العلم عن أبي القاسم الداركي، ثمَّ درَّس في حَيَاته، وكَانَت لَه معرفَة بالْحَدِيث. له كتاب المدخل في الجدل. (ينظر: طبقات ابن السبكي، 3/ 253. هدية العارفين، 1/ 271).
(5) ينظر: الضياء، 2/ 354، 382، 3/ 34. ويلاحظ بعض الاختلاف في ورود اسمه، مما يبدو أنه من تصحيف النساخ. (1/9)
صفحة 10
الذي نثرها ابن بركة في كتابه الجامع، وأدرجها في موسوعته، مع إعادة الترتيب، وجمع ما تفرَّق منها تحت بابٍ متَّحدٍ أو مسألةٍ واحدةٍ.
وعليه يمكن القول إن ما يوجد في الضياء معتمِدٌ أساسًا على ما دوَّنه ابن بركة في كتابه الجامع، ثم أضاف إليه من غيره ما أتمَّ به البنيان (1).
2 - التقييد لابن بركة: وهو من المؤلفات الأولى لهذا الإمام ولا يزال مخطوطا، والكتاب يحتوي على جوابات متنوعة في الفقه والعقيدة وأصول الفقه. وقد أمكن رصد بعض النصوص التي نقلها العوتبي من التقييد، مع إمكان وجود نصوص أخرى لم نكتشفها بعد. ونكتفي هنا بالإشارة إلى نصَّين:
الأول: ما جاء في الفصل المعنون بـ: "حكم العمل بخبر الواحد في الفقه والعقيدة" حيث قال: «وإذا رفع الخبر وهو عدل؛ فإن كان الخبر مما يلزم العمل به ... » (2). والآخر: ما ورد في كتاب الأصول تحت مسألة: "في معرفة الحق ومصادر الاستدلال"، حيث قال: «الحق يعرف من أربعة أوجه: من الكتاب والسنة والإجماع وحجة العقل ... » (3).
3 - الأكلة وحقائق الأدلة لنجاد بن موسى المنحي (4): يعد كتابه من أهم مؤلفات الإباضية في الأصول وعلم الكلام، ولا يزال مخطوطا. مع العلم أن المنحي يشترك مع العوتبي في الانتماء إلى المدرسة الرستاقية.
ونظرا لوجود تطابقٍ بين نصوص في الأكلة والضياء (5)، فإنه ولا بد من أن يكون أحدهما أخذ عن الآخر، وهذا مبني على السبق الزمني؛ فان اعتبرنا المنحي أسبق، بناء على امتداد عمر العوتبي إلى منتصف القرن السادس، فإنه يمكن القول إنه هو الناقل عن المنحي، وإذا ثبت العكس فيكون المنحي هو الناقل عن العوتبي، والله أعلم بالصواب.
4 - الرسالة للإمام الشافعي: والتي أطبقت شهرتها الآفاق منذ زمانه، ولا يبعد أن تصل إلى مكتبات عمان في الأعصار اللاحقة إلى زمن العوتبي، كما وفد غيرها من الكتب، لذا كان من المحتمل أن يعتمد عليها في تأليف مادته الأصولية.
ومما يقوي هذا الاحتمال ما أورده العوتبي من نصوصٍ حول حجية العمل بخبر الواحد؛ إذ نلحظ فيها الشبه الكبير مع ما ذكره الشافعي في الرسالة، من حيث ترتيب النصوص من جهة، ومن حيث تطابق ألفاظ بعض الروايات المستدل بها سندا ومتنا، وهذا الشبه يبدأ من قوله: «خبر: روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من طريق ابن مسعود قال: «نضر الله عبدا ... » (6)، إلى عبارة: «وليس الزيادة في التأكيد مانعة أن تقوم الحجة بالواحد» (7).
__________
(1) نظرا لكثرة المواضع التي نقل فيها العوتبي من الجامع، نكتفي بالإشارة إلى بعض منها: الضياء، 1/ 505، 508، 2/ 376، 385، 388، 407، 3/ 21، 26، 37. وجلُّ مسائل باب القياس مأخوذ من الجامع.
(2) الضياء، 2/ 412. وأصله في التقييد (مخ)، ص 336.
(3) الضياء، 3/ 11. وأصله في التقييد (مخ)، ص 105.
(4) نجاد بن موسى اليحمدي المنحي (ت: 513 هـ): من بلدة منح بداخلية عُمان، قاض وال، وعالم فقيه، من أعلام المدرسة الرستاقية، ترك آثارا علمية قيمة، منها «الأكلة وحقائق الأدلة» في الأصول وعلم الكلام. (ينظر: السعدي، معجم الفقهاء والمتكلمين، 3/ 270).
(5) قارن مثلا: الضياء، 1/ 489 - 490، 502 - 503. الأكلة، ص 16 - 17، 46 - 47. الضياء، 3/ 35 - 36. الأكلة، ص 84.
(6) الضياء، 2/ 420. ويقابله في الرسالة، 3/ 401.
(7) الضياء، 2/ 424. ويقابله في الرسالة، 3/ 437 - 438. (1/10)
صفحة 11
لكن الذي يلحظ وجود نوع من الاختصار والانتقاء في كتاب الضياء، لذا يظل الشك قائما في استمداد العوتبي مادته من كتاب الرسالة مباشرة، أم من كتاب أصولي آخر ناقلٍ عن الشافعي، وعلى كلا الاحتمالين فإن النص الأصلي عائد إلى كتاب الرسالة سواء أخذ عنه العوتبي مباشرة أو بالواسطة، والله أعلم.
5 - الفقيه والمتفقه للخطيب للبغدادي (1): أحد علماء الشافعية الذين انتشرت كتبهم في الآفاق، وكان بعضها مصدرا للعوتبي في موسوعته. وقد أثبت المحقِّقان أخذه من إحدى كتب الخطيب وهو كتاب "الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع" في عدة مواضع (2)، وهذا مما يقوي احتمال استفادته من كتب أخرى له مثل "الفقيه والمتفقه".
ففي الباب الذي خصه لآداب السؤال والفتيا من الجزء الأول، يلاحظ الشبه الكبير بين بعض النصوص وبين ما جاء في كتاب الفقيه والمتفقه، من ذلك مثلا: قوله: «ولا يسوغ للمفتي أن يأخذ الأجرة ممن يفتيه .. » (3)، وقوله: «ومن أدب المستفتي أن لا يقول عند جواب المفتي: وهكذا قلت أنا .. » (4)، وقوله: «ومنع بعض قومنا أن يطالب السائل الحجة فيما أجيب به، وأن يقول به: لم وكيف» (5)، ولعله يشير إلى قول الخطيب: «وليس ينبغي للعامي أن يطالب المفتي بالحجة فيما أجابه به، ولا يقول لم ولا كيف» (6).
مما سبق تبين أن العوتبي قد استفاد في تأليفه الأصولي من عدة مصادر، يأتي في طليعتها كتاب الجامع لابن بركة، ويتلوه كتاب التقييد له أيضا، ثم كتاب الأكلة للمنحي.
ونجد حضور المؤلفات الأصولية للشافعية، مما يفيد تنوع مصادره في التصنيف، واستفادته من المدارس الإسلامية الأخرى، وهذا ما يؤكد خاصية الانفتاح في المدرسة الإباضية، وعدم انغلاقها على تراث أعلامها.
المبحث الثالث: منهج العوتبي في التأليف:
نحاول في هذا المبحث دراسة منهج العوتبي في تأليف المباحث الأصولية في الموسوعة، وذلك بالنظر في جانبين: يتعلق الأول بطريقته في بناء المادة العلمية من حيث الترتيب والصياغة. وأما الجانب الآخر فيتصل بمنهج البحث الأصولي ومدى قربه من المدارس الأصولية المشهورة في التأليف، وسنفرد لكل جانب مطلبا.
__________
(1) أحمد بن علي بن ثابت أبو بكر الخطيب (392 - 463 هـ): حافظ محدث وفقيه، رحل في طلب العلم إلى عدة بلدان، واستقر مقامه ببغداد. له شغف بالمطالعة والتنصيف، وترك ما يجاوز ستين مؤلَّفا أغلبها في علم الحديث، ومن أشهرها تاريخ بغداد. (ينظر: السبكي، طبقات الشافعية الكبرى، 4/ 29).
(2) ينظر: الضياء، مقدمة التحقيق،1/ 83.
(3) الضياء، 1/ 442. ويقابله في الفقيه والمتفقه: 2/ 347.
(4) الضياء، 1/ 445. ويقابله في الفقيه والمتفقه: 2/ 381.
(5) الضياء، 1/ 446.
(6) الفقيه والمتفقه: 2/ 382. (1/11)
صفحة 12
المطلب الأول: طريقته في التصنيف:
أولا: من حيث الترتيب:
عرض العوتبي المادة الأصولية في موسوعته وفق الترتيب المبين في الشكل أدناه:
(2 - ترتيب المباحث الأصولية)
ملاحظات واستنتاجات:
1 - يلاحظ توزع هذه المباحث في الأجزاء الثلاثة الأولى للموسوعة، وانتشارها بين أبواب متفرقة، يتخللها مباحث عقدية، وهنا يعود السؤال إلى معياره في التصنيف؟ ومدى اندراج جميع هذه المسائل عنده تحت علم الأصول؟ مع استحضار ذلك التداخل المعرفي بين علم أصول الفقه وعلوم أخرى، كعلوم القرآن وعلوم الحديث.
2 - يبدو وجود تناسب عام في هذا الترتيب الموضوعي الذي اختاره المؤلف، بحيث إذا استثنينا مباحث الجزء الأول، مع ما ذكرناه سابقا حول مناسبة استهلال العوتبي موسوعته بمسائل الاجتهاد والتقليد، فإننا نجد مباحث القرآن تأتي في صدارة الأبواب الأصولية، ذلك أنه المصدر الأول الذي تؤول إليه جميع أحكام الشريعة أصولا وفروعا، كما قال: «وأحكام الشريعة كلها مأخوذة من طريق واحد وأصل واحد وهو كتاب رب العالمين» (1). وقد أورده ضمنه مسائل النسخ لتعلُّق إشكالاته بنص القرآن، وعليه مشى الغزالي (505 هـ) في المستصفى، والإسمدني الحنفي (552 هـ) في بذل النظر.
وعلى إثر دليل الكتاب أتى على مباحث الألفاظ، وهو صنيع كثير من الأصوليين، كما هو عند الجصاص (370 هـ) في الفصول، والباقلاني (403 هـ) في التقريب، والشيرازي (475 هـ) في اللمع، وغيرهم.
والدليل الثاني بعد الكتاب هو السنة، وفيه اهتم بقضية حجية خبر الآحاد، وضمنه أورد مبحث الترجيح بين
__________
(1) الضياء، 3/ 14. (1/12)
صفحة 13
الأخبار، ومثل هذا نجده في كتاب الفصول للجصاص، وبذل النظر للإسمندي. ثم يأتي دليل القياس آخرا كما هو رتبته في سلَّم الأدلة المتفق عليها.
وعليه فلا يخلو ترتيب العوتبي من تناسب عام، مع شبهه بما عليه التصنيف لدى علماء الأصول.
3 - من مآخذ التصنيف عند المؤلف تشتُّت مسائل الموضوع الواحد في أبواب متفرقة، كما نجد ذلك في مسائل العلة المتوزعة بين الجزأين الأول والثالث (1)، رغم عقده بابا خاصا في القياس (2). ومثال ذلك أيضا دليل الإجماع الذي تطرق إليه في الجزأين الأول والثالث (3).
وفي هذه الحال قد يحيل العوتبي إلى الموضع السابق الذي تناول فيه ذات الموضوع، كما نجده لما تكلم عن الحجة والعلة والإجماع في الجزء الثالث، نبه القارئ إلى سبق تناوله هذه المسائل قائلا: «وقد مرَّ شيء من ذكر العلة والدليل والحجة والإجماع في باب المناظرة قبل هذا» (4).
4 - مما يلاحظ عليه أيضا نقص الترتيب بين المسائل في الباب الواحد، وهذا نلفاه -مثلا- في باب الأوامر والنواهي؛ بحيث امتزجت المسائل فيه بين مواضيع الأمر والبيان والمفهوم، وإن كان الأول هو الغالب (5)، وكذا في الباب الأول من الجزء الثالث، حيث عنونه بـ: "باب في شيء من الأصول" (6)، وقد ضمنه مسائل أصولية مشتتة، لا تنتظم تحت نسق واضح.
5 - تداخل المسائل الكلامية مع الأصولية، دون أن تربطها علاقة موضوعية، كبناء أصل على أصل، وهذا نلحظه في الباب الأول من الجزء الثالث؛ فقد تناول فيه ما يتعلق بمعرفة الله، وحجته على الخلق، وحقيقة الدين ومبانيه (7)، وفي فصل آخر تحدث عن الأجسام والأعراض (8)، مع العلم أنه أفرد في الموسوعة أبوابا مستقلة لمسائل أصول الدين.
ثانيا: من حيث الصياغة:
- تميز أسلوب المؤلف بالإيجاز وعدم التطويل؛ حيث نحا منهج الاختصار في معالجة المسائل الأصولية، خاصة في مباحث الألفاظ والأدلة الشرعية، ولمَّا قصد المؤلف تركيز العبارة، والتعبير عن المعنى بأقصر بيان، جعل الكتاب غنيًّا بالقواعد الأصولية (9)، مع العلم أن أسلوب الاختصار سمة عامة في المقدِّمات الأصولية على الكتب (10).
__________
(1) ذكر تعريف العلة وتكلم الترجيح بين العلل في الجزء الأول ص: 493، 494، 499 - 501. وفي الجزء الثالث ص:26.
(2) الضياء، 3/ 37.
(3) ينظر: الضياء، 1/ 498، 3/ 28.
(4) الضياء، 3/ 30. وباب المناظرة هو في الجزء الأول، وانظر هذه المسائل في صفحات: 1/ 492 - 498.
(5) الضياء، 2/ 385.
(6) الضياء، 3/ 7.
(7) الضياء، 3/ 7 - 11.
(8) الضياء، 3/ 25.
(9) ينظر مثلا: الضياء، 2/ 381، 382، 3/ 22 - 23.
(10) ينظر: أحمد الرشيد، المقدمات الأصولية، ص 55. (1/13)
صفحة 14
هذا وتتجلى هذه السمة لدى العوتبي في أمرين:
1 - تقرير القواعد الأصولية والاقتصاد في ذكر الأدلة والحجج (1).
2 - الاقتصار عند ذكر خلاف أصولي على إيراد الأقوال دون أدلتها، مع استعمال أسلوب الإبهام وعدم التصريح بأسماء المذاهب أو العلماء إلا نادرا (2).
ويمكن التمثيل بهذا النص الذي ذكر فيه خلاف العلماء في الأدلة غير النصية حيث قال: «تنازع الناس في الدليل الذي هو غير النص؛ فقال بعضهم: الدليل الذي هو غير النص: القياس أو إجماع أهل الأعصار. وقال بعضهم: القياس والاستحسان. وقال بعضهم: القياس وعمل أهل المدينة. وقال بعضهم -وهم أصحاب الظاهر- الدليل هو موجب النص وإن لم يكن مذكورا، أو مجموع النص» (3). ويلاحظ تفرُّد القول الأخير بذكر صاحبه وهم الظاهرية، إذ عادة ما يصرِّح بمذهبهم وأسماء أعلامهم عند إيراد خلاف أصولي (4).
إلا أن ما يشذُّ عن نسق الاختزال والإيجاز هو مباحث الاجتهاد والإفتاء والتقليد، والتي أوردها في الجزء الأول من موسوعته؛ حيث استوفى فيها مسائله، وبيَّن أحكامه للمكلف، سواء أكان عالما مفتيا أم مقلدا سائلا، ولم يخل من المسائل التي هي ألصق بآداب المفتي والمستفتي منها بعلم الأصول، مما يدل على مركزية هذا الموضوع وأهميته لدى العوتبي، مع العلم أنه أوردها في كتاب العلم وليس في كتاب الأصول كما سبقت الإشارة إليه.
- الاهتمام بتعريف المصطلحات الأصولية، فقد تم إحصاء ما يربو على 35 مصطلحًا معرَّفًا، ويعدُّ بهذا موردًا خصبًا في مجال المصطلحات الإباضية الخاصة بعلم الأصول.
- العناية بالشرح اللغوي للحدود وغريب الألفاظ، مع الاستشهاد بالشعر العربي وبكلام أهل اللغة (5)، وهذه سمة نلفاها حاضرة في كافة أبواب الموسوعة، فالعوتبي إمام من أئمة اللغة، ولا شك أن هذه النزعة ستلقي بظلالها في مؤلفاته، وقد صرَّح بهذا الشأن في مقدمة موسوعته حيث قال: «وقد فسَّرت جميع ما ذكرت في هذا الكتاب من لفظ غريب ومعنى عجيب، ليكون مستغنيا بتفسيره عن الرجوع فيه إلى غيره» (6)، وهذا ما يفسِّر استطراده في شرح معاني بعض الألفاظ إثر النصوص التي يوردها ويستشهد بها (7).
المطلب الثاني: منهج البحث الأصولي:
نهدف في هذا المطلب إلى الجواب عن سؤال الانتماء المدرسي للتأليف الأصولي عند العوتبي، وقد اشتهر في هذا
__________
(1) ينظر مثلا: الضياء، 2/ 381 - 383. 3/ 11 - 12، 21
(2) ينظر مثلا: الضياء، 1/ 493، 494. 2/ 387، 402. 3/ 28 - 29، 30، 40، 41.
(3) الضياء، 3/ 27.
(4) من ذلك نسبة القول بنفي المجاز إلى محمد بن داود الأصفهاني (الضياء، 1/ 497). ونفي القياس إلى أبيه داود (3/ 40، 43).
(5) ينظر مثلا: تعريف: الحجة (1/ 492)، الوحي (1/ 495)، الإجماع (1/ 498)، الحق (3/ 12)، الباطل (3/ 13).
(6) الضياء، 1/ 199.
(7) ينظر: الضياء، 2/ 353، 396، 397. 3/ 13 - 14. (1/14)
صفحة 15
الإطار طريقتان في التأليف إلى نهاية القرن السادس، هما: مدرسة المتكلمين ويسمون بالجمهور، ومدرسة الفقهاء وأصحابها الحنفية. ثم برزت طرق أخرى في القرون اللاحقة.
أما في مسار التأليف الأصولي لدى الإباضية إلى ما قبل عصر العوتبي، فأهمُّ عمل برز في هذه الفترة تلك المقدمة الأصولية التي وضعها ابن بركة على كتابه "الجامع"؛ حيث سلك فيها منهج المتكلمين في تحرير المسائل وتقرير القواعد، والاستدلال لها بالأدلة النقلية والعقلية، وبقواعد اللغة، مع العلم أنه لم تخل مباحثه من الربط بين الأصول والفروع، مركزا على أهم القواعد الأصولية التي لها أثر في الخلاف الفقهي، ثم تأتي من بعده موسوعة الضياء لتستوعب مسائل كتاب "الجامع"، مع إضافات من غيره.
وإذا كان التأليف الأصولي في "الضياء" على نمط المقدمات الأصولية على الكتب الفقهية، وكان أغلبها على نهج مدرسة المتكلمين (1)، فإننا نفترض قيام منهج البحث في مقدمة العوتبي على طريقة المتكلمين، مع عدم خلوِّها من الفروع الفقهية المخرَّجة على تلك الأصول.
ومن أجل اختبار هذه الفرضية، حاولنا تحليل المادة الأصولية في الكتاب، واكتشاف معالم منهج البحث الأصولي فيها، والتي يمكن إجمالها في العناصر الآتية:
أولا: الاستدلال للمسائل الأصولية بنصوص الكتاب والسنة:
ويمكن التمثيل لهذا ببعض المسائل: من ذلك قوله عن التقليد المذموم: «قد ذم الله تعالى التقليد في غير موضع من الكتاب، وجاءت السُّنة بذمِّه أيضا» (2).
وعن وجوب تقليد العامِّي للعالم في الفروع العملية قال: «وكذلك المحتكم إلى الفقيه عليه أن يقلده فيما يحكم عليه فيما لا يعلم الحكم فيه، قال الله تعالى: {فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (43)} [النحل:43]»، ثم ذكر وجه الاستدلال بالآية (3).
وفي باب الأدلة، استدل لحجِّية كلٍّ من: الكتاب والسنة والإجماع ونظر العقل، بجملة نصوصٍ من القرآن الكريم ومن السنة النبوية (4). ويمكن إيراد هذا النص الذي يلخِّص فيه العوتبي حجية الأدلة الثلاثة الأولى مع إرجاعها إلى أصل واحد، حيث يقول: «وأحكام الشريعة كلها مأخوذة من طريق واحد وأصل واحد وهو كتاب رب العالمين ... ، والسنة علمت بكتاب الله، وبه وجب اتِّباعها. والإجماع أيضاً عُلم بكتاب الله وبالسنة التي هي من كتاب الله؛ لأن الإجماع توقيف، والتوقيف لا يكون إلاّ عن الرسول - صلى الله عليه وسلم -» (5).
ثانيا: الاستدلال بعمل الصحابة وبالإجماع:
__________
(1) ينظر: أحمد الرشيد، المقدمات الأصولية، ص 68.
(2) الضياء، 1/ 508.
(3) الضياء، 1/ 506.
(4) الضياء، 3/ 11 - 12
(5) الضياء، 3/ 14 - 15. (1/15)
صفحة 16
من الأدلة التي يستند إليها الأصوليون في الاحتجاج للقواعد الأصولية، عمل الصحابة بهذه القواعد في فتاويهم وأقضيتهم، ولعل موضوع القياس أوضح أصلٍ اعتمدوا فيه على هذا النوع من الأدلة (1)، وفي هذا يقول العوتبي: «الحجة لمن قال بالقياس فعل الصحابة له وإجازتهم القول بالرأي لبعضهم بعضا من طريق الاجتهاد والقياس» (2)، ويقول في موضع لاحق: «فلما أجازت الصحابة ذلك لبعضهم بعضا كان فعلهم حجةً على من خالف ذلك» (3).
ولما كان القياس نوعا من الاجتهاد بالرأي فقد ثبت جوازه بالإجماع، وفي هذا يقول: «الفتيا بالرأي من السُّنة، لقوله - صلى الله عليه وسلم - «لا يجمع الله أمتي على ضلال» وقد أجمعوا على القول بالرأي» (4).
ثالثا: الاستدلال باللغة وبقواعد العقل:
لما كان باب دلالات الألفاظ يرجع إلى مباحث اللغة، فقد عول في تقرير القواعد فيه على لغة العرب، مثال ذلك ما نجده في مسائل الأمر والنهي؛ حيث استدل لدلالة الأمر على الوجوب من جهة اللغة بقوله: «والله تعالى خاطبنا بما تعقل العرب في خطابها، والعرب تسمي "افعل" [ولا تفعل] (5) أمرًا ونهيًا، فإذا أمر من تجب طاعته والانقياد لأمره كان على المأمور إتيان ما أُمر» (6)، وبمثل هذا النص استدل به على دلالة الأمر على الفور إذا لم يحدَّد بزمن، واستشهد ببيتٍ شعريٍّ للشاعر الجاهلي ضمرة بن ضمرة (7).
وفي مباحث الدلالات أيضا نقف على أوجهٍ من الاستدلالات العقلية على مسائل أصولية، كمسألة دلالة الأمر على الفور أو التراخي (8)، ومسألة تأخير البيان عن وقت الحاجة (9)، ومسألة الأمر بالشيء نهي عن ضدِّه (10).
رابعا: قلة التصريح بأصول المذهب:
مما يلاحظ في منهج المؤلف ندرة تصريحه بأصول المذهب الإباضي أثناء عرضه لمسائل الأصول، وكذا بيان آراء علمائه في المسائل الخلافية، ولعل هذا مما يميِّز طريقة المتكلمين في بحث الأصول، والتي تتَّسم بالتجريد وتحقيق المسائل بصرف النظر عن آراء المذاهب الفقهية، حيث تكون الأصول حاكمة على الفروع لا العكس (11).
__________
(1) عن الاستدلال لحجية القياس بعمل الصحابة ينظر: الجويني، البرهان، 2/ 13. الآمدي، الإحكام في أصول الأحكام، 4/ 40.
(2) الضياء، 3/ 46.
(3) نفسه.
(4) 1/ 464.
(5) سقطت من نص الضياء، وأثبتها من كتاب الجامع لابن بركة، فأصل العبارة منه. (الجامع، 1/ 176).
(6) الضياء، 2/ 386.
(7) وهو قوله لما حبسه النعمان بن المنذر ثم أمر بإطلاقه فأخروا ذلك:
فلو كنت ذا أمر مطاع لما بدا ... توانٍ مع الإمكان في حال أمركا (الضياء، 2/ 393).
(8) الضياء، 2/ 387.
(9) الضياء، 2/ 388.
(10) الضياء، 2/ 397.
(11) وفي هذا يقول الجويني: « .. فحق الأصولي ألا يلتفت إلى مذاهب أصحاب الفروع ولا يلتزم مذهبا مخصوصا في المسائل المظنونة الشرعية». (البرهان، 2/ 35). ينظر: عبد الوهاب أبو سليمان، الفكر الأصولي، ص 447. (1/16)
صفحة 17
على أنه قد صرح في بعض المواضع بموقف علماء المذهب من المسألة محل البحث، ونشير إلى جملة منها في الآتي:
1 - مسألة نسخ القرآن بالسنة: حيث يقول: «والذي عليه جلُّ فقهاء أصحابنا أن القرآن ينسخ القرآن ويُنسَخ بالسنة، كما أن السنة تُنسَخ بالسنة، وقد وجدت لبعض أصحابنا أن السنة لا تنسخ القرآن، ولعل هذا مذهب البصريين» (1).
2 - مدلول صيغة الأمر: حيث يرون أنها تدل على الوجوب، قال: «وبالقول الأول يقول أصحابنا رحمهم الله» (2).
3 - دلالة الأمر على الفور أو عدمه: قال: «والذي يذهب إِليه شيوخنا والأشبه بأصول أئمتنا أن الأَمْر إذا ورد بفعل قد خُصَّ بوقتٍ، فللمأمور إيقاعه في أوله أو وسطه أو آخره، وتعجيل الفعل في أول الوقت أفضل. وإذا ورد الأَمْر بفعل غير محصور بوقت، فإن تأخيره جائز عندهم إلى آخر أيام الحياة» (3).
4 - تقديم الخبر المثبت على النافي عند التعارض: قال: «وإذا ورد خبران أحدُهما ينفي الفعل والآخر يوجب إثباتَه؛ كان الإثبات أولى إذا لم يُعلم المتقدم منهما من المتأخر، ولا النَّاسِخ من المَنْسُوخ. وهذا على أُصول أَصْحَابنَا يصحّ إلى ما يذهبون إليه في الحظر والإباحة والأوامر. وقد وافَقَنَا الشافعيُّ في هذا المعنى» (4).
وإذا وُجد خلافٌ بين علماء المذهب حول مسألة أصولية أشار إليه، نحو ما نجده في باب القياس؛ حيث ذكر اختلافهم في حجيته بقوله: «واختلف أيضا أصحابنا فيه، فرآه بعض، ولم يره آخرون، وممن لم يره محبوب رحمه الله» (5). ثم أورد بعض المسائل في المذهب التي لم يأخذ فيها أصحابها بالقياس، مما اتخذه دليلا على عدم احتجاجهم به في الأحكام (6).
ولكن هذا لا يسلَّم به؛ ذلك أن عدم الأخذ فقيهٍ بالقياس في بعض المسائل ليس دليلا على نفيه العمل به بإطلاق.
خامسا: التمثيل والتخريج:
على الرغم من أن منهج المتكلمين كان السائد في مباحث الكتاب، فإنه لم يخل من ذكر الفروع الفقهية التي بُنِيت على تلك الأصول، لذلك يلاحظ حضور شيءٍ من التمثيل لبعض القواعد الأصولية، نحو ما نجده في الفصل الذي نقله عن كتابٍ للحسن الجلابي الشافعي (7)، وكذا ما أورده من فروع المذهب تخريجًا على أصل القياس (8)، نذكر منها: القول بإيجاب الجزاء على المحرم إذا كان الصيد خطأ، طهارة الدواب التي لا دم فيها قياسا على الجراد، طهارة طرح الطير
__________
(1) الضياء، 2/ 352. وأصل النص عند ابن بركة، الجامع، 1/ 143.
(2) الضياء، 2/ 402.
(3) الضياء، 2/ 387. وقد أخذه عن ابن بركة، الجامع، 1/ 171.
(4) الضياء، 2/ 411. وأصل النص عند ابن بركة، الجامع، 1/ 73.
(5) الضياء، 3/ 43.
(6) ينظر: الضياء، 3/ 44 - 45.
(7) ينظر: الضياء، 3/ 34 - 36.
(8) ينظر: الضياء، 3/ 38 - 39. (1/17)
صفحة 18
الوحشي ونجاسة الأهلي منه، تحديد أقل الصداق بأربعة دراهم قياسا على المقدار في قطع يد السارق.
وعليه يمكن القول: إن منهج العوتبي مائل نحو طريقة المتكلمين، وإن لم تخل مادته الأصولية من الفروع الفقهية، سواء أكانت عامة، أم خاصة بفقه المذهب، سعيا منه لربط الفروع بأصولها، وإبانة لأثر تلك الأصول في الاختلاف الفقهي.
خاتمة وتوصيات:
بعد هذا الدراسة المختصرة حول النتاج الأصولي للعوتبي من خلال موسوعته الضياء، يمكن إجمال ما توصلنا إليه في العناصر الآتية:
1 - تعتبر المقدمة الأصولية التي وضعها العوتبي في موسوعته الضياء، من أهم الأعمال الأصولية في المذهب الإباضي والتي جاءت بعد كتابات الإمام ابن بركة، حيث تتجلى أهميتها في استيعابها لتراث هذا الإمام، وتجميع ما تناثر منه، وإعادة ترتيب مسائله ومباحثه.
2 - لعل أهم دور قام به العوتبي في مؤلفه هو استيعاب المادة الأصولية السابقة لعلماء الإباضية، وحصر آرائهم تجاه قضايا الأصول، مع الاستفادة مما وصل إليه من مؤلفات هذا العِلم لغير علماء المذهب، فانتقى منها ما يلائم مراده، ويحقق مبتغاه في تأليف الموسوعة.
3 - ما يفسر غياب بعض المباحث الأصولية في الموسوعة، أن المؤلف لم يقصد تناول جميع المسائل المتداولة في عصره، وهو ما جرت عليه عامة المقدِّمات الأصولية، بحيث تركز على أهم القضايا الأصولية التي عليها مدار الفقه، وتهمُّ المتفقه، نحو مباحث الألفاظ، والأدلة النصية، والقياس.
4 - رغم مجيء عمل العوتبي في مرحلة زمنية بلغ فيها علم الأصول من النضج والاكتمال وهو القرن السادس الهجري، فقد اعتراه قصور من حيث الترتيب وتصنيف المسائل ضمن أبوابها.
5 - سلك العوتبي منهج المتكلمين في بحث مسائل الأصول في الغالب الأعم، مع حضور قليل للتطبيق الفقهي وتخريج الفروع على الأصول.
هذا وأقترح في نهاية هذه الورقة دراسة هذا النمط من التأليف في الموسوعات الإباضية الأخرى، مع تحليل عناصر التشابه والاختلاف، مما يسهم في رسم خارطة التدوين في علم الأصول عند الإباضية، والوقوف على كافة أشكاله.
وختاما، أرجو أني قد أسهمت بهذا العمل في التعريف بدور العوتبي في مسيرة التأليف الأصولي في المدرسة الإباضية؛ فما كان فيه من صواب وسداد فمن الله، وما كان من خطأ فمن نفسي وقصور علمي، واللهَ أستغفره من كل زلل في القول والعمل.
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على نبيِّنا محمَّد وعلى آله وصحبه.
--------------------------------------
قائمة المصادر والمراجع:
1. ابن بركة عبد الله بن محمد، كتاب التقييد، مخطوط ضمن مجموع، الناسخ: عبدالله بن عمر بن زياد، تاريخ النسخ: 963 هـ، مكتبة السالمي، بدية، سلطنة عمان، رقم: 250. (1/18)
صفحة 19
2. ابن بركة، عبد الله بن محمد، كتاب الجامع، تح: مصطفى بن صالح باجو، وزارة التراث والثقافة، سلطنة عمان، د. ت.
3. ابن مداد، محمد بن عبد الله، السيرة، وزارة التراث القومي والثقافة، سلطنة عمان، 1984 م.
4. أحمد بن عبد الله الكندي، منهج الشيخ العوتبي الصحاري في كتابه الضياء، قسم العبادات أنموذجا، مكتبة مسقط، سلطنة عمان، ط.1، 1441 هـ/2021 م.
5. الباباني، إسماعيل بن محمد أمين البغدادي، هديَّة العارفين أسمَاء المؤلفين وآثار المصنفين، دار إحياء التراث العربي، بيروت-لبنان، د. ت.
6. البغدادي، أبو بكر أحمد بن علي، الفقيه والمتفقه، تح: عادل بن يوسف الغرازي، دار ابن الجوزي، السعودية، ط.2، 1421 هـ.
7. البطاشي، سيف بن حمود، إتحاف الأعيان في تاريخ بعض علماء عمان، مكتب المستشار الخاص لجلالة السلطان للشؤون الدينية والتاريخية، ط.4، 1437 هـ/2016 م.
8. جابر بن سليمان فخار، نظرية المصلحة عند الإباضية وتطبيقاتها الفقهية من خلال آثار ابن بركة وأبي سعيد الكدمي (ق 4 هـ)، أطروحة دكتوراه، إشراف: مصطفى باجو، جامعة غرداية، 2021 - 2022 م.
9. جابر بن سليمان فخار، التأليف الأصولي عند الإباضية: دراسة كرونولوجية وصفية، مجلة المنهاج، جمعية الشيخ أبي إسحاق إبراهيم اطفيش لخدمة التراث، غرداية، الجزائر، العدد 4، محرم 1437 هـ/ أكتوبر 2015 م، ص 105 - 126.
10. الجويني، أبو المعالي عبد الملك بن عبد الله، البرهان في أصول الفقه، تح: صلاح بن محمد بن عويضة، دار الكتب العلمية، بيروت-لبنان، ط.1، 1418 هـ/1997 م.
11. راشد بن علي الحارثي، الاختلافات الفقهية بين المدرستين النزوانية والرستاقية، ندوة تطور العلوم الفقهية: التأليف الموسوعي والفقه المقارن، وزارة الأوقاف والشؤون الدينية، سلطنة عمان، ط.2، 1433 هـ/2012 م.
12. الرشيد، أحمد بن عبد الرحمن، المقدمات الأصولية في المصنفات غير الأصولية، مجلة الجمعية الفقهية السعودية، جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، ع 46، 2019 م، ص 13 - 76.
13. السالمي عبد الله بن حميد، اللمعة المرضِية من أشعة الإباضية، اعتنى بها: سلطان بن مبارك الشيباني، ذاكرة عمان، مسقط سلطنة عمان، ط.1، 1435 هـ/2014 م.
14. السبكي، تاج الدين عبد الوهاب بن علي، طبقات الشافعية الكبرى، تح: محمود محمد الطناحي د. عبد الفتاح محمد الحلو، دار هجر، د. م، ط.2، 1413 هـ.
15. السعدي، فهد بن علي، معجم الفقهاء والمتكلمين الإباضية (قسم المشرق)، مكتبة الجيل الواعد، سلطنة عمان، ط.1، 1428 هـ/2007 م.
16. الشافعي، محمد بن إدريس، الرسالة، تح: أحمد محمد شاكر، دار الكتب العلمية، بيروت-لبنان، د. ت.
17. عبد الوهاب إبراهيم أبو سليمان، الفكر الأصولي، دار الشروق، جدة، ط.1، 1403 هـ/1983 م. (1/19)
صفحة 20
18. العوتبي، سلمة بن مسلم، كتاب الضياء، تح: سليمان بن إبراهيم بابزيز الوارجلاني-داود بن عمر بابزيز الوارجلاني، وزارة الأوقاف والشؤون الدينية، سلطنة عمان، ط.1، 1436 هـ/2015 م.
19. الغزالي، أبو حامد محمد بن محمد، المستصفى من علم الأصول، تح: محمد سليمان الأشقر، مؤسسة الرسالة، بيروت-لبنان، ط.1، 1417 هـ/1997 م.
20. مجموعة باحثين، قراءات في فكر العوتبي الصحاري، المنتدى الأدبي، وزارة التراث القومي والثقافة، سلطنة عمان، ط.1، 1418 هـ/1998 م.
21. مصطفى بن صالح باجو، منهج الاجتهاد عند الإباضية، مكتبة الجيل الواعد، مسقط، ط.1، 1426 هـ-2005 م.
22. المنحي، نجاد بن موسى اليحمدي، الأكلة وحقائق الأدلة، مخطوط، الناسخ: إبراهيم بن سيف بن أحمد الكندي، تاريخ النسخ: 14 صفر 1344 هـ، نسخة مصورة لدى الباحث. (1/20)