صفحة 1
المجال: المطبوعات، كتب
المادة: أصول الفقه
------------------------------------------
العنوان: كتاب فصول الأصول
المؤلف: خلفان بن جميل السيابي
دراسة وتحقيق: سليم بن سالم بن سعيد آل ثاني
الناشر: وزارة التراث والثقافة
مكان النشر: مسقط - سلطنة عمان
تاريخ النشر: 1436ه/ 2015م
الطبعة: 3
ردمك: 978-99969-0-349-6
الإيداع القانوني: 2014/329
مصدر البيانات من برنامج الرستمي بموقع المنهاج:
https://www.elminhaj.org/catalogue_rech_notis.php?id_liv=5373&id_ty=1
------------------------------------------
مصدر النسخة المصورة للكتاب (PDF) من موقع المكتبة السعيدية:
https://alsaidia.com/node/568
ملاحظة: قامت المكتبة السعيدية باستغلال تقنية التعرف الضوئي على الحروف في اللغة العربية (OCR) في إنشاء هذه النسخة المصورة (PDF)، لذلك فإنه يمكن البحث فيها للوصول إلى المعلومة بسهولة.
تنبيه: قام فريق مشروع المكتبة الشاملة الإباضية باستغلال تلك التقنية لتوفير النص المرقون، وذلك بالتحويل الآلي لصور صفحات الكتاب إلى نص، لذا فالنص الناتج ليس صحيحا 100%، لذا يمكن استخدام ذلك النص لنسخ جمل وفقرات من هذا النص الناتج، مع ضرورة مراجعته ومقارنته بنسخة (PDF) المرفقة، وتعديله وفقا لذلك قبل اعتماده.
ترقيم الصفحات: موافق للمطبوع
تاريخ النشر الرسمي بالشاملة الإباضية: 18 شعبان 1446ه/ 17 - شهر 02 - 2025م. كتاب فصول الأصول
تأليف
الشيخ خَلفَان بن جَمِيلَ السَّيَابِي
(1392 هـ - 1972 م)
دراسة وتحقيق
د. سليم بن سالم بن سعيد آل ثاني
الطبعة الثالثة
1436 ه/ 2015 م (1/1)
صفحة 2
حقوق الطبع محفوظة
لوزارة التراث والثقافة سلطنة عُمان
الطبعة الثالثة
1436 هـ - 2015 م
رقم الإيداع المحلي: 329/ 2014
رقم الإيداع الدولي (ISBN: - - . - 99969 - 978
سلطنة عُمان - ص. ب: 668 مسقط، الرمز البريدي 100 هاتف: 24641325/ 24641300 فاكس: 24641331 البريد الإلكتروني: info@mhc.gov.om
الموقع الإلكتروني: www.mhc.gov.om
لا يجوز نسخ أو استخدام أو توظيف أي جزء من هذا الكتاب في أي شكل من الأشكال أو بأية وسيله من الوسائل - سواء التصويرية أو الالكترونية، بما في ذلك النسخ الفوتوغرافي أو سواه وحفظ المعلومات واسترجاعها - إلا بإذن خطي من الوزارة. (1/2)
صفحة 3
كتاب
فَصَول الصوال
تأليف الشيخ خُلَفَانَ بنَ جَمِيلَ السَّيَانِي
1392 هـ - 1972 م)
دراسة وتحقيق
د. سليم بن سالم بن سعيد آل ثاني (1/3)
صفحة 4
کيرا (1/4)
صفحة 5
الموضوع
فهرس المحتويات
ملخص باللغة العربية
المقدمة
تمهيد
***
فصول الأصول
فهرس المحتويات
***
الفصل الأول: دراسة عن المؤلف والكتاب
المبحث الأول: دراسة عن المؤلف، ويشمل المطالب التالية
اسمه ونسبه وكنيته
ولادته ونشأته
شيوخه
تلاميذه
أعماله
صفاته وأخلاقه
منزلته العلمية وثناء العلماء عليه
تأثره من قبله
وفاته
المبحث الثاني: آثاره العلمية
المطلب الأول: مؤلفاته
الصفحة (1/5)
صفحة 6
الصفحة
***
فصول الأصول
***
المطلب الثاني: كتاب فصول الأصول، ويشمل النقاط التالية:
عنوان الكتاب ونسبته إلى المؤلف
المصادر التي اعتمد عليها المؤلف
منهج المؤلف في الكتاب
وصف النسخ
الفصل الثاني: تحقيق الكتاب
المقدمة
الفصل الأول في الكلام على جنسية المباح للواجب
الفصل الثاني في الكلام على المباح
الفصل الثالث هل الأباحة حكم شرعي أم لا الفصل الرابع في الأمر بواحد مبهم من أشياء
الفصل الخامس في الكلام على فرض الكفاية
الفصل السادس في الكلام في الأوقات الموسعة وغيرها
الفصل السابع في حكم خطاب الوضع الفصل الثامن فيما إذا ورد الأمر الشرعي مطلقا
الفصل التاسع في جواز التكليف بالمحال
الفصل العاشر لا تكليف إلا بفعل
الفصل الحادي عشر يصح التكليف ويوجد معلوما (1/6)
صفحة 7
الرية ممحاة
***
فصول الأصول
***
الموضوع
الفصل الثاني عشر في تعلق الحكم بأمرين فأكثر
الكتاب الأول في الكتاب ومباحثه
مبحث المنطوق والمفهوم ودلالة اللفظ
الفصل الثالث عشر في المنطوق
الفصل الرابع عشر في المفهوم وحكمه
الفصل الخامس عشر في مفهوم المخالفة الفصل السادس عشر في الكلام على حجية المفاهيم الفصل السابع عشر في الكلام على الأوضاع اللغوية الفصل الثامن عشر في الكلام على الألفاظ والمعاني
الفصل التاسع عشر المترادف كما تقدم
الفصل العشرون في الكلام على المشترك
الفصل الحادي والعشرون في الكلام على الحقيقة والمجاز
الفصل الثاني والعشرون في الكلام على المجاز والمنقول والمشترك
الفصل الثالث والعشرون في حكم التخصيص مع المجاز الفصل الرابع والعشرون في الكلام على علاقات المجاز الفصل الخامس والعشرون في الكلام على معربات الألفاظ
الفصل السادس والعشرون في وجوه استعمال الألفاظ فرع في الكناية (1/7)
صفحة 8
الصفحة
***
فصول الأصول
***
الفصل السابع والعشرون في مباحث الحروف المعنوية الفصل الثامن والعشرون في مبحث الأمر
الفصل التاسع والعشرون في الكلام على الأمر في أي معانيه يكون
حقيقة
الفصل الثلاثون في الأمر المجرد عن القيود والقرائن
الفصل الحادي والثلاثون في الأمر المؤقت وقضائه
الفصل الثاني والثلاثون في الأمر بالأمر بشيء
الفصل الثالث والثلاثون في الكلام على الأمر العام هل يدخل فيه
الأمر
الفصل الرابع والثلاثون في الأمر بشيء هل هو نهي عن ضده الفصل الخامس والثلاثون في ورود الأمرين بشيئين الفصل السادس والثلاثون في مبحث النهي
الفصل السابع والثلاثون هل يدل النهي على فساد المنهي عنه أم لا
مبحث عام
الفصل الثامن والثلاثون في الكلام على تعريفه ودلالته
الفصل التاسع والثلاثون في الألفاظ الدالة على العموم
الفصل الأربعين هل العام المسوق لغرض باق على عمومه الفصل الحادي والأربعون تعم الأفعال في سياق النفي كالنكرة الفصل الثاني والأربعون هل الحكم المعلق بعلة يعم ما تتناوله العلة؟ (1/8)
صفحة 9
***
فصول الأصول
***
الاندية
الفصل الثالث والأربعون في عموم الجواب عن واقعة الحال الفصل الرابع والأربعون في الخطاب الوارد له هل يعم الأمة
معه
الفصل الخامس والأربعون هل يعلمه الله خطاب الناس والأمة؟ الفصل السادس والأربعون من وما تعم الذكور والإناث الفصل السابع والأربعون هل تدخل النساء في صيغة الجمع المذكر؟ الفصل الثامن والأربعون خطاب الواحد لا يتعداه إلى غيره
الفصل التاسع والأربعون يدخل المخاطب في عموم خطابه وقيل: لا
الله شحات
الفصل الخمسون اختلف في نحو خذ من أموالهم صدقة
مبحث التخصيص
الفصل الحادي والخمسون في تعريفه وما ينتهي إليه
الفصل الثاني والخمسون هل إطلاق لفظ العام على باقي افراده بعد تخصيصه حقيقة أم مجاز؟
الفصل الثالث والخمسون في العام المخصص هل حجة فيما بقي من أفراده الفصل الرابع والخمسون هل يجوز التمسك بالعام قبل البحث عن التخصص؟ الفصل الخامس والخمسون تنقسم المخصصات إلى متصل ومنفصلة الفصل السادس والخمسون في حكم الاستثناءات المتعددة الفصل السابع والخمسون في الثاني من المخصصات المتصلة وهو الشرط (1/9)
صفحة 10
الللصفحة
***
فصول الأصول
***
ارة
الفصل الثامن والخمسون في الثالث منها وهو
الصفة
الفصل التاسع والخمسون في الرابع منها وهو الصفة
الفصل الستون في خامسها وهو بدل البعض
الفصل الحادي والستون في القسم الثاني وهو المخصص المنفصل
الفصل الثاني والستون في الكلام على المخصصات اللفظية المنفصلة الفصل الثالث والستون في التخصيص بالفحوى الفصل الرابع والستون هل يكون التعاطف ورجوع تخصيصا أما لا؟
الضمير
الفصل الخامس والستون في حكم اللفظ العام المترتب على سبب خاص الفصل السادس والستون في حكم التعارض بين الخاص والعام
مبحث المطلق والمقيد
الفصل السابع والستون في تعريفهما والفرق بينهما وبين المطلق والنكرة
الفصل الثامن والستون في حكم المطلق والمقيد
مبحث المحكم والمتشابه
الفصل التاسع والستون في حكمهما والفرق بينهما
الفصل السبعون في الكلام على المجمل
الفصل الحادي والسبعون في الكلام على اللفظ المحتمل معنيين فأكثر
الفصل الثاني والسبعون في البيان وصفته وحكمه (1/10)
صفحة 11
الدة حار
***
فصول الأصول
***
الالوضي
الفصل الثالث والسبعون في حكم البيان المتكرر
الفصل الرابع والسبعون في تأخير البيان عن وقت الحاجة
مبحث النسخ
الفصل الخامس والسبعون في تعريفه ومحله الفصل السادس والسبعون في نسخ الكتاب بعضه ببعض تلاوة وحكما الفصل السابع والسبعون في نسخ الكتاب والسنة بالكتاب ونسخ الكتاب بالسنة
الفصل الثامن والسبعون في نسخ الكتاب والسنة بالقياس وعكسه الفصل التاسع والسبعون في نسخ الفحوى دون المنطوق وعكسه الفصل الثمانون في نسخ مفهوم المخالفة مع منطوقه ودونه، وهل يجوز العكس أولا؟ قولان الفصل الحادي والثمانون في الكلام على النسخ وأنه واقع في الجملة الكتاب الثاني في مباحث السنة النبوية الفصل الثاني والثمانون في تعريفهما وأنها تنقسم إلى قول وفعل وتقرير الفصل الثالث والثمانون في الكلام على الخبر والفرق بينه وبين الإنشاء الفصل الرابع والثمانون انعقاد الإجماع على وفق خبر لا يدل على صدق ذلك الخبر، وقيل يدل الفصل الخامس والثمانون في الكلام على خبر الآحاد وحكمه
الفصل السادس والثمانون إذا كذب الأصل الفرع في روايته عنه (1/11)
صفحة 12
الممحاة
***
فصول الأصول
***
الفصل السابع والثمانون في الكلام على حذف بعض المتن أو السند وحمل الراوي مرويه على أحد وجوهه
الفصل الثامن والثمانون فيمن تقبل روايته أو ترد
الفصل التاسع والثمانون فيمن يثبت به التجريح والتعديل وفي تعارضهما
الفصل التسعون في الكلام على عدالة الصحابة هل يجب البحث عنها؟ الفصل الحادي والتسعون في الاحتجاج بالمرسل
الفصل الثاني والتسعون في نقل الحديث بالمعنى وقول الصحابي أو التابعي: كنا نفعل أو كان الناس يفعلون كذا
الكتاب الثالث في الإجماع
الفصل الثالث والتسعون في تعريفه وشروطه
الفصل الرابع والتسعون في أقسامه وأحكامه
الفصل الخامس والتسعون الإجماع السكوتي حجة عند الأكثر الفصل السادس والتسعون يكون الإجماع في الأمور الدنيوية كالدينية الفصل السابع والتسعون الإجماع ممكن الوقوع، واقع على الصحيح عند الأكثر
الفصل الثامن والتسعون لا يجوز شرعا ارتداد الأمة كلها إلى الكفر
للحديث الوارد
تتمة: جاحد المجمع عليه كافر
الكتاب الرابع في القياس (1/12)
صفحة 13
***
فصول الأصول
***
الموضوع
الفصل التاسع والتسعون في تعريفه وحجيته الفصل المكمل المائة في أركانه وشروطه
الركن الأول من أركان القياس الأصل
الركن الثاني من أركان القياس حكم الأصل
الركن الثالث من أركان القياس العلة
الركن الرابع من أركان القياس العلة
الفصل الحادي والمائة في شروط العلة
الفصل الثاني والمائة في الاعتراض والرد
مبحث مسالك العلة
الفصل الثالث والمائة في الكلام على الأول والثاني من مسالك العلة وهما الإجماع والنص
الفصل الرابع والمائة في الثالث من مسالك العلة وهو الإيماء
الفصل الخامس والمائة في المسلك الرابع وهو السبر الفصل السادس والمائة في المسلك الخامس وهو المناسبة
الفصل السابع والمائة في المسلك السادس وهو الشبه الفصل الثامن والمائة في المسلك السابع وهو الدوران
الفصل التاسع والمائة في المسلك الثامن وهو الطرد الفصل العاشر والمائة في المسلك التاسع وهو تنقيح المناط (1/13)
صفحة 14
الصفحة
***
فصول الأصول
***
الفصل الحادي عشر والمائة في المسلك العاشر وهو إلغاء الفارق
مبحث القوادح
الفصل الثاني عشر والمائة في الأول من القوادح
الفصل الثالث عشر والمائة: ثانيهما الكسر
الفصل الرابع عشر والمائة: ثالثها العكس
الفصل الخامس عشر والمائة: رابعها عدم
التأثير
الفصل السادس عشر والمائة: خامسها القلب الفصل السابع عشر والمائة: سادسها القول بالموجب
الفصل الثامن عشر والمائة: سابعها القدح في المناسبة
الفصل التاسع عشر والمائة ثامنها الفرق
الفصل العشرون والمائة تاسعها فساد الوضع
الفصل الحادي والعشرون والمائة عاشرها فساد الاعتبار
الفصل الثاني والعشرون والمائة الحادي عشر منع علية الوصف
الفصل الثالث والعشرون والمائة الثاني عشر من القوادح، اختلاف
الضابط
الفصل الرابع والعشرون والمائة الثالث عشر من القوادح التقسيم
تتمة
تنبيه (1/14)
صفحة 15
الصحة
***
فصول الأصول
***
الموضوع
الكتاب الخامس في الاستدلال
الفصل الخامس والعشرون والمائة في تعريفه وأقسامه الفصل السادس والعشرون والمائة في الاستصحاب
الفصل السابع والعشرون والمائة في الاستقراء الفصل الثامن والعشرون والمائة هل كان له متعبدا قبل النبوة الفصل التاسع والعشرون والمائة في الاستحسان
الفصل الثلاثون والمائة في الكلام على حجية قول الصحابي الفصل الحادي والثلاثون والمائة في الكلام على الإلهام تتمة في قواعد الفقه
الكتاب السادس في تراجيح الأدلة عند تعارضها
الفصل الثاني والثلاثون والمائة في الكلام على تعارض الأدلة
الفصل الثالث والثلاثون والمائة في صفة الترجيح الفصل الرابع والثلاثون والمائة في ترجيح الأقيسة الكتاب السابع في الاجتهاد
الفصل الخامس والثلاثون والمائة في شروط المجتهد الفصل السادس والثلاثون والمائة في أحكام المجتهد
الفصل السابع والثلاثون والمائة في حكم الاجتهاد (1/15)
صفحة 16
الصفحة
***
فصول الأصول
***
المصرية
الفصل الثامن والثلاثون والمائة في منع نقض الحكم الفصل التاسع والثلاثون والمائة في التقليد والإفتاء
الفصل الأربعون والمائة في تقليد المفضول والميت الفصل الحادي والأربعون والمائة في الفتوى وأحكامها
الخاتمة في أصول الديانات
تتمة في أول الواجبات
الخاتمة
المراجع (1/16)
صفحة 17
***
فصول الأصول
***
ملخص باللغة العربية
كتاب فصول الأصول
تأليف الشيخ خلفان بن جميل السيابي
(دراسة وتحقيق)
كتاب فصول الأصول للعلامة الشيخ خلفان بن جميل السيابي، أحد أبرز أعلام الفقه الإسلامي، ممن شاركوا بإنتاجهم الفكري، وقد عاش هذا العلم عصرا حرجا بظروفه السياسية والاقتصادية والثقافية، إلا أن تلك الحال لم تؤثر على همته في طلب العلم، بل شق طريقه، وواصل جهده بإخلاص وتفان حتى نال مقصده، وأصبح مرجعا للفتوى، واعترافا بعلمه، وتقديرا لمكانته قلد منصب القضاء في عدة ولايات في عمان، وقد استفاد من علمه عدد من طلبة العلم الذين أصبحوا ذوي مكانة علمية مرموقة في مجتمعهم، وترك مؤلفات نافعة مفيد في علوم الشريعة، من تلك المؤلفات كتابه فصول الأصول، وهو كتاب مختصر في أصول الفقه، ويأتي اختصاره من حيث الأدلة والمناقشات، فقد كان يقتصر في أدلة المذاهب وحجج الأقوال، فيقتصر غالبا على دليل أو دليلين، وكذا المناقشات فإنه لا يذكرها إلا قليلا، أما بالنسبة لعرض المسائل الأصولية فإنه شامل لما يتناوله الأصوليون في مؤلفاتهم، وقد سلك المسلك المقارن إذ يعدد آراء علماء الإسلام على اختلاف مذاهبهم بأسلوب مهذب بعيد عن التعصب، وبعبارة واضحة خالية من التعقيد والحشو، وقد اتخذ المؤلف طريقة المتأخرين من الأصوليين منهجا سار عليه في كتابه، فهو لم يتعمق في المناقشات الجدلية، ولا يهمل الفروع الفقهية، لكنه لم يجعلها أصلا تبنى عليه القواعد كما هي طريقة الحنفية، ورغم اعتماده الغالب في هذا المصنف على مع الجوامع وشرحه للمحلي وطلعة الشمس، إلا أنه كان ذا استقلالية في الرأي، فيرجح ما يراه راجحا في نظره، حتى انه يختار أحيانا قولا مخالفا لما عليه جمهور علماء مذهبه، وقد قسم الكتاب إلى مقدمة وسبعة كتب وخاتمة، أما المقدمة فقد تعرض فيها لبعض المصطلحات الأصولية والقضايا الكلامية، وأما الكتاب الأول فقد خصصه لمباحث الكتاب العزيز وهي المنطوق والمفهوم معناهما وحجيتهما، وقضايا لغوية كالمترادف ومعربات الألفاظ، ومعانى بعض الحروف المعنوية والمشترك (1/17)
صفحة 18
***
فصول الأصول
***
والحقيقة والمجاز ثم الأمر معناه وفي أي معانيه يكون حقيقة، ودلالته، واقتضاؤه، ودخول الآمر فيه، وهل يدل على النهي عن ضده، ثم النهي معناه، وهل يدل على فساد المنهي عنه، ثم العام وما يتعلق به من مسائل كدلالته وألفاظه ثم التخصيص وبيان المخصصات المتصلة والمنفصلة، ثم المطلق والمقيد وحكمهما، ثم المحكم والمتشابه حكمهما والفرق بينهما، ثم النسخ معناه وما يقع به النسخ وما يقع عليه. والكتاب الثاني: السنة النبوية تعريفها، وأقسامها وحجيتها متواترة أو أحادا، وكيفية روايتها وقضايا الجرح والتعديل والكتاب الثالث: الإجماع، معناه وشروطه وأقسامه، وحجيته بقسميه، وإمكان وقوعه وحكم جاحده. والكتاب الرابع: القياس تناول فيه تعريفه وحجيته وأركانه وشروطه، ومسالكه كالنص والإيماء والسبر والمناسبة والدوران وتنقيح المناط وإلغاء الفارق، وقوادحه كالنقض والكسر والعكس وعدم التأثير والقلب وفساد الوضع واختلاف الضابط، والكتاب الخامس: الاستدلال وما يتعلق به من مسائل كتعريفه وأقسامه التي هي: الاستصحاب معناه وحجيته، وحجية قول الصحابي، والإلهام معناه وحجيته، ثم تتمة في أهم القواعد الفقهية.
وتناول في الكتاب السادس تراجيح الأدلة عند تعارضها، فبين صفة التعارض، وكيفية الترجيح بين المتعارضين أما الكتاب السابع فقد جعله في الاجتهاد والفتوى، فبين شروط المجتهد وأحكامه، وحكم الاجتهاد، وصفة التقليد، وحكم المقلد، وحكم الإفتاء. ثم ختم الكتاب بخاتمة تتعلق بأصول الدين بدأها بالكلام عن حكم التقليد في مسائل العقيدة، ثم تحدث عما يتعلق بتنزيه البارئ، وما يجب في حقه تعالى، وما يستحيل عليه، وطرح قضايا عقائدية أخرى كالإيمان بالموت والحساب والعقاب بأسلوب مقتضب.
ولهذا الكتاب أهمية بارزة، وتكمن أهميته في النقاط التالية: أ. أن مؤلفه قد اطلع على جهود كثير من العلماء السابقين في هذا الميدان، وهضم ما عندهم، فجاء تأليفه خلاصة ما كتبه أولئك مع إضافة ما ينقدح
في ذهنه من دقائق وتحقيقات في هذا الفن.
18 (1/18)
صفحة 19
19
***
فصول الأصول
***
ب. أنه يبين وجهة نظر الإباضية في كثير من المسائل الأصولية التي طلب انتظر أتباع المذاهب الإسلامية الأخرى بيان موقف هذا المذهب منها، مع ملاحظة أن هناك مؤلفات إباضية تقدمت هذا الكتاب إلا أن بعضها مازال خطوطا يستفد منه بعد، وبعضها الآخر مطبوع لكنه لم يلق العناية الكافية لتصحيحه وتحقيقه والتعليق عليه. ج. أعطى الكتاب صورة واضحة صادقة عن نظرة الأباضية الى المذاهب والفرق
الإسلامية.
ونظرا لهذه الأهمية التي إكتسبها فصول الأصول فقد عقدت العزم على خدمته دراسة وتحقيقا وتعليقا، ثم اتبعت العزم بالعمل مستعينا بالله تعالى. وقد جاء عملي على النحو التالي: 1. مقدمة: بينت فيها أسباب اختياري للموضوع ومنهجيتي في البحث. 2. تمهيد: بينت فيه مدى اهتمام الإباضية بأصول الفقه.
الفصل الأول: تناولت فيه دراسة عن المؤلف والكتاب وقسمته إلى مبحثين: الأول: يتحدث عن المؤلف من حيث نسبه، ولادته، وعصره، وشيوخه، وتلاميذه، وصفاته، ووفاته.
والثاني: يبحث عن الكتاب من جهة عنوانه ونسبته إلى المؤلف، وموضوعاته، والمصادر التي اعتمد عليها، ومنهج المؤلف فيه، ونسخه. الفصل الثاني: تحقيق الكتاب، بتخريج الآيات والآحاديث والأبيات، وترجمة الأعلام والمذاهب والفرق والكتب، وشرح بعض المصطلحات والكلمات، و الإحالة إلى المصادر التي أخذ منها المؤلف، وزيادة تفصيل في بعض المسائل، وذكر بعض الأقوال التي لم يتطرق إليها المؤلف، ومقارنة النسخ، ووضع علامات الترقيم، ووضع فهارس للآيات والأحاديث والأبيات والأعلام والفرق والموضوعات. ثم ختمته بخاتمة وهي عبارة عن خلاصة ما تقدم، فالله أسأل التوفيق والتيسير، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم. (1/19)
صفحة 20
***
فصول الأصول
المقدمة
***
الحمد لله
رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين، سيدنا محمد وعلى
آله وصحبه أجمعين، وعلى تابيعهم بإحسان إلى يوم الدين. وبعد: فلا يخفى مالأصول الفقه من أهمية بين العلوم الشرعية، إذ من خلاله تدرك الأحكام، وبواسطته يتوصل إلى استنباطها من الكتاب العزيز والسنة النبوية، فهو يرشد الباحث ويبصر المجتهد فلا يستغني عنه الفقيه والمحدث والمفسر والمتكلم، لأنه يعنى بالبحث في مصدري التشريع الكتاب والسنة، ومنهج الاستدلال وطريقة الاستنباط، ضمن قواعد متينة، وضوابط رصينة، ومباحث دقيقة، ولذا فقد اهتم به العلماء، واولوه عناية بالغة منذ وقت مبكر، فبرظت المصنفات، وانتشرت المؤلفات من قبل أولئك العلماء، وقد سلكوا في التأليف ثلاثة مسالك، عرف المسلك الأول منهج المتكلمين أو الجمهور، وهؤلاء بحثوا في القواعد الأصولية مجردة عن الفروع الفقهية، والمسلك الثاني عرف بمنهج الفقهاء أو الحنفية، وهؤلاء راعوا الفروع الفقهية المنقولة عن أئمتهم، والمسلك الثالث جمع بين المنهجين. وممن جمع بين الطريقتين، ومزج بين المنهجين الشيخ العالم خلفان بن جميل السيابي في كتابه فصول الأصول، وهو كتاب جدير بالاهتمام والعناية دراسة وتحقيقا وتعليقا، فاستعنت الله تعالى لهذا العمل، وسألته التوفيق والتيسير. أسباب اختيار هذا الكتاب: أ. لقد كان للإباضية دور كبير في مجال التأليف خاصة في علوم الشريعة، فقد تفاني علماؤهم، وجدوا واجتهدوا في هذا الميدان، ولا أدل على ذلك من تلك الموسوعات الشاملة التي يصل بعضها إلى أربعين مجلدا، وإلى سبعين، بل نيف بعضها عن التسعين، فأصبح لهم بهذا التفاني نتاج فكري خصب، يعد صورة حية تعكس مكانة هذا المذهب بين المذاهب الإسلامية، إلا أن ذلك النتاج الفكري الغزير لم يلق العناية الكافية، إذ مازال أكثره مخطوطا يحتاج إلى من ينفض عنه الغبار ليخرجه إلى رواد الفكر، والمتعطشين إلى المعرفة، وقد طبع منه الكثير بشكل غير مقبول لكثرة الأخطاء الشكلية، بل العلمية – أيضا – مما تفقد الكتاب قيمته، وتجعله في صورة مشوهة، ويصف أحد الكاتبين المعاصرين هذه الحال بقوله: إن الكثير مما طبع أو صور من
20 (1/20)
صفحة 21
21
***
فصول الأصول
***
هذا التراث في حاجة ماسة إلى إعادة نظر، لأن بعض ما صور تصويرا دون تصحيح، أو طبع طبعا دون تحقيق، يحتوي على الأخطاء الشكلية، وبعضه على أخطاء علمية، وهي في جملتها قد تجني على قيمة الكتاب، وتنقص منه، وبعض الأخطاء - كما لا يخفى - تشوه النص تسويها تاما، إضافة إلى أن إعادة الطبع تقتضي إعادة النظر في الأصل بتصحيحه وتحقيقه والتعليق عليه وإثراء هو امشه بالإحالات إلى المصادر والمراجع (1).
-
وكتاب فصول الأصول - موضوع الرسالة - مما تنطبق عليه هذه الأوصاف، فإن فيه من الأخطاء والتحريفات والسقط ما يندى له الجبين، وهذا أفقده فائدته العلمية، إضافة إلى خلوه من التعليقات والإحالات التي يتطلبها أي كتاب محقق، كما أن هذا الكتاب لم يقدم له بدراية وافية، أو شبه وافية عن المؤلف ولذلك فقد رأيت أن أقوم بهذا العمل رغبة مني في إحياء التراث الإسلامي عامة، والإباضي خاصة. ب. بعد قراءتي لهذا الكتاب ألفيته يحظى بمميزات قيمة، لفتت انتباهي وشجعتني على القيام بتحقيقه؛ ذلك لأنه كتاب مقارن يحمل في طياته كثيرا من آراء أعلام المذاهب الإسلامية المختلفة وأقوال أعلامها، كما أنه بعيد عن التعصب
والانحياز للرأي، كل ذلك بأسلوب سهل، وبطريقة مختصرة. ج. كانت رغبتي في الإلمام بأصول الفقه منذ فترة، فانتهزت الفرصة – إذ وجدتها سانحة – بتحقيق كتاب أصولي شامل لمسائل هذا الفن وجامع للمذاهب الإسلامية بطريقة سهلة ومختصرة، فإذا الكتاب فصول الأصول.
(1) د. محمد ناصر (تراثنا الإسلامي والعصر) ص 78. (1/21)
صفحة 22
***
فصول الأصول
تمهيد
***
دور الإباضية في التأليف في أصول الفقه:
تعتبر مساهمة المذهب الإباضي في التأليف في هذا الفن قليلة إذا ما قورنت بمؤلفات بعض المذاهب الإسلامية الأخرى رغم الأهمية الكبيرة لهذا الفن، إذ بواسطته تستنبط الأحكام الشرعية، فهو الطريق لمعرفة الفروع الفقهية، فلا يمكن لأي فقيه أن يصدر حكما شرعيا على مسألة ما إلا بعد إطلاعه على القواعد الأصولية وفهمها، ومن المستبعد جدا أن تغيب عن أذهان علماء هذا المذهب أهمية هذا الفن، ولا يمكن أن يظن بهم قلة فهم أو عدم سعة اطلاع له، أو تخامل وتكاسل عن التأليف، ذلك لأن مؤلفاتهم الفقهية الواسعة يجد القارئ فيها تطبيقهم الدقيق للقواعد الأصولية، بل تكلم بعضهم عن مسائل أصولية هامة طالما بحثها الأصوليون، فالعلامة أحمد بن عبد الله الكندى (1) تعرض في كتابه المصنف (2) للخاص والعام والفرق بين التخصيص والنسخ، كما تعرض للإجماع من حيث وحجيته، ثم القياس، فقد بين معناه ومدى الاحتجاج به ذاكرا أقوال العلماء
معناه
في ذلك، مع ضرب أمثلة تبين طريقة استنباط الحكم بالقياس (3). وفي منهج الطالبين وبلاغ الراغبين (4) يتحصل القارئ على الكثير من المسائل الأصولية إذ نجد المؤلف قد عقد فصلا عن الإجماع بين فيه مفهومه وحجيته، وهل يشترط فيه انقراض العصر، كما ذلك منهج مقارن (5)، وفصلا عن القياس تكلم فيه المؤلف عن مفهومه و اختلاف العلماء في حجيته، ثم تلكم عن العلة وأن القياس لا يصح بدونها، وبم
(1) أحمد بن عبدالله بن موسى الكندي، عالم فقيه من كبار علماء المذهب الإياضي، توفى سنة 550 هـ. د. محمود فهمي حجازي دليل أعلام عمان ص 28، د. عبد المنعم عامر (مقدمة لكتاب المصنف) جـ 1 صه. (2) كتاب موسوعي يقع في واحد وأربعين مجلدا، ضم بين دفتيه عدة فنون شرعية كأصول الدين، وأصول الفقه، والفقه. طبع بمطبعة عيسى البابي الحلبي - القاهرة - ونشرته وزارة التراث القومي والثقافة بسلطنة عمان بتحقيق د. عبدالمنعم عامر.
(3) الكندي، أحمد بن عبدالله (المصنف) جـ 1، ص 45. (4) كتاب فقهي يقع في اثنين وعشرين مجلدا، مؤلفه الشيخ خميس بن سعيد الشقصى، من علماء الحادي عشر الهجري، وقد طبع الكتاب بمطبعة عيسى البابي الحلبي، القاهرة 1398 - 1978 م، ونشرته وزارة
التراث القومي بسلطنة عمان.
(د) الشقصي خميس بن مسعود (منهج الطالبين) جـ 1، ص 86.
22 (1/22)
صفحة 23
23
***
فصول الأصول
***
تعرف العلة (1)، وفصلا في الفتيا، بين فيه من يحق له الإفتاء، وماذا يجب على المقلد إذا عرضت له مسألة في أمر دينه، وإذا كان في المصر فقيهان فاختلفا فعن من يأخذ المقلد، وفيما إذا رجع العالم عن قوله فما الحكم بالنسبة للمقلد .. إلى غير ذلك من النقاط التي طرحها في هذا الفصل (2). وفصلا في المحكم والمتشابه حيث تلكم فيه عن الاختلاف في بيان معناهما، وعن الحكمة من جعل القرآن بعضه محكما وبعضها متشابها، ثم ضرب أمثلة من القرآن بآيات وقع فيها التشابه مع تفسيرها (3)، وفصلا عن الأمر، بين فيه مفهومه وآراء الأصوليين في دلالته إذا ورد مجردا عن القرينة، وصيغ الأمر (4)، وفصلا في الناسخ والمنسوخ حيث بين معناهما، وأقسامهما، ثم بين أن النسخ يقع في الأمر والنهي دون الخبر، ثم ذكر خلاف العلماء هل ينسخ القرآن السنة والعكس أولا مع بيان أدلة كل فريق (5)، وكذلك العلامة جميل بن خميس السعدي (6) لم يخل كتابه الموسوعي قاموس الشريعة (7): من قضايا أصولية، فقد طرزه ببعض المسائل، إذ تكلم عن الإجماع من حيث مفهومه وحجيته لدى العلماء مبينا آراءهم وأدلة كل رأي، وهل يشترط انقراض العصر أولا (8)، ثم بحث في القياس، فقد بين معناه، وذكر أقوال العلماء في حجيته مع بيان لأدلتهم، ثم بين أنواعه، وكان يكثر من ضرب الأمثلة (9).
(1) المرجع السابق جـ 1، ص 89. (2) الشقصي (منهج الطالبين)، ج 1، ص 141.
(3) المرجع السابق جـ 1، 227.
(4) المرجع السابق جـ 1، ص.
240
(5) المرجع السابق جـ 1، ص 255.
(6) هو العلامة جميل بن خميس بن لافي السعدي العماني، من أبرز علماء عصره، القرن الثالث عشر الهجري محمود حجازي دليل أعلام (عمان) ص 46، عبدالحفيظ شلبي (مقدمة لكتاب قاموس الشريعة) ج 1، صه. (7) قاموس الشريعة الحاوي طرقها الوسيعة للعلامة جميل بن خميس السعدي، كتاب موسوعي اشتمل على عدة فنون، ويتكون من تسعين مجلدا، طبع منه بمطابع دار جريدة عمان بسلطنة عمان ما يقرب من عشرين مجلدا وذلك سنة 1409 هـ - 1989 م وحققه عبد الحفيظ شلبي، ونشرته وزارة التراث
القومي!
بسلطنة عمان.
(8) السعدي: جميل بن خميس (قاموس الشريعة) ج 1، ص 219.
(9) المرجع السابق ج 1، ص 219. (1/23)
صفحة 24
***
فصول الأصول
***
(1)
كما أن الأسئلة التي ترد عليهم من قبل طلاب العلم عن عويصات المسائل الأصولية تدل على اهتمامهم بهذا الفن، ورسوخ قدمهم فيه، فالإمام السالمي - مثلا - يرد عليه ثلاثة وستون سؤالا يطلب تلاميذه منه أن يجيب عليها (2)، كما وجهت أسئلة للامام محمد بن يوسف أطفيش (3) من قبل طلاب العلم).
لكن السؤال المطروح هو لم لم يخصصوا تأليفات مستقلة في هذا الفن
للإجابة عن هذا السؤال يمكن وضع الاحتمالات التالية:
أ. أن كثيرا من مؤلفاتهم قد ضاعت بسبب الحوادث السياسية التي عاشوها، فقد كانوا مع الدولتين الأموية والعباسية على طرفي نقيض، فكانت جيوش هاتين الدولتين تلاحقهم في كل مكان (5)، كما كانت الدولة الفاطمية ضدهم، إذ هي التي قضت على الدولة الرستمية) في المغرب، واحتلت
مدينة تيهرت (7)، وأحرقت مكتبتها المعروفة المعصومة (8).
ب. أدت الصراعات القبلية في عمان إلى إحراق كثير من مؤلفاتهم، فحريق الرستاق (9) - مثلا - قضى على (4000) أربعة ألاف مخطوطة، كما أحرقت مكتبة العلامة أحمد بن النظر (10) بكاملها (11).
(1) سيأتي التعريف به.
(2) السالمي (العقد الثمين) ج 1، ص 274.
(3) سيأتي التعريف به.
(4) القطب أطفيش (كشف الكرب) ج 1، ص 225.
(5) السالمي (تحفة الاعيان) ج 1 ص 74.
(6) دولة إباضية بالمغرب العربي، يرأسها إمام منتخب من قبل أهل الحل والعقد، وقد تأسست منذ سنة 140 هـ، واستمرت حتى عام 296 هـ. الباروني (الأزهار) (الرياضية جـ 2 ص 35، علي يحيى معمر (الإباضية في موكب التاريخ) الحلقة الرابعة ص 25. (7) تيهرت: مدينة من مدن الجزائر بالمغرب العربي، أسسها عبدالرحمن بن رستم سنة 144 هـ، واتخذها الإباضية عاصمة لإمامتهم بالمغرب الأوسط (الجزائر)، الباروني (الأزهار الرياضية) ج 2 ص 36. (8) مكتبة عظيمة جامعة لكثير من المؤلفات، موقعها بمدينة تيهرت، الباروني (الأزهار الرياضية) ج 2 ص 26، وص 358. (9) مدينة بداخلية عمان، الخروصي سليمان بن خلف ملامح من التاريخ العماني) ص 326. (10) أحمد بن سليمان بن النظر العماني، عالم إباضي، من كتبه الوصيد في التقليد وسلك الجمان في سيرة أهل عمان وديوان شعر توفي سنة 690 هـ الزركلي (الأعلام) ج 1 ص 132، الخروصي سليمان
?
(ملامح من التاريخ العماني) ص 68. (11) السالمي (تحفة الأعيان) ج 1 ص 189 - 191.
بن
خلف
24 (1/24)
صفحة 25
***
فصول الأصول
***
ج. ربما اكتفوا بما ألفه علماء المذاهب الأخرى في هذا الفن، فإنهم لا يختلفون معهم في المسائل الأصولية، خاصة مذهب المتكلمين، وقد أشبعت مسائل هذا الفن بحثا وتحقيقا، وكثرت فيه التأليفات، ويؤيد ذلك أن من ألف منهم - الإباضية - كالإمام الوارجلاني (1)، والبدل الشماخي (2)، ونور الدين السالمي (3)، لم يأتوا بمسائل أصولية مخالفة لما عليه بقية المذاهب. ومع ذلك لم يخل المذهب من مشاركة ببعض المؤلفات يجدر الإشارة إليها، ولو بشيء من الاختصار، وهذه المؤلفات هي:
1.
1. كتاب الجامع (4) لابن بركة عبد الله بن محمد (ه)، من علماء القرن الرابع الهجري، وهو كتاب فقهي اشتمل على أبواب الفقه، وتعرض لمباحث الكتاب والسنة والإجماع والقياس، كما أنه تعرض لكثير من القواعد الأصولية، وتلكم عنها في ثنايا الكتاب، وقد كان لهذا الكتاب منزلة رفيعة عند العلماء الذين أتوا بعد ابن بركة - نظرا لما حشر فيه من القواعد الأصولية التي لم يسبقه في طرحها أحد من علماء المذهب الإباضي إلا في بعض الرسائل والأجوبة جاء فيها ذكر لبعض القواعد الأصولية (6) - وقد بلغ بهم إلى أن يطلقوا عليه اسم الكتاب فهو متعارف عندهم فإذا قالوا: ومن الكتاب أو وفي الكتاب قصدوا بذلك الجامع لابن بركة (7) (8).
العدل والإنصاف (9): لأبي يعقوب يوسف بن إبراهيم الوراجلاني (10)، تناول
(1) سيأتي التعريف به.
(2) سيأتي التعريف به.
(3) سيأتي التعريف به.
(4) مطبوع بوزارة التراث بسلطنة عمان، وهو في مجلدين.
(5) سيأتي التعريف به.
(6) منها ما جاء في مدونة أبي غانم بشر بن غانم الخراساني من علماء القرن الثاني الهجري، والكتاب مطبوع
في مجلدين بوزارة التراث بسلطنة عمان.
(7) السعدي جابر بن علي ابن بركة وآراؤه الأصولية) في مجلدين.
(8) الوراجلاني (العدل والإنصاف) ج 1 ص 4.
(9) وهو مطبوع بوزارة التراث والثقافة بسلطنة عمان، في مجلدين. (10) سيأتي التعريف به. (1/25)
صفحة 26
***
فصول الأصول
***
فيه المؤلف المسائل الأصولية تناولا شاملا، فقد سلك فيه طريقا وسطا كما صرح بذلك حيث قال: .. ونسلك مسلكا قصدا بين الغلو والتقصير ليقرب المأخذ على المقتصد وتهون المشقة على المجتهد (1). كما أنه اعتمد على المنقول والمعقول .. ومعولنا بعد حمد الله تعالى في استخراج الحق من خاصرة الباطل أمران: أحدهما خبر والآخر نظر (2).
البحث الصادق والاستكشاف عن حقائق العدل والإنصاف، لأبي القاسم بن إبراهيم البرادي (3) شرح لكتاب العدل المتقدم ذكره، ومنهجه في الشرح أنه ينقل عبارات العدل فصلا فصلا، وفقرة، فقرة، ثم يعلق على كل فقرة بالشرح والبيان، فيعدد الآراء المختلفة في المسألة سواء كانت الآراء في المذهب الإباضي أو في غيره من المذاهب الإسلامية الأخرى، كما أنه ينسب الأقوال التي ذكرها صاحب العدل إلى أصحابها، وكان البرادي في شرحه يوافق صاحب المتن إذا رأى دليله قويا ورأيه صائبا، ويخالفه إذا أداه اجتهاده إلى قول مخالف لقول صاحب المتن وكان يعتمد في شرحه للكتاب على البرهان للإمام الجويني، وشرح البرهان للمارزي، والمستصفى للغزالي، وشرحه لابن رشيق، إلا أن الشيخ البرادي توفي قبل أن يتمه، إذ توفي بعد أن استكمل شرح الجزء الأول من العدل والانصاف والكتاب مخطوط توجد منه ثلاث نسخ.
الأولى: في مكتبة القطب محمد بن يوسف أطفيش ببني يزقن بالجزائر.
الثانية: في مكتبة الحاد صالح لعلي ببني يزقن بالجزائر.
الثالثة: في مكتبة الحاج سعيد محمد بغرادية ببني يزقن بالجزائر (4).
(1) الوراجلاني (العدل والإنصاف) ج 1 ص 4.
(2) المرجع السابق ج 1 ص 4.
(3) أبو القاسم بن إبراهيم البرادي الدمري، من علماء النصف الأول من القرن التاسع الهجري نشأ في جبال دمر في جنوب تونس، فتعلم بها مبادئ العلم، ثم سافر إلى جزيرة جربة، فتعلم على الشيخ يعيش الجربي ثم سافر إلى جبل نفوسة بليبيا، فتعلم على الشيخ عامر بن علي الشماخي، ثم قفل راجعا إلى بلدة دمر فنشر العلم هناك، من مؤلفاته الجواهر المنتقاة والبحث الصادق ورسالة في الحدود الشرعية. الشماخي أحمد بن سعيد (كتاب السير) ج 2 ص 210 السعدي (ابن بركة وآراؤه الأصولية) ص 53. (4) لم أطلع على هذا الكتاب لكن نقلت التعريف به عن باجو مصطفى بن صالح (أبو يعقوب الوارجلاني وفكره الأصولي ص 155 السعدي ابن بركة وآراؤه الأصولية) ص 54 التيواجني، مهني بن عمر (أشعة من الفقه الإسلامي) ج 3 ص 224.
26 (1/26)
صفحة 27
27
***
فصول الأصول
***
4. مختصر العدل والإنصاف: لأبي العباس أحمد بن سعيد الشماخي – توفي سنة 918 هـ (1) قال في مقدمته وكان كتاب العدل المنسوب إلى الإمام الحافظ التقي أبي يعقوب يوسف بن إبراهيم الوارجلاني أكمل ما صنف أصحابنا فيه لكنه صعب المرام لكثرة الكلام، واستعنت الله في اختصاره مع فوائد غيره .. (2) فسبب تأليفه للكتاب - واختصاره للعدل هو ما وجد فيه من الصعوبة، فقام باختصاره تيسيرا للطالب، وعونا له على فهم فن أصول الفقه، فكان متنا يمكن لطالب العلم أن يحفظه (3).
ه. شرح مختصر العدل والإنصاف، للمؤلف السابق، فقد أقدم على شرحه بعد أن طلب منه بعض إخوانه ذلك منه (4)، وقد اشتمل الكتاب على جل المسائل الأصولية التي تكلم فيها الأصوليين، وكان يتخذ طريقة وسطا بين الإطناب والإيجاز، ولم يقتصر فيه على ذكر آراء المذهب الإباضي بل يذكر أراء علماء المذاهب الأخرى، ويصرح بكثير منهم كالباقلاني والغزالي والجويني وغيرهم (5).
6. شرح شرح مختصر العدل والإنصاف: تأليف محمد بن يوسف أطفيش والذي توفي سنة 1332 هـ (6)، ويذكر مصطفى بن صالح باجو منهج القطب في هذا الشرح إذ يقول: .. إذ جاء شرحه وافيا جامعا لمحاسن الشروح السابقة، وقد استقصى فيه المسائل اللغوية والنحوية غاية الاستقصاء ... كما اهتم -
(1) سيأتي التعريف به.
(2) الشماخي (مختصر العدل) ص 1. (3) طبع بوزارة التراث بسلطنة عمان.
(4) كما ذكر ذلك بنفسه إذ قال: طالب بعض إخواني مني شرح مختصر العدل، فرأيت تمام فائدته بشرح يبين لفظه ومعناه .. الشماخي (شرح مختصر العدل) ص 1.
(5) لمعرفة منهج المؤلف معرفة وافية يراجع باجو (أبو يعقوب الوارجلاني وفكره الأصولي) ص 160 السعدي ابن بركة وآراؤه (الأصولية ص 55 التيواجني أشعة من الفقه الإسلامي) ص 226. والكتاب مخطوط، توجد نسخة منه في مكتبة الحاج صالح لعلي ببني يزقن بالجزائر، وقد اطلعت عليه، ونقلت عنه في تحقيق فصول الأصول - موضوع الرسالة -.
(6) سيأتي التعريف بن ص 9 من الكتاب. (1/27)
صفحة 28
***
فصول الأصول
***
أيضا - بتوضيح المسائل الكلامية والأصولية واستقراء آراء العلماء في كل مسألة مع نسبة الأقوال إلى أصحابها، وتحديد الفوارق الدقيقة بين تلك الأقوال والآراء لدرجة تدهش القارئ، وتنبئ عن موسوعية في الإطلاع وقدرة فائقة على الاستيعاب مع التحليل والنقد والترجيح (1). توجد نسخة منه في مكتبة القطب ببني يزقن بالجزائر.
7. موارد الألطاف للشيخ عامر بن خميس المالكي (2)، جعله المؤلف نظما
لمختصر العدل حيث قال:
وقد دعتني همتي
أن أنظما
أصوله أرجوزة تعلما
ضمننتها مختصر العدل الذي قد عطر الآفاق عرفه الشذى اخترته من بين باقي الكتب لأنه على أصول المذهب (3) ويقع الكتاب في خمسين ومائتين وألف بيت بأسلوب سلس جذاب يسهل للطالب حفظه (4).
طلعة الشمس: للإمام نور الدين السالمي (5) وهو شرح لشمس الأصول التي نظمها في أصول الفقه، وقد قسم الكتاب إلى قسمين:
القسم الأول في الأول في الأدلة التي هي الكتاب والسنة والإجماع والقياس والإستصحاب والاستقراء والمصالح المرسلة والاستحسان والإلهام، والقسم الثاني في الأحكام، تكلم في هذا القسم عن الحكم وأقسامه وأن الحاكم هو الشرع لا العقل، وعن المحكوم به، والفرق بين حقوق الله وحقوق العباد، وعن المحكوم عليه وهو (1) باجو، مصطفى بن صالح (أبو يعقوب الوارجلاني وفكره الأصولي) ص 167. (2) كنيته أبو مالك والمالكي: أي من قبيلة الموالك، وهي قبيلة أزدية قحطانية تنتمي إلى الأزد، ولد سنة 1280 بشرقية عمان كان مرجعا للفتوى في عمان، ورئيسا للقضاة، من كتبه غاية المرام في الأديان والأحكام وموارد الألطاف وغاية التحقيق في أحكام الانتصار والتفريق، توفي سنة 1346 هـ السالمي محمد ابن عبدالله (نهضة (الأعيان ص 465، حجازي، محمود فهمي دليل أعلام عمان) ص 111، الخروصي سليمان ابن خلف ملامح من التاريخ العماني) ص 244.
(3) المالكي، عامر بن خميس (موارد الألطاف) ص 1. (4) طبع بوزارة التراث بسلطنة عمان سنة 1405 هـ - 1985 م. (د) سيأتي التعريف به ص 163.
28 (1/28)
صفحة 29
***
فصول الأصول
***
المكلف ثم عن الاجتهاد، وكان يعتمد على منهاج الوصول لابن المرتضى، وشرح مختصر العدل للبدر الشماخي، ومرآة الأصول لمنلا خسروا، وحاشية الأزميري عليها وشرح المحلي على جمع الجوامع والتلويح على التوضيح للتفتازاني، وهو من أحسن ما ألف في هذا الفن المذهب الإباضي)) 9. فصول الأصول: للشيخ خلفان بن جميل السيابي، وهو موضوع هذه
(1)
الرسالة.
(1) طبع بوزارة التراث بسلطنة عمان 1405 هـ - 1985 م، ويقع في مجلدين.
29 (1/29)
صفحة 30
***
فصول الأصول
***
الفصل الأول
دراسة عن المؤلف والكتاب (1/30)
صفحة 31
***
فصول الأصول
***
المبحث الأول
دراسة عن المؤلف، ويشمل المطالب التالية
طلب الأول: اسمه ونسبه وكنيته
المطلب الثاني ولادته ونشأته
المطلب الثالث: شيوخه
المطلب الرابع تلاميذه
المطلب الخامس:
أعماله
المطلب السادس
صفاته
المطلب السابع منزلته العلمية وثناء العلماء عليه
المطلب الثامن تأثره بمن قبله
المطلب التاسع وفاته (1/31)
صفحة 32
***
فصول الأصول
:
***
المطلب الأول: نسبه وكنيته
هو الشيخ العلامة خلفان بن جميل بن مهيل بن علي بن سليم بن المر بن سالم بن هويشل، ينتهي نسبه إلى قبيلة آل المسيب، وهي قبيلة عدنانية يتصل نسبها إلى شهاب بن نويرة ابن عمرو بن الحارث، وينتهي بنزار بن معد بن عدنان، وكنيته أبو يحيى (1). المطلب الثاني: ولادته ونشأته:
ولد هذا العالم الجليل في بلدة سيماء (2) التابعة لولاية أزكى (3)، وتقع في الجهة الشرقية منها، بداخلية عمان، وكانت ولادته سنة 1308 هـ للهجرة الموافق سنة
1890 للميلاد، نشأ في البلدة التي ولد فيها، وتوفي والده قبل أن يبلغ الحلم، فعاش يتيما في كفالة أمه على ضنك العيش، وكفاف من الرزق، لكن هذه الحالة العصيبة لم تفت من عضده في طلب العلم، فعندما بلغ أشده شمر عن ساعد الجد، وفرغ نفسه لاكتساب العلم وتحصيله، فجد واجتهد حتى نال المنزلة الرفيعة، وأصبح مرجع الفتوى في وقته، وقد كان له صديق حميم، وصاحب مخلص هو الشيخ سيف بن حمد بن شيخان الأغبري (4)، فشد كل واحد منهما على عضد
الآخر لطلب العلم وتحصيله (5).
المطلب الثالث: شيوخه
(6)
الإمام محمد بن عبد الله الخليلي (6
(1) الخليلي، أحمد بن حمد، مقابلة أجريتها مع الشيخ أحمد بن حمد الخليلي، مساء يوم الخميس 5 ذو القعدة 1417 هـ – 1997 م، السيابي، سالم بن حمود، ترجمة حياة المؤلف العماني (مقدمة لكتاب جلاء العمى شرح ميمية الدما) للمترجم له، ص 7، الخروصي، سعيد بن خلف، أيام مع المرحوم العلامة خلفان بن جميل السيابي ص 159 ورقة عمل قدمت للمنتدى الأدبي، بسلطنة عمان، السيابي، أحمد بن سعود، الشيخ خلفان بن جميل السيابي زهده وورعه) ص 170 ورقة عمل قدمت للمنتدى الأدبي، فعاليات ومناشط الخروصي، سليمان ابن خلف ملامح من التاريخ العماني) ص 275. (2) على وزن تيماء بفتح التاء، وهي فلاة واسعة، ابن منظور (لسان العرب باب الميم، فصل التاء، ج 12 ص 74، تقع سيماء بداخلية عمان، (انظر المراجع السابقة).
(3) بداخلية عمان. (4) سيأتي التعريف به. (5) انظر المراجع السابقة.
(6) الخليلي نسبة إلى آل خليل، قبيلة أزدية قحطانية الخروصي ملامح من التاريخ العماني ص 243.
32 (1/32)
صفحة 33
***
فصول الأصول
***
ج.
أ. نسبه: هو الإمام محمد بن عبد الله بن سعيد بن خلفان بن أحمد ابن صالح الخليلي. ب. ولادته: ولد سنة 1299 هـ في سمائل، ونشأ في حجر أبيه الشيخ عبدالله بن سعيد. طلبه العلم وشيوخه: قرأ النحو على الشيخ محمد بن عامر الطيواني، ثم درس باقي الفنون على عمه الشيخ أحمد بن سعيد بن خلفان الخليلي، وأبيه الشيخ عبدالله بن سعيد الخليلي. ولم يكتب بذلك بل هاجر إلى شرقية عمان لطلب المزيد من العلم، فقرأ على العلامة الكبير نور الدين عبد الله بن حميد بن سلوم السالمي علوم التفسير والحديث والأصول، حتى نبغ فصار علما من الأعلام ومرجعا للفتوى. د. وفاته - توفي - رحمه الله تعالى - يوم الإثنين التاسع والعشرين من شهر
شعبان سنة 1373 هـ (1).
2. الشيخ العلامة حمد بن عبيد بن مسلم السليمي (2) السمائلي. أ. مولده: ولد في العقد الثامن من المائة الثالثة بعد الألف للهجرة بقرية سدي إحدى قرى ولاية إزكي الواقعة بداخلية عمان، ونشأ في حجر أبيه، وبدأ يتعلم القراءة والكتابة في هذه القرية.
ب طلبه العلم منذ وقت مبكر من عمره انتقل إلى مدينة سمائل طلبا للعلم واستشرافا للمعرفة؛ إذ يوجد في هذه المدينة من العلماء الأجلاء ما يمكنه أن يصل بهم إلى درجات سامية من العلم، وأن يروي ظمأه ويسد رمقه
من
الثقافة والمعرفة.
ج. وفاته: توفى سنة 1390 هـ، 1970 م (3).
(1) السالمي: محمد بن عبدالله (نهضة الأعيان بحرية (عمان) ص 377، حجازي، محمود فهمي (دليل إعلام عمان) ص 147، الفارسي ناصر بن منصور نزوى عبر الأيام ص 210. (2) أي من قبيلة بني سليمة، قبيلة أزدية قحطانية نسبة إلى سليمة بن مالك بن فهم الخروصي، سليمان بن خلف ملامح من التاريخ العماني) ص 244.
(3) انظر ترجمته في: الخروصي سعيد بن خلف (مقدمة لكتاب قلائد (المرجان ص أ، الخليلي، عبدالله بن علي (ترجمة مؤلف قلائد المرجان في مقدمة الكتاب) ص 1، محمود فهمي حجازي وآخرون
دليل عمان ص 52. (1/33)
صفحة 34
***
فصول الأصول
***
الشيخ أحمد بن سعيد بن خلفان بن أحمد بن صالح بن ناصر الخليلي. ولد في بلدة بوشر (1) سنة 1280 هـ، ونشأ في حجر والده العلامة سعيد بن خلفان الخليلي الذي كان من أقطاب المذهب الإباضي ومرجعا للفتوى (2) فاستقى منه العلم والأخلاق الحميدة، فتوفي عنه والده - رحمه الله تعالى – وهو في سن السابعة فكانت مصيبته الثانية بعد ان توفيت عنه والدته وهو في سن الثانية، فبقي يتيما بلا أم ولا أب، فأخذه الفاضل أحمد بن عبد الله الرواحي (3) ـ وكان صاحبا لأبيه أيام حياته - ودفع به إلى وادي محرم (4) فعاش في كفالته يحوطه بعين الرعاية. شيوخه: تتلمذ هذا الشيخ على يد العلامة محمد بن سليم الرواحي (5)، فأخذ عنه مبادئ اللغة العربية والفقه، وكان يذهب إليه في كل يوم إذ كان قريبا منه، ولم يتتلمذ على أحد غيره، بل كان عصاميا، كون نفسه بنفسه، وشمر عن ساعد الجد حتى وفقه الله تعالى لنيل العلم، فأصبح ممن يشار إليهم بالبنان.
وفاته: توفي هذا الشيخ 11 - ذو الحجة سنة 1324 هـ (6).
4. الشيخ قسور بن حمود بن هاشل الراشدي (7).
ولد بولاية إزكي بداخلية عمان سنة 1304 هـ، ونشأ في بلده، وتعلم قراءة القرآن بها، ثم سافر إلى الشيخ أحمد بن سعيد الخليلي لطلب العلم، فلازمه مدة من الزمن، فأخذ عنه علوم العربية ومبادئ علم الفقه، ثم رحل بعد ذلك إلى
(1) إحدى ولايات مسقط العاصمة.
(2) توفي سنة 1278 هـ حجازي دليل أعلام عمان ص 79.
(3) الرواحي: قبيلة عدنانية يتصل نسبها إلى رواحة بن قطيعة، ثم إلى عبس بن بغيض، الخروصي (ملامح من التاريخ العماني) ص 274.
(4) يقع بالقرب من مدينة - سمائل وهي مدينة بداخلية عمان.
(5) لم أجد له ترجمة.
(6) ننظر ترجمته في: السالمي (نهضة (الأعيان ص 377، حجازي دليل أعلام عمان) ص 79، الخروصي (ملامح من التاريخ العماني ص 243، خليل بن احمد الخليلي (السيرة الذاتية للشيخ أحمد بن سعيد الخليلي) ص 65. (7) الراشدي، أي: من أولاد راشد، وهي قبيلة قحطانية يتصل نسبها إلى يعرب بن قحطان، الخروصي ملامح من التاريخ العماني ص 251.
34 (1/34)
صفحة 35
35
***
فصول الأصول
***
شرقية عمان لينهل من معين العلامة نور الدين السالمي، وبعد ذلك تولى القضاء مدة من الزمن. وبعدها سافر إلى زنجبار بإفريقيا، فأصبح مدرسا بها يرد إليه طلبة العلم للإستفادة منه، فمكث نحو عشرين سنة، ثم طلب منه الإمام محمد بن عبدالله الخليلي أن يعود إذ أصيب بمرض في عقله، فرجع سنة 1360 هـ عن طريق البحر، ولما وصل مع رفاقه إلى الشاطئ العماني نزلوا إلى البر، وفي طريقهم إلى داخل عمان غالب عنهم، فوجدوه في سيح الصلب (1). الصلب (1) ميتا تحت سدرة وهو مغطي نفسه بعمامته (2). ه. الشيخ سيف بن حمد بن شيخان بن محمد بن ناصر بن عامر الأغبري (3) ولد ببلدة سيما، وتوفي عنه والده وهو في سن الرابعة من عمره، فعاش في كفالة عمه أحمد بن شيخان بن محمد (4)، فتعلم قراءة القرآن في بلده فحفظه وهو ابن ست سنوات، ثم تتلمذ على الشيخ حامد بن ناصر) (ه) أحد علماء نزوى - النحو لمدة أسبوع، كما توجه إلى العلامة نور الدين السالمي، فأخذ منه، واستفاد من علمه، كما أنه تتلمذ على الشيخ أحمد بن سعيد الخليلي.
وفاته: توفي الشيخ، سنة 1380 هـ، وهو ابن إحدى وسبعين سنة (6).
المطلب الرابع: تلاميذ الشيخ خلفان:
ورث الشيخ خلفان علمه جماعة من أهل العلم الذين تتلمذوا على يديه، فأصبحوا بعد ذلك علماء أفذاذ يرجع إليهم في عويصات المسائل ودقائق العلوم
ومن هؤلاء:
(1) صحراء بشرقية عمان.
(2) الخليلي خليل بن أحمد السيرة الذاتية للشيخ أحمد بن سعيد الخليلي) ص 111. (3) الأغابرة: قبيلة عدنانية يتصل نسبها إلى عامر بن صعصعة، ثم إلى قيس بن عيلان بن مضر، الخروصي ملامح من التاريخ العماني ص 279.
(4) لم اعثر على ترجمة. (5) لم أجد له ترجمة.
(6) حجازي دليل أعلام (عمان) ص 85، الخروصي (ملامح من التاريخ العماني ص 75، عبدالمنعم عامر (تقديم لكتاب الورد البسام في رياض الأحكام للمترجم له ص 3، خليل بن أحمد (السيرة الذاتية للشيخ أحمد بن سعيد) ص 112. (1/35)
صفحة 36
***
فصول الأصول
***
أ - الشيخ سعيد بن خلف بن محمد بن نصير بن خلفان ابن محمد بن خلف الخروصي.
ولد يوم التاسع من صفر سنة (1344 هـ) بمدينة نخل.
نشأ في حجر فتعلم الشيخ عندهما قراءة القرآن ومبادئ العلم.
أبيه ذي المجد والكرم، وجده ذي المكانة المرموقة في مجتمعه،
ب - الشيخ سالم بن حمود بن شامس بن خميس بن علي بن عبيد السيابي:
ولد سنة (1326 هـ) بقرية غلا (1).
كان في بدئ حياته عصاميا يثقف نفسه بنفسه، ويساعده في ذلك التوفيق، ثم حافظته القوية، وذكاؤه مع صبره على طلب العلم، فقد حفظ القرآن في السابعة من عمره، ودرس مبادئ العربية وعلم الفقه بنفسه، وبعد ذلك تلقى العلم على يد بعض العلماء من أمثال الشيخ خلفان بن جميل السيابي والشيخ حمد بن عبيد
السليمي والإمام محمد بن عبدالله الخليلي.
وفاته: توفي 1993/ 12/30 م (2).
ج - الشيخ محمد بن راشد بن عزيز الخصيبي:
ولد سنة 1336 هـ بمسقط، ثم انتقل إلى سمائل، فدرس على الشيخ حمدان بن خميس اليوسفي علوم العربية، وعلى الشيخ حمد بن عبيد السليمي علم الفقه، وأكثر دراسته على الشيخ خلفان - موضوع الدراسة – وكان محببا لدى شيخه، حتى نبغ، وعرف مكانته
الإمام محمد بن عبد الله الخليلي، فعينه مدرسا لعلوم العربية، ثم ترقى إلى منصب القضاء، فعمل قاضيا في بدبد (3) وذلك سنة 1371 هـ، ثم نقل قاضيا إلى المحكمة الشرعية بمسقط، ثم أحيل للتقاعد لظروفه الصحية، وبعد ان تحسنت حاله عين مدرسا بمعهد القضاء الشرعي بمسقط، من مؤلفاته: شقائق النعمان على سموط
(1) داخل محيط مسقط عاصمة عمان.
(2) الخصيبي (شقائق النعمان) ج 2 ص 75، الخروصي سليمان بن خلف (ترجمة) مؤلف الكتاب عمان عبر التاريخ) ج 1 صه الحارثي عبدالله بن سالم (أضواء على بعض أعلام عمان) ص 122.
(3) إحدى ولايات منطقة الداخلية بعمان، تبعد عن مسقط 40 كيلومتر تقريبا.
36 (1/36)
صفحة 37
37
***
فصول الأصول
***
الجمان في أسماء شعراء عمان، والوهب الفائض على يتيمة الفرائض كلاهما
مطبوع بوزارة التراث بسلطنة عمان.
توفي 1411 هـ - 1991 م 1 (2).
د - الشيخ حمدان بن خميس بن سالم اليوسفي:
انتقل من وطنه السيب إلى عدة مدن عمانية لطلب العلم، فأخذ عن الإمام محمد بن عبد الله الخليلي والشيخ خلفان - موضوع الدراسة - وغيرهما، وكان ضليعا في علوم العربية، حتى لقب بيسبويه الثاني، ونبغ في الشعر، فكان يوجه أسئلته الفقهية والنحوية إلى شيوخه في قالب النظم، كما ترد عليه أسئلة من قبل طلاب العلم،
فكان يجيب عليها نظما، وتوفي سنة 1384 هـ (2).
هـ
- - الأستاذ الأديب موسى بن عيسى بن ثاني البكري (3). ولد في سمائل سنة 1336 هـ، درس العربية على الشيخ حمدان بن خميس اليوسفي، ودرس علوم الشريعة، على العالمين الجليلين حمد بن عبيد السليمي، و خلفان بن جميل السيابي، وعمل كاتبا للصكوك الشرعية في سمائل، ثم عين مدرسا في المعهد الإسلامي بجامع سمائل حتى احيل للتقاعد عن العمل سنة 1992 م، من مؤلفاته: السموط الذهبية في الأسئلة والأجوبة الفقهية والأدبية، طبع بالمطابع الذهبية بسلطنة عمان (4).
المطلب الخامس: أعماله:
نظرا للمكانة العلمية التي يتمتع بها المؤلف - رحمه الله – فقد كان معروفا بين الخاصة والعامة بغزارة العلم، وقوة الإدراك، ونفاذ البصيرة، مع التقوى والورع والنزاهة والصلاح، أسند إليه أعمال ووظائف لها أهميتها وثقلها في المجتمع العماني.
(1) تنظر ترجمته في: حمود بن حمد المسكري (ترجمة الشيخ محمد بن راشد الخصيبي، مقدمة لكتاب شقائق النعمان) ج 1، ص 3.
(2) الخصيبي (شقائق النعمان) ج 1، ص 298.
(3) البكري: قبيلة عدنانية يتصل نسبها إلى بكر بن وائل، ثم إلى نزار بن معد بن عدنان الخروصي ملامح من
التاريخ العماني) ص 279.
(4) الخصيبي (شقائق النعمان) ج 2، ص 67. (1/37)
صفحة 38
***
فصول الأصول
***
أ. فقد عينه الإمام سالم بن راشد الخروصي وكيلا لأوقاف بلده سيما (1) لما رأى فيه من صلاح وعلم، فقام الشيخ بهذا العمل خير قيام، وعمل بالواجب حسده أعداؤه فنصبوا له المكائد حتى ترك الأوقاف، واستعفى الإمام
من قبضها فأعفاه، وذلك سنة 1335 هـ.
ب. بعد ذلك طلب منه الإمام سالم أن ينتقل إلى بلده نخل (2) ليعمل مدرسا بها، حتى يفيد بعلمه من يسر الله له ذلك، فانتقل إليها، وعمل مدرسا في الأدب والفقه وغيرهما، ومكث بها مدة سنتين.
ج. ثم قلده نفس الإمام منصب القضاء في البلدة السابقة الذكر لما رأى عليه من سمات الصلاح والنبوغ في العلم والأهلية لتولي هذا المنصب الجليل والأمر الخطير، فلبى الأمر، ولم يأل جهدا في أداء عمله، واستمر على ذلك حتى وفاة الإمام - رحمه الله.
ثم ولاه الإمام محمد بن عبد الله الخليلي القضاء في بلدة الرستاق (3) لما يتوسم فيه من صفات عزت أن توجد إلا في القلة من الناس، فاستمر الشيخ في عمله إلى سنة 1345 هـ، ثم اعتذر عن القضاء لأسباب اقتضاها الحال، فأعفاه الإمام. ه. بعد ذلك استقضاه السلطان تيمور بن فيصل البوسعيدي على بلدة مطرح (4)، فبقي بها الشيخ قاضيا حتى سنة 1349 هـ.
و. ثم طلب منه والي صور (5) أن يتولى القضاء فيها، فاستجاب لطلبه، فعمل قاضيا بها بموافقة السلطان سعيد بن تيمور البوسعيدي، وبقي على هذا العمل إلى سنة 1362 هـ - ثم رجع إلى سمائل.
6. ثم استقضاه الإمام محمد بن عبدالله الخليلي على سمائل (6) سنة 1365 هـ، فبقي بها مدة سنتين، واعتذر بعدها للإمام فعذره
(1) سبق التعريف بها ص 24. (2) مدينة بداخلية عمان – تبعد عن مسقط 200 کيلومتر تقريبا. (3) مدينة بمنطقة الباطنة بعمان تبعد عن مسقط 165 كيلومتر تقريبا. (4) إحدى مدن مسقط العاصمة.
(د) مدينة تقع في شرقية عمان تبعد عن مسقط 400 كيلومتر تقريبا. (6) مدينة بداخلية عمان تبعد عن مسقط 100 کيلومتر تقريبا.
38 (1/38)
صفحة 39
39
***
فصول الأصول
***
ثم تفرغ للتدريس والتأليف والإفتاء .. فإذا زرته لا تجده إلا قارئا أو كاتبا أو مصليا أو باحثا ... شأن العلماء العاملين (1).
المطلب السادس: صفات الشيخ خلفان وأخلاقه:
للشيخ - رحمة الله عليه - صفات جليلة وسمات حميدة هي تلك السمات التي يتسم بها العلماء العامليون، والرجال المخلصون، وقد ذكر صفات هذا الشيخ تلميذه الشيخ سعيد بن خلف الخروصي الذي لازمه مدة اثني عشر عاما فقال: كان سمحا جوادا على قلة في يده، وفيا، صفيا، محققا مدققا، حافظا واعيا، يقول الحق وينطق به بغير تلعثم، ويدعوا إليه ويأمر بفعله، ويغضب الله ويرضى في الله، كاملا في خصاله، حجة علم في بلاده ومصره، عمدة في قطره وعصره (2). وقال مرة أخرى: ... صحبته اثني عشر عاما، فرأيت أوقاته موزعة في فضائل الأعمال، شأن الكملة من الرجال، فلا تجده إلا مصليا أو ذاكرا داعيا، مستقبلا المحراب، أو تاليا، للكتاب، أو كاتبا أو مملئا فتوى، أو حاكما بفصل الخطاب في دعوى، لا يخلو مجلسه من طالب علم أو مسترشد أو زائر الله، أو مسترفد، لا يبخل موجود، كما لا يتكلف المفقود، لا تسمع في مجلسه أحاديث الدنيا، بل همته ميالة إلى الصفات العليا، لا يجامل غنيا لغناه، لا يحتقر فقير الفقره، المسلمون لديه متساوون ولإرشاده مستمعون (3).
هذه صفات الشيخ خلفان كما قالها تلميذه الذي لازمه فترة طويلة من الزمن، وهي - كما يرى القارئ - صفات تجعل من الشيخ مثالا حيال يقتدى به، ويسار على نهجه.
(1) السيابي: سالم بن حمود (ترجمة حياة المؤلف العماني - مقدمة لكتاب جلاء العمى) ص 7، وتنظر أعمال المؤلف في المرجع السابق وفي: سعيد بن خلف أيام) مع المرحوم خلفان بن جميل) ص 159، ورقة عمل قدمت للمنتدى الأدبي بسلطنة عمان، أحمد بن سعود الشيخ خلفان بن جميل: زهده وورعة) ص 170، ورقة عمل قدمت للمنتدى الأدبي بسلطنة عمان، أحمد بن حمد الخليلي: مقابلة شخصية أجريتها معه يوم الخميس 5 ذو القعدة سنة 1417 هـ - 1997 م.
(2) الخروصي سعيد بن خلفان، مقابلة شخصية - أجريتها معه يوم الخميس 5 ذو القعدة 1417 - 1997 م. (3) الخروصي، سعيد بن خلف، أيام مع المرحوم العلامة الشيخ خلفان بن جميل السيابي، ص 159، ورقة عمل قدمت للمنتدى الأدبي بسلطنة عمان. (1/39)
صفحة 40
***
فصول الأصول
***
كما أن الشيخ - رحمه الله - كان متصفا بالزهد، وله مواقف تدل على زهده منها أنه كان يأخذ مرتبا شهريا زهيدا من السلطان سعيد بن تيمور (1) فاقتنع به ولم
يطلب زيادة على ذلك مكتفيا به و مقتصر عليه مادام يسد به حاجته الضرورية (2). ومنها أن أحد أقربائه توفي عنه ولم يترك سوى بنت واحدة، وكان الشيخ يرثه بالتعصيب، لكنه امتنع عن أخذ الميراث خوفا من الشك في ذلك، مع أن المتوفي قد أقر قبل وفاته بأن الشيخ يرثه (3) هكذا كانت حياته - رحمه الله - زهدا وابتعادا عن مغريات الحياة، وترف الدينا لأنه باعها بالآخرة، فهو يطلب ما هو أعلى، ويرغب فيما هو أفضل، إنه رضوان الله ورحمته وجنات عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين.
وكان من سماته - رحمه الله - التواضع وهضم النفس، يجد ذلك القارئ في صريح كلامه، فمن ذلك قوله عندما سئل عن حال عمر بن عبدالعزيز والحسن البصري .. نرى أنفسنا لا نساوي تراب نعالهما، وإذا لم يكونوا هم الرجال فمن إذن؟ أنحن وأمثالنا جيف الليل ذباب النهار، أفتينا الأعمار في البطالة والقيل والقال، فكفى بالمرئ عيبا أن لا يكون
صالحا ويقع في الصالحين ... (4) وقال في موضع آخر: لا تظن أيها الشيخ أنني أكتم العلم عنك ولا عن غيرك من مستحقيه، وإنما أنا بشر ضعيف، وأجهل أكثر مما أعلم بأضعاف مضاعفة ... (5).
(0)
المطلب السابع: منزلة الشيخ خلفان العلمية وثناء العلماء عليه كان لهذا الشيخ منزلة سامية، ومكانة مرموقة بين علماء المذهب الإباضي، نظرا لما يتمتع به من قوة علمية، فقد بلغ شأوا كبيرا، ونال مرتبة عالية، وأخذ بحظ وافر من العلم مكنه من أن يحقق المسائل، ويرجع بعضها على بعض، وربما يخرج عن بعض الآراء المعهودة والمألوفة في مذهبه، ومثال ذلك أنه خالف الرأي المعتمد عند
(1) سبق التعريف به.
(2) السيابي، أحمد بن سعود، الشيخ خلفان بن جميل السيابي زهده وورعه، ص 171، ورقة عمل قدمت للمنتدى الأدبي بسلطنة عمان.
(3) المرجع السابق.
(4) السيابي خلفان بن جميل (فصل الخطاب) ج 1، ص 38.
(5) المرجع السابق، ص 120.
40 (1/40)
صفحة 41
133
***
فصول الأصول
***
المشارقة من الإباضية في الشفعة، إذ الرأي المعتمد عندهم ان الشفعة تفوت بتأخير طلبها، أما الشيخ فإنه يقول: لا تفوت الشفعة، بالتراخي عن طلبها (1). كما أنه خالفهم في القول بهلاك المجتهد إذا أخطأ في الدين ما يعلم بالضرورة، فقد ذهب إلى القول بعدم هلاكه (2).
وقد كان الإمام محمد بن عبد الله الخليلي يرجع إليه في بعض المسائل (3). وقد كثر ثناء العلماء عليه اعترافا منهم بفضله وتقديرا لمكانته فمن ذلك:
(4)
أ. قول الشيخ محمد بن راشد الخصيبي والفقيه النحرير ذو السلك خلفان: السيابي من ثقاة هداة.
من أبوه جميل هو بحر في جميع العلوم والمعرفات.
مرجعا كان في الفتاوي وفي الأحكام بل كان فاتح المرتجات (ه). ب. الشيخ العلامة أحمد بن حمد الخليلي (6): كان رجلا ضليعا في أصول الفقه إذا ما قسناه بأقرانه في ذلك الوقت نجده يتقدمهم في علم الأصول، وهذا ترك انعكاسا على مؤلفاته وعلى فتاواه، إذ يجد الإنسان من التأصيلات في مؤلفات الشيخ في وقته ما لا يجده في مؤلفات كثير من معاصريه من أهل عمان في ذلك الوقت (7).
ج. الشيخ حمدان بن خميس اليوسفي (8):
الأزم
حبر الورى معدن العرفان من سعدت به البرية وانحلت به علامة العصر مفتي السائلين فمن يلذ به لم يفته العلم والكرم فتي جميل يا مصباح ملتنا: و من به شمل أهل العلم يلتئم (9).
(1) السيابي، خلفان بن جميل (فصل الخطاب) ج 2، ص 70.
(2) السيابي، خلفان بن جميل (فصول الخطاب). (3) السيابي (فصول الخطاب) ج 1، ص 125. (4) أحد تلامذة المؤلف.
(5) الخصيبي، محمد بن راشد شقائق النعمان) ج 3، ص 50.
،
(6) مفتي سلطنة عمان في الوقت الحاضر.
(7) مقابلة شخصية أجريتها معه يوم الخميس 5 ذو القعدة 1414 هـ - 1997 م.
(8) أحد تلامذة المؤلف.
(9) السيابي، خلفان بن جميل (بهجة المجالس) ص 145 - 146. (1/41)
صفحة 42
*** فصول الأصول ***
الشيخ علي بن حبر الجبري (1)
: (1)
(2)
هو العالم النحرير نجل جميل فما جود معن مثله أن تكرما هو البحر إلا أن جوهره التقى وإن التقى كنز الحياتين فاعلما هـ. الشيخ موسى بن عيسى البكري (3):
(4)
منار الدين مرجع كل فتوى خليفة أحمد الهادي الأمين غدا عن كل نائبة يقيني
سليل جميل خلفان من
قد
(ه):
(6)
و. الشيخ سعيد بن خلف الخروصي هو المرتضى خلفان نجل جميل لقد فاق في كل الفنون بني العصر
هذا بعض ما قيل فيه، وفي ذلك ما يكفي دليلا وشاهدا على أنه بلغ شأوا بعيدا، وسما فوق ذرى العلم، وترقى درجات عالية بين أقرانه، وزيادة على ذلك فإن وظيفة القضاء التي عهدت إليه في عدة مدن تدل على رسوخ قدمه في علوم الشريعة.
(7)
المطلب الثامن: تأثره بمن قبله: كان - رحمه الله - متأثرا بالنيل (7) وشرحه إذ كان كثير القراءة لهذين الكتابين كما يستفاد ذلك من خلال تتبع مؤلفاته، فقد ألف سلك الدرر (8) نظم فيه كتاب
(1) الشيخ علي بن جبر بن سعود الجبري، نشأ في بيت شرف، اهتم بطلب العلم منذ صغره، فتعلم أصول العربية والفقه والدين، وله أشعار حسنة. الخصيبي شقائق النعمان) ج 2، ص 64.
(2) السيابي (بهجة المجالس) ص 166.
(3) أحد تلامذة المؤلف.
(4) السيابي (بهجة المجالس) ص 166 (د) فهو أحد تلامذة المؤلف.
(6) السيابي (بهجة المجالس) ص 238.
(7) هو كتاب فقهي للشيخ العلامة عبد العزيز بن إبراهيم الثميني، من علماء المذهب الإباضي بالمغرب، توفي سنة 1223 هـ، ويعتب ركتابه من أهم الكتب الفقهية في المذهب الإباضي، وقد شرحه الإمام القطب محمد بن يوسف أطفيش المتوفى سنة 1332 هـ شرحا وافيا، ويبلغ الكتاب مع شرحه سبعة عشر مجلدا، وقد طبع بمكتبة الإرشاد بجدة سنة 1392 هـ - 1972 م وسنة 1405 هـ - 1985 م، الزركلي (الأعلام) ج 4، ص 12، علي علي منصور (تقديم لشرح كتاب النيل) ج 1، ص 15.
(8) سيأتي التعريف به.
42 (1/42)
صفحة 43
43
***
فصول الأصول
***
(1)
النيل، كما أنه كان ينقل نصوصا من النيل وشرحه في جلاء العمى (1) وفي فصل الخطاب يصرح الشيخ في أحد أجوبته بكثرة قراءة للنيل إذ يقول ..... فإني لم أجد في النيل مع كثرة ممارستي له أن الكبيرة لها مكفر غير التوبة (2) ... وكان طلبة العلم ممن يعترفون من معينه يعرفون ذلك عنه، ولذلك كانت لهم أسئلة كثيرة موجهة إلى الشيخ يطلبون منه إيضاح ما أشكل عليهم من المسائل الموجودة في النيل وشرحه (3)، كما أنه كان متأثرا بطلعة الشمس، فمن تتبع فصول الأصول يجده يعتمد على طلعة الشمس في كثير من المسائل الأصولية، وكان يعبر عن العلامة السالمي - مؤلف الطلعة - بلفظ شيخنا احتراما له وإعجابا به (4)، وفي أيامه الأخيرة كان يقرأ فتح الباري، وكان يستمد فتواه الأخيرة من هذا الكتاب، بل إن فتوى من فتاوه تقيد بكل ما فيها نقلا من هذا الكتاب، وهي مسألة اشتراط ذواق العسيلة للجواز بحلية المطلقة ثلاثا (5). كما أنه كان يقرأ جمع الجوامع وشرحه وحاشية العبادي عليه.
المطلب التاسع: وفاته:
توفي سنة 1392 هـ - 1972 م في مدينة سمائل، ودفن في بستانه المسمى بالمشجوعية، رحمه الله رحمة واسعة.
(1) سيأتي الكلام عنه.
(2) السيابي، فصل الخطاب، ج 1، ص 31.
(3) السيابي، فصل الخطاب، ج 1، ص 31، وص 413.
(4) السيابي، فصول الأصول، ص 31، وص 177 وص 413.
(5) السيابي، فصل الخطاب، ج 1، ص 213، ابن حجر، فتح الباري، ج 9، ص 376. (1/43)
صفحة 44
***
فصول الأصول
***
المطلب الأول: مؤلفاته
المبحث الثاني آثاره العلمية
المطلب الثاني: كتاب فصول الأصول
عنوان الكتاب ونسبته إلى المؤلف
الموضوعات التي اشتمل عليها الكتاب
المصادر التي اعتمد عليها المؤلف
منهج المؤلف في الكتاب نسخ الكتاب
44 (1/44)
صفحة 45
45
***
فصول الأصول
***
المطلب الأول: مؤلفاته:
لقد ترك لنا المؤلف - رحمه الله - ثروة علمية نافعة، ومؤلفاته فقهية مفيدة، وتاتي مؤلفاته على أنماط مختلفة، فمنها ما جاء نثرا، ومنها ما هو نظم، ومنها ما هو على طريقة السؤال والجواب، فتعددت عنده الأساليب في مجال التأليف، ومؤلفاته هي: أ. بهجة المجالس:
هو
کتاب نظم اشتمل على عدة فنون من العلوم والحكم والمواعظ، وقد ألفه الشيخ - كما نبه على ذلك في مقدمته - ليكون تكملة لكتابه سلك الدرر (1) حيث أكمل في هذا الكتاب ما أغفله هنالك، إذ يقول في مقدمته: وإنني كنت أيام الشبيبة قد نظمته دررا في السلك قد كملا سلك حوى درر الأديان قد نظمت نظما به وعلى الأحكام مشتملا وها هنا قد بدالي نظم قافية في كل ما قد غدا عن ذاك معتزلا من كل جوهرة عن ذاك شاردة أو كل مرجانة قد فصلت بحلا (2)
وجعله في عدة فصول غير مرتبة، واتخذ في هذا المؤلف طريقة رائعة وأسلوبا طريفا، ذلك لأنه يعرضه على طريقة السؤال والجواب، فإذا أراد أن يبين مسألة ما أو يأتي بفائدة علمية، فإنه يطرح سؤالا كأنه بلسان غيره، ثم يجيب على هذا السؤال، ولعله قصد بذلك شد انتباه القارئ، مثال ذلك قوله: هل الكتابة للاسما كذلك من يرقي بها أو دعا الرحمن مبتهلا ترى الجواز أو التحريم فيه أتى أو الكراهة فصل نلت كل علا هذا هو السؤال الذي أراد أن يجيب عليه، فالقارئ عندما يقرأ، وكذا المستمع يبقى منتظرا للجواب بلهفة وشوق، مما يجعله أكثر تركيزا واهتماما، حتى إذا كان بهذه الصفة يأتيه بالجواب إذ يقول:
أرى الجواز لمن قد كان يعرفها بأنها حللت أولا فقد حظلا
(1) سيأتي التعريف به قريبا.
(2) بهجة المجالس ص 18. (1/45)
صفحة 46
***
فصول الأصول
***
إذ علة المنع في استعمال ذلك من خوف الوقوع بها في الشرك فاحتفلا هذا لأن رسول الله قال لهم رقاكم أعرضوها كي أرى العللا (1)
وهكذا سار في عرضه على هذا المنوال، وسلك هذه الطريقة، ثم ختم الكتاب بالتوسل بأسماء الله تعالى الحسنى، وكتابه هذا ممتع مستعذب نظرا للمواضيع التي طرقها، واللطائف والحكم التي اختارها والمواعظ التي سطرها، والجواهر التي انتقاها، بأسلوب شيق، مع السلاسة والرقة وعدم التعقيد، وقد ضم إلى هذا الكتاب أسئلة موجهة إلى الشيخ من طلاب العلم، وهي أسئلة وأجوبة نظمية، وكان يجيب على كل سؤال حسب القافية التي ورد بها السؤال، مما يدل على قوة ملكته الشعرية، وامتلاكه ثروة هائلة من اللغة، ويبلغ مجموع الأسئلة الموجهة إليه
خمسة وخمسين سؤالا (2). ب. ميمية الدماء:
منظومة في أحكام الدماء وما يتعلق بها من الأروش والقصاص والديات، وهي
منظومة جامعة في فنها، قال في أولها حامدا الله تعالى، ومصليا على نبيه: الحمد للإله مبدئ النسم مبيدها موتا وقتلا للعدم أرشدنا إلى مسالك الهدى وخصنا بأضرب من النعم ثم الصلاة والسالم اتصلا مشيعين بالثناء المنسجم (3) وسبب تأليفه لهذه المنظومة هو طلب وجهه إليه خاصة إخوانه ممن يعز عليه أن يرد طلبه، أو يخيب أمله، كما صرح بذلك إذ يقول:
وكان قد سألني من وجبت إجابتي إياه فيما قد عزم خلاصة الإخوان أرباب الصفا وناصر الدين بسيف وقلم
أن أضعن في الفن نظما شافيا
(1) بهجة المجالس ص 25.
للطالبين حاويا جل مهم
(2) وقد طبع الكتاب بوزارة التراث والثقافة بسلطنة عمان سنة 1409 هـ - 1989 م.
(3) ميمية الدماء بشرح جلاء العمى ص 16 – 20.
(4) ميمية الدماء بشرح جلاء العمى ص 24.
(4) (1/46)
صفحة 47
47
***
فصول الأصول
***
وكان الشيخ في تأليفه هذه المنظومة بين إقدام وإحجام، وتقدم وتأخر لدقة هذا العلم وصعوبته، فهو عسر قل من يقدم عليه، وقد بسط يد الدعاء إلى الله تعالى مستعينا به، وملتجأ إليه ليعينه على هذا العمل الجليل.
إذ يقول:
وطالما بسطت راحات الرجا فانقلبت باليأس منه والندم وأحجم الجواد عن معركه إذ لست من فرسانه الغرالبهم ثم سألت الله أن يمنحني عونا وتوفيقا بفضل وکرم فجاد بالمأمول من نعمائه والحمد لله على فيض النعم فهاکه نظما كما قد اشتهت نفس وما قرت به العين انتظم (1) ج. جلاء العمي شرح ميمية الدماء:
شرح فيه المنظومة السابقة، بين مجملها، وفك مقفلها، ووضح مشكها، وحل لغزها، بأسلوب سهل العبارة، يفهمه القارئ بغير عناء، لم يطنب فيه إطنابا مملا، ولم يختصره اختصارا مخلا، خال من التعقيد، غزير المادة، يظهر للمطلع عليه مدى موسوعية الشيخ، وتتجلى فيه مقدرته العلمية، فإذا اطلع القارئ – مثلا – على كلام الشيخ عند بيانه للضمير إياه الوارد في قوله: وكان قد سألني من وجبت إجابتي إياه فيما قد عزم وتطرقه لذكر أقوال العلماء من أهل اللغة والنحو في هذا الضمير، لأدرك أنه على اطلاع واسع بهذا الفن، وأنه قد أخذ منه بحظ وافر، إذ قال في هذه المسألة: وإياه ضمير منفصل للمنصوب، واللواحق التي تلحقه من الكاف والهاء والياء في قولك: إياك وإياه وإياي، لبيان الخطاب والغيبة والتكلم، ولا محل لها من الإعراب، كما لا محل للكاف في أرأيتك، وليست بأسماء مضمرة، هذا مذهب الأخفش، قال صاحب الكشاف: وعليه المحققون، وقال الزجاج ومتابعوه: إيا اسم مظهر مبهم مضاف إلى المضمرات الواقعة بعده، يعني الكاف، والهاء، والياء، إضافة إلى الخاص، فإنه مبهم يتعين بالمضاف إليه، كأن إياك بمعنى نفسك، استدلوا على
(1) ميمة الدماء بشرح جلاء العمى ص 27 - 29، والمنظومة مطبوعة مع شرحها المسمى جلاء العمى. (1/47)
صفحة 48
***
فصول الأصول
***
ذلك بإضافته إلى المظهر من قولهم: إذا بلغ الرجل الستين فإياه وإيا الشواب قال صاحب الكشاف: وهذا شاذ لا يعول عليه، وقال الخليل: إيا ضمير مضاف لما بعده من الأسماء. قال بعضهم: وهو ضعيف، لأن الضمير لا يضاف، وما حكوه من ذلك شاذ كما سبق عن الكشاف، وذهب بعض الكوفيين وابن كيسان من نحاة البصرة إلى أن الكاف وأخواتها هي الضمائر التي كانت متصلة، وأيا دعامة لها لتصير منفصلة بسببها، وقال قوم من أهل الكوفة: إياه بكماله هو الضمير، قال الجرجاني: وزيف هذا بأن ليس في الأسماء المضمرة ولا المظهرة ما يختلف عن آخره إلى كاف وهاء وياء، ثال الشيخ ابن الحاجب، والدليل على مذهب الخفش وجمهور المحققين أنها ألفاظ اتصلت بما لفظه واحد، ويتعين بها ما يرجع إليه، فيوجب أن تكون حروفا كاللواحق بأن في أنت أنتما أنتم، فإنها حروف مبينة لاحوال المرجوع إليه، فجعلها مقيسا عليها في انتفاء الإعراب المحلي، ولم يعتد بما نقل عن مذهب الفراء بأن الضمير أنت هو بكماله، ولا بما قال بعضهم: بأن اللواحق هي الضمائر التي كانت موضوعة متصلة، وأن إيا دعامة دعمت حين أريد انفصالها لتستقل لفظ (1).
فإذا تتبع القارئ هذا الكلام من المؤلف يجده رجلا محققا واعيا مطلعا في هذا الفن الذي يعتبر مفتاح العلوم، ومن أهم روافد أصول الفقه. وعندما يتكلم المؤلف فى مسألة من مسائل الدماء يبين آراء المذاهب الإسلامية ويذكر أقوالهم مسندا القول إلى صاحبه غالبا، فعلى سبيل المثال قال في مسألة وجوب الأخذ والعمل بالقسامة (2) ما نصه: اعلم أن القسامة في الأصل اختلف العلماء من السلف والخلف في وجوب الأخذ والعمل بها .. ثم إن القائلين بالوجوب، وهم الأكثر اختلفوا - أيضا - هل تجب بمطلق وجود القتيل بين قوم لا يعرف قاتله ولو بدون أمارة أو شبهة يتعلق بها الحكام ... أولا يحكم بها إلا إذا كانت هنالك شبهة .. فلا تجب عند مالك إلا بلوث - واللوث: الحقد وشبه الدلالة على الشيء - والشاهد الواحد لوث عند مالك ... ووافق الشافعي في قرينة الحال المخيلة، مثل: أن يوجد قتيل متشحطا بدمه وبقربه إنسان بيده حديدة مدماة
(1) جلاء العمى ص 25، 26. (2) القسامة: حلف خمسين يمينا أو جزئها على اثبات الدم السيابي خلفان (جلاء العمى) ص 223.
48 (1/48)
صفحة 49
49
***
فصول الأصول
***
وقال أبو حنيفة وصاحباه: إذا وجد قتيل في محلة قوم وبه أثر، وجبت القسامة على أهل المحلة، قلت - أي المؤلف - وهو قول أصحابنا - أي الإباضية -، ومن أهل العلم من أوجب القسامة بنفس وجود القتيل في المحلة ... وهو مروي عن عمر بن الخطاب وعلي وابن مسعود، وقال به الزهري وجماعة من التابعين، وهو مذهب ابن حزم (1). فلم يقتصر - رحمه الله - في هذه المسألة على ذكر قول أهل مذهبه، وإنما كان يعدد آراء العلماء وأقوال الفقهاء من الصحابة والتابعين وعلماء المذاهب الإسلامية ممن جاؤوا بعد عصر التابعين، كل ذلك بأدب العلماء فإن القارئ لا يلمس إزدراء للرأي الآخر ولا تنقيصا لصاحبه، مما يدل على موضوعيته، وهكذا الحال في سائر كتابه، بل في كل مؤلفاته، يتسم بروح الموضوعية والنزاهة. ومما يتميز به هذا المؤلف أن المصنف يقوم بتخريج أحاديثه في كثير من الأحيان، فيسهل للقارئ معرفة مكان الحديث الذي استدل به المؤلف على مسألة ما، ففي دية الجنين - مثلا - يسوق الحديث الشريف الدال على أن ديته غرة وأنها عبد أو
أمة، فيقول: روى الربيع عن أبي عبيدة عن أبي هريرة أن امرأتين من هذيل رمت صلى الله إحداهما الأخرى، فطرحت جنينا ميتا، فقضى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بينهما بغرة
عبد أو أمة وروي البخاري: اقتتل امرأتان من هذيل، فرمت إحداهما الأخرى بحجر .. وروى البخاري - أيضا - أن رسول الله - - قضى في جنين المرأة بني لحيان بغرة عبد أو أمة ... وفي رواية أبي دواود والنسائي عن ابن عباس أن عمر - ه - سأل من شهد قضاء رسول الله - ل - في الجنين، فقام حمل بن النابغة فقال: كنت بين امرأتين، فضربت إحداهما الأخرى ..... (2) فقد خرج المؤلف هذا الحديث من كتب السنة، وبين اختلاف الروايات فيه، وهو وإن لم يخرجه تخريجا كاملا بحيث لم يذكر مكان وجوده في كل كتاب إذ لم يذكر الكتاب والباب ورقم الحديث وغير ذلك إلا أن ذكره للكتاب الحديثي الذي خرج الحديث منه يعتبر له قيمته وأهميته، حيث يرشد القارئ إلى مكان وجوده، كما أن المصنف لم يكتف بذكر الحديث من كتاب واحد بل قام بتخريجه من عدة كتب حديثية (3).
(1) المرجع السابق، ص 232، وص 233، وانظر: ابن حزم (المحلي) ج 11 ص 72، الكاندهلوي (اوجز المسالك إلى موطأ مالك ج 13 ص 150، ابن حجر فتح الباري) ج 12 ص 239.
(2) (جلاء العمى) ص 218 - 219.
(3) طبع الكتاب بالمطابع الذهبية، سلطنة عمان سنة 1411 هـ - 1991 م، ويقع في مجلد واحد، تعليق عز الدين التنوخي. (1/49)
صفحة 50
***
فصول الأصول
***
د. سلك الدرر الحاوي غرر الأثر:
(1) الذي
هذا الكتاب هو نظم لكتاب النيل وشفاء العليل للشيخ عبد العزيز الثميني يعتبر مرجعا هاما للإباضية في الفقه، وقد اهتم به الشيخ خلفان اهتماما بالغا، فكان كثير القراءة له كما صرح بذلك عندما سأله بعض تلامذته عن الكبيرة هل تكفر بغير التوبة؟ وقد ذكر التلميذ في سؤاله أن صاحب النيل صرح بأن الكبيرة تكفر بغير التوبة، فأجابه الشيخ خلفان بقوله: ... فإني لم أجد في النيل - من كثرة ممارستي له ـ أن الكبيرة لها مكفر غير التوبة ... ولعلك لم تفهم كلام الشيخ، فلعله يعني التلفظ بالتوبة باللسان ... وبلغ من اهتمامه بالنيل وإعجابه به أن قام بنظمه، فقد نظمه في ثمانية وعشرين ألف بيت، قال بعد أن حمد الله وصلى على رسول الله المصطفى - ع - مبينا أهمية كتاب النيل ومنزلته بين المؤلفات في المذهب الإباضي قال: وبعد فالعبد يقول طالما نظرت في مصنفات العلما فلم أجد سفرا لنا في المذهب كالنيل يجلو ضوؤه للغيهب
(2)
(3)
فإنه كإسمه بحر زخر حوى من الشرع نفائس الدرر ثم ذكر صعوبة هذا الكتاب لطلبة العلم، إذ هو كتاب مختصر، حتى كأنه الغاز في بعض الأحيان، فأراد أن ينظمه تسهيلا للطالب وعونا له على فهمه وحفظه، إذ قال:
لكنه
للمبتدين
صعب يقف محتارا لديه اللب
لكثرة اختصاره والحذف مع موالاة ضمير العطف فقمت في نظامه مشمرا لعله بعد الخفا أن يظهرا (4)
(1) عبدالعزيز بن إبراهيم الثميني، فقيه من علماء الإباضية، ولد سنة 1133 هـ، من المصلحين بالجزائر، من كتبه: النيل، ومعالم الدين، وتعاظم الموجين على مرج البحرين، وتوفي سنة 1223 هـ، الزركلي
الأعلام ج 4 ص 12، بكير بن سعيد اعوشت (دراسات إسلامية) ص 132.
(2) السيابي (فصل الخطاب) ج 1 ص 6.
(3) (سلك الدرر) ج 1 ص 6.
(4) (سلك الدرر) ج 1 ص 6.
50 (1/50)
صفحة 51
***
فصول الأصول
***
ثم بين المنهج الذي يسير عليه فذكر أنه قد يزيد ما ليس موجودا في النيل من الفوائد، وقد يحذف ما هو موجود فيه من الكلم إذا اضطر إلى ذلك، لأنه متقيد بالنظم، ويقوم بترجيح الأقوال إذا تبين له الراجح، ويقرن القول بدليله غالبا، وذلك بقوله:
وربما تركت بعض الكلم وزدته ماليس منه فاعلم أترك ما استعصى على النظام واجمع المهم في الأحكام من غيره بحسب الإمكان حسب اقتضاء الحال والزمان مرجحا لما أراه أرجحا مبينالوجهه موضحا معتمدا على الدليل الأقوى من آية أو من حديث يروى أو من قياس راجح قطعي إن كان أولا فمن الظني أقرن بين القول والدليل في غالب الأحوال عند القيل (1)
وبعدها شرع في مسائل الكتاب، وقسمه حسب عادة الكتب الفقهية مبتدءا بأبواب الطهارة ثم الصلاة .. الخ، ثم ختم النظم بكتاب السير، تكلم فيه عن عصر النبي - - ثم عصر الصحابة والتابعين فمن بعدهم إلى العصر الذي عاش فيه، وهو القرن الرابع عشر الهجري التاسع عشر الميلادي، وهذه الخاتمة لا توجد في النيل، وقد قدمه بأسلوب سهل العبارة، واضح المعنى، يسهل حفظه للمطالب (2). هـ. فصل الخطاب في المسألة والجواب:
،
فتاوى للشيخ في أحكام متفرقة، جمعها ورتبها كل من الشيخ محمد بن راشد بن عزيز الخصيبي (3) تلميذ المؤلف - والشيخ عبدالله بن خلفان - نجل المؤلف - وابتدأ الكتاب بما يتعلق بأصول الدين، ثم تلاه بما يتعلق بالفقه، ثم ختمه بمسائل متفرقة.
(1) (سلك الدرر) ج 1 ص 6، 07 (2) طبع الكتاب مرتين: الولى بمطابع الكتاب بمصر سنة 1380 هـ - 1961 م، والثانية: بوزارة التراث القومي بسلطنة عمان سنة 1409 هـ - 1988 م، ويقع في مجلدين.
(3) وقد مر التعريف به ص 32. (1/51)
صفحة 52
***
فصول الأصول
***
ومن تتبع هذه الفتاوى تظهر له الأمور التالية: أ. أنه يفتي حسب ما ادى إليه اجتهاده، فيجيب السائل بعد أن يعمل فكره، ويقلب نظره في المسألة، ولا يعتمد التقليد، فعندما سأله أحد طلاب العلم عن موقفه من الحسن والحسين، والأحداث الجارية بين الصحافة أجابه بقوله: .... أما الحسن والحسين فهما سبطا رسول الله - - و ريحانتاه، وهو من يحبهما، ووردت فيهما أحاديث، أما الأحداث التي جرت بين الصحابة فكلهم مجتهد وملتمس للحق، وقد علمت الخلاف فيهما عند أهل مذهبك أما القدماء فكانوا منهم المشاهد للأمر وحاضره، ومنهم من كان قريبا من ذلك وتبلغهم الحقائق .. ونحن نحسن بهم الظن، ونعذرهم ونقول: حكموا بما علموا .. أما اليوم فلسنا نحن مثلهم، ولا علمنا في ذلك كعلمهم، ولا نقلد ديننا الرجال، وما كلفنا الله التنقيب والتفتيش عن عيوب الناس وعن حال من مضى تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُمْ (1)، والعاقل يشتغل بعيوب نفسه، ويسعى في تخليصها ونجاتها، وعليه أن يحسن الظن بجميع المسلمين ... هذا فيمن تشاهد وتعاين، فكيف ممن يبننا وبينهم قرون عديدة، نحن نحسن بهم الظن، ونكل أمرهم إلى بارئهم، ولهم السوابق والفضائل وليس القول في أولئك من واجبات ديننا، وكذا القول في عمر بن عبدالعزيز، فإنه تروى عنه الفضائل الجميلة والمناقب الحميدة، فنحن نحبه على ذلك،
ونحب كل مسلم أطاع الله، واجتنب هواه، وعمل بما علم ... (2). فقد نص الشيخ - رحمه الله - على أنه لا يقلد غيره ولا نقلد ديننا الرجال كما يستفاد من هذه الفتوى الفوائد التالية:
6
1. احترامه للعلماء، وعدم القدح فيهم، وأن لهم منزلتهم ومكانتهم العلمية ونحن نحسن بهم الظن، ونعذرهم، ونقول: حكموا بما علموا.
2. يجل الصحابة، ويقدر مواقفهم، ويعترف بفضلهم أما الأحداث التي جرت بين الصحابة فكلهم مجتهد، وملتمس للحق .. ولهم السوابق والفضائل. . يظهر في هذه الفتوى أسلوب التربية والوعظ، فلم يكتف الشيخ بالجواب عن (1) القرآن الكريم سورة البقرة (مدنية) آية رقم 141.
(2) (فصل الخطاب) ج 1 ص 20.
02 (1/52)
صفحة 53
53
***
فصول الأصول
***
حكم المسألة فحسب بل ضمنه النصح والإرشاد للسائل وغيره، إذ يقول: والعاقل يشتغل بعيوب نفسه، ويسعى في تخليصها ونجاتها، وعليه أن يحسن الظن بجميع المسلمين. ب. عدم تعصبه، واحترامه للمذاهب الإسلامية، واعتبار المذاهب مجرد اجتهادات لا أثر لها على وحدة المسلمين، كما يظهر ذلك من خلال ثلاثة أجوبة له عندما سأله بعض طلاب العلم عنها.
(1)
الأول: عن الصلاة خلف إمام من غير المذهب الإباضي، هل تصح أم لا؟ وهل على من صلى خلفه بدل؟ فأجاب: تجوز: تجوز الصلاة خلف قومنا، ولا بدل على من صلى خلفهم (1) الثاني: عن التزاوج بين المسلمين على اختلاف مذاهبهم، فأجاب: إن الذي نعلمه من الأثر عن أولي العلم والبصر أن الأحرار الموحدين أكفاء بعضهم لبعض إلا من جاء استثناؤهم في السنة، وهم المولى والنساج والحجام والبقال (2)، وهؤلاء يوجد الخلاف فيهم، ولا يمنع بالإجماع إلا اثنان هما: العبد المملوك والمشرك .. (3). الثالث: عمن وكل أحدا من غير المذهب الإباضي أن يزوج وليته، فهل هذا التوكيل جائز، فيحكم بثبوته أم غير جائز ... ؟ فأجاب ... هذا التوكيل جائز ثابت، لأنه واقع من مسلم إلى مسلم على إنكاح مسلمة ... ولا يؤثر فيه اختلاف المذاهب
شيئا سواء عين له شخصا معلوما، أو بمن رضيته هي، وكان لها كفؤا (4). فالمذاهب الإسلامية إنما نشأت عن اختلاف في فهم النصوص، مع اتفاقهم على اتخاذ القرآن الكريم والسنة النبوية مصدرين للتشريع، وأساسين يقوم عليهما الاجتهاد، وأصلين تتفرع عنهما الأدلة الأخرى من إجماع وقياس واستحسان وغيرها، كما أن للاجتهاد مجالا رحبا في الشريعة الإسلامية، ولا شك أن عقول
(1) (فصل الخطاب) ج 1 ص 106. (2) لم أطلع على شيء في السنة ورد فيه منع هؤلاء من تزيجهم.
(3) (فصل الخطاب) ج 1 ص 159.
(4) (فصل الخطاب) ج 1 ص 153، 154، والكتاب مطبوع بمطابع سجل العرب بسلطنة عمان 1404 هـ - 1984 م، ونشرته وزارة التراث بسلطنة عمان، ويقع في مجلدين. (1/53)
صفحة 54
***
فصول الأصول
الناس تتفاوت، وأفهامهم تتباين مما ينتج عن ذلك الاختلاف في الآراء، وبما أن ذلك طبيعة بشرية فلا داعي أن ينتج عن الاختلاف التخالف، وعن تعدد الآراء التنافر والتعصب، هذه عقلية الشيخ، وهذا منهجه كما يتبين ذلك من خلال فتاواه الثلاث المتقدمة، وهي لعمري عقلانية المسلم الداعي إلى الوحدة عقلانية الواعي
المتفتح المدرك لقيمة الترابط والتآلف.
المطلب الثاني، كتاب فصول الأصول
عنوان الكتاب ونسبته إلى المؤلف:
جاء في عنوان الكتاب - نسخة أ ما يلي كتاب فصول الأصول، تأليف شيخنا الأستاذ الأصولي العالم النحرير خلفان بن جميل السيابي العماني وفقه الله تعالى. وفي نسخة ب هذا كتاب فصول الأصول في أصول الفقه تأليف الشيخ العلامة العارف خلفان بن جميل السيابي نسبا والإباضي مذهبا. وجاء في آخر الكتاب - نسخة أ هذا آخر ما يسر الله لنا ومن به علينا من تصنيف هذا الكتاب المسمى بفصول الأصول في أصول الفقه .. بقلم مصنفه إلى عفو ربه القدير خلفان بن جميل السيابي بيده.
وفي نسخة ب قد وقع الفراغ من نسخ هذا الكتاب الشريف المسمى بفصول الأصول
في أصول الفقه تأليف الشيخ العالم خلفان بن جميل السيابي الإباضي أبقاه الله. ففي هاتين النسختين التصريح باسم الكتاب وأنه للشيخ خلفان بن جميل السيابي – كما جاء في مقدمة الكتاب ... وبعد فهذا مختصر في أصول الفقه ... سميته فصول الأصول .... وقد أكد هذه النسبة تلميذه الشيخ سعيد بن خلف الخروصي (1) كما أن كل من ترجم له يذكر أن هذا الكتاب هو أحد مؤلفاته، فعلى هذا تصبح نسبة الكتاب إلى مؤلفه مؤكدة - بدون تردد في ذلك.
(1) في مقابلة شخصية أجريتها معه يوم الخميس 5 ذو القعدة 1417 هـ - 1997 م.
54 (1/54)
صفحة 55
***
فصول الأصول
***
المصادر التي اعتمد عليها المؤلف:
اعتمد المؤلف في كتابه على خمسة كتب أصولية (1) رئيسة هي: أ. جمع الجوامع للإمام عبد الوهاب بن علي السبكي الشافعي، وهو كتاب أصولي يسير على طريقة المتأخرين، أي: الجمع بين طريقتي الجمهور والحنفية، وبعد من أهم الكتب الأصولية، إذ هو خلاصة مائة مصنف، وزبدة شرحيه أي ابن السبكي - على مختصر ابن الحاجب ومنهاج البيضاوي (2). ب. شرح المحلي على جميع الجوامع، فقد كان ينقل نصوصا كثيرة من هذا الشرح، ومن الكتاب المتقدم، ويعزوها في بعض الأحيان إلى ابن السبكي: فيقول - مثلا - قال ابن السبكي، ثم يأتي بنص ابن السبكي وشرح المحلي عليه، ولكثرة اعتماده على هذين المصدرين وشدة اعتنائه بهما عبر عن جمع الجوامع بالأصل دون ان يذكره باسمه إذ يقول: ولعل الأصل مع شارحه عدلا عن ذلك إلى ما هنا لما فيه من السجع مع البلاغة .. (3) إذ المطلع على هذا الكتاب يدرك تماما أن المقصود بالأصل هو جمع الجوامع، وشارحه هو الجلال المحلي. ج. طلعة الشمس للإمام عبد الله بن حميد بن سلوم السالمي، ويعد هذا الكتاب أهم كتاب أصولي للمذهب الإباضي نظرا لما يتمتع به من تحقيق وتدقيق، ولما فيه من حسن التنظيم وسلاسة التعبير، ولأنه يمثل وجهة نظر المذهب الإباضي في المسائل الأصولية، إذ مؤلفه من المتأخرين، فقد اطلع على آراء من تقدمه من علماء المذهب الإباضي، وأفاد مما كتب قبله في هذا الفن. د. منهاج الوصول إلى معيار العقول للعلامة أحمد بن يحيى بن المرتضى، من كبار علماء الزيدية، وقد أخذ المصنف عنه نصوصا كثيرة يجدها القارئ في ثنايا الكتاب، لكن يحتمل في نقله عن هذا المصدر أن يكون مباشرا، كما
(1) يلاحظ أن هذه الكتب التي اعتمد عليها المؤلف سواء كانت رئيسية أو غيرها مطبوعة ما عدا شرح مختصر العدل فإنه مخطوط وأمتلك صورة منه، ونهاية الوصول فإنني لم أعثر عليه، وقد بينت ما يتعلق بالطبع
والنشر والتحقيق في فهرسة المراجع فتنظر هناك.
(2) ابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي وحاشية العبادي) جـ 1، ص 49.
(3) ينظر ذلك الفصل التاسع والخمسون. (1/55)
صفحة 56
***
فصول الأصول
***
يحتمل أنه نقل عنه بالواسطة، فيكون اعتماده في ذلك على طلعة الشمس، فإن الإمام السالمي قد اعتمد – أيضا – على هذا الكتاب، ويترجح الاحتمال الثاني، لأن المؤلف قد ينقل نصا عن المنهاج، فإذا رجع القارئ إلى ذلك المصدر يجد فارقا بين ما فيه وبين النص المنقول، بينما إذا رجع إلى طلعة الشمس يجده بنفس اللفظ، فعلى هذا يكون الإمام السالمي قد أخذ النص من المنهاج مع اختلاف في بعض الألفاظ، ثم يأتي المؤلف، فينقل ذلك من الطلعة بلفظه ناسبا ذلك إلى المنهاج (1).
الآيات البينات، للعلامة أحمد بن قاسم العبادي، وهذا الكتاب حاشية على جمع الجوامع وشرحه للمحلي، قصد العبادي من تأليفه هذا الكتاب الرد على الاعتراضات الموجهة على الكتابين المذكورين (2)، والمؤلف قد أخذ عن هذا الكتاب كثيرا من النصوص، كما يلحظ ذلك القارئ للكتاب إذ يطالعه قال ابن القاسم في عديد من مواضيع الكتاب. هذه الكتب الأصولية التي اعتمد عليها المصنف في غالب كتابه، لكن هناك كتبا أخرى ذكرها في مؤلفه، وأفاد منها، من هذه الكتب ما هو أصولي، ومنها ماهو غير ذلك. أما الكتب الأصولية فهي:
1 البرهان في أصول الفقه، لإمام الحرمين الجويني، وهو على طريقة المتكلمين، متوسط إذا لم يكن مختصرا ولا مطولا.
2. العدل والإنصاف، لأبي يعقوب يوسف بن إبراهيم الوارجلاني. شرح مختصر العدل والإنصاف، للمشاخي.
المحصول، للفخر الرازي، على منهج المتكلمين، جمع فيه الفخر خلاصة ما في البرهان لإمام الحرمين، والمستصفى للغزالي، والعهد للقاضي عبدالجبار، والمعتمد لأبي الحسين البصري مع إضافات وتحقيقات للفخر. ه نفائس الأصول في شرح المحصول، للعلامة أحمد بن إدريس القرافي، شرح به المحصول شرحا مستفيضا، فكان يسهب في كثير من المسائل الأصولية.
(1) فصول الأصول الفصل السابع والتسعون.
(2) ابن قاسم (الآيات البينات) ج 1، صه (1/56)
صفحة 57
***
فصول الأصول
***
مختصر المنتهى الأصولي، للإمام ابن الحاجب.
شرح العضد على مختصر المنتهى مع حشية التفتازاني عليه. .. شرح الأصفهاني على مختصر المنتهى المسمى بالنهاية، ولم أطلع على هذا الكتاب. منهاج الوصول للقاضي البيضاوي، هو كتاب مختصر على طريقة المتكلمين. 10. الإبهاج في شرح المنهاج، لعلي بن عبد الكافي السبكي، ثم أكمله ولده عبدالوهاب، وهو على طريقة المتكلمين.
هذه الكتب الأصولية نقل المؤلف عنها في بعض مواضيع الكتاب، لكن هل نقل عنها مباشرة؟ أو أنه بالواسطة؟ ويظهر الاحتمال الثاني، وذلك:
لأن كل نص الجوامع أو شرحه أو حاشيته وإما في طلعة الشمس.
نصر نقله المؤلف عن هذه المراجع يجده القارئ قد نقل إما في جمع
ويلاحظ أن المؤلف - رحمه الله - لم يذكر مصدرا أصوليا لكل من الحنفية
والحنابلة والإمامية والظاهرية.
أما الكتب غير الأصولية فمنها: 1. صحيح مسلم بشرح النووي.
2. الكشاف للزمخشري.
شرح المهذب للنووي.
التقريب للنووي.
ه هيميان الزاد إلى دار المعاد للقطب محمد بن يوسف أطفيش.
6. الذهب الخالص للقطب - أيضا -.
منهج المؤلف في الكتاب
يتبين منهج المؤلف في كتابه في النقاط الآتية:
أ. الاختصار: رغب المؤلف أن يكون كتابه في هذا الفن مختصرا، مع اشتماله على أهم القضايا الأصولية التي اعتنى بها من قبله من الأصوليين، وعرضه على أحسن وجه من حيث التهذيب والتنقيح، إذ نبه على ذلك في مقدمته بقوله: فهذا مختصر في أصول الفقه حاويا من الفن أهمه ومن التوضيح والتنقيح أتمه ... (1/57)
صفحة 58
***
فصول الأصول
***
وقد كرر هذا التنبيه عدة مرات، ففي ص 64 قال: ولا نطيل بذكر وجوه الأقوال والاحتجاج لها وعليها؛ إذ غرضنا الاختصار وفي ص 168 بعد أن عرض آراء الأصوليين في الأمر المجرد عن القرينة هل يدل على التكرار أو على الوحدة قال: ولكل واحد من أرباب هذه الأقوال احتجاجات وأدلة، ولمن خالفهم فيها بحوث واجوبة لا نطيل بذكرها؛ لأن غرضنا الاختصار، وفي ص 184 بعد ان حكى عن أبي حنيفة أنه يذهب إلى النهي عن الشيء يدل على صحة ذلك الشيء قال: ولا نطيل بذكر احتجاج الرادين عليه، وفي ص 202 بعد ذكره لأقوال العلماء في الخطاب الوارد له - ل - هل يعم الأمة معه؟ قال: ولهم احتجاجات أخرى أغرضنا عن ذكرها اختصارا، وفي ص 296، 297 اثر نسبته إلى الإمام الشافعي أنه يقول: إن القرآن إذا نسخ بالسنة فإن معها قرآنا عاضدا، وأن السنة إذا نسخت بالقرآن فإنه معه سنة عاضدة قال: وقد استنكر جماعة من الأصوليين هذا الكلام من الشافعي ... وانتصر له قوم باحتمالات لا نطيل بذكرها.
وفي ص 263 عقب عرضه لأقوال العلماء فيما إذا اختلف العلماء على قولين هل يجوز لمن بعدهم إحداث قول ثالث؟ قال: ولا نطيل بذكر احتجاج القائلين بالتفصيل، إذ غرضنا الاختصار، وفي ص 368 نقل اعتراض الكوراني على ابن السبكي لأنه - ابن السبكي - تكلم عن الإجماع في الأمر الدنيوي، قال – المؤلف -: وقد رد عليه ابن قاسم في حاشيته على جمع الجوامع منتصرا للإمام ابن السبكي بما لا نطير بذكره – هنا – ففي كل هذه النصوص يصرح المؤلف أنه يسلك سبيل الاختصار، ويظهر اختصاره للكتاب في الأمور التالية: 1. الأدية: يقتصر المؤلف في الأدلة بحيث يذكر دليلا أو دليلين لكل فريق في غالب الكتاب، بل ربما يذكر دليل فريق دون الفريق الآخر، فعندما حكى عن المعتزلة قولهم بتحكيم العقل، وأن الشرع مؤكد له، لم يأت بأي دليل لهم، بل أعقب ذلك بقوله: ويرد عليهم قوله تعالى: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولا (1) ص 6، وقد يكتفي بعرض الأقوال في المسألة من غير طرح لأدلتها، ففي مسألة تخصيص العادة للعمومات الشرعية حكى قولين في المسألة، ولم يأت بأدلتهم البتة (ص: 243).
(1) القرآن الكريم، سورة الإسراء (مكة) آية رقم 15.
(1) ,
58 (1/58)
صفحة 59
***
فصول الأصول
***
الاعتراضات: ففي أغلب الكتاب لم يذكر المصنف الاعتراضات والمناقشات الموجهة للأدلة، وصريح كلامه في النصوص السابقة المفيدة لمسلك الاختصار الذي أراده يدل على الاختصار في هذين الجانبين، فمن النصوص السابقة - مثلا - نصه الذي يقول فيه: ولكل واحد من أرباب هذه الأقوال بحوث وأدلة، ولمن خالفهم فيها بحوث وأجوبة لا نطيل بذكرها، لأن غرضنا الاختصار، إلا أنه قد يأتي في بعض المسائل ببعض الأجوبة الموجهة إلى الأدلة التي استند إليها أصحاب قول ما، ففي قضية تخصيص مذهب الراوي لروايته ذكر أن القائلين بالتخصيص قد احتجوا بدليلين (1). الأول: ما روي عنه - ع - أنه قال: أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم. الثاني: حسن الظن بالصحابي - إذ إنه لا يقول برأي مخالف لما يرويه إلا إذا كان في ظنه دليل يفيد التخصيص، وإلا حكمنا بفسقه، ثم اتبع هذين الدليلين بالاعتراض عليهما، حيث اعترض على الدليل الأول بأن الرسول - ع - أراد بذلك بيان ان أصحابه كالنجوم في الفتوى؛ إذ كلهم مجتهدون، والمجتهد مصيب في الفروع، وإلا لزم عدم صحة اختلافهم.
واعترض على الثاني بأنه يسلتزم دليلا في ظن الصحابي، وهذا لا يعني إلزام المجتهد الآخر أن يقول بقوله أو يتبع رأيه ص 242.
نسبة القول إلى صاحبه، ففي كثير من مسائل الكتاب المختلف فيها بعدد المؤلف أقوال العلماء، ويذكر آراءهم، معبرا عن ذلك بلفظه قيل أو قال قوم أو نحو ذلك دون أن يصرح بقائله كما في قضية ورود أمرين بشيئين متماثلين، وقد ورد الأمران متعاقبين من غير تراخ، ولا يوجد مانع من التكرار كعادة أو نحوها، ووردهما من غير حرف عطف، ذكر المؤلف في هذه القضية ثلاثة أقوال للعلماء هي: الوقف عن التأسيس أو التأكيد، والتأسيس. والتاكيد ولم يعز شيئا هذه الأقوال إلى قائليها، بل اكتفى بالتعبير بقيل فحسب (ص 179)، وفي مسألة دخول المخاطب في عموم خطابه عدد المصنف ثلاثة أقوال للعلماء هي: أنه يدخل مطلقا، لا يدخل مطلقا، يدخل إن كان خبرا أما إن كان أمرا فلا يدخل، دون أن يعزوها إلى قائليها (ص 213).
(1) سيأتي تخريجه.
، (1/59)
صفحة 60
***
فصول الأصول
***
ب. نهج المؤلف منهجا مقارنا، فقد كان ينقل آراء علماء المذاهب الإسلامية وأقوالهم، ولم يقتصر على إيراد أقوال علماء مذهبه فحسب، فكثيرا ما يجد القارئ أسماء أعلام من غير المذهب الإباضي، إذ يجد أعلاما للمذهب الأشعري كالباقلاني والفخر الرازي والغزالي، وللمذهب المعتزلي كالقاضي عبدالجبار وأبي الحسين وأبي عبدالله البصريين، وللمذهب الذيدي كأحمد بن يحيى بن المرتضى، كما يجد آراء لأئمة الفقه الإسلامي كالشافعي وأبي حنيفة ومالك وأحمد ابن حنبل و داود الظاهري، مما يدل على عدم تعصبه المذهبي، فالأمة الإسلامية، أمة صلى الله واحدة يجمعها كتاب الله وسنة نبيه - ه -، والاختلاف بين المذاهب أمر طبيعية لا يمكن إلغاؤه، بل إن الاختلاف يكون حتى بين علماء المذهب الواحد. ج. رغم استحواذ جمع الجوامع لابن السبكي وشرحه للمحلي على أكثر الكتاب إلا أن المصنف لم يلتزم بالآراء التي اختارها ابن السبكي أو الجلال المحلي. بل كان مستقل الرأي، نعم قد ينفق في تصحيح أو ترجيح بعض المسائل معهما،
وذلك لقوة دليل ذلك الرأي عنده، لا لاختيار ابن السبكي أو المحلي له. ومن المسائل التي خالف فيها ابن السبكي والمحلي مسألة جواز نسخ النص بالقياس، إذ ذهبا إلى جوازه بحجة أن القياس مستند إلى نص، بينما صحح المؤلف عدم الجواز محتجا بأن دلالة النص قطيعة، ودلالة القياس ظنية، والظني أضعف من القطعي، فلا ينسخ الأقوى بالأضعف (1) كما أجاز ابن السبكي نسخ القياس بالقياس بشرط أن يكون الناسخ اجلى من المنسوخ، أما المؤلف فقد ذهب إلى المنع مطلقا،
أي: لا يصح عنده نسخ القياس بالقياس سواءا كان أجلى أو مساويا أو أضعف (2) وصحح ابن السبكي أنه لا يشترط في المتواتر إسلام رواته، بل يصح وإن كانوا كفارا: لأن الكثرة تمنعهم عن الكذب، أما المؤلف فذهب إلى اشتراط ذلك؛ لأن الله قال: ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا وقال: يا أيها الذين آمنوا (3) (4).
(1) (فصول الأصول الفصل الثامن والسبعون، ابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي وحاشية العبادي) ج 3 ص 197. (2) (فصول الأصول الفصل الثامن والسبعون، ابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي وحاشية العبادي) ج 3 ص 199. (3) الآيتان معزوتان في موضيعهما من الكتاب. (4) (فصول الأصول) الفصل الثالث والثمانون، ابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج ص 122. (1/60)
صفحة 61
61
***
فصول الأصول
***
ويذهب ابن السبكي والجلال المحلي إلى أن خبر الواحد لا يفيد العلم إلا بالقرينة بينما يصحح المؤلف أن خبر الواحد لا يفيد العلم مطلقا (1).
بل كان يعترض على الجلال المحلي في بعض الأحيان، فعندما مثل الجلال بصليت، وقال: إن الأصل فيه دعوت بخير، ويحتمل الصلاة الشرعية، اعترض عليه بقوله: كذا قال الجلال المحلي، وأقول: فإنه وإن كان حقيقة لغوية في الدعاء فقد صيره. الشرع حقيقة شرعية – أيضا – بعد النقل في الصلاة الشرعية مجازا لغويا، فالأولى حمله على حقيقته الشرعية، فلا يتم له تمثيله بما ذكر () (2).
د. لمؤلف مقدرة علمية فائقة، وفهم عميق لهذا الفن مكنه من الترجيح في كثير من المسائل، وتأتي ترجيحاته على نوعين؛ فهو إما أن يرجح من غير ان يذكر وجه الترجيح اكتباء بأدلة ذلك الرأي كقوله: والصحيح أن المخاطب داخل في عموم خطابه (3) والصحيح ما قدمناه أنه - النهي - لا يدل على فساد المنهي عنه من حيث وضعه هكذا إلا بدليل خارجي (4). فالحق عندي جواز تخصيص ألفاظ العموم كلها حتى يبقى منها واحد (5) والصحيح ماعليه الجمهور من أن مذهب الراوي لا يكون تخصيصا لروايته (6).
وإما أن يرجح مع ذكر وجه الترجيح، فبعد أن ذكر خلاف الأصوليين في الأمر في أي معانيه يكون حقيقة ذكر خلافهم في هذه الحقيقة هل هي شرعية أو لغوية أو عقلية؟ صحح أنها حقيقة لغوية شرعية، ثم بين وجه هذا الرأي الذي صححه بقوله: إذ لا أثر للعقل في الإيجابيات السمعية، واللغة نفسها لا تكفي في إثبات الأحكام الشرعية، وذلك لأن أهل الأوضاع اللغوية لا يعتبرون في أوضاعهم ترتب عقاب ونحوه على مخالفة الأوامر اللغوية، بل لا يعرفون ذلك أصلا، ولو اعتبروا في وضعهم لصيغة افعل أنها للطلب الجازم، فإن مخالفة الطلب الجازم إنما يترتب عليها العقاب، وذلك مما يحكم فيه الشرع لا غيره (7).
(1) (فصول الأصول) الفصل الخامس والثمانون، ابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي وحاشية العبادي) ج 3 ص 289. (2) (فصول الأصول الفصل الحادي والعشرون، المحلي (شرح المحلي على جمع الجوامع) ج 1 ص 312.
(3) (فصول الأصول الفصل الثالث والثلاثون.
(4) (فصول الأصول الفصل السابع والثلاثون (5) (فصول الأصول الفصل الحادي والخمسون. (6) (فصول الأصول الفصل الحادي والستون. (7) (فصول الأصول) الفصل التاسع والعشرون. (1/61)
صفحة 62
***
فصول الأصول
***
فقد اختار المؤلف أن هذه الحقيقة هي لغوية شرعية مدعما رأيه بدليل عقلي مفاده أنه لا دخل للعقل في الإيجابات السمعية، كما أن الأحكام الشرعية لا تثبت باللغة. وفي مسألة الفرق بين المطلق والنكرة اختار أنه لا فرق بينهما مبينا وجه اختياره، وهو أنه لا يكون شيء من المعارف من قبيل المطلق إلا المعرف بأل الجنسية، لكن المعرف بها يعتبر في حكم النكرة، فقد أعطى بعض أحكامها، فإنه ينعت بالجملة كما في قوله تعالى: وآية لهم الليل نسلخ منه النهار، فجملة نسلخ منه النهار، نعت لكلمة الليل. فقد كان اختياره لهذا القول مشفوعا بحجة لغوية هي أن المطلق لا يدخل فيه أي قسم من أقسام المعارف الستة التي هي العلم والضمير واسم الإشارة والاسم الموصول والمعرف بأل التعريف والمضاف إلى أحد هذه الأقسام، وأما ما يظن أن هذا الوجه مدخول بالمعرف بأل الجنسية فلا محل له، لأن المعرف بأل التي تفيد الجنس هو في حكم النكرة (1).
هـ. كما تبرز مقدرته العلمية من خلال اعتراضاته ومناقشاته، فهو يعترض على العلماء، ويناقش فحول الأصوليين في بعض المسائل التي يرى أن أدلتهم فيها تحتاج إلى ذلك، فعندما حكى عن الأكثر أنهم يقولون: إن القضاء وجب بأمر ثان مستدلين على قولهم بحديث النبي - -: من نسى الصلاة فليصلها إذا ذكرها (2) إذ قوله: فليصلها أمر جديد لقضاء الفوائت، فلو كان القضاء ثابتا بالأمر الأول لما احتاج إلى هذا الأمر، ثم ناقش هذا الاستدلال من أربعة وجوه: الأول: أن الأمر في الحديث ورد في الصلاة المنسية والمنيم عنها، وهو يدل على أن استدراكهما بعد مضى وقتهما إنما هو أداء لا قضاء لورود زيادة فذلك وقتها في بعض الروايات، أي: وقت الوجوب كما هو معروف في الفروع، ولذلك قالوا بثبوت الآذان والإقامة عليهما بخلاف الفاسدة والمتروكة عمدا فإنها تقضى بلا أذان ولا إقامة. الثاني: أن الأمر في الحديث ورد لإزالة التردد العالق بالذهن، وهو هل يجب على الناسي والنائم أداء الصلاة بعد التذكر والاستيقاظ على الفور أم على التراخي؟ فأخبرهم بوجوب تأديتها على الفور عندما قيده بالشرط إذا ذكرها.
(1) (فصول الأصول الفصل السابع والستون.
(2) سيأتي تخريجه في محله من الكتاب.
62 (1/62)
صفحة 63
63
***
فصول الأصول
***
الثالث: أن الأمر الوارد في الحديث مؤكد للأمر الأول بالصلاة، فحتى لا يظن أن الأمر الأول معلق بالوقت فيثبت بثبوته وينتفي بانتفائه جاء الأمر الثاني ليبين أن الأمر الأول باق على حاله حتى بعد خروج الوقت، فكأنه قال: إذا تعذر الإتيان بالمأمور
به في الوقت المقدر له فأتوا به بعد وقته، وإلا لم تخرجوا عن عهده الامتثال. الرابع: أن الحديث ورد في المنسية والمنيم عنها، فلا دلالة فيه على وجوب قضاء المتروكة عمدا، مما يدل على أن القضاء مستفاد من الأمر الأول، ولا يمكن أن يقال بقياس المتروكة عمدا على المنسية والمنيم عنها، لأنه قياس مع الفارق، حيث ورتا في الحديث مقيدتين بوقتي الذكر والانتباه، ولا كذلك المتروكة إذ ليس لها حد معلوم لفضائلها (1).
فقد فهم المؤلف أنه ليس في الحديث دلالة على أن القضاء وجب بأمر جديد، ولذلك اعترض على استدلال الأكثر به وجوه كلها منصبة فيما يدل عليه الحديث ففي الوجه الأول بين أن دلالة الحديث في المنسية والمنيم عنها تفيد الأداء لا القضاء بدليل الزيادة الواردة في بعض الروايات فذلك وقتها. وبين في الوجه الثاني أن الحديث وارد لإزالة الأشكال الوارد على ذهن المكلف، وهو التردد بين وجوب تأدية الصلاتين على الفور أو التراخي.
وفي الوجه الثالث ذكر أن الأمر في الحديث جاء ليبين بقاء دلالة الأمر الأول على حاله إلى ما بعد خروج الوقت، فالقضاء مستفاد من الأمر الأول، والثاني جاء مؤكدا له. وفي الوجه الرابع بين أن الحديث ورد في غير المتروكة عمدا، فلو كان القضاء مستفادا من الأمر الوارد في الحديث لما وجب قضاء المتروكة؛ إذ ورد الحديث في المنسية والمنيم عنها، ولا يمكن القياس لوجود الفارق.
وعندما حكى قولا في جاحد المجتمع عليه الخفي الذي لا يعرفه إلا لخواص، وهو منصوص عليه كاستحقاق بنت الابن السدس مع بنت الصلب أنه – أي الجاحد لا يحكم بكفره، قال: وعندي فيه نظر، إذ ما كل ما يعذر بجهله يعذر بجحده فالجحد أشد من الجهل لأنه قد يضطر إلى مقارفة الشيء مع الجهل به لعدم (1) (فصول الأصول الفصل الحادي والثلاثون (1/63)
صفحة 64
***
فصول الأصول
***
(3)
غمکان علمه بخلاف الجاحد، بل فرض العامي الوقوف عما جهل لقوله تعالى: وَلَا نَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمُ (1). فقد فرق بين الجاهل والجاحد، إذ الجاهل لا علم له بذلك الشيء الذي فارقه بخلاف الجاحد فافترق حكمهما (2). وليست مناقشته مقصورة على علماء المذاهب الأخرى، بل حتى على علماء مذهبه، فقد ناقش الإمام السالمي عندما اعترض على كلام الجاحظ أن المجتهد لا يأتم إذا أخطأ في اجتهاده إن كان قصده الحق ولم يعاند، فاعترض عليه الإمام السالمي بأن هذا القول يؤدي إلى القول بنجاة اليهود والنصارى والمشركين، لأن من طلب الحق من هؤلاء فأخطأه يحكم بنجاته، لكن المؤلف لم يرتض هذا الاعتراض، إذ رد عليه بأن اليهود والنصارى وغيرهم من ملل الشرك قد عرفوا الحق فتركوه مكابرة لقوله تعالى: {يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَ هُمْ} (3). ثم حكى المؤلف أن بعض العلماء اعتذر للجاحظ بأن مراده من لم يعاند من فرق الإسلام، وانتقد هذا الاعتذار الإمام السالمي بأنه يلزم منه مساواة المحق والمبطل في مرتبة واحدة، وهو باطل لقوله تعالى: {أَفَنَجْعَلُ المُسلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (4)، إلا أن المصنف وجه النظر على هذا الرد من حيث إن الله تعالى علق اللوم والتوبيخ في الدنيا والعقاب في الآخرة على المكلف الذي تبين له سبيل الرشد وسبيل الغي، فسلك طريق الغي باختياره القبيح، أما من طلب الحق واستفرغ جهده لمطلوبه فلم يقف على الدليل الأقوى، وعمل بما أداه إليه اجتهاده فإن حالته تختلف، إذ لا يمكن القول بهلاكه، لأنه حينئذ من التكليف بما لا يطاق، وتسمية من طلب الحق فأخطأه مجرما لا تصح، لأن المقصود بالمجرمين في الآية المشركون، لأنها نزلت في كفار قريش فالمؤلف - رحمه الله - رغم تقديره للإمام السالمي وإجلال له، حيث يعبر عنه بلفظ شيخنا، فإن ذلك لم يمنعه من الاعتراض عليه ومناقشته في هذه المسألة عندما رأى أن كلام الإمام السالمي فيه نظر، فاحتج عليه وخالفه الرأي، بل خالف علماء مذهبه في هذه المسألة.
(1) الاسراء اية 36.
(2) (فصول الأصول) تحت عنوان (تتمة).
(3) البقرة آية 146)
(4) القلم آية 36،35.
(د) (فصول الأصول الفصل السادس والثلاثون والمائة.
(0)
64 (1/64)
صفحة 65
***
فصول الأصول
***
و. للمؤلف استقلالية في الرأي، فيختار ما يراه مناسبا، ويرجح ما يحسبه راجحا في نظره، فهو يعمل فكره، ولا يقلد غيره، فقد يخالف ما عليه علماء مذهبه، كما في قضية تفسيق من أخطأ في شيء من مسائل العقيدة، فقد ذهب إلى عدم تفسيقه، كما أنه خالفهم في مفهوم المخالفة إذ اختار قول الإمام أبي حنيفة في عدم العمل به حيث قال: وأنكر أبو حنيفة الكل مطلقا، ولم يقل بشيء من مفهوم المخالفة أصلا فهو يثبت أمثال هذه الأحكام على استصحاب الحال وهو الأظهر عندي (1). ز. في استدلاله بالأحاديث النبوية كان يذكر الحديث مرة من غير تخريج ومرة يخرجه، كقوله: حديث الصحيحين: من نسي الصلاة وفي مسلم: إذا رقد
أحدكم عن الصلاة وفي الجامع الصحيح من نسي صلاة أو نام عنها (2). ومن جهة ثانية قد يستدل بما يظنه حديثا وهو ليس بحديث - كما في استشهاده حكمي على الواحد حكمي على الجماعة على أن خطاب الواحد بحكم في يعم غيره إلا بدليل آخر، ثم قال: كقوله - -: حكمي على الواحد عليه حكمي على الجماعة، فقد اعتبره حديثا شريفا، فأسنده إلى النبي - ل - مع أنه لا يوجد في كتب الحديث، كما ذكر الغماري وغيره (3).
مسألة لا
و كاستشهاده بـ أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم، مع أنه ليس بحديث صحيح ولا ضعيف، فلا يمكن أن يجعل دليلا يستند إليه (4). ولعل المؤلف اعتمد في ذلك على ماجاء في كتب الأصول، ولم يتحقق من صحة الأحاديث بنفسه، بل اكتفى بنقل تلك الأحاديث الواردة في كتب الأصول التي
اعتمد عليها في مؤلفه، وذلك لندرة المراجع والكتب الحديثة في وقته. ح. لا يجد القارئ في الكتاب شتما او تنقيصا لحق عالم أو ازدراء بقول من الأقوال سواء كان القول موافقا لمذهب المؤلف أو مخالفا له، وسواء كان صادرا عن احد
(1) (فصول الأصول) الفصل السادس عشر. (2) (فصول الأصول الفصل الحادي والثلاثون.
(3) فصول الأصول: الفصل الحادي والأربعون الغماري: (الابتهاج) ص 110 وسيأتي كلامه وكلام غيره
عن هذا الحديث في موضعه.
(4) الغماري: (الابتهاج) ص 205 وسيأتي كلامه وكلام غيره عن هذا الحديث في موضعه.
05 (1/65)
صفحة 66
***
فصول الأصول
***
من علماء مذهبه أو عن علماء المذاهب الإسلامية الأخرى، فالمؤلف - رحمه الله - يحترم علماء الإسلام، ويقدر جهودهم، ويرفع من شأنهم، كما تفصح عن ذلك عباراته، وتصرح بذلك ألفاظه وكلماته، فكان يلقبهم بالألقاب اللائقي بهم، كأن يقول: قال العلامة ابن القاسم، أو الإمام الرازي والقاضي البيضاوي والقاضي أبو بكر الباقلاني والأستاذ أبو إسحاق الإسفراييني والشيخ أبو اسحاق الشيرازي وإمام الحرمين إذا العلماء ورثة الأنبياء، وهم أمناء الله في شرعه، والقادة إلى طريق الحق الذين أمضوا حياتهم في طلب العلم ونشره، فالواجب علينا احترامهم والاستفادة من مورثهم. ط. يكثر المؤلف من ضرب الأمثلة بقصد البيان والتوضيح، فقلما توجد مسألة ليس لها مثال، وهذا من مميزات الكتاب، إذ بالتمثيل يسهل فهم المسألة، وأكثر أمثلته يقتبسها من القرآن الكريم، فعندما تكلم عن معاني في ذكر لها تسعة معان، وضرب لكل معنى مثالا من القرآن، وعندما تحدث عن المعاني التي يرد لها الأمر ذكر ستة وعشرين معنى، ومثل لعشرين منها بآيات من القرآن الكريم، لما في القرآن من مزية
؛ إذ هو كلام الله تعالى المعجز ببيانه، فالتمثيل به أولى من التمثيل بغيره. ي. قد يذكر في بعض المسائل ما ينبني على اختلاف الأصوليين من فروع، فبعد أن عرض أقوال الأصوليين في أقل الجمع تبه بذكر ما ينبني على هذا الخلاف، وهو فيما إذا أقر أو أوصى بدار هم لزيد هل يستحق در همين أو ثلاثة (1)، وعندما تكلم عن من وما هل تشملان الذكور والإناث أعقبه بما ينبني على هذا الخلاف وهو فيما إذا أطلعت المرأة على بيت قوم بغير إذنهم هل يحل لهم فقء علينها أم لا؟ للحديث الوارد: من اطلع على بيت قوم (2) لكن المؤلف لم يلتزم ذلك في سائر المسائل الخلافية الواردة في الكتاب، وإنما اكتفى بمسائل قليلة لأنه قصد الاختصار في الكتاب كما تقدم. ك. من مميزات الكتاب أن المؤلف عندما يذكر بعض العلماء يبين من أي
(1) (فصول الأصول) الفصل التاسع والثلاثون.
(2) سيأتي تخريجه في محله من الكتاب.
66 (1/66)
صفحة 67
67
***
فصول الأصول
***
المذاهب أو الفرق هو، كقوله: قال الكوراني، وهو حنفي المذهب (1) وقال أبو منصور الماتريدي وهو من الحنفية (2) وهو قول أبي علي وأبي هاشم والقاضي عبدالجبار وهم من المعتزلة (3) وهو قول أبي بكر الرازي من الحنفية والشيخ أبي اسحاق الشيرازي من الشافعية، وعبد الجبار من المعتزلة (4) مما يدل على أن المؤلف على معرفة بالمذاهب الإسلامية وعلمائها، كما أن هذا التصريح فيه زيادة فائدة للقارئ. ل. يحرص المؤلف على أن يستفيد طالب العلم من هذا الكتاب، ويهتم بذلك اهتماما بالغا، فكان يخاطبه في كثير من الأحيان بلفظ أعلم (5) وتارة بقوله: فافهمه وأشدد به يدك ترشد - إن شاء الله تعالى (6) وأخرى بقوله: فتامل وجهي التفريع فإنه في غاية الحسن والدقة (7) ليشد الطالب على الانتباه، وليجذبه إلى التركيز حتى لا تفوته تلك الدرر التي سطرها، والجواهر التي انتقاها. م. مع أن الكتاب مختصر إلا أنه اتسم بسهولة العبارة، ووضوح المعنى، وسلاسة التعبير، فهو لا يستخدم العبارات المغلقة ولا الكلمات المعقدة، فلا يجد القارئ صعوبة في فهم معناه، كما أنه سالم من الخطاء اللغوية والنحوية إلا نادرا، ولا غرو في ذلك فالشيخ أديب شاعر لا يستعصي عليه التعبير. ن. مما يؤخذ على المؤلف أنه عندما يستقي معلوماته من مرجع ما فإنه ينقل تلك المعلومات دون أن يشير إلى نهاية النقل في بعض الأحيان مما يربك القارئ، إذ لم يعرف نهاية النص المنقول من كلام المؤلف، ومثال ذلك أنه عندما نقل كلام إمام الحرمين في ص 203 لم يشر إلى نهاية النقل، وكذلك عند نقله نصا للسعد التفتازاني في ص 209 لم ينبه على نهاية النص.
(1) (فصول الأصول الفصل السابع والعشرون (2) (فصول الأصول) الفصل التاسع والعشرون. (3) (فصول الأصول) الفصل التاسع والعشرون. (4) (فصول الأصول الفصل الحادي والثلاثون
(5) ينظر ذلك المقدمة والفصل الأول. (6) (فصول الأصول) الفصل الثامن عشر. (7) (فصول الأصول) الفصل الثالث عشر. (1/67)
صفحة 68
***
فصول الأصول
***
س. ويؤخذ عليه - أيضا - أنه قد يضع عنوانا لفصل ما ثم يدخل مسألة أو مسائل لا يشملها ذلك العنوان، ففي الفصل الثمانون كان عنوانه في نسخ مفهوم المخالفة إلا أن المصنف أدخل مسألة أن النسخ لا يكون في الأصول كالأمر بالتوحيد، وقضية نسخ النص الذي فيه لفظ التأبيد كصوموا أبدا هل يصح نسخه أم لا؟ وكذا قضية صحة النسخ بالأثقل هل يجوز أم لا؟ فهذه المسائل التي أدخلها في هذا العنوان كل منها يحتاج إلى فصل مستقل، إذ لا يحتملها عنوان الفصل الذي صدر به المؤلف. هـ. ومما يؤخذ عليه كذلك أنه يأتي بضمير المتكلم مما يوهم أن ذلك الكلام له مع أنه لغيره، فبعد أن حكى قول الكرخي وبعض الشافعية بأن الآية حرمت عليكم أمهاتكم والآية حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ (1) مجملتان لاحتمال أمور لا مرجح لها قال: قلنا: بل لها مرجح، وهو العرف، فإن العرف قاض بأن المراد تحريم الاستمتاع ونحوه، وفي الثاني تحريم الأكل ونحوه مع أن هذا كلام ابن السبكي، نعم صرح في بداية المسألة بالنقل عنه بقوله: قال ابن السبكي إلا أنه لطول الكلام الفاصل بين أول النقل وبين قوله قلنا إضافة إلى أنه لم ينبه على نهاية النص المنقول فإنه لم يتبين للقارئ أن النقل مازال مستمرا، فكان ينبغي له أن
يشير إلى ذلك بقوله بعد لفظه قلنا والكلام لابن السبكي أو نحو ذلك (2). وكذا عندما حكى قولا مفاده أن البيان هو الثاني فيما إذا كان الثاني دون الأول في القوة، بحجة أن الشيء لا يؤكد بما هو دونه، اعترض عليه بلفظ قلنا: هذا في التأكيد بغير المستقل، أما المستقل فلا بأس به، ألا ترى أن الجملة تؤكد بجملة دونها وهذا كلام الجلال المحلي، والمؤلف - غفر الله له - لم ينبه على ذلك (3). وفي نفس الصفحة بعد أن عزا إلى أبي الحسين البصري القول بأن المتقدم هو البيان وإن لم يتفق البيانان، فلو تقدم وكان زائدا عن القول، فالفعل هو البيان،
(1) المائدة، اية 3.
(2) (فصول الأصول) الفصل السبعون، ابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي وحاشية العبادي) ج 3 ص 209. (3) (فصول الأصول الفصل الثالث والسبعون: ابن السبكي (شرح) المحلي على جمع الجوامع وحاشية
العبادي) ج 3 ص 161.
68 (1/68)
صفحة 69
69
***
فصول الأصول
***
والقول ناسخ للزيادة، ثم اعترض على هذا الرأي بلفظ: قلنا: عدم النسخ بما قلناه أولى وهذا كلام المحلي).
وبعد أن حكى عن بعض الأصوليين القول بعدم جواز نسخ السنة بالقرآن بدليل قوله تعالى: {وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ (2) إذ جعل الرسول - - ـ المبين للقرآن، فلا يكون القرآن مبينا للسنة، ناقش هذا الاستدلال بقوله: قلنا: لا مانع من ذلك، لأن القرآن والسنة كليهما من عند الله تعالى: وهذا نص عبارة المحلي (3). فكان ينبغي للمؤلف أن ينبه إلى أن الكلام لغيره، وأنه قد وافقه على ذلك الاعتراض أو تلك المناقشة، أما أن يأتي به على هذه الطريقة فهو أمر فيه نوع من
الملاحظة.
ف. سار المؤلف على طريقة المتأخرين، حيث جمع بين طريقتي المتكلمين والفقهاء، فهو وإن جعل القواعد الأصولية هي الأساس الذي تتفرع عليه الفروع الفقهية إلا أنه لم يكثر من المناقشات الجدلية التي اعتادها المتكلمون، كما أنه أثرى المسائل بالأمثلة الفقهية.
وصف النسخ
بعد البحث والتنقيب حصلت لهذا الكتاب على نسختين مخطوطتين كلتاهما بمكتبة وزارة التراث القومي والثقافة بسلطنة عمان، الأولى تحت الرقم العام 2169، والخاص 343 ب، فقه، والثانية تحت الرقم العام 1656، والخاص 254 ب، فقه. 1. النسخة الأولى: هذه النسخة كتبت بخط أبي يوسف حمدان بن خميس اليوسفي (4)، وعدد ورقاتها 347 ورقة، ومتوسط سطور كل ورقة عدد 19 سطرا، متوسط كلماته 11 كلمة،
(1) (فصول الأصول الفصل الثالث والسبعون، ابن السبكي (شرح) المحلي على جمع الجوامع وحاشية العبادي) ج 3 ص 162.
(2) النحل، اية 44.
(3) (فصول الأصول الفصل السابع والسبعون، المحلي: شرح المحلي بحاشية العبادي) ج 3 ص 185.
(4) (1) سبق التعريف به. (1/69)
صفحة 70
***
فصول الأصول
***
وهي بخط واضح منقوط، ولا يوجد بها سقط إلا نادرا، منه ما تداركه الناسخ فكتبه بالهامش، ومنها ما أكمله من النسخة الثانية، وهي خالية من التعليقات والتنبيهات، ويرجع تاريخ كتابتها إلى سنة 1366 هـ، إذ يقول كاتبها: وكان الفراغ من نسخه ليلة عيد الأضحى من سنة 1366 هـ، نقلا عن خط مؤلفه المذكور بقلم أسير الذنوب، كثر العيوب، الراجي عفو ربه أبي يوسف حمدان بن خميس اليوسفي. وقد جعلت هذه النسخة هي الأصل الذي اعتمدت عليه، ورمزت لها بالرمز - أ
وجعلتها الأصل لأنها قليلة الأخطاء، نادرة السقط، واضحة الخط.
2. النسخة الثانية:
كتبت بخط محمد بن عيسى بن حمد الشكيلي، وعدد ورقاتها 536 ورقة، و متوسط سطور كل ورقة 15 سطرا متوسط كلماته 7 كلمات، ويتسم خطها بالغموض في بعض الأحيان وسقطها أكثر مما في النسخة الأولى، استدرك بعضها الناسخ فكتبه بالهامش، وبعضه الآخر استكمل نقصه من النسخة الأولى، ولا توجد بها تعليقات أو ملاحظا، ويعود تاريخ نسخها إلى سنة 1359 هـ، كما ذكر ذلك كاتبها حيث يقول: قد وقع الفراغ من نسخ هذا الكتاب الشريف المسمى بفصول الأصول في أصول الفقه ... وكان تمامه ضحوة الجمعة من أول شهر ربيع
الأول سنة 1359 هـ بقلم الفقير الله محمد بن عيسى بن حمد الشكيلي.
وزمرت لهذه النسخة – بالرمز ب.
70 (1/70)
صفحة 71
71
***
فصول الأصول
***
قطـ
الأَصْول بتأليف شيخنا الاسا الأصولي العالم الغريب خلفان جميل النية
وفقرا
صفحة عنوان الكتاب (1/71)
صفحة 72
***
فصول الأصول
***
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله على جزيل احسانه، وجميل افضالة وامتنانه وأشهد أن لا اله الا الله وحده لا شريك له شهادة أرجو نها عموم غفرانه وعظيم رضوانه، وأشهد أن سيدنا محمدا صلى الله عليه وسلم عبدك ورسوله وصفيه وخليله المبعوث بأتم تبيانه وأوضح برهانه. وعلى الرواصحابه واحبابه واخوانه وبعد فهذا المختصر في أصول الفقه ها و يا من الفن أهمه ومن التوضيح والتهذيب والتنقيح أئمة مستميته فصول الأصول يشتمل على مقدمة وسبعة كتب وخاتمة في متعلقاً الفقه وأصول الديانات، ارجو مزايده امامي وأن يتييني عليه رضوانه و انعامه انه جواد كريم مره وفي وحيره ...... المقدمةة ر
اعلم
الصفحة الثانية من المخطوطة أ
72 (1/72)
صفحة 73
73
***
فصول الأصول
339
***
حرابدون الدخول وقد يكون الشرط شرطا لوجود العلة وقد يكون شرطا لتأثيرها في الحكم مثال الأول العقلي والولاية في البيع والنكاح فان علة ملك المبيع وحل الوظ هو العقد الصحيح ولا وجود للعقل الصحيح الا مع العقل والولاية ويسمى محل العلة وشرطها ايضا وانما سم محلها لأنها لما توقف وجودها على حصوله أشبه محل القلة العقلية التجتقف متحتم و خودها على وجوده ويم شرطها لما وقف ثبوت تأثيرها عليه لأنه اذا وقف وجودها عليه فقد وقف تأثيرها ايضا عليه ومثال الثاني كالاحصان فانه شرط التأثير الزني في حد الرجم والفرق بين العلة والشرط من وجوه الأول ان كل ما يترتب حصوله على حصول الشرط يترتب على العلة كالرجم خانه كل ما يترتب على الاحصان فهو مترتب على العلة وهي الزنز ولا يجب عكس ذلك وهو كون ما ترتب على العلة يجب ترتبه على الشرط بل يصح في بعض أحكامها أن لا تترتب عليه كا الجلد فانه وقف على الزني وهو قلته ولم يقف على الشرط والوجه الثاني ان العلة باعثة على الحكيم مناسبة له ا كالزنى فانه باعث على الحد ومناسب له كونه عقوب بخلاف الشرط فانه قد يكون غير باعث على الحكم ولا مناسب له
تيرا انعام چير مقاصد پہ لانہ عقوبہ صبح
الأثرى
الصفحة 339 من المخطوطة أ (1/73)
صفحة 74
***
فصول الأصول
***
اعلم أن أصول الفقه هي والاثار الفقر الاجمالية وقبل العلم بتلك الدلائل أبي العلم بالقواعد الكلية التي يتوصل بها الى استنباط الاحكام الشرعية الفرعية عن أدلتها التفصيلية. والمراد بالاجمالية تقولهم الخاص يفيد القطع في مدلولة والعام يفيد المنطق في ملد لولد ومطلق الأمر للوجود بالا و مطلق النهي التحريم ونحو هذا فخرج بقيد الاجمالية الأدلة الشرعية التفصيلية نحو أقيموا الصلاة وأنوا الزكاة ولا تقربوا الزنا ولا تقتلوا أولادكم والمراد بالاحكام الشرعية هي الاحكام التكليفية وهي أقسام الفقه الخمسة (الوجوب ومقابله
التحريم والندي ومقابلة الكرابة وخاليا وثمراتها كالصحة والفساد والأحكام الوضعية كالركن والعلة والشرط. والمراد بأدلتها الكتاب والسنة والإجماع والقياسير والاستدلال على خلاف في بعضها وهيا حب هذه الفن من حيثية إثبات الأدلة الأحكام وثبوت الاحكام بالأدلة فموضوعه الاحكام والأدلة، ومحموله الأثبات والثبوت والأصولي هو العالم تلك الدلائل المذكورة وبطرق استفادتها أعني المرجيحات كما سيأتي ذكرها ان شاء الله تعا وبصفات المجتهد المعبر عنها بشروط الاجتهاد والفقه هو العلم و الاحكام الشرعية العملية احني المتعلقة بكيفية عمل قلبيا كان أو غيره المكتسب من أدلتها التفصيلية فخرج بعبد الاحكام العلم بغيرها من الذوات والصفات لتحقيقو
الصفحة الثالثة من المخطوطة أ
74 (1/74)
صفحة 75
Yo
***
فصول الأصول
346
***
هذا آخر ما يستر الله لنا و من به علينا من تصنيف هذا الكتاب المستخم بفصول الأصول في أصول الفقه نسأل الله ان يجعله خالصا لوجهه الكريم وان يتلقاه بالقبول هو ولينا وحافظنا فيما نعمل ونقول وهو حسبنا ونعم الوكيل نعم المولى ونعم النصير والحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد و على آله وصحبه اجمعين ولا حول ولا قوة الابالله العلي العظيم وكان الفراغ من تسويك ليلة ثماني عشرة والثلاثاء من شهير صفر من شهور سنة سبع وخمسين وثلاثمائة والف للهجرة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة وأزكى التحية بقلم مصنفه الفقير الى عفو ربه
القدير خلفان بن جميل السيابي بيده انتهى
الحمد لله جميع محا محده كل ما على جميع انحامد كلها ما يجب ربنا ويرضى والصلاة والسلام على من أنزل عليه اليوم الحملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا سيدنا محمد الشارع لنا الدين القويم والهادي الالصراط المستقيم اما بعد فيقول العبد الفقير المرتجي الطف وبر الخفي عبده اليوسف انه قد تم بعون الله و توفيقه نسخ کتاب فصول الأصول الجامع الشوار المعقول والمنقول فاعظم به سفرا أسفر ير العالم في سم أو صدور
الصفحة الأخيرة من المخطوطة أ (1/75)
صفحة 76
***
فصول الأصول
340
***
الأتريران الاحصان ليس باعثا على الحد ولا مناسبا له لكنه مناب للعلة لا لكونه يقوم بعتها على الحكم لأن زنى من هو مستغن بالزوجة أسد بعثا على الحمد قال شيخنا وأقول وهذا الفرق انما يتأتى على مذهب من اشترط في العلة أن تكون معنى الباعث اما على مذهب من لم يشترط ذلك فلا يصح هذا الفرق والصاحب المنهاج والفرق بين الشرط والسبيان الشرط في غالب أحواله يضاهي العلل في مناسبة الحكم كالعقل والبلوغ والرضى فانها شرط في صحة البيع وفيها مناسبة لذلك والسبب قلما يثبت فيه ذلك والشرط يختص عمل الحكم كالاحصان فانه حاصل في محل الحكم وهو الرحم بخلاف السبب فانه في الأغلب خارج عن محل الحكم انتهى والله اعلم وبه العون والتوفي ـق تتمة اول الواجبات معرفة الله سبحانه وتعالى هي الاساس وعليها ينبني سائر التكليفات وقبل أولا الواجبات النظر المؤدي اليها وقيل اول النظر التوقف النظر على أول أجزائه وقبل فصل النظر التوقف النظر على قصه واذا عرفت ذلك فاعلم ان من علت به همته وطابت طويته يري بنفسه عن سفاسف الأمور ودنيا تها من الأخلاق المذمومة كالكبر والغضب والحقد والحسد
الصفحة 340 من المخطوطة أ
76 (1/76)
صفحة 77
77
***
فصول الأصول
***
الاحكام والأدلة ومحموله الاثبات والثبوت والأصولية هو العالم بتلك الدلائل المذكورة وبطرق استفادتها اعنى المرججات كما سيأتي ذكرها ان شاء الله تعالى وبصفات المجتهد المعبر عنها بشروط الاجتهاد والفقه هو العلم بالاحكام الشرعية العملية اعنى المتعلقة بكيفية عمل قلبيا كان ا وغير المكتب
من ادلتها التفصيلية فخرج بقيد الاحكام العلم بغير هاف الذوات والصفات كتصور الانسان والبياض وبقيه الشرعية العلم بالاحكام العقلية والحسية كالعلم بان الواحد نصف الأثنين وان النار محترقة وبقيد العملية العلم بالاحكام الشرعية العلمية اعنى الاعتقادية كا لعلم بان الله واحد وان لايري وبقيد المكتب علم اللہ و علم جبريل مثلا فليم کتب وخرج بقيد التفصيلية العلم بذلك المكتب للخلافي من المقتضى والنا في المثبت بهما ما يأخذ من
الصفحة الثالثة من المخطوطة ب (1/77)
صفحة 78
***
فصول الأصول
***
من الفقيه ليحفظه عن ابطال خصمه فعلمه مثلا بوجوب النية فى الوضوء لوجود المقتضى وبعدم وجوب الوتر لوجود النا في ليس من الفقر وعبروا عن الفقد هنا بالعلم وان كان من الطنيقة الكند انتظن المجتهد الذى هو لقوته قريب في العلم فان قلت المجعلت الفقر ظنت ولا يخفى ان منه ما هو قطعي الدلالة قالت انما كلا منا على الاغلب بل قال بعضهم ان مطلق الادلة اللفظية لا تفيد الاظنا وقال بعضهم كل ما ثبت من الاحكام بدليل قطعي فهو من الضرورات الدينية فمنذ يخرج عن تعريف الفقه الدعوى والحكم المتعارف بين الأصوليين هو اثر خطاب احد الازلي المتعلق بفعل المكلف تعلقا معنويا قبل وجوده و تنجيزيا حال وجوده بعد البعثة أذلها حكم قبلها فيتناول الفعل القليبي الاعتقادي وغير والتولي والعملي.
الصفحة الرابعة من المخطوطة ب
78 (1/78)
صفحة 79
79
***
فصول الأصول
***
سفاسف الأمور ودنيا تها فى الاخلاق المذمومة كالكبر والغضب والحقد والحسد وسوء الخلق وقلة الاحتمال والطيش والفخر والخياراء والعجب والاحتقار للغير والتعاظم
فى نفسه والظلام لغر وكوها ويحتم إلى معالى الأمور في الأخلاق الحمودة كالتواضع والصبر وسلا من الباطن والزهد وحسن الخلق وكثرة الاحتمال فهذه ونحوها دليل على علو همة الرجل كما قال صلى اللہ عليہ وسلم ان الله تعالى يجب معالي الأمور ويكرم سفاسفها و من عرف ربه فخاف عقابه درجا ثوابه واصغى إلى أوامره ونواهيه فامتثل ما موراتر واجتنب نها تروسارع جده الى ضد و باند احبه مولاه و قريہ اوراد ناہ خکان سمعه و بصره ورجله التي يمشي عناوين التي بها يبط
الصفحة 629 من المخطوطة ب (1/79)
صفحة 80
***
فصول الأصول
***
يبطش فان استعاده اعاذه وان استخصى نصره وإن سأله اعطاها وان استهداه هداه فطولى لعبد عرف مولاه فاطاعد فيها امره ونشاه ورفض هواه وآثر اخرته على دنياه وترك
ما يحبه لما يخشاها وشكرنهما، وصبر على بلوا واجهد نفسه في طاعته ورضاء ورافتها بصفوف عبادته وتقواه ورحم الله عبد اسمع حكما فوعى ودعى الى حق فدنا وأخذ يحجزة هادفني راقب بد و خاف ذنبه قدم خالصا و عمل صالح وكسب مذخورا واجتنب محمدولار کي غرضا فاحرز عوضا کا برهواه وكتاب مناه جعل الصبر مطية نجاته والتقوى عن وفاته ركب الطريقة الغراء ولزم المحجة البيضا اغتة الجهل وبادر الأجل وتزود خير العمل وقصر الأمان و تورع عن المحارم واجتنب
الصفحة 630 من المخطوطة ب
80 (1/80)
صفحة 81
81
***
فصول الأصول
الفصل الثاني
تحقيق الكتاب
*** (1/81)
صفحة 82
***
فصول الأصول
***
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله على جزيل إحسانه، وجميل إفضاله وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادة أرجو بها عموم غفرانه وعظيم رضوانه، وأشهد أن سيدنا محمدا - - عبده ورسوله وصفيه وخليله، المبعوث بأتم تبيانه، وأوضح برهانه، وعلى آله وأصحابه وأحبابه وإخوانه، وبعد:
فهذا مختصر في أصول الفقه حاويا (1) من الفن أهمه، ومن التوضيح والتهذيب والتنقيح أتمه، سميته فصول الأصول، يشتمل على مقدمة، وسبعة كتب، وخاتمة في متعلقات الفقه وأصول الديانات (2)، أرجو من الله إتمامه وأن يثيبني عليه رضوانه
وإنعامه إنه جواد كريم، رؤوف رحيم.
(1) حواه يحويه، أي جمعه (الجوهري، إسماعيل بن حماد (الصحاح) باب الياء فصل الحاء جـ 6، ص 2322؛ د. إبراهيم أنيس وآخرون (المعجم الوسيط) باب الحاء جـ 1، ص 216.
(2) تكلم المؤلف - رحمه الله - في الخاتمة عن مسائل عقائدية بحثها علماء الكلام، وقد جاء كلامه مختصرا جدا إلا أنه شامل لأكثر المسائل العقائدية كصفات الباري من الذاتية والفعلية، وعن الإيمان والقضاء
والقدر واليوم الآخر والنار وغيرها.
82 (1/82)
صفحة 83
83
***
فصول الأصول
***
المقدمة
اعلم أن أصول (1) الفقه (2) هي دلائل الفقه الإجمالية، قيل العلم بتلك الدلائل (3)، أي: العلم بالقواعد (4) الكلية التي يتوصل بها إلى إستنباط الأحكام الشرعية الفرعية عن أدلتها التفصيلية (5) والمراد بالإجمالية كقولهم: الخاص يفيد القطع في مدلوله، والعام يفيد الظن في مدلوله، ومطلق الأمر للوجوب - مثلا - ومطلق النهي للتحريم، ونحو هذا، فخرج بقيد الإجمالية الأدلة الشرعية التفصيلية، نحو: {وَأَقِيمُوا الصَّلَوَةَ وَآتُوا الزَّكَوةَ (26)، {وَلَا نَقْرَبُوا الزِنَى)، وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَدَكُمْ)، والمراد بالأحكام الشرعية هي الأحكام التكليفية، وهي أقسام الفقه الخمسة. الوجوب ومقابله التحريم، والندب ومقابله الكراهة، والإباحية، وثمراتها (9) كالصحة والفساد، والأحكام الوضعية كالركن والعلة والشرط، والمراد بأدلتها الكتاب ولاسنة والإجماع والقياس والاستدلال على خلاف في بعضها، ومباحث
(^) ,
(1) جمع أصل، وهو في اللغة: ما بينى عليه غيره؛ ابن منظور (لسان العرب) باب اللام فصل الهمزة جـ 11، ص 16، الجرجاتي (التعريفات) ص 45، والأصل في الاصطلاح: الدليل الذي يبنى عليه الحكم كقولك: الأصل في كذا قوله تعالى ويطلق – أيضا – على أحد أركان القياس إذ إن أركانه أربعة ومنها الأصل، ويطلق على مذهب العالم في بعض القواعد، يقال: بنى فلان على أصله في مسألة كذا، أي على مذهبه فيها، ويطلق على ما يعتبر أصلا من أصول الشريعة كالصلاة والصوم، وعلى الراجح، الأنصاري عبدالعلي محمد بن ظام الدين (فواتح الرحموت) ج 1، ص 48، السالمي عبد الله بن حميد (طلعة الشمس) جا، ص 21. (2) الفقه في اللغة، فهم غرض المتكلم من كلامه ابن منظور وأما اصطلاحا فسيأتي في ص 4 (لسان العرب) باب الهاء فصل الفاء، جـ 13، ص 522، الجرجاني (التعريفات) ص 216.
(3) المراد بالتعريف الول المسائل الباحثة عن أحوال الأدلة التفصيلية، وأما التعريف الثاني فالمراد به التصديق بتلك المسائل، ابن قاسم الآيات البينات) ج 1 ص 67.
(4) جمع قاعدة، وهي قضية كلية منطبقة على جميع جزئياتها، الجرجاني (التعريفات) ص 219. (ه) أنظر: ابن السمعاني (قواطع الأدلة) ص 35، الآمدى (الإحكام)، ج 1، ص 23؛ ابن السبكي عبدالوهاب
(جمع الجوامع) ج 1، ص 32.
(6) القرآن الكريم، سورة البقرة (مدنية) آية رقم 43.
(7) القرآن الكريم، سورة الإسراء (مكية) آية رقم 32. (8) القرآن الكريم، سورة الإسراء (مكية)، آية رقم 31. (9) أي ثمرات الأفعال، الأحكام. (1/83)
صفحة 84
***
فصول الأصول
***
– -
هذا الفن (1) من حيثية إثبات الأدلة للأحكام، وثبوت الأحكام بالأدلة، فموضوعه الأحكام والأدلة، ومحموله (2) الإثبات والثبوت (3). والأصولي هو العالم بتلك الدلائل المذكورة، وبطرق استفادتها، أعني: المرجحات كما سيأتي ذكرها - إن شاء الله تعالى -، وبصفات المجتهد المعبر عنها بشروط الاجتهاد (4)، والفقه: هو العلم بالأحكام الشرعية العملية (5)، أعني: المتعلقة بكيفية عمل قلبيا كان أو غيره، المكتسب من أدلتها التفصيلية، فخرج بقيد الأحكام العلم بغيرها من الذوات والصفات كتصور الإنسان والبياض، وبقيد الشرعية العلم بالأحكام العقلية والحسية، كالعلم بأن الواحد نصف الاثنين، وأن النار محرقة، وبقيد العملية العلم بالأحكام الشرعية العلمية، أعني الاعتقادية كالعلم بأن الله واحد وانه لا يرى (6)، وبقيد المكتسب علم الله وعلم جبريل – مثلا – فليس مكتسبا، وخرج بقيد التفصيلية العلم بذلك المكتسب للخلافي (7) من المقتضي، والنافي) المثبت بهما ما يأخذه من الفقيه ليحفظه عن إبطال خصمه، فعلمه – مثلا - يوجوب النية في الوضوع لوجود المقتضي، أو بعدم وجوب الوتر لوجود النافي (1) أي الأدلة والأحكام. (2) الموضوع هو المسند إليه، والمحمول: المسند. الدمنهوري أحمد إيضاح المبهم في معاني السلم) ص 62، الميداني
(ضوابط المعرفة) ص 20.
(7)
(3) الآمدي علي بن محمد الإحكام في أصول الأحكام جـ 1، ص 23؛ ابن النجار محمد بن أحمد (شرح الكوكب المنير) ج 1، ص 36؛ الصنعاني محمد بن إسماعيل (إجابة السائل شرح بغية الآمل) ص 28 - 29،
الشوكاني محمد بن علي إرشاد الفحول صه، السالمي (شرح طلعة الشمس) ج 1، ص 23. ص 23.
(4) الجلال المحلي محمد بن أحمد (شرح المحلي على جمع الجوامع) ج 1، ص 34 - 35. (ه) كذا عرفه البيضاوي، (البيضاوي عبدالله بن عمر) منهاج الوصول إلى علم الأصول بشرح المعراج، للجزري محمد بن يوسف ج 1، ص 39 وابن السبكي (جمع الجوامع) ج 1، ص 78، وتعريف الكلوذاني: هو العلم بأحكام أفعال المكلفين الشرعية دون العقلية (التمهيد في أصول الفقه) ج 1 ص 4، و ابن الحاجب بأنه العلم بالأحكام الشرعية الفرعية عند أدلتها التفصيلية بالاستدلال (مختصر المنتهى بشرح ج 1 ص 18، والكمال ابن الهمام: هو التصديق لأعمال المكلفين التي لا تقتصر على الاعتقاد بالأحكام الشرعية القطعية مع ملكة الاستنباط (التحرير بشرح التيسير) ج 1 ص 22، وانظر: الطوفي. (شرح مختصر الروضة) ج 1، ص 129، الزركشي محمد بن بهادر (البحر المحيط) ج 1، ص 34 - 38. (6) هذه المسألة عقائدية اشتد فيها النزاع بين الأمة، والمؤلف إباضي المذهب فلذلك ينفي الرؤية مطلقا وانظر: الخليلي أحمد بن حمد الحق الدامغ، ص 27، وقد ذكرها المؤلف في خاتمة الكتاب؛ فليرجع إليها. (7) في ب المقتضى بالألف المقصورة.
(8) في ب النافي بالألف المقصورة.
84 (1/84)
صفحة 85
85
***
فصول الأصول
***
ليس من الفقه (1) وعبروا عن الفقه – هنا - هنا - بالعلم، وإن كان ظنا لظنية أدلته؛ لأنه ظن المجتهد الذي هو لقوته قريب من العلم (2)، فإن قلت: لم جعلت الفقه ظنيا؟ ولا يخفى أن منه ما هو قطعي الدلالة، قلت: إنما كلامنا على الأغلب، بل قال بعضهم: إن مطلق الأدلة اللفظية لا تفيد إلا ظنا (3)، وقال بعضهم: كل ما ثبت من الأحكام بدليل قطعي فهو من الضرورات الدينية، فحينئذ يخرج من تعريف الفقه اللغوي. والحكم المتعارف بين الأصوليين: هو أثر خطاب الله الأزلي المتعلق بفعل المكلف تعلقا معنويا قبل وجوده، وتنجيزيا حال وجوده بعد البعثة (4)؛ إذ لا حكم قبلها، فيتناول الفعل القلبي الاعتقادي وغيره، والقولي والعلمي والكف، ويتناول المكلف الواحد كالنبي - - في خصائصه، والأكثر من الواحد، والخطاب المتعلق بجميع أوجه التعلق من الاقتضاء الجازم وغير الجازم، والتخيير ونحوه (5)، ليتناول (1) فسر هذا المخرج البناني حيث قال: قوله: للخلافي، المراد به من يأخذ من المجتهد الحكم بدليل غير خاص، بل بدليل إجمالي؛ كأن يقول الإمام مالك لابن القاسم: الدلك في الوضوء والغسل واجب لوجود المقتضي - مثلا - ويقول الشافعي للمزني: الدلك المذكور ليس بواجب لوجود النافي، وسمي المذكور خلافيا لأخذه عن إمامه خلاف ما أخذ الآخر عن إمامه البناني عبدالرحمن بن جاد الله) (حاشية البناني على جمع الجوامع) ج 1 ص 45، وقال ابن السبكي: جعله - أي التفصيلية – احترازا عن اعتقاد المقلد؛ فإنه اعتبار وحكم شرعي عملي مكتسب من دليل إجمالي، وهو - أي الدليل الإجمالي - أن هذا أفتاني به المفتي، وكل ما أفتاني به المفتي فهو حكم الله. ابن السبكي (الإبهاج شرح المنهاج) ج 1 ص 37. (2) الجلال المحلي (شرح المحلي على جمع الجوامع ج 1 ص 45، وذكر الزركشي أن المراد بالعلم في التعريف الصناعة كما يقال: علم الحديث وعلم المنطق، أي: صناعته، فيدخل فيه الظن واليقين. الزركشي (البحر المحيط) ج 1 ص 34، وعليه فلا يرد السؤال المذكور، وقال القرافي: فإن قلت: الفقه من باب الظنون فكيف جعلته علما؟ قلت: المجتهد إذا غلب على ظنه مشاركة صورة لصورة في مناط الحكم قطع بوجوب العمل بما أدى إليه، فالحكم معلوم قطعا، والظن وقع في طريقه، القرافي أحمد بن إدريس (نفائس الأصول في شرح المحصول) ج 1، ص 139.
(3) ابن السمعاني (قواطع الأدلة) ص 42، الآمدي (الأحكام) ج 1 ص 22، الطوفي (شرح مختصر الروضة) ج 1 ص 156، الأسنوي عبد الرحيم بن الحسن (نهاية السول في شرح منهاج الأصول) ج 1 ص 41. (4) للعلماء خلاف في تعريف الحكم، هل هو خطاب الله تعالى، أو كون الحكم على وصف حكمي بأن كان موصوفا بكونه واجبا او مندوبا، أو هو إعلام الله إيانا بكون الفعل واجبا أو مندوبا ومباحا، أو هو الخبر عن المحكوم على ما هو عليه، السمرقندي (ميزان الاصول ج 1 ص 112، ابن قاسم (الآيات البينات) ج 1 ص 90. (5) كذا عرفه السالمي. (طلعة الشمس) ج 1 ص 213، وانظر: البناني حاشية البناني على جمع الجوامع ج 1، ص 46 - 49، وعرفه والفخر الرازي بأنه: الخطاب المتعلق بأفعال المكلفين بالاقتضاء أو التخيير. (المحصول بشرح النفاس) ج 1 ص 214، والبيضاوي: بأنه خطاب الله القديم المتعلق بأفعال المكلفين بالاقتضاء أو التخيير (المنهاج بشرح الابهاج) ج 1 ص 43، والطوفي بأنه: مقتضى خطاب الشرع المتعلق بأفعال المكلفين بالاقتضاء أو التخيير (شرح مختصر الروضة ج 1 ص 250. (1/85)
صفحة 86
***
فصول الأصول
***
حثيثية التكليف للكل، والحسن والقبح للشيء بمعنى ملائمة (1) الطبع ومنافرته كحسن الحلو وقبح المر، وبمعنى صفة الكمال والنقص، كحسن العلم وقبح الجهل مما يحكم به العقل، وبمعنى ترتب المدح والذم عاجلا والثواب والعقاب آجلا، كحسن الطاعة وقبح المعصية شرعي مما يحكم به الشرع، وشكر المنعم واجب بالشرع، فمن لم تبلغه دعوة رسول لا يأثم بتركه خلافا للمعتزلة (2) حيث قالوا: وجوبه بالعقل، بل قالوا: إن العقل هو الحاكم مطلقا (3)، والشرع إنما هو مؤكد له، ويرد عليهم قوله تعالى: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا) وذهب الإمامان أبو سعيد (5) وابن بركة (6) إلى أن العقل حاكم فيما لم يرد فيه شرع (7)، واختلف الأصوليين
(1) في أ: ملائمة بالياء.
(2) المعتزلة: فرقة كلامية تنتسب إلى واصل بن عطاء، ومن آرائها القول بالمنزلة بين المنزلتين ونفي رؤية الله في الدنيا والآخرة، وأن الإنسان خالق لفعله، وأشهر علمائهم القاضي عبدالجبار، والزمخشري، وأبو هذيل العلاف. البغدادي، الفرق بين الفرق) ص 24، د. بدوي عبدالرحمن (مذاهب الإسلاميين) ج 1 ص 37 زهدي جار الله (المعتزلة) ص 9.
(3) الخلاف بين المعتزلة وغيرهم في هذه المسألة، خلاف طويل شائك نوقشت كثيرا من قبل علماء الكلام قال عبدالعزيز البخاري: ومسألة الحسن و القبح مسألة كلامية عظيمة، فالأولى أن يطلب تحقيقها من علم الكلام. البخاري عبدالعزيز ابن أحمد (كشف الأسرار) ج 1، ص 391، وانظر: القاضي عبدالجبار بن
أحمد (شرح الأصول الخمسة) ص 564. (4) القرآن الكريم سورة الإسراء، مكية آية رقم 15.
(0) محمد بن سعيد بن محمد الكدمي الناعبي، من أعلام الإباضية، ولد وعاش بقرية العارض من ولاية الحمراء بداخلية عمان، من مؤلفاته المعتبر والاستقامة وزيادات الأشراف توفي بالقرية التي ولد فيها، وهو من علماء القرن الرابع الهجري. البطاشي إنحاف الأعيان) ج 1 ص 216؛ حجازي (دليل أعلام عمان) ص 146، السعدي جابر بن علي ابن بركة وآراؤه (الأصولية) رسالة ماجستير ص 18. (6) عبدالله بن محمد بن بركة البهلوي، من علماء الإباضية، ولد في أواخر النصف الثاني من القرن الثالث الهجري، تتلمذ على الشيخ غسان. محمد الصلاني وسليمان محمد بن حبيب وغيرهما، وتتلمذ عليه أبو الحسن البسيوي وأبو عبدالله محمد بن زاهر، توفي بين سنة 342 و 355، من مؤلفاته: کتاب الجامع، وكتاب التعارف، وكتاب التقييد البطاشي (إتحاف الأعيان) ج 1، ص 227، حجازي (دليل أعلام عمان) ص 114، السعدي جابر بن علي ابن بركه وآروه الأصولية).
بن
بن
(7) السالمي عبدالله بن حميد، مشارق أنوار العقول ص 101، وقد حكاه السالمي عن بشير بن. محمد ابن محبوب وأبي يعقوب الوارجلاني وصاحب الضياء وهم من الإباضية. السالمي (المعارج) ج 1، ص 175 - 176، والحاكم بمعنى الكاشف لأنهم - الإباضية - لا يقولون بخلق الأفعال فالله خالق وما سواه مخلوق، السالمي (المشارق) ج 2 ص 173. (1/86)
صفحة 87
87
***
فصول الأصول
***
هل يتعلق الحكم بالمعدوم تعلقا معنويا؟ بمعنى أنه إذا وجد بشروط التكليف يكون مأمورا بذلك الأمر الأزلي، لا تعلقا تنجيزيا بأن يكون حالة عدمه مأمورا؟ ذهب الأكثر إلى ثبوت هذا التعلق المعنوي (1)، وأبطله المعتزلة، إذ الحكم الأزلي عندهم هو نفس الإرادة، وهو المذهب للأصطحاب (2)، وأقول: لا مانع من تعلقه به على تلك الحيثية وإن كان كذلك.
ثم إن الحكم إن اقتضى الفعل من المكلف للشيء اقتضاء جازما فهو الإيجاب، أو اقتضاء غير جازم فهو الندب، أو اقتضى التخيير بين الفعل والترك فهو الإباحة، وإن ورد الخطاب يكون الشيء سببا لغيره أو شرطا أو مانعا أو صحيحا أو فاسدا فهو المعبر عنه بخطاب الوضع (3) والأول - أعني المقتضي لما ذكرنا من الإيجاب و نحوه - يسمى خطاب تكليف، وزاد بعضهم قسما فقال: إن اقتضى الخطاب الترك اقتضاء غير جازم بنهي مخصوص بالشيء كنهي داخل المسجد عن الجلوس حتى يركع (4)، وكحديث: لا تصلوا في معاطن (5) الإبل؛ فإنها خلقت من الشياطين (6)، فهو الكراهة الحقيقية، أو بغير مخصوص بالشيء كالنهي عن ترك المندوبات في
(4)
(1) ابن السبكي (جمع الجوامع) ج 1 ص 77، الشوكاني (إرشاد الفحول) ص 11. (2) القاضي عبد الجبار (شرح الأصول الخمسة ص 516، السالمي (العقد الثمين) ج 1 ص 102. ومراده بالأصحاب هم الأباضية. (3) ابن الحاجب (مختصر المنتهى الأصولي بحاشيتي الجرجاني والتفتازاني) ج 1، ص 225، ابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 1، ص 79، الزركشي (البحر المحيط (ج 1 ص 231، (الإبهاج) ج 1
ص 51، السالمي (شرح طلعة الشمس) ج 2 ص 217.
(4) بقوله - - إذا دخل أحدكم المسجد، فليركع ركعتين، البخاري (صحيح البخاري بشرح الفتح) كتاب الصلاة، بأن استحباب تحية المسجد بركعتين، رقم الحديث 444 ج 1 ص 640 وأخرجه ابن ماجة بلفظ: إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يركع ركعتين. ابن ماجة (سنن ابن ماجه بشرح السندي) المعجم، إقامة الصلاة، باب من دخل المسجد فلا يجلس حتى يركع، رقم الحديث 1012 ج 1 ص 321. (5) منعاطن: مفردها معطى، وهو مبرك الابل، ابراهيم انيس (المعجم الوسيط) باب الميم ج 2 ص 631. (6) أخرجه ابن ماجة بلفظ: صلوا في مرابض الغنم، ولا تصلوا في أعطان الإبل، فإنها خلقت من الشياطين، ابن ماجة محمد بن يزيد (سنن ابن ماجة) المعجم المساجد والجماعات، باب الصلاة في أعطان الإبل ومراح الغنم، رقم الحديث 769 ج 1 ص 248، والنسائي (سنن النسائي) كتاب المساجد، باب ذكر نهي النبي - - عن الصلاة في أعطان الإبل، رقم الحديث 734، ج 2 ص 56، وأبو داود (سنن أبي داود) كتاب الصلاة، باب النهي عن الصلاة في مبارك الإبل، حديث 493، ج 1، ص 127. (1/87)
صفحة 88
***
فصول الأصول
***
الجملة، فهو خلاف الأولى (1)، والفرض والواجب اسمان مترادفان (2)، وقال أبو حنيفة: ما صبت بدليل قطعي - كقراءة القرآن في الصلاة الثابتة بقوله تعالى: فَأَقْرَهُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ (3) فهو الفرض، وما ثبت بدليل ظني، كقراءة الفاتحة في الصلاة الثابتة بخبر الواحد، وهو حديث: لا صلاة لمن لم يقرأ (4) بفاتحة الكتاب (5) فهو الواجب (6) والمندوب والمستحب والتطوع والطاعة والسنة أسماء مترادفة،
(1) منهم ابن السبكي، وحكاه المحلي عن متأخري الفقهاء، ابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 1، ص 80 - 82، وقال الزركشي: هذا النوع أهمله الأصوليين، وإنما ذكره الفقهاء. ثم قال: والتحقيق أن خلاف الأولى قسم من المكروه ودرجات المكروه تتفاوت كما في السنة، ولا ينبغي ان يعد قسما آخر، وإلا لكانت الأحكام سنة، وهو خلاف المعروف أو كان خلاف الأولى خارجا عن الشريعة، وليس كذلك الزركشي (البحر المحيط) ج 1 ص 400.
(2) عند الشافعية، المحلي (شرح المحلي على جميع الجوامع) ج 1 ص 88، وجمهور الإباضية، الشماخي أحمد بن سعيد (شرح مختصر العدل والإنصاف) ص 39، والحنابلة، ابن النجار (شرح الكوكب المنير) ج 1 ص 351، والمالكية، المطيعي (سلم الوصول) ج 1 ص 76، وانظر: البدخشي محمد بن الحسن (مناهج العقول) ج 1 ص 58، الأنصاري عبد العلي محمد بن نظام الدين (فواتح الرحموت) ج 1 ص 57 - 58. (3) القرآن الكريم، سورة المزمل (مكية) آية رقم 20. (4) في ب يقر، بغير همزة. (ه) أخرجه البخاري بهذا اللفظ من طريق عبادة بن الصامت البخاري محمد بن إسماعيل (صحيح البخاري) كتاب الأذان، باب وجوب القراءة للأمام والمأموم في الصلاة كلها، رقم الحديث 756 ج 2، ص 276، ومسلم ابن الحجاج (صحيح مسلم) كتاب الصلاة، باب وجوب قراءة الفاتحة في كل ركعة، حديث رقم 374، ج 4، ص 343 والترمذي (سنن الترمذي) باب ما جاء أنه لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب، حديث رقم 247، ج 2 ص 25، وأبو داود (سنن أبي داود كتاب الصلاة، باب من ترك القراءة في صلاته حديث رقم 823، ج 1 ص 199. (6) هذا مذهب الحنفية. الخبازي (المغنى في أصول الفقه) ص 83، 84، وبعض الإباضية، السالمي (طلعة الشمس) ج 2 ص 220، ورواية عن احمد بن حنبل، وهو قول ابن شاقلا والحلواني الحنبليين، وحكاه ابن عقيل عن الحنابلة، ابن النجار (شرح الكوكب المنير) ج 1 ص 353، وقال به الناصر الأطروشي من الزيدية. الصنعاني (إجابة السائل) ص 36، وينظر ابن الحاجب (مختصر المنتهى الأصولي) ج 1 ص 228، هذا وقد نبه كل من الطوفي وابن السبكي والعضد والسالمي، على أن الخلاف في المسألة لفظي فالطوفي - مثلا - يقول: النزاع في المسألة إنما هو في اللفظ مع اتفاقنا على المعنى، إذ لا نزاع بيننا وبينهم في انقسام ما أوجبه الشرع علينا وألزمنا إياه من التكليف إلى قطعي وظني، واتفقنا على تسمية الظني واجبا، وبقي النزاع في القطعي، فنحن نسميه واجبا وفرضا بطريق الترادف، وهم يخصونه باسم الفرض، وذلك مما لا يضرنا وإياهم، فليسموه ما شاءوا. الطوفي شرح مختصر الروضة ج 1 ص 276، ابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 1 ص 220.
88 (1/88)
صفحة 89
89
***
فصول الأصول
***
متحدة المفهوم، ونفى بعض الأصوليين ترادفها منهم القاضي الحسين (1) وغيره (2). حيث قالوا: هذا الفعل إن واظب عليه النبي - ل - فهو السنة، أو لم يواظب عليه - كأن (3) فعله مرة أو مرتين - فهو المستحب، أو لم يفعله كالذي ينشؤه الإنسان باختياره من الأوراد فهو التطوع، ولم يتعرضوا للمندوب لعمومه للأقسام الثلاثة، ثال ابن السبكي (4): والخلاف فيه لفظي (5)، أي: عائد إلى اللفظ فقط. واختلفوا في المندوب هل ينقلب واجبا بالشروع فيه فيجب إتمامه؟ الأكثر على أنه لا يجب، وعللوا بأنه يجوز تركه، وترك إتمامه المبطل لما فعل منه ترك له (6)، وذهب أبو حنيفة إلى وجوب إتمامه (7)، لقوله تعالى: {وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَلَكُم له (8)، فأوجب بترك إتمام الصلاة والصوم المندوبين قضاء، وعورض بحديث: الصائم المتطوع أمير نفسه إن شاء صام، وإن شاء أفطر (9)، ويقاس على الصوم الصلاة، فلا تتناولهما
(1) الحسين بن محمد بن أحمد المروزي، من علماء الشافعية، تفقه على القفال المروزي، وأخذ عنه إمام الحرمين والبغوي، توفي سنة 462 هـ. ابن السبكي (طبقات الشافعية) ج 4، ص 356، الزركلي
(الأعلام) ج 2 ص 254.
(2) كالبغوي. الزركشي (البحر المحيط) ج 1، ص 378. (3) في ب كان من غير همزة.
(4) عبدالوهاب بن علي بن عبد الكافي السبكي، من كبار الشافعية، ولد في القاهرة سنة 727 هـ، وانتقل إلى دمشق فسكنها، ولي قضاء القضاة في الشام، من كتبه: طبقات الشافعية الكبرى وجمع الجوامع والأشباه والنظائر، توفي 771 هـ. ابن العماد (شذرات الذهب) ج 8 ص 378، الزركلي (الأعلام) ج 4 ص 184. (5) وكذا قال ابن العربي، ابن السبكي (جمع الجوامع ج 1 ص 90، الأسنوي عبدالرحيم بن الحسن (نهاية السول) ج 1 ص 79، الزركشي (البحر المحيط) ج 1 ص 377 - 380، الشوكاني (إرشاد الفحول) ص 6. (6) ابن السبكي (جمع الجوامع ج 1 ص 91 الزركشي (البحر المحيط) ج 1 ص 384، ابن النجار (شرح الكوكب المنير) ج 1 ص 407. (7) البخاري عبدالعزيز (كشف الأسرار) ج 2، ص 572 - 573، التفتازاني مسعود بن عمر (التلويح على التوضيح) ج 2، ص 125، الانصاري (فواتح الرحموت) ج 1، ص 409، إلى الامام مالك. (8) القرآن الكريم، سورة محمد (مدنية) آية رقم 33.
، ص
(9) (6) أخرجه الحاكم (المستدرك كتاب الصوم، رقم الحديث 68/ 1599، ج 1 605 واللفظ له. وأخرجه الترمذي والبيهقي من طريق أم هانيء بلفظ أمين نفسه الترمذي (سنن الترمذي) كتاب الصوم، باب صيام التطوع والخروج منه قبل تمامه، رقم الحديث 8347، ج 4، ص 276. وهو حديث صحيح، الألباني (صحيح سنن الترمذي) ج 1 ص 223.
6 (1/89)
صفحة 90
***
فصول الأصول
***
الأعمال في الآية جمعا بين الأدلة، ورأيت قطب الأئمة (1) رحمه الله - يميل إلى القول بالوجوب (2).
والحكم الشرعي إن انتقل من صعوبة إلى سهولة لعذر طارئ مع قيام السبب للحكم الأصلي سمي رخصة (3)، وقيل: الرخصة ما ثبت على خلاف الدليل لعذر)، وذلك كالسلم (5)، والعرايا (6) وأصناف الإجارات، وإن بقي على أصله لم يتغير سمي عزيمة، فوجوب ترك الصلاة والصوم على الحائض (7) عزيمة لا رخصة، لأن الحكم وإن انتقل من صعوبة - وهي وجوب الفعل - إلى سهولة هي وجوب الترك - مع بقاء السبب الأصلي وهو إدراك الوقتين، فإن انتقاله لمانع لا لعذر، والفرق بين العذر والمانع أن المانع مالا يمكن معه وجود الفعل، والعذر ربما (8) أمكن وجوده مع مشقة، والصلاة والصوم لا يمكن وجودهما حال الحيض أصلا لإبطاله إياهما.
(1) محمد بن يوسف بن عيسى أطفيش، من كبار الإباضية، ولد بميزاب بالجزائر سنة 1236 هـ، من مؤلفاته تيسير التفسير وهيميان الزاد وشرح النيل توفي سنة 1332 هـ، اطفيش أبو اسحاق (مقدمة الذهب الخالص) ص 3، أعوشت (دراسات إسلامية في الأصول الإباضية) ص 127، الزركلي (الأعلام) ج 7، ص 156. (2) الذي رأيته في الذهب الخالص أن القطب لا يميل إلى ذلك حسب ما فهمت من قوله: ومن إن صام نفلا ضعف عن العلم أو نسخه أفطر واشتغل به، فإن الأفضل بعد أداء الفرض العلم القطب محمد بن يوسف
الذهب الخالص ص 258.
(3) ابن السبكي (جمع الجوامع) ج 1، ص 120. (4) ممن قال بذلك البيضاوي والأسنوي، المنهاج بشرح الأسنوي) ج 1، ص 120، والقطب محمد بن يوسف (الذهب الخالص) ص 3، وانظر تعريف الرخصة والعزيمة في: الغزالي محمد بن محمد (المستصفى) ج 1، ص 98، والجرجاني (التعريفات) ص 147، والأمدى الإحكام في أصول الأحكام) جا ص 114، والقرافي (شرح تنقيح الفصول ص 85، واللامشي محمود بن زيد (كتاب في أصول الفقه) ص 68 - 69، والطوفي شرح مختصر الروضة) ج 1، ص 457.
610
(5) السلم: نوع من البيوع يعجل فيه الثمن، وتضبط السلعة بالوصف إلى أجل معلوم، الشماخي عامر بن علي (الإيضاح) ج 1 ص 54، القطب (شرح كتاب النيل) ج 8 ص 632، أبو حبيب سعدي (القاموس الفقهي لغة واصطلاحا) ص 182.
(6) العرايا: هو بيع رطب في رؤوس نخلة بتمركيلا. النسفي (طلبة الطلبة) ص 218، سعدي أبو حبيب
(القاموس الفقهي) ص 250.
(2) في أ الحايض بالياء. (8) في ب بما من غير حرف الراء. (1/90)
صفحة 91
91
***
فصول الأصول
***
والدليل (1) هو: ما يمكن التوصل بالفكر الصحيح فيه إلى مطلوب (2) (3) والفكر: حركة النفس في المعقولات (4)، أي: ما من شأنه أن يدرك بالعقل، واختلفوا هل العلم الحاصل عنه كسبي أو ضروري (5)، والراجح عندي الأول، والظن في هذا كالعلم (6)، واختفوا - أيضا - هل يكون معلوما عادة؟ فقد يتخلف كتخلف الإحراق عن مماسة النار لأجل حدوث شيء خارق للعادة، أو لزوما؟ فلا ينفك عنه أصلا كوجود الجوهر لوجود العرض، ذهب الأشعري (1) إلى الأول، والفخر الرازي (8) إلى الثاني (9).
(8)
والكلام النفسي عند مثبته (10) قيل: لا يسمى في الأزل خطابا حقيقة لعدم
(1) الدليل لغة: المرشد، وما يستدل به. الجوهري (الصحاح باب اللام فصل الدال، ج 4، ص 1698، د. إبراهيم أنيس (المعجم الوسيط) باب الدال، ج 1، ص 304، الجرجاني (التعريفات) ص 140. (2) الجرجاني (التعريفات) ص 140، ابن السبكي (جمع الجوامع) ج 1، ص 124، الشماخي (مختصر العدل والإنصاف) ص 9، السالمي (شرح طلعة الشمس) ج 1، ص 12.
(3) في أخيري بالياء. (4) الجرجاني (التعريفات) ص 217، الجلال المحلي (شرح المحلي على جمع الجوامع) ج 1، ص 127، السالمي (شرح طلعة الشمس) ج 1، ص 12.
(5) أي هل العلم بالمطلوب الحاصل عقيب التوصل بصحيح النظر فيه كسبي أو ضروري. المحلي (شرح المحلي على جمع الجوامع) ج 1 ص 129.
(6) أي في الاكتساب أو الضرورة المحلي (شرح المحلي على جمع الجوامع) ج 1 ص 129. (7) علي بن إسماعيل بن إسحاق، إمام المذهب الأشعري، ولد سنة 260 هـ في البصرة، تلقى مذهب المعتزلة، ثم رجع عنه وخالفه، إمام المذهب الأشعري، ولد سنة 260 هـ في البصرة، تلقى مذهب المعتزلة، ثم رجع عنه، وخالفه، من مؤلفاته الرد على المجسمة ومقالات الإسلاميين والإبانة عن أصول الديانة توفي سنة 324 هـ. ابن السبكي (طبقات الشافعية) ج 7، ص 81، ابن العماد (شذرات الكلام) ص 294،
الغزالي (المستصفي) ج 1، ص 412، العبادي (الشرح الكبير على الورقات) ج 1، ص 313. (8) محمد بن عمر بن الحسين البكري، كنيته أبو الخطيب من كبار الشافعية، ولد سنة 543، وقيل: سنة 545 هـ، اشتغل على والده وتفقه على الكمال السمناني له كتب عدة منها: المحصول، والمعالم، والمطالب العالية، توفي سنة 5606 ابن السبكي (طبقات الشافعية ج 7، 81، ابن العماد (شذرات الذهب) ج 4، ص 129. الزركلي (الأعلام) ج 4، ص 263.
(9) ابن السبكي (جمع الجوامع) ج 1، ص 129، الزركشي (البحر المحيط) ج 1، ص 46 - 47. (10) أثبته الأشاعرة. الجويني (البرهان) ج 1، ص 149، الإيجي عبد الرحمن بن أحمد المواقف في علم الكلام ص 294، الغزالي (المستصفي) ج 1، ص 412، العبادي (الشرح الكبير على الورقات)
ج 1، ص 313. (1/91)
صفحة 92
***
فصول الأصول
***
من يخاطب به إذ ذاك، وإنما يسماه (1) حقيقة فيما لا يزال عند وجود من يفهم، و اسماعه اياه، وقيل يسماه (2) حقيقة بتنزيل المعدوم الذي سيوجد منزلة الموجود (8) وهل يتنوع في الأزل إلى أمر ونهي وخبر وغيرها؟ فقيل: لا لعدم من تتعلق به هذه الأشياء إذ ذاك (3)، وإنما يتنوع إليها عند وجود من تتعلق به، فتكون الأنواع حادثة مع قدم المشترك بينها، وقيل: بتنوعه في الأزل (4) بتنزيل المعدوم الذي سيوجد منزلة الموجود، والنظر هو الفكر، وهو حركة النفس في المعقولات، وأما حركتها في المحسوسات فتخييل (5) والحسن: فعل المكلف المأذون فيه واجبا أو مندوبا أو مباحا، قيل: وفعل غير المكلف - أيضا - كالصبي والساهي والنائم (6) والبهيمة نظرا إلى أن الحسن ما لم ينه (7) عنه، والقبح فعل المكلف المنهي. عنه، ولو بالعموم المستفاد من أوامر الندب، فدخل في القبيح خلاف الأولى، كما دخل فيه الحرام والمكروه (8)، وقال إمام الحرمين (9): المكروه. بمعنى خلاف الأولى ليس قبيحا، لأنه لا يذم عليه، ولا حسنا؛ لأنه لا يسوغ الثناء عليه، بخلاف المباح فإنه يسوغ الثناء عليه، وإن لم يؤمر به، على أن بعضهم جعله واسطة – أيضا – نظرا إلى أن
(1) أصل الكلام: يسمى الكلام خطايا حقيقة، قالها، مفعول ثان وحقيقة حال.
(2) ابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج؟، ص 138. (3) نسب الشربيني هذا القول إلى عبد الله بن سعيد بن كلاب القطان. الشربيني عبدالرحمن (تقريرات الشربيني على جميع الجوامع ج 1 ص 139.
:
(4) وصححه المحلي (شرح المحلي على جمع الجوامع) ج 1، ص 138. (5) قال الزركشي، النظر الفكر المؤدي إلى علم أو ظن، ثم نقل عن إمام الحرمين قوله في الشامل: الفكر هو انتقال النفس من المعاني انتقالا بالقصد، وذلك قد يكون بطلب علم أو ظن، فيسمى نظرا، وقد لا يكون كاكثر حديث النفس، فلا يسمى نظرا بل تخيلا وفكرا، والفكر أعم من النظر. الزركشي (البحر المحيط) ج 1، ص 42، وانظر: الشرازي (شرح اللمع ج 1، ص 153، الجويني (البرهان) ج 1 ص 137، ابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 1 ص 141، السالمي (شرح طلعة الشمس) ج 1 ص 7. (6) في أ النايم بالياء.
(7) في ب ينهه. (8) تقدم ذكر تعريفات الحسن و القبح في صه.
(9) عبدالملك بن عبدالله بن يوسف الجويني من علماء الشافعية، ولد سنة 419 هـ، ورحل إلى بغداد والحجاز لطلب العلم، وجاور مكة والمدينة، من مؤلفاته: البرهان والإرشاد، ومدارك العقول، توفي سنة 478 هـ. ابن السبكي (طبقات الشافعية ج 5، ص 165، ابن خلكان وفيات الأعيان) ج 3، ص 167، الزركلي (الأعلام) ج 4 ص 160.
92 (1/92)
صفحة 93
93
***
فصول الأصول
***
الحسن ما أمر بالثناء عليه كما تقدم في أن الحسن و القبح (1) بمعنى ترتيب المدح والذم ي (2)، وجائز الترك سواء كان جائز الفعل أم ممتنعه ليس بواجب، وإلا لكان ممتنع الترك، وقال أكثر الفقهاء: يجب الصوم على الحائض والمريض والمسافر لقوله
شرعي
(r),
تعالى: {فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} (3)، وهؤلاء شهدوه، وجواز الترك لهم لعذرهم الذي هو الحيض المانع من الفعل أيضا (4)، والمرض والسفر اللذين (5) هما عذران غير مانعين منه، ولأنه يجب عليهم القضاء لما فاتهم، فكان المأتي به بدلا عن الفايت، كذا حكاه الجلال المحلي (6) في شرحه على جمع الجوامع (7) (8)، قلت: هذا مبني على أن وجوب القضاء إنما هو ثابت بالأمر الأول الذي ثبت به الأداء، وهو الراجح عندي، لشغل الذمة (9) بالوجوب الأول، وحصول الفوت
(1) في ب القبيح.
(2) انظر صه.
(3) القرآن الكريم، سورة البقرة (مدنية) آية رقم 185.
(4) يعني أن الحائض والنفساء مع أن الصوم وجب عليهما جاز تركه بالنسبة لهما، وجواز الترك لهم لا ينافي منع وجوبه، لان جواز الترك لهم لعزرهم الذي هو الحيض، والحيض كما انه اجاز الترك فإنه منع من الفعل أيضا، وهذا بخلاف المرضى والسفر اللذين هما عذران يجيزان ترك الصيام لكنهما غير مانعين منه فان. من صام في سفره أو مرضه فقد ادى ما عليه ولا يجب عليه قضاء بخلاف الحائض فإن صيامها أثناء الحيض لا يعتد به. (ه) كذا في النسختين بالياء ولعل الصواب بالألف صفة للمعطوف على الخبر. (6) محمد بن أحمد محمد الشافعي، ولد بالقاهرة سنة 791 هـ، أخذ أصول الفقه والعربية عن الشمس البرماوي، والفقه عن البيجوري وجلال البلقيني، من مؤلفاته: شرح جمع الجوامع، وشرح ورقات إمام الحرمين، توفي سنة 464 هـ حاجي خليفة (كشف الظنون) ج 1، ص 595، ابن العماد (شذرات الذهب) ج 9، ص 447، الزركلي (الأعلام) ج ه ص 333.
بن
(7) جمع الجوامع، كتاب في أصول الفقه، ألفه عبدالوهاب بن علي السبكي المتوفي سنة 771 هـ، على، وهو كتاب مختصر مشهور ذكر مؤلفه أنه جمعه من زهاء مائة مصنف، مشتمل على زبدة ما في شرحه على مختصر ابن الحاجب والمنهاج مع زيادات وبلاغة في الاختصار، ورتبه على مقدمات وسبعة كتب، وله شروح كثيرة، منها شرح الجلال المحلي، وشرح بدر الدين محمد بن عبدالله الزركشي، حاجي خليفة (كشف الظنون) ج 1 ص 595.
(8) المحلي (شرح المحلي على جمع الجوامع) ج 1 ص 166 – 168. (9) الذمة: العهد والكفالة، وجمعها ذمام، ابن منظور (اللسان) باب الميم فصل الذال ج 12 ص 221، إبراهيم أنيس (المعجم الوسيط) باب الذال، ج 1 ص 327، والذمة عن الاصوليين هي: الأهلية، وهي صلاحية الانسان لوجوب الحقوق المشروعة له أو عليه، وصلاحيته لصدور الأفعال منه على وجه يعتد به شرعا، أما عند الفقهاء فالذمة هي صفة في الانسان فطر عليها يصلح بمقتضاها ان تكون له حقوق على الغير وتجب حقوق للغير، فاضل (أصول الفقه) ص 57. (1/93)
صفحة 94
***
فصول الأصول
***
أو التفويت لا يفرغ الذمة عن اشتغالها الأول، فيشغلها من العلماء منهم البدر الشماخي (1) رحمه الله تعالى - إلى أن القضاء ثبت بدليل غير دليل الأداء (2)، قالوا مستدلين على ذلك بقوله تعالى: فعدة من أيام أخر (3) في قضاء الصوم مع ثبوت وجوبه بدليل فمن شهد منكم الشهر فليصمه (4)، وفي قضاء الصلاة بحديث: فليصلها متى ذكرها (5)، وقد ثبت وجوبها بـ وَأَقِيمُوا الصَّلوةَ لله (6)، قلنا: هذه
(3) ,
(7) ,
الأدلة كالتأكيد على ذلك التأسيس السابق، لعدم براءة الذمة وقتئذ، فكأنه قال: إذا لم يمكن الإتيان بالفعل هناك، فأتوا به هنا. انتهى إيرادنا على هذه المسألة، فتأمل (7). وفي كون المندوب مأمورا به خلاف مبني على أن الأمر هل هو حقيقة في الإيجاب كصيغة افعل فلا يسمى مأمورا به ورجحه الإمام الرازي (8)، أو في طلب الفعل، فهو مطلوب شرعا فيسمى ورجحه الآمدي (9) (10)، واختلفوا فيه – أيضا – وفي المباح
(1) أحمد بن سعيد بن عبدالواحد، من كبار علماء الإباضية، بالمغرب، له كتاب السير في تاريخ الإباضية، ومختصر العدل والإنصاف، وشرح مختصر العدل والإنصاف، توفي سنة 928 هـ، الزركلي (الأعلام)
ج 1، ص 131، أعوشت (دراسات إسلامية في الأصول الإباضية) ص 131.
(2) سوف يأتي الكلام على هذه المسألة والتعليق عليها في الأمر المؤقت وقضائه. (3) القرآن الكريم، سورة البقرة (مدنية) آية رقم 185.
(4) القرآن الكريم، سورة البقرة (مدنية) آية رقم 185.
(5) أخرجه البخاري من طريق أنس بن مالك بلفظ من نسي صلاة فليصلها إذا ذكرها، لا كفارة لها إلا ذلك البخاري (صحيح البخاري كتاب مواقيت الصلاة، باب من نسي صلاة فليصل إذا ذكرها، رقم الحديث 597 ج 2 ص 84، وأخرجه مسلم بلفظ من نسي صلاة فليصلها إذا ذكرها لا كفارة لها إلا ذلك: مسلم (صحيح مسلم) كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب قضاء الفائتة واستجاب تعجيله، جه ص 154، وأخرجه ابن ماجة (سنن ابن ماجه) المعجم، الصلاة، باب من نام عن صلاة أو نسيها، حديث 698، ج 1، ص 384، وأبو داود (سنن أبي داود كتاب الصلاة، باب من نام عن صلاة أو نسيها،
حديث 435، ج 1، ص 115.
(6) القرآن الكريم، سورة البقرة (مدنية) آية رقم 43. (7) سوف يأتي الكلام على هذه المسألة والتعليق عليها في فصل الأمر المؤقت وقضائه. (8) الفخر الرازي، المحصول ج 2 ص 44. (9) وكذا الغزالي، الآمدي (الإحكام في أصول الأحكام) ج 2 ص 162 الغزالي (المستصفى) ج 1 ص 75. (10) علي بن محمد بن سالم التغلبي، ولد سنة 551) بآمد (ديار بكر، من كبار الشافعية، تعلم في بغداد والشام، وانتقل إلى القاهرة، فدرس بها، من كتبه: الإحكام في أصول الأحكام وأبكار الأفكار، ولباب الألباب، توفي
??
سنة 631 هـ بدمشق، ابن خلكان وفيات الأعيان) ج 3، ص 293، الزركلي (الأعلام) ج 4، ص 332
94 (1/94)
صفحة 95
***
فصول الأصول
***
هل مكلف بهما أم لا؟ والأصح أن ليس مكلفا بهما (1) بناء على أن التكليف الإلزام أو إلزام ما فيه مشقة، لا مطلق طلب الفعل، وهو الصحيح، وبه صدر القطب (2) رحمه الله - في ذهبه (3)، كما هي قاعدة المصنفين، أن ما صدروا به هو مختارهم، إذا لم يرجحوا غيره، وذهب أبو بكر الباقلاني (4) إلى أن المندوب والمكروه مكلف بهما، كالواجب والحرام بناء على أن التكليف مطلق طلب الفعل والكف، وزاد أبو إسحاق إلا سفراييني (5) على ذلك المباح، فقال: إنه مكلف به من حيث وجوب اعتقاد إباحته تتميما للأقسام (6).
(1) ورجحه الآمدي وحكاه عن الأكثر من الشافعية الاحكام) ج 1 ص 165، وانظر: الغزالي (المنخول) ص 21، ابن برهان الوصول إلى الأصول) ج 1 ص 75، الأسنوي زوائد الأصول) ص 168، أمير جا بادشاة (تيسير التحرير) ج 2 ص 224، الأنصاري (فواتح الرحموت) ج 1 ص 112.
(2) القطب محمد بن يوسف، الذهب الخالص المنوه بالعلم القالص صه. (3) الذهب الخالص المنوه بالعلم القالص، كتاب فقهي مقارن للإمام القطب محمد بن يوسف أطفيش، وهو كتاب مطبوع يقع في مجلد واحد، وينظر: أبو إسحاق أطفيش (مقدمة كتاب الذهب الخالص) ص 3. (4) محمد بن الطيب بن محمد أبو بكر، ولد سنة 338 هـ، المتكلم على مذهب الأشعري، من أهل البصرة، وسكن بغداد، من كتبه: إعجاز القرآن ودقائق الكلام، والتقريب والإرشاد، توفي سنة 403 هـ البغدادي (تاريخ بغداد ج 5 ص 379، الزركلي (الأعلام) ج 6 ص 176. (5) إبراهيم بن محمد بن إبراهيم بن مهران، الفقيه الشافعي المتكلم، أخذ العلم عامة مشايخ نيسابور، من مؤلفاته جامع الحلي في أصول الدين والرد على الملحدين، توفي سنة 418 هـ، ابن خلكان (وفيات الأعيان) ج 1 ص 28، ابن السبكي (طبقات الشافعية) ج 1 ص 256. (6) ابن برهان (الوصول إلى الأصول) ج 1 ص 75، الآمدي الإحكام) في أصول الأحكام) ج 1 ص 165، ابن السبكي (جمع الجوامع) ج 1 ص 171، الأسنوي زوائد الأصول) ص 168، الزركشي (البحر
المحيط) ج 1 ص 368.
عنه (1/95)
صفحة 96
***
فصول الأصول
***
الفصل الأول
الكلام على جنسية المباح للواجب
اعلم أن الأصوليين اختلفوا في المباح هل هو جنس (1) للواجب أم لا؟ قال ابن السبكي: الأصح أنه ليس جنساله (2) وقال الجلال المحلي: إنه جنس له: لأنهما مأذون في فعلهما. أي: لاشتراكهما في إذن الفعل، واختص الواجب بفصل المنع من الترك (3)، واختص المباح - أيضا - بفصل الإذن في الترك على السواء، فلا خلاف في المعنى؛ إذ المباح بمعنى المأذون فيه جنس الواجب اتفاقا، وبمعنى المخير فيه ليس جنساله اتفاقا وهو المشهور قال الأصفهاني (5): والحق أن النزاع لفظي (6) انتهى من شرحه على: مختصر)
(0)
(4)
(7) ابن
(1) الجنس: اسم دال على كثيرين مختلفين بأنواع، الجرجاني (التعريفات) ص 107، الميداني، حبنكة (ضوابط
المعرفة) ص 39.
(2) ابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 1 ص 172. (3) ظاهر كلام المؤلف أن القول المحلي، لكن الجلال في شرحه على الجمع صدره بلفظة قيل، ثم ابتدأ قوله بعد ذلك بلفظ: قلنا: واختص المباح - أيضا - المحلي (شرح المحلي على جمع الجوامع) ج 1 ص 173. (4) المحلي (شرح المحلي على جمع الجوامع ج 1، ص 172، وينظر: الزركشي (البحر المحيط) ج 1 ص 312. (5) الأصفهاني، هو محمود عبد الرحمن بن أحمد، ولد سنة 674 هـ بأصبهان، ورحل إلى دمشق، كان عالما بالعقليات، من كتبه، شرح منهاج البيضاوي، وشرح مطالع الأنوار، وشرح كافية ابن الحاجب، توفي، كحالة سنة 749 هـ، ابن العماد (شذرات الذهب) ج 8 ص 281، الزركلي (الأعلام) ج 7 ص 176، (معجم المؤلفين) ج 12، ص 173. (6) لم أطلع على هذا الشرح، وقد وجدت ابن القاسم العبادي نقل هذه العبارة في الآيات البينات، ابن القاسم الآيات البينات) ج 1 ص 307.
(7) مختصر ابن الحاجب، هو المسمى بمختصر المنتهى الأصولي، او مختصرا بن الحاجب، اختصره من كتابه منتهى السول والأمل في علمي الأصول الجدل، ذكر في مقدمته أنه اختصره لما رأى قصور الهمم عن الإكثار وميلها للإيجاز، وقد شرحه جمع من العلماء منهم محمود بن مسعود الشيرازي وعضد الدين
الإيجي، حاجي خليفة كشف الظنون) ج 2 ص 1853. (1/96)
صفحة 97
97
***
فصول الأصول
***
ما
الحاجب (1) ونقل ابن قاسم العبادي (2) عن شرح المحصول (3) للعلامة القرافي (4) مـ نصه، وفسرت الإباحة بنفي الحرج عن الإقدام على الفعل فيندرج فيها الواجب والمندوب والمكروه والمباح، ولا يخرج عنها سوى الحرام، وهذا هو تفسير المتقدمين والثابت في موارد السنة وإنما فسرها بمستوى (5) الطرفين المتأخرون، انتهى
(6)
والله أعلم.
(1) ابن الحاجب، عثمان بن عمر ابن أبي بكر، ولد في أسنا من صعيد مصر سنة 570 هـ، كنيته ابن الحاجب، فقيه مالكي، ومن كبار علماء العربية، كردي الأصل، نشأ في القاهرة، وسكن في دمشق، من مؤلفاته الكافية في النحو، والشافية في الصرف، ومختصر منتهى السول والمل، توفي سنة 646 هـ، بالاسكندرية، ابن خلكان وفيات الأعيان) ج 3 ص 248، ابن العماد (شذرات الذهب ج 7 ص 4065، الزركلي الأعلام) ج 4 ص 211.
(2) (2) ابن القاسم العبادي، أحمد بن قاسم الصباغ العبادي القاهري الشافعي الملقب بشهاب الدين والمنكى بأبي العباس، من مؤلفاته الشرح الكبير على الورقات للإمام الجويني، والآيات البينات، توفي سنة 992 هـ، وقيل 994 هـ، حاجي خليفة (كشف الظنون) ج 2 ص 1139، الزركلي (الأعلام) ج 1 ص 198، عمر رضا (كحالة معجم المؤلفين) ج 2 ص 48.
(3) شرح المحصول المسمى نفائس الأصول فى شرح المحصول في تسعة مجلدات، وهو شرح مطول بين فيه القرافي كثيرا من مغلقات المحصول وينظر حاجي خليفة (كشف الظنون) ج 2 ص 1615.
(4) القرافي، أحمد بن إدريس بن عبدالرحمن أبو العباس، من علماء المالكية، ولد ونشأ بمصر، من مؤلفاته شرح تنقيح الفصول، والذخيرة، والفروق، توفي سنة 684 هـ في مصر. الزركلي (الأعلام) ج 1 ص 94، كحالة (معجم المؤلفين) ج 1 ص 158.
(ه) في أبمستوي بالياء. (6) القرافي (نفائس الأصول في شرح المحصول ج 1 ص 239 - 240، الجزري (معراج المنهاج) جا 240 ص 56 الطوفي (شرح مختصر (الروضة ج 1 ص 386، الزركشي (البحر المحيط) ج 1 ص 368، ابن القاسم (الآيات البينات) ج 1 ص 308. (1/97)
صفحة 98
***
فصول الأصول
***
الفصل الثاني
الكلام على المباح
واختلفوا - أيضا - هل المباح مأمور به أم لا؟ قال العلامة ابن السبكي: الأصح أنه غير مأمور به من حيث هو (1)، وقال الكعبي (2): إنه مأمور به (3) أي: وأحب إذ ما من مباح إلا ويتحقق به ترك حرام ما، فيتحقق بالسكوت ترك القذف (4)، وبالسكون ترك القتل، وما يتحقق بالشيء لا يتم إلا به، وترك الحرام واجب، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، فالمباح واجب.
قال العلامة ابن القاسم في حاشيته (5) على شرح جمع الجوامع: إيضاح ذلك أن المراد الوجوب المخير بمعنى أن الواجب في ترك الحرام هو ذلك المباح أو غيره مما يتحقق به ذلك الترك، فذلك المباح واجب من حيث إنه أحد الأمور التي يتحقق بكل منها الواجب الذي هو ترك الحرام لا من حيث خصوصه، ولا يخفى أن كف النفس عن الحرام لا يتصور تحققه إلا بوجود شيء من الأمور المنافية له، فغيبة زيد - مثلا - لا يتصور الكف عنها إلا بالتلبس بالسكوت عما عداها، أو التكلم بغيرها مباحا كان ذلك السكوت أو التكلم أو مندوبا أو واجبا أو حراما أو مكروها،
(1) ابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 1 ص 172 - 173، وقد قال بذلك الغزالي (المستصفي) ج 1 ص 74 - 75، والآمدي (الإحكام في أصول الأحكام) ج 1 ص 168، والزركشي (البحر المحيط) ج 1 ص 370، وقد حكى الاتفاق عليه المرجع السابق) وقوله: من حيث هو: أي من حيث أصله لا من
حيث ما يعرض له، فقد ينقلب واجبا إذا لم يتم الواجب إلا به وقد يكون منهيا عنه إذا أدى حرام. (2) عبد الله بن أحمد بن محمود من بني كعب، البلخي الخراساني، أبو القاسم ولد سنة 273 هـ، أحد أئمة المعتزلة، كان على رأس طائفة منهم تسمى الكعبية، وله آراء في الكلام انفرد بها، أقام ببغداد، من مؤلفاته، تأييد مقالة أبي الهذيل وأدب الجدل، ومفاخر خراسان، توفي سنة 319 هـ، ابن خلكان (وفيات الأعيان) ج 3 ص 45، ابن العماد (شذرات الذهب) ج 4 ص 93، الزركلي (الأعلام) ج 4 ص 65. (3) وحكاه ابن الصباغ عن أبي بكر الدقاق، الآمدي (الإحكام في أصول الأحكام) ج 1 ص 168، الطوفي (شرح المختصر الروضة) ج 1 ص 387، الزركشي (البحر المحيط) ج 1 ص 370، المحلي (شرح المحلي على جمع الجوامع) ج 1 ص 173. (4) القذف، قذف بالحجر، وبالشيء قذفا: رمى به بقوة، وقذف فلان بكلامه: تكلم من غير تدبر ولا تأمل، وفي الاصطلاح، نسبة آدمي مكلف غيره حرا عفيفا، مسلما بالغا أو صغيرا يطيق الوطء لزني، أو قطع نسب، مسلم، الجوهري (الصحاح) باب الفاء فصل القاف، ج 4 ص 1414، د. إبراهيم أنيس (المعجم الوسيط) باب القاف، ج 2 ص 749، أبو جيب، سعدي (القاموس الفقهي) ص 297.
(5) المسماة، الآيات البينات. (1/98)
صفحة 99
***
فصول الأصول
***
فيكون ذلك السكوت أو التكلم الحرام أو المكروه مأمورا به، ومنهيا عنه باعتبار جهتين، فظهر أن كف النفس عن الحرام متوقف على التلبس (1) بمباح أو غيره، إذ لا يمكن تحقق ذلك الكف إلا بذلك التلبس (2)، ولا يتصور تحقق ذلك الكف بنفسه، ولا معنى للتوقف إلا ذلك، وهذا مما لا يحتمل التردد فيه.
وظهر أنه لا فرق في توقف تحقق الكف عن ذلك الحرام على تحقق التلبس (3) بشيء مما في ذلك الكف بين كون ذلك الكف مقصودا، او كون ذلك الحرام مخطرا بالبال (4) أم لا؟ إلى أن قال: فإن قلت: سلمنا ذلك لكن إذا لم يكن الكف مقصودا أولا الحرام مخطرا بالبال لا يكون أتيا بالترك الواجب وإن لم يأثم، وحينئذ يتحقق المباح منفكا عن الواجب قلت (5): قول المصنف والشارح (6) الآتي في مسألة لا تكليف إلا بفعل: فالمكلف به في النهي (7) الكف: أي الانتهاء عن المنهي عنه إلى أن قالا (8): وقيل يشترط في الإتيان بالمكلف به في النهي مع الانتهاء عن المنهي عنه قصد الترك له امتثالا، فيترتب العقاب إن لم يقصد.
والأصح لا، وإنما يشترط الحصول الثواب (9) يقتضي) (10)، أن الأصح أنه لا يشترط في الإتيان بالواجب قصد الترك، ولا كون المتروك تخطرا بالبال، لكن في الكلام المنقول عن والده (11) التابع له فيما ذهب إليه ما يقتضي اعتبار القصد فكأنه خالفه فيه.
(1) في ب التلبث.
(2) في ب التلبث.
(3) في ب التلبث.
(4) البال: القلب، ومن اسماء النفس البال، والبال بال النفس وهو الأكتراث، ولم يخطر ببالي ذلك الأمر: أي لم يكرثني، ابن منظور (اللسان) باب اللام، فصل الباء، ج 1، ص 75، الزبيدي (تاج العروس) باب
اللام، فصل الباء، ج 7 ص 237.
(ه) في
ألت فالقاف مطموسة.
(6) يقصد بهما ابن السبكي والجلال المحلي.
(7) في ب النفي.
(8) أي المصنف والشارح.
Y
(9) إلى هنا - ينتهي كلام - المصنف والشارح، ابن السبكي جميع بشرح المحلي وحاشية البناني) ج 1 ص 309.
(10) يقتضي أنه الأصح، هذا خبر لقوله، قول المصنف.
(11) لعله يقصد والد ابن السبكي وسيأتي التعريف به لاحقا إن شاء الله تعالى.
?? (1/99)
صفحة 100
***
فصول الأصول
***
وإذا علمت ذلك ظهر لك النظر فيما قاله الكمال (1) ونقله عن البرماوي (2) وإشارة شيخه ابن الهمام (3) حيث قال: واعلم أنه يمكن التخلص عن دليل الكعبي بأن يقال: لا نسلم أن كل مباح يتحقق به ترك الحرام الذي هو واجب، لأن ترك الحرام الذي يوصف بالوجود هو الكف المكلف به في النهي كما هو الراجح، وهو فعل مغاير (4) لسائر الأفعال الوجودية التي فرع خطوره بالبال وداعية النفس له، فمن سكنت جوارحه عن الحرام وغيره أو حركتها في مباح أو غيره من غير أن يخطر بباله الحرام ولا داعية النفس إليه لم يوجد منه كف، فلا يكون آتيا بالترك الواجب وإن كان غير آثم اكتفاء بالانتفاء الأصلي في حقه، فقد ظهر أن اجتماع الترك الواجب، أعني الكف وما يفرضه من فعل مباح أو غيره مما ذكر اجتماع اتفاقي لزومي، فإذا
اجتمعا فالموصوف بالوجوب هو الكف لا ما يقارنه من الفعل المباح أو غيره. وهذا أحسن ما يتخلص به عن دليل الكعبي كما ذكره البرماوي في شرح ألفيته (ه)، وقد أشار إليه شيخنا (6) في تحريره انتهى (7)، قلت: هذا هو الحق لأن مطلق سكون الجوارح
(1) محمد بن محمد بن أبي بكر ابن أبي شريف، أبو المعالي كمال الدين، عالم بالأصول، ومن فقهاء الشافعية، ولد سنة 822 هـ في بيت المقدس، من مؤلفاته، الدرر اللوامع بتحرير جمع الجوامع، والفرائد في حل شرح العقائد، والمسامرة على المسايرة، توفي سنة 906 خ في المقد، ابن العماد (شذرات الذهب) ج 10 ص 43، الزركلي (الأعلام) ج 7 ص 53. (2) البرماوي، محمد بن عبدالدايم بن موسى النعيمي الشافعي، من علماء الأصول والفقه والعربية، من كتبه شرح البخاري، وشرح العمدة، وألفية في أصول الفقه وشرحها، توفي سنة 831 هـ، السخاوي (الضوء (اللامع ج 7 ص 280، ابن العماد (شذرات الذهب) ج 9، ص 286. (3) ابن الهمام، محمد عبدالواحد بن عبد الحميد السيواسي، من كبار الحنفية، ولد سنة 790 هـ أخذ عن السراج قارئ الهداية والجمال الحميدي وأبي زرعة، وغيرهم، وأخذ عنه سيف الدين الحنفي، من كتبه، شرح الهداية وفتح القدي، والتحرير، توفي سنة 861 هـ. السخاوي (الضوء اللامع) ج 8 ص 127، ابن العماد (شذرات الذهب) ج 9 ص 437.
(4) في ب مغائر بالهمزة. (5) لم أطلع على هذا الكتاب.
(6) أي محمد بن عبدالواحد السيواسي، ابن القاسم الآيات البينات) ج 1 ص 6. (7) أي كلام الكمال. العبادي (ابن القاسم) الآيات البينات، ج 1 ص 309 – 310.
100 (1/100)
صفحة 101
101
***
فصول الأصول
***
من غير قصد لكفها عن محرم مخصوص، ولا خطور له بالبال هو المباح الأصلي، فإذا خطر ذلك المحرم بالبال فكف عنه وقرن ذلك الكف قصد بانه كف عن ذلك المحرم المكلف بتركه كان ذلك الكف واجبا حينئذ، وخرج عن دائرة المباح (1)،
والله أعلم (2).
(1) وقد ناقش الكعبي. جمع من العلماء منهم الغزالي (المستصفى) ج 1 ص 74، والابياري، الزركشي (البحر المحيط) ج 1 ص 371 - 376، والآمدي، إلا أنه قال: وبالجملة وإن استبعده من استبعده فهو في غاية الغوص والاشكال، وعسى أن يكون عند غيره حله، الامدي (الإحكام) ج 1 ص 169، هذا وقد ذكر ابن السبكي أن الخلاف لفظي، وبين ذلك الجلال المحلي حيث قال: فإن الكعبي قد صرح بما يؤخذ من دليله من أنه غير مأمور به من حيث فاته، فلم يخالف غيره، ومن أنه مأمور به من حيث ما عرض له من تحقق ترك
الحرام به، وغيره لا يخالفه في ذلك، ابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 1 ص 173.
(2) في ب تعالى ساقطة. (1/101)
صفحة 102
***
فصول الأصول
***
الفصل الثالث
هل الإباحة حكم شرعي أم لا؟
واختلفوا في الإباحية هل هي حكم شرعي أم لا؟ فذهب جمهور العلماء إلى الأول، إذ هي عندهم التخيير بين الفعل والترك، وهو الأصح.
وقال بعض المعتزلة (1): ليست بحكم شرعي، فهي عندهم انتقاء الحرج عن الفعل والترك، قالوا: وهو ثابت قبل ورود الشرع، مستمر بعده (2). واختلفوا (3) في الوجوب لشيء إذا نسخ الشارع وجوبه.
فقيل: بقي جوازه الذي كان في ضمن وجوبع من الإذن في الفعل (4)، وقيل: بقيت إباحية)، إذ بارتفاع الوجوب ينتفي الطالب فيثبت التخيير، وقيل: يبقى الاستحباب (6)، إذ المتحقق بارتفاع الوجوب انتقاء الطلب الجازم، فيبقى غير الجازم. وقال الغزالي (7) لا يبقى النسخ منه شيئاً، ويرجع الأمر إلى ما كان عليه أولاً من تحريم أو إباحه (8). انتهى، والله تعالى أعلم (9).
(1) سبق التعريف بهذه الفرقة. (2) الغزالي (المستصفى) ج 1 ص 75، الآمدي (الإحكام) ج 1 ص 168، ابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 1 ص 173. ومفهوم كلام المصنف أن سبب الخلاف هو اختلافهم في تفسير الإباحة، فمن قال: إنها التخيير بين الفعل والترك، قال: إنها حكم شرعي، ومن حدّها بأنها انتفاء الحرج عن الفعل والترك قال: إنها ليست بحكم شعي. وقد نبه على هذا العلامة الشربيني (تقريرات الشربيني على جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 1 ص 173، وانظر: القرافي شرح تنقيح الفصول) ص 70.
(3) في "ب" زيادة - أيضاً - بعد اختلفوا. (4) قال به والفخر الرازي (المحصول بشرح نفائس الأصول) ج 4 ص 1515، والبيضاوي (منهاج الأصول بشرح نهاية الرسول) ج 1 ص 236، والزركشي، وتابعه النتأخرون) البحر المحيط) ج 1 ص 308، وعبد العلي الأنصاري (فواتح الرحموت) ج 1 ص 103، ونسبه الإسنوي إلى الجمهور (نهاية السول) ج 1 ص 238. (5) المطيعي محمد نخيب (سلم الوصول لشرح نهاية السول) ج 1 ص 237. (1) حكاه الطرطوشي قال: وعليه يدل مذهب مالك، فإن صيام عاشوراء لما نسخ بقي صومه مستحباً. الزركشي (البحر المحيط) ج 1 ص 308.
،
(7) الغزالي، أبو حامد محمد بن محمد بن محمد بن أحمد الطوسي، من علماء الشافعية، ولد بطوس سنة 450 هـ، تتلمذ على الإمام الجويني وغيره من مؤلفاته: إحياء علوم الدين والمستصفى والمنخول، توفي سنة 505 هـ. ابن السبكي
(طبقات الشافعية) ج 2 ص 191، ابن المعاد (شذرات الذهب) ج 6 ص 19، الزركلي (الأعلام) ج 7 ص 22. (8) الغزالي (المستصفي) ج 1 ص 73، وقال الزركشي، وهو قول أكثر أصحابنا، وصححه القاضي أبو الطيب الطبري والشيخ أبو إسحاق وابن السمعاني وابن برهان والكيا الطبري، واختاره ابن القشيري. الزركشي (البحر المحيط)
ج 1 ص 309، وقيل يرجع الأمر إلى الحظر: قال الزركشي، حكاه العبدري وهو غريب، (المرجع السابق).
(9) في "ب" تعالى ساقطة.
102 (1/102)
صفحة 103
***
فصول الأصول
***
الفصل الرابع
في الأمر بواحد مبهم من الأشياء
(1)
وإذا امر الشارع بفعل واحد مبهم من أشياء معينة بنوعها كما في كفارة اليمين أو بشخصها كأعتق هذا العبد أو ذاك أو ذلك، أوجب الأمر واحدا منها لا بعينه (2). وقيل يوجب الكل (3) فيثاب بفعلها ثواب فعل واجبات، ويعاقب بتكرها عقاب ترك واجبات، ويسقط الكل الواجب بواحد منها اقتصر عليه لأن الأمر تعلق بكل منها بخصوصه على وجه الاكتفاء بواحد منها.
وقيل الواجب في ذلك واحد منها معين عند الله تعالى (4)، لأنه يجب أن يعلم
الأمر ما
(1) في ب زيادة إلى آخره.
(2) ذهب إلى هذا القول ابن الحاجب وتبعه العضد، ابن الحاجب (مختصر المنتهى الأصولي بشرح العضد) ج 1 ص 235 - 237، ونسبه أبو المظفر السمعاني والفخر الرازي إلى جمهور الفقهاء، السمعاني أبو المظفر (قواطع الادلة) ج 1 ص 158، الفخر الرازي (المحصول) ج 1 ص 159، وقال الزركشي: ونقله القاضي أبو بكر عن إجماع سلف الأمة. الزركشي (البحر المحيط) ج 1 ص 247. (3) هو قول أبي هشام وأبي علي وأبي الحسين من المعتزلة. البصري أبو الحسين (المعتمد في أصول الفقه) ج 1 ص 79، وحكاه أبو المظفر السمعاني عن شرذمة من فقهاء العراقيين، أبو المظفر (قواطع الأدلة)
ج 1 ص 158.
عبر
(4) هذا القول يرجم به المعتزلة الأشاعرة، كما يرجم به الأشاعرة المعتزلة على أن المربقين اتفقا على فساده، وقد عبر البيضاوي والسبكي كتعبير المصنف بلفظ قيل، قال الإسنوي: ولما لم يعرف قائله. المصنف - يعني البيضاوي - عنه بقيل، وهذا المذهب باطل؛ لأن التكليف بمعين عند الله تعالى غير معين للعبد، ولا طريق له إلى معرفته بعينه من التكليف بالمحال وقد قال قبل ذلك: وهذا القول يسمى قول التراجم لأن الأشاعرة يروونه عن المعتزلة، والمعتزلة يروونه عن الأشاعرة. الإسنوي نهاية السول) ج 1 ص 140 1410، وقال ابن السبكي: وعندي أنه لم يقل به قائل، وإنما المعتزلة تضمن ردهم عليها، ومبالغتهم في تقرير تعلق الوجوب بالجميع، فصار معنى يرد عليه، وأما رواية أصحابنا له عن المعتزلة فلا وجه له لمنافاته قوادعهم. السبكي (الابهاج شرح المنهاج) ج 1 ص 86، لكن قال الزركشي: حكاه ابن القطان مع جلالته. الزركشي (البحر المحيط) ج 1 ص 247، قال محمد بخيت المطيعي: وهذا لا ينافي أنه قول باطل لمخالفته لما اتفق عليه الجميع من أن المكلف به يجب أن يكون معلوما للمكلف. المطيعي محمد بخيت (سلم الوصول لشرح نهاية السول) ج 1 ص 141، وانظر: وأبو الحسن (المعتمد) ج 1 ص 77، الطوفي (شرح مختصر الروضة ج 1 ص 279، وابن المرتضى أحمد بن يحيى (منهاج الوصول إلى معيار العقول) ص 263. (1/103)
صفحة 104
***
فصول الأصول
***
أمر به، لأنه طالبه، ويستحيل طلب المجهول، فإن فعل المكلف المعين فذاك، وإن فعل غيره منها سقط الواجب بفعل ذلك الغير، لأن الأمر في الظاهر بغير معين، قلنا: ما أمر الله فلا يجوز وقوعه إلا على معلوم عنده تعالى من جميع جهاته، ولا يجوز أن يتخلف فعل المكلف عن ذلك المعلوم المشخص، وإن كان مبهما في حقنا فما وقع عليه فعلنا فهو ذلك المأمور به عنده، لأن علمه تعالى لا يتبدل ولا يتحول، وأما أمر غيره تعالى فتكفي فيه معلومية الجنسية أو النوعية، ولا يلزم التعين والتشخص. وقيل: الواجب في ذلك ما يختاره المكلف للفعل، للاتفاق على الخروج عن عهدة الواجب بأيها فعل، قلت: هذا هو الحق، وهو مناسب للقول الأول:
والله أعلم).
وهو من عليه الكفارة إذا فعل جميعها كان
(1) وهناك قول آخر حكاه أبو المظفر عن بعض الشافعية أن الواجب أحدها وهو أغلاها ثمنا، وإن ترك جميعها كان معاقبا على أحدها وهو أدناها، السمعاني أبو المظفر، قواطع الأدلة) ج 1 ص 159.
104 (1/104)
صفحة 105
***
فصول الأصول
***
الفصل الخامس
في الكلام على فرض الكفاية
،
وفرض الكفاية يقصد حصوله من غير نظر بالذات إلى الحاصل منه، بل في الجملة، فلا ينظر إلى فاعله إلا بالتبع للفعل ضرورة أنه لا يحصل بدون فاعل. ويتناول الأمور الدينية كصلاة الجنازة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. والأمور الدنيوية كالحرف والصنائع (1)، وأما فرض العين فإنه ينظر بالذات إلى فاعله لأن حصوله مقصود من كل عين، فلذا سمي فرض عين، أي من كل فرد من أفراد المكلفين أو من عين مخصوصة، كالنبي - ع - في خصائصه المفروضة عليه دون الأمة. واختلفوا أيهما الأفضل (2) فذهب أبو إسحاق الإسفراييني وإمام الحرمين وأبو محمد (3) الجويني إلى (5) أن فرض الكفاية أفضل من فرض العين، لأنه يصان بقيام البعض به الكافي في الخروج عن عهدية جميع المكلفين عن الإثم المترتب عليهم بتركه، وفرض العين إنما يصان عن الإثم القائم به فقط، وقال بعضهم: إن فرض العين أفضل (6) لشدة اعتناء الشارع به، حيث قصد حصوله من كل مكلف. واختلفوا في كيفية وجوبه – أيضا – فذهب الإمام الفخر الرازي ومن يتبعه إلى (7) أنه واجب على (8) البعض لسقوطه بفعل البعض له عن الكل (9).
(1) في ب الصنايع بالياء.
(2) في ب أفضل، وهذا لا يؤثر على المعنى.
(3) في ب أبوه.
(4) عبدالله بر بن يوسف بن محمد الجويني الفقيه الشافعي والد إمام الحرمين، قرأ الأدب على أبيه، واشتغل بالفقه على أبي الطيب سهل بن محمد الصعلوكي والقفال المروزي، من مؤلفاته: مختصر المختصر، وموقف الإمام والمأموم، والتذكرة، توفي سنة 438 هـ، وقيل غير ذلك، ابن خلكان (وفيات الأعيان) ج 3 ص 47، ابن السبكي (طبقات الشافعية) ج 5 ص 73، الزركلي (الأعلام) ج 4 ص 146.
(5) في ب إلى بالياء.
(6) قال به ابن النجار ونسبه إلى الأكثر. (شرح) الكوكب المنير) ج 1 ص 377.
(7) في ب إلي بالباء. (8) في ب علي بالياء.
(9) وقال به البيضاوي (المنهاج بشرح نهاية السول) ج 1 ص 185: وانظر: الفخر الرازي (المحصول بشر
نفائس الأصول) ج 3 ص 1454. (1/105)
صفحة 106
***
فصول الأصول
***
وذهب آخرون إلى (1) أنه على (2) الكل لإثمهم بتركه (3)، ويسقط بفعل البعض، وأجيب: بان إثمهم بالترك لتفويتهم ما قصد حصوله من جهتهم الجملة لا للوجوب عليهم، ويدل للأول قوله تعالى: {وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَةٌ يَدَعُونَ إلى الخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ (4) وقوله: {فَلَوْلَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَائِفَةٌ (ه). قال الكمال (6) وتبعه ابن الحاجب (7): يجاب عنه بأن الآيتين ونحوهما مؤول بالسقوط بفعل الطائفة جمعا بينه وبين ظاهر قوله تعالى: قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله)، ونحوه (9). وعلى القول الأول المختار ذلك البعض مبهم، إذ لا دليل على تعيينه، فمن قام به سقط الفرض بفعله، وقيل: ذلك البعض معين عند الله تعالى يسقط الفرض بفعله و بفعل غيره، كما يسقط الدين عن الشخص بأداء غيره عنه، وقيل: ذلك البعض هو من قام به لسقوطه بفعله.
(1) في ب إلى الياء. وهذه طريقة ناسخ هذه النسخة فإنه يكتبها بالياء.
(2) في ب علي بالياء. (3) قال به الغزالي (المستصفى) ج 2 ص 15، والقرافي (شرح تنقيح الفصول ص 155، وابن الحاجب (مختصر المنتهى بشرح العضد) ج 1 ص 234، والعضد (شرح مختصر المنتهى الأصولي) ج 1 ص 234، والكمال بن الهمام التحرير بشرح التيسير) ج 2 ص 213، وقال به الإمام السالمي وحكاه عن البدر الشماخي (شرح طلعة الشمس) ج 1 ص 220 - 221، ونقله الآمدي عن الشافعية (الإحكام في أصول الأحكام) ج 1 ص 141، ونسبه كل من الزركشي (البحر المحيط) ج 1 ص 322 وابن النجار (شرح الكوكب المنير) ج 1 ص 375 وأمير باد شاة (تيسير التحرير) ج 2 ص 213، إلى الجمهور.
(4) القرآن الكريم سورة آل عمران (مدنية) آية رقم 104.
(5) القرآن الكريم سورة التوبة (مدنية) آية رقم 122. (6) الكمال، سبقت ترجمته، ص 20.
(7) كذا في النسختين، ولعل الصواب العكس، أي: قال ابن الحاجب وتبعه الكمال إذا المتقدم ابن الحاجب فقد توفي سنة 646 أما الكمال فقد توفي سنة 861.
(8) القرآن الكريم، سورة التوبة (مدنية) آية رقم 30.
(9) قال ابن الحاجب، الواجب على الكفاية على الجميع ويسقط بالبعض، لنا إثم الجميع بالترك باتفاق، قالوا:: يسقط بالبعض، قلنا: استبعاد، قالوا: كما أمر بواحد مبهم أمر ببعض مبهم، قلنا: إثم واحد مبهم لا يعقل قالوا: فلولا نفر قلنا: يجب تأويله على المسقط جمعا بين الأدلة، ابن الحاجب (مختصر المنتهى الأصولي بشرح العضد) ج 1 ص 234،، وانظر: الكمال التحرير بشرح التيسير) ج 2 ص 214.
1.7 (1/106)
صفحة 107
107
***
فصول الأصول
***
واعلم أن مدار وجوبه على الظن، فعلى القول بوجوبه على (1) البعض من ظن أن غيره لم يفعله وجب عليه، ومن لا فلا، وعلى القول بوجوبه على الكل من ظن ان غيره فعله سقط عنه ومن لا فلا (2)، ويصير فرض عين بالشرع فيه فـ فيجب على (3) من شرع فيه إتمامه وصححه الإمام السبكي (4) (5). وقيل لا يجب إتمامه لأن المقصود به حصوله في الجملة، فلا يتعين حصوله ممن شرع فيه، وهو الصحيح عندي، فلا يهلك تارك صلاة الجنازة بعد الشروع فيها إن صلى (6) عليها غيره (7). وقال الغزالي: لا يتعين (8) بالشروع إلا الجهاد وصلاة الجنازة (9). قلت (10): لا دليل على خروجهما عن القاعدة، فالفرق مشكل محتاج إلى دليل، ولا دليل،
والله أعلم. وسنة الكفاية كفرضها فيما تقدم من الخلاف والحكم (11)، أي: بقصد حصولها
(1) في ب علي بالياء. (2) الفخر الرازي (المحصول بشرح نفائس (الأصول) ج 3 ص 1454، القرافي (شرح تنقيح الفصول) ص 156، الإسنوي (نهاية السول) ج 1 ص 189، الزركشي (البحر المحيط) ج 1 ص 326.
(3) في ب علي بالياء. (4) السبكي (الإبهاج في شرح المنهاج ج 1 ص 100 - 101، وقال به ابن النجار (شرح الكوكب المنير) ج 1 ص 378، وقال الزركشي على المشهور (البحر المحيط) ج 1 ص 330.
(5) السبكي، علي بن عبد الكافي بن علي تقي الدين السبكي، ولد سنة 683 هـ في سبك. مصر – وهو والد تاج الدين السبكي - انتقل إلى الشام، وولي القضاء، يعتبر من كبار الشافعية، من مؤلفاته: السيف الصقيل، والإبهاج في شرح المنهاج، والمسائل الحلبية وأجوبتها، توفي سنة 756 هـ في القاهرة، ابن العماد (شذرات الذهب) ج 8 ص 308، الزركلي (الأعلام) ج 4 ص 302.
(6) في ب صلي بالياء. (7) وحكاه الزركشي عن القفال الشاسي. الزركشي (البحر المحيط) ج 1 ص 331.
(8) في أزيادة إلا قبل كلمة بالشروع. (9) لم أجد هذا الكلام في المستصفى ولا المنخول، لكن الزركشي في البحر المحيط قال: وأطلق الغزالي في الوجيز أنه لا يلزم، وقد حكى الزركشي هذا القول، أنه لا يلزم بالشروع إلا الجهاد وصلاة الجنازة عن القاضي الارزني، الزركشي (البحر المحيط) ج 1 ص 330.
(10) في ب قلنا.
(11) القرافي (شرح تنقيح الفصول) ص 158، الإسنوي (نهاية السول) ج 1 ص 187، المطيعي محمد بخيت، (سلم الوصول) ج 1 ص 187 (1/107)
صفحة 108
***
فصول الأصول
***
من غير نظر بالذات إلى (1) فاعلها، وذلك كابتداء السلام، وتشميت (2) العاطس والتسمية للأكل من جهة جماعة.
قلت: هذه سنة عينية على الأصح عندي، وهي أفضل من سنة العين عند الأستاذ أبي إسحاق ومن تابعه لسقوط الطلب بقيم البعض بها عن الكل المطلوبين بها، وقيل: سنة العين أفضل كما تقدم، وهل هي مطلوبة من الكل أو من بعض منهم؟ أو معين عند الله يسقط الطلب بفعله ويفعل غيره؟ أو من بعض قام بها؟ وهل تصير سنة عين بالشروع فيها أم لا؟ أقوال كما تقدم في الفرض، والله أعلم (3).
(1) في ب إلي بالياء. (2) في ب وتسميت بالسين.
(3) انظر هذه المسألة، فرض الكفاية وما يتعلق بها في ابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي وحاشية البناني) ج 1 ص 182 - 187، فإن أكثر المصنف منقول من هذا الكتاب، والآمدي (الإحكام) ج 1، ص 141، البيضاوي المنهاج بشرح المعراج) ج 1 ص 88، ابن قاسم الآيات البيانات) ج 1 ص 323، الأنصاري (فواتح الرحموت) ج 1 ص 62، الشنقيطي (نثر الورود) ج 1 ص 226.
108 (1/108)
صفحة 109
109
***
فصول الأصول
***
الفصل السادس
في الكلام في الأوقات الموسعة وغيرها
واعلم أن جميع وقت الظهر وسائر الصلوات وقت أداء ووجوب، ففي أي جزء منه أوقع الفرض فقد أوقع في وقت أدائه الذي يسعه وغيره، وبذلك يعرف بالواجب الموسع، ولا يجب على مريد التأخير عن أول الوقت العزم على الفعل بعد ذلك في الوقت خلافا لقوم كالقاضي أبي بكر الباقلاني وغيره (1) حيث قالوا
بوجوب العزم ليتميز به الواجب الموسع عن المندوب في جواز الترك. وأجيب بحصول التمييز بغيره، وهو أن تأخير الواجب عن الوقت يوجب إثما بخلاف المندوب، وقيل: وقت الأداء أول وقت لوجوب الفعل بدخول الوقت، فإن أخر عن أوله فقضاء ولو فعل في الوقت، ونسب هذا للشافعي ومن معه، ويأثم عندهم بالتأخير (2). (1) في البحر المحيط: وهذا ما صار إليه الأستاذ أبو بكر ابن فورك والقاضي أبو بكر ونقله عن المحققين، ونقله صاحب الواضح عن أبي علي وأبي هاشم وعبد الجبار المعتزليين، وحكاه صاحب المصادر عن الشريف المرتضى وهما وجهان لأصحابنا حكاهما القاضيان الطبري والمارودي وغيرهما، والصحيح منهما كما قاله النووي
وجوب العزم، الزركشي (البحر المحيط) ج 1 ص 279، انظر: الإسنوي (نهاية السول) ج 1 ص 166. (2) لكن يستفاد من كلام السبكي وغيره أن هذا لم يقل به الشافعي ولا أحد من أصحابه، قال السبكي في الإبهاج: وفرقة خامسة قالوا: يختص بالأول، فإن فعله فيه كان أداء، وإن أخره وفعله في آخر الوقت كان قضاء، وهذا القول نسب إلى بعض أصحابنا، وقد كثر سؤال الناس من الشافعية عنه فلم يعرفوه ولا يوجد في شيء من كتب المذهب ثم بين السبكي أن نسبة هذا القول إلى الشافعي أو إلى بعض أصحابه إنما حصلت بسبب الالتباس في أمرين هما: 1 - ما قاله الشافعية: إن الصلاة تجب بأول الوقت وجوبا موسعا، فظن الناقل عنهم أن الصلاة واجبة - عندهم في أول الوقت، مع أنهم قصدوا بذلك كون الوجوب في أول الوقت لا كون الصلاة في أول الوقت واجبة. -2 - أن الإمام الشافعي نقل هذا المذهب عن غيره إلا أن بعض الناس توهم أن ذلك مذهب الشافعي، السبكي الإبهاج في شرح المنهاج) ج 1 ص 95 - 96. وفي حاشية البناني: (قول الشارح - أي المحلي - عن بعضهم إشارة إلى جهالة قائله، فقد قال ابن الرفعة حين سأله والد المصنف عنه: قد فتشت عليهم فلم أعرفه. البناني (حاشية البناني على جمع الجوامع ج 1 ص 889
الاصطخري، وهو
وقال ابن التلمساني: هذا لا يعرف في مذهب الشافعي، ولعل من عزاه إليهم التبس عليه بوجه أن الذي يفضل فيما زاد على صلاة جبريل في الصبح والعصر يكون قضاء، وهو فاسد، لأن الوقت عنده موسع، ومنهم من أخذه من تضييق وقت المغرب على القول الجديد، وهو فاسد؛ لأن هذا تضييق، ومنهم من أخذه من قولهم، تجب الصلاة بأول الوقت، فظن أن الوقت متعلق بالصلاة، وإنما أرادوا أنه يتعلق بتجب، فوقع الالتباس في الجار والمجرور، وقيل: بل أخذه من قول الشافعي: رضوان الله أحب إلينا من عفوه، وقيل: بل أخذه من قول الشافعي في الأم في الخامس من كتاب الحج نقل عن بعض أهل الكلام، وبعض من يفتي، أن تأخير الصلاة عن أول وقتها يصيرها قضاء. وهذا الأخذ فاسد؛ لأن قائله لا يقول: إن الوقت يخرج ويصير قضاء بعد أوله كما نقل الإمام، بل إنه يعصي بالتأخير ولا يلزم من العصيان خروج الوقت، الزركشي (البحر المحيط ج 1 ص 283 - 284، وانظر: الآمدي (الإحكام) ج 1 ص 147، الإسنوي نهاية السول) ج 1 ص 166. (1/109)
صفحة 110
***
فصول الأصول
***
ونقل أبو بكر الباقلاني الإجماع على نفي الإثم (1)، ولذلك قال بعضهم: إنه قضاء يسد مسد الأداء، وقبل: وقت الأداء آخر الوقت قالوا: لانتفاء وجوب الفعل قبله فإن فعل قبل آخره فتعجيل للواجب مسقط له كتعجيل الزكاة (2) قبل وجوبها ونسبه شيخنا (3) لأبـ (3) لأبي حنيفة وأصحابه نقلا عن المنهاج)
(4 () 5)
ونقل ابن السبكي عن الحنفية أن وقت الأداء هو الجزء الواقع فيه الفعل من الوقت في أي جزء من أجزائه وقع، فإن فاتت أجزاؤه كلها إلا الجزء الآخر الباقي بقدر الفعل فقط فهو وقت الوجوب لتعينه للفعل فيه حيث لم يقع فيما قبله (6). وقال الكرخي (7): إن قدم الفعل على ذلك الجزء الآخر كان فعله وجوبا بشرط بقاء الفاعل مكلفا إلى آخر الوقت، فإن لم يبق كذلك كأن (8) يزول عنه التكليف بموت أو جنون. كان الفعل المقدم نفلا (9)، فشرط الوجوب عنده أن يبقى من أدركه الوقت بصفلة (1) الزركشي (البحر المحيط) ج 1 ص 284، المحلي (حاشية المحلي على جمع الجوامع) ج 1 ص 188. (2) في ب الزكوة. (3) يقصد به الإمام نور الدين السالمي صاحب طلعة الشمس، وسيأتي التعريف به – إن شاء الله تعالى – وقد نسبه إليهم في طلعة الشمس ج 1 ص 42. (4) المراد به منهاج الوصول إلى شرح معيار العقول في علم الأصول للعلامة أحمد بن يحي بن المرتضى اليمني الزيدي وهو الجزء السادس من كتابه غايات الأفكار ونهايات الأنظار، وقد سلك فيه المؤلف طريقة الجمع بين طريقتي الفقهاء والمتكلمين. د. المآخذي أحمد مطهر، منهاج الوصول دراسة وتحقيق ص 158، فؤاد سيد، فهرست المخطوطات بدار الكتب المصرية ج 3 ص 132، وسيأتي التعريف به في موضعه إن شاء الله تعالى، وانظر نقله عن الحنفية، في المنهاج ص 280. (5) هذا مذهب بعض الأحناف كما يستفاد من كلام البزودي والبخاري وغيرهما من علماء الحنفية فقد قال البزدوي، فتبين أن الوجوب بأول الجزء خلافا لبعض مشائخنا، وقال علاء الدين البخاري: نفي لقول مشايخ العراق من أصحابنا حيث قالوا: الوجوب يتعلق بآخر الوقت، ثم نسب البخاري بعد كلام إلى جمهور الحنفية القول بأن وقت الوجوب موسع، ففي أي جزء ذلك الوقت أوقع الفعل فقد أوقع أداءه، البخاري علاء الدين (كشف الأسرار) ج 1 ص 458، وانظر: السرخسي محمد بن أحمد (أصول السرخسي) ج 1 ص 31، الخبازي، عمر بن محمد (المغني في أصول الفقه) ص 44، الأنصاري عبد العلي فواتح الرحموت) ج 1 ص 73 الإزميري (حاشية الإزميري على مرآة الأصول) ج 1 ص 204 - 206. (6) ابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 1 ص 189، وانظر: البخاري علاء الدين (كشف الأسرار) ج 1 ص 458. (7) الكرخي: عبيد الله بن الحسين الكرخي، كنيته أبو الحسن، ولد سنة 260 هـ في الكرخ، من كبار الحنفية له: شرح الجامع الصغير، وشرح الجامع الكبير، ورسالة في أصول الفقه، توفي سنة 340 هـ ببغداد، ابن أبي الوفاء (الجواهر المضية في طبقات الحنفية) ج 2 ص 493، الزركلي (الأعلام) ج 4 ص 193.
!
(أ) في ب كان من غير همزة. (4) السرخسي (أصول السرخسي) ج 1 ص 32، البخاري علاء الدين (كشف الأسرار) ج 1، ص 459، ابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 1 ص 189، الأنصاري عبد العلي فواتح الرحموت) ج 1 ص 74.
11. (1/110)
صفحة 111
111
***
فصول الأصول
***
(1)
التكليف إلى آخره المتبين به الوجوب ولو أخر الفعل عنه ويؤمر به قبل لأن الأصل بقاؤه بصفة التكليف، فحيث وجب فذلك وقت أدائه عنده كما تقدم عن الحنفية لأنه منهم (1) وإن خالفهم في شرطه هذا. وأنت تدري أن هذه الأقوال كلها ما خلا الأول منكرة للواجب الموسع لاتفاقها (2) على أن وقت الأداء يفضل عن الفرض المؤدى، وقد فرضوه موسعا، فهو بين الأشكال، فليتأمل. والمذهب الأول وعليه جمهور الأصوليين والفقهاء من قومنا (3)، وهو الصحيح عندي (4)، وأما ما وقته العمر كله كالحج، فإن من أخره بعد إمكان فعله من ظن السلامة من الموت إلى وقت العمر كله كالحج، فإن من أخره بعد إمكان فعله مع ظن السلامة من الموت إلى وقت يمكنه فعله فيه ومات قبل الفعل، فجمهور الفقهاء والمتكلمين من قومنا على أنه عاص آثم بتأخيره مع الإمكان (5)، ووافقهم منا (6) الإمام ابن بركة حيث قال: وجوب الحج والزكاة (7) فوري (8)، وجمهور الأصحاب على خلافه، لكنهم أو جبوا عليه الإيصاء بأداء الفرائض الموسعة إن خاف فوتها (9) عند الاحتضار (10) ونحوه، والله أعلم.
4
(1) في ب منه. (2) في ب لاتفاقهما. (3) يقصد بهذا المصطلح (قومنا المذاهب الاسلامية غير المذهب الإباضي، فإنه يستخدم مصطلح أصحابنا إذا أراد المذهب الإباضي، وانظر: ابن حزم محمد بن أحمد الإحكام في أصول الإحكام) ج 3 ص 323 الطوفي سليمان بن عبد القوي (شرح مختصر (الروضة ج 1 ص 323، البخاري علاء الدين (كشف الأسرار) ج 1 ص 458، التفتازاني والجرجاني (حاشيتي التفتازاني والجرجاني على مختصر المنتهى الأصولي)
ج 1 ص 241، ابن المرتضى احمد بن يحيى (منهاج الوصول إلى معيار العقول ص 278. (4) وقال به البدر الشماخي (مختصر العدل والإنصاف ص 15، ونور الدين السالمي (طلعة الشمس) ج 1 ص 44. (5) ابن حزم (الإحكام في أصول الأحكام) ج 3 ص 308، ابن الحاجب (مختصر المنتهى الأصولي بشرح العضد) ج 1 ص 243 - 244، الخبازي (المغني في أصول الفقه) ص 43 - 44، ابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 1 ص 191، الزركشي (البحر المحيط) ج 1 ص 291، المطيعي (سلم الوصول) ج 1 ص 179.
(6) في ب زيادة على ذلك ولا تؤثر هذه الزيادة على المعنى. (7) في ب الزكوة.
(8) ابن بركة عبدالله بن محمد (کتاب الجامع) ج 1 ص 88، وج 2 ص 54. (9) المرجع السابق، ج 1، ص 87، المحروقي، درويش بن جمعة الدلائل في اللوازم والوسائل) ص 164 القطب محمد بن يوسف (شرح كتاب النيل) ج 4 ص 15 - 16، السالمي (جوهر النظام) ص 129.
(10) الاحتضار ساقطة في أ. (1/111)
صفحة 112
***
فصول الأصول
***
الفصل السابع
(1)
في حكم خطاب الوضع
اعلم ان الفعل المقدور للمكلف الذي لا يوجد الواجب إلا به واجب بوجوب ذلك الواجب سواء كان سببا أو شرطا أو غيره، وعليه أكثر العلماء (2)، إذ لو لم يجب لجاز ترك الواجب المتوقف عليه.
وقيل: لا يجب بوجوب (3) الواجب مطلقا، لأن دليل الواجب ساكت (4) عنه (5)، وثالثها يجب إن كان سببا كالنار للإحراق، أي: مس النار لشيء سبب لإحراقه في العادة، بخلاف الشرط كالوضوء للصلاة فلا يجب بوجوب مشروطه. قالوا: والفرق أن السبب لاستناد المسبب إليه أشد ارتباطا به من الشرط بالمشروط (6)، وقال إمام الحرمين: يجب إن كان شرطا شرعيا (7) كالوضوء للصلاة لا عقليا كترك ضد الواجب، أو عاديا كغسل جزء من الرأس (8) لغسل الوجه، يجب بوجوب مشروطه إذ لا وجود لمشروطه عقلا أو عادة بدونه، فلا يقصدها الشارع بالطلب بخلاف الشرعي، فإنه لولا اعتبار الشرع له لوجد مشروطه بدونه، وسكت عن السبب.
، فلا
(1) كان مذهب المؤلف ان الحكم غير الخطاب نظرا للاضافة اذ لو كان عنده شيء واحد لما جازت الاضافة لانه باب اضافة الشيء الى نفسه.
(2) ابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 1 ص 193، الإسنوي (نهاية السول) ج 1 ص 197، الزركشي (البحر المحيط ج 1 ص 297، ابن النجار (شرح) الكوكب المنير) ج 1 ص 358.
(3) في ب بوجود. (4) في ب ساكنا بالنصب. وهو خطأ لأنه وقع خبر ان.
(5) قال في البحر المحيط: ونسب للمعتزلة، وحكاه ابن السمعاني في القواطع عن أصحابنا. الزركشي، (البحر المحيط) ج 1 ص 300، ابن السمعاني (قواطع الأدلة) ص 164، وفي نسبته إلى المعتزلة، نظر فقد جاء في المعتمد ما نصه: فأن قالوا: ليس في لفظ الأمر ذكر لإيجاب غير المأمور به، فلم أو جبتموه؟ قيل: لأن وجوب المأمور به اقتضى وجوبه، كما أو جبنا السبب وإن كان السبب وإن كان الأمر بالمسبب لا ذكر للسبب فيه، وكما أو جبنا ستر بعض الركبة، وإن لم يكن له ذكر في الأمر بستر الفخذ، البصري أبو الحسن (المعتمد) ج 1 ص 96. (6) ابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 1 ص 194.
(7) الجويني، التخليص، 1 ص 293.
(8) في ب الراس من غير همزة.
112 (1/112)
صفحة 113
113
***
فصول الأصول
***
قال الإمام (1) المحلي: وهو لاستناد السبب إليه في الوجود كالذي نفاه، فلا يقصده الشارع بالطلب، فلا يجب كما أفصح به ابن الحاجب في مختصره الكبير مختارا القول الإمام (2).
واعلم أنه لا خلاف بين الفقهاء والمتكلمين في أنه إذا وجب المسبب وجب السبب، وإنما الخلاف هل وجود السبب من نفس صيغة الأمر بالمسبب، أو من دلالة الصيغة تضمنا أو التزاما (3) أو من دليل خارجي. وهذا هو مذهب ابن الحاجب ومن وام وافقه ـه (4)، كما يدل عليه كلامي في المنتهى (5)، قالوا: فلو تعذر ترك المحرم إلا بترك غيره من الجائز وجب ترك ذلك الغير لتوقف ترك المحرم عليه، كما لو وقع بول في ماء قليل وجب ترك كل الماء، وكما لو اختلطت منكوحة بأجنبية حرم وطؤهما حال الاشتباه، وكما لو طلق إحدى (6) زوجتيه معينة ثم نسيها حرم عليه أن يقربهما، لكن قد يظهر الحال في الأخيرين فترجعان إلى ما كانتا عليه من الحل، فلم يتعذر ترك المحرم وحده بخلاف الأول (7)، انتهى (8). والله تعالى أعلم.
(1) (1) في ب الجلال. (2) (2) المحلي (شرح المحلي على جمع الجوامع ج 1 ص 195، ابن الحاجب (مختصر المنتهى الأصولي بشرح
العضد) ج 1 ص 110.
(3) (3) تعريف دلالة التضمن دلالة الالتزام ستأتي صر 67.
(4) (4) ابن الحاجب (مختصر المنتهى الأصولي بشرح العضد) ج 1 ص 244.
(0) (5) المنتهى الأصولي، واسمه منتهى السول والأمل في علمي الأصول والجدل للإمام ابن الحاجب ثم اختصره في كتابه المسمى مختصر المنتهى الأصولي أو مختصر ابن الحاجب، وهو المختصر مطبوع أما منتهي السول فلم أحصل عليه، وانظر: حاجي خليفة كشف الظنون) د 2 ص 1853.
(6) (6) في ب أحد. (7) (7) الأرموي محمود ابن أبي بكر (التحصيل من المحصول ج 1 ص 309، ابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 1 ص 196 - 197، الإسنوي نهاية السول) ج 1 ص 212، البدخشي محمد بن الحسن (مناهج العقول) ج 1 ص 136، العطار حسن (حاشية العطار على جمع الجوامع) ج 1 ص 255. (8) (8) انتهى، ساقطة من ب. (1/113)
صفحة 114
***
فصول الأصول
***
الفصل الثامن
فيما إذا ورد الأمر الشرعي مطلقا
إذا ورد الأمر الشرعي مطلقا بما بعض جزئياته محرم أو مكروه، فلا يدخل ذلك المكروه أو المحرم تحت الأمر، ولا يدل عليه خلافا للحنفية وإلا لكان الشيء الواحد مأمورا به منهيا عنه من جهة واحدة، وذلك تناقض فالصلاة وقت الطلوع والغروب والاستواء لا تدخل تحت الأمر بالنوافل المستفاد من أحاديث الترغيب فيها،، لأن الأمر المطلق إنما هو لطلب الماهية (1) فقط لا يتناول شيئا من صفاتها، فلا تصح الصلاة في تلك الأوقات، أي: لا يعتد بها شرعا لأن الأمر لا يتناولها ولو على القول بحمل النهي على كراهة التنزيه فلا يثاب عليها. وقيل: إنها على كراهة التنزيه صحيحة يتناولها (2) الأمر فيثاب عليها (3)، وانفرد الحنفية بقول الصحة مع كراهة التحريم، كالصلاة في الأرض المغصوبة، والوضوء بالماء المغضوب وفي الإناء المغصوب (4) (5).
وأما الصلاة في الأمكنة المكروهة حيث النهي عنها لعارض لا لذاتها ككونها في الحمام أو في أعطان الإبل او في (6) قارعة الطريق فصحيحة جزما ولو قلنا: إن النهي حقيقته التحريم مع تجرده عن القرائن لأن النهي في الأمكنة لا لذاتها بخلافه في الأزمنة، فلهذا
(1) الماهية: هي حقيقة الكلي، أي ما كان من عناصر الكلي مقوما لذاته، بمعنى أنه لولاه لارتفعت حقيقته او تغيرت، الميداني عبدالرحمن حبنكة (ضوابط المعرفة) ص 337.
(2) في ب بتناولها بالباء.
(3) أنظر المسألة في: الجويني (البرهان) ج 1 ص 199، ابن السمعاني (قواطع الأدلة) ج 1 ص 212، السرخسي (أصول السرخسي) ج 1 ص 80، الغزالي (المستصفى) ج 1 ص 77، الفخر الرازي (المحصول) ج 1 ص 291، البخاري علاء الدين كشف الأسرار) ج 1 ص 295، الزركشي (البحر المحيط) جا ص 345، ابن النجار (شرح الكوكب المنير) ج 1 ص 391، الأنصاري عبد العلي (فواتح الرحموت) ج 1 ص 104، السالمي (شرح طلعة الشمس) ج 1 ص 73.
(4) السالمي (طلعة الشمس) ج 1 ص 73، أبو زهرة (أصول الفقه) ص 182، فاضل (أصول الفقه)
ص 197.
(5) الغصب: أخذ الشيء ظلما ابن منظور (اللسان) باب الباء فصل العين ج 1 ص 648، إبراهيم أنيس (المعجم الوسط) باب الغين ج 2، ص 678.
(6) في ب وفي من غير أ.
118 (1/114)
صفحة 115
115
***
فصول الأصول
***
افترقا مع أن النهي لا يدل على فساد المنهي عنه على الأصح عندنا إلا بقرينة (1). بقرينة (1). وقال ابن السبكي (2): إن كان الأمر بواحد مشخص له جهتان لا لزوم بينهما كالصلاة في المغضوب، أي: تنفك إحدى الجهتين عن الأخرى بأن تكون صلاة في غير مغصوب من الأرض، وغصب أرض لا صلاة فيها. قال: فالجمهور أنها تصح تلك الصلاة نظرا إلى جهة الصلاة المأمور بها، ولا يثاب فاعلها عقوبة له على الغصب (3).
وقال الرازي وأبو بكر الباقلاني: لا تصح مطلقا نظرا لجهة الغصب المنهي عنه (4).
(1) قال به القفال الشاشي وأبو الحسن الكرخي، وهو مذهب عامة المتكلمين. الشيرازي، أبو إسحاق (التبصرة) ص 100، وقال به بعض الإباضية منهم الإمام السالمي (شرح طلعة الشمس) ج 1 ص 75، ونسبة الآمدي على المحققين من الشافعية وكثير من الحنفية، وجماعة من المعتزلة، كأبي عبدالله البصري والقاضي عبد الجبار، الآمدي (الإحكام) ج 2 ص 209، البخاري (كشف الأسرار ج 1 ص 546. وقيل: يدل على الفساد، وهو مذهب الشيرازي وحكاه عن عامة أصحابه، الشيرازي (التبصرة) ص 100، وحكاه الغزالي عن الجماهير، (المستصفي) ج 2 ص 24، ونسبه الآمدي إلى جماهير الفقهاء من أصحاب الشافعي ومالك وأبي حنيفة والحنابلة وأهل الظاهر وجماعة من المتكلمين. الآمدي (الإحكام) ج 2 ص 209، ونسبة الإمام السالمي إلى كثير من الإباضية (شرح طلعة الشمس) ج 1 ص 369، القرافي (نفائس الأصول بشرح (المحصول ج 4 ص 1691، الخبازي (المغني) ص 73، النصعاني محمد بن إسماعيل (إجابة السائل) ص 294، الشوكاني (إرشاد الفحول ص 110، وقيل: يدل على فساد المنهي عنه في إجابة السائل) ص 294، الشوكاني (إرشاد الفحول) ص 110، وقيل: يدل على فساد المنهي عنه في العبادات دون العقود و المعاملات، وهو مذهب أبي الحسين البصري (المعتمد) ج 1 ص 171. وقد نسب إليه الآمدي القول باقتضاء الفساد مطلقا، لكنه تصريحه - ابي الحسين – في المعتمد ينافي هذه النسبة، الآمدي (الإحكام ج 2 ص 209. وقال بهذا الرأي – يدل على الفساد في العبارات دون العقود والمعاملات – الغزالي (المستصغي) ج 2 ص 24، والفخر الرازي (المحصول) ج 2 ص 291، وابن الملاحمي والرصاص. الشوكاني (ارشاد
الفحول) ص 110. (2) في أ السبكي من غير ابن.
(3) ابن السبكي (جمع الجوامع بسرح المحلي) ج 1 ص 201.
(4) عنه ساقطة من ب. (1/115)
صفحة 116
***
فصول الأصول
***
لكن يسقط الطلب عندها (1) وقال أحمد بن حنبل: لا صحة لها ولا سقوط، والخارج من المكان المغصوب تائبا آت بواجب حال خروجه لتحقق التوبة الواجبة بما اتى به من الخروج على الوجه المذكور (2) وقال أبو هاشم (3) من المعتزلة: هو آت بحرام لأن خروجه مشغل للمكان بلا إذن ربه كالمكث فيه، والتوبة إنما تتحقق عند انتهائه، إذ لا إقلاع إلا حينئذ (4).
وقال إمام الحرمين: هو بين جهتين جهة طاعة بالتوبة ينقطع تكليف النهي بالكف عنه بها، وجهة معصية لبقاء تسببه بالدخول الأول، فلا يخلص منها إلا بتمام الخروج (5)، والجمهور الغواجهة المعصية من الضرر لدفعه الأشد وهو ضرر المكث بالأخف وهو ضرر الخروج (6)، وأما الخارج غير تائب فعاص قطعا بالخروج کعصيانه بالمكث، والله تعالى أعلم.
(1) الفخر الرازي (المحصول) ج 2 ص 290، ابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 1 ص 202.
(2) ابن النجار (شرح الكوكب المنير) ج 1 ص 391. (3) أبو هاشم عبد السلام بن محمد بن عبدالوهاب الجبائي، ولد سنة 247 هـ عالم بالكلام ومن رؤوس المعتزلة، له آراء انفرد بها من مؤلفاته: تذكرة العالم، والعدة، والشامل، توفي سنة 321 هـ. ابن خلكان (وفيات الأعيان) ج 3 ص 183، ابن العماد (شذرات الذهب) ج 4 (الأعلام) ج 4 ص 7. (4) ابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 1 ص 202، ابن المرتضى (منهاج الوصول إلى معيار العقول) ص 294، لسالمي (شرح طلعة الشمس) ج 1 ص 65.
ص 10، الزركلي
(د) الجويني (البرهان) ج 1 ص 202. (6) الجويني (البرهان) ج 1 ص 202، الفخر الرازي (المحصول) ج 2 ص 290، ابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 1 ص 202، ابن المرتضى (منهاج الوصول الى معيار العقول) ص 292، ابن النجار (شرح الكوكب المنير) ج 1 ص 291، السالمي (شرح طلعة الشمس) ج 1 ص 63.
116 (1/116)
صفحة 117
117
***
فصول الأصول
***
الفصل التاسع
جواز التكليف بالمحال
أجاز جمهور الأشاعرة (1) التكليف بالمحال مطلقا (2)، أي: سواء كان محالا لذاته، أي: عقلا وعادة وذلك كالجمع بين السواد والبياض، أم محالا لغيره، أي: ممتنعا عادة لا عقلا كالمشي من الزمن، والطيران من الإنسان، أو عقلا لاعادة كالإيمان من علم الله أنه لا يؤمن، لكنهم قالوا: جائز غير واقع.
أما ما كانت استحالته لتعلق علم الله تعالى بعدم وقوعه، وخفي تعذره عن المكلف فهو جائز التكليف (3) وواقعه عندهم، قالوا: لأنه تعالى طلب الإيمان من الثقلين، وكلفهم به، وفي علمه أنه لا يقع من أكثر هم له وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ} (4)،، ومنعه المعتزلة مطلقا (5)، وهو مذهبنا معشر الأباضية (6) (7)، أما تكليف الكفار فليس من باب التكليف (1) أصحاب أبي الحسن علي بن سليمان الأشعري، من مبادئهم أن الله عالم بعلم قادر بقدرة أي صفات الله لاهي هو ولاهي غيره، ويقولون بجواز التكليف بما لا يطاق، ويجوزون رؤية الله تعالى في الآخرة. (الشهر ستاني) محمد بن عبدالكريم الملل والنحل) ج 1 ص 81، الأمين شريف يحيى (معجم الفرق الإسلامية ص 35، بدوي عبدالرحمن (مذاهب الإسلاميين ج 1 ص 487، الجويني (البرهان) ج 1 ص 102، الغزالي (المنخول) ص 22.
(2) الجويني (البرهان) ج 1 ص 102، الغزالي (الاقتصاد في الاعتقاد ص 158، الآمدي (الإحكام) ج 1 ص 179، ابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 1 ص 206، الإسنوي (نهاية السول) ج 1 ص 345، الشوكاني (أرشاد الفحول ص 9، وقال به الطوفي من الحنابلة الطوفي (شرح مختصر الروضة) ج 1 ص 229، ابن النجار (شرح الكوكب المنير) ج 1 ص 486.
(3) في ب والتكليف. الواو العطف.
(4) القرآن الكريم، سورة يوسف (مكية) آية رقم 103.
(5) القاضي عبد الجبار ابن أحمد (شرح الأصول الخمسة) ص 511 - 512.
(6) الإباضية: أتباع عبد الله بن إباض التميمي - تابعي - عاصر معاوية ابن أبي سفيان، وتوفي في أواخر أيام عبدالملك بن مروان، من مبادئ هذا المذهب، أن صفات الذات عين الذات، ونفي رؤية الله في الدنيا والآخرة، وأن القرآن مخلوق علي يحيى معمر الإباضية بين الفرق الإسلامية) أعوشت (دراسات إسلامية) ص 136، محمد قرقش (عمان والحركة الإباضية).
(7) القطب محمد بن يوسف (كشف الكرب) ج 1 ص 28، السالمي (معارج الآمال على مدارج الكمال) ج 1، ص 116. وقد حكاه ابن النجار عن الأكثر (شرح) الكوكب المنير) ج 1 ص 485، وانظر: السرخسي (أصول السرخسي) ج 1 ص 65، ابن الحاجب (مختصر المنتهي الأصولي بشرح العضد) ج 2 ص 9، أمير باد شاه (تيسير التحرير) ج 2 ص 137، وذهب الآمدي إلى التفريق بين المستحيل لذاته والمستحيل باعتبار غيره، فمنع التكليف بالأول وأجازه بالثاني، قال: وهو ميل الغزالي، الآمدي (الإحكام ج 1 ص 180، وانظر: البخاري علاء الدين (كشف الأسرار) ج 1 ص 408. (1/117)
صفحة 118
***
فصول الأصول
***
6
بالمحال أصلا، إذ) الاستحالة عندنا هي تعذر القدرة والاستطاعة البتة، وهؤلاء قد جعل لهم استطاعة وكسبا، فآثروا الكفر والضلال باختيارهم الفاسد، ولنا في ذلك جواب آخر، وهو أنه من علم الله سبحانه منه عدم الإيمان أصلا لم يكن مقصودا بالخطاب في نفس الأمر، وإن شمله خطاب التكليف ظاهرا في الجملة، ألا ترى أنه إن ورد نص على معين أنه لا يؤمن أصلا ترك - - دعاءه وكف عنه. وكذلك سائر الأنبياء - صلوات الله عليهم - كإبراهيم - عليه السلام - بعد أن تبين له أن أباه عدو الله تبرأ منه واعتزله وقومه وما يعبدون من دون الله، وكذلك نوح - عليه السلام - فإنه كف عن دعاء قومه بعد قوله تعالى: {أَنَّهُ لَن يُؤْمِن مِن قَوْمِكَ إِلَّا مَن قَدْ آمَنَ} (2). والتحقيق عدم جواز التكليف بالمحال لأنه يكون ضربا من العبث والهذيان والشارع يتعالى عن ذلك علوا كبيرا.
(2)
واختلف العلماء في الشرط الشرعي هل حصوله شرط المشروطه في صحة التكليف بذلك المشروط أم لا؟ والأكثر على أنه ليس شرطا فيصح التكليف بالمشروط عند عدم حصول الشرط، وعليه فالكفار مكلفون بالفروع كالأصول مع انتفاء شرطها في الجملة من الإيمان لتوقفها على النية التي لا تصح من الكافر (3).
ويمكن امتثاله بأن يؤتي بعد الإيمان، وقيل: حصول الشرط شرط في صحة التكليف، فلا يصح دونه وإلا فلا يمكن امتثاله لو وقع، واجيب بإمكان امتثاله بأن يؤتي بالمشروط بعد الشرط كما تقدم، وقد وقع، كذا قال المحلي في شرحه على جمع الجوامع قال ابن القاسم: الذي يظهر أن مراده من ذلك أنه مكلف حال عدم الشرط بإيقاع الفعل بعد إيجاد الشرط.
(0)
(1) في 'ب' إذا. (2) القرآن الكريم سورة هود (مكية) آية رقم 36.
(3) أنظر مسألة تكليف الكفار بفروع الشريعة: القرافي (نفائس الأصول في شرح المحصول) ج 2 ص 124، التفتازاني مسعود بن عمر (شرح التلويح على التوضيح) ج 1 ص 177، الزركشي (البحر المحيط) ج 2 ص 124، التفتازاني مسعود بن عمر (شرح التلويح على التوضيح ج 1 ص 402، الشماخي (شرح مختصر العدل والإنصاف) ص 83، ابن النجار (شرح الكوكب المنير) ج 1 ص 500، ابن القاسم (الآيات البينات) ج 1 ص 365، الشوكاني (ارشاد الفحول ص 10، السالمي (معارج الامال ج 1 ص 116. (4) في أبا بسقوط النون. (2) الملحي (شرح المحلي على جمع الجوامع) ج 1 ص 210 – 211.
118 (1/118)
صفحة 119
119
***
فصول الأصول
***
فحال عدم الشرط ظرف التكليف، وحال وجود الشرط ظرف إيقاع المكلف به (1)، قال ابن السبكي: والصحيح وقوعه – أيضا – فيعاقب على ترك امتثاله وإن كان يسقط عنه بعد الإيمان فإنما ذلك ترغيب في الإيمان (2).
وقال النووي (3) في شرح المهذب (4): اتفق أصحابنا (ه) على ان الكافر الأصلي لا تجب عليه الصلاة والزكاة والصوم والحج وغيرها من فروع الإسلام، قال: والصحيح في كتب الأصول أنه مخاطب بالفروع كما هو مخاطب بأصل الإيمان، قال: وليس هو مخالفا لما تقدم، لأن المراد هناك غير المراد هنا، فالمراد هناك أنهم لا يطالبون بها في الدنيا مع كفرهم، وإذا أسلم أحدهم لا يلزمه قضاء الماضي، ولم يتعرضوا لعقوبة الآخرة، ومرادهم في كتب الأصول أنهم يعذبون عليها في الآخرة زيادة على عذاب الكفر، فيعذبون عليها وعلى الكفر جميعا لا على الكفر وحده، ولم يتعرضوا للمطالبة في الدنيا، فذكروا في الأصول حكم طرف وفي الفروع حكم الطرف الآخر. أهـ (6). قال ابن قاسم: وقضية قوله إنهم لا يطالبون بها في الدنيا إلى آخره أنه (7) لا أثر
(1) ابن القاسم (الآيات البينات) ج 1 ص 364.
(2) ابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 1 ص 211، والكلام لأبن السبكي والمحلي معا. (3) النووي، يحيى بن شرف بن مري الحوراني الشافعي أبو زكريا، ولد سنة 631 هـ، في نوا بسورية، من كبار الشافعية، درس في دمشق، من مؤلفاته: المنهاج في شرح صحيح مسلم، وتهذيب الأسماء واللغات، والتقريب والتيسير، توفي سنة 676، في نوا بسورية، الكتبي، محمد بن شاكر (فوات الوفيات) ج 4
ص 264. ابن العماد (شذرات الذهب) ج 7 ص 618، الزركلي (الأعلام) ج 8 ص 149. (4) شرح المهذب، هو المجموع شرح المهذب، شرح به الإمام النووي مهذب أبي إسحاق الشيرازي، وذكر في مقدمة الكتاب المنج الذي يسير عليه في هذا الشرح، فمما ذكره قوله: وأبين فيه أنواعا من فنونه المتعددات، فمنها تفسير الآيات الكريمات، والأحاديث النبويات والآثار الموقوفات والفتاوي المقطوعات، والأحكام لاعتقاديات، والأسماء واللغات وأبين من الأحاديث صحيحها وحسنها وضعيفها وأذكر في هذا الكتاب - إن شاء الله تعالى - مذاهب السلف من الصحابة والتابعين فمن بعدهم وهو كتاب مطبوع النووي (الجموع شرح المهذب) ج 1 ص 3 - 59.
(0)
يعني
الشافعية.
(1) النووي (المجموع شرح المهذب) ج 2 ص 4.
(7) في ب لأنه. (1/119)
صفحة 120
***
فصول الأصول
للخطاب في أحكام الدنيا، قال: وبه صرح الإمام في المحصول (1) فقال: وأعلم أنه لا أثر لذلك في الأحكام المتعلقة بالدنيا، لأنه لا يصلي حالة الكفر ولا بعد الإسلام، أي: لا يقضيها إذا أسلم (2). لكن نازعه القرافي بأن يظهر أثره في الدنيا من وجوه، وذكر منها أنه يتجه اختلاف العلماء في استحباب إخراج زكاة الفطر إذا أسلم في أيام الفطر، ومنها أنه يتجه إقامة الحدود عليه لا سيما الرجم عند الشافعي (3) فإن ترك (4) العقوبات مع المعاصي والمخالفات في تلك الجنايات غير (5) مناسب، أما أنا نعاقبه وهو لم يعص بذلك الفعل الذي يعاقب عليه فبعيد عن القواعد، فالقائل بأنهم مكلفون يسلم من مخالفة (6) القواعد، ومنها استحباب قضاء الصوم إذا أسلم أثناء الشهر ملاحظة لتقدم الخطاب في حقه، وكذلك وجوب إمساك بقية النهار الذي أسلم فيه، بخلاف الصبي إذا بلغ، والحائض إذا طهرت (7)، والفرق تقدم الخطاب في حق الكافر دونهما ودون المسافر - أيضا - ومنها أنه لا يشترط إذا أسلم في آخر الوقت بقاء وقت يسع الاغتسال والوضوء بل تجب عليه الصلاة بإدراك وقت يسع ركعة منها فقط على الخلاف في ذلك المخرج على الخلاف في كونهم مخاطبين أم لا (8)، ومنها تفصيل معاملاتهم على معاملات المسلمين، فإنا إذا قلنا: ليسوا مخاطبين بالتحريم كانت معاملاتهم فيما أخذوه على خلاف القواعد
خليفة
(1) (2) المحصول في علم الأصول لفخر الدين الرازي، كتاب مبسوط على منهج المتكلمين، اعتنى العلماء بشرحه، فممن شرحه أحمد بن إدريس القرافي ومحمد بن محمود الأصبهاني، واختصره سراج الدين الأرموي وسماه التحصيل، كما اختصره القاضي تاج الدين الارموي وسماه الحاصل. حاجي (کشف الظنون) ج 2 ص 1615، د. العلواني (المحصول في علم الأصول دراسة وتحقيق) ج 1 ص 47، وهو كتاب مطبوع ومحقق.
(2) الفخر الرازي (المحصول بشرح نفائس الأصول) ج 4 ص 1570. (3) الهيثمي ابن حجر (تحفة المحتاج بشرح المنهاج بحاشيتي الشرواني وابن قاسم العبادي) ج 11 ص 407.
(4) ترك ساقطة من ب.
(2) غير ساقطة من ب.
(6) النون من كلمة مكلفون مع قوله: سلم من مخالفة ساقطة من ب.
(1) الهيثمي ابن حجر (تحقة المحتاج بحاشيتي الشرواني وابن قاسم العبادي) ج 4 ص 586 - 587. (8) الهيثمي ابن حجر (تحقة المحتاج بحاشيتي الشرواني وابن قاسم العبادي) ج 2 ص 68.
120 (1/120)
صفحة 121
***
فصول الأصول
***
الشرعية أخف من معاملة المسلم، لأنه عاص بذلك العقد، وقد نهاه الله تعالى عنه، ولم ينه الكافر، ولأنه إذا أسلم أقر على ما بيده من الربا (1) والغصوب (2) بخلاف المسلم إذا تاب، ومنها أن عقد الجزية يكون من مجملة آثاره ترك الإنكار في الفروع وأنه سبب شرع لذلك إن قلنا مخاطبون وإلا فلا يكون شرع سببا إلا (3) لترك إنكار الكفر خاصة، ومنها أن العلماء اختلفوا في الكافر إذا (4) طلق أو اعتق وبقيا عنده حتى أسلم هل يلزمه ذلك أم لا؟ فإذا قلنا: إنهم ليسوا مخاطبين أمكن تخريج عدم اللزوم على ذلك، ومنها الأوقاف والهبات والصدقات إذا (5) باعوها بعد صدور أسبابها، إذا (6) قلنا: ليسوا مخاطبين لا نمنعهم من ذلك، وهو مذهب مالك (7)، وما ذكره في زكاة الفطر لا يوافق مذهب الشافعية (8)، لأنها لا تجب عندهم على الكافر لتقييدها في الحديث بالمسلمين (9)، فلم يتناوله الحديث، وكذا المعنى – أيضا – فلا يرد ذلك على قولهم بمخاطبة الكفار بفروع الشريعة.
فقد قال التاج السبكي: ولا شك أن الأدلة الواردة في أحكام الشريعة منها ما
(1) في ب الربو. (2) في ب المغضوب.
(3) في ب ألا.
(4) في ب أذا.
(ه) في ب أذا.
(6) في ب أذا.
(7) القرافي (نقاش الأصول في شرح المحصول) ج 4 ص 1580 - 1581.
،
(8) الشافعية، اتباع محمد بن إدريس الشافعي، من كبار علماء هذا المذهب البيضاوي، وابن السبكي، والفخر الرازي والنووي والآمدي، ومن أهم المؤلفات في هذا المذهب، المجموع شرح المهذب وتحفة المحتاج، والحاوي الكبير. الشهرستاني (الملل والنحل) ج 1 ص 217، شريف يحيى الآمين (معجم الفرق الإسلامية) ص 142. (9) نص الحديث: أن رسول الله - - فرض زكاة الفطر صاعا من ممر أو صاعا من شعير على كل حر أو عبد ذكر أو أنثى من المسلمين. البخاري (صحيح البخاري كتاب الزكاة، باب صدقة الفطر على العبد وغيره من المسلمين، رقم الحديث 1504، ج 3 ص 432، مسلم (صحيح مسلم) كتاب الزكاة، باب زكاة الفطر على المسلمين حديث 974، ج 8 ص 62، البيهقي (سنن البيهقي) كتاب الزكاة باب من قال زكاة الفطر فريضة، رقم الحديث 7670، ج 4 ص 269.
21 (1/121)
صفحة 122
***
فصول الأصول
***
يتناول لفظه الكافر مثال: تأَيُّهَا النَّاسُ (1) ونحوه، فيتعلق بهم حكمه على القول بتكليفهم بالفروع ومنها ما لا يشملهم لفظه كما ذكرناه (2) من الآية والحديث، يعني قوله تعالى: خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكّم {دَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا كه (3).
وكتاب أنس الذي كتبه له أبو بكر وفيه هذه فريضة الصدقة التي فرضها رسول الله - - على المسلمين (4)، وكالآيات التي فيها ويَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا نَ} (5) ونحوه، فلا يتناولهم لفظا (6)، قال بعضهم: ولا يثبت حكمها لهم، وإن قلنا: إنهم مخاطبون بالفروع إلا بدليل منفصل أو تبين (7) عدم الفرق بينهم وبين غيرهم والاكتفاء بعموم الشريعة لهم ولغيرهم، وأما حيث يظهر الفرق إذا (8) يمكن معنى غير شامل لهم، فلا يقال بثبوت ذلك الحكم لهم لأنه يكون إثبات حكم بغير دليل (9) والتعلق قدر زائد على الوجوب فلا يثبت في حقهم بغير دليل ولا معنى (10)، أهـ. قال ابن القاسم: ولا يخفى أن قياس عدم الوجوب على (11) عدم الاستحباب في الصورة التي فرضها، وأما ما ذكره في الحدود فلا يوافق ما سيأتي عن الشيخ الإمام يعني السبكي إذ مقتضاه إخراج ذلك عن محل الخلاف
(1) القرآن الكريم سورق البقرة (مدنية) آية رقم 21.
(2) في ب ذكرنا، من غير هاء الضمير.
(3) القرآن الكريم سورة التوبة (مدنية) آية رقم 103.
(4) أخرجه البخاري من حديث طويل ذكر فيه مقادير إخراج زكاة الإبل والغنم. البخاري (صحيح البخاري) كتاب الزكاة، باب زكاة الغنم، رقم الحديث 1454، ج 3 ص 371، وابن ماجة، (سنن ابن ماجة) المعجم. الزكاة، باب إذا اخذ المصدق سنا دون سن أو فوق سن، حديث 1800، ج 2، ص 379، وأو داود (سنن أبي داود كتاب الزكاة، باب في زكاة السائمة، حديث 1567، ج 1 ص 362.
(د) القرآن الكريم، سورة آل عمران (مدنية) آية رقم 100.
(6) السبكي (الإبهاج في شرح المنهاج ج 1 ص 180.
(7) في ب بتبيين. بزيادة باء الجر، وهو الأصح.
(8) في الإبهاج أو بدل إذا ابن السبكي الإبهاج في شرح المنهاج) ج 1 ص 181.
،
(9) وهو قول تقي الدين السبكي كما نص عليه ولده تاج الدين السبكي ابن السبكي الإبهاج في شرح
المنهاج ج 1 ص 181.
(10) هذا نقل عن الآيات البينات من قوله في ص 41، قال ابن القاسم، وقضية قوله ابن القاسم (الآيات البينات) ج 1 ص 366 - 367.
(11) على ساقطة من أ.
122 (1/122)
صفحة 123
123
***
فصول الأصول
***
لكن هذا ظاهر بالنسبة لترتيب الحدود على أسبابها لأن ذلك من قبيل خطاب الوضع لا بالنسبة – أيضا – لأنه يجب عليه (1) تسليم نفسه لإقامة الحد والتمكين من ذلك لأنه
من قبيل خطاب التكليف قال (2) المصنف يعني تاج الدين السبكي ومن خطاب الوضـ كون الزنا سببا لوجوب الحد وذلك ثابت في حقهم، ولذلك رجم النبي - - اليهوديين (3)، ولا يحسن القول ببناء ذلك على تكليفهم بالفروع، فإنه كيف يقال بإسقاط الإثم عنهم فيما يعتقدون تحريمه لكفرهم؟ وهذا في الكتابي الذي يعتقد شرعا،
أما من لا يعتقد شيئا فيجري الخلاف في تعلق التحريم به في جميع المحرمات. وقد قال الأستاذ أبو إسحاق في أصوله: لا خلاف أن خطاب الزواجر من الزنا والقذف يتوجه عليهم (4) كما هو على المسلمين. ونص الشافعي على أن حد الزنا لا يسقط بالإسلام (ه). فانظر هذه المواضع وتأملها، ونزل كلام العلماء عليها، ولا يظنن الظان مخالفة ما ذكرنا لعبارات الأصوليين لأنهم إنما قالوا التكليف بالفروع فلا يرد خطاب الوضع عليهم (6).
(1) في أعليهم. (2) في أقال: مكرر.
(3) نص الحديث: عن عبد الله بن عمر - ا - أنه قال: إن اليهود جاءوا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فذكروا له أن رجلا منهم وامرأة زنيا، فقال لهم رسول الله - -: ما تجدون في التوراة في شأن الرجم؟ فقالوا: نفضحهم ويجلدون. قال عبد الله بن سلام: كذبتم، إن فيها الرجم، فأتوا بالتوراة فنشروها، فوضع أحدهم يده على آية الرجم فقرأ ما قبلها وما بعدها، فقال له عبدالله ابن سلام ارفع يدك، فرع يده، فإذا فيها آية الرجم، قالوا: صدق يا محمد، فيها آية الرجم، فأمر بهما رسول الله - فرجما، فرأيت الرجل يحنى على المرأة يقيها الحجارة. والربيع بين حبيب (الجامع الصحيح) باب في الرجم والحدود، حديث 607، ص 238، البخاري (صحيح البخاري) كتاب الحدود، باب أحكام أهل الذمة وإحصائهم إذا زنوا ورفعوا إلى الإمام، رقم الحديث 6841، ج 12 ص 172، واللفظ له، وأخرجه مسلم (صحيح مسلم، کتاب الحدود، باب رجم اليهود أهل الذمة في الزنا، رقم الحديث 1699، ج 11، ص 220)، وابن ماجة (سنن ابن ماجة) المعجم، الحدود، باب رجم اليهود واليهودية حديث 2558، ج 3، ص 228، وأبو داود (سنن أبي داود كتاب الحدود، باب في رجم اليهوديين، حديث 4446، ج 2 ص 356).
(تحفة
(4) في ب اليهم. (د) الشافعي (الأم) ج 1 ص 111، الزركشي (البحر المحيط) ج 2 ص 141، الهيثمي، ابن حجر المحتاج بحاشيتي الشرواني وابن قاسم العبادي) ج 11 ص 407. (6) هذا الكلام لابن السبكي. الإبهاج في شرح المنهاج) ج 1 ص 181، وانظر: ابن قاسم (الآيات البينات)
ج 1 ص 367 - 368. (1/123)
صفحة 124
***
فصول الأصول
***
صريح
قال ابن القاسم وما نقله عن الأستاذ إن كان بالنسبة لمجرد ترتيب الحد عن الزنا والقذف مثلا - فذاك، وإن كان بالنسبة للإثم عليهما خالف نفيه الخلاف (1) المتن من إجراء الخلاف في النواهي - أيضا -، وأما ما نقله عن الشافعي فهو المعتمد وإن كان له نص آخر بالسقوط، وأما ما ذكره في قضاء الصوم هو عندنا محتمل، ولكن أفتى شيخنا العلامة الشهاب الرملي (2) - رحمة الله عليه – بعدم الاستحباب أخذا من تعليل سقوط الوجوب بعد الإسلام بالترغيب في الإسلام، وما ذكره من وجوب إمساك بقية النهار لا يوافق مذهبنا يعني الشافعية، نعم هو مستحب كما يفهم من الروض وشرحه (3) وأما ما ذكره فيما إذا أسلم في آخر الوقت غير بعيد، وفيه كلام
في فروعنا، نعم لا يشترط عندنا إدراك قدر ركعة بل يكفي إدراك قدر تكبيرة. وأما ما ذكره في تفصيل (4) معاملاتهم واضح من حيث الإقدام ونحوه، أما مجرد ترتب آثارها عليها فهو خارج عن محل الخلاف، وكذا ما ذكره فيما لو طلق أو أعتق - أيضا - واضح من حيث ترتب الحرمة على الطلاق والعتق.
(د)
أما من حيث حصول الفرقة فهو خارج عن محل الخلاف كما يؤخذ ذلك مما سيأتي عن الشيخ الإمام وقد قال المصنف - أي تاج الدين ابن السبكي – في شرح المنهاج: وكشف الغطاء عن (5) ذلك أن الخطاب على قسمين: خطاب تكليف وخطاب وضع، فخطاب التكليف بالأمر والنهي وهو محل الخلاف، وليس كل تكليف - أيضا - بل ما لا يعلم اختصاصه بالمؤمنين أو ببعض المؤمنين (6)، وأما خطاب الوضع (1) كذا في النسخة وفي (الآيات البينات) ج 1 ص 368، وكأن هذه الكلمة زائدة إذ لا تفيد معنى في هذا الموضع. (2) الشهاب الرملي، محمد بن أحمد بن حمزة المصري من كبار الشافعية، ولد سنة 919 هـ - بالقاهرة، وولي إفتاء الشافعية، من مؤلفاته: نهاية المحتاج، وغاية البيان، وشرح العقود، توفي سنة 4 كحالة (معجم المؤلفين) ج 8 ص 255، الزركلي (الأعلام) ج 1 ص 235. (3) الروض وشرحه، مختصر الروضة في الفروع للنووي، وهو الشرف الدين إسماعيل ابن أبي بكر المعروف بابن المقري الشافعي توفي سنة 837 هـ، اختصره ابن حجر العسقلاني، ثم شرحه شرحا وافيا، وقد شرحه - أيضا - القاضي زكريا بن محمد الأنصاري، والشمس بن سولة، والسيوطي ويحيى بن محمد الكرماني. حاجي خليفة (كشف الظنون) ج 1 ص 919. (4) في ب تفضيل. (2) كذا في النسختين وفي الآيات البيانات) ج 1 ص 368، وفي (الإبهاج) في ذلك (ابن السبكي، الإبهاج في شرح المنهاج، ج 1 ص 179). (6) وقع - هنا - سقط في النسختين وفي الآيات البيانات) ج 1، ص 368، وتكملة الكلام: وإنما المراد العامة التي شمنهم لفظ هل يكون الكفر مانعا من تعلقها بهم أولا ابن السبكي الإبهاج في شرح المنهاج) ج 1 ص 179.
124 (1/124)
صفحة 125
125
***
فصول الأصول
***
(2)
فمنه ما يكون سببا لأمر أو نهي مثل كون الطلاق سببا لتحريم الزوجة (1)، فهذا من محل الخلاف - أيضا - ومن خطاب الوضع كون إتلافهم وجناياتهم سببا في الضمان، وكذا كون الطلاق سببا للفرقة، فإن الفرقة تثبت إذا قلنا بصحة أنكحتهم، ومن هذا القبيل الإرث والملك به وكذا صحة أنكحتهم إذا صدرت على الأوضاع الشرعية، والخلاف في ذلك لا وجه له. ومن خطاب الوضع ثبوت المال في ذممهم في الديون وفي الكفارات عند حصول أسبابها، ولا نزاع في ثبوت ذلك في حقهم " وقوله: إذا صدرت على الأوضاع الشرعية مقتضاة أنها لو لم تصدر عليها تكون من محل الخلاف. والصحيح عندنا (3) أنها محكوم بصحتها مع أن الصحيح عندنا أنهم مخاطبون بالفروع، وأما قوله: إنه إذا أسلم أقر على ما بيده من الربا (4) والغصوب فلا يوافق مذهبنا، أما ما بيده من مغضوب (5) من مسلم فلا يقر عليه، وكذا من ذمي بدرانا كما قاله بعضهم، وأما ما بيده من الربا فقد قال أئمتنا – يعني الشافعية – إن الذمي لو سلم الجزية أو دينا المسلم مما نعلم حرمته كثمن خمر، حرم قبوله منه (6). قال الزركشي (7): هو الموافق لقاعدة الشافعي في الأصول أن الكفار مكلفون
(1) وقع - هنا - سقط في النسختين، وتكملة الكلام: قال والدي - رحمه الله - ابن السبكي الإبهاج جا ص 189، وفي الآيات البينات قال والدي - أطال الله بقاءه - ابن قاسم الآيات البينات) ج 1 ص 368.
(2) ابن السبكي (الإبهاج) ج 1 ص 179 - 180.
(3) هذا كلام ابن القاسم (الآيات البينات) ج 1 ص 368 - 369.
(4) في ف الربوا.
(د) في أمغصوبا.
(6) ابن القاسم (الآيات البينات) ج 1 ص 368 - 369.
(7) الزركشي، محمد بن بهادر بن عبدالله الزركشي الشافعي، ولد في مصر سنة 745 هـ، تتلمد على جمال الدين الإسنوي وسراج الدين البلقيني وغيرهما، من مؤلفاته: البحر المحيط، والبرهان في علم القرآن، والازهية في أحكام الأدعية، توفى سنة 794 هـ، حاجي خليفة (كشف الظنون) ج 1 ص 226، ابن العماد (شذرات الذهب) ج 8 ص 572، الزركلي (الأعلام) ج 6 ص 286. (1/125)
صفحة 126
***
فصول الأصول
***
بالفروع خلافا لما أجاب به القفال (1) في فتاويه (2) من أنه يحل للمسلم تملك تلك الدراهم، قال: لأنهما (3) لو أسلما لحلت الدراهم له (4).
وهذا القياس بعد الإسلام لا يصح، لأن تقرير الذمي (5) على ثمن الخمر بعد الإسلام رخصة له كما يقر على النكاح الفاسد بعد الإسلام ترغيبا له في الإسلام بخلاف تقرره فيما قبل الإسلام ليس رخصة إلى آخره (6) أ هـ.
وقال في نكاح المشرك - من شرح المنهاج - قضية كلامهم – هنا – أن الكافر يملك ثمن الخمر الذي باعه، ولهذا لم نوجب عليه الرد لا في الكفر ولا بعد الاسلام وحينئذ فإذا كان المسلم عليه دين ودفع له ثمن ذلك وجب عليه قبوله، وبه أجاب القفال في فتاويه، لكن الرافعي (7) في باب الجزية قال: أصح القولين أنه لا يحبر على القبول بل لا يجوز، ويحتاج إلى الجمع بين الكلامين (8). أهـ.
قال المحلي (9): وقد يمنع (10) قضية كلامهم ما ذكره، فلا حاجة إلى الجمع، وهل محل ذلك إذا أخذ ثمن الخمر من غير مسلم ونحوه وإلا وجب الرد كما في
(1) القفال: أبو بكر محمد بن علي بن إسماعيل الفقيه الشافعي، رحل إلى خراسان والعراق والحجاز وغيرها، من مؤلفاته: حلية العلماء، والترغيب في المذهب، والعمدة، توفي سنة 336 هـ، وقيل غير ذلك، ابن خلكان وفيات الأعيان) ج 4 ص 200، ابن العماد (شذرات الذهب) ج 4 ص 345.
(2) كذا في النسختين ولعل الصواب فتاواه لأنها جمع فتوى.
(3) في ب أنه.
(4) بحثت عن هذا الكلام في البحر المحيط فلم أعثر عليه. الزركشي (البحر المحيط) ج 2 ص 124 - 150. (5) الذمي: رجل له عهد، والذمة: أهل العقد، وهم المعاهدون من أهل الكتاب ومن جرى مجراهم، ابن منظور (اللسان) باب الميم، فصل، الذال، ج 12 ص 221، أبو جيب سعدي (القاموس الفقهي) ص 138. (6) ابن قاسم (الآيات البينات) ج 1 ص 369. (7) الرافعي، عبدالكريم بن محمد بن عبدالكريم، أبو القاسم، من كبار الشافعية، من كتبه: العزيز في شرح الوجيز، وشرح مسند الشافعي، توفي سنة 623 هـ بقزوين، الكتبي فوات الوفيات) ج 2 ص 376، ابن العماد (شذرات الذهب) ج 7 ص 189. (8) كلام ابن السبكي، لم اجده في شرح المنهاج الإبهاج في شرح المنهاج ج 1 ص 177 – 186، وقد نقله المؤلف عن الآيات البينات. ابن قاسم الآيات البيانات) ج 1 ص 369.
-
(1) كذ في النسختين والصواب قال ابن قاسم، فإنه كلام ابن قاسم (الآيات البينات) ج 1 ص 369. (10) أن ساقطة، من النسختين، وهي مثبتة في الآيات البينات. ابن قاسم الآيات البينات) ج 1 ص 369.
126 (1/126)
صفحة 127
127
***
فصول الأصول
***
المغضوب؟ فيه نظر، والقياس أن يجري ما قيل في ثمن الخمر فيما إذا أخذ بالربا، وأما ما ذكره في بيع الوقف (1) ونحوه، فقضية مذهبنا أنا لا نتعرض لهم إلا إن ترافعوا إلينا في ذلك، أو كان الوقف على نحو مسجد أو يتيم فحينئذ نعاملهم بأحكام الإسلام.
انتهي (2) ما حكاه ابن القاسم في حاشيته على شرح جمع الجوامع (3)، وتحقيق مذهبنا جواز معاملة الكفار فيما كان بأيديهم مما اكتسبوه واستحلوه ديانة (4) وفاقا لمذهب القفال ومن تابعه، مع أن الصحيح عندنا أنهم مكلفون بالفروع كالأصول. وخلافا لأبي حامد الأسفراييني (5) وأكثر الحنفية في قولهم: ليسوا مكلفين بها مطلقا (6)، قالوا: لأن المأمورات منها لا يمكن مع الكفر فعلها، ولا يؤمرون بعد الإيمان بقضائها، والمنهيات محمولة عليها حذرا من تبعيض التكليف، وقال قوم: مكلفون بالنواهي فقط (7) لأنها تروك لا تتوقف على النية المتوقفة على الإيمان بخلاف الأوامر، وفي هذا تبعيض التكليف المحذور، ولأنه تخصيص بلا مخصص.
(1) وقف الأرض على المساكين، وقفا: حبسها، ووقفت الدابة والأرض وكل شيء، ابن منظور (اللسان) باب الفاء فصل الواو ج 9، ص 359، والوقف في الشرع: حبس مال يمكن الانتفاع به مع بقاء عينه بقطع التصرف في رقبته على مصرف مباح، النووي (المجموع شرح المهذب) ج 15 ص 322، أبو حبيب سعدي (القاموس الفقهي) ص 386. (2) في ب أهـ.
(3) ابن قاسم الآيات البينات) ج 1 ص 366 - 369. (4) انظر أحكام الكفار في، السالمي (مشارق أنور العقول) ج 2 ص 318، القطب محمد بن يوسف (كشف الكرب) ج 1 ص 145.
(5) أبو حامد الإسفراييني، أحمد ابن أبي طاهر محمد بن احمد الإسفراييني الفقيه الشافعي، ولد سنة 344 هـ، من مؤلفاته: التعليقة الكبرى وكتاب البستان توفي سنة 406 هـ، ببغداد، ابن خلكان (وفيات الأعيان)
ج 1 ص 72، ابن السبكي (طبقات الشافعية) ج 4 ص 61، الزركلي (الأعلام) ج 1 ص 211. (6) أبو المظفر (قواطع الأدلة) ج 1 ص 171، السرخسي (أصول السرخسي) ج 1 ص 73، ابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 1 ص 212، الزركشي (البحر المحيط) ج 2 ص 127، أمير باد شاة (تيسير التحرير) ج 2 ص 148. (7) حكاه النووي في التحقيق عن بعض أصحابه الشافعية، ونقله صاحب اللباب من الحنفية عن أبي حنيفة وعامة أصحابه الزركشي (البحر المحيط) ج 2 ص 130، وحكاه الفخر الرازي، الفخر الرازي (المحصول بشرح النفائس) ج 4 ص 157، وابن المرتضى (منهاج الوصول إلى معيار العقول) ص 258. (1/127)
صفحة 128
***
فصول الأصول
***
وقال آخرون: هم غير مكلفين إلا لمرتد فتكليفه مستمر بتكليف الإسلام (1) قال بعضهم: واعلم ان الخلاف في خطاب التكليف من الإيجاب والتحريم في ما يرجع إلى التكليف من خطاب الوض ككون الطلاق سببا لحرمة الزوجة (2)، فالخصم يخالف في سببيته لا مالا يرجع إليه كالاتلاف للمال والجنايات في الأنفس فما دونها (3).
قال المحلي من حيث إنها أسباب للضمان (4)، أي: لشغل الذمة فقط وترتب آثار العقود الصحيحة كملك المبيع وثبوت النسب والعوض في الذمة، فالكافر في ذلك كالمسلم اتفاقا (ه)، قلت: وهذا الفرق في غاية الأشكال، فإن إتلاف المال لما كان سببا لشغل الذمة كان سببا لوجوب. الضمان وتبرئة الذمة، كما كان الطلاق سببا لحرمة الزوجة، وصحة العقد كذلك سببا لجواز ملك المبيع، فهذه الأمور راجعة - أيضا - إلى خطاب التكليف بذلك الاعتبار فما الفارق؟ تأمل (6) انتهى، والله أعلم.
(1) حكاه القاضي عبدالوهاب في الملخص والطرطوشي في العمد، الزركشي (البحر المحيط) ج 2 ص 131.
(2) في ب الزوجية.
(3) قائل ذلك ابن السبيكي (جمع الجوامع) ج 1 ص 212 – 212. (4) ضمنت الشيء ضمانا: كفلت به والضامن: الغارم أو الكفيل أو الملتزم، الجوهري (الصحاح) باب النون فصل الضاد، ج 2، ص 2155، إبراهيم أنيس (المعجم الوسيط) باب الضاد، ج 1 ص 565.
(د) المحلي (شرح المحلي على جمع الجوامع) ج 1 ص 213. (6) قول المؤلف: قلت وهذا الفرق، تأمل هذا معنى كلام ابن قاسم فقد قال: وأقول قد يستشكل بأن الإتلاف إلى خطاب التكليف، فلم يصح هذا النفي إلا أن يجاب بما أشار إلى التقييد به بقوله: من حيث إنها أسباب للضمان أي لشغل الذمة، وفيه نظر لاستلزامه موافقة الخصم على سببية الإتلاف لشغل الذمة، ومخالفته في سببيته لوجوب أداء ما لزم الذمة، وهو أبعد البعيد إن لم يكن غير معقول، لأن حاصله التزام، وعدم وجوب أداء ما لزمها، وإن التزم الاتفاق على سبية الإتلاف لكل من شغل الذمة الأداء أشكل بالاختلاف في سببة الطلاق للتحريم، كان التحريم هناك نظير الأداء - هنا فليتأمل، ابن قاسم الآيات البينات) ج 1 ص 372.
شغل
الذمة
ووجوب
وجوب
128 (1/128)
صفحة 129
129
***
فصول الأصول
***
قال جمهور
الفصل العاشر
لا تكليف إلا بفعل
العلماء: لا يكون التكليف إلا بفعل (1): وذلك أما في الأمر فظاهر،
وأما في النواهي المقتضية للتروك فلأن التروك أفعال على الصحيح. قال في جمع الجوامع وشرحه: فالمكلف به في النهي الكف، أي: الانتهاء عن المنهي عنه وفاقا للشيخ الإمام يعني والده وذلك فعل يحصل بفعل الضد للمنهي عنه، وقيل: هو فعل الضد للمنهي عنه.
وقال أبو هاشم: هو غير فعل، وهو الانتفاء للمنهي. عنه، وذلك مقدور للمكلف بأن لا يشاء فعله الذي يوجد بمشيئته، فإذا قيل: لا تتحرك، فالمطلوب منه على الأول الانتهاء عن التحرك الحاصل بفعل ضده من السكون، وعلى الثاني فعل ضده، وعلى الثالث انتقاؤه بأن يستمر عدمه من السكون فيه يخرج عن عهدة النهي عن الجميع (2)، وقوله: ذلك فعل يحصل بفعل الضد، قال العلامة ابن القاسم: فيه أمران: الأول أنه وإن كان فعلا إلا أنه من الأفعال الاعتبارية التي لا تحقق لها في الخارج، فيكون عدميا فكيف كلف به مع أنه غير مقدور لأن العدمي غير (3) مقدور، فإن أجيب بأنه مقدور باعتبار حصوله بفعل الضد المقدور، قلت: فلا حاجة إلى العدول في المكلف به في النهي عما يتبادر من كونه النفي إلى كونه الانتهاء، بل يمكنه التزام كونه النفي لأنه مقدور باعتبار ما يتحقق به من الضد المقدور، قلت: فلا حاجة إلى العدول في المكلف به في النهي عما يتبادر من كونه النفي إلى كونه الانتهاء، بل يمكنه التزام كونه النفي لأنه مقدور باعتبار ما يتحقق من الضد فليتأمل، والثاني أنه قد يخفى المراد حصوله بفعل الضد، فإن المنهي عن شرب الخمر حتى حصل به الانتهاء عن شربه فإنه لم يحصل - هنا - إلا انتفاء الشرب، ولم يوجد – هنا – أمر وجودي مضاد للشرب حتى يتحقق وجود ضد يحصل اللهم إلا أن يراد بالضد ما يشمل النقيض الذي هو النفي فليتأمل كلامه أهـ (4) (5).
(1) ابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 1 ص 213،، العضد (شرح العضد على مختصر المنتهي الأصولي بحاشيتي التفتازاي والجرجاني) ج 2 ص 12، ابن النجار (شرح الكوكب المنير) ج 1 ص 490. أمير باد شاه (تيسير التحرير) ج 2 ص 135، عبدالعلي الأنصاري (فواتح الرحموت) ج 1 ص 122. (2) ابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 1 ص 213 - 216، الزركشي (البحر المحيط) ج 3 ص 375.
(3) غير في ب ساقطة.
(4) في ب انتهى، ولا فرق بينهما.
(د) ابن قاسم (الآيات البينات) ج 1 ص 374. (1/129)
صفحة 130
***
فصول الأصول
***
والصحيح أن متعلق النهي هو الترك للمنهي الترك للمنهي عنه، وأن التروك أفعال لأنها من تأثيرات القلب في الجوارح.
والأمر عند الجمهور يتعلق بالفعل قبل المباشرة له بعد دخول وقته تعلق إلزام (1)
وقبله تعلق إعلام (2) والأكثر على أنه يستمر تعلقه الإلزامي به حال المباشرة له. وقال إمام الحرمين والغزالي: ينقطع التعلق حال المباشرة، والإلزام طلب تحصيل الحاصل، ولا فائدة في طلبه، وأجيب بأن الفعل كالصلاة إنما يحصل (3) بالفراغ منه لا قبل لانتفائه بانتفاء جزء منه وقال قوم منهم الفخر الرازي: لا يتوجه الأمر بأن يتعلق بالفعل إلزاما إلا عند
المباشرة له (ه).
(4)
قال ابن السبكي: وهو التحقيق، أي: لأنه لا قدرة عليه إلا حينئذ، وما قيل من أنه يلزم عدم العصيان بتركه فجوا به أن اللوم والذم قبل المباشرة إنما هو على التلبس بالكف عن الفعل، وذلك الكف منهي عنه، لأن الأمر بالشيء يفيد النهي عن تركه (6)، والله أعلم).
(1) في ب التزام. (2) الغزالي (المستصفي) ج 2 ص 15، ابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 1 ص 217، الزركشي (البحر المحيط) ج 2 ص 151، العضد (شرح العضد على مختصر المنتهي الأصولي) ج 2 ص 14. (3) في ب أنها تحصل. (4) الجويني (البرهان) ج 1 ص 186 - 188، الغزالي (المنخول) ص 123، ونسبه العضد (شرح العضد على مختصر المنتهى) ج 2 ص 14، وعبد العلي الأنصاري (فواتح الرحموت) ج 1 ص 132، إلى أكثر المعتزلة. (5) الفخر الرازي (المحصول) ج 2 ص 271. (6) ابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 1 ص 217 - 218.
(7) في ب انتهى.
130 (1/130)
صفحة 131
131
***
فصول الأصول
***
الفصل الحادي عشر
يصح التكليف ويوجد معلوما
يصح التكليف ويوجد معلوما للمأمور بعد الأمر له به الدال على التكليف ولو مع علم الآمر، وكذا (1) المأمور بانتفاء وقوع ذلك الفعل به في وقته في الأظهر، وذلك كأن يؤمر رجل بصوم يوم وقد علم الأمر أن المأمور يموت قبل ذلك اليوم، وكذا (2) إن علم المأمور ذلك – أيضا – بتوقيت من الآمر فإنه علم بذلك أن شرط وقوع الصوم منتف، وهو وجود الحياة والتمييز عند الوقت (3).
وقالت المعتزلة ووافقهم إمام الحرمين: لا يصح التكليف مع ما ذكره لانتفاء فائدته من الطاعة أو العصيان بالفعل أو الترك، وأجيب بوجودها بالعزم على الفعل أو الترك، وقالوا: المأمور بشيء لا يعلم أنه مأمور به ومكلف به عقب سماعه للآمر به لأنه قد (4) لا يتمكن من فعله لموت قبل وقته، أو عجز عنه، وأجيب بأن الأصل عدم ذلك، وبتقدير وجوده ينقطع تعلق الأمر الدال على التكليف كالوكيل (5) في البيع غدا إذا مات أو عزل قبل الغد ينقطع التوكيل (6).
وأما مسألة علم المأمور فقد حكى الآمدي وغيره الاتفاق فيها على عدم صحة التكليف لانتفاء فائدته الموجودة حال الجهل بالعزم، وقال بعض المتأخرين بوجودها بالعزم على تقدير وجود الشرط قال كما يعزم المجبوب في التوبة من الزنا على أن
(1) في 'ب' وكذلك. (2) في 'ب' وكذلك.
ج 2 ص 16،
(3) الآمدي (الإحكام) ج 1 ص 204، ابن الحاجب (مختصر المنتهي الأصولي بشرح العضد) الماتريدي أبو الثناء كتاب في أصول الفقه ص 103، الطوفي (شرح مختصر الروضة) ج 1 ص 236، ابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 1 ص 218، أمير باد شاه (تيسير التحرير) ج 2 ص 240.
(4) قد ساقطة من "ب".
(5) وكل إليه وكلا ووكولا: سلمه وفوضه إليه واكتفى به. الجوهري (الصحاح) باب اللام، فصل الواو، جه، ص 1844، إبراهيم أنيس (المعجم الوسيط) باب الواو، ج 2 ص 1097. والوكالة في الشرع: إقامة الإنسان غيره مقام نفسه في تصرف جائز معلوم أو عقد ضمان بين الوكيل وموكله فيما جاز للموكل نزعه منه لأن تصرفه بيده النسفي (طلبة الطلبة) ص 484، القطب (شرح كتاب النيل) ج 9 ص 496، الزحيلي وهبة (الفقه الإسلامي وأدلته ج ه ص 72. (1) أبو الحسن (المعتمد) ج 1 ص 139، الجويني (البرهان) ج 1 ص 197 - 198، وانظر المراجع السابقة. (1/131)
صفحة 132
***
فصول الأصول
***
صحته
لا يعود إليه بقتدير القدرة عليه، فيصح التكليف عنده (1) واستظهر السبكي مستندا في ذلك كما أشار إليه في شرح مختصر ابن الحاجب إلى مسألة من علمت بالعادة أو بقول نبي أنها تحيض في أثناء يوم معين من رمضان هل يجب عليها ذلك اليوم بالصوم (2)؟ قال الغزالي: أما عند المعتزلة فلا يجب لأن صوم بعض اليوم غير مأمور به. وأما عندنا فالأظهر وجوبه (3) لأن الميسور لا يسقط بالمعسور (4)، قال الجلال المحلي ووجه الاستناد إلى هذه المسألة أنها كلفت بالصوم مع علمها انتفاء شرطه من النقاء عن (5) الحيض جميعا النهار قال: وهذا مندفع، فإن المكلف به إنما هو صوم بعض اليوم الخالي عن الحيض، والنقاء عنه جميع النهار شرط لصوم جميعه لا بعضه – أيضا – وكذا ما قبله مندفع فإنه لا يتحقق العزم على مالا يوجد شرطه بتقدير وجوده ولا عدم العود إلى مالا قدرة عليه بتقديرها، فالصواب ما حكوه من الاتفاق على عدم الصحة - يعنى المعتزلة وإمام الحرمين - انتهى (6) كلام الجلال، وهو موافق لمذهب المعتزلة كما رأيت (7). وقد ذكر الكمال - هنا - ما يتضح به الحال فقال: والحق أن موضع النزاع في هذه المسألة هو أن الأمر المشروط بشرط هل يتصور في حق الله تعالى، قال: ولقد أحسن صاحب تنقيح المحصول (8) (9) تقرير ذلك ملخصا كلام المستصفى (10) فقال بعد ذكر
(1) الآمدي (الإحكام) ج 1 ص 204. (2) بالصوم ساقطة من 'ب'. (3) في 'ب' وجوده.
(4) الغزالي (المستصفى) ج 2 ص 22، ابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 1 ص 219 - 220،
الزركشي (البحر المحيط) ج 2 ص 95.
(ه) في 'ب' من.
(6) في' ب أهـ.
(2) المحلي (شرح المحلي على جمع الجوامع) ج 1 ص 220.
(8) هو العلامة أبو العباس أحمد بن إدريس القرافي، وقد سبقت ترجمته ص 17 من الكتاب. (9) تنقيح المحصول، اسم الكتاب: تنقيح الفصول في اختصار المحصول، اختصر فيه المحصول للفخر الرازي، وجعله مقدمة لكتابه المعروف بالذخيرة في الفقه، ثم وضع له شرحا عونا للقارئ على فهمه (طه
عبدالرؤوف، مقدمة لشرح تنقيح الفصول، ز).
(10) الغزالي (المستصفي) ج 2 ص 22 - 23.
132 (1/132)
صفحة 133
133
***
فصول الأصول
***
ما قدمناه من الخلاف بين أصحابنا وبين الإمام والمعتزلة قال وحقيقة هذا الخلاف ترجع إلى التنازع في حقيقة الأمر بالشرط في حق الله تعالى، وقد أجمعوا على تصوره في حق الشاهد، لكن اعتقدت المعتزلة أن المصحح له جهل الآمر بعاقبة الشرط، ولما لم يتصور ذلك في حق الله تعالى قالوا: من علم الله تعالى منه أنه يدرك زمان التمكن فهو المأمور ولا شرط، إذ من شرط الشرط، أن يكون ممكنا فالواجب والممتنع لا يكون شرطا، ومن لا فلا، فإن التمكن شرط وقد علم الله انتفاءه، فإذا حيث علم الله التمكن فلا شرط، وحيث علم عدم التمكن فلا أمر، فثبوت الأمر بالشرط في حق الله تعالى محال، فالمكلف إذا توجه عليه الأمر بحكم ظاهر البقاء لا يدري أنه يبقى فيكون مأمورا، أو فلا يكون مأمورا فلا يتحقق الأمر إلا بعد التمكن. وقالت الأشاعرة: الأمر قائم بذات الآمر قبل تحقق الشرط متعلقا بالمأمور (1) والمأمور به، فإن لم يوجد الشرط لم يتبين عدم الأمر بل عدم اللزوم والنفوذ، إذ الشرط ليس شرطا لقيام الأمر بل لنفوذه بمثابة وصف المتعلق، والمعتبر فيه جهل المأمور بحصول الشرط وعدمه لا جهل الأمر (2)، فإن السيد قد يقول لعبده: صم غدا، مع العلم بأنه يبيعه قبل الغد يمتحن به طاعته، وكذلك قد يوكل فيما يعلم (3) زوال ملكه عنه قبل إمكان الامتثال، ويكون آمرا على التحقيق وموكلا حتى يعقل فيها النسخ والعزل، ثم أحال تمام تقرير المسألة على مسألة النسخ قبل التمكن من الفعل هذا ما ذكره الكمال (4). ولا نطيل بالاعتراضات على هذه الاحتجاجات، والصواب ما تقدم عن المعتزلة والإمام والله أعلم، وأما التكليف بشيء مع جهل الآمر بانتفاء شرط وقوعه عند وقته بأن يكون الأمر غير الشارع كأمر السيد عبده (5) بخياطة ثوب غدا فمتفق على صحته ووجوده، والله تعالى أعلم (6) (7).
(1) في المأمور.
(6 () 7)
(3)
(2) هذا تقرير العلامة التبريزي كما صرح به القرافي. القرافي (نقاش) الأصول في شرح المحصول) ج 4
ص 1654) ولم أجد هذا في التنقيح.
(3) في 'ب' بعلم.
(4) ابن قاسم (الآيات البينات) ج 1 ص 381 - 382.
(ه) في 'ب' عبدا.
(6) تعالى: ساطقة من 'ب'.
(7) الرازي (المحصول) ج 2 ص 275، ابن الحاجب (مختصر المنتهي بشرح العضد) ج 2 ص 16، ابن السبكي (جمع الجوامع بشرح (المحلي) ج 1 ص 221، الأسنوي زوائد) (الأصول ص 181، ابن عبدالشکور (مسلم الثبوت بشرح الفواتح ج 1 ص 151. (1/133)
صفحة 134
***
فصول الأصول
***
الفصل الثاني عشر
في تعلق الحكم بأمرين فأكثر
الحكم قد يتعلق بأمرين أو أمور لكن تارة يكون على الترتيب فيحرم الجمع بينهما أو بينها، وذلك كاكل المذكى (1) والميتة (2)، فإن كلا منهما حكمه إباحة الأكل، لكن إباحة الميتة عند العجز عن غيرها الذي من جملته المذكى، فيحرم الجمع بينهما لحرمة الميتة حيث قدر على غيرها، وتارة يباح الجمع وذلك كالوضوء والتيمم فإنهما جائزان، لكن جواز التيمم عند العجز عن الوضوء، وقد يباح الجمع بينهما كأن (3) تيمم لخوف بطء البرء من الوضوء قم بدا له أن يتحمل مشقة بطء البرء فتوضأ ولو كان بطل تيممه بوضوئه لانتفاء فائدته، قلت: في هذا نظر؛ لأن المباح أو لا التيمم للضرورة بقصد الانفراد، فإذا رأى من نفسه القدرة على تحمل تلك المشقة التي هي عدم البرء أو بطؤه وجب الوضوء حينئذ استقلالا، لأنه الأصل، فلا جمع بينهما، وقد اختلفنا حكما - أيضا - فحكم الوضوء الوجوب وحكم التيمم الجواز، أعني إذا كان يمكنه استعمال الماء في الوضوء لكن مع مشقة لتأخر البرء جاز له النزول من الأصعب الذي هو الوضوء إلى الأسهل الذي هو التيمم.
أما إذا خاف تلف النفس، أو بطلان جارحة أو بطلان نفعها، فهذا حينئذ يكون التيمم فرضا واجبا في حقه من أول مرة، فلا يتصور اجتماعهما مع تساوي الحكم، هذا تحقيق المقام، والله ولي الفضل والإنعام.
قال ابن السبكي: وتارة يسن الجمع بينهما أو بينها، وذلك كخصال كفارة الوقاع في رمضان، فإن كلا منهما واجب لكن وجوب الإطعام عند العجز عن الصيام ووجوب الصيام عند العجز عن الاعتاق قال (4). فيسن الجمع بينها كما قال في المحصول (5) فينوي بالكل الكفارة وإن سقطت بالأولى، كما ينوي بالصلاة
(1) المذكى: المذبوح. ابن منظور (اللسان) باب الواو فصل الذال، ج 14 ص 288، أبو حبيب سعدي
(القاموس الفقهي) ص 137.
(2) في "أ" المبتة.
(3) في "ب" كان من غير همزة. (4) في "أ" قالوا.
(د) الفخر الرازي (المحصول) ج 2 ص 169.
134 (1/134)
صفحة 135
135
***
فصول الأصول
***
المعادة الفرص وإن كان قد سقط الفرضبالفعل الأول (1) قلت: والحق أن الفرض هو الأول ما لم يتحقق فساده، فإن أتى بالبدل احتياطا فذلك البدل نقل لا واجب، فاختلف الحكم، وكذلك في خصال الكفارة على سواء، والله تعالى (2) أعلم، وبه
العون والتوفيق (3).
(1) ابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 1 ص 221. (2) تعالى ساقطة. من 'ب'.
(3) انظر المسألة في المرجعين السابقين وفي: ابن قاسم (الآيات البينات) ج 1 ص 383، العطار حسن (حاشية
العطار على جمع الجوامع) ج 1 ص 287. (1/135)
صفحة 136
***
فصول الأصول
***
الكتاب الأول
في الكتاب ومباحثه
الكتاب في اللغة اسم لك مكتوب (1)، والمراد به في عرف أهل الشرع كتاب الله تعالى، وهو القرآن العظيم غلب عليه من بين سائر الكتب، كما غلب إطلاق لفظ الكتاب عند النحاة على كتاب سيبويه.
والمراد في عرف أهل الأصول: النظم المنزل على نبينا محمد - - للإعجاز المنقول عنه بالتواتر المحتج بأبعاضه (2)، فخرج بلفظ القرآن الأحاديث الربانية (3) فإنها منزلة وليست قرآنا، وبقولنا: على محمد التوراة والإنجيل - مثلا- فإنها منزلة منقولة تواتر ا (4) لكنها نزلت على غير محمد - ه - وبقولنا: المنزل للأحاديث الغير (5) الربانية فإنها قد تنقل تواترا عنه - صلى الله عليه وسلم - لكونها غير منزلة أهـ (6).
(1) ابن منظور (لسان العرب باب الباء فصل الكاف، ج 1 ص 698، إبراهيم أنيس، المعجم الوسيط، باب الكاف، ج 2 ص 0806
(2) وعرفه الإمام السالمي بنحو هذا التعريف حيث قال في منظومته:
أما الكتاب فهو نظم نزلا: على نبينا وعنه نقلا تواترا وكان في إنزاله: إعجاز من ناواه في أحواله.
ويبين انه اختار لفظة نظم بدل اللفظ لما في النظم من معنى الحسن ولما في أصل اللفظ من معنى الطرح السالمي (شرح طلعة الشمس) ج 1 ص 27، وللعلماء تعريفات متقاربة تتفق كلها في أن القرآن 1 - كلام الله 2 - منزل على رسول الله محمد - - المنقول عنه نقلا متواترا بلا شبهة. البخاري (المغني في أصول الفقه) ص 185. ومنها: القرآن المنزل على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المكتوب في المصاحف المنقول عن النبي - صلى الله عليه وسلم - نقلا متواترا بلا شبهة. البخاري علاء الدين (كشف الأسرار) ج 1 ص 67. ومنها: اللفظ المنزل على محمد - - للإعجاز بسورة منه، المتعبد بتلاوته. ابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 1 ص 223. ومنها الكلام المنزل على الرسول - ع - المكتوب في المصاحف المنقول الينا نقلا متواترا. الشوكاني (ارشاد الفحول) ص 29.
(3) الربانية: أي القدسية منسوبة الى الرب تعالى على الاعتبار ان اللفظ من عند الله تعالى وقد تبع المؤلف في التعبير بالربانية بدل القدسية الجلال المحلي (شرح) المحلي بحاشية الآيات البينات) ج 1 ص 390. (4) كيف يتصور نقلهما تواترا فانهما حرفا بعد عيسى وموسى عليهما السلام ونسخا بشريعة نبينا محمد – (د) دخول الكلام غير من الاخطاء الشائعة.
(6) في ب انتهى.
136 (1/136)
صفحة 137
137
***
فصول الأصول
***
و من القرآن البسملة أول كل سورة غير براءة على الصحيح (1) لأنها مكتوبة كذلك بخيط السور في مصاحف الصحابة مع مبالغتهم في أن لا يكتب في مصاحفهم ما ليس قرآنا مما يتعلق به حتى النقط والشكل.
(1) اختلف العلماء في البسملة هل هي آية من سورة الفاتحة ومن كل سورة أما لا؟ - على أنهم أجمعوا أنها جزء آية من سورة النمل في قوله تعالى: إنهمن سلمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم (القرآن الكريم، سورة النمل - آية رقم (20) - فذهب إلى أنها آية من كل سورة صدرت بها من علماء السلف من أهل مكة فقاؤهم وقراؤهم، منهم ابن كثير، وأهل الكوفة منهم القارئان المشهوران عاصم والكسائي، وعزي إلى علي ابن أبي طالب وابن عباس وابن عمر وأبي هريرة من الصحابة، وإلى سعيد بن جبير وعطاء والزهري وابن المبارك من التابعين، وهو مذهب الإباضية قاطبة، ومذهب الشافعي في الجديد وعليه أصحابه و نسب إلى الثوري وأحمد في أحد قوليه، وعليه الإمامية.
وذهب جماعة إلى أنها آية مفردة أنزلت للفصل بين السور، وليست من الفاتحة ولا من غيرها ما عدى سورة النمل، وهو الذي عليه مالك وغيره من علماء المدينة، والأوزاعي وجماعة من علماء الشام، ويعقوب من قراء البصرة، وعليه الحنفية. وذهب فريق آخر إلى أنها آية مفردة أنزلت للفصل بين السور، وليست من الفاتحة ولا من غيرها ما عدى سورة النمل، وهو الذي عليه مالك وغيره من علماء المدينة، والأوزاعي وجماعة من علماء الشام، ويعقوب من قراء البصرة، وعليه الحنفية.
وذهب فريق آخر إلى أنها ليست آية مطلقا من هذه السور، ولم تنزل للفصل بينها، وإنما هي جزء من آية من سورة النمل،، ونسب هذا إلى أبن مسعود، وهو رأي لبعض الحنفية.
وقال حمزة من قراء الكوفة إنها آية من الفاتحة دون غيرها، وهو رواية عن أحمد. ومن أهم ما استدل به أصحاب القول الأول: أنها كتبت في صدر كل سورة إلا التوبة بإجماع الصحابة والكتابة حجة معتبرة في جميع شعوب العالم والمدنية في العصر الحديث، وقد كانت كتابتها في مصحف الإمام الذي وزعت نسخة في الأمصار بأمر الحنفية الثالث، وعلى مسمع ومرأى من سادات المهاجرين والأنصار، ولم ينكر ذلك أحد منهم، وهم أحذر الناس عن إضافة أي شيء في القرآن مما ليس منه وتوالت من بعدهم الأجيال من غير إنكار على ذلك.
ومن أهم ما يستدل به أرباب القول الثاني: حديث أبي هريرة عند الربيع بن حبيب وأحمد ومسلم وأبي داود والترمذي والنسائي قال: قال رسول الله - - قال الله - و -: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، ولعبدي ما سأل: فإذا قال العبد الحمد لله رب العالمين، قال الله تعالى: حمدني عبدي الخ الحديث ووجه الاستدلال بالحديث عدم ذكر البسملة، فلو كانت من الفاتحة لذكرت في الحديث، الخليلي أحمد بن حمد (جواهر (التفسير) ج 1 ص 173، نقلا عنه مع بعض التصرف.
وانظر: ابن عطية (المحرز الوجير في تفسير الكتاب العزير) ج 1 ص 61، الجصاص (أحكام القرآن) ج 1 ص 8، الطيرسي (مجمع البيان) ج 1 ص 89، الزمخشري الكشاف بحاشية الجرجاني) ج 1 ص 24 - 25، القرطبي (الجامع لأحكام القرآن ج 1 ص 92، ابن الجوزي (زاد المسير) ج 1 ص 756، الزركشي (البحر المحيط) ج 2 ص 216، ابن عاشور التحرير والتنوير) ج 1 ص 138، رشيد رضا (تفسير المنار) ج 1 ص 84، الرواحي ناصر بن سالم نثار الجوهر) ج 1 ص 436.
، (1/137)
صفحة 138
***
فصول الأصول
***
وقال الباقلاني وغيره: ليست من القرآن، وإنما هي في الفاتحة لابتداء الكتاب على عادة (1) الله في كتبه، ولذلك سن لنا ابتداء الكتب بها، وأما في غير الفاتحة فللفصل بين السور. قال ابن عباس - -: كان رسول الله - - لا يعرف فصل السورة حتى تنزل عليه بسم الله الرحمن الرحيم رواه أبو داود (2) (3) غيره، وهي منه في أثناء سورة النمل إجماعا، وليست منه أول براءة لنزولها بالقتال الذي لا تناسبه البسملة المناسبة للرحمة والرفق.
وأما ما نقل آحادا فليس بقرآن، ولا يعطى حكمه على الأصح كأيمانهما في قراءة والسارق والسارقة فاقطعوا أيمانهما (4)، وكمتتابعات في قراءة ثلاثة أيام متتابعات (5)، لأن القرآن لإعجازه الناس عن الإتيان بمثل أقصر سورة منه تتوفر الدواعي على نقله تواترا. وقال بعض: إنه من القرآن حملا على أنه كان متواترا في العصر الأول لعدالة يعني أن عدالة الناقل تقتضي أن لا ينقل على وجه القرآنية إلا ما ثبتت قرآنيته؛ لأن نقل مالم تثبت قرآنيته معصية لا تناسب العدالة فلولا أنه ثبت عنده تواتره ما نقله.
ناقله (6).
(1) في هذا التعبير نظر إذ ليس الله تعالى عادة يعتادها في مخلوقاته. وإنما يوصف المخلوق بالعادة فحسب دون الخالق. (2) رواه أبو داود (سنن أبي داود کتاب الصلاة، باب من جهر بها، أي: بسم الله الرحمن الرحيم، حديث 788، ج 1 ص 193) حديث ضعيف. الألباني ضعيف سنن أبي داود) ص 78. (3) أبو داود، سليمان بن الأشعث بن إسحاق الأزدي السجستاني، ولد سنة 202 هـ كنيته أبو داود، من أئمة الحديث، أصله من سجستان، من مؤلفاته السنن، والمراسيل، وكتاب الزهد، توفي بالبصرة سنة 275 هـ، ابن العماد (شذرات الذهب ج 3 ص 313، الزركلي (الأعلام) ج 3 ص 122 (4) هي قراءة ابن مسعود الفخر الرازي (التفسير الكبير) ج 11 ص 179، أبو حيان (البحر المحيط) ج 4 ص 254. (5) قراءة أبي بن كعب وابن مسعود والنخعي، الفخر الرازي (التفسير الكبير) ج 12 ص 65، أبو حيان (البحر المحيط) ج 4 ص 355.
وهذا مذهب الحنفية السرخسي (أصول السرخسي) ج 1 ص 281، الأنصاري عبدالعلي (فواتح الرحموت) ج 2 ص 16، والحنابلة، ابن بدران عبدالقادر بن أحمد (نزهة الخاطر العاطر شرح روضة الناظر) جا ص 149، ابن النجار (شرح الكوكب المنير) ج 2 ص 138، وابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 1 ص 231 - 232، إلى أنه ليس بحجة، وهو مذهب ابن الحاجب (مختصر المنتهي الأصولي بشرح العضد) ج 2 ص 21، وحكاه ابن السبكي عن بعض أصحابه (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 1 ص 232 (6) قال ابن النجار: رواه ابن وهب عن مالك، واختاره ابن الجوزي والشيخ تقي الدين وبعض الشافعية، ابن النجار (شرح الكوكب المنير) ج 2 ص 136. وانظر: ابن الجزري محمد بن محمد (النشر في القراءات
العشر) ج 1 ص 14.
138 (1/138)
صفحة 139
139
***
فصول الأصول
***
قلنا: من ثبت عنده تواتره ثبتت قرآنيته في حقه، ولا يتعداه الحكم إلى غيره، وإنما يجب العمل بمقتضى الآحاد لأنه ظني الدلالة، فهو بمنزلة خبر الآحاد يؤخذ به في العمليات الظنيات (1) فقط.
والقراءات السبع المعروفة للقراء السبعة متواترة إجماعا وهم أبو عمرو) (2)، ونافع (3)، وابن كثير) (4)، وابن عامر (ه)، وعاصم (6)، وحمزة (7)،
والكسائي (8).
(1) الظنيات ساقطة من ب.
(2) أبو عمرو، زبان بن العلاء بن عمار، أو العريان بن عبد الله بن الحصين المازني إمام البصرة ومقرؤها، كان أعلم الناس بالقرآن والعربية عدلا زاهدا، ولد بمكة سنة 68 هـ وقيل سنة 69 هـ أيام عبدالملك بن مروان ونشأ بالبصرة وتوفي بالكوفة سنة 154 هـ وقيل سنة 157 هـ (ابن الجزري، النشر في القراءات العشر) ج 14 ص 134، ابن الجزري غاية النهاية) ج 2 ص 330.
(3) نافع: هو نافع بن عبدالرحمن ابن أبي نعيم، إمام دار الهجرة، كنيته أبو ريم أو أبو الحسن، أصله من أصبهان، كان فصيحا عالما بالقراءات ووجوهها، ولد سنة 70 هـ وتوفي سنة 169 هـ ابن الجزري، النشر في القراءات العشر ج 1 ص 99، ابن الجزري، غاية النهاية ج 2 ص 330، ابن مهران أحمد بن الحسين الغاية في القراءات العشر) ص 41. (4) ابن كثير، عبدالله بن كثير بن عمرو الداري المكي، كنيته أبو معبد، ولد سنة 45 هـ بمكة، شيخ مكة وإمامها في القراءة، كانت حرفته العطارة، وهو فارسي الأصل، من كتبه: البداية والنهاية، وتفسير القرآن المشهور بتفسير ابن كثير، توفي سنة 120 هـ بمكة، ابن خلكان (وفيات الأعيان) ج 3 ص 41، ابن الجزري (النشر) ج 1 ص 115، الزركلي (الأعلام) ج 4 ص 115. (5) ابن عامر، هو أبو عمران عبدالله بن عامر بن يزيد اليحقبي، إمام وقاضي أهل الشام، كان تابعيا إماما بالجامع الأموي زمن الخليفة عمر بن عبد العزيز، جمع بين الإمامة والقضاء ومشيخة الإقراء بدمشق، ولد سنة 21 وقيل سنة 28 هـ، وتوفي سنة 118 هـ، ابن الجزري، النشر، ج 1، ص 135، ابن الجزري غاية النهاية ج 1 ص 423، ابن مهران الغاية في القراءات العشر ص 71). (6) عاصم: هو عاصم ابن أبي النجود، إمام أهل الكوفة وقارؤها، يكنى أبا بكر، أسدي بالولاء، توفي بالكوفة سنة 127 هـ وقيل سنة 128 هـ، ابن مهران (الغاية في القراءات العشر) ص 53، ابن الجزري) غاية النهاية ج 1 ص 443، ابن الجزري (النشر) ج 1 ص 146.
(7) حمزة: هو حمزة بن حبيب بن عمارة الزيات الكوفي كنيته أبو عمارة، تميمي بالولاء، وهو من تابعي التابعين، كان عالما بالفرائض العربية، انتهت إليه القراءة بعد عاصم، ولد سنة 80 هـ أيام عبدالملك بن مروان وتوفي سنة 154، وقيل سنة 158 هـ، ابن الجزري (النشر) ج 1 ص 158، عبد العال سالم مكرم (معجم القراءات القرآنية) ج 1 ص 96 - 97.
(8) الكسائي: علي بن حمزة بن عبد الله الأسدي بالولاء، أبو الحسن، إمام المدرسة الكوفية في النحو واللغة، ومن القراء، وهو مؤدب الرشيد العباسي وابنه الأمين، من مؤلفاته: معاني القرآن والمصادر والحروف، توفي سنة 189 هـ بالري. ابن خلكان وفيات الأعيان ج 3 ص 295، ابن الجزري (النشر) ج 1 ص 169، الزركلي (الأعلام) ج 4 ص 283. (1/139)
صفحة 140
***
فصول الأصول
***
(6)
(0) '
واختفلوا في تواتر العشر، فقال البغوي (1) وغيره: إن الثلاث بعدها أي: بعد السبع متواترة - أيضا - وبه قال صاحب الاتحاف أحمد الدمياطي وصححه (2) (3)، والثلاث هي قراءة أبي جعفر يزيد بن القعقاع (4)، ويعقوب بن إسحاق الحضرمي) وخلف بن هشام البزار واتفقوا على شذود الأربع بعدها، وقال ابن الحاجب: إن التواتر فيما ليس من قبيل الأداء، فما كان من قبيله بأن كان للفظ يتحقق بدونها فليس بمتواتر، وذلك كالمد والإمالة وتخفيف الهمزة (7) ونحوها (8)، ولا نطيل بذكر وجوه الأقوال والاحتجاج لها وعليها إذ غرضنا الاختصار. وإجراء القراءات الشاذة مجرى الأخبار الآحادية في الاحتجاج والعمل بها هو الصحيح كما تقدم لأنه منقول عن النبي -. ولا يلزم من انتفاء قرآنيته انتفاء عموم خبريته، وعليه احتجاج كثير من الفقهاء في قطع يمين السارق من قراءة أيمانهما، وأكدته السنة، وعند بعض ثبوته من السنة فقط.
(1) البغوي: الحسين بن مسعود بن محمد الفراء كنيته أبو محمد، ولد سنة 436 من علماء الشافعية، نسبته إلى بغا إحدى قرى خراسان، من كتبه: مصابيح السنة، ولباب التأويل في معالم التنزيل، والتهذيب، توفي بمرور الروذ سنة 510 هـ، وقيل سنة 516 هـ، ابن خلكان وفيات الأعيان) ج 2 ص 136، ابن السبكي (طبقات الشافعية) ج 7 ص 57، الزركلي (الاعلام) ج 12 ص 259. (2) أحمد الدمياطي هو أحمد بن إبراهيم بن محمد، من فقهاء الشافعية، من كتبه المغنم في المورد الاعظم وشرح المقامات الحريرية توفي سنة 714 هـ - حاجي خليفة (كشف الظنون) ج 1 ص 487، الزركلي (الاعلام) ج 1 ص 87 (3) أحمد الدمياطي: الاتحاف لم أعثر على هذا الكتاب. وقد نسبه عبدالعلي الأنصاري إلى المحققين (فواتح الرحموت ج 2 ص 15 وارتضاه ابن السبكي وعزاه إلى ابيه، ابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 1 ص 231، وصوبه الزركشي فقال: والصواب ما وراء العشر فالقول بأن هذه الثلاثة، غير متواترة ضعيف جدا. الزركشي (البحر المحيط) ج 2 ص 220. (4) أبو جعفر يزيد بن القعقاع المخرومي، إمام المدينة المنورة تابعي، توفي سنة 130 هـ ابن الجزري (غاية النهاية) ج 2 ص 382، ابن مهران الغاية في القراءات العشر) ص 37.
(5) يعقوب بن إسحاق بن زيد الحضرمي البصري، إليه انتهت رئاسة الإقراء بعد أبي عمرو، ولد سنة 117 هـ، وتوفي سنة 205 هـ، ابن الجزري (النشر) ج 1 ص 272) (النشر) ج 1 ص 188، العبادل سالم (معجم القراءات القرآنية) ج 1 ص 98. (6) خلف بن هشام البزار الصلحي أبو محمد، ولد سنة 150 هـ، من كبار القراء، توفي سنة 229 هـ ببغداد ابن الجزري غاية النهاية) ج 1 ص 272) (النشر) ج 1 ص 188، عبد العال سالم (معجم القراءات القرآنية) ج 1 ص 98.
(1) في ب الهمزة بغير هاء.
(8) ابن الحاجب (مختصر المنتهي بشرح العضد) ج 2 ص 21.
12. (1/140)
صفحة 141
141
***
فصول الأصول
***
واختلفوا في المجمل من الكتاب والسنة هل يجوز بقاؤه على إجماله غير مبين صل الله إلى وفاته - - على أقوال ثلاثة أحدها لا يجوز لأن الله تعالى أكمل الدين قبل وفاته - - لقوله تعالى اليَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ (1)، ثانيها يجوز لقوله في المتشابهة: وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللهُ له (2)، وما ثبت في الكتاب ثبت في السنة إذ لا قائل بالفرق بينهما، ثالثهما أن المجمل المكلب بالعمل به وبمعرفته هو الذي لا يجوز تأخير بيانه عن وقت الحاجة إليه، وهو الصحيح وإلا لزم التكليف بما لا يطاق وهو ممتنع (3). والحق ما عليه جل العلماء من أن الأدلة النقلية السمعية منها ما هو قطعي الدلالة يفيد العلم كالمحكم الذي لا يحتمل تأويلا ولا تخصيصا كما في أدلة وجوب الصلاة ونحوها، فإن الصحابة علموا معانيها المرادة بالقرائن المشاهدة، ونحن علمناها بواسطة نقل تلك القرائن إلينا تواترا، ومنها ما هو ظني الدلالة كالعام وخبر الآحاد (4). انتهى. والله تعالى أعلم.
(1) القرآن الكريم سورة المائدة (مدنية) آية رقم 3.
(2) القرآن الكريم سورة آل عمران (مدنية آية رقم 7.
(3) ستأتي هذه المسألة بالتفصيل - إن شاء الله تعالى - في الفصل الرابع والسبعين. (4) وقد ذهب الحشوية من الحنابلة وأهل الحديث إلى أن خبر الآحاد يفيد العلم، ونسب إلى الإمامين أحمد بن حنبل ومالك بن أنس، وهو مذهب ابن حزم ونسبه إلى الحسين بن علي الكرابيسي والحارث بن أسد المحاسبي البصري أبو الحسين (المعتمد) ج 2 ص 80، ابن حزم (الاحكام في أصول الاحكام) ج 1 ص 112، الجويني (البرهان) ج 1 ص 392، البخاري (كشف الاسرار) ج 2 ص 660، ابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 1 ص 234، الشوكاني (إرشاد الفحول) ص 45، ابن النجار (شرح الكوكب المنير) ج 2 ص 325، ابن قدامه (روضة الناظر) ج 1 ص 347، إلا أن الشيخ القنوبي رد نسبه هذا القول إلى الإمامين أحمد بن حنبل ومالك بن أنس فقال: وهذا ليس بصحيح عنهما، بل الصحيح عنهما خلافه، وقد احتج على ذلك بأدلة، فمنها: أن القاضي عياض قال في ترتيب المدارك ج 1 ص 66، باب ما جاء عن السلف والعلماء في وجوب الرجوع إلى عمل أهل المدينة وكونه حجة عندهم وإن خالف الأكثر إلى أن قال: قال ابن القاسم وابن وهب: رأيت العمل عند مالك أقوى من الحديث قال الشيخ القنوبي: أي حديث الآحاد، فلو كان خبر الواحد يفيد عنده القطع كالمتواتر لما قدم عليه عملا ولا غيره، إذ المقطوع به لا يعارض المظنون إلى أن قال: بل ثبت عن الإمام مالك أنه كان يرد كثيرا من الأحاديث الآحادية. بمجرد مخالفتها لبعض القواعد الكلية، أو لبعض الأدلة العامة. قال الإمام الشاطبي في الموافقات، ج 3 ص 21 - 23: ألا ترى إلى قوله في حديث غسل الإناء من ولوغ الكلب سبعا: جاء الحديث ولا أدري ما حقيقته وكان يضعفه ويقول: يؤكل صيده فكيف يكره لعابه قال الشيخ القنوبي: وأما الإمام أحمد فقد ثبت عنه ثبوتا أوضح من الشمس أنه كان يرى ان أحاديث الآحاد لا تفيد القطع، والأدلة على ذلك كثيرة جدا، ثم ضرب على ذلك مثالين أذكر واحدا منهما. روى أحمد ج 2 ص 301، حديث رقم 7992، والبخاري 612/ 6 بشرح الفتح ومسلم رقم 2917 من طريق أبي هريرة - رقة - عن النبي - - قال: يهلك أمتي هذا الحي من قريش، قالوا: فما تأمرنا يا رسول الله؟ قال: لو أن الناس اعتزلوهم قال عبد الله بن أحمد: وقال أبي في مرضه الذي مات فيه: اضرب على هذا الحديث فإنه خلاف الأحاديث عن النبي - الله - قال الشيخ القنوبي: فهذا دليل واضح وحجة نيرة على انه يرى أن الحديث الآحادي ظني لا يفيد القطع وإلا لما ضرب عليه مع العلم بأن الحديث موجود في الصحيحين، وقد بحث الشيخ القنوبي المسألة بحثا مستفيضا في كتابه السيف الحاد القنوبي، السيف الحاد ص 403) وانظر المسألة في المراجع السابقة وفي: أمير باد شاه (تيسير التحرير) ج 3 ص 76.
هذه (1/141)
صفحة 142
***
فصول الأصول
***
مبحث المنطوق والمفهوم ودلالة اللفظ
(2)
اعلم أن معنى الدلالة عند علماء الأصول والبيان فهم المعنى من اللفظ إذا أطلق بالنسبة إلى العالم بالوضع، فاللفظ هو الدليل والمعنى هو المدلول عليه، والعالم بالوضع الآخذ بالدليل هو المستدل، وفهم المعنى من اللفظ هي الدلالة الوضعية اللفظية، والمنطوق هو المعنى الدال عليه اللفظ في محل النطق سواء كان حكما كتحريم التأفيف للوالدين المأخوذ (1) من قوله تعالى: {فَلَا تَقُل لَّمَا أَن (2)، أو حالا من أحواله. واللفظ الدال على معنى في محل النطق ينقسم إلى قسمين: إلى نص وهو: الذي أفاد معنى لا يحتمل غيره كزيد فإنه مفيد للذات المشخصة من غير احتمال لغيرها، وإلى ظاهر إن احتمل معنى مرجوحا بدل (3) المعنى الذي أفاده وذلك كالأسد في قولك: اليوم رأيت الأسد، فإنه مفيد للحيوان المفترس محتمل للرجل الشجاع بدله لكن هذا مرجوح لأنه مجاز، والأول حقيقة هو المتبادر إلى الذهن، وإن تساوى المعنيان أو المعاني سمي اللفظ مجملا، وإن دل جزء اللفظ على تمام معناه تسمى دلالة مطابقة، ودلالته على جزء معناه تسمى دلالة تضمن، ودلالته على لازم معناه الذهني تسمى دلالة التزام، مثال ذلك لفظ الإنسان يدل على الحيوان الناطق دلالة مطابقة، وعلى الحيوان دلالة تضمن، وعلى قابل العلم دلالة التزام، ودلالة المطابقة لفظية لأنها بمحض اللفظ، ودلالة التضمن والالتزام عقليتان لتوقفهما على انتقال
الذهن من المعنى إلى جزئه ولازمه.
والله تعالى (4) أعلم).
(1) في أ" المأخوذ.
(2) القرآن الكريم سورة الإسراء (مدنية) آية رقم 23.
(3) في "ب" يدل. (4) تعالى ساقطة من "ب".
(2) الفخر الرازي (المحصول) ج 1 ص 219، الآمدي (الإحكام) ج 3 ص 71، القرافي (شرح تنقيح الفصول) ص 23، الكلبي، ابن جزي محمد بن احمد قريب الوصول إلى علم الأصول ص 53، ابن السبكي (لإبهاج في شرح) ج 1 ص 204، (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 1 ص 237، الزركشي (البحر المحيط) ج 1 ص 269، الشماخي (شرح مختصر العدل والإنصاف) ص 12، أمير باد شاه (تيسير التحرير) جا ص 79، السالمي (شرح طلعة الشمس) ج 1 ص 254، الشنقيطي محمد الأمين (مذكرة في أصول الفقه)
ص 234، الفضلي (مذكرة المنطق) ص 40، الميداني عبدالرحمن حسن ضوابط المعرفة) ص 26.
142 (1/142)
صفحة 143
143
***
فصول الأصول
***
الفصل الثالث عشر
في المنطوق
(2)
اعلم أن المنطوق إن توقف الصدق فيه أو الصحة له عقلا أو شرعا على إضمار وتقدير فيما دل عليه سميت دلالة اللفظ الدال على المنطوق على معنى ذلك المضمر المقصود دلالة اقتضاء، مثال ما توقف الصدق فيه على إضمار قوله - - رفع عن أمتي الخطأ والنسيان (1)، فهما موجودان في الأمة لم يرفعا عنها، والشارع صادق فيما أخبر، فلزم أن يتوقف صدقه على مضمر محذوف تقديره رفع إثمهما، ومثال ما توقف عليه صحة الكلام عقلا قوله تعالى: {وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ (2)، فإن العقل لا يجيز سؤال القرية نفسها، وإنما المراد أهلها، فتوقفت صحته على إضمار أهل. و مثال ما توقفت عليه الصحة شرعا حديث لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد (3) تقديره لا صلاة كاملة، فلولا هذا التقدير لما صح هذا الكلام شرعا. وإن كان المنطوق لم يتوقف الصدق فيه ولا الصحة له على إضمار ودل لفظه على ما لم يقصد به سميت دلالته دلالة إشارة، ومعنى لم يقصد به أي: لم يكن اللفظ مسوقا لذلك المعنى بالأصالة وإلا فهو مقصود الحقيقة، وتكون دلالة الإشارة بالمطابقة وبالتضمن وبالالتزام، فالأول كقوله تعالى وَأَحَلَ اللهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبوا)، فإنه إشارة في بيان الحل والحرمة وهو المعنى المطالبق لها (5)، والثاني كقول الرجل لامرأته: كل امرأة له طالق، حيث ساق كلامه لطلاق غير المخاطبة، فإنه يحكم عليه بطلاق المخاطبة – أيضا – لأن كلامه يتضمن طلاقها كذلك، ولو كان إنما عبر عن طلاق غيرها في نفسه، والثالث
(1) أخرجه الإمام الربيع بن حبيب (الجامع الصحيح) رقم 794 ص 200، وابن ماجة (سنن ابن ماجة) كتاب الطلاق، باب طلاق المكره، حديث 2043، ج 2، ص 513.
(2) القرآن الكريم سورة يوسف (مكية) آية رقم 82. (3) الحديث أخرجه الإمام الربيع (الجامع الصحيح) كتاب الصلاة باب في المساجد وفضل مسجد رسول الله - حديث 256 ص 68، والدارقطني (سنن الدارقطني) كتاب الصلاة، باب الحث لجار المسجد على الصلاة فيه إلا من عذر، ج 1 ص 420، والبيهقي (البيهقي، السنن الكبرى كتاب الصلاة، باب التشديد في ترك الجماعة من غير عذر، ج 3 ص 57). (4) القرآن الكريم سورة البقرة (مدنية) آية رقم 275
(5) لان الآية مسوقة في الأصل للرد على المشركين الذين سووا بين البيع والربا، عندما قالوا: انما البيع مثل ويفهم منها بطريق الاشارة حل البيع وحرمه الربا. (1/143)
صفحة 144
***
فصول الأصول
***
(4)
كقوله تعالى: {وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ (1)، فإنها تشير إلى أن النسب إلى الآباء وهو لازم للولادة، وكذلك قوله تعالى: الفقراء الْمُهَاجِرِينَ (2)، فإنه إشارة في زوال ملكهم عما خلفوه في دار الحرب فيكون ملكا للمشركين كما هو مذهب البعض (3) أهـ أما إن كان اللفظ مسوقا لذلك المعنى سياقا أصليا فدلالته عليه دلالة عبارة وفيها - أيضا - أقسام الدلالة الثلاثة - المطابقة والتضمن والالتزام - فالأولى (5) كذكر العدد في قوله تعالى: مَثْنَى وَثُلَثَ وَرُبَعَ لك (6)، فإنها سيقت لبيان القدر الذي أبيح لنا من النساء، فدلت عبارتها على ذلك القدر بالمطابقة.
(1) ,
والثانية كقول الرجل لزوجته وقد عاتبته إذ تزوج عليها كل امرأة له طالق، مريدا للمرأة الجديدة، فإن مقام العتاب قصر هذا اللفظ عن معناه العام (7) إلى (8) بعض ما يتضمنه، فيدل على طلاق الجديدة بالتضمن، وهو المعنى الذي ساق الكلام لأجله فيكون عبارة فيه.
والثالثة كقوله تعالى: {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبوا)، فإنه عبارة في التفرقة بين البيع والربا اللازمة للمعنى المطابق لأنه إنما سيق ردا على الكفار في زعمهم أن البيع مثل الربا، فذلك تعلم أن المنطوق يشمل اللفظ الدال على معناه بعبارته وباقتضائه وبإشارته، وبقي الدال بدلالته، وهو المسمى عندهم بالمفهوم كما سيأتي
- إن شاء الله تعالى - والله أعلم (10).
(1) القرآن الكريم سورة البقرة (مدنية) آية رقم 233. (2) القرآن الكريم سورة الحشر (مدنية) آية رقم 8.
طلعة (3) قال بن الحنفية، امير بادشاة (تيسير التحرير) ج 1 ص 88 - 89، وبعض الاباضية السالمي (شرح
الشمس) ج 1 ص 256.
(4) أزهـ ساقطة من 'ب'.
(5) في 'ب' فالأول.
(6) القرآن الكريم سورة النساء (مدينة) آية رقم 3.
(7) في بالعامي.
(8) في "ب" إلي بالياء.
(9) القرآن الكريم، سورة البقرة (مدنية) آية رقم 275.
(10) أنظر المسألة في: الرازي (المحصول) ج 1 ص 219، ابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 1 ص 239، ابن أمير الحاج (التقرير والتحبير) ج 1 ص 111، أمير باد شاه (تيسير التحرير) ج 1 ص 88 - 89 الصنعاني (إجابة السائل) ص 230، السالمي (شرح طلعة الشمس) ج 1 ص 255، الشنقيطي (انثر الورود) ج 1 ص 98، الميداني، عبدالرحمن حسن ضوابط المعرفة) ص 26 - 29.
144 (1/144)
صفحة 145
***
فصول الأصول
***
الفصل الرابع عشر
في المفهوم وحكمه
اعلم أن اللفظ الدال على معناه بدلالته هو المسمى مدلوله عندهم بمفهوم الخطاب، وهو ما دل عليه اللفظ لا في محل النطق، وينقسم إلى قسمين: مفهوم موافقة ومفهوم مخالفة، فإن وافق حكم المسكوت عنه حكم المنطوق به فموافقة، ثم هو نوعان: فإن كان المسكوت عنه أولى بذلك الحكم من المنطوق به سمي فحوى الخطاب، وإن كان مساويا له فيه سمي لحن (1) الخطاب، فالأول كضرب الوالدين وشتمهما المفهوم من قوله تعالى: {فَلا م (2) تقل لما أن (3) (4) فإن تحريم الضرب ونحوه (2) لَّمَا بالأولى، إذ المقصود تحريم الإيذاء، والضرب أشد إيذاء من قول أف، والثاني كتحريم حرق مال اليتيم المفهوم من قوله تعالى: إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما (ه)، لتساوي الأكل والإحراق في الإتلاف، لأن المقصود تحريم الإتلاف، وبعضهم لا يسمي المساوي (6) مفهوم موافقة وإنما يسميه مفهوم مساواة، وعليه فهل يسمى لحن الخطاب - أيضا - أولا؟ قولان، وعلى كل حال فدلالة النوعين كليهما قطعية، أي: كل منهما يفيد القطع في مدلوله (7).
ثم إن الشافعي والرازي وإمام الحرمين قالوا: إن مفهوم الموافقة دلالته قياسية (8)،
(1) لحن له لحنا: قال له قولا يفهمه عنه ويخفى على غيره، فهو لا حن، ولحن القول عنه: فهمه. الجوهري (الصحاح) باب النون، فصل اللام، ج 6 ص 2193، إبراهيم أنيس (المعجم الوسيط) باب اللام، ج 2 ص 853.
(2) في 'ب' ولا. (3) القرآن الكريم سورة الإسراء (مكية) آية رقم 23. (4) أف: كلمة تضجر وتكره، وفيها لغات حكاها الأخفش هي: أف أف أف أفا، الجوهري (الصحاح) باب الفاء فصل الهمزة، ج 4 ص 1331، إبراهيم أنيس (المعجم الوسيط) باب الهمزة، ج 1 ص 21. (2) القرآن الكريم سورة النساء (مدنية) آية رقم 10. (6) في 'ب' المساوي بغير نقطتين على الياء.
(7) الجويني (البرهان) ج 1 ص 298، الجزري محمد بن يوسف (معراج المنهاج) ج 1 ص 276، الإسنوي (نهاية السول) ج 2 ص 198، ابن النجار (شرح الكوكب المنير) ج 3 ص 480.
(8) وصححه أبو إسحاق الشيرازي، الشيرازي (اللمع) ص 42، وجرى عليه القفال الشاشي، الزركشي (البحر المحيط) ج 5 ص 128 - 129، وهو مذهب ابن برهان، اين برهان أحمد بن على (الوصول الى الأصول) ج 1 ص 336، الجويني (البرهان) ج 1 ص 298، ابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 1 ص 242. (1/145)
صفحة 146
***
فصول الأصول
***
أي بطريق القياس الأولى أو المساوي (1)، وهو المسمى بالقياس الجلي كما يعلم مما سيأتي، والعلة في المثال الول الإيذاء وفي الثاني الإتلاف، وقيل: الدلالة عليه لفظية لا مدخل للقياس فيها لفهمه من غير اعتبار قياس (2)، وقال الغزالي والآمدي: فهم مدلولها من السياق والقرائن لا من مجرد اللفظ (3)، ففهم من منع التأفيف طلب تعظيمهما واحترامهما، ولولا ذلك لما فهم من التأفيف منع الضرب إذ قد يقول ذو الغرض الصحيح لعبده: لا تشتم فلانا ولكن اضربه، ولولا دلالتهما في مال اليتيم على أن المطلوب حفظه وصيانته لما فهم من منع أكله منع إحراقه إذ قد يقول القائل: والله ما أكلت مال فلان ويكون قد أحرقه فلا يحنث (4): قلت: الصحيح عندي الأول؛ لأن مفهوم الموافقة دل عليه اللفظ لا في محل النطق، ولم يكن السياق له بالذات بل بالتبع فقط، ولا ينافيه قول الغزالي والآمدي، لأن السياق قرينة، والقرائن قد تكون مقوية للقياس كما يفهم من طلب التعظيم والاحترام فإنهما يقويان تحريم التافيف، وبالأولى يقويان تحريم الضرب، وقد تكون مانعة منه كما إذا غضب السيد على أحد عبيده لذنب استحق به القتل فقال لآخر وقد شرع في شتمه لا تشتمه، فإن قوله: لا تشتمه، لا يفيد طلب إكرامه وتعظيمه؟، وإنما يفيد أنه استحق ما هو فوق الشتم كالقتل ونحوه بقرينة الحال، فالقرائن هي الصارفة للمعاني عن حقائقها اللغوية والعرفية، وأما قوله في المثالث الأول: لا تشتم فلانا لكن اضربه، فهذا ليس مما نحن بصدده إذ كلامنا في المفهوم: وهو من قبيل المسكوت، وهذا منطوق لا مسكوت.
(1) في ب المساوى.
(2) قال بذلك الحنابلة. ابن النجار (شرح الكوكب المنير) ج 3 ص 483، والحنفية، البخاري (كشف الاسرار) ج 2 ص 412، أمير بادشاة (تيسير التحرير) ج 1 ص 94، ويسمى عندهم – أي الحنفية – دلالة النص، والمالكية. ابن حاجب مختصر المنتخى الاصولي بشرح العضد ج 2 ص 173، وبعض الشافعية
وجماعة من المتكلمين. الشرازي (اللمع) ص 42، الزركشي (البحر المحيط) ج ه ص 128 - 129. (3) واختاره ابن الحاجب والقشيري الغزالي (المستصفى) ج 2 ص 190، الآمدي (الإحكام) ج 3 ص 76 - 77، ابن الحاجب (مختصر المنتهى الأصولي بشرح العضد ج 2، ص 172، الزركشي (البحر المحيط) جه ص 129، الشوكاني (إرشاد الفحول) ص 178. (4) الحنث هو الإثم والذنب، والحنث: الخلف في اليمين. الجوهري (الصحاح) باب الثاء فصل الحاء، ج 1 ص 280، إبراهيم أنيس (المعجم الوسيط) باب الحاء ج 1 ص 208.
146 (1/146)
صفحة 147
147
***
فصول الأصول
***
وقال البيضاوي (1): إن الموافقة تكون تارة مفهوما وأخرى قياسا (2).
وقال الصفي الهندي (3): لا تنافي بينهما، لأن المفهوم مسكوت، والقياس إلحاق مسكوت بمنطوق (4)، فهذا يؤيد ما قدمته لك من عدم المنافاة بين قولي الغزالي
والآمدي وقول الجمهور. والله أعلم.
(1) البيضاوي، عبد الله بن عمر بن محمد الشيرازي، أبو الخير البيضاوي، قاض مفسر من كبار الشافعية، ولي قضاء شيراز مدة، ثم رحل إلى تبريز، من كتبه: أنوار التنزيل وأسرار التأويل، ومنهاج الوصول إلى علم الأصول، وطوالع الأنوار، توفي سنة 685 هـ، بتبريز. ابن السبكي (طبقات الشافعية) ج 8، ص 157، الزركلي (الأعلام) ج 4 ص 110. (2) المطيعي محمد بخيت (سلم الوصول) ج 2 ص 204، المحلي (شرح المحلي على جمع الجوامع) ج 1
ص 245.
(3) الصفي الهندي، محمد بن عبدالرحيم بن محمد الأرموي أبو عبدالله، ولد سنة 644 هـ، بالهند، فقيه أصولي، زار اليمن ومكة ومصر والروم، واستوطن دمشق، من مؤلفاته: الفائق، والزبدة في علم الكلام، والنهاية، توفي سنة 715 هـ بدمشق، ابن العماد (شذرات الذهب) ج 8 ص 68، الزركلي (الأعلام) ج 6 ص 200. (4) المحلي (شرح المحلي على جمع الجوامع ج 1 ص 245، المطيعي محمد بخيت (سلم الوصول) ج 2
ص 204. (1/147)
صفحة 148
***
فصول الأصول
**
الفصل الخامس عشر
في مفهوم المخالفة
والقسم الثاني مفهوم (1) المخالفة، وهو: ما خالف حكمه حكم المنطوق به ويسمى دليل الخطاب - أيضا - والقائلون بالأخذ به له شروط (2) عندهم، منها أن
(1) لم يعمل الحنفية بمفهوم المخالفة عموما خلافا لما عليه الجمهور. الأزميري (حاشية الازميري على مرآة الأصول شرح مرقاه الأصول) ج 2 ص 100، أمير باد شاه (تيسير التحرير) ج 1 ص 113، ومع قول الجمهور بمفهوم المخالفة عموما إلا أنهم اختلفوا فيما بينهم في بعض أنواعه تفصيلا، فذهب أبو علي وأبو هاشم والقاضي عبد الجبار وبعض الشافعية، منهم القفال الشاشي، وبعض المالكية، إلى عدم الأخذ بمفهوم الصفة، أما مفهوم العدد فلم يعمل به إمام الحرمين والقاضي الباقلاني والفخر الرازي، وأما مفهوم اللقب فلم يعمل به إلا قليل كالدقاق والصيرفي وبعض الحنابلة وابن فورك وحكاه ابن النجار عن ابن خويز منداذ وابن القصار ونسبه الإمام السالمي إلى بعض الإباضية، وعزاه ابن برهان إلى الإمام أحمد والإمام مالك وداود وبعض الشافعية، وذكر محقق التمهيد د. مفيد أبو عشمة عن الآمدي أنه نسب هذا القول إلى الجمهور، والصواب خلاف ذلك: إذ حكى الاتفاق على عدم حجية مفهوم اللقب، ثم أنه بعد كلام اختار مذهب الجمهور، وبين بعد ذكر الحجج ومناقشتها على عدم حجية مفهوم اللقب، ثم أنه بعد کلام اختار مذهب الجمهور، ويبين بعذ ذكر الحجج ومناقشتها أن المختار عنده إبطال الاحتجاج به. الكلوذاني أحمد بن الحسين (التمهيد) ج 2 ص 202 - 302، وانظر التعليق عليه للدكتور مفيد أبو عمشه، الآمدي (الأحكام) ج 3 ص 104 - 106، الزركشي (البحر المحيط) ج 5 ص 148، ابن النجار (شرح الكوكب المنير) ج 3 ص 509، السالمي (شرح طلعة الشمس) ج 1 ص 265. وانظر مفهوم المخالفة وأنواعه في: الجويني (البرهان) ج 1 ص 301 - 318،، الكلوذاني (التمهيد) ج 2 ص 189 - 224، الامدي (الإحكام) ج 3 ص 96 - 109، ابن الحاجب (مختصر المنتهي الأصولي بشرح العضد) ج 2 ص 173 - 184، الطوفي (شرح مختصر الروضة ج 2 ص 724 - 771، ابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 1 ص 252 - 258، الإسنوي (نهاية السول) ج 2 ص 205 - 221، الزركشي البحر المحيط ج 5 ص 148 - 190، ابن المرتضي منهاج الوصول إلى معيار العقول) ص 396 - 417، ابن النجار (شرح الكوكب المنير) ج 3، ص 489 - 509، الشوكاني (ارشاد الفحول) ص 179 183، السالمي (شرح طلعة الشمس) ج 1 ص 260 - 266 د. خليفة بابكر الحسن (مناهج الأصوليين في طرق دلالات الألفاظ على الأحكام) ص 190 - 283. (2) أنظر هذه الشروط في: ابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 1 ص 245، الزركشي (البحر المحيط) جه ص 139، ابن النجار (شرح) الكوكب المنير (ج 3 ص 489، الشوكاني (إرشاد الفحول) ص 179، السالمي (شرح طلعة الشمس) ج 1 ص 260، وهناك شروط أخرى ذكرها الزركشي في البحر المحيط منها (1) أن لا يكون المسكوت عنه أولى بذلك الحكم من المنطوق، ولا مساويا له وإلا كان مفهوم موافقة. (2) أن لا يعارض بما يقتضي خلافه. (3) أن لا يكون قصد به زيادة الامتنان كقوله تعالى: لتأكلوا منه لحما طريا، (القرآن الكريم سورة النحل، مكية آية رقم (14) فإنه لا يدل على منع القديد (4) أن لا يكون المذكور قصد به التفخيم وتأكيد الحال كقوله - - لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد فإن التقييد بالايمان لا مفهوم له، وإنما ذكر لتفخيم الأمر لا المخالفة. الزركشي (البحر المحيط) جه ص 139، وانظر: ابن النجار (شرح) الكوكب المنير) ج 3 ص 492.
148 (1/148)
صفحة 149
149
***
فصول الأصول
***
لا يكون المسكوت ترك الخوف في ذكره بالموافقة كقول قريب العهد بالإسلام لعبده بحضور المسلمين: تصدق بهذا على المسلمين ويريد غيرهم، وتركه خوفا أن يتهم بالنفاق، ومنها عدم الجهل بحكم المسكوت كقولك: في الغنم السائمة زكاة، وأنت تجهل حكم المعلوفة وهذان الشرطان يستحيلان على الشارع تعالى، ومنها أن لا يكون المذكور خرج للغالب كما في قوله تعالى: {وَرَبِّبُكُمُ (1) الَّتِي فِي حُجُورِكُم (2)، فإن الغالب كون الربائب في حجور الأزواج، أي: تربيتهم،
وخالف إمام الحرمين في نفيه هذا الشرط (3) لما سيأتي مدفوعا - إن شاء الله -. ومنها أن لا يكون المذكور خرج لسؤال عنه أو حادثة تتعلق به أو للجهل بحكمه دون حكم المسكوت كما لو سئل - - هل في الغنم السائمة زكاة؟. أو قيل بحضرته: لفلان غنم سائمة، أو خاطب من جهل حكم الغنم السائمة دون المعلوفة. فقال: في الغنم السائمة زكاة (4)، أو خرج المذكور لغير ما ذكرناه مما يقتضي التخصيص بالذكر كموافقة الواقع كما في قوله تعالى: وَلَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَفِرِينَ أولياء مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ (5) لنزولها في قوم من المؤمنين واليهود (6). قال المحلي: وإنما شرطوا للمفهوم انتفاء المذكورات لأنها فوائد ظاهرة، والمفهوم فائدة خفية لا تعتبر عند وجودها فلذلك أخر عنها، وبهذا يندفع توجيه إمام الحرمين لنفيه شرط موافقة الغالب حيث قال: المفهوم من مقتضيات اللفظ فلا تسقطه موافقة الغالب (7).
(1) الربائب: جمع ربيبة، وربية الرجل: من امرأته من غيره، ابن منظور (اللسان) باب الباء فصل الراء، ج 1 ص 405، إبراهيم أنيس (المعجم الوسيط) باب الراء، ج 1 ص 333.
(2) القرآن الكريم سورة النساء (مدنية) آية رقم 23.
(3) الجويني (البرهان) ج 1 ص 316. (4) هذا حديث شريف سيأتي تخريجه قريبا - إن شاء الله تعالى. (5) القرآن الكريم سورة آل عمران (مدنية آية رقم 28
(6) قال ابن عباس: كان الحجاج بن عمرو وكهمس ابن أبي الحقيق وقيس بن زيد – وهؤلاء كانوا من اليهود - ياطنون نفرا من الأنصار ليفتنوهم عن دينهم فقال رفاعة بن المنذر وعبد الله بن جبير وسعيد بن خيثمة لأولئك النفر: اجتنبوا هؤلاء اليهود، وأحذروا لزومهم ومباطنتهم لا يفتنوكم عن دينكم، فأبى أولئك النفر إلا مباطنتهم وملازمتهم، فأنزل الله تعالى هذه الآية (الواحدي، علي بن أحمد، أسباب نزول القرآن ص 104).
(1) المحلي (شرح المحلي على جمع الجوامع) ج 1 ص 247، الجويني (البرهان) ج 1 ص 316. (1/149)
صفحة 150
***
فصول الأصول
***
وإذا علمت مما ذكر أنه لا مفهوم للمذكور في الأمثلة المذكورة ونحوها فاعلم أن حكم المسكوت فيها يعلم بدليل خارجي عنها من منطوق أو مفهوم موافقة أو مخالفة أو استصحاب أصل ونحوه على حسب تقرير المذهب كما سيأتي – إن شاء الله تعالى - ثم إن المنطوق متى سلم من الموانع التي ذكرناها آنفا واقتضى تخصيص الحكم بالمذكور دون المسكوت فإنه حينئذ ولو منع تحقق المفهوم ودخوله تحت حكم المنطوق فلا يمنع قياس المسكوت على المنطوق ودخوله تحت حكمه بالقياس إن وجدت بينهما (1) علة جامعة إذ لا معارضة بينهما.
(2)
بل قال بعضهم: إن معروض المنطوق من صفة أو غيرها يعم المسكوت، لأن العارض - هنا - بالنسبة إلى المسكوت المشتمل على العلة كأنه لم يذكر، والصحيح أن لا يعمه لوجود العارض (2)، وإنما يلحق به قياسا بخلاف مفهوم الموافقة إذ المسكوت – هنا - أدون من المنطوق بخلافه هنا لك لقطية الدلالة ثم وظنيتها هنا. ومفهوم المخالفة أنواع منها:
مفهوم الصفة، والمراد بالصفة - هنا - لفظ مقيد لآخر ليس بشرط ولا استثناء ولا غاية، وليس المراد النعت فقط وذلك كلفظ السائمة من قولك: في الغنم السائمة (3) زكاة، وكلفظ سائمة الغنم من قولك: في سائمة الغنم زكاة، لا مجرد الكلام بدونه كاللقب، وقيل: هو منها لأنه دل على السوم الزايد على الذات بخلاف اللقب، فعلى هذا يفيد نفي الزكاة عن (4) المعلوفة مطلقا كما يفيد إثباتها في السائمة مطلقا، و عليه الجمهور (5)، وهو الصحيح عندي، لأن تقدير الموصوف وإقامة الصفة مقامه مما هو شائع ذائع في لسان العرب، ولهذا حكى ابن السبكي الخلاف حيث
(1) في 'ب' كلمة بينهما جاءت بعد قوله جامعة. (2) وحكى ابن السبكي لإجماع على ذلك، ابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 1 ص 248، وقال المحلي: وعدم العموم هو الحق كما قال المصنف - يعني ابن السبكي - المحلي (شرح المحلي على جمع الجوامع) ج 1 ص 249. (3) السائم: الذاهب على وجهه حيث شاء، وسامت الماشية: رعت حيث شاءت. الزبيدي (تاج العروس) باب الميم، فصل السين، ج 8، ص 350، إبراهيم أنيس (المعجم الوسيط) باب السين ج 1 ص 483.
(4) في 'ب' على. (2) في 'ب' الجمهور بالحاء.
150 (1/150)
صفحة 151
***
فصول الأصول
***
قال: وهل (1) المنفي عن محلية الزكاة في المثالين الأولين غير سائعة الغنم فقط وهو معلوفتها، أو غير مطلق السوائم وهو معلوفة الغنم وغيرها؟ قولان، وعلى الأول الإمام الرازي (2) وغيره، وهو بالنظر إلى السوم في الغنم، والثاني إلى لفظ السوم فقط لترتب الزكاة على السوم في غير الغنم كالإبل والبقر)
وأجاز بعض الأصوليين في قوله - -: في سائمة الغنم زكاة (4) ونحوه أن يكون لفظ الغنم هو الصفة (5) على حد قوله: مطل الغني ظلم (6)، واعترض بأن لفظ الغنم ليس مشتقا بخلاف لفظ الغني فإنه مشتق، فلذلك شاع أن يكون صفة، وأجيب بأنه لا أثر لهذا الفرق لما تقرر أنه ليس المراد بالصفة المشتق بل اللفظ المقيد لآخر، وهو متحقق - هنا - كما علمت لأنها مقيدة لما أضيف إليها بإضافته إليها
وذلك موجود فيهما.
(1) في 'ب' وهو. (2) الفخر الرازي (المحصول) ج 2 ص 148، وذهب إلى ذلك أبو إسحاق الشيرازي. الشيرازي (التبصرة) ص 226 (شرح اللمع) ج 1 ص 440، وحكاه ابن السبكي والزركشي عن أبي حامد الإسفراييني، ابن السبكي (الإبهاج) ج 1 ص 371، الزركشي (البحر (المحيط ج 5 ص 137. ونسبه الدكتور خليفة بابكر الحسن إلى محققي الشافعية د. الحسن خليفة بابكر مناهج الأصوليين في طرق دلالات الألفاظ على الأحكام) ص 201.
المحيط)
(3) وحكاه الشيرازي والفخر الرازي، عن بعض الفقهاء من الشافعية، الشيرازي، أبو إسحاق (شرح اللمع) ج 1 ص 440، الرازي (المحصول) ج 2 ص 148، وصححه أبو الحسن السهيلي. الزركشي (البحر ج ه ص 137، وانظر: ابن السبكي (جمع الجوامع شرح المحلي) ج 1 ص 250 - 351. (4) هذا معنى لفظ جاء في حديث أنس بن مالك في أحكام الصدقة، وهو الكتاب الذي كتبه أبو بكر الصديق رية - إلى أنس بن مالك - ه، وهو حديث طويل جاء فيه وفي صدقة الغنم في سائمتها إذا كانت أربعين إلى عشرين ومائة شاة البخاري (سنن أبى داود كتاب الزكاة، باب في زكاة السائمة، رقم الحديث 1567، ج 2 ص 98، وابن ماجة (سنن ابن ماجه) المعجم: الزكاة، باب إذا المصدق سنا دون سن أو فوق سن، رقم الحديث 1800 ج 2 ص 375، وانظر: الزيلعي عبدالله بن يوسف (نصب الراية في تخريج أحاديث الهداية ج 2 ص 342.
(5) حكى المحلي هذا القول عن ابن السبكي، المحلي (شرح المحلي على جمع الجوامع) ج 1 ص 251. (6) هذا حديث شريف أخرجه الربيع ابن حبيب (الجامع الصحيح) كتاب الأحكام، باب الأحكام، حديث 598، ص 236، والبخاري (صحيح البخاري بشرح (الفتح كتاب الاستقراض، باب مطل الغني ظلم، رقم الحديث 2400، ج 5 ص 75، ومسلم (صحيح مسلم بشرح النووي) كتاب المساقاة، باب تحريم مطل الغني، حديث رقم 1564، ج 10 ص 486، وأبو داود (سنن أبي داود) كتاب البيوع، باب في المطل، حديث 3345 ج 2 ص 120.
??? (1/151)
صفحة 152
***
فصول الأصول
***
قال ابن السبكي في منع الموانع (1) بعد كلام طويل فأقول: المراد بالصفة عند الأصوليين تقييد لفظ مشترك المعنى بلفظ آخر مختصر ليس بشرط ولا استثناء ولا غاية، ولا يريدون بها النعت فقط كما يفعل النحوي.
(2)
قال: وإذا كان المعني بالصفة التقييد كان المقيد في قولنا: في الغنم السائمة زكاة إنما هو الغنم، وفي قولنا: في سائمة الغنم زكاة إنما هو السائمة فمفهوم الأول عدم وجوب الزكاة في الغنم المعلوفة التي لولا التقييد بالسوم لشملها لفظ الغنم، ومفهوم الثاني عدم وجوب الزكاة في سائمة غير الغنم كالبقر – مثلا – التي لولا تقييد السائمة بإضافتها إلى الغنم لشملها لفظ السائمة. قال: ويؤيد ذلك أن أبا عبيد (2) لم يفهم من قول النبي - ع - مطل الغني ظلم إلا أن مطل غير الغني ليس بظلم، لا (3) أن غير المطل ليس بظلم، ولا أن (4) الغني الذي ليس بمماطل ليس بظالم انتهى كلامه (ه)،، وهو محتمل للصحة إلا أنه خلاف المتبادر للأذهان وعلى تقدير صحته فيفيد نفي الزكاة عن سائمة غير الغنم كالإبل - مثلا - وإن ثبت فيها فبدليل آخر، ومن الصفة بالمعنى السابق العلة نحو إعط السائل لحاجته مفهومه لا يعطي السائل غير المحتاج.
و من مفهوم المخالفة مفهوم الظرف زمانا ومكانا نحو سافر يوم الجمعة، أي: لا في غيره، واجلس أمام زيد، أي: لا وراءه.
•
، ومنها مفهوم الحال نحو أحسن إلى العبد مطيعا، أي: لا عاصيا.
(1) منع الموانع على سؤالات جمع الجوامع وهي ثلاثة وثلاثون سؤالا أوردها بعضهم على متنه فأجاب عنها، وأول الكتاب: الحمد لله الذي أسس قواعد دينه الخ، حاجي خليفة (كشف الظنون) ج 2 ص 1869. (2) أبو عبيد، القاسم بن سلام، ولد سنة 150 هـ، وقيل سنة 154 هـ، كان أبوه روميا لرجل من أهل هراة، واشتغل أبو عبيد بالحديث والأدب والفقه، وولي القضاء بمدينة طرسوس، وروى عن أبي زيد الأنصاري والأصمعي والكسائي وأبي عبيدة وغيرهم كتبه: الغريب المصنف، والأمثال، ومعاني الشعر، توفي بمكة سنة 223 هـ وقيل غير ذلك. ابن خلكان وفيات الأعيان ج 4 ص 60، الزركلي (الأعلام) جه
ص 176.
(3) في 'ب' إلا.
(4) في 'ب' ولأن.
(5) لم أطلع على هذا الكتاب بعد البحث، وربما نقله المصنف من الآيات البيانات، ابن قاسم (الآيات البينات)
ج 2 ص 39.
152 (1/152)
صفحة 153
153
***
فصول الأصول
***
•
ومنها مفهوم العدد كقوله تعالى: فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَنِينَ جَلْدَةً (1)، أي لا أكثر، {الله وكحديث فليغسله سبع مرات (2) أي: لا أقل، والحق أن هذه المذكورة داخلة تحت مفهوم الصفة.
ومنها مفهوم الشرط كقوله تعالى: {وَإِن كُنَّ أُوْلَتِ حَمْلٍ فَأَنفِقُوا عَلَيْهِنَّ (3) أي: فغير أولات الحمل لا يجب الإنفاق عليهن، ومنها مفهوم الغاية نحو قوله
تعالى فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنكِحَ زَوْجًا غيره (4) أي: تحل إذا أنكحته. ت أ ومنها مفهوم الحصر، وله أدوات منها نحو: {إِنَّمَا إِلَهُكُمُ اللهُ له () أي: فغيره ليس بإله لأن الإله هو المعبود بحق، وأدوات النفي والاستثناء نحو لا عالم إلا زيد مفهومه إثبات العلم، لزيد خاصة، ومنطوقه نفي العلم عن غيره، ونحو ما قام إلا زيد مفهومه إثبات القيام لزيد خاصة و منطوقه نفي القيام عن غيره. . ومن الحصر ضمير الفصل نحو زيد هو الكامل، أي: لا غيره وقوله تعالى (6): فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ} (7) أي (8): لا غيره، ومن الحصر تقديم المعمول نحو إيَّاكَ نَعْبُدُ الله (9) أي لا غيرك، ولإلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ} (10) أي: لا إلى غيره. واعلم أن هذه المفاهيم تتفاوت قوة وضعفا، فأقواها عندهم مفهوم الاستثناء م (11) الغاية نحو أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى الَّيْلِ (12)، ثم
نحو لا عالم إلا زيد، ثم مفهوم
(1) القرآن الكريم سورة النور (مدنية) آية رقم:
(V),
(12)
(2) الحديث أخرجه الربيع بن حبيب (الجامع الصحيح كتاب الطهارة، باب جامع النجاسات، حديث 154، ص 42، ومسلم بلفظ إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليرقه ثم لغسله سبع مرات مسلم (صحيح مسلم بشرح النووي كتاب الطهارة، باب حكم ولوغ الكلب، ج 3 ص 186.
(3) القرآن الكريم سورة الطلاق (مدنية) آية رقم 6. (4) القرآن الكريم سورة البقرة (مدنية) آية رقم 230. (5) القرآن الكريم سورة طه (مكية) آية رقم 98. (1) تعالى ساقطة من 'ب'. (1) القرآن الكريم سورة الشورى (مكية) آية رقم 9. (أ) أي ساقطة من "ب".
(9) القرآن الكريم سورة الفاتحة (مكية) آية رقم 5. (10) القرآن الكريم سورة آل عمران (مدنية) آية رقم 158.
(11) مفهوم ساقطة من ب.
(12) القرآن الكريم سورة البقرة (مدنية) آية رقم 187. (1/153)
صفحة 154
***
فصول الأصول
***
الشرط نحو أكرم زيدا إن دخل الدار، ثم الحصر بما وإلا نحو ما زيد إلا رجل، لهِ وَمَا مُحَمَّدُ إِلَّا رَسُولٌ (1)، ثم الحصر بإنما نحو إنما العالم زيد، ثم الحصر بغيرها كضمير الفصل نحو زيد هو العالم، ويليه تقديم المعمول نحو وإِيَّاكَ نَبدُ (2) ثم الصفة المناسبة نحو في الغنم السائمة زكاة، ثم الغير المناسبة وأعلاها العلة نحو أكرم الرجل لعلمه ومنه حديث تنكح المرأة لأربع (3)، وبعد العلة الظرف والحال نحو أكرم من زارك يوم الجمعة، أكرم من جاءك راكبا، ثم العدد نحو فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَنِينَ جَلْدَةً (4)، ثم مفهوم اللقب، وهو أضعفها قال به الدقاق (ه) والصيرفي (6) وبعض الحنابلة (7)، والمراد باللقب الاسم الغير المشتق كالعلم واسم الجنس كقولك: أكرم الرجال مفهومه عند من قال به ترك إكرام النساء، وأكثر الأصوليين لا يقولون بمفهوميته، وبعضهم الحق مفهوم الاستثناء والغاية والحصر بإنما بالمنطوق، والحق بعض بعضها لا الكل به، والصحيح أنها مفاهيم، والله
أعلم.
(1) القرآن الكريم سورة آل عمران (مدنية) آية رقم 144. (2) القرآن الكريم سورة الفاتحة (مكية) آيه رقم 5.
(3) الحديث أخرجه مسلم بلفظ تنكح المرأة لأربع لما لها ولحسبها ولجمالها ولدينها، فاظفر بذات الدين تربت يداك، مسلم (صحيح مسلم بشرح النووي كتاب الرضاع، باب استحباب نكاح ذات الدين، ج 9 ص 305، والبخاري (صحيح البخاري بشرح الفتح كتاب النكاح، باب الاكفاء في الدين حديث ج 9 ص 35، وابن ماجة (سنن ابن ماجة) المعجم النكاح، باب تزويج ذات الدين، حديث 1858 ج 2 ص 414، وأبو داود (سنن أبي داود كتاب النكاح باب في تزويج الابكار، حديث 2047 2 ص
0.9.
ج 2 ص 226. (4) القرآن الكريم سورة النور (مدنية) آية رقم 4.
(5) الدقاق: الحسن بن علي بن محمد الدقاق، أبو علي، كان عالما بالفقه وأصوله، من علماء الشافعية، تفقه على الخضري والقفال، وروى عنه القشيري وغيره، توفي سنة 405 هـ، ابن السبكي (طبقات الشافعية) ج 4 ص 329، ابن العماد (شذرات الذهب) ج 5 ص 40.
(6) الصيرفي: محمد بن عبد الله الصيرفي، أبو بكر، متكلم أصولي، من علماء الشافعية، من أهل بغداد، من مؤلفاته: البيان في دلائل الأعلام على أصول الأحكام، والفرائض، توفي سنة 330 هـ، ابن خلكان وفيات الأعيان) ج 4 ص 199، ابن العماد (شذرات الذهب) ج 4 ص 168.
(7) الحنابلة: أتباع الإمام أحمد بن حنبل، وهو أحد الأئمة الأربعة، ومن كبار علمائهم الطوفي وابن قدامة و ابن مفلح، من كتبهم: مختصر الخرقي والمبدع والإنصاف، الشهرستاني (الملل والنحل) ج 1 ص 216، شريف يحيى الأمين (معجم الفرق الإسلامية) ص 104.
154 (1/154)
صفحة 155
***
فصول الأصول
***
الفصل السادس عشر
في الكلام على حجية المفاهيم
قد اختلف الأصوليين في حجية مفاهيم المخالفة ما عدا مفهوم اللقب (1) أثبت بعضهم حجيتها من حيث اللغة (2)، لأن أئمة اللغة احتجوا – مثلا – بحديث مطل الغني ظلم (3)، أن مطل غيره ليس ظلما، وهم إنما يقولون ما يعرفونه من لسان العرب، وبعضهم أثبتها حجة من حيث الشرع لمعرفة ذلك من موارد كلام الشارع (4) كما فهم - - من آية الاستغفار أن حكم ما زاد على السبعين بخلاف حكمها إذ قال خيرني ربي وسأزيد على السبعين (5).
وبعضهم أثبتها حجة من حيث المعنى، وهو العرف العام (6)، وأنكر أبو حنيفة الكل مطلقا ولم يقل بشيء من مفهوم المخالفة أصلا (7)، وإن أثبت الحكم في المسكوت على خلافه في المنطوق فلدليل آخر كانتفاء الزكاة عن المعلوفة قال: الأصل عدم الزكاة في الكل فثبتت في السائمة بمنطوق الحديث، وبقيت المعلوفة على أصلها ولا حكم لمفهومه، فهو يثبت أمثال هذه الأحكام على استصحاب الأصل، ووافقه
(1) أما مفهوم اللقب فقد قال به بعض الأصوليين، كما مر سابقا. (2) حكاه الروياني و المارودي عن بعض الشافعية، وصححه ابن السمعاني منهم. الزركشي (البحر المحيط) جه ص 136، ونسبه ابن النجار إلى أكثر الحنابلة (شرح الكوكب المنير) ج 3 ص 500، والإمام السالمي إلى الإباضية (شرح طلعة الشمس) ج 1 ص 261، وانظر: البناني (حاشية البناني على جمع الجوامع) ج 1 ص 253، د. بابكر (مناهك الأصوليين) ص 253.
(3) مر تخريج هذا الحديث سابقا ص 76. (4) قال به بعض الشافعية، الزركشي (البحر المحيط) ج ه ص 136، السالمي (شرح طلعة الشمس) جا ص 260، د. بابكر مناهج الأصوليين) ص 254.
(5) أخرجه البخاري (صحيح البخاري بشرح الفتح كتاب التفسير، باب استغفر لهم أو لا تستغفر لهم
حديث 4670 ج 8 ص 184.
(6) قال به الفخر الرازي في المعالم الزركشي (البحر المحيط) ج 5 ص 136، المحلي (شرح المحلي على جمع الجوامع) ج 1 ص 253، ابن النجار (شرح الكوكب المنير) ج 3 ص 500، د بابكر (مناهج الأصوليين) ص 254. (7) وهو قول جمهور أصحابه وهم ينكرون مفهوم المخالفة في كلام الشارع فقط، وأما ما يجري في متفاهم الناس وعرفهم، وفي المعاملات والعقليات فيعملون به، الخبازي (المعني في أصول الفقه) ص 164، البخاري كشف الأسرار) ج 2 ص 465، الكمال بن الهمام (التحرير بشرح التيسير) ج 1 ص 101، التفتازاني التوضيح شرح التنقيح ج 1 ص 268، ابن عبد الشكور (مسلم الثبوت بشرح الفواتح ج 1 ص 414. (1/155)
صفحة 156
***
فصول الأصول
***
على ذلك جملة من العلماء من غير أهل مذهبه) وهو الأظهر عندي.
(1) وذهب إلى ذلك ابن سريج والقفال الشاشي وأبو حامد المروزي، وكثير من المعتزلة، وأبو الحسن التميمي من الحنابلة، وبعض المالكية، ومعظم المتكلمين، واختلف النقل عن أبي الحسن الأشعري.
هذا وقد احتج كل فريق بحجج واستند إلى أدلة أذكر منها ما يلي:
أ - ما احتج به الجمهور: 1 - أن علماء اللغة وأئمتها أخذوا بمفهوم المخالفة، فقد قال كثير منهم في حديث الصحيحن مطل الغني ظلم إنه يدل
على أن مطل غير الغني ليس بظلم، ومن هؤلاء أبو عبيدة معمر بن المثنى وتلميذه أبو عبيد القاسم بن سلام. 2 - أن كبار الصحابة - ر - أخذوا بمفهوم المخالفة، وذلك أن يعلي بن أمية، قال لعمر بن الخطاب
ره - ما بالنا نقصر وقد أمنا وقد قال الله تعالى: ليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم أن الله يفتنكم الذين كفروا (القرآن الكريم سورة النساء - مدنية - آية رقم 101، فقال عمر – ه – تعجبت
مما تعجبت منه، فسألت رسول الله - ه - فقال: صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته، مسلم (صحيح مسلم بشرح النووي) كتاب صلاة المسافرين وقصرها باب (1) رقم الحديث 568 ج 5 ص 202
، وجه الدلالة، أنهما فهما نفى القصر حال عدم الخوف، وأقر الرسول - ع - ذلك ولم ينكر. أن ابن عباس - ا - فهم من قوله - -: إنما الربا في السنيئة نفي تحريم ربا الفضل، ذلك لأنه أخذ بمفهوم المخالفة، والمفهوم هنا الحصر بإنما. - لو لم نعتبر مفهوم المخالفة حجة لأدى ذلك إلى خلو التخصيص بالوصف والشرط وغيرهما عن. الفائدة التي يستدعيها التخصيص، وهذا امر لا يصح في عرف الاستعمال، فلو استوت السائمة والمعلوفة مثلا - في وجوب الزكاة مع قوله - -: في الغنم السائمة زكاة لأدى ذلك إلى إبطال فائدة الوصف، فيكون وروده لغوا في الحديث الشريف. ب - أما الحنفية ومن تابعهم فقد استدلوا بالأتي: 1 - لكي يؤخذ بمفهوم المخالفة فإنه يحتاج في ثبوته إلى دليل وهو إما عقلي، ولا مجال للعقل في إثباته الأسامي واللغات، أو نقلي إما متواتر أو أحادي، والتواتر لم يحصل، فيبقى الأحادي لكنه لا يؤخذ به في ذلك. 2 - أن الأسماء موضوعة للتمييز بين الأجناس كما أن الصفات موضوعة للتميز بين الأنواع، وقد اتفق الكل إلا قليلا من الأصوليين على أن مفهوم اللقب لا يعمل به، فكذلك في الصفة.
- أن الوصف لو صح أنه موضوع ليدل على التقييد لما جاز أن يرد لغير التقييد، والمعلوم أنه ورد لغير التقييد. 4 - أهل اللغة فرقوا بين العطف والنقض، وقالوا: اضرب الرجال الطوال والقصار - عطف وليس بنقض، ولو كان قولهم: اضرب الرجال الطوال يدل على نفي ضرب القصار لكان قوله: والقصار، نقضا لا عطفا. 5 - ليس في كلام العرب كلمة تدل على شيئين متضادين - وهنا - تقولون: هذه اللفظة تدل على إثبات الحكم ونفي ضده.
6 - لو كان مفهوم المخالفة حجة، لما جاز تركه بالقياس كما لا يجوز نسخ الخطاب بالقياس. ومما يلاحظ أن اكثر اعتماد الجمهور على المأثور أما اعتماد الحنفية فعلى المعقول. وانظر: البصري أبو الحسين (المعتمد) ج 1 ص 149 - 150، الباجي أبو الوليد (أحكام الفصول) ص 515، الشيرازي، أبو إسحاق (شرح اللمع) ج 1 ص 429 - 434، التبصرة) ص 318، الغزالي (المستصفى) ج 2 ص 197، الكلوذاني (التمهيد) ج 2 ص 207 - 214، الآمدي (الإحكام في أصول الأحكام) ج 3 ص 80 - 81، البخاري (كشف الأسرار) ج 2 ص 473، العضد (شرح العضد على مختصر المنتهى الأصولي) ج 2 ص 175، الزركشي (البحر المحيط) ج 5 ص 132 - 143، التفتازاني (التلويج على التوضيح) ج 1 ص 269، ابن المرتضى (منهاج الوصول إلى معيار العقول) ص 396 - 404، ابن النجار (شرح الكوكب المنير) ج 3 ص 502 - 503، الأنصاري عبدالعلي (فواتح الرحموت) جا ص 414، السالمي (شرح طلعة الشمس) ج 1 ص 261، د. خليفة بابكر (مناهج الأصوليين) ص 257. (1/156)
صفحة 157
157
***
فصول الأصول
***
وبعضهم أنكره في الخبر دون الإنشاء (1) نحو في الشام الغنم السائمة فلا ينفي كون المعلوفة فيها – أيضا – لأن الخبر له خارجي يجوز الإخبار ببعضه، فلا يتعين القيد للنفي بخلاف الإنشاء نحو زكوا عن الغنم السائمة وما في معناه فلا خارجي له، فلا فائدة للقيد فيه إلا النفي. وأنكر إمام الحرمين صفة لا تناسب الحكم (2) كأن (3) يقول الشارع: في الغنم العقر (4) زكاة قال: هي في معنى اللقب بخلاف المناسب كالسوم لخفة مؤونة العلة. السائمة، فهي في معنى وأنكر قوم مفهوم العدد دون غيره (5) فقالوا: لا يدل على مخالفة حكم الزائد عليه أو الناقص عنه إلا بقرينة. أهـ (6).
وأما مفهوم الموافقة فقد اتفقوا على حجيته كما تقدم، والله أعلم.
(1) ابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 1 ص 255، السالمي (شرح طلعة الشمس) ج 1 ص 261. (2) الجويني (البرهان) ج 1 ص 309، وقد مر ذكر جماعة من العلماء لم يأخذوا بمفهوم الصفة، وممن لم يأخذ بهذا المفهوم - أيضا - الباقلاني والغزالي، الغزالي (المستصفى) ج 2 ص 236، والفخر الرازي (المحصول) ج 2 ص 136، والآمدي (الاحكام ج 3 ص 94، وأحمد بن يحيى بن المرتضى (منهاج
الوصول إلى معيار العقول ص 396، وينظر: السالمي (شرح طلعة الشمس) ج 1 ص 265. وذهب الماوردي من الشافعية إلى الفرق بين أن يقع في جواب سؤال فلا يكون حجة، وبين أن يقع ذلك ابتداء فيكون حجة، وحجته على ذلك أنه لا بد لتخصيصه بالذكر من فائدة، فلما خرج عن الجواب - أي لم يقع جوابا السؤال - ثبت وروده للبيان. الزركشي (البحر المحيط) ج 5 ص 157. وذهب أبو عبد الله إلى أن مفهوم الصفة يدل على نفي ما عداه في ثلاثة أحوال هي (1) أن يكون الحديث واردا مورد البيان كحديث في سائمة الغنم زكاة. (2) أن يكون الخطاب واردا مورد التعليم كخبر التحالف والسلعة قائمة (3) أن يكون ما عدا الصفة داخلا تحت الصفة نحو الحكم بالشاهدين يدل على نفيه عن الشاهد الواحد، لأنه داخل تحت الشاهدين. البصري أبو الحسين (المعتمد) ج 1 ص 150.
(3) (3) في ب كان من غير همز. (4) (4) في أ العفر بالفاء.
(5) (5) قال الزركشي، هو رأي منكري الصفة. الزركشي (البحر المحيط) ج ه ص 170، وتبعه في هذه النسبة، الشوكاني. الشوكاني (إرشاد الفحول) ص 181، والدكتور خليفة بابكر. د. خليفة بابكر مناهج الأصوليين) ص 231.
(6) (6) في ب انتهى. (1/157)
صفحة 158
***
فصول الأصول
***
تنبيه، إنما بكسر الهمزة قال الآمدي وأبو حيان (1): لا تفيد الحصر لأنها إن المؤكدة وما الزائدة الكافة فلا تفيد النفي المشتمل عليه الحصر (2)، وعلى ذلك خرجوا حديث مسلم إنما الربا في النسيئة (3) إذ ربا الفضل قالوا: ثابت إجماعا وإن تقدمه خلاف واستفادة النفي في بعض المواضع من خارج كما في إِنَّمَا إِلَهُكُمُ اللهُ (4)، فإنه سيق () للرد على المخاطبين في اعتقادهم إلهية غير الله تعالى.
وقال أبو إسحاق الشيرازي (6) والغزالي والإمام الرازي: تفيد الحصر المشتمل على نفي الحكم عن غير المذكور (7)، نحو إنما قام زيد، أي: لا عمرو، أو نفي غير الحكم عن المذكور نحو إنما زيد قام أي: لا قاعد، فتفيد ذلك فهما وقيل: نطقا أي: بالإشارة كما تقدم لتبادر الحصر منه إلى الأذهان أهـ (8)، وأما إنما فقد قال ابن السبكي: الأصح أنها فرع على إن المكسورة، فالمكسورة هي الأصل لاستغنائها بمعموليها في الإفادة بخلاف المفتوحة لأنها مع معموليها بمنزلة مفرد.
وقيل: المفتوحة الأصل لأن المفرد أصل للمركب، وقيل: كل واحدة أصل لأن
(1) أبو حيان، محمد بن يوسف بن علي الأندلسي، من علماء النحو واللغة، ولد بغرناطة سنة 654، تتلمذ على أبي جعفر بن الزبير وأبي جعفر بن الطباع وغيرهما، ودرس عليه علي بن عبد الكافي السبكي وغيره، من مؤلفاته: البحر المحيط وشرح التسهيل والتذكرة توفي سنة 745 هـ. ابن السبكي (طبقات الشافعية) ج 9 ص 276، الزركلي (العلام) ج 7 ص 152. (2) الآمدي (الأحكام) ج 3 ص 106، الزركشي (البحر المحيط) ج 5 ص 184، ابن هشام (المغني) ص 40 - 41. (3) مسلم (صحيح مسلم بشرح النووي كتاب المساقاة، باب بيع الطعام مثلا بمثل، حديث 1594، ج 11 ص 28. (4) القرآن الكريم سورة طه (مدنية) آية رقم 98. (5) في أسبق بالباء. (6) الشيرازي، إبراهيم بن علي بن يوسف أبو إسحاق الفيروز آبادي، ولد سنة 393 هـ، سكن بغداد، من. علماء الشافعية، من مؤلفاته: اللمع وشرحها والتبصرة، والتخليص، توفي سنة 476 هـ ببغداد. ابن خلكان وفيات الأعيان ج 1 ص 29، ابن السبكي (طبقات الشافعية) ج 4 ص 215، الزركلي (الأعلام) ج 1 صاه.
(7) وهو قول القاضي الباقلاني والكيالهراسي، وقال أبو إسحاق الشيرازي، وبه قال أكثر من لم يقل بدليل الخطاب، الشيرازي (شرح اللمع) ج 1 ص 441 - 442، وصححه ابن هشام (مغني اللبيب) جا ص 41. الغزالي (المستصفى) ج 1 ص 206، الآمدي (الإحكام) ج 3 ص 106، المالقي (رصف المباني) ص 203، ابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 1 ص 258 - 259.
(1) في ب انتهى.
158 (1/158)
صفحة 159
159
***
فصول الأصول
***
لكل منهما محلا يقع فيه دون الآخر (1) وعلى الأول بني الزمخشري (2) حيث قال في
(3)
}
(4)
تفسير قوله تعالى: قل إنما أنا بشر مثلكم يُوحَى إِلَى أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلهُ وَاحِدٌ)) إن إنما تفيد الحصر كالمكسورة، وذلك لأن ما ثبت للأصل ثبت للفرع)، وعلى هذا - أيضا - مشى القطب - رحمه الله - في هيميانه (6) حيث قال: إنما في الموضعين للحصر، ويؤول المصدر بعد الثانية، فيكون معنى الآية أن الوحي في أمر الإله تعالى مقصور على استئثاره بالوحدانية، أي: لا يتجاوز إلى أن يكون الإله كغيره متعددا كما عليه المخاطبون (7).
وذهب الجمهور إلى أنها باقية على مصدريتها مع دخول ما الكافة عليها (8) لأنها عندهم من أفراد أن المخففة، قالوا: فبقاء أن في الآية وأمثالها على المصدرية كاف في حصول المقصود بها من نفي الشريك عن الله تعاليا هـ (9) والله أعلم.
(1) ابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 1 ص 259. (2) الزمخشري، محمود بن عمر بن محمد الخوارزمي، ولد سنة 467 هـ من كبار المعتزلة عالم بالتفسير والحديث واللغة، من مؤلفاته: الكشاف وأساس البلاغة، والمفصل، توفي سنة 538 هـ. ابن خلكان (وفيات الأعيان) ج 5 ص 168، الزركلي (الأعلام) ج 7 ص 178.
(3) أنا بشر مثلكم ساقطة من ب. (4) القرآن الكريم سورة الأنبياء (مكية) آية رقم 08
(5) لم أجد هذا الكلام في تفسير هذه الآية، بل لم يتكلم عن إنما المكسورة ولا المفتوحة في هذه الآية لكنه قال في تفسير قوله تعالى قل إنما يوحى إلي أنهما إلهكم أله واحد فهل أنتم مسلمون (الأنبياء: 108) إنما لقصر الحكم على شيء أو لقصر الشيء على حكم لأن إنما يوحى إلي مع فاعله منزلة إنما قام زيد، وأنما إلهكم إله واحد، بمنزلة إنما زيد قائم وفائدة اجتماعهما الدلالة على أن الوحي إلى رسول الله - - مقصور على استئثار الله بالوحدانية - الزمخشري الكشاف) ج 3 ص 139. (1) كتاب تفسير الفه الإمام القطب، يقع فيما يقرب من ثلاثين مجلدا،، وهو مطبوع بوزارة التراث، ويعتبر مرجعا هاما للإباضية، وهو تفسير موسعي، محمد حسين الذهبي (التفسير والمفسرون) ج 2 ص 346. (7) كلام القطب: إنما في الموضعين للحصر، ويؤول بمصدر ما بعد الثانية، فيكون نائب يوحي، أي: يوحى إلي وحدانية إلهكم وعدم الشريك له في الملك والعبادة. القطب محمد بن يوسف (هيميان الزاد)
ج 10، ص 233.
(8) الفخر الرازي (التفسير الكبير) ج 22 ص 201، ابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) جا ص 261، أبو حيان (البحر المخيط) ج 7 ص 473.
(9) في ب انتهى. (1/159)
صفحة 160
***
فصول الأصول
***
الفصل السابع عشر
في الكلام على الأوضاع اللغوية
من لطف الله سبحانه وتعالى بعباده حدوث الموضوعات اللغوية بإحداثه تعالى، ولو قيل: واضعها غيره، لأنه الخالق للعباد وأفعالهم، وذلك لعجز البشر عن استقلال كل منهم بحمل مهماته دينا ودنيا ليعبر كل واحد عما نفسه لغيره كي يعاونه عليه، فالألفاظ الموضوعة للتخاطب أعظم فائدة من الإشارات والأشكال وأيسر منها لموافقتها للأمر الطبيعي دونها وهي الألفاظ الدالة على المعاني، وتعرف بالنقل تواترا كان كالسماء والأرض، أو آحادا كالقرء للحيض وللظهر (1) معا، وتعرف - أيضا - باستنباط العقل من النقل نحو إن الجمع المعرف بأل عام، فإنه لما نقل أن الجمع يصح الاستثناء منه استنبط العقل من ذلك أنه عام، ولا يكفي مجرد العقل في ذلك إذ لا مجال له فيه، والمعنى الدال عليه اللفظ إما جزئي أو كلي، فالأول ما يمنع تصوره من الشركة فيه كزيد، والثاني ما لا يمنع كالإنسان، ويدل اللفظ – أيضا – على لفظ الخبر أي: ما صدقه نحو قام زيد، أو مهمل كمدلول لفظ الهذيان (2)، والوضع: جعل اللفظ دليلاً على المعنى، ولا يشترط مناسبته له في وصفه خلافاً لبعض (3)، وإن دل اللفظ على معنى ذهني وخارجي فموضوع للخارجي لا للذهني خلافا للإمام الرازي (4)، وقيل: موضوع للمعنى من حيث هو، أي: من غير تقييد بذهني أو خارجي، فعلى هذا يكون حقيقة في كل منهما، والخلاف في التكرار، لأن المعارف منها ما وضع للذهني، ومنها ما وضع للخارجي كما ستعرفه - إن شاء الله.
(4)
(1) في ب والظهر. (2) هذى فلان هذيا وهذيانا، تكلم بغير معقول لمرض أو غيره، فهو هذاء، الجوهري (الصحاح) باب الياء فصل الهاء، ج 6 ص 2535، إبراهيم أنيس (المعجم الوسيط باب الهاء، ج 2 ص 1019، وإنما كان مهملا لأنه ضره عن غير قصد.
(3) اشترط ذلك عباد الصيميري كما حكاه عنه ابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 1 ص 265. وانظر: الفخر الرازي (المحصول) ج 1 ص 181
(4) الفخر الرازي (المحصول) ج 1 ص 200. (1/160)
صفحة 161
***
فصول الأصول
***
واللفظ المحكم هو ما اتضح معناه من نص أو ظاهر، والمتشابه ما اختص الله بعلمه فلم يتضح لنا معناه على الأصح (1)، واللغات في قول الجمهور توقيفية (2) أي وضعها الله تعالى فعلمها عباده بالوحي إلى بعض أنبيائه، أو خلق الأصوات في بعض الأجسام فدل عليها من يسمعها من العباد، أو خلق العلم الضروري بها في بعض العباد، والأول أظهر، وقال أكثر المعتزلة: إنها اصطلاحية وضعها بعض البشر فعرفها غيره منه بالإشارة والقرينة كالطفل يعرف لغة أبويه بهما، قلت: (1) سيأتي الكلام على معنى المحكم والمتشابه في الفصل التاسع والستين.
(2) اختلف العلماء في واضع اللغة على أقوال: أ- وضعها الله سبحانه وتعالى، وهو مذهب أبي الحسن الأشعري وبعض أتباعه كابن فورك. الامدي (الاحكام) ج 1 ص 109، الزركشي (البحر المحيط) ج 2 ص 239، وقال به ابن قدامة الحنبلي، ابن قدامة (روضة الناظرة) ج 2 ص 545، وعزاه ابن جني إلى أبي علي الفارسي ابن جني (الخصائص) ج 1 ص 41. وحكاه الزركشي عن ابن فارس، الزركشي (البحر المحيط) ج 2 ص 239، وهو قول أهل الظاهر، ابن
حزم (الاحكام) ج 1 ص 32، وجماعة من الفقهاء، الآمدي (الاحكام) ج 1 ص 109. ب - إلهام من الله لبني آدم كأصوات الطيور والبهائم، حيث إنها أمارات على إرادتها فيما بينها بإلهام الله تعالى، حكي عن أبي علي الفارسي. الزركشي (البحر المحيط) ج 2 ص 239.
ج - الواضع هم البشر، ذهب إلى هذا أبو هاشم ومن تابعه من المعتزلة ونسبه ابن جني إلى أكثر أهل النظر الزركشي (البحر المحيط) ج 2 ص 239، ابن جني (الخصائص ج 1 ص 41.
د بعضه من الله وبعضه من الناس، ثم اختلف هؤلاء على رأيين.
1 - أن البداءة من الله والتتمة من الناس نسبه القرطبي إلى الأستاذ الإسفراييني.
- عكس هذا الرأي، حكاه الزركشي عن قوم. الزركشي (البحر المحيط) ج 2 ص 239. هـ - الوقف، قال به البيضاوي، والجويني (البرهان) ج 1 ص 130، البيضاوي المنهاج بشرح الابهاج) ج 1 ص 196، وأبو العباس الشماخي، الشماخي (مختصر العدل والانصاف) ص 18، وابن القشيري وابن السمعاني. الزركشي (البحر المحيط) ج 2 ص 239، وحكاه كل من ابن السبكي (الابهاج) ج 1 ص 109، (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 1 ص 269، والفخر الرازي (المحصول) ج 1 ص 181، والطوفي (شرح مختصر (الروضة ج 1 ص 471، عن الجمهور من المحققين، وهذه الحكاية عن الجمهور
تخالف حكاية المصنف عنهم.
وانظر المسألة في: ابن جني (الخصائص) ج 1 ص 41، ابن حزم (الإحكام) ج 1 ص 32، الجويني (البرهان) ج 1 ص 130، الغزالي (المستصفى) ج 1 ص 318، الفخر الرازي (المحصول) ج 1 ص 181، ابن قدامة (روضة الناظر) ج 2 ص 454، الآمدي (الإحكام) ج 1 ص 109، الطوفي (شرح مختصر الروضة ج 1 ص 471، ابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 1 ص 269، (الإبهاج) ج 1 ص 196، الإسنوي (نهاية السول) ج 1 ص 49، ابن النجار (شرح الكوكب المنير) ج 1 ص 97، الانصاري (فواتح الرحموت ج 1 ص 183، الشوكاني (إرشاد الفحول) ص 12، القنوجي محمد صديق البلغة في أصول اللغة) ص 72.
?? (1/161)
صفحة 162
***
فصول الأصول
***
لعل هذا مبني على مذهب المعتزلة في نسبتهم خلق الأفعال إلى العباد وإلا فالذي عندي على المذهب الصحيح أن الخلاف راجع إلى اللفظ فقط، لأن الله سبحانه وتعالى هو الخالق للعباد، وجميع مصنوعاتهم واختراعاتهم على الحقيقة، ويؤيد الول قوله تعالى: {وَعَلَمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَهَا (1)، وتوقف كثير من العلماء عن القول فيها بشيء لتعارض الأدلة، قال ابن السبكي: والمختار الوقف عن القطع بواحد من الأقوال لأن أدلتها لا تفيد القطع، والقول الأول مظنون لظهور دليله دون دليل الإصطلاح (2). انتهى (3) والله أعلم، واختلفوا - أيضا - هل تثبت اللغة – بطريق القياس أم لا؟ ذهب الباقلاني وإمام الحرمين والغزالي والآمدي إلى أنها لا تثبت بالقياس (4)، وقال ابن سريج () والشيرازي والإمام الرازي ومن تابعهم: إنها تثبت به (6)، فإذا اشتمل معنى الاسم على وصف مناسب للتسمية كالخمر – مثلا – معناه المسكر من العنب، ووجد ذلك الوصف في معنى آخر كالنبيذ أي: المسكر من غير ماء العنب ثبت له ذلك الاسم بالقياس لغة، فيسمى النبيذ خمرا، أي:
(2)
(1) القرآن الكريم سورة البقرة (مدنية) آية رقم 31.
(2) ابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 1 ص 271. (3) في ب أهـ.
(4) وهو قول ابن برهان (الوصول إلى الأصول) ج 1 ص 110، وابن الحاجب (المرجع السابق) وأبي بكر الصيرفي وابن حاتم وأبي الحسين ابن القطان وابن القشيري والكيا الطبري وابن خويز منداذ، الزركشي (البحر المحيط) ج 2 ص 255، البدر الشماخي (مختصر العدل والانصاف ص 9، وقال الآمدي، وأنكره معظم أصحابنا وجمعة من أهل الأدب، وهو قول عامة الحنفية، الآمدي (الاحكام) ج 1 ص 88، وانظر: ابن جني (الخصائص) ج 1 ص 7، الجويني (البرهان) ج 1 ص 132، الغزالي (المستصفى) ج 1 ص 322، ابن برهان (الوصول إلى الأصول) ج 1 ص 110، ابن قدامة (روضة الناظر) ج 2 ص 546، الآمدي (الإحكام) ج 1 ص 88، الطوفي (شرح مختصر الروضة) ج 1 ص 476، ابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 1 ص 271، الزركشي (البحر المحيط) ج 2 ص 255، الشماخي (مختصر العدل والإنصاف) ص 9، أمير باد شاه (تيسير التحرير) ج 1 ص 56، الأنصاري عبد العلي فواتح الرحموت) ج 1 ص 186. (5) ابن سريج، أحمد بن عمر بن سريح أبو العباس، ولد سنة 249 هـ ببغداد، فقيه الشافعية في عصره، ولي القضاء بشيراز، من مؤلفاته الأقسام والخصال، والودائع لمنصوص الشرائع، توفي سنة 306 ببغداد، ابن
خلكان (وفيات الأعيان) ج 1 ص 66، الزركلي (الأعلام) ج 1 ص 185. (6) وقال به ابن أبي هريرة والقاضي أبو الطيب ونجم الدين الطوفي وأبو الخطاب الكلوذاني وابن قدامة والقاضي يعقوب الحنبلي، وكثير من الفقهاء وأهل العربية.
(انظر المراجع السابقة، في رقم 4)
162 (1/162)
صفحة 163
163
***
فصول الأصول
***
فيكون تحريمه بآية إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ} (1) لا بالقياس على الخمر، وسواء في الثبوت الحقيقة والمجاز، وقيل: ثبت الحقيقة لا المجاز لأنه اخفض رتبة منها، قلت: قياس
المجاز على المجاز عسر التصور لأن العلاقة إن تحققت بين الثالث وبين الأول. الموضوع له فهذا ليس من القياس في شيء لأنه مأذون فيه إبتداء فهو من تعدد المجاز لا قياس مجاز على مجاز، وإن تحققت بين الثالث والثاني دون الموضوع له فيتوجه عليه حينئذ أن شرط القياس وجود علة الأصل في الفرع، والعلة في الثاني الذي هو الأصل على هذا التقدير علة إطلاق اللفظ عليه هو العلاقة التي تحققت بينه
وبين الموضوع له ولم توجد في الفرع الذي هو الثالث فيتأمل.
(1) القرآن الكريم سورة المائدة (مدنية) آية رقم 90. (1/163)
صفحة 164
***
فصول الأصول
***
الفصل الثامن عشر
في الكلام على الألفاظ والمعاني
سمي.
متباينا
اعلم أن اللفظ والمعنى إن كان كل منهما واحدا فإن منع تصور معنى اللفظ الشركة فيه فذلك اللفظ يسمى جزئيا كزيد - مثلا -، وإن لم يمنع تصور معناه الشركة فيه يسمى كليا، والكلي إن كان معناه مستويا في أفراده كالإنسان فإنه متساوي المعنى في أفراده كزيد وعمرو وغيرهما سمي متواطئا، أي: متوافقا، وإن تفاوت معناه في أفراده بالشدة كالبياض فإن معناه في الثلج أشد منه في العاج، أو بالتقدم كالوجود فإن معناه الواجب قبله في الممكن. مشككا لتشكيكه الناظر فيه في أنه هل هو متواطئ نظرا إلى جهة اشتراك الأفراد في أصل المعنى او غير المعنى، أو غير متواطئ نظرا إلى جهة الاختلاف؟ وإن تعدد كل من اللفظ والمعنى كالإنسان والفرس سمي لتباين معنى أحد اللفظين مع الآخر، وإن اختلف اللفظ واتحد المعنى كالإنسان والبشر سمي مترادفا لترادف اللفظين على معنى واحد، وإن اتحد اللفظ وتعدد المعنى إلى اثنين فأكثر كالقرء - مثلا - معناه الحيض والطهر، وكالعين للماء والذهب والباضرة، فإن كان حقيقة في معنييه أو معانيه سمي مشتركا لاشراك المعنيين أو المعاني فيه، وإن كان حقيقة في واحد ففي غيره مجاز كالأسد فإنه حقيقة في الحيوان المفترس مجاز في الرجل الشجاع، والعلم لفظ وضع لشيء بعينه لا يتناول غيره بوضع واحد فتخرج النكرة وتدخل فيه الأعلام المشتركة وتخرج ما عدا العلم – أيضا – من أقسام المعرفة فإن كلا منها وضع لمعين جزئي يستعمل فيه لكنه يتناول غيره بدلا عنه كأنت (1) - مثلا - وضع لما يستعمل فيه من أي جزئي كان ويتناول جزئيا آخر بدله، وهكذا سائر المعارف، فإن كان وضع المعين في الخارج لا يتناول غيره من حيث الوضع له فهو على الشخص، فلا يخرج عنه العلم ذو الاشتراك العارض عليه بعد الوضع كزيد وضع المعين واحد أولا ثم اشترك فيه جماعة، وإن لم يكن التعين خارجيا بل كان ذهنيا فهو علم الجنس كأسامة
وضع علما لماهية السبع الحاضرة في الذهن ملاحظ فيها الوجود فقط (2).
(1) في ب كانت، من غير همزة. (2) ابن قدامة (روضة الناظر) ج 1 ص 96 - 104، القرافي (شرح تنقيح الفصول) ص 29، الكلبي، ابن جزي (تقريب الوصول) ص 55، ابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 1 ص 273 - 278، الزركشي (البحر المحيط) ج 2 ص 297، الشماخي مختصر العدل والإنصاف) ص 10، الميداني عبدالرحمن (ضوابط المعرفة) ص 34 - 57. (1/164)
صفحة 165
***
فصول الأصول
***
تنبيه: وها هنا بحث في الفرق بين اسم الجنس وعلم الجنس، قال الزركشي وغيره: وتحقيق الفرق بينهما أن اسم الجنس هو الموضوع للحقيقة الذهنية من حيث هي، فأسد - مثلا - موضوع للحقيقة من غير اعتبار قيد معها أصلا، وعلم الجنس موضوع للحقيقة باعتبار حضورها الذهني الذي هو نوع مشخص لها مع قطع النظر عن أفرادها، نظيره المعرف باللام التي للحقيقة والماهية فإن الحقيقة الحاضرة في الذهن وإن كانت عامة بالنسبة إلى أفرادها فهي باعتبار حضورها فيه أخص من مطلق الحقيقة، فإذا استحضر الواضع صورة الأسد ليضع لها فتلك الصورة الكائنة في ذهنه جزئية بالنسبة لمطلق صورة الأسد، فإن هذه الصورة واقعة لهذا الشخص في زمان ومثلها في زمان آخر وفي ذهن آخر و الجميع مشترك في مطلق صورة الأسد (1).
وقال الكوراني (2) ما نصه: وأما الجواب عن الثاني وهو الفرق بين علم الجنس واسمه فهو أن في اسم الجنس النكرة مذهبين أحدهما أنه موضوع للفرد المنتشر (3) وعلى هذا لا إشكال لأن علم الجنس ليس موضوعا لفرد بل للحقيقة، وثانيهما أنه موضوع للماهية وحينئذ يحصل الأشكال، والجواب أن في علم الجنس لوحظ الحضور الذهني، وفي اسم الجنس لم يلاحظ، فإن قلت: الواضع إذا وضع لفظه بازاء معنى لا بد وأن يلاحظ فيه، الجواب لأن الحضور الذهني وإن كان حاصلا لم يلاحظ في النكرة بخلاف المعرفة فإن الملاحظة واجبة فيه وعدم اعتبار الشيء ليس اعتبارا لعدمه انتهى
(4)
(1) القرافي (شرح تنقيح الفصول ص 33، الإسنوي (نهاية السول) ج 2 ص 47 الزركشي (البحر المحيط) ج 2 ص 292 - 296، ابن النجار (شرح) الكوكب المنير) ج 1 ص 146.
(2) الكوراني، أحمد بن إسماعيل بن عثمان الشافعي ثم الحنفي، ولد سنة 813 هـ مفسر، كردي الأصل، من أهل شهرزور، تعلم بمصر، ورحل إلى بلاد الترك، وولي القضاء في أيام محمد الفاتح، من كتبه: غاية الماني في تفسير السبع المثاني، والكوثر الحاوي، توفي سنة 893 هـ. السخاوي (الضوء اللامع) ج 1 ص 241، الزركلي (الأعلام) ج 1 ص 97.
(3) في ب المفر. (4) ابن قاسم (الآيات البينات) ج 2 ص 99. (1/165)
صفحة 166
***
فصول الأصول
***
فحاصللا الفرق أنه إذا حضرت الماهية في الذهن يتحقق فيه أمران: صورة تلك الماهية ونفس حضورها، والثاني وصف للأول، فإن وضع للموصوف وحده من غير اعتبار صفته التي هي الحضور فيه فهو اسم الجنس، وإن وضع لمجموع الموصوف والصفة أو تقول للموصوف باعتبار صفته التي هي الحضور فيه فهو علم الجنس، وهذا فرق صحيح لا غبار عليه ولا خلل يتطرق إليه فافهمه (1)، واشدد به
يدك ترشد - إن شاء الله تعالى - أهـ (2).
(1) هذا كلام بن قاسم العبادي بنصه من قوله، فحاصل الفرق ابن قاسم الآيات البيانات) ج 2 ص 99.
(2) في ب انتهى،، والله أعلم. (1/166)
صفحة 167
167
***
فصول الأصول
***
الفصل التاسع عشر
المترادف كما تقدم إلى آخره
المترادف كما تقدم هو: اللفظ المتعدد المتحد المعنى، وهو عند أكثر العلماء واقع في الكلام، وقد نفى ثعلب (1) و ابن فارس (2) وقوعه مطلق (3) قائلين: وما يظن أنه مترادف كالإنسان والبشر فذلك متباين بالصفة، فالإنسان باعتبار نسيانه أو باعتبار أنه يأنس، والبشر باعتبار أنه بادي البشرة: أي: ظاهر الجلد، ونفى الإمام الرازي وقوعه في الأسماء الشرعية (4) قائلا: لأنه ثبت على خلاف الأصل للحاجة إليه في النظم والسجع - مثلا - وذلك منتف في كلام الشارع، واعترض عليه بعضهم بالفرض والواجب والسنة والتطوع ونحوها فإنها مترادفة (5)، ويجاب بأنها أسماء اصطلاحية لا شرعية، والشرعية ما وضعها الشارع كما سيأتي إن شاء الله، وهل الحد والمحدود لفظان مترادفان كالحيوان الناطق والإنسان أم لا؟ وكذلك الاسم وتابعه کحسن بسن و عطشان نطشان، صحح عدم الترادف صاحب جمع الجوامع، وتبعه شارحه قالا: أما الأول فلأن الحد يدل على أجزاء الماهية تفصيلا، والمحدود يدل عليها إجمالا، والمفصل غير المجمل، ومن قال بترادفهما بقطع النظر عن الإجمال
(1) أحمد بن يحيى بن زيد، أبو العباس، ولد سنة 200 وقيل غير ذلك، من بني شيبان بالولاء، كان غمام الكوفيين في النحو واللغة، سمع ابن الأعرابي، والزبير بن بكار، وروى عنه الأخفش الأصغر وأبو بكر بن الأنباري وأبو عمرو الزاهد وغيرهم، من مؤلفاته، الفصيح ومعاني القرآن ومعاني الشعر، توفي سنة 291 هـ، ابن خلكان (وفيان الأعيان) ج 1 ص 102، السيوطي (بغية الوعاة) ج 1 ص 396، الزركلي (الأعلام) ج 1 ص 267.
(2) ابن فارس، أحمد بن فارس بن زكريا، أبو الحسين، اللغوي، ولد سنة 329 هـ، كان نحويا على طريقة الكوفيين، سمع أباه وعلي بن إبراهيم القطان، وقرأ عليه البديع الهمذاني، ألف: المجمل في اللغة، وفقه اللغة، ومقدمة في النحو، توفي سنة 395 هـ بالري، ابن خلكان وفيات الأعيان) ج 1 ص 118، القفطي (إنباه الرواة على إبناه النحاة ج 1 ص 127، السيوطي (بغية الوعاة) ج 1 ص 352، الزركلي الأعلام) ج 1 ص 193.
(3) ونسبه الزركشي إلى أبي هلال العسكري. الزركشي (البحر المحيط) ج 2 ص 356، وينظر: ابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 1 ص 390.
(4) الفخر الرازي (المحصول) ج 1 ص 316. (د) قال الزركشي، هذا والإمام نفسه - الفخر الرازي - ممن يقول بأن الفرض والواجب مترادفان، الزركشي (البحر المحيط) ج 2 ص 358، وانظر: الفخر الرازي (المحصول) ج 1 ص 97، وممن اعترض عليه - أيضا: ابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 1 ص 290. (1/167)
صفحة 168
***
فصول الأصول
***
والتفصيل قالا: - أيضا - وأما الثاني فإن التابع لا يفيد المعنى بدون متبوعه، ومن شأن كل مترادفين إفادة كل منهما للمعنى على حدة، والقائل بالترادف يمنع هذا التعليل)، والذي عندي أن التابع يفيد تأكيد المتبوع وتقويته وإلا لم يكن لذكره فائدة، والعرب لا تتكلم بما لا فائدة فيه لما أودع الله في ألسنتها من الحكمة، ويجوز في المترادفين أن يؤتى بكل منهما مكان الآخر، وإن لم يكون تعتد بلفظه كالقراءات المتواترة التي وقف عليها الشارع - صلوات الله وسلامه عليه – إذ لا مانع من ذلك (2)، ومنع الغزالي ذلك مطلقا (3) ومنعه القاضي البيضاوي – إذا كان الرديفان من لغتين لتباينهما (4). والله أعلم.
(1) ابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 1 ص 290 - 291، وممن صحح عدم الترادف في الحد والمحدود، وعطشان نطشان أبو العباس الشماخي (مختصر العدل والإنصاف) ص 11، وابن النجار (شرح الكوكب المنير) ج 1 ص 143.
(2) وقال به ابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 1 ص 292، والبدر الشماخي، (مختصر
العدل) ص 11.
(3) هنا تنبيهان: الأول: أن الذي منع ذلك مطلقا هو الفخر الرازي كما في المحصول، الفخر الرازي المحصول) ج 1 ص 257، والظاهر ان المصنف سها فأبدل الغزالي بالفخر الرازي، والمصنف - رحمه الله - أكثر نقله عن جمع الجوامع وشرحه للمحلي، وقد نسبه المحلي إلى الفخر الرازي، المحلي (شرح المحلي على جمع الجوامع ج 1 ص 292، وكذا الزركشي عزاه إلى الفخر الزركشي (البحر المحيط) ج 2 ص 263، وهذا يؤكد أن القول للفخر الرازي وليس للغزالي. الثاني: أن الفخر منع لزوم ذلك لا جوازه، وعبارته في المحصول، والحق ان ذلك غير واجب، لأن صحة الضم قد تكون من عوارض الألفاظ الفخر الرازي (المحصول) ج 1 ص 257. (4) وهو مذهب الصفي الهندي البيضاوي (منهاج الأصول بشرح نهاية السول) ج 2 ص 110، ابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 1 ص 292، الزركشي (البحر المحيط) ج 2 ص 362. (1/168)
صفحة 169
169
***
فصول الأصول
***
الفصل العشرون
في الكلام على المشترك
المشترك هو - كما تقدم - اللفظ الواحد المتعدد المعنى، وهو واقع في الكلام
(2)
جوازا ونفى الأبهري (1) والبلخي (2) وثعلب وقوعه مطلق (3)، قالوا: وما يظن أنه مشترك فهو إما حقيقة ومجاز، أو متواطئ (4)، كالعين حقيقة في الباصرة مجاز في غيرها وكالذهب لصفائه، والشمس الضيائها، وكالقرء موضوع للقدر المشترك بين الطهر والحيض، وهو الجمع من قرأت الماء في الحوض أي: جمعته فيه، والدم يجتمع في زمن الطهر في الجسد وفي زمن الحيض في الرحم، وبعضهم نفى وقوعه في القرآن الكريم (5)، وبعضهم في القرآن والحديث (6) ولانطيل بذكر احتجاجاتهم والرد عليهم، وقال بعضهم إنه واجب الوقوع لأن المعاني أكثر من الألفاظ الدالة عليها)، وقيل: هو ممتنع الوقوع لإخلاله بفهم المراد المقصود من الوضع وأجيب بأنه يفهم بالقرينة، والمقصود من الوضع الفهم التفصيلي والإجمالي المبين بالقرينة، فإن انتفت حمل على المعنيين أو المعاني.
(V)
،
(1) الأبهري، محمد بن عبد الله بن محمد أبو بكر الأبهري، ولد سنة 289 هـ، من كبار المالكية، سكن بغداد، من مؤلفاته، الرد على المزني، والأصول، وإجماع أهل المدينة، توفي سنة 375 هـ، ابن العماد (شذرات
الذهب) ج 4 ص 403، الزركلي (الأعلام) ج 6 ص 225.
(2) البلخي، عبد الله بن أحمد الكعبي، وقد مرت ترجمته سابقا. (3) ابن السبكي (الإبهاج) ج 1 ص 250، (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 1 ص 293، الزركشي (البحر ج 2 ص 377، ابن المرتضى (منهاج الوصول إلى معيار العقول) ص 222، ابن النجار (شرح
المحيط)
الكوكب المنير) ج 1 ص 141، السالمي (شرح طلعة الشمس) ج 1 ص 140. (4) سبق بين معنى المتواطئ ص 91. (5) نسب لداود الظاهري، ابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 1 ص 293، (الإبهاج) ج 1 ص 252، الزركشي (البحر المحيط) ج 2 ص 377، ابن المرتضى منهاج الوصول) ص 223، السالمي
(شرح طلعة الشمس) ج 1 ص 141.
(6) أنظر المراجع السابقة.
(1) أنظر المراجع السابقة.
(88) ابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 1 ص 293، ابن المرتضى (منهاج الوصول) ص 223،
السالمي (شرح طلعة الشمس) ج 1 ص 141. (1/169)
صفحة 170
***
فصول الأصول
***
وقال الإمام الرازي: هو ممتنع بين النقيضين فقط (1)، كوجود الشيء وانتفائه إذ لو جاز وضع لفظ لهما لم يفد سماعه غير التردد بينهما، وهو حاصل في العقل، وأجيب بأنه قد يغفل عنهما فيستحضرهما بسماعه ثم يبحث عن المراد منهما، ويصح إطلاق المشترك على معنييه أو معانيه لغة كقولك: عندي عين وتريد (2) الباصرة والجارية أو الجارية والذهب، وأقرأت هند وتريد (3) حاضت وطهرت، لكن اختلفوا في هذا الإطلاق، فعند بعضهم هو مجاز (4)، قالوا: لأنه لم يوضع لهما معا، وإنما وضع لكل منهما من غير نظر إلى الآخر، وذلك بأن يتعدد الواضع أو يضع واحد نسيانا للأول، وقيل: إطلاق حقيقة نظرا لوضعه لكل منهما، وهو مذهب الشافعي وأبي بكر الباقلاني والمعتزلة، زاد الشافعي وهو ظاهر فيهما (5)، أي: في معنييه عند التجرد عن القرائن، وكذلك المصحوب بالقرآئن المعممة للمعنيين أو المعاني فيحمل عليمعنييه أو معاينه لظهور فيهما أو فيها، وقال القاضى (6): إذا تجرد عن القرآن المعينة والمعممة فهو مجمل، أي: غير متضح المراد منه، فلا يحمل على شيء من معانيه، لأن حمله على واحد هذا يكون ترجيحا بلا مرجح، وهو مذهب أكثر أصحابنا (7) - رحمهم، وقال بعضهم: يحمل على معنييه أو معانيه كلها احتياطيا (9). (1) الفخر الرازي (المحصول بشرح (النفائس) ج 2 ص 712، ونقل القاضي عبد الجبار هذا القول عن المتأخرين الزركشي (البحر المحيط) ج 2 ص 378، وانظر: ابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 1 ص 293.
الله - (8)
(2) في 'ب' نريد.
(3) في 'ب' نريد. (4) ذهب إلى ذلك الآمدي (الأحكام) ج 2 ص 261، وابن الحاجب مختصر المنتهى برح العضد) ج 2 ص 111، والقرافي (نفائس الأصول) ج 2 ص 744، وابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 1 ص 94، ج 2 ص 295، والبدر الشماخي (مختصر العدل) ص 21، ونسبه الزركشي إلى السهر ورودي، الزركشي (البحر المحيط) ج 2 ص 389. (د) الفخر الرازي (المحصول بشرح النفائس) ج 2 ص 715، الآمدي (الإحكام) ج 2 ص 261، ابن الحاجب (مختصر المنتهي الأصولي بشرح العضد) ج 2 ص 111، ابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 1 ص 295، (الإبهاج) ج 1 ص 255، البدخشي (منهاج العقول شرح منهاج الأصول) ج 1 ص 309، ابن المرتضى (منهاج الوصول) ص 325. (6) أي البيضاوي: وانظر: البيضاوي (منهاج الأصول بشرح (المعراج) ج 1 ص 215، (الإبهاج) ج 1 ص 268 ابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 1 ص 296.
(2) أي الإباضية، السالمي (شرح طلعة الشمس) ج 1 ص 135 - 136. (8) في ب زيادة تعالى. (9) نقل هذا عن الإمام الشافعي وأبي بكر الباقلاني، الفخر الرازي (المحصول بشرح النفائس) ج 2 ص 719، الجزري محمد بن يوسف (معراج المنهاج) ج 1 ص 214، ابن السبكي (الإبهاج) ج 1 ص 263.
170 (1/170)
صفحة 171
171
***
فصول الأصول
(1)
وقال الغزالي، وأبو الحسين البصري (1): يصح أن يراد به معنياه أو معانيه عقلا لا لغة (2) أي: فلا يطلق على شيء من معانيه حقيقة ولا مجازا، وقيل: يجوز لغة أن يراد به معنياه في النفي لا في الإثبات (3)، فنحولا عين عندي يجوز أن يراد به الباصرة والذهب - مثلا - بخلاف قولك عندي عين، فلا يجوز أن تريد به إلا معنى واحدا لما عهد من زيادة النفي على الإثبات لأنه عام كما في عموم النكرة المنفية دون المثبتة، وذلك الخلاف كله فيما إذا أمكن الجمع بين المعنيين أو المعاني كما في الأمثلة المذكورة، فإن امتنع الجمع - كما في استعمال صيغة افعل في طلب الفعل والتهديد عليه كما سيأتي مرجوحا أنها مشتركة بينهما فلا يصح قطعا، وأكثر العلماء على أن جمعه باعتبار معنييه أو معانيه كقولك: عندي عيون، وتريد – مثلا – باصرتين وعينا جارية، أو باصرة وجارية، أو جارية وذهبا، مبني على الخلاف في مفرده في صحة إطلاقه على معنييه أو معانيه، كما أن المنع مبني على المنع، وقال بعضهم: إنه لا ينبني عليه فيها فقط بل يأتي (4) على المنع – أيضا – بأن الجمع في قوة تكريره المفردات بالعطف، فكأنه استعمل كل مفرد في معنى
(0)
(1) أبو الحسين، محمد بن علي الطيب البصري المعتزلي، من كبار المعتزلة، سكن بغداد، من مؤلفاته: المعتمد، وتصفح الأدلة، وغرر الأدلة، توفي سنة 436 هـ ببغداد. ابن خلكان وفيات الأعيان) ج 4 ص 271، الزركلي (الأعلام) ج 6 ص 275. (2) وقال به الفخر الرازي، المحصول بشرح (النفائس) ج 2 ص 714 - 715، ونسبه ابن السبكي إلى إمام الحرمين، ابن السبكي (الإبهاج) ج 1 ص 257، البصري أبو الحسين (المعتمد) ج 1 ص 17 - 18، الغزالي (المستصفى) ج 2 ص 235، الآمدي (الإحكام) ج 2 ص 261.
(3) هو اختيار الكمال ابن الهمام التحرير بشرح التيسير) ج 1 ص 235، وانظر: ابن السبكي (الإبهاجج 1 ص 263،، وحكاه المارودي وجها للشافعية، الزركشي (البحر المحيط) ج 2 ص 389. ومنع أبو هاشم وأبو عبد الله البصري إطلاق المشترك على معنييه او معانيه. ابن المرتضى منهاج الوصول) ص 226، وهو قول جماعة من الشافعية، ومنهم إمام الحرمين، الجويني (البرهان) ج 1 ص 236، الرازي (المحصول بشرح النفائس) ج 2 ص 715، الأمدي (الاحكام) ج 2 ص 261، وهو مذهب عامة الحنفية، البخاري، علاء الدين (كشف الأسرار) ج 1 ص 110، وبعض الإباضية، السالمي (شرح طلعة الشمس) جا ص 136 - 138، الآمدي (الإحكام) ج 2 ص 261.
(4) في ب يأتي من غير همز. (5) الفخر الرازي (المحصول بشرح (النفائس ج 2 ص 718، الآمدي (الإحكام) ج 2 ص 261، ابن الحاجب (مختصر المنتهي بشرح العضد ج 2 ص 111، ابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 1 ص 297، (الإبهاج) ج 1 ص 263، الزركشي (البحر المحيط) ج 2 ص 390، امير بادة شاه (تيسير التحرير) ج 1 ص 237، السالمي (شرح طلعة الشمس) ج 1 ص 137. (1/171)
صفحة 172
***
فصول الأصول
***
واختلفوا - أيضا - في الحقيقة والمجاز هل يصح أن يرادا معا باللفظ الواحد كما في قولك: رأيت الأسد وتريد الحيوان المفترس والرجل الشجاع؟ على الخلاف في المشترك. وقال القاضي أبو بكر الباقلاني: بعدم صحة ذلك قطعا (1)، قال: لما فيه من الجمع بين متنافيين حيث أريد باللفظ الموضوع له أولا، وغير الموضوع له معا، وأجيب بأنه لا تنافي بين هذين، وعلى القول بالصحة يكون مجازا أو حقيقة ومجازا باعتبارين على حد ما مر عن الشافعي وغيره، وتحمل عليهما إن قامت قرينة على إرادة المجاز مع الحقيقة كما حمل الشافعي الملامسة في قوله تعالى: {أَوْ لَمَسْتُمُ النِّسَاء) (2) على الجس (3) باليد والوطء معا (4)، وهي في الأول حقيقة وفي الثاني مجاز، وعلى هذا مشى ابن السبكي في جمع الجوامع وتبعه عليه شارحه الجلال المحلي من الشافعية قالوا (5): ومن هنا عم نحو وافعلوا الخير (6) الواجب والمندوب حملا لصيغة أفعل على الحقيقة والمجاز من الوجوب والندب بقرينة كون متعلقها عاما للواجب والمندوب كالخير في الآية – مثلا –، ومن خصه بالواجب بناء على انه لا يصح إرادة المجاز مع الحقيقة، وقيل: إن صيغة افعل – مثلا – هي حقيقة في القدر المشترك بين الوجوب والندب، أي: مدلولها طلب الفعل مع قطع النظر عن وجوبه أو ندبه، وكذلك اختلفوا في
(1) الجويني (البرهان) ج 1 ص 236، القرافي (نفائس الأصول) ج 2 ص 766، ابن السبكي (الإبهاج) ج 1 ص 257، (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 1 ص 298. وهو مذهب الحنفية وحكاه علاء الدين البخاري عن عامة أهل الأدب وعامة المتكلمين البخاري (كشف الأسرار) ج 2 ص 85، ابن أمير الحاج (التقرير والتحبير) ج 1 ص 213، أمير باد شاه (تيسير التحرير) ج 2 ص 36.
(2) القرآن الكريم سورة النساء (مدنية) آية رقم 43. (3) في ب الحس.
(4) الشافعي (الأم) ج 1 ص 29، الجويني (البرهان) ج 1 ص 235، ابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 1 ص 299، الزركشي (البحر المحيط) ج 2 ص 391.
(5) قالوا: كذا في النسختين، ولعل الصواب قالا إذ المراد بهما ابن السبكي والمحلي وانظر: ابن السبكي
(جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 1 ص 298 - 300.
(6) القرآن الكريم سورة الحج (مدنية) آية رقم 77.
172 (1/172)
صفحة 173
173
***
فصول الأصول
***
المجازين هل يصح أن يرادا معا باللفظ الواحد (1)؟ كقولك - مثلا -: والله لا أشتري، وتريد السوم والشراء بالوكيل، وعلى ترجيح الصحة يحمل عليهما معا إن قامت قرينة على إرادتهما، أو تساويا في الاستعمال ولا قرينة تبين أحدهما، وإطلاق الحقيقة والمجاز على المعنى - كما هنا - مجازي من إطلاق اسم الدال على المدلول. انتهى، والله تعالى (2) أعلم.
(1) قال الزركشي: ولم يتعرض الجمهور للحمل في هذا الموطن، والقياس جوازه إذا تساوى المجازان، ويكون من باب الاحتياط، الزركشي (البحر المحيط) ج 2 ص 407، وانظر: ابن السبكي (الإبهاج) ج 1 ص 257، (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 1 ص 300.
(2) تعالى ساقطة من ب. (1/173)
صفحة 174
***
فصول الأصول
***
الفصل الحادي والعشرون
(1)
في الكلام على الحقيقة والمجاز
الحقيقة لفظ مستعمل فيما وضع له ابتداء، فخرج عن هذا التعريف اللفظ المهمل وما وضع ولم يستعمل، وخرج - أيضا - الغلط كقولك: خذ هذا الفرس مشيرا إلى حمار، وخرج المجاز، وهي (2) على ثلاثة أقسام: لغوية إن كان وضعها أهل اللغة باصطلاح أو توقيف، وقيل: التوقيف طريق إلى العلم بالوضع لا سبب لتحقق الوضع، وذلك كالأسد للحيوان المفترس: والقسم الثاني الحقيقة العرفية إذا وضعها أهل العرف العام كالدابة لذوات الأربع حقيقة عرفية، وهي في اللغة لكل ما يدب على الأرض، أو وضعها أهل العرف الخاص كالفاعل وضعوه للاسم المعروف في عرف النحاة، والقسم الثالث الحقيقة الشرعية بأن وضعها الشارع كالصلاة للعبادة المخصوصة لأن وضعها اللغوي لمطلق الدعاء، والقسمان الأولان – أعني اللغوية والعرفية - متفق على وقوعهما، واختلفوا في الشرعية؟ فنفى قوم وقوعها قالوا: لأن بين اللفظ والمعنى مناسبة مانعة من نقله إلى غيره (3) وفيه أن قضية هذا التعليل نفي العرفية - أيضا - فلم قصروه على الشرعية، ولعله يجاب بما ذهبت اليه المعتزلة (4) من أن الحقائق الشرعية وضعها الشارع مبتكرة لم يلاحظ فيها المعنى اللغوي أصلا ولا للعرف فيها تصرف (5)، ونفى أبو بكر الباقلاني وابن القشيري (6) وقوعها (7)
(1) في ب علي بالياء.
(2) أي الحقيقة.
(3) ابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 1 ص 301. (4) وذهب إلى ذلك - أيضا - يحيى بن حمزة، العلوي الزيدي، العلوي بن يحيى (الطراز) ج 1 ص 55، أبو الحسين (المعتمد) ج 1 ص 18. (5) أبو الحسين (المعتمد) ج 1 ص 18، العضد (شرح العضد على مختصر ابن الحاجب) ج 1 ص 163، الزركشي (البحر المحيط) ج 3 ص 16.
(6) ابن القشيري، عبدالكريم بن هوازن بن عبدالملك الشافعي، من كبار الشافعية، له التفسير الكبير، والرسالة، ولطائف الإشارات، توفي سنة 465 هـ، ابن خلكان (وفيان الأعيان) ج 2 ص 375، ابن السبكي (طبقات الشافعية) ج 5 ص 153.
(7) وحكاه المازري عن المحققين من الفقهاء والأصوليين من الشافعية، ونقله الأستاذ أبو منصور عن القاضي أبي. حامد المروزي وأبي الحسن الأشعري، الزركشي (البحر المحيط) ج 3 ص 16، الجويني (البرهان) ج 1 ص 133، الآمدي (الأحكام) ج 1 ص 62 ابن الحاجب (مختصر المنتهى بشرح العضد) ج 2 ص 163.
174 (1/174)
صفحة 175
175
**
فصول الأصول
***
قائلين: لفظ الصلاة – مثلا – مستعمل في اللغوي، أي: في الدعاء بخير، لكن اعتبر الشارع في الاعتداد به أمورا ألحقها به كالركوع والسجود ونحوه، وكذلك الصوم مستعمل في معناه اللغوي وهو مطلق الإمساك وقيده الشارع بشروط ألحقها به، وقال قوم: إن الحقائق (1) الشرعية واقعة إلا الإيمان فإنه في الشرع مستمل في معناه اللغوي، أي: تصديق القلب وإن اعتبر الشارع في الاعتداد به التلفظ بالشهادتين من القادر عليه (2).
وتوقف الآمدي في الوقوع وعدمه (3)، واختار الفخر الرازي وإمام الحرمين وأبو إسحاق الشيرازي وابن الحاجب وقوع الحقائق (4) الشرعية الفرعية كالصلاة ونحوها لا (5) الدينية كالإيمان فإنها في الشرع مستعملة في معناها اللغوي (6)، ومعنى الحقيقة الشرعية هو ما لا يستفاد اسمه إلا من الشرع كالهيئة المسماة بالصلاة، وقد يطلق الشرعي على المندوب والمباح، فمن الأول قولهم: من النوافل ما تشرع فيه الجماعة أي: تندب كصلاة العيدين، ومن الثاني قول القاضي الحسين: لو صلى التراويح أربعا بتسليمة لم يصح لأنه خالف المشروع، وعبر في شرح المختصر بالواجب بدل المباح، وهو صحيح - أيضا -، يقال شرع الله الشيء، أي: أباحه وشرعه أي: طلبه وجوبا أو ندبا، ولا تخفى مجامعة الأول لكل من الإطلاقات الثلاث، (انتهى)
(8)
(1) في ب الحايق. (2) ابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 1 ص 302، الزركشي (البحر المحيط) ج 3 ص 16. (3) الآمدي (الإحكام) ج 1 ص 72.
(4) في ب الحقايق بالياء.
(د) في 'ب' إلا.
(6) الفخر الرازي (المحصول بشرح (النفائس ج 2 ص 805، الجويني (البرهان) ج 1 ص 133 - 134، الشيرازي (شرح اللمع) ص 182 - 183)، (التبصرة) ص 195، ابن الحاجب (مختصر المنتهى بشرح العضد) ج 1 ص 162، واختاره ابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 1 ص 303، وابن الصباغ الزركشي (البحر المحيط) ج 3 ص 21.
فائدة: ذهب الفخر الرازي إلى أن الأسماء الشرعية مأخوذة من الحقائق اللغوية على سبيل المجاز، وتكون مقرة على مجازاتها اللغوية، أما الغزالي فإنه يقول: إن الشارع استعملها مجازات ثم اشتهرت فصارت حقائق شرعية، لغلبتهما فيما نقلت إليه، الفخر الرازي المحصول بشرح النفائس) ج 2 ص 805، الغزالي (المستصفى) ج 1 ص 330، الزركشي (البحر المحيط) ج 3 ص 21. (1) العضد (شرح على مختصر ابن الحاجب) ج 2 ص 6، ابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 1 ص 304. (1/175)
صفحة 176
***
فصول الأصول
***
(1)
والمجاز واقع في الكلام العربي خلافا لأستاذ أبي إسحق الإسفراييني وأبي علي الفارسي (1
حيث نفيا وقوعه مطلقا قالا ما يظن مجازا نحو رأيت أسدا يرمي فذلك حقيقة (2). قال تاج الدين ابن السبكي في شرح المنهاج (3): وأما من أنكر المجاز في اللغة مطلقا فليس مراده أن العرب لم تنطق مثل قولك للشجاع: إنه أسد، فإن ذلك مكابرة وعناد، ولكن هو دائر بين أمرين: أحدهما أن يدعي أن جميع الألفاظ حقائق ويكتفي في كونها حقائق بالاستعمال في جميعها، وهذا مسلم ويرجع البحث لفظيا، فإنه حينئذ يطلق الحقيقة على المستعمل وإن لم يكن بأصل الوضع، ونحن لا نطلق ذلك، وإن أراد بذلك استواء الكل في أصل الوضع فهذه مراغمة الحقائق، فإنا نعلم ان العرب ما وضعت اسم الحمار للبليد ولو قيل: البليد حمار على الحقيقة كالدابة المعهودة، وإن تناول الاسم لهما مساو في الوضع فهذا دنو من جحد الضرورة إلى آخره (4)، وفي النهاية للصفي الهندي: فإن عنى الخصم بالحقيقة ما تفيد () معنى ولا يحتمل غيره سواء كان ذلك المفيد صرفا أو لا يكون كذلك لكن يشترط أن يكون بعضه لفظا إذ الدلائل (6) العقلية الصرفة لا توصف بكونها حقائق،
(1) أبو علي الفارسي، الحسن بن أحمد بن عبد الغفار الفارسي، أخذ عن الزجاج وابن السراج ومبرمان ودرس عليه ابن جني وعلي بن عيسى الربعي، من مؤلفاته: الإيضاح في النحو، والتكملة في التصريف، والحجة، توفي سنة 377) ببغداد، القفطي إنباه الرواة ج 1 ص 308، السيوطي (بغية الوعاة) جا ص 491، الزركلي (الأعلام) ج 2 ص 179 (2) الآمدي (الإحكام) ج 1 ص 72، ابن السبكي (الإبهاج) ج 1 ص 296، واستبعد إمام الحرمين نسبة هذا القول إلى الأستاذ الإسفراييني، الجويني (البرهان) ج 1 ص 133 - 134، وقال إلكيا الطبري، إن الأستاذ لا ينكر استعمال الأسد للشجاع وأمثاله، بل يشترط في ذلك القرينة، ويسميه حينئذ حقيقة، ولكن ينكر
تسميته مجازا، فعلى هذا الكلام يرجع الخلاف لفظيا، الزركشي (البحر المحيط) ج 3 ص 43. (3) اسم الكتاب الإبهاج في شرح المنهاج، شرح به كتاب منهاج الأصول للقاضي البيضاوي، وقد ابتدأ به علي بن عبد الكافي السبكي فلم يكمله، وأكمله ولده من بعده عبد الوهاب بن على السبكي. قال عنه عبد الوهاب السبكي: وقد راعينا فيه جانب التوسط، لأن الكتاب مختصر فالأليق بشارحه أن يحذو حذوه على أنا لم نأل جهدا فيما وضعناه فإنا لم نغادر صغيةر ولا كبيرة مما يطالب الشارح به إلا وقد جمعناها فيه مع زيادات من نقول، وفوائد يهيم الفهم إذا سمعها طربا، ابن السبكي (الإبهاج) ج 3 ص 292، والكتاب مطبوع. (4) لم أجد هذا في الإبهاج. ابن السبكي الإبهاج في شرح المنهاج ج 1 ص 296 - 321، وقد نقله المصنف عن الآيات البينات، ابن قاسم الآيات البينات) ج 2 ص 164.
(د) في ب يفيد. (6) في ب الدلايل بالياء.
176 (1/176)
صفحة 177
177
***
فصول الأصول
***
فهو نزاع لفظي، فإنا لا نعني بالحقيقة إلا اللفظ الذي يكون مستقلا بالإفادة بدلالة
(1)
وضعية، فإن كان الخصم يريد بها غيره فله ذلك إذ لا مشاحه في الألفاظ. انتهى ونفت (2) الظاهرية (3) وقوع المجاز في الكتاب والسنة قالوا: لأنه بحسب الظاهر كذب كما في قولك في البليد: هذا حمار، وكلام الله ورسوله منزه عن الكذب (4) وأجيب بأنه لا كذب مع اعتبار العلاقة، والعلاقة فيما ذكر المشابهة في الصفة الظاهرة، أي: عدم الفهم، وإنما عدلت العرب إلى المجاز عن الحقيقة مع أنها الأصل لثقل الحقيقة على اللسان كالخنيفقيق اسم للداهية يعدل عنه إلى الموت - مثلا - أو لبشاعة الحقيق كالخرأة يعدل عنها إلى الغايط، وحقيقة الغايط هو المكان المنخفض، أو لجهلها للمتكلم او المخاطب دون المجاز، أو لبلاغة المجاز نحو زيد أسد، فإنه أبلغ من شجاع، أو لشهرة المجاز دون الحقيقة، أو غير ذلك من نحو إقامة الوزن والقافية والسجع به دون الحقيقة، وليس المجاز غاليا على اللغات خلافا لابن جني (5) حيث قال: إنه غالب في كل لغة على الحقيقة، أي: ما من لفظ إلا (1) لم أطلع على النهاية للصفي الهندي، وقد نقله المنصف عن الآيات البينات. ابن قاسم (الآيات البينات) ج 2 ص 164، واسم الكتاب، نهاية الوصول إلى علم الأصول، قال ابن السبكي: وكل مصنفاته – أي الصفي الهندي - حسنة لا سيما النهاية، ابن السبكي (طبقات الشافعية) ج 9 ص 162، حاجي خليفة (كشف الظنون) ج 2 ص 1991. (2) في ب ونفى (3) الظاهرية، أصحاب داود بن علي الأصفهاني، ولد بالكوفة سنة 200 هـ، ونشأ ببغداد، وتوفي بها سنة 270 هـ من كبار علماء هذا المذهب ابن حزم وأبو الحسن الجزري، ومن أهم مؤلفاته: المحلي والفصل في الملل والأهواء والنحل، والإحكام في أصول الأحكام، وكلها لابن حزم، الشهرستاني (الملل والنحل) ج 1 ص 92، شريف يحيى الأمين (معجم الفرق الاسلامية) ص 165. (4) وقال بذلك طائفة من الرافضة وبعض المالكية، وهو قول أبي العباس ابن القاص من الشافعية، ومنذر بن سعيد البلوطي وأبي مسلم ابن بحر الأصفهاني. ونفى ابن داود الظاهري وقوعه في السنة، واستنكره الأصفهاني وقال: تفرد به، وقال الزركشي: هو لازم من أنكره في اللغة. الزركشي (البحر المحيط) ج 3 ص 41 - 500 وذهب ابن حزم الظاهري إلى القول بأنه إذا حصل اليقين بدليل نص أو اجماع أو طبيعة أنه منقول عن موضوعه في اللغة إلى معنى آخر فإنه يقول به وإلا فلا. ابن حزم (الاحكام) ج 4 ص 437، وانظر ابن السبكي (الإبهاج) ج 1 ص 297، (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 1 ص 310. (2) ابن جني، عثمان بن جني الموصولي النحوي أبو الفتح، كان أبوه عبدا روميا مملوكا لسليمان الأزدي، تتلمذ ابن جني على أبي الحسن الفارسي وأبي الحسن السمسمي وغيرهما، من مؤلفاته: الخصائص، وسر صناعة الأعراب، توفي سنة 382 هـ، السيوطي (بغية الوعاة) ج 2 ص 182، الزركلي (الأعلام) ج 4 ص 204.
بن
فهد (1/177)
صفحة 178
***
فصول الأصول
***
ويشتمل في الغالب على مجاز (1)، ولا يكون معتمدا حيث تستحيل الحقيقة خلافا لأبي حنفية في قوله بذلك حيث قال فيمن قال: لعبده الذي لا يولد مثله لمثله: هذا ابني، إنه يعتق عليه وإن لم ينو العتق الذي هو لازم للبنوة صونا للكلام عن الإلغاء (3). قال الجلال المحلي: وألغيناه نحن إذ لا ضرورة إلى تصحيحه بما ذكر، أما إذا كان مثل العبد يولد لمثل السيد، فإنه يعتق عليه اتفاقا إن لم يكن معروف النسب من غيره، وإن كان كذلك فأصح الوجهين عندنا كقولهم: إنه يعتق عليه مؤاخذة باللازم وإن لم يثبت الملزوم انتهى كلام المحلي (3).
وقوله: إذ لا ضرورة إلى تصحيحه بما ذكر، أي: لجواز تصحيحه بغير العتق كالحنو والشفقة، ولك أن تقول: هذا - أيضا - مجاز ويمكن أن يجاب بأن المراد بأن عدم الاعتماد إنما هو بالنسبة للأحكام لا مطلقا فلا محذور في مجرد تصحيحه بما ذكره (4)، ولا ينافي (5) ذلك قول المحلي وألغيناه، لجواز أن يريد بالإلغاء مجرد عدم ترتب الحكم عليه فليتأمل، واعلم أن الحقائق هي الأصل في الكلام، والمجاز والنقل خلاف الأصل فلا يصار إليهما إلا بقرينة، فإذا احتمل اللفظ معناه الحقيقي والمجازي، أو احتمل المعنى المنقول عنه والمنقول إليه فالأصل الراجح حمله على الحقيقي (6) لعدم الحاجة فيه إلى قرينة، أو على المنقول عنه لأنه الأصل استصحابا للموضوع له أولا، مثالهما رأيت اليوم أسدا، وصليت، أي: رأيت حيوانا مفترسا، ودعوت بخير، أي: سلامة منه، ويحتمل الرجل الشجاع والصلاة الشرعية، كذا قال الجلال المحلي (7) وأقول: أما الأول فإن لفظ الأسد حقيقة لغوية فيما ذكر، وهو الحيوان المفترس فهو أولى أن يحمل عليه، وأما الثاني فإنه وإن كان حقيقة لغوية في الدعاء فقد صيره الشرع حقيقة شرعية – أيضا – بعد النقل في الصلاة
(1) ابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 1 ص 310، الزركشي (البحر المحيط) ج 3 ص 45. (2) البخاري علاء الدين (كشف الأسرار) ج 2 ص 143 - 144، ابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي)
ج 1 ص 311.
(3) المحلي (شرح المحلي على جمع الجوامع) ج 1 ص 312.
(4) في ب ذكر بدون هاء. (د) في ب ينافي بالألف المقصورة.
(6) في ب للحقيقي.
(7) المحلي (شرح للمحلي على جمع الجوامع) ج 1 ص 312.
178 (1/178)
صفحة 179
179
***
فصول الأصول
***
الشرعية مجاز الغويا، فالأولى حمله على حقيقته الشرعية، فلا يتم له تمثيله بما ذكر، ثم رأيت صاحب الآيات البينات (1) اعترض عليه بقوله: وأقول: إن أراد الحمل في نحو هذا المثال بالنسبة لعرف اللغة فليس هذا من باب احتمال اللفظ معناه المنقول عنه والمنقول إليه بل من باب احتماله معناه الحقيقي ومعناه المجازي، لأن استعمال الصلاة في غير الدعاء مجاز في اللغة، وإن أراد بالنسبة لعرف الشرع خالف قول المصنف الآتي فيما بعد يعني تاج الدين السبكي: ثم هو أي: اللفظ محمول على عرف المخاطب، ففي خطاب الشرع شرعي لأنه عرفه ثم اللغوي كذلك، فقد بان لك أن اعتبار حقيقة اللفظ ومجازه بحسب العرف لأن المجاز على ثلاثة أقسام لقوي وشرعي وعرفي، فالصلاة - مثلا - هي حقيقة لغوية في الدعاء مجاز شرعي فيه، وهي حقيقة شرعية في الهيئة التي نقلها الشارع إليها مجاز لغوي فيها، وكالدابة هي لكل ما دب على الأرض حقيقة لغوية، وفي ذوات الأربع حقيقة عرفية مجاز
لغوي، وهكذا كالصوم والحج - مثلا - فإن العرف أو الشرع إذا نقل لفظا عن معناه الموضوع له إلى غيره يكون حقيقة في المنقول إليه مجازا في المنقول عنه، فإذا عرفت ذلك فاعلم أن اللفظ في خطاب الشرع إذا كان له مع المعنى الشرعي معنى عرفي عام أو معنى لغوي، أو هما معا، وجب أولا حمله على المعنى الشرعي، لأنه عرف الشرع ما لم تصرفه قرينة إلى العرف العام، أو إلى مقضتى اللغة، وإن كان له معنى عرفي عام ومعنى لغوي وجب (3) حمله على المعنى العرفي العام لأن العرف العام مقدم على الوضع اللغوي (4) والله أعلم.
(1) صاحب الآيات البينات ابن قاسم العبادي وقد مرت ترجمته ص 17 من الكتاب.
(2) في 'ب' من. (3) في ب' وجوب.
(4) ابن قاسم (الآيات البينات) ج 2 ص 171.
وانظر مباحث الحقيقة والمجاز في: الغزالي (المستصفى) ج 1 ص 341، الفخر الرازي (المحصول بشرح النفائس) ج 2 ص 779، الأمدي (الإحكام) ج 1 ص 51، ابن الحاجب (مختصر المنتهى بشرح العضد) ج 1 ص 162، البخاري (كشف الأسرار) ج 2 ص 75، ابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 1 ص 300، التفتازاني (حاشية السعد على شرح العضد على مختصر ابن الحاجب) ج 4 ص 527، العلوي، يحيى بن حمزة (الطراز المتضمن لأسرار البلاغة، وعلوم حقائق الإعجاز) ج 1 ص 43 - 89، الأنصاري،
عبدالعلي (فواتح الرحموت) ج 1 ص 203، المراغي، أحمد مصطفي (علوم البلاغة) ص 227. (1/179)
صفحة 180
***
فصول الأصول
***
الفصل الثاني والعشرون
في الكلام على المجاز والمنقول والمشترك
واعلم أن المجاز والمنقول قالوا: أولى من الاشتراك، فإذا كان اللفظ محتملا معنيين هو حقيقة في أحدهما لا على التعيين محتمل أن يكون حقيقة ومجازا أو حقيقة ومنقولا في المعنى الآخر، فالأولى أن يحمل على المجاز أو على المنقول من حمله على الحقيقة: لأن حمله على الحقيقة في مثل هذا يؤدي إلى الاشتراك والمجاز أغلب من المشترك بالاستقراء، والحمل على الأغلب أولى، والمنقول إلى أفراد مدلوله لا يمتنع العمل به قبل النقل وبعده، والمشترك لتعدد مدلوله لا يعمل به إلا بقرينة تعين المعنى المراد منه، إذ حكمه حكم المجمل كما مر، ومالا يمتنع العمل به أولي من عكسه، فالمثال الأول كالنكاح حقيقة في العقد مجاز في الوطء وقيل: بالعكس وقيل: هو مشترك بينهما، فهو حقيقة في أحدهما محتمل للحقيقة والمجاز في الآخر، والمثال الثاني كالزكاة حقيقة في النماء أي: الزيادة، وفي النصيب المخرج من المال محتمل لأن يكون حقيقة - أيضا - أي لغوية ومنقولا شرعيا، والمراد بالمنقول الشرعي الحقيقة الشرعية، لكن في هذا نظر لما تقرر أولا من أن النقل يصير اللفظ حقيقة في المنقول إليه مجازا لغوية في المنقول عنه (1).
(2)
قال السعد التفتازاني (2) في شرح الشمسية (3): معناه وإن كان للاسم معان كثيرة فإن كان وضعه للمعاني الكثيرة على السوية بأن وضع لهذا المعنى كما وضع لذلك ولم يعتبر النقل من أحدهما إلى الآخر سمي اللفظ بالنسبة إلى جميع المعاني مشتركا، وإلى أحد مجملا كالعين للباصرة والجارية والذهب، وإن لم يكن وضعه للمعاني على (1) الفخر الرازي (المحصول) ج 1 ص 352، ابن الحاجب مختصر المنتهى بشرح العضد) ج 1 ص 157، ابن السبكي (الإبهاج) ج 1 ص 324 (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 1 ص 312، الشماخي (شرح مختصر العدل والإنصاف) ص 42، السالمي (شرح طلعة الشمس) ج 1 ص 215. (2) التفتازاني، مسعود بن عمر بن عبد الله التفتازاني، الملقب بسعد الدين، من أئمة العربية والبيان والمنطق، ولد بتفتازان من بلاد خراسان سنة 712، من مؤلفاته: المطول، ومقاصد الطالبين، ومختصر المعاني، توفي سنة 793، حاجي خليفة، كشف الظنون، ج 2 ص 1063، الزركلي، الأعلام، ج 7 ص 219. (3) الشمسية، متن، مختصر في المنطق لعمر بن علي القزويني المعروف بالكاتبي الخواجة شمس الدين محمد، وسماه نسبة إليه، وشرحها مسعود بن عمر التفتازاني، وفرغ في الشرح سنة 753 هـ وأول الشرح: الحمد لله الذي بصرنا بنور الهداية والتوفيق حقق فيه قواعد المنطق وفصل مجملاتها، حاجي خليفة (كشف الظنون) ج 2 ص 1063.
180 (1/180)
صفحة 181
***
فصول الأصول
***
السوية بل وضع أولا لأحدهما ثم نقل إلى الآخر لمناسبة بينهما فإنما أن يترك ويهجر المعنى الأول بمعنى أنه لا يستعمل فيه حقيقة بالنسبة إلى ذلك الوضع والاصطلاح أولا، فإن ترك سمي منقولا وينسب إلى الناقل، وإن لم يترك ففي حال استعماله في المعنى الأول الموضوع هو له يسمى حقيقة وفي حال استعماله في المعنى الثاني الذي نقل إليه يسمى مجازا، انتهى كلام السعد (1).
وكذلك قالوا: إن المجاز والنقل أولى من الإضمار (2)، فإذا ورد اللفظ محتملا لأن يكون فيه مجاز وإضمار أو نقل وإضمار فقيل: حمله على المجاز أو النقل أولى من حمله على الإضمار وذلك لكثرة المجاز في الكلام وعدم احتياج النقل إلى قرينة، وقيل: الإضمار أولى من المجاز لأن قرينته متصلة به، أي: بما يحتاجه، إذ لا يدرك معناه إلا بالإضمار، فقرينة الإضمار هي كون ما يحتاجه لا يدرك إلا به بخلاف قرينة المجاز فإنها منفصلة خارجة عنه (3).
قال العلامة اللقاني (4): لأن الإضمار هو المسمى سابقا بالاقتضاء، وقد سبق أن قرينته توقف الصدق أو الصحة العقلية أو الشرعية عليه، وتوقف صدق الكلام وصحته وصف له لازم وذلك غاية الاتصال انتهى (5)، والأصح أنهما سيان لاحتياج (ه)، كل منهما إلى قرينة (6) وأيضا فقد تكون قرينة المجاز الاستحالة، والاستحالة إن لم تكن من قبيل المتصلة كانت مثلها، إن لم تكن أبلغ منها، مثال الأول قوله لعبده
(1) نقل المصنف كلام السعد عن الآيات البينات، ابن قاسم الآيات البينات) ج 2 ص 172. (2) قال بذلك الإمام السالمي (شرح طلعة الشمس) ج 1 ص 210، والصفي الهندي، ابن السبكي (الإبهاج) ج 1 ص 331 (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 1 ص 313. وذهب الفخر الرازي إلى أن الإضمار أولى من النقل (المحصول) ج 1 ص 359، واختاره البيضاوي وتبعه ابن السبكي المنهاج بشرح الابهاج ج 1 ص 330. (3) ابن السبكي (الإبهاج) ج 1 ص 331. (4) اللقاني، محمد ناصر الدين اللقاني أبو عبدالله المصري المالكي، له حاشية على شرح جمع الجوامع للمحلي وشرح خطبة مختصرة للشيخ خليل في الفروع، توفي سنة 954 هـ وقيل سنة 958 هـ. حاجي خليفة (کشف الظنون) ج 1 ص 595 هـ، ج 2 ص 1139، كحالة عمر رضا (معجم المؤلفين) ج 11 ص 167، الأستاذ عبد الله الربيع (مقدمة) لكتاب الشرح الكبير على الورقات لا بن قاسم العبادي) ج 1 ص 47 - 48.
(2) ابن قاسم (الآيات البينات) ج 2 ص 173.
(6) وقال به الفخر الرازي (المحصول) ج 1 ص 359، والبيضاوي (منهاج الاصول بشرح الابهاج) ج 1 ص 331، وصححه المحلي شرح المحلي على جمع الجوامع ج 1 ص 313، البدر الشماخي (شرح مختصر العدل) ص 43. (1/181)
صفحة 182
***
فصول الأصول
***
الذي يولد مثله لمثله المشهور النسب من غيره: هذا ابني، أي: عتيق، تعبيرا عن اللازم بالملزوم، فيعتق، أو مثل ابني في الشفقة عليه فلا يعتق، وهما وجهان أي: قولان عند الشافعية، والأصح منهما العتق عندهم) على أن المجاز أولى من الإضمار، ومثال الثاني قوله تعالى: {وَحَرَّمَ الرِّدَوا)، فقال الحنفي أي أخذه وهي الزيادة في بيع درهم بدرهمين - مثلا - فإذا أسقطت صح البيع وارتفع الإثم، وقال غيره: نقل الربا شرعا إلى العقد فهو فاسد وإن أسقطت الزيادة في الصورة المذكورة - مثلا - والإثم باق لم يرتفع، والأصح عندي الأول، وهو قول الجمهور ولا سيما النقل، فإن الإضمار مجاز بالحذف - أيضا - والمنقول يكون حقيقة شرعية إن نقلها الشرع عرفية إن نقله العرف العام، والحقائق أولى من المجازات كما تقدم والله تعالى أعلم.
(1) ابن السبكي (الإبهاج) ج 1 ص 331، المحلي (شرح المحلي على جمع الجوامع) ج 1 ص 313.
(2) القرآن الكريم سورة البقرة (مدنية) آية رقم 275.
(3) المحلي (شرح المحلي على جمع الجوامع) ج 1 ص 313.
182 (1/182)
صفحة 183
***
فصول الأصول
***
الفصل الثالث والعشرون
في حكم التخصيص مع المجاز والنقل
(1)
واعلم أن التخصيص مقدم على المجاز وعلى النقل (1)، فإذا احتمل الكلام لأن يكون فيه تخصيص ومجاز أو تخصيص ونقل فحمله على التخصيص أولى، أما في الأول فلتعين الباقي من العام بعد التخصيص بخلاف المجاز فإنه قد لا يتعين بأن يتعدد ولا قرينة للتعين، وأما في الثاني فلسلامة التخصيص من نسخ المعنى الأول بخلاف النقل، فالمثال الأول كقوله تعالى: {وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ أَسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ (2)، فقالت الحنفية: إن المعنى مما لم يتلفظ بالتسمية عند ذبحه، وخص منه الناسي للتسمية فتحل ذبيحته: وقال غيرهم: إن المعنى ولا تأكلوا مما لم يذبح تعبيرا عن الذبح ما يقارنه غالبا من التسمية، فلا تحل ذبيحة المعتمد لترك التسمية على القول الأول دون الثاني (3)، والمثال الثاني كقوله تعالى: {وَأَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ له (4)، فقيل: هو المبادل مطلقا وخص منه البيع الفاسد لعدم حله بدليل آخر، وقيل: نقل البيع شرعا إلى المستجمع لشروط الصحة، وهما قولان للشافعي، فما شك في استجماعه لشروط الصحة يحل ويصح على القول الأول لأن الأصل عدم فساده (5) دون القول الثاني لأن الأصل فيه عدم استجماعه لشروطها، ووجهه هذا التحليل أن الآية علقت الحل ابتداء بمطلق (1) الرازي (المحصول) ج 1 ص 358، ابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 1 ص 314313، الإسنوي (نهاية السول) ج 2 ص 183، ابن السبكي (الإبهاج) ج 1 ص 329، الشماخي (شرح مختصر
العدل) ص 42، السالمي (شرح) طلعة الشمس) ج 1 ص 216.
(2) القرآن الكريم سورة الأنعام (مكية) آية رقم 121. (3) اختلف العلماء في المذكى الذي لم يذكر اسم الله عليه، فقال الشافعي: إن متروك التسمية يحل سواء ترك الذابح التسمية عمدا أو خطأ. الفخر الرازي (التفسير الكبير) ج 7 ص 77. وهي رواية عن أحمد بن حنبل، ابن الجوزي (زاد المسير) ج 3 ص 79، وذهب الإمام مالك وابن سيرين وطائفة من المتكلمين إلى أن كل ذبح لم يذكر عليه اسم الله فهو حرام سواء كان عمدا أم خطأ. رشيد رضا (تفسير المنار) ج 8 ص 24. وانظر المرجعين السابقين، وقال أبو حنيفة: إن ترك عمدا حرم، وإن ترك نسيانا حل. الرازي (التفسير الكبير) ج 7 ص 77، وهو قول الإمامية. العاملي (وسائل الشيعة ج 24 ص 29، وهو مروي عن عطاء وابن عباس. وانظر: الشماخي، عامر بن علي (الإيضاح) ج 4 ص 127، القطب محمد بن يوسف (تيسير التفسير) ج 3 ص 437 شرح كتاب النيل) ج 4 ص 470.
(4) القرآن الكريم سورة البقرة (مدنية) آية رقم 275. (2) الجصاص (أحكام القرآن ج 2 ص 189، الفخر الرازي (التفسير (الكبير) ج 7 ص 80، ابن السبكي (الإبهاج) ج 1 ص 330، المحلي (شرح المحلي على جمع الجوامع) ج 1 ص 314. (1/183)
صفحة 184
***
فصول الأصول
***
المبادلة ما لم يصحبها فساد. فصار الحل هو الأصل الثابت إلى تحقق الفساد، فالفساد على هذا ملحوظ باعتبار كونه مانعا من ثبوت الحل؛ لأن وجود المخصص مانع من ثبوت الحكم والأصل عدم المانع، فإن المعلل بأن الأصل عدم الاستجماع الذي هو بمعنى أن الأصل الفساد هو قائل الثاني، وهو أن البيع هو المستجمع لشروط الصحة. ووجه هذا التعليل أن الآية علقت الحل بالبيع المخصوص وهو المستجمع للشروط، فثبوت الحل متوقف على اجتماع الشروط، فصار اجتماعها ملحوظا ابتداء باعتبار كونه شرطا لثبوت الحل، والأصل عدم وجود الشرط، والحاصل أن الشيء الواحد يختلف حكمه باختلاف عنوانه والوجه الذي اعتبر فيه ولوحظ به، فلما اعتبر الفساد على الأول مانعا من الحل قيل: الأصل عدمه، لأن الأصل عدم المانع، ولما اعتبر على الثاني الاستجماع الذي هو بمعنى عدم الفساد شرطا للحل قيل: الأصل عدمه لأن الأصل عدم وجود الشرط فتأمل وجهي التفريع فإنه في غاية الحسن والدقة، والله أعلم. ويؤخذ مما تقدم من أولوية التخصيص وتقديمه على المجاز الذي هو أولى وأقدم من الاشتراك وهو مساو للإضمار أن التخصيص أولى من الاشتراك والإضمار معا ومقدم عليهما، وأن الإضمار أولى من الاشتراك، ومن قدم المجاز على النقل أنه أولى منه ووجهه سلامة المجاز من نسخ المعنى الأول بخلاف النقل فهذه عشرة أمور ذكرها الأصوليون في تعارض ما يخل بالفهم وأن بعضها مقدم على بعض، مثال الأول قوله تعالى: {وَلَا تَنكِحُوا مَا نَكَحَ وَابَاؤُكُم مِّنَ النِّسَاءِ (1) فقال الحنفي: يعني ما وطؤوه، لأن النكاح حقيقة أي: شرعية في الوطء، فعلى هذا يحرم على الرجل مزنية أبيه، وقال الشافعي: يعني ما عقدوا عليه، فعلى هذا لا تحرم مزنية أبيه عليه (2)، ويلزم الأول الاشتراك لما ثبت من أن النكاح حقيقة في العقد لكثرة استعماله فيه حتى أنه لم يرد في القرآن لغيره كما قال الزمخشري (3) نحو: حَتَّى تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ)، و فَانكِحُوا مَا، ويلزم الثاني التخصيص حيث قال: تحل للرجل من عقد عليها
طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاءِ (5):
،
(3)
(1) القرآن الكريم سورة النساء (مدنية) آية رقم 22.
(4)
6
(2) الجصاص (أحكام القرآن ج 3 ص 49 - 63، الفخر الرازي (التفسير (الكبير) ج 10 ص 15، الإسنوي (نهاية السول) ج 2 ص 182، أبو حيان (البحر المحيط) ج 3 ص 574، رشيد (تفسير المنار) ج 4 ص 464.
(3) الزمخشري (الكشاف) ج 3 ص 548. (4) القرآن الكريم سورة البقرة (مدنية) آية رقم 230.
(5) القرآن الكريم سورة النساء (مدنية) آية رقم 3.
184 (1/184)
صفحة 185
185
***
فصول الأصول
***
أبوه عقدا فاسدا بناء على تناول العقد للفاسد كالصحيح، وقيل: لا يتناوله، ومثال الثاني قوله تعالى {وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَوةٌ} (1).
(r),
أي: في مشروعيته، لأن بها يحصل الانكفاف عن القتل، فيكون الخطاب عاما، أو في القصاص نفسه حياة لورثة القتيل المقتصين بدفع شر القاتل الذي صار عدوا لهم، فيكون الخطاب مختصا بهم (2)، والمثال الثالث قوله تعالى: وَسَلِ الْقَرْيَةَ (3) أي: أهلها، وقيل: القرية حقيقة في الأهل كالأبنية المجتمعة بدليل هذه الآية وغيرها (4)، ونحو: {فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ له (ه)) والمثال الرابع قوله تعالى: {وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ) (6)، أي: العبادة المخصوصة، فقيل: هي مجاز فيها عن الدعاء بخير لاشتمالها عليه، وقيل: نقلت إليها شرعا.
والله أعلم.
((0)
(1) القرآن الكريم سورة البقرة (مدنية) آية رقم 179.
(2) الفخر الرازي (التفسير (الكبير) ج 5 ص 48، رشيد رضا (تفسير المنار) ج 2 ص 130. (3) القرآن الكريم سورة يوسف (مكية) آية رقم 82.
(4) الفخر الرازي (التفسير الكبير) ج 18 ص 152، أبو حيان (البحر المحيط) ج 6 ص 310.
(5) القرآن الكريم سورة يونس (مكية) آية رقم 98. (6) القرآن الكريم سورة البقرة (مدنية) آية رقم 43. (1/185)
صفحة 186
***
فصول الأصول
***
الفصل الرابع والعشرون
الكلام على علاقات المجاز
،
وعلاقات المجاز أنواع كثيرة، فمنها المشابهة في الشكل كتسمية الفرس لصورته المنقوشة على الحائط - مثلا - تسمى فرساً لمشابهتها له في الشكل. ومنها الصفة الظاهرة كالأسد للرجل الشجاع لا بصفته الباطنة كالأبخر (1)، لأن الشجاعة ظاهرة في الأسد المفترس دون البخر، ومنها اعتبار ما يكون في المستقبل مقطوعا به نحو: الله إنك ميت الله (2) سماه ميتا باعتبار ما سيؤول إليه، أو {إِنَّكَ مَيِّتُ مظنونا كالخمر للعصير في قوله تعالى: إن أردنِي أَعْصِرُ خَمْرًا (3)، والمعصور هو العنب: سماه خمرا باعتبار ما سيؤول إليه وهو مظنون الوقوع، ولا يسمى باعتبار ما سيؤول إليه احتمالا كتسمية العبد حرا - مثلا - لاحتمال العتق، فلا يجوز، أما باعتبار ما كان عليه كالعبد لمن عتق فذلك جائز، ومنه قوله تعالى: وَمَاتُوا الينى أَمْوَالَهُمْ)، ومنها الضدية كالمفازة للبرية المهلكة مشتقة من الفوز (4) ضد الهلاك (5)، ومنها المجاورة كإطلاق لفظ الأرض على الثابت فيها من شجر
أو غيره، ولفظ الشفة على الأسنان، والسقف على الجدار وما أشبه ذلك. ومنها الزيادة نحو: ولَيْسَ كَمِثْلِهِ شَى)، فالكاف زائدة وإلا فهي: بمعنى مثل، فيقتضي أن يكون له تعالى مثل وهو محال، وإنما قصد بهذا الكلام نفي المثل، ومنها النقصان نحو: {وَمَثَلِ الْقَرْيَةَ} (7) أي: اهلها، ومنها السبب للمسبب نحو للأميريد أي: قدرة فهي أي: القدرة مسببة عن اليد لحصولها
(1) الأبخر: البخر: الرائحة المتغيرة من الفم، والبخر: النتن يكون في الفم وغيره، ابن منظور (لسان العرب) باب الراء، فصل الباء، ج 4، ص 46 - 47، إبراهيم أنيس (المعجم الوسيط) باب الباء، ج 1 ص 42.
(2) القرآن الكريم سورة الزمر (مكية) آية رقم 30. (3) القرآن الكريم سورة يوسف (مكية) آية رقم 36. (4) القرآن الكريم سورة النساء (مدنية) آية رقم 2.
(د) الزبيدي (تاج العروس) باب الزاي فصل الفاء، ج 4 ص 68، الجوهري (الصحاح) باب الزاي، فصل
الفاء، ج 3 ص 890.
(6) القرآن الكريم سورة الشورى (مكية) آية رقم 11.
(1) القرآن الكريم سورة يوسف (مكية) آية رقم 82.
186 (1/186)
صفحة 187
187
***
فصول الأصول
***
بها، ومنها الكل للبعض نحو يَجْعَلُونَ أَصَبعَكُمْ فِي مَاذَانِهِم الله (أي أناملهم، 1) والأنامل أطراف الأصابع فهي بعضها، ومنها المتعلق بكسر اللام للمتعلق بفتحها نحو هَذَا خَلْقُ الله له (2) أي: مخلوقه، وهذا رجل عدل أي: عادل ونحوه. وكذلك عكس هذه الأمور كاستعمال المسبب للسبب كالموت للمرض الشديد لأنه سبب للموت عادة، والبعض للكل كقولك: فلان يملك ألف رأس من الخيل إذ ليس المراد رؤوسها فقط بل كلها، وكالمتعلق بفتح اللام للمتعلق بكسرها نحو بِأَيَتِكُمُ الْمَفْتُونُ له (3) أي: الفتنة، وقم قائما أي: قياما، وكإطلاق ما بالفعل} ه على ما بالقوة كالمسكر للخمر في الدن (4).
وقد يكون المجاز في الإسناد بأن يسند الشيء لغير من هو له لملابسة بينهما ((د)) نحو قوله تعالى: {وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ وَايَنتُهُ، زَادَتْهُمْ إِيمَنَا (3) أسندت الزيادة وهي فعل الله تعالى إلى الآيات لكون الآيات المتلوة سببا لها عادة، ونفى بعضهم المجاز في الإسناد ().
المسند وحيث ورد في الكلام منهم من يجعله في المسند، ومنهم من يجعله في إليه، فمن الأول يكون معنى زادتهم ازدادوا بها، وعلى الثاني يكون المعنى زادهم الله تعالى، إطلاقا للآيات عليه تعالى لإسناد فعله إليها (7)، وقد يكون المجاز في الأفعال والحروف، مثاله في الأفعال قوله تعالى: {وَنَادَى أَصْحَبُ الجَنَّةِ) أي: ينادي، عبر
(1) القرآن الكريم سورة البقرة (مدنية) آية رقم 19. (2) القرآن الكريم سورة لقمان (مكية) آية رقم 11. (3) القرآن الكريم سورة القلم (مكية) آية رقم 6.
(4) الدن: ما عظم من الرواقد، وهو كهيئة الحب إلا أنه أطول، مستوى الصنعة في أسفله، والجمع دنان، وهي الحباب، ابن منظور (اللسان) باب النون فصل الدال، ج 13 ص 159، إبراهيم أنيس (المعجم
الوسيط) باب الدال ج 1 ص 309. (2) القرآن الكريم سورة الأنفال (مكية) آية رقم 2. (6) نفاه ابن الحاجب (مختصر المنتهى بشرح العضد ج 1 ص 153، وحكاه الزركشي عن السكاكي. الزركشي (البحر المحيط) ج 3 ص 92.
(2) الفخر الرازي (التفسير الكبير) ج 15 ص 97، أبو حيان (البحر المحيط) جه ص 271، رشيد رضا
090
(تفسير المنار) ج 9 ص. () القرآن الكريم سورة الأعراف (مكية) آية رقم 44. (1/187)
صفحة 188
***
فصول الأصول
***
(2)
بالماضي عن المضارع لعلاقة الأول: {وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ (1) أي: ما تلته عبر بالمضارع عن الماضي، ومثاله في الحروف: فَهَلْ تَرَى لَهُم مِّنْ بَاتِية الله (2) أي: ما ترى، عبر بهل الاستفهامية عن ما النافية.
ومنع الإمام الرازي المجاز المفرد في الحروف مطلقا قال: لا يكون فيها مجاز إفراد لا بالذات ولا بالتبع إذ لا إفادة إلا بضمه إلى غيره، فإن ضم إلى ما ينبغي ضمه إليه فهو حقيقة، أو إلى مالا ينبغي ضمه إليه فمجاز مركب (3). قال النقشواني (4): من أين أنه مجاز تركيب؟ بل ذلك الضم قرينة مجاز الأفراد نحو قوله تعالى: {وَلَأُصَلبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ (5)، أي: عليها (6). قال ابن القاسم: لو لم يدخل المجاز بالذات في الحروف لما دخل فيه الحقيقة بالذات)، ومنع – أيضا – الفعل والمشتق كاسم الفاعل فقال: لا يكون فيهما مجاز إلا بالتبع لأصلهما وهو المصدر، فإن كان المصدر حقيقة فلا مجاز فيهما، واعترض عليه بالتجوز بالفعل الماضي عن المستقبل والعكس كما تقدم من غير تجوز في أصلهما، وبأن الاسم المشتق يراد به الماضي والمستقبل مجازا كما تقدم من غير تجوز في أصله (8). قال المحلي: وكأن الإمام فيما قاله نظر إلى الحدث مجردا عن الزمان، أهـ (9) ولا يكون المجاز في الأعلام قالوا: لأنها إن كانت مرتجلة أي: لم يسبق لها استعمال لغير العلمية كسعاد، أو منقولة لغير مناسبة كفضل فهو واضح، أو لمناسبة كمن سمى ولده بمبارك لما ظنه فيه من البركة، فكذلك لصحة الإطلاق عند زوالها (10)، ويعرف
(1) القرآن الكريم سورة البقرة (مدنية) آية رقم 102.
(2) القرآن الكريم سورة الحافة (مكية) آية رقم 8. (3) الفخر الرازي (المحصول) ج 1 ص 328. (4) النقشواني، لم أجد له ترجمة.
(2) القرآن الكريم سورة طه (مكية) آية رقم 71.
(6) ابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 1 ص 312، الزركشي (البحر المحيط) ج 3 ص 97. (!) هذا الاعتراض الثاني للنقشواني كما قاله ابن القاسم الآيات البيئات) ج 2 ص 182.
(1) ابن قاسم (الآيات البينات) ج 2 ص 183، وانظر: الفخر الرازي (المحصول) ج 1 ص 328 - 329. (3) المحلي (شرح المحلي على جمع الجوامع) ج 1 ص 322. (10) ابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 1 ص 322 - 323، ابن قاسم (الآيات البينات) ج 2 ص 184.
188 (1/188)
صفحة 189
189
***
فصول الأصول
***
المعنى المجازي من اللفظ بتبادر غيره منه إلى الفهم لولا القرينة (1)، فالمتبادر إلى الفهم من غير قرينة هو الحقيقة. والله أعلم (2).
(1) كما يعرف المجاز بالأمور التالية:
نقل أئمة اللغة، بأن يقولوا: إن لفظة الحمار - مثلا - مجاز في الرجل البليد
ب - أن المجاز يلتزم تقييده بالقرينة، حتى يفرق بينه وبين الحقيقة، مثل: جناح الذل، أي: لين الجانب، ونار الحرب، أي: شدتها.
ج - أن بعض المجاز يتوقف صحة إطلاقه على ذكر الحقيقة لكون لفظ المجاز مظاهيا للفظ الحقيقة، فأطلق عليه لتلك المشابهة، وهذا يعرف بالمشاكلة، وهي التعبير عن الشيء بلفظ غيره لوقوعه في صحيته تحقيقا، كقوله تعالى: ومكروا ومكر الله القرآن الكريم سورة آل عمران) (مدنية آية رقم 54، أي: جازاهم على مكرهم، او صحبته تقديرا كقوله تعالى: أفأمنوا مكر الله القرآن الكريم سورة الأعراف - مكية - آية رقم 99) أي: أفأمنوا حين مكروا مكر الله.
د - صحة النفي، كما في قولك: هذا أسد. فإنه يصح نفي الأسد عنه. ابن الحاجب (مختصر المنتهى بشرح العضد ج 1 ص 145، ابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 1 ص 323، السالمي (شرح طلعة الشمس) ج 1 ص 208 - 209. (2) وانظر علاقات المجاز في: الفخر الرازي (المحصول) ج 1 ص 323، ابن الحاجب (مختصر المنتهى بشرح العضد) ج 1 ص 141، البخاري (كشف الأسرار ج 2 ص 111، ابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 1 ص 317، السكاكي (مفتاح العلوم ص 365، القزويني (الإيضاح في علوم البلاغة) جه ص 30، الزركشي (البحر المحيط) ج 3 ص 67، التفتازاني (مختصر المعاني ص 533، التفتازاني واخرون (شروح التخليص) ج 4 ص 33، الشماخي (شرح مختصر (العدل) ص 36، ابن النجار (شرح الكوكب المنير) ج 1 ص 157، السالمي (شرح طلعة الشمس) ج 1 ص 199، المراغي (علوم البلاغة) ص 230. (1/189)
صفحة 190
***
فصول الأصول
***
الفصل الخامس والعشرون
الكلام على معربات الألفاظ
قال ابن السبكي: المعرب لفظ غير علم استعملته العرب في معنى وضع له في غير لغتهم) (1) ولا يكون في القرآن وفاقا للشافعي وابن جرير (2)
والأكثر (3) قالوا: إذ لو كان فيه لا اشتمل القرآن على غير عربي، وقد قال الله تعالى: {إِنَّا أَنزَلْنَهُ قُرْهَانَا عَرَبِيًّا (4) ءَ اعْمِيُّ وَعَرَى و (د)، وقيل: إنه فيه كاستبرق كلمة فارسية للديباج (6) الغليظ، وقسطاس رومية للميزان، ومشكاة كلمة هندية للكوة غير النافذة (7).
(1) ابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 1 ص 326.
(2) ابن جرير، محمد بن جرير بن يزيد الطبري، كبار الأئمة، ولد سنة 224 هـ بآمل طبرستان، من كتبه: جامع البيان عن تأويل آي القرآن، وتاريخ الأمم والملوك، توفي سنة 310 هـ. ابن خلكان (وفيات الأعيان) ج 4 ص 191، ابن العماد (شذرات الذهب) ج 4 ص 53.
(3) الشافعي (الرسالة) ص 41، الزركشي (البحر المحيط) ج 3 ص 29، وقد ذهب إلى هذا الإمام الرازي المحصول بشرح النفائس) ج 2 ص 805 - 807، وأبو بكر الباقلاني والقفال الشاشي. الزركشي (البحر المحيط) ج 3 ص 29، وأبو إسحاق الشيرازي. الشيرازي (التبصرة) ص 180، وابن السمعاني وابن القشيري وحكاه عن المحققين. الزركشي (البحر المحيط) ج 3 ص 29، وهو قول ابن النجار وأبي بكر بن عبدالعزيز والقاضي وأبي الخطاب وابن عقيل من الحنابلة، ابن النجار (شرح الكوكب المنير) جا ص 192، وانظر: ابن السبكي (الابهاج) ج 1 ص 281
(4) القرآن الكريم سورة يوسف (مكية) آية رقم 2. (2) القرآن الكريم سورة فصلت (مكية) آية رقم 44. (6) في ب الديباج.
(7) ذهب إلى هذا القول ابن عباس وعكرمة ومجاهد وعطاء. الزركشي (البحر المحيط) ج 3 ص 29، الشوكاني (ارشاد الفحول) ص 32، وهو قول ابن الحاجب (مختصر المنتهى بشرح العضد) ج 1 ص 170، والبدر الشماخي (مختصر (العدل) ص 12، والقرافي (نفائس الاصول) ج 2 ص 833، والشوكاني (ارشاد الفحول) ص 32، وانظر: ابن السبكي (الإبهاج) ج 1 ص 281، ابن النجار (شرح الكوكب المنير) ج 1 المشكاة ص 193، قال القرافي في نفائس الأصول العجب من نقضهم بأربع كلمات فيها النزاع وهي والاستبرق والقسطاس والسجيل، والكلمات العجمية في القرآن كثيرة جدا، فقد قال النحاة أسماء الملائكة كلها أعجمية إلا أربعة، منكر ونكير ومالك ورضوان، وأسماء الأنبياء كلها أعجمية، إلا أربعة: شعيب وصالح وهود و محمد - - أجمعين وسلم، وكذلك ما ذكر مضافا إلى العجم غير هؤلاء نحو فرعون وهامان و قارون وآزر، وهو كثير، فالكلمات العجمية في القرآن الكريم مجمع عليها، ولا تحتاج لهذا التكلف، والقرآن إنما هو عربي باعتبار تراكيبه واستعمالاته ونظمه لا بإعتبار جميع مفرداته. القرافي (نفائس الأصول) ج 2 ص 833
??. (1/190)
صفحة 191
191
***
فصول الأصول
***
وقيل: إن (1) هذه الألفاظ ونحوها اتفق فيها لغة العرب ولغة غيرهم كالصابون، ولا خلاف بين الأمة في وقوع العالم الأعجمي في القرآن كإبراهيم وإسماعيل (2). وكان العلم لا يسمى معربا عندهم كما تفيده عبارة ابن السبكي آنفا حيث قال: المعرب لفظ غير علم (3)، ويحتمل أن يسمى كما مشى عليه في شرح المختصر حيث لم يقل ذلك، ثم نبه على أن العلم الأعجمي متفق على وقوعه، والله أعلم.
(4)
وقد شدد الشوكاني النكير على القائلين بالنفي وتعجب منهم حيث قال: ومثل هذا لا ينبغي أن يقع فيه خلاف والعجب ممن نفاه وقد حكى ابن الحاجب وشراح كتابه النفي لوجوده عن الأكثرين، ولم يتمسكوا بشيء سوى تجويز أن يكون ما وجد في القرآن من المعرب مما اتفق فيه اللغتان العربية والعجمية، وما أبعد هذا التجويز، ولو كان يقوم بمثله الحجة في مواطن الخلاف لقال من شاء ما شاء بمجرد التجويز، وتطرق المبطلون إلى دفع الأدلة الصحيحة. بمجرد الاحتمالات البعيدة، واللازم باطل بالإجماع فالملزوم مثله، وقد أجمع أهل العربية على أن العجمة علة من العلل المانعة للصرف في كثير من الأسماء الموجودة في القرآن، فلو كان لذلك التجويز البعيد تأثير لما وقع منهم هذا الإجماع .. الشوكاني (إرشاد الفحول) ص 32. والأعجب من هذا انهم يتفقون مع الخصم على ثبوت الأعلام الأعجمية في القرآن، ثم يخالفونهم في الأسماء الأخرى، إذ ما الفارق بين الأعلام وغيرها؟
(1) في النسختين بلا همزة.
(2) في النسختين بلا همزة.
(3) ابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 1 ص 326.
(4) لعله يقصد رفع الحاجب عن مختصر ابن الحاجب. (1/191)
صفحة 192
***
فصول الأصول
***
الفصل السادس والعشرون
في وجوه استعمال الألفاظ
واعلم أن اللفظ المستعمل في معنى غما حقيقة فقط أو مجاز فقط كالأسد للحيوان المفترس أو للرجل الشجاع أو حقيقة ومجاز باعتبارين كما إذا وضع في اللغة لمعنى عام ثم خصه الشرع أو العرف بنوع منه كالصوم في اللغة الإمساك (1)، فخصه الشرع بالإمساك المخصوص المعروف، وكالدابة وضع في اللغة لكل ما يدب على الأرض (2)، فخصها العرف العام بذوات الحوافز، وخصها أهل العراق بالفرس خاصة.
فاستعماله في العام حقيقة لغوية مجاز شرعي أو عرفي، وفي الخاص بالعكس، ولا يصح أن يكون حقيقة ومجازا باعتبار واحد لتنافي بين الوضع الأول والثاني، إذ لا يصح أن يكون اللفظ المستعمل في معنى موضوعا له مرتين.
هو
المعنى
والحقيقة والمجاز منتفيان كلاهما عن اللفظ قبل استعماله لأنه مأخوذ في حدهما فإذا انتفى انتفيا، ثم إن اللفظ محمول على عرف المخاطب (بكسر الطاء) كان المخاطب الشارع أو أهل العرف او اهل اللغة، ففي خطاب الشرع محمول على المعنى الشرعي لأن عرفه لأنه النبي - - بعث لبيان الشرعيات، ثم إذا لم يكن معنى شرعي أو كان وصرف عنه صارف من القرائن فالمحمول عليه اللفظ العرفي العام وهو الذي يتعارفه جميع الناس بأن يكون متعارفا في زمن الخطاب، واستمر كذلك لأن الظاهر إرادته لتبادره إلى الأذهان، ثم إذا لم يكن معنى عرفي عام، أو كان وصرف عند صارف من القرائن فالمحمول عليه هو المعنى اللغوي لتعينه حينئذ، فتحصل من هذا أن ماله مع المعنى الشرعي معنى عرفي عام، أو معنى لغوي، أو هما معا يحمل أولا على الشرعي، وأن ماله معنى عرفي عام ومعنى لغوي يحمل أولا على العرفي العام.
(1) ابن منظور (لسان العرب) باب الميم، فصل الصاد، ج 12 ص 351، إبراهيم أنيس (المعجم الوسيط) باب الصاد، ج 1 ص 549. (2) ابن منظور (لسان العرب) باب الباء فصل الدال، ج 1 ص 369، إبراهيم أنيس (المعجم الوسيط) باب الدال، ج 1 ص 277.
192 (1/192)
صفحة 193
193
***
فصول الأصول
***
وقال الغزالي والآمدي: إذا كان اللفظ له معنى شرعي ومعنى لغوي حمل في الإثبات على الشرعي، أما في النفي وما في معناه فقد قال الغزالي: إن اللفظ مجمل لم يتضح المراد منه، إذ لا يمكن حمله على الشرعي لوجود النهي، ولا على اللغوي صلى الله لأن النبي - - بعث لبيان الشرعيات لا اللغويات (1).
وقال الآمدي: يحمل على اللغوي لتعذر الشرعي بالنهي (2)، وأجيب بأن المراد بالشرعي ما يسمى شرعا بذلك الاسم صحيحا كان أو فاسدا، لأنه يقال: صوم صحيح وصوم فاسد. مثال الإثبات منه حديث مسلم (3) عن عائشة (4) - ا - قالت: دخل النبي - ذات يوم فقال: هل عندكم شيء؟ قلنا: لا، قال: فإني إذن صائمه)، فيحمل على الصوم الشرعي، فيفيد صحته بنية من النهار وهو نفل.
(1) الغزالي (المستصفي) ج 1 ص 359.
جه ص 194،
(2) الآمدي (الإحكام) ج 3 ص 27، وينظر: ابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 1 ص 329. (3) مسلم، مسلم بن الحجاج القشيري النيسابوري، أبو الحسين، ولد سنة 206 هـ، وقيل: سنة 204 هـ، من أعلام المحدثين، رحل إلى الحجاز والعراق والشام ومصر، وسمع أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه وغيرهما، وروى عنه الترمذي وغيره، ومن كتبه: الجامع الصحيح، والكني والأسماء، واوهام المحدثين، توفي سنة 261 هـ، ابن خلكان (وفيات الأعيان) الزركلي (الأعلام) ج 7 ص 221. (4) عائشة أم المؤمنين بنت أبى بكر الصديق عبدالله بن قحافة، من قريش، أفقه نساء المسلمين، ولدت سنة 9 ق هـ تزوجها النبي - في السنة الثانية بعد الهجرة، توفيت سنة 58 هـ بالمدينة. ابن الأثير (أسد الغابة ج 7 ص 188، ابن خلكان وفيات الأعيان) ج 3 ص 16، ابن حجر العسقلاني (الإصابة) ج 8 ص 231، الزركلي (الأعلام) ج 3 ص 240. (5) مسلم (صحيح مسلم بشرح النووي كتاب الصيام، باب جواز النافلة بنية من النهار، رقم الحديث
-
1154، ج 8 ص 282. (1/193)
صفحة 194
***
فصول الأصول
***
قلت: والمذهب عندنا لا يصح صوم لمن لم يبيت نية من الليل (1).
(1) ذهب الإباضية إلى وجوب تبييت النية من الليل قبل الفجر سواء كان الصوم فرضا أو نفلا، وقال به جمع من الصحابة منهم حفصة بنت عمر وعبد الله بن عمر، ر. الشماخي، عامر بن علي (الايضاح) ج 3 ص 168، السالمي (معارج الامال) ج 18 ص 28، وقال به مالك بن أنس وأتباعه. الشنقيطي (مواهب الجليل) ج 2 ص 29، ابن رشد (بداية المجتهد ج 1 ص 204، والزيدية، الصنعاني (سبل السلام) ج 2 ص 29، والحنابلة: ابن قدامة (المغني) ج 1 ص، 91 وأهل الظاهر ابن حزم المحلي) ج 4 ص 285، وقال الشافعية بوجوب ذلك في الفرض، وأما في النقل فوجهان حكاهما ابن قاسم العبادي. حواشي الشرواني وابن قاسم على تحفة المحتاج، ج 4 ص 515. وذهب الحنفية إلى عدم وجوب ذلك فقالوا بجواز النية لصوم رمضان بعد طلوع الفجر، السرخسي (المبسوط) ج 3 ص 62، وهو الظاهر من كلام الإمامية. العاملي: محمد بن الحسن (وسائل الشيعة)
ج 10 ص 10.
-
وقد احتج أصحاب القول الأول بحديث لا صيام لمن لم يبيت الصيام من الليل ووجه الاستدلال أن قوله عليه السلام -: لا صيام نكرة في سياق اللفي، فتعم كل صيام إلا ما قام الدليل على أنه لا يشترط فيه التبييت. أما حديث عائشة الله - أنه - عليه السلام - سألها هل عندك طعام ... الخ فإنه يحتمل ان يكون سألها عن قوتهم الذي لا بد لهم منه وقت الإفطار، أو يحتمل أنه كان - - قد نوى الصوم من الليل وإنما أراد الفطر لما ضعف عن الصوم.
وأما حديث سلمة بن الأكوع والربيع أن رسول الله - ل - أمر رجلا من أسلم أن أذن في الناس إذ فرض صوم عاشوراء: الأكل من أكل فليمسك، ومن لم يأكل فليصم فقد أجابوا عنه بجوابين: الأول:
منسوخ بحديث حفصة وهو قوله - ل - من لم يجمع الصيام قبل الفجر فلا صيام له. الثاني: على تسليم عدم النسخ فالنية إنما اعتبرت صحيحة في نهار عاشوراء لكون الرجوع إلى الليل غير مقدور عليه، والنزاع فيما كان مقدورا عليه، فيخص الجواز بمثل هذه الصورة، وهو من ظهر له وجوب الصيام عليه من النهار كالمجنون يفيق، والصبي يحتلم، والكافر يسلم، وكمن انكشف له في النهار أن ذلك اليوم من رمضان.
-
أما أصحاب القول الثاني فقد استدلوا بحديث ابن عباس - - أن الناس أصبحوا يوم الشك على عهد رسول الله - ع - فقدم أعرابي وشهد برؤية الهلال، فقال رسول الله - ع -: أتشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله؟ فقال: نعم فقال رسول الله - -: الله أكبر، يكفي المسلمين أحدهم فصام وأمر الناس بالصيام، وأمر مناديا فنادى: ألا من كان اكل فلا يأكل بقيه يومه، ومن لم يأكل فليصم، ووجه الدلالة هو النهي عن تقديم النية على الليل، ثم هو عام دخله الخصوص بالاتفاق، وهو صوم النفل، فيحمل على سائر الصيامات بالقياس.
وانظر: ابن حزم (المحلي بالآثار) ج 4 ص 285، السرخسي (المبسوط) ج 3 ص 62، ابن رشد (بداية المجتهد ج 1 ص 204، ابن قدامة (المغني) ج 3 ص 91، العاملي، محمد بن الحسن (وسائل الشيعة) ج 10 ص 10، الشماخي عامر بن علي (الإيضاح ج 3 ص 168، الشرواني وابن قاسم (حواشي الشرواني وابن قاسم العبادي على تحفة المحتاج) ج 4 ص 515 - 516، الصنعاني (سبل السلام) ج 2 ص 311، السالمي (معارج الآمال ج 18 ص 28، الشنقيطي، احمد بن أحمد (مواهب الجليل من أدلة خليل) ج 2 ص 29.
194 (1/194)
صفحة 195
195
***
فصول الأصول
***
ومثال النهي منه حديث الصحيحين نهى رسول الله (1) - - - عن صيام يومين: يوم عيد الفطر ويوم النحر (2)، فعند الآمدي يجب حمل الصيام - هنا - على الصيام اللغوي وهو مطلق الإمساك وهذا باطل إذ يلزمه أن يكون الأكل يوم العيد واجبا ليحصل انتفاء مطلق الإمساك، عن الكلام وغيره لشمول الصوم لغة لذلك، والتزام ذلك قطعي البطلان ولا يقول به عاقل.
وكذلك حديث نهي الحائض عن الصلاة (3) يلزمه أن تكون منهية عن الدعاء بخير
الذي هو المعنى اللغوي للصلاة التي نهيت هي عنها، وهذا ليس بشيء. واختلفوا فيما إذا تعارض المجاز الراجع والحقيقة المرجوحة بأن غلب استعمال المجاز عليها، قال أبو حنيفة: الحقيقة أولى لأنها الأصل، وقال أبو يوسف (4): المجاز أولى لغلبته). وثالثا أن اللفظ مجمل لا يحمل على أحدهما إلا بقرينة لرجحان كل منهما من وجه، وهو المختار عند جمهور الأصوليين، واختاره البدر الشماخي من صحبنا، وتبعه شيخنا السالمي (6)، قالوا: لأن كل واحد منهما له مرجح، لكن
(1) رسول الله ساقطة من ب.
(2) أخرجه البخاري بلفظ: نهى النبي - الله - عن صوم يوم الفطر والنحر .. البخاري (صحيح البخاري بشرح الفتح) كتاب الصوم، باب صوم يوم الفطر، حديث رقم 1991، ومسلم بلفظ: أن رسول الله - نهى عن صيام يومين يوم الفطر ويوم النحر، مسلم (صحيح مسلم بشرح النووي) كتاب
الصوم، باب النهي عن صوم يوم الفطر ويوم الأضحى، حديث رقم 1138، ج 2 ص 263. (3) أخرجه البخاري بلفظ: إذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة، وإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم وصلي، البخاري (صحيح البخاري بشرح فتح الباري) كتاب الحيض، باب إذا رأت المستحاضة الطهر، حديث رقم 331، وأخرجه مسلم (مسلم، صحيح مسلم بشرح النووي كتاب الحيض، باب المستحاضة وغسلها وصلاتها حديث ثم 333).
(4) أبو يوسف، يعقوب بن إبراهيم بن حبيب البغدادي صاحب أبي حنيفة، وتلميذه، ولد سنة 113 هـ، كان فقيها من كبار الحنفية، لزم أبا حنيفة، وولي القضاء ببغداد، من كتبه: الخراج، والآثار، والنوادر، توفي سنة 182 هـ ببغداد، ابن العماد (شذرات الذهب) ج 2 ص 367، الزركلي (الأعلام) ج 8 ص 193. (2) (5) وهو قول محمد بن الحسن، الخبازي (المغني في أصول الفقه) ص 138، البخاري (كشف الأسرار) ج 2 ص 105 - 106، الأنصاري عبد العلي (فواتح الرحموت ج 1 ص 220، والقرافي (شرح تنقيح الفصول) ص 119 - 120، وابن النجار (شرح الكوكب المنير) ج 1 ص 195، وانظر: السالمي (شرح طلعة الشمس) ج 1 ص 214.
(6) (6) ابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 1 ص 331، الشماخي (شرح مختصر العدل) ص 41، السالمي (شرح طلعة الشمس) ج 1 ص 214. (1/195)
صفحة 196
***
فصول الأصول
***
مذهب البدر هاهنا اشترط القرينة وهي التي تتعذر معها إرادة الحقيقة أصلا، أما إذا لم تكن كذلك بل كانت مرجحة للمجاز فقط، فمذهبه التوقف عن ترجيح واحد منهما على الآخر، ومثال ذلك من حلف لا يشرب من هذا النهر، فالحقيقة المتعاهدة الكرع) من النهر بفيه كما هي عادة كثير من الرعاة، والمجاز الغالب هو الشرب منه بما يغترف به كالإناء، فإن لم ينو شيئا منهما فهل يحنث بالأول دون الثاني؟ أو بالثاني دون الأول؟ أو لا يحنث بواحد منهما ما لم ينوه حتى يكون جامعا بين الوجهين؟ خلاف مبني على الأقوال الثلاثة، أما إن كانت الحقيقة مهجورة قدم المجاز عليها اتفاقا، وذلك كمن حلف لا يأكل من هذه النخلة، فإنه يحنث بالأكل
من ثمرها دون سائر أجزائها التي هي الحقيقة المهجورة في مثل هذا المحل. أما إن تساويا في الترجيح قدمت الحقيقة على المجاز اتفاقا كما لو كانت هي الراجحة لأنها الأصل، واختلفوا فيما إذا ثبت حكم بالإجماع – مثلا – لكن ذلك الإجماع مستند على دليل من خطابه بطريق المجاز هل يدل ثبوت الحكم المذكور على أن الحكم هو المراد من ذلك الخطاب؟
ذهب جمهور الأصوليين إلى أنه لا يدل على أنه المراد منه بل يبقى الخطاب على حقيقته لعدم الصارف عنها، وقال الكرخي - وهو من الحنفية – وأبو عبدالله البصري (2) - وهو من المعتزلة - أنه يدل على أن ذلك الحكم هو المراد من الخطاب، فلا يبقى الخطاب على حقيقته إذ لم يظهر لذلك الحكم مستند غيره، مثال ذلك وجوب التميم على المجامع الفاقد للماء ثبت بالإجماع يمكن كونه هو المراد من قوله تعالى: أَوْ لَمَسْمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا لله (3).
لكن ثبوت هذا الحكم من الآية على وجه المجاز لأن الملامسة حقيقة في الجس
(1) الكرع: كرع: إذا تناول الماء بفيه من موضعه كما تفعل البهائم. ابن منظور (اللسان) باب العين فصل الكاف، ج 8 ص 308، إبراهيم أنيس (المعجم الوسيط) باب الكاف، ج 2 ص 814. (2) أبو عبدالله البصري، الحسين بن علي بن إبراهيم الملقب، يجعل، فقيه من شيوخ المعتزلة، ولد في البصرة سنة 288 هـ، من كتبه: الإيمان، والإقرار، والمعرفة، توفى سنة 369 هـ. ابن العماد (شذرات الذهب ج 4 ص 373، الزركلي (الأعلام) ج 2 ص 244.
(3) القرآن الكريم سورة النساء (مدنية) آية رقم 43. (1/196)
صفحة 197
197
***
فصول الأصول
***
باليد مجاز في الجماع، فقالا: إن المراد الجماع لتكون الآية مستند الإجماع إذ لا مستند له غيرها وإلا لذكر، فلا تدل على أن اللمس ينقض الوضوء (1).
وأجيب بأنه يجوز ان يكون المستند غيرها، واستغنى عن ذكره بذكر الإجماع كما هو العادة، فاللمس فيها على حقيقته، فتدل: أي الآية على نقضه وضوءه وإن قامت قرينة على إرادة الجماع - أيضا - بناء على الراجح أنه يصح أن يراد باللفظ حقيقته ومجازه، وقد قال الشافعي بدلاتها عليها حيث حمل الملامسة في الآية على الجس باليد والوطء معا جمعا بين الحقيقة والمجاز (2)، وقيل: إن الآية من قبيل المشترك فحملها على أحد المعنيين عليهما مجازا، واختاره البدر من أصحابنا وذلك كله مع تجرده عن القرائن (3).
(2)
والصحيح عندنا أن المراد بالملامسة من الآية هو الجماع مجازا، وقدم - هنا - على الحقيقة للقرائن الصارفة له عنها مع الأدلة الشرعية الخارجية، فلا نقض للوضوء بالجس بيد في بدن زوجة خلافا للشافعي حيث قال بذلك.
(1) ابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 1 ص 231 - 232، ابن قاسم (الآيات البينات) ج 2 ص 211، العطار (حاشية العطار على جمع الجوامع) ج 1 ص 432.
(2) الشافعي (الأم) ج 1 ص 29، ابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 1 ص 231 - 232. (3) سبق الكلام عن المشترك وما يحمل عليه في الفصل العشرين، وينظر: القطب محمد ابن يوسف (هيميان
الزاد) ج 4 ص 559. (1/197)
صفحة 198
***
فصول الأصول
***
فرع الكناية
الكناية هي: اللفظ المستعمل في معناه ويراد منه لازم المعنى (1) كقولك: زيد طويل النجار مريدا منه طويل القامة، لأن لطولها النجاد أي: حمائل السيف، فهي حقيقة لا مجاز لاستعمال اللفظ في معناه الوضعي، ولو أريد منه لازمه، فإن لم يرد المعنى باللفظ وإنما عبر بالملزوم عن اللازم فاللفظ حينئذ مجاز، لأنه استعمل في غير معناه الوضعي. والتعريض: لفظ استعمل في معناه للتلويح بغيره، كما في قوله تعالى حكاية عن الخليل - - بَلْ فَعَلَهُ، كَبِيرُهُمْ هَذَا له (2)، حيث نسب الفعل إلى كبير الأصنام المتخذة آلهة كأنه غضب أي: الكبير أن تعتبر الصغار معه تلويحا لقومه العابدين لها بأنها لا تصلح أن تكون آلهة لما يعلمون إذا نظروا بعقولهم من عجز كبيرها عن ذلك الفعل، أي: كسر صغارها فضلا عن غيره.
(1) هذا تعريف البيانيين. القزويني (الإيضاح) ج ه ص 158، التفتازاني وغيره (شروح التلخيص) ج 4 ص 150، التفتازاني (مختصر المعاني) ص 601.
أما عند الأصوليين فهي: اسم لما استتر فيه مراد المتكلم من حيث اللفظ كقوله في البيع: جعلته لك بكذا، وفي الطلاق: أنت خلية. الزركشي (البحر المحيط) ج 3 ص 134، الأنصاري عبدالعلي (فواتح الرحموت)
ج 1 ص 226. وقد قسم البيانيون الكناية على ثلاثة أقسام:
1 - ألا يكون المطلوب بها صفة ولا نسبة، كقول عمرو بن معدي كرب الضاربين بكل أبيض مخذم .. والطاعنين مجامع الأضغان. فكنى بمجامع الأضغان عن القلب.
- المطلوب بها صفة وهي قسمان: الأول قريبة: وهي ما ينتقل منها إلى المطلوب بها لا بواسطة، كقولهم: فلان طويل النجاد، أي: طويل
القامة.
الثاني: بعيدة: وهي ما ينتقل إلى المطلوب بواسطة، مثل: فلان كثير الرماد، كناية عن الكريم المضياف، فإنه ينتقل من كثرة الرماد إلى كثرة إحراق الحطب تحت القدور، ومنها إلى كثرة الطبائخ ومنها إلى كثرة الأكلة، ومنها إلى كثرة الضيفان، ومنها إلى المقصود وهو الكرم.
3 - المطلوب بها نسبة: أي إثبات صفة لموصوف أو نفيها عنه. كقول زياد الأعجم: إن السماحة والمروءة والندى .. في قبة ضربت على ابن الحشرج، فإنه حين أراد أن لا بإثبات هذه الصفات يصرح لا بن الحشرج، جمعها في قبة لينبه بذلك على أن محلها ذو قبة، وجعلها مضروبة عليه لوجود ذوي قباب في الدنيا كثيرين، فأفاد إثبات الصفات المذكورة له بطريق الكناية. السكاكي (مفتاح العلوم) ص 378 القزويني (الإيضاح) جه ص 162، التفتازاني شروح التلخيص ج 4 ص 150، التفتازاني (مختصر ج 4 المعاني) ص 603.
(2) القرآن الكريم سورة الأنبياء (مكية) آية رقم 63.
144 (1/198)
صفحة 199
199
***
فصول الأصول
***
والإله لا يكون عاجزا، فالتعريض – حينئذ - حقيقة أبدا لأن اللفظ فيه لم يستعمل
في غير معناه بخلاف الكناية (1) كما تقدم، والله تعالى أعلم.
(1) اختلف العلماء في الكتابة هل هي مجاز مطلقا؟ أم حقيقة مطلقا؟ أم مجاز باعتبار وحقيقة باعتبار آخر؟ فقيل: حقيقة مطلقا، حكاه الكوراني عن الجمهور، ابن النجار (شرح الكوكب المنير) ج 1 ص 199 - 200، وقيل: مجاز قال الزركشي: وهذا ما يقتضيه كلام الزمخشري، ونسبه الزركشي إلى الفقهاء. الزركشي (البحر المحيط) ج 3 ص 135، وقيل: ليست حقيقة ولا مجازا، وهو ما يقتضيه كلام السكاكي إذ قال: الكلمة المستعملة إما أن يراد بها معناها وحده أو غير معناها وحده أو معناها وغير معناها معا، والأول الحقيقة في المفرد، والثاني: المجاز في المفرد، والثالث الكناية السكاكي (مفتاح العلوم) ص 414، وقيل: هي حقيقة إن استعمل اللفظ في معناه الوضعي، وأريد لازم معناه، ومجاز إذ اعبر بالملزوم عن اللازم مع عدم ملاحظة الحقيقة أصلا، أي: عدم ملاحظة استعمال اللفظ في معناه الموضوع له أولا، وهذا مذهب ابن النجار (شرح الكوكب المنير) ج 1 ص 199 - 200، وانظر: البخاري (كشف الأسرار) ج 2
ص 382. (1/199)
صفحة 200
***
فصول الأصول
***
الفصل السابع والعشرون
في مباحث الحروف المعنوية
ومنها أسماء لكن في اصطلاح الأصوليين إطلاق لفظ الحروف على الكل جائز، وقيل: تغليب، ونذكر منها ها هنا سبعة وعشرين حرفا، لكن بعضها يرجع إلى بعض: فالأول: إذن وهي من نواصب الفعل (1) قال سيبويه (2): إنها تكون للجواب والجزاء (3)
لكن عند الشلوبين (4) دائما وعند الفارسي غالبا، أي: وقد تأتي للجواب فقط عند الفارسي (ه)، فإذا قال لك قائل: أزورك، فقلت له: إذن أكرمك، فقد أجبته وجعلت إكرامك له جزاء لزيارته، والتقدير إن زرتني أكرمتك، وإذا قال: إني أحبك، فقلت له: إذن أصدقك، فقد أجبته فقط عند الفارسي، ومدخول إذن فيه حينئذ
(1) يشترط في عملها النصب ثلاثة شروط هي:
أ- أن يكون الفعل مستقبلا، فإن كان حالا رفع، كقولك لمن يحدثك: أظنك صادقا.
ب أن تقع في صدر الجملة، فإن تأخرت أو توسطت ألغيت نحو: أكرمك إذا، ونحو: أنت إذا تحب الخير. فإن وقعت بعد حرف عطف جاز فيها الوجهان: الألغاء والإعمال، قال الحسن المرادي: والألغاء
أجود، وقرأ السبعة: وإذا لا يلبثون خلافك إلا قليلا القرآن الكريم سورة الأسراء آية رقم 76). ج- ألا يفصل بينها وبين الفعل بغير القسم وإلا ألغيت نحو: إذا خالد يحترمك. سيبويه (كتاب سيبويه) ج 3 ص 12، المالقي (رصف المباني ص 152 - 155، ابن هشام (مغني اللبيب بحاشية الدسوقي) ج 1 ص 19، المرادي، الحسن (الجني (الداني ص 261، ابن يعيش (شرح المفصل) ج 7 ص 16، الأشموني (شرح الأشموني على ألفية ابن مالك بحاشية الصبان) ج 3 ص 216، ابن عقيل (المساعد على تسهيل الفوائد) ج 3 ص 72، الأهدل (الكواكب الدرية) ج 2 ص 467، الأزهري، خالد (التصريح على التوضيح) ج 2 ص 234.
(2) سيبويه، عمرو بن عثمان بن قنبر الحارثي بالولاء، ولد سنة 148 هـ، بشيراز، كنيته أبو بشر، إمام النحاة قدم البصرة فلزم الخليل بن أحمد، وصنف كتابه المسمى كتاب سيبويه، وهو عمدة في النحو، ورحل بغداد فناظر الكسائي، توفي سنة 180 هـ. القفطي إنباه الرواة ج 2 ص 71، الزركلي (الأعلام) ج ه ص 81 (3) لم أجد هذا الكلام في الكتاب. سيبويه كتاب سيبويه) ج 3 ص 12 - 16، وقد نسب إليه هذا القول جمع من العلماء منهم ابن هشام (المغني بحاشية الدسوقي) ج 1 ص 18. والحسن المرادي (الجني الداني) ص 364، والمالقي (وصف المباني) ص 151، وابن عقيل (المساعد) ج 3 ص 75، وخالد الأزهري (التصريح) ج 2 ص 234. (4) الشلوبين، عمر بن محمد بن عمر الشلوبين، ولد سنة 562 هـ، بإشبيلية، من كبار العلماء بالنحو واللغة، من مؤلفاته: القوانين في علم العربية، وشرح المقدمة الجزولية، وتعليق على كتاب سيبويه، توفي سنة
645 هـ بإشبيلية. القفطي (إنباه الرواة) ج 2 ص 332، الزركلي (الأعلام) ج 5 ص 62. (2) المالقي (رصف المباني) ص 151، ابن هشام (المغني بحاشية الدسوقي) ج 1 ص 12 - 16، المرادي (الجني الداني) ص 364، ابن عقيل (المساعد) ج 3 ص 75، الأزهري (التصريح) ج 2 ص 234.
200 (1/200)
صفحة 201
201
**
فصول الأصول
***
مرفوع لانتفاء استقباله، واستقباله هو المشترط في نصبها له، والشلوبين قد جعل هذا الجزاء - أيضا - متكلفا فيه تقدير: إن كنت قلت ذلك حقيقة صدقتك، وسيأتي – إن شاء الله - فيما بعد كونها - أي: إذن - من مسالك العلة لأن الشرط علة للجزاء (1). الثاني: إن بكسر الهمزة وسكون النون تكون للشرط، أي: لتعليق حصول مضمون جملة بحصول مضمون أخرى نحو: وإن يَنتَهُوا يُغْفَرْ لَهُم مَّا قَدْ سَلَفَ له (2)، وتكون للنفي نحو: وإِن الْكَثِرُونَ إِلَّا فِي غُرُور (3)، وَ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَى (4)، أي: ما أردنا إلا الحسنى ونحوه، وتكون زائدة نحو ما إن زيد قائم، ما إن رأيت زيدا (ه).
(1) وقد اختلف النحاة في رسمها على مذاهب: 1 - أنها تكتب بالأنف، وهو رسم المصحف، قال به الأهدل (الكواكب الدرية) ج 2 ص 367، ونسب إلى المازني، واستبعد هذه النسبة الحسن المرادي (الجني الداني) ص 363. 2 - تكتب بالنون، وهو مذهب الأكثرين، وحكاه الأهدل عن ابن عنقاء، الأهدل (الكواكب الدرية) ج 2 ص 467، ابن هشام (المغني بحاشية الدسوقي) ج 1 ص 19.
3 - التفصيل: فإن عملت كتبت بالنون، وإن ألغيت كتبت بالألف، حكاه الحسن المرادي (الجنى الداني) ص 366، والمالقي (رصف المباني ص 155، عن الفراء، أما ابن هشام فقد نسب إلى الفراء. وابن خروف
أنهما يقولان: نكتب بالنون إن ألغيت وبالألف إن عملت (المغني بحاشية الدسوقي) ج 1 ص 19. - إن وصلت في الكلام كتبت بالنون. وإن وقف عليها كتب بالألف، قال به أحمد بن عبدالنور المالقي، المالقي (رصف المباني) ص 155، ابن هشام (المغني بحاشية الدسوقي) ج 1 ص 19، المرادي (الجني الداني) ص 366، الأهدل (الكواكب الدرية) ج 2 ص 467.
كما اختلف النجاة فيها من وجه آخر وهو هل إذن اسم أو حرف؟ فالذي عليه الجمهور أنها حرف، وذهب بعض الكوفيين إلى أنها اسم، وعلى القول بحرفيتها هل هي بسيطة وعليه الأكثر، أو مركبة من إذ وأن وعليه الخليل بن احمد في أحد أقواله، وحكاه المالقي عن بعض الكوفيين. المالقي (رصف المباني) ص 156، ابن هشام (المغني بحاشية الدسوقي) ج 1 ص 17، المرادي (الجنى الداني) ص 363، ابن عقيل (المساعد) ج 3 ص 74، الأزهري (التصريح) ج 2 ص 234.
(2) القرآن الكريم سورة الأنفال (مدنية) آية رقم 38.
(3) القرآن الكريم سورة الملك (مكية) آية رقم 20. (4) القرآن الكريم سورة التوبة (مدنية) آية رقم 107.
(5) المالقي رصف المباني) ص 187، ابن هشام (المغنى بحاشية الدسوقي) ج 1 ص 20، المرادي (الجنى الداني) ص 207، ابن عقيل (المساعد) ج 3 ص 500،، الأزهري (التصريح) ج 1 ص 230، وج 2، ص 248. وتأتي إن – أيضا – مخففة من الثقيلة، وفيها لغتان، الإهمال والإعمال، وقد قرئ بالوجهين قوله تعالى: وإن كلا لما ليوفينهم القرآن الكريم سورة هود آية رقم (111). كما تأتي بمعنى قد وهو محكي عن الكسائي كقوله تعالى: فذكر إن نفعت الذكرى القرآن الكريم سورة الأعلى آية رقم 9) المالقي رصف المباني) ص 190، ابن هشام (المغني بحاشية الدسوقي) ج 1 ص 22 - 23، المرادي (الجني الداني) ص 208 - 214. (1/201)
صفحة 202
فصول الأصول
***
نهارا
(2)
الثالث: أو هي من حروف العطف، وتكون للشك من المتكلم نحو: لبثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْم " ويؤتي بها للإبهام على السامع نحو: أَتَهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ)، وتكون للتخيير بين المعطوفين سواء امتنع الجمع بينهما أم جاز، الأول نحو: خذ من مالي ثوبا أو دينارا، والثاني نحو: جالس العلماء أو الوعاظ، وبعضهم قصر التخيير على الأول، وسمى الثاني بالإباحة (4)، وتكون لمطلق الجمع بمنزلة الواو كقول الشاعر (2).
وقد زعمت ليلى بأني فاجر لنفسي تقاها أو عليها فجورها أي: وعليها فجورها، وتكون للتقسيم نحو الكلمة: اسم أو فعل أو حرف، أي: مقسمة إلى الثلاثة تقسيم الكلي إلى جزئياته: فيصدق على كل منها، وتكون بمعنى إلى، وينصب المضارع بعدها بأن مضمرة نحو: لألزمنك أو تقتضي حقي، أي: إلى أن تقتضينه، وتكون للإضراب - مثلا - نحو: {وَأَرْسَلْنَهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أو يزيدون الله)، أي: بل يزيدون، قال الحريري (7): وتكون للتقريب نحو: ما أدري أسلم أو ودع)، يقال هذا لمن قصر سلامه كالوداع، فهو من باب تجاهل العارف: والمراد تقريب السلام من الوداع لقصره، ونحو: ما أدري أذن أو أقام
(i) /
(1) في ب وثالثها.
(2) القرآن الكريم سورة البقرة (مدنية) آية رقم 259. (3) القرآن الكريم سورة يونس (مكية) آية رقم 24. (4) منهم المالقي (رصف المباني) ص 210، وابن هشام (المغني بحاشية الدسوقي) ج 1 ص 65 - 66، والحسن المرادي (الجني الداني) ص 228، والأشموني والصبان، شرح الأشموني، بحاشية الصبان) ج 2 ص 81، وخالد الأزهري (التصريح) ج 2 ص 144.
(2) البيت لتوبة بن الحمير. البغدادي (خزانة الأدب) ج 11 ص 68، إميل بديع يعقوب (المعجم المفصل في شواهد اللغة العربية) ج 3 ص 322.
(1) القرآن الكريم سورة الصافات (مكية) آية رقم 147. (7) الحريري، القاسم بن علي بن محمد الحريري، ولد سنة 446 هـ، درس في البصرة على علي بن فضال المجاشعي وأبي إسحاق الشيرازي، والفضل بن محمد القصباني، من مؤلفاته: درة الغواص، والملحة، وشرح الملحة، توفي سنة 510 هـ اليماني، عبدالباقي (إشارة التعيين في تراجم النجاة واللغويين) ص 263، الزركلي (الأعلام) ج 6 ص 12، كحالة (معجم المؤلفين) ج 8 ص 108.
() الحريري (شرح ملحة الاعراب ص 192.
202 (1/202)
صفحة 203
***
فصول الأصول
***
يقال لمن أسرع في الأذان كالإقامة (1).
أي ذهب وهو
الرابع: أي بفتح الهمزة وسكون الياء فتكون للتفسير مفرد نحو: عندي عسجد عطف بيان أو بدل (2)، وللتفسير بجملة كقول الشاعر (3): وترمينني بالطرف أي أنت مذنب وتقلينني لكن إياك لا أقلي فقوله: أنت مذنب تفسير لما قبله إذ معناه تنظر إلي نظر مغضب، ولا يكون ذلك
إلا عن ذنب، واسم لكن ضمير الشأن، وقدم المفعول من خبرها لإفادة الاختصاص، أي: لا أتركك بخلاف غيرك، وتكون لنداء البعيد أو
القريب وهو مذهب المبرد (4)، أو المتوسط وهو مذهب ابن برهان (ه). الخامس: أي بفتح الهمزة وتشديد الياء هي اسم شرط نحو: {أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فلا عدوان على (6)، وتكون للاستفهام نحو: و أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَنا ل () وتكون موصولة نحو: لَنَازِعَنَ مِن كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِنيا) أي:
(1) ,
(1) انظر معاني أو في: الآمدي (الإحكام) ج 1 ص 103، المالقي رصف المباني) ص 210، الرضى الأستراباذي (شرح الكافية ج 2 ص 369، البخاري (كشف الأسرار) ج 2 ص 266، ابن هشام (المغني بحاشية الدسوقي) ج 1 ص 65، المرادي (الجنى الداني ص 227، ابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلى) ج 1 ص 336، الأشموني (شرح الأشموني بحاشية الصبان) ج 3 ص 81، الأزهري (التصريح) ج 2 ص 144، ابن النجار (شرح) طلعة الشمس) ج 1 ص 230.
(2) وذهب الكوفيون وابن فرخان والسكاكي إلى أنها عطف نسق، ابن هشام (المغنى بحاشية الدسوقي) ج 1 ص 81، وانظر معاني أي في: الآمدي (الإحكام ج 1 ص 104، المالقي (رصف المباني) ص 213، ابن هشام (المغني بحاشية الدسوقي) ج 1 ص 81، المرادي (الجنى الداني) ص 233، ابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 1 ص 338. (3) قاله. جرير (المرادي، الجني الداني، ص 552، ابن جني اللمع، ص 163، يعقوب، أميل بديع، المعجم المفصل في شواهد النحو الشعرية ج 2، ص 703). (4) المبرد، محمد بن زيد بن عبد الأكبر الأزدي، أبو العباس، ولد سنة 210 هـ ببغداد، القفطي (إنباه والأدب، من مؤلفاته: الكامل، والمقتضب، وشرح لامية العرب، توفي سنة 286 هـ يبغداد، القفطي (إنباه الرواة)
ج 3 ص 241، اليماني عبد الباقي (إشارة التعيين) ص 342، الزركلي (الأعلام) ج 7 ص 144. (د) اين برهان، عبدالواحد بن علي ابن برهان الأسدي، من علماء العربية، من أهل بغداد، من كتبه: الاختيار، واللمع، وأصول اللغة، توفي سنة 456 هـ. القفطي (إنباه الرواة) ج 2 ص 213، اليماني
عبدالباقي (إشارة التعيين) ص 199، الزركلي (الأعلام) ج 4 ص 176.
(6) القرآن الكريم سورة القصص (مكية) آية رقم 28. (1) القرآن الكريم سورة التوبة (مكية) آية رقم 124. (1) القرآن الكريم سورة مريم (مكية) آية رقم 69. (1/203)
صفحة 204
***
فصول الأصول
***
الذي هو أشد، وتكون دالة على صفة كمال بأن تكون صفة لنكرة أو حالا من معرفة نحو مررت برجل أي رجل، ورأيت عالما أي عالم أي: هو كامل في صفات الرجولية أو العلم، وتكون وصلة لنداء ما فيه أل نحو: يا أيها الناس، يا أيها الرجل (1). السادس: إذ بسكون الذال المعجمة وهي اسم للزمان الماضي: تكون ظرفا نحو: جئتك إذ طلعت الشمس، أي: وقت طلوعها، وتكون مفعولا به نحو وَاذْكُرُوا إِذْ كُنتُمْ قَلِيلًا فَكَذَرَكُمْم (2)، أي: أذكروا هذه الحالة (2)، وتكون بدلا من المفعول به نحو أذكرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أنبياة وجعلكم ملوكا (3) إلى آخر الآية، ومعناها اذكروا النعمة التي هي الجعل المذكور، وتأتي مضافا إليها اسم زمان نحو: رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا (4)) وتكون للمستقبل على الأصح (5) نحو: الأَغْلَلُ فِي أَعْنَاقِهِمْ (6) وقيل: ليست للمستقبل ()، وإنما استعملت في هذه الآية لتحقق وقوع المذكور كالماضي، وتكون للتعليل حرفا كاللام (8)، أو ظرفا بمعنى وقت (9)، والتعليل مستفاد من قوة الكلام، قولان، كقولك: ضربت العبد إذ أساء، أي: لإساءته على الأول ووقت إساءته على الثاني، ويظهر منه أن الضرب وقت الإساءة يكون لأجلها، وتكون للمفاجأة بأن (1) انظر معاني أي في: ابن يعيش (شرح المفصل) ج 3 ص 145، ج 3 ص 21، ابن هشام (المغني بحاشية الدسوقي) ج 1 ص 82، الأشموني (شرح الأشموني بحاشية الصبان ج 1 ص 173 و ج 4 ص 7، ابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 1 ص 338، ابن عقيل (المساعد) ج 3 ص 133، ص 173،
الأزهري (التصريح) ج 1 ص 135، وج 2 ص 282.
(2) القرآن الكريم سورة الأعراف (مكية) آية رقم 86. (3) القرآن الكريم سورة المائدة (مكية) آية رقم 20. (4) القرآن الكريم سورة آل عمران (مكية) آية رقم 8. (5) حكاه الحسن المرادي عن قوم من المتأخرين منهم ابن مالك، المرادي (الجني الداني) ص 188.
(6) القرآن الكريم سورة الرعد (مكية) آية رقم 5.
(7) حكاه الحسن المرادي عن أكثر المحققين، وقال: وهو الذي صححه المغاربة، المرادي (الجنى الداني) ص 188 و عزاه ابن هشام إلى الجمهور. ابن هشام (المغني بحاشية الدسوقي) ج 1 ص 87
(8) حكاه الحسن المرادي عن بعض المتأخرين، ونسب إلى سيبويه (الجنى الداني) ص 189، وهو ظاهر اختيار ابن هشام المغنى بحاشية الدسوقي) ج 1 ص 87 - 88
(9) قال به الشلوبين. ابن هشام (المغني بحاشية الدسوقي) ج 1 ص 87، المرادي (الجنى الداني) ص 189.
204 (1/204)
صفحة 205
205
***
فصول الأصول
***
تقع بعد لفظة بينا أو بينما، وهي حرف - هنا - على مختار ابن مالك (1)، وقيل: ظرف مكان، وقال أبو حيان: ظرف زمان، مثال ذلك: بينما أو بينا أنا واقف إذ جاء زيد، أي: فاجأ بجيته وقوفي، أو مكان الوقوف أو زمانه على الخلاف، وقيل: ليست للمفاجأة - هنا - وإنما هي زائدة إذ يستغنى عن ذكرها (2).
السابع: إذا هي للمفاجأة تأتي بين جملتين الثانية منهما ابتدائية، حرفا عند الأخفش (3) و ابن مالك (4)، وعند المبرد وابن عصفور (5) ظرف مكان (6)، وقال الزمخشري والزجاج (): ظرف زمان (8)، ومثال ذلك خرجت فإذا زيد واقف، أي: فاجأ وقوفه خروجي أو مكانه (1) ابن مالك، محمد بن عبدالله ابن مالك الأندلسي، ولد سنة 600 هـ بالأندلس من أئمة النحو واللغة، وانتقل إلى دمشق، من مؤلفاته: الألفية في النحو، والتسهيل، والكافية، توفي سنة 672 هـ بدمشق. السيوطي (بغية الوعاة) ج 1 ص 135، للزركلي (الأعلام) ج 1 ص 233. (2) بن يعيش (روح المفصل) ج 4 ص 95، المالقي (صف المباني) ص 148، ابن هشام (المغني بحاشية الدسوقي) ج 1 ص 89، المرادي (الجنى الداني ص 190، ابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 1 ص 239، ابن النجار (شرح) الكوكب المنير) ج 1 ص 275. (3) الأخفش، سعيد بن مسعدة، المجاشعي بالولاء البصري أبو الحسن، المعروف بالأخفش الأوسط، نحوي، عالم باللغة والأدب، من أهل بلخ، سكن البصرة، وأخذ عن سيبويه، من مؤلفاته: تفسير معاني القرآن والاشتقاق، وشرح أبيات المعاني، توفي سنة 215 هـ. القفطي (إنباه الرواة) ج 2 ص 36، الزركلي (الأعلام) ج 3 ص 102. (4) وذهب إليه الكوفيون، واختاره الشلوبين في أحد قوليه. ابن هشام (المغني بحاشية الدسوقي) ج 1 ص 93 - 94، المرادي (الجنى الداني ص 375)، وقال به ابن يعيش (شرح المفصل) ج 4 ص 98، والمالقي رصف المباني) ص 149.
(د) ابن عصفور، أبو الحسن علي بن مؤمن بن محمد الحضرمي، ولد سنة 590 هـ من. علماء اللغة والنحو، تخرج على أبي الحسن ابن الدباج، ثم على الشلويين، من كتبه: المقرب، والممتع، والمفتاح، توفي سنة 669 هـ. اليماني، عبدالباقي إشارة) التعيين في تراجم النحاة واللغويين ص 236، السيوطي (بغية الوعاة) ج 2 ص 210، الزركلي (الأعلام) ج ه ص 27. ص 27. (6) وقال به الفارسي وابن جني ونسب إلى سيبويه، ابن هشام (المغني بحاشية الدسوقي) ج 1 ص 94، المرادي (الجني الداني) ص 374. (1) الزجاج، إبراهيم بن السري، أبو إسحاق الزجاج، عالم بالنحو واللغة، ولد سنة 241 هـ، كان في فتوته يخرط الزجاج، ومال إلى النحو، تتلمذ على المبرد، وكانت له مناقشات مع ثعلب وغيره، من مؤلفاته: معاني القرآن، والاشتقاق، والأمالي، توفي سنة 311 هـ. القفطي (إنباه الرواة) ج 1 ص 194، الزركلي (الأعلام) ج 1 ص 40. (1) وقال به الرياشي وابن طاهر وابن خروف، المرادي (الجني الداني) ص 374، ابن هشام (المغني بحاشية الدسوقي) ج 1 ص 94. (1/205)
صفحة 206
***
فصول الأصول
***
(8)
(4)
أو زمانه، ومن قدر على القولين الأخيرين ففي ذلك المكان أو الزمان وقوفه اقتصر على بيان معنى الظرف، وترك معنى المفاجأة، وهل ألفاء فيها زائدة لازمة (1)؟ أو عاطفة (2)؟ قولان، وتكون - أيضا - ظرفا للمستقبل مضمنة معنى الشرط غالبا فتجاب بما يصدر بالفاء نحو قوله تعالى: {إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللهِ وَالْفَتْحُ (3)، وجوابها فسبح إلى آخر السورة، وقد تخلو من معنى الشرط نحو: أصلي إذا زالت الشمس، أي: وقت زوالها ويقل مجيئها للزمان الماضي نحو: {وَإِذَا رَأَوْا تِجَرَةً أَوْلَموا)، فإنها نزلت بعد الرؤية والانفضاض)، وتكون للحال نحو: {وَالَّيلِ إِذَا يَغْشَى (6)، فإن الغشيان مقارن الليل قاله بخشي ابن السبكي وتبعه المحلي (): وقال ابن القاسم: في كون هذا للحال عندي نظر، لأن الليل لم يرد به ليل موصوف بحال ولا بغيرها، فكذا إذا يغشى، ولأنه إن أريد بالحال وقت النزول فالظاهر بتقدير أن النزول كان ليلا أنه لم يرد ذلك الوقت بعينه، قال: وأما قول الشارح - يعني المحلي - فإن الغشيان مقارن لليل فلا يظهر به معنى الحال الذي هو أحد الأزمنة الثلاثة كما هو المراد بدليل مقابلته بالاستقبال والماضي. كلام ابن القاسم الثامن: الباء، وتكون للإلصاق حقيقة نحو به داء، أي: ألصق به، ومجازا نحو: مررت بزيد، أي: الصقت مروري بمكان يقرب منه، وتكون للتعدية كقوله عز من قائل: {ذَهَبَ اللهُ بِنُورِهِمْ} (9) أي: أذهبه، وتكون للاستعانة بأن تدخل على آلة الفعل نحو كتبت بالقلم، وتكون للسببية نحو: فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ} (10) وللمصاحبة نحو جاء الأمير بالجند، أي:
(1) قال به الفارسي والمازني وجماعة، ابن هشام (المغني بحاشية الدسوقي) ج 1 ص 179.
(2) قال به مبرمان و ابن جني (المرجع السابق). (3) القرآن الكريم سورة النصر (مكية) آية رقم 1. (4) القرآن الكريم سورة الجمعة (مدنية) آية رقم 11.
(A)
(5) سبب نزول هذه الآية أن رسول الله - - كان يخطب الجمعة إذ أقبلت عير الشام، فخرجوا إليها حتى لم يبق معه إلا اثنا عشر رجلا فأنزل الله هذه الآية. الواحدي على بن أحمد أسباب نزول القرآن) ص 448.
(6) القرآن الكريم سورة الليل (مكية) آية رقم 1.
(1) ابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 1 ص 342. ((ابن قاسم، الآيات البينات، ج 2 ص 226 - 227. (:) القرآن الكريم سورة البقرة (مدنية) آية رقم 17. (10) القرآن الكريم سورة العنكبوت (مكية) آية رقم 40. (1/206)
صفحة 207
***
فصول الأصول
***
الجيد
مصاحبين له، وتكون للظرفية المكانية كقوله تعالى: {وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللهُ بِبَدْرِك والظرفية الزمانية نحو: بينهم بسحر (2)، وتكون للبدلية نحو قوله تعالى: {يَشْرُونَ الْحَيَوة الدُّنْيا بِالآخرة (3)، أي: بدلها، وللمقابلة نحو: اشتريت الفرس بألف، وتكون للمجاوزة مثل عن نحو: {وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْقَمَم لله، أي: عنه، وتكون للاستعلاء نحو: مَنْ إِن تَأْمَنْهُ بِقِنطار (3) أي: على قنطار، وتكون للقسم كقولك: بالله لأفعلن كذا، وللغاية مثل إلى نحو: {وَقَدْ أَحْسَنَ بي (6) - كذا قالوا وفيه نظر، والصحيح أنها و هنا للإلصاق، وتكون للتوكيد نحو: {وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا)، وتكون للتبعيض مثل من نحو: و يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ الله له (9)، أي: منها، قاله ابن مالك والفارسي والأصمعي (10) (11) وقيل: ليست للتبعيض هنا بل للسببية المجازية (12).
(1) القرآن الكريم سورة آل عمران (مدنية) آية رقم 123. (2) القرآن الكريم سورة القمر (مكية) آية رقم 34. (3) القرآن الكريم سورة النساء (مكية) آية رقم 074 (4) القرآن الكريم سورة الفرقان (مكية) آية رقم 25. (2) القرآن الكريم سورة آل عمران (مكية) آية رقم 075 (6) القرآن الكريم سورة يوسف (مكية) آية رقم 100.
(1) حكى الحسن المرادي هذا القول ولم يعزه لأحد الجنى الداني) ص 45، وقد قال به الأشموني (شرح الاشموني بحاشية الصبان ج 2 ص 229، وخالد الأزهري التصريح على التوضيح) ج 2 ص 13.
(8) القرآن الكريم سورة النساء (مدنية) آية رقم 79.
(1) القرآن الكريم سورة الإنسان (مكية) آية رقم 6. (10) الأصمعي، عبدالملك بن قريب بن عبدالملك البصري أبو سعيد، من علماء العربية، توفي سنة 216 هـ، وقيل غير ذلك، ابن خلكان وفيات الأعيان) ج 2، ص 344، السيوطي (بغية الوعاة) ج 2 ص 213. (11) ونقل هذا القول عن الكوفيين، وهو قول ابن قتيبة. ابن هشام (المغني بحاشية الدسوقي) ج 1 ص 112 المرادي (الجنى الداني) ص 43، الأزهري (التصريح) ج 3 ص 13، وقال به الأشموني (شرح الأشموني بحاشية الصبان) ج 1 ص 228.
(12) حكاه المحلي (شرح المحلي على جمع الجوامع) ج 1 ص 343. وانظر معاني الباء في: الآمدي (الإحكام) ج 1 ص 95، ابن يعيش (شرح المفصل) ج 8 ص 22، الأزهري (التصريح) ج 2 ص 12، ابن عصفور (شرح جمل الزجاجي) ج 1 ص 492، المالقي (رصف المباني) ص 220، ابن هشام (المغني بحاشية الدسوقي) ج 1 ص 108، البخاري (كشف الأسرار) ج 2 ص 313، المرادي (الجنى الداني ص 36، ابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 1 ص 342، الرضي الإستراباذي شرح الكافية ج 1 ص 324، الأشموني (شرح الأشموني بحاشية الصبان) ج 2 ص 226، ابن النجار (شرح الكوكب المنير) ج 1 ص 267، الأهدل (الكواكب الدرية) ج 2 ص 415، السالمي (شرح طلعة الشمس) ج 1 ص 236.
207 (1/207)
صفحة 208
***
فصول الأصول
***
التاسع: بل، هي للعطف فيما إذا وليها مفرد سواء أوليت موجبا أو غير موجب، مثال الموجب جاء زيد بل عمرو، وأضرب زيدا بل عمروا، فهي تنقل حكم المعطوف عليه فيصير كأنه مسكوت عنه إلى المعطوف، ومثال غير الموجب ما جاء زيد بل عمرو، ولا تضرب زيدا بل عمرا. تقرر حكم المعطوف عليه وتجعل ضده للمعطوف، وتكون للإضراب فيما إذا وليتها جملة: إما إضراب إبطال لما وليته نحو: {أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةُ بَلْ جَاءَهُم بِالْحَيّ (1)، أبطلت قولهم به جنة، لأن الجائي بالحق لا جنون به، أو إضراب انتقال من غرض إلى غرض نحو ولَدَيْنَا كِتَبُ يَنطِقُ بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ مِّنْ هَذَا)، فحكم ما قبل بل - هنا - باق على حاله غير مبطلة له (3).
(1)
العاشر: بيد، هو اسم بمعنى غير، ملازم للنصب والإضافة إلى أن وصلتها كقولهم: فلان كثير المال بيد أنه بخيل، قيل: وبمعنى من أجل (4)، وعليه حمل بعضهم حديث: أنا أفصح من نطق بالضاد بيد أني من قريش (5)، أي: الذين هم أفصح من نطق بها فإنا أفصحهم، وخص الضاد بالذكر لعسرها على غير العرب، والمعنى: أنا أفصح العرب، وقيل: إن بيد في الحديث بمعنى غير (6)، وأنه من تأكيد المدح بما يشبه الذم، وهو نوع من المحسنات البديعية.
الحادي عشر: ثم، وهي حرف عطف تكون للشريك في الإعراب والحكم،
(1) القرآن الكريم سورة المؤمنون (مكية) آية رقم 70. (2) القرآن الكريم سورة القصص (مكية) آية رقم 62 - 63. (3) انظر معاني بل في: المالقي (رصف المباني ص 230، ابن هشام (المغني بحاشية الدسوقي) ج 1 ص 120 البخاري (كشف الأسرار) ج 2 ص 251، المرادي (الجنى الداني ص 235، الأشموني (شرح الأشموني بحاشية الصبان) ج 3 ص 86، الرضي الإستراباذي (شرح الكافية ج 2 ص 377، ابن النجار (شرح الكوكب المنير) ج 1 ص 260، الأهدل (الكواكب الدرية ج 2 ص 554، الأزهري (التصريح) ج 2
ص 147، السالمي (شرح طلعة الشمس) ج 1 ص 228.
(4) قال به ابن هشام (المغني بحاشية الدسوقي) ج 1 ص 123. (د) ملا علي القاري (الأسرار المرفوعة ص 136، العجلوني (كشف الخفاء) ج 1 ص 200، القاوقجي (اللؤلؤ المرصوع) ص 49. (1) حكاه ابن هشام عن ابن مالك (المغني بحاشية الدسوقي) ج 1 ص 123، وانظر معاني بيد في: ابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 1 ص 344، الأهدل (الكواكب الدرية) ج 2 ص 405.
208 (1/208)
صفحة 209
209
***
فصول الأصول
***
وللترتيب والمهلة على الأصح، كقولك: جاء زيد ثم عمرو، إذا تراخى مجيء عمرو عن مجيء زيد، وبعض النحاة أنكر المهلة والترتيب (2) مستدلين بقوله تعالى: خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا} (3)، والعجل متقدم على خلق (3)، المخلوقات قطعا، وأجابوا عن هذا ونحوه بأجوبة سائغة القبول (4)، فلا نطيل بذكرها، إذ غرضنا الأختصار.
الثاني عشر: حتى، هي لانتهاء الغاية غالبا، وحينئذ: إما جارة لاسم صريح نحو: سَلَوهِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ (5)، أو لمؤول مسبوك من أن والفعل نحو حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى (6)، أي: إلى أن يرجع أي: إلى رجوعه)، أو
(1) في إن.
(2) حكى السيرافي والأخفش هذا القول عن الفراء، وحكاه عبد المنعم بن الفرس عن قطرب، وعزاه المالقي إلى الكوفيين، المالقي رصف المباني ص 250، المرادي (الجنى الداني) ص 427.
(3) القرآن الكريم سورة الزمر (مكية) آية رقم 6. (4) من هذه الأجوبة، أن ثم في الآية للترتيب الذكري لا للترتيب الزمني، ومنها: أن الله تعالى أخرج ذرية آدم من ظهره كالذر، ثم خلق بعد ذلك حواء، فعلى هذا الوجه تكون ثم على أصلها من الترتيب الزمني، ابن هشام (المغني بحاشية الدسوقي) ج 1 ص 127، المرادي (الجنى الداني) ص 429 - 430، الأشموني (شرح الأشموني بحاشية الصبان) ج 3 ص 72.
وانظر معاني ثم في: ابن هشام (المغني بحاشية الدسوقي) ج 1 ص 126، البخاري (كشف الأسرار) ج 2 ص 246، المرادي (الجني الداني ص 426، الرضى الإستراباذي شرح الكافية) ج 2 ص 367، ابن النجار (شرح الكوكب المنير) ج 1 ص 237، الصبان (حاشية الصبان على شرح الأشموني) ج 3 ص 71، الأهدل الكواكب الدرية ج 2 ص 544، الأزهري (التصريح) ج 2 ص 140، السالمي (شرح طلعة الشمس) ج 1 ص 226.
(2) القرآن الكريم سورة القدر (مكية) آية رقم 5. (6) القرآن الكريم سورة طه (مكية) آية رقم 91. (1) اختلف العلماء في محرورها هل يدخل فيما قبلها أولا؟ على أقوال: أ أنه داخل، حكاه المرادي عن المبرد وابن السراج وأبي علي الفارسي والزمخشري وابن يعيش وأكثر المتأخرين، المرادي (الجنى الداني ص 545، وحكاه العصامي عن المحققين، الأهدل (الكواكب الدرية)
ج 2 ص 416.
ب - يحتمل الدخول وعدمه، قال به ابن مالك، وذكر أن سيبويه والفراء أشارا إلى ذلك (انظر المرجعيين السابقين).
ج - يدخل ما لم يكن غير جزء، كقولهم: إنه لينام الليل حتى الصباح. وهو محكي عن الفراء والرماني. ابن يعيش شرح المفصل) ج 8 ص 15 - 16، المرادي (الجنى الداني) ص 545، الأهدل (الكواكب الدرية) ج 2 ص 416. (1/209)
صفحة 210
***
فصول الأصول
***
عاطفة لغاية في العلو نحومات الناس حتى العلماء، أو لغاية في الدنو نحو، قدم الحجاج حتى النساء، وإما ابتدائية، أي: يبتدأ بعدها جملة اسمية كقول الشاعر (1):
فما زالت القتلى تمج دماءها بدجلة حتى ماء دجلة أشكل أو فعلية كقولهم: كثر المطر حتى تسيل الأودية، ومنه الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَن (2) برفع يقول على قراءة نافع، وتكون للتعليل نحو أسلم حتى تدخل الجنة أي: لتدخلها، وتجئ للاستثناء نادرا كقول الشاعر (3
ليس العطاء من الفضول سماحة حتى تجود ما لديك قليل
(3) ,
أي: إلى أن تجود، وهو استثناء منقطع. الثالث عشر: رب، وتأتي للتكثير نحو: و رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ (4)، فإنه يكثر منهم تمني ذلك يوم القيامة إذا عاينوا حالهم وحال المسلمين كذا قالوا، ونسبه الكوراني لبعض النحاة، وقال: لا دليل لهم على ذلك إلا ما رأوا من ظاهر الآية مع أنها يمكن أن يجاب عنها بأنها في الآية للتقليل، لأنهم مستغرقون في العذاب مدهوشون، فربما حانت منهم إفاقة فتمنوا الإسلام (5)، وتأتي للتقليل كقوله: الأرب مولود وليس له أب (6) البيت، يعني: عيسى - عليه السلام - قال ابن السبكي: ولا تختص
(1) قاله جرير بن عطية التميمي. البغدادي خزانة الأدب) ج 9 ص 479، إميل بديع يعقوب (المعجم المفصل في شواهد اللغة العربية) ج 6 ص 263.
(2) القرآن الكريم سورة البقرة (مدنية) آية رقم 214.
(3) قاله المقنع الكندي. البغدادي، عبد القادر بن عمر (خزانة الأدب) ج 3 ص 370، أميل بديع يعقوب (المعجم المفصل في شواهد النحو الشعرية) ج 2 ص 785.
(4) القرآن الكريم سورة الحجر (مكية) آية رقم 2.
(5) ابن قاسم، الآيات البينات ج 2، ص 232.
(6) هذا صدر بيت وعجزه، وذي ولد لم يلده أيوان، والبيت قاله رجل من أزد السراة. البغدادي (خزانة الأدب) ج 2 ص 381، إميل بديع يعقوب (المعجم المفصل في شواهد اللغة العربية) ج 8 ص 198.
210 (1/210)
صفحة 211
211
***
فصول الأصول
***
بأحدهما (1) يعني: بتقليل ولا تكثير – خلافا لزاعم ذلك. الرابع عشر: على وحقيقتها للاستعلاء الحسي كقوله تعالى: كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ} () ()، أو المعنوي كقوله تعالى: {وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بعض النَبِيْنَ على بعض، وتكون للمصاحبة بمعنى مع نحو: {وَعَاتَ الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ)، أي: مع حبه، وتكون للمجاوزة
بمعنى كقولك: رضيت على زيد، أي: عنه، وتكون للتعليل. بمعنى اللام نحو: وَلِتُكَبِّرُوا اللهَ عَلَى مَا هَدَنَكُمْ) أي: لهدايته إياكم، وتكون للظرفية كقولهم: جيئة على حين بغتة ومنه الوَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِّنْ أَهْلِهَا، أي: في وقت غفلتهم، وتكون للاستدراك كلكن كقولك: فلان لا يستحق الرحمة لسوء صنيعه على أنه لا ييأس من رحمة الله أي: لكنه، وتأتي زائدة كقوله - - - لا أحلف
(1) ابن السبكي، جمع الجوامع بشرح المحلي، ج 1 ص 346، وللعلماء خلاف في معنى رب، فقيل للتقليل قال به الزمخشري وابن يعيش، ابن يعيش بحاشية (شرح المفصل) ج 8 ص 26، والأهدل (الكواكب الدرية) ج 2 ص 417، وخالد الأزهري (التصريح) ج 2 ص 18، وصححه الحسن المرادي (الجنى الداني) ص 429، وعزاه ابن هشام إلى الأكثر المغني بحاشية الدسوقي) ج 1 ص 146، وحكاه ابن عصفور عن المحققين من النحويين (شرح جمل الزجاجي) ج 1 ص 500، وقيل: إنها للتقليل والتكثير، قال به در ستويه وجماعة، ابن هشام (المغني بحاشية الدسوقي) ج 1 ص 146، وقيل: إنها للتكثير، وهو مذهب ابن الفارسي وقيل: إنها أكثر ما تكون للتقليل وقيل: إنها أكثر ما تكون للتكثير، والتقليل بها نادر، وهو قول ابن مالك وابن هشام (المغني بحاشية الدسوقي) ج 1 ص 146، والأشموني (شرح الأشموني بحاشية ج 2 ص 236، وقيل: إنها حرف إثبات لم يوضع لتقليل ولا تكثير، بل ذلك مستفاد من السياق، وقيل: إنها للتشكير في موضع المباهاة والافتخار، ابن يعيش (شرح المفصل) ج 8 ص 26، ابن عصفور (شرح جمل الزجاجي) ج 1 ص 500، ابن هشام المغني بحاشية الدسوقي) ج 1 ص 146، المرادي (الجنى الداني) ص 429 - 440، الأهدل (الكواكب الدرية) ج 2 ص 417، الأشموني (شرح الأشموني
بحاشية الصبان) ج 2 ص 236، الأزهري (التصريح) ج 2 ص 18. ولرب لغات هي: رب وهي الأشهر في الاستعمال، ورب، ورب، كقوله تعالى: ربما يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين القرآن الكريم سورة الحجر، آية رقم (2) ورب ومنه قول الشاعر: أزهير إن يشب القذاب فإنه: رب هيضل من مرس لفقت بهيضل، ورب، وربت، ورب، ورب، وربت، وربت، وربت. العالقي رصف المباني) ص 269 - 270، أبو حيان (تذكرة النحاة) صه.
(2) القرآن الكريم سورة الرحمن (مدنية) آية رقم 26.
(4)
(3) القرآن الكريم سورة الإسراء (مكية) آية رقم 3 (4) القرآن الكريم سورة البقرة (مدنية) آية رقم 177. (2) القرآن الكريم سورة البقرة (مدنية) آية رقم 185. (6) القرآن الكريم سورة القصص (مكية) آية رقم 15. (1/211)
صفحة 212
***
فصول الأصول
***
على يمين فأرى غيرها خيرا منها إلا آتي ما هو خير (1) أي: لا أحلف يمينا، وقيل: هي اسم أبدا (2)، لدخول حرف الجر عليها، وقيل: حرف أبدا (3) ولا مانع من دخول حرف على آخر، وقال ابن السبكي: إنها تكون اسما على الأصح بقلة، بمعنى فوق بأن تدخل عليها من الجارة نحو عدوت من على السطح، أي: من فوقه (4)، وأما علا
(5)
يعلو فهو فعل، ومنه قوله تعالى: {وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالِ فِي الْأَرْضِ (5)، فعلى هذا فقد استكملت أقسام الكلمة الثلاثة. الخامس عشر: الفاء العاطفة تكون للترتيب المعنوي والذكري وللتعقيب في كل شيء بحسبه تقول: قام زيد فعمر و إذا كان قيام عمر و عقب قيام زيد، ودخل البصرة فالكوفة إذا لم تكن أقمت في البصرة ولا بينهما، وتزوج زيد فولد له إذا لم يكن بين التزوج والولادة إلا مدة الحمل والوطئ ومقدمته، وهذا مع التعقيب، فهو مشتمل على الترتيب المعنوي، وأما الترتيب الذكري فهو في عطف مفصل على مجمل نحو إِنَّا أَنشَأْتَهُنَّ إِنشَاء فَجَعَلْنَهُنَّ أَبْكَارًا} (6)، فقد سألوا، فقد سألوا موسى أكبر من ذلك فقالوا وارنا الله جهرة، فَادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَلِدِينَ فِيهَا فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِرِينَ))
:
(1) أخرجه البخاري (صحيح البخاري بشرح (الفتح كتاب كفارات الأيمان، باب الاستثناء في اليمين، رقم الحديث 6718، ومسلم (صحيح البخاري بشرح النووي كتاب الأيمان، باب ندب من حلف يمينا فرأى غيرها خير منها .. رقم الحديث 1649. (2) قال به ابن طاهر وابن خروف وابن الطراوة والزبيدي وابن معزوز والشلوبين في أحد قوليه. ابن هشام (المغني بحاشية الدسوقي) ج 1 ص 155، المرادي (الجنى الداني) ص 473.
(3) قال به الفراء. المرادي (الجني الداني) ص 474.
(4) وهو المشهور عن البصريين، وقال به ابن هشام (المغني بحاشية الدسوقي) ج 1 ص 155، والمالقي (رصف المباني) ص 433، والأهدل والزمخشري الكواكب الدرية ج 2 ص 155، والمالقي (رصف المباني) ص 433، والأهدل والزمخشري الكواكب الدرية ج 2 ص 414، وابن يعيش (شرح المفصل) ج 8 ص 37، وابن عصفور وحكاه عن المبرد (شرح جمل الزجاجي) ج 1 ص 481، وانظر: البخاري (كشف الأسرار) ج 2 ص 325، ابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 1 ص 347، المرادي (الجنى الداني) ص 470، ابن النجار (شرح الكوكب المنير) ج 1 ص 247، السالمي (شرح طلعة الشمس) ج 1 ص 238.
(د) القرآن الكريم سورق يونس (مكية) آية رقم 83. (:) القرآن الكريم سورة الواقعة (مكية) آية رقم 35 - 36. (1) القرآن الكريم سورة النساء (مدنية) آية رقم 153. (1) القرآن الكريم سورة النحل (مكية) آية رقم 9.
212 (1/212)
صفحة 213
213
***
فصول الأصول
***
وتكون للتبيه ويلازمها التعقيب نحو: فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ (1)، فتلقي آدم من ربه كلمات فَتَابَ عَلَيْه (2) واحترزوا بذكر العاطفة عن الرابطة للجواب لأن الجواب قد يتراخى عن الشرط نحو أن يسلم زيد فهو يدخل الجنة، وقد لا يتسبب الجواب عن الشرط نحو إن تُعَذِّبْهُم فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ} (3) (4) السادس عشر: في وتكون للظرفين الزماني والمكاني، الأول نحو: {وَاذْكُرُوا اللهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَات (5)، والثاني نحو: {وَأَنتُمْ عَلَكِفُونَ فِي الْمَسجِدِ (6)، وتكون للمصاحبة كمع نحو: قَالَ ادْخُلُوا في أمرٍ قَدْ خَلَتْ (7) أي معهم، وتكون للتعليل، نحو لَمَسَكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابُ (8)، أي: لأجل ما أفضتم فيه، والذي عندي أن في – هنا – للسببية لا للتعليل، وعليه أكثر المفسرين (9)، وتكون للاستعلاء نحو: {وَلَأُصَلْبَنَكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ (10)، أي: عليها، وتكون للتوكيد نحو: وارْكَبُوا فِيهَا (11)، إذ الأصل اركبوها، وتكون
(1) القرآن الكريم سورة القصص (مكية) آية رقم 15.
(2) القرآن الكريم سورة البقرة (مدنية) آية رقم 37. (3) القرآن الكريم سورة المائدة (مدنية) آية رقم 121
(11)
(4) تنبيه: ذكر المالقي عن الكوفيين أن الترتيب لا يلزم فيها - أي الفاء - واستدلوا على ذلك بقوله تعالي: وكم قرية أهلكناها فجاءها بأسنا القرآن الكريم سورة الأعراف آية رقم 4)، ورد عليهم بأن الآية مؤولة على تقدير أردنا إهلاكها، فجاءها بأسنا، كقوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم القرآن الكريم سورة المائدة آية رقم (6)، أي: إذا أردتم القيام. المالقي (رصف المباني) ص 440 - 441، وانظر: الأزهري (التصريح) ج 2 ص 138 - 139، وانظر معاني الفاء في: المالقي (رصف المباني ص 440، ابن هشام (المغني بحاشية الدسوقي) ج 1 ص 172، البخاري (كشف الاسرار) ج 2 ص 238، المرادي (الجنى الداني) ص 61، ابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 1 ص 348، الأشموني (شرح الأشموني بحاشية الصبان ج 3 ص 71، ابن النجار (شرح الكوكب المنير) ج 1 ص 233، الأهدل (الكواكب الدرية) ج 2 ص 542، الأزهري (التصريح) ج 2 ص 139، الرضي الإستراباذي شرح الكافية ج 2 ص 365، السالمي (شرح طلعة الشمس) ج 1 ص 223.
(5) القرآن الكريم سورة البقرة (مدنية) آية رقم 203.
(1) القرآن الكريم سورة البقرة (مدنية) آية رقم 187 (7) القرآن الكريم سورة الأعراف (مكية) آية رقم 38. (8) القرآن الكريم سورة النور (مدنية) آية رقم 14. (1) الفخر الرازي (التفسير الكبير) ج 23 ص 156. (10) القرآن الكريم سورة طه (مكية) آية رقم 71. (11) القرآن الكريم سورة هود (مكية) آية رقم 41. (1/213)
صفحة 214
***
فصول الأصول
***
مسببة بمعنى الباء نحو جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَمِنَ الْأَنْعَمِ أَزْوَجًا يَذْرَؤُكُمْ)، أي: في الجعل: أي يكثركم بسببه والأكثر على أنها – هنا – ظرفية، وبمعنى
إلى نحو: {فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ} (2) أي: إليها، وتكون بمعنى من نحو: إن بعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا) (3)، أي: منهم
•
(4)
السابع عشر: كي تكون للتعليل فينصب المضارع بعدها بأن مضمرة نحو: جئت كي أراك أي: لأن أراك، وتكون بمعنى أن المصدرية بأن تدخل عليها اللام نحو: جئت كي أراك، أي: لأن أراك، وتكون بمعنى أن المصدرية بأن تدخل عليها اللام نحو: جئت لكي تكرمني، أي: لأن تكرمني (5). الثامن عشر: كل وهي لاستغراق أفراد المضاف إليه المنكر نحو: كُلُّ نَفْسٍ
(1) القرآن الكريم سورة الشورى (مكية) آية رقم 11.
(2) القرآن الكريم سورة إبرهيم (مكية) آية رقم 9. (3) القرآن الكريم سورة آل عمران (مدنية) آية رقم 164. (4) انظر معاني في في: ابن يعيش (شرح المفصل ج 8 ص 20، ابن عصفور (شرح جمل الزجاجي) جا ص 511، المالقي (رصف المباني ص 450، ابن هشام (المغني بحاشية الدسوقي) ج 1 ص 180، المرادي (الجني الداني) ص 250، الأشموني (شرح الأشموني، بحاشية (الصبان ج 2 ص 225، ابن النجار (شرح الكوكب المنير) ج 1 ص 251، الأزهري (التصريح) ج 2 ص 13، الأهدل (الكواكب الدرية) ج 2 ص 414، السالمي (شرح طلعة الشمس) ج 1 ص 284.
(ه) أما إذا دخلت اللام على الفعل كقول الشاعر (الطرماح) کادو بنصر تميم كي ليلحقهم
فيه فقد بلغوا الأمر الذي كادوا فإن كي لا يجوز أن تكون ناصبة - هنا - لفصل اللام بينها وبين الفعل، فتكون جارة للمصدر المؤول، وكذا إذا جاءت بعدها أن المصدرية تتعين للجر كقولك: جنت كي أن تكرمني، أما إذا دخلت عليها اللام وجاءت بعدها ان المصدرية كقول الشاعر:
أردت لكيما أن تطير بقربتي فتتركهاشنا ببيداء بلقع ففيها احتمالان: أن تكون مرادفة للام أو مرادفة لأن.
المالقي رصف المباني) ص 290، ابن هشام (المغني بحاشية الدسوقي) ج 1 ص 194، المرادي (الجنى الداني) ص 364 - 265، الأشموني (شرح الأشموني بحاشية الصبان ج 3 ص 210 - 211، ابن عقيل (المساعد) ج 3 ص 68 - 69، الأزهري (التصريح) ج 2 ص 230، الأهدل (الكواكب الدرية) ج 2 ص 466. وتكون كي حرفا جارا مع ما الاستفهامية، وتفيد في هذه الحالة السببية كقولهم إذا استفهموا عن شيء: كميه؟ أي لأي سبب فعلت؟
(انظر المراجع السابقة)
214 (1/214)
صفحة 215
215
***
فصول الأصول
***
ذَابِقَةُ المَوت (1)، وكل حزب بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ (2)، وللجمع المعرف نحو كل العبيد جاؤوا وكل السوائم فيها زكاة، وتكون لاستغراق أجزاء المضاف إليه مفردا معرفا نحو كل الرجل حسن، أي: كل أجزائه (3).
(Y)
(3),
التاسع عشر: اللام الجارة نحو: {وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ (4)، جنت لا تعلم، أي: لأجل التبيين ولأجل التعلم، وتكون للاستحقاق نحو: الإكرام للعالم، وللاختصاص نحو الشفاعة للمؤمن، أي: هو الذي يختص بها لا يشاركه فيها غيره، وللملك نحو: و وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ()، وللصيرورة وهي العاقبة نحو: {فَالْتَقَطَهُ عَالُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوا وَحَزَنا (6)، أي: هذا عاقبة التقاطهم إياه، وللتمليك نحو وهبت الفرس لزيد ولشبه نحو: الله وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُم مِّنْ أَزْوَاجِكُم بَنِينَ وَحَفَدَةً)، ولتوكيد النفي نحو: وَمَا كَانَ اللهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهم الله (8)، لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ (1)، فإنها في هذا ونحوه جاءت لتوكيد نفي الخبر الداخل عليه المنصوب فيه المضارع بأن مضمرة، وتكون للتعدية نحو ما أضرب زيد العمرو، فيكون ضرب بقصد التعقب به لازما يتعدى إلى ما كان فاعله بالهمزة ومفهوله باللام، وتأتي للتأكيد نحو: إِنَّ رَبَّكَ فَعَالُ لِمَا يُرِيدُ (10)، لأن الأصل ما يريد، بدون لام، وتأتي بمعنى إلى نحو: سرت للبصرة، أي: إليها، وبمعنى على نحو: يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا (11)، أي: عليها،
((8)
(1) القرآن الكريم سورة آل عمران (مدنية) آية رقم 185.
((7)
(2) القرآن الكريم سورة المؤمنون (مكية) آية رقم 53. (3) ابن هشام (المغني بحاشية الدسوقي) ج 1 ص 206، ابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 1 ص 349.
(4) القرآن الكريم سورة النحل (مكية) آية رقم 44.
(2) القرآن الكريم سورة آل عمران (مدنية) آية رقم 109.
(6) القرآن الكريم سورة القصص (مكية) آية رقم 8.
(7) القرآن الكريم سورة النحل (مكية) آية رقم 72. (8) القرآن الكريم سورة الأنفال (مكية) آية رقم 33. (1) القرآن الكريم سورة النساء (مدنية) آية رقم 137. (10) القرآن الكريم سورة هود (مكية) آية رقم 107. (11) القرآن الكريم سورة الإسراء (مكية) آية رقم 107. (1/215)
صفحة 216
***
فصول الأصول
***
وتمعنى في نحو ونَضَعُ الْمَوَزِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَمَة) (1)، أي: فيه، وبمعنى عند نحو: يجب الصوم لطلوع الفجر أي: عند طلوعه، وعليها قراءة الجحدري (2): بل كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُم (3) بكسر اللام وتخفيف الميم، أي: عند مجيئة إياهم، وتأتي بمعنى بعد نحو: أَقِمِ الصَّلَوَةَ لِدُلُوكِ الشَّمْس (4)، أي: بعد دلوكها وتأتي بمعنى من كقولهم: سمعت له صراخا، أي: منه وبمعنى عن ومثلوه بقوله تعالى: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كَانَ خَيْرًا مَا سَبَقُونَا إِلَيْهِ الله (5)، أي: قالوا عنهم وفي حقهم وعندي فيه نظر؛ لأن قوله في حقهم مغاير لقوله عنهم فليتأمل، وأما اللام غير الجارة فمنها اللام الجازمة نحو: لينفق ذو سعة من سعته، ومنها غير العاملة كلام الابتداء: نحو: لأَنتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً لله (7) لزيد أحسن من (عمرو)
(8)
(1)
(1) القرآن الكريم سورة الأنبياء (مكية) آية رقم 47. (2) الجحدري، عاصم ابن أبي الصباح العجاج الجحدري البصري، أخذ القراءة عن سليمان بن قتة عن ابن عباس، وقرأ على نصر بن عاصم ويحيى بن يعمر، وقرأ عليه أبو المنذر سلام بن سليمان وعيسى بن عمر الثقفي، توفي سنة 128 هـ. الجزري غاية النهاية ج 1 ص 349.
(3) القرآن الكريم سورة ق (مكية) آية رقم 5.
(4) القرآن الكريم سورة الإسراء (مكية) آية رقم 78.
(5) القرآن الكريم سورة الأحقاف (مكية) آية رقم 11.
(6) قال بن ابن الحاجب، وقال ابن مالك: هي لام التعليل. ابن هشام (المغني بحاشية الدسوقي) جا
ص 225، الأزهري (التصريح) ج 2 ص 12.
(7) القرآن الكريم سورة الحشر (مدنية) آية رقم 13.
(8) ومن اللام غير العاملة اللام الفارقة. وهي الواقعة بعد إن المخففة من الثقيلة نحو وإن كانت لكبيرة (البقرة: 145) وهي تفرق بين إن المخففة وإن النافية، فإذا قلت: إن زيد لقائم فإن مخففة. الثقيلة، وتكون من
ملغية، واللام بعدها فارقة.
ومنها: لام الجواب، وتقع جواب القسم، فتدخل على الجملة الاسمية نحو والله لسعيد قائم، والفعلية نحو والله لأكيدن أصنامكم (الأنبياء: (57) وجواب لو ولولا ونحو: لو سافر غانم لسافرت معه، ولولا زيد لزرتك، ومنها: اللام الموطئة للقسم، وهي الداخلة على أداة الشرط الواقعة بعد القسم نحو والله لأن
زرتني لأزورنك، وقد يكون القسم محذوفا نحو: لئن أخرجوا لا يخرجون معهم (الحشر: 12). ابن يعيش (شرح المفصل) ج 8 ص 20، المالقي رصف المباني ص 306، ابن هشام (المغني بحاشية الدسوقي) ج 1 ص 239، المرادي (الجني الداني ص 123 - 137، ابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 1 ص 350، ابن النجار (شرح الكوكب المنير) ج 1 ص 255.
216 (1/216)
صفحة 217
217
***
فصول الأصول
***
العشرون: لولا وهي حرف معناه في الجملة الاسمية امتناع جوابه لوجود شرطه (1) نحو: لولا زيد لأكرمتك، أي: لولا زيد موجود، فامتناع الإكرام لوجود زيد، فزيد هو الشرط، وهو مبتدأ محذوف خبره لزوما، وفي الجملة المضارعة معناه التخصيص، أي: الطلب الحثيث نحو: {لَوْلَا تَسْتَغْفِرُونَ اللهَ الله (2)، أي: استغفروه على كل حال، ومعناه في الجملة الماضية التوبيخ نحو: {لَوْلَا جَاءُ وَ عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء} (3) وبخهم على عدم المجيء بالشهود على ما قالوه من الإفك، وكذلك هو في الحقيقة. الحادي والعشرون: لو شرط للماضي نحو: لو جاء زيد لأكرمته، وللمستقبل بقلة نحو أكرم زيدا ولو أساء، وعلى الكثرة فعند سيبويه هي حرف لما كان سيقع لوقوع غيره، أي: الشرط (4).
(1) قال المالقي: والصحيح أن تفسيرها بحسب الجمل التي تدخل عليها، فإن كانت الجملتان بعدها موجبتين فهي حرف امتناع لوجوب نحو: لولا خالد لأحسنت إليك، فامتنع الإحسان لوجود خالد، وإن كانتا منفيتين فهي حرف وجوب لامتناع، نحو: لولا عدم حضور زيد لم أكرمك، وإن كانتا موجبة ومنفية فهي حرف وجوب لوجوب نحو: لولا غانم لم أحسن إليك، وإن كانتا منفية وموجبة فهي حرف امتناع لامتناع نحو لولا عدم زيد لأحسنت إليك، المالقي (رصف المباني) ص 362، وانظر لولا في: ابن هشام (المغني بحاشية الدسوقي) ج 1 ص 278، المرادي (الجني الداني) ص 597، ابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 1 ص 351، ابن النجار (شرح) (المساعد) ج 3 ص 220، ابن عقيل (المساعد) ج 3 ص 220، ابن النجار (شرح الكوكب المنير) ج 1 ص 284، الأزهري (التصريح) ج 2 ص 262.
(2) القرآن الكريم سورة النمل (مكية) آية رقم 46.
-
(3) القرآن الكريم سورة النور (مدنية) آية رقم 13. (4) سيبويه (كتاب سيبويه) ج 4 ص 242، وقد اختلف النحويون في تفسير هذه العبارة: فابن عقيل جعلها كقول ابن مالك: إنها حرف يقتضي امتناع ما يليه واستلزامه لتاليه، فبعد أن شرح – ابن عقيل هذه العبارة قال: وها معنى قول سيبويه: حرف لما كان، فأخذ في الملازمة جانب الثبوت، ولم يتعرض للانتفاء عند الانتفاء، ابن عقيب (المساعد) ج 3 ص 189، وبمثل هذا فسرها الأشموني على ما يظهر من سياق كلامه، أما العلامة الدماميني فقد فسرها بتفسير يوافق ما عليه الجمهور من أنها حرف امتناع لامتناع:، حيث قال: فمعنى عبارته - أي سيبويه - أن لو تدل مطابقة على أن وقوع الثاني كان يحصل على تقدير وقوع الأول، وتدل التزاما على امتناع وقوع الثاني لامتناع وقوع الأول، لأن عدم اللازم يوجب عدم الملزوم. ووافقه على هذا التفسير الصبان بعد أن نقل كلامه، الأشموني (شرح الأشموني بحاشية الصبان ج 4
- (1/217)
صفحة 218
***
فصول الأصول
***
وقال غيره: هي حرف امتناع لامتناع، أي: امتناع الجواب لامتناع الشرط (1). وصحح ابن السبكي تبعا لوالده أنه لامتناع ما يليه واستلزامه لتاليه (2)، ثم ينتفي الثاني إن ناسب المقدم بأن لزمه عقلا أو عادة أو شرعا ولم يخلف المقدم وغيره، وذلك كقوله تعالى: {لَوْ كَانَ فِيهِمَا الهَهُ إِلَّا اللهُ لَفَسَدَ الله (3)، أي السموات والأرض، (1) نسب الصبان هذه العبارة إلى الجمهور (حاشية الصبان على شرح الأشموني) ج 4 ص 25، والمالقي إلى كل النحاة حيث قال: كذا في النحويون كلهم فيما أعلم رصف المباني ص 358، وفاته قول سيبويه: إنها حرف لما كان سيقع لوقوع غيره، والتمس المالقي لهم العذر في ذلك بأنهم قصدوا أنها تفيد امتناع الجواب لامتناع الشرط في الجمل الواجبة لأنها الأصل، والنفي داخل عليها فلم يعتبروه لأنه فرع (رصف المباني) ص 358، وهذا الاعتذار لم أجده لغيره، وفيه نظر وجهه أنك لو قلت في طائر: لو كان هذا إنسانا لكان حيوانا، فإنسانيته محكوم بامتناعها، وحيوانيته ثابتة، مع أن هذا ليس فيه نفي، وكذلك قوله تعالى: ولو أن ما في الأرض من شجرة أقلام والبحر يمده من بعده سبعة أبحر ما نفدت كلمات الله (لقمان 27) فعدم نفاد كلمات الله ثابتة على تقدير كون ما في الأرض من الشجر أقلام مدادها البحر وسبعة أمثاله وثبوت عدم النفاد على تقدير عدم ذلك أولى. المرادي (الجنى الداني) ص 273. هذا ولم يرتض هذا التعبير جماعة من النحاة منهم ابن أم قاسم المرادي إذ يقول بعد كلام: فلذلك كان قولهم؛ لو حرف امتناع لامتناع عبارة ظاهرها الفساد، لأنها تقتضى كون الجواب ممتنعا في كل موضع وليس كذلك، ثم عبر عن معناها بقوله: لو الامتناعية حرب يدل على تعليق فعل بفعل فيما مضى، فيلزم من تقدير حصول شرطها حصول جوابها. ويلزم كون شرطها محكوما بامتناعه إذ لو قدر حصوله لكان الجواب كذلك، وأما جوابها فلا يلزم كونه ممتنعا على كل تقدير، لأنه قد يكون ثابتا مع امتناع الشرط، كقول عمر بن الخطاب - رض الله - نعم العبد صهيب لو لم يخف الله لم يعصه. ابن ام قاسم (توضيح المقاصد والمسالك) ج 4 ص 272. وممن لم يرتض ذلك - أيضا - الأشموني (شرح الأشموني بحاشية الصبان) ج 2 ص 257، وابن مالك وابن بدر الدين. والحسن المرادي (الجني الداني ص 273 - 274، ابن الناظم (شرح الغية ابن مالك) ص 710، وهؤلاء ذهبوا إلى أنها تدل على امتناع الشرط فحسب ولا دلالة فيها على امتناع الجواب ولا على ثبوته، لكن إن كان الجواب مساويا للشرط في العموم لزم انتفاؤه كما في قولك: لو كانت الشمس طالعة كان النهار موجودا، أما إذا كان أعم من الشرط فإنه يلزم انتفاء القدر المساوي منه للشرط كما في قولك: لو كانت الشمس طالعة كان الضوء موجودا
(انظر المراجع السابقة).
(2) ابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 1 ص 354، لكنه رجع عن هذا الرأي في منع الموانع. قال ابن القاسم: واعلم أن المصنف في منع الموانع رجع عن اختيار هذا القول إلى القول الأول، ثم نقل کلام ابن السبكي بما يدل على رجوعه وهو قوله - أي ابن السبكي: وذهب قوم إلى أنها حرف امتناع لامتناع، وهي عبارة المعربين، وردها جماعة المحققين قال الشيخ الوالد: دعوى دلالتها على الامتناع مطلقا منقوضة بما لا قبل به، ثم نقض هو وغيره بمقل قوله تعالى: ولو أن ما في الأرض من شجرة واعلم أنا كتبنا - الكلام لابن السبكي - هذا ونحن نوافق الوالد إذ ذاك ولذلك عبرنا عنه بلفظ الصحيح، وأما الذي أراه الآن وأدعي ارتداد عبارة سيبويه إليه، وإطباق كلام العرب عليه فهو قول المعربين. ابن قاسم الآيات البينات) ج 2 ص 248.
(3) القرآن الكريم سورة الأنبياء (مكية) آية رقم 22.
،
218 (1/218)
صفحة 219
219
***
فصول الأصول
***
ففسادهما مناسب لتعدد الآلهة للزومه له على وفق العادة عند تعدد الحاكم من التمانع في الشيء وعدم الاتفاق عليه، ولم يخلف التعدد في ترتب الفساد غيره فينتفي الفساد بانتفاء التعدد المفاد بلفظة لو نظرا إلى الأصل فيها وإن كان القصد من الآية العكس، أي: الدلالة على انتفاء التعدد بانتفاء الفساد، لأنه أظهر، لا إن خلف المقدم غيره إن كان له خلف في ترتب التالي عليه، فلا يلزم انتفاء التالي، وذلك كقولك في شيء: لو كان إنسانا لكان حيوانا فإن الحيوان مناسب للإنسان للزومه عقلا لأنه جزء منه، وتخلف الإنسان في ترتب الحيوان غيره كالحمار – مثلا – فلا يلزم بانتفاء الإنسان عن الشيء المفاد بلو انتفاء الحيوان الجواز أن يكون حمارا كما يجوز أن يكون حجرا، وأما أمثلة بقية الإقسام فذلك نحو: لو لم تجتني ما أكرمتك، لو جئتني ما أهنتك لو لم تجئني أهنتك، ويقبت الثاني بقسميه على حاله مع انتفاء المقدم بقسميه إن لم يناف انتفاء المقدم، وناسب انتفاءه، أما بالأولى كقولك: لو لم يخف لم يعصي الحديث المأخوذ من قوله عمر (1) وقيل - وقيل عنه - - نعم العبد صعيب لو لم يخف الله لم يعصه (2)، حيث رتب عدم العصيان على عدم الخوف، وهو بالخوف المفاد بلو أنسب، فيترتب عليه – أيضا – في قصده، والمعنى أنه لا يعصى الله أصلا لا مع وجود الخوف ولا مع انتفائه إجلالا له تعالى عن أن يعصيه، فقد اجتمع فيه الخوف والاجلال، أي: إذا كان لا يعصيه، مع عدم الخوف فلا يعصيه مع وجوده بالأولى، وهو من المبالغة والبلاغة بالمكان الأعلى. وأما بالمساواة، ومثلواله بقوله - - لو لم تكن ربيبتي لما حلت لي إنها لابنة
(1) عمر بن الخطاب، أمير المؤمنين عمر بن الخطاب بن نفيل القرشي العدوي، ثاني الخلفاء الراشدين، وأول من لقب بأمير المؤمنين يضرب بعدله المثل، أسلم قبل الهجرة بخمس سنين، وبويع بالخلافة يوم وفاة أبي بكر - ا - سنة 13 هـ، وفي أيامه تم فتح الشام والعراق، توفي سنة 23 هـ. ابن الأثير (أسد الغابة) ج 4 ص 145. الزركلي (الأعلام) ج 5 ص 45. (2) نقل الملا علي القاري عن السبكي قوله في شرح التلخيص: لم أر هذا الكلام في شيء من كتب الحديث لا مرفوعا ولا موقوفا، لا عن النبي - ل - ولا عن عمر مع شدة التفحص عنه، ملا علي القاري (الأسرار المرفوعة) ص 356 - 357، وقال القاوقجي: اشتهر في كلام الأصوليين والنحويين وأرباب المعاني، فبعضهم يرويه عن عمر، وبعضهم يرفعه، ولا أصل له في كتب الحديث لا مرفوعا ولا موقوفا، القاوقجي (اللؤلؤ المرصوع) ص 210، وينظر: العجلوني (كشف الخفاء) ج 2 ص 323. (1/219)
صفحة 220
***
فصول الأصول
*
أخي من الرضاعة) في درة بنت أم سلمة (2)، حيث رتب عدم حلها على عدم كونها ربيبة المبين بكونها بنت أخيه من الرضاعة لكونه مناسبا له شرعا، فيترتب - أيضا - في قصده على كونها ربيبة المفاد بلو المناسب هو له شرعا كناسبته للأول سواء لمساواة حرمة المصاهرة لحرمة الرضاع المعنى إنها لا تحل لي أصلا، لأن فيها وصفين لو انفرد كل منهما لكان كافيا في إيجابه تحريمها، وهما كونها ربيبة لي، وكونها بنت أخي من الرضاعة، والنساء لما ظنن أنه يريد نكاحها كأنه خطر أن ذلك من خصائصه فلذلك ساغ لهن اعتقاده، وهي اسمها درة بضم الدال، وقيل بده، فسماها رسول الله - - زينب، وقال: لا تزكوا أنفسكم الله أعلم بأهل البر منكم (3) (4).
أما بالأدون كقولك فيمن عرض عليك نكاحها لو لم تكن أختي من النسب لما حلت لي لأنها اختي من الرضاعة، وقد تاتي لو للتمني والعرض والتحضيض فينصب المضارع بعد الفاء في جوابها بأن مضمرة نحو: لو تأتيني فتحدثني، لو تزورني فأكرمك، لو تامر الجند فيطيعوك، ومن الأول: فلو أن لناكرة فنكون من المؤمنين (5)، أي: ليت لناكرة والثلاثة الوجوه كلها مشتركة في الطلب، لأن الطلب إن وقع بحث فهو التحضيض، وإن كان بلين فهو العرض، وإن كان لما لا طمع في
حصوله فهو التمني، وتكون للتقليل نحو: تصدقوا ولو بظلف محرق (6).
(1) الحديث أخرجه البخاري بلفظ لو أنها لم تكن ربيبتي في حجري ما حلت لي إنها لابنة أخي من الرضاعة، البخاري (صحيح البخاري بشرح (الفتح كتاب النكاح، باب وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم حديث رقم 5101 ج 9 ص 43، ومسلم (صحيح مسلم بشرح النووي كتاب الرضاع، باب تحريم الربيبة، رقم الحديث 1449، ج 10 ص 278، وابن ماجة (سنن ابن ماجة بشرح السندي) المعجم، النكاح، باب يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب، حديث 1939، ج 2 ص 457.
(2) واسم أبيها أبو سلمة ابن عبد الأسد ابن عبد الله من بني مخزوم. ابن حجر (الإصابة) ج 8 ص 126. (3) الحديث أخرجه مسلم بلفظ: لا تزكوا أنفسكم الله أعلم بأهل البر منكم، مسلم (صحيح مسلم بشرح النووي) كتاب الآداب، باب استحباب تغيير الاسم القبيح إلى حسن وتغيير اسم برة إلى زينب، حديث
رقم 2142، ج 14 ص 368.
(4) ابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 1 ص 354 - 358.
(5) القرآن الكريم سورة الشعراء (مكية) آية رقم 102.
(6) أخرجه الربيع بن حبيب بلفظ ردوا السائل ولو يظلف محرق (الجامع الصحيح) كتاب الزكاة، باب في الصدقة، حديث 347 ص 88، والنسائي (سنن النسائي) كتاب الزكاة، باب رد السائل، حديث 2562 ج 5 ص 81، واخرجه الترمذي بلفظ ان لم تجدي شيئا تعطينه إياه إلا ظلفا محرقا فادفعيه إليه في يده (سنن الترمذي) كتاب، باب ما جاء في حق السائل، حديث 1667 ج 2 ص 130.
220 (1/220)
صفحة 221
221
***
فصول الأصول
***
الثاني والعشرون: لن هو حرف نفي ونصب و استقبال للمضارع، ولا تفيد توكيد النفي ولا تأييده عند جمهور الأشاعرة (1)، وقيل: بل تفيدهما، وعليه الزمخشري و ابن عطية (2) (3) وجمهور أصحابنا، ورجحه قطب الأئمة (4)، وذلك فيما إذا أطلق النفي، قال في الكشاف (5): فقولك: لن أقيم، مؤكد بخلاف لا أقيم. كما في أني مقيم وأنا مقيم، وقولك في شيء: لن أفعله مؤكد على وجه التأييد كقولك: لا أفعله أبدا، والمعنى أن فعله ينافي حالي كقوله تعالى: ولَن يَخْلُقُوا ذُب ابال (6) أي: خلقه من الأصنام مستحيل مناف لأحوالها. كلام الزمخشري كشافه (7).
وقال ابن السبكي في جمع الجوامع: لا تفيد لن توكيد النفي ولا تأبيده خلافا لمن صاحب الكشاف (9) يعني
زعمه (8)
(1) الفخر الرازي (التفسير الكبير) ج 14 ص 189، ابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) جا ص 360، ابن قاسم (الآيات البينات) ج 2 ص 258.
(2) ابن عطية (المحرر الوجيز) تفسير آية رقم 143 من سورة الأعراف ج 6 ص 68، الزمخشري (الكشاف) تفسير آية رقم 143 من سورة الأعراف ج 2 ص 153.
(3) ابن عطية، عبد الحق بن غالب بن عبدالرحمن المحاربي الغرناطي، ولد سنة 481 هـ كنيته أبو محمد مفسر فقيه أندلسي له: المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز، توفي سنة 542 هـ وقيل غير ذلك. الكتبي (قوات (الوفيات) ج 2 ص 256، الزركلي (الأعلام) ج 3 ص 282. (4) السالمي (المشارق ص 204 الخليلي أحمد بن حمد (الحق الدامغ) ص 85، أطفيش محمد بن يوسف (هيميان (الزاد) ج 6 ص 241، ويقصد بقطب الأئمة الشيخ محمد بن يوسف أطفيش. (5) الكشاف، كتاب في التفسير للعلامة محمود بن عمر الزمخشري من أئمة المعتزلة، اهتم فيه الزمخشري بالناحية البلاغية اهتماما بالغا، أشار فيه إلى دقائق الكتاب العزيز وبين ما فيه من لطائف، ونظرا لأهمية هذا التفسير فقد وضعت عليه الحواشي منها حاشية الكشف لعمر بن عبدالرحمن القزويني، وحاشية يحيى بن قاسم العلوي سماها دررا الأصداف في حل عقد الكشاف، حاجي خليفة (كشف الظنون) ج 2 ص 147. (6) القرآن الكريم سورة الحج (مدنية) آية رقم 73. (7) كلام الزمخشري في الكشاف فإن قلت: ما معنى لن؟ قلت: تأكيد النفي الذي تعطيه لا، وذلك أن لا تنفي المستقبل تقول: لا أفعل غدا، فإذا أكدت نفيها قلت: لن أفعل غدا، والمعنى: أن فعله ينافي حالي، كقوله: لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له (الحج (73) (الزمشخري، الكشاف ج 2 ص 154، دار الكتاب العربي بيروت ط 3 سنة 1407 هـ - 1987 م).
(8) ابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 1 ص 360. (9) وقع - هنا - سقط في أوتمام الكلام من ب والحامل لهم على هذا ونحوه هو قبيح معتقد هم في رؤية الباري جل وعلا في الآخرة حيث قالوا: إن قوله تعالى في خطاب موسى لن تراني (الأعراف: 143) ذلك في الدنيا خاصة، أو في ذلك الوقت خاصة فيجوز أن يراه بعده، على أن كلمة لن تؤكد النفي ولا تؤيده. (1/221)
صفحة 222
فصول الأصول
***
وقال الكوراني ردا على ابن السبكي - وهو حنفي المذهب –: والأظهر أن معناها التأبيد مع أن التأبيد هو المتبادر في مواطن الاستعمال إلا لقرينة صارفة، ألا ترى إلى قوله تعالى: {وَلَقَدْ جَاءَ كُمْ يُوسُفُ مِن قَبْلُ بِالْبَيِّنَتِ فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِّمَّا
(d)'
(E),
جاءَ كُم بِهِ حَتَّى إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَن يَبْعَثُ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ، رَسُولاً (1). إذ لا ريب أنهم نفوه على التأبيد، وقول موسى - صلوات الله وسلامه عليه -: فلن أكون ظهيرا لِلْمُجْرِمِينَ (2)، أي: أبدا، وقول أخي يوسف {فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَن (3)، وقوله: {زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَن لَن يُبْعَثُوا، وحيث قارنه التأبيد يكون نصا في التأبيد، وبدونه يكون ظاهرة، هذه الاستعمالات الكثيرة دعوى القرينة فيها بعيد جدا، وأما الجواب عن استدلال الكشاف بها في لن تراني واضح إذا قلنا ظاهرة في التأييد يجب صرفها عن ظاهره للدلائل الدالة على وقوع الرؤية وقوله: لن تراني معناه في دار التكليف.
وقولنا يفيد التأييد معناه ما دام التكليف باقيا، ألا ترى أنه تعالى نفى تمني اليهود الموت على سبيل التأييد بقوله: {وَلَن يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا له (ه)، مع أن اليهود في جهنم يتمنون الموت كل ساعة (6) فتراه يثبت لها التوكيد والتأييد، ودعواه أن الآية - هنا قرينة صارفة للتأبيد عن حقيقته فهي دعوى باطلة لأن الآية الكريمة تقتضي نفي تمنيهم الموت في حياتهم الدنيا خاصة.
وقد علمت أن التأكيد والتأبيد يكونان في كل شيء بحسبه، وقالوا: إنها لو أفادت التأبيد لما احتاجت إلى أن تؤكد بقوله أبدا وقد ورد تأكيدها بها في مواضع كثيرة - قلنا: حيث وردت مؤكدة بالتأبيد فذلك من باب تأكيد اللفظ بمرادفه، وحيث ورد النفي مقيدا فلا تفيد تأييدا باتفاق نحو: {فَلَنْ أُكَلَّمَ الْيَوْمَ إِنسِيا (7)، وقد ترد
(1) القرآن الكريم سورة غافر (مكية) آية رقم 34. (2) القرآن الكريم سورة القصص (مكية) آية رقم 17. (3) القرآن الكريم سورة يوسف (مكية) آية رقم 80. (4) القرآن الكريم سورة التغابن (مكية) آية رقم 7. (3) القرآن الكريم، سورة البقرة (مدنية) آية رقم 95. (5) ابن قاسم (الآيات البينات) ج 2 ص 258 - 259.
(1) القرآن الكريم سورة مريم (مكية) آية رقم 26.
222 (1/222)
صفحة 223
223
***
فصول الأصول
***
للدعاء وفاقا لابن عصفور (1) كقول القائل: لن تزالوا كذلكم ثم لازلت لكم خالدا
(3) (2)
خلود الليالي (2) (3)
و بعض علماء العربية لم يثبتوا ذلك، وقالوا: لا حجة في البيت المذكور لاحتمال أن يكون خبرا)، قال المحلي: وهذا فيه بعد (5). الثالث والعشرون: ما تأتي اسمية وحرفية، فأما الاسمية فتكون موصولة نحو: مَا عِندَكُمْ يَنفَدُ وَمَا عِندَ اللهِ بَاتِ (6)، فهي بمعني الذي، وتكون نكرة موصوفة نحو: عندي ما يعجبك، أي شيء يعجبك، وتكون للتعجب نحو: ما احسن زيدا - هنا - نكرة تامة مبتدأ، وما بعدها خبره، وتكون استفهامية نحو: ما حال
زيد، أي: بأي حال، وتكون شرطية زمانية كقوله تعالى: فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لهم) والمعنى: استقيموا لهم مدة استقامتهم لكم، وتكون في الشرط غير زمانية نحو قوله تعالى: وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمَهُ الله له، فإنها لم تقترن ها هنا بزمان مخصوص، وأما الحرفية فتكون مصدرية زمانية – أيضا – نحو: {فَاتَّقُوا اللهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ (9)، أي: مدة استطاعتكم وتكون غير زمانية نحو: {فَذُوقُوا بِمَا نَسِيتُمْ (10) أي: بنسيانكم، وتكون نافية عاملة نحو: {مَا هَذَا بَشَرًا (11)،
(9) ,
(1) ابن عصفور، سبق التعريف به ص 133. (2) هذا البيت قاله الأعشى ميمون بن قيس، الأعشى (ديوان الأعشى) ص 169، إميل بديع (المعجم المفصل في شواهد اللغة العربية) ج 6 ص 371. (3) وصحح هذا القول الأهدل (الكواكب الدرية) ج 2 ص 464، وقال به الأسموني وعزاه إلى ابن السراج (شرح الأشموني بحاشية الصبان) ج 3 ص 210، وانظر: ابن عقيل (المساعد) ج 3 ص 67. (4) الأشموني (شرح الأشموني بحاشية الصبان) ج 3 ص 210، ابن عقيل (المساعد) ج 3 ص 67، الأزهري (التصريح) ج 2 ص 229 - 230، الأهدل (الكواكب الدرية) ج 2 ص 464.
(د) المحلي (شرح المحلي على جمع الجوامع ج 1 ص 361.
(6) القرآن الكريم سورة النحل (مكية) آية رقم 96.
(1) القرآن الكريم سورة التوبة (مدنية) آية رقم 7. (1) القرآن الكريم سورة البقرة (مدنية) آية رقم 197. (4) القرآن الكريم سورة التغابن (مدنية) آية رقم 16. (10) القرآن الكريم سورة السجدة (مكية) آية رقم 14. (11) القرآن الكريم سورة يوسف (مكية) آية رقم 31. (1/223)
صفحة 224
***
فصول الأصول
***
مَا هُنَّ أُمَّهَتِهِمْ)، وغير عاملة نحو: {وَمَا تُنفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ الله)، ما أكرم زيدا إلا لاستحقاقه، وتأتي زائدة كافة عن عمل الرفع نحو: طالما أرجوك، وقلما تزورني.
له
قال في المغني (3): ولا تتصل هذه إلا بثلاثة أفعال: قل، وكثر، وطال، وعلة ذلك شبههن برب، ولا يدخلن إلا على جملة فعلية صرح بفعلها (4)، أو كافة عمل الرفع والنصب نحو: إِنَّمَا اللَّهُ إِلهُ وَاحِدٌ)، او عمل الجر نحو: ربما دام الوصل، وتأتي (د) غير كافة عوضا كقولك: افعل هذا أما لا تفعل غيره أي: إن كنت لا تفعل غيره فهي - هنا - عوض عن إن كنت، أدغم فيها النون للتقارب، وحذف المنفي للعلم به، به، وتأتي غير عوض للتأكيد كقوله تعالى: فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ (6)، وأصله فبرحمة). الرابع والعشرون: من بكسر الميم، هي لابتداء الغاية المكانية نحو من المسجد الحرام، والزمانية نحو: من أول يوم، وإذَا نُودِيَ لِلصَّلَوةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ) وتأتي لغير الزمان
والمكان نحو: إِنَّهُ مِن سُلَيْمَنَ (9)، وتأتي للتبعيض نحو حَتَّى تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ أي: بعضه، وتاتي للتبيين نحو: مَا نَنسَخ مِنْ آيَة (11)، فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ
(1) القرآن الكريم سورة المجادلة (مدنية) آية رقم 2. (2) القرآن الكريم سورة البقرة (مدنية) آية رقم 272 (3) مغني اللبيب عن كتب الاعاريب لابي محمد عبد الله بن يوسف المعروف بابن هشام والمتوفي سنة 762 هـ، وهو كتاب شامل فصل فيه مؤلفه مسائل النحو تفصيلا دقيقا، اشتهر في حياته ولقي اقبالا كبيرا، حاجي خليفة (كشف الظنون) ج 2 ص 1751، والكتاب مطبوع ومتداول.
(4) ابن هشام (المغني بحاشية الدسوقي) ج 1 ص 307.
(5) القرآن الكريم سورة النساء (مدنية) آية رقم 171. (6) القرآن الكريم سورة آل عمران (مدنية) آية رقم 159.
(7) وانظر معاني ما في: ابن يعيش (شرح المفصل) ج 3 ص 145، وج 4 ص 2، المالقي رصف المباني) ص 377، ابن هشام (المغني بحاشية الدسوقي) ج 1 ص 296، المرادي (الجنى الداني) ص 322، ابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 1 ص 361، الرضي الاستراباذي شرح (التصريح) جا
ص 134، الأهدل (الكواكب الدرية) ج 2 ص.
(8) القرآن الكريم سورة الجمعة (مدنية) آية رقم 9. (9) القرآن الكريم سورة النمل (مكية) آية رقم 30. (10) القرآن الكريم سورة آل عمران (مدنية) آية رقم 92. (11) القرآن الكريم سورة البقرة (مدنية) آية رقم 106.
224 (1/224)
صفحة 225
225
***
فصول الأصول
***
(1)
بمعنى
6
مِنَ الْأَوثَن)، وتاتي للتعليل نحو: يَجْعَلُونَ أَصَبْعَهُمْ فِي مَاذَانِهِم مِّنَ الصَّوَاعِقِ) (2)، أي: لأجلها، وتأتي للبدلية نحو: {أَرَضِيتُم بِالْحَيَوةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ} (3) (7)، أي: بدلها، وتأتي لانتهاء الغاية كإلى نحو: بيته قرب من المسجد، أي: إليه، وتأتي لتنصيص العموم كما في الدار من رجل وتأتي للفصل بين المتضادين بأن تدخل على ثانيهما لِيَمِيرَ. نحو: ليميز اللهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ، يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ ()، وتأتي الباء نحو: وينظرُونَ مِن طَرفٍ خَفِي (2)، أي: بطرف، وبمعنى عن نحو قدكنا) فِي غَفْلَةٍ مِّنْ هَذَا) أي: (7) أي عنه، وبمعنى في نحو: إذا نودي للصلاة من يوم ا الجمعة (8) أي فيه، وبمعنى عند نحو: ولَن تُغْنِي عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوَلَدُهُم مِّنَ اللَّهِ شَيْئًا) أي: عنده: و بمعنى على نحو: {وَنَصَرْنَهُ مِنَ الْقَوْمِ (10) أي: عليهم. والظاهر عندي أنها في هذا الموضع على تضمين نصر معنى نجى فهي على حقيقتها، وفيما قبله. بمعنى عن (11).
(1) القرآن الكريم سورة الحج (مدنية) آية رقم 30. (2) القرآن الكريم سورة البقرة (مدنية) آية رقم 19. (3) القرآن الكريم سورة التوبة (مدنية) آية رقم 38. (4) القرآن الكريم سورة الأنفال (مدنية) آية رقم 37. (2) القرآن الكريم سورة البقرة (مدنية) آية رقم 220. (6) القرآن الكريم سورة الشورى (مكية) آية رقم 45. (1) القرآن الكريم سورة الأنبياء (مكية) آية رقم 97. (8) مر تخريجها سابقا. (1) القرآن الكريم سورة آل عمران (مدنية) آية رقم 10. (10) القرآن الكريم سورة الانبياء (مكية) آية رقم 77.
(11) انظر معاني من في: ابن يعيش (شرح المفصل) ج 8 ص 10، المالقي (رصف المباني) ص 388، المرادي (الجني الداني) ص 208، الأشموني (شرح الأشموني بحاشية الدسوقي) ج 1 ص 317، المرادي (الجني الداني) ص 208، الأشموني (شرح الأشموني بحاشية الصبان ج 2 ص 216، ابن النجار (شرح الكوكب المنير) ج 1 ص 241، الأزهري (التصريح) ج 2 ص 4، الأهدل (الكواكب الدرية ج 2 ص 412، السالمي (شرح طلعة الشمس) ج 1 ص 239. ج 1 ص 239. (1/225)
صفحة 226
***
فصول الأصول
***
الخامس والعشرون من بفتح الميم، هي شرطية نحو: ومَن يَعْمَلْ سُوءًا وتكون استفهامية نحو: مَنْ بَعَثَنَا مِن مَّرْقَدِنَا (2)، وموصولة و نحو: وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَن فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ (3)، وتأتي نكرة موصوفة نحو: مررت بمن هو معجب لك، أي: بإنسان وتاتي نكرة تامة كقوله ونعم من هو في سر وإعلان، قاله أبو علي الفارسي، ففاعل نعم مستتر ومن تمييز بمعنى رجلا، وهو بضم الهاء مخصوص بالمدح راجع إلى بشر من قوله.
وكيف أرهب أمرا أو أراع له، وقد زكلت (4) إلى بشر بن مروان. وغير أبي علي لم يثبت ذلك، وقال: من موصولة - هنا - فاعل نعم وهو بضم الهاء صلتها (ه).
السادس والعشرون: هل تأتي لطلب التصديق الإيجابي لا للتصور ولا للتصديق السلبي، كذا قال ابن السبكي تبعا لابن هشام (6)، واعترض عليه شارحه المحلي بقوله: التقييد الإيجابي ونفي السلبي على منواله أخذا من ابن هشام سهو سري من أن هل لا تدخل على منفي، فهل لطلب التصديق، أي: الحكم بالثبوت أو الانتفاء كما قاله السكاكي وغيره (7)، يقال في جواب هل قام زيد؟ مثلا: نعم أولا، وتشركها في هذا الهمزة وتزيد عليها بطلب التصور، نحو أزيد في الدار أم عمرو؟ أفي الدار زيد أم في المسجد؟ فيجاب معين مما ذكر، وبالدخول على المنفي فتخرج عن الاستفهام إلى التقرير، أي: حمل المخاطب على الإقرار بما بعد النفي، نحو: ألَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ (8)، فيجاب ببلى كما في حديث البخاري بينا أيوب يغتسل
(1) القرآن الكريم سورة النساء (مدنية) آية رقم 123.
(2) القرآن الكريم سورة يس (مكية) آية رقم 52. (3) القرآن الكريم سورة الرعد (مدنية) آية رقم 15.
(4) في النسختين زكلت والصواب زكات بالهمزة، والبيت غير منسوب إلى قائله وانظر. البغدادي، الخطيب (خزانة الأدب) ج 9 ص 410، إميل بديع (المعجم المفصل في شواهد النحو) ج 2 ص 258، ابراهيم أنيس (المعجم الوسيط) باب الزاي ج 1 ص 410. أما زكل فلم اعثر عليها.
(5) انظر معاني من في: ابن يعيش (شرح المفصل) ج 3 ص 144، ابن عصفور (شرح جمل الزجاجي) ج 1 ص 484، الرضي الاستراباذي شرح الكافية ج 2 ص 55، ابن هشام (المغني بحاشية الدسوقي) ج 1 ص 324، ابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 1 ص 500، الأزهري (التصريح) ج 1 ص 133. (6) ابن هشام (المغني بحاشية الدسوقي) ج 2 ص 13، ابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 1 ص 364. (7) السكاكي (مفتاح العلوم) ص 308. (8) القرآن الكريم سورة الشرح (مكية) الآية الأولى.
226 (1/226)
صفحة 227
227
***
فصول الأصول
***
عريانا (1)، وساق الحديث إلى قوله: بلى يارب. فعلى هذا يكون معنى قوله: ولا للتصديق السلبي أنها لا تدخل على منفى بغيرها من أدوات النفي، فلا تقول: هل ما قام زيد؟ ولا هل لم يقم زيد؟ ولا هل زيد لم يقم وإنما يكون الثبوت أو الانتفاء في جوابها كما تقرر من كلام المحلي، وهو قوله: يقال: في جواب هل قام زيد؟ - مثلا - نعم أولا (2)، والله أعلم (3).
السابع والعشرون: الواو هي من حروف العطف لمطلق الجمع بين المعطوفين في الحكم، لأنها تستعمل في الجمع بمعية أو تقدم أو تأخر، نحو: جاء زيد وعمرو إذا جاء معه أو قبله أو بعده، فتجعل حقيقة في القدر المشترك بين الثلاثة وهو معنى قولهم: لمطلق الجمع حذرا من الاشتراك، والمجاز، واستعمالها في كل من حيث إنه جمع استعمال حقيقي، وقيل: للترتيب حقيقة (4)، أي: التأخر، لأنها فيه تستعمل كثيرا فهي في غيره مجاز، وقيل: للمعية (5) لأنها للجمع والأصل في الجمع المعية، فإذا قيل: قام زيد وعمرو، كان محتملا للمعية، والتأخر والتقدم على الأول ظاهرا
في التأخر على الثاني، وفي المعية على الثالث، والله أعلم.
(1) نص الحديث: بينا أيوب يغتسل عريانا، فخر عليه جراد من ذهب، فجعل أيوب يحتثي في ثوبه، فناداه ربه، يا أيوب ألم أكن أغنيتك عما ترى؟ قال: بلى وعزتك، ولكن لا غنى بي عن بركتك، البخاري (صحيح
البخاري بشرح (الفتح كتاب الغسل، باب من اغتسل عريانا وحده في خلوة، حديث رقم 279. (2) المحلي (شرح) المحلي على جمع الجوامع) ج 1 ص 364. (3) انظر معاني هل في: المالقي رصف المباني ص 469، الرضي الإستراباذي (شرح الكافية) ج 2 ص 388، ابن هشام (المغني بحاشية الدسوقي) ج 2 ص 12، المرادي (الجنى الداني) ص 341، ابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 1 ص 364، ابن عقيل (المساعد) ج 3 ص 213. (4) نقل هذا القول عن قطرب والكسائي وأبي عمرو الزاهد وثعلب والربعي وهشام الضرير وأبي جعفر الدينوري. ابن هشام (المغني بحاشية الدسوقي) ج 2 ص 17، المرادي (الجنى الداني) ص 158 وص 159، وعزاه ابن الخباز إلى الإمام الشافعي، وحكاه المالقي عن الكوفيين رصف المباني) ص 474، وقد رد الأهدل نسبة هذا القول إلى الشافعي حيث قال: وعزي إلى الإمام الشافعي، والحق أنه لا يرى ذلك كما يدل له سائر احتجاجاته، وإنما أوجب الترتيب في الوضوء لدليل خارجي، وهو الاتباع؛ لأن الأحاديث مصرحة بأن النبي - ه - واظب عليه مدة عمره (الكواكب الدربة) ج 2 ص 54. وانظر: الرضى الاستراباذي (شرح الكافية ج 2 ص 364، الأشموني (شرح الأشموني بحاشية الصبان) ج 3 ص 39، الأزهري (التصريح) ج 2 ص 135.
(2) قال ابن مالك: وكونها للمعية راجح، وللترتيب كثير، ولعكسه قليل. ابن هشام (المغني بحاشية الدسوقي) ج 2 ص 17، الأشموني (شرح الأشموني بحاشية الصبان) ج 3 ص 69، الأزهري (التصريح) ج 2 ص 135. وانظر معاني الواو في المراجع السابقة وفي: البخاري (كشف الأسرار) ج 2 ص 345، ابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 1 ص 365، ابن النجار (شرح الكوكب المنير) ج 1 ص 229، السالمي (شرح طلعة الشمس) ج 1 ص 219. (1/227)
صفحة 228
***
فصول الأصول
***
الفصل الثامن والعشرون
مبحث الأمر
والأمر يطلق على أشياء: منها القول المخصوص المعبر عنه بصيغة افعل ونحوه نحو: {وَأَقِيمُوا الصَّلَوَةَ وَآتُوا الزَّكَوةَ} (1)، ومنها الفعل نحو قوله تعالى: {وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمر (2)، أي: الفعل الذي تعزم عليه، ومنها الشأن نحو: إنما قولنا (3) لشيء إذا أردناه (4)، أي شأننا، ومنها الصفة نحو: لأمر ما يسود من يسود: أي: بصفة (5). من صفات الكمال، ومنها الشيء نحو: لأمر ما جدع قصير (6) أنفه أي: لشيء يريده، ومنها الغرض نحو فعلت هذا الأمر، أي: لغرض، واتفق الكل على أنه حقيقة في القول المخصوص، واختلفوا فيما عدا ذلك، فقال قوم: هو حقيقة في الكل على طريق الاشتراك (7)، وقال آخرون هو مجاز فيما عدا القول المخصوص (8)، وقال غيرهم: هو حقيقة في بعض هذه الأشياء مجاز في بعضها على ما سيأتي تفصيله إن شاء الله تعالى.
(1) القرآن الكريم سورة البقرة (مدنية) آية رقم 43. (2) القرآن الكريم سورة آل عمران (مدنية) آية رقم 159. (3) وقد ورد في النسختين لفظ امرنا يدل قولنا وهو خطأ. القرآن الكريم سورة النحل (مكية) آية رقم 40. (4) الاستشهاد بهذه الآية لا يؤدي الغرض المقصود، إذ لفظة الأمر لم ترد، وإنما يقع الاستشهاد بقوله تعالى: إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون (القرآن الكريم سورة يس - مكية - آية رقم (82).
(ه) في ب لصفة. (6) هو قصير بن سعد، كان عاقلا لبيبا، وكان في أيام جذيمة الأبرش الذي قتلته الزباء، واسمها فارعة، فدبر قصير المكيدة، وأحكم الخطة لينتقم من الزباء وكان قد جدع أنفه بنفسه لتتم المكيدة، فلذلك قيل: لأمر ما جدع قصير أنفه، والقصة طويلة مشهورة، وانظر: ابن الجوزي (كتاب الأذكياء) ص 183، الزركلي (الأعلام) جه ص 199.
(7) ذهب أبو الحسن البصري إلى أنه مشترك بين القول المخصوص والفعل والشأن والصفة (المعتمد) جا ص 39، وذهب أحمد بن يحيى بن المرتضى إلى أن لفظ الأمر مشترك بين الصيغة المخصوصة والغرض والشأن وهو مجاز في الفعل، وحكاه عن أكثر المعتزلة، وذهب بعض الفقهاء إلى أنه مشترك بينه وبين الفعل ابن المرتضى (منهاج الوصول) ص 246، وانظر: الأرموي (التحصيل من المحصول) ج 1 ص 261. (8) هو قول الجمهور، الفخر الرازي (المحصول بشرح النفائس) ج 3 ص 1103، الأرموي (التحصيل) ج 1 ص 261، القرافي (شرح تنقيح الفصول) ص 126، البيضاوي المنهاج بشرح الإبهاج) ج 2 ص 8، التفتازاني (التلويح على التوضيح ج 1 ص 282، ابن عبدالشکور (مسلم الثبوت بشرح الفواتح) ج 1 ص 367.
228 (1/228)
صفحة 229
229
***
فصول الأصول
***
والذي نحن بصدده هو الأول، وهو القول المخصوص بصيغة افعل وما في معناها. وفي اصطلاح الأصوليين هو: طلب فعل كف لا على جهة الدعاء، وهذا الطلب الذي هو القول المخصوص بصيغة افعل وما في معناها هو على قسمين: الأول: حقيقة في الطلب المذكور نحو: أقيموا الصلاة وآتوا الزكاة (1)، ليُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَنِهِ (2)، له فَلْيَنظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا (3) وما ضاهاها.
(4) '
والثاني: مجاز في الطلب المذكور يجب إلحاقه به مع القرينة الدالة على المراد، وهو ما لم يوضع بتلك الصيغة نحو: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ الله (4)، أي: فرض فإن معناه صوموا، وقد يكون بالفعل (ه)، كقوله - - للصديق - رضوان الله عليه: ما منعك أن تصلي بالناس إذ أمرتك (6)، ولم يكن منه لفظ أمر بل دفعه إلى الصلاة، فجعل الدفع أمرا.
وقد يكون بالإشارة كما تشير إلى القائم بالقعود، فهو بمنزلة قولك: اقعد، إذا فهم إشارتك، لأن الغرض من القول المخصوص إنما هو فهم الخطاب منه فإذا فهم بغير ذلك القول وجب أن يعطي حكمه، ولا حاجة إلى اعتبار علو في الطلب المذكور، وهو كون الطالب أعلى رتبة من المطلوب منه، ولا إلى اعتبار استعلاء، بأن يكون الطلب على جهة التعاظم من الطالب على المطلوب منه وقيل يعتبران، وإطلاق الأمر دونهما مجازي، فالمعتزلة غير أبي الحسين وأبو
(1)
(7)
سبق تخريج هذه الآية ص 3 من الكتاب. (2) القرآن الكريم سورة الطلاق (مدنية) آية رقم 7. (3) القرآن الكريم سورة الكهف (مكية) آية رقم 19. (4) القرآن الكريم سورة البقرة (مدنية) آية رقم 138. (5) في ب في الفعل. (6) الحديث أخرجه البخاري بلفظ: يا أبا بكر ما منعك أن تثبت إذا أمرتك، البخاري (صحيح البخاري بشرح (الفتح كتاب الأذان، باب من دخل ليؤم الناس فجاء الإمام الأول، فتأخر الأول أو لم يتأخر جازت صلاته حديث 684، ج 2 ص 196. (1) وهذا ما ذهب إليه الغزالي (المستصفى) ج 1 ص 411، وابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 1 ص 369، والزركشي وحكاه عن العبدري، الزركشي (البحر المحيط) ج 3 ص 263، وقال به السالمي (شرح طلعة الشمس) ج 1 ص 36، وحكاه الفخر الرازي (المحصول) ج 2 ص 17، والقرافي (نفائس الأصول) ج 3 ص 1123، عن جمهور الأشاعرة، وعزاه الصنعاني الى الفخر الرازي (اجابة السائل) ص 257، لكن الرازي صرح باشتراط الاستعلاء (المحصول) ج 2 ص 17. (1/229)
صفحة 230
***
فصول الأصول
***
إسحاق الشيرازي وابن الصباغ والسمعاني اعتبروا فيه العلو (1)، وأبو الحسين من المعتزلة والإمام الرازي والآمدي وابن الحاجب اعتبروا فيه الاستعلاء (2).
واعتبر أبو علي (3) وابنه أبو هاشم وهما معتزليان - زيادة على العلو إرادة الدلالة باللفظ على الطالب (4)، فإذا لم يرد به ذلك لا يكون أمرا، وعللا في ذلك بأن اللفظ يستعمل في غير الطلب كالتهديد ولا مميز بينهما سوى الإرادة. قلنا: استعماله في غير الطلب مجازي بخلاف الطلب، فلا حاجة إلى اعتبار إرادته. ويرد الأمر المعرف بما مر لستة (5) وعشرين معنى:
(1) وذهب إليه القاضي عبدالوهاب، ونقله في الملخص عن أهل اللغة. الزركشي (البحر المحيط) ج 3 ص 264، ونسبه الصنعاني إلى جماهير العلماء إجابة السائل) ص 275، واختاره القاضي أبو الطيب الطبري، ونقله ابن العارض المعتزلي عن أبي بكر الأنباري، واختاره سليم الرازي وأبو بكر الرازي وأبو الفضل ابن عبدان، الزركشي (البحر المحيط ج 3 ص 263، وعبد العزيز البخاري (كشف الاسرار) ج 1 ص 242، وعليه ابن عقيل وأكثر الحنابلة، ابن النجار (شرح الكوكب المنير) ج 3 ص 11، وينظر: ابو الحسين (المعتمد) ج 1 ص 43، الشيرازي أبو اسحاق (اللمع) ص 15، ابن السمعاني (قواطع الأدلة) ص 95، القرافي (شرح تنقيح المحلي) ج 1 ص 369، ابن السبكي (الإبهاج) ج 1 ص 6، لأسنوي (نهاية السول) ج 2 ص 235، الزركشي (البحر المحيط) ج 3 ص 264، ابن النجار (شرح الكوكب المنير) ج 3 ص 11، الصنعاني (اجابة السائل) ص 375.
(2) المحصول، ج 2 ص 17، الآمدي، الإحكام ج 2 ص 158 وهو قول البيضاوي المنهاج بشرح الابهاج ج 2 ص 6، وأبي الثناء اللامشي الماتريدي كتاب في أصول الفقه ص 84 وص 85، والارموي (التحصيل) ج 1 ص 264، وصدر الشريعة التنقيح بشرحي التوضيح) ج 1 ص 281، والطوفي (شرح مختصر الروضة) ج 2 ص 353، وأبي محمد الجوزي وابن مفلح وابن قاضي الجبل وابن النجار. ابن النجار (شرح الكوكب المنير) ج 2 ص 11، والشماخي (شرح مختصر العدل ص 16، ومحمد أمين سويد (تسهيل الحصول) ص 66، ونسبه الصنعاني الى جماهير أئمة الأصول اجابة السائل) ص 275، أبو الحسين (المعتمد) ج 1 ص 43، الرازي (المحصول) ج 2 ص 17، الامدي (الاحكام) ج 2 ص 158، ابن الحاجب مختصر المنتهى بشرح العضد) ج 2 ص 77. (3) أبو علي، محمد بن عبدالوهاب بن سلام الجبائي، ولد سنة 235 هـ، من أئمة المعتزلة له تفسير توفي سنة 303 هـ، ابن العماد (شذرات الذهب) ج 4 ص 18، الزركلي (الأعلام) ج 6 ص 256.
(4) أبو الحسين (المعتمد) ج 1 ص 43، ابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 1 ص 370، وقيل: يعتبر العلو والاستعلاء معا، قال به الصنعاني (إجابة السائل) ص 276، ونسبه الزركشي وابن النجار إلى ابن القشيري وهو قول للقاضي عبد الوهاب الزركشي (البحر المحيط) ج 3 ص 263، ابن النجار (شرح
الكوكب المنير) ج 3 ص 12.
(د) في 'ب' بستة. (1/230)
صفحة 231
231
***
فصول الأصول
***
أولها: الوجوب نحو: وَأَقِيمُوا الصَّلَوَةَ وَ أَتُوا الزَّكَوةَ} (1). ثانيها: الندب: نحو: {فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ. ثالثها: الإباحة: نحو: كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَتِ رابعها: التهديد: نحو: (اعْمَلُوا مَا شِنْتُمْ (4) خامسها: الإرشاد: نحو: {وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِن رِجَالِ بينه وبين الندب كون المصلحة هنا دنيوية وهناك أخروية. سادسها: إرادة الامتثال، كقول العطشان لغيره اسقني ماء. سابعها: الإذن، كقولك لطارق الباب: أدخل.
(Y),
، والفارق
ثامنها: التأديب، كقوله - - لصبي: كل مما يليك). تاسعها: الإنذار، نحو: وقُلْ تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ، والفارق بينه وبين التهديد ذكر الوعيد هنا والسكوت عنه هناك.
(7)
عاشرها: الامتنان، نحو: {كُلُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ)، ويفارق الإباحة بذكر النعمة الممتن بها.
الحادي عشر: الإكرام نحو: ادْخُلُوهَا بِسَلَم عَامِنِينَ الله (9) (10).
(1) القرآن الكريم سورة البقرة (مدنية) آية رقم 43. (2) القرآن الكريم سورة النور (مدنية) آية رقم 33. (3) القرآن الكريم سورة المؤمنون (مكية) آية رقم 51. (4) القرآن الكريم سورة فصلت (مكية) آية رقم 40. (2) القرآن الكريم سورة البقرة (مدنية) آية رقم 282. (6) الحديث أخرجه البخاري (صحيح البخاري كتاب الاطعمة، حديث 5376 ج 9 ص 431، ابن ماجة (سنن ابن ماجة) المعجم، الاطعمة، باب الأكل مما يليك، حديث 3273، ج 4 ص 15، والترمذي (سنن الترمذي) كتاب الأطعمة، باب ما جاء في التسمية على الطعام، حديث 1857 ج 4 ص 288، واللفظ له.
(1) القرآن الكريم سورة إبراهيم (مكية) آية رقم 30. (1) القرآن الكريم سورة البقرة (مدنية) آية رقم 172. (1) القرآن الكريم سورة الحجر (مدنية) آية رقم 46. (1/231)
صفحة 232
***
فصول الأصول
***
الثاني عشر: الإذلال والإهانة، نحو: كُونُوا قِرَدَةً خَسِنِينَ (1).
(2)
الثالث عشر: سرعة التكوين، نحو: كن فيكون (2)، والفارق بينه وبين الإيجاب كونه للمكلف هناك ولغيره هنا، إذ لا وجوب على غير مكلف. الرابع عشر: التعجيز، نحو: {فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّن مِثْلِهِ (3).
الخامس عشر: الإهانة، نحو: {ذُقْ إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ (4). السادس عشر: التسوية، نحو: فَاصْبِرُوا أَوْ لَا تَصْبِرُوا (5)، أي: الصبر
وعدمه سواء.
السابع عشر: الدعاء، نحو: و رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا (6).
الثامن عشر: التمني، كقولك: يا شباب، وقوله: ألا أيها الليل الطويل ألا أنجلي بصحيح وما الإصباح منك بأمثل (1) التاسع عشر: الاحتقار، نحو: {أَلْقُوا مَا أَنتُم مُّلْقُونَ (8)، لأن ملقاهم محتقر في جانب ملقى موسى - عليه السلام - العشرون: الخبر، نحو: إذا لم تستح فاصنع ما شئت، وعندي أن هذا داخل في
التهديد.
الحادي والعشرون: الإنعام، نحو: اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَى وَالِدَتِكَ)، وعندي انه داخل في الامتنان.
(1) القرآن الكريم سورة البقرة (مدنية) آية رقم 65. (2) القرآن الكريم سورة الأنعام (مكية) آية رقم 73.
(3) القرآن الكريم سورة البقرة (مدنية) آية رقم 23. (4) القرآن الكريم سورة الدخان (مكية) آية رقم 49. (5) القرآن الكريم سورة الطور (مكية) آية رقم 16. (6) القرآن الكريم سورة آل عمران (مدنية) آية رقم 8.
(1) البيت قاله امرئ القيس، البغدادي (خزانة الأدب) ج 2 ص 326، إميل بديع يعقوب (المعجم المفصل في
شرح شواهد اللغة العربية) ج 6 ص 467.
(8) القرآن الكريم سورة يونس (مكية) آية رقم 80. (1) القرآن الكريم سورة المائدة (مدنية) آية رقم 110. (1/232)
صفحة 233
233
***
فصول الأصول
***
الثاني والعشرون: التفويض، نحو: {فَأَقْضِ مَا أَنتَ قَاضٍ). الثالث والعشرون التعجب، نحو: أنظر كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ (2). الرابع والعشرون: التكذيب، نحو: {قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَنَةِ فَأَتْلُوهَا (3).
(9) 4
الخامس والعشرون: المشورة، نحو: فَانظُرْ مَاذَا تَرَى (4). السادس والعشرون: الاعتبار، نحو انظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ (3)، أهـ (3).
والله أعلم).
(1) القرآن الكريم سورة طه (مكية) آية رقم 72. (2) القرآن الكريم سورة الإسراء (مكية) آية رقم 48. (3) القرآن الكريم سورة آل عمران (مدنية) آية رقم 93. (4) القرآن الكريم سورة الصافات (مكية) آية رقم 102. (2) القرآن الكريم سورة الأنعام (مكية) آية رقم 99. (6) في ب انتهى.
(1) انظر معاني الأمر في: أبو الخطاب (التمهيد) ج 1 ص 129، الوارجلاني (العدل والإنصاف) ج 1 ص 52، الرازي (المحصول) ج 2 ص 39، الآمدي (الإحكام) ج 2 ص 160، الطوفي (شرح مختصر الروضة) ج 2 ص 354، البخاري كشف الاسرار ج 1 ص 254، ابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 1 ص 372. الزركشي (البحر المحيط) ج 3 ص 275. (1/233)
صفحة 234
***
فصول الأصول
***
الفصل التاسع والعشرون
في الكلام على الأمر في أي معانيه يكون حقيقة
وإذا علمت مما قررناه أن الأمر يرد لهذه المعاني كلها فاعلم أن علماء الأصول اختلفوا في أيها يكون حقيقة في حال وروده مجردا عن القرائن الصارفة له على اثني عشر (1) قولا فيما علمنا، وها نحن نذكرها على التوالي - إن شاء الله – ونعززها إلى قائليها في الأغلب: الأول: إن الأمر حقيقة في الوجوب فقط، وهو قول الجمهور من قومنا وأصحابنا، وعليه شيخنا السالمي – رحمه الله - من المتأخرين (2). الثاني: إنه حقيقة في الندب، لأن الندب هو المتيقن من قسمي الطلب، أي: والمتيقن مقدم على المشكوك، وهو قول أبي علي وأبي هاشم والقاضي عبد الجبار (3)، وهم من المعتزلة (4). الثالث: قال أبو منصور الماتريدي (5)، وهو من الحنفية: إنه موضوع للقدر المشترك بين الوجوب والندب، وهو الطلب، فاستعماله في كل منهما من حيث إنه
(6)
طلب استعمال حقيقي الرابع: إنه مشترك بينهما اشتراكا وضعيا، ولا أعرف قائله (7).
(1) قولا في أساقطة.
(2) ابن برهان (الوصول إلى (الأصول ج 1 ص 133، الطوفي (شرح مختصر الروضة) ج 2 ص 365، الزركشي (البحر المحيط) ج 3 ص 286، السالمي (شرح طلعة الشمس) ج 1 ص 38. (3) القاضي عبد الجبار، عبدالجبار بن أحمد بن عبد الجبار الهمذاني، قاض أصولي، كان شيخ المعتزلة في عصره، يلقب بقاضي القضاه، ولي القضاء بالري، من مؤلفاته: شرح الأصول الخمسة، والمغني في أبواب التوحيد، توفي سنة
415 هـ، البغدادي تاريخ بغداد ج 11 ص 113، الزركلي (الأعلام) ج 3 ص 273 (4) ونسب الآمدي هذا القول إلى كثير من المتكلمين وجماعة من الفقهاء، قال: وهو منقول عن الشافعي (الاحكام) ج 2 ص 162، وقال أبو الخطاب وأوما إليه الإمام أحمد بن حنبل أبو الخطاب (التمهيد) ج 1 ص 147. (2) أبو منصور الماتريدي، محمد بن محمد بن محمود الماتريدي، كان من كبار الحنفية، له كتاب التوحيد والمقالات، توفي سنة 333 هـ قلطوا بغا قاسم (تاج التراجم ص 201، ابن أبي الوفا (الجواهر المضية في
طبقات الحنفية) ج 3 ص 333 هـ الزركلي (الأعلام) ج 7 ص 19.
(6) ونسب إلى مشايخ سمرقند من الحنفية، ابن عبد الشكور (مسلم الثبوت) ج 1 ص 273. (7) ونسب إلى المرتضى من الشيعة، الرازي (المحصول) ج 2 ص 45.
234 (1/234)
صفحة 235
235
***
فصول الأصول
***
الخامس: يعزى للقاضي أبي بكر الباقلاني والغزالي والآمدي، وهو التوقف فيه، أي: لم يدروا أهو حقيقة في الوجوب أم فيهما معا (1).
السادس: إنه مشترك في الوجوب والندب والإباحة، ولم ينسب إلى قائله (2). السابع: إنه مشترك في هذه الثلاثة وفي التهديد، وينسب إلى الإمامية (3)، وهم فرقة من الشيعة (4).
الثامن: إنه للقدر المشترك بين الثلاثة المذكورة، أي: للإذن في الفعل (5). التاسع: قول عبد الجبار: إنه موضوع لإرادة الامتثال وتصدق الوجوب والندب. العاشر: إن أمر الله تعالى للوجوب وأمر للنبي - صلى الله عليه وسلم - المتبدأ منه للندب بخلاف الموافق لأمر الله والمبين له فهو للوجوب - أيضا - وهذا قول الأبهري وهو من
المالكية (6).
الحادي عشر: إنه مشترك بين الخمسة، وهي الوجوب والندب والإباحة والتهديد
والإرشاد.
الثاني عشر: إنه مشترك بين الأحكام الخمسة التي هي: الوجوب والتحريم والندب والإباحة والكراهية، فهذه اثنا عشر قولا، والجمهور على أنه حقيقة في الوجوب (1) ويعزى – أيضا – إلى ابن سريح وأبي الحسن الأشعري صدر الشريعة (التنقيح بشرحي التوضيح والتلويح) ج 1 ص 284، الآمدي (الإحكام) ج 2 ص 163.
(2) ابن عبدالشکور (مسلم الثبوت) ج 1 ص 373. (3) الإمامية: ويقال لها الاثنا عشرية لأنهم يؤمنون باثني عشر إماما متتابعين أولهم علي ابن أبي طالب وآخرهم محمد بن الحسن، كما تسمى بالجعفرية نسبة إلى جعفر الصادق، وكان من علماء المسلمين الكبار، وهم يقولون بعصمة الإمام، وأنه دون النبي، وفوق البشر، ويقولون بزواج المتعة والتقية. السبحاني، جعفر (بحوث في الملل والنحل) ج 6 ص 243، الأمين عبد الله (دراسات في الفرق والمذاهب القديمة والمعاصرة) ص 24، د. مصطفى الشكعة إسلام مذاهب) ص 169. (4) الذي وجدته في المحكم أن الأمر يقتضي الوجوب، الطباطبائي، محمد سعيد (المحكم في أصول الفقه)
ج 1 ص 261.
(د) ابن عبدالشكور (مسلم الثبوت) ج 1 ص 373. (6) المالكية، نسبة إلى الإمام مالك بن أنس الأصبحي، إمام دار الهجرة، وصاحب الموطأ والمدونة، ومن كبار علماء هذا المذهب أبو بكر ابن العربي وابن رشد وأبو الوليد الباجي، ومن أهم مؤلفاته، إحكام الفصول، وبداية المجتهد، الجامع لاحكام القرآن، الشهرستاني (الملل والنحل) ج 1 ص 80، شريف يحيى (معجم الفرق الإسلامية) ص 209. (1/235)
صفحة 236
***
فصول الأصول
***
مجاز في غيره كما تقدم، وهو مختار شيخنا السالمي (1) - رحمه الله تعالى (2). واختلفوا – أيضا – في هذه الحقيقة على ثلاث مذاهب: الأول: إنها حقيقة لغوية، وعليه أكثر الأشاعرة، وقيل: حقيقة شرعية (3)، وقيل: حقيقة عقلية (4).
جمع
والصحيح أنها حقيقة لغوية شرعية (5)، إذ لا أصر للعقل في الايجابات السمعية، واللغة نفسها لا تكفي في إثبات الأحكام الشرعية، وذلك لأن أهل الأوضاع اللغوية لا يعتبرون في أوضاعهم ترتب عقاب ونحوه على مخالفة الأوامر اللغوية، بل لا يعرفون ذلك أصلا، ولو اعتبروا في وضعهم لصيغة افعل أنها للطلب الجازم فإن مخالفة الطلب الجازم إنما يترتب عليها العقاب، وذلك مما يحكم فيه الشرع لا غيره، وعلى كل قول من الأقوال المذكورة من أنها حقيقة فيه فهي عند قائليه في غير ما ذكر مجاز. وإذا علمت مما ذكر فاعلم أن كل من قال: إن الأمر حقيقة في وجه من تلك الوجوه مجاز في غير ذلك الوجه قد اختلفوا هل يجب اعتقاد الوجوب في المطلوب (1) هو العلامة عبد الله بن حميد بن سلوم السالمي، من أئمة الاباضية، ولد سنة 1286 هـ، اخذ عنه غفير من علماء الاباضية منهم الشيخ عيسى بن صالح الحارثي، وعبد الله بن محمد الريامي من مؤلفاته تحفة الاعيان وطلعة الشمس ومشارق الانوار توفي سنة 1332 هـ. الزركلي (الاعلام) ج 4 ص 84، حجازي (دليل اعلام عمان) ص 112، السعدي ابن بركة وآراؤه الاصولية) ص 56. (2) انظر هذه الأقوال في الشاشي (أصول الشاشي) ص 120، أبو الحسين (المعتمد) ج 1 ص 50، ابن حزم (الأحكام) ج 3 ص 269، الشيرازي (التبصرة) ص 27، الجويني (البرهان) ج 1 ص 156، الغزالي (المستضفى) ج 1 ص 420، أبو الخطاب (التمهيد) ج 1 ص 145، الوارجلاني (العدل والإنصاف) ج 1 ص 53، الرازي (المحصول) ج 1 ص 247، الآمدي (الإحكام) ج 2 ص 162، ابن الحاجب (مختصر المنتهى بشرح العضد) ج 2 ص 79، الآرموي (التحصيل) ج 1 ص 274، الخبازي (المغني في أصول الفقه) ص 30، البخاري (كشف الأسرار) ج 1 ص 260، ابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 1 ص 375، الأسنوي (نهاية السول) ج 2 ص 251، الزركشي (البحر المحيط) ج 3 ص 286، التفتازاني (إجابة السائل) ص 278، ج 1 ص 284، ابن عبد لاشكور (مسلم الثبوت) ج 1 ص 373، (إجابة السائل) ص 278، الشوكاني (إرشاد الفحول ص 94، السالمي (شرح طلعة الشمس) ج 1 ص 38. (3) قال به الإمام الجويني، الجويني (البرهان) ج 1 ص 162 - 163، وابن حمدان الحنبلي الزحيلي، ونزيه حماد (شرح الكوكب المنير) ج 3 ص 40 هامش، وانظر: ابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 1 ص 375. (4) انظر المراجع السابقة.
الصنعاني
د. محمد
(5) لعل قصد المؤلف انها تكون حقيقة لغوية في اصل الوضع، ثم حقيقة شرعية في غرف الشرع، اذ معنى كونه - الأمر - حقيقة في الوجوب، أي يترتب على فعله الثواب وعلى تركه العقاب، فهو حقيقة لغوية باعتبار اصل الوضع، وحقيقة شرعية باعتبار عرف الشرع، والا فكيف يمكن ان يقال: بأنها حقيقة في كليهما في آن واحد.
236 (1/236)
صفحة 237
237
***
فصول الأصول
***
به قبل البحث عن القرائن الصارفة له عنه إلى غيره كاختلافهم في العام هل يجب التمسك بعمومه قبل البحث عن المخصص له؟.
والأصح عندنا وعند جمهور العلماء وجوب التمسك بالعام إن كان لا يعلم أن له مخصصا حتى يعلم (1)، وإن علم له مخصص وجب البحث عن ذلك المخصص، وامتنع الأخذ بالعام قبله، وكذلك صيغة الأمر عندهم إذا وردت مجردة عن القرائن حملت على الوجوب حتى تعلم القرينة الصارفة إلى غير الوجوب من ندب ونحوه. لكن اختلفوا في دلالة العام على عمومه، أي: على جميع أفراده هل هي دلالة قطعية أم ظنية؟ وعلى الأول أكثر علماء العراق من الحنفية، وعلى الثاني جمهور العلماء والمتكلمين، وهو مذهب الشافعي، والله أعلم (2)، ثم إنهم اختفلوا في الأمر إذا ورد بعد الحظر فقال الأكثر ونسب إلى الإمام الرازي: إنه يكون حقيقة في الإباحة (3) - هنا - لتبادرها إلى الذهن وغلبة استعماله فيها حينئذ، وغلبة الاستعمال مع التبادر علامة للحقيقة.
وقال القاضي أبو الطيب (4) والشيخ أبو اسحاق الشيرازي وأبو المظفر السمعاني أي: صيغة الأمر للوجوب حقيقة (5) كما لو وردت ابتداء،
والإمام الرازي: هي (1) ستأتي هذه المسألة في مباحث العام – إن شاء الله تعالى.
(2) ستأتي هذه المسألة في مباحث العام – إن شاء الله تعالى. (3) ونسبه أبو الحسين البصري إلى جل الفقهاء (المعتمد) ج 1 ص 75، والآمدي إلى الأكثر هم (الاحكام) ج 2 ص 198، و به جزم القفال الشاشي والخفاف، الزركشي (البحر المحيط) ج 3 ص 03 30، والكمال بن الهمام (التحرير بشرح التيسير) ج 1 ص 345، وأبو يعقوب الوراجلاني، الوارجلاني (أبو يعقوب، العدل والإنصاف) ج 1 ص 55، تنظر: ابن قدامة روضة الناظر) ج 2 ص 612، القرافي (شرح تنقيح الفصول) ص 139، ابن النجار (شرح الكوكب المنير) ج 3 ص 56، لكن في نسبه هذا القول إلى الفخر الرازي نظر فإن الإمام الرازي صرح بأنه للوجوب ثم استدل على ذلك، الرازي (المحصول) ج 2 ص 69. (4) أبو الطيب، طاهر بن عبد الله بن طاهر، من علماء الشافعية، ولد سنة 348، بطبرستان، وسمع بجرجان من أبي أحمد الغطريفي، وبغداد من أبي الحسن الدارقطني وموسى بن عرفة، وروى عن الخطيب البغدادي، وأبي إسحاق الشيرازي وغيرهما، توفي سنة 450 هـ، ابن السبكي (طبقات الشافعية) ج 4 ص 12، الزركلي (الأعلام) ج 3 ص 222.
(د) وهو مذهب المعتزلة، أبو الحسين (المعتمد) ج 1 ص 75، وقال به أبو يعلي، ابن النجار (شرح الكوكب المنير) ج 3 ص 58، وصدر الشريعة ونسبه أمير باد شاة (تيسير التحرير) ج 1 ص 346، والخبازي (المغني) ص 32، إلى عامة المتأخرين من الحنفية، وحكاه أبو حامد الإسفراييني عن أكثر الشافعية وكافة الفقهاء المتكلمين، الزركشي (البحر المحيط) ج 3 ص 302 - 302، وانظر: صدر الشريعة (التنقيح بشرحي التوضيح والتلويح) ج 1 ص 294، الشيرازي (التبصرة) ص 38، القرافي (شرح تنقيح الفصول) ص 139، السالمي (شرح طلعة الشمس) ج 1 ص 41. (1/237)
صفحة 238
***
فصول الأصول
***
وغلبة الاستعمال في الإباحة لا تدل على الحقيقة، فيها وهو مذهب شيخنا السالمي - رحمه الله تعالى - تبعا للبدر الشماخي (1) في ذلك، وهو من الأصحاب.
(2)
وتوقف إمام الحرمين ها هنا، فلم يحكم بإباحة ولا وجود، ومن ورود الأمر بعد الحظر في الإباحة نحو قوله تعالى: {وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَأَصْطَادُوا (3)، فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَوةُ فَانتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ له (4)، هو فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَ) (3) ومن ورودها في الوجوب بعد الحظر نحو: و فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ} (6)، وذلك لأن قتالهم فرض كفاية فهو واجب إذن فيه بعد الحظر الوارد في قوله تعالى: {لَا تُحِلُّوا شَعَبَرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَام له (7) وكذلك ورود النهي بعد الوجوب إنما هو للتحريم حقيقة (8) كما ستعرفه - إن شاء الله تعالى -. وقيل: هو للكرامة في مقابلة أن الأمر للإباحة (9)، وقيل: هو للإباحة نظرا إلى
(7)
(1) الذي ذهب إليه البدر الشماخي أنه للإباحة، فقد قال: وأما بعد الحظر فالحظر قرينة صارفة له عن الوجوب إلى الإباحة. الشماخي شرح مختصر العدل والإنصاف) ص 93. (2) وتوقف - أيضا - الأمدي (الإحكام) ج 2 ص 198، وابن القشيري، وحكاه سلمي الرازي عن المتكلمين. الزركشي (البحر المحيط) ج 3 ص 305، الجويني (البرهان) ج 1 ص 188، ابن النجار (شرح
الكوكب المنير) ج 3 ص 59. وذهب ابن حزم إلى التفصيل حيث قال: إن جاء نسخه بلفظ الأمر فهو فرض واجب فعله بعد أن كان حراما، وإن كان أتى فعلا لشيء تقدم فيه النهي فهو منتقل إلى الإباحة فقط. ابن حزم (الإحكام) ج 3 ص 333. وقيل: إنه للاستحباب، وحكاه الزركشي عن القاضي الحسين. الزركشي (البحر المحيط) ج 3 ص 305.
(3) القرآن الكريم سورة المائدة (مدنية) آية رقم 2. (4) القرآن الكريم سورة الجمعة (مدنية) آية رقم 10. (5) القرآن الكريم سورة البقرة (مدنية) آية رقم 222. (6) القرآن الكريم سورة التوبة (مدنية) آية رقم 5. (7) القرآن الكريم سورة المائدة (مدنية) آية رقم 2. (88) قال به أبو إسحاق الاسفراييني والقاضي أبو يعلي وابو الخطاب والحلواني والموفق ابن قدامة والطوفي والأكثر (ابن النجار: شرح الكوكب المنير ج 3 ص 64 وحكان ابن السبكي عن الجمهور (ابن السبكي، جمع الجوامع بشرح المحلي، ج 1 ص 379) (ابن النجار) شرح الكوكب المنير ج 3 ص 64، الجويني، البرهان، ج 1 ص 188، أمير باد شاه تيسير التحرير ج 1 ص 375.
(9) قال به أبو الفرج المقدسي، ابن النجار (شرح الكوكب المنير) ج 3 ص 65، وانظر: ابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 1 ص 378.
238 (1/238)
صفحة 239
239
***
فصول الأصول
***
أن النهي عن الشيء بعد وجوبه يرفع طلبه الجازم فيثبت التخيير فيه (1)، وقيل: هو لإسقاط الوجوب فقط، ويرجع الأمر إلى ما كان قبله من تحريم أو إباحة لكون الفعل مضرة أو منفعة (2).
وتوقف أمام الحرمين (3) هنا كما توقف في مسألة الأمر، فلم يحكم هنا بشيء
كما هناك والله أعلم.
(1) وهو مذهب ابن قدامة (روضة الناظر) ج 2 ص 615، والكمال بن الهمام (التحرير بشرح التيسير) ج 1 ص 375، وينظر: ابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 1 ص 379.
(2) ابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 1 ص 379.
(3) الجويني (البرهان) ج 1 ص 188، وانظر المسألة في القرافي (شرح تنقيح الفصول) ص 140، ابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 1 ص 379، الزركشي (البحر المحيط) ج 3 ص 309 - 310. (1/239)
صفحة 240
***
فصول الأصول
***
الفصل الثلاثون
في الأمر المجرد عن القيود والقرائن
إذا ورد الأم بشيء مجردا عن القيود والقرائن دل بوضعه على طلب الماهية، أي: على حقيقة ذلك الشيء المأمور به، ولا يفيد بوضعه تكرارا ولا وحدة، والمرة الواحدة ضرورية فيه، إذ لا توجد الماهية بأقل منها فيحمل عليها (1).
وقيل: يدل على المرة الواحدة (2)، وقال الأستاذ أبو إسحاق الإسفراييني وأبو حاتم القزويني (3) في طائفة من العلماء: إنه لا يدل بوضعه على التكرار مطلقا (4) ويحمل على المرة (5) بقرينة.
وقيل: وهو للتكرار إذا علق بشرط أو صفة (6)، فيتكرر بحسب تكرار المعلق به نحو: و وَإِن كُنتُمْ جُنَّبًا فَأَطَهَرُوا) (7)، والزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ
(7)
منْهُمَا مِائَة جلدة (8)، فإن الطهارة والجلد يتكرران بتكرر الجنابة والزنا.
(1) هو مذهب مختار الحنفية، الكمال التحرير بشرح التيسير) ج 1 ص 351، وحكاه ابن السمعاني عن أكثر الشافعية قواطع الأدلة) ص 115، وهو قول ابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 1 ص 279، ومحمد سعيد الطباطبائي (المحكم في أصول الفقه ج 1 ص 304، والكيا الطبري. الزركشي (البحر المحيط) ج 3 ص 312، وابن النجار (شرح الكوكب المنير) ج 3 ص 45، والسالمي (شرح طلعة الشمس) ج 1 ص 51. (2) وقال ابن فورك: إنه المذهب. واختاره ابن الصباغ. الزركشي (البحر المحيط) ج 3 ص 314، ونقله ابن مفلج عن أكثر العلماء والمتكلمين، ابن النجار (شرح) الكوكب المنير) ج 3 ص 44. (3) القزويني، علي بن عمر بن علي الكاتبي القزويني، ولد سنة 600 هـ، حكيم منطقي، من تلاميذ نصر الدين الطوسي، من مؤلفاته: الشمسية، وحكمة العين، والمفصل شرح المحصل، توفي سنة 675 هـ. الصفدي (الوافي بالوفيات) ج 21 ص 366، الزركلي (الأعلام) ج 4 ص 315. (4) ورواية عن الإمام أحمد وأكثر أصحابه، وذكر الأصفهاني أن العالمي نقله عن أكثر الشافعية. الزركشي (البحر المحيط) ج 3 ص 313، وانظر: ابن السمعاني قواطع الأدلة ص 115، الجويني (البرهان) ج 1 ص 164، ابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 1 ص 380، ابن النجار (شرح الكوكب
المنير) ج 3 ص 43.
(5) في ب زيادة الواحدة.
(6) نسب الخبازي (ص 34 - 35، والبزدوي أصول البزدوي بشرح البخاري) ج 1 ص 282، هذا القول
إلى بعض مشائخ الحنفية.
(7) القرآن الكريم سورة المائدة (مدنية) آية رقم 6. (8) القرآن الكريم سورة المائدة (مدنية) آية رقم 2.
240 (1/240)
صفحة 241
241
***
فصول الأصول
***
ويحمل المعلق المذكور على المرة الواحدة بقرينة دالة على المرة كما في أمر الحج المعلق بالاستطاعة، فإن لم يعلق الأمر فإنه للمرة.
ويحمل على التكرار بقرينة، وقيل: بالوقف عن المرة والتكرار)، ولكل واحد من أرباب هذه الأقوال احتجاجات وأدلة ولمن خالفهم فيها بحوث وأجوبة لا نطيل بذكرها لأن غرضنا الاختصار، وما قدمته لك أولا هو الصحيح عندنا، وعليه جل علماء المذهب وأكثر علماء الأصول من قومنا، والله أعلم. وكذلك لا يدل الأمر في نفسه على فور خلافا لقوم في قولهم: إن الأمر للفور، أي: المبادرة عقب وروده بالفعل ولا على التكرار (2) (3) خلافا لمن قال به وقيل: للفور أو العزم في الحال على الفعل بعد، وقيل: هو مشترك بين الفور والتراخي) (ه)، أي التأخير، والمبادرة بالفعل ممتثل.
(4)
(1) قال به الباقلاني. الزركشي البحر المحيط) ج 3 ص 315.
(2) كذا في النسختين، والصواب ولا تراخ، فإن مسألة المرة والتكرار قد مضت سابقا. (3) وقد قال بأن الأمر لا يدل على فور ولا تراخ، أبو الحسين البصري (المعتمد) ج 1 ص 98، والكمال ابن الهمام وقال امبر باددشاه: وهو الصحيح عند الحنفية (تيسير التحرير) ج 1 ص 356. وقال به محمد سعيد الطباطبائي. (المحكم في أصول الفقه ج 1 ص 310، وحكاه الزركشي عن جمهور الشافعية (البحر المحيط) ج 3 ص 328، وقال به الصنعاني وعزاه الى يحيى والمهدي والقرشي من الزيدية (اجابة السائل) ص 280، وهو قول الامام السالمي (شرح طلعة الشمس) ج 1 ص 51.
وممن قال: إن الأمر يقتضي الفور الإمام أحمد بن حنبل وأصحابه ابن النجار (شرح الكوكب المنير) ج 3 ص 48، والبغداديون المالكية. الباجي احكام الفصول ص 212، وابن بركة من الإباضية (كتاب الجامع) ج 2 ص 547، وابن حزم الظاهري (الإحكام) ج 3 ص 307، وحكاه كل من أبي علي الشاشي (أصول الشاشي) ص 132 - 135، والخبازي (المغني) ص 40 - 42، والبخاري (كشف الاسرار) ج 1 ص 520، عن أبي الحسن الكرخي، ونسبه الشيرازي إلى أبي حامد المروزي وأبي بكر الصيرفي (شرح اللمع) ج 1 ص 234، وعزاه الصنعاني إلى الهادي من الزيدية (اجابة السائل) ص 280، ونسبه كل من أبي الحسين البصري (المعتمد) ج 1 ص 111، وأبي اسحاق الشيرازي (شرح اللمع) ج 1 ص 234، وابن قدامة (روضة الناظر) ج 2 ص 623، والبيضاوي المنهاج بشرح نهاية السول) ج 2 ص 286، إلى أكثر الحنفية وفي هذه النسبة نظر، فإن أكثر الحنفية - حسب كلام أصحاب هذا المذهب – يقولون بأنه على التراخي (كشف الأسرار) ج 1 ص 520، وقال أمير بادشاه: وهو - أي يقتضي التراخي - الصحيح عند الحنفية (تيسير التحرير) ج 1 ص 356. (4) نسبة المطيعي إلى الباقلاني والسكاكي، وحكي عن أبي علي وأبي هشام وعبدالجبار، المطيعي (سلم الوصول) ج 2 ص 287، الزركشي (البحر المحيط) ج 3 ص 327. (د) صحح هذا القول الأصفهاني، وحكي عن الشريف المرتضى، الزركشي (البحر المحيط) ج 3 ص 330. (1/241)
صفحة 242
***
فصول الأصول
***
وقيل: لا بناء على أنه للتراخي (1)، ومنشأ هذا الخلاف، وهو استعمال الأمر في كلا الوجهين كالأمر بالإيمان استعمل في الفور، وكالأمر بالحج استعمل في التراخي، وإن كان التراخي فيه غير واجب فهل هو حقيقة فيهما؟ لأن الأصل في الاستعمال الحقيقة، أو حقيقة في أحدهما حذرا من الاشتراك؟ إلا أننا نعرفه أو هو على الفور لأنه على القول بالوقف أحوط، أو هو على التراخي، لأنه يسد عن الفور بخلاف العكس لا متناع التقديم، أو هو في القدر المشترك بينهما حذرا من الاشتراك والمجاز، وهو القول الأول، أي: لطلب الماهية من غير تعرض لوقت من فور أو تراخ أو غيرهما، وهو الراجح عندي، والله أعلم.
(1) الظاهر أنه لا فرق بين من قال: إن الأمر عن القرائن يفيد مجرد الطلب، وبين من قال: يفيد التراخي، وقال: علاء الدين البخاري في كشف الأسرار: ومعنى قولنا: على التراخي أنه يجوز تأخيره عنه، وليس معناه أنه يجب تأخيره عنه حتى لو أتى به فيه لا يعتد به، لأن هذا ليس مذهبا لأحد (كشف الاسرار) ج 1 ص 530، وقد عبر في كشف الأسرار بالتراخي بينما عبر في التحرير بلفظ مجرد الطلب. الكمال (التحرير بشرح التيسير) ج 1 ص 356، وقال ابن السمعاني: واعلم أن معنى قولنا إنه على التراخي، ليس معناه على أنه يؤخر عن أول أوقات الفعل، لكن معناه أنه ليس على التعجيل، ابن السمعاني (قواطع الأدلة) ص 130، الزركشي (البحر المحيط) ج 3 ص 329.
242 (1/242)
صفحة 243
243
***
فصول الأصول
***
(2)
الفصل الحادي والثلاثون
في الأمر المؤقت وقضائه
إذا ورد الأمر مؤقتا أي: محدود الوقت مقدرا ولم يؤت بالمأمورية في وقته ذلك، فإن الأمر يستلزم قضاء ذلك الشيء بعد خروج وقته، وذلك لإشعار الأمر بطلب استدراكه، لأن القصد منه الفعل وهو قول أبي بكر الرازي (1) من الحنفية والشيخ أبي إسحاق الشيرازي (2) من الشافعية وعبد الجبار من المعتزلة (3)، وهو الصحيح عندي لما قررته سابقا من أن المأمور لا يخرج من عهدة الأمر إلا بإيقاع ما أمر به ولو بعد وقته. وقال الأكثر (4): إن القضاء وجب بأمر جديد غير الأمر الأول الذي ثبت به الأداء (ه)، ودليلهم حديث الصحيحين من نسي الصلاة فليصلها إذا ذكرها (6)، وفي مسلم: إذا
(1) أبو بكر الرازي، أحمد بن علي الملقب بالجصاص، من علماء الحنفية، ولد سنة 305 هـ، وسكن بغداد تفقه على أبي الحسن الكرخي، وروى عن عبد الباقي بن قانع، من مؤلفاته: أحكام القرآن، وشرح مختصر الطحاوي، وشرح مختصر الكرخي، توفي سنة 370 هـ، ببغداد، عبدالقادر بن محمد بن أبي الوفاء (الجواهر المضيئة) ج 1 ص 220، ابن قلطو بغا (تاج التراجم) ص 17، الزركلي (الأعلام) ج 1 ص 171. (2) الذي صرح به الشيخ أبو اسحاق الشيرازي أن وجوب القضاء يكون بأمر ثان. الشيرازي (اللمع) ص 19 (التبصرة) ص 64.
(3) وقال الآمدي: وهو مذهب كثير من الفقهاء وأكثر الحنابلة (الاحكام) ج 2 ص 199، وحكاه صدر الشريعة عن عامة الأحناف التنقيح بشرحي التوضيح والتلويح ج 1 ص 310، وانظر: الخبازي (المغني) ص 53، الطوفي (شرح مختصر الروضة ج 2 ص 395، البخاري (كشف الأسرار) ج 1 ص 314 - 318، ابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 1 ص 382، ابن المرتضى (منهاج الوصول إلى معيار العقول) ص 271، ابن النجار (شرح الكوكب المنير) ج 3 ص 50.
(4) في 'ب' قال والأكثر. (5) قال الآمدي: وهو مذهب المحققين من أصحابنا والمعتزلة، ثم اختار - الآمدي - هذا القول (الاحكام) ج 2 ص 199، وذهب إليه ابن الحاجب (مختصر) المنتهي بشرح (العضد ج 2 ص 92، والشماخي (مختصر العدل) ص 17، والسالمي (شرح طلعة الشمس) ج 1 ص 45، وهو مذهب العراقيين، الخبازي (المغني) ص 35، البخاري (كشف الاسرار) ج 1 ص 314، وقال به الصنعاني ونسبه إلى الجمهور (اجابة السائل) ص 283، وانظر: ابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 1 ص 382، أبو الحسين (المعتمد) ج 1 ص 134، ابن المرتضي منهاج الوصول) ص 271.
(6) في مسلم: من نسي صلاة فليصلها إذا ذكرها ... مسلم (صحيح مسلم بشرح النووي) كتاب المساجد، باب قضاء الفائتة، ج 5 ص 198، وفي البخاري: من نسي صلاة فليصل إذا ذكرها البخاري (صحيح البخاري بشرح (الفتح كتاب مواقيت الصلاة، باب من نسي صلاة فليصل إذا ذكرها، حديث رقم 597، ج 2 ص 84. (1/243)
صفحة 244
***
فصول الأصول
***
(1)
رقد أحدكم عن الصلاة أو غفل عنها فليصلها إذا ذكرها (1)، وفي الجامع الصحيح " من نسي صلاة او نام عنها فليصلها إذا ذكره (3)، ووجه استدلالهم من الحديث في قوله: فليصلها، لأنه أمر جديد لاستدراك الفوائت، فلو كان القضاء مستفادا من الأمر الأول لما احتاج إلى أمر ثان، قلنا: لا دليل في الحديث على ذلك من الوجوه الآتية: الأول: أن الأمر - هنا - ورد دالا على أن استدراك المنسية والمنيم عنها بعد فوتهما إنما هو أداء لا قضاء، وكلامنا في القضاء، وذلك لما ورد في بعض الروايات زيادة فذلك وقتها، أي: وقت وجوبها كما هو مشهور في الفروع، ولذلك فرعوا عليه ثبوت الأذان والإقامة بخلاف الفاسدة والمتروكة عمدا فإنها تقضي بلا أذان ولا إقامة. الثاني: أن الأمر - هنا - ورد مزيلا للتردد والشبهة الحاصلة في النفوس من أن الفرض إذا خرج عن وقته هل يجب استدراكه بعد الإمكان على الفور أم هو موسع في أي وقت أتى به أجزى؟ فأخبرهم أنه يؤتى به على الفور، فلذلك قيده بالشرط في قوله: إذا ذكرها.
الثالث: أنه مؤكد للأمر الأول كيلا نظن أن الأمر معلق بالوقت: فيثبت بثبوته وينتفي بانتفائه، فأفادنا الأمر الثاني ان الأمر الأول باق بحاله بعد خروج الوقت فكأنه قال: إذا تعذر الإتيان بالمأمور به في الوقت المقدر له فأتوا به بعد وقته، ولا
تخرجون من عهدته بالامتثال
الرابع: أن القضاء لو لم يكن مستفادا من الأمر الأول أعني: الأمر بالأداء لما كان قضاء الصلاة المتروكة عمدا واجبا، إذ الحديث وارد في المنسية والمنيم عنها خاصة، لا يقال: إنها ملحقة بهما بطريق القياس، فإنه قياس مع وجود الفارق، لأن هاتين مقيدتان بوقتي الذكر والانتباه، ولا كذلك المتروكة، فلا يحد قضاؤها بوقت معلوم، والله تعالى (4) أعلم.
(1) مسلم (صحيح مسلم بشرح النووي) كتاب المساجد، باب قضاء الفائتة حديث رقم 316، ج 5 ص 199. (2) الجامع الصحيح للإمام الربيع بن حبيب بن عمر و الفراهيدي من أئمة القرن الأول الهجري، ولد بين سنة 70 و 80 هـ تتلمذ على أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة تلميذ الإمام جابر بن زيد، كما تتلمذ على أبي نوح صالح الدهان و ضمام بن السائب، توفي سنة 175، 180 هـ، وعدد أحاديث الجامع 1005 أحاديث.
الشماخي (كتاب السير) ج 1 ص 95، القنوبي، سعيد بن مبروك (الإمام الربيع مكانته ومسنده). (3) الربيع بن حبيب (الجامع الصحيح) كتاب الصلاة، باب في أوقات الصلاة حديث رقم 184، ص 49.
(4) تعالى ساقطة من ب.
244 (1/244)
صفحة 245
245
***
فصول الأصول
***
الفصل الثاني والثلاثون
(1)
في الأمر بالأمر بشيء
واختلفوا في أمر المخاطب بالأمر لغيره بشيء هل يكون امرا لذلك الغير بذلك الشيء أم لا؟ وذلك نحو قوله تعالى: {وَأمْر أَهْلَكَ بِالصَّلوة (2)، ذهب الأكثر إلى أن الأمر من المأمور ليس أمرا من الآمر، وإنما يكون أمرا من الأول بالقرائن الدالة على ذلك، فوجوب الصلاة على الأهل من الآية - هنا - إنما ثبت من قبل الله تعالى بدليل خارجي عنها، وذلك كقوله: من يطع الرسول فقد أطاع الله (3)، وَمَا النكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ (4)، ونحوها.
الأمراة
وقيل: هو أمر بذلك الشيء، لأن من قال لزيد – مثلا –: مر عمر ا يفعل كذا، وقال لعمرو: لا تفعل لكان نهيه هذا مناقضا للأمر الأول، ومن وجه آخر لو لم يكن (5) بالأمر بالشيء أمر (6) بذلك الشيء لما كانت هنالك فائدة تتعدى المأمور الأول، ولأن ابن عمر (7). حين طلق زوجته فأخبر عمر النبي - م - بذلك، فقال له: مره فليراجعها (8)، فلو لم يكن أمره - - - لعمر أمرا لابنه لما وجب على ابن عمر مراجعة زوجته، ولما عد عاصيا لأمره - صلى الله عليه وسلم - بترك المراجعة، ولأن غالب
(1) في ب بأمر.
(2) القرآن الكريم سورة طه (مكية) آية رقم 132. (3) ذهب إلى ذلك الغزالي (المستصفى) ج 2 ص 13، والآمدي (الاحكام) ج 2 ص 202، وابن الحاجب (مختصر المنتهى بشرح (العضد ج 2 ص 93، والقرافي (شرح تنقيح الفصول) ص 148، والزركشي (البحر المحيط) ج 3 ص 345، والشماخي (مختصر العدل) ص 18)، وابن النجار (شرح الكوكب المنير) ج 3 ص 66، وابن عبدالشكور (مسلم الثبوت بشرح الفواتح ج 1 ص 390، وحكاه الشوكاني (ارشاد الفحول) ص 107، والسالمي (شرح طلعة الشمس) ج 1 ص 58، عن الجمهور.
(4) القرآن الكريم سورة الحشر (مدنية) آية رقم 7.
(5) هو مذهب العبدري وابن الحاج، الزركشي (البحر المحيط) ج 3 ص 345.
(6) في 'ب' الآمر. (1) في 'ب' الآمر.
(1) ابن عمر: عبدالله بن الخطاب العدوي، ولد سنة 10 ق. هـ بمكة، كنيته أبو عبدالرحمن، صحابي نشأ في الإسلام، وهاجر إلى المدينة مع أبيه، وشهد فتح مكة، أفتى الناس في الإسلام ستين سنة، توفي سنة 73 هـ بمكة، ابن الأثير (أسد الغابة) ج 3 ص 340، ابن خلكان (وفيات الأعيان) ج 3 ص 28، ابن حجر (الإصابة) ج 4 ص 155، الزركلي (الأعلام) ج 4 ص 108. (1/245)
صفحة 246
246
***
فصول الأصول
***
الأحكام الشرعية تنبني على الوسائط بين الناس كالرسل والعمال الذين يبعثهم الأئمة والولاة والقضاة فيحتجون بهم على من خالف أمرهم، فلو لم يكن أمرهم للوسائط أمرا للمأمورين لما كانوا لهم حجة على من خالفهم.
قالوا: إنما ثبت ذلك وأمثاله بالقرائن العادية من أن الأكابر لا يباشرون الأعمال بأنفسهم بل بالرسل والوسائل، قلنا: إن المسألة مفروضة على تقدير صحة ثبوت، وصحة صدوره من الأمر الأول صحة قطعية أو ظنية لا مع الشك في صدقه)، فإنه لا قائل بوجوب امتثاله حينئذ، والله تعالى (2) أعلم.
الأم
في "ب" بصدقة. (2) تعالى ساقطة من "ب" (1/246)
صفحة 247
247
***
فصول الأصول
***
الفصل الثالث والثلاثون
في الكلام على الأمر العام هل يدخل فيه الأمر
واختلفوا في الأمر (1) بشيء إذا ورد لفظه عاما هل يدخل الآمر – بالمد - في مقتضي عموم أمره أم لا؟ وكالأمر حكم سائر المخاطبات في هذه المسألة، مثال الأمر قول السيد لعبده: أكرم من أحسن إليك، وقد احسن هو إليه هل يدخل في الإكرام ومثال الخبر قوله - صلى الله عليه وسلم -: من أفضى بيده إلى فرجه
انتقض وضوءه (2)، من قتل قتيلا فله سلبه (3) هل يدخل في هذا الحكم؟ والصحيح أن المخاطب داخل في مقتضى عموم خطابه ما لم تخرجه عنه قرينة دالة على أنه مقصود بذلك الخطاب وقيل: لا يدخل فيه (5)، لأنه يبعد أن يخاطب غيره ويريد بذلك الخطاب نفسه،
(1) في ب الآمر.
(4)
(2) هذا الحديث روي بألفاظ مختلفة منها: من مس ذكره فليتوضأ وضوء الصلاة ومنها: من مس فرجه فليعد الوضوء ومنها: إذا أفضى أحدكم بيده إلى فرجه، وليس بينهما ستر ولا حائل فليتوضأ، الزيلعي، عبدالله بن يوسف (نصب الراية) ج 1 ص 103 - 108، وقد أخرجه الإمام الربيع بلفظ: إذا مس أحدكم ذكره فليتوضأ، الربيع بن حبيب (الجامع الصحيح) كتاب الكهارة، باب ما يجب منه الوضوء حديث رقم
115، ص 60.
(3) أخرجه البخاري بلفظ: من قتل قتيلا له عليه بينة فله سلبه. البخاري (صحيح البخاري بشرح الفتح) كتاب فرض الخمس، باب من لم يخمس الأخماس، حديث رقم 3142، ج 6، ص 284، ومسلم (صحيح مسلم بشرح النووي كتاب الجهاد والسير، باب استحقاق القاتل سلب القتيل، حديث رقم 1751 ج 12 ص 302 - 303. (4) واختاره الامدي ونسبه إلى الأكثر (الاحكام) ج 2 ص 269، وابن الحاجب، وحكاه عن اكثر الاصوليين (مختصر المنتهي بشرح العضد ج 2 ص 127، والقرافي (شرح تنقيح الفصول) ص 221، والكمال بن الهمام، وحكاه عن اكثر العلماء (التحرير بشرح التيسير) ج 1 ص 256، والبدر الشماخي (مختصر العدل) ص 21، وابن النجار (شرح الكوكب المنير) ج 3 ص 252، والسالمي (شرح طلعة الشمس) ج 1 ص 19. (2) قال الطوفي: ومنعه قوم مطلقا (شرح مختصر الروضة) ج 2 ص 537، وروي عن الإمام أحمد أنه لا يدخل إلا بدليل، ابن النجار (شرح الكوكب المنير) ج 3 ص 253، وحكى - الطوفي – عن أبي الخطاب الحنبلي أنه يدخل في عموم خطابه إلا في الأمر محتجا بأن الإنسان لا يستدعي من نفسه، ولا يستعلي عليها (شرح مختصر الروضة) ج 2 ص 537، وقد ذكر أبو الخطاب أن هذا قول أكثر الفقهاء والمتكلمين (التعهيد) ج 1 ص 282، وذهب ابن السبكي إلى أن المتكلم يدخل في عموم خطابه، ذكر ذلك في باب الأمر، لكنه في باب العام ذهب إلى أن المخاطب يدخل في عموم خطابه، ذكر ذلك في باب الأمر، لكنه في باب العام ذهب إلى أن المخاطب يدخل في عموم خطابه إن كان خبرا لا أمرا (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 1 ص 384 - 429، وانظر: الشيرازي (التبصرة) ص 72. (1/247)
صفحة 248
***
فصول الأصول
***
أما إذا قامت قرينة على أنه غير مراد حمل الخطاب على مقتضى القرينة، وذلك كما إذا قال السيد لعبده: تصدق بهذا الدينار على من دخل داري أولا، وقد دخل هو أولا، فإنه لا يدخل في هذا الخطاب، فلا يستحق الصدقة، لأن قرينة الحال دالة على أن المقصود غيره.
واختلفوا - أيضا - في ما إذا ورد الأمر الشرعي بشيء هل تجوز النيابة عن المأمور
في ذلك المأمور به مطلقا أم لا؟
والأصح عندنا أنها تجوز في العبادات المالية كالزكاة ونحوها لا في البدنية كالحج والصلاة إلا لضرورة توجب ذلك، وعليه المعتزلة.
وقال جمهور قومنا: تجوز مطلقا مع استكمال شروطها إلا لمانع، ودليل المنع في البدنية هو أن الآمر بها إنما هو لقهر النفس وكسرها بذلك الفعل، والنيابة تنافي ذلك إلا لضرورة كما في الحج)، والله أعلم.
(1) ابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 1 ص 385، ابن قاسم الآيات البينات) ج 2 ص 309، د.
الزحيلي، وهبة (الفقه الإسلامي وأدلته) ج 3 ص 38.
248 (1/248)
صفحة 249
249
***
فصول الأصول
***
-
الفصل الرابع والثلاثون
في الأمر بشيء هل هو نهي عن ضده
واختلفوا – أيضا – في الأمر بشيء معين سواء كان أمر إيجاب أو ندب هل هو نهي عن ضده أم لا؟
فقال الشيخ أبو الحسن الأشعري والقاضي أبو بكر الباقلاني: إن الأمر بالشيء نهي عن ضده (1) كان الضد واحدا كضد السكون هو التحريك، أو أكثر من واحد كضد القيام هو القعود وغيره.
وقال عبد الجبار من المعتزلة وأبو الحسين والإمام الرازي والآمدي: إن الأمر بالشيء ما هو النهي عن ضده حقيقة (2)، وإنما هو متضمن للنهي، فالأمر بالسكون – مثلا - أي: طلبه متضمن النهي عن التحرك، أي طلب الكف عنه، ودليل القولين: أنه لما يتحقق المأمور به بدون الكف عن ضده كان طلبه طلبا للكف أو متضمنا لطلبه. وقال إمام الحرمين والغزالي: إن الأمر بالشيء لا هو النهي عنه ولا يتضمنه (3)، والملازمة في الدليل ممنوعة لجواز ان لا يحضر الضد حال الأمر، فلا يكون الكف به مطلوبا.
مذهب كثير من
(1) وقال به أبو يعقوب الوراجلاني، الوارجلاني (العدل والإنصاف) ج 1 ص 51، وقال ابن برهان، وهو العلماء (الوصول إلى الأصول) ج 1 ص 164، ونسبه الجويني إلى جمهور الشافعية (البرهان) ج 1 ص 179، وحكاه أبو الثناء اللامشي كتاب في أصول الفقه) ص 98، وعلاء الدين البخاري (كشف الأسرار) ج 2 ص 601، عن عامة الحنفية أصحاب الحديث وحكاه ابن النجار عن الحنابلة (شرح الكوكب المنير) ج 2 ص 52، والشوكاني عن الجمهور إرشاد الفحول) ص 101. وقال السرخسي (أصول السرخسي) ج 1 ص 94، كشف الأسرار) ج 2 ص 603، أنه يقتضي كراهة ضدة، وينظر: الأمدي (الاحكام) ج 2 ص 191.
(2) أبو الحسين (المعتمد) ج 1 ص 97، الفخر الرازي (المحصول) ج 2 ص 199، وعبارة الفخر: إن الأمر بالشيء دال على المنع من نقيضه بطريق الالتزام وعبر الآمدي عن ذلك بما يقارب تعبير الرازي. الآمدي (الإحكام) ج 2 ص 192، وممن قال بهذا القول القاضي أبو الطيب الطبري وأبو إسحاق الشيرازي. الشيرازي (التبصرة) ص 89، ونقله أبو حامد الاسفراييني عن أكثر الشافعية، وقال سليم الرازي: هو قول أكثر الفقهاء. الزركشي (البحر المحيط) ج 3 ص 354، وقال ابن السمعاني: هو قول عامة الفقهاء، واختاره أبو زيد الدبوسي وأبو منصور الماتريدي. ابن السمعاني (قواطع الأدلة) ص 203، وقال المازري وابن القشيري: إن القاضي الباقلاني مال إليه في آخر مصنفاته، الزركشي (البحر المحيط) ج 3 ص 354. (3) الجويني (البرهان) ج 1 ص 180، الغزالي (المستضفى) ج 1 ص 82، وقال به ابن الحاجب (مختصر المنتهى بشرح العضد) ج 2 ص 85. (1/249)
صفحة 250
***
فصول الأصول
***
وقال شيخنا السالمي: إن الأمر بالشيء وإن استلزم الكف عن ضده فذلك الاستلزام لا يكفي لجعل الأمر نهيا (1) والله أعلم.
عن
وقيل: أمر الوجوب يتضمن النهي دون أمر الندب، فلا يتضمن النهي. الضد)، لأن الضد فيه لا يخرج به عن أصله من الجواز بخلاف الضد في أمر الوجوب لاقتضائه الذم على الترك، والتضمن هنا هو الذي عبر عنه شيخنا السالمي بالاستلزام لاستلزام الكل للجزء (3).
وقد صرح تاج الدين السبكي أن الخلاف المقرر في المسألة إنما هو في الأمر النفسي، أما الأمر اللفظي فليس عين النهي اللفظي قطعا، ولا يتضمنه على الأصح، وقيل: يتضمنه على معنى أنه إذا قيل: اسكن – مثلا – فكأنه قيل: لا تتحرك – أيضا – لأنه لا يتحقق السكون بدون الكف عن التحرك (4)، انتهى وهذا مبني على وفق معتقده في إثبات الكلام النفسي، وأكثر أصحابنا لا يثبتون ذلك كالمعتزلة (5)، والله أعلم.
(1) السالمي (طلعة الشمس) ج 1 ص 56. (2) ذهب إلى البدر الشماخي (شرح مختصر (العدل) ص 99، السالمي (طلعة الشمس) ج 1 ص 56، ونسبه الزركشي إلى بعض المعتزلة، الزركشي (البحر المحيط) ج 3 ص 357. (3) انظر المسألة في أبو الحسين (المعتمد) ج 1 ص 97، الشيرازي (شرح اللمع) ج 1 ص 261، السرخسي (أصول السرخسي) ج 1 ص 94، ابن برهان الوصول إلى الأصول) ج 1 ص 164، الآمدي (الإحكام) ج 2 ص 191، ابن الحاجب مختصر المنتهى بشرح العضد) ج 2 ص 85، القرافي (شرح تنقيح الفصول) ص 135، الارموي (التحصيل) ج 1 ص 310، الطوفي (شرح مختصر الروضة) ج 2 ص 380، ابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 1 ص 385، الزركشي (البحر المحيط) ج 3 ص 352، التفتازاني التلويح على التوضيح) ج 1 ص 421، ابن المرتضى (منهاج الوصول) ص 260، الشماخي (شرح مختصر العدل والإنصاف) ص 98، ابن النجار (شرح الكوكب المنير) ج 3 ص 52، أمير باد شاه (تيسير التحرير) ج 1 ص 373، الشوكاني (إرشاد الفحول) ص 1، السالمي (طلعة الشمس) ج 1 ص 56.
(4) وهو مذهب الأشاعرة، ابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 1 ص 388، الإيجي (المواقف) ص 293، ابن قاسم الآيات البينات) ج 2 ص 310.
(د) السالمي (المشارق) ص 245، عبد الجبار (شرح الأصول الخمسة) ص 532.
250 (1/250)
صفحة 251
251
***
فصول الأصول
***
الفصل الخامس والثلاثون
في ورود الأمرين (1) بشيئين
إذا ورد أمر بعد أمر، وقد تراخى أحدهما عن ورود الأول، وكان المأمور به شيئين متماثلين او شيئين متخالفين، أو كان الأمران متعاقبين بدون تراخ لكن بشيئين غير متماثلين سواء - هنا - بعطف أو دون عطف نحو: اضرب زيدا وأعطه درهما، في العطف وغير العطف: اضرب زيدا أعطه درهما.
ففي هذه الأحوال الثاني منهما غير الأول، فيعمل بهما معا كل بمقتضاه، وإن كان الأمران متعاقبين بدون تراخ بشيئين متماثلين، ولا هناك مانع من التكرار في مقتضاهما كعادة أو غيرها، ووردوهما بدون حرف عطف، وذلك نحو: صل ركعتين صل ركعتين، ففي هذا الوجه خلاف، قيل: الثاني منها خلاف الأول، فيجب العمل بهما معا نظرا للتأسيس (2) لأنه الأصل (3)، وقيل: الثاني تأكيد للأول نظرا للظاهر (4)، وقيل: بالوقف عن التأسيس والتأكيد (ه)، لأن كلا منهما محتمل،
(1) في ب أمرين بدون ألف ولام. وكلاهما يمكن التعبير به.
(2) التأسيس: انشاء حكم غير الأول، والتأكيد تقوية الحكم المؤكد. (3) قال به أبو اسحاق الشيرازي (التبصرة) ص 50، وأبو عبدالله البصري والقاضي عبدالجبار، ابن المرتضى (منهاج الوصول) ص 274 - 275، والفخر الرازي (المحصول) ج 2 ص 151، والآمدي (الاحكام) ج 2 ص 206، والقاضي ابو يعلي، وابن عقيل، ابن النجار (شرح) الكوكب المنير) ج 3 ص 73، وابن المرتضى (منهاج الوصول) ص 274 - 275، والسالمي (شرح طلعة الشمس) ج 1 ص 60 - 61، وقال الباجي: يقتضي تكرار المأمور به عند جماعة شيوخنا، وهو الظاهر من مذهب مالك (احكام الفصول) ص 206، وينظر: الزركشي (البحر المحيط) ج 3 ص 322.
(4) قال بذلك الكمال بن الهمام التحرير بشرح التيسير) ج 1 ص 362، وابن عبدالشكور (مسلم الثبوت بشرح الفواتح ج 1 ص 391 - 392، ونسبه ابن فورك وابن الصباغ، الزركشي (البحر المحيط) ج 3 ص 321، والشيرازي (التبصرة) ص 50، إلى الصيرفي، وقال الزركشي: رأيت التصريح به في كتابه – أي كتاب الصيرفي - المسمى بالدلائل والأعلام وقال أبو منصور الماتريدي الحنفي: هو قول أصحابنا الزركشي (البحر المحيط) ج 3 ص 321، الكمال التحرير بشرح التيسير) ج 1 ص 362، ابن عبدالشکور (مسلم الثبوت بشرح الفواتح) ج 1 ص 391 - 392. (2) قال به أبو الحسين البصري (المعتمد) ج 1 ص 162، ونسبه الباجي إلى فورك (أحكام الفصول) ص 206، ونسبه أمير باد شاه إلى الصيرفي (تيسير التحرير) ج 1 ص 362، وعزاه د. عبدالحميد أبو زيد – محقق كتاب الوصول إلى الأصول - إلى الآمدي، ابن برهان الوصول إلى الأصول) ج 1 ص 161، هامش، لكن الآمدي - كما يظهر من سياق كلامه - أنه توقف في مسألة ما إذا اجتمع العاطف مع العادة، ورجح التأسيس في الباقي، الآمدي (الإحكام) ج 2 ص 205 - 207، الزركشي (البحر المحيط) ج 3 ص 322، هامش. (1/251)
صفحة 252
***
فصول الأصول
***
أي فيكون حكمهما حكم المجمل، وإن كان بينهما عاطف، فالتأسيس أرجح لظهور العاطف (1)، فيكون الثاني غير الأول، وقيل: التأكيد أرجح لأن متعلقهما واحد (2) وإن وردا بغير عطف فإن كان هناك مرجح من عادة ونحوها فيحمل الثاني على التأكيد لوجود المرجح، وذلك نحو اسقني ماء اسقني ماء، صل ركعتين صل ركعتين، فإن العادة تقتضي باكتفاء مريد الشرب، بمرة وكذلك رجوع الاسم معرفا بعد تنكيره تحكم العادة بتأكيده، وإن وجد العاطف ولم تكن قرينة عادية ترجح التأكيد، فإن الوقوف عنه أولى (3)، لأن العطف يعارض العادة، فكلا المعنيين محتمل، وذلك نحو: صل ركعتين صل ركعتين، وإن وجدت قرينة عقلية تمنع التكرار نحو اقتل زيدا اقتل زيدا (4)، أو شرعية نحو: اعتق عبدك (4) اعتق عبدك، فإن الثاني هنا - تأكيد للأول قطعا ولو مع وجود العطف، والله أعلم.
والكمال
(1) قال بذلك الباجي (أحكام الفصول ص 207، والفخر الرازي (المحصول) ج 2 ص 152، (التحرير بشرح التيسير) ج 1 ص 362، وابن النجار (شرح الكوكب المنير) ج 3 ص 75، والسالمي (شرح طلعة الشمس) ج 1 ص 61، وقال الرزكشي: وهذا الذي يجيء على قول اصحابنا (البحر المحيط) ج 3
ص 324، وذهب اليه الامدي فيما اذا اجتمع العاطف مع العادة الاحكام) ج 2 ص 207. (2) ابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 1 ص 389، الزركشي (البحر المحيط) ج 3 ص 324. (3) وهو مذهب الامدي (الاحكام) ج 3 ص 307، وابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) جا ص 389 - 390، وابن النجار (شرح الكوكب المنير) ج 3 ص 75.
(4) كذا في النسختين بدون حرف عطف، ولعل الصواب اثبات حرف العطف كما يفهم من سياق الكلام.
252 (1/252)
صفحة 253
253
***
فصول الأصول
***
الفصل السادس والثلاثون
في مبحث النهي
النهي: طلب الكف عن الفعل لا على جهة الدعاء، ولا يعتبر فيه علو، ولا استعلاء على الأصح بخلاف الأمر (1)، وحكمه الدوام على ذلك الكف ما لم يقيد بمرة ونحوها (2)، أما إذا قيد. مرة نحو: لا تسافر اليوم، فإن السفر في اليوم الواحد يقتضي مرة واحدة لا غير، كانت المرة هي المرادة منه، وقيل: إن السفر في القوم قد يمكن أن يتعدد مرات كما لو قال: لا تسافر اليوم إلى موضع كذا، وأمكن السفر إليه
في اليوم مرات، فلا يكون ذكر اليوم قيدا للمرة.
وقيل: يقتضي الدوام على الكف مطلقا (3) ويرد على وجهين: حقيقة ومجازا (4)، فالحقيقة نحو: لا تفعل، لا تشرب الخمر، لا تقربوا الزني، لَا تَقْرَبُوا الصَّلوةَ وَأَنتُم شكرى (ه) ونحوها، لأن هذه الصيغة موضوعة للنهي، فاستعمالها ما وضعت له حقيقة، وأما المجاز فنحو: نهيتكم عن كذا، وحُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الميتة)، حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَتُكُمْ)
في
((7)
ونحو ذلك.
(1) يوهم هذا الكلام من المصنف أن الأمر يعتبر فيه كلاهما أو أحدهما، لكنه ذكر في الفصل التاسع والعشرون عدم اعتبارهما - العلو والاستعلاء - أو اعتبار أحدهما حيث قال: ولا حاجة إلى اعتبار علو ولا إلى اعتبار استعلاء. وقد اعتبر الاستعلاء في النهي كل من الطوفي شرح مختصر الروضة) ج 2 ص 428، والكمال بن الهمام (التحرير بشرح التيسير) ج 1 ص 374، والشماخي (مختصر (العدل) ص 18 وابن عبدالشكور (مسلم الثبوت بشرح الفواتح ج 1 ص 395، والصنعاني (إجابة السائل) ص 391. (2) قال بذلك ابن الحاجب (مختصر المنتهى بشرح العضد) ج 2 ص 98 - 99، والصنعاني وحكاه عن الجمهور اجابة السائل) ص 291 - 293، وعزاه العضد إلى المحققين (شرح العضد على مختصر المنتهى) ج 3 ص 98 - 99، وحكاه ابن النجار عن اصحابه الحنابلة والاكثر (شرح الكوكب المنير) ج 3 ص 96، ونقل أبو حامد الإسفراييني الاجماع، الزركشي (البحر المحيط) ج 3 ص 370، لكن الآمدي (الاحكام) ج 2 ص 215، وابن الحاجب (مختصر المنتهى بشرح (العضد) ج 2 ص 98 - 99 حكيا الخلاف في المسألة، وممن قال بخلاف هذا القول الفخر الرازي (المحصول) ج 2 ص 281 - 282.
(3) ابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 1 ص 391.
(4) السالمي (شرح طلعة الشمس) ج 1 ص 66.
(د) القرآن الكريم سورة النساء (مدنية) آية رقم 43.
(1) القرآن الكريم سورة المائدة (مدنية) آية رقم 3.
(1) القرآن الكريم سورة النساء (مدنية) آية رقم 23. (1/253)
صفحة 254
***
فصول الأصول
***
فإن أمثال هذه الصيغ موضوعة للأخبار، فلذلك كان استعمالها في النهي مجازا، وترد صيغة على وجوه تارة للتحريم نحو: {وَلَا نَقْرَبُوا الزن (1)، وترد للكراهة وَلَا تَيَمَّمُوا الخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ كله (2)، وترد للإرشاد نحو لَا تَسْلُوا عَنْ، وترد لبيان العاقبة نحو: لو وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا
ـحوا
أَشْيَاءَ إِن تُبدَ لَكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَتَا بَلْ أَحْيَا (4)، أي: عاقبة الجهاد الحياة لا الموت، وترد للتقليل والاحتقار نحو: لَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ له (5) والمراد إنه حقير قليل فيما عند الله، وترد لليأس نحو: لا تعتذروا اليوم أي: ايئسوا من المعذرة فلا تنفعكم
والجمهور قال على أن النهي حقيقة في التحريم، وقيل: في الكراهة، وقيل: فيهما، وقيل: في أحدهما من غير تعيين (6)، أما إذا وردت صيغة النهي أي: طلب الكف عن الشيء على جهة الدعاء الله سبحانه وتعالى، فإنه يسمى دعاء لا نهيا
(1) القرآن الكريم سورة الإسراء (مكية) آية رقم 32. (2) القرآن الكريم سورة البقرة (مكية) آية رقم 267. (3) القرآن الكريم سورة المائدة (مدنية) آية رقم 101. (4) القرآن الكريم سورة آل عمران (مدنية) آية رقم 169. (د) القرآن الكريم سورة الحجر (مكية) آية رقم 88
(6) وترد صيغة النهي - أيضا - للتحذير نحو ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون آل عمران (102) والالتماس كقولك لمن هو مثلك: لا تفعل هذا، والتهديد كقولك لمن لا يطيع أمرك: لا تمتثل أمري، الوارجلاني (العدل والإنصاف) ج 1 ص 89، البخاري (كشف الأسرار ج 1 ص 524، الحافظ العلائي (تحقيق المراد في أن النهي يقتضي الفساد ص 272، الزركشي (البحر المحيط) ج 3 ص 368، ابن النجار (شرح
الكوكب المنير) ج 3 ص 78، ابن عبد الشكور (مسلم الثبوت بشرح الفواتح ج 1 ص 395. أحال جماعة من الأصوليين الخلاف في هذه المسألة على الخلاف في مقتضى الأمر من وجوب أو إباحة أو غيرهما منهم الوارجلاني (العدل والإنصاف ج 1 ص 89، والآمدي (الإحكام) ج 2 ص 215، الطوفي (شرح مختصر الروضة) ج 2 ص 428، والجزري (معراج المنهاج) ج 1 ص 339، وابن السبكي (الإبهاج) ج 2 ص 66.
وانظر المسألة في: الشاشي (أصول الشاشي) ص 168، الباجي (إحكام الفصول) ص 228، الرازي (المحصول) ج 2 ص 281، البخاري (كشف الأسرار) ج 1 ص 524 - 525، الحافظ العلائي (تحقيق المراد) ص 275، الزركشي (البحر المحيط) ج 3 ص 366، ابن النجار (شرح الكوكب المنير) ج 3 ص 93، أمير باد شاه (تيسير التحرير) ج 1 ص 375، الصنعاني إجابة السائل) ص 294، الأنصاري (فواتح الرحموت) ج 1 ص 396، السالمي (شرح طلعة الشمس) ج 1 ص 67.
254 (1/254)
صفحة 255
255
***
فصول الأصول
***
نحو: رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا (1)، وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا (2)، وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ (3)، فهو دعاء، وإن ورد بصيغة النهي فلا يسمى نهيا خلافا لمن أدرجه فيه تأدبا مع الله سبحانه وتعالى.
وقد يكون النهي عن أمر واحد، وهو ظاهر كما قررناه، وقد يكون عن متعدد جميعا كالحرام المخير نحو: لا تفعل هذا أو ذاك، فيكون عليه ترك أحدهما فقط، فلا يكون مخالفا إلا لفعلهما جميعا، لأن المحرم هنا جميعهما لا فعل أحدهما فقط. وقد يكون النهي عن متعدد فرقا، أي: على جهة الفرق كالنعلين نهي عن فرقهما، فهما تلبسان أو تنزعان معا، ولا يفرق بينهما بلبس إحداهما فقط أو نزع إحداهما فقط، فهو منهي عنه في حديث لا يمشين أحدكم في نعل واحدة، لينتعلهما جميعا ليخلعهما جميعا (4)، فيصدق أنهما منهي عنهما لبسا أو نزعا من جهة الفرق بينهما في ذلك لا من جهة الجمع فيه.
وقد يرد النهي عنهما جميعا كالزنى والسرقة فكل منهما منهي عنه، فيصدق بالنظر إليهما أن النهي عن متعدد، وإن كان يصدق بالنظر إلى كل منهما أنه عن واحد (ه)، والله تعالى أعلم.
(1) القرآن الكريم سورة آل عمران (مدنية) آية رقم 8. (2) القرآن الكريم سورة البقرة (مدنية) آية رقم 286. (3) نفس الآية السابقة 286.
(4) الحديث أخرجه الإمام الربيع (الجامع الصحيح) باب أدب المؤمن في نفسه، حديث رقم 717 ص 187 واللفظ له، والبخاري (صحيح البخاري شرح (الفتح كتاب اللباس، باب لا يمشى في نعل واحدة رقم الحديث 5855، ج 10، ص 322، ومسلم (صحيح مسلم بشرح النووي) كتاب اللباس، باب استحباب لبس النعل في اليمين أولا حديث رقم 2097، ج 14، ص 319. (2) انظر: ابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 1 ص 321، ابن النجار (شرح الكوكب المنير) ج 3 ص 98. (6) تعالى ساقطة من "ب". (1/255)
صفحة 256
***
فصول الأصول
***
الفصل السابع والثلاثون
هل يدل النهي على فساد المنهي عنه أم لا؟
واختلفوا في النهي عن الشيء هل يدل على فساده أم لا على مذاهب فذهب أبو حنيفة وأبو عبدالله البصري وأبو الحسن الكرخي وبعض أصحابنا إلى لا يدل على فساد المنهي عنه (1)، بمعنى أنه إذ نهينا عن فعل شيء فلا يدل هذا
أن النهي
النهي على فساد ذلك الشيء المنهي عنه بحيث لا يعتد بن أصلا. وتفرد أبو حنيفة بزيادة هي أن النهي عن الشيء يدل على صحة ذلك الشيء قائلا: إنه لا يتصور النهي عن الشيء إلا بعد وجود ما هيته صحيحة هكذ (2)، ومثل بصوم يوم النحر، فعنده أن صومه صحيح لكنه غير مقبول لما فيه من النهي عنه، وبنى على
كون صومه صحيحا كونه يجزي للنذر، ولا نطيل بذكر احتجاج الرادين عليه. وذهب أحمد والشافعية والظاهرية وكثير من أصحابنا إلى أن النهي يدل على فساد المنهي عنه (3)، وسوغ أبو يعقوب (4) - رحمه الله تعالى – كلا المذهبين (ه)،
(1) وحكاه أبو الحسين عن القاضي عبد الجبار، وحكى عنه أنه نسبه إلى المتكلمين أبو الحسين (المعتمد) ج 1 ص 171، وحكاه الشيرازي عن الشاشي من الشافعية (شرح اللمع) ج 1 ص 297، والفخر الرازي عن أكثر الفقهاء (المحصول بشرح النفائس) ج 4 ص 1686، وانظر: البخاري (كشف الأسرار) ج 2 ص 530، الحافظ العلائي (تحقيق المراد) ص 286، ابن السبكي (الإبهاج) ج 2 ص 69، الزركشي (البحر المحيط) ج 3 ص 385، السالمي (شرح طلعة الشمس) ج 1 ص 72. والمراد بالفاسد عند الحنفية هو: ما كان مشروعا بأصله غير مشروع بوصفه كعقد الربا، فإنه مشروع من حيث إنه بيع، وممنوع من حيث إنه عقد ربا، أما عند الجمهور فيطلق على مقابل الصحيح، وهو مرادف للباطل، البخاري (كشف الأسرار) ج 2 ص 530، الحافظ العلائي تحقيق المراد) ص 282. (2) وحكاه البخاري عن أصحابه الحنفية، قال: فذهب أصحابنا إلى أنه يدل على الصحة. البخاري (كشف الأسرار) ج 2 ص 530، وانظر: السرخسي أصول السرخسي) ج 1 ص 81. (3) الشيرازي (شرح اللمع ج 1 ص 297، الغزالي (المستصفى) ج 1 ص 25، الرازي (المحصول بشرح النفائس) ج 4 ص 1686، ابن قدامة (روضة الناظر) ج 2 ص 652، ابن السبكي (الإبهاج) ج 2 ص 68 الزركشي (البحر المحيط) ج 3 ص 384، ابن النجار (شرح الكوكب المنير) ج 3 ص 84، ص 92،
السالمي (شرح طلعة الشمس) ج 1 ص 73.
(4) أبو يعقوب يوسف بن إبراهيم بن مياد الوارجلاني، من كبار الإباضية وأئمتهم، من أهل وارجلان، ورحل إلى الأندلس، من مؤلفاته: العدل والإنصاف، والدليل والبرهان؟، ومرج البحرين، توفي سنة 570 هـ، الشماخي (كتاب السير) ج 2 ص 105، الزركلي (الأعلام) ج 8 ص 212.
(د) الوارجلاني، أبو يعقوب (العدل والإنصاف) ج 1 ص 90.
"
256 (1/256)
صفحة 257
257
***
فصول الأصول
***
ومن حجة هؤلاء أن العلماء لم تزل على الفساد بالنهي عن الربويات والأنكحة وغيرها، وبأن الأمر يقتضي الإجزاء، والنهي نقيض الأمر فيقتضي نقيض الإجزاء،
وهو الفساد.
وذهب الغزالي والفخر الرازي وأبو الحسن إلى أن النهي يدل على فساد المنهي عنه في العبادات دون المعاملات، ودلالته على ذلك شرعية (1) لا لغوية، لأن الفساد حكم شرعي لا تعقله العرب، فلا يصح أن يكون مقصودا لها في وضع النهي. وأما الشرع فلا إشكال في صحة قصده.
وذهب قوم إلى أن النهي إن كان لذاته كالكفر وبيع الحر وأكل الميتة ونحوها دل على فساد المنهي عنه، وإن كان لصفة عارضة على المنهي عنه فلا يدل على فساده (2)، وذلك كوطئ الحائض، وصوم يوم النحر، والصلاة في الأرض المغصوبة فلا يدل ها هنا على فساد المنهي عنه. أما في الأول: فلأن وطء الزوجة مباح في الأصل، وإنما نهي عنه لعارض زائد على الأصل وهو وجود الحيض. وأما الثاني: فلأن الصوم مباح في الأصل بل مندوب إليه، وإنما نهي عنه يوم النحر – مثلا – لكون ذلك اليوم فيه ضيافة الله سبحانه وتعالى لعباده بالأكل من نسكهم، فهذه صفة عارضة على اليوم، فلا يدل النهي على فساده. وأما الثالث: فلأن الصلاة في الأصل مباحة مامور بها في مطلق الأرض الطاهرة، وإننما نهي عنها في الأرض المغصوبة لما عرض عليها من صفة زائدة على الأصل، وهو الاغتصاب من مالكها، وكذلك الوضوء بالماء المغصوب أو الإناء المغصوب على هذا النحو، ولا نعلم لهم دليلا على هذا التفصيل، ولا سيما حيث يقتضي النهي تحريما في الطرفين، فهو ترجيح بلا مرجح.
وقال الغزالي والإمام الرازي: يدل النهي على فساد المنهي عنه في العبادات دون
(1) وحكاه ابن الصباغ عن متأخري الشافعية، الزركشي (البحر المحيط) ج 3 ص 386، أبو الحسين (المعتمد) ج 1 ص 171، الغزالي (المستصفى) ج 1 ص 25، الرازي (المحصول بشرح النفائس) ج 3 ص 1686، الحافظ العلائي (تحقيق المراد) ص 286. (2) حكاه أبو إسحاق الشيرازي عن بعض الشافعية، الشيرازي (شرح اللمع ج 1 ص 297، ابن السبكي (الإبهاج) ج 2 ص 69. (1/257)
صفحة 258
***
فصول الأصول
***
(1)
المعاملات، ففساد المعاملات باختلال ركن أو شرط عرف من خارج النهي (1). قال المحلي: ولا نسلم أن الأولين استدلوا بمجرد النهي على فساد العبادات دون غيرها ففسادها من خارج أيضا (2). وقال الإمام أحمد: مطلق النهي يفيد الفساد مطلق (3)، أي: سواء كان لخارج أم لم يكن، لأن ذلك مقتضاه، فسواء كان في العبادات أو في غيرها، وها هنا مذاهب غير ما ذكرنا أغرضنا عن ذكرها اختصارا.
والصحيح ما قدمناه أنه لا يدل على فساد المنهي عنه من حيث وضعه هكذا إلا
بدليل خارجي، والله تعالى أعلم).
(1) الغزالي (المستضفى) ج 2 ص 25، الرازي (المحصول بشرح النفائس) ج 4 ص 1688. (2) المحلي (شرح) المحلي على جمع الجوامع) ج 1 ص 395.
(3) ابن النجار (شرح الكوكب المنير) ج 3 ص 93 - 94، المحلي (شرح المحلي على جمع الجوامع) ج 1 ص 395. (4) انظر المسألة بتفاصيلها وأدلتها ومناقشاتها في: الحافظ العلائي تحقيق المراد في أن النهي يقتضي الفساد).
258 (1/258)
صفحة 259
259
***
فصول الأصول
***
العام هو
مبحث العام
الفصل الثامن والثلاثون
في الكلام على تعريفه ودلالته
: اللفظ المستغرق لجميع ما يتناوله دفعة واحدة من غير حصر. فخرج النكرة في. حيز الإثبات مفردة أو مثناة أو مجموعة، فإنها تتناول مدلولاتها على سبيل البدلية لا على سبيل الاستغراق نحو: أكرم رجلا، وتصدر بخمسة دراهم، وخرج بقولنا: من غير حصر اسم العدد من حيث الآحاد، فإنه يستغرقها بحصر كعشرة، ومثله النكرة المثناة من حيث الآحاد كرجلين.
ومن العام اللفظ المستعمل في حقيقتيه، أو حقيقته ومجازه، أو في مجازيه على القول بصحة ذلك، ويدخل هذا في الحد كما يدخل المشترك المستعمل في أفراد معنى واحد، لأنه مع قرينة الواحد لا يصلح لغيره.
والصحيح أن الصورة النادرة وغير المقصودة ولو كانت غير نادرة من صور العام تدخلان تحت العام في شمول الحكم لهما نظرا للعموم (1)، وقيل: لا تدخلان تحته نظرا للمقصود (2)، مثال الصورة النادرة الفيل كما في حديث أبي داود: لا سبق إلا في خف أو حافر أو نصل (3)، فإن الفيل ذو حف، والمسابقة عليه نادرة، والأصح جوازها عليه، ومثال الصورة الغير المقصودة وتدرك بالقرينة كما لو وكل أحدا بشراء عبيد فلان، وفيهم من يعتق عليه بدخوله في ملكه، ولم يعلم به فالصحيح صحة شرائه (4)، كما لو وكله بشراء عبد فاشترى ما يعتق عليه، وإن قامت قرينة على قصد الصورة النادرة دخلت قطعا بلا خلاف، أو قامت قرينة على قصد انتفاء صورة لم تدخل قطعا.
(1) هذا معنى كلام ابن السبكي والجلال المحلي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 1 ص 400. (2) حكي عن الجويني أن الصورة النادرة لا تدخل تحت العموم، وأما الصورة غير المقصودة فقد حكي عن متقدمي الشافعية، أنها لا تدخل، وعن أكثر متأخريهم أنها تدخل. الزركشي (البحر المحيط) ج 4 ص 73 - 76، ابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 1 ص 400. (3) الحديث أخرجه أبو داود (سنن أبي داود كتاب الجهاد، باب في السبق، حديث 2574، ج 3 ص 29، واللفظ له وابن ماجة (سنن ابن ماجة) المعجم، الجهاد، باب السبق والرهان، حديث 2878، ج 3 ص 400، والحديث صحيح، الالباني (ارواء الغليل) ج ه ص 333. (4) في النسختين شراءه والصواب شرائه، لأن الهمزة إذا كانت مكسورة - مجرورة - فأنها تكتب على الكرسي. (1/259)
صفحة 260
***
فصول الأصول
***
ويدخل في العام الجمع المعرف، واسم الجنس المعرف سواء كان التعريف فيها بأل نحو: وَقَيلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَةَ (1)، وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَتُ بعضُهُمْ أَوْلِيَاء بعض (2)، ونحو: {وَالسَّارِقُ وَالسَارِقَة (3)، أو كان بإضافة نحو: وَرَب بُكُمُ الَّتِي فِي حُجُورِكُم (4)، فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ} () وذلك اذا كانت ال فيهما غير عهدية، فأما إن كانت عهدية خرجا عن حكم العموم كقولك: رأيت رجالا فأكرمت الرجال، ورأيت رجلا فضربت الرجل، فلا عموم فيهما.
واعلم أن دلالة العام على أقل ما يصدق عليه قطعية، وهو الثلاثة في الجمع لأنها هي أدناه، والواحد في اسم الجنس لأنه هو أقل ما يصدق عليه، ودلالته على كل فرد من أفراده ظنية لأنه محتمل للتخصيص (6)، وعموم الأشخاص، قال السبكي:
(1) القرآن الكريم سورة التوبة (مدنية) آية رقم 36.
(2) القرآن الكريم سورة التوبة (مدنية) آية رقم 71. (3) القرآن الكريم سورة المائدة (مدنية آية رقم 38. والآية والسارق والسارقة.
(4) القرآن الكريم سورة النساء (مدنية) آية رقم 23.
(د) القرآن الكريم سورة النور (مدنية) آية رقم 63.
(6) هذا قول المالكية والإباضية والحنابلة، والمشهور عند الشافعية، ابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 1 ص 407، الزركشي (البحر المحيط) ج 4 ص 35، الزنجاني (تخريج الفروع على الأصول) ص 326، ابن النجار (شرح الكوكب المنير) ج 3 ص 114، السالمي (شرح طلعة الشمس) ج 1 ص 115. وذهب جمهور الحنفية إلى أن دلالته قطعية، السرخسي (أصول السرخسي) ج 1 ص 132، الخبازي (المغني) ص 99، البخاري (كشف الأسرار) ج 1 ص 587. وقيل بالوقف، وقال السرخسي: قال بعض المتأخرين ممن لا سلف لهم في القرون الثلاثة: حكمه الوقف فيه السرخسي (أصول السرخسي) ج 1 ص 132، ونسبه الخبازي إلى بعض الفقهاء، الخبازي (المغني) ص 99. ولكل فريق حجج فمما احتج به الحنفية:
الله
أ - أن الصيغة إذا وضعت لمعنى فإن ذلك المعنى لازم لتلك الصيغة حتى يقوم دليل بخلافه. ب ـ أن الاحتجاج بالعمومات اشتهر عن عامة الصحابة - و - في الوقائع من غير نكير من أحد، منها إثبات الإرث لفاطمة - - استنادا إلى قوله تعالى: يوصيكم الله في أولادكم (النساء 11) لكن أبا بكر - راه - نثل حديث نحن معاشر الأنبياء لا نورث ما تركناه صدقة. السرخسي (اصول السرخسي)
ج 1 ص 136، الخبازي (المغني) ص 99، البخاري (كشف الاسرار) ج 1 ص 608 - 612. وأما الجمهور فاحتجوا بكثرة تخصيص العمومات حتى شاع أنه ما من عموم إلا وقد خصص إلا الشيء اليسير، وهذه قرينة صارفة عن القول بالقطع إلى الظن، فتكون دلالته ظنية، المحلي، (شرح المحلي على جمع الجوامع) ج 1 ص 407، ابن النجار (شرح الكوكب المنير) ج 3 ص 115، د. هبة الزحيلي (أصول الفقه الإسلامي) ج 1 ص 251.
260 (1/260)
صفحة 261
261
***
فصول الأصول
***
يستلزم عموم الأحوال والأزمنة والأمكنة، لأنها لا غنى للأشخاص عنها، فقوله تعالى: الزانية والزاني (1) فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَة (2) معناه: على أي حال كان، وفي أي زمان ومكان، وخص منه المحصن، فعليه (3) الرجم، وكذلك قوله: وَلَا تَقْرَبُوا الزِنَى (4) وقوله: {فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ (5) على أي حال وفي أي
مكان وزمان.
(E),
وخص من هذا العموم أهل الذمة، قلت: وهذا لا يناسب المقام، لأن عموم الأحوال والأزمنة والأمكنة لا يفيد تكرار الحكم ولا يؤثر فيه شيئا، فتكرر جلد الزاني - مثلا - إذا تكرر منه الزنى لم يثبت بتكرر الأزمنة والأمكنة، وإنما يثبت بدليل آخر، وهو الأمر الوارد فيه بالجلد هل حقيقته التكرار أو المرة الواحدة؟ فلا يتكرر إلا بدليل خارج عن صيغة الأمر على الخلاف الذي مر هناك، فتأمل.
(1) في ب الزاني والزانية.
(2) القرآن الكريم سورة النور (مدنية) آية رقم 2.
(3) في ب فعليها.
(4) القرآن الكريم سورة الإسراء (مكية) آية رقم 32. (د) القرآن الكريم سورة التوبة (مدنية) آية رقم 5. (1/261)
صفحة 262
***
فصول الأصول
الفصل التاسع والثلاثون
الألفاظ الدالة على العموم
***
من صيغ العموم كل وقد تقدم الكلام عليها (1)، والذي والتي نحو: أكرم الذي يأتيك والتي تأتيك، أي: كل آت وآتية لك، وأي الشرطية، نحو: أيا تكرم أكرم، والاستفهامية، نحو: أي الرجال أكمل، والموصولة نحو: أكرم أي القوم شئت، أي: من شئت منهم.
ومن صيغ العموم ما الشرطية نحو: {وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمَهُ اللهُ اله)) والاستفهامية نحو مَا يَفْعَلُ اللهُ بِعَذَابِكُم (3)، والموصولة نحو: {فَانكِراما طَابَ لَكُم (4)، وهي موضوعة لصفات العقلاء، وذوات غيرهم (ه)، ومنها متى، وهي للزمان استفهامية أو شرطية، مثال الاستفهامية متى يجيء زيد، ومثال الشرطية متى جئتني أكرمتك، ومنها أين وحيثما وهما لعموم المكان شرطيتين نحو أين كنت أتك، وحيثما كنت آتك أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِككُمُ الْمَوْتُ ك (6)، وتزيد أين بالاستفهامية نحو أين المسجد، ومنها من الاستفهامية نحو من أكرمك؟ والشرطية نحو من تكرم اكرم، والموصولة نحو أكرمت من أكرمت، ومنها جميع نحو جميع القوم جاءوا (7)، ومنها النكرة في سياق النفي هي للعموم وضعا، فتدل عليه بالمطابقة، لأن الحكم في العام على كل فرد مطابقته.
(1) انظر مباحث الحروف. (2) القرآن الكريم سورة البقرة (مدنية) آية رقم 197. (3) القرآن الكريم سورة النساء (مدنية) آية رقم 147.
(4) القرآن الكريم سورة النساء (مدنية) آية رقم 3.
(ه) ذهب الإمام السالمي إلى أن من وما الموصلتين مترددتان بين الخصوص والعموم، فقولك: أكرمت من جائني، وقرأت ما تيسر لي، للخصول، وقولك: أكرم من جاءك، واقرأ ما تيسر لك، للعموم، فلا يدلان على واحد منهما دون الآخر إلا بقرينة (شرح طلعة الشمس) ج 1 ص 90، وكذا الظاهر من كلام الآمدي أنها ليست عامة حيث ذكر عموم من وما في الشرط والاستفهام، ولم يذكر الموصولة (الاحكام) ج 2 ص 230، وقد ذكر صدر الشريعة أن من تكون عامة في الشرط، ومثل لوقوعها للخصوص بالموصولة في قوله تعالى: ومنهم من
يستمعون إليك (يونس: (42) صدر الشريعة التنقيح بشرحي التوضيح والتلويح) ج 1 ص 102. (6) القرآن الكريم سورة النساء (مدنية) آية رقم 78 (7) قال ابن السبكي، ولا أدري كيف يستفاد العموم من لفظة جميع، فإنها لا تضاف إلا إلى معرفة، تقول: جميع القوم، وجميع قومك، ولا تقول: جميع قوم، ومع التعريف بالألف واللام، أو الإضافة يكون العموم مستفادا منهما لا من لفظة جميع، ابن السبكي (الإبهاج) ج 2 ص 93، وانظر: المحلي (شرح المحلي على جمع الجوامع ج 1 ص 409، وهو كلام حسن.
262 (1/262)
صفحة 263
263
***
فصول الأصول
***
وقيل: تدل عليه التزاما، وهو قول الحنفية) نظرا إلى أن النفي أولا للماهية، ويلزمه نفي كل فرد، فيؤثر التخصيص بالنية على الأول دون الثاني، وحكمها حكم النص إن بنيت على الفتح نحو لا رجل في الدار، وحكم الظاهر إن لم تبن نحو ما في الدار رجل، فيحتمل نفي الواحد فقط، وإذا وردت فيها زيادة من الجارة كانت نصا – أيضا – كما تقدم في الحروف أن من تأتي لتنصيص العموم). قال إمام الحرمين: والنكرة في سياق الشرط للعموم نحو من يأتيني بمال أجازه، فلا يختص بصنف واحد من المال (3)، قيل: مراده العموم البدلي لا الشمولي (4) (5). قال المحلي: وقد تكون للشمولي نحو وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرُهُ كه. أي: كل واحد منهم، وقد يكون اللفظ عاما في العرف كالفحوى، أي: مفهوم الموافقة بقسميه الأولى والمساوي على قول تقدم في موضعه نحو: و فَلَا تَقُل لَّهُمَا أَن، وإِنَّ اللَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ اليَتى)، قبل نقلهما العرف إلى جميع ما يقع به الأذى والمتلف، وكذلك قوله تعالى: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَتُكُمْ (10) نقله العرف من تحريم ذواتهن إلى تحريم أنواع الاستمتاع بأجمعها المقصودة من النساء من الوطء ومقدماته (11). (1) ونسبه ابن السبكي إلى والده. ابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 1 ص 413، البخاري (كشف الأسرار ج 2 ص 24 - 259، ابن النجار (شرح الكوكب المنير) ج 3 ص 137 - 138.
(2) انظر مباحث الحروف. (3) الجويني (البرهان) ج 1 ص 232.
(1.)
(4) قال ذلك ابن السبكي وصححه، ابن السبكي (الإبهاج) ج 2 ص 106. وممن قال بعموم النكرة في سياق الشرط الأبياري، الإسنوي (نهاية السول) ج 2 ص 336، وابن النجار (شرح الكوكب المنير) ج 3 ص 141. (د) الفرق بين العموم الشمولي والبدلي أن عموم الشمولي كلي يحكم فيه على كل فرد فرد، وعموم البدلي كلي من حيث إنه لا يمنع تصور مفهومه من وقوع الشركة فيه، ولكن لا يحكم على كل فرد فرد بل على فرد شائع في أفراد يتناولها على سبيل البدل، ولا يتناول أكثر من واحد منها دفعة، الشوكاني (إرشاد الفحول) ص 114 - 115.
(1) القرآن الكريم سورة التوبة (مدنية) آية رقم 6.
(1) الآمدي (الإحكام) ج 2 ص 276، الشوكاني (إرشاد الفحول) ص 131.
(ن) القرآن الكريم سورة الإسراء (مكية) آية رقم 23.
(9) القرآن الكريم سورة النساء (مدنية) آية رقم 10.
(10) القرآن الكريم سورة النساء (مدنية) آية رقم 23.
(11) المحلي (شرح المحلي على جمع الجوامع) ج 1 ص 414 - 415. (1/263)
صفحة 264
***
فصول الأصول
***
واعلم أن معيار العموم الاستثناء، فكل ما صح الاستثناء منه مما لا حصر فيه فهو عام للزوم تناوله للمستثنى (1)، وقد صح الاستثناء من الجمع المعرف وغيره مما تقدم
من الصيغ نحو: جاء الرجال إلا زيدا، واقطع السارق إلا المجنون، ونحو هذا. ومن ينفي العموم في ذلك (2) يجعل الاستثناء قرينة على العموم، أي: لا تدل على العموم بوضعها لكن بقرينة، وهي الاستثناء - هنا - ولا يصح الاستثناء من الجمع المذكر، فلا يكون عاما، قيل: إلا أن يتخصص فيعم فيما تخصص به (3)، نحو: قام رجال كانوا في دارك إلا زيدا منهم، لأنه استغرق جميع أفراد من صدق عليه الوصف، وقد ذكر في التلويح (4) كالتوضيح (5) أن من ألفاظ العموم عندهم النكرة ح (4) الموصوفة بصفة عامة، وهي لا تختص بفرد واحد من أفراد تلك النكرة (6) كقولك: لا أجالس إلا رجلا عالما، فإن العلم مما لا يخص واحدا من الرجال بخلاف قولك: (1) اعترض على هذا الضابط بأن المستثنى منه قد يكون اسم عدد، كقولك: عندي عشرة إلا اثنين، وقد يكون اسم علم مثل كسوت عمروا إلا رأسه، وقد يكون مشارا إليه، مثل: صمت هذا الشهر إلا يوم الخميس، وأكرمت هؤلاء الرجال إلا بكرا، وعلى هذا لا يعتبر الاستثناء دليل العموم ورد هذا الاعتراض من وجهين.
الأول: أن المستثنى منه في هذه الصور ونحوها وإن لم يكن عاما لكنه تضمن صيغة عموم باعتبارها يصح مضاف إلى المعرفة، أي جميع أجزاء العشرة، وأعضاء عمرو، وأيام هذا
الاستثناء فيها، وهو جميع الشهر، وأحاد هذا الجمع. الثاني: المقصود بالاستثناء الذي هو دليل العموم استثناء ما هو من أفراد مدلول اللفظ نفسه وأصله، لا ما هو من أجزائه كما في الصور المتقدمة، وبهذا اندفع ما قيل: إن المستثنى فى مثل: جاءني الرجال إلا زيدا، ليس من
الأفراد، لأن أفراد الجمع جموع الآحاد، البيضاوي المنهاج بشرح الإبهاج) ج 2 ص 83. (2) نسب الشيرازي إلى بعض أصحابه وأبي علي الجبائي أنهم لا يقولون بعموم الاسم المفرد المعرف بأل (شرح اللمع) ج 1 ص 303 - 304، لكن أبا الحسين البصري نسب إلى أبي علي القول بالعموم في هذه المسألة وحكى عن أبي هاشم القول بأنه يفيد الجنس دون استغرقه كما نسب - أي أبو الحسين – وابن السبكي إلى أبي هاشم القول بعدم عموم الجمع المعرف، أبو الحسين (المعتمد) ج 1 ص 223 - 227، ابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 1 ص 410.
(3) نقله ابن السبكي عن النحاة، ابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 1 ص 418. (4) التلويح في كشف حقائق التنقيح للعلامة مسعود بن عمر التفتازاني الشافعي، هو شرح تنقيح الأصول للقاضي صدر الشريعة عبيد الله بن مسعود المحبوبي الحنفي، التفتازاني (التلويح) ج 1 ص 83، حاجي خليفة (كشف الظنون) ج 2 ص 1853. (د) التوضيح، شرح التنقيح كلاهما لصدر الشريعة عبيد الله بن مسعود المحبوبي الحنفي، وجعل الشرح ممزوجا بالمتن، التفتازاني (التلويح) ج 1 ص 3، حاجي خليفة (كشف الظنون) ج 2 ص 1853، وهو
مطبوع مع التنقيح والتلويح.
(6) التفتازاني (التلويح على التوضيح) ج 1 ص 98.
264 (1/264)
صفحة 265
***
فصول الأصول
***
علته.
لا أجالس إلا رجلا يدخل داره وحده قبل كل أحد، فإن هذا الوصف لا يصدق إلا فرد واحد، وذلك لوجهين: أحدهما الاستعمال في قوله تعالى: {وَلَعَبْدٌ مُّؤْمِنُ خَيْرٌ من مُّشْرِك (1)، و قَوْلُ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِّن صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى (2)، للقطع بأن هذا الحكم عام في كل عبد مؤمن وكل قول معروف. والثاني: أن تعليق الحكم بالوصف المشتق سواء ذكر موصوفه أو لم يذكر مشعر بأن مأخذ اشتقاق الوصف علة لذلك، فيعم الحكم بعموم ولا يكون الجمع المنكر في الإثبات عاما في جميع أفراده (3)، بل فيما تخصص به كما قدمنا نحو: جاء عبيد لزيد، فيحمل على أقل الجمع لأنه هو المحقق. وقيل: إنه عام (4)، لأنه كما يصدق بذلك بصدق الأفراد وبما بينها، فيحمل على جميع الأفراد، ويستثنى منه أخذا بالأحوط ما لم يمنع مانع نحو رأيت رجالا، فهذا يحمل على أقل الجمع قطعا، واختلفوا في أقل الجمع كرجال ومسلمين فقيل: ثلاثة، وهو الأصح (5)، وقيل: اثنان (6)، وأقوى ادلة القائلين إن أقل الجمع اثنان قوله
العضد
(1) القرآن الكريم سورة البقرة (مدنية) آية رقم 221 (2) القرآن الكريم سورة البقرة (مدنية) آية رقم 263. (3) قال به أبو الوليد الباجي (أحكام الفصول) ص 242، وابن الحاجب مختصر المتنهى بشرح العضد) ج 2 ص 104 والبيضاوي، وحكاه ابن السبكي عن الجمهور المنهاج بشرح الابهاج) ج 2 ص 114، وحكاه عن المحققين (شرح العضد على مختصر المنتهى) ج 2 ص 104، وابن النجار عن الامام أحمد وأكثر العلماء (شرح الكوكب المنير) ج 3 ص 142 - 143، والشوكاني عن الجمهور (ارشاد الفحول) ص 123، وينظر: ابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 1 ص 418 - 419، الاسنوي (نهاية السول) ج 2 ص 347. (4) قاله أبو علي الجبائي، أبو الحسين (المعتمد) ج 1 ص 229، والآمدي (الاحكام) ج 2 ص 248، والبزدوي (أصول البزدوي بشرح كشف الاسرار) ج 2 ص 7، ونسبه الشيرازي إلى بعض أصحابه (المستصفى) ج 2 ص 37، وحكاه الغزالي عن الجمهور.
(د) قال به ابو الحسين البصري (المعتمد) ج 1 ص 231 وابو اسحاق الشيرازي (شرح اللمع) ج 1 ص 330 والبزدوي، وحكاه عن محمد بن الحسن وعامة الحنفية اصول البزدوي بشرح كشف الاسرار) ج 2 ص 490، واختاره الطوفي ونسبه الى اكثر الاصوليين (شرح مختصر الروضة) ج 2 ص 490، وهو قول ابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 1 ص 419، وحكاه الباجي عن اكثر المالكية قال: وهو المشهور عن مالك احكام الفصول ص 249، وعزاه عبدالعزيز البخاري الى اكثر الصحابة وعامة الفقهاء والمتكلمين وأهل اللغة (كشف الاسرار) ج 2 ص 49، وحكاه ابن الدهان النحوي عن جمهور النحاة، وعزي الى ابن عباس وابن مسعود، الشوكاني (ارشاد الفحول) ص 124. (6) ونسبه أبو الوليد الباجي إلى أبي جعفر السمناني قال: وحكاه ابن خويز منداذ ومحمد بن الطيب عن (1/265)
صفحة 266
***
فصول الأصول
***
تعالى: إن نوباً إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا)، فإن القلوب بصيغة الجمع، وما كان الخطاب - هنالك - إلا لعائشة وحفصة (2) - - وليس لهما إلا قلبان، وأجيب: بأن ذلك ونحوه مجاز لتبادر الزائد على الاثنين دونهما إلى الذهن، والداعي إلى التجوز في الآية الكريمة كراهة الجمع بين تثنيتين في المضاف ومتضمنه لأنهما كالشيء الواحد بخلاف نحو جاء عبداكما، ومما ينبني على هذا الخلاف ما لو أقر أو أوصى بدار هم لزيد هل يستحق در همين أو ثلاثة؟ والأصح أنه يستحق ثلاثة لأنها هي أقل الجمع على ما قدمنا، وقد شاع في العرف – أيضا – إطلاق لفظة دراهم على ثلاثة، واختلفوا في الجمع هل يطلق على الواحد مجازا؟ قيل: نعم (3)، لاستعماله فيه كقول الرجل لامرأته وقد رآها بارزة إلى رجل أتبرزين للرجال ولم تبرز إلا لواحد، فأطلق الجمع على الواحد تجوز القرينة التساوي في الواحد والجمع في كراهة التبرج له، وقيل: لا يطلق عليه (4)، ولفظ الجمع في هذا المثال حقيقة لأن من برزت لرجل واحد فهي تبرز للأكثر لقضاء العادة بذلك.
الإمام مالك قال - الباجي - وهو الصحيح عندي احكام الفصول) ص 249، نسبه الشيرازي إلى نفطويه والباقلاني وأبي بكر بن داود (شرح اللمع) ج 1 ص 330، وحكاه ابن حزم عن جمهور أهل الظاهر (الاحكام) ج 4 ص 413، وعزاه الآمدي إلى عمر بن الخطاب وزيد بن ثابت وأبي إسحاق الاسفراييني وجماعة من أصحاب الشافعي، وسليم الرازي عن الأشعري وبعض المحدثين، وابن الدهان عن محمد بن داود وأبي يوسف والخليل ونفطويه، وعن ثعلب، أن التثنية جمع عند أهل اللغة (الاحكام) ج 2 ص 242، الباجي إحكام) (الفصول ص 249، الشيرازي (شرح اللمع) ج 1 ص 330، ابن حزم الإحكام) ج 4 ص 413 الآمدي (الإحكام) ج 2 ص 242، البخاري (كشف الأسرار) ج 2 ص 49 -
50، الشوكاني (إرشاد الفحول) ص 123 - 124.
(1) القرآن الكريم سورة التحريم (مدنية) آية رقم 4. (2) حفصة بنت عمر بن الخطاب، زوجة رسول الله
(3) قال به ابن السبكي و القفال الشاشي، ابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 1 ص 412، وذكر المازري أن أبا بكر الباقلاني حكى الاتفاق على أنه مجاز، الشوكاني إرشاد الفحول) ص 124.
(4) وهو الظاهر من كلام إمام الحرمين، الجويني (البرهان) ج 1 ص 241.
266 (1/266)
صفحة 267
267
***
فصول الأصول
***
الفصل الأربعون
هل العام المسوق لغرض باق على عمومه الخ؟
واختلفوا في العام المسوق لغرض كمدح أو ذم هل هو باق على عمومه إذا لم يعارضه عام آخر لم يسق لذلك، فإن عارضه العام المذكور لم يعم فيما عورض فيه جمعا بينهما لأن ما سبق له لا ينافي تعميمه (1) أولا يعم مطلقا؟ لأنه لم يسق للتعميم، أو يعم مطلقا كغيره (3)، وينظر عند المعارضة إلى المرجح، أقوال ثلاثة أصحها الأول، مثاله حيث لا معارض إنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمِ وَإِنَّ الْفُجَارَ لَفِي جَ ومثاله مع المعارض: {وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَفِظُونَ إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أيمتهم (ه)، فإنه سيق للمدح، ويعم بظاهره الأختين بملك اليمين أو النكاح جمعا، وعارضه في ذلك قوله: {وَأَن تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُختين (6)، فإنه ولو لم يسق للمدح شامل لجمعهما ملك اليمين، فحمل الأول على غير ذلك بأنه لم يرد تناوله له، أو أريد ورجح الثاني عليه بأنه محرم، انتهى، والله أعلم.
(1) ,
(1) قال به ابن السبكي وابن العراقي، ابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 1 ص 422، ابن النجار (شرح الكوكب المنير) ج 3 ص 355. (2) حكي عن القاشاني الزركشي (البحر المحيط) ج 4 ص 265، والكرخي وجمهور الحنفية، امير بادشاة (تيسير التحرير) ج 1 ص 257، الانصاري (فواتح الرحموت) ج 1 ص 283، وقال به القاضي الحسين والقفال الشاشي والكيا الهراسي، ونسب للشافعي. الشيرازي (التبصرة) ص 193، الزركشي (البحر
المحيط) ج 4 ص 265، الشوكاني (إرشاد الفحول) ص 123. (3) قال به ابن الحاجب، ونسبه العضد إلى الأكثر. ابن الحاجب (مختصر المنتهى بشرح العضد) ج 2 ص 128، وحكاه الزركشي (البحر المحيط) ج 4 ص 266، والشوكاني (إرشاد الفحول) ص 133، وابن النجار
إلى الأئمة الأربعة، (شرح) الكوكب المنير) ج 3 ص 254.
(4) القرآن الكريم سورة الانفطار (مكية) آية رقم 13 - 14. (د) القرآن الكريم سورة المؤمنون (مكية) آية رقم 5 - 6. (6) القرآن الكريم سورة النساء (مدنية) آية رقم 23. (1/267)
صفحة 268
***
فصول الأصول
***
الفصل الحادي والأربعون
الأفعال في سياق النفي كالنكرة
ومن الألفاظ العامة الفعل الوارد في سياق النفي، لأن الفعل حكمه حكم النكرة، إذ هو بمعنى مصدره، والمصدر نكرة، فهو مثلها في أنه يعم في سياق النفي ولا يـ سياق الإثبات، وذلك كقوله تعالى: {أَفَمَن كَانَ مُؤْمِنًا كَمَن كَانَ فَاسِقَا لا يَسْتَوُونَ} (1)، ولا يَسْتَوى أَصْحَبُ النَّارِ وَأَصْحَبُ الْجَنَّةِ (2)، فهو يقتضي نفي جميع وجوه الاستواء الممكن نفيها، وقال بعض: لا يعم نظرا إلى الاستواء المنفي هو الاشتراك من بعض الوجوه لا من جميعها، والقول بالعموم هو الأصح، وعليه فيستفاد من الآية الأولى عدم قبول شهادة الفاسق؛ إذ ليس هو كالمؤمن، ويستفاد منها - أيضا - أن الفاسق لا يلي عقد النكاح على وليته، وإنما ثبت جوازه بقرينة خارجة عن العموم.
ويستفاد من الآية الثانية أن المسلم لا يقتل بالذمي، وأن دية الذمي لا تبلغ دية المسلم، وكذا صداق الذمية ومهرها لا يبلغ به كالمسلمة لعدم التساوي، وكذاك الفعل الماضي - أيضا - يعم على هذا النحو، فمن قال: والله لا أكلت عم نفي جميع المأكولات لنفي جميع أفراد الأكل المتضمن المتعلق بها (3)، وكذا من قال: إن أكلت فزوجتي طالق - مثلا - فهو للمنع من جميع المأكولات، فتطلق زوجته بأي أكل كان، لأي شيء كان، ويصح تخصيص بعضها في المسألتين بالنية، ويصدق في إرادته، وقال أبو حنيفة، لا تعميم فيهما (4)، فلا يصح التخصيص بالنية، لأن
(1) القرآن الكريم سورة السجدة (مكية) آية رقم 18. (2) القرآن الكريم سورة الحشر (مدنية) آية رقم 20. (3) هو مذهب الحنابلة. ابن النجار (شرح الكوكب المنير) ج 3 ص 303، وجمهور الشافعية. الغزالي (المستصفى) ج 2 ص 62، الآمدي (الأحكام) ج 2 ص 266 وص 270، ابن السبكي (الابهاج) ج 2 ص 115 - 116، والمالكية. ابن الحاجب (مختصر المنتهى بشرح (العضد ج 2 ص 114 - 117، ابن النجار (شرح الكوكب المنير) ج 3 ص 303، الشوكاني (ارشاد الفحول ص 122، وأبي يوسف من الحنفية. ابن النجار (شرح الكوكب المنير) ج 3 ص 303، الشوكاني (ارشاد الفحول ص 122، وقال به الإمام السالمي ونسبه إلى أكثر الأصوليين. السالمي (شرح) طلعة الشمس) ج 1 ص 118، وانظر: القرافي (شرح تنقيح الفصول) ص 184 وص 186، ابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 1 ص 422 - 423. أصحابه يقولون بقوله، وهو مذهب القرطبي. الآمدي (الإحكام) ج 2 ص 266 - 270، ابن النجار (شرح الكوكب المنير) ج 3 ص 303، الأنصاري فواتح الرحموت ج 1 ص 186 - 189، الشوكاني (إرشاد الفحول) ص 122.
(4) وجمهور
268 (1/268)
صفحة 269
269
***
فصول الأصول
***
النفي والمنع الحقيقة الأكل وإن لزم منه النفي والمنع الجميع المأكولات حتى يحنث بواحدة منها اتفاقا، والفعل المثبت سواء ورد بكان أو دونها فلا يعم أقسامه، وقيل: يعمها (1)، مثاله بدون كان حديث بلال (2) أن النبي - ه - صلى داخل الكعبة رواه الشيخان (3)، ومثال المقترن بكان حديث أنس أن النبي - ه - كان يجمع بين الصلاتين في السفر رواه البخاري (4)، فلا يعم الأول الفرض والنفل، ولا الثاني جمع التقديم والتأخير؛ إذ لا يشهد اللفظ بأكثر من صلاة واحدة وجمع واحد، ويستحيل وقوع الصلاة الواحدة فرضا ونفلا والجمع الواحد في الوقتين، وقيل: يعمان ما ذكر حكما (5)، لصدقهما بكل من قسمي الصلاة والجمع، وقد تستعمل كان مع المضارع للتكرار، كما في قوله تعالى في قصة إسماعيل - عليه الصلاة والسلام -: وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَوةِ وَالزَّكَوة (6)، وقولهم: كان حاتم) يكرم الضيف، وعلى ذلك جرى العرف، والله أعلم.
(1) قال ابن الحاجب: على رأي (مختصر المنتهى بشرح العضد ج 2 ص 118، وقال الإمام السالمي: وقال بعض: إنه يعم. السالمي (طلعة الشمس) ج 1 ص 117. (2) بلال: هو بلال بن رباح أبو عبد الكريم، مولى أبي بكر الصديق، وكان مؤذنا للرسول - - شهد بدرا والمشاهد كلها، وكان من السابقين إلى الإسلام، توفي سنة 20 هـ، وقيل غير ذلك. ابن الأثير (أسد الغابة) ج 1 ص 243، الذهبي (الكاشف) ج 1 ص 277. (3) نص الحديث: أتي ابن عمر، فقيل له: هذا رسول الله - صلى الله عليه وسلم – دخل الكعبة، فقال ابن عمر: فأقبلت، والنبي - ه - قد خرج، وأجد بلالا قائما بين البابين، فسألت بلالا فقلت: أصلى النبي - في الكعب؟ قال نعم ركعتين بين الساريتين اللتين على يساره إذا دخلت، ثم خرج فصلى في وجه الكعبة ركعتين. البخاري (صحيح البخاري بشرح الفتح كتاب الصلاة، بال قول الله تعالى: واتخذوا من مقام ابراهيم مصلى (البقرة ص 125) حديث رقم 379، ج 1 ص 596، وأخرجه الربيع بين حبيب،
الربيع (الجامع الصحيح) كتاب الحج، باب الكعبة والمسجد والصفا والمروة حديث 411، ص 105. (4) نص الحديث: كان النبي - ا - يجمع بين صلاة المغرب والعشاء في السفر، البخاري (صحيح البخاري بشرح (الفتح كتاب تقصير الصلاة باب الجمع في السفر بين المغرب والعشاء، حديث رقم 1108، ج 2 ص 675، واللفظ له، مسلم (صحيح مسلم بشرح النووي كتاب صلاة المسافرين
وقصرها، باب جواز الجمع بين الصلاتين في السفر، حديث رقم 703، ج 5 ص 220. (د) الآمدي (الإحكام) ج 2 ص 272، المحلي (شرح المحلي على جمع الجوامع) ج 1 ص 425. (6) القرآن الكريم سورة مريم (مكية) آية رقم 55.
(7) هو حاتم بن عبد الله بن سعيد الطائي، فارس وجواد جاهلي، يضرب المثل بجوده، توفي سنة 46 ق. هـ. الزركلي (الاعلام) ج 2 ص 151. (1/269)
صفحة 270
***
فصول الأصول
***
الفصل الثاني والأربعون
هل الحكم المعلق بعلة يعم ما تتناوله العلة؟
واختلفوا في ما إذا علق الشارع حكما من الأحكام الشرعية في واقعة من الوقائع بعلة هل يكون ذلك الحكم عاما في جميع ما تتناوله تلك العلة من أفراد معلولاتها أم لا؟ وعلى القول بالعموم، وهو قول الجمهور (1) هل تعمه قياسا فقط وهو قول كثير من المحققين كأبي الحسين وابن الحاجب وغيرهما (2)، أو هو عام من جهة اللفظ والقياس (3)، مثال ذلك: أن يقول الشارع: حرمت الخمر لإسكارها فعلى الأول لا يعم اللفظ كل ما (4) وجدت فيه العلة وهي الإسكار من جهة اللفظ، ولكن يعمه بالقياس، فيلحق بالخمر في التحريم كل ما وجدت فيه هذه العلة قياسا على الخمر، وعلى الثاني يعمه لفظا لذكر العلة فكأنه قال: حرمت المسكر، وقال الباقلاني: لا عموم في مثل هذا لا من جهة اللفظ ولا من جهة القياس
(c)
والصحيح عندنا هو ما عليه الجمهور من أن العلة عامة في جميع معلولاتها قياسا
والله تعالى (6) أعلم.
(1) العضد (شرح العضد على مختصر المنتهى ج 2 ص 119، الكمال التحرير بشرح التيسير) ج 1 ص 259. الأنصاري (فواتح الرحموت ج 1 ص 285، الشوكاني (إرشاد الفحول ص 135، السالمي (طلعة الشمس) ج 1 ص 125. (2) وهو قول ابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 1 ص 425، والكمال بن الهمام (التحرير بشرح التيسير) ج 1 ص 259، وابن عبدالشكور (مسلم الثبوت بشرح الفواتح ج 1 ص 285، والشوكاني (ارشاد الفحول) ص 135، والسالمي (طلعة الشمس) ج 1 ص 125، وانظر: ابن الحاجب (مختصر المنتهى بشرح العضد) ج 2 ص 119. (3) حكاه عبدالعلي الأنصاري عن النظام. الأنصاري (فواتح الرحموت) ج 1 ص 285، وانظر: السالمي (طلعة الشمس) ج 1 ص 125.
(4) في ب كلما.
(2) ابن الحاجب (مختصر المنتهى بشرح (العضد ج 2 ص 119، الكمال التحرير بشرح التيسير) جا ص 259، الأنصاري (فواتح الرحموت) ج 1 ص 285، السالمي (طلعة الشمس) ج 1 ص 125.
(1) تعالى ساقطة من ب.
270 (1/270)
صفحة 271
271
***
فصول الأصول
***
-
-
-
الفصل الثالث والأربعون
في عموم الجواب عن واقعة الحال
إذا ورد جواب من الشارع على حكاية حال من غير أن يطلب التفصيل عنها فإن جوابه عنها ينزل منزلة العموم، وذلك كقول غيلان بن سلمة الثقفي (1) لرسول الله إني أسلمت على عشر نسوة مستفتيا له في ذلك، فإن لفظه هذا حكى به حالته، فأجابه - - بقوله: أمسك أربعا وفارق سائر هن (2) فإنه - - لم يطلب منه التفصيل عن حالته هل تزوجهن معا أو على الترتيب. فلولا أن الحكم يعم الحالين لما أطلق الجواب له هكذا، لامتناع الإطلاق في موضع التفصيل وقت الحاجة إلى التفصيل.
وقيل: لا ينزل منزلة العموم، بل يكون الكلام مجملا (3)، وتأولت الحنفية بقوله: أمسك بمعنى: ابتدئ نكاح أربع منهن في حالة المعية، واستمر على الأربع الأول منهن في حالة الترتيب (4)، والأول قول الجمهور وهو الأظهر (ه)، والله تعالى أعلم.
(1) حكيم وشاعر جاهلي، أدرك الإسلام وأسلم يوم الطائف، وعنده عشر نسوة، فأمره النبي - - أن يمسك أربعا، فصارت سنة، توفي سنة 22 هـ. ابن حجر (الإصابة) ج ه ص 253، الزركلي (الأعلام)
ج 5 ص 124.
(2) أخرجه الإمام مالك، مالك (موطأ الإمام مالك مع التعليق الممجد) كتاب النكاح، باب الرجل يكون عنده أكثر من أربع نسوة فيريد أن يتزوج، حديث 529، ج 2 ص 460، وابن ماجة (سنن ابن ماجة) المعجم، النكاح، باب الرجل يسلم، وعنده أكثر من أربع نسوة، حديث 1953، ج 2، ص 464، والترمذي (سنن الترمذي) كتاب النكاح، باب ما جاء في الرجل يسلم وعنده عشر نسوة، حديث 1130، ج 3 ص 435، حديث حسن، الترمذي (سنن الترمذي) ج 3 ص 436.
(3) روي هذا عن الشافعي، الرازي (المحصول) ج 2 ص 387، الإسنوي (التمهيد) ص 337، الإسنوي (نهاية السول) ج 2 ص 370.
(4) أمير باد شاه (تيسير التحرير) ج 1 ص 145.
(د) ابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 1 ص 426، الشوكاني (إرشاد الفحول) ص 132، المطيعي (سلم الوصول لشرح نهاية السول) ج 2 ص 369. (1/271)
صفحة 272
***
فصول الأصول
***
الفصل الرابع والأربعون
في الخطاب الوارد له - صلى الله عليه وسلم - هل يعم الأمة معه اختلف الأصوليون في ورود الخطاب للنبي - ه - هل هل هو خاص به أو يتناول الأمة معه؟ وذلك نحو قوله تعالى: يَأَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللهَ (1)، {يَاأَيُّهَا الْمُزَمَلُ} (2) يأَيُّهَا الْمُدَّيْرُ (3)، وكقوله: {لَبِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلَكَ له (4).
ذهب جمهور المحققين من الأصوليين إلى أن الخطاب الخاص به - - لا يتناول الأمة معه من حيث الوضع (ه)، لأن الصيغة وضعت لمفرد، وما وضع المفرد لا يتناول غيره مع ه معه، وأما من حيث الشرع فمثل ذلك يعم بدليل شرعي خارج عن نفس الخطاب، كقوله تعالى: لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة (6)، فبهذا ونحوه يجب على الأمة اتباعه - - فيما خوطب به، إلا ما قام الدليل على أنه من خصوصياته، وقيل: بل يعم جميع الأمة (7)، لأن أمر القدرة أمر لاتباعه معه لقضاء العرف بذلك كما إذا أمر السلطان الأمير أو القائد بفتح بلد أو رد عدو فإن العرف قاض بأن الخطاب متوجه إلى الأمير، وأتباعه معه، ولهم احتجاجات أخرى أغرضنا عن ذكرها والأول هو الصحيح عندنا والله تعالى أعلم.
(1) القرآن الكريم سورة الأحزاب (مدنية) آية رقم 1. (2) القرآن الكريم سورة المزمل (مكية) آية رقم 1.
(3) القرآن الكريم سورة المدثر (مكية) آية رقم 1. (4) القرآن الكريم سورة الزمر (مكية) آية رقم 65.
(5) حكاه الآمدي عن الشافعية (الاحكام) ج 2 ص 279، وابن النجار عن بعض الحنابلة (شرح الكوكب المنير) ج 3 ص 219، وقال به جمهور الإباضية (الشماخي) مختصر العدل ص 21، السالمي (شرح طلعة الشمس) ج 1 ص 222، وابن الحاجب (مختصر المنتهى بشرح العضد ج 2 ص 121، وانظر: الغزالي (المستصفى) ج 2 ص 80، الرازي (المحصول) ج 2 ص 379، الزركشي (البحر المحيط) ج 4 ص 254، المطيعي (سلم الوصول لشرح نهاية السول) ج 2 ص 358. (6) القرآن الكريم سورة الأحزاب (مدنية) آية رقم 21. (7) قال به الحنفية، الكمال التحرير بشرح التيسير) ج 1 ص 251، ابن عبدالشکور (مسلم الثبوت بشرح الفواتح جا ص 281، واحمد بن حنبل وأكثر أصحابه، ابن النجار (شرح الكوكب المنير) ج 3 ص 218، وهو المشهور عن المالكية. الشنقيطي (نثر الورود) ج 1 ص 260، وحكاه الزركشي عن بعض الشافعية، الزركشي (البحر المحيط) ج 4 ص 255. وتحرير تحل النزاع فيما إذا لم توجد قرينة تدل على أن النبي - ع - هو المقصود دون أمته كقوله تعالى: خالة لك (الأحزاب (5) و نافلة لك (الإسراء (79) ولم توجد قرينة على دخولهم كقوله تعالى: يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقو هن لعدتهن الطلاق (21) فإن ضمير الجمع في طلقتم وطلقو هن قرينة على أن الأمة داخلة في الخطاب. الزركشي (البحر المحيط) ج 4 ص 256، السالمي (شرح طلعة الشمس) ج 1 ص 122.
272 (1/272)
صفحة 273
273
***
فصول الأصول
***
الفصل الخامس والأربعون
هل يعمه - ع - خطاب الناس أو الأمة؟
الخطاب الوارد لعموم الناس أو الأمة أو المؤمنين أو المسلمين يشمل الرسول - عليه الصلاة والسلام - فيدخل فيه مطلقا (1)، وقيل: لا يشمله مطلقا (2)، وقيل: إن ورد مجردا عن لفظ قل وما في معناه كبلغ وأخبر واكتب لهم كذا وكذا فلا يدخل فيه لظهوره في التبليغ وإلا فليشمله.
(د)
قال إمام الحرمين في البرهان وهذا التفصيل ذكره الصيرفي وارتضاه الحليمي وهو عندنا تفصيل فيه تخييل يبتدره من لم يعظم حظه من هذا الفن (4). والصحيح ما عليه الجمهور، وهو أنه عام بوضعه فيشمل النبي - - مطلقا، أي: سواء اقترن بـ قل أم لم يقترن بها، فمثال ما اقترن بـ قل نحو: قل يا
(1) الجويني (البرهان) ج 1 ص 249، وهو قول ابن برهان وعزاه إلى أكثر الفقهاء والمتكلمين. ابن برهان (الوصول إلى الأصول) ج 1 ص 224، وابن عبدالشكور (مسلم الثبوت) ج 1 ص 277، وهو مذهب الوراجلاني (العدل والإنصاف) ج 1 ص 78، والآمدي (الإحكام) ج 2 ص 292، وابن الحاجب (مختصر المنتهى بشرح العضد ج 2 ص 126، وابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 1 ص 427، والكمال (التحرير بشرح التيسير) ج 1 ص 254، والشماخي (مختصر العدل) ص 21، وحكاه الشنقيطي عن الأكثر. الشنقيطي (نثر) الورود على مراقي السعود) ج 1 ص 261، قال به ابن السبكي والآمدي ونسبة إلى أكثر العلماء، والبدر الشماخي وابن الحاجب وقال به المالكية، والحنفية، ابن برهان (الوصول
إلى الأصول) ج 1 ص 224، وهو قول المالكية. القرافي (شرح) تنقيح الفصول ص 197. (2) حكاه ابن برهان عن شرذمة من الفقهاء وزمرة من الأصوليين الوصول إلى الأصول) ج 1 ص 224، وحكاه الآمدي عن طائفة من الفقهاء والمتكلمين (الاحكام) ج 2 ص 292، وابن عقيل عن الأكثر من الفقهاء والمتكلمين، ابن النجار (شرح الكوكب المنير) ج 3 ص 223. (3) الحليمي، أبو عبدالله الحسين بن الحسن بن محمد بن حليم، الفقيه الشافعي، ولد سنة 338 بجرجان، تفقه على أبي بكر الأودني، وأبي بكر القفال، وأخذ عنه الحاكم وغيره، له كتاب: المنهاج في شعب الإيمان، توفي سنة 403 هـ.
ابن خلكان وفيات الأعيان) ج 2 ص 137، ابن السبكي (طبقات الشافعية) ج 4 ص 333، الزركلي
(الأعلام) ج 2 ص 235.
(4) (4) الجويني (البرهان) ج 1 ص 249 - 250، وانظر: الآمدي (الإحكام) ج 2 ص 292، ابن الحاجب مختصر المنتهى بشرح العضد) ج 2 ص 126، القرافي (شرح تنقيح الفصول ص 197، الإسنوي (نهاية السول) ج 2 ص 372، الكمال التحرير بشرح التيسير) ج 1 ص 255، ابن الشكور (مسلم الثبوت بشرح الفواتح ج 1 ص 277. (1/273)
صفحة 274
***
فصول الأصول
**
أيها الناس إنّي لَكُمْ نَد مْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ: (1)، و قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ له (2)، وقُلْ يَعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا (3)، ونحوها ومثال ما لم يقترن بها يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمْ}، {يَتَأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبِّ (ه)، ونحو هذا.
وكذلك العبيد يدخلون في أمثال هذه الصيغ فتعمهم شرعا (6) على الصحيح أما عمومها إياهم لغة فلا إشكال فيه وهو واضح.
وقيل: لا تعم شرعا (7) لأجل صرف منافعهم إلى ساداتهم، قلنا: ذلك في غير
أوقات ضيق العبادات.
(1) القرآن الكريم سورة هود (مكية) آية رقم 25. (2) القرآن الكريم سورة آل عمران (مكية) آية رقم 32. (3) القرآن الكريم سورة الزمر (مكية) آية رقم 53. (4) القرآن الكريم سورة البقرة (مدنية) آية رقم 21. (د) القرآن الكريم سورة الحج (مدنية) آية رقم 1. وقد وردت في النسختين يا أيها الذين آمنوا والصواب يا أيها الناس. (6) وقال بذلك أبو الحسن البصري. أبو الحسن (المعتمد) ج 1 ص 278، والجويني وعزاه إلى المحققين الجويني (البرهان) ج 1 ص 243، والغزالي (المستصفي) ج 2 ص 77، والامدي ونسبه إلى الأكثر. وأبو يعقوب الوارجلاني (العدل والانصاف) ج 1 ص 79، الآمدي (الإحكام) ج 2 ص 289، وابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 1 ص 427، وعزاه ابن الحاجب إلى اكثر العلماء. ابن الحاجب (مختصر المنتهى بشرح العضد) ج 2 ص 125، وابن النجار إلى الامام أحمد وأكثر اتباعه، ابن النجار (شرح الكوكب المنير) ج 3 ص 242، وحكاه الشنقيطي عن اكثر المالكية. الشنقيطي (نثر) الورود) ج 1 ص 261، الباجي (احکام الفصول) ص 223، وهو مذهب الحنفية. الكمال التحرير بشرح التيسير) ج 1 ص 253، وانظر: ابن قدامة (روضة الناظر) ج 2 ص 701، القرافي (شرح تنقيح الفصول) ص 196، ابن عبدالشکور (مسلم الثبوت بشرح الفواتح ج 1 ص 276، الشماخي (مختصر العدل) ص 21. (7) نسبه الباجي إلى ابن خويز منداذ. الباجي (إحكام الفصول ص 223، والجويني إلى بعض الضعفاء (البرهان) ج 1 ص 243، والآمدي إلى الأقلين الاحكام ج 2 ص 289، والشنقيطي إلى بعض المالكية (نثر الورود) ج 1 ص 261. وقيل: يدخلون ـ أي العبيد - في العمومات المثبتة في حقوق الله دون حقوق الآدميين. ونسب إلى أبي بكر الرازي الحنفي.
وقيل: إن تضمن الخطاب تعبدا توجه اليهم، وإن تضمن ملكا أو عقدا أو ولاية لم يدخلوا فيه، وهو رأي لبعض
الشافعية.
وتحرير محل النزاع في غير الخطاب التي لا تتناولهم بدليل كالحج والجهاد. الآمدي (الإحكام) ج 2 ص 289، ابن الحاجب (مختصر المنتهى بشرح العضد ج 2 ص 125، الزركشي (البحر المحيط) ج 4 ص 247، الكمال (التحرير بشرح التيسير) ج 1 ص 253، ابن عبدالشکور (مسلم الثبوت بشرح الفواتح جا ص 276، الشنقيطي (نثر الورود) ج 1 ص 262.
274 (1/274)
صفحة 275
275
***
فصول الأصول
***
وكذلك تعم الكافر – أيضا – على الصحيح، وقيل: لا تعمه بناء على عدم تكليفه بالفروع (2)، وعلى القول به فالخطاب بالأصول يعمهم، فهو خارج على الخلاف، وذلك نحو: يا أيها الناس أمنوا وكذلك يتناول مثل هذا الخطاب الموجودين وقت وروده دون من بعدهم (3)، أي: بعد الموجودين في زمن الوحي. وقيل: من بعد الحاضرين مهابط الوحي (4)، والأول أوجه، وقيل: يتناول من يكون بعدهم) المساواتهم للموجودين في حكمه، والأول أصح، قال العضد): دليلنا على الأول أنا نعلم قطعا أنه لا يقال للمعدومين: يا أيها الناس ونحوه، وإنكاره مكابرة، ولنا - أيضا - أنه امتنع خطاب المجنون والصبي بنحوه، وإذا امتنع توجيهه نحوهم مع وجودهم لقصورهم عن الخطاب فالمعدوم أجدر أن يمنع، لأن تناوله أبعد (7).
(1) قال هذا الغزالي (المستصفى) ج 2 ص 78، والوارجلاني (العدل والإنصاف) ج 1 ص 80، وابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 1 ص 427، والبدر الشماخي (مختصر) العدل) ص 21، ابن النجار (شرح الكوكب المنير) ج 3 ص 243، وحكاه الباجي عن الإمام مالك وأصحابه (إحكام الفصول)
ص 224، وهذه المسألة تابعة لمسألة تكليف الكفار بفروع الشريعة، وقد تقدم ذلك. (2) نسبة الباجي إلى ابن خويز منداذ (احكام الفصول) ص 224، وحكاه أبو الحسين البصري عن بعض الفقهاء (المعتمد) ج 1 ص 273. (3) ذهب إلى هذا الغزالي (المستصفي) ج 2 ص 83، والورجلاني (العدل والإنصاف) ج 1 ص 82، والآمدي وحكاه عن أكثر الشافعية (الإحكام) ج 3 ص 294، وهو قول ابن الحاجب (مختصر المنتهى بشرح العضد) ج 2 ص 127، وابن السبكي (جمع الجوامع بشرح (المحلي) ج 1 ص 427، وهو قول ابن المرتضى (منهاج الوصول) ص 320، والبدر الشماخي (مختصر (العدل) ص 21، والحنفية. الكمال التحرير بشرح التيسير) ج 1 ص 255 - 256، ابن عبدالشكور (مسلم الثبوت بشرح الفواتح ج 1 ص 278، والإمام السالمي ونسبه إلى أكثر الأصوليين (طلعة الشمس) ج 1 ص 121. (4) قال التفتازاني: وقيل: لمن بعد الحاضرين زمن الوحي والأول أوجه. التفتازاني (حاشية التفتازاني على شرح العضد على مختصر المنتهى) ج 2 ص 127. (د) نسبه الآمدي إلى طائفة من السلف والفقهاء، الآمدي (الإحكام) ج 2 ص 294، وقال به الحنابلة. ابن النجار (شرح الكوكب المنير ج 3 ص 249، وابو اليسر من الحنفية، ابن عبدالشكور (مسلم الثبوت بشرح الفواتح ج 1 ص 278، الكمال التحرير بشرح التيسير) ج 1 ص 256. (6) العضد، عبدالرحمن بن أحمد بن عبد الغفار، عضد الدين الإيجي، من أهل إيج بفارس، عالم بالأصول والمعاني والعربية، ولي قضاء شيراز، من مؤلفاته: المواقف، والعقائد العضدية والرسالة العضدية، توفي سنة 0756 د. أحمد الشنتناوي وآخرون (دائرة المعارف الإسلامية) ج 3 ص 187، الزركلي (الأعلام) ج 3 ص 295.
(1) العضد (شرح العضد على مختصر المنتهى) ج 2 ص 127. (1/275)
صفحة 276
***
فصول الأصول
***
ولكن اعترضه السعد فقال: واعلم أن القول بعموم النصوص لمن بعد الموجودين وإن نسب إلى الحنابلة فليس ببعيد، إلى أن قال: وما ذكر المحقق من أن إنكاره مكابرة حق فيما إذا كان الخطاب للمعدومين خاصة، وأما إذا كان للموجودين والمعدومين ويكون إطلاق لفظ المؤمنين أو الناس عليهم على طريق التغليب فلا، ومثله فصيح شائع في الكلام، وكذا الاستدلال الثاني ضعيف، لأن عدم توجيه
التكليف بناء على دليل لا ينافي عموم الخطاب وتناوله (1) لفظ كلام السعد. قال ابن قاسم: وكأن قوله – يعني السعد - لأن عدم توجه التكليف إلى آخره معناه أن قيام الدليل على عدم تكليف نحو الصبي حتى كان خارجا من تعريف حكم هذا الخطاب الآن لا ينافي عمومه له وتناول لفظه له حتى يستدل بعدم توجهه له على عدم توجهه للمعدوم، ولا ينبغي أن يكون إشارة إلى أن المراد بيان عموم الخطاب للمعدوم دون عموم حكمه له لأن كلامهم صريح في خلافه (2) - العضد - ليس خطاباً لمن بعدهم، وإنما يثبت حكمه لهم بدليل آخر، وكقوله: قالوا: أي: الحنابلة لو لم يكن الرسول مخاطبا لمن بعده لم يكن مرسلا إليه، واللازم منتف، أما الملازمة فإنه لا معنى لإرساله إلا أن يقال له بلغه أحكامي ولا تبليغ إلا بهذه العمومات وهي لا تتناوله، وأما انتفاء اللازم فباللإجماع، الجواب لا نسلم أنه لا تبليغ إلا بهذه العمومات التي خطاب المشافهة، إذ التبليغ لا تتعين فيه المشافهة.
نعم يجب التبليغ في الجملة فإنه يحصل بأن يحصل لبعض شفاها وللبعض بنصب الدلائل والأمارات على أن حكمهم حكم الذين شافههم. كلام ابن قاسم
(3)
(1) السعد التفتازاني (حاشية التفتازاني على شرح العضد على مختصر المنتهى) ج 2 ص 127، والذي يظهر أن الخلاف في المسألة لفظي، فإن الكل متفقون على انه من جاء بعد الموجودين مكلفون بما كلف به الموجودون زمن الوحي، وقد نبه على هذا الشنقيطي (نثر) الورود) ج 1 ص 262.
(2) كذا في النسختين وفي الآيات البينات: كقول العضد وبه يستقيم النص. (3) ابن قاسم (الآيات البينات) ج 2 ص 405 - 406.
276 (1/276)
صفحة 277
***
فصول الأصول
***
وهو كما رأيت، وأكثر الأصوليين على أنه لا يتناول المعدومين كما قدمنا وإن تساووا في حكمه إجماعا فذلك دليل آخر وهذا الدليل هو مستند الإجماع، وذلك نحو قوله تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَةُ لِلنَّاسِ» (1)، وكقوله: لا نبي بعدي (2)، وكقوله: بعثت إلى الأسود والأحمر (3)، ونحوها،
والله تعالى أعلم.
(1) القرآن الكريم سورة سبأ (مكية) آية رقم 28
(2) أخرجه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح (سنن الترمذي) كتاب المناقب، باب 21، حديث 3724 ج 5 ص 638، واورده الهيثمي. الهيثمي (مجمع الزوائد) كتاب علامات النبوة، باب: لا نبي
بعده - - حديث 13967، ج 8 ص 471.
(3) أخرجه مسلم (صحيح مسلم کتاب المساجد ومواضع الصلاة، حديث 521، جه ص 4، وأحمد بن حنبل (مسند الإمام احمد) حديث 19680 ج 4 ص 559، وذكره الهيثمي (مجمع الزوائد) حديث
13944 ج 8 ص 462.
277 (1/277)
صفحة 278
***
فصول الأصول
***
الفصل السادس والأربعون
من وما تعم الذكور والإناث
والأكثر على أن من وما ونحوهما من الألفاظ التي يستوي فيها المذكر والمؤنث وكان لها عموم تتناول في الخطاب الذكور والإناث، فهي تعم الكل (1).
وقيل: تختص بالذكور (2)، والأول هو الأصح، وينبني على هذا الخلاف الوارد فيما إذا اطلعت (3) المرأة إلى بيت قوم دون إذن هل يباح أن تفقأ عينها أخذا من الحديث: من تطلع في بيت قوم بغير إذنهم فقد حل لهم أن يفقئوا عينه (4)، الأكثر على دخولها في هذا الحكم، وقيل: لا تدخل فيه، لأن المرأة لا تستتر منها النساء، وعلى هذا - أيضا - يحتمل أن يكون عدم دخولها مخصصا من العموم بالعادة على القول الأول، والله تعالى أعلم.
(1) نسبه الجويني إلى أهل التحقيق من أرباب اللسان والأصول. الجويني (البرهان) ج 1 ص 245، وانظر: الرازي (المحصول) ج 2 ص 317، ابن الحاجب (مختصر المنتهى بشرح العضد) ج 2 ص 125، ابن
السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 1 ص 428، السالمي (شرح طلعة الشمس) ج 1 ص 89. (2) عزاه الجويني إلى شرذمة من الحنفية (البرهان) ج 1 ص 245، وقال العضد: وقال قوم: يختص بالمذكر. العضد (شرح العضد على مختصر المنتهى) ج 2 ص 125، وانظر: ابن السبكي (جمع الجوامع بشح المحلي) ج 1 ص 428، ابن النجار (شرح) الكوكب المنير) ج 3 ص 241.
(3) في ب طلعت. (4) أخرجه البخاري (صحيح البخاري بشرح الفتح كتاب الديات، باب من اطلع في بيت قوم ففقأوا عينه فلا دية له، حديث 6902، ج 12 ص 253، ومسلم (صحيح مسلم بشرح النووي) كتاب الآداب،
باب تحريم النظر في بيت غيره، حديث 2158 ج 14 ص 386.
278 (1/278)
صفحة 279
279
***
فصول الأصول
***
الفصل السابع والأربعون
هل تدخل النساء في صيغة الجمع المذكر؟
اختفلوا في صيغة الجمع المذكر هل تدخل فيها النساء حقيقة عرفية؟ قيل: نعم نعم)، لأنه لما كثر في الشرع مشاركتهن للذكور في الأحكام، لا يقصد الشارع بخطاب الذكور قصر الأحكام عليهم.
وقيل: لا يدخلن حقيقة، وإنما يدخلن مجازا بقرينة على سبيل التغليب المذكور (2)، قال العضد: صيغة المذكر هل تتناول النساء؟ وليس النزاع في دخول النساء في نحو لفظ الرجال، أي: فهنا لا يدخلن باتفاق (3)، وقال السعد: يعني ان الصيغة التي يصح إطلاقها على الذكور خاصة قد تكون موضوعة بحسب المادة للذكور خاصة مثل الرجال ولا نزاع في أنها لا تتناول النساء، وقد تكون موضوعة لما هو أعم، مثل الناس ومن وما، ولا نزاع في أنها تتناول النساء، وقد تكون موضوعة لما هو أعم، مثل الناس ومن وما، ولا نزاع في أنها تناول النساء، وقد تكون بحسب المادة موضوعة لهما، وبحسب الصيغة للذكور خاصة، وهذا هو المتنازع فيه. وحاصله أن تغليب الذكور على الإناث والقصد إليهما جميعا ظاهر أو مبني. على قيام القرينة (4)، فعلى هذا أن المتنازع فيه يشمل الجمع المذكر السالم نحو: المسلمون والمؤمنون، ويشمل - أيضا - جموع التكسير نحو صوام وقوام الموضوعة بحسب المادة لهما، أي: للذكور والنساء، والمختصة بحسب الصيغة بالذكور بخلاف
صوم، وقوم، فإنه لا يخص الذكر دون الأنثى كما قال ابن مالك في الألفية.
(1) قال به الحنفية، ابن عبد الشكور (مسلم الثبوت بشرح (الفواتح ج 1 ص 273، الكمال التحرير بشرح التيسير) ج 1 ص 231، واكثر الحنابلة. ابن النجار (شرح الكوكب المنير) ج 3 ص 235، وهو ظاهر اختيار الإمام السالمي (شرح طلعة الشمس) ج 1 ص 93 - 94. (2) حكاه الآمدي (افحكام) ج 2 ص 285، الزركشي (البحر المحيط) ج 4 ص 243 - 244، عن الشافعية، وقال به ابن الحاجب مختصر المنتهى بشرح العضد) ج 2 ص 124، ونسبه الصنعاني إلى الجمهور (إجابة
السائل) ص 315.
(3) العضد (شرح العضد على مختصر المنتهى) ج 2 ص 124.
(4) التفتازاني (حاشية التفتازاني على شرح العضد على مختصر المنتهى) ج 2 ص 124. (1/279)
صفحة 280
***
فصول الأصول
***
(1)
وفعل لفاعل وفاعله وصفين نحو عاذل وعاذلة (1) وحاصل المقام أن جموع التذكير تدخل النساء فيها مجازا تغليبا للذكور عليهن بقرينة الحال ونحوها حيث كان اختلاط ومشاركة في الأحكام، كقوله تعالى: {اهْبِطُوا مِنْهَا (2)، إذ الخطاب - هنا – شامل لحواء مع آدم، وقوله تعالى: {ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَدا لله (3)، فهو شامل لنساء بني إسرائيل مع ذكورهم، وكذلك قوله تعالى: قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (4)، يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا (2) فإن هذه ونحوها صيغ وضعت لمذكر، ولا خلاف في شمولها النساء بقرينة
الخطاب، والله أعلم.
(?) ,
(0) ,
(1) ابن مالك (الألفية) ص 66.
(2) القرآن الكريم سورة البقرة (مدنية) آية رقم 38. (3) القرآن الكريم سورة النساء (مدنية) آية رقم 154. (4) القرآن الكريم سورة المؤمنون (مكية) آية رقم 1. (5) القرآن الكريم سورة الحج (مدنية) آية رقم 77.
280 (1/280)
صفحة 281
281
***
فصول الأصول
***
الفصل الثامن والأربعون
خطاب الواحد لا يتعداه إلى غيره
والأصح أن خطاب الواحد بحكم (1) في مسألة غير عام، فلا يتعداه إلى غيره إلا
بدليل آخر (2) كقوله - - حكمي على الواحد حكمي على الجماعة (3). وقيل: يعم غيره عادة (4)، لأن عادة الناس جارية بخطاب الواحد وإرادة الجميع فيما يتشاركون فيه، قلنا: ذلك مجاز بقرينة العادة، ويلحق بخطاب الواحد خطاب الاثنين وخطاب الجماعة المعنية، ويشمل المرأة - أيضا - والخطاب الوارد في القرآن والحديث لأهل الكتاب.
كقوله تعالى: يَأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ له (5)، لا يشمل
(1) في ب يحكم، ولا محل لها في الكلام. (2) قال به ابن السبكي (جمع الجوامع بشرح (المحلي) ج 1 ص 429، البدر الشماخي (مختصر العدل والإنصاف) ص 21، والحنفية، ابن عبدالشكور (مسلم الثبوت بشرح الفواتح ج 1 ص 280، أمير باد شاه (تيسير التحرير) ج 1 ص 252، وحكاه الزركشي عن الجمهور (البحر المحيط) ج 4 ص 259، وانظر: الآمدي (الإحكام) ج 2 ص 282)، ابن الحاجب مختصر المنتهى بشرح العضد) ج 2 ص 123، الشوكاني (إرشاد الفحول) ص 130، السالمي (شرح طلعة الشمس) ج 1 ص 119. (3) قال ابن قاسم العيادي: لا يعرف له أصل بهذا اللفظ، ولكن روى الترمذي وقال: حسن صحيح وابن ماجة وابن حبان قوله - ع - في مبايعة النساء -: إني لا أصافح النساء وما قولي لامرأة واحدة الا كقولي لمائة امرأة. ابن قاسم (الآيات البينات) ج 2 ص 410، وينظر: الترمذي (سنن الترمذي) كتاب السير، باب ما جاء في مبايعة النساء، حديث 1601، ج 4 ص 151 - 152، وابن ماجة (سنن ابن ماجة) المعجم، الجهاد، باب بيعة النساء، حديث 2874، ج 3 ص 398، وينظر: الغماري (الابتهاج بتخريج أحاديث المنهاج) ص 110.
(4) هو قول الحنابلة. ابن النجار (شرح) الكوكب المنير) ج 3 ص 223. قال إمام الحرمين: إن وقع النظر في مقتضى اللفظ فلا شك أنه للتخصيص، وإن وقع النظر فيما استمر الشرع عليه فلا شك أن خطاب رسول الله - ه - وإن كان مختصا بآحاد الأمة، فإن الكافة يلزمون في مقتضاه ما يلتزمه المخاطب، وكذلك القول فيما خص به أهل عصره، وكون الناس شرعا في الشرع، واستبانة ذلك في عهد الصحابة ومن بعدهم لا شك فيه، وكون مقتضى اللفظ مختصا بالمخاطب من جهة اللسان لا شك فيه فلا معنى لعد هذه المسألة من المختلفات، والشقان جميعا متفق عليهما، الجويني (البرهان) ج 1 ص 202، فقد أشار بهذا الكلام إلى أنه لا ينبني على الخلاف في هذه المسألة معنى، فهو
خلاف لفظي. (د) القرآن الكريم سورة النساء (مدنية) آية رقم 171. (1/281)
صفحة 282
282
***
فصول الأصول
***
الأمة معهم، وقيل: يشملهم فيما يتشاركون فيه (2). قال الكوراني: قد اختلف في الخطاب الخاص بأهل الكتاب لفظا هل يختص بهم حكما؟ والمختار عند المصنف اختصاصه بهم، والحق أنه إن أراد أنه لا يتناول غيرهم لغة فهو حق، وإلا فلا، إذ لا مانع من القياس إذا كانت العلة مشتركة، إلى أن قال: ولو قال المصنف بخطاب مثل يا أهل الكتاب: لا يعم غيرهم كان أخصر وأفيد (3). ثم اختلفوا هل الشمول - هنا - بطريق العادة العرفية أو الاعتبار العقلي خلاف. قال الكمال: وعلى هذا ينبني استدلال الأئمة (4) بمثل قوله تعالى: {أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِ (5) الآية، فإن هذه الضمائر لبني إسرائيل، قال: وهذا كله في الخطاب على لسان نبينا محمد - -، أما خطابهم على لسان أنبيائهم فما هذا محله، بل مسألة شرع من قبلنا (6) والله أعلم.
هي
(1) قال بذلك ابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 1 ص 429، والزركشي (البحر المحيط) ج 4 ص 249، ونسبه ابن النجار إلى الأكثر (شرح الكوكب المنير) ج 3 ص 245.
(2) ابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 1 ص 429، ابن النجار (شرح الكوكب المنير) ج 3
ص 245.
(3) ابن قاسم (الآيات البينات) ج 2 ص 410.
(4) في ب الآية، ولا معنى لها - هنا -. (5) القرآن الكريم سورة البقرة (مدنية) آية رقم 44.
(6) ابن قاسم (الآيات البينات) ج 2 ص 410. (1/282)
صفحة 283
283
***
فصول الأصول
***
الفصل التاسع والأربعون
يدخل المخاطب في عموم خطابه، وقيل: لا
اختلف العلماء في المخاطب - بكسر الطاء - لغيره هل هو داخل في عموم خطابه؟ قيل: يدخل مطلقا نظرا لظاهر اللفظ (1).
وقيل: لا يدخل مطلقا (2)، لبعد أن يريد المخاطب نفسه إلا بقرينة، وقيل: يدخل في عموم خطابه إن كان خبر (3)، نحو: الله وَاللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ لله (4) فهو سبحانه عليم بذاته وصفاته، أما إن كان أمرا فلا يدخل، كقول السيد لعبده وقد أحسن إليه: من أحسن إليك فأكرمه، لبعد أن يريد الآمر نفسه بخلاف المخبر.
والأصح عندنا دخوله في الخطاب إلا لقرينة حالية – كما هنا - أو عقلية كقوله تعالى: وَخَلَقَ كُل شَيء)، لأن العقل قاض باستحالة دخوله تعالى في المخلوقية،
والله أعلم.
(0)
(1) قال به الغزالي (المستصفى) ج 2 ص 88، والامدي (الاحكام) ج 2 ص 296، وابن الحاجب (مختصر المنتهى بشرح العضد) ج 2 ص 127، والقرافي (شرح تنقيح الفصول) ص 198، والاسنوي (التمهيد) ص 346، والكمال بن الهمام التحرير بشرح التيسير) ج 1 ص 256، والبدر الشماخي (مختصر العدل) ص 21، والسالمي (شرح طلعة الشمس) ج 1 ص 119، وهو قول أكثر الحنابلة، ابن قدامة (روضة الناظر) ج 2 ص 714، الطوفي (شرح مختصر (الروضة ج 2 ص 537، وحكاه ابن عبدالشكور عن اكثر الحنفية وغيرهم (مسلم الثبوت بشرح (الفواتح ج 1 ص 127، والكمال بن الهمام (الاحكام) ج 2 ص 296، و ابن الحاجب (مختصر المنتهى بشرح العضد ج 2 ص 127، والكمال بن الهمام (التحرير بشرح التيسير) ج 1 ص 256، إلى أكثر العلماء وحكاه الشوكاني عن الجمهور (ارشاد الفحول) ص 130. (2) حكاه الإمام السالمي عن بعض العلماء (طلعة الشمس) ج 1 ص 119. (3) قال بن أبو الخطاب الحنبلي ونسبه إلى أكثر الفقهاء والمتكلمين. أبو الخطاب (التمهيد) ج 1 ص 272.
(4) القرآن الكريم سورة النور (مكية) آية رقم 16.
(3) القرآن الكريم سورة الأنعام (مكية) آية رقم 101. (1/283)
صفحة 284
***
فصول الأصول
***
الفصل الخمسون
اختلف في نحو: خذ من أموالهم صدقة
اختلف الأصوليون في الأمر الوارد في الكتاب العزيز أو السنة النبوية كقوله تعالى: خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهَرُهُمْ الله (1)، قال بعضهم: يقتضي الأخذ من كل {نوع من الأنواع المالية، ولا يعد المأمور ممتثلا إلا بذلك (2).
وقال آخرون: يعد ممتثلا بالأخذ من نوع واحد (3)، وتوقف الآمدي عن ترجيح واحد من القولين (4)، فالقائلون بالأول اعتبروا فيه أنه حكم على الجميع، والقائلون بالثاني اعتبروا فيه أنه حكم على المجموع.
والقول الأول هو الصحيح الموافق لقواعد الأصول: لأن قوله: من أموالهم هو جمع معرف بالإضافة، فهو من صيغ العموم، وأما الاقتصار على الأنواع المأخوذة منها في الصدقات فذلك تخصيص لهذا العموم بدليل خارجي من السنة القولية والفعلية كما هو معلوم.
قال ابن القاسم: ولا شك أن القول الأول (5) هو الموافق لما تقدم من الجمع المعرف بالإضافة من صيغ العموم، ومن أن مدلول العام كلية، أي: محكوم فيه على كل فرد. فإن قيل: لا يصح العموم - هنا - لأن قضيته الأخذ من كل قليل وكثير مع أن الصدقة لا تؤخذ من القليل، فالجواب أن هذا العموم مخصوص بالأدلة المانعة
(1) القرآن الكريم سورة التوبة (مدنية) آية رقم 103. (2) حكاه ابن النجار عن أكثر العلماء (شرح الكوكب المنير) ج 3 ص 256، والزركشي عن الجمهور (البحر المحيط) ج 4 ص 236، وانظر: ابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 1 ص 429، الإسنوي (نهاية السول) ج 2 ص 373، الشوكاني (إرشاد الفحول) ص 126. (3) قال به ابن الحاجب مختصر المنتهى بشرح العضد) ج 2 ص 128، ونسبه الكمال التحرير بشرح التيسير) ج 1 ص 257، وابن النجار (شرح الكوكب المنير) ج 3 ص 256، والشوكاني إلى الكرخي (إرشاد الفحول) ص 126، لكن الزركشي رجح الرواية التي تنسب إلى الكرخي القول بالعموم في هذه المسألة قال: والذي رأيته في كتاب أبي بكر الرازي عن شيخه أبي الحسن الكرخي انه ذهب إلى أنه يقتضي عموم وجوبه الحق في سائر أصناف الأموال، واختاره أبو بكر - أيضا - وهو الصواب في النقل عنه. الآمدي (الإحكام) ج 2 ص 297، الزركشي (البحر المحيط) ج 4 ص 237.
(4) الآمدي (الإحكام) ج 2 ص 298. (د) في الآيات البينات، ولا شك أن النظر إلى ذلك، ابن قاسم الآيات البينات) ج 2 ص 413.
284 (1/284)
صفحة 285
285
***
فصول الأصول
***
من الأخذ من القليل، المخصوصة، وعبارة السعد (1) في حواشيه ما نصه: وتحقيق المقام أن الجمع لتضعيف المفرد، والمفرد خصوصا مثل المال والعلم والماء قد يراد به الفرد، فيكون معنى الجمع المعرف باللام أو لإضافة جميع الأفراد، وقد يراد به الجنس فيكون معناه جميع الأنواع كالأموال والعلوم، والتعويل على القرائن، وقد دل العرف والعقل (2) والإجماع أي: المانع من الأخذ من كل فرد كدينار ودرهم ودائق (3) على أن المراد في مثل خذ من أموالهم الأنواع لا الأفراد). ورد العضد تبعا لا بن الحاجب الاستدلال على العموم بأن أموالهم جمع مضاف، فيكون المعنى من كل واحد من أموالهم إذ معنى العموم ذلك بقوله (ه): الجواب منع أن معنى العموم ذلك، فإن الكل وضع لاستغراق كل واحد مفصلا، وهو أمر زائد على العموم، ولذلك فرق بين قولك (6): للرجال عندي درهم، وبين قولك: لكل رجل عندي درهم، حتى يلزم في الأول درهم واحد وفي الثاني دراهم بعدة (7)
الرجال (8).
(7)
وأجيب بأنه قد تقوم قرينة على أن المراد بالجمع المعرف هو المجموع لا كل فرد، مثل هذه الدار لا تسع الرجال، أو نفس الجنس (9)، مثل فلان يركب الخيل ويا هند لا تحدثي الرجال، فلهذا يفرق بين للرجال عندي درهم وبين لكل رجل عندي درهم
(1) في ب السعة، ولا معنى في هذا الموضع.
(2) كذا في النسختين، وقد ورد في حواشي السعد لفظ: وانعقد الإجماع. (3) ما بين القوسين من كلام المؤلف لزيادة الإيضاح، وليس من كلام السعد. (4) السعد التفتازاني (حاشية السعد على شرح العضد على مختصر المنتهى) ج 2 ص 128.
(د) أي العضد.
(6) كلمة قولك زيادة من المؤلف وباقي كلام العضد نقله بنصه.
(1) في ألعدة أما في ب وشرح العضد بعدة.
(8) العضد (شرح العضد على مختصر المنتهى) ج 2 ص 128. (9) كذا في النسختين وفي الآيات البينات، ابن قاسم (الآيات البينات) ج 2 ص 414. أما حاشية السعد فقد ورد لفظ الحقيقة بدل الجنس، وهذا يدل على أن المؤلف لا ينقل كلام ابن الحاجب والعضد والسعد من نفس المصادر، وإنما ينقل كلامهم بواسطة الآيات البينات لا بن قاسم العبادي، وقد اعتمد المؤلف - رحمه الله - على هذا الكتاب اعتمادا كبيرا. (1/285)
صفحة 286
***
فصول الأصول
***
عملا بالبراءة الأصلية بخلاف وَاللهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِين (1)، ويحب كل محسن وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبَاد (2)، أو لأحد من العباد (3).
وحاصله أن الفرق بين للرجال ولكل رجل ليس لما ذكره العضد بل لقيام القرينة)، والله أعلم، وبه العون والتوفيق.
(1) القرآن الكريم سورة آل عمران (مدنية) آية رقم 134. (2) القرآن الكريم سورة غافر (مكية) آية رقم 31.
(3) السعد (حاشية السعد التفتازاني على شرح العضد على مختصر المنتهى) ج 2 ص 128. (4) ابن قاسم العبادي (الآيات البينات) ج 2 ص 413 - 414.
286 (1/286)
صفحة 287
287
***
فصول الأصول
***
مبحث التخصيص
الفصل الحادي والخمسون
في تعريفه وما ينتهي إليه
التخصيص مصدر خصص بمعنى خص (1)، وهو - هنا - قصر العام على بعض أفراده بأن لا يراد منه البعض الآخر.
واختلفوا فيما يجوز أن ينتهي إليه تخصيص العام، فقال بعضهم: يجوز تخصيصه حتى لا يبقى منه إلا واحد مطلقا (2).
وقال آخرون: إن ذلك فيما عدا الجمع، أما فيه فيشترط بقاء ثلاثة (3)، وقيل: بقاء
عدد يقرب من لفظ العام بدون حصر (4)، وقيل: لا بد من بقاء ثلاثة مطلقا (ه). قال السبكي: والحق جواز التخصيص إلى واحد إن لم يكن لفظ العام جمعا كمن والمفرد المحلي باللام، ويجوز إلى ثلاثة أو اثنين أقل الجمع إن كان جمعا كالمسلمين والمسلمات (6).
(1) خص الشيء خصوصا، نقيض عم، ابن منظور (لسان العرب باب الصاد فصل الخاء، ج 7، ص 25، إبراهيم أنيس وآخرون (المعجم الوسيط) باب الخاء، ج 1 ص 237. (2) ذهب إلى هذا القول أبو اسحاق الشيرازي (التبصرة) ص 125، والقاضي عبدالوهاب وابو القاسم الغرناطي وعبدالله بن الحاج ابراهيم الشنقيطي من المالكية. الزركشي (البحر المحيط) ج 4 ص 346، الشنقيطي عبدالله (مراقي السعود بشرح نثر الورود) ج 1 ص 272 273، والسالمي (شرح طلعة الشمس) ج 1 ص 88، وحكاه الكمال التحرير بشرح التيسير) ج 1 ص 326، وابن عبدالشكور (مسلم الثبوت بشرح الفواتح ج 1 ص 306، عن الحنفية، وهو رأي الحنابلة. أبو الخطاب (التمهيد) ج 2 ص 131، ابن قدامة (روضة الناظرة) ج 2 ص 712، الطوفي (شرح مختصر الروضة) ج 2 ص 547 وعزاه ابن الصباغ إلى (روضة الناظرة) ج 2 ص 712، الطوفي (شرح مختصر الروضة ج 2 ص 547 وعزاه ابن الصباغ إلى أكثر الشافعية. الزركشي (البحر المحيط) ج 4 ص 346، وينظر: اللامشي (كتاب في أصول الفقه) ص 129،
القرافي (شرح تنقيح الفصول ص 224، الكلبي ابن جزء (تقريب الوصول) ص 79. (3) قال به القفال الشاشي. الفخر الرازي (المحصول) ج 3 ص 13، الآمدي (الإحكام) ج 2 ص 302، البيضاوي المنهاج بشرح نهاية السول) ج 2 ص 385، الجزري (معراج المنهاج) ج 1 ص 362. (4) وهو قول أبي الحسين البصري (المعتمد) ج 1 ص 236، وقال به الفخر الرازي (المحصول) ج 3 ص 13، والبيضاوي المنهاج بشرح نهاية السول) ج 2 ص 385، وحكاه الآمدي عن أكثر الشافعية، (الإحكام) ج 2 ص 302.
(2) حكاه ابن برهان. الزركشي (البحر المحيط) ج 4 ص 346.
(6) ابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 2 ص 3. (1/287)
صفحة 288
***
فصول الأصول
***
قال ابن قاسم: قوله: إن لم يكن لفظ العام جمعا أقول: يدخل فيه نحو: لقيت كل رجل في البلد، وأكلت كل رمانة في البستان، لأن لفظ العام – هنا – ليس بجمع لا يقال (1): بل هو جمع في المعنى لشموله، لأنه لو صح هذا دخل جميع ألفاظ العموم كمن والرجل في قوله: إن كان جمعا، وهو باطل قطعا، وحينئذ (2) فقمتضى إطلاقه جواز التخصيص - هنا - إلى الواحد، ولا يخفى بعده، وفي العضد كابن الحاجب وغيره استدلالا على مختاره في مخطئا، وكذا لو قال أكلت كل رمانة في البستان، ولم يأكل إلا ثلاثا، وكذا لوقال: كل من دخل داري فهو حر، وفسره بثلاثة، فقال: قتلت كل من بالمدينة، ولم يقتل إلا ثلاثة عد لاغيا مخطئا، وكذا قال أكلت كل رمانة البستان، ولم يأكل إلا ثلاثا، وكذا لو قال: كل من دخل داري فهو حر، وفسره بثلاثة، فقال: أردت زيدا وعمرا وبكرا، عد لاغيا مخطئا (3).
وأجيب: بأن الكلام - هنا - في الصحة لغة، ولا ينافيها عدم الصحة عرفا وعقلا، لكنه إنما يستقيم إذا لم يرد بالعرف المذكور في النظر عرف اللغة بل مطلق العرف.
وأجيب – أيضا – بأنه إنما يعد لاغيا في الصور المذكورة حيث لم يذكر المخصص، أما لو ذكره فقال - مثلا: قتلت كل من في المدينة غير لابس البياض، ولم يكن فيها ممن لم يلبس البياض إلا ثلاثة، لم يعد لاغيا قطعا.
-
وقال كثير من الأصوليين: يجوز تخصيص كل لفظ عام حتى لا يبقى منه إلا
واحدا.
وصححه صاحب المنهاج واحتج له بوجهين: أحدهما: أنه إذا جاز التخصيص وهو إخراج بعض ما وضع له لفظ العموم استوى فيه إخراج القليل و الكثير، إذ لا وجه يقتضي الفرق بينهم، والعموم في كلتا الحالتين مستعمل فيما دون القدر
الذي وضع له.
(1) لا يقال ساقطة من ب.
(2) في ب حينئذ بدون واو.
(3) ابن قاسم (الآيات البينات) ج 3 ص 10، العضد (شرح العضد على مختصر المنتهى) ج 2 ص 130 - 131.
288 (1/288)
صفحة 289
289
***
فصول الأصول
***
والوجه الثاني: أنه واقع - أيضا - في الكتاب العزيز، وهو قوله تعالى: حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِن الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْم (1)، فلم يبق تحت اللفظ العام إلا نوع واحد، وكذلك قوله تعالى: {الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ به (2)، إذ القائل واحد، وهو نعيم ابن مسعود الأشجعي (3) في قول أكثر علماء التفسير (4) (5). فالحق عندي جواز تخصيص ألفاظ العموم كلها حتى يبقى منها واحد كما رأيت، والله أعلم (1).
(6)
(1) القرآن الكريم سورة الأنعام (مكية) آية رقم 146. (2) القرآن الكريم سورة آل عمران (مدنية) آية رقم 173.
(3) نعيم بن مسعود بن عامر أبو سلمة الأشجعي، من أجلاء الصحابة، أسلم في وقعة الخندق، وهو الذي أوقع الخلف بين قريظة وغطفان وقريش يوم الخندق، توفي في خلافة عثمان، وقيل يوم الجمل. ابن الأثير (أسد الغابة) ج 5 ص 348، الذهبي (الكاشف) ج 3 ص 325.
(4) الفخر الرازي (التفسير الكبير) ج 9 ص 80، ابو حيان البحر المحيط) ج 3 ص 436.
(د) ابن المرتضى (منهاج الوصول) ص 342.
(6) هناك قولان آخران في المسألة هما:
أ- إذا كان التخصيص بالاستثناء والبدل فيجوز إلى الواحد وإلا فلا.
ب- إذا كان التخصيص بالاستثناء والبدل فيجوز إلى واحد، وإن كان بالمتصل كالصفة فيجوز إلى اثنين، وبالمنفصل في المحصور القليل يجوز إلى اثنين، وبالمنفصل في غير المحصور أو العدد الكثير فلا بد من بقاء جمع يقرب من مدلوله، ابن الحاجب (مختصر المنتهى بشرح العضد ج 2 ص 130 الزركشي (البحر المحيط) ج 4 ص 346. (1/289)
صفحة 290
***
فصول الأصول
***
الفصل الثاني والخمسون
هل إطلاق لفظ العام على باقي أفراده بعد تخصيصه حقيقة أم مجاز؟
اللفظ العام إذا خصص أطلق على ما بقي من أفراده مجازا، كقوله تعالى: اقتلوا المشركين (1)، خصص منه أهل الذمة، فلا يقتلون، فبقي لفظ المشركين مقصورا على أهل الحرب منهم، وهو مجاز فيه عند أكثر الأصوليين (2).
(3)
وقال الحنفية وبعض الشافعية بل هو حقيقة فيما بقي وقال أبو الحسين وابن الخطيب: إن كان المخصص متصلا فاللفظ حقيقة، وهو الشرط والاستثناء والبدل والصفة وإن لم يكن متصلا فمجاز (4). وقال الباقلاني: لا يكون فيما بقي حقيقة إلا إن خصص بشرط أو استثناء (ه).
(1) القرآن الكريم سورة التوبة (مدنية) آية رقمه.
(2) ممن قال بأن اللفظ العام بعد تخصيصه يبقى مجازا في الباقي البيضاوي المنهاج بشرح المعراج) جا ص 364، والصفي الهندي وابن برهان والدبوسي. الزركشي (البحر المحيط) ج 1 ص 245، وذكر الزركشي ان الفخر الرازي نقله عن جمهور الشافعية والمعتزلة كأبى على وابنه. ونسبه أبو الوليد الباجي إلى كثير من المالكية (أحكام الفصول) ص 245، الزركشي (البحر المحيط) ج 4 ص 248، ولم أجد هذا في المحصول بل وجدته نسب هذا القول إلى أبي علي وأبي هاشم من المعتزلة فقط. الرازي (المحصول) ج 3 ص 14، وعزاه الزركشي إلى السرخسي البحر المحيط) ج 4 ص 348، ولكن السرخسي صرح في أصوله أنه يبقى حقيقة أصول السرخسي ج 1 ص 144، وينظر: الآمدي (الاحكام ج 2 ص 247،
الكمال التحرير بشرح التيسير) ج 1 ص 308، الانصاري (فواتح الرحموت) ج 1 ص 311. (3) حكاه الجلال المحلي (شرح المحلي على جمع الجوامع) وابن برهان، الآمدي (الاحكام) ج 2 ص 247، عن أكثر الشافعية، وابن السبكي عن الفقهاء (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 2 ص ه، وابن القشيري عن جمهور الفقهاء، الآمدي (الاحكام) ج 2 ص 247، الكمال التحرير بشرح التيسير) ج 1 ص 308، ابن عبدالشكور (مسلم الثبوت بشرح الفواتح ج 1 ص 311. (4) وعزاه الغزالي (المستصفى) ج 2 ص 55، والزركشي (البحر المحيط) ج 4 ص 350، إلى الباقلاني، وينظر: أبو الحسن (المعتمد) ج 1 ص 262، الرازي (المحصول) ج 3 ص 14. (2) الآمدي (الإحكام) ج 2 ص 247، الكمال التحرير بشرح التيسير) ج 1 ص 308، الأنصاري (فواتح الرحموت) ج 1 ص 312.
290 (1/290)
صفحة 291
***
فصول الأصول
***
وقيل: إن خصص بدليل لفظي فحقيقة وإلا فمجاز (1)، واحتج القائلون بأنه حقيقة فيما بقي أن لفظ العام وضع لما هو له في الأصل، فما بقي بعد التخصيص لم يخرج عن وضعه الأصلي. قلنا: لا نسلم بذلك، لأن التخصيص تغيير لذلك الوضع عن أصله، وتغييره كاف لأن يكون الباقي لغير ما وضع له، وهو المجاز (3).
وثمرة الخلاف في هذا المقام أن من جعل العام حقيقة في الباقي بعد التخصيص يقدمه على المجاز إذا عارضه، ومن جعله مجازا لا يقدمه على المجاز عند التعارض إلا بمرجح خارجي والله تعالى (3) أعلم.
(1) الآمدي (الإحكام) ج 2 ص 247، الأنصاري (فواتح الرحموت) ج 1 ص 247، وقيل: إن خص بشرط أو صفة فحقيقة وإلا فمجاز، وهو مذهب القاضي عبد الجبار، أبو الحسن (المعتمد) ج 1 ص 262، الآمدي (الاحكام) ج 2 ص 247.
وقيل إن كان الباقي جمعا فحقيقة وإلا فمجاز، قال به أبو الوليد الباجي (أحكام الفصول) ص 246، وحكي عن أبي بكر الرازي من الحنفية، الأنصاري (فواتح الرحموت) ج 1 ص 311، الآمدي (الاحكام)
ج 2 ص 247.
وقيل: حقيقة في الباقي مجاز في الاقتصار عليه، قال به الجويني (البرهان) ج 1 ص 276، وحكاه الكمال عن بعض الحنفية (التحرير بشرح التيسير) ج 1 ص 308، وقال عبد العلي الأنصاري، منهم - أي الحنفية - صدر الشريعة، الأنصاري (فواتح الرحموت) ج 1 ص 311، صدر الشريعة (التنقيح بشرحي التوضيح والتلويح) ج 1 ص 71، السالمي (شرح طلعة الشمس) ج 1 ص 127.
(2) في ب مجاز.
(3) تعالى ساقطة من ب.
291 (1/291)
صفحة 292
***
فصول الأصول
***
الفصل الثالث والخمسون
في العام المخصص هل هو حجة فيما بقي من أفراده؟
واختلفوا في العام المخصص هل يكون حجة فيما بقي من أفراده بعد التخصيص أم لا؟ قال أكثر الأصوليين: إنه حجة مطلقا (1)، لاستدلال الصحابة به في الأحكام والحوادث من غير نكير من أحد منهم، وقد شاع ذلك وذاع.
وقيل: إن كان المخصص معينا نحو: اقتلوا المشركين إلا أهل الذمة فهو حجة في الباقي بخلاف المبهم نحو اقتلوا المشركين إلا بعضهم، إذ ما من فرد من أفراده – هنا - إلا ويجوز أن يكون هو المخرج.
وأجيب بأنه يعمل به إلى أن يبقى فرد واحد، وهذا القول ينسب إلى الآمدي
وغيره (2)، حتى أن كلامه يقتضي الاتفاق على أنه في المبهم غير حجة. وقال قوم: هو حجة إن خص متصل (3) كالصفة والاستثناء ونحوهما لما تقدم في أنه حينئذ يكون حقيقة بخلاف المنفصل، فيجوز أن يكون قد خص به غير ما ظهر فيشك في الباقي.
(1) قال به ابن برهان. الزركشي (البحر المحيط) ج 4 ص 358، والخبازي (المغني) ص 109، وقال السرخسي: والصحيح عندي أن المذهب عند علمائنا - رحمهم الله - في العام إذا لحقه خصوص يبقى حجة فيما وراء المخصوص سواء كان المخصوص مجهولا أو معلوما إلا أن فيه شبهة حتى لا يكون موجبا قطعا ويقينا (اصول السرخسي) ج 1 ص 144، أمير باد شاة (تيسير التحرير) ج 1 ص 313، وحكاه الآمدي عن الفقهاء (الاحكام) ج 2 ص 252، ونسب محققا شرح الكوكب المنير إليه – الآمدي – هذا القول حيث قالا: ذكره الامدي عن الفقهاء ثم اختاره ورجحه وذكر أدلته ابن النجار (شرح الكوكب المنير) ج 3 ص 163 هامش، لكن الآمدي في آخر كلامه في المسألة اختار أن العموم حجة فيما بقي إن كان المخصص معينا (الاحكام) ج 2 ص 252. (2) الامدي (الاحكام) ج 2 ص 252، واختاره الفخر الرازي (المحصول) ج 3 ص 17، وابن الحاجب (مختصر المنتهى بشرح العضد ج 2 ص 108، وابو الحسين ابن القطان، وقال ابن الصباغ: إنه قول اصحابنا، وقال الدبوسي: انه الذي صح عنده من مذهب السلف، الزركشي (البحر المحيط) ج 4 ص 358، وقال به البدر الشماخي (شرح مختصر (العدل) ص 136، والسالمي وحكاه عن الجمهور (شرح طلعة الشمس) ج 1 ص 161، وعزاه ابن النجار إلى الامام أحمد وأصحابه (شرح الكوكب المنير) ج 3 ص 161، وحكى بعض الأصوليين الاتفاق عليه كالباقلاني وابن السمعاني والاصفهاني. الزركشي (البحر المحيط) ج 4 ص 358، وينظر: القرافي (شرح تنقيح الفصول ص 227. (3) هو قول البلخي وعزاه الفخر الرازي إلى أبي الحسن الكرخي. الفخر الرازي (المحصول) ج 3 ص 17، ابن الحاجب (مختصر المنتهى بشرح العضد ج 2 ص 108، القرافي (شرح تنقيح الفصول) ص 227.
292 (1/292)
صفحة 293
293
***
فصول الأصول
***
وقال قوم: هو حجة في الباقي إن أنبأ عنه العموم) نحو قوله تعالى: فاقتلوا المشركين (2)، فإنه ينبئ عن الحربي لتبادر الذهن إليه كالذمي المخرج بخلاف ما لا ينبئ عنه العموم نحو قوله تعالى: والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما (3)، فإنه لا ينبئ عن السارق لقدر ربع دينار فصاعدا من حرز، كما لا ينبئ عن السارق لغير ذلك المخرج، إذ لا يعرف خصوص هذا التفصيل إلا من الشارع، فالباقي في نحو ذلك يشك فيه باحتمال اعتبار قيد آخر، وقيل: هو حجة في أقل الجمع ثلاثة (4)، لأنه المتيقن، وما عداه مشكوك فيه لاحتمال أن يكون قد خص، وهذا مبني على قول تقدم في جواز التخصيص إلى أقل الجمع مطلقا.
وقيل: لا يكون حجة مطلقا (5)، واختار شيخنا السالمي تبعا للبدر الشماخي أنه يكون حجة ودليلا في الباقي إلا إذا كان المخصص لفظا مجملا، نحو: هذا العام مخصوص، أو هذا العام يراد به الخصوص، فهذا لفظ محمل، لأنه لم يعلم به قدر المخصص من العام، فبقي العام في حكم المجمل، والمجمل لا يعلم المراد به إلا ببيان، فلا يكون العام في هذه الصورة حجة ودليلا، وهذا هو قول الآمدي كما علمت، وقد حكى الاتفاق عليه، والله تعالى أعلم (6).
(1) هو قول أبي عبدالله البصري. أبو الحسين (المعتمد) ج 1 ص 265، الآمدي (الإحكام) ج 2 ص 252.
(2) القرآن الكريم سورة المائدة (مدنية) آية رقم 5.
(3) القرآن الكريم سورة المائدة (مدنية) آية رقم 38. (4) حكاه الامدي (الإحكام) ج 2 ص 253، وابن الحاجب (مختصر المنتهى بشرح العضد) ج 2 ص 108، وابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 2 ص 7. (5) ذهب إلى هذا أبو الحسن الكرخي وعيسى بن أبان وابو ثور. أبو الحسين (المعتمد) ج 1 ص 265، السرخسي (أصول السرخسي) ج 1 ص 144، القرافي (شرح تنقيح الفصول ص 227، الخبازي (المغني) ص 108، أمير باد شاه (تيسير التحرير) ج 1 ص 313، ابن بدران (نزهة الخاطر العاطر) ج 2 ص 131.
(6) انظر الصفحة السابقة. (1/293)
صفحة 294
***
فصول الأصول
***
الفصل الرابع والخمسون
هل يجوز التمسك بالعام قبل البحث عن المخصص؟
اختلف علماء الأصول في جواز التمسك بالعام والعمل بمقتضاه قبل البحث عن المخصص، وهذا الخلاف فيما إذا أريد العمل به بعد وفاة النبي - ع - أما في
(1)
زمانه - عليه الصلاة والسلام - فيجوز التمسك بالعام من غير بحث هل له مخصص أما لا اتفاقا، لأن ذلك زمان التشريع، فلو كان له مخصص لأخبر به - - إذ لا إذلا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة، وكذا بع الوفاة خلافا لابن سريج ومن تبعه في قوله: لا يتمسك به قبل البحث لاحتمال المخصص) وأجيب بأن الأصل عدمه، وهذا الاحتمال منتف في حياة النبي لأن التمسك بالعام إذ ذاك بحسب الواقع فيما ورد لأجله من الوقائع وهو قطعي الدخول وعلى جواز التمسك به قبل البحث عن المخصص مطلقا جرى الإمام الرازي وغيره (2).
-
(1) ونسبه الشيرازي إلى عامة الشافعية، منهم أبو سعيد الأصطخري وأبو إسحاق المروزي (اللمع) ص 28، وهو قول الغزالي وحكى الاتفاق عليه (المستصفى) ج 2 ص 157، وابن الحاجب وحكة الاجماع على ذلك (مختصر المنتهى بشرح العضد) ج 2 ص 168، والجويني، وقد شدد النكير على أصحاب القول الثاني وهو العمل بالعم قبل البحث عن المخصص - حيث قال: وهذا غير معدود عندنا من مباحث العقلاء ومضطرب رب العلماء، وإنما هو قول صدر عن غباوة واستمرار على عناد البرهان) ج 1 ص 273. وقد اعترض على حكاية الاتفاق أو الاجماع على القول بالبحث عن المخصص قبل العمل بالعموم، منهم البدر الشماخي حيث قال: والعجب من الغزالي مع حفظه حيث قال: لا خلاف أنه لا يجوز المبادرة إلى العمل بالعموم قبل البحث عن الأدلة المخصصة، لأن العموم دليل بشرط انتفاء المخصص، وأعجب منه ابن الحاجب حيث قال: يمتنع العمل بالعموم قبل البحث عن المخصص إجماعا والخلاف مشهور ذكره الشيرازي في اللمع، والبهيري في شرح المعالم وحكي عن بعض المالكيين وعن بعض الشافعيين وبعض الحنفيين، ولولا الإطالة لبسطنا حجتنا في ذلك، الشماخي (شرح مختصر العدل) ص 132.
جماعة من
العلماء
ومنهم ابن عبدالشكور حيث قال: يجوز العمل بالعام قبل البحث عن المخصص، وعليه البيضاوي والصيرفي والأرموي، ونقل الغزالي والآمدي الإجماع على المنع، وهو ممنوع، فإن الأستاذ الإسفراييني وأبا إسحاق الشيرازي والإمام الرازي حكوا الخلاف. ابن عبد الشكور (مسلم الثبوت بشرح الفواتح ج 1 ص 267. ومنهم عبد العلي الأنصاري حيث قال: وأدل الدليل على أن نقل الاجماع غير مطابق أن أمير المؤمنين عمر - ردانه - حكم بالدية في الأصابع بمجرد العلم بكتاب عمرو بن حزم - ه -. الانصاري (فواتح الرحموت) ج 1 ص 267، وينظر: ابن قدامة (روضة الناظر) ج 2 ص 717، الزركشي (البحر المحيط) ج 4 ص 47. (2) الرازي (المحصول) ج 3 ص 21 - 23.
294 (1/294)
صفحة 295
295
***
فصول الأصول
***
واختاره البيضاوي وغيره (1)، وهو قول الصيرفي (2)، وعليه الأكثر من أصحابنا (3) (4)، وعلى القول بوجوب البحث عن المخصص يكفي فيه الظن بأن لا
مخصص، خلافا للقاضي أبي بكر الباقلاني في قوله: لابد من القطع (4). قال: ويحصل بتكرير النظر والبحث وإشهار كلام الأئمة من غير أن يذكر أحد مخصصا (ه)، والحق ما قدمناه، والله أعلم.
منهم
(1) البيضاوي (المنهاج بشرح المعراج) ج 1 ص 268.
(2) الزركشي (البحر المحيط) ج 4 ص 64، وينظر: الشيرازي (اللمع) ص 28، ابن قدامة (روضة الناظر) ج 2 ص 719، ابن الحاجب مختصر المنتهى بشرح العضد) ج 2 ص 168.
(3) الشماخي (شرح مختصر العدل) ص 132.
(4) الزركشي (البحر المحيط) ج 4 ص 64. (د) المرجع السابق. (1/295)
صفحة 296
***
فصول الأصول
***
الفصل الخامس والخمسون
تنقسم المخصصات إلى متصلة ومنفصلة
المخصص قسمان: متصل ومنفصل، فالمتصل ما لا يستقل بنفسه من اللفظ بأن يقارن العام، وهو خمسة أشياء:
أحدها الاستثناء)، وهو إخراج البعض منه بإلا أو إحدى أخواتها (2) كخلا وعدا وسوى (3)، وأن يصدر ذلك الإخراج من المتكلم الأول على الأصح، وقيل: (1) الاستثناء لغة: مأخوذ من ثني الشيء تثنيا، رد بعضه على بعض، وقد ثنى وانثنى، وأثناء الوادي: معاطفه وأجراعه. ابن منظور (لسان العرب) باب النون فصل الثاء، ج 14 ص 115، ابن فارس (مجمل اللغة) باب الثاء والنون وما يثلثهما، ج 1 ص 163.
(2) وعرفه ابن حزم بأنه تخصيص بعض الشيء من جملته الاحكام) ج 2 ص 420، والغزالي: بأنه قول ذو صيغ مخصوصة محصورة دال على أن المذكور منه لم يرد بالقول الأول (المستصفى) ج 2 ص 163، والفخر الرازي: بأنه إخراج بعض الجملة من الجملة بلفظ إلا أو ما أقيم مقامه (المحصول) ج 3 ص 122، وانظر: الباجي (إحكام الفصول) ص 182، الآمدي (الإحكام) ج 2 ص 307، الطوفي (شرح مختصر الروضة) ج 2 ص 580. (3) أدوات الاستثناء هي إلا، غير، سوى، سوى، سواء، خلا، حاشا، ليس، لا يكون، وزاد الزمخشري والجزولي لا سيما، وهي على أقسام
قسم اتفق على حرفيته وهي إلا. وقسم اتفق على اسميته، وهي غير وسوى. وقسم اختلف فيه هل فعل أو حرف؟ وهي ليس، فذهب سيبويه كتاب سيبويه ج 2 ص 09 والزمخشري والقاسم بن الحسين الخوارزمي (التخمير شرح المفصل ج 1 ص 460، وابن هشام في شرح القطر (شرح القطر) ص 247 - 248، إلى أنها فعل ونسبه في المغني إلى أكثر البصريين (مغني اللبيب) جا ص 122، وحكاه خالد الأزهري عن الجمهور (التصريح) ج 1 ص 347. وذهب ابن السراج والفارسي في أحد قوليه وابن شقير إلى أنها حرف. القرافي (الاستغناء) ص 29، ابن هشام (شرح (القطر) ص 247 - 248، (مغني اللبيب) ج 1 ص 122، المرادي (الجنى الداني) ص 494، الأزهري (التصريح) ج 1 ص 347، وكذلك اختلفوا في حاشا، فذهب سيبويه وابن السراج وأكثر البصحريين إلى أنها حرف دائما بمنزلة إلا لكنها تجر المستثنى. ابن السراج (الاصول في النحو) ج 1 ص 288، ابن هشام (المغني) ج 1 ص 122، المرادي (الجنى الداني) ص 562، وهو ظاهر كلام الزمخشري. الزمخشري (المفصل بشرح ابن يعيش) ج 2 ص 84، وذهب المبرد والجرمي والمازني والزجاج والأخفش وأبو زيد والفراء وأبو عمرو الشيباني إلى أنها تستعمل كثيرا حرفا جارا وقليلا فعلا الازهري (التصريح) ج 1 ص 347، وصححه الحسن بن قاسم المرادي (الجنى الداني) ص 563، وقال ابن يعيش: وهو قول متين. ابن يعيش (شرح المفصل) ج 2 ص 84.
وقسم متردد بين الفعلية والحرفية، وهما خلا وعدا. وقسم اتفق على فعلتيه، وهي ما عدا، ما خلا، لا يكون. وقسم مركب من حرب واسم، وهي لا سيما قال الأشموني: جرت عادة النحويين أن لا يذكر وا لا سيما ـع أدوات الاستثناء، وهي مركبة من لا النافية للجنس. وسي التي بمعنى مثل. الأشموني (شرح الأشموني) ص 162، وانظر: ابن يعيش (شرح المفصل) ج 2 ص 78، ابن هشام (المغني) ج 1 ص 142، المرادي (الجنى الداني) ص 436.
296 (1/296)
صفحة 297
297
***
فصول الأصول
***
مطلقا، وذلك كما إذا قال القائل: جاء الرجال، وسكت فقال غيره: إلا زيدا، فهو ستثناء على القول الثاني ولغو على القول (1) الأول، وهو الأصح إن صدر من غير الشارع، أما لو قال النبي - ه - إلا أهل الذمة، عقب نزول قوله تعالى: فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ} (2)، كان هذا استثناء قطعا لصدوره من الشارع، لأنه مبلغ عن الله تعالى وإن لم يكن ذلك قرآنا، ويجب اتصال الاستثناء بالمستثنى منه عادة (3)، أي: يكفي أن يكون متصلا عادة فلا يضر انفصاله بنحو تنفس أو سعال، وروي عن ابن عباس جواز انفصاله إلى شهر، أو إلى سنة، أو أبدا روايات ثلاثة عنه) وروي عن سعيد بن
وهو من
(1) القول ساقطة من ب واثباتها وحذفها سواء. (2) القرآن الكريم سورة التوبة (مدنية) آية رقمه. (3) قال بذلك الشيرازي (التبصرة) ص 162، والغزالي (المنخول) ص 157، والكلوذاني ونسبه إلى عامة العلماء (التمهيد) ج 2 ص 73، وهو مذهب الامدي وعزاه إلى الشافعية والأكثرين من غيرهم (الاحكام) ج 2 ص 310، وهو قول ابن الحاجب والسعد التفتازاني مختصر المنتهى بشرح العضد وحاشية التفتازاني) ج 2 ص 137، والسراج الأرموي (التحصيل) ج 1 ص 373، والطوفي (شرح مختصر الروضة) ج 2 ص 310، والسراج الأرموي (التحصيل) ج 1 ص 373، والطوفي (شرح مختصر الروضة) ج 2 ص 589، والكمال بن الهمام وابن امير الحاج ونسبه إلى جماهير العلماء التحرير بشرح التقرير والتحبير) ج 1 ص 363، وهو قول السالمي (شرح طلعة الشمس) ج 1 ص 147، إلى أكثر العلماء، وقال الغزالي: هو باتفاق أهل اللغة (المستصفى) ج 2 ص 165، وحكى البيضاوي اجماع الادباء على ذلك (المنهاج بشرح الابتهاج) ج 2 ص 145، ووجه إليه ابن السبكي في ابهاجه بأن ابن عباس لم يشترط ذلك – الاتصال- ائمة اللغة، ومن اخير الناس بلغة العرب (الابهاج) ج 2 ص 145، ولكن يمكن ان يقال: البيضاوي لعله حكى الاجماع لانه لم يصح عنده ما نسب إلى ابن عباس. (4) اختلف النقل عن ابن عباس، فقد نقل الأمدي (الأحكام) ج 2 ص 310، وابن الحاجب (مختصر المنتهى بشرح (العضد ج 2 ص 137، عنه أنه يقول بصحة الاستثناء إلى شهر، ونقل عنه الشيرازي إلى سنة التبصرة) ص 162، (اللمع) ص 22، وقال ابن امير الحاج: وقال شيخنا الحافظ، لم أجد رواية الشهر، وإنما وجدت رواية الأربعين يوما، فلعل من قال شهر ألغى الكسر أي: اسقط العشرة أيام وأبقى الشهر واستبعد ابن امير الحاج هذا التأويل، أي: إلغاء الكسر (التقرير والحبير) ج 1 ص 263 - 264، ونقل عنه ابن المرتضى (منهاج الوصول) ص 100، والكمال بن الهمام التحرير بشرح التقرير) ج 1 ص 263، أنه يقول بصحة الاستثناء مطلقا، قال الإسنوي: وهو ما يقتضيه كلام الأكثرين في النقل عنه كإمام الحرمين والغزالي وصاحب المعتمد وأبي إسحاق الشيرازي وغيرهم، وصرح به أبو الخطاب الحنبلي، الإسنوي (نهاية السول) ج 2 ص 411، لكن نص رواية أبي إسحاق في التبصرة إلى سنة (التبصرة) ص 162. هذا ما وجدته من الروايات عن ابن عباس، وقد استبعد كثير من الأصوليين ما نقل. عنه، قال الإسنوي: ومع ذلك فإنهم الجميع قد توقفوا في إثبات أصل هذا المذهب عنه، وشرعوا في تأويله إلى صاحب المعتمد من غير إنكار ولا تأويل (نهاية السول) ج 2 ص 162، لكن ليس صاحب المعتمد وحده هو الذي نقله عنه من غير إنكار ولا تأويل، فقد نقله - أيضا - الشيرازي في تبصرته (التبصرة) ص 162، ويحيى
فنقله (1/297)
صفحة 298
***
فصول الأصول
***
جبير (1): يجوز انفصاله إلى أربعة أشهر، وعن عطاء (2) والحسن (3) يجوز انفصاله في المجلس، وعن مجاهد (4): يجوز انفصاله إلى سنتين، وقيل: يجوز انفصاله ما لم يأخذ في كلام آخر، وقيل: يجوز بشرط أن ينوي في الكلام أنه مراد أولا، وقيل: يجوز في كلام الله تعالى فقط لأنه تعالى لا يغيب عنه شيء، فهو مراد له أولا بخلاف
اليمني (منهاج الوصول) ص 100، والبيضاوي (المنهاج بشرح الإبهاج ج 2 ص 146، لكن لا يعني ذلك أنهم يقولون بصحة ما نسب إليه، إذ ربما اكتفوا بإنكار أو تأويل غيرهم له، أو يكون نقلهم بصيغة التمريض كقولهم: قيل أو روي ما يفيد عدم اقتناعهم بما نسب إليه كما نبه على ذلك الإسنوي في نهاية السول، وممن استبعد ذلك عن ابن عباس الغزالي في (المنخول) ص 157)، و (المستصفى) ج 2 ص 165، فقد قال في المنخول: والوجه تكذيب الناقل فلا يظن به ذلك أو يقال: إذا أضمره في وقت الإثبات وأبداه بعد ذلك، وقال في المستصفى ولعله لا يصح عنه النقل، إذ لا يليق ذلك بمنصبه، فإن صح فلعله أراد به إذا نوى الاسثتناء وممن استبعد ذلك الشيرازي (التبصرة) ص 162، والفخر الرازي (المحصول) ج 3 ص 28، والأمدي (الأحكام) ج 2 ص 310، إلا أن الشوكاني رد على هؤلاء بقوله: ومن قال بأن هذه المقالة لم تصح عن ابن عباس لعله لم يعلم بأنها ثابتة في مستدرك الحاكم (المستدرك) كتاب الاثمان والنذور ج 4 ص 33، كما ذكره أبو موسى المديني وغيره وقال: على شرط الشيخين، وحاول الشوكاني ان يثبت صحة النقل عن ابن عباس، واتى برواية الأعمش وذكر أن أئمتها ثقات، والرواية هي أن النبي - حلف على شيئ، فمضى أربعون ليلة، فأنزل الله تعالى: ولا تقولن لشيئ إني فاعل ذلك غدا إلا أن يشاء الله (الكهف: 22 - 23) فاستثنى النبي - صلى الله عليه وسلم – بعد أربعين ليلة، الشوكاني (إرشاد الفحول) ص 148 لكن ابن أمير الحاج نثل عن السبكي قوله: إن هذه روايات شاذة لم تثبت عنه، ولم أجد هذا في الإبهاج ولا في جمع الجوامع، ثم ذكر ابن أمير الحاج بأن رواية الأعمش سندها معلول من جهة أن بين الأعمش و مجاهد واسطة وهو ليث بن أبي سليم، وهو ضعيف، ولم يحتج به واحد من الشيخين، ابن أمير الحاج (التقرير والتحبير) ج 1 ص 263 - 264، ولم أجد هذا في جمع الجوامع، ولا في الإبهاج، وانظر: الشوكاني (فتح القدير) ج 3 ص 396، السيوطي (الدر المنثور) ج 5 ص 376. (1) سعيد بن جبير بن هشام الأسدي، من كبار التابعين، روى عن أنس بن مالك والضحاك بن قيس وابن عباس وغيرهم، وروى عنه آدم بن سليمان وأسلم المنقري وأيوب السختياني وآخرون، توفي سنة 95 هـ. المزي (تهذيب الكمال) ج 10 ص 358، الذهبي (الكاشف) ج 1 ص 432. (2) عطاء، هو عطاء بن أسلم بن صفوان، ولد سنة 27 هـ في اليمن، تابعي، من أجلاء الفقهاء، كان عبدا أسود، نشا بمكة، فكان مفتي اهلها ومحدثهم، توفي سنة 114 هـ بمكة، وقيل غير ذلك، ابن خلكان (وفيات الأعيان) ج 3 ص 261، الزركلي (الأعلام) ج 4 ص 235. (3) الحسن البصري، أبو سعيد الحسن بن أبي الحسن يسار البصري، من سادات التابعين وعلمائهم بالقرآن والفقه والأدب، توفي سنة 110 هـ. البستي (مشاهير علماء الأمصار) ص 142، ابن خلکان (وفيات الأعيان) ج 2 ص 69. (4) مجاهد، هو مجاهد بن جبر أبو الحجاج المكي، ولد سنة 21 هـ، مولى بني مخزوم، تابعي مفسر، من أهل مكة، اخذ التفسير عن ابن عباس، توفي سنة 104 هـ. البستي (مشاهير علماء الأمصار) ص 133، الزركلي (الأعلام) ج ه ص 278
298 (1/298)
صفحة 299
299
***
فصول الأصول
***
غيره (1) وقد ذكر المفسرون أن قوله تعالى: غير أولى الضرر نزل بعد قوله لا يستوي القاعدون من المؤمنون (2) إلى آخر الآية لكنه في المجلس (3).
واعلم أن الاستثناء له أربعة أحوال الأولى: أن يستغرق المستثنى منه، كقول القائل: علي لزيد عشرة إلا عشرة، وهذا باطل باتفاق من العلماء، لأنه يعد لاعبا في كلامه، فإذا قال ذلك حكم عليه بثبوت العشرة، لا ينفعه اسثناؤه، الثانية: أن يكون المستصنى أقل من المستثنى منه، كقوله: علي عشرة إلا ثلاثة، فهذا استثناء صحيح باتفاق، فثبت عليه السبعة – هنا – والثالثة والرابعة هما محل النزاع، وهو ان يكون المستثنى أكثر من المستثنى منه أو مساويا، نحو: علي عشرة إلا سبعة، أو علي عشرة إلا خمسة، فقد قال الأكثر من الأصوليين والنحويين: إن استثناء الأكثر والمساوي جائز (4)، وقالت الحنابلة: لا يجوز ذلك (5)، وقال الباقلاني من المتكلمين: لا يصح استثناء الأكثر ولا المساوي - أيضا، وإنما يجوز الأقل فقط (ة)، وقال قوم: يمتنع ذلك حيث العدد صريح كما في الأمثلة المتقدمة بخلاف غير الصريح)، كقولك: أكرم الناس إلا الجهال، إذ لم يكن العدد - هنا - معلوما صريحا، وأكثر الأصوليين على جواز الأكثر والمساوي مطلقا، وذلك لوقوعه في الكتاب العزيز كقوله تعالى: إلا من (1) أنظر المراجع في الهامش رقم (4) في الصفحة ما قبل السابقة.
(2) القرآن الكريم سورة النساء (مدنية) آية رقم 95.
(3) الرازي (التفسير الكبير) ج 11 ص 6، أبو حيان (البحر المحيط) ج 4 ص 34. (4) قال به ابن حزم وعزاه إلى أهل الظاهر وجماهير الشافعية (الأحكام) ج 3 ص 425، والباجي (أحكام الفصول) ص 187، والشيرازي (اللمع) ص 39، (التبصرة) ص 168، والغزالي ونسبه إلى أكثر الأصوليين (المنخول) ص 158)، (المستصفى) ج 2 ص 173، والرازي (المحصول) ج 3 ص 37، وابن الحاجب (مختصر المنتهى بشرح العضد) ج 2 ص 138 - 139، وابن السبكي (الإبهاج) ج 2 ص 147، والإسنوي (نهاية السول) ج 2 ص 411، والتفتازاني (حاشية التفتازاني على مختصر المنتهى) ج 2 ص 138 - 139، والسالمي (شرح طلعة الشمس) ج 1 ص 149، ونسبه الكلوذاني إلى أكثر الفقهاء والمتكلمين (التمهيد)
(6)
ج 2 ص 77، وقال به من النحاة السيرافي وأبو عبيدة وأكثر الكوفيين (انظر المراجع المتقدمة). (5) أبو الخطاب (التمهيد) ج 2 ص 77، الطوفي (شرح مختصر الروضة) ج 2 ص 598، الشوكاني (إرشاد الفحول) ص 149. ونسبه الباجي إلى عبدالملك بن الماجشون وابن خويز منداذ (أحكام الفصول ص 187، وعزاه الشوكاني إلى أبي الحسن الأشعري، (إرشاد الفحول) ص 149، وانظر: البيضاوي (المنهاج بشرح الإبهاج) ج 2 ص 147، وقد ذهب إلى هذا القول من النحاة ابن درستويه والزجاج وابن جني وأكثر البصريين، الباجي (أحكام الفصول) ص 187، الشيرازي (اللمع) ص 39، (التبصرة) ص 168، الأمدي (الأحكام) ج 2 ص 318، ابن السبكي (الإبهاج) ج 2 ص 148، افسنوي (الكوكب الدري ص 372، الشوكاني: (إرشاد الفحول) ص 149، السالمي (شرح طلعة الشمس) ج 1 ص 149.
(1) انظر المراجع المتقدمة. (1/299)
صفحة 300
***
فصول الأصول
***
اتبعك من الغاوين)، ومعلوم أن الغاوين وهم العاصون اكثر من المطيعين، وكذلك قوله تعالى: وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر ومن البقر والغنم حرمنا عليهم شحومهما إلا ما حملت ظهورهما أو الحوايا أو ما اختلط بعظم (2)، فخرج بهذا الاستثناء أكثر الشحوم كما ترى، ولشيوع العمل بهذا – أيضا – بين فقهاء الأمصار فإنهم أجمعوا أن من قال: علي لزيد عشرة إلا تسعة أنه لا يلزمه إلا درهم واحد. فأدلة المانعين (3) لا تقاوم ما ذكرناه كما ترى، فثبت الجواز، والحمد لله، والله أعلم. والاستثناء من النفي إثبات وبالعكس، أي: الاستثناء من الإثبات نفي خلافا لأبي حنيفة فيهما (4) وقيل: لا يكون الاستثناء من الإثبات نفيا (5).
فقال أبو حنيفة: إن المستثنى من حيث الحكم مسكوت عنه، فنحو: ما قام أحد إلا زيد، وقام القوم إلا زيدا، يدل الول على إثبات القيام لزيد، والثاني على نفيه عنه، وقال هو: لا يدل، وزيد مسكوت عنه من حيث القيام وعدمه، ومبنى الخلاف على أن المستثنى من حيث الحكم مخرج من المحكوم به، فيدخل في نقيضه من قيام أو عدمه - مثلا - أو مخرج من الحكم فيدخل في نقيضه، أي: لا حكم، لأن القاعدة أن ما خرج من شيء دخل في نقيضه، وجعل الإثبات في كلمة التوحيد بعرف الشرع، وفي الإستثناء المفرغ نحو ما قام إلا زيد، بالعرف العام، والله أعلم.
(1) القرآن الكريم سورة الحجر (مكية) آية رقم 42.
(2) القرآن الكريم سورة الأنعام (مكية) آية رقم 146. (3) من أدلة المانعين
أ- أن الاستثناء خلاف الأصل، فهو بمنزلة الإنكار بعد الإقرار، والجحد بعد الاعتراف، غير أن خالفنا هذا الأصل في الأقل لأجل أن الشيئ القليل معرض للنسيان لقلة التفات الإنسان إليه بخلاف الأكثر، فإن الإنسان يلتفت إليه ويهتم به، فيكون متذكرا إياه وحافظا له.
ب - أن العرب تستقبح استثناء الأكثر وتستحمق قول القائل: أكرمت مائة إلا تسعة وتسعين. ورد هذان الدليلان بالآتي: أ- أما الأول فضعيف من جهة أن الاستثناء مع المستثنى منه إنما هو كاللفظ الواحد الدال على ذلك القدر، فكما لا ي ا يجوز حذف صدر اللفظ أو عجزه لسقوط إفادته فكذلك هنا، إذ المتكلم قصد إخراج بعض أفراد المستثنى منه، فعلى هذا لا يعتبر خلاف الأصل. ب وأما الثاني، فإن ذلك لا يمنع من صحة استعماله، وقد استعمل في كلام الله تعالى، فلا مجال لهذا الاستدلال. الغزالي (المستصفى) ج 2 ص 171، الرازي (المحصول) ج 2 ص 38، المدي (الأحكام) ج 2 ص 321 الإسنوي (نهاية السول) ج 3 ص 253.
(4) البخاري (كشف الأسرار) ج 3 ص 253.
(2) المحلي (شرح المحلى على جمع الجوامع) ج 2 ص 15. (1/300)
صفحة 301
***
فصول الأصول
***
الفصل السادس والخمسون
في حكم الاستثناء المتعدد
إذا تعددت الاستثناءات، وقد عطف بعضها على بعض فهي كلها عائدة إلى الأول (1) وذلك كقول القائل: علي لزيد عشرة إلا أربعة وإلا ثلاثة وإلا اثنين، فإنه لا يلزمه إلا واحد فقط، وإن لم يكن بينها عطف فكل واحد منها عائد لما يليه ما لم يستغرقه كله نحو قوله: له علي عشرة إلا خمسة إلا أربعة إلا ثلاثة، فههنا يلزمه ستة لأن الثلاثة تخرج من الأربعة يبقى واحد يخرج من الخمسة تبقى أربعة تخرج من العشرة تبقى ستة، فإن استغرق كل واحد ما يليه بطل الاستثناء كله. وإن استغرق الكل غير الأول، نحو: له علي عشرة إلا اثنين إلا ثلاثة إلا أربعة عاد الكل للمستثنى منه، فيلزمه واحد فقط. وإن استغرق الأول فقط نحو: له على عشرة إلا عشرة إلا أربعة، قيل: يلزمه عشرة لبطلان الأول لاستغراقه والثاني تبعا، وقيل تلزمه أربعة اعتبارا لاستثناء الثاني من الأول وقيل: تلزمه ستة اعتبارا للثاني دون الأول (2)، وأما إن ورد الاستثناء بعد جمل متعاطفة فهو عائد للكل حيث صلح له لأنه الظاهر منه مطلقا (3). وقال بعضهم: إن كان الكل مسوقا لغرض واحد عاد الاستثناء للكل، كقول القائل: حبست داري على أعمامي، ووقفت بستاني على أخوالي، وسبلت أفراسي لجيراني،، إلا أن يسافروا من البلد، وإن لم يكن مسوقا لغرض واحد بأن تعلقت الجمل كل واحدة بغرض عاد للأخيرة منها فقط، كقولك: أكرم العلماء، ووقف دارك على أقاربك، واعتق عبيدك إلا الفسقة منهم (4).
(1) في ب زيادة منها. (2) الرازي (المحصول) ج 3 ص 41، القرافي (الاستغناء في الاستثناء) ص 474، الإسنوي (الكوكب الدري) ص 377، الزركشي (البحر المحيط) ج 4 ص 407، المحلي (شرح المحلي على جمع الجوامع) ج 3 ص 17. (3) حكى هذا القول عن ابن عباس - رضي الله عنهما - وهو مذهب الإمام الشافعي وجمهور أصحابه كالشيرازي وابن فورك. الرازي (المحصول) ج 3 ص 43، الامدي (الاحكام) ج 3 ص 321، وقال به الباجي وعزاه إلى جملة أصحابه من المالكية (احكام الفصول) ص 277، وصححه الإمام السالمي وحكاه عن عامة فقهاء الاباضية
(شرح طلعة الشمس) ج 1 ص 152، والطوافي ونسبه إلى الحنابلة (شرح مختصر الروضة) ج 3 ص 611. (4) وقال به أبو الحسين البصري والقاضي عبدالجبار وجماعة من المعتزلة، أبو الحسين (المعتمد) ج 1 ص 246، الآمدي (الإحكام) ج 3 ص 321، السالمي (طلعة الشمس) ج 1 ص 151. (1/301)
صفحة 302
***
فصول الأصول
***
وقال قوم: إن كان العطف بالواو عادة الاستثناء للكل بخلاف الفاء وثم فهو للأخيرة لإفادتهما الترتيب والتراخي (1)، وعليه جرى الآمدي (2). وقال أبو حنيفة والإمام الرازي (3): هو للأخير فقط، لأنه هو المتيقن، وقيل: مشترك بين عوده للكل وعوده للأخيرة لاستعماله في كل منهما، والأصل في
الاستعمال الحقيقة؟).
وقيل بالوقف، أي: لا ندري ما الحقيقة منهما (5)، ويتبين المراد على الأخيرين بالقرينة، وحيث وجدت انتفى الخلاف كما في قوله تعالى: {وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إلَها آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ (6)، إلى قوله: إلا من تاب، فإنه عائد إلى جميع ما تقدمه لقرينة كون المذكور كله معاصي تجب التوبة منه. قال السهيلي (7): بلا خلاف (8)، أي: مع وجود القرينة، وكذلك قوله تعالى: {إِنَّمَا جَزَاؤُا الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ ه - إلى قوله - و إلَّا الَّذِينَ تَابُوا لله (9)، فإنه عائد
(1) قال به ابن الحاجب (مختصر المنتهى بشرح العضد ج 2 ص 139، وابن السبكي (الابتهاج) ج 2 ص 154. (2) وقد سبق المصنف الجلال المحلي في حكاية هذا القول عن الأمدي، لكن الذي وجدته في الإحكام تصريح الأمدي بالوقف في المسألة، الأمدي (الإحكام) ج 2 ص 323، المحلي (شرح المحلي على جمع الجوامع ج 2 ص 17 .. (3) وهو قول جمهور الحنفية، أبن عبدالشكور (مسلم الثبوت بشرح الفواتح ج 1 ص 332، وأبي عبدالله البصري، وأبي علي الفرسي، الشوكاني إرشاد الفحول) ص 150، وحكاه الشوكاني كالمؤلف عن الفخر الرازي، المرجع السابق، لكن الرازي صرح في المحصول بالوقف كالأمدي. الرازي (المحصول)
ج 3 ص 45، وانظر: الباجي (إحكام الفصول ص 189، الشيرازي (اللمع) ص 39. (4) الفخر الرازي (المحصول) ج 2 ص 43، الشوكاني (إرشاد الفحول ص 151، السالمي (طلعة الشمس)
ج 1 ص 151.
(5) قال به الغزالي (المستصفى) ج 2 ص 178، والفخر الرازي والباقلاني. الرازي (المحصول) ج 3 ص 445 والشريف اتلمساني، اتلمساني (مفتاح الوصول ص 103، ونسبه كل من سليم الرازي. الشوكاني إرشاد الفحوب) ص 101، وأبي إسحاق الشيرازي (التبصرة) ص 173)، إلى الأشعرية، وعزاه الأمدي إلى جماعة من أصحابه الشافعية (الإحكام) ج 2 ص 323، ابن الحاجب (مختصر المنتهى بشرح العضد) ج 2 ص 139، السالمي (طلعة الشمس) ج 1 ص 151.
(6) القرآن الكريم سورة الفرقان (مكية) آية رقم 68. (7) السهيلي، عبدالرحمن بن عبد الله بن أحمد الخثعمي المالكي، كنيته أبو القاسم، من كبار المالكية، توفي سنة 581 هـ، ابن خلكان وفيات الأعيان) ج 2 ص 18.
(8) المحلي (شرح المحلي على جمع الجوامع ج 2 ص 18. (9) القرآن الكريم سورة المائدة (مدنية) آية رقم 33، 34. (1/302)
صفحة 303
***
فصول الأصول
***
إلى الجميع كذلك، قال ابن السمعاني إجماعا (1)، وقوله تعالى: ومن قتل مؤمنا خطأ إلى قوله تعالى: وإِلا أَن يَضَدَقُوا ه (2)، فإنه عائد إلى الأخيرة، أي: الدية دون الكفارة قطعا اتفاقا، أما قوله تعالى: والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء إلى قوله: {إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا (3) فإنه عائد إلى الأخيرة غير عائد إلى الأولى، أي: الجلد قطعا، لأنه حق آدمي فلا يسقط بالتوبة، وفي عودة إلى الثانية أي: عدم قبول الشهادة الخلاف المذكور، فعند الشافعية يعود إلى الثانية، وعند أبي حنيفة لا يعود، وإن لم يكن الاستثناء واردا بعد جمل بل ورد بعد مفردات نحو تصدق على الفقراء والمساكين وأبناء (4) السبيل إلا الفسقة منهم، فهو عائد إلى الكل بالأولى من الوارد بعد جمل، لأن المفرادات لا استقلال لها بنفسها.
واختلفوا في الاقتران بين (5) جملتين متعاطفتين هل يدل أقترانهما على التسوية بينهما في ما لم يذكر من الحكم المعلوم لأحدهما من خارج؟ ذهب أكثر العلماء إلى أن اقترانهما لا يقتضي التسوية بينهما في الحكم، وقال أبو يوسف من الحنفية والمزني (6) من الشافعية: يقتضي التسوية في ذلك (7)، مثاله حديث لا يبولن أحدكم في الماء الدائم ولا يغتسل فيه من الجنابة (8)، فالبول فيه ينجس، فإن تنجيسه هو حكم النهي، قال أبو يوسف: وكذلك الاغتسال فيه ينجس - أيضا - للقران بينهما، ووافقه بعض الحنفية في ذلك لكن لدليل غير القرآن، والله أعلم.
(1) المحلي (شرح المحلي على جمع الجوامع) ج 2 ص 18.
(2) القرآن الكريم سورة النساء (مدنية) آية رقم 92. (3) القرآن الكريم سورة النساء (مدنية) آية رقم 146. (4) في ب ابن.
(د) في ب بسبق، ولا معنى لها في هذا الموضوع.
(1) المزني، إسماعيل بن يحيى بن إسماعيل، أبو إبراهيم المزني صاحب الإمام الشافعي، ولد سنة 175 هـ، من أهل مصر، من أئمة الشافعية، له: الجمع الكبير، والجامع الصغير، توفي سنة 264 هـ، مصر ابن خلكان (وفيات الأعيان) ج 1 ص 217، الزركلي (الأعلام) ج 1 ص 329.
(1) ابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 12 ص 19. (8) أخرجه مسلم (صحيح مسلم بشرح النوري كتاب الطهارة، باب النهي عن البول في الماء الراكد، حديث 383، ج 3 ص 191، وابن ماجة (سنن ابن ماجة المعجم، الطهارة، وسننها، حديث 344، ج 1 ص 316، والترمذي (سنن الترمذي) كتاب الطهارة، باب البول في الماء الراكد، حديث 70 ج 1 ص 30. (1/303)
صفحة 304
***
فصول الأصول
***
الفصل السابع والخمسون
الثاني من المخصصات المتصلة الشرط
من المخصصات المتصلة الشرط، وهو: ما يلزم من عدمه العدم، ولا يلزم من وجوده وجود ولا عدم لذاته، خرج بالقيد الأول المانع، فإنه لا يلزم من عدمه شيء، وخرج بالثاني السبب، فإنه يلزم من وجوده الوجود، وخرج بالثالث مقارنة الشرط للسبب فيلزم الوجود، كوجود الحول الذي هو شرط لوجوب الزكاة من النصاب الذي هو سبب للوجوب، ومقارنة الشرط للمانع كالدين على القول بأنه مانع من وجوب الزكاة، فيلزم العدم فلزوم الوجود والعدم في ذلك لوجود السبب والمانع لا لذات الشرط، وينقسم الشرط إلى عقلي، كالحياة شرط للعلم، وذلك مما يحكم به العقل، وإلى شرعي كالطهارة شرط للصلاة، حكم بذلك الشرع، وإلى عادي، كنصب السلم لصعود السطح، فإن العادة جرت بذلك، وإلى لغوي، وهو الشرط المخصص الذي نحن بصدده الآن كما في قولك: أكرم بني تميم إن جاؤوا، يعني: الجائين منهم خاصة، فينعدم الإكرام المأمور به بانعدام المجيء ويوجد لوجوده إذا امتثل الأمر. وحكم الشرط كحكم الاستثناء في الاتصال وعدمه، ففي الشرط الخلاف المتقدم في الاستثناء. وقال بعضهم: يجب اتصال الشرط اتفاقا حتى قالوا: لا نعلم في ذلك نزاعا)، والشرط أولى من الاستثناء بأن يعود إلى الكل من الجمل المتقدمة عليه، وذلك كقولك: أكرم بني تميم وأحسن إلى ربيعة وأخلع على مضر إن جاؤوك، وبعضهم قال: يعود إلى الكل اتفاقا (2)، وذلك أن الشرط له صدر الكلام، فهو متقدم تقديرا وإن تأخر لفظا بخلاف الاسثناء، ويجوز في الشرط إخراج الأكثرية باتفاق ممن خالف في الاستثناء، نحو: أكرم بني تميم إن كانوا علماء، ويكون جهالهم أكثر،
بخلاف الاستثناء ففي إخراج الأكثرية خلاف كما تقدم، والله تعالى أعلم. (1) ممن حكى الاتفاق الفخر الرازي (المحصول) ج 3 ص 62، وابن السبكي (الإبهاج) ج 2 ص 160، والزركشي (البحر المحيط) ج 4 ص 446. (2) قال الفخر الرازي: اتفق الإمامان أبو حنيفة والشافعي على رجوعه إلى الكل المحصول) ج 3 ص 62، وقال ابن النجار: وإن الشرط إذا تعقب جملا متعاطفة عاد إلى الكل عند الأربعة وغيرهما. (شرح الكوكب المنير) ج 3 ص 345، وقد حكى الفخر الرازي (المحصول) ج 3 ص 62، وتبعه القرافي شرح تنقيح الفصول) ص 264، عن
بعض الأدباء أنه يعود إلى ما يليه، ثم توقف الفخر في المسألة وانظر: الآمدي (الإحكام) ج 2 ص 335.
304 (1/304)
صفحة 305
***
فصول الأصول
***
الفصل الثامن والخمسون
في الثالثة منها وهو الصفة
من المخصصات المتصلة الصفة، نحو: أكرم الرجال الفقهاء، فيخرج بالفقهاء غيرهم ممن لم يتصف بالفقه لا يدخل في الإكرام، وحكمها حكم الاستثناء على الصحيح، فتعود إلى الكل ولو تقدمت، نحو: وقفت ما لي على أولادي وأولادهم الفقراء، وأوفقت مالي على فقراء أولادي وأولادهم، فيعود الوصف في الأول إلى الأولاد مع أولادهم، وفي الثاني إلى أولاد الأولاد مع الأولاد. وقيل: لا يعود إلا إلى الأخيرة (1)، وأما الصفة المتوسطة بينهما نحو: وقفت مالي على اولادي الفقراء وأولادهم.
فقال بعضهم: نختار عودها إلى ما وليته فقط (2)، وبعضهم وإلى ما وليها -
(3)
أيضا - (3) والله أعلم.
(1) الكلام في عود الصفة إلى الجملة التي تليها او إلى جميع الجمل المتقدمة كالكلام على الاستثناء إذا تعقب جملا، وقد تقدم ذلك، وممن نبه على هذا الآمدي (الإحكام) ج 2 ص 336، والزركشي (البحر المحيط) ج 4 ص 445، وابن النجار (شرح الكوكب المنير) ج 3 ص 348، وابن عبدالشكور (مسلم الثبوت بشرح (الفواتح ج 1 ص 344، والشوكاني (إرشاد الفحول ص 153، والسالمي (شرح. الشمس) ج 1 ص 154.
طلعة
(2) ذهب إلى هذا ابن السبكي (ابن السبكي، جمع الجوامع شرح المحلي، ج 2 ص 23). (3) قال ابن السبكي: ويحتمل أن يقال: تعود إلى ما وليها جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 2 ص 23، وفي البحر المحيط فأما إذا توسط الوصف بين الجمل ففي عوده إلى الأخير خلاف حكاه ابن داود من أصحابنا في شرح مختصر المزني. الزركشي (البحر المحيط) ج 4 ص 456، وحكاه ابن النجار بلفظة قيل (شرح الكوكب المنير) ج 3 ص 348.
305 (1/305)
صفحة 306
***
فصول الأصول
***
الفصل التاسع والخمسون
في الرابع منها وهو (الغاية)
من المخصصات المتصلة الغاية، نحو: أكرم بني فلان إلى أن يعصوا، وقاتل البغاة حتى يرجعوا عن بغيهم، ومنه قوله تعالى: وقتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ - إلى قوله - حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَغِرُونَ) (1) فإعطاؤهم ه الجزية (2) غاية لوجوب قتالهم، وهي كالاستثناء حكما، فتعود إلى كل ما تقدمها على الأصح، نحو: أكرم بني تميم، وأحسن إلى ربيعة وتعطف على مضر إلى أن يرحلوا. والمراد بالغاية – هنا - غاية تقدمها عموم يشملها لو لم تأت، كما تقدم في قوله تعالى: قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله - إلى قوله - حتى يعطوا الجزية، فإنها لو لم تأت الغاية – هنا - لكان قتالهم واجبا أبدا أعطوا الجزية أم لم يعطوا. أما في المثال: سَلَوهِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ (3)، فهي غاية لم يشملها عموم قبلها، فإن طلوع الفجر ليس من الليلة حتى تشمله، فليست هذه للتخصيص، وإنما هي لتحقيق العموم فيما قبلها، كعموم الليلة الأجزائها، وكذا في مثل قولهم: قطعت أصابعه من الخنصر إلى البنصر، فإن الغاية فيه لتحقيق العموم، أي: أصابعه جميعا ما عدا المذكورين، والواضح
, (r)
-
أن يقال: من الخنصر إلى الإبهام، كما عبر عنه في شرح المنهاج (4). ولعل الأصل مع شارحه (5) عدلا عن ذلك إلى ما هنا لما فيه من السجع مع البلاغة المحوج إلى التدقيق في فهم المراد، وذكر مثالين لأن الغاية في الثاني من المغيا بخلافها في الأول، والله أعلم.
(1) القرآن الكريم سورة التوبة (مدنية) آية رقم 29 - 30. (2) جزى الشي جزاء: كفى واغنى، وجزى فلان بكذا وعليه كافاه، الجوهري (الصحاح) باب الياء، فصل الجم ج 6 ص 2303، ابراهيم أنيس (المعجم الوسيط) باب الجيم ج 1 ص 1126، والجزية في الاصطلاح: المال الذي يعقد الكتابي عليه الذمة، محمد رشيد رضا (تفسير المنار) ج 10 ص 290، سعدي أبو جيب (القاموس الفقهي) ص 62.
(3) القرآن الكريم سورة القدر (مكية) آية رقم 5.
(4) ابن السبكي (الابهاج في شرح المنهاج) ج 2 ص 163. (5) يقصد بالأصل جمع الجوامع وشارحه الجلال المحلي، وقد. الجلال المحلي، وقد عبر ابن السبكي في جمع الجوامع بالخنصر إلى البنصر، وكلام المؤلف في قوله: ولعل الأصل مع شارحه عدلا .. يوهم أن المحلي تابع ابن السبكي في هذا التعبير، والحق أن المحلي نبه على أن ابن السبكي عبر بالخنصر إلى الإبهام في شرح المنهاج، وهذا التنبيه يفيد عدم موافقة الشارح للأصل في التعبير بالبنصر، وقول المؤلف لما فيه من السجع مع البلاغة الخ هذا الكلام الجلال المحلي. ابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 2 ص 24.
306 (1/306)
صفحة 307
307
***
فصول الأصول
***
الفصل الستون
في خامسها، وهو بدل البعض
الخامس من المخصصات المتصلة بدل البعض من الكل، نحو: أكرم الناس العلماء، وقاتل المشركين الحربيين، وأكرم العرب قريشا، فإن العلماء في الأول بدل بعض من الناس، فهو تخصيص لهم فلا يستحق الإكرام إلا العلماء منهم دون سائر الناس، والحربيون في الثاني بعض من المشركين فهو مخصص لعمومهم، فلا يستحق القتال إلا من كان حربيا، وقريش في الثالث بعض العرب، فهو مخصص لهم -
أيضا - فهم الذين يستحقون الإكرام دون سائر العرب وقس عليه ما ماثله. وأكثر الأصوليين لم يعتبروا بدل البعض قسما مستقلا في المخصصات قالوا: لأن المبدل منه في نية الطرح من أول وهلة، فلا تحقق فيه لمحل يخرج منه، فلا تخصيص به)، قال: الكوراني: وشبهتهم في ذلك على ما ذكره بعض الشارحين أن المبدل منه لما كان في حكم السقوط، ومدار الحكم هو البدل فلا معنى للتخصيص به قال: وأنا أقول: هذا كلام في غاية السقوط، لأنه أي ما عللوا به جاز في الاستثناء – أيضا – ألا ترى أنك إذا قلت: جاءني القوم إلا زيدا، لم تسند الفعل إلى القوم إلا بعد إخراج زيد منهم وإلا كان تناقضا، فإخراج زيد في صورة الاستثناء قبل الحكم مثله إخراج العاجز في قوله تعالى: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً) قال: بل الصواب أن ترك الجمهور ذكر البدل إنما هو للعلم به من الاستثناء لتقاربهما في المعنى (3)، انتهى، قلت: والأولى ذكره قسما مستقلا، والله أعلم.
(1) ممن قال ذلك الجلال المحلي (شرح المحلي على جمع الجوامع ج 2 ص 24، والصفي الهندي والأصفهاني. الزركشي (البحر المحيط) ج 4 ص 466، ابن النجار (شرح الكوكب المنير) ج 3 ص 354، السالمي
(شرح طلعة الشمس) ج 1 ص 145.
(2) القرآن الكريم سورة آل عمران (مدنية) آية رقم 97.
(3) ابن قاسم (الآيات البينات) ج 3 ص 70. (1/307)
صفحة 308
***
فصول الأصول
***
الفصل الحادي والستون
في القسم الثاني: وهو المخصص المنفصل غير اللفظ
القسم الثاني من المخصصات المخصص المنفصل، وهو: ما يستقل بنفسه عن لفظ العموم، وهو نوعان: لفظ وغير لفظ، فأما اللفظ فسيأتي. وغير اللفظ كالحس، فإنه من المخصصات المنفصلة، وذلك كما في قوله تعالى في ريح عاد تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا الله (1)، أي: تهلكه، فإنا ندرك بالحس، أي: المشاهدة أشياء لم تدمرها الربحو ذلك كالسماء ما اشتملت عليه من كواكب وغيرها وكالأرض وما فيها من الجبال والبحار ونحوها، فذلك مما يدرك بالحس أنه (2)، لم تدمره الريح، ومنها العقل كما في قوله تعالى: {اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَلِقُ كُلِّ شَى وه (3)، فالعقل يدرك بالضرورة أنه تعالى غير خالق لنفسه، فذاته خارجة بتخصيص العقل عن عموم خالق كل شيء، خلافا لشاذ من الناس (4) حيث منعوا التخصيص بالعقل قائلين: إما ما (5) نفى العقل حكم العام عنه لم (6) يتناوله العام، أي: من أول مرة، لأنه لا تصح إرادته، ومنع الشافعي تسمية مثل هذا النوع
تخصيصا نظرا إلى (7) أن ما (8) يخص بالعقل لا تصح إرادته بالحكم (9) قال ابن (10) السبكي: والخلاف لفظي، أي عائد إلى اللفظ والتسمية للاتفاق على الرجوع إلى العقل فيما نفى عنه حكم العام (11).
(1) القرآن الكريم سورة الأحقاف (مكية) آية رقم 25. (2) في ب أن من غيرها.
(3) القرآن الكريم سورة الأنعام (مكية) آية رقم 102.
(4) ابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 3 ص 25.
(5) في أإنما.
(6) في ب لمن. ولا معنى لها - هنا -.
(7) إلى ساقطة من ب.
(1) في ب أنما.
(9) الشافعي (الرسالة) ص 53 - 54، ابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 3 ص 35.
(10) ابن ساقطة من ب.
(11) ابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 2 ص 25.
308 (1/308)
صفحة 309
***
فصول الأصول
***
واختلف فيما إذا روى الصحابي حديثا عاما وكان مذهبه يقتضي تخصيص ذلك العموم هل يكون مذهبه مخصصا له؟
قال الحنفية والحنابلة: نعم، وعليه بعض أصحابنا (1)، وذلك كما روي عن ابن عباس - - قال: قال النبي - ل - من بدل دينه فاقتلوه (2)، فكان ابن عباس بالقتل خاصا بالرجال دون النساء (3)، ومذهب الجمهور أن مذهب
يري
الراوي لا يخصص العموم، فعندهم أنه باق على عمومه في الرجال والنساء). واحتج القائلون بتخصيص مذهب الراوي لروايته بقوله - -: أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم)، وبأن الصحابي إذا قال بقول استلزم أن يكون له دليل في ظنه وإلا لزم فسقه، وإذا قطعنا بالدليل كان مخصصا. وأجيب عن الأول بأنه أراد - - بأن أصحابه كالنجوم في الفتوى، لأنهم كلهم مجتهدون والمجتهد مصيب في الفروع، وإلا لزم أن لا يصح اختلافهم. وأجيب عن الثاني بأنه يستلزم دليلا في ظنه، فلا يجوز لغيره ممن كان مجتهدا مثله اتباعه على ذلك إلا إذا رأى الدليل كما رآه هو.
(1) الأنصاري (فواتح الرحموت) ج 1 ص 355، ابن قدامة (روضة الناظر) ج 2 ص 733، ابن بدران (نزهة الخاطر العاطر) ج 2 ص 146، ابن النجار (شرح الكوكب المنير) ج 3 ص 375، السالمي (شرح طلعة
الشمس) ج 1 ص 158، وهو قول بعض المالكية، القرافي شرح تنقيح الفصول) ص 219. (2) أخرجه البخاري (صحيح البخاري بشرح (الفتح كتاب الجهاد، باب لا يعذب بعذاب الله، حديث رقم 3017 ج 6 ص 173، وفي كتاب استتابة المرتدين، باب حكم المرتد والمرتدة حديث رقم 6922، ج 2 ص 279 وانظر تخريج الحديث في: الزيلعي (نصب الراية) ج 3 ص 686.
(3) الزيلعي (نصب الراية) ج 3 ص 688. (4) الغزالي (المستصفى) ج 2 ص 112، الآمدي (الإحكام) ج 2 ص 357)، ابن الحاجب (مختصر المنتهى ج 2 ص 151، القرافي (شرح تنقيح الفصول 219، الزركشي (البحر المحيط) ج 4
بشرح
العضد)
ص 529، ابن المرتضي (منهاج الوصول) ص 347، السالمي (شرح طلعة الشمس) ج 1 ص 158. (2) قال البزار: هذا كلام لم يصح عن النبي -، وقال أبو بكر أحمد بن عمرو ابن عبدالخالق: سألتم عما يروى عن النبي - - مما أيدي العامة هذا كلام لا يصح عن النبي - - ابن عبدالبر (جامع بيان العلم فضله وحديث رقم 1756، ج 2 ص 923، وقال ابن حزم: هذا خبر مكذوب موضوع، ابن حزم (الإحكام) ج 6 ص 810، وذكر ابن حجر طرق الحديث وأشار الى ما فيها من ضعف، ابن (التلخيص الحبير) كتاب القضاء باب أدب القضاء، حديث رقم 2098، ج 4 ص 190، وينظر:
حجر
الغماري (الابتهاج) ص 205.
(6) في ب لأن. (1/309)
صفحة 310
***
فصول الأصول
***
والصحيح ما عليه الجمهور من أن مذهب الراوي لا يكون تخصيصا لروايته كما قدمنا، والله أعلم.
واختلفوا في العادة - أيضا - هل تكون مخصصة للعمومات الشرعية؟ ذهب أكثر علماء الأصول إلى أنه لا تخصيص للعادة (1)، وقالت الحنفية: إنها مخصصة (2)، فمثال ذلك إذا ورد الخطاب الشرعي بتحريم الربا (3) في الطعام – مثلا – وكانت العادة عند قوم طعامهم الأرز، فعند الحنفية أن الربا (4) مقصور على الأرز فقط، لأن الأرز هو الطعام في عادتهم.
ومذهب الجمهور أن الربا) في كل مطعوم أخذا بعموم اللفظ، ولا حكم لتخصيص العادة – هنا – والله أعلم.
(1) ونسبة الآمدي (الإحكام ج 2 ص 358، والسالمي (شرح طلعة الشمس) ج 1 ص 159، إلى الجمهور، و ابن المرتضى إلى جمهور المعتزلة. ابن المرتضى (منهاج الوصول) ص 348، وانظر: أبو الحسن (المعتمد)
ج 1 ص 278.
(2) أمير بادشاة (تيسير التحرير) ج 1 ص 317.
(3) في ب الربو.
(4) في ب الربو.
(2) في ب الربو. (1/310)
صفحة 311
***
فصول الأصول
***
(2)
الفصل الثاني والستون
في الكلام على المخصصات اللفظية المنفصلة
6
()
وأما المخصص اللفظي فمنه تخصيص الكتاب بالكتاب، وهو واقع على الصحيح، ولا عبرة بمن منع ذلك (1)، وذلك كتخصيص قوله تعالى: والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء (2)، فهي عامة لكل مطلقة كانت حاملا أو غير حامل خصصت بقوله تعالى: وأولات الأحمال أجلهن (3) أَن يَضَعْنَ حَمَلَهُنَّ)، احتج المانعون من ذلك بقوله تعالى: {وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ (5)، قالوا: فالرسول هو المبين، قلنا: إنما يكون مبينا بأمر الله تعالى وإجرائه على لسانه، ومنه الآيات القرآنية ولأن التخصيص بالكتاب واقع، ووقوعه قطعي الدلالة، فلا يقاومه الدليل الظني و، والله أعلم. ويخصص الكتاب بالسنة - أيضا - اعلم أن العلماء اختلفوا في تخصيص الكتاب بالسنة على مذاهب، فإنها إما أن تكون متواترة أو آحادية، والمتواترة إما أن تكون قولية أو فعلية، فإن كانت متواترة قولية خصصت الكتاب اتفاقا، وإن كانت فعلية أو آحادية فهي محل الخلاف، فأما التخصيص بالآحادية فتكخصيص آية المواريث (6) بقوله - -: القاتل عمدا لا يرث (1)، وكذلك تخصيص الكتاب العلماء (8). بالمتواترة الفعلية عند جمهور
(1) نسبه الآمدي إلى بعض الطوائف (الإحكام) ج 2 ص 342، وابن السبكي (الإبهاج) ج 2 ص 169، وابن النجار (شرح الكوكب المنير) ج 3 ص 360، إلى بعض اهل الظاهر.
(2) القرآن الكريم سورة البقرة (مدنية) آية رقم 228.
(3) أجلهن ساقطة من أ.
(4) القرآن الكريم سورة الطلاق (مدنية) آية رقم 4.
(2) القرآن الكريم سورة النحل (مكية) آية رقم 44.
(6) وهي قوله تعالى: يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين، فإن كن نساء فوق اثنتين فلهن ثلثا ما ترك، وإن كانت واحدة فلها النصف (النساء 11).
(1) الحديث أخرجه الربيع بن حبيب (الجامع الصحيح) باب في المواريث، حديث 668، ص 261، وابن ماجة (سنن ابن ماجة) المعجم، الديات، باب القاتل لا يرث، حديث 2645، ج 3 ص 277، والترمذي (سنن الترمذي) كتاب الفرائض، باب ما جاء في إبطال ميراث القاتل، حديث 2114 ج 4 ص 425. (8) الوراجلاني (العدل والإنصاف) ج 1 ص 129، الآمدي (الإحكام) ج 2 ص 354، ابن الحاجب (مختصر المنتهى بشرح العضد) ج 2 ص 151، الشماخي (مختصر (العدل) ص 23، ابن النجار (شرح الكوكب
المنير) ج 3 ص 371، السالمي (شرح طلعة الشمس) ج 1 ص 156. (1/311)
صفحة 312
***
فصول الأصول
***
{لَقَدْ
وقيل: لا يكون فعله - ل - تخصيصا للكتا - تخصيصا للكتاب (1)، ورد بقوله تعالى: كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أَسْوَةٌ حَسَنَةٌ (2)، وبقوله: {وَمَا آلَنَكُمُ الرَّسُولُ فَخُدُوهُ} وكذلك) يجوز تخصيص الكتاب العزيز بالخبر الأحادي عند جمهور العلماء مطلقا). وقال بعضهم: لا يجوز مطلقا (6)، واحتجوا على ذلك بأنه يفضي إلى ترك الدليل القطعي لدليل ظني، قلنا: محل التخصيص دلالة العام، وهي ظنية، والعمل بالظنيين معا أولى من إلعاء أحدهما.
وتوقف القاضي أبو بكر الباقلاني عن القول بالجواز وعدمه)، وعندنا الصحيح جواز ذلك لوقوعه، كتخصيص قوله تعالى: {يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ) فإن لفظ الأولاد عام يشمل الولد الكافر، وقد خص بحديث: لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم (9)، ويجوز تخصيص الكتاب والسنة – أيضا – بالقياس المستند (1) حكي هذا القول عن الكرخي (الإحكام) ج 2 ص 354، ابن النجار (شرح الكوكب المنير) ج 3 ص 372،
السالمي (شرح طلعة الشمس) ج 1 ص 156.
(2) القرآن الكريم سورة الأحزاب (مدنية) آية رقم 21.
(3) القرآن الكريم سورة الحشر (مدنية) آية رقم 7. (4) في ب وكذا، وكلا التعبيرين صواب.
(5) أبو الحسن (المعتمد) ج 1 ص 255، الغزالي (المستصفى) ج 2 ص 114، الوراجلاني (العدل والإنصاف) ج 1 ص 121، الرازي (المحصول) ج 3 ص 85، الآمدي (الابهاج) ج 2 ص 347، ابن الحاجب (مختصر المنتهى بشرح العضد) ج 2 ص 149، ابن السبكي (الإبهاج) ج 2 ص 171، الشماخي (مختصر العدل) ص 23، ابن النجار (شرح الكوكب المنير) ج 3 ص 359، السالمي (شرح طلعة الشمس) ج 1 ص 107. (6) نقله ابن برهان عن طائفة من المتكلمين وشرذمة من الفقهاء. الغزالي (المستصفى) ج 2 ص 114، ابن السبكي (الإبهاج) ج 2 ص 172.
وذهب عيسى بن أبان إلى أنه إنخص بدليل مقطوع به جاز تخصيصه بخير الآحاد وإلا فلا. الغزالي (المستصفى) ج 2 ص 115، الآمدي (الإحكام) ج 2 ص 347، ابن السبكي (الإبهاج) ج 2 ص 172. وذهب أبو الحسن الكرخي إلى أنه إن خص بدليل منفصل جاز تخصيصه بخبر الآحاد وإلا فلا. الرازي (المحصول) ج 3 ص 85، الآمدي (الإحكام) ج 2 ص 347، ابن السبكي (الإبهاج) ج 2 ص 172. (1) الرازي (المحصول) ج 3 ص 85، الآمدي (الإحكام) ج 2 ص 347، ابن السبكي (الابهاج) ج 2 ص 172 (أ) القرآن الكريم سورة النساء (مدنية) آية رقم 11.
(3) الحديث أخرجه البخاري (صحيح البخاري بشرح الفتح كتاب الفرائض، باب لا يرث المسلم الكافر، حديث 6764، ج 12 ص 51) ومسلم (صحيح مسلم بشرح النووي كتاب الفرائض، حديث 1614 ج 11 ص 44، وابن ماجة (سنن ابن ماجة) المعجم الفرائض، باب ميراث أهل الإسلام من أهل الشرك، حديث 2729 ج 3 ص 321. (1/312)
صفحة 313
313
***
فصول الأصول
***
إلى نص خاص، ولو كان آحادا (1).
ومنعه الفخر الرازي مطلقا (2) حذرا من تقديم القياس على النص الذي هو أصل له في الجملة.
وقال أبو علي الجبائي: إن كان القياس خفيا فلا يجوز تخصيصه بخلاف الجلي (3). وقال عيسى ابن أبان (4): يجوز تخصيص القياس فيما سبق له تخصيص بقاطع، لا لما لم يسبق تخصيصه (5). ومنع قوم تخصيص القياس إن لم يكن أصله، أعني: المقيس عليه - مخصصا - بفتح الصاد - من العموم، أي: مخرجا منه بنص بأن لم يخص أو خص منه غير أصل القياس بخلاف ما إذا خص أصله، فكان التخصيص بنصه ومنعه - أيضا -
الكرخي ان لم يخص منفصل (6). وتوقف إمام الحرمين عن القول بالجواز وعدمه). (1) الغزالي (المستصفى) ج 3 ص 122، الآمدي (الإحكام) ج 2 ص 361)، ابن الحاجب (مختصر المنتهى بشرح العضد) ج 2 ص 153، ابن السبكي (الإبهاج) ج 2 ص 176، ابن النجار (شرح الكوكب المنير) ج 3 ص 377، السالمي (شرح طلعة الشمس) ج 1 ص 108. (2) حكاه الآمدي عن الجبائي وجماعة من المعتزلة (الاحكام) ج 2 ص 361، والغزالي عن هؤلاء وعن طائفة من الفقهاء (المستصفى) ج 2 ص 123، وانظر: ابن الحاجب مختصر المنتهى بشرح العضد) ج 2 ص 153، ابن السبكي (الابهاج) ج 2 ص 176، السالمي (طلعة الشمس) ج 1 ص 108. أما الفخر الرازي فقد وجدت في المحصول أنه لم يقل بالمنع بل كان يرد على حجج المانعين، الرازي (المحصول) ج 3 ص 96 - 102. (3) نسبه الآمدي إلى ابن سريج (الاحكام) ج 2 ص 361، وقال به الطوفي (شرح مختصر الروضة) ج 2 ص 574، وانظر: الغزالي (المستصفى) ج 2 ص 123، ابن الحاجب (مختصر المنتهى بشرح العضد) ج 2
ص 153، ابن السبكي (الإبهاج) ج 2 ص 176، السالمي (شرح طلعة الشمس) ج 1 ص 108. أما أبو علي الجبائي فلم أجد من نسب إليه هذا القول إلا ابن السبكي بل ينسب إليه القول بالمنع مطلقا. وانظر المراجع السابقة و (شرح المحلي على جمع الجوامع) ج 2 ص 29. (4) عيسى بن أبان بن صدقة، أبو موسى، صعب محمد بن الحسن الشيباني، وتفقه به، تولى قضاء البصرة، وهو حنفي المذهب، توفي سنة 221 هـ، البغدادي، الخطيب تاريخ بغداد ج 11 ص 157، الزركلي (الأعلام) ج ه ص 100، عمر رضا كحالة (معجم المؤلفين) ج 2 ص 18.
(د) انظر الصفحة السابقة – الهامس – رقم (6). (6) انظر المراجع في الصفحة السابقة بالهامش (6).
(1) الجويني (البرهان) ج 1 ص 286، وتوقف - أيضا - الباقلاني. ابن الحاجب (مختصر المنتهى بشرح العضد) ج 2 ص 153، ابن السبكي (الإبهاج) ج 2 ص 177، السالمي (شرح طلعى الشمس) ج 1 ص 109. وذهب أكثر الحنفية إلى عدم جواز تخصيص العام بخبر الواحد وبالقياس إلا إذا ثبت تخصيصه بقطعي أولا. السرخسي (أصول السرخسي) ج 1 ص 142، أمير باد شاه (تيسير التحرير) ج 1 ص 321 - 322، الأنصاري (فواتح الرحموت ج 1 ص 349 - 357، وذهب الغزالي إلى أنه إن تفاوت العام والقياس في إفادة غلبية الظن يرجح الأقوى، وإن تساويا فالتوفيق، الغزالي (المستصفى) ج 2 ص 132، وقال بقوله الصفي الهندي والأصفهاني، ابن السبكي (الإبهاج) ج 2 ص 176. (1/313)
صفحة 314
***
فصول الأصول
***
(4)
ومذهبنا جواز تخصيص القياس للكتاب والسنة مطلقا، والحجة لنا على ذلك وقوعه من الصحابة - رضوان الله عليهم -، فإنهم اختلفوا في، فإنهم اختلفوا في ميراث الجدمع الأخوة على مذاهب كما علمت من الفروع، وما ذلك إلا لاستنادهم علي القياس في تخصيص عموم قوله تعالى: {يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ إِنِ امْرُوا هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ)، إلى آخر الآية، فقال علي (2) وابن مسعود (3): إن الجد مع الأخت عصبة لعموم قوله تعالى: {فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ، فحكم بأن لها النصف من مال كل أخ مات ولا ولد له، وقال زيد بن ثابت (5): بل الجد يقاسم الأخوات إلى الثلث، فإن نقصت المقاسمة عن الثلث رد إليه قياسا لحاله مع الأخت على حاله مع الأخوة، فهذا القياس مخصص لعموم قوله تعالى: إن أمرؤ هلك الآية (6). ومذهب أبي بكر - ه - في جد وأخ لأب، المال كله للجد قياسا على الأب، وهذا القياس - أيضا - مخصص لعموم الآية، وكذلك قد خص من قوله تعالى: الزانية والزاني فأجلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ ل (7) حكم الأمة، فعليها نصف ذلك بقوله تعالى: {فَإِذَا أَحْصِنَ فَإِنْ أَتَين بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَتِ مِن الْعَذَابِ (8)، والعبد بالقياس على الأمة في النصف – أيضا –، والله أعلم.
(1) القرآن الكريم سورة النساء (مدنية) آية رقم 176.
(7)
(-
(2) هو علي بن أبي طالب عبد مناف بن عبد المطلب القرشي، ولد سنة 23 ق هـ، ابن عم النبي - - كنيته أبو الحسن، أول الناس إسلاما، شهد بدرا وغيرها، بويع بالخلافة بعد مقتل عثمان، توفي سنة 40 هـ، ابن الأثير (أسد الغابة) ج 4 ص 91، ابن حجر (الإصابة) ج 4 ص 464، الزركلي (الأعلام) ج 4 ص 295. (3) هو عبد الله بن مسعود بن غافل الهذلي، أبو عبدالرحمن، كان من السابقين إلى الإسلام، أول من جهر بالقرآن بمكة، وكان يخدم رسول الله - - وشهد بدرا وأحدا وسائر المشاهد مع رسول الله - -، توفي سنة 32 هـ بالمدينة، ابن الأثير (أسد الغابة) ج 3 ص 384، ابن حجر (الإصابة) ج 4 ص 198، الزركلي (الأعلام) ج 4 ص 137.
(4) القرآن الكريم سورة النساء (مدنية) آية رقم 176. (5) هو زيد بن ثابت بن الضحاك الأنصاري، ولد سنة 11 ق. هـ بالمدينة، كنيته أبو خارجة، من كبار الصحابة، ومن كتاب الوحي، هاجر مع النبي - - وهو ابن إحدى عشرة سنة، وكان من فقهاء الصحابة، توفي سنة 45 هـ، وقيل غير ذلك، ابن الأثير (أسد الغابة) ج 2 ص 278، ابن حجر (الإصابة) ج 2 ص 592، الزركلي (الأعلام) ج 3 ص 57. (6) الفرضي إبراهيم بن عبد الله العذب الفائض شرح عمدة الفرائض) ج 1 ص 100، أطفيش، محمد بن يوسف (شرح كتاب النيل) ج 15 ص 432، محمد محي الدين أحكام المواريث) ص 114.
(7) القرآن الكريم سورة النور (مدنية) آية رقم 2. (8) القرآن الكريم سورة النساء (مدنية) آية رقم 25.
314 (1/314)
صفحة 315
315
***
فصول الأصول
***
الفصل الثالث والستون
في التخصيص بالفحوى
ويجوز عندهم التخصيص بالفحوى، وهو مفهوم الموافقة، والظاهر أن المراد ما يشمل الأولى والمساوي ولو على القول بأن دلالته قياسية، ومثلوا بذلك، كأن يقال: من أساء إليك فعاقبه، ثم يقال بعد ذلك: إن أساء إليك زيد فلا تقل له أف يعني: فمفهومه بالأولى لا تعاقبه، والمساوي لا تشتمه، فيكون هذا المفهوم مخصصا للعموم، وهو قوله: من أساء إليك فعاقبه. وكذلك يجوز التخصيص بدليل الخطاب، وهو مفهوم المخالفة عند كثير من الأصوليين ورجحه ابن (1) السبكي (2)، وقيل: لا يجوز، لأن دلالة العام على مادل عليه المفهوم بالمنطوق، والمنطوق مقدم على المفهوم (3).
وأجيب بأن المقدم عليه منطوق خاص، لا (4) ما هو من أفراد العام فالمفهوم مقدم عليه، لأن إعمال الدليلين أولى من إلغاء أحدهما، وقد خص حديث: الماء لا ينجسه شيء إلا ما غلب على طعمه ولونه وريحه (5)، بمفهوم حديث: إذا بلغ الماء قلتين لم يحتمل خبثا (6)، ويجوز التخصيص بفعله - ه - وتقريره كذلك على الأصح
(1) ابن ساقطة من ب.
(2) ابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 2 ص 30 - 31. (3) ممن حكى الخلاف في المسألة الجلال المحلي (شرح المحلي على جمع الجوامع) ج 2 ص 31، والصفي الهندي والزركشي وابن كج، وحكى ابن السمعاني عن الشافعي القولين. الزركشي (البحر المحيط) ج 4
ص 505 - 507.
(4) في أ إلا، والصواب لا.
(2) الحديث أخرجه الربيع بن حبيب (الجامع الصحيح كتاب الطهارة، باب في أحكام المياه، حديث 156 ص 42، وابن ماجة (سنن ابن ماجة) المعجم، الطهارة وسننها، باب الحياض، حديث 521، ج 1 ص 296، والترمذي (سنن الترمذي) كتاب الطهارة، باب ما جاء أن الماء لا ينجسه شيء، حديث 66 ج 1 ص 96، وذكره الهيثمي (مجمع الزوائد) كتاب الطهارة، باب ما جاء في الماء، حديث 1067، ج 1 ص 501 والألباني (إرواء الغليل) ج 1 ص 45.
،
(6) الحديث أخرجه الربيع بن حبيب (الجامع الصحيح) كتاب الطهارة، باب في أحكام المياه، حديث 157 ص 43، وابن ماجة (سنن ابن ماجة المعجم الطهارة وسننها، باب مقدار الماء الذي لم ينجس، حديث 517، ج 1 ص 294، وأبو داود (سنن أبي داود) كتاب الطهارة، باب ما ينجس الماء، حديث 63 ج 1 ص 28. وذكره ابن حجر (التلخيص الحبير) كتاب الطهارة باب الماء الطاهر، حديث 4 ج 1 ص 16 والألباني (إرواء الغليل) ج 1 ص 60. (1/315)
صفحة 316
***
فصول الأصول
***
، وذلك كما لو قال: الوصال حرام على كل مسلم، ثم واصل هو، أو رأى من واصل فأقره عليه، وقيل: لا يخصصان – هنا -، بل ينسخان حكم العام)، لأن الأصل تساوي الناس في الحكم، وأجيب: بأن التخصيص أولى من النسخ لما فيه من
إعمال الدليلين معا، والله أعلم.
(1) جاء في مسلم الثبوت وشرحه فعل الرسول - عليه وعلى آله وأصحابه الصلاة والسلام - بخلاف العموم مخصص، لكن ينبغي على مذهبنا أن يقيد بما إذا كان موصولا، وإلا فناسخ نسخ البعض، فإن ثبت وجوب التأسي في ذلك الفعل بدليل خاص، كان هذا الفعل نسخا للعام وجاء أيضا: التقرير وعند الحنفية إن كان العلم بالفعل في مجلس ذكر العام فمخصص، وإلا يكن في المجلس بل متأخرا عنه فنسخ. ابن عبدالشكور (مسلم الثبوت بشرح (الفواتح ج 1 ص 354، وانظر المسألتين في: القرافي (شرح تنقيح الفصول) ص 208، ابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 2 ص 31، الزركشي (البحر المحيط)
ج 4 ص 512 - 516.
316 (1/316)
صفحة 317
317
***
فصول الأصول
***
الفصل الرابع والستون
هل يكون التعاطف ورجوع الضمير تخصيصا أم لا؟
إذا عطف عام على خاص أو خاص على عام فقال بعض الأصوليين: إن هذا العطف يكون تخصيصا لذلك العام، ويقصر الحكم العام على ذلك الخاص لوجوب الاشتراك بين المعطوف والمعطوف عليه في الحكم، مثاله حديث أبي داود: لا يقتل مسلم بكافر ولا ذو عهد في عهده (1)، يعني بكافر حربي للإجماع على قتله بغير الحربي.
فقالت الحنفية: يقدر الحربي في المعطوف عليه (2) لوجوب الاشتراك في صفة الحكم - أيضا - فلا ينافي ما قال به من قتل المسلم بالذمي، وكذلك أن يقال: لا يقتل الذمي بكافر ولا المسلم بكافر فالمراد بالكافر، الأول الحربي وقالت الحنفية: والمراد بالكافر الثاني الحربي - أيضا - لوجوب الاشتراك بين المعطوفين، والأكثر
على أن العطف لا يكون تخصيصا للعموم (3).
واختلفوا في رجوع الضمير إلى البعض من العام هل يخصصه أم لا؟ قال بعضهم: إنه يخصصه (4)، أي: يقصره على ذلك البعض حذرا من مخالفة الضمير لمرجعه، وأجيب بأنه لا محذور في المخالفة لأجل القرينة مثال ذلك
(1) الحديث أخرجه البخاري (صحيح البخاري بشرح (الفتح كتاب الجهاد والسير، باب فكاك الأسير حديث 3047، وأخرجه ابن ماجة (سنن ابن ماجة) المعجم، الديات، باب لا يقتل مسلم بكافر
حديث 2660، ج 3 ص 283، وأبو داود (سنن أبي داود كتاب الديات، باب يقاد من القاتل، حديث 4530، ج 4 ص 181، والترمذي (سنن الترمذي) كتاب الديات، باب ماجاء لا يقتل مسلم بكافر حديث 1416، ج 4 ص 25، واللفظ للبخاري.
(2) وصححه ابن الحاجب مختصر المنتهى بشرح العضد) ج 2 ص 120، أمير باد شاه (تيسير التحرير) ج 1 ص 261، الأنصاري (فواتح الرحموت) ج 1 ص 298.
،
"
(3) الرازي (المحصول) ج 3 ص 136، القرافي (شرح تنقيح الفصول) ص 222، ابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 2 ص 32، الزركشي (البحر المحيط) ج 4 ص 307، ابن النجار (شرح الكوكب المنير) ج 3 ص 262، السالمي (شرح طلعة الشمس) ج 1 ص 160.
(4) حكي عن أكثر الحنفية، الكمال التحرير بشرح التيسير) ج 1 ص 320، ابن عبدالشكور (مسلم الثبوت بشرح الفواتح ج 1 ص 356، كما حكاه الزركشي (البحر المحيط) ج 4 ص 316، وابن عبدالشكور والكمال بن الهمام عن أبي الحسين البصري، لكنه صرح في المعتمد بالوقف، أبو الحسين (المعتمد) ج 1
ص 283 - 284.
، (1/317)
صفحة 318
***
فصول الأصول
***
قوله تعالى للهِ وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلَثَةَ قُروه (1)، مع قوله تعالى بعد ذلك: {وَبُعُولَهُنَّ أَحَقُّ بِرَبِّهِنَّ وَدُعُو لَنْ أَحَبُّ رَبِّهِنَّ (2)، فإن ضمير بعولتهن عائد للرجعيات، ويشمل قوله: والمطلقات معهن البائنات وقيل: لا، ويؤخذ حكم البوائن من دليل آخر (3). وأختلفوا - أيضا - في الحديث يرويه الراوي بلفظ عام إن كان الراوي صحابيا، كما إذا روى أنه - - قضى بالشفعة للجار (4)، هل يعم كل جار؟ قيل نعم. والأكثر على أنه لا يعم)، احتج القائلون بعمومه إن رواية كان عدلا عارفا باللغة والمعنى فلولا ظهور عموم الحكم مما صدر عن النبي مع الله لم يأت الراوي في حكاية الحديث بلفظ عام كلفظ الجار مثلا في الحديث المذكور لأنه معرف بأل وهو للعموم. وقال المانعون: إن ظهور عموم الحكم بحسب ظنه ولا يلزمنا اتباعه في ذلك، ومثله حديث أبي هريرة أن النبي - ل - نهى عن بيع الغرر رواه مسلم) فقيل: يعم كل غرر، وهذه المسألة تعرف عندهم بحكاية الصحابي حالا من الأحوال (1) القرآن الكريم سورة البقرة (مدنية) آية رقم 228.
(2) القرآن الكريم سورة البقرة (مدنية) آية رقم 228. (3) وقال الجمهور: ليس مخصصا الشيرازي (اللمع) ص 36، الآمدي (الإحكام) ج 2 ص 360، القرافي (شرح تنقيح الفصول) ص 218، الزركشي (البحر المحيط) ج 4 ص 316، ابن عبد الشكور (مسلم الثبوت بشرح الفواتح ج 1 ص 356، أمير باد شاه (تيسير التحرير) ج 1 ص 320، السالمي (شرح طلعة الشمس) ج 1 ص 161، وقيل بالوقف، واختاره الفخر الرازي (المحصول) ج 3 ص 140، وابن عبدالشكور (مسلم الثبوت بشرح الفواتح ج 1 ص 356، وينظر: الزركشي (البحر المحيط) ج 4 ص 316 - 317. (4) الحديث أخرجه الإمام مالك (موطأ الإمام مالك كتاب اللقطة، باب الشفعة، حديث رقم 854، ج 3 ص 353 بلفظ الجار أحق بصقبه، وابن ماجه (سنن ابن ماجة) المعجم، الشفعة، باب الشفعة بالجوار، حديث 2494 بلفظ الجار أحق بشفعة جاره ينتظر بها وإن كان غائبا إذا كان طريقهما واحدا وأبو داود (سنن أبي داود) كتاب الإجارة، باب في الشفعة، حديث 3518، ج 3 ص 153، والترمذي (سنن الترمذي) كتاب الأحكام، باب ماجاء في الشفعة للغائب حديث 1369 ج 3 ص 651، كلاهما بلفظ
ابن ماجة، والحديث صحيح، السيوطي (الجامع الصغير) حديث 3607 ج 1 ص 0559 (5) الغزالي (المستصفى) ج 2 ص 66 - 67، الآمدي (الإحكام) ج 2 ص 274، ابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 2 ص 35 - 36.
(6) مسلم (صحيح مسلم بشرح النووي كتاب البيوع، باب بطلان بيع الحصاة، والبيع الذي فيه غرر حديث رقم 1513، ج 10 ص 412، وأخرجه أبو داود (سنن أبي داود كتاب البيوع. باب في بيع الغرر، حديث 3376، ج 3 ص 252، والترمذي (سنن الترمذي) كتاب البيوع، باب ما جاء في كراهية بيع الغرر، حديث 1230 ج 3 ص 532. (1/318)
صفحة 319
319
***
فصول الأصول
***
بلفظ ظاهره العموم والقول بأن مثل ذلك يقتضي العموم إذا رواه عدل عارف بمعاني العربية ومواضع الاحكام هو مختار شيخنا السالمي - رحمه الله تعالى – تبعا للعضد وابن الحاجب (1) وخلافا لما عليه الجمهور، وهو الصحيح عندي، وكان من حق هذه وضعها في مبحث العام لكن رايت ابن (2) السبكي في جمع الجوامع وضعها هنا (3) فمشيت على طريقته، والله أعلم.
وقيل: إذا (4) سئل الشارع - صلوات الله وسلامه عليه - عن حكم من الأحكام فأجاب عنه بجواب فإما أن يكون ذلك الجواب مستقلا دون السؤال أولا، فإن كان غير مستقل عن السؤال فذلك الجواب تابع للسؤال في عمومه وخصوصه، صلى الله مثال تبعيته له في عمومه كحديث الترمذي (5) وغيره أن سئل النبي - ه - عن بيع الرطب بالتمر فقال: أينقص الرطب إذا يبس؟ قالوا: نعم. قال: فلا إذن (6)، فهذا الحكم عام لكل بيع الرطب بالتمر لأن الجواب غير مستقل عن السؤال فهو تابع له في عمومه، ومثال تبعية الجواب للسؤال في الخصوص كما إذا قال قائل للنبي: إني توضأت من ماء البحر فأجابه: يجزيك، فإن هذا السؤال خاص للسائل لقوله: إني، وكذلك الجواب تابع له في خصوصه وهو قوله: يجزيك ذلك، فلا يعم غيره، أي: من نفس اللفظ، وإنما يستفاد العموم في مثل هذا من دليل آخر
-
(1) السالمي (طلعة الشمس) ج 1 ص 126، ابن الحاجب (مختصر المنتهى بشرح العضد) ج 2 ص 119، وهو ما يفهم من كلام الآمدي (الإحكام) ج 2 ص 274، وقال به ابن النجار (شرح الكوكب المنير) ج 3 ص 320 - 321، والشوكاني (إرشاد الفحول) ص 125.
(2) ابت في ب ساقطة. (3) ابن السكبي (جمع الجوامع بشرح المحلى) ج 2، ص 35 - 36، وصريح عبارة المؤلف تفيد أن أكثر اعتماده في هذا الكتاب على جمع الجوامع، وهو واضح لمن اطلع على الكتابين. فصول الأصول وجمع الجوامع.
(4) في أإذ.
(5) الترمذي، أبو عيسى محمد بن عيسى سورة السلمي، ولد سنة 209 هـ، روى عن محمد بن بشار ومحمد بن المثنى وزياد بن يحيى الحساني وغيرهم، كما أنه أخذ علم الحديث وتفقه فيه عن الإمام البخاري، ومن كتب الترمذي: الجامع الصحيح، والشمائل، والعلل، توفي سنة 279 هـ. ابن العماد (شذرات الذهب) ج 3 ص 327، الزركلي (الأعلام) ج 6 ص 222. (6) أخرجه الترمذي (سنن الترمذي كتاب البيوع، باب ما جاء في النهي عن المحاقلة والمزابنة، حديث 1225، ج 3 ص 528، وأبو داود (سنن أبي داود كتاب البيوع، باب في الثمر بالثمر، حديث 3359 ج 2، ص 123، وابن ماجة (سنن ابن ماجة) المعجم التجارات، باب بيع الرطب بالتمر، حديث 2264 ج 3 ص 67، حديث حسن صحيح، الترمذي (سنن الترمذي) ج 3 ص 528. (1/319)
صفحة 320
***
فصول الأصول
***
كقوله - - حكمي على الواحد حكمي على الجماعة (1)، وإن كان الجواب مستقلا دون السؤال فإن كان الجواب أخص من السؤال فهو جائز إذا امكنت معرفة المسكوت منه، مثل ذلك أن يسأل النبي - ه - بقوله: من جامع في نهار رمضان فعليه كفارة كالمظاهر فالجواب - هنا - أخص من السؤال لأنه في المفطر بالجماع دون غيره من المفطرات، فيفهم من قوله جامع أن الإفطار بغير الجماع لا كفارة فيه، فإذا لم تكن معرفة المسكوت عنه من الجواب فلا يجوز وقوعه من الشارع لتأخير البيان عن وقت الحاجة. وإن كان الجواب مساويا للسؤال فجوازه واضح، مثاله قول السائل: ماذا على من جامع في نهار رمضان؟ فيجاب من جامع في نهار رمضان فعليه كفارة كالظهار، وكذا قول السائل: جامعت في نهار رمضان فماذا علي؟ فيقال: عليك كفارة كالظهار. انتهى (2)، والله تعالى (3) أعلم (4)
(1) مضى الكلام عن هذا الحديث سابقا.
(2) ساقطة من ب.
(3) ساقطة من ب.
(4) انظر المسألة في: الرازي (المحصول) ج 3 ص 121، الآمدي (الإحكام) ج 2 ص 256، ابن الحاجب (مختصر المنتهى بشرح العضد) ج 2 ص 109، الزركشي (البحر المحيط) ج 4 ص 269، الكمال (التحرير بشرح التيسير) ج 1 ص 263، التفتازاني (شرح التلويح على التوضيح) ج 1 ص 113.
320 (1/320)
صفحة 321
321
***
فصول الأصول
***
الفصل الخامس والستون
حكم اللفظ العام المترتب على سبب خاص
اختلف علماء الأصول في اللفظ العام المترتب على سبب خاص فقال بعضهم: يحكم بخصوصه مقصورا على ذلك السبب سواء ورد في سؤال أو غيره، وقال الأكثر: يعتبر العموم نظرا لظاهر اللفظ (1)، مثال ذلك حديث الترمذي وغيره عن أبي سعيد الخدري قيل: يا رسول الله، أنتوضأ من بئر بضاعة (2)، وهي بئر تلقى فيها الحيض ولحوم الكلاب والنتن. فقال: إن الماء طهور لا ينجسه شيء (3)، فقال الأكثر: لفظ شيء في الحديث عام باق على عمومه في النجاسات التي ذكرت في
السؤال وغيرها. وقال البعض: لا يعم غير ما ذكرت – هنا – وما عداها مسكوت عن حكمه، ونسب بعضهم هذا القول للشافعي ومن معه (4).
(0) ,
قال ابن القاسم: أطال الأسنوي (5) في الرد على ما نقل عن الشافعي أنه يعتبر
خصوص
السبب لا اللفظ (6). عموم
اللفظ
والذي يفهم من كلام ابن برهان، أن الشافعي كان يقدم العام العري عن السبب على العام الوارد على سبب، فظنوا أنه يعتبر خصوص السبب دون عموم (1) الغزالي (المستصفى) ج 2 ص 114، الآمدي (الإحكام) ج 2 ص 258، القرافي (شرح تنقيح الفصول) ص 216، ابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 2 ص 38، الأسنوي (نهاية السول) ج 2 ص 476 - 477، ابن النجار (شرح الكوكب المنير) ج 3 ص 177 - 178، أمير باد شاه (تيسير التحرير) ج 1 ص 264، الأنصاري فواتح الرحموت) ج 1 ص 290.
(2) بئر تقع بين مكة والمدينة، ابن ماجة (سنن ابن ماجة ج 1 ص 295، الزبيدي (تاج العروس) باب الضاد فصل الباء ج 5 ص 278.
(3) تقدم تخريجه.
(4) ممن نسب إلى الشافعي هذا القول الآمدي كما نسبه إلى المزني ومالك وأبي ثور ونقل عن القفال الشاشي والدقاق، الآمدي (الإحكام) ج 2 ص 258، القرافي (شرح تنقيح الفصول) ص 219، الأسنوي (نهاية السول) ج 2 ص 478، الأنصاري (فواتح الرحموت) ج 1 ص 290. (د) الأسنوي عبدالرحيم بن الحسن بن علي الأسنوي الشافعي، ولد سنة 704 هـ بإسنا بمصر، كنيته أبو محمد فقيه أصولي ومن علماء العربية، ولي الحسبة، ووكالة بيت المال، من مؤلفاته: الكوكب الدري، ونهاية السول، والتمهيد، توفي سنة 772 هـ، ابن العماد (شذرات الذهب) ج 8 ص 383، الزركلي (الأعلام) ج 3 ص 344.
(6) ابن قاسم (الآيات البينات) ج 3 ص 91، الإسنوي (نهاية السول) ج 2 ص 479. (1/321)
صفحة 322
***
فصول الأصول
***
وذلك الخلاف حيث لا قرينة، فإن وجدت قرينة فاعتبار العموم في اللفظ أولى مثاله مع القرينة قوله تعالى: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا (2)، فإن سبب نزولها على ما قالوا أن رجلا سرق رداء صفوان (3) فذكر السارق – هنا – قرينة على أن لفظ السارق ليس مقصورا على ذلك الرجل، ونحو هذا، وهذه المسألة هي معنى قول الفقهاء: العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، ومختار شيخنا السالمي هنا - التفصيل (4) كما في جواب السؤال، وهو إن كان لفظ العموم مستقلا بنفسه عن السبب فهو على عمومه، ولا عبرة بخصوص السبب، وإن كان غير مستقل عنه فإنه يكون تابعا لسببه عموما وخصوصا، والله أعلم.
واختلفوا في الواقعة التي كانت سببا لورود العام عليها هل هي قطعية الدخول في ذلك العام أم دخولهم يكون ظنيا كغيرها من أفراد العام؟ هب أكثر العلماء إلى أنها قطعية الدخول فيه لوروده فيها فلا يصح تخصيصها منه بالاجتهاد لأن دلالة الاجتهاد ظنية والقطعي لا يخصص بظني (5) وقال بعضهم: هي ظنية كغيرها من أفراد العام فيجوز إخراجها منه بالاجتهاد قلت وليس المراد بالاجتهاد - هنا - خصوص الاجتهاد المصطلح لعلماء الأصول بل المراد ما يشمل جميع أحوال التخصيص، لأن التخصيص لا يكون إلا بالاجتهاد لتوقفه على النظر في الأدلة وما
تقتضيه القواعد الأصولية، فليتأمل.
(1) نقل کلام ابن برهان الإسنوي نهاية السول) ج 2 ص 479. (2) القرآن الكريم سورة المائدة (مدنية) آية رقم 38
(3) صفوان بن أمية بن عمرو السلمي حليف بني أسد، من الصحابة، قتل باليمامة، ابن الأثير (أسد الغابة) ج 3 ص 25، ابن حجر (الإصابة) ج 3 ص 377، أما سبب نزول الآية، فقد ذكر الفخر الرازي (التفسير الكبير) ج 11 ص 26، وأبو الحسن الواحدي اسباب النزول) ص 183 - 197، وأبو حيان (البحر المحيط) ج 4 ص 55، ص 245، أنها نزلت في طعمة بن أبيرق، سرق درعا في جراب فيه دقيق لقتادة النعمان، وخبأها عند يهودي، فحلف طعمة ما لي بها علم، فاتبعوا آثر الدقيق إلى دار اليهودي، فقال اليهودي: دفعها إلى طعمة، ولكن وقعت قصة اخرى لصفوان أنه قال: كنت نائما في المسجد على خميصة لي فسرقت، فأخذنا السارق فرفعناه إلى رسول الله - ع - فأمر بقطعه فقلت: يا رسول الله أفي خميصة ثمن ثلاثين درهما، أنا أهبها له، أو أبيعها له، قال: فهلا كان قبل أن تأتيني به. الشوكاني (نيل
بن
الاوطار) ج 7 ص 303.
(4) السالمي (طلعة الشمس) ج 1 ص 114 - 115. (د) ابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 2 ص 39، ابن النجار (شرح الكوكب المنير) ج 3 ص 187، السالمي (طلعة الشمس) ج 2 ص 116. (1/322)
صفحة 323
323
***
فصول الأصول
***
ومن
القائلين بظنية صورة السبب الشيخ الإمام والد تاج الدين السبكي (1)، وعليه الحنفية (2) حيث قال أبو حنيفة: إن ولد الأمة المستفرشة لا يلحق سيدها ما لم يقر به نظرا إلى أن الأصل في لحاق الولد الإقرار به، أخرجه من عموم حديث: الولد للفراش (3)، وهو ورد في ابن أمة زمعة حين اختصم فيه عبد بن زمعة (4). وسعد بن أبي وقاص (5) فقال رسول الله - -: هو لك يا عبد بن زمعة، وفي رواية هو أخوك يا عبد، قالوا: إن قوله - -: الولد للفراش المراد به ولد الحرة لأنها هي التي يتخذ لها الفراش غالبا، وأنه وإن كان قد ورد في الأمة فهو وارد لبيان حكم ذلك الولد وبيان حكمه إما بالثبوت أو بالإنتفاء، فإذا ثبت أن الفراش هو زوجة، وقال الولد للفراش كان فيه حصر أن الولد للحرة، وذلك يقتضي أنه لا يكون للأمة فكان قيد بيان للحكمين جميعا نفي النسب عن السبب وإثباته لغيره، ولا يليق دعوى القطع والمقطوع به لأنه لابد من بيان حكم السبب. أما كونه يقطع بدخوله في ذلك أو بخروجه عنه فلا يدل على واحد منهما. انتهى، وحاصل ما أرادوه أنه لا يمكن دعوى كون تلك الصورة قطعية الدخول في العام الوارد على سببها إلا إذا دلت على ذلك قرائن حالية أو مقالية وإلا فهي كغيرها من أفراد العام، والله أعلم.
(1) ابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 2 ص 40. (2) لا يمكن نسبة هذا القول إلى كل الحنفية بمجرد قول أبي حنيفة، فإن ظاهر كلام الكمال وأمير باد شاه الكمال التحرير بشرح التيسير) ج 1 ص 265، وابن عبدالشكور وعبد العلي الأنصاري (مسلم الثبوت بشرح الفواتح ج 1 ص 290، قطعية دخول الواقعة.
(3) نص الحديث في صحيح مسلم: اختصم سعد بن أبي وقاص وعبد بن زمعة في غلام، فقال سعد: هذا يا رسول الله ابن أخي عتبة ابن أبي وقاص عهد إلي أنه ابنه، انظر إلى شبهه، وقال عبد بن زمعة: هذا أخي يا رسول الله ولد على فراش أبي من وليدته، فنظر رسول الله - ه - إلى شبهه، فرأى شبها بينا بعتبة فقال: هو لك يا عبد، الولد للفراش، وللعاهر الحجر، واحتجبي منه يا سودة بنت زمعة. قالت - أي عائشة - رها: فلم ير سودة قط (صحيح مسلم بشرح النووي كتاب الرضاع، باب الولد للفراش، حديث رقم 1457، ج 10، ص 29، والبخاري (صحيح البخاري بشرح الفتح كتاب الخصومات باب دعوى الوصي للميت، حديث 2421، جه ص 90، وأبو داود (سنن أبي داود) كتاب الطلاق، باب الولد للفراش، حديث 2273، ج 1 ص 524، وابن ماجة (سنن ابن ماجة) المعجم، النكاح، باب الولد للفراش ولعاهر الحجر، حديث 2004 ج 2 ص 493.
(4) عبد بن زمعة بن قيس، كان عبدا شريفا، وهو أخو عبدالرحمن بن زمعة ابن وليدة زمعة الذي تخاصم فيه عبد بن زمعة مع سعد بن أبي وقاص. ابن الأثير (أسد الغابة) ج 3 ص 515، ابن حجر (الإصابة) ج 4 ص 286. (5) سعد ابن أبي وقاص مالك بن وهيب القرشي، ولد سنة 22 ق. هـ، أسلم وسنة سبع عشرة سنة، شهد بدرا واحدا والمشاهد كلها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم - أول من رمى بسهم في سبيل الله، اعتزل الفتنة ولم يقاتل مع علي ولا معاوية، توفي سنة 55 هـ. ابن الأثير (أسد الغابة) ج 2 ص 366، ابن حجر (الإصابة) ج 3 ص 61، الزركلي (الأعلام) ج 3 ص 61، (الزركلي) ج 3 ص 87. (1/323)
صفحة 324
***
فصول الأصول
***
كذلك،
الفصل السادس والستون
حكم التعارض بين الخاص والعام
إذا تعارض العام والخاص فإن كان التعبد بهما معلوما فانظر إن تأخر الخاص عن العام بوقت يمكن فيه العمل بالعام فذلك الخاص حينئذ يكون ناسخا لما يتناوله من مدلول العام، ويبقى ما بقي من مدلوله على حكمه الأول، وإن لم يكن وهو على أربعة أقسام: الأول: أن يتأخر الخطاب بالخاص بقدر لا يمكن فيه العمل بالعام لقربه أو لمانع. الثاني: أن يتأخر الخطاب بالعام عن الخطاب بالخاص مطلقا. الثالث: أن يتقارنا بلا تراخ. الرابع: أن يجهل تاريخ المتقدم منهما من المتأخر، ففي هذه الصور يكون الخاص مخصصا للعام قاضيا عليه، هذا هو مذهبنا ومذهب جمهور الأصوليين المحققين (1)، وإنما جعلوه ناسخا لا مخصصا إن تراخي نزوله أو وروده عن العام بقدر ما يمكن العمل بالعام، لأن تأخر الخاص لذلك يكون تأخيرا للبيان عن وقت الحاجة وهو ممتنع بخلاف النسخ، فإنه ثبت بالنص.
وقال قوم: إن تقارنا في الخطاب بهما كانا متعارضين في قدر الخاص كتعارض النصين، فيحتاج حينئذ العمل بالعام، لأن تأخر الخاص لذلك يكون تأخيرا للبيان عن وقت الحاجة وهو ممتنع بخلاف النسخ، فإنه ثبت بالنص. وقال قوم: إن تقارنا في الخطاب بهما كانا متعارضين في قدر الخاص كتعارض النصين، فيحتاج حينئذ العمل بالخاص إلى مرجح من خارج (2). ونحن نقول: إن دلالة الخاص على ذلك البعض أقوى من دلالة العام عليه، لأنه يجوز أن يكون غير مراد من العام فلا يحتاج إلى المرجح.
(1) أبو الحسين (المعتمد) ج 1 ص 256، الشيرازي (اللمع) ص 33، الرازي (المحصول) ج 3 ص 104، ابن الحاجب (مختصر المنتهى بشرح العضد) ج 2 ص 147، ابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 2 ص 41 - 42، (الابتهاج) ج 2 ص 168، الإسنوي (التمهيد) ص 109، (نهاية السول) ج 2 ص 452، الزركشي (البحر المحيط) ج 4 ص 539، ابن النجار (شرح الكوكب المنير) ج 3 ص 382، السالمي (شرح طلعة الشمس) ج 1 ص 106. (2) حكاه الشيرازي عن أبي بكر الأشعري وأبي بكر الدقاق، الشيرازي (التبصرة) ص 151، ابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 2 ص 42، ابن النجار (شرح الكوكب المنير) ج 3 ص 382.
324 (1/324)
صفحة 325
325
***
فصول الأصول
***
وقالت الحنفية وإمام الحرمين: إن العام المتأخر عن الخاص ناسخ له – أيضا – كالعكس (1)، قلنا: إن الخاص أقوى دلالة من العام، وليس في التخصيص إلغاء لأحد الدليلين بخلاف العكس فحصل الفرق بين الصورتين، وإنما ذهب الأحناف إلى نسخ الخاص بالعام المتأخر عنه لأن دلالة العام عندهم قطعية كما أسلفناه عنهم في ذلك. قالوا: فإن جهل تاريخهما تساقطا لأنه يحتمل أن يكون كل منهما منسوخا عندهم يتقدمه على الآخر، إذ تقدم كل منهما محتمل، فمثال العام فاقتلوا المشركين (2)، ومثال الخاص كأن يقال: لا تقتلوا أهل الذمة، وإن كان كل منهما عاما من وجه و خاصا من وجه آخر وجب الترجيح بينهما من خارج إذ صارا – هنا – متعادلين سواء كانا متقاربين أو كان أحدهما متأخرا عن الآخر (3).
-
وقالت الحنفية: إن المتأخر منهما ناسخ للمتقدم مطلقا، مثال ذلك قوله بدل دينه فاقتلوه (ه)، مع حديث أنه - - نهى عن قتل النساء) فالأول عام في الرجال والنساء خاص بالمرتدين، والثاني خاص بالنساء عام في الحربيات والمرتدات، وكذلك قوله تعالى: {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا (3)، مع قوله تعالى: {وَأُولَتُ الْأَعْمَالِ
(1) البخاري (كشف الأسرار) ج 1 ص 587، الأنصاري (فواتح الرحموت) ج 1 ص 345، الجويني (التلخيص في أصول الفقه) ج 2 ص 147، وهذا القول روي عن الإمام أحمد، ابن النجار (شرح الكوكب المنير) ج 3 ص 382، ونسبه الشيرازي إلى بعض المعتزلة منهم القاضي عبدالجبار، الشيرازي (التبصرة) ص 153، وانظر: أبو الحسين (المعتمد) ج 1 ص 256، الرازي (المحصول) ج 3 ص 106،
الزركشي (البحر المحيط) ج 4 ص 541. (2) القرآن الكريم سورة التوبة (مدنية) آية رقمه. (3) الشيرازي (اللمع) ص 34، ابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 2 ص 42، ابن النجار (شرح الكوكب المنير) ج 3 ص 384 - 385.
(4) البخاري (كشف الأسرار) ج 1 ص 587، الأنصاري (فواتح الرحموت) ج 1 ص 345. (د) مر تخريجه سابقا ص 242.
(6) وردت أحاديث في النهي عن قتل النساء بالفاظ مختلفة منها حديث: أن النبي - - نهى عن قتل النساء ومنها وأيما امرأة ارتدت عن الإسلام فادعها فإن ثابت فاقبل منها، وإن أبت فاستبها ومنها أن امرأة ارتدت على عهد رسوله الله - - فلم يقتلها، الزيلعي (نصب الراية) ج 3، ص 687 - 688، الهيثمي (مجمع الزوائد) كتاب الجهاد، باب ما نهي عن قتله من النساء، حديث 9601، ج 5 ص 568 - 573.
(1) القرآن الكريم سورة البقرة (مدنية) آية رقم 234. (1/325)
صفحة 326
***
فصول الأصول
***
أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمَلَهُنَّ (1)، فإن الأولى تعم الحوامل وغيرهن وهي خاصة بالمميتات دون المطلقات، والثانية خاصة بالحوامل عامة في المميتة والمطلقة. ومذهب أكثر الأصحاب في هذه المسألة تخصيص عموم أحد الدليلين بخصوص الآخر جمعا بينهما وعملا بالدليلين معا (2)، ولذلك أوجبوا على الحامل المتوفاة التربص أبعد الأجلين أجل الحمل وأجل عدة الوفاة، وهو مذهب على ابن أبي طالب وابن عباس ونسب الجابر بن زيد (3) وأبي عبيدة (4)، وخالف فيه بعضهم فقالوا: إن الحامل إذا وضعت حملها خرجت من العدة وجاز لها التزوج ولو مميتة، وهو مذهب أبي (5) وابن مسعود وعمر الحديث سبيعة (6) الأسلمية أنها ولدت بعد موت زوجها بليال، وهو سعد بن خولة (7)، ولما تم نفاسها تجملت للخطاب، فدخل عليها رجل من بني عبدالدار فقال لها: مالي أراك تجملت للخطاب؟ ما أنت والله بناكح حتى يمر عليك أربعة أشهر وعشرا، فجمعت ثيابها عليها حين أمست
(1) القرآن الكريم سورة الطلاق (مدنية) آية رقم 4.
(2) السالمي (شرح طلعة الشمس) ج 1 ص 110 (شرح الجامع الصحيح) ج 3 ص 120. (3) جابر بن زيد الأزدي، أبو الشعثاء، ولد سنة 22 هـ، أصله من عمان، إمام المذهب الإباضي، من كبار التابعين، ومن بحور العلم، توفي سنة 95 هـ. الدرحبيني أحمد بن سعيد (طبقات المشايخ) ج 2 ص 205، الزركلي ..
(الإعلام) ج 2 ص 104، القنوبي، سعيد بن مبروك (الإمام الربيع بن حبيب مكانته ومسنده) ص 23. (4) أبو عبيدة مسلم ابن أبي كريمة التميمي بالولاء، أصله قيل: فارسي، وقيل: حبشي، وقيل: كردي، ولد سنة 45 هـ بالبصرة، ونشأ بها، أخذ العلم عن الإمام جابر بن زيد والحسن البصري ومجاهد وضمام بن السائب وغيرهم، وأخذ عنه الربيع بن حبيب وعبد الله بن يحيى الكندي ومحبوب بن الرحيل وغيرهم، ويعتبر الإمام الثاني للمذهب الإباضي بعد الإمام جابر بن زيد، توفي في عهد أبي جعفر المنصور 136 مكانته هـ - 158 هـ. الدرجيني (طبقات المشايخ ج 2 ص 238، القنوبي (الإمام الربيع بن حبيب
ومسنده) ص 26.
(2) أبي، هو أبي بن كعب بن قيس، من بني النجار من الخزرج، صحابي أنصاري، كان قبل الإسلام حبرا من أحبار اليهود، ولما أسلم كان من كتاب الوحي، شهد بدرا وأحدا والخندق والمشاهد كلها مع رسول الله - - واشترك في جمع القرآن على عهد عثمان بن عفان، توفي سنة 21 هـ وقيل غير ذلك، وكانت وفاته بالمدينة المنورة. ابن الأثير (أسد الغابة ج 1 ص 61، ابن حجر (الإصابة) ج 1 ص 180، الزركلي (الأعلام) ج 1 ص 82 (6) هي سبيعة بنت الحارث الأسلمية، كانت امرأة سعد بن خولة، فتوفي عنها بمكة في حجة الوداع وهي حامل، ابن الأثير (أسد الغابة ج 7 ص 137، ابن حجر (الإصابة) ج 8 ص 171. (7) سعد بن خولة، القرشي العامري، من بني مالك بن حيسل، شهد بدرا، توفي في حجة الوداع، مسلم (صحيح مسلم بشرح النووي) ج 10 ص 362، ابن حجر (الإصابة) ج 3 ص 45.
326 (1/326)
صفحة 327
327
***
فصول الأصول
***
فأتت رسول الله - - فأتاها أن تتزوج حين ولدت إن شاءت (1)، وهذا مذهب القطب - رحمه الله - في المسألة (2). – –
قال القاضي عياض (3): والمحافظة على عموم هذه الآية أولى من محافظة عموم وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا (4)، لأن عموم وأولات الأحمال بالذات، وعموم تلك بالعرض، والحكم معلل - هنا - بحذفه، تم والله أعلم. .
(1) الحديث أخرجه البخاري (صحيح البخاري بشرح (الفتح كتاب الطلاق، باب وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن حديث رقم 5320 ج 9 ص 379، ومسلم (صحيح مسلم بشرح النووي) كتاب الطلاق، باب انقضاء عدة المتوفي عنها زوجها وغيرها بوضع الحمل، حديث رقم 1484،
ج 10، ص 361 - 362.
(2) القطب، محمد بن يوسف (شرح الكتاب النيل) ج 7 ص 421. (3) القاضي عياض، هو عياض بن موسى بن عياض اليحصبي، ولد سنة 476 هـ،، في سبتة، كنيته أبو علماء الحديث والأنساب، ولي قضاء سبتة، ثم قضاء غرناطة، من مؤلفاته، الشفا بتعريف حقوق المصطفى، والغنية ومشارق الأنوار، توفي سنة 544 هـ، بمراكش، ابن العماد (شذرات الذهب)
الفضل، من:
ج 6 ص 226، الزركلي (الأعلام) ج 5 ص 99. (4) القرآن الكريم سورة البقرة (مدنية) آية رقم 234. (1/327)
صفحة 328
***
فصول الأصول
***
مبحث المطلق والمقيد
الفصل السابع والستون
تعريفهما والفرق بينهما وبين المطلق والنكرة
اعلم أن الأصوليين عرفوا المطلق بتعاريف مختلفة اللفظ، وعندي أنها متحدة المفهوم أو متقاربة، إذ الفرق بحسب الاعتبارات فمنها.
أن ابن الحاجب والآمدي عرفاه: بأنه ما دل على شائع في جنسه على سبيل
البديلة، وتبعهما شيخنا السالمي كالبدر الشماخي (1)، رحمهما الله تعالى. وقال ابن (2) السبكي: المطلق الدال على الماهية بلا قيد (3)، وعرفه بعضهم بانه النكرة في سياق الإثبات (4).
قال الكمال ما نصه: وما جرى عليه ابن الحاجب كالآمدي في تعريف المطلق هو الموافق لأسلوب الأصوليين، لأن كلامهم في قواعد استنباط أحكام أفعال المكلفين، والتكليف متعلق بالأفراد دون المفهومات الكلية التي هي أمور عقلية، بل ويوافق أسلوب المنطقيين - أيضا - فإن المطلق عندهم موضوع القضية المهملة ()، لأنه مطق عن التقيد بالكلية والجزئية، والنكرة قد تكون موضوع الجزئية وقد تكون موضوع الكلية، والحكم في الجميع متعلق بالأفراد.
(1) ابن الحاجب مختصر المنتهى بشرح العضد ج 2 ص 155، أما الآمدي، فقد صدر تعريفه للمطلق بأنه عبارة عن النكرة في سياق الإثبات ثم قال: وإن شئت قلت: هو اللفظ الدال على مدلول شائع في جنسه ولم يذكر قيد على سبيل البدلية، (الإحكام) ج 3 ص 5، لكن الإمام السالمي بين أن على سبيل البدلية تفسير لقوله: بالشيوع في جنسه، وذلك أن لفظه رجل - مثلا - دال على كل فرد من أفراد الرجال، بمعنى انه صادق على كل واحد منها، وصالح لأن يطلق عليه، وليس دلالته على جميع الأفراد دفعة واحدة، وإنما دلالته على ذلك باعتبار شيوع لفظه في جميع الأفراد، وبهذا الاعتبار خالف المطلق العموم. السالمي (شرح طلعة الشمس) ج 1 ص 75، الشماخي (مختصر العدل) ص 23. (2) ابن ساقطة من ب.
(3) ابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 2 ص 44.
(4) تقدم أن الآمدي عرفه بهذا التعريف، الآمدي (الإحكام) ج 3 صه. (2) القضية هي الجملة التامة الخبرية، وسميت قضية لأنها مشتقة من القضاء وهو الحكم، والقضية المهملة هي: أن يكون المحكوم عليه غير مقترن بما يدل على شمول الحكم بكل الأفراد، او لبعض الأفراد من غير تعيين، الدمنهوري (إيضاح المبهم) ص 60 - 63، الميداني حبنكة (ضوابط المعرفة) ص 68، الفضلي
(مذكرة المنطق) ص 97.
328 (1/328)
صفحة 329
329
***
فصول الأصول
***
وأما القضايا الطبيعية التي الحكم فيها على الماهية من حيث هي فقد صرح المنطقيون بأنه لا اعتبار لها في المعلوم م (1) (2)، واعترض عليه ابن القاسم بما لا طائل تحته (3). والذي عندي أن المطلق والنكرة شيء واحد، فتعريف ابن الحاجب موافق لتعريف الآمدي حيث قال ابن الحاجب المطلق ما دل على - أي لفظ دال على – شائع في جنسه - وقال الآمدي: هو النكرة في سياق الإثبات، إذ لا يكون شيء من أقسام المعارف من قبيل المطلق اللهم إلا أن يقال: المعرف بأل التي هي للحقيقة، فإنها في حكم النكرة، ولذا أعطي بعض أحكام النكرة كالنعت بالجملة في {وَآيَةٌ لَهُمُ اليَلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ)، ومن هذا القبيل وأخاف أن يأكله الذئب) فإن هذا المعرف في حكم النكرة إذ لم يرد ذئبا معينا.
(5)
وقد فرق ابن (6) السبكي بين المطلق والنكرة وقال: وعلى الفرق بينهما أسلوب المنطقيين والأصوليين وكذا الفقهاء حيث اختلفوا فيمن قال لامرأته: إن كان حملك ذكرا فأنت طالق، فولت ذكرين، قيل: لا تطلق نظرا للتنكير المشعر بالتوحيد.
(Y)
وقيل تطلق حملا على الجنس قال المحلي: ومن هنا يعلم أن اللفظ في المطلق والنكرة واحد، وأن الفرق بينهما بالاعتبار، إن اعتبر في اللفظ دلالته على الماهية بلا قيد سمي مطلقا واسم جنس - أيضا -، أو مع قيد الوحدة الشائعة يسمى نكرة، والآمدي وابن الحاجب المطلق وأمثلته الآتية ونحوها، ويجعلانه الثاني. ينكران اعتبار الأول في مسمى فيدل عندهما على الوحدة الشائعة، وعند غيرهما على الماهية بلا قيد، والوحدة ضرورية إذ لا يوجد للماهية المطلوبة بأقل من واحد، والأول موافق لكلام أهل
،
(1) في أ العلوم. (2) الفضلي (مذكرة المنطق) ص 97، وكلام الكمال نقله المصنف عن الآيات البينات، ابن قاسم (الآيات البينات) ج 3 ص 106.
(3) ابن قاسم (الآيات البينات) ج 3 ص 107. (4) القرآن الكريم سورة يس (مكية) آية رقم 37. (2) القرآن الكريم سورة يوسف (مكية) آية رقم 13
(6) ابن في ب ساقطة. (1) ابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 2 ص 47. (1/329)
صفحة 330
***
فصول الأصول
***
العربية، والتسمية عليه بالمطلق لمقابلة المقيد (1) وذلك كرجل – مثلا – فهو شائع في جنسه، لأنه يصلح لكل فرد من أفراد الرجال على سبيل البدلية لا على سبيل الجمع
والاستغراق.
وكذلك لفظ الرجل، إن جعلت للحقيقة كقولك: الرجل خير من المرأة، أي: حقيقته خير من حقيقتها، وبقيد البدلية يفارق العام، فإن شيوع العام في جنسه على سبيل الاستغراق لا (2) البدلية والوحدة، فإذا قيد بوصف فهو المقيد كقولك: رأيت رجلا عالما أو شجاعا ونحوه وكذا (3) المقيد بالوضع كالعلم، فإن وضعه علما على مسماه قيد له يخرجه عن إطلاقه، كزيد - مثلا -، وكذلك التعريف بالاضافة قيد مخرج المضافه عن حكم المطلق، كغلام زيد، والله أعلم (4).
(1) المحلي (شرح المحلي على جمع الجوامع) ج 2 ص 47، وينظر: البخاري (كشف الأسرار) ج 2 ص 26.
(2) في ب في.
(3) في ب وكذلك. (4) في ب ساقطتان من ب. (1/330)
صفحة 331
***
فصول الأصول
***
الفصل الثامن والستون
في حكمهما (1)
حكم المطلق والمقيد كالعام والخاص، فما جاز تخصيص العام به يجوز به تقييد المطلق وما لا يجوز هناك فلا يجوز هنا، عندهم تقييد الكتاب بالكتاب وبالسنة كما يجوز تخصيصه بهما، ويجوز تقييد السنة بالسنة وبالكتاب، ويجوز - أيضا - تقييد الكتاب والسنة بالقياس وبالمفهوم وبفعل النبي – صلى الله عليه وسلم - و تقريره بخلاف مذهب الراوي، فإذا عرفت ذلك فاعلم أن للمطلق (2) والمقيد أربع صور: فإنهما إما أن يتفقا حكما وسببا، أو يختلفا حكما وسببا، أو يتفقا حكما، ويختلفا سببا، أو يتفقا سببا ويختلفا حكما، ولهما في كل صورة من هذه الصور الأربع حكم خلافا ووفاقا، وها نحن نشرع في بيان ذلك على التفصيل فنقول: فإن كانا مختلفين حكما وسببا عمل بالمطلق في موضع إطلاقه وبالمقيد في موضع تققيده ولا يحمل أحدهما على الآخر اتفاقا للتعافي الحاصل بينهما، مثال ذلك فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ} (3) في كفارة الظهارة (4)، وفي كفارة اليمين الله فَصِيامُ ثَلَثَةِ أَيَّام (ه)، فهنا اختلفا في السبب والحكم (6) كما
(1) أي المطلق والمقيد.
(2) في ب المطلق.
(3) القرآن الكريم سورة النساء (مدنية) آية رقم 92.
(القاموس
(4) الظهار: تشبيه المسلم المكلف من تحل له أو جزءها بظهر محرم أو جزء آخر وإن بصهر أو رضاع. عبدالعزيز الثميني (النيل وشفاء العليل بشرح القطب، ج 7 ص 92، سعدي أبو حبيب الفقهي) ص 239.
(د) القرآن الكريم سورة المائدة (مدنية) آية رقم 89 (6) أتى المصنف بهذين للتمثيل على الاختلاف في الحكم والسبب، وقد مثل بهما كل من الطوفي (شرح مختصر الروضة) ج 2 ص 644. والسالمي (شرح طلعة الشمس) ج 1 ص 78، وقد يعترض بأن الحكم واحد في المثالين وهو الصيام، فكيف مثل هؤلاء بهذين المثالين فى هذا الموضع؟ وقد أجاب الإمام السالمي عن هذا الاعتراض بقوله: ونحن إنما قلنا باختلاف حكمهما لاختلاف نوعي الصيام، فالصيام في آية اليمين محدود
بالثلاثة الأيام، وفي آية الظهار محدود بالشهرين، وباختلاف نوعيه اختلف حكمه تشديدا وتخفيفا. السالمي (شرح طلعة الشمس) ج 1 ص 78، فالاختلاف جاء من حيث الفترة لكليهما، هذا وقد مثل آخرون لهذا الموضع بأمثلة أخرى فابن السمعاني مثل بما ورد من تقييد الصيام بالتتابع في كفارة القتل في قوله تعالى فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين النساء (92) وإطلاق الإطعام في الظهار في قوله تعالى: فمن لم يجد فإطعام ستين مسكينا (المجادلة (4) ابن السمعاني قواطع الأدلة ص 373، والفخر الرازي، مثل بقوله تعالى وآتو الزكاة (البقرة (43) وأعتقوا رقبة مؤمنة الرازي (المحصول) ج 3 ص 141. (1/331)
صفحة 332
***
فصول الأصول
***
ترى، فكفارة الظهار مقيدة بالتتابع، وكفارة اليمين مطلقة، والسبب في كفارة الظهار هو الظهار، والحكم فيها صيام شهرين، والسبب في كفارة اليمين هو الحنث، والحكم صيام ثلاثة أيام، فلا يشترط التتابع بين صيام ثلاثة الأيام بل تجري على إطلاقها، ويعمل بالتتابع في كفارة الظهار جريا على تقييدها، وإنما قال بعض أصحابنا باشتراط التتابع في كفارة اليمين للقراءة الشاذة المروية عن ابن مسعود: فصيام ثلاثة أيام متتابعات (1) لا حملا للمطلق على المقيد (2).
الصورة (3) الثانية أن يتحدا حكما ويتفقا سببا، فها هنا يحمل المطلق على المقيد سواء تقدم أحدهما على الآخر أو تقارنا في الخطاب بهما ما لم يتأخر المقيد حتى يعمل بالمطلق، فإن تأخر كذلك كان المقيد ناسخا لبعض أحكام المطلق، وقيل ينسخه وإن لم يكن عمل به (4)، وهو ضعيف والول هو الصحيح، وعليه الجمهور؛ لأن التقييد بيان بخلاف النسخ، مثال اتحادهما في الحكم والسبب كأن يقول الشارع - مثلا -: أعتق رقبة عن قتل الخطأ، أعتق رقبة مؤمنة عن قتل الخطأ، فالأولى مطلقة والثانية مقيدة بالإيمان، والسبب في كلا الوجهين هو قتل الخطأ، والحكم فيهما - أيضا - إعتاق الرقبة، فهما متحدان حكما وسببا، فيجب العمل بالثاني وهو المقيد دون المطلق حملا عليه بلا خلاف عندنا.
وقد نقل الخلاف فيه بعض الشافعية كابن السبكي (5) وشارحه المحلي قائلين: يحمل المقيد على المطلق - ها هنا - إلغاء للقيد، وهذا ليس بشيء).
(1) الفخر الرازي (التفسير الكبير) ج 12 ص 65، أبو حيان (البحر المحيط) ج 4 ص 355. (2) حكى كل من الشيخ عامر الشماخي والامام السالمي هذا القول عن كل الإباضية لا عن بعضهم. الشماخي عامر بن علي (الإيضاح) ج 4 ص 89، والسالمي (شرح طلعة الشمس) ج 1 ص 78، وهذا مذهب الأحناف، الأنصاري (فواتح الرحموت) ج 1 ص 362، أمير باد شاه تيسير التحرير) ج 1 ص 331. (3) في ب والصورة بحرف العطف. (4) قال به الحنفية، أمير باد شاه (تيسير التحرير) ج 1 ص 33، الأنصاري (فواتح الرحموت) ج 1 ص 362. (2) في ب كالسبكي.
(6) قول المؤلف: قائلين: يوهم أنه قول لهما، وإنما هما نقلا هذا القول عن غيرهما دون ان يصرحا بقائله. ابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 2 ص 50. (1/332)
صفحة 333
333
***
فصول الأصول
***
وقال (1) شيخنا السالمي: إنه لا يخفى أن الشارع لا يذكر شيئا عبثا وإنما ذكر القيد لأنه مراد له فلا يصح إلغاؤه، فلو ألغي لما كان في ذكره فائدة (2). انتهى،
والله أعلم.
الصورة الثالثة: أن يختلفا سببا ويتفقا حكما أو العكس، وهاتان الصورتان هما محل النزاع، فمثال اختلاف السبب واتفاق الحكم فتحرير رقبة من قبل أن يتماسا (3) في كفارة الظهار، فها هنا الرقبة مطلقة، وقوله تعالى: فتحرير رقبة مؤمنة (4) في كفارة القتل، فهي مقيدة بالإيمان، والسبب مختلف، فإنه القتل – هنا – والظهار - هناك - مع اتفاق الحكم، وهو العتق، فبعض الأصوليين حمل مطلق الرقبة في الظهار على مقيدها في القتل فاشترط الإيمان فيهما معا، منهم الشافعي وبعض أصحابنا كابن بركة (5).
وقال بعضهم: لا يحمل - هنا - وهم بعض أصحابنا كابن محبوب) ومن تبعه، وكذلك أبو حنيفة (7) وكذلك إن اختلفنا حكما واتفقا في السبب الموجب فعلى
(1) في ب قال بدون حرف العطف.
(2) السالمي (طلعة الشمس) ج 1 ص 79 - 80. (3) القرآن الكريم سورة المجادلة (مدنية) آية رقم 3. (4) القرآن الكريم سورة النساء (مدنية) آية رقم 92.
(2) وقال به البيضاوي (المنهاج بشرح المعراج) ج 1 ص 400، وحكاه ابن السبكي عن جمهور الشافعية (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 2 ص 51)، (الإبهاج) ج 2 ص 202، وعليه الإمام أحمد وأكثر أصحابه ابن النجار (شرح الكوكب المنير) ج 3 ص 401 - 402، وانظر: ابن بركة (كتاب الجامع) ج 2 ص 88، الجويني (البرهان) ج 1 ص 288، الرازي (المحصول) ج 3 ص 144 - 145، الآمدي (الإحكام) ج 2 ص 8، الإسنوي (نهاية السول) ج 2 ص 494، الزركشي (البحر المحيط) ج 5 ص 14، الزنجاني (تخريج الفروع على الأصول) ص 262.
(6) هو محمد بن محبوب بن الرحيل بن سيف بن هبيرة، يتصل نسبه بلؤي بن غالب القرشي، من أكابر علماء عمان في عصره، تولى رئاسة العلم في المذهب الإباضي في العقد الول من القرن الثالث الهجري، وله أجوبة فقهية متناثرة في بطون كتب المذهب الإباضي الفقهية كبيان الشرع وقاموس الشريعة. البطاشي، سيف بن حمود (إتحاف الأعيان) ج 1 ص 192، حجازي محمود فهمي (دليل أعلام عمان) ص 150. () وعليه أصحابه. ابن بركة (كتاب الجامع) ج 2 ص 88، السالمي (طلعة الشمس) ج 1 ص 80، أمير باد شاه (تيسير التحرير) ج 1 ص 333، الأنصاري (فواتح الرحموت ج 1 ص 365، وحكاه القرافي عن أكثر المالكية (شرح تنقيح الفصول) ص 266. (1/333)
صفحة 334
***
فصول الأصول
***
(1)
هذا الخلاف المذكور، مثال ذلك قوله تعالى: {فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم في آية التيمم، فالأيدي - هنا - مطلقة، وقوله تعالى في آية الوضوء: فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِي (2)، فهي للوضوء والتيمم، والحكم مختلف، وهو التيمم في الأولى، والوضوء في الثانية، فحمل بعضهم المطلق على المقيد فأوجب المسح في التيمم إلى المرافق كما في الوضوء، ولم ير الحمل آخرون لاختلاف الحكم، وهو مذهب أكثر أصحابنا (3)، وعلى الأول الشافعية (4)، قالوا: يجب الحمل لاشتراكهما في السبب، والله أعلم.
(1) القرآن الكريم سورة المائدة (مدنية) آية رقم 6. (2) القرآن الكريم سورة المائدة (مدنية) آية رقم 6.
(3) ابن بركة (كتاب الجامع) ج 1 ص 336، الشماخي، عامر بن علي (الإيضاح) ج 1 ص 288،، أطفيش محمد بن يوسف (شرح كتاب النيل ج 1 ص 393 - 395، السالمي (طلعة الشمس) ج 1 ص 80، الرواحي ناصر بن سالم (نثار الجوهر) ج 1 ص 300، وقال بعدم حمل المطلق على المقيد في هذه الصورة أكثر الحنفية. السمر قندي (ميزان الأصول) ج 1 ص 585، الطوفي (شرح مختصر الروضة) ج 2 ص 640، السالمي (شرح طلعة الشمس) ج 1 ص 80، وحكاه الطوفي عن أبي إسحاق ابن شاقلا الحنبلي (شرح مختصر الروضة) ج 2 ص 640، وعزاه السالمي إلى بعض الإباضية (شرح طلعة الشمس) ج 1 ص 80. (4) الرازي (المحصول) ج 3 ص 141، القرافي (شرح تنقيح الفصول ص 266، الجزري (معراج المنهاج) ج 1 ص 400، الإسنوي (التمهيد) ص 419.
وقد حكى الباجي هذا القول عن المحققين من المالكية (إحكام الفصول) ص 281.
334 (1/334)
صفحة 335
335
***
فصول الأصول
***
مبحث المحكم والمتشابه
الفصل التاسع والستون
في حكمهما والفرق بينهما
اعلم أن العلماء اختلفوا في الفرق بين المحكم والمتشابه على أقوال كثيرة، والذي نختاره من مذاهبهم في ذلك تبعا لقطب الأئمة (1) - رحمه الله تعالى - (2) أن اللفظ
،
الوارد في الكتاب العزيز المتعلق به التكليف ينقسم إلى قسمين محكم ومتشابه، فالمتشابه ما استأثر الله بعلمه دون خلقه كحروف فواتح السور ونحوها، والمحكم ما يعلم معناه بظاهره أو بتأويل، وينقسم إلى قسمين – أيضا –، نص وغير نص، فالنص هو كل لفظ متضح المعنى لا يحتمل إلا معنى واحد، أو غير النص ينقسم إلى ثلاثة أقسام: فإنه إما أن يكون المعنى محتملا راجحا على سواه فهو الظاهر، وإما أن يكون محتملا مرجوحا محتاجا إلى القرينة فهو المؤول، وإما أن يكون تتساوى فيه الاحتمالات فهو المجمل فيحتاج إلى بيان، ولا يجوز تأخيره عن وقت الحاجة إليه، ولكل واحد من هذه الأقسام حكم يخصه.
(1) في ب الأيمة. (2) الذي ذهب إليه القطب في الهيميان أن المتشابه هو المجمل المحتمل الملتبس الذي لا يظهر إلا بالبحث الشديد، القطب محمد بن يوسف هيميان الزاد) ج 4 ص 14.
وللعلماء أقوال في تعريف المحكم والمتشابه فمنها: 1 - قول إمام الحرمين، المحكم ما علم معناه وأدرك فحواه، والمتشابه المجمل، ثم عرف المجمل بأنه الذي لا يعقل معناه، ولا يدرك مقصود اللافظ ومبتغاه، الجويني (البرهان) ج 1 ص 274. 2 - المحكم ما عرف تأويله وفهم معناه وتفسيره، والمتشابه ما لم يكن لأحد إلى علمه سبيل مما استأثر الله تعالى بعلمه دون خلقه، وهذا قول جابر بن عبدالله والشعبي وسفيان الثوري، وحسنه القرطبي. القرطبي (الجامع لأحكام القرآن تفسير آية رقم 7 من سورة آل عمران.
المحكم الناسخ، والمتشابه المنسوخ، وهذا مروي عن ابن عباس -) - (المرجع السابق). 4 - المحكم سورة الإخلاص، قاله محمد بن الفضل (المرجع السابق).
ه - المحكم هو الذي يكون دليله واضحا لائحا، والمتشابه ما يحتاج في معرفته إلى التدبر والتأمل، وهو قول الأصم. الجويني (البرهان) ج 1 ص 281 - 284، القرطبي (الجامع لأحكام القرآن) تفسير سورة آل عمران، آية رقم 7. الرازي (التفسير (الكبير) تفسير نفس الآية الألوسي (روح المعاني) تفسير نفس الآية السابقة، القطب (الهيميان) تفسير نفس الآية السابقة. (1/335)
صفحة 336
***
فصول الأصول
***
فأما المتشابه فحكمه الوقوف عن القول فيه ورده إلى عالمه، هذا ما نختاره، وفيه من أن الصحيح الوقوف على اسم الجلالة في الآية الكريمة (1)، والراسخون مبتدأ، فينتفي علم غيره به، وعليه أكثر الأئمة (2) فيحب الكف عن الخوض في تحصيل معانيه، وإنما خوطبوا به تعبدا ليجتهدوا في تمييزه عن غيره ولما فيه من الإعجاز والبلاغة عن الإتيان بمثله أ. هـ.
وحكم النص القطع بمدلوله أنه هو المراد منه، فهو حجة قطعية يوجب قطع عذر من خالفه، وحكم الظاهر العمل به وصرف المراد إليه، ودلالته ظنية توجب العمل لا العلم عندنا (3)، وإن قام الدليل على أن المراد من ذلك اللفظ غير المعنى الظاهر المتبادر وجب صرفه إلى ما يقتضيه الدليل، وهذا هو المؤول، وهو ثلاثة أقسام: قريب وبعيد ومتعذر باطل، وحكم المجمل الوقوف عنه حتى يرد فيه البيان، فمثال النص لا إله إلا إله إلا الله وقُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ، فَأَقِيمُوا الصَّلوةَ وَعَاتُوا الزَّكَوةَ) ونحوها، ومثال الظاهر كلفظة الأسد، فإنه متبادر راجح في الحيوان المفترس، ومرجوح في (1) وهي قوله تعالى: وما يعلم تأويله إلا الله، والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا (آل عمران - مدنية - آية رقم 7). (2) قال به ابن عمر و ابن عباس وعائشة وعروة بن الزبير وعمر بن عبدالعزيز، وهو قول الكسائي والأخفش والفراء وأبي عبيد. القرطبي (الجامع لأحكام القرآن تفسير آل عمران آية رقم (7). واختاره الفخر
(4)
الرازي ومالك وأبو على الجبائي. الرازي (التفسير (الكبير) تفسير آل عمران آية رقم (7). وروى عن مجاهد و ابن عباس والربيع بن أنس ومحمد بن جعفر بن الزبير والقاسم بن محمد وأكثر المتكلمين الوصل، أي: وصل والراسخون على اسم الجلالة (المرجعين السابقيين وصرح الآلوسي بجواز الوجهين، وقد نقل – الآلوسي – عن بعض أئمة العلم قوله: إن أريد بالمتشابه ما لا سبيل إليه للمخلوق، فالحق الوقف على الله، وإن أريد ما لا يتضح بحيث يتناول المجمل ونحوه فالحق العطف ويجوز الوقف – أيضا – لأنه لا يعلم جميعه أو لا يعلمه بالكنه إلا الله تعالى. الألوسي (روح المعاني) تفسير آل عمران آية رقم (7)، وهذا الكلام يفيد أن منشأ الخلاف في الوقف والوصل في الآية إنما هو خلافهم في معنى المحكم والمتشابه. وانظر: القطب محمد بن يوسف (هيميان الزاد) تفسير نفس الآية.
(3) السالمي (طلعة الشمس) ج 1 ص 169، وكذا عند غير المذهب الإباضي، فقد صرح ابن السبكي بأن دلالة الظاهر ظنية، وقال المحلي وخرج النص لأن دلالته قطعية، ابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 2 ص 52، وقال ابن النجار: الظاهر ما دل دلالة ظنية وضعا أو عرفا وكذا عند ابن الحاجب، ابن النجار (شرح الكوكب المنير) ج 3 ص 459، ابن الحاجب مختصر المنتهى بشرح العضد) ج 2 ص 168، وينظر:
الآمدي (الإحكام) ج 3 ص 58 - 59.
(4) (4) القرآن الكريم سورة الإخلاص (مكية) آية رقم 1. (2) (5) القرآن الكريم سورة المجادلة (مدنية) آية رقم 13.
336 (1/336)
صفحة 337
337
***
فصول الأصول
***
الرجل الشجاع، فلا يصرف إليه إلا بقرينة، وكالغائط راجح في الخارج المستقذر، فإنه حقيقة عرفية فيه، مرجوح في المكان المطمئن، إذ صار مجازا لغويا بعد ما وضع له أولا، والتأويل: حمل اللفظ على المعنى المحتمل المرجوح، وهو ثلاثة أقسام كمامر آنفا، فإنه إن حمل على المرجوح لدليل صحيح فصحيح، وإن حمل عليه لما يظن أنه دليل صحيح في اعتقاد الحامل وهو ليس بدليل في الواقع فهو تأويل بعيد، وإن حمل عليه لا لدليل فهو متعذر فاسد، ثم إن التأويل الصحيح القريب، يترجح على الظاهر بأدنى دليل، وذلك نحو قوله تعالى: إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم (2)، يريد إذا عزمتم على القايم إليها؛ لأن حال القيام إليها لا يتأتى (3) فيه الوضوء، فالمراد قبله.
والتأويل البعيد لا يترجح على الظاهر إلا بدليل قوي، ومنه تأويل الحنفية قوله - - لغيلان بن سلمة الثقفي وقد أسلم على عشر نسوة فقال له: أمسك أربعا وفارق سائرهن)، فتأولوا قوله أمسك أن معناه ابتدئ بنكاح أربع، وذلك فيما إذا كان نكحهن معا لبطلان النكاح قياسا على المسلم، ويؤيد بعد هذا التأويل أن المخاطب به قرب عهد بالاسلام لم يسبق له بيان شروط النكاح مع حاجته إلى ذلك، ولم ينقل تجديد نكاح من هذا المخاطب ولا من غيره مع كثرة من أسلم على عدد مخالف لحكم الشرع مع توفر دواعي حملة الشريعة على نقله لو وقع، ومن التأويل البعيد – أيضا – تأويل الحنفية قوله - -: أيما امرأة أنكحت نفسها بغير أذن وليها فنكاحها باطل
(e)
(1) وعرفه الآمدي، بأنه حمل اللفظ على غير مدلوله الظاهر مع احتماله له (الاحكام) ج 3 ص 59، وابن السبكي حمل الظاهر على المحتمل المرجوح (جمع الجوامع بشرح الملحي) ج 2 ص 53، والسالمي، بأنه صرف اللفظ عن حقيقته إلى مجاره لقرينة اقتضت ذلك الصرف (شرح طلعة الشمس) ج 1 ص 169، وانظر: ابن الحاجب (مختصر المنتهى بشرح العضد ج 2 ص 168، ابن النجار (شرح الكوكب المنير) ج 3 ص 460. (2) القرآن الكريم سورة المائدة (مدنية) آية رقم 6. (3) في أيتناول. (4) سبق تخريج هذا الحديث ص 200.
(2) الحديث أخرجه ابن ماجة (سنن ابن ماجة) المعجم، المعجم، النكاح، باب لا نكاح إلا بولي، حديث 1879، ج 2 ص 427، وأبو داود (سنن أبي داود كتاب النكاح، باب الولي، حديث 2083، ج 1 ص 478، والترمذي (سنن الترمذي) كتاب النكاح، باب ما جاء لا نكاح إلا بولي، حديث 1102، ج 3 ص 407، واللفظ له، وقال: حديث حسن (المرجع السابق). (1/337)
صفحة 338
***
فصول الأصول
***
قاله ثلاثا، فأولوا المرأة (1) - هنا - بالصبية والأمة والمكاتبة، إذ حمله بعضهم أولا على الصبية لصحة تزويج الكبيرة نفسها عندهم قياسا على بيع سلعتها، فاعترض عليهم بأن الصغيرة لا تسمى امرأة (2) في لسان العرب، بل تسمى صبية فحملوه على الأمة، فاعترض عليهم من نفس الحديث بقوله: فأن مست فلها مهرها بما أصيب منها. فإن مهر الأمة ليس لها بل هو لسيدها، ثم حملوه على المكاتبة، ووجه بعد هذا التأويل على كل حال أن فيه قصرا للعام المؤكد عمومه بما على صورة نادرة مع ظهور قصد الشارع إلى عمومه بأن يمنع المرأة (3) مطلقا من استقلالها بالنكاح الذي لا يليق. محاسن العادات واستقلالها به.
وكذا تأويلهم حديث لا صيام لمن لم يبيت النية بالليل (4) على صيام القضاء والنذر لصحة غيرهما بنية من النهار عندهم، ووجه بعده أنه قصر للعام المنصوص على عمومه
على نادر، لندرة القضاء والنذر بالنسبة إلى الصوم المكلف به في أصل الشرع (ه). وأما التأويل المعتذر الفاسد فهو الذي لا مستند له من لغات العرب خارج عن الحقائق والتجاوزات، فهو يرد على قائله ويكذب ويفسق به، وذلك كتأويل الباطنية (6). وهم قوم من الشيعة جعلوا للقرآن باطنا صرفوه إليه
(1) في ب المراءة.
(2) في ب المراءة. (3) في ب المراءة.
(4) الحديث أخرجه مالك (مؤطأ الإمام مالك كتاب الصوم، باب النية في الصوم من الليل، حديث 371 ج 2 ص 216، وابن ماجة (سنن ابن ماجة) المعجم، الصيام، باب ما جاء في فرض الصوم من الليل، حديث 1700، ج 2 ص 325، وأبو داود (سنن أبي داود كتاب الطلاق، باب النية في الصوم، حديث 2454، ج 1 ص 565، والترمذي (سنن الترمذي) كتاب الصوم، باب ماجاء لا قيام لمن لم يعزم من الليل، حديث 730، ج 3 ص 108، حديث صحيح، الألباني (صحيح سنن الترمذي) ج 1 ص 222. (د) انظر تأويلات الحنفية الثلاثة في: ابن الحاجب (مختصر المنتهى بشرح العضد ج 2 ص 169، ابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 2 ص 53، الزركشي (البحر المحيط) ج 5 ص 46، ابن النجار (شرح الكوكب المنير) ج 3 ص 462، أمير باد شاه (تيسير التحرير ج 1 ص 145 - 148، الأنصاري (فواتح الرحموت) ج 2 ص 25 - 31، السالمي (شرح طلعة الشمس) ج 1 ص 170. (6) الباطنية، فرقة من فرق الشيعة يقولون بأن للقرآن باطنا وظاهرا، ومؤسس هذه الفرقة رجل يدعى ميمون القداح، الشهرستاني (الملل والنحل) ج 1 ص 201، د. الخطيب محمد أحمد (الحركات الباطنية في العالم الاسلامي عقائدها وحكم الإسلام فيها ص 19، شريف يحيى الأمين (معجم الفرق الإسلامية) ص 50. (1/338)
صفحة 339
339
***
فصول الأصول
***
عن حكم ظاره أخزاهم الله تعالى، فمنها تأويلهم قوله تعالى: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَتُكُمْ (1)، قالوا: المراد بالأمهات العلماء، والمراد بالتحريم تحريم مخالفتهم وانتهاك حرماتهم، وأولوا ثعبان موسى بحجته القوية، وقوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تَذْبَحُوا بَقَرَة (2)، قالوا: هي عائشة، قبحهم الله تعالى، وأولوا نبع الماء من بين الأصابع بكثرة العلم ونحوها من التأويلات الباطلة التي لا حاجة لنا بذكرها (3)، والله سبحانه وتعالى (4) أعلم.
(1) القرآن الكريم سورة النساء (مدنية) آية رقم 23 (2) القرآن الكريم سورة البقرة (مدنية) آية رقم 67. (3) السالمي (شرح طلعة الشمس) ج 1 ص 169. (4) سبحانه وتعالى ساقطتان من ب. (1/339)
صفحة 340
***
فصول الأصول
***
الفصل السبعون
في الكلام على المجمل
المجمل هو: ما لم تتضح دلالته من قول أو فعل لتساوي الاحتمالات فيه، كما قدمناه، وخرج المهمل لأنه لا دلالة له، والمبين لا تضاح دلالته. قال ابن (1) السبكي: فلا إجمال في آية السرقة، وهي قوله تعالى: {وَالسَارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا (2) (3)، وخالف بعض الحنفية فقالوا بإجمالها):} لأن اليد تطلق على العضو إلى الكوع وإلى المرفق وإلى المنكب، فلا يدري من أيها أريد القطع، ويطلق القطع على الإبانة وعلى الجرح من غير إبانة، يقال لمن جرح يده بالسكين: قطعها، ولا ظهور الواحد من ذلك، وتفسير الشارع القطع من الكوع) مبين لذلك الإجمال. قلنا: اليد تطلق ظاهرا على العضو كله إلى المنكب ولفظ القطع ظاهر في الإبانة - أيضا - وإبانة الشارع لذلك العضو من الكوع مبين أن المراد من العضو كله ذلك البعض، وكذا (6) اختلفوا في قوله تعالى: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُم لله)) حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ الله (8).
(1) ابن في ب ساقطة.
(2) القرآن الكريم سورة المائدة (مدنية) آية رقم 38.
(3) ابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 2 ص 59. (4) نسب الكمال بن الهمام وابن عبد الشكور هذا القول إلى شرذمة من الناس من غير تعيين من أي المذاهب، وكذا شارحا مسلم الثبوت والتحرير لم يبينا ذلك (التحرير بشرح التيسير) ج 1 ص 170، (مسلم الثبوت بشرح الفواتح ج 1 ص 39.
(2) الكوع، ويقال الكاع - أيضا - طرف الزند الذي يلي أصل الإبهام ابن منظور) (لسان العرب) باب العين فصل الكاف، ج 8 ص 316، إبراهيم أنيس (المعجم الوسيط) باب الكاف، ج 2 ص 837.
(6) في ب كذلك.
(1) القرآن الكريم سورة النساء (مدنية) آية رقم 23.
() القرآن الكريم سورة المائدة (مدنية) آية رقم 3.
340 (1/340)
صفحة 341
341
فصول الأصول
***
فقال الكرخي وبعض الشافعية: إسناد التحريم إلى العين لا يصح، لأنه إنما يتعلق بالفعل، فلا بد من تقديره، وهو محتمل (2) الأمور لا حاجة إليها جميعا ولا مرجح لبعضها، فهو مجمل. قلنا: بل لها مرجح وهو العرف، فإن العرف قاض بأن المراد تحريم الاستمتاع بوطء ونحوه، وفي الثاني تحريم الأكل ونحوه فلا إجمال، وكذا قوله تعالى: وامسحوا برؤوسكم (3) لا إجمال فيه وخالف بعض الحنفية فقال بإجماله (5) لتردده بين مسح الكل والبعض، ومسح الشارع الناصية مبين لذلك، قلنا: لا نسلم تردده، وإنما هو لمطلق المسح الصادق بأقل ما يطلق عليه اسم المسح، ومسح الشارع الناصية إنما هو عمل بذلك الإطلاق، وكذا حديث رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه (6).
(4)
قال بعض الحنفية وأبو الحسن وأبو عبد الله البصريان بإجماله (7) محتجين بأنه لا يصح رفع المذكورات، وهي موجودة حسا فلا بد من تقدير شيء، وذلك المقدر متردد بين أمور كثيرة لا حاجة إلى جميعها ولا مرجح لبعضها (8)، فهو مجمل، قلنا: المرجح
(1) الشيرازي (شرح اللمع ج 1 ص 458، الأنصاري (فواتح الرحموت ج 1 ص 33، لكن عبدالعلي الأنصار قال: ثم نسبة الإجمال إلى الكرخي مخالفة لما في الكشف، فإنه قال: وذهب بعض أصحابنا ومنهم الشيخ أبو الحسن الكرخي ومن تابعه إلى أن المراد تحريم الفعل، وذهب قوم من القدرية، كأبي عبدالله البصري وأبي هاشم إلى أنه مجمل الأنصاري (فواتح الرحموت ج 1 ص 33، وانظر: أبو الحسين (المعتمد) ج 1 ص 307، أمير باد شاه (تيسير التحرير) ج 1 ص 166.
(2) في ب محتاج.
(3) القرآن الكريم سورة المائدة (مدنية) آية رقم 6.
(4) من قوله وكذا إلى قوله إجمال فيه ساقطة من ب.
(د) وحكاه أبو الحسين البصري عن العراقيين من الأحناف. أبو الحسين (المعتمد) ج 1 ص 308، الأنصاري (فواتح الرحموت) ج 1 ص 33، أمير باد شاه (تيسير التحرير) ج 1 ص 167.
"
(1) الحديث أخرجه الإمام الربيع بن حبيب (الجامع الصحيح) باب ما جاء في التقية، حديث رقم 794، ص 301، وابن ماجة (سنن ابن ماجة كتاب الطلاق، باب طلاق المكره، حديث 2043، ج 2 ص 513 وانظر ص 68 من الكتاب. (2) أبو الحسين (المعتمد) ج 1 ص 310، الأنصاري (فواتح الرحموت ج 1 ص 38، أمير باد شاه (تيسير التحرير) ج 1 ص 169، المحلي (شرح) المحلي على جمع الجوامع) ج 2 ص 59.
(8) في ب إلى بعضها. (1/341)
صفحة 342
***
فصول الأصول
***
موجود وهو العرف، فهو يقضي بأن رفع المؤاخذة، فلا إجمال في هذه المذكورات كلها، وإنما الإجمال في مثل لفظ القرء لأنه متردد بين الطهر والحيض لاشتراكه بينهما، وكالنور فهو صالح للعقل ونور الشمس لتشابههما، وكالجسم فهو صالح للسماء والأرض لتماثلهما في الجسمية وهو التركيب من جزءين فصاعدا، وكلفظ المختار لتردده بين اسم الفاعل والمفعول، وفي رجوع الضمير إلى مذكورين) أو مذكورات كقوله تعالى: أو يعفوا الذي بيده عقدة النكاح (2) لتردد الضمير في بيده بين الزوج والولي، وكلفظ الراسخون (3) لتردده بين العطف والابتداء. وحمله الجمهور على الابتداء (4) لما قام عندهم من الأدلة، وهو الصحيح، ومثل هذا كثير في الكتاب والسنة وألسنة العرب فلا معنى لإنكار من أنكره، والله تعالى (ه) أعلم.
(1) في ب مذكرين.
(2) القرآن الكريم سورة البقرة (مدنية) آية رقم 237.
(3) في ب زيادة في العلم.
(4) سبق ذكر هذه المسألة.
(2) تعالى في ب ساقطة.
342 (1/342)
صفحة 343
343
***
فصول الأصول
***
الفصل الحادي والسبعون
في الكلام على اللفظ المحتمل معنيين فأكثر (1)
-
وإذا ورد اللفظ محتملا لمعنى شرعي وآخر لغوي فالمعنى الشرعي أوضح من اللغوي فيحمل عليه؛ لأن النبي - - بعث لبيان الشرعيات، وقيل: لا يحمل على الشرعي في النهي. وقال الغزالي هو مجمل (2) أي: فلا يحمل على أحدهما إلا بدليل، و قال الآمدي: يحمل على اللغوي (3) وقد تقدم ذكر طرف من هذا في الحقيقة والمجاز، فإن تعذرت إرادة المعنى الشرعي حقيقة رد إليه مجازا محافظة على الشرعي ما أمكن) وقيل: هو مجمل – هنا (5) لتردده بين المجاز الشرعي والمسمى اللغوي، وقيل:
(3)
-
(4)
يحمل على اللغوي (6) تقديما للحقيقة على المجاز، والمختار الأول، مثال ذلك قوله -: الطواف بالبيت صلاة إلا أن الله أحل فيه الكلام ()، فقد تعذرت - هنا إرادة الصلاة الشرعية حقيقة فيحمل عليها مجازا كأن يقال: هو كالصلاة باعتبار الطهارة والنية ونحوهما، أو يحمل على الحقيقة اللغوية وهي (8) الدعاء بخير، لأن
(1) في ب وأكثر. (2) الذي ذهب إليه الغزالي في المستصفى التفصيل فى المسألة فقال: إنه مجمل إذا ورد في النهي، ويحمل على المعنى الشرعي إذا ورد في الإثبات والأمر وقد ذكر المؤلف عن الغزالي هذا التفصيل في الفصل السادس والعشرين في وجوه استعمال الألفاظ، وانظر: الغزالي (المستصفى) ج 1 ص 359.
(3) الآمدي (الإحكام) ج 3 ص 27. (4) وهو اختيار الآمدي (الإحكام) ج 3 ص 25، وابن الحاجب (مختصر المنتهى بشرح العضد) ج 2 ص 161، وابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 2 ص 63 - 64، والكمال (التحرير بشرح التيسير) جا ص 173 - 174، وابن عبدالشكور (مسلم الثبوت بشرح الفواتح ج 2، ص 41، ونسبه ابن النجار إلى أصحابه الحنابلة (شرح الكوكب المنير) ج 3 ص 433، والزركشي إلى الأكثر (البحر المحيط) ج 5 ص 85. (د) اختاره الغزالي (المستصفى) ج 1 ص 356 - 357، ابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 2 ص 63. (6) ابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 2 ص 63، أمير باد شاه (تيسير التحرير) ج 1 ص 174. (2) الحديث أخرجه ابن خزيمة (صحيح ابن خزيمه كتاب المناسك، باب الرخصة في التكلم بالخير في الطواف، حديث 2729، ج 4 ص 222، والحاكم (المستدرك) كتاب المناسك، حديث 1686، ج 1 ص 630، وذكره على المتقي الهندي (كنز العمال) كتاب الحج والعمرة، الباب الثاني، الفصل الرابع، حديث 12002 ج 5 ص 49، قال السيوطي: حديث حسن (الجامع الصغير) ج 2 ص 142 - 143.
(8) في أ وهو هي. (1/343)
صفحة 344
***
فصول الأصول
***
الطواف مشتمل على الدعاء فهو بعضه لعلاقة الكلية والجزئية. وقيل: هو مجمل لتردده بين الأمرين كما تقدم، والله أعلم.
واختلفوا في اللفظ المستعمل تارة لمعنى وأخرى لمعنيين آخرين ليس ذلك المعنى منهما إن كان استعماله في الوجهين على السواء، فقيل: هو مجمل (1) لتردده بين المعنى الأول والمعنيين الآخرين، وقيل: استعماله في المعنيين أرجح (2) لأنه أكثر فائدة، فإن كان المعنى الآول داخلا فيهما بأن يكون هو أحدهما فالعمل به قطعا (3) لوجوده في الاستعمالين، وقيل: يعمل به وبالآخر (4) لأنه أكثر فائدة، مثال الأول ما رواه مسلم عنه - - لا ينكح المحرم ولا ينكح (5) بناء على أن النكاح مشترك بين العقد والوطء، فإنه إن حمل على الوطء استفيد منه معنى واحد وهو أن المحرم لا يطأ ولا يمكن غيره من وطئه، وإن حمل على العقد استفيد منه معنيان بينهما قدر مشترك وهو أن المحرم لا يعقد لنفسه ولا يعقد لغيره، ومثال الثاني قوله - -: الثيب أحق بنفسها من وليها (6) أي بأن تعقد لنفسها أو تأذن لوليها فيعقد لها ولا يجبرها، وقد قال بالأول أبو حنيفة وبعض الشافعية (7) لكنهم خصوه بما إذا كانت (1) قال به الغزالي (المستصفى) ج 1 ص 355، وابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 2 ص 6465، ورجحه الزركشي ونسبه الصفي الهندي إلى الأقلين (البحر المحيط) ج ه ص 81 - 82، وهو ظاهر مذهب الحنابلة. ابن النجار (شرح) الكوكب المنير) ج 3 ص 431. (2) اختاره الآمدي، وحكاه عن الأثير (الاحكام) ج 3 ص 24، وكذا الصفي الهندي حكاه عن اكثر الـ الزركشي (البحر المحيط) ج 5 ص 81. (3) قال به ابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 2 ص 65، والزركشي (البحر المحيط) جه ص 83. (4) المحلي (شرح المحلي على جمع الجوامع) ج 2 ص 66.
العلماء،
(5) مسلم (صحيح مسلم بشرح النووي كتاب النكاح، باب تحريم نكاح المحرم وكراهة خطبته، حديث رقم 1409، ج 10 ص 204، وابن ماجة (سنن ابن ماجة) المعجم، النكاح باب المحرم يتزوج، حديث 1966، ج 2 ص 472، وأخرجه أبو داود (سنن أبي داود، كتاب المناسك، باب المحرم يتزوج،
حديث 1841، ج 2 ص 175، وينظر: الألباني (إرواء الغليل) حديث 1037، ج 4 ص 226. (6) الحديث أخرجه مسلم (صحيح مسلم بشرح النووي كتاب النكاح، باب استئذان الشيب في النكاح بالنطق، ج 9 ص 217، والربيع بن حبيب الآيم أحق بنفسها من وليها، والبكر تستأذن في نفسها وإذنها صماتها، الربعي ابن حبيب (الجامع الصحيح كتاب النكاح، باب في الأولياء، حديث رقم
511، ص 206.
(1) الأنصاري (فواتح الرحموت ج 1 ص 26، وانظر: ابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي)
ج 2 ص 66.
344 (1/344)
صفحة 345
345
***
فصول الأصول
***
(1) °
في مكان لا ولي لها فيه ولا حاكم، نقل بعضهم هذا القول عن الشافعي (1). قال ابن القاسم يحتمل أن يكون المراد أن المعنى الواحد الذي يستعمل فيه اللفظ
تارة هو عقدها لنفسها، والمعنيان اللذان يستعمل فيهما تارة أخرى وذلك المعنى أحدهما أن تعقد لنفسها أو تأذن لوليها، ويحتمل أن يكون المراد أن المعنى الواحد أن تأذن لوليها وأن المعنيين أن تأذن لوليها أو تعقد لنفسها، قال: ويؤيد الأول ما في بعض النسخ مما صورته هكذا أي: بأن تعقد لنفسها أو بأن تعقد لنفسها أو تأذن لوليها (2)، والله أعلم.
(1) ذكر الجلال المحلي أن الذي نقل هذا القول عن الشافعي هو يونس ابن عبد الأعلى. المحلي (شرح المحلي
على جمع الجوامع) ج 2 ص 66، الزركشي (البحر المحيط) ج 5 ص 83.
(2) ابن قاسم (الآيات البينات) ج 3 ص 157. (1/345)
صفحة 346
***
فصول الأصول
***
الفصل الثاني والسبعون
في البيان وصفته وحكمه
بيانا (3)،
قال ابن (1) السبكي: البيان إخراج الشيء من حيز الإشكال إلى حيز التجلي، يعني الاتضاح (2)، قال المحلي: فالإتيان بالظاهر من غير سبق إشكال لا يسمى ولا يجوز تأخير البيان لمن احتاج إليه بعمل أو فتوى أو حكم لحاجته إلى ذلك. واختلفوا هل يكون البيان بالفعل كما يكون بالقول أو لا يكون إلا (4) بالقول
لطول زمن الفعل، فيتأخر البيان به مع إمكان تعجيله بالقول وتأخيره ممتنع. والصحيح أنه يكون البيان بقوله - ه - وبفعله وتقريره (5) ويكون بالكتاب وبالسنة والإجماع (6).
و ممن منع البيان بالفعل الدقاق (7) ومنع أبو عبد الله البصري البيان بالتقرير (8) محتجا بأن السكوت منه - ل - محتمل للرضا بالفعل، ومحتمل لغير ذلك، ولنا في الرد عليه أن سكوته - ل - محتمل للرضا بالفعل، ومحتمل لغير ذلك، ولنا في الرد عليه أن سكوته - م - على عدم الرضا مع القدرة على الإنكار غير جائز عليه؛ لأنه سكوت عن إنكار منكر فعلمنا أن المسكوت عنه مباح.
(1) ابن في ب ساقطة.
(2) ابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 2 ص 67. (3) المحلي (شرح المحلي على جمع الجوامع) ج 2 ص 67. (4) إلا في أساقطة.
(د) وهو قول السالمي وحكاه عن الجمهور، (شرح طلعة الشمس) ج 1 ص 189، وابن النجار ونسب إلى معظم العلماء القول بالبيان بالفعل، شرح الكوكب المنير) ج 3 ص 442 - 445، وحكى الزركشي هذا القول عن الجمهور (البحر المحيط) ج 5 ص 98.
(6) الزركشي (البحر المحيط) ج ه ص 92، ابن المرتضي (منهاج الوصول) ص 375، الشماخي (مختصر العدل) ص 13، السالمي (شرح طلعة الشمس) ج 1 ص 188. (7) وحكاه ابن عبدالشكور عن شرذمة من الناس، قال الأنصاري: لا يعتد بهم (مسلم الثبوت بشرح الفوات) ج 2 ص 45، وجعل الكمال بن الهمام هذا القول شاذا التحرير بشرح التيسير) ج 3 ص 175، وينظر:
ابن المرتضى (منهاج الوصول) ص 375، السالمي (شرح طلعة الشمس) ج 1 ص 189. (88) ابن المرتضى (منهاج الوصول) ص 375، السالمي (شرح طلعة الشمس) ج 1 ص 189.
346 (1/346)
صفحة 347
فصول الأصول
***
ولنا في الرد على الدقاق أن البيان بالقول قد يطول – أيضا – كالفعل، وقد يكون طوله لمزيد فائدة، وهو أوضح من القول وأدل على المطلوب فلا بأس به وإذا عرفت ذلك فاعلم أن الأصوليين اختلفوا في البيان هل يصح أن يكون أضعف متنا من المبين أم يشترط أن يكون أقوى منه؟ أم يشترط التساوي إن لم يكن أقوى؟ أقوال ثلاثة، والجمهور على أنه يكون أقوى ومثله وأضعف فلا تقدح أضعفية البيان للمجمل، لأنه إن كان تخصيص العموم وتقييد المطلق جائزا بالأدلة الظنية كخبر الآحاد والقياس كما تقدم في محله فبالأولى قبوله في بيان الإجمال لأنه يترجح بأدنى دليل (1).
منه،
وقال الكرخي: لا يصح كون البيان أضعف متنا أو دلالة من المبين بل يجب استواؤهما (2)، والقول الثالث لابن الحاجب ومن تبعه أنه يجب أن يكون البيان أقوى (3)، والصحيح الأول، والله أعلم.
(1) ابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 2 ص 68، الزركشي (البحر المحيط) ج 5 ص 103، ابن النجار (شرح الكوكب المنير) ج 3 ص 450، السالمي (شرح طلعة الشمس) ج 1 ص 190. (2) أبو الحسين (المعتمد) ج 1 ص 313، ابن الحاجب مختصر المنتهى بشرح العضد ج 2 ص 163، القرافلي (شرح تنقيح الفصول) ص 282، الزركشي (البحر المحيط) جه ص 103. (3) قال به البدر الشماخي (مختصر (العدل) ص 13، ونسبه العضد إلى الأكثر. ابن الحاجب (مختصر المنتهى بشرح العضد) ج 2 ص 163.
347 (1/347)
صفحة 348
***
فصول الأصول
***
الفصل الثالث والسبعون
في حكم البيان المتكرر
وإذا ورد بيان المجمل متكررا فإن متفقين في الدلالة فالأول هو البيان، أعني المتقدم منهما من قول وفعل هو بيان المجمل، والثاني تأكيد له وإن كان دونه في القوة).
وقيل: إن كان دونه فالثاني هو البيان (2) لأن الشيء لا يؤكد بما هو دونه، قلنا: هذا في التأكيد بغير المستقل، أما المستقل فلا بأس به، ألا ترى أن الجملة تؤكد بجملة دونها، وإن لم يتفق البيانان القول والفعل، كما إذا زاد الفعل على مقتضى القول فالبيان القول، ويكون فعله - ع - الذي زاد على مقتضى قوله ندبا أو واجبا في حقه دون أمته سواء تقدم القول على الفعل أو تأخر عنه جمعا بين الدليلين (3).
وقال أبو الحسين البصري: البيان هو المتقدم منهما (4)، كما في قسم اتفاقهما، يعني: إن كان المتقدم القول فحكم الفعل كما سبق أو تقدم الفعل فالقول ناسخ للزائد منه.
قلنا: عدم النسخ بما قلناه أولى، مثال المسألة كما لو طاف - صلى الله عليه وسلم - بعد نزول آية الحج المشتملة على الطواف (5) طوافين وأمر بطواف واحد، فأمره بالطواف (1) وهو قول الفخر الرازي (المحصول) ج 3 ص 182، وابن الحاجب (مختصر المنتهى بشرح العضد) ج 2 ص 163، والبيضاوي المنهاج بشرح (الإبهاج ج 2 ص 213، وابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 2 ص 68، والزركشي (البحر المحيط) ج 5 ص 101، وابن النجار (شرح الكوكب المنير) ج 3
ص 447، والسالمي (شرح طلعة الشمس) ج 1 ص 193.
(2) قال به الآمدي (الإحكام) ج 3 ص 32، وانظر المراجع السابقة. (3) قال به الفخر الرازي (المحصول) ج 3 ص 182، وابن الحاجب (مختصر المنتهى بشرح العضد) ج 2 ص 163، والبيضاوي المنهاج بشرح (الإبهاج) ج 2 ص 213، وابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 2 ص 68 - 69، والسالمي (شرح طلعة الشمس) ج 1 ص 913، وحكاه ابن السبكي (الإبهاج) ج 2 ص 213، والزركشي (البحر المحيط) ج 5 ص 102، عن الجمهور. (4) أبو الحسين (المعتمد) ج 1 ص 312، الزركشي (البحر المحيط) ج 5 ص 102، السالمي (شرح طلعة الشمس) ج 1 ص 193. (2) وهي قوله تعالى: ثم ليقضوا تفثهم وليوفوا نذورهم وليطوفوا بالبيت العتيق – الحج (مدنية) آية رقم 29.
348 (1/348)
صفحة 349
349
***
فصول الأصول
الواحد هو البيان لإجمال الطواف المذكور في الآية، وفعله الذي زاد على مقتضى صل الله قوله هو ندب في حقنا، فينبغي اتباعه فيه تأسيا به - - وأما إن نقص الفعل عن مقتضى القول كأن طاف واحدا وأمر بائنين، فبيان الإجمال هو القول، ونقصان الفعل عن قوله تخفيف في حقه - - سواء تأخر الفعل أو تقدم، هذا تحقيق المقام، والله أعلم. (1/349)
صفحة 350
***
فصول الأصول
***
الفصل الرابع والسبعون
في تأخير البيان عن وقت الحاجة
اعلم أن تأخير البيان لمجمل أو ظاهر عن وقت الاحتياج إلى العمل به غير جائز عندنا لأنه لا يصح أن يكلفنا سبحانه وتعالى بفعل شيء أو تركه ولا نعلم كيفية الفعل أو الترك؛ لأنه يكون حينئذ تكليفا بما لا يطاق، وهو غير جائز في حقه تعالى، بمعنى: أنه ليس من مقتضيات الحكمة (1)، وهو سبحانه وتعالى حكيم في أفعاله كلها. وأجاز جمهور الأشاعرة وقوعه (2) أي: وقوع تأخير البيان لكنهم قالوا: غير واقع، وهم المجوزون التكليف بما لا يطاق، وأما تأخير البيان عن وقت الخطاب
بالمجمل أو بالظاهر إلى وقت الاحتياج للعمل به فجائز واقع عند الجمهور (3). وقال قوم: يمتنع تأخيره مطلقا (4)، قالوا: لأن التأخير مخل (5) بفهم المراد عند الخطاب، وقيل: يمتنع التأخير في غير المجمل (6)، وهو ماله معنى ظاهر، لإيقاعه المخاطب في فهم غير المراد بخلافه في المجمل، وقيل: يمتنع تأخير البيان الإجمالي
(1) في ب الحكم. (2) الرازي (المحصول) ج 3 ص 187، الآمدي ج 3 ص 36، القرافي (شرح تنقيح الفصول) ص 282، ابن السبكي (الابهاج) ج 2 ص 215، المحلي (شرح) المحلي على جمع الجوامع) ج 2 ص 69. (3) كما حكاه عن الجمهور ابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 2 ص 69، وحكاه الآمدي عن أكثر الشافعية (الإحكام) ج 3 ص 36، وانظر: أبو الحسين (المعتمد) ج 1 ص 315، ابن حزم (الإحكام) ج 1 ص 81 - 82، الشرازي (شرح اللمع) ج 1 ص 164، القرافي (شرح تنقيح الفصول) ص 282، الطوفي شرح مختصر (الروضة ج 2 ص 688، ابن السبكي (الإبهاج) ج 2 ص 215، ابن المرتضى (منهاج الوصول) ص 390، الشماخي (شرح مختصر (العدل) ص 63، ابن النجار (شرح الكوكب المنير) ج 3 ص 453، الأنصاري (فواتح الرحموت ج 2 ص 49، السالمي (شرح) الشمس) ج 1 ص 183 - 184. (4) ونسبه الآمدي إلى أبي إسحاق المروزي وأبي بكر الصيرفي (الاحكام) ج 3 ص 36، وحكاه أبو الحسين البصري عن بعض الحنفية (المعتمد) ج 1 ص 315، والطوفي عن أبي بكر عبدالعزيز وأبي الحسن التميمي من الحنابلة وحكاه عن الظاهرية (شرح مختصر الروضة، لكن ابن حزم صرح بجواز التأخير عن وقت الخطاب (الإحكام) ج 1 ص 81 - 83)، وانظر الشيرازي (شرح اللمع ج 1 ص 473، أبو الخطاب (التمهيد) ج 2 ص 291، الشماخي (شرح مختصر العدل) ص 63.
طلعة
(5) في ب محل. (6) قال به الكرخي وجماعة من الفقهاء، أبو الحسين (المعتمد) ج 1 ص 315 الشيرازي (شرح اللمع) ج 1 ص 473، الآمدي (الإحكام ج 3 ص 36، ابن الحاجب مختصر المنتهي بشرح العضد) ج 2 ص 164.
350 (1/350)
صفحة 351
351
***
فصول الأصول
***
في ماله ظاهر (1)، مثل هذا العام مخصوص، وهذا المطلق مقيد، وهذا الحكم منسوخ يبدل لوجود المحذور قبله في تأخير الإجمالي دون التفصيلي لمقارنة الإجمالي بخلاف المشترك والمتواطئ مما ليس له ظاهر فيجوز تأخير بيانهما الإجمالي كالتفصيلي، كأن يقال: المراد أحد المعنيين - مثلاً - في المشترك وأحد الماصدقات (2) - مثلاً - في المتواطاء لانتفاء المحذور السابق، وخامسها يمتنع التأخير في غير النسخ لإخلاله بفهم المراد من اللفظ بخلاف النسخ (3)، لأنه رفع للحكم أو بيان لانتهاء أمده، وسادسها يجوز تأخير البيان في النسخ اتفاقا لانتفاء الإخلال بالفهم عنه لما ذكر (4)، وسابعها لا يجوز تأخير بعض من البيان دون بعض (5)، لأن تأخير البعض يوقع المخاطب في فهم أن المقدم جميع البيان وهو غير المراد، وهذا مفرع على الجواز في الكل (6). والأصح الجواز والوقوع، ومما يدل على وقوع التأخير قوله تعالى: {وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ مُخمسه اله (1) إلخ. فإنه عام فيما يغنم مخصوص بقوله (1) هو قول أبي الحسين البصري (المعتمد) ج 1 ص 316 - 317، وانظر الفخر الرازي (المحصول) ج 3 ص 188، الآمدي (الإحكام) ج 3 ص 36.
(2) الماصدق، هو المعنى الموجود في الخارج - أي خارج الذهن - وهو المعبر عنه بالعالم الخارجي، ومثال ذلك قولك، حيوان ناطق، فإنه معني بصدق على زيد الموجود في الخارج؛ لأنه إنسان، وفي هذه الحالة يكون زيد من صدق عليه المعنى، ولأجل الاختصار غلبوا ما لغير العاقل على من التي للعاقل في الاستعمال فقالوا: ما صدق، ثم ادخلوا عليها آل التعريف فصارت الكلمة الماصدق، وعكس الماصدق المفهوم، فهو المعنى الموجود في الذهن كقولك: فهم خالد الشيء أو علمه، فهو مفهوم أو معلوم والمعلوم والمفهوم موطنهما
الذهن، الفضلي عبد الهادي (مذكرة المنطق ص 54 حبنكة الميداني (ضوابط المعرفة) ص 456. (3) قال به أبو علي الجبائي وابنه والقاضي عبد الجبار، أبو الحسن (المعتمد) ج 1 ص 315، ونسبه الفخر الرازي إلى أكثر المعتزلة الذين تقدموا أبا الحسين (المحصول) ج 3 ص 188، الآمدي (الإحكام) ج 3 ص 36، ابن السبكي (الإبهاج) ج 2 ص 216.
(4) حكاه ابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 2 ص 71. (2) حكاه العضد (شرح العضد على مختصر المنتهى) ج 2 ص 167 - 168، وابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 2 ص 71. (6) وذكر أبو الحسين (المعتمد) ج 1 ص 315، وابن المرتضى (منهاج الوصول) ص 390، والسالمي (شرح طلعة الشمس) قولا ثامنا وهو منع تأخير بيان الخبر وإجازته في الأمر، وحكى أبو إسحاق الشيرازي قولا تاسعا وهو عكس هذا القول، وانظر: الشيرازي (شرح اللمع) ج 1 ص 473.
(1) القرآن الكريم سورة الأنفال (مدنية) آية رقم 41. (1/351)
صفحة 352
***
فصول الأصول
***
من قتل قتيلا له عليه بينه فله سلبه (1)، وهو متأخر عن نزول الآية كما نقله
(Y).
أهل الحديث أنه في غزوة حنين (2)، وأن الآية نزلت قبله في غزوة بدر (3) وقوله تعالى: إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تَذْبَحُوا بَقَرَة (4)، فإنها مطلقة ثم بين تقييدها بما في الأجوبة عن
(?).
أسئلتهم، وفي ذلك تأخير بعض البيان عن بعض، وقوله تعالى حكاية عن الخليل عليه الصلاة والسلام - يَبُنَى إِنْ أَرَى فِي الْمَنَاءِ أَنْ أَنْبَكَ الله)، فإنه يدل
(0)
على الأمر بذبح ابنه، ثم بين نسخه بقوله تعالى: {وَفَدَيْنَهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ (6)، وكذا يجوز للرسول - صلى الله عليه وسلم - تأخير تبليغ الوحي من قرآن أو غيره إلى وقت الحاجة إليه ()، لانتفاء المحذور السابق عنه (8)، وقيل: لا يجوز (9) لقوله تعالى: ينَايُّهَا الرَّسُولُ بلغ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ له، قالوا: لأن الأمر يقتضي الفور؛ لأن
وجوب التبليغ معلوم بالعقل ضرورة فلا فائدة للأمر به إلا الفور. قلنا: فائدته تقوية الدليل العقلي لانقلي، ولا نسلم أن الأمر يقتضي الفور. ومنع الإمام الرازي كالآمدي تأخير البيان عن المبين إن كان البيان من القرآن
(1) سبق تخريج هذا الحديث ص 174. (2) وقعت في السنة الثامنة بين الرسول - - وهوازن، وحنين واد قريب من الطائف، خليفة بن خياط (تاريخ خليفة بن خياط) ص 88، ابن حجر (فتح الباري) ج 7 ص 621، السيوطي (الدر المنثور) ج 4 ص 158. (3) وقعت في السنة الثانية للهجرة، خليفة بن خياط (تاريخ خليفة بن خياط)، البخاري (صحيح البخاري بشرح (الفتح كتاب المغازي، باب قصة غزوة بدر، ج 7 ص 322.
(4) القرآن الكريم سورة البقرة (مدنية) آية رقم 67. (5) القرآن الكريم سورة الصافات (مكية) آية رقم 102. (6) القرآن الكريم سورة الصافات (مكية) آية رقم 107.
(7) وقال به أبو الحسين البصري (المعتمد) ج 1 ص 314، وأبو إسحاق الشيرازي (شرح اللمع) ج 1 ص 477، والفخر الرازي (المحصول) ج 3 ص 318، والآمدي ونسبه إلى أكثر المحققين (الإحكام) ج 32 ص 53، وقال به ابن الحاجب مختصر المنتهي بشرح العضد) ج 22 ص 167، والسالمي (شرح طلعة الشمس) ج 1 ص 187، وحكاه ابن السبكي عن الجمهور (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 2 ص 72 - 73، وابن المرتضى عن المعتزلة (منهاج الوصول ص 289
(8) المحذور السابق هو الإخلال بفهم المراد، وعلى هذا فإن الجائز للرسول - - تأخير تبليغ الأصل لا البيان وإلا لم ينتف المحذور وانظر، البناني (حاشية البناني على جمع الجوامع) ج 2 ص 73. (9) قال به ابن حزم (الإحكام) ج 1 ص 81، وأبو الخطاب الكلوذاني (التمهيد) ج 2 ص 289، وانظر: أبو الحسين
(المعتمد) ج 1 ص 314، الرازي (المحصول) ج 3 ص 218، ابن المرتضى (منهاج الوصول) ص 389.
352 (1/352)
صفحة 353
353
***
فصول الأصول
***
خاصة قطعا (1)، قالا: لأن القرآن متعبد بتلاوته، ولم يؤخر - - تبليغه بخلاف غيره لما علم من أنه كان يسأل عن الحكم فيجيب (2) تارة بما عنده ويقف أخرى إلى أن وقت السؤال بخلاف القرآن فإنه لا يؤخر تبليغه عن وقت نزوله.
قلنا: إن ما أجاب به عند السؤال لا يلزم أن يكون حاصلا عنده قبل السؤال، بل يمكن أن يكون ذلك اجتهادا منه في القضية حال السؤال عنها، فلا فرق بين القرآن وغيره في هذه المسألة، وعلى القول بمنع (3) تأخير البيان عن وقت الاحتياج إليه وهو الصحيح كما تقدم.
فهل يجوز أن لا يعلم المكلف وجود البيان من مخصص وغيره ذاتا وصفة حالة تكليفه المبين - بفتح الباء - من عموم ومطلق ومجمل؟ أي: هل يجوز كونه غير عالم بوجود مخصص للعموم المكلف به أو بصفته أنه مخصص، وبوجود مقيد للمطلق أو بصفته أنه مقيد، وبوجود مبين للمجمل أو بصفته إنه مبين أم لا يجوز عدم علمه بذلك؟ وقيل: لا يجوز عدم العلم بالمخصص السمعي لما فيه من تأخير إعلامه بالبيان (4).
قلنا: إن المحذور تأخير البيان من الشارع وهو منتف - هنا - وعدم علم المكلف به إنما يعد تقصيرا منه لعدم بحثه عنه، ولأن النبي - - كان يبعث البعوث صلى الله والعمال إلى القرى فيعملون بالعمومات الشرعية، ويحكمون بها بين الأمة من غير
(1) الذي يظهر من كلام الآمدي جواز تأخير البيان عن وقت الخطاب مطلقا سواء كان البيان من القرآن أو السنة ولم أجد هذا القول - الذي نسبه إليه المؤلف - صرح به أو نبه عليه، ومما يدل على أنه لا يقول بهذا القول الذي حكاه عنه المصنف، أنه ذهب إلى جواز تأخير تبليغ النبي - - ما أوحي إليه من الأحكام والعبادات إلى وقت الحاجة، وكذا الإمام الرازي صرح في المحصول بجواز تأخير البيان عن وقت الخطاب، ولم يمنعه في القرآن بل مثل على ذلك بأمر بني إسرائيل بذبح بقرة، ثم لم يينها لهم حتى سألوا سؤالا بعد سؤال، الآمدي (الإحكام) ج 3 ص 46 - 53، الرازي (المحصول)
ج 3 ص 188 - 193 - 210.
(2) في ب فيجب. (3) في ب يمنع. (4) قيل يجوز، ذهب إلى هذا أبو الحسين البصري، وأبو هاشم وحكى عن الفقهاء (المعتمد) ج 1 ص 331، والرازي (المصحول) ج 3 ص 221، والآمدي (الإحكام) ج 3 ص 54.
وقيل: لا يجوز: قال به أبو علي الجبائي وأبو الهذيل، أبو الحسين (المعتمد) ج 1 ص 331، الرازي (المحصول) ج 3 ص 221، الآمدي (الإحكام) ج 3 ص 54. (1/353)
صفحة 354
***
فصول الأصول
***
-
أن يبحثوا عن وجود مخصص لها مع أن لها مخصصات موجودة، ولم ينكر عليهم أحد، فكون المخصص موجودا في نفس الأمر يكفي لانتفاء المحذور، ومما يؤيد ما قلناه من جواز عدم علم المكلف بالمخصص السمعي قصة فاطمة بنت رسول الله - فإنها جاءت تسال ميراثها من أبيها إلى أبي بكر الصديق وذلك لما علمته من عموم قوله تعالى: {يُوصِيكُمُ اللهُ فِي أَوَلَدِكُمْ (1)، ولم تعلم أن لعموم الآية مخصصا موجودا وهو قوله - - نحن معاشر الأنبياء لا نورث، ما تركناه صدقة (2)، هذا في المخصصات السمعية.
وأما المخصص العقلي فإن العلماء اتفقوا على جواز أن يسمع الله المكلف خطابا عاما من غير أن يعلمه أن في القعل ما يخصصه بل يوكل ذلك إلى نظره، فلا خلاف ذلك نعلمه (3)، فتحصل من ذلك أن التحقيق جواز عدم العلم بالمخصصات
مطلقا، وإنما الممنوع تأخير الشارع لبيانها في الجملة، والله أعلم.
(1) القرآن الكريم سورة النساء (مدنية) آية رقم 11.
(2) الحديث أخرجه البخاري (صحيح البخاري بشرح الفتح كتاب الفرائض، باب قول النبي - صلى الله عليه وسلم - لا نورث ما تركنا صدقة حديث 6727، ح 12 ص 7، ومسلم (صحيح مسلم بشرح النووي) كتاب الجهاد والسير، باب قول النبي - - لا نورث ما تركنا فهو صدقة، حديث 1758، ج 12 ص 320، وأبو داود (سنن أبي داود كتاب الخراج والإمارة والفيء، باب في صفايا رسول الله صلى الله عليه وسلم - من الأموال،
حديث 2963، ج 2 ص 28 - 29.
(3) المحلي (شرح) المحلي على جمع الجوامع) ج 2 ص 73.
354 (1/354)
صفحة 355
355
***
فصول الأصول
***
مبحث النسخ
الفصل الخامس والسبعون
في تعريفه ومحله
(7)
اختلف العلماء فيه فقيل: غنه رفع للحكم (1)، وقيل: هو بيان لانتهاء أمده (2) وقال بعضهم: النسخ انتهاء الحكم الشرعي (3). قال ابن القاسم: والحق أن هذين التعريفين متلازمان؛ لأنه إذا رفع تعلق الحكم فقد بين انتهاءه، وإذا بين انتهاءه فقد رفع تعلقه (4) (5)، والمختار الأول. قال المحلي لشمول النسخ قبل التمكن، وسيأتي جوازه على الصحيح)) والمراد من الأول أنه رفع الحكم الشرعي بخطاب شرعي، أي: من حيث تعلقه بالفعل، فخرج بالشرعي، أي: المأخوذ من الشرع رفع الإباحة الأصلية المأخوذة من العقل على القول بأن حكم الأشياء الإباحة قبل ورود الشرع، وخرج بقوله: بخطاب شرعي الرفع بالموت والجنون والغفلة، وكذا بالعقل والإجماع، فلا نسخ بالعقل ورد على الإمام الرازي قوله من سقط رجلاه نسخ عنه غسلهما في الطهارة والوضوء (8)، حيث جعل رفع وجوب الغسل بالعقل لأجل سقوط محله وهو العضو نسخا، فإنه مخالف لما عليه الاصطلاح، فكأنه عبر به توسعا، وكذا لا يكون الإجماع ناسخا؛ لأنه
(7)
(1) اختار هذا التعريف الفخر الرازي (المحصول) ج 3 ص 282، وابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 3 ص 74، والشماخي (مختصر (العدل) ص 27، والسالمي (شرح طلعة الشمس) ج 1 ص 269، وانظر: الجويني (البرهان) ج 2 ص 143. (2) قاله الأستاذ أبو إسحاق الإسفراييني، الرازي (المحصول) ج 3 ص 287، الصنعاني (إجابة السائل) ص 367. (3) حكاه الجويني عن الفقهاء (البرهان) ج 2 ص 842، الأنصاري (فواتح الرحموت) ج 2 ص 53. (4) تعلقه ساقطة في النسختين وهي موجودة في الآيات البينات) ج 3 ص 172.
(د) ابن قاسم (الآيات البينات) ج 3 ص 172.
(6) المحلي (شرح المحلي على جمع الجوامع) ج 3 ص 74. (1) ابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 2 ص 74 - 75. (8) الفخر الرازي (المحصول) ج 3 ص 74. (1/355)
صفحة 356
***
فصول الأصول
***
إنما ينعقد بعد وفاته - - - كما سيأتي في محله – إن شاء الله – لأن في حياته قوله هو الحجة دونهم، ولا نسخ بعد وفاته، ولكن مخالفة أهل الإجماع للدليل في مدلوله تتضمن ناسخاله وهو مستند إجماعهم، فالمستند هو الناسخ لا الإجماع، والله سبحانه وتعالى أعلم.
356 (1/356)
صفحة 357
357
***
فصول الأصول
***
الفصل السادس والسبعون
في نسخ الكتاب بعضه ببعض تلاوة وحكما
يجوز نسخ بعض القرآن تلاوة وحكما معا، أو تلاوة دون الحكم، أو حكما دون التلاوة، وقيل: لا يجوز في البعض نسخ التلاوة دون الحكم ولا العكس (1)، وهو نسخ الحكم دون التلاوة؛ لأن الحكم مدلول اللفظ فإذا قدر انتفاء أحدهما لزم انتفاء الآخر، قلنا: إنما يلزم إذا روعي وصف الدلالة، وما نحن فيه لم يراع فيه ذلك، فإن بقاء الحكم دون اللفظ ليس بوصف كونه مدلولا له، وإنما هو مدلول لما دل على بقائه. وانتفاء الحكم دون اللفظ ليس بوصف كونه مدلولا له، فإن دلالته عليه وضعية لا تزول، وإنما يرفع الناسخ العمل به، وقد وقع الأقسام الثلاثة كلها، فلا عبرة بنفي من نفاها، ولعلهم أرادوا عدم جواز ذلك عقلا لا شرعا، فإن وقوعه في الشرع أشهر من أن يذكر. أما (2) القسم الأول وهو منسوخ التلاوة والحكم معا، فمن ذلك حديث مسلم عن عائشة -) (3) كان فيما أنزل عشر رضعات معلومات فنسخن بخمس معلومات (4)، أي يحرمن (5): الرضيع، فهذا منسوخ التلاوة والحكم كما ترى، لكن عند الشافعي لم ينسخ حكم الخمس (6)، وعندنا أن نسخها هو الصحيح، وكذا عند مالك (7).
(1) عزاه إمام الحرمين إلى بعض المعتزلة (البرهان) ج 2 ص 855، أمير باد شاه (تيسير التحرير) ج 3 ص 204. ونسب البدر الشماخي إلى بعض آئمة عمان منع نسخ التلاوة دون الحكم، كما نسب إلى بعض أئمتها الوقف في المسألة، الشماخي (شرح مختصر العدل) ص 191 - 192. (2) أما في ب ساقطة.
(3) في ب قالت كان.
(4) أخرجه مسلم (صحيح مسلم بشرح النووي كتاب الرضاع، باب التحريم بخمس رضعات، حديث رقم 1452، ج 10 ص 282، وذكره ابن حجر في الفتح (فتح الباري شرح صحيح البخاري) ج 9 ص 50.
(د) في ب تحرمن. (6) النووي (شرح صحيح مسلم) ج 10 ص 282، الرملي نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج) ج 7 ص 279، ابن حجر (فتح الباري) ج 9 ص 50.
(1) القطب محمد بن يوسف (شرح كتاب النيل) ج 7 ص 8، ابن رشد محمد بن أحمد (بداية المجتهد ونهاية المقتصد) ج 2 ص 56، ابن حجر (شرح كتاب النيل ج 7 ص 8، ابن رشد محمد بن أحمد (بداية المجتهد ونهاية المقتصد) ج 2 ص 56، ابن حجر (فتح الباري) ج 9 ص 50، النووي (شرح صحيح مسلم) ج 10 ص 282. (1/357)
صفحة 358
***
فصول الأصول
***
الله
والقسم الثاني وهو منسوخ التلاوة دون الحكم فمن ذلك ما روي عن عمر - رنة - لولا أن يقول الناس زاد عمر في كتاب الله لكتبتها، يعني: في المصحف الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة قال: فإنا قد قرأناها (1) أي: فنسخت تلاوتها وبقي حكمها لأمره - - برجم المحصنين، وهما المراد بالشيخ والشيخة.
(r),
والقسم الثالث، وهو منسوخ الحكم دون التلاوة كثير في كتاب الله، منه قوله تعالى: {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِم مَّتَلَعًا إلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إخراج (2)، نسخ حكمها بقوله تعالى: {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً (3) لتأخره في النزول عن الأول كما قال أهل التفسير (4)، وإن تقدمه في التلاوة، وبعضهم قال: نسخ حكمها بحديث لا وصية لوارث (5)، ويجوز على الصحيح نسخ الفعل قبل التمكن منه (6)، أي: قبل أن يدخل وقته، أو دخل ولم يمض منه ما يسع ذلك الفعل، وقيل: لا يجوز
(1) الذي وجدته في صحيح مسلم، قال عمر بن الخطاب وهو جالس على منبر رسول الله - - إن الله قد بعث محمد جا - - بالحق، وأنزل عليه الكتاب، فكان مما أنزل عليه آية الرجم. قرأناها ووعيناها وعقلناها، فرجم رسول الله - - ورجمنا بعده، فأخشى إن طال بالناس زمان أن يقول قائل: ما نجد الرجم في كتاب الله، فيضلوا بترك فريضة أنزلها الله، وإن الرجم في كتاب الله حق على من زنى إذا أحصن من الرجال والنساء إذا قامت البينة أو كل الحيل أو الاعتراف مسلم (صحيح مسلم بشرح النووي) كتاب الحدود، باب رجم الثيب في الزنا، حديث رقم 1691، ج 11 ص 203 - 204.
(2) القرآن الكريم سورة البقرة (مدنية) آية رقم 240.
(3) القرآن الكريم سورة البقرة (مدنية) آية رقم 234.
(4) الرازي (التفسير الكبير) ج 6 ص 109، أبو حيان (البحر المحيط) ج 2 ص 519. (5) الحديث أخرجه ابن ماجة (سنن ابن ماجة المعجم، الوصايا، باب لا وصية لوارث، حديث 2713، ج 3 ص 310، وأبو داود (سنن أبي داود) كتاباً الوصايا، باب ماجاء في الوصية للوارث، حديث
2121، ج 4 ص 434.
(6) قال به السرخسي (أصول السرخسي) ج 1 ص 63، والفخر الرازي (المحصول) ج 3 ص 312، والسراج الآرموي التحصيل من المحصول ج 2 ص 15، وابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 2 ص 77، والكمال بن الهمام التحرير بشرح التيسير) ج 3 ص 187، والبدر الشماخي (مختصر العدل) ص 28، وابن عبدالشكور (مسلم الثبوت بشرح الفواتح ج 2 ص 61، والسالمي (شرح طلعة الشمس) ج 1 ص 284، وحكاه الباجي عن أكثر الفقهاء والمتكلمين (إحكام الفصول) ص 405، وحكاه ابن النجار عن الحنابلة (شرح) الكوكب المنير) ج 3 ص 531.
358 (1/358)
صفحة 359
359
***
فصول الأصول
***
؛ لعدم استقرار التكليف (1)، قلنا: يكفي للنسخ وجود أصل التكليف، فينقطع ذلك الأصل به، وقد وقع النسخ قبل التمكن من الفعل في قصة الذبيح (2): فإن الخليل - عليه السلام - أمر بذبح ابنه - عليهما (3) الصلاة والسلام - ثم نسخ ذبحه قبل التمكن منه بقوله تعالى: {وَفَدَيْنَهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ (4) واحتمال أن يكون النسخ فيه بعد التمكن خلاف الظاهر من أحوال الأنبياء في المبادرة إلى امتثال الأوامر وإن كانت موسعة، والله تعالى (5) أعلم.
(1) عزاه الجويني إلى المعتزلة وطوائف من الفقهاء (البرهان) ج 2 ص 749، وحكاه عبدالعلي الأنصاري عن أبي الحسن الكرخي وأبي منصور الماتريدي والجصاص وأبي زيد الدبوسي وتابعهم عليه فواتح الرحموت) ج 2 ص 62، وقال الصنعاني فرأي جمهور العلماء كالزيدية والمعتزلة والحنابلة وأكثر الحنفية أنه لا يجوز اجابة السائل) ص 375، وانظر: ابو الحسين (المعتمد) ج 1 ص 376، الرازي (المحصول) ج 3 ص 312، أمير باد شاه (تيسير التحرير) ج 3 ص 187.
لكن في نسبة الصنعاني هذا القول إلى الحنابلة ما يخالف نسبة ابن النجار إليهم القول بالجواز كما تقدم. (2) في أ الدبيح بالدال، ولا معنى لها في هذا الموضع.
(3) في ب عليه.
(4) القرآن الكريم سورة الصافات (مكية) آية رقم 107.
(د) تعالى في ب ساقطة. (1/359)
صفحة 360
***
فصول الأصول
***
الفصل السابع والسبعون
في نسخ الكتاب والسنة بالكتاب، ونسخ الكتاب بالسنة
يجوز نسخ القرآن والسنة بالقرآن (1)، وقال بعضهم: لا يجوز نسخ السنة بالقرآن (2) لقوله تعالى: {وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ (3) جعل الرسول - عليه السلام - هو المبين للقرآن، فلا يكون القرآن مبينا للسنة قلنا: لا مانع من ذلك لأن القرآن والسنة كليهما (4) من عند الله تعالى: وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (5)، ومما يدل على الجواز قوله تعالى: {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَبَ تِبْيَنَا لِكُلِّ شَيْءٍ (6) ويجوز - أيضا - النسخ بالسنة المتواترة والمستفيضة للقرآن (7)، وقيل لا يجوز (8)؛ لقوله تعالى: {قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ ابد له من تـ مِن تِلْقَابِي نَفْسِي (9)، والنسخ بالسنة تبديل منه، قلنا: ليس تبديلا من تلقاء نفسه لقوله تعالى: {وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى (10) وقوله تعالى: {لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا له نُزِّلَ إِلَيْهِمْ (11) دليل الجواز.
(11)
(1) قال بذلك ابن حزم (الإحكام ج 4 ص 505، وابن السمعاني والصيرفي، الزركشي (البحر المحيط) جه ص 272، وابن السبكي والجلال المحلي (جمع الجوامع بشرح (المحلى ج 2 ص 78، والبدر الشماخي (شرح مختصر العدل) ص 190، وحكاه سليم الرازي عن جماعة الفقهاء والمتكلمين. الزركشي (البحر المحيط) جه ص 272، وحكاه الآمدي عن الجمهور من الأشاعرة والمعتزلة والفقهاء (الإحكام) ج 3 ص 162.
(2) هذا أحد قولي الشافعي، الآمدي (الإحكام) ج 3 ص 162.
(3) القرآن الكريم سورة النحل (مكية) آية رقم 44.
(4) في ب كلاهما.
(5) القرآن الكريم سورة النجم (مكية) آية رقم 3 - 4.
(6) القرآن الكريم سورة النحل (مكية) آية رقم 89.
(7) قال الزركشي: وإن كانت متواترة فاختلفوا فيه، فالجمهور على جوازه ووقوعه كما قاله القاضي أبو الطبيب وابن برهان ثم قال تعرضوا للآحاد والتواتر وسكتوا عن المستفيض لأنه يؤخذ حكمه من التواتر بطريق الأولى، الزركشي (البحر المحيط) ج 5 ص 361، ص 271، وانظر: ابن حزم (الإحكام) ج 4 ص 505. (8) قال بن الإمام الشافعي والصيرفي والخفاف وابن سريج. الزركشي (البحر المحيط) ص 262 - 267، وحكاه الآمدي عن أكثر الشافعية (الإحكام) ج 3 ص 165.
(1) القرآن الكريم سورة يونس (مكية) آية رقم 15.
(10) القرآن الكريم سورة النجم (مكية) آية رقم 2. (11) القرآن الكريم سورة النحل (مكية) آية رقم 44.
360 (1/360)
صفحة 361
361
***
فصول الأصول
***
واختلفوا هل يجوز نسخ القرآن بخبر الآحاد؟ اجازه بعض منهم الإمام ابن بركة وبعض الشافعية (1).
(3)
والصحيح المنع (2)؛ لأن القرآن قطعي والآحاد ظني ولا يقاوم الظني قطعيا: قالوا محل النسخ الحكم، ودلالة القرآن على الحكم ظنية في الغالب وإن كان قطعي المتن، والحق أنه لم يقع نسخ القرآن إلا بالمتواترة أو المستضيفة (3)، وقيل: وقع بالآحاد كحديث الترمذي: لا وصية لوارث فإنه ناسخ لقوله تعالى: {كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ)). قلنا: لا نسلم عدم تواتر ذلك عند المجتهدين الحاكمين بنسخة للآية لقربهم (د) من عصر النبي - ه -. وقال الشافعي: حيث وقع نسخ القرآن بالسنة فإن معها قرآنا عاضدا لها يبين توافق الكتاب والسنة، وحيث وقع نسخ السنة بالقرآن فمعه سنة عاضدة له تبين توافق الكتاب والسنة (6)، إذ لا ينسخ كتاب الله إلا كتابه، وكذا سنة الرسول – لا ينسخها إلا سنته، وقد استنكر جماعة من الأصوليين هذا الكلام من الشافعي، وشنعوا في الرد عليه، وعدوه من معائبه (7)، وانتصر (8) له قوم باحتمالات (1) منهم الجلال المحلي (شرح) المحلي على جمع الجوامع ج 2 ص 78، وهو ما يفهم من كلام ابن حزم حيث أجاز نسخ القرآن بالسنة، ولم يفرق بين المتواترة والأحادية (الاحكام) ج 4 ص 505، ابن بركة (كتاب الجامع) ج 1 ص 36. (2) وقال بذلك البدر الشماخي (شرح مختصر العدل) ص 191، وقال القرافي: جائز عقلا غير واقع سمعا (شرح تنقيح الفصول) ص 311) وقال الزركشي: أما الجواز عقلا فالأكثرون عليه، وحكاه سليم عن الأشعرية والمعتزلة وأما الوقوع فذهب الجمهور كما قال ابن برهان وابن الحاجب إلى أنه غير واقع. الزركشي (البحر المحيط) ج ه ص 260، وانظر: ابن الحاجب (مختصر المنتهى بشرح العضد) ج 2 ص 195، ابن المرتضى (منهاج الوصول) ص 454.
(3) في ب بالمستفيضة. (4) القرآن الكريم سورة البقرة (مدنية) آية رقم 180.
(2) في ب لقولهم.
(6) الإمام الشافعي (الرسالة) ص 106.
(7) في ب معايبه.
(8) في ب واستنصر. (1/361)
صفحة 362
***
فصول الأصول
***
لا نطيل بذكرها (1). والحق ما قدمناه.
وتنسخ السنة السنة، فيجوز نسخ المتواترة بمتواترة، والآحاد. مثلها وبالمتواترة، ولا تنسخ المتواترة بالآحاد على الصحيح كما قدمناه، ومن نسخ السنة بالسنة نسخ حديث: إذا جلس الرجل بين شعبها الأربع ثم جهدها فقد وجب الغسل زاد بعضهم أنزل (2) أو لم ينزل (3) الحديث الماء من الماء (4)، لأن ذلك متأخر عن ذا، والله أعلم.
(1) ممن استنكر على الإمام الشافعي الكيا الهراسي حيث قال هفوات الكبار على أقدراهم والقاضي عبد الجبار، قال الزركشي: وكان عبد الجبار أحمد كثيرا ما ينصر مذهب الشافعي، فلما وصل هذا الموضع قال: هذا الرجل كبير، ولكن الحق أكبر منه.
و ممن انتصر للإمام الشافعي أبو الطيب سهل بن سهيل الصعلوكي والأستاذ الإسفراييني وأبو منصور البغدادي وأبو إسحاق المروزي. الزركشي (البحر المحيط) ج 5 ص 265 - 266.
(2) في ب نزل. (3) الحديث أخرجه الإمام الربيع بن حبيب الجامع الصحيح) باب فيما يكون منه غسل الجنابة، حديث رقم 134، ص 64، والبخاري (صحيح البخاري بشرح الفتح، كتاب الغسل، باب إذا التقى الختانان، حديث رقم 291، ج 1 ص 470، ومسلم (صحيح مسلم بشرح النووي كتاب الحيض، باب نسخ الماء من الماء ووجوب الغسل بالتقاء الختانين، حديث رقم 348، ج 4 ص 279. (4) الحديث أخرجه الإمام الربيع بن حبيب (الجامع الصحيح) باب فيما يكون منه غسل الجنابة، حديث رقم 135، 65، ومسلم (صحيح مسلم بشرح النووي كتاب الحيض، باب إنما الماء من الماء، حديث رقم
343، ج 4 ص 275، بلفظ إنما الماء من الماء.
362 (1/362)
صفحة 363
363
***
فصول الأصول
***
الفصل الثامن والسبعون
في نسخ الكتاب والسنة بالقياس وعكسه
واختلفوا في نسخ الخصوص بالقياس على أقوال: أحدها أنه يجوز لاستناد القياس إلى نص (1).
قالوا: فكان الناسخ هو النص، ثانيها: أنه لا يجوز حذرا من تقديم القياس على النص الذي هو أصل له في الجملة (2)، ثالثها يجوز إن كان القياس جليا بخلاف الخفي فإنه دونه في القوة (3)، الرابع يجوز إن كان القياس في زمنه - ه - وكانت العلة منصوصة بخلاف المستنبطة وبخلاف ما وجد بعد زمن النبي - - لانتفاء النسخ حينئذ (4).
والصحيح عندنا عدم الجواز؛ لأن دلالة النص قطعية ودلالة القياس ظنية، والظني أضعف من القطعي، فلا ينسخ الأقوى بالأضعف، ولما اشتهر من عمل الصحابة – رضوان الله عليهم - من أنهم كانوا يجتهدون في البحث عن الأحاديث فإن وجدوا شيئا عملوا به ولو آحادا فإذا لم يجدوا اعتمدوا على القياس في القضايا الحكمية والعملية، فإذا تبين لهم خبر بعد لك عملوا به وتركوا قياسهم؛ لأن خبر الآحاد مقدم على القياس عند جمهور العلماء فكيف بغيره،، والله أعلم. وا
(1) قال به ابن السبكي وصححه المحلي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 2 ص 80، وقال أبو الوليد الباجي: يجوز إن كانت علته منصوصة احكام الفصول) ص 429 - 430، وهو قول الآمدي (الاحكام) ج 3 ص 178، وانظر: الزركشي (البحر المحيط) ج 5 ص 290. (2) قال به الحنابلة، ابن النجار (شرح) الكوكب المنير) ج 3 ص 572، وذكر أبو الوليد الباجي اتفاق الفقهاء وأصحاب الأصول عليه (أحكام الفصول ص 429، وعزاه الزركشي (البحر المحيط) جه ص 289، والصنعاني (اجابة السائل) ص 379، إلى الجمهور وحكاه ابن المرتضى عن أكثر الأصوليين (منهاج الوصول) ص 455، وانظر: الكلوذاني (التمهيد) ج 2 ص 391. (3) قال به أبو القاسم الأنماطي الشافعي وابن سريج، الباجي (إحكام الفصول) ص 429، الآمدي (الإحكام) ج 3 ص 78، الزركشي (البحر المحيط) ج 5 ص 290.
(4) الآمدي (الإحكام) ج 3 ص 176، ابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 2 ص 80. وذهب الفخر الرازي إلى جواز كونه ناسخا للقياس بشرط أن يكون الناسخ أقوى، أما نسخه للكتاب أو السنة أو الإجماع فلا يصح، وحكى الإجماع على ذلك. أي على عدم صحته الرازي (المحصول) ج 3 ص 360، لكن الأقوال المتقدمة تعكر عليه حكاية الإجماع. (1/363)
صفحة 364
***
فصول الأصول
***
ويجوز نسخ القياس الموجود في زمنه - عليه الصلاة والسلام - بنص، وكذا يجوز بقياس غيره (1).
وقيل: لا يجوز نسخه لأنه مستند إلى نص فيدوم بدوامه (2)، قلنا: لا نسلم لزوم دوامه كما لا يلزم دوام حكم النص بل يجوز نسخه فكذلك (3) القياس المستند عليه. وقال الإمام الرازي: يشترط في نسخ القياس بالقياس أن يكون الناسخ أجلى من
المنسوخ، وقال الآمدي: يكتفي بالمساوي في الجلاء ولا يكفي الأدون (ه). والذي عندي لا يصح نسصخ قياس بقياس؛ لأنه إن كان الحكم مستندا على الدليل الذي هو مستند القياس فالناسخ الدليل لا القياس وإن كان استناده على قياس بلا مستند شرعي أو على مستند ضعف ثم ظهر بعد ذلك مستند للقياس أقوى من الأول فالقياس هو الثاني والأول باطل لا منسوخ، كذا ظهر لي، ثم رأيت لشيخنا السالمي ما يوافقه (6)، والحمد الله، فالصحيح عندنا أن القياس والإجماع لا يكونان ناسخين ولا منسوخين (7)، والله أعلم.
(1) وهو قول أبي الحسين البصري (المعتمد) ج 1 ص 402 - 403، وأبي الخطاب وابن عقيل (التمهيد) ج 2 ص 390، ابن النجار (شرح الكوكب المنير) ج 3 ص 571، وابن الحاجب (مختصر المنتهي بشرح العضد) ج 2 ص 199، وابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 2 ص 81، وصححه الجلالي المحلي بشرط أن يكون القياس الناسخ جليا، وممن جوز نسخ القياس في زمنه - صلى الله عليه وسلم – دون ما بعده أبو الخطاب وابن عقيل من الحنابلة وابن الحاجب وانظر: الامدي (الإحكام) ج 3 ص 176. (2) قال به القاضي عبدالجبار، أبو الحسين (المعتمد) ج 1 ص 402، وحكاه ابن قاضي الجبل عن بعض الحنابلة واختاره ابن النجار منهم، ابن النجار (شرح الكوكب المنير) ج 3 ص 571، وهو قول سليم
الرازي، الزركشي (البحر المحيط) ج 5 ص 293.
(3) في ب فكذا.
(4) الرازي (المحصول) ج 3 ص 359.
(ه) لم أجد هذا الكلام في الإحكام للآمدي (الإحكام) ج 3 ص 176 - 179.
(6) السالمي (شرح طلعة الشمس) ج 1 ص 93.
(7) أما نسخ الحكم الثابت بالإجماع فذهب أكثر العلماء إلى منعه، واختاره الآمدي (الاحكام) ج 3 ص 173، وحكى ابن الحاجب هذا القول عن الجمهور (مختصر المنتهى بشرح العضد ج 2 ص 198، وحكى ابن المرتضى والقرشي والمهدي الإجماع على منعه، ابن الحاجب (مختصر المنتهي بشرح العضد ج 2 ص 198، ابن المرتضى،، (منهاج الوصول) ص 453، الصنعاني (إجابة السائل) ص 378، وانظر: أبو الحسين (المعتمد) ج 1 ص 400، الرازي (المحصول) ج 3 ص 355، وذهب قليل منهم إلى إثباته الآمدي (الإحكام) ج 3 ص 173. وأما النسخ بالإجماع فإن الجمهور يمنعه، وأجازه بعض المعتزلة وعيسى بن أبان. الآمدي (الإحكام) ج 3 ص 174، ابن الحاجب مختصر المنتهى بشرح العضد) ج 2 ص 199، ابن المرتضى (منهاج الوصول) ص 456، الرازي (المحصول) ج 3 ص 357، الجزري (معراج المنهاج) ج 1 ص 444.
364 (1/364)
صفحة 365
365
***
فصول الأصول
***
الفصل التاسع والسبعون
في نسخ الفحوى دون المنطوق وعكسه
يجوز نسخ فحوى الخطاب وهي مفهوم الموافقة بقسميه: الأولى والمساوي مع بقاء أصلها المنطوق، ويجوز العكس (1)، وهو نسخ المنطوق دون المفهوم لأن الفحوى وأصله مدلولان متغايران فجاز نسخ أحدهما دون الآخر، كنسخ تحريم ضرب الوالدين دون تحريم التأفيف وكذا العكس، وقيل: لا يجوز النسخ في كلا الوجهين (2)، لأن الفحوى لازم أصله، فلا ينسخ واحد منهما بدون الآخر لمنافاة ذلك اللزوم بينهما، وقال ابن الحاجب: يمتنع نسخ أصل الفحوى مع بقائها، لامتناع بقاء الملزوم مع نفي اللازم بخلاف الثاني لجواز بقاء اللازم مع نفي الملزوم)، وفصل صاحب المنهاج فقال: إن لم يكن حكم الفحوى أولى من حكم أصلها في كونه منهيا عنه أو مأمورا به جاز نسخ الفحوى دون أصلها كما يجوز نسخ أصلها في كونه منهيا عنه أو مأمورا به جاز نسخ الفحوى دون أصلها كما يجوز نسخ أصلها دونها، مثال ذلك قوله تعالى: لَيْسَ فِي ضَلَالَةٌ وَلَكِنِي رَسُولٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ (4).
(4)
فها هنا أصل وفحوى، فالأصل وجوب ثبات عشرين لمائتين، والفحوى وجوب ثبات واحد لعشرة، فيجوز نسخ الفحوى، وهو ثبات الواحد للعشرة دون الأصل، وهو وجوب ثبات العشرين لمائتين، فلما كان الفحوى وأصلها مستويين في الحكم أي الأولوية لأحدهما بالأمر دون الآخر جاز نسخ أيهما دون صاحبه، إذ لا وجه يقتضي منع ذلك، وإن كانت الفحوى أولى من أصلها بالحكم فلا يجوز نسخ الفحوى، وهي أولى بالحكم، وذلك كنسخ تحريم الضرب ونحوه للوالدين دون
(1) قال به ابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 2 ص 82، وابن النجار والبرماوي. ابن النجار (شرح الكوكب المنير) ج 3 ص 576 - 577. (2) هو قول أبي الحسني البصري (المعتمد) ج 1 ص 404 - 405، وظاهر كلام البيضاوي (المنهاج بشرح المعراج ج 1 ص 446، ونسبه الصنعاني إلى الأكثر (إجابة السائل) ص 373.
(3) ابن الحاجب (مختصر المنتهى بشرح العضد) ج 2 ص 200، وهو اختيار الكمال ابن الهمام (التحرير بشرح
التيسير) ج 3 ص 214 - 215.
(4) القرآن الكريم سورة الأنفال (مدنية) آية رقم 65. (1/365)
صفحة 366
***
فصول الأصول
***
التأفيف لهما، لأنه من البعيد أن يباح ضربهما، وهو أغلظ حكما ويحرم التأفيف لهما وهو أخف، فلا يصح نسخ الفحوى حيث يكون فيها معنى الأولى دون أصلها، لأن فيه نوعا من المناقضة، قال صاحب المنهاج: هذا هو الصحيح) وأما ابن الحاجب فقد اختار منع نسخ الفحوى دون أصلها على الإطلاق كما قدمناه، وتبعه على ذلك البدر الشماخي - رحمه الله تعالى (2)، والله أعلم.
(1) ابن المرتضى (منهاج الوصول ص 439.
(2) وقال به الإمام السالمي (شرح طلعة الشمس) ج 1 ص 282، وعزاه الصنعاني إلى أحمد الرصاص (اجابة السائل) ص 373، الشماخي (شرح مختصر العدل) ص 189.
وقيل: إنه لا يتصور نسخ الأصل دون الفحوى لأنها تابعه له، عزاه الآمدي إلى الأكثر (الإحكام) ج 3 ص 179، وانظر: الرازي (المحصول) ج 3 ص 36.
وذهب القاضي عبدالجبار إلى جواز نسخ الفحوى دون الأصل. أبو الحسين (المعتمد) ج 1 ص 404 - 405 وحكاه الصنعاني عن الفقيه عبد الله بن زيد المذحجي، (إجابة السائل) ص 373.
366 (1/366)
صفحة 367
367
***
فصول الأصول
الفصل الثمانون
في نسخ مفهوم المخالفة مع منطوقه ودونه وهل يجوز العكس أولا؟ قولان يجوز نسخ مفهوم المخالفة مع أصله المنطوق و نسخه بدون أصله، ولا يجوز نسخ الأصل دون مفهومه هذا لأن المفهوم تابع لأصله فيرتفع بارتفاعه، ولا يرتفع الأصل بارتفاع مفهومه (1)، مثال نسخ المفهوم دون أصله حديث إنما الماء من الماء (2)، مفهومه أنه لا غسل عند عدم الإنزال، نسخ بحديث إذا قعد الرجل بين شعبها الأربع (3) الحديث كما تقدم، ومثال نسخهما معا أن ينسخ وجوب الزكاة في السائمة ونفيه في المعلوفة الدال عليهما الحديث السابق في المفهوم، ويرجع الأمر في المعلوفة إلى ما كان قبل مما دل عليه الدليل العام بعد الشرع من تحريم للفعل إن كان مضرة أو إباحة له إن كان منفعة، كما يرجع في السائمة إلى ما تقدم في مسألة إذا نسخ الوجوب بقي الجواز إلى آخره، ولا يجوز نسخ النص وهو الدليل القطعي بالمفهوم لضعف المفهوم عن مقاومة النص. وصحح أبو إسحاق الشيرازي الجواز قال: لأن المفهوم في معنى النطق)، وأما الدليل الظني فيجوز نسخه بالمفهوم لأن مفهوم المخالفة دلالته ظنية مثله، ويجوز نسخ الإنشاء ولو كان بلفظ القضاء (5)، وخالف بعضهم فيه قال: لأن القضاء إنما يستعمل فيما لا يتغير (6) نحو: {وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ} (7)، أي: أمره، اعلم أن النسخ إنما يكون في الأمر والنهي الشرعيين الفرعيين ولا يكون في الأصول
(1) وحكى الآمدي هذا القول عن الأكثر (الإحكام) ج 3 ص 149، وقال الفخر الرازي: وأما نسخ الأصل وحده، فإنه يقتضي نسخ الفحوى، لأن الفحوى تبع الأصل، وإذا زال المتبوع زال التبع لا محالة (المحصول) ج 3 ص 360، وانظر: القرافي (شرح تنقيح الفصول) ص 315، وجوز ابن عبدالشکور نسخ الأصل دون الفحوى، ابن عبدالشكور (مسلم الثبوت بشرح الفواتح ج 2 ص 87.
(2) سبق تخريجه قريبا.
(3) سبق تخريجه قريبا.
(4) الشيرازي (شرح اللمع) ج 1 ص 512.
(د) ابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 2 ص 84.
(6) المرجع السابق.
(1) القرآن الكريم سورة الإسراء (مكية) آية رقم 23. (1/367)
صفحة 368
***
فصول الأصول
***
كالأمر بالتوحيد نحو {قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدُ لله (1). وكالنهي عن التثليث في قوله تعالى: {وَلَا تَقُولُوا ثَلَثَةٌ (2)، ولا في صفات الباري كالنهي عن التجسيم والحلول، فلا يجوز نسخ هذه الأحكام، وكذا لا يجوز في الاحكام العقلية، وإنما في الأمر والنهي الفرعيين ولو وردا بصيغة الخبر نحو وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ الله (3) (4) أي: ليتربصن، وخالف الدقاق في ذلك {نظرا إلى اللفظ ()،، وكذا إن قيل بالتأييد وغيره نحو (6): صوموا أبدا، صوموا
حتما يجوز نسخه.
وقيل: لا يجوز لأن النسخ مناف للتأييد ومثله التحتيم (7). قلنا: لان نسلم بذلك، ويتبين بورود الناسخ أن المراد افعلوا إلى وجوده، كما يقال: لازم غريمك أبدا، أي: إلى أن يعطي الحق، وكذلك إن قال: الصوم واجب مستمر أبدا، إذا قاله إنشاء، فإنه يجوز نسخه، خلافا لابن الحاجب حيث منع نسخه دون ما قبله (8) وهو قوله: صوموا أبدا، والفرق بينهما أن التأبيد فيما قبله قيد للفعل، وفيه قيد للوجوب والاستمرار ولا أثر له. ولا يجوز نسخ مدلول الخبر وإن مما يتغير لأنه يوهم الكذب حيث يخبر بالشيء ثم يخبر بنقيضه، وذلك محال على الله تعالى.
وقيل: يجوز إن كان مما يتغير إن كان عن مستقبل الجواز المحو من الله تعالى فيما يقدره لقوله: {يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُنْبِتُ (9)، بخلاف الخير عن ماض، ونسب
هذا القول للقاضي البيضاوي (10).
(1) القرآن الكريم سورة الإخلاص (مكية) آية رقم 1. (2) القرآن الكريم سورة النساء (مدنية) آية رقم 171. (3) في ب زيادة بأنفسهن.
(4) القرآن الكريم سورة البقرة (مدنية) آية رقم 228.
(5) الشيرازي (شرح اللمع) ج 1 ص 489، ابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 2 ص 85.
(6) في ب مثل.
(1) عزاه أبو إسحاق الشيرازي إلى بعض المتكلمين شرح اللمع) ج 1 ص 491.
(8) ابن الحاجب (مختصر المنتهى بشرح العضد ج 2 ص 188 - 189.
(9) القرآن الكريم سورة الرعد (مدنية) آية رقم 39
(10) البيضاوي المنهاج بشرح الإبهاج ج 2 ص 243.
368 (1/368)
صفحة 369
***
فصول الأصول
***
وقيل: يجوز عن الماضي - أيضا - لجواز أن يقول الله: لبث نوح في قومه ألف
سنة، ثم يقول: لبث ألف سنة إلا خمسين عاما، وعليه الرازي والآمدي (1). والجمهور على أن نسخ الخبر غير جائز مطلقا، واختلفوا هل يجوز النسخ بأثقل من المنسوخ؟ فمنع ذلك بعض المعتزلة (2) قالوا: لأنه لا مصلحة في الانتقال من سهل إلى عسر، قلنا: لا نسلم ذلك ولو بعد تسليم رعاية المصلحة، وقد وقع ذلك كنسخ التخيير بين صوم رمضان والفدية بتعين الصوم، قال الله تعالى: {وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ} (3) إلخ، ويجوز النسخ بلا بدل، ومنعه بعض المعتزلة إذ لا مصلحة في ذلك (4).
' (e)'
قلنا: لا نسلم لزوم المصلحة، واختلفوا هل هذا النسخ واقع؟ قال الشافعي يقع، وقيل: وقع (6) كنسخ وجوب تقديم الصدقة على مناجاة النبي - ع - في ل إذَا نَجَيْتُمُ الرَّسُولَ} (7): إذ ليس لوجوبه بدل فيرجع الأمر إلى حالته الأولى مما دل
عليه الدليل العام من تحريم للفعل إن (8) كان فيه مضرة أو إباحة إن كانت منفعة. قلنا: لا نسلم أنه (9) لا بدل للوجوب بل له وهو الجواز الصادق - هنا - بالإباحة (10) والاستحباب، فالصحيح جوازه لأن الوقوع دليل الجواز، والله تعالى (11) أعلم.
(1) وهو قول القاضي عبد الجبار وأبي عبد الله وأبي الحسين من المعتزلة، أبو الحسين (المعتمد) ج 1 ص 387، الرازي (المحصول) ج 3 ص 325، الآمدي (الإحكام) ج 3 ص 157 - 158. (2) وحكاه الشيرازي (شرح اللمع) ج 1 ص 494، والآمدي (الإحكام) ج 3 ص 150، والفخر الرازي (المحصول) ج 3 ص 320، عن بعض أهل الظاهر، كما حكاه الشيرازي عن بعض الشافعية (شرح اللمع) ج 1 ص 494، ابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 2 ص 87
(3) القرآن الكريم سورة البقرة (مدنية) آية رقم 184.
(4) أبو الحسين (المعتمد) ج 1 ص 384، ابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 2 ص 87. (5) ووافقه على ذلك ابن السبكي. الشافعي (الرسالة) ص 109، ابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 2 ص 87. (6) حكاه الزركشي عن الجمهور البحر المحيط) ج 5 ص 236.
(1) القرآن الكريم سورة المجادلة (مدنية) آية رقم 12.
(8) في ب أو.
(4) في ب لأنه.
(10) في ب للإباحة. (11) تعالى في ب ساقطة.
369 (1/369)
صفحة 370
***
فصول الأصول
***
في
(1)
الفصل الحادي والثمانون
الكلام على النسخ وأنه واقع في الجملة
النسخ واقع في الجملة عند جميع المسلمين، وخالفت اليهود في ذلك إلا العيسوية منهم، فإنهم اعترفوا بأن النسخ جائز واقع، وهم أصحاب أبي عيسى الأصفهاني أقروا ببعثة نبينا محمد - - لكنهم قالوا: بعث إلى بني إسماعيل خاصة وهم العرب، وأبو مسلم الأصفهاني (2)، وهو معتزلي المذهب (3) سمى النسخ تخصيصا أنه قصر للحكم على بعض الأزمان، فهو تخصيص في الأزمان كالتخصيص في الأشخاص، فعد بعضهم منه ذلك مخالفة في وجوده حيث لم يذكره باسمه المشهور، والحق أن خلافه لفظي، فهو لم ينكر وجوده أصلا لكن سماه بغير اسمه العرفي، والمختار أنه إذا نسخ حكم الأصل ارتفع معه حكم الفرع بارتفاعه، والمراد بالأصل الصورة التي قيس عليها المقترنة بالدليل الشرعي، والمراد بالفرع هو الحكم المحمول على تلك الصورة قياسا بجامع بينهما لعدم الدليل الوارد فيه نصا، وذلك لأن العلة التي ثبت به
حكم الفرع تنتفي بانتفاء الأصل، فلا يصح بقاء الفرع مع ارتفاع الأصل. وقالت الحنفية: يبقى ولو نسخ أصله؛ لأن القياس مظهر له لا مثبت، وأن الفرع تابع للدلالة لا للحكم كالفحوى (4).
وأجيب بأنه يلزم من زوال الحكم زوال الحكمة المعتبرة، فيزول الحكم مطلقا لانتفاء الحكمة، والله أعلم.
(1) في ساقطة من ب. (2) وحكاه ابن المرتضى عن غلاة الإمامية والتناسخية (منهاج الوصول ص 429، وانظر: الآمدي (الإحكام) ج 3 ص 127، البخاري (كشف الأسرار) ج 3 ص 302، ابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 2 ص 88.
(3) أبو مسلم، محمد بن بحر الأصفهاني، ولد سنة 254 هـ، كنيته أبو مسلم، وال من اهل أصفهان، معتزلي من كبار الكتاب، من مؤلفاته: جامع التأويل، والناسخ والمنسوخ، وكتاب في النحو، توفي سنة 322 هـ. حاجي خليفة (كشف الظنون) ج 1 ص 538، الزركلي (الأعلام) ج 6 ص 50، كحالة (معجم المؤلفين) ج 9 ص 97. (4) الذي وجدته في مسلم الثبوت وشرحه ما نصه: إذا نسخ حكم الأصل للقياس لا يبقى حكم الفرع الثابت بالقياس على هذا الأصل وقيل يبقى ونسب هذا إلى الحنفية وقد اشترط الحنفية في صحة القياس أن لا يكون حكم الأصل منسوخا. ابن عبدالشكور (مسلم الثبوت بشرح الفواتح ج 2 ص 86، أمير باد شاه
(تيسير التحرير) ج 3 ص 287.
370 (1/370)
صفحة 371
371
***
فصول الأصول
***
واختلفوا هل يثبت حكم الناسخ في حق الأمة قبل تبليغه - - لهم إياه؟ والمختار أنه لا يصبت في حقهم لعدم علمهم به (1).
وقيل: يثبت بمعنى استقراره في الذمة لا بمعنى الامتثال (2) كما يثبت في حق النائم وقت الصلاة وبعد (3) التبليغ يثبت في حق من بلغه، وكذلا من لم يبلغه إن تمكن من علمه لكنه قصر في إدراكه، وإن لم يتمكن منه فعلى الخلاف المقدم، والله أعلم، وبه العون والتوفيق (4)، وحسبنا الله ونعم الوكيل.
واعلم انه (5) إذا أردت زيادة على نص متقدم كزيادة ركعة أو ركوع أو صفة في رقبة الكفارة أو اليمين أو بعض جلدات في جلد حد فليست تلك الزيادة نسخا للمزيد عليه خلافا للحنفية في قولهم: إنها نسخ له (6)، ومثار الخلاف هل رفعت تلك الزيادة حكما شرعيا؟ فعندنا لم ترفعه، فليست بنسخ، وعند الحنفية أنها ترفعه نظرا إلى أن الأمر بما دونها يقتضي تركها فهي رافعة لذلك المقتضى. قلنا: لا نسلم اقتضاء تركها، والمقتضي للترك غيره، وينبني على ذلك الخلاف أنه لا يعمل بخبر الآحاد في الزيادة على النصوص القطعية عند من يراها ناسخة لأن الظني لا ينسخ القطعي كزيادة التغريب على الجلد التي وردت في حديث البكر
(1) قال به ابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 2 ص 90، وحكاه ابن النجار عن الحنابلة (شرح الكوكب المنير) ج 3 ص 580، والأنصاري عن الحنفية (فواتح الرحموت) ج 2 ص 89.
(2) حكاه ابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 2 ص 90.
(3) بعد في أمطموسة.
(4) العون والتوفيق ساقطتان من أ. (2) في ب أن.
(6) السرخسي (أصول السرخسي) ج 2 ص 82، البخاري (كشف الأسرار) ج 3 ص 360، الأنصاري (فواتح الرحموت ج 2 ص 91 - 92، الدمشقي محمد أمين (تسهيل الحصول) ص 233. (1/371)
صفحة 372
***
فصول الأصول
***
(1) ,
بالبكر جلد مائة، وتغريب عام (1)، وكزيادة الشاهد واليمين على شهادة الرجلين (2) أو الرجل والمرأتين، لأن هذه الزيادة تثبت من حديث مسلم وأبي داود أنه - قضى بالشاهد واليمين (3). فهذه الزيادات تثبت بآحاد والأدلة الأولى المزيدة عليها قطعية لأن بعضها بنص كالجلد وبعضها بتواتر ونص كالشاهدين أو الشاهد والشاهدتين هكذا كما تراها، فلا يصح نسخها بزيادات ثبتت بطريق الآحاد، ومنهج آخر أن كلا من المزيد والمزيد عليه ثبتت بدليل غير الأول، ففي نسخ بعضها إبطال لأحد الدليلين، وإبطاله تحكم بل دليل، لأن الشارع أمرنا بضم الحكم الثاني إلى الأول لا بإبطال الأول إذ لا حجة على ذلك منه ولا من غيره. و فصل بعضهم فقال: إن الزيادة إن غيرت المزيد عليه بحيث لو اقتصر عليه وجب استئنافه كزيادة ركعة في المغرب - مثلا - فهي نسخ، وإن لم تغير المزيد عليه كزيادة التغريب في جلد الزنى فلا تكون نسخا (4).
وقيل: إن اتصلت الزيادة بالمزيد عليه اتصال اتحاد كزيادة ركعتين في الفخر فهي
(1) أخرجه الربيع بن حبيب (الجامع الصحيح كتاب الأحكام، باب الأحكام، حديث 597،598، ص 235 - 236، والبخاري (صحيح البخاري بشرح (الفتح كتاب الحدود، باب الاعتراف بالزنا، ج 12 ص 140، ومسلم (صحيح مسلم بشرح النووي) كتاب الحدود، باب حد الزنا، ج 11 ص 201، واللفظ له، وابن ماجة (سنن ابن ماجة المعجم، الحدود، باب حد الزنا، حديث 2549، ج 3 ص 221، وأبو داود (سنن أبي داود كتاب الحدود، باب في المرأة التي أمر النبي - - برجمها من جهينة، حديث 4445 ج 2 ص 356، والترمذي (سنن الترمذي) كتاب الحدود، باب ما جاء في الرجم على الثيب، حديث 1438، ج 4 ص 41. (2) في ب رجلين. (3) أخرجه مسلم بلفظ أن رسول الله - - قضي بيمين و شاهد (صحيح مسلم بشرح النووي) كتاب الأقضية، باب القضاء باليمين والشاهد، حديث 1712، ج 12 ص 244.
وابن ماجة (سنن ابن ماجة) المعجم، الأحكام، باب القضاء بالشاهد واليمين، حديث 2370، ج 3 ص 122، وأبو داود (سنن أبو داود كتاب الأقضية، باب القضاء باليمين والشاهد، حديث 3610، ج 2 ص 173، والترمذي (سنن الترمذي) كتاب الأحكام، باب ما جاء في اليمين مع الشاهد، حديث
1347، ج 3 ص 627.
(4) قال به القاضي عبد الجبار، أبو الحسين (المعتمد) ج 1 ص 405، وصححه ابن المرتضى (منهاج الوصول) ص 445، وانظر: الآمدي (الإحكام) ج 3 ص 186، الأنصاري (فواتح الرحموت) ج 2 ص 92.
372 (1/372)
صفحة 373
***
فصول الأصول
***
نسخ وإلا كزيادة عشرين جلدة في حد القذف فلا)، وكذا الخلاف في نقص جزء من العبادة أو شرط من شروطها كنقص ركعة، أو نقص الوضوء هل هو نسخ لها؟ فقيل: نعم (2) نه (2) نظرا إلى ذلك الناقص لجوازه أو وجوبه بعد تحريمه.
وقال جمهور الشافعية: لا يكون النقص نسخا للكل بل لذلك الجزء أو الشرط فقط؛ لأنه هو الذي يترك (3)، وقيل: نقص الجزء نسخ بخلاف نقص الشرط (4)، ولا فرق بين متصلخ ومنفصله. والصحيح ما قدمناه من أن الزيادة ليست نسخا للمزيد عليه، وكذا النقص لا
يكون نسخا للباقي، وعلى هذا جمهور الأصوليين (ه)، والله أعلم. ويتعين النسخ للحكم بتأخيره عنه، ويعلم تأخره من وجوه: أحدها الإجماع بأن يجمعوا على أن هذا الدليل متأخر عن ذلك لما قام عندهم من دليل على تأخره، ومنها أن يقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: هذا الدليل ناسخ لذلك، أو يقول هذا بعد ذاك، ومنها أن يقول الشارع: كنت نهيت عن كذا فافعلوه، كقوله: كنت نهيتكم عن زيارة القبور ألا فزوروها ولا تقولوا هجرا (6)، ومنها
-
(1) قال به الغزالي (المستصفى) ج 1 ص 117، وقيل: إن كانت الزيادة مغيرة لحكم المزيد عليه في المستقبل كزيادة التغريب في المستقبل على الحد كانت نسخا، قال به الكرخي وأبو عبدالله البصري. الآمدي (الإحكام) ج 3 ص 185 - 186، ابن المرتضى (منهاج الوصول) ص 445. (2) هو مذهب بعض المتكلمين. الآمدي (الإحكام) ج 3 ص 192، ابن النجار (شرح الكوكب المنير) ج 3 ص 584، واختاره عبد العلي الأنصاري (فواتح الرحموت) ج 2 ص 94. (3) واختاره محب الدين بن عبدالشكور (مسلم الثبوت بشرح (الفواتح ج 2 ص 94، وقال ابن النجار: هو الصحيح عند الحنابلة (شرح الكوكب المنير) ج 3 ص 584، وانظر: ابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 2 ص 93.
(4) حكي عن القاضي عبد الجبار، أبو الحسين (المعتمد) ج 1 ص 415، الآمدي (الإحكام) ج 3 ص 192. (5) أبو الحسين (المعتمد) ج 1 ص 405، الآمدي (الإحكام) ج 3 ص 185، ص 192، الزركشي (البحر المحيط) ج ه ص 306 - 315، ابن النجار (شرح الكوكب المنير) ج 3 ص 581، ص 584، السالمي (شرح طلعة الشمس) ج 1 ص 278. (1) أخرجه مسلم بلفظ نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها، ونهيتكم عن لحوم الأضاحى فوق ثلاث فأمسكوا نت ما لا بد لكم مسلم (صحيح مسلم بشرح النووي) كتاب الجنائز، باب استئذان النبي - ع - ربه و في زيارة قبر أمه، حديث رقم 976، ج 7 ص 50 وأخرجه أبو داود (سنن أبي داود) كتاب الجنائز، باب في زيارة القبور، حديث 3235، ج 3 ص 218، والبيهقي (السنن الكبرى كتاب الجنائز، باب زيارة القبور، ج 4 ص 77.
373 (1/373)
صفحة 374
***
فصول الأصول
***
أن يرد النص الثاني على خلاف الأول بان يذكر الشيء على خلاف ما ذكره أولا، ومنها أن يقول راوي الحديث: إن حديث كذا سابق عن حديث كذا، ومنها أن يعلم التاريخ كأن يعلم أن حديث كذا وقع في غزوة كذا أو يوم كذا أو عام كذا وحديث كذا في وقت كذ (1). وأما قول الراوي: إن هذا الحديث ناسخ لذلك فلا أثر له ولا يثبت به النسخ (2) خلاف الزاعميه (3)، قالوا: إنه إذا كان عدلا فعدالته تصونه من أن يقول
بخلاف ما ثبت عنده.
قلنا: ثبوته عنده يجوز أن يكون باجتهاد منه، ولا يلزمنا تقليده في اجتهاده والله تعالى (4) أعلم، وبه العون والتوفيق، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وصلى الله على سيدنا ونبينا محمد - - تسليما، تم الكتاب الاول في مباحث الكتاب العزيز ويليه إن شاء الله تعالى الكتاب الثاني في السنة ومباحثها، ومن الله نستمد
العون والتوفيق.
(1) أبو الحسين (المعتمد) ج 1 ص 418، الآمدي (الإحكام) ج 3 ص 197، ابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 2 ص 93، الزركشي (البحر المحيط) ج 5 ص 318، ابن المرتضى (منهاج الوصول) ص 458، عبدالعلي الأنصاري (فواتح الرحموت) ج 2 ص 95، السالمي (شرح طلعة الشمس) ج 1 ص 299. (2) وهو قول أبي الحسين البصري (المعتمد) ج 1 ص 418، والغزالي (المستصفى) ج 1 ص 128، والآمدي (الإحكام) ج 3 ص 197، وابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 2 ص 94، والسالمي وحكاه عن الأكثر (شرح طلعة الشمس) ج 1 ص 300، وحكي عن الجمهور الزركشي (البحر المحيط) ج 5 ص 321. (3) هو قول الحنفية وأبي عبد الله البصري. الأنصاري (فواتح الرحموت ج 2 ص 95، ابن المرتضى (منهاج الوصول) ص 457، السالمي (شرح طلعة الشمس) ج 1 ص 300.
(4) تعالى في ب ساقطة.
374 (1/374)
صفحة 375
375
***
فصول الأصول
***
الكتاب الثاني
في مباحث السنة النبوية
الفصل الثاني والثمانون
في تعريفها وأنها تنقسم إلى قول وفعل وتقرير
وهي أقوال النبي - ه - وأفعاله وتقريراته؛ لأن التقرير كف عن الإنكار والكف فعل على الصحيح.
اعلم أن الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - معصومون أن يصدر منهم ذنب ولو صغيرة على الصحيح لكرامتهم على الله تعالى عن أن يصدر عنهم ذنب، وأجاز الأكثر صدور الصغيرة عنهم سهوا لا عمدا إن لم تكن دالة على خسة الحال كسرقة لقمة، وكالتطفيف في الوزن ولو بثمرة وما أشبه ذلك، فإن ما دل على الخسة غير لائق بمنصبهم الشريف، فنبينا محمد - - لعصمته لا يقول أو يفعل غير الحق المأمور به من عند الله تعالى فيجب على أمته التأسي به باتباعه في جميع أقواله وأفعاله (1) ما لم يقم دليل الخصوصية له - وكذا سكوته عن إنكار شيء من قول أو فعل دليل الجواز فيعم غير القائل والفاعل على الصحيح خلافاً للقاضي في قوله لا يعم غيره. (2) قال: لأن السكوت ليس بخطاب حتى يعم، وأجيب بأنه
كالخطاب فيعم. وإن تعارض فعله وقوله فالمتأخر منهما إن علم ناسخ للمتقدم في حق
-
-
الأمة فإن جهل التاريخ فالأصح العمل بالقول (3) لأن الفعل يحتمل الخصوصية، وقيل: يعمل بالفعل (4)، وقيل: يوقف عن العمل بواحد منهما إلا أن يكون القول
(1) أي التي قصد بها التشريع، فيخرج الافعال الجبلية. (2) أي القاضي الباقلاني كما صرح بذلك الجلال المحلي (شرح المحلي على جمع الجوامع) ج 2 ص 69. (3) قال به أبو الحسن البصري (المعتمد) ج 1 ص 360، والآمدي (الإحكام) ج 3 ص 250 - 251، وابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 2 ص 100، والكمال التحرير بشرح التيسير) ج 3 ص 148 - 149، وابن النجار (شرح الكوكب المنير) ج 2 ص 202، والصنعاني (إجابة السائل) ص 93، والشوكاني إرشاد الفحول) ص 41، وحكاه الزركشي عن الجمهور (البحر المحيط) ج 6 ص 51. (4) نسبه الباجي إلى ابن خويز منداذ (إحكام الفصول) ص 315، وقال الزركشي: ونقل عن اختيار أبي الطيب (البحر المحيط) ج 6 ص 52. (1/375)
صفحة 376
***
فصول الأصول
***
العام ظاهرا) فيه - ع - لا نصا (2)، كما إذا قال: يجب على كل واحد صوم عاشوراء، فالفعل يكون تخصيصا للقول العام في حقه، تقدم عليه أو تأخر عنه أو جهل ذلك، ولا نسخ حينئذ، لأن التخصيص أهون من النسخ لأن فيه عملا بالدليلين معا، والله أعلم.
(1) الظاهر: ما دل على معناه دلالة ظاهرة بنفس صيغته، إلا أن هذا المعنى لم يكن مقصودا أصليا من سياق الكلام، أما النص فهو اللفظ الذي دل على معناه دلالة واضحة، وكان معناه هو المقصود الأصلي من
سوق الكلام مع احتماله التخصيص ان كان عاما. د. فاضل (أصول الفقه) ص 232 - 233. (2) قال به أبو الوليد الباجي (إحكام الفصول) ص 315 - 316، وعزاه ابن القشيري إلى القاضي أبي بكر ونصره، وقال به السمعاني، الزركشي (البحر المحيط) ج 6 ص 52.
376 (1/376)
صفحة 377
377
***
فصول الأصول
***
سمي
الفصل الثالث والثمانون
في الكلام على الخبر والفرق بينه وبين الإنشاء
اعلم أن الكلام، إن أفاد بوضعه طلبا فهو طلب، فغن كان لطلب ذكر الماهية فهو استفهام نحو ما هذا؟ وإن كان لطلب تحصيل الماهية أو تحصيل الكف عنها فالأول أمر والثاني نهي، نحو: قم. في الأول، ولا تقعد في الثاني، ولو صدر ذلك من الأدون أو المساوي، وقيل: إن صدر من الأدون سمي سؤالا أو من المساوي التماسا، وإن لم يفد بوضعه طلبا فإما أن يكون غير محتمل للصدق والكذب مدلوله فهو تنبيه وإنشاء سواء لم يفد طلبا أصلا، نحو: أنت طالق، أو أفاد طلبا بلازمه كالتمني والترجي نحو ليت الشباب يعود، لعل الله يعفو عني، وقيل: لا طلب في الترجي، وإنما هو ارتقاب شيء لا وثوق بحصوله (1)، وقال ابن قاسم: اختلفوا في التمني فمنهم من قال: إنه لطلب المتمني - بفتح النون - ومنهم من قال: إنه لحالة نفسانية يلزمها الطلب. أهـ (2).
وإن كان محتملا للصدق والكذب فهو الخبر (3)، وقد يقطع بصدقه أو كذبه لأمور خارجية عنه، ووقف قوم عن تعريف الخبر كالعلم والوجود والعدم قالوا: لأن كلا من هذه الأربعة ضروري فلا حاجة إلى تعريف (4)، وقيل: وقفوا عن تعريفه لعسره (5)، وقيل: الإنشاء كلام يحصل مدلوله به كقولك: قم، وكقوله: أنت طالق، فإن مدلول هذا الكلام من إيقاع الطلاق وطلب القيام يحصل به لا بغيره، يعني بنفس اللفظ لا بخارج عنه، فعلى هذا يكون الإنشاء بهذا المعنى أعلم منه بالمعنى الأول، والخبر ما يحصل مدلوله في الخارج بغيره (6)، أي: ماله معنى خارج عنه من صدق أو كذب، (1) حكاه البناني عن التفتازاني. البناني (حاشية البناني على المحلي) ج 2 ص 106، وانظر: التفتازاني (شرح مختصر المعاني) ج 2 ص 250.
(2) ابن قاسم (الآيات البينات) ج 3 ص 255، وانظر: التفتازاني (شرح مختصر المعاني) ج 2 ص 250. (3) السكاكي (مفتاح العلوم) ص 164، القزويني (الإيضاح في علوم البلاغة) ج 1 ص 59، التفتازاني (شرح السعد) ج 1 ص 73، المراغى أحمد مصطفى (علوم البلاغة) ص 43. (4) منهم السكاكي (مفتاح العلوم) ص 164، وحكاه الآمدي عن بعض الشافعية، الآمدي (الإحكام) ج 2 ص 10. (2) حكاه الجلال المحلي (شرح) المحلي على جمع الجوامع) ج 2 ص 109. (6) ابن قاسم (الآيات البينات) ج 3 ص 257، محمد عبدالمنعم خفاجي (شرح وتعليق على الإيضاح في علوم البلاغة ج 1 ص 56، المراغي (علوم البلاغة) ص 43، ص 59. (1/377)
صفحة 378
***
فصول الأصول
***
نحو قام زيد، فإن مدلوله، وهو قيام زيد يحصل بغيره وهو محتمل لكونه واقعا في الخارج فيكون صدقا وغير واقع فيكون كذبا.
وقيل: بالواسطة بينهما كما هو مبسوط في كتب المعاني (1)، وليس هذا محل ذكره.
صلى الله
واعلم أنهم قالوا كل خبر روي عنه - - أوهم باطلا ولم يقبل التأويل فمكذوب عليه - ل - العصمته عن قول الباطل (2)، من ذلك ما روي أن الله خلق نفسه، فإنه يوهم الحدوث له تعالى، وقد دل العقل القاطع على أنه تعالى منزه عن الحدوث. وسبب الوضع للخبر (3) بأن يكذب على النبي - ع - نسيانا من الراوي لما رواه فيذكر غيره ظانا أنه المروي، أو افتراء عليه - ع - كوضع الزنادقة أحاديث تخالف المعقول تنفيرا للعقلاء عن شريعته المطهرة، أو غلطا من الراوي بأن يسبق لسانه إلى غير ما رواه أو يضع (4) مكانه ما يظن أنه يؤدي إلى معناه، ونحو هذه الوجوه، كما وضع بعضهم أحاديث للترغيب في الطاعة والترهيب عن المعصية (5)
قال ابن السبكي ومن المقطوع بكذبه على الصحيح خبر مدعي الرسالة بلا معجز أو بلا تصديق الصادق له؛ لأن الرسالة عن الله على خلاف العادة، والعادة تقضي بكذب من يدعي ما يخالفها بلا دليل، وقيل: لا يقطع بكذبه لإجازة العقل صدقه، أما مدعي النبوة، أي الإيحاء إليه فقط فلا يقطع بكذبه كما قاله (6) إمام الحرمين (7).
(1) السكاكي (مفتاح العلوم) ص 161، القزويني (الإيضاح) ج 1 ص 52، التفتازاني (شرح السعد) ج 1 ص 69، المراغي (علوم البلاغة) ص 43.
(2) الجويني (البرهان) ج 2 ص 379 - 380، ابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 2 ص 116.
(3) في ب والخبر. (4) في ب وضع.
(5) الحافظ العراقي (فتح المغيث) ج 1 ص 299 - 318، ابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 2 ص 117. (6) في ب قال.
(7) الجويني (البرهان) ج 1 ص 386 - 387، ابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 2 ص 117.
378 (1/378)
صفحة 379
379
***
فصول الأصول
***
قال ابن القاسم: يتجه إلى محل الخلاف ما قبل نزول قوله تعالى: {وَخَاتَمَ النَّبِيِّ
أما بعده فلا محل للخلاف (2) في القطع نظرا للتجويز العقلي مع منع الشرع". قلت: قد صح بالأدلة السمعية القطعية من الكتاب والسنة والإجماع أن النبوة والرسالة ختمتا وسدت أبوابهما بموته - - فمن ادعاهما أو واحدة منهما وجب القطع بكذبه الصريح ومينه (4) القبيح، ولا محل لحكم العقل بعد ورود الشرع، فلا نقبل قول قائل ولا احتجاج محتج في هذا، ونحكم بتفسيق مدعيه وتضليل مرتكبه كائنا من كان، والله أعلم. قالوا: وما لم يوجد عند غير راويه ولا في شيء من كتب الحديث الموثوق بصحتها فمقطوع بكذبه لأن العادة تقضي بكذب ناقله، وقيل: لا يقطع بكذبه لأن العقل
يجوز صدق ناقله (2).
قال المحلي: وهذا مفروض بعد استقرار الأخبار، أما قبل استقرارها كما في عصر الصحابة فيجوز أن يروي أحدهم ما ليس عند غيره كما قاله الإمام الرازي). ومعلوم أن بعض المنسوب إلى النبي - ل - مقطوع بكذبه، أي: في الجملة ولو لم يتشخص لأنه قال: سيكذب على (7)، فإن صح عنه ذلك فلا بد من وقوعه، وإن لم يصح عنه فقد كذب عليه به فلا بد من وقوع الكذب على كلا التقديرين قالوا: ومن المقطوع بكذبه المنقول آحادا فيما تتوفر الدواعي على نقله تواترا كسقوط
(1) القرآن الكريم سورة الأحزاب (مدنية) آية رقم 40. (2) في الآيات البينات، فلا يتجه المخالفة، ج 3 ص 270. (3) ابن قاسم (الآيات البينات) ج 3 ص 270.
(4) المين، الكذب، ابن منظور (لسان العرب) باب النون فصل الميم، ج 13 ص 425، إبراهيم أنيس (المعجم الوسيط) باب الميم، ج 2 ص 0930
(2) ابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 2 ص 117 - 118. (6) المحلي (شرح المحلي على جمع الجوامع) ج 2 ص 118، الرازي (المحصول بشرح النفائس) ج 7 ص 2884. (1) أخرج الحديث الإمام الربيع من طريق جابر بن زيد مرسلا بلفظ ما من نبي إلا وقد كذب عليه من بعده، ألا وسيكذب علي من بعدي كما كذب على من كان قبلي، فما أتاكم عني فأعرضوه على كتاب الله، فما وافقه فهو عني وما خالفه فليس عني، الربيع (الجامع الصحيح حديث رقم 945، ص 260، وذكره احمد محمد شاکر (الباعث الحثيث شرح اختصار علوم الحديث) ج 1 ص 244. (1/379)
صفحة 380
***
فصول الأصول
***
الخطيب عن المنبر وقت الخطبة لمخالفته للعادة خلافا للرافضة (1) في قولهم: لا يقطع بكذبه لتجويز العقل صدقة (2) وقد رووا روايات مكذوبة قطعوا بصدقها، من ذلك ما رووه في إمامة علي بن أبي طالب أنت الخليفة من بعدي (3) شبهوه بما لم يتواتر من المعجزات كحنين الجذع وتسبيح الحصى (4)، قلنا: هذه كانت متواترة، واستغنى عن تواترها إلى الآن بتواتر القرآن فإنه المعجزة الكبرى، بخلاف ما رووا في إمامة علي، فإنه لا يعرف عن غيرهم، فلو كان واقعا لما خفي على أهل بيعة السقيفة لمجمع () من أكابر الصحابة - رضوان الله عليهم. والمقطوع بصدقه كخبر الصادق تعالى لتنزهه عن الكذب، وكخبر رسوله العصمته عن الكذب وبعض الأخبار المنسوبة إليه - ع - وإن كنا لا
(د)
نعلمه على التعيين.
والمتواتر ما رواه جماعة عن جماعة يمتنع تواطؤهم على الكذب عادة، ويفيد العلم مع اجتماع شرائطه.
واختلفوا في عدد جماعة عن جماعة يمتنع تواطؤهم على الكذب عادة، ويفيد العلم مع اجتماع شرائطه.
واختلفوا في عدد الجماعة التي تكفي روايتهم لحد التواتر، قيل: أربعة وأباه القاضي أبو بكر الباقلاني والشافعية، قالوا: لأن الأربعة يحتاجون إلى التزكية، أي: التعديل فيما لو شهدوا بالزنى فقولهم لا يفيد العلم، وتوقفوا في الخمسة هل
(1) الرافضة: فرقة كانت مع زيد بن علي بن الحسين بن علي ابن أبي طالب، فلما عرفوا أنه لا يتبرأ من الخليفتين أبي بكر وعمر رفضوه، فسموا لذلك بالرافضة، البغدادي (الفرق بين الفرق) ص 21، شريف يحيى (معجم الفرق الإسلامية) ص 119.
(2) الجويني (البرهان) ج 1 ص 380، ابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 2 ص 118. (3) الجويني (البرهان) ج 1 ص 380، ابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 2 ص 118. (4) ابن حجر (فتح الباري) ج 6 ص 685.
(2) في ب بمجمع، وكلا التعبيرين سليم.
380 (1/380)
صفحة 381
381
***
فصول الأصول
***
تكفي (1)، قال (2) الاصطخري: (3) أقل عدد جمع التواتر عشرة لأن ما دونها آحاد (4). وقيل: أقله اثنا عشر كعدد النقباء في قوله تعالى: وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَى عَشَرَ نقيبا (5)، وقيل أقله عشرون لقوله تعالى: إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَبِرُونَ يَغْلِبُوا ماتنين (6)، وقيل: أقله أربعون لقوله: لو حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ: الْمُؤْمِنِينَ (7)، وكانوا أربعين بعمر، وكانوا حجة لإظهار الدعوة، وقيل: سبعون كأصحاب موسى؛ لأن الله جعلهم حجة لتبليغ قومهم ما سمعوه، وقيل: ثلاثمائة وثلاثة عشر كعدد أصحاب بدر (8).
(11)
واختلفوا هل يشترط في المتواتر إسلام رواته وعدم احتواء بلد عليهم أم لا؟ وصحح (9) ابن السبكي (10) عدم اشتراط ذلك فقالوا (11): يجوز كونهم كفارا وفي (10) بلد واحد كما إذا أخبر أهل القسطنطينية - مثلا - بقتل ملكهم، فإن الكثرة مانعة
(1) الجويني (البرهان) ج 2 ص 370، الرازي (المحصول بشرح (النفائس ج 6 ص 2845، ابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 2 ص 120.
(2) في ب وقال. (3) الاصطخري، أبو سعيد الحسن بن أحمد بن يزيد، الفقيه الشافعي الاصطخري نسبة إلى اصطخر من بلاد فارس، ولد سنة 244 هـ، تولى القضاء بقم ثم سجستان من مؤلفاته: الأقضية، والفرائض، توفي سنة 328 هـ. ابن خلكان وفيات الأعيان) ج 2 ص 74، الزركلي (الأعلام) ج 2 ص 179.
(4) ابن السبكي، جمع الجوامع بشرح المحلي ج 2 ص 120.
(2) القرآن الكريم سورة المائدة (مدنية) آية رقم 12.
(6) القرآن الكريم سورة الأنفال (مدنية) آية رقم 65. (1) القرآن الكريم سورة الأنفال (مدنية) آية رقم 64.
(8) وذهب إمام الحرمين إلى أن حصول العلم بصدق المخبرين لا يتوقف على عدد محدود، وإنما يثبت ذلك بالقرائن (البرهان) ج 1 ص 374، وحكاه ابن السبكي (الإبهاج) ج 2 ص 290، والزركشي (البحر المحيط) ج 6 ص 96، عن الجمهور، وانظر: الأقوال في المسألة في المراجع السابقة وفي: الرازي (المحصول بشرح النفائس ج 6 ص 2845، وص 2848، الآمدي (الإحكام). ج 2 ص 37، ابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 2 ص 120 السالمي (شرح طلعة الشمس) ج 2 ص 9 - 10. (1) في ب صحح من غير حرف عطف.
(10) في ب السبكي من غير لفظ ابن.
(11) كذا في النسختين، والصواب فقال لأن الضمير عائد إلى ابن السبكي فحسب. (1/381)
صفحة 382
***
فصول الأصول
***
(1)
من التواطئ على الكذب
وقيل: لا يجوز ذلك لجواز تواطئ الكفار وأهل بلد على أمر يرون فيه مصلحة
دنياهم.
قلت: ولأن الكافر لا يكون حجة في شيء من أمور الدين وَلَن يَجْعَلَ اللهُ لِلكَفِرِينَ عَلَى المُؤْمِنِينَ سَبِيلًا) له (2)، ويَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّدِقِينَ (3)، والكافر ليس بصادق لكذبه (4) على الله تعالى بما هو منزه عنه من اتخاذ الصاحبة والولد ونحو ذلك من آباطيلهم فكيف نرضى خبرهم في الدين وهم أعداؤنا، كلا، وهل العلم من الخبر المتواتر. ضروري أم نظري؟ قولان ثالثهما الوقوف عن القول بواحد (ه)، والله
تعالى (1) أعلم.
(1) ابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 2 ص 122، أما إسلام رواته فقد ذهب ابن عبدان من الشافعية إلى اعتبار هذا الشرط فلا يقبل الأخبار من الكفار، وخالفه في ذلك الزركشي وسليم الرازي وأبو الحسين بن القطان، والقفال الشاشي وابن برهان وحكاه الزركشي عن المتأخرين من الأصوليين. الزركشي (البحر المحيط) ج 6 ص 99 - 100، وأما اشتراط احتواء بلد لهم، فذهب الزركشي إلى عدم اشتراطه، وقيل: يشترط ونسبه الزركشي إلى قوم من الأصوليين. الزركشي (البحر المحيط) ج 6 ص 101، وانظر: السالمي (شرح طلعة الشمس) ج 2 ص 11. ا
(2) القرآن الكريم سورة النساء (مدنية) آية رقم 141. (3) القرآن الكريم سورة التوبة (مدنية) آية رقم 119. (4) في ب بكذبه.
(5) قيل ضروري وهو مذهب ابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 2 ص 122، وحكاه الجويني عن الأستاذ أبي إسحاق (البرهان) ج 1 ص 3376 - 378، وعزاه ابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي)
ج 2 ص 122، والفخر الرازي (المحصول بشرح النفائس) ج 6 ص 2814، إلى الجمهور. وقيل: نظري، قال به الكعبي وإمام الحرمين (البرهان) ج 1 ص 376 - 378، والدقاق وأبو الحسين البصري (المعتمد) ج 2 ص 81، الآمدي (الإحكام) ج 2 ص 35.
وقيل بالوقف، وهو مذهب الآمدي (الإحكام) ج 2 ص 15، وحكاه ابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 2 ص 122، الإبهاج) ج 2 ص 286 - 287، والفخر الرازي (المحصول بشرح النفائس) ج 6 ص 2814، عن الشريف المرتضى.
(6) تعالى في ب ساقطة. (1/382)
صفحة 383
383
***
فصول الأصول
***
الفصل الرابع والثمانون
انعقاد الاجماع على وفق خبر لا يدل على صدق ذلك الخبر، وقيل: يدل
اختلفوا فيما إذا انعقد الإجماع على وفق خبر هل يدل على صدق ذلك الخبر في نفس الأمر مطلقا؟ قيل: نعم (1) لا يدل (2)، وهو الصحيح، وثالثها يدل على صدقه إن صرحوا بالاستناد إليه، وتلقوه بالقبول وإلا فلا، لجواز استنادهم إلى غيره مما استنبطوه من القرآن (3). والقائلون بدلالته مطلقا قالوا لأن الظاهر استنادهم إليه حيث لم يصرحوا بذلك لعدم ظهور مستند غيره، ووجه دلالة استنادهم إليه على صدقه أنه لو لم يكن حينئذ صدقا لكان استنادهم إليه خطأ وهم معصومون عن الخطأ. قلنا: لا نسلم الخطأ حينئذ لأنهم ظنوا صدقه وهم إنما أمروا بالاستناد إلى ما ظنوا قه فاستنادهم إليه إنما يدل على ظنهم صدقه، ولا يلزم من ظنهم الصدق صدقه في نفس الأمر. وإذا افترق العلماء في خبر هذا محتج به، وهذا مؤول له فلا يدل ذلك الافتراق على صدق الخبر (4). وقال قوم: يدل على صدقه () لأنهم اتفقوا على قبوله حينئذ، وأجيب بأن الاتفاق
على قبوله إنما يدل على ظنهم صدقه، فلا يلزم من ذلك صدقه في نفس الأمر.
(1) قال به جماعة من المعتزلة كأبي هاشم وأبي عبد الله البصري، وهو قول أبي الحسن الكرخي، الآمدي (الإحكام) ج 2 ص 57، ابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 2 ص 125، الزركشي (البحر المحيط) ج 6
ص 404، أمير باد شاه (تيسير التحرير) ج 3 ص 80، الأنصاري (فواتح الرحموت) ج 2 ص 125. (2) قال به الآمدي (الاحكام) ج 2 ص 57، وصححه ابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 2 ص 125، وحكاه أمير باد شاه عن جمهور (تيسير التحرير) ج 3 ص 80، وانظر: الزركشي (البحر المحيط) ج 6 ص 404.
(3) حكاه ابن السبكي (ابن السبكي، جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 2 ص 125. (4) قال به الآمدي (الاحكام) ج 2 ص 57، وابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 2 ص 126، وحكاه الصفي الهندي عن الأكثرين. الزركشي (البحر المحيط) ج 6 ص 115. (2) قال الزركشي: وظاهر كلام الشيخ في اللمع يقتضي أنه يفيد القطع فإنه قال: خبر الواحد إذا تلقته الأمة بالقبول يقطع بصدقه سواء عمل الكل به أو البعض وتأوله البعض وتبعه ابن السمعاني. الزركشي (البحر المحيط) ج 6 ص 115، الشيرازي (اللمع) ص 70. (1/383)
صفحة 384
***
فصول الأصول
***
والصحيح أن المخبر بحضرة جماعة لم يكذبوه ولا حامل على سكوتهم عن تكذيبه كخوف منه أو طمع فيه أنه صادق فيما أخبر به؛ لأن سكوتهم تصديق له في العادة فيكون الخبر صدقا (1).
وقيل: لا يلزم من سكوتهم تصديقه (2): لأن السكوت عن شيء محتمل جائز في الأصل، وكذا إن أخبر مخبر في حضرة النبي - صلى الله عليه وسلم - بحيث يسمعه، فلم ينكر عليه، ولم يكن هنالك أمر يحمل النبي - ع - على السكوت على السكوت عنه، ولا حامل يحمل المخبر على الكذب، فهو صادق فيما أخبر به كان من أمر الدين أو من أمر الدنيا؛ لأنه - - لا يقر أحدا على كذب (3). وقال الآمدي وابن الحاجب: لا يدل سكوت النبي - م - على صدق المخبر)، أما في الديني فإنه يجوز أن يكون النبي بينه أو أخر بيانه بخلاف ما أخبر به المخبر، وأما في الدنيوي فلجواز أن لا يكون النبي – صلى الله عليه وسلم – يعلم حاله كما في لقاح النخل روى البخاري ومسلم عن أنس أنه - - مر بقوم يلحقون النخل فقال (ه): لو لم تفعلوا الصلح قال: فخرج شيصا (6) فمر بهم فقال:
(1) قال به الشيرازي (اللمع) ص 70، والغزالي (المستصفى) ج 1 ص 141، وابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 2 ص 126 - 127، الكمال التحرير بشرح التيسير) ج 3 ص 80، وابن عبدالشكور (مسلم الثبوت بشرح الفواتح ج 2 ص 125. (2) قال به الآمدي (الاحكام) ج 2 ص 5756، وعزاه ابن النجار إلى ابن مفلح من الحنابلة (شرح الكوكب المنير) ج 2 ص 354. (3) وهو قول الشيرازي (اللمع) ص 70، والغزالي (المستصفى) ج 1 ص 141، وابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 2 ص 127. (4) وقال به ابن عبدالشکور (مسلم الثبوت بشرح النفائس) ج 2 ص 125، وقال ابن النجار، وهو ظاهر كلام أصحابنا، أي: الحنابلة (شرح الكوكب المنير) ج 2 ص 353، ابن الحاجب (مختصر المنتهى بشرح العضد) ج 2 ص 57، الآمدي (الإحكام) ج 2 ص 55 - 56.
(د) في ب قال من غير الفاء العاطفة. (6) الشيص، رديء التمر، وقيل: البسر الرديء إذا يس صار حشفا، وقيل: أردأ البسر. ابن منظور (لسان العرب) باب الصاد، فصل الشين، ج 7، ص 50، النووي (شرح صحيح مسلم) ج 15 ص 127.
(7) في ب قال من غير الفاء العاطفة.
384 (1/384)
صفحة 385
385
***
فصول الأصول
***
ما لنخلكم؟ قالوا: قلت: لنا كذا وكذا، قال: أنتم أعلم بأمر دنياكم). وأما مظنون الصدق كخبر (2) الواحد وهو ما لم ينته إلى التواتر كان روايه واحدا أو أكثر سواء أفاد علما بقرائن منفصلة عنه أو لم يفد، ومنه المستفيض وهو الشايع عن أصل، وقد يسمى المستفيض مشهورا، وأقل رواته اثنان، وقيل: ثلاثة فأكثر، وعندنا أن الآحاد من حيث هو لا يفيد علما على الصحيح، وأما المستفيض لملحق بالمتواتر، والله تعالى (3) أعلم.
(1) الحديث أخرجه مسلم (صحيح مسلم بشرح النووي كتاب الفضائل، باب وجوب امتثال ما قاله شرعا دون ما ذكره - صلى الله عليه وسلم - من معايش الدنيا على سبيل الرأي، حديث رقم 2363 ج 158 ص 126، وابن ماجة (سنن ابن ماجة كتاب الرهون، باب تلقيح النخل، حديث 2470، ج 3 ص 175. (2) كذا في النسختين، والصواب فخبر كما في جمع الجوامع. ابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 2 ص 129، لأن الفاء رابطة لجواب الشرط، أما على كلام المنصف كخبر فإن الكلام لا يكون تاما
لفقدان جواب الشرط.
(3) تعالى ساقطة من ب. (1/385)
صفحة 386
***
فصول الأصول
***
الفصل الخامس والثمانون
في الكلام على خبر الآحاد وحكمه
اعلم أن الأمة اختلفت في خبر الواحد (1) اختلافا كثيرا منها ما حكاه ابن (2) السبكي في جمع الجوامع وتبعه شارحه المحلي أن خبر الواحد لا يفيد العلم إلا بقرينة كما في إخبار الرجل بموت ولده المشرف على الموت مع قرينة البكاء وإحضار الكفن والنعش (3). وقال الأكثر: لا يفيد علما مطلقا، وما ذكر من القرينة يوجد مع الإغماء ونحوه (4).
(1) خبر الاحاد هو كل ما لا يفيد القطع. الزركشي (البحر المحيط) ج 4 ص 255.
(2) ابن في ب ساقطة.
(3) وعزاه ابن النجار إلى الموفق ابن قدامة وابن حمدان والطوفي شرح الكوكب المنير) ج 2 ص 348، لكن في نسبته إلى الطوفي نظر، فإن ظاهر كلامه أنه يفيد الظن مطلقا حيث قال بعد كلام وإذا كانت خطبة حجة الوداع لم يحصل العلم بوقوعها، بل هي في عداد الآحاد مع وقوعها بين العالم المجتمعين في الحج فما الظن ببقية الأخبار التي لم يسمها إلا الواحد والاثنان (شرح مختصر (الروضة) ج 2 ص 111، فظاهر هذا الكلام أن خبر الآحاد يفيد الظن، ولم يتعرض لذكر القرينة، التي تجعله يبلغ مرتبة العلم، وقد قال بهذا القول – أي يفيد العلم بقرينة - الآمدي وعزاه إلى النظام (الإحكام) ج 2 ص 48، وابن الحاجب (مختصر المنتهى بشرح العضد) ج 2 ص 55، والكمال التحرير شرح التفسير) ج 3 ص 76، وانظر: ابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 2 ص 130. (4) وحكاه ابن القصار عن الإمام مالك وجميع الفقهاء (المقدمة في أصول الفقه) ص 67، وحكاه كل من الصنعاني (إجابة السائل) ص 102، والشوكاني (إرشاد الفحول ص 48، والشنقيطي (نثر الورود) ج 1 ص 386 عن الجمهور، وانظر: الشيرازي (التبصرة) ص 298، ابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 2 ص 130، الزركشي (البحر المحيط) ج 6 ص 134، ابن النجار (شرح الكوكب المنير) ج 2 ص 348، أمير باد شاه (تيسير التحرير) ج 3 ص 76.
386 (1/386)
صفحة 387
387
***
فصول الأصول
***
وقال الإمام أحمد: يفيد العلم مطلقا بشرط العدالة (1)؛ لأنه حينئذ يجب العمل به كما سيأتي، وإنما يجب (2) العمل بما يفيد العلم لقوله تعالى: {وَلَا نَقْفُ مَا لَيْسَ لكَ بِهِ عِلمه (3) إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ (4)، قال: نهى عن اتباع غير العلم، وذم على اتباع الظن، وأجيب بأن ذلك فيما المطلوب فيه العلم من أصول الدين كوحدانية الله تعالى وتنزيهه عما لا يليق به لما ثبت من العمل بالظن في الفروع. إسحاق الإسفراييني وابن فورك (5)، إن المستفيض يفيد علما نظريا))
وقال
قال المحلي: جعلاه واسطة بين المتواتر المفيد للعلم الضروري والآحادي) المفيد
(1) قال الطوفي، وهو من علماء الحنابلة: وعن أحمد في حصول العلم به - أي بخبر الآحاد - قولان الأظهر لا يحصل به العلم، وهو قول الأكثرين، الطوفي شرح مختصر الروضة) ج 2 ص 103. هذا وقد نسب الأمين الشنقيطي هذا القول – أي إفادة خبر الآحاد العلم – إلى ابن خويز منداذ (نثر الورود) ج 1 ص 386، وحكاه الآمدي عن بعض أهل الظاهر (الإحكام) ج 2 ص 48، وقد قال بن ابن حزم، وحكاه عن الحارث بن أسد المحاسبي والحسين بن علي الكرابيسي (الإحكام) ج 1 ص 103، لكن الزركشي تعقبه بأن في حكايته عن الحارث نظرا حيث قال الزركشي: فإني رأيت كلامه في كتاب فهم السنن نقل عن أكثر أهل الحديث وأهل الرأي والفقه أنه لا يفيد العلم، ثم قال - أي الحارث وقال أقلهم: يفيد العلم ولم يختر شيئا واحتج بإمكان السهو والغلط من نافله (البحر المحيط) ج 6 ص 134135، وعزاه الإمام الجويني إلى الحشوية من الحنابلة وكتبة الحديث، وقد شدد النكير عليهم (البرهان) جا ص 392، وحكاه ابن خويز منداذ. عن الإمام مالك، وتعقبه المازري قائلا: لم يعثر لمالك على نص فيه، ولعله رأى مقالة تشير إليه ولكنها متأولة. الزركشي (البحر المحيط) ج 6 ص 134 - 135، وقد ذكرت سابقا كلام الشيخ سعيد القنوبي في نسبة هذا القول - إفادة خبر الواحد العلم – إلى الإمامين أحمد بن حنبل ومالك بن أنس، فيراجع ص 55.
(2) في ب يوجب. (3) القرآن الكريم سورة الإسراء (مكية) آية رقم 36.
(4) القرآن الكريم سورة الأنعام (مدنية) آية رقم 116.
(د) ابن فورك: أبو بكر محمد بن الحسن بن فورك الأصبهاني الحنفي، من علماء الفقه وأصوله، وعلم الكلام واللغة، أقام بالعراق ثم ورد الري، سمع من عبد الله بن جعفر الأصبهاني مسند الطيالسي، وأخذ عنه أبو بكر البيهقي وأبو القاسم القشيري، توفي سنة 406 هـ. ابن خلكان (وفيات الأعيان) ج 4 ص 272. ابن السبكي (طبقات الشافعية) ج 4 ص 127، قطلوبغا (تاج التراجم) ص 213.
(6) ابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 2 ص 130، ابن النجار (شرح الكوكب المنير) ج 2 ص 347. (2) في أ الآحاد من غير واو العطف.
" (1/387)
صفحة 388
***
فصول الأصول
***
(0)
للظن، وقد مثله الأستاذ بما يتفق عليه أئمة (1) الحديث، وإنما (2) يقيد الواحد بالعدل كما قيده به ابن الحاجب (3) وغيره؛ لأنه لا حاجة إليه على الأول حيث يفيد العلم لأن التعويل فيه على القرينة، ولا على الثاني كما هو ظاهر وإن احتج إليه على الثالث كما تقدم، وكذا على القول الرابع فيما يظهر كما يحتاج إليه حيث يقال: يفيد الظن (4)، فالأولون جعلوا المستفيض في حكم الآحاد، والإسفراييني وابن فورك جعلاه دون المتواتر وفوق الآحاد، وألحقه بعضهم بالمتواتر فأعطاه حكمه، وهو ما نقل آحادا في عصر الصحابة والتابعين، ثم استفاض وشهر بعد القرن الثالث وتلقته الأمة بالقبول، والله أعلم. واعلم أن الصحيح عندنا أن خبر الآحاد يوجب العمل دون العلم، ووجوب العمل به ثابت بالعقل والنقل، أما بالعقل فإن من قدم إليه طعام – مثلا – وأخبره من يغلب في ظنه صدقه ان في الطعام سما فإذا أقدم على أكله مع غلبة ظنه صدق مخبره استحق الذم قطعا، وذلك هو معنى الوجوب، وأما ثبوته بالنقل فإنه علم من تواتر الأخبار أن النبي - ل - كان يبعث السعادة والعمال إلى الجهات النازحة ليبلغوا عنه الناس ما يجب عليهم من أمور دينهم المالية والبدنية وألزمهم قبول أخبارهم، وأن العمل بخبر الواحد قد شاع وذاع بين الصحابة والتابعين، وكانوا يرجعون إليه ويحكمون به في فروع الشريعة، وذلك أشهر من أن يذكر، فمن ذلك خبر عبدالرحمن بن عوف (6) حين تحيروا في المجوس فقال عمر: ما أدري ما أصنع في أمر المجوس وكثر سؤاله عن ذلك حتى روى عبدالرحمن بن عوف عنه - - أنه
(1) في ب أيمة. (2) كذا في النسختين والصواب وإنما لم يقيد كما في شرح المحلي (شرح) المحلي على جمع الجوامع) ج 2 ص 130، لأن السياق يدل عليه.
(3) ابن الحاجب (مختصر) المنتهى بشرح العضد) ج 2 ص 55.
(4) المحلي (شرح المحلي على جمع الجوامع) ج 2 ص 130.
(5) السالمي (شرح طلعة الشمس) ج 2 ص 15، القنوبي (السيف الحاد) ص 2. (6) عبدالرحمن بن عوف عبد عوف القرشي أبو محمد، ولد بعد الفيل بعشر سنين، وكان من السابقين في الإسلام، هاجر الهجرتين، وشهد بدرا وسائر المشاهد، توفي سنة 32 هـ. ابن حجر (الإصابة) ج 4
ص 290، ابن العماد (شذرات الذهب) ج 1 ص 194. (1/388)
صفحة 389
389
***
فصول الأصول
***
قال (1): سنوا بهم سنة أهل الكتاب غير آكلي ذبائحهم ولا ناكحي نسائهم (2)، وترك عمر بن الخطاب مذهبه وهو المفاضلة بين الأصابع في الدية، ورجع إلى التسوية فيها لكتاب عمرو بن حزم (3) (4).
وكذا عمل بكتاب عمرو بن حزم في زكاة المواشي وتفاصيلها (5) إلى مالا يحصى من أخبار الصحابة والتابعين على قبول خبر الواحد والعمل به، فمنهم العامل به ومنهم الساكت والمصوب، فكان ذلك حجة منهم.
لا يقال: كما قبلت أخبار عندهم فقد ردت أخبار – أيضا – فإن عمرو رد خبر فاطمة بنت قيس (6) ورد أبو بكر خبر عثمان في قضية الطريد) وعلي رد خبر سيار
(1) في ب قالوا.
(2) الحديث أخرجه البيهقي (السنن الكبرى كتاب الجزية، باب المجوس أهل الكتاب والجزية تؤخذ منهم، ج 9 ص 189، وذكره ابن حجر في تلخيص الحبير (تلخيص الحبير) حديث 1532، ج 4 ص 214، ابن حجر (الإصابة) ج 4 ص 511. (3) عمر بن حزم بن زيد الأنصاري، أبو الضحاك، شهد الخندق وما بعدها واستعمله النبي - ه - على نجران، توفي بعد الخمسين من الهجرة، ابن الأثير (أسد الغابة) ج 4 ص 214، ابن حجر (الاصابة) ج 4 ص 511. (4) أخرجه الإمام مالك فى الموطأ ونص الكتاب أن في النفس مائة من الإبل، وفي الأنف إذا أوعبت جدعا مائة من الإبل، وفي الجائفة ثلث النفس، وفي المأمومة مثلها، وفي العين خمسين، وفي اليد خمسين وفي الرجل خمسين، وفي كل أصبع مما هنالك عشر من الإبل، وفي السن خمس من الإبل، وفي الموضحة خمس من الإبل، مالك (موطأ الإمام مالك) كتاب الديات، حديث 662، ج 3 ص ه، النسائي (سنن النسائي بشرح السيوطي) كتاب القسامة، باب ذکر حديث عمرو بن حزم، ج 4 ص 57، وينظر: ابن (فتح الباري) ج 12 ص 235، حديث صحيح، الألباني (ارواء الغليل) ج 7 ص 300. (5) أخرجه ابن حبان (صحيح ابن حبان بترتيب ابن بلبان) کتاب التاريخ، باب " النبي - - حديث 6559، ج 14 ص 501، وينظر: عواد معروف (المسند (الجامع حديث 10733، ج 14 ص 120، حديث ضعيف، الألباني (ارواء الغليل ج 7 ص 300.
حجر
،،
(6) فاطمة بنت قيس بن خالد القرشية، اخت الضحاك بن قيس، كانت من المهاجرات الأول، وكانت عند أبي بكر بن حفص، فطلقها فتزوجت بعده أسامة بن زيد، ولما طلبت النفقة من وكيل زوجها قال لها النبي - -: ليس لك عليه نفقة ثم أمرها أن تعتد في بيت أم شريك ثم عند ابن أم كلثوم البخاري (صحيح البخاري بشرح الفتح كتاب الطلاق، باب قصة فاطمة بنت قيس، حديث 5322، ج 9، ص 387، ومسلم (صحيح مسلم بشرح النووي) كتاب الطلاق، باب المطلقة ثلاثا لا نفقة لها، حديث 1480، ج 10 ص 80، أبو نعيم الأصفهاني (حلية الأولياء) ج 7 41، ابن حجر (فتح الباري) ج 9 ص 391، القطب (شرح النيل) ج 7 ص 397. (1) الطريد هو الحكم ابن أبي العاص الأموي، وهو عم. عثمان بن عفان، أسلم يوم الفتح، وسكن المدينة، ثم نفاه إلى الطائف ثم أعاده في خلافته إلى المدينة، وكان قد طلب من أبي بكر الصديق ثم عمر بن الخطاب أن يراده فلم يلبيا طلبه، فرده بنفسه، وتوفي - الحكم - سنة 32 هـ في خلافة عثمان، ابن الأثير (أسد الغابة) ج 2 ص 37، ابن حجر (الإصابة) ج 2 ص 104، ابن العربي (العواصم من القواصم) ص 77، ويقال: ان عثمان بن عفان كان استأذن النبي - - فيه وقال: كنت شفعت فيه فوعدني برده، ابن - حجر (الاصابة) ج 2 ص 106.
ص.
النبي- (1/389)
صفحة 390
***
فصول الأصول
***
الأشجعي (1) في بروع بنت واشق (2)، فإنا نقول إنما ردت هذه الأخبار لشك في صدق بعضها ولكون بعضها معارضا لنص الكتاب كما في قول عمر في خبر فاطمة: لا نترك كتاب ربنا لقول امرأة لا ندري أصدقت أم كذبت (3)، وإنما فرضنا صحة الأخذ بالآحاد فيما إذا لم يكن معارضا لشيء من الأدلة القطعية التي هي أقوى منه، ولم يكن شك في أحد من رواته، والصحيح ما قدمناه من وجوب الأخذ بالآحاد في العمليات دون ما يطلب فيه من مسائل الاعتقاد، والله تعالى (4) أعلم.
(1) كذا في النسختين، ولعل الصواب معقل بن سنان الأشجعي كما في الترمذي وأبي داود والنسائي، فقد ذكروا في الرواية معقل بن سنان ولم يذكروا سيارا، كما أني لم أجد ترجمة لهذا الاسم، أما معقل فهو: معقل بن سنان ابن مظهر الأشجعي، كنيته أبو عبدالرحمن، شهد فتح مكة، وأقام في المدينة، وكان فاضلا نقيا، روى عنه الأسود بن يزيد النخعي والحسن البصري ومسروق بن الأجدع وآخرون، توفي سنة 63 هـ. ابن الأثير (أسد الغابة) ج 5 ص 130، المزني (تهذيب الكمال ج 28 ص 273، وقد نص ابن الأثير والمزني على أن معقلا هو الذي روى خبر فاطمة بنت قيس انظر المرجعين السابقيين) وينظر هامش رقم (1) الآتي. (2) بروع بنت واشق الرؤاسية أو الأشجعية، زوج هلال بن مرة، أخرج خبرها ابن أبي عاصم من طريق المثنى بن الصباح عن عمرو ابن شعيب عن سعيد بن المسيب عن بروع بنت واشق أنها نكحت رجلا وفوضت إليه، فتوفيت قبل أن يجامعها، فقضي لها رسول الله - ع - بصادق نسائها، وعليها العدة ولها الميراث، أبو داود (سنن أبي داود كتاب باب فيمن تزوج ولم يسم صداقا حتى مات، حديث 2114 ج 2 ص 237، الترمذي (سنن الترمذي) كتاب النكاح، باب ما جاء في الرجل يتزوج المرأة فيموت عنها قبل ان يفرض لها، حديث 1145، ج 3 ص 450، الحاكم (المستدرك) كتاب النكاح، ج 2 ص 180 (الإصابة) ج 2 ص 49، النسائي (السنن الكبرى كتاب النكاح، باب إباحة التزوج بغير صداق، حديث 15516، ج 3 ص 316، دار الكتب العلمية، بيروت ط 1 ص 1411 هـ.
(3) النووي (شرح النووي على صحيح مسلم) ج 10 ص 80 - 81، ابن حجر العسقلاني (فتح الباري) ج 9
ص 391.
(4) تعالى في ب ساقطة. (1/390)
صفحة 391
391
***
فصول الأصول
***
الفصل السادس والثمانون
إذا كذب الأصل الفرع في روايته عنه
إذا روى الراوي حديثا عن را و غيره فكذب الأصل الفرع فيما رواه عنه كقوله: ما رويت له هذا، هل يسقط الحديث المروي بذلك؟ ذهب ابن) السبكي إلى عدم سقوطه تبعا للسمعاني وغيره (2).
قالوا: لأنه يحتمل نسيان الأصل لروايته بعد أن رواها للفرع فلا تجريح لواحد منهما، وذهب الإمام الرازي إلى أن تكذيب الأصل للفرع قادح في الرواية ومبطل لها (3).
احتج أرباب القول الأول بأن الأصل والفرع لو اجتمعا في شهادة قبلا، ولم
تسقط عدالتهما، فإبقاء العدالة فيهما مثبت (4) لروايتهما ومؤيد لقبولها (5). واحتج القائلون بالإسقاط أنه لا بد أن يكون أحدهما كاذبا، ويحتمل أن يكون هو الفرع فلا يثبت مرويه ولا ينافي هذا قبول شهادتهما في قضية لأن كلا منهما يظن انه صادق، والكذب على النبي - ل - الذي يؤول إليه الأمر في ذلك على تقدير إنما يسقط العدالة إذا كان عمدا.
قال الكوراني: إن تعليلهم (6) بقبول شهادتهما إذا اجتمعا في قضية ليس بسديد لأن (1) عدالتهما المحققة لا تزول بالشك، فقبول قولهما في تلك الشهادة لا يستلزم
(1) ابن في ب ساقطة.
(2) ابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 2 ص 137، الزركشي (البحر المحيط) ج 6 ص 236 - 237. (3) وعزا افمام الجويني هذا القول إلى المحدثين (البرهان) ج 1 ص 417، وهو قول عند الحنفية، السرخسي (أصول السرخسي) ج 2 ص 3، أمير باد شاه (تيسير التحرير) ج 3 ص 107، الأنصاري (فواتح الرحموت) ج 2 ص 170، الرازي (المحصول) ج 420 - 421.
(4) في ب زيادة له.
(د) في ب لقبوله وهو خطأ لأن الضمير عائد إلى الرواية.
(6) بداية كلام الكوراني: قوله والحق ما ذهب إليه المصنف لكن تعليله - يعني ابن السبكي - بقبول شهادتهما،
ابن قاسم (الآيات البيانات) ج 3 ص 301.
(1) كلام الكوراني: لأنا قد ذكرنا أن عدالتهما المحققة (المرجع السابق). (1/391)
صفحة 392
***
فصول الأصول
***
قبوله في الخبر الذي أحدهما كاذب فيه قطعا، فالفرق واضح (1)، وأما إن شك الأصل في أنه رواه للفرع أو ظن أنه ما رواه له، والفرع جازم بروايته عنه وهو عدل
فالقبول للخبر أولى، وعلى قبوله أكثر العلماء بخلاف ما جزم الأصل بنفيه (2). قال في المحصول ما معناه: إذا جزم الأصل بنفي الرواية تعين الرد، وإن قال: لا أحفظها أو لا أعلم أني رويت هذا الخبر تعارضا، يعني: الأصل والفرع، والأصل العدم، يعني عدم القبول، والأشبه القبول (3).
والصحيح في المسألة ما قدمناه أن الرواية لا تقبل إن جزم الأصل بنفيها، وإن شك أو قال: لا أدري،، قبلت لاحتمال النسيان.
والأصل الثبوت، فلا يزيله الشك، والله أعلم، وزيادة العدل فيما رواه على راو غيره مقبولة إن لم يعلم اتحاد المجلس بأن علم تعدده لجواز أن يكون النبي - - ذكرها في مجلس وسكت عنها في آخر، وكذا إن لم يعلم تعدده ولا اتحاده لأن الغالب في مثل ذلك التعدد، وإن علم اتحاد المجلس فقيل: بالقبول (4)، وقيل بعدمه ()، وقيل بالوقف (6)، وقال بعضهم: إن كان الذي (7) لم تثبت الزيادة عنده لا يغفل (8) مثله عن مثل تلك الزيادة عادة لم تقبل الزيادة من الزائد، وإن عرف بالغفلة عادة قبلت (1).
(1) ابن قاسم (الآيات البينات) ج 3 ص 301. (2) الغزالي (المستصفى) ج 1 ص 167، الآمدي (الإحكام) ج 2 ص 118، ابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 2 ص 140، الزركشي (البحر المحيط) ج 1 ص 221، ابن النجار (شرح الكوكب المنير) ج 2 ص 537. (3) الرازي (المحصول) ج 4 ص 421. (4) حكاه ابن السبكي (ابن السبكي، جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 2 ص 141. (د) عزاه ابن السمعاني إلى بعض أهل الحديث، وحكاه القاضي عبدالوهاب عن أبي بكر الأبهري وغيره من أصحابه المالكية، الزركشي (البحر المحيط) ج 6 ص 236.
(6) حكاه الصفي الهندي وابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 2 ص 141، الزركشي (البحر المحيط) ج 6 ص 236. (7) في بلا. (8) في ب يفضل ولا معنى لها في هذا المحل.
(9) هو قول الفخر الرازي (المحصول) ج 4 ص 473، والآمدي (الاحكام) ج 2 ص 121، وابن الحاجب (مختصر المنتهى بشرح العضد) ج 2 ص 71، وابن السبكي وحكاه عن ابن السمعاني (جمع الجوامع بشرح المنتهى بشرح العضد) ج 2 ص 71، وابن السبكي وحكاه عن ابن السمعاني (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 2 ص 141، والكمال بن الهمام وحكاه عن الجمهور من الفقهاء والمحدثين والمتكلمين، وتابعه الشارح على الحكاية التحرير بشرح التيسير) ج 3 ص 109.
392 (1/392)
صفحة 393
393
***
فصول الأصول
***
وقال بعضهم: إن كان تتوافر الدواعي على نقل تلك الزيادة فلم تنقل لم تقبل وإلا قبلت (1).
والذي عليه اكثر الأصوليين واختاره شيخنا السالمي أن زيادة الثقة مقبولة مطلقا ما لم يقم دليل الغفلة من الرواي (2)؛ لأن المعتبر في قبول رواية الراوي عدالته فإذا ثبتت العدالة وجب القبول، والله تعالى (3) اعلم.
(1) قال به ابن السبكي والسمعاني (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 2 ص 141، وحكاه البرماوي عن جمهور الفقهاء والمحدثين، ابن النجار (شرح) الكوكب المنير) ج 2 ص 543.
(2) وحكاه الغزالي عن الجمهور (المستصفى) ج 1 ص 168، وانظر: ابن القصار (المقدمة في أصول الفقه) ص 92، ابن حزم (الإحكام) ج 2 ص 216، الجويني (البرهان) ج 1 ص 424، الزركشي (البحر المحيط) ج 6 ص 234، ابن النجار (شرح) الكوكب المنير) ج 2 ص 543، السالمي (شرح طلعة الشمس)
ج 2 ص 27.
وفي المسألة أقوال أخرى منها (1) لا تقبل الزيادة إلا إذا أفادت حكما شرعيا، حكاه ابن القشيري (2) عكسه أي أنه تقبل إذا كانت الزيادة لفظية لا تتضمن حكما زائدا، حكاه ابن القشيري (3) تقبل بشرط أن يكون راويها حافظا، قال به الصيرفي. الزركشي البحر المحيط) ج 6 ص 238. (3) تعالى في ب ساقطة. (1/393)
صفحة 394
***
فصول الأصول
***
الفصل السابع والثمانون
في الكلام على حذف بعض المتن أو السند وحمل الراوي مرويه على أحد وجوهه جاز حذف البعض من الحديث عند أكثر العلماء إلا أن يكون المذكور متعلقا بالبعض المحذوف فلا يجوز حذفه حينئذ اتفاقا، لأن الحذف - هنا - مخل بالمعنى المقصود ككون المحذوف غاية أو مستثنى كحديث الصحيحين أنه - - نهى عن بيع الثمرة حتى تزهو (1) وكحديث: لا تبيعوا الذهب بالذهب ولا الورق بالورق إلا وزنا بوزن مثلا بمثل سواء بسواء (2)، ففي مثل هذا يكون الحذف مفسدا للمعنى (3)، بخلاف ما لا تعلق به فيجوز حذفه لأنه كخبر مستقل، وقيل لا يجوز لاحتمال أن يكون للظن فائدة تفوت بالتفريق (4) قال المحلي: وهذا قريب من منع الرواية بالمعنى. أهـ (ه).
وإذا حمل الصحابي قيل: أو التابعي مرويه على أحد وجهيه المتنافيين أو وجوهه المتنافية. كان يحمل لفظ القرء - مثلا - على الطهر أو الحيض. (1) أخرجه البخاري بلفظ: أن رسول الله - نهى أن تباع ثمرة النخل حتى تزهو (صحيح البخاري بشرح الفتح كتاب البيوع، باب بيع الثمار قبل أن يبدو صلاحها، حديث رقم 2195، ج 4 ص 460، ومسلم (صحيح مسلم بشرح النووي كتاب البيوع، باب النهي عن بيع الثمار قبل بدو صلاحها بغير شرط القطع، حديث رقم 1534، بلفظ: أن رسول الله - - نهى عن بيع الثمر حتى يبدو صلاحها ج 10 ص 434، وابن ماجة (سنن ابن ماجة) المعجم التجارات، باب النهي عن بيع الثمار قبل أن يبدو صلاحها، حديث 2214، ج 3 ص 44.
(2) أخرجه البخاري بلفظ لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا سواء بسواء، والفضة بالفضة إلا سواء بسواء، البخاري (صحيح البخاري بشرح (الفتح كتاب البيوع باب بيع الذهب بالذهب، حديث رقم 2175، ج 4 ص 443، ومسلم بلفظ: لا تبيعوا الذهب بالذهب ولا الورق بالورق إلا وزنا بوزن مثلا بمثل سواء بسواء، مسلم (صحيح مسلم بشرح (النووي كتاب المساقاة، باب الربا حديث رقم 1584، ج 11 ص 13، والربيع بن حبيب الجامع الصحيح) باب في الربا والانفساخ والغش، حديث رقم 575، ص 229، وأخرجه ابن ماجة (سنن ابن ماجة) بشرح السندي، المعجم التجارات باب الصرف وما لا يجوز متفاضلا يدا بيد، حديث رقم 2254، ج 3 ص 62، وأبو داود (سنن أبي داود) كتاب البيوع باب في الصرف، حديث رقم 3348، ج 2 ص 121، والترمذي (سنن الترمذي) كتاب البيوع، باب ما جاء في الصرف، حديث رقم 1244، ج 3 ص 542 - 543. (3) في ب بالمعنى.
ماج
(4) حكاه الإمام السالمي عن بعض أهل الحديث (شرح طلعة الشمس) ج 2 ص 28 - 29، وينظر: الشيرازي (اللمع) ص 77، الزركشي (البحر المحيط) ج 6 ص 279، العراقي (التبصرة والتذكرة) ج 2 ص 171.
(2) المحلي (شرح المحلي على جمع الجوامع) ج 2 ص 145. (1/394)
صفحة 395
395
***
فصول الأصول
***
قال ابن (1) السبكي: فالظاهر حمله على ما حمله عليه راويه لأن الظاهر أنه إنما حمله عليه لقرينة (2).
وتوقف فيه أبو إسحاق الشيرازي قال: وعندي فيه نظر (3) أي: لاحتمال أن يكون حمله (4) الموافقة رأيه لا لقرينة قالوا: وإنما لم يجعل الأكثر التابعي كالصحابي في الحمل لأن ظهور القرينة للصحابي أقرب وإن كان لم يجعل الأكثر التابعي كالصحابي في الحمل لأن ظهور القرينة للصحابي أقرب، وإن كان اللفظ يحتمل وجهين غير متنافيين فحكمه حكم المشترك في حمله معنييه أو معانيه على الراجح فيه كما تقدم، فيحمل المروي على محمليه كذلك، ولا يقصر على محمل الراوي إلا على القول بأن مذهب الراوي مخصص للعموم ومبين للمجمل لأن حكم المشترك حكم المجمل، أما إن حمل الراوي مرويه على غير ظاهره، كان يحمل اللفظ على المعنى المجازي دون الحقيقي، أو الأمر على الندب ون الوجوب فأكثر العلماء على اعتبار الظاهر من المروري، ولذا قال الشافعي: كيف أترك الحديث بقول من لو عاصرته لحججته؟ (5).
وقيل: يحمل على تأويل راويه مطلقا: (6) لأنه لا يفعل ذلك إلا لدليل، قلنا: إنما فعله لدليل في ظنه وليس لغيره اتباعه في ظنه.
(1) ابن في ب ساقطة. (2) وحكاه ابن النجار عن الحنابلة، ابن النجار (شرح الكوكب المنير) ج 2 ص 557، وقال به ابن عبدالشکور (مسلم الثبوت بشرح النفائس ج 2 ص 162، وحكاه الزركشي عن جمهور الشافعية (البحر المحيط) ج 6 ص 287، وانظر: ابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 2 ص 145، أما المشهور عن الحنفية فعدم الحمل. أمير باد شاه تيسير التحرير) ج 3 ص 71.
(3) لم أجد هذا الكلام في التبصرة أو شرح اللمع، وقد نقله المؤلف عن شرح المحلي (شرح المحلي على جمع الجوامع) ج 2 ص 145. (4) في ب جملة ولا معنى لها في هذا المكان.
(2) الآمدي (الإحكام) ج 3 ص 128، القرافي (شرح تنقيح الفصول) ص 371، ابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 2 ص 146، الزركشي (البحر المحيط) ج 6 ص 290، ابن النجار (شرح الكوكب المنير) ج 2 ص 560، الأنصاري (فواتح الرحموت) ج 2 ص 163.
(6) وقال به اكثر الحنفية، أمير بادشاة (تيسير التحرير) ج 3 ص 71 - 72، الانصاري (فواتح الرحموت) ج 1 ص 163، وهي رواية عن الإمام أحمد، ابن النجار (شرح الكوكب المنير) ج 2 ص 561، وانظر: ابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 2 ص 146. (1/395)
صفحة 396
***
فصول الأصول
***
وقال بعضهم: يحمل على تأويله إن صار إلى ذلك التأويل لعلمه بقصد النبي إليه من قرينة شاهدها (1)، وأجيب بأن علمه ذلك من القرينة ظني – أيضا-
ليس لغيره اتباعه فيه لأن المجتهد لا يقلد مجتهدا.
أما إن ذكر دليلا شرعيا على ان هذا المعنى هو المراد من هذا اللفظ عمل به قطعا
والله تعالى (2) أعلم.
(1) قال به القاضي عبدالجبار، الآمدي (الإحكام) ج 2 ص 128، الزركشي (البحر المحيط) ج 6 ص 291،
أمير باد شاه (تيسير التحرير) ج 3 ص 72.
(2) تعالى في ب ساقطة.
396 (1/396)
صفحة 397
397
***
فصول الأصول
***
الفصل الثامن والثمانون
فيمن تقبل روايته أو ترد
لا يقبل في الرواية مجنون: لأنه لا يمكنه الاحتراز عن الخلل، ولأنه ساقط التكليف. ولا كافر ولو علم منه التدين والتحرز عن الكذب، لأنه لا وثوق به في الجملة مع شرف منصب الرواية عن الكافر.
ولا صبي
لأنه لما يعلم من عدم تكليفه قد لا يحترز عن الكذب فلا يوثق به. وقيل: يقبل (1) إن علم منه التحرز عن الكذب (2)، فإن تحمل الصبي الرواية فبلغ فأدى ما تحمله قبل عند الجمهور لانتفاء المحذور.
وقيل: يا يقبل؛ لأن الصغير مظنة عدم الضبط والتحرز (3)، وكذا الكافر إن تحمل فأسلم فأدى على الخلاف، وكذا فاسق تحمل فتاب فأدى.
وتقبل رواية مبتدع لا تبلغ به بدعته إلى الكفر إن كان يحرم الكذب (4). وقيل: لا يقبل المبتدع لابتداعه المفسق له، وهو الصحيح (5)، والمراد بالكفر في الأول الشرك.
وقال مالك: يقبل إلا الداعية (6)، أي: الذي يدعو الناس إلى بدعته؛ لأنه لا يؤمن
(1) في ب تقبل. (2) السخاوي (فتح المغيث) ج 2 ص 5 - 6، المحلي (شرح المحلي على جمع الجوامع) ج 2 ص 146، السالمي (شرح طلعة الشمس) ج 2 ص 31.
(3) الباجي (إحكام الفصول) ص 365، ابن الصلاح (مقدمة ابن الصلاح بشرح التقييد والإيضاح ص 157، ابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 2 ص 147، ابن أمير الحاج (التقرير والتحبير) ج 2 ص 236، أمير باد شاه (تيسير التحرير) ج 3 ص 39، السالمي (شرح طلعة الشمس) ج 2 ص 31. (4) قال به ابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 2 ص 247، والكمال بن الهمام وأمير باد شاه (التحرير بشرح التيسير) ج 3 ص 41، وابن أمير الحاج (التقرير والتحبير) ج 2 ص 239، والسالمي (شرح طلعة الشمس) ج 2 ص 22 - 34، وحكي عن الإمام الشافعي و ابن أبي لايلى والثوري. الزركشي (البحر
المحيط) ج 6 ص 144، ابن حجر (نزهة النظر) ص 54، العراقي (التقييد والإيضاح) ص 145. (د) وقال به الباقلاني وأبو إسحاق الشيرازي. الزركشي (البحر المحيط) ج 6 ص 144، ابن حجر (نزهة النظر) ص 54. (6) وقال به سليم الرازي. الزركشي (البحر المحيط) ج 6 ص 146، وصححه ابن حجر العسقلاني، ابن حجر (نزهة النظر) ص 54، وحكاه ابن الصلاح عن أكثر العلماء، ابن الصلاح (مقدمة ابن الصلاح
بشرح التقييد والإيضاح ص 145، وانظر: ابن امير الحاج التقرير والتحبير) ج 2 ص 241. (1/397)
صفحة 398
***
فصول الأصول
***
من أن يضع الحديث على وفق بدعته، أما من يجوز الكذب فلا يقبل عندهم سواء كفر ببدعته أم لا، وكذا من يحرمه ويكفر ببدعته كالمجسم لعظم بدعته.
ويقبل غير الفقيه (1).
وقالت الحنفية لا يقبل (2).
يقبل المتساهل في غير الحديث إن كان يتحرز في الحديث عن النبي - - لأن الخلل مأمون فيه، وأما المتساهل في الحديث فيرد قطعا، وقيل: يرد من عرف منه التساهل مطلقا؛ لأن التساهل في غير الحديث يجر إلى التساهل فيه (3)، والمكثر من الرواية مع ندور مخالطة للمحدثين قيل: إن كان يمكن في العادة تحمل ما رواه على كثرته مع قلة مخالطته وإلا فلا يقبل في شيء مما رواه لظهور كذبه في بعض مرويه من
غير تعيين (4).
والعدالة شرط في الراوي، وهي هيئة راسخة في النفس تمنع عن (5) اقتراف كبيرة أو إصرار على صغيرة، وعن الرذائل المباحة في الأصل كالبول قائما أو بمظنة رؤية الناس وكالتعري حيث لا يراه أحد وكالأكل في السوق أما صغائر غير الخسة ككذبة لا يتعلق بها ضرر، ونظرة إلى أجنبية فلا، قلت: الكذب عمدا حرام مطلقا عندنا) - أيضا -، -، وتسقط عدالة من عرف به.
ولا يقبل المجهول باطنا وهو مستور الحال لانتفاء تحقق الشرط (7).
(1) الباجي (إحكام الفصول) ص 366، المحلي (شرح المحلي على جمع الجوامع) ج 2 ص 147. (2) الذي صرح به الخبازي (المغني) ص 210، ابن عبدالشكور (مسلم الثبوت بشرح الفواتح ج 2 ص 144، أنه لا يشترط في الراوي أن يكون فقيها، لكنه أولى من غير الفقيه، ولم ينسبا اشتراط ذلك إلى الحنفية لكن البزدوي ذكر بأن خبر غير الفقيه لا يقبل إذا عارض القياس، حيث قال: وأما رواية من لم يعرف بالفقه فإن وافق القياس عمل به، وإن خالفه لم يترك إلا بالضرورة وانسداد باب الرأي، البزدوي (أصول البزدوي بشرح كشف الأسرار) ج 2 ص 702.
(3) السخاوي (فتح المغيث) ج 2 ص 99، ابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 2 ص 147. (4) ابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 2 ص 147.
(2) في ب من.
(6) وقع هنا سقط في أو تكملة الكلام في ب وكذا نظر العمد إلى محاسن أجنبية لغير داع إلى ذلك حرام عندنا. (7) الآمدي (الإحكام) ج 2 ص 90 ابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 2 ص 150، الزركشي (البحر المحيط) ج 6 ص 159، العراقي (التقييد والإيضاح ص 140، السالمي (شرح طلعة الشمس) ج 2 ص 34.
398 (1/398)
صفحة 399
399
***
فصول الأصول
***
وقبله أبو حنيفة وابن فورك وغيرهما (1)، قالوا: لأن حصول الشرط مظنون فيه، وقال إمام الحرمين يوقف فيه عن قبوله ورده إلى أن يظهر حاله بالبحث عنه (2)، ويجب الكف عن ما ثبت حله بالأصل إذا روى هو التحريم فيه إلى ظهور حاله، واعترض عليه بالإجماع على أن اليقين لا يرفع بالشك، فالحل الثابت بالأصل لا يرفع بالتحريم المشكوك فيه، كما لا يرفع استصحاب اليقين بالشك بجامع الثبوت. وأما المجهول باطنا وظاهرا بأن لا يعلم حاله ولا شخصه فمردود إجماعا لانتفاء تحقق العدالة وانتفاء ظنها.
وكذا مجهول العين (3) كما إذا قيل عن رجل مردود إجماعا، فإن وصفه الراوي عنه بالثقة وكان الراوي أحد أئمة الحديث كأن يقول: حدثني الثقة، فقيل: يقبل - هنا - لأن واصفه بالثقة لا يصفه بذلك إلا وهو عنده كذلك حيث كان من أئمة الحديث، وعلى هذا إمام الحرمين (4). وقال الصيرفي والخطيب البغدادي (5): لا يقبل (6) الجواز أن يكون فيه جارح لم يطلع عليه الواصف، وأجيب بأن ذلك بعيد جدا مع كون واصفه كأبي عبيدة وجابر بن زيد محتجين به على ثبوت حكم في دين الله تعالى، وكذا إن قال: حدثني من لا أتهمه فهو توثيق له، وقيل: ليس بتوثيق.
(1) وقال به سليم الرازي. ابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 2 ص 150، الزركشي (البحر المحيط) ج 6 ص 160، العراقي (التقييد والإيضاح) ص 140، السخاوي (فتح المغيث) ج 2 ص 51.
امير باد شاه (تيسير التحرير) ج 3 ص 48.
،
(2) الجويني (البرهان) ج 1 ص 397. (3) ابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 2 ص 150. (4) الجويني (البرهان) ج 1 ص 410، وابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 2 ص 150، الزركشي (البحر المحيط) ج 6 ص 162. (5) الخطيب، أحمد بن علي بن ثابت البغدادي، أبو بكر، ولد في غزية بين الكوفة ومكة، سنة 392 هـ ونشأ ببغداد، ورحل إلى مكة) وسمع بالبصرة والكوفة:، من مؤلفاته: الكفاية في علم الرواية، وتقييد العلم، والفقيه والمتفقه، توفي سنة 463 هـ يبغداد، ابن السبكي (طبقات الشافعية) ج 4 ص 29، الزركلي (الأعلام) ج 1 ص 172، عمر رضا كحالة (معجم المؤلفين) ج 2 ص 3. (6) ابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 2 ص 151، البغدادي، الخطيب (الكفاية في علم الرواية)
ص 373 - 374. (1/399)
صفحة 400
***
فصول الأصول
***
واختلفوا فيمن فعل ما يحكم بفسق فاعليه على الجهل كان دليل تحريمه قطعيا أم ظنيا، قال بعضهم: تقبل روايته إذ أتاه على جهل منه ويعذر بالجهل، وقيل: لا تقبل (1) لارتكابه المحجور ولا عذر في الجهل وإن اعتقد الإباحة، وقيل: تقبل (2) إن كان فسقه مظنونا لا مقطوعا (3) به، أما راكب المفسق عالما بحرمته فلا يقبل
قطعا)، والله تعالى (3) أعلم.
(1) في ب يقبل. (2) في ب يقبل.
(3) في ب متطوعا.
(4) المحلي (شرح المحلي على جمع الجوامع) ج 2 ص 152.
(د) تعالى في ب ساقطة.
{ .. (1/400)
صفحة 401
2.1
***
فصول الأصول
***
الفصل التاسع والثمانون
فيمن يثبت به التجريح والتعديل وفي تعارضهما
قال القاضي أبو بكر الباقلاني: يثبت التجريح والتعديل بواحد في الرواية والشهادة نظرا إلى أن ذلك خبر لا إنشاء).
وقيل: في الرواية فقط بخلاف الشهادة (2)، وقيل: لا يقبل الواحد فيهما معا نظرا إلى أن ذلك شهادة، فلا بد فيها من العدد المقبول في الشهادة (3).
سببي
(3)
واختلفوا - أيضا - هل يكفي اللإطلاق في التجريح والتعديل بأن يقول: هذا مجروح وهذا عدل، ولا يحتاج إلى ذكر التعديل والتجريح في الرواية والشهادة معا اكتفاء بعلم المجرح والمعدل. فقيل: لا بد من ذكر السبب، ولا يكفي الإطلاق لاحتمال أن يجرح بما ليس مجرح، وأن يبادر إلى التعديل عملا بالظاهر () وقيل: يذكر سبب التعديل دون سبب التجريح؛ لأن مطلق التجريح يبطل الوثوق، ومطلق التعديل لا يحصل به الوثوق الجواز الاعتماد فيه على ما يظهر في باديء الرأي من غير تثبت وطول بحث (5). وقال الشافعي بعكس هذا، فأوجب ذكر سبب التجريح قال: لأنه مختلف في أسبابه دون سبب التعديل (6)
(1) وهو قول الكمال بن الهمام التحرير بشرح التيسير) ج 3 ص 59، وانظر: الباجي (إحكام الفصول) ص 369، ابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحي) ج 2 ص 163. (2) حكاه الخطيب البغدادي عن كثير من أهل العلم. البغدادي (الكفاية) ص 96، السخاوي (فتح المغيث) ج 2 ص 8، الباجي (إحكام الفصول) ص 369.
(3) عزاه ابن النجار إلى ابن حمدان من الحنابلة (شرح الكوكب المنير) ج 2 ص 4، وحكاه القاضي الباقلاني عن أكثر الفقهاء من أهل المدينة وغيرهم. الزركشي (البحر المحيط) ج 6 ص 166، البغدادي (الكفاية) ص 96، السخاوي (فتح المغيث) ج 2 ص 8. (4) حكاه الزركشي عن الماوردي (البحر المحيط) ج 6 ص 180، حكاه ابن النجار عن ابن حمدان (شرح الكوكب المنير). (2) الزركشي (البحر المحيط) ج 6 ص 179. (6) وقال به الخطيب البغدادي وحكاه عن الأئمة من حفاظ الحديث ونقاده (الكفاية) ص 108، وحكاه الطوفي عن الإمام احمد بن حنبل في أحد قوليه. الطوفي شرح مختصر (الروضة ج 2 ص 164، وحكاه الكمال بن الهمام عن أكثر الفقهاء ومنهم الحنفية، وأكثر المحدثين ومنهم البخاري ومسلم (التحرير بشرح التيسير) ج 3 ص 61. (1/401)
صفحة 402
***
فصول الأصول
***
واختاره السبكي في الشهادة قال: وأما الرواية فيكفي الإطلاق فيها للجرح والتعديل إذا عرف مذهب الجارح أنه لا يجرح إلا بقارح، ولا يكتفي مثل ذلك في الشهادة لتعلق الحق فيها للمشهود له (1).
(3)
وقال إمام الحرمين والإمام الرازي: يكفي إطلاق التجريح والتعديل من الواحد العالم بسببهما، ولا يكفي من غيره (2)، وهو قول أصحابنا وعليه العمل عندهم". وهو الصحيح، وإن تعارض التجريح والتعديل قدم التجريح إن كان أكثر عددا إجماعا (4)، وكذا إن تساويا أو كان الجارح أقل عددا من المعدل لاطلاع المجرح على ما لم يطلع عليه المعدل (ه).
وقال ابن شعبان (6) من المالكية: يطلب الترجيح في القسمين كما في الأول بكثرة
(7)
عدد التجريح" وقال بعضهم: يقدم التعديل إن كان أكثر عددا من التجريح (8)، والحكم بقبول شهادة شخص تعديل له عند مشترط العدالة (9)، وكذا عمل العالم برواية شخص
(1) ابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 2 ص 40.
(2) الجويني (البرهان) ج 1 ص 400، الرازي (المحصول) ج 4 ص 410.
(3) حكاه الإمام السالمي عن بعض الإباضية (شرح طلعة الشمس ج 2 ص 40، وتنظر الأقوال في الكنوي محمد عبد الحي الرفع والتكميل) ص 79 - 95، الشوكاني (إرشاد الفحول) ص 68. (4) في حكاية الإجماع نظر، ففي إرشاد الفحول وغيره هناك قول بتقديم التعديل على الجرح، لأن الجارح يجرح بما ليس في نفس الأمر جارحا، والعدل إذا كان عدلا يعدل إلا بعد تحصيل الموجب لقبوله،
قد
حكى هذا القول عن أبي حنيفة، وأبي يوسف، الشوكاني (إرشاد الفحول) ص 68. (5) حكاه الخطيب البغدادي عن الجمهور (الكفاية) ص 107، وصححه ابن النجار وحكاه عن الأكثر (شرح الكوكب المنير) ج 2 ص 430، واختاره الكمال) (التحرير بشرح التيسير) ج 3 ص 60، وجزم به المارودي والروياني وابن القشيري الزركشي البحر المحيط) ج 6 ص 183، وهو قول الشيخ سعيد
القنوبي من الإباضية وحكاه عن الجمهور، القنوبي (الرأي المعتبر في أحكام صلاة السفر) ص 46. (6) ابن شعبان، محمد بن القاسم بن شعبان أبو إسحاق ابن القرطي، ولد سنة 270 هـ، من نسل عمار بن ياسر، يعتبر مرجع المالكية في زمنه بمصر، من مؤلفاته: أحكام القرآن، ومناقب مالك، والمناسك، توفي سنة 355 هـ. القاضي عياض (ترتيب المدارك) ج 2 ص 293، الزركلي (الأعلام) ج 6 ص 335.
(7) الباجي (إحكام الفصول) ص 379، الزركشي (البحر المحيط) ج 6 ص 185. (8) البغدادي (الكفاية) ص 107، الشوكاني (إرشاد الفحول) ص 68. (9) ابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 2 ص 164، الشوكاني (إرشاد الفحول) ص 66.
402 (1/402)
صفحة 403
403
***
فصول الأصول
***
تعديل لذلك الشخص على الأصح)، ومن عرف من عادته أنه لا يروي إلا عن عدل فروايته عن شخص تعديل له – أيضا
وقيل: لا تكون روايته عنه تعديلا لجواز أن يترك عادته (2).
وأما ترك العمل بمقتضى رواية شخص، وترك الحكم بمقتضى شهادته فليس من التجريح له؛ لجواز أن يكون الترك لعارض، وكذا من حده الحاكم في شهادة الزنى حد القاذف لعدم استكمال الشهادة شروطها أو أركانها، ككونهم دون أربعة، وكاختلاف شهادتهم في الاسم أو في المكان أو في الزمان، فإن حد الحاكم له لا يكون تجريحا لعد الته، وإنما ذاك لعدم تمام شروط الشهادة وأركانها لا لخلل في أحد
الشهود (3).
وتسقط رواية المدلس، وهو: أن يروي الراوي رواية ويوهم أنها من غير من أخذها عنه لكي يقبل مرويه، كما إذا روى عن أبي هريرة، وأوهم السامع أنها عن ابن عباس، وكذا إذا روى عن رجل مشهور معروف فيترك اسمه المعروف به ويسميه باسم غيره أو بمساميه إذا كان أشهر منه في الفضل لكي يوهم السامع أن روايته، عن ذلك الفاضل، ولم يبينه بصفة تميزه عن ذلك المشهور لكي يقبل السامع روايته فكل ذلك تدليس تسقط به الرواية عندهم).
والذي عندي أنه إذا كان راوي الحديث الذي نقل عنه تحقيقا ثقة مقبول الرواية فلا تسقط روايته ولو سماه باسم من هو أفضل منه وأشهر، أو اهم ذلك من غير تصريح؛ لأن المعتبر في الرواية الوثوق براويها، وهو حاصل هنا، نعم إذا سئل عنه فلم يبينه بصفته المميزة له فإن هذا نوع من الكذب. فتسقط روايته حينئذ لكذبه (5)،
(1) وصححه ابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 2 ص 164. (2) حكاه الزركشي عن الماوردي والروياني وأبي الحسين بن القطان، وحكي عن أكثر أهل الحديث، وحكاه الباقلاني عن الجمهور وصححه. الزركشي (البحر المحيط) ج 6 ص 173.
(3) ابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 2 ص 165. (4) ابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 2 ص 165، الزركشي (البحر المحيط) ج 6 ص 204، ابن حجر العسقلاني (تعريف أهل التقديس مراتب الموصوفين بالتدليس) ص 25.
(2) وحكى الزركشي هذا القول عن ابن السمعاني والصيرفي. الزركشي (البحر المحيط) ج 6 ص 206. (1/403)
صفحة 404
404
***
فصول الأصول
***
وكذا الزائد في متن الحديث ما ليس منه إبهاما أنه منه بأن لم يبين زيادته، فهو موقع لغيره في الكذب على رسول الله - -، وهذا قادح فيه، فتسقط به روايته)،
والله تعالى (2) أعلم.
(2)
(1) ابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 2 ص 165.
(2) تعالى في ب ساقطة. (1/404)
صفحة 405
***
فصول الأصول
***
الفصل التسعون
في الكلام على عدالة الصحابة وهل يجب البحث عنها؟
الصحابي من اجتمع بالنبي - - مؤمنا به ذكرا كان أو أنثى، ولا يشترط لله
طول الصحبة ولا الرواية عنه
—
-
، وقيل: يشترطان (2) إذ لا يسمى صاحبا
في العرف إلا من طالت صحبته، ولأن الرواية هي المقصود الأعظم من الصحبة
للنبي - ل - لتبليغ الأحكام الشرعية.
واشترط بعض الرواية ولو لحديث واحد (3).
علانه وسلم
واشترط بعض الغزو معه صلى الله (4)، وبعضهم صحبة سنة لا أقل (5) وأكثر العلماء على أن الصحابة عدول كلهم، فلا يبحث عن عدالتهم؛ لأنهم خير الأمة (6)، لقوله ه - خير الأمة قرني ().
-
(8)
(1) وقال به أبو يعقوب الوارجلاني (العدل والإنصاف) ج 1 ص 149، وحكاه الآمدي عن أكثر الشافعية (الإحكام) ج 2 ص 104، والزركشي عن الأكثر (البحر المحيط) ج 6 ص 190، والعراقي عن جمهور المحدثين والأصوليين (فتح المغيث) ج 3 ص 93. (2) حكاه الآمدي عن عمر بن يحيى (الإحكام) ج 2 ص 104، قال الحافظ العراقي، والظاهر انه الجاحظ أحد أئمة المعتزلة. العراقي (فتح المغيث) ج 3 ص 103، وانظر: النووي (مقدمة النووي على صحيح
مسلم) ج 1 ص 150، لكن اسم الجاحظ المعتزلي عمرو بن بحر وليس يحيى كما هو مشهور. (3) المحلي (شرح المحلي على جمع الجوامع) ج 2 ص 166، الشوكاني (إرشاد الفحول) ص 70. (4) حكاه الزركشي عن سعيد بن المسيب (البحر المحيط) ج 6 ص 191.
(5) عزاه الزركشي إلى سعيد بن المسيب - أيضا - (البحر المحيط) ج 6 ص 191، لكن العراقي قال: لا يصح عنه، فإن في الإسناد إليه محمد بن عمر الواقدي وهو ضعيف في الحديث، العراقي (التقييد والإيضاح) ص 283، فتح المغيث) ج 3 ص 102.
(6) وحكاه الآمدي (الاحكام) ج 2 ص 102، والزركشي (البحر المحيط) ج 6 ص 188، عن الجمهور وحكى العراقي اتفاق المذاهب الأربعة عليه (فتح المغيث) ج 3 ص 188، عن الجمهور وحكى العراقي اتفاق المذاهب الأربعة عليه (فتح المغيث) ج 3 ص 108، وانظر: الباجي (إحكام الفصول) ص 374، الوارجلاني (العدل والإنصاف) ج 1 ص 147، ابن المرتضى (منهاج الوصول) ص 543، السالمي (شرح طلعة الشمس) ج 2 ص 42. (7) الحديث أخرجه مسلم بلفظ: خير أمتي القرن الذين بعثت فيهم (صحيح مسلم بشرح النووي) كتاب فضائل الصحابة، باب فضل الصحابة ثم الذين يلونهم، حديث 2534، ج 16 ص 70، وأخرجه الترمذي (سنن الترمذي) كتاب الفتن، باب ما جاء في القرن الثالث، حديث 2222، ج 4 ص 434، وأبو داود (سنن أبي داود) كتاب السنة، باب في فضل أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حديث 4657، ج 4 ص 214 كلاهما بلفظ مسلم.
405 (1/405)
صفحة 406
406
***
فصول الأصول
وقيل: هم كغيرهم، فيبحث عن عدالتهم في الرواية والشهادة إلا من كانت عدالته ظاهرة كأبي بكر وعمر (1).
وقيل: هم عدول إلى وقت وقوع الفتنة (2) ثم يحتاج إلى البحث عنهم)، وقيل: (2) هم عدول إلا من دخل في الفتن وعرف دخوله؛ لأن فيهم الممسك عن الخوض في
تلك الفتن (5).
والصحيح أنهم قبل الفتن عدول إلا من ظهر منه ما يقدح في العدالة وبعد الفتن كذلك إلا من عرف منه الدخول فيها، فيوقف فيه حتى يعلم حاله (6)، والله أعلم.
(1) ونسبه أبو الوليد الباجي إلى قوم من المبتدعة (إحكام الفصول) ص 374، وعزاه الزركشي إلى أبي الحسين ابن القطان. الزركشي (البحر المحيط) ج 6 ص 187، وانظر: العراقي (فتح المغيث) ج 3 ص 112.
(2) أي فتنه صفين، وهي التي تفاعل فيها حيث الامام علي بن أبي طالب ومعاوية ابن أبي سفيان.
(3) في ب فيحتاج. (4) حكاه ابن المرتضى عن عمرو بن عبيد المعتزلي (منهاج الوصول ص 543، وانظر: العراقي (فتح المغيث) ج 3 ص 113، الشوكاني (إرشاد الفحول) ص 70.
(5) العراقي (فتح المغيث) ج 3 ص 113.
(6) وهذا قول الإمام السالمي (شرح طلعة الشمس) ج 2 ص 44، ملاحظة: المراد بعدالة الصحابة قبول رواياتهم من غير تكلف بحث عن أسباب العدالة وطلب التزكية، وليس المراد بعدالتهم ثبوت العصمة لهم، واستحالة المعصية. الزركشي (البحر المحيط) ج 6 ص 189، العراقي (فتح المغيث) ج 3 ص 115. (1/406)
صفحة 407
407
***
فصول الأصول
***
الفصل الحادي والتسعون
الاحتجاج بالمرسل
سل ما رواه غير الصحابي عن النبي - - ويسقط الواسطة إذ لا بد من واسطة هناك فلم يذكره، هذا اصطلاح الأصوليين (1).
وأما في اصطلاح المحدثين فالمرسل عندهم ما يرويه التابعي خاصة عن النبي -،، ويسقط منه منه الصحابي (2 (2).
فأما مارواه تابع التابعي فمن بعده وسقط منه روايان فهو المنقطع، فإن سقط منه ثلاثة فأكثر فهو المعضل (3) بفتح الضاد (4).
واحتج بالمرسل أبو حنيفة ومالك وأحمد (5) قالوا: لأن العدل لا يسقط الواسطة
بينه وبين النبي - ه - إلا وهو عدل عنده وإلا كان ذلك تلبيسا قادحا فيه. وقال قوم: إن كان المرسل - بكسر السين - من أئمة (6) النقل كسعيد بن المسيب (7)
(1) الآمدي (الإحكام) ج 2 ص 136، ابن الحاجب مختصر المنتهى بشرح العضد) ج 2 ص 74، الزركشي (البحر المحيط) ج 6 ص 338، المحلي (شرح المحلي على جمع الجوامع) ج 2 ص 168، السالمي (شرح طلعة الشمس) ج 2 ص 45. (2) النووي (شرح صحيح مسلم ج 1 ص 142، الزركشي (البحر المحيط) ج 6 ص 338، السيوطي (تدريب الراوي) ج 1 ص 195، المحلي (شرح المحلي على جمع الجوامع) ج 2 ص 168، السالمي
(شرح طلعة الشمس) ج 2 ص 45.
(3) في ب المفضل، ولا معنى لها في هذا السياق.
(4) النووي (شرح النووي على صحيح مسلم) ج 1 ص 142، الزركشي (البحر المحيط) ج 6 ص 338، السيوطي (تدريب الراوي) ج 1 ص 195، المحلي (شرح المحلي على جمع الجوامع) ج 2 ص 168 - 169. (ه) وعزاه أبو الحسين إلى أبي هاشم (المعتمد) ج 2 ص 143، وقال السرخسي: حجة في قول علمائنا (أصول السرخسي) ج 1 ص 360، وحكاه النووي عن أكثر الفقهاء (شرح صحيح مسلم) ج 1 ص 248، المجموع شرح المهذب (ج 1 ص 60، وقال البدر الشماخي: والأكثر على وجوب العمل به وحكاه الزركشي عن جمهور المعتزلة (البحر المحيط) ج 6 ص 340، وانظر: ابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 2 ص 169، البغدادي (الكفاية) ص 384، الشماخي (مختصر العدل) ص 25، السالمي (شرح طلعة الشمس) ج 2، ص 47. (6) في ب أيمة.
(2) سعيد بن المسيب بن حزن القرشي، ولد سنة 13 هـ، يكني أبا محمد، من كبار التابعين، وأحد الفقهاء السبعة بالمدينة، توفي سنة 94 هـ. الذهبي (الكاشف) ج 1 ص 444، الزركلي (الأعلام) ج 3 ص 102. (1/407)
صفحة 408
***
فصول الأصول
***
والشعبي (1) قبل: وكان حجة بخلاف من لم يكن منهم (2)، فقد يظن من ليس بعدل عدلا فيسقطه بظنه، وعلى القول بالاحتجاج به هو أضعف من المسند الذي اتصل فلم يسقط منه أحد، خلافا لقوم في قولهم: إنه أقوى من المسند. قالوا: لأن العدل لا يسقط من روايته إلا من يجزم بعدالته بخلاف من يذكره فيحيل الأمر فيه على غيره (3)، وأجيب بمنع ذلك.
سنده
والصحيح رد الاحتجاج بالمرسل إن لم يوجد معه عاضد، وعليه الأكثر منهم الشافعي والقاضي أبو بكر الباقلاني، وهو الظاهر من كلام مسلم في صدر ه (4) أنه مذهب أهل العلم بالأحاديث وذلك للجهل بعدالة الساقط وإن كان
صحيحه
صحابيا لاحتمال أن يكون ممن طرأ له قادح (ه).
y:)
:
وهذا مبني على أن الصحابة كغيرهم يبحث عن عدالتهم، فإن كان المرسل عرف من عادته أنه لا يروي إلا عن عدل كابن المسيب وأبي سلمة ابن عبدالرحمن) يرويان إلا عن أبي هريرة وكراسيل جابر بن زيد فإنه عرف أنه يروي عن ابن عباس وعائشة، فإن ابن عباس شيخه، فإن مرسله يقبل حينئذ لانتفاء الجهل بعدالة الساقط، فهو حينئذ في حكم المسند؛ لأن إسقاط العدل كذكره.
(1) الشعبي، عامر بن شراحيل بن عبد الشعبي شعب همدان، ولد سنة 21 هـ من فقهاء التابعين، توفي سنة 105 هـ ابن خلكان وفيات الأعيان) ج 3 ص 12، البستي (مشاهير علماء الأمصار) ص 164. (2) حكاه أبو الحسين البصري (المعتمد) ج 2 ص 144، والآمدي (الاحكام) ج 2 ص 136، عن عيسى بن أبان واختاره ابن الحاجب (مختصر المنتهى بشرح العضد ج 2 ص 74. وذهب الآمدي إلى قبول مراسيل العدل مطلقا، الآمدي (الإحكام) ج 2 ص 136. (3) البغدادي (الكفاية) ص 386، ابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 2 ص 169، السيوطي (تدريب الراوي) ج 1 ص 198.
(4) صحيح مسلم بن الحجاج القشيري، جمع فيه أربعة آلاف حديث أصول دون المكررات، وبالمكررات سبعة آلاف ومائتين وخمسة وسبعين حديثا، وشرط في صحيحه أن يكون الحديث متصل الإسناد بنقل الثقة عن الثقة من أوله إلى منتهاه سالما من الشذوذ والعلة، وقد رتبه على أبواب دون أن يترجم لها. حاجي
خليفة (كشف الظنون) ج 1 ص 555، مسلم (صحيح مسلم بشرح النووي) ج 1 ص 61. (5) مسلم (صحيح مسلم بشرح النووي ج 1 ص 245، النووي (شرح صحيح مسلم) ج 1 ص 247 - 248، ابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلى) ج 2 ص 169، السيوطى تدريب الراوي) ج 1 ص 198. (6) أبو سلمة بن عبدالرحمن بن عوف القرشي، قيل: اسمه إسماعيل: وقيل: عبدالله وقيل اسمه وكنيته واحد، بن زيد وأنس بن مالك وبشر بن سعيد وخلق، وروى عنه إسماعيل بن أمية وثمامة بن كلاب وجعفر بن ربيعة وآخرون، توفي سنة 94 هـ وقيل غير ذلك. المزني (تهذيب الكمال) ج 33 ص 370، ابن حجر (تهذيب التهذيب) ج 12 ص 103.
روى عن
أسامة
408 (1/408)
صفحة 409
6.4
فصول الأصول
***
وإن عضد مرسل كبار التابعين كقيس ابن أبي حازم (1) وابن العطاردي (2) ضعيف صالح للترجيح كقول صحابي، أو فعله، أو قول الأكثر من العلماء ليس فيهم صحابي، أو إسناد من مرسله أو غيره أو إرسال يرويه عن غير شيوخ الأول، أو كان عمل أهل العصر على وفقه، كان المجموع من المرسل والعاضد له حجة عند الشافعي (3)، وليس مجرد المرسل ولا ما ضم إليه حجة على الانفراد لضعف كل منهما عند انفراده. ولا يلزم من ذلك ضعف المجموع لأنه يحصل من اجتماع الضعيفين قوة مفيدة للظن، ومن المثل الشايع ضعيفان يغلبان قويا، أما مرسل صغار التابعين كالزهري. ونحوه فباق على الرد مع العاضد لشدة ضعفه. فإن تجرد المرسل عن العاضد ولا دليل في الباب سواه ومدلوله المنع من شيء فالأظهر الكف عن ذلك الشيء لأجله احتياطاً، وقيل: لا يجب الكف عنه إذ ليس
(1) ,
(3)
بحجة حينئذ (5). وذكر بعضهم ان حد المرسل: هو: قول العدل الواحد الذي لم يلق النبي - - قال رسول الله - - كذا، وقيل: ما انقطع إسناده (6)، ولا يقبل إلا إذا تأكد بصحابي، أو فتوى أكثر أهل العلم، أو كان من مراسيل الصحابة. (1) قيس ابن أبي حازم عوف بن الحارث، من كبار التابعين، سمع أبا بكر وعمر، وأخذ عنه بيان بن بشر وإسماعيل ابن أبي خالد وآخرون، توفي سنة 98 هـ، وقيل 94 هـ. الذهبي (الكاشف) ج 2 ص 138، البستي (مشاهير علماء الأمصار) ص 164. (2) ابن العطاردي، أبو رجاء عمران بن ملحان، أسلم بعد أن قبض رسول الله - صلى الله عليه وسلم - روى عن عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب، وروى عنه جرير ابن حازم ومهدي بن ميممون وغيرهما، مات سنة
107 هـ. الذهبي (الكاشف) ج 2 ص 95، البستي (مشاهير علماء الأمصار) ص 142. (3) وحكاه الآمدي عن أكثر الشافعية، والقاضي أبي بكر وجماعة من الفقهاء. الشافعي (الرسالة) ص 462، الآمدي (الإحكام) ج 2 ص 136، النووي (شرح صحيح مسلم) ج 1 ص 142، الجزري (معراج المنهاج) ج 2 ص 65، ابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 2 ص 170. (4) الزهري، محمد بن مسلم بن عبيد الله أبو بكر الزهري، الفقيه المحدث، روى عن ابن عمرو وأنس و اين المسيب، وروى عنه عقيل ويونس ومعمر ومالك وآخرون، توفي سنة 124 هـ. الذهبي (تكشف) -2
ص 219، ابن العماد (شذرات الذهب) ج 2 ص 99.
(2) المحلي (شرح المحلي على جمع الجوامع) ج 2 ص 171. (:) حكاه النووي عن الفقهاء وأصحاب الأصول وجماعة من المحدثين. النووي (شرح صحيح مسلم) ج 1 ص 142 السيوطي (تدريب الراوي) ج 1 ص 159 - 160، البناني (حاشية البناني على جمع الجوامع) ج 2 ص 169. (1/409)
صفحة 410
***
فصول الأصول
***
وعن الشافعي أن المرسل غير حجة، ونسب للجمهور إلا إن تقوى بمجيئه مسندا أو مرسلا من سند آخر، ولذلك احتج بمراسيل سعيد بن المسيب لأنها جاءت مسانيد من أوجه أخرى، فقال: إرسال سعيد بن المسيب عندنا حسن (1)، قال النووي: قيل: معناه أنها حجة عندي لأنها وجدت مسندة، وقيل: ليست حجة عنده كغيرها بل كان يرجح بها (2). قال الخطيب: وهو الصواب، وأما الأول فلا يصح؛ لأن في مراسيل سعيد ما لم يوجد بحال يصح والترجيح بالمرسل جائز، ومرسل الصحابي كابن عباس وابن عمر وغيرهما من صغار الصحابة حجة، والمتصل مقدم على المرسل، والحكم به إذا استوى السند كحديث لا نكاح إلا بولي (3) رواه الثوري) وشعبة (5) عن أبي إسحاق السبيعي (6) عن أبي بردة (7) عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ورواه
(4)
(1) البغدادي (الكفاية) ص 404، النووي (شرح صحيح مسلم) ج 1 ص 142 (المجموع شرح المهذب) ج 1، ص 61، الزركشي (البحر المحيط) ج 6، ص 360.
(2) النووي (المجموع شرح المهذب ج 1 ص 61، وانظر: النووي التقريب بشرح تدريب الراوي) ج 1 ص 199. (3) الحديث أخرجه الإمام الربيع بن حبيب الجامع الصحيح كتاب النكاح، باب في الأولياء، حديث 510، بلفظ لا طلاق إلا بعد نكاح، ولا ظهار إلا بعد نكاح، ولا عتاق إلا بعد ملك، ولا نكاح إلا بولي وصداق وبيئة، ص 206، وابن ماجة (سنن ابن ماجة) المعجم، النكاح، حديث 1881، ج 2 ص 428، وابو
داود (سنن أبي داود كتاب النكاح، باب في الولي حديث حديث 2085 ج 1 ص 479 .. (4) الثوري، سفيان بن سعيد بن مسروق، من بني ثور بن عبد مناه، من مضر، ولد سنة 97 هـ بالكوفة، من كبار العلماء، سكن مكة والمدينة، وانتقل إلى البصرة، له: الجامع الكبير، والجامع الصغير، وكتاب في الفرائض، توفي سنة 161 هـ بالبصرة. ابن العماد (شذرات الذهب) ج 2 ص 274، الزركلي (الأعلامج 3 ص 104. (5) شعبة بن الحجاج أبو بسطام العتكي، من كبار المحدثين، ولد بواسط وسكن البصرة، سمع معاوية بن قرة والحكم وسلمة بن كميل، وأخذ عنه عندر وعلي بن الجعد، توفي سنة 160 هـ. الذهبي (الكاشف) ج 1 ص 485، ابن العماد (شذرات الذهب) ج 2 ص 269.
?
(6) أبو إسحاق السبيعي، عمرو بن عبد الله بن عبيد الكوفي، ولد لسنتين بقيتا من خلافة عثمان، روى عن إربدة التميمي وأرقم بن شرحبيل وأسامة بن زيد وغيرهم وروى عنه أبان بن تغلب وإبراهيم بن عثمان العبسي وإبراهيم بن ميمون وغيرهم، توفي سنة 126 هـ وقيل غير ذلك، المزي (تهذيب الكمال) ج 22، ص 102، الذهبي (الكاشف) ج 1 ص 82. (7) أبو بردة، بريد بن عبدالله بن أبي بردة، روى عن جده، وروى عنه ابن المبارك وأبو اسامة وغيرهما المزي (تهذيب الكمال) ج 4 ص 50، الذهبي (الكاشف) ج 1 ص 265.
{1. (1/410)
صفحة 411
***
فصول الأصول
(2) عنه، -
، - -، وكلما
إسرائيل (1) وجماعة بذلك السند عن أبي موسى كانت العدالة والضبط أقوى كان ادخل في التقدم على المرسل قال الخطيب:
وذلك هو الصحيح (3)، والله تعالى (4) أعلم.
(1) إسرائيل بن يونس ابن أبي إسحاق السبيعي، روى عن إبراهيم بن مهاجر وآدم بن سليمان وإسماعيل بن سميع وغيرهم، وروى عنه أحمد بن خالد الوهبي وأسد بن موسى وحماد بن واقد وغيرهم، توفي سنة 160 هـ ن وقيل غير ذلك. المزي تهذيب الكمال ج 2 ص 515، الذهبي (الكاشف) ج 1 ص 241.
على
(2) أبو موسى الأشعرى، عبدالله بن قيس اليمني، من السابقين في الإسلام، استعمله النبي - الله عدن، واستعمله عمر بن الخطاب على الكوفة والبصرة، توفي سنة 44 هـ، الذهبي (الكاشف) جا ص 586، ابن العماد (شذرات الذهب) ج 1 ص 237.
(3) الخطيب (الكفاية) ص 405، وانظر الزركشي (البحر المحيط) ج 6 ص 353.
(4) تعالى في ب ساقطة.
411 (1/411)
صفحة 412
***
فصول الأصول
***
الفصل الثاني والتسعون
في نقل الحديث بالمعنى وقول الصحابي أو التابعي: كنا أو كان الناس يفعلون كذا اختلف في جواز نقل الحديث بمعناه دون لفظه، وأكثر العلماء على جواز ذلك منهم الأئمة الأربعة (1)، وذلك إن كان الناقل عارفا بمعاني الألفاظ ومواقع الكلام بأن يأتي بلفظ آخر مساوله في المراد منه وفي فهمه؛ لأن المقصود المعنى، واللفظ آلة له، وأما غير العارف بذلك فلا يجوز له تغيير اللفظ قطعا مخافة وقوع خلل في المعنى.
وقال الماوردي: (2) يجوز لمن نسي اللفظ، وإلا فلا يجوز تغييره؛ لفوات الفصاحة الموجودة في كلام النبي - ل ().
-
(†) ___
وقيل: يجوز ذلك في الحديث الموجب علما دون الموجب عملا (4).
وقيل: يجوز إن أبدل بلفظ مرادف؟، وعليه الخطيب البغدادي (ه).
ومن المانعين لنقل الحديث بالمعنى ابن سيرين (6) وثعلب والرازي من الحنفية، وروي المنع عن ابن عمر - - حذرا من التفاوت، وإن ظن الناقل عدمه فإن العماء كثيرا ما يختلفون في المعنى المراد من الحديث (7).
(1) البغدادي (الكفاية) ص 198، الآمدي (الإحكام) ج 2 ص 115، ابن الصلاح (مقدمة ابن الصلاح بشرح التقييد والإيضاح ص 209، ابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 2 ص 171. (2) الماوردي، علي بن محمد بن حبيب أبو الحسن، ولد سنة 364 هـ، من كبار الشافعية، روي عن الحسن بن علي الحيلي ومحمد بن علي المنقري ومحمد بن المعلي الأزدي وغيرهم، وأخذ عنه أبو بكر الخطيب وجماعة، من مؤلفاته: الحاوي، والأحكام السلطانية، ودلائل النبوة، توفي سنة 450 هـ. ابن خلكان (وفيات الأعيان) ج 3 ص 282، ابن السبكي (طبقات الشافعية) ج 5 ص 267، الزركلي (الأعلام) ج 4 ص 327. (3) المارودي (الحاوي الكبير) ج 16 ص 97، ابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 2 ص 171. (4) ابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 2 ص 172.
(5) البغدادي (الكفاية) ص 198، ابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 2 ص 172. (6) ابن سيرين، محمد بن سيرين أبو بكر الأنصاري، من كبار التابعين وفقهاء أهل البصرة، وكان يعبر الرؤيا، توفي بالبصرة سنة 110 هـ. ابن خلكان (وفيات الأعيان) ج 4 ص 181، البستي (مشاهير علماء الأمصار) ص 143. (7) وحكاه الخطيب البغدادي، عن كثير من السلف وأهل التحري في الحديث (الكفاية) ص 198،، الآمدي (الإحكام) ج 2 ص 115، ابن الصلاح (مقدمة ابن الصلاح بشرح التقييد والإيضاح) ص 209، ابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 2 ص 172، السيوطي تدريب الراوي) ج 1 ص 98.
412 (1/412)
صفحة 413
413
***
فصول الأصول
***
وأجيب بأن الكلام في المعنى الظاهر لا فيما يختلف فيه، كما أنه ليس الكلام فيما تعبدنا بلفظه كالأذان والتشهد والتكبير والتسليم، قال النووي في التقريب: قال جمهور السلف والخلف من الطوائف: يجوز بالمعنى في جمعيه إذا قطع بأداء المعنى؛ (1) فإنه إنما يقطع بأداء المعنى عند انتفاء الاحتمال المذكور، ولا يكون إلا في الظاهر المعنى الذي لا يختلف فيه، والله أعلم. واعلم أنه إن قال الصحابي: قال النبي - صلى الله عليه وسلم - كذا فهو المرفوع، وهو حجة على الصحيح لأنه ظاهر في سماعه منه. وقيل: لا يحتج به؛ لاحتمال أن يكون بينه وبينه صحابي إن قيل بالبحث عن
عدالة الصحابة (2).
وكذا إن قال: عن النبي - ه - على الأصح لظهوره في السماع منه - أيضا - وإن كان دون الأول وقيل: لا لظهوره في الواسطة.
وكذا قوله: سمعته أمر بكذا أو نهى عن كذا (3).
وقيل: لا يجوز إطلاق ذلك على غير الأمر والنهي تسمحا (4). وكذا قوله: أمرنا بكذا ونهينا عن كذا وكذا إن قال: أوجب علينا كذا او حرم كذا أو رخص لنا في كذا (ه).
وقيل: لا يكون مثل هذا حجة (6) لاحتمال أن يكون الآمر والناهي بعض الولاة، وأن يكون الإيجاب والتحريم والترخيص استنباطا من قائله.
(1) النووي التقريب بشرح تدريب الراوي) ج 1 ص 99. (2) عزاه الآمدي إلى القاضي أبي بكر الباقلاني (الإحكام) ج 2 ص 107، ابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 2 ص 173.
(3) حكاه الرازي عن قوم لم يسمهم. الرازي (المحصول) ج 4 ص 449، المحلي (شرح المحلي على جمع الجوامع) ج 2 ص 173. (4) الآمدي (الإحكام) ج 2 ص 108، البغدادي (الكفاية) ص 419. (2) صححه النووي وحكاه عن الجمهور (المجموع) ج 1 ص 59، وحكاه ابن الصلاح عن أصحاب الحديث وأكثر أهل العلم (مقدمة ابن الصلاح بشرح التقييد والإيضاح) ص 69. وانظر: الآمدي (الإحكام) ج 2 ص 108، الخطيب (الكفاية) ص 419. (6) وحكاه الامدي عن جمع من الأصوليين والكرخي من الحنفية (الاحكام) ج 2 ص 69. وانظر: الآمدي (الإحكام) ج 2 ص 109، عزاه ابن الصلاح إلى أبي بكر الإسماعيلي، (مقدمة ابن الصلاح بشرح التقييد) ص 69، وانظر: البغدادي (الكفاية) ص 421. (1/413)
صفحة 414
***
فصول الأصول
***
وقول الصحابي - أيضا -: من السنة كذا، حجة عند الأكثر (1) لظهوره في سنة رسول الله - - وقيل: ليس بحجة (2) الجواز إرادة سنة البلد، وقوله: كنا معاشر
(-
الناس نفعل في عهده - - كذا، أو كان الناس يفعلون في عهده - وقيل: ليس بحجة لأنه يجوز أن يكون النبي - - غير عالم بفعلهم). وكذا قوله: كان الناس يفعلون كذا فكانوا لا يقطعون في الشيء التافه قالت ذلك عائشة (4) لأن مثل هذا يظهر منه إجماع جميع الناس أي: في حكم الإجماع وإن لم يكن إجماعا صريحا إن أضيف الفعل إلى زمانه - - إذ لا ينعقد إجماع في زمانه، لأنه زمان تشريع - كما سيأتي - وإن لم يضف إلى زمانه - صلى الله عليه وسلم - حسن أن يطعى حكم الإجماع السكوتي عند من يراه حجة، وهو الأظهر.
وأما قول التابعي: كان الناس يفعلون كذا في عهد النبي - ه - أو في زمانه ففي حكم الموقوف على الصحيح، وقيل: مقطوع، وكذا قول الصحابي إن لم يضفه إلى زمانه - - فهو موقوف، وإن إضافه فمرفوع كما تقدم).
(1) البغدادي (الكفاية) ص 421، الرازي (المحصول) ج 4 ص 448، الآمدي (الإحكام) ج 2 ص 109، ابن الصلاح (مقدمة ابن الصلاح بشرح (التقييد) ص 69، النووي (المجموع) ج 1 ص 59، السيوطي (تدريب الراوي) ج 1 ص 188.
(2) قال به أبو الحسن الكرخي. البغدادي (الكفاية) ص 421، الآمدي (الإحكام) ج 2 ص 110. (3) النووي (المجموع شرح المهذب ج 1 ص 60، (شرح صحيح مسلم) ج 1 ص 142، ابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 2 ص 173.
(4) ونصه: أن رجلا سرق قدحا فأتي به عمر بن عبدالعزيز، فقال هشام بن عروة: قال أبي: إن اليد لا تقطع في الشيء التافه، ثم قال: حدثتني عائشة، قال ابن حجر وهكذا أخرجه إسحاق ابن راهويه في مسنده. ابن حجر (فتح الباري) ج 12 ص 106، وبمعنى الحديث ما روي من طريق عائشة - ا - قالت: لم تكن تقطع يد السارق في أدنى من حجفة أو ترس كل واحد منهما ذو ثمن. البخاري (صحيح البخاري بشرح الفتح كتاب الحدود، باب قول الله تعالى والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما، حديث 6793 ج 12 ص 99، وروي مسلم وابن ماجة بلفظ لا تقطع اليد إلا في ربع دينار فصاعدا، مسلم (صحيح مسلم بشرح النووي كتاب الحدود، باب حد السرقة ونصابها، حديث 1684 ج 11 ص 153، ابن
ماجة (سنن ابن ماجة) المعجم المحدود، باب حد السارق، حديث 2585، ج 3 ص 241. (د) النووي (شرح صحيح مسلم) ج 1 ص 143، ابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 2 ص 174.
212 (1/414)
صفحة 415
415
***
فصول الأصول
***
قال النووي: قول الصحابي: كنا نقول أو نفعل أو نرى كذا، إن لم يضفه إلى زمن النبي - ه - فهو موقوف (1) قال السيوطي (2): كذا قال ابن الصلاح (3) تبعا للخطيب، وحكاه المصنف في شرح مسلم عن الجمهور من المحدثين وأصحاب الفقه والأصول، وأطلق الحاكم) والرازي والآمدي أنه مرفوع. وقال ابن الصباغ: إنه الظاهر، وحكاه المصنف في شرح المهذب عن كثير من الفقهاء، قال: وهو قوي منحيث المعنى، وصححه العراقي (ه) وشيخ الإسلام (6) (7)، وينبغي أن يكون محل الخلاف صحابي لم يعلم موته في صلى الله حياته - - وإلا فإطلاقه بمنزلة إضافته إلى زمنه - -. -
(1) النووي التقريب بشرح تدريب الراوي) ج 1 ص 185. (2) السيوطي، عبدالرحمن بن أبي بكر ابن محمد، ولد سنة 849 هـ، ونشأ في القاهرة، ولما بلغ أربعين سنة اعتزل الناس، وخلا بنفسه في روضة المقياس على النيل، له مؤلفات كثيرة منها: الإتقان في علوم القرآن والأشباه والنظائر، وبغية الوعاة، توفي سنة 911 هـ. ابن العماد (شذرات الذهب) ج 10 ص 74، الزركلي (الأعلام) ج 3 ص 301 (3) ابن الصلاح، عثمان بن عبدالرحمن بن عثمان الكردي، ولد سنة 577 هـ، كنيته ابن الصلاح، ولي التدريس في الصلاحية، ثم انتقل إلى دمشق، فولي تدريس دار الحديث، من مؤلفاته: معرفة أنواع علم الحديث المعروف بمقدمة ابن الصلاح، والفتاوي، وشرح الوسيط، توفي سنة 643 هـ. ابن العماد (شذرات الذهب) ج 7 ص 373، الزركلي (الأعلام) ج 4 ص 207. (4) الحاكم، محمد بن عبد الله بن محمد أبو عبد الله النيسابوري، ولد سنة 5321، بنيسابور، من علماء الحديث، من مؤلفاته: المستدرك، والأمالي، والعلل، توفي سنة 405 هـ بنيسابور. ابن خلكان وفيات الأعيان) ج 4 ص 280، ابن العماد (شذرات الذهب) جه ص 33.
(2) العراقي، عبدالرحيم بن الحسين بن عبدالرحمن من كبار حفاظ الحديث، ولد سنة 725 هـ من كتبه: نكت منهاج البيضاوي، وفتح المغيث، والمغني عن حمل الأسفار في الأسفار، توفي سنة 806 هـ
بالقاهرة، ابن العماد (شذرات الذهب ج 9 ص 87، الزركلي (الأعلام) ج 3 ص 344. (6) يعني ابن حجر العسقلاني، أحمد بن علي بن محمد بن حجر العسقلاني، من أئمة العلم، ولد بالقاهرة سنة 773 هـ، ورحل إلى اليمن والحجاز وغيرهما، من مؤلفاته: لسان الميزان، وتقريب التهذيب، وفتح الباري، توفي سنة 852 هـ. السخاوي (الضوء اللامع ج 2 ص 36، الزركلي (الأعلام) ج 1 ص 178. (1) السيوطي (تدريب الراوي) ج 1 ص 185، لكن الذي وجدته في النكت أنه فصل في المسألة حيث قال: قلت: وينقدح أن يقال: إن كان القائل كما نفعل من أهل الاجتهاد احتمل أن يكون موقوفا وإلا فهو مرفوع ولم أر من صرح بنقله، ابن حجر (النكت على ابن الصلاح) ج 2 ص 516، أما الآمدي، فإنني لم أجده تكلم في هذه المسألة، وإنما الذي تعرض له، فيما إذاقال الصحابي: كنا نفعل أو كانوا يفعلون، هل هذا محمول على فعل الجماعة أم لا؟ وصحح الأول. الآمدي (الإحكام) ج 2 ص 11، ابن الصلاح مقدمة ابن الصلاح بشرح التقييد والإيضاح ص 68، البغدادي (الكفاية) ص 424، النووي (المجموع شرح المهذب) ج 1 ص 60، الحاكم (معرفة علوم الحديث) ص 35 - 36، الرازي (المحصول) ج 4 ص 449، ابن حجر السعقلاني (النكت على ابن الصلاح) ج 2 ص 516. (1/415)
صفحة 416
***
فصول الأصول
***
ثم قال النووي في التقريب: وإن أضافه فالصحيح أنه مرفوع، وكذا قوله: كنا لا نرى بأسا بكذا في حياته - - أو هو فينا بين أظهرنا أو كانوا يفعلون أو يقولون صا الله لا يرون بأسا بكذا في حياته - - فكله مرفوع (1).
قال السيوطي بعد ذلك كله: أما قول التابعي ما تقدم فليس مرفوع قطعا، ثم إن لم يضفه إلى زمن الصحابة فمقطوع لا موقوف، وإن إضافه فاحتمالان للعراقي، وجه المنع أن تقرير الصحابي قد لا ينسب إليه بخلاف تقرير النبي - ه - ولو قال: كانوا يفعلون كذا، فقال المصنف عن شرح مسلم: لا يدل على فعل جميع الأمة بل البعض، فلا حجة فيه إلا أن يصرح بنقله عن أهل الإجماع، فيكون نقلا له، وفي ثبوته بخبر الواحد خلاف (2). انتهى كلام السيوطي. قال ابن القاسم: ولينظر ما لو أسقط الصحابي في حياته - - بعد أن قال كانوا يفعلون أو زادها التابعي بعده، وهل يجري في إسقاط الصحابي إياها ما تقدم في نحو كنا نفعل، مع إسقاطها فيه، ولا يبعد جريانه بناء على ما سيأتي من أن ملحظ الاحتجاج بذلك أن له حكم الرفع، بل هذه الصورة لا تزيد على قول المصنف: فكان الناس يفعلون إلى آخره.
(4)
ولا يخفى تصريح عبارة التقريب بأن وجه الاحتجاج بنحو قول الصحابي: كانوا يفعلون في حياته - - أنه في حكم المرفوع (3)، ولا يخالف ذلك قول الشارح - يعني المحلي: لظهور ذلك في جميع الناس إلى آخره، قال: (ه) فإنه صريح في أنه وجه ذلك الحمل على أنه إجماع لأنه فيما إذا صرح بحياته - - وكلام الشارح فيما إذا لم يصرح بذلك (6)، والمراد بالمصنف حيث ذكر في هذا الباب هو تاج الدين السبكي، والله أعلم.
(1) النووي (التقريب بشرح تدريب الراوي ج 1 ص 185 - 186. (2) السيوطي (تدريب الراوي) ج 1 ص 187.
(3) النووي التقريب بشرح تدريب الراوي) ج 1 ص 186. (4) المحلي (شرح المحلي على جمع الجوامع) ج 2 ص 174. (5) يعني ابن قاسم (6) ابن قاسم (الآيات البينات) ج 3 ص 382 - 383.
416 (1/416)
صفحة 417
417
***
فصول الأصول
***
الكتاب الثالث
في الإجماع
الفصل الثالث والتسعون
في تعريفه وشروطه
عصر
الإجماع هو: اتفاق المجتهدين من أمة محمد - ل - بعد وفاة نبيهم في على حكم، فلا يتناول من لم يكن مجتهدا، ولا عبرة باتفاق غير المجتهدين دونهم، واعتبر بعضهم وفاق العوام للمجتهين مطلقا (1)، وبعضهم في مشهور الأحكام دون دقائق (2) الفقه، قاله المحلي (3).
(2)
واعتبر آخرون اتفاق العالم بالأصول (4)، قالوا: يعتبر وفاقه (5) للمجتهدين في الفروع لتوقف استنباطها على الأصول، ويختص بالمسلمين؛ لأن الإسلام شرط في الاجتهاد المصطلح، فخرج المبتدع الذي تبلغ به بدعته إلى تكفير، فلا عبرة بوفاقه
ولا بخلافه، وهل العدالة ركن في الاجتهاد فيختص بالعدول أم لا؟ قولان (6). والجمهور على أنه إن خالف البعض ولو واحدا فمخالفته قادحة في الإجماع).
(1) حكاه الشيرازي عن بعض المتكلمين وأبي بكر الأشعري (التبصرة) ص 371، واختاره الآمدي (الاحكام) ج 1 ص 284، ونسبه ابن المرتضى إلى أبي عبدالله البصري والقاضي عبدالجبار (منهاج الوصول) ص 606، وانظر: ابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 2 ص 177.
(2) في ب دقايق.
(3) المحلي (شرح المحلي على جمع الجوامع) ج 2 ص 177.
(4) اعتبر ذلك الفخر الرازي والقاضي الباقلاني، الرازي (المحصول) ج 4 ص 198، ابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 2 ص 177، الزركشي (البحر المحيط) ج 4 ص 416، ابن المرتضى (منهاج
الوصول) ص 603. (5) في ب وأوفاقه.
(6) ممن لم يعتبر العدالة ركنا في الاجتهاد الغزالي (المستصفى) ج 1 ص 183، والآمدي (الاحكام) ج 1 ص 287، وأبو هاشم، ابن المرتضى منهاج الوصول) ص 634، السالمي (شرح طلعة الشمس)
ج 2 ص 75.
(7) الشيرازي (التبصرة) ص 361، الغزالي (المستصفى) ج 1 ص 202، الآمدي (الإحكام) ج 1 ص 294، ابن الحاجب (مختصر المنتهى بشرح العضد ج 2 ص 34، ابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 2 ص 178، الزركشي (البحر المحيط) ج 6 ص 430، السالمي (شرح طلعة الشمس) ج 2 ص 78. (1/417)
صفحة 418
***
فصول الأصول
***
وقيل: لا يقدح فيه إلا مخالفة الاثنين فصاعدا (1)، وقيل: إلا الثلاثة فصاعدا (2) وقيل: لا يقدح فيه إلا مخالفة عدد يبلغ عدد التواتر (3).
(6)
وقيل: يقدح فيه خلاف كل مخالف إن ساغ الاجتهاد في مذهبه (4) أي: إذا كان للاجتهاد محال فيه كقول ابن عباس بعدم العول (5) في الفرائض وقيل: تقدح مخالفة الواحد إن كان في أصول الدين لخطره دون سائر العلوم) ولا يختص الإجماع بالصحابة على الأرجح.
وقالت الطاهرية: يختص بهم لكثرة غيرهم كثرة لا تنضبط (8)، فيبعد اتفاقهم على شيء. ولا ينعقد إجماع في حياة النبي - - لأنه زمان تشريع، فإن وافقهم فيما اتفقوا عليه فالحجة قوله دونهم، وإن خالفهم فلا اعتبار بقولهم دونه، ويعتبر وفاق التابعي المجتهد للصحابة إن وجد في عصرهم. ولا يكون إجماع أهل المدينة ولا أهل مكة دون غيرهم حجة، وكذا إجماع أهل البيت ليس بحجة، وكذا إجماع الخليفتين أو الخلفاء الأربعة ليس بحجة؛ لأن هذا
(1) نسبه الشيرازي إلى محمد بن جرير الطبري (التبصرة) ص 361، وعزاه الآمدي (الاحكام) ج 1 ص 294، والإمام السالمي إلى أبي الحسين الخياط وأبي بكر الرازي، وانظر: ابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 2 ص 178. (2) الغزالي (المستصفى) ج 1 ص 186، ابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 2 ص 178، الزركشي
(البحر المحيط) ج 6 ص 432. (3) قال القاضي أبو بكر: إنه الذي يصح عن ابن جرير، الزركشي (البحر المحيط) ج 6 ص 432، وحكاه القرافي عن القاضي عبدالوهاب شرح) تنقيح الفصول) ص 336. (4) حكي عن أبي عبدالله الجرجاني وأبي بكر الرازي، الآمدي (الإحكام) ج 1 ص 294، وصححه السرخسي (أصول السرخسي) ج 1 ص 316، وانظر: الزركشي (البحر المحيط) ج 6 ص 432. (5) العول: زيادة سهام أصحاب الفروض على أصل المسألة بأن تزدحم الفروض في التركة، ولا تتسع لها. د الذيباني عبدالمجيد احكام) المواريث والتركات ص 134.
(6) وهو قول محمد بن الحنفية وعلي بن الحسين وزين العابدين السرخسي (المبسوط) ج 29 ص 161، النووي (المجموع شرح المهذب) ج 16 ص 94، الشنقيطي (مواهب الجليل) ج 4 ص 456. (2) حكاه القرافي عن ابن الاخشاد (شرح تنقيح الفصول) ص 336، الزركشي (البحر المحيط) ج 6
ص 433.
(1) ابن حزم (الاحكام) ج 4 ص 539، ابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 2 ص 178.
418 (1/418)
صفحة 419
419
***
فصول الأصول
***
إجماع بعض لا كل، وقيل: هو حجة في ذلك كله (1)، واستدلوا عليه بأدلة لا نطيل بذكرها إذ غرضنا الاختصار، والإجماع المنقول بالآحاد حجة على الصحيح، وقيل: ليس بحجة (2) لأن الإجماع قطعي لا يثبت بخير الواحد، قلنا (3): هو قطعي الدلالة، فال يضره نقل الآحاد، وكم في الأحاديث من قطعي الدلالة نقل آحادا فقبل وصار حجة في العمليات.
ولا يشترط في المجمعين عدد التواتر خلافا لإمام الحرمين حيث اشترط ذلك (4)، وإن لم يكن في عصر غير مجتهد واحد فلا يكون اجتهاده حجة على غيره؛ لأن الإجماع لا يكون إلا من جمع، وقيل: هو حجة ولو لم يكن إجماعا لانحصار الاجتهاد فيه (5). ولا يشترط انقراض العصر في انعقاد الإجماع بموت أهله عند الأكثر ()، وخالف (1)، فشرطوا انقراض الكل، أو غالب أهل العصر، أو
أحمد وابن فورك ومن معهم انقراض علمائهم أقوال.
(1) مذهب الإمام ملاك وأكثر أتباعه اعتبار حجية إجماع أهل المدينة. الباجي (إحكام الفصول) ص 480، ابن الحاجب (مختصر المنتهى بشرح العضد) ج 2 ص 36، الشنقيطي (نثر) الورود) ج 2 ص 431، وأما اعتبار إجماع أهل البيت حجة فهو مذهب الشيعة الإمامية. محمد باقر الصدر دروس في علم الأصول) ج 2 ص 147، والزيدية، ابن المرتضى (منهاج الوصول) ص 619، والرافضة، وقال به أبو عبدالله البصري من المعتزلة (المرجع السابق)، وأما إجماع الخلفاء الأربعة فقد حكى الكمال بن الهمام عن بعض الحنفية القول بحجيته (التحرير بشرح التيسير) ج 3 ص 242، كما حكاه الكمال بن الهمام عن بعض الحنفية القول بحجيته (التحرير بشرح التيسير) ج 3 ص 242، كما حكاه الإمام السالمي عن بعض الظاهرية (شرح طلعة الشمس) ج 2 ص 81، ولم اجد ابن حزم عزاه إلى أحد من أتباعه. ابن حزم (الإحكام) ج 4 ص 539، وانظر: الشيرازي (التبصرة) ص 368، الغزالي (المستصفى) ج 1 ص 187 - 189، الآمدي (الإحكام) ج 1 ص 305 - 309. (2) قاتل به الغزالي (المستصفى) ج 1 ص 215 - 216، وحكاه ابن المرتضى عن أبي رشيد، ابن المرتضي (منهاج الوصول) ص 633، الزركشي (البحر المحيط) ج 6 ص 487.
(3) في ب قلت، وكلا التعبيرين سليم. (4) إمام الحرمين (البرهان) ج 1 ص 443.
(2) قال به الأستاذ الإسفراييني وابن سريج، الزركشي (البحر المحيط) ج 6 ص 485 - 486. (6) الشيرازي (التبصرة) ص 375، الغزالي (المستصفى) ج 1 ص 192، الآمدي (الإحكام) ج 1 ص 316 317، ابن الحاجب مختصر المنتهى بشرح العضد) ج 2 ص 38، ابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي)
ج 2 ص 181، أمير باد شاه (تيسير التحرير) ج 3 ص 23، السالمي (طلعة الشمس) ج 2 ص 86 - 87. (7) حكاه الإمام السالمي عن بعض الإباضية (شرح طلعة الشمس ج 2 ص 86، وقال به سليم الرازي. ابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 2 ص 182، الشيرازي (التبصرة) ص 375، ابن الحاجب (مختصر المنتهى بشرح العضد ج 2 ص 38، ابن بدران (نزهة الخاطر العاطر) ج 1 ص 301. (1/419)
صفحة 420
***
فصول الأصول
***
(2)
وقال بعضهم: يشترط الانقراض في الإجماع السكوتي لضعفه دون القولي (1)، واشترط ذلك إمام الحرمين في الإجماع الظني ليستقر الرأي عليه كالقطعي (2)، وإجماع الأمم السابقة على أمة محمد - م - على حكم من الأحكام الشرعية غير حجة على هذه الملة؛ لأن حجية الإجماع مخصوصة بإجماع هذه الأمة لقوله - - لا تجتمع أمتي على ضلالة (3)، ونحو ذلك.
وقال بعض: إنه حجة بناء على أن شرع من قبلنا شرع لنا (4). واعلم أن الإجماع لا بد له من مستند شرعي، وقد يستند على قياس؛ لأن القياس من جملة الأدلة الشرعية على الصحيح خلافا لمن منع ذلك مطلقا (5)، أو منعه في القياس الخفي دون الجلي: مطلقا (ه)، ووجه المنع في الجملة أن القياس لكونه ظنيا في الأغلب تجوز مخالفته لأرجح منه، فلو جاز استناد الإجماع عليه الجازت مخالفته الإجماع، وأجيب بأنه إنما يجوز مخالفة القياس إذا لم ينعقد إجماع على ما ثبت به. أما إذا وقع الإجماع عليه امتنعت مخالفته حينئذ، ألا ترى أنهم أجمعوا على تحريم شحم الخنزير قياسا على لحمه (7)، وكذا إراقة المائع (8) كالزيت إن وقعت فيه الفأرة،
(1) قال به أبو إسحاق الإسفراييني وبعض المعتزلة واختاره الآمدي. الآمدي (الإحكام) ج 1 ص 317، أمير باد شاه (تيسير التحرير) ج 3 ص 231. (2) إمام الحرمين (البرهان) ج 1 ص 445.
(3) الحديث أخرجه ابن ماجة (سنن ابن ماجة كتاب الفتن، باب السواد الأعظم، حديث 3950، ج 4 ص 327، والترمذي (سنن الترمذي) كتاب الفتن، باب ما جاء في لزوم الجماعة، حديث 2167، ج 4 ص 327، والترمذي (سنن الترمذي) كتاب الفتن، باب ما جاء في لزوم الجماعة، حديث 2167، ج 4 ص 405. والحاكم (المستدرك) كتاب العلم، باب لا يجمع الله هذه الأمة على الضلالة أبدا، حديث 393، ج 1 ص 200. قال الترمذي: حديث غريب (سنن الترمذي) ج 4 ص 466. (4) حكاه الشيرازي عن أبي إسحاق الإسفراييني. الشيرازي (اللمع) ص 88، الآمدي (الإحكام) ج 1 ص 299، المحلي (شرح المحلي على جمع الجوامع) ج 2 ص 184. (5) حكاه ابن الحاجب عن الظاهرية بناء على عدم حجية القياس عندهم، (المختصر المنتهى بشرح العضد) ج 2) ص 39، وحكاه الشيرازي (اللمع) ص 86، (التبصرة) ص 372، والغزالي (المستصفى) ج 1 ص 196،
عن ابن جرير الطبري وانظر: الآمدي (الإحكام) ج 1 ص 326.
(6) الآمدي (الإحكام) ج 1 ص 326، ابن المرتضى (منهاج الوصول) ص 637.
(7) في حكاية الإجماع نظر، فإن داود إمام الظاهرية لا يقول بتحريم شحم الخنزير. أبو حيان (البحر المحيط)
ج 2 ص 113 - 114.
(8) في ب المايع.
420 (1/420)
صفحة 421
***
فصول الأصول
وقد قاسوه على السمن، لأن السنة قد وردت في إراقة السمن فقط (1)، ثم أجمعوا على أن كل مائع (2) مثله، فلا تجوز مخالفة هذا الإجماع، وهو مستند على قياس
كما ترى، والله أعلم.
(1) نص الحديث: إذا وقعت الفأرة في السمن، فإن كان جامدا فألقوه وما حولها، وإن كان مائعا فلا تقربوه أخرجه أبو داود (سنن أبي داود كتاب الأطعمة، باب في الفأرة تقع في السمن حديث 3842،، ج 3 ص 364، واللفظ له، والترمذي (سنن الترمذي) كتاب الأطعمة، باب ما جاء في الفارة تموت في السمن حديث 1798، ج 4 ص 226، قال الترمذي: حديث صحيح، المرجع السابق.
(2) في ب مايع.
421 (1/421)
صفحة 422
***
فصول الأصول
***
الفصل الرابع والتسعون
في أقسامه وأحكامه
الإجماع إما أن يقع بعد وقوع الاختلاف على الفور قبل استقرار الخلاف والعمل به، أو بعده، فإن كان الأول فهو منعقد ثابت بلا خلاف، ومن ذلك إجماع
–
بعد
الصحابة - رضوان الله عليهم - على دفنه - - في بيت عائشة - ها اختلافهم في دفنه خلافا غير مستقر، فإنهم أجمعوا على ذلك فورا وأما إجماع المختلفين بأنفسهم بعد استقرار الخلاف بينهم فمنعه الإمام الرازي مطلقا (2)، وجوزه الآمدي مطلقا (3). وقال بعض: يجوز إلا أن يكون مستندهم في الاختلاف قطيعا فلا يجوز حذرا من إلغاء الدليل القطعي (4)، وفيه نظر لأنه إن كان المراد قطعي الدلالة فإن قطعي الدلالة لا تجوز مخالفته على حال، وخلاف مخالفه لا يعتد به أصلا فكيف يتأتى كونه مستند الخلاف (ه)؟، ولا يجوز الإجماع على خلافه، وإن كان المراد قطعي المتن فلا معنى لقولهم: حذرا من إلغاء القطعي؛ لأن قطعي المتن إذا كان مدلوله ظنيا فلا يمتنع إلغاؤه اللهم إلا أن يقال: المراد قطعي الدلالة ظني الثبوت، فإنه حينئذ تمكن معارضته لظنية ثبوته فليتأمل أهـ (1) الشهرستاني (الملل والنحل) ج 1 ص 12، ابن كثير (البداية والنهاية) جه ص 266، سعدي أبو حبيب (موسوعة الإجماع في الفقه الإسلامي) ج 2 ص 919. (2) ظاهر كلام الفخر الرازي الجواز لا المنع، إذ قال: المسألة السادسة: أهل العصر إذا اختلفوا على قولين، ثم رجعوا إلى أحد ذينك القولين، هل يكون ذلك إجماعا؟ ومنهم من جعله إجماعا يحرم خلافه. وهو المختار ثم إستدل بأن الصحابة - رضوان الله عليهم - اختلفوا في الإمامة ثم اتفقوا بعد ذلك عليها. فظاهر عبارته جواز ذلك سواء كان ذلك الإجماع بعد استقرار الخلاف أو مباشرة قبل أن يستقر خلافهم
•
في المسألة. ولا يخفى تعبره بثم التي تفيد التراخي. الرازي (المحصول) ج 4 ص 145 - 146. (3) بل منعه الآمدي مطلقا (الاحكام ج 1 ص 340، ومنعه - أيضا - الغزالي (المستصفى) ج 1 ص 205، والإمام السالمي (شرح طلعة الشمس) ج 2 ص 83، وعزاه إمام الحرمين إلى القاضي الباقلاني، الجويني (البرهان) ج 1 ص 453. وقد وقعت نسبة القول بالمنع إلى الرازي والجواز إلى الآمدي في النسختين وفي جمع الجوامع لابن السبكي، ابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 2 ص 185، مما يدل على أن المؤلف - رحمة الله عليه - قد اعتمد على هذا الكتاب اعتمادا كبيرا.
(4) الآمدي (الإحكام) ج 1 ص 340، ابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 2 ص 185. (د) في ب الخلاف.
422 (1/422)
صفحة 423
423
***
فصول الأصول
***
واحتج مانعوا الإجماع بعد استقرار الخلاف بأن استقراره بينهم يقتضي اتفاقهم على جواز الأخذ بكل واحد من شقي الخلاف باجتهاد أو تقليد، فيمتنع بعد ذلك على أحد الشقين فقط، وأجاب المجوزون بأن اقتضاءه ما ذكر مشروط بعدم الاتفاق، وعدم انعقاد الإجماع بعده على أحد الشقين من الخلاف، فإذا أوجد ذلك انهدم اتفاقهم الأول على جواز العمل. ما عدا المجمع عليه)، وذلك الخلاف مبني على عدم اشتراط انقراض العصر، أما مشترطوه فيجوز عندهم مطلقا قطعا. وأما وقوع الإجماع من غير المختلفين بعد استقرار الخلاف بأن مات أولئك المختلفون، ونشأ غيرهم بعده بمدة زمان، فقد اختلف في جواز ذلك صحح بعضهم المنع إن طال زمان الاختلاف (2)، وعللوه بأنه لو انقدح في سقوط الخلاف لظهر للمختلفين فيه أولا، ولما أقروا الخلاف بينهم، بخلاف ما إذا قصر الزمان فقد لا يظهر لهم ويظهر لغيرهم.
وقال بعضهم: يجوز مطلقا (3) لجواز ظهور سقوط الخلاف لغير المختلفين دونهم مطلقا، وهو الصحيح عندي إذ لا مانع من ذلك، والله أعلم. وهنا قاعدة أحببنا إلحاقها بهذا الفصل إذ اختلاف العلماء في مسألة على قولين أو أقوال فالتمسك بأقل ما قيل من القولين أو الأقوال حق، وهو ملحق بالإجماع لأنه شبيه به من حيث إن كلهم قالوا بذلك الأقل ثم زاد من زاد عليه. مثال ذلك أن العلماء اختلفوا في دية الذمي فقال بعضهم: كدية المسلم، وبعضهم كنصفها وبعضهم كثلثها، فكأنهم أثبتوا الثلث كلهم، ثم زادم زاد عليه إلى النصف أو إلى الكل، فالقول بالثلث ملحق بالإجماع لاتفاق الكل على وجوبه، وبه أخذ
(1) الآمدي (الإحكام) ج 1 ص 340، المحلي (شرح المحلي على جمع الجوامع) ج 2 ص 85 - 86. (2) صححه الجويني (البرهان) ج 1 ص 455، والغزالي (المستصفي) ج 1 ص 203، والآمدي وعزاه إلى أبي بكر الصيرفي وأحمد بن حنبل وأبي الحسن الأشعري (الإحكام) ج 1 ص 337، وقال به ابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 2 ص 186، والسالمي (شرح طلعة الشمس) ج 2 ص 83، وحكاه الرازي عن كثير من المتكلمين وكثير من فقهاء الشافعية (المحصول) ج 4 ص 138. (3) جوزه الفخر الرازي (المحصول) ج 4 ص 138، وحكاه الآمدي عن كثير من أصحاب الشافعي والمعتزلة (الاحكام) ج 1 ص 337، وهو قول القرافي (شرح تنقيح الفصول) ص 328، وانظر: أبو الحسين (المعتمد) ج 2 ص 54، ابن المرتضى (منهاج الوصول) ص 610. (1/423)
صفحة 424
***
فصول الأصول
***
الشافعي وجمهور أصحابنا (1)، ولو لم يبلغ درجة الإجماع لجواز الأخذ بخلافه، وذلك في حق من لم يقم عنده دليل على إرادة الأكثر، فمن قام عنده دليل على ذلك وجب عليه الأخذ بما يقتضيه الدليل.
وإذا اختلف العلماء في قضية على قولين فهل يجوز لمن جاء بعدهم إحداث قول ثالث أو لا؟ قولان (2). وقال بعضهم: يجوز ذلك فيما إذا لم يرفع القول الثالث القولين المتقدمين بأن يأخذ من كل واحد منهما طرفا بخلاف ما إذا رفعهما فإنه لا يجوز، لأن رفعهما خرق للإجماع، فهو حرام (3).
قال شيخنا السالمي: ونسب هذا القول إلى الجمهور (4)، مثال إذا لم يرتفع به القولان السابقان أن يقول بعض الأمة: إن الطهارات كلها تفتقر إلى النية، ويقول بعض الأمة: بل كلها لا تفتقر إلى نية، ثم يأتي من بعد من يقول بعضها يفتقر إلى نية (5)، وبعضها لا يفتقر، وكفسخ النكاح بالعيوب الخمسة، قيل: يفسخ بها، وقيل: لا (6)، فالقول
(1) المحلي (شرح المحلي على جمع الجوامع ج 2 ص 187، القطب، محمد بن يوسف (تيسير التفسير) ج 2 ص 381، الجزري كتاب الفقه على المذاهب الأربعة ج 5 ص 370، د. وهبة الزحيلي (أصول الفقه الإسلامي) ج 1 ص 589.
تنبيه: ذكر الغزالي أن مذهب الشافعي - أي دية الذمي ثلث دية المسلم – ليس مبنيا على أنه تمسك بالإجماع حيث قال: فأخذ الشافعي بالثلث الذي هو الأقل، وظن طانون أنه تمسك بالإجماع، وهو سوء ظن بالشافعي، فإن المجمع عليه وجوب هذا القدر، فلا مخالف فيه، وإنما المختلف فيه سقوط الزيادة، ولا إجماع فيه، الغزالي (المستصفى) ج 1 ص 216.
(2) قيل بالمنع، حكاه الرازي (المحصول) ج 4 ص 127، والقرافي (شرح تنقيح الفصول) ص 328، عن الأكثر، وقال به أكثر الحنفية. السرخسي (أصول السرخسي) ج 1 ص 318، أمير باد شاه (تيسير التحرير) ج 3 ص 250، والإمام أحمد وأصحابه. ابن النجار (شرح الكوكب المنير) ج 2 ص 264، وقيل بالجواز، حكاه الرازي عن أهل الظاهر (المحصول) ج 4 ص 127، ابن حزم (الإحكام) ج 45 ص 604، وعزاه أمير باد شاه إلى بعض الحنفية (تيسير التحرير) ج 3 ص 250.
(3) قال به الفخر الرازي (المحصول) ج 4 ص 128، ونسبه البدر الشماخي (مختصر العدل) ص 199، وابن المرتضى (منهاج الوصول) ص 612، إلى الجمهور.
(4) السالمي (شرح طلعة الشمس) ج 2 ص 89 - 90.
(د) نية في ب ساقطة. (6) في ب زيادة يفسخ.
424 (1/424)
صفحة 425
425
***
فصول الأصول
***
بأن بعضها يفسخ (1) دون بعض قول ثالث لا يرفع القولين السابقين بل أخذ من كل واحد طرفا (2)، ومثال ما يرفعهما كوطء الأمة المشتراة البكر، قيل: يمنع الرد بالعيب، وقيل: بل ترد والأرش للوطء معها، وقيل: ترد بلا إرش، فهو قول ثالث يرفع القولين السابقين (3)، وكالجد مع الأخ، قيل له المال كله، وقيل: يقاسم، فالقول بالحرمان قول ثالث يرفع القولين المتقدمين (4)، حجة المانعين مطلقا: بأن الثالث فصل، ولم
يفصل أحد قبله فقد خالف الإجماع، ومن وجه آخر يلزم عليه تخطئة الأمة. وأجيب بأن القول بالتفصيل ليس قولا ينفي الخلاف المتقدم بل تقرير له، ولا يلزم
من ذلك تخطئة الأمة على مذهب من يرى تصويب المجتهدين في الفروع. قالوا: المختلفون هم المؤمنون والثالث تبع غير سبيلهم، قلنا: إن المراد بسبيل المؤمنين في الآية الكريمة هو ما اجمعوا عليه لا ما اختلفوا فيه.
واحتج المجوزون مطلقا وهم الظاهرية بأنه قد وقع من التابعين إحداث قول ثالث. ولم ينكر عليهم أحد من الأمة، فدل على جواز ذلك، فمن ذلك أن ابن سيرين قال في زوجة وأبوين: للأم ثلث جميع المال.
وقال: في زوج وأبوين: للأم ثلث ما بقي، ففصل بين المسأتين، والصحابة لم تفصل بينهما بل قال بعضهم: لها ثلث ما يبقى في الصورتين.
(1) في ب لا يفسخ. (2) ابن الحاجب مختصر المنتهى بشرح العضد) ج 2 ص 39 - 40، الجناوني، يحيى ابن أبي الخير (كتاب النكاح) ص 166، ابن النجار (شرح) الكوكب المنير) ج 2 ص 266، أمير باد شاه (تيسير التحرير) ج 3 ص 251، القطب، محمد بن يوسف (شرح الكوكب المنير) ج 6 ص 386، والعيوب الخمسة هي: الجذام والبرص والجنون - يشترط فيها الرجل والمرأة - والترق والقرن - يختصان بالمرأة – والجب والعنة يختصان بالرجل. وانظر المراجع السابقة والشماخي (شرح مختصر العدل) ص 199. (3) ابن الحاجب مختصر المنتهي بشرح العضد) ج 2 ص 39، الشماخي، عامر بن علي (كتاب الإيضاح) جه ص 277، الشماخي (شرح مختصر (العدل) ص 199، ابن النجار (شرح الكوكب المنير) ج 2 ص 265، أمير باد شاه (تيسير التحرير) ج 2 ص 39، أبو ستة، محمد بن عمر القصبي (حاشية على كتاب الإيضاح) ج ه ص 277، القطب، محمد بن يوسف (شرح كتاب النيل) ج 8 ص 510. (4) الشافعي (الرسالة) ص 591، ابن الحاجب (مختصر المنتهى بشرح العضد ج 2 ص 39، أمير باد شاه (تيسير التحرير) ج 3 ص 251. (1/425)
صفحة 426
***
فصول الأصول
***
وقال بعضهم: لها ثلث الكل فيهما معا، فقول ابن سيرين قول ثالث (1). وكذلك قال سفيان الثوري: من أكل ناسيا لم يفطر، ومن جامع ناسيا أفطر والصحابة لم تفرق بل قال بعضهم: يفطر فيهما، وبعضهم لا يفطر فيهما (3)، ولا نطيل بذکر احتجاج القائلين بالتفصيل؛ إذ غرضنا الاختصار. والصحيح عندي من هذه الأقوال الثلاثة قول الظاهرية، وهو جواز إحداث قول
ثالث مطلقا؛ لأن المحرم عندنا هو خلاف الإجماع لا خلاف الخلاف. واختلاف الأمة على قولين دليل على جواز الرأي في تلك القضية، فصح لغيرهم مثل ما صح لهم من الرأي والاجتهاد، بل يلزم المجتهد أن يخالفهم إذا رأى أن الراجح خلافهم، ولا يح له تقليدهم كما لا يصح له تقليد مجتهد مثله بعد تمكنه من الاجتهاد واقتداره عليه، وهذا هو الراجح عند شيخنا السالمي وأكثر أصحابنا وعليه
العمل عندهم، و (3)، والله أعلم.
(1) السرخسي (المبسوط) ج 15 ص 29، ص 144، النووي (المجموع شرح المهذب) ج 16 ص 73،
الشنقيطي مواهب الجليل) ج 4 ص 447.
(2) ابن حجر (فتح الباري) ج 4 ص 184 - 185، السالمي (شرح طلعة الشمس) ج 2 ص 90. (3) الشماخي (شرح مختصر (العدل) ص 199 - 200، السالمي (شرح طلعة الشمس) ج 2 ص 90.
426 (1/426)
صفحة 427
427
***
فصول الأصول
***
الفصل الخامس والتسعون
الإجماع السكوتي حجة عند الأكثر
وأما الإجماع السكوتي فهو أن يقول بعض المجتهدين حكما في حادثة ويسكت الباقون عنه على علم منهم به.
وقد اختلف العلماء في حجيته على أقوال: قال بعضهم: إنه حجة لا إجماع)، وقال بعضهم إنه حجة وإجماع (2)؛ لأن سكوت العلماء في مثل ذلك يظن منه الموافقة عادة، وقيل: ليس بحجة ولا إجماع لاحتمال السكوت لغير الموافقة كالخوف والمهابة والتردد في المسألة، ونسب هذا القول للشافعي (3) أخذا من قوله (4): لا ينسب قول إلى ساكت.
وقيل: إنه حجة بشرط انقراض العصر؛ إذ لا تؤمن المخالفة إلا بعد ذلك، بخلاف قبل انقراضه (ه).
(1) قال به أبو هاشم والصيرفي. أبو الحسين (المعتمد) ج 2 ص 66، الطوفي (شرح مختصر الروضة) ج 3 ص 128، الزركشي (البحر المحيط) ج 6 ص 461، أمير باد شاه (تيسير التحرير) ج 3 ص 247. (2) حكاه الباجي عن أكثر المالكية (أحكام الفصول) ص 474، وعزاه الآمدي إلى بعض أصحاب الشافعي (الاحكام) ج 1 ص 312، وقال به اكثر الحنفية، البدخشي (مناهج العقول) ج 2 ص 421، أمير باد شاه (تيسير التحرير) ج 3 ص 246، الطوفي (شرح مختصر الروضة) ج 3 ص 128، الزركشي (البحر المحيط)
ج 6 ص 458.
(3) حكي عن داود وابنه وعزي إلى الشافعي، الزركشي (البحر المحيط) ج 6 ص 456، وقال به أبو جعفر السمناني وأبو عبدالله البصري، أبو الحسين (المعتمد) ج 2 ص 66، واختاره الفخر الرازي (المحصول) ج 4 ص 153، ونسبه الكمال بن الهمام إلى عيسى بن أبان والباقلاني التحرير بشرح التيسير) ج 3
ص 246، وانظر: الباجي (إحكام الفصول) ص 474، البدخشي مناهج العقول) ج 2 ص 421. (4) في أقولهم، وعلى هذا يكون الضمير راجعا إلى الأصوليين، والمعنى إن الامام الشافعي احج بما يقال به الاصوليين انه لا ينسب قول الى ساكت، وهذا يفيد قوة اكثر في الاحتجاج اذ فيه الزام بما يقوله الاصوليون بخلاف ما لو رجع الضمير الى الامام الشافعي فان لا يعطي هذه القوة التي افادها ضمير
الجمع.
(د) حكاه البدخشي عن أبي علي الجبائي. البدخشي (مناهج العقول) ج 2 ص 422، وانظر: الآمدي (الإحكام) ج 1 ص 315، الزركشي (البحر المحيط) ج 6 ص 461. (1/427)
صفحة 428
***
فصول الأصول
***
وقيل: إنه حجة إن كان فتيا لا إن كان حكما لأن الفتوى يبحث فيها عادة فالسكوت عنها رضى بها بخلاف الحكم، ونسب هذا القول لابن أبي هريرة (1) (2). وقال أبو إسحاق المروزي (3) بعكس ذلك، وهو أنه حجة إن كان حكما لصدوره عادة بعد البحث مع العلماء واتفاقهم بخلاف الفتيا (4).
وقال قوم: إنه حجة إن وقع فيما يفوت استدراكه كإراقة دم واستباحة فرج؛ لأن ذلك لا يسكت عنه إلا راض به لشدة خطره بخلاف غيره (5).
(6)
وقيل: إنه حجة إن وقع في عصر الصحابة؛ إذ لا يسكتون عما لا يرضون به لشدتهم في الدين بخلاف غيرهم) وقال قوم: إنه حجة إن كان الساكتون أقل من القائلين نظر اللأكثر، وهو قول من قال: إن مخالفة الأقل لا تضر (7).
والصحيح من هذه الأقوال أنه حجة مطلقا وإجماع – أيضا – وعليه جل العلماء من قومنا وجميع أصحابنا (8)، وبعض من يقول بحجيته لا يسميه إجماعا لاختصاص اسم الإجماع عند هؤلاء بالقطعي دون الظني، ونحن نسميه إجماعا ظنيا لأن دلالته (1) ابن أبي هريرة، الحسن بن الحسين بن أبي هريرة، الفقيه الشافعي، أخذ الفقه عن ابن سريج وأبي إسحاق المروزي، ودرس ببغداد، من مؤلفاته: شرح مختصر المزني، توفي سنة 345، ابن خلكان (وفيات الأعيان) ج 2 ص 75، الزركلي (الأعلام) ج 2 ص 188.
(2) الرازي (المحصول) ج 4 ص 153، الآمدي (الاحكام) ج 1 ص 312. (3) أبو إسحاق المروزي، إبراهيم بن أحمد بن إسحاق، من كبار الشافعية، تتلمذ على أبي العباس ابن سريج، وأقام ببغداد للتدريس والإفتاء، له: شرح مختصر المزني، توفي سنة 340 هـ، توفي سنة 340 هـ. ابن خلكان (وفيات الأعيان) ج 1 ص 26، ابن العماد (شذرات الذهب) ج 4 ص 217. (4) ابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 2 ص 189، الزركشي (البحر المحيط) ج 6 ص 466. (5) حكاه ابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 2 ص 189، والزركشي (البحر المحيط) ج 6 ص 466. (6) عزاه الزركشي إلى بعض الشافعية (البحر المحيط) ج 6 ص 466 - 467.
(7) نسبه الزركشي (البحر المحيط) ج 6 ص 466، والشوكاني (إرشاد الفحول) ص 85، إلى أبي بكر الرازي. (8) الشيرازي (شرح اللمع ج 2 ص 691، الجويني (البرهان) ج 1 ص 699، ابن برهان (الوصول إلى الأصول) ج 2 ص 126، الرازي (المحصول) ج 4 ص 153، الطوفي شرح مختصر الروضة) ج 3 ص 78، البخاري (كشف الأسرار ج 3 ص 426، ابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 2 ص 189 190، ابن المرتضى (منهاج الوصول) ص 631، الشماخي (مختصر (العدل) ص 28، الشوكاني (إرشاد الفحول) ص 84، السالمي (شرح طلعة الشمس) ج 2 ص 72، الشنقيطي (نثر الورود) ج 2 ص 438.
428 (1/428)
صفحة 429
429
***
فصول الأصول
***
ظنية عندنا، فهو عندنا إجماع وحجة ظنية توجب العمل ولا تفيد العلم مثل خبر العدل، فمن خالف الإجماع السكوتي لا يحكم بفسقه على الصحيح، كما لا يحكم بفسق من خالف خبر الآحاد لأن التفسيق لا يصح إلا مع مخالفة الدليل القطعي. وإلى هذا القول - وهو أن الإجماع السكوتي بمنزلة خبر الواحد – ذهب أبو علي وأبو هاشم وأبو الحسن الكرخي وهم من المعتزلة، واختاره القاضي عبدالجبار (1). قال صاحب المنهاج: وهذا القول هو الأقرب عندي، إذ العادة تقضي مع عدم التقية أن ينكر المخالف، ويظهر حجته، فيغلب في الظن أن سكوتهم سكوت رضى، فيكون كالإجماع الآحادي، قال أبو هاشم: كان فقهاء التابعين يحتجون بما هذا حاله، قال أبو عبدالله البصري إن صح ما قاله فهو حجة (2)، قال صاحب: المنهاج وقال أكثر الفقهاء: بل هو إجماع، أي: حجة قطعية (3) يعني: أن أكثر الفقهاء قالوا: إن الإجماع السكوتي حجة قطعية يقطع عندهم بفسق من خالفه، واحتجوا على ذلك بما ذكره صاحب المنهاج من القطع من جهة العادة بأنهم لا يسكتون إذا لم يرضوا بالقول مع عدم التقية، وأجيب بعد التسليم لإصابة المجتهدين: بأنه لا نقطع بأنه سكوت رضى (4)، ومن قال: إن الإجماع السكوتي ليس بحجة أصلا قال: هو بمنزلة
قول العالم الواحد، فيلزم المجتهد أن ينظر لنفسه ولو خالفه الإجماع السكوتي. والصحيح ما قدمناه من أنه حجة ظنية، وكذا الإجماع القولي المنقول بالآحاد إنما هو حجة ظنية - أيضا - كما تقدم، وكذلك الخلاف في الإجماع القولي الغير المنتشر، بأن لم يبلغ الكل، ولم يعرف فيه مخالف، قيل: إنه حجة لعدم ظهور الخلاف فيه، وقيل: ليس بحجة يبلغ الكل، ولم يعرف فيه مخالف، قيل: إنه حجة لعدم ظهور الخلاف فيه، وقيل: ليس بحجة لاحتمال أن لا يكون غير القائل خاض فيه، ولو خاض فيه غيره لقال بخلاف قول ذلك القائل (ه).
(1) ابن المرتضى (منهاج الوصول) ص 631 - 632، (شرح طلعة الشمس) ج 2 ص 72. (2) ابن المرتضى (منهاج الوصول) ص 631 - 632.
(3) المرجع السابق ص 631.
(4) المرجع السابق ص 632.
(5) حكاه المحلي عن الأكثر (شرح المحلي على جمع الجوامع) ج 2 ص 193. (1/429)
صفحة 430
***
فصول الأصول
***
وقال الإمام الرازي ومن تبعه: إنه حجة فيما تعم به البلوى كنقض الوضوء مس الذكر: لأنه لا بد من خوض غير القائل فيه، ويكون بالموافقة لانتفاء ظهور المخالفة بخلاف ما لم تعم به البلوى، فلا يكون حجة فيه (1). انتهى، والله اعلم.
(1) أبو الحسين (المعتمد) ج 2 ص 71، الرازي (المحصول) ج 4 ص 159، ابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 2 ص 193 - 194، ابن المرتضى منهاج الوصول) ص 632.
430 (1/430)
صفحة 431
431
***
فصول الأصول
***
الفصل السادس والتسعون
يكون الإجماع في الأمور الدنيوية كالدينية
قال ابن (1) السبكي ما معناه والإجماع قد يكون في أمر دنيوي كتدبير الجيوش والحروب وأمور الرعية ونحوها، وقد يكون في أمر ديني كالصلاة والزكاة، ويكون في عقلي لا تتوقف صحته، أي: صحة الإجماع عليه كحدوث العالم ووحدة الصانع (2).
قال المحلي: أما ما تتوقف صحة الإجماع عليه كثبوت البارئ والنبوة فلا يحتج فيه بالإجماع وإلا لزم الدور (3)، انتهى (4)، ولا يشترط في الإجماع إمام معصوم، وقال الروافض يشترط ذلك، ولا يخلو الزمان عنه، وإن لم تعلم عينه، قالوا: والحجة في قوله فقط وغيره تبع له (ه).
وقال الكوراني: لا معنى للإجماع على الأمر الدنيوي؛ لأنه ليس أقوى من قوله - -، وهو ليس دليلا لا يجوز أن يخالف فيه، ويدل على ذلك قصة تلقيح النخل حيث قال: أنتم أعلم بأمور دنياكم (6)، والمجمع عليه لا يجوز خلافه قال: وما ذكروه في أمر الحروب ونحوها إن أثم مخالف ذلك فلكونه شرعيا، وإلا فلا معنى لوجوب اتباعه، وكذا العقلي لا معنى للإجماع فيه لأنه إن كان قطعيا بالاستدلال فما فائدة الإجماع فيه إلا تعاضد الأدلة لا إثبات الحكم إبتداء.
(1) ابن في ب ساقطة.
(2) هذا كلام ابن السبكي والمحلي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 2 ص 194. (3) الدور: توقف الشيء على نفسه أي يكون هو نفسه علة لنفسه، بواسطة أو بدون واسطة مثل: أول ماء وجد في الأرض هو من السحاب، وأول سحاب وجد هو من بخار الماء في الجو، وأول بخار للماء في الجو وجد هو من الماء الذي في الأرض، حبنكة الميداني (ضوابط المعرفة) ص 323 - 325.
(4) المحلي (شرح المحلي على جمع الجوامع) ج 2 ص 194. (د) ابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 2 ص 194، وانظر: أبو الحسين (المعتمد) ج 2 ص 4، ابن قاسم الآيات البينات) ج 3 ص 417، وهو قول الإمامية حيث اشترطوا موافقة الإمام المعصوم، الطباطبائي المحكم) في أصول الفقه) ج 3 ص 191.
(6) سبق تخريجه. (1/431)
صفحة 432
***
فصول الأصول
***
وقال الإمام في البرهان: أما ما ينعقد الإجماع فيه فالسمعيات، ولا أثر للوفاق في المعقولات، فإن المتبع في المعقولات الأدلة القاطعة، فإذا انتصبت لم يعارضها شقاق ولم يعضدها وفاق (1)، ثم قال (2): أي: فائة في الإجماع في العقليات مع أنه لا يجوز التقليد فيها.
:قال والمصنف - يعني ابن (3) السبكي - اغتر بكلام الإمام في المحصول. وابن الحاجب (ه) وقد أوضحنا لك المقام فدع عنك الأباطيل والأوهام، والله ولي الأنعام، هذا كلام الكوراني (6).
وقد رد عليه ابن القاسم في حاشيته على شرح جمع الجوامع منتصرا للإمام ابن) السبكي) بما لا نطيل بذكره - هنا - والله أعلم، وبه العون والتوفيق.
(1) الجويني (البرهان) ج 1 ص 458. (2) أي الكوراني.
(3) ابن في ب ساقطة.
(4) الرازي (المحصول) ج 4 ص 205.
(5) ابن الحاجب مختصر المنتهي بشرح العضد) ج 2 ص 44.
(6) ابن قاسم (الآيات البينات) ج 3 ص 415.
(1) ابن في ب ساقطة.
(8) ابن قاسم (الآيات البينات) ج 3 ص 415.
432 (1/432)
صفحة 433
433
***
فصول الأصول
***
الفصل السابع والتسعون
الإجماع ممكن الوقوف واقع على الصحيح عند الأكثر
قد أطبق جمهور الأمة من الفقهاء والمتكلمين على أن الإجماع ممكن الوقوع، وأنه جائز واقع، وكذا بلوغ العلم بإجماعهم إلينا ممكن، وكذا نقل إجماعهم لمن بعد عنهم ممكن، فلا يستحيل شيء من هذه الأمور).
وقيل: إنه ممتنع عادة، كالإجماع على أكل طعام واحد وقول كلمة واحدة في وقت واحد (2) وأجيب بأن هذا لا جامع لهم عليه لاختلاف شهواتهم ودواعيهم بخلاف الحكم الشرعي؛ إذ يجمعهم عليه الدليل.
وزعم النظام وبعض الروافض والخوارج (3) (4) امتناع وجود الإجماع ونقل عنهم – أيضا – نفي حجيته، واحتجوا على امتناع وجوده بأن انتشار الأمة يمنع نقل الحكم إلى كل واحد منهم، كما في كثير من الحوادث، فيمتنع إجماعهم على حكم واحد (ه). وأجيب بأن المجتهدين عدد قليل ولهم اجتهاد في البحث عن الأحكام، فلا يلزم من ذلك امتناع اطلاع كل واحد منهم على ذلك الحكم.
(1) الغزالي (المستصفي) ج 1 ص 174، ابن برهان (الوصول إلى الأصول) ج 2 ص 67، ابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 2 ص 195، ابن المرتضى (منهاج الوصول) ص 591، السالمي (شرح طلعة
الشمس) ج 2 ص 73.
(2) حكاه البدخشي عن النظام. البدخشي مناهج العقول) ج 2 ص 379.
(3) في ب الخيارج. (4) الخوارج: هم الأرازقة أتباع نافع بن الأزرق والنجدية أتباع نجدة بن عامر والصفرية أتباع عبدالله الصفار، يقولون إن مرتكب الكبيرة كافر كفر شرك، وأنهم يستحلون دماء مخالفيهم من أهل القبلة. الشهرستاني (الملل والنحل) ج 1 ص 106، شريف يحيى الأمين (معجم الفرق الإسلامية) ص 112،، أعوشت
(دراسات إسلامية) ص 138. (د) أبو الحسين (المعتمد) ج 2 ص 4، الشيرازي (التبصرة) ص 349، ابن برهان (الوصول إلى الأصول) ج 2 ص 67، الآمدي (الإحكام) ج 1 ص 257، الأرموي (التحصيل) ج 2 ص 39، ابن جزي (تقريب الوصول ص 29، الإسنوي (نهاية السول) ج 3 ص 245، الدخشي مناهج العقول) ج 2 ص 379، ابن المرتضى (منهاج الوصول) ص 591، السالمي (طلعة الشمس) ج 2 ص 73. (1/433)
صفحة 434
***
فصول الأصول
***
أما من اعتبر العوام مع العلماء فلم يرد إلا من له نظر في الحادثة دون من لا نظر له في ذلك، وهم - أيضا - لهم بحث وأخذ عن أهل البحث، فيكونون في ذلك
كالمجتهدين.
قال صاحب المنهاج: أما من اعتبر كل الأمة فالحجة لازمة له (1) (2)، والله أعلم. والصحيح ما عليه الجمهور، وهو على الصحيح حجة في الشرع قال الله تعالى: وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ له (3) الآية، فإنه توعد فيها على اتباع غير سبيل المؤمنين، فيجب اتباع سبيلهم وهو قولهم وفعلهم، فيكون حجة.
وقيل: ليس بحجة (4) لقوله تعالى: {فَإِن تَنَزَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ ال (2) اقتصر على الرد إلى الكتاب ولاسنة، قلنا: وقد دل الكتاب – أيضا – على حجته كما تقدم، والله أعلم.
(1) له في ب ساقطة.
(2) ابن المرتضى (منهاج الوصول) ص 597. (3) القرآن الكريم سورة النساء (مدنية) آية رقم 115.
(4) حكاه المحلي (شرح المحلي على جمع الجوامع)، ج 2 ص 195. (د) القرآن الكريم سورة النساء (مدنية) آية رقم 59.
434 (1/434)
صفحة 435
435
***
فصول الأصول
***
الفصل الثامن والتسعون
لا يجوز شرعا ارتداد الأمة كلها إلى الكفر للحديث الوارد
يمتنع للأدلة السمعية ارتداد الأمة كلها إلى الكفر في عصر من العصور لأن هذا خارق للإجماع ممن تقدم على وجوب استمرار الإيمان، والخرق يصدق بالقول والفعل كما يصدق الإجماع بهما، وهذا هو الصحيح لقوله - -: لا تجتمع أمتي على ضلالة (1). وقيل: يجوز ارتدادهم شرعا كما يجوز عقلا، وليس في الحديث ما يمنع من ذلك لانتفاء صدق الأمة وقت الارتداد (2).
وأجيب بأن معنى الحديث أنه لا يجمعهم على أن يوجد منهم ما يضلون به الصادق بالارتداد، ولا يمتنع اتفاقها في عصر على جهل ما لم تكلف به بأن لم تعلمه كالتفضيل – مثلا – بين عمار (3) وحذيفة (4)، فإنه لا يمتنع على (3) الأصح لعدم الخطأ فيه، وقيل: يمتنع وإلا كان الجهل سبيلا لها، فيجب اتباعها فيه، وهو باطل)، وأجيب بمنع أنه سبيل لها؛ لأن سبيل الشخص هو ما يختاره من قول أو فعل، وعدم العلم بالشيء ليس من ذلك، أما اتفاقها على ما كلفت به فممتنع قطعا، ولا يصح
(1) سبق تخريجه ص 357.
(2) الآمدي (الإحكام ج 1 ص 342، ابن النجار (شرح الكوكب المنير) ج 2 ص 282، المحلي (شرح المحلي على جمع الجوامع) ج 2 ص 199. (3) عمار بن ياسر بن عامر أبو اليقظان العنسي، من السابقين إلى الإسلام، وهو ممن عذب في الله، هاجر إلى المدينة وشهد بدرا واحدا والخندق وبيعة الرضوان مع رسول الله - -، توفي سنة 37 هـ. ابن الأثير (أسد الغابة) ج 4 ص 129، الذهبي (الكاشف) ج 2 ص 52. (4) حذيفة بن اليمان، حذيفة بن حسل بن جابر بن عمرو العبسي، واليمان لقب أبيه، من خيار الصحابة وصاحب سر رسول الله - - في المنافقين، توفي سنة 36 هـ. ابن الأثير (أسد الغابة) ج 1 ص 468، الذهبي (الكاشف) ج 1 ص 315. (2) على ساقطة من النسختين، وهي مثبتة في جمع الجوامع، ابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي)
ج 2 ص 200.
(6) الآمدي (الإحكام) ج 1 ص 341، الزركشي (البحر المحيط) ج 6 ص 393، ص 407، المحلي (شرح المحلي على جمع الجوامع) ج 2 ص 200، ابن النجار (شرح الكوكب المنير) ج 2 ص 283 - 284. (1/435)
صفحة 436
***
فصول الأصول
***
وقوع إجماع مضادا (1) لإجماع قبله، لأن ذل خرق للإجماع السابق، وخرقه حرام خلافا لأبي عبدالله البصري في تجويزه ذلك، قال: لأنه لا مانع من كون الأول مغيا (2) بوجود الثاني (3) (4) وأن الإجماع بناء على الصحيح قطعي لا يعارضه دليل لا قطعي ولا ظني، أما القطعي فلاستحالة التعارض بين دليلين قاطعين، وأما الظني فلكون الدليل الظني يجب إلغاؤه مع وجود القطعي في مقابلته. واعلم أنه إن ورد الإجماع موافقا لخبر فموافقته له لا تدل على أن ذلك الخبر هو مستند الإجماع لجواز أن يكون مستندا على غيره، ولم ينقل لنا ذلك المستند اكتفاء بنقل الإجماع عنه، لكن إن لم يوجد غير ذلك مما هو بمعناه فكونه مستندا للإجماع ظاهر مظنون؛ إذ لا بد له من مستند كما تقدم (ه)، والله أعلم.
(1) كذا في النسختين بالنصب، ولعل الصواب مضاد بالجر إذ وقع صفة الإجماع. (2) في ب مغبي، وفي أمغيى، أما في شرح المحلي فقد وردت مغيا بالألف الممدودة. المحلي (شرح المحلي على جمع الجوامع) ج 2 ص 200.
(3) أبو الحسين، المعتمد ج 2 ص 37، ابن السبكي، جمع الجوامع بشرح المحلي، ج 2 ص 200. (4) قوله: وأن الإجماع بناء معطوف على قوله: لأن ذلك خرق للإجماع السابق أي أنه لا يصح وقوع إجماع مضاد لإجماع قبله لهذين الدليلين. (5) ابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 2 ص 201، الزركشي (البحر المحيط) ج 6 ص 404.
436 (1/436)
صفحة 437
437
***
فصول الأصول
***
تتمة
جاحد المجمع عليه كافر
اعلم أن جاحد المجمع عليه المعلوم من الدين بالضرورة مما يعلمه الخواص والعوام، ولم يقبل التشكيك كوجوب الصلاة والصوم وتحريم الزني والخمر كافر قطعا، لأن جحده لشيء من ذلك يستلزم تكذيب النبي - - فيه (1) وكذا ة المجمع عليه المشهور بين الناس المنصوص عليه كتحليل البيع وتحريم الربا جاحد و كافر على الأصح لما تقدم (2).
وقيل: لا يكفر الجواز أن يخفى عليه (3)، وفي المشهور غير المنصوص عليه تردد، قيل: بكفر جاحده لشهرته، وقيل: لا، لجواز أن يخفى عليه)، أما المجمع عليه الخفي الذي لا يعرفه إلا الخواص كفساد الحج بالجماع قبل الوقوف ولو كان ذلك الخفي منصوصا عليه، كاستحقاق بنت الابن السدس مع بنت الصلب فقد قالوا: إن جاحده لا يكفر (ه)
وعندي فيه نظر إذ ما كل ما يعذر بجهله يعذر بجحده، فالجحد أشد من الجهل؛ لأنه قد يضطر إلى مقارفة الشيء من الجهل به لعدم إمكان علمه، ولا يتصور اضطرار المقارفة للشيء بجحده إياه، بل فرض العامي الوقوف عما جهل لقوله تعالى: {وَلَا نَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمُ (6) تأمل، وجاحد المجمع عليه من غير الأمور الدينية فلا يكفر قطعا كوجود مكة ومصر وطرابلس ونحو ذلك، والله أعلم، وبه الحول والتوفيق.
Ac
(1) وحكى الطوفي في هذه المسألة بعدم كفره. الطوفي (شرح مختصر الروضة) ج 3 ص 136. (2) القرافي (شرح تنقيح الفصول ص 337، ابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 2 ص 201، الزركشي (البحر المحيط) ج 6 ص 497، أمير باد شاه (تيسير التحرير) ج 3 ص 258. (3) حكاه ابن السبكي (جمع الجوامع شرح (المحلي) ج 2 ص 202، والزركشي (البحر المحيط) ج 6
ص 498.
(4) هو قول ابن السمعاني وابن برهان والبغوي. الزركشي (البحر المحيط) ج 6 ص 497، والقرافي (شرح تنقيح الفصول ص 337، وابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 2 ص 202.
(2) وذهب الأستاذ أبو إسحاق الاسفراييني إلى أنه يكفر. الزركشي (البحر المحيط) ج 6 ص 497. (6) القرآن الكريم سورة الإسراء (مكية) آية رقم 36. (1/437)
صفحة 438
***
فصول الأصول
***
الكتاب الرابع في القياس
الفصل التاسع والتسعون
في تعريفه وحجيته
القياس (1) من الأدلة الشرعية – أيضا –، وهو في الاصلاح: حمل مجهول الحكم على معلومه لمساواة المجهول للمعلوم في علة حكمه بأن توجد علة المعلوم بتمامها في المجهول عند الحامل له عليه، وهو المجتهد.
والقياس قال الإمام الرازي: هو حجة في الأمور الدنيوية اتفاقا كالأدوية (2)، وأما الأمور الشرعية فقد منعه قوم فيها عقلا (3)، قالوا: لأنه طريق لا يؤمن فيه الخطأ، والعقل مانع من سلوك ذلك، وأجيب: بأن منع العقل لذلك معنى ترجيح تركه لا بمعنى إحالته له، وكيف يحيله العقل إذا ظن فيه الصواب؟ ومنعه ابن حزم) شرعا قائلا: إن النصوص الشرعية تستوعب جميع الحوادث بالأسماء اللغوية من غير احتياج إلى استنباط أو قياس (ه)، قلنا: لا نسلم ذلك، ومنع داود الظاهري الخفي منه بخلاف الجلي (6)، ومنعه أبو حنيفة في الحدود الكفارات
(4)
(1) القياس لغة: رد الشيء إلى نظيره، وقاس الشيء يقيسه إذا قدره على مثاله. ابن منظور (لسان العرب) باب السين، فصل القاف، ج 6 ص 187، د. ابراهيم أنيس وآخرون (المعجم الوسيط) باب القاف، ج 2 ص 770. (2) الذي صدر به الإمام الرازي في حجية القياس قوله: اختلف الناس في القياس الشرعي ولم يتعرض لحجيته في الأمور الدنيوية. الرازي (المحصول) ج ه ص 21. (3) حكاه الغزالي عن بعض المعتزلة كالنظام المستصفى) ج 2 ص 234، وانظر: الباجي (إحكام الفصول) ص 531، الإسنوي (نهاية السول) ج 4 ص 11، ابن المرتضى (منهاج الوصول) ص 649. (4) ابن حزم، علي بن أحمد بن سعيد، من أئمة المذهب الظاهري، ولد سنة 384 هـ بقرطبة يكنى أبا محمد، من مؤلفاته: الإحكام في أصول الأحكام، والمحلي، والفصل في الملل والأهواء والنحل، توفي سنة
456 هـ. ابن خلكان وفيات الأعيان) ج 3 ص 325، الزركلي (الأعلام) ج 4 ص 254. (د) ابن حزم (الإحكام) ج 8 ص 487)، (النبذ في أصول الفقه ص 62، ونسب إمام الحرمين إلى الإباضية أنهم يجحدون القياس الشرعي (البرهان) ج 2 ص 491، لكن هذه النسبة على خلاف ما هم عليه، فإنهم يقولون بأنه حجة شرعية، تأتي بعد الإجماع، الوارجلاني (العدل والإنصاف) ج 2 ص 59 - 60،
الشماخي (مختصر العدل والإنصاف ص 30، السالمي (شرح طلعة الشمس) ج 1 ص 18. وقد نقل القرافي كلام إمام الحرمين ولم يتعقبه بشيء. القرافي (نفائس الأصول) ج 7 ص 3104. (6) ابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 2 ص 204.
438 (1/438)
صفحة 439
439
***
فصول الأصول
***
والرخص والتقديرات قائلا: لأنها لا يدرك المعنى فيها).
وأجيب بأنه يدرك في بعضها فيجرى القياس فيما يدرك كقياس النباش (2) على السارق في وجوب القطع بجامع أخذ مال الغير من حرز (3) خفية، وقياس القاتل عمدا على القاتل خطأ في وجوب الكفارة بجامع القتل بغير حق، وكقياس غير الحجر من المنشفات على الحجر في جواز الاستنجاء به الذي هو رخصة بجامع الجامد الطاهر القالع للنجاسة، وقياس نفقة الزوجة على الكفارة في حالة العسر واليسر عند البعض، والعمل على غيره عندنا كما قد قرر في الفروع (4). ومنع القياس ابن عبدان (5) ما لم يضطر إليه بوقوع حادثة لم يوجد نص فيها، فيجوز القياس فيها للحاجة إليه بخلاف ما لم يقع، فلا يجوز القياس عنده فيه
لانتفاء فائدته (6).
قلنا: فائدته العمل به فيما إذا وقعت تلك الحادثة، ومنعه قوم في الأسباب والشروط والموانع).
(1) وعلى هذا القول أصحابه – أي أبو حنيفة - امير بادشاة (تيسير التحرير) ج 3 ص 103، محمد أمين سويد (تسهيل الحصول) ص 240، وحكاه ابن المرتضي عن أبي عبدالله البصري وأبي الحسن الكرخي، ابن المرتضى (منهاج الوصول) ص 691، وانظر: ابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 2 ص 204. (2) النباش، هو من يفتش القبور ليسرق أكفان الموتى وحليهم. ابن منظور (لسان العرب) باب الشين فصل النون، ج 6 ص 350، د. إبراهيم أنيس وآخرون (المعجم الوسيط) باب النون، ج 2 ص 897 (3) الحرز: الموضع الحصين، ابن منظور (لسان العرب) باب الزاي، فصل الحاء، ج 5 ص 333، د. إبراهيم أنيس وآخرون (المعجم الوسيط) باب الحاء، ج 1 ص 166.
(4) القطب، محمد بن يوسف (شرح كتاب النيل) ج 6 ص 478، السالمي (جوهر النظام) ص 199 - 200. (5) ابن عبدان، عبدالله بن عبدان بن محمد، أبو الفضل، من فقهاء الشافعية، سمع ببغداد من عثمان بن القتات وأبي حفص الكتاني، وأخذ عنه صالح بن أحمد، وعلي بن الحسن وغيرهما، له كتاب: شرح العبادات توفي سنة 433 هـ. ابن السبكي (طبقات الشافعية) ج 5 ص 65، الزركلي (الأعلام) ج 4 ص 95.
به
(6) ابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 2 ص 205. (2) حكاه ابن المرتضى عن أبي عبدالله البصري وأبي الحسن الكرخي (منهاج الوصول) ص 296، وقال بـ ابن الحاجب (مختصر المنتهى بشرح العضد) ج 2 ص 255، والآمدي، وحكاه عن أصحاب أبي حنيفة (الإحكام) ج 4 ص 67، لكن ابن عبدالشكور - وهو حنفي المذهب - حكى عن كثير من الحنفية القول بالجواز، ابن عبدالشكور (مسلم الثبوت بشرح (الفواتح ج 2 ص 319، وانظر: ابن برهان (الوصول إلى الأصول) ج 2 ص 256، ابن النجار (شرح الكوكب المنير) ج 4 ص 220. (1/439)
صفحة 440
***
فصول الأصول
***
قالوا: لأن القياس فيها يخرجها عن أن تكون كذلك إذ يكون المعنى المشترك بينها وبين المقيس عليها هو السبب والشرط والمانع لا خصوص المقيس عليه أو المقيس. وأجيب بأن القياس لا يخرجها عما ذكر، والمعنى المشترك فيه كما هو علة لها يكون علة لما ترتب عليها، مثاله في السبب قياس اللواط على الزني بجامع إيلاج فرج في فرج محرم شرعا مشتهى طبعا، ومنعه قوم في أصول العبادات)، فمنعوا جواز الصلاة بالإيماء المقيسة على صلاة القاعد بجامع العجز، قالوا: لأن الدواعي تتوفر على نقل أصول العبادات وما يتعلق بها، وعدم نقل الصلاة بالإيماء التي هي من ذلك يدل على عدم جوازها، فلا يثبت جوازها بالقياس، ودفع ذلك منعه ظاهر. والصحيح أن القياس حجة لعمل كثير من الصحابة به متكررا شائعا مع سكوت الباقين الذي هو في مثل ذلك من الأصول العامة وفاق عادة، ولقوله تعالى: فاعتبروا يا أولى الأبصار (2)، والاعتبار قياس الشيء بالشيء إلا في الأمور العادية والخلقية التي ترجع للعادة والخلقة كأقل الحيض أو النفاس أو الحمل أو أكثره، فلا يجوز ثبوت
هذه الأمور بالقياس لأنها لا يدرك المعنى فيها، فيرجع فيها إلى قول الصادق. وقيل: يجوز لأنه قد يدرك (3)، واختلفوا فيما لا يعقل معناه من الأحكام كوجوب الدية على العاقلة هل يجوز فيه القياس؟ فمنعه قوم، وأجازه آخرون، قالوا: كل الأحكام لها معان معقولة فوجوب الدية على العاقلة (4) يدرك معناه وهو إعانة الجاني فيما هو معذور فيه، كما يعان الغارم لإصلاح ذات البين بما يصرف إليه من الزكاة)، والله أعلم.
(1) عزاه القرافي إلى أبي علي الجبائي وأبي الحسن الكرخي. القرافي (شرح تنقيح الفصول) ص 415، وينظر: الجويني (البرهان) ج 2 ص 492، ابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 2 ص 206.
(2) القرآن الكريم سورة الحشر (مدنية) آية رقم 2.
(3) حكاه الجلال المحلي (شرح المحلي على جمع الجوامع) ج 2 ص 209. (4) عاقلة الرجل: عصبته، وهم الأقارب من جهة الأب الذين يشتركون في دفع ديته، ابن منظور (لسان العرب) باب اللام فصل العين، ج 11 ص 460، إبراهيم أنيس (المعجم الوسيط) باب العين، ج 2 ص 639.
(5) الآمدي (الإحكام) ج 4 ص 69 - 70، ابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 2 ص 209.
440 (1/440)
صفحة 441
441
***
فصول الأصول
***
(1)
الفصل المكمل المائة
في أركانه وشروطه
وأركان القياس أربعة مقيس عليه، ومقيس، وجامع مشترك بينهما، وحكم
للمقيس عليه يتعدى إلى المقيس بواسطة ذلك الجامع.
ويعبر عن الأول بالأصل، وهو محل الحكم المشبه به.
وعن الثاني بالفرع، وهو المشبه بالأصل الملحق به في حكمه، وعن الوصف الجامع بينهما بالعلة.
الركن الأول من أركان القياس الأصل:
وهو محل الحكم المشبه به (2) وقيل: دليل الحكم (3)، وقيل: هو حكم المحل المذكور (4)، هذا في الاصطلاح، وأما في أصل اللغة فالأصل ما يبنى عليه غيره)، والفرع ما يبنى على غيره (6)، وأول الأقوال فيه أقرب إلى الصواب كما لا يخفى، ولا يشترط في الأصل الذي يقاس عليه الاتفاق على وجود العلة فيه خلافا لمن زعم ذلك، وهو بشر المريسي (7)، ولا دليل له على ذلك) ولا يشترط أن يكون فيه
(1) المكمل في ب ساقطة. (2) عزاه الزركشي إلى الفقهاء (البحر المحيط) ج 7 ص 95، وابن النجار إلى كثير من المتكلمين (شرح الكوكب المنير) ج 4 ص 14، وانظر: الرازي (المحصول) ج ه ص 16، الآمدي (الإحكام) ج 3 ص 213. (3) عزاه الزركشي إلى المتكلمين (البحر المحيط) ج 7 ص 95، وانظر: الرازي (المحصول) جه ص 16، ابن النجار (شرح الكوكب المنير) ج 4 ص 14. (4) قال به الفخر الرازي (المحصول) ج ه ص 17، ابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 2 ص 212، ابن النجار (شرح) الكوكب المنير) ج 4 ص 14. (2) ابن منظور (لسان العرب باب العين فصل الهمزة، ج 11 ص 16، إبراهيم أنيس وآخرون (المعجم الوسيط) باب الهمزة ج 1 ص 20. (6) ابن منظور (لسان العرب) باب العين فصل الفاء، ج 8 ص 246، د. إبراهيم أنيس وآخرون (المعجم الوسيط) باب الفاء، ج 2 2 ص 684. (1) بشر المريسي: هو بشر بن غثيان ابن أبي كريمة عبد الرحمن المريسي العدوي بالولاء، فقيه معتزلي، عارف بالفلسفة، إمام الطائفة المريسية التي تقول بالإرجاء، أخذ الفقه عن القاضي أبي يوسف، توفي سنة 218 هـ ابن العماد (شذرات الذهب) ج 3 ص 90، الزركلي (الأعلام) ج 2 ص 55. (8) الرازي (المحصول) ج 5 ص 368، المحلي (شرح المحلي على جمع الجوامع) ج 2 ص 213. (1/441)
صفحة 442
***
فصول الأصول
***
دليل دال على جواز القياس عليه بنوعه أو شخصه خلافا لزاعم ذلك، وهو عثمان
البني
(1) (2)، والله أعلم.
الركن الثاني من أركان القياس حكم الأصل
والشرط في حكم الأصل ثبوته بغير القياس بل بالنص من الكتاب أو السنة أو الإجاع، إذ لو ثبت بالقياس كان القياس الثاني عند اتحاد العلة لغوا للاستغناء عنه بقياس الفرع فيه على الأصل في الأول، وعند اختلاف العلة غير منعقد لعدم اشتراك الأصل والفرع فيه في علة الحكم، مثال الأول: قياس الغسل على الصلاة في اشتراط النية بجامع العبادة، ثم قياس الوضوء على الغسل فيما ذكر، وهو لغو للاستغناء عنه بقياس الوضوء على الصلاة، ومثال الثاني: قياس الرتق (3) على ب (4) الذكر في فسخ النكاح بجامع فوات الاستمتاع، ثم قياس الجذام على الرتق فيما ذكر، وهو غير منعقد؛ لأن العلة غير موجودة – هنا – وهي فوات الاستمتاع، ومن شروطه أن لا يعدل به عن سنن القياس، فما عدل عن سننه، أي: خرج عن منهاجه لا لمعنى فلا يقاس على محله؛ لأن تعدي حكمه حينئذ إلى غيره متعذر لقيام الدليل على ذلك، وذلك – مثلا – كشهادة خزيمة بن ثابت (4)
(1) عثمان البتي أبو عمرو البصري، واسم أبيه قيل: مسلم: وقيل: أسلم وقيل: سليمان، أصله من الكوفة، روى عن أنس بن مالك وعبد الحميد بن سلمة والشعبي وغيرهم، وروى عنه شعبة والثوري وهشيم وغيرهم، وثقه أحمد والدارقطني وابن سعد وابن معين، توفي في حدود المائة والأربعين. الصفدي (الوافي بالوفيات) ج 19 ص 470، الذهبي تاريخ الإسلام) حوادث وفيات، 121 - 140 هـ ص 485.
(2) الرازي (المحصول) ج 5 ص 367، المحلي (شرح المحلي على جمع الجوامع) ج 2 ص 213. (3) الرتق: ضد الفتق، وامرأة رتقاء: التصق ختانها فلم تنل لارتتاق ذلك الموضع منها، فهي لا يستطاع جماعها، ابن منظور (لسان العرب باب القاف فصل الراء، ج 10 ص 114، د. إبراهيم أنيس (المعجم الوسيط باب الراء) ج 1 ص 327. (4) الجب: القطع، والمجبوب، الخصي الذي قد استؤصل ذکره و خصياه. ابن منظور (لسان العرب) باب الباء فصل الجيم، ج 1 ص 249، د. إبراهيم أنيس وآخرون (المعجم الوسيط) باب الجيم، ج 1 ص 104، سعدي أبو حبيب (القاموس الفقهي) ص 57.
(د) خزيمة بن ثابت، هو الصحابي الجليل خزيمة بن ثابت الأنصاري، كنيته أبو عمارة، من السابقين في الإسلام، شهد بدرا وغيرها من المشاهد، توفى سنة 37 هـ. ابن الأثير (أسد الغابة) ج 2 ص 132، ابن
حجر (الإصابة) ج 1 ص 425.
442 (1/442)
صفحة 443
443
***
فصول الأصول
***
وقصتها مشهورة (1)، فلا يقاس عليه غيره في كون شهادته عن شهادة رجلين ولو كان هذا الغير أعلى منه رتبة في التدين والعدالة ولو كان الصديق لقيام الدليل على اختصاصه بهذا الحكم دون غيره، وهو قوله - ل - من شهد له خزيمة أو شهد عليه فحسبه.
ومن شروطه أن لا يكون دليل حكم الأصل شاملا لحكم الفرع للاستغناء حينئذ بذلك الدليل عن القياس؛ لأن الصور المشمولة بدليل متساوية فيه فلا يكون بعضها أولى بأن يكون أصلا للبعض الآخر، مثال ذلك أن يستدل على ربوية البر بحديث مسلم الطعام بالطعام مثلا بمثل ربا (2)، ثم قيس على البر الذرة بجامع الطعم، فإن لفظ الطعام يتناول الذرة، فهي والبر سواء في الدليل، فما صدر للقياس - هنا – فائدة.
ومن شروطه كون الحكم في الأصل متفقا عليه، قيل: حتى لا يتأتى منعه بوجه ماصح بين الأمة كلها، وقيل: بين القائس ومعارضه فقط، حتى أن بعضهم قال: يشترط اختلاف من عداهما في حكم أصل القياس، قالوا: ليتأتى للخصم الباحث منعه (3)، وهذا عندي ليس بشيء، والله أعلم.
واعلم أن الحكم في أصل القياس بعد أن كان متفقا عليه بين الخصمين، أعني القائس والمعارض إن اختلفا في العلة فاختلافهما لا يخلو من أحد وجهين: فإنه إما
(1) أخرج الحديث أبو داود بلفظ: أن النبي - - ابتاع فرسا من أعرابي، فاستتبعه النبي - - ليقضيه ثمن فرسه، فأسرع رسول الله - ع - المشي وأبطأ الأعرابي، فطفق رجال يعترضون الأعرابي فيسامونه بالفرس، ولا يشعرون أن النبي - - ابتاعه، فنادى الأعرابي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: إن كنت مبتاعا هذا الفرس وإلا بعته، فقام النبي - - حين سمع نداء الأعرابي فقال: أو ليس قد ابتعته منك؟ فقال الأعرابي لا والله ما بعته، فقال النبي - - بلى قد ابتعته منك؟ فطفق الأعرابي يقول: هلم شهيدا، فقال خزيمة بن ثابت: أنا أشهد أنك قد بايعته، فأقبل النبي - - شهادة خزيمة بشهادة رجلين. أبو داود (سنن أبي داود كتاب الأفضية، باب إذا علم الحاكم صدق الشاهد الواحد يجوز له أن يحكم به، حديث رقم 3607، ج 2 ص 172، والحاكم (المستدرك) كتاب البيوع، ج 2 ص 18، دار المعرفة، بيروت، وأورده الهيثمي (مجمع الزوائد) كتاب المناقب، باب ما جاء في خزيمة بن ثابت، حديث 15780، ج 9 ص 533، وحسام الدين الهندي (كنز العمال) حديث 37038، ج 13 ص 379، قال الهيثمي: رواه الطبراني، ورجاله كلهم ثقات، (مجمع الزوائد) ج 9 ص 533. (2) سبق تخريجه. (3) الآمدي (الإحكام) ج 3 ص 218، ابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 2 ص 219 - 220. (1/443)
صفحة 444
***
فصول الأصول
***
يكون الخصم يسلم أن تلك العلة التي علل بها القائس هي موجودة في أصل القياس، ولكنه ينكر عليتها، أي: كونها علة للحكم، أو ينكر وجودها أصلا، فإن كان ينكر العلية ويعلل الحكم بعلة أخرى فهذا النوع من القياس يسمى عندهم مركب الأصل لتركيب الحكم فيه على علتين مختلفتين بالنظر إلى كل من القائس وخصمه، مثال ذلك أن يقول الشافعي إن الحر لا يقتل بالعبد، كما لا يقتل بالمكاتب. فيقول الحنفي: إنما لم يقتل الحر بالمكاتب لجهالة من يستحق القصاص هل السيد أم ورثته؟ لا لكونه عبد (1)، فهم متفقون في حكم الأصل. وهو أن المكاتب لا يقتل به الحر إن قتله، لكن خلافهم في العلة ما هي، وكذا إن قال الشافعي: حلي البالغة لا زكاة فيه لكونه حليا مباحا قياسا على حلي الصبية، فيقول الحنفي: إن حلي الصبية لا زكاة فيه لكونه مال صبية لا لكونه حليا مباح (2)، فتراهم قد اتفقوا في حكم الأصل وهو حلي الصبية أن لا زكاة فيه، واختلفوا في العلة ما هي بعد تسليم الخصم وجودها، وإن اتفق الخصمان على حكم الأصل - أيضا - لكن علله القائس بعلة يمنع الخصم وجودها فيه، كقياس إن تزوجت هندا فهي طالق على صورة فلانة التي أتزوجها طالق في عدم وقوع الطلاق بعد التزوج.
فإن عدمه في الأصل متفق عليه بين الشافعية والحنفية، والعلة عندنا وعند الشافعية تعليق الطلاق قبل ملكه، والحنفي يمنع وجودها في الأصل، ويقول: هو تنجيز (3)، فإن هذا يسمى عندهم بمركب الوصف لتركيب الحكم فيه على الوصف الذي منع الخصم وجوده في الأصل، وكلا القسمين المذكورين فاسد لا يقبل لمنع الخصم وجود العلة في الفرع في القسم الأول، ولمنعه وجودها في الأصل في القسم الثاني والصحيح أنه لا يشترط في القسم صحة القياس الإجماع على أن حكم الأصل معلل، ولا كون العلة منصوصا عليها، بل يكفي كونها مستنبطة خلافا لمشترط ذلك (4) إذ لا دليل عليه، والله تعالى أعلم.
(1) الآمدي (الإحكام) ج 3 ص 218 - 219، ابن عبدالشكور (مسلم الثبوت بشرح الفواتح ج 2 ص 254، السالمي (طلعة الشمس) ج 2 ص 113.
(2) البناني (حاشية البناني على جمع الجوامع) ج 2 ص 220.
(3) الآمدي (الإحكام) ج 3 ص 219، ابن عبدالشکور (مسلم الثبوت بشرح الفواتح ج 2 ص 255، السالمي (طلعة الشمس) ج 2 ص 113. (4) اشترط ذلك بشر المريسي والشريف المرتضى كما نسب ذلك إليهما الغزالي (شفاء الغليل) ص 640، والزركشي (البحر المحيط) ج 7 ص 97.
444 (1/444)
صفحة 445
445
***
فصول الأصول
***
الركن الثالث من أركان القياس الفرع
وهو المحل المشبه بالأصل، وقيل: هو حكم المحل (1)، وله شروط (2): منها وجود العلة التي وجدت في الأصل فيه بتمامها كالإسكار في قياس النبيذ على الخمر، والإيذاء في قياس الضرب على التأفيف. فإن كانت العلة قطعية. بمعنى أن ذلك الشيء مقطوع بعليته فالقياس قطعي، وذلك كالإسكار، فإنه مقطوع به في الخمر وبوجوده في الفرع وهو النبيذ، فإنه حينئذ يكون الفرع كأنه تناوله دليل الأصل.
فإن كان دليل الأصل ظنيا كان حكم الفرع كذلك، وإن كانت العلة ظنية في الأصل، أي: لم يقطع بأن ذلك الوصف الموجود فيه هو علة حكمه ولو قطع بوجوده في الفرع، فهذا القياس ظني، ويسمى قياس الأدون، وذلك كقياس البطيخ على البر في باب الربا جامع الطعم، فإن الطعم عند بعضهم هو العلة في ربوية البر، بل يحتمل أن تكون العلة فيه الكيل أو الاقتيات أو الادخار؛ إذ كل هذه الأوصاف فيه، وليس في البطيخ إلا الطعم صارت العلة ظنية، فثبوت الحكم وهو الربا في البطيخ أدون من ثبوته في البر المشتمل على الأوصاف الثلاثة فأدونية القياس من حيث الحكم لا من حيث العلة، لأنها لا بد من تمامها كما تقدم.
والنوع الأول وهو القياس القطعي يشمل قياس الأولى والمساوي، فقياس الأولى كقياس تحريم ضرب الوالدين على تحريم التأفيف؛ لأن الضرب أشد إيذاء منه، فهو أولى بالتحريم، والمساوي كقياس تحريم إحراق مال اليتيم على تحريم أكله؛ لأن العلة في تحريم أكله الإتلاف، وإحراقه مساو لأكله في الإئتلاف.
ومن شروط الفرع أن (3) يساوي الأصل وحكمه في عين العلة أو جنسها، مثال مساواته في عين العلة قياس النبيذ على الخمر في الحرمة بجامع الشدة، فإنها موجودة
(1) الرازي (المحصول) ج 5 ص 19، الآمدي (الإحكام) ج 3 ص 213، الزركشي (البحر المحيط) ج 7 ص 136.
(2) تراجع هذه الشروط في: الآمدي (الإحكام ج 3 ص 219، دار الكتب العلمية، بيروت الحزري (معراج المنهاج) ج 2 ص 214، الطوفي (شرح مختصر الروضة ج 3 ص 308، الأصفهاني، محمود بن عبدالرحمن (شرح المنهاج ج 2 ص 746، السالمي (طلعة الشمس) ج 2 ص 94.
(3) في ب اقتحمت كلمات بين أن ويساوي وهي: في إحراقه مساو لأكله في الاتلاف. (1/445)
صفحة 446
***
فصول الأصول
***
في النبيذ بعينها نوعا لا شخصا، ومثال مساواته في جنس العلة: قياس العضو على النفس في ثبوت القصاص بجامع الجناية، فإنها جنس لاتلافهما، ومثال المساواة في عين الحكم: قياس عمدا عدوانا، ومثال المساواة في جنس الحكم؛ قياس بضع الصغيرة على مالها في ثبوت الولاية للأب أو الجد بجامع الصغر، فإن الولاية جنس لولايتي النكاح والمال، فإن لم يساو المذكور ما ذكر فسد القياس لانتفاء العلة عن الفرع في الأول، وانتفاء حكم الأصل عن الفرع في الثاني.
ولا يكون الفرع منصوصا عليه بدليل موافق للقياس للاستغناء حينئذ بالنص عن القياس خلافا لمن جوز دليلين على مدلول واحد في عدم اشتراطه ما ذكر لما جوزه)، ويفيد القياس عنده معرفة العلة، ولا بدليل مخالف للقياس لتقديم النص على القياس إلا التجربة النظر، فإن القياس المخالف صحيح في نفسه، ولم يعمل به لمعراضة النص له. ومن شروطه أن لا يكون حكم الفرع متقدما على حكم الأصل في ظهوره، كقياس الوضوء على التيمم في وجوب النية، فإن الوضوء شرع قبل الهجرة، والتيمم بعدها، فلو جاز تقدمه للزم ثبوت حكم الفرع حال تقدمه من غير دليل، وهو ممتنع؛ لأنه تكليف بما لا يعلم، وجوز ذلك الإمام الرازي عند دليل آخر يستند إليه الفرع عند تقدمه دفعا للمحذور المذكور وبناء على جواز دليلين أو أدلة على مدلول واحد وإن تأخر بعضها عن بعض كمعجزات النبي - - التي تأخرت عن المعجزة المقارنة لابتداء الدعوة (2).
ولا يشترط ثبوت حكم الفرع بالنص جملة خلافا لقوم في قولهم: يشترط ذلك (3)، ويطلب بالقياس تفصيله، قالوا: فلولا العلم بورود ميراث الجد جملة لما جاز القياس في توريثه مع الإخوة عند مجيز ذلك، ورد اشتراطهم ذلك: بأن العلماء من الصحابة وغيرهم قاسوا قول القائل لزوجته: أنت علي حرام على الطلاق والظهار والإيلاء بحسب اختلافهم فيه ولم يوجد فيه نص لا جملة ولا تفصيلا.
(1) ممن جوز ذلك الفخر الرازي (المحصول) ج 5 ص 361. (2) الرازي (المحصول) ج ه ص 361، وممن ألغى هذا الشرط - أن لا يكون حكم الفرع متقدما على حكم الأصل - ابن الصباغ. الزركشي (البحر المحيط) ج 7 ص 39. (3) حكاه الغزالي عن أبي هاشم (شفاء الغليل) ص 675، وانظر: الرازي (المحصول) ج ه ص 372، الآمدي الإحكام) ج 3 ص 276.
446 (1/446)
صفحة 447
447
***
فصول الأصول
***
ولا يشترط انتفاء نص أو إجماع يوافق القياس عند بعض خلافا لما تقدم من اشتراط ذلك، وعلى اشتراطه الغزالي والآمدي قالا: فلا يكون حينئذ للقياس فائدة (1)، وأجيب بأن فائدته الاستظهار ببعض الأدلة على بعض. والذي عندي إن أريد أن انتفاء النص أو الإجماع شرط صحة للقياس بهذا غير مسلم؛ إذ لا دليل من كتاب أو سنة أو إجماع يمنع من ذلك، وتوارد الأدلة على مدلول
واحد شائع ذائع في الأحكام الشرعية، وفائدتها الاستظهار والتقوية كما تقدم. وأما إن أرادوا أن مستند الحكم هو الدليل السابق على القياس لا نفس القياس فقط فنعم نحن نسلم ذلك، فيكون بناؤه على النص أو الإجماع كالتأسيس، والقياس مؤكد لذلك التأسيس، هذا تحقيق المقام، والله ولي العون والتوفيق، والله أعلم. الركن الرابع من أركان القياس العلة
وهي الوصف الجامع، قال المحلي: وفي معناها حيثما أطلقت على شيء في كلام أئمة الشرع أقوال تنبني عليها مسائل تأتي (3). قال أهل التحقيق: إنها الوصف المعرف للحكم (3)، فمعنى كون الإسكار علة أنه معرف أي علامة على تحريم المسكر كالخمر والنبيذ.
قال ابن السبكي: وحكم الأصل على هذا ثابت بها لا بالنص خلافا للحنفية في قولهم بالنص (4) لأنه هو المفيد للحكم، واعترض بأنه لم يفده بقيد كون محله أصلا يقاس عليه، والكلام في ذلك والمفيد له هو العلة؛ إذ هي منشأ التعدية المحققة للقياس، وقيل: العلة المؤثر بذاته في الحكم بناء على أنه يتبع المصلحة أو المفسدة، وهو قول المعتزلة (ه).
(1) الغزالي (المستصفى) ج 1 ص 331 (شفاء العليل) ص 675، الآمدي (الإحكام) ج 3 ص 276، الزركشي (البحر المحيط) ج 7 ص 138.
(2) المحلي (شرح المحلي على جمع الجوامع) ج 2 ص 231.
(3) ابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 2 ص 231، الزركشي (البحر المحيط) ج 7 ص 143، السالمي (شرح طلعة الشمس) ج 2 ص 102.
(4) ابن (جمع الجوامع بشرح (المحلي) ج 2 ص 236، وانظر: ابن برهان الوصول إلى الأصول) ج 2 ص 274، الآمدي (الإحكام) ج 3 ص 270، ابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 2 ص 231، الإنصاري (فواتح الرحموت) ج 2 ص 293.
(د) أبو الحسين (المعتمد) ج 2 ص 200، الزركشي (البحر المحيط) ج 7 ص 144، ابن قاسم (الآيات
البينات) ج 4 ص 48. (1/447)
صفحة 448
***
فصول الأصول
***
وقال الغزالي: هي المؤثر فيه بإذن الله)، وقال الآمدي: هي الباعث على الحكم، قال: وهو مراد الشافعية في قولهم: حكم الأصل ثابت بها (2):، وقد تكون دافعة للحكم، وقد تكون رافعة له، وقد تكون دافعة ورافعة، مثال الأول: العدة فإنها تدفع حل النكاح من غير الزوج لجواز النكاح بعده، ومثال الثالث: الرضاع يدفع حل النكاح ويرفعه إذا طرأ (3) عليه (4).
وتكون العلة وصفا حقيقيا، وهو ما يتعقل في نفسه من غير توقف على عرف أو غيره ظاهرا منضبطا كالطعم في الربا، أو وصفا عرفيا مطردا لا يختلف باختلاف الأوقات كالشرف والخسة في الكفاءة.
خمرا
واختلفوا هل تكون العلة وصفا لغويا كتعليل حرمة النبيد بأن يسمى. كالمشتد من ماء العنب أم لا يصح ذلك؟ قولان: ذهب إلى جواز ذلك أكثر الشافعية، وصححه الإمام السبكي، وعليه ابن بركة من أصحابنا (ه) ومنعه جمهور الأصحاب، وصحح المنع شيخنا السالمي - رحمه الله - فقالوا: لا يجوز تعليل الحكم الشرعي بالأمر اللغوي؛ لأن تعليل الأحكام الشرعية بالألفاظ اللغوية لا يصح قطعا؛ لأن الشارع لم يعلق أحكام الشرع بألفاظ اللغة، وإنما علقها بمعان أخر (6) قال شيخنا (7): وبهذا يظهر فساد ما اعتل به ابن بركة في ثبوت حكم الزاني للائط وللواطئ في الدبر، حيث جعل ذلك زنى معتلا بأن العرب تسمي الدخول
(1) الغزالي (شفاء الغليل) ص 21.
(2) الآمدي (الإحكام) ج 3 ص 224، وص 270.
(3) في النسختين إذ والتصحيح من شرح المحلي فقد وردت إذا. المحلي (شرح المحلي على جمع الجوامع)
ج 2 ص 234.
(4) الرازي (المحصول) ج ه ص 322، ابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 2 ص 232 - 234، ابن النجار (شرح الكوكب المنير) ج 4 ص 44.
(5) وصححه ابن النجار (شرح الكوكب المنير) ج 4 ص 46، وحكاه أبو الوليد الباجي عن أكثر المالكية (إحكام الفصول) ص 646، وانظر: ابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 2 ص 234، الزركشي (البحر المحيط) ج 7 ص 206، ابن بركة كتاب الجامع) ج 1 ص 124.
(6) السالمي (طلعة الشمس) ج 2 ص 109. (7) يريد به الإمام السالمي.
448 (1/448)
صفحة 449
449
***
فصول الأصول
***
في المضيق زنى، قال: وكل من دخل بفرجه في مضيق عليه (1) فهو زان، وكل من استحق اسم الزاني فالحد واجب عليه إلا ما قام دليله.
فقد جعل تسمية العرب علة لثبوت الحكم الشرعي حتى أنه أوجب بها ثبوت الحد، قال (2): وفساده لا يخفى، ويظهر لك - أيضا - فساد مذهب من قال بتحريم القهوة البنية لتسميتها (3) قهوة كالخمر، ويظهر لك فساد مذهب من قال بطهارة دم الباغي مستدلا بأن سفك دم الباغي طهارة الأرض.
قال: فهذه المذاهب ونحوها مبنية على تعليل الحكم الرعي بالأسماء اللغوية. قال: وهو باطل لما قدمناه، وبيان بطلانه أنه يلزم عليه ثبوت حرمة البيت الحرام لكل عمران يسمى بيتا، وثبوت جواز الحج إليه كذلك وثبوت حرمة رسول الله لكل من يسمى محمدا وكذلك إلى ما لا غاية له، وهو ظاهر البطلان (4).
انتهى كلامه
والذي عندي أن هذه الأمور التي استدل بها على بطلان التعليل بالأسماء اللغوية إنما خرجت عن القاعدة بقرائن وأدلة لا من حيث الاسمية فقط، فامتناع القياس عليها لقيام الأدلة على اختصاصها بتلك الأحكام دون غيرها، وقصرها عليها إما لنص أو لعرف شرعي، فامتناع قياس غيرها عليها لدليل شرعي، فهي كشهادة خزيمة
كونها عن شهادتين. ولا يقاس عليها شهادة من هو أعلى منزلة منه في الدين فضلا عن المساوي، وكبيع العرايا (5) يمتنع قياس غيره عليه مما هو مثله لا من حيث تسميته بيع عرايا بل
(1) كذا في النسختين وفي طلعة الشمس، لكن في كتاب الجامع لابن بركة في ضيق مضيق عليه، السالمي (طلعة الشمس) ج 2 ص 109 - 110، ابن بركة (كتاب الجامع) ج 1 ص 125.
(2) أي الإمام السالمي. (3) كذا في النسختين وفي طلعة الشمس لأنها تسمى والمعنى واحد السالمي (طلعة الشمس) ج 2 ص 110. (4) السالمي (طلعة الشمس) ج 2 ص 109 - 110. (5) هو بيع رطب في رؤوس نخله بتمر كيلا. ابن حجر (فتح الباري) ج 4 ص 456، أبو حبيب (القاموس
الفقهي) ص 250. (1/449)
صفحة 450
***
فصول الأصول
***
لاختصاص الشارع له بذلك الحكم دون غيره (1). والذي عندي لا يمتنع التعليل بالأسماء لكن لا لذاتها بل لمعانيها القائمة بها إن كانت مفهومة منضبطة، والله أعلم. وقد تكون العلة حكما شرعيا سواء كان المعلول حكما شرعيا – أيضا – كتعليل جواز رهن المشاع (2) بجواز بيعه، أم كان أمرا حقيقيا كتعليل كون الشعر حيا بتحريم النظر إليه في الطلاق، وتحليله في النكاح والملك كسائر الأعضاء. وقيل: لا تكون العلة حكما لأن شأن الحكم أن يكون معلولا لا علة (3)، ورد بأن العلة بمعنى المعرف، ولا يمتنع أن يعرف حكم حكما آخر.
وقيل: لا تكون حكما شرعيا إن كان المعلول حقيقيا (4)، والصحيح الأول، وهو أنه يجوز تعليل حكم بحكم مطلقا، وحديث الخثعمية دليل شاهد على ذلك حيث علل جواز حجها عن أبيها بجواز قضائها الدين عنها (5) (1).
(1) لحديث: أن النبي - ل - نهى عن بيع الثمر بالثمر، ورخص في العرية أن تباع بخرصها يأكلها أهلها رطبا. البخاري (صحيح البخاري بشرح (الفتح كتاب البيوع، باب بيع التمر على رؤوس النخل بالذهب أو الفضة، حديث 2191، ج 4 ص 453، وحديث: أن النبي - ل - رخص في العرايا أن تباع بخرصها كيلا. البخاري (صحيح البخاري بشرح الفتح كتاب البيوع، باب تفسير العرايا، حديث رقم 2192، ج 4 ص 1539، ج 10 ص 440. (2) المشاع، المشترك المبهم لم يحدد، الزبيدي (تاج العروس) باب العين فصل الشين، ج 5 ص 405، د. إبراهيم أنيس وآخرون (المعجم الوسيط) باب الشين، ج 1 ص 504.
(3) حكاه ابن قاضي الجبل عن بعض المتكلمين وابن عقيل وابن المني. ابن النجار (شرح الكوكب المنير) ج 4 ص 92، وانظر: الآمدي (الإحكام) ج 3 ص 232، ابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 2
ص 234، السالمي (طلعة الشمس) ج 2 ص 110.
(4) حكاه وابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 2 ص 234، الزركشي (البحر المحيط) ج 7 ص 211. (5) أخرج الحديث البخاري بلفظ: كان الفضل رديف النبي - - فجاءت امرأة من خثعم، فجعل الفضل ينظر إليها وتنظر إليه، فجعل النبي - - يصرف وجه الفضل إلى الشق الآخر، فقالت: إن فريضة الحج أدركت أبي شيخا كبيرا لا يثبت على الراحلة، أفاحج عنه؟ قال: نعم. البخاري (صحيح البخاري بشرح الفتح) كتاب جزء الصيد، باب حج المرأة عن الرجل، حديث رقم 1855، ج 4 ص 80، ورواه مسلم (صحيح مسلم بشرح النووي) كتاب الحج، باب الحج عن العاجز لزمانة وهرم ونحوهما، حديث رقم 1334، ج 9 ص 104 - 105، والترمذي (سنن الترمذي) كتاب الحج، باب ما جاء في الحج عن الشيخ الكبير والميت، حديث رقم 928، ج 3 ص 267، لكنه بهذه الروايات لا يفيد الاستدلال الذي قصده المؤلف، وقد ورد معللا بجواز قضائها الدين عنه في سنن ابن ماجه حيث ورد بلفظ: فأتته امرأة من جثعم، فقالت: يا رسول الله إن فريضة الله في الحج على عباده أدركت أبي شيخا كبرا لا يستطيع أن يركب، أفأحج عنه؟ قال: نعم، فإنه لو كان على أبيك دين قضيته، ابن ماجة (سنن ابن ماجة) المعجم، المناسك، باب الحج عن الحي إذا لم يستطع، حديث رقم 2909، ج 4 ص 417.
450 (1/450)
صفحة 451
فصول الأصول
***
وتكون وصفا مركبا، وقيل: لا (1)، لأن التعليل بالمركب يؤدي إلى محال؛ لأنه بانتفاء جزء منه تنتقي عليته، فبانتفاء جزء آخر يلزم تحصيل الحاصل؛ لأن انتفاء الجزء علة لعدم العلية، وأجيب بأنا لا نسلم أنه علة له، وإنما هو انتفاء شرط، فإن كل جزء شرط للعلية. قال المحلي ومن التعليل بالمركب تعليل وجوب القصاص بالقتل العمد العدواني (2)، قال ابن السبكي: وهو كثير، ولا أرى للمانع منه مخلصا إلا أن يتعلق بوصف واحد منه، ويجعل الباقي شروطا فيه، قال: ويؤول الخلاف حينئذ إلى اللفظ فقط (3)، والله أعلم.
كما ورد في صحيح البخاري حديث امرأة من جهينة يفيد الاستدلال الذي أراده المؤلف فقد ورد بلفظ: أن المرأة من جهينة جاءت الى النبي - ه - فقالت: إن أمي نذرت ان تحج فلم تحج حتى ماتت، أفأحج عنها؟ قال: نعم، حجي عنها، أرأيت لو كان على أمك دين أكنت قاضيته اقضوا الله، فالله أحق بالوفاء (البخاري، صحيح البخاري بشرح الفتح، كتاب جزاء الصيد، باب الحج والنذور عن الميت، حديث رقم 1852، ج 4 ص 77). (1) حكاه الإمام السالمي عن بعض المعتزلة، وأبى الحسن الأشعري (شرح طلعة الشمس) ج 2 ص 108، لكن الزركشي نقل عن أبي منصور - أحد علماء الأشاعرة - أنه حكى عن أبي الحسن الأشعري أنه يمنع ذلك
في العلة العقلية، الزركشي (البحر المحيط) ج 7 ص 212. (2) المحلي (شرح المحلي على جمع الجوامع) ج 2 ص 235. (3) ابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 2 ص 235.
451 (1/451)
صفحة 452
***
فصول الأصول
***
الفصل الحادي والمائة
في شروط العلة
اعلم أنهم قد اشترطوا شروطا للعلة في صحة إلحاقها حكم الفرع بالأصل. الشرط الأول: أن تكون مشتملة على حكمة تبعث المكلف على امتثال الحكم، وتصلح شاهدا لإناطة الحكم بالعلة، وذلك كحفظ النفوس، فإنه حكمة ترتب وجوب القصاص على علته من القتل العمد، فإنه من علم أنه إذا قتل اقتص منه انكف عن القتل، وقد يقدم عليه توطينا لنفسه على تلفها، وهذه الحكمة تبعث المكلف من القاتل وولي الأمر على امتثال الأمر الذي هو إيجاب القصاص بأن يمكن كل منهما ولي القتيل من الاقتصاص، وتصلح شاهدا لإناطة وجوب القصاص بعلته. الشرط الثاني: أن تكون وصفا منضبطا مشتملا على حكمة، وذلك كالسفر في وجوب القصر - مثلا - فإنه مشتمل على حكمة تقتضي التخفيف، وهي ا المظنونة فيه لا نفس الحكمة، وهي المشقة، فلا يصح التعليل بها لأنها غير منضبطة إذ تختلف باختلاف الأحوال، فلذلك تركوا التعليل بها، وانتقلوا عنها إلى محلها وهو السفر، فعللوا القصر به إن وجد وجد الحكم ولو لم تكن فيه مشقة، وقيل: يجوز التعليل بالحكمة نفسها لأنها هي المشروع لأجلها الحكم (1)، وقيل: يجوز إن كانت منضبطة لانتفاء المحذور (2).
المشتقة
الشرط الثالث: أن لا تكون عدما في الحكم الثبوتي عند الجمهور، وعليه الآمدي (3)، خلافا للإمام الرازي في تجويزه تعليل الثبوتي بالعدمي فيما حكاه عنه المحلي قال لصحة أني قال: ضرب زيد عبده لعدم امتثال أمره (4)، وأجيب بمنع
(1) قال به الفخر الرازي (المحصول) ج 5 ص 287، وحكاه الأمدي عن الأقل من (الإحكام) ج 3 ص 224. (2) اختاره الآمدي (الاحكام) ج 3 ص 224، والصفي الهندي. الزركشي (البحر المحيط) ج 7 ص 168، وانظر: القرافي (شرح تنقيح الفصول) ص 406، ابن النجار (شرح الكوكب المنير) ج 4 ص 47 - 48. (3) الآمدي (الإحكام) ج 3 ص 228، ابن الحاجب مختصر المنتهى بشرح العضد) ج 2 ص 214، ابن
السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 3 ص 239، أمير باد شاه (تيسير التحرير) ج 4 ص 2 - 3. (4) وقال به الباجي (إحكام الفصول) ص 644، القرافي (شرح تنقيح الفصول) ص 407، و ابن قاسم العبادي (الآيات البينات) ج 4 ص 59، والسالمي وحكاه عن الجمهور (شرح طلعة الشمس) ج 2 ص 118، و حكاه ابن النجار عن الحنابلة (شرح الكوكب المنير) ج 4 ص 48، الرازي (المحصول) ج ه ص 295، المحلي (شرح المحلي على جمع الجوامع ج 2 ص 239، الشنقيطي مذكرة أصول الفقه ص.
280
452 (1/452)
صفحة 453
453
***
فصول الأصول
***
صحة التعليل بذلك، وإنما يصح أن يقال: ضربه لكفه عن امتثال أمره، وهو أمر ثبوتي، أعني: الكف، وأما الحكم العدمي فيجوز تعليله عندهم بعدمي مثله أو بثبوتي، مثال الأول: عدم صحة تصرف الصبي والمجنون في مالهما لعدم العقل، ومثال الثاني عدم صحة تصرف السفيه المبذر لإسرافه وتبذيره، كما يجوز تعليل الوجودي بمثله قطعا باتفاق كتعليل حرمة الخمر بالإسكار، ويجوز التعليل عندهم
بما لا يطلع على حكمته كتعليل الربوبات بالطعم أو غيره.
ويفهم من ذلك أنه لا تخلو علة عن حكمة لكن في الجملة، فإن قطع بانتفائها في صورة فقيل: يثبت الحكم للمظنة (1) وقيل لا يثبت (2)، إذ لا عبرة بالمظنة عند تحقق المئنة، أي: العلامة، مثال ذلك: من كان يسكن على ساحل البحر ونزل منه في سفينة قطعت به مسافة القصر في لحظة من غير مشقة، فإنه يجوز له القصر في سفره هذا، والله أعلم.
واختلف الأصوليون في العلة القاصرة، وهي التي لا تتعدى محل الحكم، أي: لا تجاوزه إلى غيره كالنقدية في الذهب والفضة، فإنه لا يوصف بها غيرهما بخلاف الإسكار فإنه كما يكون في الخمر يكون في غيرها، وكالطعم والكيل فإنهما يوجدان غير البر كما يوجدان فيه.
واختلفوا (3) هل يجوز التعليل بها على أقوال الأول للشافعية وعليه البدر الشماخي منا جواز التعليل بها مطلقا (4)، الثاني للحنفية: منع التعليل بها إن لم تكن
(1) حكاه ابن السبكي عن الغزالي ومحمد بن يحيى. ابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 2 ص 241. (2) حكاه ابن السبكي عن الجدليين (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 2 ص 241. (3) كذا في النسختين بواو العطف وينظر ما موقعها؟ (4) وحكاه الآمدي عن أكثر الفقهاء والمتكلمين (الإحكام ج 3 ص 238، وقال به القرافي (شرح تنقيح الفصول) ص 409، وحكاه القاضي عبدالوهاب عن المالكية. الآمدي (الإحكام) ج 3 ص 238، وهو قول الكمال بن الهمام ولاسمر قنديين من الحنفية. الكمال التحرير بشرح التيسير) ج 4 صه. الأزميري (حاشية الأزميري على مرآة الأصول) ج 2 ص 312، الرازي (المحصول) ج 5 ص 312، ابن الحاجب (مختصر المنتهى بشرح العضد) ج 2 ص 217، ابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 2 ص 241، الشماخي (مختصر العدل) ص 31. (1/453)
صفحة 454
***
فصول الأصول
***
ثابتة بنص أو إجماع. قالوا: لعدم فائدتها (1)، الثالث منعها قوم مطلقا (2)، وا (2)، والصحيح الأول، وهو جوازها مطلقا، وعليه شيخنا السالمي - رحمه الله تعالى (3)؛ لأن العلة الشرعية أمارة دالة على الحكم، وفائدتها معرفة المناسبة بين الحكم ومحله فيكون أدعى للقبول، وتقوية النص الدال على معلولها بأن يكون ظاهرا، وزيادة الأجر
عند الامتثال
والجمهور على جواز تعليل الحكم الواحد بعلتين فأكثر مطلقا؛ (4) لأن العلل الشرعية علامات، ولا مانع من اجتماع علامات على شيء واحد، ومثلوا لذلك بأن كلا من اللمس والمس ولا بول علة لمنع الصلاة معها، وجوز ذلك الإمام الرازي وابن فورك في المنصوصة دون المستنبطة، قالا: لأن الأوصاف المستنبطة إذا كان كل منها صالحا للعلية جاز أن يكون العلة للحكم مجموعها لا كل وصف منها على الانفراد عند الشارع، فلا يتعين استقلال كل منها بخلاف ما نص على استقلاله بالعلية)، وأجيب بانه يتعين الاستقلال بالاستنباط كما يتعين بالنص لأنه قائم مقامه عند فقده. وحكى ابن الحاجب العكس، وهو الجواز في المستنبطة دون المنصوصة (6) لأن المنصوصة قطعية، فلو تعددت لزم المحال بخلاف المستنبطة لجواز أن تكون العلة فيها عند الشارع مجموع الأوصاف، والصحيح الجواز مطلقا.
(1) هو مذهب أبي زيد الدبوسي واكثر المتاخرين من الحنفية ومشائخ العراق والكرخي من المتقدمين، الارزميري (حاشية الازميري على مراة الاصول ج 2 ص 312، امير بادشاة ايسير التحرير) ج 4 ص 5، وعزاه أبو الحسين البصري عن أبي عبدالله البصري (المعتمد) ج 2 ص 269، وحكاه ابن النجار عن اكثر الحنابلة (شرح الكوكب المنير) ج 4 ص 52.
(2) أي منعوا وجودها، وأولوا النص أو الإجماع الدال عليها، لا أنهم مع تسليمهم ثبوتها بالنص أو الإجماع منعوا التعليل بها، نبه على ذلك ابن قسام العبادي الآيات البيانات) ج 4 ص 61.
(3) السالمي (طلعة الشمس) ج 2 ص 106. (4) أبو الحسين (المعتمد) ج 2 ص 267، الغزالي (المستصفى) ج 2 ص 342، الآمدي (الإحكام) ج 3 ص 258، ابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 2 ص 245، ابن النجار (شرح الكوكب المنير) ج 4 ص 72. (5) وقال به القرافي (شرح تنقيح الفصول) ص 404، الرازي (المحصول) ج 5 ص 271 - 277، ابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 2 ص 245.
(6) كما حكى هذا القول ابن النجار (شرح) الكوكب المنير) ج 4 ص 73، ابن الحاجب (مختصر المنتهى بشرح العضد) ج 2 ص 223.
ومنعه ابن السبكي عقلا مطلقا (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 2 ص 246.
454 (1/454)
صفحة 455
455
***
فصول الأصول
***
واختلفوا في جواز وقوع حكمين بعلة واحدة، والمختار عند الجمهور الجواز في الإثبات والنفي (1)، أما في الإثبات فكالسرقة هي علة لقطع يد السارق، ولغرم المسروق حيث يتلف، وأما في النفي فكالحيض هو علة لنفي وجوب الصلاة والصوم والطواف وقراءة القرآن ونحوها.
وقال قوم: يمتنع تعليل حكمين بعلة بناء على اشتراط المناسبة فيها (2)؛ لأن مناسبتها لحكم يحصل المقصود منها بترتب الحكم عليها، فلو ناسبت حكما آخر لزم تحصيل الحاصل.
وأجيب بمنع ذلك، وسنده جواز تعدد المقصود كما في السرقة المرتب عليها القطع زجرا عنها، والغرم جبرا لما تلف من المال.
(E).
وقيل: يجوز تعليل حكمين بعلة إن لم يتضادا بخلاف ما إذا تضادا، وذلك كالتأبيد لصحة البيع وبطلان الإجازة؛ لأن الشيء الواحد لا يناسب المتضادين (3). الشرط الرابع: (4) ومن شروط العلة أن لا يكون ثبوتها متاخرا عن ثبوت حكم الأصل سواء فسرت بالباعث أو المرعف؛ لأن الباعث على الشيء أو المعرف له لا يتأخر عنه، وقال قوم: يجوز تأخر ثبوتها بناء على تفسيرها بالمعرف (5) ومثلوا لذلك بقياس عرق الكلب على لعابه في النجاسة، والعلة استقذاره قالوا: والاستقذار إنما ثبت (6) بعد ثبوت الحكم في الأصل وهو نجاسة لعابة، قلت: في هذا عندي نظر من وجهين الأول: أننا (7) لا نسلم استلزام الاستقذار للنجاسة، فما كل مستقذر نجس،
(1) الآمدي (الإحكام) ج 3 ص 261، ابن الحاجب (مختصر المنتهي بشرح العضد) ج 2 ص 228، ابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 2 ص 246، ابن النجار (شرح الكوكب المنير) ج 4 ص 76، أمير باد شاه (تيسير التحرير) ج 4 ص 29. (2) حكاه ابن النجار عن جمع يسير (شرح الكوكب المنير) ج 4 ص 77، ابن الحاجب (مختصر المنتهي بشرح العضد) ج 2 ص 228. (3) ابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 2 ص 247، ابن النجار (شرح الكوكب المنير) ج 4 ص 79.
(4) ما بين المعقوفتين. زيادة من المحقق.
(5) نقله الزركشي عن الصفي الهندي، وحكاه القاضي عبدالوهاب عن قوم من أهل العراق. الزركشي (البحر المحيط) ج 7 ص 186، الشوكاني (إرشاد الفحول) ص 209.
(6) في ب يثبت.
(7) في ب أنا. (1/455)
صفحة 456
***
فصول الأصول
***
والثاني: لا نسلم لزوم البعدية فيه إذ لا دليل على ذلك، بل يجوز سبقه أو مقارنته للحكم.
(1).
الشرط الخامس: (1) ومن شروطها أن لا تعود على الأصل الذي استنبطت منه بالإبطال؛ لأنه هو منشؤها فإبطالها له إبطال لها، مثال ذلك أن يقال: الهر سبع مفترس فيجب أن يكون نجسا كالكلب، فالتعليل بكونه سبعا مفترسا يبطل نجاسته، فإن الشارع سماه سبعا ولم يحكم بنجاسة السباع، ونجاسة الكلب لا لكونه سبعا مفترسا بل لأمر آخر، واختلفوا في جواز تخصيص العلة أصلها وهو تخلف حكمها عنها على أقوال، مثاله: تعليل الحكم في قوله تعالى: أَوْ لَمَسْتُمُ النِّسَاء (2) بأن اللمس مظنة الاستمتاع، فإنه يخرج من النساء المحارم فلا ينقض (3) لمسهن الوضوء، وقيل: ينقض عملا بالتعميم، كذا قاله المحلي (4)، وهو شافعي المذهب ولا يخفى على مذهبه من وجوب نقض الوضوء بلمس بدن الزوجة باليد عملا بعموم ظاهر الآية، وقد خالفته الأمة في ذلك (5)، وأما إن عادت العلة على أصلها بالتعميم فيجوز التعليل بها بلا خلاف، وذلك كحديث: لا يقضي القاضي وهو غضبان)، حيث عللوه بتشويش الفكر، فإن التشويش يعم غير الغضب – أيضا –. الشرط السادس: (7) ومن شروطها أن تكون متعينة خلافا لمن اكتفى بعلية أمر مبهم
أنه
مبني
(Y).
(1) في ب زيادة: الشرط الرابع.
(2) القرآن الكريم سورة النساء (مدنية) آية رقم 43.
(3) في ب نيقض.
(4) المحلي (شرح المحلي على جمع الجوامع) ج 2 ص 248. (د) الرازي (التفسير الكبير) ج 9 ص 91، أبو حيان (البحر المحيط ج 3 ص 654، رشيد رضا (تفسير المنار)
ج 5 ص 119.
(6) أخرج الحديث البخاري (صحيح البخاري بشرح (الفتح كتاب الأحكام، باب هل يقضي القاضي أو يفتي وهو غضبان، حديث رقم 7158، ج 13 ص 146، ومسلم (صحيح مسلم بشرح النووي) كتاب الأقضية، باب كراهية قضاء القاضي وهو غضبان، حديث رقم 1717، ج 12، ص 256، وابن ماجة (سنن ابن ماجة) المعجم الأحكام، باب لا يحكم الحاكم وهو غضبان، حيث رقم 2316، ج 3 ص 93، وأبو داود (سنن أبي داود كتاب الأفضلية، باب القاضي يقضي وهو غضبان حديث رقم 3589، ج 3 ص 167 والترمذي (سنن الترمذي) كتاب الأحكام، باب ما جاء لا يقضي القاضي وهو غضبان، حديث
رقم 1338، ج 3 ص 620.
(7) ما بين المعقوقتين زيادة من المحقق.
456 (1/456)
صفحة 457
457
***
فصول الأصول
***
من أمرين (1) - مثلا - مشترك بين المقيس والمقيس عليه، قالوا: لأن العلة منشأ التعدية المحققة للقياس الذي هو الدليل، ومن شأن الدليل أن يكون معينا، فكذا منشأ المحقق له، والمخالف يقول: المبهم المشترك يحصل المقصود.
الشرط السابع: (2) ومن شروطها أن لا تكون وصفا مقدرا، وعليه الإمام الرازي، قال: لا يجوز التعليل به (3)، وأجازه بعض الفقهاء، والمراد بالمقدر ما ليس ظاهرا من صفات القلب كالرضى والسخط.
(9).
الشرط الثامن: (4) ومن شروطها أن لا يتناول دليلها حكم الفرع بعمومه أو خصومه للاستغناء عن القياس حينئذ بذلك الدليل، مثاله في العموم حديث: الطعام مثلا بمثله) فإنه دال على عليه الطعم، فلا حاجة في إثبات ربوية التفاح – مثلا – إلى قياسه على البر بجامع الطعم للاستغناء عنه بعموم الحديث، ومثاله في الخصوص حديث: من قاء أو رعف فليتوضأ (6)، فإنه دال علية الخارج النجس في نقض الوضوء، فلا حاجة إلى (7) قياس القيء أو الرعاف على الخارج من السبيلين في نقض الوضوء بجامع الخارج النجس للستغناء عنه بخصوص الحديث، والمعارض يقول: الاستغناء عن القياس بالنص لا يوجب إلغاءه لجواز دليلين علي مدلول واحد. ولا يشترط على الصحيح في العلة المستنبطة أن يكون دليل أصلها قطعيا، وكذا لا يشترط انتفاء مخالفتها لمذهب الصحابي، ولا القطع بوجودها في الفرع، بل يكفي الظن بذلك وبحكم الأصل لأنه غاية الاجتهاد فيما يقصد به العمل.
(1) حكاه الزركشي عن بعض الجدليين (البحر المحيط ج 7 ص 187، ابن النجار (شرح الكوكب المنير)
ج 4 ص 89
(2) ما بين المعقوفتين زيادة من المحقق.
(3) الرازي (المحصول) جه ص 318. (4) في النسختين الشرط الخامس وهو خطأ ظاهر.
(2) سبق تخريجه.
(6) الحديث أخرجه الربيع بن حبيب الجامع الصحيح كتاب الطهارة، باب ما يجب منه الوضوء، حديث 113، ص 142، وأورده في التلخيص. ابن حجر (تلخيص الحبير) كتاب الصلاة، باب شروط الصلاة، حديث 430، ج 1 ص 274.
(7) إلى في ب مكررة. (1/457)
صفحة 458
***
فصول الأصول
***
وكان المخالف يقول: إن الظن يضعف بكثرة المقدمات، فربما يضمحل فلا يكفي (1).
وأما مذهب الصحابي فليس بحجة، وعلى تقدير حجيته فمذهبه الذي خالفته العلة المستنبطة من النص في الأصل بأن علل هو بغيرها يجوز أن يستند فيه إلى دليل آخر والخصم يقول: الظاهر استناده إلى النص المذكور، انتهى، والله تعالى أعلم.
(1) ابن الحاجب (مختصر المنتهي بشرح العضد) ج 2 ص 232، ابن النجار (شرح الكوكب المنير) ج 4
ص 99 - 100.
458 (1/458)
صفحة 459
459
***
فصول الأصول
***
الفصل الثاني بعد المائة
في الاعتراض والرد
وإذا عورض المستدل بالقياس بوجه من وجوه المعارضة فله أن يدفع المعارضة بوجوه منها: منع وجود الوصوف المعارض به في الأصل كأن يقول - مثلا - في دفع معارضته القوت بالكيل في شيء كالجوز: لا نسلم أنه مكيل؛ لأن العبرة بعادة زمن النبي - صلى الله عليه وسلم - وكان الجوز في زمانه موزونا أو معدودا، ومنها القدح في علية الوصف المعارض به ببيان خفائه أو عدم انضباطه، ومنها المطالبة للمعترض بالتأثير أو الشبه لما عارض به، وذلك إن لم يكن دليل المستدل على العلية سبرا بل كان مناسبة أو شبها لتحصل معارضة الشيء بمثله بخلاف السبر فإن مجرد الاحتمال قادح فيه وذلك كأن يقال لمن عارض القوت بالكيل: لم قتل: إن الكيل مؤثر؟ ومنها بيان استقلال ما عدا الوصف الذي عورض به في صورة ولو كان البيان بظاهر عام. كما يكون بالإجماع إذا لم يتعرض المستدل للتعميم، وذلك كأن يبين استقلال الطعم الذي عورض بالكيل في صورة بظاهر عموم حديث الطعام بالطعام - مثلا - بمثل؛ لأن المستقل مقتدم على غيره.
أما إن تعرض المستدل في استدلاله للتعميم فقال - مثلا - ثبتت ربوية كل مطعوم خرج بذلك عما هو بصدده من القياس والدفع عنه إلى النص. وإن قال المستدل للمعترض: ثبت الحكم في هذه الصورة مع انتفاء وصفك الذي عارضت به وصفي عنها، قالوا: لم يكفه ذلك الدفع إن لم يكن وصف المستدل موجودا مع انتفاء وصف المعترض عنها؛ لأن الحال يشعر بانتفاء وصفيهما حينئذ عنها معا بخلاف ما إذا وجد وصف المستدل فيها فيكفي في الدفع، وقيل: لا يكفي مطلقا (1) قال ابن السبكي: وعندي أن المستدل ينقطع بما قاله لاعترافه فيه بإلغاء وصفه حيث ساوى وصف المعترض فيما قدح هو به فيه، ولعدم الانعكاس بوصفه حيث لم ينتف الحكم مع انتفائه (2).
(1) ابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 2 ص 257. (2) ابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 2 ص 258. (1/459)
صفحة 460
***
فصول الأصول
***
والانعكاس شرط بناء على امتناع التعليل بعلتين على أن عدم الانعكاس لا يترتب عليه الانقطاع، وكأنه ذكره تقوية للأول، وإذا ألغى المستدل وصف المعترض ثم أبدى المعترض وصفا غيره في تلك الصورة يخلف الملغى سمي. ما أبداه تعدد الوصع لتعدد ما وضع، أي: بنى عليه الحكم عنده من وصف بعد آخر، وزالت بذلك فائدة الإلغاء، أي: سلامة وصف المستدل عن القدح فيه ما لم يلغ المستدل الوصف الآخر - أيضا - بغير دعوى قصوره أو غير دعوى من مستدل سلم وجود المظنة المعلل بها لوجوده ضعف المعنى فيه الذي اعتبرت المظنة فيه، خلافا لمن زعم أن الدعويين إلغاء للخلف بناء في الأولى على امتناع العلة القاصرة، وفي الثانية على تأثير ضعف المعنى في المظنة، فلا تزول عند هذا الزاعم فيهما فائدة الإلغاء الأول (1)، أما إذا إلغي المستدل بالوصف الذي أخلفه المعترض بغير الدعويين فها هنا تبقى فائدة إلغائه الأول بحالها، وهاك مثالا لصورة تعدد الوضع، كأن يقول المستدل: يصح الأمان من العبد للحربي كأمان الحر بجامع الإسلام والعقل فإنهما مظتنان لإظهار مصلحة الإيمان من بذل الأمان، فيعترض عليه الحنفي قائلا: لا بد من اعتبار الحرية معها، فإنها مظنة فراغ القلب للنظر بخلاف الرقية لاشتغال الرقيق بخدمة سيده، فيلغى المستدل الحرية بثبوت الأمان بدونها من العبد المأذون له في القتال؛ لأن الأمان يثبت حينئذ منه اتفاقا، فيجيب المعترض عن ذلك بأن الإذن له خلف عن الحرية؛ لأنه مظنة لبذل وسعه في النظر في مصلحة القتال والإيمان.
ويكفي في دفع المعارضة رجحان وصف المستدل على وصفها مرجح ككونه أنسب من وصفها أو أشبه بناء على القول بمنع تعدد العلة الذي رجحة ابن السبكي في جمع الجوامع (2).
وقال ابن الحاجب: لا يكفي بناء على جواز التعدد (3)، وهو الصحيح عندي، فيجوز أن يكون كل واحد من الوصفين علة، وقد يعترض على المستدل باختلاف
(1) ابن الحاجب (مختصر المنتهى بشرح العضد) ج 2 ص 273، ابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 2 ص 260.
(2) ابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 2 ص 260. (3) ابن الحاجب (مختصر المنتهى بشرح العضد) ج 2 ص 274.
460 (1/460)
صفحة 461
461
***
فصول الأصول
***
جنس المصلحة في الأصل والفرع، وإن اتحد ضابط الأصل والفرع كأن يقول المستدل: يحد اللائط كالزاني بجامع إيلاج فرج في فرج مشتهى طبعا محرم شرعا، فيعترض بأن الحكمة في حرمة اللواط الصيانة عن رذيلته، وفي حرمة الزنى المرتب عليها الحد دفع اختلاط الأنساب المؤدي إليه الزنى، وهما مختلفان، فيجوز أن يختلف حكمهما بأن يقصر الشارع الحد على الزنى، فيكون خصوصه معتبرا في علة الحد، فيجاب عن هذا الاعتراض بحذف خصوص الأصل عن الاعتبار في العلة بطريق فيسلم أن العلة هي القدر المشترك فقط، وهو المراد بقولنا: ضابط الأصل والفرع كما تقدم في المثال لا مع خصوص الزني فيه، والله تعالى أعلم. (1/461)
صفحة 462
***
فصول الأصول
***
مبحث مسالك العلة
أي: هذا بيان البحث، أو موضع البحث عن الطرق الدالة على علية الشيء. والعلة نوعان: منصوصة ومستنبطة، فنبدأ بالكلام أولا على طرق العلة المنصوصة لأنها مقدمة على المستنبطة، لاتفاق العلماء على أنها معتبرة بخلاف المستنبطة ففي اعتبارها خلاف كما ستعرفه - إن شاء الله تعالى -.
462 (1/462)
صفحة 463
463
***
فصول الأصول
***
الفصل الثالث والمائة
في الكلام على الأول والثاني من مسالك العلة
الأول: من مسالك العلة المنصوص عليها الإجماع، كما أجمعوا على أن العلة
(2)
في حديث لا يحكم أحد بين اثنين وهو غضبان (1) هي تشويش الغضب للفكر (2).
الثاني: من مسالك العلة النص الصريح، وهو ما دل بأصل وضعه على العلية، فلا يحتمل غيرها، كأن يقول الشارع: العلة في هذا الحكم كذا، أو شرع كذا لأجل كذا، وهو على مراتب: أقواها ما ذكرناه، ويليه لسبب كذا، يليه من أجل كذا كقوله تعالى: {مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَاءِيلَ الله (3)، ويليه كي نحو:: رگي لا يَكُونَ دُولَةٌ، ويليه إذن نحو: {إِذًا لَّا ذَقْتَكَ ضِعْفَ الْحَيَوةِ لك
وغير الصريح الظاهر، وهو ما كان محتملا غير العلية احتمالا مرجوجا كاللام حيث كانت ظاهرة نحو: كِتَبُ أَنزَلْنَهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ له (6)، ويليها اللام المقدرة نحو: أَن كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ} (7)، أي: لأن كان، ويليها الباء نحو فيظلم مِّنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَتٍ أُحِلَّتْ لهم له (8)، أي: لظلمهم، ويليها الفاء في كلام الشارع، وهي تكون فيه في الحكم وفي الوصف، مثالها في الحكم قوله تعالى: {وَالسَارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا (9)، ومثالها في الوصف حديث المحرم الذي وقصته ناقته فمات: لا تمسوه طيبا، ولا تخمر وا رأسه؛ فإنه
(1) سبق تخريجه ص 392. (2) الشاشي (أصول الشاشي) ص 333، الغزالي (المستصفى) ج 2 ص 293، ابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 2 ص 262، الزركشي (البحر المحيط) ج 7 ص 234، السالمي (شرح طلعة الشمس)
ج 2 ص 128.
(3) القرآن الكريم، سورة المائدة (مدنية) آية رقم 32. (4) القرآن الكريم، سورة الحشر (مدنية) آية رقم 7. (5) القرآن الكريم، سورة الإسراء (مكية) آية رقم 075 (6) القرآن الكريم، سورة إبراهيم (مكية) آية رقم 1. (7) القرآن الكريم، سورة القلم (مكية) آية رقم 14. (8) القرآن الكريم، سورة النساء (مدنية) آية رقم 160. (1) القرآن الكريم، سورة المائدة (مدنية) آية رقم 38. (1/463)
صفحة 464
464
فصول الأصول
***
يبعث يوم القيامة مليبا (1) (2)، ويليها الفاء في كلام الراوي، وتكون في ذلك في الحكم فقط، كحديث عمران بن حصين (3): سها رسول الله - - فسجد) وهذه الأقسام الأخيرة إنما لم يجعلوها من الصريح لأنها ترد لغير التعليل كالعاقبة في اللام والتعدية في الباء ومجرد العطف في الفاء كما تقدم في مبحث الحروف، ومن الظاهر - أيضا - إن المكسورة المشددة نحو: إِنَّكَ إِن تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ بها، وإذ نحو: ضربت العبد إذ أشاء أي: لإساءته، ونحو حتى وعلى وفي ومن وأمثالها من الحروف المفهمة للتعليل، والله أعلم.
(1) أخرجه البخاري بلفظ اغسلوه بماء وسدر وكفنوه في ثوبين، ولا تمسوه طيبا، ولا تخمروا رأسه، فإن الله يبعثه يوم القيامة ملبيا. البخاري (صحيح البخاري بشرح (الفتح كتاب الجنائز، باب كيف يكفن المحرم، حديث 1267، ج 3 ص 164، وأخرجه مسلم (صحيح بشرح النووي) كتاب الحج، باب ما يفعل بالمحرم إذا مات حديث 1906، ج 8 ص 377، وأبو داود (سنن أبي داود) كتاب الجنائز، باب المحرم يموت كيف يصنع به، حديث 3238، ج 2 ص 95، والترمذي (سنن الترمذي) كتاب الحج، باب ما جاء في المحرم يموت في إحرامه، حديث 952، ج 3 ص 286، وابن ماجة (سنن ابن ماجة) بشرح السندي، المعجم، المناسك، باب المحرم يموت، حديث 3084، ج 3 ص 506 - 507، بالفاظ متقاربة.
(2) انظر هذا المسلك في: الشاشي (أصول الشاشي) ص 325، الجويني (البرهان) ج 2 ص 529، الغزالي (المستصفى) ج 2 ص 288، الكلوذاني (التمهيد) ج 4 ص 9، الرازي (المحصول) ج 5 ص 139، القرافي (شرح تنقيح الفصول) ص 389، الآرموي (التحصيل من المحصول) ج 2 ص 187، الطوفي (شرح مختصر الروضة) ج 3 ص 357، ابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 2 ص 263، الزركشي (البحر المحيط ج 7 ص 237، السالمي (شرح) طلعة الشمس) ج 2 ص 128. (3) عمران بن حصين الخزاعي، أسلم عام خيبر، من خيار الصحابة، بعثه عمر بن الخطاب يفقه أهل البصرة، وتولى قضاءها، توفي سنة 52 هـ. الذهبي (الكاشف) ج 2 ص 92، ابن العماد (شذرات الذهب) ج 1 ص 249. (4) أخرجه الربيع بن حبيب بلفظ: أن رسول الله - - سلم من اثنتين، فقيل له: يا رسول الله، أقصرت الصلاة، فقام فأتم ما بقي من الصلاة وسجد سجدتين بعد السلام. الربيع (الجامع الصحيح) كتاب الصلاة، باب في السهو في الصلاة، حديث 248، ص 66، وأخرجه البخاري (صحيح البخاري بشرح الفتح كتاب السهو، باب إذا سلم في ركعتين أو في ثلاث، فسجد سجدتين، حديث 1227، ج 3 ص 116، ومسلم (صحيح مسلم بشرح النووي) كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب السهو في الصلاة والسجود له، حديث 573، ج 5 ص 58. (5) القرآن الكريم، سورة نوح (مكية) آية رقم 27. (1/464)
صفحة 465
***
فصول الأصول
***
الفصل الرابع والمائة
في الثالث من مسالك العلة
الثالث من مسالك العلة الإيماء، وهو ما لزم من مدلول اللفظ، ويسمى إيماء وإشارة وتنبيه النص، وهو نوع من الدال بإشارته، وهو: أن يقترن الوصف بحكم لو لم يكن ذلك الوصف من حيث اقترانه بذلك الحكم لتعليل الحكم به كان ذلك الاقتران بعيدا من كلام الشارع لا يليق بفصاحته، بل يعده ذو الفهم القوي والفطنة الوقادة ضربا من الهذيان واللغو في الكلام. ومنصب الشرع يحل عن مثل ذلك الكلام، مثال ذلك: أن يسمع الشارع وصفا، فيحكم بعد سماعه بحكم، كقول الإعرابي: واقعت أهلي في نهار رمضان، فقال له - -: إعتق رقبة (1) فإن أمره بالإعتاق عند ذكر الوقاع يدل على أنه علة له، وإلا لخلا السؤال عن الجواب،
وذلك بعيد.
وكان يذكر في الحكم وصفا لو لم يكن علة لذلك الحكم لم يكن لذكره هنالك فائدة، كقوله - ع -: لا يحكم أحد بين اثنين وهو غضبان (2)، فإن تقييده المنع من الحكم بحالة الغضب المشوش للفكر يدل على أنه علة له، وإلا لخلا ذكره عن الفائدة، وذلك بعيد من كلام الشارع. وكذا إذا فرق الشارع بين حكمين بصفة مع ذكرهما أو ذكر أحدهما فقط، مثال الأول: أنه - ع - جعل للفارس سهمين وللراجل سهما (3)، فتفريقه بين هذين الحكمين بهاتين الصفتين لو لم يكن لعلية كل منهما لكان بعيدا، ومثال
(1) أخرجه البخاري (صحيح البخاري بشرح الفتح كتاب الصوم، باب إذا جامع في رمضان ولم يكن له شيء فتصدق عليه فليكفر، حديث 1936، ج 4 ص 193، ومسلم (صحيح مسلم بشرح النووي) كتاب الصيام، باب تغليظ تحريم الجماع في نهار رمضان على الصائم، حديث 1111، ج 7 ص 232، وابن ماجة (سنن ابن ماجة المعجم: الصيام، باب في كفارة من أفطر يوما من رمضان، حديث 1671، ج 2 ص 312، وأبو داود (سنن أبي داود كتاب الطلاق، باب كفارة من أتى أهله في رمضان، حديث 2390، ج 1 ص 551، والترمذي (سنن الترمذي) كتاب الصوم، باب ما جاء في كفارة الفطر في رمضان، حديث 723، ج 3 ص 102.
(2) سبق تخريجه ص 392. (3) سبق تخريجه ص 244. (1/465)
صفحة 466
***
فصول الأصول
الثاني حديث القاتل لا يرث (1)، أي: بخلاف غيره المعلوم إرثه، فالتفريق بين عدم الإرث المذكور وبين الإرث المعلنوم بصفة القتل المذكور مع عدم الإرث لو لم يكن لعليته له لكان بعيدا، وكذا تفريقه بين حكمين بشرط كحديث: الذهب بالذهب والفضة بالفضة والبر بالبر والشعير بالشعير والتمر والملح بالملح، مثلا بمثل سواء بسواء يدا بيد، فإذا اختلفت هذه الأجناس فبيعوا كيف شئتم (2)، فإن التفريق بين منع البيع في هذه الأشياء متفاضلا وبين جوازه عند اختلاف الجنس لو لم يكن لعلية الاختلاف للجواز لكان بعيدا، وكذا التفريق بين حكمين بغاية كقوله تعالى: وَلَا نَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ (3)، أي: فإذا تطهرن فلا منع من قربانهن كما أعقبه مصرحا به، فالتفريق بين المنع في الحيض وبين الجواز في الطهر بحتى الدالة على الغاية لو لم يكن لعلية الطهر للجواز لكان بعيدا. وكذا التفريق باستثناء أو استدراك، مثال الاستثناء: {فَيَصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّا أَن يَعْفُونَ (4)، أي: الزوجات عن ذلك النصف فلا شيء لهن، فتفريقه بين ثبوت النصف لهن وبين انتفائه عند عفوهن لو لم يكن لعلية العفو للانتفاء لكان بعيدا، ومثال الاستدراك: لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَنِكُمْ وَلَكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَد تُمُ الْأَيْمَن) ()، فتفريقه بين عدم المؤاخذه عند اللغو وبين المؤاخذة عند تعقيد الأيمان لو لم يكن لعلية التعقيد للمؤاخذة لكان بعيدا.
ومن هذا الباب ترتيب حكم على وصف نحو: أكرم العلماء، فإن ترتيب الإكرام على العلم يشعر بأن العلم علة للإكرام، ومن قبيل الإيماء – أيضا – أن يمنع الشارع
(1) أخرجه البخاري بلفظ: ان رسول الله - ل - جعل للفرس سهمين ولصاحبه سهما. البخاري (صحيح البخاري بشرح الفتح كتاب الجهاد والسير، باب سهام الفرس، حديث 2863، ج 6 ص 79، ومسلم بلفظ أن رسول الله - عليه - قسم للفرس سهمين وللرجل سهما. مسلم (صحيح مسلم بشرح النووي) كتاب الجهاد والسير، باب كيفية قسمة الغنيمة بين الحاضرين، حديث 1762، ج 12 ص 326. (2) سبق تخريجه. (3) القرآن الكريم، سورة البقرة (مدنية) آية رقم 222. (4) القرآن الكريم، سورة البقرة (مدنية) آية رقم 237. (د) القرآن الكريم، سورة المائدة (مدنية) آية رقم 89
877 (1/466)
صفحة 467
467
فصول الأصول
***
مما قد يفوت المطلوب نحو قوله تعالى: {فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ هِ (1)، فإن منعه من البيع وقت النداء للجمعة الذي قد يفوتها لو لم يكن علة لمظنة تفويتها لكان بعيدا عن فصاحة كلام الشارع، وهذه الأمثلة كلها لما هو متف على أنه إيماء وهو أن يكون الوصف والحكم مصرحا بذكرهما معا.
وعكس هذا القسم ليس بإيماء قطعا قال المحلي: وفي الوصف المذكور والحكم المستنبط وفي عكسه خلاف مختلف الترجيح، قيل: إنهما إيماء تنزيلا للمستنبط منزلة المذكور صريحا فيقدمان عند التعارض على المستنبط بلا إيماء، وقيل ليسا إيماء، قال: والأصح أن الأول إيماء لاستلزام الوصف للحكم بخلاف الثاني لجواز كون الوصف أعم، مثال الأول قوله تعالى: {وَأَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ الله (2)، فحله مستلزم لصحته، ومثال الثاني كتعليل الربويات بالطعم أو غيره (3).
' (A)'
ولا يشترط في الإيماء مناسبة الوصف المومى إليه للحكم عند الأكثر بناء على أن العلة. بمعنى المعرف (4)، وقيل: يشترط، بناء على أنها بمعنى الباعث ()، فهذه مسالك العلة المنصوص عليها، وأما مسالك العلة المستنبطة فهي ما سنذكرها - إن شاء الله
تعالى - والله تعالى أعلم.
(1) القرآن الكريم، سورة الجمعة (مدنية) آية رقم 9. (2) القرآن الكريم، سورة البقرة (مدنية) آية رقم 275. (3) المحلي (شرح المحلي على جمع الجوامع ج 2 ص 269 - 270، وانظر: الطوفي (شرح مختصر الروضة) ج 3 ص 374، الزركشي (البحر المحيط) ج 7 ص 252، السالمي (طلعة الشمس) ج 2 ص 131. (4) الرازي (المحصول) ج ه ص 145، الأرموي (التحصيل) ج 2 ص 188، الجزري (معراج المنهاج) ج 2 ص 147، الطوفي (شرح مختصر الروضة ج 3 ص 364، الأصفهاني (شرح المنهاج) ج 2 ص 672، ابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 2 ص 270، الزركشي (البحر المحيط) ج 7 ص 259، السالمي (طلعة الشمس) ج 2 ص 133. (5) حكاه الزركشي عن الغزالي وإمام الحرمين (البحر المحيط) ج 7 ص 259، لكن الذي يظهر من كلام الغزالي عدم اشتراط ذلك، فقد جاء في شفاء الغليل ما نصه: فإن قيل: ثم تنكرون على من يقول: معرفة العلة المناسبة والإخالة والإشعار المعنوي دون التنبيه اللفظي .. قلنا: ليس الأمر كذلك، فإن هذه الصيغ للتعليل بالأسباب المذكورة .. كقوله - عليه السلام -: من مس ذكره فليتوضا .. فكل ذلك لا مناسبة فيه، فإن الأكل والمس لا ينبان عن وضوء، بل خروج المذي من المنفذ لا يناسب غسل الوجه واليدين ... الغزالي (شفاء الغليل) ص 30 - 31، وانظر: الجويني (البرهان) ج 2 ص 531، الغزالي (المستصفى) ج 2 ص 290 - 292.
مستند (1/467)
صفحة 468
***
فصول الأصول
***
(1)
الفصل الخامس والمائة
في المسلك الرابع من مسالك الحلة (2)
الرابع من مسالك العلة السبر، وهو من طرق العلة المستنبطة، ويسمى السبر والتقسيم، والسبر في اللغة الاختبار، يقال: سبرت ما عند فلان، أي: اختبرته. وفي اصطلاح الأصوليين: حصر الأوصاف الموجودة في الأصل المقيس عليه وإبطال مالا يصلح منها للعلية، فيتعين الباقي لها، وذلك كما إذا أراد – مثلا – قياس الذرة على البر في باب الربا، فحصر أوصاف البر فيقول: هل الربا فيه كونه مكيلا أو الاقتيات أو الادخار أو الطعم، فيحذف وصف الكيل لرجوعه على الأصل بالإبطال، وكذا الاقتيات لوجود ما هو أكثر فروعا منه، وهو الطعمية، فهو شامل لكل مطعوم كان مقتاتا أو غير مقتات، فيتعين الطعم للعلية.
ويكفي قول المستدل في حصر الأوصاف التي يذكرها: بحثت فلم أجد غيرها، والأصل عدم ما سواها، لعد الته مع أهلية النظر في ذلك، فيندفع عنه بذلك منع الحصر. والمجتهد لنفسه يرجع في حصر الأوصاف إلى ظنه، فيأخذ به ولا يعراض نفسه، فإن كان كل واحد من حصر الأوصاف وحذف ما لا يصلح منها قطعيا فالطريق قطعي، وإن كان كل منهما ظنيا أو أحدهما قطعيا والآخر ظنيا فالطريق ظني، والطريق الظني حجة للناظر لنفسه، وكذا للمناظر غيره عند الأكثر لوجوب العمل بالظن (3)، وقيل: ليس بحجة مطلقا الجواز بطلان الباقي (4)، وقيل: حجة إن كان تعليل ذلك الحكم في الأصل مجمعا عليه حذرا من أداء بطلان الباقي إلى خطأ المجمعين (5)، وقيل: حجة للمستدل نفسه دون المناظر غيره (6)، لأنه ظنه لا يقوم
(1) في ب الخمسة.
(2) من مسالك العلة ساقطة من ب.
(3) ابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 2 ص 271، ابن النجار (شرح الكوكب المنير) ج 4 ص 150. (4) حكاه إمام الحرمين عن بعض الأصوليين. الجويني (البرهان) ج 2 ص 535، الزركشي (البحر المحيط)
ج 7 ص 286.
(د) قال به إمام الحرمين (البرهان) ج 2 ص 526، ابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 2 ص 271. (6) اختاره الآمدي (الأحكام) ج 3 ص 291، الزركشي (البحر المحيط) ج 7 ص 286.
468 (1/468)
صفحة 469
469
***
فصول الأصول
***
حجة على خصمه، فإن أبدى المعترض على المستدل الظني وصفا زائدا على أوصافه لم يكلف بيان صلاحيته للتعليل؛ لأن بطلان الحصر بإبدائه يكفي في الاعتراض، فعلى المستدل دفعه بإبطال التعليل به، ولا ينقطع المستدل بإبداء المعترض ذلك حتى يعجز عن إبطاله (1).
ومن طرق إبطال علية الوصف بيان أن الوصف طرد، أي: من جنس ما علم من الشارع إلغاؤه ولو في ذلك الحكم كما يكون في جميع الأحكام كالذكورة والأنوثة العتق لأنهما لم يعتبرا فيه، فلا يعلل بهما شيء من أحكامه، وإن اعتبروا في غيره كالشهادة والإرث، وأما الطرد في جميع الأحكام كالطول والقصر فإنهما لم يعتبرا في شيء من الأحكام الشرعية، فلا يجوز أن يعلل بهما حكم من الأحكام أصلا، ومن طرق الإبطال أن لا تظهر مناسبة الوصف المحذوف عن الاعتبار للحكم بعد البحث عنها لانتفاء مثبت العلية بخلافه في الإيماء، ويكفي في عدم ظهور مناسبته قول المستدل: بحثت فلم أجد فيه موهم مناسبة، وذلك لعدالة المستدل مع أهلية النظر، فإن ادعى المعترض أن الوصف المستبقى كذلك – أيضا – لم تظهر مناسبته فليس للمستدل بيان مناسبته؛ لأنه انتقال من طريق السبر إلى طريق المناسبة، والانتقال يؤدي إلى الانتشار المحذور (2). ولكن يرجح سبره على سبر المعترض النافي (3) لعلية المستبقى كغيره بموافقة التعدية حيث يكون المستبقى متعديا، فإن تعدية الحكم محله أفيد من قصوره عليه، والله تعالى (4) أعلم.
(1) وانظر هذا المسلك في: الجزري (معراج المنهاج) ج 2 ص 171، الطوفي (شرح مختصر الروضة) ج 3 ص 404، الأصفهاني (شرح المنهاج) ج 2 ص 702، البدخشي (مناهج العقول) ج 3 ص 94، الشنقيطي (نثر الورود) ج 2 ص 485، السالمي (شرح طلعة الشمس) ج 2 ص 137. (2) أي الانتشار في الجدل والمناظرة، فيؤدي هذا الانتشار توسيع دائرة المسالك، فبعد أن كانت المناظرة قائمة في اعتبار المسلك الأول وهو السبر والتقسيم، انتقل المستدل إلى اعتبار مسلك آخر هو المناسبة) إلى إخفاء الحق، لأنه مظنة الغضب والحمية. العطار (حاشية العطار على جمع الجوامع) ج 2 ص 316، البناني (حاشية البناني على جمع الجوامع) ج 2 ص 272.
(3) في أ الثاني.
(4) تعالى في ب ساقطة. (1/469)
صفحة 470
***
فصول الأصول
***
الفصل السادس والمائة
في المسلك الخامس
من مسالك العلة المناسبة، وتسمى الإخالة، سميت مناسبة الوصف بالإخالة لأن بها يخال أي يظن أن الوصف علة، ويسمى استخراج الوصف المناسب تخريج المناط؛ لأنه إبداء ما نيط به الحكم، وهو تعيين العلة بلإبداء مناسبة بين المعين والحكم مع اقتران بينهما، وذلك كالإسكار في حديث: كل مسكر حرام) فإنه لإزالته العقل المطلوب مناسب للحرمة، وقد اقترن بها، وسلم من القوادح، وباعتبار المناسبة في هذا ينفصل عن الترتيب من الإيماء فالسلامة من القوادح كأنها
قيد في التسمية بحسب الواقع وإلا فكل طريق من طرق العلة لا يتم بدونها. ويتحقق استقلال الوصف المناسب في العلية بعدم سواه بطريق السبر لا بقول المستدل: بحيث فلم أجد غيره، والأصل عدمه، كما تقدم في السبر. قالوا: لأن المقصود هنا الإثبات وهناك النفي، والمناسب هو الملائم لأفعال العقلاء عادة (2) من قولهم: هذه اللؤلؤة مناسبة لهذه اللؤلؤة، أي: جمعهما معا في سلك موافق لعادة العقلاء في بابه، وكذا مناسبة الوصف للحكم المترتب عليه موافقة لمادة العقلاء في ضمهم الشيء إلى ملائمه.
وقيل: المناسب ما يجلب للإنسان نفعا، أو يدفع عنه ضرر (3)، قال في المحصول:
وهذا قول ما يعلل أحكام الله تعالى بالمصالح، والأول قول من يأبى ذلك (4). (1) أخرجه بهذا اللفظ مسلم صحيح مسلم بشرح النووي كتاب الأشربة، باب بيان أن كل مسكر خمر، وأن كل خمر حرام، حديث 1733، ج 13 ص 181، وابن ماجة (سنن ابن ماجة) المعجم، الأشربة؛ باب كل مسكر حرام، حديث 3387، ج 3 ص 67، وأخرجه بلفظ مقارب الربيع بن حبيب (الجامع الصحيح) كتاب الأشربة من الخمر والنبيذ، باب تحريم بيعها وشربها، حديث 629، ص 247، والبخاري (صحيح البخاري بشرح الفتح كتاب الأشربة، باب نزول تحريم الخمر وهي من البسر والتمر، حديث 5585، ج 10 ص 44، وأبو داود (سنن أبي داود كتاب الأشربة باب النهي عن المسكر، حديث 3679، ج 2 ص 188، والترمذي (سنن الترمذي) كتاب الأشربة، باب كل مسكر حرام، حديث 1869، ج 4 ص 291.
(2) وكذا عرفه ابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 2 ص 274. (3) قال بن القرافي (شرح تنقيح الفصول ص 391، والبيضاوي المنهاج بشرح نهاية السول) ج 4 ص 75، وابن النجار (شرح الكواكب المنير) ج 4 ص 153، وعبد الله الشنقيطي (مراقي السعود بشرح نثر الورود) ج 2 ص 493. (4) الرازي (المحصول) ج 5 ص 159.
470 (1/470)
صفحة 471
471
***
فصول الأصول
***
وقال أبو زيد الدبوسي - وهو حنفي (1): المناسب هو: ما لو عرض على العقول لتلقته بالقبول (2)، أي: من حيث التعليل به، وقيل: هو وصف ظاهر منضبط يحمل عقلا من ترتيب الحكم عليه ما يصلح كونه مقصودا للشارع في شرعيته ذلك الحكم من حصول مصلحة أو دفع مفسدة، فإن كان الوصف خفيا أو غير منضبط اعتبر ملازمه الذي هو ظاهر منضبط، وهو مظنة له، فيكون هو العلة، كالسفر مظنة للمشقة المترتب عليها الترخص في الأصل، لكنها لما لم تنضبط لاختلافها بحسب الأشخاص والأحوال والأزمان نيط الترخص مظنتها، وهو السفر (3).
واعلم أنه ينقسم حصول المقصود من شرع الحكم إلى يقيني وظني، فالأول كالبيع المقصود من مشروعيته الملك وإطلاق التصرفات، وهو حاصل منه يقينا، والثاني كالقصاص المقصود منه الانزجار عن القتل العدواني، وهو حاصل ظنا، فإن الممتنعين عنه أكثر من المقدمين عليه وقد يكون محتملا حصوله، وعمه على سواء، کحد شارب الخمر قصد من شرعه الانزجار عن شربها، وحصوله وعدمه متساويان بتساوي الممتنعين والمقدمين على شربها، وقد يكون انتفاء حصول المقصود أرجح كنكاح الآيسة، فإن المقصود من شرع النكاح طلب الولد، وحصوله من نكاح الآيسة مرجوح إذ الراجح عدمه.
قال صاحب جمع الجوامع: والأصح جواز التعليل بمستاوي الحصول والانتفاء وبمرجوح الحصل نظرا إلى حصولهما في الجملة كجواز القصر للمترفه في سفره إذا انتفت فيه المشقة التي هي الترخيص نظرا إلى حصولها في الجملة (()).
•
(1) أبو زيد الدبوسي، عبيد الله بن عمر بن عيسى، من علماء الحنفية، له كتاب الأسرار وتقويم الأدلة وتأسيس النظر توفي سنة 430 هـ. ببخاري ابن خلكان وفيات الأعيان) ج 3 ص 48، ابن أبي الوفاء (الجواهر المضية في طبقات الحنفية ج 2 ص 499، ابن قطلوبغا (تاج التراجم) ص 131، الزركلي (الأعلام) ج 4 ص 9. (2) الأمدي (الإحكام) ج 3 ص 294، الأنصاري (فواتح الرحموت) ج 2 ص 301. (3) قال به الآمدي (الأحكام) ج 3 ص 294، وابن الحاجب مختصر المنتهى بشرح العضد) ج 2 ص 239. (4) ابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 2 ص 277، وهو قول ابن الحاجب (مختصر المنتهى بشرح العضد) ج 2 ص 240، والشنقيطي (مراقي السعود بشرح نثر الورود) ج 2 ص 494. (1/471)
صفحة 472
***
فصول الأصول
***
وقيل: لا يجوز التعليل بهذين النوعين (1). وقد يكون المقصود من شرع الحكم مقطوعا بفواته في بعض الصور.
واختلفوا في ما كان من هذا القبيل فقالت الحنفية وبعض الأصحاب: يعتبر المقصود الفائت، فثبت به الحكم وما يترتب عليه (2)، وقالت الشافعية وبعضنا: لا يعتبر للقطع بانتفائه (3) وسواء في الخلاف الحكم الذي لا تعبد فيه والذي فيه تعبد. الأول كلحوق نسب المشرقي بالمغربية، قالت الحنفية من تزوج بالمشرق امرأة بالمغرب فأتت بولد يلحقه، فإن المقصود من التزوج حصول الولد ولحوق نسبه بالزوج، وهو – هنا – فائت قطعا للقطع عادة بعدم تلاقي الزوجين، وقد اعتبره الحنفية في هذه الصورة لوجود مظنته وهو التزوج لأجل اللحوق، وعليه بعض أصحابنا، ولم يعتبره غيرهم، وقالوا: لا عبرة بمظنته مع القطع بانتفائه،
فلا لحوق.
الثاني: أي: الحكم الذي به تعبد كاستبراء أمة اشتراها بائعها لرجل في مجلس البيع، فإن المقصود من استبراء المشتراة من رجل معرفة براءة رحمها منه، وهو فائت قطعا في هذه الصورة لانتفاء الجهل فيها، فإن رحمها غير مشغول منه قطعا، وقد اعتبر الحنفية وبعض أصحابنا هذا المقصود تقديرا، فأثبتوا به الاستبراء، ولم يعتبره غيرهم، وقالوا بالاستبراء في مثل هذه الصورة تعبدا كاستبراء المشتراة من امرأة حتى قالوا: لكل ملك استبراء كما يعلم في الفروع بخلاف لحوق النسب، والله أعلم. وينقسم الوصف من حيث مشروعية الحكم له إلى ضروري وإلى حاجي وإلى
تحسيني.
(1) حكاه ابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 2 ص 277، والزركشي (البحر المحيط) ج 7
ص 365.
(2) الأنصاري (فواتح الرحموت) ج 2 ص 263، السالمي (شرح طلعة الشمس) ج 2 ص 124، د. . السعدي (مباحث العلة في القياس) ص 411 - 412. (3) وهو قول إبن الحاجب (مختصر المنتهى بشرح العضد) ج 2 ص 240، وحكاه ابن النجار عن الجمهور (شرح الكوكب المنير) ج 4 ص 158، وانظر: السالمي (طلعة الشمس) ج 2 ص 124، الآمدي (الإحكام) ج 3 ص 299، ابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 2 ص 278، الزركشي (البحر المحيط) ج 7 ص 265، د. السعدي (مباحث العلة) ص 411.
472 (1/472)
صفحة 473
473
***
فصول الأصول
***
والضروري هو ما تصل الحاجة إليه حد الضرورة (1)، وهو يتفاوت على مراتب: الأول كحفظ الدين المشروع له قتل الكفار وعقوبة الزنديق (2) والمبتدع، والثاني كحفظ النفس المشروع له القصاص، والثالث حفظ العقل المشروع له حد السكر، والرابع حفظ النسب المشروع له حد الزنا، والخامس حفظ المال المشروع له حد السرقة، وكذا حفظ العرض المشروع له حد القذف. والحاجي هو: ما يحتاج إليه لا يصل إلى حد الضرورة كالبيع والإجارة شرعا لملك
المحتاج إليه. والتحسيني وهو: ما استحسن عادة من غير احتياج إليه، وهو قسمان: القسم الأول غير معارض للقواعد، وذلك كسلب العبد أهلية الشهادة، فإنه غير محتاج إليه إذ لو أثبتت له الأهلية لما ضر، لكنه مستحسن في العادة لنقص الرقيق عن هذا المنصب الشريف الملزم، والثاني معارض أي مخالف لقاعدة القياس، وذلك كمكاتبة السيد لعبده، فإنها غير محتاج إليها لكنها مستحسنة في العادة للتوسل بها إلى فك الرقبة من الرق وهي خارقة لقاعدة القياس الشرعي، وهي عدم جواز بيع الإنسان ماله بماله الآخر لأن ما يستسعى به المكاتب هو ملك لسيده، والله أعلم (3). والمناسب من حيث اعتباره على أقسام: لأنه إن اعتبر بنص أو إجماع عين الوصف في عين الحكم فهو المناسب المؤثر لظهور تأثيره بما اعتبر به، مثال الاعتبار بالنص تعليل نقض الوضوء مس الذكر، فإنه مستفاد من حديث: من مس ذكره فليتوض (4)، ومثال الاعتبار بالإجماع تعليل ولاية مال الصغير بالصغر، فإنه مجمع عليه، وإن لم يعتبر ذلك أعني: عين الوصف في عين الحكم بنص ولا إجماع، بل يترتب الحكم على وفقه فقط، أي: حيث ثبت الحكم مع الوصف، ولو كان باعتبار
(1) إلى حد الضرورة ساقطة من ب.
(3)
(2) الزنديق من الثنوية، أو القائل بالنور والظلمة، أو من لا يؤمن بالآخرة، أو من يبطن الكفر ويظهر الإيمان، الفيروز أبادي (القاموس المحيط باب القاف فصل الزاي، ج 3 ص 250، إبراهيم أنيس (المعجم الوسيط) ج 1 ص 417. (3) في تقسيم الوصف إلى ضروري وحاجي وتحسيني ينظر: البيضاوي المنهاج بشرح المعراج) ج 2 ص 156، الأصفهاني (شرح المنهاج ج 2 ص 682، الشاطبي (الموافقات) ج 2 ص 324، دار المعرفة بيروت – الطبعة الأولى سنة 1415 هـ الشنقيطي (نثر) الورود) ج 2 ص 495.
(4) أخرجه ابن ماجة (سنن ابن ماجة المعجم، الطهارة وسننها، باب الوضوء من مس الذكر، حديث 482، ج 1 ص 278، وأبو داود (سنن ابي داود كتاب الطهارة، باب الوضوء من مس الذكر، حديث 181، ج 1 ص 53 - 54 واللفظ له، والترمذي (سنن الترمذي) كتاب الطهارة، باب الوضوء من مس الذكر، حديث 82، ج 1 ص 126. (1/473)
صفحة 474
***
فصول الأصول
***
جنس الوصف في جنس الحكم بنص أو إجماع أو باعتبار عين الوصف في جنس الحكم، أو جنس الوصف في عين الحكم، فهو المناسب الملائم، سمي بذلك لملائمته للحكم، فالأقسام ثلاثة: الأول اعتبار عين الوصف في عين الحكم بترتيب الحكم على وفق الوصف، وقد اعتبر فيه العين في الجنس تعليل ولاية النكاح بالصغر من حيث ثبتت معه ولو اختلف في أنها للصغر أو للبكارة أو لهما، وقد اعتبر في جنس الولاية حيث اعتبر في ولاية المال بالإجماع، ومثال الثاني: أي: اعتبار العين في العين، وقد اعتبر الجنس في العين تعليل جواز الجمع في الحضر حالة المطر على القول به بالحرج، وقد اعتبر الشارع جنسه في الجواز في السفر بالإجماع، ومثال الثالث أي اعتبار العين في العين، وقد اعتبر الجنس في الجنس تعليل القصاص في القتل بمثقل بالقتل العمد العدواني حيث ثبت معه، حيث اعتبر في القتل محدد بالإجماع، وإن لم يعتبر الشارع مناسبة الوصف للحكم فلا يخلو من أحد وجهين:
إما أن يكون قد دل دليل على إلغائه أولا، فإن كان قد دل دليل على إلغائه فهو الغريب، وإن لم يدل دليل على إلغائه فهو المرسل، والغريب لا يجوز التعليل به، خلافا ليحيى بن يحيى أحد علماء الأندلس (1) حيث أفتى الملك عبدالرحمن الملقب بالداخل (2)، وكان قد جامع في نهار رمضان فأفتاه بوجوب الصوم ابتداء في الكفارة قائلا: إنه هو المناسب في حقه؛ لأن بذل المال في الإعتاق يسهل على الملوك في شهوة فروجهم فلا يرتدعون عن المعاصي، وقد شرعت الكفارة ردعا عنها، فالصوم أولى من العتق في حق مثله لأنه أردع (3)، لكن لما كان الشارع أوجب العتق ابتداء في الكفارة، ولم يعتبر التفرقة في ذلك بين ملك وغيره بل سكت عن هذا الاعتبار وألغاه فلا يصح اعتبار ما ألغاه الشارع في ذلك؛ لأن العمل به عمل بخلاف ما يقتضيه الدليل الشرعي، وسمي (4) هذا القسم بالغريب لبعده عن الاعتبار. (1) يحيى بن يحيى ابن أبي عيسى كثير الليثي بالولاء، ولد سنة 152 هـ، من علماء المالكية، قرأ بقرطبة ورحل إلى دمشق، فسمع الموطأ من الإمام مالك، وأخذ عن علماء مكة ومصر، ثم عاد إلى الأندلس، فنشر فيها مذهب مالك، توفي سنة 234 هـ. ابن العماد (شذرات الذهب) ج 3 ص 160، الزركلي (الأعلام) ج 8 ص 176. (2) عبدالرحمن الداخل: عبدالرحمن بن معاوية بن هشام بن عبدالملك، ولد سنة 113 هـ بدمشق، ويلقب بصقر قريش - أيضا - مؤسس الدولة الأموية في الأندلس، توفي سنة 172 هـ بقرطبة. ابن العماد (شذرات الذهب) ج 2 ص 331، الزركلي (الأعلام) ج 3 ص 338. (3) الأمدي (الإحكام) ج 3 ص 315، المحلي (شرح المحلي على جمع الجوامع) ج 2 ص 284، المطيعي (سلم الوصول) ج 4 ص 93.
(4) في بيس
474 (1/474)
صفحة 475
475
***
فصول الأصول
***
والمرسل هو ما لم يدل دليل على إلغائه ولا على اعتباره، سمي بذلك لإطلاقه عن الاعتبار والألغاء، ويعبر عنه بالمصالح المرسلة، وبالاستصلاح، وفي جواز التعليل به خلاف: منعه أكثر علماء الأصول (1) وأجازه بعضهم، وممن قبله مالك بن أنس (2) رعاية للمصلحة حتى جوز ضرب المتهم بالسرقة لعله يقر، وعورض بأنه قد يكون بريئا وترك ضرب مذنب أهون من ضرب بريء، ومنعه بعضهم في العبادات (3)، إذ لا نظر فيها للمصحلة بخلاف غيرها كالمعاملات والحدود.
والغزالي يشترط في قبول التعليل بالمرسل ثلاثة شروط وهي: أن يكون المصلحة فيه قطعية لا ظنية، وضرورية لا حاجية، وكلية لا جزئية، مثال ذلك كما إذا تترس الكفار بجمع من المسلمين، ورأينا إن رميناهم لا يصل رمينا إليهم دون أن يصيب الترس أولا، وإن لم نرمهم قطعنا بغلبتهم علينا وقتلهم إيانا، فيجوز بل يجب رميهم وقتل الترس معهم لأنهم متى ما استأصلونا هلك الترس – أيضا – معنا، وقد قطعنا بحصول المصلحة - هنا - وهي ضرورية - أيضا - لأن هلاك البعض دون الكل مطلوب بالضرورة، وهي كلية - أيضا - كما ترى لأن تنجية العامة مصلحة كلية بخلاف المتحصنين في قلعة تترسوا بمسلمين، فإن فتح القلعة ليس ضروريا ولا قطعيا إن رمينا الترس، وبخلاف أهل سفينة أصابهم خب (4) فأرادوا رمي بعضهم ليسلم الباقون، فإن سلامة الباقين غير قطعية، ولو سلموا، فهي مصلحة جزئية لا كلية، فلا يجوز ذلك (5).
(1) ابن الحاجب مختصر المنتهى بشرح (العضد ج 2 ص 242، ابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي ج 2 ص 284، (الإبهاج) ج 3 ص 178، الزركشي (البحر المحيط) ج 8 ص 83، ابن النجار (شرح الكوكب المنير) ج 4 ص 169، الأنصاري (فواتح الرحموت) ج 2 ص 301. (2) وعليه جمهور أصحابه. القرافي شرح تنقيح الفصول ص 193، الشنقيطي (نثر الورود) ج 2 ص 505 - 506، د. وهبة الزحيلي (المصالح المرسلة) ورقة عمل قدمت في ندوة الفقه الإسلامي المنعقدة بجامعة السلطان قابوس بسلطنة عمان ص 303 - 305.
(3) حكاه ابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 2 ص 284. (4) الخب هيجان البحر واضطرابه يقال: أصابهم خب إذا هاج بهم البحر. ابن منظور (لسان العرب) باب الباء، فصل الخاء، ج 1 ص 342، ابراهيم أنيس (المعجم الوسيط) باب الخاء، ج 1 ص 221. (ه) وذهب هذا المذهب - أي مذهب الغزالي - القاضي البيضاوي. الغزالي (المستصفى) ج 1 ص 294 - 296، البيضاوي (منهاج الأصول بشرح نهاية السول) ج 4 ص 385، المطيعي (سلم الوصول) جع
ص 387 - 390. (1/475)
صفحة 476
***
فصول الأصول
***
قال شيخنا السالمي - رحمه الله - وإذا تأملت مذهب الأصحاب وجدتهم يقبلون هذا النوع من المناسب ويعللون به لما دل عليه مجملا، أي: وإن لم يدل دليل على اعتباره بعينه أو جنسه، فإن الأدلة الشرعية دال على اعتبار المصالح مطلقا، فينبغي إلحاق ما لم يعلم اعتباره بما علم لعلمنا مراعاة الأصلحية منه تعالى تفضلا على خلقه وتكرما على عباده لا وجوبا ولا إيجابا (1). ثم ذكر عدة احكام وفتاوى للأصحاب، وقال: ليس لهم في ذلك مستند إلا القياس المرسل. انتهى قال ابن السبكي: وقد تنخرم المصلحة أي تبطل بوجود مفسدة تلزم الحكم راجحة على مصلحته أو مساوية له (3). وقال الإمام الرازي: المصلحة باقية ولو انتفى الحكم بها (4)، فانتفاء الحكم عنده لوجود المانع، وعند غيره لانتفاء المقتضى (5) انتهى، والله أعلم.
(1) السالمي (شرح طلعة الشمس) ج 2 ص 143 - 144.
(2)
(2) من المسائل التي ذكرها الإمام السالمي: أن بعض الإباضية جعل الميراث للمطلقة في المرض ثلاثا لئلا ترث منه قياسا على حرمان القاتل من الميراث بجامع أن كل واحد من التطليق المذكور والقتل فعل محرم لغرض فاسد، فإن الشرع لم يعتبر إثبات ميراث لمن لا ميراث له لأجل صدور ما يسقط به لقصد إسقاطه، فلم يعتبر الشرع عين هذه العلة ولا جنسها في عين إثبات الميرات ولا جنسه، والإباضية اعتبروا ذلك فعارضوه بنقيض قصده حتى يصير الحكم بتوريث المبتوتة معارضا له بنقيض قصده كحرمان القاتل عمدا معارضة بنقيض قصده، فإن قصد المطلق ثلاثا في المرض حرمان الميراث، وقصد قاتل موروثه استعجال الميراث له، فكان مناسبا، لكن الشارع لم يعتبره في واحدة من الحيثيات المتقدمة فكان مناسبا مرسلا. ومن المسائل – أيضا – حظر النكاح على من عرف من نفسه العجز عن الوطئ وهو يخشى عليها المحذور، فإن من قال: إن الدخول في نكاح من يخشى عليها إن لم توطأ الوقوع في المحظور، هو يعرف من نفسه العجز عنه محظور لا حجة له على حظره إلا القياس المرسل، وهو أنه عرضها لفعل القبيح، والشرع يمنع من تعرض الغير لفعل القبيح في بعض الصور نحو المنع من الخلوة بغير المحرم من النساء ولو عرف من نفسه أنه يحترز من المعصية، السالمي (شرح طلعة الشمس) ج 2 ص 143 - 144.
(3) ابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 2 ص 286.
(4) الرازي (المحصول) ج 5 ص 168. (0) الآمدي (الأحكام) ج 3 ص 303، ابن الحاجب مختصر المنتهى بشرح العضد) ج 2 ص 241، الجزري (معراج المنهاج) ج 2 ص 230، الطوفي (شرح مختصر الروضة) ج 3 ص 204، الأصفهاني (شرح المنهاج) ج 2 ص 763، ابن السبكي (الإبهاج ج 3 ص 65، الأنصاري فواتح الرحموت) ج 2 ص 264، الشنقيطي (نثر الورود) ج 2 ص 507.
476 (1/476)
صفحة 477
477
***
فصول الأصول
***
الفصل السابع والمائة
في المسلك السادس
المسلك السادس من مسالك العلة الشبه
قال شيخنا السالمي في تعريفه: اعلم ان للشبه معنيين أعم وأخص أما الأعم فهو ما يرتبط الحكم به على وجه يمكن القياس عليه، وهو متناول لجميع العلل التي يمكن معها القياس، وأما الأخص فهو ما يتعلق الحكم به أولى من تعليقه بنقيضه، وهذا المعنى هو المراد هاهنا. قال: وقد اضطربت في تعريفه أقوال الأصوليين حتى قال ابن السبكي: الشبه منزلة بين المناسب (1) والطرد، قال: (2) ولم أجد لأحد تعريفا صحيحا فيها (3) قال السعد وتحقيق كون الشبه (5) من المسالك أن الوصف كما أنه (يكون مناسبا فيظن بذلك كونه علة كذلك (7) يكون شبها (8) فيفيد الظن بالعلية، وقد ينازع (9) في إفادته الظن فيحتاج إلى إثباته بشيء من مسالك العلية (10) إلا (11) أنه لا يثبت بمجرد
(1) من ب المناسبة. (2) أي ابن السبكي.
(3 () 4)
(3) ابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 2 ص 286، السالمي (شرح طلعة الشمس) ج 2 ص 145. (4) وقد عرف القاضي الباقلاني الشبه بأنه الوصف الذي لا يناسب لذاته، ويستلزم المناسب لذاته. الزركشي (البحر المحيط) ج 7 ص 293، وعرفه الغزالي بأنه: مناسبة الوصف الجامع لعلة الحكم وإن لم يناسب نفس الحكم. الغزالي (المستصفى) ج 2 ص 310، القرافي (شرح تنقيح الفصول) ص 394، وانظر تعريفات الأصوليين للشبه في الجويني (البرهان) ج 2 ص 859، ابن الحاجب مختصر المنتهى بشرح العضد) ج 2 ص 244، الطوفي (شرح مختصر الروضة) ج 3 ص 424، الاصفهاني (شرح المنهاج) ج 2 ص 693، ابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 2 ص 286، الزركشي (البحر المحيط) ج 7 ص 293، ابن النجار (شرح الكوكب المنير) ج 4 ص 187، الشوكاني (إرشاد الفحول) ص 219.
(د) كذا في النسختين وفي حاشية التقتازاني، وتحقيق كونه.
(6) في حاشية التفتازاني، قد يكون.
(7) في حاشية التفتازاني، قد يكون.
(8) في حاشية التفتازاني، شبيها. (9) في حاشية التفتازاني، تنازع
(10) في أ العلة. (11) في با إذا أنه. (1/477)
صفحة 478
***
فصول الأصول
***
المناسبة (1) انتهى (2) قول السعد. ولا حاجة إلى نقل الأقوال الواردة في حقيقة هذا المسلك، بل نكتفي بما مر من مختار شيخنا (3) فيه.
ولا يعمل بقياس هذا المسلك مع إمكان قياس العلة المشتمل على المناسب بالذات إجماعا، فإن تعذر قياس العلة بتعذر المناسب بالذات ولم يوجد غير قياس الشبه فقد اختلفوا فيه: فقال الشافعي: هو حجة نظر الشبهه بالمناسب (4) وقال أبو بكر الصيرفي وأبو إسحاق الشيرازي: هو مردود نظر الشبهه بالطرد (ه)، وعلى القول بحجيته فأعلاه قياس غلبة الأشباه في الحكم والصفة، وهو إلحاق فرع متردد بين أصلين بأحدهما الغالب شبهه به في الحكم والصفة على شبهه بالآخر فيهما، مثال ذلك إلحاق العبد بالمال في إيجاب القيمة بقتله بالغة ما بلغت لأن شبهه بالمال في الحكم والصفة أكثر من شبهه بالحر فيهما.
ويليه القياس الصوري، وهو أن تكون المشابهة في الصورة لا في الحكم كقياس الخيل على البغال والحمير في عدم وجوب الزكاة للشبه الصوري بينهما. وقال الإمام الرازي: إن المعتبر في كون قياس الشبه صحيحا حصول المشابهة بين الشيئين لعلة الحكم أو مسلتزمها سواء كان ذلك في الصورة أم في الحكم (6)، انتهى (2)، والله أعلم.
(1) السعد التفتازاني (حاشية التفتازاني على مختصر المنتهى) ج 2 ص 244.
(2) في ب أهـ. (3) أي الشيخ السالمي.
(4) أنكر بعض علماء الشافعية نسبة هذا القول إلى الإمام الشافعي منهم أبو إسحاق المروزي والقاضي الباقلاني. الزركشي (البحر المحيط) ج 7 ص 299، وانظر: ابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 2 ص 287، الشافعي (الرسالة) ص. 40 وص 479.
و ممن قال بقياس الشبه جمهور الحنابلة، الطوفي (شرح مختصر الروضة) ج 3 ص 424، ابن النجار (شرح الكوكب المنير) ج 4 ص 190، وحكاه الباجي عن أكثر المالكية (إحكام الفصول) ص 629. (د) وهو قول الحنفية. ابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 2 ص 287، الشيرازي (التبصرة) ص 458، (اللمع) ص 97، الأنصاري (فواتح الرحموت ج 2 ص 287، الشيرازي (التبصرة) ص 458، (اللمع) ص 97، الأنصاري (فواتح الرحموت) ج 2 ص 287، الشيرازي (التبصرة) ص 458، (اللمع) ص 97، الأنصاري (فواتح الرحموت) ج 2 ص 301 - 302، أمير باد شاه (تيسير التحرير) ج 4 ص 54. (6) الرازي (المحصول) جه ص 203.
(7) في ب أهـ.
478 (1/478)
صفحة 479
479
***
فصول الأصول
***
الفصل الثامن والمائة
في المسلك السابع
المسلك السابع من مسالك العلة الدوران، وهو عبارة عن وجود حكم من الأحكام عند وجود وصف من الأوصاف، وأن ينعدم ذلك الحكم عند انعدام ذلك الوصف كالشدة في الخمر مثلا.
واختلفوا في إفادته العلية قيل: لا يفيدها (1) أصلا لجواز أن يكون الوصف ملازما للعلة لا نفسها (2)، وذلك كرائحة المسكر (3) المخصوصة، فإنها دائرة من الحكم وجودا وعدما بأن يصير خلا بدونها وليست علة، وقال قوم: - هذا – الوصف قطعي في إفادته العلية)، والأكثر أنه ظني لا قطعي للاحتمال السابق)، وقالوا: لا يلزم المستدل به (6) بيان انتفاء ما هو أولى منه بإفادة العلية بل يصح الاستدلال به مع إمكان الاستدلال بما هو أولى منه (7).
بخلاف ما تقدم من قياس الشبه من قولنا: لا يصار إليه مع إمكان قياس العلة، وقد كثر الاختلاف في هذا الطريق قبولا وردا.
(1) في ب تفيدها. (2) قال به أبو عبدالله البصري. ابن المرتضى منهاج الوصول ص 732، وابن السمعاني. الزركشي (البحر المحيط) ج 7 ص 310، والعضد (شرح العضد على مختصر المنتهى) ج 2 ص 246، وعامة الحنفية. أمير باد شاة (تيسير التحرير) ج 4 ص 49، الأنصاري (فواتح الرحموت) ج 2 ص 302، السالمي (شرح طلعة الشمس) ج 2 ص 148. (3) في ب السكر.
(4) نقل عن بعض المعتزلة، وحكاه ابن السمعاني عن بعض الشفاعية. الطوفي (شرح مختصر الروضة) ج 3 ص 413، الزركشي (البحر المحيط) ج 7 ص 309.
(5) الآمدي (الإحكام) ج 3 ص 3301، الطوفي (شرح مختصر (الروضة) ج 3 ص 413، الأصفهاني (شرح المنهاج) ج 2 ص 698، العضد (شرح العضد على مختصر (المنتهى) ج 2 ص 246، ابن السبكي (الإبهاج) ج 2 ص 72 - 73، (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 2 ص 289، الزركشي (البحر المحيط) ج 7 ص 309، ابن النجار (شرح الكوكب المنير) ج 4 ص 193، الشوكاني (إرشاد الفحول) ص 221، السالمي (شرح طلعة الشمس) ج 3 ص 148، د. السعدي عبد الحكيم (مباحث العلة) ص 476. (6) به في ب ساقطة. (7) ابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 2 ص 290، ابن النجار (شرح الكوكب المنير) ج 4 ص 194. (1/479)
صفحة 480
***
فصول الأصول
***
قال صاحب المنهاج ما معناه: ونحن نقول بخلاف ما قالوه وهو إنما يكون الدوران طريقا إلى العلة حيث يعلم وجوب التعليل للحكم جملة، إما بإجماع على ذلك الحكم أو بدليل كقوله تعالى: الله وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (1)، وإن لم يحصل إجماع ولا دليل على وجوب تعليل الأصل المقيس عليه، فموضع اجتهاد للمجتهد يعمل فيه بحسب ما يظهر له من القرائن المرشدة إلى أن الوصف علة، نحو أن يكون لبعض الأوصاف تأثير في الحكم وليس لبعضها مثل ما له من الأثر به فيكون أولى، إلى أن قال: واعلم أننا في اختيارنا هذا لم نبطل به كون الدوران طريقا إلى العلة مستقلا بل نحن نجعله طريقا يحتاج إلى التقوية بما ذكرناه قال: وقد أشار ابن الحاجب إلى مثل ما اخترناه (2). انتهى كلامه بتصرف، والله أعلم.
(1) القرآن الكريم، سورة الأنبياء (مكية) آية رقم 107.
(2) ابن المرتضى منهاج الوصول ص 733 - 734، ابن الحاجب (مختصر المنتهى بشرح العضد) ج 2
ص 245 - 246.
480 (1/480)
صفحة 481
481
***
فصول الأصول
***
الفصل التاسع والمائة
في المسلك الثامن من مسالك العلة
وهو الطرد، وهو عبارة عن وجود الوصف حيث وجد الحكم ولو لم ينعدم عند انعدامه، وبهذا المعنى فارق الدوران، فإنه يدور فيه الوصف مع الحكم وجودا وعدما كما مر تعريفه.
واشترطوا في الطرد عدم مناسبة الوصف للحكم، فإنه إن ناسبه كان ذلك من باب المناسبة لا من باب الطرد، ولم يشترطوا عدم المناسبة في الدوران، بل ظاهر كلامهم أن الوصف فيه قد يكون مناسبا وقد يكون غير مناسب، فإن قيل: إن وجدت المناسبة فإثبات العلية لها حينئذ لا للدوران، أجيب بأن الإثبات بالدوران من حيث وجوده، ومن ثم اختلف فيه هل يفيد علية الوصف المدار إذ لو لم يكن موجودا مع المناسبة لتعين الوصف المناسب للعلية؟ ومثله المحلي بقوله: كقول بعضهم في الخل: هو مائع لا تنبني القنطرة (1) علي جنسه، فلا يزال به النجاسة كالدهن، أي: بخلاف الماء فتبنى القنطرة على جنسه فتزال به النجاسة، فبناء القنطرة وعدمه لا مناسبة فيه للحكم أصلا وإن كان مطردا لا نقض عليه (2).
وقد اختلف العلماء في إفادة هذا الطريق للعلية: فبعض من يقبل الدوران يقبله (3)، والأكثر على عدم قبوله، وهو الصحيح (4)، وقيل: إن قارن الحكم الوصف فيما عدا صورة النزاع أفاد العلية، فيفيد الحكم في صورة النزاع، وعليه الإمام الرازي
(1) القنطرة: جشر متقوس مبني فوق النهر يعبر عليه، الزبيدي (تاج العروس) باب الراء، فصل القاف، ج 3 ص 509، إبراهيم أنيس (المعجم الوسيط) باب القاف، ج 2 ص 792.
(2) المحلي (شرح المحلي على جمع الجوامع) ج 2 ص 291 - 292. (3) حكاه أبو الطيب الطبري عن بعض الشافعية وقوم من أصحاب أبي حنيفة بالعراق. الزركشي (البحر المحيط) ج 7 ص 315 - 316، وعزاه أبو إسحاق الشيرازي إلى أبي بكر الصيرفي. الشيرازي (التبصرة) ص 460، الآرموي (التحصيل) ج 2 ص 206، السالمي (شرح طلعة الشمس) ج 2 ص 150، د. السعدي (مباحث العلة) ص 500.
(4) الجويني (البرهان) ج 2 ص 788، الرازي (المحصول) ج ه ص 221، ابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 2 ص 292، الزركشي (البحر المحيط) ج 7 ص 314، ابن النجار (شرح الكوكب المنير) ج 4
ص 198، السالمي (شرح طلعة الشمس) ج 2 ص 150، د. السعدي (مباحث العلة) ص 494. (1/481)
صفحة 482
***
فصول الأصول
***
وكثير من العلماء (1)، وقيل: تكفي المقارنة في صورة واحدة لإفادة العلية (2)، وقال الكرخي: يفيد الطرد للمناظر لغيره دون الناظر لنفسه لأن الأول في مقام الدفع
والثاني في مقام الإثبات (3) والله أعلم.
(1) الرازي (المحصول) ج 5 ص 221 - 222، ابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 2 ص 292. (2) حكاه الأرموي (التحصيل) ج 2 ص 206، وابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي)، وابن النجار (شرح الكوكب المنير) ج 4 ص 197، وحكاه البيضاوي ثم قال: وهو ضعيف، وبين الأصفهاني وجه ضعفه بأن الظن بالعلية لا يكفي حصوله بمقارنة الوصف للحكم في صورة واحدة وإنما يحصل بمقارنته للحكم في صور متعددة. البيضاوي (منهاج الأصول بشرح الأصفهاني) ج 2 ص 705، وينظر: الشيرازي (شرح اللمع) ج 2 ص 864، الغزالي (المستصفى) ج 2 ص 309، (شفاء الغليل) ص 226، الجزري (معراج المنهاج) ج 2 ص 174، أمير باد شاه (تيسير التحرير) ج 4 ص 52. (3) ابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 2 ص 292، د. السعدي (مباحث العلة) ص 505.
482 (1/482)
صفحة 483
483
***
فصول الأصول
***
الفصل العاشر والمائة
في المسلك التاسع من مسالك العلة
وهو تنقيح المناط، ويسمى السبر والتقسيم - أيضا - (1)، وهو: ان يدل نص ظاهر على التعليل بوصف، فيحذف خصوصه عن الاعتبار بالاجتهاد ويناط الحكم بالأعم، أو أن تكون عدة اوصاف في محل الحكم فيحذف بعضها عن الاعتبار بالاجتهاد ويناط الحكم بالباقي، وحاصل المقام أن المراد به الاجتهاد في صر أوصاف الأصل المقيس عليه وحذف مالا يحصل للتعليل منها وإبقاء ما يصلح للتعليل (2).
مثال ذلك حصر أوصاف البر التي يعلل بها تحريم الربا فيه، فيقول: هل علة الربا الكيل أو الوزن أو الطعم أو الاقتيات أو الادخار، فهذه الأوصاف كلها موجودة فيه، وبعضها أقوى من بعض، والطعم أقوى منها كلها لأنه لا يفارقه ولا يعود عليه بالإبطال، فتعين الطعم علة في ثبوت الربا فيه وتحذف ما عداه من الأوصاف. وكذا في وجوب الكفارة بالوقاع في نهار رمضان هل العلة في وجوبها كون المواقع أعرابيا أو كون الموطوءة زوجة، أو كون الوطء في القبل، وأقوى هذه الأوصاف هو كون الجماع مفطرا للصائم، فقياس عليه كل مفطر، فتجب الكفارة على كل من أفطر عامدا بأي منظر كان، انتهى.
(1) ذكر المصنف سابقا السبر والتقسيم، وعده مسلكا رابعا، ثم ذكر - هنا - تنقيح المناط، وجعله مسلكا آخر، وقد تبع في هذا الإمام ابن السبكي حيث عدهما مسلكين (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 2 ص 270، والفارق بينهما كما قال الشربيني: هو أن السبر يكون في الحذف، فيتعين الباقي بالحذف، أما تنقيح المناط، فإن الاجتهاد يكون في الحذف وفي التعيين تقريرات الشربيني على جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 2 ص 292، أما إمام الحرمين والفخر الرازي والسالمي فقد جعلوهما مسلكا واحدا، الجويني (البرهان) ج 2 524، الرازي (المحصول) ج 5 ص 230، السالمي (شرح طلعة الشمس) ج 2 ص 135.
(2) وإبقاء ما يصلح للتعليل ساقطة من ب. (1/483)
صفحة 484
***
فصول الأصول
***
وأما تحقيق المناط فهو إثبات العلة للحكم في آحاد صورها كتحقيق أن النباش سارق لأنه أخذ المال خفية، وأخذه خفية هو السرقة فيقطع، خلافا للحنفية)، وأما ما يسمى تخريج (2) المناط فهو المناسبة (3)، وقد مر في مبحثه، والله تعالى أعلم.
(1) ينظر، ما مقصود المؤلف بقوله خلافا للحنفية، هل أنهم لا يقولون بتحقيق المناط أم أن النباش غير سارق فلا يحد؟ أما الأول فقد جاء في التحرير وشرحه ما نصه ويسمى النظر في معرفة وجودها – أي العلة – في آحاد الصور تعرفها بنص أو إجماع تحقيق المناط، ولا يختلف فيه – أي كونه مسلكا صحيحا – ونسب
للحنفية نفيه واعتذر بعض الحنفية عن عدم ذكرهم تنقيح المناط بأن مرجعه إلى النص أو الإجماع. ولا شك أن قبول معني تنقيح المناط واجب على كل مجتهد حنفي وغيره غير أن الحنفية لم يضعوا له اسما اصطلاحيا ولم يضعوا تحقيق المناط وتخريجه أي ولم يضعوا تحقيق المناط مع العمل بها في الكل. الكمال بن الهمام (التحرير بشرح التيسير) ج 4 ص 42 - 43، وينظر: الأنصاري فواتح الرحموت) ج 2 ص 298. وأما عن الثاني فإن الحنفية يذهبون إلى ذلك لعدم وجود الحرز، والظاهر أن المؤلف يقصد هذا لأنه معتمد على جمع الجوامع وقد بين العطار أن ابن السبكي قصد هذا المعنى، وينظر: العطار (حاشية العطار على جمع الجوامع) ج 2 ص 338، المرغيناني (الهداية) ج 2 ص 121.
(2) في ب تجريح.
(3) انظر معنى تحقيق المناط وتنقيحه وتخريجه في: الطوفي شرح مختصر الروضة) ج 3 ص 233 - 242، الزركشي (البحر المحيط) ج 7 ص 322 - 324، ابن النجار (شرح الكوكب المنير) ج 4 ص 200، أمير باد شاه (تيسير التحرير) ج 4 ص 42، د. السعدي (مباحث العلة) ص 516.
484 (1/484)
صفحة 485
485
***
فصول الأصول
***
الفصل الحادي عشر بعد المائة
في المسلك العاشر من مسالك العلة
وهو إلغاء الفارق، وهو: تبيين عدم تأثير الفارق بين الأصل والفرع فيثبت الحكم لما اشتركا (1) فيه كإلحاق الأمة بالعبد في سراية العتق، فقد ثبتت السراية فيه بقوله -: من أعتق شقصاله في عبد عتق كله وقوم عليه الباقي (2)، فقد ورد النص في العبد دون الأمة، وأجمعت الأمة على أنه لا فارق بينه وبينها في ذلك، وكذا الآية الواردة في تنصيف الحد على الإماء الزواني وهي قوله تعالى: {فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ (3) مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ (4)، فهي واردة في الإماء ولم يذكر حد العبيد. لكن أجمعت الأمى أنه لا فارق بين العبيد والإماء في ذلك (ه)، فالحقوهم بهن قياسا لألغاء الفارق؛ لأن الفارق بينهم الأنوثة فقط، ولا تأثير لها هاهنا، وهذا من القياس الجلي عندهم. وأما الخفي فهو نقيض الجلي وهو ما لم يقطع فيه بانتفاء الفارق بين الفرع والأصل بل قامت عليه إمارة ظنية (6) وهو ما تتجاذ به أصول مختلفة الحكم يجوز رده إلى كل واحد منها، ولكنه أقوى شبها بأحدها، مثاله الوضوء عبادة فتجب فيه
(1) في ب اشترط.
(2) أخرجه ابن ماجة (سنن ابن ماجة) المعجم العتق، باب من أعتق شركا له في عبد، حديث 2527، ج 3 ص 208 - 209، وأبو داود (سنن أبي داود كتاب العتق، باب من أعتق نصيبا له من مملوك، حديث 3937، ج 2 ص 240، والترمذي (سنن الترمذي) كتاب الأحكام، باب في العبد يكون بين الرجلين فيعتق أحدهما نصيبه، حديث 1350، ج 3 ص 629، وقال: حديث حسن صحيح.
(3) في ب مثل.
المنير)
(4) القرآن الكريم، سورة النساء (مدنية) آية رقم 25. (5) الآمدي (الإحكام) ج 4 ص 6، ابن الحاجب (مختصر المنتهى بشرح العضد ج 2 ص 247، ابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 2 ص 293، أمير باد شاه (تيسير التحرير) ج 4 ص 76، ابن النجار (شرح الكوكب ج 4 ص 07 20، الشوكاني (إرشاد الفحول) ص 222، السالمي (شرح طلعة الشمس) ج 2 ص 151. (6) ينظر تعريف القياس المحلي والخفي في: الباجي (إحكام الفصول) ص 627، الآمدي (الإحكام) ج 4 ص 6، ابن الحاجب مختصر المنتهى بشرح العضد) ج 2 ص 247، الزركشي (البحر المحيط) ج 7 ص 48، ابن المرتضى (منهاج الوصول) ص 734، ابن النجار (شرح) الكوكب المنير) ج 4 ص 207 208، الشوكاني (إرشاد الفحول) ص 222، السالمي (شرح طلعة الشمس) ج 2 ص 151، د. السعدي (مباحث العلة) ص 56 - 57. (1/485)
صفحة 486
***
فصول الأصول
***
النية كالصلاة، فيقول الحنفي: هو طهارة بالماء فلا تجب فيه النية كإزالة النجاسة، فقد تجاذبه أصلان وهما الصلاة، وإزالة النجاسة، سمي خفيا لافتقاره إلى نظر في ترجيح أي الشبيهين، وترجيح أحد الشبهين على الآخر يسمى بقياس غلبة الأشياء ويسمى القياس الجلي - أيضا - قياسا في معنى الأصل.
واختلفوا في تحديده: فمنهم من قال: هو إلحاق ما لا نص فيه بما فيه نص إذا كان من جهة فهم المعنى لا يتناول اللفظ (1)، ومنهم من قال: قياس المعنى ما لا يفهم بنص ولا فحوى، ولا يحتاج فيه إلى تأمل واختبار بل يقطع فيه بانتفاء الفارق بين الأصل ولا يتعدد فيه الشبه (2).
قال صاحب المنهاج فحصل من هذا أن قياس المعنى ما جمع أربع شرائط:
الأولى: أن تكون العلة فيه مفهومة من غير كلفة.
الثانية: أن لا تفهم بنص ولا فحوى.
الثالثة: أن لا تحتاج إلى ضرب من الاختبار.
الرابعة: أن يكون الأصل فيه واحدا أو أكثر، ويقل الشبه بها إلا واحدا يقوى شبهه على وجه يقطع بعدم خلافه، فما جمع هذه الشرائط فهو قياس المعنى. قال: وقد دخلت كلها تحت قولنا: ما طع فيه بنفي الفارق بين الأصل والفرع، أ. هـ (3)، وقد اختلفوا في معنى الأصل - أيضا - هله قياس أم لا؟ فعند الجمهور
هو قياس.
وقال أبو الحسن الكرخي: ليس بقياس بل النص على العلة لا يسمى قياسا على الإطلاق بل قياس في معنى الأصل، أي: قياس في معنى الأصل، أي: قياس في معنى النص على الحكم؛ لأن النص على العلة جار مجرى اللفظ العام، فالفرع دخل على العموم (4)، والصحيح انه قياس كما تقدم، والله أعلم.
(1) ابن المرتضى (منهاج الوصول) ص 736، السالمي (شرح طلعة الشمس) ج 2 ص 152. (2) انظر المرجعين السابقين وابن الحاجب (مختصر المنتهي بشرح العضد) ج 2 ص 247، د. السعدي
(مباحث العلة) ص 58.
(3) ابن المرتضى (منهاج الوصول) ص 736. (4) واختاره ابن عبدالشکور وحكاه الأنصاري عن الحنفية (مسلم الثبوت بشرح الفواتح ج 2 ص 316، وانظر: السالمي (طلعة الشمس) ج 2 ص 152.
486 (1/486)
صفحة 487
487
***
فصول الأصول
***
مبحث القوادح
وهي ما يقدح في الدليل من حيث العلة وغيرها وهي أمور كثيرة
الفصل الثاني عشر والمائة
في الأول من القوادح
الأول من القوادح تخلف الحكم عن العلة بأن توجد العلة – مثلا – في صورة من الصور ولم يوجد الحكم معها، قال الشافعي: إنه قادح، وسماه النقض وقالت الحنفية: لا يقدح فيها، وسموه تخصيص العلة (2)، وقيل: لا يقدح في العلة المستنبطة (3)؛ لأن دليلها اقتران الحكم بها، ولا وجود له في صورة التخلف، فلا يدل على العلية فيها بخلاف المنصوصة فإن دليلها النص الشامل في صورة التخلف، فلا يدل على العلية فيها بخلاف المنصوصة فإن دليلها النص الشامل لصورة التخلف، وإنتفاء الحكم فيها يبطله بأن يوقفه عن العمل به. والحنفية تقول: يخصصه، ويجاب عن دليل المستنبطة بأن اقتران الحكم بالوصف يدل على عليته في جميع صوره كدليل المنصوصة، وقيل: لا يقدح في المنصوصة، ويقدح في المستنبطة عكس الأول (4)؛ لأن الشارع له أن يطلق العام ويريد بعضه مؤخرا بيانه إلى وقت الحاجة بخلاف غيره إذا علل بشيء ونقض عليه ليس له أن يقول: أردت غير ذلك؛ لأن هذا منه مما يسد باب إبطال العلة، وقال قوم: إنه يقدح فيهما معا إلا أن يكون التخلف الحصول مانع أو فقد شرط للحكم فلا يقدح حينئذ، قال ابن السبكي: (1) وهو قول ابن السبكي (جمع الجوامع بشرح (المحلي) ج 2 ص 295، وحكاه الزركشي عن المتكلمين وأكثر الشافعية (البحر المحيط) ج 7 ص 330، ابن النجار (شرح الكوكب المنير) ج 4 ص 281 - 282، السالمي (شرح طلعة الشمس) ج 2 ص 164. (2) إلا أن الخلاف موجود عن الحنفية، في هذا القادح كما يفهم من كلام الأزميري حيث جعله من القوادح الفاسدة، بل إن صدر الشريعة حكى القول - النقض تخصيص - عن بعض الحنفية، الأزميري (حاشية الأزميري على مرآة (الأصول ج 2 ص 343، صدر الشريعة التنقيح بشرحي التوضيح والتلويح) ج 2 ص 184، وينظر: ابن أمير الحاج (التقرير والتجبير) ج 3 ص 250.
(3) حكاه ابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 2 ص 634، ابن السبكي (البحر المحيط) ج 7
ص 331.
(4) حكاه إمام الحرمين عن معظم الأصوليين (البرهان) ج 2 ص 634، ابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 2 ص 296. (1/487)
صفحة 488
***
فصول الأصول
***
وعليه أكثر فقهائنا (1)، يعني: الشافعية، وقيل: يقدح إلا أن يرد على جميع فقهائنا (1)، المذاهب كالعرايا، وعليه الفخر الرازي (2)، وقيل: يقدح في العلة الحاظرة دون المبيحة (3) لأن الحظر على خلاف الأصل فتقدح (4) فيه الإباحة بخلاف العكس قال في جمع الجوامع والخلاف في القدح معنوي لا لفظي خلافا لابن الحاجب في قوله: إنه لفظي مبني على تفسير العلة إن فسرت بما يستلزم وجوده وجود الحكم وهو معنى المؤثر، فالتخلف قادح، أو بالباعث، وكذا بالمعرف فلا، إلى أن قال (5): ومن فروع
أن الخلاف معنوي التعليل بعلتين، فيمتنع إن كان التخلف قادحا وإلا فلا (1). قال الإمام المحلي: وهذا التفريع نشأ عن سهو، فإنه إنما يتاتى في تخلف العلة عن الحكم، والكلام في عكس ذلك (7)، وحاصل المقام أن الذي يرى جواز تخصيص العلة لا يرى أن تخلف الحكم عنها في بعض الصور قادح مطلقا، ومن منع من جواز تخصيصها يجعل ذلك قادحا مطلقا سواء كانت العلة منصوصة أو مستنبطة، وسواء كان التخلف لمانع أو لفقد شرط أو غيرهما، واستشكل بعضهم ذلك في العلة المنصوصة إذا القدح فيها بلك رد للنص، وأجيب: التخلف في صورة ناسخ للعلية
انتهى، والله أعلم.
(1) واختاره الصفي الهندي. الزركشي (البحر المحيط) ج 7 ص 332، والبيضاوي (المنهاج بشرح المعراج) ج 2 ص 178، ابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 2 ص 296.
(2) الرازي (المحصول) ج 5 ص 258. (3) حكاه ابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 2 ص 297. (4) في النسختين فيقدح، والتصحيح من جمع الجوامع فتقدح. ابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي)
ج 2 ص 297.
(5) كلام ابن السبكي والخلاف معنوي لا لفظي خلافا لابن الحاجب، والباقي كلام الجلال المحلي. ابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 2 ص 298، ابن الحاجب (مختصر المنتهى بشرح العضد)
ج 2 ص 268.
(6) كلام ابن السبكي، ومن فروعه التعليل بعلتين، والباقي كلام المحلي. ابن السبكي (جمع الجوامع بشرح
المحلي) ج 2 ص 298.
(7) المحلي (شرح المحلي على جمع الجوامع) ج 2 ص 298.
488 (1/488)
صفحة 489
489
***
فصول الأصول
***
الفصل الثالث عشر والمائة
ثانيها الكسر
ومن القوادح في العلة الكسر وهو: إسقاط وصف من العلة)، أي: تبيين أن ذلك الوصف ملغي بسبب وجود الحكم عند انتفائه.
وعرفه شيخنا بأنه عبارة عن وجود الحكمة في بعض الصور مع تخلف العلة والحكم عنها، قال: ومثاله من جوز القصر للمسافر العاصي بسفره، هذا مسافر فيترخص كغير العاصي لحكمة تخفيف المشقة، فيقول المعترض: وكذلك صاحب الحرفة الشاقة في الحضر كمن يحمل الأثقال، ويضرب بالمعاول فإنه يترخص له، فوجود المشقة في الصورة التي ذكرها المعترض مع تخلف الحكم والعلة فيها يسمى كسرا عند الآمدي وابن الحاجب والبدر الشماخي، وعبر عنه غيرهم بنقض المعنى المعلل به (2)،، وهو معنى التعريف الأول الذي ذكرناه آنفا (3)، والمراد به نقض الحكمة (4).
واختلفوا في كونه قادحا فقيل: إنه قادح لاعتراضه المعنى المقصود، وصححه ابن السبكي (5)، وقال المحلي والراجح أنه لا يقدح لأنه لم يرد على العلة وإنما، ورد على الحكمة فقط (6)، وقد عرف القاضي البيضاوي والفخر الرازي الكسر بأنه: عدم تأثير أحد جزأي العلة ونقض الآخر (7)، وهذا هو مقتضى كلام ابن السبكي (1) وكذا عرفه ابن السبكي (جمع الجوامع بشرح (المحلي) ج 2 ص 303، وحكاه الزركشي عن أكثر الأصوليين والجدليين. الزركشي (البحر المحيط) ج 7 ص 349.
(2) ممن عبر بهذا ابن مفلح الحنبلي. ابن النجار (شرح الكوكب المنير) ج 4 ص 293. (3) وهو معنى التعريف الأول الذي ذكرناه آنفا هذا كلام المصنف، وليس من كلام الإمام السالمي. (4) السالمي (شرح طلعة الشمس) ج 2 ص 165، ابن الحاجب مختصر المنتهى بشرح العضد) ج 2 ص 221، الآمدي (الإحكام) ج 3 ص 252، الشماخي (مختصر العدل) ص 31. (5) وقال به ابن النجار (شرح الكوكب المنير) ج 4 ص 293، وحكاه عبدالعلي الأنصاري عن البعض. ابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 2 ص 303، الأنصاري (فواتح الرحموت) ج 2 ص 281، الزركشي (البحر المحيط) ج 7 ص 351 - 352، الشوكاني (إرشاد الفحول) ص 226، د. السعدي (مباحث العلة) ص 587.
(6) المحلي (شرح المحلى على جمع الجوامع) ج 2 ص 305. (2) البيضاوي المنهاج بشرح المعراج) ج 2 ص 187، الرازي (المحصول) ج 5 ص 259. (1/489)
صفحة 490
490
***
فصول الأصول
***
وصاحب المنهاج. حيث قال صاحب المنهاج في تعريفه: وهو عند أصحابنا أن يظن القائس أن لبعض الأوصاف تأثيرا في الحكم فيجعله جزءا من العلة، والمعترض يظن أنه لا تأثير له فيسقطه ويكسر الباقي من الأوصاف، مثاله: أن يعلل وجوب صلاة الخوف بأنها صلاة يجب قضاؤها، أي: لو لم تفعل فيجب أداؤها، فيظن المعترض بأنه لا تأثير لكون العبادة صلاة في هذا الحكم، وهو وجوب الأداء فقط، فيقول للقائس: إنا نريك عبادة وجب قضاؤها ولم يجب أداؤها، وهو صوم الحائض في رمضان، وجوابه: أن يبين القائس أن للوصف الذي أسقطه المعترض تأثيرا في الحكم، وهو كون العبادة صلاة، وأن الصلاة تخالف الصيام في ذلك (1)، انتهى كلام صاحب المنهاج، قال ابن الحاجب كالجلال المحلي: والمختار أنه لا يبطل
القياس
(2)، والله أعلم.
(1) ابن المرتضى (منهاج الوصول) ص 742 - 743.
(2) وقال به البدر الشماخي (مختصر (العدل) ص 31، وحكاه الآمدي (الإحكام) ج 3 ص 252، وابن
عبدالشكور (مسلم الثبوت بشرح الفواتح ج 2 ص 281، عن الأكثر، وانظر: ابن الحاجب (مختصر المنتهى بشرح (العضد ج 2 ص 221، المحلي (شرح المحلي على جمع الجوامع) ج 2 ص 303 - 304،
الزركشي (البحر المحيط) ج 7 ص 351، أمير باد شاه (تيسير التحرير) ج 4 ص 20، الشوكاني (إرشاد
الفحول) ص 226.
6 (1/490)
صفحة 491
491
***
فصول الأصول
***
الفصل الرابع عشر والمائة
ثالثها العكس
و من القوادح تخلف العكس قاله ابن السبكي)، والعكس هو: انتفاء الحكم لانتفاء العلة، فإن ثبت مقابله وهو ثبوت الحكم لثبوت العلة أبدا، وهو المسمى عندهم بالطرد كان أبلغ في العسكية مما لم يثبت الحكم لثبوت مقابله، وهو أن يثبت الحكم مع انتفاء العلة في بعض الصور؛ لأنه في الأول عكس لجميع الصور، وفي الثاني لبعضها، والدليل عندهم على صحة الاستدلال بالعكس قوله - - أرأيتم لو وضعها في حرام كان عليه وزر (2)، فكأنهم قالوا: نعم، فقال: كذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجر، وسبب الحديث أنه - - كان يعدد وجوه البر حتى قال: وفي بضع أحدكم صدقة فقالوا: أيأتي أحدنا شهوته وله فيها أجر؟ فقال: نعم أرأيتم لو وضعها في حرام الحديث، فإنه استنتج من ثبوت الوزر في الوطء الحرام انتفاؤه في الوطء الحلال الصادق بحصول الأجر، حيث عدل بوضع الشهوة عن الحرام إلى الحلال، وهذا الاستنتاج يسمى عندهم قياس العكس، وسيأتي توضيحه – إن شاء الله - في محله. قال تاج الدين ابن السبكي وتخلف العكس بأن يوجد الحكم بدون العلة هو قادح في العلة عند مانع علتين بخلاف مجوزهما لجواز أن يكون وجود الحكم للعلة الأخرى، قال: ونعني بقولنا السابق: هو انتفاء الحكم لانتفاء العلة انتفاء العلم أو الظن به لا انتفاءه في نفسه، إذ لا يلزم من عدم الدليل الذي من جملته العلة عدم المدلول للقطع بأن الله تعالى لو لم يخلق العالم الدال على وجوده، لم ينتف وجوده، وإنما ينتفي العلم به (3)، انتهى، والله تعالى أعلم.
(1) ابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 2 ص 305. (2) نص الحديث أو ليس قد جعل الله لكم ما تصدقون؟ إن بكل تسبيحة صدقة، وكل تكبيرة صدقة، وكل تحميدة صدقة وكل تهليلة صدقة، وأمر بالمعروف صدقة ونهي عن المنكر صدقة، وفي بضع أحدكم صدقة قالوا: يا رسول الله أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر؟ قال: أرأيتم لو وضعها في حرام أكان عليه فيها وزر؟ فكذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجر. أحمد بن حنبل (مسند الإمام أحمد بن حنبل حديث 21471، ج ه ص 217، مسلم (صحيح مسلم بشرح
النووي) كتاب الزكاة، باب بيان اسم الصدقة يقع على كل نوع من المعروف، حديث 1006، ج 7 ص 79 - 80. (3) كلام ابن السبكي وتخلفه قادح عن مانع علتين، ونعني بانتفائه انتفاء العلم والظن، إذ لا يلزم من عدم الدليل عدم المدلول والباقي كلام الجلال المحلي. ابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 2 ص 307. وينظر هذا القادح في الخبازي (المغني) ص 334، البخاري (كشف الأسرار) ج 4 ص 91، الزركشي (البحر المحيط) ج 7 ص 355، ابن أمير الحاج (التقرير والتحبير) ج 3 ص 250، أمير باد شاه (تيسير التحرير) ج 4 ص 22، الشوكاني (إرشاد الفحول) ص 226، السالمي (شرح طلعة الشمس) ج 2 ص 182، د. السعدي (مباحث العلة) ص 603. (1/491)
صفحة 492
***
فصول الأصول
***
الفصل الخامس عشر والمائة
رابعها عدم التأثير
ومن القوادح عدم التأثير، وهو: أن يكون الوصف لا مناسبة فيه للحكم، فلا يؤثر فيه ولانتفاء المناسبة اختص بقياس المعنى لاشتماله على المناسب بخلاف غيره كالشبه فلا يأتي فيه، وكذا اختص بالعلة المستنبطة المختلف فيها، فلا يأتي في المنصوصة والمستنبطة المجمع عليها، وهذا النوع أربعة أقسام. الأول: عدم التأثير في الوصف لكونه طرديا، وذلك كأن يقول الحنفي: صلاة الصبح لا قصر فيها فلا يقدم أذانها كالمغرب، فعدم القصر في عدم تقديم الاذان طردي لا مناسبة فيه ولا شبه، وعدم التقديم موجود في ما يقصر كالظهر – مثلا –
قال الجلال المحلي: وحاصل هذا القسم طلب الدليل على علية الوصف (1). والقسم الثاني عدم التأثير في الأصل بإبداء علة الحكمة كأن يقال في بيع الغائب: مبيع غير مرئي، فلا يصح بيعه كبيع الطير في الهواء فيقول المعترض: لا أثر لكونه غير مرئي في الأصل، وهو الطير، فإن عدم صحة بيعه لكونه غير مقدور على تسليمه للمشتري لا لكونه غير مرئي، وحاصله معارضة في الأصل بإبداء غير ما علل به بناء على جواز التعليل بعلتين، وهو الراجح كما تقدم. والقسم الثالث: عدم التأثير في الحكم، وهو ثلاثة أقسام: إذ لا يخلو إما أن لا يكون لذكر الوصف الذي اشتملت عليه العلة فائدة، كقول الحنفية في المرتد المتلف للمال في دار الحرب: لا ضمان عليه لأنه مشرك أتلف مالا في دار الحرب كما لا ضمان على الحربي إذا أتلف مال المسلم، فدار الحرب – هنا – لا فائدة لذكره؛ لأن العلماء أو جبوا الضمان على المرتد إذا أتلف مال المسلم، وإن كان الإتلاف في غير دار الحرب وقد نفاه ولو في دار الحرب (2)، فوقوع الإتلاف في دار الحرب لا أثر له - هنا -، وإما أن يكون لذكره فائدة ضرورية كقول من يعتبر
(1) المحلي (شرح المحلي على جمع الجوامع ج 2 ص 308، الأنصاري (فواتح الرحموت) ج 2 ص 338، الأزميري (حاشية الأزميري على مرآة الأصول) ج 2 ص 352.
(2) الأنصاري (فواتح الرحموت) ج 2 ص 338.
492 (1/492)
صفحة 493
493
***
فصول الأصول
***
العدد في الاستجمار بالأحجار: إنه عبادة متعلقة بالأحجار لم تتقدمها معصية، فاعتبر فيها العدد كالجمار، فقوله: لم تتقدمها معصية لا تأثير له في الأصل والفرع لكنه مضطر إلى ذكره لئلا ينتقض ما علل به لو لم يذكر فيه بالرجم للمحصن، فإنه عبادة متعلقة بالأحجار ولو لم يعتبر فيها العدد أو غير ضرورية، فإن لم تغتفر الضرورية بأن صح الاعتراض بمحلها لم تغتفر هذه بطريق الاولى، وإن اغتفرت الضرورية فقيل: يغتفر غيرها.
مرئي
والقسم الرابع عدم التأثير في الفرع، وذلك مثل أن يقال في تزويج المرأة نفسها: زوجت بغير كفؤ، فلا يصح، كما لو زوجها الولي بغير كفؤ، وهذا كالقسم الثاني؛ لأن التقييد بغير الكفؤ لا أثر له كما لا أثر للتقييد في مثال القسم الثاني بكونه غير، فإن المدعي أن تزويجها نفسها لا يصح مطلقا، وإن نفي الأثر - هنا - بالنسبة إلى الفرع وهناك بالنسبة إلى الأصل. قال صاحب جمع الجوامع: وهذا يرجع إلى المناقشة في الغرض، يعني: في تخصيص بعض صور النزاع بالحجاج كما فعل في المثال المذكور، إذ المدعى فيه منع تزويج المرأة نفسها مطلقا والاستدلال وقع على منعه بغير كفء، قال: والأصح جوازه، أي: تخصيص بعض صور النزاع مطلقا، وقيل: لا، وقيل: يجوز بشرط بناء غير محل التخصيص عليه، كأن يقاس عليه بجامع، أو يقال: ثبت الحكم في بعض الصور فيثبت في باقيها إذ لا قائل بالفرق، وقد قال به الحنفية في المثال المذكور حيث جوزوا تزويجها نفسها من كف (1)، والله أعلم.
(1) كلام ابن السبكي: ويرجع إلى المناقشة في الغرض، وهو تخصيص بعض صور النزاع بالحجاج، والأصح جوازه، وثالثها بشرط البناء، أي: بناء غير محل الغرض عليه والباقي كلام المحلي. ابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 2، ص 310 - 311 وينظر هذا القادح في الجنويني (البرهان) ج 2، ص 653، الآمدي (الإحكام) ج 4، ص 89، ابن الحاجب (مختصر المنتهى بشرح العضد ج 2، ص 265، القرافي (شرح تنقيح الفصول) ص 401، الطوفي (شرح مختصر الروضة ج 3، ص 547، الزركشي (البحر المحيط) ج 7، ص 356، ابن المرتضى (منهاج الوصول) ص 750، ابن النجار (شرح) الكوكب المنير) ج 4، ص 264، العبادي (الآيات البينات) ج 4،
ص 183، السالمي (طلعة الشمس) ج 2، ص 162، الشنقيطي (مذكرة أصول الفقه) ص 306. (1/493)
صفحة 494
***
فصول الأصول
***
الفصل السادس عشر والمائة
خماسها القلب
ومن القوادح القلب وهو: أن يدعي المعترض أن دليل المستدل في المسألة الواقع فيها النزاع بينهما علي ذلك الوجه في كيفية الاستدلال هو على المستدل، أي: هو دليل عليه لا له إن صح ذلك الدليل المستدل به (1)
وقيل: إن القلب بنفسه تسليم لصحة دليل المستدل سواء كان صحيحاً أم لا (2) وقيل: بل هو إبطال له مطلقاً، (3) لأن القلب من حيث جعله على المستدل مسلم لصحته وإن لم يكن صحيحاً، ومن حيث لم يجعله له وإن كان صحيحاً، وعلى كلا القولين لا يذكر في الحد قوله: إن صح.
قال ابن السبكي وعلى المختار من إمكان التسليم مع القلب فهو مقبول معارضة (4) عند التسليم قادح عند عدمه، وقيل: هو شاهد زور يشهد لك وعليك (5) أيها القالب حيث سلمت فيه الدليل، واستدللت به علي خلاف دعوي المستدل، فلا يقبل (6).
والقلب قسمان: الأول لتصحيح مذهب المعترض إما من إبطال مذهب المستدل
(1) ابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 2 ص 311، السالمي (شرح طلعة الشمس) ج 2 ص 172. د. السعدي (مباحث العلة) ص 626. (2) حكاه الشاشي (أصول الشاشي) ص 346، والطوفي (شرح مختصر الروضة) ج 3 ص 519، والزركشي (البحر المحيط) ج 7 ص 364، وابن النجار (شرح) الكوكب المنير) ج 4 ص 332. (3) حكاه الباجي (إحكام الفصول) ص 663، وابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 2 ص 313، و ابن النجار (شرح) الكوكب المنير) ج 4 ص 332.
(4) وممن قال: إنه مقبول معارضة الحنابلة كما حكاه عنهم ابن النجار، وقال: وحكي عن الأكثر ابن النجار (شرح الكوكب المنير) ج 4 ص 332.
وينظر: الباجي (إحكام الفصول) ص 663، ابن السبكي (الإبهاج) ج 3 ص 131، الأسنوي (نهاية السول) ج 4 ص 210. (5) حكاه الزركشي عن بعض الشافعية (البحر المحيط) ج 7 ص 365، وينظر: ابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 2 ص 311.
(6) كلام ابن السبكي: وعلى المختار فهو مقبول معارضة عند التسليم قادح عند عدمه، وقيل: شاهد زور لك أو عليك. والباقي كلام الجلال المحلي. ابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 2 ص 313.
494 (1/494)
صفحة 495
495
***
فصول الأصول
***
صريحا، وهو كأن يقول: المستدل بيع الفضولي عقد في حق الغير بلا أمره فلا يصح كشراء الفضولي لمن سماه لا يصح، فيقول المعترض: بيع الفضولي عقد فيصح کشرائه يصح، ويسكت عن تسميته لغيره، أو لم يكن مع إبطال مذهبه أي: المستدل صريحا كأن يقول مشترط الصوم في الاعتكاف: هو لبث فلا يكون بنفسه قربة كوقوف عرفة لا يكون قربة إلا بضميمة الإحرام إليه، فكذا الاعتكاف إنما يكون قربة بضميمة عبادة إليه وهي الصوم، فيقول المعترض: الاعتكاف لبث فلا يشترط فيه الصوم كعرفة لا يشترط الصوم في وقوفها، فإن في هذا إبطالا لمذهب الخصم الذي لم يصرح به في الدليل، وهو اشتراط الصوم.
والثاني من قسمي القلب يكون قلبا لإبطال مذهب المستدل صريحا كأن يقول الحنفي في مسح الرأس: هو عضو من أعضاء الوضوء فلا يكفي في مسحه أقل مما ينطلق عليه الاسم كالوجه، فيقول المعترض: هو عضو وضوء فلا يتعذر غسله بالربع كالوجه لا يتقدر غسله بالربع (1)، أو بالالتزام، كأن يقول الحنفي في بيع الغائب: عقد معاوضة فيصح مع الجهل بالمعوض كالنكاح يصح مع الجهل بالزوجة، أي: عدم رؤيتها فيقول الشافعي: لا يشترط فيه خيار الرؤية كالنكاح، ونفي الاشتراط
يلزمه نفي الصحة؛ لأن القائل بها يقول بالاشتراط (2). انتهى، والله أعلم (3).
(1) السرخسي (أصول السرخسي) ج 2 ص 240، البخاري (كشف الأسرار) ج 4 ص 91، أمير باد شاه (تيسير التحرير) ج 4 ص 162.
(2) البخاري (كشف الاسرار) ج 4 ص 91، أمير باد شاه (تيسير التحرير) ج 4 ص 165، ابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 2 ص 315.
(3) وانظر هذا القادح في المراجع المتقدمة وفي: الشيرازي (التبصرة) ص 475، الرازي (المحصول) جه ص 263، القرافي (نفائس الأصول) ج 2 ص 3435، الطوفي (شرح مختصر الروضة) ج 3 ص 519، ابن السبكي (الإبهاج) ج 3 ص 127، البدخشي (مناهج العقول) ج 3 ص 208، السالمي (شرح طلعة الشمس) ج 2 ص 172، الشنقيطي (نثر) الورود) ج 2 ص 539، المطيعي (سلم الوصول) ج 4 ص 208. (1/495)
صفحة 496
***
فصول الأصول
***
الفصل السابع عشر والمائة
سادسها القول بالموجب
ومن القوادح القول بالموجب
قال ابن السبكي وهو تسليم الدليل مع بقاء النزاع (1)، بأن يظهر عدم استلزام الدليل لمحل النزاع، وشاهده قوله تعالى: {وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ، وَلِلْمُؤْمِنِينَ (2) في جواب قول المنافقين: ليخرجن الأعز منها الأذل، أي: صحيح قولكم ليخرجن الأعز منها الأذل، ولكن أنتم الأذل، والله ورسوله - - الأعز، وقد أجر جاهم منها. وكما يقول المستدل في القصاص بقتل المثقل: هو قتل بما يقتل غالبا فلا ينافي القصاص كالإحراق بالنار لا ينافي القصاص، فيقول المعترض: سلمنا عدم المنافاة بين القتل. مثقل وبين القصاص، ولكن لم قلت: إن القتل. مثقل (3) يقتضي القصاص، وذلك محل النزاع ولم يستلزمه الدليل (4)، والله أعلم.
(1) ابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 2 ص 317. (2) القرآن الكريم سورة المنافقون (مدنية) آية رقم 8.
(3) قوله وبين القصاص، ولكن لم قلت إن القتل بمثقل ساقط من ب.
(4) ذكر الأصوليين أنه على أقسام ثلاثة:
الأول: أن يستنتج المعترض من المستدل ما يتوهم أنه محل النزاع أو ملازمه، ومثاله ما ذكره المصنف في القصاص
بقتل المثقل.
الثاني: أن يستنتج المعترض إبطال ما يتوهم أنه مذهب الخصم، ومثاله أن يقال للحنفي التفاوت في القتل لا يمنع من وجوب القصاص كما لا يمنع من القتل نفسه. فيعترض بأنه علة، فيقول المعترض: لا نسلم كون علة عدم وجوب القصاص هو التفاوت، بحيث أني أقول: لو بطل ذلك بطل وجوب القصاص، بل العلة شيء آخر منع الحكم الذي هو وجوب القصاص، أو فقد شرط من شروطه، ولا يلزم من انتفاء مانع واحد انتفاء الموانع أو الشرائط جميعا. الثالث: أن يسكت عن المقدمة الصغرى من مقدمتي القياس، وهي الأولى نحو أن يقول: ما ثبت قرية فشرطه النية كالصلاة، ويسكت عن قوله: الوضوء قربة، وأصل الكلام الوضوء قربة وما ثبت قربة فشرطه اثنية كالصلاة، فيرد عليه الوضوء قربة، ولم يشترط فيه النية عند الخصم.
الشاشي (أصول الشاشي) ص 346، الأمدي (الإحكام) ج 4 ص 117، ابن الحاجب (مختصر المنتهى بشرح العضد) ج 2 ص 279، القرافي (شرح تنقيح الفصول) ص 402، الخبازي (المغني) ص 315، ابن النجار (شرح الكوكب المنير) ج 4 ص 339، أمير باد شاه (تيسير التحرير) ج 4 ص 124، الشوكاني (إرشاد الفحول) ص 228، الأنصاري (فواتح الرحموت) ج 2 ص 356، السالمي (طلعة الشمس) ج 2 ص 174.
496 (1/496)
صفحة 497
497
***
فصول الأصول
***
الفصل الثامن عشر والمائة
سابعها القدح في المناسبة
(2)
ومن القوادح القدح في مناسبة الوصف المعلل به في صلاحية إفضاء الحكم إلى المقصود من شرعه وفي انضباطه وظهوره، والقدح في هذه الأربعة نفي كل واحد منها، وجواب القدح فيه بيانها، مثال بيان صلاحية إفضاء الحكم أن يقال: المرأة (1) المحرمة بالمصاهرة تأييدا تحريم نكاحها صالح لإفضائه إلى (2) عدم الفجور بها، أي: الزني الذي هو المقصود من شرع التحريم، فيعترض عليه بأنه ليس صالحا لذلك، بل هو صالح للإفضاء إلى الفجور، فإن النفس مائلة بالطبع إلى الممنوع عنها، فيجاب بأن تحريمها المؤبد يسد باب الطمع فيها بحيث تصير غير مشتهاة كالأم. انتهى (3)،
والله أعلم (4).
(1) في ب المراءة. (2) في بلا.
(3) في ب أهـ.
(4) ابن الحاجب (مختصر المنتهى بشرح العضد) ج 3 ص 267، ابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 2 ص 318 - 319، ابن النجار (شرح الكوكب المنير) ج 4 ص 278، الأنصاري (فوائح الرحموت) ج 2 ص 341، الشوكاني إرشاد الفحول ص 231، السالمي (طلعة الشمس) ج 2 ص 168. (1/497)
صفحة 498
***
فصول الأصول
***
الفصل التاسع عشر والمائة
ثامنها الفرق
ومن القوادح الفرق بين الأصل والفرع، وهو عبارة عن إبداء مخالفة بينهما، قال ابن السبكي وهو راجع إلى المعارضة في الأصل أو في الفرع (1)، وقيل: إليهما معا (2) لأنه على الأول وهو المعارضة في الأصل، أي: (3) أو الفرع إبداء) خصوصية فيه تجعل شرطا للحكم بأن تجعل من علته، أو إبداء خصوصية في الفرع تجعل مانعا من الحكم، وعلى الثاني إبداء الخصوصيتين معا.
قال الجلالي المحلي: مثاله على الأول بشقيه أن يقول الشافعي: النية في الوضوء واجبة كالتيمم بجامع الطهارة عن حدث، فيعترض الحنفي بأن العلة في الأصل الطهارة بالتراب، وكذا أن يقول الحنفي: يقاد المسلم بالذمي كغير المسلم بجامع القتل العمد العدواني، فيعترض الشافعي بأن الإسلام في الفرع مانع من القود، وقد ذكر الآمدي (5) لرجوع الفرق إلى ما تقدم أن من مسمى المعارضة في الأصل إبداء قيد في العلة، ومن مسمى المعارضة في الفرع إبداء مانع من والصحيح أن الفرق قادح في القياس (7)، وهل يمتنع تعدد الأصول المقيس عليها (1) وهو قول ابن الحاجب مختصر المنتهى بشرح العضد ج 2 ص 276، وابن النجار (شرح الكوكب المنير) ج 4 ص 321، والسالمي (شرح طلعة الشمس) ج 2 ص 171، وعبدالله الشنقيطي (مراقي السعود بشرح نثر الورود) ج 2 ص 544، وحكي عن بعض الجدليين الزركشي (البحر المحيط) ج 7 ص 379، ابن
السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 2 ص 319.
(2) حكاه ابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 2 ص 319.
(3) أي زيادة في أ.
(4) في ب أو إبداء.
(5) في شرح المحلي زيادة كلمة الذاكر.
(6)
(6) المحلي (شرح المحلي على جمع الجوامع) ج 2 ص 320، الآمدي (الإحكام) ج 4 ص 108. (7) قال به ابن الحاجب (مختصر المنتهى بشرح العضد) ج 2 ص 276، وابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 2 ص 320، والسالمي (طلعة الشمس) ج 2 ص 171، وحكاه إمام الحرمين عن جماهير الفقهاء ومعظم المحققين (البرهان) ج 2 ص 686 - 687، وحكاه القرافي عن الجمهور (شرح بتفتيح
070
الفصول) ص 404، وعزاه البخاري إلى بعض الحنفية كشف الأسرار) ج 4 ص 80.
وقيل: ليس بقادح حكاه الإمام الجويني عن طوائف من الأصوليين (البرهان) ج 2 ص 686، وعلاء الدين البخاري عن المحققين من الحنفية، البخاري (كشف الأسرار) ج 4 ص 81.
498 (1/498)
صفحة 499
***
فصول الأصول
***
ع (1) واحد بأن يقاس ذلك الفرع على كل منها أولا؟ قولان، قيل: يمتنع مخافة انتشار البحث في ذلك ولو على جواز علتين لمعلول واحد (2)، وقيل: يجوز مطلقا، وقد لا يحصل انتشار (3)، وعلى القول بجواز التعدد لو فرق بين الفرع وبين أصل (4) واحد منها كفى في القدح فيها لأنه يبطل جمعها المقصود (؟).
وقيل: لا يكفي لاستقلال كل منها (6)، وقيل: يكفي إن قصد الإلحاق بمجموعها لأنه يبطله بخلاف ما إذا قصد بكل منها () وحيث فرق المعترض بين جميعها ففي اقتصار المستدل على جواب أصل واحد قولان، قيل: يكفي لحصول المقصود بالدفع عن واحد منها، وقيل: لا يكفي أنه التزم الجميع فيلزمه الدفع عنه،
انتهى
(4)، والله أعلم.
(1) في ب الفرع.
(2) قال به ابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 2 ص 320.
(3) حكاه الجلال المحلي (شرح المحلي على جمع الجوامع) ج 2 ص 320، وقال به عبدالله الشنقيطي (مراقي السعود) ج 2 ص 546، أمير باد شاه (تيسير التحرير) ج 4 ص 155.
(4) في ب الأصل.
(ه) ابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 2 ص 320.
(6) قال به الزركشي (البحر المحيط) ج 7 ص 385، وانظر: المحلي (شرح المحلي على جمع الجوامع) ج 2 ص 320، الشنقيطي (نثر الورود) ج 2 ص 546.
(7) حكاه ابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 2 ص 321، والأمين الشنقيطي (نثر الذورود) ج 2
ص 547.
(8) حكا القولين ابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 2 ص 321، وأمير باد شاه (تيسير التحرير) ج 4 ص 156، والشنقيطي (نثر الورود) ج 2 ص 548.
(9) في ب أهـ. (10) وانظر هذا القادح في المراجع السابقة وفي: ابن برهان الوصول إلى الأصول) ج 2 ص 328، القرافي (نفائس الأصول) ج 8 ص 3458، ابن قاسم (الآيات البينات) ج 4 ص 203، د. السعدي (مباحث
العلة) ص 666. (1/499)
صفحة 500
***
فصول الأصول
***
الفصل العشرون والمائة
تاسعها فساد الوضع
ومن القوادح فساد الوضع وهو: أن لا يكون الدليل الذي أبداه المستدل وجعله علة لقياسه على الهيئة الصالحة لاعتباره في ترتيب الحكم عليه، بل يكون صالحا لضد ذلك الحكم أو نقيضه، وذلك كالاستدلال بموجب التغليظ على التخفيف، كقولك: القتل عمدا جناية عظيمة فلا كفارة فيه كالردة، فإن عظم الجناية يناسب تغليظ الحكم لا تخفيفه بعدم (1) وجوب الكفارة، وكالاستدلال بما يقتضي التوسيع على التضييق، كقولهم: الزكاة وجبت على وجه الاتفاق لدفع الحاجة فكانت على التراخي كالدية على العاقلة، فإن التراخي الموسع لا يناسب دفع الحاجة المضيق، وكتلقي الإثبات من النفي وعكسه كأن يقال في معاطاة الشيء الحقير: لم يوجد فيها سوى الرضى فلا ينعقد بها بيع كما في غير الحقير.
فالرضي الذي هو مناط البيع يناسب الانعقاد لا عدمه، ومن فساد الوضع كون الجامع في قياس المستدل ثبت اعتباره بنص أو إجماع في نقيض الحكم في ذلك القياس، مثال الجامع ذي النص قول الحنفية: الهر سبع ذوناب فيكون سوره نجسا كالكلب، فيقال: السبعية اعتبرها الشارع علة للطهارة حيث ورد في الحديث السنور سبع ليس بنجس (2)، ومثال الإجماع قول الشافعية في مسح الرأس في الوضوء يستحب تكراره كالاستنجاء بالحجر حيث يستحب فيه الإيتار، فيقال لهم: الإيتار صادق بالمرة الواحدة إجماعا فلا يلزم فيه التكرار، والله أعلم (3).
(1) في ب بعد.
(2) الحديث أخرجه الإمام أحمد (مسند الإمام أحمد بن حنبل ج 2 ص 327، دار صادر - بيروت، قال السيوطي: حديث صحيح الجامع الصغير) ج 2 ص 71. (3) ذهب الأحناف إلى أن فساد الوضع اعتراض فاسد على العلة المؤثرة. قال السرخسي وأما فساد الوضع فهو اعتراض فاسد على العلة المؤثرة لأنه دعوى لا يمكن تصحيحها، فإن تأثير العلة إنما يثبت بدليل موجب للحكم ومعلوم أنه لا يجوز دعوى فساد الوضع في الكتاب والسنة والإجماع. السرخسي (أصول السرخسي) ج 2 ص 233، البخاري (كشف الأسرار) ج 4 ص 78، الأزميري (حاشية الأزميري) ج 2 ص 343، وص 354، أمير باد شاه (تيسير التحرير) ج 4 ص 78، الأنصاري (فواتح الرحموت ج 2 ص 346، وانظر: الشيرازي (شرح اللمع) ج 2 ص 928، ابن قدامة (روضة الناظر) ج 3 ص 931، ابن الحاجب مختصر المنتهي بشرح العضد) ج 2 ص 260، ابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 2 ص 321، الزركشي (البحر المحيط) ج 7 ص 399، ابن المرتضى (منهاج الوصول) ص 745، ابن النجار (شرح الكوكب المنير) ج 4 ص 241، السالمي (شرح طلعة الشمس) ج 2
ص 158، الشنقيطي (مذكرة أصول الفقه) ص 287، د. السعدي (مباحث العلة) ص 705 - 707.
500 (1/500)
صفحة 501
***
فصول الأصول
الفصل الحادي والعشرون والمائة
عاشرها فساد الاعتبار
ومن القوادح فساد الاعتبار، وهو: أن يبدي المعترض دليلا شرعيا من الكتاب أو السنة أو الإجماع معارضا لقياس المستدل، وجوابه أن يطعن المستدل في ذلك الدليل المعارض لقياسه إن كان مما يصح الطعن فيه كخبر الآحاد، بأن يطعن في سنده بإرسال أو نحوه أو بالمعارضة له بنص غيره، فيتساقطان، ويسلم دليله الأول، أو يتأوله بما يوافق قياسه إن كان مما لا يصح الطعن فيه كآية أو سنة متواترة، فإن أجاب المستدل عن قياسه بوجه من هذه الوجوه سلم قياسه من القدح، مثاله قول من لم يشترط التسمية، في الذبح هو ذبح من أهله في محله فيحل وإن لم يسم عليه كذبح ناسي التسمية فيقول المعترض هذا القياس معارض بقوله تعالى: {وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ (1) فيجيب المستدل: بأن ذلك متأول بذبح عبدة الأوثان بدليل قوله - -: ذكر الله على قلب المؤمن سمى أو لم يسم (2)، وكذا إن رجح القياس على ظاهر الآية لكونه مقيسا على الناسي، وهو مجمع عليه مخصص للآية باتفاق، فإن أظهر المعارض فارقا بين العامد والناسي فهو من قبيل دعوى الفرق، وقد مر بيانه، قال صاحب المنهاج: وفي هذا الاعتراض دعوى اختلال شرط من شروط العلة لمصادمة النص (3)، انتهى (4)، والله أعلم.
(1) القرآن الكريم سورة الأنعام (مكية) آية رقم 121. (2) الحديث أخرجه الطبراني بلفظ اسم الله على فم كل مسلم. الطبراني (المعجم الأوسط) حديث 4769، ج ه ص 174، والبيهقي (السنن الكبرى كتاب الصيد والذبائح، باب من ترك التسمية وهو ممن تحل ذبيحته، ج 9 ص 240، وأورده السيوطي (الجامع الكبير) حديث 2983،، ج ص 174، حديث ضعيف – الالباني (اواء الغليل) ج 8 ص 169.
(3) ابن المرتضى (منهاج الوصول) ص 745، وانظر: الشيرازي (شرح اللمع ج 2 ص 928، ابن قدامة روضة الناظر) ج 3 ص 930، ابن الحاجب (مختصر المنتهى بشرح العضد) ج 2 ص 259، ابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 2 ص 324، الزركشي (البحر المحيط) ج 7 ص 398، الأزميري (حاشية الأزميري) ج 2 ص 354، ابن النجار (شرح) الكوكب المنير) ج 3 ص 236، السالمي (شرح طلعة (الشمس) ج 2 ص 157، الشنقيطي (مذكرة أصول الفقه) ص 285، د. السعدي (مباحث العلة) ص 705. (4) في ب أهـ. (1/501)
صفحة 502
***
فصول الأصول
***
الفصل الثاني والعشرون والمائة
الحادي عشر منع علية الوصف
المطالبة بتصحيح
ومن القوادح منع علية الوصف الذي أبداه المستدل، ويسمى العلة، وجواب هذا القادح أن يثبت المستدل كونه العلة بمسلك من مسالكها المتقدمة، قال في جمع الجوامع: والأصح قبوله وإلا لأدى الحال إلى تمسك المستدل بما شاء من الأوصاف لأمنه المنع (1)، وقيل: لا يقبل لأدائه إلى الانتشار بمنع كل ما يدعى عليته (2)، ومنه نوع آخر وهو: أن يمنع وجود الوصف المذكور في الأصل مطلقا بأن يقال: الكفارة شرعت للزجر عن الجماع المحذور في الصوم، فوجب اختصاصها به فلا تلزم منأفسد صومه بغير الجماع، كالحد فإنه شرع زجرا عن الجماع زنا وهو مختص به، فيجاب: بأنا لا نسلم أن الكفارة شرعت للزجر عن الجماع بخصوصه بل زجرا عن الإفطار فيه مطلقا، وجوابه أن يبين المستدل اعتبار خصوصية الوصف في العلة، كأن يبين اعتبار الجماع في الكفارة بأن الشارع رتبها عليه حيث أجاب بها السائل عن جماعه، ونحو هذا، ومن المنع نوع آخر - أيضا - ويسمى منع حكم الأصل كأن يقول المستدل: الإجارة عقد على منفعة فتبطل بالموت كالنكاح، فيجاب: بأن النكاح لا يبطل بالموت بل ينتهي به. قال ابن السبكي: وفي كون هذا الجواب قطعا للمستدل مذاهب قيل: لا يكون قطعا له لتوقف القياس على ثبوت حكم الأصل (3).
(1) واختاره الزركشي (البحر المحيط) ج 7 ص 405، ومنلا خسروا (مراة الأصول) ج 2 ص 351، ابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 2 ص 325، د. السعدي (مباحث العلة) ص 620. 2
(2) حكاه الجلال المحلي (شرح المحلي على جمع الجوامع ج 2 ص 325، د. السعدي (مباحث العلة)
ص 620.
(3) صححه ابن الحاجب مختصر المنتهى بشرح (العضد) ج 2 ص 161، والأزميري، (حاشية الأزميري على مرآة الأصول) ج 2 ص 353، وحكاه ابن النجار عن أصحابه الحنابلة والأكثر (شرح الكوكب المنير) ج 4 ص 247، وانظر: الطوفي (شرح مختصر الروضة) ج 3 ص 482، ابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 2 ص 326، الأزميري (حاشية الأزميري على مرآة (الأصول) ج 2 ص 353، ابن النجار (شرح الكوكب المنير) ج 4 ص 247، الشوكاني (إرشاد الفحول) ص 230.
502 (1/502)
صفحة 503
503
**
فصول الأصول
***
وقيل: يكون لأجل الانتقال عن إثبات حكم الفرع الذي هو بصدده إلى غيره)، وقال أبو إسحاق الإسفرايني: يكون قطعا له إن كان ظاهرا يعرفه أكثر الفقهاء بخلاف مالا يعرفه إلا خواصهم (2)، وقال الغزالي: يعتبر فيه عرف المكان الذي فيه البحث في القطع به (3) أولا (4)، وقال الشيخ أبو إسحاق الشيرازي: لا يسمع لأنه لم يعترض المقصود، حكاه عنه ابن الحاجب كالآمدي)، وكذا الخلاف إن أتى القائس بدليل على صحة قياسه ودفع الاعتراض عنه هل ينقطع المعترض بذلك أم له أن يعود ويعترض ذلك الدليل مرة أخرى (6)؟
اختار بعضهم أن له ذلك لأنه قد لا يكون الدليل صحيحا، وقيل: ينقطع فليس له أن يعترض لخروجه باعتراض عن المقصود)، والله أعلم.
(1) حكاه الطوفي (شرح مختصر الروضة) ج 3 ص 482، والزركشي (البحر المحيط) ج 7 ص 407، والمحلي (شرح المحلي على جمع الجوامع) ج 2 ص 326، وابن النجار (شرح الكوكب المنير) ج 4 ص 247،
والسالمي (شرح طلعة الشمس) ج 2 ص 159.
(2) الآمدي (الإحكام) ج 4 ص 80، الزركشي (البحر المحيط) ج 7 ص 407.
(3) به في ب ساقطة. (4) حكاه عنه الآمدي (الإحكام) ج 4 ص 80، ابن الحاجب مختصر المنتهي بشرح العضد) ج 7 ص 407، والشوكاني (إرشاد الفحول ص 231.
(2) الآمدي (الإحكام) ج 4 ص 80، ابن الحاجب (مختصر المنتهى بشرح العضد ج 2 ص 261، الشوكاني إرشاد الفحول) ص 231.
(6) كلام ابن السبكي: وفي كونه قطعا للمستدل مذاهب، ثالثها قال الأستاذ إن كان ظاهرا، وقال الغزالي: يعتبر عرف المكان، وقال أبو إسحاق الشيرازي لا يسمع، والباقي كلام المحلي. ابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 2 ص 327.
(1) اختاره ابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 2 ص 327. (8) حكاه الجلال المحلي (شرح المحلي على جمع الجوامع) ج 2 ص 327. (1/503)
صفحة 504
***
فصول الأصول
***
الفصل الثالث والعشرون والمائة
الثاني عشر من القوادح
اختلاف الضابط
ومن القوادح اختلاف الضابط في الأصل والفرع لعدم الثقة فيه بالجامع وجودا أو مساواة (1) كما سيأتي، مثاله: أن يقال في شهود الزور بالقتل: تسببوا في القتل فيجب عليهم القصاص كالمكره غيره على القتل، فيعترض بأن (2) الضابط في الأصل الإكراه وفي الفرع الشهادة فأين الجامع بينهما؟ وإن اشتركا في الإفضاء إلى المقصود فأين مساواة ضابط الفرع لضابط الأصل في ذلك، وجوابه أن يقال: إن الجامع بينهما القدر المشترك بين الضابطين كالتسبب في القتل فيما تقدم، وهو منضبط عرفا، أو بأن إفضاء الضابط في الفرع إلى المقصود مساو لإفضاء الضابط في الأصل إلى المقصود كحفظ النفس فيما تقدم، قال (3): ولا يصح الجواب بأن يقال: إن التفاوت بين الضابطين ملغي في الحكم لأن التفاوت بينهما قد يلغي كما في العالم يقتل بالجاهل، وقد لا يلغى كما في الحر لا يقتل بالعبد (4).
واعلم أن الاعتراضات كلها راجعة إلى المنع للعلة عن الجريان، ومقدمها الاستفسار، وهو: طلب تفسير اللفظ حيث كان فيه غرابة أو إجمال، ولا يسمع اعتراض المعترض في غير ذلك؛ لأنه يكون نوعا من التعنت، والأصح أن على المعترض أن يبين أن اللفظ غريب أو مجمل؛ لأن الأصل عدم ذلك (ه).
(1) في أومساواة من غير همزة. (2) في ب أن.
(3) يقصد ابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 2 ص 330.
(4) ابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 2 ص 330، وانظر: الآمدي (الإحكام) ج 4 ص 108، ابن الحاجب (مختصر المنتهى بشرح العضد) ج 2 ص 276، الزركشي (البحر المحيط) ج 7 ص 413، ابن
النجار (شرح الكوكب المنير) ج 4 ص 324، الشوكاني (إرشاد الفحول) ص 231. (2) قال به ابن قدامة (روضة الناظر) ج 3 ص 930، والآمدي (الإحكام) ج 4 ص 74، وابن الحاجب (مختصر المنتهي بشرح العضد) ج 2 ص 258، وابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 2 ص 331 والزركشي (البحر المحيط) ج 7 ص 397، وابن النجار (شرح الكوكب المنير) ج 4 ص 231، والساني (شرح طلعة الشمس) ج 2 ص 156.
504 (1/504)
صفحة 505
505
***
فصول الأصول
***
وقيل: على المستدل بيان عدمهما ليظهر دليله)، ولا يكلف المعترض بالإجمال بيان تساوي محتملات اللفظ لعسر ذلك عليه، ويكفيه إن تبرع ببيان ذلك أن يقول: الأصل عدم تفاوتهما، مثال الاعتراض في الإجمال أن يقول المستدل: الوضوء قربة فتجب فيه النية، فيعترض بأن الوضوء يطلق على النظافة وعلى الأفعال المخصوصة، فهو مجمل يحتاج لك إلى تفسير.
فيجيب بأن الأصل في الألفاظ حقائقها، وحقيقته الشرعية في الأفعال المخصوصة، ومثال الاعتراض في الغرابة أن يقول المستدل: إن الأيل لم يرض حين أكل فلا تحل فريسته كفريسة السيد، فيقول المعترض: ما معنى الأيل؟ وما معنى لم يرض؟ وما معنى فريسته؟ وما السيد؟ فيجيب قائلا: الأيل الكلب، ولم يرض لم يعلم، وفريسته صيده، والسيد الذئب.
قال العضد واعلم أنه إذا فسره فيجب أن يفسره. بما يصلح له لغة وإلا لكان من
جنس اللعب، فيخرج (2) عما وضعت له المناظرة من إظهار الحق (3). انتهى. قال السعد: قوله: بما يصلح له لغة أي: يجوز استعماله فيه حقيقة أو مجازا أو نقلا، وبالجملة يكون مما (4) يرخص أهل اللغة في استعماله فيه، وليس المراد أنه يجب أن يكون معناه اللغوي، ولو قال: لغة أو عرفا لكان أظهر (ه). انتهى (6)، والله أعلم).
ص 397.
(1) حكاه المحلي (شرح المحلي على جمع الجوامع) ج 2 ص 331، وينظر: الزركشي (البحر المحيط) ج 7 (2) كذا في النسختين، وفي شرح العضد فخرج، العضد (شرح العضد على مختصر المنتهي) ج 2 ص 259. (3) المرجع السابق.
(4) مما كذا في النسختين، وفي حاشية السعد بحيث. السعد (حاشية السعد على مختصر المنتهي) ج 2
ص 259. (د) المرجع السابق. (6) في ب أهـ.
(7) قال الزركشي: واعلم ان في عد هذا - الاستفسار - من الاعتراضات نظرا، لأنه طليعة جيشها، وليس من أقسامها، إذ الاعتراض عبارة عما يخدش به كلام المستدل، والاستفسار ليس من هذا القبيل بل هو يعرف المراد ويبين له ليتوجه عليه السؤال. الزركشي (البحر المحيط) ج 7 ص 398. (1/505)
صفحة 506
***
فصول الأصول
***
الفصل الرابع والعشرون والمائة
الثالث عشر من القوادح التقسيم
ومن القوادح التقسيم، وهو: كون اللفظ المورد في الدليل مترددا بين أمرين - مثلا - على السواء، وأحدهما ممنوع بخلاف الآخر المراد.
قال ابن السبكي: والمختار وروده (1) لعدم تمام الدليل معه، وقيل: لا يرد لأنه لم يعترض (2) المراد (3).
وعرف شيخنا (4) التقسيم: بأن يكون في لفظ المستدل احتمالان (5) أحدهما حق والآخر باطل، فيمنع المعترض أحد الاحتمالين لكونه باطلا إما مع السكوت عن الآخر لأنه لا يضره، أو مع التعرض لتسليمه لأنه لا يضره - أيضا -، ومثاله أن يقول المستدل فيمن قتل عمدا والتجأ إلى الحرم: قتل عمد عدواني يجب فيه القصاص للعدوانية، فيقول المعترض: أما أن تريد أن العدوانية سبب لذلك مع وجود المانع الذي هو الالتجاء إلى الحرم أو دونه فإن الأول ممنوع، إلى أن قال: واختلف في قبول هذا الاعتراض فقيل: لا يقبل لأن إبطال أحد محتملي كلام المستدل لا يضره لجواز أن يكون المعنى الباطل غير مراد المستدل، ثم قال وقال البدر كابن الحاجب والمختار قبوله إذ به يتعين مراد المستدل و - أيضا - له مدخل في هدم الدليل، وفيه تضييق على المستدل، وربما عجز عن تتميم الدليل لكن بشرط أن يكون ذلك الوجه الذي أبطله المعترض لازما للمستدل، فأما إذا لم يكن لازما لم (6) يسمع لعدم قدحه في قياس المستدل (7)، انتهى، و انتهى، والله أعلم.
(1) واختاره ابن الحاجب (مختصر المنتهى بشرح العضد) ج 2 ص 262، والشماخي (مختصر العدل) ص 35، وابن النجار (شرح الكوكب المنير) ج 4 ص 252.
(2) في ب يعارض. (3) حكاه المحلي (شرح المحلي على جمع الجوامع) ج 2 ص 333، وابن النجار (شرح الكوكب المنير) ج 4 ص 252.
(4) أي الإمام السالمي. (ه) في ب زيادة في.
(6) كذا في النسختين وفي شرح الطلعة فلا. السالمي (طلعة الشمس) ج 2 ص 160. (7) السالمي (شرح طلعة الشمس) ج 2 ص 159 - 160، وانظر: ابن الحاجب (مختصر المنتهي بشرح العضد) ج 2 ص 262، الشماخي (مختصر (العدل) ص 35، الآمدي (الإحكام) ج 4 ص 81، الزركشي (البحر المحيط) ج 7 ص 413، الشوكاني (إرشاد الفحول ص 231، الشنقيطي (نثر) الورود) ج 2 ص 554، د. السعدي (مباحث العلة) ص 704. (1/506)
صفحة 507
***
فصول الأصول
***
تتمة
نستوفي بها الكلام على القياس وأركانه وشروطه ولواحقه فنقول: اعلم أن القياس من الدين (1) لقوله تعالى: {فَاعْتَبِرُوا يَتأُولِي الْأَبْصَرِ "، وقيل: ليس من الدين (3)؛ لأن اسم الدين إنما يقع على ما هو ثابت مستمر، والقياس ليس كذلك لأنه قد لا يحتاج إليه، وقيل: هو من الدين حيث يتعين بأن لم يكن للمسألة دليل غيره بخلاف ما إذا لم يتعين لعدم الحاجة إليه)، وهو من أصول الفقه – أيضا – خلافا لإمام الحرمين حيث قال: ليس منه () والحكم الثابت بالقياس يقال: إنه دين الله تعالى وشرعه قاله السمعاني، ولا يجوز أن يقال: قاله الله تعالى ولا قاله رسوله - -
(6)
لأنه مستنبط لا منصوص ثم إن القياس فرض كفاية على المجتهدين بالنسبة للمقلدين إذا تعلق بواجب، وهو فرض عين على كل مجتهد يحتاج إليه في واقعة ولم يجد دليلا غيره، وهو قسمان: جلي وخفي كما تقدم في محله، وقيل ثلاثة أقسام: جلي وخفي وواضح، فالجلي ما تقدم في القسمين، والخفي الشبه، والواضح بينهما، وقيل: الجلي قياس الأولى كالضرب على التأفيف في التحريم، والواضح المساوي كقياس إحراق مال اليتيم على أكله في التحريم، والخفي الأدون كقياس التفاح على البر في باب الربا كما قدمناه (8)، وعلى الأول فالجلي يصدق بالأولى كالمساوي، ثم ينقسم باعتبار علته إلى قسمين الأول قياس العلة وهو ما ذكرت فيه العلة صريحا، كقولك: يحرم
(1) وقال به أبو الحسين البصري (المعتمد) ج 2 ص 243، وابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 2 ص 337، والروياني. الزركشي (البحر المحيط) ج 7 ص 17.
(2) القرآن الكريم سورة الحشر (مدنية) آية رقم 2.
(3) حكاه أبو الحسين عن أبي الهذيل (المعتمد) ج 2 ص 244، المحلي (شرح المحلي على جمع الجوامع) ج 2 ص 337. (4) حكاه ابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 2 ص 338، والزركشي (البحر المحيط) ج 7 ص 17. (2) الجويني (البرهان) ج 1 ص 79 وص 128، ابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 2 ص 338، الزركشي (البحر المحيط) ج 7 ص 37.
(6) ابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 2 ص 339. (1) حكى الزركشي هذا القول عن أبي إسحاق الشيرازي (البحر المحيط) ج 7 ص 49، لكن الذي وجدته في اللمع وفي شرحه أنه قسم العلة إلى قسمين جلي وخفي. الشيرازي (اللمع) ص 95، (شرح اللمع) ج 2 ص 801
•
(1) حكاه ابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 2 ص 340، والدكتور السعدي (مباحث العلة) ص 56. (1/507)
صفحة 508
0.4
***
فصول الأصول
***
النبيذ كالخمر لإسكاره، والثاني قياس الدلالة وهو ما جمع فيه بين الأصل والفرع بلازم العلة او بأثرها أو بحكمها، فإن كلا من هذه الثلاثة يدل على العلة، وكل واحد منها على الترتيب المذكور دون الذي قبله في القوة، مثال التعليل بلازم العلة أن يقال: النبيذ حرام كالخمر بجامع الرائحة المشتدة وهي لازمة للإسكار، ومثال التعليل بأثرها أن يقال: القتل بمثقل يوجب القصاص كالقتل محدد بجامع الإثم، وهو أثر العلة التي هي القتل العمد العدواني، ومثال التعليل بحكمها أن يقال: تقطع الجماعة بالواحد كما يقتلون به بجامع وجوب الدية عليهم في ذلك (1) حيث كان غير عمد وهو حكم العلة التي هي القطع في الصورة الأولى، والقتل في الثانية. والقياس في معنى الأصل هو: الجمع بنفي الفارق، ويسمى بالجلي كما تقدم كقياس البول في إناء وصبه في الماء الراكد على البول فيه في منعه بجامع أن لا فارق بينهما في مقصود المنع الثابت بحديث النهي عن البول في الماء الراكد (2) (3)، انتهى، والله أعلم، ومنه العون والتوفيق.
(1) في ذلك ساقطتان من ب. (2) تقدم تخريجه.
(3) وانظر الرازي (المحصول) ج ه ص 121، الطوفي (شرح مختصر الروضة) ج 3 ص 224، الأسنوي جه زوائد الأصول) ص 374 - 376، السالمي (شرح طلعة (الشمس) ج 2 ص 151، الشنقيطي (ثر
الورود) ج 2 ص 558. (1/508)
صفحة 509
***
فصول الأصول
***
تنبيه (1)
قد استوفينا الكلام على العلل الشرعية وأحكامها في كتاب القياس، وأغفلنا ذكر الفروق بين العلة الشرعية والعلة العقلية، وبين العلة والسبب الشرعيين، وبينها وبين الشرط، وبينه وبين السبب، ولا بد من ذكر هذه الأمور للاحتياج إليها في كثير من الأحكام واشتباهها على كثير من الناس فنقول، ومن الله الإعانة والقبول:
أما الفرق بين العلة العقلية والعلة الشرعية فإنه يكون من خمسة وجوه: الأول (2): أن العلة العقلية موجبة للحكم الذي علل بها، وذلك كالحركة علة لكون محلها متحركا، فهي موجبة لكونه متحركا ولا كذلك العلة الشرعية فهي غير موجبة لمعلولها، وإنما هي أمارة تدل عليه، فإن الزنى أمارة لوجوب الحد، ولا يوجد الحد بمجرد وجود الزنى ككون الشيء متحركا بمجرد وجود الحركة فيه. الوجه الثاني: أن العلة العقلية لا يصح أن تعلم إلا بعد أن يعلم الحكم الذي أوجبته لأن حكها هو الطريق إلى إثباتها والدليل عليها، ألا ترى أننا قد نعلم زنى الزاني ولو لم نعلم وجوب الحد عليه. والوجه الثالث: أن العقلية لا تفارق معلولها لها بل يكون وجودها وثبوت معلولها في وقت واحد لا يصح اختلاف الوقت؛ لأنها توجب معلولها لما هي عليه في ذاتها، فلو تراخى عنها خرجت عما هي عليه في ذاتها، وذلك محال لأن في
انقلاب ذاتها.
والوجه الرابع: أن العلة (3) العقلية لا تتوقف في إيجابها المعلول على شرط سوى وجودها، ووجودها ليس بشرط لإيجابها، وإنما هو شرط لحصولها على صفتها المقتضاه التي لأجلها يوجب موجبها، فلو توقفت على شرط غير ذلك لم يكن إيجابها له لذاتها، وفي ذلك قلب جنسها.
(1) هذا التنبيه موضعه في النسختين بعد الخاتمة في أصول الديانات لكنه في الكتاب المطبوع جاء في هذا الموضع، وهو أنسب بالمقام، وقد ذكر المؤلف أنه أغفل ذكره قبل ذلك، ثم بحثه في آخر الكتاب.
(2) في أ الأولى.
(3) في ب العلية. (1/509)
صفحة 510
***
فصول الأصول
***
والوجه الخامس: أن العلة القاصرة وهي التي لا تتعدى إلى فرع تصح في العقليات كتعليل كونه تعالى عالما لذاته، فيقال: هو عالم لذاته، فلا يصح ذلك في غيره، وفي صحة العلة القاصرة في العلل الشرعية الخلاف الذي تقدم في محله، والله أعلم.
(T),
وأما الفرق بين العلة والسبب الشرعيين فيعلم من ثلاثة وجوه (2): الأول: أن العلة تختص بمحال الحكم أينما أتت، ألا ترى أن الزنى لما كان علة للجلد كان حاصلا في محل الجلد، أي: الجسم الزاني هو المجلود، وكذلك القتل علة في القصاص، ونحو ذلك، ولا يلزم ذلك في السبب، فإن دخول وقت الصلاة سبب للصلاة وليس حاصلا في محل الصلاة، وكذلك وقت الزكاة سبب لها وليس حاصلا فيها، وقد يخص السبب محل (3) الحكم كرؤية الهلال فإنها سبب وجوب الصوم، ومحلها واحد، كذا في منهاج الأصول (4)، وعندي فيه نظر، فليتأمل.
والوجه الثاني: أن العلة لا تستلزم التكرر بخلاف السبب، أي: لا يستمر فيها التكرر بل قد تتكرر، والأكثر أنها لا تتكرر بخلاف السبب كوقت الصلاة فيتكرر
بتكرر مسببه. والوجه الثالث: أن العلة لا يشترك فيها إلا ويشترك في الحكم عند من منع من تخصيصها، ألا ترى أن قتل العمد العدواني إذا اشترك فيه جماعة اشتركوا في الحكم، وهو وجوب القصاص، وكذلك ما أشبهه، بخلاف السبب فقد يشترك فيه من لا يشترك في حكمه، ألا ترى أن دخول وقت الصلاة لا يقتضي وجوبها على كل مكلف، وكذلك تمام الحول لا يقتضي وجوب الزكاة على كل من حال عليه أ. هـ (ه).
(1) ابن المرتضى (منهاج الوصول) ص 648، السالمي (شرح طلعة الشمس) ج 2 ص 103. (2) في ب زيادة كلمة الوجه. (3) في ب لمحل.
(4) كذا في النسختين الأصول والمؤلف يقصد به منهاج الوصول إلى معيار العقول لابن المرتضى. ابن المرتضى (منهاج الوصول) ص 846.
(5) انظر هذه الفروق بين العلة والسبب الشرعيين في الغزالي (شفاء الغليل) ص 590، ابن المرتضى (منهاج الوصول) ص 846، د. السعدي (مباحث العلة ص 139. (1/510)
صفحة 511
511
***
فصول الأصول
***
وعرف شيخنتا العلة بأنها: الوصف المؤثر بنفسه في الحكم)، أي: بلا واسطة كتأثير البيع في الملك، وتأثير عقد النكاح في جواز الاستمتاع، وكتأثير القتل في القصاص، هذا على قول من قال: إن العلة بمعنى المؤثر في الحكم، ومن قال: هي الوصف المعرف للحكم، فهذا تعريف يشمل الوصف المؤثر والعلامة فهو أشمل من الأول، وهو الصحيح فهذا هو الفرق بين العلة والسبب، وهو أن العلة تؤثر في الحكم بلا واسطة كالقتل (2) في وجوب القصاص بلا واسطة غيره، والسبب وهو الوصف الذي لا يؤثر في الحكم إلا بواسطة العلة كالأمر بالسرقة موصل إلى السرقة مؤثر فيها بواسطة فعل المأمور، فالأمر سبب لوجوب الحد على السارق، وفعله وهو السرقة علة للحد - أيضا - وكذلك الأمر بقطع الطريق، والدلالة على قتل أحد ونحو ذلك، ومن وجه آخر أن السبب قد يضم إليه الحكم وقد لا يضم، فالحكم يقارنه ويفارقه، والعلة لا تكون علة إلا وحكمها مقرون بها، فلو فارقها بطل كونها علة أصلا. اهـ.
والشرط هو: الذي يتوقف عليه وجود الحكم فيوجد الحكم بوجوده، وينتفي بانتفائه، كالوضوء شرط لصحة الصلاة، فإذا لم يوجد الوضوء لم توجد صحة الصلاة، وكذا من قال لعبده: إن دخلت الدار فأنت حر، فتحريره متوقف على دخوله الدار، فلا يكون حرا بدون الدخول، وقد يكون الشرط شرطا لوجود العلة، وقد يكون شرطا لتأثيرها في الحكم، مثال الأول العقل والولاية في البيع والنكاح، فإن علة ملك المبيع وحل الوطء هو العقد الصحيح، ولا وجود للعقد الصحيح إلا مع العقل والولاية، ويسمى محل العلة وشرطها – أيضا – وإنما سمي محلها لأنها لما توقف وجودها على حصوله أشبه محل العلة العقلية التي تقف صحة وجودها على وجوده، ويسمى شرطها لما وقف ثبوت تأثيرها عليه لأنه إذا وقف وجودها عليه فقد وقف تأثيرها – أيضا – عليه، ومثال الثاني كالإحصان فإنه شرط لتأثير الزنى في حد الرجم.
(1) السالمي (طلعة الشمس) ج 2 ص 102.
(2) في ب زيادة يؤثر. (1/511)
صفحة 512
***
فصول الأصول
***
والفرق بين العلة والشرط من وجوه: الأول: أن كل ما يترتب حصوله على حصول الشرط يترتب على العلة كالرجم، فإنه كل ما يترتب (1) على الأحصان فهو مترتب على العلة وهي الزنى، ولا يجب عكس ذلك، وهو كون ما ترتب على العلة يجب ترتبه على الشرط، بل يصح في بعض أحكامها أن لا تترتب عليه كالجلد فإنه وقف على الزنى وهو علته، ولم يقف على الشرط.
الوجه الثاني أن العلة باعثة على حكم مناسبة له كالزني فإنه باعث على الحد، ومناسب له لكونه عقوبة، وكذلك القتب باعث على القصاص، ومناسب له لأنه عقوبة بخلاف الشرط فإنه قد يكون غير باعث على الحكم، ولا مناسب له (2)، ألا ترى أن الإحصان ليس باعثا على الحد، ولا مناسبا له لكنه مناسب للعلة لا لكونه يقوي بعثها على الحكم؛ لأن زنى من هو مستغن بالزوجة أشد بعثا على الحد، قال شيخنا: وأقول: وهذا الفرق إنما يتأتى على مذهب من اشترط في العلة أن تكون بمعنى الباعث، أما على مذهب من لم يشترط ذلك فلا يصح هذا الفرق (3).
قال صاحب المنهاج والفرق بين الشرط والسبب أن الشرط في غالب أحواله يضاهي العلل في مناسبة الحكم كالعقل والبلوغ والرضى فإنها شرط في صحة البيع، وفيها مناسبة لذلك، والسبب قلما يثبت فيه ذلك، والشرط يختص بمحل الحكم كالأحصان، فإنه حاصل في محل الحكم وهو الرجم بخلاف السبب فإنه في الأغلب خارج عن محل الحكم (ه)، والله أعلم، وبه العون والتوفيق.
(4). انتهى
(1) في ب ترتب. (2) له في ب ساقطة.
(3) انظر هذين الفرقين: الغزالي (شفاء الغليل) ص 551، ابن المرتضى منهاج الوصول) ص 847، د.
السعدي (مباحث العلة ص 158.
(4) ابن المرتضى (منهاج الوصول) ص 847 - 848.
(د) في ب أهـ. (1/512)
صفحة 513
513
***
فصول الأصول
***
الكتاب الخامس في الاستدلال
الفصل الخامس والعشرون والمائة
في تعريفه وأقسامه
الاستدلال لغة طلب الدليل (1)، وفي العرف دليل ليس بنص من كتاب أو سنة، ولا إجماع، ولا قياس، فيدخل فيه القياس الاقتراني والقياس الاستثنائي، وهما نوعان من القياس المنطقي، وهو: قول مؤلف من قضايا متى سلمت لزم عنه لذاته قول آخر، فان كان اللازم وهو النتيجة أو نقيضه مذكورا فيه بالفعل فهو الاستثنائي وإلا فالاقتراضي، مثال الاستثنائي؛ إن كان النبيذ مسكرا فهو حرام، لكنه مسكر، ينتج فهو حرام، وإن كان النبيذ مباحا فهو ليس بمسكر لكنه مسكر، ينتج فهو ليس بمباح، ومثال الاقتراني: كل نبيذ مسكر، وكل مسكر حرام، ينتج كل نبيذ حرام، وهو مذكور فيه بالقوة لا بالفعل، ويسمي القياس بالاستثنائي لاشتماله على حرف الاستثناء وهو لكن وسمي بالاقتراني لاقتران أجزائه، ويدخل فيه قياس العكس، وهو إثبات عكس حكم شيء لمثله لتعاكسهما في العلة (2) كما تقدم في حديث: أيأتي أحدنا شهوته وله فيها أجر؟ قال: أرأيتم لو وضعها في حرام أكان عليه وزر؟
وكذا يدخل في الاستدلال - أيضا - انتفاء الحكم لانتفاء مدركه (3)، وهو الدليل الذي به يدرك، فعدم وجدان الدليل المضمون به انتفائه بعد الفحص الشديد دليل على انتفاء الحكم، وقيل: لا (4)، وكذا يدخل في الاستدلال وجود المقتضى أو المانع أو فقد الشرط فهو دليل على وجود الحكم في الأول، وعلى انتفائه في الثاني والثالث
(1) د. إبراهيم أنيس وأخرون (المعجم الوسيط) باب الدال، ص 294. (2) ابن الحاجب (مختصر المنتهى بشرح العضد) ج 2 ص 280، ابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 2 ص 342،343، أمير بادشاه (تيسير التحرير) ج 4 ص 172، الدمنهوري أحمد (إيضاح المبهم) ص 70 - 72، ابن النجار (شرح) الكوكب المنير) ج 4 ص 397، السالمي (شرح طلعة الشمس) ج 2 ص 177،178، الميداني حبنكة (ضوابط المعرفة) ص 228، الفضلي (مذكرة المنطق) ص 127 - 192. (3) وقال بذلك ابن السبكي: جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 2 ص 344، وانظر: ابن الحاجب (مختصر المنتهى بشرح العضد) ج 2 ص 280. (4) حكاه المحلي عن الأكثر شرح المحلي على جمع الجوامع) ج 2 ص 344. (1/513)
صفحة 514
***
فصول الأصول
***
عند أكثر العلماء (1)، وقيل: هو دعوى دليل لا دليل (2)، وإنما يكون دليلا إذا عين
المقتضى والمانع والشرط، والله تعالى أعلم.
(1) هذا قول ابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 2 ص 345، وابن حمدان وجمع من الأصوليين، ابن النجار (شرح الكوكب المنير) ج 4 ص 401، وأما الأكثر فإنهم يذهبون إلى أنه دعوى دليل كما حكى ذلك ابن السبكي وتبعه المحلي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 2 ص 345، ابن النجار (شرح الكوكب) (2) هذا عند الأكثر كما سبق وأنظر المرجعين السابقين وابن الحاجب (مختصر المنتهى بشرح العضد) ج 2
ج 4 ص 401.
ص 280.
514 (1/514)
صفحة 515
***
فصول الأصول
***
الفصل السادس والعشرون والمائة
في الاستصحاب
الاستصحاب: عبارة عن إبقاء ما كان على أصوله التي كان عليها من وجود أو عدم أو نحو ذلك ما لم يرد دليل بنقله عن حكم أصله إلى حكم آخر، فتقول: الأصل إبقاء ما نفاه العقل كوجوب صوم رجب على حاله الأول حتى يقوم الدليل بوجوب صيامه، وكذا تقول: إن الأصل إبقاء العام على عمومه وإبقاء النص على حاله حتى يرد المخصص للعموم، أو الناسخ للمنصوص، وهكذا في كل شيء علم وجوده أو نفيه من شرع أو عقل أو حس، فإن الأصل بقاؤه على حاله الذي علم عليه حتى يقوم الدليل على انتقاله، وهو حجة عندنا وعند الشافعية ()، لأن الظن ببقاء ما كان على ما كان حاصل مالم يصح انتقاله إلى حال آخر.
وأما الحكم على المفقود (2) بالوفاة بعد أربع سنين، وعلى الغائب بالوفاة بعد أجل الغيبة على الخلاف فيه، فهو مبني على أن الظن بحياتهما بعد الأجلين ضعيف لأن الغالب من أحوال أمثالهما الهلاك في مثل تلك الحال، إذ لو كانا حيين لجاء عنهما خبر في غالب الأحوال، فحملنا المفقود والغائب بعد الأجلين على أغلب الأحوال
استحسانا.
والقياس يقتضي عدم الحكم بموتهما حتى يصح كما هو قول في الأثر في حق الغائب (3) وأما المفقود فقد انعقد إجماع سكوتي على حكمه ذلك في زمان (1) السالمي (شرح طلعة الشمس) ج 2 ص 179، الآمدي (الاحكام) ج 4 ص 132، الاسنوي (نهاية السول) ج 4 ص 358، ابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 2 ص 348)، (الابهاج) ج 3 ص 168، وحكاه الباجي عن المالكية (احكام الفصول) ص 694، وقال به الكلوذاني (التمهيد) ج 4 ص 251، والطوفي (شرح مختصر الروضة (ج 3 ص 150)، وابن النجار (شرح) الكوكب المنير) ج 4 ص 403، وحكاه الكمال بن الهمام وامير باده شاه التحرير بشرح التيسير) ج 4 ص 176 - 177، عن طائفة من السمر قنديين منهم أبي منصور الماتريدي.
(2) المفقود، من انقطع خبره مع إمكان الكشف عنه، القطب محمد بن يوسف (شرح كتاب النيل) ج 7 ص 26، سمدي أبو جيب (القاموس الفقهي) ص 288، والغائب: من بعد بحيث يعلم موضعه، القطب، محمد
بن يوسف (شرح كتاب النيل ج 7 ص 27، سعدي أبو جيب (القاموس الفقهي) ص 279 (3) السالمي (جوهر النظام في علمي الأديان والأحكام) ص 233، القطب محمد بن يوسف (شرح كتاب النيل) ج 13 ص 559 - 561. (1/515)
صفحة 516
***
فصول الأصول
***
عمر - راه - في قضية تميم الداري (1)، وقالت المعتزلة والحنفية: إن استيعاب الحال ليس حجة شرعية (2)، وقيل: حجة في الدفع به عما ثبت له دون الرفع به مما لم يثبت له (3) ومعناه أنه لا يكون موروثا وكذا لا يرث غيره من ورثته، انتهى،
والله تعالى أعلم.
(1) نعيم بن أوس بن خارجة الداري، صحابي كان يسكن المدينة، ثم انتقل إلى الشام، أسلم سنة تسع من الهجرة، توفي بالشام ودفن بها. ابن الأثير (أسد الغابة ج 1 ص 256، المزي (تهذيب الكمال) ج 4
ص 326.
(2) أبو الحسين (المعتمد) ج 2 ص 325، البخاري (كشف الأسرار) ج 4 ص 666، أمير بادشاه (تيسير التحرير) ج 4 ص 177، الخبازي (المغني) ص 356، ص 357.
(3) حكاه الكمال عن أبي زيد الدبوس وشمس الائمة (التحرير بشرح التيسير) ج 4 ص 177، السرخسي (أصول السرخسي) ج 2 ص 224،225. (1/516)
صفحة 517
517
فصول الأصول
***
الفصل السابع والعشرون والمائة
في الاستقراء
من الاستدلال الاستقراء، وهو: عبارة عن تتبع أفراد الجنس في حكم من الأحكام، فإذا وجدت ذلك الحكم في جميع أفراد ذلك الجنس قطعت بأن حكم ذلك الجنس كله هكذا، مثاله أن تستتبع أفراد الحيوان فتجد كل فرد منه متحركا، فتعلم من ذلك التتبع أن الحيوان متحرك، وكذا إذا تتبعت أفراد الجماد فوجدت كل فرد منها ساكنا حكمت بأن الجماد ساكن، وهكذا.
وهذا التتبع المخصوص هو معنى الاستقراء عند الأصوليين، وهو نوعان: كامل وناقص، فأما الكامل فهو أن يتتبع المستدل أفراد ذلك الجنس كلها حتى لا يبقى من أفراده إلا الصورة التي طلب معرفة حكمها، فيحكم حينئذ بأن حكم تلك الصورة حكم بقية أفراد الجنس.
وأما الناقص فهو أن يتبع أكثر الأفراد وأغلبها حيث لا يتأتى له الاطلاع على الكل، أي: ما خلا صورة النزاع، مثاله في الناقص أن يتتبع غالب أفراد النساء في الحيض، فيجد أغلبهن لا يجاوز حيضها عشرة أيام، فيقول: إن أقصى مدة الحيض عشرة أيام في جميع النساء، ويسمى هذا النوع عند الفقهاء إلحاق الفرد بالأغلب، وهو دليل ظني اتفاقا، وأما الأول فدليل قطعي عند الأكثر. وقيل: ليس بقطعي لاحتمال تلك الصورة لغيرها (1)، وأجيب: بأن هذا الاحتمال منزل منزله العدم لأن العلوم لا ينافيها الاحتمال العقلي، فإنك قد تقطع عادة بأن الجبل الآن حجر، والعقل يجوز انقلابه الآن ذهبا، وهذا الاحتمال العقلي لا يقدح في الحكم العادي، والله تعالى (2) أعلم.
(1) حكاه محمد الأمين الشنقيطي عن المنطقيين (نثر) الورود) ج 2 ص 567، وانظر: المحلي (شرح المحلي على جمع الجوامع ج 2 ص 345، ابن النجار (شرح الكوكب المنير) ج 4 ص 418، الشربيني (تقريرات الشربيني على جمع الجوامع) ج 2 ص 345، ابن قاسم الآيات البينات) ج 4 ص 244.
(2) في ب ساقطة. (1/517)
صفحة 518
***
فصول الأصول
***
الفصل الثامن والعشرون والمائة
ها الله هل كان له متعبدا قبل النبوة؟
اختلف العلماء هل كان نبينا - - متعبدا قبل النبوة بشرع أم لا؟ فمنهم من نفى ذلك (1)، ومنهم من أثبته، واختلف المثبتون - أيضا - في تعيين ذلك الشرع
على أقوال. فقيل هو شرع نوح، وقيل: شرع إبراهيم، وقيل: شرع موسى، وقيل: شرع عيسى، وقيل: بكل ما ثبت أنه شرع من غير تعيين لنبي (2).
واختار كثير من العلماء الوقف عن ذلك (3)، والمختار بعد النبوة المنع عن تعبده بشرع من قبله لأن له شرعا يخصه (4)، وقيل: تعبد بمالم ينسخ من شرع من قبله استصحابا لتعبده قبل النبوة (5)، واختلف العلماء في حكم الأشياء قبل ورود الشرع،
(1) قال به أبو الحسن البصري (المعتمد) ج 2 ص 327، والبدر الشماخي (مختصر العدل) ص 15، وعزاه الباجي إلى طائفة من المالكية (احكام الفصول ص 394، وحكاه الباقلاني وابن القشيري عن جمهور المتكلمين. الزركشي (البحر المحيط) ج 8 ص 40، ونسبه ابن المرتضى إلى ابي علي وابي هاشم وابي عبدالله
البصري من المعتزلة (منهاج الوصول) ص 582، وينظر: الانصاري فواتح الرحموت) ج 2 ص 184. (2) اختار الواحدي وابن القشيري انه شرع ابراهيم. الزركشي (البحر المحيط) ج 8 ص 39 - 40، وحكى الواحدي عن ابي إسحاق الاسفريني بأنه شرع عيسى المرجع السابق) وصحح ابن النجار وعزاه إلى اكثر الحنابلة أنه بكل ما ثبت أنه شرع من غير تعيين لنبي (شرح الكوكب المنير) ج 4 ص 410، واختاره الكمال بن الهمام التحرير بشرح التيسير) ج 3 ص 246، الوارجلاني (العدل والانصاف) ج 1 ص 63، الامدي (الاحكام) ج 4 ص 145، ابن الحاجب مختصر المنتهى بشرح العضد) ج 2 ص 286، ابن ال ي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 2 ص 352. (3) الغزالي (المستصفى) ج 1 ص 246، الأمدي (الإحكام) ج 4 ص 145، ابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 2 ص 352، الزركشي (البحر المتوسط) ج 8 ص 41.
(4) اختاره ابن السمعاني وحكاه عن اكثر المتكلمين وجماعة من الشافعية، وهو قول الخوارزمي والصيرفي الزركشي (البحر المحيط) ج 8 ص 41، وقال به الامدى وعزاه إلى الاشاعرة والمعتزلة، (الاحكام) ج 4 ص 147، وهو قول ابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 2 ص 352، والبدر الشماخي (شرح مختصر العدل) ص 76.
(د) استظهره الباجي وحكاه عن طائفة من المالكية، ثم قال: وقد تعلق به مالك في مواضع (احكام الفصول) ص 395، وحكاه ابن السمعاني وسليم الرازي عن اكثر الشافعية وعزاه ابن القيشيري إلى فقهاء الزركشي (البحر المحيط) ج 8 ص 43، واختاره ابن الحاجب (مختصر المنتهى بشرح العضد) ج 2 ص 286، وجمهور الحنفية، امير بادشاه (تيسير التحرير) ج 3 ص 129، الانصاري (فواتح
الرحموت) ج 2 ص 184. (1/518)
صفحة 519
519
***
فصول الأصول
***
قيل: إنها موقوفة إلى ورود الشرع لا حكم لها قبله، والمراد بذلك حيث لا شرع أصلا، أي: قبل إرسال الرسل وإنزال الشرائع، وأما بعد بعث الرسل فقيل: إن أصل المنافع كلها الحل، وأصل المضار التحريم (2)، لأنه تعالى امتن على عباده بقوله: خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا لله (3)، ولا يمتن إلا بالجائز، وقيل: الأصل في الأشياء التحريم، وقيل: الأصل الحل (4)، وذلك كله فيما لم يرد فيه بعينه دليل شرعي، وأما ورود الدليل فتصرف إلى ما يقتصيه الدليل من وجوب وحظر وإباحة، قلت: والصحيح من هذه الأقوال عندنا أن الأشياء كلها قبل ورود الشرع حكمها الإباحة لعدم قيام الدليل على إثبات حكم من الأحكام فيها، قال البدر الشماخي – رحمه الله: وهذا هو قول أبي يحيى زكريا بن أبي بكر (ه)، واختاره الإمام أبو يعقوب – حمه الله تعالى، وقال أكثر الأصحاب ومعتزلة بغداد والإمامية والشافعية: بل
(1)
حكمها الحظر، وتوقف الأشعري والصيرفي في ذلك)، والله تعالى أعلم. (1) عزاه الباجي إلى أكثر المالكية (إحكام الفصول ص 681، وحكاه الشيرازي عن كثير من الشافعية (التبصرة) ص 522، وهو قول الصيرفي وأبي علي الطبري وأبي الحسن الأشعري، الزركشي (البحر المحيط) ج 1 ص 203، ونسبه أبو الخطاب إلى أكثر الحنابلة، أبو الخطاب (التمهيد) ج 4 ص 71. وقيل، على الإباحة، قال به معتزلة البصرة، أبو الحسين (المعتمد) ج 2 ص 315، وأبو الحسن التميمي من الحنابلة، ابو الخطاب (التمهيد) ج 4 ص 264، وقيل: على الاباحة، قال به معتزلة بغداد. أبو الحسين (المعتمد) ج 2 ص 315، وأبو علي بن أبي هريرة وعلي بن أبان وابو الحسين بن القطان من الشافعية. الزركشي (البحر المحيط) ج 1 ص 204، وابو الفرج المالكي، الباجي احكام الفصول) ص 681، وابن
حامد الحنبلي، ابو الخطاب (التمهيد) ج 4 ص 270.
(2) قال به ابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 2 ص 353. (3) القرآن الكريم، سورة البقرة (مدنية) آية رقم 29.
(4) المحلي (شرح المحلي على جمع الجوامع ج 2 ص 353، ابن قاسم (الايات البينات) ج 4 ص 264. (ه) كذا في النسختين. ولعل الصواب أبو زكريا يحيى ابن بكر الوراجلاني الاباضي مؤرخ، من أهل المغرب - له كتاب سير الائمة واخبارهم، توفي سنة 471 هـ. الشماخي (كتاب السير) ج 2 ص 92، احمد الشنتناوي واخرون دائرة المعارف الاسلامية) ج 1 ص 480.
(6) نقل المصنف معنى كلام البدر لانصه، ونص عبارة الشماخي الأشياء قبل ورود الشرع حكمها عندنا وعند معتزلة بغداد وابن أبي هريرة على الحظر، وعند الشيخ أبي يحيى زكريا ابن أبي بكر واختاره المصنف - يعني أبا يعقوب، وعند معتزلة البصرة وطائفة من الحنفية والشافعية على الإباحة، وعند الأشعري والصيرفي على الوقف، الشماخي (شرح مختصر العدل) ص 71، وانظر: الوارجلاني (العدل والإنصاف) ج 1 ص 68، السالمي (شرح طلعة الشمس) ج 2 ص 189. (7) تعالى في ب ساقطة. (1/519)
صفحة 520
***
فصول الأصول
***
الفصل التاسع والعشرون والمائة
في الاستحسان
ومن الاستدلال الاستحسان قال به أبو حنيفة والمعتزلة (1) وأنكره أكثر العلماء (2)، وعزاه ابن الحاجب الى الحنابلة (3)، ورد المحلي حكايته عنهم (4)، وفسر دليل ينقدح في ذهن المجتهد تقصر عنه عبارته، وفسره بعضهم بعدول عن قياس أوهي إلى قياس أقوى منه، وبهذا المعنى لا خلاف في أن أقوى القياسين مقدم على الآخر قطعا، و بعضهم فسره بالعدول عن الدليل إلى العادة للمصلحة كدخول الحمام من غير تعيين
زمن المكث وقدر الماء والأجرة، فإنه معتاد على خلاف الدليل للمصحلة (ه) وكذا شرب الماء من السقاء من غير تعيين قدرة، ورد هذا بأنه إن ثبت أن العادة حق الجريانها في زمانه - عليه الصلاة والسلام - أو بعده من غير إنكار منه ولا أحد أئمة العلم فقد قام دليلها من السنة أو الإجماع، فيعمل بها على هذا قطعا، وإلا
ردت قطعا، فلم يتحقق حينئذ للاستحسان معنى يصلح أن يكون محلا للنزاع. وقال الشافعي: من استحسن فقد شرع (6)، أي: وضع شرعا من تلقاء نفسه، وذلك باطل، هذا ما نقلوه عن الشافعي، ومع ذلك فإنهم قد حكوا عنه العمل
(1) هو قول الحنفية، السرخسي (اصول السرخسي) ج 2 ص 199، الخبازي (المغني) ص 308، البخاري (کشف الاسرار) ج 4 ص ه، الكمال التحرير بشر التيسير) ج 4 ص 78، الانصاري (فواتح الرحموت) ج 2 ص 320، سويد الدمشقي (تسهيل الحصول ص 244، والزيدية، ابن المرتضي (منهاج الوصول) ص 696، وحكاه القرافي عن بعض المالكية (شرح تنقيح الفصول) ص 452، وينظر: الباجي (احكام الفصول) ص 687، الشنقيطي (نثر الورود) ج 2 ص 570. (2) الباجي (إحكام الفصول) ص 687، الشيرازي (التبصرة) ص 492، الغزالي (المستصفى) جا ص 274، الآمدي (الأحكام) ج 4 ص 162، القرافي (شرح تنقيح الفصول) ص 452، ابن السبكي الإبهاج) ج 3 ص 188. (3) كما عزاه اليهم الامدي ابن الحاجب مختصر المنتهى بشرح العضد) ج 2 ص 288، الامدي (الاحكام)
ج 4 ص 162.
(4) المحلي (شرح المحلي على جمع الجوامع) ج 2 ص 353، إلا أنه جاء عن الإمام أحمد أنه أطلق الاستحسان في مواضع، منها أنه استحسن أن يتيمم لكل صلاة، أبو الخطاب (التمهيد) ج 4 ص 87، ابن النجار
(شرح الكوكب المنير) ج 4 ص 427.
(د) انظر في تفسير الاستحسان المراجع السابقة في المسألة.
(6) لم أجد هذا النص في الرسالة.
520 (1/520)
صفحة 521
021
***
فصول الأصول
***
بالاستحسان كاستحسانه التحليف على المصحف وكاستحسانه كون المتعة ثلاثين درهما، ثم اعتذروا عنه في ذلك بقولهم: لم يقل ذلك من قبيل الاستحسان المختلف فيه، وإنما قاله لمآخذ فقهية مبينة في مواضعها (1).
قلنا:
وكذلك كل من قال به إنما قالوا به لمآخذ فقهية - أيضا -، وقال صاحب المنهاج: أما قول الشافعي: من استحسن فقد شرع، فهو مبني على ما رواه بعض أصحابه عن الحنفية أن الاستحسان هو القول بالحكم من غير دلالة ولا إمارة تقتضيه ما تدعو النفس إليه وتستصلحه (2).
قال الحاكم (3): وقد أبعدوا في هذه الحكاية، وظنوا بأهل العلم مالا يليق بهم، قال: والذي عند مشايخنا أنه لا يجوز القول في الأحكام بغير حجة تميز بين الحق والباطل والصحيح والفاسد والحسن والقبيح، لأنه لو جاز ذلك لشارع العالم العامي في الأحكام لأنهم يستحسنون أشياء شهوة وهوى (4). انتهى كلامه. وفي فتاوى المذهب ما يدل على الأخذ بالاستحسان عند كثير من علماء الأصحاب (5)،
والله أعلم.
(1) الشافعي (الرسالة) ص 503، ابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 2 ص 353، الزركشي
(البحر المحيط) ج 8 ص 95 ص 106.
(2) ابن المرتضى (منهاج الوصول) ص 697،698.
(3) لعل المؤلف يقصد بالحاكم هو المحسن بن محمد المعتزلي، ومما يؤيد ذلك أن هذا النص قد نقله عن منهاج الوصول لليمني المعتزلي، والحاكم هو المحسن بن محمد بن كرامة الجشمي أبو سعد، من علماء المعتزلة، ولد سنة 1413 هـ، تتلمذ عليه الزمشخري من كتبه التهذيب ومشروع عيون المسائل والمنتخب، توفي سنة 494 هـ. الزركلي (الأعلام) ج 5 ص 289، ابن المرتضى (منهاج الوصول) ص 92، ينظر الهامش رقم (1).
(4) ابن المرتضى (منهاج الوصول) ص 698. (5) السالمي (شرح طلعة الشمس) ج 2 ص 187. (1/521)
صفحة 522
***
فصول الأصول
***
الفصل الثلاثون والمائة
في الكلام على حجية قول الصحابي
اختلف العلماء في قول الصحابي المجتهد هل هو حجة على غيره أم لا؟ على أقوال قيل: هو غير حجة على صحابي مثله، وكذا على غيره، أي: غير الصحابي كالتابعي لأن قول المجتهد ليس بحجة في نفسه (1).
-
وقال الفخر الرازي: ليس بحجة إلا في الحكم التعبدي، فقوله فيه حجة لظهور أن مستنده فيه التوقيف من الشارع - صلوات الله عليه (2) (2) وقيل: قوله حجة، وهو مقدم على القياس عند التعارض (3) وقيل: هو حجة دون القياس فيقدم القياس، عليه عند التعارض (4)، (4)، وقيل: هو حجة ان انتشر من غير ظهور معارض له (ه)، وقيل: يكون حجة إن خالف القياس لأنه لا يخالفه إلا لدليل غيره بخلاف ما إذا وافقه لاحتال أن يكون مستنده القياس، فالقياس هو الحجة - هنا - لا القول (6)، وقيل:
(1) قال به الآمدي وعزاه الى الاشاعرة (الاحكام) ج 4 ص 155، واختاره ابن الحاجب (مختصر المنتهى بشرح العضد) ج 2 ص 287، وروى عن الامام مالك (الشنقيطي نثر الورود) ج 2 ص 573، وحكاه الزركشي عن الشافعي وجمهور الشافعية والمعتزلة (البحر المحيط) ج 8 ص 75، وحكي عن ابي الحسن الكرخي وابي زيد الدبوس، البخاري كشف الاسرار) ج 3 ص 407، امير بادشاه (تيسير التحرير) ج 3 ص 133، الانصاري فواتح الرحموت) ج 2 ص 186.
(2) الذي رأيته في الحصول إطلاق الفخر الرازي أن قول الصحابي ليس بحجة. الرازي (المحصول) ج 6
ص 129.
(3) قال بن ابو بكر الرازي وابو سعيد البردعي والسرخسي (اصول السرخسي) ج 2 ص 108، والبزودي (اصول البزودي بشرح كشف الاسرار) ج 3 ص 406، وقال به أكثر الحنابلة. ابن النجار (شرح الكوكب المنير) ج 4 ص 422، ورواية عن مالك، القرافي (شرح تنقيح الفصول) ص 245، الشنقيطي (نثر الورود) ج 2 ص 573، وعزاه الزركشي الى الامام الشافعي في القديم (البحر المحيط) ج 8 ص 57، وينظر: الشيرازي (التبصرة) ص 395، أمير باد شاه (تيسير التحرير) ج 3 ص 132، الانصاري (فواتح الرحموت) ج 2 ص 185 - 186.
(4) حكاه ابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 2 ص 354. (د) حكاه الشيرازي عن بعض الشافعية (التبصرة) ص 392، وهو مروي عن الإمام مالك. الشنقيطي (نثر الورود) ج 2 ص 573.
(6) حكاه الزركشي عن ابن برهان البحر المحيط) ج 8 ص 63، وينظر: الآمدي (الاحكام) ج 4 ص 155، القرافي (شرح تنقيح الفصول) ص 445.
522 (1/522)
صفحة 523
***
فصول الأصول
قول أبي بكر وعمر حجة دون غيرهما (1) الحديث اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر (2) وقيل: قول الخلفاء الأربعة دون غيرهم (3)، وفيه غير هذا، ولا؛ انطيل بذكر الخلاف والاحتجاج على الأقوال. والصحيح عندنا أن المجتهدين من الصحابة كغيرهم من مجتهدي الأمة لا يكون قولهم حجة على غيرهم من صحابي ولا غيره لجواز الخطأ عليهم لأنهم غير معصومين منه (5)، والله تعالى (6) أعلم.
(1) الآمدي (الأحكام) ج 4 ص 155، القرافي (شرح تنقيح الفصول) ص 445، البخاري (كشف الأسرار) ج 3 ص 407، الأنصاري (فواتح الرحموت) ج 2 ص 186.
(2) الحديث أخرجه ابن ماجة (سنن ابن ماجة) المعجم: المقدمة، باب في فضائل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم حديث 97 ج 1 ص 7473، الترمذي (سنن الترمذي) كتاب المناقب، باب في مناقب أبي بكر وعمر حديث 3662 ج 5 ص 569، والحاكم (المستدرك) كتاب معرفة الصحابة ج 3 ص 75، حديث حسن، الترمذي (سنن الترمذي) ج 5 ص 569.
(3) القرافي (تنقيح (الفصول ص 445، الطوفي (شرح مختصر (الروضة ج 3 ص 99، البخاري (كشف
الأسرار) ج 3 ص 407.
(4) في ب فلا.
(5) السالمي (طلعة الشمس) ج 2 ص 64.
(6) تعالى في ب ساقطة.
523 (1/523)
صفحة 524
***
فصول الأصول
***
الفصل الحادي والثلاثون والمائة
في الكلام على الإلهام
و من الاستدلال الإلهام، وهو: إيقاع شيء في القلب يثلج له الصدر، أي: يطمئن به القلب يخص به الله تعالى بعض أصفيائه وأوليائه.
وليس بحجة لعدم ثقة من ليس معصوما بخواطره لأنه لا يأمن دسيسة الشيطان فيها، وأثبته بعض الصوفية (1) حجة في حق من وقع له (2)، وأما المعصومون كالأنبياء - صلوات الله عليهم - فهو حجة في حقهم وحق غيرهم من المكلفين، لأن الإلهام في حقهم ضرب من الوحي.
قال شيخنا وأقول: (3) إن كان الملهم ضعيفا فلا يكون ذلك الإلهام بنفسه حجة حتى يطابق القوانين الشرعية والقواعد الدينية، فإذا طابقها كان حجة عليه ولزمه العمل به علم به أنه حجة أو لم يعلم إن كان ذلك الحال مما لا يسع جهله (4)، انتهى (د)) قلت: إن طابق القواعد الدينية والقوانين الشرعية كان الحكم لتلك القواعد والقوانين حينئذ لا للإلهام والصحيح عندي أنه لا يكون حجة إلا فيما لا يسع جهله مما تقوم حجته بالعقل دون ما كانت الحجة فيه بطريق السمع، وعند بعضهم هو حجة فيما لم يجد العالم له مستندا من كتاب أو سنة أو إجماع أو قياس صحيح)، وعلى هذا فيكون الإلهام هو الاستحسان بعينه على بعض تعاريفه (7)، وغاية ما في هذا المقام أن قيام الحجة من الأمور القدرية، فالأولى الكف عن الخوض فيها، والله تعالى أعلم. (1) الصوفية: المنفردون عن الخلق فى العبادة، المنقطعون لها والعاكفون عليها. والزاهدون فيما يقبل عليه عامة الناس من ملاذ الحياة الدنيا. ابن خلدون (مقدمة ابن خلدون ص 467، السلمي (طبقات الصوفية) ص 1، عبدالقادر عيسي حقائق التصرف) ص 13؟
(2) قال الإمام السالمي: وهو مقتضى مذهب الإمام الكدمي - رضوان الله تعالى عليه. السالمي (شرح طلعة الشمس) ج 2 ص 188، وانظر: ابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 2 ص 356، وحكاه الزركشي عن بعض المتأخرين من الشافعية كابن الصلاح. الزركشي (البحر المحيط) ج 8 ص 114، وينظر: الغزالي (إحياء علوم الدين) ج 1 ص 31.
(3) في ب وأقوال.
(4) السالمي (طلعة الشمس) ج 2 ص 188. (د) في ب أهـ.
(6) هذا ظاهر كلام الإمام السالمي (شرح طلعة الشمس) ج 2 ص 188. (7) لعله يقصد: هو دليل ينقدح في ذهن المجتهد تقصر عنه عبارته.
(1) تعالى في ب ساقطة.
524 (1/524)
صفحة 525
525
***
فصول الأصول
***
تتمة في قواعد الفقه
اعلم أن الفقهاء من المتقدمين بنوا الفقه على خمسة قواعد: الأولى: ان اليقين لا يزيله إلا يقين مثله، أي: لا يرتفع بالشك، ومن فروعها أن من تيقن الطهارة وشك في الحدث يأخذ بالطهارة، ومن له زوجة فشك هل طلقها أو فعل موجب التحريم فنسى ذلك يأخذ ببقاء الزوجية، وهذه القاعدة عليها بني استصحاب حال الأصل.
الثانية: أن الضرر يزال، ومن فروعها وجوب رد المغصوب وضمانه بالتلف. الثالثة: أن المشقة تجلب التيسير، ومن فروعها جواز القصر والجمع والفطر في
السفر مع استكمال شروطه، وكذا الجمع للمستحاضة والمبطون ونحوه. الرابعة: أن العادة محكمة، ومن فروعها أقل الحيض وأكثره، وكذا مسائل التعارف ونحوها، قلت وهذه راجعة إلى الاستقراء. الخامسة: أن الأمور بمقاصدها، ومن فروعها وجوب النية في الطهارة. انتهى كلامنا على الأدلة الشرعية، والله أعلم).
(1) ابن نجيم (الأشباه والنظائر ابن السبكي الأشباه والنظائر)، ابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 2 ص 356، ابن رجب (القواعد)، السالمي (شرح طلعة الشمس) ج 2 ص 191، الزرقا (شرح
القواعد الفقهية). (1/525)
صفحة 526
***
فصول الأصول
***
الكتاب السادس
في تراجيح الأدلة عند تعارضها
الفصل الثاني والثلاثون والمائة
في الكلام على تعارض الأدلة
اعلم أنه لا يجوز التعارض بين دليلين قطعيين سواء كانا عقليين كثبوت حدوث العالم وقدمه، أم نقليين كثبوت الرؤية وعدم ثبوتها (1)، أو كان أحدهما عقليا والآخر نقليا كأن يرد نص - مثلا - بأن الباري سبحانه وتعالى حادث – حاشاه عن ذلك - مع أن دلالة العقل تشهد بقدمه، فذلك كله ممنوع لا يصح إذ لو جا ذلك لثبت مدلولهما معا، فيجتمع المتنافيان فلا وجود لقاطعين متنافيين، لكن الكلام - هنا - مفروض في الأدلة النقلية، وغالبها ظنية لأنها هي محل التعارض والتراجيح، ويمتنع - أيضا - تعارضها في نفس الأمر من غير مرجح لأحد الدليلين على الآخر على الصحيح إذ لو جاز ذلك لأدى إلى التناقض في كلام الشارع وهو محال، وإنما الجائز والواقع التعارض في ذهن المجتهد، وهو منشأ تردده بين الأدلة، فإن وقع ذلك في ذهنه وتوهم التعارض وعجز عن المرجح لأحد الدليلين على الآخر فقد اختلف العلماء في ذلك على أقوال، فقيل: إنهما يتساقطان، ويلتمس الحكم من غيرهما إن وجد (2)، وقيل: يخير المجتهد في العمل بأيهما شاء، وهو مذهب الإمامين أبي
(1) اختلفت الأمة في جواز رؤية الله تعالى ووقوعها على أقوال: فذهب الإباضية والمعتزلة الزيدية والإمامية إلى استحالتها في الدنيا والآخرة، وذهب الأشاعرة والماتريدية والسلفية والظاهرية إلى إمكان وقوعها في الدنيا والآخرة إلا أن جمهور هؤلاء يقولون بوقوعها في الآخرة لا في الدنيا، ولكل فريق أدلة ومناقشات طويلة تكلمت عنها كتب العقيدة فتراجع في القاضي عبد الخيار (شرح الأصول الخمسة) ص 232، الباقلاني (تمهيد الأوائل وتلخيص الدلائل) ص 301، اللالكائي، هبة الله بن الحسن (شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة) جـ 3 ص 454، السالمي (مشارق أنوار العقول ص 186، أحمد بن حمد الخليلي
(الحق الدامغ) ص 27، السقاف، حسن بن علي (صحيح شرح العقيدة الطحاوية) ص 582. (2) قال به ابن كج من الشافعية، الزركشي (البحر المحيط) ج 2 ص 127، وابن عبدالشكور، وحكاه عبدالعلي الأنصاري عن بعض الفقهاء، ابن عبد الشكور (مسلم الثبوت بشرح الفواتح ج 2 ص 189، وانظر: القرافي (شرح تنقيح الفصول ص 453، ابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 2 ص 359، الشوكاني (إرشاد الفحول) ص 275
526 (1/526)
صفحة 527
527
***
فصول الأصول
***
سعيد وابن بركة البهلوي ركة البهلوي (1) (2)، وقيل: يوقف عن القول بتساقطهما وعن العمل بواحد منهما (3)، وقيل بالتخيير بينهما في الواجبات دون غيرها، لأن الواجبات قد يرد التخيير فيها كما في خصال كفارة اليمين بخلاف المحجورات)، قال الجلال المحلي: أقربها التساقط مطلقا كما في تعارض البينتين (5)، والذي عندي ان الوقف عنهما أولى وأقرب إلى السلامة لقوله - صلى الله عليه وسلم -: الأمور ثلاثة الحديث (6)، وذلك حيث يتعذر الجمع بين الأدلة.
أما حيث يمكن فالجمع بينهما هو القاعدة، والله أعلم، والعمل بالراجح واجب، وبالمرجوح ممتنع سواء كان الراجح قطعيا أو ظنيا، وقال القاضي أبو بكر الباقلاني: إلا ما كان ترجيحه ظنا فلا يجب العمل به (7)، لأن عنده لا ترجيح بظن فلا يعمل بواحد منهما إن كانا كذلك لفقد المرجح، وقال أبو عبد الله البصري: إن رجح أحدهما بالظن فالتخيير بينهما في العمل (8)، وإنما يجب العمل عنده وعند القاضي بما رجح قطعا، والمتأخر من الدليلين ناسخ للمتقدم منهما كانا آيتين أو خبرين أو آية وخبر. والنسخ إنما هو في الأمر والنهي، ولا يكون في الإخبار بكسر الهمزة، ولا في الوعد والوعيد وإلا لزم الكذب في خبر الشارع حاشاه عن ذلك، وا، والله أعلم.
(1) البهلوي: نسبة إلى بهلا، مدينة في داخلية عمان.
(2) ومن قال بالتخيير أبو علي الجبائي وأبو هاشم وأبو بكر الباقلاني. القرافي شرح تنقيح الفصول) ص 453، ابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 2 ص 359، الزركشي (البحر المحيط) ج 8 ص 127، الشوكاني (إرشاد الفحول) ص 275، الأنصاري (فواتح الرحموت) ج 2 ص 189، السالمي (شرح طلعة الشمس) ج 2 ص 193. (3) قال به سليم الرازي، الزركشي (البحر المحيط) ج 8 ص 128، وابن النجار (شرح الكواكب المنير) ج 4 ص 612، وانظر: الشوكاني (إرشاد الفحول) ص 275.
(4) حكاه ابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 2 ص 395، والزركشي (البحر المحيط) ج 8 ص 128. (د) المحلي (شرح المحلي على جمع الجوامع) ج 2 ص 359.
(6) اورده الخطيب التبريزي بلفظ الامر ثلاثة امر بين رشده فاتبعه، وامر بين غيه فاجتنبه، وامر اختلف فيه فكله الى الله، التبريزي (مشكاه المصابيح بشرح مرقاه المفاتيح كتاب الايمان، حديث 183 ج 1 ص 429، واورده الهيثمي وذكر ان الطبراني اخرجه في المعجم الكبير وانه من كلام عيسى - عليه السلام - بلفظ: ان عيسى بن مريم - عليه السلام - قال: انما الامور ثلاثة: امر تبين لك رشده فاتبعه، وامر تبين لك غيه فاجتنبه، وامر اختلف فيه فرده الى عالمه، الهيثمي (مجمع الزوائد كتاب العلم، باب الامور ثلاثة، حديث 712، ج 1 ص 390. (1) ابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 2 ص 361. (8) المرجع السابق. (1/527)
صفحة 528
***
فصول الأصول
***
الفصل الثالث والثلاثون والمائة
في صفة الترجيح
واعلم ان الترجيح الأدلة بعضها على بعض طرقا: منها الترجيح بكثرة الامارات العاضدة لذلك الدليل، وكثلة الرواة - أيضا - فإذا كثرت الأمارات الدالة أو كثرت رواته رجح بذلك على الآخر المعارض (1) له لأن الكثرة تفيد القوة، ومنها الترجيح بعلو الإسناد، أي: قلة الوسائط بين راوي الحديث وبين النبي - صلى الله عليه وسلم - ولذا كان الله صحيح الربيع بن حبيب رحمه الله أصح كتب الحديث لأن روايته عن أبي عبيدة عن
جابر عن مشاهير الصحابة كابن العباس وعائشة وأبي هريرة ونحوهم، ومنها فقه الراوي وإتقانه العلوم (3) العربية كاللغة والتصريف ونحوها، فترجع روايته على من هو دونه في ذلك لقلة احتمال الخطأ في نقله، ومنها ورع الراوي وضبطه وفطنته ويقظته وصحة اعتقاده وشهرة عدالته لشدة الوثوق فرواية الموافق للمذهب تقدم على رواية المخالف، ومن تعد له باختبارك أو معاينتك يرجح على من نقلت لك عدالته بالأخبار عنه، والمنقول عدالته بتواتر يرجح على المنقول بالآحاد، ورواية الحافظ على غير الحافظ، والخبر المشتمل على ذكر السبب مقدم على ما لم يذكر سببه قولة اعتناء الأول بضبط مرويه، وخبر أكابر الصحابة كأبي بكر وعمر وعلي وابن عباس وابن عوف ونحوهم يقدم على خبر من دونهم لشهرتهم بالديانة والثقة، وقد كان علي ابن أبي طالب يحلف الرواة، ويقبل رواية أبي بكر من غير تحليف (؟))
(1) في ب العارض.
انقطا.
(2) قال الشيخ عز الدين التنوخي عضو المجمع العلمي بدمشق، في مقدمته لشرح الجامع الصحيح للإمام الساني: ورجال هذه السلسلة الربيعية من أوثق الرجال وأحفظهم وأصدقهم لم يشب أحاديثها شائبة إنكار ولا إرسال ولا طماع وإعطال، لأن الثلاثيات بأجمعها موصولة باتصال إسنادها. ولم يسقط من أسانيدها الثلاثية أحد .. وقد يورد على قولنها هذا أن مسند الربيع البلاغ والسماع مما يجعل الحديث مرسلا، ويجاب على هذا القول: أن رجال هذا المسند إذا نقلوا من غير مشافهة بينوا ذلك بقولهم: بلغني، أو بلغنا، أو سمعت عن فلان أو نحو ذلك مما يبعد بالمسند عن التدليس، فهم - رحمهم الله - أجل وأتقى من أن يوهموا الناس السماع وليسوا بسامعين، وبذلك يظهر أن عنعنة هذا السند مقطوع باتصالها. التنوخي عز الدين (مقدمة لشرح الجامع الصحيح) ج 1 ص. وينظر. القنوبي سعيد ابن مبروك (الإمام الربيع بن حبيب مكانته ومسنده).
(3) في ب العلوم.
(4) المحلي (شرح المحلي على جمع الجوامع ج 2 ص 364، د. نور الدين عتر (منهج النقد في علوم الحديث) ص 53.
528 (1/528)
صفحة 529
***
فصول الأصول
***
ورواية الذكر تقدم على رواية الأنثى لأنه أضبط منها في الجملة، وقيل: لا)، وقيل: يرجح الذكر في غير أحكان النساء بخلاف أحكامهن فهن أضبط فيها (2)، ويرجح خبر الحر على خبر العبد لأن الحر لشرف منصبه يحترز عما لا يحترز عنه الرقيق، وكون الراوي حاملا للرواية بعد ثبوت التكليف مقدم على محتملها قبله لتحرزه في واجباته، والمعروف باسم واحد يرجح على من له اسمان فأكثر لخوف الاشتباه بضعيف، والمباشر لواقعة الراوية وصاحبها مقدم على غيره لأنه أعرف بتلك الحال، وراوي الحديث بلفظه أرجح من روايه بمعناه لسلامته عن تطرق الخلل، وما وجد في كتب أصحابنا من كتب الحديث مقدم على كتب قومنا لعدالة الأصحاب و احتراز هم (3)، وكتب القوم أصحها صحيح البخاري، فهو مقدم على غيره، ثم صحيح مسلم، وما وجد فيهما معا مقدم على ما انفرد به أحدهما، والسنة القولية تقدم على الفعلية، وهي تقدم على التقريرية، ويقدم الفصيح على غيره، والأفصح على الفصيح لأنه - ل - أفصح العرب فيبعد نطقه بغير الأفصح فيكون مرويا صلى الله بالمعنى فيتطرق إليه الخلل، ورد هذا بأنه كان - صلى الله عليه وسلم - يخاطب قبائل العرب كلا بلغتهم (4)، ويقدم الحديث المشتمل على زيادة على الخالي منها لما فيه من زيادة العلم، ويقدم الوارد بلغة قريش على غيره إذ لعل غيره مروي بالمعنى فلا يؤمن الخلل، ويقدم ما ذكرت فيه العلة على ما لم تذكر فيه لأنه أقوى بالاهتمام بالحكم من الثاني كحديث: من بدل دينه فاقتلوه () مع حديث النهي عن قتل النساء
(1) وقيل لا ساقطتان من ب.
(2) ممن قال بعدم ترجيح رواية الذكر على الأنصى أبو إسحاق الإسفراييني، ابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 2 ص 364. (3) يقصد بهم الإباضية، وكتابهم المعتمد هو الجامع الصحيح للإمام الربيع بن حبيب الفراهيدي البصري، وهو مقدم في المذهب على الكتب الحديثية الأخرى، لأمرين هما لعدالة رواته، ولقرب سنده، إذ هو ثلاثي السند، وقد أجمع علماء الإباضية على عدالة رواته، وينظر: القنوبي (الإمام الربيع مكانته و مسنده) أما الكتب الحديثية الأخرى كجامع الشمل في أحاديث خاتم الرسل ووفاء الضمانة كلاهما للإمام محمد بن يوسف أطفيش فهي منقولة من الكتب الحديثية الأخرى كصحيحي البخاري ومسلم، و سنن الترمذي وابن ماجة والنسائي وأبي داود ومسند الإمام أحمد وغيرهما فما وجه التقديم - هنا؟
(4) في ب بلغاتهم. (د) سبق تخريجه 242. (1/529)
صفحة 530
***
فصول الأصول
***
والصبيان لأن في الأول نيط الحكم بوصف الردة المناسب، ولا وصف في الثاني وما اشتمل على تهديد أو تأكيد مقدم على الخالي من ذلك، ويقدم العام الشرطي كمن وما الشرطيتين على النكرة المنفية على الأصح لإفادته للتعليل دونها وقيل: بالعكس (2) والنكرة - أيضا - تقدم على الباقي من صيغ العموم كالمعرف باللام أو بالإضافة، والجمع يقدم على ما ومن غير الشرطتين، ويقدم العام الغير المخصص لأن المخصص مختلف في حجيته، وقيل: بالعكس (3)، ودلالة العبارة تقدم على دلالة الإشارة والإيماء، والإشارة والإيماء يقدمان على مفهوم الموافقة، ومفهوم الموافقة يقدم على مفهوم المخالفة، ويقدم الدليل المثبت على النافي لاشتماله على زيادة علم، وقيل: عكسه، لأن النافي يعضده استصحاب الأصل (4) وقيل بتساويهما (5)، ويقدم النهي على الأمر لأن النهي لدفع مفسدة والأمر للمصالح، ودفع المفاسد أشد اعتناء الشارع به من عكسه، ويقدم خبر الحظر على خبر الإباحة، وقيل: عكسه لاعتضاد الإباحة بالأصل (6)، وقيل بالتساوي (7)، والواجب والكراهة يقدمان على الندب لأجل الاحتياط، والدليل الوضعي يقدم على التكليفي، ويقدم الإجماع على النص، لأن الإجماع يؤمن فيه النسخ بخلاف النص فإن النسخ فيه غير مأمون، وإجماع (1) أخرجه ابن ماجة بلفظ أن النبي - ل - رأى امرأة مقتولة في بعض الطريق، فنهى عن قتل النساء والصبيان (سنن ابن ماجة) المعجم الجهاد، باب الغارة والبيات وقتل النساء والصبيان حديث 2841 ج 3 ص 380، وأخرجه أو داود (سنن أبي داود كتاب الجهاد، باب في قتل النساء، حديث 2668 ج 2 ص 53، ومالك (موطأ الإمام مالك بشرح تنوير (الحوالك كتاب الجهاد باب النهي عن قتل النساء والولدان في الغزو ج 2 ص 5 المكتبة الثقافية بيروت 1408 هـ - 1988 م.
' (^) '
(2) حكاه المحلي (شرح المجلي على جمع الجوامع) ج 2 ص 367. (3) قال به ابن السبكي وحكاه المحلي عن الصفي الهندي. ابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 2
ص 367.
ص 368.
(4) حكاه الزركشي (البحر المحيط) ج 8، ص 198، والمحلي (شرح المحلي على جمع الجوامع) ج 2 (5) قال به الباجي وحكاه عن القاضي أبي جعفر (إحكام الفصول ص 754753، والغزالي (المستصفى)
ج 2 ص 398.
(6) حكاه الباجي عن بعض المالكية احكام (الفصول) ص 755، وقال به ابن المرتضى (منهاج الوصول) ص 855، وعزاه ابن النجار إلى ابن حمدان وجماعته (شرح الكوكب المنير) ج 4 ص 680. (7) قال به أبو هشام وعيسى بن ابان. الآمدي (الاحكام) ج 4 ص 269، وصححه أبو الوليد الباجي وحكاه عن القاضي أبي جعفر احكام الفصول) ص 755.
530 (1/530)
صفحة 531
***
فصول الأصول
الصحابة على إجماع التابعين، لأنهم أشرف وأعلم بأحوال التشريع، وهكذا كل ما كان أقرب إلى عصر النبوة كان أولى من غيره، وكذا الإجماع الذي انقرض عصره يقدم على مقابله للخلاف في حجيته، والإجماع الذي لم يسبق بخلاف على الذي سبق به، وقيل: المسبوق بالخلاف يرجح، وقيل: هما سواء"، والله أعلم.
(1) حكى القولين ابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 2 ص 373، وابن النجار (شرح الكوكب
المنير) ج 4 ص 603.
وانظر صفة الترجيح في المراجع السابقة في المسألة وفي الجويني (البرهان) ج 2 ص 752، ابن الحاجب (مختصر المنتهى بشرح العضد ج 2 ص 310، الأرموي (التحصيل) ج 2 ص 263، القرافي (شرح تنقيح الفصول) ص 422، الجزري (معراج المنهاج) ج 2 ص 795، الطوفي (شرح مختصر الروضة) ج 3 ص 690، البخاري (كشف الاسرار) ج 4 ص 131، الأصفهاني (شرح المنهاج) ج 2 ص 263، الاسنوي (نهاية السول) ج 4 ص 474، البدخشي (مناهج العقول) ج 3 ص 221، الشماخي (شرح مختصر العدل) ص 261، الأزميري (حاشية الأزميري على مرآة الأصول) ج 2 ص 380، السالمي (شرح طلعة الشمس) ج 2 ص 196.
'
531 (1/531)
صفحة 532
***
فصول الأصول
***
الفصل الرابع والثلاثون والمائة
في ترجيح الأقيسة
وترجيح الأقيسة بعضها على بعض إذا تعارضت يكون بأمور: منها القوة لدليل حكم أصل القياس كأن يكون الدليل في أحد القياسين منطوقا وفي الآخر مفهوما، فإن المنطوق أقوى ظنا من المفهوم، وكون فرع القياس من جنس أصله فهو أقوى مماليس كذلك، لأن الجنس بالجنس أشبه، وذو العلة القطعية أقوى من ذي العلة الظنية، والعلة ذات الأصلين أرجح قياسها من ذات أصل واحد كما في الترجيح بكثرة الأدلة (1)، والعلة الذاتية أرجح من الحكمية، وقيل: بالعكس (2) لأن الحكم بالحكم أشبه، فالذاتية كالإسكار والطعم، والحكمية كالحرمة والنجاسة وما أشبه ذلك، وكون العلة الدالة على الاحتياط في الفرائض أرجح مما لا تقتضيه لأنها أشبه به، والتي تعم أصلها أي: توجد في جميع جزئياته أرجح مما لا تعم لأنها أكثر فائدة، وذلك كالطعم في باب الربا فإنه موجود في قليل البر وكثيره بخلاف الاقتيات فلا يوجد في القليل منه، والعلة الموافقة لأصول أرجح من الموافقة لأصل واحد لأن الأولى أقوى بكثرة ما يشهد لها، والموافقة لعلة أخرى أقوى – أيضا – على القول بجواز علتين لشيء واحد، وقيل: لا (3) كالخلاف في الترجيح بكثرة الأدلة، والقياس الذي ثبتت علته بالإجماع القطعي مقدم على ما علته بالنص القطعي، وما بالنص القطعي على ما بالإجماع الظني، وما بالإجماع الظني على ما بالنص الظني، ويلي ذلك ما علته بالإيماء فما بالسير فما بالمنسبة فما بالشبه فما بالدوران، وبعضهم قدم النص على الإجماع (4) قالوا: لأنه أصل له، وقيل: على غير هذا الترتيب كما هو مبسوط في المطولات ويقدم قياس العلة على قياس الدلالة لاشتمال الأول على
(1) في أبكثر.
(2) قال به الزركشي وحكاه عن ابن السمعاني. الزركشي (البحر المحيط) ج 8 ص 215، وانظر: ابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 2 ص 374.
(3) حكاه المحلي (شرح المحلي على جمع الجوامع) ج 2 ص 375.
(4) قال به البيضاوي (منهاج الأصول بشرح نهاية السول) ج 4 ص 516، الزركشي (البحر المحيط) ج 4
ص 220.
532 (1/532)
صفحة 533
533
***
فصول الأصول
***
المعنى المناسب والثاني إنما يشتمل على لازمه مثلا - ويرجح غير المركب على المركب لضعف المركب (1) لما فيه من الخلاف في قبوله، وقال أبو إسحاق الإسفرايني بعكس ذلك (2)، والوصف الحقيقي مقدم ثم العرفي ثم الشرعي، والوجودي من ذلك مقدم على العدمي ثم العدمي البسيط منه ثم المركب، والعلة المتعدية قيل: تقدم على القاصرة (3)، وقيل بالعكس (4) وقيل: هما سواء) لتشابهما فيما ينفردان به من الإلحاق في المتعدية وعدمه في القاصرة، وفي الأكثر فروعا من المتعديتين قولان. واعلم أن المرجحات كثيرة لا تنحصر وضابطها أن ما كان أقوى في الظن كان قبوله أرجح، وما كان أضعف ظنا كان مرجوحا فمن كان ذا خبرة بأحوال الرواة وقواعد الألفاظ وأحوال النبي - ه - ومقاصد الشرع الشريف لا يخفى عليه ترجيح الراجح وتضعيف المرجوح منها (6)، ونحن غرضنا الاختصار – هنا - لقصور الباع وقلة الاطلاع وكون بضاعتنا لا تعد حتى سقط القناع، والله تعالى (7) أعلم، وبه الحول والتوفيق.
(1) حكاه الزركشي عن الجدليين وأكثر الأصوليين من المتأخرين (البحر المحيط) ج 8 ص 213، وينظر ترجيح الأقيسة في الجويني (البرهان) ج 2 ص 1202، الآرموي (التحصيل) ج 2 ص 271، الجزري (معراج المنهاج) ج 2 ص 273، الطوفي (شرح مختصر (الروضة ج 3 ص 713، الأصفهاني (شرح المنهاج) ج 2 ص 811، السالمي (شرح طلعة الشمس) ج 2 ص 210.
(2) ابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 2 ص 376، الزركشي (البحر المحيط) ج 8 ص 213. (3) قال به القاضي الباقلاني والأستاذ أبو منصور وابن برهان. الزركشي (البحر المحيط) ج 8 ص 210، وحكاه إمام الحرمين (البرهان) ج 2 ص 823، والشنقيطي (نثر الورود) ج 2 ص 617، عن جمهور
الاصوليين. (4) هو قول الأستاذ أبي إسحاق الإسفراييني. الجويني (البرهان) ج 2 ص 822، الشنقيطي (نثر الورود) ج 2
ص 617.
(ه) إختاره ابن السمعاني. الزركشي (البحر المحيط) ج 8 ص 210 - 211، وحكاه إمام الحرمين (البرهان) ج 2 ص 823، ومحمد الشنقيطي (نثر الورود) ج 2 ص 617، عن القاضي الباقلاني. (6) وانظر ترجيح الأقيسة في المراجع المتقدمة في المسألة وفي الباجي (إحكام الفصول) ص 757، أبو الخطاب (التمهيد) ج 4 ص 227، ابن الحاجب (مختصر المنتهى بشرح العضد ج 2 ص 317، الإسنوي (نهاية السول) ج 4 ص 510، ابن المرتضى (منهاج الوصول) ص 876، الشماخي (شرح مختصر (العدل)
ص 367، منلا خسروا (مرآة الأصول) ج 2 ص 380، الصنعاني (اجابة السائل) ص 431.
(7) تعالى في ب ساقطة. (1/533)
صفحة 534
***
فصول الأصول
***
الكتاب السابع في الاجتهاد
الاجتهاد (1) في اصطلاح علماء الأصول استفراغ الفقيه الوسع (2) بأن يبذل تمام طاقته في النظر في الأدلة لتحصيل حكم في حادثة من حيث إنه فقيه، والمجتهد الفقيه وهو البالغ العاقل الذي له ملكة يقتدر بها على إدراك المعلومات، والملكة هيئة راسخة في النفس وهي العقل، وقيل: العقل نفس العلم (3)، أي: الإدراك سواء ضروريا كان أو نظريا، وقيل: الضروري منه فقط دون النظري (4) وعلى هذا القول فصدق العاقل على ذي العلم النظري للعلم الضروري الذي لا ينفك عن الإنسان كعلمه (5) بوجود نفسه، كما يصدق العاقل على من لا يأتي منه النظر كالأبله لأجل ذلك (6)، وكل من المجتهد والمجتهد فيه له شروط وأحكام سنبينها إن شاء الله تعالى.
(1) الاجتهاد من الجهد وهو الوسع والطاقة، والجهد المشقة. ابن منظور (لسان العرب) باب الدال، فصل الجيم، ج 3 ص 133، ابراهيم انيس (المعجم الوسيط) باب الجيم، ج 1 ص 147.
(2) في ب الوشع، ولا معنى لها - هنا -.
(3) حكاه ابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 2 ص 382. (4) حكاه الجلال المحلي (شرح المحلي على جمع الجوامع) ج 2 ص 382. (5) في ب كعلمة.
(6) انظر تعريف الاجتهاد في: الشوكاني (إرشاد الفحول) ص 251، الباجي (احكام الفصول) ص 722، الامدي (الإحكام) ج 4 ص 170، البخاري (كشف الأسرار) ج 4 ص 27، ابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 2 ص 382، (الابهاج) ج 3 ص 254، ابن النجار (شرح الكوكب المنير) ج 4 ص 459، الأنصاري (فواتح الرحموت ج 2 ص 363، الشوكاني (ارشاد الفحول) ص 251، السالمي (شرح طلعة الشمس) ج 2 ص 275.
534 (1/534)
صفحة 535
535
***
فصول الأصول
***
الفصل الخامس والثلاثون والمائة
في شروط المجتهد
واعلم أن العلماء اشترطوا في المجتهد شروطا فلا يسمى مجتهدا ما لم يستكملها، لأن اجتهاد العلماء في القضايا الشرعية متوقف عليها فلا بد من حصولها، فمن لم تحصل عنده تلك الشروط فلا يحل له القول في الأحكام الشرعية عن نظر نفسه بل فرضه أن يقلد غيره فيما عناه من الحوادث الحكمية لقوله تعالى: {فَسَتَلُوا أَهْلَ الذكرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعلَمُونَ (1)، فمن شروط المجتهد أن يكون عالما بعلوم العربية من النحو والصرف واللغة وعلوم البلاغة من المعاني والبيان والبديع، أي: متوسطا فيها عالما بما يحتاج إليه منها في فهم معاني القرآن والسنة وآثار الفقهاء؛ لأن القرآن والسنة عربيان، ومنهما (2) تؤخذ الأحكام وستنبط الأدلة، وكذلك آثار العلماء عربية، ولا يلزم الإحاطة بجميع هذه العلوم لكن بما لا غنى له عنه منها. ومن شروطه أن يكون عالما بأصول الديانات من العقائد الإسلامية، أي: بما يكون حافظا له من التلبس بشيء من العقائد الزائغة الضالة فإنه إن تلبس بشيء من البدع لا يؤمن منه الخطأ في اجتهاده أن يبنيه على قاعدته الفاسدة. افي
وكذا يشترط كونه عالما بأصول الفقه بالقدر الذي يصير به المجتهد متمكنا على استنباط الأحكام من أدلتها، ولا يشترط ما فوق القدر المجزئ من هذه العلوم كلها
في صحة الاجتهاد لكن ما زاد على ذلك فهو زياة علم وفضل وكمال في حقه. وكذلك يشترط معرفة القدر المجزئ من علم التاريخ لأن به معرفة أسباب النزول والمتقدم من المتأخر من الآيات والأخبار. وكذا علم السير والغزوات والوقائع لأن فيها أفعاله - - وأحكامه وتقريراته وأحواله في الحروب وتصرفاته في الأمور، وكذا أفعال الصحابة – ف – لأنهم هم القدوة بعده.
وكذا يشترط أن يكون عالما بما في الكتاب والسنة من محكم و متشابه و ناسخ و منسوخ و خاص وعام ومجمل ومبين ومطلق ومقيد وتواتر وآحاد إلى غير ذلك من أحكامها. (1) القرآن الكريم، سورة النحل (مكية) آية رقم 43. (2) في أومنها. (1/535)
صفحة 536
***
فصول الأصول
***
وأن يكون عالما بآيات الأحكام ومواضعها وبمواضع الأحاديث التي تؤخذ منها الأحكام ليرجع إليها عند الحاجة، ولا يشترط حفظها عن ظهر غيب. ويشترط أن يكون عالما بالمسائل التي تقدم فيها إجماع الأمة قبله لئلا يخالف اجتهاده إجماعهم فيخرقه إلا يحل خرق الإجماع لأنه من الأصول الثلاثة القطعية التي لا يحل القول بخلافها، وهو مقدم على القياس. واشترط بعضهم أن لا يخالف اجتهاده أقوال الصحابة إن كان في تلك القضية يوجد قول لأحدهم (1).
واشترط بعضهم أن يوافق أحدا ممن تقدمه إلا إن علم أن تلك النازلة لم تخص أحدا قبله (2)، وهذا لا يصح عندي إذ لو كان الأمر كذلك لما وجد خلاف في مسألة ظنية، وإنما مبنى الاجتهاد على راجح النظر في كل شخص يخصه. فمن استكمل هذه الشروط (3) التي ذكرناها جاز له الاجتهاد إجماعا حتى عند مانعي القياس لأنهم إنما منعوه في غير العلل المنصوصة.
واختلف الأصوليين فيمن يكون عالما بشروط الاجتهاد في بعض فنون الأحكام دون بعض كأن يستكمل ذلك في علم المواريث - مثلا - أو في علم الطلاق أو البيوع ولم يعلم الاجتهاد في سائر علوم الشريعة هل يصح له الاجتهاد في بعض القضايا دون سائرها؟ أجاز له ذلك (4) بعض (5)، ومنعه آخرون (6).
(1) حكاه الإمام السالمي عن ابن بركة العماني. السالمي شرح طلعة الشمس) ج 2 ص 277.
(2) الزركشي (البحر المحيط) ج 8 ص 232، السالمي (شرح طلعة الشمس) ج 2 ص 277. (3) تنظر شروط الاجتهاد في: الرازي (المحصول) ج 6 ص 21، القرافي (شرح تنقيح الفصول) ص 437، الجزري (معراج المنهاج ج 2 ص 289، الطوفي (شرح مختصر الروضة (ج 3 ص 577، الأصفهاني (شرح المنهاج) ج 2 ص 831، السالمي (شرح طلعة الشمس) ج 2 ص 274، الطيب خضري بحوث في الاجتهاد فيما لا نص فيه) ج 1 ص 20. (4) ذلك في ب ساقطة.
(5) ممن أجاز له ذلك الغزالي (المستصفي) ج 2 ص 353، والفخر الرازي (المحصول) ج 6 ص 25، والقرافي (شرح تنقيح الفصول) ص 437، والطوفي (شرح مختصر الروضة) ج 3 ص 586، وابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 2 ص 386، والزركشي (البحر المحيط) ج 8 ص 242، وابن المرتضى (منهاج الوصول) ص 763، والكمال ابن الهمام التحرير بشرح التيسير) ج 4 ص 282، وابن عبدالشكور (مسلم الثبوت بشرح الفواتح ج 2 ص 364، والسالمي (شرح طلعة الشمس) ج 2 ص 473، عن الأكثر. (6) اختاره الشوكاني (إرشاد الفحول ص 255، وعزاه ابن المرتضى إلى المنصور بالله من الزيدية (منهاج الوصول) ص 763، وحكاه الكمال بن الهمام عن طائفة من الأصوليين التحرير بشرح التيسير) ج 4 ص 182.
536 (1/536)
صفحة 537
537
***
فصول الأصول
***
والصحيح جوازه، وهو قول الأكثر، وعليه الإمام الكدمي () له (2) إذ لو اشترطنا الإحاطة بجميع علوم الكتاب والسنة حتى لا يشذ على المجتمع شيء منها لضاق ذلك على الأمة إذ لا يكاد يحيط بجميع علوم الشريعة احد، وهذه المسألة
معروفة عندهم بتجزأ الاجتهاد، والله أعلم.
(1) يقصد أبا سعيد الكدمي العماني، وقد سبق التعريف له. (2) السالمي (شرح طلعة الشمس) ج 2 ص 278. (1/537)
صفحة 538
***
فصول الأصول
***
الفصل السادس والثلاثون والمائة
في أحكام المجتهد
اعلم أن المجتهد إما أن يكون اجتهاده في القطعيات أو في الظنيات، وسيأتي الكلام على الأول. وأما الاجتهاد في الظنيات، وهي مسائل الفروع التي لا يوجد فيها نص كتاب ولا سنة ولا إجماع، فقد اختلف العلماء في حكم
المجتهد فيها.
فذهب أصحابنا العمانيون إذا شاذا منهم وكذا الإمام أبو يعقوب المغربي) إلى أن كلا المجتهدين فيها مصيب، وعلى كل واحد أن يعمل فيها بما أداه إليه إجتهاده، وهو الحق فيها في حقه، وإن حكم الله متعدد فيها بتعدد المجتهدين
المختلفين (2).
وذهب أصحابنا أهل المغرب (3) وابن البركة إلى أن المصيب واحد عند الله، و مخالفه غير آثم بل له أجرا اجتهاده، وللمصيب أجر اجتهاده وإصابته، وعلى هذا جمهور الأصوليين من قومنا (4)، ووافق أصحابنا العمانيين أبو الحسن الأشعري والقاضي الباقلاني (5)، ولكل من القولين حجج لا نطيل بذكرها، والخلاف - هنا - لفظي لا ثمره له.
(1) يقصد أبا يعقوب يوسف بن إبراهيم الوارجلاني، وقد سبق التعريف به.
(2) الوارجلاني (العدل والإنصاف) ج 2 ص 14، السالمي (شرح طلعة الشمس) ج 2 ص 279. (3) يقصد ليبيا والجزائر وتونس والمغرب، إذ الإباضية موجودون في هذه البلدان، ويوجد في كثير من الكتب الإباضية هذين المصطلحين، علماء المغرب، وعلماء المشرق، فعلماء المغرب أو المغاربة الذين يوجدون في تلك البلدان، وعلماء المشرق أو المشارقة الذين يوجدون في عمان واليمن والحجاز، وينظر على سبيل المثال: السالمي (شرح طلعة الشمس) ج 2 ص 279، مشارق أنوار العقول ج 2 ص 343. (4) الباجي (إحكام الفصول ص 707، الجويني (الاجتهاد ص 29، الزركشي (البحر المحيط) ج 8 ص 282 ص 283، ابن النجار (شرح) الكوكب المنير) ج 4 ص 489، السالمي (شرح طلعة الشمس) ج 2
ص 279، الأنصاري (فواتح الرحموت) ج 2 ص 283.
(د) وابن سريج ومعتزلة البصرة. الزركشي (البحر المحيط) ج 8 ص 282 - 285، وحكاه الجويني عن المعتزلة قاطبة (الاجتهاد) ص 31، ورد هذه النسبة ابن عبدالشكور، وهو قول أبي يوسف ومحمد بن الحسن صاحبي ابي حنيفة، ابن عبدالشكور (مسلم الثبوت بشرح الفواتح ج 2 ص 380، ابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 2 ص 389، ابن المرتضى (منهاج الوصول) ص 766.
538 (1/538)
صفحة 539
539
***
فصول الأصول
***
وقال بعض علماء قومنا: إن المصيب في الظنيات واحد و مخالفه مخطئ آئم (1) وهؤلاء جعلوا الرأي دينا بجعلهم الدليل الظني كالقطعي، وهو خطأ فاحش عندنا معشر الإباضية (2).
وأما الإجتهاد في القطعيات كمسائل الاعتقاد ووجوب الصلاة والصوم ونحوهما مما ثبت بالأدلة العقلية او النقلية المتواترة المنصوصة فقد اختلف العلماء فيها – أيضا –. فقيل: لا يجوز النظر والاجتهاد فيها أصلا بل يجب التسليم لها من أول مرة (3). والصحيح جوازه إذا لم يكن لشك في صدقها بل لزيادة يقين واطمئنان للهِ قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنَ قَالَ بَلَى وَلَكِن لِيَطْمَينَ قلبى (4)، والقول بعدم الواز ينسب إلى الخشوية والمجبرة (6)، قَلْبِي والمصيب في القطعيات واحد وهو من وافق الدليل، ومخالفه مخطئ فاسق هالك عندنا لمخالفته الدليل القاطع لأنه إنما سمي قاطعا لقطعه عذر من قال بخلافه، ووافقنا أكثر
علماء الأمة في هذه المسألة على أن المصيب فيها واحد، وهو من وافق الدليل القطعي
(V)
(1) حكى عن الأصم وبشر المريسي وابن عليه وعلي بن أبي هريرة. الزركشي (البحر المحيط) ج 8 ص 286، كما حكاه إمام الحرمين (الاجتهاد) ص 28، والأمدي (الاحكام) ج 4 ص 88 - 89، عن نفاة القياس، وانظر: ابن حزم النبذ في أصول الفقه ص 57، ابن المرتضى (منهاج الوصول) ص 766، الأنصاري
(فواتح الرحموت) ج 2 ص 379، السالمي (شرح طلعة الشمس) ج 2 ص 280.
(2) السالمي (شرح طلعة الشمس) ج 2 ص 283.
(3) ابن المرتضى (منهاج الوصول) ص 765، السالمي (شرح طلعة الشمس) ج 2 ص 284. (4) القرآن الكريم، سورة البقرة (مدنية) آية رقم 260.
(5) الحشوية: طائفة من أصحاب الحديث تمسكوا بظواهر الأدلة، لقبوا بذلك لاحتمالهم كل حشو روي من الأحاديث المختلفة المتناقضة، وقد أثبتوا الله التجسيم كاليد والعين، والحركة والانتقال والحد والجهة،
الشهرستاني (الملل والخلل) ج 1 ص 93، شريف يحيى الأمين (معجم الفرق الإسلامية) ص 97. (1) المجبرة: فرقة إسلامية تقول بأن الإنسان مجبور على أعماله لا اختيار له فيها، فيسندون فعل العبد إلى الله تعالى. الشهرستاني (الملل والنحل) ج 1 ص 72، شريف يحيى الأمين (معجم الفرق الإسلامية) ص 72. (7) وقد حكى الأسنوي على ذلك. الأسنوي زوائد الأصول) ص 431، ويراجع الشيرازي (شرح اللمع) ج 2 ص 1043، الجويني (البرهان) ج 2 ص 1316، ابن برهان الوصول إلى الأصول) ج 2 ص 337 القرافي (شرح تنقيح الفصول) ص 438. (1/539)
صفحة 540
***
فصول الأصول
***
(1)
ما
إلا أنهم قالوا: إن مخالفه مخطئ غير آثم ما لم يقصر في بذله وسعه في الاجتهاد، ومتى قصر أثم لتركه الواجب عليه وهو بذل الوسع وقال بعضهم: كل مجتهد له أجر اجتهاده إن أخطأ، وإن أصاب فله أجر اجتهاده وأجر إصابته (2)، ولا فرق بين قطعي وظني، وهو خطأ عندنا، فلا يصح جعل مسائل الدين كمسائل الرأي، والديل لنا على تفسيق من أخطأ في الدين يعلم بالضرورة من الحكم بهلاك الكفار حيث ورد كثير من الآيات بهلاكهم وما ذاك إلا لمخالفتهم الأدلة القاطعة، وكذا تفسيق الأمة بعضها بعضا بعد الافتراق، فإن كل فرقة تضلل وتفسق من خالفها في مذهبها، وذلك دليل على قطع عذر المخالف في الدين (3). وقال الجاحظ (4): لا يأثم المجتهد إذا أخطأ في اجتهاده إن كان إنما أراد الحق ولم يعاند (ه).
(1) جاء في مسلم الثبوت وشرحه: والمخطئ فيها - أي في العقليات - إن كان نافيا لملة الإسلام فكافر وآئم، وإن لم يكن نافيا لملة الإسلام كخلق القرآن - أي القول به - ونفي الرؤية والميزان وأمثال ذلك فآثم لا كافر، ومن ثمة أنه عند مشائخنا غير كافر، أولوا ما روي عن الإمام الشافعي مثل ما روي عن الإمام أبي حنيفة: من قال بخلق القرآن فهو كافر بالله بكفران النعمة ابن عبدالشكور (مسلم الثبوت بشرح الفواح ج 2 ص 376، وقال ابن النجار والمجتهد المصيب في العقليات واحد إجماعا ومن لا يصادف ذلك الواحد في الواقع فهو ضال آثم وإن بالغ في النظر، وسواء كان مدرك ذلك عقليا محضا كحدوث العالم أو وجود الصانع، أو شرعيا مستندا إلى ثبوت أمر عقلي كعذاب القبر والصراط والميزان. ابن النجار (شرح الكوكب المنير) ج 4 ص 488، فالظاهر من كلام ابن عبد الشكور والأنصاري أن المخطئ في العقليات أنم مطلقا سواء قصر في الاجتهاد أولا، أما ابن النجار فقد صرح بأنه آثم وضال وإن بالغ في النظر ما دام غير مصادف لذلك الواحد، وانظر: الجويني (الاجتهاد) ص 26، الآمدي (الإحكام) ج 4 ص 184، ابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 2 ص 388، الكمال التحرير بشرح التيسير) ج 4 ص 196، السالمي (شرح طلعة الشمس) ج 2 ص 284. (2) قال به عبيدالله بن الحسن العنبري، الجويني (الاجتهاد ص 26، ابن برهان (الوصول إلى الأصول) ج 2 ص 337، الآمدي (الإحكام) ج 4 ص 184، ابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 2 ص 388. (3) السالمي (شرح طلعة الشمس) ج 2 ص 284. (4) الجاحظ: عمرو بن حجر بن محبوب الكناني بالولاء، ولد سنة 163 هـ في البصرة، من أئمة الأدب، معتزلي، تنسب إليه الفرقة الجاحظية، من مؤلفاته الجيران والبيان والتبين، وسحر البيان، توفي سنة 255
هـ بالبصرة. ابن خلكان وفيات الأعيان) ج 3 ص 470، الزركلي (الأعلام) ج 5 ص 74. (5) الآمدي (الإحكام) ج 4 ص 184، ابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 2 ص 388، ابن المرتضى (منهاج الوصول) ص 764، الأنصاري (فواتح الرحموت) ج 2 ص 377، السالمي (شرح طلعة الشمس) ج 2 ص 285، مشارق الأنوار العقول ص 73. (1/540)
صفحة 541
541
***
فصول الأصول
***
قال شيخنا: وهو باطل قطعا لما يلزم عليه من القول بنجاة بعض اليهود والنصارى والمشركين، لأن من طلب الحق منهم فأخطأه يكون ناجيا في زعمه، والكتاب العزيز ناطق برد مقالته (1). قلت في الرد عليه بهذا نظر، لأن اليهود والنصارى وغيرهم من ملل الشرك قد استبان لهم الحق وعرفوه، وإنما تركوه عنادا ومكابرة، وهذا فرض فيما لم يعاند،
E
"
والدليل على عنادهم قوله تعالى: {يَعرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَ هُم به (2)، به فـ جاءَهُم مَّا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ (3)، إلى غير ذلك من الآيات. واعتذر له بعضهم بأن مراده من لم يعاند من فرق الإسلام)، قال شيخنا: وعلى هذا الاعتذار فهو باطل - أيضا - لما يلزم عليه من جعل المحق والمخطئ في مرتبة واحدة، قال: وهو ظاهر البطلان: أَفَتَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحكُمُونَ له ()، قلت: وفي هذا الرد والاستدلال نظر - أيضا - وذلك أن الله سبحانه وتعالى علق اللوم والتوبيخ للعبد في الدنيا بسبب عصيانه والعذاب في الآخرة على اختياره الفاسد حيث تبين له سبيل الرشد وسبيل الغي فسلك الغي والضلال باختياره القبيح، أما من أراد الحق واجتهد في طلبه والفحص عنه فلم يقف على الدليل الأقوى، وعمل بما أداه إليه اجتهاده وكان في ذلك خلاف للدليل القوي وقصده تحري الحق، وأنه لو وقف عليه لم يحد (7) عنه، فإن الحكم بهلاك مثل هذا يشبه التكليف بما لا يطاق، لأن العمل بمقتضى الدليل على هذه الحيثية خارج عن طوقه، وتسمية من طلب الحق فأخطأه مجرما لا تصح لأن المراد بالمجرمين في الآية الكريمة المشركون، وذلك أنها نزلت في كفار قريش لما نزل قوله تعالى: {إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّتِ النَّعِيم لله
(1) السالمي (طلعة الشمس) ج 2 ص 285.
(2) القرآن الكريم، سورة البقرة (مدنية) آية رقم 146.
(3) القرآن الكريم، سورة البقرة (مدنية) آية رقم 89.
(4) الآمدي (الإحكام) ج 4 ص 184، ابن المرتضى (منهاج الوصول) ص 764.
(5) القرآن الكريم، سورة القلم (مكية) آية رقم 35 - 36.
(6) السالمي (شرح طلعة الشمس) ج 2 ص 285.
(A)
(7) حاد عن الطريق والشيء يحيد إذا عدل. ابن منظور (لسان العرب) باب الدال فصل الحاء ج 3 ص 159،
د. إبراهيم أنيس وآخرون (المعجم الوسيط) باب الحاء ج 1 ص 210.
(8) القرآن الكريم، سورة القلم (مكية) آية رقم 34. (1/541)
صفحة 542
***
فصول الأصول
***
قالت عظماء قريش: إن كان ثم جنات نعيم قلنا: هنالك أكبر الحظ، فنزلت هذه الآية إنكارا
عليهم
(1)
ولم أرد بقولي هذا خلافا لما عليه علماء الأصحاب – رحمهم الله تعالى -، وإنما هو مجاراة في البحث واستشكال للأمر، ونعترف لهم بوفور العلم، وكمال العقل، ورسوخ الأقدام، وجودة الأفهام، فمن أين ينظر الأعمى كالبصير؟ ومتى يلحق الأعرج الكسير من يحلق ويطير؟ على أن شيخنا - رحمه الله تعالى - قد صرح في بعض تصانيفه ان هذه المسألة قدرية، فيجب الكف عن الخوض فيها (2)، والله أعلم، وهو بعباده أحكم وأرأف وأرحم.
وقال عبيد الله بن الحسن العنبري (3): كل مجتهد مصيب في العقليات والفروع)، قال البدر الشماخي - رحمه الله تعالى -: وهذا خطأ بين فاحش، والعجب كيف يصيب من قال بقدم العالم وتكذيب الرسول، ومن جعل الشريك الله، ومن شبهه
بالخلق، ووصفه بالعجز، أو جعل معه قديما، أو لم يصفه بصفات الكمال (5). قال (6): ومقالة العنبري أبعد في الخطأ مقالة الجاحظ، وكل منهما ضلال)، من وقد اعتذر صاحب المنهاج عن مقالة العنبري بأن خلافه راجح إلى كيفية التكليف بالمعارف الدينية، فعنده أن المطلوب منافيها الظن كالعمليات، وعندنا بل المطلوب العلم، قال: وإذا قال بذلك فهو قريب من قول من زعم أن المقلد فيها ناج، قال: وقد مر الكلام في أن المطلوب فيها العلم اليقين لا الظن ولا التقليد (8). والله أعلم.
(1) الرازي (التفسير الكبير) ج 30 ص 81، أبو حيان (البحر المحيط) ج 10 ص 245. (2) السالمي (طلعة الشمس) ج 2 ص 293. (3) عبيد الله بن الحسن بن الحصين العنبري التميمي، ولد سنة 105 هـ، من الفقهاء والعلماء بالحديث من أهل البصرة، وولي قضاءها سنة 157 هـ، وتوفي فيها سنة 168 هـ. الصفدي (الوافي بالوفيات) ج 19 ص 368، الزركلي (الأعلام) ج 4 ص 192.
(4) الجويني (الاجتهاد) ص 26، الآمدي (الإحكام ج 4 ص 184، ابن السبكي (جمع الجوامع بشرح
المحلي) ج 2 ص 388.
(5) الشماخي (مختصر العدل) ص 201.
(6) أي الإمام السالمي.
(7) السالمي (طلعة الشمس) ج 2 ص 285. (8) ابن المرتضى (منهاج الوصول) ص 765.
542 (1/542)
صفحة 543
543
***
فصول الأصول
***
الفصل السابع والثلاثون والمائة
في حكم الاجتهاد
اعلم أنه يجب على العالم البالغ درجة الاجتهاد أن يجتهد، وينظر في الأدلة الشرعية، ويستخرج حكم القضية منها في ثلاثة مواضع:
أحدها: إن كان قد استفتاه مستفت في مسألة هو محتاج للعمل بها.
والثاني: إن أراد العمل بنفسه.
والثالث: إن ابتلى بالحكم بين الناس، فيجب عليه الاجتهاد حينئذ إن لم يجد تلك القضية نصا من كتاب ولا سنة، ولا وجد فيها إجماع ممن تقدم بل كانت من مسائل الرأي التي يجري فيها الاختلاف، فيلزمه أن ينظر في أقوى الأمارات، ويأخذ بمقتضى أرجحها، فإن تعارضت عنده الأدلة، ولم يقدر على ترجيح بعضها وجب عليه الوقوف حتى يعلم الأرجح، فإن غلب في ظنه تعذر وجود الأرجح
فالخلاف حينئذ.
قالت المعتزلة بطرح تلك الأدلة، ويرجع في حكم تلك الحادثة إلى العقل (1): وقيل: بل يقلد من هو أعلم منه، ويرجع إلى قوله (2)، وقيل: يتخير واحدا من تلك الأدلة، ويعمل به (3). والصحيح عندنا أنه يكون في تلك القضية بمنزلة الجاهل الضعيف، فيجب عليه إذا أراد العمل فيها أن يأخذ فيها بقول غيره من العلماء كما يجب ذلك على الضعيف، ويلزم المجتهد البحث في الدليل الذي يريد الأخذ به عن ناسخه ومخصصه إن كان نصا فلا يأخذ به حتى يعلم أو يظن أنه غير منسوخ ولا مخصص ولا متأول بتأويل يخالف ظاهره.
وقال الصيرفي: إنه لا يجب البحث عن ذلك بل يكتفي بما حضر في ذهنه (4). وعلى القول بوجوب البحث فلا يلزمه في ذلك أن يستقصي جميع الأدلة الشرعية
(1) ابن المرتضى (منهاج الوصول ص 800، السالمي (شرح طلعة الشمس) ج 2 ص 286. (2) قال ابن المرتضى: والقائل بهذا أظنه ابن سريج. ابن المرتضى (منهاج الوصول) ص 800.
(3) حكاه ابن المرتضى عن أبي علي وأبي هاشم المعتزليين، (منهاج الوصول) ص 800. (4) ابن المرتضى (منهاج الوصول) ص 795. (1/543)
صفحة 544
***
فصول الأصول
***
إذ لا تكاد تحصى كثرة، ولا يكاد يحيط بها كلها أحد ولو بلغ أعلى درجة في العلم لا سيما الأخبار النبوية، أما الآيات القرآنية فقد حصر بعضهم الأحكام الشرعية في خمسمائة آية منها (1).
وقال بعضهم (2): تستنبط الأحكام ولو من غير الخمسمائة الواردة صريحة في الأحكام (3)، يعني: كالقصص والأخبار والأمثال كما استنبطوا كون أقل مدة الحمل ستة أشهر من قوله تعالى: {وَحَمْلُهُ وَفِصَلُهُ ثَلَثُونَ شَهْرًا (4) ونحوها.
وكذا قال علماء الحديث: إنهم قد جمعوا الأحاديث التي تتعلق بها الأحكام في كتب مفردة، وأنهم استقصوها كلها (5)، وبعيد ذلك بل إن قيل: متعذر لم يبعد، ولكن على المجتهد المبالغة في البحث والتنقيب على أدلة الأحكام من مظانها حتى يعلم أو يظن أنه استقصى أدلة تلك الحادثة.
وقال قوم: لا يجوز له الاجتهاد حتى يحيط علما بجميع أحكام الكتاب والسنة (6)، وهذا مبني على القول بأن تجزئ الاجتهاد لا يصح، والصحيح خلافه، وإن استدل بالقياس فتعارض الأشباه فالواجب عليه أن يبحث عما يتعلق به ذلك الفرع من الأصول حيث كان له شبه بأصول متعددة.
،
(1) ممن حصرها في هذا العدد مقاتل بن سليمان. الزركشي البحر) (المحيط ج 8 ص 230 والغزالي (المستصفى) ج 2 ص 350، والفخر الرازي (المحصول بشرح (النفائس ج 9 ص 3804، وابن قدامة
(روضة الناظر) ج 3 ص 960.
(2) بعضهم في ب ساقطة.
(3) القرافي (نفائس الأصول) ج 9 ص 3832، الزركشي (البحر المحيط) ج 8 ص 230. (4) القرآن الكريم، سورة الأحقاف (مكية) آية رقم 15. وقد قال تعالى في آية أخرى * وَالْوَلِدَاتُ يُرْضِعْنَ أولَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ} (البقرة: (233) والحولان أربعة وعشرون شهرا، فتطرح
من ثلاثين، يبقى ستة أشهر، وهي أقل فترة الحمل. (د) الزركشي (البحر المحيط) ج 8 ص 231، أمير بادشاة (تيسير التحرير) ج 4 ص 181، الشوكاني (إرشاد الفحول) ص 251، الأنصاري (فواتح الرحموت) ج 2 ص 363. (6) قال به البدر الشماخي، وحكاه عن سليمان بن يخلف المزاتي من الإباضية، الشماخي (شرح مختصر العدل) ص 203، وينظر: السالمي (المشارق) ج 1 ص 178، دار الجبل - بيروت.
544 (1/544)
صفحة 545
***
فصول الأصول
***
وكذا إن تعارضت العلل التي يحتمل التعليل بها فيرجع إلى الترجيح بين الأشباه (1)، فما حصلت فيه أغلبية الشبه عمل بها، فهذا وأمثاله الذي يلزم المجتهد في اجتهاده، ولا يخفى أمثال ذلك على ممارسة الكتاب والسنة وقواعد الأصول، وإن اجتهد مجتهد في حادثة من المسائل الاجتهادية وأداه نظره فيها إلى حكم، ثم تكررت تلك الحادثة، فلا يلزمه إعادة النظر فيها، بل يكتفي بما أداه اجتهاده فيها أولا. وقيل: يلزمه أن يعيد اجتهاده بحسب التكرار (2) لأنه قد يستبين له بعد ذلك وجه أقوى من الأول لأنها طرق ظنية تختلف باختلاف ظن المجتهد بخلاف طرق العلم لأن مدلولها قطعي، وهو الصحيح عندي، ولا عبرة بتعليل القول الأول بأن الأصل عدم تغير الاجتهاد الأول (3) حتى يصح تغيره، لأنا نقول: هذا أمر مبني على غلبة الظن، وهي تختلف بحسب اختلاف الدواعي وتطور الأسباب وتتنوع بتنوع انقداح الأدلة في الأذهان.
وقول صاحب المنهاج: إن من تحرى القبلة في مسجد أو نحوه من الأمكنة فلا يلزمه تكرير التحري والاجتهاد هنالك لكل صلاة، وهذا مثله (4)، فلا نسلم المثلية لأن ذلك (5) اجتهاد في الجهات والأمكنة، وهي لا تتبدل ولا تتحول ولا تزيد ولا تنقص بخلاف الأدلة السمعية فقد يحفظ بإعادة النظر اليوم دليلا لا يحفظه أمس، ويستنبط معنى في آية أو خبر كان قد خفي عليه قبل ذلك، و، والله أعلم.
(1) في ب الأشياء.
(2) عزاه ابن المرتضى إلى الشهرستاني (منهاج الوصول ص 785، وقال الزركشي وحكاه عن النووي: يجب تجديد الاجتهاد إن كان ذاكر للدليل. الزركشي (البحر المحيط) ج 8 ص 354 - 355.
(3) بأن الأصل عدم تغير الاجتهاد الأول هذه العبارة ساقطة من ب.
(4) ابن المرتضى (منهاج الوصول) ص 785. (ه) في ب ذاك. (1/545)
صفحة 546
***
فصول الأصول
***
الفصل الثامن والثلاثون والمائة
في منع (1) نقض الحكم
لا يصح نقض الحكم في الاجتهاديات لا من الحاكم (2) ولا من غيره، أما الحاكم فلأنه إن اجتهد في حادثة، ورأى وجه الحكم فيها، وجب عليه أن يلتزم ما رآه فيها حقا لأن ذلك هو حكم الله في تلك القضية في حق ذلك المجتهد، فلا يصح له أن يعدل عنه إلى غيره، وكذلك في العمل، فإن حكم أو عمل بخلاف ما أداه إليه اجتهاده بطل
حكمه اتفاقا، وأثم في ما عمل به لأنه حكم وعمل بخلاف الحق في حقه. وأما من غيره فلأن الاجتهاد لا ينقض باجتهاد آخر، لأنه لو جاز نقض الاجتهاد الأول جاز نقض النقض وهكذا، فتفوت مصلحة نصب الحاكم من فصل الخصومات. أما إن خالف الحاكم في حكمه نصا من كتاب أو سنة أو ظاهرا جليا أو قياسا جليا فإنه ينقض لمخالفته الدليل القاطع، وإن تغير اجتهاد المجتهد كما إذا اجتهد في قضية فرأى الجواز فحكم أو عمل به، ثم بعد ذلك رأى التحريم، فلا يخلو ذلك من أحد نوعين: فإن كان الحكم أو العمل في الأشياء الماضية المنقضية كمأكول ومشروب ونحوها وقد فاتت، فإن حكمه بالحل فيها قد مضى باجتهاده الأول ولا يلزمه فيها إثم ولا ضمان، وإنما يستأنف العمل فيها قد مضى باجتهاده الأول ولا يلزمه فيها إثم ولا ضمان وإنما يستأنف العمل فيها بعد ذلك على مقتضى اجتهاده الثاني، وإن كانت من الأشياء المستدامة المستمرة ككونه رأى جواز النكاح بلا ولي، أو رآى جواز نكاح الصبية، أو رأى عدم وقوع الطلاق ثلاثا بلفظ واحد فأقام على هذا النكاح بمقتضى اجتهاده هذا، ثم رأى بعد ذلك أن ذلك حرام لا يصح فهاهنا يجب عليه ترك اجتهاده واعتزال ما أقام عليه من الاستمتاع من ذكرنا من النساء ونحو ذلك، هذا على الأصح، لأن الإقامة على ذلك بعد تغير الاجتهاد لها حكم الاجتهاد الثاني، وما مضى منها صح بالاجتهاد الأول. وقيل: تصح الإقامة بالاجتهاد الأول مستمرة عليه لأنها بنيت عليه في أول الأمر (3)، والصحيح الأول، هذا تحقيق المقام، والله ولي الفضل والإنعام.
(1) منع في ب ساقطة. (2) في ب زيادة به.
(3) الآمدي (الإحكام) ج 4 ص 209، القرافي (شرح تنقيح الفصول) ص 441، الزركشي (البحر المحيط) ج 8 ص 312، ابن النجار (شرح) الكوكب المنير) ج 4 ص 510، أمير بادشاه (تيسير التحرير) ج 4
ص 234، السالمي (شرح طلعة الشمس) ج 2 ص 289. (1/546)
صفحة 547
547
***
فصول الأصول
***
فرع
من قلد مجتهدا في مذهبه لزمه اتباعه في كل مذهبه من رخصه وعزائمه، فإن رجع المجتهد عن شيء مما كان قلده فيه مقلده لزمه إعلامه ليرجع عما قلده فيه، وكذا إن قلده في مسألة واحدة بناء على أن الاجتهاد الثاني ينقض الأول، وقيل: لا يلزمه الإعلام لأنه أخذ بقول، وله أن لا يرجع عنه ولو رجع إمامه (1).
قال شيخنا وبه أخذ الإمام غسان (2) - رحمه الله - حين أفتاه سليمان بن عثمان (3) فلج الخظم)، فرجع سليمان عن قوله ولم يرجع الإمام، والقصة (5) معروفة () ()، وأما إن كان للمقلد إمام آخر قلده في تلك الحادثة فلا يلزم المقلد بفتح اللام إعلام المقلد بكسرها لأن له إماما غيره فيها، فله التمسك بقوله الثاني، ولا يلزمه الرجوع إن (8) رجع أحد الإمامين، والله أعلم.
(1) ابن المرتضى (منهاج الوصول) ص 798، السالمي (شرح طلعة الشمس) ج 2 ص 290. (2) الإمام غسان بن عبد الله الفجحي اليحمدي الأزدي، إمام فقيه من أعلام الإباضية، بويع بالإمامة بعد موت الإمام الوارث بن كعب الخروصي، أقام في نزوى - بداخلية عمان - وقد أنشأ أسطولا بحريا كبيرا في عمان استطاع به تأمين البحر من القراصنة الهنود، توفي سنة 207 هـ.
(3) سليمان بن عثمان كنيته أبو عفان، عالم من علماء الإباضية، عاش في القرن الثاني الهجري، تولى القضاء بنزوى في عهد الإمام الوارث بن كعب، وممن عقدوا الإمامة لغسان بن عبد الله بعد موت الوارث، وقد
عمل الإمام بفتواه في قضية فلج الخطم المشهورة. حجازي (دليل أعلام عمان) ص 84. (4) فلج الخطم، أحد أفلاج عمان يمر من نزوى إلى منح بداخلية عمان، السالمي (تحفة الاعيان) ج 1 ص 85. (5) في ب القضية. (6) القصة كما جاءت في تحفة الأعيان: أن السيل الذي غرق فيه الإمام الوارث بن كعب أتى على هذا الفلج فاجتاحه وذهب به أصلا، ولم يجد أهل منح إلى إخراجه سبيلا إلا في أموال أهل نزوى، فأرسل الإمام غسان إلى سليمان بن عثمان، فلما قدم إليه قال له يا أبا عثمان ما تقول في فلج لقوم مثل فلج نزوى يمضي في أرض سمد، وهي لبني أبي المعمر، فأتى السيل عليه فاجتاحه، فلم يقدروا على إخراجه إلا في أموال الناس، فهل لهم ذلك؟ فقال سليمان: نعم لهم ذلك، فقال له الإمام: يكونه لهم ذلك بالثمن أو بغير الثمن؟ فقال سليمان: بل لهم ذلك بالثمن، فقال الإمام يكون بالثمن بما قال أصحاب الأرض أ بقيمة العدول؟ فقال له سليمان فيما بلغنا بل يكون ذلك بقيمة العدول، فلما عرف الإمام غسان رأي سليمان بن عثمان في ذلك تمسك به .. ثم رجع سليمان عن رأيه، ولم يرجع عنه الإمام. السالمي (تحفة
الاعيان) ج 1 ص 85 - 86. (7) السالمي (طلعة الشمس) ج 2 ص 290. (8) في ب وإن. (1/547)
صفحة 548
***
فصول الأصول
***
الفصل التاسع والثلاثون والمائة
في التقليد والإفتاء
(4) الحديث:
واعلم أن كل من قدر على الاجتهاد في الظنيات لا يجوز له التقليد فيها لغيره ولو كان أعلم منه، بل يجب عليه النظر لنفسه في حق نفسه، ويحرم عليه تقليد الغير، وقيل: إنما يحرم تقليد الغير في حادثة اجتهد فيها، أما قبل أن يجتهد وينظر الأرجح فلا (1)، وقيل: يجوز تقليد الأعلم لأن الظن بصوابه أقوى، وهذا يعزي إلى محمد بن الحسن (2) (3)، وقيل: يجوز للمجتهد تقليد الصحابي لا غير أصحابي كالنجوم (ه). ورد بأن هذا في حق من يصح له التقليد لا في حق المجتهد، فإن فرضه العمل ما أداه إليه اجتهاده. قال البدر: فظاهر كلام ابن بركة أن الصحابة إذا اختلفوا تختار من أقوالهم، وليس لك أن تحدث قولا عليهم، وغيرهم إن اختلفوا تجتهد لنفسك (6). قال شيخنا: وظاهر كلام ابن بركة اعتبار إجماع الصحابة وإن كان سكوتيا،
وأن قول الصحابي الواحد عنده ليس بحجة (7).
(1) حكاه الإمام السالمي (شرح) طلعة الشمس) ج 2 ص 290. (2) محمد بن الحسن بن فرقد الشيباني بالولاء، ولد سنة 131 هـ، من أئمة الحنفية، ولاه الرشيد القضاء بالرقة، ونشر علم أبي حنيفة، من كتبه: المبسوط والجامع الكبير والجامع الصغير، توفي سنة 189 هـ بالري. ابن أبي الوفاء (الجواهر المضية) ج 3 ص 122، الزركلي (الأعلام) ج 6 ص 80. (3) ونقله أبو بكر الرازي عن الكرخي. الجويني (الاجتهاد) ص 108، الزركشي (البحر المحيط) ج 8 ص 335 - 336، ابن المرتضى (منهاج الوصول ص 808، ابن النجار (شرح الكوكب المنير) ج 4 ص 517، أمير بادشاه (تيسير التحرير) ج 4 ص 228، السالمي (شرح طلعة الشمس) ج 2 ص 291. (4) حكاه الإمام الجويني عن الشافعي ومعظم العلماء (الإجتهاد) ص 108، وعزاه ابن المرتضى إلى أبي علي من المعتزلة (منهاج الوصول ص 808، وانظر: الزركشي (البحر المحيط ج 8 ص 335، ابن النجار (شرح الكوكب المنير) ج 4 ص 517، السالمي (طلعة الشمس) ج 2 ص 291.
(5) سبق تخريجه.
(6) الشماخي (شرح مختصر (العدل) ص 199، ابن بركة كتاب الجامع) ج 1 ص 22. (7) السالمي (طلعة الشمس) ج 2 ص 291، ابن بركة (كتاب الجامع) ج 1 ص 22.
548 (1/548)
صفحة 549
549
***
فصول الأصول
***
وقال أهل العراق: يجوز للمجتهد أن يقلد غيره فيما يخصه بنفسه دون ما يفتي به غيره (1) ورد بانه متعبد بالكل ولا فرق، وقيل: يجوز أن يقلد غيره فيما يفوته الاجتهاد فيه العمل به (2)، وهذا واضح الحصول العذر، وحكم الاضطرار غير حكم الاختيار، ومنزلة هذا منزلة الضعيف. وقال الجويني ويحيى بن حمزة (3): لا يجوز تقليد الصحابة أصلا، لأنهم ليس لهم من الخوض في علوم الاجتهاد ما كان لغيرهم)، وهذا باطل لأنهم أعلم من غيرهم بمعاني الكتاب والسنة، وعلوم العربية غريزة فيهم، وليس الطبع كالتطبع، فلا شك أن اجتهادهم أكمل.
وقيل: لا يجوز تقليد الصحابة لعدم تدوين مذاهبهم لا لقصورهم عن رتبة الاجتهاد (ه)، وهذا ليس بشيء - أيضا - إذ التدوين ليس شرطا في جواز الأخذ بقول الغير، وإنما الشرط صحة النقل، فإذا صح النقل جاز، وقبل عمن كان من المجتهدين من صحابي وغيره.
وقال أحمد بن حنبل والثوري وإسحاق: يجوز التقليد مطلقا من المجتهد والضعيف للأعلم وغير الأعلم (6).
(1) ابن النجار (شرح الكوكب المنير) ج 4 ص 517، أمير بادشاة (تيسير التحرير) ج 4 ص 228، السالمي (شرح طلعة الشمس) ج 2 ص 291.
(2) قال به ابن سريج من الشافعية، الباجي (إحكام الفصول) ص 721، الآمدي (الإحكام) ج 4 ص 210، الزركشي (البحر المحيط) ج 8 ص 336، ابن المرتضى (منهاج الوصول) ص 808، أمير بادشاة (تيسير التحرير) ج 4 ص 228. (3) يحيى بن حمزة بن علي العلوي الطالبي، ولد 669 هـ، في صنعاء، من كبار علماء الزيدية، باليمن من كتبه نهاية الوصول إلى علم الأصول والطراز والانتصار توفي سنة 745 هـ.
الزركلي (الأعلام) ج 8 ص 143، عمر رضا كحالة (معجم المؤلفين) ج 13 ص 195. (4) الجويني (الاجتهاد) ص 123، ابن المرتضى (منهاج الوصول) ص 809، السالمي (شرح طلعة الشمس)
ج 2 ص 292.
(ه) حكاه الزركشي (البحر المحيط) ج 8 ص 338، والأنصاري (فواتح الرحموت) ج 2 ص 407، والسالمي (شرح طلعة الشمس) ج 2 ص 292. (6) وحكاه أبو بكر الرازي عن أبي حنيفة، وقال القرطبي: وهو الذي ظهر من تمسكات مالك في الموطأ. الزركشي (البحر المحيط) ج 8 ص 335، ابن المرتضى (منهاج الوصول) ص 808، ابن النجار (شرح الكوكب المنير) ج 4 ص 516، السالمي (شرح طلعة الشمس) ج 2 ص 291. (1/549)
صفحة 550
***
فصول الأصول
***
والصحيح ما عليه أهل المذهب أن البالغ رتبة الاجتهاد القادر عليه يجب عليه أن يجتهد لنفسه، ولا يصح له ان يقلد غيره كان أعلم منه أو لم يكن، كان صحابيا ذلك الغير أو غير صحابي كما تقدم (1)، وأما العامي الضعيف فإنه يجوز له بل يجب عليه تقليد العالم في حادثة أراد العمل بها ولا يعلم حكمها لقوله تعالى: فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون (2).
وقيل: إنما يجوز التقليد في العمليات في المسائل الظنية دون القطعية (3)، لأن الحق في القطعية مع واحد، فلا يأمن المقلد فيها أن يقلد المخطئ فيكون قد أقدم على ما لا يؤمن قبحه، قلنا: وهذا أمر شاق على العامي من حيث إنه لا يفرق بين قطعي وظني، فلو الزمناه التمييز بين القطعيات والظنيات الفرعية لكنا قد أو جبنا عليه أن يصبر عالما مجتهداً ولا قائل بذلك.
وحاصل المقام أن العامي مأمور باتباع العلماء، وذلك فرضه الواجب عليه، فأما في الظنيات فلا إشكال لإصابة كل مجتهد فيها وكون الحق مع الكل، وأما في المسائل القطعية التي يقطع فيها عذر من خالف الحق والخطأ فيها غير معفو، فالأمر فيها مشكل في حق المقلد والمقلد إن وقع الخطأ فيها.
وقد صرح شيخنا أن المسألة تكون حينئذ قدرية، فإن طابق اعتقاد العامي الحق بتقليده أهل الحق واتباعه لهم كان ذلك بتوفيق الله إياه، وإن خالف ذلك فمن سوء حظه، والله سبحانه وتعالى لا يسأل عما يفعل وهم يسألون، قال: والحجة لنا على جواز تقليد العام للعلماء تواتر إجماع السلف على ترك النكير في ذلك من غير مانع لهم من الإنكار (4)، قال الحاكم: أجمعوا على جواز ذلك قولا وفعلا
(1) يحيى بن حمزة بن علي العلوي الطالبي، ولد 669 هـ، في صنعاء، من كبار علماء الزيدية، باليمن من کتبه نهاية الوصول إلى علم الأصول والطراز والانتصار توفي سنة 745 هـ.
الزركلي (الأعلام) ج 8 ص 143، عمر رضا كحالة (معجم المؤلفين) ج 13 ص 195. (2) الجويني (الاجتهاد) ص 123، ابن المرتضى (منهاج الوصول) ص 809، السالمي (طلعة الشمس) ج 2 ص 292. (3) حكاه الزركشي (البحر المحيط) ج 8 ص 338، والأنصاري (فواتح الرحموت) ج 2 ص 407، والسالمي
(طلعة الشمس) ج 2 ص 292.
(4) السالمي (طلعة الشمس) ج 2 ص 293 و 294.
550 (1/550)
صفحة 551
***
فصول الأصول
***
وتقريرا ورضى، وكذلك إجماع التابعين فإنه ظهر فيما بينهم رجوع العامي إلى العالم والقبول منه، قال (1): وذلك ظاهر عنهم لأن منهم من كان يفتي، ومنهم من كان يقبل، ومنهم من يقرر، وظهر عنهم الأمر بالاستفتاء والإفتاء، وقال: وهذا هو العمدة في جواز الفتيا (2)، وهو أظهر أمر في الإجماع)، فاقتضى جواز التقليد، قال (4): وليس لأحد أن يدعي بأنهم إنما رجعوا إليهم في تبيين طرق الأحكام، لأن فساد هذا أظهر من إنكار استفتائهم فإنه لم يرو (5) أن أحدا في فتياه بين وجه القياس وطريقة الاجتهاد، ثم إنا نعلم ذلك كما علمنا أنهم لم يوجبوا على الحاكم أن يبين وجه ما حكم به، ثم إن المفتي لو روى خبرا وجب قبوله، فكذلك إذا أفتى، ثم لو كلفنا العامي معرفة وجوه الحوادث لزم في أكثر الأحوال فوت العمل بكثير من
(6)
الأحكام انتهى قال شيخنا: وأما قول أصحابنا في منع التقليد فمرادهم به العمل بقول الغير من غير مبالاة أصاب ذلك الغير أم أخطأ كما فسره بذلك بعضهم، والتقليد بهذا المعنى حرام اتفاقا، قال: أما بالمعنى الذي أردناه نحن، وهو الأخذ بقول الغير مع ظن الصواب، والتماس الحق فالأصحاب متفقون على جوازه في الظنيات وكذلك في القطعيات إن وافق الحق (7).
ومنع أبو إسحاق الإسفرايني التقليد في القطعيات كالعقائد (8)، وسيأتي مزيد بحث في هذا الشأن - إن شاء الله - والله أعلم.
(1) أي الحاكم.
(2) في التسخين بهمزة بعد الألف، وفي منهاج الوصول الفتيا بغير الهمز.
(3) كذا في النسختين وفي منهاج الوصول يدعى فيه الإجماع.
(4) أي الحاكم كما في منهاج الوصول.
(ه) كذا في أوفي ب لم يروا، وفي منهاج الوصول لم يرووا. (6) أي كلام الحاكم، ابن المرتضى (منهاج الوصول) ص 781. (7) السالمي (طلعة الشمس) ج 2 ص 294.
(8) ابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 2 ص 393، الزركشي (البحر المحيط) ج 8 ص 324. (1/551)
صفحة 552
***
فصول الأصول
***
الفصل الأربعون والمائة
في تقليد المفضول والميت
واعلم أنهم قد (1) اختلفوا في جواز تقليد المفضول من المجتهدين دون الفاضل منهما على أقوال.
إحداها: أنه جائز لوقوعه في عصر الصحابة مشتهرا متكررا، وذلك أن الصحابة - رضوان الله عليهم - والتابعين كانوا يستفتي بعضهم بعضا، ويقلد بعضهم بعضا في أديانهم وأحكامهم، ولا شك أن فيهم الفاضل والمفضول، ولم ينقل إلينا أن أحدا منهم رد قضية من القضايا الشرعية رفعت إليه من هو فوقه في العلم والفضل، ولا أنكر أحد منهم على غيره في ذلك، وقد رجح هذا القول ابن الحاجب (2) لما قررناه من الأدلة. ثانيا: لا يجوز لأن أقوال المجتهدين في حق المقلد كالأدلة في حق المجتهد، فكما يجب على المجتهد الأخذ بالراجح من الأدلة يجب على المقلد الأخذ بالراجح
من الأقوال، والراجح منها قول الفاضل، ويعرفه العامي بالتسامع ونحوه (3). ثالثها: يجوز إن كان يعتقده مساويا لذلك الفاضل في الفضل بخلاف من اعتقده مفضولا واختاره ابن السبكي، قال: ومن ثم لم يجب (4) البحث عن الأرجح من المجتهدين لعدم تعينه، فإن اعتقد الضعيف العامي أن أحد المجتهدين أرجح في الفضل تعين عليه حينئذ أن يقلد ذلك الأرجح في ظنه، ولو كان مرجوحا في الواقع عملا باعتقاده الذي يبني عليه والراجح في ظنه، ولو كان مرجوحا في الواقع عملا عليه، والراجح علما فوق الراجح ورعا على الأصح لأن لزيادة
باعتقاده الذي يبني
(1) قد في ب ساقطة. (2) ابن الحاجب (مختصر المنتهى بشرح العضد) ج 2 ص 309، وحكاه ابن النجار عن اكثر الحنابلة (شرح الكوكب المنير) ج 4 ص 571، وابن عبدالشكور عن الأكثر (مسلم الثبوت بشرح الفواتح ج 2 ص 404، وحكاه
الشنقيطي عن الجمهور (نثر الورود) ج 2 ص 648، وانظر: السالمي (شرح طلعة الشمس) ج 2 ص 299. (3) ونسبه الزركشي إلى ابن سريج (البحر المحيط) ج 8 ص 347، وعزاه الكمال إلى طائفة كثيرة من الفقهاء (التحرير بشرح التيسير) ج 4 ص 251، وحكاه ابن النجار عن ابن عقيل قال: ومعناه قول الخرقي والموفق، ولأحمد روايتان (شرح الكوكب المنير) ج 4 ص 572، وحكاه الشنقيطي عن ابن القصار من المالكية (نثر الورود) ج 2 ص 649. (4) في النسختين يجب، والتصحيح من جمع الجوامع حيث ورد لم يجب.
552 (1/552)
صفحة 553
553
***
فصول الأصول
***
العلم تأثيرا في الاجتهاد بخلاف زيادة الورع، وقيل بالعكس، إذ للورع تأثير في التثبت في الاجتهاد بخلاف العلم)، قال المحلي وهذه المسألة مبنية على وجوب البحث عن الأرجح المبني على امتناع تقليد المفضول (2).
ويجوز تقليد الميت لبقاء قوله، قال الشافعي: لا تموت المذاهب بموت أربابها (3). وقال الفخر الرازي: لا يجوز، قال: لأنه لا بقاء لقول الميت بدليل انعقاد الإجماع بعد موت المخالف، قال: وتصنيف الكتب في المذاهب مع موت أربابها لاستفادة طريق الاجتهاد من تصرفهم في الحوادث وكيفية بناء بعضها على بعض (4)، ونقل بعض الشافعية عنه أنه إنما يمنعه عند وجود الحي المجتهد لا مطلقا)، وعلى كل حال فقوله هذا معارض محجوج بكون الإجماع حجة بعد موت المجمعين، وحجية إجماعهم ثابتة بالإجماع، وقيل: يجوز تقليد الميت فيما نقله عنه مجتهد في مذهبه، لأنه لمعرفته بمأخذه يميز بين ما استمر عليه، وما لم يستمر عليه فلا ينقل لمن يقلده إلا ما استمر عليه بخلاف غيره، قاله الصفي الهندي (6)، والله أعلم.
(1) كلام ابن السبكي: ومن ثم لم يجب البحث عن الأرجح، فإن اعتقد رجحان واحد منهم تعين، والراجح علما فوق الراجح ورعا في الأصح والباقي كلام كل من المحلي والمؤلف، ابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 2 ص 395 - 396. (2) المحلي (شرح المحلي على الجمع الجوامع) ج 2 ص 396، وانظر: ابن النجار (شرح الكوكب المنير) ج 4 ص 573، الشنقيطي (نثر الورود) ج 2 ص 647.
(3) وحكاه ابن النجار عن الجمهور (شرح الكوكب المنير) ج 4 ص 513، وانظر: ابن السبكي (جمع الجوامع شرح المحلي) ج 2 ص 396، الزركشي (البحر المحيط ج 8 ص 348، الأنصاري (فواتح الرحموت) ج 2 ص 407، السالمي (شرح طلعة الشمس) ج 2 ص 302.
(4) الرازي (المحصول) ج 6 ص 71.
(5) هذا قول ثالث في المسألة حكاه ابن السبكي فظن المؤلف أنه بيان لمذهب الفخر الرازي، وليس كذلك، وقد ذكر ابن السبكي في منع الموانع بيان مذهب الرازي لكن بوجه آخر غير ما ذكره المؤلف حيث قال بعد كلام .. الإمام لم يجوز تقليد الميت، بل حاصل بحثه تركيب طريق يحصل به الغرض .. وكأنه يقول .. إن الثقة إذا أخبرني أن الميت قال كذا وأنا أعلم أن الميت مجتهد، ظننت أن حكم الله كذا، فكان ظني هو الموجب علي لاعتماد هذا القول، وليس هذا من تقليد الميت في شيء. ابن قاسم الآيات البينات) ج 4 ص 373، 372. والقول الذي حكاه ابن السبكي في جمع الجوامع - منع تقليد الميت عند وجود الحي - ذكره الزركشي، وعزاه إلى الكيا وابن برهان. ابن السبكي (جمـ الجوامع بشرح المحلي) ج 2 ص 396، الزركشي (البحر المحيط) ج 8 ص 351. (6) ابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 2 ص 396، الزركشي (البحر المحيط) ج 8 ص 351، وقيل لا يجوز مطلقا، قال ابن النجار: وهو وجه لنا وللشافعية شرح) الكوكب المنير) ج 4 ص 514، وينظر: الزركشي (البحر المحيط) ج 8 ص 349. (1/553)
صفحة 554
***
فصول الأصول
***
الفصل الحادي والأربعون والمائة
في الفتوى وأحكامها
واعلم أن من عرف بالأهلية للإفتاء، أو ظن أنه أهل له باشتهاره بالعلم والعدالة جاز استفتاؤه، ولا يجوز استفتاء مجهول الحال، لأن الأصل في الناس الجهل، والعلم إنما هو طارئ عليهم، وهل يجب البحث عن علمه لمن أراد استفتاءه، أو يكفي اشتهاره بذلك؟ قولان (1)، وكذا الاكتفاء بظاهر العدالة على الخلف، وعلى
القول بوجوب البحث هل يكفي خبر الواحد في ذلك أو لا بد من اثنين (2). ومن جعل قاضيا على بلد فلا يفتي فيه في المعاملات، وقيل: جاز إفتاؤه فيها (3)، وعن القاضي شريح (4): أنا أقضي ولا أفتي (5)، وجاز للمستفتي سؤال مفتيه عن مأخذه فيما أفتاه به على طريق الاسترشاد لا على جهة التعنت، وعلى العالم المسئول أن يبين مأخذه لسائله إرشادا له إلا إن كان خفيا لا يدركه فهمه فلا يعتني (6) فيما لا فائدة فيه، ولكن يعتذر له بخفائه وصعوبته عليه بلطف لا بعنف. وجاز للقادر على التفريع والترجيح وإن لم يكن متصفا بصفات المجتهد أن يفتي مذهب عالم مجتهد اطلع على مأخذه وضبطه ضبطا تاما (7)، وقيل: لا يجوز الإفتاء إلا (1) قيل: يكفي اشتهاره، وهو مذهب أبي الحسين البصري (المعتمد) ج 2 ص 364، وحكاه الزركشي عن بعض أئمة الشافعية (البحر المحيط) ج 6 ص 363، وقيل: لا يكفي، وهو مذهب ابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 2 ص 397، الزركشي (البحر المحيط) ج 8 ص 363. (2) ابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 2 ص 397، وحكى الزركشي عن القاضي الباقلاني أنه لا بد من حصول العلم بكونه عالما عن طريق جماعة، ولا يكفي خبر الواحد والاثنين. الزركشي (البحر المحيط) ج 8 ص 363. (3) أجازه ابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 2 ص 397، وابن النجار (شرح الكوكب المنير) ج 4
ص 545.
(4) القاضي شريح: أبو أمية شريح بن الحارث بن قيس الكندي، من كبار التابعين، كان قاضيا على الكوفة زمن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب - رله - وأقام قاضيا مدة خمس وسبعين سنة. توفي سنة 87 هـ وقيل
غير ذلك. ابن خلكان (وفيات الأعيان) ج 2 ص 460، الزركلي (الأعلام) ج 3 ص 161. (2) المحلي (شرح المحلي على جمع الجوامع ج 2 ص 397، ابن نجار (شرح) الكوكب المنير) ج 4 ص 545. (6) في أيتعنى. (7) اختاره الآمدي (الاحكام) وحكاه الزركشي عن الأكثر (البحر المحيط) ج 8 ص 359، ابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 2 ص 397.
554 (1/554)
صفحة 555
000
فصول الأصول
***
للمجتهد (1) وقيل: يجوز عند عدم المجتهد للحاجة إليه بخلاف ما إذا وجد غيره (2). والذي عليه أصحابنا – رحمهم الله – أنه يجوز لمن لم يبلغ الاجتهاد أن يفتي بمذهب العالم ناقلا عنه أنه قال به فلان العالم لا على جهة الفتوى من عنده، بل على جهة الإخبار بقول العالم، ويجوز الأخذ بنقله هذا لأنه عمل بخبر الواحد، وقد شاع قبوله، وإذا كان نقله على هذه الحيثية فلا خلاف في جوازه وقبوله، ولو كان ضعيفا عاميا (3). وإنما الخلاف في الإفتاء الجازم. واختلف العلماء - أيضا - في جواز خلو الزمان عن عالم مجتهد يرجع إليه في الحوادث المهمة والقضايا المشكلة.
والأكثر على جواز ذلك، وهو الصحيح (4)، ومنعه الجبائي والحنابلة مطلقا (ه)، ومنعه ابن دقيق العيد (6) ما لم يتداع (7) الزمان بتزلزل القواعد، وذلك بإتيان أشراط الساعة الكبرى كطلوع الشمس من مغربها ونحوه، فيجوز خلوه حينئذ عنده (8). وإن عمل الضعيف بقول عالم في حادثة فليس له أن يعمل بقول غيره في مثل تلك
القضية، بل يلزمه أن يلتزم قول ذلك العالم في تلك القضية وما أشبهها (9). (1) قال به أبو الحسين البصري وجماعة (المعتمد) ج 2 ص 359، الآمدي (الإحكام) ج 4 ص 241، الزركشي (البحر المحيط) ج 8 ص 359. (2) حكاه ابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 2 ص 398، والزركشي (البحر المحيط) ج 8
ص 360.
(3) الشقصي (منهج الطالبين) ج 1 ص 113، السالمي (شرح طلعة الشمس) ج 2 ص 295. (4) الآمدي (الإحكام) ج 4 ص 239، ابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 2 ص 398، السالمي (شرح طلعة الشمس) ج 2 ص 301.
(5) ابن النجار (شرح الكوكب المنير) ج 4 ص 564، والسالمي (شرح طلعة الشمس) ج 2 ص 301. (6) ابن دقيق العيد: محمد بن علي بن وهب، من علماء المالكية، ولد سنة 625 هـ، تفقه بقوص على والده، ثم على العز بن عبد السلام، ومن مؤلفاته الإمام في الحديث، والإلمام، وشرح مختصر ابن الحاجب في فقه المالكية، توفى سنة 702 هـ، ابن السبكي (طبقات الشافعية ج 9 ص 207، الزركلي الأعلام) ج 6 ص 283. (7) في أيتداعى.
(8) ابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 2 ص 398. (9) حكى الآمدي الاتفاق على ذلك (الإحكام) ج 4 ص 242، وانظر: الشنقيطي (نثر الورود) ج 2
ص 654. (1/555)
صفحة 556
***
فصول الأصول
***
وقيل: يلتزمه بمجرد الإفتاء ولو لم يعمل به (1)، وقيل: له التخير بين أقوال المجتهدين، فيسأل من شاء ويعمل بقول منأراد منهم (2)، وإنما كانوا بين سائل ومسئول، والرجل منهم يسأل الرجلين والثلاثة والأكثر في قضية واحدة، ولا ينكر ذلك فيما بينهم، فلا يلزم الضعيف أن يلتزم مذهب مجتهد واحد، ويقلده في جميع قضاياه، خلافا لما عليه الأكثر من قومنا (3)، ولا يجوز تتبع الرخص من المذاهب، فيأخذ من كل مذهب ما هو الأخف والأهون فيما يقع له من المسائل تشهيا لقضاء غرضه الفاسد، فذلك حرام
لا يحل، لأنه يؤدي إلى الانهماك في الرخص وعدم المبالاة بهدم الديانات (4). ولذا منع جل أصحابنا من إفتاء طالب الرخصة قبل أن يقع فيها خوف التساهل في أمور الدين، وطلبا لنجاة المسلمين، فإن العالم أمين الله في الأرض، فالواجب عليه أن لا يضع أمانته في غير موضعها، ومن غر مستحقها، وهو – أيضا – كالطبيب لا يضع الدواء إلا على العلة (5).
ثم إن الأصوليين قد اختلفوا في صحة الاجتهاد في عهده - - فقال أكثر العلماء بصحته في غيبته (6)، ومنهم من منعه في عصره - ع - مطلقا لإمكان الرجوع إليه في القضايا المشكلة بالمشافهة أو المراسلة، ولأن الاجتزاء بالاجتهاد مع وجود النبي - - اجتزاء بالظن عن العلم (7)، وتوقف بعضهم
-
(1) ابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 2 ص 399، الزركشي (البحر المحيط) ج 8 ص 373، الشنقيطي (نثر) الورود) ج 2 ص 655. (2) قال به الآمدي (الاحكام) ج 4 ص 243، وحكاه الزركشي عن أكثر الشافعية (البحر المحيط) ج 8 ص 367، والشنقيطي عن أكثر العلماء. (نثر) الورود) ج 2 ص 655. (3) ابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 2 ص 400، السالمي (شرح طلعة الشمس) ج 2 ص 296، الشنقيطي (نثر الورود) ج 2 ص 658.
(4) ابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 2 ص 400، الزركشي (البحر المحيط) ج 2 ص 381.
(5) الشقصي (منهج الطالبين) ج 1 ص 137، السالمي (شرح طلعة الشمس) ج 2 ص 298. (6) الطوفي (شرح مختصر الروضة) ج 3 ص 589، الزركشي (البحر المحيط) ج 8 ص 255، ابن النجار (شرح الكوكب المنير) ج 4 ص 482، السالمي (شرح طلعة الشمس) ج 2 ص 300، الشنقيطي (نثر الورود) ج 2 ص 631. (7) حكاه الآمدي عن الأقل. (الإحكام) ج 4 ص 181، وانظر: الزركشي (البحر المحيط) ج 8 ص 255، ابن النجار (شرح الكوكب المنير) ج 4 ص 481، الشنقيطي (نثر) الورود) ج 2 ص 631، السالمي (شرح طلعة الشمس) ج 2 ص 300. (1/556)
صفحة 557
557
***
فصول الأصول
***
عن القول بجواز وعدمه في حضرته - ه - ولو جاز في الغيبة). والصحيح جوازه ووقوعه (2)، وواقعة صلاة العصر في بني قريظة أكبر شاهد على ذلك، وهي مشهورة في السير (3)، وكذلك في توجيه معاذ واليا على اليمن (4) وقوله تعالى مَا قَطَعْتُم مِّن لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَابِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ اليه (()) فكل ذلك يدل على جواز الاجتهاد بحضرته -
' (c)'
تنبيه: لا يقال: هذا الفصل مفروض في الفتوى وأحكامها، وهذه من مسائل الاجتهاد فإنا نقول: ليست أجنبية عن الفصل، لأن الاجتهاد – هنا – بمعنى العمل بمقتضاه، فهو لازم له وسببه، فهو التعبير باللازم عن الملزوم أو بالسبب عن المسبب (6). انتهى، والله أعلم، وبغيبه أحكم.
(1) قال به القاضي عبد الجبار. الآمدي (الإحكام) ج 2 ص 182، الزركشي (البحر المحيط) ج 8 ص 257، السالمي (شرح طلعة الشمس) ج 2 ص 300.
(2) وقال به أبو إسحاق الشيرازي (شرح اللمع ج 2 ص 1089، والآمدي (الإحكام) ج 4 ص 184، وابن النجار (شرح الكوكب المنير) ج 4 ص 481، والسالمي (طلعة الشمس) ج 2 ص 300، والشنقيطي (نثر الورود) ج 2 ص 631. (3) قال النبي - ع - يوم الأحزاب: لا يصلين احد العصر إلا في بني قريظة. فأدرك بعضهم العصر في الطريق، فقال بعضهم: لا نصلي حتى نأتيهم، وقال بعضهم: بل نصلي لم يرد منا ذلك، فذكر ذلك للنبي - فلم يعنف واحدا منهم. أخرجه البخاري (صحيح البخاري بشرح الفتح) كتاب المغازي. باب مرجع النبي - ل - من الأحزاب، ومخرجه إلى بني قريظة، حديث 4119 ج 7 ص 471، وقد وقعت هذه الغزوة في السنة الخامسة للهجرة وينظر: الطبري تاريخ الطبري) ج 2 ص 98 - 99، ابن هشام (السيرة النبوية) ج 3 ص 223، الحلبي (السيرة الحلبية) ج 2 ص 331. (4) وذلك أن رسول الله - - عندما بعث معاذا إلى اليمن قال له: كيف تصنع إن عرض لك قضاء؟ قال: أقضي بما في كتاب الله. قال: فإن لم تجد في كتاب الله؟ قال: فبسنة رسول الله - ه - قال: فإن لم تجد في سنة رسول الله - -؟ قال: اجتهد رأيي لا آلو قال فضرب رسول الله - صلى الله عليه و سلم - صدري، ثم قال: الحمد لله الذي وفق رسول الله - - لما يرضي رسول الله - - أخرجه الإمام أحمد بن حنبل (مسند الإمام أحمد حديث 22002 ج ه ص 292، واللفظ له، وأبو داود (سنن أبي داود كتاب الاقضية، باب ماجاء في القاضي كيف يقضي، حديث 1327، ووجه الدلالة من الحديث أن النبي - ع - أقر معاذا على قوله اجتهد رأبي إذ لو لم يجز ذلك في زمنه - عليه الصلاة والسلام - لما قال - -: الحمد لله الذي وفق رسول الله لما يرضي رسول الله.
(د) القرآن الكريم، سورة الحشر (مدنية) آية رقمه. (6) لكن مالداعي إلى تأخيرها - هنا - مع إمكان الكلام عنها والبحث فيها في أبواب الاجتهاد حتى يسلم المؤلف من الاعتراض الذي يحوجه إلى هذا الرد. (1/557)
صفحة 558
***
فصول الأصول
***
الخاتمة في أصول الديانات)
تقدم الخلاف في جواز التقليد في أصول الدين، أي مسائل الاعتقاد كحدوث العالم، ووجود البارئ، وما يجب له، وما يستحيل عليه من الصفات، ونحو ذلك مما سنذكر بعضها - إن شاء الله تعالى -.
ذهب أكثر العلماء من قومنا ورجحه الرازي والآمدي إلى أنه لا يجوز التقليد فيها بل يجب النظر (1)، إذ المطلوب فيها اليقين لقوله تعالى لنبيه - -: فاعلم أنه لا إله إلا الله (2)، وقد علم ذلك، وقال تعالى للناس: واتبعوه لعلكم تهتدون (3) فهذا الدليل في الوحدانية، ويقاس غيرها عليها.
وقال العنبري وغيره: يجوز التقليد فيه، ولا يجب النظر اكتفاء بالعقل الجازم (4) لأن النبي - - كان يكتفي به في الإيمان من الأعراب، وليسوا أهلا للنظر بالتلفظ بكلمتي الشهادة المنبئ عن العقد الجازم، ويقاس غير الإيمان عليه، وقيل: النظر فيه حرام لأنه مظنة الوقوع في الشبه والضلال لاختلاف الأذهان والأنظار (ه)، ورد على العنبري بأنا لا نسلم أن الأعراب ليسوا أهلا للنظر، فإن المعتبر النظر على طريق العامة كما في سؤال الأصمعي (6) للأعرابي بم عرفت بك؟ فقال: البعرة تدل على البعير، وأثر الأقدام يدل على المثير، فسماء ذات أبراج وأرض ذات فجاج ألا (1) أبو الحسين (المعتمد) ج 2 ص 365، الرازي (المحصول) ج 6 ص 91، الآمدي (الإحكام) ج 4 ص 229، الأرموي (التحصيل) ج 2 ص 308، الطوفي (شرح مختصر (الروضة ج 3 ص 656، الزركشي (البحر المحيط) ج 8 ص 324، ابن النجار (شرح) الكوكب المنير) ج 4 ص 533، الصنعاني (إجابة السائل) ص 405، أمير بادشاة (تيسير التحرير) ج 4 ص 243.
(2) القرآن الكريم، سورة محمد (مدنية) آية رقم 19. (3) القرآن الكريم، سورة الأعراف (مكية) آية رقم 158. (4) وحكاه أبو الحسين عن بعض الشافعية (المعتمد) ج 2 ص 365، وعزاه الفخر الرازي إلى كثير من الفقهاء (المحصول) ج 1 ص 91، ويراجع: الآمدي (الإحكام) ج 4 ص 229، الزركشي (البحر المحيط) ج 8 ص 324، الكمال التحرير بشرح التيسير) ج 4 ص 243، ابن النجار (شرح الكوكب المنير) ج 4 ص 534. (5) حكاه الأستاذ أبو إسحاق الإسفراييني عن قوم من كتبة الحديث. الزركشي (البحر المحيط) ج 8 ص 325، ابن النجار (شرح الكوكب المنير) ج 4 ص 535 - 536، أمير بادشاه (تيسير التحرير) ج 4 ص 243. (6) الأصمعي: أبو سعيد عبدالملك بن قرب بن عبد الملك المعروف بالأصمعي الباهلي، كان صاحب لغة ونحو عارفا بالأخبار، ولد سنة 122 هـ، وقيل: سنة 123 هـ، أخذ عنه أبو عبيد القاسم بن سلام وأبو حاتم السجستاني،
توفي سنة 216 هـ. ابن خلكان وفيات الأعيان) ج 3 ص 170، الزركلي (الأعلام) ج 4 ص 162.
558 (1/558)
صفحة 559
559
***
فصول الأصول
***
تدل على اللطيف الخبير. انتهى، وما يذعن أحد الأعراب أو غيرهم للإيمان، فيأتي بكلمتي الشهادة إلا بعد أن ينظر فيهتدي لذلك.
ونقل عن الأشعري أنه لا يصح إيمان المقلد، وشنع أقوام عليه بذلك بأنه يلزمه تكفير العوام وهم غالب المؤمنين (1)، وقال القشيري: هذا القول مكذوب على الأشعري (2)، والتحقيق في هذه المسألة أن التقليد جائز في القطعيات كالظنيات إن كان أخذا لقول الغير بغير دليل مع غلبة الظن بحقه وصوابه في الظنيات، ومع الجزم بذلك في القطعيات لأنها لا تحتمل الشك بخلاف الأولى، ولكن في القطعيات لا يعذر المقلد - بالفتح - ولا المقلد - بالكسر - إن صادفا خطأ بخلاف الظنيات فالحق فيها مع الكل كما تقدم.
وأما إن كان التقليد أخذا القول الغير مع عدم النظر فيه، وعدم المبالاة بحقه أو باطله فذلك حرام مذموم، ويجب على كل مكلف أن يعتقد أن العالم محدث، وهو ما سوى الله سبحانه وتعالى، لأنه متغير، وتغيره مدرك بالمشاهدة، وكل متغير محدث، أي: موجود بعد عدم، وله صانع يعلم بالضرورة أن المحدث لا بد له من محدث، وذلك الصانع هو الله الواحد ذاتا وصفة وفعلا وعبادة، فلو جاز كونه اثنين لجاز أن يريد أحدهما شيئا والآخر ضده الذي لا ضد له غيره كحركة زيد وسكونه، فيمتنع وقوع المرادين وعدم وقوعهما لامتناع ارتفاع الضدين المذكورين واجتماعهما، فيتعين وقوع أحدهما، فيكون مريده هو الإله دون الآخر لعجزه، فلا يكون الإله إلا واحدا، والواحد الشيء الذي لا ينقسم بوجه من الوجوه، ولا يشبه شيئا ولا يشبهه شيء بوجه من وجوه الشبه، فهو شيء لا كالأشياء، وهو قديم لا ابتداء لوجوده ولا انتهاء، ولم يزل وحده ولا مكان ولا زمان، ثم أحدث هذه العوالم المشاهدة من السموات والأرض وما فيها وما بينها وما فوقها وما تحتها أحدث ذلك لا لحاجة منه تعالى لشيء منه، ولو شاء ما اخترع شيئا من ذلك، فهو غني عن
(1) قال ابن السمعاني: إيجاب معرفة الأصول على ما يقوله المتكلمون بعيد جدا عن الصواب، ومتى أو جبنا ذلك فمتى من يوجد من العوام من يعرف ذلك .. فمن يجد المسلم من قبله أن يحكم بكفر هؤلاء الناس أجمع .. الزركشي (البحر المحيط) ج 8 ص 326، وينظر: ابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي)
ج 2 ص 403 - 404.
(2) ابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 2 ص 404، الزركشي (البحر المحيط) ج 8 ص 326. (1/559)
صفحة 560
***
فصول الأصول
***
جميع مخلوقاته فعال لما يريد، ليس كمثله شيء، وهو السميع البصير، والقدر كله خيره وشره كائن منه تعالى بخلقه وإرادته، علمه شامل للمعلومات كلها، وقدرته شاملة للمقدورات كلها ما علم أنه يكون أراد كونه فكان، وما علم أنه لا يكون لا يريد كونه فلا يكون، فالإدارة تابعة للعلم، وصفات ذاته تعالى كالقدرة وهي: صفة تؤثر في الشيء عند تعلقها به، وكالعلم وهو: صفة ينكشف بها الشيء عند تعلقها به وكالحياة والارادة والبقاء والسمع والبصر ونحوها مما اتصف بها سبحانه في الأزل، ودلت على تنزيهه عن النقائص هي قديمة، لأنها عين ذاته تعالى ليست شيئا غيره (1)، وأما صفات الأفعال كالخلق والرزق والأحياء والإماتة فهي حادثة متجددة عند أصحابنا المشارقة وجمهور الأشاعرة، وقديمة – أيضا – عند المغاربة والحنفية على أن خالق عندهم معنى سيخلق، ورازق بمعنى سيرزق وهكذا)، حكاه شيخنا (3) نقلا عن البدر التلاتي (4) والقرآن كلامه تعالى، ووحيه وتنزيله، وهو مخلوق محدث لأنه مكتوب في المصاحف بأشكال الكتابة، وصور الحروف، متلو بالألسن، محفوظ في الصدور، موصوف بالتشابه والتماثل، وبالذهاب والحدوث والنزول، وأنه في اللوح وفي صدور الذين أوتوا العلم، ونحو ذلك، (1) هذا مذهب الإباضية قاطبة. السالمي (مشارق أنوار العقول ص 173، والمعتزلة والشيعة. القاضي عبد الجبار (شرح الأصول (الخمسة ص 182، أما الأشاعرة فقد ذهبوا إلى أن صفات الذات غير الذات بل هي زائدة عليها، البيهقي (الأسماء والصفات) ج 1 ص 188، الغزالي (الاقتصاد في الاعتقاد) ص 22، وقد استدل أصحاب القول الأول بأدلة منها: أن صفات الذات لو كانت غير الذات للزم إما أن تكون موجودة قبله، وهذا باطل أنه يستلزم ان يكون الله حادثا تعالى الله عن ذلك، وإما أن تكون موجودة بعده، وهذا باطل كذلك لاستلزامه أن تكون الذات تعالى قبل وجود تلك الصفات غير متصفة بالكمالات، فيلزم اتصافها بالنقص، وإما أن تكون مقارنة له في الوجود، وهو باطل – أيضا – لاستلزامه تعدد القدماء، ومما استدل به أصحاب القول الثاني قياس الغائب على الشاهد فقالوا: إن العلية والشرطية لا تتخلف في الشاهد والغائب، بل هي فيهما سواء ولا شك أن علة تسمية العالم عالما إنما هي قيام صفة العلم به، وحد هو من قام به العلم وشرط تسمية الشيء بالمشتق هو أن يكون فيه أصل ذلك المشتق، فشرط تسمية العالم عالما هو قيام العلم به، فالعلم شرط لصحة التسمية بالعالم وعلة للتسمية (تنظر المراجع السابقة). (2) السالمي (مشارق الأنوار) ص 173، البيهقي (الأسماء والصفات) ج 2 ص 113، أبو حنيفة (الفقه الأكبر بشرح الملا علي القاري) ص 45.
العالم.
(3) أي السالمي (مشارق) أنوار العقول ص 173.
(4) البدر التلاتي: هو الشيخ أبو سليمان داود بن ابراهيم الثلاثي الجربي - نسبة إلى جزيرة جربة بتونس، من كبار المذهب الاباضي، من مؤلفاته شرح علي متن ابساغوجي في المنطق، وشرح على الاجرومية وشرح مقدمة التوحيد توفي سنة 976 هـ أبو اسحاق أطفيش (تعليق على كتاب مقدمة التوحيد وشروحها) ص 12. (1/560)
صفحة 561
***
فصول الأصول
***
وهذه كلها من صفات الحوادث (1)، وهو تعالى يثيب على الطاعة بفضله، ويعاقب على المعصية بعدله، ويستحيل وصفه تعالى بالظلم لأنه مالك الأمور على الإطلاق والظلم إنما هو التصرف في ملك الغير بغير رضى ولا يظلم ربك أحدا الله وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (2) وتستحيل عليه الرؤية إذ من لوازمها التحيز والحلول في جهة ولقوله تعالى ولا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَرُ له (3) ونحوها (4)، والرضى والمحبة من الله تعالى غير المشيئة والإرادة، فإن معنى الأولين أخص من معنى الثانيين إذ الرضي: الإرادة من غير اعتراض، والأخص غير الأعم، فهو لا يرضي لعباده الكفر، وقد وقع من بعضهم بمشيئته وإرادته لقوله: {وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ ه)، وهو الرازق لا رازق سواه، خلافاً للمعتزله القائلين: من حصل له الرزق بكد وتعب فهو رازق لنفسه، ومن جاءه بلا تعب فرازقه الله)، بيده الهداية والإضلال والكفر والايمان 6 والطاعة والعصيان لقوله: بيده ملكوت كل شيء () و من العبد الفعل والاكتساب، وعليهما علق المدح والذم والثواب والعقاب، والتوفيق: خلق القدرة على الطاعة، وقيل: خلق الطاعة والخذلان خلق القدرة على المعصية، وقيل: خلق المعصية له، وقيل: ترك العبد وشأنه (8)، أرسل الرسل مؤيدين بالمعجزات الباهرات، وخص محمدا - - من بينهم بكونه خاتم النبيين مبعوثا إلى الخلق أجمعين، ويليه في تالى الله الفضل الرسل فالأنبياء فالملائكة - عليهم الصلاة والسلام - فالمؤمنون على اختلاف
(1) عبد الجبار (شرح الاصول الخمسة ص 528، السالمي (مشارق انوار العقول) ص 244، الخليلي (الحق الدامغ) ص 107. (2) القرآن الكريم، سورة فصلت (مكية) آية رقم 46. (3) القرآن الكريم، سورة الأنعام (مكية) آية رقم 103. (4) سبق الكلام عن هذه المسألة.
(5) القرآن الكريم، سورة الأنعام (مكية) آية رقم 112. (6) جاء في شرح الاصول الخمسة ما يلي: فاعلم أن الأرزاق كلها كأنها من جهة الله تعالى فهو الذي خلقها وجعل بحيث يمكن الانتفاع بها، فهو الرزاق حقيقة وإذا وصف الواحد منا فيقال: رزق الأمير جندة .. كان على نوع التوسيع والمجاز غير أنه ينقسم إلى ما يصل من جهة الله ابتداء، وإلى ما يحصل بالطلب .. عبد الجبار (شرح الاصول الخمسة ص 786، فالظاهر من هذا الكلام أن إسناد الرزاق إلى المخلوق إنما
هو من جهة المجاز، وأن الرزاق حقيقة هو الله تعالى.
(7) ابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 2 ص 413.
(8) القرآن الكريم، سورة المؤمنون (مكية) آية رقم 88.
?? (1/561)
صفحة 562
***
فصول الأصول
***
درجات الكل، والمعجزة أمر خارق للعادة مقرون بالتحدي مع عدم المعارضة، والتحدي دعوى الرسالة، والإيمان التصديق بالقلب، ولا يكفي في الخروج به عن عهدة التكليف بالإيمان دون التلفظ بالشهادتين مع القدرة عليه، والإسلام الإذعان والانقياد لأحكام الله تعالى، والإحسان أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك، والشفاعة حق للمؤمنين، وأول الشفعاء وأولاهم سيدنا محمد - (1) ويجب الإيمان بالموت والبعث والحساب والثواب والعقاب.
وستم
ولا يموت أحد إلا بأجله. والنفس بعد مفارقتها البدن باقية منعمة او معذبة، وهل تفنى عند النفخة الاولى أولا؟ قولان (2)، وينفي الإنسان كله إلا عجب الذنب (3) بفتح العين، سكون الجيم - ففي فنائه قولان والمشهور لا (4). وكرامات الأولياء حق واقعة ومنها كتاب عمر لنيل، مصر، وقوله يا سارية الجبل، والقصتان مشهورتان (5)، وعذاب القبر وسؤال الملكين حق عندنا (6) والجنة والنار مخلوقتان الآن
-
(1) السالمي (مشارق الأنوار ج 2 ص 132. (2) المرجع السابق ص 419.
(3) العجب من كل دابة: ما انضم عليه الوركان من أصل الذنب المغروز في مؤخر العجز، والعجب العظم الذي في أسفل الصلب عند العجز. ابن منظور (لسان العرب باب الباء، فصل العين ج 1 ص 582، د.
إبراهيم أنيس وآخرون (المعجم الوسيط باب العين) ج 2 ص 584.
(4) ابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 2 ص 419، السالمي (مشارك الأنوار) ص 261. (5) أما القصة الأولى فقد ذكر أن النيل لا يجري حتى يلقى فيه جارية عذراء في كل عام حتى جاء الاسلام، فمنعهم عمرو بن العاص. من هذه العادة، فامتنع النيل من الجريان، فكتب عمرو إلى الإمام عمر بن الخطاب بذلك، فبعث إليه الإمام عمر ببطاقة فيها: من عمر أمير المؤمنين إلى نيل مصر، أما بعد: فإن كنت تجري من قبلك فلا تجر، وإن كان الله الواحد القهار هو الذي يجريك فنسال الله الواحد القهار أن يجريك فألقى عمرو البطاقة في النيل، فجرى بمشيئة الله تعالى. ابن السبكى طبقات الشافعية) ج 2 ص 326، وأما القصة الثانية فهي أن عمر بن الخطاب - ر الله - أمر سارية على جيش من جيوش المسلمين وجهزه إلى بلاد فارس، فاشتد الحال على جيشه، وتكاثرت عليه الجموع، وكادت أنتقع الهزيمة بالمسلمين وكان عمر - الله - بالمدينة، فصعد المنبر وخطب، ثم استغاث في أثناء الخطبة بأعلى صوته؛ يا سارية الجبل، يا سارية الجبل، فأسمع الله ذلك الصوت جيش المسلمين فلجأوا إلى الجبل فنجوا فانتصروا، ابن السبكي (طبقات الشافعية) ج 2 ص 323. (6) الباقلاني (تمهيد الأوائل) ص 258، ابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 2 ص 421، اللالكائي هبة الله ابن الحسن الطبري (شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة) ج 2 ص 216، السالمي (مشارق
الأنوار) ص 271
562 (1/562)
صفحة 563
563
***
فصول الأصول
***
(1)
على الأصح). ويجب على الناس نصب إمام يقوم لهم بأمور دينهم ودنياهم ويجوز الخروج عندنا على السلطان الجائر لأنه خليع بجوره (3)، ولا يجب على الله شيء لأن الكل ملكه يتصرف فيه كيف يشاء، خلافا للمعتزلة).
وأسماء الله تعالى توفيقية على الأصح)، وما أعطي الكافر من نعم الدنيا وملاذها استدراج له من الله تعالى، ونقمة منه عليه يزداد بها عذابا في الآخرة. والجوهر الفرد وهو الجزء الذي لا يتجزأ ثابت في الخارج (6) على الأصح وغن لم ير عادة إلا بانضمامه إلى غيره، والحكماء ينفون ذلك)، والنسب والإضافات أمور اعتبارية يعتبرها العقل، ولا وجود لها في الخارج.
وقالت الحكماء: إن الأعراض (8) النسبية موجودة في الخارج، وهي سبع: الأين وهو حصول الجسم في المكان، والمتى وهو حصول الجسم في الزمان، والوضع وهي: هيئة تعرض للجسم باعتبار نسبة أجزائه بعضها إلى بعض ونسبتها إلى الأمور الخارجة عنه كالقيام والانتكاس والملك وهي هيئة تعرض للجسم باعتبار ما يحيط به وينتقل بانتقاله كالتقمص والتعمم. وأن يفعل وهو: تأثير الشيء في غيره ما دام يؤثر، وأن ينفعل وهو تأثير الشيء عن غيره ما دام يتأثر كحال المسخن ما دام يسخن (1) ابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 2 ص 421، اللالكائي (شرح أصول اعتقاد أهل السنة) ج 6 ص 1184، السالمي مشارق الأنوار) ص 278 (2) أبو عمار (الموجز) ج 2 ص 175 - 176، القطب محمد بن يوسف (شرح كتاب النيل) ج 14 ص 271. (3) القطب، محمد بن يوسف (شرح كتاب النيل) ج 14 ص 342. (4) القاضي عبد الجبار (شرح الأصول الخمسة) ص 644، ابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 2 ص 423، أبو عمار (الموجز) ج 2 ص 175 - 176.
(5) ابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 2 ص 425، السالمي (مشارق الأنوار) ص 270. (6) الجوهر: ماهية إذا وجدت في الأعيان كانت لا في موضوع، أو: هو المتحيز بالذات، فإن كان محلا فهو الهيولي والمادة، وإن كان حالا فهو الصورة الجسمية أو النوعية، وإن لم يكن حالا ولا محلا فإن كان مركبا منهما فهو الجسم الطبيعي، وإن لم يكن كذلك، فإن كان متعلقا بالأجسام تعلق التدبير والتصرف فهو النفس الإنسانية أو الفلكية، وإلا فهو العقل، نكري، عبدالنبي ابن عبدالرسول (جامع العلوم) ج 1 ص 418. (7) ابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 2 ص 426، نكري، عبدالنبي (جامع العلوم) جا
ص 418، 419.
(8) الأعراض، مفردها عرض، وهو الموجود في الموضوع، أي الممكن الوجود الذي يحتاج في وجوده إلى موضوع، أي محل مقوم يقوم به، ولذا قال المناطقة: العرض هو الحال في المتحيز بالذات، نكري عبدالنبي (جامع العلوم) ج 2 ص 316. (1/563)
صفحة 564
***
فصول الأصول
***
والمتسخن ما دام يتسخن، والإضافة وهي: نسبة تعرض للشيء بالقياس إلى نسبة أخرى كالأبوة والبنوة (1)، والعرض لا يقوم بالعرض على الأصح وإنما يقوم بالجسم أو بالجوهر الفرد، وجوز الحكماء قيام العرض بالعرض إلا أنه بالآخرة تنتهي سلسة الأعراض إلى جوهر، أي: جوزوا اختصاص العرض بالعرض اختصاص النعت بالمنعوت كالسرعة والبطء للحركة، وعلى الأول وهما عارضان اللجسم، أي: أنه يعرض له لا تخلل الحركات بسكنات او تخللها بذلك، والعرض لا يبقى زمانين عندهم بل ينقضي ويتجدد مثله بإرادة الله تعالى في الزمان، وهكذا على التوالي حتى يتوهم من حيث المشاهدة أنه أمر مستمر باق.
وقالت الحكماء: إنه يبقى إلا الحركة والزمان بناء على أنه عرض، والعرضان المثلان بأن يكونا من نوع واحد لا يجتمعان في محل واحد كالضدين فإنهما لا يجتمعان كالسواد والبياض، والخلافان أعم من الضدين فهما يجتمعان من حيث الأعمية كالسواد والحلاوة، وفي كل هذه الأقسام يجوز ارتفاع الشيئين معا، وأما النقيضان فلا يجتمعان ولا يرتفعان (2)، وذلك كالقيام وعدمه. وطرفا الممكن هما فيه على السواء جوهرا كان أو عرضا ليس أحدهما أولى به أعني بطرفيه الوجود والعدم، وقيل: العدم أولى به لأنه أسهل وقوعا في الوجود لتحققه بانتفاء شيء من أجزاء العلة التامة للوجود المفتقر في تحققه إلى تحقق جميعها. وقيل: الوجود أولى به عند وجود العلة وانتفاء الشرط لأنه قد وجدت العلة وإن لم يوجد هو لانتفاء الشرط (3).
والزمان قيل: هو جوهر ليس بجسم، أي: ليس مركب ولا جسماني، أي: ولا داخل في الجسم فهو قائم بنفسه مجرد عن المادة، وقيل: هو فلك معدل النهار، وهو جسم سميت دائرته أي منطقة البروج (4) منه بمعدل النهار لتعادل الليل والنهار في جميع البقاع عند كون الشمس عليها، وقيل: هو عرض، وعليه فقيل: حركة
(1) المحلي (شرح المحلي على جمع الجوامع) ج 2 ص 426. (2) ابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 2 ص 426، نكري عبدالنبي (جامع العلوم) ج 1 ص 361، ص 262، وص 359، الميداني حبنكة (ضوابط المعرفة) ص 58.
(3) ابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 2 ص 427. (4) البروج: الكواكب العظام: الزبيدي (تاج العروس) باب الجيم فصل الباء ج 2 ص 7، إبراهيم أنيس (المعجم الوسيط) باب الباء ج 1 ص 48. (1/564)
صفحة 565
***
فصول الأصول
***
معدل النهار وقيل: مقدار الحركة المذكورة، ومنهم من يعبر عن ذلك بحركة الفلك ومقدارها، وقال ابن السبكي: والمختار أنه مقارنة متجدد موهوم) لمتجدد معلوم، إزالة للإبهام من الأول بمقارنته للثاني كما في: آتيك عند طلوع الشمس: وهذا قول المتكلمين وما قبله للحكماء (2).
ولا يخلو الجوهر مفردا كان أو مركبا عن جميع الأعراض بل يجب أن يقوم به عند وجوده شيء منها لأنه لا يكون موجودا بدون تشخيص، والتشخيص لا يكون إلا بالأعراض، والجوهر المركب وهو الجسم غير مركب من الأعراض لأنه يقوم بنفسه بخلاف الأعراض (3). والمعلول يقارن علته في الزمان عند الأكثر سواء كانت العلة عقلية أو وضعية، وقيل: يعقبها مطلقا، واختاره ابن السبكي تبعا لوالده، وقيل: يعقبها إن كانت وضعية ويقارنها إن كانت عقلية.
واللذة الدنيوية محصورة عند بعضهم في المعارف، أي: فيما يدرك بالعقل قالوا: والذي يتوهم من لذة حسية (5) كقضاء شهوتي البطن والفرج أو خيالية كحب الاستعلاء والرئاسة فهو دفع الآم، فلذة الأكل والشرب والجماع دفع ألم الجوع والعطش ودغدغة المني لأوعيته، ولذة الاستعلاء والرئاسة دفع ألم القهر والغلبة، وقيل: هي إدراك الملائم من حيث الملائمة قال ابن السبكي: والحق أن الإدراك ملزومها لا هي (6)، ومقابل اللذة الألم، فهو على القول الأخير إدراك غير الملائم. وكل ما يتصوره العقل لا يخلو من أحد ثلاثة أمور: إما واجب أو ممتنع أو ممكن، لأن ذات ذلك الشيء المتصور: إما أن تقتضي وجوده في الخارج أو عدمه أو لا تقتضي واحدا منهما، فالأول الواجب والثاني الممتنع والثالث الممكن. انتهى. والله أعلم.
(1) الوهم من خطرات القلب، أو مرجوح طرفي المتردد فيه، الفيروز آبادي (القاموس المحيط) باب الميم، فصل الواو ج 4 ص 189، إبراهيم أنيس (المعجم الوسيط) باب الواو ج 2 ص 1103. (2) ابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 2 ص 429، ذكرى عبدالنبي (جامع العلوم) ج 2 ص 154. (3) ابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 2 ص 429، ذكرى عبدالنبي (جامع العلوم) ج 2 ص 370. (4) ابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 2 ص 427. (ه) في أخسية. (6) إخوان الصفا (رسائل إخوان الصفا) ج 3 ص 49، ابن السبكي (مع الجوامع بشرح المحلي) ج 3 ص 430. (1/565)
صفحة 566
المجال: المطبوعات، كتب
المادة: أصول الفقه
------------------------------------------
العنوان: كتاب فصول الأصول
المؤلف: خلفان بن جميل السيابي
دراسة وتحقيق: سليم بن سالم بن سعيد آل ثاني
الناشر: وزارة التراث والثقافة
مكان النشر: مسقط - سلطنة عمان
تاريخ النشر: 1436ه/ 2015م
الطبعة: 3
ردمك: 978-99969-0-349-6
الإيداع القانوني: 2014/329
مصدر البيانات من برنامج الرستمي بموقع المنهاج:
https://www.elminhaj.org/catalogue_rech_notis.php?id_liv=5373&id_ty=1
------------------------------------------
مصدر النسخة المصورة للكتاب (PDF) من موقع المكتبة السعيدية:
https://alsaidia.com/node/568
ملاحظة: قامت المكتبة السعيدية باستغلال تقنية التعرف الضوئي على الحروف في اللغة العربية (OCR) في إنشاء هذه النسخة المصورة (PDF)، لذلك فإنه يمكن البحث فيها للوصول إلى المعلومة بسهولة.
تنبيه: قام فريق مشروع المكتبة الشاملة الإباضية باستغلال تلك التقنية لتوفير النص المرقون، وذلك بالتحويل الآلي لصور صفحات الكتاب إلى نص، لذا فالنص الناتج ليس صحيحا 100%، لذا يمكن استخدام ذلك النص لنسخ جمل وفقرات من هذا النص الناتج، مع ضرورة مراجعته ومقارنته بنسخة (PDF) المرفقة، وتعديله وفقا لذلك قبل اعتماده.
ترقيم الصفحات: موافق للمطبوع
تاريخ النشر الرسمي بالشاملة الإباضية: 18 شعبان 1446ه/ 17 - شهر 02 - 2025م. ***
فصول الأصول
***
(تتمة)
أول الواجبات معرفة الله سبحانه وتعالى، هي الأساس وعليها ينبني سائر التكليفات، وقيل: أول الواجبات النظر المؤدي إليها، وقيل: أول النظر لتوقف النظر على أول أجزائه، وقيل: قصد النظر لتوقف النظر على قصده، وإذا عرفت ذلك فاعلم أن من علت به همته وطابت طويته يربأ بنفسه عن سفاسف الأمور وديناتها من الأخلاق المذمومة كالكبر والغضب والحقد والحسد وسوء الخلق وقلة الاحتمال والطيش والفخر والخيلاء والعجب والاحتقار للغير أو التعاظم في نفسه والظلم لغيره ونحوها، ويجتح بها إلى معالي الأمور من الأخلاق المحمودة كالتواضع والصبر وسلامة الباطن والزهد وحسن الخلق وكثرة الاحتمال، فهذه ونحوها دليل على علو همة الرجل كما قال - -: إن الله تعالى يحب معالي الأمور، ويكره صلى الله سفاسفها (1)، ومن عرف ربه فخاف عقابه ورجا ثوابه وأصغى إلى أوامره ونواهيه، فامتثل مأموراته واجتنب منهياته، وسارع جهده إلى مندوباته، أحبه مولاه، وقربه وأدناه، فكان سمعه وبصره ورجله التي بها يمشي، ويده التي بها يبطش، فإن استعاذه اعاذه وإن استنصره نصره، وإن سأله أعطاه، وإن استهداه هداه، فطوبى لعبد عرف مولاه فأطاعه فيما أمره، ونهاه ورفض هواه و آثر آخرته على دنياه، وترك ما يحبه لما يخشاه، وشكر نعماه، وصبر على بلواه، وأجهد نفسه في طاعته ورضاه، وراضها بصنوف عبادته وتقواه، ورحم الله عبدا سمع حكما فوعى، ودعي إلى حق فدنا، واخذ بحجزة هاد فنجا، راقب ربه، وخاف ذنبه، قدم خالصا، وعمل صالحا، وكسب مذخورا، واجتنب محذورا، رمي غرضا فأحرز عوضا، کابر هواه، وكذب مناه، جعل الصبر مطية نجاته، والتقوى عدة وفاته، ركب الطريقة الغراء، ولزم المحجة البيضاء، اغتنم المهل، وبادر الأجل، وتزود خير العمل، وقصر الأمل، وتورع عن المحارم، واجتنب مظان الظلم والمآثم، فلم يخش إلا الله، ولم يراقب أحدا سواه.
(1) الحديث أورده علاء الدين الهندي بلفظ إن الله يحب معالي الأخلاق، ويكره سفاسفها، الهندي (كنز العمال) حديث 5180 ج 3 ص 10. (1/566)
صفحة 567
***
فصول الأصول
***
هذا آخر ما يسر الله لنا، ومن به علينا من تصنيف هذا الكتاب المسمى بفصول الأصول في أصول الفقه، نسأل الله أن يجعله خالصا لوجهه الكريم، وأن يتلقاه بالقبول، فهو ولينا وحافظنا فيما نعمل ونقول، وهو حسبنا ونعم الوكيل ونعم المولى ونعم النصير، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وكان الفراغ من تسويده ليلة ثماني عشرة والثلاثاء من شره صفر من شهور سنة سبع وخمسين وثلاثمائة وألف للهجرة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة وأزكى التحية. (1/567)
صفحة 568
***
فصول الأصول
الخاتمة
***
تتضمن النتائج التالية:
أ. يعد الشيخ خلفان بن جميل السيابي أحد الأعلام البارزين في عصره، ممن يرجع إليه في الفتاوى، ويستهدى برأيه في فهم دقائق علوم الشريعة. ب. الفترة التي عاشها المؤلف فترة حرجة اتسمت بنوع من التغيرات السياسية والاقتصادية والفكرية على الساحة العمانية، لكن رغم ذلك استطاع هذا العلم أن يصمد أمام تحديات الواقع، ويشق طريقه نحو العلم، فنال مرامه، وأصبح منارا يهتدى به. ج أنفق المؤلف من خزانته العلمية، فقد تخرج عليه جملة من طلبة العلم أصبحوا أعلاما لهم مكانتهم في المجتمع، كما ترك مؤلفات في علوم الشريعة استفاد منها كثير من طلبة العلم.
د.
0
و مما تركه من ذخائر كتابه فصول الأصول، وهو كتاب مختصر في أصول الفقه بعبارات سهلة وأسلوب جزل خال من
التعقيد.
وتعتبر نسبة الكتاب إلى المؤلف نسبة صحيحة لا غبار عليها. و. وبعد استقراء الكتاب تبين أن المؤلف اختار في منهجه طريقة الجمع بين منهجي الجمهور والحنفية متأثرا بجمع الجوامع وطلعة الشمس.
ز من محاسن هذا الكتاب أنه يحتوي على آراء علماء المذاهب الإسلامية المختلفة
وأقوالهم. ح. قسم المؤلف كتابه إلى مقدمة وسبعة كتب وخاتمة، وهذا التقسيم سار عليه ابن السبكي في جمع الجوامع، والبيضاوي في المنهاج والفخر الرازي في
المحصول.
ط. للمؤلف استقلالية في الرأي، فقد كان يرجح ما يراه صوابا في نظره حتى لو خالف ما عليه جمهور علماء مذهبه، إذ العبرة بالدليل.
ي. يعبر هذا الكتاب عن وجهة نظر الإباضية في كثير من المسائل الأصولية.
568 (1/568)
صفحة 569
***
فصول الأصول
***
أرجوا أن يكون هذا العمل دافعا لطرق أبواب خزائن المخطوطات من قبل باحثين جادين لينشروا هذا الموروث الفكري الضخم الذي طالما انتظر من ينفض عنه الغبار ليظهر في فجر يوم جديد حتى يروي ظمأ المتعطشين للعلم من أبناء هذه الأمة.
والله ولي التوفيق، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم. (1/569)
صفحة 570
***
فصول الأصول
***
المراجع
* الآلوسي محمود (1270 - 1853) روح المعاني، دار الفكر للطباعة والنشر. الآمدي، علي بن محمد (635) - 1237) الإحكام في أصول الأحكام،
،
الطبعة الثانية، تحقيق الدكتور السيد الجميلي 1406 هـ - 1986 م. * أبو إسحق إبراهيم بن موسى الشاطبي (790 - 1388) الاعتصام، دار الفكر. * أبو الفرج ابن الجوزي (597 - 1200) صفة الصفوة، دار المعرفة، بيروت. * أبو الفرج، عبدالرحمن بن رجب (790 - 1392) القواعد في الفقه الإسلامي، الناشر، دار المعرفة، بيروت. * أبو بكر أحمد بن عبدالله (577 - 1162) المصنف، تحقيق د. عبدالمنعم عامر، مطبعة عيسى البابي الحلبي، القاهرة، نشر وزارة التراث القومي بسلطنة عمان. * أبو حفص عمرو بن جميع (ق 8 - 14) مقدمة التوحيد، صححها وعلق عليها أبو إسحاق إبراهيم أطفيش، مسقط، سلطنة عمان.
تحقيق
*
*
* أبو حيان، محمد بن يوسف (745 - 1344) تذكرة النحاة، الطبعة الأولى، د. عفيف عبدالرحمن، مؤسسة الهالة، بيروت 1406 هـ - 1986 م. أبو حيان، محمد بن يوسف (754 - 1353) البحر المحيط في التفسير، دار الفكر للطباعة والنشر، بيروت 1413 هـ – 1992 م. أبو داود سليمان بن الأشعث (275 - 888) سنن أبي داود، دار الحديث، القاهرة، 1408 هـ - 1988 م، الناشر دار الريان للتراث. * أبو عمار عبدالكافي (ق 6 - 12) الموجز، الطبعة الأولى، علق عليه عبدالرحمن عميرة، دار الجيل، بيروت، سنة 140 هـ - 1990. * أحمد بن حنبل (341 - 855) مسند الإمام احمد بن حنبل، الطبعة الأولى، المكتب الإسلامي، بيروت، 1413 هـ - 1993 م. * أحمد محمد شاكر، الباعث الحثيث شرح اختصار علوم الحديث، الطبعة الرابعة، دار إحياء الكتب العلمية، بيروت 1414 هـ - 1994 م. (1/570)
صفحة 571
071
***
فصول الأصول
***
*
الأرموي، محمد ابن أبي بكر (682 - 1283) التحصيل من المحصول، الطبعة الأولى، تحقيق عبد الحميد علي أبو زنيد، مؤسسة الرسالة للطباعة والنشر، بيروت 14085 هـ - 1988 م.
* الشافعي محمد بن إدريس (204 - 819) الرسالة - تحقيق أحمد محمد شاكر، دار الفكر، بيروت. * الأزميري، حاشية على مرآة الأصول.
*
الأزهري، خالد بن عبدالله (905 - 1499 هـ) شرح التصريح على التوضيح، دار الفكر للطباعة والنشر.
*
* الأسنوي، عبدالرحيم بن الحسن (772 - 1270) نهاية السول، عالم الكتب. الأشموني، علي بن محمد (900 هـ - 1435 م) شرح الأشموني على ألفية ابن مالك، دار الفكر للطباعة والنشر.
* الأصفهاني محمود بن عبدالرحمن (749 - 1348) شرح المنهاج للبيضاوي في علم الأصول، الطبعة الأولى، تحقيق د. عبد الكريم بن علي النملة 1410 هـ - 199 م، نشر مكتبة الرشاد بالمملكة العربية السعودية.
*
أعوشت، بكير بن سعيد، دراسات إسلامية في الأصول الإباضية، الطبعة الرابعة، المطابع العالمية، مسقط، سلطنة عمان 1409 هـ.
*
:
الألباني محمد ناصر الدين، إرواء الغليل في تخريج أحاديث منار السبيل، الطبعة الثانية، المكتب الاسلامي، بيروت، 1405 هـ - 1985 م. * أمير بادشاة، محمد أمين (972 - 1565) تيسير التحرير، دار الكتب العلمية،
بيروت.
*
الأنصاري، زكريا بن محمد (926 - 1520) التبصرة والتذكرة، دار الكتب
العلمية بيروت.
* الأنصاري، عبدالعلي محمد بن نظام الدين، فواتح الرحموت، الطبعة الثانية، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان. * الأهدل محمد بن أحمد بن عبدالباري (ق 13 - 19) الكواكب الدرية، الطبعة (1/571)
صفحة 572
***
فصول الأصول
***
الأولى، مؤسسة الكتب الثقافية، بيروت سنة 1410 هـ - 1990 م.
* إبراهيم أنيس وآخرون، المعجم الوسيط، دار الفكر.
* إبراهيم محمد إبراهيم شهداد، الصراع الداخلي في عمان خلال القرن العشرين 1913 - 1975 م الطبعة الأولى، دار الأوزاعي للطباعة والنشر، بيروت سنة 1409 هـ - 1989 م.
* ابن أبي الربيع عبيد الله بن أحمد (688) البسيط في شرح جمل الزجاجي، الطبعة الأولى، تحقيق د. الثبيتي عياد بن عيد، دار الغرب الإسلامي، 1407 هـ -
1986 م.
* ابن أمير الحاج (879 - 1474) التقرير والتحبير، الطبعة الثانية، دار الكتب العلمية، بيروت 1403 - 1983 الطبعة الأولى.
* ابن أبي الربيع، عبد الله بن أحمد (688 - 1289) البسيط في شرح جمل الزجاجي، تحقيق د. الثبيتي عياد بن عيد، دار الغرب الإسلامي 1407 هـ - 1986 م. ابن أبي الوفاء، القادر بن محمد، الجواهر المضية في طبقات الحنفية، الطبعة الثانية، تحقيق د. عبد الفتاح محمد الحلو، هجر للطباعة والنشر 1413 هـ - 1993 م. * ابن الأثير، علي بن محمد الجزري (630 - 1232) أسد الغابة في معرفة الصحابة، تحقيق البنا محمد إبراهيم وآخرون، دار الشعب. * ابن الجوزي عبدالرحمن بن علي (597 - 1200) زاد المسير في علم التفسير، الطبعة الثالثة المكتب الإسلامي - بيروت - 1404 هـ - 1984 م. * ابن الحاجب (646 - 1248) مختصر المنتهي الأصولي، الطبعة الثانية، دار الكتب الأولى،، صححه جماعة من العلماء، دار الكتب العلمية – بيروت -
1404 هـ - 1986 م.
*
ابن السبكي، عبدالوهاب بن علي (771 - 1369) طبقات الشافعية الكبرى، تحقيق الحلو، عبدالفتاح محمد، دار إحياء الكتب العربية.
ابن السبكي، عبدالوهاب (771 - 1369) جمع الجوامع بشرح المحلي، دار الفكر والنشر، وبحاشية العبادي أحمد بن قاسم، الطبعة الأولى، ضبطه زكريا (1/572)
صفحة 573
***
فصول الأصول
***
*
عميرات، دار الكتب العلمية، بيروت 1417 - 1996. ابن الصلاح عثمان بن عبدالرحمن (643 - 1245) مقدمة ابن الصلاح، الطبعة الثالثة، مؤسسة الكتب الثقافية، بيروت سنة 1415 هـ - 1995. * ابن العماد عبد الحي بن أحمد (1089 - 1687) شذرات الذهب في أخبار من ذهب، الطبعة الأولى، دار ابن كثير للطباعة والشنر، ودمشق 1411 هـ - 1996 م. ابن القصار، علي بن عمر (397 - 1678) شذرات الذهب في أخبار من ذهب، الطبعة الأولى، دار ابن كثير للطباعة والنشر، دمشق، 1411 هـ - 1991 م. * ابن القصار، علي بن عمر (397 - 1006) مقدمة في أصول الفقه، 1) الطبعة الأولى، تعليق السليماني، محمد بن الحسين، دار الغرب الإسلامي – بيروت - 1996 م. ابن السراج محمد بن سهل (316 - 928) الأصول في النحو، الطبعة الأولى،
*
تحقيق د. الفتلي عبد الحسين، مؤسسة الرسالة، بيروت 1405 - 1985. * ابن المرتضى، أحمد بن يحيى (840 - 1436) منهاج الوصول إلى معيار العقول في علم الأصول، الطبعة الأولى، تحقيق د. المآخذي، أحمد علي مظهر، دار الحكمة اليمانية للطباعة والنشر 1412 هـ – 1992 م. *
ابن الناظم، محمد بن محمد (686 - 1287) شرح الفية ابن مالك، تحقيق
د. عبد الحميد السيد محمد بن عبد الحميد، دار الجيل - بيروت. * ابن النجار محمد بن احمد (1564972) شرح الكوكب المنير، الطبعة الثانية، تحقيق الدكتور الزحيلي محمد، والدكتور نزيه حماد، طبع بمطابع جامعة أم
القرى سنة 1413 هـ. * ابن الهمام محمد بن عبدالواحد (861 - 1456) شرح فتح القدير، الطبعة الثانية، دار الفكر للطباعة والنشر، بيروت.
* ابن الهمام، محمد بن عبدالواحد (861 - 1456) التحرير، دار الكتب العلمية- بيروت. * ابن الوزير، محمد بن المرتضى (80 - 1087) إيثار الحق على الخلق، (1/573)
صفحة 574
***
فصول الأصول
**
الطبعة الأولى، صححه جماعة من العلماء، دار الكتب العلمية، بيروت 1403 هـ - 1983 م.
* ابن بركة، عبد الله بن محمد بين 342 - 355 - 953 - 965) كتاب الجامع،
تحقيق الباروني، عيسى يحيى، المطبعة الشرقية – مطرح – سلطنة عمان. * ابن برهان، أحمد بن علي (581 - 1185) الوصول إلى الأصول، تحقيق د. عبدالحميد علي أبو زنيد، مكتبة المعارف - الرياض – المملكة العربية السعودية،
سنة 1403 هـ - 1983.
* ابن حجر أحمد بن علي حجر (852 - 1448) الإصابة في تمييز الصحابة، الطبعة الأولى، تحقق علي محمد البجاوي، دار الجيل، بيروت 1412 هـ – 1992 م. ابن حزم علي بن احمد (456 - 1448) الإصابة في تمييز الصحابة، الطبعة
*
الولى، تحقق علي محمد البجاوي، دار الجيل، بيروت 1412 هـ – 1992 م. * ابن حزم، علي بن احمد (456 - 1063) المحلي، تحقيق لجنة إحياء التراث العربي، دار الجيل، بيروت. * ابن حزم، علي بن أحمد (456 - 1063) المحلي، تحقيق لجنة إحياء التراث العربي، دار الجيل، بيروت.
* ابن حزم علي بن أحمد (456 - 1063) النبذ في أصول الفقه، تحقيق د. السقا أحمد حجازي، دار الشباب للطباعة - القاهرة - 1401 هـ - 1981 م، الناشر مكتبة الكليات الأزهرية القاهرة.
*
ابن خزيمة، محمد بن إسحاق (361 - 923) صحيح ابن خزيمة، الطبعة الثانية، حققه وعلق عليه، محمد مصطفى الأعظمي، المكتب الإسلامي، بيروت،
1412 هـ – 1992 م.
*
ابن خلدون عبدالرحمن بن محمد (808 - 1406) مقدمة ابن خلدون، دار
الجيل، بيروت.
* ابن مهران احمد بن الحسين (3281 - 991) الغاية في القراءات العشر،
574 (1/574)
صفحة 575
***
فصول الأصول
***
الطبعة الثانية، دراسة وتحقيق محمد غياث الجنباز، دار الشواف للنشر والتوزيع، المملكة العربية السعودية 1411 - 1990.
* ابن خلكان، أحمد بن محمد (681 - 1282) وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان، تحقيق د. إحسان عباس، دار صادر، بيروت.
هـ
-
* ابن عبدالبر يوسف (463 هـ - (1070) جامع بيان العلم وفضله، الطبعة الأولى، تحقيق أبي الأشبال الزهيري، دار الحرمين للطباعة، القاهرة، سنة 1414 1994 م، نشر دار ابن الجوزي، المملكة العربية السعودية. * ابن عصفور علي بن مؤمن (669 - 1270) شرح جمل الزجاجي، الشرح الكبير، تحقيق د. صاحب أبو جناح. * ابن عطية عبد الحق (1147542) المحرر الوجيز، الطبعة الأولى، مطبوعات رئاسة المحاكم الشرعية بدولة قطر، سنة 1412 هـ - 1991 م. ابن عقيل، عبدالله (769 - 1367) المساعد على تسهيل الفوائد، الطبعة
*
الأولى، تحقيق وتعليق الدكتور بركات محمد كامل، 1402 هـ – 1982 م. * ابن قدامة عبد الله بن أحمد (620 - 1223) روضة الناظر وجنة المناظر، علق عليه عبدالكريم بن علي، دار الحرمين للطباعة، مكتبة الرشد، الرياض، المملكة
العربية السعودية.
*
*
*
ابن كثير عبدالله (774 - 1372) البداية والنهاية، الناشر مكتبة المعارف، بيروت، سنة 1410 هـ - 1990 م. ابن كثير عبدالله بن كثير (774 - 1370) اختصار علوم الحديث، الطبعة الرابعة، دار إحياء الكتب العلمية، بيروت 1414 هـ ـ 1994 م. ابن كثير عبدالله بن كثير (774 - 1372) السيرة النبوية، تحقيق مصطفى عبدالواحد، دار إحياء التراث العربي، بيروت. * ابن مالك، محمد بن عبدالله (673 - 1273) تسهيل الفوائد، الطبعة الأولى، تحقيق وتعليق الدكتور بركات محمد كامل، 1402 هـ – 1982 م. * ابن منظور، محمد بن مکرم (711 - 1311) لسان العرب، الطبعة الأولى (1/575)
صفحة 576
***
فصول الأصول
***
دار صادر، بيروت 1412 هـ – 1992 م.
*
ابن نجيم زين العابدين إبراهيم (970 - 1562)، الأشباه والنظائر على مذهب أبي حنيفة، الطبعة الأولى، دار الكتب العلمية - بيروت - لبنان سنة 1413 هـ -
1993 م.
*
* ابن هشام، عبدالله بن يوسف (761 - 1359) شرح قطر الندى وبل الصدى، الطبعة السابعة، تحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد، مطبعة الأمير، قم. ابن هشام، عبد الله بن يوسف (761 - 1359) مغني اللبيب بحاشية الدسوقي، ملتزم الطبع والنشر عبد الحميد أحمد حنفي، مصر. * ابن يعيش، يعيش بن علي (643 - 1359) مغني اللبيب بحاشية الدسوقي، ملتزم الطبع والنشر وعبد الحميد أحمد حنفي، مصر. * ابن يعيش، يعيش بن علي (643 - 1245) شرح المفصل، عالم الكتب، بيروت. الاستر ابادي، رضي الدين محمد بن الحسن (686 - 1287)، شرح الكافية في النحو دار الكتب العلمية، بيروت 1405 هـ - 1985 م. * الباجي سليمان بن خلف (474 - 1081) إحكام الفصول في أحكام الأصول، الطبعة الأولى، تحقيق عبد المجيد تركي، دار الغرب الإسلامي، 1407 هـ - 1986 م.
* الباقلاني، محمد بن الطيب (403 - 1012) إعجاز القرآن، المكتبة الثقافية، بيروت، لبنان.
* الباقلاني، محمد بن الطيب (403 - 1012) التقريب والإرشاد، الطبعة الأولى، تحقيق د. جوزنيد عبد الحميد بن علي، مؤسسة الرسالة، 1413 هـ - 1993 م.
البخاري، عبدالله بن مسعود (747 - 1346) التوضيح لمتن التنقيح، الطبعة الأولى، ضبطه زکريا عميرات، دار الكتب العلمية، بيروت 1416 هـ - 1996 م. البخاري، علاء الدين عبد العزيز بن أحمد (720 - 1320) كشف الأسرار عن أصول فخر الإسلام البزودي، تعليق وتخريج محمد المعتصم بالله البغدادي، دار
576 (1/576)
صفحة 577
577
***
فصول الأصول
***
الكتاب العربي.
،
* البخاري، محمد بن إسماعيل (256 - 870 هـ) صحيح البخاري، بشرح فتح الباري، الطبعة الأولى، صححه محي الدين الخطيب، دار الريان للتراث، القاهرة، 1407 هـ - 1986 م. * البدخشي، محمد بن الحسن، مناهج العقول، الطبعة الأولى، دار الكتب العلمية، بيروت 1405 هـ - 1984 م.
*
بدوي عبدالرحمن، مذاهب الإسلاميين، مطبعة العلوم - لبنان - 1983 م، نشر دار العلم للملايين، بيروت.
* البستي محمد بن حبان (354 - 965) مشاهير علماء الأمصار وأعلام فقهاء الأقطار، الطبعة الأولى، تحقيق مرزوق علي إبراهيم، مؤسسة الكتب الثقافية، بيروت 1408 هـ - 1978 م.
* البصري، أبو الحسين محمد بن علي بن الطيب (436 - 1034) المعتمد في أصول الفقه، دار الكتب العلمية، بيروت. * البطاشي سيف بن حمود: إتحاف الأعيان في تاريخ بعض علماء عمان، الطبعة الأولى، حدمات الإعلان السريع مسقط سنة 1415 هـ - 1994 م. البغدادي عبد القاهر بن طاهر (429 - 1037) الفرق بين الفرق، تحقيق محمد الدين عبد الحميد، المطبعة العصرية للطباعة والنشر، بيروت 1413 هـ - 1993 م. * البغدادي، عبد القادر بن طاهر (429 - 1037) الفرق بين الفرق، الطبعة الأولى، تحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد، المطبعة العصرية للطباعة والنشر، بيروت
*
محير
*
1411 هـ - 1990 م. البغدادي، عبدالقادر بن عمر (1093 - 1682) خزانة الأدب ولب لباب لسان العرب، الطبعة الثانية، تحقيق وشرح عبد السلام محمد هارون، مكتبة الخانجي للطبع والنشر والتوزيع 1409 هـ - 1989 م.
* البناني، محمد بن الحسن (1194 - 1780) حاشية البناني على شرح المحلي. دار الفكر للطباعة والنشر.
" (1/577)
صفحة 578
***
فصول الأصول
***
* الجلال المحلي، محمد بن أحمد (864 - 1459) شرح المحلي على جمع الجوامع، دار الفكر للطباعة والنشر.
البيضاوي، عبدالله بن عمر (685 - 1286) منهاج الأصول، عالم الكتب.
البيهقي أحمد بن الحسيني (458 - 1065) السنن الكبرى، دار الفكر. * التبريزي الخطيب محمد بن عبدالله (737 - 1337) مشكاة المصابيح بشرح مرقاة المفاتيح، الطبعة الأولى، تعليق صدقي محمد جميل، دار الفكر للطباعة والنشر، بيروت، 1412 هـ – 1992 م.
* الترمذي عيسى بن محمد (297 - 909) سنن الترمذي، تحقيق أحمد محمد شاکر، دار الكتب العلمية – بيروت.
* التفتازاني، مسعود بن عمر (793 - 1390) حاشية التفتازاني على مختصر المنتهى الأصولي، ضبطه دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، 1403 هـ - 1983 م. * التفتازاني، مسعود بن عمر (793 - 9089) التلويح على التوضيح لمتن التنقيح، الطبعة الأولى، ضبطه زکريا عميرات، دار الكتب العلمية، بيروت 1416 هـ - 1996 م.
* التيوجاني منهي بن عمر، أشعة من الفقه الإسلامي، الطبعة الأولى، مطابع النهضة سلطنة عمان 1417 هـ - 1996 م. * الجرجاني، علي بن محمد (816 - 1413) التعريفات، الطبعة الثانية، تحقيق الأبياري إبراهيم، دار الكتاب العربية، بيروت 1413 هـ – 1992 م. * التفتازاني، مسعود بن عمر (793 - 1390) شرح التلخيص، دار الإرشاد الإسلامي، بيروت، جريدة عمان، عدد خاص بمناسبة العيد الوطني السادس والعشرين 18/نوفمبر 1996 م.
*
الجزري محمد بن محمد (833 - 1426) غاية النهاية في طبقات القراء، الطبعة الثانية، دار الكتب العلمية، بيروت 1400 هـ - 1980 م. * الجزري محمد بن يوسف (711 - 1311) معراج المنهاج، الطبعة الأولى، حققه وقدم له شعبان محمد إسماعيل سنة 1413 هـ - 1993 م. (1/578)
صفحة 579
579
**
فصول الأصول
***
*
الجزري، محمد بن محمد (833 - 1429) النشر في القراءات العشر، دار الفكر. * الجزيري عبدالرحمن، كتاب الفقه على المذاهب الأربعة، دار الكتب العلمية بيروت، لبنان.
*
الجصاص أحمد بن علي (370 - 980) أحكام القرآن تحقيق قمحاوي محمد
الصادق دار إحياء التراث العربي، بيروت 1985 م 1405 هـ.
* الجوهري، إسماعيل بن حماد (1393 - 1003 هـ) الصحاح تاج اللغة، وصحاح العربية، الطبعة الرابعة، تحقيق عطار أحمد عبدالغفور، دار العلم للملايين، بيروت 1990 م.
* الجويني عبدالملك بن عبدالله (478 - 1085) كتاب التلخيص في أصول الفقه، الطبعة الأولى، تحقيق شبر أحمد العمري، دار البشائر الاسلامية، بيروت، لبنان 1417 هـ - 1996 م. * الجويني عبدالملك بن عبد الله (478 - 1085)، كتاب الاجتهاد، الطبعة الأولى، تحقيق د. أبو زنيد عبد الحميد، دار القلم للطباعة والنشر، دمشق – 1408 هـ - 1978 م. * الجويني، عبدالملك بن عبد الله (478 - 1085) البرهان في أصول الفقه، الطبعة الأولى، تحقيق دار: الديب، عبد العظيم محمود، دار الوفاء للطباعة والنشر، المنصورة 1412 هـ – 1992 م.
* حاجي خليفة مصطفى بن عبد الله (1067 - 1656) كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون، دار الفكر 1402 - 1982 م. * الحارثي، عبدالله بن سالم، أضواء على بعض أعلام عمان قديما وحديثا، المطابع العالمية، روي، سلطنة عمان.
* الحاكم محمد بن عبد الله (405 - 1014) المستدرك على الصحيحين، دراسة وتحقيق مصطفى عبدالقادر عطا، دار الكتب العلمية، بيروت. حجازي محمود فهمي وآخرون، دليل أعلام عمان، الطبعة الرابعة، المطابع
*
العالمية - (1/579)
صفحة 580
***
فصول الأصول
***
مسقط - سلطنة عمان - 1412 هـ - 1991 م.
* الحطاب محمد بن محمد (ق 11 هـ - 17 م) متممة الآجرومية، الطبعة الأولى، مؤسسة الكتب الثقافية بيروت، 1415 هـ - 1990 م.
الحلبي علي بن برهان الدين (1044 - 1634) السيرة الحلبية، دار إحياء التراث العربي - بيروت، الناشر المكتبة الإسلامية، بيروت. * الخبازي، عمر بن محمد (691 - 1291) المغني في أصول الفقه، الطبعة الأولى، تحقيق د. بقا محمد مظهر، جامعة أم القرى، المملكة العربية السعودية، 1403 هـ - 1983 م. * الخروصي سعيد بن خلف، أيام مع المرحوم خلفان بن جميل السيابي، ورقة عمل قدمت للمنتدى الأدبي بسلطنة عمان عام 91 - 1992 م، إصدار 1993/ 9 م، المطابع العالمية، روي، سلطنة عمان.
* الخروصي سليمان بن خلف، ملامح من التاريخ العماني، الطبعة الثانية 1417 هـ - 1996 م.
*
الخصيبي، محمد بن راشد (1411 - 1991) شقائق النعمان على سموط الجمعان في أسماء شعراء عمان طبع بوزارة التراث بعمان 1984 م. * الخطيب محمد أمين، الحركات الباطنية في العالم الإسلامي عقائدها وحكم الإسلام فيها، الطبعة الثانية 1406 هـ - 1986 م، نشر مكتبة الأقصى، عمان، الأردن.
1932
* خليفة بابكر الحسن، مناهج الأصوليين في طرق دلالات الألفاظ على الأحكام، الطبعة الأولى، دار الاتحاد الأخوي للطباعة، 1409 هـ - 1989 م. * المشهداني خليل، التطور السياسي في عمان بين سنة 1913 – 1932، رسالة ماجستير، جامعة بغداد، كلية الآداب، 1978/ 2/17 م. * الخليلي أحمد بن حمد، جواهر التفسير، مطابع جريدة عمان 1409 هـ - 1988 م، الناشر مكتبة الاستقامة – سلطنة عمان –. * الخليلي أحمد بن حمد، الحق الدامغ، مطابع النهضة، سلطنة عمان 1409 هـ. (1/580)
صفحة 581
581
***
فصول الأصول
***
* الخليلي أحمد بن حمد، جواهر التفسير، أنوار من بيان التنزيل، مطابع جريدة عمان للصحافة والنشر، روي، سلطنة عمان 1409 هـ - 1988 م الناشر: مكتبة الاستقامة، سلطنة عمان.
* الخوارزمي القاسم بن الحسين (617 هـ - 1220) شرح المفصل في صنعة الإعراب الموسوم بالتخمير، الطبعة الأولى، تحقيق الدكتور عبدالرحمن بن سليمان، العثيمين، دار الغرب الإسلامي، بيروت، لبنان، 1990 م.
* د. بشار عواد معروف وآخرون المسند الجامع، الطبعة الأولى، دار الجيل للطباعة والنشر، بيروت 1413 - 1993 ..
*
*
د. رجب محمد عبدالحليم و آخرون، عمان في التاريخ.
د. وهبة الزحيلي، المصالح المرسلة عند الفقهاء، ورقة عمل مقدمة لندوة الفقه الإسلامي المنعقدة بجامعة السلطان قابوس بسلطنة عمان في الفترة من 9 - 31 إبريل 1988 م، الطبعة الأولى 1410 هـ - 1990 م.
* الدار قطني علي بن عمر (385 - 995) سنن الدار قطني، تعليق العظيم آبادي محمد شمس الحق، دار المحاسن للطباعة بالقاهرة.
* الدسوقي، مصطفى محمد عرفة (1230 - (1815) حاشية الدسوقي على
مغني اللبيب، ملتزم الطبع والنشر وعبدالحميد أحمد حنفي – مصر. د. الفضلي عبدالهادي، مذكرة المنطق، مؤسسة دار الكتاب الإسلامي،
*
قم، إيران.
* الدمشقي، محمد أمين سويد (1355 - 1936) تسهيل الحصول على قواعد الأصول، الطبعة الأولى، تحقيق د. الخن مصطفى سعيد، دار القلم للطباعة والنشر، دمشق، 1412 هـ - 1991 م.
*
: الدمنهوري، أحمد (1192 - 1778) إيضاح المبهم في معاني السلم، الطبعة الأولى، تحقيق عمر فاروق الطباع، مكتبة المعارف، بيروت 1417 هـ - 1996 م. * الذهبي، محمد بن أحمد (748 - 1361) الكاشف في معرفة من له رواية في الكتب الستة، الطبعة الأولى، تعليق محمد عوامة، دار القبلة للعلوم الإسلامية المملكة السعودية، 1413 هـ – 1992 م. (1/581)
صفحة 582
***
فصول الأصول
***
* الرازي، الفخر، محمد بن عمر (606 - 1209) التفسير الكبير (مفاتيح الغيب) الطبعة الأولى، دار الكتب العالمية، بيروت 1411 هـ - 1990 م. الرازي، محمد بن عمر (606 - 1209) المحصول في علم أصول الفقه، الطبعة الثانية، دراسة وتحقيق الدكتور طه جابر فياض العلواني، مؤسسة الرسالة للطباعة والنشر، بيروت، سنة 1412 هـ – 1992 م.
*
*
الراشدي، سفيان بن محمد، كشف الغوامض في فن فرائض، الطبعة الثانية، مطبعة عمان ومكتبتها، سلطنة عمان، 1415 هـ - 1994 م. * الربيع بن حبيب بين 175 - 180، 791 - 796) الجامع الصحيح، الطبعة الأولى، المطابع الشرقية، سلطنة عمان 1415 هـ - 1994 م. روبرت جيران لا ندن، عمان منذ 1856 مسيرا ومصيرا، الطبعة الرابعة،
*
*
ترجمة محمد أمين عبد الله، وزارة التراث بعمان 1409 هـ - 1989 م. الزبيدي، محمد مرتضي، (1205 - 1791 هـ) تاج العروس من جواهر القاموس، الطبعة الأولى، المطبعة الخيرية، مصر، 1306 هـ. * الزحيلي وهبة، أصول الفقه، الطبعة الأولى، دار الفكر للطباعة والنشر، بيروت 1986 م. * الزرقاء، أحمد بن محمد (1357 - 1938) شرح القواعد الفقهية، الطبعة الثالثة، دار العلم للطباعة والنشر - دمشق - 1414 هـ - 1993 م. الزرقاني محمد بن عبد العظيم (1367 - 1948) مناهل العرفان في علوم القرآن، دار إحياء الكتب العربية. الزركشي، محمد بن بهادر (794 - 1391) البحر المحيط، الطبعة الأولى،
*
*
تحقيق لجنة من علماء الأزهر، دار الاتحاد للطباعة 1414 هـ - 1994 م. الزركلي خير الدين محمود بن محمد (1396 - 1976) الأعلام، مطبعة
*
ن العلوم دار العلم للملايين، بيروت لبنان.
الزمخشري، محمود بن عمر (528 - 133) الكشاف، الطبعة الثالثة، دار الكتاب العربي، بيروت 1407 هـ - 1987 م.
582 (1/582)
صفحة 583
***
فصول الأصول
***
* الزنجاني، محمود بن أحمد (656 - 1258) تخريج الفروع على الأصول، الطبعة الخامسة، تحقيق د. محمد أديب صالح، مؤسسة الرسالة للطباعة والنشر، بيروت، 1407 هـ - 1987 م.
* الزيلعي، عبدالله بن يوسف (762 - 1360) نصب الراية تخريج أحاديث
الهداية، الطبعة
*
الأولى، تحقيق شمس الدين أحمد، دار الكتب العلمية، بيروت 1416 هـ -
1996 م.
* السالمي عبدالله بن حميد (1332 هـ - 1913) معارج الآمال على مدارج الكمال نظم مختصر الخصال، مطابع سجل العرب 1404 هـ - 1984 م، نشر وزارة التراث القومي بسلطنة عمان. * السالمي محمد بن عبدالله وناجي عساف، عمان تاريخ يتكلم، المطبعة العمومية
بدمشق 1383 هـ - 1963 م.
* السالمي، عبدالله بن حميد (1332 - 1913) العقد الثمين، مطبعة دار الشعب، القاهرة.
* السمر قندي محمد بن أحمد (ق 6 هـ - 12 م) ميزان الأصول، دراسة وتحقيق د. عبدالملك السعدي، مطبعة دار الخلود.
* السالمي، عبدالله بن حميد (1332 - 1913) مشارق أنوار العقول، الطبعة الثانية، تعليق الخليلي أحمد حمد، مطابع العقيدة، سلطنة عمان 1398 – 1978 م. * السالمي، عبدالله بن حميد (1332 - 1913) شرح الجامع الصحيح، الطبعة الثالثة، الناشر: مكتبة الاستقامة، سلطنة عمان.
* السالمي، عبد الله بن حميد (1332 - 1913) شرح طلعة الشمس على
الألفية، الطبعة الثانية، المطبعة الشرقية، سلطنة عمان 1405 - 1995 م. * السالمي، عبدالله بن حميد (1332 - 1913)، تحفة الأعيان بسيرة أهل عمان مكتبة إشاعة الإسلام. السبحاني جعفر، بحوث في الملل والنحل، الطبعة الأولى، تحقيق محمد محيى
* (1/583)
صفحة 584
***
فصول الأصول
***
الدين عبد الحميد، مطبعة الشهيد، قم.
*
*
* السخاوي محمد بن عبدالرحمن (902 - 1496) الضوء اللامع لأهل القرن التاسع، الطبعة الأولى، دار الجيل، بيروت، 1412 هـ – 1992 م. السرخسي، محمد بن أحمد (490) - 1097) المبسوط، دار المعرفة بيروت. السرخسي، محمد بن احمد (490 - 1096) أصول السرخسي، تحقيق أبو الوفا الأفغاني، دار المعرفة، بيروت. * سعدي أبو حبيب، القاموس الفقهي لغة واصطلاحا، الطبعة الثانية، دار الفكر، دمشق، 1408 هـ - 1988 م. السعدي جميل بن خميس (ق 13 هـ - 19 م) قاموس الشريعة، تحقيق د. عبد الحفيظ شلبي، مطابع دار جريدة عمان سنة 1408 هـ - 1988 م، نشر وزارة التراث القومي بسلطنة عمان. * د. السعدي عبد الحكيم بن عبدالرحمن، مباحث العلة في القياس عند دار الإمام النووي الأردن 1416 هـ - 1995 م. السكاكي يوسف ابن أبي بكر (626 - 1228) مفتاح العلوم، الطبعة الأولى،
*
*
ضبطه وشرحه الأستاذ نعيم زرزور، بيروت، لبنان، 1403 هـ - 1983 م. السلمي محمد بن الحسين (412 - 1021) طبقات الصوفية، الطبعة الثانية،
*
تحقيق شريبه نور الدين، دار الكتاب النفيس، حلب، 1406 هـ - 1989 م. * السيابي أحمد بن سعود، الشيخ خلفان بن جميل السيابي (زهدة وورعه) ورقة عمل قدمت للمنتدى الأدبي بسلطنة عمان، عام 91 - 1993 م، إصدار 1993/ 9 م، المطابع العالمية، روي، سلطنة عمان.
*
السيابي، خلفان بن جميل 1308 - 1890) بهجة المجالس، الطبعة الثانية 1409 هـ - 1989 م، وزارة التراث القومي والثقافة سلطنة عمان.
* السيابي، خلفان جميل (1308 - 1890) جلاء العمى شرح ميمة الدما، الطبعة الثانية، تعليق التنوخي عز الدين، الطابع الذهبية، سلطنة عمان
1411 هـ - 1991 م.
584 (1/584)
صفحة 585
585
***
فصول الأصول
***
*
* السيابي، خلفان جميل (1308 - 1890) فصل الخطاب في المسألة والجواب، طبع بوزارة التراث بعمان 1404 هـ - 1984 م.
*
سيبويه، عمرو بن عثمان (180 - 796) کتاب سيبويه، الطبعة الأولى،
تحقيق عبدالسلام محمد هارون عالم الكتب، بيروت 1403 هـ، 1983 م. * السيوطي عبدالرحمن (911 - 1505) الدر المنثور في التفسير، دار الفكر - بيروت - سنة 1414 هـ - 1993 م.
*
السيوطي عبدالرحمن (911 هـ - 1505) بغية الوعاة في طبقات اللغويين والنحاة، تحقيق أبو الفضل إبراهيم، المكتبة العصرية للطباعة والنشر والتوزيع بيروت، لبنان.
*
السيوطي عبدالرحمن (911 هـ - 1505)، الاتقان في علوم القرآن، المكتبة
الثقافية بيروت، لبنان.
*
الشاشي، أبو علي أحمد بن محمد (344 - 955) أصول الشاشي، الناشر دار الكتاب العربي، بيروت 1402 هـ – 1982 م.
* الشاطبي إبراهيم موسى (790 - 1388) الموافقات في أصول الأحكام، تعليق محمد الخضر حسين، دار الفكر للطباعة والنشر. الشافعي محمد بن إدريس (204 - 819) الرسالة، تحقيق أحمد محمد شاكر،
*
دار الفكر، بيروت.
*
، عبدالرحمن بن محمد (1326 - 1908) تقريرات الشربيني على الشربيني: حاشية البناني، دار الفكر للطباعة والنشر.
* الشرواني وابن قاسم العبادي (994 - 1585) حواشي الشرواني وابن قاسم العبادي على تحفة المحتاج، ضبطه الخالدي محمد عبد العزيز، دار الكتب العلمية،
بيروت 1416 هـ - 1996 م. *
الشقصي خميس بن مسعود (ق 11 هـ - 17 م) منهج الطالبين، تحقيق سالم بن حمد الحارثي، مطبعة عيسى البابي الحلبي، القاهرة، الناشر، وزارة التراث بسلطنة
عمان. (1/585)
صفحة 586
***
فصول الأصول
***
* الشماخي أحمد بن سعيد (928 - 1521) كتاب السير، الطبعة الأولى، تحقيق أحمد بن سعود السيابي، مطابع النهضة سلطنة عمان سنة 1407 هـ - 1978 م. * الشماخي، أحمد بن سعيد (928 - 1521) شرح مختصر العدل في أصول الفقه، مخطوط. الشماخي، أحمد بن سعيد (928 - 1521) شرح مختصر العدل في أصول الفقه، اسحاق إبراهيم أطفش، مسقط، سلطنة عمان.
*
* الشماخي، عامر بن علي، كتاب الإيضاح، طبع بوزارة التراث القومي والثقافة، سلطنة عمان.
*
* الشنقيطي محمد الأمين بن المختار مذكرة أصول الفقه، دار القلم، بيروت. * الشنقيطي، أحمد بن أحمد المختار، مواهب الخليل من أدلة خليل، من مطبوعات إدارة إحياء التراث الإسلامي، بدولة قطر 1407 هـ - 1987 م.
* الشهرستاني، محمد عبدالكريم (548 - 1153) الملل والنحل. * الشهرستاني شريف يحيى الأمين، معجم الفرق الأسلامية، الطبعة الأولى، دار الأضواء، بيروت 1406 هـ - 1986 م.
* الشوكاني محمد بن علي (1250 - 1834) السيل الجزار، الطبعة الثانية، تحقيق قاسم غالب أحمد، مطبعة الأهرام التجارية، مصر. * الشوكاني محمد بن علي (1250 - 1834) فتح القدير، الطبعة الأولى، دار الحديث، القاهرة، سنة 1413 هـ - 1993 م. الشوكاني محمد بن علي (1250 - 1834) نيل الأوطار شرح منتهى الأخبار، دار الفكر، بيروت.
*
* الشوكاني محمد بن علي (1250 - 1834) إرشاد الفحول – دار الفكر. * الشيرازي أبو إسحاق إبراهيم (476 - 1083) شرح اللمع، حققه عبدالمجيد تركي، دار الغرب الإسلامي بيروت.
*
الشيرازي إبراهيم بن علي (476 - 1083) التبصرة في أصول الفقه، حققه
الدكتور محمد حسن هيتو.
586 (1/586)
صفحة 587
587
***
فصول الأصول
***
* الشيرازي، إبراهيم بن علي (476 - 1083) كتاب اللمع في أصول الفقه، صححه النعساني محمد بدر الدين، دار الندوة الإسلامية للطباعة والنشر، بيروت 1987 م.
* الصابوني محمد علي، صفوة التفاسير، دار القلم للطباعة والنشر، سورية، توزيع دار الكتب العلمية، بيروت. * الصبان، محمد بن علي، (1206 هـ - 1972 م) حاشية الصبان على شرح الأشموني على ألفية ابن مالك، دار الفكر للطباعة والنشر. * الصفدي، صلاح الدين خليل بن أيبك، (746 - 1362) الوافي بالوفيات، مطبعة الوسط، بيروت، 1418 هـ - 1988 م.
*
الصنعاني، محمد بن إسماعيل (1182 - 1786) إجابة السائل شرح بغية الآمل، الطبعة الأولى، تحقيق السياغي، حسين بن أحمد، مؤسسة الرسالة، بيروت 1406 هـ - 1986 م.
* الطباطبائي محمد سعيد، المحكم في أصول الفقه، الطبعة الأولى، مطبعة
جاويد، قم 1414 هـ - 1994 م.
*
الطبرسي
الفضل بن الحسن (ق 6 هـ - 12 م) مجمع البيان في تفسير القرآن، دار
المعرفة للطباعة والنشر، بيروت. * الطبري، محمد بن جرير (310 - 922) تاريخ الطبري (تاريخ الأمم والملوك) دار الكتب العلمية، بيروت 1415 هـ - 1995 م.
* الطوفي، سليمان بن عبد القوى (716 - 1316) شرح مختصر الروضة، الطبعة الأولى، تحقيق د. التركي عبد الله بن عبد المحسن، مؤسسة الرسالة للطباعة والنشر، بيروت، 1407 هـ - 1987 م.
* الطيب خضري السيد، بحوث في الاجتهاد فيما لا نص فيه، الطبعة الأولى، دار الطباعة المحمدية، القاهرة 1398 - 1987 م.
* العاملي محمد بن الحسن (1104 - 1692) وسائل الشيعة، الطبعة الأولى، تحقيق مؤسسة آل البيت، مطبعة مهر، قم، 1409 هـ - 1989 م. (1/587)
صفحة 588
***
فصول الأصول
***
*
* العبادي أحمد بن قاسم (944 - 1537) الآيات البيانات، الطبعة الأولى، ضبطه زکريا عميرات، دار الكتب العلمية، بيروت 1417 هـ - 1996 م. * عبدالقادر عيسى، حقائق عن التصرف، الطبعة الخامسة، مؤسسة الشام
للطباعة، دمشق، سنة 1414 هـ - 1993 م الناشر مكتبة العرفان، حلب. * العجلوني، إسماعيل بن محمد (1162 - 1748) كشف الخفاء ومزيل الإلباس عما اشتهر من الأحاديث على ألسنة الناس، دار زاهر القدسي، القاهرة. * العراقي عبد الرحيم بن الحسين (806 - 1403) التقييد والإيضاح، الطبعة الثالثة، مؤسسة الكتب الثقافية، بيروت، سنة 1415 هـ - 1995 م.
-
،
سنة
* العسقلاني أحمد بن علي (852 - 1448) فتح الباري، الطبعة الأولى: صححه محب الدين الخطيب، دار الريان للتراث، القاهرة 1407 هـ - 1986 م. * العسقلاني أحمد بن علي بن حجر (852 - 1448) تعريف أهل التقديس بمراتب الموصوفة بالتدليس، الطبعة الأولى، دار الكتب العلمية – بيروت 1405 هـ - 1984 م. * العسقلاني، أحمد بن حجر، (852 - 1448) نزهة النظر بشرح نخبة الفكر في مصطلح حديث أهل الأثر، تعليق الأدهمي محمد كمال الدين، مكتبة التراث الإسلامي، القاهرة. * العسقلاني، أحمد بن علي بن حجر (852) - 1448) الإصابة في تمييز الصحابة، الطبعة الأولى، دراسة وتحقيق وتعليق عبد الموجود عادل أحمد، بيروت لبنان 1415 هـ - 1995 م. * العضد، عبدالرحمن بن أحمد (759 - 1357) شرح العضد على مختصر المنتهى الأصولي، الطبعة الثانية، طبعة دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان،
1403 هـ - 1983.
*
العطار حسن، حاشية العطار على جمع الجوامع، دار الكتب العلمية، بيروت. العلائي، خليل بن كيلكدي (761 - 1359) تحقيق المراد في أن النهي يقتضي الفساد، الطبعة الأولى، تحقيق د. سقليني إبراهيم محمد، دار الفكر، دمشق
588 (1/588)
صفحة 589
589
***
فصول الأصول
***
1402 هـ – 1982 م.
* العلوي، يحيى بن حمزة بن علي (1344745 هـ) كتاب الطراز المتضمن لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز، بيروت، لبنان، 1402 هـ – 1982 م. * علي يحيى معمر (1400 - 1980) الإباضية بين الفرق الإسلامية، طبع وزارة التراث بسلطنة عمان سنة 1406 هـ - 1986 م. * عمان 1989 سلطنة عمان، مجلة أصدرتها وزارة الإعلام، مسقط، الطبعة الثانية، مطابع سجل العرب، سنة 1404 هـ - 1983. * عمان 91 سلطنة عمان - مجلة أصدرتها وزارة الإعلام، مسقط سنة 1412 هـ - 1991 م. * عمان 96 سلطنة عمان - مجلة أصدرتها وزارة الإعلام، مسقط سنة 1417 هـ - 1996 م.
* عمر رضا كحالة، معجم المؤلفين - دار إحياء التراث العربي للطباعة والنشر،
بيروت.
* الغزالي محمد بن محمد (505 - 1111) إحياء علوم الدين، دار الريان للتراث،
*
القاهرة. الغزالي، محمد بن محمد (505 - 1111) المستصفى في علم الأصول، الطبعة الثانية، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان. الغزالي، محمد بن محمد (505 - 1111) شفاء الغليل في بيان الشبه والمخيل ومسالك التعليل، تحقيق د. الكبيسي، حمد، مطبعة الإرشاد، بغداد، 1390 هـ - 1971 م.
*
*
فؤاد سيد، فهرست المخطوطات، نشرة بالمخطوطات التي اقتنتها دار الكتب المصرية، 1936 م - 1955 م مطبعة دار الكتب العلمية، القاهرة 1383 هـ -
1963 م.
، ناصر بن منصور، نزوى عبر الأيام معالم وأعلام، الطبعة الأولى،
* الفارسي 1415 هـ - 1994 م. (1/589)
صفحة 590
***
فصول الأصول
***
*
الفخر الرازي محمد بن عمر (604 - 1207) التفسير الكبير، الطبعة الأولى، دار الكتب العلمية، بيروت، 1411 هـ - 1990 م.
الفرخان، علي بن مسعود، المستوفي في النحو، حققه وقدم له وعلق عليه الدكتور المختون محمد بدوي، دار الإشعاع للطباعة 1407 هـ - 1978 م، الناشر: دار الثقافة العربية. * القاضي عبدالجبار بن أحمد (415 - 1024) شرح الأصول الخمسة، الطبعة الثالثة، تحقيق د. عبد الكريم عثمان، 1416 هـ - 1996 م، الناشر مكتبة وهبة،
القاهرة. * القاضي عياض بن موسى (544 - 1149) ترتي بالمدارك وتقريب المسالك لمعرفة أعلام مذهب مالك، تحقيق د. أحمد بكير محمود، نشر مكتبة الحياة، بيروت. * القاوقجي، محمد بن خليل (1305 - 1887) اللؤلؤ المرصوع فيما لا أصل أو بأصله موضوع، الطبعة الأولى، تحقيق زمر لي فؤاد أحمد، دار البشائر الإسلامية للطباعة والنشر، بيروت، 1415 هـ - 1994 م.
* القرافي، أحمد بن أدريس (684 - 1285) شرح تنقيح الفصول في اختصار المحصول في الأصول، الطبعة الأولى، تحقيق طه عبد الرؤوف، شركة الطباعة الفنية
المتحدة، 1393 هـ - 1973 م، الناشر مكتبة الكلية الأزهرية، القاهرة. * الرملي أحمد بن حمزة (4 100 - 1595) نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج، دار الكتب العلمية، بيروت، 1414 - 1993.
*
لبنان.
القرافي، أحمد بن إدريس (684 - 1285)، الفروق، دار المعرفة، بيروت،
القرافي، أحمد بن إدريس (684 - 1285)، الإستغناء في الاستثناء، الطبعة الأولى، تحقيق محمد عبد القادر عطا، دار الكتب العلمية، بيروت 1406 هـ -
1986 م.
* القرافي، أحمد بن إدريس (684 - 1285)، نفائس الأصول في شرح المحصول، الطبعة الأولى، تحقيق عادل أحمد عبد الموجود، 1416 هـ - 1995 م،
590 (1/590)
صفحة 591
091
***
فصول الأصول
***
الناشر مكتبة نزار مصطفى الباز، المملكة العربية السعودية.
* القزويني محمد بن عبدالرحمن (739 - 1338) شرح التلخيص في علوم البلاغة، الطبعة الثانية، خرج شواهده محمد هاشم دويدري، دار الجيل، بيروت،
1420 هـ – 1982 م.
*
القزويني، الخطيب (739 - 133) الإيضاح في علوم البلاغة، الطبعة الثانية،
شرح وتعليق محمد عبد المنعم خفاجي، مكتبة الكليات الأزهرية، القاهرة. * القصابي خليفة بن أحمد، لمحات في أدب الشيخ خلفان بن جميل السيابي، ورقة عمل قدمت للمنتدى الأدبي بسلطنة عمان عام 91 - 1992 م، إصدار 1993/ 9، المطابع العالمية، روي، سلطنة عمان. * القطب محمد بن يوسف (1332 - 1913) تيسير التفسير، طبع وزارة التراث القومي بسلطنة عمان 1407 هـ - 1978 م.
طبع
* القطب محمد بن يوسف (1332 - 1913) شرح كتاب النيل وشفاء العليل، الطبعة الثالثة مكتبة الإرشاد، جدة 1405 هـ - 1985 م. * القطب محمد بن يوسف (1332 - 1913) هيميان الزاد إلى دار المعاد، وزارة التراث القومي بسلطنة عمان سنة 1408 هـ - 1988 م. * القطب محمد بن يوسف (1332 – 1913) کشف الكرب، طبع بوارة التراث القومي والثقافة سنة 1405 هـ - 1985 م. * القنوبي، سعيد بن مبروك، السيف الحاد على من أخذ بحديث الآحاد في مسائل الاعتقاد، الطبعة الأولى 1415 هـ - 1994 م، مكتبة الضامري للنشر والتوزيع، سلطنة عمان.
* القنوبي، سعيد بن مبروك، الإمام ربيع بن حبيب، مكانته ومسنده، الطبعة الأولى، مكتبة الضامري، للنشر والتوزيع، سلطنة عمان 1416 هـ - 1995 م. * القنوبي، سعيد بن مبروك، قرة العينين في صلاة الجمعة بخطبتين، الطبعة الأولى، 1417 هـ - 1997 م. * القنوجي محمد صديق حسن (1307) البلغة في أصول اللغة، الطبعة الأولى، (1/591)
صفحة 592
***
فصول الأصول
***
تحقيق نذير محمد مكتبي، دار البشائر الإسلامية، بيروت 1408 - 1988. * الكلبي ابن جزي، محمد بن أحمد (741 - 1340) تقريب الوصول إلى علم الأصول، الطبعة الأولى، تحقيق فركوس محمد علي، مطابع سجل العرب، 1410 هـ - 1990 م، الناشر دار الأقصى. ام
* الكلوذاني أبو الخطاب، محفوظ بن أحمد بن الحسن (510 - 116) التمهيد في أصول الفقه، الطبعة الأولى، دراسة وتحقيق الدكتور محمد بن علي بن إبراهيم سنة 1406 هـ - 1985 م.
* الكندي محمد بن إبراهيم بيان الشرع، تحقيق سالم بن حمد الحارثي، مطبعة الألوان الحديث - سلطنة عمان 1412 هـ - 1991 م، نشر وزارة التراث بسلطنة
عمان.
*
اللامشي الماتر بدي، محمود بن زيد (قه هـ - 11 م) كتاب في أصول الفقه، الطبعة الأولى، تحقيق عبد الحميد تركي، دار الغرب الإسلامي، بيروت 1995 م. * المالقي أحمد بن عبدالنور (702 - 1302) رصف المباني في شرح حروف المعاني، الطبعة الثانية، تحقيق د. الخراط أحمد محمد، دار القلم، دمشق 1405 هـ
- 1985 م.
* مالك بن أنس (179 - 795) موطأ الإمام مالك مع التعليق الممجد للكنوي، الطبعة الأولى، تحقيق الدكتور تقي الدين الندوي، دار القلم للطباعة والنشر، بيروت، 1413 هـ – 1992 م.
* المحروقي، درويش بن جمعة، الدلائل في اللوازم والوسائل، تحقيق الدكتور عبدالمنعم عامر، وزارة التراث القومي والثقافية، سلطنة عمان. * محمد باقر الصدر دروس في علم الأصول، دار التعارف للمطبوعات، سوريا،
1410 هـ - 1989 م.
* محمد رشيد رضا (1354 - 1953)، تفسير المنار، الطبعة الثانية، دار الفكر للطباعة والنشر.
* محمد قرقش، عمان والحركة الإباضية، مؤسسة علوم القرآن، الطبعة الأولى،
592 (1/592)
صفحة 593
093
***
فصول الأصول
***
دبي: الإمارات العربية، سنة 1410 هـ - 1990 م.
* محمود علي الداود، التطور السياسي الحديث لقضية عمان - المطبعة العالمية
القاهرة.
*
المرادي، الحسن بن قاسم (749 - 1348) الجني الداني في حروف المعاني، الطبعة الثانية، تحقيق د. قباوة، فخر الدين 1403 هـ - 1983 م، منشورات دار الآفاق الجديدة، بيروت.
* المراغي أحمد مصطفى (1317 - 1952)، علوم البلاغة، الطبعة الثانية، دار القلم، بيروت 1984 م. * المزي يوسف بن عبدالرحمن (742 - 1341) تهذيب الكمال في أسماء الرجال، الطبعة الرابعة، تحقيق د. بشار عواد معروف، مؤسسة الرسالة، بيروت 1413 هـ – 1992 م.
* المسعودي، علي بن الحسين (346 - 957)، مروج الذهب ومعادن الجوهر، تحقيق محمد محيي الدين دار الفكر - بيروت - 1409 هـ - 1989 م. * مسلم بن الحجاج القشيري (256 - 869) صحيح مسلم بشرح النووي، راجعه خليل الميس دار القلم، بيروت. * مصطفى بن صالح، باجو، أبو يعقوب الوارجلاني وفكره الأصولي مقارنة بأبي حامد الغزالي، الطبعة الأولى، وزارة التراث القومي بسلطنة عمان 1415 هـ
*
- 1995 م.
* المطيعي محمد بخيت (1354 - 1935) سلم الوصول لشرح نهاية السول،
عالم الكتب.
* ملا علي القارئ علي بن محمد (1041 هـ - 1631) الأسرار المرفوعة في الأخبار الموضوعة، الطبعة الثانية، تحقيق محمد لطفي الطباع، المكتب الإسلامي، بيروت 1406 هـ - 1986 م.
*
منلاخسرو (885 - 1480) مرآة الأصول في شرح مرقاة الوصول.
* الموسوعة الفقهية - وزارة الأوقاف الكويت، الطبعة الثانية، طباعة ذات (1/593)
صفحة 594
***
فصول الأصول
***
السلاسل – الكويت.
*
الميداني، عبدالرحمن حسن، ضوابط المعرفة وأصول الاستدلال والمناظرة،، الطبعة الرابعة، دار القلم للطباعة والنشر، بيروت 1414 هـ - 1993 م. النسائي أحمد بن شعيب (303 - 915) سنن النسائي بشرح السيوطي، دار
*
الجيل، بيروت.
*ذكرى عبد النبي عبدالرسول، جامع العلوم في اصطلاحات الفنون، الطبعة الثانية، مطبعة دائرة المعارف النظامية، حيدر آباد، الهند، منشورات مؤسسة
الأعلمي، بيروت.
*
نور الدين عتر، منهج النقد في علوم الحديث، الطبعة الثالثة، دار الفكر للطباعة والنشر، دمشق 1412 هـ – 1992 م. النووي، يحيى بن شرف (676 - 1277) المجموع شرح المهذب، دار الفكر
*
للطباعة والنشر.
*
النووي، يحيى بن شرف (676 - 1277) شرح صحيح مسلم، راجعه خليل الميس، دار القلم للطباعة والنشر، بيروت. * الهيثمي علي ابن أبي بكر (807 - 1404)، مجمع الزوائد ومنبع الفوائد، مؤسسة المعارف، بيروت. * الهيثمي، شهاب الدين ابن حجر (973 1565) تحفة المحتاج بشرح المنهاج، الطبعة الأولى، ضبطه الخالدي، محمد عبدالعزيز، دار الكتب العلمية،
بيروت، 1416 هـ - 1996 م.
*
الواحدي علي بن احمد (468 - 1075) أسباب نزول القرآن، تحقيق ودراسة كمال بسيوني زغلول دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان. الوارجلاني، يوسف بن إبراهيم (570 - 1174)، الدليل والبرهان، طبعة نت وزارة التراث بعمان سنة 1403 هـ - 1983 م.
*
* الوعد والوفاء سلطنة عمان في 20 عاما، مجلة أصدرتها وزارة الإعلام،
مسقط.
* وندل فيليبس، تاريخ عمان، الطبعة الثانية، ترجمة محمد أمين عبد الله، مطابع
594 (1/594)
صفحة 595
***
فصول الأصول
***
سجل العرب، سنة 1404 هـ - 1983 م. * وندل فيليبس، تاريخ، عمان، ترجمة محمد أمين عبد الله – مطابع سجل العرب،
سنة 1404 هـ - 1983 م نشر وزارة التراث القومي والثقافة بسلطنة عمان. د. الزحيلي وهبة، الفقه الإسلامي وأدلته، الطبعة الثالثة، دار الفكر، دمشق، 1409 هـ - 1989 م.
*
اليماني عبدالباقي بن عبد المجيد (743 - 1342) إشارة التعيين في تراجم النحاة واللغويين، الطبعة الأولى، شركة الطباعة العربية السعودية 1406 - 1986. (1/595)