صفحة 1
المجال: المطبوعات، كتب
المادة: أصول الفقه والقواعد الفقهية
------------------------------------------
العنوان: منهج الاجتهاد عند الإباضية
المؤلف: مصطفى صالح باجو
تقديم: أحمد بن حمد الخليلي
الناشر: جمعية التراث
مكان النشر: القرارة - غرداية - الجزائر
تاريخ النشر: 1442ه/ 2021م
الطبعة: 2 (منقحة)
أصله: أطروحة دكتوراه
ردمك: 7-55-553-9931-978
الإيداع القانوني: أفريل 2021م
------------------------------------------
مصدر النسخة المصورة للكتاب (PDF) من موقع المكتبة السعيدية:
https://alsaidia.com/node/577
ملاحظة: قامت المكتبة السعيدية باستغلال تقنية التعرف الضوئي على الحروف في اللغة العربية (OCR) في إنشاء هذه النسخة المصورة (PDF)، لذلك فإنه يمكن البحث فيها للوصول إلى المعلومة بسهولة.
تنبيه: قام فريق مشروع المكتبة الشاملة الإباضية باستغلال تلك التقنية لتوفير النص المرقون، وذلك بالتحويل الآلي لصور صفحات الكتاب إلى نص، لذا فالنص الناتج ليس صحيحا 100%، لذا يمكن استخدام ذلك النص لنسخ جمل وفقرات من هذا النص الناتج، مع ضرورة مراجعته ومقارنته بنسخة (PDF) المرفقة، وتعديله وفقا لذلك قبل اعتماده.
ترقيم الصفحات: موافق للمطبوع
تاريخ النشر الرسمي بالشاملة الإباضية: 22 رجب 1446ه/ 22 - شهر 01 - 2025م. منهج الاجتهاد عند الإباضية
تأليف أ/ د. مصطفى بن صالح باجو
تقديم سماحة العلامة أحمد بن حمد الخليلي
جمعية التراث
القرارة - غرداية - الجزائر (1/1)
صفحة 2
منهج الاجتهاد عند الإباضية
أ. د. مصطفى بن صالح باجو (1/2)
صفحة 3
منهج الاجتهاد عند الإباضية
تأليف أ/ د. مصطفى بن صالح باجو
تقديم سماحة العلامة أحمد بن حمد الخليلي
جمعية التراث القرارة غرداية الجزائر (1/3)
صفحة 4
جمعية التراث
القرارة غرداية و الجزائر
عنوان الكتاب منهج الاجتهاد عند الإباضية
اسم المؤلف: أ. د. مصطفى بن صالح باجو. الطبعة الثانية منقحة: 1442 هـ - 2021 م مقاس الكتاب: 160 x 240
عدد الصفحات: 832
ISBN 978 - 9931 - 553 - 55 - 7 .
9" 789931" 553557
الإيداع القانوني: أفريل 2021
الهاتف: 213.29.26.22.58+/213.558.42.33.85+
العنوان: ص. ب. 19 القرارة ولاية غرداية الجزائر 47110
أصل هذا الكتاب أطروحة دكتوراه دولة نوقشت بجامعة الأمير عبد القادر العلوم الإسلامية. قسنطينة بتاريخ 28 شعبان 1420 هـ / 6 ديسمبر 1999 م
جميع حقول (1/4)
صفحة 5
2° (1/5)
صفحة 6
الإهداء
إلى روح أبي في دار البقاء، وقد أفنى العمر في نشر العلم وتنوير الأجيال، وترك علما نافعا وذرية صالحة؛ تكون له لسان ذكر في الآخرين.
إلى روح أمي المؤمنة الصابرة، وقد جاءها اليقين بعد أبي بأمد قصير، فلحقت به إلى رحمة الله الغفور، ومضت راضية بما قدمت، إذ أنبتننا نباتا حسنا وسبلت حياتها لخدمة العلم وطلبة العلم، ودعت ربها فاستجاب دعاءها، وكان من ذرِّيتِها مَن يَسَّره الله لهذه السبيل. إلى المولى الجواد الرحيم أرفع أكف الضراعة مع الشاكرين الذاكرين رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ
صالِحًا تَرْضَهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ}
[الأحقاف: 15]. (1/6)
صفحة 7
تقديم
ساحة العلامة أحمد بن حمد الخليلي
المفتى العام لسلطنة عمان
بسم الله الرحم الرحم
الحمد لله الذي أنزل كتبه وأرسل رسله بشرعة الهدى ودين الحق. والصَّلاة والسلام على سيدنا محمد الذي أتم برسالته على عباده النعمة، وأكمل لهم بشريعته الدين، وعلى آله وصحبه أئمة الدين المجتهدين، وفرسان الشريعة السباقين، وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد؛ فإن الله أنزل شريعته الواسعة لتسع تطورات الحياة ومشكلاتها، وليجد الإنسان في كنفها حياة الطمأنينة وطمأنينة الحياة. ولكن بما أنّ عجلة الحياة تندفع إلى الأمام في سير سريع؛ يشق نهج التطور الذي يأتي في كل حين بجديد؛ كان لا بد من إعادة النظر في كثير من القضايا
لا
لتتلاءم حلولها الناجعة مع مقتضيات سنة التطور؛ وذلك في غير الثوابت التي تخضع لتحوير ولا تبديل، وإنما هو في المتغيرات التي هي عرضة للتحول والانتقال؛ بجانب ما تفرزه عجلة الحياة؛ ـ وهي تدور باستمرار في منهاج التطور - من مشكلات تستعصي على الحلول مع جمود الأذهان وتعطل القرائح؛ فإن النصوص الشرعية مع سعتها محدودة، فلا يمكن أن تتسع لجميع القضايا التي تنجم عن
هذا
التطور غير المحدود؛ إلى أن تنتهي الحياة، ويرث الله الأرض ومن عليها. لهذا كله كانت ضرورة الاجتهاد في الإسلام في فروع الشريعة وفي النوازل المستجدة. وقد جعل الله من محاسن هذه الشريعة وسعة ثرائها الاجتهاد الذي يقوم به الفقهاء الربانيون؛ فيسعون المستجدات بالحلول الشرعية المستنبطة من كنوز هذه الشريعة الوافرة؛ مع مراعاة تقلبات العصور، وتحولات الأحوال في
??
7 (1/7)
صفحة 8
إصدار الفتاوى الشرعية المستقاة من فيض القرآن والسنة المدرار؛ لصبغ الأحكام الفقهية الفرعية التي تدور حول المتغيرات؛ بالصبغة المناسبة لظروف الناس الزمانية والمكانية.
وإن من فضل الله على عباده أن جعل في كل عصر فقهاء راسخين في العلم؛ يمخرون عباب العلم المتلاطم بسُفُن الاجتهاد الشرعي؛ التي فيها نجاة لمن التحق بهم في الاستواء على ألواحها. وقد تنوعت مدارس الاجتهاد بتنوع مدارك الرَّبَابنَة الذين يقودون سفنه في زواخر العرفان إلى مرافئ السلامة في التطبيق والعمل. وكثيرا ما هذا يعود التنوع إلى الظروف البيئية والمناخات السياسية والاجتماعية. وقد كان للمدرسة الإباضية القدح المعلى؛ فقد تميزت اجتهادات فقهائهم في القديم والحديث بالدقة في الاحتياط للدين مع مراعاة المرونة فيما تدعو الحاجة فيه إلى التوسع. وقد كان ذلك - ولا ريب - ناتجا عن الورع والتقوى؛ وعمق الفهم لمقاصد الشريعة الغراء على أنهم دائمًا مع الدليل؛ فإذا انتصب سلّموا له الأمر، وأسلسوا له القياد.
وقد درس منهجهم في الاجتهاد الشيخ الدكتور مصطفى صالح باجو في أطروحته القيمة لنيل درجة الدكتوراه؛ التي سمّاها منهج الاجتهاد عند الإباضية»
وها
هي
هذه تبرز للناس بحليتها وجمالها؛ مختالةً في ثوبها القشيب؛ داعيةً
إلى إحياء المآثر باقتفاء الخلف
منهج
السلف.
فإلى طلاب العلم هذه الثروة العلمية التي لا تقدر بثمن؛ ولا تثمن
بعوض؛ لتكون لهم رافدًا من روافد العرفان.
والله ولي التوفيق
أحمد
بن حمد الخليلي
مسقط 25 ذي القعدة 1425 هـ
8 (1/8)
صفحة 9
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذى أنزل كتبه وأرسل رسله شرعة الهدى ودين الحق و العمارة أو السلام على سيدنا محمد الذي أتم بر مالقه على عباده النعمة والعمل الهي شريعته الدين وعلى الدوصحبه أئمة الدين المجتهدين وفرسان الشريعة السباقين،
أو على من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد فان الله أنزل شريعته الواسعة التسيع تطورات الحياة ومشكاة تنها. وليجد الإنسان في كنفها حياة الطمانينة وطمانية الجيافتي و لكن بما أن عجلة الحياة ترفيع والبعد إلى الأمام في سير سريع يشق نهج التطور الذي يأتي في مين تجديد " كان لابد من إعادة ا لفظه في كثير من القضايا الفلاام حلولها الناجعة مع مقتضيات سنة التطور. وذلك في غير الثوابت التي لا تم منع لتحوير ولا تبديل و انما هو في المتغيرات التي لهي عرضة للتحول و الانتقال بجانب كا تفرزه عجلة الحياة وهي تدور باستمرار في منهاج. التطور من مشكلات تستعصى على الحلول مع مجمود الأذهان وتعطل القرائي، فان: النصوص الشرعية مع سمعتها محدودة فلا يمكن أن تسمح لجميع القضايا التي .. النجم عن هذا الفطور غير المحدود إلى أن منتهى الحياة ويرث الله الأرض ومن عليها. ---- لهذا محله مكانت ضرورة الاجتهاد في الإسلام في فروع الشريعة وفي النوازل المستجدة، وقد جعل الله من محاسن لهذه الشريعة وسعة ثرائها الاجتهاد الذى يقوم بن الفقهاء الربانيون فيسعون المستجدات بالحلول الشرعية المستنبطة من كنون لهذه الشريعة الوافرة، مع مراعاة تقلبات العصور وتحولات الأحوال في إهداء الفتاوي الشرعية المستقاة من فيض القرآن والسنة المدرات الصيغ الأحكام الفقهية الفرعية التى تدوير حول المتغيرات بالمدينة الملائمة لظروف الناس -
الزمانية والمكانية.
+
9 (1/9)
صفحة 10
:
! وإن من فضل الله على عباده أن جعل في كل مرفقهاء واستحين في العالمة يمرون عبات العلم المتناظم جععن الاجتهاد الشرعى التي فيه ما نجاة لمن التحق بهم في الاستواء
على الواقها، وقد تنوعت مدارس الاجتهاد بسوه ع مدارك الرقابية الذين يعودون سفته في زواخر العرفان إلى مرافى السلامة في التطبيق والعمل، وكثيرا ما بعود: هذا التنوع إلى الظروف البيئية والمناخات السياسية والاجتماعية، وقد كان! بالمدرسة الرياضية القديمع المعلى فقد تميزت اجتهادات فقهائهم في القديم والحديث.
بالاقة في الاحتياط للدين مع مراعاة المزروثة فيما ندعو الحاقة فيه إلى التوسيع
و قد كان ذلك - ولا ريب بناتي العن الورع التقوى وعمق الغربي المقاصد الشريعة الغراء - على أنهم دائما مع الدليل فاذا انتصب مسلم الى الأمر وأسلمو الى القياد و قد درس منهجهم في الاجتهاد الشيخ الدكتور مصطفى صالح باجر في أظر و مند
..
القيمة لنيل درجة الدكتوراة التي سماها و منهج الاجتهاد عند الرياضية) و ها مي بوده تبرز للناس محليتها وجمالها محتالة في ثوبها القشيب داعية إلى حياة المأثر باقتفاء الخلف صالح السلف
فالي طلاب العلم بهذه الثروة العلمية التي لا تقدر ثمن ولا تثمن المومن لتكون
ابلتهم ما فذاً فق في واقد العرفات:
- والله ولي التوفيق
---
أحمد بن عمان الخليلي
مسقط 25 روى المعدة 25 14 ف
10 (1/10)
صفحة 11
مُقدمة
مُقدِّمة
تتميز رسالة الإسلام بكونها إلهيّة المصدر؛ بشريّة التطبيق، أنزلها الله دستورا محكما ونظاما شاملا للحياة، وضمن حفظها من التبديل والتحريف. وقد أسهب علماء الإسلام في بيان خصائص هذا التشريع الإلهي الحكيم، فكان من نتاج تلك الجهود فيض من الكتابات في مختلف العلوم. وعرف العالم في ظل حضارة الإسلام ثورة فكرية أيقظت العقل البشري من سبات طويل، وفتحت أمامه سبل المعرفة العلمية على هدى الحجة والدليل.
ومن أهم العلوم التي نالت عناية متميزة من قبل علماء الإسلام علم
الفقه، باعتباره قانون حياة المسلم في كل مناحيها العامة والخاصة. وليس عجيبا أن تُعَرِّف به حضارة المسلمين فيقال عنها إنها "حضارة
فقه"، لأنه احتل الصدارة بين منتجاتها الفكرية بدون منازع. ولئن كان للفقه هذه المنزلة في حياة المسلمين، فإن لأصول الفقه نفس الأهمية أو تزيد؛ ذلك أنه دستور الفقه الذي قامت عليه أركانه، واتضحت، مسالکه، وتحددت مجالاته.
ويعرف علم الأصول بأنه القواعد التي يتوصل بها إلى استنباط الأحكام الشرعية من أدلتها أو هو معرفة أدلة الفقه إجمالا وكيفية الاستفادة منها، وحال المستفيد» (1). فأصول الفقه منهج يرسم للفقيه خط الاجتهاد، ويضبط مساره في التعامل أدلة الأحكام. وكلما كانت بنود هذا الدستور واضحة المعالم غدا الأم ميسورا أمام الفقهاء للاجتهاد، واستنباط الأحكام. وقيام الفقهاء والمجتهدين بمهمتهم على الوجه الأمثل، شرط ضروري لسلامة بناء المجتمع المسلم، حتى يتمكن من المضي قدما في مسايرة ركب الحضارة على هدي الإسلام؛ دون أن يند عن شرع الله في شأن من شؤون الحياة.
(1) البيضاوي، منهاج الأصول، 1: 5.
??
11 (1/11)
صفحة 12
مُقدمة
هي
عليه
لأجل هذا أولى العلماء علم الأصول عناية بالغة، واعتبروا تعلمه مُقَدَّما على غيره من العلوم، وصرحوا بأن الواجب على من أنعم الله بالإسلام، وخصه بشريعة الإيمان، أن يبدأ بتعليم الأصول قبل الفروع، وأن يُثبت قواعد البنيان قبل أن يرفع شواهق الأركان. ومن عرف معاني الأصول عرف كيف يبني عليها الفروع ومن لم يعرف حقيقة الأصول كان حريا أن تخفى عليه أحكام الفروع» (1). وإذا اعتبرنا مكانة الفقه في الثقافة الإسلامية، واحتلاله الصدارة بين منتجاتها كما وكيفا، أمكننا القول بأنه إذا كانت مهمة الفقه التشريع للمجتمع، فإن مهمة أصول الفقه التشريع للعقل. وليس للعقل الفقهي وحده، بل للعقل المسلم كله ويحق لنا أن نعتبر أصول الفقه منهج العلوم الإسلامية، لأنه غدا محور إنتاج الحضارة الإسلامية في كل مجالاتها الفكرية. هذا العلم المحوري في حضارة الإسلام أسهم في إرساء قواعده وإعلاء بنائه علماء الإسلام من كل المدارس الفقهية والكلامية، مساهمات متفاوتة، عبر امتداد هذا الدين في الزمان والمكان وعرف المسلمون هذا النتاج فأقبلوا عليه درسا وحفظا ونال حظا موفورا من الشرح والبيان على تتالي القرون وتعدد الأوطان.
امتدت
هي
ولكن الحقيقة أنه بقي جزء غير يسير من هذا التراث في طي النسيان، كما تلف بعضه بعوادي الزمان، وبعضه بفعل الإنسان خلال الفتن وفترات الظلم التي عرفتها مواطن عديدة من بلاد المسلمين.
وضمان استمرار العطاء الحضاري لأمتنا يقتضي ربط الماضي بالحاضر لاستشراف المستقبل. وذلك بالتعرف على الماضي والاتصال بكل نتاجه بغية تقويمه والاستفادة منه؛ بما فيه من إيجابيات ومن سلبيات؛ على حد سواء. ولكن ثمة تصوّرًا غير واضح لبعض هذا التراث نجم عن ظروف تاريخية أمْلَت رُؤى غير موضوعية على بعض الكاتبين نحو هذا النتاج أو ذاك. ثم جاء اللاحقون فرددوا تلك المقالات، وغدت بعد ذلك حقائق يقينية تعلو على كل نقد وتقويم؛ وكأنها تنزيل من حكيم عليم.
(1) ابن بركة، التعارف، 4.
12 (1/12)
صفحة 13
تلك
هي
مُقدمة
هذه
النظرة السائدة إلى تراث المدرسة الإباضية وأبنائها، منذ فجر الإسلام إلى اليوم. وهي وليدة أسباب عديدة بعضها مفروض، وبعضها من إسهام أبناء هذا المذهب؛ ردّ فعل تجاه الوضع الذي فرضته عليهم ظروف التاريخ، فضنّوا بمكنون خزائنهم، وتركوا الناس يظنون فيهم الظنون. وتآزرت هذه العوامل لتشكيل صورة ضبابية حينا، وقائمة أحيانا عن المدرسة وأتباعها لدى أكثر المسلمين فوسموهم بالمروق عن صف الجماعة، وبالابتعاد عن هذي الكتاب والسنة. كما ألصقت بهم تهم كافية عند تحقيقها لإخراجهم من زمرة أهل القبلة. لقد نسب الشهرستاني إليهم أنهم قالوا: كل شيء أمر الله تعالى به فهو عام ليس بخاص. وقد أمر به المؤمن والكافر، وليس في القرآن خصوص. وقالوا: لا يخلق الله تعالى شيئا إلا دليلا على وحدانيته، ولا بد أن يدلّ به واحدا. وقال قوم منهم: يجوز أن يخلق الله تعالى رسولا بلا دليل، ويكلف
العباد بما يوحي ولئن كان هذا كلام أصحاب المقالات في القديم، فإنه ظل مردّدا، لم يخفت صداه عبر السنين. وقد أكده مقدّم كتاب الشهرستاني، إذ ذكر أن «مما ابتدعته الإباضية جواز أن يبعث الله نبيا بغير دليل ولا آيات. فأجازوا النبوة لسائر المخلوقات من معصوم جليل أو فاسد ضلّيل» (2).
إليه، ولا يجب عليه إظهار المعجزة» (1).
ويُتوارث هذا التصور المغلوط، حتى لدى الأكاديميين، ممن يفترض فيهم الموضوعية في البحث وتوثيق المعلومات من مصادرها الأصلية. فقد ذكر الدكتور سعد زغلول، أن الذي يُفهم من النظر إلى سير المشايخ، كما في كتاب الوسياني وأقوال العلماء وفتاوى الفقهاء، أن المذهب الإباضي الوهابي كان يرتكز على عدد من الأصول والتقاليد (3) المتمثلة في:
1 القرآن الكريم، رواية عبد الله بن مسعود. 2= الأحاديث النبوية والسنن رواية عبد الله بن عباس بصفة خاصة.
1) الشهرستاني، الملل والنحل، 1: 214.
2) الشهرستاني الملل والنحل، مقدمة المصحح، 1: د. (3) وهل تؤخذ أحكام الدين الإسلامي من التقاليد؟!.
13 (1/13)
صفحة 14
مُقدمة
3 أقوال الراشدين باستثناء عثمان بن عفان الذي وقفوا منه موقفا شديد العداء.
4 - أقوال علماء المذهب الأوائل من أهل البصرة، مثل أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة (1).
5 مآثر أئمة تاهرت من الرستميين. 5=
6 - وأخيرا تأتي سير وأقوال مشايخ أهل الدعوة على طبقاتهم. فهم الذين يعرفون "مكنون" "العلم الذي لا يقال لقوم جهال» (2).
والدارس لتراث هذه المدرسة الممتد عبر أربعة عشر قرنا من الزمان؛ لا يجد أثرا لهذه المقالات بل يتملكه العجب من البون الشاسع بين ما في هذه المصادر وبين ما يشاع عنها بالأقلام أو الأقوال.
لهذه الأسباب مجتمعة تأتي هذه المقاربة خطوة في الطريق، ومحاولة تستهدف التوفيق، لتصحيح الرؤية، والتعريف بجهود هذه المدرسة في تأصيل أهم علوم الشريعة متمثلا في علم أصول الفقه لأنه المنطلق الأول لبناء مجتمع مسلم ملتزم بأحكام الشرع في كل مناحي الحياة.
وقد تعددت الآراء حول الإباضية، بعضها ينكر أن يكون لها فقه، أو نتاج فكري أساسا، ويرى أنها طائفة لا علم لها بالسنّة، ولا فقه حيث لا تكون سنة (3). وبعضها ينسب إليها آراء فقهية شاذة كإنكار الرجم وإيجاب قضاء الصلاة على الحائض، وجواز الجمع بين المرأة وعمتها أو المرأة وخالتها. وغيرها من الآراء التي توشك أن تخرجهم من زمرة المسلمين (4). وبعض الكتاب يقرون أن للإباضية
(1) أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة (ت) حوالي 145 هـ) تميمي بالولاء. أخذ العلم عن جابر بن زيد وجعفر بن السماك وصحار العبدي وإليه انتهت رئاسة الإباضية بعد موت جابر. وبإشارته أسس الإباضية دولا مستقلة في المغرب وحضرموت، وتخرج على يديه رجال من مختلف البلاد الإسلامية، عرفوا في كتب السير الإباضية ب حَمَلَة العلم"، ونشروا تعاليمه في تلك البلاد. ينظر: الدرجيني، طبقات المشائخ 2: 238. الشماخي السير 83 الجعبيري، البعد الحضاري، 104. (2) د. سعد زغلول عبد الحميد تاريخ المغرب الكبير، 2: 522.
3 ابن حزم، مراتب الإجماع هامش 18 4 من ذلك ما نسبه الأشعري والشهرستاني لهم من أقوال عجيبة منها أن من عرف الله ثم كفر بما سواه من رسول وجنة ونار فليس بكافر. وأن كل أوامر الله على العموم. وليس على
14 (1/14)
صفحة 15
مُقدمة
فقها جيدا وتراثا مدونا (1). بينما يقول أخرون إن لها كتبا فقهية ولكنها مستورة عن الناس (2). فما موقع الإباضية الحقيقي من هذه الأقاويل؟ والحقيقة أن المطلع على تراث المدرسة الإباضية الفقهي يتملكه الاندهاش من ضخامة التأليف المدونة عندهم، منذ فجر التدوين إلى العصر الحاضر. ولكن معظمها ظلّ في منأى عن أعين الناظرين والدارسين بحكم عوامل الجهل والتعصب والقطيعة بين طوائف المسلمين وامتداد ظلال الفتنة الكبرى على فكر المسلمين، وعلاقاتهم طيلة أربعة عشر قرنا من الزمان، حتى قامت من جراء ذلك جُدُرٌ من حَديد بين أبناء عقيدة التوحيد.
والسؤال الذي يفرض نفسه هل كان للإباضية منهج في هذه التأليف والموسوعات الفقهية الضخمة؟ وكيف كان منهجهم في الاجتهاد؟ وما هي معالم هذا المنهج وأثره على نتاجهم الفقهي، تنظيرا وتطبيقا؟ وهل كان الفقه الإباضي مستقلا بأصوله ومصادره؟ أم استمدها من غيره؟ وما طبيعة علاقته بنتاج المدارس الأصولية والفقهية الأخرى؟ أهي الانفصال والاستقلال؟ أم التأثر والتأثير؟. وأسئلة أخرى غيرها.
وبدهي أنه لا يمكن فهم طبيعة هذا التشريع دون دراسة مصادره و مراجعه ووضعها في إطارها الزمني، ومعرفة الظروف التي أثرت فيها وفي موضوعاتها، محتوى ومنهجا. ويأتي هذا البحث محاولة للإجابة عن تلك التساؤلات، ووضع الصورة الأقرب إلى الموضوعية عن طبيعة ومنهج الاجتهاد لدى فقهاء هذه المدرسة. جهود السابقين:
يقتضي واجب الانصاف الاعتراف بالجهود السابقة التي تناولت تراث هذه المدرسة بالبحث والتحليل. للاستفادة منها ومحاولة إضافة الجديد في
الناس وجوب الأسباب لفعل الطاعات كالركوب للحج. ومن زنى أو سرق أقيم عليه الحد ثم استيب وإلا قتل وغيرها من الأقوال التى لا وجود لها في المدونات الإباضية قديما ولا حديثا. ينظر الأشعري، مقالات الإسلاميين. صفحات 170 فما بعد البغدادي الفرق بين الفرق صفحات 103 فما بعد الشهرستاني الملل والنحل، صفحات 213 فما بعد.
1) محمد أبو زهرة، المذاهب الإسلامية 53.
2) ابن النديم، الفهرست، 230.
15 (1/15)
صفحة 16
مُقدمة
ميدان البحث والمعرفة.
والواقع أنه لم تكن هناك دراسات متخصصة في مجال التشريع عند الإباضية، سوى تلك الإشارات غير الموضوعية مما أوردته كتب المقالات والتاريخ الإسلامي في القديم، وظلت تردد من قبل المحدثين، وبصورة حرفية في أكثر الأحايين.
وكان المستشرقون سبّاقين إلى دخول غمار هذه الموضوعات، كغيرها من قضايا العالم الإسلامي الدينية منها والفكرية والاجتماعية والاقتصادية؛ تدفعهم إلى ذلك أسباب شتى، بعضها دوافع علمية، وأكثرها استعمارية. ولكنهم أسهموا في إثارة انتباه الدارسين المسلمين إلى هذه الموضوعات، وتعريف أبناء الدين الواحد ببعضهم. وهذه حقيقة مرة نذكرها مع الأسف الشديد، وإن لم تكن مقصودة من قبل هؤلاء المستشرقين.
ينقل الدكتور عمرو خليفة النامي (1) إنه في سنة 1903 م كتب البروفيسور د ماكدونال DUNCAN MACDONALD يقول: «إننا لا نعرف عن أصول التشريع الإباضي بالمقارنة إلا قليلا ودراسة شاملة للفقه الإباضي ستكون ذات فائدة عظيمة. كما أن انفصال خطه واستقلاله ينحدر من بدايات سابقة لنشأة كل المذاهب السنية» (2). ويؤكد النامي أنه لم تقع دراسة وافية للفقه الإباضي منذ ذلك الحين، كما تمناها هذا العالم. وبدلا عن ذلك، فإن المدرسة الإباضية في التشريع تُنُوولت من قبل الذين درسوا التشريع الإسلامي، ولكن باهتمام قليل؛ وعادة ما يشيرون إلى الفقه الإباضي إشارات عامة، ليس لها قيمة علمية كبيرة (3).
1) د. عمرو خليفة النامي. باحث معاصر مختص في الدراسات الإباضية، ولد في مدينة نالوت بجبل نفوسة بليبيا، ونال الدكتوراه من جامعة كمبريدج ببريطانيا سنة 1971، وكان أستاذا بجامعة بنغازي، ثم جامعة طرابلس، ثم أرسل إلى متشيجان في الولايات المتحدة ثم إلى اليابان. له تحقيقات لمخطوطات هامة منها العدل والإنصاف للوار جلاني. أجوبة ابن خلفون. قناطر الخيرات للجيطالي. أصول الدين لتبغُورين الملشوطي. اختفت أخباره في ظروف غامضة منذ سنة 1986. MACDONALDS; Development of وأحال على كتاب 81 ENNAMI; STUDIES)_ 2
Muslim Theology Jurisprudence, And Constitutional Theology; BEIRUT. 1965.
116.
3 _(ENNAMI; STUDIES; 81 .
16
MB (1/16)
صفحة 17
مُقدمة
وبالرغم من أن المستشرق شاخت SCHACHT كان مطلعا على ارتباط المدرسة الإباضية بالتابعي جابر بن زيد (1)، فقد أنهى مذكرته حول الفقه الإباضي إلى تقرير أن الإباضية أخذوا فقههم من المدارس السنية (2). ثم ناقض شاخت نفسه في آخر دراسته فقد أنكر صراحة واقع أن القسمات المشتركة لمختلف المدارس الفقهية الإسلامية، كان سابقا لنشأة هذه المدارس (3).
والواقع أن التفاعل بين المدارس الفقهية الإسلامية أمر لا يُنكر، ولكن الحقيقة الأخرى أيضا أن المدرسة الإباضية كانت أسبق وجودا على سائر المدارس الأخرى. لتقدم إمامها جابر بن زيد في الزمن، إذ كانت ولادته سنة 23 هـ ووفاته سنة 93 هـ، بينما ولد الإمام أبو حنيفة النعمان سنة 80 هـ والإمام مالك بن أنس سنة 93 هـ.
ويذكر النامي كذلك أنه لم يُتناول الفقه الإباضي وأصوله بجدية حتى عصرنا هذا عدا بعض المقالات التي ظهرت في هذا المجال، من ذلك مقال لروبناسي الإيطالي في باب الطهارات في دراسة مقارنة، وكان بعنوان " LA PURITA RITUAL SCONDO; GLI IBADITI(4). وما سوى ذلك فإن دراسات المستشرقين عن الإباضية تركزت على الجانب العقدي، وعلى الجذور التاريخية لهذه الجماعة، واهتم بعضها بتناول مظاهر من مجتمعاتهم الحاضرة وحياتهم الدينية (5).
(1) جابر بن زيد، كنيته أبو الشعثاء (ولد سنة 18 هـ وتوفي سنة 93 هـ) الجوفي البصري العماني. وأصله من بلدة "فرق"، من أعمال نزوى في عمان. تابعي جليل. رحل في طلب العلم إلى الحجاز، وتتلمذ على الصحابة الكرام، واختص بابن عباس، حتى صار إماما في الفقه والحديث والتفسير، وهو إمام المذهب الإباضي، عنه أخذ تلامذته العلم، وأشهرهم أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة. = ينظر: الدرجيني، طبقات 2 205 - 212. الشماخي السير 70. الجعبيري، البعد الحضاري، 1: 50 معجم أعلام الإباضية. ترجمة 230 وفيه إحالة على جل المصادر والمراجع.
نقلا عن 261. SCHACHT; The Origins of Mohammadan Jurisprudence
2 _(ENNAMI; STUDIES; 81: .
3_(ENNAMI; STUDIES; 81/82.
4_(ENNAMI; STUDIES; 16/17.
(5) وذكر من تلك الدراسات ترجمة كتاب عقيدة التوحيد لعمرو بن جميع ترجمه إلى الفرنسية " موتيلانسكي". ثم كتب نالينو مقالا عن تأثير المعتزلة في العقيدة الإباضية، ثم كتب مورينو مقالا في نفس الاتجاه بعنوان " NOTE DI TEOLOGIA IBADITA" ، ثم كتب المستشرق البولوني
17 (1/17)
صفحة 18
مقدمة
فاتجهت معظم البحوث والدراسات الأكاديمية منها وغير الأكاديمية، إلى معالجة الأصول العقدية للإباضية وفكرها السياسي، وتطورها التاريخي، دون أن تلتفت إلى فكرها الأصولي الاجتهادي وإضافاتها الفقهية فيه، رغم خصوبة هذا المجال وسعة آفاقه؛ الذي كان وجها مشرقا ليقظة العقل المسلم، وملتقى لمنهجية المنطق، وقواعد اللغة ومقاصد الشارع.
وأسبق دراسة تناولت الجانب الفقهي للإباضية وتأصيلها، هي رسالة دكتوراه بعنوان " STUDIES IN IBADISM " للدكتور عمرو خليفة النامي، تقدم بها إلى جامعة كمبريدج ببريطانيا سنة 1971 م. تناول فيها نشأة المدرسة الإباضية وأهم أصولها التشريعية، فضلا عن جوانب فكرية أخرى تتعلق بأسسها العقدية وتطبيقاتها السياسية والاجتماعية. كما أورد الشيخ علي يحي معمر (1) موجزا عن هذه الأصول في كتابه "الإباضية دراسة مركزة في أصولهم وتاريخهم".
وخصص الدكتور صالح الصوافي بحثه في الماجستير لدراسة "الإمام جابر بن زيد وآثاره في الدعوة"، وهو جهد ينصب أساسا في الجانب التاريخي، ودور الإمام جابر في تأصيل قواعد المذهب وتكوين التلامذة الذين نشروه في
سموجور جفسكي مقالا في الفوارق بين الإباضية والمالكية، معتمدا على قصيدة لمجهول إباضي، حول هذه القضايا. ثم كتب لفيتسكي مقالا حول انقسامات الإباضية. وهناك دراسة قام بها روبيناسي الإيطالي، حول العقيدة الإباضية من خلال عقيدة أبي زكرياء الجناوئي، مع ترجمة إلى الإيطالية. ودراسة لعلاقتها بالفرق الإسلامية الأخرى، ENNAMI; STUDIES؛ 16. وعني فريق من هؤلاء المستشرقين بالجانب التاريخي، أمثال لفيتسكي، LEWICKI؛ وروبناسي، RUBINACI وماسكوراي MASQUERAY، وموتيلانسكي، MOTYLINSKI. وتناولوا كتب السير الإباضية بالدراسة والتحليل والترجمة من مثل سير الوسياني، والشماخي وأبي زكرياء الوَارِجلاني، وطبقات الدرجيني، وجواهر البَرَّادِي.- ENNAMI; STUDIES؛
15/14/13
1) علي يحي معمر: (1338 - 1401 هـ / 1919 - 1980 م). ولد بنالوت، وتعلم على شيوخها، ثم انتقل إلى تونس مترددا على جامع الزيتونة، ومنها إلى الجزائر حيث درس بمعهد الحياة بالقرارة لمدة سبع سنوات. وعاد إلى بلده سنة 1945 م. وتفرغ للتعليم والتأليف، وترك دراسات إسلامية هامة وأهمها: "الإباضية في موكب التاريخ في أربع حلقات والإباضية بين الفرق الإسلامية". شعاره التوحيد بين المسلمين بناء على أسس ثلاثة المعرفة والتعارف والاعتراف. الجعبيري، البعد الحضاري 86. معجم أعلام الإباضية، ترجمة 640.
=
ينظر:
18 (1/18)
صفحة 19
أصقاع مختلفة
مُقدمة
من العالم الإسلامي. كما عرض أهم أصول المذهب العقدية،
وأبرز مصادره التشريعية.
وتمثل رسالة الباحث عمر بن مسعود الكباوي جهدا آخر يضاف في هذا الاتجاه، إذ عُني بالجانب الحديثي ومساهمة الإباضية في علم الحديث، متمثلا في دراسة شخصية "الربيع بن حبيب محدثا وفقيها" وتقدم بها لنيل الماجستير من جامعة الفاتح بليبيا. وخصص الباحث سالم العدالي دراسته حول "البَرادِي حياته وآثاره" وفيها تناول الجانب التاريخي لشخصية البَرَّادِي وعصره، كما حلل إنتاجه وآراءه في القضايا الكلامية والفقهية واللغوية، وموقفه من كبريات الأحداث في التاريخ الإسلامي. ونالت الآراء الأصولية نصيبها من البحث استنادا إلى كتاب البَرَّادِي "البحث الصادق والاستكشاف" الذي شرح فيه كتاب "العدل والإنصاف" لأبي يعقوب الوَارِجلاني.
وكتب الدكتور إبراهيم بدوي بحثا عن دور المدرسة الإباضية في الفقه والحضارة الإسلامية" وللشيخ فرحات الجعبيري بحث بنفس العنوان، وهي جهود مشكورة ولكنها تناولت الموضوع على الإجمال. وأبرزت الجانب الفقهي دون التركيز على قواعده الأصولية، وتحديد إسهام الإباضية في هذه الأصول تقعيدا وممارسة.
كما كانت دراسة الأستاذ مُهَنّي التيواجني وتحقيقه لـ"شرح مختصر العدل والإنصاف" خطوة هامة في رصد معالم المدرسة الإباضية الاجتهادية، وبخاصة في القسم الدراسي من البحث.
وكتب الباحث عبد الرحمن مصلح رسالة ماجستير بعنوان "الإباضية عقيدة وفكرا"، ووضع الدكتور صابر طعيمة كتابا بعنوان: "الإباضية عقيدة ومذهبا". وخصص محمد حسان كسبة أطروحة دكتوراه لدراسة "الإباضية وعقيدتهم" وجل تلك الدراسات تشير إلى قضايا التشريع، ولا تستوعبها بالتأصيل والتحليل.
ولا نحسب هذه المحاولة إلا لبنة تكمل الجهود التي سبقت، وتضيف إضاءة جديدة في الدراسات الأكاديمية للتعريف بإسهام هذه المدرسة في إرساء قواعد
19 (1/19)
صفحة 20
مُقدمة
الاجتهاد، وبناء صرح الفقه الإسلامي. هذا الفقه الذي يمثل أشمل وأكمل وأعدل منظومة تشريعية عُرفت بين قوانين الأرض حظيت بقداسة مصدر
التشريع، وتضافر جهود التأصيل والتفريع بما لم تجتمع على مثله جهود
البشرية عبر التاريخ. غاية هذا البحث:
وببيان دور هذا البحث تتجلى غايته، وهي الرغبة في إحياء جهود مباركة بذلت، والتعريف بمساهمات قُدمت أسداها لهذه الأمة رجال مخلصون، صدقوا العزم على خدمة هذا الدين؛ وخلّدوا لنا تراثا نعتز به. ومن العقوق إنكار فضل السابقين والإعراض عن جهودهم أو إهمالها في زوايا النسيان. بل الواجب على الباحثين تناول هذا الموروث بالبحث والدراسة، وتمييز ما فيه من إيجابيات تستفاد، وسلبيات تتلافى. ولا حرج في ذلك، فهو اجتهاد بشري رائع؛ وهو أيضا اجتهاد غير معصوم. وما يشفع لأهله صدق العزم على ريادة المجتمع وإرشاده إلى الحياة الأفضل في كنف أحكام الشرع الحنيف، وتقويم انحرافه حتى لا تتوزعه السبل فيضل ويشقى. وتلكم خلاصة حضارة الإسلام. إن حضارة الإسلام تميزت بطابع قيمها النابعة من ثوابت الإسلام وأصوله التشريعية وفهم العلماء لخصائص مجتمع بذاته، في زمان بعينه، ثم تطبيق ذلك الفهم في الحياة الاجتماعية بكل نواحيها العلمية والفكرية،
وعلاقاتها الانسانية. هذا الفهم هو الاجتهاد وطريقة الفهم هي منهج الاجتهاد ومحاولتنا تأتي في هذا المسار لإبراز نتاج المدرسة الإباضيَّة في مجال الاجتهاد تنظيرا وتطبيقا؛ وتصحيح الرؤى وبيان مدى إسهام علمائها في بناء معلمة الفقه
الإسلامي وأصوله. منهج البحث:
تتجه دراسة تاريخ العلوم وتتبع مراحل تطوّرها عبر سبيلين: أحدهما، دراسة الأطوار التي اجتازتها نظريات العلم، وتناول كل مرحلة بتبيان خصائصها واتجاهاتها وأهدافها ومدى تأثرها بما سبقها، وتأثيرها فيما تلاها
من المراحل.
?20 (1/20)
صفحة 21
مُقدمة
والثاني، دراسة الشخصيات والأعلام الذين أسهموا في بناء هذه
النظريات العلمية، دراسة تحليلية، وبيان مدى إسهامهم في مجال المعرفة، وتقييم آرائهم بما لها من صواب وإثراء، وما عليها مآخذ وهنات.
من
النظر إلى
العوامل المؤثرة في إنتاجهم، وذلك بتناول عصرهم وبيئتهم ومناهجهم التي سلكوها لتحقيق أهدافهم العلمية.
واخترت في هذا البحث الاتجاه الأول معتمدا التقسيم الموضوعي لقضايا الاجتهاد ومباحث علم الأصول، بإيراد آراء أعلام الإباضية فيها، مراعيا الترتيب الزمني بينهم، حتى يتسنى تتبع التطور التاريخي لهذه القضايا داخل المدرسة الإباضية، وهي المجال الرئيس للبحث.
ولتحقيق هذه الخطة عمدت إلى التزام سبل ثلاثة:
منهج الوصف والتحليل، وذلك بعرض آراء الإباضية الأصولية من مصادرها عرضا أمينا، يكشف النقاب عن أبرز هذه الآراء، ومدى مساهمتها في إثراء علم الأصول.
أدوات المنهج التاريخي، الذي فرضته ضرورة مراحل التطور المعرفي في تناول قضايا علم الأصول منذ نشأتها إلى العصر الحاضر، وربط بعض هذه القضايا بظروفها التاريخية دينية كانت أم اجتماعية أم سياسية، مما يساعد على وضعها في إطارها الصحيح وتفسيرها التفسير السليم، وإلا كانت الدراسة مبتسرة لا تنفذ إلى الأسباب والملابسات التي أفرزت الاختلاف في الآراء ودفعت هذا العالم أو ذاك إلى القول بهذا الرأي أو ذاك.
واعتمدت المقارنة وسيلة لتبيان التوافق والتباين في الآراء؛ بعد أن استقر منهج المقارنات أداة بالغة الأهمية مجال البحث العلمي، فبه تتجلى أوجه الوفاق والخلاف، سواء داخل المدرسة الواحدة أم بين علماء الإسلام ومدارسه بوجه عام. وهو ما تأكدت ضرورته من خلال القضايا الخلافية التي ثار حولها جدل طويل بين علماء الأصول.
ولكن ضخامة الموضوع وشساعة الفترة الزمنية التي تناولها، حالتا دون الاستقصاء في المقارنات مع أغلب أئمة الأصول، وهو عمل قد يخرج بالبحث عن إطاره المحدد بنتاج المدرسة الإباضية - فكان السبيل الأمثل عقد
21 (1/21)
صفحة 22
مقدمة
مقارنات مقتصدة في أهم القضايا التي وقع الخلاف فيها بين الإباضية وغيرهم، سواء في مجال التأصيل أم مجال التنزيل وتجسيد الاجتهاد على أرض الواقع
التشريعي.
واخترنا كتاب "المستصفى" للغزالي مصدرا رئيسا للمقارنة؛ مع العودة إلى المصادر الأخرى في كثير من الأحايين.
وسبب هذا الاختيار، يعود إلى أن المستصفى يمثل زبدة نتاج الأصوليين وقمة التأليف في هذا العلم، منهجا وموضوعا. فهو مصدر أساسي لكل من كتب في الأصول بعد القرن الخامس الهجري؛ إذ جمع خلاصة منهج المتكلمين في علم
الأصول؛ حتى قال عنه قال عنه الشيخ الخضري: «لم يجئ بعد الغزالي من يماثله» (1). ثم إن الإباضية تُحسب على مدرسة المتكلمين في منهجها الأصولي، مما هذه المقولة صحة أو خطأ، وهو ما تسعى لبيانه صفحات
يدعو إلى التأكد
هذا البحث.
من
على أن المقارنة لم تهمل مدرسة الحنفيّة أو الفقهاء، إذ إن ثمة قضايا وفاق تجمعها بالإباضية، وأخرى كانت محل خلاف، سواء على صعيد التأصيل أمّ التفريع، فكان ضروريا معرفة مبناها ودليلها عند الجميع.
ومن جهة أخرى وجدنا الغزالي يمثل الاتجاه الأشعري في علم الكلام، وهو اتجاه تتفق معه الإباضية في قضايا وتختلف في أخرى، وكان لهذا الاختلاف أثره في كثير من مباحث علم الأصول، وهو ما تجلّى في مواضع عدة من
الأطروحة. والتزمت العودة إلى المصادر الأصلية لأصحابها سواء في مجال الأصول أم مسائل الفقه أم غيرها، إلا ما عجزت عن الوصول إليه؛ وبخاصة في المسائل الثانوية التي لا تدخل في صلب البحث فاكتفيت فيها بالمراجع عند تعذر الوصول إلى المصادر ولا يكلف الله نفسا إلا وسعها. وفي مجال توثيق الأحاديث فقد استفدت من التطور التكنولوجي الرائع في ميدان الإعلام الآلي بظهور برامج الكترونية، وأوعية رقمية حوت كثيرا من أمهات التراث الإسلامي. ومنها برنامج الجامع للحديث النبوي". الذي
1) محمد الخضري، تاريخ التشريع الإسلامي، 376.
22 (1/22)
صفحة 23
مُقدمة
حوى معظم مصادر السنة من الصحاح والسنن والمسانيد. وقد سهلت لي مهمة توثيق الأحاديث فكنت لا أكتفي بالعودة إلى الربيع بن حبيب والصحيحين، بل أحيل إليها وإلى غيرها في كثير من الأحيان. وقد تجاوز الزمن الجدل في موثوقية هذه الأوعية بعد أن تحول جل تراث المسلمين إليها، وغدت نبعا فيّاضا يمد صاحبه بالمسألة والنص والآية والحديث في ثوان، ويدلّه على مصادره المختلفة في لمح البصر. علمًا بأن كثيرا من الأقراص المدمجة سهر على إنجازها فريق من المتخصصين والخبراء وفيها جهود علمية متميزة في مختلف ميادين المعرفة؛ ومنها مجال التراث الإسلامي، وخدمة مصادر العلوم الشرعية في القرآن وعلومه وتفاسيره، والسنة وعلومها، والفقه والأصول واللغة والتاريخ). وقد غدا التوثيق الالكتروني معتمدا في جامعات العالم. تماشيا مع تطور العلوم والسرعة المذهلة التي وفرتها الوسائل الحديثة في مجال التوثيق والبحث العلمي عموما. أعرضت عن الإطناب في كثير من القضايا الهامشية أو الكلامية، لعدم جدواها العملي أولا، ولكونها ترفا فكريا شغلت بال الأصوليين عن الأهم في مجالي الفكر والعمل. ومن تلك المسائل: هل الأمر بالشيء نهي عن ضده؟. وهل النهي عن الشيء أمر بضده؟ وما الحكم إذا لم يمكن الخروج عن النهي إلا بارتكاب منهي آخر؟ كمن أولج فرجه في فرج حرام؟ أو دخل زرع غيره بدون إذنه؟ وحكم الحرام المجهول أحلال هو أم حرام؟. وما أشبه ذلك.
1) لا ينكر وجود قصور في بعض تلك البرامج، وعدم ضبط النصوص التراثية فيها، ولكنه يمكن تدارك هذا القصور بما فيها من الإحالة إلى المصادر الورقية المصورة. وليس من المعقول أن نتنكر للجهود المبذولة في هذا المجال. والحال أننا نعترف بمساهمات أقل منها بكثير يقوم بها فرد أو أفراد في إخراج كتاب وطبعه بعنوان تحقيق ودراسة؛ وما هو من التحقيق ولا من الدراسة في قليل ولا كثير.
وما تحتمله الأقراص من أخطاء نجد مثله في الكتب المطبوعة المتداولة. كما لا يعد الوصول إلى هذه الوسائل أمرا متعذرا، بل هو في متناول الجميع، لتوفرها بين أيدي الناس أشخاصا ومؤسسات والرجوع إليها أيسر من الرجوع إلى مخطوط مستور في مكتبة قصيّة من العالم. ومع ذلك فقد تعارف الناس الإحالة على المخطوطات منذ زمن بعيد. واعتبروه وسيلة مقبولة في التوثيق.
23 (1/23)
صفحة 24
مُقدمة
وقد حمل أبو يعقوب الوارجلاني حملة عنيفة على المشتغلين بهذه المسائل التي
لا تفيد علما ولا تثمر إيمانا. وأعتبرها بليّة وفتنة عظمى على الفقه وأهله (1). وكان الاهتمام متجها أيضا إلى تنزيل علم الأصول على أرض الواقع
التشريعي، وبيان مدى أثره على الفقه، والحال أن هذه الغاية العملية من
هذا العلم.
هي
وفي الحديث عن مجال الاجتهاد أشرت إلى ضرورة فقه الواقع لتحديد العلاقة العضوية بين علم الأصول في قواعده النظرية، وبين علم الأصول في
قضاياه العملية.
ومن المناسب التذكير بأننا في حاجة ماسة إلى دراسة تحليلية مستفيضة وعميقة، تستقرئ سائر العوامل الاجتماعية والتاريخية بكل أشكالها وأبعادها لتفسير نشأة كثير من القضايا الفكرية في تراث المسلمين، وإذا أخذنا هذا المنهج بعين الاعتبار تبين أن كثيرا من الأمور التي طال الجدل حولها في التاريخ ولا يزال، إنما نجمت عن هذه العوامل، وألبست لباس القداسة، وهي لا تعدو أن تكون اجتهادا بشريا خاضعا لظروف الزمان والمكان. ولو فعلنا ذلك لأمكن توفير جهد كبير وزمن ثمين يهدران في الجدل العقيم.
آثرت اعتماد الأسلوب الانسيابي في عرض المسائل وعدم تسجيل محطات الوقوف في كل جزئيات البحث، خشية أن يصطبغ البحث بصبغة ذرية مملة. ورغبة في الابتعاد عن الشكل المدرسي الرتيب. وأحسب ذلك أمرا مستساغا، بل ومطلوبا، بعد أن غدا التقيد الحرفي بالنموذج المدرسي للبحوث شكلا تجاوزته النظرة المعاصرة في الدراسات الأكاديمية.
اقتصرت في تراجم الأعلام على أبرز أعلام الإباضية لعموم الجهل بهم وصعوبة الوصول إلى مظانّ تواريخهم ولم ألتزم الترجمة لكل الأعلام لتوافر مصادرهم بين أيدي الدارسين.
وتجدر الإشادة هنا بجهود فريق البحث في جمعية التراث بالقرارة، برئاسة الدكتور محمد ناصر على إنجازها "معجم أعلام الإباضية" سواء منه الجزء الخاص بأعلام المغرب، أم القسم الخاص بأعلام المشرق. وتلك ثمرة طالما
(1) أبو يعقوب الوَارِجلاني، رسالة الوَارِجلاني، 13 و.
24 (1/24)
صفحة 25
مُقدمة
انتظرها الباحثون في التراث الإباضي، لما يلقونه من عناء في هذا السبيل. خطة البحث:
تناولت هذه الدراسة النتاج الأصولي للإباضية مقسما على أساس موضوعي مع مراعاة التطور التاريخي.
وكانت خطة البحث مبوبة إلى أبواب ثلاثة مع المقدمة والفصل التمهيدي
والخاتمة.
أما
محتوى المقدمة فقد سار على معتاد البحوث الأكاديمية، من إبراز أسباب اختيار الموضوع وإشكاليته وغايته ومنهج الدراسة ومراحلها؛ ثم عرضت للمصادر المعتمدة ومدى استفادة البحث منها بغية توثيق الأساس الذي قامت عليه هذه الدراسة.
وكان الفصل التمهيدي مدخلا ضروريا للبحث؛ تناول قضيتين أساسيتين الأولى في ضبط مصطلحات الأطروحة وهي ثلاثة: المنهج والاجتهاد والإباضية والقضية الثانية عن تطور الفكر الأصولي وروافده و موقع الإباضية من ذلك.
" I
أما الباب الأول فكان بعنوان "اجتهاد التأصيل" وتناول فصولا أربعة. جعلت الفصل الأول في "المعرفة والدليل"، بينت فيه مفهوم الحجة، وقيام حجية العقل وأدلة الأحكام، وإشكالية العقل والنقل. وعرضت في الفصل الثاني لـ"دليلي" الكتاب والسنة وكيف كان القرآن أصلا لسائر الأدلة. وأوضحت منزلة السنة عند الإباضية، وأقسامها وعلاقة السنة بالقرآن، وحجية الأخبار. كما تناول هذا الفصل منهج نقد الرواية وشروط الحديث المقبول. وكان الفصل الثالث حول "دليل" "الإجماع بين التصور والواقع، بينت فيه مفهوم الإجماع وكيفية حصوله ومَن هُم أهله وما هي شروط انعقاده، ورأي الإباضية في الإجماعات الجزئية كإجماع العمرين وإجماع أهل المدينة، وموقفهم من منكري الإجماع، وأثر هذا الدليل في اجتهاداتهم. وفي الفصل الرابع تناولت "القياس" باعتباره رابع أدلة الأحكام عند الجمهور، إذ بينت مفهومه واختلاف أوائل الإباضيَّة حول حجيته، وما استقر عليه أمرهم بعد ذلك. ثم إسهامهم في إثراء هذ المجال؛ ووضع قواعد توظيف القياس وتحديد
25 (1/25)
صفحة 26
مُقدمة
مجالاته، وكيف تجسد ذلك في فروع الفقه الإباضي.
وجعلت الباب الثاني لـ "اجتهاد التفسير". إذ تضمن فصولا أربعة، مهدت لها ببيان علاقة اللغة بتفسير النصوص، وخصصت الفصل الأول للحديث عن "البيان" بما فيه من حقيقة ومجاز، وتقاسيم الألفاظ وضوحا وخفاء، ومناهج المجتهدين في هذه التقاسيم وموقع الإباضية من هذه المناهج، وإسهامهم في مباحث الدلالات بالمنطوق والمفهوم، وتطبيقاتها في مسائل فقهية عديدة. وكان الفصل الثاني عن "العموم والخصوص" وما يتعلق بهما من قضايا تأصيلية وتخريجات فقهية. وخلصت في الفصل الثالث إلى المحور الأساسي في التكليف وهو مباحث "الأمر والنهي" فبينتهما مفهوما ودلالة، من حيث اللغة ومن حيث الشرع. إلى ما هنالك من قضايا بعضها يخص الأمر كعلاقة الأمر بالزمن، وبعضها يخص النهي كدلالته على الفساد، وأثر ذلك على عدد من مسائل الاجتهاد، وختمت الباب الثاني بفصل رابع حول "نظرية الحكم الشرعي" التي تعدّ وليدةَ مباحث الأمر والنهي. فبينهما ترابط عضوي، ارتباط النتيجة بالسبب ودعا السياق إلى تناول بعض أركان هذه النظرية؛ متمثلة في الحكم الشرعي نفسه، وبعض أقسامه، سواء ما تعلق منها بالحكم التكليفي أم بالحكم الوضعي. ثم عرّجت إلى المحكوم فيه وهو فعل المكلف، ثم المحكوم عليه وهو المكلف وما يشترط فيه من فهم للخطاب؛
وقدرة على الامتثال وبيّنت مدى إسهام الإباضية في هذا المجال. أما الباب الثالث فكان لموضوع اجتهاد الترجيح والاستدلال؛ حيث احتضن محورين أساسين من مباحث علم الأصول. أحدهما التعارض والترجيح، والثاني الأدلة التبعية التي تعرف بالأدلة الاجتهادية؛ وبالاستدلال. وبناء على هذه الخطة فقد توزعت هذا الباب فصول ثلاثة. جعلت الفصل الأول منها "للتعارض والترجيح ببيان حقيقة التعارض بين الأدلة الشرعية، والقواعد المرسومة لإزالة هذا التعارض ومن أبرزها النسخ وقضاياه. ثم كان الفصل الثاني عن "الاستدلال"،ومفهومه، وهو الاجتهاد عند فقد النص. تناولت فيه الأدلة التبعية النقلية منها كحجية قول الصحابي وشرع من قبلنا، والأدلة العقلية كالمصالح المرسلة والاجتهاد المقاصدي، والاستحسان وغيرها،
11
?26] (1/26)
صفحة 27
من
مُقدمة
اختلاف
وموقف الإباضية من هذه الأدلة مفهوما وممارسة. ثم تحدثت في الفصل نفسه عن أبرز القواعد الفقهية، ومنها العرف والضرورة وسد الذرائع، وأثر هذه القواعد في الفقه والاجتهاد. أما الفصل الثالث فجعلته لعملية الاجتهاد؛ كيفية حدوثها، ومشروعيتها، وشروط القائم بها وهو المجتهد، وتحديد مسؤوليته، وبيان مجال الاجتهاد؛ ما يجوز منه وما لا يجوز، وما نجم عن ذلك الأصوليين حول الصواب والخطا في الاجتهاد. ثم تناولت مسائل تميز بها الفكر الإباضي وهي قضايا الولاية والبراءة ومسالك الدين، وبيان علاقة هذه المسائل بالاجتهاد. وختمت الفصل بالحديث عن العاجز عن الاجتهاد وهو المقلد بيانًا لحقيقة التقليد وحكمه ومجاله ومتى يجوز، ومن يجوز تقليده وهل للمقلد التخيير بين أقوال المجتهدين؟.
وخلصت بعد ذلك إلى الخاتمة التي رصدت فيها أبرز معالم الاجتهاد عند الإباضية، وما كان محل وفاق أو خلاف بينهم وبين الأصوليين؛ سواء في ذلك مدرسة الحنفية أم مدرسة المتكلمين.
ولا ضير أن نستبق الأحداث بتقرير أن نقاط الوفاق كان لها النصيب الأوفر، لأننا بصدد منهج يضبط سير المجتهد في فهم نصوص الشارع؛ واستلهام مقصده من التشريع.
وذيلت العمل بفهارس شاملة للآيات والأحاديث، والأعلام، والطوائف والمذاهب والأديان، والأماكن والبلدان، فضلا عن فهرس الموضوعات، وفهرس المصادر والمراجع. مراحل العمل وعوائقه:
شاملة
تتمثل صعوبة البحث في توزيع مادته العلمية بين مصادر كثيرة جدا ومتنوعة بين الأصول والفقه والعقيدة والتاريخ والسير، وامتدادها عبر فترة زمنية طويلة، فضلا عن توزعها بين مكتبات عديدة داخل الجزائر وخارجها، وكثير منها لا زال في عداد المخطوطات؛ مما جعل القيام بعملية لها أمرا مستحيلا، إذ يقتضي ذلك تضافر جهود، تتجاوز طاقة الفرد المحدود. وربما أمكن تذليلها مستقبلاً باعتماد أجهزة الحاسوب ذات القدرة الفائقة على اختصار الجهد والزمن، ولكن شريطة أن تستوعب البرامج الحديثة هذا التراث
مسح
27 (1/27)
صفحة 28
مُقدمة
الدفين، بعد تحقيقه وإخراجه إلى النور.
وصعوبات جمع المادة ليست سوى ضريبة البحث، التي يدفعها الباحث وهو موقن بشرف الرسالة، ومدرك لأأمانة الكلمة. فلا مبرر للشكوى من لأواء الطريق؛ إلا أن تكون تذكيرا بالجهد المبذول، عساه يكون عذرا وشفيعا لما يكون في العمل من قصور وتقصير.
وتحدثا بنعمة الله، واعترافا بالجميل، أذكر أنه لم تعترضني في سبيل هذا البحث عقبات مصطنعة تذكر، بل وجدت المكتبات مفتحة الأبواب، واستقبلتني قلوب أصحابها بالترحاب مما ذلّل الصعاب وأعان على تحمل الأتعاب. وكانت أهم المكتبات التي أفادتني بالمصادر المخطوطة، مكتبات وادي مزاب بولاية غرداية جنوب الجزائر. وهي كثيرة وغنية منها مكتبة القطب امحمد بن يوسف، اطفيش ومكتبة الاستقامة، ومكتبة عشيرة آل خالد، ومكتبة الشيخ صالح لعلي، وكلها في بلدة بني يزجن ومكتبة الشيخ بالحاج بالقرارة، ومكتبة معهد الحياة بالقرارة أيضا. فضلا عن المكتبات الأخرى ذات المصادر
المطبوعة.
وكانت لنا رحلة إلى القاهرة حصلنا على بعض المخطوطات الإباضية من مكتبة دار الكتب المصرية. ولنفس الغرض توجهنا إلى كل من سوريا والأردن وعُمَان. وفي هذه الأخيرة وجدنا المبتغى وحصلنا على مخطوطات نادرة في كثير من مكتباتها الخاصة والعامة، وتصدّرت هذه المكتبات من حيث الأهمية، مكتبة المخطوطات بوزارة التراث والثقافة ومكتبة الشيخ عبد الله السالمي بمدينة بدية ومكتبة المستشار أحمد بن محمد البوسعيدي بمسقط، ومكتبة الشيخ سالم بن حمد الحارثي بالمضيرب. وبعد مرحلة جمع المصادر أعقبت مرحلة جمع المادة العلمية، والتحرير، وكانت متتابعة لم يفصل بينها غير زمن يسير.
اعتذار
اني
ولا أزعم بعد هذا أني بلغت الغاية من هذه الرسالة، ولكن حسبي اجتهدت وسعيت، وحرصت على التزام المنهجية والموضوعية قدر المستطاع. ومن الإنصاف التمييز بين المذهبية والموضوعية، فالأولى نمط من الانتماء
?
28 (1/28)
صفحة 29
مُقدمة
الذي يُشرَب بعاطفة موجهة أو تعاطف متحامل؛ يطفو على السطح بشكل أو آخر، فيؤثر ذلك على طريقة التفكير وعلى الحكم على الأشياء. أما الموضوعية فهي موقف متصل بالنظرة المعرفية الحيادية، ولا دخل لها في علاقة الناظر بالموضوع. غير أن التجرد من الذاتية أمر عسير في العلوم الإنسانية، لأن نسبتها إلى الإنسان تأبى عليه أن يتجرد من نفسه، وإن فعل ذلك لم يعد حينها إنسانا، ولو زعم أحد وادعى الموضوعية فإنه مدرك منها بعضها لا كلها، فالموضوعية الصرف لم يدركها إلا إنسان معصوم مؤيد بالوحي الإلهي. وقد أمر الله بالعدل في الحكم، سواء كان لصالح المرء أم ضده، وسواء كان الحكم على صديق عزيز، أم لعدو لدود. ثم قال في بعض المقامات: «فَلاَ تَمِيلُوا كُلَّ المَيْل». والبحث العلمي الجاد يحاول الرقي إلى هذه المرتبة من التفكير، لأنه شرط ضروري لإعادة القيمة العلمية لبحوثنا وتوظيفها في سبيل تجديد وحدة الأمة، وإلا كانت وسيلة لتعميق التناقضات القائمة وزرع المتفجرات لتمزيق هذا
الأمل المنشود.
?
29 (1/29)
صفحة 30
مُقدمة
المصادر والمراجع: عرض وتحليل
اعتمد هذا البحث مصادر ومراجع عديدة مخطوطة ومطبوعة، توزعتها ميادين الفكر الإسلامي، بين عقيدة وأصول وفقه وتاريخ وتفسير وحديث. ولا يتسع المقام لإحصائها، وحسبنا الاقتصار على أهم المصادر المعتمدة، بغية توثيق الأساس الذي قامت عليه هذه الأطروحة.
ويجدر التنبيه إلى أنه لم تقتصر المعاناة في التعامل مع المخطوطات على القراءة وجمع المادة فحسب، رغم أنها تبلغ حجما معتبرا بين مصادر البحث بل كلفنا قسم من المطبوع عنتا بالغا أيضا، إذ صدر عدد من المطبوعات دون تحقيق، ونالها من الأخطاء المطبعية ما يفوق الاحتمال. فاستدعى الأمر مقابلات بين المطبوع والمخطوط، بل والعودة إلى أكثر من نسخة من المخطوط. مما أضاف جهدا في التحقيق كان على حساب الجهد المطلوب لإنجاز جوهر البحث وما يستلزمه من تركيز في العرض والتحليل. - وأقدم هذه المصادر تتمثل في آثار إمام المذهب جابر بن زيد، منها مخطوط بعنوان کتاب جابر بن زيد وهو عبارة عن روايات عمرو بن هرم (1) عن جابر في فتاوى تتعلق بمجال العبادات في الطهارات والصلاة والصوم والاعتكاف، دون المعاملات. وقد استفدنا منها مسائل توضح منهج جابر في
=
الفقه والإفتاء.
جمع الشيخ سعيد بن خلف الخروصي كتاب جابر هذا، وأضاف إليها فتاوى في المعاملات وغيرها، رواها أبو صفرة عبد الملك بن صفرة عن جابر، ورتبهما في مجموع، واحد ثم ألحق بهما كتابا آخر لجابر أيضا في باب النكاح. ويعرف الكتاب الأول بآثار الربيع بن حبيب (2). والثاني بكتاب جابر بن زيد.
(1) عمرو بن، هرم الأزدي من تلامذة جابر. قال عنه الإمام أحمد ويحي بن معين: ثقة. ينظر: الرازي الجرح والتعديل. 6: 267. بكوش، فقه الإمام جابر. 58. 2 الربيع بن حبيب بن عمرو الأزدي الفراهيدي البصري. ولد حوالي 75/ 694 م -توفي حوالي 176 هـ / 786 م) وكانت ولادته بالباطنة في عمان رحل إلى البصرة وأدرك الإمام جابرا. وتتلمذ على أبي عبيدة خاصة، وتولى الإمامة العلمية للإباضية بعد أبي عبيدة. وروى عنه تلاميذ كثيرون. واشتهر بمسنده في الحديث. وله فتاوى مخطوطة، واجتهادات مدونة وآراؤه معتمدة في الفقه الإباضي. ينظر الدرجيني طبقات:2 273 فما بعد. ابن خلفون، أجوبة ابن خلفون،
?30 (1/30)
صفحة 31
مُقدمة
أما الثالث فيدعى كتاب النكاح الجابر بن زيد وطبع هذا المجموع بعنوان "من جوابات الإمام جابر بن زيد. سنة 1404 هـ / 1984 م برعاية وزارة التراث العمانية.
و كتب المستشرق الألماني Josef vaness ملاحظات على كتاب جابر منها قوله: إنه لا يؤيد فتاويه بالكتاب والسنة والواقع أن الكتاب لا يعدو كونه إجابات عن أسئلة يلقيها عامة الناس، مما لا يطلب فيها ذكر الدليل دائما، وقد تكون صدرت عن جابر شفاها، إذ كان يكره تدوين فتاويه خشية أن يتغير اجتهاده، فيعمل الناس برأي يتبين له خطؤه لاحقا، فيرجع عنه وهم لا يعلمون. = ومن مصادر آراء جابر رسائله إلى بعض تلاميذه وأصحابه، وتبلغ سبع عشرة رسالة. تناول فيها قضايا أغلبها في المعاملات. يتصدرها الوعظ والنصح بالتقوى ولزوم أمر الله واتباع شرعه. وقد تأخذ هذه النصائح نصف الرسالة
أو تزيد. كما أن عديدا من مسائل هذه الرسائل يوجد لها نظائر في كتاب النكاح وكتاب جابر وآراء جابر فيها مبناها الاجتهاد، أو نصوص الكتاب والسنة. ولكنه نادرا ما يذكر دليله مكتفيا بالقول: هكذا السنة، أو السنة، من وما شابه ذلك (1).
- جمع
الأستاذ
يحي بكوش آراء جابر المتناثرة في مختلف مصادر التراث
الإسلامي، للإباضية وغيرهم. وأصدرها في كتاب سماه "فقه الإمام جابر بن زيد". وجعله في أحد عشر بابا استوعب فيه جل أبواب الفقه الإسلامي. وأفادنا الكتاب كثيرا في رصد آراء جابر الفقهية ومرتكزاتها الأصولية نصا أو
تلميحا.
= وترك لنا أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة تلميذ جابر، كتابا يعرف بـ"مسائل أبي عبيدة" في مواضيع فقهية متعددة، بدأها بمواعظ وآداب وأدعية. وتتخلل المسائل الفقهية إشارات إلى قضايا أصولية، مثل حجية قول الصحابي، وبيان القياس المذموم، ووجوب اتباع الأثر، واعتبار الحديث
108. الجعبيري البعد الحضاري 1: 140 بكوش السنة عند الإباضية. 26. 1_ وتم تحقيق هذه الرسائل بعناية الشيخ الدكتور فرحات الجعبيري، وطبعتها دار الضامري للنشر
والتوزيع.
31 (1/31)
صفحة 32
مُقدمة
الضعيف في الفضائل وتعليل الأحكام. كما أورد ذكر أفعال كثيرة وكيفية الحكم عليها.
وفي الكتاب بيان لحجية السنة، وتمييز بين السنة الواجبة والسنة المستحبة وبين الفرض والواجب. وهي في مجموعها إشارات قليلة بالنسبة لحجم الكتاب، ولكنها تمثل بذور التدوين الأصولي عند الإباضية. والمخطوط المعتمد نسخة فريدة فيها من أخطاء النسخ شيء غير يسير. كما ترك لنا الربيع بن حبيب تلميذ أبي عبيدة مسندا في الحديث، ثلاثي السند، حلقاته الربيع، أبو عبيدة، جابر، ثم الصحابة عن رسول الله.
=
ويعتبر المستند الأول لدى الإباضية بعد، القرآن، تليه سائر الصحاح. وقد أفادنا بكثير من آراء أئمة الإباضيَّة الفقهية سواء ما كان اجتهادا أم أحاديث عن رسول الله، اعتمدوها أو عقبوا عليها. وبهذا يعد "مسند الربيع" أقدم
مصدر متكامل لنشأة الفقه والاجتهاد عند الإباضية.
11
ومما تركه الربيع كتاب آثار الربيع في جزأين، الأول جمع فيه الروايات التي رواها أبو صفرة عبد الملك بن صفرة عن جابر، وقد تضمنها كتاب "من جوابات الإمام جابر بن زيد" الذي تقدم ذكره. وهذه الآثار هي فتاوى للإمام جابر. أما الثاني فعنوانه "فتيا الربيع "، وهو خاص بفتاوى الربيع. وتوجد نسخة أخرى أكبر منه بعنوان "مسائل مما سئل عنه الربيع" بمكتبة الاستقامة ببني يزجن بميزاب والمخطوط نادر غير معروف لدى المختصين في التراث الإباضي، ولكنه من أهم مصادر فقههم القديمة. والميزة البارزة لهذا المخطوط استعمال المصطلحات الحديثية في نقل الروايات مثل: حدثنا أخبرنا والعنعنة وهي هامة في رصد بدايات هذه المصطلحات في المصادر الإباضية الأولى. كما أن في الكتاب ذكراً لعدد غير قليل من تلاميذ جابر وتلاميذهم. وجمع المخطوط فتاوي الربيع في معظم أبواب الفقه، وصنفت تحت الأبوات المعروفة، لكنها غير مرتبة ترتيبا جيدا. ومعظمها في باب المعاملات المالية. وكانت استفادتنا منها في مسائل متعددة أبرز فيها الربيع مستنده
في اجتهاده.
، الأصولي
32 (1/32)
صفحة 33
مُقدمة
= وللربيع رسالة كتبها بمعية بعض رفاقه، وهم مخلد بن العمرد (1)، ووائل بن أيوب (2)، جوابا عن بعض الأسئلة، وقد حققها الباحث الحاج سليمان با بزيز بعنوان "الرسالة الحجة (3)، وفيها فتاوى حول صلاة الجمعة، وحكم المرأة التي أتيت بشبه زنى والرد على المتأولين بالتشبيه الله تعالى. ولكن أهميتها تتركز في الجانب التاريخي، إذ تبرز جهود أئمة الإباضية الأوائل لإحياء السنة وروايتها، والتشدّد في الحق تجاه كل من خرج عن ظاهر النص القطعي إلى استعمال القياس دون دليل حتى ولو كان ذلك من
أتباعهم.
لأبي
=
- ويتسلسل نسب العلم تلمذة، وتأليفا لنصل إلى كتاب "المدونة الكبرى" غانم بشر بن غانم الخراساني (4)، حيث جمع فيها مرويات تلاميذ جابر وأبي عبيدة، وآراءهم في الفقه واستوعب أبواب الفقه إجمالا. وأفادتنا المدونة في رصد آرائهم ومعتمدهم في الاجتهاد. كما أن فيها أحاديث كثيرة، غير أن المؤلف لم يلتزم ذكر الإسناد لتوثيق الأخبار. وظل الكتاب مخطوطا، حتى جاء الشيخ امحمد بن يوسف اطفيش (5) فرتبه
1) أبو غسان مخلد بن العمرد من تلاميذ أبي عبيدة مسلم، ومن طبقة الربيع بن حبيب. كان فقيها متكلما، وله مناظرات مع رفيقه عبد الله بن عبد العزيز أفحمه فيها. – الدرجيني، طبقات. .290. ابن خلفون أجوبة، 115.
(2) أبو أيوب وائل بن أيوب الحضرمي من حضرموت درس بالبصرة مع أبي عبيدة والربيع، وكان رأس العلماء بالعراق بعد رحيل الربيع إلى عمان. وهو أحد رجال الفتوى البارزين، حفظت كثير من آرائه في مدونة أبي غانم الخراساني .. له مشاركات في شؤون الإمامة مع عبد الله بن يحي
_ (3
الكندي في بلده حضرموت. – الدرجيني، طبقات -273 - 278. ابن خلفون، أجوبة، 110. هي رسالة تخرج تقدم بها المحقق إلى قسم التخصص بمعهد الحياة؛ بالقرارة؛. الجزائر. 1417 هـ / 1996 م ثم نشرتها وزارة التراث العمانية، سنة 1430 هـ/ 2009 م. 4 أبو غانم بشر بن غانم الخراساني، درس بالبصرة، وأخذ العلم عن الربيع بن حبيب وغيره من تلاميذ أبي عبيدة مسلم. وعنهم دوّن كتبه وأهمها المدونة الكبرى. وقد رحل في أواخر القرن الثاني الهجري إلى تاهرت مارا بجبل نفوسة، ورويت عنه المدونة هناك، ونسخها عمروس بن فتح. ينظر: الدرجيني، طبقات 2 323 ابن خلفون أجوبة ابن خلفون. 111. الخراساني، المدونة الكبرى. تقديم الشيخ سالم الحارثي. 5) امحمد بن يوسف اطفيش. (1238 - 1332 هـ / 1821 - 1914 م) ولد وعاش بمدينة بني يزجن بميزاب جنوب الجزائر. يعد مجدد المذهب الإباضي في القرن العشرين، إذ أثراه بتأليف متنوعة في
33 (1/33)
صفحة 34
مُقدمة
ووضع عليه تعليقات كثيرة. وطبع الكتاب بصورته الخطية، في دار اليقظة العربية بلبنان سنة 1974.
النسخة
وتوجد مخطوطة للمدونة في دار الكتب المصرية، أكبر حجما من المتداولة، وأخرى مطبوعة بعنوان "المدونة الصغرى" وكنت أرجح أنها روايات للكتاب مختصرا أو كاملا وأنها بحاجة إلى مقابلة مستوعبة للتأكد من نسبة كل
=
كتاب ومن حجمه الحقيقي؛ ثم تبين ذلك بعد أن قمت بتحقيق الكتاب). وثمة كتاب "مسائل الإمام عبد الوهاب (2) بن عبد الرحمن بن رستم (3) - ثاني الأئمة الرستميين - ضمّ فتاويه في نوازل شتى في العبادات والمعاملات، وفي الاستطاعة والولاية، والبراءة، وتفسير بعض آيات القرآن الكريم. وهي صورة للاجتهاد الواقعي الذي تميزت به القرون الأولى ونموذج لقضايا الناس
المعيشة آنذاك.
مختلف فروع المعرفة الإسلامية. وأنشأ معهدا للتدريس قصده الطلبة من مختلف البلدان، حتى من ليبيا والحجاز وعمان وله مواقف مناهضة للاستعمار الفرنسي ذاع صيته في العالم بموسوعته الفقهية شرح النيل وشفاء العليل". أجريت دراسات جامعية عديدة على إنتاجه وآثاره الفكرية والاجتماعية والسياسية. ينظر: مصطفى بن الناصر وينتن آراء الشيخ امحمد بن يوسف اطفيش العقدية. وهي أشمل دراسة لتاريخ شخصيته.
1) وقد تمثل عملنا في تحقيق الكتاب في فصل تعاليق القطب عن أصل الكتاب ووضعها في الهامش، مع ما يقتضيه تحقيق النصوص وتوثيقها وصدر العمل في ثلاث مجلدات، برعاية وزارة التراث العمانية سنة 2007 م.
(2) عبد الوهاب بن عبد الرحمن بن رستم. (171 - 211 هـ / 787 - 826 م) ثاني أئمة الدولة الرستمية التي حكمت المغرب الأوسط (160 - 296 هـ)، أخذ العلم عن أبيه كان عالما ضليعا في الفقه والكلام. شهدت الدولة في عهده نشاطا علميا وازدهارا اقتصاديا كبيرا. واستطاع بحكمته القضاء على الفتن التي نجمت في عهد إمامته الدرجيني، طبقات 1 46 فما بعد. -سليمان الباروني، الأزهار الرياضية. 2 - 165 ابن خلفون أجوبة ابن خلفون، 109. -الجعبيري، البعد الحضاري، 1: 56.
3) عبد الرحمن بن رستم (ت 170 هـ) - مؤسس الدولة الرستمية كان إماما عالما وسلطانا عادلا، نشأ بالقيروان، ثم رحل إلى المشرق، وتتلمذ مع رفاقه "حملة العلم" على أبي عبيدة مسلم، ثم كان عاملا على القيروان في عهد إمامة أبي الخطاب عبد الأعلى بن السمح على طرابلس. وبعد سقوط دولة أبي الخطاب توجه إلى تاهرت غرب الجزائر وفيها أسس دولته سنة 160 هـ. وتذكر كتب السير أخبارا مسهبة في الثناء على سيرته وعدله – الدرجيني، طبقات. 1: 19 فما
بعد.
34 (1/34)
صفحة 35
مُقدمة
وهذه المسائل مشفوعة بالأدلة تصريحا، وقد تؤخذ منها تلميحا. ومنها نتعرف على منهج الاستدلال للإمام عبد الوهاب من خلال هذه الفتاوى، إذ يورد دليله من الكتاب أو السنة أو الإجماع، ويذكر ما يراه ويختاره عند اختلاف الآراء في المسائل الاجتهادية.
ويوجد الكتاب مخطوطا في المكتبات الإباضيَّة، كما حققه وأعاد ترتيبه الأستاذ إبراهيم طلاي، وطبعه بعنوان "مسائل نفوسة"، لأن الإمام عبد الوهاب أفتى معظم مسائله جوابا عن أسئلة وردت إليه من أهل جبل نفوسة بليبيا المعقل الشرقي للدولة الرستمية.
=
الله
محمد بن
وأفادنا مخطوط أبواب مختصرة من السنة" لأبي عبد محبوب بن الرحيل (1)، بتفصيل مصطلح السنة ومدى التوسع في استعمالها والاحتجاج بها في مختلف أبواب الفقه (2).
والطريف أنه توسع في دلالة المصطلح، فاعتبر كل ما جاء الشرع بحكمه من السنة، سواء ورد به الكتاب أم الحديث أم كان عن رأي واجتهاد، ما دام الكل مشروعا بسنة الرسول الموحى إليه. ويذكر أحيانا مسائل ثبتت بالسنة ويؤيدها الإجماع أو القياس.
=
وورد في كتاب لوّاب بن سلام (3) بدء الإسلام وشرائع الدين" إشارات إلى شروط الاجتهاد لتولي منصب الإمامة والقضاء. والكتاب تاريخي أساسا، ويعد من أقدم مصادر تاريخ المغرب الإسلامي، وقد حققه المستشرق الألماني شفارتز والشيخ سالم بن يعقوب. كما صدرت له طبعة غير شرعية، بعنوان "تاريخ الإسلام من وجهة نظر إباضية".
1) أبو عبد الله محمد بن محبوب بن الرحيل بن هبيرة القرشي. كان على رأس الإباضية بالمشرق بعد أبيه. أقام بمكة ثم انتقل إلى عمان وتوفي بها في 3 محرم 260 هـ وينسب له من الكتب سيرته إلى أهل المغرب. وتقع في سبعين جزءا. - ينظر: الدرجيني، طبقات، 2: 357. ابن خلفون، أجوبة ابن خلفون، 112. الجعبيري، البعد الحضاري، 1: 107.
2 صدر الكتاب مؤخرا بتحقيق الأستاذ بالبزيزج سليمان، ونشرته مكتبة الضامري بعمان. -3 لواب بن عمرو بن سلام اللواتي. (ت) بعد 273 هـ) من بلد جادو بجبل نفوسة. عاصر أواخر الدولة الرستمية. وترك لنا كتابه "بدء الإسلام" الذي يعد أقدم مصدر لتاريخ الإباضية بالمغرب الإسلامي. ينظر: ابن سلام، بدء الإسلام، مقدمة المحقق. 36 - 41.
35 (1/35)
صفحة 36
مُقدمة
=
أما كتاب "الدينونة الصافية" لعمروس بن فتح (1)، (ت 283 هـ)، فتناول موضوعات عقدية وأخرى شرعية في العبادات والمعاملات والكتاب كسابقيه هام في جانبه التاريخي، وفيه بيان اعتماد المؤلف على أدلة الكتاب والسنة في عرض مسائله وإشاراته إلى سبب الخلاف وفي اختياراته الفقهية. وأفادنا في مسائل عديدة من البحث (2).
= وفي كتاب "المحاربة" البشير بن محمد بن محبوب (3)، كان موضوع الحديث عن الحرب في الإسلام، وكيفية التدرّج في أحكامها بدءاً بالدعوة السلمية في العهد المكي، ثم الجهر بها، ثم الهجرة وتشريع القتال. وتفاصيل هذه الأحكام وأدلتها، كما عرض لموضوع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأدلتهما من الكتاب والسنة، وكيفية أدائهما من قبل الإمام أو الرعية.
واستقينا منه مسائل في حجية السنة، والخبر وبيان السنة للقرآن والقرآن للقرآن والتحسين والتقبيح، والحكمة من التدرّج في التشريع، واستخراج الأمر والوجوب والنهي والمندوب وغيرها من آي الكتاب وأحاديث
الرسول. وأهمية الكتاب تتجلى في تضمّنه بذورا متقدمة للتأليف الأصولي لدى الإباضية، كما اشتمل على كثير من مصطلحات هذا العلم. وفيه إشارات إلى استعمال المنهج المنطقي في الاحتجاج مثل اللزوم والاستدلال. - وكانت استفادتنا محدودة من كتاب الرد" على جميع المخالفين" لأبي
=
1) عمروس بن فتح (ت 283 هـ)، من علماء نفوسة، تصدى لآراء نفاث بن نصر ففندها. كان حازما في أمره، وتولى القضاء في نفوسة في عهد الإمام عبد الوهاب. نسخ مدونة أبي غانم فحفظت من الضياع. وله كتب لم يصلنا منها غير "الدينونة الصافية قتله الأغالبة صبرا بعد واقعة مانو التي حصدت مئات من علماء الإباضية - الدرجيني، طبقات 2 320 - 325. الجعبيري، البعد الحضاري، 109.
2 حقق الكتاب الأستاذان كروم ج أحمد وبازين عمر، وصدر عن وزارة التراث العمانية، سنة
1999/ 1420
3) أبو المنذر بشير بن محمد بن محبوب بن الرحيل المخزومي القرشي، (ت 273 هـ). من علماء عمان في القرن الثالث له مؤلفات عديدة منها "البستان" في الأصول و"الرضف" في التوحيد وأحكام القرآن والسنة والإمامة وكتاب "الخزانة" و"المحاربة". توفي بعد عزل الإمام الصلت بن
مالك سنة 273 هـ. - ابن جعفر، الجامع. 4: 50.
?36] (1/36)
صفحة 37
مُقدمة
خزر يغلا بن زلتاف (1). (ت 380 هـ) (2)، إذ هو كتاب كلامي، جدلي أساسا، لم يتعرض لقضايا الأصول إلا قليلا.
=
(4)
- أما كتاب "الجامع" لأبي جابر محمد بن جعفر الأزكوي العماني (3)، فهو من أقدم الموسوعات الفقهية الإباضية، وقد أفادنا في مواضع عديدة من البحث، سواء في الجانب الأصولي أم الجانب الفقهي والنقطة المنهجية التي تستدعي الانتباه هي أن الكتاب ليس خالص النسبة إلى ابن جعفر، إذ فيه إضافات كثيرة من كتب أخرى بعضها منصوص على مصادره وبعضها مدرج دون إشارة.
والإدراج ظاهرة بارزة في المخطوطات العمانية. إذ نجد في صلب الكتاب زيادة النساخ مبدوءة بعبارة: ومن غيره، ومن الكتاب (أي جامع ابن بركة). و من الضياء، ومن المصنف. الخ ... ولهم في ذلك فتوى متداولة بجواز الإضافة شرط التنبيه إلى أنها زيادة على النص الأصلي وشرط عدم تغيير المعنى أو التلبيس على القارئ.
مع
ولذلك يصعب تقييم الكتاب في إطاره الزمني، غير أنه أساسا تأليف
(1) أبو خزر يغلا بن زلتاف. (ت 380 هـ/ 990 م) من بني واسين سكن الحامة ببلاد الجريد التونسي. وبها تعلم الأصول رفقة أبي القاسم يزيد بن مخلد على سحنون بن أيوب. قام بثورة على أبي تميم الفاطمي انتقاما لقتله زميله أبا القاسم. ثم صالحه واصطحبه معه إلى القاهرة. برع أبو خزر في المناظرة، وله كتاب في علم الكلام جوابا عن أسئلة وردت إليه. حققه الدكتور النامي، بعنوان "الرد على جميع المخالفين. أبو خزر، الرد على جميع المخالفين، مقدمة المحقق. الجعبيري، البعد الحضاري، 1: 112.
2) المخطوط حققه الدكتور عمرو النامي، ولم يطبع، وظل متداولا في نسخته الأولية بخط المحقق
نفسه.
3) أبو جابر محمد بن جعفر الأزكوي من بلدة، إزكي بعمان عاش في أواخر القرن الثالث وأوائل القرن الرابع الهجري أدرك الفتنة التي وقعت في عمان بسبب عزل الإمام الصلت بن مالك. وكان رأيه معارضا للعزل وهو رأي مدرسة الرستاق. أصيب بالصمم في حياته، وترك لنا كتابه الجامع "الجامع" ابن جعفر، الجامع، مقدمة المحقق. 1: 10 - 14. -الجعبيري، البعد الحضاري، 2: 587.
(4) كتاب الجامع لابن جعفر حقق أجزاءه الثلاثة عبد المنعم، عامر ثم أكمل الدكتور جبر فضيلات الجزأين الخامس والسادس، وصدر عن وزارة التراث العمانية، ثم عُني بتصحيحه الأستاذ أحمد الشيخ أحمد، وصدر عن وزارة الأوقاف العمانية كاملا.
37 (1/37)
صفحة 38
مُقدمة
إباضي في أصوله وفي إضافاته. وإن كان بين تلك الأصول وبين الإضافات بون زمني كبير. وجاء أسلوب الكتاب على صورة الفتاوى سئل أجاب. وفيه روايات لأئمة الإباضية الأوائل، ولكنه لا يُعنى بذكر أدلة الأحكام كثيرا. وأغلب أحاديثه مروية بالمعنى. كما أنه يستطرد أحيانا بإيراد تفاصيل جزئية دقيقة للمسائل الفرعية، مما
يشتت القارئ عن الاتجاه التأصيلي، ووضع الضوابط العامة للأحكام.
=
- ويختلف الأمر بالنسبة لكتاب "الجامع" لأبي محمد عبد الله بن محمد بن بركة البهلوي العماني (1) الذي تلا جامع ابن جعفر واستفاد منه، وفاقه تبويبا ومنهجا وتأصيلا وتفريعا. ويعتبر كتابه ظاهرة فريدة في التأليف المتقدمة لعلماء الإباضية، لذلك اعتمدَتْهُ جل المصادر التالية، وأصبح محور علم الأصول عند
المشارقة على الخصوص، حتى اصطلحوا على الإشارة إليه باسم "الكتاب". ومن مصادر هذا الكتاب آثار الأئمة الأوائل، ويذكر منهم شيخه أبا مالك غسان (2). ويذكر أحيانا قوله وجدت في الأثر (3). وينسب أقوالا ليحي بن
1) أبو محمد عبد الله بن بركة البهلوي العماني. من علماء القرن الرابع الهجري، من قرية بهلا بعمان، مجتهد مطلق اتخذ مسجده مركزا علميا ولا يزال بناؤه قائما كان عميد المدرسة الرستاقية التي برئت من موسى بن موسى وراشد بن النظر لخلعهما الإمام الصلت. له آثار علمية هامة أبرزها كتابه "الجامع" الذي اعتمدنا عليه اعتمادا كبيرا في هذه الدراسة ابن خلفون، أجوبة. 113. علماء وأئمة عمان، السير والجوابات 2 384. السالمي، تحفة الأعيان، 1: 164. 2) ابن بركة، الجامع، 2: 584 - 585. وغسان بن محمد بن الخضر البهلوي، أبو مالك. كان حيا في 320 هـ من أئمة العلم والفقه في عمان. ولد بمدينة "بهلا".
هاجر إلى صحار فنزل بمكان فيها يعرف باسم "صلان"، فعرف بالصلاني. أنشأ مدرسة فقهية في بهلا لها شهرتها التاريخية، تخرج فيها جملة من الفقهاء العاملين والأدباء المشهورين من شيوخه العلامة محمد بن محبوب وولداه بشير وعبد الله من أشهر تلامذته العلامة عبد الله بن محمد بن بركة البهلوي عاصر الإمام أبا القاسم سعيد بن عبد الله (320
328 هـ) وأبا قحطان خالد بن قحطان وأبا إبراهيم محمد بن سعيد بن أبي بكر الأزكوي. كان من جملة العلماء الذين برثوا من موسى بن موسى وراشد بن النظر لكونهما السبب المباشر لاعتزال الصلت بن مالك عن الإمامة سنة: 273 هـ. ينظر: معجم أعلام الإباضية، قسم المشرق، ترجمة رقم 1009. وفيه الإحالة إلى المصادر، ومنها: كشف الغمة 476 - تحفة الأعيان، 194/ 1 - المنهج، 623/ 1. -الاستقامة، 1/ 224.
(3) ابن بركة الجامع، 2: 576
?38 (1/38)
صفحة 39
مُقدمة
زكرياء الموصلي (1). كما يعتمد على "جامع ابن جعفر" أحيانا (2). وله اطلاع على آراء الظاهرية (3). وغيرهم من المذاهب. كما يمتاز باستقلاله وتحرره الفكري، فهو لا يتحرج أن يناقش الإمام جابرا أو تلامذته. وقد يخالفهم إن رأى الصواب في غير ما ذهبوا إليه. ويصرح برأيه وما اختاره بقوله: "والذي يوجبه النظر عندي. ولا يسبغ قداسة على قول بشر مهما بلغ من المنزلة في العلم؛ سوى الرسول.
خصص فصول الكتاب الأولى لمسائل الأخبار والنسخ ومباحث القرآن، وتناول الإجماع والقياس والتخصيص ومسائل البيان. وقد تعرض لمعظم قضايا الأصول المتداولة في عصره. وكان اعتمادنا على الكتاب شاملا في أغلب فصول هذه الدراسة.
ومن عادة ابن بركة الاختصار في إيراد الأدلة البارزة للقضية، دون الإطالة في الردود والاعتراضات ولكن لا تكاد تخلو مسألة فيه من دليل وترجيح، في حوار علمي رصين وأسلوب تعليمي مكين. فهو نموذج لكتب الفقه في عهده الذهبي، وضوح أسلوب، وقوة حجة،
وعناية بالفقه العملي لا الافتراضي. تميز بتركيزه القوي على الجانب اللغوي في الاستنباط والاستدلال عند اختلاف الأقوال، فيرجع بالمعنى إلى أصله اللغوي المعهود لدى أهل اللسان. ولكنه يؤخذ عليه عدم الاعتناء بنقد الحديث وفق قواعد المحدثين، وإن
كان يشير إلى ضرورة تصحيح السند لصحة اعتماد الخبر. والكتاب مطبوع في دار الفتح بلبنان سنة 1974 م، بتحقيق عيسى يحي
الباروني، ثم صُورت تلك الطبعة بعمان عدة مرات (4)
(1) ابن بركة، الجامع، 2: 575.
(2) ابن بركة الجامع، 2: 227 = 2: 405
(3) ابن بركة الجامع، 2: 9
4 حين اعتمدت جامع ابن بركة وجدته طافحا بأخطاء مطبعية فادحة، وذكرت أنه بحاجة إلى تحقيق علمي يناسب مكانته بين مصادر الفقه والأصول المتميزة في التراث الإسلامي. ثم يسر الله أن اشتغلت به بعد بضع سنوات؛ وتم تحقيقه وصدر عن وزارة التراث العمانية في خمس مجلدات، سنة 1438 هـ / 2017 م.
39 (1/39)
صفحة 40
مُقدمة
=
وقد اختصر كتاب الجامع صالح بن عمر بن مبارك النزوي (1)، بعنوان قواعد الهداية في تفسير الآية والرواية والإجماع من أهل الهداية" ويعرف أيضا بكتاب "سقط الزند"، ولا يزال مخطوطا.
=
ولا بن بركة أيضا كتاب" التعارف"، تحدث فيه عن دليل العرف، وقال بأن العمدة في قبول الأخبار، وبناء الأحكام على طمأنينة القلب و ما سكنت إليه النفس، وأن الشارع جاء بالتيسير، فأقرّ ما تعارف عليه الناس في معاملاتهم مما يحصل به اليقين في نفوسهم؛ ولم يكلفهم عنتا بمعرفة اليقين في علم الله. وفي الكتاب تأصيل لهذه القضايا واستشهاد لها بأمثلة عديدة. والكتاب في أصله جواب عن سؤال ورد إلى ابن بركة، ولم يذكر نصه ولا
صاحبه، ولكنه يفهم بوضوح من أسلوب الجواب.
وقد طبع طبعة مشوهة فحاولت الحصول على نسخة مخطوطة، وعلمت أنها بمكتبة الشيخ سالم بن حمد الحارثي بمدينة المضيرب بعمان، وأجهدني البحث عنها في خضم كنوز المكتبة فلم أتوصل إليها (2).
=
- أما كتاب "المبتدأ" لابن بركة أيضا، فهو كتاب فقهي وأخلاقي، تعرض للأحكام كما تحدث عن الزهد والمواعظ وفيه فصل عن خلق الإنسان والسماوات والأرض. ولم يفدنا في بحثنا كثيرا.
=
وله كذلك كتاب "التقييد" يقع ضمن مجموع به ست عشرة صحيفة، وكتاب آخر بعنوان تقييدات" عن ابن "بركة به أربعون ورقة. وهما مختلفان. وإن كان موضوعهما حول مسائل فقهية. أفادتنا في ثنايا البحث.
=
أما كتابه "الموازنة" فهو رسالة بعث بها جوابا عن الفتنة التي وقعت بين أهل عمان بسبب عزل موسى بن موسى وراشد بن النظر للإمام الصلت بن مالك (3). وما نجم عنها من بحوث مستفيضة في قضية الإمامة والولاية والبراءة.
(1) لم أجد من ترجم له ولعله عاش في القرون المتأخرة.
3) بويع
الصلت
2) لقد صدر كتاب التعارف مؤخرا عن ذاكرة عمان؛ بتحقيق الباحث بدر بن سيف الراجحي. بن مالك إماما للمسلمين بعمان سنة 237 هـ، وسار في الناس سيرة عادلة. ووقعت حادثة قتل رجل آخر خطأ فحكم فيها الصلت بالحبس، واختلف عليه بعض الناس في ذلك. فسار إليه موسى بن موسى لعزله، فتركها لهم دون مقاومة سنة 272 هـ. بعد حكم دام 35 سنة. وولى موسى راشد بن النظر دون مبايعة فكانت هذه الحادثة بركانا تفجر في تاريخ
40 (1/40)
صفحة 41
مُقدمة
وتحليل ثبوت الأخبار وحجية الفتوى وهي من النصوص المتقدمة للفقه السياسي عند الإباضية. والكتاب يوجد مخطوطا. وقد طبع ضمن "السير
والجوابات لأئمة وعلماء عمان" بتحقيق الدكتورة سيدة إسماعيل كاشف. = وقد تناول الباحث جابر بن علي السعدي "آراء ابن بركة الأصولية" في رسالة ماجستير، تقدم بها إلى كلية الشريعة بالجامعة الأردنية، سنة 1994 م. واقتصرت الدراسة على فصول من الجزء الأول من الجامع تتعلق بمباحث القرآن وإعجازه، والأمر والنهي، والعام والخاص، والمطلق والمقيد، والناسخ والمنسوخ ثم السنة وبعض مباحثها من الأخبار المنقطعة. ثم الإجماع فالقياس فالعرف وأخيرا التقليد. ومن حيث مساحة البحث، فقد ركزت الدراسة على الجانب الأصولي الصرف، وهو يمثل قسما صغيرا من كتاب الجامع، دون استقصاء للكتاب، وحبذا لو عنيت الدراسة ببيان الأثر التطبيقي للمسائل الاجتهادية، وبخاصة ما كان فيه خلاف بين الإباضية وغيرهم.
=
وجاء بعد ابن بركة الإمام أبو سعيد الكدمي (!)، فوضع شرحا لجامع
ابن جعفر، سماه "المعتبر" وهو كتاب عقدي وفقهي جامع، تتخلله مسائل أصولية عديدة، منها حجية أدلة الأحكام ومسائل النسخ، والاجتهاد والفتوى. وقد أفاض في مباحث لزوم الحجة ما كان منها عن طريق العقل، وما ورد عن طريق السمع، وطَرَقَ قضايا الولاية والبراءة باستفاضة، ثم عرج على المسائل الفقهية بدءا بالطهارات ثم الصلاة. وانتهى الكتاب. ويقال إن حجمه الحقيقي يقع في تسع مجلدات ضخمة ضاعت، وبقي
المجلد الأول، وقد طبع في أربعة أجزاء.
عمان بين موال لهذا أو ذاك وبين واقف فيهما. واشتهرت المدرسة الرستاقية بالبراءة من موسى ومن معه، بينما ذهبت المدرسة النزوانية إلى الوقوف. ينظر: السَّالِمِي، تحفة الأعيان، 1: 133 فما بعد. أئمة وعلماء، عمان السير والجوابات، 1: 25 - 1: 44.
1) أبو سعيد محمد بن سعيد الكدمي، من كدم بين الحمراء وبهلا في عمان. أدرك فتنة عزل الصلت بن مالك. وكان من أنصار المدرسة النزوانية التي ردت على غلو المدرسة الرستاقية. له مؤلفات عديدة استفدنا منها في بحثنا هذا. انظر: السَّالِمِي تحفة الأعيان، 1: 178. ابن خلفون، أجوبة 116 السير والجوابات 2: 106
41 (1/41)
صفحة 42
مُقدمة
واعتمدت المقابلة بين المخطوط والمطبوع وأحيانا أكتفي بالمخطوط لأنه أسلم أخطاء وأوثق مصدرا.
- كما خصص الكدمي كتابه "الاستقامة في الولاية والبراءة والإمامة لهذه المباحث العقدية وتأصيلها وتفصيل أنواعها وتطبيقاتها، وفيها حديث عن ثبوت الحجة وصحة الأخبار. وكل هذا كان صدى للفتنة الواقعة بين المدرسة النزوانية والمدرسة الرستاقية في أمر إمامة راشد وعزل الإمام الصلت، التي ألقت بظلالها على الكتابات العمانية لأمد طويل. - ومن الجوامع العمانية، كتاب جامع أبي الحواري" الذي شمل أبواب الفقه المختلفة. ولكنه يفتقد إلى خط منهجي واضح في عرض المسائل. ولا أدلته إلا نادرا. ويبدو من أسلوبه أنه إجابات وفتاوى لأبي الحواري
يورد
دوّنها تلاميذه. وقد طبع في خمس مجلدات.
= ومن المصادر الهامة لبحثنا كتاب "الضياء" لأبي المنذر سلمة بن مسلم العوتبي الصحاري (1). وهو موسوعة فقهية شاملة تناولت أبواب الفقه الإسلامي. وخصص الأجزاء الأولى لقضايا الأصول العقدية والأصول الفقهية، وهي مادة معتبرة في حجمها، وإن لم تكن موزعة بصورة متكاملة في العرض والتناول، ولكنها تبين في عمومها اهتمام الإباضية بتأصيل هذا العلم
1) سلمة بن مسلم العوئبي. هو أبو المنذر سلمة بن مسلم من أهل عوتب، إحدى نواحي صُحار، وإليهما ينسب. عاش بين القرنين الخامس والسادس الهجريين من شيوخه أبو علي الحسن بن سعيد بن قريش (ت: 453 هـ). كان من العلماء البارزين فهو فقيه ولغوي ونسابة، يجمع في قراءاته بين الأصالة والتفتح على إنتاج علماء المذاهب الأخرى. ترك لنا أبو المنذر ثروة علمية طائلة من آثاره: موسوعته الفقهية "الضياء" في أربعة وعشرين جزءا. وقد طبع مؤخرا بتحقيق الأستاذ بابزيز الحاج سليمان وآخرين وصدر عن وزارة الأوقاف
العمانية.
وفي اللغة ألف معجم "الإبانة" وكتاب "الأنساب" في موضوع الأنساب و"أنس الغرائب في النوادر والأخبار والفكاهات والأسمار" و"الحكم والأمثال". و"معجم الخطابة". ينظر: منهج الطالبين 624/ 1. اللمعة المرضية 19 أصدق المناهج، 54. الضياء، المقدمة، 12 - 11/ 1 - إتحاف الأعيان، 273/ 1 - 275. قراءات في فكر العوئبي المنتدى الأدبي، 1998 (كله). معجم أعلام الإباضية، قسم المشرق، في الحاسوب. ترجمة رقم 560.
42 (1/42)
صفحة 43
مُقدمة
بالتوازي مع تدوين الفقه (1).
ويتميز الكتاب بالاهتمام بالجانب اللغوي في التعاريف، وفي أصل اشتقاق المصطلحات. نظرا لتأثر المؤلف بموسوعيته اللغوية. كما ظهر في الكتاب أثر العناية بأسلوب الجدل ولغة المنطق في التعليل والتحليل، وحظي بنصيبه من الأخطاء المطبعية. ولم نتمكن من مقابلته بالمخطوط، فاضطررنا للاجتهاد حين
الضرورة رغبة في الوصول إلى المعنى بناء على السياق العام للنص. واقتصرت استفادتنا من الكتاب على المجلدات الثلاثة الأولى، وبقيتها في مواضيع فقهية لم يسمح لنا الوقت لاستقرائها، والمطبوع منها بلغ تسعة عشر جزءا. ولا يزال الباقي في عداد المخطوطات.
=
- وأنتجت المدرسة العمانية عالما هو أبو محمد نجاد بن موسى بن إبراهيم المنحي (2) الذي ترك لنا كتابه الأكلة وحقائق الأدلة"، وهو من أهم المصادر المعتمدة في بعض فصول هذه الدراسة كنظرية المعرفة وتأصيل القياس والإجماع. وقد وصف المنحي منهجه في كتابه بقوله: وترجَمْتُه بكتاب الأكلة وحقائق الأدلة، وبرهنتُ فيه الدليل والعلة وقدمت في صدره ما قدرت عليه من الأصول الصحاح وبرهنتها بالتفسير والإيضاح، لأنه من شيّد شوامخ البنيان على غير أس يقوي به الفروع والأركان طاح عمله وبنيانه، وانهدم تشييده وأركانه» (3). وتناول الكتاب قضايا الاستدلال والقياس ونبذة عن الإجماع، وأسهب في مباحث العلة، كما تحدث عن قضايا كلامية كالخلاف في تعريف الشيء، وتحديد الجواهر والصفات وغيرها من مباحث المتكلمين؛ إضافة إلى مباحث أخرى منطقية، كتعريف الحدود، والفرق بين الحد والحقيقة، والغاية من
1) طبع كتاب الضياء ونشرته وزارة التراث العمانية، ثم أعادت طبعه وزارة الشؤون الدينية العمانية بتحقيق الأستاذين بابزيز الحاج سليمان و بابزيز، داود وصدر في عشرين مجلدا سنة
2015/ 1436
(2) أبو محمد نجاد بن موسى بن إبراهيم المنحي من أصحاب المدرسة الرستاقية، خرج على إمامة راشد بن علي، ولم يفلح، فقتله سنة 513 هـ. وتذكر المصادر أنه عاش اثنتين وستين سنة. فيكون مولده سنة 451 هـ. - السالمي تحفة الأعيان. 1: 274/ 275. 3 نجاد بن موسى الأكلة 3
43 (1/43)
صفحة 44
مُقدمة
التعريف، وأقسام العلوم ومدارك العقل، ونظرية المعرفة إجمالا. كما تحدث عن المكان والزمان وبيان أنهما محدثان، وبرهن على ذلك بما استطاع حتى بالأدلة الرياضية الهندسية. وأسلوب الكتاب ومنهجه صورة لتمكن صاحبه من الصناعة المنطقية وما امتاز به من مقدرة كلامية، وهو ما لم تعهده المدرسة الإباضية المشرقية من قبل. والكتاب يقع في مائتين وخمسين صحيفة، وقد ناله حظه من تصحيف النساخ ويقال إن أصله خمسة أجزاء ضاعت ونجا منها هذا الجزء الوحيد. وعثرت على هذه النسخة في مكتبة الشيخ سالم بن حمد الحارثي بالمضيرب في
عمان (1).
=
وثمة كتاب المجهول بدئ بعبارة "الرد على من زعم أن الله استوى على العرش على ما يُعقل" وليس له عنوان وهو على شكل سؤال وجواب من جوابات الشيخ سعيد بن زنغيل (2). والكتاب هام في مادته العلمية. تناول قضايا عقدية وفقهية وفيه إشارات عديدة إلى القواعد الأصولية، استفدنا منها في مواضع من البحث.
=
ومن المصادر المتميزة أيضا كتاب التحف المخزونة في إجماع الأصول الشرعية" لأبي الربيع سليمان بن يخلف المزاتي (3). (ت 471 هـ). الذي استفادت منه المؤلفات الإباضية التالية كثيرا. وأصل الكتاب في علم الكلام
1) سمعنا بمحاولات عدة لتحقيق الكتاب ولم نسمع بمشروع منجز إلى الآن. وعسى أن ييسر الله أسباب تحقيقه قريبا، ليضيف رصيدا إلى المكتبة الأصولية العمانية. 2) أبو نوح سعيد بن زنغيل من علماء إباضية المغرب في القرن الثالث. نشأ بالجريد التونسي، واستوطن وارجلان أسهم مع زميله أبي خزر في الثورة على حكم أبي تميم الفاطمي سنة 358 هـ وفشلت الثورة وألقي القبض على أبي نوح ثم عفا عنه أبو تميم، فقصد وارجلان وأقام بها. واشتهر عنه براعته في الجدل، وله مناظرات مع المعتزلة. ينظر الدرجيني، طبقات. 1: 123 فما بعد. - معجم أعلام الإباضية، ترجمة رقم 390 - الجعبيري، البعد الحضاري، 1: 112. (3) أبو الربيع سليمان بن يخلف المزاتي. (ت 471 هـ)، أصولي وجدلي بارع، ورحالة نشط بين مواطن الإباضية ببلاد المغرب. تعلم بجربة على يد محمد بن بكر النفوسي. ومن تلاميذه أبو عمرو السوفي. له كتاب "السؤالات" في علم الكلام، وكتاب في آداب طالب العلم. وأشهر كتبه "التحف المخزونة" قال عنه البَرادِي: من أشرف تصانيف أهل الدعوة». وقد أفادنا في هذا البحث كثيرا. - معجم أعلام الإباضية ترجمة رقم: 472. - الجعبيري، البعد الحضاري، 1: 114.
44 (1/44)
صفحة 45
مُقدمة
وإن تضمن قضايا أصولية كثيرة في باب الأمر والنهي وأنواع الواجب، والمجمل والمفسر، والنسخ، وقيام الحجة وعوارض الأهلية. وأفاض في مسألة تكليف الكفار بفروع الشريعة والصواب والخطإ في الاجتهاد. وتبدو الصنعة الكلامية والمنطقية بارزة في أسلوب الكتاب. وقد ظل الكتاب مخطوطا حتى تم تحقيقه مؤخرا (1) ..
=
ويأتي كتاب "مختصر الخصال" لإبراهيم بن قيس الحضرمي (2). (ت 475 هـ). محاولة لاختصار المطولات الفقهية في مجموع مركز استوعب القضايا المتفق عليها بين الإباضيَّة، وأشار إلى المختلف فيها بإيجاز. وقال عن منهجه بأنه صنف كتابه هذا على أصولهم، وقد يعزب عنه قول في مسألة فيذكره قياسا على تلك الأصول.
وقد أفادنا الكتاب في بيان أقسام الأمر والنهي ومواردهما في الكتاب والسنة. وقيام الحجة وحكم من ردها وأنواع الإجماع والقياس وحجتهما. ونبذة عن الاجتهاد والتقليد.
= ولأبي زكرياء يحي بن الخير الجناوني (القرن 5 هـ) (3) كتاب "الوضع" وهو مختصر في الأصول والفقه، اعتمده إباضية المغرب في الفتوى لوضوح أسلوبه وبيان أدلته وقد حققه وطبعه أبو إسحاق إبراهيم اطفيش (4)، وصور
1 وبلغني أن الباحث التونسي محمود الأندلسي، حققه في إطار رسالة جامعية وعاجلته المنية دون إخراجه. ويبلغ حجم المخطوط خمسا وخمسين ورقة. ثم حققه الأستاذ بومعقل بوسهل، وصدر في الجزائر سنة 2015 م.
(2) أبو إسحاق إبراهيم بن قيس الحضرمي من علماء عمان في القرن الخامس (ت حوالي 475 ه) كان عاملا على حضرموت للخليل بن شاذان اشتهر بكتابه "مختصر" "الخصال" الذي عني به العلماء شرحا ونظما. - وله ديوان السيف النقاد إبراهيم الحضرمي الحجج والدلائل. مقدمة أحمد كروم. (مخ) - الزركلي، الأعلام. 1: 58.
(3) أبو زكرياء يحي بن الخير الجناوني. من علماء جبل نفوسة بلده "إجناون"، تتلمذ على أبي الربيع سليمان بن أبي هارون ومن تلاميذه أبو الربيع سليمان المزاتي. ترك كتبا عديدة، منها "عقيدة نفوسة"، كتاب الصوم، كتاب" "النكاح" و "كتاب الوضع" أو "اللمع" في الفقه والأصول، وهو أشهرها. معجم أعلام الإباضية. ترجمة رقم: 89
4 أبو إسحاق إبراهيم اطفيش (1886 - 1965 م) من أبرز تلامذة الشيخ امحمد اطفيش. سافر بعد تخرجه في معهد شيخه إلى الجزائر فدرس على الشيخ عبد القادر المجاوي، ثم إلى تونس وأسهم في الحركة العلمية والسياسية مع عبد العزيز الثعالبي، ثم نفته فرنسا من تونس فاختار التوجه إلى
45 (1/45)
صفحة 46
مُقدمة
عدة مرات. وتعرف بعض مخطوطاته بعنوان كتاب "اللمع".
=
:
ولأبي زكرياء كتاب" "الأحكام تناول مسائل الأقضية والأحكام وبخاصة موضوع الشهادة والدعاوى والبينات والجرح والتزكية، واختلاف هذه الأحكام بين الظهور والكتمان واعتمد تأصيلها من الكتاب والسنة والقواعد الأصولية وحقق الكتاب الباحثان أحمد كروم، وعمر بازين. وهو جاهز للطبع.
=
ولأبي العباس أحمد بن محمد بن بكر الفرسطائي (1) مساهمة في النتاج العلمي للمدرسة الإباضية بمؤلفات فقهية متنوعة، منها كتاب "تبيين أفعال العباد" تناول فيه أحكام أفعال المكلفين سواء منها أفعال الجوارح أم القلوب. وركز على المنهيات وأقوال العلماء في أثر المناهي على الأفعال والكتاب يصنف في قسم فلسفة الأخلاق، أو الأفعال المهلكات، كما يسميها الغزالي في الإحياء. ولكنه يُعنى كثيرا بالجانب المقاصدي وبناء الأحكام على اعتبار النوايا التي تصدر عنها تلك الأفعال.
واقتصرت استفادتنا منه في بيان أوجه معرفة الحق عند اختلاف العلماء، وحكم التقليد، كما أفادنا في مسائل الشك في أداء الواجب وفي معرفة الحرام، والحرام المجهول. وهي مسائل تندرج تحت نظرية الحكم الشرعي. أما مؤلفه كتاب "الألواح فتناول فيه بالشرح حديث «رفع عن أمتي
مصر، وأقام بها حياته نشطا في ميادين شتى، وعرفه شيوخ الأزهر بموسوعيته وتضلعه في الفقه الإسلامي ومذاهبه. تولى مهمة تصحيح المخطوطات بالقسم الأدبي بدار الكتب المصرية. وحقق وطبع كثيرا من كتب شيخه، اطفيش وغيرها من ذخائر التراث الإسلامي. وأسهم في تحقيق "الجامع لأحكام القرآن" للقرطبي. كما أنشأ مجلة "المنهاج" وله صلات كثيرة بزعماء النهضة الفكرية في العالم الإسلامي. - ينظر: د. محمد ناصر، أبو إسحاق اطفيش في جهاده الإسلامي. (الكتاب كله دراسة عنه. - محمد علي دبوز نهضة الجزائر الحديثة. 1 189 - معجم أعلام الإباضية. ترجمة رقم: 37.
(1) أبو العباس أحمد بن محمد بن بكر الفرسطائي. (ت 504 هـ). نجل مؤسس حلقة العزابة. تتلمذ على أبيه، وعلى أبي الربيع المزاتي. أحيا الحركة العلمية بوارجلان. وصنف خمسة وعشرين كتابا منها: "القسمة وأصول الأرضين "كتاب الديات"، "كتاب" الألواح"، "تبيين أفعال العباد"، مع ثمانية من العلماء في تأليف "ديوان" "العزابة في الفقه وهو سبق علمي في التأليف الجماعية في التراث الإسلامي. - معجم أعلام الإباضية. ترجمة رقم 89. – الجعبيري، البعد الحضاري، 1: 115.
وشارك
?46
46 (1/46)
صفحة 47
مُقدمة
الخطأ والنسيان ... » وتوسع في صور الخطإ، وأحكام الإثم والضمان، متى يلزمان ومتى يُرفعان وعرض للدعاوى في الخطإ والتعدي، ووجوه الإكراه، وغيرها من المسائل، وإن كان أغلبها مما يتعلق بنظرية الضمان.
=
وله كتاب يعرف بـ كتاب أبي مسألة شمل أبواب الفقه من عبادات و معاملات وأحوال شخصية وفيه أيضا مسائل في الإكراه وأحكامه واتسم بالاقتصاد في ذكر الأدلة، وغالبا ما يقتصر في استشهاده على نصوص القرآن. والكتاب يوجد مخطوطا، ومطبوعا (1).
= وكتابه "السيرة في الدماء" في موضوع قتال البغاة، وحكم الفتنة إذا وقعت بين أهل القبلة وأحكام دفع الصائل واستفاض في هذه المسائل. ولم يسعفنا في بحثنا كثيرا، إذ أغلبه مسائل اجتهادية تضبط قواعد حفظ الدين والنفس والمال والترتيب بينها عند التعارض وعن هذه القواعد تتفرع معظم مسائل الكتاب (2).
=
= ولا يختلف الحال بالنسبة لكتابه القسمة وأصول الأرضين" إذ كانت إفادته لبحثنا محدودة على بالغ أهميته إذ هو كتاب متميز في فقه العمارة وأحكام الجوار وحقوق الحريم والطرقات والأودية وغيرها من المرافق العامة للبلد المسلم. وقد استقى منه إباضية المغرب خصوصا كثيرا من قواعد العمارة الإسلامية تنظيرا في المؤلفات، وتطبيقا في واقع الحياة. والكتاب مطبوع بتحقيق الدكتور محمد ناصر، والأستاذ بكير الشيخ بالحاج. = ومن الموسوعات العمانية المتقدمة كتاب "بيان الشرع" لمحمد بن إبراهيم الكندي، (ت 508 هـ) (3)، ويقع في اثنين وسبعين مجلدا. طبعته وزارة التراث
1 صدر الكتاب أول مرة بتصحيح الأستاذين محمد صدقي، وإبراهيم السبع، وطبع في مطبعة البعث بقسنطينة الجزائر سنة 1984 م. ثم عني بتحقيقه فهد بن علي السعدي في رسالة جامعية، وصدر عن مؤسسة ذاكرة عمان سنة 1437 هـ 2016 م. (2) المخطوط حققه الباحث طباخ عبد الرحمن في رسالة ماجستير، بجامعة الجزائر سنة 2010 م، فيما أذكر. ولا يزال عمله مرقونا لم يطبع.
(3) محمد بن إبراهيم الكندي (ت 508 هـ). من علماء عمان في وقت تلاحقت فيه الفتن. والصراع بين المدرسة الرستاقية والمدرسة النزوانية. وعاصر تسلط ملوك بني نبهان على عمان. من تلاميذه ابن عمه أحمد بن عبد الله الكندي. صاحب "المصنف. الذي استعان فيه بكتاب شيخه
47 (1/47)
صفحة 48
مُقدمة
العمانية. ومنه نسخة مخطوطة بمكتبة آل خالد ببني يزجن بميزاب. والكتاب شامل لكل أبواب الفقه ومستوعب لكثير من آراء أئمة الإباضية الاجتهادية. وفي مقدمته أنه كتاب حسن) في العلم تصنيفه، وأزهر في الأعين تأليفه، وفاق في الكتب، وضعه وجاوز أكثَرَها، جمعه بوفور مسائله وسهولة مداخله، وإيضاح مناهجه وبيان مخارجه، ووثيق أصوله وأسبابه، وكثرة فروعه وأبوابه ... ولكن وقع في بعض نسخه اختلال ونقص في أبوابه واعتلال، لأنه وُجد غير مؤلف الأوراق، ولا مجموع الأجزاء والأطباق؛ فجمع بعض أهل العلم أبوابه وأوصل بالتأليف أسبابه» (1).
=
والأهم أنه مهد فصوله الأولى ببيان كثير من قواعد الأصول والاجتهاد، سواء في تأصيل الأدلة أم تفسير النصوص، أم قواعد الترجيح ومباحث النسخ، وفي الاجتهاد والتقليد وحجية، الفتوى وما يتفرع عنها من مسائل. وشبيه ببيان الشرع كتاب "المصنف" لأبي بكر أحمد عبد الله بن موسى الكندي (ت 557 هـ) (2). والكتاب موسوعة فقهية أيضا تقع في اثنين وأربعين مجلدا. وهو مصدر اعتمده اللاحقون وأحالوا عليه كثيرا، كما أنه اعتمد من سبقه كجامع ابن بركة، والضياء للعوتبي، والمعتبر للكدمي. والكندي هذا هو الذي ذكر فتوى جواز الإدراج في المصنفات من غيرها، مما تجوز زيادته دون تغيير المعنى أو تلبيس الأمور، والإشارة إلى أنها من غير الكتاب (3).
محمد "بيان الشرع - أحمد الكندي المصنف. تحقيق عبد المنعم عامر. 1: مقدمة المحقق. ص: ز. 1) محمد الكندي بيان الشرع 2 1 و. ويعمل على تحقيق كتاب "بيان الشرع" مجموعة من الباحثين، في مسيرة علمية جادة، وعسى أن يتم تحقيقه ونشره قريبا.
(2) أبو بكر أحمد بن عبد الله بن موسى الكندي. (ت 557 هـ) - من أهل نزوى بعمان عاش عصرا ساده الفساد والاضطراب وتسلط ملوك بني نبهان على عمان كان من أنصار المدرسة الرستاقية. وشارك في الحياة السياسية. ترك مؤلفات عدة منها: "الاهتداء" و"التخصيص" و"التيسير" وعُرف بموسوعته الفقهية "المصنف". وهو ثالث ثلاثة من أهل بيته اشتهروا بتأليف الموسوعات، منهم ابن عمه محمد بن إبراهيم صاحب كتاب بيان" الشرع" وابن عمه محمد بن موسى صاحب كتاب "الكفاية" وكتاب " جلاء البصائر - أحمد الكندي، المصنف، تحقيق عبد المنعم عامر. 1 مقدمة المحقق. - السالمي تحفة الأعيان 1 300. وقد يسر الله تحقيق كتاب المصنف، وصدر عن وزارة الأوقاف العمانية في أربعة وعشرين مجلدا، تضم بعض مجلداته أكثر
من جزء ومجموع أجزائه واحد وأربعون جزءا.
(3) أحمد الكندي. المصنف. 1: 31.
48 (1/48)
صفحة 49
مُقدمة
ومؤلفا المصنف" وبيان" الشرع أبناء عمومة. وقد سارا على خط واحد في تبويب كتابيهما. واستيعاب مسائل الأصول في الفصول الأولى ثم الشروع في الأحكام الفقهية.
وأثر كتاب ابن بركة واضح في "المصنف" و "بيان الشرع" أيضا؛ فإن هذه المسائل مأخوذة عن جامع ابن بركة، بل ونجدها في عدد من
كثيرا من
الموسوعات العمانية، بأسمائها وترتيبها، وفي أحيان عديدة بنصوصها. وقد ساعدنا هذا على المقارنة بين المصادر عند وجود خلل في بعض
النصوص.
=
- ويأتي كتاب السير والجوابات لأئمة وعلماء عمان" جهدا مشتركا، وإن لم يقصد به تأليف جماعي لكتاب بعينه فهو مجموعة سير وأجوبة لعلماء عمان وأئمتهم في فترة تمتد من أواخر القرن الأول إلى القرن السادس الهجريين والسير منسوبة لأصحابها، وأحيانا لا تُنسب لأحد، وبعضها مراسلات بين العلماء أنفسهم، أو إجابات عن أسئلة ترد عليهم للاستفسار، وهي تعالج قضايا الإمامة وأحكام الشرع فيها حسب اجتهاد العلماء، وتتناول بحوثا أو تفسيرا لآيات تتعلق بالإمامة، وبيان قضايا عقدية وفقهية متنوعة. والكتاب صورة لاهتمام الإباضية بالفقه السياسي العملي، وكيفية التصرف عند انحراف الإمام أو الرعية، ومعالجة الوضع بما يكفل ضمان سيادة أحكام الشرع في جميع الأحوال
وقد حققت الدكتورة سيدة إسماعيل كاشف الكتاب، وهي ترجح أن الذي جمعه هو العالم أبو بكر أحمد بن عبد الله الكندي، صاحب المصنف وطبع الكتاب في مجلدين برعاية وزارة التراث العمانية. = ومن المصادر التي أفادتنا في مواضع عدة كتاب "السؤالات" لأبي عمرو عثمان بن خليفة السوفي المارغني (القرن 6 هـ) (1). من علماء المغرب
(1) أبو عمرو عثمان بن خليفة السوفي (القرن 6 هـ)، أصله من مدينة سوف جنوب شرقي الجزائر. تضلع في الكلام، وعاصر ازدهار الحركة العلمية بوارجلان في القرن السادس. ولقي أعلامها كالوار جلاني وابن خلفون وأبي عمار عبد الكافي من أشهر كتبه "السؤالات". - معجم أعلام الإباضية، ترجمة رقم: 620 - الجعبيري البعد الحضاري، 1: 118.
49 (1/49)
صفحة 50
مُقدمة
الإسلامي، ينسب إلى مدينة سوف بالجنوب الجزائري، ودرس بوارجلان (ورقلة حاليا). والكتاب عبارة عن أسئلة وُجهت إليه، وأملاها أجوبة على تلاميذه.
وجلها في قضايا عقدية، وكلامية وتتخللها أحيانا مسائل أصولية. ويتفرد الكتاب عن كثير من المصادر المغربية للإباضية باهتمامه بالجانب اللغوي فهو غني بالتحقيقات اللغوية، كما يكثر من الشواهد الشعرية بصورة بارزة. فضلا عن اشتماله على إشارات وفيرة إلى تاريخ الحركة العلمية لإباضية المغرب خلال القرن السادس الهجري وما قبله.
ولا يزال الكتاب مخطوطا، ويبلغ حجمه 115 ورقة (229 صحيفة) (1).
=
=
وللسوني رسالة صغيرة في الفِرَق أفادتنا في الجانب التاريخي. وقد عاصر السوفي عالم من وارجلان هو تبغُورين بن عيسى الملشوطي (2)، وترك مؤلفات عدة، منها "الأدلة والبيان" (3). وهو رسالة صغيرة في أصول الفقه، تقع في سبع ورقات كلها بيان للقواعد الأصولية، على نهج المتكلمين؛ وقد أفادتنا كثيرا، وتمتاز بعباراتها الموجزة وتقسيمها المنهجي وضبط للمصطلحات الأصولية، بصورة لم نعثر على مثيل لها بين المصادر المتقدمة. وتتوسط هذه الرسالة في الترتيب الزمني بين جامع ابن بركة وبين العدل والإنصاف للوارجلاني. وقد عثرت عليها بالصدفة مخطوطا مصورا بمكتبة وزارة التراث العمانية والغريب أن أصلها، مغربي، ولكن لم نسمع بوجودها بين مكتبات المغاربة. وقد ذكر الباحث مهني التواجيني أنه رأى نسخة منها بمكتبة السالمي في مدينة
(1) ويعمل على تحقيق الكتاب الباحث حاج عيسى فخار خضير، وقد أتم عمله، وسيصدر في عدة مجلدات إن شاء الله.
2) تبغورين بن عيسى بن داود الملشوطي النصف الأول من القرن 6 هـ). من ملشوطة ببلاد أريغ. (تقرت، حاليا) جنوب شرقي الجزائر. تعلم على يد أبي الربيع سليمان المزاتي. واتخذ غارا للتعليم في "تين" يسلي". من تأليفه: "عقيدة تيبغورين" حققه النامي. ولأهميته فقد قامت عليه شروح وحواش عديدة. و"كتاب الجهالات. وكتاب "الأدلة" والبيان" الذي أفادنا في هذا البحث.
- معجم أعلام الإباضية. ترجمة رقم: 221 - الجعبيري، البعد الحضاري، 1: 115 3) وقد صدر الكتاب بتحقيق الباحث بابزيز حاج سليمان؟؟؟؟؟.
50 (1/50)
صفحة 51
مُقدمة
بدِيَّة بعمان، وأنها في أصول الدين والنسخة التي بين أيدينا تبين أنها خالصة في أصول الفقه وتشتمل على الأبواب التالية. بيان التكليف والعقل والفهم والفقه الكلام في العلم والجهل والظن والشك والتقليد الكلام في الدلائل، وأشباهها وبيان الشبه والبرهان والحَجة. بيان الاستحسان والمعقول والنظر والجدل والاجتهاد - الكلام الواقع في البيان الكلام في البيان والحكمة الوجوه التي يُدرك بها علم الشريعة. الكلام في أدلة الشرع وأقسامها. الكلام في معقول الأصل.
=
- ولتبغورين كتاب "أصول الدين" "وكتاب" الجهالات" وكلاهما في العقيدة والكلام، ولم نعتمدهما في البحث إلا في مواضع محدودة. وكلاهما لا يزال مخطوطا. وعليهما شروح متعددة. وقد حقق الأول الدكتور عمرو النامي، ولا يزال مرقونا.
وممن عاصر تبغورين أيضا أبو يعقوب يوسف بن خلفون المزاتي (1)، وترك لنا كتابا في الفقه المقارن متميزا بمنهج التأصيل واعتماد الدليل، وتحرير سبب الخلاف ومناقشة الأدلة مناقشة أصولية تكشف عن سعة أفق ورحابة صدر، في أسلوب أدبي رفيع، وحوار علمي رصين. وقد حققه وطبعه الدكتور عمرو النامي بعنوان "أجوبة ابن خلفون". = وفي كتاب "سير "الوسياني" لأبي الربيع سليمان بن عبد السلام الوسياني - عاش في القرن السادس الهجري، وعاصر السوفي وابن خلفون مسائل فقهية عديدة تكشف عن منهج اجتهاد أصحابها، وإن كان الكتاب أصلا في السير والتاريخ (2).
1) أبو يعقوب يوسف بن خلفون المزاتي. (النصف الثاني من القرن 6 هـ). نشأ بقرية "تين با ماطوس" من قرى وارجلان (ورقلة حاليا)، عاصر أبا يعقوب الوارجلاني وأبا عمار والسوفي. وبرع في الفقه والأصول. نهج أسلوب المقارنات في تأليفه ونقم عليه بعض المتزمتين، فأقنعهم بصواب منهجه حقق الدكتور النامي كتابه أجوبة ابن خلفون - ابن خلفون أجوبة مقدمة المحقق. - معجم أعلام الإباضية، ترجمة رقم: 1059.
2 ينظر: مصطفى باجو، أبو يعقوب الوارجلاني وفكره الأصولي. 13. وقد حقق الدكتور عمر سليمان بوعصبانة لقمان، كتاب سير الوسياني في أطروحته للدكتوراه، وصدر عن وزارة التراث العمانية في ثلاث مجلدات.
51 (1/51)
صفحة 52
مُقدمة
=
ويتصدر نتاج القرن السادس على غزارته كتاب "العدل والإنصاف في معرفة أصول الفقه والاختلاف" لأبي يعقوب يوسف بن إبراهيم الوَارِجلاني (1). ويمثل هذا الكتاب قمة التأليف الأصولي عند الإباضية قديما، إذ استوعب قضايا الأصول بصورة شاملة. وسبقت لنا دراسة لآراء الوار خلاني الأصولية من خلال هذا الكتاب في رسالة الماجستير. واستفدنا منه ثانية في هذه الأطروحة بوضع آرائه موضعها بين أصوليي الإباضية وغيرهم.
ويعلل الوارجلاني سبب تسمية الكتاب بأن الله أمر بالعدل، وأقام عليه موازينه في الكون، ولأجله أرسل الرسل وأنزل الكتب. فمن زاد أو نقص فقد جار عن موازين الله، وأنا أدعو إلى هذه الموازين، على أن تكون لي
وعلي، ومن حكم على غيره كما يحكم على نفسه فقد عدل، ومن أحب لغيره مثلما يحب لنفسه فقد أنصف. وأنا أدعو إلى طريقة العدل والإنصاف. وأنهى عن الجور والانحراف فمن أجاب أصاب ومن أبى واستكبر فقد خسر وخاب» (2).
وأوضح الوارجلاني منهجه أنه يعمد إلى الطريقة الوسطى في كتابه، فيستعمل الجواد ويطرح الشواذ، ويسلك مسلكا وسطا، ليقرب المأخذ على المقتصد، وتهون المشقة على المجتهد (3).
أما مستنده فإنه يعوّل في استخراج الحق من خلل الباطل أمران: أحدهما خبر، والآخر نظر. أما الخبر فقول رسول الله: «يحمل هذا العلم من كل
1) أبو يعقوب يوسف بن إبراهيم الوار جلاني. (500 - 570 هـ). من أشهر أعلام الإباضية. جمع العلم والعمل، والتدريس والتجارة والرحلة والمغامرة. تعلم ببلده وارجلان ثم رحل إلى الأندلس ومكث بها سنوات للدراسة، وله رحلة إلى مجاهل إفريقيا. وأخرى إلى المشرق. كان واسع الأفق كتب في مختلف فنون المعرفة الإسلامية في التفسير والحديث والفقه والأصول والكلام والتاريخ والفلسفة والمنطق والشعر. من أشهر كتبه الدليل" "والبرهان والعدل والإنصاف". - ينظر دراستنا له أبو يعقوب الوَارِجلاني وفكره الأصولي. ص 81 - 134. – معجم أعلام الإباضية، ترجمة رقم: 1049. الجعبيري، البعد الحضاري، 1: 119
2 الوار خلاني، العدل والإنصاف، 1: 10. (3) الوَار جلاني، العدل والإنصاف، 1: 3/ 2.
52 (1/52)
صفحة 53
E
((
مُقدمة
خلف عدوله، ينفون عنه تأويل الجاهلين وتحريف الغالين وانتحال المبطلين ... وأما النظر، فاستعمال كل شيء من العلوم موضعه، وإعطاء كل ذي حق حقه، مع التعويل على الأصول التي اجتمعت عليها الأمة واتخاذها معيارا في الحكم وموئلا عند الخلاف والاستفادة من كل العلوم لتفادي النظرة القاصرة، لأن الحق يصدق بعضه بعضا ولا يكذب بعضه بعضا، ويرشد إلى اجتناب التقليد في موضع التقييد، واتباع الشواذ في الأمور والمنكر في الصدور. والدين وسط بين الغلو والتقصير (1).
والكتاب توجد منه نسخ مخطوطة عديدة في مكتبات الإباضية، وقد طبع في عمان. كما حققه الدكتور عمرو خليفة النامي، ولا يزال تحقيقه مرقونا. وقد تتابعت عليه أعمال عديدة شرحا واختصارا ونظما. ومن تلك
الأعمال:
=
مختصر العدل والإنصاف"، لأبي العباس أحمد بن سعيد الشماخي (2)، (ت 928 هـ). مخطوط يقع في ست عشرة ورقة نقحه من مسائل الكلام التي تعرض لها الوارجلاني في كتاب العدل، وجعله خالصا لأصول الفقه. كما أضاف إليه مسائل كثيرة من كتب أصولية أخرى، وبوبه في عشرة أبواب بعد مقدمة في حد أصول الفقه، وابتداء اللغة ودلالاتها. وكان الباب الأول في المجمل والمبين، والثاني في الأمر والنهحي والثالث في الظاهر والمحكم، والرابع في الخاص والعام والخامس في المنطوق والمفهوم، والسادس في الخبر، والسابع في النسخ والثامن في الإجماع، والتاسع في الاجتهاد. والعاشر في القياس،
11
(1) الوارجلاني، العدل والإنصاف، 1: 3/ 4. (2) أبو العباس أحمد بن سعيد السَّماخِي، (ت 928 هـ) - من "يَفْرَن" بجبل نفوسة بليبيا. سليل أسرة الشماخيين التي أنجبت أعلاما كثيرين انتقل بين قرى الجبل متعلما، ثم قصد جبل دمر بالجنوب التونسي. وبلغ في العلم غايته. كان شديدا في الحق، ينكر على الحكام الحفصيين انحرافاتهم. اشتغل بالتدريس والتأليف من كتبه سير المشايخ". "شرح عقيدة التوحي". "شرح مرج البحرين" واستفدنا في بحثنا من كتابيه مختصر" العدل والإنصاف" وشرحه. - ينظر مهني التواجيني، القسم الدراسي لكتابه شرح مختصر العدل 115 - 150 معجم أعلام الإباضية. ترجمة رقم: 80. وقد حقق مختصر العدل الباحث نجار يوسف ضمن بحث تخرجه في قسم التخصص بمعهد الحياة بالقرارة، الجزائر، وظل بحثه مرقونا، ثم حققته مجموعة من طالبات كلية الإصلاح بغرداية، تحت إشراف الدكتور زهير بابا وإسماعيل وطبع ضمن منشورات الكلية،، سنة 1440 هـ/2019 م.
53 (1/53)
صفحة 54
مُقدمة
والخاتمة في التعارض والترجيح. - "شرح مختصر العدل والإنصاف" للشماخي أيضا. ويقع في تسع وثمانين ورقة. قام الباحث مُهَنِّي التواجيني بتحقيقه ودراسته في رسالة دكتوراه الحلقة الثالثة بالكلية الزيتونية للشريعة وأصول الدين، بتونس. وأبرز في الجانب الدراسي إسهام الإباضية في علم الأصول، وعرف بأهم نتاجهم مشرقا ومغربا. وبأصولهم التشريعية. وتناول شخصية الشماخي وبيئته العلمية ونتاجه، مبرزا أهمية كتابه وخصائصه في المنهج والأسلوب. وكان تحقيق الكتاب علميا جيدا. ولا يزال البحث مرقونا. وقد اعتمدناه
في الإحالة، وأحيانا تكون الإحالة إليه وإلى المخطوط معا.
=
- "رفع التراخي في مختصر الشماخي"، لعمر بن رَمَضَان التلاتي (ت 1187 هـ) (1)، وهو شرح لفظي موجز يتسم بالطابع المدرسي، وكثيرا ما يكتفى بإيراد مرادف اللفظ دون زيادة تذكر كما غلبت عليه الصبغة المنطقية السائدة على كتابات عصره. فلم يضف للكتاب شيئا ذال بال. والنسخ التي تم الحصول عليها غير تامة الشرح. ولا ندري أكان ذلك
لخرم فيها أم هو كل ما كتبه التلاتي؟ فلم نعتمده كثيرا. - حاشية محمد بن عمر بن أبي ستة على شرح المختصر، الشهير بالمحشي (2)، وقد أولى عناية خاصة لمباحث اللغة، واستقصاها وكان ذلك على
1 أبو حفص عمر بن رَمَضَان الجربي التلاتي. (ت 1187 هـ). ولد بحومة "ثلات" بجربة. ودرس بها ثم انتقل إلى القاهرة ودرس بالأزهر واهتم بالمنقول والمعقول. من تلاميذه علي بن يوسف المليكي. وأبو زكرياء الأفضلي. له حواش عديدة على كتب الإباضية منها اللآلثي الميمونية على المنظومة النونية. وشرحان على أصول تبغورين وشرحان على عقيدة التوحيد وغيرها. - معجم أعلام الإباضية. ترجمة رقم: 687. وقد اقتسم تحقيق الكتاب باحثان عمانيان لنيل الماجستير من جامعة الأزهر، هما: أحمد بن ناصر الحارثي، والمعتصم بن خالد الخروصي. (2) محمد بن عمر بن أبي ستة القصبي. (1022 - 1088 هـ). من علماء جربة بتونس. تعلم بها على والده ثم تابع دراسته بالأزهر، واستقر بمصر ثمان وعشرين سنة. متعلما ثم معلما بمدرسة الإباضية بطولون وبالأزهر. ثم عاد إلى بلده وأسندت إليه رئاسة حلقة العزابة. كان عالما عاملا ساعيا في الخير آمرا ناهيا له حواش عديدة على أمهات الكتب الإباضية، فاشتهر بالمحشي. - معجم أعلام الإباضية. ترجمة رقم: 841.
54 (1/54)
صفحة 55
مُقدمة
حساب عنايته بالجانب الأصولي. فهو يورد أوائل عبارات الشماخي، ويعقب عليها بالشرح اللغوي أو المنطقي أو الكلامي، حسب مقتضيات المقام. ثم توقف عمله في منتصف الكتاب. ولكن حجمه كبير يبلغ خمسة وسبعين ومائة ورقة. وثمة حاشية أخرى لمحمد بن يوسف المصعبي (1)، اهتم فيها بالمباحث الكلامية، وفيها إشارات إلى قضايا أصولية من باب التوسع والكتاب لا زال مخطوطا.
=
=
البحث الصادق والاستكشاف عن حقائق معاني كتاب العدل والإنصاف" لأبي القاسم إبراهيم البَرَّادي (2). وفيه عناية بالغة بالقضايا الكلامية التي ذكرها الوَارجُلانِي. بيد أنه لم يضف للجانب الأصولي ما ينتظر منه حسب ما يفيده عنوانه. كما أنه شرح غير تام، ولا يزال مخطوطا في جزأين؛ بمجموع ثمانية وثمانين ومائتي ورقة. وتعددت استفادتنا منه في مواضع متفرقة من البحث.
=
وللبرادي "رسالة الحقائق" ضمنها تعريف كثير من المصطلحات المتداولة في العلوم الشرعية، ومنها علم الأصول، فاستعنا بها في تحديد بعض المفاهيم في البحث. ونسخ الرسالة متوفرة مخطوطة ومطبوعة.
"فتح الله"، أو "شرح شرح مختصر العدل والإنصاف"، للشيخ امحمد بن يوسف اطفيش وهو موسوعة أصولية محفوظة بخط المؤلف. وحجمها يبلغ حوالي ألف وخمسمائة صحيفة. (1454) تحديدا. وتقع في ثلاث مجلدات
1) محمد بن يوسف المليكي المصعبي الجربي. (ت 1207 هـ). نشأ بجربة وتعلم بها على والده. ثم خلفه في رئاسة حلقة العزابة وشؤون التعليم والإفتاء والمجتمع. كان الناطق الرسمي لأهل جربة في علاقاتها بالبايات في تونس له خط جميل، تأليفه لا تزال مخطوطة. وهي حواش على بعض الكتب الإباضية وله رسائل وفتاوى - معجم أعلام الإباضية. ترجمة رقم 865. (2) أبو الفضل بن إبراهيم البَرَّادِي. (ت) حوالي 810 هـ). من علماء الإباضية بجبل دمر بالجنوب التونسي، نشأ وتعلم بحلقات العزابة ببلده، ثم توجه إلى جربة للاستزادة، ومنها إلى جبل نفوسة وتخرج على أبي ساكن عامر الشماخي. وعاد لنشر العلم والإصلاح بموطنه. ثم تحول إلى جربة ورأس عزابتها، ونظم شؤون التعليم بها، وأصبح قبلة الناس للفتوى وحل المشاكل. ترك مؤلفات عدة منها: "الجواهر المنتقاة"، "شفاء الحائم"، و"البحث الصادق والاستكشاف"، الذي استفدنا منه في هذا البحث. - ينظر: سالم العدالي، البَرَّادِي حياته وآثاره 47 - 57. – الجعبيري، البعد الحضاري، 1: 124.
55 (1/55)
صفحة 56
مُقدمة
ضخمة تمثل بمجموعها نصف الكتاب، لأن أصله ستة مجلدات. ولعل الزمن يسنح باكتشاف ما ضاع منها. وقد صرح الشيخ اطفيش بإكماله لهذا الشرح وأنه بحجم كتاب النيل أربع مرات وكتاب النيل يقع في ثلاث مجلدات فهذا الكتاب يقدر حجمه بحوالي اثني عشر مجلدا من الحجم المطبوع. وقد يسر الله لنا مؤخرًا تحقيق فتح الله مع كتاب العدل والإنصاف وما تتابع عليه من شروح ومختصرات وحواش ونظم، وأسميناها «الموسوعة الأصولية المغربية وربما يرى العمل النور قريبا بإذن الله.
ويكشف هذا الشرح عن موسوعية في الإطلاع على آراء الأصوليين، واستقصاء في بحث المسائل سواء تعلقت بالأصول أم بالكلام أم باللغة والنحو، ومقدرة على التحليل والنقد والترجيح.
=
ونظم المختصر أبو مالك عامر بن خميس المالكي العماني (!)، في منظومة سماها "موارد الألطاف بنظم مختصر العدل والإنصاف" تقع في خمسين ومائتين وألف بيت. (1250) والكتاب مطبوع اقتصر في نظمه على خلاصة كتاب الشماخي مكتفيا بالمعنى الاصطلاحي، وتأكيد ما ذهب إليه المصنف. وقد قولا إن لم يفعل ذلك الشَّمَّاخي. وجاء أسلوبه واضحا سلسا، بينما
يرجح
تحتاج عبارة الشماخي أحيانا إلى تأمل وتركيز، لإمعانها في الإيجاز. ومن تراث الوَارِجلاني كتاب "الدليل والبرهان"، ويقع في ثلاثة أجزاء، وهو كتاب كلامي أساسا، ولكنه تعرض فيه لقضايا أصولية عديدة خاصة ما يتعلق بتقسيم الأدلة، ومسائل الاجتهاد.
والكتاب يوجد مخطوطا وله طبعة حجرية قديمة وطبعة عمانية. اعتمدنا
الطبعة الحجرية بدرجة أولى لقلة أخطائها (2). = ومن المصادر القديمة كتاب "الدعائم" لأبي بكر أحمد بن النظر العماني (3)، وهو منظومات ذات أسلوب أدبي رفيع في موضوعات عقدية
(1) أبو مالك عامر بن خميس المالكي العماني من قبيلة بني مالك في عمان، عاش أواخر القرن الماضي، وهو من تلاميذ الإمام السالمي. (2) حقق الجزءان الأولان من الكتاب الباحث صالح بوسعيد، ضمن رسالته لنيل شهادة الدكتوراه الحلقة الثالثة من كلية الشريعة بجامعة الزيتونة، سنة 1988 ولا يزال البحث مرقونا. (3) أحمد بن سليمان بن النظر السمائلي العماني. القرن 5 هـ). تبحر في العلم منذ صغره، وقتل
56 (1/56)
صفحة 57
=
مُقدمة
وفقهية. شرحها محمد بن وصاف (1)، وسمّى شرحه "الحل والإصابة"، ولكنه اقتصر على الجانب اللغوي دون التعرض للمسائل الفقهية إلا قليلا. وأفادنا كتاب المعلقات في أخبار أهل الدعوة في إيراد بعض المسائل الفقهية استشهادا للقواعد الأصولية. والكتاب مزيج أخبار وفتاوى لإباضية المغرب الإسلامي في القرن السادس وما قبله (2).
= وتشمل "نوازل" "نفوسة" فتاوى عديدة لعلماء جبل نفوسة في القرون الأولى بعضها للإمام جابر بن زيد، وتتوزعها جل أبواب الفقه، وقد رتبها الشيخ امحمد اطفيش وأفادنا في التعرف على اجتهاداتهم واستدلالاتهم. والقضايا التي عُنُوا بها في واقعهم المعيش.
=
واستفدنا مسائل من كتاب "النور" لعثمان بن أبي عبد الله الأصم (ت 631 هـ) (3). تتعلق بثبوت حجية العقل مع الشرع، وإثبات حجية القرآن على غير العَرَب. وإشارات إلى تقسيم الأدلة، ومقاصد الشريعة. والكتاب أساسا في التوحيد وتنزيه الله عن التشبيه والتمثيل. وعنوانه الكامل
"كتاب النور في توحيد الغفور الشكور" = وللشيخ سعيد بن علي الخيري الجربي الشهير بعمي سعيد (4). جواب على
وعمره 35 سنة. اشتهر بديوانه كتاب" الدعائم الذي حوى قصائد في العقيدة والفقه. وعليه شروح عديدة منها شرح ابن وصاف الحل" والإصابة". - الجعبيري البعد الحضاري. 1: 352. 1) محمد بن وصاف النزوي البزار بسوق نزوى من علماء عمان في النصف الثاني من القرن السادس. عُرف بشرحه لكتاب الدعائم لابن النظر. وله شرح آخر للقصيدة اللامية لابن النظر أيضا في الولاية والبراءة. - أبو ستة، حاشية الترتيب بتحقق إبراهيم طلاي. 5: 283.
2 كتاب المعلقات حققه الباحث بابزيز الحاج سليمان ونشرته وزارة التراث العمانية، سنة
2009
3 من علماء عمان في القرن السادس له مؤلفات منها: النور في توحيد الغفور الشكور. وكتاب البصيرة. كتاب التاج. وسمّي بالأصم لأن امرأة جاءت تستفتيه فأحدثت في حضرته، فتصامم حتى لا يحرجها. - السالمي، تحفة الأعيان. 1: 302. 4) سعيد بن علي الخيري الجربي (ت 898 هـ). نشأ في قرية أجيم بجربة. ودرس على شيخه أبي النجاة يونس التعاريتي. وأوفدته جربة إلى ميزاب بالجزائر لإحيائ العلم بها بطلب من أهلها. بعد أن دب فيها الفساد. فقام بمهمته خير قيام وإليه يعود الفضل في زرع بذور النهضة الحديثة بميزاب. وأنشأ مجلسا أعلى للعزابة يضم علماء ميزاب ويُعنى بالقضايا الشرعية والفتاوى عرف باسمه "مجلس عمي "سعيد" لا يزال يقوم بمهمته إلى اليوم. له "منظومة في الفقه" و"فتاوي
57 (1/57)
صفحة 58
مُقدمة
أسئلة فقهية. تضمن إفادات حول نقد الأخبار ودلالة التواتر على العلم وقواعد تفسير النصوص والتقليد ومباحث الأحكام التكليفية. ودليل العقل والشرع. وتأتي أهمية كتاب قواعد الإسلام" لأبي طاهر إسماعيل بن موسى (ت 750 هـ) (1) من كونه كتاب فقه مقارن، مشفوع بالأدلة على
=
الجيطالي، مسائله بمصادره النصية والاجتهادية منهجي في ترتيبه، واضح في أسلوبه، يورد المسائل الواقعية ولا يُعنى بالنوادر والمسائل المفترضة، وإن كان لا يذكر القواعد الأصولية إلا نادرا، ولكنه يطبقها أثناء الاستدلال، فهو نموذج جيّد لكتب الفقه المبنية على الدليل يورد الأقوال مع الترجيح، وأحيانا يكتفي بذكر الاختلاف دون ترجيح. وقد طبع الكتاب طبعة حجرية، ثم حققه الشيخ عبد الرحمن بن عمر بكلي، وصدر في جزأين.
=
وللجيطالي كتاب "قناطر الخيرات" في فلسفة العبادات، يبلغ حجمه ثلاثة أجزاء؛ وهو شبية بكتاب إحياء علوم الدين للغزالي. وقد أفادنا في مسائل الحجة والاجتهاد والفتوى وفي بعض تطبيقات القواعد الأصولية. كما استفدنا من كتاب فصول الأصول" لخلفان بن جميل السيابي، (ت 1392 هـ 1972 م) (2)؛ وهو من المؤلفات المتأخرة في أصول الفقه عند
فقهية" - الجعبيري البعد الحضاري. 1: 165 = نظام العزابة. 271269 - معجم أعلام الإباضية. ترجمة رقم: 402 (1) أبو طاهر إسماعيل بن موسى الجيطالي (ت 750 هـ) من مدينة "إجيطال" بجبل نفوسة بليبيا. تعلم على شيوخ بلده. وكان رفيقه العالم أبو ساكن عامر الشماخي امتاز بالحفظ والذكاء. وكان شديدا في الحق. وشى به حاسدوه إلى الحاكم فسجنه، وبعد خروجه قصد جربة فأكرمه أهلها. وترك آثارا هامة، منها قناطر الخيرات" و "كتاب" الفرائض وشرح نونية أبي نصر في أصول الدين" و"قواعد الإسلام. معجم أعلام الإباضية. ترجمة رقم: 110. الجعبيري، البعد الحضاري، 1: 123.
"
صدر الكتاب في جزأين بتحقيق الشيخ عبد الرحمن بكلي عن المطبعة العربية، سنة 1976 م، ثم أعاد تحقيقه مع حاشية أبي ستة الأستاذ بشير الحاج موسى، وصدر منه الجزء الأول، عن المطبعة العربية، سنة 1418 هـ / 1998 م. ثم حققه أحمد بن صالح الشيخ أحمد، وصدر عن مكتبة الضامري للنشر والتوزيع، سلطنة عُمان، ط 5، 1436 هـ / 2015 م. 2) هو العلامة الشيخ خلفان بن جميل السيابي، من أجل علماء عمان في القرن الرابع عشر الهجري. نشأ في سمائل في أحضان عائلة فقيرة، وانقطع للعلم حتى صار فيه علما ومقصدا للطالبين من أبرز شيوخه الإمام نور الدين السالمي.
58 (1/58)
صفحة 59
الإباضية.
مُقدمة
وقد حقق الكتاب الباحث سليم بن سالم آل ثاني؛ في أطروحة دكتوراه بكلية الشريعة؛ الجامعة الأردنية.
وجاءت منظومة "طلعة الشمس" وشرحها للإمام عبد الله بن حميد السَّالِمِي (ت 1332 هـ / 1914 م) (1) خاتمة التأليف الأصولية الشاملة للإباضية، بما تميزت به
من استيعاب النتاج السابق؛ والاستفادة من المدرسة الإباضية ومن غيرها. وأنشأ السالمي كتابه في أرجوزة منظومة؛ ثم شرحها نثرا؛ مع الشمول والاستيعاب والقدرة على التوضيح والتركيز في آن واحد، إذ حاول استقصاء المسائل الأصولية والاقتصاد في المناقشة والاستدلال، وعدم الاشتغال بالمسائل
الهامشية، وتصفية الأصول من طغيان الصنعة الكلامية.
وذكر أن منظومته جاءت على قواعد المذهب السديد، أي أنها على قواعد الاجتهاد عند الإباضية وبرز اعتماده كثيرا على مختصر العدل وشرحه للشماخي، وعلى كتاب منهاج الوصول إلى معيار العقول في علم الأصول"
لأحمد بن يحي بن المرتضى، الزيدي، اليمني (2).
تولى التدريس ثم القضاء في الرستاق وسمائل؛ ومناطق أخرى. حتى أعجزه الكبر.
وعرف بالورع والرصانة والوقار. وله عدة آثار.
منها: "سلك الدرر الحاوي غرر الأثر"، نظم فيها كتاب النيل للثميني في ثمانية وعشرين ألف بيت، وكتاب: جلاء العمى في ميمية الدماء"، و"فصول الأصول"، في أصول الفقه، و"بهجة المجالس" وكتاب: "فصل الخطاب في المسألة والجواب".
ينظر: خلفان السيابي؛ جلاء العمى المقدمة معجم أعلام الإباضية قسم المشرق؛ ترجمة 281. (1) عبد الله بن حميد السالمي، أبو محمد. (1286 - 1332 هـ/ 1869 - 1914 م) ولد ببلدة الحوقين من أعمال الرستاق بعمان ونشأ ضريرا، وكان آية في الحفظ والذكاء شرع في التأليف وعمره سبع عشرة سنة. استقر به المقام بمدينة القابل. وتفرغ للتدريس والإفتاء والتأليف. وسعى لإعادة الإمامة إلى عمان وأغنى المكتبة الإباضية خصوصا والإسلامية عموما بمؤلفات عديدة في جل العلوم الإسلامية. جلها، مطبوع (رجعنا إلى بعضها في هذه الدراسة. وله تلاميذ عديدون نشروا علمه وخلدوا ذكره كما ترك السَّالِمِي مكتبة غنية نظمها أحفاده وهي مفتوحة للباحثين، وتعد من أهم مكتبات المخطوطات في عمان - ينظر السالمي، مشارق أنوار العقول، مقدمة الشيخ البطاشي. -وأيضا: كتاب السالمي، معارج الآمال المقدمة. - الجعبيري، البعد الحضاري، 200. 2 اطلعت على مخطوطة هذا الكتاب بمكتبة السَّالِمِي في بديَّة بسلطنة عمان. ثم حققه أحمد علي مطهر الماخذي؛ في رسالة دكتوراه الحلقة الثالثة بكلية الشريعة بجامعة الزيتونة بتونس؛ وطبعته دار
?
59 (1/59)
صفحة 60
مُقدمة
كما يورد آراء ابن بركة، ويحيل أيضا على الوارجلاني، وعلى أبي الربيع المزاتي، صاحب "التحف المخزونة. مع المقارنة بأراء أئمة الأصول كالغزالي والآمدي وابن السبكي، وبآراء أئمة المعتزلة والمذاهب الإسلامية عموما. وفي المسائل الكلامية يحيل إلى كتابه "مشارق أنوار العقول".
وجاء أسلوب السالمي في طلعة الشمس واضحا ودقيقا، مستوعبا للمسائل دون إخلال ولا إطناب وغلب عليه طابع مدرسة المتكلمين،
باعتماده منهجهم في التقسيمات وفي الاحتجاج والجدل.
ويقع الشرح في جزأين طبعا عدة مرات؛ في دمشق ومسقط. وكان اعتمادنا على هذا الكتاب كثيرا؛ استوعب أغلب فصول الدراسة. وثمة مصادر ومراجع غيرها، وبخاصة كتب الفقه؛ سواء المبسوطة منها والوجيزة، يضيق هذا العرض عن حصر أسمائها فضلا عن مضامينها وما أفاد البحث منها. بل إن محاولة استقصاء المصادر والمراجع التي استقينا منها مادة البحث قد تحيل هذا العرض إلى فهرس لها. وما أغفلناه شيء غير يسير، توزعت الاستفادة منه مباحث الدراسة، سواء ما تعلق منها بالجانب الأصلي، وهو قضايا الاجتهاد، منهجا وتأصيلا أم ما تعلق بالمقارنات الفقهية وتوثيق النصوص وتخريجها؛ أم ما تعلق بتراجم الأعلام وذلك ما توزعته فروع المعرفة الإسلامية من كتب التفسير والحديث والأصول والفقه والتاريخ. وهو ما يفي باستيعابه فهرس المصادر والمراجع.
الحكمة اليمانية. كما حققه الدكتو محمود سعد؛ ونشرته مكتبة وهبة بالقاهرة.
?60
60 (1/60)
صفحة 61
الفصل التمهيدي
الفصل التمهيدي
المبحث الأول: تحديد المفاهيم إن تناول البحوث مثل دخول البيوت، وإذا كانت المفاتيح ضرورية لفتح الأبواب، فإنه لا بد للبحوث من مدخل ضابط المفاهيم المصطلحات التي يقوم عليها، لأنّ بحثا غير محدد المفاهيم لا يؤدي إلى نتيجة، و لا يقدم جديدا في عالم المعرفة.
والمصطلحات التي تعنينا في هذا المدخل ثلاثة: المنهج الاجتهاد، الإباضية. وسنبسط مضامينها بما يوضحها للقارئ باختصار دون اعتصار.
المنهج
يعنى بالمنهج في اللغة الطريق البين الواضح (1).
ويُعرف المنهج في البحوث العلمية بأنه طريقة يصل بها الإنسان إلى حقيقة» (2). أوهو «فن التنظيم الصحيح لسلسلة الأفكار العديدة، إما من أجل الكشف عن الحقيقة حين نكون بها، جاهلين وإما من أجل البرهنة عليها للآخرين حين نكون بها عارفين» (3).
وئرد كلمة المنهج كثيرا في ميادين البحث العلمي. لأنها الطريقة المثلى والسبيل السليم للوصول إلى الحقيقة محلّ البحث. ويتم ذلك بقواعد عامة تشترك فيها مختلف العلوم، ثم تتنوع تفاصيل المناهج حسب طبيعة تلك العلوم، واختلاف مواضيعها؛ فهناك منهج البحث الأدبي، ومنهج البحث التاريخي، ومنهج البحث في علم النفس والمنهج التجريبي في علوم الطب والطبيعة والأحياء؛ وكذلك لعلوم الشريعة مناهجها، في التفسير والحديث والأصول. ويتبوأ المجتهد موقعه لاستنباط الأحكام من الأدلة الشرعية، وطريقة فهمه
(1) يقال: أنهج الطريق وضح واستبان - وسبيل منهج ومنهاج طريق واضح والمنهاج الطريق المستقيم. ابن منظور، لسان العرب، مادة نهج. 6: 4554.
2 علي جواد الطاهر، منهج البحث الأدبي، 27.
(3) عبد الوهاب أبو سليمان منهج البحث في الفقه الإسلامي؛ 15.
61 (1/61)
صفحة 62
الفصل التمهيدي
واستنباطه هي منجهه في الاجتهاد. وليس بخاف أن أهمية المنهج تكمن في اختصار الطريق للوصول إلى الحقيقة، وسلامة النتائج المرصودة، بما يجعل المعارف المحصل عليها يقينية أو أقرب ما تكون إلى اليقين (1). والمنهج مظهر حضاري، راق، لأنه ينم عن قدرة على التنظيم، واختصار
للجهد والزمن وتأمين الطريق للوصول إلى الهدف المنشود. ومن طبيعة المنهج الوضوح والثبات والاستقرار، حتى يصح اعتماده سبيلا مُيَسَّرَةٌ للوصول إلى الحقيقة.
وليس للفكر الإنساني حيال المنهج إلا دورُ الرصد والكشف، ثم الصياغة والتقعيد (2). أما الإبداع والاختراع فلا نصيب لهما في مجال المناهج؛ بل في مجال المعارف والمعلومات؛ وإلا لاحتاج المنهج إلى تطوير و تغيير بين الحين والآخر؛ فيفقد سمة الثبات، ويعدم الناس الثقة به، فلا يعدو سبيلا مأمونة توصلهم إلى الحقيقة العلمية المنشودة.
الاجتهاد: الاجتهاد في اللغة مأخوذ من الجهد، وهو المشقة والطاقة (3). فيكون المراد من الاجتهاد بمعناه اللغوي العامّ بذل أقصى ما في طاقة الإنسان البدنية والعقلية في العمل الذي يباشره المجتهد للوصول إلى الغاية المنشودة منه، مادية كانت هذه الغاية أم فكرية (4). فكل من بذل وسعه لإنجاز عمل نقول عنه إنه مجتهد، طبيبا كان أم مهندسا أم قاضيا أم معلما، وهكذا في سائر مجالات الحياة. وعَرَّف الأصُولِيُّون الاجتهاد تعريفات عديدة منها أنه «استنفاد الجهد في طلب الشيء المرغوب إدراكه؛ حيث يرجى وجوده فيه، أو يُوقن بوجوده
1) مصطفى باجو، المنهج العلمي لدراسة أصول الفقه. مجلة النهضة أسبوعية عمانية) أعداد 858/ 860/859. رمضان شوال 1418 هـ يناير فبراير 1998 م. - منهج الاجتهاد عند الشيخ إبراهيم بيوض دورية الحياة .. تصدر عن معهد الحياة القرارة الجزائر. عدد 1. رَمَضَان 1418 هـ/ 1998 م
2) د. محمد سعيد رمضان البوطي السلفية مرحلة زمنية مباركة لا مذهب إسلامي، 61. 3) ابن منظور، لسان العرب، مادة جهد. 1: 708.
4) الشوكاني، إرشاد الفحول 220 - عبد المنعم النمر الاجتهاد،، 21.
62 (1/62)
صفحة 63
فيه» (1).
الفصل التمهيدي
وفي نظرة أكثر تحديدا، وأضيق مجالا للاجتهاد، نجد كثيرا من الأصوليين يعرفون الاجتهاد بأنه «استنفاد الفقيه المجتهد وسعه وطاقته في استنباط حكم شرعي لم يأتِ به نص من كتاب أو سنة، ولم يأت به إجماع» (2). ويرى بعضهم أنه استنفاد الفقيه وسعه وطاقته الفكرية في استنباط
الأحكام الشرعية من أدلتها التفصيلية» (3).
فالاجتهاد بهذا المفهوم جزء من أصول الفقه سواء كان ذلك بطريق
الأصالة أم بطريق التبع (4).
كما عرفه الخضري بأنه بذل الجهد في استنباط الحكم الشرعي، مما اعتبره الشارع دليلا، وهو كتاب الله وسنّة نبيه. وهو نوعان: الأول أخذ الحكم من ظواهر النصوص، إذا كان محل الحكم مما تتناوله تلك النصوص. الثاني: أخذ الحكم من معقول النص؛ بأن كان للنصّ علة مصرح بها أو مستنبطة، ومحل الحادثة مما يوجد فيه تلك العلة، والنصّ لا يشمله. وهذا ما يعرف بالقياس» (5). وفي هذا التوجه الموسع لمعنى الاجتهاد، يرى آخرون أن الاجتهاد يشمل ما لا نَصَّ فيه، وما فيه نص ظني الدلالة أيضا. وعلى نفس الخط سار عبد الوهاب خلاف إذ يرى أن الاجتهاد فيه عموم وخصوص، فالاجتهاد بالمعنى العام يشمل بذل الجهد للتوصل إلى الحكم المراد من النص الظني الدلالة، ويشمل بذل الجهد للتوصل إلى الحكم بتطبيق قواعد الشرع الكلية، ويشمل بذل الجهد للتوصل إلى الحكم فيما لا نص فيه بالقياس أو الاستحسان أو الاستصلاح أو غير هذا من الوسائل التي أرشد
1) ابن حزم الإحكام في أصول الأحكام، 8: 133. (2) عبد الوهاب خلاف مصادر التشريع فيما لا نص فيه 8/ 7 - عبد المنعم النمر الاجتهاد، 24 - الشوكاني، إرشاد الفحول 220 3 عبد الوهاب خلاف مصادر التشريع الإسلامي فيما لانص فيه، 7. -عبد المنعم النمر: الاجتهاد، 24 - محمد أبو زهرة المذاهب الإسلامية، 101.
(4) نادية شريف العمري الاجتهاد في الإسلام.17. 5) محمد الخضري، تاريخ التشريع الإسلامي، 127.
63 (1/63)
صفحة 64
الفصل التمهيدي
الشرع إليها للاستنباط فيما لا نص فيه» (1).
فهذا اتجاه يمثل توسعة لمفهوم الاجتهاد؛ بجعله شاملا لثلاثة معان؛ أحدها القياس الشرعي، والثاني ما يغلب في الظن من غير علة؛ كالاجتهاد في الوقت والقبلة وتقويم السلعة، والثالث الاستدلال بالأصول (2).
ويؤكد هذا الفريق أن الاجتهاد يكون في موضوع لم يسبق بحثه والتعرض له، أو سبق بحثه؛ ثمّ جدّ ما يستدعي إعادة النظر فيه؛ لظهور ملابسات ووقائع
جديدة (3).
تمكنه
وواضح من تلك التعاريف أيضا أنها تتجه إلى تحديد موضوع الاجتهاد ومجاله، كما ترمي إلى تحديده باعتباره فعلا أو جهدا صادرا من إنسان فيه صفة من أداء هذا الفعل وهي صفة الاجتهاد. وهذا أمر بديهي يعم الصفات؛ فنجد حينًا أن الصفة قد تراد نسبتها، وقد يراد فعلها؛ كالكلام والبصر والحياة. و في عصر الصحابة كان مفهوم الاجتهاد غير محصور فيما لا نص فيه، إذ قد يتجلى في حمل ما يحتمل من الكلام محملين أو أكثر على أحدهما، كما في أمر النبي الصحابة بالصلاة في بني قريظة، فاختلفوا بين من رجح الجانب الحرفي للخطاب وهو التقيّد بمكان الصَّلاة وبين من غلب المقصد الغائي وهو الإسراع في المسير (4).
وقد يكون الاجتهاد قياسا تمثيليا لم يتعرض له الكتاب والسنة، كما في قياس عمار بن ياسر التيمم من الجنابة على الاغتسال منها فتمعك في ووجه آخر لمفهوم الاجتهاد عند الصحابة يتجلى في
التراب (5).
1) عبد الوهاب خلاف مصادر التشريع الإسلامي فيما لانص فيه، 8/ 7.
(2) الشوكاني، إرشاد الفحول 220
(3) عبد الوهاب أبو سليمان منهج البحث في الفقه الإسلامي،19. 4 ابن هشام، السيرة النبوية، 2: 234
مع عبد
5) لفظ الحديث عند البخاري: "، عن شقيق، قال: كنت جالسا الله وأبي موسى الأشعري، فقال له أبو موسى: لو أن رجلا أجنب فلم يجد الماء شهرا، أما كان يتيمم ويصلي، فكيف تصنعون بهذه الآية في سورة المائدة: فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا فقال عبد الله: لو رخص لهم في هذا لأوشكوا إذا برد عليهم الماء أن يتيمموا الصعيد. قلت: وإنما كرهتم هذا لذا؟ قال: نعم، فقال أبو موسى: ألم تسمع قول عمار لعمر: بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم في حاجة. فأجنبت فلم أجد الماء، فتمرّغت في الصعيد كما تَمَرّعُ الدابة، فذكرت ذلك للنبي، فقال: "
64 (1/64)
صفحة 65
الفصل التمهيدي
ملاحظة مصلحة، أو سد ذريعة، أو تخصيص عموم، أو أخذ بمفهوم، أو نحو
ذلك.
ونماذجه في اجتهادات الصحابة عديدة (1).
والإمام الشافعي نفسه فسّر الرأي بالاجتهاد، ثم فسر الاجتهاد بالقياس، وقال هما اسمان لمعنى واحد (2). فالاجتهاد أبدًا لا يكون إلا على طلب
شيء، وطلب الشيء لا يكون إلا بدلائل، والدلائل هي القياس» (3). والذي نختاره من هذه المفاهيم هو المعنى العام للاجتهاد، وهو استفراغ الوسع في طلب الوصول إلى الحكم الشرعي، إجمالا، سواء فيما ورد فيه نص أم فيما لا نص فيه. ذلك لأن على المجتهد قبل التعرض للنص الشرعي وتفسيره وبيان مراد الشارع منه؛ أن يتأكد من صحة هذا النص و ثبوت نسبته
إلى الشارع. وإذا ما تعارضت النصوص كان لابد من إزالة التعارض، لأن شرع الله متحد المصدر، واتحاد المصدر ينفي التعارض، كما قال تعالى: أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ
الْقُرْءَانَّ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا} [النساء: 82]. فإذا ما عُدمت النصوص أصلا كان دور الفقيه منحصرا في البحث عن
الحكم في المصادر التي اصطلح عليها بالمصادر الاجتهادية أو التبعية. فشمل الاجتهاد بهذا المفهوم العام معظم مباحث علم الأصول من إثبات
الأدلة وتفسير النصوص واستنباط الأحكام.
إنما كان يكفيك أن تصنع هكذا، فضرب بكفه ضربة على الأرض، ثم نفضها، ثم مسح بهما ظهر كفه بشماله أو ظهر شماله بكفه ثم مسح بهما وجهه " فقال عبد الله: أفلم تر عمر لم يقنع بقول عمار؟ وزاد يعلى، عن الأعمش، عن شقيق: كنت مع عبد الله وأبي موسى، فقال أبو موسى: ألم تسمع قول عمار لعمر: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثني أنا وأنت فأجنبت فتمعكت بالصعيد، فأتينا رسول الله فأخبرناه، فقال: " إنما كان يكفيك هكذا. ومسح وجهه وكفيه واحدة ". صحيح مسلم کتاب الحيض باب التيمم، حديث: 579. صحيح ابن حبان، كتاب الطهارة باب التيمم، ذكر خبر ثان يصرح بأن مسح الذراعين في التيمم غير واجب، حديث: 1320.
(1) العلواني أصول الفقه منهج، معرفة، ص 171.
2) الشافعي، الرسالة 477. وانظر أيضا العلواني، المرجع نفسه.
3) الشافعي، الرسالة، 505.
65 (1/65)
صفحة 66
الفصل التمهيدي
وهذا هو المعنى الذي ذهب إليه الشيخ محمد أبو زهرة حين اعتبر أن عمل العقل في استنباط الأحكام يقوم في ميدانين هامين هما: تعرف المرامي والمقاصد من جملة النصوص الشرعية، واستخراج ضوابطها الجزئية والعامة. والثاني الاستنباط مما وراء النصوص فيما لم يوجد فيه نص في ضوء ما ورد فيه النص. وقد تختلف المناهج الفقهية، ولكن الكل مستظل براية النصوص لا يخرج عن سلطانها ولا يتجاوز نطاقها. وثمة مجال ثالث، وهو تعرف معاني النصوص من ألفاظها واستخراج الأحكام منها لأنه ليس كل مسلم قادرا على ذلك، بل لابد من توافر شروط خاصة تبوئه لهذا المقام (!). وقد مارس الفقهاء المسلمون الاجتهاد الفقهي على مدار العصور الإسلامية وفق منهج علمي منظم؛ ناشئ من تفهم طبيعة الشريعة الإسلامية وخصوصياتها، وإدراك مقاصدها ونتيجة لذلك قننوا قواعد الاجتهاد وحدّدوا مبادئه، ونظموا خطواته» (2).
=
وتتجلى مبادئ هذا الاجتهاد وخطواته فيما يلي: أولا التأكد من صحة النصوص الواردة والمنقولة عن النبي صلى الله عليه وسلم قرآنا كانت أم حديثا، بحيث ينتهي البحث إلى يقين أنها موصولة النسب إليه، وليست متقولة عليه. وهذا مابسطه العلماء في قواعد صحة الأخبار وموازين قبولها أو رفضها.
ثانيا الوقوف على ما تتضمنه تلك النصوص من معان، وما تهدف إليه
من مقاصد.
ثالثا- فهم النصوص وإدراك دلالاتها؛ وهو أمر يخضع لقواعد اللغة
وموازين العقل وضوابط الشرع، وهنا مجال للاجتهاد فسيح. رابعا استلهام تلك المعاني والمقاصد للوصول إلى أحكام لم يرد بخصوصها نص شرعي، وهذا ما يعرف بالاجتهاد بالمعنى الخاص. وبهذا المفهوم العام نجد أن أصول الفقه منهج البحث عند الفقيه
1) محمد أبو زهرة، المذاهب الإسلامية، 6/ 5
هي
(2) عبد الوهاب أبو سليمان منهج البحث في الفقه الإسلامي، 17.
66 (1/66)
صفحة 67
E
الفصل التمهيدي
ومنطق مسائله، وبمعنى أوسع: هو قانون عاصم لذهن الفقيه من الخطا في الاستدلال على الأحكام» (1). فالاجتهاد عملية فكرية مجالها الحيوي هو النص الشرعي أساسا، تنطلق منه وتعود إليه، وتسير وفق هديه وما يرشد إليه، ولا تنقطع عنه. فالنص الشرعي مجال عمل المجتهد توثيقا وإثباتا، أو تفسيرا واستنباطا، أو ترجيحا، أو قياسا واستلهاما.
كما أن هذا لا يتناقض ومقولة لا اجتهاد مع ورود النص أو عبارة «إذا ورد الأثر فلا حظ للنظر إذ معنى هذا مراد به النصوص الثابتة القطعية
الدلالة.
وثبوت النص نفسه له قواعد ومنهج وضعه المجتهدون. والدلالة القطعية أيضا من نتائج عمل المجتهدين، إذ قسموا الدلالات وضوحا و خفاء إلى درجات فكان هذا النص ذا الدلالة القطعية ثمرة من ثمار الاجتهاد، وإن كان بعض الأصوليين يرى الاجتهاد في هذا المجال محدودا، بل و ميسورا لا يحتاج إلى كبير عناء. أما في النصوص الظنية أو في ما لم يرد فيه نص فالجهد فيه أشق والاجتهاد فيه أعسر (2).
وأياً ما كان الأمر، فلا مشاححة في الاصطلاح بعد وضوح المعاني وتحديد المفاهيم. فالكل يعتبر اجتهادا، وفي كل نوع أو مجال نجد الفقيه قد استخدم طاقته الفكرية في استخراج الحكم الشرعي، وتلك غاية المجتهد ووظيفة الاجتهاد.
الإباضية:
الإباضية مذهب من المذاهب الإسلامية، كانت نشأته على يد التابعي الجليل جابر بن زيد الأزدي (3).
1) د. علي سامي النشار، مناهج البحث عند مفكري المسلمين، 55. 2 عبد المنعم النمر، الاجتهاد، 27.
(3) تنظر ترجمته بتفصيل في المراجع والمصادر التالية: أبو العباس الدرجيني: طبقات المشايخ بالمغرب، 2: 205 الى 214. - أبو العباس الشماخي، كتاب السير 70 - عبد الله السالمي، حاشية الترتيب، 1: 8/ 7 - محمد علي دبوز، تاريخ المغرب 3: 149/ 138 - أحمد الحارثي، العقود الفضية 93/ 105. فؤاد سزكين تاريخ التراث العربي 2: 340 - صالح الصوافي، جابر بن زيد وآثاره في الدعوة (دراسة شاملة).
67 (1/67)
صفحة 68
الفصل التمهيدي وكان عالما جليلا تتلمذ على يد الصحابة الكرام وشهد له بالعلم أستاذه ابن عباس وقتادة بن دعامة السدوسي وآخرون، ولهم فيه ثناء جميل (1). وقال عن نفسه: أدركت سبعين بدريا فحويت ما عندهم إلا البحر ابن عباس» (2). ولم يُنسَب المذهب إلى جابر بل نسب إلى عبد الله بن إباض المري التميمي (3)، وهي نسبة غير قياسية وسببها يعود إلى اشتهار ابن إباض بين الناس بجرأته و مواقفه من قضايا الساحة الإسلامية يومئذ. ولمناظراته مع الخوارج بسبب انحرافهم في المعتقد والسلوك، إذ كفّروا المسلمين و استباحوا الحرمات. كما ناظر الأمويين، وانتقد عليهم عدم التزامهم منهج الخلفاء الراشدين
في تسيير أمور المسلمين واستئثارهم بالسلطة واتخاذها ملكا عضودا. وقد حفظت المصادر التاريخية مناظراته مع الخوارج، ومراسلاته مع عبد بن مروان (4).
الملك
لأجل هذه الأسباب كانت نسبة الإباضية إليه دون الإمام جابر، الذي آثر التقية حفاظا على الجماعة من ضربات الأمويين، فاشتغل ابن إباض بالجبهة الخارجية وبالمعارك السياسية؛ واشتغل جابر بالفقه والإفتاء ونشر العلم في طلبته، وعنه أخذوا قواعد المذهب في الاجتهاد، ودون علمه في ديوان كبير أتت عليه الأيام (5).
معجم أعلام الإباضية ترجمة جابر بن زيد ترجمة رقم 230 وفيه إحالة على جل المصادر
والمراجع. 1) ومن ذلك قول ابن عباس: جابر أعلم الناس بالطلاق. وقول أنس بن مالك في موت جابر: مات أعلم من على ظهر الأرض. الربيع الجامع الصحيح حديث 742. ج 2، ص 76. -أبو غانم الخراساني، المدونة الكبرى، 2: 280
2 أبو غانم الخراساني، المدونة الكبرى، 2: 280
(3) ينظر ترجمته في: - الحارثي، العقود الفضية 121/ 123. ـ محمد عوض خليفات، نشأة الحركة الإباضية 76. - عمر صالح با دراسة في الفكر الإباضي 38/ 26 Studies in Ibadism p Ennami - معجم أعلام الإباضية، ترجمة رقم: 577. وفيه إحالة على المصادر والمراجع.
,
-
4 ينظر: أبو القاسم البَرَّادِي، الجواهر المنتقاة، 156 - 167 - سليمان الباروني، مختصر تاريخ الإباضية 18 - 27 - الحارثي العقود الفضية، 123 - 138. عوض خليفات، نشأة الحركة 76. عمر صالح با دراسة في الفكر الإباضي، 115 - 124.
5 عن قصة ديوان جابر واستنساخه وضياعه ينظر: أبو العباس الدرجيني، طبقات المشايخ بالمغرب، 1: 82/ 81.
68 (1/68)
صفحة 69
الفصل التمهيدي
كان الإِبَاضِيَّة يَدْعُون أنفسهم أهل الحق وأهل الاستقامة، وأهل الدعوة وجماعة المسلمين، ولم يُسمّوا أنفسهم بالإباضية. بل دعاهم بها غيرهم، ثم ارتضوا هذه التسمية أمرا، واقعا وظهرت في مؤلفاتهم أواخر القرن الثالث الهجري في مدوّنة عمروس بن فتح "الدينونة الصافية" (1).
واكتملت صورة هذه المدرسة، وتم تحرير مقولاتها وآرائها في صورتها النهائية مع أواخر أيام أبي عبيدة؛ الذي خلف جابرا على الإمامة العلمية بالبصرة. وعنه حمل طلبته الذين وفدوا عليه من المشرق والمغرب إلى بلدانهم التي أضحت فيما بعد مراكز لدول إباضية هامة كانت لها آثار سياسية بارزة في كل من جنوب الجزيرة العربية وشرقيها وفي شمال إفريقيا. وعرف هؤلاء التلاميذ في كتب السير الإباضيَّة بحملة العلم إلى المشرق، وحملة العلم إلى المغرب (2). و دامت تلك الدول مددا متفاوتة؛ عُمَرَ بعضُها طويلا، ودام بعضها قرونا هو حال الإمامة في عمان. وأنجبت علماء أسهموا بنتاج وفير في مختلف العلوم وبخاصة علوم الشريعة، وعلى رأسها علم الأصول.
كما
وبرغم وفرة الدراسات الحديثة عن الإباضية أكاديمية كانت أم غير ذلك (3) فإن الجهل بها لا زال هو الطابع الغالب على كثير من الدارسين والمختصين في
الدراسات الإسلامية، بله عامة المثقفين ومن بعدهم من سواد المسلمين. ولا يزال تصور معظم المسلمين لهذه الفئة غير واضح أو غير سليم، وهو تصور مطابق للصورة التي رسمها كتاب المقالات في القديم؛ وحفرت في الذاكرة الجماعية؛ وتوارثتها الأجيال عبر القرون، حتى أخذت حكم التواتر، وغدت قناعتها حقيقةً يقينية لا يعلوها النقد، ولا ينالها التمحيص. ولا يسع المجال هنا لدراسة هذه القضية أو البحث عن مسارها وأسبابها،
1) عمروس بن فتح، الدينونة الصافية، 83.
-
Ennami: studies p .5
فرحات الجعبيري، البعد الحضاري للعقيدة عند الإباضية 56 عوض خليفات، في كتابيه: نشأة الحركة الإباضية، 81. و الأصول التاريخية للفرقة الإباضية 12.
2) ابن خلفون أجوبة ابن خلفون، مقدمة المحقق الدكتور عمرو النامي. 11/ 9. 3) وقد أنجزت بحوث جامعية كثيرة عن الإباضية، بعضها تناول الاباضية إجمالا وبعضها تناول قضية من فكرها أو تاريخها أو علما من اعلامها.
69 (1/69)
صفحة 70
الفصل التمهيدي
ومعرفة من المسؤول عنها.
والذي تهدف إليه هذه الدراسة مد جسور التواصل وإزالة الجفوة التي اصطنعتها ظروف الماضي القريب والبعيد، مما أدى إلى إقامة جُدُرٍ من حديد بين أبناء عقيدة التوحيد (1). ومن المعلوم أن الإباضية جماعة أفرزتها الظروف السياسية التي ابتلي بها المسلمون أواخر العهد الراشدي، ولكن هذه الجماعة لم تكن حبيسة آراء سياسية متناثرة، بل كان لها تصور شامل لقضايا الدين كلها، سواء ما تعلق منها بالعقيدة أم بالشريعة في السياسة والحروب والأمن والعلاقات الفردية والعامة للمسلمين. وهذا ما تجلى في نتاج علمائها الفكري، إذ نجد فيه العقيدة ممزوجة بالفقه والسياسة مع التزكية والأخلاق وهو امتزاج ناشئ من مفهوم الدين عند الإباضية؛ وأنه قائم على ثلاثة أركان متكاملة، عقيدة وقول وعمل، لا يغني بعضها عن بعض، ولا يقوم بعضها مقام بعض (2).
وللإباضية مواقف في قضايا العقيدة مَيَّزَتها عن كثير من فرق المسلمين بَيْدَ القواسم المشتركة ظلت تمثل الجانب الأكبر من هذه القضايا، كما أن الجدل الذي قام بين المسلمين عبر تاريخهم الطويل قوّى من علاقات التأثر والتأثير بين مختلف المدارس والمذاهب. وينحصر بحثنا في جانب الاجتهاد أو استنباط الأحكام، والتعرف على معالم المنهج الذي اختطه الإباضية في مجال الفقه، وتحديد أصول فقههم، كيف أصلوها، وكيف بنوا عليها اجتهادهم؟. تلقى العلم عن جابر تلامذة عديدون حملوه في الصدور، ودونوه في
عبر
هذه
السطور، وأنقذوا بتأليفهم جزءا هاما من ديوانه الذي ضاع، ووصلنا الآثار معظم فقه جابر، بل إن كتب التفسير والفقه والحديث لعلماء المسلمين تطفح بآراء جابر بن زيد لشهرته بينهم فقيها ومحدثا ومفسرا. ونما التدوين الفقهي لدى الإباضية بعد جابر نموا مطردا توالى عبر القرون،
1) إشارة إلى مؤلفات علي يحي معمر وشعاره " المعرفة والاعتراف والتعارف" 2 ينظر أحد كتب العقيدة الإباضية مثل كتاب "مقدمة "التوحيد" لعمرو بن جميع، وشرح الشماخي لها، وشرح التلاتي، وغيرها.
70 (1/70)
صفحة 71
E
الفصل التمهيدي
وأنتج لنا موسوعات تعد بالعشرات تناولت جميع أبواب الفقه الإسلامي، وكان بدهيا أن يقوم هذا الصرح الفقهي على أصول ثابتة ومنهج مرسوم، ولكن النتاج الأصولي للإباضية لم يكن متناسبا مع النتاج الفقهي، وهذا ما لفت الانتباه إلى تفسير هذه الظاهرة، ودعانا إلى التعرف على معالم المنهج الذي قام عليه البناء الفقهي لهذه المدرسة.
71 (1/71)
صفحة 72
الفصل التمهيدي
المبحث الثاني: علم الأصول، التطور و الروافد.
-1 - تطور علم الأصول:
علم أصول الفقه علم إسلامي أصيل، نَبَتَ وأورق في تربة إسلامية، ونما وأثمر عوده في رحاب القرآن والسنة وعلوم اللغة العربية.
ولين وفد عليه في مرحلة لاحقة دخيل من المنطق ومباحث علم الكلام؛ فإن تلك العلوم ظلت إلى حد كبير علوما إسلامية برغم ما شابها من تأثر بفلسفة اليونان وتراث غير المسلمين. ويذكر ابن خلدون أن علم الأصول من الفنون المستحدثة في الملة، وكان السلف في غنية عنه، بما أن استفادة المعاني من الألفاظ لا يُحتاج فيها إلى أزيد مما عندهم من الملكة اللسانية، وأما القوانين التي يحتاجون إلى النظر فيها لقرب العصر وممارسة النقلة وخبرتهم بهم. فلما انقرض السلف وذهب الصدر الأول وانقلبت العلوم كلها صناعة احتاج الفقهاء والمجتهدون إلى تحصيل هذه القوانين والقواعد لاستفادة الأحكام من الأدلة، فكتبوه فنا قائما برأسه سموه أصول الفقه» (1).
وعلم الأصول كغيره من العلوم، بدأ وليدا ثم شب و اكتهل، ورعاه علماء مجتهدون، وضعوا له الأساس ثم أعلوا فوقه البناء. ولم تكن مصطلحات هذا العلم متعارفا عليها بين الصدر الأول في عهد الصحابة، فإنهم مارسوها في اجتهاداتهم تطبيقا ثم تلاهم عهد التدوين والتقعيد، وتمييز القواعد وضبطها وجمعها في منظومة متكاملة، وتم ذلك على يد الإمام الشافعي في رسالته الشهيرة.
إن الصحابة بشهودهم نزول الوحي وإدراكهم معاني الكتاب والسنة، وبسليقتهم العَرَبية الأصيلة، كانوا ذوي قدرة عالية على التعامل مع قواعد الأصول وضوابط الاجتهاد.
لقد آمن الصحابة بالكتاب والسنة حجة ومصدرا للأحكام، واستوعبوا الشريعة نظاما شاملا لكل مناحي الحياة، وأنه لا تند حادثة عن حكم الله، فسعوا لتطبيق ما ورد فيه نص واجتهدوا لمعرفة حكم ما لم يرد فيه نص أو
1) ابن خلدون المقدمة، 816/ 815.
72 (1/72)
صفحة 73
الفصل التمهيدي
تعارضت فيه النصوص، فقدموا الخاص على العام والقطعي على الظنّي، واستعملوا القياس وعرفوا العلل واستلهموا مقاصد الشريعة وسعوا لتجسيد المصلحة المعتبرة فيما يطرأ عليهم من حوادث تستدعي البحث
والنظر، ونماذج هذه الاجتهادات وفيرة في تراث الصحابة الفقهي (1). ولكن المسار لم يسلم من عقبات إذ نشأ خلاف بين مدرسة الحديث بالحجاز ومدرسة الرأي بالعراق؛ لظروف تاريخية موضوعية أفرزت ذلك الخلاف، وقد وصل أحيانا درجة حادة من التوتر والجدل الساخن لفقدان قواعد مشتركة تحسم الخلاف، فأهل الحجاز استغنوا بمأثورهم من الأحاديث الوفيرة، وأهل العراق اضطروا لإعمال الرأي لقلة ما عندهم من الآثار، ولم تكن موازين الجرح والتعديل قد ضبطت بشكل واضح يومئذ، إضافة إلى ما أصاب المسلمين من انقسام وتحزب أفرز شكوكا في الرواة وعدم الاطمئنان إلى كل ما يروى عن رسول الله. وجاء الإمام الشافعي على موعد مع الأقدار ليحسم الخلاف فوضع
كتاب الرسالة.
لكن عمل الشافعي لم يكن إنشاء من عدم، فقد سبقته محاولات وإشارات إلى قواعد الأصول في بعض كتب الحَنَفِيّة، ومرّ المنهج بتطورات عديدة حتى بلغ إلى الإمام الشافعي فقام بتحليله وإعادة تنظيمه وعرضه في هيكل متناسق متكامل، فكانت الرسالة قانونا كلياً يرجع إليه في معرفة دلائل الشريعة ووجوه تعارضها وقواعد ترجيحها. كما ضمّن الرسالة مباحث هامة تتعلق بالبيان لم يكن الصدر الأول بحاجة إليها لسليقتهم العربية. وتوسع الشافعي في جميع المباحث الأصولية التي عرفت من قبل، وأكمل بعضها وأقام الفروع على الأصول. «لقد قنن الخليل سحر البيان الفاظا وأوزانا وقننه سيبويه إعرابا وتصريفا، وقننه الشافعي على مستوى علاقة المبنى بالمعنى»، في إطار النص الشرعي. ووضع حدا للاضطراب الذي كان في مجال التشريع (2).
1) العلواني أصول الفقه منهج معرفة، ص 171.
2 الجابري، الفقه والعقل، 21.
73 (1/73)
صفحة 74
الفصل التمهيدي
فللشافعي فضل السبق في إقامة هذا المنهج، بل يمكن اعتبار دوره في الدراسات الإسلامية نظير دور أرسطو في الدراسات اليونانية (1). كما اعتبرت مساهمته بمثابة الأساس والهيكل العام لمنهج الفكر المسلم. حتى قيل إن القواعد التي وضعها الشافعي لا تقل أهمية بالنسبة لتكوين العقل العربي الإسلامي عن قواعد المنهج التي وضعها ديكارت بالنسبة لتكوين الفكر الفرنسي خاصة والعقلانية الأروبية الحديثة عامة» (2). ومن جهة أخرى فإن "الرسالة" تمثل صورة صادقة للمشكلات الأصولية التي شغلت بال الأصوليين آنذاك، ومن ذلك الخلاف حول حجية خبر الآحاد و حجية الاستحسان وحجية، القياس فكان المجال خصبا للحوار العلمي الرصين الذي أنجب هذه الرسالة التي غدت أساسا لانطلاقة مباركة في بناء صرح الأصول، ظهرت نتائجه الطيبة في القرون التالية (3). وقد نهج الشافعي في كتابه طريقة ثابتة تجلّت في عرض القضية الأصولية ثم ذكر شواهدها من القرآن والسنة، ثم يعقبها بتحليل واف مع التأكيد على المناسبة الموضوعية بين القضية وشواهدها، ويجعل من ذلك برهانا على القضية التي عرضها أو القاعدة التي أثبتها (4). وأوضح مثال على هذا المنهج استدلاله لإثبات حجية خبر الآحاد (5).
- أصول الفقه بعد الشافعي:
تطور الأصول بعد الشافعي في اتجاهين اتجاه نظري لا يتأثر بفروع الفقه، بل اهتم بتحرير المسائل وتقرير القواعد على المبادئ المنطقية والاستدلال لها. شأن علماء الكلام واتجاه متأثر بالفروع الفقهية ويتجه لخدمتها وتمتاز بتقرير القواعد الأصولية على مقتضى ما تقل من الفروع الفقهية، وتسمى بطريقة الفقهاء، وعلى ذلك سار الحنفية في مؤلفاتهم الأصولية.
وهو
1 النشار، مناهج البحث 59/ 58 - حول خصائص الرسالة ومنهج الشافعي فيها ينظر أيضا: عبد الحليم الجندي، الإمام الشافعي، ناصر السنة وواضع الأصول. 215 - 247.
(2) الجابري، الفقه والعقل، 19. 3) عبد الوهاب أبو سليمان الفكر الأصولي، 103/ 102.
(4) المصدر السابق 76.
(5) الشافعي، الرسالة، تحقيق أحمد محمد شاكر، 401 فمابعد.
74
MB (1/74)
صفحة 75
الفصل التمهيدي
استهوى منهج الشافعي في الرسالة الكثير من علماء الكلام المعتزلة منهم والأشاعرة، إذ إنه يتماشى مع ميولهم العقلية وطرقهم في النظر والاستدلال، فأبدعوا في تطوير علم الأصول وأوسعوا مجال البحث والجدل في قضاياه، ونهض بذلك أعلامهم، وفي مقدمتهم القاضي عبد الجبار المعتزلي (ت 415 هـ) في كتابه المغني. وأبو الحسين البصري (ت 436 هـ) في المعتمد. وإمام الحرمين الجويني (ت 478 هـ) في البرهان وفي التلخيص، وأبو حامد الغزالي (ت 505 هـ) في المنخول وفي المستصفى و غير هؤلاء ممن كانوا طليعة الوسط العلمي آنذاك، فسلّم لهم بالزعامة في هذا المجال، ونسب هذا المذهب إليهم باتجاهاته المختلفة وأصبح معروفا بمذهب المتكلمين (1). وظلت الأجيال الإسلامية عبر القرون عالة على إنتاج هؤلاء الأصوليين.
وتميّز منهج المتكلمين بتجريد القواعد العامة من المسائل الفقهية استنادا إلى الاستدلال العقلي والبرهنة النظرية (2). أما الحنفية فتميزوا عن المتكلمين بمنهج قائم على استقراء الفروع الفقهية للوصول إلى القاعدة الأصولية، وعُرف منهجهم بطريقة الفقهاء، وامتزجت في كتاباتهم الأصول بالفقه، وكثر لديهم تفريع المسائل الجزئية وذكر الأمثلة
والشواهد (3).
ومن أئمتهم أبو زيد الدبوسي 430 هجري)، في كتابه تأسيس النظر، وفخر الإسلام البزدوي (ت 482 هـ) في أصول البزدوي، ثم شرحه عبد العزيز البخاري (ت 437 هـ) في كشف الأسرار وأبوبكر أحمد السرخسي (ت 490 هـ)
في أصول السرخسي (4). ثم جمع ابن الساعاتي (614 هجري) بين الطريقتين في كتابه بدائع النظام
الجامع بين البزدوي والإحكام
(1) أبو سليمان الفكر الأصولي، 446.
(2) ينظر: ابن خلدون، المقدمة، 816.
3) ابن خلدون، المقدمة 816. - أبو سليمان، الفكر الأصولي، 446.
4 ابن خلدون، المقدمة 816 - النشار، مناهج البحث، 63.
75 (1/75)
صفحة 76
الفصل التمهيدي ثم كانت كتابات الشاطبي (ت 790 هـ) إبداعا في علم الأصول، إذ اعتمد منهج الفقهاء في الاستقراء الواسع للفروع وصولا إلى قطعية القواعد الأصولية، كما أضاف جديدا بإقامة دعائم علم المقاصد و تمييزه من بين مسالك العلة في مباحث القياس، وجعله كيانا مستقلا؛ خصص له الجزء الثاني
من موسوعته الأصولية الموافقات (!).
- تدوين الأصول عند الإباضية:
يمثل النتاج الفكري للإباضية جانبا هاما من جهود هذه الطائفة لخدمة الإسلام وبناء حضارته معنويا وماديا، وقد بلغت تآليفهم حجما كبيرا جعل الدارسين يتساءلون في اندهاش: كيف تدوّن كل هذه الآلاف من الآثار ولا يسمع عنها إلا عدد يسير من الناس ثم لا يراها من هؤلاء غير فئة قليلة
(2)!!
إن للظروف التاريخية التي مرّت بها هذه الجماعة دورًا كبيرًا في تفسير هذه الظاهرة (3). والذي يعنينا هنا هو التعرض لنتاج هذه المدرسة في أصول الفقه بصفة خاصة دون مجالات الإنتاج الفكري الأخرى. ونسجل في البدء أن علم الأصول لم يستقل بالتدوين لدى الإباضية إلا في زمن متأخر في حدود القرن الرابع الهجري حسب المعلومات التي أمدتنا بها المصادر المتوفرة، إذ كانت قواعد الأصول ممزوجة بمسائل الفقه وقضايا العقيدة، ولهذا كانت المصادر الأولى للمؤلفات الإباضية أساسا لتدوين علم الأصول عندهم. يتصدر هذه المصادر ديوان جابر بن زيد. وتذكر المصادر التاريخية أن ديوان جابر حوى الآثار المروية عن النبي، سنته وسيرته، وفتاوى الصحابة
1) للتوسع حول تاريخ علم الأصول يرجع إلى ابن خلدون، المقدمة، 815.فما بعد. وإلى كثير من كتب الأصول الحديثة وفي مقدماتها عرض لهذا المبحث ومثال ذلك كتاب: د. شعبان إسماعيل أصول الفقه تاريخه ورجاله، 22 - 38.
2) Schacht. Bibliothèques et Manuscrits Ibadites (Revue Africaine PP 380 ..
-
tome 100)___
-3 حول أسباب الجهل بتراث الإباضية ينظر: مهني التواجيني مقدمة تحقيقه لشرح مختصر العدل والإنصاف، لأبي العباس الشماخي، صفحات 9 فما بعد
? 76 (1/76)
صفحة 77
الفصل التمهيدي
وآراء التابعين ممن عاصرهم جابر، فضلا عن اجتهادات جابر نفسه (!). ولكن هذا الديوان أتت عليه الأيام.
ولئن فقد هذا الديوان بشكله فقد توزعت مضمونه مؤلفات تلاميذ الإمام جابر، ومنها المدونة الكبرى، لأبي غانم بشر بن غانم الخراساني، وكتب أبي عبيدة
من
مسلم بن أبي كريمة، ومحبوب بن الرحيل (2)، ومسند الربيع بن حبيب. كما حفظت لنا الأيام رسائل جابر بن زيد إلى بعض تلاميذه، وفيها تعرض لقضايا شرعية وسياسية متنوعة. ومن خلالها تتجلى لنا لمحات قواعد الفقه والاجتهاد اعتمدها جابر في كتاباته وفتاويه. وأهم مصدر حفظ لنا آراء جابر هو المدونة الكبرى (3). لأبي غانم بشر بن غانم الخراساني، التي رواها عن سبعة من تلاميذ أبي عبيدة مسلم عن جابر. كتاب فقه وحديث تقع في اثني عشر كتابا شملت كل أبواب الفقه الإسلامي التي عالجها فقهاء الإباضية آنذاك. وتعد صورة واضحة لجهودهم في الفقه والاجتهاد (4). وتعتبر المدونة أقدم كتب الفقه لدى الإباضية، وهي تلي مسند الربيع بن حبيب، الذي يحوي أيضا آراء للإمام جابر وأبي عبيدة والربيع. وفيه إشارات إلى قواعد في استنباط الأحكام.
وهي
وفي كتاب ابن سلام بدء الإسلام وشرائع الدين إشارات أصولية، منها قوله: «إن القاضي والمفتي لا ينبغي له أن يستعمل على القضاء إلا الموثوق به
1 الراشدي، نشأة التدوين.154 - خليفات نشأة الحركة الإباضية، 98/ 88. 2 أبو سفيان محبوب بن الرحيل القرشي من علماء عمان. عاش في الخمسين الثانية من القرن الثاني الهجري. أخذ العلم عن أبي عبيدة والربيع بن حبيب. كان حجة في السيرة والأخبار. واهتم بتدوينها. له رسالة نصح بليغة إلى عبد الله بن يحي طالب الحق. روى أبو غانم الخراساني فتاويه في المدونة الكبرى - الدرجيني، طبقات. 2: 278 - الشماخي السير، 117/ 119. – ابن خلفون، أجوبة، 116.
-3 لقد يسر الله لنا تحقيق هذا الكتاب وصدر في ثلاث مجلدات من نشر وزارة التراث والثقافة
بسلطنة عمان.
4) ينظر أبو غانم الخراساني، المدونة الكبرى مجلدان، 92/ 95 Ennami: studies. P وعن تاريخ المدونة وطريقة نسخها ينظر الدرجيني، طبقات المشايخ بالمغرب، 2: 323. ومقدمة تحقيقنا للمدونة.
77 (1/77)
صفحة 78
الفصل التمهيدي
في الفقه، الذي يؤخذ منه القياس والرأي والقضاء، فإنه لا يستقيم أن يكون صاحب رأي ليس له علم بالسنة والآثار والأحاديث» (1). وقد هم عمروس بن فتح أن يفرز العلم على ثلاثة أوجه التنزيل وما تعلق به من المسائل والفضائل والسُّنَّة وما تعلّق بها، ورأي المسلمين واجتهادهم. لِيُرتب كل باب من أبوابه، ويُنَبِّه على القواعد الثلاثة، فأعجله ذلك (2). الموت عن كما خصص بشير بن محمد بن محبوب بن الرحيل (القرن الهجري). نبذة للأصول في كتابه المحاربة. وينسب إليه كتاب الخزانة في الفقه، يقع في سبعين جزءا، ذهبت به عوادي الأيام ويُعرف بسيرة ابن محبوب، وله أيضا كتاب يُدعى مختصر ابن محبوب، وصف بأنه كتاب أصولي، وقد بقي منه الجزء السادس (3) وينسب إليه أيضا كتاب البستان في الأصول (4). وفي جامع ابن جعفر الأزكوي ذكر لكثير من قواعد الأصول خلال عرضه لمسائل الفقه، ويورد عبارات تفيد وجود منهج أصولي مبكر للإباضية. من ذلك قوله: «أصول أصحابنا وعبارة آثار أصحابنا، وما بنوا عليه أصولهم»، و «مذهب أصحابنا في قياس أصولهم» (5). ويحوي كتاب السير والجوابات لأئمة وعلماء عمان، عديدا من هذه القواعد الأصولية، وذلك ضمن نتاج علماء الإباضية الأوائل. منها رسالة أبي الحواري، إلى أهل حضرموت (6)، وسيرة أبي قحطان خالد بن بواكير التأليف الأصولي قبل القرن الرابع الهجري. ومع إطلالة القرن الرابع تميز التدوين الأصولي للإباضية بصورة جلية مع ابن بركة
هذه
هي
قحطان (7).
(1) ابن سلام، بدء الإسلام وشرائع الدين، 113.
(2) عبد السلام الوسياني، السير (مخ). 2. - الدرجيني، طبقات، 2: 321.
3) الوسياني، سير، 32/ 31.
4 الراشدي، نشأة التدوين 208
5) ينظر على سبيل المثال: ابن جعفر، الجامع:1: 46. = 1: 277.= 2: 183.
(6) علماء، عمان السير والجوابات، 1: 353 - 361
7) علماء عمان السير والجوابات، 1: 97.
78 (1/78)
صفحة 79
الفصل التمهيدي
البهلوي، إذ أفرد له قسما هاما من كتابه الجامع (1)، ونثر كثيرا من قواعد الأصول في ثنايا الكتاب بكامله. وظل هذا الجامع معتمدا رئيسا لكتابات الأصول لدى الإباضية حتى القرن العشرين.
كما أنتج لنا القرن السادس كتاب السؤالات، لأبي عمرو عثمان بن خليفة السوفي، وهو كتاب كلامي أساسا، ولكنه تضمن قسما هاما من مباحث الأصول. ثم اكتمل البناء بتأليف أبي يعقوب الوار خلاني (ت 570 هـ) لكتابه العدل والإنصاف في معرفة أصول الفقه والاختلاف (2).
ونكتفي في المصادر الأخرى بذكر أسمائها: جزء خاص بالأصول من كتاب الأكلة وحقائق الأدلة، لنجاد بن موسى المنحي، (ق 5 هـ). مخطوط.
أجزاء من كتاب بيان الشرع لمحمد بن إبراهيم الكندي، (ت 508 هـ) مطبوع.
الأدلة والبيان، لتبغورين بن عيسى الملشوطي. (ق 6 هـ) مخطوط (3). كتاب أبي سليمان داود بن يوسف (ق 6 هـ) الجزء الثاني في الأصول.
(مخطوط).
البحث الصادق والاستكشاف عن حقائق معاني العدل والإنصاف. لأبي القاسم البَرَّادِي. (ق 8 هـ) مخطوط.
مختصر
العدل والإنصاف لأبي العباس الشماخي. (ت 928 هـ) مطبوع.
شرح مختصر العدل والإنصاف للشماخي أيضا. مخطوط (4). شرح مختصر الشماخي. لمحمد بن يوسف المصعبي. (ت 1088 هـ) مخطوط. رفع التراخي في مختصر السَّمَاخِي. لعمر بن رَمَضَان التلاتي. (مخطوط).
1) لقد يسر له أيضا علينا تحقيق هذا الكتاب؛ ويقع في خمس مجلدات؛ وتعهدت وزاة التراث والثقافة بسلطنة عُمان بطبعه ونشره قريبا بإذن الله.
2) ينظر دراستنا عن الكتاب: أبو يعقوب الوَارِجلاني وفكره الأصولي.
(3
- (4
تم تحقيق هذا الكتاب مؤخرا بعناية الباحث بابزيز الحاج سليمان؛ وطبع في سلطنة عُمان. حقق الكتاب الباحث مهنّي تواجيني؛ في أطروحة دكتوراه الحلقة الثالثة؛ بكلية الشريعة
بالجامعة التونسية.
79 (1/79)
صفحة 80
الفصل التمهيدي
الجزء الأول من كتاب منهاج الطالبين وبلاغ الراشدين. الخميس بن سعيد
الشقصي الرستاقي. ويقع في عشرين مجلدا. مطبوع.
الأجزاء: الأول والثاني والثالث من كتاب قاموس الشريعة. لجميل بن
خميس السعدي. (ق 11 هـ). ويقع في 90 مجلدا. مطبوع.
وتنامت الكتابة الأصولية لدى المتأخرين، وتعددت.
ومن باب التمثيل أن نشير إلى كتاب فصول" الأصول" لخلفان بن جميل السيابي، (ت 1392 هـ 1972 م) (1).
وقد حقق الكتاب الباحث سليم بن سالم آل ثاني؛ في أطروحة دكتوراه بكلية الشريعة الجامعة الأردنية. وأصدرته وزارة التراث العمانية، سنة 2007. كما تضمن كتاب سلك الدرر الحاوي غرر الأثر لخلفان السيابي أيضا
قسما معتبرا تناول فيه مباحث علم الأصول والكتاب مطبوع متداول. تنوير العقول في قواعد الأصول للشيخ ناصر بن أبي نبهان. حققه فهد
بن عامر السعيدي وآخرون، وصدر عن ذاكرة عمان. سنة 1440 هـ/ 2019 م مشكاة الأصول. لحمد بن عبيد السليمي. (ت 1390 هـ)؛ تحقيق أحمد بن سالم الخروصي أصدرته وزارة التراث والثقافة العمانية، سنة 1440 هـ،
2019 م.
كرسي الأصول. سعيد بن خلفان الخليلي. (ت 1287 م)، دراسة وتحقيق خليفة بن سعيد بن ناصر البوسعيدي. نشر مكتبة الضامري، مسقط، 2007 م. فتح الله أو شرح شرح مختصر العدل والإنصاف. للقطب امحمد بن
__ (1
هو
العلامة الشيخ خلفان بن جميل السيابي من أجل علماء عمان في القرن الرابع عشر الهجري نشأ في سمائل في أحضان عائلة فقيرة، وانقطع للعلم حتى صار فيه علما ومقصدا للطالبين؛ من أبرز شيوخه الإمام نور الدين السالمي. تولى التدريس ثم القضاء في الرستاق وسمائل؛ ومناطق أخرى حتى أعجزه الكبر. وعرف بالورع والرصانة والوقار. وله عدة آثار. منها: "سلك الدرر الحاوي غرر الأثر"، نظم فيها كتاب النيل للثميني في ثمانية وعشرين ألف بيت وكتاب: "جلاء العمى في ميمية الدماء"، و"فصول الأصول"، في أصول الفقه، و"بهجة المجالس" وكتاب "فصل الخطاب في المسألة والجواب". ينظر: خلفان السيابي؛ جلاء العمى المقدمة. معجم أعلام الإباضية؛ قسم المشرق؛ ترجمة 281.
80 (1/80)
صفحة 81
الفصل التمهيدي
يوسف اطفيش. (ت 1332 هـ/ 1914 م). وقد حققناه بفضل الله. وينتظر الطبع
إن شاء الله.
شمس الأصول منظومة في ألف بيت لعبد الله بن حميد السالمي.
(ت 1332 هـ / 1914 م) مطبوع. طلعة شمس الأصول للسالمي، أيضا. مجلدان. مطبوع.
موارد الألطاف بنظم مختصر الخصال. منظومة في 1280 بيتا. لأبي مالك
عامر بن خميس المالكي. مطبوع.
مقدمة كتاب نثار الجوهر في علم الشرع الأزهر. لأبي مسلم ناصر بن
عديم الرواحي. مطبوع.
منظومة الشيخ سالم بن حمود السيابي. مخطوط.
منظومة الشيخ سفيان بن محمد الراشدي في الاجتهاد. مخطوط.
قسم من كتاب سلاسل الذهب لشامس البطاشي. مطبوع (1). - موقع المدرسة الإباضية من المدارس الأصولية لم ينكر الإباضية تأخر التدوين الأصولي عندهم بمعناه الاصطلاحي، ولم يشاركوا في الجدل الذي قام حول أول من صنف في أصول الفقه (2). وإن كانوا أسبق المدارس الفقهية القائمة وفي معرض حديث الإمام السَّالِمِي عن ضرورة الأصول للفقيه، وأنه لا
وجودا (3).
1) استخلصنا هذه القائمة مما نملكه من مخطوطات ومطبوعات هذه الكتب، وبعضها استفدناها من بحث الراشدي، نشأة التدوين في الفقه الإباضي 208 - 29 - السالمي، اللمعة المرضية من أشعة الإباضية، 76 - 86 فهارس دلائل المخطوطات مكتبات وادي ميزاب من إنجاز جمعية التراث القرارة غرداية.
Schacht. Bibliothèques et Manuscrits Ibadites (Revue Africaine
tome 100)_ PP 380/381.--- Ennami, Discreption of New Ibadi --Ibadism, p 91. Ennami, Studies in Manuscripts from north Africa. P 63
(2) حول الخلاف حول أسبقية التأليف الأصولي ينظر: محمد إسماعيل شعبان، أصول الفقه
تاريخه ورجاله 29.
3 ولد الإمام جابر سنة 18 هـ وتوفي سنة 93 هـ، فهو أسبق أئمة المذاهب حياة. ينظر ترجمته معجم أعلام الإباضية، رقم 230
81 (1/81)
صفحة 82
الفصل التمهيدي
يتوصل أحد إلى معرفة الفقه حتى يكون عارفا بأصول الفقه، قال: «فإن قيل إن أصول الفقه إنما وضع في القرن الثالث، وهو زمان تابعي التابعين، فالصدر الأول من الصحابة والتابعين كانوا أفقه ممن بعدهم، فأين ذلك التوقف؟ قلنا: إن الذي وضع في القرن الثالث إنما هو اصطلاحات الفن، فإنه كان معلوما للصحابة ومن بعدهم، فهم يقدّمون الخاص على العام، ويردّون المتشابه إلى المحكم، وهكذا، وهذه الكيفية هي نفس أصول الفقه. فاندفع الإشكال. نعم، وعلى طريقة الصدر الأول من الصحابة والتابعين قد جرى جُلُ سَلَفِنا من أهل عُمان، فتراهم يحكمون بالخاص في موضع الخصوص، وبالعام في موضع العموم، وبالمطلق في موضع الإطلاق، وبالمقيد في موضع التقييد وهكذا من غير أن يذكروا نفس العبارات التي اصطلح عليها أهل الفن» (1). فهذا تصريح من الإمام السالمي بتأخر التدوين الأصولي الاصطلاحي عند الإباضية، رغم أنه في القرن الثاني الهجري كانت قد تأسست آراء الإباضية في معظم القضايا الفقهية والدينية. وذلك أواخر سنوات أبي عبيدة مسلم. إذ سجلت مدوّنات الفقه الأولى نشاط تلاميذ أبي عبيدة في حوار علمي قائم على قواعد الاجتهاد (2).
وإذا عدنا إلى نقطة الانطلاق، وجدنا إمام المدرسة جابر بن زيد، قد أخذ قواعد الأصول ومنهج الاجتهاد عن أساتذته من الصحابة الأجلاء، ومن هؤلاء ابن عباس الذي أحبه فتأثر بمنهجه الفكري وعنه تلقى تفسير القرآن حتى صار إماما في التفسير وحجة في التأويل. وتجلّت نزعة ابن عباس العقلية في آثار تلميذه جابر، إذ لم يكن وقافا عند ظواهر النصوص، بل كان يبحث عن العلل ومآلات الأفعال، ملتزما بضوابط اللغة؛ ومستهدفا مقاصد الشارع. ولكنه ظل مرتبطا بالواقع؛ فلم يستهوه بريق الفقه الافتراضي (3). بل إن أهم آراء ابن عباس نجدها نفسها هي آراء الإباضية. ولو خالفت
(1) السالمي، شرح طلعة الشمس، 1: 14/ 13.
2) عبد العزيز بدوي، دور المدرسة الإباضية في الفقه والاجتهاد. ضمن أعمال ندوة الفقه الإسلامي، 726/ 725.
(3) مهني التواجيني دراسة وتحقيق شرح مختصر العدل والإنصاف للشماخي، 27/ 26.
82 (1/82)
صفحة 83
الفصل التمهيدي
جمهور فقهاء المسلمين ومن ذلك اعتبار المسح على الخفين منسوخا (1)، وأن لا ربا إلا في النسيئة. وإن كانت المسألة خلافية بين الإباضية أنفسهم (2). وكذلك الأمر بالنسبة لتفسير الملامسة في قوله تعالى: أَوْ لَمَسْتُمُ النِّسَاء [النساء: 43]، فقد فسرها ابن عباس والإباضية بمعنى الجماع. أما مجرد الملامسة بين الزوجين الذي يفهم من ظاهر اللفظ، فإنه لا ينقض الوضوء (3). ولئن اقتضت قواعد التربية وطبيعة السلوك البشري أن يكون للأستاذ تأثير عميق على تلميذه؛ مسلكا وقناعات ومواقف، فإن للبيئة العامة دورها البارز أيضا. وهو ما نجده عند جابر بن زيد الذي جعلته نشأته في العراق منسوبا إلى أهل الرأي، فكان ممن يقول بالرأي، وأنه يقيس على الأصول، ما لم يجد نصا في المسألة (4). بل عد بعض الدارسين جابرا أقرب إلى مدرسة الرأي منه إلى مدرسة الأثر (5). ولكن تتلمذ جابر على مشايخ الحجاز من أمثال ابن عمر وعائشة وابن عباس؛ جعل نصيبه من الآثار موفورا. ولقد لبث سنة كاملة مجاورا بالمدينة المنورة راويا للسنة المطهرة. فاستطاع الجمع بين المدرستين. وقد اشتهر عنه أنه كان يلتزم في فتواه الثابت من نصوص الكتاب والسنة
لا يحيد عنهما. ويصرح أن كل أمر خالف السنة فهو مردود (6). وإذا أعوزه الحكم في نصوص الكتاب والسنة لجأ إلى آراء الصحابة، وإذا
لم يجد عمد إلى الاجتهاد بالرأي (7). وقد كتب إلى أحد تلاميذه قائلا: أتاني كتابك في الذي تسألني عنه من الذي تزعم أن صدوركم لا تنثلج إلى فتيا، غيري فلعمري ما أنا إلا متعلم منبع آثار قد وطئت قبلي، وما عندي من ذلك ثقة ولا دلالة؛ إلا رواية عسى
1) الجيطالي، قواعد الإسلام، 1: 179.
2 اطفيش، شرح النيل، 8: 37 - 40. 3) الجيطالي، قواعد الإسلام، 1: 184. 4) يحي بكوش فقه الإمام جابر بن زيد 1 74. (5) بدوي، دور المدرسة الإباضية 726. 6) يحي بكوش فقه الإمام جابر بن زيد، 1: 74.
7). Studies in Ibadism, p 49.
83 (1/83)
صفحة 84
الفصل التمهيدي
أن نختلف فيها» (1).
واتبع جابر نصيحة أستاذه ابن عمر حين قال له: «لا تُفْتِيَنَّ إلا بقرآن ناطق، أو سنة ماضية، وإلا هلكت وأهلكت (2). فكان بذلك إمام السنة بالبصرة، وحديثه من أصح الأحاديث (3). وإذا أعوزه نص من القرآن والسنة لجأ إلى أقوال الصحابة، فإذا لم يجد عمد إلى الاجتهاد بالرأي (4). فقول الصحابة عنده مقدم على رأيه الشخصي لأنهم أبصر بمعاني الوحي ومقاصد الشرع، وأدرى بلسان العرب الذي به نزل القرآن. كان الإمام جابر همزة وصل بين الصحابة وتلاميذه من أئمة الفقه الإباضي، وفيه قال أبو عبيدة مسلم: «كل صاحب حديث ليس له إمام في الفقه فهو ضال، ولولا أن من الله علينا بجابر بن زيد لضللنا» (5). وقال أيضا: من لم يكن له أستاذ من الصحابة فليس على شيء من الدين، وقد من الله علينا بعبد الله بن عباس وعبد الله بن مسعود وعبد الله بن سلام، وهم الراسخون في العلم فعلى آثارهم اقتفينا وعلى سيرتهم اعتمدنا وعلى مناهجهم سلكنا والحمد الله كثيرا» (6).
وقام الفقه الإباضي على هذه الأصول التي اعتمدها الإمام جابر: القرآن والسنة وأقوال الصحابة ثم الرأي.
وتشدد بعض تلامذة جابر في استعمال الرأي فلم يبيحوه إلا عند الضرورة القصوى من ذلك أن أبا عبيدة لما سمع أن أهل عمان يستعملون الرأي قال: «إنهم لم يسلموا من الفروج والدماء (7). وبدهي أن تتباين الآراء الفقهية في مسائل عديدة في إطار الاختلاف المشروع. ومن ذلك اختلاف تلامذة جابر حول بعض القضايا بسبب القياس؛ ففي مسألة العتق قبل الملك قالوا جميعا لا ينفذ وهو مثل الطلاق قبل
1) جابر بن زيد، رسائل الإمام جابر، (مخ) 38. 2) ابن القيم، أعلام الموقعين، 1: 59. 3) التواجيني، دراسة وتحقيق شرح المختصر، 53. 4 جابر بن زيد رسائل الإمام جابر 18. 5) أبو عبيدة، مسائل أبي عبيدة، مخطوط، 18 ظ. (6) المصدر السابق، 18 ظ/ 19 و.
7) Ennami. Studies. 98
84 (1/84)
صفحة 85
الفصل التمهيدي
النكاح، فلا طلاق ولا عتق إلا بعد ملك. وقد كان أبوالمؤرج (1) وهو من تلامذة أبي عبيدة مولعا بآراء إبراهيم النخعي، والنخعي يقول بالعتق قبل الملك، ولكن أبا المؤرج لم يتابعه في ذلك، فلما سئل عن عدم متابعته قال: أتبعه فيما يصيب فيه ويحسن فيه النظر، أما ما يغفل فيه النظر فلست بقابل منه ولا راض به عنه ولا عمن هو أكبر منه عندي» (2). كما خالف الربيع بن حبيب جمهور الإباضية في مسائل منها:
=
- إجازة سجود السهو لكل صلاة (3).
=
==
أن الصلاة لا يقطعها شيء (4). الاستنجاء بالماء لا يراه واجبا (5).
والواقع أن الفقه الإباضي اعتمد أساسا على الأدلة الشرعية ولم يُول قداسة للأشخاص ولا حجية لأقوال الرجال.
ونجد عبارات عديدة في ثنايا كتب الفقه تصرح بذلك؛ فهذا ابن بركة لما تعرض لمسألة ردّ السلام إذا كان المرء يقضي حاجته، ذكر الأقوال ثم عقب بقوله: وفي الرواية ما يدل على سقوط (6) رد السلام في تلك الحال وبعدها،
1) أبو المؤرج عمرو بن محمد من أهل قُدَم باليمن من طبقة الربيع بن حبيب. أخذ العلم عن أبي عبيدة مسلم. وهو ممن روى عنهم أبو غانم الخراساني في المدونة. وله مسائل خالف فيها الإباضية، وقدم إلى عمان فحاجه علماؤها فرجع إلى الحق. - ابن خلفون، أجوبة، 110.
(2) الخراساني، المدونة الكبرى، 2: 73. 3) الجيطالي، قواعد الإسلام، 1: 290. (4) المصدر السابق، 1: 253.
5) الحارثي، العقود الفضية 156. - مسعود الكباوي الربيع بن حبيب محدثا، 243/ 244. 6 وردت عبارة الأصل: عدم سقوط. ولعله خطأ من الناسخ وقد وردت الروايات بعدم رد النبي السلام أثناء قضاء الحاجة.
كما عند مسلم عن نافع، عن ابن عمر: " أن رجلا مر ورسول الله صلى الله عليه وسلم يبول، فسلّم، فلم يردّ
عليه".
صحيح مسلم کتاب الحيض باب التيمم، حديث: 581. ولفظ النسائي: "عن نافع، عن ابن عمر قال: " مر رجل على النبي صلى الله عليه وسلم وهو يبول فسلم عليه، فلم يرد عليه السلام".
السنن الصغرى، كتاب الطهارة، ذكر الفطرة السلام على من يبول، حديث:37 ولكن وردت بعض الروايات أن النبي رد السلام على صاحبه بعد تمام قضائه للحاجة. ففي البخاري: عن أبي الجهيم الأنصاري قال: أقبل النبي من نحو بئر جمل فلقيه رجل فسلم
85 (1/85)
صفحة 86
E
الفصل التمهيدي لأنه ليس في الرواية أن النبي ردّ السلام على المسلّم بعد ذلك، لأن ردّ السلام فرض والفرض لا يجب إلا أن يوجبه ما يوجب التسليم له، ولسنا نوجب ذلك إلا أن يوجبه اتفاق أو المجتهدين، اختلاف، قال: «نظر ما أيده الدليل وعمل به أهل العلم قبلهما، ولم يرجع في ذلك إلى تقليد واحد منهما بغير دليل» (1).
أعمال،
وسار التدوين الأصولي على هذا النهج، ثم ظهرت فيه سمة الاتجاه الكلامي مع مؤلفات ابن بركة والسُّوفي والوار خلاني (2). وإن كانت هذه السمة أقل ظهورا عند ابن بركة لارتكازه على الجانب اللغوي وعلى التعليل الظاهري للأحكام دون الإغراق في دقائق العلة التي عُني بها المناطقة وأتباعهم من المتكلمين، أمثال الغزالي والآمدي. وأيا ما كان فإن السمة الكلامية ظهرت بارزة في مؤلفات المغاربة وبخاصة في كتاب العدل والإنصاف" للوارجلاني وما تتابع عليه من ومنها "البحث الصادق والاستكشاف" للبرادي، و"مختصر العدل والإنصاف " للشماخي؛ أما المشارقة فبرز من مؤلفاتهم في هذا الاتجاه كتاب "الأكلة وحقائق الأدلة " لنجاد بن موسى المنحي. والقاسم المشترك بين تأليف الإباضية في الأصول اهتمامها بالتقعيد والتأصيل دون تقص للفروع الفقهية، وتلك هي السمة الأساسية المميزة لمدرسة المتكلمين. ولئن كان جامع ابن بركة نقلة نوعية في التدوين الأصولي لدى الإباضية، إلا أن الجهود لم تتواصل بنفس الوتيرة من بعده؛ فلم نر مؤلفات مستقلة في هذا العلم إلا قليلا.
عليه فلم يرد عليه النبي حتى أقبل على الجدار، فمسح بوجهه ويديه، ثم رد عليه السلام ". صحيح البخاري، كتاب التيمم، باب التيمم في الحضر، حديث:334.
صحيح مسلم کتاب الحيض باب التيمم، حديث: 580 السنن الكبرى للنسائي، بدء التيمم، التيمم في الحضر، حديث: 298. (1) المصدر السابق 1 328
2) ينظر: التيواجني، دراسة وتحقيق مختصر العدل الإنصاف 114/ 113. -أبوسليمان، الفكر الأصولي، 446. -بأجو، أبو يعقوب الوارجلاني، 151 فما بعد.
86 (1/86)
صفحة 87
الفصل التمهيدي
ورغم النتاج الفقهي الهائل الذي تلا عصر ابن بركة، تجسد في موسوعات ضخمة بلغ بعضها تسعين مجلدا. كقاموس الشريعة، فقد بقي علم الأصول لدى المشارقة حبيس تراث ابن بركة يردد ما ورد في الجامع حرفيا أحيانا وباختصار أو إضافات قليلة في بعض الأحيان. ولم يختلف الأمر بالنسبة للمغاربة إذ غدا كتاب العدل والإنصاف محور التأليف الأصولية بعد الوَارجُلانِي إلى القرن العشرين، إذ كتب فيه الشيخ امحمد اطفيش موسوعته الأصولية فتح الله.
إذا كانت هذه هي طبيعة الموضوعات التي تناولوها بالبحث والدراسة؟ وما مدى توافقهم أو تباينهم مع أعلام الأصول سواء المتكلمين منهم أم الفقهاء؟ وهل تأثروا بهم واقتبسوا منهم؟ أم ظلوا في منأى من ذلك كله؟ وما مدى تأثير واقعهم التاريخي ووضعهم السياسي وتميزهم العقدي في مسائل عديدة على منهجهم في الاجتهاد؟ تلك أسئلة عديدة وغيرها يحاول هذا البحث الإجابة عنها بناء على تحليل ما تركه أعلام الإباضية من نتاج أصولي امتد عبر أربعة عشر قرنا، وهذا عمل يتجاوز الجهود الفردية، وعذرنا أننا حاولنا واجتهدنا في ميدان بكر؛ إذ إنه لم يصدر بعد – فيما نعلم - عمل أكاديمي تحليلي متكامل في فقه المدرسة الإباضية ومنهج فقهائها في الاجتهاد.
السمة العامة لتأليف الأصول لدى الإباضية؛ فما هي
2 - روافد علم الأصول
من خلال التعاريف المختلفة لعلم أصول الفقه يتبين أنه منهج ضبطت قواعده وحددت مسالكه بغية الوصول إلى الحكم الشرعي المتعلق بأفعال المكلفين، فهو علم معياري وميزان ثابت يُحتكم إليه عند الاختلاف، ووسيلة آمنة للوصول إلى الحكم الشرعي الصحيح.
ولئن كان الثبات والاستقرار من سمات المنهج، فإن التطور في علم الأصول خص طرائق العرض والتناول وكيفية الوصول إلى تقرير قواعد هذا العلم، وهنا تجلت جهود علماء الأصول وتنامت إسهاماتهم في تقعيد قواعده، وضبطها وتحريرها والتدليل عليها وإثبات حجيتها، وردودهم على
87 (1/87)
صفحة 88
الفصل التمهيدي
الاعتراضات الواردة عليها، وهذا مجال رحب وسع الكاتبين فيه ولا يزال، وتنوعت فيه الأساليب والوسائل.
واقتضى الحال أن يتجه الأصوليون إلى علوم أخرى للاستعانة بها في تقرير قواعدهم والبرهنة على صحتها واستثمارها في الاجتهاد التطبيقي وصولا إلى الحكم الشرعي المطلوب. ووجدوا أنفسهم يتحدثون في الفقه تارة
وفي اللغة حينا، وحينا آخر في علم الكلام، وطورا في المنطق وقضاياه. وبرز طابع بعض هذه العلوم جليا في كتابات الأصوليين مثل علم الكلام والمنطق. ولذلك عند الإمام الجويني من روافد الأصول علوما ثلاثة هي: علم الكلام وعلم الفقه وعلم اللغة). - علم الكلام والأصول:
يصف ابن خلفون ترابط هذه العلوم ومنزلة الأصول بينها بقوله: «واعلم أن الفقه لا يحل لأحد دون العلم بأصوله وبنيانه على أساسه، ومعرفة أدلته وبراهينه من أحكام الخطاب من العموم والخصوص، والأوامر والنواهي، والمفسر، والمجمل والنص والمحتمل، والناسخ والمنسوخ، والمطلق والمقيد، والحقيقة والمجاز، وكيفة، الإجماع، وأحكام الأخبار وطرق الآثار، والتمييز لصحيحها من فاسدها، والعلم بما يفهم به كلام العرب من النحو واللغة. وهو ضربان: أصول وفروع؛ فالأصول ما أخبر الله تعالى به وهو على قسمين: أصول ديانة وأصول فقهيات؛ فأصول الدين هي أساس أصول الفقه وقاعدته، وأصول الفقه فروع عنها؛ والفقهيات فروع عن أصول الفقه» (2). ويقرر الأصوليون أن علم الكلام أصل لعلم الأصول، لأن المتكلم يبتدئ
نظره في الاستدلال على ثبوت النبوة وصحة الوحي وصدق الرسول، وبه تقوم حجية القرآن والسنة، فيأخذ المفسر من جملة ما نظر فيه المتكلم واحدا خاصا وهو الكتاب فينظر في تفسيره ويأخذ المحدث واحدا خاصا وهو فينظر في طرق، ثبوتها، والفقيه يأخذ واحدا خاصا، وهو فعل المكلف؛ فينظر
السنة؛
1) الجويني، البرهان، 1: 77 - السالمي شرح طلعة الشمس 1 25. - محمد إسماعيل شعبان،
أصول الفقه، 16. 2) ابن خلفون، أجوبة، 97/ 98.
88 (1/88)
صفحة 89
E 3
الفصل التمهيدي
في نسبته إلى خطاب الشارع من حيث الوجوب والحظر والإباحة، ويأخذ الأصولي واحدا خاصا وهو قول الرسول الذي دلّ المتكلم على صدقه؛ فينظر في وجه دلالته على الأحكام؛ إما بملفوظه وإما بمفهومه، أو بمعقول معناه ومستنبطه ... فإن الكتاب إنما يسمعه من قوله والإجماع يثبت بقوله ... فإذا؛ الكلام هو المتكفّل بإثبات مبادئ العلوم الدينية كلها، فهي جزئية بالإضافة إلى الكلام» (1). كما يتناول في الكلام العلم بالاستدلال والفرق بين البراهين والشبهات ودرك مسالك النظر (2).
ولا يشترط في الأصولي أن يكون من علماء الكلام؛ إذ في كل علم مبادئ مسلّمة تؤخذ بالتقليد في ذلك العلم و يطلب برهان ثبوتها في علم آخر فالأصولي يأخذ بالتقليد من المتكلم أن قول الرسول حجة ودليل واجب
الصدق، ثم ينظر في وجوه دلالته وشروط صحته» (3). هذا على الصعيد النظري، ولكن الأمر في الواقع كان على خلاف ذلك، إذ لم نجد الأصوليين يسلّمون للمتكلمين بما ثبت لديهم أنه أدلة للأحكام؛ بل أعادوا الانطلاق من نقطة الصفر، وأجهدوا أنفسهم في إثبات حجية القرآن والسنة وأسهبوا في الحديث عن مبادئ العلوم؛ أو ما يعرف بنظرية المعرفة وقيمة النظر العقلي؛ وأخطاء الإدراك التي تحول دون الوصول إلى العلم المطلوب، كما فصلوا الحديث عن العلم الضروري والعلم النظري والفوارق بينهما، وحكم كل منهما على مستوى الأحكام أو الاعتقاد. وليس هذا بالغريب ما دامت مباحث هذه العلوم مترابطة؛ يخدم بعضها بعضا ويوضح بعضها بعضا. ولم يكن هذا التأثر من جهة واحدة؛ بل كان متبادلاً، فإذا كان علماء أصول الفقه قد أخذوا من المتكلمين بعض الطرق؛ فقد أخذ المتكلمون من الأصوليين طرقا كثيرة» (4).
(1) الغزالي المستصفى، 1: 6. وانظر أيضا: البَرَّادِي، البحث الصادق، 1: 65 و 66 ظ.
2) الجويني، البرهان، 1: 78.
(3) الغزالي، المستصفى، 1: 7. 4) النشار، مناهج البحث، 58.
89 (1/89)
صفحة 90
الفصل التمهيدي
ما
إن علماء الكلام أنفسهم قد وظفوا قواعد الأصول في بحوثهم، وهو نص عليه القاضي عبد الجبار بقوله: (وإنما نذكر الآن جمل الأدلة لوقوع الحاجة إليها في باب معرفة أصول الشرائع والوعد والوعيد، والأسماء والأحكام، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والإمامة، لأن هذه الأبواب أصلها الأدلة الشرعية فلا بد من بيان أصولها» (1).
فتبين بهذا أن العِلْمين، متكاملان وأن العلاقة بينهما وطيدة لا تكاد تنفصم، ولذلك اصطبغت كتب الأصول بالمذاهب الكلامية لأصحابها؛ ذلك أن الفقهاء عندما يدركون أن علم أصول الفقه هو «فرع من علم أصول الدين؛ فإنه يصبح من الضرورة أن يقع التصنيف فيه على اعتقاد مصنف
الكتاب» (2).
وفي كتب الأصول نجد هذه السمة بارزة في تقرير كثير من القواعد الأصولية، وهو ما سيجليه لنا العرض التفصيلي لمنهجهم في الاجتهاد (3). - علم الفقه والأصول:
الفقه ثمرة أصول الفقه وفرعه وعلاقة الثمرة بالشجرة؛ والفرع بالأصل قضية بَدَهِية لا تحتاج إلى برهنة واستدلال؛ بل إنه من الصعب دراسة تاريخ هذا العلم بعيدا عن تاريخ الفقه الذي هو الأحكام الشرعية العملية المستمدة من أدلتها التفصيلية» (4). وإذا كانت الأصول أدلة الفقه، كان الفقه من مواده، فإنه مدلول الأصول، ولا يتصور درك الدليل دون درك المدلول، ولكن الأصولي يكتفي بأمثلة من الفقه يتمثل بها في كل باب من أصول الفقه (5).
ولما كان الفقه قائما على أصوله التي هي أدلته؛ وعنها تفرعت مسائله كان لابد من تكوين فكرة واضحة عن تاريخ التشريع؛ منذ بدأ الوحي حتى
1) القاضي عبد الجبار، المغني في أبواب العدل، 17 92 - أبو سليمان، الفكر الأصولي، 200. 2 عبد المجيد التركي، مناظرات في أصول الشريعة بين ابن حزم والباجي،35. 3) عن مصادر علم الأصول الثلاثة؛ الكلام والفقه واللغة، ينظر السالمي، طلعة الشمس، 1:
25
4 العلواني أصول الفقه 168
(5) الجويني، البرهان، 1: 78.
90 (1/90)
صفحة 91
الفصل التمهيدي
E
استقرت مناهج المجتهدين ومذاهب الأئمة.
ومعلوم أن وضع التشريع من اختصاص الله تعالى ورسوله. وقد كان مصدر الأحكام زمن التنزيل متمثلا في الوحي بنوعييه، الكتاب والسنة. وبعد رحيل الرسول إلى الرفيق الأعلى وجد الصحابة أنفسهم أمام مستجدات تستدعي تأملا، ونظرا، فكان عليهم الرجوع إلى الكتاب والسنة بحثا عن الحكم الشرعي لتلك النوازل. وإذا أعوزتهم النصوص في دلالاتها القريبة أعملوا فکرهم في ما تتضمنه تلك النصوص من علل ومقاصد وحكم. وعرفوا مصادر غير الكتاب والسنة كالإجماع والقياس وغيرها من المصادر الاجتهادية. وتطور الفقه الإسلامي عبر القرون بناء على توظيف هذه المصادر في اجتهادات الفقهاء، وتنامى البحث الفقهي بالتوازي مع البحث الأصولي، يستمد منه قواعد النظر والاستدلال. كما كان الفقه مصدرا للأصول. إذ منه يستقرئ النماذج التفصيلية للوصول إلى القاعدة الكلية، سواء في القواعد الأصولية الأساسية المستمدة من نصوص الكتاب والسنة، أم في بعض القواعد الأصولية التي استخرجها الفقهاء من اجتهادات أئمة المذاهب، وهو صنيع الحَنَفِيّة على الخصوص، حتى اشتهرت مدرستهم بمنهج الفقهاء. وانتصر كثير من الأصوليين لأصول أئمتهم الاجتهادية، وساعد هذا على تحرير المسائل وإثراء البحث الأصولي ثراء كبيرا، بلغ قمته مع القرن السادس الهجري، الذي يعد بحق العصر الذهبي لعلم الأصول.
- علم اللغة والأصول:
يهتم أصول الفقه أساسا ببيان مراد الشارع من خطابه الوارد في الكتاب والسنة؛ وبيان هذا المراد يعرف بتفسير النصوص (1)؛ وبما أن نصوص الكتاب والسنة وردت
بلسان عربي مبين كان علم اللغة بفروعه وسيلة ضرورية لعلم الأصول. ففي لسان العَرَب العام والخاص؛ والحقيقة المجاز؛ والخبر والإنشاء؛ والأمر والنهي؛ والمطلق والمقيد؛ وما سوى ذلك. والإحاطة بهذه القواعد شرط للاجتهاد ومعرفة معاني الكتاب والسنة. وحين كان الكلام ملكة لأهله لم تكن قواعد اللغة علوما ولا قوانين، ولم
1) الجويني، البرهان، 1: 78.
91 (1/91)
صفحة 92
الفصل التمهيدي يكن الفقه حينئذ بحاجة إليها، فلما فسدت الملكة في لسان العرب بسبب اختلاطهم بأمم أخرى أظلتها راية الإسلام، قيض الله لِلُغةِ كِتابه جهابذة تجردوا لتدوينها ورصد قواعدها وضوابطها وصارت علوما يحتاج إليها الفقيه في معرفة أحكام الله تعالى. وثمة علاقة بين تراكيب الكلام وطريقة إفادتها للأحكام، بحسب ما تواضع عليه أهل الشرع، مثل أن المشترك لا يراد به جميع معانيه، وأن الأمر للوجوب أو الندب، وللفور أو التراخي، وأن النهي يقتضي الفساد، وما شاكل ذلك (1).
هذا
وقد أرسى الإمام الشافعي كثيرا من هذه القواعد في الرسالة تحت باب البيان، وأوضح أن في خطاب الشارع عموما يراد به العموم، وخصوصا يراد به الخصوص؛ وعموما أريد به الخصوص، وخصوصا أريد به العموم (2)، وغير من مسائل اللغة المطلوبة في علم الأصول. بل إن الأصوليين تجاوزوا حد الاستفادة من اللغة إلى إفادة أهلها؛ فأبدعوا في معاني الحروف والظروف ما برزوا به على علماء اللغة، و دققوا في هذه القضايا تدقيقا بديعا. دعتهم إلى ذلك الحاجة لمعرفة أحكام الشارع، إذ لا خلاف في أن للحروف صلة وثقى بتفسير النصوص واستنباط الأحكام (3). - علم المنطق والأصول:
يعتبر علم أصول الفقه بالنسبة للفقه كالمنطق بالنسبة للفلسفة والتعريف الشائع للمنطق أنه العلم الذي يبحث في صحيح الفكر وفاسده، ويضع القوانين التي تعصم الذهن عن الوقوع في الخطإ في الأحكام» (4).
1) ينظر: ابن خلدون، المقدمة، 815/ 814.
2 الشافعي الرسالة تحقيق أحمد محمد شاكر، 56 فما بعد. 3) حول مباحث معاني الحروف عند الأصوليين ينظر على سبيل المثال: -السالمي، طلعة
الشمس، 1: 218 - 252
4 أبو العلاء عفيفي، المنطق التوجيهي.4. وثمة تعاريف قريبة من هذا، منها أنه «علم التفكير الصحيح، وهو يبحث في القوانين والشروط الضرورية للوصول إلى حكم صحيح يقبله كل مفكر عادي ا. س. رابوبرت، مبادئ الفلسفة، 44.
92 (1/92)
صفحة 93
الفصل التمهيدي
فمجال المنطق دراسة طريقة التفكير وتوجيه العقل في عمله حتى لا يزيغ في أحكامه عن الصواب. وتتعدد مجالاته لتشمل التصورات والتعاريف والتصديقات والبرهان والتصنيف والاستقراء والقياس (1) وعرفه البَرَّادِي بقوله: حقيقة علم المنطق تحصيل المجهولات بالمعلومات
بترتيب المقدمات وتحصيل النتائج بالأمهات» (2).
وتعاريف الأصول المختلفة تتفق في مضمونها على أنه «معرفة دلائل الفقه
إجمالا، وكيفية الاستفادة منها، وحال المستفيد» (3).
وجلي من هذا أن علم الأصول هو منهج الاجتهاد عند الفقيه ومنطق لسانه، وبمعنى أوسع هو قانون يعصم ذهن الفقيه من الخطإ في الاستدلال على الأحكام (4). ولكن إذا كان الأصول منطقا فقهيّا؛ فهل تأثر بالمنطق الفلسفي؟ وما مدى هذا التأثير إن كان؟ وما نصيب المدرسة الإباضية من ذلك؟ لم يعرف المسلمون قواعد المنطق الأرسطي في بدايات عهدهم بالتأليف؛ ثم انتقل هذا العلم مع حركة الترجمة إلى بلاد الإسلام، وتلقفه فئة ولعوا به وتفننوا في إثرائه وشرحه، وأدرجوه ضمن علوم الوسائل؛ فدخل كثيرا من العلوم الإسلامية (5). ويعد إمام الحرمين الجويني أول من حاول مزج منطق أرسطو بأصول الفقه، فمهد الطريق بذلك لتلميذه الغزالي الذي يعتبر المازج الحقيقي لمنطق أرسطو بعلوم المسلمين (6)، وخصص له مقدمة ضافية في كتابه المستصفى، بل حتى ذكر أن من لا يحيط بقواعد المنطق فلا ثقة بعلومه أصلاً»
إنه اشتط
وجعل المنطق شرطا من شروط الاجتهاد (7).
(1) أزقلد كولبه، المدخل إلى الفلسفة، 49.
(2) البرادي، رسالة الحقائق، 13.
من
العلماء
3) عبد الله بن عمر البيضاوي، منهاج الأصول، بشرح الأسنوي، 1: 5. وانظر أيضا: وهبة
الزحيلي أصول الفقه الإسلامي، 1: 23
(4) النشار، مناهج البحث، 55.
5) عن أسباب انتشار المنطق في العالم الإسلامي ينظر: النشار، مناهج البحث،6/ 5.
6) النشار، مناهج البحث، 64/ 65.
(7) الغزالي، المستصفى، 1: 10.
93 (1/93)
صفحة 94
الفصل التمهيدي ومنذئذ بدأ الأصوليون يصدّرون كتبهم بهذه المقدمات المنطقية، وكانت أكثر هذه المباحث تأثرا بالمنطق اليوناني مباحث الألفاظ والتعريفات (1)؛ فأصبحنا نرى التأثر الواضح بطريقة علماء المنطق والفلسفة في صياغة معان مضبوطة عرفت بالمصطلحات وضعت لها عبارات محدودة تسمى بالتعريفات أو الحدود، وتتم صياغتها بمقاييس المنطق، وهذا ما لم يكن معهودا من قبل؛ بل كان الأصوليون يكتفون في هذه القضايا بالوصف أو الاعتماد على الإدراك الشائع لمعانيها (2). وبرزت صناعة المنطق جلية في كتابات الأصوليين المتأخرين بعد القرن الرابع الهجري، وتركز النقد الأصولي على تحرير التعاريف وفق ضوابط الحد المنطقي (3).
كما برز الاهتمام بتحديد الألفاظ والمعاني وغدت المقاييس المنطقية الوسيلة التي يحتكم إليها في ضبط حقائق هذا العلم وشرح مصطلحاته، وتحليل
قضاياه (4).
ولم يكن الأمر كذلك في بداية العهد بعلم الأصول.
هذه
إن قراءة فاحصة للرسالة التي أبدعها الشافعي تبين خلوها من الصناعة المنطقية، وإن كان منهج الشافعي في بناء الموضوعات فيها قائما على قواعد عقلية منطقية واضحة. وفرق بين رعاية القواعد وتوظيف مضمونها وبين صياغة القواعد والولع بأشكالها ومظاهرها (5).
ويعمد الدارسون إلى الاستدلال على خلوّ الرسالة من أي أثر لصناعة المنطق الأرسطي بتميّز الشافعي بمنهج خاص في كتابه، رغم أن في الرسالة
(1) النشار، مناهج البحث، 65. 2) أبو سليمان، الفكر الأصولي، 164.
(3) ينظر مثلا في حد الواجب الغزالي المستصفى 28/ 1:27 وعلى نفس الخط سار أكثر المتأخرين من علماء الأصول كالآمدي في الإحكام والأسنوي في نهاية السول، والبدخشي في
مناهج العقول، وابن عبد الشكور في فواتح الرحموت. 4 أبو سليمان الفكر الأصولي، 443.
5) ينظر على سبيل المثال: المقدمة المنطقية للغزالي في المستصفى، 1: 10 - 55.
94 (1/94)
صفحة 95
الفصل التمهيدي
نظاما منطقيا لا شك فيه، ومن مظاهره الاتجاه المنطقي إلى وضع الحدود والتعاريف أولاً، ثم الأخذ في التقسيم مع التمثيل والاستشهاد لكل قسم
تكاد
وفيه أيضا أسلوب للحوار الجدلي المشبع بصور المنطق ومعانيه، حتى تحسبه حوارا فلسفيا رغم اعتماده على النقل أوّلاً وبالذات واتصاله بأمور
شرعية خالصة (1).
وخلص النشار إلى أن الشافعي قد هاجم المنطق الأرسطي مهاجمة شديدة وصلت إلى حد التحريم. وعلل ذلك بعلل أهمها استناده إلى خصائص اللغة اليونانية وهي مخالفة لقواعد اللغة العربية، مما يؤدي في التطبيق إلى كثير من
التناقض (2).
ومن سمات الفكر الأصولي في القرن الخامس وما تلاه؛ تضمن كتب الأصول موضوعات كثيرة خارجة عن صلب الأصول؛ تتعلق بقضايا لغوية وجدلية وكلامية، وتأثرها تأثرا كبيرا بالمنطق والفلسفة، حتى إنه لم تخل منه كتب الحنابلة السلفية؛ وهو ما نجده واضحا عند القاضي أبي يعلى الحنبلي (3). وقد أدرك الغزالي خطأ التوجه العام لإدراج هذه العلوم ضمن أصول الفقه؛ فحاول تصفيته من المسائل المنطقية والمباحث الكلامية، وذلك بالاقتصاد في مناقشة هذه الموضوعات؛ غير أن الواقع العلمي الذي عايشه لم يكن يرتضي بعد تصفية علم الأصول من تلك المباحث؛ فكان عليه أن يساير اتجاهه ولكن في حدود (4). ثم كانت ردة فعل قوية ضد هذا الاتجاه، حمل لواءها ابن تيمية في كتابيه نقض المنطق والرد على المنطقيين"، وسفة دعوى من اعتبر تعلم المنطق فرض كفاية، واعتبر المنطق اليوناني علما لا يحتاج إليه الذكي، ولا ينتفع به البليد". وقدم البديل لفهم القرآن والسنة، وهو تعلم اللغة العربية (5).
1) النشار، مناهج البحث، 61.
2 النشار، مناهج البحث، 62/ 61. (3) أبو سليمان الفكر الأصولي 444.
(4) الغزالي، المستصفى، 1: 10 - ابو سليمان، الفكر الأصولي، 337.
5) ابن تيمية، كتاب الرد على المنطقيين، 3. النشار، مناهج البحث، 137.الجابري، الفكر السلفي،
95
131 (1/95)
صفحة 96
الفصل التمهيدي
وزكى تلميذه ابن الصلاح هذا الاتجاه المضاد؛ وبدع من مزج بين العلوم الشرعية والمنطق، بل إنه غلا فحكم بحرمة تعلم المنطق وأن من تمنطق فقد تزندق (1)، وهذا الموقف كان هجوما عنيفا وقاسيا على الغزالي. وتجدر الإشارة إلى أن ثمة مؤلفات خلت من تأثير المنطق الأرسطي، ومن أهمها تأسيس النظر للدبوسي (430 هـ)، وكشف الأسرار على أصول البزدوي، لعبد العزيز البخاري. (ت 730 هـ)، والذخيرة للقرافي (ت 680 هـ) والموافقات للشاطبي (ت 790 هـ)، وكذلك مؤلفات ابن تيمية، (ت 728 هـ). يعتبر أبو بكر الباقلاني خصما بارزا للتراث اليوناني (2).
كما
3 - الإباضية وروافد علم الأصول: لم يكن الإباضية بدعا من الناس في مجال التأليف الأصولي، بل كانت الخطى لدى الجميع متسقة أو متقاربة؛ ما دام الحديث عن منهج وعن علم معياري موحد المصادر والموارد، فانطلاقه من الوحي وغايته الحكم الشرعي. ولكن الاختلاف في بعض قضايا العقيدة صبغ تراث الإباضية الأصولي بهذا اللون العقدي، وتجلى ذلك في كثير من مباحثه وقضاياه، وقد سبقت الإشارة إلى العلاقة الوثيقة بين أصول الدين وأصول الفقه. غير أن الجانب الكلامي أو النظر التجريدي الذي نحا المتكلمون نهجه لم يبرز بصفة مماثلة لدى أصوليي الإباضية؛ بل تجلّى فيه الجانب العملي للعقيدة بصورة واضحة؛ وبخاصة فيما يتعلق بالتشديد على من أنكر أحد الأصول القطعية أو النصوص القطعية؛ أو استخف بها اعتقادا أو سلوكا.
وكذلك الحال في بناء كثير من الأحكام الاجتهادية على قواعد الاحتياط، والتوسع في مبدإ سد الذرائع ومحاربة الحيل، وتوظيف مبدإ الولاية والبراءة في كثير من القضايا الأصولية والفروعية.
هذا المسلك نابع من العقيدة الإباضية التي ترى الإسلام كلاً لا ينفصل، وأنه هرم قائم على أركان ثلاثة: العقيدة في الجنان والقول باللسان، والعمل
1 الجابري، الفكر السلفي، 131. 2 النشار، مناهج البحث، 64/ 63.
96
B (1/96)
صفحة 97
بالأركان.
الفصل التمهيدي
وهذا ما سيجليه البحث التفصيلي لقضايا الأصول ومعالم منهج الإباضية
في الاجتهاد.
أما في الفقه فلا جديد يميّز الإباضية عن غيرهم؛ سوي مسائل اختلفوا فيها مع المذاهب الأخرى كانت وليدة منهجهم في استنباط الاحكام، وسوف نعرض لها في ثنايا البحث؛ وذلك كقولهم بتحريم نكاح الرجل مزنيته، وبنسخ المسح على الخفين، وغيرها (1). وقواعد اللغة كانت متفقة بين المدارس الاجتهادية في الغالب الأعم، لأنها من وضع العَرَب وتخضع لعرفهم في الاستعمال، ولا دخل للمتأخرين في تحديدها، وإنما قد تتباين الأنظار حول قوة بعض الدلالات؛ والترتيب والترجيح بينها عند التعارض.
وقد يعتد بعض الفقهاء بدلالة المفهوم ويرونه دليلا للاستنباط؛ بينما يراه البعض تمسكا فاسدا؛ ويكتفي بدلالة المنطوق وحده. ويرى البعض دلالة العام قطعية؛ بينما لا يجاوز به آخرون درجة الظن. إلى ما هنالك من قواعد كانت مجالا خصبا لاجتهاد المجتهدين واختلاف أنظارهم. وإذا نظرنا إلى أثر المنطق في الفقه الإباضي وجدناه أثرا محدودا؛ لم يبلغ الدرجة التي وصلها لدى الغزالي وأتباعه من الأصوليين المتكلمين. وهو ما نص عليه البَرَّادِي عند تعرضه لشرح تعريف الوَارِجلاني للعلم في كتابه العدل والإنصاف، إذ قال: «جرت عادة الأصوليين من الأشعرية بالتبدية بها أي التعاريف]، ويضعونها في أول المصنفات لأن الأشياء لا تعرف إلا بحدودها ورسومها. وأخلى منها الشيخ هذا الكتاب وأظن أن ذلك لما يعلم من إعراض أصحابنا وقصورهم عن هذا المطلب» (2). ففي القرون الأولى ظلت الكتابة الأصولية عند الإباضية في منأى عن هذا التأثير، واكتفت برعاية القواعد العقلية البدهية في التفكير والبرهان؛ وهو ما نجده لدى المشارقة واضحا في جامع ابن بركة.
1) ينظر هذه المسائل الخلافية: أبو الربيع سليمان الباروني مختصر تاريخ الاباضية، 71/ 78. 2 البرادِي، البحث الصادق، 1: 82 و.
97 (1/97)
صفحة 98
الفصل التمهيدي
وفي كتاب المحاربة لبشير بن محمد بن محبوب إشارات إلى استعمال المنهج المنطقي مثل اللزوم والاستدلال، كما ورد فيه ذكر للسمنية والسفسطائية مما يفيد اطلاع المؤلف على الآثار السابقة في المنطق والجدل. ولعل هذا مما يرجح توجه المدرسة الإباضية الأصولية إلى نهج المتكلمين منذ بذورها الأولى. ثم لحقتها الصناعة المنطقية مع كتابات نجاد بن موسى في مؤلّفه الأكلة وحقائق الأدلة، ثم لم يتبعه على هذا النهج معظم الإباضية المشارقة، بل ظلوا يرددون ما كتبه ابن بركة في جامعه ترديدا أمينا دون إضافة تذكر. وفي جناح المغرب الإسلامي برز أبو يعقوب الوارجلاني حاملا لواء المنطق؛ فوضع فيه رسالته المركزة مرج البحرين في المنطق والفلسفة، و الرجل متكلم ضليع كتب في هذا المجال مؤلفا متميزا هو الدليل والبرهان، فظهر أثر نهجه الكلامي في كتابه الأصولي العدل والإنصاف في معرفة أصول الفقه
والاختلاف.
وقد جعل الوار جلاني المنطق أحد أركان العلم الأربعة «فأصول اللسان: اللغة والنحو؛ وأصول الجنان المنطق والفقه، وهذه الأربعة الأصول لا غنى لسبيل الهداية عنها؛ إذ باللغة يكون البيان؛ وبالنحو يكون التبيان؛ وبالمنطق تظهر حجج البرهان؛ وبأصول الفقه تظهر معاني القرآن، فنسبة
المنطق إلى العقل في المعقولات كنسبة النحو إلى اللسان في المقولات» (1). بل إن الوَارِخلاني جعل البرهان المنطقي رأس العلوم، وسائر العلوم فرع عنه، وقال: فاكتنف هذا الخلق بحران عظيمان زاخران لجيان؛ بحر الألفاظ والكلم وبحر المعاني والحكم، وانفرد اللسان بالنطق والجنان بالمنطق؛ فما وليه اللسان من النطق كان بيانا وما وليه الجنان بالمعنى كان برهانا» (2). وعلى نفس النهج في رفع لواء المنطق وتوظيف قواعده في التصنيف سار أبو عمرو السوفي في السؤالات وتبغورين الملشوطي في الأدلة والبيان. ثم تنامى الاهتمام بالصناعة المنطقية لدى أبي القاسم البَرَّادِي إذ وضع رسالة الحقائق في التعاريف وضبط الاصطلاحات والحدود، وتجلى هذا الاهتمام
1) الوار جلاني، العدل والإنصاف، 1: 2. 2 الوار خلاني، الدليل والبرهان، 2: 88.
98 (1/98)
صفحة 99
E
الفصل التمهيدي
بالمنطق في كتابه البحث الصادق والاستكشاف الذي شرح فيه العدل والإنصاف للوارجلاني؛ وبرزت في هذا الكتاب المباحث الكلامية بشكل
كبير (1).
وأكمل الشماخي البناء بكتابه مختصر العدل والإنصاف ثم بشرح المختصر؛ وسار على طريقة المناطقة في تقاسيم الألفاظ ودلالاتها وفي ضبط الحدود والتعاريف؛ كما عَرَض لمسائل كلامية وبخاصة في باب التكليف والاستطاعة وبعثة النبي وبلوغ الحجة (2). ولم تخل الشروح التالية للشماخي من هذا التأثير؛ بل ازدادت نموا حتى بلغت أوجها على يد الشيخ امحمد اطفيش في موسوعته فتح الله، أو شرح شرح مختصر العدل والإنصاف، إذ طفحت بالمباحث الكلامية والمنطقية والاستفاضة فيها إلى حد كبير (3).
وجاء الإمام السالمي فاقتصد في الأمر وأوجز الحديث عن هذه القضايا في كتابه طلعة شمس الأصول؛ ولم يَخلُ من اهتمام بالتعاريف وإيراد الاعتراضات عليها والردود، وتميز تأليفه بسلوكه منهجا وسطا أخذ فيه لب المنطق، وحاول التركيز على قضايا أصول الفقه الجوهرية، والابتعاد عن الاستطرادات الهامشية، وبلغ فيه الهدف الذي رسمه أوكاد.
1) ينظر: باجو، أبو يعقوب الوار جلاني، (فصل منهج البَرادِي في الشرح) 157. 2) ينظر: أبو العباس الشماخي، المختصر كاملا مخطوط، مكتبة الحاج صالح لعلي، بني يزجن، غرداية. - باجو، أبو بعقوب الوارجلاني، حول منهج الشماخي في الشرح) 160/ 161.
3) امحمد اطفيش، فتح الله، المخطوط كاملا. مكتبة القطب، بني يزجن، غرداية.
99 (1/99)
صفحة 100
الباب الأول
اجتهَادُ التأصيل (1/101)
صفحة 101
الباب الأول: اجتهاد التأصيل
تمهيد:
مفهوم اجتهاد التأصيل
سبقت الإشارة إلى اختلاف مفهوم الاجتهاد وأن ثمة من يحصره في ما لا نص فيه؛ ومنهم من يتوسع فيه ليشمل المنصوص وغير المنصوص؛ وأننا اخترنا منه المعنى العام الذي يستوعب قضايا الأصول جميعا. ومن هذا الاعتبار يغدو الحديث عن أدلة الأحكام اجتهادا؛ لأنه يرمي إلى اعتماد الأدلة الشرعية واعتبارها مصدرا للأحكام؛ ومؤثلا عند الاختلاف؛ وجامعا لمسار المجتهدين في خط مرسوم؛ يحمي من التفرق والشطط في إثبات الأحكام؛ حين يكون من مصادر غير متفق عليها.
وتقتضي طبيعة البحث العلمي تحديد مفهوم الدليل وحجية الأدلة. ثم
إثبات هذه الأدلة التي تستقى منها الأحكام. وأدلة الأحكام المعتمدة بين علماء الإسلام تتمثل في الكتاب والسنة والإجماع؛ ثم يليها القياس بمعناه الأصولي.
وللإباضية في هذه القضايا كلمتهم ورأيهم وهذا ما تجلّي لنا مفاصله
وتفاصيله مباحث هذا الباب؛ إن شاء الله.
102 (1/102)
صفحة 102
الفصل الأول: المعرفة والدليل
E
الفصل الأول: المعرفة والدليل
المبحث الأول: نظرية المعرفة أفاض الأصوليون في بدايات تصانيفهم في الحديث عن العلم وتحديد مفهومه، وبيان أقسامه وأنواعه وأسباب اكتسابه، فتناولوا أصل العلوم ومراتبها، ومدارك العقول وما يجول فيه العقل وما لا يجول كما محصوا الطرق الموصلة إليه ونقدوها وبينوا العوارض التي تحول دون الوصول إلى العلم الصحيح؛ وذلك تمهيدا لسلامة المنهج الموصل إلى اليقين (!)، وهذا ما عرف في الدراسات الحديثة بنظرية المعرفة (2). وتعنى هذه النظرية بالعلم بالشيء؛ حقيقته وحدوده.
وليس البحث في هذا المجال جديدا، فقد اهتم به الفلاسفة منذ عهد
نجا
اليونان. واختلفت أنظارهم، فمنهم من اعتمد النظرة الواقعية، ومنهم من إلى المثالية. كما أن منهم من ذهب إلى الاعتماد المطلق على مدارك الإنسان. وأنها تولد اليقين، ومنهم من شكك فيها، ومنهم من توسط فاعتمد النقد سبيلا للوصول إلى اليقين (3). وينسب الغربيون نشأة هذا العلم متكاملا بمنهجه وقواعده إلى جون لوك (4). والإنصاف يقضي أن السابقين إلى وضع قواعد منهج المعرفة هم علماء المسلمين بشهادات الواقع التاريخي، واعتراف كثير من المنصفين من
1) ينظر مثلا: أبو المعالي الجويني البرهان، 1: 95 - 120 أبو يعقوب الوَارِجلاني، العدل والإنصاف والإنصاف، 1: 18 - 33 2 تناولت هذه القضية أغلب كتب الفلسفة الحديثة، وعرفت في الفكر الفلسفي بمصطلح EPISTEMOLOGY. وفصلت اتجاهات الفلاسفة في تناول نظرية المعرفة. ينظر على سبيل المثال: از قلد كولبه المدخل إلى الفلسفة، ترجمة د. أبو العلا عفيفي.37. -1. س. رابوبرت مبادئ الفلسفة، ترجمة أحمد أمين 189 فما بعد المعجم الفلسفي. 1. وضع: مجمع اللغة العربية.
بالقاهرة. 3) والمقصود بالنظرة الواقعية أن وجود الأشياء في الخارج مستقل عما في الذهن من التصورات. بينما تذهب النظرة المثالية إلى أن صور الأشياء في فكرنا هي المرجع في الإدراك. وليس العالم من حولنا إلا نتاج عقولنا. ينظر: 1. س. رابوبرت مبادئ الفلسفة، ترجمة أحمد أمين. 189/ 198. ا. 4 أزقلد كولبه المدخل إلى الفلسفة، ترجمة د. أبو العلا عفيفي، 37.
103 (1/103)
صفحة 103
الباب الأول: اجتهاد التأصيل
أبناء الحضارة الغربية.
وفي كتب الأصول والفقه الإباضية نصيب وافر من هذه القضايا (1). التي تعد قاسما مشتركا بين أكثر المتكلمين؛ سواء كتبوا في علم الكلام أم في علم الأصول، إذ أصبح من عادتهم افتتاح مؤلفاتهم بمباحث العلم والمعرفة والحجة
والنظر (2).
مفهوم العلم:
تعددت عبارات الأصوليين الإباضية في تحديد العلم؛ فقد عرفه أبو يعقوب الوار جلاني بأنه: درك الشيء على ما هو به» (3). وقال الشماخي: العلم إدراك الشيء بحيث لا يحتمل النقيض (4)، ويعرفه الثلاتي بأنه: الاعتقاد الجازم المطابق للواقع الذي لا يقبل التشكيك» (5). وثمة تعاريف عديدة للعلم كقولهم: «هو اعتقاد الشيء على ما هو به عن ثقة»، أو هو إدراك الحق» (6)، وقيل هو معرفة الشيء على ما هو به» (7). بينما يفضل الوار خلاني في تعريفه لفظ الإدراك على لفظ المعرفة، لأن العَرَب تَقْصُر المعرفة على درجة نهاية العلم (8).
والإدراك أنواع ثلاثة: حسي وعقلي ووجداني (9). أما الملشوطي فقد اختار تعريف العلم بأنه «درك المعلوم على ما هو
(1) من ذلك الكتب الآتية: المصنف لأحمد للكندي - بيان الشرع لمحمد الكندي-العدل والإنصاف والإنصاف لأبي يعقوب الوَار خلاني - السؤالات لأبي عمرو السوفي – الموجز لأبي عمار الوَارجُلاني - التحف المخزونة لأبي الربيع المزاتي. 2) ومن أمثلة ذلك: الشامل في أصول الدين للجويني، والإرشاد له أيضا.-أصول الدين لعبد القاهر البغدادي - شرح الأصول الخمسة للقاضي عبد الجبار - المواقف لعضد الدين الإيجي -أعز ما يطلب لابن تومرت الموحدي. ينظر: عبد المجيد النجار، ابن تومرت، 161.
3 الوار جلاني، العدل والإنصاف، 1: 23.
4 الشماخي شرح مختصر العدل والإنصاف، 3 ظ. (5) التلاتي، شرح مقدمة التوحيد، 34. 6 محمد الكندي، بيان الشرع، 1: 13 ظ. (7) الوار جلاني، العدل والإنصاف، 1: 23. 8 الوار جلاني، العدل والإنصاف، 1: 23. 9 الشماخي، شرح مختصر العدل والإنصاف، 3 ظ.
104 (1/104)
صفحة 104
E 3
الفصل الأول: المعرفة والدليل
به (1)، وحكى محمد الكندي هذا التعريف بصيغة التمريض (2). وفي هذا التعريف دور، إذ العلم والمعلوم لفظان يتعلق فهم أحدهما ببيان معنى الآخر، ولذلك ردّ الوَار خلاني هذا التعريف وفضل كلمة "شيء" على كلمة "معلوم". ومنشؤ القضية الخلاف حول أعم الأشياء، فهو عند الإباضية والمعتزلة كلمة شيء (3)؛ وعند الأشاعرة كلمة موجود، والعلم عندهم يتعلق بالمعدوم وهو ليس شيئا عندهم (4). ولذلك جاء تعريف الجويني وفق هذا المفهوم، فقال: «العلم معرفة المعلوم على ما
هو به» (5).
والمسألة في جوهرها لا تعدو الخلاف اللفظي.
ولصعوبة تحديد مفهوم واضح ودقيق للعلم فقد بلغت تعاريفه زهاء عشرين حدا (6)، بل جعل الغزالي العلم مشتركا بين الإبصار والإحساس والتخيل والظن وعلم الله تعالى وإدراك العقل، وقال: «وربما يعسر تحديده على الوجه الحقيقي بعبارة محررة جامعة للجنس والفصل الذاتي. . .» (7). وذكر أن أكثر المدركات الحسية يعسر تحديدها، وإذا عجزنا عن المدركات فنحن عن تحديد الإدراكات أعجز (8)، ثم عمد إلى تعريفه بالتقسيم والتمثيل ليتم تميّزه عما يلتبس به من صفات النفس؛ كالإرادة والقدرة
والشك والظن هذا؛ بينما يميل محمد الكندي إلى تعليل اسم العلم دون تكلف العنت باستقصاء التعاريف، فقال: ويسمى العلم علما لأنه علامة يهتدي بها العالم إلى ما قد جهله الناس، وهو بمنزلة العَلَم المنصوب على الطريق، والمنار المنصوب على الحدود. فالعلم والعلامة والعلم اشتقاقه من لفظ واحد، فصار
1) الملشوطي، الأدلة والبيان، 2 و. 2) الكندي، بيان الشرع، 1: 13 ظ. (3) الوار جلاني، العدل والإنصاف، 1: 23. (4) الغزالي، المستصفى، 1: 25.
5) الجويني، الإرشاد، 12. 6 الجويني، البرهان، 1: 97/ 98. 7) الغزالي، المستصفى، 1: 25. 8) الغزالي، المستصفى، 1: 25.
105 (1/105)
صفحة 105
الباب الأول: اجتهاد التأصيل
العلم للإنسان بمنزلة العلامة تفرق بينه وبين الجاهل، والجاهل مأخوذ من الأرضين المجاهل التي لا علم لها يهتدي لطريقها» (1).
وهذا مخرج لطيف من متاهات التعريف.
وجعل الملشوطي الفهم والفقه من باب العلم، وأما الفهم فهو عبارة عن إتقان الشيء والثقة به على الوجه الذي هو به عن نظر. ولذلك يقال نظرت ففهمت ... وأما الفقه فهو المعرفة بالمعنى الذي لأجله وجب حكم الشيء ... وحده في الشرع عبارة عن اعتقاد علم الفروع في الشرع (2). وحقيقة الفقه عندي: الاستنباط. قال الله: لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ *
[النساء: 83]» (3).
2 - أقسام العلوم:
لم يتوقف حديث الأصوليين عند البحث عن ماهية العلم، بل انتقل إلى ذكر أقسامه وحصرها، وبيان أنواعه ومراتبه؛ فجعلوا العلم قسمين محدثا وغير محدث، المحدث علم البشر؛ وغير المحدث علم الله (4).
وهذا وجه آخر لتمازج مباحث الكلام بمباحث الأصول. ثم ينقسم المحدث إلى ضروري ومكتسب (5)، والضروري أنواع: (1) علم البنية، وهو علم الإنسان بوجوده وأفعاله وصفاته وأحواله. (2) علم العقليات الواجب منها والجائز والمستحيل.
(3) علم الحواس وما يصل إلى الإنسان بواسطتها، وقد تعتريه عوارض وأخطاء لأسباب عديدة.
(4) علم الأخبار المتواترة، وهذه أولها كسب وآخرها ضرورة (6).
أما الكسبي وهو ما يقع بالاستدلال، فهو على أوجه:
(1) محمد الكندي، بيان الشرع، 1: 13 ظ. 2 وردت الكلمة في الأصل " الشروع" وهي خطأ والصواب " الشرع". (3) الملشوطي الأدلة والبيان 1 ظ 2. السوفي، السؤالات، 124.
4 الوار جلاني، العدل والإنصاف،1: 19.
(5) سلمة العوئبي، الضياء، 3: 14.
6 الوارجلاني، العدل والإنصاف، 19 - 22. وانظر أيضا: المزاتي التحف المخزونة،12 و-
الملشوطي، الأدلة،2 و.
106 (1/106)
صفحة 106
الفصل الأول: المعرفة والدليل
(1) ما يقع من جهة الاستدلال بما أدركت الحواس، وما دلّ عليه ما أدركته الحواس. فالأول كالصوت تدركه الحاسة إذا كان موزونا منعما ومؤلفا منظما، فدل على حسن قائله أو ذمّه. والثاني أن هذا الصوت يدل على أمر ونهي وخبر واستخبار. (2) ما وقع العلم به من جهة النظر والبحث من علوم الشرائع والفقه، وهي علوم معنوية؛ كالفقه والعبارة والفتوى
(3) ما وقع العلم به من جريان العادة في علم الصناعات والحرف، وهي العلوم التجريبية (1) هذا؛ بينما جعل العوتبي المعلوم على ثلاثة أضرب
معلوم هو أصل ليس بفرع، وهو علم البداية والضرورات. . ومعلوم هو فرع ليس بأصل، وهو مثل تحريم الأرز بالأرز متفاضلا قياسا على البر. . ومعلوم هو فرع لأصله وأصل لغيره، وهو الاجتهاد، وهو فرع الإجماع وأصل للحوادث (2). وهذا تقسيم شبيه بتقسيم الجنس والنوع لدى المناطقة (3). ونجم عن تقسيم العلم إلى ضروري وكسي تساؤل عن طريق معرفة الإنسان الله تعالى أهي اضطرار أم اكتساب؟
والإباضية في هذه القضية على رأيين فقد ذهب الشيخ أبو الحسن البسيوي إلى أنها كسبية؛ لأن الله نصب عليها الدلائل وأمرنا بالنظر العلمي
(1) المصادر السابقة نفسها. 2) العوتبي، الضياء، 3: 19.
3 يعرف المناطقة الجنس بأنه كلّي يقال على أشياء مختلفة الحقائق والذوات. ويندرج تحته كليات أخص منه. مثل: لفظ الحيوان يقال على الإنسان والفرس والثور. ولفظ البناء، يقال على المدرسة والبيت والمسجد والمتحف. والنوع: كلّي يقال على أفراد مختلفة الذوات داخلة تحت حقيقة واحدة، ويندرج تحت كلّي أعم منه. مثل: إنسان يقال على محمد وأحمد وعمر وصفية وزينب إلخ ... والجنس والنوع اسمان إضافيان، فقد يكون أحدهما جنسا باعتبار ما تحته، ونوعا باعتبار ما فوقه. كما أن الجنس والنوع من الكليات الخمس التي وضعها الفلاسفة لضبط التعاريف. -ينظر: أبو العلاء عفيفي، المنطق التوجيهي،30/ 29.
107 (1/107)
صفحة 107
الباب الأول: اجتهاد التأصيل
والذكري في تلك الدلائل وأعد الثواب لمن امتثل والعقاب لمن فرط، ولو كانت اضطرارية لما ترتب عنها ثواب و لا عقاب.
خلقها
أما بشير بن محبوب بن الرحيل فيرى أن أول هذه المعرفة اضطرار وجبلة الله في قلب الانسان و الثانية اكتساب، فمعرفة الله عنده معرفتان،
الأولى اضطرارية والثانية اكتسابية (1).
ويختصر ابن بركة مصادر العلوم والمعرفة في قسمين:. «الأول، ما يدرك بالحس والمشاهدة، وهو أصل العلوم وأوائل الأدلة، ولا علم يتقدمه، ولا يقع فيه الاختلاف إلا بما يُعلم بأحد الحواس الخمس، يستوي في معرفته كل من كانت له حاسة وصحت منه مشاهدة. وهذا الضرب يقع العلم به ضرورةً، ويُعرف المعلوم منه بالحقيقة، وعليه يصح البناء، وعنه تتفرع الفروع.
الثاني: علم الدلائل المستنبط بالعقول ويدرك معناه بالبحث والنظر وبدليل العبرة، وفي هذا يقع الاختلاف والتنازع لكثرة فروعه، وغموض أدلته، ودقة معانيه.
وفيه تمييز فضل العلماء بما فضل الله به من الذكاء والفطنة وجودة
الرأي، وحسن الطلب لاستخراج أحكام الله تعالى (2).
ووصولا إلى النتيجة العملية لهذا التأصيل المعرفي والتقسيم المنهجي، يلخص أبو زكرياء الجناوني هذه المصادر بقوله: إن العلماء حصروا العلوم الواصلة إلى العباد في ثلاثة طرق، وهي الحس المطبوع، والعقل المجموع،
والشرع المسموع) (3)، وعلى هذا التقسيم سار الأصُولِيُّون اللاحقون (4). ثم يقسم الجناوئي الشرع المسموع إلى أقسام ثلاثة: أصل ومعقول أصل
واستصحاب حال الأصل.
1) الأصم النور، 13.
2 ابن بركة، التعارف 6/ 5 3) الجناوني، كتاب الوضع، 5.
4 الوار جلاني، العدل والإنصاف 1 17 - الجيطالي القناطر، 1: 93 - البَرَّادِي، البحث الصادق،
1 55 ظ فما
بعد.
108 (1/108)
صفحة 108
E
-
-
الخطاب.
-
فالأصل ثلاثة الكتاب والسنة والإجماع
الفصل الأول: المعرفة والدليل
ومعقول الأصل ثلاثة لحن الخطاب، وفحوى الخطاب، ومعنى
واستصحاب حال الأصل ثلاثة براءة الذمة، وشغل الذمة،
والاستحسان (1).
وهو نفس التقسيم الذي تبناه الوارجلاني في العدل والإنصاف (2). 3 - النظر والسؤال: إذا كانت علوم الشريعة علوما كسبية، فهل يلزم السؤال عنها؟ وما حكم النظر فيها؟ أواجب هو أم لا؟
وإلى ماذا يوصل النظر؟ إلى يقين أم إلى شك وظنون؟ إن مفهوم النظر في اصطلاح الموحدين هو الفكر الذي يطلب به من قام به علما أو غلبة ظن (3). أما حكم النظر فقد اتفق المسلمون أن النظر الموصل إلى هذه العلوم واجب (4)، ونص الجويني أن أوّل ما يجب على العاقل البالغ، باستكمال سنّ البلوغ أو الحلم شرعا القصد إلى النظر الصحيح المفضي إلى العلم بحدوث
العالم» (5).
والأمة مجمعة على وجوب معرفة الله تعالى وعبادته، وتبين أنه لا يتوصل إلى ذلك إلا بالنظر، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. ووجوب التكليف وطريقة أدائه لا تعلمان إلا من جهة السمع، فكان لابد من النظر والبحث والسؤال للوصول إلى العلم بكيفية عبادة الله تعالى. ولئن اتفق الجميع على حكم النظر فقد اختلفوا في موجبه، أهو من جهة
1) الجناوني، الوضع، 7/ 6.
2) الوَارِخلاني، العدل والإنصاف، 1: 18.
3) الجويني، الإرشاد، 3. (4) الجويني، الإرشاد، 11/ 10.
الجويني، الإرشاد، 3.
109 (1/109)
صفحة 109
الباب الأول: اجتهاد التأصيل
العقل أم من جهة الشرع؟ فالمعتزلة أوجبوه عقلا (1)، والجمهور ومعهم الإباضية أوجبوه من جهة الشرع (2)، لقوله تعالى: {قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْأَيْتُ وَالنُّذُرُ عَن قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ} [يونس: 101]. وقوله: أَوَلَمْ يَنظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ} [الأعراف: 185]. والنظر لا يفيد علما إلا إذا كان نظرا صحيحا في دليل صحيح فيه. وعنه يقول البَرَّادِي: والنظر الصحيح هو النظر في الدليل من الوجه الذي يدل منه ويتوصل به إلى العلم بالمدلول (3)، وعكسه النظر الفاسد، وهو الذي يكون في الدليل من غير الوجه الذي يدلّ منه، ولا يتوصل به إلى العلم بالمدلول» (4).
لا شبهة
«فإذا تم على سداده، ولم تعقبه آفة تنافي العلم حصل به العلم
المطلوب» (5). ويوضح الوَارِجلاني شروط النظر الصحيح إذ يحتاج الناظر إلى معرفة طرق العلماء، ومواضعات أهل الشريعة وعامة ما اجتمعت عليه الأمة. فمهما استقامت له هذه الأمور كان نظره علما وإن اختل شيء من هذه الشروط كان ظنّا ولابد أن يكون عاقلا مميزا» (6).
- نتيجة النظر: إن النظر يؤدّي إلى العلم والعلم يتبعه العمل، وقد شدّد الإباضية على المقصر في باب العلم والسؤال عنه، فمن كان أهلا للنظر وجب عليه أن يبحث، ومن لم يستطع لزمه السؤال.
وللسؤال أحوال، ولهذه الأحوال أحكام؛ فالسؤال سؤالان، سؤال عن مأمور به وسؤال عن منهي عنه؛ فالمأمور به على ضربين: سؤال عن واجب
1) الجويني، الإرشاد، 10/ 11.
2 الوار خلاني العدل والإنصاف 1 34/ 33 الجويني التلخيص. 1: 129 فما بعد. =
الإرشاد، 8.
(3) البَرادِي، رسالة الحقائق، 6.
(4 البَرادِي، رسالة الحقائق، 6.
5) الجويني، الإرشاد، 6.
6 الوار جلاني، العدل والإنصاف، 1: 34.
110 (1/110)
صفحة 110
الفصل الأول: المعرفة والدليل
فهو واجب وسؤال عن مندوب فهو ندب. فمن اعتقد ترك السؤال عن المندوب إليه فهو هالك بإجماع.
والسؤال المنهي عنه هو ما عُفي للعباد عن السؤال عنه؛ مما في البحث عنه إيجاب حكم أو تحريم أمر قد كان لولا السؤال حلالا» (1). لقوله تعالى: يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لَا تَسْتَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ} [المائدة: 101]. وقد حسم الإمام جابر بن زيد القضية بين العالم والجاهل بصورة جلية؛ فقال: «إذا قال الجاهل للعالم: ارجع إلى مثل جهلي وإلا برئت منك؛ قطع الله عذر الجاهل، وإذا قال العالم للجاهل: اعلم مثل علمي وإلا برئت منك؛ قطع الله عذر العالم» (2).
وثمة قضايا لا يسع الناس جهلها كالعلم بالتوحيد، ووجوب أركان الإسلام، من الصَّلاة حين البلوغ، والصيام بدخول شهر رمضان، وسائر الواجبات أوان وجوبها، وحرمة المعاصي إذا ابتلي المكلف بمحاولة اقترافها. فلا يعذر أحد في التفريط في السؤال عن حكم هذه المسائل (3)، وإلا عُد كافرا كفر نعمة لارتكابه كبيرة من الكبائر (4).
والعلم بالدين والتوحيد توحيد وطاعة والعلم بالشرك توحيد، والجهل
1) العوئبي، الضياء، 1: 206.-نجاد بن موسى، الأكلة 12. 2) ابن جعفر، الجامع 1 207 - الشماخي، سير المشايخ، 76.
3) في كتب العقيدة الإباضية حديث مسهب عن هذه المسائل، ومن ذلك قول ابن النظر في منظومته: وليس فيه إن جرى ذكره عذر لأهل الحق في الجهل
،
فكل من خالجه عقله
فهالك بعدا له هالكا والصلوات إن أتى وقتها فهالك، والحج ما لم تمت والزكوات مثله وقتها والصوم ما لم يأت ميقاته وكافر من شك في هذا وقد
ابن النظر الدعائم بشرح ابن وصاف، 62/ 63/ 64. 4) السوفي، السؤالات، 26 (مخ).
أو شك في الفرع أو في الأصل
إن لم يتب عولج بالقتل على أخي جهل بها غفل فأنت في الفسحة والمهل إلى انقطاع الرزق والحبل فواسع جهلك في الأكل قامت عليه حجة العقل
?
111 (1/111)
صفحة 111
الباب الأول: اجتهاد التأصيل
به شرك، ومن لم يعلم بأن الله أمر بطاعته ونهى عن معصيته فقد أشرك (1).
يسع جهله، وفيما لا
يسع
ولذلك كان طلب العلم فريضة في كل ما لا تركه، وأما غير ذلك مما يسع جهله ولم يلزم العباد فعله فذلك واسع لهم، إذا قام به البعض من الناس» (2).
والناس في حلّ من أمرهم فيما يسعهم جهله، فلا يجوز لأحد أن يضيق
واسعا من رحمة الله.
وقد أوضح الإمام جابر بن زيد أن من حمل الناس على ما ليس عليهم من السؤال من غير اللازم فقد ضل بقوله واعتدى بجهله، هالك إلا أن
يتوب» (3).
4 - درجات اليقين في العلم: يقسم العلماء العلم الحاصل للإنسان إلى قسمين: علم يقيني قطعي، وعلم
ظاهر غير قطعي. فالأول: ما ثبت بالأدلة القطعية ودلت عليه دلائل العقل، وهذا لا يجوز عليه التغيير والانقلاب، ومنه تستمد العقائد وأصول الأدلة في باب الشرائع. والثاني: ما يُعلم بالأدلة الظنية كشهادة شاهدين أو أكثر؛ مما لم يبلغوا حدّ التواتر، فهذا يسمى علما بحسب الظاهر، وقد يكون واقع الأمر غير ذلك، ولكن الشارع تعبدنا به في معظم الأحكام. فقد سمّى الله علم الظاهر لنا علما، وقال: تَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا إِذَا جَاءَ كُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَأَمْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَنِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الكفَّارِ} [الممتحنة: 10].
فسمى ما يحكم به علما لنا بظاهر ما يظهر من الإيمان، وتسكن إليه
نفوسنا، وإن كان علم الله بإيمانهن علم الحقيقة في قوله: اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَتِهِنَّ
(1) السوفي، السؤالات، 100 (مخ) 2) المزاتي، التحف المخزونة 12
3) ابن جعفر، الجامع، 208.
112 (1/112)
صفحة 112
الفصل الأول: المعرفة والدليل
E
[الممتحنة: 10]. (1).
كما أباح لنا نكاح المؤمنات وحرم علينا نكاح المشركات، وجعل الدلائل على ذلك ظاهر أحوالهن للتمييز بين المباح والمحظور (2).
القضاء،
وهو
وليس هذا بدعا في أحكام الشريعة، بل هو أمر قرره النبي صلى الله عليه وسلم والتزمه في ما كلّفه الله تعالى به رغم إمكانه الاطلاع على علم الحقيقة بتأييد الوحي، لكنه ما كُلّف أن يعلم حقيقة الناس ويطلع على أسرارهم (3). وهو الذي قال: «إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ، وَإِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَيَّ، وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَلْحَنَ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ؛ فَأَقْضِي لَهُ عَلَى نَحْوِ مَا أَسْمَعُ فَمَنْ قَضَيْتُ
لَهُ مِنْ حَقِّ أَخِيهِ شَيْئًا فَلَا يَأْخُذَهُ؛ فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنَ النَّارِ» (4). وبناء الأحكام على الظاهر من يسر الشريعة؛ لأن العبرة في سكون النفس وطمأنينة القلب إلى صحة الدليل، وليس هذا رفعا لليقين بالظن؛ فإنّ في الدين كثيرا من الأحكام مبناها حصول الطمأنينة؛ فقد ثبت في السنة أن اللقطة تدفع بعلامة يأتي بها المدعي لها، لقول النبي: «أمارتُها عِفَاصُها ووكاؤها» (s).
(1) ابن بركة، التعارف 9.
(2) ابن بركة، التعارف 9.
3 ابن بركة، التعارف،9.
4 البخاري، من طريق أم سلمة. صحيح البخاري، كتاب الأحكام
باب موعظة الإمام للخصوم، حديث: 6769.
سنن أبي داود، كتاب الأقضية، باب في قضاء القاضي إذا أخطأ، حديث:3129 سنن الترمذي الجامع الصحيح أبواب الجنائز عن رسول الله، أبواب الأحكام عن رسول الله، باب ما جاء في التشديد على من يقضى له بشيء ليس له، حديث: 1296. 5 نص الحديث في البخاري: «عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ رَضِي الله عَنْه أَنَّ رَجُلاً سَأَلَ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم عَنِ اللُّقَطَةِ قَالَ عَرِّفْهَا سَنَةً ثُمَّ اعْرِفْ وَكَاءَهَا وَعِفَاصَهَا ثُمَّ اسْتَنْفِقُ بِهَا فَإِنْ جَاءَ رَبُّهَا فَأَدْهَا إِلَيْهِ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ فَضَالَّةُ الْغَنَمِ قَالَ خُدْهَا فَإِنَّمَا هِيَ لَكَ أَوْ لَأَخِيكَ أَوْ لِلدُّتُبِ قَالَ يَا رَسُولَ اللهِ فَضَالَّةُ الإيل؟ قَالَ فَغَضِبَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم حَتَّى احْمَرَّت وَجْنَتَاهُ؛ أَو أَحْمَرَّ وَجْهُهُ، ثُمَّ قَالَ مَا لَكَ وَلَهَا؟ مَعَهَا حِدَاؤُهَا وَسِقَاؤُهَا حَتَّى يَلْقَاهَا رَبُّهَا».
صحيح البخاري، كتاب في اللقطة؛ باب إذا جاء صاحب اللقطة بعد سنة ردها عليه،
حديث: 2324.
صحيح مسلم، کتاب اللقطة، حديث: 3334.
بحث صرفي حذاؤها وسقاؤها
113 (1/113)
صفحة 113
الباب الأول: اجتهاد التأصيل
وقد تكون اللقطة مالا وفيرًا فيجوز دفعها بالعلامات إذا حصل الصدق في مدعيها بسكون النفس كما يجوز تسليمها بالبينة العادلة، علما أن البينة قد تكون كاذبة في الحقيقة، وإن علمناها عادلة في الظاهر. والشهادة تفيد الحكم، ولا تفيد العلم الحقيقي (!).
عنده
روي
وقد أمرنا بذلك على وجه التعبد بسكون قلوبنا في تصديق المدعي لها بما أنه قال لأحد العلامات، والسنة شاهدة أيضا بهذا، لما من أصحابه عند سؤاله: «يا وابصة، استفت نفسك» (2). فأمره النبي أن يستدل على صحة ما يحتاج إلى علمه بدليل قلبه وسكون نفسه (3). ويدل على أن سكون النفس يجري به كثير من أحكام الشريعة أن الأعمى يخبر و يفتي، ويزوج ويتزوج ويطأ، وأحواله كلها إلا ما شاء الله بسكون
النفس (4).
وكذلك الرجل يأتي امرأة على فراشه وهي نائمة، فيطؤها من غير أن يعلم أنها زوجته ولا يقين معه إلا سكون القلب والعادة الجارية. وكان القياس أن لا
يأتيها حتى يكون له علم يقين بأنها زوجته، ولكن الله خفف الكلفة ويسر على
العباد يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} [البقرة: 185]. ويُصدق الناس الصبيان في قولهم بتطهير أوانيهم. كما يأخذون بأقوالهم سنن الترمذي الجامع الصحيح، أبواب الجنائز عن رسول الله، أبواب الأحكام عن رسول الله، باب ما جاء في اللقطة وضالة الإبل والغنم، حديث: 1330 حدثنا قتيبة قال: حدثنا إسماعيل بن جعفر، عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن، عن يزيد مولى المنبعث، عن زيد بن خالد الجهني، أن رجلا سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن اللقطة، فقال: " " عرفها سنة، ثم اعرف وكاءها ووعاءها وعفاصها، ثم استنفق بها، فإن جاء ربها فأدها إليه
11 11
، فقال
له: يا رسول الله، فضالة الغنم، فقال: " " خذها، فإنما هي لك أو لأخيك أو للذئب فقال: يا رسول الله، فضالة الإبل، قال: فغضب النبي حتى احمرت وجنتاه، أو احمر وجهه
، فقال: "ما لك ولها؟ معها حذاؤها وسقاؤها حتى تلقى ربها " " وحديث يزيد مولى المنبعث، عن زيد بن خالد حديث حسن صحيح، وقد روي عنه من غير وجه.
(1) الكندي، التخصيص، 11 و. 2) مسند أحمد بن حنبل؛ مسند الشاميين حديث وابصة بن معبد الأسدي نزل الرقة؛
حديث: 17689.
(3) ابن بركة، التعارف 16. 4 ابن بركة، التقييد 348. (مخ)
،
114 (1/114)
صفحة 114
الفصل الأول: المعرفة والدليل
فيما يخبرون به عن أنفسهم لسكون النفس إلى صدقهم في ذلك (1). ومن حمله السبع أو ركب البحر ولم يُعلم له نجاة إلى أربع سنين حكمنا له بالموت، وقد يكون اليقين خلافه (2).
وأيضا فإن شهادتنا للناس بالستر والصلاح والإيمان لما يظهر لنا من أحوالهم وتسكن نفوسنا إلى صدقهم، فيجب علينا فرض محبتهم من غير يقين منا في مغيبهم» (3). فلو كان التعبد على ما يذهب إليه من جهل أحكام الشريعة وما عليه الناس من أعمالهم من مذاهب الفقهاء، وأن ما علمناه يقينا لا يزول إلا بيقين مثله، لبطلت الآثار ولم يثبت شيء من هذه الأخبار» (4).
والأمر ليس مجالا للاجتهاد والاختلاف فقد تواترت أدلة الشرع على قطعية المسألة، ومن خالف الحق فيها فقد نأى عن الصواب. ويحسم ابن بركة القضية بقوله: «ومن حمل الناس على علم الحقيقة وكلفهم أن يعلموا غير ما عندهم إذا اجتهدوا واستدلوا، فقد أعظم القول على المسلمين، واجترأ على مخالفة كتاب رب العالمين (5).
المبحث الثاني: مفهوم الدليل وقيام الحجة من الأمور البدهية في الإسلام أن التكليف هو الغاية من الخلق، بنص القرآن وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات: 56]. فالإنسان لم يخلق عبثا ولا سُدًى أَيَحْسَبُ الإِنسَنُ أَن يُتْرَكَ سُدى} [القيامة: 36]. «والسدى الذي لا يؤمر ولا يُنهى والتكليف هو الأمر والنهي اللذان تعبد الخلق، ولأجلهما خلق الجنة و النار» (6). ولا بد قبل هذا العلم من إثبات الحجة على الخلق بوجوب التكليف، إذ
بهما
(1) ابن بركة، التعارف 28
2 ابن بركة، التعارف 37. (3) ابن بركة، التقييد، 345. (مخ) 4 ابن بركة التقييد، 351. (مخ)
(5) ابن بركة، التعارف، 11. 6) الملشوطي، الأدلة، 1 ظ.
115 (1/115)
صفحة 115
الباب الأول: اجتهاد التأصيل
بإقامة الحجة يُقطع العذر، ويترتب الثواب والعقاب، كما قال الله تعالى: رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةُ بَعْدَ الرُّسُلِ
وَكَانَ اللهُ عَزِيزًا حَكِيمًا} [النساء:165].
وهنا يغدو تحديد مفهوم الحجة والدليل مدخلا ضروريا للحديث عن
قيام الحجة وأقسام الأدلة.
1 - مفهوم الحجة:
تعرف الحجة في اللغة بأنها «ما يقع به للناظر حقيقة الشيء المنظور فيه» من قولهم: حج يحج، إذا قصد، ومنه سمّي الطريق القاصد حجة ومحجة (1). ويؤكد العوتبي هذا المعنى اللغوي التعليلي بأنه: «يقال للطريق القاصد المستقيم محجة، كأن الحجة مأخوذة من المحجة، وهي الاستقامة في الطريق الماضي إلى الغرض» (2). كما يثبت معنى آخر للحجة في اللغة بأنها الوجه الذي يكون به الظفر عند الخصومة (3).
ويصح تسميتها حجة وإن كانت، باطلة، ومن ذلك قوله تعالى: لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ} [البقرة: 150]. أي إلا من ظلم باحتجاجه ... (4) وتتفق أو تتقارب عبارات أصوليي الإباضية والمتكلمين عموما في أن الحجة اصطلاحا: " هي التي يحتج بها الإنسان على خصمه» (5).كما أن الحجة قد تكون لك وقد تكون عليك، فإن كانت لك فأنت محاجج غالب وإن كانت عليك فأنت محجوج ومغلوب.
1) السوفي، السؤالات، 111. (مخ) الملشوطي، الأدلة، 2 ظ. (2) العوئبي، الضياء، 1: 241. نجاد بن موسى، الأكلة، 1: 208. 3) العوتبي، الضياء، 1: 242.
4) نجاد بن موسى، الأكلة، 1:108/ 109.
(5) ابن بركة، الجامع، 1: 329. نجاد بن موسى الأكلة، 1: 108. العوئي، الضياء، 1: 241.
116 (1/116)
صفحة 116
الفصل الأول: المعرفة والدليل
2 - مفهوم الدليل:
والدليل في اللغة المرشد، ويطلق على العلامة التي يتوصل بها إلى
الشيء (1).
وفي الاصطلاح عرفه الوَارجُلانِي بأنه كل ما يتوصل به إلى معرفة الأمور النظرية لا الضرورية» (2). وهدّب الرواحي عبارته بقوله: «الدليل ما يمكن التوصل بصحيح النظر فيه إلى مطلوب خبري (3). وهو قريب من تعريف الآمدي، أنه ما يتوصل بصحيح النظر فيه إلى مطلوب خبري (4). وقد سبق الجويني إلى بيان حد الأدلة أنها التي يتوصل بصحيح النظر فيها إلى ما لا يُعلم في مستقر العادة اضطرارا» (5).
هذا بينما عمّم الإمام السَّالِمِي مشمول الدليل على الأمور القطعية والظنية والحسية والشرعية، وجاء تعريفه كالآتي هو كل ما يعرف به المدلول، حسيا كان أو شرعيا، قطعيا كان أو غير قطعي. حتى سُمّي الحس و العقل والنص والقياس وخبر الآحاد وظواهر النصوص كلها أدلة والدليل المرجح إن كان قطعيا كان تفسيرا وإن كان ظنيا كان تأويلا» (6).
ولم يُعن جمهور أصوليي الإباضية بتعريف الدليل، وإن بينوا مشتقاته ومعانيها، مثل الدلالة والاستدلال والمدلول والدال والمستدل والمستدل به والمستدل له والمستدل عليه وكلها تحوم حول الاستدلال وطلب الدليل (7). الفرق بين الحجة والدليل
ويفرق العوتبي ونجاد بن موسى بين الدليل والحجة بأن بينهما عموما و خصوصا، فكل حجة دلالة وليس كل دلالة حجة، لأن المرشد إلى السبيل
1 السالمي، شرح طلعة الشمس، 1: 12. (2) الوارجلاني، العدل والإنصاف، 1: 34. 3 الرواحي، نثار الجوهر، 1: 75.
4 علي بن أبي علي الآمدي، الإحكام في أصول الأحكام. 1: 11
5) الجويني، الإرشاد، 8.
6 السالمي، شرح طلعة الشمس، 1: 12.
7 ينظر هذه التعريفات في المزاتي التحف 36 ظ. - الملشوطي، الأدلة والبيان، 2 و 2 ظنجاد بن موسى، الأكلة، 103/ 102 - أبو يعقوب الوارجلاني، العدل والإنصاف، 1: 34.
117 (1/117)
صفحة 117
الباب الأول: اجتهاد التأصيل
دلالة عليه وليس بحجة عليه، كما أن الاسم دليل على المسمّى وليس حجة عليه (1). بينما يرى ابن بركة أن المعنى واحد فنص على أن «الدليل هو حجة
الله على الخلق ... ولم يعدم صحة معرفة هذا وما يشاكله من ناصح نفسه واجتهد لها ورغب إلى الله تعالى في إرشاده» (2).
ونميل إلى هذا الرأي، وإن اختلفت معاني اللفظتين لغة، فإن مؤداهما في الله الاصطلاح من الناحية العملية، واحد إذ إن صحة الدليل على وجود تقتضي الإيمان به وهذا يعتبر قياما للحجة على وجوب هذا الإيمان، وكذلك
الأمر في سائر التكاليف.
3 - ثبوت الحجة:
تتفق المصادر الإباضية استنادا إلى تقرير القرآن أن حجة الله على عباده قامت بالعلم الذي يترتب عليه التكليف فالله تعالى قد أقام عليهم الحجة بمعرفته، فإذا جهلوا ما قامت به حجة الله لم يعذرهم الله بذلك» (3)، وقد قال تعالى: قَدْ جَاءَكُم بَصَابِرُ مِن رَّبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ، وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُم بِحَفِيظ} [الأنعام: 104].
وينطلق الوَارِجلاني لإثبات لزوم الحجة من مسلمات عقلية وفق منطق سليم يفضي إلى النتيجة من أيسر طريق فبيّن أنه محال ظهور الفرع قبل ثبوت الأصل، ومحال أن يبرهن مبرهن على حق أو باطل بوجوه البرهانات إلى من لا يعرف البرهان ولا يُقرّ به ولا بد من معرفة الحق وإقراره به، وقد تيقنت يا أخي بأن حجج القرآن أعظم الحجج، وبراهينه أعظم البراهين، ولن ينفعك في جاهل منكر حتى يقع الكلام في تثبيت القرآن أولاً أنه حق من عند الله، فهناك تشرع في إيضاح القرآن له. وكما أنه محال أن يرى اللون من فقد البصر، ويسمع الصوت من فقد السمع ... ومحال أن يعرف الحق ويُقر لا يعرف البرهان ولا يعرف البرهان من لا يعرف طرقه، وهكذا عادة
به من
1) العوئبي، الضياء، 1: 241 242 - نجاد بن موسى، الأكلة،108.
(2) ابن بركة، الجامع، 1: 329.
3) ابن جعفر، الجامع، 1: 204.
118 (1/118)
صفحة 118
الفصل الأول: المعرفة والدليل
الله في الأمور كلها».
وإثبات حجية القرآن فرع عن ثبوت الوحي وصحة الرسالة وصدق الرسول، وتلك أصول يستدل لها في علم الكلام، ثم يرد الحديث عن الأمور التي تثبت بالقرآن، فإن سأل سائل: ما الحجة التي يثبت بها فرض الدين على العباد؟ فقل: الكتاب والرسل (2). والاعتماد على دليل السمع في إثبات هذه القضايا أمر منطقي، لأن أحكام الشرع لا يمكن للعقل الاستقلال بإدراكها «فعلم دين الله اغمض وأبعد من العقول، ولا ينال إلا بتعليم وتنبيه. ولذلك اتفق العلماء على أن الله لا يكلف عباده شيئا فيحبس عنهم الأسباب التي يصلون بها إلى فعل ما
كلفهم به» (3). ولذلك خلص الملشوطي إلى تصوير أدلة الشرع في السلسلة الآتية ومعرفة التكليف تدرك من وجهين أحدهما العقل والثاني السمع، فأما السمع فهو ما ثبت علمه بالكتاب و السنة والإجماع والقياس، فالكتاب أصل السنة أصل للإجماع، والإجماع أصل للقياس، وينقسم ذلك
للسنة
و
أقساما ... » (4).
وأما الوارجلاني فينحو منحى آخر في تقسيم الأدلة، إذ جعلها ثلاثة: الحس المطبوع والعقل المجموع والشرع المسموع وينقسم الشرع المسموع ثلاثة أقسام: أصل ومعقول أصل واستصحاب حال الأصل، وينقسم الأصل ثلاثة أقسام: الكتاب والسنة والإجماع، وينقسم معقول الأصل ثلاثة أقسام: لحن الخطاب وفحوى الخطاب و معنى الخطاب وهو العبرة، وينقسم استصحاب حال الأصل ثلاثة أقسام: براءة الذمة وشغل الذمة والاستحسان» (5).
ويميل بعض الأصوليين إلى تقسيم هذه الحجج تقسيما طريفا، فأبو عمرو
(1) الوار خلاني، الدليل والبرهان، 3: 3/ 2.
2) المزاتي، التحف، 20 و.
(3) الملشوطي، أصول الدين، 14 و. 4) الملشوطي، الأدلة، 1 ظ.
(5) الوَارِ جلاني، العدل والإنصاف، 1: 18.
119 (1/119)
صفحة 119
الباب الأول: اجتهاد التأصيل
السوفي جعل «الحجة في العلم الاستبانة، والحجة في العمل العلم والنية، والحجة في الجهل المعرفة، والحَجّة في الطاعة الأمر، والحجة في المعصية النهي، والحجة التي تقطع؛ الظهور (1)، والحَجّة التي لا تقطع؛ الكتمان (2)، والحجة الظاهرة النطق باللسان والحَجّة الباطنة الضمير بالقلب، والحجة المتقدمة حجة آدم ال والحجة المستأنفة محمد، والحجة في التكليف العقل، والحَجّة التي تعصم العباد من الضلال والكفر الإيمان، والحجة التي يعتصم بها العباد من الضلال والكفر الكتاب والسنة، والحَجّة التي يثبت بها فرض الدين على العباد الكتب والرسل، والحَجّة في صواب المصيب وخطإ المخطئ الأصل المجتمع عليه من الكتاب والسنة» (3). فإن قيل ما أفضل الحجة وأعلاها وأعظمها؟ فقل الكتب والرسل، وأوسطها، أمينان، وأدناها أمين واحد.
والحجة في الحلال والحرام الكتاب والسنة والإجماع والعبرة» (4). ويخلص لنا من النصوص المذكورة أن الإباضية يثبتون أصل التوحيد بحجة العقل، ووجوب التكليف بحجة السمع.
ويقرر العوتبي أن من كان في جزائر البحر منعزلا وجب عليه معرفة الله تعالى ولا عذر لذي عقل في جهله (5).
وهذا ما أوضحه الإمام السَّالِمِي ببيان أن العقل لا حكم له في شيء من الوجوب الشرعي الذي يترتب عنه الثواب والعقاب. فلا وجوب قبل الشرع في شيء من الأصول والفروع وإن أدرك العقل أن لهذا الكون صانعا، فلا
1) الظهور مسلك من مسالك الدين عند الإباضية، وهو حال قيام الدولة المسلمة واستقامة سلطانها وظهورها على أعدائها ينظر: علي يحي معمر الإباضية في موكب التاريخ، الحلقة الأولى، نشأة المذهب الإباضي، 93. فرحات الجعبيري، البعد الحضاري، 54. (2) الكتمان أيضا من مسالك الدين، وهو حال ضعف الدولة وغلبة الجور وعجز المسلمين عن إقامة أحكام الدين فيولون أمورهم جماعة منهم تقوم مقام الإمام، وترعى شؤون المسلمين وفق هدي الكتاب والسنة وتعرف هذه الهيئة في تاريخ الإباضية بحلقة العزابة. – ينظر: علي معمر، المرجع السابق. ص 95. (3 أبو عمرو السوفي، السؤالات 110. المزاتي، التحف، 20 و. (4) السوفي، السؤالات، 111. 5) العوئبي، سيرة، ضمن السير والجوابات لأئمة وعلماء عمان. 2: 39.
120 (1/120)
صفحة 120
E
يوجب
الفصل الأول: المعرفة والدليل
ذلك عبادة له، إلا أن يرد بها الشرع (1). ولا يناقض هذا كون العقل شرطا لصحة التكليف. ومعناه أن وجود العقل ضروري لوجوب التكليف شرعا، ولكن وجوب التكليف الشرعي ليس متوقفا على الوجوب العقلي. والفرق بين القضيتين واضح لا لبس فيه (2). إذا ثبت أن التكليف يلزم العباد بقيام حجته من الشرع، وأنه لا تكليف قبل قيام الحجة فإن لبلوغ هذه الحجة إلى المكلف طرقا عديدة حصرهـ السوفي في ثلاثة:
أولها: أن يبلغ الرسول الحكم بنفسه، وهذه حجة قاطعة. وفي القرآن آيات كثيرة في إثبات هذا الطريق. من ذلك قوله تعالى: {يَتَأَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِّنَ الرُّسُلِ أَن تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلَا نَذِيرٌ فَقَدْ جَاءَكُم بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ
والله عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرُ} [المائدة: 19]. وقوله: أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُم مَّا يَتَذَكَرُ فِيهِ مَن تَذكَّرَ) [فاطر: 37].
وقوله: يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَ كُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِن رَّبِّكُمْ
[النساء: 170].
ثانيها: أن يبلغ رسول الرسول أو كتابه، كما صح عنه
أطاع أميري فقد أطاعني، ومن كذب أميري فقد كتبني» (3).
1 السالمي، مشارق أنوار العقول، 42.
?
أنه قال: «من
(2) السالمي، مشارق أنوار العقول، 44. وذكر عبد الرحمن مصلح أن الإباضية يثبتون التوحيد والشرائع كلها بالسمع لا بالعقل، واستشهد بنصوص عن السَّالِمي في المشارق 42/ 43. وأبي عمار في الموجز 2 139 والذي ذكرناه يبين الفرق بين كون العقل دليلا على التوحيد، وبين إيجاب التوحيد. -ينظر عبد الرحمن مصلح الإباضية عقيدة ومذهبا، 91. 3 ورد الحديث في مسند الربيع بلفظ " أمري" وليس " أميري". الربيع بن حبيب، الجامع الصحيح. باب 7 حديث 47، 1: 19. وورد لفظه في البخاري عن أبي هريرة أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ مَنْ أَطَاعَنِي فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ عَصَانِي فَقَدْ عَصَى اللَّهَ وَمَنْ أَطَاعَ أَمِيري فَقَدْ أَطَاعَنِي وَمَنْ عَصَى أَمِيرِي فَقَدْ عَصَانِي. صحيح البخاري كتاب الأحكام، باب قول الله تعالى وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر؛
حديث:6738
121 (1/121)
صفحة 121
الباب الأول: اجتهاد التأصيل
ثالثها: توسعته لمن كان على الدين حتى يسمع بحجيته، لقوله تعالى: الا وما كان اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمَا بَعْدَ إِذْ هَدَنَهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُم مَّا يَتَّقُونَ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمُ} [التوبة: 115]. ومن لم يكن على دين فعذره مقطوع (1). بل شدد السوفي على هذا الصنف فقال: من قتل رسول الرسول قبل بلوغ الحجة فهو منافق، ومن قتله بعد الحجة فهو مشرك» (2). كما يترتب على الجهل بأحكام الدين قضية هامة وهي تحديد ما يسع جهله وما لا يسع جهله، فما يسع جهله يظل الجاهل فيه في عافية، ولا يسمّى جاهلا بل هو معافى، حتى يضيق عليه جهل شيء فيلزمه العلم به، فإذا علمه لم يسعه الشك فيه بعد العلم.
فالصَّلاة يسع المرء جهلها حتى يحين وقت أدائها فيلزمه العلم، فإن لم يجد مُعبّرًا يبين له، «صلى كما حسن في عقله، حتى يبلغه علم بكيفيتها، فلا يسعه الشك في ذلك بعدها، وكذلك سائر الفرائض والمحرمات» (3). والحجة على هذا الصنف أن يجتهد في التماس الحجة والبيان، وإن عدمها قامت حجة عذره، وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ} [فصلت: 46].
المبحث الثالث: حجية العقل، وأدلة الأحكام
ظل موضوع العقل محور الفكري البشري منذ أمد بعيد ولا يزال. فقد بحثه اليونان في، فلسفتهم واعتمدوه مصدرا للمعرفة، ووضعوا له قوانين تضمن سلامة النتائج التي يتوصل إليها. وأجمعوا على أن من أفضل ما أنعم الله به على العبد العقل، لأنه يعرف الحسن من القبيح، ويجب به الحمد، والذم، ويلزمه به التكليف. لأن تعالى إنما خاطب العقلاء بما يعقلون. فمن لم يكن به عقل سقط عنه
الله
صحيح مسلم - كتاب الإمارة، باب وجوب طاعة الأمراء في غير معصية، حديث: 3507.
(1) السوفي، السؤالات، 19.
2 السوفي، السؤالات، 19. 3) ابن جعفر، الجامع 1: 72/ 73.
به
122 (1/122)
صفحة 122
الفصل الأول: المعرفة والدليل
التكليف بإجماع الأمة» (1). وكان إسهام علماء الإسلام في بحث العقل إضافة متميزة في عالم المعرفة، وقد ظهر أثر التوجيه القرآني بارزا في بحوثهم، إذ أرشدهم إلى التركيز على الجانب العملي، فأنتجوا لنا مناهج البحث العلمي، ووضعوا أسس المنهج التجريبي، وعليها شادت أروبا حضارتها المعاصرة (2). وفي مجال العقل جوانب كثيرة أفاض فيها علماء الإسلام، فقد بحثوا عن ماهية العقل وحقيقته وعن أهميته، وقدراته وفي مجال نظره وعمله، وعن العلم الحاصل به أهو صواب كله أم يعتريه الخطأ؟ وما هي عوارض النظر الصحيح؟ وهل المعرفة العقلية ضرورية أم نظرية؟ وما علاقة العقل بالنقل؟ أهي انفصال واستقلال؟ أم صراع وخصام؟ أم تآزر وتكامل؟ إلى ما هنالك من القضايا ... وفي مجال أصول الفقه بحث العلماء عن العقل ومدى صلاحيته دليلا لإثبات الأحكام وما هي المصادر المعتمدة على العقل؟ هل القياس والاستصحاب والاستقراء وغيرها أدلة نقلية أم عقلية؟ وما دور العقل في فهم النصوص وإدراك عللها ومقاصدها؟ وفي الترجيح بينها عند التعارض؟ وهل التحسين والتقبيح من اختصاص العقل أم الشرع؟ وما حكم الأشياء قبل ورود الشرع؟ وهل كان النبي متعبدا بشرع قبل البعثة؟ وما حكم من لم تبلغه دعوة الإسلام وكان في جزيرة منقطعا عن الناس؟. هذه وأسئلة كثيرة غيرها تضمنت قضايا أثارت حوارا علميا خصبا بين علماء الإسلام بعضها من صميم علم الأصول وبعضها من ميادين علم الكلام، وبين العلمين وشائج وثقى لم يتمكن الأصوليون من الفصل بينها كلها رغم المحاولات.
وسنحاول إبراز كون العقل دليلا وحجة يلزم بها التكليف، وتحديد مجال
(1) الشقصي، منهاج الطالبين 1: 63. (2) ينظر على سبيل المثال: زيغريد هونكه شمس العَرَب تسطع على الغرب. ترجمة وتحقيق: د. فؤاد حسنين علي. وفي هذا الكتاب أنصفت الباحثة حضارة المسلمين، وإسهامهم في مختلف حقول المعرفة، في الطب والرياضيات والعمارة والآداب والفنون. وبينت أثرهم على يقظة العقل
الأروبي. وعلى جهودهم قامت الحضارة الغربية اليوم.
123 (1/123)
صفحة 123
الباب الأول: اجتهاد التأصيل
عمل العقل في اجتهادات علماء الإباضية.
1 - حقيقة العقل:
العقل في اللغة الحجر والنهى ضد الحمق. والعقل والقلب بمعنى واحد. والعاقل هو الجامع لأمره ورأيه. وقيل هو الذي يحبس نفسه ويردها عن
هواها. وسُمّي العقل عقلا لأنه يعقل صاحبه عن التورط في المهالك (1). أما في الجانب الاصطلاحي، فقد تباينت أقوال علماء المسلمين ومعهم الإباضية في تحديد العقل، وكتب فيه الحارث المحاسبي رسالة سماها "مائية العقل " (2).
وعرفه الجويني بأنه علوم ضرورية والدليل على أنه من العلوم
آلة خلقها
الله
الضرورية استحالة الاتصاف به مع تقدير الخلو عن جميع العلوم» (3). وافتتح الملشوطي رسالته الأصولية " الأدلة والبيان" بموضوع العقل، وذكر بعض الاختلافات في تحديده منها قول الشافعي: «هو في العباد يميزون بها بين الأشياء وأضدادها، ركبها فيهم سبحانه ليستدلوا بها بين الأمور الغائبة بالعلامات التي نصبها لهم منا منه ونعمة» (4). وقال قوم هو معنى في القلب وسلطانه في الدماغ، لأن أكثر الحواس في الرأس، ولذلك قد يذهب بالضرب على الدماغ.
وقال آخرون: هو قوة، ونظيره في القلب منزلته منه منزلة البصر من
العين» (5).
وأورد الشقصي حديث النبي «العقل نور في القلب يميز به بين الحق
(1) ابن منظور، لسان العرب المحيط، مادة عقل، 4: 3046. 2 حققها الدكتور حسين قوتلي مع رسالة أخرى بعنوان: فهم القرآن. 3) الجويني، الإرشاد، 15.
4 وجدنا في الرسالة قولا للشافعي قريبا من هذا في شرح قوله تعالى: ((وَعَلَامَاتِ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ) (النحل: 16. قال: «فكانوا يعرفون بمنه جهة البيت، بمعونته لهم وتوفيقه إياهم ..... وكان عليهم تكلّف الدلالات بما خلق لهم من العقول التي ركبها فيهم ليقصدوا قصد التوجه للعين التي فرض عليهم استقبالها. فإذا طلبوها مجتهدين بعقولهم وعلمهم بالدلائل بعد استعانة الله، والرغبة إليه في توفيقه، فقد أدوا ما عليهم الشافعي، الرسالة، 502. 5) الملشوطي، الأدلة، 1 ظ.
124 (1/124)
صفحة 124
E
الفصل الأول: المعرفة والدليل
والباطل.» (1). وقوله: «ما اكتسب الإنسان مثل عقل يهديه إلى هدى، ويرده عن ردى» (2). حتى قال أبو علي رحمه الله: «محل العقل في الدماغ، وتدبيره في القلب. لأن العَرَب تسمّي رؤوس الجبال معاقل، والحصون العالية معاقل. فالعقل في أعلى الجسد» (3). ويؤكد الأصوليون علاقة المعنى الاصطلاحي للعقل بالمعنى اللغوي، فهو عقال البعير، لئلا ينفر. وكذلك العقل يمنع الإنسان ويعقله عن
مشتق من
شهواته، كما يمنع العقال البعير عن الشرود (4).
ويسمى عقلا لكونه مانعا للنفس عن فعل ما تهواه، مأخوذ من عقال
الناقة المانع لها أن تذهب حيث شاءت، وهو مخلوق في الإنسان يزداد وينقص، وحجته مأخوذة من قبل الله عل» (ى).
ولم يقتحم كثير من الأصوليين الإباضية متاهات تعريف العقل، بل اقتصروا على معرفته بآثاره، كما عند المزاتي فإن قال قائل: ما الدليل على أن العاقل عاقل؟ فقل: حسن التدبير وحسن الفعل، والدليل على أن العالم عالم أخذه للإنصاف وتركه للإغفال ... وقيل في العقل إنه في القلب، والدليل عليه حسن، المذاهب فمن رأيناه صحت أفعاله وحسنت مذاهبه قضينا أنه عاقل ملزوم محجوج (6). والاهتمام بالجانب العملي له دلالته الإيجابية في فكر الإنسان، ما دام
1) الشقصي منهاج الطالبين 1: 63 - والحديث لم يخرجه أصحاب الكتب التسعة. ولم أجده في مظانه من كتب الضعيف.
وأورد الدارمي حديثا قريبا من هذا عَنْ كَعْبٍ قَالَ عَلَيْكُمْ بِالْقُرْآنِ فَإِنَّهُ فَهُمُ الْعَقْلِ وَنُورُ الْحِكْمَةِ وينابيع الْعِلْمِ وَأحْدَثُ الْكُتُبِ بِالرَّحْمَنِ عَهْدًا)
سنن الدارمي، ومن كتاب فضائل القرآن باب: فضل من قرأ القرآن، حديث: 3268 2) ابن حجر، المطالب العالية. حديث 2765 - الشقصي منهاج الطالبين، 1: 63. - وورد في كنز العمال، حديث قريب من هذا ما اكتسب مكتسب مثل فضل علم يهدي صاحبه إلى هدى أو يرده عن ردى. ولا استقام دينه حتى يستقيم عقله الهندي، كنز العمال. حديث: 28808.
ج 10 ص 157. 3 الشقصي منهاج الطالبين 1: 69 4 الشقصي منهاج الطالبين 1: 63.
(5) الملشوطي، الأدلة، 1 ظ.
6) المزاتي، التحف، 7 و.
125 (1/125)
صفحة 125
الباب الأول: اجتهاد التأصيل
العقل غريزة وضعها الله سبحانه في أكثر خلقه ولم يطلع عليها العباد برؤية ولا حس ولا ذوق ولا طعم، وإنما عرفهم الله عقولهم بالعقل منه، «فمن عرف ما ينفعه مما يضره في أمر دنياه عرف أن الله تعالى قد من عليه بالعقل الذي سلب أهل الجنون وأهل التيه.» (1). فهو غريزة لا يعرف إلا بآثاره في القلب والجوارح، ولا يقدر أحد على وصفه بغير أفعاله مهما اجتهد (2). وبمعرفة العقل بآثاره ينتقل الفكر إلى معرفة دور العقل ووظيفته. ويقرر العلماء أن الوظيفة الأساسية للعقل معرفة الخالق، «فالعقل غريزة جعلها الله عز وجل في الممتحنين من عباده أقام بها على البالغين للحلم الحجة، وأتاهم
خاطب من قبل عقولهم، ووعَدَ وتوعد وأمر ونَهَى وحَضٌ ونَدَب» (3). ولذلك كان العقل أحد أهم طرق التكليف، ووجدنا الطريق الأخرى هي السمع، فبهما قامت الحجة على الخلق، وتقرر أن «التعبد مأخوذ من عقل متبوع وشرع مسموع» (4). وقد قرر القرآن هذا المنهج في غير ما آية من آياته، فذكر عن أهل النار إقرارهم بسبب خسارهم وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَاكُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ [الملك: 10]. كما نعى على الذين تنكبوا عن سواء السبيل إهمالهم لوسيلة إدراك الحق وهي السمع والعقل، فجعلهم أدنى من دركة الحيوان، أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَمِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا
[الفرقان: 44].
ولأجل هذا وجدنا الله تعالى إنما كلّف عباده العقلاء من طريق العقل
1 الحارث المحاسبي، العقل وفهم القرآن، 202.
2 جعل الغزالي العقل أربعة معان: 1 الوصف الذي يفارق به الإنسان الحيوان، 2= علوم الطفل المميز، 3 = العلوم المستفادة من التجارب 4 معرفة عواقب الأمور وكبح جماح الشهوات. الأساس، والثاني فرع عنه، والثالث فرع عن الثاني والأخير هو الثمرة والغاية
فالأول هو
القصوى.
الغزالي، المستصفى، 1: 72/ 73.
وحول معاني العقل ودرجاته وأقسامه، ينظر الحارث المحاسبي، العقل وفهم القرآن، 188/ 189.
3) المحاسبي، العقل، 204.
4) ابن بركة المبتدأ، 128 (مخ) - الأصم النور، 178.
126 (1/126)
صفحة 126
E
الفصل الأول: المعرفة والدليل
وطريق السمع، وجعلهما عماد الحجة لمعرفة التوحيد ومعرفة الشرائع (1). وفي القرآن آيات تثبت أن العقل وسيلة لإدراك الحق، منها قوله تعالى: أَفَلَا يَنظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ} [الغاشية: 17].
ونعى على قوم تعطيلهم جهاز العقل الذي منحهم: يَنظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ} [الأعراف: 185].
وأمرنا بالنظر والاعتبار: فَاعْتَبِرُوا يَتأُولِي الْأَبْصَارِ} [الحشر: 2]. ولم يستعمل القرآن العقل بصيغة الاسم بل استعمله فعلا دالاً على التفكر والنظر، وتكرر ذلك تسعًا وأربعين مرة في كامل القرآن. ويجعل ابن بركة هذه الآيات دليلا على أن الاعتبار يؤدي إلى معرفة الحق، والاعتبار عمل العقل أولا وأخيرا (2). فالاعتبار والتدبر والتفكر صفات لازمة لكل متعبد في آيات الله تبارك وتعالى، ومحال أن يُلزم الله العباد بالاعتبار لغير معنى (3). ولازم هذا المعنى أنه لا عذر لأحد من العقلاء في الجهل بالله تعالى، فحجة العقل تُلزمه الإيمان، إذ لا يصح في عقله أن يأتي إلى دار مفروغة البناء فيحكم عليها أن لا باني لها، أو يأتي إلى كتابة قد كتبت وأحكمت نظما؛ فيحكم عليها أن لا كاتب لها، فلما كان ذلك فاسدا في العقل وجب في العقل لمن اعتبر في آيات الكون أنّ له خالقا خلقه، وبارئا برأه وأخرجه من العدم إلى الوجود» (4). وقد أرشد القرآن إلى دليل الحدوث بقوله تعالى: إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَفِ الَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِى فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنَ السماء مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيحِ وَالسَّحَابِ
-
1) من المصادر الإباضية التي تناولت هذه القضية - ابن بركة الموازنة 2: 408 (مطبوع ضمن السير والجوابات لأئمة وعلماء عمان (أبو الحسن البسيوي، سيرة البسيوي، 2: 65. الأصم النور،178/ 9. ابن النظر الدعائم، 64 65 البرادي، البحث الصادق، 1: 65 و 66 ظ. الجيطالي، القناطر، 1 9 السَّالِمي، معارج الآمال، 1: 145.
(2) ابن بركة، المبتدأ،106. (مخ)
(3) الكدمي، المعتبر، 10 ظ (مخ) / 1: 16. (مط).
4 الأصم النور، 10/ 9 - الوَار جلاني، العدل والإنصاف، 1: 91.
127 (1/127)
صفحة 127
الباب الأول: اجتهاد التأصيل
المُسخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} [البقرة: 164]. ولذلك كانت كل حجج القرآن على المشركين من الأمور العقلية، لأنها أمور ضرورية، فمن أنكر الأمور الضرورية كابر وتجنّن» (1). والعلوم العقلية تثمر المعرفة الحقيقية متى سلم صاحبها من شوائب الغفلة وآفات التقليد.
ويجب التسليم لمعرفة العقل. وردُّ الدليل العقلي بعد سماعه مكابرة
للعقول (2).
وبالعقل تثبت النبوة؛ ويميز بين النبي والمتنبي، لأن التمييز بينهما إما أن يرجع إلى تقليد أو إلى علم ضروري، أو إلى ضرب من الاستدلال والقياس
العقلي.
أما التقليد فلا يمكن الرجوع إليه، لأنه ليس دليلا معتبرا، ولا إلى علم ضروري؛ لأنه لو وجد لما وقع اختلاف الناس حول النبوة، فلم يبق إلا النظر العقلي والاستدلال، فيقيس الناظر ما ظهر على يد النبي من حجج إن كانت تحت قدرة المخلوقين فيحكم بكذبه، وإن عجزوا عنها علم صدقه. ولو أبطلنا القول بالقياس العقلي لم يكن لنا إلى معرفة ذلك من سبيل (3). وهذا المنهج أوضحه الله تعالى في معجزة القرآن وتحديه للبشر أن يأتوا بمثله أو بسورة مثله، فلما عجزوا ألزمهم الحجة بأنه كتاب صدق، وأن محمدا
رسول حق من عند الله الله. ولكن العقل ينتهي مجاله بإثبات التوحيد، ثم يُسلم القياد للسمع يهديه فيأخذ عن الشارع الأخبار والأحكام، ما دام قد ثبت لديه صدق الرسول وصحة الرسالة، ويظل العقل بعد ذلك مساعدا للسمع ومصدقا (4)، إذ لا يستطيع العقل الاستقلال بإدراك السمعيات من أمور الغيب أو الأحكام، فهو لا يحكم فيها بوجوب ولا استحالة وكلها في نظره من الجائزات، ولا مرجح
(1) الوارجلاني، الدليل والبرهان، 1: 23/ 22.
-2 الوَارَجُلانِي، العدل والإنصاف، 1: 25 - 3: 336/ 337.
3) نجاد بن موسى، الأكلة، 60/ 61.
4) البَرادِي، البحث الصادق، 1: 65 و 66 ظ.
128 (1/128)
صفحة 128
الفصل الأول: المعرفة والدليل
بينها إلا الشرع (1)، وإذا كان العقل عاجزا عن معرفة ذلك فالحجة فيما لا يدرك إلا بالسمع قائمة بالسمع والأخبار» (2).
ويرد السؤال عن دور العقل عند غياب النص، وهل يشرع العقل في هذه
الحال؟
لقد اختلفت الأقوال في تفاصيل هذه الحال، وإن كان القدر المشترك بينها أن المكلف معذور ما دام لم يبلغه سماع الأحكام والشرائع، فما كان طريقه طريق السمع فغير لازم، فرضه ولا هالك من لم يعلمه، إلا بعد الحجة به وهو الخبر المنقول، فإذا طرق السمع بصحته لزمه فرضه إن كان مفسرا في نفس اللفظ المنقول، وإن كان مجملا فإلى أن يسأل العلماء عن تفسير ما خوطب به» (3).
الله وأما معرفة تعالى فطريقها العقل، فلا يعذر بجهله ولا يسعه ذلك، لقيام دليله ولزوم حجته. ولا يُسأل عن تفاصيل صفات الله مما اختلف فيه الناس، كقولهم: عالم بعلم وقادر بقدرة، أو عالم بنفسه أو قادر بنفسه، فحجة هذا تلزم بعد الاستدلال والسؤال (4). ولا يلزمه الإيمان بالرسول ولو، شاهده فمشاهدته ليس بحجة حتى يظهر له معجزة على دعوى النبوة ويدعوه إلى الإيمان والشرائع (5). وتحدث العلماء في هذا المجال عن حكم من كان في جزيرة من جزر البحر أو أرض منقطعا عن الناس، ولم تبلغه دعوة الرسل ولا كتبهم، فلم يأت بعبادة ولم يجتنب محرما، فهو معذور وسالم غير هالك. ولا يكلف إلا معرفة الله تعالى، إذ لا عذر لذي عقل في جهل الخالق. أما الشرائع فلا تدرك بغير السماع ولو كان إدراكها بالعقل ممكنا لما كان لإرسال الرسل وإنزال الكتب معنى والواقع خلاف ذلك، فدل على ضرورة الرسل للزوم التكليف
1) الغزالي، المستصفى، 1: 6.
2) السالمي، معارج الآمال، 1: 145.
3 ابن بركة الموازنة، ضمن السير والجوابات) 2: 408
4 ابن بركة، الموازنة 2: 409 - ابن بركة المبتدأ، 127. (مخ) --الأصم، النور، 176.
5) الأصم، النور، 177.
129 (1/129)
صفحة 129
الباب الأول: اجتهاد التأصيل
بالشرائع (1).
E
واشتط بعض فأوجبوا على الإنسان معرفة الشرائع من غير معلم ومخبر والقرآن يردّ عليهم صراحة بإيجاب السؤال والتعلم على الجاهل فَسْتَلُوا أَهْلَ الذِكرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [النحل: 43]. فكيف يأمر بسؤال أهل الذكر فيما ينال بالعقل والنظر؟
كما الزم الله الناس الحجة بقوله: {رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ
و
لِلنَّاسِ عَلَى اللهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا [النساء:165]. فكيف يقطع عذرهم بما لا حجة فيه على العباد، إذ كانت الحجة هي العقول لا غير؟ فإن كانت علوم الدنيا - وهي سهلة المنال - لا تنال إلا بالتعلم، فكيف بعلوم الدين وأخبار الغيب وأحوال الآخرة؟ (2).
واجترأ بعض بتكليف العقل عند عدم السمع أن يعرف بعض الأحكام التي في وسعه إدراكها بعد معرفته للخالق الصانع المدبر، وقالوا على العاقل أن يكف عما قبح في عقله، مثل قتل الحيوانات وأكل لحومها لأن إيلام الحيوان وذوات الأرواح قبيح في العقل، ولولا تجويز الشريعة له لما كان حسنا أن يأتي إنسان إلى ذي روح مثله فيقتله ويأكله، ولكن لا حظ فيما استقبحت مع ورود الشرائع بالإباحة» (3). والملاحظ أن جمهور الإباضية يرون اعتبار العقل مصدرا للحكم عند عدم الشرع. ولكن الغزالي يحدد دور العقل بكونه دليلا مقررا للنفي الأصلي، وليس مثبتا لحكم جديد (4). الله تثبت بالعقل والرسل، فلزمت كل من بلغ عاقلا، ولذلك أوضح المزاتي أن «حجة الله على عباده قد لزمت جميع البالغين الصحيحي العقول، بسماع وبغير سماع، ولا عذر لأحد في عصيان الله، سمع أو لم
وحجة
1) العوتبي، جواب (ضمن السير والجوابات) 2: 39 فما بعد.
2 المزاتي، التحف، 21 و 21 ظ. 3) الكندي، بيان الشرع 2 302/ 301. - الأصم النور، 179. (4) الغزالي، المستصفى، 1: 100.
130 (1/130)
صفحة 130
E 3
يسمع
» (1). والحجة هنا هي فلا يعلم إلا بالسماع.
الفصل الأول: المعرفة والدليل
اعتقاد وجود الله الخالق الصانع، أما طريق العبادة
هذا ما ذهب إليه الملشوطي أن حجة الله قامت على النقل وقريب من
وحده فذكر اتفاق الناس على أن الله الحجة البالغة، وأنها لزمت جميع البالغين الصحيحي العقول.
ثم يضيف قائلا إن أصحابنا في ذلك ومن قال بقولهم: إن حجة الله على عباده الرسل والكتب، وقد لزمت جميع البالغين بسماع أو بغير سماع، ومن كان على هدى فبسماع ومن كان على ضلالة قامت عليه، سمع الله وإن لم يسمع فبعدل الله
يسمع، غير معذور، إن
سمع فبفضل
أو لم
عليه،
وتفريطه في الطلب والتعليم الذي فرض الله عليه، لقول الله تعالى: وَمَا
أرسلنا مِن قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِيَ إِلَيْهِمْ فَسَتَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [النحل: 43] (2).
ويبدو هذا الرأي قاسيا إلى حد كبير، ولا يتأتى مع مقدمته بأن الله الحجة البالغة على عباده، وأنه لا تكليف بما لا يطاق أو بالمحال، بل هو إقحام للعقل في عالم الغيب لمعرفة الشرائع دون دليل السمع، ومعلوم أن ذلك مخاطرة لقطع البحر على لوح من خشب وهيهات أن ينجو من يفعل ذلك» (3). 2 إشكالية العقل والنقل: يذكر ابن بركة أن التعبد مأخوذ من عقل متبوع وشرع مسموع، فالعقل يمنع منه الشرع والشرع مسموع فيمالم يمنع منه العقل، لأن
متبوع فيما لا
الشرع لا
يرد بما يمنع منه العقل والعقل يتبع فيما لم يمنع منه الشرع» (4). ثم يضع قاعدة هامة للفصل بين المقامين وهي أن «الأحكام العقلية لا تكون أصلا للأحكام الشرعية، ولا تشبه الأحكام الشرعية الأحكام
(1) المزاتي، التحف، 20 و.
2 الملشوطي، أصول الدين، 12 ظ.
3) عبد الحليم محمود التفكير الفلسفي في الإسلام، 466.
4 ابن بركة المبتدأ، 128.
131 (1/131)
صفحة 131
الباب الأول: اجتهاد التأصيل
العقلية» (1).
E
يصح ورود
وقد يبدو أن ثمة جدلية بين العقل والنقل في هذا النص، ولكن الضوابط المذكورة آنفا توضح حدود العقل وحدود النقل. فجمهور الإباضية يذهبون إلى القول بتحكيم العقل عند عدم الشرع، ومن هؤلاء أبوسعيد الكدمي، وبشير بن محبوب بن الرحيل، وابن بركة، وأبو يعقوب الوَار خلاني (2). ولكنهم يجعلون النص مقدما على العقل، ولا يجنحون إلى تحكيم العقل على الشرع، كما فعلت المعتزلة الذين قالوا بأنه لا الشرع بخلاف مقتضى العقل، ولذلك ردّوا ما يخالف عقولهم. أما الإباضية فتقضي بأن العقل حاكم عند عدم الشرع، ولذلك لزم من يسمع شيئا من الشرائع أن يفعل ما يستحسن العقل فعله، وأن يترك ما يستقبحه العقل. واحتجوا لذلك بآيات من القرآن، منها قوله تعالى: أَيَحْسَبُ الإِنسَنُ أَن يُتْرَكَ سُدى} [القيامة: 36]. فهو مكلف على أية حال، ولكن لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} [البقرة: 286]. وهذا الوسع هو العقل الذي الله للإنسان، ولا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَاءَ اتَنهَا} [الطلاق:7]. فكان مما آتاه وجوب فعل ما يحسن في العقل وترك ما يقبح فيه، وذلك عند عدم النص، أما إذا ورد النص فلا حسن عندهم إلا ما حسنه الشرع، ولا قبح إلا ما قبحه الشرع. وبين الموقفين بون شاسع وتمييز واضح (3).
لم
منحه
وقضية التحسين والتقبيح كانت مثار جدل حاد بين طوائف المسلمين، استمرت قرونا عديدة. وجوهر الخلاف فيها: هل يستقل العقل بإدراك الحسن والقبح؟ أم إن هذا من خصوصيات الشارع، ولا مدخل للعقل في ذلك؟ وتعددت الآراء بين مُغال في اعتبار العقل ميزانا موثوقا به في كل حال لإدراك الحسن والقبح في الأشياء والأفعال، وبين مغال في إهداره في جميع الأحوال.
(1) ابن بركة، المبتدأ، 128.-الأصم، النور، 178. (2) السالمي، معارج الآمال، 1: 175. 3 السالمي، معارج الآمال، 1: 176/ 175.
132 (1/132)
صفحة 132
E 3
الفصل الأول: المعرفة والدليل
ورأي الإباضية أن العقل حجة، كما أن الشرع حجة، وأنه يحسن ويقبح كالشرع، ولكنه ليس على الإطلاق، بل إنه يفعل ذلك عند عدم الشرع، فإن
ورد الشرع بخلافه ترك مقتضى العقل وكان الحكم في الحقيقة للشرع (1). والتكليف بالأمر والنهي لا يقتضي الحسن والقبح، ولا يلزم أن لا يكلف الله العباد إلا من جهة، المصلحة، كما تقول المعتزلة، بل يكون التكليف للمصلحة، ويكون للابتلاء، ويكون رحمة. فتبين أن الشرع هو الميزان لا المصلحة ولا غيرها (2)، فمن الشرع يعرف حُسن الحسن وقبح القبيح لا من جهة العقل، إلا ما يتعلق بالعقل من جهة الواجبات والمستحيلات. كما أن المباح خارج عن حد الحسن و القبح (3). ولذلك فإنه لا تلازم بين نظر العقل حسنًا وقُبحا وبين تشريع الأحكام، بل المعيار الثابت هو الشارع، والعقل بعد
ذلك مؤازر وتابع (4). وانشق عن الإباضية رجل يدعى أحمد بن الحسين الأطرابلسي (؟)، تفرد بآراء شاذة كانت سببا لبراءة الإباضيَّة منه، ومن تلك الآراء قوله بأن حجة الله على عباده قامت على العقل وحده، وبه تعرف الأحكام وأخبار الغيب كالجنة والنار، وكل ما وافق قياسه اتخذه دينا وما خالفه نبذه وراء ظهره» (6). ورد الإباضية عليه مقالاته وحشروه في زمرة المعتزلة الذين رفعوا لواء
العقل واعتمدوه حجة مطلقة ودليلا مقدما للمعرفة.
وقد ردّ الإباضية شطط المعتزلة في اعتماد العقل في كل شيء، ونسب الملشوطي إليهم القول: «بأن حجة الله على عباده ما ركب فيهم من العقول
1 الشماخي، شرح المختصر، 21 و. 2 الجيطالي، القناطر، 1: 238/ 239.
3 الوارجلاني، العدل والإنصاف، 1: 63 - البَرَّادِي، البحث الصادق،58 و 60 و. 4) حول قضية التحسين والتقبيح عند الإباضية، ينظر كذلك _ محمد الكندي، بيان الشرع، 2: 304/ 303. - بشير بن محبوب، المحاربة، 5 ظ. الأصم النور، 275.
:
وحول مناقشة المعتزلة في هذه القضية، ينظر الغزالي المستصفى، 1: 55 فما بعد. (5) ينظر مزيد من آراء ابن الحسين الشماخي سير المشايخ 262 علي يحي معمر، الإباضية
بين الفرق الإسلامية. 273.
6) الملشوطي، أصول الدين، 13 و.
133 (1/133)
صفحة 133
الباب الأول: اجتهاد التأصيل
الصحيحة، وليس في الحكمة عندهم أن يكلف الله عباده إلا وقد جعل لهم مصالحهم التي يحتاجون إليها فيما كلفهم به، وقد أغناهم الله – زعموا – عن الطلب والسماع بعقولهم عن غيرهم مما يدركون بتفكيرهم، لما جعل في خلقه من الدلائل والبراهين، وذلك في معرفة الله دون ما سواها، ويلزمهم أن يبيحوا للناس ما دون ذلك من المحارم، ويوسعوا لهم إنكار الأنبياء وقتلهم، وإنكار الملائكة، وإنكار المنصوصات كلها من الجنة والنار والقيامة واجترؤوا على هذا كله وأباحوا للناس الشرك بالله. فما الذي أنكروا إذا على مشركي العرب الذين أقروا أن الله هو الذي خلقهم وخلق السماوات والأرض وأنكروا البعث والجنة والنار؟ وبانت فريتهم وخطوهم عند يعقل» (1).
أحد
من
ولا نوافق الملشوطي على هذه الإلزامات القاسية لقول المعتزلة، فإنه لا منهم يقول بإنكار المنصوصات من الجنة والنار ولا إباحة قتل الأنبياء وإنكار النبوة والملائكة. ولكن العدل يقضي بالحكم على رأيهم بأنه مرجوح فلا يُقدم العقل على الشرع، بل الشرع مقدم ومتبوع، إلا عند عدمه، فحينئذ يفسح المجال للعقل للاجتهاد قدر المستطاع. يتجلى لنا من هذا الحوار الساخن أن دليل العقل كان نقطة خلاف متميزة في منهج الإباضية عن منهج المعتزلة، فوقف الإباضية فيها موقفا وسطا، بينما منح المعتزلة العقل مساحة فوق طاقته، وجعلوه حكما في جميع الموضوعات، عقائدية كانت أم تشريعية.
والخطأ الذي وقع فيه هؤلاء هو إرادتهم تشييد ما وراء الطبيعة عالم الغيب على العقل، وهذا اتجاه خطير، لأنه انصراف عن النص الإلهي، ومحاولة فاشلة لإقامة مصدر المعرفة الغيب غير النبوة (2).
ونخلص من هذا إلى نتيجة مفادها أن الإباضية لم يلقوا بالعقل في زوايا
الإهمال، لأن الله خاطب بوحيه أولي الألباب، ونعى على قوم لا يستخدمون عقولهم في فهم الحق ودرك الحقيقة ونادى عليهم بالخذلان،
(1 الملشوطي، أصول الدين، 13 و.
2) عبد الحليم محمود، التفكير الفلسفي في الإسلام، 469.
134 (1/134)
صفحة 134
وذلك كثير في آيات القرآن (1).
الفصل الأول: المعرفة والدليل
كما أنهم لم يرفعوا العقل فوق مستواه، ولم يُؤثروه على النص، فأعملوه
في مجاله المشروع من إقامة الأدلة على وجود الله ونفي الشركاء عنه، وإثبات
النبوة وصدق الرسول ولكن لا قدرة له على التحسين والتقبيح فيما يتعلق به ثواب أو عقاب من الأحكام التشريعية الصرف. ثم يبقى له المجال فسيحا ليغدو وسيلة من وسائل فهم النص الشرعي، وتعيين مقاصده التقيد في ذلك كله بضوابط اللغة في استعمالاتها ودلالاتها، وقرائن الأحوال التي تعين على فهم المراد. وهذا ما سيتجلّى في مباحث تفسير النصوص، وفي إثبات بعض المصادر التبعية كالاستصحاب والاستحسان، وفي قضايا النسخ؛ ما يجوز أن ينسخ منها وما لا يجوز. فالأحكام العقلية ثابتة ولو لم يرد بها شرع، أما الأحكام الشرعية فلا يعرفها العقل ابتداء، ولكن قد يدرك حسنها وقبحها اتباعا لحكم الشرع. ولئن ذهب بعض الإباضية إلى إثبات الأحكام بالعقل عند عدم ورود الشرع؛ فإنهم اتفقوا على أنه لا حكم عند ورود الشرع إلا للشرع، وهذا هو الفيصل الفارق بينهم وبين المعتزلة (2). ويؤكد الدكتور عمار طالبي أن الخوارج [ويقصد هنا الإباضية، على عادة جمهور الكاتبين عنهم] أول من فتح باب المشكلات الدينية، والفقه السياسي العقلي. وبذلك برهنوا على نفاذ في الفكر، وقوة في الاستدلال، وبراعة في إثارة المشكلات» (3).
وقالت سهير القلماوي عن الخوارج: «لقد كانوا هم الذين فتحوا في عصر متقدم بابا كان لا بد من فتحه للعقل المسلم، وهو باب الفقه والفلسفة الدينية. فبرهنوا بذلك على قوة من التفكير تسبق أوانها لحدتها. ولكنهم عجزوا أن يكونوا فرسان هذا الميدان بعد أن فتحوه. وإن كانت الإباضية
1) فرحات الجعبيري البعد الحضاري للعقيدة عند الإباضية مقدمة الشيخ أحمد الخليلي)
13/ 1:12
2) السَّالِمِي، شرح طلعة الشمس 2 +240/ 237 = مشارق أنوار العقول، 42/ 43. 3 عمار طالبي آراء الخوارج الكلامية، 1: 114.
135 (1/135)
صفحة 135
الباب الأول: اجتهاد التأصيل
قدمت للفقه الإسلامي شيئا هاما فيه ... فبعد بها إلى حد ما الشبه بينها وبين
الخوارج» (1).
-3 أدلة الأحكام مفهوما وتقسيما:
يعرف العوئبي الأصل بأنه ما عرف به حكم غيره، والفرع ما عرف حكمه بغيره» (2). وفي موضع آخر يذكر أن «الأصول ما جاء في كتاب الله والسنة والإجماع فما وجد في هذه الثلاثة فهو أصل وما لم يوجد فهو فرع. ويقاس عليهن ما لم يذكر في إحداهن» (3).
وجاء تعريف الإمام السَّالِمِي للأصل انطلاقا من المعنى اللغوي، أنه ما يبتنى عليه غيره، كأصل الجدار بمعنى أساسه وأصل الشجرة لجذعها. ونقل في الاصطلاح إلى الأدلة التي تبنى عليها الأحكام. وقد يراد به الدليل مطلقا، أو أركان الإسلام كالصَّلاة والزَّكاة. والمقصود في هذا المقام أدلة الأحكام (4). فأصول الفقه يُعنى بها القواعد الكلية التي يُبنى عليها الشرع (5). كما تسمى
أيضا مصادر التشريع. وتناول المحدثون تعريف أصول الفقه باعتبارين: الإضافة والعلمية (6). فالأول بالنظر إلى إضافة الأصول إلى الفقه والثاني باعتباره علمًا على علم قائم بذاته، يتناول أدلة الأحكام وطرق الاستنباط وقواعد الترجيح. وهذا يعود بنا إلى أول البحث، إذ إن حديثنا هنا عن أصول الأدلة لا عن علم أصول الفقه، الذي اصطلحنا على تسميته بمنهج الاجتهاد. كما أن متقدمي الإباضية لم يذكروا هذا التنويع في تعريف علم الأصول، جريا على عادتهم في عدم الإسراف في التعاريف. وبالنسبة لأصول الأدلة، فإن الإباضية يعتمدون في إثبات الأحكام نفس
(1) سهير القلماوي، أدب الخوارج في العصر الأموي، 42/ 43.
2) العوتبي، الضياء، 3: 7.
3 العوئبي، الضياء، 3: 10. 4 - السالمي، طلعة، 1: 21.
5) الرواحي، نثار الجوهر، 1: 74.
6 السالمي، طلعة، 1: 18 فما بعد. – الرواحي، نثار الجوهر، 1: 74.
?
136 (1/136)
صفحة 136
الفصل الأول: المعرفة والدليل
المصادر التي ارتضاها جمهور المسلمين متمثلة في العقل والنقل. وتحت كل صنف توجد أدلة متعددة، وبعض الأدلة مختلف في تصنيفها، إذ جعلها بعضهم من أدلة العقل بينما صنفها آخرون ضمن الأدلة النقلية.
وقد حصر ابن بركة «حجج التي تعرف بها الأحكام في الكتاب والسنة واتفاق الأمة وحجة العقل» (1)، ثم قيد الكدمي حجة العقل فيما وافق هذه الأصول الثلاثة (2)، سيرا مع منهج الإباضية في تقديمهم النقل على العقل. أما الوَارجُلانِي فيؤكد على اعتبار الأدلة أربعة، وأنه لا خامس لها إلا التقليد، والحق في التقييد دون التقليد (3)، وهو ما ذهب إليه الغزالي أن الأدلة أربعة الكتاب والسنة والإجماع ودليل العقل المقرر على النفي الأصلي (4). ثم يضيف ابن بركة دليلا خامسا مبينا أن الحق يُعرف من كتاب الله وسنة
وإجماع الأمة،
العلية الرسول ومن حجة العقل، ومن الأخبار المتواترة (5). واتفقت كلمة ابن بركة في هذا التقسيم مع بعض العلماء كالبسيوي والعوتبي، إذ جعلوا المتواتر من الأخبار دليلا خامسا (6). ولكن لم يتابع أصوليو الإباضية هذا التقسيم، إذ عدّوا الأخبار المتواترة ضمن دليل السنة.
بيد أن البَرَّادِي فصل بين دليل السنة ودليل الأخبار مطلقا دون تقييده بالتواتر، معللا ذلك بأن مصطلح السنة لدى أئمتنا أي الإباضية يعني القطعي الثابت عن رسول الله، السنة وهو المتواترة، وتعد حجة قطعية يكفر جاحدها. أما الأخبار فهي ما دون ذلك، وتشمل المشهور والآحاد. فالسنة على أصولهم على وجهين وجه يقطع به ووجه لا يقطع به (7). ولم ينفرد الإباضيه بهذا المنهج في الفصل بين السنة والأخبار، بل سار عليه إمام الحرمين الجويني من قبل، معللا بنفس التعليل الذي أورده البَرادِي،
(1) ابن بركة، التعارف 6.
2) الكدمي، المعتبر، 9 ظ.
(3) الوار جلاني، الدليل والبرهان،2: 18. (4) الغزالي، المستصفى، 1: 100
5 ابن بركة المبتدأ، 105. (مخ)
6) العوئبي، الضياء، 3 - البسيوي، سيرة، ضمن السير والجوابات) 2: 65.
(7) البَرادِي، البحث الصادق، 1: 68 ظ/ 69 و.
137 (1/137)
صفحة 137
الباب الأول: اجتهاد التأصيل
E
وهو أن السنة ما ثبت عن الرسول قطعا، وأما الخبر فهو ما نقل آحادا،
(1)
فلا نجزم يقينا بثبوت نسبته إلى النبي أما الملشوطي فعدل عن ذكر دليل العقل إلى دليل العبرة، وقرر أن الحلال الحرام يدرك بالسمع من أربعة أوجه الكتاب والسنة والإجماع والعبرة (2). وهو لا يلغي دليل العقل وإنما اكتفى هنا يجعل حديثه محصورا في الأدلة النقلية، وتتضمن العبرة دليل القياس أو معقول النص.
ثم يختصر المزاتي هذه الأدلة في ثلاثة مجيبا عن سؤال: كم وجها جاء عليه الدين؟ فقال: على ثلاثة أوجه التنزيل والسنة ورأي المسلمين، ومن أنكر التنزيل والسنة ورأي المسلمين فهو كافر» (3). ولعله عنى بذلك قضايا الديانة التي يقطع فيه عذر المخالف، ولذلك كانت أدلتها محصورة في المصادر القطعية: الكتاب والسنة والإجماع، أما سائر الأحكام العملية فتسعها هذه الأصول وغيرها من المصادر التبعية.
لأجل هذا الاعتبار أدرجت هذه الأصول ضمن نصوص العقيدة، فذكر عمرو بن جميع في كتابه مقدمة التوحيد أن كمال التنزيل ثلاثة: الكتاب والسنة والرأي» (4). ولكن الشماخي بين أن المراد بكمال الدين حكم جميع النوازل، لأن بعضها يؤخذ من الكتاب وبعضها من السنة وبعضها تستنبط من الرأي لمن علم أصول الاجتهاد وقوانين القياس (5).
والذي يزيل الإشكال هو التمييز بين مصطلح "الرأي" لدى ابن جميع ومصطلح " رأي المسلمين " لدى المزاتي الذي يعني الإجماع لا عموم
الاجتهاد (6).
1) الجويني، كتاب التلخيص، 1: 174/ 173. (2) الملشوطي، الأدلة، 4 و 4 ظ.
3) المزاتي، التحف المخزونة، 8 ظ.
4 عمرو بن جميع مقدمة التوحيد، (بشرح الشماخي والتلاتي)، 43.
الكتاب
5) الشماخي، شرح مقدمة التوحيد، 44/ 43. 6) ويدل على ذلك أن الوارجلاني، ذكر في العدل والإنصاف أن أصول الأدلة والسنة والإجماع. وذكر في الدليل والبرهان أنها الكتاب والسنة ورأي المسلمين. - الوَارِجلاني،
هي
138 (1/138)
صفحة 138
الفصل الأول: المعرفة والدليل
هذا عند متقدمي الإباضية، أما متأخروهم فيضيفون دليلا خامسا هو الاستدلال. ويقول الإمام السَّالِمِي: (الأدلة الشرعية خمسة: أحدها الكتاب، ثانيها السنة ثالثها الإجماع رابعها القياس خامسها الاستدلال» (1). ثم يوضح الرواحي معناه بأن المراد) به طلب الدليل مما لم تأت به الدلائل الأربع، فمن ذلك الاستدلال باستصحاب الأصل، ومنه قياس العكس، ومنه الاستقراء. .» (2).
وهو دليل وقع الخلاف في حجية بعض أنواعه، كما سيتضح في الحديث عن المصادر التبعية. وفي تقسيم الأدلة نجد الوارجلاني قد سلك سبيلا مخالفة لما اختاره كثير من الأصوليين، فلم يصنفها إلى أدلة متفق عليها وأدلة مختلف فيها، بل جعلها على ثلاثة أقسام أصل ومعقول أصل واستصحاب حال الأصل، وينقسم الأصل ثلاثة أقسام: الكتاب والسنة والإجماع، وينقسم معقول الأصل ثلاثة أقسام: لحن الخطاب وفحوى الخطاب و معنى الخطاب وهو العبرة، وينقسم استصحاب حال الأصل ثلاثة أقسام: براءة الذمة وشغل الذمة
والاستحسان» (3). وعلى هذا التقسيم سار أبو الوليد الباجي في كتابيه الإشارات والمنهاج (4). كما تبعه ابن بدران في المدخل (5). وهنا يقتضي المقام التمييز بين الأدلة القطعية والأدلة الظنية، لتعلق أحكام بهذا التقسيم. فالأدلة القطعية ثلاثة: الكتاب والسنة والإجماع، ومن أنكر واحدا منها أشرك وهن أصل للقياس (6).
ويثير البرادي جدلية كون بعض أصول الفقه أدلة قطعية أم مجرد أمارات
العدل، 1: 18. = الدليل، 3: 5. 1)
1 السالمي، شرح طلعة الشمس، 1: 26.
2 الرواحي، نثار الجوهر، 1: 82
3 الوارجلاني، العدل والإنصاف -1 18. الدليل والبرهان، 3: 5
=
4 الباجي الإشارات، 6/ 5 - المنهاج في ترتيب الحجاج، 15. 5 ابن بدران المدخل إلى مذهب الإمام أحمد بن حنبل، 143. 6) اطفيش، شامل الأصل والفرع، 1: 9.
139 (1/139)
صفحة 139
الباب الأول: اجتهاد التأصيل
ظنية، فالأدلة الدالة على أحكام الشرائع هي أصولها، وهذه الأصول التي تثبت بها الأحكام هي في الحقيقة أمارات تثبت عندها الأحكام، وشتان ما
بين ما يثبت به الحكم، وما يثبت عنده ولذلك لم يعد أخبار الآحاد ضمن الأدلة، لأنها لا توجب علما ولا تثبت حكما مقطوعا به بأنفسها، بل بقاطع
قبلها وهو قوله تعالى: وَمَاءَ الكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا [الحشر:7]. فحجيتها قامت باعتبار أنه وجب علينا العمل بها، وإن كان يمكن أن يكون الأمر بخلاف ما غلب على ظنوننا. وكذلك الحال بالنسبة لدليل القياس فإنما يثبت الحكم بالعمل به، ولا
يفيد القطع (!). واعتبر الوارجلاني معرفة الفقه وأصوله غير مضبوطة لكثرة الاختلاف في فصولها، وقلة الاتفاق على أصولها وكثرة التنازع في محصولها. لأنها بنيت على أمارة وإشارة وبراهينها مقصورة على تلويحات وتنبيهات، ولم تكن براهينها عقليات مطردات منعكسات فحججها غير مقطوع بها، ولا متفق
عليها» (2).
ثم يواصل أصوليو الإباضية سبيل تأصيل هذه الأدلة وبيان علاقتها ببعضها، وتفريع ما ينجم عنها من قضايا ومباحث تشكل بمجموعها شجرة علم الأصول. فالأدلة السمعية ما ثبت علمه بالكتاب أو السنة أو الإجماع أو القياس؛ فالكتاب أصل للسنة والسنة أصل للإجماع والإجماع أصل للقياس» (3). وينحو الكدمي اتجاها آخر تصاعديا لتأصيل هذه الأدلة، فيبين أنه «ثبت إجازة الرأي) أي القياس) من الإجماع ومن السنة ومن الكتاب، وثبت الإجماع من الكتاب والسنة، وثبتت السنة من الكتاب، وثبت الكتاب عن الله
تعالى لاشك في ذلك - - معي
ولا ريب» (4).
1) البَرادِي، البحث الصادق، 1: 67 ظ/ 68 و. 2 الوار خلاني، العدل، 1: 2. (3) السوقي، السؤالات، 103. 4 الكدمي المعتبر، مخ= 11 ظ - مط = 1: 18.
140 (1/140)
صفحة 140
الفصل الأول: المعرفة والدليل
ويفصل البسيوي كيفية ثبوت حجية هذه الأصول بأن حجة الكتاب قامت بقوله تعالى: اتَّبِعُوا مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ} [الأعراف:3]. وغيرها من آي القرآن.
وثبتت السنة بقول الحق تبارك وتعالى: وَمَاءَ انَنَكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا تهنكم عنه فانتهوا} [الحشر: 7]. وقوله: {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِه أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [النور:63]. وقوله: {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ
حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [النساء:65].
وحجة العقل قوله تعالى: فَاعْتَبِرُوا يَتَتأُولِي الْأَبْصَرِ} [الحشر: 2]. وحجة تواتر الأخبار أننا نعلم بالأخبار ما كان قبلنا ولم نشاهده وندرك زمانه من الحروب والمحن النازلة، وأخبار المدن والبلدان البعيدة، وأخبار النبي وأصحابه، فصح ذلك بالأخبار. فمن هذه الوجوه تقوم الحجة على العقلاء المكلفين بمعرفة ما تعبد الله به عباده مما افترض عليهم من معرفته وتوحيده ومعرفة أسمائه ورسله وما جاءت به الأنبياء، وما جاء به محمد من عند ربه (1).
واستدلال البسيوي هذا فيه تداخل ودَوْر، إذ استدل على حجية الأخبار المتواترة بدليل التواتر نفسه، وأثبت حجية الكتاب بالكتاب نفسه، واستدل
للسنة بالكتاب. والمنهج يقتضي إثبات الكتاب دليلا قائما بنفسه، ثم إسناد الأدلة الأخرى إليه في ثبوت حجيتها. وقد عرضنا في الحديث عن دليل العقل إلى القضية الأولى، فحين يُثبت العقل وجود الخالق المرسل وصحة الرسالة وصدق الرسول؛ يتبع ذلك ويلزم عنه ثبوت سائر الأدلة. وينفرد الغزالي بإبعاد العقل عن أدلة الأحكام بعد أن بين أن أصل
ووردت الكلمة بصيغة (معنى). والراجح أنها "معي" وإلا كان المعنى غير مفيد. وقد تكررت كثيرا في النسخ المخطوطة والمطبوعة.
1) البسيوي، الجامع
141 (1/141)
صفحة 141
الباب الأول: اجتهاد التأصيل
الأحكام واحد، وهو قول الله تعالى، إذ قول الرسول ليس بحكم ولا ملزم، بل هو مخبر عن الله تعالى أنه حكم بكذا وكذا، فالحكم الله تعالى وحده، والإجماع يدل على السنة، والسنة على حكم الله تعالى، وأما العقل فلا يدل على الأحكام الشرعية، بل يدل على نفي الأحكام عند انتفاء السمع، فتسمية العقل أصلا من أصول الأدلة تجوز (1).
من
ويحوصل ابن خلفون أصول الأحكام ومباحثها باعتبار أن كل حادثة لا تخلو من حكم الله فيها، إما أن يكون منصوصا عليها بعينها بأخص أسمائها، أو مدلولا عليها في الجملة مع غيرها، فإذا وردت عليك مسألة فالتمسها في الأصل الذي هو نصوص الكتاب ومتواتر السنة وإجماع الأمة، فإن لم تجدها فالتمسها في معقول الأصل من لحن الخطاب وفحواه ودليله ومعناه، وأخبار الآحاد، فإن لم تجدها فاستصحب حال الأصل من شغل الذمة وبراءتها حتى يتبين لك وجه الحق ذلك» (2). ثم يؤكد أن الواجب اعتماد الدليل لمعرفة الأحكام واجتناب التقليد، فإنه «لا يجوز لمن له أدنى تحصيل من النظر تقليد، عالم، وإن عظم قدره وجلت منزلته، صحابيا كان أو غيرهم ممن دونهم لقوله تعالى: فَإِن تَنَزَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلى اللهِ وَالرَّسُولِ [النساء: 59]. ومعنى الرد إلى الله: لكتابه، وإلى الرسول: لسنتِه، فهذا الرد هو الاجتهاد ... وهذا لمن كملت له آلة الاجتهاد، ومن لم تكمل لديه فحسبه أن يكون مستفتيا لا مفتيا وسائلا لا مسؤولا» (3). وثمة تصنيف آخر للأدلة بناء على مصدرها فهي إما وحي أو غير وحي، والوحي إما متلوّ وهو القرآن أو غير متلوّ وهو السنة وغير الوحي يشمل من الإجماع والقياس والأدلة التبعية (4). ولم يتعرض الإباضية لهذا
بقية الأدلة
التصنيف.
كما أنها تصنف إلى أدلة نقلية وعقلية فالنقلية تتضمن الكتاب والسنة
1) الغزالي المستصفي 1: 101 - يراجع أيضا ابن خلفون، أجوبة، 102/ 101.
2 ابن خلفون أجوبة، 102.
3 ابن خلفون أجوبة 103.
4) وهبة الزحيلي أصول الفقه الإسلامي،1: 417.
142 (1/142)
صفحة 142
الفصل الأول: المعرفة والدليل
والإجماع، والعرف وشرع من قبلنا وقول الصحابي. أما العقلية فيندرج تحتها القياس والمصالح المرسلة والاستحسان والاستصحاب والذرائع. وكل من النوعين مفتقر إلى الآخر، فإن الاجتهاد لا يُقبل دون الارتكاز على أساس الأدلة النقلية والأدلة النقلية لا بد فيها من التعقل والتدبر والنظر
الصحيح.
143 (1/143)
صفحة 143
الباب الأول: اجتهاد التأصيل
الفصل الثاني: دليل الوحي - الكتاب والسنة)
المبحث الأول: حجية الكتاب
1 - تعريف الكتاب:
?
ينطلق الحديث في هذا المقام من تعريف القرآن، ثم بيان حجيته، وما ذلك يتفرع عن من مسائل. والقرآن اسم لكتاب الله تعالى، وله أسماء عديدة ورد ذكرها في ثناياه،
منها: الذكر الحكيم، الفرقان، النور الكتاب، الهدى، وغيرها. وتعارف الأصوليون استعمال كلمتي القرآن والكتاب أكثر من غيرهما. وأصل الكلمتين في اللغة مأخوذ من القراءة والكتابة، فهو مقروء ومكتوب (1). ومنه قوله تعالى: فَإِذَا قَرَأْتَهُ فَاتَبِعْ قُرْهَانَهُ [القيامة: 18]. وقوله: ذلِكَ الْكِتَبُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ} [البقرة: 2]. فهو في أصل اللغة لكل مكتوب، ثم غلب إطلاقه على القرآن، حتى أصبح علما بالغلبة في عرف أهل الشرع، كما غلب في عرف أهل اللغة على كتاب سيبويه (2). والكتاب عند الإطلاق اسم لكتاب الله ل دون سواه، وإنما تسمّى
الكتب بالإضافات إلى مؤلفيها وإلى أنواعها وموضوعاتها (3). ويهدف الأصوليون من تعريف القرآن وتحديده لأغراض عملية هامة، منها بيان ما تجوز به الصلاة وما لا تجوز، وما يكون حجة في استنباط الأحكام وما يكفر جاحده وما لا يكفر (4).
لم يُعن الصدر الأول من علماء الإسلام بمبحث التعاريف، لاعتمادهم على المعاني الشائعة وعدم تأثرهم بالصناعة المنطقية التي عرفها الفكر الإسلامي لاحقا.
-
1) العوئبي، الضياء 2 187. فما بعد. - القلهاتي، الكشف والبيان، 1: 270. فما بعد، (2) السالمي شرح طلعة الشمس:1: 26 الرواحي، نثار الجوهر، 1: 76. ـ الزحيلي، أصول
الفقه، 1: 420
3) العوئبي، الضياء، 2: 179. - القلهاتي الكشف والبيان، 1: 263. (4) الزحيلي، أصول الفقه، 1: 421.
144 (1/144)
صفحة 144
الفصل الثاني: دليل الوحي
فالشيخ سلمة بن مسلم العوئبي يورد أسماء القرآن التي وردت خلال سُوَره وآياته، ويذكر إجماع الأئمة على هذه الأسماء وقد قالت الأمة بأجمعها هو القرآن كلام الله تعالى ووحيه وتنزيله» (1).
ويتحدد التعريف واضحا لدى الكدمي الذي قرر قطعية ثبوت النص القرآني بقوله: ولا ريب أنه كله منزل من رب العالمين، نزل به الروح الأمين جبريل، أمين رب العالمين من الكتاب المحفوظ على قلب محمد ليكون ذلك مبين، وأن جميع عن تبارك وتعالى رب
من المنذرين، بلسان عربي
العالمين» (2).
الله
وليس هذا تعريفا مبتدعا، بل هو تعريف القرآن للقرآن؛ كما جاء في سورة الشعراء وَإِنَّهُ لَتَنزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلَى قَليكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ (1) بِلِسَانٍ عَرَبيّ مُّبِين [سورة الشعراء: 192 - 195].
(194
وضبط الإمام السالمي تعريف القرآن بقوله: أما الكتاب فهو نظم نزلا على نبينا وعنه تقلا تواترا، وكان في إنزاله إعجاز من ناواه في أحواله (3) فميزه بكونه كلاما منظوما منزلا على النبي، منقولا بالتواتر، متصفا بالإعجاز (4).
وزاد بعضهم كونه مجموعا بين دفتي المصحف (5).
واتفقت كلمة المسلمين على اعتبار القرآن كلام الله تعالى، لقوله:
يَسْمَعُونَ كَلَمَ اللهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ [البقرة: 75]. وفي الحديث عن مسروق عن عبد الله أنه قال: «القرآن كلام
1) العوئبي، الضياء 2 187 - القلهاتي الكشف والبيان، 1: 270.
(2) الكدمي، المعتبر، مخ= 11 ظ./ مط=1: 18.
3 السالمي، شرح طلعة الشمس، 1: 27.
3)
4) عرف السوفي المعجزة بانها " كل فعل ناقض للعادة، ظاهر على يد من يدعي النبوة، التحدي وظهور التعذر على المتحدين .. السوفي، السؤالات 112.
5) حول قيود التعريف وشرحه، ينظر: السَّالِمِي، شرح طلعة الشمس، 1: 27. فما بعد.
145
مع (1/145)
صفحة 145
الباب الأول: اجتهاد التأصيل
الله من قال غير هذا فقد كفر» (1).
ومنهم من الله
ثم تباينت مواقف المسلمين بعد ذلك، فمنهم من توقف هنا، قال: إن القرآن ليس صفة ذات الله تعالى، فهو كلام بمعنى ما تكلم به وخلص إلى أنه مخلوق. ونشبت حرب كلامية تعدت حدود الحوار والجدال الحسن إلى التبديع والتفسيق وانتهاك الحرمات وعُرفت هذه القضية بقضية خلق القرآن، ونال المسلمين من فتنتها بلاء كبير. وجل الإباضية على القول بخلق القرآن وبعضهم على خلاف ذلك (2). والأدلة على الموقفين مبسوطة في مظانها من كتب علم الكلام (3). وحي القرآن:
يرد في تعاريف القرآن أنه كلام الله الموحى إلى النبي
بالإعجاز.
المتصف
والوحي في لغة العَرَب يرد بمعان عديدة، منها: وحي النبوة، ووحي الإلهام، ووحي الإشارة، ووحي الكتابة (4). أما وحي النبوة فهو اتصال النبي بخبر السماء دون أن ندرك حقيقة ذلك، لأنها حالة لا تخضع للتجربة أو الممارسة وإنما يبقى أثرها مما يخبر به النبي أو الرسول (5).
1) ابن، وصاف الحل والإصابة 1: 51 ظ.
2 ذهب ابن النظر من الإباضية إلى عدم القول بخلق القرآن وكتب في ذلك قصيدة في ديوانه "الدعائم"، وأيده في ذلك شارحه ابن، وصاف، خلافا لجمهور الإباضية. ينظر: ابن وصاف، الحل والإصابة، 1: 50 ظ 58 و.
3) أحمد الخليلي، الحق الدامغ، 97 فما بعد.
(4) العوتبي، الضياء 2: 185 القلهاتي، الكشف والبيان، 268. 5 شكك بعض الكاتبين في صحة الوحي، وحاول تفسيره بأنه نوع من الصرع يصيب الإنسان، وقد ردّ عليهم المحققون ردًا وافيا. وقد تناول مالك بن نبي ظاهرة الوحي بالدراسة والتحليل مبرزا خصائصها التي تميزها عن الصرع، وما أشبهه من العوارض التي تصيب الإنسان. وأثبت أن الوحي حق من عند الله ينظر: مالك بن نبي الظاهرة القرآنية، 167 فما بعد. مع مقدمة الكتاب الهامة للأستاذ محمود محمد شاكر - وانظر كذلك دراسة الدكتور محمد سعيد
رمضان البوطي كبرى اليقينيات الكونية، 186 - 195.
146 (1/146)
صفحة 146
E
الفصل الثاني: دليل الوحي
والوحي الخاص برسول الله صلى الله عليه وسلم كان على عدة صور: أن يأتيه في مثل صلصلة الجرس، وهي أشد حالات الوحي عليه. أن يأتيه الملك في صورة الرجل فيكلمه ومنه حديث سؤال النبي عن أركان الإسلام والصحابة شاهدون
أن ينفث في رُوعِه الكلام نفئاً، ومنه حديث: «إِنَّ رُوحَ القُدس نَفَثَ في روعي أن نفسا لن تموت حتى تستوفي رزقها وأجَلَهَا، فَاتَّقُوا اللَّهُ وَأَجْمِلُوا في
الطلب» (1).
أن يلهمه الله ذلك المعنى بغير واسطة الملك، كما قال تعالى: وَمَا كَانَ لبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ اللهُ إِلَّا وَحْيا أَو مِن وَرَاي حِجَابٍ)) [الشورى: 1].
ه أن يأتيه الملك في النوم بما يأمره به الله (2)
وأورد السوفي استعمالات الوحي بمعانيه المتعددة في القرآن، ومنها: الإرسال الإلهام، الأمر البيان، الوسوسة، الإشارة (3). 2 - إعجاز القرآن
وعدم القدرة. وعجز عن
تعتبر قضية الإعجاز محور الارتكاز في ثبوت حجية القرآن. والإعجاز في اللغة من العجز وهو الضعف الأمر إذا قصر عنه، وأعجزني فلان إذا فاتني ولم أستطع إدراكه (4). وقد درج الأصوليون على تناول هذه القضية في ثنايا تعريف القرآن، غير
1) لفظ الحديث عند ابن ماجه عن جابر بن عبد الله، قال: قال رسول الله: «أيها الناس اتقوا الله وأجملوا في الطلب، فإن نفسا لن تموت حتى تستوفي رزقها وإن أبطأ عنها، فاتقوا الله وأجملوا في الطلب، خذوا ما حل، ودعوا ما حرم.
سنن ابن ماجه، کتاب التجارات باب الاقتصاد في طلب المعيشة، حديث:2141. ولفظ الحاكم: «عن جابر، قال: قال رسول الله: إن أحدكم لن يموت حتى يستكمل رزقه، فلا تستبطئوا الرزق، واتقوا الله أيها الناس، وأجملوا في الطلب، خذوا ما حل ودعوا ما حرم». المستدرك على الصحيحين للحاكم، كتاب البيوع، حديث: 2076.
(2) السالمي، شرح طلعة الشمس 2: 3.
3 السوفي، السؤالات، 102/ 101. (مخ). 4 ابن منظور، لسان العرب مادة عجز، 4: 2817.
147 (1/147)
صفحة 147
الباب الأول: اجتهاد التأصيل
أن أبا حامد الغزالي لم يشترط الإعجاز في تعريف القرآن؛ معللا ذلك بأن المعجزة دلالة على صدق النبوة، لا على كون القرآن حتما كتاب الله، ولأن
بعض الآية ليس بمعجز.
واكتفى الغزالي بشرط التواتر لصحة القرآن لأن التواتر يحصل به العلم
يقينا (1).
وهذا تعليل غير مسلّم، لأن تحدّي القرآن لمنكري الرسالة كان متجها إلى غايتين متلازمتين؛ أولاهما صدق الرسول وصحة الرسالة، والثانية كون
الله
عند الكتاب من وقد صرح القرآن أن التحدّي لم يكن قاصرا على جانب واحد؛ أفلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْءَانَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا
[النساء: 82].
قُل لين اجْتَمَعَتِ الْإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْءَانِ لَا يَأْتُونَ
بِمِثْلِهِ، وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضِ ظَهِيرًا} [الإسراء: 88].
دينهم
أما كيف ثبت إعجاز القرآن فقد تحدّى العرب بعد أن سفّه وآباءهم، وطالبهم بمعارضته. وكانت دواعي التحدي قائمة، والعرب أهل حَميّة، وأنفة، ولم يكن ثمة مانع يحول دون غايتهم من المعارضة. ثم لم يحدد الله امدا لذلك، بل أمهلهم في الأجل، ولكنهم أثبتوا عجزهم عن الإتيان مثله، فصدق أنه كتاب حق من عند الله (2). بسورة من وذكر السوفي والملشوطي أن الحجة في الكتاب ثبتت بأمرين: الإعجاز، والإجماع على أنه كتاب حق (3).
لهم
وأقل ما يثبت به الإعجاز في القرآن سورة واحدة، لقوله تعالى: {وَإن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِن مِثْلِهِ، وَادْعُوا شُهَدَاءَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ إِن
(1) الغزالي، المستصفى، 1: 101
(2) ابن بركة، الجامع:1 52 فما بعد العوتبي، الضياء، 2: 196. القلهاتي، الكشف والبيان،
178:1
3 السوفي، السؤالات 111 الملشوطي، الأدلة والبيان، 4 ظ.
148 (1/148)
صفحة 148
E
الفصل الثاني: دليل الوحي
كنتم صدِقِينَ} [البقرة: 23]. وقوله أيضا: أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَنهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ، وَأَدْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ صَدِقِينَ} [يونس: 38]. وذكر ابن بركة مقالة بعضهم باحتمال وقوع معارضة للقرآن لم تُنقل إلينا. فردّها وسفهها؛ لأنها تشكك في ثبوت الإعجاز وقيام التحدي المعلن من قبل الله للثقلين جميعا (1). كما أنه يستحيل خفاء مثل هذا الأمر، لأنه مما تدعو الضرورة إلى شهرته وبلوغه الآفاق، كما اشتهرت أخبار الرسول صلى الله عليه وسلم مع قومه، وحال دعوته من مبعثه إلى وفاته. فدل هذا على ثبوت الإعجاز، وصدق الرسول، وحجية القرآن (2).
وفي بيان وجوه الإعجاز في القرآن تركزت جهود القدامى على جانب الإعجاز البلاغي، مع إشارات إلى الإعجاز الغيبي سواء ما تعلق بغيب المستقبل؛ أم بغيب الماضي السحيق.
وقد حصر السوفي وجوه الإعجاز في ثمانية: (1) الإيجاز والبلاغة، ومثل له بآية وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَوةٌ يَتأُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة: 179].
(2) البيان والفصاحة، ومنه ما حكى أبو عبيدة أن أعرابيا سمع رجلا يقرأ فَلَمَّا اسْتَيْتَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا بِجَيَّا [يوسف: 80]. قال: أشهد أن مخلوقا لا يقدر على مثل هذا الكلام.
(3) أن قارئه لا يكل، ومستمعه لا يمل.
(4) كونه خارقا للعادة وخارجا عن سائر منظومات العرب، سجعا وشعرا وخُطبا وأمثالا.
(5) ما انطوى عليه من أخبار الغيوب المستقبلة.
(6) ما أخبر به من أخبار الماضين وأحاديث الأولين، كقصص الرسل
وأصحاب الكهف وذي القرنين.
(1) ابن بركة الجامع، 1: 52 فما بعد.
(2) العوئبي، الضياء، 2: 196 - القلهاتي، الكشف والبيان، 1: 279.
149 (1/149)
صفحة 149
الباب الأول: اجتهاد التأصيل
(7) كونه جامعا لعلوم لم تكن في غيره من الكتب من الحلال والحرام والقصص والأخبار والمواعظ والأمثال.
(8) الصرفة، بصرف هممهم عن معارضته (1).
واختصر الشيخ اطفيش هذه الوجوه بقوله: (والإعجاز بالإيجاز والبلاغة والبيان والفصاحة وبعدم كلال قارئه وملل مستمعه، وبخرق العادة في نظمه، وبالإخبار بالغيب، وبأخبار من مضى، وجمعه علوما لم يجمعها غيره من حلال وحرام ومواعظ وأمثال وبصرف الهمة عن معارضته، وعارضه قليل فافتضحوا» (2).
- قضية الصرفة:
أثارت قضية الصرفة جدلا بين العلماء، إذ ذهب إلى القول بها جماعة؛
منهم إبراهيم النظام وبعض المعتزلة (3)؛ وهي بمعنى ان الله صرف همم العرب عن معارضة القرآن، أو أن الله أفقدهم القدرة على ذلك، ولو خلاهم لكانوا قادرين على أن يأتوا بمثله بلاغة وفصاحة ونظما (4). وممن قال بهذا الرأي ابن حزم في كتابه الفصل" في الملل والنحل" (5)، كما نسب القول به إلى أبي الحسن الأشعري (6).
هذا بينما ذهب جماهير العلماء إلى ردّ هذا الرأي فقد فنده ابن بركة (7) وحكى الأزكوي رأي الإباضية قائلا: وقال أهل الاستقامة إن القرآن معجز بنفسه، لا يقدر أحد أن يأتي بمثله» (8).
(1) السوفي، السؤالات، 115/ 114.
2 اطفيش الذهب الخالص 22/ 21 وحول هذا الإعجاز، ووجوهه، وعجز العرب عن معارضة القرآن ينظر القاضي عياض الشفا، 1: 258.
3 القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، 1: 75 (4) السوفي، السؤالات، 115 الأزكوي، كشف الغمة، 156 ظ.
(5) ابن حزم الفصل في الملل والأهواء والنحل، 3: 19/ 17.
6) ذكر ابن عاشور حكاية عضد الدين الإيجي للقول بالصرفة ونسبها في كتابه "المواقف" إلى النظام، والشريف الرضي وأبي إسحاق الإسفراييني. كما نسبها القاضي عياض في الشفاء إلى الأشعري. - القاضي عياض الشفا 1 267 ابن عاشور تفسير التحرير والتنوير، 1: 102.
(7) ابن بركة الجامع، 1: 52. فما بعد. 8 الأزكوي كشف الغمة، 156 ظ.
150 (1/150)
صفحة 150
الفصل الثاني: دليل الوحي
وأوضح القرطبي أن الإجماع حاصل على أن القرآن معجز بنفسه، لأن
فصاحته وبلاغته أمر خارق للعادة، وليس المنع والصرفة هو المعجز (1). والتسليم بالصرفة أمر مناقض لكل آيات التحدي التي يزخر بها القرآن، والتي تثبت أن عجز العَرَب عن مضاهاة القرآن قائم من قبل أنفسهم، وليس بصرف الله تعالى هممهم أو سلبهم القدرة على ذلك، وإلا لما كان للتحدي
معنى، ولما كان القرآن معجزة.
ذلك أن الإعجاز لا يتحقق إلا بتوافر أمور ثلاثة
أولا: طلب التحدي أي طلب المباراة والمعارضة.
ثانيا: وجود المقتضي الدافع إلى التحدي.
ثالثا: عدم المانع الذي يحول دون هذه المعارضة (2).
وهذه المعاني كلها متوافرة في القرآن وهو ما أوضحه ابن بركة في حديثه
عن الإعجاز. ولعل مراد السوفي والشيخ اطفيش من قولهم بالصرفة أن العرب انصرفوا بأنفسهم عن محاولة معارضة القرآن بعد عجزهم عن ذلك، لا أن رغما عنهم، أو أفقدهم القدرة على ذلك، وهو ما يفيده قول اطفيش ملخصا كلام السوفي في وجوه إعجاز القرآن: «وبصرف الهمة عن معارضته، و عارضه قليل فافتُضحوا» (3).
الله
صرف هممهم
ونخلص بعد هذا كله إلى ثبوت القرآن وحيًا من الله عند معجزا لكل
خلفه.
أنه
الثقلين، وأنه محفوظ مصون لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من والعلم أنه نزل على محمد علم ضروري ثبت بالتواتر، والعلم علم كسبي، يتحقق لكل ناظر فيه، والإجماع حاصل على صحة
من عند الله
ما في مصحف عثمان بن عفان، فمن، بدله أو ردّ شيئا منه كفر (4). قال ابن
(1) القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، 1: 75.
2) عبد الوهاب خلاف علم أصول الفقه، 25. الزحيلي أصول الفقه، 1: 432/ 431.
(3) اطفيش الذهب الخالص، 22.
4 الوَارِجلاني، العدل والإنصاف،2: 191.
151 (1/151)
صفحة 151
الباب الأول: اجتهاد التأصيل
عباس: ولو أن أحدا زاد فيه أو نقص منه كان عند الأمة كافرا» (1).
?
وكذلك الأمر في من شك في القرآن أو في آية منه بعد قيام الحجة، فهو مشرك يستتاب وإلا قتل (2).
وهو حجة على من تُلي عليه ولو كان التالي له صبيا أو ذميًا. وذكر عن ابن عباس عن النبي أنه قال: «من بلغه هذا القرآن فقد لحقته النذارة، وقامت عليه الحجة إلى يوم القيامة» (3).
وروي عن النبي أنه قال: من بلغه آية من كتاب الله فقد بلغه أمر الله كله، قبله أو ردّه» (4).
كانوا
وأنه
وبثبوت الإعجاز تقوم الحجة على العَرَب وعلى غير العرب، وليس للعجم عذر في جهل العربية حتى يرُدُّوا القرآن، وإن قال قائل: كيف لزمت حجة القرآن الهند والترك والعجم؟ فهم ما يعرفون أن ما أتى به معجز؟ قيل له من حيث إذا فتشوا علموا أن العَرَب الذين بُعث إليهم النبي أفصح في الكلام العربي، وأنهم النهاية في هذا الباب، وأنه نشأ عندهم، ما كان يتلو من قبله من كتاب ولا يخطه بيمينه، وأنه ذلك أجمع تحداهم بمثله أو مثل سورة مجتمعين ومتفرقين، فعجزوا عن ذلك. كما أن حجة قائمة على من ليس بساحر ولا طبيب لعلمه أنهما تحديا أطبّ الناس وأعلمهم بالسحر بمثل ما أتيا به، فعجزوا عن ذلك
مُوسَى وعيسى
عليه» (5).
مع الحرص
- عربية القرآن و هل في القرآن الفاظ غير عربية؟ الإجماع حاصل على أن القرآن كلام عربي مبين، ثبت ذلك بنصوص القرآن القطعية وَهَذَا لِسَانُ عَرَبِي مُّبِين} [النحل: 103].
1) الربيع بن حبيب الجامع الصحيح، باب 4= ح 811.
(2) العوتبي، الضياء، 2: 276.
(3) العوئبي، الضياء، 2: 198. القلهاتي، الكشف والبيان 1: 280 – وأورد الحديث القرطبي
في أحكام القرآن. 6: 399
4) العوتبي، الضياء، 2: 276 - الخطيب البغدادي، تاريخ بغداد. 2: 51.
5) الأصم النور، 201.
?
152 (1/152)
صفحة 152
X
الفصل الثاني: دليل الوحي
ولكن بعض العلماء أثاروا قضية ورود الفاظ غير عربية في القرآن، ومثلوا لها بالمشكاة وهي هندية والاستبرق وهي فارسية؛ والقسطاس وهي رومية. وأجيب عليهم بأن جميع ما في القرآن عربي بصريح الآيات العديدة، إنَّا أَنزَلْتُهُ قُرهَنَا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} [يوسف:2]. وَكَذَلِكَ أَنزَلْتَهُ قرءانا عربيا [طه: 113]. وَهَذَا كِتَبٌ مُّصَدِّقُ لِسَانًا عَرَيبا ان [الأحقاف: 12]. وَلَوْجَعَلْنَهُ قُرْءَانَّا أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ عَايَنُهُ وَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَب [فصلت: 44] (1).
وقد تأكد وصفه بالعربي في عشرة مواضع من القرآن (2). وتولّى الإمام الشافعي الردّ على هؤلاء بقوله: «وقد تكلم في العلم من لو أمسك عن بعض ما تكلم فيه منه لكان الإمساك أولى به وأقرب من السلامة له إن شاء الله، فقال منهم قائل: إن في القرآن عربيا وأعجميا. والقرآن يدلّ على أن ليس من كتاب الله شيء إلا بلسان العرب» (3).
(4)
وأما ما أوردوه من ألفاظ قليلة ذات أصل غير عربي؛ فلا حجة فيه بعد أن أدرجتها العَرَب في كلامها وعربتها، وهذا سائغ في لغات الناس جميعا، يستفيد كل أهل لسان بمن يجاورونهم أو يعاملونهم) واشتمال جميع القرآن على كلمتين أو ثلاث أصلها عجمي، وقد عربتها العرب ووقعت في السنتهم، لا يخرج القرآن عن كونه عربيا، وعن إطلاق هذا الاسم عليه ... فإن الشعر الفارسي يسمى فارسيا وإن كانت فيه آحاد كلمات عربية؛ إذا كانت تلك الكلمات متداولة في لسان الفرس، فلا حاجة إلى هذا
التكلف» (5).
ويورد الوَارِجلاني مستندا آخر لمن أجاز أن يكون في القرآن غير لغة
1) الوَارِجلاني، العدل والإنصاف،1: 53.
2 في سور يوسف: 2 الرعد 37 النحل: 103، طه 113 الشعراء: 195، الزمر: 28؛ فصلت: 3 الشورى 7 الزخرف: 3؛ الأحقاف: 12
3) الشافعي، الرسالة، 41 42. وانظر: الزحيلي، أصول الفقه، 1: 422.
(4) العوئبي، الضياء، 2: 197. - القلهاتي، الكشف والبيان، 1: 279. (5) الغزالي المستصفى، 1: 106
153 (1/153)
صفحة 153
الباب الأول: اجتهاد التأصيل العرب، بنوه على عموم رسالة محمد رسالة محمد، وهو أن الله تعالى بعثه إلى الناس كافة بقوله: وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا [سيا:28]. وقوله: «بعثت إلى الأحمر والأسود» (1). وفي أمته العربي والعجمي والبربري والتركي، وسائر أهل اللغات، وقد قال تعالى: وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ} [إبراهيم:4]. فاقتضى هذا على أن في القرآن من سائر لغات من أرسل إليهم محمد (2).
ورد الوارجلاني على هذا الكلام بأن «هذا خرق، ليته سكت ولم ينطق! وهل في القرآن ما يكفي أهل كلّ لغة، ويفي لهم بجميع ما خوطبوا به؟» (3). ويلزم من قولهم هذا أن النبي قد تكلم بكل لغات من أرسل إليهم، وإلا خرجوا من عداد أمته، وهذا قول بعيد عن الصواب، لأن صاحبه لم يميّز بين القوم والأمة، فالله تعالى قال: وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ} [إبراهيم:4]. وقوم النبي هم قريش من العرب، وهو مرسل إلى الناس كافة، وهم أمته، فكل رسول إنما أرسل بلغة قومه إلى كل من أرسل
إليهم (4). فجميع ما في القرآن عربي مبين، وإن وردت فيه ألفاظ ذات أصل عجمي فقد رجعت عربية لما عربتها العَرَب، وانقطع العتاب. وفي تصريح القرآن
فصل الخطاب وَهَذَا لِسَانُ عَرَى مُّبِين} [النحل: 103] (5). ومن زعم أن في القرآن شيئا أعجميا، فقد تقول على الله عل، وادعى
بما لا برهان له به (6)
1) صحيح ابن حبان كتاب التاريخ ذكر البيان بأن قوله: شفاعتي؛ حديث: 6555. سنن الدارمي، ومن كتاب السير، باب: الغنيمة لا تحل لأحد قبلنا، حديث: 2427.
2 الوارجلاني، العدل والإنصاف،1: 52/ 53.
3 الوار جلاني، العدل والإنصاف،1: 53. (4 الوَارَ جلاني، العدل والإنصاف، 1: 53.
(5) الوار جلاني، العدل والإنصاف 1 53. العوتبي، الضياء، 2: 198. القلهاتي، الكشف
والبيان، 1: 280
6) العوتبي، الضياء 2: 197. القلهاتي، الكشف والبيان، 1: 279.
?
154 (1/154)
صفحة 154
الفصل الثاني: دليل الوحي
3 - مرجعية القرآن:
يتجلى من التحليل السابق كيف كان القرآن نقطة الارتكاز المرجعية في مجال الاستدلال، وفوق ذلك فإنه محور العلوم الشرعية كلها، وذلك أمر يتماشى وكون حضارة الإسلام حضارة نص قامت على عماد الوحي؛ تستوثق منه؛ ثم تستوعبه ثم تتمثله واقعا مَعِيشا تستهدي به وتتحرى غاياته القريبة والبعيدة في القيام برسالتها وإسهامها في حركة التاريخ؛ تصوّرًا وسلوكا.
وتتنوع مباحث القرآن تنوعا فريدا، عُني به علماء الإسلام عناية تتناسب ومكانة القرآن في حضارتهم؛ باعتباره المرجع والمرتكز، كما هو المستند لإثبات حجية سائر أدلة الأحكام الأخرى؛ نصا كانت أم استنباطا.
- مباحث القرآن ويصور الوَار جلاني مباحث القرآن تصويرا أدبيا طريفا، إذ شبهه بشجرة لها عروق وأعضاء وأغصان وأثمار:
أما عروقها فعشرة المكي والمدني، والناسخ والمنسوخ، والمحكم
والمتشابه، والظاهر والباطن، والعام والخاص. والأعضاء عشرة: المجمل والمبين والمطلق والمقيد، والمقطوع والموصول،
والمقدم، والمؤخر، والكناية والتصريح. والأغصان عشرة: الحدود، ولحن الخطاب، وفحوى الخطاب، ودليل الخطاب، ومعنى الخطاب، والأسماء الذاتية الله تعالى، وأسماء الأبدان وأسماء الأفعال.
وثمرات الشجرة عشرة: الأمر والنهي، والخبر والاستخبار، والوعد
والوعيد، والمواعظ والأمثال والإعذار والإنذار (1) هذه المباحث لا تدخل كلها في صميم علم الأصول، وإن كنا سنعرض لعدد منها في تفسير نصوص الكتاب والسنة.
1) الوَارِجلاني، الدليل والبرهان حجرية=2: 64./ مط=1: 76.
155 (1/155)
صفحة 155
الباب الأول: اجتهاد التأصيل
- القرآن أصل الأدلة والأحكام
E
بعد ثبوت حجية القرآن، يُثمر ذلك ثبوت القرآن أصلا للتشريع،
ومصدرا رئيسا للأحكام.
ويقرر ابن بركة أن أحكام الشريعة كلها مأخوذة من طريق واحد وأصل واحد، وهو كتاب رب العالمين، لقول الحق سبحانه: وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنزِلَ إلَيْكُم مِّن رَّبِّكُم} [الزمر: 55] (1).
والدليل على أن القرآن يُعرف الحق منه، قوله تعالى: إِنَّ هَذَا الْقُرْءَانَ
يهدي لِلَّتِي هِى أقوم} [الإسراء: 9). وقوله: ال ذلِكَ الْكِتَبُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى
للْمُتَّقِينَ} [البقرة: 2].
ونحو هذا في آي القرآن كثير (2).
ويؤكد أبوسعيد الكدمي أن الحق كله خارج بأسره من حكم التنزيل وما لم يوافقه أو تخرج أحكامه منه فهو باطل» (3). ولهذا كان القرآن أساس المصادر التشريعية الأخرى.
فالسنة كلها تأويل لكتاب الله، وحجيتها مأخوذة من الكتاب، وبه علم وجوب اتباعها، ويَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِ الأَمر منكر فإن نَتَزَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا} [النساء: 159 من يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَن تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَك عَلَيْهِمْ حَفِيظٌا} [النساء:80]. والإجماع أيضا علم بكتاب الله وبالسنة التي هي من الكتاب. وكذلك حجة
العقول من تأويل الكتاب. فثبت أن الحق كله والعلم كله من القرآن (4). وذكر ابن جعفر حديثا عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «العلم كله القرآن، وهو الأصل
(1) ابن بركة، الجامع 1 279 - الشقصي، منهاج الطالبين، 1: 84.
(2) ابن بركة المبتدأ، 105. (3) الكدمي المعتبر، و.
(4) ينظر: العوبي، الضياء، 3: 11/ 10 - ابن بركة الجامع 1: 280 الكدمي، المعتبر، مخ=9 و 9 ظ. مط = 1: 14/ 13 الكندي، المصنف:1 (51/ 50 - البوسعيدي لباب الآثار، 1: 10
156 (1/156)
صفحة 156
الفصل الثاني: دليل الوحي
E
والتنزيل، وما بعده من العلم تفسير له وتأويل» (1).
المبحث الثاني: دليل السنة
1 - أهمية السنة:
تتبوأ السنة النبوية المرتبة الثانية ضمن مصادر التشريع. وتقاسم القرآن الله بكونها وحيا من تعالى إلى نبيه، وإن كانت وحيا غير متلو، وغير متعبد بتلاوتها، ولا تصح الصلاة بها، وليست في مستوى واحد من حيث ثبوتها. بينما تميّز القرآن بأنه وحي من الله تعالى بلفظه ومعناه، متعبد بتلاوته، قطعي الثبوت لنقله بالتواتر منذ زمن الوحي إلى أن يشاء الله الله ولئن أذعن للقرآن الموافق والمخالف، وقامت حجته على الثقلين من الإنس والجن، وضمن الله حفظه، {وَإِنَّهُ لَكِتَبُ عَزِيزُ) حفظه، وَإِنَّهُ لَكِتَبُ عَزِيزُ لَا يَأْتِيهِ الْبَطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلُ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدِ * [فصلت:42/ 41]. فإن السنة لم تحظ بهذا المقام والامتياز؛ ولئن حفظت على الإجمال؛ فقد نال طرفًا منها نصيب من علل الوضع والتحريف واعتورها من سهام التشكيك والإنكار
نصيب غير يسير.
وسخر الله لسنة نبيه أعلاما جهابذة، نقدوها، وميزوا الصحيح من السقيم في روايتها وخلصوها من الأوشاب، وأقاموا بناءها وأثبتوا حجيتها، فاستقامت دعامة رئيسة ضمن مصادر الاجتهاد (2).
ويعنينا في هذا البحث أساسا استجلاء مفهوم السنة لدى الإباضية ومكانتها، وأهميتها في اجتهاد أعلامهم، وهل حقا ما يشاع عنهم أنهم ينكرون السنة؟ أو أنهم ينكرون بعض أحكام وردت بها؟ وهل إنكار السنة أمر هين حتى يوسم به أحد دون تحر وتمحيص؟ وهل يسوغ اجتهاد خارج هذي السنة؟ وما الأثر العملي لدليل السنّة في اجتهاد الإباضية فيما انفردوا به من آراء عقدية وفقهية؛ ومواقف سياسية؟
1) ابن جعفر، الجامع، 1: 48. 2 كل كتب الأصول تحدثت عن حجية السنة، وقد أوسع البحث فيها، الشيخ عبد الغني عبد الخالق في رسالته القيمة حجية السنة، فشفى وكفى.
157 (1/157)
صفحة 157
الباب الأول: اجتهاد التأصيل
وباختصار، ما هو منهج الإباضية في التعامل مع السنة تأصيلا وتفريعا
تنظيرا وتطبيقا؟.
2 - السنة مفهوما ودليلا - مصطلح السنة:
برغم ورود كلمة السنة في مصادر الإباضية الأولى كثيرا، فإنها لم تحدد بتعريف اصطلاحي إلا في زمن متأخر، سَيْرًا على نهج أئمتهم الذين أولوا
عنايتهم للجانب العملي، ولم يُعنوا بالتنظير وتحرير الاصطلاحات.
وقد جعل عمروس بن فتح السنة، نوعين، فقال: «السنة سُنتان: سنة في غير فريضة الأخذ بها فضيلة وتركها ليس بخطيئة. وسُنّة في فريضة الأخذ بها هُدًى، وتركها ضلالة» (1).
وواضح أن الحديث هنا عن السنة باعتبارها حكما شرعيا يتراوح بين الندب والفرض لا باعتبارها أصلا ومصدرا للأحكام. وهو ما نجده واردا
كثيرا في عبارات المصادر الإباضية قديمها وحديثها، منها قولهم: فعله «الحجة في المضمضة والاستنشاق هو ما نقل عن النبي من
مواظبا عليه» (2). أجمعت العلماء بالسنة القائمة أنه ليس يعرض (في الحرب على امرأة
ولا عبد ولا على من لم يبلغ الحلم» (3). والسنة المجتمع عليها: لا يُغطّ الرجل (المحرم) رأسه، وإن نسي وغطى،
(4) (. . .
جهر بالتلبية، ونزع ... وصلاة العيد سنة، واجبة لا يجوز التخلف عنها إلا من عذر» (5). والسنة في الجمعة أربع خصال الغسل ومس الطيب، والبكور والإنصات إلى الخطبة. والصلاة على الميت سنة من سنن الإسلام. وصلاة
(1) عمروس بن فتح الدينونة الصافية، 127/ 126.
2 ابن جعفر، الجامع 1: 388
(3) أبو المنذر المحاربة، 4 و.
4 عمروس بن فتح، الدينونة الصافية، 136. 5) ابن جعفر، الجامع، 2: 413.
158 (1/158)
صفحة 158
*
العيدين سنة من سنن الإسلام» (1).
الفصل الثاني: دليل الوحي
وفي أفعال الوضوء يقول ابن بركة والاستنشاق واجب بالسنة كوجوب سائر الأعضاء بالقرآن» (2). وذكر السنة هنا باعتبارها مصدرا للحكم.
ثم يرد تحديد مصطلح السنة بعد القرون الأولى، وهو ما نجده عند الكندي في تمييزه بين الفرض والسنة والأثر) ويقال لما جاء في الكتاب فريضة، ولما سنة، ولما جاء عن أئمة العدل أثر» (3).
جاء عن النبي وبين السنة والأثر تشابه، ولذلك عدّهما بعض العلماء جميعا من السنة، التفريق بينهما «فالسنة سنتان سنة مأثورة، وسنة مستسنة. أما المأثورة
العليا فالتي أثروها عن النبي ال، وأما المستنة فالتي استنوها بعده» (4). وبعد القرن السادس نجد الاهتمام بارزا بالاصطلاح، والتعرض للفرق بين المعنيين اللغوي و الاصطلاحي. ويرد ذكر السنة في اللغة بمعنى الطريقة والعادة» (5). وسواء كانت هذه الطريقة المسلوكة محمودة أم مذمومة، بدلالة الحديث من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى القيامة،
يوم
ومن سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى القيامة» (6) (7).
1) ابن، وصاف الحل والإصابة، 1: 92 و.
(2) ابن بركة، الجامع 1: 269
يوم
3) أحمد الكندي، المصنف، 1: 50 - الشقصي منهج الطالبين 1: 84. 1: –
4) سعيد بن زنغيل الرد على من زعم أن الاستواء، 176 ظ. (5) الشماخي، شرح مقدمة التوحيد 92 السالمي، شرح طلعة الشمس،2: 2. 6) أخرجه مسلم وأصحاب السنن بألفاظ متقاربة. ولفظ مسلم: من سن في الإسلام سنة حسنة، فله أجرها، وأجر من عمل بها بعده، من غير أن ينقص من أجورهم شيء، ومن سن في الإسلام سنة سيئة، كان عليه وزرها ووزر من عمل من بعده، من غير أن ينقص من أوزارهم شيء صحيح مسلم، كتاب الزَّكَاة، باب الحث على الصدقة ولو بشق تمرة، حديث: 1753. صحيح ابن حبان كتاب الزَّكَاة، باب صدقة التطوع، حديث: 3367. سنن ابن ماجه، المقدمة، باب في فضائل أصحاب رسول الله، باب من سن سنة حسنة أو سيئة،
بها
حديث: 201.
" I
سنن الدارمي، باب من سن سنة حسنة أو سيئة، حديث:533.
7 الرواحي، نثار الجوهر، 1: 77.
159 (1/159)
صفحة 159
الباب الأول: اجتهاد التأصيل
?
وفي اصطلاح أهل الأصول ما صدر عن النبي صلى الله عليه وسلم غير القرآن، من قول
أو فعل أو تقرير. قال السالمي:
السنة القول من الرسول والفعل والتقرير للمفعول» (1). وفي اصطلاح الفقهاء يقصد بها المندوب أو العبادات النافلة، وما ليس بواجب، أو ما يقابل البدعة (2).
حجية السنة:
الاستدلال
تتفق كلمة الإباضية على اعتبار السنة مصدرا من مصادر التشريع بعد القرآن الكريم. وعمدتهم في ذلك ما ورد في القرآن من أدلة إثبات حجية السنة. وهم في هذا على خط واحد مع سائر المسلمين في منهج على حجية السنة، وقد أوردنا طَرَفا من ذلك في مبحث تأصيل الأدلة. فالسنة مأخوذة من الكتاب وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ} [المائدة:92]. وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} [الأنفال: 1].
وقد ورد الأمر بطاعة الرسول صلى الله عليه وسلم في عشرة مواضع من القرآن (3). وذكر ابن بركة بعض هذه الآيات في جوابه عن سؤال السائل عن الدليل على أن السنة يُعرف الحق من قبلها (4)، فمن القرآن أخذت، وبه وجب اتباعها، فهي عمل بكتاب الله، ولا ينكر معنى هذا أحد من أهل القبلة (6).
ويوجه المزاتي قوله تعالى: مَّن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ الله [النساء:80]. بأن أمر النبي أمر الله، ونهيه نهي الله أي عن أمره ونهيه كان ذلك. وكذلك طاعة النبي طاعة له، لأن كل من أطاع
الله أطاع نبيه، ومن
1) السالمي، شرح طلعة الشمس 2: 2. وانظر أيضا الشماخي شرح مقدمة التوحيد،:92 التلاتي، عمدة المريد، 45. الرواحي، نثار الجوهر، 1: 77.
2 - السالمي، شرح طلعة الشمس 2: 2 الرواحي، نثار الجوهر، 1: 77. 3) ورد ذلك في السور الآتية: آل عمران: 132. النساء: 59. المائدة: 92. _ الأنفال: 1\ 46. _ النور: 54\ 56. محمد: 39. _المجادلة: 13. التغابن: 12.
4 ابن بركة المبتدأ، 105.
،
(5) ابن بركة الجامع 1 280/ 279 - الشقصي منهاج الطالبين، 1: 84.
6) الكدمي، المعتبر، 10 و.
160 (1/160)
صفحة 160
عصاه عصى نبيه (1).
الفصل الثاني: دليل الوحي
ومن أدلة ذلك من السنة، ما ورد في مسند الربيع بن حبيب عن أبي عبيدة عن جابر بن زيد عن أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من أطاع أمري فقد أطاعني، ومن عصى أمري فقد عصاني» (2). وعن أبي عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس قال: قال رسول الله: (من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو
رد» (3).
الله عليهم، لما ناصحوا أنفسهم
وهذا ما استبان للصحابة رضوان و شاهدوا دلائل الرسالة، فصدقوها واتبعوا الرسول. وأما من لم يشاهدها، فإن الخبر يقوم له مقام المشاهدة في الاستدلال.
وفي الحديث عمّا يسع جهله يُدرج ابن بركة حجية السنة، ويذكر أن المرء يسعه جهل الفروض ما لم يبلغ أوان وجوبها عليه؛ فيلزمه العلم بذلك والعمل به، وإلا هلك بالجهل و التضييع. وعِلمُ ذلك يقع له بسؤال المسلمين، وعليه قبول ذلك منهم فيما أخبروه به، وأسندوه ورفعوه إليه من السنن المنقولة عن والأئمة المتقدمين، لأن الله الزمه السؤال فَسَتَلُوا أَهْلَ الذِكرِ
الرسول
إن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ [النحل: 43]. فوجب عليه القبول والعمل بما يبلغه من الجواب، وإلا لكان الأمر بالسؤال لا معنى له، ويتنزه عن هذا كلام الحكيم الخبير (4). لهذا لزمت حجة السنة كل المسلمين عبر العصور والأجيال (5). ويبين الغزالي أن قول الرسول صلى الله عليه وسلم حجة على من سمعه شفاها، فأما نحن فلا يبلغنا قوله إلا على لسان المخبرين إما على سبيل التواتر، وإما بطريق الآحاد» (6).
1) المزاتي، التحف المخزونة، 6 ظ.
2 الربيع بن حبيب الجامع الصحيح، باب 47.7. 1: 19. 3 الربيع بن حبيب الجامع الصحيح، باب 47.7. 1: 19.
4 ابن بركة تقييدات، 14 و 14 ظ
(5) أبو المنذر بشير، المحاربة، 2 ظ. 6 الغزالي، المستصفى، 1: 129.
?
161 (1/161)
صفحة 161
الباب الأول: اجتهاد التأصيل
-3 منزلة السنة في اجتهاد أئمة الإباضية:
E 3
يعد جابر بن زيد – وهو إمام المدرسة الإباضية – إماما في السنة، وَعَى منها حظا موفورا، رواه من مصادره الأولى من الصحابة، وذكر عنه تلميذه أبو عبيدة مسلم قوله: «أدركت ناسا من الصحابة أكثر فتياهم حديث النبي
(1)
وتجلى تقيده بالسنة، واتباعه لها في اجتهاده وفتاواه، فقد سئل عن إمام لم يركع في صلاة مكتوبة، فقال: يعيد ما خالف فيه السنة من صلاته، ولا يستقيم للناس ما خالفوا فيه السنة» (2).
وفي رجل أمي أمّ قوما ولم يقرأ إلا بفاتحة الكتاب ولم يُقمها، قال: «إنه يعيد صلاته، فإنه قد خالف السنة، وما كان من أمر خولف فيه السنة تقض (3). كما أبطل صلاة من لم يختتن لأن الختان سُنَّة واجبة لا ينبغي تركها» (4). وفي شؤون الزواج يقول: لا يصلح للمرأة أن تنكح إلا بإذن وليها، وليس لوليها أن يزوجها إلا برضاها، هكذا السنة» (5).
وكان لا يعدو الحديث إذا صح سنده، فعن الربيع عن ضمام عن أبي الشعثاء، قال في رجل تزوج امرأة ولم يفرض لها صداقا، ثم مات، قال: لا صداق لها، وعليها العدة ولها الميراث قال أبو علي إجماع من الفقهاء أن لها صداق نسائها، أو من كان مثلها من أهل بيتها ذلك وروي عن ابن مسعود، أن لها الصداق، قال: لو نجد ذلك عن ابن مسعود وعن ثقة لأخذنا به» (6). وعلى نهج جابر سار تلاميذه من بعده في التقيد بالأثر. وقد قرر أبو عبيدة «أن النجاة فيما جاء عن الله وعن رسوله، والهلاك فيما خالفهما، ولا
يكون مستقيما إلا من وافقهما» (7).
(1) الربيع، الجامع، باب 4. ح 29. 1: 14. 2 جابر بن، زيد کتاب، جابر 7 ـ جابر رسائل الإمام جابر 14.
3 جابر، رسائل الإمام جابر، 19.
4 جابر رسائل جابر 4
5) جابر، من جوابات الإمام جابر (كتاب النكاح)، 129.
6) جابر، من جوابات الإمام جابر، 83 - الربيع بن حبيب، آثار الربيع،1. (مخ). (7) أبو عبيدة، مسائل أبي عبيدة، 5 ظ.
162 (1/162)
صفحة 162
الفصل الثاني: دليل الوحي
وكان أبو عبيدة أثريًا إلى حد بعيد، حتى كره القياس وأصحابه، واعتبر
كل مسألة حدثت بعد الصحابة ليس يرغب فيها من له عقل ولب» (1). ومن افتخاره بنسبه في العلم والدين قوله من لم يكن له أستاذ من الصحابة فليس على شيء من الدين. وقد من الله علينا بعبد الله بن عباس، الله بن مسعود، وعبد الله بن سلام، وهم الراسخون في العلم، فعلى آثارهم اقتفينا، وعلى سيرتهم اعتمدنا وعلى مناهجهم سلكنا. والحمد
وعبد
الله) (2).
ويذكر أبو غانم الخراساني تقيد تلاميذ جابر بالسنة، فقد سئل ابن عبد العزيز عن الأمة إذا أعتقت وكانت تحت، عبد فخُيّرت فاختارت نفسها. أيعد ذلك طلاقا؟ فأبى أن يسميه، طلاقا، لأننا لا نجد طلاقا إلا لمن قصد قصده وتفوه به،
وهذه عندنا فرقة وقعت من غير ذكر الطلاق، هكذا جاءت السنة» (3). بل إن ابن عبد العزيز -وهو من تلاميذ جابر - ردّ قولا لجابر؛ لمخالفته ما ثبت عن النبي. فقد أفتى جابر أن الحيازة تثبت بمرور عشرين سنة؛ ما لم يُقم أهل الأرض دعوى المطالبة بأرضهم. بينما ورد حديث صحيح يحدد فيه النبي مدة الحيازة بعشر سنين. (4). فقال ابن عبد العزيز: «ما قاله النبي فهو حق، والسنة أحق بأن تتبع، إذا كانت سنة [ثابتة] عن النبي. وأما القياس فلا ينبغي أن يبطل الحق تقادمه، والحق قديم؛ لا يبطله تقادمه» (5). ورجح القول بأنه لا حق لمن ادعى شيئا في يد أهله منذ عشرين سنة. يحوزونه
ويعمرونه (6).
كما اختلف ابن عبد العزيز مع بعض تلاميذ جابر، حول العمرى
1) أبو عبيدة، مسائل أبي عبيدة، 5 ظ. 2 أبو عبيدة، مسائل أبي عبيدة 18 ظ 19 و. -.58/ 59. Ennami. Studies
(3) الخراساني، المدونة الكبرى، 2: 52.
4 روى أبو عبيدة عن جابر عن ابن عباس عن النبي قال: من حاز أرضا وعمرها عشر سنين والخصم حاضر لا يغير ولا ينكر، فهي للذي حازها وعمرها، ولا حجة للخصم فيها». الربيع، الجامع الصحيح، کتاب الأحكام، باب 35. حديث 601. ج 2، ص 48. 5) الخراساني، المدونة 2: 225 - 85/ 86. Ennami. Studies 6 الخراساني، المدونة 2: 225
?
163 (1/163)
صفحة 163
الباب الأول: اجتهاد التأصيل
أئمة
والرقبى، فرووا عن أبي عبيدة عن جابر أنها تكون لمن أعطيت له ولعقبه من بعده. ورأى ابن عبد العزيز أنها ترجع بعد وفاة مَن عَمْرَها إلى ورثته، وهو قول النخعي وغيره. فعاتبه صاحبه أن أخذ بقول إبراهيم النخعي في هذه المسألة، وعدل عن قول من هو أكبر منه وأفضل، فأجاب: «الإنصاف في الحق قبول الحق ممن جاء به، والأمر القوي الذي لا دخل فيه ولاخلل. ليس كغيره مما يدخل فيه الوهن والضعف» (1). وتجلّي هذه النصوص مكانة السنة في اجتهاد الإباضية، باعتبارها المصدر الثاني للتشريع، ووجوب الالتزام بها، بما يُعدّ أمرا محسوما منذ عصر المذهب. وعلى نهجهم سار من بعدهم من التلاميذ والمجتهدين. ثم يعجب المرء بعد هذا أن يجد أقوالا في مصادر إسلامية معتبرة تنسب إلى الإباضية إنكار السنة أو إنكار بعض الأحكام الثابتة بالسنة (2). - موقف الإباضية من منكري السنة: وقف الإباضية ممن أنكر السنة أو شكك في حجيتها؛ موقفا حازما أملته قواعدهم في العقيدة التي تعتبر الدين وحدة متكاملة، وبناءً متماسك الأركان، فمن أوهن فيه جزءا فقد هدمه ونقضه، ويذكر السَّمَّاخي عند بعض أصحابنا
(1) الخراساني، المدونة 2: 163/ 164.
2 من ذلك ما نسبه البغدادي إلى الإباضية من أسماء فرق لا وجود لها في تاريخ الإباضية، ثم قولها أقوالا يكفي بعضها لإخراجهم من دائرة الإسلام منها قولهم بأن بين الشرك والإيمان معرفة الله وحدها، فمن عرفه ثم كفر بما سواه من رسول أو جنة أو نار، أو عمل بجميع المحرمات من قتل النفس واستحلال الزنى، فهو كافر بريء من الشرك. (البغدادي الفرق بين الفرق، 83) ومنها قولهم: أن لا حجة الله على الخلائق في التوحيد وغيره إلا بالخبر. وما يقوم مقامه من إشارة وإيماء. ومن دخل الإسلام وجب عليه كل أحكامه. سمع أم لم يسمع. ولم يعرفها. (م. ن. 85) – وقولهم بجواز أن يبعث الله رسولا بلا دليل يدل على صدقه. وقول بعضهم: ليس على الناس المشي إلى الصلاة ولا الركوت إلى الحج، ولا شيء من الأسباب الموصلة لأداء الواجب. وقولهم باستتابة مخالفيهم في تنزيل أو تأويل، فإن تابوا وإلا قتلوا. ومن قتل أو سرق أقيم عليه الحد، ثم استيب، فإن تاب وإلا قتل. وقالوا: إن العالم كله يفنى إذا أفنى الله أهل التكليف، ولا يجوز إلا ذلك. وقالوا: من دخل زرع غيره بلا إذنه وجب عليه الخروج، وحرم عليه إن كان خروجه مفسدا للزرع فحكموا بحكمين مختلفين في شيء واحد. من وجهين. م. ن. (86) وللمنصف أن يقارن هذه الأقوال بما في مصادر الإباضية. ليتبين صدق الخبر. وقد حذر القرآن أن يقفو المرء ما ليس له به علم. وبين نتيجته الخطيرة أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين
164 (1/164)
صفحة 164
من
الفصل الثاني: دليل الوحي
أن من أنكر السنة مشرك، كذا من ردّ على النبي صلى الله عليه وسلم مواجهة مشرك. سواء أنكر السنة التي هي فرض أو السنة التي هي فضيلة» (1). ثم خفف الشماخي من حدة الحكم باحتمال أن يكون تغليظا وتشديدا، ومبالغة في تمكن صاحبه النفاق، لأنه روي عن أبي خزر أن من دفع السنة أو الرأي فهو منافق» (2). «وهو نص أبي زكرياء بن أبي بكر في «من أنكر السنة والرأي فهو هالك» (3). ويعلل الشيخ اطفيش هذا الحكم بأن السنة ثبت وجوب اتباعها من القرآن، ومن دفع سُنَّة النبي فهو مشرك، والشاك في شركه اختلف فيه» (4). ويذكر السوفي أن المشايخ يقولون: من ردّ ما اجتمعت عليه الأمة كمن
ردّ السُّنّة، ومن ردّ السُّنّة ردّ السُّنّة كمن ردّ التنزيل ومن ردّ التنزيل أشرك» (5). لأجل هذا حكم الإباضية على فرقة السكاكية بالشرك، لإنكارهم السنة والرأي، وزعمهم أن الدين كله مستخرج من القرآن (6). هذا في رد السنة كدليل من أدلة الأحكام، وكذلك من ردّ ما ثبت بالسنة ثبوتا قطعيا، فمن ترك الوتر والختان فإنه يستتاب، إذا لم يدن بهما، فإن تاب وصلّى واختتن، وإلا قتل إذا لم يدن بهما، وهو كافر لا يُصلى عليه» (7). ومن ترك الوتر وهو دائن به فعليه التوبة والاستغفار (8). وعن رجل ترك الاستنجاء في الوضوء، وزعم أنه من السنة، وقال: إن لم
استنج فلا أبالي) فهذا عندنا راغب عن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وآثار الصالحين،
1) الشماخي، شرح مقدمة التوحيد، 58.
2 سعيد بن زنغيل الرد على من زعم 176 ظ. 3 مجهول، كتاب المعلقات، 72.
4 اطفيش ترتيب نوازل نفوسة 3 و.
5) السوفي، رسالة في الفرق، (مخ) 6.
6) تنسب هذه الفرقة إلى أبد الله السكاك، ولها آراء خرجت بها عن ملة الإسلام منها: إنكار السنة والرأي، وأن صلاة الجماعة والأذان بدعة. وقد انقرضت هذه الفرقة منذ أمد بعيد. حول نشأتها وآرائها ينظر السوفي رسالة في الفرق 6. الدرجيني، طبقات، 1: 118. ـــ علي يحي معمر، الإباضية بين الفرق الإسلامية، 276/ 275 عبد الرحمن، مصلح، الإباضية عقيدة وفكرا،
72
،
7) ابن جعفر، الجامع، 2: 374.
8) ابن جعفر، الجامع، 2: 374.
165 (1/165)
صفحة 165
الباب الأول: اجتهاد التأصيل
E 3
وهو عندنا قد تعرض للهلاك، ولا ولاية له عندنا إلا أن يتوب» (1). بل إن بعضهم قد بالغ فحكم على من ترك صلاة الجماعة متعمدا بلا
عذر، فإنه يستتاب، فإن تاب وإلا برئ منه لأنه قد ترك السنّة» (2). وأما من ترك الفطر والأضحى والجنازة، ولم يتطوع بشيء من النوافل، وقال: كل هذا لم يفرض علي، فمنزلته خسيسة، وقد رغب عن الفضل، ويُنصح له، ولا تترك ولايته على ذلك (3). ومن صور الحرص على اتباع السنة التأكيد على خروج النساء لشهود العيد ودعوة المسلمين، لأن النبي حضهن على ذلك، وليس ذلك بواجب عليهن ولكنه أفضل، وإذا لم تخرج المرأة استحياء منها، وهي لا تدين بذلك (أي بعدم الخروج) حتى تموت، لم تُتْرَك ولايتها» (4).
تؤكد هذه النماذج الحرص الشديد على اتباع السنة في كل الأمور، ولو في اليسير منها، إذ العبرة في التأسي برسول الله، لا في الفعل ذاته، جليلا كان
أم حقيرا. لأجل هذا يعتبر الإباضية أنفسهم الأتباع الحقيقيين للسنة، ولا يرضون بتصنيف المسلمين إلى سنيين وغير سنيين، ثم حشرهم رغما عنهم خارج دائرة أهل السنة. وقد يتلطف البعض بوصفهم أنهم أقرب الفرق إلى أهل السنة (5). ولكن العبرة عندهم بالانتساب إلى سنة رسول الله، لا إلى أحد سواه (6). وبعض أخطاء الكاتبين عن الإباضية ناتج عن الخلط بينهم وبين الخوارج واعتبارهم فئة واحدة، فإذا سمعوا أو قرؤوا قولا منسوبا للخوارج نسبوه إلى
1) ابن جعفر، الجامع، 1: 243.
2) الكدمي، المعتبر، 148 و. 3) الكدمي، المعتبر، 148 و.
4) ابن وصاف الحل والإصابة، 1: 92 و.
5 ذكر الشيخ محمد أبو زهرة أن الإباضية أكثر الخوارج اعتدالا، وأقربهم إلى الجماعة الإسلامية تفكيرا فهم أبعدهم عن الشطط والغلو، ولذلك بقوا ولهم فقه جيد، وفيهم علماء ممتازون أبو زهرة، تاريخ المذاهب الإسلامية، ج 1: 91. - ومصطفى الشكعة: إسلام بلا مذاهب 135. ويذكر الشكعة أن تسمية أهل السنة تسمية متأخرة ترجع إلى القرن السابع الهجري. - م. س.:390. -ينظر أيضا: علي يحي، معمر الإباضية بين الفرق الإسلامية، 348. 6 السالمي، شرح مسند الربيع 1 86.59. Ennami. Studies.
الشكعة
166 (1/166)
صفحة 166
الفصل الثاني: دليل الوحي
الإباضية تبعا أو إلزاما. وهذا خطأ منهجي في المقدمة والنتيجة. من. ذلك ما اشتهر عن الخوارج من إنكارهم للرجم. بينما نص ابن بركة أن الرجم سنة ثابتة، وإن جهلها من جهلها (1). بل إن الإباضية ينصون على هذا الحكم في كتب العقيدة أن كمال الدين ثلاثة: التنزيل والسنة والرأي. ومن السنة أخرجوا وجوها كثيرة، واختاروا منها أربعة أوجه الاستنجاء والاختنان والرجم والوتر» (2). وفي مسند الربيع بن حبيب: عن أبي عبيدة عن جابر قال: «الرجم والاختتان والاستنجاء والوتر سنن واجبة» (3).
المبحث الثالث: أقسام السنة، وحجية الأخبار
1 - مباحث السنة وأقسامها:
- مباحث السنة:
لئن تقررت حجية السُّنّة؛ وقامت دليلا مجاورا للقرآن، وقسيما له في استنباط الأحكام، فإن الخلاف يظل قائما بعد ذلك في تفاصيل ما يرد من
روايات تحتاج إلى تمحيص واختبار، حتى يتأكد من صحة نسبتها إلى النبي ودرجة هذه الصحة من حيث الظن أو اليقين. كما يبرز الاجتهاد في بيان صلة السنة بالقرآن اتفاقا أو استقلالا أو تعارضا، وفي كيفية إزالة هذا التعارض وتفسير نصوصها، وكيف تستفاد الأحكام منها في كل هذه الحالات. والعلم بطرق الرواية وفقه الحديث أمر ضروري للمجتهد، لأنها قواعد الفقه وأصول الشريعة لحاجة المتفقه إلى ذلك، وقلة عن النظر فيه والاعتبار في معانيه» (4). لأجل هذا حصر ابن بركة «السنة في ضربين: سنة مجمع عليها، قد استغني بالإجماع عن طلب صحتها، وسُنّة مختلف فيها، لم يبلغ الكل علمها، وهي التي يقع التنازع بين الناس في صحتها، ولذلك يجب طلب الأسانيد، والبحث عن
استغنائه
1) ابن بركة الجامع، 2: 544.
-
2 عمرو بن جميع مقدمة التوحيد، 45/ 44. ـ التلاتي، عمدة المريد، 45. (3) الربيع بن حبيب، الجامع الصحيح، باب 36. حديث 604. ج 2، ص 48. 4 ابن بركة الجامع 1 14. الكندي، المصنف، 1: 38.
167 (1/167)
صفحة 167
الباب الأول: اجتهاد التأصيل
صحتها، ثم يقع التنازع في تأويلها إذا صحت بنقلها، فإذا اختلفوا في حكمها كان مرجعهم إلى الكتاب» (1). كما استدل الوار جلاني على ضرورة هذا العلم بحديث النبي صلى الله عليه وسلم الذي أخبر أنه سيقع الكذب عليه ولكنه توعد صاحبه بالنار من كذب علي متعمدا فليتبوأ النار» (2). وأخبر عما سيعرض لعلوم الشرع من دخيل وتأويل فقال: «يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله، ينفون عنه تحريف الجاهلين وتأويل الغالين وانتحال المبطلين» (3). وفي هذا إشارة لطلاب العلم، وأن للعلوم أربابا وجهابذة (4).
وحصر الوارجلاني مباحث السنة في ثلاثة أوجه:
أولها صحة الطرق، وإثباتها من الوجوه التي تثبت به.
الثاني: صحة الحديث والمتن.
الثالث استخراج الفقه والمعاني منه (5).
وفصل البَرَّادِي قضايا الإسناد أثناء تناوله أنواع الأخبار ومراتبها، وطرق نقلها، وحال النقلة من التعديل والتجريح وغير ذلك (6). كما أشار إلى الخلاف حول أفعال النبي، فمنها ما يقع موقع البيان للقرآن، ومنها ما يختص به، ومنها ما فعله وأمر به أمته وما فعله ولم يأمر به؛ ولكن أعلنه وأظهره، أو فعله في خاصة نفسه ولم يعلنه، ومنها ما فعله ونزل القرآن بخلافه،
(1) ابن بركة، الجامع، 1: 280. العوئبي، الضياء، 3: 11. الشقصي، منهاج الطالبين، 1: 84. النزوي قواعد الهداية 15 ظ.
2) هذا حديث متواتر ورد في معظم مصادر السنة عشرات المرات.
الربيع، الجامع الصحيح، باب 56 حديث 738. ج 2، ص 74.
صحيح البخاري، كتاب العلم باب إثم من كذب على النبي، حديث: 106. صحيح مسلم، باب في التحذير من الكذب على رسول الله صلى الله تعالى، حديث:3. (3) السنن الكبرى للبيهقي، كتاب الشهادات، باب: الرجل من أهل الفقه يسأل عن الرجل من أهل، حديث: 19452.
مشكل الآثار للطحاوي، باب بيان مشکل ما روي عن رسول الله صلى الله عليه، حديث: 3268. الهندي، كنز العمال، حديث 28918. ج 10 ص 176.
(4) الوار جلاني، العدل والإنصاف، 2: 192. (5) الوَارَ جلاني، الدليل والبرهان 2: 28 6 البرادي، البحث الصادق، 68 ظ.
168 (1/168)
صفحة 168
الفصل الثاني: دليل الوحي
*
وما فعله وعوتب عليه (1). - أقسام السنة:
أورد ابن بركة قوله تعالى: لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أَسْوَةٌ حَسَنَةٌ الله [الأحزاب:21]. واستشهد بالآية على وجوب الاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم في القول والعمل، وقول النبي: «صلوا كما رأيتموني أصلي» (2). وقوله: «خذوا عني مناسككم» (3). فهذا يدل على أن أفعاله من سنته، فمن اقتدى به فَعَلَ أمره.
واستدل بذلك على أن البيان قد يقع مرة قولا، وتارة يقع فعلا (4). ولكن المشهور عند الأصوليين أن السنة تشمل القول والفعل والتقرير، وتختص السنة القولية باسم الحديث (5).
ولئن أفادت آية الأحزاب أن الأصل في أفعال النبي هو التأسي، فإن الفعل يحتمل وجوها عديدة:
= منه ما يفعله ولم يأمر به فهو نافلة، والعمل به فضيلة. ومنه ما فعله وأمر به فالعمل به فريضة وتركه يعاقب عليه. = ومنه ما يختص به، لدليل يفيد الخصوصية كوجوب قيام الليل، وجواز
(1) البَرادِي، البحث الصادق، 68 و 68 ظ.
2 أخرجه البخاري وابن خزيمة والدارمي عن مالك بن حويرث. صحيح البخاري، كتاب الأذان، باب الأذان للمسافر، حديث: 613.
صحيح ابن خزيمة، كتاب الصَّلاة، باب ذكر الخبر المفسر للفظة المجملة التي ذكرت أنها لفظة عام،
حديث: 389
سنن الدارمي، كتاب الصَّلاة، باب من أحق بالإمامة، حديث: 1280. (3) أخرجه مسلم وأصحاب السنن عن جابر بن عبد الله بألفاظ متقاربة.
لفظ البيهقي «خذوا عني مناسككم».
السنن الكبرى للبيهقي، جماع أبواب وقت الحج والعمرة، جماع أبواب دخول مكة؛ باب الإيضاع في وادي محسر، حديث:8947.
والنسائي عن جابر بلفظ: «خذوا مناسككم».
السنن الصغرى، كتاب مناسك الحج، باب: الركوب إلى الجمار واستظلال المحرم، حديث:3026. وأخرجه مسلم بلفظ «لتأخذوا مناسككم». صحيح مسلم کتاب الحج، باب استحباب رمي جمرة العقبة يوم النحر راكبا، حديث: 2361. 4 ابن بركة الجامع، 2: 166/ 165.
5) السوفي، السؤالات 116 - السالمي شرح طلعة الشمس، 2:2.
169 (1/169)
صفحة 169
الباب الأول: اجتهاد التأصيل
نكاح أكثر من أربع نسوة.
*
- فما كان من الأفعال جبليّا، فلا يلزمنا إلا على نية التأسي، فحكمه في الأصل الإباحة، ثم يرتفع إلى الندب بقصد الاقتداء.
=
: وما كان بيانا لنص شرعي فيلحق به من حيث الوجوب والندب (1). والخلاف في الفعل الذي لم يعرف، وصفه، فلم يكن جبليّا، ولم يكن بيانا لنص من القرآن أو السنة، فحمله بعض على الوجوب لعموم أدلة الاقتداء، من مثل قوله تعالى: {قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} [آل عمران: 131. وقوله وَمَا انَنكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَنكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ الله شَدِيدُ الْعِقَابِ [الحشر:7]. وفعله مما آتانا به. وقد كان الصحابة ممتثلين لهذه الأوامر القرآنية في واقعهم المعيش، إذ نزعوا نعالهم لما رأوا النبي فعل ذلك (2)، ورأوه ساق الهدي ولم يتمتع، فلم يتمتعوا أيضا (3).
1 ابن بركة، الجامع، 2: 40 - السوفي، السؤالات 212 - السالمي، شرح طلعة الشمس،
53/ 52:2
(2) الحديث بنصه عند أبي داود عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ بَيْنَمَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يُصَلِّي بأصْحَابِهِ إِذْ خَلَعَ نَعْلَيْهِ فَوَضَعَهُمَا عَنْ يَسَارِهِ فَلَمَّا رَأى ذلِكَ الْقَوْمُ الْقَوْا نِعَالَهُمْ فَلَمَّا قَضَى رَسُولُ الله صَلَاتَهُ قَالَ مَا حَمَلَكُمْ عَلَى الْقَاءِ نِعَالِكُمْ قَالُوا رَأَيْنَاكَ الْقَيْتَ نَعْلَيْكَ فَأَلْقَيْنَا نِعَالَنَا فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم إِنَّ جِبْرِيلَ أَتَانِي فَأَخَبَرَنِي أَنَّ فِيهِمَا قَدْرًا أَوْ قَالَ أَذًى وَقَالَ إِذَا جَاءَ أَحَدُكُمْ إِلَى الْمَسْجِدِ فَلْيَنْظُرْ فَإِنْ رَأَى فِى نَعْلَيْهِ قَدْرًا أَوْ أَدَّى فَلْيَمْسَحْهُ وَلْيُصَلِّ فِيهِمَا».
سنن أبي داود، كتاب الصَّلاة، باب الصَّلاة في النعل، حديث: 560. 3 والخبر أوردته كتب الصحاح والسنن ونص البخاري. حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ حَدَّثَنَا أَبُو شِهَابٍ قَالَ قَدِمْتُ مُتَمَتِّعًا مَكةَ بِعُمْرَةٍ فَدَخَلْنَا قَبْلَ التَّرْوِيَةِ بثلاثةِ أَيَّامٍ فَقَالَ لِي أُناسٍ مِنْ أَهْلِ مَكةَ نَصِيرُ الآنَ حَجَّتُكَ مَكَّيَّةً فَدَخَلْتُ عَلَى عَطَاءٍ أَسْتَفْتِيهِ فَقَالَ حَدَّثَنِي جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ رَضي الله عنهما أَنَّهُ حَجٌ مَعَ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم يَوْمَ سَاقَ الْبُدْنَ مَعَهُ وَقَدْ أَهَلُوا بِالْحَقِّ مُفْرَدًا فَقَالَ لَهُمْ أَحِلُوا مِنْ إِحْرَامِكُمْ بطَوافِ الْبَيْتِ وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ وَقَصْرُوا ثُمَّ أَقِيمُوا حَلاَلاً حَتَّى إِذَا كَانَ يَوْمُ التَّرْوِيَةِ فَاهِلُوا بالْحَجِّ وَاجْعَلُوا الَّتِي قَدِمْتُمْ بهَا مُتَعَةً فَقَالُوا كَيْفَ نَجْعَلُهَا مُتَعَةً وَقَدْ سَمَّيْنَا الْحَجَّ فَقَالَ افْعَلُوا مَا أَمَرْتُكُمْ فَلَوْلا أَنِّي سَقْتُ الْهَدْيَ لَفَعَلْتُ مِثْلَ الَّذِي أَمَرْتُكُمْ وَلَكِنْ لَا يَحِلُّ مِنِّي حَرَامٌ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْئُ مَحِلَّه».
صحيح البخاري، كتاب الحج، باب التمتع والإقران والإفراد بالحج، حديث: 1502. صحيح مسلم، کتاب الحج، باب بيان وجوه الإحرام، حديث: 2185.
170 (1/170)
صفحة 170
*
الفصل الثاني: دليل الوحي
والتحقيق أن فعلهم هذا كان بقصد التأسي وابتغاء فضله، أو لفهمهم الوجوب، إذ إن تلك الأفعال كانت مقترنة بعبادات معلومة أحكامها، فليست محل استشهاد على دلالة مطلق فعل النبي على الوجوب. هذا؛ وذهب بعض الأصوليين إلى أن أفعاله تدل على الإباحة، بينما صوب الغزالي القول بالوقف (1).
والراجح أن حملها على الندب أدنى إلى القربة، أما الوجوب فشيء زائد لم يرد عليه دليل (2). فمهمة الرسول التبليغ، والأصل في التبليغ أن يكون بالقول، أما الفعل فترد عليه الاحتمالات، ولذلك قدّم الإباضية السنة القولية على الفعلية، كما فرقوا بين الفعل المجرد وبين الفعل المقترن بالقول. فما فعله ولم يأمر به فهو نافلة والعمل به فضيلة وتركه لا عقاب عليه، وأما ما فعله وأمر به فالعمل به فريضة وتركه يعاقب عليه (3). أما السنة التقريرية، فهي أن يرى النبي فعلا أو قولا صدر من أمته أو من بعضهم فسكت عنه مع القدرة على الإنكار، فيكون شرعا لنا مباحا فعله. وإذا سبقه تحريم كان تقريره نسخا لذلك الحكم، أما إذا كان منكرا واضحا فليس بحجة وإن سكت عنه كمرور كافر إلى كنيسة، لأنه معلوم الحرمة لا يحتاج إلى إنكار في كل مرة. وإن صاحَبَ التقرير استبشار النبي به كان أدل على الجواز (4). ومن تقريراته ما ورد في مسند الربيع عن أبي عبيدة عن جابر بن زيد قال: كان أصحاب رسول الله ينامون جلوسا حتى تخفق رؤوسهم، ثم يصلون ولا يتوضؤون والنبي يشاهدهم على تلك الحالة ولا يأمرهم بإعادة الوضوء» (5).
(1) الغزالي، المستصفى، 2: 214. فما بعد. (2) الخراساني، المدونة 1 13 - الشماخي، شرح مقدمة التوحيد،93.-الجيطالي، قواعد الإسلام 2: 137 - السالمي شرح طلعة الشمس، 2: 52/ 53.
3 عمرو بن جميع مقدمة، التوحيد 92 - الشماخي، شرح مقدمة التوحيد، 93. - السوفي، السؤالات 212 - الشماخي، شرح مقدمة التوحيد، 93.-السالمي، شرح طلعة
الشمس 2: 57
5) الربيع، الجامع الصحيح، باب 18 حديث 119. ج 1، ص 35.
?
171 (1/171)
صفحة 171
الباب الأول: اجتهاد التأصيل
كما أقر عمرو بن العاص على تيممه من الجنابة خشية الهلاك إن اغتسل بالماء البارد، وضحك لاجتهاد عمرو واستدلاله بقوله تعالى: وَلَا نَقْتُلُوا
أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا} [النساء: 1/ 129).
2 - علاقة السنة بالقرآن:
علاقة السنة بالقرآن حددها القرآن في دور "البيان"، لما خاطب النبي وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ} [النحل:44]. ولم يضف الإباضية في أوجه البيان شيئا فوق ما أوضحه الشافعي في
الرسالة، من أن السنة قد ترد:
=
=
- مقررة ومؤكدة لحكم القرآن.
أو موضحة له ببيان مجمله أو تخصيص عامه أو تقييد مطلقه. = وقد تكون ناسخة له، أو منسوخة به.
=
كما تكون مؤسسة ومثبتة لحكم لم يرد به القرآن كرجم الزاني المحصن، وتحريم الحرير والذهب على الرجال، وتحريم نكاح الشغار (2). والسنة تبع للقرآن راجعة إليه وداخلة تحت أصوله وقواعده العامة. ولذلك يمتنع أن يقع تعارض حقيقي بين أحكام القرآن وأحكام السنة، إلا ما قد يبدو للناظر حسب الظاهر.
وفي إزالة هذا التعارض تختلف المدارك وتتباين أحيانا أنظار الفقهاء، وهو
مجال خصب للاجتهاد.
3 - تقسيمات الخبر:
عرف الوَارجُلانِي الخبر بأنه ما يدخله الصدق والكذب. فالصدق كل وصف للمخبر عنه على ما هو به. والكذب هو الوصف للمخبر عنه على ما ليس به (3).
-
(1) الربيع، الجامع الصحيح، باب 26 حديث 172، ج 1، ص 46. 2 الشافعي الرسالة 247 فما بعد - الحضرمي الدلائل والحجج، 76 ظ. السوفي، السؤالات 116 - الأصم البصيرة، 9 ظ 11 و. الزحيلي، أصول الفقه، 1: 460. 3 الوارِ جلاني، العدل والإنصاف 2 189. وعليه أغلب التعاريف. ينظر: الجويني، الإرشاد،
172 (1/172)
صفحة 172
الفصل الثاني: دليل الوحي
ثم قسم الأخبار إلى خمسة أقسام مقطوع بصدقه، ومقطوع بكذبه،
و مظنون صدقه ومظنون كذبه، ومتردد فيه.
المقطوع بصدقه يشمل:
-
- خبر الله تعالى، وخبر الأنبياء،
وخبر من أخبر الله أو أحد أنبيائه بصدقه،
والخبر المعلوم بالضرورة، والمنقول بالتواتر،
والخبر المشهور المتلقى بالقبول على قول،
وخبر من أخبر عن جماعة بحضرتهم فلم ينكروا عليه، ولم يمنعهم من
ذلك مانع،
-
-
وخبر من أخبر عن الرسول بحضرته وهو يسمعه فلم ينكر عليه.
المقطوع بكذبه يشمل:
-
- ما خالف واحدا من الأنواع الصادقة المذكورة. أو أن يحدث بما يستحيل في العقل وجوده، كاجتماع الضدين. أو ما تدفعه الحواس والمشاهدة.
أو ما تعجز عنه النفوس البشرية كمعرفة عدد الرمل وقطر المطر
وورق الشجر من غير معجزة.
411
المظنون صدقه: خبر العدل.
المظنون كذبه خبر الكاذب.
المتردّد فيه: خبر المجهول. (1).
والتقسيم المتعارف لدى علماء الحديث والأصول للخبر أنه نوعان: تواتر
(1) الوَارِجُلانِي، العدل والإنصاف 2: 190. - السالمي، شرح طلعة الشمس، 2: 7. وذكر الجويني بعض هذه الأقسام ينظر: الجويني، الإرشاد، 411.
173 (1/173)
صفحة 173
الباب الأول: اجتهاد التأصيل
ما
وآحاد (1). وإن جنح الحَنَفِيّة إلى زيادة قسم ثالث هو الخبر المشهور (2)، وهو ذهب إليه الإباضية، كما سيتضح عما قريب، والواقع أنه اصطلاح عرفه
المحدثون كذلك (3).
4 - الخبر المتواتر:
- مفهوم المتواتر
التواتر أن تخبر جماعة لا يجوز عليهم التواطؤ على الكذب، فإذا سمعنا منهم خبرا وقع لنا علم ضروري به ويكون عن مشاهدة يستند إليها» (4). وعُرف بأنه «ما نقلته جماعة عن جماعة متصلة فيما بين المخبر والمخبر عنه مما لا يصح عليهم التواطؤ ولا التساعي ولا اتفاق الهمم، ولا دعاهم إلى ذلك اعتقاد مذهب ولا إلحاد. ويكون أصل علمهم بذلك مشاهدة) (5). وأهل التواتر جماعة يستحيل تواطؤهم على الكذب عادة، فاستحالة الكذب مستند إلى العادة لا إلى العقل (6). ويسمي الإمام السالمي الخبر المتواتر بالخبر المتصل اتصالا كاملا، ومادونه متصلا اتصالا غير كامل: كالمستفيض والآحاد (7).
يسمى
عن
والتواتر على وجهين: لفظي ومعنوي فإن نقل اللفظ بعينه فهو تواتر لفظي، كحديث من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار» (8). وكمقادير الزكاة، ومواضع المناسك، ووقت الصيام، ونحوها. وإن نقل اللفظ بمعناه كان تواترا معنويا كالذي تواتر من صفات النبي وخلقه. وكشجاعة علي
(1) الوَارِخلاني، الدليل والبرهان 2: 29. السوفي، السؤالات 116. الملشوطي، الأدلة، 4 ظ. -الجويني، التلخيص، 2: 275 الغزالي المستصفى 1 93 - الشوكاني، إرشاد الفحول، 41. - الزحيلي أصول الفقه، 1: 451.
2 النسفي كشف الأسرار. 2: 5
3) عبد الرحمن السيوطي، تدريب الراوي، 2: 173.
4) أحمد الكندي، المصنف، 1: 44 - الشقصي، منهاج الطالبين، 1: 80. السوفي، السؤالات، 116. الملشوطي، الأدلة، 4 ظ.
6) سعيد الجربي، جواب، 124 و. 7 السالمي، شرح طلعة الشمس، 2: 8 8) سبق تخريجه.
174 (1/174)
صفحة 174
وسخاء حاتم (1).
الفصل الثاني: دَليلُ الوحي
- شروط التواتر:
حدد الوارجلاني للتواتر شروطا ثلاثة أولها العقل، والثاني المشاهدة
والثالث العدد.
-
فخبر المجانين والصبيان ومن لا يعقلون لا يوثق به.
و المشاهدة أن يستند علمهم إلى محسوس إذ الأمور العقلية لا تنقل بالتواتر، وكذا أخبار المقلدين من الأمم للآباء والأسلاف بما ليس لهم به علم
ولم يشاهدوه. أما العدد فشرطه أن يكونوا جماعة يستحيل تواطؤها على الكذب (2). والخلاف في تحديد هذا العدد كبير بين العلماء. وكل استدل لما ذهب إليه، مستأنسا بآية أو حادثة ذكرت في القرآن وتراوحت الأقوال بين الأربعة قياسا على شهود الزنا وبين ثلاثة عشر ومائة، وهم عدد أهل بدر (3).
وحسم السوفي المسألة أنه «ليس للتواتر عندنا حد» (4). والمعتبر أساسا تحقق الوصف فيه وهو امتناع الاتفاق على الكذب، ولا يعتبر فيه عدد معين في الأصح» (5).
والتواتر درجة يبلغها الخبر بعد أن يرد من طرق متعددة، أصلها آحاد، فيأخذ في الترقي حتى يبلغ حدا نجزم فيه بصدقه واستحالة كذبه. وليس العدد واحدا في كل الوقائع، لأن لكل حادثة قرائن تحفّ بها، وباجتماعها يحصل
العلم. وأقل عدد يحصل به التواتر أمر عسير معرفته لأنا لا نعلم بالتحديد متى يحصل لنا ذلك، فهو يتدرج في التأكيد بازدياد المخبرين؛ حتى يصير ضروريا
1) السوفي، السؤالات، 116.-سعيد الجربي، جواب 124 و.-السالمي، طلعة،2: 8. وانظر أيضا: السيوطي، تدريب الراوي، 2: 180.
2 الوار خلاني العدل والإنصاف 2 189 - ينظر أيضا الجويني، الإرشاد، 414/ 413. -3 تنظر الأقوال وأدلتها الوار جلاني، العدل والإنصاف، 1: 93.فما بعد. السالمي، شرح
طلعة الشمس،2: 8. فما بعد.
4 السوفي، السؤالات، 116.
5) السيوطي، تدريب الراوي، 2: 176.
175 (1/175)
صفحة 175
الباب الأول: اجتهاد التأصيل
E
لا يمكننا أن نشكك فيه أنفسنا. ودرك لحظة حصول اليقين أمر عسير (1). وفي كيفية حصول هذا العلم يفرق ابن بركة بين خبر التواتر وخبر الشهادة؛ بأن الحاكم لو وصل إليه دفعة واحدة عشرة آلاف شاهد من العوام، يشهدون على موت رجل غائب فقالوا رأيناه، ميتا، لم تقبل شهادتهم، ولا يقبل إلا بشاهدي عدل وللعدلين أن يشهدا على صحة الخبر بقول جماعة يسيرة نحو العشرة. وأقل ما يكون فوق ثلاثة إذا جاءوا مفترقين بالخبر، وتواتر الخبر بهم بما يثبت ذلك في النفس.
أما إذا جاءنا العوام مفترقين بذلك لا يعترض عليهم أحد بتكذيب ما يقولون، ولا يختلف خبرهم علمنا أن ما نقلوه إلينا صحيح، ولو أراد أحد أن يشككنا فيه ما استطاع لبلوغ الخبر درجة اليقين (2).
فخبر التواتر يرد متفرقا، يرويه أفراد آحاد، ثم يتنامي الصدق به حتى يبلغ القطع. أما الشهادة فترد دفعة واحدة ولابد فيها من عدالة الرواة. ولهذا رجح قول من لم يشترط في أهل التواتر إلا الشروط المذكورة من العقل والمشاهدة والعدد. أما زيادة شروط أخرى كاختلاف بلدانهم ومواقعهم، أو كونهم مسلمين أو عدولا، فتلك قيود غير معتبرة عند الجمهور (3). - القيمة العلمية للتواتر: تكمن القيمة العلمية للخبر المتواتر في نوع العلم الحاصل به، ودرجته. فهو يوجب العلم القطعي لدى العقلاء، ويُعد مصدرا يقينيا للمعرفة، لا يختلف فيه اثنان ويشترك في معرفته كل مسلم وكافر ويهودي ونصراني» (4). والخلاف في العلم الحاصل به أهو ضروري أم نظري؟
-
فقد ذهب كثيرون إلى أنه علم ضروري لا يحتاج إلى مقدمات نظرية، بل يحصل في النفس بداهة. وهذا قول أصوليي الإباضية قديما وحديثا (5)، كما
(1) الغزالي، المستصفى، 1: 136. فما بعد.
(2) ابن بركة، التعارف، 32/ 31.
3) الكدمي، المعتبر، 153 ظ. - الملشوطي، الأدلة، 4 ظ - السالمي، شرح طلعة الشمس، 2: 8. فما بعد الغزالي، المستصفى، 1: 139.
4 الوار خلاني، العدل والإنصاف، 2: 193.
5 ابن بركة المبتدأ، 106 - الكدمي المعتبر، 153 ظ. - الكندي، المصنف، 1: 44. الملشوطي،
176 (1/176)
صفحة 176
الفصل الثاني: دَليلُ الوَحي
ذهب إليه أكثر المعتزلة وجمهور الفقهاء والمتكلمين (1). فمن حصل له العلم بتواطؤ الأخبار وتواترها، فإنّ علم ذلك لازم له بالاضطرار، لا محيد له عن ذلك ولا اختيار ولو لم يعلم من أين تأدّت إليه تلك الأخبار (2). وذهب أبو الحسين البصري والكعبي إلى أنه يفيد العلم النظري (3). ورد الغزالي هذا الرأي بأن العلم النظري هو الذي يجوز أن يعرض فيه الشك وتختلف فيه الأحوال، فيعلمه بعض الناس دون بعض. ونحن لا نجد أنفسنا شاكين في وجود مكة والصين ونحوها من البلدان والأماكن المشهورة، لحصول التواتر بوجودها. فإن كان القصد بالعلم النظري هو هذا، فعلم التواتر ليس نظريا (4).
وإن كان القصد تشكل مقدمتين في النفس:
إحداهما، أن هؤلاء مع اختلاف أحوالهم وأعرافهم، وكثرتهم، لا يجمعهم
على الكذب جامع، ولا يتفقون إلا على الصدق. والثانية، أنهم قد اتفقوا على الإخبار عن واقعة معينة.
فالنتيجة هي العلم بصدقهم، بناء على هاتين المقدمتين. فالعلم بالتواتر نظري بناء على هذا التفسير (5). ولكن هذه الصور من القضايا لا تتشكل في النفس عند سماع خبر التواتر، إلا إذا عناها العقل بالتأمل والنظر، ولذلك اتخذ السالمي هذا دليلا على اعتباره علما ضروريا، إذ لو كان نظريا لافتقر إلى مقدمتين كسائر النظريات، ولاختلف العقلاء في العلم به والحال خلاف ذلك، فدل على أنه
الأدلة، 4. الوَار جلاني، العدل والإنصاف 2 189 - السالمي، طلعة، 2: 13/ 12 .. 1) أبو الحسين البصري المعتمد 2 80 - الجويني التلخيص، 2: 284. -سيف الدين الآمدي، الإحكام في أصول الأحكام، 2: 37.
(2) الكدمي، المعتبر، 153 ظ. 3 أبو الحسين البصري المعتمد 2 80 فما بعد الغزالي المستصفى، 1: 132. الشماخي، شرح مختصر العدل والإنصاف، 50 ظ -
4 الغزالي، المستصفى، 1: 132. 5) الغزالي، المستصفى، 1: 132.
177 (1/177)
صفحة 177
الباب الأول: اجتهاد التأصيل
علم ضروري (1).
وجنح الغزالي إلى التوفيق بين الرأيين بقوله: «إن الضروري، إن كان عبارة عما يحصل بغير واسطة، كقولنا: القديم لا يكون محدثا، والموجود لا يكون معدوما، فهذا ليس بضروري، وإن كان عبارة عما يحصل بدون تشكل الواسطة في الذهن، فهذا ضروري» (2). وهذا موقف وسط اتخذه الغزالي في القضية، بينما لم يُعنَ الإباضية بدخول هذه المتاهات والافتراضات العقلية، وحسموا الأمر أن علم التواتر ضروري
ومضوا.
غير أن الوارجلاني ذكر أن معرفة من حصل له العلم بالخبر المتواتر من جهة الضرورة فهي ضرورية، ومن لم يسمعه إلا نادرا كان كسبيا» (3) ويرى أن التواتر «أوله كسبي وآخره ضروري» (4). وتوقف الآمدي والشريف المرتضى، فلم يجزموا في القضية لتعارض الأدلة (5). بينما شدّ السُمنية (6) فشككوا في مدارك العلوم كلها، وحصروا العلم في الحواس ولم يُعْنَ بالرد عليهم من الإباضية إلا أبو المنذر بشير في إشارة عابرة أنْ ليس جحد السمنية لعلم الأخبار بمزيل الاضطرار إلى العلم بها، كما لم يكن ذلك في المشاهدات بجحد
(1) السالمي، شرح طلعة الشمس، 2: 12/ 13. (2) الغزالي، المستصفى، 1: 132/ 133. (3) الوَارجُلانِي، العدل والإنصاف، 2: 193. (4) الوار جلاني، العدل والإنصاف، 2: 193.
(5) الأمدي الإحكام 2 34. وقد أسهب الآمدي في إيراد أدلة كل قول وتحليلها، ثم خلص إلى الوقف. ـ الشماخي، شرح مختصر العدل والإنصاف، 51 و. -السالمي، شرح طلعة الشمس،
12:2
-
6) السمنية، كعرنية، قوم بالهند دهريون قائلون بالتناسخ، ومن عقائدهم القول بقدم العالم. وإبطال النظر والاستدلال، وأن لا معلوم إلا من جهة الحواس الخمس. انظر: الفيروز أبادي، القاموس المحيط. 4: 236 - البغدادي الفرق بين الفرق. 235 - الجويني، التلخيص، هامش 2:
178
281 (1/178)
صفحة 178
السفسطائية (1) لها» (2).
الفصل الثاني: دليل الوحي
وقد تولّى الجويني مناقشتهم (3). وشفى الغزالي بتحليل مقالتهم وردّ عليها
ردا وافيا (4).
وعن أهمية العلم الحاصل بالتواتر نجد الإمام الكدمي يسمي هذا العلم علم الشهرة، ويعده علما يقينيا، فليس لمن له علم ذلك العلم أن يشك فيه ولا يرتاب، ولا يرجع عنه إلى غيره بسبب من الأسباب، ولو شهد على نقضه الثقلان من الجن والإنس ولن يكون ذلك، ولكن على سبيل المثال ... وقد قيل إن علم الشهرة أوجب من علم العيان وأوجب من علم ما وعته الأذنان من المتكلم باللسان، لأنه قد يرتاب فيه المرتاب ... ومحال أن تؤدي الشهرة الصحيحة لخلاف ما كان» (5).
ثم يزيد الأمر توكيدا بأن «هذه الحجة أوجب العلوم وأثبتها وأوضحها محجة. ولا نعلم في الإسلام حجّة أوضح من علم الشهرة، لأنها توجب علم ما سلف من الدهور، وما مضى عليه السنوات والشهور، وما لا يحيط به الإنسان علما» (6).
ويتفرع عن كون الخبر المتواتر مفيدا للقطع واليقين أمور، منها: = وجوب اعتقاده إن كان من الأمور الاعتقادية.
= وجوب اتباعه إن كان من المسائل العملية.
- تفسيق مخالفه إن كان متأولا (7).
(1) السفسطائية ثلاث فرق فرقة تنكر حقائق الأشياء، وتزعم أنها أوهام. وتسمى عنادية. وفرقة تشك في حقائق الأشياء، وتقول لا دراية بحقيقة من الحقائق وتسمى اللا أدرية. وفرقة تقول ليس للأشياء حقيقة واحدة في نفسها، بل حقيقتها عند كل قوم على حسب ما يعتقد فيها. فهي تابعة للعند وللاعتقاد، وهي تسمى العندية. ابن حزم الفصل في الملل والنحل: 1: 8.- الجويني، التلخيص، 2: 283 (هامش).
2 أبو المنذر بشير، المحاربة، 3 و.
3 الجويني التلخيص:2: 281/ 283. = البرهان، 1: 102. (4) الغزالي، المستصفى، 1: 132 فما بعد.
5) الكدمي المعتبر مخ=153 ظ. مط=1: 86. 6) الكدمي، المعتبر، مخ = 154 و./ مط=1: 87/ 86.
7) الجيطالي، قواعد الإسلام، 2: 12 - السالمي، شرح طلعة الشمس، 1: 47.
179 (1/179)
صفحة 179
الباب الأول: اجتهاد التأصيل
5 - خبر الآحاد:
- مفهوم خبر
الأحاد:
خبر الآحاد هو الخبر المتصل سنده إلى رسول
الله ولم يبلغ حد التواتر.
فما نقله جماعة من خمسة أو ستة مثلا فهو خبر أحاد (1).
وقد جعله السوفي والملشوطي على ثلاثة أقسام: مسند ومرسل ومنقطع (2). ويقتصر بحثنا هنا على الخبر المسند أما المرسل والمنقطع فليسا موضع اتفاق بين العلماء في الاحتجاج، وسنخصهما ببعض الحديث في مبحث طرق نقد الرواية.
هذا الخبر المسند جعله الوارجلاني على ضربين:
=
ضرب نقلته الصحابة عن رسول الله واستفاض به الخبر، وهو
دون المتواتر.
=
وضرب دون ذلك (3).
وقد عرف السَّماخِي الخبر المشهور بأنه ما زاد على ثلاثة، وتلقته الأمة
بالقبول» (4).
وتعريفه عند الشيخ اطفيش أنه الحديث الذي رواه جماعة عن الثقاة، واستوى في معرفته الخاص والعام). وحكاه مرة عن بعض دون أن يعتمده (6). وهو تعريف غير دقيق. ثم أوضحه بتعريف المستفيض أنه «ما شاع من أصل، وهو الإمام الذي يرجع إليه الناقلون. وقد يسمّى مشهورا» وأورد له تعاريف عدة، واختار منها ما ذكرناه (7).
والفرق بين المستفيض أو الخبر المشهور وبين المتواتر أن رواة المشهور في أول القرون يمكن تواطؤهم على الكذب، ثم يشتهر الحديث بعد ذلك في
(1) الغزالي، المستصفى، 1: 145.
2 السوفي السؤالات 116 ـ الملشوطي، الأدلة، 4 ظ.
و.
3) الوارجلاني، العدل والإنصاف، 2: 193. سعيد الجربي، جواب، 124 الشماخي شرح المختصر، تحقيق مهني التيواجني 439 السالمي، طلعة، 2: 14.
5) امحمد اطفيش، شرح النيل، 2: 364.
6 امحمد اطفيش، جامع الشمل 338 (7) امحمد اطفيش، جامع الشمل، 337/ 338.
180
E 3 (1/180)
صفحة 180
الفصل الثاني: دَليلُ الوَحي
القرون التالية، بينما لا يمكن ذلك في أهل التواتر. ولا اعتبار بتواتر الأخبار بعد القرن الثالث فإن كثيرا من أخبار الآحاد دخلت حد التواتر بعد ذلك (1). والخبر المستفيض يحصل الظن بصدق رواته الأوائل ثم يزداد رجحان الصدق بدخوله حد التواتر وتلقي الأمة له بالقبول.
وذهب بعض إلى جعل المستفيض من نفس المتواتر حيث كان فيه مزية استفاضة (2). ونسب السَّالِمِي إلى السَّمَّاخي أن ظاهر كلامه يفيد اعتبار المستفيض المتلقى بالقبول مقطوعا بصدقه كالمتواتر (3). ونص عبارة الشماخي أنه لا يفيد علما إلا بقرينة (4). والصواب أنه يفيد علم طمأنينة وسكونا للنفس على ما أدركت، فإن كان تواترا أفادها زيادة يقين، كما قال الخليل إبراهيم مجيبا سؤال ربه أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَى وَلَكِن لِيَطْمَيِنَ قَلْبِي [البقرة: 260]. وإن كان آحادا زادها رجحانا لجانب الظن فأفاد حكما دون اليقين وفوق أصل الظن (5).
- حجية خبر الأحاد الآحاد حجة في الدين وذلك ثابت بطريق النقل، والعقل يقضي
خبر
به
بجواز ذلك لا بوجوبه، خلافا للخبر المتواتر فإن إفادته العلم ولزوم الأخذ ثابت عقلا، ومتأكد شرعا بالأدلة الموجبة للعمل بالأخبار عموما. ولذلك يمكننا تجاوزا أن نصنف خبر التواتر ضمن الأدلة العقلية، وخبر الآحاد ضمن الأدلة النقلية والقضية اعتبارية لا يحسم فيها بقول جازم. وأدلة وجوب العمل بخبر الواحد، أو التعبد بخبر الواحد عديدة لم يختلف الأصوليون حولها، وتتلخص في:
ت ما تواتر عن الصحابة واشتهر من عملهم بخبر الواحد في حياة الرسول
1 السالمي، شرح طلعة الشمس، 2: 14.
(2) الوار جلاني، العدل والإنصاف 2 193. سعيد الجربي، جواب 124 و.
3 السالمي، شرح طلعة الشمس، 2: 13.
3) (4)
4 الشماخي شرح المختصر، تحقيق مهني التيواجني، 439. 5 السالمي، شرح طلعة الشمس، 2: 14.
كل
181 (1/181)
صفحة 181
الباب الأول: اجتهاد التأصيل
، وبعد وفاته.
ما تواتر من إرسال النبي الأئمة على الصلوات، والسعاة إلى الصدقات، والقضاة في الأحكام، والأمراء في الأجناد، وهم آحاد فيأخذ الناس
بأخبارهم. أما ما ورد من ردّ بعض الصحابة لأخبار معدودة فإنما كان لشك في صحتها، أو إرادة تثبت أو المعارضتها لما هو أرجح منها من الكتاب والسنة. فقضية حجية خبر الآحاد محسومة لا مجال فيها لاجتهاد أو إسهاب، وقد بسط الإمام الشافعي الحديث فيها في الرسالة وجمع لها من الأدلة ما ليس عليه مزيد (1). وترددت هذه الأدلة نفسها في معظم كتب الأصول، سواء عند الإباضية (2) أم عند غيرهم (3). ويختصر الوار جلاني القضية أن الأصل في المسألة أن أخبار الآحاد مقبولة في نقل الشريعة ومن قصر فهمه عن الحجة وقارنته قرينة الارتياب، فيسعه التوقف، ولو كثروا (أي الرواة، وليس ذلك بقادح في المسلمين» (4). وهذا موقف وسط لا تفريط فيه ولا شطط.
- ما يفيده خبر الأحاد:
خبر
الأحاد يفيد وجوب العمل، وقد نص ابن بركة «أن خبر
يوجب
العدل
مقبول، ويجب العمل به حكما، ولا علما» (5). وهو قول الوَار جلاني: إن الحديث غير المشهور ولا المتواتر لا يوجب العلم ولا القطع (6). وإنما هو حجة في العمل لا العلم (7). وذهب قوم إلى أنه يوجب العلم والعمل وهو قول المحدثين وداود
(1) الشافعي، الرسالة، 401 - 471.
2) العوتبي، الضياء، 2: 264/ 261. ابن بركة، الجامع 1: 489.-الوَارِجلاني، العدل والإنصاف، 2: 210/ 206 - السالمي شرح طلعة الشمس، 2: 20/ 15.
3) ينظر: الغزالي، المستصفى، 1: 155/ 146. الجويني التلخيص، 1: 325 فما بعد. – أبو
الحسين البصري، المعتمد، 2: 106 - 126.
4) الورجلاني، العدل والإنصاف، 1: 94. 5 ابن بركة، الجامع 2: 20. 6 الوارجلاني، الدليل والبرهان 2: 46. 7 الوَار جلاني، الدليل والبرهان، 2: 29.
182 (1/182)
صفحة 182
*
الفصل الثاني: دَليلُ الوحي
الظاهري (1). ورجحه ابن حزم وأطال في الاحتجاج له في "الإحكام"، وضعف الرأي الذي لا يعتبر خبر الواحد مفيدا للعلم (2). ومن جهة أخرى كان جواب الجويني على هذا القول قاسيا (3). وقال بعض: إنه يوجب العلم الظاهر دون الباطن، واستدلوا بقوله تعالى: الله أَعلَمُ بِإِيمَنِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ} [الممتحنة: 10]. فعلمنا علم ظاهر لا باطن، وعلم الحقيقة عند الله».
وعلم الحقيقة يقضي على الظاهر والباطن ولا يصل إليه مخلوق، وإنما استأثر الله به، فلا مدخل له في باب الأحكام (5). والقول بإفادة خبر الأحاد وجوب العمل دون العلم هو قول الإباضية اتفاقا، وهو قول جماهير علماء الإسلام قديما وحديثا (6).
وذهب الجويني إلى أن خبر الواحد في أصله لا يوجب علما ولا عملا، ولكنه يوجب العمل على الشرائط التي وضعها العلماء لصحته، فإيجابه للعمل لاستناده على الأدلة الموجبة للأخذ به (7).
أما الخبر المتواتر فقال عنه: الخبر المتواتر إذا توافرت شرائطه وتكاملت صفاته، استعقب العلم بالمخبر عنه ضرورة وجاحد العلم بذلك جاحد
(1) أحمد شاكر، الباعث الحثيث شرح اختصار علوم الحديث. 127/ 126. 2 ابن حزم الإحكام في أصول الأحكام، 1: 119 - 127
يوجب
(3) قال الجويني: ذهبت الحشوية من الحنابلة وكتبة الحديث إلى أن خبر الواحد العدل العلم، وهذا خزي لا يخفى مَدرَكه على ذي لب ورد عليهم ردا قاسيا. الجويني، البرهان، 1:
392
4 الوَارِجلاني، العدل والإنصاف، 2: 206.
5 ابن بركة تقييدات 15 و. 6) ?
جمع الشيخ سعيد القنوبي - من الإباضية المعاصرين - أقوال هؤلاء العلماء جمعا مستوعبا، وذكر أن هذا القول هو حكاية جمهور الأمة كما حكاه النووي في مقدمة شرح مسلم، وفي الإرشاد وفي التقريب، - وإمام الحرمين في البرهان والسعد التفتزاني في التلويح، والغزالي في المستصفى وابن عبد البر في التمهيد وابن الأثير في مقدمة جامع الأصول، وصفي الدين البغدادي الحنبلي في قواعد الأصول وابن قدامة في روضة الناظر، وعبد العزيز البخاري في كشف الأسرار وابن السبكي في جمع الجوامع، وابن عبد الشكور في مسلم الثبوت والشنقيطي في مراقي الصعود - وغيرهم. سعيد القنوبي، السيف الحاد، 7.
7) الجويني، البرهان، 1: 388.
183 (1/183)
صفحة 183
الباب الأول: اجتهاد التأصيل
للضرورة، ومتشكك في المعلوم على البديهة» (1).
وبناء على هذه القاعدة فإن الإباضية لا يرون إثبات العقائد بأخبار الآحاد، لأن العقائد مبناها اليقين وخبر الآحاد مبناه الظن، إذ قد يعرض لرواته الغفلة والنسيان، وإن كانوا عدولا ثقاةً ولورود التعارض بين أخبار الآحاد ولا يكون التعارض في الأخبار المتواترة، فدل على أن أخبار الآحاد لا تفيد القطع، فلا يعتمد عليها في قضايا العقائد (2). ولأن الصحابة ردوا بعض الأحاديث لما اعتراها من مخالفة لقطعيات القرآن ومتواتر السنة، كرد عائشة حديث تعذيب الميت ببكاء أهله، لمخالفته للآية {وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخرى [فاطر: 18]. كما ردّت حديث قطع الصلاة بالمرأة والحمار والكلب (3). عن أن تصحيح الأخبار وتضعيفها والحكم بالوضع فيها ونحو ذلك
فضلاً
أمور ظنية، فلا يمكن بناء قطعي على أمر قائم على الظن (4). بل إن كثيرا من الأحاديث رويت بالمعنى والرواة في ذلك متفاوتون في ضبط المعاني لاختلاف مداركهم، ومدى إتقانهم ومعرفتهم باللغة، وفيهم الأعاجم ومن لا يحسنون لغة العرب. فكان حديث الآحاد مظنة لاحتمالات المعاني فلا يحتج به في القطعيات (5).
وأزاء الاختلاف في ما يفيده خبر الواحد، وجدنا أبا حامد الغزالي يتجه كعادته إلى التوفيق بين الآراء، فحمل قول من ذهب إلى أن خبر الآحاد يفيد العلم بأنه ربما أراد أنه يفيد العلم بوجوب العمل (6)، وهذا تكلف في التوجيه. وظاهر مراد هذا القول إفادة خبر الآحاد العلم القطعي استنادا إلى الآية وَلَا نَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمُ} [الإسراء: 36]. قالوا فلو لم يفد الخبر العلم
ما جاز العمل به.
1) الجويني، الإرشاد، 412.
(2) القنوبي، السيف الحاد، 13. فما بعد.
(3) ينظر تخريج هذه الأحاديث بدقة في القنوبي، السيف الحاد، 19. فما بعد.
4) القنوبي الامام الربيع مكانته ومسنده، 13.
5)
القنوبي، الامام الربيع مكانته ومسنده، 13.
6) الغزالي، المستصفى، 1: 145.
184 (1/184)
صفحة 184
E
الفصل الثاني: دليل الوحي
وهذا غير مسلّم، لأن العمل بخبر الواحد معلوم الوجوب بأدلة قاطعة أوجبت العمل عند ظن الصدق، وظن الصدق حاصل قطعا، فوجب العمل عنده قطعا. وذلك كشهادة اثنين، عدول فإنه يجب العمل بها، وهي
لا تفيد
علما يقينيا (1). ويؤصل ابن بركة هذه القضية بأن شهادة الشاهدين لا توجب علما بالحقيقة، إلا تقليدا لهما من طريق الشريعة. ولو تركنا وصحة اليقين ما صح لنا علم بشهادة الشاهدين ولا بشهادة عشرة عدول، وإنما جواز شهادة الشاهدين من الشريعة لا من طريق العلم» (2). كما أفاض الإمام السَّالِمِي في الرد على القول بإفادة خبر الآحاد العلم، لأنه يؤدي إلى الوقوع في التناقض، إذ لم يميّز أصحابه في الشريعة بين الأمور الاعتقادية الواجب فيها اليقين وبين الفرعيات التي يكفي فيها غلبة الظن ورجحان الصدق (3).
وكثير من أحكام الفقه الإسلامي قائمة على اعتماد أخبار الآحاد، ولو رددناها للزم ردّ معظم الشريعة. وتذكر المصادر الإباضية أنه قد تتسع دائرة خبر الآحاد فيعمل به في باب التوحيد عند الضرورة، كأن يكون رجل في معزل من الأرض على دين عيسى ال ولم يسمع بمحمد، فلقيه أعرابي جاف أو امرأة جافية، فأخبروه بمبعثه، فقد بلغته الدعوة ولزمته الحجة وانقطع عذره. فيجب عليه الإيمان بمحمد، والعمل بما جاء به (4).
غير أن ابن بركة فرّق بين إخبار العدل عمّا للعقل فيه مدخل، وبين ما لا مدخل للعقل فيه؛ فالتوحيد لا يكون العدول فيه حجة دون العقل، وهم
(1) الغزالي، المستصفى، 1: 146.
2 ابن بركة، تقييدات، 17 و.
3 السالمي، شرح طلعة الشمس 2 2015. ومما قاله في منظومته:
ولا يفيد العلم لكن العمل
فأثبتوا به أصول الديـ
وقبلوه في خلاف القط.
محمد بن الحواري جامع أبي الحواري، 1: 26.
وقيل: لا، وقيل: كل قد حصل
مع أنها ثمرة اليقين
فاختلطت أصولهم بالفرع
185 (1/185)
صفحة 185
الباب الأول: اجتهاد التأصيل
حجة مع العقل، كما لا يكون الواحد حجة ولا الاثنان، إذا كان الخبر بأمر يدفعه العقل، فإن قبله العقل جاز العلم به والتدين به (1).
بين
وهنا يغدو الخبر مساعدا للعقل فيما يجوز للعقل النظر فيه، لأنه تأرجح بين الصدق والكذب وبين قبوله وردّه. وميزان العقل في هذه الحال أدنى إلى الصواب. ولهذه المسألة صلة بمعارضة خبر الواحد للقياس، وهي قضية أثارت جدلا الأصوليين، قد نعرض لها في مباحث القياس إلا أن جوهر المشكلة يتعلق بقوة الدليل ومدى إفادة العقل وخبر الآحاد لليقين؛ فالذين قدموا عليه العقل، شككوا في العلم الحاصل بهذه الأخبار للاحتمالات الواردة على طرق ثبوتها، وصحة نسبتها إلى رسول الله؛ بينما تمسك المحدثون ـ وهم أشهر من قال بالعمل بخبر الواحد في قضايا الاعتقاد - بدلالة هذه الأخبار على العلم، وقدموها على العقل، متهمين إياه بالقصور بجانب الوحي المعصوم. والعدل يقضي اعتماد الحديث متى صح سنده إلى النبي، لأنه لا ينطق عن الهوى. ولا يختلف في هذه القضية مسلمان ولكن الإشكال حين يعارض الحديث أدلة أقوى من صحيح المنقول الثابت بالقرآن أو السنة المتواترة أو المشهورة؛ أو من صريح المعقول المتفق عليه بين ذوي العقول السليمة. هنا يترجح العدول عن هذا الخبر الآحادي لا ردًّا للسنة أو إهمالا للنص، بل أخذا بهما بالمعنى الأرجح، وإعمالا للنصوص الأقوى؛ الصريحة في دلالتها، والتي تقضي بأن لا تناقض في الأحكام ما دامت صادرة من مشكاة واحدة. وهذا كله عند عدم إمكان الجمع بين النصوص، فإذا أمكن الجمع انتفى التناقض وارتفع الإشكال، وكفى الله المؤمنين القتال.
(1) ابن بركة التقييد، 336/ 334
186 (1/186)
صفحة 186
الفصل الثاني: دليل الوحي
*
المبحث الرابع: منهج نقد الرواية
1 - أهمية نقد الرواية:
إن الاحتجاج بالخبر متواترا كان أم أحاديا يعتمد أساسا على صحته سندا ومتنا، وإذا اعتورته علة كان مردودا.
والإباضية عمدوا إلى التثبت في الرواية والتشديد في قبول الأخبار بما جعل نصيبهم منها ضئيلا بالنسبة لغيرهم. وقد وضع أئمتهم ضوابط صارمة لتمييز المرويات نحاول التعرف عليها في هذه الصفحات.
ونبادر إلى القول إن منهج نقد الأحاديث لم يكن مختلفا فيه بين المسلمين إجمالا، وإن تميّز بعضهم بالتشدد؛ وآخرون بالتساهل في بعض الشروط، وكان لهذا أثره في كثير من القضايا الخلافية.
وأئمة الإباضية في الحديث هم جابر بن زيد إمام المذهب، وأبو نوح صالح بن نوح الدهان (1) حيان الأعرج (2)، وأبو سفيان محبوب بن الرحيل. وكلهم معروفون في مصادر الرجال بالثقة والضبط.
والروايات الحديثية للإباضية دونت في مصادرهم الأولى، وإن ظلت متناثرة بين كتب الفقه والسِّير، والجوابات فهي بحاجة إلى تقص وجمع
وتصنيف (3).
والعمدة في الحديث عندهم مسند الربيع بن حبيب ذي الأسانيد الثلاثية، إذ رواه الربيع عن أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة عن جابر بن زيد عن أساسا ابن عباس أبو هريرة أنس بن مالك، أبو سعيد
الصحابة، وهم
1) أبو نوح صالح بن نوح الدهان من البصرة، ومنزله في طيء. أخذ العلم عن جابر بن زيد. كان عالما شارك أبا عبيدة في التدريس، ومن تلامذته الربيع بن حبيب وطبقته. - ابن سلام بدء الإسلام، 114 الدرجيني، طبقات 2: 254/ 211. ابن خلفون، أجوبة، 103.-قال ابن حجر عن صالح الدهان: بصري ذكره ابن عدي وقال ليس بمعروف، ونقل عن يحي بن معين أنه قال فيه كان قدريا ويرضى بقول الخوارج. ابن حجر، لسان الميزان، 3: 178. 2 حيان بن حاجب الأعرج الجوفي، نسبة إلى درب الجوف بالبصرة، روى عن جابر بن زيد، وله معه مكاتبات. وروى عنه قتادة وسعيد بن أبي عروبة وابن جريج وغيرهم. عده ابن حبان من أتباع التابعين، ووثقه ابن معين - ابن حجر، تهذيب التهذيب:3 68. – ابن خلفون، أجوبة، 114. - ابن جعفر، الجامع 5 201 - الدرجيني، طبقات، 2: 275.
187
Ennami: Studies; 86/87. (3 (1/187)
صفحة 187
الباب الأول: اجتهاد التأصيل
الخدري، عائشة، وآخرون، عن رسول الله. ومجموع أحاديثه تبلغ الف
حديث وخمسة أحاديث.
والربيع نفسه يؤكد أن الروايات المأثورة من الأحاديث الصحيحة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم تبلغ أربعة آلاف حديث، منها تسعمائة في الأصول والباقي في
الآداب والأخبار (!). ومادة أحاديث الربيع موجودة في المسانيد الحديثية الأخرى، وبنفس الألفاظ في أحيان كثيرة. والكتاب يقع في أربعة أجزاء وأصل الكتاب هو الجزءان الأول والثاني، كان مرتبا على حسب الرواة، ثم أعاد أبو يعقوب الوارجلاني ترتيبه وفق أبواب الفقه، ولذلك تعددت تسميته فسمّي حينا بالمسند على أساس الرواة، وحينا آخر بالجامع على أساس الموضوعات. ثم أضاف الوارجلاني إليه جزءا ضمّنه روايات الربيع التي احتج بها على مخالفيه، وجزءا رابعا شمل روايات أبي سفيان محبوب بن الرحيل عن الربيع، وروايات الإمام أفلح بن عبد الوهاب عن أبي غانم بشر بن غانم الخراساني، ومراسيل الإمام جابر بن زيد (2). وتفصيل أحاديث المسند تتوزع على الصحابة كالآتي:
عن أبي سعيد
=
عائشة 68 حديثا. عن
= عن ابن عباس 150 حديثا.
==
الخدري 60 حديثا.
=
=
= عن أنس بن مالك 40 عن أبي هريرة 72 حديثا.
حديثا - مراسيل جابر 184 حديثا. حديث أبي عبيدة 88 حديثا (3).
- مقاطيع الربيع عن الصحابة 92 حديثا.
= إضافات الوارجلاني 261 حديثا (4).
وتحتفظ المصادر الإباضية الأولى بإشارات يسيرة جدا لقواعد رواية
1) الربيع الجامع الصحيح، ج 2، ص 193 السالمي شرح المسند، 3: 620/ 621.
Ennami: Studies; 89/90. -
(2) السالمي، الجامع الصحيح، المقدمة، 4. (3) الربيع، الجامع الصحيح، ج 2، ص 194.
188
Ennami: Studies; 89. __(4 (1/188)
صفحة 188
الفصل الثاني: دليل الوحي
كتابات
الحديث وتدوينه ولكنها دقيقة ومعبّرة عن المنهج وتوظيفه منذ عهد مبكر. وإن كان ثمة نقطة أساسية حسمت كثيرا من الإشكالات حول حجم الإباضية في علوم الحديث والجرح والتعديل، وموازين نقد الأخبار، وهو أنهم يعتقدون أن الكذب كبيرة، وأن الكبيرة تخلّد في النار (!). وقد نص النبي صلى الله عليه وسلم على خطورة الكذب عليه في الحديث المتواتر من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار» (2).
وحدر أئمتهم من ذلك، لأن الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم أشنع الكذب، وأقبحه وأفضحه والكذب عليه الي هو الإخبار عنه بخلاف ما هو به فالواجب على المسلم أن يتورع عن رفع الأخبار عنه ال وينقل كل شيء منه إلى صيغته ولفظه» (3).
وعن
أفعاله،
وبهذا السبب يعلل الخليلي خلوّ ساحة الإباضية من الوضاعين، فلم يكونوا بحاجة إلى النظر في الأسانيد وأساليبها، وكيفية تلقي الرواية، واكتفوا بعدالة الرواة (4). وكان الورع حاجزا للناس عن الرواية إلا اضطرارا. ولكن أحوال المسلمين تبدلت بعد الصدر الأول، فتقلّص ظلّ الورع، ونجم قرن الوضع، وعمّت الرواية واشتغل بها الناس؛ فاقتضى الحال البحث عن أحوال الرواة واتصال الأسانيد.
وحدد أبو يعقوب الوَارِجُلانِي أن السنة تحتاج إلى ثلاثة أوجه: الأول تخريج المتون، والثاني تصحيح نقلة الحديث، والثالث كيفية اقتباس العلوم من نفس الحديث. ومن هذه الوجوه وقع الخلل، وعظم الزلل، وهو آفة هذه الأمة دون سائر الأمم، لأن عامة الأمم فرائضها مقصورة مخصوصة، وهذه الأمة سلك بها طريقة الاستبداد بالرأي والاجتهاد سلوك الملائكة صلوات الله عليهم، طريقة الإلهام، فتشعبت عليهم العيون وبغت بهم الميون، فاتسعوا
1) حول هذه القضية ينظر: أحمد الخليلي الحق الدامغ، 183 فما بعد. 2 سبق تخريجه. (3) العوتبي، الضياء، 2: 260
4) أحمد الخليلي مقابلة معه يوم 1 رَمَضَان 1417/ 10 جانفي 1997 بمسقط، عُمان.
189 (1/189)
صفحة 189
الباب الأول: اجتهاد التأصيل
في الميدان، وتسابقوا تسابق أفراس الرهان» (1).
-2 - شروط الحديث المقبول:
الحديث المقبول يسميه الوَارجُلانِي المسند الصحيح، وهو «ما نقلته الثقاة طريق أو طرق إلى رسول الله، ولم يدخلها وهَنْ من جهة عن
الثقاة
من
السند ولا من جهة المتن، ولا ذكر فيه مجهول ولا ضعيف ولا مختلف فيه» (2). وصفات الراوي الذي تقبل روايته هي العدالة والضبط. وقد فصلها الأصوليون والمحدثون، واتفقوا على معظمها وإن كان في بعض صورها
خلاف بسير. ومن المفيد إيراد هذه الصفات كما أوردها الإمام السالمي بإيجاز:
1 - البلوغ فلا تقبل رواية الصبي إلا إذا أداها بعد البلوغ. 2 العقل فلا تكليف على المجنون والمعتوه، ولاحجة في كلامهم. 3 - الضبط بإتقان المعنى عند السماع حتى الأداء. 4 الإسلام فرواية الكافر مردودة اتفاقا، وكذا الفاسق. 5 - المروءة باجتناب المعاصي وأفعال ذوي الدناءات. 6 - عدم التدليس والتدليس من أنواع الكذب الخفي. وثمة شروط أخرى هي محل خلاف أيضا، منها:
-1 - أن لا يعمل الراوي بخلاف ما روى. -2 - أن لا يترك الأخذ بروايته غيره من العلماء. 3 - أن لا يتأول الرواية راويها.
4 - أن لا يكتب الراوي أصله الذي روى عنه (3). وكلها تعود إلى ضبط الرواية وصحة ثبوتها وعدم نسخها أو تخصيصها،
أو غير ذلك
من الاحتمالات (4).
(1) الوَارِجلاني، العدل والإنصاف،2: 197/ 198.
(2) الوار جلاني، العدل والإنصاف 2 194. الملشوطي، الأدلة، 4 ظ._سعيد الجربي،
جواب، 124 و 124 ظ.
3 السالمي، شرح طلعة الشمس، 37/ 2:30
(4) ينظر كذلك: الغزالي، المستصفى، 1: 155/ 157.
190 (1/190)
صفحة 190
E 3
الفصل الثاني: دليل الوحي
وفي النصوص القديمة للمصادر الإباضية نجد هذه القيود مجملة، فقد ذكر العوئبي أن العدل إذا رفع الخبر وجب العمل به والتزام حكمه أمرا كان أم نهيا، لأن العدل في هذا حجة (1). ولا يجوز رد الأخبار متى صح نقلها عن أهل البصر، وليس لجاهل ردّ الرواية والأثر، ولا تضعيفها ولا أن تُحمل على غير تأويل الحق، لأن ذلك اتباع للباطل. فمن جهل تأويلها أمسك حتى يبين له الحق من الباطل، لأن الآثار الصحيحة لها تأويلها الصحيح عند من عرف الحق (2).
وسأل أبو غانم الخراساني أبا المؤرج عن حديث معاذ بن جبل عن رسول الله في تفصيل زكاة البقر حسب أعدادها وأسنانها، فقال أبو المؤرج: الأثر عند فقائنا الذين نأخذ عنهم ونعتمد عليهم، أن السنة في زكاة البقر كالسُنة في زكاة الإبل فيؤخذ منها ما يؤخذ من الإبل، ويُعمل فيها ما يُعمل في الإبل، وليس بينهما اختلاف. وأما حديث معاذ بن جبل عن النبي صلى الله عليه وسلم فالله أعلم به، ولو نعلم أن ذلك معاذ عن عن النبي لأخذنا به واعتمدنا عليه، غير أن أصحابنا وأبا عبيدة وجابر بن زيد لم يأخذوا به، وقد بلغهم قول من
وصفت) (3).
فالاعتماد أساسا على صحة الرواية، وإذا وقع الشك فيها ردّت. ولا يعني رَدُّها تكذيب الراوي ضرورةً، فإن قبول قول العدل واجب، وربما كان كاذبا أو غالطا، ولا يجوز قبول قول الفاسق، وربما كان صادقا (4). وقد كان جابر على نهج أساتذته من الصحابة ينقد الأحاديث إذا رأى فيها قادحا، ولو صحت روايتها حسب الظاهر.
فقد أخرج الربيع عن أبي عبيدة عن جابر بن زيد قال: يُروى عن عبد الله بن مسعود ليلة الجن في إجازة النبي له أن يتوضأ بالنبيذ، قد سمعتُ
جملة من الصحابة يقولون ما حضر ابن مسعود تلك الليلة، والذي رفع
1) العوتبي، الضياء، 2: 256. (2) الكدمي، المعتبر، 146 و.
(3) الخراساني، المدونة الكبرى، 1: 274. (4) الغزالي، المستصفى، 1: 155.
عنه
191 (1/191)
صفحة 191
الباب الأول: اجتهاد التأصيل
كذب، والله أعلم بالغيب» (1).
واعتمد ابن بركة على حديث لا ينفر أحدكم حتى يكون آخر عهده بالبيت» (2)، وهي رواية متفق على صحتها، يزكيها رواية ابن عمر وغيره أن النبي لم يجز للحائض ومن كان في معناها أن تنفر حتى تطوف طواف الصدر (3). وردّ بها ما ذكر من ترخيص النبي للحائض أن تنفر دون طواف. وقال: إنه خبر لم يصح عند أصحابنا (4).
وذكر ابن جعفر أيضا حديثا نسب إلى النبي صلى الله عليه وسلم في أمر الوضوء «واحدة لمن قل ماؤه واثنتان لمن استعجل، وثلاث عليهن الوضوء». وقال: «هذا خبر لم نعرفه في الرواية، والنظر لا يوجبه والسنن تشهد بفساده» (5).
فهذه ضوابط واضحة لتمييز الخبر المقبول من المردود.
ومن
هذه
النماذج قول ابن بركة وأما أصحاب الحديث من الثوابت، فإنهم رووا أن أبابكر الصديق قال لغلامه وهو يتسحر: أوثق علي الباب، الأ يفجأنا الصبح (6)، وروي عن ابن عباس أنه قال لغلاميه: أسقياني فإني أشرب
1) الربيع، الجامع، باب 24. ح 165. 1: 44.
2) نص الحديث في البخاري عَن ابْنِ عَبَّاسِ رَضِي الله عَنْهُمَا قَالَ أُمِرَ النَّاسُ أَنْ يَكُونَ آخِرُ عَهْدِهِمْ بِالْبَيْتِ إلا أَنَّهُ خُفِّفَ عَن الْحَائِضِ».
صحيح البخاري، كتاب الحج، باب طواف الوداع، حديث: 1676
3 وورد الأمر عاما دون ترخيص في روايات أخرى وكلها عن ابن عباس.
منها رواية مسلم والدارمي وابن ماجة بلفظ لا ينفرن أحد حتى يكون آخر عهده بالبيت». صحيح مسلم، كتاب الحج، باب وجوب طواف الوداع وسقوطه عن الحائض، حديث:2425. سنن الدارمي من كتاب المناسك، باب في طواف الوداع، حديث: 1915.
سنن ابن ماجه، کتاب المناسك باب طواف الوداع، حديث: 3068. ولكن لم أجد في الكتب التسعة رواية عن ابن عمر في منع الحائض من النفر حتى تطوف طواف الصدر إلا حديثا في الموطأ، ونصه عَنْ نَافِعِ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ يَقُولُ الْمَرْأَةُ الْحَائِضِ الَّتِي تهل بالْحَجِّ أو الْعُمْرَةِ إِنَّهَا تُهلُ بِحَجِّهَا أَوْ عُمْرَتِهَا إِذا أَرَادَتْ وَلَكِنْ لَا تَطُوفُ بِالْبَيْتِ وَلَا بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ وَهِيَ تَشَهَدُ الْمَنَاسِكَ كُلَّهَا مَعَ النَّاسَ غَيْرَ أَنَّهَا لَا تَطُوفُ بِالْبَيْتِ وَلَا بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ وَلَا تَقْرَبُ الْمَسْجِدَ حَتَّى تَطْهُرَ».
موطأ مالك، كتاب الحج، باب ما تفعل الحائض في الحج، حديث: 755.
4 ابن بركة، الجامع، 2: 211. 5 ابن جعفر، الجامع 1: 388. 6 ابن بركة الجامع، 2: 23.
192 (1/192)
صفحة 192
K
إلى أن تصطلحا (1).
الفصل الثاني: دليل الوحي
وعلق على الخبرين قائلا: «وحاشا لأبي بكر وابن عباس مع ورعهما وزهدهما وعلمهما وما يعلمان من اقتداء الناس بهما، أن تكون فيهما شراهة الأنفس؛ وقلة الصبر على فضل الأكل أو شرب ماء، ولا يصبران على طاعة الله وطلب رضاه؛ وخوفا من عقابه» (2).
ومباحث توثيق الأخبار ميدان فسيح جدا. ولعل من المناسب الاجتزاء منها ببيان أقسام الحديث الضعيف وحجية المرسل، ونختم بقضية عرض
الحديث على الأصول.
3 - أقسام الحديث الضعيف:
سبق ابن بركة إلى وضع تقسيم للأخبار صحة وضعفا، تبعه عليه جل أصوليي الإباضية اللاحقين.
«فمنها أخبار المراسيل، وأخبار المقاطيع، والأخبار الموقوفة، وأخبار المتن، وخبر الصحيفة، والخبر الزائد و الخبر الناقص (3)، والخبر المعارض لغيره من الأخبار، والخبران يردان من طريق أو طريقين يكون أحدهما خاصا والآخر عاما، والخبران يكون أحدهما ناسخا والآخر منسوخا» (4).
وواضح أن التقسيم غير مبني على أساس حديثي باعتبار السند، إذ إن الثلاثة الأخيرة تعود إلى تعارض النصوص، وطرق الجمع بينها بالتخصيص أو النسخ. وإن كان المحدثون يدرجون في مباحثهم علم ناسخ الحديث
ومنسوخه.
الأخبار
ويزيد الوار جلاني القسمة تحديدا بجعل الأخبار الواردة عن النبي عشرة، خمسة منها، صحاح، وهي الخبر المتواتر، وأخبار الآحاد، المسندة، ثم أخبار المراسيل، ثم أخبار الصحيفة، ثم الموقوفة. وخمس ضعاف
1) ابن بركة، الجامع، 2: 23. 2 ابن بركة الجامع، 2: 23
وهي
3 وردت العبارة في كل المصادر هكذا والخبر الزائد على الخبر الناقص. وهو خطأ 4 ابن بركة الجامع، 1: 16 - العوتبي الضياء 2 253 - الشقصي، منهاج الطالبين، 1:
-
193
76/ 75 (1/193)
صفحة 193
الباب الأول: اجتهاد التأصيل
*
ساقطة، وهي: الخبر الضعيف ثم المقاطيع ثم الشواذ، ثم المناكير، ثم
المكاذيب (1). ولا حاجة إلى تكرار الحديث عن القسم المتصل تواترا كان أم آحادا، وإنما نعرج إلى بيان الأنواع الأخرى غير المتصلة.
أخبار المتن: هي التي ترد عن النبي، ولا يذكر من رواها من
الصحابة. ويُعتمد على صحتها (2). خبر الصحيفة: أن يروي الراوي الخبر إلى أن ينتهي به إلى رجل فيقول عن أبيه عن جده. ولم يدرك ذلك المذكور النبي (3). ويوضح سعيد الجربي هذا النوع بأن الصحابة كانوا يكتبون عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، كعمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن رسول الله كما استأذن عبد الله بن عمرو بن العاص رسول الله أن يكتب عنه فأذن له، ولو في حال الغضب. وقال له: «فوالذي نفسي بيده لا يخرج منه) أي من (لسانه إلا الحق» (4).
واشتهرت صحيفة عبد الله بن عمرو بن العاص بالصحيفة الصادقة. وقال عنها: كنت أكتب كل شيء أسمعه من رسول الله اريد حفظه فنهتني قريش وقالوا: تكتب كل شيء سمعته من رسول الله، ورسول الله يتكلم في الغضب والرضا. فأمسكت عن الكتابة، فذكرت ذلك لرسول الله، فأوما بإصبعه إلى فيه وقال: «اكتب، فوالذي نفسي بيده ما خرج
منه إلا حق» (5).
(1) الوار جلاني، العدل والإنصاف 2 192 193 - سعيد الجربي، جواب، 124 و. 2) ابن بركة الجامع 1: 17 العوئبي، الضياء، 2: 253. - الكندي، المصنف،1: 40. 3) ابن بركة الجامع 1: 17 العوئبي، الضياء، 2: 253. - الكندي، المصنف،1: 40. 4 - الجربي، جواب، 124 ظ. 5 ونص الحديث عند أحمد عَنْ عَبْدِ اللهِ بن عَمْرُو قَالَ كُنْتُ أَكْتُبُ كُلَّ شَيْءٍ رَسُولِ اللهِ اللهُ أُرِيدُ حِفْظُهُ فَنَهَتْنِي قُرَيْسٌ عَنْ ذَلِكَ وَقَالُوا تَكْتُبُ وَرَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ فِي الْغَضَبِ وَالرِّضَا فَأَمْسَكَتَ حَتَّى ذَكَرْتُ ذَلِكَ لِرَسُول اللهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ اكْتُبْ فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا خَرَجَ مِنْهُ
إلا حق».
أَسْمَعُهُ مِنْ
مسند أحمد بن حنبل، ومن مسند بني هاشم، مسند عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما،
حديث: 6642.
المستدرك على الصحيحين للحاكم، كتاب العلم، ومنهم يحيى بن أبي المطاع القرشي،
194 (1/194)
صفحة 194
E
الفصل الثاني: دليل الوحي
وكان غيره من الصحابة يكتبون الحديث عن رسول الله، ولكنهم قليلون،
وكره جلهم ذلك خشية الالتباس بالقرآن (1).
الخبر الموقوف أن يُروى الخبر عن الصحابي والتابعي، ويوقف
عليهما، ولم يبلغ به رسول الله (2).
وحكمه أنه صحيح لإدراجه ضمن الأخبار الصحيحة، والظن بالصحابة أن لا يكذبوا على رسول الله وبخاصة إذا كان ما رووه مما لا يدركونه
بعقولهم، ولا يبلغونه إلا بتوقيف من الرسول أو ممن أخذ عنه (3). والأنواع الأخرى تعد من القسم الضعيف. والحديث الضعيف ليس بحجة في الأحكام، وإن ذهب إلى العمل به كثيرون في باب الفضائل إذا كان ضعفه محتَمَلا، وكان مندرجا تحت أصل معمول به من أصول الشريعة، وأن لا يُعتقد نسبته إلى رسول الله جزما، بل يؤخذ به مع الاحتياط (4).
4 - حجية الخبر المرسل:
- مفهوم المرسل:
عرف ابن بركة الحديث المرسل بأن يروي التابعي الخبر عن النبي، ولم يشاهد النبي ال. ويجب أن يكون بينه وبين النبي صلى الله عليه وسلم صحابي فلا يذكره، إما أن يكون قد سمع من الصحابي فاقتصر على ما روى له، ولم يحتج إلى ذكر من أخبره أو أن يكون صح عنده الخبر عن النبي بالإخبار عن ذلك
حديث: 327.
سنن الدارمي، باب من رخص في كتابة العلم، حديث: 506. وحول مزيد من توثيق صحيفة عبد الله بن عمرو، وغيرها ينظر عجاج الخطيب، السنة قبل التدوين، 348 فما بعد. 1) حول تدوين السنة في عهد النبي والصحابة، ينظر: محمد عجاج الخطيب، السنة قبل التدوين، 303 فما بعد.
2) ابن بركة، الجامع، 1: 17. الكندي، المصنف، 1: 39 - الوَارِجلاني، العدل والإنصاف، 2: 195. - سعيد الجربي، جواب، 124 ظ.
3 الوار خلاني، العدل والإنصاف،2: 196.
4 ابن الصلاح، مقدمة علوم الحديث 93 - السيوطي، تدريب الراوي، 1: 299/ 297. د. يوسف القرضاوي، كيف نتعامل مع السنة النبوية 73/ 70.
195 (1/195)
صفحة 195
الباب الأول: اجتهاد التأصيل
الصحابي، ويُسنده إلى النبي (1).
أسنده الراوي
وهذا التعريف نفسه نجده بألفاظه في المصادر التالية لابن بركة (2). وجاء تعريف الواجلاني مختصرا وشاملا، بأن «المرسل خبر إلى رسول الله، ومعلوم أن الراوي الذي أسنده لم يصحب ولم يدرك، ولم تقع له صحبة مع رسول الله الله. وقد يقع المراسيل في أخبار الصحابة وإن صحبوا، إذا علم منهم أنهم لم يسمعوا من رسول الله الله». وذلك كرواية
(3)
ابن عباس وأصاغر الصحابة، يروي بعضهم عن بعض) وجعل الملشوطي و السُّوفي المرسل ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم ولم يتصل سنده، لترك الراوي رجلا في الوسط أو أكثر» (4). وهذا التعريف غير دقيق، إذ يشمل المرسل والمنقطع والمعضل، وتحديد المرسل في اصطلاح المحدثين قول التابعي الكبير قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كذا أو
فعل كذا، فإن انقطع قبل التابعي واحد فمنقطع، أو أكثر فمعضل (5). وصنف الملشوطي المرسل إلى أنواع أقواها إرسال الصحابة بعضهم عن بعض، ثم يليه إرسال التابعي عن النبي، ومعلوم من حاله أنه لا يروي إلا عن صحابي. ثم يليه إرسال من يروي عن صحابي وغيره، وعن تابعي، وترك فيه ولم يذكره (6).
وبهذا ميّز المرسل عن غيره وحصر انقطاعه في طبقة الصحابة أصلا، أو التابعين، ولكن في طبقة التابعين لا بعدها. فانحسم الإشكال السابق الوارد من عموم التعريف للمنقطع والمعضل.
وهو
ما بينه الغزالي بقوله: وصورته أن يقول قال رسول
الله
من لم
1) ابن بركة، الجامع، 1: 16.
2 العوتبي، الضياء:2: 253 - الكندي، المصنف، 1: 39.
(3) الوار جلاني، العدل والإنصاف 2 194 - الجربي، جواب، 124 ظ. المَلْشوطي الأدلة، 5 و السوفي، السؤالات، 116.
4)
-
5) السيوطي، تدريب الراوي 1 195 وفيه تفصيل في ضبط هذه المصطلحات. كما ينظر أيضا: القنوبي، الإمام الربيع مكانته ومسنده، 155/ 160. 6) الملشوطي، الأدلة، 5 و.
196 (1/196)
صفحة 196
الفصل الثاني: دليل الوحي
هريرة» (1).
يعاصره، أو قال من لم يعاصر أبا هريرة قال أبو هريرة - حكم العمل بالمرسل:
اختلف العلماء في الاحتجاج بالمرسل على أقوال ثلاثة: الأول: أنه حجة مطلقا، وهو قول مالك وأبي حنيفة ومشهور أحمد
والجمهور.
الثاني: أنه ضعيف لا يحتج به، وهو مذهب جمهور أهل الحديث ونقاد
الآثار.
الثالث: أنه يحتج به بشرط أن يعضده ما يقويه، بأن يروى مرسلا أو مسندا بطريق آخر أو يعمل به بعض الصحابة أو أكثر العلماء. وهو مذهب الشافعي، واختاره الغزالي (2).
والإباضية مع الجمهور في العمل بالمرسل والاحتجاج به، وفي ذلك يقول
السالمي:
ومرسل الأخبار فهو المنفصل فإن يكن من الصحابي قبل بلا خلاف والخلاف قد ورد في التابعي والصحيح لا يرد (3). فمرسل الصحابي مقبول اتفاقا، وهو محل إجماع بين الصحابة، كإجماعهم على قبول خبر الواحد العدل. (4). ولذلك قال ابن عباس: «نحن أصحاب
رسول الله صلى الله عليه وسلم نروي عن رسول الله ما سمعنا من بعضنا، ولا يكذب بعضنا، ولا نكذب» (5). بل إن ابن عباس مع كثرة روايته قيل إنه لم يسمع من رسول الله إلا أربعة أحاديث، لصغر سنه (6).
(1) الغزالي، المستصفى، 1: 169. 2 حول الاحتجاج بالمرسل ينظر: السيوطي، تدريب الراوي، 1: 198. فما بعد. - الغزالي، المستصفى، 1: 169.
ومن المصادر الإباضية التي فصلت الموضوع العوئبي، الضياء، 3: 199.-الملشوطي، الأدلة، 5 و.- الوَارِ خلاني العدل والإنصاف 2 196 - السالمي شرح طلعة الشمس، 2: 46/ 44. يحي بكوش، فقه الإمام جابر:1: 43 القنوبي، الإمام الربيع، 156/ 157.
3 السالمي، شرح طلعة الشمس، 2: 44. 4 - السالمي، شرح طلعة الشمس، 2: 46. (5) الوَارجُلانِي، العدل والإنصاف، 2: 194. (6) الغزالي، المستصفى، 1: 170.
197 (1/197)
صفحة 197
الباب الأول: اجتهاد التأصيل
والخلاف في مرسل التابعي، والصواب قبوله.
*
E 3
و نص الوار جلاني: أن أكثر العلماء على أن العمل بالمرسل واجب (1). ومراسيل الإمام جابر كلها صحيحة لعدالة جابر. بل إنها عند التحقيق أصح من مسانيده إذ كان الإرسال يُلجأ إليه عند تعدد رواة الحديث. فقد قال الحسن البصري: كنت إذا اجتمع أربعة من الصحابة على حديث أرسلته إرسالا». وقال: متى قلت لكم حدثني فلان، فهو حديثه لا غير، ومتى قلت قال رسول الله، فقد سمعته من سبعين أو أكثر» (2). الله فأسنده وقال الأعمش: قلت لإبراهيم إذا رويت حديثا عن عبد لي، فقال إذا قلت لك حدثني فلان عن عبد الله، فهو الذي روى لي ذلك، وإذا قلت قال عبد الله فقد رواه لي غير واحد (3).
وكذلك قال جابر: إذا رويت عن واحد سميته، وإذا رويت عن جماعة
قلت بلغني عن رسول فمفهوم المرسل عند هؤلاء التابعين بخلاف ما شاع لدى الناس، وحجته
أقوى لثبوت اتصاله وكثرة طرقه، بتصريح هؤلاء التابعين. بل إن الإمام السالمي اعتبر رد المرسل بدعة حدثت بعد المائتين، لما تسرب الوضع والكذب إلى الرواية. ومن ثمّ فلا وجه لدفعه، وبخاصة مراسيل كبار التابعين، كجابر بن زيد وسعيد بن المسيب (5).
(1) الوارجلاني، العدل والإنصاف، 2: 196. 2 ملا علي القاري؛ شرح شرح نخبة الفكر؛ 403.
3 عبد العظيم شرف الدين ابن قيم الجوزية عصره ومنهجه وآراؤه في الفقه والعقائد والتصوف، ط 3. دار القلم الكويت 1405/ 1985.ص.112
(4) قال الربيع بن حبيب: حدثني أبو عبيدة عن جابر بن زيد قال: بلغني عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «علموا أولادكم القرآن فإنه أول ما ينبغي أن يتعلم من علم الله هو». قال السالمي: «قوله "بلغني". في هذه العبارة إشارة إلى أن هذا الخبر انتهى إليه رضي الله عنه من طريق أو طرق يثق بها ويعوّل عليها، لكنه نسي من أخبره بذلك لكثرتهم أو لكثرة من لقي من الصحابة، فلم يمكنه التعيين. وبلاغه رضي الله عنه في حكم الاتصال السالمي، حاشية الجامع الصحيح. 1: 15. 5) السالمي، طلعة الشمس 2: 47. بكوش، فقه الإمام جابر، 1: 43.
198 (1/198)
صفحة 198
الفصل الثاني: دليل الوحي
E 3
-5 عرض الحديث على الأصول:
السنة النبوية وحي من الله كالقرآن، غير أنها لم يُوح بها بلفظها ولم يُتعبد
بتلاوتها. وهي مبينة للقرآن بمختلف وجوه البيان والقرآن قطعي الثبوت جملة وتفصيلا، والسنة مقطوع بها في الجملة مظنونة في آحادها، فالقطع فيها إنما يصح على الجملة لا على التفصيل، مما جعلها محل بحث ونظر للتأكد من صحة نسبتها إلى رسول الله.
ومن فضل الله أن نالت السنة النبوية حظا فريدا من العناية والاهتمام، وعرفت الساحة العلمية الإسلامية عبر تاريخها أعلاما اهتموا بعلم الحديث رواية ودراية، وغربلوا ما بلغهم من الروايات وبينوا أحوال رواتها وعللها، ووضعوا موازين دقيقة لتصحيح وتضعيف المرويات، سواء ما تعلق بالأسانيد أم بالمتون. وهو ما لم يحظ به كلام بشر في التاريخ غير كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقد اهتم المسلمون اهتماما بالغا بتوثيق الأخبار، لأنه لون من إحقاق الحق وإبطال الباطل، فضلا عن كونه منهجا سليما؛ ومسلكا بالغ الأهمية في باب المعرفة والاستدلال.
ومن ضوابط التوثيق عدم مناقضة متن الحديث لقواطع الأدلة وأساسيات الشريعة. وذلك يتطلب علما، بالقرآن وإحاطة بدلالاته القريبة والبعيدة، وعلما آخر بشتى المرويات المنقولة، لإمكان الموازنة والترجيح بين بعضها والبعض الآخر» (1). إذ إن في السنة متواترا له حكم القرآن، وفيها الصحيح المشهور، وفيها ما دون ذلك مما يكون مجالا للنظر والتمحيص وفق ضوابط توثيق النصوص.
وما كان للسنة المطهرة، وهي شارحة دستور القرآن ومفصلته، أن تناقضه. إذ لا يُعقل أن يناقض البيان المبين ولا أن يعارض الفرع أصله. فالبيان النبوي يدور أبدا في فلك الكتاب العزيز ولا يتخطاه. ولهذا لا توجد سنة صحيحة ثابتة تعارض محكمات القرآن وبيناته الواضحات. وإذا ظن بعض الناس وجود ذلك، فلا بد أن تكون السنة غير صحيحة أو يكون فهمنا لها
1) محمد الغزالي، السنة النبوية بين أهل الفقه وأهل الحديث 15.
199 (1/199)
صفحة 199
الباب الأول: اجتهاد التأصيل
غير صحيح، أو يكون التعارض وهميا لا حقيقيا. ومعنى هذا أن تفهم السنة
في ضوء القرآن» (1).
هذا منهج
سلكه الصحابة رضوان الله عليهم، في حوادث كثيرة مشهورة:
فقد ردّ عمر ه خبر فاطمة بنت قيس أن النبي لم يجعل لها نفقة ولا سكنى فقال عمر: لا نترك كتاب ربنا وسنة نبينا لقول امرأة لا ندري لعلها حفظت أو نسيت» (2).
0
خبر عمره في حديث تعذيب الميت ببكاء أهله عليه وردت عائشة خبر عمر وقالت، كما في صحيح البخاري وغيره: رحم الله عمر، والله ما حدث رسول ليعذب المؤمن ببكاء أهله عليه، وقالت: حسبكم القرآن
الله ان الله صلى الله عليه وسلم ولَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى [الإسراء: 15].
وورد هذا الخبر من طرق أخرى عن ابن عمر، وعنه قالت عائشة: يغفر
الله لأبي عبد الرحمن، أما إنه لم يكن ليكذب ولكن نسي أو أخطأ، إنما مرّ الله على يهودية يُبكى عليها، فقال: إنهم ليبكون عليها وإنها لتعذب
رسول
في قبرها (3).
1) د. يوسف القرضاوي، كيف نتعامل مع السنة النبوية، 93. 2 ذكر القنوبي في "السيف الحاد" أنه رواه مسلم 46 (1480) وغيره. ونقل عن الدارقطني، كما في شرح النووي على مسلم:10 95 قوله: "وسنة نبينا " زيادة غير محفوظة، لم يذكرها جماعة من الثقاة. القنوبي، السيف الحاد، 19. لفظ الحديث عند مسلم: «عَنْ أَبِي إِسْحَقَ قَالَ كُنْتُ إِسْحَقَ قَالَ كُنْتُ مَعَ الأَسْوَدِ بْنِ يَزِيدَ جَالِسًا فِي الْمَسْجِدِ الأعْظَمِ وَمَعَنَا الشَّعْبِي فَحَدَّثَ الشَّعْبِي بِحَدِيثِ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لَمْ يَجْعَلْ لَهَا سكْنَى وَلَا نَفَقَةٌ. ثُمَّ أَخَدَ الأَسْوَدُ كَفًا مِنْ حَصَى فَحَصَبَهُ بِهِ فَقَالَ: وَيْلَكَ تُحَدِّثُ بِمِثْلُ هَذَا قَالَ عُمَر: لا تَتْرُكُ كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّنَا لِقَوْلِ امْرَأَةٍ لا نَدْرِي لَعَلَّهَا حَفِظَتْ أَوْ نَسِيَت. لَهَا السُّكْنَى والنفقةُ. قَالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: «لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلاَ يَخْرُجْنَ إِلا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ». صحيح مسلم کتاب، الطلاق، باب المطلقة ثلاثا لا نفقة لها حديث: 2797 ولفظ الترمذي فيه " " لا ندع كتاب الله وسنة نبينا لقول امرأة لا ندري أحفظت أم نسيت". سنن الترمذي الجامع الصحيح، أبواب الجنائز عن رسول الله، أبواب الطلاق واللعان، باب ما جاء في المطلقة ثلاثا لا سكنى لها ولا نفقة، حديث: 1136.
(3) صحيح البخاري، كتاب الجنائز، باب قول النبي: يعذب" الميت، حديث: 1240. صحيح مسلم کتاب الجنائز، باب الميت يعذب ببكاء أهله عليه، حديث: 1599 سنن الترمذي الجامع الصحيح، أبواب الجنائز عن رسول الله، باب ما جاء في الرخصة في
? 200 (1/200)
صفحة 200
الفصل الثاني: دليل الوحي
ت وردت عائشة أيضا خبر أبي ذر وأبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يقطع الصَّلاة المرأة والحمار والكلب ويقي من ذلك مثل مؤخرة الرخل» (1). وروى مسلم أنها قالت: إن المرأة لدابة سوء! لقد رأيتني بين يدي رسول الله.
الأخبار
معترضة كاعتراض الجنازة، وهو يصلي» (2). وفي غيرها من الروايات التي تثبت التزام الصحابة بمنهج عرض على القطعيات الثابتة من القرآن والسنة. وعقب ابن بركة على حديث تعذيب الميت ببكاء أهله بأنه «خبر غير موافق لكتاب الله، ولا توجب صحته العقول، ولم يرد ورود الأخبار التي ينقطع العذر بصحتها. قال تعالى: وَلَا نَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى [الإسراء: 15]. وقال جل ذكره: فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ} [العنكبوت:40]. وإن كان الخبر صحيحا، فوجب التأويل (3).
ثم نبه ابن بركة إلى ما يعرض للرواة من عدم اطلاع على الخبر كاملا، فيُروى ناقصا بما قد يغير معناه، «لما يجوز أن يكون البعض من الصحابة علم بالخبر أو بعض الأخبار ولم يستقص في الكل ... وقد كان بعض الصحابة يصل إلى النبي، أو الرجل يصل إلى الصحابي، وقد ذكر بعض الخبر. ومنهم من ينسى من الخبر شيئا فيغيّر معناه أو يزيد فيه. ومنها ما يُنقل على وجه القصص أو لفائدة الأدب أو لغيره» (4).
البكاء على الميت، حديث: 963. ينظر أيضا: سعيد القنوبي، السيف الحاد، 19. وفيه استقراء طرق روايات الحديث.
_ (1
صحيح مسلم، کتاب الصَّلاة، باب قدر ما يستر المصلي، حديث: 821. -2 - ورواه البخاري ومسلم: «عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ عَائِشَةَ وَذُكِرَ عِنْدَهَا مَا يَقْطَعُ الصَّلاةَ الْكَلْبُ وَالْحِمَارُ وَالْمَرْأَةُ فَقَالَتْ عَائِشَةُ قَدْ شَبَّهتُمُونَا بِالْحَمِيرِ وَالْكِلاَبِ وَاللَّهِ لَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يُصَلِّي، وَإِنِّي عَلَى السَّرِير بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ مُصْطَحِعَةٌ، فَتَبْدُو لِيَ الْحَاجَةُ فَأَكْرَهُ أَنْ أَجْلِسَ فَأُوذِيَ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَأَنْسَلُ مِنْ عِنْدِ رِجْلَيْهِ، صحيح مسلم، كتاب الصلاة، باب الاعتراض بين يدي المصلي، حديث: 825 - صحيح البخاري، كتاب الصلاة، أبواب سترة المصلي، باب من قال: لا يقطع الصلاة شيء، حديث: 501. ينظر أيضا طرق تخريجه: سعيد القنوبي، السيف الحاد، 20
3 ابن بركة، الجامع، 1: 429. 4) ابن بركة، الجامع، 1: 547.
201 (1/201)
صفحة 201
الباب الأول: اجتهاد التأصيل
ومثل لسماع جزء الخبر بما رُوي عن عائشة لما بلغها حديث أبي هريرة «الشؤم في ثلاثة في الدار والدابة والخادم فقالت: غلط أبو هريرة، دخل علي النبي وهو يقول: «لعن الله اليهود تقول: إن الشؤم في ثلاثة» (1). فأبو هريرة سمع آخر الخبر (2).
وفي رواية أخرى أن عائشة قالت: كذب - والذي أنزل القرآن على محمد من حدث هذا عن رسول الله، إنما قال: «كان أهل الجاهلية يقولون الطيرة في الدابة والمرأة والدار»، ثم قرأت مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا
محمد-من
فِي أَنفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَبٍ مِّن قَبْلِ أَن نَبَراهَا} [الحديد: 22]» (3). ولذلك وضع قاعدة لتمييز ما يُقبل من هذه الأخبار وهو أن «الصحيح
منها ما أيده العمل أو وقع عليه الإجماع لذلك» (4). ويقرر الأصم أن كل سنة موافقة للكتاب فهي سنة رسول الله، وما
خالف الكتاب فهو بدعة، لأن الكتاب والسنة متفقان مقرونان» (5). وينص ابن بركة أن مثل هذه الأخبار المناقضة للقرآن) تؤكد في نفوسنا تكذيبا لهم في مثلها، وما ينقلونه من الأخبار إلينا مما لا نعلم صحته، ولا دلالة لنا عليه من كتاب ولا سنة ولا إجماع يوجب صدقهم فيه (6).
1) نص الحديث عند البخاري عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِي الله عنهما أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ السوم فِي الْمَرْأَةِ وَالدَّار وَالْفَرَس».
صحيح البخاري، كتاب الجهاد والسير، باب ما يذكر من شؤم الفرس، حديث: 2723. والحديث رواه أصحاب الصحاح والسنن وغيرهم في ثمانية وعشرين موضعا؛ جلها عن ابن، عمر، وليس فيها نسبة القول إلى اليهود بل كلها تجعله من قول رسول الله. (2) ابن بركة، الجامع:1 548/ 547 - العوئبي، الضياء، 2: 257. (3) العوئبي، الضياء 2 257 ذكر أن القصة وجدها عن ابن قتيبة. وقد فصل ابن قتيبة الكلام في توجيه الحديث وأنه لا تتعارض رواياته الصحيحة مع القرآن. فلم يذكر النبي أن الميت يعذب ببكاء أهله. وإنما ذكر أنهم يبكون عليه والحال أنه يعذب في قبره. وعذاب القبر ثابت بأدلة كثيرة أوردها ابن قتيبة في أثناء توجيهه لخبر ابن عمر - ينظر ابن قتيبة تأويل مشكل الحديث
245 فما بعد.
4 ابن بركة، الجامع:1 548/ 547 - العوئبي، الضياء، 2: 257.
5) الأصم، البصيرة، 9 ظ.
6 ابن بركة الجامع، 2: 24.
202 (1/202)
صفحة 202
الفصل الثاني: دليل الوحي
كما يعلق ابن جعفر الأزكوي على خبر ورد في الوضوء «أنه واحدة لمن
قل ماؤه واثنتان لمن استعجل وثلاث عليهن الوضوء»، قال: «هذا خبر لم نعرفه في الرواية، والنظر لا يوجبه والسنن تشهد بفساده» (1). ثم بيّن أن لو كان الخبر صحيحا لبيّن الرسول مقدار القليل والكثير، وحدد المفروض من المسنون، ولم يتركنا في عماية وإشكال (2).
- حديث عرض السنة على القرآن
نص الخراساني أنه إذا اختلفت الأمة في الأخبار، لم يثبت إلا ما شهد له القياس (3). واستدل بحديث إنكم ستختلفون من بعدي، فما جاءكم عني فاعرضوه على كتاب الله تعالى»، وبحديث ستختلفون بعدي، فإذا جاءكم حديث فرأيتموه مضيئا ليس بذي تفاقم ولا تفاوت، فعنّي، وإذا رأيتموه غير ذلك فليس عني» (4). وقد ردّ بعض العلماء حديث عرض السنة على القرآن، وقال عبد الرحمن بن مهدي: إنه من وضع الزنادقة والخوارج. وقال الإمام الشافعي: «ما روى هذا أحد يثبت حديثه في شيء صغر ولا كبر (5).
ولكن الدكتور مصطفى السباعي فنّد نسبة وضع هذا الحديث إلى الخوارج، وأورد نصوصا عن العلماء في تبرئة ساحتهم من الوضع، منها قول ابن تيمية: إنهم يتحرون الصدق لهم وعليهم، وقول أبي داود: «ليس في أصحاب الأهواء أصح حديثا من الخوارج (6).
وجاء في مسند الربيع بن حبيب عن أبي عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن
1) ابن جعفر، الجامع، 1: 388.
2) ابن جعفر، الجامع، 1: 388. 3) الخراساني، المدونة الكبرى، 1: 350. 4) الخراساني، المدونة الكبرى، 1: 350 351
5) الشافعي، الرسالة 225. و ذكر محقق الكتاب أحمد شاكر في الهامش أن هذا المعنى لم يرد فيه حديث صحيح ولا حسن بل وردت فيه ألفاظ كثيرة، كلها موضوع أو بالغ الغاية في الضعف. حتى لا يصلح شيء منها للاحتجاج أو الاستشهاد». وأورد بعض أقوال العلماء في سنده. الرسالة هامش 224 6) د. مصطفى السباعي السنة ومكانتها في التشريع 97 فما بعد.-د. محمد عجاج الخطيب، السنة قبل التدوين 204 فما بعد.
203 (1/203)
صفحة 203
الباب الأول: اجتهاد التأصيل
*
E 3
عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إنكم ستختلفون من بعدي، فما جاءكم عني فاعرضوه على كتاب الله، فما وافقه فعنّي وما خالفه فليس عنّي» (1). وذكر القنوبي طرقه، إذ رُوي من طريق علي بن أبي طالب، وابن عمر، وأبي هريرة، وثوبان، وقال: وكل طرقه ضعيفة (2).
وفي شرح أبي ستة لهذا الحديث فما بلغكم عني) قال: يعني والله أعلم مما وقع الاختلاف فيه، وأما ما وقع فيه الاتفاق عليه فإنه يجب العمل به، ولو خالف بحسب الظاهر الكتاب، فيكون ناسخا عند بعضهم أو مخصصا» (3). ومن ذلك حديث لا وصية لوارث (4) الذي خصص آية الوصية. ثم شرح بقية الحديث (وما خالفه فليس عني) أي بالنظر إلى ما يرجع إلى الإخبار بوقوع شيء أو انتفائه، بعدم جواز النسخ فيه، كالأحاديث التي يرويها قومنا في جواز الخروج من النار والرؤية وغير ذلك، مما أخبر الله بخلافه، كما هو معلوم. وأما ما يرجع إلى الأمر والنهي والتحليل والتحريم، فيجوز ورود الأحاديث المخالفة لظاهر الكتاب في ذلك، فتجعل ناسخة أو مخصصة كما تقدم، كقوله: أكل) كل ذي ناب من السباع وذي مخلب من الطير حرام ()، بعد قوله تعالى: {قُل لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَى مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ
1) الربيع، الجامع الصحيح، باب 6. حديث 40. ج 1، ص 17. (2) حديث علي وحديث أبي هريرة رواهما الدارقطني والبيهقي في "المدخل " مرفوعا.= وحديث ابن عمر رواه الطبراني في " الكبير". = وحديث أبي هريرة رواه الدارقطني والبيهقي في "المدخل"، وابن عدي في "الكامل"، والخطيب" في "الكفاية". = وحديث ثوبان رواه الطبراني، و البيهقي في " المعرفة". انظر: القنوبي، الإمام الربيع مكانته ومسنده، 111/ 112. 3 أبو ستة، حاشية الترتيب 1: 47.
4) أخرجه أصحاب السنن عن أنس بن مالك وأبي أمامة الباهلي. سنن أبي داود، كتاب الوصايا، باب ما جاء في الوصية للوارث، حديث: 2501
سنن ابن ماجه کتاب، الوصايا باب لا وصية لوارث، حديث: 2711
سنن الدارقطني، كتاب الفرائض والسير وغير ذلك، حديث: 3638. سنن الترمذي الجامع الصحيح الذبائح، أبواب الوصايا عن رسول الله، باب ما جاء لا وصية لوارث، حديث:2097
السنن الكبرى للبيهقي، كتاب الإقرار باب ما جاء في إقرار المريض لوارثه، حديث: 10715 نص الحديث عند مسلم عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَنْ كُلِّ ذِي نَابِ مِنَ
السَّبَاعِ وَعَنْ كُلِّ ذِي مِخْلَبٍ مِنَ الطَّيْرِ».
204 (1/204)
صفحة 204
الفصل الثاني: دليل الوحي
يَطْعَمُهُ إِلَّا أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَما مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِيَزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ} [الأنعام: 145]. فإن ذلك محمول على ما كان قبل نزول بقية المحرمات والحديث محمول على ما كان بعد ذلك، لقوله تعالى في بيان دور النبي: وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبيثَ} [الأعراف: 157] (1). وختم أبو ستة شرح الحديث بالتعليق على المأخذ الذي اعترض به على سند الحديث، أنه قد طعن فيه بعض المخالفين فقالوا: عرضناه على كتاب
الله فوجدناه مخالفا له، لأن الله يقول: {وَمَا ءَالَنَكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَانَهَنكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا} [الحشر:7]. وجوابه أنه لا يأتي عن الرسول إلا ما لا مصادمة فيه لأخباره تعالى، كما تقدم» (2). ويخلص بعد هذا التوجيه إلى بيان أن آية الحشر متفقة مع الحديث، لأن ما ثبت يقينا أنه عن رسول الله، لا يكون معارضا لما في كتاب الله. ثم أضاف القنوبي وعلى كل حال فالأمة مطبقة على مقتضى دلالته، وذلك دليل على صحته وبيان ذلك أن الأمة متفقة على ردّ الحديث إذا خالف نص الكتاب، ولم يمكن الجمع بينهما بوجه من وجوه الجمع
المعروفة» (3).
بيد أنه لا يلزم من إطباق الأمة على معنى الحديث صحته بالضرورة، فكم من حديث لفظه موضوع، ومعناه محل إجماع.
ومن
ذلك قول الشيرازي: «إذا رَوَى الخبر ثقة رُدّ بأمور: أحدها أن يخالف موجبات العقول، فيعلم بطلانه، لأن الشرع إنما يرد بمجوزات العقول، وأما
بخلافه فلا.
صحيح مسلم، كتاب الصيد والذبائح وما يؤكل من الحيوان، باب تحريم أكل كل ذي ناب من
السباع، حديث: 3668.
سنن أبي داود، كتاب الأطعمة، باب النهي عن أكل السباع، حديث: 3327.
سنن ابن ماجه كتاب الصيد باب أكل حديث: 3232
1) أبو ستة، حاشية الترتيب، 1: 48/ 47.
2 أبو ستة، حاشية الترتيب، 1: 48/ 47.
3 القنوبي، الإمام الربيع مكانته ومسنده، 112.
205 (1/205)
صفحة 205
الباب الأول: اجتهاد التأصيل
والثاني أن يخالف نص كتاب أو سنة متواترة، فيُعلم أنه لا أصل له، أو منسوخ. والثالث أن يخالف الإجماع. فيستدل به على أنه منسوخ أو لا أصل له. لأنه لا
يجوز أن يكون صحيحا غير منسوخ وتجمع الأمة على خلافه. والرابع أن ينفرد الواحد برواية ما يجب على الكافة علمه ... والخامس أن ينفرد برواية ما جرت العادة أن ينقله أهل التواتر» (1). وعن أبي بكر بن الطيب، أن من جملة دلائل الوضع، أن يكون مخالفا للعقل بحيث لا يقبل التأويل ويلتحق به ما يدفعه الحس والمشاهدة. أو يكون منافيا لدلالة الكتاب القطعية أو السنة المتواترة أو الإجماع القطعي. أما المعارضة أما المعارضة مع إمكان الجمع فلا» (2).
وقال ابن الجوزي: ما أحسن قول القائل إذا رأيت الحديث يباين المعقول أو يخالف المنقول، أو يناقض الأصول، فاعلم أنه موضوع» (3). هذا عند عدم إمكانية الجمع بين الحديث والأصول القطعية، أما عند إمكان الجمع فلا يردّ بحجة التعارض الظاهري (4).
وعودا على بدء نجد الإمام السَّالِمِي يحدد مجال تطبيق هذه القاعدة، وهو ما وقع الاختلاف فيه بين الأمة، أما المتفق عليه أنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا يحتاج إلى عرض، بل يجب العمل به، وإن خالف ظاهر الكتاب، لأنه إما ناسخ أو
مخصص ... » (5). وهو ما سبق أبو ستة إلى بيانه فالأمر محل وفاق بين الجميع. هذا هو الفهم السليم لمعنى عرض الأخبار على القرآن وعلى القطعيات من الأصول، وليس معناه ردّ كل حديث خالف ظاهره القرآن، ولو أمكن الجمع بينهما بوجه من وجوه الجمع المعروفة، فإن هذا فهم مردود ومعنى غير مقصود.
200 ZON ZON
1) أبو إسحاق الشيرازي اللمع في أصول الفقه، 82. 2) السيوطي، تدريب الراوي، 1: 276 أحمد شاكر، شرح ألفية السيوطي، 83. -وذكر النص محمود ربيع في تعاليقه على فتح المغيث بشرح ألفية الحديث" للحافظ العراقي. 1: 136. 3 أحمد شاكر، شرح ألفية السيوطي، 83.
4 واستقصى الشيخ سعيد القنوبي أصحاب هذا القول، ومنهم الخطيب البغدادي، الكفاية في علم الرواية، 432. والسيوطي في ألفية السيوطي 89. ابن القيم، المنار المنيف، 44/ 43. ابن حجر، نزهة النظر، 120. - ابن كثير، علوم الحديث بتحقيق أحمد شاكر، 74.-الشوكاني، إرشاد الفحول، 46/ 55.- رشيد رضا، تفسير المنار:1: 86/ 85 - السالمي شرح الجامع الصحيح، 1: 66. 5 السالمي، شرح الجامع الصحيح، 1: 66.
206 (1/206)
صفحة 206
E
الفصل الثالث: دليل الإجتماع
الفصل الثالث: دليل الإجماع
تمهيد المرجعية التاريخية والإجماع كانت الأحكام في عهد رسول الله موثوقة المصادر لاعتمادها على الوحي بنوعيه الكتاب والسنة. ولما انقطعت الرسالة، وانتقل الرسول إلى الرفيق الأعلى وجد الصحابة أنفسهم أمام حاجة جديدة لتوثيق أحكام القضايا المستجدة، فسلك أبوبكر بالناس منهجا رائدا في تأصيل الأحكام، فكان إذا عرضت له حادثة سأل الناس هل لأحد علم بها من الكتاب أو السنة، فإذا وجد فيها حكما قضى به، وإن أعياه البحث جمع رؤوس الصحابة واستشارهم فإذا اتفقت كلمتهم على أمر أمضاه. وعلى نهج أبي بكر سار خلفه عمر بن الخطاب، بل إنه منع الصحابة من مغادرة المدينة المنورة ليشاركوه حمل هذه الأمانة الثقيلة. ثم تبدلت الأوضاع بعد ذلك، لما تفرق الصحابة في الأمصار، ودعتهم إلى ذلك ضرورة الفتوح والجهاد والقيام بشؤون البلاد الإسلامية المتسعة، وتبصير المسلمين الجدد بأحكام الدين فتعددت أقوالهم، واختلفت آراؤهم، وخفت صوت الإجماع الذي كان ملزما في أول عهد الخلفاء الراشدين. وتعذر بعد ذلك جمع الفقهاء على قول واحد لفقدان التوجيه الرشيد الذي يحقق
هذه الغاية.
وشدت الأنظار إلى هذا النموذج العملي للإجماع، والذي تجسد أول مرة في عصر الصحابة، وغدا محور بحث الفقهاء والأصوليين، بغية تحديد الإجماع مفهوما، وتأصيله دليلا ووضع ضوابطه أركانا وشروطا، حتى يظل مصدرا متجددا للأحكام. بل أصبح وسيلة اعتمدها البعض في مسائل عديدة، ادعوا وقوع الإجماع فيها للتدليل على صوابها.
وظل موضوع الإجماع محل جدل بين مفهومه الاصطلاحي الذي يعني اتفاق جميع المجتهدين وبين الإجماعات الجزئية، وحجية كل منها، كما قامت سوق الجدل حول إمكانية تجدد وقوعه بعد عصر الصحابة.
ولا يزال الموضوع جديدا للبحث ودراسة طرق تحقيق الإجماع في عصرنا،
207 (1/207)
صفحة 207
الباب الأول: اجتهاد التأصيل
مع اعتبار التقدم المذهل لوسائل الاتصال إذ أصبح الناس في الأرض أبناء مدينة، واحدة بل بيت واحد كبير بما يمكن من تحقيق الإجماع بأيسر جهد، وأقصر وقت.
المبحث الأول: الإجماع بين التصور والواقع
1 - تحديد مفهوم الإجماع:
يتبوأ الإجماع المرتبة الثالثة ضمن مصادر التشريع الأصلية المتفق عليها بين
المسلمين. وهو من الأدلة السمعية أو النقلية.
فالأصل ثلاثة أقسام الكتاب والسنة والإجماع» (1).
الله
تبارك
والسمع ما ثبت بالكتاب والسنة والإجماع والقياس (2). وتنص المصادر الإباضية أن الحق كله إنما يُدرك من كتاب وتعالى، أو سنة رسوله، أو إجماع المحقين من أمة محمد، أو حجة العقل مما وافق هذه الأصول الثلاثة» (3). وفي هذا النص شبه تعريف للإجماع، غير أن المصادر الأخرى لم تحدد المصطلح، واكتفت على عادتها بالمعنى الشائع للكلمة. فقد فسر ابن سلام الجماعة بقوله: «تفسير الجماعة على ما هو، قال: ما أجمع عليه المهاجرون والأنصار من السنن والشرائع قبل افتراق الأمة، فمن خالف ذلك في الحال والسيرة، فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه، لأنه يقال: نجا من اتبع، وهلك من ابتدع ولا يوجد الهدى في خلافهم» (4). فابن سلام بهذا التفسير يؤصل لحجية الإجماع، أو القيمة الشرعية لمسائل الإجماع، ووجوب اتباعها وعدم الخروج عنها. بينما يردد ابن بركة مصطلح الإجماع في جامعه، ويستدل به كثيرا دون أن يتعرض لتحديده بتعريف دقيق. ويستعمل أحيانا لفظ الاتفاق بدل
(1) الوار جلاني، العدل والإنصاف، 1: 18.
2) الملشوطي، الأدلة، 1 ظ.
3) الكدمي المعتبر مخ = 9 و 9 ظ. - مط = 1: 13.
4) ابن سلام، بدء الإسلام، 81.
208 (1/208)
صفحة 208
الفصل الثالث: دليل الإجماع
الإجماع، من غير إشارة إلى تمييز بين الاصطلاحين في المدلول أو الاستعمال. و من موارد اللفظتين في كتابه: = ومن حول وجهه في الصَّلاة عن القبلة مختارا لذلك، وكان يجد السبيل على الاستدلال عليها فلم يفعل، فسدت صلاته بإجماع الأمة، فإن فعل ذلك في حال الضرورة جازت صلاته بإجماع الأمة، لأنهم أجمعوا أن المحارب يصلي
حيث ما توجه» (1).
=
=
والتسليم على غير العمد لا يقطع الصلاة بإجماع الأمة» (2). وليس على النساء صلاة الجماعة وسقوط الجماعة على النساء
بإجماع» (3).
= وقد اتفق الجميع على جواز العمل القليل في الصلاة» (4). والخصي لا يكون إماما اتفاقا» (5).
=
والتعريف الدقيق للمصطلح نجده عند الوَارِخلاني الذي أورد المعنى اللغوي للإجماع في لغة العَرَب أنه على وجهين العزم والاتفاق. وقد نطق القرآن بهما جميعا، في قوله تعالى على لسان يونس: {فَاجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وشركاءَكُمْ} [يونس:71]. «فإجماعهم أمرهم عزمهم عليه، وشركاؤهم اتفاقهم
عليه. وهذا المعنى الثاني هو المراد بإجماع الأمة عند الفقهاء (6). واصطلح أبو عمار عبد الكافي في بعض كتاباته أن مقصوده بالإجماع عدم وجود خلاف في المسألة فقال: «إذا قلت أجمعوا عرف أنه ليس في ذلك اختلاف، ومتى ذكرت المأخوذ به أو المعمول به أو قريبا من ذلك دلّ على الاختلاف» (7).
ويتضح المصطلح أكثر عند الكندي أن الإجماع من أهل كل زمان من
(1) ابن بركة، الجامع 1: 498
2 ابن بركة، الجامع 1: 503
3 ابن بركة، الجامع، 1: 507.
4) ابن بركة، الجامع، 1: 497.
(5) ابن بركة، الجامعة، 1: 507.
6 الوَارِجلاني، العدل والإنصاف، 2: 245. 7) أبو عمار، اختصار المواريث،2 و.
?209 B (1/209)
صفحة 209
الباب الأول: اجتهاد التأصيل
المسلمين، إجماع، إذا كانوا أهل رأي والاختلاف اختلاف، ولو كان رجل واحد سبق على قول، وكان عالم أهل زمانه كان حكم سبق على الإجماع، وكان على من خلفه اتباعه على ذلك، وكذلك إن قال ولم ينازعه العلماء في عصره وسلّموا له، كان ذلك إجماعا أيضا» (1).
وهذا تحديد دقيق للمصطلح مع بيان إمكانية حصول الإجماع ولو من واحد، إذا كان مجتهد زمانه، ولزوم الحجة بقوله على من بعده. والقضية مثار جدل بين الأصوليين. ويتطور تحديد المصطلح ليعرفه التلاتي بأنه: «اتفاق أهل الحل والعقد من هذه الأمة على أمر من الأمور الشرعيات والعقليات والعاديات» (2). وهو المعنى الذي تواضع عليه أهل الأصول مع بعض القيود الأخرى. وجاء تعريف الشقصي أن الإجماع هو كل قول أو فعل صح لأمة محمد، ولا يوجد فيه مخالف لهم وخلص التعريف لدى المتأخرين إلى أن الإجماع «اتفاق مجتهدي أمة محمد بعد وفاته في عصر من الأعصار على أمر من
(3)
الأمور» (4).
يتم
2 - كيفية حصول الإجماع: تباينت الأقوال في تصور وقوع الإجماع، فذهب بعض إلى أنه باستفاضة القول وانتشاره في الجماعة التي ينسب إليها الإجماع. فإذا ثبت أن كل واحد منهم قد قاله، أو قال به بعضهم فلم ينكره الباقون، أضيف فيه القول إلى جماعتهم على معنى التقرير منهم له والرضى به، وحمل على أن العزيمة قد وقعت منهم بإمضائه فصار ذلك الحكم إجماعا. وقال قوم: معناه من الاجتماع، وأن الأقوال لما اجتمعت منهم في حكم
1) أحمد الكندي، المصنف:1: 48 البوسعيدي لباب الآثار، 1: 8 2 التلاتي، شرح مقدمة التوحيد، 46.
3 الشقصي منهاج الطالبين، 1: 86.
4 الرواحي، نثار الجوهر، 1: 77 اطفيش، شامل الأصل والفرع، 1: 9. ـ السالمي، شرح
طلعة الشمس 2: 65
210 (1/210)
صفحة 210
واحد على وجه واحد، سمّي إجماعا (1).
الفصل الثالث: دليل الإجتماع
وردّ هذا القول لأن معنى الإجماع العزم على الأمر والقطع به، ومنه قوله تعالى: فَاجْمعُوا أَمْرَكُمْ} [يونس: 71]. أي أعزموا عليه وأمضوه، واقطعوا به. وليس معناه الاجتماع (2). وقالت طائفة إن هذا الإجماع يحصل بتوفيق الله أهل الاجتهاد للقول الواحد في المسألة فيؤلف بين قلوبهم. وقالت طائفة يجتمعون من طريق التوقيف من رسول الله، فإذا ظهر الإجماع علمنا أنه توقيف، ولو لم نعلم السبب الذي من أجله أجمعوا. من ذلك أنهم أجمعوا أن العبد غير داخل في قوله تعالى: وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا} [آل عمران: 97]. فعلمنا أنه توقيف من النبي، وإن لم يُنقل إلينا لفظ النبي ال (3).
ويوضح الوَارِجلاني تفصيل طريقة حصول الإجماع أنه إذا نزلت نازلة لا نص فيها، فعلى العلماء المشروط عليهم الاجتهاد أن يجتهدوا، فإذا أطبقوا كان إجماعا، وإن تكلم البعض وسكت البعض عن رضى كان إجماعا، أو أقروا فاعل ذلك بلا نكير صار إجماعا.
وإن رأى البعض غير رأيهم وسكت كان آثما وكان إجماعا، لأن الدنيا بالظواهر، وفي الآخرة تبلى السرائر. ومن سكت مجتهدا في طلب الأدلة يُراعى ما لم ينقض العصر أو يصرّح. وأما فيما يتعلق بالدين فلا يسعه السكوت إن ظهر له علم وعنده فيه خبر، لورود النهي عن ذلك. وأما إن كان شيء غير أكيد، فربما يبسط له العذر، كما جرى لابن عباس مع عمر في قضية العول (4).
1) نجاد بن موسى الأكلة 112 الكندي، المصنف، 1: 49/ 50. (2) نجاد بن موسى الأكلة 112. الكندي، المصنف، 1: 50. العبارات متطابقة في هذين المصدرين، ولكن الأخطاء كثيرة جدا، صححناها بالمقابلة بينهما، وهذا من عوائق عملنا.
(3) العوتبي، الضياء، 3: 17. نجاد بن موسى الأكلة 111. الكندي، المصنف، 1: 49. * وهناك أيضا تصحيف كبير في الفقرتين المتطابقتين من هذين المصدرين.
4 الوار خلاني، العدل والإنصاف، 2: 258.
211 (1/211)
صفحة 211
الباب الأول: اجتهاد التأصيل
E
فقد أدرج في الإجماع كل صوره القولية والسكوتية، ولم يضيق الأمر في إثبات الإجماع حتى تتضح آراء العلماء نطقا أو إقرارا. كما ميز بين القضايا الاجتهادية التي يبسط فيها الأجل للتفكير، وبين قضايا الديانة التي لا يسع فيها السكوت عند قيام الدليل. 3 - أقسام الإجماع: قسم أصوليو الإباضية الإجماع تقسيمات عديدة باعتبارات مختلفة:. فهو من حيث العموم والخصوص نوعان: - إجماع تستوي فيه العامة والخاصة، وذلك كأعداد الصلوات والزكاة. إجماع تنفرد به الخاصة،
العلماء، ويختص بالمسائل النوازل (1).
=
ومن حيث كيفية وقوعه، فيه أنواع: نوع يكون من جهة القول والفعل معا.
=
وهم
- ونوع من جهة القول وحده، أو الفعل وحده، وذلك بأن يُطبقوا على شيء قولا، أو يطبقوا عليه فعلا. وهذان لا يشترط فيهما انقراض العصر لتحقق حصول الاتفاق فيهما بصورة جلية.
=
ونوع ثالث يكون من جهة قول البعض وسكوت الباقين، أو فعل البعض وسكوت الباقين. وهو ما اصطلح عليه بالإجماع السكوتي، وفيه خلاف في حجيته للاحتمال في تحقق وقوعه (2). فمن نفى حجيته استند إلى أنه لا ينسب لساكت قول. وسكوت بعض المجتهدين لا يدل على موافقتهم من تكلم في المسألة، إذ قد يعتقد الساكت جواز الخلاف فيها، وأن كل مجتهد مصيب، أو لوجود مانع يحول دون إظهاره المخالفة، وهو ما حصل لابن عباس مع عمر في قضية العول. فالسكوت خارم للإجماع وليس مثبتا له (3).
(1) السوفي، السؤالات، 116. – الملشوطي، الأدلة، 5 و.
2 السوفي، السؤالات، 116 - الملشوطي الأدلة، 5 و. - الوَارِجلاني، العدل والإنصاف، 2:
245
3) الغزالي، المستصفى، 1: 191/ 192.
212 (1/212)
صفحة 212
E 3
الفصل الثالث: دليل الإجتماع
وذهب جمهور الإباضية إلى اعتبار الإجماع السكوتي حجة، لأن العالم يحرم عليه تضييع الاجتهاد والسكوت بعد التبصرة لحديث عبادة بن الصامت بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلمعلى السمع والطاعة في المنشط والمكره، وأن لا ننازع الأمر أهله، وأن نقوم أو نقول بالحق حيثما كنا لا نخاف في الله لومة لائم (1). أما إن تبين أن سكوت الساكت كان عن عذر، أو حياء، فيعتبر علة مقبولة تمنع من حصول الإجماع (2). قال القطب اطفيش: واختلف في الإجماع السكوتي، ففيه خلاف، والصحيح أنه حجة لأن سكوت باقيهم على ما حكم به بعضهم مع قدرتهم كالنطق بتصويبهم» (3). ودلالة الإجماع القولي قطعية ودلالة السكوتي ظنية، فهو مثل خبر الآحاد يوجب العمل دون العلم (4). بعد تحديد مفهوم الإجماع وكيفية حصوله نظريا، ترد علينا أسئلة ملحة على الصعيد العملي فمن هم أهل الإجماع؟ وهل يشترط لتحقيق الإجماع حصول الاتفاق التام؟ وهل يتم ذلك في لحظة واحدة، أم في فترات متباعدة؟ وما حكم من رجع عن فتواه قبل حصول الاتفاق؟ أو بعده؟ وما هو مفهوم العصر في باب الإجماع؟ وبناء على هذا: هل يُعتد بخلاف التابعي في إجماع الصحابة؟
(1
صحيح البخاري، كتاب الأحكام، باب كيف يبايع الإمام الناس، حديث: 6795. صحيح مسلم، كتاب الإمارة، باب وجوب طاعة الأمراء في غير معصية، حديث: 3515. 2 الوار خلاني، العدل والإنصاف، 2: 262.
(3) اطفيش، شامل الأصل والفرع، 1: 10.
(4) يلخص السالمي رأي الإباضية في أنواع الإجماع، ودلالاتها وما يوجبه كل نوع منها بقوله:
إجماعنا اتفاق أهل العلم
كما إذا ما اتفقت أقوالهم
وإن يقل بعضهم أو يعمل
وسمه القطعي أعني الـ سابق
وبالسكوتي قسم الثان
ي
لكنه يو جب نفس العمل
السالمي، شرح طلعة الشمس، 2: 65.
منا على بيان نوع حكم
م
عليه أو تواطأت أفعاله وسكت البعض فدون الأول وتارك القطعي صار فاسقا وأبق من خالف في الإيمان ظنا كما في خبر المعدل
213 (1/213)
صفحة 213
الباب الأول: اجتهاد التأصيل
وماهي حجية الإجماعات الجزئية؟
تلك وغيرها أسئلة نحاول بسط آراء الإباضية فيها قدر المستطاع.
المبحث الثاني: أركان الإجماع
للإجماع: ركنان: المجمعون، ونفس الإجماع.
1 الركن الأول: أهل الإجماع
والمجمعون هم ضلال» (1).
E
أمة محمد صلى الله عليه وسلم التي قال عنها: «لا تجتمع أمتي على
وقد توسع بعضهم فجعل أمته كل من أرسل إليهم من الإنس والجن.
وهو قول مردود، إذ المقصود أمة الإجابة لا أمة الدعوة. وحصرها بعض في من آمن به وصدقه، وتلك هي أمة الإجابة. وقيدها آخرون بالصالحين من المؤمنين كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ} [آل عمران: 110]. ولكل أدلته فيما ذهب إليه (2).
1) ورد الحديث بألفاظ متقاربة. لفظ الترمذي: عن ابن عمر، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إن الله لا يجمع أمتي، أو قال: أمة محمد على ضلالة، ويد الله مع الجماعة، ومن شذ شذ إلى النار».
سنن الترمذي الجامع الصحيح الذبائح، أبواب الفتن عن رسول الله، باب ما جاء في لزوم
الجماعة، حديث: 2144. ولفظ الحاكم: عن ابن عمر، قال: قال رسول الله: «لا يجمع الله أمتي على الضلالة أبدا». المستدرك على الصحيحين للحاكم، كتاب العلم، ومنهم يحيى بن أبي المطاع القرشي،
حديث: 357
ولفظ أحمد: «عن أبي ذر، عن النبي أنه قال: اثنان خير من واحد، وثلاثة خير من اثنين، وأربعة خير من ثلاثة، فعليكم بالجماعة، فإن الله لن يجمع أمتي إلا على هدى». مسند أحمد بن حنبل، مسند الأنصار، حديث أبي ذر الغفاري، حديث: 20768. ولفظ الطبراني: عن ابن عمر، قال: قال رسول الله: لن تجتمع أمتي على الضلالة أبدا، فعليكم بالجماعة فإن يد الله على الجماعة».
المعجم الكبير للطبراني، من اسمه عبد الله، ومما أسند عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، عمرو بن دينار، حديث:13405.
2 الوارجلاني، العدل والإنصاف، 2: 253. فما بعد.
214 (1/214)
صفحة 214
الفصل الثالث: دليل الإجماع
والمتفق عليه أن المقصود بأهل الإجماع كل مجتهد مقبول الفتوى. والمتفق على عدم اعتباره الصبيان والمجانين. وبين الطرفين نجد الفقيه غير المجتهد، والعامي، والأصولي غير الفقيه، والمجتهد الفاسق والمبتدع، والناشئ من التابعين في عصر الصحابة (1). فهل يعتد بوفاق هؤلاء وخلافهم في حصول الإجماع؟ تلك قضايا خلافية أسالت من حبر الأصوليين الشيء الكثير. وفسر أبو ستة الأمة في قوله: «لا تجتمع أمتي على ضلال» (2). أن المراد بالأمة من ينعقد الإجماع باتفاقهم، كما هو ظاهر، لأن اتفاق غير العلماء لا يكون حجة» (3). وحدد العوتبي من يتناولهم لفظ الأمة في الحديث بأنهم «الذين اتبعوه وسلكوا سبيله، ولم يخالفوه، وليس أمته كل من صلى وصام، ولذلك قال ليس منا من غشنا» (4). وتبرأ من أقوام يذادون عن حوضه يوم القيامة
:
لأنهم أحدثوا من بعده، فيقال لهم: فبعدا فسحقا (ى).
1) الغزالي، المستصفى، 1: 181.
2 سبق تخريجه قريبا.
3 أبو ستة، حاشية الترتيب، 1: 47.
4) رواه بهذا اللفظ أحمد والحاكم عن أبي هريرة.
المستدرك على الصحيحين للحاكم كتاب البيوع وأما حديث حبيب بن أبي ثابت،
حديث: 2094.
مسند أحمد بن حنبل، مسند المكيين حديث أبي بردة بن نيار، حديث: 15554.
وأغلب طرقه بلفظ "من غشنا فليس منا". صحيح مسلم، كتاب الإيمان، حديث 146.
صحيح ابن حبان كتاب البيوع ذكر الزجر عن غش المسلمين بعضهم بعضا في البيع،
حديث: 4983
سنن ابن ماجه كتاب التجارات باب النهي عن الغش، حديث: 2222
سنن الدارمي، ومن كتاب البيوع، باب: في النهي عن الغش، حديث: 2498. 5) لفظ الحديث عند البخاري عَنْ سَهْلِ بْن سَعْدٍ قَالَ قَالَ النَّبِيُّ: إِنِّي فَرَطُكُمْ عَلَى الْحَوْضِ، مَنْ مَرَّ عَلَيَّ شَرِبَ وَمَنْ شَربَ لَمْ يَظْمَأُ أَبَدًا لَيَردَنْ عَلَيَّ أَقْوَامٌ أَعْرِفُهُمْ وَيَعْرِفُونِي، ثُمَّ يحال بيني وَبَيْنَهُمْ. قَالَ أَبُو حَازِمٍ فَسَمِعَنِي النُّعْمَانُ بْنُ أَبِي عَيَّاشٍ فَقَالَ هَكَذَا سَمِعْتَ مِنْ سَهْلِ فقُلْتُ نَعَمْ فَقَالَ أَشْهَدُ عَلَى أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِي لَسَمِعْتُهُ وَهُوَ يَزِيدُ فِيهَا فَأَقُولُ إِنَّهُمْ مِنِّي فَيُقَالُ إِنَّكَ لا تَدْرِي مَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ فَأَقُولُ سُحْقًا سُحْقًا لِمَنْ غَيْرَ بَعْدِي
215 (1/215)
صفحة 215
الباب الأول: اجتهاد التأصيل
*
وهذا يدل على أن أمته المطيعون المتبعون لقوله السالكون سبيله،
هم
العاملون بسنته التاركون لمخالفته» (1).
ويحدد الوَارجُلانِي صفة العلماء الذين يُعتد بهم في الاجتهاد والإجماع، أنهم: «العارفون بكتاب الله، وبفنون التفسير، وبالسنن وفنونها، وبالأصول، وهو الكلام وفنونه، وبالفقه وفنونه، وأعني في هذا كله المشهور المأثور، لا الشاذ المغمور وكل (أهل فن من هؤلاء ممن لا يحسن فنه، فلا يعتد بإجماع هؤلاء ولا اختلافهم لأنهم في نمط العامة» (2).
ومن كان عالما في غير علوم الشريعة لا يعتد بخلافه، إلا إذا تعلق الأمر بقضية من صميم اختصاصه. فالنحوي والمتكلم لا يعتد بهما، لأنهما من العوام في حق هذا العلم، إلا أن يقع الكلام في مسألة تنبني على النحو أو علم الكلام» (3).
ولكن العوام قد يُتصور دخولهم في الإجماع، ولذلك جعلوا الإجماع
قسمين: إجماع الكافة، وهو إجماع تستوي فيه الخاصة والعامة، كالمتواتر من السنن والصلوات وأعدادها، والأيام وأساميها والمواسم والأعياد والقبلة وأمثالها. وإجماع الخاصة، وهو إجماع العلماء، كتوريث الجد مع الإخوة، وتوريث الأخت من الأب مع الأخت من الأب والأم وهذا النوع ليس للعامة مخالفة
العلماء فيه (4).
أما المبتدع والفاسق فلا اعتبار لهم في الإجماع.
وقد حدد الإمام السَّالِمِي موقف الإباضية في ذلك بقوله:
صحيح البخاري، كتاب الرقاق، باب في الحوض، حديث: 6224.
وورد بألفاظ متقاربة عند مسلم وأحمد وأصحاب السنن.
صحيح مسلم، کتاب الطهارة، باب استحباب إطالة الغرة والتحجيل في الوضوء، حديث:393. مسند أحمد بن حنبل، ومن مسند بني هاشم، مسند أبي هريرة رضي الله عنه، حديث: 7809. (1) العوئبي، السيرة، 187 و.
2 الوارجلاني، العدل والإنصاف، 2: 257/ 256
3 السالمي، شرح طلعة الشمس 2: 76 الغزالي، المستصفى، 1: 183.
-
4) العوتبي، الضياء، 1: 246. - نجاد بن موسى الأكلة 111 - الوَارِخلاني، العدل والإنصاف،
2 255 - السالمي، شرح طلعة الشمس، 2: 77.
216 (1/216)
صفحة 216
*
الفصل الثالث: دليل الإجتماع
وأهله المجتهد المتبع فيخرج الفاسق المبتدع (1). فالمعتد به في انعقاد الإجماع وفاق المجتهد الذي امتلك القدرة على استنباط الأحكام الشرعية من أدلتها، وكان موفّيًا بدينه؛ متبعا لأحكامه، أما الفاسق فلا اعتبار بخلافه لخروجه عن كمال الإيمان، وقد قال تعالى: ويتبع غير سبيل
الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا} [النساء: 115]. ويخرج المبتدع أيضا من عداد أهل الإجماع؛ وهو من حاد عن طريقة السلف الصالح بتأويل يفسق به أو يشرك به عند من أثبت الشرك لبعض
المتأولين. فإن خلاف هؤلاء لا ينقض إجماع المعتبرين من أهل الحق (2). وأكد الوارجلاني إخراجه بقوله: «فإذا ما شذت فرقة وخالفت الأمة، فإن ظهر الفساد في قولها والعناد في فعلها، عوفوا من اجتماع الأمة وافتراقها، وكان إجماع المجتمع حقا عند الله، وصار الشاذ شاذا. كالذي يروى عن السكاكية (3) أنهم أنكروا السنة والرأي وقالوا ليس هناك إلا كتاب الله
تعالى» (4).
هذا بينما ذهب الغزالي إلى الاعتداد بقول المبتدع والمجتهد الفاسق في
الإجماع (5).
-
2 الركن الثاني: حصول الاتفاق: يفيد تعريف الإجماع أنه يتحقق باتفاق كل المجتهدين الموجودين حين حدوث المسألة. ولكن السؤال: هل يُعتد باتفاق أكثر العلماء أو طائفة منهم؟ أم إن مخالفة البعض تخرم هذا الإجماع؟ تعرض الأصوليون لمسائل أفرزها هذا السؤال، تجملها تحت عنوان
الإجماعات الجزئية.
1 السالمي، شرح طلعة الشمس 2: 74. (2) السالمي، شرح طلعة الشمس، 2: 75. 3) تعريف بالسكاكية، وقد عرف النامي بها في هامش العدل والإنصاف ص 256. 4 الوَارجُلانِي، العدل والإنصاف، 2: 255/ 259
5) الغزالي، المستصفى، 1: 183.
217 (1/217)
صفحة 217
الباب الأول: اجتهاد التأصيل
- الإجماعات الجزئية
ذهب بعض الأصوليين إلى تجويز أنواع من الإجماعات الجزئية. وذكر الوَارجُلانِي طَرَفا من تلك الأقوال:
=
- فالظاهرية لا تعتد بغير إجماع الصحابة وترى أنه لا يسوغ لمن بعدهم
أن يجتمعوا. - وقال بعضهم: الإجماع إجماع أصحاب الفروع.
- وقال بعض بإجماع الأئمة وولاة الأمور.
= وقال بعض بإجماع أهل المدينة (1).
=
واشتهر من تلك الأقوال - قول المالِكِيَّة بإجماع أهل المدينة. وقول الشيعة بإجماع العترة أو أهل البيت. - وقول بعض بإجماع الخليفتين أبي بكر وعمر، أو إجماع الخلفاء الأربعة. وقول الظاهرية بحصر الإجماع في الصحابة وعدم تسويغه لمن بعدهم (2).
وتلك الإجماعات لا اعتداد لها في نظر الإباضية، ومعنى ذلك أنها ليست حجة قاطعة وقولا ملزما. أما أنها آراء طائفة معتبرة من الفقهاء أو الصحابة، أو آراء كبار الصحابة؛ فذلك ما يعطيها قوة الرجحان على غيرها من الآراء، وبخاصة إذا اعتضدت بأدلة أخرى، أو كانت متفقة وقواعد الشرع وكلياته. وبعض حمل إجماع الخليفتين أو الخلفاء الأربعة على الإجماع باعتبار الخليفة إمام المسلمين، وأنه من أهل الاجتهاد. وكان أبو بكر وعمر خصوصا يستشيران الصحابة في ما يجد من الحوادث، وكانت حرية الرأي مكفولة، والصحابة في المدينة مجتمعون، شأنهم الحرص على النصح لأئمة المسلمين وعامتهم، وفقا لتعاليم الرسول. لهذه الاعتبارات متضافرة يمكن إدراج إجماع الخلفاء الراشدين ضمن
الإجماع الاصطلاحي، إذا لم يوجد لهم مخالف من الصحابة. وقد أفاض الغزالي في الرد على القائلين بتلك الإجماعات الجزئية، ورجح
(1) الوارجلاني، العدل والإنصاف، 2: 256. 2 - السالمي، شرح طلعة الشمس، 2: 78.
218 (1/218)
صفحة 218
الفصل الثالث: دليل الإجماع
أنها لا تقوم دليلا قاطعا يحتج به (1).
والمعتبر في الإجماع تحقق وصف الاتفاق التام بين المجتهدين. ولذلك لا يعتبر وفاق بعضهم مع خلاف الباقين ولو كان المتفقون عددا كثيرا وخالفهم واحد أو اثنان. وفي هذا قال السالمي:
وليس يُجزي فيه بعض الأمة وإن يكونوا ألف ألف مائة (2) ونص الغزالي أن الإجماع من الأكثر ليس بحجة مع مخالفة الأقل» (3). وفي الطرف الآخر ذهب الخياط وأبو بكر الرازي إلى أن خلاف الواحد والاثنين لا يخرم الإجماع، لحديث عليكم بالسواد الأعظم» (4)، وغيره من الأحاديث الموجبة لاتباع الأكثر. والمعتمد في الأدلة أن العصمة إنما تثبت للأمة بكليتها، وليس هذا إجماع الجميع، بل هو مختلف فيه، وقد جوّز الصحابة مخالفة الواحد، ولم يعدوه خرقا للإجماع، فدلّ على عدم انعقاد الإجماع بمخالفته، كما وقع لابن عباس في قضية العَول في الميراث وغيرها من القضايا (5). ولكننا من جهة أخرى نجد في المصادر الإباضية الاستدلال بالإجماعات الجزئية المنسوبة إلى طائفة أو أهل بلد.
فقد جاء في المدونة الكبرى وأجمع أهل العراق وأهل المدينة أن من نسي التشهد أن صلاته، ماضية، وعليه سجود السهو» (6).
وفي جامع ابن جعفر (وأجمعوا أن من صلّى وهو يرى أنه متوجه إلى القبلة، ثم تبين له أنه صلى لغير القبلة لمانع منعه من غيم أو غيره، أنه لا إعادة عليه في الوقت ولا في غير الوقت. وأجمعوا أنه لو صلى وهو يرى أن الوقت قد دخل، ثم تبين له أنه كان صلى في غير الوقت المحدد، أن عليه أن يعيدها
(1) الغزالي، المستصفى، 1: 187.
2 السالمي شرح طلعة الشمس، 2: 78.
(3) الغزالي، المستصفى، 1: 186.
4) أخرجه ابن ماجه عن أنس بن مالك وأحمد عن النعمان بن بشير.
سنن ابن ماجه، كتاب الفتن، باب السواد الأعظم، حديث: 3948.
مسند أحمد بن حنبل، أول مسند الكوفيين حديث النعمان بن بشير عن النبي، حديث:18112. 5) الغزالي، المستصفى، 1: 186 - السالمي، شرح طلعة الشمس، 2: 78/ 79.
6 الخراساني، المدونة الكبرى 1 109
219 (1/219)
صفحة 219
الباب الأول: اجتهاد التأصيل
متى علم بذلك في الوقت أو في غير الوقت. وأجمعوا أن أول وقت الصلاة
أفضل وأوفر على المصلي ثوابا» (1).
3 - انقراض العصر
إذا اتفقت كلمة الأمة على أمر ولو لحظة واحدة انعقد الإجماع ووجبت لهم العصمة في ذلك، وصار إجماعهم حجة عليهم وعلى غيرهم، فلا تجوز
مخالفته. هذا رأي الإباضية اتفاقا (2)، كما أنه رأي جمهور الأصوليين (3). وذهب قوم إلى اشتراط انقراض العصر ليتحقق الإجماع، وإلا ما كان حجة على أحد، فجازت مخالفته والرجوع عنه (4). وفصل قوم بين الإجماع السكوتي فاشترط فيه انقراض العصر، وبين الإجماع القولي أو العملي، فلم يشترطه فيه (5).
ومعنى انقراض العصر أن ينقضي المجمعون ويموتوا كلهم دون أن يخالفهم
أحد لاحق، أو يرجع أحدهم عن رأيه. وما لم ينقض العصر فالإجماع غير واقع، فيجوز لمن بعدهم في عصرهم
خلافهم.
واحتج أصحاب هذا القول بأن بعض الصحابة كان على قول، ثم رجع عنه. كما فعل علي بن أبي طالب في مسألة أمهات الأولاد، إذ كان يرى بيع
1) ابن جعفر، الجامع، 2: 43.
(2) نجاد بن موسى الأكلة 113 الوار جلاني، العدل والإنصاف:2: 259 - الشقصي، منهاج الطالبين 1: 86 البوسعيدي لباب الآثار، 1: 10 - اطفيش، شامل الأصل، 1: 10/ 9. 3 ابن حزم الإحكام:4 153 الغزالي المستصفى:1: 192 - الآمدي، الإحكام، 1: 366. أصول السرخسي، 2: 108 ابن قدامة روضة الناظر، 1: 366 - إرشاد الفحول، 74. -الأسنوي نهاية السول 3: 315 الزحيلي، أصول الفقه، 1: 526. 4 وفي هذا يقول السالمي: واشترط البعض انقراض العصر وقيل: لا، فهو خلاف يجري
فراجع من أهله لا يُعتب - - - بعد انعقاده، وقيل يُعتب السالمي، شرح طلعة الشمس، 2: 83
-
5) ابن حزم، الإحكام، 4: 153. الآمدي الإحكام 1 366 - أصول السرخسي، 2: 108.- ابن قدامة، روضة الناظر 1 366 - إرشاد الفحول، 74 - الأسنوي، نهاية السول، 3: 315. - الزحيلي، أصول الفقه، 1: 526.
? 220 B (1/220)
صفحة 220
الفصل الثالث: دليل الإجتماع
عدم بيعهن أيام عمر، ثم رجع عن ذلك في أيام خلافته. وسوى أبو بكر بين
الناس في العطاء، ثم فاضل بينهم، عمر وقال كلمته المشهورة: «لا أجعل من قاتل رسول الله كمن قاتل مع رسول
الله».
ولكن هذا الاستشهاد في غير محله، إذ لم يدع أحد حصول الإجماع في هذه القضايا، فلا يصلح خلاف المخالف فيها دليلا لاشتراط انقراض العصر، وإلا لكان علي وعمر قد خالفا الإجماع، وهذا ما لا يجوز في حقهما. فالحجة في حصول الاتفاق لا في مُضي العصر.
وواضح بهذا أن القول الأول أرجح وأعدل (1).
ويمكن اعتبار شرط انقراض العصر مقبولا في الإجماع السكوتي دون القولي، فإذا تكلم بعض المجتهدين في مسألة وسكت الباقون، حتى انقرض العصر دون نكير على قول القائلين، فقد تحقق وصف الاتفاق، وهو ركن
للإجماع (2). ويتفرع عن اشتراط العصر مسائل اختلف فيها، منها:
- اعتبار التابعي في إجماع الصحابة بحث الأصوليون هذه القضية، وتساءلوا هل يُعتد باجتهاد التابعي في إجماع الصحابة؟ ثم تباينت إجاباتهم بعد ذلك.
والتقيد بالمدلول الاصطلاحي للإجماع، وهو اتفاق المجتهدين، يقتضي اعتبار قول التابعي المجتهد في عصر الصحابة وهو قول جمهرة الأصوليين، وفيه قال الإمام السالمي: والمتابعي كال صحابي اعتبر وغلقه وخلفه مع من ذكر (3). وذهب قوم إلى عدم اعتباره، وهو مذهب بعض المتكلمين من الشافعية، وأوما إليه الإمام أحمد في أحد القولين (4). وهذا قول مرجوح، رده الوَارِجلاني
1) نجاد بن موسى الأكلة 113/ 112. الوارجلاني، العدل والإنصاف، 2: 259/ 260. السالمي، شرح طلعة الشمس 2 83 - اطفيش، شامل الأصل، 1: 10/ 9.-الغزالي، المستصفى،
192:1
(2) الملشوطي الأدلة، 5 و نجاد بن موسى، الأكلة، 113. و.-نجاد 3 السالمي، شرح طلعة الشمس، 2: 78. (4) الغزالي، المستصفى، 1: 185 الآمدي، الإحكام:1 328 - أصول السرخسي، 2: 114.
221 (1/221)
صفحة 221
الباب الأول: اجتهاد التأصيل
والسالمي (!)، كما رده الجمهور (2).
ومرد ذلك إلى أن إجماع الصحابة مع مخالفة التابعي ليس بإجماع جميع الأمة، بل هو إجماع بعضها.
وزكى الغزالي هذا القول بأن الإجماع حاصل من الصحابة على تسويغ الخلاف للتابعي، وكثير من التابعين كانوا يفتون في عصر الصحابة كالحسن البصري وسعيد بن المسيب (3).
وكان جابر بن زيد مفتيا مشهورا بين التابعين وأثنى الصحابة على علمه، حتى قال ابن عباس: «عجبا لأهل العراق، كيف يسألوننا وعندهم جابر بن زيد؟ لو قصدوه لأوسعهم علما بما في كتاب الله» (4).
الله
وقال ابن حزم: «أف لكل إجماع يخرج عنه علي بن أبي طالب، وعبد بن مسعود، وأنس بن مالك وابن عباس والصحابة بالشام، وابن سيرين وجابر بن زيد (5). ويعتد ابن حزم بقول جابر في الإجماع موافقة أو مخالفة، رغم عدم رضاه عن انتسابه إلى الإباضية (6).
ولكن الغزالي لم يبين لنا ما إذا كان تسويغ الصحابة لخلاف التابعي عاما في مسائل الاجتهاد، أم خاصا بما وقع عليه إجماع الصحابة. وهذا الاحتمال يُسقط الاستدلال، ولكنه بين من جهة أخرى أن فضل الصحابة لا يلزم منه حصر الحق فيهم، وإلا لسقط قول الأنصار بقول المهاجرين، وقول المهاجرين بقول البدريين، لتفاضلهم. ولا قائل بهذا (7). وهو كلام سديد، وتوجيه مقبول من حيث الإلزام العقلي.
- ابن قدامة روضة الناظر:1 355 - الزحيلي، أصول الفقه، 1: 530. 1 الوار جلاني، العدل والإنصاف 259 - السالمي شرح طلعة الشمس، 2: 81. 2) الغزالي المستصفى:1: 185 الآمدي، الإحكام 1 328 - أصول السرخسي، 2: 114.
:
- ابن قدامة روضة الناظر 1 355 - الزحيلي أصول الفقه، 1: 530.
(3) الغزالي، المستصفى، 1: 185.
4 الشماخي، سير المشايخ، 71/ 70.
5) ابن حزم المحلى 5: 573. بكوش، فقه جابر، 1: 25.
6) ابن حزم، مراتب الإجماع، 19.
7) الغزالي، المستصفى، 1: 185.
222 (1/222)
صفحة 222
الفصل الثالث: دليل الإجتماع
E
إحداث قول ثالث في المسألة:
إذا اختلف المجتهدون في مسألة على قولين وانقضى العصر على ذلك، فهل يجوز لمن بلغ درجة الاجتهاد أن يُحدث قولا ثالثا خارجا عن ذينك القولين؟
ذهب الجمهور إلى عدم جواز هذا الإحداث، واعتبره الغزالي خروجا على ما اجتمعت عليه الأمة، وأن تجويزه فيه نسبة الأمة إلى التضييع والغفلة
عن الحق. وهذا محال (1). وذهب قول إلى جوازه ما لم يرفع القولين السابقين، أو القدر المشترك بينهما. ومثلوا له بالخلاف في ميراث الجد مع الإخوة على قولين، قول بحجب الإخوة بالجد، وقول بمقاسمة الجد لهم. فلو أحدث قول ثالث يقضي بحرمان الجد من الميراث أصلا كان قولا، مردودا، لأنه رافع للقدر المشترك بين هذه الأقوال، وهو أن الجد يرث في جميع الأحوال (2). وعرض السالمي الأقوال في المسألة، ثم ذهب إلى الجواز، سواء رفع القول الثالث القولين السابقين أم لم يرفعهما، وقال: والخلف في إحداث قول بعدما جاءوا بقولين، فقوم حرما وقيل: لا يحرم، وهو الأعدل إذ بالخلاف صح فيه المدخل وقيل: إن كان لما تقد ما ليس برافع، يجوز فاعلما (3). ونسب الشماخي إلى الوَارجُلانِي أن ظاهر كلامه يفيد منع إحداث قول ثالث في خلاف الصحابة، و جواز ذلك مَن بعد الصحابة (4). مع والوَارِجلاني نفسه أورد نماذج لإحداث التابعين قولا خارجا عن اختلاف
(1) الغزالي المستصفى، 1: 198/ 199. 2) ذهب الإباضية والحَنَفِيّة إلى أن الإخوة يحجبون بالجد لأنه بمنزلة الأب. بينما ذهب الجمهور إلى عدم حجبهم به، لأنهم جميعا يدلون إلى الميت بواسطة الأب. وبكل قول أخذ جمع من الصحابة والتابعين. وفي المسألة تفصيل في الاستدلال، وتفريع في الأقوال. ينظر: ابن قدامة، المغني، 7: 63 فما بعد. - اطفيش، شرح النيل، 15: 430. - وهبة الزحيلي، الفقه الإسلامي وأدلته 8 299 - 309
3 السالمي، شرح طلعة الشمس، 2: 89.
4 الشماخي، شرح مختصر العدل والإنصاف، 62 ظ/ 63 و.
223 (1/223)
صفحة 223
الباب الأول: اجتهاد التأصيل
الصحابة، مثل «اختلافهم في من قال امرأته عليه حرام. فرأي علي أنه ثلاث وعن عمر أنه رجعي، ورأى بعض الصحابة أنها واحدة بائنة، وأطبق الصحابة على هذه الأقوال الثلاثة. ثم رأى بعد ذلك مسروق وجابر بن زيد وبعض التابعين أنه كفارة يمين وعليه العمل اليوم عند أكثر الأمة» (1). ونص الوارجلاني أن من لم يبلغ درجة الاجتهاد يؤخذ برأيه ويراعى في الخلاف بعد وقوعه، وأن هذا هو الصحيح (2).
ولم نجد في كلام الوَارجُلانِي ما يؤيد ما نسبه إليه السَّماخِي. وظاهر أن الوار جلاني مع السَّالِمِي في جوازه، وهو الراجح، لأن الإجماع الذي يمنع الخلاف ما حصل فيه الاتفاق التام على قول واحد، أما الاختلاف على قولين فهو أدلّ على جواز تعدد الآراء في المسألة من دلالته على المنع. بل نص السالمي أنه يلزم المجتهد أن يخالفهم إذا رأى الراجح خلافه، ولا له تقليدهم، كما لا له تقليد مجتهد مثله بعد تمكنه الاجتهاد (3). من
يصح
يصح
المبحث الثالث: الإجماع بين التوثيق والإنكار
1 - حجية الإجماع:
الله ميز أمة الإسلام على سائر الأمم، واختصها بفضائل لم تؤتها أمة خلت، وقال لها: كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} [آل عمران: 110]. وقال: وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِنَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا} [البقرة: 143].
ونوه النبي له بفضل أمته، وأن الله قد عصمها من الاتفاق على الخطإ
والضلال.
واتخذ علماء الأصول من هذه النصوص مستندا لإثبات حجية الإجماع،
1 الوار خلاني، العدل والإنصاف، 2: 259. 2 الوار جلاني، العدل والإنصاف، 2: 260. 3 السالمي، شرح طلعة الشمس، 2 90. 3)
224 (1/224)
صفحة 224
C
الفصل الثالث: دليل الإجتماع
وبيان أن ما وقع اتفاق الأمة عليه حق وصواب (1). ولم يشدّ الإباضية عن منهج عامة الأصوليين في الاستدلال على حجية الإجماع من اعتماد أدلة الكتاب والسنة والعقل، بل ومن الإجماع نفسه. - من الكتاب:
=
قوله تعالى: كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ
وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ} [آل عمران: 110].
والخيرية تقتضي صواب ما يأتون من أقوال وأفعال. = وقوله: وَلَتَكُن مِّنكُمْ أُمَةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُولَيكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [آل عمران: 104]. ووجه الدلالة في الآية أن الله لما وصفهم بهذا الشأن العظيم أوجب على الخلق اتباعهم في فعل المعروف وترك المنكر، وجعلهم حجة إذ أطلق هذا الاسم، فما أتت به هذه الأمة من الفروع كان سبيلا معروفا وما نهت عنه كان متروكا، فمن اتبعهم اهتدى، فاجتماعهم أولى» (2).
=
وقوله أيضا: وَكَذَلِكَ جَعَلْنَكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى الناس [البقرة: 143]. وقوله: {وَفي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ [الحج: 78] (3).
وعقب الوار جلاني على هذه الآيات بقوله: «فلما لا يجوز الخطأ على
الرسول في شهادته عليهم، فكذلك لا يجوز الخطأ عليهم في شهادتهم والوسط هو العدل، فإذا كانت شهادة الآحاد جائزة، فهي في الجمع أجوز» (4). وهو ما أكده السالمي أن منزلة الرسول في الشهادة تستلزم العدالة، فاقتضى ذلك عصمة الأمة إذ جعلها بمنزلة النبي، فحرمت مخالفتهم» (5).
1) ينظر: الوَارجُلانِي، العدل والإنصاف، 2: 238/ 244.
(2) الوَارِ خلاني، العدل والإنصاف، 2: 248.
3 ينظر تفاصيل الاستدلال بهذه الآيات الكدمي، المعتبر = مخ 10 و/ =مط 1: 16/ 15.
السالمي، شرح طلعة الشمس، 2: 67 فما بعد.
4 الوارجلاني، العدل والإنصاف، 2: 249. 5 السالمي، شرح طلعة الشمس، 2: 67.
225 (1/225)
صفحة 225
الباب الأول: اجتهاد التأصيل
واعترض على هذا الاستدلال بأن شهادة الأمة الإسلامية تكون يوم القيامة، لورود خبر يفيد ذلك (1).
وأجيب بأن الخبر لم يقيد معنى الآية، بل ذكر صورة من صورها، وشهادة المسلمين في الدنيا قائمة على الناس بأن هذا الدين حق وواجب الاتباع. وكما أن شهادة النبي قائمة في الدنيا والآخرة، فكذلك شهادة أمته، ولا دليل على التخصيص (2).
أدلة القرآن قوله تعالى: فَإِن تَنَتَزَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ ومن
وَالرَّسُولِ [النساء: 59]. دلّت الآية بمفهومها على أن ما اتفقتم عليه فهو حق. وقال تعالى: كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ ومُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَبَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَن يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مستقيم [البقرة: 213]. ووجه الدلالة أن الله تعالى وعد هذه الأمة الهداية في
كل ما اختلف فيه الأمم قبلهم، فإن حصره على البعض فالإجماع أولى (3). ومن أبرز الآيات التي اعتمدت دليلا لحجية الإجماع، قوله تعالى: وَمَن
(1) قال القرطبي في تفسير هذه الآية: "شهداء" خبر كان. "على الناس" أي في المحشر للأنبياء على أنمهم؛ كما ثبت في صحيح البخاري عن أبي سعيد الخدري قال قال رسول الله: (يدعي نوح عليه السلام يوم القيامة فيقول لبيك وسعديك يا رب فيقول هل بلغت فيقول نعم فيقال لأمته هل بلغكم فيقولون ما أتانا من نذير فيقول من يشهد لك فيقول محمد وأمته فيشهدون أنه قد بلغ ويكون الرسول عليكم شهيدا فذلك قوله عز وجل وَكَذَلِكَ جَعَلْنَكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شهداء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا. وذكر هذا الحديث مطولا ابن المبارك بمعناه, وفيه: (فتقول تلك الأمم كيف يشهد علينا من لم يدركنا فيقول لهم الرب سبحانه كيف تشهدون على من لم تدركوا فيقولون ربنا بعثت إلينا رسولا وأنزلت إلينا عهدك وكتابك وقصصت علينا قد بلغوا فشهدنا بما عهدت إلينا فيقول الرب صدقوا فذلك قوله عز وجل وكذلك جعلناكم
أنهم
أمة وسطا. 2 الوار جلاني، العدل والإنصاف، 2: 249. 3 الوار جلاني، العدل والإنصاف، 2: 249.
? K
226 (1/226)
صفحة 226
الفصل الثالث: دليل الإجتماع
يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا نَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا} [النساء:115]. ففيها وعيد بالعذاب لمن خالف سبيل المؤمنين واتبع غير سبيلهم، وهذا الوعيد دليل على وجوب اتباع سبيل المؤمنين دون الندب ودون الإباحة (1).
واستطاع الوَارِجلاني ببراعته الاستدلال بهذه الآية على تجويز الاختلاف، فقال: وهي على سوغ الاختلاف أدلّل منها على الإجماع، وإن كان هذا هكذا فالإجماع أولى، لأن من اتبع سبيل بعض المؤمنين خارج من الوعيد، وخارج أيضا من اتباع سبيل غير المؤمنين (2).
وثمت اعتراضات كثيرة وردت على الاستدلال بهذه الآية،
- منها أن المأمور باتباعه هو الإيمان، خصوصا، لأنه سماه سبيل المؤمنين. والجواب أن الإجماع من مشمولات الإيمان، فلا تباين. والطاعات كلها من الإيمان، دون تمييز بينها.
C
- ومنها أن الوعيد لمن جمع بين مشاققة الرسول وبين اتباع غير سبيل المؤمنين. ورُدّ بأن النهي واقع على الجميع لا على المجموع، فالوعيد حاصل بمخالفة النهي في آحاده وفي مجموعه وهو شبيه بالوعيد الوارد في أواخر سورة الفرقان وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَها ءَاخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا} [الفرقان: 68] (3). - وفسر بعضهم المشاققة بمعنى معاداة النبي ومحاربته، واتباع غير سبيل المؤمنين بنصرة أعدائهم ومشايعتهم فهذا يحق عليه الوعيد المذكور (4). فمن يتولاه من الكفار يجعله الله وليا له في الدنيا والآخرة، ويشترك معه في المصير المشؤوم نُوَلِهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا} [النساء: 115] (S).
1) الوارجلاني، العدل والإنصاف، 2: 249.
(2) الوَارَ جلاني، العدل والإنصاف، 2: 245. الوَارَجُلانِي، العدل والإنصاف، 2: 247/ 248.
(4) الغزالي المستصفى 1 175 وحول تفصيل الاستدلال بهذه الآية على حجية الإجماع، والردود والمناقشات. ينظر الآمدي، الإحكام، 1: 286 فما بعد.
5) محمد تقي الحكيم الأصول العامة للفقه المقارن، 259.
227 (1/227)
صفحة 227
الباب الأول: اجتهاد التأصيل
فالآية في نظر الغزالي ظاهرة وليست نصا في الموضوع.
واستدل نجاد بن موسى بدليل لم أر من انتبه إليه، وهو قوله تعالى: لَو أَنفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَّا أَلَفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ
ينهم الهلال
[الأنفال: 63]. فإذا وُحدت القلوب على أمر واحد علمنا أنه
من عند
الله». وهذا تفسير للآية طريف. وعند التحقيق نجد أن هذه الآيات كلها تفيد حجية الإجماع من باب الاستئناس لا من باب الدلالة القطعية. ولذلك احتاج الأمر إلى توظيف أدلة
أخرى من السنة وغيرها.
-
من
السنة:
لما كانت أدلة القرآن محتملة، كان الاعتماد أساسا على أدلة السنة، فقد وردت أحاديث عديدة بطرق مختلفة، متفقة المعنى على إثبات العصمة للأمة فيما اتفقت فيه كلمتها من ذلك:
- ما رواه الربيع بن حبيب عن أبي عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس
عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما كان الله ليجمع امتي على ضلال (2).
=
ضلال» (2).
قال أبو ستة: يستدل به على أن إجماع هذه الأمة حجة في حق أحد من
هذه الأمة، وعلى أنها معصومة» (3). وجمع الوَارجُلانِي الأحاديث الواردة في هذه القضية، منها: قوله: من فارق الجماعة قدر شبر مات ميتة جاهلية» (4).
1) نجاد بن موسى، الأكلة، 112.
2 الربيع، الجامع الصحيح، باب 6 حديث 39. ج 1، ص 17. وورد الحديث عند الكدمي، المعتبر، 10 ظ. - الكندي، المصنف، 1: 49. بلفظ " لا تجتمع أمتي على ضلال". وعند العوتبي، الضياء، 3: 9. وابن بركة المبتدأ، 106 بلفظ: " لا تجتمع أمتي على الخطا". وورد في كتب السنن
بالفظ متقاربة، وقد سبق تخريجه. 3 أبو ستة، حاشية الترتيب، 1: 47.
4) لفظ الحديث عند البخاري عن ابْنِ عَبَّاس رَضِي الله عَنْهُمَا عَن النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: مَنْ رَأَى من أميرهِ شَيْئًا يَكْرَهُهُ فَلْيَصْبِرْ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ مَنْ فَارَقَ الْجَمَاعَةَ شِبْرًا فَمَاتَ إِلا مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةٌ». صحيح البخاري، كتاب الفتن، باب قول النبي: سترون بعدي»، حديث: 6664. صحيح مسلم، كتاب الإمارة، باب الأمر بلزوم الجماعة عند ظهور الفتن وتحذير الدعاة إلى الكفر،
228 (1/228)
صفحة 228
E
=
=
بد الله
مع الجماعة، ولا يبالي
الله بشذوذ من
الفصل الثالث: دليل الإجماع
شد» (1).
من سره أن يسكن بحبوحة الجنة فليزم الجماعة» (2).
لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين لا يضرهم من خذلهم
حتى يأمر الله» (3).
فهذه الأحاديث جاوزت أخبار الآحاد، وهي إلى الاستفاضة أقرب (4). والاستدلال بهذه الأحاديث أقوى من حيث الدلالة، وهي وإن وردت آحادا فقد تواتر القدر المشترك بينها، وهو عصمة الأمة من الخطإ بما يفيد العلم القاطع، وهو أمر اشتهر على لسان كثير من الصحابة كعمر وابن مسعود وأنس وابن عمر وغيرهم (5).
وقد جعل الوَارِجُلانِي من أنواع الأخبار الصادقة «خبر من أخبر الصادق بصدقه، كالذي يصدقه النبي، ويقول عنه إنه صادق فيما يحدث به، أو ما أخبرنا عنه من أن أمته لا تجتمع على ضلالة، فكل قول اجتمعت عليه الأمة علمنا، صدقه لأن الكذب إحدى الضلالات فثبت صدقهم فيما اجتمعوا
حديث: 3528.
1) رواه الترمذي عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: إِنَّ اللَّهَ لَا يَجْمَعُ أُمَّتِي أَوْ قَالَ أُمَّةَ مُحَمَّدٍ عَلَى ضَلالَةٍ، وَيَدُ اللهِ مَعَ الْجَمَاعَةِ، وَمَنْ شَدَّ شَدَّ إِلَى النَّارِ». سنن الترمذي الجامع الصحيح الذبائح، أبواب الفتن عن رسول الله، باب ما جاء في لزوم
الجماعة، حديث: 2144.
2) أخرجه الترمذي عن ابن عمر بلفظ «عَلَيْكُمْ بِالْجَمَاعَةِ، وَإِيَّاكُمْ وَالْفُرْقَة فَإِنَّ الشَّيْطَانَ مَعَ الوَاحِدِ، وَهُوَ مِنَ الاثْنَيْنِ أَبْعَدُ، مَنْ أَرَادَ بُحْبُوحَةَ الْجَنَّةِ فَلْيَلْزَمِ الْجَمَاعَةَ». سنن الترمذي الجامع الصحيح الذبائح، أبواب الفتن عن رسول الله، باب ما جاء في لزوم
الجماعة، حديث: 2142.
3) ورد الحديث بألفاظ متقاربة في الصحيحين وغيرهما. ولفظ البخاري عن معاوية يقول: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: لا يزال من أمتي أمة قائمة بأمر الله، لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم، حتى يأتيهم أمر الله وهم على ذلك». صحيح البخاري، كتاب المناقب، باب سؤال المشركين أن يريهم النبي صلى الله عليه وسلم آية، حديث:3462. صحيح مسلم كتاب الإمارة باب قوله: لا تزال طائفة، حديث: 3640 4 الوارجلاني، العدل والإنصاف، 2: 250. (5) السالمي شرح طلعة الشمس 2 70/ 69 الغزالي المستصفى، 1: 175 فما بعد. الزحيلي، أصول الفقه، 1: 542.
229 (1/229)
صفحة 229
الباب الأول: اجتهاد التأصيل
عليه» (1).
من الإجماع:
إن الصحابة اتفقت على تخطئة من خالف إجماعهم، قال ابن الحاجب والعادة تقضي أن الجماعة العظمى لا تجمع على تخطئة أحد إلا عن دليل قطعي لا ظني، فاستلزم ذلك القطع بحصول اطلاعهم على دليل قطعي لأجله أجمعوا على القطع بخطإ مخالفهم، وإن لم نعلمه نحن» (2). ويعكر على هذا الاستدلال انتقادات في استلزامه بناء الإنكار على دليل سمعي. ولئن ثبت إجماع الصحابة على تخطئة من خالف إجماعهم؛ فلا يصلح دليلا بنفسه لإثبات الإجماع، وإلا لزم الدور. وإثبات الشيء بنفسه باطل في نظر العقلاء (3). وهذا لا يعني إلغاء هذا الإجماع من الاعتبار، بل يُستأنس به، وبخاصة وأنه لم ينحصر على الصحابة؛ بل امتد على طول تاريخ الإسلام، إذ إن فقهاء كل عصر كانوا ينكرون أشد الإنكار على من خالف ما اتفق عليه مجتهدو السلف. ويستحيل في العادة مع اختلاف الطبائع وتفاوت الآراء والموارد؛ أن يقوم هذا القبيل على دليل ظني بل على دليل قطعي، وهذا الدليل هو
اتفاق
من
القدر المشترك المتواتر من مجموع أدلة القرآن والسنة المذكورة. والنتيجة العملية من هذا كله أن الإجماع حجة لا تجوز مخالفته باتفاق
المسلمين، ومن خالفه فهو محجوج (4). وتقرر المصادر الإباضية هذا المعنى، أن المسلمين حجة الله في أرضه، وحجته على عباده، وأمناؤه بعد رسله على أممهم، واتباعهم حق، والاهتداء هديهم فريضة. وقد قال الله لنبيه له بعد ذكر قصص النبيئين قبله: أوليك الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَهُدَتهُمُ اقتدة} [الأنعام:90]. وليس الاقتداء بعامة من صلى وصام، ولكن القدوة بأهل العلم بكتاب الله وسنة نبيه وآثار السلف
1) الوارجلاني، العدل والإنصاف، 2: 190. 2 السالمي شرح طلعة الشمس، 2: 71. 3 الزحيلي أصول الفقه، 1: 540. 4 البوسعيدي، لباب الآثار، 1: 9.
? [230] (1/230)
صفحة 230
E 3
الفصل الثالث: دليل الإجتماع
من أولي الأمر الذين حملهم الله الحكمة وجعلهم للناس أئمة يفرقون بين
الحق والباطل، ولا يلبسون الحق بالباطل ولا يكتمون الحق وهم يعلمون (1).
قال العونيي: «الحجة كتاب الله تعالى وسنة الرسول صلى الله عليه وسلم وآثار أئمة الهدى،
وإجماع علماء المسلمين. وقد تقادم العهد بالنبي، ومات أهل المعرفة بمعاني الكتاب ووجوهه واختلف الناس والدين، واحد والحلال حلال والحرام حرام والفرائض والحدود والأحكام والتشديد و الترخيص. ما ترك النبي أمته عليه يوم قبض لا يتبدل إلى يوم القيامة، وإنما افترق الناس بعد رسولهم من قبل أحداث الأئمة والعلماء، وذلك إذا قعدت الأئمة مقعد النبي ليَسِيرُوا في الأمة بأمر العلماء على سنة الرسول وأثره، بأمره ووحيه
وتنزيله، لقوله: يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأُمِّي [النساء: 59]. فما كانت الأئمة والعلماء على كتاب الله وسنة الرسول لم يكن اختلاف في الدين، ولا افتراق في الأمة. ولكن عظم الله تعالى دينه أن يجتمع العلماء والأئمة معا على خلافه إلى يوم القيامة» (2).
فإن اجتمع رأيهم واجتهادهم على قول واحد، ولم يختلف فيه جميع العلماء، صار ذلك حقا عند الله، ولا يجوز خلافه لأحد، كما لا يجوز خلاف
الكتاب والسنة» (3).
2 - مستند الإجماع:
لكي يُعد الإجماع دليلا ومصدرا للأحكام، لابد أن يستند إلى أصل يقوم
عليه بنيانه.
وقد قسم الإباضية الإجماع بناء على مستنده إلى:
- إجماع من جهة النصّ والتوقيف.
=
- وإجماع من طريق الاجتهاد والاستدلال (4).
1) علماء عمان السير والجوابات، 1: 22/ 21.
2 العوئبي، الضياء، 3: 11.
3 المزاتي، التحف، 15 ز.
4) العوئبي، الضياء 3: 18 - الحضرمي مختصر الخصال، 10. الملشوطي، الأدلة والبيان،
231
195 (1/231)
صفحة 231
الباب الأول: اجتهاد التأصيل
ويصنف الحضرمي هذا الأخير إلى نوعين:
أحدهما لا يجوز خلافه، وذلك ما أجمع عليه أهل القبلة جميعا، كالإجماع على توريث الجد ونحوه من أهل الميراث.
-
والثاني يجوز خلافه لمن كان مستنبطا للقول متأولاً على سبيل الاجتهاد. وذلك في ما كان فيه رأي للمسلمين (يعني الإباضية) متفق عليه، وليس رأيا لأهل القبلة جميعا. ولا يجوز أن يدين بتخطئتهم فيه. والأفضل اتباعهم فيه، وذلك نحو إجماعهم على توريث الأرحام وإسقاط ميراث الولاء وجواز بيع أمهات الأولاد، ووجوب الكفارة على القاتل عمدا، وعلى تارك الصَّلاة. وتحريم الزوجة على الزوج إذا وطئها في الحيض، وقد وقف فيها قوم فلم يحرمها ولم يحلها (!). وواضح من هذا التقسيم أن الحضرمي عنى بالقسم الأخير إجماع الإباضية. ولم يجعله حجة، بل اعتبره قولا راجحا يجب على المقلد العمل به، ويجوز للمجتهد خلافه إذا تبين له ذلك بالدليل، ولكن شريطة أن لا يُضيق واسعا بتخطئتهم فيه، لأن هذه مسائل اجتهادية (2). وجمهور الأصوليين على جواز انعقاد الإجماع عن اجتهاد وقياس، وأنه يكون حجة بذلك.
وذهب آخرون إلى منعه ومنهم ابن جرير الطبري (3).
والأفضل ذكر مستند أهل الإجماع، وإلا أحسنا الظن بهم، واعتمدنا إجماعهم دون علم بمستندهم سواء كان قولهم بتقييد أو بتقليد» مالم يخالف
نصا
من الكتاب والسنة (4).
قال السالمي:
و شرطه مستند، فإن عُلم فهو، وإلا أحسن الظن بهم
وأنه ليس هناك نـ ـ.
-
-
مخالف لما به يُن
1 الحضرمي مختصر الخصال، 10 ظ/ 11 و.
2 سنعرض لهذه القضية في مبحث الخطا والصواب في الاجتهاد.
(3) الغزالي، المستصفى، 1: 196.
4 الوار خلاني، العدل والإنصاف، 2: 257. 5 السالمي، شرح طلعة الشمس، 2: 83.
232
-
حصه (5) (1/232)
صفحة 232
E 3
الفصل الثالث: دليل الإجتماع
ولا ينعقد الإجماع على خلاف نصوص الكتاب والسنة، إلا أن تكون منسوخة بنصوص أخرى. والأرجح أن الإجماع لا ينسخ ولا يُنسخ به، وإن ادعى بعضهم جواز ذلك محتجا بفعل عمر لما منع قرابة رسول الله من الخمس، ومنع بيع أمهات الأولاد، وعطّل سهم المؤلفة قلوبهم من الزكاة (1). والصواب أن فعل عمر كان بيانا تطبيقيا للنصوص، لا نسخا لها، فإن النسخ محدود بزمن الرسالة، وقد انقطع بانتقال الرسول إلى الرفيق الأعلى، فلا حاجة إلى الجدل في هذه القضية، لأنه لا يثمر علما ولا عملا. ولكن إذا حصل إجماع معترض على موجب القرآن والسنة علم أنه توقيف، وإن لم يُعلم السبب الذي من أجله أجمعوا عليه. فتكون الحجة في بناء الإجماع على خبر وإن جهلناه بعينه - لا في الإجماع نفسه لأنه فرع عن النص و قائم عليه. ولا يخالف الفرع أصله ولا يقضي عليه.
-
واستشهد العوئبي لهذه المسألة بخبر النبي في شارب الخمر أنه أمر بجلده في الأولى والثانية والثالثة ثم أمر بقتله في الرابعة (2). ولكنهم أجمعوا على أن شارب الخمر حرام الدم، وأن قتله غير واجب عليه، فعلم أنهم أجمعوا توقيفا، وأن النبي وقفهم على نسخ القتل في الرابعة، وإن لم يتصل بنا لفظه في ذلك عنه.
وفي قوله تعالى: وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا} [آل عمران: 197 أجمعوا على أن العبد غير داخل فيه توقيفا، وإن لم ينقل إلينا
1) الوَارِجلاني، العدل والإنصاف 2 267 - الرواحي، نثار الجوهر، 1: 76. 2 نص الحديث عند ابن حبان عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إذا سكر الرجل فاجلدوه، ثم إن سكر فاجلدوه، ثم إن سكر فاجلدوه، ثم إن سكر الرابعة فاضربوا عنقه». صحيح ابن حبان، کتاب الحدود، باب حد الشرب، ذكر الأمر بقتل من عاد في شرب الخمر بعد ثلاث مرات، حديث: 4511.
ولفظ أحمد فيه عدم ضرب عنقه في الرابعة عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن سكر فاجلدوه، ثم إن سكر فاجلدوه، فإن عاد في الرابعة فاضربوا عنقه».
قال الزهري: «فأتي رسول الله برجل سكران في الرابعة، فخلى سبيله». مسند أحمد بن حنبل، ومن مسند بني هاشم؟ مسند أبي هريرة رضي الله عنه، حديث: 7727.
233 (1/233)
صفحة 233
الباب الأول: اجتهاد التأصيل
لفظه (1).
- تعارض الإجماع وخبر الآحاد
E 3
قال الوار جلاني: إذا أطبقت الأمة على رأي وظهر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم غيره، فاتفق الجميع أن الرواية تراعى ويكون قولة من أقاويل العلماء، فإن رجعوا عن أقاويلهم إلى رواية صارت الرواية قولة من أقاويل المجتهدين، ولو أطبقوا ولم ينكروا فهناك تصير الرواية وإجماعهم قولتين أو ثلاثة أو أربعة، على قدر اختلافهم (2) كالذي جرى لعبد الرحمن بن عوف له حين شاور عمر بن الخطاب له المهاجرين في شأن اقتحامهم الشام على وباء فيه، فاختلفوا جَاءَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ وَكَانَ مُتَغَيِّبًا فِي بَعْض حَاجَتِهِ فَقَالَ إِنَّ عِنْدِي فِي هَذَا عِلْمًا سَمِعْتَ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: «إِذَا سَمِعْتُمْ بِهِ بِأَرْضِ فَلَا تَقْدَمُوا عَلَيْهِ وَإِذَا وَقَعَ بِأَرْضِ وَأَنْتُمْ بِهَا فَلَا تَخْرُجُوا فَرَارًا مِنْهُ قَالَ فَحَمِدَ اللَّهَ عُمَرُ ثُمَّ انْصَرَفَ» (3).
عليه حتى
وقال بعضهم إنما يصير قولة ويسع العمل به إذا صدر من أداني الصحابة وأما إذا صدر من أفاضلهم فإنه يكون سنة متبعة، ويطرح ما سوى ذلك (4). ذلك موقف أبي بكر الله من حديث ميراث الجدة، وموقف عمر
ومن
ه من حكم المجوس ودية الجنين. وعقب الوار جلاني على هذه النماذج بقوله: «والأصل في سنة ظهرت بعد رسول الله الله أنها تعد قولة من أقاويل المسلمين).
3 - قضية إنكار الإجماع
لم
تختلف كلمة الإباضية في جواز ثبوت الإجماع بخبر الآحاد، فإذا روي
1) العوتبي، الضياء، 3: 17.
(2) الوارجلاني، العدل والإنصاف، 2: 264.
(3) ينظر تفصيل القصة في:
صحيح البخاري؛ كتاب أحاديث الأنبياء، باب حديث الغار، حديث: 3304.
صحيح البخاري؛ كتاب الطب، باب ما يذكر في الطاعون حديث: 5406. صحيح مسلم کتاب السلام باب الطاعون والطيرة والكهانة ونحوها حديث: 4210. (4 الوار خلاني العدل والإنصاف، 2: 264. (5) الوَارَ جلاني، العدل والإنصاف، 2: 265.
234 (1/234)
صفحة 234
E 3
الفصل الثالث: دليل الإجتماع
لنا إجماع بهذا الطريق، وجب العمل به، وكان دليلا ظنيا، كالسنة في أغلب ما
وردت (1)
ومنع الغزالي وبعض الحنفية والظاهرية ثبوت الإجماع بخبر الآحاد، لأنه دليل قاطع يحكم به على القرآن والسنة المتواترة وخبر الآحاد لا يقطع به، فكيف يثبت به قاطع (2). ولكن الراجح أن ما نقل من الإجماع تواترا فهو قطعي، وما نقل آحادا فهو ظني يوجب العمل.
وقد صرّح الغزالي أننا لسنا نقطع ببطلان مذهب من يتمسك به في حق
العمل خاصة» (3).
- مستند المنكرين
أجمع الإباضية على إثبات الإجماع دليلا من أدلة الأحكام قائما إلى جانب الكتاب والسنة. وردوا على من أنكر حجيته (4)، كإبراهيم النظام (5). وذكر الغزالي أن الإجماع عند النظام عبارة عن كل قول قامت حجته، وإن كان قول
واحد (6). كما ردّه بعض الروافض من الشيعة واعتبروا الحجة في قول الإمام المعصوم، لا في إجماع العلماء، فإن كان الإمام معهم صار حجة وإلا فلا (7).
ظ.
1) الوَارِجلاني، العدل والإنصاف 2 265 - الشماخي شرح مختصر العدل والإنصاف، 62
(4
(2) الوَارِجلاني، العدل والإنصاف 2 265 - الغزالي، المستصفى، 1: 216. (3) الغزالي، المستصفى، 1: 217. ومع. هذا نجد من يقول: «أما الإباضية من الخوارج فلا يُقرون إلا اتفاق فرقتهم، ويطلبون إجماعهم جميعا. - دائرة المعارف الإسلامية مادة أصول. كتبها جوزيف شاخت. 2: 286. 5 الوار خلاني العدل والإنصاف:2 246 الأزكوي كشف الغمة، 157 و.-السالمي شرح طلعة الشمس 2: 73. وقال: وإن نفى وجوده النظام وغيره فإنه ملام. الآمدي، الإحكام، 1: 286. - الأسنوي، نهاية السول 3.245. الشوكاني، إرشاد الفحول، 65.-عبد الكريم زيدان الوجيز في أصول الفقه، 194.
6) الغزالي، المستصفى، 1: 173. 7) محمد تقي الحكيم، الأصول العامة للفقه المقارن، 269 - نجاد بن موسى، الأكلة، 112.-
الأزكوي، كشف الغمة، 157
و.
235 (1/235)
صفحة 235
الباب الأول: اجتهاد التأصيل
E 3
وقالوا: «لو خلا المائة من فقهائنا من قوله لما كان حجة، ولو حصل في اثنين
كان حجة) (1).
كما نقض الإجماع الصفرية من الخوارج لما زعموا أن كل من أصاب ذنبا، فهو مشرك يحل سبيه وغنيمة ماله فنقضوا ما اجتمعت عليه الأمة، وما نطق به القرآن وما حكم به النبي، والمسلمون» (2). لأجل هذا «نفوا الأخبار المروية عن النبي صلى الله عليه وسلم إلا ما كان من طريق أئمتهم، لأن جميع مخالفيهم عندهم مشركون» (3).
وتتلخص أدلة هؤلاء المنكرين في أن القرآن أمرنا عند التنازع بالعودة إلى الله ورسوله فَإِن تَتَزَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ} [النساء: 59]. وهما الكتاب والسنة، لا الإجماع.
والجواب أن هذا عند التنازع، أما إذا وقع الإجماع فلا ردّ.
كما استندوا إلى آيات أخرى من مثل قوله تعالى: أَخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إلى الله} [الشورى:10]. وقوله كذلك: وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا} [آل عمران: 103]. ففي هذه الآيات نهي عن الاختلاف وأمر بالرجوع إلى الإجماع. وعمد المنكرون إلى القول بتعذر الإجماع لتعذر اللقاء واتفاق الآراء، لتباعد البلدان واختلاف الأفهام وقصر الأعمار واحتمال كتمان البعض للعلم، ورجوع البعض عن آرائهم قبل حصول الاتفاق، مما يتعذر معه
الإجماع.
مما والجواب أن العلماء كالنجوم لا تخفى آراؤهم على الناس، وهي عبر البلدان لشهرتها، كما أن الظن الحسن حاصل بالعلماء أنهم لا يكتمون العلم ولا يسكتون عن قول الحق، فكان إمكان اتفاقهم أمرا غير
يسهل نقله
عسير.
1) محمد تقي الحكيم الأصول العامة للفقه المقارن، 269.
(2) الملشوطي، أصول الدين، 12 و.
3 ابن بركة، الجامع، 2: 478 479.
236 (1/236)
صفحة 236
الفصل الثالث: دليل الإجتماع
E 3
بل إن الواقع أكبر دلائل الإمكان، وقد حصل الإجماع في عصر الصحابة، فما يمنع منه في الأعصر التالية (1).
ونقل الوَارِجُلانِي مقالة النظام في توجيه قوله تعالى: وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ} [النساء:115]. أن الإيمان خصال كثيرة، ولا يلزم أحدا اتباع المؤمنين حتى يعلم ما يتبعهم عليه».
وردّ عليه بأسلوب تهكمي ساخر: «فقد انحل النظام من النظام، واختلط الإنوار بالإظلام. فلو كُلّف العامي الا يتبع سبيل المؤمنين حتى يعلم أنه إيمان
أو طاعة، لكان العامي أعلم من المؤمنين الذين كلف اتباعهم» (2). ثم ألزمه الحجة العقلية في ادعائه استحالة الإجماع، إذ ليس له ذلك من عقل ولا كتاب ولا سنة، إلا إن ادعى إحالته من قبل الإجماع، فحسبه إيجاب الإجماع من قبل إحالته من الإجماع.
ومن ادعى أنه يترك سبيل المؤمنين والكافرين إلى غيرهما، أحال، وإلى
أحدهما أصاب» (3). - حكم منكر الإجماع
لئن اتفقت كلمة الأصوليين على حجية الإجماع ووجوب اتباعه، والإنكار على من خالف في حجيته، فإنهم لم يتفقوا على الحكم على من أنكر الإجماع دليلا، أو أنكر ما وقع عليه الإجماع. والسبب اختلاف الأنظار عند تحقيق المناط وتنزيل الأمر على أرض الواقع. فإن ثمة كثيرا من المسائل ادعي الإجماع فيها، والأمر على خلاف
ذلك.
=
ولكن المتفق عليه أن الإجماع نوعان - إجماع تشترك فيه الخاصة والعامة، وهو ما اجتمعت عليه الأمة عالمها وجاهلها ومؤمنها وفاسقها ومحقها
1) ينظر تفاصيل أدلة منكري الإجماع: الكدمي، المعتبر، مخ=11 ظ. مط= 1: 18. الوراجلاني، العدل والإنصاف 2 252/ 249 - الرواحي، نثار، الجوهر، 1: 77/ 78. – وهبة الزحيلي أصول الفقه 1: 549546 وأحال إلى الآمدي الإحكام، 1: 286 فما بعد. - ابن عبد الشكور، فواتح الرحموت بشرح مسلم الثبوت، 2: 211.
(2) الوَارِجلاني، العدل والإنصاف، 2: 246. 3 الوارجلاني، العدل والإنصاف، 2: 247/ 246.
237 (1/237)
صفحة 237
الباب الأول: اجتهاد التأصيل
E
ومبتدعها، ونقل إلينا بالتواتر. فهذا الإجماع حجة قطعية. = وإجماع الخاصة،
وهو اتفاق المجتهدين، أو لم ينقل بالتواتر، فهذا حجة ظنية (1).
فمن أنكر مجمعا عليه مما عُلم من الدين بالضرورة، كالقرآن أو الصلاة فهو مشرك (2). واختلف في شرك جاحد المنصوص عليه غير المشهور، أو شرك جاحد المجمع عليه الخفي، كاستحقاق بنت الابن السدس مع البنت. وصحح الشيخ اطفيش القول بشركه، لأن الواجب على المكلف الوقف فيما لم يعلم، وإنما يعذر ما لم يقارف وذلك مقارف بالإنكار (3).
وسئل الملشوطي عمن دفع ما اجتمع عليه رأي المسلمين، فقال: «لا
يسع
جهل كفره ولا يسع جهل من شك في كفره» (4). والإباضية يفرقون بين الكفر والشرك، فالكفر عند الإطلاق ينصرف إلى كفر النعمة الذي لا يُخرج من الملة، ويترتب على اقتراف الكبائر دون استحلال لها. أما الشرك فهو مُخرج من الملة، ويكون بإنكار شيء من قطعيات الدين، ومنها ما ثبت بالإجماع القطعي. ولذلك ذهب بعض الإباضية إلى أنه مشرك، وذهب آخرون إلى أنه كافر كفر نعمة. فالأول باعتبار الإجماع القطعي، والثاني باعتبار الظني (5).
—
وهذا ما نص عليه ابن حجر في فتح الباري: «قال: قال شيخنا ـ أي الحافظ العراقي - في شرح الترمذي، الصحيح في تكفير منكر الإجماع، تقييده بإنكار ما علم وجوبه بالتواتر (6).
المبحث الرابع: القيمة العملية لدليل الإجماع
كان من أهم أدلة الجمهور في ردّهم على الظاهرية قولهم بعدم إمكان الإجماع بعد عصر الصحابة، هو الاستدلال بالإمكان العقلي والوقوع الفعلي.
1) اطفيش، ترتيب نوازل نفوسة 3 و. - السالمي، شرح طلعة الشمس، 2: 78. 2 اطفيش الذهب الخالص 23/ شامل الأصل، 1: 9.
(3) اطفيش، شامل الأصل، 1: 9.
4 الملشوطي، الجهالات، 6 ظ.
5 اطفيش ترتيب نوازل نفوسة، 3 و.
6) القنوبي، السيف الحاد، 199.
238 (1/238)
صفحة 238
الفصل الثالث: دليل الإجتماع
وفي كتب الفقه مئات المسائل مما نقل فيها الإجماع، بعضها إجماع حقيقي كامل الأركان، وبعضها إجماع جزئي. والأمر الذي لا يجوز إغفاله أن الإجماع ليس دائما دليلا منفردا عن سائر الأحكام، بل قد يرد مؤازرا لأدلة الكتاب والسنة، يؤكدها أو يبين المعنى المراد من تلك النصوص الواردة. إذ إن تعريفه بأنه اتفاق مجتهدي الأمة يقضي بتقييد الحكم الشرعي بكونه اجتهاديا فما كان نصا أو قطعيا في ثبوته أو دلالته، فإن الإجماع عليه لا يعدو أن يكون تأكيدا له؛ أما المسائل التي قامت على دليل ظني، أو لم يكن فيها دليل، ثم أجمعت الأمة فيها على حكم معين، فإن هذا الإجماع يمنع الاجتهاد فيها بعدئذ أو يمنع مخالفته.
وفي المصادر الإباضية استثمار واسع للإجماع في كثير من المسائل الفقهية، نورد بعضها للتمثيل وبيان أهمية هذا الدليل، وثمرته العملية في باب
الاجتهاد.
-
1 في العبادات - في الطهارات
=
للصلاة
التيمم قبل وقت الصلاة ذكروا أنه ليس للمسافر أن يتيمم قبل دخول وقتها للآية يتأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَوةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُهُ وسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إلى الكعبينِ وَإِن كُنتُمْ جُنُبًا فَأَطَهَرُوا وَإِن كُنتُم تَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أحد منكُم مِّنَ الْغَابِطِ أَوْ لَمَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَأَمْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم مِّنْهُ} [المائدة: 6]. والمقصود بها الصلاة المعهودة، فليس له أن يتقدمها بطهارة قبل الوقت. «غير أن الأمة أجمعت أن له أن يتقدم بطهارة الماء قبل دخول الوقت، فسُلّم ذلك للإجماع». وبقي حكم التيمم على الأمر الأول، إذ إن تقديم طهارة الماء رخصة من الله تعالى قبلناها، وبقيت طهارة الصعيد على حكمها (1).
1) ابن بركة، الجامع، 1: 339/ 340.
239 (1/239)
صفحة 239
الباب الأول: اجتهاد التأصيل
=
له (1).
- وطء المستحاضة: «واتفقوا على أنها إذا كانت حائضا فمحرم وطؤها، فهذه (المستحاضة) طاهرة بالإجماع، ومحكوم لها وعليها بحكم الطواهر المأمورات بالصَّلاة، فالكراهة من وطئها في هذه الحالة ممن كره، لا معنى وأجمعوا على جواز وطئها إذا ظهر الدم من فرجها في فرجه، فدم العرق مثله. وهذا الاتفاق منهم يوجب وطء المستحاضة وإن كثر دمها. وأجمعوا أن المرأة مباحة الفرج لزوجها إلا في حال الحيض والإجماع لا يزيله رأي، فالكاره لوطء المستحاضة محتاج إلى دليل» (2).
- وطء الحائض قبل الغسل وفي غشيان المرأة بعد انقطاع دم الحيض وقبل الاغتسال، ذكر ابن بركة الخلاف بين العلماء، وأن الجمهور على منعه. بينما ذهب بعض الإباضية والحَنَفِيَّة (3)، إلى جوازه، بحجة كون المرأة غير حائض بعد انقطاع الدم، لأنها حينئذ أمرت بالصَّلاة، فتعتبر طاهرا فيجوز وطؤها. وحجة الجمهور الإجماع على حرمة غشيانها قبل انقطاع الدم، وإجماعهم على جواز ذلك بعد الاغتسال. ثم اختلفوا في ذلك بعد انقطاع الدم، فالحجة مع القائلين بالبقاء على الحظر الثابت باليقين والإجماع، حتى يُجمعوا على ارتفاعه وإباحة الوطء (4).
=
- اجتماع الحيض والحمل: اختلف الإباضيَّة في مسألة اجتماع الحيض والحمل، فقال بعضهم إذا رأت الدم تدع الصَّلاة وتكون بذلك حائضا، وقال الأكثر إنها بمنزلة المستحاضة، ولم يجعل الله الحيض مع الحمل. وذكر ابن بركة أن هذا القول هو أشبه بالحق، والحجة له أصح، لأن الله فرّق بين أحكام الحائض وأحكام الحامل، فأباح للرجل طلاق زوجه الحامل وأنه طلاق للسنة، ولم يُبح طلاق الحائض. وقد انعقد إجماعهم على أن المطلق لزوجته وهي حائض لا يكون مطلقا للسنة، وإن طلقها وهي طاهر من غير حيض أو هي حامل أنه مطلق للسنة، لأنها في حكم الطهارة.
(1) ابن بركة الجامع 2: 215. 2) ابن بركة، الجامع، 2: 215/ 216.
3 السرخسي، المبسوط 2: 16 - محمد علي الصابوني، روائع البيان، 1: 301.
(4) ابن بركة، الجامع، 1: 373/ 374.
?240
240 (1/240)
صفحة 240
EE
الله
الفصل الثالث: دليل الإجماع
وذكر أمثلة أخرى لترجيح رأي الجمهور، ثم ختمها بأن «الإجماع حجة وحجج الله لا يلحقها الفساد، ولا يجوز عليها بعد ثبوتها
الانقلاب» (1).
=
تفسير المباشرة: فسر ابن بركة المباشرة بالوطء في قوله تعالى: وَلَا تُبشِرُوهُنَّ وَأَنتُمْ عَكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ} [البقرة: 187]. واستدل على ذلك بأنهم أجمعوا أنه إذا قبل امرأته وهو معتكف لم يفسد اعتكافه. وفي إجماعهم على ذلك ما يدل على أن المباشرة لا تكون إلا بالفرج (2).
في الصلاة:
الأذان: ورد في الدينونة الصافية «أجمع الناس أنه من سنة رسول الله. وقد أجمعوا أنه لا أذان بعد فوات الوقت وهذا تقوية أنه للوقت لا قبل، كما أنه لا بعد، مع أنهم أجمعوا أنه يؤذن للوقت» (3). قال تعالى: وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلَوَةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوا وَلَعِبَا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمُ لَا يعقِلُونَ} [المائدة: 58]. وقال: يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَوَةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ} [الجمعة: 9].
الجماعة
وذكر ابن بركة في بيان بعض معاني هاتين الآيتين: واتفقوا على أن الأذان المقصود به الصلوات المفروضات. واتفقوا على أن التطوع لا أذان له ولا إقامة. واتفقوا على أن من أدرك شيئا من فلا أذان عليه ولا إقامة (4). = وجوب الجمعة قال ابن بركة: قال أصحابنا ليس على المسافر والعبد والمرأة جمعة، للإجماع على ذلك، وإذا حضروها صلوها مع الإمام، وسقط الفرض عنهم. وفي نفسي من ذلك شيء، لأنهم أتوا بما لم يؤمروا به، وتركوا الفرض الذي أمروا به فأرى الفرض باقيا عليهم، والله أعلم. ولا حظ
1) ابن بركة، الجامع، 2: 207/ 206.
(2) ابن بركة الجامع، 2: 41.
3 عمروس بن فتح الدينونة الصافية، 200.
4 ابن بركة، الجامع 1: 439.
241 (1/241)
صفحة 241
الباب الأول: اجتهاد التأصيل
للنظر مع الاتفاق والنص» (1).
وهذا التعقيب إنصاف للحق واحترام لقواعد الاجتهاد، إذ لا يجوز الخروج على الإجماع وموارد النصوص.
- صلاة العيد: «الرواية المتواترة أن النبي صلى العيد وحرض عليها وأمر بها، حتى أمر بخروج النساء إليها، ولولا الإجماع أنها ليست بفرض لكان هذا التأكيد يوجب فرضها» (2).
ولا يُرفع
- حكم تارك الصلاة: ذكر ابن جعفر اختلاف «أصحابنا في تارك الصلاة عمداً، فقال بعضهم: يُقتل إذا فات وقتها، وقال آخرون: يُضرب حتى يفعلها، عنه الضرب حتى يفعل الصَّلاة أو يقتله الضرب والنظر يوجب أن لا يقتل ما كان بفرضها مُقرا، فإذا جحد فرضها قتل. لأن الأمة أجمعت أن مؤخر الحج والصيام والزَّكَاة لا قتل عليه» (3). أورد أدلة القائلين بقتله، والمسألة خلافية (4).
عندي
-
في الزكاة:
وأجمع الناس على وجوب الصدقة في الجواميس وإلحاقها بالبقر في حكم الصدقة، واسم البقر واقع عليها ومحمولة على البقر، كالضأن والمعز محمول أحدهما على الآخر (5).
- في الحج:
=
«أجمع المسلمون على أن لمن أهل بالعمرة في أشهر الحج إدخال الحج عليها ما لم يفتتح الطواف ... ولولا إجماعهم على جواز ذلك لم يجز. لأن الإحرام جعل لها دون الحج، غير أنه لا حظ للنظر مع الإجماع» (6).
=
- أجمعوا أن الطواف خارج المسجد لا يجوز. وأجمعوا أن الطواف في الأوقات المنهي عن الصَّلاة فيها جائز. ولولا الإجماع لم يجز، لأن الطواف
1) ابن بركة الجامع 1: 572.
2) ابن بركة، الجامع، 1: 590. (3) ابن جعفر، الجامع، 2: 13.
4 ابن جعفر، الجامع، 2: 14/ 13.
5 ابن بركة الجامع، 1: 621. 6 ابن جعفر الجامع 3: 315
242 (1/242)
صفحة 242
الفصل الثالث: دليل الإجماع
صلاة (1).
2 في المعاملات:
-
- في البيوع:
روي عن النبي أنه نهى عن شرطين في بيع (2).
هذا ما اتفق الناس على إبطال البيع به، وهو أن يبيع الرجل الغلام لغيره بثمن معلوم على أن يبيع له المشتري غلاما بثمن معلوم أو ثمن يتفقان عليه. فهذا ونحوه لا يجوز في البيع بإجماع الأمة» (3).
- في الهبة:
تنازع الناس في حكم الهبة، فقال بعضهم تصح بلا قبول ولا قبض، وقال آخرون لا تصح إلا بقبول ولو لم يقبض وقال بعضهم لا تصح الهبة إلا بقبول وقبض. وهذا قول أصحابنا. والنظر يوجب هذا، والدليل ما ثبت بنقل الناقلين أن أبا بكر الصديق وهب لعائشة ابنته نخلا كانت له بالمدينة، فلما حضرته الوفاة جعله ميراثا فتكلمت عائشة في ذلك، فقال لها أبوها: بنية، إنك لم تقبضيه، وإنه الآن مال الوارث. فلم ينقل أن أحدا عابه بذلك ولا أنكر عليه ... فدل هذا على أن الهبة مالم تقبض لم تنتقل عن ملك الواهب.
وكان ترك الصحابة الإنكار وردّ حكمه تصويبا منهم له. فصار الحكم منهم بذلك كالإجماع» (4). فهذا استدلال بالإجماع السكوتي، وهو غير قاطع في الدلالة. وحجته
1) ابن جعفر، الجامع، 3: 326. 2) نص الحديث عند النسائي عَنْ عَمْرُو بْن شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم نَهَى عَنْ سَلَفٍ وَبَيْعِ وَشَرْطَيْنِ فِي بَيْعِ وَرِبْحٍ مَا لَمْ يُضَمَنُ». السنن الصغرى، كتاب البيوع، سلف وبيع، حديث:4575. مسند أحمد بن حنبل، ومن مسند بني هاشم، مسند عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما،
حديث: 6759.
سنن الدارمي، ومن كتاب البيوع، باب في النهي عن شرطين في بيع؛ حديث:2516.
3 ابن بركة، الجامع 1 19. ونقل النص كل من - النزوي قواعد الهداية، 1 ظ. الكندي،
المصنف، 1: 41.
4 ابن بركة، الجامع، 2: 416/ 415.
243 (1/243)
صفحة 243
الباب الأول اجتهاد التأصيل
E 3
ظنية، ولذلك وقع الخلاف بين الفقهاء في المسألة. ورجح الإباضية العمل به، فاتفقت كلمتهم على عدم صحة الهبة إذا لم يتوفر فيها شرطان القبول
والقبض.
3 - في الأحوال الشخصية:
- المواريث
«أجمع أهل العلم لا خلاف بينهم في ذلك أن الرجل إذا ورث كلالة، ولم يخلف إلا أختا لأب وأما أن للأخت النصف. وأنهما إن كانتا اثنتين فصاعدا أن لهما الثلثين، وإن كانوا إخوة رجالا ونساء فإن المال للذكر مثل حظ
بينهم
الانثيين ... وأجمعوا جميعا لا خلاف بينهم أن الإخوة والأخوات للأب يقومون مقام الإخوة من الأب والأم عند غيابهم» (1). وفي تفسير الآية {وَإِن كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَلَةٌ أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخُ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا السُّدُسُ فَإِن كَانُوا أَكْثَرَ مِن ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ في الثلث [النساء: 12]. قال أبو عمار عبد الكافي: «أجمعوا جميعا أن ذلك أخ أو أخت لأم، أن لكل واحد منهما السدس، فإن كانوا أكثر من ذكورا أو إناثا أو ذكورا وإناثا، فهم شركاء في الثلث يستوي فيه حظ الذكر
ذلك
والأنثى» (2). ومما اجتمعت الأمة عليه أن الجد يرث ما لم يكن أب ... وأن الجدة لا ترث مع الأم. وأن الإخوة من الأم لا يرثون مع الأب وإن علا، ولا مع الولد وإن سفل ونحو هذا كثير في المواريث» (3).
- في النسب: أجمع فقهاء الأمصار، لا خلاف بينهم فيما علمت أنه لا يلحق بأحد ولد يستلحقه في الإسلام إلا من نكاح أو ملك يمين، صحيحا كان أو فاسدا.
1) أبو عمار اختصار المواريث، 2 ظ. 2 أبو عمار، اختصار المواريث، 2 ظ. 3 الحضرمي مختصر الخصال، 10 ظ.
244 (1/244)
صفحة 244
*
الفصل الثالث: دليل الإجتماع
فإن كان النكاح أو ملك يمين فالولد لاحق بصاحب الفراش والفراش في الزوجية عقد النكاح مع إمكان الوطء، وتمام ستة أشهر فصاعداً ... أجمع أهل العلم أن الولد لا يلحق إلا في تمام ستة أشهر من يوم النكاح فصاعدا إلى أقصى مدة الحمل. واختلفوا في أقصى مدة الحمل، ولم يختلفوا في أدناه» (1). 4 - في السياسة الشرعية:
ومن الإجماع عقد الإمامة، وأن لا إمامين في سيرة واحدة» (2). وأجمع أهل العلم من المسلمين أن الإمام إذا ثبتت إمامته بوجه من وجوه الحق أن طاعته لازمة واجبة ما لم يخالف كتاب الله أو سنة نبيه أو إجماع من قبله أو إجماع أهل العلم ممن في عصره» (3).
المسلمين
5 - في الولاية والبراءة:
ومما يجب على المكلف المعرفة به أن يعلم أن دماء المسلمين وغنيمة أموالهم وسبي ذراريهم محرمة بالتوحيد الذي معهم. وذلك لقول الرسول ال: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا
الزكاة، فإذا فعلوا ذلك منعوا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها» (4). ووقع الإجماع على هذا من جميع الأمة، لأنه نص من القرآن، في قوله تعالى: فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِن تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلوةَ وَوَاتَوُا الزَّكَوةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ
1) ابن خلفون أجوبة ابن خلفون 24/ 23 2 أبو زكرياء الجناوئي، كتاب الوضع، 14. (3) الكدمي، الاستقامة، 445 ظ.
4 الحديث رواه الشيخان وأصحاب السنن وغيرهم بطرق كثيرة. ونصه في البخاري عن ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ وَيُقِيمُوا الصَّلاَةِ وَيُؤْتُوا الزَّكَاة فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إِلَّا بِحَقِّ الإسْلامِ وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللَّهِ».
صحيح البخاري، كتاب الإيمان، باب: فإن تابوا وأقاموا الصَّلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم،
حديث: 25
صحيح مسلم، كتاب الإيمان، باب الأمر بقتال الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، حديث: 56.
245 (1/245)
صفحة 245
E
الباب الأول: اجتهاد التأصيل اللهَ غَفُورٌ رَّحِيم نُورٌ رَّحِيمٌ} [التوبة:5] (1). وأجمعت الأمة أن المنافقين كافرون، وأنهم في الدرك الأسفل من النار، وأنهم مع النبي والمسلمين في أحكام الدنيا، ومع الكفار في الآخرة. وقد وصف الله منازل الناس يوم القيامة، ليُعَذِّبَ اللهُ الْمُنْفِقِينَ وَالْمُنَفِقَتِ
والمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَتِ وَيَتُوبَ اللهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ [الأحزاب:73]. ووصفهم بكونهم مذبذبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا إِلَى هؤلاء [النساء: 143].
ونقض هذا الكتاب وهذا الإجماع كثير من الأمة ممن زعم أنهم مشركون، مظهرون التوحيد كاتمون الشرك (2).
ومن
شك في ولاية أحد ممن تجب ولايته على المسلمين، فله أن يتوقف للشبهة التي عرضت له، ويتولّى من تبين أنه أهل للولاية. هذا ما أجمع عليه المسلمون ودانوا به فافهموا هذا ولا تتبعوا غير سبيل المؤمنين، فإن الله حكم على من اتبع غير سبيل المؤمنين بأن يولّيه ما تولّى ويُصله جهنم وساءت
مصير)) (3).
خاتمة الإجماع
بعد هذا الفيض الوفير من البيانات والأمثلة على اعتماد الإباضية الإجماع دليلا قاطعا من أدلة الأحكام، يعجب المرء حين يجد في كتابات بعض
الدارسين ما يناقض هذه الحقيقة العلمية مناقضة لا تحتمل التأويل أو التبرير. يقول الدكتور مصطفى الشكعة وهم (الإباضية) يعترفون بالقرآن والحديث كمصدر للعلوم الدينية، ولكنهم يقولون بالرأي بدلا من الإجماع والقياس» (4). ثم يناقض الشكعة نفسه في الكتاب ذاته، إذ يقول: «هذا وإن مصادر العقيدة عند الإباضية هي الكتاب والسنة والرأي والإجماع ... والركن الرابع هو الإجماع، وهو أيضا اجتهاد مأخوذ من الكتاب والسنة، وإنما خفي
(1) الجيطالي، قواعد الإسلام، 1: 39.
2 الممشوطي، أصول الدين، 6 ظ. 3 ابن جعفر، الجامع، 1: 190/ 191.
4) د. مصطفى الشكعة إسلام بلا مذاهب، 133.
246 (1/246)
صفحة 246
عنهم
الفصل الثالث: دليل الاجتماع
مأخذه منهما، وإنما خفاؤه على غير المجمعين» (1). فهل أدرك الشكعة التناقض الذي وقع فيه مع نفسه أولاً، ومع الحقيقة العلمية ثانياً؟ أم إنه وقع في الشراك الذي وقع فيه كثير ممن ينقلون عن كتب المقالات دون نقد وتمحيص على موازين الحقيقة الموضوعية التي أقرها القرآن. وفي كتاب مراتب الإجماع نص ابن حزم أن صفة الإجماع هو ما تيقن أنه لا خلاف فيه بين أحد من علماء الإسلام ... وإنما نعني بقولنا العلماء، من حفظ عنه الفتيا من الصحابة والتابعين وتابعيهم وعلماء الأمصار، وأئمة أهل الله الحديث، ومن تبعهم، رضي أجمعين. ولسنا نعني أبا الهذيل العلاف ولا ابن الأصم ولا بشر بن المعتمر، ولا إبراهيم بن سيار [النظام] ... ولا الأزارقة والصفرية ولا جُهّال الإباضية ولا أهل الرفض» (2). وهذه التهم الجزافية تصبح حقائق يتوارثها الأجيال، ويحتكم اللاحقون إلى هذه النصوص، باعتبارها مؤلفيها أعلامًا وحجة في ما يكتبون ويحررون. وتتوالى هذه التهم بمختلف الألوان، إذ نجد من يتهم الإباضية بأنهم لا يعتدون إلا بإجماع طائفتهم، وفي النصوص الوفيرة التي أوردناها ما يفند هذه المزاعم. ونؤكده بما نص عليه السُّوفي جوابا عن سؤال إذا قال إن اجتمعت الوهبية أي الإباضية على مسألة هل تقول اجتمعت الأمة؟ قال: لا، ولكن لزمته الحجة» (3). والأمة تتضمن كل أهل القبلة، بفرقها ومذاهبها. ولم نجد أحدًا من علماء المسلمين من يحصر مفهوم الأمة على فئة أو مذهب أو طائفة بعينها، بعد أن حدّد القرآن معالمها، بسور منيع وجل: وَإِنَّ هَذِهِ أُمَتَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً} [المؤمنون: 52]. ثم حسم النبي صلى الله عليه وسلم مفهوم الأمة في وثيقة المدينة، وجعلت من آمن بالله ورسوله أمة دون الناس.
1) د. مصطفى الشكعة إسلام بلا مذاهب 145
2 ابن حزم، مراتب الإجماع، 17/ 16.
فقال عز
3 السوفي، السؤالات سؤال.38 حول تهم إنكار الإباضية للإجماع والردود عليها، ينظر: مهني التواجيني دراسة وتحقيق شرح مختصر العدل والإنصاف للشماخي، القسم الدراسي،
247
99/ 95 (1/247)
صفحة 247
الباب الأول: اجتهاد التأصيل
ونخلص من هذا الفصل إلى الحكم بأن الفكر الإباضي في موضوع الإجماع كان منتظما في سلك الفكر الأصولي دون شطط أو نشاز، مساهما في إرساء دعائم الأصول و منهج الاجتهاد وفق الضوابط المشتركة التي سار على هديها جمهور علماء الإسلام.
?248
248 (1/248)
صفحة 248
الفصل الرابع: دليل القياس
E 3
الفصل الرابع: دليل القياس
المبحث الأول: مفهوم القياس وحجيته: من الأصول المتفق عليها بين جمهور الأصوليين دليل القياس، إذ يُعد رابع الأدلة الأصلية. غير أنهم اختلفوا في تصنيفه بين أدلة الاجتهاد، فبعضهم جعله من الأدلة النقلية، لأنه يقوم على النص، وهو الأصل المقيس عليه، كتابا كان أم سنة أم إجماعا، بينما اعتبره آخرون من الأدلة العقلية لأنه يعتمد معقول النص وإدراك علته، إذ إن الشرع قد أوجب النظر بالعقل في الموجودات واعتبارها، وكان الاعتبار ليس شيئا أكثر من استنباط المجهول من المعلوم واستخراجه منه، وهذا هو القياس، أو بالقياس» (1).
والعلة
هي
المحور الارتكازي في عملية القياس إذ تتضمن أدق مسائله،
فهي جوهر مباحث القياس.
ويعتبر ابن خلدون أن النظر في القياس من أعظم قواعد هذا الفن [علم الأصول، لأن فيه تحقيق الأصل والفرع فيما يقاس ويماثل من الأحكام. وتنقيح الوصف الذي يغلب على الظن أن الحكم علّق به في الأصل؛ من تبين أوصاف ذلك المحل، أو وجود ذلك الأصل في الفرع من غير معارض يمنع من ترتيب الحكم عليه إلى مسائل أخرى من توابع ذلك» (2). الغزالي فقد اعتبر القياس من طرق استنباط الأحكام لا من الأحكام، وقال: والفن الثالث في كيفية استثمار الأحكام من الألفاظ والاقتباس من معقول الألفاظ بطريق القياس» (3).
أما
أدلة
ولم تتفق كلمة المسلمين حول هذا الدليل، إذ اعتمده الجمهور، بينما ردّه بعض العلماء، وبخاصة الظاهرية الذين اعتبروه إقحاما للعقل فيما حظره الدين وتأسيسا لمصدر جديد في الدين، والأحكام يضاهي الوحي، بل هو
1) ابن رشد فصل المقال في ما بين الشريعة والحكمة من الاتصال 3.
2 ابن خلدون، المقدمة، 815. (3) الغزالي، المستصفى، 2: 228.
?249
249 (1/249)
صفحة 249
الباب الأول: اجتهاد التأصيل
زيادة في الشرع لم يأذن بها الله».
واحتد النقاش بين الفريقين حول مشروعية هذا الدليل، واستقر الأمر برجحان رأي الجمهور.
وكان لأئمة الإباضية الأوائل بعض الخلاف في حجية القياس أول الأمر، ثم حسم في العصور التالية بالانسجام مع رأي الجمهور. وأسهمت كتاباتهم في إثراء هذا المجال الحيوي الذي يعد محور علم الأصول فيما يتعلق بضمان شمول أحكام الشريعة لتباين الأمكنة وتطور الأزمنة. وفي هذه المقاربة نحاول التعرف على هذا الإسهام، مركزين على الجوانب الأساسية قدر المستطاع، إذ إن استقصاء مباحث القياس، وتقصي ما كتب فيها بحاجة إلى استفاضة يضيق عنها الانسجام والتوازن المطلوب بين فصول هذه الدراسة. ولعل تخصيصها برسالة مفردة يُعنى فيها بجانب المقارنات
يكون أوفى وأجدى. 1 - مفهوم القياس:
عرف ابن بركة القياس بقوله: «القياس في نفسه هو تشبيه الشيء بغيره، و الحكم به هو الحكم للفرع بحكم أصله إذا استوت علته ووقع الحكم بسببه» (2). ومثل لذلك الله تعالى قفيز البرّ بقفيزين على لسان نبيه بتحريم فاجمع القائلون بالقياس أن القفيز من الأرز بقفيزين حرام مثله، لأنه
مساو له في علته التي وقع التحريم بها (3). واقتبس أصوليو الإباضية اللاحقون لابن بركة هذا التعريف وأوردوا
المثال نفسه (4).
(1) وقد خصص ابن حزم للرد على أهل القياس فصولا مطولة من الجزء الثامن من كتابه
الإحكام في أصول الأحكام.
2) ابن بركة، الجامع، 1: 155. (3) ابن بركة الجامع، 1: 155
4 نجاد بن موسى الأكلة 56/ 55 - العوئبي، الضياء، 3: 22 - الكندي، المصنف، 1: 57.
النزوي قواعد الهداية 6 ظ.
?250 (1/250)
صفحة 250
E 3
الفصل الرابع: دليل القياس
وعماد القياس في هذا التعريف هو التشبيه الذي ينتج عنه الحكم على الفرع بحكم الأصل.
ونجد لدى العوتبي تعريفا آخر للقياس بأنه حمل الفرع على الأصل بنكتة الحكم، أو: هو الجمع بين الشيئين لاستخراج الحكم الذي يشهد له كل واحد منهما (1).
وهذا يعمد إلى النتيجة مباشرة وهي الحمل أو الجمع، وهو ما نجده في تعاريف المتأخرين بعد القرن الخامس، إذ عرفه الوارجلاني بأنه: «حمل أحد المعلومين على الآخر في حصول الحكم وإسقاطه بأمر يجمعهما) (2). وذكر الوارجلاني أن للأصوليين في حدّ القياس زهاء عشرين لفظا كلها قاصرة عن التوفية لحدّه، ثم اختار التعريف المذكور (3). وقال نجاد بن موسى: «هو حمل الفرع على الأصل بالعلة التي دلت الدلالة أن الحكم وقع في الأصل (بها)) (4).
وعرفه الملشوطي بأنه: حمل الفرع على الأصل بضرب من الشبه» (5). وهو التعريف الذي استقر عليه المتأخرون فهو عند الشيخ اطفيش «حمل الفرع على الأصل في الحكم لمساواته الأصل في علة حكمه بأن توجد فيه علة الحكم بتمامها عند الحامل المجتهد» (6).
وعند الإمام السَّالِمِي حمل الفرع على أصل في بعض أحكامه بمعنى يجمع بينهما» (7). ثم اختار له تعريفا اعتبره أجود التعاريف، وهو «حمل مجهول الحكم على معلوم الحكم بجامع بينهما» (8).
والخلاف يسير بين هذه التعاريف فالمعنى المشترك بينها جلي يتبين في
1) العوئبي الضياء:1 245 - نجاد بن موسى، الأكلة، 53.
2 الوارجلاني، العدل، 3: 325.
3 الوار جلاني، العدل، 3: 325.
4 نجاد بن موسى الأكلة 76 = كلمة بها غير موجودة في المخطوط.
(5) الممشوطي، الأدلة، 3 و. لفظ الشبه في التعريف ورد في الأصل " الشبهة" وصححناه
اجتهادا.
6 اطفيش شامل الأصل والفرع، 1: 11/ 10
7) السالمي، معارج الآمال، 1: 25.
8) السالمي، طلعة، 2: 91.
251 (1/251)
صفحة 251
الباب الأول: اجتهاد التأصيل
E 3
قيام القياس على أركان أربعة الأصل والفرع والعلة والحكم (1). والملاحظ أنه لم يُعْنَ ببيان المعنى اللغوي للمصطلح إلا الوَارِجُلانِي والشماخي، اللذين ذكرا أن أصل القياس في اللغة هو التساوي، إذ تقول العَرَب: قِس هذا الثوب إلى هذا، كيما يُعرف تساويهما في المقدار والقيمة (2). كما أشار نجاد بن موسى إلى أن القياس هو الإيزان، أي أن يزن الشيء لعلة مشتركة، ومعناه في الشرع أن تزن ما لا نص فيه ولا سنة بما فيه النص والسنة بعلة مشتركة بينهما (3). كما لم يهتم جلهم ببيان حد أركان القياس وتمييز محترزات التعريف وعمدوا مباشرة إلى ذكر الأركان والاستدلال على حجية القياس وأنواعه ومجالاته. وإن نال الحديث العلة عن نصيبا غير يسير، وهو أمر منطقي
بالشيء
ما دامت العلة أساس عملية القياس.
منهم
هذا بينما نص نجاد بن موسى على الاستدلال على صحة العلة ليس من القياس بسبيل، بل يجب أولا أن يدل على صحة العلة، ثم يحمل الفرع عليه في حكمه إذا أشبهه في علته» (4).
وذكر الغزالي أن المناطقة لا يسمون هذا قياسا، بل هو تمثيل، لأن القياس عندهم ترتيب مقدمتين بشروط مخصوصة فيتولد عنهما نتيجة. فإن كانت المقدمات قطعية سُمّي برهانا وإن كانت مسلّمة سُمّي جدليا، وإن كانت مظنونة سمّي قياسا فقهيا. وذلك بتركيب خصوص تحت عموم ليصح هذا
التقسيم.
ففي قولنا: النبيذ مسكر مثل الخمر فهو حرام. يُصاغ بهذه الصورة: كل مسكر حرام، وكل نبيذ مسكر النتيجة: كل نبيذ حرام (5). ولكن جلّ أصوليي الإباضية لم يتعرضوا لهذه الجوانب المنطقية، إذ لم
1 السالمي معارج الآمال 1 25 - طلعة الشمس 2: 1 - الرواحي، نثار الجوهر، 1: 84. 2 الوار خلاني العدل، 3: 325 - الشماخي، شرح مختصر العدل تحقيق مهني التيواجني، 525. 3 نجاد بن موسى الأكلة 53/ 52 وردت عبارة الأصل " بعلة مشترطة لهما" وصححناها اجتهادا. إذ لا توجد نسخة أخرى للمقابلة.
4) نجاد بن موسى،، الأكلة، 76. 5) الغزالي، المستصفى، 1: 37/ 38.
252 (1/252)
صفحة 252
الفصل الرابع: دليل القياس
تظهر الصناعة المنطقية في تدوينهم إلا بقدر الضرورة، كما فعل الوَارِجُلانِي في العدل والإنصاف والشمّاخي في شرح مختصر العدل (1).
2 - القياس عند أوائل الإباضية: اتفقت المصادر في نسبة القول بالرأي إلى الإمام جابر بن زيد، وأنه كان يرى مصادر التشريع متمثلة في الكتاب والسنة والرأي. وإن كان يعتقد أن رأي الصحابة أفضل من رأيه الشخصي، فهو مقدم في الاعتبار. وفي ذلك يقول: ورأي من قبلنا أفضل من رأينا الذي نرى» (2)، ويعلل ذلك بأنهم هاجروا مع رسول رسول الله
وشهدوا الوحي وأدركوا معاني التنزيل (3).
ولكن ما مفهوم هذا الرأي الذي يتحدث عنه جابر؟
أهو اجتهاد الصحابة أم اتفاقهم وإجماعهم؟ هذا ما يؤكده جابر في إحدى رسائله أنه يقتفي آثارهم ولا يعدو مواقع أقدامهم «فالحق علينا وطء أقدامهم واتباع آثارهم واعلم أنه لم يهلك قوم قط حتى نازع الآخرُ الأول في
العلم» (4).
تحته
فهل يعني هذا أنه كان أثريا منكرا للرأي الخاص أو الاجتهاد؟ إن مصطلح الرأي لم يكن أول الأمر محدد المعالم ككثير من مصطلحات علم الأصول. والرأي عند التلاتي استفراغ الوسع في علم الحادثة» (5). فقد يندرج القياس والاستحسان والمصالح المرسلة وغير ذلك، بل قد يشمل الإجماع والاجتهاد. اللذين كان يعبر عنهما أوائل الإباضية بالرأي، لأنهما يُستمَدان منه. ولذلك ارتبكت أقوال بعض الكاتبين في نسبة إنكار بعض هذه المصادر إلى الإباضية (6).
1) ينظر: مصطفى باجو، أبو يعقوب الوارجلاني وفكره الأصولي، 154/ 153. -مهني التواجيني، دراسة وتحقيق شرح مختصر العدل للشماخي، 69 فما بعد.
2 جابر بن زيد رسائل جابر 42
3 جابر بن زيد رسائل، جابر 42 - Ennami, Studies, 49. 4 جابر بن زيد، رسائل جابر، 42. 5) التلاتي، شرح مقدمة التوحيد، 46. 6)
6 التلاتي، شرح مقدمة التوحيد، 46 تعليق أبي اسحاق اطفيش في الهامش.
253 (1/253)
صفحة 253
الباب الأول: اجتهاد التأصيل
*
E 3
وواضح من كلام الإمام جابر أنه كان ينكر الرأي في مقابلة الأثر، ويفضل اجتهاد الصحابة على من بعدهم للعلة التي أوضحها، وهي مصاحبتهم للرسول ومشاهدتهم للتنزيل. وإذا خلت المسألة من نص أو أثر فسح حينئذ للرأي مكانه وسمعت كلمته.
وقد ثبت عن جابر قوله بالرأي في مسائل عديدة (1). ولكن أبا عبيدة مسلم بن أبي، كريمة تلميذ جابر؛ وردت عنه مواقف متشددة من الرأي عموما ومن القياس على وجه التحديد، إذ اعتبره قولا بخلاف الكتاب والسنة والآثار.
وأيده في هذا الاتجاه تلميذه محبوب بن الرحيل، إذ قال: «ليس في دين
المسلمين قياس، إنما هو كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وآثار المسلمين، تتبع
ويُؤخذ بها، ويُقتدى بها.
وكان أبو عبيدة يقول: من ذهب في القياس ذهب في الدمار» (2). وكان يعتبر القياس جدالاً بخلاف الكتاب والسنة، وأن كل قوم أعطوا الجدل منعوا العمل ... فكل من يجادل لا يجد للعبادة حلاوة، ولا للعمل
بطاعة الله لذة، لأن الجدال والمراء والمقاييس ذهب به عن سواء السبيل، لأن إمامه وقائده القياس، فما وافق هواه فهو مستقيم في القياس، وما خالفه فهو غير مستقيم في القياس» (3).
وممن شايع أبا عبيدة في موقفه أيضا تلميذه الربيع بن حبيب، وجماعة ممن عُرفوا بالتزامهم الشديد بالأثر (4). وكان لهم موقف مخالف ومتحفظ من زملائهم القائلين بالقياس وبخاصة عبد الله بن عبد العزيز وأبو المؤرج، اللذان تأثرا ببيئة الكوفة ومنهج فقهائها الذين كانوا يقدمون القياس على خبر
الآحاد (5).
وفي بلاد المغرب يصرّح ابن سلام بالموقف نفسه، ناصحا أتباع المذهب
1 سنعرض لنماذج من آرائه في خلال هذا البحث.
2 العوئبي، الضياء، 3: 26. - علماء، عمان السير والجوابات، 1: 301.
3 أبو عبيدة، مسائل أبي عبيدة، 5 و.
Ennami, Studies, 101. (4)
5) مهني التواجيني دراسة شرح مختصر العدل 102.
254 (1/254)
صفحة 254
X
الفصل الرابع: دليل القياس
بالتزام العلماء السالفين، فإن الذين مضوا من السلف الصالح أعلم بأمور الله ممن أنتم اليوم بين ظهرانيهم فلا تقولوا بقياس من القول ولا
دين
إهمال» (1).
أنه وذكر ابن سلام عن أحمد بن الحسين مثلبة أنكروها عليه، وهي وشيعته وأصحابه يتناولون في مسائلهم القياس» (2). هذا، برغم كون ابن الحسين ضليعا في العلم حتى قالوا فيه: «لولم يكن إلا أحمد بن الحسين الأطرابلسي، أو سليمان بن حفص الفراء لتبعته المذاهب، ولولم يكن إلا الإمام أفلح لتبعته المذاهب، وكلهم، إباضية إلا أن أحمد بن الحسين وابن عمارة، يأخذون بمسائل القياس» (3).
ونسب ابن النديم كتبا لعلماء الشراة، منها كتاب "الرد على الشافعي في
القياس"
(4) "
وفي الطرف الآخر نجد استعمال القياس واردا على لسان أئمة الإباضية
الأوائل. فعن موسى بن علي، أنه قاس استحقاق امرأة المفقود إذا قدم وقد تزوجت بغيره، فإن اختار الزوج العائد الصداق فله أقل الصداقين، الذي أعطاه أو الذي على الزوج الحاضر. وقد قاس ذلك على من باع الشفعة، ثم باع الثاني لثالث أن المستحق للشفعة يأخذها من الذي هي في يده. وقيل إذا جاءت مسألة لها أصل وصفة، وجاءت مسألة فرعية تشبهها في الصفة أنها
مثلها» (5).
وذكر عن الإمام عبد الوهاب أنه طلب مجموعة من الكتب فجاءته من إخوانه بالمشرق فقرأها كلها، ثم قال: «الحمد لله إذ وجدت ما فيها محفوظا
1) ابن سلام، بدء الإسلام وشرائع الدين، 116.
2 ابن سلام، بدء الإسلام، 135.
3) أبو العباس الشماخي السير، ط حجرية، 262. -4 ابن النديم الفهرست 230 وذكر في أخبار فقهاء الشراة أن كتبهم مستورة قل ما وقعت. لأن العالم تشنؤهم وتتبعهم بالمكاره. ولهم مصنفون في الفقه والكلام. وأورد أسماء مؤلفيهم ومؤلفاتهم في الكلام والفقه والأصول. ينظر: ابن النديم الفهرست. 229 230 - 258 5) الشقصي، منهج الطالبين، 1: 99.
255 (1/255)
صفحة 255
الباب الأول: اجتهاد التأصيل
عندي إلا مسألتين لو سئلت عنهما لأجبت عنهما قياسا على نظائرهما
ووافقت الصواب» (1). وفي المدونة الكبرى، وهي أقدم تأليف الإباضية في الفقه، نماذج عديدة لعمل الإباضية الأوائل بالقياس، ولآرائهم الاجتهادية المبنية عليه صراحة أو ضمنا. وقد نعرض لبعضها في تفصيل مسائل القياس (2).
واعتبر ابن بركة القياس من مصادر الأحكام، به تستفاد الأحكام التي لم يرد بها نص من الكتاب والسنة فقال: «الحادثة إذا حدثت لم تخل من حكم الله تعالى فيها، إما أن تكون منصوصا عليها بعينها، أو بأخص أسمائها، وإما أن تكون منصوصا عليها مجملة مع غيرها. وهذا يحقق إن شاء الله في التعبد بالقياس وأخبار الآحاد وفي كتاب الاجتهاد وتفصيل صفة المجتهدين» (3). كما أورد ابن بركة نماذج يدلل بها على أن بعض أصحابنا كانوا لا يقولون بالقياس في الأحكام.
=
- منها إجماعهم مع مخالفيهم أن المرتدة عن الإسلام يبطل صداقها من
زوجها وتحرم عليه، لأن الحرمة التي دخلت بينهما كانت بفعلها. = ثم اختلفوا في الزانية، فردّها بعضهم على المرتدة قياسا، فأبطل صداقها، لأنها أدخلت الحرمة على زوجها بفعلها، وقال بعضهم لها الصداق، ولم يجمع بينها وبين المرتدة في علة إدخال الحرمة بفعلها. مع اتفاقهم على أنها تحرم على زوجها بفعلها الفاحشة الزنا (4).
= وكذلك المرأة إذا حلف عليها زوجها بطلاق الا تفعل ما له أن يمنعها عنه، فارتكبت نهيه. فقد أفتى محمد بن عبد الرحمن المدني (5) بأنه يبطل صداقها،
1) الدرجيني، طبقات المشايخ 1 57 - أبو زكرياء، السيرة وأخبار الأئمة، 103. - الشماخي،
السير، 1: 162. طبعة عمان.
2 ينظر أيضا التواجيني دراسة شرح مختصر العدل، 103.
3) البَرادِي، البحث الصادق، 1: 68
و.
4 ابن بركة الجامع:2 518 - العوئبي، الضياء، 3: 24/ 23.
5) محمد بن عبد الرحمن المدني، من علماء القرن الثاني. وصفه ابن بركة أنه كان فقيها وابن فقيه، وكان أبو عبيدة يعظمه. ابن بركة، الجامع، 2: 518.
?256 B (1/256)
صفحة 256
الفصل الرابع: دليل القياس
*
قياسا لها على المرتدة (1).
وأورد نماذج أخرى للخلاف حول استعمال القياس.
هذا الاختلاف أربك الدارسين في التعرّف على موقف الإباضية الحقيقي من القياس أول الأمر، وأصبح من غير السهل إلحاق المدرسة الإباضية في أيامها الأولى بأحد الفريقين القائلين بالقياس، أم المنكرين له.
وقد علل بعضهم ذلك بعدم وضوح دلالات المصطلح، فالرأي والاجتهاد والقياس كانت ألفاظا غير محددة المعالم (2)، هذا من جهة. ومن جهة أخرى فإن موقف جابر وأبي عبيدة في طريقة استنباط الاحكام لم يتضح بجلاء لتلامذتهم (3). ويقرر ابن بركة أن أصحابنا اختلفوا فيه فرآه بعض، ولم يره آخرون، ومنهم محبوب بن الرحيل (4).
ويوجه الشيخ أحمد الخليلي ما ورد من حكاية الاختلاف عنهم، أن ذلك محصور في مواطن محدودة وردت فيها روايات شرعية لم ير البعض الأخذ بها ربما لشكه في صحتها، فعدل إلى القياس. ولم ير ذلك الآخرون (5). والنماذج التي ذكرها ابن بركة قد تكون أدل على اعتبار أوائل الإباضية للقياس من إنكارهم له فإنها عيّنات فعلية على وقوعه من بعضهم، وأما من منهم في في تلك المسائل المذكورة، فلا يعني ذلك إنكاره له جملة، بل لعله لم يجد علة كافية في الأصل، أو رأى الحكم تعبديا أو غير ذلك من الموانع التي تحول دون إجراء عملية القياس. وعليه فلا يُنسب لساكت قول، ما لم تحتف به قرائن تحمل سكوته على معنى معقول، كما في الإجماع السكوتي، أو سكوت البكر عند استئذانها للنكاح.
منعه
هذه الثنائية في الموقف جعلت المستشرق شاخت يذكر أن الإباضية والحنابلة والوهابية - حسب قوله - قد اعترفوا أخيرا بالقياس وأقروه مصدرا
1) ابن بركة الجامع، 2: 518 - العوتبي، الضياء، 3: 24.
2 التواجيني، دراسة، 100.
3 التواجيني، دراسة 102.
-
4) ابن بركة الجامع، 2: 518. العوئبي، الضياء، 3: 23. نجاد بن موسى، الأكلة، 85. 5) أحمد الخليلي، مقابلة شخصية، يوم 1 رَمَضان 1417 هـ / 10 جانفي 1997.
257 (1/257)
صفحة 257
الباب الأول: اجتهاد التأصيل
E
من مصادر التشريع (1). ولكنه لم يحدد بالضبط تاريخ هذا الاعتراف. كما أغفل الاتجاه الآخر، وهو اتجاه بارز لدى علماء المذهب القائلين بالقياس منذ أيامه الأولى، سواء المغالين منهم كابن عبد العزيز وصاحبه أبي المؤرج، أم المحافظين كالربيع بن حبيب ومن جاء بعده. ويرى الباحث التواجيني أن رأي شاخت كان أقرب إلى الصواب من رأي الجويني الذي ذكر أن الإباضية وطوائف أخرى يجحدون القياس الشرعي، في حين يُقرون بالقياس العقلي (2). ولا ندري من أين استقى الإمام الجويني هذا التفريق الذي لا وجود له المصادر الإباضية، أم إنه جمع الإباضية مع قوم يقولون بهذا التمييز بين أنواع القياس. هذا وقد ذكر هؤلاء وأورد آراءهم في كتابه "التلخيص" دون إشارة إلى الإباضية (3). والذي يبدو جليا من القضية أن أبا عبيدة لم يُنكر القياس جملة وتفصيلا، بل أنكره إذا قام مضاهيا للكتاب والسنة، مخالفا لما تقرر فيهما من قواعد وأحكام. وقد نص على ذلك بقوله: هذا جدال وقياس بخلاف كتاب الله وسنة رسول الله، فهو الذي يحرم، فهو الذي يحرم والمسلمون أشد اجتهادهم فيما الله جاءهم (4) عن وعن رسول الله الله، أو ما وافق ما جاء عنهما أن يعملوا به ويعبدوا الله به في خاصة أنفسهم، وينصحوا له لمن رجوه أن غايته في
1) دائرة المعارف الإسلامية، مادة أصول كتبها شاخت. 2: 287.
2 الجويني، البرهان 2 490 - ينظر أيضا التواجيني دراسة 105/ 106. -وذكر الدكتور عبد الحميد مدكور أنه «جادل في حجية القياس بعض الطوائف، ومن هؤلاء كما يقول الجويني: " النظام، وطوائف من الروافض والإباضية، والأزارقة، ومعظم فرق الخوارج، إلا النجدات، وأصحاب الظاهر. ولكن خلاف هؤلاء في هذه المسألة غير معتد به عند الجمهور". وأحال على: البرهان للجويني 2: 751/ 750 - المستصفى للغزالي، 2 234/ 2333 - أصول الفقه لأبي زهرة، 206. ينظر: عبد الحميد مدكور المنهج في علم أصول الفقه. ندوة قضايا المنهجية في الفكر الإسلامي. 20/ 21. وقد ناقش الجويني النظام ومنكري القياس متتبعا شبههم ورد عليها واحدة واحدة. الجويني، التلخيص، 3: 157 فما بعد.
3) الجويني، التلخيص، 3: 156/ 154. 4) لفظة " جاءهم" وردت في الأصل " جزاؤهم"، وصححناها اجتهادا. (5) لفظة " يعبدوا " وردت في الأصل " يقيموا"، وصححناها اجتهادا. أولعل صوابها: ويقيموا
258 (1/258)
صفحة 258
الفصل الرابع: دليل القياس
E 3
النجاة لنفسه والسلامة لدينه» (1).
ثم يقرر أبو عبيدة علة موقفه بوضوح، فكفّوا عن القياس وتقرير الرأي مخافة التكليف (2)، لأن ما لم يجئ عن الله ولا عن رسوله وما لم يوافقهما، ما يدري الراضي له أمصيب هو أم مخطئ» (3).
فالعلة ظاهرة وهي إنكار ما خالف النص، أو لم يوافقه من القياس، وليس لاعتبار القياس مضاهيا للشرع كما تقول الظاهرية. فالكل متفقون على أن القياس المعتبر ما كان مبنيا على أصل ولم يخالف ما تقرر في الأصول، فارتفع الإشكال. لهذا نجد الدكتور النامي يقرر بوضوح أن القياس عُرف كمصدر للاجتهاد لدى الإباضية الأوائل منذ النصف الثاني للقرن الثاني للهجرة، وكان مستعملا بكثرة من قبل تلاميذ أبي عبيدة، وخاصة عبد الله بن عبد العزيز وأبي المؤرج، بينما كان الربيع وجماعته على النقيض متمسكين جدا بالآثار. ثم شاع اعتماد منهج القياس لدى الإباضية المتأخرين، ومارسوه بصورة واسعة جدا (4).
هذا ما تجلّى في المصادر التالية للقرن الثالث، إذ تحدث عنه ابن بركة في جامعه حديثا مستفيضا، وبنى عليه أحكاما اجتهادية كثيرة. ونظر له الوَارِجُلانِي، وفصل الحديث عن مسائله بإسهاب. وعلى نفس الخط سار اللاحقون حتى العصر الحديث. إذ بلغ الذروة لدى السالمي في كتابه "شرح طلعة الشمس"، وحوصل فيه كل المسائل التي تطرق لها الأصوليون في مباحث
القياس.
وفي المجال التطبيقي توسع الإباضية في هذا الدليل، فلم يقصروه على المعاملات بل أجروه كذلك في مجال العبادات والكفارات. وموقف الإباضية من القياس ليس غريبا، بل هو شبيه بموقف الصحابة
دين الله.
1) أبو عبيدة، مسائل أبي عبيدة، 5 و 5 ظ.
2 وردت في الأصل " التكليف " ويبدو أن الصواب هو " التكلف".
3 أبو عبيدة، مسائل أبي عبيدة، 5 و 5 ظ.
259
Ennami; Studies; 101. __(4 (1/259)
صفحة 259
الباب الأول: اجتهاد التأصيل
*
من الرأي، فبعض اعتمده وبعض ردّه، وذمّه ووردت عنهم أقوال متناقضة في مجال العمل بالرأي، ثم تبيّن أن الرأي المستند إلى أدلة الشرع محمود معتبر، وما خالفها فهو مذموم مردود (1). والقضايا الفكرية تجد صداها عبر الأجيال لأن منطق التفكير البشري
واحد.
3 - حجية القياس
التعبد بالقياس ثابت بالشرع، كسائر الأدلة الأخرى وهو جائز عقلا، خلافا لمن منعه من جهة العقل ولمن منعه من جهة الشرع، وزعموا أنه يفضي إلى المحال من تضادّ الأحكام وتناقضها واجتماع الحرام والحلال. وهذا مالا يليق بالشارع الحكيم (2). وعرف هؤلاء بمنكري القياس، وهو مذهب النظام وبعض الشيعة وجل الخوارج إلا النجدية (3). ولنا معهم كلمة بعد الحديث عن إثبات حجية
القياس. والإباضية مع الجمهور القائلين بأن التعبد بالقياس واجب شرعا (4). فقد اتفقت كلمتهم في منهج الاستدلال لإثبات حجيته، معتمدين أدلة القرآن والسنة وأقوال الصحابة والإجماع والعقل.
وليس ضروريا أن نتقصى هذه الأدلة، فهي مبسوطة في مظانها من كتب الأصول (5). ونجتزئ منها ما يفيد في بيان إسهام الإباضية في تأصيل هذا الدليل الهام ضمن أدلة الأحكام.
(1) حول أقوال الصحابة في الرأي، ينظر: ابن القيم أعلام الموقعين:1 55 فما بعد. وفيه مسح واستقراء لأقوالهم في الرأي عملا وردا. وبيّن أنهم يردون الرأي المذموم المخالف للنصوص. ويأخذون بالرأي المحمود المنسجم مع النصوص الموافق لروح التشريع.
(2) نجاد بن موسى الأكلة 61. 3) بنظر تفصيل هذه الأقوال وأصحابها نجاد بن موسى الأكلة (64/ 65 - الوار جلاني، العدل، 3 326 - الشماخي شرح مختصر العدل تحقيق مهني التيواجني، 528/ 527. الجويني، التلخيص،
3: 154 فما بعد. 4) نجاد، الأكلة، 64
،
(5) ينظر مثلا: الغزالي المستصفى:2 +234 إلى 278 الآمدي، الإحكام، 4: 5 فما بعد. الجويني، التلخيص، 3: 178 فما بعد الأسنوي، نهاية السول، 4: 5 فما بعد.
?260
260 (1/260)
صفحة 260
الفصل الرابع: دليل القياس
E 3
- أدلة الكتاب:
ارتكز الاستدلال بالقرآن على حجية القياس أساسا على قوله تعالى:
فاعتبروا يتأولي الأبصر (الحشر: 2).
والآية نزلت بخصوص مصير اليهود من بني النضير، ومصيرهم المشؤوم بسبب بغيهم ومكايدهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين، فنالهم من الجلاء والعذاب ما نالهم. ويعظ الله المؤمنين أولي الأبصار أن يحذروا هذا المصير إذا ما سلكوا
نفس السبيل (1). ويوظف الأصوليون القائلون بالقياس هذه الآية في معناها العام لتكون
دليلا على أن الأشباه والنظائر لها نفس الأحكام والمصائر (2). وينطلق ابن بركة من قوله تعالى: كتَب أَنزَلْنَهُ إِلَيْكَ مُبَرَكَ لِيَدَّبَّرُوا ءَايَتِهِ ولتَذَكَرَ أُولُوا الأَلْبَبِ} [ص:29]. ليبين أن قد «أوجب الله التذكر والاعتبار،
وخص بذلك أولي الأبصار، فاعتبر أهل البصائر والمعرفة بأحكام الله واستخراجها من كتابه بما أمرهم به وندبهم إليه واجتهدوا وقاسوا النظير بالنظير على حكمه في الجملة والمنصوص عليه بعينه بالعلل الجامعة بينها، بما دلهم عليه بقوله: فَاعْتَبِرُوا يَنأُولِي الْأَبْصَرِ} [الحشر: 2] (3). وصيغة الاعتبار في اللغة حمل الشيء على غيره واعتبار حكمه به، إما في حكمه وإما في قدره أو في صفته ... فإذا كان حقيقة الاعتبار ما ذكرناه، وهو محض القياس اقتضت الآية وجوب ذلك والأخذ به والمصير إليه» (4). واستقرأ الوَار خلاني معاني الاعتبار ليوظفها جميعا في المقصود من إثبات الآية دليلا على حجية القياس، موضحًا أن الاعتبار مأخوذ من قولك: اعتبرت هذا الثوب بهذا فقسته منه لتعلم مقداره أو ثمنه أو كيله من كيله وهو مأخوذ من تعبير الميزان. وقيل مأخوذ من عبور النهر، أي عبرت النهر
1 الوار خلاني، العدل، 3: 327.
2 اطفيش، شامل 1 10 - أبوستة حاشية الترتيب، 1: 36.
(3) ابن بركة، كتاب التعارف، 6.
(4) نجاد بن موسى الأكلة 65
261 (1/261)
صفحة 261
الباب الأول: اجتهاد التأصيل
?
وجاوزته، وهو مجاوزة حكم الله من شيء إلى شيء كان مساويا له ليجري
عليهما حكم واحد» (1).
وروي عن أغلب أن الاعتبار هو القياس. وتغلب إمام في اللغة (2). وامر الله بالاعتبار يدل على أن الاعتبار يؤدي إلى معرفة الحق (3). وبين الملشوطي أن العبارة معناها اعتبار المعاني في الأشياء، فكل أمر في الشرع أو نهي فله معنى لأجله حظر أو أبيح وهذا المعنى قد تدركه عقولنا، وقد تخفى علينا مداركه ويستأثر الله بعلمه (4).
وذكر الوَارِجلاني من شواهد القرآن كذلك قوله تعالى: وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرُ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ، وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ منهم لعلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ} [النساء:83]. فقد أمرهم ضمنا بالاستنباط والاجتهاد (؟). كما قال لنبيه: إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَبَ بِالْحَقِّ لتحكم بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَنكَ اللهُ وَلَا تَكُن لِلْخَابِنِينَ خَصِيمًا} [النساء: 105]. ولو أراد الإنباء لقال له بما أخبرك أو أنبأك أو أعلمك. فلما علق الأمر إلى ما أراه كان ما أراده رأيه. ومصداق ذلك قول ابن عباس: «كان رسول الله اللي يقضي بالقضية فينزل القرآن بخلافها، فيستقبل حكم القرآن ولا
پرد قضاءه» (6).
وقضية اجتهاد النبي مسألة اختلف فيها العلماء، والراجح جواز اجتهاده، وأنه لا يُقرّ على خطا، فيكون اجتهاده في النهاية حقا وصوابا كالوحي تماما.
وحكى القرآن عن داود وسليمان ال الاختلاف في حكم الغنم التي
1) الوار جلاني، العدل، 3: 327. (2) الوار خلاني، العدل، 3: 327. 3) العوتبي، الضياء، 3: 9 4) الملشوطي، الأدلة، 5 ظ.
(5) الكدمي المعتبر، مخ= 11 و./ مط= 1: 17.
الربيع، الجامع الصحيح، باب 3. حديث 16. ج 1، ص 8. - الوَارِخلاني، العدل، 3: 327.
262 (1/262)
صفحة 262
الفصل الرابع: دليل القياس
نفشت في الحرث و غنمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَهِدِينَ) فَفَهَمْتَهَا سُلَيْمَنَ وَكُلًّا عَلَيْنَا حكما وعِلْمًا} [الأنبياء: 79/ 78]. ولم يكن الله ليخبر بشيء من ذلك إلا وقد جعل لنا الاقتداء به، لقوله: أُوْلَيْكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَهُمُ اقْتَدِة [الأنعام:90]. (1).
وَدَاوُدَ وَسُلَيْمَنَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ
فدل هذا على جواز استعمال الرأي والنظر في الحكم عند عدم ورود
النص.
ويورد أبو يعقوب الوَارجُلانِي آيات عديدة من القرآن تحث على النظر والتذكر والاعتبار، ويعقب عليها أن جل القرآن إنما نزل في استعتاب أولي الأبصار والبصائر والنهي. وَتِلْكَ الْأَمْثَلُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا
إلَّا العَلِمُونَ} [العنكبوت: 43].
وإن في ذلك لذكرى لأولي الألبب ب (الزمر: 121 2.
وَتِلْكَ الْأَمْثَلُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} [الحشر: 21] (3)
إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَن يَخْشَى} [النازعات: 26]. فما الذي يُعتبر؟ وما الذي يُخشى؟ يُعتبر شکله وجنسه إلى مثله ونفسه. ومثل هذا المعنى في القرآن كثير (4).
- أدلة السنة:
ببني
قال ابن بركة: «والمانع من القياس قد ترك المناصحة لنفسه، وقد رُوي أن النبي صلى الله عليه وسلم قاس واجتهد في بعض الحوادث» (5). والروايات عن اجتهاد النبي كثيرة. وقد أقر الصحابة أنفسهم باجتهاده
1) الكدمي المعتبر، مخ= 10 ظ./ مط= 1: 17/ 16. 2 ووردت عبارة " أولى الألباب" في القرآن 16 مرة.
3) ووردت) لعلهم يتفكرون (في الأعراف: 176 - النحل: 44. و (لقوم يتفكرون) في: يونس: 24. -الرعد: 3.-النحل: 69.-الروم:21.-الزمر:42.-الجاثية: 13.
4 الوار جلاني، العدل، 3: 328/ 327.
5 ابن بركة، الجامع، 1: 112.
?263 B (1/263)
صفحة 263
الباب الأول: اجتهاد التأصيل
=
فعن عمر بن الخطاب الله قال: إن الرأي من النبي كان مصيبا،
لأن الله من كان يسدده، وإنما هو منا الظن» (1). - وهو الذي علم عمر القياس لما سأله عن قبلة الصائم، فقال: «أرأيت
=
=
لو تمضمضت هل عليك من جناح؟ قال: لا، قال: فكذلك» (2). ولما أرسل إلى سعد بن معاذ ليحكم في بني قريظة برأيه، فحكم بأن تقتل المقاتلة وتُسبى الذرية وتقسم الأموال. فقال: «لقد حكمت فيهم من فوق سبعة أرقعة» (3).
بحكم الله.
- وقال للمرأة الخثعمية لما أرادت أن تحج عن أبيها: «أرأيت لو كان على أبيك دين فقضيته، أكنت قاضية عنه؟ قالت نعم، قال: فذلك كذلك» (4). وفي رواية قال: «فدين الله أحق بالقضاء» (5). وهو نفس تعليم القياس (6). وأثبت النبي للحاكم الاجتهاد بقوله: «إذا حَكَمَ الْحَاكِمُ فَاجْتَهَدَ ثُمَّ
=
1) ابن القيم، أعلام الموقعين، 1: 54.
2) رواه أحمد، مسند العشرة المبشرين بالجنة 139. بلفظ النبي صلى الله عليه وسلم ففيم؟ 3) أخرجه بهذا اللفظ الطبري، جامع البيان في تفسير القرآن سورة الأحزاب، القول في تأويل قوله تعالى: وأنزل الذين ظاهروهم من أهل، حديث: 26070.
ولفظ البخاري (لقد حكمت فيهم بحكم الملك». وفي رواية لمسلم بحكم الله عز وجل». صحيح البخاري، كتاب الجهاد والسير باب إذا نزل العدو على حكم رجل، حديث: 2899. صحيح مسلم، كتاب الجهاد والسير باب جواز قتال من نقض العهد، حديث:3402. 4) أخرجه البخاري «عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاس رَضِي الله عنهما قَالَ كَانَ الْفَضْلُ رَدِيفَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَجَاءَتِ امْرَأَةٌ مِنْ خَنْعَمَ فَجَعَلَ الْفَضْلُ يَنْظُرُ إِلَيْهَا وَتَنْظُرُ إِلَيْهِ وَجَعَلَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يَصْرِفُ وَجْهَ الفضل إلَى الشَّقِّ الْآخَر فَقَالَتْ يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّ فَريضَةَ اللهِ عَلَى عِبَادِهِ فِي الْحَجِّ أَدْرَكَتْ أَبي شيْخًا كَبِيرًا لا يَثْبُتُ عَلَى الرَّاحِلَةِ أَفَأَحُجُ عَنْهُ قَالَ نَعَمْ وَذَلِكَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ وليس فيه لفظ
" فذلك كذلك".
صحيح البخاري، كتاب الحج، باب وجوب الحج وفضله، حديث:1452 صحيح مسلم، كتاب الحج، باب الحج عن العاجز لزمانة وهرم ونحوهما، حديث: 2451. (5) أخرجه البخاري ومسلم عن ابن عباس واللفظ لمسلم. ولفظ البخاري: «فدين الله أحق
أن يقضى.
صحيح البخاري، كتاب الأيمان والنذور، باب من مات وعليه نذر، حديث:6332. صحيح مسلم، کتاب الصيام، باب قضاء الصيام عن الميت، حديث: 2001. 6 ابن بركة، الجامع:1: 113/ 112 - الوار خلاني، العدل، 3: 329/ 328.
264 (1/264)
صفحة 264
الفصل الرابع: دليل القياس
أصَابَ فَلَهُ أَجْرَان وَإِذا حَكَمَ فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أَخْطَأَ فَلَهُ أَجْرٌ» (1). أَجْرٌ» (1). - وثبت عنه اجتهاده برأيه في الحروب والغزوات، كأخذه الفداء من أسرى بدر، وهمه بمصالحة الأحزاب على ثلث ثمار المدينة يوم
=
وغيرها (2).
الخندق
= وسُرَّ بموقف معاذ بن جبل لما أرسله إلى اليمن فذكر أنه يحكم بكتاب الله فإن لم يجد فبسنة رسول الله، فإن لم يجد فإنه يجتهد رأيه ولا يألو (3). ونعى على اليهود حيلتهم لما حُرّمت عليهم الشحوم جملوها وباعوها
وأكلوا ثمنها (4). فقاس الثمن إلى المثمن (5).
- عمل الصحابة: إن ما نقل من عمل الصحابة بالقياس قد بلغ حد التواتر والإجماع، إذ إن كثيرا منهم قالوا بالقياس واجتهدوا واختلفوا بلا نكير على بعضهم ولا تخطئة
1) أخرجه البخاري ومسلم وغيرهما عن عمرو بن العاص. صحيح البخاري، كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة، باب أجر الحاكم إذا اجتهد فأصاب أو أخطأ،
حديث: 6940.
صحيح مسلم، كتاب الأقضية، باب بيان أجر الحاكم إذا اجتهد فأصاب، حديث: 3326. صحيح ابن حبان كتاب البيوع كتاب القضاء، ذكر إعطاء الله جل وعلا الحاكم المجتهد الله
ولرسوله، حديث: 5137.
2 العوئبي، الضياء 3 - 25 الكندي، المصنف، 1: 65/ 64.
3) والحديث رواه الترمذي وأبو داود وأحمد وغيرهم.
سنن الترمذي الجامع الصحيح أبواب الجنائز عن رسول الله، أبواب الأحكام عن رسول الله، باب ما جاء في القاضي كيف يقضي، حديث: 1286.
سنن أبي داود، كتاب الأقضية، باب اجتهاد الرأي في القضاء، حديث: 3136 مسند أحمد بن حنبل، مسند الأنصار، حديث معاذ بن جبل، حديث: 21551 4 نص الحديث عند البخاري عن طَاوُسٌ أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عَبَّاس رَضِي الله عنهما يَقُولُ بَلَغَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ أَنَّ فُلانَا بَاعَ خَمْرًا فَقَالَ قَائِلَ اللَّهُ فُلانَا أَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: قَاتَلَ اللهُ الْيَهُودَ حُرِّمَتْ عَلَيْهِمُ الشَّحُومُ فَجَمَلُوهَا فَبَاعُوهَا» صحيح البخاري، كتاب البيوع، باب: لا يذاب شحم الميتة ولا يباع ودكه، حديث: 2131. صحيح مسلم، کتاب المساقاة، باب تحريم بيع الخمر، حديث: 3046. سنن ابن ماجه، کتاب الأشربة باب التجارة في الخمر، حديث:3381. مسند أحمد بن حنبل، مسند العشرة المبشرين بالجنة، مسند الخلفاء الراشدين، أول مسند عمر بن
الخطاب رضي
الله عنه، حديث: 170.
5) الوارجلاني، العدل، 3: 328.
265 (1/265)
صفحة 265
الباب الأول: اجتهاد التأصيل
E 3
أو براءة. مما يدل على أن هذا الاجتهاد جائز والاختلاف سائغ (1). بل إن عمر له أمر بذلك أبا موسى الأشعري في رسالته الشهيرة، أن قس الأمور وانظر الأشباه والأمثال ولا يمنعنك قضاء قضيته بالأمس، هديت فيه لرشدك أن تراجع الحق فيه فإن مراجعة الحق خير من التمادي في الباطل» (2).
وأورد ابن بركة حديثا من طريق ابن عباس له أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من اشترى طعاما فلا يبعه حتى يقبضه. قال ابن عباس: وأحسب كل شيء مثله» (3). وعقب ابن بركة أن في هذه الرواية ما يدل على جواز القياس والحكم بالنظر (4).
وقد أجمع خيار الأمة من المهاجرين والأنصار على الاجتهاد في مسائل عديدة في أحكام الفرائض، مثل ميراث الجد والإخوة، والعول، وميراث الجد. وقال أبو بكر في الكلالة برأيه. وقال عثمان لعمر: إن نتبع رأيك فرأيك سديد، وإن نتبع رأي الشيخ قبلك فنعم ذو الرأي كان. وحين استشار عمر الصحابة في المرأة التي أجهضت بطنها فَرَقًا منه، لم ير الصحابة على عمر شيئا لأنه مؤدب، فقال علي: إن اجتهدوا فقد أخطؤوا، وإن كتموك فقد غشوك،
عليك الدية» (5). وقد وقعت المناظرة بين الصحابة فيما اختلفوا فيه واستدل كل واحد
1) ابن بركة الجامع، 1: 114. العوتبي، الضياء، 3: 25/ 24 - نجاد بن موسى، الأكلة، 56. الكندي، المصنف، 1 66/ 65 - الوَار جلاني، العدل 3 330 - ينظر أيضا أقوال الصحابة بالاجتهاد والرأي والقياس ابن القيم أعلام الموقعين، 1: 61 - 66. 2) ابن بركة، الجامع:1 98. -اطفيش شامل الأصل والفرع 1 10.- وانظر رسالة عمر كاملة في: ابن القيم، أعلام الموقعين. 1: 86/ 85.
(3) أخرجه مسلم وابن حبان عن ابن عباس.
صحيح مسلم، کتاب البيوع باب بطلان بيع المبيع قبل القبض، حديث:2892.
صحيح ابن حبان، كتاب البيوع، باب البيع المنهي عنه ذكر خبر قد يوهم غير المتبحر في صناعة
العلم أن خبر حديث: 5057
كما روي روايات كثيرة عن طريق ابن عمر.
(4) ابن بركة الجامع، 2: 336 5) نجاد بن موسى الأكلة، 66.
266 (1/266)
صفحة 266
الفصل الرابع: دليل القياس
منهم برأيه، واحتج على صاحبه بالأدلة القياسية. ولكن لم يقطع واحد منهم عذر الآخر، ولم يحظر عليه رأيه. فصار ذلك إجماعا منهم على جواز القياس من غير نكير (1).
فهذا الإجماع من الصحابة من أوكد ما يحتج به في المسألة، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا تجتمع أمتي على ضلال» (2).
وإذا أجمع الصحابة على جواز الاجتهاد والاختلاف بينهم، فهو جائز لمن بعدهم، لقوله تعالى: وَالسَّبِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَنجِرِينَ وَالْأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَنِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ} [التوبة: 100]. فليس الأمر حكرا على عصر أو طائفة، بل هو منحة من الله تعالى لأولي الأبصار والعارفين بطرق الاستنباط وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرُ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ
منهم} [النساء: 83] (3).
من المعقول:
إن الله لا يأمر يمعرفة شيء إلا وينصب عليه دليلا يدل عليه. والنصوص تقصر عن الوفاء بالحوادث والمسائل جميعا مما يلزم عنه أن تثبت أحكام كثيرة بطريق الاستدلال والاجتهاد.
وقد كان النبي يُسأل أحيانا فيتوقف عن الجواب حتى يرد الوحي بالبيان، فإذا لم يرد، اجتهد وفق ما علم من وحي سابق، لا بمجرد نظر العقل المحض. والعقل وحده ليس حاكما فيما لم يرد فيه نص، لأن في الشرع أحكاما كثيرة لا مجال للعقل فيها.
وأهل الإجماع إذا قالوا قولا فلا بد أن يكون عن دليل، كتابا كان أو سنة، وإلا وجب أن يكونوا رجعوا فيه إلى القياس فثبت أن القياس ملاذ ضروري
1) الوار خلاني، العدل، 3: 335/ 330
2 سبق تخريجه
3) الكدمي، المعتبر، مخ= 11 و/ 11 ظ.-مط= 1: 18.
267 (1/267)
صفحة 267
الباب الأول: اجتهاد التأصيل
المعرفة حكم الشرع فيما لم ترد فيه النصوص (1)
*
- حوار مع منكري القياس: لم يُعْن جل الإباضية بالجدل الطويل مع منكري القياس، وتتبع حججهم بالنقض والردود، إلا نجاد بن موسى. أما جمهورهم فقد أوردوا حجج المنكرين عرضا، وأجابوا عنها، باقتضاب وكأن القضية لا تدعو في نظرهم إلى أكثر من
ذلك.
ولهؤلاء المنكرين حجج من الكتاب والسنة وأقوال الصحابة، منها ما يفيد شمول القرآن لكل شيء ونَزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَبَ تِبْيَنَا لِكُلِّ شَيْءٍ [النحل:189. مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِن شَيْءٍ} [الأنعام: 38]. والنهي عن الظن
لا
يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ} [الحجرات: 12]. فهو يفيد علما ولا يوصل إلى الحق، وإن سار معظم الخلق وراءه وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إلَّا ظَنَّا إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ} [يونس:36]. كما الله نهى تعالى عبده داود عن اتباع الهوى يَدَاوُردُ إِنَّا جَعَلْنَكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمُ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ} [ص: 26]. ونهى عن التحليل والتحريم بغير إذن من الله، قُلْ أَرَءَيْتُم مَّا أَنزَلَ اللَّهُ لَكُم مِّن رِزْقٍ فَجَعَلْتُم مِّنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا قُلْ اللَّهُ أَذن لكم أم على الله تفترون [يونس:59]. وجعل هذا تقولاً على الله يضاهي الشرك والفواحش، قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإثْمَ وَالبَغَى بِغَيرِ
الْحَقِّ وَأَن تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِلْ بِهِ سُلْطَنَا وَأَن تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ
[الأعراف:33].
ومتعلّق هؤلاء المنكرين من الآثار حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: «عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ إِنَّ اللَّهَ لَا يَقْبِضُ الْعِلْمَ انْتِزَاعًا يَنتَزِعُهُ مِنَ الْعِبَادِ وَلَكِنْ يَقْبِضُ الْعِلْمَ بِقَبْضِ الْعُلَمَاءِ حَتَّى إِذَا لَمْ يُبْقِ
1) نجاد بن موسى، الأكلة، 67.
268 (1/268)
صفحة 268
E
الفصل الرابع: دليل القياس
ثم
عَالِمًا اتَّخَدَ النَّاسُ رُءُوسًا جُهَّالاً فَسُئِلُوا فَأَفْتَوْا بِغَيْرِ عِلْمٍ فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا» (1). وقوله: «تعمل هذه الأمة برهة بالكتاب، ثم تعمل برهة بسنة رسول الله تعمل بالرأي. فإذا عملوا ذلك فقد ضلوا وأضلوا» (2). وكان أشدّ تمسكهم بأقوال الصحابة في ذم الرأي والقياس، كقول عمر ه: إن أصحاب الرأي أعداء، السنن أعيتهم الأحاديث أن يعوها و يحفظوها .... فإياكم وإياهم ... (3). وقال: اتهموا الرأي في الدين، وإن الرأي منا تكلف وظن لا يُغني من الحق شيئا (4) - وقال ابن مسعود: «إنكم إذا عملتم في دينكم بالقياس أحللتم كثيرا مما حرم الله، وحرمتم كثيرا مما أحلّ الله» (ى). = وقول ابن عمر الجابر بن زيد: لا تفتين إلا بقرآن ناطق أو سنة ماضية، وإلا هلكت وأهلكت. (6) = وقول ابن عباس: من حمل دينه على القياس لم يزل الدهر في التباس ضالا عن السبيل قائلا غير الجميل» (7). وغيرها من الأقوال العديدة (8).
__ (1
=
صحيح البخاري، كتاب العلم، باب: كيف يقبض العلم، حديث: 100. صحيح مسلم، كتاب العلم باب رفع العلم وقبضه وظهور الجهل والفتن في آخر الزمان
حديث: 4935.
سنن الترمذي الجامع الصحيح الذبائح، أبواب العلم عن رسول الله، باب ما جاء في ذهاب العلم، حديث: 2643.
سنن ابن ماجه المقدمة باب اجتناب الرأي والقياس، حديث: 51.
(2) الهندي كنز العمال حديث 915. ج 1، ص 181.
3 ابن القيم، أعلام الموقعين، 1: 55.
4 ابن القيم أعلام الموقعين، 1: 55.
5) وأورد ابن القيم عبارة قريبة من هذا، وهي قوله: «لا يأتي عليكم عام إلا وهو شر من الذي قبله. أما إني لا أقول أمير خير من أمير، ولا عام أخصب من عام. ولكن ذها ب خياركم وعلمائكم، ثم يحدث قوم يقيسون الأمور برأيهم فينهدم الإسلام وينثلم». ابن القيم، أعلام الموقعين، 1: 57.
6 ابن القيم، أعلام الموقعين، 1: 59. 7) وقريبا من هذا ما جاء عند ابن القيم: من أحدث رأيا ليس في كتاب الله ولم تمض به سنة من رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يدر على ما هو منه إذا لقي الله .. ابن القيم، أعلام الموقعين، 1: 58. 8) كما وردت هذه الأقوال عند العوتبي الضياء، 3: 26/ 25 - نجاد بن موسى، الأكلة، 57. الوار جلاني، العدل، 2: 274/ 277. الشماخي، شرح المختصر، تحقيق مهني التيواجني، 530/ 529.-اطفيش، شامل الأصل، 1: 10.
269 (1/269)
صفحة 269
الباب الأول: اجتهاد التأصيل
واختصر الوار خلاني الجواب عن هذه الأدلة بأن آيات القرآن المذكورة ليست نصا في الموضوع، وإن شمول القرآن لكل شيء من حيث القواعد الكلية، والمبادئ العامة، وإلا لزم التناقض كما أن الحكم بالقياس حكم بما أرشد إليه القرآن، نفسه لا حكما بالهوى، أو بغير ما أنزل الله، أو اتباعا للظن. والأحاديث التي أوردوها ضعيفة الأسانيد، لا يقوم بها الاحتجاج. وأقوال الصحابة تخص القياس المذموم، وهو ما كان في مقابلة النص، مصادما له أو خارجا عن هديه وضوابطه. وهذا متفق على ردّه وعدم اعتباره. أما القياس المسترشد بهدى النصوص فقد عمل به الصحابة أنفسهم، وبلغ عملهم به قولا وفعلا حد التواتر والإجماع. فلا مجال للجدال العقيم (1)
وأفاض نجاد بن موسى في الرد على أدلتهم النقلية والعقلية، والتفريق بين الأمور التعبدية التي لا قياس فيها، وبين النصوص المعللة المعقولة الحكمة، حيث يجري فيها القياس (2).
وهذا هو صنيع أبي حامد الغزالي الذي استعمل الاستقراء الواسع لأغلب الشواهد والأدلة السمعية والعقلية من الكتاب والسنة والآثار، وخلص إلى أنها تفيد التواتر القطعي على حجية القياس (3).
تقويم الخلاف حول حجية القياس:
ليس في الإمكان فهم دلالة الجدل الطويل - والحاد أحيانا- حول حجية القياس دون ربط القضية بجذورها التاريخية وأسبابها الموضوعية المتمثلة أساسا في الاختلاف بين مدرسة الحجاز الأثرية ومدرسة العراق العقلية. وكان حجر الزاوية في ذلك الخلاف هو تعليل الأحكام. فذهب فريق إلى التمسك بحرفية النصوص، بينما اتجه الجمهور إلى القول بالغائية في فهم النصوص الشرعية. فأهل الظاهر ومن شايعهم في نفي القياس توقفوا عند موارد النصوص لا يتجاوزون حروفها، ولم يستجيزوا من صور القياس إلا ما كان معناه
1) العوتبي، الضياء، 3: 26/ 25 - نجاد بن موسى الأكلة 57.-الوارجلاني، العدل، 2: 274/ 277 - الشماخي، شرح المختصر، تحقيق مهني التيواجني 530/ 529.-اطفيش، شامل الأصل، 1: 10.
(2) نجاد بن موسى الأكلة، 64 إلى 81.
3) الغزالي المستصفى 2: 234 إلى 278 - باجو، أبو بعقوب الوَارِجلاني، 293/ 290.
270 (1/270)
صفحة 270
مستفادا
الفصل الرابع: دليل القياس
من دلالة النص اللغوية، أو ما عُرف بالقياس الجلي، وإن أنكروا تسميته قياسا، ونفوا كل تعليل للأحكام، لأن ذلك أن أفعال الله معللة، يعني وهو الخالق المالك المتصرف في شؤون خلقه، المشرع لما يشاء. لَا يُسْلُ عَمَّا يفْعَلُ وَهُمْ يُسْتَلُونَ} [الأنبياء: 23] (1). ومن جهة أخرى وقف الغائيون عند معقول النصوص وما يُستفاد من معناها وعبرتها من علل، وأجروا على ما اتفقت علله من الفروع أحكام الأصول. حتى ذهب الغزالي إلى القول بأن مجاري الاجتهاد كلها محصورة في
العلل، سواء تعلق الأمر بتحقيق المناط أم تنقيح المناط أم تخريج المناط (2). والإنصاف يقضي أن نعترف بأن منكري القياس لم يكن هدفهم من موقفهم إلا التمسك بحمى النصوص، وحماية الشريعة من الاضطراب بسبب اختلاف الآراء والأهواء. كما أن القائلين بالقياس لم يريدوا بذلك مضاهاة الشريعة أو الافتيات عليها ولا العبث بأحكامها بدافع الهوى والتشهي. ولكنهم وضعوا ضوابط وشروطا دقيقة لصحة إجراء القياس والأمن من هذه
المزالق والتهم التي رماهم بها قلم ابن حزم رافع لواء أعداء القياس. وحجج الجمهور أنهم وجدوا أحكام الشريعة قائمة على علل ومعان معقولة يمكن إدراكها بطريق سائغ ومقبول فأجرَوا القياس على الحوادث المستجدة. وما استتر عليهم فهم علته توقفوا عنده، بلا تكلف ولا محاولة للي أعناق النصوص. وهذه حال أغلب أحكام العبادات. فضمنوا بذلك وفاء الشريعة بحاجات الناس، وبسط أحكام الدين على الحوادث المتجددة في كل زمان ومكان.
لأنه تعلق
والحق أن القياس في جوهره عمل في إطار النص الشرعي، بالكتاب والسنة في دلالاتهما على الأحكام لتوجيههما أولي الأبصار إلى
التفكر والاعتبار.
1) ابن حزم الإحكام 8: 98.
(2) الغزالي، المستصفى، 2: 230 باجو، أبو بعقوب الوارجلاني، 299 فما بعد.
?
271 (1/271)
صفحة 271
الباب الأول: اجتهاد التأصيل
المبحث الثاني: بناء القياس والتعليل:
-1 أسس القياس:
-
لم يختلف الأصوليون حول الأسس التي يقوم عليها القياس، واصطلحوا على تسميتها بأركان القياس وهي الأصل والفرع والعلة وحكم الأصل. أما حكم الفرع فهو ثمرة القياس ونتيجته. وقد ميّز ابن بركة هذه الأركان بقوله: والقياس لا يجوز إلا على أصل مجتمع عليه بين القائسين، ومن تعاطى الحكم في القياس ورام به، قد رجع إلى أصل بقياسه واستنباط علته وما اختلف فيه فلا يكون أصلا ولا يقاس عليه. والحكم عند القائسين حكمان حكم بأصل يوقف عليه، وحكم بفرع يقاس عليه. فحكم الفرع مستخرج بأصله، وحكم الأصل موقف عليه بعينه. ولو كان (حكم) الأصل مستخرجا، وحكم الفرع مستخرجا، كان لا فرق بين الفرع وأصله، وكان يكون الفرع أصلا والأصل فرعا» (1).
ووردت تعاريف موجزة لهذه الأركان عند السالمي: - الأصل: ويسمّى المقيس عليه، وهو ما ورد النص بحكمه، أو الصورة التي نزل فيها الحكم.
=
=
- حكم الأصل: وهو الحكم الشرعي الذي ورد به النص في الأصل، ويرد تعديته إلى الفرع. وقد يثبت هذا الحكم بالكتاب أو السنة أو الإجماع. وقيل إن دليل الحكم هذا هو أصل القياس، والأول هو المختار. - الفرع: ويسمّى بالمقيس عليه، وهو ما لم يرد نص بحكمه، ويراد أن يكون له مثل حكم الأصل بطريق القياس. - العلة: وهو الوصف الموجود في الأصل، والذي من أجله شرع الحكم
=
فيه. وبناء على وجوده في الفرع يراد تسويته بالأصل في هذا الحكم. - ونتيجة القياس وثمرته هي الحكم الذي يثبت للفرع بالقياس (2).
=
(1) ابن بركة، الجامع:1: 110/ 111 - 1: 417 419 وورد النص أيضا عند – العوتبي، الضياء، 3 22 - نجاد بن موسى الأكلة، 59.-83. - الكندي، المصنف، 1: 63. وهناك تصحيفات عديدة في هذه النسخ، المخطوط منها والمطبوع، وقد اعتمدنا المقارنة بينها للتصحيح.
(2) السالمي، طلعة الشمس، 2: 94/ 93 - الآمدي، الإحكام، 3: 277. -اطفيش، شامل الأصل
??
272 (1/272)
صفحة 272
الفصل الرابع: دليل القياس
ولم تتطرق المصادر الإباضيَّة لتفصيل شروط هذه الأركان، واكتفت بترديد عبارة ابن بركة إلا بعض إشارات تذكر أحيانا، كما ورد عند الكندي من منع قياس الأصول بعضها على بعض، فقال: «لا تقاس الأصول بعضها على بعض، والأصول ما جاء من الكتاب والسنة والإجماع. ويقاس ما لم يأت في الأصول على الأصول» (1).
ولما جاء السَّماخِي أولى هذه الأركان مزيد بيان، وفصل شروطها، وبخاصة منها شروط العلة (2). وكان صنيع السالمي على نفس المنوال (3).
=
وهذه الشروط لا تخرج عما اصطلح عليه أهل الأصول. ففي الفرع يُشترط أن يساوي الأصل في وجود العلة والحكمة إجمالا. - أما الأصل فيُشترط أن لا يتناول دليله الفرع بعمومه. وأن يكون حكمه
=
ثابتا لا منسوخا ويكون حكما شرعيا، إذ لا قياس في العقليات عند الجمهور، وفي اللغويات خلاف وأن لا يكون ذلك الحكم خارجا عن سنن القياس، كالأحكام التعبدية، والأحكام القاصرة على أفرادها كالقصر في السفر وبيع
العرايا.
وثمة شروط كثيرة مختلف فيها، عُني بها المتأخرون لما أصبح الأصول مجالا للبحث النظري وتفريع المسائل، وغلبت عليه الصناعة المنطقية، فتأثر بها إلى أبعد الحدود (4).
2 - أقسام القياس:
عمد الأصوليون إلى تقسيم القياس باعتبارات مختلفة. فالوارجلاني يصنفه إلى نوعين: القياس العقلي والقياس الشرعي والشرعي إلى جلي وخفي. ثم يتواصل التقسيم؛ فالجلي: نوعان قياس العلة المنصوصة وقياس العلة المستنبطة؛ والخفي أيضا نوعان: قياس الشبه وقياس الاستحسان (5).
والفرع، 1: 11.
1) الكندي، المصنف، 1: 49/ 48.
2 ينظر: الشماخي، شرح مختصر العدل تحقيق مهني التيواجني، 530 إلى 559.
3 السالمي، طلعة الشمس، 2: 93/ 102.
(4) السَّالِمِي، طلعة الشمس، 2: 93/ 102. 5) الوَارِخلاني، العدل، 3: 336.
273 (1/273)
صفحة 273
الباب الأول: اجتهاد التأصيل
E 3
والتحقيق أن القياس العقلي لا يندرج في إطار القياس الأصولي، بل
يعتبر ضمن دليل العقل في إثبات التوحيد والرسالة، وهو غالب ما استعمل القرآن في خطاب المشركين والحق فيه واحد لا يتعدد، وإنكاره بعد سماعه مكابرة للعقول (1). أما أقسام القياس الشرعي التي ذكرها الوَارجُلانِي فإن عادة الأصوليين أن لا يسموها قياسات، بل يُدرجونها تحت مبحث مسالك العلة، ويستقل الاستحسان بنفسه مصدرا للاجتهاد خارج القياس، أو هو استثناء من القياس. والوَار جلاني نفسه يفصل هذه الأقيسة في موضع آخر فيجعلها ستة: 1 - مفهوم الخطاب، 2 - قياس العلة المنصوص عليها، 3 - قياس المعنى، 4 - قياس
العلة المستنبطة 5 - قياس الشبه - قياس الاستدلال (2).
وهذا لا يعدو أن يكون ذكرا لمسالك أخرى للعلة.
أما السالمي فقد ضبط المسألة في قسمة رباعية محددة؛ فالقياس جلي
وخفي، وقياس علة وقياس دلالة.
وقال عن الجلي والخفي:
وقسموا القياس للجلي إن كان واضحا، وللخفي أما الجلي فهو ما قد عُلما أن الذي يفرق فيه عدما وعكسه الخفي إذ لم يُعلم عدمه لكنه يُظَنّ فاعلم (3)
وعن قياس العلة وقياس الدلالة قال: وإن يكن مصرحا بالعلة فيه فيُدعى بقياس العلة وإن يكن بلازم العلة لا بنفسها، فبالدلالة اجعلا (4) وبعض يسمي القياس الجلي بالقياس الأولوي، أو مفهوم الخطاب، أو
الفحوى، وكلها ذات معان متقاربة (5).
ويقسم نجاد بن موسى الجلي إلى ضربين
(1) الوار جلاني، العدل، 3: 337/ 336. (2) الوَارَجُلانِي، العدل، 3: 351. 3 السالمي، طلعة الشمس، 2: 151. (4) السالمي، طلعة الشمس، 2: 153. 5) الملشوطي، الأدلة، 5 ظ.
274 (1/274)
صفحة 274
=
الفصل الرابع: دليل القياس
نوع تناهى في الجلاء حتى لا يجوز ورود الشريعة في الفرع بخلافه،
كتحريم ضرب الوالدين المقيس على تحريم التأفيف في قوله تعالى: فَلَا تَقُل لمَا أَن وَلَا تَنْهَرْهُمَا [الإسراء: 23]. فلا يجوز في العقل أن يرد الشرع بتحليل التأفيف للوالدين وإباحة شتمهما. وكذلك قوله تعالى: {فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ} [الزلزلة: 7]. فمحال أن يُوفى العاملون ثواب الذرة ويُحرموا ما فوقها، لأن ذلك إبطال للنص من أصله.
ينهى عن
ذلك
= ونوع دون ذلك في الوضوح والجلاء، ويجوز في العقل أن يرد الشرع بخلافه كنهي القاضي أن يقضي وهو غضبان، فيجوز أن لا يـ في حال العطش أو الجوع أو ما شاكل ذلك. والتأويل يقضي أن ما سوى الغضب من جوع مفرط وألم مزعج بمنزلة الغضب في المنع عن القضاء، ولا يمنع أن يرد الشرع بالمخالفة بين الغضب وبين ما شابهه، فيباح له القضاء وهو يكابد العطش أو الجوع الشديدين (1).
=
أحدهما
كما قسم القياس الخفي أيضا إلى نوعين: - أحدهما أن يتجاذب الحادثة أصلان أو أصول بعضها يوجب تحريمها وبعضها يوجب تحليلها كالأرز والعدس ئجادبهما أصلان يوجب جواز التفاضل فيهما، والآخر تحريمه فبم نلحقه؟ بالأصناف الربوية أم بالأصناف المزكاة؟ و قد تعاوره أصناف الكيل والاقتيات، فما سلم من هذه الأوصاف وكان به أكثر شبها الحقناه به.
==
والثاني، أن لا يصح له وصف بعد السبر. وإنما يُنظر فيه إلى كثرة الأشباه، وقلتها كالعبد إذا وقعت عليه جناية، هل يُنظر فيه إلى الآدمية أم إلى المالية؟ فما كثرت فيه الأشباه الحقناه به وقومنا الجناية بناء على أمثاله في
ذلك (2).
وفي هذه الأقسام نرى تداخل الأنواع بناء على اختلاف الاعتبارات. وسنعرض لمزيد بيان لبعض هذه الأقسام في مبحث مسالك العلة، إذ هي
1) نجاد بن موسى، الأكلة، 82/ 81. 2) نجاد بن موسى، الأكلة، 82/ 83.
275 (1/275)
صفحة 275
الباب الأول: اجتهاد التأصيل
المحور الأساس في عملية القياس.
3 - شروط العلة
العلة أساس القياس عند أهل الأصول. ويختصر ابن بركة هذه القضية بقوله: «القياس لا يجوز إلا على علة، ولا يجوز أن يُقاس إلا على معلول أن يُرَدّ حكم المسكوت عنه إلى حكم المنطوق به بعلة تجمع بينهما. ولا يجب تسليم العلة لكل من ادعاها ولا تسلّم إلا بدليل، ولو جاز تسليمها بغير دليل لجاز لكل أحد أن يدّعي ما يشاء ويعتل به» (1).
وهو
والمتفق عليه أن النصوص ليست كلها معللة فبعضها ورد منصوصا على علته، كتعليل طهارة سؤر الهرة بأنها من الطوافين علينا. وبعضها تُدرك علته بالاستنباط، كعلة الربا في الأصناف الربوية الستة، وإن كانت هذه العلة محل خلاف بين العلماء. وقسم آخر لا مجال للتعليل فيه وهو أغلب الأحكام التعبدية، كأعداد الصلوات وركعاتها (2). والعلة المعتبرة عند ابن بركة أن تكون علة صحيحة، صحتها جريانها و اطرادها في معلولاتها» (3). ولئن اشترط ابن بركة لصحة العلة اطرادها، فإنه لم يعرفها بحد جامع مانع، بينما حددها العوئبي بطرق معرفتها، وأنها تدرك بوجهين: أحدهما أن تنصب العلة فتجري في معلولاتها، ولا يمنع من جريانها مانع. وثانيها ما يوجد الحكم بوجودها ويرتفع بارتفاعها كالتحريم في الخمر، فإنه معلق بالشدة، فإذا زالت شدتها ارتفع حكم التحريم (4). وإذا وجدنا هذه الشدة في النبيذ الحقناه بالخمر للعلة الجامعة بينهما (5).
(1) ابن بركة، الجامع 1: 140 - العوئبي، الضياء 3 - 21 - نجاد بن موسى، الأكلة، 53. الكندي، المصنف:1 52 النزوي، قواعد الهداية، 5 و.
(2) نجاد بن موسى الأكلة 54/ 53.
3) ابن بركة، الجامع، 2: 594. 4 العوئبي، الضياء، 3: 16.
5) ابن بركة الجامع، 1: 140 141 - العوئبي، الضياء، 3: 21 - نجاد بن موسى الأكلة، 53. الكندي، المصنف:1 52 - النزوي، قواعد الهداية، 5 و.
276 (1/276)
صفحة 276
K
الفصل الرابع: دليل القياس
الله على تحريم الخمر، وبين أن ينص على علة تحريمها. وفرق بين أن ينص
فإذا نص عليهما معا، ثبت التحريم والعلة كلها بالنص. وإن قال حُرمت عليكم الخمر لأنها تسكر وقيسوا عليه كل مسكر، وجب قياس كل مسكر عليها، ويكون ذلك بيانا للنص لا قياسا (1). والعلة الشرعية غير العلة العقلية، فالأولى تعتبر أمارة أو علامة على الحكم، والثانية موجبة له. وقد تفارق العلة الشرعية الحكم، أما العلة العقلية فلا تفارق معلولها. وإذا اشترطنا دوران العلة الشرعية مع حكمها وجودا وعدما، فليس ذلك للتلازم العقلي بينهما، بل لأن الشارع جعلها دلالة أو علامة على هذه
الأحكام، فهي تجري مجرى الأسماء في دلالاتها على مسمياتها (2). ولم نسمها علة في الشرع إلا لأن الشارع أضاف الحكم لها وناطه بها
وجعلها علامة عليه (3).
وقد استوفى السَّمَّاخِي والسَّالِمِي بيان صفات العلة وشروطها. وحدد السَّماخِي صفات العلة المتفق عليها بأن تكون: وصفا ظاهرا منضبطا (4). أما الشروط المختلف فيها، فأن تكون وصفا: - مجاوزا لا قاصرا، وإن صحح الشماخي التعليل بالعلة القاصرة، ولكن لا يجري بها القياس (5).
=
=
=
=
لازما لا، عارضا كالثمنية في الذهب والفضة لوجوب الزكاة.
- جليا، وقد يكون خفيا كالرضى في العقود.
- مفردا، وقد يكون مركبا، كما ذهب إليه الوارجلاني، كتعليل القوامة بالتفضيل وبالنفقة في قوله تعالى: الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَلَ الله بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ} [النساء:34] (6).
1) نجاد بن موسى، الأكلة، 62.
2) نجاد بن موسى الأكلة 71 - السالمي، طلعة، 2: 102/ 103.
(3) الغزالي، المستصفى، 2: 230.
4 - السالمي، طلعة، 2: 105.
الشماخي، شرح المختصر، تحقيق مهني التيواجني، 545.
6) الوارِخلاني، العدل، 3: 353.
277 (1/277)
صفحة 277
الباب الأول: اجتهَادُ التأصيل
=
E 3
وقد يكون اسما، كالتعليل بدم الحيض لترك الصلاة. وهو ما ذهب إليه ابن بركة من جواز التعليل بالاسم إذا تضمن معنى، كالزني الذي تريد به العرب الدخول في المضيق، فمن أدخل فرجه في مضيق سُمّي زانيا ووجب عليه الحد. فيقاس اللائط والواطئ في الدبر على الزاني الواطئ في الفرج (1). ويعتبر بعضهم هذا قياسا في الأسباب، فإن الله جعل الزنى سببا للحد، فيقاس عليه اللواط في كونه سببا للحد أيضا والقياس في الأسباب مجال خلاف بين الأصوليين كما سبق (2).
وقد تكون العلة حكما كحديث الخثعمية وفيه قاس النبي
العباد على دين الله).
كما جمع السالمي شروط العلة واستوعبها في:
=
=
=
- أن تكون العلة موجودة في الأصل وفي الفرع. أن لا يكون مانع يمنع من جريان العلة في الصورة المقيسة. - أن لا يعارض العلة نص أو إجماع. أن يكون حكمها مستقصيا، أي أن تكون العلة مطردة. وفي تخصيص العلة، وهو تخلف حكمها عنها في بعض الفروع خلاف؛ وجمهور الإباضية على منعه مطلقا.
=
=
=
=
- أن لا تعود العلة على أصلها بالإبطال.
: أن لا تكون العلة متأخرة عن حكم الأصل.
أن لا يكون الوصف عدَما، إذ لا تعلل الأحكام بالوصف العدمي.
ورجح السالمي جوازه.
=
أن تشتمل العلة على حكمة مقصودة للشارع. تحصيل المصلحة أو دفع المفسدة (4).
والحكمة
هي
1) ابن بركة، الجامع، 1: 123/ 124. 2 ينظر: الشوكاني، إرشاد الفحول، 195.
3) حول تفاصيل هذه الشروط ينظر: السَّالِمِي، طلعة، 2: 110/ 105. 4 حول تفاصيل هذه الشروط ينظر: السَّالِمِي، طلعة، 2: 115/ 119.
278 (1/278)
صفحة 278
4 - مسالك العلة:
الفصل الرابع: دليل القياس
الحديث عن طرق ثبوت العلة يتناول وجهين: أولا: ثبوت العلة في الأصل لا يكون إلا بالأدلة الشرعية من - نص في
=
=
الكتاب أو السنة. = أو إجماع - أو نوع استدلال مستنبط. ثانيا: أما ثبوتها في الفرع فيجوز بالشرع وبالحس ودليل العقل والعرف. ويمكن تصنيف هذه الطرق في محاور ثلاثة أو محورين هما: العلة المنصوصة والعلة المستنبطة.
=
العلة المنصوصة وتستفاد من = النطق الصريح. = أو الإيماء. = أو التنبيه.
أو الإجماع.
=
سبر
العلة المستنبطة: تتم بطرق الاستدلال، وهي - السبر والتقسيم. ويسمى تنقيح المناط. أو المناط. ومعناه أن يضيف الشارع الحكم إلى سببه وينوطه به وتقترن به اوصاف لا مدخل لها في الإضافة، فيجب حذفها عن الاعتبار، مثل إيجاب العتق على الأعرابي الذي جامع أهله في نهار رَمَضَان، فتحذف كل الصفات التي لا مدخل لها في الحكم، وتبقى صفة انتهاك حرمة الشهر.
=
- المناسبة، وتسمى تخريج المناط. وهو أن لا يتعرض الشارع لمناط الحكم وعلته، فيجتهد العالم للتعرف عليه واستخراجه مثل علة الربا في الأصناف الربوية الستة. وهذا الطريق هو الأغلب في المناظرات، ويعتمد على ظهور مناسبة بين الحكم ومناطه أو علته كمناسبة الإسكار للتحريم، فإزالة العقل
مناط تحريم الخمر (1). الشبه (2).
=
أما إثبات العلة بأي طريق كان فيسمى تحقيق المناط. وهو التطبيق العملي للنص على أرض الواقع، وذلك كالاجتهاد في تعيين الإمام وتقدير المقدرات،
1) الشماخي، شرح المختصر، تحقيق مهني التيواجني، 568. 2) حول تفاصيل مسالك العلة ينظر الشماخي شرح المختصر، تحقيق مهني التيواجني، 579/ 560 - السالمي، طلعة 2: 135/ 139. الغزالي، المستصفى، 2: 288/ 306.
-
279 (1/279)
صفحة 279
الباب الأول: اجتهاد التأصيل
E 3
والكفايات في نفقات الأقارب، وإيجاب المثل في قيم المتلفات (1). ولا نجد أصوليي الإباضيَّة على نسق واحد في إثبات هذه العلل، ولكنها
لا تعدو القسمة الثنائية إلى علل منصوصة وعلل مستنبطة.
- العلل المنصوصة:
اختار الوارجلاني تقسيم العلل المنصوصة بحسب مصدر ورودها،
=
فجعلها نوعين: - العلل المنصوصة من القرآن (2). - والعلل المنصوصة من السنة (3). فمن الأولى قوله تعالى: كَى لَا يَكُونَ دُولَةٌ بَيْنَ الْأَغْنِيَاء مِنكُمْ} [الحشر:7]. وقوله: إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلوة} [المائدة:91]. وقوله: {وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدُوا بِغَيْرِ عِلْمٍ [الأنعام: 108].
$
وأدرج في هذا القسم ما ينخرط في سلك العلل من الأسماء المشتقة، ومنها قوله تعالى: الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ} [النور:2]. وقوله: وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا} [المائدة: 38]. فالحكم على هؤلاء لأجل الزنى والسرقة، فقاسوا واطئ البهيمة على الزاني، والنباش على السارق، والنبيذ المسكر على الخمر (4).
وينص الوارجلاني أن أسماء الصفات إذا قرنها الباري سبحانه بحكم دلّت على التعليل، وفي التعليل أوضح الدليل على منهاج السبيل ... فاقتضت الزيادة في الأسماء التعليل كما يقتضيها الشرط. ولهذا المعنى كلفت العلماء استخراج العلل دون الصفات» (5).
وفسر الجيطالي قوله تعالى: يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلوةَ
1) الغزالي، المستصفى، 2: 230/ 234.
2) الوارجلاني، العدل، 3: 338. (3) الوار خلاني، العدل، 3: 339 (4 الوار جلاني، العدل، 3: 353.
(5) الوَارِ جلاني، الدليل، ط. عمان، 3: 145/ 144 - الوَارِجلاني، جواب الأبدلاني، 219/ 220.
?
280 (1/280)
صفحة 280
الفصل الرابع: دليل القياس
وَأَنتُمْ سُكَرَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا نَقُولُونَ} [النساء: 43]. بأنه «السكر من كثرة الهم، أو من حب الدنيا. وقيل إن المراد ظاهره وفيه تنبيه على سكر الدنيا، إذ بين فيه العلة فقال حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ} [النساء: 43]. فكم من مصل لم يشرب الخمر، وهو لا يعلم ما يقول في صلاته» (1).
أما السنة النبوية ففيها نماذج عديدة للتعليل، منها قوله: «إنما جعل
الاستئذان لأجل النظر» (2). وقوله: «إنما نهيتكم لأجل الدافة» (3). وقد يُفهم من خطاب النبي التعليل وإن لم يظهر في اللفظ، كقوله: «لا يقضي القاضي وهو غضبان (4). وقوله: «العينان وكاء السه، فإذا نامت العينان استطلق الوكاء» (5).
1) الجيطالي، قناطر الخيرات، 1: 357. 2) نص الحديث عند البخاري عَنْ سَهْلِ بْن سَعْدٍ قَالَ اطَّلَعَ رَجُلٌ مِنْ جُحْرٍ فِي حُجَرِ النَّبِيِّ ومَعَ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم مِدْرَى يَحُكَ بِهِ رَأْسَهُ فَقَالَ لَوْ أَعْلَمُ أَنَّكَ تَنْظُرُ لَطَعَنْتُ بِهِ فِي عَيْنِكَ إِنَّمَا جُعِلَ الاسْتِبْدَانُ مِنْ أَجْلِ الْبَصَر».
صحيح البخاري، كتاب الاستئذان، باب: الاستئذان من أجل البصر، حديث: 5896. السنن الكبرى للبيهقي، كتاب السرقة جماع أبواب صفة السوط، باب التعدي والاطلاع،
حديث: 16410.
3) صحيح مسلم، كتاب الأضاحي، باب بيان ما كان من النهي عن أكل لحوم الأضاحي بعد،
حديث: 3737.
سنن أبي داود، كتاب الضحايا، باب في حبس لحوم الأضاحي، حديث: 2444. موطأ مالك، كتاب الضحايا، باب ادخار لحوم الأضاحي، حديث: 1033. 4) أخرجه البخاري وغيره عن نفيع بن الحارث بألفاظ متقاربة. ولفظ البخاري (لا يقضينُ حَكَم بين اثنين وهو غضبان.
صحيح البخاري، كتاب الأحكام، باب: هل يقضي القاضي أو يفتي وهو غضبان، حديث: 6759. ولفظ مسلم لا يحكم أحد بين اثنين وهو غضبان.
صحيح مسلم، كتاب الأقضية، باب كراهة قضاء القاضي وهو غضبان، حديث: 3327. ولفظ ابن حبان (لا يقضي القاضي بين اثنين وهو غضبان». صحيح ابن حبان، كتاب البيوع، كتاب القضاء، ذكر الزجر عن أن يحكم الحاكم وحالته غير معتدلة في الاعتدال، حديث: 5140.
5) أخرجه الدارمي والدارقطني والبيهقي وأحمد عن معاوية بن أبي سفيان.
سنن الدارمي، كتاب الطهارة، باب الوضوء من النوم، حديث: 756. سنن الدارقطني، كتاب الطهارة، باب في ما روي فيمن نام قاعدا وقائما ومضطجعا، حديث: 520. معرفة السنن والآثار للبيهقي، اختيار المزني رحمه الله، حديث:266.
281 (1/281)
صفحة 281
الباب الأول: اجتهاد التأصيل
E
أما أفعاله فكسجوده للسهو (1)، وتخييره بريرة من زوجها (2). ويرى الوارجلاني أن هذه العلل المنصوصة كلها أقوى من المستنبطة، متى عقب بالفاء في خطاب ما تقدم أو ما يقوم مقامها من الحروف، ولم يمكن صرفه إلا إلى التعليل (3). فلم يميز بين العلل المنصوصة القاطعة والعلل المنصوصة الظاهرة، واكتفى
كما أنه
بوحدة المصدر فيها. جمع النصوص الدالة على العلة بالإيماء في مبحث واحد سماه قياس المعنى. ويُعرف بالتنبيه عند بعض الأصوليين. وهو إذا لاح وظهر مراد الشارع من نفس المقال أو شاهد الحال. كقول النبي: «لا يبولن أحدكم في الماء الراكد ثم يتوضأ منه» (4). فلاح من الحديث نجاسة الماء لنجاسة البول.
مسند أحمد بن حنبل، مسند الشاميين، حديث معاوية بن أبي سفيان، حديث: 16580. 1) وقد روت معظم كتب السنة سجود النبي للسهو. من أشهرها حديث ذي اليدين. ونصه عند البخاري عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ لا انْصَرَفَ مِن اثْنَتَيْنِ فَقَالَ لَهُ ذُو الْيَدَيْنِ أقَصُرَتِ الصَّلاةَ أَمْ نَسيت يَا رَسُولَ اللهِ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم أَصَدَقَ ذُو الْيَدَيْنِ فَقَالَ النَّاسُ نَعَمُ
فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَصَلَّى اثْنَتَيْنِ أَخرَيَيْن ثُمَّ سَلَّمَ ثُمَّ كَبَّرَ فَسَجَدَ مِثْلَ سُجُودِهِ أَوْ أَطْوَلَ». صحيح البخاري، كتاب الأذان أبواب صلاة الجماعة، والإمامة باب: هل يأخذ الإمام إذا شك بقول الناس؟، حديث: 693 صحيح مسلم، کتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب السهو في الصَّلاة والسجود له، حديث: 929. 2) أخرجه البخاري وغيره ولفظ البخاري: عن ابن عباس، أن زوج بريرة كان عبدا يقال له مغيث، كأني أنظر إليه يطوف خلفها يبكي ودموعه تسيل على لحيته، فقال النبي العباس: يا عباس، ألا تعجب من حب مغيث بريرة، ومن بغض بريرة مغيثا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لو راجعته؛ قالت: يا رسول الله تأمرني؟ قال: إنما أنا أشفع قالت: لا حاجة لي فيه».
صحيح البخاري، كتاب الطلاق، باب شفاعة النبي في زوج بريرة، حديث:4982.
سنن الدارقطني كتاب النكاح، باب المهر، حديث: 3304.
سنن الدارمي، ومن كتاب الطلاق، باب في تخيير الأمة تكون تحت العبد فتعتق، حديث:2257. 3 الوار جلاني، العدل، 3: 340/ 339
4) ورد الحديث بألفاظ متقاربة عن أبي هريرة.
صحيح البخاري، كتاب الوضوء، باب البول في الماء الدائم، حديث: 236.
صحيح مسلم، كتاب الطهارة، باب النهي عن البول في الماء الراكد، حديث: 450. سنن أبي داود كتاب الطهارة، باب البول في الماء الراكد، حديث: 63.
سنن الترمذي الجامع الصحيح، أبواب الطهارة عن رسول الله، باب كراهية البول في الماء
282 (1/282)
صفحة 282
E
الفصل الرابع: دليل القياس
وسبيل الغائط والخمر والنجاسات كلها سبيلها سبيل الماء. فلو راعينا الصورة لقلنا: إن من بال في كوز فصبه في الماء الدائم أنه يتوضأ منه ولا يناله النهي على مذاهب أصحاب الظاهر. وهذا خطأ، والقياس يقضي باتحاد المعنى والحكم فيها جميعا (1).
ويُعَدّ السَّماخِي سابقا في ضبط مسالك العلة المنصوصة وفق التقسيم
المعتمد لدى متأخري الأصوليين. وهي:
1 - النص وفيه نوعان، إما صريح وإما ظاهر.
=
- النص هو أقواها، كقوله تعالى: لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ [الحديد: 23]. وقوله: مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَاء يل} [المائدة:32]. الظاهر، وهو التعليل بألفاظ تفيد التعليل وتفيد غيره، وليست موضوعة للتعليل نصا. نحو لذلك، وبذلك، وعن كذا، ومنها دخول الفاء على الوصف
=
أو على الحكم. فدخولها على الوصف، كقوله صلى الله عليه وسلم في الشهداء: «زَمُلُوهم يكُلُومِهِم
فإنهم يُحشرون وأوداجهم تَشحَب دَمًا ... » (2). ودخولها على الحكم، كقوله تعالى: الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَة [النور: 2]. وقوله: وَالسَارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا
[المائدة: 38].
وكما تكون في لفظ الشارع، تدخل أيضا على لفظ الراوي، ومنه قول
الراكد، حديث: 66.
1) الوار خلاني، العدل، 3: 354.
2 لم يرد الحديث بهذا اللفظ، وأخرجه أصحاب السنن عن عبد الله بن المبارك.
ولفظه عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْن تَعْلَبَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم لِقَتْلَى أَحَدٍ زَمِّلُوهُمْ بِدِمَائِهِمْ فَإِنَّهُ لَيْسَ كَلْمٌ فِي اللهِ إِلا يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَدْمَى لَوْتُهُ لَوْنُ الدَّمِ وَرِيحُهُ رِيحُ الْمِسْكِ».
النسائي، السنن الصغرى، كتاب الجنائز، مواراة الشهيد في دمه، حديث: 1985.
283 (1/283)
صفحة 283
الباب الأول: اجتهاد التأصيل
الراوي: «سها النبي صلى الله عليه وسلم فسجد» (1)، و «زنا ماعز فرجم» (2).
2 - الإجماع:
وذلك كإجماعهم على ولاية مال الصغير لصغره. وهو مقدم على النص. 3 - التنبيه والإيماء: وهو استبعاد ذكر وصف مع الحكم لو لم يكن للعلة، فإذا ذكر هذا الوصف علم أنه للتعليل وإلا لم يكن لذكره فائدة، وينزه كلام الحكيم عن هذا. ومنه قوله: «سها النبي صلى الله عليه وسلم فسجد (3) وقوله: «لا يقضي القاضي وهو غضبان» (4)
ونوع آخر للإيماء، وهو أن يُذكر وصف لا على وجه التعليل، ولكن على وجه قريب منه كقوله صلى الله عليه وسلم في الهرة: «إنها من الطوافين عليكم والطوافات» (5).
-
ونوع ثالث، وهو أن يذكر النظير، كقبلة الصائم وقياسها على
1) أخرجه البخاري ومسلم وكتب السنن وغيرها عن أبي هريرة، وغيره، بألفاظ مختلفة. ويعرف بحديث ذي اليدين، لأنه سبب سجود السهو في الصلاة. وهو بهذا اللفظ عند أحمد والبيهقي عن
ابن مسعود. ولفظه: «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سها في الصلاة فسجد سجدتي السهو». بن حنبل، ومن مسند بني هاشم، مسند عبد
مسند أحمد حديث: 4210.
الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه، السنن الكبرى للبيهقي، كتاب الصلاة، جماع أبواب صفة الصَّلاة، باب عزوب النية بعد الإحرام،
حديث: 2094.
2 أحاديث رجم الزاني المحصن وردت بطرق كثيرة في كتب السنة. منها رواية البخاري عَنْ جابرٍ أَنَّ رَجُلاً مِنْ أَسْلَمَ جَاءَ النَّبي صلى الله عليه وسلم فَاعْتَرَفَ بالزنى فَأَعْرَضَ عَنْهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم حَتَّى شَهِدَ عَلَى نَفْسِهِ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ قَالَ لَهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم أَيكَ جُنُونٌ قَالَ لا قَالَ أَحْصَنْتَ قَالَ نَعَمْ فَأَمَرَ بِهِ فَرُحِمَ». صحيح البخاري، كتاب الحدود، باب الرجم بالمصلى، حديث: 6449. صحيح مسلم، کتاب الحدود، باب من اعترف على نفسه بالزني، حديث: 3288.
3 سبق تخريجه
4 سبق تخريجه.
5) أخرجه وأبو داود والدارقطني والحاكم عن أبي قتادة الأنصاري.
سنن أبي داود، كتاب الطهارة، باب سؤر الهرة، حديث: 68.
سنن الدارقطني كتاب الطهارة، باب سؤر الهرة، حديث: 187.
المستدرك على الصحيحين للحاكم، كتاب الطهارة، وأما حديث عائشة، حديث:518.
284 (1/284)
صفحة 284
E 3
*
من الربا.
الفصل الرابع: دليل القياس
المضمضة، فجعل مقدمة الجماع كمقدمة الشراب كلاهما لا ينقض الصيام. ونوع، رابع أن ينبه بالسؤال عن وصف واضح له مدخل في التعليل، كقوله: «أينقص الرطب إذا جف؟ قالوا: نعم، قال: فلا إذن» (1). فالنقصان علة منع استبدال التمر بالرطب، لأنه النوع الخامس للإيماء، التنبيه بالتفرقة بين الحكمين بوصفين، كإعطائه للفارس سهمين وللراجل سهما (2). وقوله: «القاتل لا يرث» (3). أو التنبيه بالغاية، كقوله تعالى: فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا نَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى
يطْهُرْنَ [البقرة: 222]. أو بالشرط، ومنه قوله: «إذا اختلف الجنسان فبيعوا كيف شئتم» (4). أو بالاستثناء، ومنه آية اليمين لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي
1) أخرجه أصحاب السنن وغيرهم عن سعد بن أبي وقاص. صحيح ابن حبان، كتاب البيوع، باب البيع المنهي عنه ذكر العلة التي من أجلها زجر عن بيع الثمر بالثمر، حديث: 5080
سنن أبي داود، كتاب البيوع، باب في التمر بالتمر، حديث:2932.
سنن ابن ماجه، كتاب التجارات باب بيع الرطب بالتمر، حديث: 2261.
سنن الترمذي الجامع الصحيح، أبواب الجنائز عن رسول الله، أبواب البيوع عن رسول الله باب ما جاء في النهي عن المحاقلة، حديث:1182.
2) أخرجه أصحاب السنن وغيرهم عن ابن عمر.
سنن أبي داود، كتاب الجهاد، باب فيمن أسهم له سهما، حديث: 2373.
السنن الكبرى للبيهقي، كتاب قسم الفيء والغنيمة جماع أبواب تفريق القسم، باب ما جاء في
سهم الراجل والفارس، حديث: 12038
سنن الدارقطني كتاب السير، حديث: 3663.
مسند أحمد بن حنبل، مسند المكيين حديث مجمع بن جارية، حديث: 15198. 3) أخرجه ابن ماجة والترمذي عن أبي هريرة، والدارمي عن علي بن أبي طالب.
سنن ابن ماجه، کتاب الديات، باب القاتل لا يرث، حديث: 2641.
سنن الترمذي الجامع الصحيح الذبائح، أبواب الفرائض عن رسول الله، باب ما جاء في
إبطال ميراث القاتل، حديث: 2086
سنن الدارمي، ومن كتاب الفرائض، باب: ميراث القاتل، حديث: 3029 4) أخرجه مسلم وغيره عن عبادة بن الصامت.
ولفظ مسلم: «فإذا اختلفت هذه الأصناف، فبيعوا كيف شئتم. صحيح مسلم، كتاب المساقاة، باب الصرف وبيع الذهب بالورق نقدا، حديث:3055. سنن أبي داود، كتاب البيوع، باب في الصرف، حديث:2924.
مسند
أحمد
بن حنبل، مسند الأنصار، حديث عبادة بن الصامت، حديث: 22138.
285 (1/285)
صفحة 285
الباب الأول: اجتهاد التأصيل
أَيْمَنِكُمْ وَلَكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَدتُمُ الْأَيْمَنَ} [المائدة: 89] (1).
- العلل المستنبطة:
E 3
القسم الثاني هو العلل المستنبطة، ويُعنى بها العلة التي لم يرد بها نص قاطع أو ظاهر أو إيماء.
واعتبر الوارجلاني قياس العلة المستنبطة أصل الفقه ومناط الأحكام، ووضع لذلك شروطا ثلاثة الإخالة والمناسبة، والإشعار. وأن تسلم من مبطلات ثلاثة رد النصوص، وهدم القواعد، ومصادمة الإجماع (2).
وقد حصر السالمي طرق العلة المستنبطة في خمسة، هي:
=
-1 السبر والتقسيم. وقد ذكرنا أنها تعرف بتنقيح المناط (3).
2 - المناسبة. وتندرج تحتها أنواع المناسب ومنه المناسب المرسل الذي انبثق عنه دليل المصالح المرسلة (4).
3 - الشبه. وفي بعض أمثلته خلاف بين الإباضية (5).
(1) الشماخي، شرح المختصر، تحقيق مهني التيواجني، 560/ 565. ونظم السالمي طرق العلة المنصوصة التي ذكرها الشماخي، فقال: وطرق العلة منها النص كذاك إجماع بها ين - نص والنص يأتي تارة صريحا نحو الأجل، وأتى تلويحا وعندهم هذا هو الإيماء إذ فيه للعلية الإيماء وذاك أن يذكر عند الحك سم وصف يرى استبعاده ذو فهم لو لم يكن لعلة قد ذكـ ـ ـرا وهو على مراتب كما ترى فمنه أن يذكر و صفينا سبا للحكم نحو: لا نولي طالبا والقاضي لا يقضي وفيه غضب وهذه أقواه ثم الرتب ومنه تنظير كما هل ي نقض يا سائلي صيامك التمضمض ومنه نحو: يخف الرطب إن جف، فالتعليل فيه يدأب ومنه فرق بين شيئين كما للفارس السهم ان مما غنم ا
السالمي، طلعة، 2: 127.
-
2 الوراجلاني، العدل، 3: 355 3 السالمي، طلعة 2: 138/ 135. (4 السالمي، طلعة 145/ 2:139. (5) السالمي، طلعة، 147/ 2:145.
?286
286 (1/286)
صفحة 286
E 3
له.
الفصل الرابع: دليل القياس
4 - الدوران. وقد عُني به ابن بركة، وأثبته ضمن مسالك العلة، واحتج
ويعرف بالاستقراء التام حيث تدور العلة مع الحكم وجودا وعدما (1). 5 - الطرد. وهو وجود الحكم لوجود العلة دون العكس. وفيه خلاف (2). وأشار الوارجلاني إلى بعض هذه العلل المستنبطة، كالتفرقة بين الشيئين،
كالغسل للجنابة والاستنجاء، فالاستنجاء للنجاسة والغسل للتعبد (3). كما ذكر من صور التفريق إسقاط الجزية عن النساء للنهي عن قتلهن
وكذلك إسقاط أحكام الظهور أيام الكتمان لعلة العجز (4). - قياس الشبه: قياس الشبه أوسع الأقيسة مجالا ومآلا. واستدلوا له بقوله تعالى: فَمَنِ أعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا أَعْتَدَى عَلَيْكُمْ [البقرة: 194]. وأساسه التشبيه واعتبار الأمثل والأغلب. فإن الناس تعتبر الرجل الأبيض أبيض ولو كان أسود الرأس واللحية والأسود أسود ولو كان أبيض الأسنان والعينين. والمعاصي والطاعات بمثابة هذا وقلما يخلص الصالح من معصية، وقلما يخلص الطالح من طاعة، والاسم للأغلب (5). وقياس الشبه أحد نوعي القياس الخفي، إذ هو قياس شبه وقياس
استحسان.
بل ذهب بعض إلى أن جميع القياس المعمول به هو قياس الشبه، لأن
1) السالمي، طلعة، 2: 150/ 147. وانظر أيضا: ابن بركة الجامع، 1: 142/ 141.-العوئبي، الضياء، 3: 21. الكندي، المصنف، 1: 52/ 53.
(2) السالمي، طلعة 2:150/ 151 - نجاد بن موسى، الأكلة، 89/ 91.
وفي طرق العلة المستنبطة قال السالمي: هذا وأما طرق المست ـ نبط ـــــه ولملدوران، الطرد الخلف قد بدا
السالمي، طلعة، 2: 133. 3 الوارجلاني، العدل، 3: 343.
4 الوارجلاني، العدل، 3: 344. 5 الوار جلاني، العدل، 3: 356/ 355.
سبر، مناسب و شبه، فا ضبطه في الكل لكن بعضها أقوى يدا
287 (1/287)
صفحة 287
الباب الأول: اجتهاد التأصيل
قياس العلل الشرعية قاصرة لا تكاد تطرد وتنعكس كالعلل العقلية. أما قياس الشبه فتراعى فيه المشابهة، ولو لم توجد علة تجمع بين الأصل والفرع (1). وهو ما قرره الغزالي من أن جل أقيسة الفقهاء ترجع إليه، إذ يعسر إظهار تأثير العلل بالنص والإجماع والمناسبة المصلحية (2). ونص في "المنخول" أنه قال به الشافعي ومالك وأبو حنيفة، إلا أبا إسحاق المروزي، ومثل له بإلحاق الأمة بالعبد في الحد، وإلحاق الدُّرَة بالأرز في الزَّكَاة (3).
وينقسم قياس الشبه إلى نوعين: حكمي وحسي.
1 - ومثل الفقهاء للشبه الحكمي بالعبد إذ ازدحمت الأشباه فيه فتعارضت العلل، واختلف العلماء في أحكام العبيد في الزَّكَاة والصدقات والوصايا والنكاح والشهادات والحدود والقصاص.
2 - أما الشبه الحسي، فيشهد له قوله تعالى: تَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنتُمْ حُرُمٌ وَمَن قَتَلَهُ مِنكُم مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاءُ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ} [المائدة:95]. فالبقرة في البقرة، والشاة في الشاة (4). والحقوا الجواميس بالبقر، والبرازين (5) بالخيل والأرز بالبر، وسووا البقرة الوحشية والحمار الوحشي في جزاء الصيد ... وأورد الوَارِجلاني نماذج أخرى منها قولهم في رجل هوي امرأة فقتل زوجها. أن المرأة تحرم عليه قياسا على قاتل وارثه ليرثه أن ماله يحرم عليه. وزاد آخرون فيمن خيب امرأة على زوجها أنها تحرم عليه (6).
ولعل هذه الأمثلة أنسب بباب سد الذرائع واعتبار الباعث والمقاصد في
التصرفات والمعاملات.
(1) الوار جلاني، العدل، 3: 345/ 344.
(2) الغزالي، المستصفى، 2: 312.
(3) الغزالي، المنخول، 378. 4 الوار جلاني، العدل، 3: 357/ 356.
5) لم تذكر قواميس اللغة البرازين بمعنى الحيوان. ومعنى البرزين إناء من قشر الطلع يُشرب فيه. أو هو كوز يُحمل به الشراب من الخابية. ابن منظور، لسان العَرَب، مادة برزن، 1: 256. وجاءت كلمة برز بمعنى الخروج إلى الفضاء، والبراز: المكان الفضاء الواسع من الأرض. وبرز الفرس على الخيل، سبقها. وقيل كل سابق مبرز - ابن منظور، لسان العرب مادة برز، 1: 255. ولعلها جمعت على برازين 6 الوار خلاني، العدل، 3: 346.
288 (1/288)
صفحة 288
الفصل الرابع: دليلك القياس
E 3
المبحث الثالث: مجالات القياس
يعتمد القول بالقياس على أساس تعليل الأحكام. ويتخذ الإباضية من التعليل الموقف الذي أرشد إليه القرآن من أن أفعال الله تعالى معللة بالحكمة، وتعالى الله أن يلزمه أحد أن يفعل شيئا أو لا يفعله. فهو لَا يُسْتَلُ عَمَّا يَفْعَلُ
وَهُمْ يُسْتَلُونَ [الأنبياء: 23]. ولكنه ل أخبرنا أن خلقه للكون كان بالحق وَمَا خَلَقْنَا السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ} [الحجر: 85]. مَا خَلَقْنَا
2 -
السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى} [الأحقاف:3]. وتنزه عن اللهو والعبث، وذلك عين الحكمة ومعناها، وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بينهما لعبينَ} [الأنبياء:16]. وبين أن الغاية من خلق الجن والإنس هو التكليف
والعبادة وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات: 56]. بل إن القرآن نفسه قد اقتضت حكمة الله تعالى أن يكون فيه مفصل ومجمل. ولئن اتضحت حكمة المفصل في إلزام التكليف وإقامة الحجة، فإن حكمة المجمل تتجلّى في استعداد المكلف للامتثال، فيثاب بنفس الاستعداد
لأنه حقق معنى العبودية، حتى وإن لم ينزل بعد بيان لذلك الإجمال (1). من هذا المنطلق اختلفت أنظار الناس في تحديد مجالات القياس، وذكر ابن بركة أنه: «ذهب بعضهم إلى إثباته في التوحيد و الأحكام جميعا، وذهب آخرون إلى إثباته في التوحيد ونفيه في الأحكام، وذهب آخرون إلى إثباته في الحكم ونفيه في التوحيد، وذهب آخرون إلى نفيه في الحالين جميعا؛ وهذا قول داود وبعض أصحاب الحديث» (2).
ولم يبين ابن بركة موقفه من هذه المذاهب. ثم ردد اللاحقون عبارته دون ترجيح لموقف محدد. والذي اتفقت عليه كلمة الإباضية قديما وحديثا أن قضايا التوحيد والاعتقاد قضايا، يقينية لا تثبت إلا بأدلة قطعية والقياس دليل ظني، فلا
1) السالمي، طلعة، 1: 6.
2) ابن بركة الجامع:1 155. العوئبي، الضياء 3 - 22 - نجاد بن موسى، الأكلة، 55. الكندي، المصنف:1 57 النزوي، قواعد الهداية، 6 ظ.
289 (1/289)
صفحة 289
الباب الأول: اجتهاد التأصيل
E
مدخل له في قضايا التوحيد، ثم تتسع له دائرة الأحكام بأقسامها. وتختلف أنظار العلماء في تحديد مجال تعليل الأحكام بين مضيق وموسع. والإباضية على القول بالتوسعة، وإن كان هذا لا يستلزم إجراء القياس في كل حكم معلل، إذ قد تكون العلة قاصرةً لا تعدو محل الحكم. فقد قرر الملشوطي أن كل أمر في الشرع أو نهي فله معنى لأجله حظر أو أبيح، غير أن ذلك على ضربين:
ما عقلناه في الجملة مصلحة للمكلّف، واستأثر الله تعالى بعلم معناه
على التفصيل، فإنا لا نرى القياس عليه، كقوله تعالى في الصَّلاة إنها تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ} [العنكبوت: 45]. فعلمنا أن كل ما نهى عن ذلك في الجملة، فواجب كوجوبها قياسا عليها،
ولم نعلم المعنى في عددها وصفاتها ومواقيتها؛ فلم نقس عليها. ومنه ما ورد النص بمعناه، كقوله تعالى في الخمر والميسر إنهما سبب يصد عن ذكر الله وعن الصَّلاة إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَنُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَيْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلوة} [المائدة:91]. وقوله
تعالى: مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرءيل} [المائدة:32]. أي من أجل كثرة القتل وفساد الأمر. وقوله كَى لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأغنياء مِنكُمْ} [الحشر: 7]. ونحو ذلك.
ومنه ما عُقل بالاستنباط، ولا يتم إلا بأربعة شرائط، أصل وفرع وعلة
وحكم» (1). ولم يحدد الإباضية للقياس مجالا من الأحكام دون مجال. واكتفوا بصلاحية الحكم للتعليل وكون علته، متعدية فأخروا القياس، ولم يدخلوا في الجدل الذي قام بين الجمهور والحنفية حول تحديد مجالات القياس. وإن كان موقفهم الجمهور في جواز القياس في العبادات والمعاملات، وفي الحدود
متفقا
1 - الملشوطي، الأدلة والبيان، 5 ظ.
290 (1/290)
صفحة 290
*
،
الفصل الرابع: دليل القياس
والكفارات أيضا (1). بينما منع الحنفيّة ثبوته في الحدود والكفارات، فالحدود تشتمل على تقديرات لا تعقل كعدد المائة في الزنا، والثمانين في القذف؛ فلا مدخل للعقل في إدراك حكمته، والقياس فيه مظنة الخطأ، فكان ذلك شبهة، والحدود تدرأ بالشبهات. كما أن جانب التعبد ظاهر في الكفارات، مما جريان القياس فيها (2).
يمنع
كما منع المالكية وبعض الحنفية والشافِعِيّة القياس في الأسباب والشروط
والموانع (3). ولم يُشر الإباضية إلى هذه القضايا، ولم يُنظروا لها أثناء حديثهم عن القياس، وكان موقفهم عمليا إلى أبعد الحدود. فقد أوردوا في اجتهاداتهم عديدا من المسائل التي بنيت على القياس وتوزعتها جل أبواب الفقه، في العبادات والمعاملات والحدود والكفارات واللغات. ولا تسع دراسة تأصيلية محدودة لاستيعاب هذه المسائل. وإنما نجتزئ نماذج من بعض الأبواب للتمثيل والتدليل. وفي هذه النماذج يكون القياس بناء على العلة، منصوصة كانت أم مستنبطة، كما يكون قياس شبه، وهو كثير كما نص عليه الوارجلاني والغزالي، وقد يكون اختلاف الحكم لاختلاف العلل، أو غير ذلك من سبل
التعرف على العلة.
-
-1 القياس في العبادات: - في الطهارات:
=
- روى الربيع في مسنده عن أبي عبيدة عن جابر بن زيد قال: سمعت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إذا وقع الذباب في إناء أحدكم فامقلوه، فإن في أحد
1) الغزالي، المستصفى 2 332 ابن قدامة روضة الناظر:2: 343.-البيضاوي، منهاج الوصول، 3 31 - شرح الأسنوي 4 35 الآمدي الإحكام:4: 82 فما بعد. -الباجي،
الإشارات، 110 الشوكاني، إرشاد الفحول 196 الزحيلي أصول الفقه، 1: 706. 2) ابن عبد الشكور مسلم الثبوت 2: 317 النسفي كشف الأسرار، 1: 386. - الشوكاني، إرشاد الفحول 196 - الزحيلي أصول الفقه 1: 706. 3) الآمدي، الإحكام، 4: 86 - مسلم الثبوت، 2: 319 الشوكاني، إرشاد الفحول، 195. . الزحيلي أصول الفقه، 1: 710.
291 (1/291)
صفحة 291
الباب الأول: اجتهاد التأصيل
جناحيه داءً وفي الآخر شفاء، وإنه يقدم الداء ويؤخر الدواء» (1). وقال أبو عبيدة عن عبيدة عن جابر بن زيد: وهذا يدل أن الذباب وما يشبهه مما ليس له دم لا ينجس ما وقع فيه» (2). فهذا قياس شبه. وهو ما أكده حديث إذا ماتت الفأرة في السمن فإن كان ذائبا فأريقوه، وإن كان جامدا فألقوها وما حولها» (3). وعقب الجيطالي: أن غير الفارة ما أشبهها قياسا كالعصافير والحيات وجميع الحشرات. وضابط ذلك: أن تكون له نفس سائلة، مجتمع فيه اللحم والعظم (4).
جميع
من
- وفي تحريم سؤر السباع استدل ابن جعفر - نقلا عن ابن بركة بالقياس على الخنزير، لأن الإجماع حاصل أن لحمه ولبنه حرام، وسؤره نجس، فوجب أن يكون كل ما حرم لحمه ولبنه من السباع، فسوره نجس (5). وذهب بعض إلى نجاسة سؤر الهرة لأنها من السباع، وأما حديث إصغاء النبي الإناء لها، وقوله: إنها من الطوافين عليكم» (6) فهو تخصيص لها من جملة السباع لعموم البلوى بها وعدم امتناع الناس منها. ويقاس عليها الفأرة. وذهب بعض إلى أنها من الهوام فلا ينجس سؤرها أصلا (7).
1) الربيع، الجامع الصحيح، باب 63. حديث 371. ج 1، ص 94. وورد بلفظ "فامقلوه عند أبي داود وابن ماجة وابن حبان. سنن أبي داود، كتاب الأطعمة، باب في الذباب يقع في الطعام، حديث: 3364.
سنن ابن ماجه، كتاب الطب، باب يقع الذباب في الإناء، حديث: 3502. صحيح ابن حبان، كتاب الطهارة، باب المياه ذكر الأمر بغمس الذباب في الإناء إذا وقع فيه
حديث: 1263.
2 الربيع، الجامع الصحيح، باب 63 حديث 372. ج 1، ص 94.
(3) ورد الحديث بألفاظ متقاربة: أبو داود والترمذي وابن حبان.
سنن أبي داود، كتاب الأطعمة، باب في الفأرة تقع في السمن، حديث: 3363.
صحيح ابن حبان، كتاب الطهارة، باب النجاسة وتطهيرها، حديث: 1410.
سنن الترمذي الجامع الصحيح الذبائح، أبواب الأطعمة، باب ما جاء في الفأرة تموت في السمن،
حديث: 1768.
4) ابن جعفر، الجامع 1: 272 - الجيطالي، قواعد، 1: 135/ 136.
5) ابن جعفر، الجامع، 1: 273.
6 سبق تخريجه
ابن جعفر، الجامع، 1: 350/ 351.
292 (1/292)
صفحة 292
الفصل الرابع: دليل القياس
E 3
- ومن قياس الشبه أيضا اختلاف الناس في أبوال الدواب، مع اتفاقهم في نجاسة بول الآدمي وبول الخنزير.
وعندنا أن الأبوال كلها نجسة، للآية وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبيثَ [الأعراف: 157]. والأبوال كلها مما تجتنب وتستقذر، وهو في حيز الخبائث. وذهب بعض الحَنَفِيّة إلى طهارة بول ما يؤكل لحمه، ونحن تحكم بنجاسة كل الأبوال والدليل على ذلك أنا رأينا فيما لا يؤكل لحمه شيئين مانعين الدم والبول. فلما اتفقنا جميعا على أن حكم دم ما يؤكل لحمه
=
كحكم دم ما لا يؤكل لحمه؛ كان البول بالبول أشبه في باب القياس» (1). وطال الخلاف سؤر المشرك، وأورد ابن بركة الأقوال فيه «فقال داود إن المشرك، نجس، وسؤره طاهر، وقال أبو حنيفة سؤره طاهر أيضا، وسؤر الكلب نجس، وللإمام مالك فيه قولان» (2). ثم رجّح أن المشرك كلب نجس، وحشد لهذا الرأي جمعا من الأدلة من قبل أن الله تعالى سماه نجسا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسُ [التوبة: 28]. وسمّى المشركين قردة وخنازير، وسمّى الكافر كلبا، فقال: فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الكلب} [الأعراف: 176]. وقال: إنَّ شَرَّ الدَّوَاتِ عِندَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ} [الأنفال: 55] وقال: أَوَلَيْكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ} [البينة: 6]. فأخبر أنه لا أحد ممن خلق أو برأ أنه أشر من الكافر (3). واختلفت الأقوال في نجاسة دم الرعاف. فمذهب الإباضية والحنفية أنه نجس قياسا على دم الاستحاضة، وأنهما ينقضان الطهارة. وذهب مالك والشافعي إلى أن دم الرعاف لا ينقض الطهارة، لأن علة نقض الطهارة من دم الاستحاضة أن مخرجه مخرج النجاسات ومخرج الرعاف ليس كذلك (4).
1) ابن بركة، الجامع، 1: 393/ 392. 2 السرخسي المبسوط:1 48/ 47 - الكاساني، بدائع الصنائع، 1: 64. – ابن جزي، القوانين الفقهية 38 - الزحيلي الفقه الإسلامي وأدلته، 1: 129/ 130.
،
3 ابن بركة، الجامع، 1: 400/ 399. (4) ينظر: ابن قدامة المغني:1: 175. ابن جزي القوانين الفقهية.31. - الشيرازي، المهذب، 1: 46 - السرخسي، المبسوط:1: 83 - الزحيلي، الفقه الإسلامي وأدلته، 1: 268.
293 (1/293)
صفحة 293
الباب الأول: اجتهاد التأصيل
:
حرم
الله
الاستحاضة
والحجة على نجاسته كما يوردها ابن بركة، أن الجميع دم، وقد الدم حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنزير} [المائدة:3]. ودم ينقض الطهارة بإجماع. وقول النبي عن دم الاستحاضة: «إنه دم عرق» (1) تنبيه على العلة ودم الرعاف دم عرق فكل دم عرق فهو نجس وناقض للطهارة. وإذا كان القياس على أصلين أو ثلاثة أصول فهو أقوى من التعلق بأصل واحد، والسنة تؤيده وحكم الشريعة يوجبه، فيجب أن يكون هذا أولى وأقوى في باب الاحتجاج (2).
وعقب ابن بركة على هذا الخلاف بقوله: وكل قد اجتهد وقاس وشبه
الحادثة إذا وردت بأصل متفق عليه من الكتاب والسنة والإجماع» (3). - ومن صور القياس الأولوي قول أصحابنا أن المستحاضة تجمع بين الصلاتين وتغتسل لهما غسلا واحدا والذي ذهب إليه أصحابنا أنظر من قول مخالفينا الذين أوجبوا لها الغسل لكل صلاة على انفراد. لأنه بالسنة أشبه. على أنا إن سلّمنا الطعن في خبر عائشة من طريق النظر. والجمع للمسافر وجب باتفاق لمشقة السفر والمستحاضة أولى بذلك لأن المشقة عليها في حال استحاضتها أعظم. وإن كان خبر عائشة صحيحا، فالتسليم للسنة أولى من النظر. ولا حظ للنظر مع وجود السنة» (4).
1) هذا جزء من حديث فاطمة بنت حبيش، وكانت تستحاض. فأخبرها النبي صلى الله عليه وسلم أن ذلك ليس بدم حيض بل هو دم عرق. والحديث ورد عن عائشة بألفاظ متقاربة. ولفظ البخاري: (عن عائشة، أن فاطمة بنت أبي حبيش، كانت تستحاض، فسألت النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «ذلك عرق وليست بالحيضة، فإذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة وإذا أدبرت فاغتسلي وصلي
صحيح البخاري، كتاب الحيض، باب إقبال المحيض وإدباره، حديث: 316. صحيح مسلم، کتاب الحيض، باب المستحاضة وغسلها وصلاتها، حديث: 529. صحيح ابن حبان كتاب الطهارة، باب الحيض والاستحاضة، ذكر وصف الدم الذي يحكم لمن وجد فيها بحكم الحائض، حديث: 1364.
=
2) ابن بركة، الجامع:1: 112/ 111. 1 417/ 416 = 1: 419/ 418 - الكندي، المصنف،
64/ 63:1
(3) ابن بركة الجامع 1: 112 4 ابن بركة، الجامع، 2: 237.
294 (1/294)
صفحة 294
الفصل الرابع: دليل القياس
وهذا نموذج رائع للاعتدال والإنصاف والتزام الدليل. - كما قاسوا المغمى عليه على الحائض في عدم قضاء الصَّلاة، والسنة أن الحائض لا تقضي الصَّلاة، إذ لم تُلزم بفرضها حال حيضها، والذي ذكرنا من المغمى عليه أشد منها حالاً، فوضع الفرض عنه. وإن قال قائل في النائم: ما تقولون؟ فجوابنا أنه مخالف للمغمى عليه، لأن المغمى عليه واهي الجوارح مريضها، والنائم صحيح العقل ولهم السبيل إلى إيقاظه، وليس لهم سبيل إلى تنبيه المغمى عليه، فقد اختلفا» (1).
فقد سوّى بين المغمى والحائض في الحكم لاستواء العلة، كما فرّق بين النائم والمغمى في الحكم لاختلاف العلة. وفي مسألة الوضوء مما مسته النار، فقد سئل جابر بن زيد عن رجل يأكل الطعام وقد طبخ على النار، والشراب، ثم يصلي قبل أن يتوضأ، قال: نعم، كان ابن عباس يقول: أتكرهون أن تصلوا إذا أكلتم وشربتم بشيء مسته النار؟ وتتوضؤون بالماء الذي يسخن بالنار، وتغتسلون من الجنابة؟ وكيف يحل به الغسل من الجنابة وتكرهون شربه؟» (2).
فقد بيّن لهم أن لا فرق في الحكم ما دامت العلة متحدة في الجميع. واعتمدت عائشة القياس في نقض الوضوء بالسباب، إذ رُوي عنها أنها كانت توجب إعادة الطهارة من الكلمة الخبيثة، وتقول: يتوضأ أحدكم من الطعام الطيب ولا يتوضأ من الكلمة العوراء يقولها لأخيه ... وهذا يدل على أنها كانت ترى نقض الطهارة من الكذب المتعمد عليه، على ما يذهب إليه الإباضية (3).
- في الصلاة:
=
- الأذان ذكر ابن بركة أن كثيرا من أصحابنا قالوا بجواز الأذان قبل دخول الوقت لصلاة الجمعة والفجر، بدليل حديث إن بلالا يؤذن بليل
1) الخراساني، المدونة الكبرى، 1: 194/ 195.
2 جابر بن زيد، کتاب جابر 10
3) ابن بركة الجامع:1 113 - الكندي، المصنف، 1: 65.
(4) أخرجه البخاري ومسلم عن عائشة. وابن حبان والترمذي عن ابن عمر. صحيح البخاري، كتاب الأذان باب أذان الأعمى إذا كان له من يخبره، حديث: 600.
6 (4)
295 K
295 (1/295)
صفحة 295
الباب الأول: اجتهَادُ التأصيل
فاتته
فردوا الجمعة قياسا على السنة من فعل بلال والعلة المشتركة بين الجمعة والفجر أن أكثر عادة الناس في أيام النبي أن صلاة الصبح تفوتهم عند النبي، كانت الجماعة عنده إذا فاتت لم تلحق وكذلك الجمعة إذا اشتغل الناس عنها بنوم أو بغيره وفاتت لم تلحق. وغير الجمعة يلحقها إمام أو غيره والقول الثاني لأصحابنا أن الأذان لا يجوز قبل الوقت إلا لصلاة الفجر. ورجّحه ابن بركة لحديث إذا حضرت الصلاة فأذنا وأقيما» (1). وهو ظاهر في عدم جواز الأذان قبل الوقت، وبقي الفجر مخصوصا
النهي (2).
من
من
جملة
وقياس الجمعة على الفجر غير مسلّم، لأنه كان على مسألة استثنائية. ولكن أصحاب هذا القول لم يعتمدوا القياس وحده، بل ذكروا في تقديم أذان الجمعة آثارا رويت في ذلك (3)، فإن بطل قياسهم بقيت لهم تلك الآثار،
صحيح مسلم، کتاب الصيام، باب بيان أن الدخول في الصوم يحصل بطلوع الفجر، حديث: 1892. صحيح ابن حبان، کتاب الصوم، باب السحور، ذكر الأمر بأكل السحور لمن يسمع الأذان للصبح بالليل، حديث: 3529 سنن الترمذي الجامع الصحيح، أبواب الطهارة عن رسول الله، أبواب الصلاة عن رسول الله، باب ما جاء في الأذان بالليل حديث: 192.
(1) أخرجه البخاري وابن ماجة وأحمد عن مالك بن الحويرث
صحيح البخاري، كتاب الأذان أبواب صلاة الجماعة والإمامة باب: اثنان فما فوقهما جماعة
حديث: 638.
سنن ابن ماجه كتاب إقامة الصَّلاة، باب من أحق بالإمامة، حديث: 975.
مسند أحمد بن حنبل، أول مسند البصريين بقية حديث مالك بن الحويرث، حديث:20044. (2) ابن بركة الجامع 1: 440. - أبو إسحاق الحضرمي الدلائل والحجج، 19 و. 3 ثبت في الصحاح أن النبي كان يصلي الجمعة في وقت الظهر، وهو ما رواه البخاري عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ رَضي الله عَنْه أَنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم كَانَ يُصَلِّي الجُمُعَةَ حِينَ تَمِيلُ الشَّمْس».
صحيح البخاري، كتاب الجمعة، باب وقت الجمعة إذا زالت الشمس، حديث:877. والمسألة خلافية بين الفقهاء، فقد أورد الترمذي مثل رواية البخاري وذكر الاختلاف في المسألة. عَنْ أَنس بن مَالِكِ أَنَّ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم كَانَ يُصَلِّي الْجُمُعَةَ حِينَ تَمِيلُ الشَّمْس قَالَ أَبُو عِيسَى حَدِيث أنس حَدِيثَ حَسَنٌ صَحِيحٌ وَهُوَ الَّذِي أَجْمَعَ عَلَيْهِ أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّ وَقْتَ الْجُمُعَةِ إِذَا زَالَتِ الشمس كَوَقْتِ الظُّهْرِ. وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِي وَأَحْمَدَ وَإِسْحَق وَرَأَى بَعْضُهُمْ أَنَّ صَلَاةَ الْجُمُعَةِ إِذَا صلِّيَتْ قَبْلَ الزَّوَالِ أَنَّهَا تَجُوزُ أَيْضًا. و قَالَ أَحْمَد وَمَنْ صَلَاهَا قَبْلَ الزَّوَالِ فَإِنَّهُ لَمْ يَرَ عَلَيْهِ إِعَادَةً سنن الترمذي الجامع الصحيح، أبواب الجمعة، باب ما جاء في وقت الجمعة، حديث: 486. وذكر الزحيلي عن الشَّافِعِيّة أنهم أجازوا الصَّلاة عند الاستواء يوم الجمعة، لورود استثنائها في
296 (1/296)
صفحة 296
الفصل الرابع: دليل القياس
إن سلمت من جهة الإسناد.
أهله» (3).
وورد في المدونة الكبرى في سجود السهو عن علي بن أبي طالب والشعبي وابن سيرين أنه لا سهو في نافلة. وقال ابن عباس والحسن وابن جبير إن فيهما سجدئي السهو. ورجّحه الشيخ اطفيش، لأن من دخل في النفل وجب عليه أن يتمه، ومن إتمامه سجود السهو. وفي الحديث من الزم شيئا لنفسه الزمناه. له (1) فسجود السهو في النافلة سنة واجبة (2). وعن الربيع عن أبي عبيدة عن جابر بن زيد فيها (أي النافلة) سجدتا السهو والسنة في سجدتي السهو أنهما واجبتان في الفريضة. وفي القياس التطوع مثله، لأن فرض الحج وتطوعه سواء فيما يصنع وفي قضاء الصلاة بالتيمم قال ابن بركة: «واختلف أصحابنا فيه إذا وجد الماء وقد خرج الوقت فقال بعضهم عليه قضاء تلك الصلاة، لأنه صلاها بغير طهارة ... وقال بعضهم: لا قضاء عليه. وهذا القول عندي أنظر، لأنه صلى كما أمر، فوجود الماء بعد خروج الوقت لا يوجب عليه قضاء قد زال في وقته ... ولأن القضاء إيجاب لفرض ثان، ولا يجب إلا بخبر يوجبه التسليم، لأن الله تعالى قد فرق بين العاجزين في الحكم، فأوجب على العاجزين عن الصوم القضاء، ولم يوجب على العاجزين عن الصلاة القضاء.
بعض الروايات، منها خبر أبي قتادة عند أبي داود، وفيه عَنْ أَبِي قَتَادَةَ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ كَرِهَ الصَّلاة نِصْفَ النَّهَارِ إِلا يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَقَالَ إِنَّ جَهَنَّمَ تُسَجِّرُ إِلا يَوْمَ الْجُمُعَةِ قَالَ أَبو دَاود هُوَ مُرْسَلٌ مُجَاهِدٌ أَكْبَرُ مِنْ أَبِي الْخَلِيل وَأَبُو الْخَلِيل لَمْ يَسْمَعْ مِنْ أَبِي قَتَادَةَ». سنن أبي داود، كتاب الصَّلاة، تفريع أبواب الجمعة، باب الصلاة الجمعة قبل الزوال يوم
حديث: 928
وإن كان في الحديث ضعف، فقد تأيد بعمل الصحابة. ينظر الزحيلي الفقه الإسلامي وأدلته، 1: 524
ولكن جاء في المهذب أنه لا تصح صلاة الجمعة إلا في وقت الظهر، لأن وقتهما واحد. الشيرازي، المهذب، 1: 111.
أما الحنابلة فقد أجازوها قبل الزوال ابن قدامة، المغني، 2: 210.
(1) لم أجده في كتب الحديث المتوفرة. ونسبه صاحب موسوعة أطراف الحديث" إلى كتاب "أحاديث القصاص" 10.
2 الخراساني، المدونة الكبرى 1: 102
3) الخراساني، المدونة الكبرى، 1: 102/ 103.
297 (1/297)
صفحة 297
الباب الأول: اجتهَادُ التّأصِيـ
E 3
والقياس يؤيد ما اخترناه، لأن القياس صحيح أن يشبه الصلاة بالصلاة أولى
من أن يشبه الصلاة بالصوم» (1). وبين ان الله أسقط الصَّلاة عن المرأة حال الحيض والنفاس، لعجزها عن الطهارة، ولا بدل عليها وكذلك يجب أن تسقط عن الرجل الطهارة حال العجز. والأمر في الصوم خلاف ذلك، إذ يجب قضاؤه اتفاقا (2).
- وفي الصلاة في الدار المغصوبة حكم ابن بركة ببطلانها، وردّ على من قال بتصحيحها، بحجة أن الله أوجب أحكاما بوطء محرم، وأثبت به أموالا ونقل الأملاك بالبياعات المنهي عنها، وأثبت الحدود بالسوط الذي غصبه الإمام. فرددنا هذه الصَّلاة - وإن كان منهيا عن فعلها في الغصب ـ إلى ما ذكرناه من وطء وبيع وإقامة حد، قياسا.
-
وكان جوابه عن هذا الاستدلال أنه تشبيه لغير متشابه، «لأن من شأن القائسين أن لا يردّوا شيئا إلى شيء إلا بعلة تجمع بينهما ... ) (3)، وليس ثمة علة جامعة بين الصلاة والبيع، فالبيع أصل والصَّلاة أصل. وليس من القياس رد أصل إلى أصل (4).
واستفاض في نقاش القائلين بصحة هذه الصَّلاة والقضية ترجع في أصلها إلى مبحث دلالة النهي على الفساد.
= وبين ابن بركة أن القهقهة في الصَّلاة تنقضها وتنقض الطهارة تعظيما لشأن الصَّلاة، ولا تنقض الطهارة في غير الصَّلاة ولا يُنكر هذا في الشرع، ولا يجب أن يقاس على غيرها، وهي سنة على حيالها، ولكن إذا وجدت حادثة في معناها جاز أن يقاس عليها. ألا ترى أن النوم مضطجعا ينقض الطهارة والنوم في حال القعود لا ينقضها ولو نام إنسان على وجهه في السجود انتقضت طهارته إذا لم يكن في الصَّلاة، ولو كان نومه في حال السجود
1) ابن بركة الجامع، 1: 349/ 347.
2 ابن بركة الجامع، 1: 347/ 349. 3) ابن بركة، الجامع، 1: 525/ 524. 4) ابن بركة، الجامع، 1: 525.
298 (1/298)
صفحة 298
E
الفصل الرابع: دليل القياس
للصلاة لم تنتقض طهارته. ومثل هذا في الشرع لا يُنكر (1). وفي الجمع بين الصلاتين في عرفة ومزدلفة وفي السفر؛ قال الجيطالي: وأجازه أصحابنا في جميع ذلك، وفيما يشبهه مما تلحق فيه المشقة، كالمستحاضة والمبطون والمريض الذي يخاف أن يُغشى عليه ولمن خفيت عليه أوقات الصلاة بالسحاب، وأشباه ذلك. قياسا على المتفق عليه من الجمع في عرفة ومزدلفة وفي السفر، لاستواء العلة في الجميع، وهي الرخصة لأجل السفر» (2). وإدراك العلة مفتاح التمييز بين الأحكام. فقد أورد الإمام السالمي حديث النبي صلى الله عليه وسلم من سمع النداء فلم يُجب فلا صلاة له إلا من عذر، قيل له: يارسول الله وما عذره؟ قال: خوف أو مرض» (3).
العلماء
من
وفي حديث آخر قال: إذا ابتلت النعال، فالصَّلاة في الرحال» (4). ففهمت هذه الأحاديث أن فرض الجمعة والجماعة يسقط بما إذا حصل عذر يشابه الأعذار المذكورة في الأحاديث، إذ ليس المراد من ذكر المطر في الحديث الثاني، وذكر الخوف أو المرض في الحديث الآخر أن الفرض لا يسقط
1) ابن بركة، الجامع:1 327 - النزوي، قواعد الهداية، 17 و.
2) الجيطالي، قواعد، 1: 238.
(3) أخرجه أبو داود والدارقطني والبيهقي عن ابن عباس واللفظ للبيهقي. سنن أبي داود، كتاب الصلاة، باب في التشديد في ترك الجماعة، حديث: 469. سنن الدارقطني، كتاب الصَّلاة، باب الحث لجار المسجد على الصلاة فيه، حديث: 1352. السنن الكبرى للبيهقي، كتاب الصَّلاة، جماع أبواب فضل الجماعة والعذر بتركها، باب ترك
الجماعة بعذر المرض والخوف، حديث: 4693.
4) لم أجده بهذا اللفظ، وورد بألفاظ متقاربة. وعند البخاري عَنْ نَافِعِ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ أَدَّنَ بِالصَّلاة فِي لَيْلَةٍ دَاتِ بَرْدِ وَرِيحٍ ثُمَّ قَالَ أَلَا صَلُّوا فِي الرِّحَالِ ثُمَّ قَالَ إِنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم كَانَ يَأْمُرُ الْمُؤَدِّنَ إِذَا كَانَتْ لَيْلَةٌ دَاتُ بَرْدٍ وَمَطَرٍ يَقُولُ أَلَا صَلُّوا في الرحال
صحيح البخاري، كتاب الأذان، باب الأذان للمسافر، حديث:614. وأخرجه ابن ماجة وأبو داود وغيرهما بألفاظ أخرى. ولفظ ابن ماجة: عن أبي المليح، قال: خرجت في ليلة مطيرة، فلما رجعت استفتحت؛ فقال أبي: من هذا؟ قال: أبو المليح، قال: لقد رأيتنا مع رسول الله يوم الحديبية، وأصابتنا سماء، لم تبل أسافل نعالنا، فنادى منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم " صلوا في رحالكم».
سنن ابن ماجه، كتاب إقامة الصلاة، باب الجماعة في الليلة المطيرة، حديث:932. سنن أبي داود، كتاب الصلاة، تفريع أبواب الجمعة باب الجمعة في اليوم المطير، حديث:907.
X 299
299 (1/299)
صفحة 299
الباب الأول: اجتهاد التأصيل
إلا بهذه الأشياء المذكورة، وإنما المراد بيان ما يكون به العذر المسقط للفرض
المذكور، فحملوا على تلك الأشياء ما شابهها (1).
-
في الصيام
- عن عمرو بن هرم قال: سئل جابر بن زيد عن رجل يقبل امرأته وهو صائم، قال: يُنهى عن ذلك الرجل الشاب (2). وكره ابن بركة القبلة للصائم لأنها من دواعي الوطء، والوطء مفسد للصوم. فاحتاط في ذلك لاختلاف الناس. وعقب على فعل النبي لذلك بتعليل عائشة الله وأيكم أملك لأربه من رسول الله صلى الله عليه وسلم» (3). فدل على أن من لا يملك أربه لا يجوز له التعرض لذلك. وهو صنيع ابن عباس إذ قال: أكرهها للشاب ولا بأس بها للشيخ» (4).
ويؤكد هذا ما روى أبو عبيدة عن جابر أنه سأل عائشة: أيباشر الرجل زوجته في ملحفة واحدة وهو صائم؟ فقالت: لا. فقال لها جابر: ألم يكن نبي الله يفعله؟ فقالت: إن النبي صلى الله عليه وسلم كان أملك لأربه منكم» (5).
قال أبو عبيدة عن جابر: إنما كَرهَتْ ذلك رهبة أن يفسد صومه، لأنه غير آمن لنفسه. قال أبو المؤرج: قلت لأبي عبيدة، فإن كان آمنا لنفسه، فلا بأس؟ قال: نعم (6). فالحكم بالإباحة أو الحظر يدور مع العلة وجودا وعدما.
1 السالمي، الحجج المقنعة 40/ 39.
2) جابر بن زيد کتاب جابر 60
(3) الحديث رواه الشيخان وأصحاب السنن وغيرهم بألفاظ متقاربة. وهذا اللفظ لأحمد. صحيح مسلم، کتاب الصيام باب بيان أن القبلة في الصَّوْم ليست محرمة على من لم،
حديث: 1918.
موطأ مالك، كتاب الصيام، باب ما جاء في التشديد في القبلة للصائم، حديث:647. سنن أبي داود، کتاب الطهارة، باب في الرجل يصيب منها ما دون الجماع، حديث: 242.
مسند أحمد بن حنبل، مسند الأنصار الملحق المستدرك من مسند الأنصار، حديث السيدة عائشة
رضي الله عنها، حديث: 24145.
4) ابن بركة، الجامع، 2: 35. 5) سبق تخريجه أعلاه.
6) الخراساني، المدونة الكبرى، 1: 282/ 283
?300 (1/300)
صفحة 300
الفصل الرابع: دليل القياس
- وفي التمييز بين المقدمة والنتيجة في الحكم، أجازوا للصائم ذوق العسل ومضغ الطعام للصبي. وقال الشيخ اطفيش وهذا قول ابن عباس، وبه نأخذ، وهو موافق للقياس والله إنما نهانا عن الأكل والشرب، ولا يعدو ذلك أن يكون كالغبار والدخان وما أشبههما مما يجد الناس طعمه في حلوقهم ولا يضرهم في صومهم وعن حكم المرأة تصبح صائمة في رَمَضَان ثم تحيض في ذلك اليوم، روي عن جابر وأبي عبيدة أنها تتم بقية يومها وتقضيه إذا طهرت. وحكي أنه قول عائشة (2).
(1) (
وعلق الشيخ اطفيش بأنه لا ذلك عائشة، لأنه لا يصح عن
يصح صوم
وحيض. وقد ورد عن عائشة خلاف ذلك (3). فالحائض تفطر وتقضي، وأول النهار وآخره في القياس سواء (4).
=
- وعن حكم ارتكاب المحرمات في رَمَضَان، نص الجيطالي أنه ذهب أصحابنا إلى أن الغيبة المحرمة والنميمة والكذب وأيمان الفجور والنظر إلى الفروج المحرمة، أن ذلك كله يفسد الصوم وينقض الوضوء، لثبوت ذلك عن النبي في الغيبة والنميمة. وسائر المحرمات قياسا عليها» (5). وفي حكم الكفارة لمن هتك حرمة رَمَضَان «ذهب جمهور الفقهاء من أصحابنا وغيرهم من فقهاء الأمصار إلى أن من أفطر متعمدا بأكل أو شرب، أن عليه القضاء والكفارة، مثل ما على المجامع به متعمدا. وسبب تنازعهم في قياس المفطر بالأكل على المجامع وقد أجمعوا أن على المجامع
=
(1) الخراساني، المدونة الكبرى، 1: 295. 2 الخراساني، المدونة الكبرى، 1: 309
الخلاف
(3) أخرج الترمذي: «عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ كُنَّا نَحِيضُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ثُمَّ نَطْهُرُ فَيَأْمُرُنَا بقضاءِ الصَّيَامِ وَلَا يَأْمُرُنَا بِقَضَاءِ الصَّلَاةِ. قَالَ أَبُو عِيسَى هَذَا حَدِيث حَسَنٌ وَقَدْ رُوِيَ عَنْ مُعَادَةَ عَنْ عَائِشَةَ أَيْضًا وَالْعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ لاَ تَعْلَمُ بَيْنَهُمُ اخْتِلَافًا إِنَّ الْحَائِضَ تَقْضِي الصَّيَامَ وَلَا تَقْضِي الصَّلاة».
سنن الترمذي، الجامع الصحيح، أبواب الجمعة، أبواب الصوم عن رسول الله - باب ما جاء في قضاء الحائض الصيام دون الصلاة، حديث: 751.
4 الخراساني المدونة الكبرى، 1: 310/ 309
5) الجيطالي، قواعد، 2: 87
301 (1/301)
صفحة 301
الباب الأول: اجتهاد التأصيل
القضاء والكفارة، وقاس عليه الجمهور المفطر بالأكل أو الشرب، لاتحاد العلة، وهو انتهاك حرمة الشهر. وذهب هاشم بن غيلان (1) إلى أنه لا كفارة عليه. ولعله كان ممن لا يقول بالقياس في باب الأحكام أو ممن يرى أن الجماع أشد في انتهاك الحرمة، فكان عقابه أكبر، فقال بأن الكفارة مخصوصة بالجماع» (2). وقضية أخرى وهي الواطئ في نهار رَمَضَان إذا تكرر منه ذلك، هل تتكرر عليه الكفارة؟
=
ذكر ابن بركة أن مذهب أصحابنا أن عليه كفارة واحدة ما لم يكفر، وذلك قياسا على الحدود، لأنها جميعا زواجر للعباد تردعهم عن العود إلى الجناية. فالحدود إذا اجتمعت من جنس واحد لا تتكرر، بل يقام على الجاني حد واحد، فإذا عاد إلى الفعل بعد ذلك حُدّ حَدًا ثانيا. و كذلك الكفارة إذا كفرها ثم عاود سببها لزمته كفارة ثانية (3). - في الزكاة:
=
سئل الربيع بن حبيب عن رجل له حرث يُخرج له مائة وخمسين صاعا بُرا، ومثلها شعيرا. هل عليه أن يضم الشعير إلى البر فيخرج الزَّكَاة؟ قال: مضى على أبي عبيدة زمان من دهره وهو يقول: إن كان ذلك في نوع واحد ثلاثمائة فعليه الزَّكاة، وإذا لم يكن في نوع واحد فلا زكاة عليه. ثم رجع عن قوله الأول، فقاسه بالذهب والفضة، فقال يُضم الذهب والفضة ويُضم البر الشعير (4).
وهو
وهو الأمر المأخوذ به، وهو قول صالح الدهان، ومحبوب بن الرحيل، المعتمد عند الإباضية (5).
(1) لم أجد في المصادر التي بين يدي ترجمة لهاشم بن غيلان ولعله تصحيف لهاشم بن عبد الله. الذي ذكره ابن سلام بأنه فقيه مفت من علماء الإباضية بخراسان من أورع الناس. ولا يستبعد هذا التصحيف وهو أمر شائع في كتاب ابن بركة كما أشرنا من قبل. ينظر: ابن سلام، بدء الإسلام، 115.
2) ابن بركة، الجامع، 2: 28/ 27 الكندي، المصنف، 1: 72. - الجيطالي، قواعد، 2: 90/ 89. 3 ابن بركة الجامع، 2: 36 الكندي، المصنف، 1: 73.
4 الربيع، مسائل الربيع، 17 و. 5) الربيع، مسائل الربيع 17 و. - عمروس بن فتح الدينونة الصافية، 120/ 121. ابن جعفر،
الجامع، 3: 91.
302 (1/302)
صفحة 302
الفصل الرابع: دليل القياس
الله
- في الحج: ذكر ابن بركة اتفاق أصحابنا على وجوب الجزاء على من قتل صيدا في الحرم، عمدا أو خطأ، حلالا كان أو محرما. وإن ارتفاع الإثم في الخطإ لا يرفع الجزاء، وإن من شأننا القول بالقياس، وقد أوجب في قتل الخطإ في النفس كفارة. ومن أصل القائسين أن يردّوا المسكوت به إلى المنطوق به. وهذا قاتل خطأ، فالحقنا قاتل الصيد بقاتل النفس من طريق الخطإ، لتساويهما في الخطا. فإن قال: فهلاً أوجبتم في قتل الخطا في النفس القصاص لتساوي القتل بالقتل؟ قيل له: إنا نرد جزاء الصيد إلى الجنايات على الأموال، ورأينا على من جنى على مال غيره عامدا كان أو خطأ، فالغرم واجب عليه، فألحقنا الصيد، به لأنه، مال والمال بالمال أشبه والخطأ بالخطإ أشبه من إلحاق الخطإ بالعمد» (1).
وهذا تشبيه دقيق وقياس جميل. - في الأواني والأشربة:
=
في الأواني يذكر ابن بركة اتفاق الناس على جواز استعمال الآنية الغالية من الجواهر كلها، سوى آنية الذهب والفضة. لحديث أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم مَنْ شَرِبَ فِي إِنَاءٍ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ فَإِنَّمَا يُجَرْجِرُ فِي بَطْنِهِ نَارًا مِنْ جَهَنَّمَ (2). فأباح الأكل وحرم الشراب فيها، أخذا بظاهر النص. وذهب القائسون ومعهم الإباضية - إلى أن الأكل والانتفاع مثل الشراب، فمنعوا من ذلك كله، منع تحريم أو منع كراهة. وعلتهم في ذلك أن ورود الخبر لأجل التكبر والخيلاء والتميز عن سائر الناس.
-
ويرة ابن بركة عليهم أن هذه علة تنكسر علينا، وذلك أنهم أجمعوا مع مخالفيهم أن الشرب بقدح بلور تكون قيمته ألف درهم جائز، وامتنعوا من قدح فضة قيمته عشرة دراهم. فلو كان طريق الخيلاء والتكبر، لحرم في قدح
1) ابن بركة، الجامع، 2: 62/ 63.
2) صحيح البخاري، كتاب الأشربة، باب آنية الفضة، حديث: 5319.
صحيح مسلم، كتاب اللباس والزينة، باب تحريم استعمال أواني الذهب والفضة في الشرب وغيره
على الرجال، حديث: 3939.
303 (1/303)
صفحة 303
الباب الأول: اجتهاد التأصيل
البلور. والعلة موجودة والتحريم مرتفع. فبطل أن يكون النهي بهذه العلة (1). فقد تحدث عن انكسار العلة تطبيقا، ولم يذكرها ضمن قوادح العلة، ولا أشار في باب القياس إلى شيء من هذه القوادح.
=
في الأشربة: سئل الربيع بن حبيب عن خليط البسر والتمر، فاتفق هو وأصحابه أن ما صلح انتباذه وحده، جاز خلطه مع غيره من الحلال. فسئل ابن عبد العزيز عن حديث النبي أنه نهى أن يُخلط البسر بتمر، أو زبيب بيسر أو زبيب بتمر (2). فقال: «قد بلغنا ذلك عمن وصفت، غير أن فقاءنا الذين نأخذ عنهم ونعتمد عليهم قبلوا ذلك من سلفهم، وهو الحق إن شاء الله تعالى، وأقوى في القياس. غير أنا لا نقيس على النبي بل نقبل عنه. ولو نعلم أنه قاله ما خالفناه. كيف يجوز أن يكون تمرا فرادى حلالا، أو بسرا فرادي حلالا، وإذا اختلط صار حراما؟ وإنما اختلط الحلال بالحلال ... فمن أين يدخل عليه الحرام في الاختلاط؟» (3).
ووجه الشيخ اطفيش الحديث بأنه لم يكن محرّما للخلط، بل هو مبين أن الخلط يُسرع به الإسكار، فمتى خلط بين أشياء وعولجت بالشرب قبل توهم الإسكار، فلا بأس (4).
وتوجيه ابن عبد العزيز يكشف عن منهج الإباضية في اجتهادهم باعتماد صحة الرواية، وعدم تقديم القياس على الخبر متى كان صحيحا. وإذا اعتورته الشكوك كان المصير إلى القياس أسلم.
ثم جاء موقف الشيخ اطفيش ليبين العلة من النهي، وأن الخبر صحيح، فجمع بين الأقوال، وأوضح أن لا تعارض بين الخبر وبين لقياس، لجلاء العلة 1) ابن بركة الجامع، 2: 310/ 309
2 نصه عند مسلم عن جابر بن عبد الله أَنَّ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم نَهَى أَنْ يُخْلَطَ الزَّيِيبُ وَالتَّمْرُ وَالْبَسْرُ
والتَّمْرُ».
صحيح مسلم، كتاب الأشربة باب كراهة انتباذ التمر والزبيب مخلوطين، حديث:3768, ورواية أخرى المسلم عن ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ قَالَ لِي عَطَاءٌ سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ لا تَجْمَعُوا بَيْنَ الرُّطَبِ وَالْبُسْر وَبَيْنَ الزَّييبِ وَالتَّمْرِ نَبيدا». صحيح مسلم، كتاب الأشربة باب كراهة انتباذ التمر والزبيب مخلوطين، حديث: 3770
3) الخراساني، المدونة الكبرى، 2: 231 232. 4) الخراساني، المدونة الكبرى، 2: 231 232.
304 (1/304)
صفحة 304
E 3
الفصل الرابع: دليل القياس
في النهي، وهي خوف إسراع الإسكار بسبب الخلط بين البسر والتمر، لا مجرد
الخلط.
2 - القياس في المعاملات:
- في باب البيوع:
وحجتهم
- تخليل الخمر: ذهب بعض الإباضية وغيرهم إلى أن الخمر لا يجوز الانتفاع بها، لتحريم الله إياها وإن صارت خلا بعلاج من ملح أو غيره. أن العين المحرمة لا يجوز أن تتحول حلالا. وأن النبي جاءه الثقفي يوم فتح مكة بالخمر هدية له، فقال له: «أما علمت أن الله حرمها؟ فأمر الثقفي غلامه ببيعها، فقال له النبي: إن الذي حرّم شربها حرم بيعها وأمر النبي بها فصبت في بطحاء مكة (1).
وقد قال أيضا: بعثت بكسر الصليب وقتل الخنزير وإراقة الخمر» (2).
فلو جاز الانتفاع بها ما أمر بإراقتها وقد نهى عن إضاعة المال. وذهب فريق آخر إلى إجازة تخليل الخمر، وأجابوا عن أدلة المانعين بأن
الله ورسوله حرما جلد الميتة كتحريم الخمر، ثم أجاز النبي صلى الله عليه وسلم الانتفاع به بعد الدباغ بقوله: «أيما إهاب دبغ فقد طهر» (3).
1) أخرج الحديث أحمد والدارمي. ولفظ الدارمي: قال ابن عباس: أهدى رجل من ثقيف، أو دوس لرسول الله صلى الله عليه وسلم راوية من خمر في حجة الوداع، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: أما علمت يا أبا فلان أن الله قد حرمها؟. قال: لا والله، قال: فإن الله قد حرمها، فالتفت إلى غلامه فقال: اخرج بها إلى الحزورة فبعها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أو ما علمت يا أبا فلان، أن الذي حرم شربها، حرم بيعها؟ قال: فأمر بها فأفرغت في
البطحاء».
سنن الدارمي، ومن كتاب البيوع، باب: في النهي عن بيع الخمر، حديث: 2528. مسند أحمد بن حنبل؛ ومن مسند بني هاشم مسند عبد الله بن العباس، حديث: 1986. 2) القرطبي، الجامع لأحكام القرآن:14: 53 في تفسير قوله تعالى: «ومن الناس من يشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل الله في سورة لقمان.
3) أخرجه أصحاب السنن عن ابن عباس.
صحيح ابن حبان، کتاب الطهارة، باب جلود الميتة ذكر خبر ثان يدل على إباحة الانتفاع بكل جلد ميت، حديث: 1303.
سنن ابن ماجه کتاب، اللباس باب لبس جلود الميتة إذا دبغت، حديث: 3607. سنن الترمذي الجامع الصحيح الذبائح، أبواب اللباس، باب ما جاء في جلود الميتة إذا دبغت،
305
کے (1/305)
صفحة 305
الباب الأول: اجتهاد التأصيل
فصارت الدباغة رافعة لحكم النجاسة المحرّم لأجلها. فكذلك الخمر جاز
حبسها بعد التحريم حتى تعالج فتصير حلالا.
فوجب ردّ المختلف فيه إلى المتفق عليه، وقد ورد الأمر في الخمر أن يُطرح فيه الملح، فإن زالت شدته صار حلالا، والتحريم كان للعلة، فلما زالت صار حكم المحرم حلالا (1).
فتبين
من هذا دوران الحكم مع علته وجودا وعدما.
وقاعدة الاستحالة هذه من القواعد الهامة في الفقه للحكم على كثير من المنتجات الغذائية والصيدلية ومواد التجميل في عصرنا الحاضر، إذ يدخل في تركيبها بعض المواد النجسة أو المشبوهة فقد يكون في تشبيهها بجلد الميتة متنفس للحكم بطهارتها بناء على هذه القاعدة في الدباغ. والمسألة بحاجة إلى تأصيل شرعي وبحث عميق في علاقة الأحكام بالأسماء. كما أنها بحاجة إلى تحليل علمي بناء على التركيب الكيميائي لتلك المصنوعات الغذائية والدوائية والتجميلية، وإسقاطها على الأصول والقواعد الشرعية، لتوضيح الحكم للمسلمين فيها، والحال أنهم لا يزالون حائرين أمام ما تغرقهم به الحضارة الحديثة من منتجات لا حصر لها، وفي تركيبها من المواد المحرمة والمشبوهة شيء المسلمين حيارى أزاء تضارب الفتاوى بخصوص تلك المنتجات - بيع الثمار قبل نضجها: ثبت عن النبي أنه نهى عن بيع الثمرة قبل أن يبدو صلاحها ويُؤمن عليها من العاهة (2). وبدء صلاحها صفرتها وحمرتها. ومن باع ثمرة غير مدركة على أن يتركها المشتري على النخيل إلى أن
كثير، وعموم
=
حديث: 1695.
السنن الصغرى، كتاب الفرع والعتيرة جلود الميتة، حديث: 4190. (1) الكندي، المصنف، 1: 55/ 53.
بيع
(2) ورد الحديث بطرق كثيرة في كتب السنة. ولفظ البخاري عن ابن عمر «نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الثمرة حتى يبدو صلاحها، وكان إذا سئل عن صلاحها قال: حتى تذهب عاهته». صحيح البخاري، كتاب الزكاة، باب من باع ثماره، حديث: 1426. صحيح مسلم كتاب البيوع، باب النهي عن بيع الثمار قبل بدو صلاحها بغير شرط القطع،
حديث: 2906.
صحيح ابن حبان كتاب البيوع، باب البيع المنهي عنه ذكر البيان بأن حكم البائع والمشتري في هذا الزجر الذي ذكرناه، حديث: 5068
306 (1/306)
صفحة 306
الفصل الرابع: دليل القياس
يبدو صلاحها، فبيعه باطل. وهو عاص لربه. واتفق المنتسبون إلى العلم أن من باع هذه الثمرة المنهي عن بيعها، قبل أن يدرك، على أن يقطعها المشتري فبيعه جائز.
الله
و الدليل على جواز ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم في آخر الحديث: «أرأيت إن منع الثمرة؛ فيم يستحل أحدكم مال أخيه؟» (1). فدل على أن النهي الواقع
من أجل الغرر، ولا غرر في بيع البلح على أن يقطعه في حينه (2).
- قياس الإجارة على البيع: قال ابن بركة والإجارة عندي أصل بنفسه، وفيه شبه بالمضاربة و شبه بالبيع. فأما الشافعي فالإجارة عنده بيع يجري مجراه من حيث المفاوضة. وهذا عندي خطأ منه لأن الإجارة معنى، والبيع معنى غيره. وذلك أن المشتري يملك بالشراء ما كان مملوكا لغيره. ومن استأجر رجلا حرا لنفسه أو استأجر عبدا من سيده، أو عقارا من مالكه، فلم يملك بالإجارة ما استأجره، وإنما جاز له الانتفاع بما استأجره. ولو كانت الإجارة بيعا لكان من استأجر دارا من رجل -وللرجل المؤجر شريك- أن يكون لشريكه أن يطالب المستأجر بالشفعة، وهذا ما لم يقل به أحد فيما علمت. ويلزم من قال بهذا القول (أن) من استأجر دارا أو سلّمها أو دفع الأجرة إلى صاحبها، ثم جاء السيل فهدمها قبل تمام الوقت الا يرجع إلى ربها بشيء، كما يقول في البيع إنه لا على البائع بشيء إذا سلّمها. و (في) تفرقته
يرجع
بينهما ما يدل على فساد قوله» (3).
-
في باب الربا
علة الربا في الأصناف الربوية:
اختلفت أقوال الإباضيَّة ومعهم علماء المذاهب في تحديد علة الربا في
1) لفظ الحديث عند مسلم: (عن أنس، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " إن لم يثمرها الله، فبم يستحل أحدكم مال أخيه؟».
صحيح مسلم، كتاب المساقاة، باب وضع الجوائح، حديث: 2991. وأخرجه الطحاوي: شرح معاني الآثار للطحاوي كتاب البيوع، باب بيع الثمار قبل أن تتناهي،
حديث: 3631.
2) ابن بركة الجامع، 2: 327/ 328.
3) ابن بركة، الجامع، 2: 394 الفضل بن الحواري، جامع الفضل، 3: 85/ 83.
307 (1/307)
صفحة 307
الباب الأول: اجتهاد التأصيل
*
الأصناف الربوية الستة التي ورد بها الحديث (1). مع اتفاق أهل القياس أنه
خبر معدّل.
فذهب كل واحد منهم إلى ما غلب في ظنه أنه المعنى الذي من أجله حرم الربا في تلك العين. فقال الإمام مالك العلة الاقتيات والادخار. وذهب أبو حنيفة إلى أنه الوزن، وجعل الشافعي الأكل أو الطعم، وذهب آخرون إلى أنه النبات. بينما نفى الظاهرية علته، ولم يتكلفوا عنت القياس فاستراحوا (2). وفصل ابن بركة المسألة تفصيلا وافيا، ورجح أن العلة هي الكيل والوزن، وقال: والنظر عندي أن تكون علة ما يكال في المكيل، وعلة ما يوزن في الموزون، لأن الخبر ورد بذكر ما يكال أو ما يوزن، إلا أن يمنع من ذلك خبر مسلم أو اتفاق من الأمة» (3).
أما الوارجلاني فكان نظره أعمق في إدراك علة الربا في هذه الأصناف، وبين بأن «الأصل في تحريم الربا أن الله تعالى جعل الدنيا بلاغا وزادا إلى الآخرة، وأمر باقتناء الأموال. وفي الأموال ما هو أوكد حاجة من غيره،
1) حديث تحريم الربا في الأصناف الستة، رواه أصحاب الصحاح والسنن. بألفاظ متقاربة عن أبي سعيد الخدري، وعن عمر بن الخطاب. ولفظ البخاري: عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا مثلا بمثل، ولا تشفوا بعضها على بعض، ولا تبيعوا الورق بالورق إلا مثلا يمثل. ولا تشفوا بعضها على بعض، ولا تبيعوا منها غائبا بناجز». ولفظ مسلم: «عن أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبر بالبر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح، مثلا بمثل، يدا بيد، فمن زاد، أو استزاد، فقد أربى، الآخذ والمعطي فيه سواء».
صحيح البخاري، كتاب البيوع، باب بيع الذهب بالذهب، حديث: 2088. صحيح مسلم، كتاب المساقاة، باب الصرف وبيع الذهب بالورق نقدا، حديث: 3056. صحيح ابن حبان كتاب البيوع، باب الربا، ذكر الزجر عن بيع هذه الأشياء بأجناسها مثلا بمثل وأحدهما غائب، حديث: 5093 مسند أحمد بن حنبل، ومن مسند بني هاشم مسند أبي سعيد الخدري رضي
حديث: 10792.
الله عنه
2 ابن بركة، الجامع 1 110 - العوئبي، الضياء 3/ 22/ 23 نجاد بن موسى الأكلة، 54. الكندي، المصنف، 1 +5857 مجهول سبوغ النعم، 32 و. - ينظر أيضا حول تعليل الربا في
-
الأصناف الستة الشافعي، الرسالة، 524.
3 ابن بركة، الجامع، 1: 98/ 97. والمسألة مفصلة من 83 إلى 98.
،
308 (1/308)
صفحة 308
E 3
وهو
الأصناف
الفصل الرابع: دليك القياس
فالأموال التي تخص الآدمي لحياته النقود، ثم القوت، ثم الفواكه، ثم الأبزاز. فهذه الأربع لا ينبغي أن تتخذ تجارات بل مواساة، فإن ضنوا بها فلا ينبغي أن تكسب ربا. فشدد الله تعالى عليهم فيها ما لم يشدد في غيرها» (1). ما أكده الشيخ اطفيش أن قول جمهور أصحابنا أن علة الربا في هذه هي المالية. وإن ذهب بعضهم إلى قول الشافعي، وبعضهم إلى قول أبي حنيفة. ولكن الراجح هو التعليل بكونها مالا (2). وهذا نظر سديد وتفسير دقيق للقضية وذهاب إلى جوهر علة الربا في هذه الأصناف وفي غيرها. إذ إن الفكر الاقتصادي يعتبر هذه الأصناف أصولا للأثمان، أو أن الصفة الجامعة لها الثمنية. فقد كانت عبر التاريخ جامعة لخصائص مميزة، فهي وسيط للتعامل وقابلة للتجزي دون أن تفقد قيمتها، فكانت بذلك مستودعا للثروة. هذا فضلا عن كونها مصدرا للقوت، لذلك حرم التعامل بالربا فيها، كما أوضحه الوَارِجلاني. فيقاس عليها ما شابهها في هذه الأوصاف، تحقيقا للمقصد الشرعي من هذه الأحكام.
هي
-3 - القياس في النكاح والطلاق:
=
- ورد في آثار الربيع عنه عن ضمام بن السائب عن أبي الشعثاء في رجل قال الرجل: قد زوجتك أول بنت تلدها امرأتي وقال الآخر: قد قبلت. قال جابر: «لا يجوز تزويج الحبلى» (3).
فقد قاس الزواج على البيع، فمنعه عند تحقق الجهالة فيه. وهذا محل
?
اتفاق بين الفقهاء، لنهي النبي عن بيع الملاقيح وبيع حبل الحبلة (4). فالزواج
1) الوار جلاني، العدل، 3: 341.
2 اطفيش، شرح النيل، 8 40 - 45 3) الربيع، آثار الربيع، 2.
4 الحديث أخرجه الشيخان وغيرهما عن عبد الله بن عمر.
ونص البخاري: عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، " نهى عن بيع حبل الحبلة"، وكان بيعا يتبايعه أهل الجاهلية، كان الرجل يبتاع الجزور إلى أن تنتج الناقة، ثم تنتج التي
في بطنها».
صحيح البخاري، كتاب البيوع، باب بيع الغرر وحبل الحبلة، حديث: 2053. صحيح مسلم، کتاب البيوع، باب تحريم بيع حبل الحبلة، حديث:2863.
309 (1/309)
صفحة 309
الباب الأول: اجتهاد التأصيل
E 3
أشد وأخطر من البيع، لأنه ميثاق غليظ، فكان أولى منه في القياس. وفي اشتراط الولي للنكاح يخالف ابن بركة جمهور الفقهاء برأي
=
طريف، إذ أجاز للمرأة تزويج نفسها إذا عضلها الولي؛ قال: «وللمرأة أن تزوج نفسها من كفء لها إذا عضلها وليها من التزويج ومنعها من ذلك، وهو حق لها، كما جاءت السنة بأن تأخذ المرأة النفقة من مال زوجها إذا منعها ذلك الحق الذي يجب لها، وهو التزويج، أن تزوج نفسها من كفء لها بغير أمر وليها بصداق مثلها. ألا ترى أن المرأة إذا كان لها على وليها مائة درهم فامتنع أن يدفعها إليها وهو قادر على ذلك أنها إذا قدرت على حقها من بعد الحجة عليه أن لها أن تأخذ ذلك؟ كذلك إذا قدرت على حقها من
ماله
التزويج ولم يزوجها بمنع منه لها وظلم لها، كان لها أن تفعل ذلك» (1). وعمدة ابن بركة هنا هو قياس حق المرأة في الزواج على حقها في النفقة. ولكنه قياس مع فارق، ومع ورود النصوص المحددة لكل حق من الحقوق. فالنبي أثبت حق المرأة في النفقة وأباح لها أخذه، والقرآن حرم العضل لأنه ظلم. والسنة اشترطت الولي لصحة النكاح. وما ذهب إليه ابن بركة ليس محل اتفاق بل الجمهور على خلافه، إذ العدل يقضي أن يزوج المرأة الولي الأبعد إن عضلها الولي الأقرب، لثبوت اشتراط الولي لصحة النكاح عند جمهور العلماء خلافا للحنفية الذين يرونه شرط كمال لا شرط صحة.
=
- العيوب التي يردّ بها النكاح: قال ابن بركة: فإن قال قائل: هل للمرأة الخيار كما للرجل فيها، إذا كان من الرجل من الأدواء ما تردّ به المرأة، إذا كان ذلك بها؟ قلنا كذلك نقول. فإن قال: لِمَ قلتم ذلك؟ أبقياس قلتم؟ فالقياس لا يكون إلا على أصل متفق عليه، وردّ نكاح البرصاء متفق عليه؟ قيل له: قلنا ذلك بقياس متفق عليه، وهو العنين» (2).
=
مقدار الخلع ذكر ابن بركة قول الإباضية في منع الرجل أن يأخذ من مال زوجته إذا افتدت نفسها أكثر مما أصدقها، وإن خالعته على شيء منه
1) ابن بركة، الجامع، 2: 127. 2 ابن بركة الجامع، 2: 145.
310 (1/310)
صفحة 310
CE
الفصل الرابع: دليل القياس
فجائز، أما ما زاد على الصداق فلا يجوز لأنه نوع ربا. وهو مروي عن الإمام علي بن أبي طالب. وعقب ابن بركة بأن النظر يوجب إجازة ذلك، فظاهر الكتاب يشهد بجوازه، لقوله تعالى: فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ} [البقرة: 229]. فكان
الرجوع إلى ظاهر الكتاب أولى من هذا القياس المعارضته للنص (!).
=
في الرضاع: ذكر ابن بركة أنه جاء في الأثر تحريم بيع لبن النساء محلوبا، خوفا من اشتراك الأطفال فيه واشتراكهم في الأنساب، إذ يتفرقون فلا يُعرف النسب فتكثر الشبهة في النكاح. كما أجازوا مع ذلك إجارة المرضعة للبنها. والقياس أن بيع لبنها محلوبا ظاهرا يُرى مقداره وتعلم جملته، أولى بالجواز من بيعه غائبا، أو غير محلوب ولا معلوم المقدار ولكن التعبد بهذا وأمثاله من طريق الخبر لا من طريق
القياس (2). والعلة في التفريق بين الحكمين ظاهرة، وقد بينها وهي الخوف من اختلاط الأنساب وانتشار الحرمة، لأنه يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب» (3). - تحريم المرأة على زوجها:
حرص الإباضية على رعاية حُرمة العلاقة الزوجية، وحمايتها من أي شبهة تحوم حولها، حتى تقام على أساس سليم من الطهر والعفاف، والتزام أحكام الشرع، سواء قبل النكاح أم بعده وأي إخلال بهذه القيود فإنه يعرض عقدة الزوجية للفساد.
1) ابن بركة، الجامع، 2: 195/ 196.
2 ابن بركة الجامع، 2: 547/ 546. 3) الحديث أخرجته معظم مصادر السنة.
ولفظ مسلم عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْن أَبي بَكْرٍ عَنْ عَمْرَةَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعَةِ مَا يَحْرُمُ مِنَ الْوِلَادَةِ»
صحيح مسلم، كتاب الرضاع باب يحرم من الرضاعة ما يحرم من الولادة، حديث: 2694. وفي رواية أخرى: (عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا أَخْبَرَتْهُ أَنَّ عَمَّهَا مِنَ الرَّضَاعَةِ يُسَمَّى أَفْلَحَ اسْتَأْذَنَ عَلَيْهَا فَحَجَبَتْهُ فَأَخْبَرَت رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ لَهَا لا تَحْتَحِيِي مِنْهُ فَإِنَّهُ يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعَةِ مَا يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ»، صحيح مسلم کتاب الرضاع، باب تحريم الرضاعة من ماء الفحل، حديث: 2699.
311 (1/311)
صفحة 311
الباب الأول: اجتهاد التأصيل
=
- نكاح المزنية: حرّم الإباضية نكاح الزاني بمزنيته، استنادا إلى ظواهر القرآن الزَّانِي لَا يَنكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ
وحرم ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ} [النور: 3].
وإلى آثار عن الصحابة وأئمة المذهب، منها:
-
ما روي عن عائشة أم المؤمنين وابن مسعود في رجل زنى بامرأة فتزوجها فقالا هما زانيان ما اجتمعا (1).
وقال جابر عنهما: لا يجتمعان وليجعل بينهما البحر الأخضر، كناية عن المبالغة في التفريق بينهما (2).
ويعنينا في هذا المقام معتمدهم من القياس وتوظيفه في هذا المقام. فقد قاسوا الزنى على اللعان. «فلما حكم الله باللعان، وجاءت السنة بالفرقة بينهما، والحكم بأن لا يجتمعا أبدا بالذي رماها به زوجها من الزنى الموجب للعان، فكانت العلة: ادعاؤه الزنى عليها وهي منكرة. فوجب في القياس إن كان فَجَرَ بها، أحرى وأحق أن لا تحل له أبدا لاستواء العلة الجامعة للأمرين، بل زناه بها أعظم في القياس» (3). وهذا من باب القياس الأولوي. كما حرم عمر بن الخطاب المنكوحة في العدة على ناكحها تحريما مؤبدا. وعلى قول عمر كثير من الصحابة والفقهاء وهو قول اجتهادي؛ فكيف لا يحرمون الزانية على من زنى بها؛ وهي أفظع حالا وأكبر جرما من المنكوحة
1) امحمد اطفيش، شرح النيل، 6: 48.
2 امحمد اطفيش شرح النيل 6: 48 ونص ابن خلفون على أنه لا خلاف بين أئمة الإباضية في منع هذا النكاح. متقدميهم ومتأخريهم، وهو قول سلفهم من الصحابة، منهم ابن مسعود وعائشة أم المؤمنين، والبراء بن عازب وعلي بن أبي طالب وأبو هريرة وجابر بن عبد الله، وبه قال الحسن البصري وابن سيرين وأباحت طائفة نكاحها، مع التوبة والصلاح. وأباحت طائفة نكاحها من غير شرط. ورَوَوْا ذلك عن عبد الله بن عمر وابن عباس ومجاهد وسعيد بن المسيب. وزعموا ذلك عن جابر بن زيد. وهو مذهب الثوري وأبي حنيفة ومالك والشافعي. ثم أورد أدلة القول بالتحريم. - ابن خلفون أجوبة ابن خلفون 36/ 35.
ينظر أيضا: أبو زكرياء الجناوني، كتاب النكاح 39 ابن، وصاف، الحل والإصابة، 2: 36 ظ. وغيرها من مصادر الفقه الإباضي في أبواب النكاح.
3) ابن خلفون أجوبة ابن خلفون، 38.
312 (1/312)
صفحة 312
E
الفصل الرابع: دليل القياس
في العدة؟ فكان من العدل والمنطق عدم التفريق بينهما، والحكم بالتسوية، فضلا عن القياس الأولوي للزنا على اللعان، ودلالة ظاهر القرآن. فإذا كان اللعان، وهو ادعاء الزنى دون، شهود سببا للتفريق الأبدي بين
الزوجين، فكيف يُبنى النكاح بعد وقوع زنى حقيقي بين شخصين؟ (1). وزاد ابن بركة دليلا آخر وهو قياس الزاني على القاتل عمدا لاستعجال الميراث. فإن الأمة أجمعت على حرمان القاتل عمدا من الميراث، لأنه استعجل حقه بارتكاب ما نهي عنه، وهو جريمة القتل. فكذلك يُمنع الزاني من النكاح لأنه استعجل حقه بارتكاب المنهي، وهو الوطء الحرام. ولما كانت سنة أجمع الناس على قبولها والعمل بها، وجب القياس عليها» (2). ويندرج هذا القياس أيضا تحت قاعدة سد الذرائع، وهي
في الاجتهاد.
قاعدة معتبرة
- تحريم الزوجة الزانية: اتفق الإباضية على تحريم الزوجة الزانية على زوجها. ثم اختلفوا في صداقها، وأورد ابن بركة هذا الاختلاف «في المرأة تزني ولها زوج، وتكتم وتكتم عنه زناها فقال بعضهم: لا تستحق على زوجها صداقا إذا أوطأت فراشه وخانته في فرجها وقال بعضهم: لا يبطل صداقها إذا استتر عنه زناها واتفقوا على إبطال صداق المرتدة عن الإسلام ... ومن أبطل صداق الزانية، ردّ حكمها إلى المرتدة قياسا لأنهما جميعا أدخلتا الحرمة على الزوج؛ الأولى بالكفر، والثانية بالزنا، فكان حكمهما واحدا. ومن لم ير بطلان صداقها احتج بحديث الذي لاعن زوجته، ثم سأل النبي أن يسترد صداقه، فقال له: إن كنت صدقت فما أصبت منها، وإن كنت كذبت كنت من ذلك أبعد» (3). ولم يقيسوها على المرتدة.
1) ينظر: الخراساني، المدونة الكبرى، 2: 32/ 29. 2) ابن بركة، الجامع، 1: 125.
3) لفظ الحديث عند البخاري: عن سعيد بن جبير قَالَ سَأَلْتُ ابْنَ عُمَرَ عَنْ حَدِيثِ الْمُتَلَا عِنَيْنِ فَقَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم لِلْمُتَلاَعِنَيْن: حِسَابُكُمَا عَلَى اللهِ. أَحَدُكُمَا كَاذِبٌ لَا سَبِيلَ لَكَ عَلَيْهَا. قَالَ: مالي؟ قَالَ: لاَ مَالَ لَكَ إِنْ كُنْتَ صَدَقْتَ عَلَيْهَا فَهُوَ بِمَا اسْتَحْلَلْتَ مِنْ فَرْجِهَا، وَإِنْ كُنْتَ كَذَبْتَ عَلَيْهَا فَدَاكَ أَبْعَدُ لَكَ». صحيح البخاري، كتاب الطلاق باب قول الإمام للمتلاعنين: " إن أحدكما كاذب،
313 (1/313)
صفحة 313
الباب الأول: اجتهاد التأصيل
وكل قد تعلّق بأصل يسوغ له الاحتجاج به (1).
= وكثير من مسائل التحريم في باب النكاح مبناها القياس. والقاعدة عند الإباضية أن الحرام يحرم الحلال، وينشر الحرمة. وهو قول كثير من التابعين وحجتهم أن من جمع بين المرأة وابنتها في الشرك فوطئهما جميعا ثم أسلما أن عليه أن يفارقهما جميعا، ولا يحل له واحدة منهما بعد باتفاق أهل العلم.
وقالوا: لما كان الوطء في النكاح الصحيح والفاسد، وفي ملك اليمين الصحيح والفاسد، يوجب الحرمة بإجماع، كان سبيل الوطء بالزنى سبيله. وقد أمرنا الله في التنازع بالرد إلى كتاب الله وسنة رسوله، فوجدنا الكتاب
والسنة يوجبان التحريم بالوطء الحلال، وقضينا بذلك في الوطء الحرام. فإنه لا يبعد أن يكون مثله أو أشد منه ولا فرق عندنا كان الزني بالأمهات أو البنات قبل النكاح أو بعده أو قبل الولادة أو بعدها (2). بل إن الأمر لا يقتصر على الزنى بالمرأة في فرجها، فهو يشمل الوطء في الدبر، واللواط أيضا. فمن زنى بامرأة أو رجل في قبل أو دبر، حرمت عليه أصولهما وفروعهما، لأن الدبر أعظم حرمة من القبل، فالقبل قد يباح بالنكاح أو ملك اليمين، أما الدبر فلم يأت فيه حال إباحة أبدا. وقد أوجب الله في فاعله المثلة، وسماه فاحشة في آيات كثيرة من القرآن، فكان التحريم به من
باب القياس الأولوي (3).
4 - القياس في الحدود:
=
- سئل أبو عبيدة عن رجل أتى امرأة في دبرها. قال: من أتى امرأة في دبرها أو فرجها عليه الحد (4).
حديث: 5010.
1) ابن بركة الجامع، 2: 149 = 2: 519/ 518 - العوئبي، الضياء، 3: 24/ 23. - النزوي،
قواعد الهداية، 25 ظ.
2) ابن خلفون، أجوبة، 48/ 47.
3 ابن خلفون، أجوبة، 52/ 53.
4 الخراساني، المدونة الكبرى، 2: 251
314 (1/314)
صفحة 314
الفصل الرابع: دليل القياس
- وعن جابر في رجل يعمل عمل قوم لوط، أن عليه الرجم بكرا كان أم ثيبا، حده قتل كقوم لوط (1).
=
وشدد أبو المؤرج فيمن يأتي بهيمة أن عليه الحد، وذكر الربيع أن أهون ما يقام عليه: مائة جلدة (2).
= وفي حد السرقة، اختلفوا في النباش والسرار والخائن والمختلس، هل
يقاس هؤلاء على السارق؟
بن عبد
قال أبو المؤرج: لا قطع على هؤلاء إلا النباش. وقال عبد الله العزيز: بأن النباش ليس سارقا، لأنه أخذ شيئا من غير حرز، ولا مالك له. فالميت لا يملك الكفن، فلا قطع على من أخذه ولكن يعزر هؤلاء ويعاقبون
عقوبة شديدة (3).
هذا بينما يرى بعض الفقهاء هذا الرأي قياسا في الأسباب لا يجامع
العلة (4).
وأمثال هذه المسائل تدخل في تحقيق المناط، وهل يطلق على هؤلاء اسم السارق بالمعنى الشرعي أم أم لا؟ فمن أطلقه أقام الحد، ومن منعه رفع احتياطا وتغليبا لقاعدة درء الحدود بالشبهات.
الحد،
- هل تتعدد القصاصات في اجتماع الجروح؟ كان يقطع رجل يد رجل ويفقأ عينه؟ والحكم أن يثبت لكل جارحة من ذلك ديتها إذا لم يكن قصاص. فإذا مات المجني عليه رجع الحكم إلى دية النفس أو القصاص، وبطل الحكم الأول. وذلك قياسا على الحج إذا أدخله على العمرة لم يلزمه إلا طواف واحد وسعي واحد، وإذا فرقهما لزمه حكم كل واحد منهما على انفراد (5). وثمة نماذج عديدة لهذه القياسات في أبواب أخرى - في الوصايا
=
1) الخراساني، المدونة الكبرى، 2: 252. 2) الخراساني، المدونة الكبرى، 2: 252.
3) الخراساني، المدونة الكبرى 26 259 260 عمروس، الدينونة، 162/ 161. 4 د. إسماعيل يحي رضوان شواذ القياس. مجلة الموافقات. عدد 6. ص 81.
5 ابن بركة الجامع، 2: 57.
315 (1/315)
صفحة 315
الباب الأول: اجتهاد التأصيل
والمواريث (1). والأيمان والنذور (2). والدعاوى والشهادات (3). وغيرها. ونكتفي بالنماذج المذكورة حتى لا نعدو التأصيل إلى التفريع. وقد كدناه
وما قصدناه.
ونحسب أن في ما أوردنا كفاية في بيان مدى اعتماد الفقه الإباضي على القياس مصدرا وموردا خصبا لاستنباط الأحكام. 5 - القياس في اللغة:
موضوع
الأصل في القياس أن يختص بالأحكام الشرعية، لأن من شروط حكم الأصل أن يكون حكما شرعيا، لذلك لا يتناول مجال القياس الأصولي اللغة، وإن أدرجه كثير من الأصوليين استطرادا، كما توسعوا فأقحموا القياس في الأمور العادية في هذا الباب (4). ذكر البَرَّادِي أن رأي جمهور المحققين من علماء الأصول أن لا قياس في اللغويات (؟)، وهو ما أكده السالمي (6). بينما أجازه ابن بركة (7)، والرازي والشيرازي (8)، أما الوارجلاني فحكى الخلاف فيه دون التصريح بموقف واضح من الفريقين (9).
هذا
وقد تتعلق مسألة لغوية بالقياس الأصولي، وهو دلالة اللفظ على معنى هو علة الحكم، فيلزم بيان ذلك المعنى لغة، ثم إجراء القياس بناء عليه. ولعل هو مقصد ابن بركة من جواز القياس في اللغة، فقد رأى عقوبة الحد على واطئ البهيمة والواطئ في الدبر واعتبرهما، زناة كمن وطئ في الفرج، معللا ذلك أن الزنى في اللغة هو الدخول في مضيق الفرج، فكل من دخل في المحظور
=.
1) ابن بركة، الجامع 1: 152/ 151 2 547 - الخراساني، المدونة 2: 187/ 186. 2) ابن بركة المدونة 26 95.= 2: 107/ 106.
3 الكدمي، المعتبر، 106 و/ 106 ظ.
4) ينظر: الزحيلي أصول الفقه، 1: 710/ 711.
(5) البَرادِي، البحث الصادق 1 159. - ينظر أيضا الأسنوي، نهاية السول، 4: 44.
6 السالمي، طلعة الشمس، 2: 99.
7) ابن بركة، الجامع، 2: 525.
8 الرازي المحصول، 2: 418 - بخيت المطيعي سلم الوصول (هامش نهاية السول)، 4:
45 - السالمي، طلعة الشمس، 2: 99. الوار خلاني، العدل، 1: 47.
316 (1/316)
صفحة 316
الفصل الرابع: دليل القياس
يسمى زانيا. وألزمه الحد الذي وجب بالكتاب والسنة (1). ونص نجاد بن موسى على الاختلاف في جعل الاسم علة، فأجازه بعض ومنعه آخرون (2). وذكر أن عامة بعض أهل العلم على جواز إثبات الأسماء بالقياس فيسمى النبيذ خمرا، ويسمى النباش سارقا، قياسا على سارق الحي.
ومنع من ذلك آخرون. وذهب نجاد إلى أن الاعتبار المأمور به في القرآن فَاعْتَبِرُوا يَتأُولِي الْأَبْصَرِ} [الحشر: 7]. يتعلق بالمعنى لا باللفظ، فننظر المعنى الذي لأجله ثبت الحكم في الشيء، فإن وجدناه في غيره الحقناه به. كما نقول في الخمر إنها حرمت لوجود الشدة فيها والشدة موجودة في النبيذ فجعلناه بمنزلة الخمر في التحريم، وهو ما يكون في الاسم، ولذلك ورد عن عمر ه قال: الخمر ما خامر العقل. وقال ابن عباس كل مخمر خمر، وكل
خمر حرام (3).
ولكن المانعين قالوا: ليس هذا على إطلاقه، وإلا لزم أن نسمي الرجل البليد حمارا لوجود التبلد فيه، ونسمي الأوعية والأمكنة التي يستقر فيها الماء قارورة، وهذا غير صحيح باتفاق أهل اللسان (4).
وفي مسألة التيمم تطبيق فقهي واضح للقضية، فإن الطهارة بالصعيد واجبة عند عدم الماء، لقول الحق سبحانه: فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طيبا} [النساء: 43]. والصعيد في كلام العرب هو التراب، وقيل هو ما صعد على وجه الأرض منها. والطيب هو الطاهر الحلال. والتيمم في لغة العرب هو الطلب. والنبي تيمم بالتراب، وقال للسائل: «الصعيد الطيب يكفيك ما لم تجد الماء، ولو إلى عشر سنين (5). وشهد الكتاب والسنة بهذا المعنى،
1) ابن بركة، الجامع، 2: 525. 2) نجاد بن موسى، الأكلة، 92. 3) الخراساني، المدونة الكبرى:2: 230 - نجاد بن موسى الأكلة، 74/ 73. -الوار جلاني، العدل، 1: 47. البَرَّادِي، البحث الصادق، 1: 159 ظ/ 160 و.
4) ينظر تفصيل المسألة أكثر في الزحيلي أصول الفقه:1 716/ 713. وفيه الإحالة على
المصادر.
،
5) أخرجه أصحاب السنن وأحمد وغيرهم. ولفظ ابن حبان عن أبي ذر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: «الصعيد الطيب وضوء المسلم، ولو إلى عشر
317 (1/317)
صفحة 317
الباب الأول: اجتهاد التأصيل
واتفقت الأمة عليه. واختلفوا في ما سوى التراب ونحن معهم في ما اتفق عليه لا في ما اختلفوا فيه، لأنّ العَرَب تسمّي التراب صعيدا، ولا تسمّي ما
سوى ذلك صعيدا (1).
ويرد ابن بركة تفسير من أجاز التيمم بغير التراب أن كل ما صعد على الأرض يسمى صعيدا، بأنه ليس صحيحا، وإلا لكان الحيوان وما في معناه يسمى صعيدا. بل إن اسم الصعيد اسم علم ليس باشتقاق ... ويحسم المسألة
قول النبي: جعلت لي الأرض مسجدا وترابها طهورا» (32). فقيد معنى الصعيد في التراب ولا اجتهاد مع ورود النص. تقويم القياس الأصولي
اتضح لنا من العرض السابق لمباحث القياس كيف كان مجالا خصبا لاجتهادات العلماء في بسط أحكام الشرع على مستجدات الحياة، مما يكشف عن جانب هام من إسهام علماء الإباضية مع غيرهم في إثراء الفقه الإسلامي.
سنين، فإذا وجدت الماء فأمسسه جلدك، فإن ذلك خير» صحيح ابن حبان كتاب الطهارة، باب التيمم، ذكر البيان بأن الصعيد الطيب وضوء المعدم الماء،
حديث: 1327.
ونص الحديث عند أحمد إنَّ الصَّعِيدَ الطَّيِّبَ طَهُورٌ مَا لَمْ تَحِدِ الْمَاءَ وَلَوْ إِلَى عَشْرِ حِجَجٍ فَإِذَا وَجَدْتَ الْمَاءَ فَأَمِسَ بَشَرَتَكَ». مسند أحمد بن حنبل، مسند الأنصار، حديث أبي ذر الغفاري، حديث: 20779
أحمد. مسند الأنصار. حديث 20342.
1) ابن بركة، الجامع، 1: 332/ 333.
(2) نص الحديث عند مسلم عَنْ رِبْعِي عَنْ حُدَيفَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَضَّلْنَا عَلَى النَّاسِ بثلاث؛ جُعِلَت صُفُوفُنَا كَصُفُوفِ الْمَلائِكَةِ، وَجُعِلَتْ لَنَا الأَرْضِ كُلُّهَا مَسْجِدًا، وَجُعِلَتْ تُرْبَتُهَا لَنَا طَهُورًا إِذَا لَمْ نَحِدِ الْمَاءَ».
مسلم كتاب المساجد ومواضع الصلاة. حديث 842.
وباقي روايات الحديث بدون ذكر التربة أو التراب. ولفظ البخاري: عن جابر بن عَبْدِ اللهِ أَنَّ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ أَعْطِيتُ خَمْسًا لَمْ يُعْطَهُنَّ أَحَدٌ قَبْلِي، تصرتُ بالرُّعْبِ مَسيرَةَ شَهْرٍ، وَجُعِلَتْ لِيَ الأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا، فَأَيُّمَا رَجُلٍ مِنْ أُمَّتِي أَدْرَكَتْهُ الصَّلاَةِ فَلْيُصَلِّ، وَأُحِلَّتْ لِي الْمَعَانِمُ وَلَمْ تَحِلَّ لَأَحَدٍ قَبْلِي، وَأَعْطِيتُ الشَّفَاعَةَ؛ وَكَانَ النَّبِيُّ يُب
إلَى قَوْمِهِ خَاصَّةً، وَبُعِثْتُ إِلَى النَّاسِ عَامَّةٌ البخاري. كتاب التيمم. حديث 332
3) ابن بركة، الجامع، 1: 336.
يبعث
3101 (1/318)
صفحة 318
الفصل الرابع: دليل القياس
والاستدلال بالقياس الأصولي، وجة بارز لحضارة المسلمين ينم عن عبقرية الفكر الإسلامي في التوصل إلى المنهج الاستقرائي في أكمل صوره، إذ أقام علماء الأصول أهم طرق البحث العلمي على قانونين عقليين هما: قانون العلية وقانون الاطراد في وقوع الحوادث (1). وضبط الأصوليون العلة الشرعية بضواط دقيقة، ووضعوا لها مسالك للكشف عنها، سواء في الفرع أم في الأصل؛ حتى يتم إجراء عملية القياس على أساس سليم. وبهذا المنهج سبقوا المحدثين في وضع قوانين الاستقراء وطرقه، وأقاموا القياس الأصولي على أساس التجربة، كما يتجلى ذلك واضحا في مسلك السبر والتقسيم، أو ما عُرف بتنقيح المناط.
ويعد هذا المنهج رائدا لمناهج البحث العلمي التي قامت عليها حضارة الغرب في العصر الحديث. ولا غرو أن يعد القياس جوهر علم الأصول، حتى وجدنا الشافعي يعتبر القياس والاجتهاد معنى واحدا وتجلّي مباحثه أنه يُرسي شروط الحرية الفكرية والنزاهة العلمية، واعتماد الواقع في تقرير الأحكام. وفق ما أرشد إليه القرآن؛ وَلَا نَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمُ ? إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أوليك كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا} [الإسراء: 36]. وبهذا المفهوم الشامل وجدنا القياس
علماء
مفتاحا لكثير من أبواب المعرفة. ولا عجب أن نقرأ فحوى كلام أصحاب أصول الفقه في نصوص الطبيعة والعلوم التطبيقية أو مناهجهم. وهي تتحد في الاعتداد الموضوعي بالواقع وإجراء التجارب عليه بنزاهة واستعمال القياس في استخلاص النتائج دون الخضوع لمقررات سابقة كما كان حال علماء أروبا في القرون
الوسطى (2).
وقد شهد علماء الغرب أن قواعد استخراج المجهول من المعلوم، والتدقيق في الحوادث تدقيقا مؤديا إلى استنباط العلل من المعلولات، وعدم التسليم
1) النشار، مناهج البحث، 102.
2) عبد الحليم الجندي، الإمام الشافعي، 258.
319 (1/319)
صفحة 319
الباب الأول: اجتهاد التأصيل
بأسباب الوقائع إلا بعد التجربة؛ مبادئ قال بها العرب. واعترفوا أنه لا يُنسب إلى فرنسيس بيكون أي فضل في اكتشاف المنهج التجريبي في أروبا، ولم يكن بيكون في الحقيقة إلا واحدا من رسل العلم الإسلامي إلى أروبا المسيحية، وأن أهم أثر للثقافة الإسلامية في أروبا هو تأثيرها في العالم الطبيعي، والروح العلمي، وهما القوتان المميزتان للعلم الحديث (1). والقياس الأصولي نتاج إسلامي خالص لا صلة له بتراث اليونان وما اشتهر في من المنطق الأرسطي. وقد يبدو أن ثمة نوع تشابه بين القياس الأصولي وبين التمثيل الأرسطي، لأن في كليهما انتقالا من جزئي إلى جزئي، ولكنهما عند التحقيق مختلفان تماما، وإن اتفقا في الجانب الشكلي، فالتمثيل في المنطق هو الحكم على شيء معين بصفة لوجود هذه الصفة نفسها في شيء آخر مماثل له في صفة أو صفات أخرى. ويسمّى المثال المقيس عليه أصلا والمثال المقيس فرعا، والصفة المشتركة جامعا (2).
فهو انتقال من جزئي إلى جزئي دون رابطة علة جامعة بينهما، وليس في هذا إضافة جديد إلى المعرفة الإنسانية، خلافا للقياس الأصولي الذي يقوم على نوع من الاستقراء الدقيق للتوصل إلى العلة وإجرائها بناء على القانونين المذكورين، قانون العلية وقانون اطراد الحوادث ومعناهما أن لكل معلول علةً، وأن العلة الواحدة إذا وجدت تحت ظروف متشابهة أوجدت معلولات متشابهة (3). فاستعملوا قياس الغائب على الشاهد للوصول إلى حكم الغائب بناء على استوائه مع الشاهد في الوصف الموجب للحكم. واعتبر الأصوليون هذا الطريق موصلا إلى اليقين (4). هذا، وإن لم يتكامل البناء النظري لمباحث علم الأصول عند متقدمي الإباضية، فإنه تجسد في اجتهاداتهم تطبيقا ميدانيا، تجلت فيه كثير من مصطلحات هذا الفن، ثم عُني اللاحقون بتجريدها وضبطها في هيكل مترابط
1) عبد الحليم الجندي، الإمام الشافعي، 261. (2) أبو العلا عفيفي، المنطق التوجيهي، 77.
3) النشار، مناهج البحث، 86/ 85. 4 النشار، مناهج البحث، 86/ 85
320 (1/320)
صفحة 320
E 3
منظوم،
الفصل الرابع: دليل القياس
كما هو متعارف عند أهل الأصول وهو ما نجده واضحا لدى
الوار خلاني والسَّماخِي والسَّالِمِي.
ولعل ما يبرر هذا اهتمام الإباضية الشديد بالفكر العملي، وعدم إغراقهم في نزعة التنظير والتجريد إلا بقدر محدود.
321 (1/321)
صفحة 321
البَابُ الثَّانِي
اجتهاد التفسير (1/323)
صفحة 322
الباب الثاني: اجتهاد التفسير
تمهيد: علاقة اللغة بتفسير النصوص
?
يتركز عمل الأصولي، بعد تأصيل أدلة الأحكام، على بيان المراد من كلام
منه.
الشارع، لاستنباط الحكم والكشف عن معاني نصوص الوحي من أبرز مباحث علم الأصول؛ التي اصطلح عليها بمباحث الألفاظ، أو استثمار الأحكام أو تفسير النصوص. وبما أن كتاب الله تعالى وحديث رسوله كلام عربي مبين؛ فقد أصبح
لزاما على المجتهد فقه لسان العَرَب لمعرفة معاني هذا الكلام. وفي مبحث سابق تقدّمت الإشارة إلى أن علم اللغة من أهم مصادر الأصول. ولذلك نالت مباحث اللغة نصيبا موفورا من اجتهادات علماء الأصول؛ وكان للإباضية إسهامهم في هذه المباحث. وغدت منذ بواكير التأليف الأصولي المجال الرئيس لحوارات المجتهدين ومناظراتهم، ومستندهم الأساس لاستنباط الأحكام.
ويستدل ابن بركة على هذه الأهمية بقوله تعالى في سورة الرحمن: الرحمن) عَلَّمَ الْقُرْءَانَ خَلَقَ الْإِنسَنَ عَلَمَهُ الْبَيَانَ
[الرحمن: 1 - 4].
إذ أخبر الله جل ذكره أن البيان في اللسان، ولذلك لزمت الحجة وانقطع عذر المخاطب به إذا كان من أهل ذلك اللسان.
وللمعاني المختلفة صيغ خاصة، ولولا ذلك ما علم الفرق بين الأمر والنهي والإباحة والحظر. وقد جعل الله هذه الأسماء دلائل وعلامات ليعلم بها الخلق ما خوطبوا به ليمتثلوه ويقصدوا إليه، وخاطبهم بما يعلمونه لتجب الحجة عليهم (!). والله خاطبنا بما تعقل العَرَب في لغتها والعَرَب تعرف في لسانها الحقيقة والمجاز، والفرق بين العموم والخصوص؛ كما تعقل بالمطلق ما لا تعقله بالمقيد. ولكل صيغة معناها ومواردها.
والعَرَب لسعة لغتها وكثرة معاني كلامها فإنها قد تعبر عن العموم
1) ابن بركة الجامع، 1: 68.
324 (1/324)
صفحة 323
E
بالخصوص، وعن الحقيقة بلفظ المجاز، حسب مقتضيات المقام.
تمهيد
وعلى هذا النحو جرت مخاطبة الله تعالى في محكم كتابه. فوجب أن تعتبر
هذه الأساليب في فهم القرآن وكلام الرسول (1).
ووجدنا القرآن مشتملا على المفسر والمجمل، والمحكم والمتشابه، والحقيقة والمجاز، والخصوص والعموم والكناية والتصريح، والإيجاب والترغيب والإباحة، وغير ذلك (2).
ولهذه الأساليب علاقة باستنباط الأحكام وعلى اختلاف هذه الضروب تختلف معاني أحكامها، ولكل ضرب منها صورة تعرف بها، وصيغة وضعت لها، يعرف السامع بذلك قصد المخاطب وغرض المتكلم. فمن عرف ذلك وضع الخطاب موضعه ولم يعدل به عن جهته، ومن قصر علمه عن شيء ذلك التبس عليه ما قَصُر علمه عنه، ولم يُدرك ذلك من لم يكن عاقلا
من
مميزا» (3).
ولذلك يرى الوارجلاني أن الكلام ومعانيه بحران عظيمان واسعان، بينهما برزخ لا يبغيان عند ذوي البصائر والعقول، وهما بمثابة واحدة عند ذوي الجهالة والفضول، وإنما جعل الكلام خادما للمعاني، وحافظا لها إلى حين تأديتها إلى الأنام. والكلام قشر والمعاني لباب، فمن قنع بالقشر دون اللباب فقد خاب ومن ألحق كلاً بأصله فقد أصاب» (4). ولا عجب بعد هذا أن يكون فقه اللغة أهم شروط الاجتهاد، فإنه ينبغي للعالم أن لا يُفتي إذا لم يعرف ثلاثة أشياء، ولكنه يحكي عن من أخذ العلم. إذا لم يعلم: مصادر الأفعال وموازن الأسماء، ومعاني الحروف» (5). وقد عني أصوليو الإباضيَّة ببيان معاني الألفاظ، والمباحث المثمرة مما كان وثيق الصلة بتفسير النصوص دون الخوض في غمار الخلاف حول بعض المسائل الهامشية كمبحث أصل اللغة، وهل هي توقيفية أم وضعية؟
(1) ابن بركة الجامع:1: 73/ 71 = 1 298 - العوئبي، الضياء، 2: 240. 2) ابن بركة الجامع 1: 71 العوئبي، الضياء، 2: 241. 3 ابن بركة الجامع:1 72 العوئبي، الضياء، 2: 242 - النزوي، قواعد الهداية، 2 ظ. (4) الوارجلاني، الدليل والبرهان، 3: 29.
5) السوفي، السؤالات، 12.
325 (1/325)
صفحة 324
الباب الثاني: اجتهاد النفس
واقتصدوا في إيراد تقاسيم الألفاظ ودلالاتها، ولم يستطردوا بذكر التقاسيم المطوّلة التي ظهرت في كتب المتأخرين من الأصوليين، الذين تأثروا بالنزعة المنطقية الغالبة في العصور الأخيرة (1)، فعرفنا مصطلحات المشكك والمتواطئ والمترادف والمتباين والمشترك. ودلالات المطابقة والتضمن والالتزام، والنظر في المعاني المفردة ثم المركبة (2). وما إلى ذلك من المصطلحات التي خلت منها كتابات المتقدمين (3). هذا، وإن كان المشترك معروفا منذ عهود مبكرة. فقد ذكر ابن بركة أن من الأسماء ما يقع فيه الاشتراك بين مسمياته، ومنها ما لا يقع الاشتراك فيه. والمشترك يعرف المراد منه ويزول الشك بالبيان بمقدمة أو إشارة أو دلالة يقع بها البيان، كأن تقول لفلان يَد. فقد تقصد الجارحة التي يبطش بها. ويحتمل الْمِنْةَ والنعمة، كما يحتمل التصرف في الملك. ولا بد من مقدمة لبيان المقصود من هذا الكلام، ليفهم الخطاب ويصح التكليف (4). - قضية بداية اللغة: انتهى بحث أهل اللغة والأصول في هذه القضية بعد جدال طويل إلى رأيين: - أحدهما، أن الله تعالى أنشأ تلك الرابطة بين اللفظ والمعنى، وألهمها آدم، ثم تلقاها أبناؤه من بعده بالتعلم والتلقين، ثم اتسعت اللغات عبر العصور؛ ومع تطور الحضارات، واختلاف أنماط الحياة في شتى بقاع الأرض. واستند هذا الرأي إلى قوله تعالى: وَعَلَّمَ ءَادَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَهَا} [البقرة: 31]. - الثاني: يميل إلى أن اللغة لم تكن توقيفا من الله، بل نشأت نشأت من تواضع الناس واتفاقهم على ألفاظها، إذ دفعتهم الحاجة إلى التعاون وتبادل المنافع إلى
=
1) حول مباحث الألفاظ وصلتها بالمنطق الأرسطي ينظر النشار، مناهج البحث، 25/ 33. (2) الغزالي المستصفى، 1: 29 فما بعد. - الآمدي، الإحكام، 1: 11 فما بعد. - الشماخي، شرح المختصر، تحقيق مهني التيواجني، 217/ 211. 3 تناول الوَار خلاني هذه المصطلحات في كتابه " مرج البحرين" في المنطق، ولكنه أهملها في كتابه الأصولي " العدل والإنصاف". كما شرحها الثميني شرحا وافيا في كتاب " تعاظم الموجين شرح مرج البحرين .. ينظر: الوَار جلاني الدليل والبرهان 2 90 - عبد العزيز الثميني، تعاظم الموجين، مخ: 71/ 65.
4 ابن بركة، الجامع، 1: 68/ 69.
326 (1/326)
صفحة 325
تمهيد
E
وضع
تلك المصطلحات كحاجتهم إلى الأكل واللباس والمسكن. وقد طال البحث في هذه المسألة بما لا ثمرة ترجى منه؛ فضاع من الجهد والحبر والزمن شيئ ثمين (1).
واختصر الوارجلاني قضية بداية اللغة بذكر الخلاف فيها بين قائل بأنها توقيف، وقائل بأنها مواضعة وسوّغ الاحتمالين، دون ترجيح ولا فصل؛ إذ لا دليل من العقل ولا من الشرع يحسم الخلاف ولا يترتب على ذلك علم ولا عمل نافع وعقب بقوله: «والله أعلم كيف كانت فعلاً) (2). وأوضح البَرَّادِي موقف الإباضية من القضية، وقال بأنها مسألة جرت عادة الأصوليين بالخوض فيها، ولا تعلق لها بأصل ولا فرع، وليس لها ذكر في آثار أصحابنا فيما انتهى إلينا. ولم ينصوا على توقيف ولا مواضعة، وأنها إخبار عما مضى. ولا تعلّق لها بتكليف. وقد استقر التخاطب بين الناس، فالخوض فيها فضول لا أصل له ولا نفع فيه (3). وهذا هو الرأي الذي أقره الغزالي بعد أن فصل الأقوال في المسألة وأورد مستنداتها. وهو رأي منسجم مع قواعد الشرع ومبادئ العقل، ومتفق المنهج السليم في بناء المعارف على الدليل، واجتناب الرجم بالظنون (4). علاقة الأحكام بالأسماء: تعبدنا الله تعالى بعبادات عرفها لنا توقيفا عليها بأعيانها، ودلّنا عليها بأسمائها. ويقرر ابن بركة أن الأسماء ومفاهيمها من وضع الشارع، وليس لأحد حدا أن يضع يوجب بوصفه في الشريعة حكما إلا أن يتولى وضع ذلك الحد کتاب ناطق، أو سنة ينقلها صادق عن صادق، أو يتفق على ذلك علماء أمة محمد ي. فالماء جعله الله تعالى مطهرا، وقال: {وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طهورًا} [الفرقان: 48]. والطهور هو الشيء الفعول للطهارة، يطهر ما لاقاه.
1) ينظر تفصيل هذه الأقوال واستدلالاتها الأسنوي، نهاية السول، 2: 30/ 22.
2 الوارجلاني، العدل، 1: 44.
3 البرادي، البحث الصادق، 1: 157
(4) الغزالي، المستصفى، 1: 318/ 322. 5 ابن بركة، الجامع، 1: 293/ 294.
و.
??
327 (1/327)
صفحة 326
الباب الثاني: اجتهاد التفسير
*
ولو تركنا وظاهر الأمر لحكما بتطهير كل ما لاقاه الماء. غير أن ثمة أدلة قامت في بعض المواضع منعت من هذا العموم، وذلك في حكم الماء إذا لاقى
النجاسة.
وقد حدد النبي ذلك بقوله: «الماء طهور لا ينجسه شيء، إلا ما غير لونه أو طعمه أو ريحه» (1). فإذا تغيّر لون الماء أو طعمه أو ريحه بنجاسة؛ لم يعد ماءً طهورا (2). وأمَرَ الشارع باجتناب البول، وحَكَم بنجاسته، فكل ما وقع عليه اسم البول كان نجسا إلا أن يُخص بدليل من الشرع (3). فالماء والبول اسمان لغويان والطاهر والنجس اسمان شرعيان، فوجب التسليم لما ورد به أهل اللسان في معرفة الحقائق والإذعان لما جاء به الشرع في معرفة الأحكام. وقد بنى المجتهدون على فقه اللغة كثيرا من القواعد و المسائل الاجتهادية. = ومن ذلك خلافهم في من وجد ماء لا يكفيه للوضوء أو الاغتسال، فذهب الإباضية إلى أنه يستعمل ذلك الماء كله ويتيمم لما بقي من وقال الحنفية ينتقل إلى التيمم رأسا وحجة الأولين أنه واجد للماء، فلا يعدل
أعضائه.
عنه حتى يستهلكه. وحجة الآخرين أن الماء غير الكافي للطهارة كالعدم سواء. ورجح ابن بركة القول الأول، لأنه أشبه بالسنة وأولى بالحجة والله لم يقل: إذا عجزتم عن غسل بعض أعضائكم فلا تستعملوا الماء. فالواجب أن يستعمل ما قدر الماء عليه؛ للحديث إذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم» (4). فإذا فني
(1) نص الحديث عند ابن ماجه: عَنْ أَبِي أُمَامَةَ الْبَاهِلِي قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِنَّ الْمَاءَ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ إِلا مَا غَلَبَ عَلَى رِيحِهِ وَطَعْمِهِ وَلَوْنِهِ
سنن ابن ماجه كتاب الطهارة وسننها، باب الحياض، حديث: 518.
2) ابن بركة، الجامع، 1: 292/ 293.
-3 ابن بركة، الجامع 1: 294
4) أخرجه الشيخان وأصحاب السنن بألفاظ متقاربة.
ولفظ البخاري: عن أبي هريرة، عن النبي قال: دعوني ما تركتكم، إنما هلك من كان قبلكم بسؤالهم واختلافهم على أنبيائهم، فإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه، وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما
استطعتم».
328 (1/328)
صفحة 327
تمهيد
E 3
عدل إلى التراب (1).
==
وإذا ضرب المتيمم يده على الأرض، فإنه لا يُجزيه إن لم يَعْلَق بيده شيء من التراب لدلالة القرآن عليه فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم منه} [المائدة: 6]. يعني من الصعيد. وهو ما أكدته دلالة السنة «جُعِلت لي الأرض مسجدا وترابها طهورا» (2). فمن مسح بغير التراب لم يمسح بالصعيد كما أن التراب النجس كالماء النجس، لأنه ليس صعيدا طيبا. وتراب الآجر والخزف كالماء المستعمل لأن اسم التراب قد زال عنه، وتغيّر بالصنعة وصار مضافا (3). والصوم ينقضه كل ما دخل الجوف ولو كان غير مغذ. وخالف أبو حنيفة فكان لا يرى في أكل الجص والحصى والطين وما جرى مجراها ناقضا للصيام. والحَجّة عليه أن الأكل اسم جامع يقع على الأغذية وعلى غيرها، ولو كان الصوم يمنع من الأغذية دون غيرها لبين ذلك في السنة، ولكنا تعبدنا بالصَّوْم الذي يُعرف في اللغة وهو الإمساك والكف، ومن أكل غير الأغذية فليس بممسك ولا مستحق اسم صائم (4).
=
= ومن خرج باغيا على المسلمين ثم اضطرته المخمصة إلى أكل الميتة، جاز له ذلك، لعموم الآية فَمَنِ اضْطُرَ في مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمِ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} [المائدة:3]. وآية فَمَنِ اضْطُرَ غَيْرَ بَاغِ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورُ} [البقرة: 173]. ولكن بعض الفقهاء منعه من أكل الميتة، لأنه باغ وعاد. وصواب المعنى، غير باغ في الأكل ولا متعد فيه. فالأكل أبيح له إذا خاف على نفسه الموت.
الربيع، الجامع الصحيح، كتاب الحج، باب في فرض الحج. حديث 394. ج، ص. صحيح البخاري، كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة باب الاقتداء بسنن رسول الله صلى الله عليه وسلم
حديث: 6879.
صحيح مسلم، کتاب الحج، باب فرض الحج مرة في العمر، حديث:2456.
1) ابن بركة، الجامع، 1: 281/ 282.
2) سبق تخريجه.
3 ابن بركة الجامع، 1: 357/ 358.
4 ابن بركة، الجامع، 92.
329 (1/329)
صفحة 328
الباب الثاني: اجتهاد التفسير
=
E
وليس خروجه لبغي أو غير بغي مما يمنع من إحياء نفسه إذا قدر على ذلك» (1). والمرأة إذا ألقت مضغة أو علقة أوجب الإباضية عليها حكم النفساء، فتقعد أيام عادتها من النفاس، وتنقضي عدتها بذلك. وقال بعضهم: لا تكون نفساء حتى تظهر من المضغة علامات الإنسان، نحو الجارحة، أو يُعرف الذكر من الأنثى. وذهب ابن بركة إلى أن النظر» يوجب أن لا تكون المرأة نفساء إلا أن تضع ما يصح أن نلقبه باسم الولد لأن النفاس لا يكون إلا بعد ولادة. وهذا ما يُعرف في كلام العرب، وليست المضغة ولدا، فتكون المرأة مستحقة به اسم ملقيةٍ ولدا. فإذا رأت بعد إلقاء المضغة دما، فعلمت أنه ليس بدم حيض بتمييزها بين دم الحيض ودم الاستحاضة، لم تَدَعْ له الصوم ولا الصلاة» (2).
هذه نماذج للاجتهاد بناء على فقه اللغة، وستتناول في هذا الباب الفصول الآتية:
1. الفصل الأول: البيان.
2 الفصل الثاني: العموم والخصوص.
3 الفصل الثالث: الأمر والنهي.
4. الفصل الرابع: الحكم الشرعي، وهو ثمرة الأمر والنهي.
1) ابن بركة، الجامع، 1: 434/ 435.
2) ابن بركة، الجامع، 2 234.
كم
330 (1/330)
صفحة 329
الفصل الأول: البيان
الفصل الأول: البيان
المبحث الأول: الحقيقة والمجاز
-1 - الحقيقة والمجاز: مفهوما وأقساما.
لا يخلو اللفظ الوارد في نصوص الكتاب والسنة أن يكون حقيقة أو مجازا. فالحقيقة هي اللفظ المستعمل فيما وُضع له، لغةً أو عرفا أو شرعا (1)، أو
هو كل لفظ استعمل فيما وضع له (2)، أو هو ما أريد به ما وضع له (3). والمجاز كل لفظ استعمل في غير ما وضع له، لعلاقة، قرينة (4)، أو هو كل لفظ جاوز ما وُضع له إلى غيره (5)، أو هو ما أريد به ما لم يوضع له في
اللغة (6).
ولا بد في المجاز من وجود علاقة بين المعنى الأصلي والمعنى المنقول إليه، وقرينة تمنع من إرادة المعنى الأصلي، كقولك: رأيت أسدا على فرس، وتعني به الشجاع. فالشجاعة علاقة بين الأسد والرجل الشجاع، وكونه على فرس قرينة منعت من إرادة المعنى الأصلي للأسد (7). فإذا استعمل اللفظ في المعنى الذي وضع له في اصطلاح التخاطب سمي حقيقة، وإن عدل به إلى غير ما وُضع له كان مجازا. ولا خلاف بين أهل اللسان والأصول حول هذا التعريف (8).
والحقيقة إما لغوية وإما عرفية وإما شرعية.
=
- الحقيقة اللغوية: هي اللفظ المستعمل في أصل ما وضعته له العَرَب،
كالإنسان والدابة والفرس.
1) السالمي، طلعة، 1: 194.
2 الوارجلاني، العدل 1 39 - سعيد الجربي، جواب، 113 ظ.
3) الملشوطي، الأدلة، 3 ظ.
4 السالمي، طلعة، 1: 199. 5) سعيد الجربي، جواب، 113 ظ. 6) الممشوطي، الأدلة، 3 ظ.
7 السالمي، طلعة، 1: 199 فما بعد. 8) الغزالي، المستصفى، 1: 341.
331 (1/331)
صفحة 330
الباب الثاني: اجتهاد التفسير
=
?
- والحقيقة العرفية ما تواضع عليه طائفة من الناس، كإطلاق لفظ الدابة
والغائط على معنى خاص. وكعرف أهل النحو في ألفاظ الفاعل والمفعول
والحال وغيرها. والحقيقة الشرعية: لفظ استعمله الشارع في معنى خاص وغلب عليه، كالوضوء والصلاة والصيام. فاستعمال اللفظ في هذه المعاني الدينية يسمى حقيقة شرعية، وإن كان لها معنى آخر في أصل الوضع (1). والشرع طارئ على اللغة، فغلبت الشريعة اللسان، ووجب العدول إلى
معاني تلك الألفاظ كما حددها الشارع (2).
وكذلك المجاز ثلاثة أنواع: لغوي و عرفي وشرعي.
فاستعمال الأسد للشجاع مجاز لغوي واستعمال الدابة لكل ما يدب على الأرض مجاز عرفي، واستعمال الصَّلاة للدعاء مجاز شرعي. والسبب في التسمية، واضح إذ إننا خرجنا بمعاني هذه الألفاظ عن استعمالها الحقيقي، سواء عند أهل اللغة أم أهل العرف، أم أهل الشرع (3). بهذا المنظور، قد تكون اللفظة الواحدة حقيقة ومجازا في آن واحد باعتبارين مختلفين. فالصلاة حقيقة شرعية إذا قصد بها العبادة المعروفة التي تفتتح بالتكبير وتختم بالتسليم. ولكنها قد تغدو مجازا شرعيا إذا قصدنا بها
مجرد الدعاء.
وللمجاز وجوه كثيرة، منها الاستعارة وعلاقتها المشابهة، ومنها المجاز المرسل وله علاقات عديدة كالكلية والجزئية والمحلية والحالية والسببية والمسببية وغيرها. والمجاز العقلي، - والكناية. وتردد اللفظ بين الحقيقة والمجاز بالأقسام الثلاثة وارد في اللسان، وفي
=
السنة والقرآن.
=
ومن مجازات القرآن قول الله تعالى على لسان إخوة يوسف: {وَسْتَلِ
(1) ينظر: الجيطالي، قواعد:1: 165 - السالمي، طلعة، 1: 194/ 195. 2 الوارجلاني، جواب الأبدلاني، 218. 3) السالمي، طلعة، 1: 209. - ينظر أيضا: - عبد العزيز البخاري، كشف الأسرار، 1: 62/ 61. علي حسب الله أصول التشريع الإسلامي 221 - البوطي، أصول الفقه، 58/ 59.
332 (1/332)
صفحة 331
الفصل الأول: البيان
الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا} [يوسف: 82]. أي أهل القرية. وقوله أيضا: فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَن يَنقَضَ} [الكهف: 77]. ولا إرادة للجدار (!). وقوله: وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِن رِجَالِكُمْ} [البقرة: 282]. باعتبار ما
يكون. وكذلك قوله: إنّي أَربَنِي أَعْصِرُ خَمْرًا} [يوسف: 36]. وأما باعتبار ما كان فمنه قوله: وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا * [البقرة: 234]. أي اللواتي كن أزواجا قبل وفاتهم (2).
وقوله: {وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَوةٌ يَتأُولِي الْأَلْبَبِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [البقرة: 180]. أي المرض المخوف عليه. ولو كان المراد الموت حقيقة لسقط التكليف بإلزام الوصية. إذ لا خطاب مع وغير هذا من مجاز اللغة في القرآن كثير (3).
الأموات.
وتعرض الوَارِجلاني لتعاور الحقيقة والمجاز على اللفظ الواحد، فقد يتعارف الناس على أسماء كانت في البداية مجازا رجعت بالعرف حقائق، كالغائط والنكاح والصَّلاة والصيام، وما أشبه ذلك. ولكن الشريعة غيرت اللغة وجعلتها حقائق في الشرع ومجازا في اللغة، بعدما كانت بالعكس. ومن ذلك قول النبي لعمر له وقد سأله عن الجنابة تصيب الرجل من الليل، توضأ واغسل ذكرك» (4). فقد أراد غسل يديه ثم ذكره، ولم يرد وضوء الصلاة (5).
كثيرا من
(1) العوئبي، الضياء 2 +236 237. - أبو خَزر يغلا بن زَلْتاف، الرد على جميع المخالفين، 30/ 29 - القلهاتي، الكشف والبيان، 1: 306/ 305
2 ابن بركة، الجامع، 1: 107/ 106. 3 الملشوطي، الأدلة، 3 ظ.
(4) أخرجه الشيخان وأصحاب السنن وغيرهم عن عبد الله بن عمر. صحيح البخاري، كتاب الغسل، باب الجنب يتوضأ ثم ينام، حديث: 286.
صحيح مسلم، کتاب الحيض باب جواز نوم الجنب واستحباب الوضوء له، حديث:490. سنن أبي داود، كتاب الطهارة، باب في الجنب ينام، حديث: 194. مسند أحمد بن حنبل، ومن مسند بني هاشم، مسند عبد
حديث: 5158.
5 الوار خلاني، العدل، 1: 52.
الله بن عمر رضي الله عنهما،
333 (1/333)
صفحة 332
الباب الثاني: اجتهاد النفس
هذا، بينما صنّف البَرَّادِي الحقائق تصنيفا أدق، فقال: «إن الأسماء على أصولنا تنقسم ثلاثة أقسام أسماء دينية، وأسماء شرعية، وأسماء لغوية» (1). - فالأسماء الدينية تتعلق بها أحكام الدنيا والآخرة، مثل الإيمان والكفر، والشرك والإسلام، والنفاق والفسق، والكبيرة والصغيرة. فهذه جعلت أساسا للشريعة، وعُلّق عليها الثواب والعقاب والحدود والولاية والبراءة. ولم تكن العَرَب تعرفها قبل ورود الشرع، ولا تتخاطب بها على هذه الصفة، حتى أوقفهم الشارع عليها وخاطبهم بها تكليفا وإلزاما وأمرا ونهيا.
=
وجميع المعارف وأصول الديانات متعلقة بهذه الأسماء راجعة إليها. - وأما الأسماء الشرعية فهي التي تتعلق بها التكاليف، وقد عرفتها العَرَب وتخاطبت بها، حتى نقلها الشرع عن موضوعها إلى معان مشروعة وأوصاف مخصوصة، مثل الصَّلاة والزَّكَاة والحج، والنكاح والطلاق، والبيع
والشراء.
=
فهذه تتعلق بها الأحكام مثل الصحة والإجزاء، والفساد وعدمه. وهي من الفقه وأصوله. - وأما الأسماء اللغوية، فهي المشتملة على موضوعاتها، وهي باقية على أصولها، لم تنقل إلى شيء آخر. ولا يتعلق بها ثواب ولا عقاب ولا حكم (2). ونقل الغزالي عن الباقلاني إنكاره للأسماء الشرعية، وذلك لازم عن إنكاره المجاز، بحجة أن حقائق الشرع هي مجرد حقائق اللغة، وإنما تصرف الشارع فيها بزيادة قيود وشروط، وهذا لا يغير المعنى الكلي للفظ، فتصرفه فيها كان بوضع الشرط لا بتغيير الوضع. ولم يقرّ الغزالي الباقلاني على هذا الرأي (3). وانضم إلى صف الجمهور في تقسيم الحقائق والمجازات إلى لغوية وعرفية وشرعية وقرر أنه لا مجال لإنكار ذلك كلّية، بل هو أمر لا يحتاج إلى
جدال (4).
(1) البَرادِي، رسالة الحقائق، 15. (2) البَرَّادِي، رسالة الحقائق، 16/ 15. (3) الغزالي، المستصفى، 1: 326/ 331. (4) الغزالي المستصفى، 1: 326/ 325.
334 (1/334)
صفحة 333
الفصل الأول: البيان
وحكم الحقيقة إثبات المعنى الذي وضعت له عاما كان أم خاصا، أمرا أم نهيا، نصا أم ظاهرا ولا يجوز نفي معناها؛ فلا يقال عن الأب إنه ليس باب، ولكن الجد يجوز نفي كونه أبا لأنه أب مجازا لا حقيقة (1).
- الترتيب بين الحقائق والمجازات
الأصل في الكلام إرادة الحقيقة، والمجاز طارئ. والحقيقة المقدمة ما اصطلح عليه أهل كل فن.
هي
ففي نصوص الشارع تقدم الحقائق الشرعية، ثم تليها العرفية ثم اللغوية ثم المجاز. وفي كتب النحو تقدم الحقائق العرفية لأهل النحو، وهكذا لكل اختصاص ومجال حقائقه ومصطلحاته (2).
فإذا دار اللفظ بين الحقيقة والمجاز، فاللفظ للحقيقة، إلا أن يدل الدليل أنه أريد به المجاز. ولا يكون مجملا كقولك: رأيت اليوم حمارا واستقبلني أسد. فلا يُحمل على البليد والشجاع إلا بقرينة زائدة (3). وإذا دار اللفظ بين المجاز والاشتراك، فجعله للمجاز أقرب، لأن المجاز أغلب في الاستعمال من المشترك (4).
ولو جعلنا كل لفظ تردّد بين الحقيقة والمجاز مجملا لتعدرت فائدة الكلام، الألفاظ. لأن هذا حال كثير من
وفي التطبيقات الفقهية نماذج عديدة لهذا الترتيب. - فملامسة الرجل لامرأته لا تنقض الوضوء عند الإباضية، وهو مروي عن الإمام جابر وأبي عبيدة والربيع.
وذهب الشافِعِيّة إلى نقضه واستدلوا بآية أَوْ لَمَسْتُمُ النِّسَاءَ [النساء:43] / [المائدة: 6]. وذكر الشافعي روايات عن ابن عمر وابن مسعود في نقض الوضوء من لمس الرجل زوجته، فحكم بذلك ولو لم تحصل شهوة من
1) السالمي، طلعة، 1: 198.
(2) السالمي، طلعة، 1: 195. (3) الغزالي، المستصفى، 1: 360/ 359.
4 - السالمي، طلعة، 1: 198.
335 (1/335)
صفحة 334
الباب الثاني: اجتهاد التفسير
تلك الملامسة (1).
E 3
وردّ عليهم بأن الملامسة تقتضي المفاعلة وأما قراءة "لمستم" فمعناها هو الجماع، وسمّي بذلك مجازا، كما جاء في آية أخرى وَإِن طَلَقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ} [البقرة: 237]. فالمراد به هنا الجماع إجماعا.
وقد روي عن الإمام علي وابن عباس أن اللمس المذكور في القرآن هو الجماع (2). وهذا من أدب القرآن الرفيع.
=
- وإذا بانت المرأة من زوجها بثلاث تطليقات، لم تحل له إلا بعد زوج يعقد عليها عقدا صحيحا، ويطؤها وطءا حلالا، ثم يفارقها بموت أو طلاق. فإن تزوجها في حال عدة، أو وطنها في الحيض أو في النفاس، أو الدبر أو في الصوم، لم تحل لزوجها الأول، لأنه لم يكن ذائقا للعُسيلة التي اشترطها النبي للإحلال والعسيلة الشرعية ما يستلذ به من طريق الحلال، لقوله تعالى:
1
وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبينَ} [الأعراف: 157] (3). واختلفوا في من قال لزوجته أنت طالق إن أكلت لحما. فأكلت سمكا. قال بعضهم: قد وقع عليها الطلاق، لأن السمك سماه الله في لغة القرآن لحما. الا وهو الذي سخر البحر لتأكلُوا مِنْه لحما طريا مامان [النحل: 14]. وقال بعض: لا حنث عليها، إلا أن تاكل اللحم المجتمع عليه، لأن اللحم عندهم لحم؛ والسمك سمك، وهو عندهم غير اللحم (4).
وإذا بطل الاسم اللغوي تبعه الحكم الشرعي، فالخنزير حرام أكله، ولكن ما الحكم لو أحرقه إنسان حتى صار رمادا ثم شربه؟، ذهب الإمام عبد الوهاب إلى كراهة ذلك، ولم يحكم بهلاك فاعله، «لأنه لم يشرب الحرام المنصوص عليه بعينه، وقد فعل ما لا يحل له» (5).
1) الشافعي، الأم، 1: 15.
2) الخراساني، المدونة:1: 98. ابن بركة الجامع:1: 325 326. -النزوي، قواعد الهداية،
17 و.
3 ابن بركة، الجامع، 2: 187/ 186.
4 الخراساني، المدونة 1: 95.
5) الإمام عبد الوهاب، مسائل الإمام عبد الوهاب 3 ظ.= مسائل نفوسة، 54.
336 (1/336)
صفحة 335
=
الفصل الأول: البيان
= وإذا تعذر إجراء اللفظ على حقيقته الشرعية عُدِل به إلى المعنى اللغوي، كما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا يتوضأ أحدكم من طعام أحل الله أكله» (1). وورد أنه أمرهم بالوضوء مما مسته النار (2).
فهو محتمل أن يكون أمرهم بتنظيف أيديهم من الدسم، لأن الوضوء في كلام العرب مأخوذ من الوضاءة، وهي النظافة والحسن. والأمر إذا ورد بالوضوء كان ظاهره يوجب على المتعبد أن يأتي بفعل يسمّى به متوضئا، وإذا وضأ يده من الزهومة سمّي بذلك متوضئا (3)، وهو ما تؤكده الروايات الحديثية أن ذلك الوضوء كان للنظافة لا للتعبد. وأن الأمر منسوخ فقال الترمذي: وَقَدْ رَأَى بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ الْوُضُوءَ مِمَّا غَيْرَتِ النَّارُ وَأَكثرُ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَالتَّابِعِينَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ عَلَى تَرْكِ الْوُضُوءِ مِمَّا غَيْرَتِ النَّارُ» (4).
-3 - الحقيقة والمجاز في باب الصفات:
احتد الجدل بين طوائف المسلمين حول الحقيقة والمجاز، وأثر ذلك على جانب هام من مباحث العقيدة، تتعلق بصفات الباري، فنفاها قوم لأنها تستلزم المشابهة بالمخلوقات. وتنافي قوله تعالى: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} [الشورى: 11]. وأثبتها آخرون، وقالوا هي حقائق، ولكنها تختلف عن حقائق ما عهدنا من صفات الخلق. واستدلوا بنفس الآية،
1) وهو قول ابن عباس. وقد وقع الخلاف بينه وبين أبي هريرة كما رواه النسائي وأحمد عن عَبْد الرَّحْمَنِ بْن عَمْرٍو أَنَّهُ سَمِعَ الْمُطَّلِبَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَنْطَبِ الْمَحْرُومِي يَقُولُ: قَالَ ابْنُ عباس: أَتَوَضًا مِنْ طَعَام أَجِدُهُ حَلالاً فِي كِتَابِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ؛ لأَنَّ النَّارَ مَسْتَهُ. قَالَ: فَجَمَعَ أَبُو هُرَيْرَةً حَصًا بَيْنَ يَدَيْهِ فَقَالَ: أَشْهَدُ عَدَدَ هَذَا الْحَصَى لَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم تَوَضَئُوا مِمَّا مَسَّتِ النَّارُ».
السنن الصغرى، سؤر الهرة، صفة الوضوء، باب الوضوء مما غيرت النار، حديث: 174. مسند أحمد بن حنبل، ومن مسند بني هاشم، مسند أبي هريرة رضي الله عنه، حديث:10633. 2 أخرج مسلم عن زيد بن ثابت قال: سمعت رسول الله يقول: الوضوء مما مست
النار.
صحيح مسلم، كتاب الحيض، باب الوضوء مما مست النار، حديث:554. 3) ابن بركة، الجامع، 1: 305.
(4) سنن الترمذي الجامع الصحيح، أبواب الطهارة عن رسول، باب الوضوء مما غيرت النار، حديث: 77.
337 (1/337)
صفحة 336
الباب الثاني: اجتهاد التفسير
وفيها أثبت الله لنفسه السمع والبصر.
وذكر الوارجلاني أن للقضية اعتبارين، «فإن اللغة واحدة، بها يتعارف وبها يتناصف، وجعلها في حقنا حقيقة لا مجازا، وفي حقه حقيقة لا مجازا. لأنه لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} [الشورى: 11]» (1).
وذكر الوَارِجلاني الحقائق المبثوثة في القرآن من: الوجود والحياة، والعلم والقدرة، والإرادة والكره والرضى والأمر والنهي، والطاعة والمعصية،
والثواب والعقاب والجنة والنار. وفصل معانيها بين الحقيقة والمجاز. فحقيقة الوجود في متعارفنا المعهود فينا؛ كوننا تحت المكان والزمان، وهذا ما يُفهم من قولنا: فلان موجود وفلان معدوم بعكسه. ولكن وجود الباري سبحانه بخلاف الأول. وهذا الوجود غير معقول إلا من جهة الشرع، بدليل قوله: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} [الشورى: 11]. ولهذا قلنا:
إن الإخبار عنه في حقنا مجاز، إذ قصرت عقولنا أن تعقل كنه وجوده.
وأما حقيقة وجود الله وصفاته في ذاته فهو أولى بالحقائق من وجودنا
وصفاتنا؛ للنقص الشامل لنا جل وعلا فوق النطق وصفاتنا تحت النطق وليس الوجودان سواء على
وجوده وصفاته ودوامه. إذ صفاته عن کمال
حال (2).
ويوضح العوتبي القضية بأنه «جائز أن يقال: لم يزل الله سميعا، وهي صفة ذات، وجائز لم يزل سميعا والمعنى بأنه عالم، وأن العالم بالشيء بصير به، وجائز أن يوصف بأنه قريب من الخلق والوصف له تعالى بذلك على جهة التوسع والمراد أنه عالم بنا وبأعمالنا، وأنه سامع لقول الخلق، وراء لأعمالهم، وأنه لا ستر بينه وبينهم ولا حجاب ولا مسافة. فلما كان على ذلك؛ قيل له في سعة اللغة إنه قريب منا، إذ كان لا يشاهد أعمالنا أحد من المخلوقين إلا من كان قريبا منا» (3).
وكذلك تقرب العباد الله تعالى بالطاعات هو مجاز وتوسع، ومعناه طلب
1) الوَارجُلانِي، الدليل والبرهان، طبعة عمان. 3: 14. 2 الوَارَجُلانِي، الدليل والبرهان، طبعة عمان 3: 15/ 14. 3 العوتبي، الضياء، 2: 5.
338 (1/338)
صفحة 337
E 3
الفصل الأول: البيان
المحبة والكرامة منه، وإنما قيل لذلك تقرب لأنا في المشاهد إذا أحببنا شيئا قربناه منا، وإذا أبغضناه بعدناه منا، فلهذا قيل لذلك تقرب إلى الله عل على المجاز (!).
نفي الحقيقة الشرعية:
يرد في أسلوب الشارع في مواضع عديدة نفي الحقائق الشرعية، من مثل قول النبي: لا صلاة إلا بطهور) (2). و لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب» (3). والا نكاح إلا بولي وصداق وبيّنة» (4). ولا صلاة لجار المسجد إلا في
1) العوئبي، الضياء، 2: 6/ 5. 2 وورد بلفظ «لا تقبل صلاة بغير طهور و لا يقبل الله صلاة بغير طهور» - صحيح مسلم، كتاب الطهارة، باب وجوب الطهارة للصلاة، حديث: 355. صحيح ابن حبان، کتاب الصَّلاة، باب شروط الصلاة، ذكر نفي قبول الصلاة بغير وضوء لمن أحدث، حديث: 1726.
سنن ابن ماجه، كتاب الطهارة وسننها باب لا يقبل الله صلاة بغير طهور، حديث: 271. 3 وورد الحديث بلفظ «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب وبلفظ «لا صلاة لمن لم يقرأ بأم القرآن وألفاظ أخرى متقاربة عن عبادة بن الصامت. صحيح البخاري، كتاب الأذان أبواب صفة الصلاة، باب وجوب القراءة للإمام والمأموم في الصلوات كلها، حديث: 735.
صحيح مسلم، کتاب الصلاة، باب وجوب قراءة الفاتحة في كل ركعة، حديث: 621.
سنن ابن ماجه، كتاب إقامة الصلاة، باب القراءة خلف الإمام، حديث: 834. سنن الترمذي الجامع الصحيح، أبواب الطهارة عن رسول الله، أبواب الصلاة عن رسول الله باب ما جاء أنه لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب، حديث: 236
السنن الكبرى للنسائي، كتاب فضائل القرآن فاتحة الكتاب، حديث: 7745. 4 الربيع، الجامع الصحيح، كتاب النكاح، باب 24. حديث 510. ج 2، ص 30. وورد الحديث في كتب السنن بذكر الوليّ غالبا. وذكر الشهود في بعض الروايات. ولفظ ابن حبان عن عائشة أن رسول الله قال: " لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل». صحيح ابن حبان، كتاب الحج، باب الهدي، ذكر نفي إجازة عقد النكاح بغير ولي وشاهدي
عدل، حديث: 4138.
وعند أبي داود والنسائي وغيرهما: «لا نكاح إلا بولي».
سنن أبي داود، كتاب النكاح، باب في الولي، حديث: 1798.
سنن ابن ماجه، کتاب النكاح، باب لا نكاح إلا بولي، حديث: 1876.
سنن الترمذي الجامع الصحيح أبواب الجنائز عن رسول الله أبواب النكاح عن رسول الله
باب، حديث:1057.
339 (1/339)
صفحة 338
الباب الثاني: اجتهاد التفسير
المسجد» (1).
ونفي الوقوع في هذه الأحاديث مرفوع، لأن صورة هذه الأفعال توجد وإن كانت خالية من شروطها الشرعية. فالنكاح قد يقع بغير ولي، والصلاة قد تؤدى بلا طهور ... وقد ذهبت المعتزلة إلى أن هذا النفي مجمل لِتَرَدُّدِه بين نفي الصورة ونفي الحكم. وهو مردود كما أوضحنا وبقى الاحتمال مترددا بين نفي الصحة ونفي الكمال، فيكون الإجمال من هذا الوجه وإليه ذهب القاضي الباقلاني. ولكن الراجح والصواب نفي الصحة وهو نفي للحقيقة الشرعية. أما
=
نفي الكمال فهو مجاز لا يُصار إليه إلا بدليل (2). ومثال ذلك التسمية في الوضوء، فقد روى الربيع بن حبيب عن أبي عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس عن النبي أنه قال: «لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه» (3). قال الربيع: قال أبوعبيدة «ذلك ترغيب من النبي في نيل الثواب الجزيل في ذكر الله». وقال الجيطالي: «أي لا وضوء كاملا» (5). وذهب بعضهم إلى أن التسمية في الوضوء فرض، وذهب آخرون
إلى أن المراد بالتسمية النية والصحيح حمله على الندب لنيل الفضل (6). - وعن حديث لاصلاة لجار المسجد إلا في المسجد» (7). قال الربيع يعني بذلك - والله أعلم - الفضل ما بين صلاته في المسجد، وصلاته في بيته.
1) الربيع، الجامع الصحيح، كتاب الصلاة، باب المساجد، 44. حديث 256. ج 1، ص 52.
(2) الغزالي، المستصفى، 1: 351.
3) أخرجه أصحاب السنن عن أبي سعيد الخدري.
سنن الدارمي، كتاب الطهارة، باب التسمية في الوضوء، حديث: 728.
سنن ابن ماجه، كتاب الطهارة وسننها، باب ما جاء في التسمية في الوضوء، حديث: 394. مسند أحمد بن حنبل، ومن مسند بني هاشم، مسند أبي سعيد الخدري رضي الله عنه،
حديث: 11158.
4 الربيع الجامع الصحيح، باب 18 حديث 88. ج 1، ص 29.
(5) الجيطالي، القناطر، 1: 331.
6 ابن بركة الجامع 1 255/ 254. - أبو ستة، حاشية الترتيب، 1: 111.
7 الربيع، الجامع الصحيح، کتاب الصلاة، باب المساجد 44. حديث 256. ج 1، ص 52.
?340
340 (1/340)
صفحة 339
الفصل الأول: البيان
ومن صلى في بيته فقد جازت صلاته باتفاق الأمة» (1). وقال ابن بركة: «لم يُرَد بذلك إلا نقصان أجرها» (2).
=
أحدا
- ومن نماذج ذلك أيضا حكم من لغا في خطبة الجمعة، فقد سئل أبو المؤرج عن الرجل يتكلم والإمام يخطب للجمعة، لحاجة. قال: لا يجيب سأله، وإن فعل ذلك لم تبطل جمعته، وبئس ما صنع وقد أساء حيث لغا. وسئل: أو ليس قد قيل من لغا فلا جمعة له؟ قال: قد جاءني في ذلك أثر عن الفقهاء، ومعناه لا فضل جمعة له، وأما أن ينقض ذلك صلاته فلا نقول ذلك» (3). وكذلك ما ورد مَن مَس الحصى فقد لغا، ومن لغا فلا جمعة له (4)، فهذا
كله نقص في الصلاة، ولا تعاد منه الصَّلاة (5).
المبحث الثاني: الوضوح والخفاء
-1 - مناهج المجتهدين في الوضوح والخفاء:
تختلف الألفاظ الواردة في خطاب الشارع من حيث وضوح معناها وخفاؤه، وبناء على هذا الاختلاف جعلها علماء الأصول في منازل متدرجة أشدها وضوحا إلى أشدها خفاء. وهو تصنيف دقيق يستهدي به المجتهد في طريقه لاستنباط الحكم، كما يسهل عليه الترجيح بين هذه الألفاظ عند تعارض النصوص.
من
1) الربيع الجامع الصحيح، باب 44 حديث 256 ج 1، ص 68. -أبو ستة، حاشية الترتيب،
111:1
2) ابن بركة الجامع 1: 555
(3) الخراساني، المدونة 1: 208
(4) أخرجه مسلم وابن حبان وأبو داود وابن خزيمة عن أبي هريرة.
صحيح مسلم، كتاب الجمعة، باب فضل من استمع وأنصت في الخطبة، حديث:1465. صحيح ابن حبان باب الإمامة، والجماعة باب صلاة الجمعة ذكر البيان بأن هذا الفضل قد يكون للمتوضئ، حديث: 2826.
سنن أبي داود، كتاب الصلاة، تفريع أبواب الجمعة باب فضل الجمعة، حديث: 899. صحيح ابن خزيمة، كتاب الجمعة المختصر من المختصر من المسند على الشرط الذي ذكرنا، جماع أبواب الغسل للجمعة باب ذكر دليل أن الغسل يوم الجمعة فضيلة لا فريضة، حديث: 1650. 5 الخراساني، المدونة 1: 161.
341 (1/341)
صفحة 340
-
الباب الثاني: اجتهاد التفسير
E 3
وقد سلك جمهور المتكلمين منهجا متميزا في هذا التصنيف اختلفوا فيه عن منهج الحنفية، لذلك كانت هذه المباحث من أجلى ما يميز بين المدرستين في طرق الاستنباط والترتيب بين الألفاظ، بناء على ما فيها من وضوح أو خفاء، وعلى أنواع الدلالات؛ فنتج عن ذلك خلاف في كثير من الفروع الفقهية (1). والمقصود بالوضوح والخفاء ما يكون في ذات الألفاظ نفسها، أما نصوص الشارع فهي كلها واضحة لا غموض فيها، وإنما المراد قوة دلالتها على مقصود الشارع من تشريع الأحكام، ومدى سعة هذه الألفاظ وقدرتها على استيعاب
الوقائع المتجددة عند التطبيق. وتنقسم هذه الألفاظ إلى قسمين:
=
الأول: واضح الدلالة على معناه، بحيث لا يحتاج فهم المراد منه أو
تطبيقه على الوقائع إلى أمر خارج عنه.
=
الثاني: مبهم أمر خارج عنه.
الدلالة على معناه إذ يحتاج فهم المراد منه أو تطبيقه إلى
ولكل من الجمهور والحنفيّة منهجه في تفريع هذين القسمين.
فالجمهور فرعوا الواضح إلى نص، وظاهر والمبهم أو الخفي إلى مجمل
و متشابه بينما سلك الحَنَفِيّة سبيلا أكثر تفصيلا، فجعلوا الواضح أربع
درجات
هي المحكم والمفسِّر والنص والظاهر كما جعلوا الخفي درجات
أربعا، هي الخفي والمشكل والمجمل والمتشابه؛ مرتبة من أعلاها وضوحا إلى
أشدها خفاء (2).
د.
تقسيم الجمهور:
اللفظ عند الجمهور أربعة أقسام وضوحا وخفاء. وهي: النص والظاهر
1) أفرد بعض الباحثين مباحث مستقلة مقارنة بين منهج المتكلمين ومنهج الحنفية في وضوح وخفاء الألفاظ وطرق الدلالات. ينظر: محمد أديب صالح، تفسير النصوص في الفقه الإسلامي. د. فتحي الدريني، المناهج الأصولية في الاجتهاد بالرأي في التشريع الإسلامي. 2) ينظر: السرخسي، أصول السرخسي، 1: 163 فما بعد. محمد أديب صالح، تفسير النصوص في الفقه الإسلامي. 1: 139. فما بعد. _ د. فتحي الدريني، المناهج الأصولية في الاجتهاد بالرأي في التشريع الإسلامي. 37 فما بعد. - البوطي أصول الفقه، 94. فما بعد.
?342
342 (1/342)
صفحة 341
الفصل الأول: البيان
E
والمجمل والمتشابه.
فالنص، ما أفاد معنى واحدا دون احتمال غيره. وسمّي بذلك لأنه بلغ الغاية في الوضوح وهو من قولهم نصت الظبية إذا رفعت جيدها، ومنصة العروس توضع عليه لتظهر أمام الناس (1).
ومن
أمثلة النص قوله تعالى: فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجَ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُم تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَهُ} [البقرة: 196]. فهي نص في هذه الأعداد، ولا تحتمل
غيرها.
والظاهر ما احتمل أكثر من معنى وهو في أحدها جلّي راجح، وفي غيرها خفي مرجوح. فدلالته على المعنى الراجح هي المعنى الظاهر، كقول النبي: لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب» (2). فهي ظاهرة في بطلان هذه الصلاة، ولكنها تحتمل نقصان الأجر احتمالا مرجوحا.
ولا يصار إلى المعنى المرجوح إلا باعتضاده بدليل أو قرينة تصرف اللفظ عن ظاهره، فيسمى حينئذ مؤوّلاً.
وللتأويل شروط مفصلة في كتب الأصول (3). أما المجمل، فهو لفظ لا يفهم المراد منه إلا بتفسير من المجمل، وبيان من جهته. فلا يمكن كشف خفائه بالتأمل في معناه أو مدى انطباقه على الوقائع
1) الأسنوي، نهاية السول 2 61 ابن قدامة روضة الناظر، 2: 28. - ابن بدران، المدخل 187. محمد أديب صالح، تفسير النصوص في الفقه الإسلامي. 1: 139. فما بعد. د. البوطي، أصول الفقه 95
-
2 ورد الحديث بعبارات متقاربة ولفظه عند الشيخين لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب. صحيح البخاري، كتاب الأذان أبواب صفة الصلاة، باب وجوب القراءة للإمام والمأموم في الصلوات كلها حديث: 735.
صحيح مسلم کتاب الصَّلاة، باب وجوب قراءة الفاتحة في كل ركعة، حديث: 621 صحيح ابن خزيمة، كتاب الصلاة. سنن أبي داود، كتاب الصلاة، أبواب تفريع استفتاح الصَّلاة، باب من ترك القراءة في صلاته بفاتحة الكتاب حديث: 707.
مسند أحمد بن حنبل، مسند الأنصار، حديث عبادة بن الصامت، حديث: 22091.
3) ابن قدامة روضة الناظر، 30 نهاية السول، 2: 61. د. فتحي الدريني، المناهج الأصولية في الاجتهاد بالرأي في التشريع الإسلامي. 163 - البوطي أصول الفقه، 243. - زيدان، الوجيز،
343]
341 (1/343)
صفحة 342
الباب الثاني: اجتهاد التفسير
الخارجية، ولا بالقرائن والسياق، وإنما يتوقف ذلك على بيان يرد من الشارع. والمجمل يتناول أغلب الألفاظ التي ورد بها الشرع واستعملها لغير معانهيا اللغوية، كالصلاة والصوم والحج ونحو ذلك (1).
وأخيرا، يأتي المتشابه في نهاية الغموض والإشكال، بحيث لا يمكن إدراك معناه الحقيقي بحال، وهو ما استأثر الله بعلمه. وهذا النوع لا يندرج تحت ألفاظ التكليف العملي في باب الأحكام، بل هو خاص بالاعتقاد. ويكفي فيه الإيمان به، وتفويض تفسير معناه الحقيقي إلى الله. وذلك كالحروف المقطعة في أوائل السور وحقيقة آيات الصفات (2). - تقسيم الحنفية:
وجاء تقسيم الحَنَفِيّة أكثر تفصيلا، لكل من الواضح والخفي. فالواضح يتناول الظاهر والنص والمفسر والمحكم.
والظاهر عندهم هو اللفظ الذي ظهر المراد منه بنفسه، من غير توقف على أمر خارجي، ولم يكن المراد منه هو المقصود أصالة من سياق الكلام (3). ومنه قوله تعالى: وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبوا} [البقرة: 275]. فظاهر الآية إحلال البيع وتحريم الربا. وهو المعنى المتبادر فهمه من كلمتي "أحل" و"حرم"، من غير ما حاجة إلى قرينة خارجية. ولكن الحكم غير مقصود أصالة، لأن المقصود الأصلي نفي المماثلة بين البيع والربا ردًّا على من قالوا: «إنما البيع
مثل الربا».
1) الأسنوي، نهاية السول 2 61 - محمد أديب صالح، تفسير النصوص في الفقه الإسلامي. 1: 139. فما بعد. - د. فتحي الدريني، المناهج الأصولية في الاجتهاد بالرأي في التشريع الإسلامي. 105. - البوطي أصول الفقه 96 - زيدان، الوجيز، 352. 2 الأسنوي، نهاية السول:2 - 61 محمد أديب صالح، تفسير النصوص في الفقه الإسلامي. 1 139 فما بعد. - د. فتحي الدريني، المناهج الأصولية في الاجتهاد بالرأي في التشريع الإسلامي. 145. - البوطي أصول الفقه 96 - زيدان، الوجيز، 353.
-
3) السرخسي أصول السرخسي 1 163 ابن عبد الشكور مسلّم الثبوت 2 19 - النسفي كشف الأسرار:1 205 محمد أديب صالح، تفسير النصوص في الفقه الإسلامي. 1: 139. فما بعد. ـ د. فتحي الدريني، المناهج الأصولية في الاجتهاد بالرأي في التشريع الإسلامي. 43. - د. عبد الكريم زيدان الوجيز في أصول الفقه، 338 فما بعد. د. محمد سعيد رَمَضَان البوطي أصول الفقه 99.
-
—
?
344 (1/344)
صفحة 343
الفصل الأول: البيان
أما النص فهو ما دلّ بنفس لفظه وصيغته على المعنى؛ دون توقف على أمر خارجي، وكان هذا المعنى هو المقصود الأصلي من سوق الكلام. فالآية السابقة نص في نفي المماثلة بين البيع والربا (1). والفارق الجوهري بين النص والظاهر قوة الوضوح، والأولوية من سوق الكلام. فيرجح النص على الظاهر عند التعارض.
أما المفسر فهو ما ازداد وضوحا على النص، ودل بنفسه على معناه على وجه لا يبقى فيه احتمال للتأويل (2). ومنه قوله تعالى: وَقَيلُوا الْمُشْرِكِين كافة [التوبة: 36]. فكلمة المشركين اسم ظاهر عام، ولكنه يحتمل التخصيص. فلما ذكر بعده كلمة "كافة" ارتفع احتمال التخصيص فصار مفسرا. ويتصدر المحكم الألفاظ الواضحة، إذ هو اللفظ الذي ظهرت دلالته بنفسه على معناه ظهورا قويا على نحو أكثر مما عليه المفسّر، فهو لا يقبل التأويل ولا النسخ (3). ومن ذلك تحريم نكاح أزواج النبي صلى الله عليه وسلم الثابت بقوله تعالى: وما كَانَ لَكُمْ أَن تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَن تَنكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أبدا} [الأحزاب: 53]. وقول النبي: «الجهاد ماض إلى يوم
القيامة» (4).
1) السرخسي أصول السرخسي:1 164 ابن عبد الشكور، مسلم الثبوت، 2: 19 - النسفي، كشف الأسرار 1 206 محمد أديب صالح، تفسير النصوص في الفقه الإسلامي. 1: 139. فما بعد. - د. فتحي الدريني، المناهج الأصولية في الاجتهاد بالرأي في التشريع الإسلامي. 51 - البوطي أصول الفقه، 98. زيدان، الوجيز في أصول الفقه، 340. 2 السرخسي أصول السرخسي، 1: 165. د. فتحي الدريني، المناهج الأصولية في الاجتهاد بالرأي في التشريع الإسلامي. 55 - البوطي أصول الفقه، 98 زيدان، الوجيز في أصول الفقه،
340
3 السرخسي أصول السرخسي، 1: 165 - عبد العزيز البخاري، كشف الأسرار، 1: 51. النسفي، كشف الأسرار، 1 209. د. فتحي الدريني، المناهج الأصولية في الاجتهاد بالرأي في التشريع الإسلامي. 63 البوطي أصول الفقه 98 زيدان الوجيز في أصول الفقه، 340. (4) الحديث أخرجه أبو داود والبيهقي عن أنس بن مالك. ونصه: (عَنْ أَنس بن مَالِكٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم ثَلاَثَ مِنْ أَصل الإيمَانِ الْكَفُّ عَمَّنْ قَالَ لَا إِلَهَ إلا اللهُ وَلَا نُكَفِّرَهُ يَدَنْبِ وَلَا نُخْرِجُهُ مِنَ الإِسْلامِ بِعَمَلِ وَالْجِهَادُ مَاضٍ مُنْدٌ بَعَثَنِي اللَّهُ إِلَى أَنْ يُقَاتِلَ آخِرُ أُمَّتِي الدَّجَّالَ لا يُبْطِلُهُ جَوْرُ جَائِرٍ وَلَا عَدْلُ عَادِلٍ وَالإِيمَانُ بِالْأَقْدَارِ».
345 (1/345)
صفحة 344
الباب الثاني: اجتهَادُ التَّفسـ
وهذا القسم يتناول النصوص التي تعالج أحكاما أساسية تعتبر من قواعد
الدين كالتوحيد وقضاياه والأخلاق وأصول العبادات.
والتحقيق أن المحكم والمفسر، أصبحا بعد عهد النبي صلى الله عليه وسلم بمعنى واحد، إذ لا نسخ بعد زمن الرسالة.
وفي قسم اللفظ غير الواضح، نجد أربع درجات. أولها الخفي، وهو لفظ ظاهر الدلالة على معناه، إلا أن في انطباق معناه على بعض أفراده غموضا وخفاء، فيحتاج إلى شيء من النظر والتأمل لإزالة هذا الغموض أو الخفاء بالنسبة إلى هذا البعض من الأفراد (!). ومن نماذج الخفي قوله تعالى: وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَأَقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا} [المائدة: 38]. والسارق هو من يأخذ مال الغير خفية من حرز مثله. والظاهر من لفظ السارق أنه يتناول جميع أفراده؛ حتى من يسرق الناس في يقظتهم بنوع من المهارة وخفة اليد، وهو المسمّى بالطرّار. كما يتناول لفظ السارق، - حسب الظاهر - من يسرق أكفان الموتى من قبورهم وهو المسمى بالنباش. ولكن اختصاص الأول باسم الطرار، واختصاص الثاني باسم النباش؛ جعل لفظ السارق خفي المعنى بالنسبة إليهما، لأن انطباق معناه عليهما لا يفهم من نفس اللفظ، بل لا بد له من أمر خارجي. ووجه الخفاء ما يرد إلى الذهن من اختصاصهما بهذين الاسمين يعني أنهما ليسا من أفراد السارق. ولكن بالنظر والتأمل يتبين أن اختصاص الطرار بهذا الاسم مرده زيادة في معنى السرقة لحذقه ومهارته في مسارقة الأعين المستيقظة، منتهزا غفلة المسروق منه فسرقته بهذا الاعتبار أخطر، وجريمته
أفظع فيتناوله لفظ السارق ويقام عليه حد السرقة. أما النباش فقد اختص بهذا الاسم لنقصانه في معنى السرقة، لأنه لا يأخذ
سنن أبي داود، كتاب الجهاد، باب في الغزو مع أئمة الجور، حديث: 2183. السنن الكبرى للبيهقي، كتاب السير جماع أبواب السير باب الغزو مع أئمة الجور
حديث: 17186.
1) السرخسي، أصول السرخسي 1 167 - عبد العزيز البخاري، كشف الأسرار، 1: 52. النسفي، كشف الأسرار 1 214 - زيدان الوجيز في أصول الفقه، 348. إضافة إلى المراجع
السابقة.
346 (1/346)
صفحة 345
E
الفصل الأول: البيان
مالاً مرغوبا فيه من حرز أو حافظ؛ لأن القبر لا يصلح حرزا، والميت لا يصلح حافظا. فلا يتناوله لفظ السارق فلا يقام عليه حد السرقة، وإنما يعزر. هذا رأي الحنفية (1)، بينما يرى الجمهور أن لفظ السارق يتناول النباش لأن اختصاصه بهذا الاسم لا ينفي انطباق معنى السارق عليه. وإنما يكون هذا الاختصاص كاختصاص النوع تحت الجنس. فالنباش نوع من جنس السارق؛ فيقام عليه الحد بلا فارق (2).
ويأتي المشكل في درجة أكثر غموضا من الخفي، وهو اسم لما يشتبه المراد منه بدخوله في أشكاله على وجه لا يعرف المراد منه إلا بدليل يتميز به من بين سائر الأشكال أو هو ما يحتمل معاني متعددة، فاحتاج إلى التأمل لمعرفة المعنى المراد من بينها وذلك مثل اللفظ المشترك، كالقرء في قوله تعالى: وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلَثَةَ قُرُوءٍ} [البقرة: 228]. فهو موضوع
للظهر وللحيض، والقرائن الخارجية هي التي تعين المراد منه (3). ولا يختلف مدلول المجمل عند الحنفية عنه عند الجمهور (4).
2 -
وكذلك الحال بالنسبة للمتشابه (5).
2 موقع الإباضية بين المنهجين: إن النظرة العامة على مدوّنات الإباضية الأصولية والفقهية تبين أنهم قد انتظموا في مسلك الجمهور في هذا التقسيم غير أن لهم بعض الشبه بمسلك الحَنَفِيّة، إذ أخذوا سبيلا وسطا بين المنهجين، وهو ما نحاول كشفه بعد حين.
1) السرخسي أصول السرخسي:1: 167 ابن عبد الشكور، مسلم الثبوت، 2: 20 زيدان، الوجيز في أصول الفقه، 348.
2) د. فتحي الدريني، المناهج الأصولية في الاجتهاد بالرأي في التشريع الإسلامي. 83. 3) عبد العزيز البخاري، كشف الأسرار 1 52 النسفي كشف الأسرار، 1: 216 - د. فتحي الدريني، المناهج الأصولية في الاجتهاد بالرأي في التشريع الإسلامي. 87. - زيدان، الوجيز،
350
4 السرخسي أصول السرخسي، 1: 168 - عبد العزيز البخاري، كشف الأسرار، 1: 53. - النسفي، كشف الأسرار، 1: 218 - د. فتحي الدريني، المناهج الأصولية في الاجتهاد بالرأي في التشريع الإسلامي. 63 - زيدان، الوجيز، 352. 5) السرخسي أصول السرخسي، 1: 169 - عبد العزيز البخاري، كشف الأسرار، 1: 55. النسفي، كشف الأسرار:1 221 - زيدان الوجيز 353 - إضافة إلى المراجع السابقة.
347 (1/347)
صفحة 346
الباب الثاني: اجتهاد التفسير
يقسم السَّالِمِي اللفظ باعتبار فهم معناه إلى محكم ومتشابه.
فالمحكم هو الذي اتضح معناه، فإن كان الاتضاح قويا بحيث لا يحتمل اللفظ إلا ذلك المعنى، فهو النص. وإن احتمل غيره احتمالا مرجوحا فهو الظاهر. فالنص والظاهر نوعان للمحكم. والمحكم جنس لهما (1). والمتشابه ما اختفى معناه بسبب أحد أمرين إما لإجمال في لفظه كالقرء، وإما لأن الظاهر منه تشبيه الباري بخلقه كآية الاستواء. فالمتشابه إما مجمل وإما غير مجمل (2). 3 - النص والظاهر
رصد الوراجلاني أقسام الخطاب الشرعي في الشجرة التالية فهو إما أن يكون حقيقة أو مجازا. والحقيقة قسمان: مجمل ومفصل. والمفصل قسمان: ظاهر وباطن والباطن قسمان عام وخاص والعام والخاص قسمان: أمر وخبر. والأمر إذا دخلت عليه لا صار نهيا. والخبر إذا دخلت عليه الألف صار استخبارا. فهذه الأربعة المعاني إليها تؤول لغة العرب كلها (3). أما العوتبي فجعل المفصل في نوعين محتمل وغير محتمل. وغير المحتمل النص. والمحتمل يشمل العام والظاهر (4).
هو
- النص:
للنص معان عدة ذكرتها كتب الأصول وأصله من نصت الظبية إذا رفعت رأسها وأظهرته. ومنصة العروس التي تُرفع عليها العروس لترى من بين النساء. وقد يطلق النص على مطلق اللفظ لأن اللفظ كاف بنفسه في بيان ووضوح المعنى في نفس المتكلم. ويطلق أيضا على لفظ القرآن والحديث لأنهما نصوص. ويُحتمل أن يراد به مطلق النص، لأنه في مقابلة الإجماع
والقياس (5).
(1) السالمي، طلعة، 1: 168.
(2) السالمي، طلعة، 1: 172.
3 الوارجلاني، العدل 1 41/ 39 - سعيد الجربي، جواب، 113.
4 - العوتبي، الضياء 3 19 هذه النصوص متكاملة بين الوار خلاني والعوتبي والجربي. 5 السالمي، طلعة، 1: 168.
348 (1/348)
صفحة 347
الفصل الأول: البيان
والنص أيضا رفع الشيء، تقول: نصصت الحديث إلى فلان، أي رفعته إليه. ويقال: نُص الحديث إلى أهله، فإن الوثيقة في نصه (1). وقد يراد به مطلق المعنى الظاهر، وهو ما يغلب على الظن معناه من غير قطع، وهذا اصطلاح استعمله الشافعي وذكرت كتب الأصول الإباضيَّة عدة تعاريف للنص عند أهل الأصول،
منها، أنه:
(2)
- ما لا يحتمل إلا معنى واحدا، وهو المشهور في الاصطلاح عند إطلاق
لفظ النص.
=
=
=
أو ما تأويله تنزيله و استوى ظاهره وباطنه. أو ما عري لفظه عن الشركة، وخلي وخلي معناه عن الشبهة.
وقيل: ما لا يعترض عليه من أدلة الخصوص (3).
ما اتم
وجعل نجاد النص على ضربين: - ما لا يحتمل التأويل، نحو قوله تعالى: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ [الإخلاص:1]. وقوله: تُحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ} [الفتح: 29]. - ونص يحتمل التأويل كقوله: وَالَّذِينَ يَكْذِرُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَةَ وَلَا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} [التوبة:34]. فهو يحتمل الحلي ويحتمل غير الحلي، ولا يخرج أن يكون نصا. والنص والمنصوص بمعنى واحد (4).
و المراد هنا هو المنصوص عليه، لا النص الواضح بالمعنى الاصطلاحي. والمعنى الاصطلاحي للنص في هذا المقام أنه: «ما رفع في البيان إلى أقصى
غايته، فلا يتطرق إليه احتمال أصلاً» (5).
1) العوئبي، الضياء، 3: 10 - الكندي، المصنف، 1: 50.
(2) الغزالي، المستصفى، 1: 384.
(3) نجاد بن موسى، الأكلة، 107/ 106.
4) نجاد بن موسى،
الأكلة، 107.
5 العوئبي، الضياء، 3: 19. - نجاد بن موسى الأكلة 107 - الوَارِجلاني، العدل، 1: 40.
السوفي، السؤالات 58. - المنشوطي، الأدلة، 6 ظ.
349 (1/349)
صفحة 348
الباب الثاني: اجتهاد التفسير
وأوضح البَرادِي أن المقصود من النص الاستقلال بإفادة المعاني على قطع، مع انحسام جهات التأويلات وانقطاع مسالك الاحتمالات» (1). وهو
تعريف مشترك عند الأصوليين (2).
- الظاهر
الظاهر في اللغة: الواضح
(3) ,
- وفي الاصطلاح ما سبق إلى النفوس معناه (4).
- وقيل: الظاهر ما له تأويلان أحدهما أظهر من الآخر (5).
=
أو هو الذي ظهر معناه مع احتمال غيره (6). فبين المعنى اللغوي والمعنى الاصطلاحي نوع مشابهة. ومثلوا للظاهر بقوله تعالى: اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً
41
وَأَصِيلًا} [الأحزاب: 42/ 41]. وقوله: كُلُوا مِن ثَمَرِهِ} [الأنعام:142]. وقوله: وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُرِفُوا} [الأعراف: 31]. وسمّى السوفي الظاهر بالمحتمل، وهو كل لفظ احتمل أمرين، فهو أحدهما أظهر، كالأمر والنهي (7).
فالأمر يحتمل الوجوب والندب والنهي يحتمل الحرمة والكراهة. فقوله تعالى: فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَر} [الكوثر: 2]. ظاهره يقتضي وجوب النحر، فلا يُصرف عنه إلا بدليل (8).
وقد جعلوا الظاهر في مقابلة الباطن، وهو ما لا يسبق إلى النفس معناه. وذلك نحو قوله تعالى: {وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا} [الفجر:22]. وأدرجوا
(1) البَرادِي، البحث الصادق، 1: 147 و.
(2) الغزالي، المستصفى، 1: 385.
3) السالمي، طلعة، 1: 168.
4 الوار جلاني، العدل، 1: 40. 1: 133.-سعيد الجربي، جواب، 113 ظ. 5) الملشوطي، الأدلة، 6 ظ. -الوَارِجلاني، العدل، 1: 133.
6 السالمي، طلعة، 1: 169.
7) السوفي، السؤالات، 58. 8 العوتبي، الضياء، 3: 19.
350 (1/350)
صفحة 349
E 3
الفصل الأول: البيان
فيه ما يؤول من صفات الله تعالى إلى صفات البشر (1). وهو ما اصطلح عليه
بالمتشابه. وسيأتي في قسم الخفي.
خالفه
وحكم النص القطعُ بمدلوله، ووجوب اعتقاده، وتفسيق من لأنه رافع للاحتمال وقاطع للاجتهاد، فلا يصح معه قياس ولا تشبث بظني. أما إذا احتمل معنى آخر فهو الظاهر، ونظن أن مراد المتكلم هو ما ظهر من لفظه. ولا يجوز ترك الظاهر إلا بدليل واضح يرجح المعنى الآخر الباطن، وهو المسمّى بالتأويل (2).
ومن تطبيقات النص، آيات توحيد الباري التي تثبت له الوحدانية وتنفي الشريك والشبيه، له وهي كلام محكم ينتظم جميع التوحيد، والرد على من الحد في صفات الله تعالى» (3). وأهمية ورود هذه الآيات في صورة النص واضحة لبناء الدين عليها، فإنه لم يعلم الله من لم يوحده بصفاته، ويفرزها من صفات خلقه» (4).
وفي الظاهر حَكَمْنا على من لم يجد الماء أن يتيمم بالصعيد؛ مقيما كان أو مسافرا. وذهب بعض الإباضية إلى حصر رخصة التيمم في المريض والمسافر. ولكن ظاهر الآية شمل من لم يجد الماء. فنحن على ظاهر الآية إذا لم نجد دليلا يدل على خلاف ذلك (5).
وفي صلاة الجمعة وجدنا أن آية الجمعة ليست نصا في إيجابها، بل هي
ظاهرة، لأن السعي إلى ذكر الله
ليس أمرا بفعل الصَّلاة، وذكر الله ليس نصا
في الصلاة، ولكن وجوبها ثابت بأدلة السنة وإجماع الأمة (6).
4 - المحكم والمتشابه
اختلفت عبارات الأصوليين في تحديد المحكم والمتشابه؛ وإن كان جمهورهم
(1) الوَارِجلاني، العدل، 1: 41/ 40.-الجربي، جواب،113 ظ.
2 السالمي، طلعة، 1: 169.
3) الملشوطي، أصول الدين، 2 و. (4) الملشوطي، أصول الدين، 2 و. ابن بركة، الجامع، 1: 257. 6 السالمي، الحجج المقنعة، 18.
351 (1/351)
صفحة 350
الباب الثاني: اجتهاد التفسير
على اعتبار المحكم جنسا يشمل النص والظاهر والمتشابه جنسا كذلك يشمل المجمل وغير المجمل.
وبعض يقصر المتشابه على غير المجمل وحده، مما لا يدرك معناه. ولذلك جعل الوَارجُلانِي المحكم بعض الظاهر، والمتشابه بعض الباطن. والظاهر ما سبق إلى النفوس معناه والباطن بخلافه (1).
في
وأشار ابن بركة إلى اختلاف الناس في المحكم والمتشابه، إذ قال قوم: المحكم هو الناسخ والمتشابه هو المنسوخ. وقال قوم: المحكم هو الفرائض والوعد والوعيد والمتشابه هو الحروف المقطعة في أوائل السور، وما يحتمل تأويلين اللغة، والمحكم هو الذي تأويله تنزيله (2). ورجح أن المحكم «ما كان حكمه معلقا بظاهره لا يحتمل وجهين مختلفين كقوله تعالى: لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يولد) وَلَمْ يَكُن لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ} [الإخلاص 4/ 3]. وقوله: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} [الشورى: 11]. وقوله: وَمَا خَلَقْتُ
الجنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات: 56]. ونحو هذا (3).
وهذا المحكم مرادف للنص. بينما حدّد السوفي المحكم بأنه ما تأبد حكمه، وهو بهذا شبيه بالمحكم عند الحنفية، وهو مما لا يتطرق إليه النسخ (4). وأما المتشابه فعرفه بأنه ما لا يعلم المراد به في ظاهر لفظه، وإنما يرجع في حقيقة ذلك من وجوه التأويل المحكم له، كقوله تعالى: بَحَسْرَكَى عَلَى مَا فَرَطتُ فِي جَنبِ اللهِ} [الزمر: 56]. وقوله: تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاء لِمَن كَانَ كَفَرَ [القمر: 14]. وقوله: مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقَتُ بِيَدَى [ص:75]. وقوله: عَمِلَتْ أَيْدِينَا} [يس: 71]. وقوله: يُضِلُّ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ
(1) الوار جلاني، العدل، 1: 131/ 130
(2) ابن بركة، الجامع، 1: 50.
3 ابن بركة الجامع:1 5150 - العوتبي الضياء، 2: 232
السوفي، السؤالات 58.
352 (1/352)
صفحة 351
الفصل الأول: البيان
*
[النحل: 93] (1).
واختار الشيخ اطفيش أن المحكم ما يُعلم معناه بظاهر أو بتأويل، والمتشابه
ما اختص الله بعلمه. وعليه أكثر الأمة» (2).
وقد وصف الله القرآن بقوله: مِنْهُ وَايَتُ تُحْكَمَتُ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ
مُتَشَبِهَتُ: [آل عمران: 7]. وحديثنا في التمييز بين هذين النوعين. كما ورد وصف القرآن بأنه كتب أحكمت اينتهُ} [هود: 1]. أي أنها محكمة السبك، لا تناقض فيها ولا ضعف ولا خلل. وأن الله نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَبا متَشَبِها} [الزمر:23]. أي تتشابه آياته في فصاحتها وإعجازها، وإحكامها كذلك. فالقرآن بهذا المعنى كله محكم وكله متشابه (3).
وفي تعريف المحكم والمتشابه أكثر من عشرة أقاويل (4). وقد تفرد العوئبي بذكر تقسيم يشمل المحكم والمتشابه، ولكنه شبيه بتقسيم الحَنَفِيّة. فقال بأن القرآن مشتمل على ضربين من الخطاب، فمنه المفسر الذي يستغني بلفظه عن بيان غيره، ومنه المجمل الذي لا يستغني عن معرفة بيانه، ومنه المحكم الذي يعرفه السامع ومنه المتشابه الذي يفكر فيه العالم، ومنه ما يحتمل الوجوه التي لا يجوز القطع على شيء منها إلا بدليل بعلم به المراد
منها» (5).
وكأنه يقصد بالمفسر النص، وبالمحكم الظاهر. أما النوع الأخير فلعله المشترك، وهو من أنواع المجمل وتعريفه للمجمل
غامض.
والواجب أزاء المحكم والمتشابه هو العمل بالمحكم؛ نصا كان أم ظاهرا، مع
1) ابن بركة الجامع، 1: 51 - العوئبي، الضياء، 2: 232.
2 اطفيش، شامل، 1: 49. 3 اطفيش شامل 1: 51/ 50
4) ينظر تفصيل هذه الأقوال الوار خلاني، العدل، 1: 131/ 133.-السوفي، السؤالات، 58. الجربي، جواب، 118 و. - الغزالي المستصفى 1 106 - اطفيش شامل، 1: 49/ 48 - السالمي،
طلعة، 1: 172/ 173. 5 العوئبي، الضياء، 2: 241.
353 (1/353)
صفحة 352
الباب الثاني: اجتهاد التفسير
مراعاة تقديم النص على الظاهر، والوقوف في المتشابه، حتّى يَردَ بيانه إن كان مجملا. والإيمان به إن كان مما لا يدركه أحد إلا الله، كمقطعات أوائل السور،
والساعة والغيب. ولا يجوز القول في هذا المتشابه بغير علم. كما قال تعالى: وَالرَّاسِخُونَ فِي
الْعِلْمِ يَقُولُونَ ءَامَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا [آل عمران: 7]. وفي رواية عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ما عرفتم فاعملوا به و ما تشابه فآمنوا به» (1). وقد أورد الشيخ اطفيش أحاديث عديدة في وجوب الإيمان بالمتشابه (2). وحمل القرآن على ظاهر المتشابه يفضي إلى التناقض والمحال، فالناس يقولون: لقي الميت ربه، وصار إلى ربه، ولا يريدون أن ربه في القبر (3). وكذلك ما ورد من آيات في صفات الباري يوهم ظاهر معناها تشبيه الخالق بخلقه. ومن حمل ظاهر القرآن على باطنه ومحكمه على متشابهه، وزعم أن الناسخ منه منسوخ كفر» (4).
وقد اعترض الإباضية على فريقين من الناس في باب الظاهر والباطن فالظاهرية غلبوا ظواهر النصوص، ولم يراعوا مقتضيات لسان العرب، ونفوا دليل الخطاب ولحن الخطاب ومعنى الخطاب.
والباطنية غلوا في صرف الفاظ الشارع عن ظواهرها المفهومة، وجنحوا
(1) لم أجده بهذا اللفظ وأورد البخاري ومسلم وغيرهما حديثا في التحذير من اتباع المتشابه عَنْ عَائِشَةَ رَضِي اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ ثَلاَ رَسُولُ اللهِ هَذِهِ الآيَةَ هُوَ الَّذِي أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَبَ مِنْهُ ايت تُحكَمَتُ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَبِهَتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا نَشَبَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ، وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللهُ وَالرَّسِحُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ وَامَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُوا الأَلْبَبِ قَالَتْ قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَإِذا رَأَيْتِ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ سَمَّى اللهُ فَاحْذَرُوهُمْ». صحيح البخاري، كتاب تفسير القرآن سورة البقرة، باب منه آيات محكمات، حديث:4282 صحيح مسلم کتاب العلم باب النهي عن اتباع متشابه القرآن، حديث:4924. صحيح ابن حبان، كتاب العلم، ذكر الزجر عن تتبع المتشابه من القرآن للمرء المسلم، حديث: 73. سنن أبي داود، كتاب السنة، باب النهي عن الجدال واتباع المتشابه من القرآن، حديث: 4003.
2 اطفيش، شامل، 1: 49/ 50.
3 الملشوطي، أصول الدين، 4 و.
4 السوفي، السؤالات، 58.
354 (1/354)
صفحة 353
CE
الفصل الأول: البيان
إلى معان باطنة لا تسبق إلى الأفهام من غير اعتصام فيها بنقل عن صاحب الشرع ولا ضرورة تدعو إليها من دليل العقل فسقطت الثقة بالألفاظ واختلط الحق بالباطل. وهذا خروج عن مقتضيات اللغة وقواعد الشرع (1). ومذهب الجمهور استعمال الظاهر، وهو المعنى الراجح. وتغليبه على الباطن، ما لم يرد شرع أو عقل يمنع من ذلك، حينئذ يكون اللجوء إلى التأويل هو السبيل المعقول. وحكمة وجود المتشابه في القرآن الكريم امتحان الخلق وإثابتهم على الإيمان بالغيب والاجتهاد في تحرّي الصواب فيما مُنحوا فيه رخصة الاجتهاد. ولو كان القرآن كله محكما لا يحتمل التأويل ولا يمكن الاختلاف فيه، لسقطت المحنة فيه، وتبلّدت العقول وبطل التفاضل والاجتهاد في السبق إلى الفضل، واستوت منازل العباد». ولذلك اقتضت حكمة الله أن يجعل بعضه محكما، ليكون أصلا يرجع إليه، وبعضه متشابها يحتاج فيه إلى الاستخراج والاستنباط، وردّه إلى المحكم، وإعمال العقل والفكر ليستحق بذلك الثواب (2).
5 - التأويل عني الأصوليون بتأصيل عملية التأويل انطلاقا من معناها اللغوي، فالتأويل في اللغة مصدر الفعل أوّل، وأصله من آل يؤول إذا رجع (3). وتأويل الشيء آخره ومنتهاه. وتأوّل تأولاً، وآل يؤول إذا انتهى. أو هو تفسير الشيء الذي يُراد به وما يصير إليه أمره. ومن ذلك تأويل الرؤيا. وعن مجاهد في تفسير قوله تعالى: هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ} [الأعراف:53]. أي هل ينظرون بيانه ومعانيه وتفسيره. وقيل: آخر أمره ومنتهاه (4). وفي اصطلاح الأصوليين، عرفه السَّالِمِي بأنه: «صرف اللفظ عن حقيقته
(1) الوَارِجلاني، العدل، 1: 133 134. - الجيطالي، القناطر، 1: 208/ 209. 2 ابن بركة، الجامع:1 58/ 57 - العوئبي، الضياء، 2: 232/ 233. 3 الأول في اللغة الرجوع وآل رجع. وأوّل الكلام تأوله: دبره وقدره. وأوله وتأوله: فسره. ومنه قوله تعالى: {وَلَمَّا يَأْتِهم تأويله. وسئل أبو العباس أحمد بن يحي عن التأويل فقال: التأويل والمعنى والتفسير واحد ابن منظور، لسان العرب، مادة أول. 1: 172/ 171. 4 العوتبي، الضياء 2 207 - القلهاتي الكشف والبيان، 1: 189/ 188.
355 (1/355)
صفحة 354
الباب الثاني: اجتهاد التفسير
إلى مجازه لقرينة اقتضت ذلك الصرف (1).
E 3
أو هو العدول باللفظ عن معناه الظاهر الراجح إلى المعنى المرجوح البعيد، بدليل يعضد هذا العدول.
وأدرج فيه الغزالي تخصيص العموم، لأن العموم وضع في الحقيقة للاستغراق، فقصره على بعض أفراده مجاز (2).
والتأويل قد يكفي فيه أدنى دليل إذا كان المعنى المرجوح قريبا. وقد يحتاج إلى دليل قوي إذا كان هذا المعنى بعيدا. وقد يكون قرينة عقلية، كقوله تعالى لنبيه مُوسَى الوَلِتُصْنَعَ عَلَى عَينِي [طه: 39]. أو يكون قرينة مقالية، كوصفه تعالى بأنه لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَى [الشورى: 11] (3).
وتحدّث العلماء عن التأويل والتفسير؛ هل هما بمعنى واحد، أم هما مختلفان؟ فقال قوم: التأويل هو التفسير بعينه، وقال آخرون هو غير التفسير. ولهم على ذلك أدلة من اللغة والقرآن (4).
وورد استعمال كلمة التأويل بمعنى التفسير في كتب الإباضية، فذكر ابن بركة أن الصلاة كلها فريضة، إلا أن صفتها تأويل وجملتها تنزيل. والوضوء كله فريضة، وصفته تأويل. وكذلك الحج كله فريضة، وصفته تأويل» (5). ومعنى التأويل هنا تفسير وبيان القرآن لهذه الفريضة بسنة النبي صلى الله عليه وسلم قولا
وفعلا.
وقال تعالى: وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِن كَانَ لَهُ ولد [النساء: 11]. «وأجمعوا أن تأويله كتنزيله، أن لكل واحد من الأبوين مع الولد السدس. فإن كان أنثى واحدة فلها النصف وللأم السدس وما بقي فللأب، وهو الثلث، سدس بالتسمية في التنزيل، والسدس الآخر لأنه عصبة،
1) السالمي، طلعة، 1: 169. 2) الغزالي، المستصفى، 1: 388. (3) السالمي، طلعة، 1: 170.
(4) ينظر: العوئبي، الضياء، 2: 206 207 - القلهاتي، الكشف والبيان، 1: 288/ 289. وقد وردت كلمة التفسير في القرآن مرة واحدة، ووردت كلمة التأويل سبع عشرة مرة. 5 ابن جعفر، الجامع 2: 24.
356 (1/356)
صفحة 355
الفصل الأول: البيان
التفسير.
لا عصبة أقرب منه» (1). فالتأويل هنا بمعنى كما يَرِدُ التأويل بمعنى الاجتهاد، أو الحكم المستفاد بالاجتهاد، ولو كان خطأ. فمن استحل دماء المسلمين وأموالهم بغير تأويل، وزعم أنها حلال فقد أشرك، وإن تأوّل فهو منافق، وذلك مثل الصفرية الزاعمة أن كل من عمل ذنبا فهو مشرك، حلال دمه وسبي ذريته وغنيمة ماله، وتأولوا في ذلك قوله تعالى: وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ تَشْرِكُونَ} [الأنعام: 121]. فقالوا كل من عمل ذنبا فقد أطاع الشيطان، ومن أطاعه أشرك وعند الأئمة تأويل الآية: وإن أطعتموهم إنكم لمشركون باستحلالها لا بأكلها» (2). ولذلك كان التأويل قسمين: صواباً وخطأ. فما عضده الشرع والعقل كان صوابا وما كان خارجا عنهما وعن قواعد لسان العرب كان خطأ وضلالا. كتأويلات الباطنية الكثيرة، ومنها تأويلهم لآية حُرمت عليكُمْ أُمهتكم [النساء: 23]. بأن المقصود منها العلماء؛ فتحرم
مخالفتهم (3). وقد عقد الوارجلاني فصلا مطوّلا من كتابه " العدل والإنصاف" للردّ على مقالاتهم في تأويل الشريعة وادعائهم أن للقرآن ظاهرا ليس فيه بيان. وإنما البيان في التأويل الذي لا يعلمه إلا الله وثلة مختارة من عترة المصطفى ال وأن التفسير هو المعنى القريب الذي يفهمه من وقف في حد الظواهر. أما التأويل فمن نصيب من بلغ مرتبة الحقيقة.
فقلبوا أحكام الشرع باستباحة المحرمات وانتهاك الحرمات، بدعوى
التأويل المزعوم (4). - التأويل والصفات:
اهتم الإباضية في الجانب العقدي بمبدإ تنزيه الله تعالى عن التجسيد
1) أبو عمار، اختصار المواريث، 2 و.
2 الجيطالي، قواعد، 1: 40/ 39
3) الكدمي المعتبر، 146 ظ. - السالمي، طلعة، 1: 170
4 الوار خلاني، العدل، 1: 56.
? 357 (1/357)
صفحة 356
الباب الثاني: اجتهاد التفسير
والتشبيه، وردوا على طوائف المجسمة والمشبهة (1).
*
وما ورد في القرآن من آيات تُوهِمُ ذلك عمدوا إلى تأويلها بما يحقق التنزيه
الله لأن الجدلية قائمة في
بعيدا عن شطط التعطيل، أي نفي الصفات عن صعوبة التوفيق بين الإيمان بالتنزيل واجتناب التعطيل. وعمدتهم في هذا التزام ضوابط الشرع وقواعد اللغة. ذلك أن الله تعالى خاطب الخلق بما يفهمون من لغاتهم، وبين لهم في قوله: ليس كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} [الشورى:11]. أن يؤمنوا بغيب الإيمان ال
ويصدقوا بما لا تقدره عقولهم ولا تمثله أفكارهم لأن العقول لا تدرك إلا ما أدّت إليه الحواس أو مثله. وكان منهج الأنبياء في عرض التوحيد ذكر خلق الله، وبيان قدرته في ذلك، لا تحديد صفاته وتشبيهه بخلقه. كما حاج إبراهيم الذي كفر بأن الله يأتي بالشمس من المشرق. وكما قال مُوسَى لفرعون: قالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ, ثُمَّ هَدَى} [طه: 50]. ولم يقل له إنه جسم أو نور. ولم يشبهه بشيء من الأشياء. وقال إبراهيم: قَالَ لَا أُحِبُّ الافلين [الأنعام: 76]. يعني الزائل المنتقل، لأن هذا ليس من صفات
الإله (2).
مع
وقد ورد في مسند الربيع حديث عن أبي موسى الأشعري قال: «كنا رسول الله له فلما دنونا من المدينة كبر الناس ورفعوا أصواتهم، فقال النبي: (يا أيها الناس إنكم لا تدعون أصمّ ولا غائبا، إن الذي تدعونه بينكم، وبين أعناق ركابكم» (3). وفسر جابر معنى الحديث بقوله تعالى: مَا يَكُونُ مِن تَجَوَى ثَلَثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِن ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا} [المجادلة:7]. وأن التشبيه والتحديد لا يكون إلا لمخلوق، لأن المخلوق إذا قرب من موضع تباعد من
(1) ينظر على سبيل المثال: أبو عمار عبد الكافي، الموجز في تلخيص السؤال وتخليص المقال. 1 351 فما بعد.
2 الملشوطي، أصول الدين، 2 ظ/ 3 و.
3 الربيع، الجامع الصحيح، باب 5 حديث 825. ج 3، ص 213/ 214.
358 (1/358)
صفحة 357
E
الفصل الأول: البيان
غيره، وإذا كان في مكان عُدم من غيره. لأن التحديد يستوجب الزوال والانتقال، والله تعالى عزّ عن ذلك (1).
ولقد اضطر المسلمون للدخول في متاهات الجدل العقيم حول تحديد حقيقة الصفات الإلهية، وذلك لظروف تاريخية دفعتهم إليها شبهات المشككين في العقيدة ولكنهم استمرؤوا هذه السبيل، ووقعوا في ما حذرهم منه الرسول تفكروا في الخلق ولا تتفكروا في الخالق) (2) (3). فغدا البحث في هذا المجال عند كثير من المتكلمين ضربا من الترف الفكري، لأن المسلمين مجمعون على أن العجز عن إدراك ذات الله تعالى هو عين الإيمان. واشتهر في أدبيات الفكر الإباضي مقولة «العجز عن الإدراك إدراك، والخوض في الذات إشراك» (4). ويظل جوهر الإشكال كامنا في تطويع اللغة لاستيعاب معاني عالم الغيب،
وبخاصة وأن الغيب هنا هو
الله
الخالق المطلق، في مقابلة المخلوق المحدود،
مكانا وزمانا؛ وعقلا ولسانا.
المبحث الثالث: الإجمال والبيان - مفهوم المجمل والمبين:
تختلف تسميات المجمل والمبين في كتب الإباضية؛ فالمجمل قد يدعى المبهم، والمبين يسمّى المفصل أو المفسر.
عرف العوتبي المجمل والمبين قائلا: «أما المجمل فهو الذي لا يستقل بنفسه. وهو مثل قوله تعالى: {وَءَاتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ} [الأنعام:141]. وقول النبي: إلا بحقها». في عصمة الدماء من حديث «أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا لا إلَهَ إلا اللهُ فَإِذا قَالُوهَا مَنَعُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إِلا بِحَقِّهَا وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللَّهِ» (s). ولا سبيل إلى معرفة الحق ومقداره إلا ببيان يقترن
1) الربيع، الجامع الصحيح، باب حديث 825. ج 3، ص 214/ 213. 2 الربيع، الجامع الصحيح، باب حديث 823. ج 3، ص 212. 3 الجعبيري البعد الحضاري للعقيدة عند الإباضية، 1: 165. 4 مصطفى وينتن آراء الشيخ امحمد بن يوسف اطفيش العقدية. 110. 5) سبق تخريج الحديث.
359 (1/359)
صفحة 358
الباب الثاني: اجتهاد التفسير
به (1).
وجاء تعريف السوفِي لهما أن المجمل كلّ لفظ لا يُعقل المراد من لفظه، ويفتقر بالبيان إلى غيره كلفظ الصَّلاة والزَّكَاة والجزية (2). والبيان يكون
بالكتاب والسنة والإجماع أو غيره، ويُسمّى ذلك تفسيرا له وبيانا (3). أما السالمي فقال: «المجمل هو الذي لم تتضح دلالته. ولخفاء دلالته أسباب. أما المفصل فهو المبين، وهو ما اتضحت دلالته من خاص أو عام، وغير ذلك» (4). بينما جعل الملشوطي عامًا يقع على العموم والخصوص والمطلق والمقيداء ويتبين بجلاء اتفاق هذه التعاريف على معنى واحد. فاللفظ إذا استقل بنفسه في درك المخاطب لمعناه دون توقف على زيادة بيان فهو المفصل والمبين، وإن كان مفتقرا بحيث لا ينفهم للمخاطب المراد منه، ويحتاج إلى بيان يوقف
عليه، فهو المجمل (6). -2 - أسباب الإجمال:
دراسة المجمل تكشف وجها من عناية الأصوليين بفقه اللغة وأسرارها، وحرصهم على الدقة في فهم نصوص الشارع. وأسباب الإجمال عديدة منها:
وأخرجه أبو داود والدارقطني والنسائي: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أُمِرْتُ أَنْ أَقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ فَإِذَا قَالُوهَا مَنَعُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إِلَّا بِحَقِّهَا وَحِسَابُهُمْ
عَلَى اللهِ».
سنن أبي داود، كتاب الجهاد، باب على ما يقاتل المشركون، حديث: 2284.
سنن الدارقطني، كتاب الزكاة، حديث: 1649. السنن الصغرى، كتاب تحريم الدم، حديث: 3935.
1) العوتبي، الضياء، 3: 19.
2 السوفي، السؤالات، 53 - الوار جلاني، العدل، 1: 39.
3) الملشوطي، الأدلة، 6 و.
4 - السالمي، طلعة، 1: 6.
5) الملشوطي، الأدلة، 6 ظ.
6 البَرادِي البحث الصادق، 1: 146 و.
360 (1/360)
صفحة 359
الفصل الأول: البيان
-1 - الإجمال في الفعل كقولهم: صلى النبي صلى الله عليه وسلم في البيت» (1). فهل صلى
فيه نفلا أم فرضا؟، أم كانت صلاته دعاء لا صلاة بالمعنى الاصطلاحي؟ 2 في القول المفرد: كالمشترك بين معانيه (2)، مثل العين يراد بها الباصرة والجارية والذهب والشمس والقرء يراد به الطهر والحيض. وكالمتواطئ بين أفراده مثل الشيء يطلق على الموجود والمعدوم؟ 3 - بالإعلال كلفظ المختار ولفظ المحتاج، فتطلق على الفاعل وعلى
المفعول.
4 - في القول: المركب كقوله تعالى: أَوْ يَعْفُوا الَّذِي بِيَدِهِ، عُقْدَةُ النِّكَاحِ [البقرة: 237]. هل هو الزوج أم الولي؟ فإن أريد الزوج فمعنى الآية الزيادة في الصداق. وإن أريد الولي كان المعنى إسقاط الصداق. 5 - في المجازات إذا تعذرت حقيقتها أو هجرت، ومنه قوله تعالى: بَل يدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ} [المائدة: 64].
=
6= في مرجع
زيد أم عمرو.
الضمير كقولهم ضرب زيد عمرا فضربته. هل المضروب
7 في مرجع النعت نحو مررت بأخ زيد الفاضل، هل الفاضل زيد أم
=
1) لفظ الحديث عند الدارقطني: عن ابن عباس, قال: دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم البيت فصلى بين الساريتين ركعتين ثم خرج فصلى بين الباب والحجر ركعتين, ثم قال: " هذه القبلة ", ثم دخل مرة أخرى فقام فيه يدعو ثم خرج ولم يصل.
سنن الدارقطني، كتاب العيدين، باب صلاة النبي صلى الله عليه وسلم في الكعبة، حديث: 1528. ولفظه عند أحمد: عن عثمان بن طلحة: " أن النبي دخل البيت فصلى ركعتين، وجاهك حين تدخل بين الساريتين».
مسند أحمد بن حنبل، مسند المكيين، عثمان بن طلحة رضي الله عنه، حديث: 15117. بينما ورد في معظم كتب السنة أن النبي لم يصل داخل البيت؛ وإنما دعا في نواحيه ثم انصرف وصلى خارج البيت. 2 خصص الأصوليون للمشترك مبحثا مستقلا. وبينوا أحكامه بتفصيل؛ وهي تشترك مع أحكام المجمل، بل إن المشترك عند التحقيق من أنواع المجمل. وثمة خلاف وجدل طويل حول وجود المجمل في القرآن و السنة و اللغة. وحول عمومه أو عدمه. والصواب وجوده، والخلاف في عمومه حتى بين الإباضية أنفسهم. ينظر تفصيل القضية: الشماخي شرح المختصر، 39 و. - السالمي، طلعة، 1: 142/ 134.
361 (1/361)
صفحة 360
الباب الثاني: اجتهاد التفسير
أخوه؟ (1).
E 3
وحكم المجمل الإيمان به والتوقف عن القطع بمراده أو العمل به. حتى يرد البيان من الشارع. فما يأتي مجملا ومبهما، فلا ينبغي لنا التكلف في تفسيره ولا يلزمنا من علم حقائقه أكثر من الإيمان بجملته، على ما هو به عند الله. إلا أن يقع إجماع الأمة على تأويل واحد، فذلك حجة» (2).
قضايا اختلف في إجمالها: وقع الإجمال في أسلوب القرآن والسنة في مواضع عدة، بعضها متفق على إجماله، وبعضها مختلف فيه. فقوله تعالى: وَءَاتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ} [الأنعام: 141]. مجمل، لأن الحق هنا مجهول الجنس والنصاب وكذلك قوله: لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبُ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ
نَصِيبًا مَفْرُوضًا [النساء: 7]. فالنصيب مجهول الكم فهو مجمل (3). بينما اختلف في ألفاظ الصَّلاة والزَّكَاة والصوم والحج والأسماء الشرعية، فقال بعضهم: إن هذا كله لا يتوقف على حقيقته إلا بالشرع الوارد بيانه. وذهب الوَارِخلاني إلى أنها معروفة واضحة المعنى، فالصلاة دعاء، والزكاة طهارة ونماء، والصوم إمساك والحج قصد (4).
كما اختلفوا في إسناد الحرمة إلى بعض الأعيان كتحريم الأمهات والبنات وذوات المحارم. فما المحرم منهن؛ الضرب أم القتل أو السب أم السفاح أم
النكاح؟
والصواب أنها ليست مجملة، لأنها لم تنقل إلى معان خاصة بالشرع، بل لها معان ظاهرة في لغة العَرَب؛ فيتوجه إليها المراد، وهو هنا النكاح. إلا أن يرد من الشرع ما يخص معنى معينا غير ظاهر.
ومن ذلك أيضا الأمر الشرعي، فإن صيغته تحتمل معاني كثيرة، ولكن
1 السالمي، طلعة، 1: 176/ 173.
2 الكندي، التخصيص، 12 ظ
3) الواجلاني، العدل، 1: 39. 4 الواجلاني، العدل 1: 54/ 53.
362 (1/362)
صفحة 361
الفصل الأول: البيان
المعنى المتبادر منها عند الإطلاق هو التكليف أو الوجوب. وباقي المعاني تحتاج إلى قرائن فهو ليس من باب المجمل (1). وشبية بإسناد الحرمة إلى الأعيان نفي الحقائق الشرعية، من مثل قوله لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب» (2). وقوله: «لا نكاح إلا بولي وصداق وبينة» (3). ونحو ذلك. وقد مضى الحديث عنها في باب الحقيقة والمجاز، فمجال
البحث واحد ولكن زاوية النظر مختلفة والنيتجة في الأخير متحدة. والصواب في نفي الحقائق الشرعية نفي وجودها الشرعي لا وجودها الفعلي، فالمقصود عدم صحتها وإجزائها. وقد يراد بها نفي الكمال لقرينة ترجح هذا المعنى المجازي. وليس في هذا إجمال. لأن العرف الشرعي قاض
(1) الواجلاني، العدل، 1: 54/ 53.
2) السنن الكبرى للبيهقي، كتاب الصلاة؛ جماع أبواب صفة الصلاة، باب من قال يقرأ خلف الإمام فيما يجهر فيه بالقراءة بفاتحة؛ حديث: 2729.
المعجم الأوسط للطبراني، باب الألف من اسمه أحمد، حديث: 2302 مستخرج أبي عوانة، باب في الصَّلاة بين الأذان والإقامة في صلاة المغرب وغيره، بيان الدليل على إيجاب إعادة الصَّلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب، حديث: 1322. وورد الحديث بلفظ لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب وبلفظ لا صلاة لمن لم يقرأ بأم القرآن» وألفاظ أخرى متقاربة عن طريق عبادة بن الصامت. صحيح البخاري، كتاب الأذان أبواب صفة الصلاة، باب وجوب القراءة للإمام والمأموم في الصلوات كلها حديث: 735
صحيح مسلم، کتاب الصلاة، باب وجوب قراءة الفاتحة في كل ركعة، حديث: 621. سنن الترمذي الجامع الصحيح، أبواب الطهارة عن رسول الله، أبواب الصلاة عن رسول الله باب ما جاء أنه لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب، حديث: 236
3 الربيع، الجامع الصحيح، كتاب النكاح، باب 24. حديث 510. ج 2، ص 30. وورد الحديث في كتب السنن بذكر الولي غالبا. وذكر الشهود في بعض الروايات. سنن الترمذي الجامع الصحيح، أبواب الجنائز عن رسول الله، أبواب النكاح عن رسول الله
باب ما جاء لا نكاح إلا بولي
حديث: 1056.
السنن الكبرى للبيهقي، كتاب النكاح جماع أبواب ما على الأولياء وإنكاح الآباء البكر بغير إذنها ووجه، باب لا نكاح، حديث:12817.
صحيح ابن حبان، كتاب الحج، باب الهدي، ذكر نفي إجازة عقد النكاح بغير ولي وشاهدي
عدل، حديث: 4138.
كوم
363 (1/363)
صفحة 362
الباب الثاني: اجتهاد التفسير
*
بتحديد المراد وبيان الإجمال (1).
وقد نسب السالمي القول بالإجمال هنا إلى الحنفية (2). وهو قول بعض أئمتهم، ورجح ابن عبد الشكور أنه إذا تعيّن المراد من اللفظ شرعا أو لغة فلا إجمال (3). وإن كان الغزالي يفرّق بين الإثبات فلا يعده مجملا، وبين النهي فيراه مجملا (4).
وقد رفع الغزالي هذا الإشكال بتعريفه للمجمل بأنه «اللفظ الصالح لأحد معنييه، ولا يتعين معناه لا بوضع اللغة ولا بوضع الاستعمال» (5). فإذا حدد العرف أحد المعاني ارتفع الإشكال وزال الإجمال. ومن أنس بتعارف أهل اللغة واطلع على عرفهم علم أنهم لا يستريبون في أن من قال: حرمت عليكم الطعام والشراب أنه يريد الأكل دون النظر والمس، وإذا قال حرمت عليكم الثوب يعني اللبس، وإذا قال حرمت عليكم النساء فهو يعني الوقاع، وهذا عندهم مقطوع به فكيف يكون مجملا؟ (6). وقد مضى الحديث عن هذه المسائل في باب الحقيقة والمجاز، فمجال
البحث واحد ولكن زاوية النظر مختلفة، والنيتجة في الأخير متحدة. -3 - بيان المجمل وأنواعه: البيان هو إخراج الشيء من حيّز الإشكال إلى حيز الوضوح والجلاء (7). ومن مرادفات البيان في اللغة الإيضاح، والدلالة، والإعلام، والإرشاد،
والهداية.
وينص الوَارِجلاني أن: «جميع الوجوه التي تنفهم منها المعاني لأهل
1 السالمي، طلعة، 1: 177.
(2) السالمي، طلعة، 1: 177.
3 ابن عبد الشكور، مسلم الثبوت، 2: 41. 4 ابن عبد الشكور، مسلم الثبوت، 2: 41. (5) الغزالي المستصفى، 1: 345
6) الغزالي، المستصفى، 1: 346/ 347.
7 - العوتبي، الضياء، 1: 242 - نجاد بن موسى الأكلة 109 السوفي، السؤالات، 116.-
الملشوطي، الأدلة، 3. - الغزالي، المستصفى، 1: 345.
364 (1/364)
صفحة 363
الفصل الأول: البيان
اللسان فهو بيان لما في القرآن والسنة والأثر» (1).
ولذلك سميت المعجزات تبيانا لأن بها يبين المراد، وسمي الشهود بينة لأن بهم يقع البيان في الأحكام. وإذا كان الخطاب بيناً لمن خوطب به فهو بيان، سواء نظر فيه المبين له أم لم ينظر. كما أن القرآن يهدي وإن لم يهتد به
أحد (2).
وقد يراد بالبيان معنى أعم من بيان المجمل، ويندرج فيه التخصيص والتقييد والنسخ والتأويل (3). وفي هذا يقول الملشوطي: «اعلم أن التفسير والتخصيص والتقييد والاستثناء والنسخ وإن اختلفت الفاظها، متفقة في كونها بيانا للمراد بالخطاب، وكل واحد منها يختص بمعنى من الآخر، وقد يساويه في معان» (4).
حصر
الأصوليون أنواع البيان في أربعة:
1. البيان بالقرآن.
2. البيان بالسنة القولية والفعلية.
3. البيان بالإجماع.
4. البيان بالعقل (5).
- البيان بالقرآن
- من بيان القرآن المجمله قوله تعالى: لِلرِّجَالِ نَصِيبُ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبُ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَ مِنْهُ أَوْ كَثُر نَصِيبًا مفروضا} [النساء: 7]. فبينه بقوله: {يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِ الْأُنثَيَيْنِ} [النساء: 11].
وفصل أنصبة الورثة، أصحاب فروض كانوا أم عصبة (6).
1 الوار خلاني، العدل، 1: 54. 2) الملشوطي، الأدلة، 3 ظ.
3 ينظر: البوطي أصول الفقه، 97. الملشوطي، الأدلة، 6 ظ.
5) الوَارِجلاني، العدل 1 55 - السالمي، طلعة، 1: 188/ 189.
6 الوار خلاني، العدل، 1: 55.
365 (1/365)
صفحة 364
الباب الثاني: اجتهاد التفـ
=
ومن ذلك قوله: أُحِلَّتْ لَكُم بَهِيمَةُ الْأَنْعَمِ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ [المائدة:1]. فبينه بقوله: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنزيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ. وَالْمُنخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ والمُتَرَدِيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَن تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَم [المائدة:3]. وبقوله أيضا: قُل لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَى مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنزير} [الأنعام: 145] (1).
- البيان بالسنة:
مهمة الرسول أساسا بيان معاني القرآن، بصريح توجيه القرآن: وأنزلنا إليكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} [النحل: 44]. ومن ذلك بيان المجمل في نصوص الكتاب.
والبيان قد يقع بالسنة القولية، وقد يقع بالسنة الفعلية. ومن ذلك بيانه للصلاة التي ورد الأمر بها مجملة في القرآن. ولم يحدد منها إلا بعض أفعالها كالركوع والسجود، وبعض أوقاتها. ثم فصل النبي صلى الله عليه وسلم بسنته كل أقوالها وأفعالها. وكذلك الأمر في الصوم والزَّكَاة والحَج وكثير من فرائض القرآن. وذكر ابن بركة وبشير بن محبوب، أن الله تعالى افترض الصَّلاة والزَّكَاة جملة، وفسرها رسول الله صلى الله عليه وسلم بالسنة (2). وذكر عمروس بن فتح أن الله فرض الحج في كتابه، وتفسير ذلك من السنة. قال تعالى: وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا} [آل عمران: 197. واستطاعة السبيل الزاد والراحلة وأمن الطريق، فإذا اجتمعت هذه فقد وجب عليهم الحج (3).
وكتب الفقه ملأى بنماذج هذا البيان (4).
1) السوفي، السؤالات، 53.
2) ابن بركة، الجامع، 1: 455.
(3) عمروس، الدينونة، 131.
=
4) ينظر: ابن بركة، الجامع، 1: 470 2 10. الوَارِجلاني، العدل، 57/ 59. – السوفي،
السؤالات، 116.
?366
366 (1/366)
صفحة 365
E
الفصل الأول: البيان
وسبق الحديث عن حجية أفعال النبي صلى الله عليه وسلم في أقسام السنة، وتبين أن فعله إذا ورد بيانا للواجب فهو على الوجوب إلا أن يقوم دليل على خلاف
ذلك (1).
و من بيان السنة تطبيق الحدود الواردة في القرآن كحد الزنى. فأول ما وجب فيه هو الأذى وَالذَانِ يَأْتِيَنهَا مِنكُمْ فَتَاذُوهُمَا فَإِن تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّابًا رَّحِيمًا [النساء: 16]. ثم نزلت آية السبيل، وفيها جلد البكر رجم المحصن. فالجلد ثبت بالكتاب الزانية والزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ} [النور:2]. والرجم ثبت بالسنة المتفق
عليها (2).
و أوجب الله قطع يد السارق، وبينت السنة أنما تقطع يده اليمنى. والسنة أن يُقطع من أخرج المال من الحرز، ولا يُقطع إلا بإقرار أو بشاهدي عدل (3). كما جاءت السنة في قطع يد سارق سرق مجنا، فاختلفوا في قيمة المجنّ ليحدّوا به قدر المال الذي يوجب القطع (4). وهذا كله من بيان السنة للقرآن. أما السنة التقريرية فلا يثبت بها بيان المجمل بالمعنى الخاص، وإن كان يقع بها البيان للأحكام على الإجمال. لأن طبيعة هذه السنة السكوت عن فعل أو أمر حدث من الصحابة، وإقرارهم عليه؛ أما بيان المجمل، فهو تفسير لنص لا يُفهم المراد منه بذاته. وهذا يُتصوّر في السنة القولية والفعلية دون التقريرية. - البيان بالإجماع: الإجماع قد يكون قولا أو فعلا أو تركا وبه يقع البيان. ويُقطع به في الأحكام على ما أجمعوا عليه من وجوب أو ندب أو مباح أو حظر (5). كقول أبي بكر الله، واحد والرسول، واحد والدين واحد، والإمام واحد، ولن
-
1) ابن بركة، الجامع 1: 470. 2: 523 - الملشوطي الأدلة، 4 و. السوفي، السؤالات،
116.-النزوي، قواعد الهداية، 21 ظ. 2) ابن بركة، الجامع، 2: 524/ 525.
3) عمروس، الدينونة، 160.
(4) عمروس، الدينونة 160. 5) الملشوطي، الأدلة، 4 و.
367 (1/367)
صفحة 366
الباب الثاني: اجتهاد التفسير
يستقيم سيفان في غمد واحد» (1). فحكم بإمام واحد قياسا، وأجمع على ذلك المسلمون. وقال أيضا: «وأيم الله لأقاتلن من فرّق بين الصَّلاة والزكاة». وقال: «لو منعوني عقالا مما كانوا يؤدونه إلى رسول لقاتلتهم عليه، حتى الحق به» (3). وأجمع الصحابة معه على ذلك (4).
وأما بيان الإجماع بالترك، فمثلوا له بتركهم توريث العبيد، وتوريث الأموات وتسوية الأمة والعبد في الحدود والعتق (5).
كما أجمعوا أن الله تعالى خاطب بقوله: يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَوةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ} [الجمعة: 9]. البالغين الأصحاء العقول أهل الإقامة والحرية والرجال دون النساء. فهذا نوع بيان للنص بالإجماع (6).
ولكن هذه النماذج أنسب بالبيان بمعناه العام من أن تكون خاصة ببيان
المجمل بمعناه الدقيق.
(1) الوارجلاني، العدل، 1: 60.
2 روى قول أبي بكر الشيخان وأصحاب السنن الأربعة وأحمد. صحيح البخاري، كتاب الزكاة، باب وجوب الزكاة، حديث: 1346. صحيح مسلم، كتاب الإيمان، باب الأمر بقتال الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، حديث: 54. سنن أبي داود، كتاب الزكاة، حديث: 1344.
السنن الكبرى للنسائي، كتاب الزكاة، قتال مانع الزكاة، حديث: 2198. مسند أحمد بن حنبل، مسند العشرة المبشرين بالجنة، مسند الخلفاء الراشدين، أول مسند عمر بن الخطاب رضي الله عنه، حديث: 117. 3) صحيح البخاري، كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة باب الاقتداء بسنن رسول الله،
حديث: 6876.
صحيح مسلم، کتاب الإيمان باب الأمر بقتال الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، حديث:54. سنن أبي داود، كتاب الزكاة، حديث: 1344.
سنن الترمذي الجامع الصحيح الذبائح، أبواب الإيمان عن رسول الله، باب ما جاء أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، حديث: 2595.
4 الوار خلاني، العدل، 1: 60.
(5) الوَارَجُلانِي، العدل، 1: 60
6 ابن، وصاف الحل والإصابة 1: 93 ظ.
368 (1/368)
صفحة 367
- البيان بالعقل:
الفصل الأول: البيان
ذكر الواجلاني أن البيان بالعقل يشمل جميع حجج الله تعالى في القرآن على المشركين، كقوله: {لَوْ كَانَ فِيهِمَا الهَهُ إِلَّا اللهُ لَفَسَدَنَا} [الأنبياء: 22]. وقوله: أَفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لَّا يَخْلُقُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ} [النحل: 17]. وقوله: أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَكُمْ عَبَنَا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ} [المؤمنون: 115]).
الله
فهذه حجج قاض ببيانها، فهو بيان عقلي (2). وهذا النوع كسابقه من أنواع البيان العام لا من بيان المجمل المقصود.
التي ألزم بها الكفار؛ ولا يمكنهم إنكارها؛ لأن العقل
-4 - تأخير البيان عن وقت الحاجة:
قد يرد الخطاب مجملا، ويرد البيان مقترنا معه. وقد يرد متأخرا عنه بزمن. واتفق المسلمون على منع تأخره عن وقت الامتثال، لأنا إذا طلب منا العمل بالمجمل احتجنا إلى البيان فيمتنع حينئذ تأخير البيان بعد الحاجة إليه، لأن ذلك تكليف بما لا يطاق. إلا على مذهب من يجوز تكليف المحال (3). أما تأخيره إلى وقت الحاجة فجائز عند جمهور أهل الأصول (4).
وينتظم الإباضية في هذا الصف (5).
وللجمهور أدلتهم على ذلك. منها:
=
قوله تعالى: فَإِذَا قَرَأَنَهُ فَاتَّبِعْ قُرَهَانَهُ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ} [القيامة: 18]. "ثم" للتراخي في لسان العَرَب. وقال على لسان الملائكة لإبراهيم: إِنَّا مُهْلِكُوا أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ إِنَّ أَهْلَهَا كَانُوا ظلِمِينَ [العنكبوت: 31]. وعلم إبراهيم أن لهذا العموم خصوصا، فقال: قَالَ إِنَّ فِيهَا لُوطًا
1) الوار خلاني، العدل، 1: 60.
2) السالمي، طلعة، 1: 188 (3) السالمي، طلعة، 1: 183/ 184. (4) ينظر: الغزالي المستصفى، 1: 138.
(5) الوَارجُلانِي، العدل، 1: 61 - اطفيش، شامل، 1: 52 - السالمي، طلعة، 1: 183.
369 (1/369)
صفحة 368
الباب الثاني: اجتهاد التفسير
[العنكبوت: 32]. مستفهما. فكان جوابهم قَالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَن فِيهَا لَنُنَجِّيَنَهُ
وَأَهْلَهُ إِلَّا أَمْرَأَتَهُ، كَانَتْ مِنَ الْغَبِرِينَ} [العنكبوت: 32].
وقال تعالى لقوم مُوسَى على لسانه: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تَذْبَحُوا
بقرة [البقرة: 67]. وأخر بيان نعتها. ومن السنة أن سائلا سأل النبي عن أوقات الصلاة، فأخر الجواب حتى صلى بهم صلاة يومين فقال: أين السائل عن أوقات الصلوات؟ ما بين هذين وقت (21). والأخبار مستفيضة في سنة النبي صلى الله عليه وسلم عن تأخير البيان إلى وقت الحاجة
إليه.
وذهب بعضهم إلى التفريق بين المجمل والعام، فقالوا بجواز تأخير بيان المجمل، ومنعوا تأخير المخصص للعام، لأن سامع العموم يعتقد شموله، ثم يأتي التخصيص بخلاف ذلك. فهذا إغراء بالجهل. أما سامع المجمل فلا يحصل له هذا الجهل لانبهام المعنى ابتداء. وفرّق قوم بين الأمر والنهي، فأجازوا فيه تأخير البيان، ومنعوه في الوعد والوعيد (3). والصواب وقوعه ولا فرق لعموم الأدلة في جواز هذا التأخير. ومن ادعى الخصوصية لزمه الدليل، ولا دليل.
وذهب المعتزلة والظاهرية وكثير من أصحاب أبي حنيفة، إلى منع تأخير البيان عن وقت الخطاب أصلا (4). وأورد الوَارِجلاني، احتجاجهم بأن تأخير البيان عن وقت الخطاب
(1) السنن الكبرى للنسائي مواقيت الصلوات أول وقت الصبح حديث: 1509. السنن الكبرى للبيهقي، كتاب الصلاة، جماع أبواب المواقيت باب آخر وقت الظهر وأول وقت الله تعالى عنه، رضي
العصر، حديث: 1586. مسند أحمد بن حنبل، ومن مسند بني هاشم، مسند أنس حديث: 12737.
بن
موطأ مالك، كتاب وقوت الصَّلاة، باب وقوت الصلاة، حديث: 2. 2 الوار جلاني، العدل، 1: 62/ 61.
مالك
(3) الغزالي، المستصفى، 1: 369/ 368. -السالمي، طلعة، 1: 185. (4) الغزالي، المستصفى، 1: 368.
370 (1/370)
صفحة 369
الفصل الأول: البيان
ومخاطبة المكلفين بالمجمل بمنزلة خطاب الموتى ومن لا يفهم. وهو محال. كما استحال خطاب العربي بالفارسية. وردّ عليهم بأن هذا غير محال بشرط إحياء الميت، وبقاء العربي حتى يفهم الفارسية أو يجيء من يُفهمه، وهكذا. فنحن مخاطبون بالمجمل إلى أن يرد بيانه حين وجوبه العمل به وقارنوه بوجوب التبليغ، وهو قياس مع الفارق لأن التبليغ على الرسول وجب على الفور، والبيان ليس كذلك (1). وانفرد ابن بركة والعوتبي، من بين الإباضية، بترجيح الرأي الثاني، وهو منع تأخير البيان عن زمن الخطاب. قال ابن بركة: «إن الله تبارك وتعالى إنما جعل الخطاب للفائدة والإفهام، وليعلم المأمور غرض الأمر، ومراد المخاطب. الحكيم لا يخاطب بما لا فائدة فيه، ولا يأمر بما لا يُفهم عنه ألا ترى أنه غير جائز أن يأمر أحدا بالقعود وهو يريد منه القيام لأنه إنما يأمر ليمتثل أمره، فإذا لم يُبين مراده لم يكن أن يمتثل أمره، ولم يتهيّاً أن يعتقد طاعته فيما كلّفه إياه. وإذا كان ذلك كذلك، لم يجز أن يتأخر البيان عن وقت الخطاب. وتمام فصل الكلام أن تأخيره يوجب اعتقاد غير ما ظهر لأنه إذا خاطب بظاهر الإطلاق والعموم، وهو يريد التقييد والخصوص، ثم لم يقرنه بدلالة تبيّن عنه كان قد ألزم عباده أن يعتقدوا خلاف ما أراده منهم، وتعالى الله عن ذلك علوا كبيرا» (2). وما استدل به ابن بركة غير مسلّم، لأن المقصود بخطاب المكلف بالمجمل الله اعتقاد أنه حق من عند ثم انتظار البيان للامنثال والعزم على الطاعة فيثاب فإن عزم على غيرها كان آثما والله في ابتلاء عباده مطلق السلطان، له أن يبتليهم بما يشاء، فهو لَا يُسْلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْتَلُونَ
[الأنبياء: 23] (3) واللافت للانتباه أنه لم يُشر أصوليو الإباضية إلى تفرد ابن بركة بهذا الرأي
1 الوارِ جلاني، العدل 1 61. وحول أدلة الجمهور والمعتزلة والردود ينظر: الغزالي، المستصفى، 1: 383/ 368 - الوار جلاني، العدل، 1: 62/ 61 - السالمي، طلعة، 1: 188/ 183. 2 ابن بركة الجامع 1: 71/ 70 - العوئبي، الضياء، 2: 240.
3 السالمي، طلعة، 1: 6.
371 (1/371)
صفحة 370
الباب الثاني: اجتهاد التفسـ
*
E 3
وانضمامه إلى صف المعتزلة، رغم استفادة كثيرين من كتابه، ونقلهم لنصوصه الكثيرة، وبخاصة المشارقة منهم باستثناء العوئبي الذي نقل هذا النص ومضى دون تعقيب عليه بالرد أو التأكيد.
المبحث الرابع: طرق دلالات الألفاظ
تنقسم الألفاظ من حيث طرق دلالاتها على المعنى إلى المنطوق والمفهوم، فمنها ما يدل بمنطوقه على معناه، ومنها ما يُستفاد معناه بالإشارة والفحوى وقد تعددت أنظار الأصوليين في تحديد هذه الأقسام، وعرف المتكلمون منهجا في تقسيم هذه الدلالات يختلف عن منهج الحنفية؛ وإن انتهى بهم المطاف إلى أسماء متطابقة ومفاهيم موحدة على أنهم قد اختلفوا في الاحتجاج ببعض أنواع هذه الدلالات.
وكما تختلف الألفاظ في طرق دلالاتها على معانيها، فإن هذه المعاني
تتباين قوة وضعفا بحسب الطريق المستفادة منه. والسؤال الوارد هنا ما موقع الإباضية في باب الدلالات؟ هل أخذوا في تقسيمها بمنهج الجمهور أم بمنهج الحنفية؟ أم بهما معا؟
-1 منهج الإباضية في تقسيم الدلالات:
كانت طريقة المتقدمين من الإباضية في تقسيم الدلالات موجزة، فقد ذكروا المنطوق والمفهوم، وأن المسكوت عنه قد يثبت له نفس حكم المنطوق به، سواء في نصوص الكتاب أم السنة وفي إشارة للعوتبي إلى قوله تعالى: وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ [النور:4]. قال: إن المحصنين في معناهن. فيجب} على قاذف المحصنين ما يجب على قاذف المحصنات من الحكم. وفي قوله تعالى: فَإِذَا أُحْصِنَ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِن الْعَذَابِ} [النساء:25]. ذكر أن العبد في حكم الأمة اتفاقا، وإن خَص الذكرُ
الأمة دون العبد (1).
وأشار عمروس بن فتح إلى الإضمار في مثل قوله تعالى:
1) العوئبي، الضياء، 2: 251.
372 (1/372)
صفحة 371
الفصل الأول: البيان
فمن كان مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} [البقرة: 184]. وتقدير المضمر: فأفطر. وهذا اختصار معروف في كلام العرب. ونظيره قوله تعالى: أَنِ اضْرِب بَعصَاكَ الْبَحْرَ فَانفَلَقَ [الشعراء:63]. وتقدير المضمر: فضرب الحجر فانفلق (1). كما ورد الحديث عن الإضمار والكناية عند ابن بركة، وذكر من الإضمار قوله تعالى: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ} [النساء: 23] يعني تزويجهن. ومن الكناية قوله أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِّنكُم مِّنَ الْغَابِطِ} [النساء: 43]. فذكر الموضع، وكنّى عن سبب الحدث (2). وعُرف هذا الإضمار لاحقا بدلالة الاقتضاء. وأورد أصوليو الإباضية في المصادر المتقدمة مصطلحات الاقتضاء والإشارة. كما اعتبروا دلالة المفهوم من وجوه دليل معقول الأصل، لأنه مما يُعقل أو يُفهم من النص ولا يُنص عليه. وقد جعلوه أقساما أربعة: فحوى الخطاب، ولحن الخطاب، ودليل الخطاب، ومعنى الخطاب أو العبرة، وهو القياس
المعروف (3).
ثم اكتمل التقسيم لدى المتأخرين وبخاصة لدى السالمي إذ بين تقسيم
الأصوليين لطرق دلالة اللفظ على معناه إلى قسمين: منطوق ومفهوم. فالمنطوق ما دل عليه اللفظ في محل النطق أي يكون حكما للمذكور، وحالا من أحواله. سواء نطق به أم لا. وهو بهذا المعنى متناول للدال بعبارته والدال بإشارته والدال باقتضائه. وفسروا المفهوم بما تقدم في تفسيرنا للدال بدلالته، وهي طريقة الأصوليين من أصحابنا والشَّافِعِيّة. وقسموا المفهوم إلى أقسام» (4). ولكن السالمي في موضع آخر أدرج الدال بدلالته في أقسام المنطوق،
1) عمروس، الدينونة، 128= 140/ 141.
2 ابن بركة الجامع:1 104 105 النزوي قواعد الهداية، 3 ظ.
-
3 العوتبي، الضياء، 3: 20/ 19 نجاد بن موسى الأكلة، 10784. -الوار جلاني، العدل، 1:
18 - الملشوطي، الأدلة، 2 ظ/ 3 و. = 7 و.
(4) السالمي، طلعة، 1: 257/ 258.
373 (1/373)
صفحة 372
الباب الثاني: اجتهاد التفسير
فبيّن أن الحكم المستفاد من النظم إن كان النظم مسوقا له فهو العبارة، وإن كان غير مسوق له فهو الإشارة، وإما أن يكون مفهوما من النظم لغة فهو
الدلالة، أو شرعا فهو الاقتضاء» (1).
وفي هذا شبه بتقسيم الحنفية.
وأيا ما كان فإننا سنتناول هذه الأقسام وفق الترتيب الآتي:
ه أقسام المنطوق:
1 دلالة العبارة، أو عبارة النص.
=
2 دلالة الإشارة، أو إشارة النص.
3 - دلالة الاقتضاء.
ه أقسام المفهوم:
-1 دلالة النص، أو مفهوم الموافقة.
ويشمل: أ- فحوى الخطاب. ب= لحن الخطاب.
2 مفهوم المخالفة، أو دليل الخطاب.
3 معنى النص، أو القياس.
a الخلاف حول حجية مفهوم المخالفة. وموقف العلماء منه.
تطبيقات مفهوم المخالفة عند الإباضية.
2 - أقسام المنطوق:
- دلالة العبارة، أو عبارة النص:
عرف السالمي دلالة العبارة بأنها: ما دل على ما سيق له النص، بإحدى الدلالات الثلاثة المطابقة والتضمن والالتزام أي أن يكون المعنى مقصودا أصليا، كقوله تعالى: فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاء} [النساء: 3]. فيدل النص بعبارته على إباحة تعدد الأزواج (2).
- دلالة الإشارة
هي
ما دل على ما ليس له السياق بدلالة المطابقة أو التضمن أو الالتزام.
(1) السالمي، طلعة، 1: 254/ 255.
2) السالمي، طلعة، 1: 255.
374 (1/374)
صفحة 373
الفصل الأول: البيان
- مثال المطابقة آية وَأَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبوا} [البقرة: 275]. فإنه إشارة إلى بيان الحل والحرمة بدلالة المطابقة. = ومثال التضمن قول الرجل لامرأته كل امرأة له طالق. إذا كان إنما ساق هذا الكلام لطلاق غير المخاطبة.
=
ومثال الالتزام آية وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ} [البقرة: 233]. فإنه إشارة إلى ثبوت النسب للآباء، لأن اللام هنا للاختصاص لا للملك، وهو محل إجماع. والسياق جاء لبيان وجوب نفقة المرضع، لا لبيان النسب (1). ومنه قوله تعالى: إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ} [التوبة: 37]. ومعناه تأخير العرب تحريم المحرم إلى صفر وغيره من الشهور. وعقب السوفي على الآية بأنها حجة لقول الإباضيَّة إن تبديل الأحكام كفر (2). وهذا مستفاد من دلالة الإشارة.
==
=
- وفي قوله تعالى: {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ [البقرة: 187]. دلالة على إباحة الطعام والشراب والجماع مُدةَ الليل كله إلى تبيّن الخيط الأبيض من الفجر. ولكن المجامع ينزع بقدر ما يصل إلى غسل الجنابة أو التيمم فدلالة الإشارة عامة، خصصها حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من أصبح جنبا أصبح مفطرا» (3).
1) السالمي، طلعة، 1: 256. 2) السوفي، السؤالات، 109.
3) الربيع، الجامع الصحيح، باب 51 حديث 315. ج 1، ص 81.
وورد بلفظ "فلا
صوم
له" ولفظ "فلا يصم"
صحيح ابن خزيمة، كتاب الصيام جماع أبواب الأفعال المباحة في الصيام مما قد اختلف العلماء في باب ذكر خبر روي في الزجر عن الصوم إذا أدرك الجنب، حديث: 1875. صحيح ابن حبان، كتاب الصوم، باب صوم الجنب ذكر البيان بأن أبا هريرة سمع هذا الخبر من الفضل، حديث:3545. السنن الكبرى للنسائي، كتاب الصيام، سرد الصيام ذكر الاختلاف على مجاهد في هذا الحديث،
حديث: 2898
مسند أحمد بن حنبل، ومن مسند بني هاشم، مسند أبي هريرة رضي الله عنه، حديث: 7226.
375 (1/375)
صفحة 374
الباب الثاني: اجتهاد النفس
وهو القول المعتمد لدى الإباضية (!).
- ويرى الإباضية أن المكاتب إذا عجز عن كتابته، لا يُردّ في الرّق، لأنه
حر من يوم وقعت عليه المكاتبة، وإنما هو غريم من الغرماء. بينما ذهب غير الإباضية إلى أنه يظل في الرّق ما لم يُؤدّ ما عليه.
ويروي
ذلك عن عمر وزيد بن ثابت وعائشة أنه عبد ما بقي عليه درهم. وحجة الإباضية أن الله تعالى قسم له نصيبا في مال الزكاة، وجعل له مع باقي الأحرار سهما. والمال لا يُعطى للعبيد، لأنهم لا يملكون اتفاقا. فلما قال الله تعالى: إِنَّمَا الصَّدَقَتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَرِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِّن الله وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} [التوبة: 60]. دل النص بإشارته على أنهم أحرار
منذ مكاتبتهم (2) - دلالة الاقتضاء
أما الدال باقتضائه فهو مضمر مقصود، يتوقف عليه صدق الكلام
=
أو صحته العقلية أو الشرعية ولا يكون إلا بطريق الاستلزام (3). صدق الكلام لغة كقوله: رفع عن أمتي الخطأ والنسيان» (4). أي إثم الخطإ والنسيان.
=
صدق الكلام عقلا، كقوله تعالى: وَسْثَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا [يوسف: 82]. أي أهل القرية.
=
صدق الكلام، شرعا، كقوله: لا صيام لمن لم يُجمع الصيام قبل
(1) الخراساني، المدونة 1: 280/ 279 2 الخراساني، المدونة، 1: 278/ 279. (3) السالمي، طلعة، 1: 257.
4 لم يرد الحديث بهذا اللفظ. وأخرجه ابن ماجه عَنِ ابْنِ عَبَّاسِ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ إِنَّ اللَّهَ وَضَعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأَ وَالنِّسْيَانَ وَمَا اسْتَكْرَهُوا عَلَيْهِ»
سنن ابن ماجه،کتاب الطلاق باب طلاق المكره والناسي، حديث: 2041. وأخرجه عن أبي ذرّ بلفظ: إن الله قد تجاوز عن أمتي الخطأ، والنسيان، وما استكرهوا عليه». سنن ابن ماجه،کتاب، الطلاق باب طلاق المكره والناسي، حديث: 2039.
376 (1/376)
صفحة 375
الفصل الأول: البيان
الفجر (1)، لنفي الصحة. وقوله: لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد (2). لنفي الكمال (3). ولولا هذا التقدير لما استقام الكلام شرعا. لأن نفي حقائق الأشياء بعد وقوعها غير ممكن فاستلزم نفي وجودها الشرعي لما تعذر نفي
وجودها الواقعي. - دلالة الخطاب:
أما دلالة الخطاب فهي ما يُعبر عنه بمفهوم الخطاب، أو فحوى الخطاب.
ويأتي بيانه ضمن أقسام المفهوم.
3 - أقسام المفهوم:
- مفهوم الموافقة:
الدال بدلالته هو المفهوم ولكنهم اصطلحوا على أن دلالة النص هي مفهوم الموافقة، ودليل الخطاب لمفهوم المخالفة.
وتعريف مفهوم الموافقة هو «دلالة اللفظ على ثبوت حكم المنطوق للمسكوت عنه وموافقته له نفيا أو إثباتا لاشتراكهما في معنى يدرك بمجرد اللغة، دون بحث واجتهاد. فإن كان المسكوت عنه مساويا للمنطوق به فهو لحن الخطاب، وإن كان أولى بالحكم منه فهو فحوى الخطاب (4). 1: فحوى الخطاب: عرف الوَارجُلانِي فحوى الخطاب بأنه الذي يقتضيه المعنى المذكور دون ما ذكر» (5). أو هو ما دلّ عليه اللفظ من جهة التنبيه. وقيل: ما نبه عليه اللفظ بمعناه» (6).
1 أوردت كتب السنة هذا الحديث عن حفصة بنت عمر موقوفا.
السنن الكبرى للنسائي، كتاب الصيام الحث على السحور، ذكر اختلاف الناقلين لخبر حفصة في ذلك، حديث: 2605.
سنن الدارقطني، كتاب الصيام، باب، حديث:1942.
2 الربيع الجامع الصحيح كتاب الصَّلاة، باب المساجد 44. حديث 256. ج 1، ص 52. 3 السالمي، طلعة، 1: 257.
4 السالمي، طلعة 1 258 259 - محمد أديب صالح، تفسير النصوص، 1: 608. (5) الوار خلاني العدل:1 18 - سعيد الجربي، جواب، 114 و.
6) نجاد بن موسى،، الأكلة، 107.
377 (1/377)
صفحة 376
الباب الثاني: اجتهاد التفسير
ومثلوا لهذا النوع بآية تحريم التأفيف للوالدين فَلَا تَقُل مَا أُفٍ وَلَا تنهرهما [الإسراء: 23]. فالشتم والضرب والأذى والقتل أولى بالنهي. والمسكوت أولى بالحكم من المنطوق لأشدّيته في المناسبة بذلك. وتسميته بالفحوى لأن فحوى الكلام مما يفهم منه قطعا (1). وهو من باب التنبيه بالأدنى على الأعلى، ولذلك يسميه بعضهم بالتنبيه. كقوله تعالى: وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَبِ مَنْ إِن تَأْمَنْهُ بِقِنطارٍ} [آل عمران: 75]. فالدينار والدرهم أحرى أن يؤديه إليك (2).
وقد اختلف في أصل هذا المفهوم هل يُعلم ذلك لغة أم قياسا؟ فذهب الظاهرية إلى اعتماده، وهو عندهم من دلالة اللغة. وذهب آخرون إلى أنه من باب القياس، ولكنه قياس جلي كما يسميه الشافعي. فالتأفيف في آية الإسراء غير متناول للضرب، وإنما هو مدلول عليه بمعناه الذي هو الأدنى، وذلك نفس القياس (3). 2 لحن الخطاب:
قد يكون المسكوت عنه مساويا للمنطوق في الحكم، كتحريم إحراق مال اليتيم المفهوم من آية تحريم أكله إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ في بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا} [النساء: 10]. والأكل والإحراق والإتلاف كلها سواء في الحكم. فردّوا حكم المسكوت عنه إلى حكم المنطوق به، وحكموا بأن الوعيد يتوجه في جميع مال اليتيم، من أكل منه أو لبس ثوبه أو ركب دابته، قياسا على ذلك» (4). وهذا يسمّى لحن الخطاب، ومعنى الخطاب، مأخوذا من قوله تعالى: وَلَتَعْرِ فَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ} [محمد: 30]. وحكم فحوى الخطاب ولحن الخطاب القطعُ بمدلولهما إذا لم يُعارضه
1) الوَارِجلاني، العدل، 1: 18.-السالمي، طلعة، 1: 259.
(2) نجاد بن موسى الأكلة 107 الملشوطي الأدلة، 7 و سعيد الجربي، جواب 114 ظ.
الأكلة، 107.
3) نجاد بن موسى، 4 العوتبي، الضياء، 3: 21.
PB
378 (1/378)
صفحة 377
E 3
المنطوق (1).
الفصل الأول: البيان
دلالة
هذا، بينما ذهب جمهور متقدمي الإباضية إلى أن لحن الخطاب هو الخطاب، وهي ما يتوقف عليه صحة الكلام أو هو الضمير الذي لا يتم الكلام إلا به. ومثلوا له بآية الحلق للمحرم فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ بِهِ أَذَى مِن رَأْسِهِ، فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُكِ} [البقرة: 196]. وتقدير المحذوف:
فحلق.
كما أوردوا غير هذا من الأمثلة المذكورة في دلالة الاقتضاء (2).
المماثلة،
- مفهوم المخالفة (دليل الخطاب) دليل الخطاب هو انتفاء حكم المنطوق عما عداه. وقيل: تعليق الحكم على أحد صفتي الشيء، فيدل على أن ما عداه بخلافه (3). وعرفه الوَارِجلاني بأنه يقتضي نفي الحكم عما عدا الصفة المتعلق بها ثبوته (4). وذكر أن دليل الخطاب بعكس القياس. والقياس مبني على ودليل الخطاب مبني على المخالفة. كان دليل الخطاب هو الحكم فيما عدا الصفة المذكورة، وكأن القياس الحمل على شبه الصفة المذكورة (5). أمثلة ذلك قوله تعالى: وإِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَا إن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَا فَتَبَيَّنُوا} [الحجرات: 6]. ودليل الخطاب: إن جاء عدل لم يُتبين. وقوله: «في سائمة الغنم زكاة (6) دليله على أنه لا زكاة في المعلوفة. وجاء عن النبي النهي عن قتل المصلين، فثبت بدليل الخطاب قتل غير المصلين. ولكن الذي عليه أكثر سلف الأمة من كل المذاهب، استتابة تارك
ومن
1) السالمي، طلعة، 1: 259
الأكلة، 2) الوَارجُلانِي، العدل، 1: 18. العوئبي، الضياء، 3: 20.-نجاد بن موسى، الأدلة، 7 ظ. - الجناوئي، الوضع، 8/ 7 - سعيد الجربي، جواب، 114 و.
108/ 107.-الملشوطي، 3 نجاد بن موسى الأكلة 108 - سعيد الجربي، جواب، 114 و/ 114 ظ.
4 الوار جلاني، العدل، 2: 179.
(5) الوار جلاني، العدل، 2: 176
6) ورد بلفظ: «في سائمة الغنم إذا بلغت أربعين شاة شاة موطأ مالك، كتاب الزكاة، باب ما جاء في صدقة البقر، حديث: 600.
?379
379 (1/379)
صفحة 378
الباب الثاني: اجتهاد التفسير
الصَّلاة، فإن تاب وارتدع وصلّى، وإلا ضربت عنقه (1). وجعل الوَارجُلانِي من بين مخصصات العموم دليل الخطاب، وأورد فيه
أنواعا عديدة لمفهوم المخالفة، كالشرط والصفة والغاية والحصر (2). - معنى النص: (القياس) يقصد بمعنى النص القياس وهو على أنواع من حيث الجلاء والخفاء. ومنه قوله: (من أعتق شقصا له في عبد قُوِّم عليه» (3). وكانت الأمة على معنى العبد. وقوله: «لا يقضي القاضي وهو غضبان» (4). فيكون الوسنان والعطشان في معناه.
ويلي هذا في الدرجة قياس الأمة على العبد في الحد. ويليه قياس النبيذ على الخمر في الحرمة وقياس الأرز على البر في
الزكاة (5).
1) الجيطالي، القناطر، 1: 354.
2 الوارجلاني، العدل، 2: 179/ 188.
(3) أخرجه الشيخان وأصحاب السنن بألفاظ متقاربة.
ولفظ البخاري: عن سالم، عن أبيه رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من أعتق عبدا بين اثنين، فإن كان موسرا قُوْمَ عَليه ثم يُعتَق»
صحيح البخاري، كتاب العتق باب إذا أعتق عبدا بين اثنين، حديث: 2405. وفي رواية أخرى للبخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضي الله عَنْه عَن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ مَنْ أَعْتَقَ شِقْصًا لَهُ فِي عَبْدٍ أَعْتِقَ كُلَّهُ إِنْ كَانَ لَهُ مَالٌ وَإِلا يُسْتَسْعَ غَيْرَ مَسْقُوقِ عَلَيْهِ». صحيح البخاري، كتاب الشركة، باب تقويم الأشياء بين الشركاء بقيمة عدل، حديث:2380. 4 نص الحديث عند البخاري عن أبي بكرة قال: سَمِعْتُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ لَا يَقْضِينُ حَكَمْ
بَين اثْنَيْنِ وَهُوَ غَضَبَانُ». صحيح البخاري، كتاب الأحكام، باب: هل يقضي القاضي أو يفتي وهو غضبان، حديث:6759. ونصه عند أحمد والنسائي لا يَقْضِي الْقَاضِي بَيْنَ اثْنَيْنِ وَهُوَ غَضِبَانُ». مسند أحمد بن حنبل، أول مسند البصريين حديث أبي بكرة نفيع بن الحارث بن كلدة،
حديث: 19914.
السنن الكبرى للنسائي، كتاب القضاء الحال الذي ينبغي للحاكم اجتناب القضاء فيها،
حديث: 5782.
ولفظ أبي داود: لا يقضي الحكم بين اثنين وهو غضبان».
سنن أبي داود، كتاب الأقضية، باب القاضي يقضي وهو غضبان، حديث:3133.
العوتبي الضياء، 3: 20. نجاد، الأكلة، 84.
380 (1/380)
صفحة 379
الفصل الأول: البيان
*
وقد نالت هذه القضايا نصيبها من البحث في موضوع القياس. 4 - حجية مفهوم المخالفة:
اختلف الأصوليون في الاعتداد بمفهوم المخالفة. فذهب جمهورهم إلى اعتباره طريقا من طرق، الدلالات واستنبطوا به كثيرا من الأحكام (1)؛ بينما نفاه الحنفية، واعتبروه من التمسكات الفاسدة (2). ونسب رأي الحنفية أيضا إلى ابن شريح والقفال الشاشي والغزالي والباقلاني (3). ويعتبر العمل بمفهوم المخالفة جوهر الخلاف بين الحنفية والجمهور في باب الدلالات.
وليس الحنفية وحدهم في هذا الموقف، بل ذهب إليه ابن حزم الظاهري، وجماعة من المتكلمين على رأسهم القاضي الباقلاني، وهو ظاهر قول الغزالي: إن اعتبار مفهوم المخالفة لا دلالة له الأوجه» (4). هو كما ذهب إلي القول بهذا المفهوم من علماء اللغة أبو عبيدة وتغلب
والمبرد (5).
والإباضية مع الجمهور في اعتماد مفهوم المخالفة طريقا لاستنباط
الأحكام.
= وحجتهم أن الألفاظ كما تدل بمنطوقها ومفهومها الموافق، تدل أيضا
بمفهومها المخالف.
فمفهوم الموافقة ومفهوم المخالفة يلتقيان في أن مستند فهم الحكم في محل السكوت إنما هو النظر إلى فائدة تخصيص محل النطق بالذكر دون غيره؛ فإن كانت هذه الفائدة في مفهوم الموافقة تأكيد مثل حكم المنطوق للمسكوت فإنها تغدو في مفهوم المخالفة تأكيد نفي مثل حكم المنطوق عن المسكوت. فقوله تعالى: وَمَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ} [النساء:92].
1) الغزالي، المستصفى، 2: 191.
2 عبد العزيز البخاري كشف الأسرار، 2: 256 (3) عبد العزيز البخاري، كشف الأسرار، 2: 256
(4) الغزالي، المستصفى، 2: 192.
(5) الوار خلاني، العدل، 2: 179.
381 (1/381)
صفحة 380
الباب الثاني: اجتهاد التفسي
E 3
يفيد بمنطوقه إجزاء الرقبة المؤمنة في كفارة القتل الخطإ، ويفيد بمفهومه المخالف
عدم إجزاء الرقبة غير المؤمنة، لانعدام الوصف المعتبر فيها وهو الإيمان (1). - ومما يزكي صواب هذا الرأي أنه قول أئمة اللغة، أمثال المبرد وتغلب والشافعي. وهو موافق لعرف الاستعمال، وقواعد لسان العرب. وقد رُوي عن أبي عبيدة قوله: (إنا وجدنا العَرَب إذا علّقت الحكم بإحدى صفتي الشيء مما له صفتان مختلفتان نجد ما عدا ذلك الحكم بخلافه» (2). - وهو فهم الصحابة في تفسيرهم لنصوص الشارع، فقد فهموا من قوله ال: «إنما الماء من الماء» (3). نفي وجوب الغسل عند عدم الإنزال حتى روت عائشة له حديث إذا التقى الختانان فقد وجب الغسل» (4). فحكموا به على مفهوم المخالفة الذي أفاده الحديث الأول (5). وسأل يعلى بن أمية عمر بن الخطاب: «ما لنا نقصر في السفر وقد أمنا؟ والله يقول: وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن نَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَن يَفْيْنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا [النساء: 101]. فأجابه عمر: لقد عجبت مما عجبت منه فسألت رسول الله الله فقال: صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا
1) باجو، أبو يعقوب الوارجلاني، 360/ 352.
2 الوار خلاني، العدل، 2: 179.
3) صحيح مسلم، کتاب الحيض، باب إنما الماء من الماء، حديث: 544.
صحيح ابن خزيمة كتاب الوضوء، جماع أبواب غسل الجنابة باب إيجاب الغسل من الإمناء
حديث: 234
(4) أخرجه الربيع وابن حبان وابن ماجة وعبد الرزاق عن عائشة.
ولفظ الربيع: إذا الْتَقَى الْخِتَانَانِ فَالْغُسْلُ وَاحِبٌ أَنْزَلَ الرَّجُلُ أَوْ لَمْ يُنْزَلْ
الربيع بن حبيب الجامع الصحيح كتاب الطهارة، 20 باب جامع الوضوء، حديث 135، ج 1،
ص 65.
صحيح ابن حبان كتاب الطهارة باب الغسل ذكر خبر ثان يصرح بصحة ما ذكرناه، حديث: 1199.
سنن ابن ماجه، کتاب الطهارة وسننها، أبواب التيمم، باب ما جاء في وجوب الغسل إذا التقى الختانان، حديث: 605
مصنف عبد الرزاق الصنعاني كتاب الصيام، باب من يبطل الصيام، حديث: 7223. (5) الغزالي، المستصفى، 2: 196.
382 (1/382)
صفحة 381
K
صدقته (1)
الفصل الأول: البيان
فقد فهم عمر ويعلى أن اشتراط عدم الأمن قيد معتبر للقصر في السفر، فإذا فقد هذا القيد انتفت رخصة القصر، وكان الواجب إتمام الصلاة. ثم أقرهم النبي على هذا الفهم السليم، وبيّن أن القصر رخصة من الله الكريم. فالصحابة عرب أقحاح كانوا يعتدون بهذا المفهوم، مما يدل على صواب الأخذ به، واعتماده في تفسير النصوص. ولكن الأمر ليس على إطلاقه؛ إذ لابد من مراعاة شروط دقيقة تضمن سلامة الأخذ بمفهوم المخالفة؛ وأن يكون الوصف أو الشرط أو الغاية المنطوق بها معتبرا لا ملغى، وأن لا يعارضه منطوق أو مفهوم أقوى منه، أو قاعدة شرعية. وذلك مبسوط في شروط العمل بمفهوم المخالفة (2). وتبنّى الغزالي موقف المنكرين للاحتجاج بهذا المفهوم، وأفاض في إيراد
أدلتهم.
- ومعتمدهم أن دلالة الألفاظ قاصرة على المنطوق ومفهوم الموافقة، وإذا انتفى حكم المنطوق عن المسكوت فليس ذلك مستفادا من مفهوم المخالفة، بل هو راجع إلى دليل آخر كالعدم الأصلي، أو الإباحة الأصلية أو البراءة الأصلية أو ما شابه ذلك (3).
=
- وقالوا: إن حُسن السؤال عن مفهوم المخالفة دليل على عدم اعتباره. فمن قال لآخر: إن ضربك زيد عامدا، فاضربه يحسن أن يقال له: فإن ضربني خاطئا، أفاضربه؟ ولو كان الضارب خطأ داخلا في الكلام بمفهوم المخالفة،
1) صحيح مسلم كتاب صلاة المسافرين وقصرها باب صلاة المسافرين وقصرها،
حديث: 1143.
صحيح ابن حبان، باب الإمامة والجماعة، باب الحدث في الصلاة، ذكر الأمر بقبول قصر الصلاة في الأسفار إذ هو من صدقة، حديث: 2786.
سنن أبي داود، كتاب الصلاة، تفريع صلاة السفر باب صلاة المسافر، حديث: 1027.
سنن ابن ماجه، كتاب إقامة الصَّلاة، باب تقصير الصَّلاة في السفر، حديث: 1061. سنن الترمذي الجامع الصحيح الذبائح، أبواب تفسير القرآن عن رسول الله، باب: ومن سورة النساء، حديث: 3043.
2 ينظر في تفصيل هذه الشروط د. محمد أديب صالح، تفسير النصوص، 1: 672/ 679. (3) د. محمد أديب صالح تفسير النصوص، 1: 667.
383 (1/383)
صفحة 382
الباب الثاني: اجتهاد التفسير
كان السؤال عنه قبيحا (1).
=
وقد ورد في القرآن إهمال هذا المفهوم قال تعالى في المحرمات من النساء: وَرَب بُكُمُ الَّتِي فِي حُجُورِكُم} [النساء: 23]. وأجمعت الأمة على عدم جواز نكاح الربائب، سواء كن في الحجور أم خارج الحجور. ولا اعتبار للمفهوم المستفاد من قيد الحجور الوارد في الآية (2).
=
والخبر عن ذي الصفة لا ينفي غير الموصوف، فقولك: "قام الأسود، أو خرج لا يدل على نفيه عن الأبيض؛ بل هو سكوت عن الأبيض، وإلا لكان قولك: "زيد" "عالم" كفرا، لأنه نفي للعلم عن الله وملائكته. فالصفة لتعريف الموصوف فقط، كما أن أسماء الأعلام لتعريف الأشخاص. ولا فرق بين قوله: في الغنم زكاة) (3) في نفي الزَّكَاة عن البقر والغنم، وبين قوله: في سائمة الغنم زكاة) (4) في نفي الزَّكاة عن المعلوفة (5).
- مناقشة أدلة المنكرين لمفهوم المخالفة كان معتمد الغزالي في نقد أدلة القائلين بالمفهوم هو التركيز على أنها آراء أشخاص لم تبلغ حدّ القطع، فليست بإجماع، ولم تُنقل بالتواتر، فلا يُحتج بها في إثبات الأصول (6).
وهذا غير مسلّم، فإن كثيرا من قواعد الأصول ثبتت بأدلة ظنية، ولكنها متظافرة، تبلغ بمجموعها أحيانا درجة اليقين. ونحن متعبدون في الأمور العملية بغلبة الظن، لا بالعلم اليقيني. كما لا نسلّم للغزالي أن الوضع اللغوي يجعل الأسماء كالصفات، بل للصفات مفاهيم وليس ذلك للأسماء. وإلا لكان ذكر تلك الصفات لغوا
(1) الغزالي، المستصفى، 2: 192. (2) الوار خلاني، العدل، 2: 180.
3) لم أجده بهذا اللفظ. وإن صح فمعناه تعيين الغنم ضمن الأموال التي تجب فيها الزكاة. وجاءت النصوص التي تشترط وصف السوم لثبوت الزكاة فيها.
4 ورد بلفظ: «في سائمة الغنم إذا بلغت أربعين شاة شاة موطأ مالك، كتاب الزَّكَاة، باب ما جاء في صدقة البقر، حديث: 600.
5) الغزالي، المستصفى، 2: 193.
6) الغزالي، المستصفى، 2: 194/ 198.
384 (1/384)
صفحة 383
الفصل الأول: البيان
يتنزه عنه الفصحاء، فكيف بكلام الله الحكيم؛ وهو الحجة في البلاغة والبيان. المستفاد من تلك الصفات والقيود هو مفهوم المخالفة، ولا شيء غيره إلا أن يصرفه السياق إلى معان أخرى.
والمفهوم
ومراعاة لهذه الضوابط قال الوَار جلاني: «أما دليل الخطاب فالقياس عليه اليق، والحكم به أوثق، ما لم تعارضه المبطلات. فقوله تعالى: {وَإِن كُنَّ أُولَتِ حَمْلٍ فَأَنفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمَلَهُنَّ} [الطلاق: 6]. يثبت اختلاف حكم الحامل عن حكم الحائل. ولو لم ينفهم لنا سقوط الإنفاق على غير ذات الحمل لكان المعنيان بمثابة واحدة في الإنفاق، فيقع التّخصيص والتنصيص ولا فائدة» (1). والاتفاق حاصل أن مفهوم المخالفة لا يُعمل به إذا ورد القيد للتنفير أو التعظيم، أو خرج مخرج الغالب، أو جاء جوابا عن سؤال، أو ما شابه ذلك. وكل هذا مستوفى في شروط العمل بمفهوم المخالفة. فالأخذ به مع مراعاة هذه الشروط أمر يتفق وقواعد اللغة وفهم الصحابة وأئمة اللسان. وهذا ما يتيح المجال فسيحا أمام العلماء للاجتهاد في استنباط الأحكام وفق قواعد اللغة التي نزل بها القرآن، وتحدث بها الرسول؛ مع تحري إرادة الشارع، ورعاية مقاصد التشريع. -5 - مفهوم المخالفة في اجتهادات الإباضية: كتب الفقه الإباضي ملأى بمسائل مستندها مفهوم المخالفة، وبخاصة مفهوم الشرط والصفة والغاية والحصر (2).
- مفهوم الشرط:
=
قالوا: لا يجوز الأذان قبل دخول الوقت للحديث إذا حضرت الصلاة فأذنا وأقيما» (3). وهذا خبر يوجب ظاهره أن لا يجوز الأذان إلا بعد دخول
1) الوار جلاني، العدل، 3: 352.
2) سعيد الجربي، جواب، 114 و/ 114 ظ.
(3) صحيح البخاري، كتاب الأذان أبواب صلاة الجماعة، والإمامة، باب: اثنان فما فوقهما
جماعة، حديث: 638.
سنن ابن ماجه كتاب إقامة الصلاة، باب من أحق بالإمامة، حديث: 975. مسند أحمد بن حنبل، مسند المكيين حديث مالك بن الحويرث، حديث: 15325.
?385
385 (1/385)
صفحة 384
الباب الثاني: اجتهاد التفسير
الوقت، وكان جواز الأذان قبل الوقت للفجر مخصوصا من جملة النهي
=
(1)
- واختلفوا في خيار العيب إذا اشترى الرجل بيعا على أن البائع فيه بالخيار شهرا فذهب ابن عبد العزيز إلى أن البيع فاسد، ولا خيار أكثر من ثلاثة أيام للحديث النبوي من اشترى شاة محمّلة فهو بالخيار والنظر إلى ثلاثة «من أيام، إن شاء أمسكها وإن شاء ردّها وصاعا من تمر» (2). وكان الربيع يقول: الخيار كله جائز، شهرا أو سنة، أو على ما اشترط عليه. ورجح الشيخ اطفيش رأي الربيع، وأن الحديث لا ينافيه، وهو على أصل الإباحة، وليس للحديث مفهوم مخالفة (3).
=
- وفي نكاح الإماء روى أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس أنه قال: «لا يحل نكاح الأمة إلا لمن يخشى العنت منكم» (4). وهو مستفاد من مفهوم آية النساء وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلًا أَن يَنكِحَ الْمُحْصَنَتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِن مَا مَلَكَتْ أَيْمَنَكُم مِّن فَنَيَتِكُمُ الْمُؤْمِنَتِ} [النساء: 25] ثم قال في آخر الآية ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ [النساء: 25].
الطول، وهو المال الكافي
ولهذا اشترط لإباحة نكاح الأمة شرطين: عدم لتزوج الحرة. وخشية العنت وهو الوقوع في الزنا. فإذا لم يوجد هذان الشرطان لم يبح له هذا النكاح.
وذهب ابن بركة إلى أن الآية على التأديب لا على الإيجاب. وإذا نكح الأمة بشروطها ثم وجد المال، هل يفسخ نكاحه، قياسا على
(1) ابن بركة، الجامع، 1: 442/ 441.
(2) أخرجه البخاري عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: من اشترى شاة محفلة فردها، فليرد معها صاعا من تمر».
صحيح البخاري، كتاب البيوع، باب النهي للبائع أن لا يحفل الإبل، حديث:2059. ولفظ الطبراني: «من اشترى شاة محفلة فحلبها ثلاثة أيام فهو بالخيار إن شاء أمسكها، وإلا ردها وصاعا من تمر
المعجم الأوسط للطبراني، باب العين باب الميم من اسمه: محمد، حديث:6893.
3) الخراساني، المدونة 2: 103 (4) الخراساني، المدونة 2: 33.
386 (1/386)
صفحة 385
الفصل الأول: البيان
المتيمم يرى الماء قبل إتمام الصَّلاة؟ في المسألة نقاش طويل وتحليل طريف (1). - مفهوم الصفة:
=
- أوردوا في باب الزَّكَاة حديث في الغنم السائمة زكاة» (2). واختلف الإباضية في العوامل أو غير العوامل من الإبل والبقر، وفي السائمة وغير السائمة من الغنم، هل تجب الزَّكَاة في جميعها أم في بعضها؟ فذهب بعض إلى حصر الزَّكاة في السائمة تمسكا بظاهر الحديث. وذهب آخرون إلى تعميم الزكاة على الجميع. والراجح الأول، لدلالة مفهوم المخالفة من الحديث أن العوامل من الإبل والبقر وغير السائمة من الغنم لا زكاة فيها (3). - وفي شهادة النساء، فإن الله لم يجعل شهادتهن منفردات حجة، إذ قال: فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ [البقرة: 282]. وذهب ابن بركة إلى أنه إن شهد منهن ألف امرأة ولا رجل معهن كانت شهادتهن مردودة، ولو كانت هؤلاء أزواج النبي، وإن كان يجب أن لا يُظَنّ بهن أنهن شهدن إلا بالحق. ولكن دلالة النص بمفهوم المخالفة تقضي بهذا الحكم، وهو ردّ شهادة غير العدول، وردّ شهادة النساء إن لم يكن معهن رجل (4).
والمسألة خلافية بين الفقهاء، والجمهور على جواز شهادة النساء منفردات في ما لا يطلع عليه غيرهن من شؤون النساء. وفي باقي المجالات يظل الموضوع محل خلاف وجدال (5).
- مفهوم الغاية:
?
- من تطبيقات هذا المفهوم، نهي النبي صلى الله عليه وسلم
عن بيع الثمر حتى يبدو
صلاحه (6). فإذا باعه الرجل في الوقت الذي يبدو فيه صلاحه، جاز البيع
(1) ينظر: ابن بركة، الجامع، 2: 116/ 111.
(2) سبق تخريجه
3 ابن بركة، الجامع، 1: 619/ 618.
4 ابن بركة، الجامع، 2: 315.
5) ينظر تفصيل الأقوال ومناقشتها. ابن حزم، المحلى، 9: 395 فما بعد. 6) أخرجه البخاري ومسلم وغيرهما عن ابن عمر وجابر بن عبد الله.
ولفظ البخاري: عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لا تبيعوا الثمر حتى يبدو صلاحه، ولا تبيعوا الثمر بالتمر».
?357
387 (1/387)
صفحة 386
الباب الثاني: اجتهاد التفسير
وسلم من ضمان الجائحة التي قد تأتي عليه.
فنهي النبي عن البيع قبل بدو الصلاح يقتضي جوازه بعد ذلك؛ وعدم ضمان الجوائح. فإن حدثت جائحة فهي من مال المشتري، لأن البائع باع بأمر النبي (1)
=
وقال تعالى: فَقَتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ} [الحجرات: 9]. أي حتى يرجعوا إلى ما منه خرجوا من الحق. ولم يجعل الله لقتلهم غاية إلا الفيء إلى أمر الله.
- مفهوم الحصر:
=
من ذلك قوله: «إنما الولاء لمن أعتق» (3). في قصة عتق عائشة لبريرة، وامتناع مواليها منح الولاء لعائشة (4). = وقال: «إنما الربا في النسيئة» (5). وفهم ابن عباس من ذلك أن الربا المحرم هو ربا الجاهلية الذي يكون فيه التفاضل لقاء الزمن. ويفيد بمفهوم
المخالفة جواز ربا الفضل، وهو الذي يكون فيه التفاضل دون النساء. وعمد أكثر الإباضية إلى ترجيح هذا القول بناء على هذا المفهوم،
صحيح البخاري، كتاب البيوع، باب بيع المزابنة، حديث: 2093. صحيح مسلم، کتاب البيوع، باب النهي عن بيع الثمار قبل بدو صلاحها بغير شرط القطع،
حديث: 2909.
1) ابن بركة، الجامع، 2: 326. 2) الملشوطي، أصول، 10 ظ.
3) أخرجه الربيع والبخاري ومسلم ومعظم كتب السنة عن عائشة؛ وروي عن ابن عمر وابن عباس وغيرهما. الربيع بن حبيب الجامع الصحيح، كتاب الطلاق 28 باب والخلع والنفقة، حديث 535، ج 2، ص 215. صحيح البخاري، كتاب الزَّكاة، باب الصدقة على موالي أزواج النبي، حديث: 1433. صحيح مسلم، كتاب العتق باب إنما الولاء لمن أعتق، حديث: 2840. (4) الوار جلاني، العدل، 2: 183.
5) أخرجه مسلم والبيهقي عن أسامة بن زيد والترمذي وابن ماجة عن أبي سعيد الخدري. صحيح مسلم، کتاب المساقاة، باب بيع الطعام مثلا بمثل، حديث: 3076.
معرفة السنن والآثار للبيهقي، كتاب البيوع من قال إنما الربا في النسيئة، حديث: 3411. سنن الترمذي الجامع الصحيح، أبواب الجنائز عن رسول الله، أبواب البيوع عن رسول الله باب ما جاء في الصرف، حديث: 1198
سنن ابن ماجه كتاب التجارات باب من قال: لا ربا إلا في النسيئة، حديث: 2254.
388 (1/388)
صفحة 387
الفصل الأول: البيان
وعضدوه برواية وردت عن طريق طاووس عن ابن عباس عن أبيه عن أسامة بن زيد أنه قال: ولا ربا فيما كان يدا بيد» (1). وورد في مدونة أبي غانم الخراساني أن كل ما أضعف الناس من بيع أو سلف إلى أجل فهو حرام، وكل ما أضعف الناس من بيع يدا بيد فهو حلال، وكل ما تبايع الناس مما اختلفت ألوانه يدا بيد أو نسيئة فهو حلال. أضعف فيه أو لم يُضعف» (2). وخالف في هذه المسألة فريق من الإباضية لدلالة منطوق حديث الأصناف الربوية الذي نص على تحريم الزيادة مطلقا عند اتحاد الجنس، دون النظر إلى الزمن، فمن زاد أو استزاد فقد أربى». والمنطوق مقدم على المفهوم اتفاقا. - مفهوم المخالفة وحروف المعاني:
أفرد الأصوليون مباحث مستفيضة لمباحث الحروف والظروف ذات المعاني الخاصة التي لها علاقة بتفسير النصوص. ومنها حروف العطف: الواو، والفاء، وثم، وبل، ولكن، وأو.
وحروف الجر: الباء، على من، إلى حتى في. والظروف، وكلمات الشرط (3). ولبعضها علاقة بمبحث المفهوم، كأدوات الشرط، وحروف الجر التي تفيد الغاية، أو حروف العطف التي تفيد الحصر مع النفي.
ونرى أن اندراجها تحت تلك المباحث مغني عن تناولها مستقلة. فضلا عن أن المصادر الإباضية الأولى لم تُعْنَ بها عناية خاصة. بل ورد الحديث عنها عرضا في مواضع متفرقة. ومن ذلك حديثهم عن آية الحرابة إِنَّمَا جَزَاؤُا الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا
وْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلَافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنَ الْأَرْضِ [المائدة:33]. فهل تفيد"او" الترتيب بين الجزاءات أم التنويع؟ أم إن الأمر
1) ابن بركة، الجامع، 2: 320/ 321.
-
2) الخراساني، المدونة 2: 99. حول رأي الإباضية المجيزين لربا الفضل، ينظر أيضا: الخراساني، المدونة 2 218/ 215. ابن بركة الجامع:2: 385 مجهول، سبوغ النعم، 31 ظ/ 32 و. (3) ينظر مباحث الحروف مفصلة: السَّالِمِي، طلعة، 1: 218/ 252.
389 (1/389)
صفحة 388
الباب الثاني: اجتهاد التفسير
موكول لاجتهاد الإمام؟ المسألة فيها خلاف بين الإباضية أنفسهم (1). وبين غيرهم من الفقهاء أيضا. مع الإجماع أن هذا النوع من الحدود محصور على المحاربين لتصديره بأداة الحصر " إنما". - وفي آية الوضوء نجد قوله تعالى: وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ} [المائدة: 6]. يتعلق بمفهوم الغاية الذي يفيده حرف الجر" إلى "، وهل تدخل الغاية في المغيى لا تدخل؟ الجمهور على دخولها إن كانت من جنسه، فالمرافق داخلة في حكم الغسل مع الأيدي، ولا تدخل إن لم تكن من جنسه، كما في آية الصيام ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى الَّيْلِ} [البقرة: 187]. فالليل لا يدخل في الصيام، وإن كان أخذ جزء يسير منه لازما لتحقيق صوم النهار وليس تابعا لحكم النهار (2). = وحرف الجر "من" قد يرد للتبعيض، وقد يرد للوصف، ومنه قوله تعالى: لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ} [النساء: 95]. وفي هذه الآية: وصفان كون القاعدين من المؤمنين واستثناء حالة أصحاب الضرر. وكلها قيود لها مفهوم مخالفة (3).
=
وحرف الشرط "إن" يدخل في مفهوم الشرط. ومنه قوله تعالى: إن ارتبتُم فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَثَةُ أَشْهُرٍ [الطلاق:4]. أي إذا شككتم. وقوله تعالى: وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} [آل عمران: 139]. أي إذا كنتم مؤمنين. وإذا عُدم الشرط بطل المشروط (4).
لأنه
- مفهوم المخالفة في العقيدة: امتد توظيف مفهوم المخالفة خارج أصول الفقه، فتناول مسائل العقيدة، منهج لتفسير النصوص غير قاصر على مجال دون آخر. فمن ذلك إثبات التوحيد الله تعالى بآيات كثيرة تدل على حصر الألوهية الله الخالق البارئ، من مثل قوله تعالى: إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهُ وَاحِدٌ سُبْحَنَهُ} [النساء: 171]. وقوله: الله
(1) عمروس الدينونة، 158/ 157 2) ابن بركة، الجامع، 1: 244/ 245. 3 الكندي، التخصيص، 27 و / 27. 4 ابن بركة الجامع، 2: 161/ 162.
?390 (1/390)
صفحة 389
E
الفصل الأول: البيان
لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ} [البقرة: 255]. وغيرها. والأنبياء جميعا من بني آدم وكلهم من الرجال الأحرار، وليس منهم أحد من العبيد ولا من النساء ولا من الأطفال، ولا من أهل البادية، لقوله تعالى:
طاريات وما أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلا رِجَالًا نُّوحِيَ إِلَيْهِم مِّنْ أَهْلِ الْقُرَى
[يوسف: 109] (1).
واهتم الإباضية بقضية الولاية والبراءة، فجعلوا الاستغفار مختصا بمن بدلالة الآية الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ
الله وفى بدين رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ، وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ ءَامَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ} [غافر: 7]. فقد نصت الآية صراحة أن الاستغفار يختص بالتائبين المتبعين السبيل، ومفهومها أنه لا ينال سواهم ممن زاغ عن سواء السبيل.
أما استغفار إبراهيم لأبيه فقد بين القرآن علته وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إبراهيم لأبيهِ إِلَّا عَن مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّا مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّهُ حَلِيمُ} [التوبة:114] (2).
(1) المزاتي، التحف المخزونة، 13 و.
2 العوتبي، السيرة، 187 ظ.
391 (1/391)
صفحة 390
الباب الثاني: اجتهاد التفسي
الفصل الثاني: العموم والخصوص
تمهيد: علاقة اللفظ بالمعنى
علاقة اللفظ بالمعنى مثل علاقة الروح بالجسد.
والألفاظ وعاء المعاني والدلالات.
*
نشأة
وإذا أطلق اللفظ على مسمّى، فإن دلالته قد تتجه إلى الوجود الخارجي، وقد تتجه إلى الماهية المجردة. فقولنا: إنسان قد نعني به شخصا معينا له ذات متميزة بين سائر الموجودات تنطوي فيه حقيقة الإنسان. وقد يكون مرادنا مفهوم الإنسان المجرد الجامع لصفتي الحيوانية والناطقية، كما حددها المناطقة. والصلة بين اللفظ والمعنى أو المفهوم والماصدق صلة وثيقة جدا، وقد كانت مجال بحث لدى علماء اللغة وعلماء الأصول منذ عصر مبكر من البحث في الفكر الإسلامي. وقد يُطلق اللفظ على الماهية أو الحقيقة المجردة، ويُعرف بـ"أل" الجنسية، فيُسمّى عَلَم، الجنس، مثل: الرجل والمرأة والأسد، وقد يراد به فرد واحد من جنسه، فهو المعرفة. وإذا ورد اللفظ غير معيّن فهو النكرة، لأنه يدل على شائع في جنسه، مفردا أو جمعا. والمفرد يختص بالمطلق دون الجمع؛ فكل مطلق نكرة، وليس كل نكرة مطلقا.
وإن أريد باللفظ استيعاب جميع أفراده فهو العام (1). وقد لخص البيضاوي هذه المصطلحات أن لكل شيء حقيقة هو بها هُوَ. فالدال عليها المطلق، وعليها مع وحدةٍ معينة المعرفة، وغير معينة النكرة، ومع وحدات معدودة العدد، ومع كل جزئياتها العام» (2).
والعموم من أهم خصائص القاعدة القانونية. وقد نزل القرآن دستورا خالدا للبشرية ما تطاولت الأزمنة وتباينت الأمكنة، وتطورت الحضارات؛ فكان لزاما أن تتصف أحكامه وتشريعاته بالعموم والشمول، كما أنه ضروري
1) البوطي، أصول الفقه، 139. 2 البيضاوي، منهاج الوصول في علم الأصول، 2: 59
392 (1/392)
صفحة 391
الفصل الثاني: العموم والخصوص
أن يراعي الحالات الخاصة والاستثناءات والقيود في كثير من الأحوال. ولذلك وردت أحكام خاصة بأفراد معينين كما قد يُخصص العام نظرا لظروف تقتضي ذلك التخصيص. لأجل هذا كله نالت مباحث العام والخاص والتخصيص والإطلاق والتقييد قدرا وافيا واهتماما بالغا من عناية علماء الأصول، منذ عصر التدوين، وطفحت مؤلفاتهم بمباحث دقيقة ورائعة في استجلاء معاني الألفاظ ودلالاتها في شمولها وخصوصها في نصوص الشارع.
وتنامت أبحاثهم في مسائل العام والخاص، مما نتج عنه فيض من الآراء الأصولية والآثار الفقهية، دلت على عبقرية اللغة وعظمة الشريعة، وسعتها لتنوع الأمكنة والبيئات وتطور الأزمنة والحضارات.
وكشفت هذه المباحث الطريفة كثيرا من أسرار اللغة العربية، وفسحت المجال أمام المجتهدين ورجال الفقه والتشريع لتوظيف هذه القواعد في التعامل مع النصوص التشريعية، تفسيرا وتطبيقا.
المبحث الأول: قضايا العام
1 - العام مفهوما وصيغة:
- مفهوم العام:
عرّف الوَارِجُلانِي العام بأنه: «ما عم شيئين فصاعدا» (1)
وقريب منه قول الملشوطي: العامّ كل خطاب عقل من ظاهره أنه يحتمل اثنين فصاعدا» (2). وقال السَّماخِي: «العامّ ما دلّ ضربة على أكثر من واحد،
باعتبار اشتراكه في أمر مطلقا» (3).
ونظمه السَّالِمِي قائلا:
العام لفظ دل دفعة على ما لم يكن منحصرا؛ فكملا (4)
1 الوار جلاني، العدل 1 41. سعيد الجربي، جواب، 113 ظ.
2) الملشوطي، الأدلة، 6 و.
3 الشماخي، شرح المختصر، تحقيق مهني التيواجني، 348.
السالمي، طلعة، 1: 81.
?393
393 (1/393)
صفحة 392
الباب الثاني: اجتهاد التفسير
أما سعيد الجربي فقد جعل الظاهر قسمين عاما وخاصا.
والعام قد يكون عام الأفراد، كقوله تعالى: وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ
[النساء: 176]. وعام الأبعاض ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى الَّيْلِ [البقرة: 187]). أما تعريف الغزالي فهو أن العام عبارة عن اللفظ الواحد الدال واحدة على شيئين فصاعدا» (2).
E 3
من جهة
وعرفه البزدوي الحنفي أنه كل لفظ ينتظم جمعا من الأسماء لفظا أو
معني) (3).
واللفظ إما خاص مطلقا هذا زيد، وهذا رجل.
وإما عامّ مطلقا كالمذكور والمعلوم.
وإما عام بالإضافة: نحو المؤمنون عام بالإضافة إلى آحادهم، وخاص بالإضافة إلى جملتهم، إذ لا يتناول المشركين (4).
- صيغ العموم
اتفق الإباضية مع جمهور الأصوليين أن للعموم صيغا محددة، بناء على اتفاقهم بأن العام خطاب ولفظ. والخطاب إذا ورد له صيغه المختلفة، فللعموم صيغة كما أن للخصوص والأمر والنهي صيغها. ولكل وجه من وجوه الخطاب صيغة يعرف بها حكمه، ويدل المخاطب على معناه، ولن يجهل ذلك أو شيئا منه أحد من أهل اللسان والمعرفة به من أهل اللغة والبيان. وعلى هذا النحو جرت مخاطبة الله تعالى في محكم كتابه للمكلفين، فوجب أن يُعتبر خطاب الله ورسوله بهذا. فما ورد بلفظ العموم أجري على عمومه، لم يخصه دليل الخصوص، وما جاء بلفظ الخصوص أوقف على خصوصه، ما لم يطلقه دليل العموم (5). وأيد الوَارِجُلانِي موقف الإباضية في أن لكل من العام والخاص صيغة،
1) سعيد الجربي، جواب، 113 ظ.
(2) الغزالي، المستصفى، 2: 32.
3) عبد العزيز البخاري، كشف الأسرار، 1: 33. (4) الغزالي المستصفى 2: 32 5 ابن بركة، الجامع، 1: 71/ 72.
394 (1/394)
صفحة 393
E
الفصل الثاني: العُموم والخصوص
ودليلهم شدة الحاجة إليهما، كالحاجة إلى صورة الواحد والاثنين، وجمع المذكر والمؤنث، وصيغة الأمر والنهي. كما ردّ على الأشعرية الذين نفوا وجود صيغة لهما، واحتج عليهم بنصوص القرآن الكثيرة، وأنه ليس بعد بيان الله بيان» (1). وقد ذهب السَّمَّاخي إلى أن العموم يكون في المعاني كما يقع في الصيغ خلافا لمن منع ذلك (2). ويقصد بـ (من منع ذلك الغزالي؛ الذي نص على أن العموم من عوارض الألفاظ لا من عوارض المعاني والأفعال (3). وألفاظ العموم متفق عليها، وإن لم يُعْنَ أوائل الإباضية يجردها، بل أوردوا نماذج لها في اجتهاداتهم المختلفة.
وقد تعرّض الوَارِجلاني والشماخي لذكرها، ومنها: - أسماء الجموع نحو المسلمون، والأبرار، والفجار.
=
- أسماء الأجناس مثل الأرض والسماء، والهواء، والحيوان. أسماء الاستفهام، وهي معروفة من، ما، مهما، أين، متى ... ألفاظ التوكيد، ومنها كل، وأجمعون.
=
=
=
- الاسم المفرد المحلى بال" الجنسية. أما العهدية فلا عموم فيها. وإذا وقع الخلاف فيها حملت على العهد. وإن لم تكن للعهد كانت للجنس (4). ومن ذلك قوله: «الولد للفراش» (5). فقد ذهب الإباضية إلى أنه عام في
1) الوار جلاني، العدل، 2: 154/ 153.
2) الشماخي، شرح المختصر، تحقيق مهني التيواجني، 348.
(3) الغزالي، المستصفى 2: 32
4 الوار خلاني العدل 2.160/ 159. الشماخي، شرح المختصر، تحقيق مهني التيواجني، 356. وفي هذا قال السالمي:
وإن أتى ذو اللام وهو محتمل للجنس والعهد، فللجنس حمل. طلعة، 1: 85. (5) أخرجه معظم كتب السنة عن عائشة.
صحيح البخاري، كتاب البيوع، باب تفسير المشبهات، حديث: 1963. صحيح مسلم، كتاب الرضاع، باب الولد للفراش، حديث: 2723.
سنن أبي داود، كتاب الطلاق أبواب تفريع أبواب الطلاق باب الولد للفراش، حديث: 1948. سنن ابن ماجه، كتاب النكاح باب الولد للفراش، حديث: 2000.
?395
395 (1/395)
صفحة 394
الباب الثاني: اجتهاد التفسير
?
الأمة والحرة، إذا وطئ رجلان امرأةً أو أمَةً؛ وكان الأول صاحب فراش،
وعاقبه الآخر بوطء شبهة، فالولد للأول، وهو صاحب الفراش، ما لم يستدلّ به أنه ليس للأول وأنه للآخر» (1).
= ومن ألفاظ العموم النكرة في سياق النفي (2). وكذلك الفعل المنفي يفيد العموم، سواء كان في سياق النفي أم النهي أم الشرط (3). ومنه قوله تعالى: إِن تَجْتَنِبُوا كَبَابِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ
سَيِّئَاتِكُمْ} [النساء:31]. فهو اجتناب عام وتكفير عام. وقوله: وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا} [الكهف: 49]. فهو نفي لكل أنواع الظلم. وقوله: لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشَّرْكَ لَظُلْمُ عَظِيمٌ} [لقمان: 13]. نهي عن
كل أنواع الشرك. ه أعم الأسماء: أعم الأسماء عند الإباضية لفظ "شيء"، لأنه يُطلق على المعدوم والموجود. أما الأشعرية فأعم الأسماء عندهم " معلوم، ومذكور"، ولا يجعلون المعدوم شيئا. وأقر الوَارِجلاني أن المعدوم عندنا وعندهم في الحقيقة ليس بشيء (4). أما البَرَّادِي فعلّق بأن المذهبين متقاربان والمسألة كلامية نظرية؛ لا أثر لها في مجال الأحكام (5). وأعم العموم اسم يتناول جميع الموجود. وأخصه ما يتناول شيئين. وما بينهما حد يكون عاما من وجه وخاصا من وجه مثل الجنس والنوع. فالتي فوق هي جنس لما تحتها، والتي تحت هي نوع لما فوقها.
فعلى هذا يكون العام خاصا والخاص عاما. فقوله تعالى: فَاقْتُلُوا
(1) ابن خلفون، أجوبة، 34/ 33.
(2) الشماخي، شرح المختصر، تحقيق مهني التيواجني، 350/ 353.
3) السالمي، طلعة، 1: 117.
4 الوار خلاني العدل 1 49 - البَرَّادِي، البحث الصادق، 1: 65 (5) البَرَّادِي، البحث الصادق، 1: 164 و/ 164 ظ.
و.
396 (1/396)
صفحة 395
*
الفصل الثاني: العُموم والخصوص
الْمُشْرِكِينَ} [التوبة:5]. عام في كل مشرك، وخاص في المشركين دون المؤمنين (1). والمسألة برمتها اعتبارية نسبية لا أثر لها على الجانب العملي
للاجتهاد.
ه أقل الجمع:
وقع الخلاف حول أقل الجمع منذ عهد الصحابة.
فذهب عثمان بن عفان إلى أن أقل الجمع اثنان.
وقال ابن عباس: أقل الجمع ثلاثة وهو قول أبي حنيفة والشافعي. وللإمام مالك فيه قولان اثنان وثلاثة (2).
وذهب ابن بركة والعوتبي إلى القول الأول (3). واستند ابن بركة إلى آية ميراث الإخوة فَإِن كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ [النساء:11]. وقد أجمع الصحابة على حجب الأم من الثلث إلى السدس بالأخوين فصاعدا. وفي قوله تعالى: يُوصِيكُمُ اللهُ فِي أَوَلَدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِ الْأُنثَيَيْنِ} [النساء: 11] حصل الإجماع على أن الأخوين يعصبان أختيهما.
كما استدل بآية {وَدَاوُدَ وَسُلَيْمَنَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غنمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَهِدِينَ} [الأنبياء: 78]. وخلص من هذا إلى الرد على من قال إن أقل أيام الحيض ثلاثة لحديث «دَعِي الصَّلاةَ قَدْرَ الأَيَّامِ التي كُنتِ تحيضينَ فِيهَا» (4). وأن الأيام تطلق على اليومين، كما تفيده شواهد اللغة (5). وقرر أن الجمعة تنعقد باثنين فما فوقهما، لحديث الاثنان فما فوقهما
1) الوارجلاني، العدل، 2: 161.
2 الوارجلاني، العدل، 1: 49.
3 ابن بركة الجامع 2 202 العوتبي، الضياء، 2: 236. 4) أخرجه البخاري والبيهقي عن عائشة، والدارقطني عن أم سلمة.
صحيح البخاري، كتاب الحيض، باب إذا حاضت في شهر ثلاث حيض، حديث: 323. السنن الكبرى للبيهقي، كتاب الطهارة كتاب الحيض، باب المستحاضة إذا كانت مميزة،
حديث: 1438.
سنن الدارقطني، كتاب الحيض، حديث: 724.
5 ابن بركة الجامع، 2: 204.202. علما أن قول جمهور الإباضية أن أقل أيام الحيض ثلاثة أيام، وأكثرها عشرة أيام. اطفيش شامل الأصل والفرع 1: 236. كما أنه قول الحنفية. -
397 (1/397)
صفحة 396
الباب الثاني: اجتهاد التفسير
E 3
جماعة (1). ولقوله لما رأى اثنين يصليان معا هذان جماعة» (2). ففي هذا الخبر دلالة على أن جماعة في جمعة وغيرها تنعقد باثنين، وأن أقل الجمع
اثنان (3).
أما الوارجلاني فذهب إلى تأييد أن أقل الجمع ثلاثة، مستندا إلى أهل اللغة الذين جعلوا للواحد صورة، وللاثنين صورة وللثلاثة صورة، ولو كان لفظ الاثنين جمعا لكان لفظ الجمع اثنين ولفظ الواحد اثنين، ولفظ الاثنين
واحدا.
فاختلاف الصور يدل على اختلاف المعاني واستقلال كل صورة بمعناها. ولا يُنكر أن يسمّى الواحد باسم الجماعة في بعض المواطن لعلة طارئة، كقوله تعالى: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَفِظُونَ} [الحجر: 9]. بمعنى الأبهة والعظمة. وأن يسمى الاثنان باسم الجماعة، كما في آية {وَدَاوُدَ وَسُلَيْمَنَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَهِدِينَ} [الأنبياء: 78]. وآية الميراث فَإِن كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ} [النساء:11]. فإن وقع كان مجازا لا
حقيقة.
ومن ثم وقع الخلاف بين ابن عباس وعثمان في هذه الآية، فعثمان بنى رأيه على الإجماع، وتمسك ابن عباس بدلالة اللغة، فقضى أن الأخوين لا يحجبان الأم من الثلث إلى السدس.
وكذلك تجري القاعدة في سائر آيات القرآن التي ورد فيها صيغة الجمع
للاثنين، فتخرج على تأويل تُحمل عليه حتى تدل على أكثر من اثنين. فقوله وَكُنَّا لحكمهم شهدِينَ [الأنبياء: 78] أي لحكم داود وسليمان والخصم. وقوله في قصة يوسف على لسان أبيه: عَسَى اللَّهُ أَن
الكاساني، بدائع الصنائع، 1: 38.
1) المستدرك على الصحيحين للحاكم، كتاب الفرائض، حديث:8034.
سنن الدارقطني كتاب الصلاة، باب الاثنان جماعة، حديث: 936.
2) مسند أحمد بن حنبل،، مسند الأنصار، حديث أبي أمامة الباهلي الصدي بن عجلان بن
عمرو ويقال:، حديث: 21634.
(3) ابن بركة، الجامع، 1: 558/ 559.= 2: 243.
398 (1/398)
صفحة 397
الفصل الثاني: العموم والخصوص
يَأْتِينِي بِهم جميعًا [يوسف:83]. يريد وبنيامين ويهوذا. وقوله: إن تنوبا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا وَإِن تَظهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَهُ} [التحريم:4]. لكراهة العَرَب الجمع بين تثنيتين أو جمعين. وقوله: وَهَلْ أَتَنَكَ نَبَؤُا الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَاب [ص: 21]. والخصم يطلق على الواحد والاثنين والجمع، والذكر والأنثى. وقوله: {وَالسَارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا} [المائدة: 38]. ولهما أيد أربعة، فلا إشكال (1). أما الإمام السَّالِمِي فقد عرض الأقوال وأدلتها، وخلص إلى أن الجمع يدل على الاثنين مجازا، مع القرينة، أما أقل الجمع حقيقة فهو ثلاثة (2). فللإباضية في المسألة أقوال ثلاثة أقل الجمع اثنان - أقله ثلاثة أقله
حقيقة ثلاثة، ومجازا اثنان.
=
2 - دلالة العام اختلف الأصوليون في ألفاظ العموم من حيث استغراقها لأفرادها؛ هل يتناول اللفظ العام أفراده كلها أم يتناول بعضها؟ وما حدود هذا البعض؟ 1 - القائلون بالعموم واستغراق اللفظ العام لجميع أفراده. إلا أن يرد
دليل على التخصيص، وهو مذهب الجمهور، وعليه الإباضية اتفاقا. 2 - القائلون بالخصوص، وهو أن اللفظ العام موضوع لأقل الجمع، اثنان
أو ثلاثة، على خلافهم المشهور في أقل الجمع. 3 - القائلون بالوقف، وأن اللفظ العام لم يوضع الخصوص ولا لعموم. وأقل الجمع داخل فيه لضرورة صدق اللفظ بحكم الوضع، وهو مشترك بين الاستغراق، وأقل الجمع، وما بين ذلك، فيصلح لها جميعا ولا يتعين أحدها إلا بدليل، فيجب الوقف. ونسب الوَارِجلاني هذا القول إلى الشَّافِعِيّة (3). وهو ما يفيده كلام الغزالي
1) الوار جلاني، العدل، 1: 51/ 49. (2) السالمي، طلعة، 1: 88/ 89. 3 الوار خلاني، العدل، 2: 154
?399
399 (1/399)
صفحة 398
الباب الثاني: اجتهاد التفسير
من قولهم بالاشتراك فلا يتعين المراد إلا ببيان من الشارع (1).
ومعتمد أهل الخصوص بناء الأحكام على اليقين، وأقل الجمع هو القدر المتيقن في دلالة العام وما فوق ذلك مشكوك، ولا سبيل إلى إثبات حكم بالشك.
أما الواقفون فعمدتهم أنه لم يُنقل إلينا نقل متواتر عن العرب أنهم يستعملون العام لاستغراق جميع أفراده بل استعملوه للعموم والخصوص استعمال المشترك في أفراده. فنحن على الوقف حتى يرد البيان من الشارع على حقيقة المراد. كما أنه لما حسن دخول الاستفهام والتوكيد على اللفظ العام، دلّ على عدم استغراقه مجردا فقولنا: جاء التلاميذ أجمعون، للدلالة على الاستغراق ولولا التأكيد لاحتمل بعض التلاميذ. فمن قال الخادمه من أخذ مالي فاقتله. حسن أن يقول له: وإن كان أباك أو أخاك؟ (2). أما أرباب العموم فاعتمدوا أدلة كثيرة من النقل والعقل لنصرة اتجاههم، وقد فصلها الوَارجُلانِي، وركز أساسا على الأدلة النقلية. ومنها:
1 - أن للعام صيغة وصورة مستعملة في لغة العَرَب.
=
2 النقل المتواتر عن الصحابة في استعمال اللفظ العام للاستغراق في تعاملهم مع نصوص الكتاب والسنة، دون التماس قرينة أو بحث عن مخصص.
ومن
هذه الوقائع:
احتجاج فاطمة على أبي بكر في أخذ ميراثها من أبيها رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله تعالى: يُوصِيكُمُ اللهُ فِي أَوْلَادِكُم لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنثَيَيْنِ [النساء: 11]. وأقر أبوبكر فهمها، ولكنه احتج للخصوصية بحديث «نحن معاشر الأنبياء لا نورث ما تركناه صدقة» (3).
(1) الغزالي، المستصفى، 2: 37/ 36. 2) الغزالي، المستصفى، 2: 45.
3) أخرجه بهذا اللفظ الربيع بن حبيب الجامع، حديث 669. 2: 84.
ولفظه عند غيره بدون نحن معاشر الأنبياء».
صحيح مسلم، كتاب الجهاد والسير باب حكم الفيء، حديث: 3389
صحيح ابن خزيمة، كتاب الزَّكَاة، جماع أبواب الصدقات والمحبسات باب الوصية بالحبس من
الضياع والأرضين، حديث: 2317.
400 (1/400)
صفحة 399
الفصل الثاني: العُموم والخصوص
ولما نزل قوله تعالى: لَا يَسْتَوِي الْقَعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْجَهدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِم} [النساء:95]. قال ابن أم مكتوم: «وأنا يا رسول الله؟» فنزل قوله غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ [النساء:95].
ولما سمع ابن الزبعرى قول الحق تعالى: {إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنتُمْ لَهَا وَرِدُونَ} [الأنبياء: 98]. قال: «خصمت محمدا ورب الكعبة، إن عيسى وأمه في النار، وعزير وأمه في النار» فأنزل الله قوله: {إِنَّ الذين سبقَتْ لَهُم مِّنَا الْحُسْنَى أُولَبِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ} [الأنبياء: 101]. فقال الوليد بن المغيرة: «تخلّص منها محمد». وهو يومئذ شيخ قريش وأفصحها. وبنو مخزوم فصحاء قريش (1). فالقرآن الكريم أقر فهوم هؤلاء أن العام للاستغراق، لأنه المتبادر إلى الفهم؛ والتبادر أمارة الحقيقة. كما استشهد أبو يعقوب بقوله تعالى: وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَتَبِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَفِرين} [البقرة: 34]. قال: «ولو صح لأهل الوقف مذهبهم، لكان في ذلك أعظم وسيلة وحجة لإبليس في عدم السجود، إذ يقول: يا إلهي ليس هاهنا ما يعمني مع الملائكة. وإن عمّني معهم فيحتمل هذا الأمر الندب والوجوه الأخرى. ولو صح هذا لبطلت فائدة الكلام» (2). كما احتج ابن بركة على من قال إن العموم لا يستغرق الجنس، بقوله تعالى: وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَتِ الْأَرْضِ وَلَا رطب وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ} [الأنعام: 59]. وقوله: وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ
إِلَّا عَلَى اللهِ رِزْقُهَا} [هود: 6]. فهذا عام شامل لا يدخل فيه الخصوص (3). فوجب إجراء الخطاب على العموم حيث يقع الأمر والنهي، فيجب
سنن الترمذي الجامع الصحيح الذبائح، أبواب السير عن رسول الله، باب ما جاء في تركة
رسول الله، حديث:1577.
1) الواجلاني، العدل، 2: 155/ 154
2 الواجلاني، العدل، 2: 156.
3) ابن بركة الجامع:1: 142 الكندي، المصنف، 1: 45.
401 (1/401)
صفحة 400
الباب الثاني: اجتهاد التفسير
E 3
استيعاب المذكور ليقع اليقين بالخروج من الأمر (!). وبهذا يترجح مذهب أرباب العموم سيرًا على متعارف أهل اللسان، وفهم الصحابة الكرام، وإقرار
القرآن.
فألفاظ العموم تفيد استغراق أفرادها، إجراءً للقواعد العامة على أصولها، وضبطا لأمور الحياة بنصوص الشارع وأحكامه العامة. ولو احتاج كل فرد إلى حكم خاص لضاقت النصوص عن استيعاب الحوادث. ولشد كثير من الناس عن حكم الله.
- قوة دلالة العام: اختلف الأصوليون في قوة دلالة العام على أفراده؛ أقطعية هي أم ظنية؟ مذهب الجمهور والإباضية معهم ان دلالته ظنية لاحتماله التخصيص وقد يرد العام ويراد به الخاص؛ فحكم دخول أفراده فيه ظني. ولأن التخصيص في العموم أمر شائع، حتى قيل ما من عموم إلا وقد خص باستثناء آية وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [الحديد: 3]. وأمثالها. فكان العام لذلك محتملا للتخصيص حيثما وجد. فيجوز إخراج بعض أفراده بالاستثناء وخبر والقياس؛ بخلاف النصّ فهو قطعي لا يجوز تخصيصه بالاستثناء. وخالف الحنفية الجمهور فحكموا على دلالة العام بالقطع، ومنعوا تخصيصه بالأدلة الظنية، وما جاء من الاستثناء للعموم اعتبروه ناسخا لا
مخصصا (3).
الأحاد
ورأي الجمهور راجح لقوة أدلتهم. وينبني على ظنية دلالة العام عند الإباضية أنه لا يوجب الاعتقاد، لأن الاعتقاد ثمرة القطعي. والعموم وإن كان قطعي المتن فإنه ظني الدلالة؛ فيوجب العمل دون العلم (4)
1) الكندي، التخصيص، (نسخة ثانية) 239.
2 حول تفاصيل المسألة والنقاش الطويل فيها، ينظر الغزالي المستصفى، 2: 54/ 36. الواجلاني، العدل، 2: 155/ 154 - باجو، أبو يعقوب الوار خلاني، 375/ 368.
(3) السالمي، طلعة، 1: 110. 4 - السالمي، طلعة، 1: 105/ 103.
402 (1/402)
صفحة 401
CE
الفصل الثاني: العُموم والخصوص
وقد أورد الكندي نماذج عديدة لتطبيق هذه القاعدة في كتابه
التخصيص (!).
-
- العمل بالعام قبل ورود المخصص اختلف الأصوليون في وجوب العمل بالعام والتمسك به قبل البحث عما يخصصه. ولم يُعْنَ علماء الإباضية بإيراد الخلاف في هذه القضية، غير السَّماخِي والسَّالِمِي. وقد ذكر الشماخي الأقوال، وهي وجوب العمل ووجوب الوقف. فذهب المروزي وابن سريج الشافعي وغيرهم إلى أنه لا يجوز التمسك بالعمل قبل البحث عن المخصص؛ بل لابد من الاستقصاء في طلبه لرفع احتمال
التخصيص.
وتعجّب السَّمَاخِي من الغزالي أن يؤيد ذلك بقوله بأنه لا خلاف في أنه لا يجوز المبادرة إلى العمل بالعموم قبل البحث عن الأدلة المخصصة، لأن العموم دليل بشرط انتفاء المخصص وحكى ابن الحاجب في هذا الإجماع، والخلاف مشهور (2). أما المذهب الآخر، وهو وجوب العمل قبل البحث عن المخصص، فذهب إليه الظاهرية (3) وبعض المالِكِيَّة (4) والشَّافِعِيّة (5) والحنفية (6)؛ وهو قول الإباضية (7). ونص عليه ابن بركة في جامعه مرات عديدة في الاحتجاج وتخريج الفروع الفقهية، إذ تعترضنا عبارة ما ورد بلفظ العموم أجري على عمومه، ما لم يخصه دليل، الخصوص، وما جاء بلفظ الخصوص أوقف على خصوصه
1) الكندي، التخصيص، 23 ظ فما بعد.
2 الشماخي، شرح المختصر، (مخ) 35 و. = تحقيق مهني التيواجني، 354/ 355. -السالمي،
طلعة، 1: 113/ 112.
(3) ابن حزم الإحكام، 3: 97
4) الباجي، الإشارات 26.
(5) البيضاوي، مناهج الوصول، 2: 91. الأسنوي، نهاية السول، 2: 403. 6) ابن عبد الشكور مسلم الثبوت 1 267 الأسنوي نهاية السول، 2: 403. – محمد الخضري أصول الفقه، 188.
(7) الشماخي، شرح المختصر، (مخ) 35 و تحقيق مهني التيواجني، 354/ 355. - السالمي،
طلعة، 1: 113/ 112.
403 (1/403)
صفحة 402
الباب الثاني: اجتهَادُ التَّفـ
ما لم يطلقه دليل العموم (1). والخبر إذا ورد فالواجب إجراؤه على عمومه ولا يخص إلا بحجة والمدعي لتخصيصه عليه إقامة الدليل» (2). وذكر في موضع أن «الحجة المخصصة: كتاب أو سنة أو إجماع» (3).
والصواب وجوب العمل بالعام ما لم يُعلم له مخصص أو يُظن ذلك، فإن ظننا وجب البحث لدفع الظن وبناء الأحكام على اليقين. ولئلا تبطل فائدة
الكلام.
وقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم يرسل الدعاة إلى الأماكن البعيدة يبلغون الأحكام والعمومات، ولا يتوقف الناس عن امتثالها بحثا عن مخصص محتمل في العقول. ولا مبرر لمن قال إن العمومات قد دخلها التخصيص، حتى قيل: ما من عموم إلا وقد خص إلا قوله تعالى: وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [البقرة: 29] (4)، لأننا لم نمنع البحث عن المخصص، بل أوجبنا العمل بالعام، وهو الظاهر الذي يقتضي الشرع والعقل الأخذ به. وباب البحث مفتوح، فإن ورد مخصص عملنا به، وخصصنا به العام.
كما اختلف القائلون بالوقف في حدود طلب المخصص، فقال بعضهم يكفي الطالب للمخصص، أن يحصل له بعد البحث ظن فقده؛ إذا كان عالما بمظان الأدلة والأحكام. وذهب آخرون إلى تكليفه بلوغ درجة اليقين في فقدان
المخصص.
وهذا قول سديد، فلو اشترطنا ذلك لبطل العمل بأكثر النصوص، وتعطلت الوقائع عن معظم الأحكام، ولا يكلف الله نفسا إلا وسعها. وليس ذلك مرادا للشارع، ولا مقصدا من مقاصد التشريع (5).
- من تطبيقات هذه القاعدة في الفقه الإباضي: من رأى دواب ترعى في زرع غيره وجب عليه إخراجها، فإن لم يفعل
1) ابن بركة، الجامع 1: 72/ 71. - العوئبي، الضياء، 2: 235. = 3: 15. 2 ابن بركة، الجامع:1: 293. 1: 630.= 2: 67.= 2: 489.
-3 ابن بركة الجامع 2: 517.
4 - السالمي، طلعة، 1: 113.
5) ينظر تفصيلا أكثر السالمي، طلعة، 1: 114/ 113.
404 (1/404)
صفحة 403
*
الفصل الثاني: العموم والخصوص
فعليه الضمان إذا كان يقدر على إخراجها، وليس له عذر في ذلك لأنه منكر، فكل من قدر على إزالة المنكر فعليه إزالته؛ لعموم الحديث الوارد في تغيير المنكر (1)، ولقوله صلى الله عليه وسلم أيضا: على المؤمن حفظ مال أخيه» (2). فكل من رأى مالا يضيع وهو يقدر على حفظه فهو آثم، ولا يسقط عنه الضمان. لأن أمر النبي لازم له فالفرض على العموم إلا ما قام دليل أنه ندب (3). وعن سهم المؤلفة في الزَّكَاة قال ابن بركة: «والنظر يوجب عندي أن حق المؤلفة باق في كل عصر وجدوا ووجد الإمام واحتيج إلى تأليفهم، لعدم النسخ لذلك من الكتاب والسنة والإجماع، وإذا كان اسم المؤلفة في الكتاب مذكورا في الآية متلوا لم يجز لمدّعي الخصوص دعوى تمنع من الظاهر بغير دليل. وإذا ورد الخطاب بعموم أمر فالواجب إجراء العموم على ظاهره» (4). ورُوي عن النبي أنه قال: السلطان ولي من لا ولي له من النساء» (5)،
نص الحديث عند مسلم وابن حبان وأحمد أن رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قال: «مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا
فَلْيُغيِّرَهُ بِيَدِهِ فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَيَقَلْبِهِ وَذَلِكَ أَضْعَفُ الإِيمَان».
صحيح مسلم، كتاب الإيمان، باب بيان كون النهي عن المنكر من الإيمان، حديث:95. صحيح ابن حبان كتاب البر والإحسان ذكر الخبر المدحض قول من زعم أن هذا الخبر تفرد به،
حديث: 308
مسند أحمد
الله بن حنبل، ومن مسند بني هاشم، مسند أبي سعيد الخدري رضي
حديث: 10934.
2 لم أجد حديثا بهذا اللفظ.
عنه،
وجاء في منهج الطالبين: قال النبي: على المؤمن حفظ مال أخيه". وكل من رأى لأخيه المسلم، مالاً يضيع. وهو يقدر على حفظه وتركه، فهو آثم. ولا يسقط عنه الضمان؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم
لا يأمر بحفظ مال، إلا وقد أوجب على تاركه الضمان».
خميس الشقصي؛ منهج الطالبين؛ ج 18؛ ص 380.
3 ابن بركة تقييدات 27 ظ.
4 ابن بركة، الجامع، 2: 489.
5) ورد الحديث بدون زيادة من النساء».
ولفظه عند الحاكم عن الزهري، قال: سمعت عروة، يقول: سمعت عائشة رضي الله عنها، تقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها، فنكاحها باطل، فنكاحها باطل، فنكاحها باطل، فإن أصابها، فلها مهرها بما أصابها، وإن تشاجروا فالسلطان ولي من لا ولي له ". هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه ". المستدرك على الصحيحين للحاكم، كتاب النكاح، حديث: 2636. صحيح ابن حبان، كتاب الحج، باب الهدي، ذكر بطلان النكاح الذي نكح بغير ولي
405 (1/405)
صفحة 404
الباب الثاني: اجتهاد التفسير
E 3
ولم يذكر عدلا ولا جائرا وظاهر الخبر يدل على أن كل من استحق اسم
السلطان فإليه الولاية على عقد النساء اللواتي لا أولياء لهن (1). وفي باب الأيمان إذا حلف الرجل فقال: والله لا كلمت الرجال، أو قال: لا تزوجت النساء، أو قال: لا أكلت التمر، فإن كلم رجلا واحدا، أو تزوج امرأة، أو أكل أقل قليل من التمر فإنه يحنث من قبل أن الألف واللام يدخلان في الاسم المعهود واسم الجنس، فيصبح مستغرقا لأفراده جميعا. وإذا حلف: لا تزوجت نساء ولا كلمت، رجالا، فهذا اسم نكرة، يحنث إذا فعل من ما يقع عليه أقل عدد جمع، وهو ثلاثة» (2). وفي باب الحدود، فقد أوجب الله قطع اليد في السرقة، بقوله:
1
ذلك
وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَأَقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاء بِمَا كَسَبَا نَكَلًا مِّنَ اللَّهِ وَاللَّهُ
عزيز حكيم [المائدة: 38]. والقطع حكم جرى على الأحرار والعبيد والذكور والإناث والموحد والمشرك؛ إذا أخرج المال من الحرز بما يبلغ به نصاب الحد (3). كما أوجب الله العقاب لجميع الزناة على زناهم في كتابه ولم يخص زانيا
ج
دون زان؛ فقال في سورة الفرقان: وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهَا ءَاخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا يُضَعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا إِلَّا مَن تَابَ وا مَن وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأَوَلَتَبكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا} [الفرقان: 68 - 70] (4).
حديث: 4137.
مصنف ابن أبي شيبة، كتاب الرد على أبي حنيفة، مسألة النكاح بغير ولي، حديث: 35438. أحمد بن حنبل، مسند الأنصار الملحق المستدرك من مسند الأنصار، حديث السيدة عائشة
مسند
رضي الله عنها، حديث: 24789.
1) ابن، وصاف الحل والإصابة 2: 32 ظ.
2 ابن بركة الجامع،2،101 النزوي قواعد الهداية، 30 و 30 ظ.
3 عمروس، الدينونة 159.
4 المزاتي، التحف المخزونة 19 ظ.
406 (1/406)
صفحة 405
E 3
-3
3 أنواع العام
الفصل الثاني: العموم والخصوص
الأصل أن اللفظ العام يتناول كل ما يدخل تحته من الأفراد، ولكن ثمة حالات أوردت شبهة في انضواء بعض الأفراد تحت عمومات ألفاظها.
ونشير إلى بعض تلك الحالات باقتضاب.
- دخول النساء في خطاب الرجال: الأصل أن للنساء في اللغة والقرآن خطابا مختلفا عن خطاب الرجال (1). والخطاب الموجه إلى الناس وبني آدم يشمل النساء أصالة؛ لأنهن من الناس ومن بني آدم. أما صيغة جمع الذكور، نحو: المؤمنون، والمسلمون، فتدخل فيه من باب التغليب، وهو أمر معروف في لسان العَرَب. إذ عُهد من العرب توجيه الخطاب للأفضل لغةً، ويدخل معه المفضول معنى. وبما أن الشرع طارئ على اللغة؛ فيراعي عرفها؛ ويأخذ أحكامها.
ويزكي هذا ما حدث في صلح الحديبية من الاتفاق على أن مَنْ آمَن مِن الكفار أن يردّه المسلمون إلى الكفار، فهربت امرأة فأبى المسلمون ردّها، واحتجوا بعدم ذكرها في اتفاق الصلح ولكن المشركين احتجوا بشمول خطاب الرجال لها؛ وقال سهيل بن عمرو إن شئت رددناها جدعة». وأقرهم النبي على هذا الفهم الموافق لعرف اللسان (2).
واختصر السَّالِمِي دخول النساء في خطاب الرجال؛ فقال: ولا تعم صيغة الذك
ور
مؤنثا في غالب الأم
-
وقد تعمّه بتغليب كم - ا في المسلمين الصالحين الكرما (3) وزكى الغزالي اختيار القاضي الباقلاني بعدم دخول النساء في خطاب
1 الوار جلاني، العدل، 1: 106.
2 ينظر: الوارجلاني، العدل، 1: 106/ 105.
وقصة صلح الحديبة مفصلة في تفسير سورة الفتح، وفي كتب السيرة والسنة.
ينظر:
: صحيح البخاري، كتاب الشروط، باب الشروط في الجهاد والمصالحة مع أهل الحرب وكتابة
الشروط، حديث: 2601 وفيه تفصيل القصة.
3 السالمي، طلعة، 1: 92.
407 (1/407)
صفحة 406
الباب الثاني: اجتهاد التفسير
?
الرجال لورود خطاب خاص بهن في القرآن فكل جنس له صيغته وخطابه.
ولكنه أجاز دخولها عند الاقتصار على لفظ الذكور إذا اجتمعوا مع النساء في
الحكم. أما ما يكون للرجال ابتداء، فدخول النساء فيه بدليل آخر من قياس، أو كونه في معنى المنصوص، أو ما جرى مجراه (1).
فال الأمر إلى القول الأول، ولاخلاف في النتيجة، وإن كان ثمة خلاف في كيفية تناول خطاب الرجال لهن؛ أهو حقيقة عرفية أم مجاز مشهور؟، ولكنه
خلاف لا يترتب عليه حكم عملي (2).
- دخول الرجال في خطاب النساء:
لا يصح دخول الرجال في خطاب النساء لغة ولا شرعا. وفيه قال
السالمي: ولا تَعُمْ صيغة النِّسوان بكلِّ حَالَ أحدَ الدُّكْرَان (3) وبناء على هذا رأى ابن بركة عدم جواز استعمال الماء المستعمل لطهارة الحدث، لورود نهي النبي عن الوضوء بفضل وضوء المرأة (4). وعمّم الحكم على الذكور والإناث في الاستعمال وفي الوضوء، وردّ على من سأل: لم أدخلتم الرجال مع النساء؛ والخطاب مخصوص بالنساء؟ والمؤنث إذا انفرد لم يدخل المذكر فيه. وإذا أخبر عن المذكر دخل المؤنث فيه؟ فقال: إن الرجال والنساء يدخل بعضهم مع بعض في خطاب الأمر والنهي. وأورد نماذج لذلك. منها: = حديث من أعتق شقصا له في عبد قُوم عليه» (5). وكانت الأمة في معنى العبد بالإجماع.
= وما روت عائشة عن النبي قال: «إذا مست المرأة فرجها انتقضت
(1) الغزالي، المستصفى، 2: 80/ 79. (2) ينظر السالمي، طلعة 1: 93 3) السالمي، طلعة، 1: 92.
4 لفظ الحديث عند أبي داود عن أبي هريرة، قال: " نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تغتسل المرأة
بفضل الرجل، أو يغتسل الرجل بفضل المرأة ".
سنن أبي داود، كتاب الطهارة، باب النهي عن ذلك، حديث:74.
5 سبق تخريجه.
408 (1/408)
صفحة 407
الفصل الثاني: العُموم والخصوص
طهارتها» (1). فكان الرجال النساء.
==
ودلل على صحة هذا التأويل بقوله تعالى: {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ
لَوْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَنِينَ جَلْدَة [النور: 4]. وكان المحصنون في معناهم. ويجب على قاذف المحصنين ما يجب على قاذف المحصنات من الحكم. وإن كان الذكر خص به المحصنات دون المحصنين. = وكذلك قوله تعالى: فَإِذَا أُحْصِنَ فَإِنْ أَتَين بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ
مَا
كالأمة
عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ} [النساء:25]. فكان العبد في الحكم باتفاق، وإن خص الذكر الأمة دون العبد (2). ولكن لا يسلّم لابن بركة في ما استدل به؛ لأن أحكام العبيد يستوي فيها الذكور والإناث بدليل الإجماع لا بدلالة اللغة والعرف. كما أن انتقاض الحدث بمس الفرج ثبت فيه دليل آخر يخص الرجال من مس ذكره فليتوضأ» (3). فلا يستقيم له الاستدلال بتلك الأمثلة، وتبقى القاعدة على عمومها، أنه لا يدخل الرجال تحت خطاب النساء. ولم نجد في استعمال العرب ولا في خطاب الشارع ما ينقضها.
- دخول العبيد والكفار والمجانين والصغار في الخطاب العام: الأصل دخول العبيد والكفار والمجانين والصغار في الخطاب العام بدلالة اللغة عادة، وبأدلة الشرع أحيانا، كخطاب الكفار بفروع الشريعة. ولا يخرج هذه الأصناف من عمومات الخطاب إلا بدليل خاص. فقد خص الصغار برفع المأثم عنهم والحدود والوعيد، ولهم أجر العبادات
واحد
من
إذا فعلوها.
1) نص الحديث عند أحمد عَنْ عَمْرُو بْن شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ مَنْ مَسسَ دَكَرَهُ فَلْيَتَوَضَّأَ وَأَيُّمَا امْرَأَةٍ مَسَّتْ فَرْجَهَا فَلْتَتَوَضَا».
مسند أحمد بن حنبل، ومن مسند بني هاشم، مسند عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما،
حديث: 6916.
2) ابن بركة، الجامع، 1: 310/ 311.
3) أخرجه الحاكم وأبو داود وغيرهما عن بسرة بن صفوان.
المستدرك على الصحيحين للحاكم، كتاب الطهارة، ومنهم ربيعة بن عثمان التيمي، حديث: 430. سنن أبي داود، كتاب الطهارة باب الوضوء من مس الذكر حديث: 156
409 (1/409)
صفحة 408
E 3
الباب الثاني: اجتهاد التفسير
وخص العبيد بأحكام في الحدود والنكاح، وإجازة صلاة الإماء غير
مختمرات، وأحكام العدد والاستبراء. وظلوا في عموم
المكلفين.
الخطاب مع
سائر
أما المجنون فقد رفع عنه التكليف على تفصيل في درجات جنونه وتمييزه، وخلاف في ضمان ما يُتلفه مما يتعلق بحقوق الناس (1).
وينص السوفي «أن الله فرض على الرجال ما لم يفرض على النساء، وفرض على النساء ما لم يفرض على الرجال، وفرض على الأحرار ما لم يفرض على العبيد، وفرض على العبيد ما لم يفرض على الأحرار. ولا يقال ذلك شريعة الرجال غير شريعة النساء، ولا شريعة النساء غير الرجال، وكذلك الأحرار والعبيد» (2).
مع
فالمصدر التشريعي واحد والأحكام في عمومها واحدة، وإن اختص كلّ فريق ببعض الأحكام لحكمة اقتضتها ضرورة التشريع ومصالح المكلفين. - خطاب الأمة وخطاب النبي:
ا خطاب الأمة عام يتناول كل من انتسب إلى أمة محمد، ويدخل النبي في خطاب أمته إلا أن يرد تخصيص؛ وهذا رأي جمهور الأصوليين. وتوقف بعضهم في المسألة. لا تحتاج إلى توقف، لأن النبي مكلّف وهي مع سائر المخاطبين، فيدخل في عموم خطابه، إلا إذا منعت من ذلك قرينة نقلية أو عقلية (3).
ب= أما خطاب النبي، فالأصل أنه يخصه، ولا تدخل فيه أمته، لأن خطاب المفرد لا يعم غيره في عرف أهل اللغة. ولكن ورد الشرع بالأمر بالاقتداء بالنبي واتباعه، وذلك في آيات وأحاديث عديدة، فكان هذا دليلا لعموم خطاب النبي لأمته.
(1) الوار خلاني العدل 1: 107/ 104 - الجيطالي، القواعد 1 245. -الغزالي، المستصفى، 2:
79/ 77
2) السوفي، السؤالات، 85.
3) الوَارِجلاني، العدل 1 102 103 - السالمي، طلعة، 1: 119. الغزالي، المستصفى، 2:
410
81/ 80 (1/410)
صفحة 409
الفصل الثاني: العُموم والخصوص
إلا أن ثمة أحكاما لا يدخلها العموم، وهي نادرة بالنسبة لما سواها مما دخله العموم، حتى أصبح العموم هو الأصل في خطاب النبي، والخصوص هو الاستثناء. ولذلك قالوا: لا تثبت الخصوصية للنبي صلى الله عليه وسلم إلا بدليل (1).
ويقرر السوفي أن كل ما كان شرعا لنا فهو شرع للرسول إلا ما خصه الدليل. وكل ما كان شرعا للرسول فهو شرع لنا إلا ما خصه الدليل. (2). وخصوصياته مشهورة، منها فرض قيام الليل والوتر والسواك، والوصال في الصيام ونكاح أكثر من أربع نسوة، والنكاح بلا صداق ولا ولي، وتحريم الصدقة، وغير ذلك (3).
- خطاب المفرد هل يعم غيره؟ ذكر الوَارِجلاني أن خطاب النبي لرجل مخصوص لا يشمل غيره إلا بدليل. وقد أخبر النبي أنه مرسل إلى الإنس إلى يوم القيامة «بعثت إلى الأحمر والأسود» (4). وقال تعالى: وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا ونذيرا [سيا:28]. فعم حكمه على الواحد غيره من المكلفين، سواء كانوا موجودين أم سيخلقون بعد عصره (5).
ومن ذلك أن عمر بن الخطاب نذر في الجاهلية أن يعتكف في المسجد الحرام، فقال له النبي: أوف بنذرك» (6). وهو حكم عام في كل نذر نذره
1) الوار خلاني، العدل 1 104/ 103 - السالمي، طلعة:1: 122/ 123.-الغزالي، المستصفى،
81/ 80:2
2) السوفي، السؤالات، 85.
3) جابر بن زيد من جوابات الإمام جابر، كتاب النكاح (182.-الخراساني، المدونة، 1: 43 ابن جعفر، الجامع:2 433 ابن بركة، الجامع، 1: 327/ 326.
4) أخرجه الحاكم وابن حبان والدارمي عن أبي ذر الغفاري. المستدرك على الصحيحين للحاكم، كتاب التفسير تفسير سورة سبأ، حديث: 3522. صحيح ابن حبان كتاب التاريخ، ذكر البيان بأن قوله صلى الله عليه وسلم: " شفاعتي، حديث:6555. سنن الدارمي، ومن كتاب السير، باب: الغنيمة لا تحل لأحد قبلنا، حديث: 2427. الوار جلاني، العدل 1 107 - السالمي، طلعة، 1: 119.
6) أخرجه البخاري وأبو داود والترمذي عن ابن عمر. صحيح البخاري، كتاب الاعتكاف باب إذا نذر في الجاهلية أن يعتكف ثم أسلم، حديث: 1953.
411 (1/411)
صفحة 410
الباب الثاني: اجتهَادُ التَّفسِيـ
?
الإنسان أنه يجب الوفاء به، لقوله: حكمي على الواحد منكم كحكمي
،
ووجب
على الجميع» (1). فمن ادعى التخصيص كان عليه إقامة الدليل. «وإذا ورد التوقيف من الشارع لم يكن معه للنظر حظ» (2) العدول إلى موجبه، وتركنا ما تعارف عليه الناس، فلا يحتج أحد بأن اللغة تمنع ذلك؛ ما دام النص صريحا في المسألة، أن حكم الواحد يعم الجميع، ما لم يكن مخصوصا به بالدليل. كما قد يرد العام بعد سؤال أو سبب خاص فلا يعتد بتلك الحادثة، لأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب (3). بل إذا ورد الحكم على الفرد المعين كان الحكم عاما بناء على قاعدة حكمي على الواحد حكمي على الجميع. وذلك كالحكم على الأعرابي الذي واقع أهله في رَمَضَان بوجوب الكفارة، فهو حكم على كل من كان بحاله لأن الناس في سُنّة النبي سواء. ومن رخص له النبي في شيء، فمن كان في مثل حاله فله مثل تلك الرخصة؛ إلا أن تثبت الخصوصية، كما حدث لجابر في التضحية بالجذعة، إذ
سنن أبي داود، كتاب الأيمان والنذور، باب من نذر في الجاهلية ثم أدرك الإسلام، حديث: 2906. سنن الترمذي الجامع الصحيح الذبائح، أبواب النذور والأيمان عن رسول الله، باب ما جاء في وفاء النذر، حديث: 1500
،
1) هذا الحديث قال عنه العراقي: لا أصل له وأنكره المزي والذهبي. الملا علي القاري، الأسرار المرفوعة حديث 178. ص 196.
(2) ابن بركة، الجامع، 1: 389. 3 السالمي، طلعة، 1: 115.
412 (1/412)
صفحة 411
*
الفصل الثاني: العموم والخصوص
قال له النبي: تجزئك ولا تجزئ أحدا بعدك» (1) (2).
المبحث الثاني: الخاص
1 - مفهوم الخاص:
رسمه اللفظ
من
عرف الوَارجُلانِي الخاص بأنه: «إخراج بعض ما الحكم» (3). وفي موضع آخر قال: «الخاص قول يُخرج شيئا أو شيئين فصاعدا، مما لولاه لوجب دخوله في العموم على قول أهل العموم، أو يصلح دخوله على قول من يراعي التعميم، ثلاثة فصاعدا» (4). وذهب الملشوطي إلى أنه إخراج بعض ما يصلح له اللفظ العام من الأسماء من الحكم» (5).
الصلاة
وهو عند السَّمَّاخي ما عُيّن بعض مسميات اللفظ المشترك في أمره» (6). وهذه التعاريف كلها تحدد الخاص بأنه عملية إخراج فرد أو أفراد من
6
1) لفظ الحديث عند ابن حبان عن البراء، قال: خطبنا رسول الله يوم النحر بعد ثم قال: من صلى صلاتنا، ونسك نسكنا، فقد أصاب النسك، ومن نسك قبل الصلاة فتلك شاة لحم "، قال أبو بردة بن نيار: يا رسول الله، لقد نسكت قبل أن أخرج إلى الصلاة،، وعرفت أن اليوم يوم أكل وشرب، فتعجلت فأكلت وأطعمت أهلي وجيراني، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " تلك شاة لحم "، قال: فإن عندي عناقا جذعة خير من شائي لحم، فهل تجزئ عني؟ قال: " نعم، تجزئ عنك ولن تجزئ عن أحد بعدك ". صحيح ابن حبان، کتاب الحظر والإباحة كتاب الأضحية، ذكر خبر ثان يصرح بمعنى ما ذكرناه،
حديث: 5994.
ولفظه عند أحمد: عن البراء بن عازب، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ابن أبي عدي: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: " لا يذبحن أحد قبل أن نصلي "، فقام إليه خالي وقال: يا رسول الله، هذا يوم اللحم، فيه كثير، قال ابن أبي عدي: مكروه، وإني ذبحت نسكي قبل ليأكل أهلي وجيراني، وعندي عناق لبن خير من شاتي لحم، فأذبحها؟ قال: " نعم، ولا تجزئ جذعة عن أحد بعدك، وهي خير نسيكتيك ".
مسند
أحمد بن حنبل، أول مسند الكوفيين، حديث البراء بن عازب، حديث:18282. 2) الخراساني، المدونة 1: 325 - وانظر تفصيل المسألة: الغزالي، المستصفى، 2: 58 فما بعد.
3 الوار خلاني، العدل، 1: 41.
(4) الوار جلاني، العدل، 2: 153. 5) المَلْشوطي، الأدلة، 7 و.
6 الشماخي، شرح المختصر، تحقيق مهني التيواجني، 348.
413 (1/413)
صفحة 412
الباب الثاني: اجتهاد التفسير
3
حكم العام. والواقع أن هذا الإخراج هو تخصيص للعام، وإفراد بعض أفراده
بحكم خاص. وهذا معنى صحيح للخاص باعتبار النتيجة.
وقد عرف الخضري التخصيص بأنه بيان أن المراد بالعام بعض ما ينتظمه» (1).
ولكن الخاص ما كان في مقابلة العام وهو كل لفظ وضع لمعنى واحد على الانفراد (2) فدلالته قاصرة على معنى مفرد. وهذا المفرد قد يكون حقيقيا كزيدٍ ورجل وإنسان أو اعتباريا كمائة وألف؛ فإنها موضوعة لمعان
كثيرة في ذاتها، لكن قدرها واحد محدود خال من الشمول والتعدد (3). ومن جهة أخرى نجد العوتبي يجعل معنى العام التكثير، ومعنى الخاص التقليل، ومثل لهما بأن العام مثل قوله: «الصلاة خير موضوع، فمن شاء فليقلل، ومن شاء فليكثر» (4). فهذا عموم في كل وقت، والخاص المعترض عليه قوله: لا صلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس، ولا صلاة بعد الصبح حتى تطلع الشمس (5) (6). وذكر أن الخاص يعترض على العام، والعام يعترض على الخاص وليس هذا نسخا، لأن النسخ حقيقة أن يُرفع الكل (7).
1) الخضري أصول الفقه 208
2 عبد العزيز البخاري، كشف الأسرار، 1: 30
3) السالمي، طلعة، 1: 32. 4 لفظ الحديث عن الحسن قال: " الصَّلاة خير موضوع من شاء استقل ومن شاء استكثر ". الزهد لأحمد بن حنبل أخبار الحسن بن أبي الحسن رحمه الله تعالى، حديث: 1672. (5) أخرجه البخاري عن أبي سعيد الخدري، وابن ماجة عن ابن عباس، والبيهقي عن أبي
ذر.
صحيح البخاري كتاب مواقيت الصلاة، باب: لا تتحرى الصَّلاة قبل غروب الشمس،
حديث: 570.
سنن ابن ماجه كتاب إقامة الصلاة، باب النهي عن الصَّلاة بعد الفجر وبعد العصر،
حديث: 1246.
السنن الكبرى للبيهقي، كتاب الصلاة، جماع أبواب الساعات التي تكره فيها صلاة التطوع، باب ذكر البيان أن هذا النهي مخصوص ببعض الأمكنة دون بعض
حديث: 4104.
6 العوئبي، الضياء، 2: 234/ 233.
(7) العوتبي، الضياء 2: 234 - الشقصي منهاج الطالبين، 1: 80.
414 (1/414)
صفحة 413
الفصل الثاني: العموم والخصوص
ومن أنواع الخاص الأمر والنهي، والخلاف في المطلق والمقيد، والمختار أنهما من الخاص لا من العام (1). ألفاظ الخاص: المفرد المعرّف بأل العهدية والأعداد. ومن ذلك آية ومن وَقَالَ الْمَلِكُ إِني أرى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعُ عِجَافٌ
[يوسف: 43].
والمفرد النكرة المعينة، وَقَالَ رَجُلٌ مُّؤْمِنُ مِنْ عَالِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إيمَنهُ [غافر: 28]. وَاضْرِبْ هَهُم مَّثَلًا رَّجُلَيْنِ جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْتَبِ [الكهف: 32]. هذه النكرات المعينة تكون في الإثبات خاصة، وفي النفي ترجع إلى الجنس فتصبح من ألفاظ العموم. والأسماء المعينة، أو الأعلام، وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَتَبِكَةِ اسْجُدُوا لِأَدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى} [طه: 116]. إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَمَنَ وَجُنُودَهُمَا كانُوا خَطِعِينَ [القصص:18. وَدَاوُدَ وَسُلَيْمَنَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ [الأنبياء: 78]. وغير هذا مما لا ينحصر من الأعلام (2).
- حكم الخاص: حكم الخاص هو القطع بما دل عليه لفظه، إلا إذا عرض عليه عارض أو منعه من ذلك مانع، كالقرينة المانعة من إرادة حقيقة اللفظ، بسبب المجاز أو الاشتراك، فلا يتعين المراد إلا بالبيان لتمييز الحقيقة من المجاز، أو معرفة أحد أفراد المشترك (3).
-2 الألفاظ بين العموم والخصوص: أوردت كتب الفقه الإباضي تقسيمات للألفاظ حسب ترددها بين العموم
والخصوص.
فقد
يرد اللفظ عاما لا خصوص فيه، نحو قوله تعالى: وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي
1) السالمي، طلعة، 1: 33. (2) الكندي، التخصيص، 11 و 12 و.
3) السالمي، طلعة، 1: 34.
415 (1/415)
صفحة 414
الباب الثاني: اجتهَادُ التَّفسِير
الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللهِ رِزْقُهَا} [هود: 6].
?
أو يكون عاما يراد به الخاص، ويعقل منه ذلك بمطلقه أو بسياقه، كقوله
تعالى: حَتَّى إِذَا أَنْيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ أَسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا} [الكهف:77]. فمعقول
أن المراد استطعام بعض أهل القرية لا كلها وقوله على لسان المستضعفين: الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا} [النساء: 77]. وفي أهل
مكة
من كان غير ظالم. وكذلك قوله تعالى: {الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ [آل عمران: 173]. فمعلوم أن الجامع غير القائل والقائل غير المقول له. وقوله: ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ} [البقرة: 199]. وهذا في بعض
6
الناس لا كلهم (1). وجعل ابن بركة من هذا الصنف قوله تعالى: وَلَا نَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلم إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَيكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا} [الإسراء: 36]. وأنه خطاب خاص للمخاطب في ظاهره؛ ولكنه عام، لأنه معلل بلفظ عام، وهو المفرد المعرّف بأل: الجنسية: السمع، البصر، الفؤاد (2).
ولكن هذا يدخل في عموم خطاب النبي، فهو ليس خطابا خاصا به المساءلة بل يتناول أمته أيضا، ويؤكد هذا العموم تعليله بتعليل عام، وهو عن نعم السمع والبصر والفؤاد.
كما ذكر ابن بركة مثالا للعام أريد به الخاص. وهو قوله تعالى: وَبَداً خلْقَ الإِنسَنِ مِن طِين [السجدة: 7]. فليس عاما في كل إنسان، بل خاص في آدم ال. وإذا خلق آدم من طين فالناس كلهم مبتدؤون من طين، لأنهم ذريته إلا حوّاء وحدها، غير أنها خلقت منه: وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا} [النساء: 1] (3). ولعل الصواب أن الآية عامة، لأن كل إنسان أصله من مني، وهو متكون
1) الملشوطي، الأدلة، 6 و.
2 ابن بركة، الجامع، 1: 158/ 157.
3 ابن بركة الجامع:1 175 الكندي، المصنف، 1: 45.
416 (1/416)
صفحة 415
E
صل الثاني: العُموم والخصوص
من طعام الإنسان الذي تنبته الأرض، فلا تخص آدم وحده.
ويكون اللفظ عاما يجمع بين العام والخاص، كقوله تعالى: يَأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْتَكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى} [الحجرات: 13]. فعم جميع بني آدم. ثم قال: إنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَنْقَنَكُمْ} [الحجرات:13] يريد الخاص.
ويكون عاما خُص بدليل شرعي، كقوله تعالى: قَيلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ} [التوبة: 29]. ثم خص أهل الكتاب بقوله: من الذين أُوتُوا الْكِتَبَ [التوبة:29]، وهذا يدخل في النوع
الثاني، لكنه خص بدليل شرعي لا بالعقل أو السياق (1). وهناك خاص أريد به الخصوص، ومنه قوله تعالى: {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَتَبِكَة أسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ [البقرة: 34]. وهذا الخاص من المحكم الذي لا يحتمل وجهين لأنه نص على معناه (2).
فألفاظ القرآن على أربعة أوجه تجمعها هذه القسمة الرباعية. خصوص يراد به الخصوص. = خصوص يراد به العموم. = عموم يراد به العموم. =
عموم يراد به الخصوص
(3)
3 - مخصصات العام
مضت الإشارة إلى أن أغلب تعاريف الإباضية للخاص تجعله بمعنى التخصيص. وكأنهم نظروا إلى أن الخاص هو ما ينفرد بحكم مغاير لحكم العام، والأولى أن يسمّى بالمخصوص. أما الخاص في الاصطلاح الدقيق فهو الذي يدلّ على فرد أو أفراد منحصرين.
ومخصصات العام أنواع وردت متداخلة في المصادر الإباضية الأولى، وإن
قسمها بعضهم تقسيمات مختلفة.
بين الملشوطي أن الكتاب يُخص بالكتاب وبالسنة والإجماع، وتُخص
1) الملشوطي، الأدلة، 6 و. 2 الكندي، التخصيص، 13 ظ. (3) الكندي، التخصيص، 13 ظ.
IB
417 (1/417)
صفحة 416
*
الباب الثاني: اجتهاد التفسير
السنة أيضا بهذه الثلاثة، أما الإجماع فلا يدخله التَّخصيص. وزمن التخصيص يجوز أن يقترن بالعام أو يكون مقدما عليه أو متأخرا عنه (1).
وضبط الوارجلاني أنواع المخصصات بأنها تكون: بدلالة العقول،،وبالقرآن، وبالسنة، وبأخبار الآحاد وبالاستثناء، وبالمقيد، وبدليل الخطاب، وبالإجماع (2).
وأشار الكندي إلى انقسام المخصصات إلى متصلة ومنفصلة، وذكر بعضها دون حصر كالاستثناء ودليل الخطاب والعقل. وأن بعضها جلي لا يحتاج إلى نظر، وبعضها يدعو إلى التأمل والبحث (3).
وتأخير التّخصيص عن العام وانفصاله عنه جائز عند جمهور الأصوليين، وليس في ذلك إيهام لمعنى العام قبل ورود المخصص، بل هو بيان له. وتأخير
البيان عن وقت النزول إلى وقت الحاجة جائز، وهو الرأي الراجح (4). ولهذا اختار السالمي هذا التقسيم فذكر أن المخصص إما لفظ أو غير لفظ واللفظ متصل أو منفصل. وحصر المخصصات المتصلة في الشرط، والصفة، والغاية، وبدل البعض، والاستثناء المتصل (5). أما المخصصات المنفصلة فهي الكتاب السنة المتواترة خبر الآحاد، السنة الفعلية، السنة التقريرية، المفهوم، القياس، الإجماع (6).
أما التخصيص بالعقل فليس من المخصصات المتصلة ولا المنفصلة، بل
إن تخصيص العقل للكتاب والسنة أولي يُدرك من أول وهلة (7).
وثمة مخصصات منفصلة غير معتبرة كالتخصيص بمذهب الراوي، وبالعادة، خلافا للحنفية (8)، وبالضمير العائد إلى بعض أفراد العام (9)
1) الملشوطي، الأدلة، 7 و.
2 الوار جلاني، العدل،2: 162.
(3) الكندي، التخصيص (نسخة ثانية) 239.
4 - السالمي، طلعة، 1: 186/ 185.
5 السالمي، طلعة، 1: 143
6) ينظر: السالمي، طلعة، 1: 158/ 155. 7 السالمي، طلعة، 1: 165. 8 - السالمي، طلعة، 1: 158/ 159.
9) السالمي، طلعة، 1: 161.
?418
418 (1/418)
صفحة 417
K
وتخصيص العام بسببه (1).
الفصل الثاني: العُموم والخصوص
ولعلّ الأنسب أن نختار هذه المخصصات بحسب مصادرها دون اعتبار للاتصال والانفصال، وهي التخصيص:1 - بالعقل، 2 - بالقرآن، 3 - بالسنة القولية، 4 - بالسنة الفعلية 5 بالإجماع، 6 = بالقياس، 7=بمذهب الراوي، 8 -
بالاستثناء.
- التخصيص بالعقل:
التخصيص بدلالة العقول لنصوص الكتاب والسنة أولي، يُدرَك من أول وهلة، لأن الشارع لا يرد بما يناقض العقل فإذا استعمل اللفظ بما يحيله العقل
خص به. واشتهر من أمثلة هذا النوع قوله تعالى: خَلقُ كُلِّ شَى [الأنعام: 102]. فالله تعالى لا يدخل في هذا العموم بدليل العقل؛ رغم أنه عموم شامل ورد بلفظ شيء، وتأكد بلفظ كل"، ومعلوم وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عليم [المائدة: 197، و أَنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [الطلاق:12]. «فليس كل
معلوم مقدورا عليه، لأن الله تعالى معلوم، ولا تجري عليه القدرة» (2). ويرى الوَارِجلاني أن العقل خص من قوله تعالى: وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفَا [الفجر: 22]. الانتقال. وخص من قوله: وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عبادِهِ} [الأنعام: 18]. الجهة. وجميع ما ذكر في القرآن في أوصاف الباري سبحانه، خص منه العقل ما لا يليق به من صفات المخلوقين. وقد يجوز الانصراف عن ظاهر القرآن إلى المجاز بدليل العقل، فتخصيص العام أولى
به (3).
ولكن هذه الأمثلة أنسب بباب التأويل والمجاز منها بباب تخصيص
العموم.
ومن تخصيص العقل كذلك، قوله تعالى: تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَتِهَا [الأحقاف:25]. خص الأرض والسماوات، بل إن الآية نفسها ذكرت بعض
1) السالمي، طلعة، 1: 165. 2 الوارجلاني، العدل، 2: 162. (3) الوَارِجلاني، العدل، 2: 162.
419 (1/419)
صفحة 418
الباب الثاني: اجتهَادُ التَّفسِير
المخصوصات فَأَصْبَحُوا لَا يُرَى إِلَّا مَسَنكُتُهُمْ} [الأحقاف: 25] (1). وذكر الهدهد عن بلقيس أنها وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ} [النمل: 23].
ولكنها لم تؤت صرح سليمان ولذلك دهشت به فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةٌ وَكَشَفَتْ عَن سَاقَيْهَا} [النمل: 44]. وقال مُوسَى لما خرّ صعقا وأفاق سُبْحَنَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ
:
الْمُؤْمِنِينَ [الأعراف: 143]. ولم يرد كل المؤمنين، بل أراد مؤمني زمانه. كما كان تفضيل بني إسرائيل على العالمين خاصا بعالمي زمانهم، لا كل العالمين. وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ} [الجاثية: 16] (2).
وذكر الوَارِجلاني أن تخصيص المجانين والصبيان من أحكام المكلفين، كان في نظر البعض بدليل العقل، لأن العقل دل على استحالة تكليف من لا يفهم الخطاب، بينما رآه آخرون مخصوصا بدليل، شرعي، من مثل حديث رفع القلم عن ثلاث الصبي حتى يحتلم، والمجنون حتى يفيق، والنائم حتى يستيقظ» (3) (4). والخلاف هنا ليس له أثر عملي ما دام التخصيص واقعا ومحسوما. ويجوز القول بأن العقل والنقل تآزرا على ذلك. وتضافر الأدلة أقوى من انفرادها.
(1) الوار جلاني، العدل، 2: 163.
2) الكندي، التخصيص، 14 و 14 - ابن النظر الدعائم 113/ 112.-السالمي، طلعة، 1:
166
3) روي الحديث بألفاظ متقاربة. ولفظه عند أحمد: عن عائشة عن النبي، قال: «رفع القلم عن ثلاث: عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يحتلم، وعن المجنون حتى يعقل». مسند أحمد بن حنبل، مسند الأنصار الملحق المستدرك من مسند الأنصار، حديث السيدة عائشة رضي الله عنها، حديث: 24171. ولفظ الحاكم: «رفع القلم عن ثلاث: عن المجنون المغلوب على عقله، وعن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يحتلم».
المستدرك على الصحيحين للحاكم، كتاب البيوع، وأما حديث معمر بن راشد، حديث:2292. 4 الوار خلاني، العدل، 2: 162.
420 (1/420)
صفحة 419
-
التخصيص بالنص:
ا بالقرآن
الفصل الثاني: العُموم والخصوص
التخصيص بالقرآن متصلا ومنفصلا.
فمن المنفصل قوله تعالى في النكاح وَلَا تَنكِحُوا الْمُشْرِكَتِ حَتَّى يُؤْمِنَ} [البقرة: 221]. وجعل للتحريم غاية وهو الإيمان. فالمؤمنات مخصوصات من الآية بهذا القيد، وهذا من المخصصات المتصلة. وللآية أيضا مخصص منفصل؛ إذ إنها حرمت جميع المشركات ثم خص الله جملة منهن بقوله: وَالمُحْصَنَتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَبَ مِن قبلِكُمْ [المائدة:5] (1). وقال: {وَلَا تَنكِحُوا مَا نَكَحَ وَابَاؤُكُم مِّنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ [النساء:22]. فالاستثناء من أهم أنواع المخصصات
في القرآن.
ومن المتصل قوله في أحكام العدد: وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثلَثَةَ قُرُوءٍ [البقرة: 228]. وهذا عام في كل المطلقات، ثم جاء تخصيص الصغيرة والكبيرة والآيس والحامل وغير المدخول بها، فقال: وَالَّتِي بِإِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِن نِسَا بِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ شَلَتَهُ أَشْهُرٍ وَالَّتِي لَمْ يَحِضْنَّ وَأُوْلَتُ الْأَعْمَالِ الأحمال أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمَلَهُنَّ [الطلاق:4]. وقال: إِذَا نَكَحْتُم الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا} [الأحزاب: 49] (2).
واعتبر ابن بركة آية البقرة مجملة، والباقي مفسرات، لأن التخصيص نوع بيان. وردّ على من زعم احتمال النسخ في هذه الآيات بأنه «لا يجوز أن يُقضى على آية قد أحكم تنزيلها بنسخ بغير دليل (3).
1) ابن بركة، الجامع 1: 392/ 391 1 592/ 591 - الكندي، المصنف، 1: 47. -العوتبي،
الضياء، 2: 234
2) ابن بركة، الجامع، 1: 167/ 166.
3 ابن بركة الجامع، 1: 167
=.
421 (1/421)
صفحة 420
الباب الثاني: اجتهَادُ التَّفْسِير
من
=
ب بالسنة القولية:
تخصص السنة القرآن والسنة جميعا، وفي كتب الفقه نماذج لا تكاد تحصى
هذه التخصيصات.
فمن تخصيص السنة للقرآن أن الله خاطب الناس والذين آمنوا خطابا عاما يستغرقهم، فخصصت السنة من عموم الخطاب الطفل إلى بلوغه؛ والمجنون إلى إفاقته، والنائم إلى انتباهه. وقال تعالى: وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أيديهما جزاء بما كسبان كلًا مِّنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [المائدة: 38]. ثم خصت السنة مَن سَرَق
ما دون ربع دينار؛ بقوله: لقطع اليد في ربع دينار فصاعدا» (1). وقال تعالى: وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كافة [التوبة:36]. فخصت السنة النساء والصبيان والرهبان وأهل العهد، بقوله: «لا تقتلوا امرأة ولا
1) صحيح البخاري، كتاب الحدود، باب قول الله تعالى: والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما
وفي كم حديث: 6419.
صحيح ابن حبان، کتاب الحدود، باب حد السرقة ذكر الحد الذي يقطع السارق إذا سرق مثله،
حديث: 4524.
وورد الحديث بصيغة الحصر لا تقطع اليد إلا في ربع دينار فصاعدا». صحيح مسلم، کتاب الحدود، باب حد السرقة ونصابها، حديث: 3276. صحيح ابن حبان كتاب الحدود، باب حد السرقة، ذكر نفي إيجاب القطع عن السارق الذي يسرق أقل من ربع، حديث: 4528.
422 (1/422)
صفحة 421
الفصل و الثاني: العموم والخصوص
K
صبيا» (1)، وقال: «لا يُقتل ذو عهد في عهده» (2) (3).
وحرم القرآن الميتة عموما حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ} [المائدة:3]. وخصت السنة بعض ذلك أحلت لنا ميتتان ودمان السمك والجراد، والكبد والطحال» (4). (5).
وقال تعالى: فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيض} [البقرة: 222]. فحرم الوطء في الحيض، وأباحه فيما عداه. ثم سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن سبايا أوطاس من الإماء، فنهى عن وطء الحوامل منهن حتى يضعن، وعن الحوائل حتى يحضن (6).
1) الخبر بهذا اللفظ من قول عمر لأمراء الأجناد. مصنف ابن أبي شيبة كتاب الجهاد من ينهى عن قتله في دار الحرب، حديث: 32466. المنقي الهندي كنز العمال حديث 11414. ج 4، ص 476.
ووردت الأحاديث بلفظ ولا تقتلوا وليدا» دون ذكر المرأة.
صحيح مسلم، كتاب الجهاد والسير، باب تأمير الإمام الأمراء على البعوث، حديث: 3348. صحيح ابن حبان كتاب السير باب التقليد والجرس للدواب، ذكر ما يستحب للإمام أن يوصي السرية إذا خرجت في سبيل الله، حديث: 4812.
سنن ابن ماجه، کكتاب الجهاد، باب وصية الإمام، حديث:2855.
2) نص الحديث عند ابن ماجه: «عَنِ ابْنِ عَبَّاس عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ لَا يُقْتَلُ مُؤْمِنٌ بِكَافِرٍ وَلَا دُو عَهْدٍ فِي عَهْدِهِ».
سنن أبي داود، كتاب الجهاد، باب في السرية ترد على أهل العسكر، حديث: 2386 السنن الكبرى للنسائي، كتاب القسامة، القود بين الأحرار والمماليك في النفس، حديث: 6728. مسند أحمد بن حنبل، مسند العشرة المبشرين بالجنة، مسند الخلفاء الراشدين، مسند علي بن أبي طالب رضي الله عنه، حديث:975.
3 الوار جلاني، العدل، 2: 164.
(4) أخرجه ابن ماجه وأصحاب السنن وغيرهم عن ابن عمر.
سنن ابن ماجه کتاب الصيد باب صيد الحيتان، حديث: 3216
السنن الكبرى للبيهقي، كتاب الطهارة، جماع أبواب ما يفسد الماء، باب الحوت يموت في الماء
والجراد، حديث: 1121.
مسند أحمد بن حنبل، ومن مسند بني هاشم، مسند عبد الله بن عمر رضي الله عنهما،
حديث: 5567.
(5) الجيطالي، القواعد، 1: 136/ 135.
6 لفظ الحديث عند ابن حبان: عن أبي ثعلبة الخشني، " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عام خيبر، أن توطأ الحبالى من السبي، حتى يضعن. صحيح ابن حبان كتاب السير باب الغنائم وقسمتها ذكر الزجر عن وطء الحامل من السبي حتى تضع حملها، حديث: 4923.
423 (1/423)
صفحة 422
الباب الثاني: اجتهاد التفسير
فخص وقتا آخر غير الحيض بالتحريم، وهو زمن الحمل منها لاختلاط المياه (1).
?
ومن تخصيص السنة القولية للسنة، أن النبي أباح الصلاة عموما، فقال: «الصَّلاة خير موضوع، فمن شاء فليقلل ومن شاء فليكثر» (2). ثم خص أوقاتا فمنع الصَّلاة فيها، لا صلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس، وبعد الصبح حتى تطلع الشمس (3) (4).
الصلاة
وعن أماكن الصلاة قال: جعلت لي الأرض مسجدا وترابها طهورا» (5). وقال: «حيثما أدركتك الصَّلاة فصل» (6). ثم خص أماكن نهى عن فيها، وهي المقبرة والمجزرة والمزبلة والحمام وقارعة الطريق، ومعاطن
الإبل (7). (8).
وقد تختلف الاجتهادات في حقيقة التخصيص، وأي الأدلة يُعتبر عاما وأيها يكون خاصا.
مصنف ابن أبي شيبة، كتاب النكاح ما قالوا في الرجل يشتري الجارية وهي حامل أو يصيبها،
حديث: 13458
(1) ابن بركة، الجامع:1 145 النزوي قواعد الهداية، هظ.
2 سبق تخريجه
3) سبق تخريجه.
4) ابن بركة، الجامع، 1: 106.
(5) سبق تخريجه.
6) أخرجه البخاري ومسلم وغيرهما عن أبي ذر الغفاري
صحيح البخاري، كتاب أحاديث الأنبياء، باب قول الله تعالى: ووهبنا لداود سليمان نعم العبد
إنه، حديث: 3259.
صحيح مسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، حديث: 840.
7) لفظ الحديث عند الترمذي: عن ابن عمر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى أن يصلى في سبعة مواطن: في المزبلة، والمجزرة، والمقبرة، وقارعة الطريق، وفي الحمام، وفي معاطن الإبل، وفوق ظهر بيت الله».
سنن الترمذي الجامع الصحيح، أبواب الطهارة عن رسول الله، أبواب الصلاة عن رسول الله باب ما جاء في كراهية ما يصلى إليه وفيه حديث: 324
سنن ابن ماجه، كتاب المساجد والجماعات باب المواضع التي تكره فيها الصلاة، حديث: 744. (8) ابن بركة، الجامع، 1: 18. = 1: 487/ 488 - العوئبي، الضياء، 2: 254.-الكندي، المصنف،
424
41/ 40:1 (1/424)
صفحة 423
لفصل الثاني: العُموم والخصوص
ففي الصيام قال النبي: لا صيام لمن لم يُجمع الصيام قبل الفجر» (1). فذهب الجمهور إلى أن هذا عموم يشمل كل صوم، فتكون النية شرطا لكل صوم، واجبا كان أو نفلا (2). بينما ذهب الحنفية إلى أن رَمَضَان متعين فلا تشترط فيه النّيّةُ الْمُعَيِّنَةُ للفرض (3). واحتجوا بحديث عائشة له أن رسول الله صلى الله عليه وسلمدخل عليها فسألها «هل عندك شيء من الطعام؟ فقالت: لا، فقال:
(4)
صوم
فإني صائم ورأي ابن بركة أن سؤال النبي محمول على معرفة أحوال الدار، والجواب كان إخبارا بالصَّوْم لا إنشاء له، فلم يكن النبي صلى الله عليه وسلم متعرضا للسؤال عن الطعام للحاجة إليه في ذلك الوقت كما لم تنص الرواية أنها دخل عليها في النهار. فلا يثبت الاحتجاج بها (5).
وذكر أيضا أن الشافعي أجاز عدم تبييت النية لصوم النافلة، لحديث دخول النبي صلى الله عليه وسلم المدينة وسؤاله عن صيام اليهود عاشوراء، فقالوا: هو يوم نجى الله فيه مُوسَى من فرعون. فقال: «أنا أولى بأخي مُوسَى»، فصام وأمر
الناس بصيامه (6).
1) سبق تخريجه.
2 الشيرازي المهذب 1 181 - ابن قدامة المغني 3 28/ 27. - ابن جزي، القوانين الفقهية، 119. السرخسي، المبسوط، 3: 59. 3 السرخسي أصول السرخسي 2 272. وذهب زفر إلى عدم اشتراط النية أصلا وهو قول مخالف لجمهور العلماء. ينظر: السرخسي، المبسوط، 3: 59 - ابن قدامة، بداية المجتهد، 1:
292
4) لفظ الحديث عند مسلم: عن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها، قالت: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم " يا عائشة، هل عندكم شيء؟ " قالت: فقلت: يا رسول الله، ما عندنا شيء قال: " فإني صائم». صحيح مسلم، کتاب الصيام باب جواز صوم النافلة بنية من النهار قبل الزوال، حديث: 2022. صحيح ابن حبان، کتاب الصوم، باب صوم التطوع، ذكر الإباحة للمرء أن ينشئ الصوم التطوع بالنهار، حديث: 3688. سنن الترمذي الجامع الصحيح، أبواب الجمعة، أبواب الصوم عن رسول الله، باب صيام المتطوع بغير تبييت حديث: 697
5) ابن بركة، الجامع، 2: 6.
6) لفظ الحديث عند البخاري: عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: قدم النبي المدينة فرأى اليهود تصوم يوم عاشوراء، فقال: " ما هذا؟ "، قالوا: هذا يوم صالح هذا يوم نجى الله
425 (1/425)
صفحة 424
الباب الثاني: اجتهاد النفس
?
والراجح عدم العدول عن العموم حتى يثبت موجب الخصوص. وهذه
الروايات محتملة، وبقينا على الأصل العام وهو أنه لا صيام لمن لم يبيت الصيام من الليل (1).
وقد تتردد المسألة في التخصيص بين أدلة القرآن وأدلة السنة. من ذلك قراءة المأموم للقرآن. فالمتفق عليه أن الإمام يرفع عنه قراءة السورة، والخلاف في قراءة الفاتحة.
فالإباضية يرون وجوبها عليه لحديث لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب» (2)، فإنها تُقرأ مع الإمام وغيره، ولحديث العلكم تقرؤون خلف إمامكم؟ قلنا: أجل، قال: لا تفعلوا إلا بأم القرآن فإنه لا صلاة إلا بها» (3).
وذهب بعض الإباضية إلى سقوط القراءة كلها عن المأموم، لحديث «ما لي أنازع القرآن؟» (4). وحديث «وإذا قرأ فأنصتوا» (5). وللآية وَإِذَا قُرِئَ
بني إسرائيل من عدوهم، فصامه موسى، قال: " فأنا أحق بموسى منكم "، فصامه، وأمر
بصيامه».
صحيح البخاري، كتاب الصوم، باب صيام يوم عاشوراء، حديث: 1915. 1) ابن بركة الجامع، 2: 7/ 6. 2 سبق تخريجه
3) الربيع، الجامع الصحيح، باب 38 حديث 226 ج 1، ص 61. - وأخرجه أصحاب السنن وأحمد عن عبادة بن الصامت. سنن الترمذي الجامع الصحيح، أبواب الطهارة عن رسول الله أبواب الصَّلاة عن رسول الله، باب ما جاء في القراءة خلف الإمام، حديث:292. سنن الدارقطني، كتاب الصلاة، باب وجوب قراءة أم الكتاب في الصلاة وخلف الإمام،
حديث: 1050.
مسند أحمد بن حنبل، مسند الأنصار حديث عبادة بن الصامت، حديث:22154. 4) أخرجه أصحاب السنن وغيرهم عن أبي هريرة.
سنن الدارقطني، كتاب الصلاة، باب ذكر قوله صلى الله عليه وسلم: " من كان، حديث: 1090. سنن أبي داود، كتاب الصَّلاة، أبواب تفريع استفتاح الصَّلاة، باب من كره القراءة بفاتحة الكتاب
إذا جهر الإمام حديث: 710.
صحيح ابن حبان، کتاب الصلاة، باب صفة الصلاة، ذكر كراهية رفع الصوت للمأموم بالقراءة لئلا ينازع الإمام ما يقرؤه، حديث: 1871.
مصنف ابن أبي شيبة، كتاب الصلاة، من كره القراءة خلف الإمام، حديث: 3730. (5) أخرجه أبو داود وابن ماجة والدارقطني وغيرهم عن أبي هريرة.
?426
426 (1/426)
صفحة 425
*
الفصل الثاني: الـ الثاني: العموم والخصوص الْقُرْوَانُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا} [الأعراف: 204]. ونحن خصصنا ما جهر به الإمام فقط (!).
وتسب القول بعدم وجوب قراءة الفاتحة على المأموم إلى محمد بن محبوب،
ثم رجع عنه. فالمتفق عليه عند الإباضية هو القول الأول (2). ومن المذاهب من يُسقط القراءة كلها عن المأموم (3)، وهم المالكية والحنفية. وقالوا: إنما خوطب بالقراءة من صلّى وحده، أما من صلّى وراء الإمام فليس
عليه قراءة لحديث من كان له إمام فقراءته له قراءة» (4).
ج= بالسنة الفعلية: ئبين في دراسة أقسام السنة أن أفعال النبي صلى الله عليه وسلم التي وردت بيانا للقرآن تأخذ أحكامها من الوجوب أو الندب. ولذلك كانت أفعاله مما يخصص به العموم، إلا إن دلّ الدليل على خلافه، وذلك كنهيه الصحابة عن الوصال، ثم هو يواصل، ولما سئل بين للناس خصوصية فعله، وأنه ليس للاقتداء (5).
سنن أبي داود، كتاب الصَّلاة، باب الإمام يصلي من قعود، حديث:516. سنن ابن ماجه، كتاب إقامة الصَّلاة، باب إذا قرأ الإمام فأنصتوا، حديث: 843. سنن الدارقطني، كتاب الصلاة، باب ذكر قوله صلى الله عليه وسلم: " من كان، حديث:1073. 1) ابن بركة الجامع 1 509 ابن جعفر، الجامع، 2: 91.
(2) ابن بركة الجامع 1: 503 3 قراءة أم القرآن واجبة عند المالكية، خلافا للحنفية. وتجب في كل ركعة وفاقا للشافعية. وقيل في ركعة واحدة. ويرى المالكية أن المأموم يقرأ مع الإمام في ما أسر به، ولا يقرأ في ما جهر به. ويسقط الحنابلة عنه القراءة في ما سمع لا فيما لم يسمع. أما الحنفية فيسقطون عنه القراءة أصلا. بينما يتفق الشَّافِعِيّة في وجوب القراءة على كل حال منفردا كان أو مأموما. والقضية تنازعها اختلاف الآثار، فقد روي حديث الإصلاة إلا بفاتحة الكتاب». وحديث إني أقول ما لي أنازع في القرآن»، وحديث فلا تفعلوا إلا بأم القرآن»، وحديث إذا قرأ الإمام فأنصتوا». = ينظر تفصيل المسألة: الشيرازي المهذب:1.72. - ابن قدامة المغني 1: 600. – ابن رشد، بداية المجتهد، 1: 154 ابن جزي القوانين الفقهية 66 الزحيلي، الفقه الإسلامي وأدلته، 2: 200. (4) أخرجه الدارقطني وأحمد وابن أبي شيبة عن جابر بن عبد الله.
سنن الدارقطني كتاب الصلاة، باب ذكر قوله: " من كان حديث: 1082. صلى الله عليه وسلم مسند أحمد بن حنبل، ومن مسند بني هاشم، مسند جابر بن عبد الله رضي الله عنه، حديث: 14379. مصنف ابن أبي شيبة كتاب الصَّلاة، من كره القراءة خلف الإمام، حديث: 3755. 5 نص الحديث عند البخاري: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْن عُمَرَ رَضِي الله عنهما قَالَ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ عَنِ الْوِصَالِ قَالُوا إِنَّكَ تُوَاصِلَ قَالَ إِنِّي لَسْتُ مِثْلَكُمْ إِنِّي أَطْعَمُ وَأَسْقَى».
?427
427 (1/427)
صفحة 426
الباب الثاني: اجتهاد التفسير
ومن بيان فعله، أنه لم يأخذ من الخضروات زكاة (1)، فقد خص بذلك قوله
:تعالى: {وَءَاتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ} [الأنعام: 141].
ونهى عن استقبال القبلة في قضاء الحاجة (2)، ثم رآه ابن عمر مستقبلا لها (3)، فدل على الخصوص أو النسخ، أو أن النهي للكراهة، على خلاف بين العلماء في ذلك. فالإباضية مع الجمهور يرون أن النهي خاص بالصحارى وخارج العمران وجائز في الدور والبنيان (4). وإن كان التنزه أولى على كل حال، رعاية لحرمة الكعبة وشرف الصَّلاة.
صحيح البخاري، كتاب الصوم، باب بركة السحور من غير إيجاب، حديث:1833. صحيح مسلم کتاب الصيام باب النهي عن الوصال في الصوم، حديث: 1915 وأخرجه أصحاب الصحاح والسنن أيضا. 1) لفظ الحديث عند الدارقطني: عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
,
" ليس في الخضراوات صدقة. سنن الدارقطني، كتاب الزَّكَاة، باب: ليس في الخضراوات صدقة، حديث:1671. سنن الترمذي الجامع الصحيح، أبواب الجمعة، أبواب الزَّكَاة عن رسول الله، باب ما جاء في زكاة الخضراوات، حديث: 607.
مصنف عبد الرزاق الصنعاني، كتاب الزكاة، باب الخضر، حديث:6958. 2 بوب البخاري له بقوله: باب قبلة أهل المدينة وأهل الشام والمشرق " ليس في المشرق ولا في المغرب قبلة " لقول النبي صلى الله عليه وسلم: " لا تستقبلوا القبلة بغائط أو بول، ولكن شرقوا أو غربوا». صحيح البخاري، كتاب الصلاة، أبواب استقبال القبلة.
وأخرجه أصحاب السنن وغيرهم عن أبي أيوب الأنصاري. صحيح ابن خزيمة، كتاب الوضوء، جماع أبواب الآداب المحتاج إليها في إتيان الغائط والبول إلى الفراغ باب ذكر خبر روي عن النبي صلى الله عليه وسلم في حديث: 56.
صحيح ابن حبان كتاب الطهارة، باب الاستطابة ذكر الزجر عن استدبار القبلة واستقبالها بالغائط والبول، حديث: 1433.
السنن الكبرى للنسائي، كتاب الطهارة النهي عن استقبال القبلة، حديث: 20. مسند أحمد بن حنبل، مسند الأنصار، حديث أبي أيوب الأنصاري، حديث:22961. (3) لفظ الحديث عند البخاري: عن عبد الله بن عمر، قال: ارتقيت فوق ظهر بيت حفصة لبعض حاجتي، فرأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقضي حاجته مستدبر القبلة، مستقبل الشام».
صحيح البخاري، كتاب الوضوء، باب التبرز في البيوت حديث: 146.
4 اطفيش شامل الأصل والفرع، 1: 186.
428 (1/428)
صفحة 427
E 3
لفصل الثاني: العُموم والخصوص
بينما يرى الحنفية والحنابلة أن النهي للتحريم، ورجحه المالكية (1). وذهب قوم إلى الجواز مطلقا. فلما تعارضت الأدلة رجعوا إلى الأصل وهو الإباحة (2).
- التخصيص بالإجماع:
وهذا النوع كثير أيضا في عمومات الكتاب والسنة. ومن ذلك قوله تعالى: يُوصِيكُمُ اللهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنثَيَيْنِ [النساء: 11]. فخص الإجماع منها العبيد، كما خصت السنة المشرك والقاتل.
وقال تعالى: وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ} [المائدة: 45]. وأجمعت الأمة أن القصاص بين المكلفين. ولا قَوَد بين الأطفال والمجانين (3). وقال تعالى عن الذميين حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَغَرُونَ [التوبة: 29]. وأجمعت الأمة على سقوط الجزية عن النساء والصبيان والعبيد؛ وإن ثبت سقوطها بالسنة، فالإجماع مؤكد لتخصيص السنة (4). وقال تعالى: وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ} [الأنعام: 121].
وأجمعت الأمة أن هذا في الحيوان لا في كل طعام (5). وفي القرآن أوامر عامة تأمر بإقامة الحدود على السرقة والزنا والقذف، وأجمع علماؤنا على أن إقامة الحدود لا تكون إلا لأئمة العدل، ولا يجوز أن
يقيمها غير العدل
-
الأئمة» (6). من
التخصيص بالقياس:
اختلف الأصوليون في جواز التخصيص بالقياس، وأورد الشماخي والسالمي تفصيل هذا الخلاف فأجازه الجمهور، وحكاه ابن الحاجب عن الأيمة الأربعة، وهو قول أبي الحسين البصري، ومنع منه الجبائي أبو هاشم.
1) ينظر: ابن قدامة المغني:1: 153 - اطفيش، شرح النيل، 1: 45.
2 أبو ستة، حاشية الترتيب، 1: 103.
3 الوار خلاني، العدل، 2: 171.
4 ابن بركة، الجامع، 1: 632.
5 ابن بركة الجامع 1: 156 العوتبي، الضياء، 2: 234.
6) ابن بركة، الجامع، 1: 184/ 185.
429 (1/429)
صفحة 428
الباب الثاني: اجتهاد التفسير
وقال أبو سريج: يجوز التخصيص بالقياس الجلي دون القياس الخفي. وذهب عيسى بن أبان إلى جواز ذلك إن كان هذا العام قد دخله التخصيص، وإلا فلا. وهذا على مذهب الحنفيّة في أن العام إذا خصص صارت دلالته ظنية، فيخصصه القياس (1).
وذهب الغزالي إلى التمييز، فإن تعادل العموم والقياس توقفنا، وإن تفاوتا رجحنا الأقوى (2). واختار الشماخي التَّخصيص بالقياس إن ثبتت علته بنص أو إجماع، أو كان الأصل مخصصا لإجماع أي مخرجا عنه خصّ به العام، أو ظهرت قرينة ترجحه، وإلا فالعام أولى. ومثل له بقوله تعالى: خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهَرُهُمْ وَتُزَكِّيهم بها [التوبة: 103]. فعم المديون وغيره. وخص المديون بالقياس على الفقير. وكذلك قوله تعالى: وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ [البقرة: 275]. فحل جميع البيوع، وخص الأرز بالأرز متفاضلا بالقياس على البر. لحديث «البر بالبر والشعير بالشعير والتمر بالتمر ... » (3). مخصص لعموم تحليل البيع (4)
ورجح السَّالِمِي التخصيص به دون تقييد. ولم يرد في المصادر الإباضية الأخرى تفصيل. واحتج السالمي لذلك بأن الصحابة اختلفوا في تعيين سهم الجد في مسائل، وكل واحد منهم بنى مذهبه على قياس لا على نص، وكل واحد من تلك القياسات مخصوص لعموم آية الكلالة يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ في الكَلالَةِ ... [النساء: 176]. فقال علي وابن مسعود: الجد مع الإخوة عصبة.
1) أبو الحسين البصري المعتمد 2 275 الشماخي شرح المختصر، مخ= 46 و/ مح= 411/ 413. - السالمي، طلعة، 1: 108 .. 2) الغزالي، المستصفى، 2: 134.
3 لفظ الحديث عند البخاري عن عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِي اللَّهُ عَنْهِ يُخْيرُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ قَالَ الدَّهَبُ بالدَّهَبِ رِبًا إِلا مَاءَ وَهَاءَ وَالْبُرُ بِالْبُرُ رِبًا إِلا هَاءَ وَهَاءَ وَالتَّمْرُ بِالتَّمْرِ رِبًا إِلَّا هَاءَ وَهَاءَ وَالسَّعِيرُ بالسَّعِيرِ ربّا إِلا هَاءَ وَهَاءَ». صحيح البخاري، كتاب البيوع، باب بيع التمر بالتمر، حديث: 2081 الشماخي شرح المختصر، مخ=46 و./ مح=414.
4 -
?430
430 (1/430)
صفحة 429
*
الفصل الثاني:
الثاني: العُموم والخصوص
وقال ابن زيد بالمقاسمة بينهما، على تفصيل في ذلك. وقال أبو بكر الجد أب؛ قياسا على الأب، فخص به عموم آية الكلالة. فيحجب الإخوة، وبهذا أخذ الإباضيَّة والحَنَفِيَّة؛ بينما ذهب غيرهم إلى عدم حجب الإخوة بالجد (1). وأورد ابن بركة مثالا لتخصيص العموم بالقياس، وهو حديث «أيما إهاب دبغ فقد طهر» (2)، وخصصنا منه جلد الخنزير، لأن الخنزير نجس بعينه. فإذا كانت النجاسة بعينها محرّمة، لم يصح فيها طهارة والعين قائمة. خلافا للميتة فإنها قد كانت غير نجسة، ثم تنجست بالتحريم، ثم نقلها الرسول إلى الطهارة
بالدباغ (3). وذهب إلى أن حد العبد المحصن خمسون جلدة قياسا على الأمة التي ورد بها نص القرآن، فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْن بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِن الْعَذَابِ} [النساء: 25]. وهذا قياس يُخص به عموم الحد على الرجال (4). - التخصيص بقول الصحابي: ذكر الوارجلاني أن من فروع السنة تخصيص العموم بقول الصاحب.
1) اطفيش شرح النيل 15 430 - السالمي، طلعة، 1: 109. ذكر الشيخ اطفيش أن الإباضية وجمهور الحنفية على القول بحجب الإخوة بالجد. وهو مذهب أبي بكر وابن عباس وعائشة وجمع من الصحابة والتابعين. وبعض الشافعية. بينما يرى الخلفاء الثلاثة ومعهم جمع من الصحابة والتابعين عدم حجب الجد للإخوة، وهو قول المالكية والشافعية والحنابلة وصاحبي أبي حنيفة. ولكل أدلته على ما ذهب إليه اطفيش، شرح النيل. 15: 430 -
436
2) أخرجه أصحاب السنن وغيرهم عن ابن عباس. صحيح ابن حبان، کتاب الطهارة، باب جلود الميتة، ذكر خبر ثان يدل على إباحة الانتفاع بكل جلد ميت إذا، حديث: 1303.
سنن الدارمي، من كتاب الأضاحي باب الاستمتاع بجلود الميتة، حديث: 1966.
سنن ابن ماجه کتاب اللباس باب لبس جلود الميتة إذا دبغت، حديث:3607. سنن الترمذي الجامع الصحيح الذبائح، أبواب اللباس، باب ما جاء في جلود الميتة إذا دبغت،
حديث: 1695.
3) ابن بركة، الجامع، 1: 376/ 377. 4 ابن بركة الجامع، 2: 253/ 254.
431 (1/431)
صفحة 430
K
الباب الثاني: اجتهاد التفسير كحديث أبي هريرة في الإناء إذا ولغ فيه الكلب، فإنه يروى عن رسول الله أن يُغسل سبعا (1). وأفتى أبو عبيدة أنه يُجزئ منها ثلاث مرات. وذكر أن الفقهاء لم تزل تستعمل أخبار الآحاد وتخص بها عموم القرآن المتيقن (2). ثم نص في موضع آخر أن مذهب الصاحب لا يصح به تخصيص العام، وإن كان روى وشاهد كفتيا أبي هريرة وضمام بن السائب في إناء ولغ فيه الكلب ذلك روى أبو هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه يجزيه ثلاث غسلات. ومع
" فاغسلوه سبعا» (3).
وقد
ويبدو في كلام الوَارجُلانِي، اختلاف فمرة عمل بقول الصحابي، ومرة ردّه، فكأنه حمل الغسل ثلاثا على الرواية الأولى وعلى الاجتهاد في الثانية. صرح أنه إن ظهر من الصحابي أنه خص العموم باجتهاد ففيه اختلاف. والأصل أن الصحابي إذا روى شيئا عن النبي صلى الله عليه وسلم ثم ترك فعله، أو حمل معنى حديثه على بعض محتملاته أنه يسوغ لنا اتباعه وترك اتباعه، ونحمله على حسن الظن في فعله وفي تركه، إذ نأخذ بعموم حديثه» (4). فأجاز القولين، وإن كان ظاهر كلامه الأول عدم تخصيص العام بمذهب
الصحابي.
ولم يعتبر السالمي مذهب الصحابي مخصصا للعموم، لأن العبرة بالرواية
العلماء. لا بمذهب الراوي. وهذا قول جمهور الإباضية، وعليه جمهور وخالف الحنفية محتجين بأن قول الصحابي دليل الدليل، لأنهم لا يفعلون إلا ما ثبت شرعا (5).
1) أخرجه مسلم وأصحاب السنن عن أبي هريرة بألفاظ متقاربة. صحيح مسلم، کتاب الطهارة، باب حكم ولوغ الكلب، حديث: 444.
صحيح ابن حبان، كتاب الطهارة، باب الأسآر، ذكر البيان بأن المرء يستحب له عند غسله الإناء من ولوغ، حديث:1314.
سنن أبي داود، كتاب الطهارة، باب الوضوء بسؤر الكلب، حديث: 66
سنن ابن ماجه كتاب الطهارة وسننها، باب غسل الإناء من ولوغ الكلب، حديث: 360.
2 الوارجلاني، العدل، 2: 172/ 171.
3 الوار جلاني، العدل، 2: 174. 4 الوار جلاني، العدل، 2: 175.
(5) ان عبد الشكور مسلم الثبوت:1 355 - ينظر أيضا الغزالي، المستصفى، 2: 113
432 (1/432)
صفحة 431
E 3
*
الفصل الثاني: العُموم والخصوص
وذكر الإمام السالمي أن مقتضى مذهب بعض أصحابنا الاعتداد به كأبي إسحاق الحضرمي، إذ جعل حديث من بدل دينه فاقتلوه» (1) خاصا في الرجل، فلا تقتل المرأة المرتدة. والجمهور على عموم الحكم لعموم الخبر (2). - التخصيص بالاستثناء:
يندرج الاستثناء في قسم المخصصات المتصلة، ويختص بالنص قرآنا أو سنة، ولكن الأصوليين أفردوه بمباحث مستقلة، ودققوا في تحليلها بما يضاهي أو يفوق مباحث اللغويين. وبذلك أسهموا بجهد مشكور في تأصيل منهج تفسير النصوص.
1 - حقيقة الاستثناء:
عرف البَرَّادِي الاستثناء في رسالة الحقائق بقوله: «حقيقة الاستثناء عطف أول الشيء على آخره، والعَرَب تقول: ثنيت العود إذا عطفته. وفي الاصطلاح: إخراج بعض من كل ببعض الأدوات التي وضعتها العرب لذلك.
حد وهو غير جامع ولا مانع. وقيل: الاستثناء كلام دال على أن المذكور فيه لم يُرد بالقول المتقدم حقيقة. وقيل الاستثناء إخراج بعض ما يجب دخوله في اللفظ بلفظ متقدم» (3). وعرفه الملشوطي بأن يخرج من الكلام ما لولاه لكان داخلا تحت الكلام
ومستوعبا له (4).
وجعله العوتبي كالتخصيص (5).
1) أخرجه البخاري وأصحاب السنن عن ابن عباس.
صحيح البخاري، كتاب الجهاد والسير باب: لا يعذب بعذاب الله حديث: 2875. صحيح ابن حبان كتاب الحدود، باب الردة ذكر الأمر بالقتل لمن بدل دينه رجلا كان أو امرأة
حديث: 4539.
سنن أبي داود، كتاب الحدود، باب الحكم فيمن ارتد، حديث: 3808. سنن ابن ماجه كتاب الحدود، باب المرتد عن دينه حديث: 2532
(2) السالمي، طلعة، 1: 158/ 159.
(3) البَرادِي، رسالة الحقائق، 14. 4) الملشوطي، الأدلة، 7 و. (5) العوئبي، الضياء، 2: 235.
433 (1/433)
صفحة 432
الباب الثاني: اجتهاذ التفسير
بينما اعتبره الوَارجُلانِي من المعاني التي يخص بها العموم (1). وذكر أدواته المعروفة إلا حاشا سوى غير ماخلا، ماعدا، بله، ليس،
ولا يكون (2). أما الغزالي فعرفه بإنه قول ذو صيغ مخصوصة محصورة دال على أن المذكور فيه لم يُرَد بالقول الأول. وفيه احتراز عن أدلة التخصيص، لأنها قد لا تكون قولا، وتكون فعلا وقرينة ودليل عقل (3).
وقد ذكر البَرَّادِي هذا التعريف سابقا.
بل إن الغزالي جعل الاستثناء منفصلا عن التَّخصيص، بأن التخصيص إخراج بعض أفراد العام وقصره على بعضها والاستثناء يدخل على الكلام فيمنع أن يدخل تحت اللفظ ما كان يدخل لولاه؛ فالاستثناء رفع، والتخصيص
بيان (4).
وفصل المزاتي هذه المسألة في تفسير كلمة التوحيد "لا إله إلا التوحيد" هل هي نفي للألوهية في الأول وإثبات لها في الآخر؟ وأجاب بأنه إنما نفى أن الله يكون إله سوى وأثبته إلها واحدا لا إله غيره؛ كما أنك إذا قلت: عبيدي كلهم أحرار إلا فلانا أو مالي كله صدقة إلا هذا الشيء. أن ذلك العبد لم يستثن في آخر الكلام ولا في أوله وكذلك الحال في كل أنواع الاستثناء (5).
ب شروط الاستثناء:
تتلخص شروط الاستثناء في ثلاثة = الاتصال اتحاد الجنس، = عدم
الاستغراق.
=
شرط الاتصال:
ومعناه اتصال المستثنى بالمستثنى منه.
وهذا الشرط محل اتفاق بين العلماء، إلا رواية عن ابن عباس في جواز
الاستثناء منفصلا إلى سَنَةٍ.
1 الوار خلاني، العدل، 2: 165. (2) الوَارَجُلانِي، العدل، 2: 166. (3) الغزالي، المستصفى، 2: 163. (4) الغزالي، المستصفى، 2: 164. (5) المزاتي التحف المخزونة 33 ظ/ 34 و.
434 (1/434)
صفحة 433
الفصل الثاني: الثاني: العموم والخصوص
وابن عباس من أهل اللسان، وله في السنة مستند، فقد قال النبي: والله لأغزون قريشا». ثم سكت ساعة، فقال: «إن شاء الله». وفعل النبي هذا دليل على جواز الانفصال، وقد بعث مبلغا ومبينا (2). واعترض الغزالي على هذه الرواية بأنه لا يصح نقلها عن ابن عباس إلا بتأويل عقد النية، ثم إظهار الاستثناء. وبدون هذا التأويل لا يصح الاستثناء. لاتفاق أهل اللغة على خلافه. وإلا لم يكن من تمام الكلام، كما لا يتم معنى المبتدإ بدون الخبر، ولا الشرط بدون المشروط (3).
والموقف الوسط يقتضي جواز المهلة للاستثناء، مادام الفكر متصلا بالموضوع، أو هو في اتصال المجلس. أما اشتراط النية من أول وهلة، ففيه تكلف غير مسلّم، وهذا ما يفسر به استثناء النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: «لأغزون قريشا». أما إطلاق العنان للاستثناء بلا حدود في النية والزمن، فخروج عن قيود اللغة وضوابط العرف (4).
وشواهد الاستثناء في القرآن كثيرة، والاستثناء في معظمها متصل. ومن ذلك قوله تعالى: وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَا [النساء:192. وقوله: {وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَفِظُونَ إِلَّا عَلَى أَزْوَجهِمْ} [المؤمنون: 6/ 5]. وقوله: وَأَن تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سلف} [النساء: 23]. وورد الاستثناء منفصلا في القرآن، ومنه قوله تعالى: لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالمَجهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ [النساء:95]. فسأل ابن أم مكتوم عن حاله، فأنزل الله قوله غَيْرُ أُولِي
1) أخرجه ابن حبان عن ابن عباس وأبو داود عن عكرمة القرشي. صحيح ابن حبان كتاب الأيمان ذكر نفي الحنث عن من استثنى في يمينه بعد سكتة يسيرة، حديث: 4407.، سنن أبي داود، كتاب الأيمان والنذور، باب الاستثناء في اليمين بعد السكوت،
حديث: 2874.
2 الوارجلاني، العدل، 2: 166.
3) الغزالي، المستصفى، 2: 165 فما بعد.
4) لتفصيل الأقوال في تحديد زمن الاستثناء ينظر السالمي، طلعة، 1: 147/ 146.
435 (1/435)
صفحة 434
الباب الثاني: اجتهادُ التَّفسِي
الضرر [النساء: 195.
وقال ابن جعفر: إن من استثنى في يمينه فقال: إن شاء الله متصلا باليمين، فليس عليه حنث لأنه قد استثنى، والاستثناء يهدم الأيمان. إلا أيمان
الطلاق والظهار والعتق والنكاح فإنها لا يهدمها الاستثناء» (1).
= شرط اتحاد الجنس:
وهو
اتحاد الجنس بين المستثنى والمستثنى منه حتى يحصل الاستثناء حقيقة. وإن اختلف الجنس كان الاستثناء مجازيا.
وذكر الوار جلاني أن الاستثناء من غير الجنس لا يقع به التخصيص، لأنه لا يخرج من الجملة بعض ما تناوله (2). ولكن استعملته العرب في كلامها، وورد به القرآن؛ وفيه تكون "إلا" بمعنى "لكن". فقال تعالى: يَأَيُّهَا الذين ءَامَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَن تَكُونَ تجرةً عن تراض مِّنكُمْ [النساء: 29]. وليست التجارة من الباطل في شيء (3). وقال: {فَسَجَدَ الْمَلَيْكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ إِلَّا إِبْلِيسَ [ص: 174/ 73.
و
وإبليس ليس من جنس الملائكة. بل هو أب الجن.
ونص السُّوفِي أن من جعل إبليس من الملائكة فقد أشرك (4). وفي مسائل الاجتهاد ذهب الإباضية إلى عدم جواز الاستثناء من غير الجنس، فإذا أقر رجل لرجل بدينار إلا درهما لزمه الدينار وبطل استثناؤه في الدرهم. وهو شبيه بمن أقرّ لرجل بدينار إلا جملا، أو بألف دينار إلا شاة، فهذا غير معقول، لأن الاستثناء كالتخصيص والمخصوص إخراج بعض الشيء من المذكور.
وجوز أبو حنيفة ذلك (5)، وأيده ابن بركة بقوله: (والنظر يوجب عندي جواز ذلك، لأنهما يقعان جميعا مضمونين في النفس، فلما اجتمعا في باب
1) ابن جعفر، الجامع، 3: 427.
2 الوار جلاني، العدل، 2: 166 3 الوار خلاني، العدل، 2: 166. 4) السوفي، السؤالات، 52.
5) السخسي أصول السرخسي 2 42 ابن عبد الشكور، مسلم الثبوت، 1: 316.
436 (1/436)
صفحة 435
الفصل الثاني: العُموم والخصوص
،الضمان جاز استثناء أحدهما من الآخر» ... واستدل باستثناء إبليس من
الملائكة في آية السجود (1). شرط عدم الاستغراق:
=
اتفق أهل اللغة أنه لا يجوز استغراق المستثنى للمستثنى منه، وإلا لبطلت فائدة الاستثناء. وهو عبث ينزّه عنه كلام الشارع.
واختلفوا في المقدار الجائز بعد ذلك، فمنع بعضهم استثناء الأكثر، وأجازه آخرون، وإن كان مستقبحا لمخالفته مقتضيات بلاغة الكلام، ولكن كلما قل الاستثناء زاد حسنا (2).
ووقوعه في القرآن دليل جوازه. قال تعالى على لسان إبليس: {قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ [ص: 82/ 83].
AS
}
وقال: إِنَّ عِبَادِى لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَنَّ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ}
[الحجر:42].
فاستثنى أولاً القليل من الكثير، وثانياً الكثير من القليل (3). وقال في حديث قدسي: يا عبادي كلكم جائع إلا من أطعمته، كلكم عار إلا من كسوته، كلكم ضال إلا من هديته (4). فشمل الاستثناء الأكثر
والأقل (5).
ج - تعقب الجمل بالاستثناء:
إذا ورد الاستثناء بعد جمل معطوف بعضها على بعض، فهل يعود عليها
جميعا أم يعود على آخرها؟
1) ابن بركة، الجامع، 2: 282.
2 الوار جلاني، العدل:2 167 - السالمي، طلعة، 1: 150/ 149.
3) الملشوطي، الأدلة، 7 و.
4) أخرجه مسلم والبيهقي وأحمد عن أبي ذر الغفاري.
صحيح مسلم، كتاب البر والصلة والآداب، باب تحريم الظلم، حديث:4780.
السنن الكبرى للبيهقي، كتاب الغصب باب تحريم الغصب وأخذ أموال الناس بغير حق،
حديث: 10751.
مسند أحمد بن حنبل، مسند الأنصار، حديث أبي ذر الغفاري، حديث: 20893
5 السالمي، طلعة، 1: 150.
437 (1/437)
صفحة 436
الباب الثاني: اجتهَادُ التَّفسِير
ذهب الشماخي إلى أنه يعود إلى الجميع، إلا أن تمنع من ذلك قرينة مانعة.
وأيده السَّالِمِي في هذا القول (1). وقال: وهو قول الشافعي وغيره (2). وذهب الوار جلاني إلى أنه يعود إلى أقرب مذكور، وهو الجملة الأخيرة. وإلى هذا ذهب أبو عبد الله البصري والحنفية (3)، وإن كان لأبي الحسين تفصيل في كلامه بين ما إذا لم يكن في المعطوف الأخير إضراب عن ما قبله، فيصح عود الاستثناء إلى الجميع، وبين أن يكون فيه فلا يعود الاستثناء إلا إلى الأخير (4). عودة الاستثناء إلى أقرب مذكور أمر متيقن، وما سواه
أن وحجتهم مشكوك، فتمسكنا بالأمر اليقين (5).
وتوقف الغزالي والباقلاني لاستواء الاحتمالين، لأن التعميم والتخصيص في عود الاستثناء، وردا في لسان العَرَب جميعا. وترجيح أحدهما بلا دليل تحكم، فوجب التوقف (6). وذكر السالمي في المسألة ستة أقوال أشهرها هذان، ثم رجح الأول، وقال بأنه حكاه عكرمة عن ابن عباس، وهو قول أبي عبيدة والعامة من فقهائنا، وأنه لا خلاف في رجوعه إلى الأخيرة أو إلى الجميع مع القرينة. وإنما الخلاف عند عدم القرينة (7).
وتجلت ثمرة الخلاف في هذه القضية في تفسير آية القذف في سورة النور وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَتِ ثُمَّ لَوْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَنِينَ جَلْدَةً وَلَا نَقْبَلُوا هُمْ فَهَدَةٌ أَبَداً وَأَوَلَيْكَ هُمُ الفَسِقُونَ إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حِيمٌ} [النور: 5/ 4]. فهل يعود الاستثناء إلى الوصف بالفسق ورد الشهادة، فلا تقبل شهادة القاذف وإن تاب. أم يعود إلى الجميع؟
1) السالمي، طلعة، 1: 151. 2 البيضاوي، منهاج الوصول إلى علم الأصول، 2: 104. أبو الحسين البصري، المعتمد، 1:
245 - السرخسي، أصول السرخسي، 2: 44.
(3) أبو الحسين البصري، المعتمد، 1: 245. 4 أبو الحسين البصري، المعتمد، 1: 245.
(5) الوار خلاني، العدل، 2: 168. 6) الغزالي، المستصفى، 2: 177. 7) السالمي، طلعة، 1: 152.
438 (1/438)
صفحة 437
*
الفصل الثاني: العُموم والخصو
ذهب بعضهم إلى عود الاستثناء إلى الجميع. ويُستثنى منه الحد، لأنه لا تسقطه التوبة إجماعا. وهو قول الشافعي (1)
بينما ذهب آخرون إلى أن توبة القاذف لا تسقط وصف الفسق عنه (2). وإلى القول الثاني ذهب الربيع بن حبيب وقال بعدم قبول شهادة القاذف وإن تاب فالتوبة لا ترفع ردّ الشهادة عنه (3).
وهو قول الإباضية؛ رغم اختلافهم في قاعدة الاستثناء. رجوع فالقائلون بعدم رجوع الاستثناء إلى الجميع ظلوا أوفياء لقاعدتهم، والقائلون بتشريك الجميع اعتبروا أن القرينة منعت من التشريك هنا، فلا يعود الاستثناء على الجميع. والاتفاق بين العلماء حاصل على عودة الاستثناء على وصف الفسق، وعدم عودته على الحد، ويبقى رد الشهادة مترددا بين الإبقاء والإلغاء. والمسألة فيها جدل طويل بين الفقهاء (4).
-4 - الإطلاق والتقييد يُدرج جمهور الأصوليين المطلق والمقيد تحت أحكام الخاص، والخاص كما سبق تعريفه هو اللفظ الدال على مسمّى واحد محصور، سواء كان فردا أم نوعا أم جنسا. فالفرد كأسماء الأعلام، والنوع كرجل وامرأة، والجنس كإنسان
وحيوان ونبات. ويندرج المطلق تحت الواحد بالنوع والواحد بالجنس (5). وعرفه السَّمَّاخِي بأنه ما دلّ على شائع في جنسه، والمقيد بخلافه» (6). وأوضح أن دلالته تحتمل أشخاصا كثيرة تندرج تحته. ولكنه لا يستغرقها، وبذلك فارق العامّ. لأن العام يتناول أفراده تناولا شموليا، والمطلق يتناولها
1) الشافعي، الأم، 7: 89.
2) أبو الحسن البسيوي جامع أبي الحسن البسيوي، 4: 107.
(3) السوفي، السؤالات، 53 - الجناوئي، الأحكام، 46 (هامش المحقق).
(4) ينظر: السالمي، طلعة، 1: 152/ 153.
(5) الدريني، المناهج الأصولية، 659658 - عبد الكريم زيدان الوجيز في أصول الفقه، 263. 6 الشماخي شرح المختصر، تحقيق مهني التيواجني، 414.
439 (1/439)
صفحة 438
الباب الثاني: اجتهاد التفسير تناولا بدلياً».
وعلى نهج الشَّمَّاخي سار السَّالِمي تعريفا وتوضيحا (2).
?
ولا نجد هذا التعريف الدقيق لدى متقدمي الإباضية. فقد عرفه الملشوطي
والسوفي تعريفا غير مانع، إذ جعلا حدّ المطلق كل لفظ عقل المراد منه
بلفظه، وجرى على ظاهره والمقيد ما اعترض به على المطلق فمنع من جريانه على ظاهره. وقيل: حد المقيّد إسقاط بعض صفات المطلق» (3).
وأوردا نماذج تصلح للعام والخاص وللإطلاق والتقييد.
فالمطلق مثل قوله تعالى: {وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَن فِي الْأَرْضِ} [الشورى:5]. والمقيد قوله: وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ ءَامَنُوا رَبَّنَا [غافر:7]. والواقع أن الآية
الأولى
والثانية تخصيص. عموم ومنه قوله تعالى: وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ [البقرة: 282]. مطلق، قيده قوله: وَأَشْهِدُوا ذَوَى عَدْلٍ مِنكُمْ} [الطلاق:2]. فالأمر بالإشهاد مطلق في الأولى، ثم قيد بشرط العدالة في الثانية (4).
ولم يتعرض الوَارِجلاني لتعريف المطلق والمقيد، بل اكتفى باعتبارهما مما يتصل بالعام والخاص، وذكر مقيدات المطلق، وأورد أمثلة فيها تداخل بين الإطلاق والعموم (5).
أما ابن بركة فعمد إلى الاستناد إلى لغة العَرَب في إثبات المطلق والمقيد، دون تحديد المفهوم منهما اكتفاء بالمعنى الشائع في أذهان الناس، فقال: «إن الله خاطبنا بما تعقل العَرَب في لغتها، والعَرَب تعقل بالمقيد ما لا تعقل بالمطلق،
وتعقل بالمطلق ما لا تعقل بالمقيد» (6). وأورد نماذج لتمييز معنى القول، فقد يكون باللسان أو بغيره. ومنه قوله
1 الشماخي شرح المختصر، تحقيق مهني التيواجني، 414.
(2) السالمي، طلعة، 1: 75.
3) المَلْشوطي، الأكلة، 6 و. - السوفي، السؤالات، 107.
4 السوفي، السؤالات، 107.
(5) الوار جلاني، العدل، 2: 169/ 168.
6) ابن بركة، الجامع، 1: 198.
?440
440 (1/440)
صفحة 439
الفصل الثاني: العموم والخصوص
تعالى: وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَعْلُولَةً [المائدة: 64]. والإطلاق يوجب كونه قولا باللسان واعتقادا بالقلب. وفي موضع آخر قال: يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِم مَّا لَيْسَ في قُلُوبِهِمْ} [الفتح: 11]. فقيده بكونه باللسان. وقال أيضا: {وَيَقُولُونَ فِي
أَنفُسِهِمْ لَوْلَا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ [المجادلة: 8]. فسمى اعتقاد الضمائر قولا. وخلص ابن بركة إلى أن اللفظ عند إطلاقه يُفهم منه معنى غير ما يُفهم عند التقييد (1). ثم قرر أن الخطاب إذا ورد مطلقا فهو على إطلاقه، وإذا ورد مقيدا فهو على تقييده، إلا أن يخص ذلك دليل» (2).
وتعرض الملشوطي لبيان التقييد وبم يكون، «فهو بيان المطلق وتفسير المراد منه، وقد يدخل ذلك في الأعيان والأزمان والأعداد ويكون بمثل ما يكون به التخصيص سواء» (3).
وارتباط التقييد بالمطلق له صُور: = فقد يكون مقارنا للمطلق، فيُحمل عليه. ومثل له بقوله تعالى: فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ} [المائدة: 6] ثم قال: فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا [المائدة: 6]. فقيد الغسل بالماء.
وقال في الحج فَمَن تَمَنَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجَ [البقرة: 196] ثم قيده بقوله:
ذَلِكَ لِمَن لَّمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِى الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} [البقرة: 196]. وقد يكون التقييد متصلا كأمره تعالى في كفارة الظهار بتحرير رقبة مؤمنة. وقد يكون غير متصل كإطلاقه الشهادة في موضع، وتقييده إياها في
موضع آخر بالعدالة (4).
- حمل المطلق على المقيد
الإطلاق والتقييد وصفان يتعاوران الألفاظ، وقد يتجاوران أو ينفصلان.
وقد يُحمل المطلق على المقيد أحيانا.
وحمل المطلق على المقيد من المباحث الهامة في قواعد تفسير النصوص.
1) ابن بركة، الجامع، 1: 198.
2 ابن بركة، الجامع، 1: 99. = 2: 521. العوئبي، الضياء، 2: 242.
3) الملشوطي، الأدلة، 7 و.
4 - الملشوطي، الأدلة، 6 و/6 ظ.
441 (1/441)
صفحة 440
الباب الثاني: اجتهاد التفسير والمراد بحمل المطلق على المقيد سحب القيد الذي ورد على المقيد على المطلق وإشراكهما معًا في نفس القيد. وبعبارة أخرى تقديم العمل بالمقيد باعتباره بيانا للمطلق (!). وجمهور الأصوليين على القول بحمل المطلق على المقيد، ولكن ليس في كل الحالات، فثمة صور متفق عليها، وأخرى محل خلاف. كما ذهب فريق إلى أنه لا يُحمل أحدهما على الآخر مطلقا.
وقد حكى الوَارجُلانِي الآراء في المسألة، وجعلها ثلاثة:
=
1 قائلون بعدم الحمل، وأنه الأصل، لأن كل نص حجة بنفسه. وهذا كما يصفه الغزالي صحيح على مذهب من لا يرى بين الخاص والعام تقابل الناسخ والمنسوخ» (2). 2 قائلون بأن الحمل هو الأصل، لأن النصوص يفسر بعضها بعضا.
3 - قائلون بالحمل مع اشتراط القرينة الداعية إليه (3). والمختار هو التفصيل وفق التقسيم الذي استقر لدى متأخري الأصوليين، وهو القسمة الرباعية:
=
=
- اتحاد الحكم والسبب. - اختلاف الحكم والسبب.
=
=
اختلاف الحكم واتحاد السبب - اتحاد الحكم واختلاف السبب.
أ= اتحاد الحكم والسبب:
ومعناه اتحاد الحكم واتحاد السبب الذي شرع من أجله الحكم (4). وهو ما يسميه الغزالي اتحاد الموجب والموجب (5). حيث يكون النصان من جنسين متفقين، فيُحمل المطلق منهما على المقيد. وهذا محل اتفاق بين الأصوليين. بل جعل السَّالِمِي هذا الحمل واجبا (6). ومثاله إيجاب الشهود في العقود مطلقا، ثم تقييدهم بوصف العدالة وَأَشْهِدُوا ذَوَى عَدْلٍ مِّنكُمْ} [الطلاق:2]. فأجرينا
1) الدريني، المناهج الأصولية، 676.
2) الغزالي، المستصفى، 2: 185. 3 الوار خلاني، العدل، 2: 171/ 170. 4 الدريني، المناهج الأصولية، 678. (5) الغزالي، المستصفى، 2: 185.
6 السالمي، طلعة، 1: 77.
442 (1/442)
صفحة 441
الفصل الثاني: العُموم والخصوص
التقييد واشترطنا العدالة في كل شهادة حملا للمطلق على المقيد لاتحاد الحكم
والسبب (1).
ب اختلاف الحكم والسبب
إذا اختلف الحكم والسبب الموجب له، لم يُحمل مطلق على مقيد، وأجرينا كلاً منهما في محله اتفاقا. إذ لا ارتباط بين النصين أصلا. فلا داعي لحمل أحدهما على الآخر. وذلك مثل كفارة القتل خطأ، وهي إعتاق رقبة مؤمنة ومَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَنَا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أهله} [النساء: 92]. ووجوب الشهادة في الزنا ثُمَّ لَوْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدة انا [النور: 4]. فلا يُحمل مطلق الشهادة في الزنا على مقيد الرقبة في الكفارة إجماعا (2).
ج= اختلاف الحكم و اتحاد السبب:
هذا النوع سمّاه الوَارِجُلانِي، اتفاق الجنس واختلاف الحكم، وفيه يبقى المطلق على إطلاقه والمقيد على تقييده. مثل الصوم الذي أوجبه الله في كفارة القتل الخطا، وكفارة الظهار متتابعا فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ متتابعين [النساء: 192 فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَام شهرين متتابعين [المجادلة: 4]. والصيام الذي أوجبه على المتمتع بالعمرة إلى الحج، إذا لم يجد الهدي أو المال فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجَ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ [البقرة: 196]. فلا يُحمل أحدهما على الآخر إجماعا (3).
د اتحاد الحكم واختلاف السبب: وذلك كوجوب عتق الرقبة، الذي ثبت بعدة أسباب، منها الظهار، وهتك حرمة رَمَضَان، وقتل الخطإ.
ففي الظهار وردت الرقبة مطلقة فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِّن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَا [المجادلة:3]. وقيدت في قتل الخطا بالإيمان وَمَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَا فَتَحْرِيرُ
1) الوَارِجُلانِي، العدل، 2: 170 - السوفي، السؤالات، 107.-السالمي، طلعة،1: 81. 2 الوار خلاني العدل 2: 170 - السوفي، السؤالات، 107. -السالمي، طلعة، 1: 81. 3 الوار خلاني، العدل، 2: 171.
?443]
443 (1/443)
صفحة 442
الباب الثاني: اجتهاد التفسير
رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إلى أَهْلِهِ} [النساء: 192.
وهنا تباينت أنظار أهل الأصول،
=
?
- فذهب الجمهور إلى حمل المطلق على المقيد بدون شرط (1). وهو رأي ابن بركة (2) والشافعي (3). ولذلك يرى ابن بركة أن كفارة الظهار وكفارة قتل الخطإ واليمين لا يُجزئ فيها غير المؤمنة لأن إحداهما مجملة والأخرى مفسرة. فكانت المفسرة حاكمة على المجملة. فوصف الإيمان زيادة، وعنده أن الأخذ بالزيادة واجب وفائدة مقبولة (4).
=
- وذهب الحنفية إلى عدم الحمل (5). وهو قول محمد بن محبوب من الإباضية (6). ومعتمد الحنفيّة أن الداعي إلى الحمل هو التعارض، وهذا نتيجة لعدم أخذهم بمفهوم المخالفة، لأن مفهوم المخالفة للمقيد عدم إجزاء ما خلا عن التقييد، وهو المطلق، فوجب رفع التعارض بحمل المطلق على المقيد. وهم لا يأخذون بهذا المفهوم، بل يعدونه من التمسكات الفاسدة، فلا تعارض إذن، ولا إشكال.
=
وفرق قوم في المسألة، ومنهم السوفي، إذ قال بالنظر في المقيد، «فإن عارضه مقيد آخر، لم يُحمل المطلق على واحد من المقيدين، وذلك مثل الصوم
في الظهار قيده الله بالتتابع، وفي التمتع للمحرم قيده بالتفريق، وأطلق في
كفارة اليمين؛ فلا يُحمل المطلق على واحد من هذين المقيدين، بل يُعتبر بنفسه. وقال ابن مسعود بل يُردّ حكم المسكوت عنه إلى حكم المنطوق به. وهو قولنا في الصيام. وإن لم يعارض المقيد مقيد آخر كالرقبة التي قيدت
1) ابن بركة الجامع:2 88 الوار خلاني العدل 2 170 - السالمي، طلعة 1: 80 - الدريني، المناهج الأصولية، 684. (2) ابن بركة الجامع، 2: 88. وذكر الباحث جابر السعدي، أنه لم يجد هذه المسألة في شيء من كتب ابن بركة، والصحيح وجودها في هذا الموضع. ينظر جابر السعدي، ابن بركة وآراؤه الأصولية، 97.
(3) الأسنوي، نهاية السول، 2: 430.
4 ابن بركة، الجامع، 2: 88.
5 ابن عبد الشكور، مسلم الثبوت 1 365. الآمدي، الإحكام، 3: 6. – النسفي، كشف
الأسرار، 1: 425
6) السالمي، طلعة، 1: 78 - 1: 80.
444 (1/444)
صفحة 443
?
الفصل الثاني: العموم والخصوص
بالإيمان في كفارة القتل، وأطلقت في كفارة الظهار، حملنا المطلق على
المقيد» (1).
وربما عبر بعضهم عن عدم المانع باشتراط وجود جامع بين المطلق والمقيد لجواز الحمل، وإلا لم يُحمل أحدهما على الآخر (2). وجعله من باب القياس لوجود هذا الجامع، فكأنه ردّ للمسكوت عنه إلى المنطوق به. ومثلوا له بما سبق من حمل كفارة الظهار على كفارة قتل الخط (3).
واختار هذا التفصيل محققو الشَّافِعِيّة كالشيرازي والرازي والبيضاوي (4). وهو ظاهر كلام الوار جلاني، فهو يرى أن الشهادة في النكاح غير الشهادة في الطلاق، لأن تبعات كل شهادة تختلف عن تبعات الأخرى. ولذلك لم يحمل مطلق شهود النكاح الوارد في الحديث لا نكاح إلا بولي وصداق وبينة» (5)، على مقيد شهود الطلاق وَأَشْهِدُوا ذَوَى عَدْلٍ مِنكُم [الطلاق:2]. وقال: يتم النكاح بشهادة من ليس بعدل، بل بفاجر لا تقبل له شهادة» (6). وهو قول الشماخي أيضا (7).
ويترجح هذا القول الأخير لوجاهته.
ولا نرى موافقة القول بحمل المطلق على المقيد دون قيد أو شرط، ففي كفارة القتل وكفارة الظهار، توجد علة جامعة بين السببين هي حرمة النفس وحرمة العرض، وغايةٌ تجمع بين الحكمين وهي تشوف الشارع إلى تحرير الرقاب المؤمنة. فكان هناك داع وجية لحمل المطلق على المقيد رغم اختلاف السببين بينهما. ولولا هذا الاشتراك لما كان الحمل مستساغا، ولأن الحمل بلا حاجة ودليل تحكم مخالف لوضع اللغة (8).
1) السوقي، السؤالات، 108.
2) السالمي، طلعة، 1: 78.
(3) العوئبي، الضياء 3 - 200 - السالمي، طلعة، 1: 80/ 81.
4 البيضاوي، منهاج الوصول 2 139 الآمدي الإحكام 2 5. محمد أديب صالح
تفسير النصوص، 2: 216.
5) سبق تخريجه.
6 الوار خلاني، العدل، 2: 171.
7) الشماخي، شرح المختصر، تحقيق مهني التيواجني، 416.
8) الغزالي، المستصفى، 2: 185.
445 (1/445)
صفحة 444
الباب الثاني: اجتهاد التفسير
ولا نسلّم لمن يدعو إلى مطلق الجمع بين المطلق والمقيد بدعوى أن اتحاد الحكم بين النصوص يوجب التنسيق بينهما في الإطلاق والتقييد، لأن اعتبار الوحدة التشريعية في كلام الله وأحكامه إنما تكون عند الحاجة إلى التفسير، وتكون هذه الحاجة بصفة جلية عند حصول تعارض حقيقي بين النصوص، أو جامع يقتضي اتحاد الأحكام. ولولا ذلك للزم أن يتقيد كل عام ومطلق بكل خاص ومقيد، وهذا عين الخلط الذي عدّه إمام الحرمين من فنون الهذيان (!)
1) محمد أديب صالح تفسير النصوص، 2: 222
446 (1/446)
صفحة 445
الفصل الثالث: الأمر والنهي
الفصل الثالث: الأمر والنهي
تمهيد أهمية الأمر والنهي في التكليف الأمر والنهي عماد التكليف، وهما أول ما خوطب به آدم من قبل الخالق وَقُلْنَا يَتَادَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا نَقَرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ} [البقرة: 35]. وقد لخصت هذه الآية قصة الإنسان مع التكليف وارتباط الأمر والنهي بالجزاء.
ومن الأمر والنهي استفاد أهل الأصول الأحكام التكليفية؛ فحقيقة الأحكام الشرعية خطاب الله على الصادر بها، فإن صدر بأمر فهو الفرض، وإن صدر بنهي فهو التحريم، وإن صدر بتخيير فهو الإباحة. ويتفرع الندب عن الأمر، ويتفرع عن النهي الكراهة (1). فالأمر والنهي عماد التشريع وصلب مباحث علم الأصول، فكانا أحق ما يُبدأ به في البيان لأن معظم الابتلاء بهما، وعليهما مدار الإسلام، وبمعرفتهما تتم معرفة الأحكام ويتميز الحلال من الحرام (2).
،
ومن الأصوليين من يبدأ التصنيف بمباحث الأمر والنهي مكتفيا بها عن تفصيل الحديث في قضايا الحكم الشرعي، لأن الأحكام الشرعية لازمة عن الأمر والنهي. كما تبين (3). بل جعل الوارجلاني حقيقة الأمر والنهي هي التكليف (4) لأنه لازم عنهما. ومعنى التكليف من الله لعباده هو الإلزام لطاعته، وهو الأمر والنهي (5). الطاعة والمعصية نتيجة الأمر والنهي امتثالا أو إهمالا. وقد استفاضت مباحث الأصوليين في مجال الأمر والنهي؛ في حقيقة كل منهما وصيغه ودلالاته تصريحا والتزاما أو اقتضاء وتضمنا. والحكم عند
1) البرادي، رسالة الحقائق، 8.
(2) السالمي، شرح طلعة الشمس 1 35 - السرخسي، أصول السرخسي، 2:11. 3) ينظر: أبو الحسين، البصري المعتمد 1 37 الشيرازي التبصرة 17. الباجي،
الإشارات، 9.
4 الوارجلاني، الدليل، طبعة عمان. 3: 16.
المزاتي التحف المخزونة، 6 و.
TumB
447 (1/447)
صفحة 446
K
الباب الثاني: اجتهاد التفسير
اجتماعهما، وعند تعارضهما، وغير ذلك من المباحث المبسوطة في كتب
الأصول.
ويستمر خطنا في إماطة اللثام عن أهم ما أدلى ما به الإباضية في هذا
الميدان.
المبحث الأول: الأمر وقضاياه 1 - مفهوم الأمر وصيغته - مفهوم الأمر:
يطلق الأمر في اللغة على أمور، منها:
=
- القول المخصوص المعبّر عنه بصيغة "افعل". والشان: وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ} [البقرة: 210].
=
=
=
=
والصفة كقولهم: لأمر ما يسود من يسود.
أنفه. - والشيء: لأمر ما جدع قصير الغرض: فعلت هذا الأمر، أي لغرض. والمتفق عليه أنه في القول المخصوص، واختلفوا في المعاني الأخرى، هل يتناولها بالاشتراك أم بالمجاز؟ (1).
اتفقت تعاريف الوَارجُلانِي والبَرَّادِي والسَّالِمِي فيه أنه «طلب الفعل واقتضاؤه على غير وجه المسألة)) (2).
واعتبر البرادي هذا التعريف راجحا لأنه جامع مانع، يدخل فيه الوحي
والإشارة وأمور أخرى تخرج عن حد القول، تقع بالفعل وغيره (3).
1) الوَارِجلاني، العدل، 1: 64 - السَّالِمِي، شرح طلعة الشمس، 1: 35.-وحصر السوفي معانى الأمر في القرآن في 14 معنى منها القضاء الدين القول العذاب الوحي، الموت الذنب، وغيرها السوفي السؤالات 106 - ينظر أيضا: ابن السبكي، الإبهاج في شرح المنهاج، 2 14 فما بعد. - وقد بلغ بعضهم بمعاني الأمر إلى عشرين معنى عبد العزيز البخاري، كشف الأسرار، 1: 107 فما بعد.
(2) الوَار خلاني العدل، 1: 64 - البَرَّادِي، رسالة الحقائق 13 - السالمي، شرح طلعة الشمس،
35:1
3) البَرَّادِي، الحقائق، 14.
448 (1/448)
صفحة 447
K
الفصل الثالث: الأمر والنهي
وثمة تعاريف أخرى غير مرتضاة؛ فقد عرفه السوفي بأنه «الاستدعاء إلى الفعل» (1). وقال العوتبي: حد الأمر ما يكون المأمور بامتثاله طائعا، وبتركه عاصيا وقيل ما لا يجوز تركه بحال» (2).
وعلى هذه التعاريف اعتراضات لا نطيل بذكرها.
ومعظم التعاريف تراعي شرط الاستعلاء في الأمر، بينما لا يراه بعض الأصوليين داخلا في حقيقة الأمر. ولذلك عرّفه الغزالي بأنه «القول المقتضي طاعة المأمور بفعل المأمور به ورجّح بأن الطاعة ليست واجبة في كل أمر، بل الطاعة لا تجب إلا الله تعالى (3).
أما في لسان العرب فيصح صدور الأمر من الند إلى نده وهو الالتماس،
ومن الأدنى إلى الأعلى من العبد إلى سيده، وهو الدعاء (4). والحقيقة أن اللغة تؤيد هذا الرأي إذ تحدد معاجم اللسان الأمر بأنه ضد النهي، ولم يرد فيها قيد الاستعلاء (5).
ولكن الاصطلاح يقيد الاستعمال ويحدد معاني الألفاظ. ففي باب الشرائع والتكليف تتجه الأوامر والنواهي من الخالق الذي له اختصاص التشريع، إلى المكلفين الذين عليهم واجب الامتثال. ولذلك سارت معظم تعاريف الأصوليين على اعتبار هذا القيد فقالوا: «الأمر استدعاء الفعل
بالقول ممن دونه» (6)، أوهو طلب الفعل على جهة الاستعلاء)) (7). وقد ردّ ابن بركة على ما ذهب إليه بعض المعتزلة من أن الأمر والمسألة يقعان على حدّ واحد، وقالوا إنه لم يسم دعاء الله ومسألته أمرا، استعظاما
1) السوفي، السؤالات، 104.
2) العوئبي، الضياء، 2: 251. 3) الغزالي، المستصفى، 1: 411.
(4) جاء في لسان العرب أمر الأمر معروف نقيض النهي أمره فأتمر: أي قبل أمره. وذكر معاني الأمر العديدة في اللغة والشرع - ابن منظور، لسان العرب، مادة أمر، 1: 125.
وقال في النهي النهي خلاف الأمر، نهاه فانتهى أي كف. م. س. 6: 4564. (5) ينظر: الفيروز أبادي، القاموس المحيط 1 465 ابن منظور، لسان العرب، 1: 96.-محمد فريد وجدي دائرة معارف القرن العشرين 1: 570.
6) الشيرازي التبصرة 17. 7) الآمدي، الإحكام، 2: 204. وقد انتقد التعاريف الأخرى واختار هذا التعريف.
449 (1/449)
صفحة 448
الباب الثاني: اجتهاد التفسير
E 3
الله تعالى، وكأنهم ذهبوا إلى أن قائلا لو قال ذلك لم يكن مخطئا، وقال: «ولسنا نذهب إلى ذلك، بل الذي نختاره انما يطلق له اسم المسألة والدعاء، ويقع على غير حدّ الأمر والنهي» (1). وذكر تفصيل أهل اللغة، أن ما كان لمن دونك فهو
أمر ونهي، وما كان لمن فوقك فهو مسألة، وإن كان الله فهو دعاء (2).
-
صيغة الأمر
تتفق كلمة الإباضية أن للأمر صيغة تُعرف به وهو قول الآمر افعل (3). وثمة صيغ أخرى تفيد الأمر كذلك، وهو المضارع المقرون بلام الأمر، لتفعل (4). وقد يُعبر عن الأمر بالقول وبالإشارة وبصورة الخبر. فمن القول قوله تعالى: قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ} [الإخلاص: 1]. ومن الإشارة قوله لأبي بكر: «ما منعك أن تصلي بالناس إذ أمرتك؟» (5). وقد أشار إليه بذلك دون كلام. ومن جهة الرمز قوله تعالى حكاية عن زكرياء: ءَايَتُكَ أَلَّا تُكَلِمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزا [آل عمران: 41].
ومن الخبر: قوله: {وَالْوَلِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ} [البقرة:
(6) [233
1) ابن بركة، الجامع، 1: 130.
2) ابن بركة، الجامع، 1: 130/ 131.
(3) ابن بركة الجامع:1: 89 العوتبي، الضياء:2 238 - السوفي، السؤالات، 106. الوار خلاني العدل 1 65 - النزوي، قواعد الهداية، 93.
4 - السالمي، شرح طلعة الشمس، 1: 36.
5 لفظ الحديث يا أبا بكر؛ ما منعك أن تثبت إذ أمرتك».
صحيح البخاري، كتاب الأذان أبواب صلاة الجماعة، والإمامة باب من دخل ليؤم الناس،
حديث: 663.
صحيح مسلم کتاب الصلاة، باب تقديم الجماعة من يصلي بهم إذا تأخر الإمام ولم يخافوا،
حديث: 668
موطأ مالك، كتاب قصر الصَّلاة في السفر، باب الالتفات والتصفيق عند الحاجة في الصلاة،
حديث: 395
الوار خلاني، العدل، 1: 65/ 64.
450 (1/450)
صفحة 449
الفصل الثالث: الأمر والنهي
ومنها ما يُعرف بالسياق، كمدح الفعل أو الفاعل إن الصلوة تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ} [العنكبوت: 45]. قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * [المؤمنون:1]. وبذكر الثواب عن الفعل وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّتٍ تجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَرُ} [الفتح: 17] (1).
،
وذكر الوارجلاني أن القول باختصاص الأمر بصورة وصيغة هو قول أكثر الفقهاء، وهو القول الأصح لدلالة استعمال أهل اللسان، وهم أرباب البيان وأصحاب هذا الشأن. وقد قسّموا الكلام فجعلوه أمرا ونهيا وخبرا واستخبارا (2). وذكروا لكل واحد صيغة معينة، وكانت صيغة الأمر "افعل" باتفاق أهل اللغة (3). ويقال أَمَرَ الله بطاعته، وفَرَضَها، وأَلْزَمَها، وأُوجَبَها، وكَلَّفَها، ورغبَ
فيها، ودعا إليها، وسَألَها من عباده. ومعنى هذا كله أمر بها (4). ولم تظل مسألة صيغة الأمر حبيسة النظر اللغوي، بل غدت مجالا بارزا لتمازج علم الأصول وعلم الكلام، ذلك أن للصيغة إطلاقات مختلفة عند كل طائفة. وقد اختلف المتكلمون حول كلام الله، وخطابه، وأمره ونهيه. فاختلفت عباراتهم في صيغ الأمر والنهي (5). وحد الكلام عند الإباضية ما استحق لمن سُمّي به متكلما وكلام) الله
عل
تعالى وقوله وخطابه واحد (6). بينما ذهب الأشاعرة إلى إثبات الكلام النفسي الله تعالى، وهو ما يقوم بالنفس من اقتضاء الطاعة. ويكون النطق عبارة عنه ودليلا عليه. وهو كالقدرة فإنها قدرة لذاتها، وتتعلق بمتعلقاتها وكذلك الكلام صفة قائمة بالنفس لها متعلقات كالإشارة والرمز والفعل والقول. وهذه الألفاظ الدالة على الأمر
(1) السوفي، السؤالات، 104. 2 الوارجلاني، العدل، 1: 65. 3 السوفي، السؤالات، 106. 4) المزاتي، التحف، 6 ظ. 5) البرادي، البحث الصادق، 1: 191 ظ. 6 الوارجلاني، العدل، 1: 42.
451 (1/451)
صفحة 450
الباب الثاني: اجتهاد التفسير
تسمّى أمرا.
وكأن الاسم مشترك بين المعنى القائم بالنفس، وبين اللفظ الدال، فيكون حقيقة فيهما، أو يكون حقيقة في المعنى القائم بالنفس. وقوله "افعل" يسمى أمرا مجازا، كما تسمّى الإشارة المعرفة أمرا مجازا (1). وقد اجتهد الغزالي في تحليل القضية وبيان وجهة نظر الأشاعرة التي يتبناها، ثم عرج على رأي المعتزلة في إنكارهم الكلام النفسي، وردّ عليهم بأن لازم قولهم أن يرتبط الأمر والإرادة، فيؤدي إلى أن وقوع المعاصي كان بأمره تعالى، وهو منزه عن ذلك. ورجّح افتراق الأمر عن الإرادة؛ فكل شيء وقع بإرادة الله ولكن المعاصي لم يأمر بها سبحانه، ولم يُستكره على وقوعها. وهذا ما اصطلح عليه بالإرادة الكونية أو القدرية التي لا تقتضي والإرادة الشرعية التي تقتضي المحبة (2). وتتفق نظرة الإباضية مع الأشاعرة في هذا التمييز بين الإرادتين، ولكنهم يختلفون معهم في قضية إثبات الكلام النفسي فهم مع المعتزلة في أن للكلام صيغة وصورة، ولذلك انبروا للدفاع عن موقفهم، وردوا على الأشاعرة قولهم بالكلام النفسي، وأن المعتبر هو اللفظ المسموع لا ما في نفس الله تعالى، فإنه
المحبة،
لا يحيط به أحد علما (3). وورود الأوامر الكثيرة في القرآن بصيغها يحسم هذا الخلاف؛ من مثل قوله تعالى للملائكة: وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَكَةِ اسْجُدُ والادم} [البقرة: 34]. فهو صيغة صريحة في الأمر. ولم يُخبرنا الله تعالى بأنها كانت إشارة أو دلالة على
العبارة الدالة على المعنى القائم بالنفس (4).
وأطال الوارجلاني في تفصيل هذه القضية ثم ختمها بقوله: «والكلام في
هذه المسألة في أصول الديانات» (5).
(1) الغزالي، المستصفى، 1: 412/ 413. 2) الغزالي، المستصفى، 1: 416/ 413.
3 السوفي، السؤالات، 106 - البرادي، البحث الصادق، 1: 191 ظ/ 192 ظ.
4 البَرادِي، البحث الصادق، 1: 195 و.
(5) الوار خلاني، العدل، 1: 44/ 42.
452 (1/452)
صفحة 451
الفصل الثالث: الأمر والنهي
2 - دلالة الأمر لم يختلف الأصوليون في ورود الأمر لمعان عديدة خارجة عن مجرد طلب الفعل، وذلك على سبيل المجاز. وعدّدوا وجوها كثيرة لهذه المعاني؛ ومنها: التعجيز، والتكوين، والتكريم والإهانة، والتصغير، والتهديد، والإطلاق بعد الحظر والإباحة، والتعجيب، والدعاء والإرشاد واليأس، والتحضيض والترغيب.
وأوردوا لهذه المعاني شواهد من القرآن الكريم (1).
وولع بعضهم بتعداد هذه الوجوه حتى بلغ بها خمسة عشر معنى، وعقب الغزالي بأن هذا شغف من الأصوليين بالتكثير وبعضها متداخل (2). وليس ذلك خارجا عن لسان العَرَب، فإن الله خاطبنا بما تعقل العرب من كلامها (3). ولكن الخلاف في تحديد دلالة الأمر الحقيقية هل هي للوجوب أم الندب؟ أم للقدر المشترك بينهما؟ أم لمجرد الطلب؟. - الأمر بين الوجوب والندب
ذهب الإباضية إلى أن الأمر في دلالته الحقيقية للوجوب، كما أن النهي للتحريم ما لم ترد قرائن تصرفه عن ذلك إلى الندب أو غيره من المعاني المجازية. فكل ما أمر الله به في كتابه فهو فرض، وما نهى عنه فحرام. وهو
قول الجمهور الأعظم من أهل العلم من مختلف طوائف المسلمين (4).
1) ابن بركة الجامع:1: 92/ 89 2 521/ 520 - العوئبي، الضياء، 2: 248/ 239. الوار جلاني، العدل، 1: 66 - الملشوطي، الأدلة، 3 و 3. - السوفي، السؤالات، 105.-الشماخي، شرح مقدمة التوحيد، 98/ 97 - الغزالي، المستصفى، 1: 418/ 417.
(2) الغزالي، المستصفى، 1: 418. 3 ابن بركة، الجامع 1: 92.
4 الخراساني، المدونة 2: 237. ابن بركة الجامع، 1: 2.581 520. = 2: 555. العوئبي، الضياء، 2: 246 الحضرمي الدلائل والحجج 10 و - السوفي، السؤالات،105/ 104. - الجيطالي، القواعد، 1: 113 - البَرَّادِي، البحث الصادق 1 195 و – الشماخي، شرح مقدمة التوحيد، 98. - التلاتي، رفع التراخي، 2 و. - اطفيش، شامل الأصل والفرع، 1: 51.= شرح النيل، 2 84. = شرح عقيدة التوحيد، 340 - السالمي شرح طلعة الشمس، 1: 38. ومن المصادر غير الإباضية القرافي شرح تنقيح الفصول 1 150. -عبد العزيز البخاري، كشف الأسرار، 1: 108 السرخسي أصول السرخسي:1 17/ 15 – ابن حزم، الإحكام، 3:
453
E 3 (1/453)
صفحة 452
الباب الثاني: اجتهاد التفـ
=
- احتج أهل الوجوب بأن ذلك دلالة اللغة
من
E 3
التي خاطبنا الله بها،
والعَرَب تعقل من خطابها أنه إذا أمر من تجب طاعته والانقياد له، كان على المأمور إتيان ما أمر به لزاما (1).
=
: وفي القرآن لفيف من الآيات تؤكد هذا المعنى. من ذلك قوله تعالى: فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ اليم [النور:63]. وقوله: وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُّبِينًا} [الأحزاب:36]. وقوله لإبليس: مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ} [الأعراف: 12]. وهذا كالنص في الموضوع أن الأمر للوجوب. ولذلك استحق إبليس اللعنة والطرد لما عصى ربه وبادرت الملائكة إلى الامتثال
=
ومن السنة قول النبي البريرة مع زوجها مغيث: «لو راجعتيه. فقالت:
يارسول الله، ابأمرك؟ فقال: لا، إنما أنا شافع. فقالت: لا حاجة لي به» (2).
?
فقد فرق النبي بين الشفاعة والأمر، لأن طاعته في الشفاعة مندوب
إليها، وليست لازمة.
2 فما بعدها. - ابن قدامة روضة الناظر 2 70 - الآمدي الإحكام، 2: 210. أبو الحسين البصري، المعتمد 1 50 - شرح الأسنوي 2 251 - النسفي كشف الأسرار، 1: 50. = 1: 140. السبكي الإبهاج شرح المنهاج:2: 27/ 21. المدخل إلى مذهب الإمام أحمد، 226 - الزحيلي أصول الفقه، 1: 219/ 222.
(1) العوئبي، الضياء، 2: 139 - اطفيش، شامل، 1: 51.
-
(2) لفظ الحديث: عن ابن عباس، أن زوج بريرة كان عبدا، يقال له: مغيث، كأني أنظر إليه يطوف خلفها يبكي ودموعه تسيل على لحيته، فقال النبي للعباس: " يا عباس، الا تعجب من شدة حب مغيث بريرة، ومن شدة بغض بريرة مغيثا "، فقال لها: " لو راجعتيه فإنه أبو ولدك "، قالت: يا رسول الله، أتأمرني به؟ قال: " إنما أنا شافع "، قالت: فلا حاجة لي فيه. صحيح ابن حبان كتاب الطلاق ذكر الخبر المصرح بأن زوج بريرة كان عبدا لا حرا،
حديث: 4335.
سنن أبي داود، كتاب الطلاق أبواب تفريع أبواب الطلاق، باب في المملوكة تعتق وهي تحت حر أو عبد، حديث: 1917.
سنن الدارمي، ومن كتاب الطلاق، باب في تخيير الأمة تكون تحت العبد فتعتق، حديث: 2257
?454
454 (1/454)
صفحة 453
الفصل الثالث: الأمر والنهي
ومما يؤكد ذلك قوله في السواك: لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة» (1). ومعلوم أنه ندبهم ولم يأمرهم.
وقال: «إذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم» (2). = ومن دلالة العقل أن السيد لو قال لعبده: اسقني ماء، أو قم، أو اقعد. فلم يفعل ذلك، حسن من السيد ومن كلّ أحدٍ لومه، وتوبيخه وعقوبته. فهذه شواهد على أن الأمر إذا تجرّد عن القرينة دلّ على الوجوب (3). وذهب فريق من الأصوليين إلى أن الأمر المجرد يفيد الندب. وقال بعض هؤلاء هو مشترك بينهما كما رأى آخرون أنه يفيد مجرد الطلب. وقيل يفيد الإباحة. ووقف فريق، فلم يحسم برأي لاستواء المعاني في
نظره (4).
ولسنا بصدد تفصيل أدلة هذه الآراء، إلا إشارة إلى موقف الغزالي من اشتراطه توافر دليل قاطع من عقل أو نقل على أن الأمر وضع لأحد هذه المعاني، أو لها، أو لأحدها حقيقة وللآخر مجازا؛ وهو دليل معدوم، فلا ننسب إلى العَرَب ما لم يوقفونا عليه من معاني كلامهم، فوجب التوقف عن التقول والاختراع عليهم (5). والذي يَلفتُ النَّظَر هنا براعَةُ الغَزَالي في نقض أدلة كل فريق، وبخاصة
1) أخرجه البخاري ومسلم وغيرهما عن أبي هريرة. صحيح البخاري، كتاب الجمعة باب السواك يوم الجمعة، حديث: 861. صحيح مسلم، كتاب الطهارة، باب السواك، حديث: 396.
2) أخرجه البخاري ومسلم وغيرهما عن أبي هريرة.
صحيح البخاري، كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة باب الاقتداء بسنن رسول الله،
حديث: 6879.
صحيح مسلم، کتاب الحج، باب فرض الحج مرة في العمر، حديث:2456.
صحيح ابن حبان، ذكر البيان بأن النواهي سبيلها الحتم، حديث: 19. 3 الوار جلاني، العدل 1 67/ 68 السوفي، السؤالات، 105 106 - البرادي، البحث الصادق 1: 195 و. -اطفيش، شامل:1 51 السالمي، شرح طلعة الشمس، 1: 38/ 39.
4 حول هذه الآراء، ينظر: العوئبي، الضياء 2 239 - الشماخي، شرح مقدمة التوحيد، 98.- السالمي، شرح طلعة الشمس 1 41/ 40 الغزالي، المستصفى، 1: 420/ 428. والغزالي
من أهم من فصل الأقوال والأدلة وناقشها.
(5) الغزالي، المستصفى، 1: 423/ 424.
455 (1/455)
صفحة 454
الباب الثاني: اجتهَادُ التَّفْسِير
أدلة القائلين بالوجوب؛ فذكر أن حقيقة الأمر ما يكون ممتثله مطيعا؛ وهذا متحقق في الإيجاب وفي الندب كذلك؛ ولذلك إذا سمعنا أمرا بكذا، حسن السؤال عنه: أهو أمر إيجاب أم أمر ندب واستحباب؟ ولو كانت دلالة على الإيجاب حقيقة لما حسن السؤال. أما ما قيل من فهم الأمة الوجوب في أمر الشارع وذم عاصيه. فذلك للقرائن التي احتفت بها، لا لمجرد الأوامر بها. والآيات التي احتج بها أهل الوجوب على لزوم امتثال الأوامر دليل على
هذا، وليست دليلا على أن الأمر المجرد للوجوب.
كما حاول الغزالي إبطال الاستشهاد بالأحاديث النبوية التي اعتمدها القائلون بالوجوب، ومن ذلك حديث بريرة وشفاعة النبي لزوجها. وقال بأن سؤال بريرة كان استفهاما عن نوع الأمر إن كان دينيا فيجب الامتثال أو شفاعة لمصلحة الزوج فتُؤثر غرض نفسها عليه (!).
وهذا تمحل في الجواب لا يستقيم وفهم الصحابة لأوامر الرسول. كما ردّ ابن بركة على أهل الوقف بأنه يلزم من قولهم أن لا يكون لورود الأمر معنى لأننا قبل وروده متوقفون، وبعده متوقفون. والأمر ورد للامتثال لا للانتظار إلا ما لا يُفهم معناه أو لا يُدرى كيفية أدائه، فذلك مجمل يحتاج
إلى بيان (2). وخلص ابن بركة من هذا الخلاف إلى أنه مجرد رياضة عقلية، ليس إلا. والراجح مذهب الجمهور، وأن الأمر المجرد للوجوب حقيقة، لدلالة اللغة والعقل والشرع على ذلك. ولم يُعْنَ الإباضية عموما بالرد على القائلين بأن الأمر لغير الوجوب، فاكتفوا بتقرير رأيهم وأدلته. وخلصوا إلى أن موارد الأمر في الأحكام الأصل فيها للوجوب. وإذا صرفتها القرينة كانت للندب. فأمر الله يكون فرضا ويكون نفلا، وكذلك أمر الرسول يكون فرضا ويكون نفلا» (3). فوجوه الأمر نوعان: إلزام وتحضيض. فالإلزام في الفرائض، والتحضيض
1) الغزالي، المستصفى، 1: 429/ 434.
2) ابن بركة، الجامع، 1: 87. (3) السوفي، السؤالات، 106.
?456
456 (1/456)
صفحة 455
الفصل الثالث: الأمر والنهي
E 3
في النوافل والمندوبات (1).
وقد اختلف الإباضية في المندوب هل هو مأمور به؟. فجمهورهم على أن المندوب مأمور به لأن الأمر يرد للوجوب ويرد للندب. ورأي الوَارِجلاني وعمروس بن فتح أن الأمر للوجوب فقط. ولذلك قالا: إن المندوب غير مأمور به (2). والراجح أن المندوبات والنوافل طاعة وقربة وعبادة الله. بل إن أبا الربيع سليمان بن يخلف حكم على من نفي كون النوافل طاعة، بالكفر كفر نعمة، وقال: «من زعم أن الله لم يأمر بالنوافل، أو قال: حرمها، أو نهى عنها، أو لم يُحلها، أو لم يوجب عليها ثوابا، أو زعم أنها ليست من الإيمان، فهذا كله مما يضل قائله» (3).
ولكن عمروس بن فتح لم ينف النوافل من الطاعة، ولم ينف الطاعة
الأمر. فالخلاف لا يعدو الجانب اللفظي - الأمر المنصوص والأمر المستخرج
(4)
من
يميز الإباضية في باب الأوامر بين ما كان منصوصا عليه في الكتاب أو السنة، وما كان مستخرجا. ولهذا التمييز أثر عملي وعلاقة بالجانب العقدي. 1. الأمر المنصوص عليه ثلاثة أوجه:
- أحدها: مصرح بفرضه كالأمر بالصَّلاة والزَّكَاة وصيام رَمَضَان والحج، وما أشبه ذلك. فواسع جهل معرفته وفرضه قبل قيام الحجة فيه. ومتى قامت الحجة عليه، فجهله أو الشك فيه أو جحوده شرك.
=
- الثاني: مصرح بالأمر به ندبا وإرشادا، ومنه قوله تعالى: إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنِ إِلَى أَجَلٍ مُسَمَّى فَاكْتُبُوهُ} [البقرة: 282]. وقوله في الآية نفسها: وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ} [البقرة: 282]. وما أشبه ذلك. فواسع جهله قبل قيام الحجة، وإذا قامت حجته وجب التصديق به. ومن ردّه كان مشركا. أما إن قال فيه بغير الحق كان ضالاً، كأن يقول إن الإشهاد عند البيع فريضة،
1) سعيد بن زنغيل، الرد على من زعم ... ، 171 و. -السوفي، السؤالات، 103. (2) السالمي، المشارق، 30/ 29.
3 المزاتي، التحف المخزونة، 11 ظ.
4 الوارجلاني، العدل 1 69 - البَرَّادِي البحث الصادق، 1: 196 ظ/ 197 ظ.
457 (1/457)
صفحة 456
الباب الثاني: اجتهاد التفسير
مصرح
E 3
جهلا من غير علم أو يقطع عذر مخالفه في تلك المسألة الاجتهادية. - الثالث: بالأمر به تخييرا أو إباحة. كقول الله تعالى: وَإِذَا حلَلْتُمْ فَأَصَطادُوا} [المائدة:2]. وقوله: فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَوةُ فَانتَشِرُوا فِي الأَرْضِ [الجمعة: 10]. وقوله كذلك: فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللهُ} [البقرة: 222]. وما أشبه ذلك. فهذه كسابقتها في الحكم).
هذه المنصوصات الثلاثة في القرآن قد ترد في السنة:
=
- إما مقطوعا بالأمر بها، وثبت فرضها بالسنة بإجماع المسلمين، فحكمها كحكم ما ثبت بالقرآن في العلم والجهل والشك والإنكار. وذلك كغسل الجماع والنفاس، وصلاة السفر، وزكاة الفطر، ورجم الزاني المحصن، وكفارة الواطئ في شهر رَمَضَان وميراث الجدة. ونحو ذلك.
=
وإما مقطوعا بها ندبًا مختلفًا في، فرضها كصلاة الوتر، والمضمضة والاستنشاق في الوضوء، وما أشبه ذلك؛ فواسع جهلها قبل قيام الحجة، فإذا قامت فجهلها أو ردّها ضلال ونفاق.
= وإما مقطوعا بها على الندب غير مفروض بإجماع. كركعتي الفجر، والسواك، وصلاة التراويح في رَمَضَان وصيام عاشوراء. وحكمها كذلك
كسابقاتها من المندوبات (2). 2. أما الأوامر غير المنصوصة:
فهي المستخرجة من الكتاب والسنة؛ فقتال الفئة الباغية، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والولاية لمن عمل بصفة أهل الإيمان بعينه، والبراءة لمن ركب شيئا من الكبائر من أهل القبلة بعينه، ونحو ذلك؛ فهذه المسائل واسع جهلها لمن لم تقم الحجة عليه، فإن قامت وردها، كان ضالاً منافقا (3).
فمن دفع المنصوصات كان مشركا لأنه كذب الله في خبره، ومن دفع
1) الحضرمي مختصر الخصال، 7 و / 7 ظ. 2 الحضرمي مختصر الخصال، 9 ظ/ 10 و.
3 أبو المنذر بشير، كتاب المحاربة 6 و. - الحضرمي مختصر الخصال، 8 ظ/ 9 و.
458 (1/458)
صفحة 457
الفصل الثالث: الأمر والنهي
المستخرجات كان منافقا (1).
وفي هذه القضايا تستوي أحكام الأمر والنهي في وجوب العلم بها عند قيام الحجة والإيمان بها، وعدم ردّها أو الشك فيها. ويختلف الحال بين الحكم المنصوص المجمع عليه؛ فيشرك جاحده. والحكم المستخرج المختلف فيه؛ فيضل من ردّه أو قال فيه بجهل، أو قطع عذر مخالفه. وفي هذه الأحكام يتبين جانب من ترابط القضايا الأصولية والقضايا العقدية، ويظهر مدى اهتمام الإباضيّة بجانب الحزم في التعامل مع الشرع عن علم، والتحذير من التقول على الله أو القول في الدين بجهل؛ التزاما بتحذير
44
القرآن للرسول صلى الله عليه وسلم نفسه، وَلَوْ نَقَولَ عَلَيْنَا بَعضَ الْأَقَاوِيلِ لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ فَمَا مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَجِرِينَ} [الحاقة: 44 - 47]. وقد جعل الله القول عليه بغير علم قرين الشرك، {قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَن تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِلْ
به سُلْطَنَا وَأَن تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ} [الأعراف: 33].
3 - علاقة الأمر بالزمن إذا أمر الله عباده بأمر، فهل عليهم المبادرة إلى الامتثال؟ أم يسعهم التأجيل وتأخير إتيان المأمور؟
تناول الأصوليون هذه النقطة في مباحث الأمر والنهي خصوصا، وفي
قضايا التكليف إجمالا. وعُرفت بدلالة الأمر على الفور أو التراخي. لا خلاف بين الأصوليين على أن الأمر المضيق لا فيه التأجيل، لأن يسع المكلف إذا ضيّع في زمن الامتثال عُد عاصيا واستحق العقاب. وهذا شامل للواجب المضيق، والواجب الموسع إذا ضاق وقته، إذ يؤول إلى النوع الأول. ولكن الخلاف في الواجب الموسّع ابتداء، والواجب غير المحدد وذلك مثل فريضة الحج؟ توزعت أهل الأصول آراء عدة في هذه القضية، فمنهم من قال: إن مطلق
بزمن
1) المزاتي، التحف، 11 ظ.
?459
459 (1/459)
صفحة 458
الباب الثاني: اجتهاد التفسير
الأمر يقتضي الفور، وقال آخرون: لايقتضيه، وتوقف فريق آخر؛ وذهب قوم
إلى أنه يستوي فيه البدار والتراخي، واختار الغزالي القول الأخير (1). أما الإباضية فذهب جمهورهم إلى أنه لا يدل على الفور ولا على التراخي؛ كما نص عليه الشيخ اطفيش والإمام السَّالِمِي (2) وقال ابن بركة: والذي يذهب إليه، شيوخنا والأشبه بأصول أئمتنا أن الأمر إذا ورد بفعل قد خُص بوقت فللمأمور اتباعه في أوله أو وسطه أو آخره؛ وتعجيل الفعل في أول الوقت أفضل. وإذا ورد الأمر بفعل غير مخصوص بوقت فإن تأخيره جائز عندهم إلى آخر أيام الحياة» (3). وإليه ذهب فريق من أهل الأصول (4).
وذهب بعض الإباضية إلى التنصيص على أنه يدل على التراخي، وقد صححه الوار جلاني 5)، وأكده السوفي بقوله: «إن قال الله: "افعلوا هذا" فإنْ لم يوقت فعلى الفور، وإن وقت فعلى التراخي» (6).
كما نُسب هذا القول إلى أبي هاشم الجبائي والشافعي وأصحابه (7). والحقيقة أن النتيجة العملية للقولين واحدة فاعتبار الأمر يدل على
التراخي، أو لا يدل على فور ولا تراخ مجرد تفريق نظري فحسب. ما هذا، بينما اختار ابن بركة أنه للفور، فقال: والنظر يوجب عندي يكن مخصوصا بوقت فالواجب تعجيله أول أوقات الإمكان» (8). واستدل لذلك بأن الأمر المطلق غير المقيد بوقت لا يخلو إما أن يَلزَمَ المبادرة إلى امتثاله، أو تأخيره إلى آخر العمر أو وسطه. ولكن نهاية العمر مجهولة. فلا يصح بناء
1) الغزالي، المستصفى، 2: 10/ 9.
6
(2) اطفيش، شرح النيل 2: 493 - السالمي شرح طلعة الشمس، 1: 46.
(3) ابن بركة، الجامع:1 88/ 87 - العوئبي الضياء:2 239 - النزوي، قواعد الهداية، 3 و. (ملاحظة: في نص العوئبي أخطاء تقلب المعنى رأسا على عقب) 4 أبو الحسين البصري، المعتمد 1 111 - الرازي، المحصول، 1: 247.
5) الوراجلاني، العدل، 1: 100.
6 السوفي، السؤالات، 100
7 السالمي شرح طلعة الشمس:1 47 - أبو الحسين البصري، المعتمد، 1: 111. الأسنوي،
نهاية السول 2 287 8) ابن بركة، الجامع، 1: 78.
?460
460 (1/460)
صفحة 459
الفصل الثالث: الأمر والنهي
العبادة على أمر مجهول فوجب المبادرة إلى الامتثال أول أوقات الإمكان (1). ونسب هذا القول إلى ابن بركة كل من العوئبي والسالمي (2). ويفيد كلام العوتبي أنه موافق على هذا الرأي. فقد ذكر أن العَرَب تعقل من خطابها أنه إذا أمر من يجب طاعته وجب على المأمور إتيان ما أمر به في أول أوقات الإمكان، إذا لم يضرب الأمر لذلك وقتا معلوما. واستشهد بقول ضمرة بن ضمرة حين حبسه النعمان ثم أمر بإطلاقه، فأخروا إطلاقه فلو كنت ذا أمر مطاع لما بدا توان مع الإمكان في حال أمركا (3) واختار الشيخ اطفيش أيضا هذا الرأي وقال: «والأمر عندي للفور إن لم تكن قرينة على جواز التأخير» (4).
وهذا قول كثير من علماء الأصول (5).
وحجة أهل التراخي أن الأمر المطلق لا يحمل دلالة زمنية، بل دلالته الزامية توجب على المأمور الامتثال؛ فمتى قام بالعمل عُدّ ممتثلا. وكما يصح فعله في كل في كل الأمكنة، فكذلك الأزمنة. ولا يتعيّن زمان ولا مكان إلا ببيان، ومدعي الفور لا يعضده دليل نقلي عن أهل اللسان، فيكون متحكما لترجيحه الفور بلا دليل (6). وأما أهل الفور فاستندوا إلى أدلة من الشرع تفيد وجوب الإسراع إلى امتثال الأوامر منها قوله تعالى: وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ} [آل عمران: 133]. وقول النبي:
حجوا قبل أن لا تَحُجُوا» (87).
1) ابن بركة، الجامع، 1: 78. 2 العوئبي، الضياء 2: 239 240 - السالمي، شرح طلعة الشمس، 1: 46.
(3) العوئبي، الضياء، 2: 243/ 244.
4 اطفيش، شامل 1: 52
5) الوَارِخلاني العدل، 1: 100 - السالمي، شرح طلعة الشمس، 1: 46/ 48. -اطفيش، شامل، 1: 52 - الغزالي، المستصفى 2: 10/ 9 - الجويني، التلخيص، 1: 321 فما بعد. وفي هامشه تفصيل الأقوال وأصحابها، وإحالة مفصلة على مصادرها.
6
6 الوارجلاني، العدل 1: 100 الغزالي، المستصفى، 2: 10/ 9. (7) الهندي كنز العمال حديث 11820. ج 5. ص 10. 8) ابن بركة، الجامع 2 65/ 64 - اطفيش، داعي العمل، 179/ 180.
461 (1/461)
صفحة 460
الباب الثاني: اجتهَادُ التَّفسـ
- الأثر العملي لعلاقة الأمر بالزمن:
للخلاف المذكور حول علاقة الأمر بالفور والتراخي، أثره في المسائل
الفقهية.
فالقائل بالفور يوجب على المأمور التبادر وإلا كان آثما بالتأخير أو التضييع والقائل بالتراخي يجيز التبادر.
وثمة تفاصيل في لوازم القول بالتأخير أو الاشتراك بين التراخي والفور؛ ولا داعي للخوض في متاهاتها، وهي عند التحقيق رياضة عقلية. والنتيجة العملية أن الجميع متفقون على أن مبادرة المكلّف إلى الفعل أفضل عند الإمكان، وإن لم يمكنه وأخره مدى الحياة جاز، ولكن إذا مات ولم يوص به كان آثما عند أهل الفور وغير مضيع عند أهل التراخي (1).
وأبرز مثال يتضح فيه أثر الخلاف في القضية فريضة الحج؛ فأهل الفور يرون أن من توفرت فيه شروط الاستطاعة فقد وجب عليه الحج في أول أوقات الإمكان، فإن أخره بلا عذر كان عاصيا.
وابن بركة من أنصار التعجيل؛ ولم يسلّم لأنصار التأجيل استدلالهم بفعل النبي الذي أخر أداء الحج إلى السنة العاشرة، وهو القدوة في المسارعة إلى امتثال أوامر الله؛ وقد قال: «حجوا قبل أن لا تحجوا».
فقال ابن بركة ردا على هذا وحاشا الرسول صلى الله عليه وسلم أن يحث على الحج ويأمر به بالمبادرة إليه، ويتأخر عنه. بل قيل: إن فرض الحج إنما لزمه في عامه الذي خرج فيه، أو أنه وجب عليه ولكن شغل بإصلاح شؤون المسلمين ومحاربة المشركين (2).
أما جمهور الإباضية فيرون أن الحج واجب على التراخي، وأن النبي صلى الله عليه وسلم فرض عليه الحج، ثم حجّ بعد ذلك بسنوات؛ وقد بعث قبله أبا بكر ومعه علي بن أبي طالب في الموسم في السنة التاسعة، ثم حج هو في السنة العاشرة. فهذا فرض لم يُحدّده الله تعالى، بوقت وفَعَلَه النبي صلى الله عليه وسلم بعد وجوبه بزمان. وما احتج به أهل الفور من قيام العذر في تأخير النبي لحجه أمر غير مسلّم، فلا
(1) الوَار خلاني، العدل 1: 100.-اطفيش، شامل، 1: 52. 2 ابن بركة الجامع 1: 172/ 173. = 2: 64/ 65.
462 (1/462)
صفحة 461
الفصل الثالث: الأمر والنهي
يتم به الاحتجاج (!). ومثل الخلاف في زمن الحج وقع الخلاف في وقت قضاء رَمَضَان؛ فمن وجب عليه قضاء شهر رَمَضَان أو شيء منه، فإنه يقضيه عقيب يوم الفطر، إذا كان قادرا على الصوم، ويأتي به متتابعا.
والتتابع رأي الإباضية، لأن القضاء عندهم كالأداء، ولقراءة أبي بن كعب فعدة من أيام أخر متتابعات» (2). وهو قول علي وابن عمر والشعبي (3). أما التعجيل فهو رأي ابن بركة وأهل الفور. إذ قال: «وينبغي له أن يأتي به عقب أول أوقات قدرته عليه، ولا يتأخر عن أدائه لأنه فرض قد لزمه، وقد دخل وقته، ولم يرخص في تأخيره. وكذلك كل فرض وجب مرسلا ولم يجعل آخره مؤجلا» (4).
بينما يرى جمهور الإباضية أنه في سعة من أمره ما لم يدخل عليه رَمَضَان آخر، لدلالة الأمر على التراخي. ولفعل عائشة، إذ كانت تقضي ما عليها من صيام رَمَضَان في شعبان لاشتغالها بأمر رسول الله، ولأنه كان أكثر
صياما في شعبان منه في سائر الشهور (5).
1) ابن بركة الجامع:1: 172/ 173 = 2: 64/ 65. 2 أخرج الحاكم عن أبي بن كعب رضي الله عنه، أنه كان " يقرؤها: " فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام متتابعات ". هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه.
المستدرك على الصحيحين للحاكم، كتاب التفسير، من سورة البقرة، حديث:3023. وفي موطا مالك عن مجاهد أنه جاءه إنسان فسأله عن صيام أيام الكفارة أمتتابعات أم يقطعها؟ قال حميد: فقلت له: نعم. يقطعها إن شاء. قال مجاهد: " لا يقطعها فإنها في قراءة أبي بن كعب ثلاثة أيام متتابعات " قال مالك: " وأحب إلي أن يكون، ما سمى الله في القرآن، يصام متتابعا». موطأ مالك، كتاب الصيام، باب ما جاء في قضاء رَمَضَان والكفارات، حديث: 677. 3 أخرج مالك عن نافع، أن عبد الله بن عمر كان يقول: " يصوم قضاء رمضان متتابعا من أفطره من مرض أو في سفر ". موطأ مالك، كتاب الصيام، باب ما جاء في قضاء رَمَضان والكفارات، حديث:673.
الصابوني روائع البيان 1 207 4) ابن بركة، الجامع، 2: 11.
":
(5) وفي البخاري عَنْ عَائِشَةَ رَضِي الله عَنْهَا قَالَتْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَصُومُ حَتَّى نَقُولَ لَا يُفْطِرُ وَيُفْطِرُ حَتَّى نَقُولَ لا يَصُومُ فَمَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم اسْتَكْمَلَ صِيَامَ شَهْرٍ إِلَّا رَمَضَانَ وَمَا رَأَيْتُهُ أكثرَ صِيَامًا مِنْهُ فِي شَعْبَانَ». صحيح البخاري، كتاب الصوم، باب صوم شعبان، حديث:1880.
،
كس
463 (1/463)
صفحة 462
الباب الثاني: اجتهاد التفـ
*
ومن تخريج الفروع على هذه القاعدة، أيضا قضاء الحائض صلاتها. فالمرأة إذا رأت دم الحيض بعد دخول وقت الصلاة، هل عليها قضاء تلك بعد طهرها؟
الصَّلاة
قال بعضهم تقضيها مطلقا. وقال بعض تقضيها إذا دخل وقت يكفي لأدائها. وقال آخرون لا تقضي إلا إذا حاضت في آخر الوقت بما يكفي لأدائها، لأن لها أن تؤخر الصَّلاة إلى آخر الوقت فإذا جاءها الحيض قبل ذلك فلا قضاء عليها؛ إذ لا تُعد مضيعة.
ورأي جمهور الإباضية هو القول الثاني أن تقضيها إذا دخل من الوقت ما يكفي لأدائها. وهو أقوى في باب الحجة، لأنها خوطبت بالصلاة وأمرت بها، والأمر بالفعل لا يسقط بالتأخير.
واختلفوا كذلك في نظير هذه المسألة، وهو إذا طهرت وقد بقي من الوقت ما لا يكفي للتطهر والصلاة فرأى بعضهم وجوب تلك الصلاة عليها، وأسقطها عنها آخرون (1).
والأحوط وجوبها عليها، لأن التكليف بها ممكن، فتؤدّي بعضها في الوقت، وبعضها خارج الوقت ضرورة. وقد قال النبي: «من أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر، ومن أدرك ركعة من العصر قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك الصبح» (2). ولكل دليله. والمسألة اجتهادية، يسوغ فيها الخلاف.
-4 - علاقة الأمر بالمقدار
كما اختلف الأصوليون في علاقة الأمر بالزمن، وكونه للفور أو التأخير،
1) ابن بركة، الجامع، 1: 372.
2) أخرجه البخاري ومسلم وابن حبان وأحمد وغيرهم عن أبي هريرة. صحيح البخاري، كتاب مواقيت الصَّلاة، باب من أدرك من الفجر ركعة، حديث: 563. صحيح مسلم، کتاب المساجد ومواضع الصَّلاة، باب من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك تلك الصلاة، حديث: 988 صحيح ابن حبان كتاب الصلاة، فصل في الأوقات المنهي عنها، ذكر خبر ينفي الريب عن القلوب بأن الزجر عن الصَّلاة بعد، حديث: 1576
مسند أحمد بن حنبل، ومن مسند بني هاشم، مسند أبي هريرة رضي الله عنه، حديث:9762.
464 (1/464)
صفحة 463
E 3
الفصل الثالث: الأمر والنهي
فقد اختلفوا في علاقته بالمقدار؛ أهو للمرة الواحدة أم للتكرار؟ والخلاف في هذه المسألة هين والمختار من أقوالهم أن الأمر المجرد لا يفيد مرة ولا تكرارا، بل يفيد اقتضاء الفعل. وذلك متحقق في المرة الواحدة؛ وبها تبرأ ذمّة المكلف ويسمّى ممتثلا للأمر ومطيعا. ويشهد لهذا القول قواعد اللغة وما تواضع عليه أهل اللسان، ويؤكده نصوص الشرع كذلك. ومنها قوله: إذا أمرتكم بشيء فأتوا منها ما استطعتم» (1). وقد غضب على الأقرع بن حابس لما سأله عن الحج: أواجب في كل عام؟ قال: «لو قلت نعم لوجبت» (2). فدل على خطإ الأقرع في سؤاله، وأن الأمر المطلق لا يفيد التكرار.
وهذا رأي الإباضية اتفاقا (3).
وأما ما زاد على المرة الواحدة التي يتم بها الامتثال، فلا تفيده صيغة الأمر بذاتها، بل يستفاد بدلائل أخرى، كتكرار الأمر، أو تعليقه بمتكرر من شرط أو صفة أو زمن، أو غير ذلك. فقولك: اضرب زيدا إن كان قائما قيد للضرب لا يلزم تكراره ضرورة، وأما قولك: اضرب زيدا كلما قام؛ فهو شرط يتكرر، فيتكرر معه الأمر
بالضرب. ولذلك كان تكرار الأمر معلقا بتكرار القيد لا بذات القيد. وتكرار الأحكام مع شروطها مما تعبدنا به الشارع في باب القياس والعلل؛ إذ كان العلة وجودا وعدما. وهذا ثابت بدليل شرعي، لا بمجرد
الحكم يدور مع
1) سبق تخريجه.
(2) أخرجه مسلم وأصحاب السنن عن أبي هريرة.
صحيح مسلم، کتاب الحج، باب فرض الحج مرة في العمر، حديث:2456.
صحيح ابن حبان كتاب الحج، باب فرض الحج، ذكر البيان بأن فرض الله جل وعلا الحج على
من وجد، حديث:3765.
سنن ابن ماجه، كتاب المناسك باب فرض الحج، حديث: 2883.
السنن الكبرى للنسائي، كتاب المناسك، وجوب الحج، حديث: 3476.
=
3) ابن بركة الجامع 1: 139. 2: 89/ 99. - العوئبي، الضياء، 2: 242. - الوارجلاني، العدل، 1: 98/ 95.-الجيطالي، القواعد 1: 174 السالمي شرح طلعة الشمس، 1: 48.
?465
465 (1/465)
صفحة 464
الباب الثاني: اجتهاد التفسير
اللغة (1).
قال السالمي:
وهكذا مقيد بالوصف يُعتبر القيد بحسب العرف فإن يكن من ثابت الأوصاف أفاد تكرارا بلاخ لاف وإن يكن من غيره فلا يُفذ ذلك إلا بدليل قد قصد (2) وثمة مسألة لها صلة بتكرار الأمر، وهي اجتماع أمرين على فعل واحد، هل يقتضي تكراره؟ وذلك كالمرأة تجامع ثم تحيض قبل الاغتسال هل عليها غسل واحد أم
غسلان؟
ذهب أكثر الإباضية إلى أن عليها غُسلا واحدا للجميع، الجنابة والحيض. وذهب بعضهم إلى أن عليها غُسلين واختاره ابن بركة لاختلاف جهات
الأمر وأسبابه، فالله أمر الجنب بالغسل: وَإِن كُنتُمْ جُنُبًا فَأَطَهَرُوا [المائدة: 6]. وهذا عام للرجال والنساء، ثم إن النبي صلى الله عليه وسلم أمر المرأة عند إدبار حيضتها بالغسل إذا أدبرت الحيضة فاغتسلي وصلّي» (3)، فعليها أن تغتسل
(1) الوار خلاني، العدل 1 98 - الغزالي، المستصفى، 2:2/ 3. = 2: 7/ 8.
(2) السالمي، شرح طلعة الشمس، 1: 49.
3) أخرجه البخاري ومسلم وغيرهما عن عائشة بألفاظ متقاربة. وهذا اللفظ للبخاري. صحيح البخاري، كتاب الحيض، باب إقبال المحيض وإدباره، حديث: 316. صحيح مسلم، کتاب الحيض باب المستحاضة وغسلها وصلاتها، حديث: 528. صحيح ابن حبان كتاب الطهارة، باب الحيض والاستحاضة، حديث: 1368. ورواية النسائي: عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتِ اسْتَفْتَت أَمْ حَبِيبَةَ بِنْتُ جَحْشَ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي أَسْتَحَاضِ فَقَالَ إِنَّمَا ذَلِكَ عِرْقٌ فَاغْتَسِلِي وَصَلِّي فَكَانَتْ تَغْتَسِلُ لِكُلِّ صَلَاةٍ». السنن الكبرى للنسائي، ذكر ما ينقض الوضوء وما لا ينقضه الاغتسال من الحيض والاستحاضة،
حديث: 202.
كما وردت بلفظ "فاغسلي عنك الدم وصلي" عند البخاري ومسلم أيضا.
صحيح البخاري، كتاب الوضوء، باب غسل الدم حديث: 225
صحيح مسلم کتاب الحيض باب المستحاضة وغسلها وصلاتها، حديث: 527 ووردت رواية عند النسائي جمعت بين الغسل والاغتسال: عَنْ عُرْوَةَ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ قَيْس مِنْ بَنِي أَسَدِ قُرَيْش أَنهَا أَنت رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَذَكَرَتْ أَنْهَا تَسْتَحَاصُ فَزَعَمَتْ أَنَّهُ قَالَ لَهَا إِنَّمَا ذُلِكَ عِرْق فَإِذَا أَقْبَلَتِ الْحَيْضَةُ فَدَعِي الصَّلاةِ وَإِذَا أَدْبَرَتْ فَاغْتَسِلِي وَاغْسِلِي عَنْكِ الدَّمَ ثُمَّ صَلِّي
466
E 3 (1/466)
صفحة 465
بالكتاب والسنة غسلتين.
الفصل الثالث: الأمر والنهي
ورد ابن بركة على من قاس الغسل على التيمم، بأن يكفيها تيمم واحد
للغسلين عند
عدم
الماء. وقال: بأن التيمم مخصوص ولا يقاس البدل على
الأصل (1).
المبحث الثاني: النهي وقضاياه
النهي نظير الأمر في المعنى وقسيمه في التكليف، وكثير من قضايا النهي يُدرجها علماء الأصول ضمن مباحث الأمر؛ من باب التناظر. ولذلك قال
الوَارِ جلاني: إن جل أحكام النهي مندرجة في أحكام الأمر» (2). ومن ذلك قولهم: الأمر يقتضي الفعل والنهي يقتضي الترك، والأمر يفيد الوجوب، والنهي يفيد التحريم. والأمر بالشيء نهي عن ضده، والنهي عن الشيء أمر بضده. وما إلى ذلك.
وقضايا النهي لن تستوفيها دراسة وصفية شاملة كهذه، وإنما نجتزئ منها ما يجلّي منهج الإباضية في تناول هذا القسم الهام من علم الأصول، والركيزة
الثانية في باب التكليف.
1 - مفهوم النهي وصيغته - مفهوم النهي: حد الوارجلاني النهي بأنه القول المقتضي به ترك الكسب (3). وقال السوفي: «هو الاستدعاء إلى ترك الفعل» (4). وقال البَرادِي: «حد النهي مقتبس من وجه الأمر، وذهب بعضهم إلى أن النهي أمر من وجه، وهو الترك؛ لأن المنهي عنه مأمور بتركه» (5). وعقب بأن هذا غير مقبول، لأنه
يصير الأمر
السنن الصغرى، كتاب الحيض والاستحاضة، ذكر الاستحاضة وإقبال الدم وإدباره، حديث: 349.
=
(1) ابن بركة، الجامع 1: 331:1: 375 - النزوي، قواعد الهداية، 17 ظ.
(2) الوار جلاني، العدل، 1: 117. 3 الوار خلاني، العدل، 1: 117. 4 - السوفي، السؤالات، 104. 5) البَرادِي، رسالة الحقائق، 14.
467 (1/467)
صفحة 466
الباب الثاني: اجتهَادُ التَّفسِيـ
كذلك نهيا من وجه آخر فيفضي إلى أن يكون الأمر نهيا، والنهي أمرا. وهذا
انقلاب للحقائق (1) أما العوتبي فنظر إلى جانب الامتثال وجعل حدّ النهي ما يكون المنهي بفعله عاصيا وبتركه طائعا (2).
واختار السالمي أنه طلب كف عن الفعل» (3). ولم يشترط فيه الاستعلاء، كما لم يشترطه في الأمر؛ وأن هذا الطلب قد يكون جازما، وقد يكون غير جازم فيشمل الحرام والمكروه (4).
-
صيغة النهي:
لم يختلف الإباضية والمعتزلة أن للنهي صيغة بناء على استعمال أهل اللسان، وخلافهم مع الأشاعرة هنا مثل خلافهم في باب الأمر. إذ القضية ذات أصل واحد وهو الخلاف حول الكلام النفسي (5) وصورة النهي أن يقول الآمر: لا تفعل ومنه قول الحق تعالى: {يَتأَيُّهَا الذين امنوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَطِلِ [النساء: 29] (6). وهذه هي الصيغة الحقيقية للنهي. وما سواها بعتبر من باب المجاز. ومن ذلك: لفظ التحريم: حُرِّمَتْ عَلَيْكُم أمهتكم وبناتكم کياني
[النساء: 23].
- ذمّ الفعل: إِن الشِّرْكَ لَظَامُ عَظِيمٌ} [لقمان: 13]. ذم الفاعل: وَالَّذِينَ ءَامَنُوا بِالْبَطِلِ وَكَفَرُوا بِاللَّهِ أُوْلَبِكَ هُمُ
=
الْخَسِرُونَ} [العنكبوت: 52].
- اللعن: إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ
=
(1) البَرادِي، رسالة الحقائق، 14.
2 العوتبي، الضياء، 2: 251.
3 السالمي، شرح طلعة الشمس، 1: 66. 4 - السالمي، شرح طلعة الشمس، 1: 66.
(5) الوارجلاني، العدل، 1: 118/ 117.
6) ابن بركة الجامع:1: 89 النزوي، قواعد الهداية، 3 و.
468 (1/468)
صفحة 467
*
الفصل الثالث: الأمر والنهي
م عَذَابًا مهينا} [الأحزاب: 157].
=
- الوعيد بالعقاب: وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يدخله نارًا خَلِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُّهِي [النساء: 14] (1). ومن مرادفات النهي الزجر والتحذير والتحريم. فكلها بمعنى واحد (2). وذكر الوَارِجلاني أن جميع اللعن المذكور في القرآن وما توعد عليه العذاب، فهو دليل على التحريم والزجر. أما لعن النبي صلى الله عليه وسلم فاختلفوا فيه. فحمله البعض على الخبر والتحريم. وبعضهم على الدعاء والشتم. من مثل قوله: «لَعَنَ اللَّهُ الْخَمْرَ وَشارِبَهَا وَسَاقِيهَا وَبَائِعَهَا وَمُبْتَاعَهَا وَعَاصِرَهَا وَمُعْتَصِرَهَا وَحَامِلَهَا وَالْمَحْمُولَةً إِلَيْهِ» (3). وقوله: «لعن الله النامصة
والمتنمصة» (4).
وكذلك التبرؤ، كقوله: ليس منا من ضرب الخدود وشق الجيوب
(1) السوفي، السؤالات، 104.
2 المزاتي التحف المخزونة، 6 ظ.
3) أخرجه أبو داود وأحمد وغيرهما عن ابن عمر.
سنن أبي داود، كتاب الأشربة باب العنب يعصر للخمر، حديث: 3207. بن حنبل، ومن مسند بني هاشم، مسند عبد
مسند أحمد
حديث: 5560.
(4) أخرجه أصحاب السنن عن ابن عباس بألفاظ متقاربة.
الله بن عمر رضي الله عنهما،
ولفظ أبي داود ابْنِ عَبَّاس قَالَ لُعِنَتِ الْوَاصِلَةُ وَالْمُسْتَوْصِلَةُ وَالنَّامِصَةُ وَالْمُتَنَمِّصَةُ وَالْوَاشِمَةُ
وَالْمُسْتَوْشِمَةُ مِنْ غَيْرَ دَاءٍ». سنن أبي داود، كتاب الترجل، باب في صلة الشعر، حديث:3657. ولفظ النسائي عن عائشة قالت: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الواشمة، والمستوشمة، و الواصلة، والمستوصلة، والنامصة، والمتنمصة المؤتشمات.
السنن الكبرى للنسائي، كتاب الزينة، ذكر الاختلاف على سليمان بن مهران في هذا الحديث
حديث: 9095.
469 (1/469)
صفحة 468
الباب الثاني: اجتهاد النفس
E 3
ودعا بدعوى الجاهلية» (1). فإنه يدل على التحريم (2) وجاء في المدونة الكبرى في الحديث عن تحريم الخمر، أن ابن عبد العزيز سئل عن دليل تحريمها، ولم يعد الله فيها وعيدا ولم يحرمها، ولم يشتم عليها أهلها، وإنما قال: {فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [المائدة:90]. فأجاب: بأنه قد نهى عنها وأمر باجتنابها كما أمر باجتناب ما ذكر من عبادة الرجس والأوثان وقول الزور، إذ قال: فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَنِ وَاجْتَنِبُوا قول الزور [الحج: 30]. فهذا أعظم الوعيد وأكبر الكبائر. فقوله "
فاجتنبوه" تحريم (3)، ونهيه في كتابه كله دليل على التحريم (4).
2 - دلالة النهي: النهي في الأصل للتحريم، وقد يُصرف إلى غيره من المعاني بالقرائن. وقد أحصى الأصوليون هذه المعاني كما فعلوا في معاني الأمر؛ ذكر الوَارِجلاني منها: التحريم، والتنزيه والدعاء والتسلية والتيئيس، والموعظة، وغير
ذلك (5).
فمطلق النهي للتحريم، وهو ظاهر لسان العرب (6). واتفق الإباضية أن مناهي الله تعالى ومناهي رسوله سواء في إفادة التحريم حقيقة، إلا أن تصرفها القرينة إلى الكراهة أو التنزيه والأدب (7). وهذا قول
(1) أخرجه البخاري ومسلم وأصحاب السنن عن ابن مسعود.
صحيح البخاري كتاب الجنائز، باب: ليس منا من ضرب الخدود، حديث: 1248. صحيح مسلم، كتاب الإيمان، باب تحريم ضرب الخدود وشق الجيوب والدعاء بدعوى الجاهلية، حديث: 173
صحيح ابن حبان كتاب الجنائز وما يتعلق بها مقدما أو مؤخرا، فصل في النياحة ونحوها، ذكر الزجر عن ضرب الخدود واستعمال دعوة الجاهلية لمن نزلت به، حديث: 3206. السنن الكبرى للنسائي، كتاب الجنائز، ضرب الخدود، حديث:1968.
2 الوار جلاني، العدل، 1: 130/ 126
3) الخراساني، المدونة 2: 228.
(4) الخراساني، المدونة 2: 237.
5 الوارجلاني، العدل، 1: 118/ 119.
6 الوارلاني، العدل 1 119 التلاتي، رفع التراخي، 2 و.
7 الربيع بن حبيب آثار الربيع 15 - الخراساني، المدونة 2: 242.السوفي، السؤالات،
470 (1/470)
صفحة 469
الفصل الثالث: الأمر والنهي
E
جماهير علماء الأمة.
بينما ذهبت قلة إلى أن النهي لمجرد طلب الكف، وقيل للكراهة، وقال بعض بالوقف وكل هذه أقوال ضعيفة لا تتفق وعرف أهل اللسان، ولا تنسجم وروح التشريع (1). وتجسد تطبيق الإباضيَّة لهذه القاعدة الأصولية في الفقه جليًّا؛ ومن ذلك ما رواه الربيع أن رجلا سأل أبا الشعثاء عن نبيذ الجر فنهاه عنه، فأعاد عليه فأكثر، فقال: «نهى عنه رسول الله، وما نهى عنه رسول الله فهو حرام» (2). وجاء في سبوغ النعم وحرام أن تُزوّج المرأة على عمتها وخالتها، و حرام نكاح الزناة في كل حال علم منها ذلك، ولا يحل عندنا بلا شهود، وإن أشهر ذلك، وحرام عندنا تزويج المتعة، لأن النهي ورد فيها (3).
- أثر القول بالتحريم: فرق الإباضية بين أثر المناهي الواردة في القرآن والسنة، الصريح منها وغير الصريح. فأحدهما كبير مجتمع على عظمه كنكاح المجوسية والزانية المعلنة، ونحو ذلك. وكتسمية أهل الكبائر من أهل القبلة بالشرك أو الإيمان، أو نفي الكفر عنهم والنفاق. والثاني صغير كالنظرة والضمة والكذبة الخفية، وما أشبه ذلك، مما ليس
فيه وعيد مقطوع على معيّنه. وقد قال بعض أصحابنا هو كبير (4). وذكر ابن خلفون أن «العرف عند الفقهاء بإطلاق القول، هذا حلال وهذا حرام، فيما وقع تحريمه بالأصول القاطعة، وفيما وقع تحريمه فيما لم يأت فيه نص مقطوع فيه، وصحيح وفاسد فيما وقع من العبادات والعقود، فيما أخذته أصول المنع وأصول الجواز. وقالوا فيمن استحل ما وقع تحريمه نصا كالميتة ولحم الخنزير كافر وجاحد لظهور الدليل عليه. وفيمن استحل ما
106.-اطفيش، شامل:1 52 - السالمي، شرح طلعة الشمس، 1: 67.
1) للتفصيل ينظر السالمي، شرح طلعة الشمس، 1: 70/ 67. 2 جابر بن زيد من جوابات الإمام جابر 80 الربيع بن حبيب، آثار الربيع 15.
3 مجهول، سبوغ النعم، 34 و.
4 أبو إسحاق الحضرمي مختصر الخصال، 9 و/ 9 ظ.
471 (1/471)
صفحة 470
الباب الثاني: اجتهَادُ التَّفسِير
اختلف فيه بالرأي وتنازعته أصول التحليل وأصول التحريم، كذي ناب من السباع وذي مخلب من الطير وذوات الحوافر، إنه مسلم لعموم الدليل فيه ولما احتمل من التأويلات» (1).
ومن ذلك تحريم النكاح بلا، ولي لورود النهي عنه، فهو باطل عند الإباضية، وإذا وقع فرّق بينهما؛ وهو مذهب الصحابة وجمهور الأمة، إلا قول أبي حنيفة أنه نكاح ثابت إذا وضعت المرأة نفسها في كفء، لأنه يرى الولي شرط كمال للنكاح لا شرط صحة. ورد ابن خلفون على هذا القول بأنه مخالف للسنة، ثم قال: «وذكرت: هل يجوز للمفتي أن يقول النكاح بغير ولي حرام؟ الجواب: إن ذلك جائز، وهو المعروف عند الفقهاء. سئل الربيع بن حبيب وعبد الله بن عبد العزيز: هل يشهدان على النكاح بغير وليّ أنه زنى وأنه حرام؟ فقال: رأينا أنه حرام، ويُفرَّق بينهما. وأما أن نقول إنه حرام بدين، فلا نقول بذلك» (2). فالرأي قضية اجتهاد والدين قضية اعتقاد والفرق بين الأمرين له آثار
عقدية هامة.
- النهي للأدب:
قد يراد بالنهي غير الحرمة، ويكون نهي كراهة وتأديب، والحكم أن فاعل هذا النهي لا يأثم، إلا إن تعمّد الاستهانة بسنة النبي، فيأثم بهذا القصد. ومن نماذج هذا نهي النبي عن صوم يوم الجمعة تطوعا، إلا أن يتقدم قبله بيوم أو بعده بيوم (3). قال ابن بركة: وهذا النهي عندي ليس بنهي يوجب لمخالفته الفسق، لأنه نهي أدب» (4)، وجاء في الخبر عن النبي أنه نهى عن
(1) ابن خلفون، أجوبة، 72/ 71. (2) ابن خلفون، أجوبة، 41.
الله عنه: نهى
3) لفظ الحديث عند البخاري: عن محمد بن عباد، قال: سألت جابرا رضي النبي " عن صوم يوم الجمعة؟ قال: " نعم "، زاد غير أبي عاصم، يعني: أن ينفرد بصوم. صحيح البخاري، كتاب الصوم، باب صوم يوم الجمعة، حديث: 1898. ولفظ ابن ماجة: عن أبي هريرة، قال: " نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صوم يوم الجمعة إلا بيوم قبله
، أو يوم بعده».
سنن ابن ماجه، کتاب الصيام، باب في صيام يوم الجمعة، حديث: 1719.
4) ابن بركة، الجامع، 2: 13.
?472
472 (1/472)
صفحة 471
صوم
الفصل الثالث: الأمر والنهي
ستة أيام أيام من على تحريم صوم العيد، واختلفوا في يوم الشك وأيام التشريق؛ قال بعضهم: إنه نهي تحريم، وقال آخرون إنه لا يبلغ حد المعصية، بل هو نهي وترغيب في الأكل والشرب (2).
السنة: العيدين، وأيام التشريق، ويوم الشك (1). واتفقوا
أدب
كذلك ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن كسب الحجام، فهو نهي أدب، لأنه
علله بقوله: كسب الحجام خسيس (3)، وليس كل خسيس حراما. وقد روي عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم احتجم وأعطى الحجام كراءه (4). وقال أيضا: كسب الحجام خبيث» (5). وهو شبيه بوصفه الثوم والبصل
1) ورد النهي عن صوم العيدين في البخاري عن عمر بن الخطاب. صحيح البخاري، كتاب الأضاحي، باب ما يؤكل من لحوم الأضاحي وما يتزود منها والنهي عن صوم أيام التشريق في البخاري عن ابن عمر.
صحيح البخاري، كتاب الصوم، باب صيام أيام التشريق، حديث: 1909.
والنهي عن صوم يوم الشك في البخاري عن عمار بن ياسر قال: من صام يوم الشك فقد عصى أبا القاسم. البخاري، كتاب الصوم، باب قول النبي صلى الله عليه وسلم: " إذا رأيتم الهلال فصوموا، وإذا رأيتموه فأفطروا
2) ابن جعفر، الجامع، 3: 254.
3 لم أجد هذا الحديث بلفظ "خسيس"، والروايات الواردة كلها بلفظ "خبيث". سواء الصحيحة منها والضعيفة.
4) أخرجه البخاري ومسلم وغيرهما عن ابن عباس.
صحيح البخاري، كتاب الطب، باب السعوط، حديث: 5375
صحيح مسلم کتاب، السلام باب لكل داء دواء واستحباب التداوي، حديث: 4186. السنن الكبرى للنسائي، كتاب الطب، السعوط، حديث:7332.
السنن الكبرى للبيهقي، كتاب الضحايا، جماع أبواب كسب الحجام، باب الرخصة في كسب الحجام، حديث:18145.
5) أخرجه الحاكم وابن حبان وأبو داود عن رافع بن خديج.
المستدرك على الصحيحين للحاكم، كتاب البيوع، وأما حديث أبي هريرة، حديث: 2219. صحيح ابن حبان كتاب الإجارة، ذكر الخبر المدحض قول من زعم أن يحيى بن أبي كثير،
حديث: 5230.
سنن أبي داود، كتاب البيوع، أبواب الإجارة، باب في كسب الحجام، حديث: 2984.
473 (1/473)
صفحة 472
الباب الثاني: اجتهاد التفـ
بالشجرتين الخبيثتين» (1)، وذلك في خبث الرائحة لا في تحريم الأكل (2). ونهى النبي أهل الأسواق أن يتبايعوا قبل طلوع الشمس، فهو للأدب ولعل العلة أن يكون ترغيبا لهم في الاشتغال بذكر الله في ذلك الوقت لما فيه من جزيل الثواب أو خشية وقوع الغرر للمشتري للبس الظلمة الباقية من الليل (3).
وقد ذكر جابر بن زيد أن عمر بن الخطاب نهى عن نكاح اليهودية والنصرانية، فسئل أيُجبر الناس اليوم الا يتزوجوهن؟ قال: لا، ولكن ينهون، فان انتهوا فهو أحب إلي، وإن لم ينتهوا فلا يقال لهم شيء (4). وهذا استنباط للكراهة من اجتهاد عمر، سدا لذريعة الفتنة بتلك النساء. وليس فيه نهي من الشارع. وقد يُعبر عن التحريم بلفظ الكراهة تورعا واحتياطا. لورود التحذير من ذلك في القرآن قُلْ أَرَعَيْتُم مَّا أَنزَلَ اللهُ لَكُم مِّن رِزْقٍ فَجَعَلْتُم مِّنْهُ حَرَامًا وَحَلَلًا قُلْ اللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ} [يونس: 59]. ومن توظيفهم لفظ الكراهة ما رواه الربيع عن ضمام عن أبي الشعثاء أنه يكره الصلاة فوق الكعبة (5).
وورد في المدونة الكبرى للخراساني: ويُكره أن يصلى في مجزرة أو إلى مرحاض أو في مزبلة أو حمام أو في بيت فيه تصاوير (6). وفي سبوغ النعم ويكره أكل لحوم الحمر الأهلية لنهي النبي عن ذلك، حتى يصح أنه نهي ادب قال تعالى: وَمَا الَنَكُمُ الرَّسُولُ فَخُدُوهُ وَمَا هَنكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا} [الحشر:7) (7).
(1) أخرجه النسائي وأحمد عن قرة بن إياس.
وَمَانَهَنكُمْ
السنن الكبرى للنسائي، كتاب الوليمة، الرخصة في أكل البصل والثوم المطبوخ، حديث: 6480. مسند أحمد بن حنبل، مسند المدنيين حديث قرة المزني، حديث: 15955. 2 ابن بركة، الجامع، 2: 395/ 396.
3) ابن بركة، الجامع، 2: 338.
4) جابر بن زيد من جوابات الإمام جابر، (كتاب النكاح) 160.
5) جابر بن زيد، من جوابات الإمام جابر، 23.
6 الخراساني، المدونة، 1: 178.
7) مجهول، سبوغ النعم، 33 و.
474 (1/474)
صفحة 473
E 3
الفصل الثالث: الأمر والنهي
3 - اقتضاء النهي الفساد
الصحة والفساد من أحكام الشارع على أفعال العباد المطلوب إتيانها من العبادات والمعاملات فما وافق منها نصوص الشرع قيل فيه وما صحيح. خالفه قيل عنه فاسد. فالصحيح حق والفاسد باطل، وهو ما لم يحكم له
بالجواز (1).
والسؤال: ما حكم العبادة أو المعاملة التي يرتكب فيها المكلف أمرا منهيا، هل يحكم بصحتها وجوازها أم بفسادها وبطلانها؟ اشتهرت هذه القضية في كتب الأصول والفقه، باقتضاء النهي الفساد؟ أو هل يقتضي النهي فساد المنهي عنه؟ ينقسم النهي باعتبار موضوعه إلى نوعين نهي عن الأفعال الحسية كالزنا
والسرقة والقتل ونهي عن التصرفات الشرعية كالصوم والصلاة والبيع. وينصب البحث هنا على التصرفات الشرعية، أما الأمور غير المشروعة فلا حديث عنها، لأنها محرّمة أصلاً؛ فلا تترتب عنها آثارها، كالزنا وشرب الخمر والسرقة، وما أشبه ذلك. وإنما البحث عن حكم الصلاة والزَّكَاة والحج والصوم والنكاح والطلاق والبيوع، إذا وقعت وصاحبها ارتكاب منهي
عنه؟ (2).
ذهب جمهور الإباضية إلى أن النّهي يدل على فساد المنهي عنه، وقال بعضهم لا يدل على ذلك، ورجّحه السَّالِمِي (3). أما الوارجلاني فسوّغ القولين
معا إذ «الأصل أن الأمرين جميعا ممكنان، ولكل واحد موضع (4). والقول الأول باقتضاء النهي الفساد هو مذهب الحنابلة والشافِعِيّة
1) العوئبي، الضياء، 1: 244.
2 السالمي، شرح طلعة الشمس، 1: 71.
(3) البَرادِي، البحث الصادق، 2: 243 و - السالمي، شرح طلعة الشمس، 1: 75.
4 الوارجلاني، العدل، 1: 119.
475 (1/475)
صفحة 474
الباب الثاني: اجتهاد التفسير
والظاهرية (1)، وإليه ذهب جمهور المالِكِيَّة خلافا للقاضي الباقلاني (2)، ونسب السَّالِمِي القول الثاني إلى أبي عبد الله البصري وأبي الحسن الكرخي (3)، وهو ما أكده البصري عن الكرخي وأنه مذهب شيوخه المتكلمين، ولكنه اختار التمييز بين العبادات والمعاملات. فالنهي عنده يقتضي الفساد في العبادات دون العقود والمعاملات (4).
وذكر السالمي أقوالا أخرى في المسألة. إذ ذهب بعض إلى أن النهي
يقتضي الفساد إذا أخل بشرط أو ركن. وإليه ذهب الغزالي (5). وبعض قال: إذا كان النهي لذات الشيء لا لوصفه، وهو قول أصحاب أبي حنيفة (6). والفاسد عندهم ما هو مشروع بأصله غير مشروع بوصفه (7). وحجة القائلين بفساد المنهي عنه حديث النبي (من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد» (8). أي مردود، فهو باطل غير معتد به. فيحتج به إبطال جميع العقود المنهي عنها، وعدم وجود ثمراتها المترتبة عليها؛ فهذا دليل على أن النهي يقتضي الفساد، لأن المنهيات كلها ليست من أمر الدين فيجب
،
1) ابن قدامة روضة الناظر.2.112. الآمدي، الإحكام، 2: 282 - السالمي، شرح طلعة الشمس، 1: 73 - الأسنوي نهاية السول 2 295 فما بعد وفيه تفصيل الأقوال والأدلة
ومناقشتها.
(2) الباجي، الإشارات، 24.
3 السالمي، شرح طلعة الشمس، 1: 72.
4 أبو الحسين البصري، المعتمد، 1: 171.
(5) الغزالي المستصفى، 2: 31/ 30. - الجويني، التلخيص، 1: 481 - السالمي، شرح طلعة الشمس، 73/ 1.
6 ابن عبد الشكور:1 396 - النسفي كشف الأسرار، 1: 148. الجويني، التلخيص، 1: 481.- ابن قدامة روضة الناظر:2: 112 - السالمي شرح طلعة الشمس، 1: 73/ 74. (7) ابن عبد الشكور 1 396 - النسفي كشف الأسرار:1: 148. – الدريني، المناهج الأصولية، 720.
8) صحيح البخاري كتاب البيوع. باب النجش. دون رقم. وأخرجه مسلم وغيره عن عائشة. صحيح مسلم، كتاب الأقضية، باب نقض الأحكام الباطلة، حديث:3329. سنن أبي داود، كتاب السنة، باب في لزوم السنة، حديث: 4011. مسند أحمد بن حنبل، مسند الأنصار الملحق المستدرك من مسند الأنصار، حديث السيدة عائشة رضي الله عنها، حديث: 24928.
476 (1/476)
صفحة 475
E 3
ردها (1).
((
الفصل الثالث: الأمر والنهي
وقد كان السلف من الصحابة يحتجون بالنهي على فساد المنهيات من ذلك حكمهم على الربا بالفساد بقوله تعالى: وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبوا} [البقرة: 278]. وحكم عمر على فساد نكاح المشركات بقوله تعالى: وَلَا تَنكِحُوا الْمُشْرِكَتِ حَتَّى يُؤْمِنَ} [البقرة: 221]. وفي نكاح المحارم بالنهي عنه وَلَا تَنكِحُوا مَا نَكَحَ وَابَاؤُكُم مِّنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ [النساء: 22]. إلى غير ذلك (2). الفساد أما السَّالِمِي فرجّح القول بعدم الفساد، وأن النهي لا يقتضي مطلقا. وإن اقتضاه في بعض المواضع فذلك إنما هو لدليل خارج عن النهي لا لنفس النهي (3). واحتج لذلك بوقوع منهيات ترتبت عنها آثارها الشرعية، كطلاق البدعة والبيع وقت النداء للجمعة (4). وقد سبقه الوَارِجلاني بقوله: وكثير من الأمور المنهي عنها أجزناها، وأبطلنا بها كثيرا من الأمور الصالحات، كطلاق البدعة، والحج بالمال الحرام، وإخراج الزَّكَاة من المال الحرام. وهذا كله إن تاب وراجع وأدى وأصلح؛ أن ليس عليه إعادة» (5). وحرر الغزالي المسألة بأن الفساد يعني تخلف الأحكام عنها، وخروجها عن كونها أسبابا مفيدة للأحكام. ولو صرّح الشرع باقتضاء النهي الفساد لارتفع الخلاف، ولكن لم يرد. والتحريم يقتضي التعرض لعقاب الآخرة فقط، دون تخلف الثمرات والأحكام واختار القول الأول بأن النهي لا يقتضي
الفساد (6).
وذكر أن معنى الردّ في حديث القائلين بالفساد هو عدم القبول، وعدم
1) ابن بركة، الجامع:1: 119 - أبو ستة، حاشية الترتيب، 1: 54. 2 ابن بركة الجامع:1: 119 - أبو ستة حاشية الترتيب 1 54 - الباجي، الإشارات، 25. 3 السالمي شرح طلعة الشمس، 1: 75.
4 - السالمي، شرح طلعة الشمس، 1: 75. (5) الوار جلاني، العدل، 1: 119
6) الغزالي، المستصفى، 2: 25/ 26. = 2: 30/ 31.
477 (1/477)
صفحة 476
الباب الثاني: اجتهاد التفسير
(1)
اعتباره طاعة وقربة. أما عدم كونه سببا للحكم فغير مقصود بهذا المعنى وهذا تكلف واضح في توجيه معنى الحديث؛ لا يسلّم له إلا على تأويل. كما ردّ على احتجاجهم بإجماع السلف على الاستدلال بالمناهي على الفساد، أنه قول بعضهم وليس إجماعا، فلا يصح به الاحتجاج. ويتمسك به في التحريم لا في الفساد (2). وهنا أيضا يبدو التكلف واضحا في ردّ الاحتجاج بفعل الصحابة، فالمسألة اجتهادية وليست محل إجماع، وإلا قطع عذر المخالف، ولكن لم يذهب إلى هذا
أحد
من العلماء.
- الأثر العملي لدلالة النهي على الفساد: سبق بيان أن جمهور الإباضية ذهبوا إلى أن النهي يدل على فساد المنهي عنه، فيما وقع فيه النهي عن الله أو مناهي رسول الله صلى الله عليه وسلم تحريما وتقبيحا، لا
في ما وقع تكريها وتنزيها وقضوا في ذلك بإعادة الواجبات، وفساد العقود والتصرفات. وفرّعوا عن هذا الأصل عديدا من المسائل، وبخاصة في أبواب الفروج، فجعلوا ما وقع من ذلك منهيًّا عنه محرَّمًا على التأبيد، كالطلاق والإيلاء والظهار، وأحكام العدد والاستبراء، وفي الصلاة والصيام، فأكثر ما وقع منها منهيا يأمرون فيه بالإعادة (3).
ومن هذه المسائل ما يُختلف في حكمه، لاختلاف الأشباه وتنازع
الأمارات والأدلة فيه.
في باب العبادات:
وأبرز مثل شغل بال الأصوليين والفقهاء زمنا طويلا، حكم الصلاة في الأرض المغصوبة وما أشبهها، كالصَّلاة بثوب مغصوب، والذبح بسكين مغصوبة، ونحوها.
فالصلاة مأمور بالإتيان بها، والغصب منهي عنه، وكونها في أرض مغصوبة أو بثوب مغصوب جعلها مَحَلاً لاجتماع الأمر والنهي.
(1) الغزالي، المستصفى، 2: 26.
(2) الغزالي، المستصفى، 2: 27/ 26.
3 البرادي، البحث الصادق، 2: 243 و/ 243 ظ.
478 (1/478)
صفحة 477
E 3
الفصل الثالث: الأمر والنهي
الصلاة
وقد فصل ابن بركة القضية وخلاف الإباضية فيها، إذ «أجازها أكثرهم، ورأوا أنها وقعت طاعة من عاص، وأن الفعل وقع موقعه من أداء الفرض، وعلى المصلّي ردّ الثوب إلى صاحبه والخروج من الأرض المغتصبة. وهذا قول محمد بن محبوب، بينما يرى ابنه بشير خلاف ذلك، محتجا بأن الصَّلاة طاعة أمر الله بها، والثوب المغتصب قد نهى الله عن لبسه في كل حال. والصَّلاة لا تقوم إلا بثوب طاهر يستر العورة، وقرار طاهر تقع فيه. ولما كان هذا الثوب، وهذه الأرض ضروريين للصلاة، وقد نهي عن فيهما، لم يجز أن تكون الصَّلاة مأمورا بها على تلك الحال، لأن الطاعة والمعصية متنافيان. فالمصلّي مأمور بالصَّلاة في الأرض والثوب الطاهرين من غير غصب ولا نجس، فإذا خالف هذا الأمر كانت صلاته فاسدة بالإجماع. فالصَّلاة في الأرض أو الثوب المغصوب كالصَّلاة في الأرض أو الثوب النجس تماما. فالقياس بينهما صحيح، وحكمهما واحد هو البطلان. ورجح ابن بركة هذا القول وأنه أقرب إلى النفس وأصح دليلا (1). وردّ على من شبه هذه الصَّلاة ببعض البيوع المنهي عنها، بينما رتب الشارع عنها نقل الأملاك. وبيّن أنه قياس مع الفارق. وحلل القضية تحليلا مطوّلا، وخلص إلى ترجيح الحكم ببطلان هذه الصلاة (2).
أما الذين ذهبوا إلى صحة هذه الصلاة، فمبناهم عدم اقتضاء النهي الفساد، أو الفصل بين النهي لذات الشيء والنهي لوصف في الشيء. والصلاة في الأرض المغصوبة ليس منهيا عنها لذاتها اتفاقا بل لوصف عارض، وهو كونها في أرض مغصوبة؛ فهي مشروعة بأصلها منهي عنها بوصفها، فأجزأته الصلاة، ولا يعاقب عليها، بل على غصب الدار والانتفاع بها (3). وذكر الوار جلاني أن مسألة الصَّلاة قد حدثت بعد الصدر الأول، وقد مضى الصحابة ولم يحكموا ببطلانها؛ على كثرة الجورة والغاصبين يومها. ولم يختلف اثنان في هذه الصَّلاة هل هي مجزية أو غير مجزية، حتى نبغ التنطع من بعض المتحذلقين،
(1) ابن بركة الجامع، 1: 481/ 482. 2 ابن بركة الجامع، 1: 528/ 523. (3) الغزالي المستصفى، 1: 79/ 80.
479 (1/479)
صفحة 478
الباب الثاني: اجتهَادُ التَّفسِيـ
فوقع الخلاف، وهي عندهم إلى الإجماع أقرب (1). وهو ما نص عليه الآمدي أن إجماع سلف الأمة وهلم جرا منعقد الكف المؤدات في الدور المغصوبة؛ مع كثرة وقوع ذلك منهم» (2). بل إن الغزالي اعتبر المسألة قطعية لا اجتهادية. والمصيب فيها واحد، لحصول الإجماع فيها في الصدر الأول، إذ لم يبلغنا أمر العلماء الظالمين بقضاء صلواتهم في الأرض المغصوبة، ولو وقع لاشتهر. فرجح القول بصحة هذه
عن عن أمر الظلمة بقضاء الصلوات
الصلاة (3).
=
وثمة مناه أخرى في الصَّلاة حَكَم الإباضية على من أتاها ببطلان صلاته، كنهي النبي عن إقعاء الكلب ونقر الديك، والتفات الثعلب
وقعود القرد (4). قال الربيع ومن فعل شيئا من هذه الوجوه الأربعة فعليه إعادة الصلاة (ى). ومما يفسد الصلاة أيضا كفّ الشعر والثوب في أثناء الصلاة، لنهي النبي
عن ذلك، إلا أن يفعل ذلك سهوا أو اضطرارا، فلا نقض عليه (6). وقال ابن بركة ولا يجوز للمصلّي أن يشتمل الصماء، ومن صلى على ذلك كانت صلاته فاسدة لنهي النبي صلى الله عليه وسلم عن لباس الصماء في الصلاة» (7)،
1) الوار جلاني، العدل، 1: 115. 2) الآمدي، الإحكام، 1: 167. 3) الغزالي، المستصفى، 1: 77/ 79. 4 أخرج البيهقي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: " أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم بثلاث ونهاني عن ثلاث، أمرني بصيام ثلاثة أيام من كل شهر، وأن لا أنام إلا على وتر، وركعتي الضحى،
ونهاني عن الالتفات في الصَّلاة التفات الثعلب، وأقعي إقعاء القرد، وأنقر نقر الديك». السنن الكبرى للبيهقي، كتاب الصلاة، جماع أبواب صفة الصلاة، باب الإقعاء المكروه في الصلاة،
حديث: 2557.
(5) قال الربيع: إقعاء الكلب أن يفرش ذراعيه ولا ينصبها وقعود القرد أن يقعد علي عقبيه وينصب قدميه الربيع، الجامع الصحيح باب 40 حديث 238. 1: 64/ 63. 6 الخراساني، المدونة، 1: 154/ 153. 7 أخرج البخاري: عن أبي سعيد الخدري، أنه قال: " نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن اشتمال الصماء، وأن يحتبي الرجل في ثوب واحد، ليس على فرجه منه شيء».
صحيح البخاري، كتاب الصلاة، باب ما يستر من العورة، حديث:363. صحيح مسلم، کتاب اللباس والزينة باب اشتمال الصماء والاحتباء في ثوب واحد،
480 (1/480)
صفحة 479
وعلة النهي أن صاحبها لا تستر عورته في الصلاة (1).
الفصل الثالث: الأمر والنهي
بغير
أما صلاة الواصلة شعرها بغيره فجائزة عنده. والفرق أن الصلاة سترة غير ممكنة، فالنهي متجه إلى فعل من أفعال الصلاة. أما وصل الشعر فليس شرطا في الصَّلاة، ولا مما تقوم به، فلم يكن النهي هنا قادحا في الصلاة. وكذلك صلاة الواشمة والنامصة وأمثالهما (2). وروى ابن مسعود أن النبي رأى رجلين أحدهما ينقر في سجوده والآخر مرخيا إزاره في الأرض، فقال: «أحدهما لا ينظر الله إليه». وهو الذي سحب ذيله. والآخر لا يغفر الله له». وهو الذي ينقر في سجوده (3). وصلاة
مقرون بها الوعيد لا تجوز (4). = في باب المعاملات:
اختلف في البيع بعد النداء يوم الجمعة، لورود نهي القرآن عن ذلك إذا نُودِي لِلصَّلَوَةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ [الجمعة: 9]. وذهب أغلب الإباضية إلى صحته، لأن النهي ليس للتحريم، وإنما
هو تأديب من
حديث: 4009.
الله تعالى.
صحيح ابن حبان كتاب الأطعمة، باب آداب الأكل، ذكر الزجر عن أكل المرء بشماله ومشيه في النعل الواحدة، حديث: 5301.
سنن ابن ماجه، کتاب اللباس، باب ما نهي عنه من اللباس، حديث: 3558.
1) ابن بركة، الجامع، 1: 485/ 486.
2) ابن بركة، الجامع، 1: 486/ 485.
(3) أخرجه الطبراني وعبد الرزاق موقوفا على ابن مسعود.
ولفظه: عن ابن مسعود أنه رأى رجلين يصليان، أحدهما مسبل إزاره، والآخر لا يتم ركوعه ولا سجوده، فضحك قالوا: مما تضحك يا أبا عبد الرحمن؟ قال: " عجبت لهذين الرجلين، أما المسبل إزاره فلا ينظر الله إليه، وأما الآخر فلا يقبل الله صلاته».
الطبراني، المعجم الكبير، من اسمه عبد الله عبد الله بن مسعود الهذلي، حديث:9219. مصنف عبد الرزاق الصنعاني، كتاب الصلاة باب الرجل يصلي صلاة لا يكملها، حديث: 3609. وورد في البخاري: عن ابن عمر، رضي الله عنهما: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا ينظر الله إلى
من جر ثوبه خيلاء».
صحيح البخاري كتاب اللباس باب قول الله تعالى: قل من حرم زينة الله، حديث: 5454. 4 ابن جعفر، الجامع، 2: 188.
481 (1/481)
صفحة 480
الباب الثاني: اجتهاد التفسير
وكذلك الإشهاد في البيع في قوله وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ} [البقرة:
282]. هو تأديب، ولو لم يُشهدوا على البيع لم ينتقض (1). وذهب أبو المؤثر إلى نقض البيع بعد نداء الجمعة، حملا للنهي على ظاهره من التحريم، وأنه يقتضي الفساد (2). ومن مسائل البيوع ما صح عن النبي أنه نهى أن صح عن النبي أنه نهى أن يبيع الرجل على أخيه، أو يخطب على خطبة أخيه (3). فظاهر الخبر يوجب فساد البيع والنكاح إذا عقد على هذا النهي. ولكن قامت الدلالة على جواز البيع والنكاح، وإن كان المرتكب لذلك عاصيا» (4).
بيع
وكذلك ما ثبت من نهي النبي عن بيعتين في بيعة واحدة (5)، فرأي ابن بركة عدم صحة البيع. فالبيع باطل وعليه التوبة من معصيته. بينما يرى أبو عبيدة مسلم ومحمد بن محبوب أن البيع جائز. ثم اختلفا بعد ذلك، فذهب أبو عبيدة إلى أن للبائع أكثر الثمنين وأقرب الأجلين وقال محبوب له أقل الثمنين وأبعد الأجلين (6).
حاضر
1) ابن، جعفر الجامع 2 400 - ابن، وصاف الحل والإصابة، 1: 94 و 94 ظ. 2 ابن، وصاف الحل والإصابة 1: 94 و. 3) أخرجه البخاري: عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبيع لباد، ولا تناجشوا، ولا يبيع الرجل على بيع أخيه، ولا يخطب على خطبة أخيه، ولا تسأل المرأة طلاق أختها لتكفأ ما في إنائها». صحيح البخاري، كتاب البيوع، باب لا يبيع على بيع أخيه، حديث: 2050. صحيح مسلم، كتاب النكاح، باب تحريم الخطبة على خطبة أخيه، حديث:2612. 4) ابن بركة، الجامع، 2: 322. (5) أخرج أصحاب السنن وغيرهم عن أبي هريرة، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أنه نهى عن بيعتين في بيعة».
صحيح ابن حبان، كتاب البيوع، باب البيع المنهي عنه، ذكر الزجر عن بيع الشيء بمئة دينار نسيئة وبتسعين دينارا نقدا، حديث: 5050 سنن الترمذي الجامع الصحيح، أبواب الجنائز عن رسول الله، أبواب البيوع عن رسول الله باب ما جاء في النهي عن بيعتين في بيعة، حديث: 1188.
السنن الكبرى للبيهقي، كتاب البيوع جماع أبواب الخراج بالضمان والرد بالعيوب وغير ذلك، باب النهي عن بيعتين في بيعة، حديث: 10185.
6 ابن بركة، الجامع، 2: 321 322.
482 (1/482)
صفحة 481
E 3
الفصل الثالث: الأمر والنهي
وحكموا على من أوصى لغير الأقارب أنه أساء وركب أمرا مكروها، وروي عن جابر بن زيد أنه قال: من جار في وصيته وأثم فقد أحل لوليه أو لإمام من أئمة المسلمين أن يحوّل ذلك ويردها إلى العدل. وذهب غيره إلى أن الإثم حاصل والوصية ثابتة؛ وذلك مثل الذي يطلق ثلاثا، فقد أخطأ السنة وعصى، وطلاقه نافذ» (1).
1) الخراساني، المدونة 2: 191.
483 (1/483)
صفحة 482
الباب الثاني: اجتهاد التفسير
الفصل الرابع: نظرية الحكم الشرعي
تمهيد: أهمية الحكم الشرعي يهدف علم الأصول من مباحثه كلها للوصول إلى الحكم الشرعي؛ ومرتبة الحكم من علم الأصول بمثابة الثمرة من الشجرة.
وقد اعتمد الغزالي هذا التشبيه في تقسيم مباحث علم الأصول، إذ مثلها بشجرة مثمرة، ثمرتها الأحكام والمثمر هو أدلة الأحكام الثلاثة، الكتاب والسنة والإجماع؛ وطرق الاستثمار هي وجوه دلالة الأدلة. وقد جعلها أربعة: دلالة بالمنظوم، ودلالة بالمفهوم ودلالة بالاقتضاء، ودلالة بالمعقول وهو القياس؛ أما المستثمر فهو المجتهد بشروطه وأوصافه والعاجز عن الاستثمار هو المقلد (1).
ولم يُفرد الأصوليون القدامى للحكم الشرعي فصولا مستقلة، بل أدرجوها تحت مباحث الأمر والنهي، لأنهما الدعامتان الأساسيتان للتكليف وعلى هذا النهج سارت كتب الأصوليين الإباضية.
ومراعاة لهذا الاعتبار أيضا رأينا ترتيب هذا الفصل بعد الأمر والنهي، ربطا بين السبب والنتيجة والمسألة اجتهادية لا تعدو وجهات النظر في التبويب والتصنيف.
المبحث الأول: الحكم الشرعي. (المحكوم به) - الحكم الشرعي أركانا وأقساما.
- مفهوم الحكم الشرعي:
الحكم في اللغة المنع والإتقان والفصل (2).
وفي المنطق: إسناد أمر إلى آخر إيجابا أو سلبا، وإدراك وقوع النسبة أو
(1) الغزالي، المستصفى، 1: 7. 2) الحكم في اللغة: العلم والفقه والقضاء بالعدل والحاكم هو القاضي. الحكيم: الذي يُحكم الأشياء ويُتقنها وأصل الحكومة رد الرجل عن الظلم. ومنه حكمة اللجام، لأنها ترد الدابة. - ابن منظور، لسان العرب، مادة حكم، 2: 951.
484 (1/484)
صفحة 483
E 3
عدم وقوعها (1).
والعلاقة بين القضية والحكم عند المناطقة
هي
الفصل الرابع: نظرية الحكم الشرعي
العلاقة بين اللفظ والمعنى
عند أهل اللغة. فالحكم هو المعنى الذي تفيده القضية، وهو الذي يحتمل
الصدق والكذب (2).
وفي الاصطلاح عرّفه الشماخي بأنه «خطاب الله تعالى المتعلق بفعل المكلف بالاقتضاء أو التخيير أو الوضع» (3). وهو التعريف الذي اصطلح عليه أهل الأصول (4). بينما اختار السالمي تعريفه بأنه أثر خطاب الله المتعلق بأفعال العباد بالاقتضاء أو التخيير أو الوضع» (5).
والمراد بالاقتضاء طلب الفعل أو الترك على سبيل الإلزام أو الترجيح والتخيير يراد به التسوية بين الفعل أو الترك. وتحت الاقتضاء والتخيير تندرج الأحكام الخمسة، الوجوب والندب والإباحة والكراهة والحرمة. وتعرف
بأحكام الخطاب التكليفي.
والقسم الثاني هو الخطاب الوضعي، ويراد به جعل الشارع الشيء سببا لآخر أو شرطا له أو مانعا منه. وبالنظر إلى تعريف الحكم بأنه خطاب من الشارع للمكلف، كانت أركان الحكم أربعة عليها مدار مباحث نظرية الحكم الشرعي. وهي:
1) السالمي، طلعة، 1: 12. وجاء في الموسوعة الفلسفية في تعريف الحكم أنه فكرة يعبر عنها في صورة جملة تقريرية، وتعطي تأكيدا ما عن موضوعات وقد تكون موضوعيا صادقة أو كاذبة. والفرض العلمي هو أيضا حكم، وقد يكون صادقا أو كاذبا والأفكار التي لا يمكن وصفها بأنها صادقة أو كاذبة ليست أحكاما مثل الأسئلة والأوامر والطلبات - م. روزنتال ب يودين. الموسوعة الفلسفية مادة حكم 185.
2 أبو العلاء عفيفي، المنطق التوجيهي 51. 3 الشماخي، شرح المختصر، (مح) 272.
(4) الغزالي، المستصفي:1 55. ابن قدامة روضة الناظر 1 90. الآمدي، الإحكام، 1: 135. -الأسنوي، نهاية السول 1 47 - ابن عبد الشكور، فواتح الرحموت، 1: 54.-ابن بدران، المدخل، 146. الشوكاني، إرشاد الفحول 5 الزحيلي أصول الفقه، 1: 37. والتعاريف بينها متقاربة.
5 السالمي، طلعة، 1: 12. 2: 213.
485 (1/485)
صفحة 484
الباب الثاني: اجتهاد التفسير
1 الحاكم أو الشارع الذي صدر منه الخطاب.
2 المحكوم به وهو تلك الأوصاف، من اقتضاء وتخيير ووضع.
3 المحكوم فيه وهو فعل المكلف الذي تتعلق به هذه الصفات. 4 المحكوم عليه أو المكلف الذي يوجه إليه الخطاب ويُطالب بتنفيذه (!). والواقع أن المحكوم به والمحكوم عليه هما الركنان. لأن التعريف يتناول فعل المكلف، ويعلق به تلك الأوصاف. أما الحاكم والمحكوم فهما لازمان عن التعريف، إذ يلزم عنه وجود حاكم مكلف ومحكوم مكلف (2). وفي مبحث الحكم تناول الأصوليون مسائل عديدة، منها خطاب النبي، وأنه من خطاب الله تعالى، لأن الله أمر بطاعة نبيه. كما أدرجوا فيه منزلة العقل ودوره في التحسين والتقبيح. وتلك مسائل عرضنا لها في مبحث حجية
العقل. أما المحكوم عليه، وهو المكلف وشرطه العقل وفهم الخطاب، حتى يتأتى
منه القصد إلى الفعل والامتثال للتكليف.
وبدهي أن يكون المكلف موجودا حين صدور التكليف حتى يصح منه فهم الخطاب، ثم الطاعة والامتثال والفعل الصادر من المكلف محكوم فيه، ومن شروطه الإمكان والاختيار، وأن يكون معلوما حتى يصح القصد إليه. وقد ألمحنا إلى أن المصادر المتقدمة للإباضية لم تتناول هذه المباحث مترابطة وفق هذا التقسيم، بل تناثرت في مواضع متفرقة من أبواب الأصول والفقه. ولئن نالت الأحكام الخمسة ومتعلقاتها نصيبا معتبرا في مباحث الأمر والنهي، وحظي محور الحاكم كذلك بنصيب في مباحث الحجة والتكليف؛ فإن عنصر المكلف وفعل المكلف أو المحكوم فيه، ظلاً ضمن مباحث الفقه، يردان عند ذكر أسباب التكليف وشروطه وموانعه وعوارضه. كما عرضت كتب العقيدة لمباحث التكليف بالمحال، وتكليف الكفار بفروع الشريعة، وشكر المنعم أهو واجب عقلا أم شرعا؟ وما شاكل ذلك ...
(1) ينظر: الغزالي، المستصفى، 1: 86/ 83. 2) ينظر: باجو، أبو يعقوب الوَارِجلاني، 192.
486 (1/486)
صفحة 485
الفصل الرابع: نظرية الحكم الشرعي
وتعد تلك القضايا وجها بارزا لتمازج علم الأصول وعلم الكلام. - أقسام المحكوم به
اصطلح جمهور الأصوليين على تقسيم الأحكام الشرعية إلى نوعين:
الحكم التكليفي، والحكم الوضعي.
وفي التكليفي خمسة أقسام: الوجوب والندب والإباحة والكراهة والحرمة. وزاد الحَنَفِيّة تفصيلا فجعلوا الوجوب درجتين: الوجوب والفرض كما قسموا الكراهة إلى كراهة تحريمية وكراهة تنزيهية.
أما الحكم الوضعي، فهو يتناول السبب والشرط والمانع، ويترتب عنه الأداء والإعادة والقضاء والصحة والفساد والبطلان.
-2
ولم يشذ الإباضية إجمالا عن هذا المنهج العام.
- الحكم التكليفي:
- حقيقة التكليف:
الحكم التكليفي نسبة إلى التكليف، وحقيقة التكليف إلزام العبد ما على العبد فيه كلفة. والكلفة في اللغة المشقة» (1).
ويذكر السُّوفِي أن التكليف عند أهل اللغة، ما يشق على النفس. وحده عند أهل الشرع الأمر والنهي، لقوله تعالى: أَيَحْسَبُ الْإِنسَنُ أَن يُتْرَكَ سُدى القيامة: 36]. والسدى الذي لا يُؤمر ولا يُنهى (2).
ويميز البَرَّادِي بين أساس التكليف عند الإباضية وأساسه عند المعتزلة، أن حقيقة التكليف إنما تتعلق على أصولنا بأوصاف الأفعال، وعلى أصول القدرية إنما تتعلق بحدوث الأفعال وإيجادها» (3). هذا؛ بناء على أن الإباضية يرون أن خلق الأفعال الله تعالى. فمنه القدرة والاستطاعة، والعبد مكتسب لها بالاختيار. وأما المعتزلة فينسبون الأفعال للعبد اقتدارا واختيارا.
1) كلّفه تكليفا: أمره بما يشق عليه. وتكلّف الشيء: تجشمه على مشقة وعلى خلاف العادة. - ابن منظور، لسان العرب. 5: 3916
- البَرَّادِي، رسالة الحقائق، 8. (2) السوفي، السؤالات، 102. 3 البرادي، رسالة الحقائق 8.
487 (1/487)
صفحة 486
الباب الثاني: اجتهادُ التَّفسِير
- مفهوم الحكم التكليفي:
أقدم تعاريف الأحكام التكليفية نجدها عند العوئبي، إذ ذكر أن «حدّ الوجوب ما لا يكون تركه إلى بدل والفرض والحتم واللازم في معناه. والمندوب إليه: ما فعله أفضل من تركه.
والجائز ما ليس في العقل ولا في السمع المنع منه. وقيل: إن الجائز ما فعله وتركه سواء. وهذا فيه نظر لأن المندوب إليه جائز، وفعله أفضل من تركه، والواجب جائز ولا يجوز تركه.
والمباح ما لا يُثاب على فعله ولا يعاقب على تركه. وقيل: ما يجوز فعله وتركه. وفيه نظر، لأن الله تعالى له أن يفعل الأصلح، وله أن لا يفعل. ولا يقال لفعله مباح» (1).
ويظهر الأثر الكلامي في هذه التعاريف وفي النقد الموجه إلى بعضها، كقياس فعل الله إلى فعل العباد، وقضية رعاية الأصلح في أفعال الله تعالى. ثم استقرت التعاريف مدققة لدى أبي بعقوب الوَارِجلاني، فعرف
الواجب بأنه ما كان في فعله ثواب وفي تركه عقاب.
والمندوب ما كان في اكتسابه ثواب، وليس في تركه عقاب. والمباح ما ليس في فعله، ثواب، وليس في تركه عقاب. والمكروه ما في تركه ثواب وليس في فعله عقاب.
والحرام ما في تركه ثواب، وفي فعله عقاب. وأشار إلى أن ثمة من يجعل الواجب منزلة بين الفرض والمندوب، وأنه يُقصد به أوكد السنن.
أما الصحيح والفاسد فمن مواضعات الفقهاء. فما أمروا فيه بإنفاذه قالوا صحيح، وما أمروا فيه بإعادته قالوا فاسد» (2). وعلى نفس النهج سار اللاحقون بعد الوَارِجلاني، كالشيخ سعيد
(1) العوئبي، الضياء، 2: 251/ 252. 2 الوار خلاني، العدل، 1: 39/ 38.
488 (1/488)
صفحة 487
*
الجربي (1)، والشماخي، والسالمي (2).
الفصل الرابع: نظرية الحكم الشرعي
ويربط البَرَّادِي بين الأحكام الشرعية وبين التحسين والتقبيح، بأن حقيقة الأحكام الشرعية خطاب الله عز وجل الصادر بها، فإن صدر بأمر فهو الفرض، وإن صدر بنهي فهو التحريم، وإن صدر بتخيير فهو الإباحة. ويتفرع الندب عن الأمر، ويتفرع عن النهي الكراهة» (3).
وحقيقة الندب ما حسن بالشرع فعله عن تركه، وحقيقة الكراهة ما حسن بالشرع تركه عن فعله وحقيقة الإباحة ما تساوى بالشرع تركه وفعله» (4).
ويؤكد أن الحسن على أصولنا ما حسنه الشرع، والقبيح ما قبحه الشرع. ذلك (5). ولا التفات إلى العقل في شيء من
وذهب جمهور الإباضيَّة إلى التمييز بين درجات الوجوب، فهناك واجب
مقطوع به کالصلوات الخمس وواجب ظني، كالوتر وصلاة الجنازة (6). قال السَّالِمِي: «والفرض هو الواجب عندنا وعند الشافعي، وعند أبي
حنيفة وأحمد الواجب لازم والفرض ألزم، وإليه ذهب أصحابنا» (7). ولذلك ترد في كتبهم عبارة سنن واجبة لأن الواجب عندهم ما فعله الرسول وأمر به، فثبت بالسنة والفرض هو الأمر القطعي الثابت بالقرآن. وكلاهما يثاب فاعله ويعاقب تاركه (8). وأحيانا نجد عبارة ما جاء عن الكتاب فهو فرض، وما جاء عن الرسول
1) سعيد الجربي، جواب، 111 ظ.
2 الشماخي، شرح المختصر، تحقيق مهني التيواجني، 272 فما بعد. -السالمي، طلعة، 2:
=
217. معارج الأمال، 1: 24. (3) البرادي، رسالة الحقائق، 8.
(4) البَرَّادِي، رسالة الحقائق، 8. (5) البَرَّادِي، رسالة الحقائق، 9/ 8. 6) الجيطالي، قواعد، 1: 222.
7) السالمي، معارج الآمال، 1: 24. - ينظر أيضا الآمدي، الإحكام، 1: 140. – السرخسي، أصول السرخسي، 1: 110. ابن قدامة روضة الناظر 1 91. وعند الحنفية زكاة المال فرض، وزكاة الفطر أو زكاة الرأس، واجب ينظر الكاساني، بدائع الصنائع، 2: 2.
8) الجناوني، الوضع، (هامش المحقق) 101.
489 (1/489)
صفحة 488
الباب الثاني: اجتهاد التفسير
فهو سنة. وما جاء عن أئمة العدل فهو أثر (1).
*
فمن سنة الرسول ما هو واجب ومنه ما هو مندوب. وعبّروا عنه بقولهم: سنة في فريضة الأخذ بها هدى وتركها خطيئة. وسنة في غير فريضة، الأخذ بها فضيلة وتركها ليس بخطيئة (2).
ومن أحكام ذلك أن التوجه إلى الكعبة في الصلاة فرض من التنزيل والوضوء كذلك. وسن رسول الله المضمضة والاستنشاق، فهما واجبان لا يسع تركهما. كما سن الاستنجاء من كل نجاسة، فلا يجوز الوضوء إلا بعد
الاستنجاء (3). وقالوا: صلاة السنن أقسام؛ سنن واجبات وسنن مؤكدات، وسنن
مرغبات (4).
وروى أبو عبيدة عن جابر بن زيد قال الوتر والرجم والاختتان سنن واجبات» (5).
فأما الوتر فلقول النبي لأصحابه: إن الله زادكم صلاة سادسة خير لكم من حُمُر النعم هي الوتر (6).
ورجح الربيع وموسى بن علي كون الوتر غير واجب، لأدلة أخرى تقصر الصلوات المفروضة في خمس (7).
1) العوتبي، الضياء 3 15 - الأصم البصيرة، مخ:11 و = مط:1: 17.
2) المزاتي، التحف المخزونة، 8 ظ.
3) عمروس بن فتح الدينونة الصافية، 114/ 113 - مجهول، سبوغ النعم، 10 و. 4) الجناوني، الوضع، 101.
5) الربيع، الجامع الصحيح، باب 29 حديث 192. ج 1، ص 51. 6) الربيع، الجامع الصحيح، باب 29 حديث 192. ج 1، ص 51.
وفي كتب السنن عن خارجة بن حذافة العدوي: «إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ قَدْ أَمَدَّكُمْ بِصَلَاةٍ وَهِيَ خَيْرٌ لَكُمْ مِنْ حُمْرِ النَّعَمِ وَهِيَ الْوِتْرُ فَجَعَلَهَا لَكُمْ فِيمَا بَيْنَ الْعِشَاءِ إِلَى طُلُوعِ الْفَجْرِ» المستدرك على الصحيحين للحاكم، كتاب الوتر، وأما حديث بكر بن وائل، حديث: 1083. سنن الدارمي كتاب الصَّلاة، باب في الوتر، حديث: 1590.
سنن أبي داود، كتاب الصلاة، باب تفريع أبواب الوتر، باب استحباب الوتر، حديث: 1221. سنن ابن ماجه، كتاب إقامة الصَّلاة، باب ما جاء في الوتر، حديث: 1164. (7) الأحاديث في هذا متواترة في كتب السنة.
الربيع، الجامع الصحيح، باب 29 حديث 192. ج 1، ص 51.
490 (1/490)
صفحة 489
الفصل الرابع: نظرية الحكم الشرعي
وحكم تارك الواجب القطعي أو الفرض أنه فاسق، فإن استحله كان مشركا. أما تارك غير القطعي فليس كذلك (1). وذهب بعض الإباضية إلى أن الفرض والواجب مترادفان، إذ يجمعهما عقاب من تركهما (2). هذا بينما اختصر أبو العباس أحمد أفعال العباد كلها في وجهين: فرض
ونفل (3).
وكأن الفرض يشمل الواجب للإلزام بفعله والحرام للإلزام بتركه بينما يشمل النفل المندوب للترغيب في فعله والمكروة للترغيب في تركه. أما المباح فيرتقي بالنية إلى رتبة المندوب. ويتضح الأمر باعتبار أن كل تقرب عبادة، وكل عبادة طاعة، وكل طاعة الله عبادة. ولكن ليس كل طاعة عبادة، لأنا وجدنا كل من عبد أطاع، وليس كل من أطاع عبد» (4).
وفي تعاريف الواجب والحرام، وجه آخر لتمازج الأصول وعلم الكلام. فقد حدد الوارجلاني الواجب بأنه «ما كان في فعله ثواب وفي تركه عقاب، أو ما يثاب على فعله ويعاقب على تركه، والحرام بالعكس ما كان في تركه ثواب وفي فعله عقاب أو ما يثاب على تركه ويعاقب على فعله» (5).
صحيح البخاري، كتاب الإيمان، باب: الزَّكَاة من الإسلام، حديث: 46. صحيح مسلم، كتاب الإيمان، باب بيان الصلوات التي هي أحد أركان الإسلام، حديث 37. وحول اختلاف الإباضية في حكم صلاة الوتر، وأدلة كل قول ينظر: ابن بركة، الجامع، 1: 449 = 580 = 581 = 587= 588. - ابن جعفر، الجامع، 2 433 – الحضرمي، الدلائل والحجج، 15. الوسياني، سير 227 ابن جميع مقدمة التوحيد، 58.
1) السالمي، طلعة 2: 220 - وقد تناول محمد بخيت المطيعي بالتحليل تمييز الحنفية بين الفرض والواجب من حيث أثر إنكار أحدهما على الحكم بالكفر أو عدمه. وهو ما ذهب إليه الإباضية. - محمد بخيت المطيعي سلم الوصول، على هامش نهاية السول للأسنوي، 1: 76 فما
بعد.
2 الشماخي، شرح مقدمة التوحيد، 94. 3) أبو العباس أحمد، تبيين أفعال العباد، 87 ظ.
4) سعيد بن زنغيل الرد على من زعم.
$171
5 الوار جلاني، العدل 1 39/ 38 - الجناوني، الوضع 101.-سعيد الجربي، جواب، 111 ظ. الثلاثي، شرح مقدمة التوحيد 94 - السالمي، طلعة، 2: 217.
491 (1/491)
صفحة 490
الباب الثاني: اجتهاد التفسير
*
وأورد الشماخي قولا في تعريف الحرام بأنه «ما أوعد بالعقاب على تركه» (1)، وهو ما سبق ابن بركة إلى بيانه من أن الوعيد يتوجه إلى كل من ركب الحرام. فالواجب على الناس أن يتقوا معصية ربهم، وأن يحذروا عقوبة
سخطه (2)
وليس ثمة لزوم عقلي بين الفعل والجزاء، إنما هو ترتيب شرعي، لأن آيات القرآن وأحاديث الرسول متضافرة متواترة على أن للطائع ثوابا وللعاصي عقابا. فمن أتى بالواجب لم يكن مستحقا للثواب على الطاعة بنفس الفعل، بل بفضل الله ورحمته والذي اجترح المحارم ناله الوعيد بعدل الله وحكمته.
ولكن أبا حامد الغزالي أورد تعاريف الأحكام التكليفية واختار منها تعريفا يتفادى به الاعتراضات الكلامية فما استوى فيه الإقدام والإحجام سماه مباحا، وما ترجح فعله ولم يُشعر بالعقاب على تركه كان مندوبا. فإن أشعر بالعقاب سمّي واجبا، وما ترجح تركه ولم يُشعر بالعقاب على تركه فهو المكروه، وإن أشعر فهو الحرام والمحظور (3).
وردّ على من ربط بين ترك الواجب أو فعل الحرام وبين الوعيد، إذ يتصور أن يعفو الله عن صاحبه ولا يعاقبه (4). والواقع أن هذا ليس تعريفا عقليا، بل هو من شواهد النصوص التي
ترتب على الطاعة الثواب وعلى المعصية العقاب. فالتحرج بعد هذا البيان إعمال للعقل مع ورود النص، فضلا عن أن الحكم العام لا يعني بالضرورة نفاذه على الأفراد، لأن الموانع والشروط والقيود والظروف لها اعتبارها في الحكم على الأشخاص؛ سواء في أمور الدنيا أم أمور الآخرة.
(1) الشماخي، شرح مقدمة التوحيد، 94.
2 ابن بركة، الجامع، 2: 318/ 320. (3) الغزالي، المستصفى، 2: 27/ 28. (4) الغزالي، المستصفى، 1: 66.
492 (1/492)
صفحة 491
*
الفصل الرابع: نظرية الحكم الشرعي
- من أقسام الواجب: للواجب تقاسيم عديدة عُني بها الأصوليون باعتبارات مختلفة. منها: أ- الواجب العيني والواجب الكفائي:
ينقسم الواجب بالنظر إلى تعلقه بالمكلف إلى واجب عيني، وواجب
كفائي.
الواجب العيني: هو ما طلب الشارع فعله من كل فرد من المكلفين، ولا يُجزئ قيام مكلف به عن آخر كالصَّلاة والزَّكَاة والحج. واجتناب المحرمات كالزنا والربا والخمر (1) على أن ثمة نوعا من الواجبات تجزئ فيه النيابة، کالتكاليف المالية ونوعا لا يقبل النيابة وهو العبادات البدنية كالصلاة والصوم. ونوعا يقبلها عند الضرورة، وهو ما له جانبان، جانب بدني وجانب مالي، ويُمثل له دائما بالحج (2).
الواجب الكفائي: هو ما طلب الشارع حصوله من غير نظر إلى من يقوم به. فهو موجه إلى عموم المكلفين فإن قام به البعض أجزى عن الباقين. وقد تناول الإباضية الحديث عن الواجب الكفائي وتحديد كثير من هذه الواجبات وأحكامها، ولم يُعنوا بالمباحث الفرعية لهذا الواجب، وهل الخطاب فيه موجه إلى كل فرد أم إلى بعض مبهم؟ أم إلى هيئة المخاطبين الاجتماعية، أم إلى الجميع؟ (3). وإن كان واضحا ومتفقا عليه أن الإثم عند ترك هذا الواجب يقع على الجميع. فالخطاب للجميع، والتنفيذ على البعض، ومصطلح "الكفائي" يُغني عن الجدل في هذه القضية المحسومة.
وذكر المزاتي أن من الفروض ما يكون إلزامه للعام، ويُجزئ فيه الخاص إذا قام بها البعض أجزى عمّن لم يقم بها. وأوردوا منها الجهاد، وتعلم القرآن والسنة، وصلاة الجماعة، وغسل الموتى وتكفينهم، والصلاة عليهم
(1) الزحيلي أصول الفقه 1: 60. (2) الزحيلي، أصول الفقه، 1: 60/ 61. 3 الزحيلي أصول الفقه، 1: 64/ 62.
493 (1/493)
صفحة 492
الباب الثاني: اجتهَادُ التَّفسِير
ومواراتهم. فهذه الفرائض لو تركها جميع الناس كفروا (1) كفر نعمة لأنه ارتكاب كبيرة. وكذلك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب في كل زمان قدر الطاقة. ودرجات الأمر والنهي قد بينها الرسول صلى الله عليه وسلم باليد أو اللسان أو القلب. وهو فرض على الكفاية (2). ومن تمام القيام بالأمر والنهي، تولية إمام للمسلمين بنظر أهل الرأي، يراعى فيه العلم بالأحكام والورع والقوة والشجاعة. حتى يقوم بهذا
الواجب على خير الوجوه وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب (3). وأكد الملشوطي هذا الواجب بأن عقد الإمامة فرض عندنا لفرض الله الأمر والنهي، والقيام بالعدل، وأخذ الحقوق من مواضعها ووضعها في أهلها الذين أمر الله بهم ... ولما كانت الفرائض الكثيرة المجمع عليها لا تتم إلا بها صح أنها فريضة مثلها؛ لأن كل فرض لا يتم الفرض إلا بعمله فهو فرض مثله أو أعظم منه. مثل وظائف الصَّلاة التي لا تتم إلا بها، فهي فرائض مثلها، كتطهير الثياب والجسد وأشباه ذلك. وأن تضييع الأمر والنهي كبير وكفر بالله وكتابه وسنة رسوله (4). وذكر أدلة كثيرة لهذا الحكم من الكتاب والسنة. ب الواجب المضيق والواجب الموسع:
قسم الواجب بالنظر إلى الزمن إلى محدد وغير محدد، والمحدد قد يسع الوقت فردا منه وحده فهو مضيق كشهر رَمَضَان، لا الشهر إلا صوما يسع
واحدا.
وإذا استوعب الوقت أكثر من فرد من هذا الواجب فهو موسع، وذلك كأوقات الصلوات. وثمة نوع يُدعى ذا السَّبَهَيْن، إذ يتسع الوقت له ولمثله. ولكن لا يُجزئ
(1) ابن بركة، الجامع:1: 362 - ابن جعفر، الجامع، 2: 278 - المزاتي، التحف المخزونة، 26 ظ - الأصم البصيرة، 1: 14 - الشماخي شرح المختصر، تحقيق مهني التيواجني، 290.
(2) المزاتي التحف 26 ظ. الجناوني، الأحكام، 11. 3) الجناوني، الأحكام 18/ 17 وحول تفصيل قاعدة ما لا يتم الواجب إلا به، ينظر: الوَارِ جلاني، العدل، 1: 112/ 111. -الغزالي، المستصفى، 1: 71/ 72.
4 - المنشوطي، أصول الدين، 10 ظ/ 11 و.
494 (1/494)
صفحة 493
*
الفصل الرابع: نظرية الحكم الشرعي
فيه إلا واحد كالحج، زمنه أشهر معلومات ولكنه لا يُؤدى إلا في أيامه المعدودات، فيؤول إلى الواجب المضيق (1).
كما لا
يصح أن يكون الوقت أضيق عن أداء الفعل، لأنه تكليف بما لا
يُطاق، وهو مناف لحكمة الله تعالى (2).
وقد ثارت زوبعة بين جمهور الأصوليين وبين الحنفية في شأن الواجب الموسع فالجمهور على أن وقته كله وقت وجوب وأداء. فمتى فعله أجزاء ذلك، وكان فاعلا للواجب بالإجماع. وهذا رأي الإباضية اتفاقا (3). وخالف الحَنَفِيّة فقالوا إن آخر الوقت هو وقت الوجوب، وما قبله فهو غير واجب. ولو فعله حينئذ لكان نفلا سقط به الفرض، لأن النفل ما جاز تركه، والواجب الموسع يجوز تركه في أول الوقت.
وأجيب بأن هذا الترك مشروط بالعزم على الفعل بعده حتى يضيق الوقت فلا يسعه الترك. والنفل خلاف ذلك إذ يجوز تركه أبدا بلا عزم على
الفعل.
واحتد النقاش حول هذه القضية، دون جدوى، وعقب عليها أبو يعقوب الوَارِجُلانِي أنه ليس في هذه المسألة إلا المغالطات، والمعنى واحد، وإنما الاختلاف فى الألفاظ» (4).
وكانت لهجة ابن جعفر حادة في الرد على رأي أبي حنيفة، إذ اعتبر أن ما ذهب إليه من ضلال التأويل المنافي لمعاني الكتاب والسنة وحجة العقول (5). وسلك الإباضية في باب الواجب الموسع والواجب المضيق سبيل الأثر العملي لهذا التقسيم، فالموسع في أول الوقت يسعه العلم ويسعه الجهل،
1) السالمي، طلعة، 1: 42.
2 السالمي، طلعة، 1: 42.
3 السوفي، السؤالات 211 - الشماخي، شرح المختصر، تحقيق مهني التيواجني، 291.
السالمي، طلعة، 1: 44/ 43.
-4 الوارجلاني، العدل، 1: 100/ 99.
5 ابن جعفر، الجامع:2 46/ 45. ينظر تفصيل القضية الغزالي المستصفى، 1: 70/ 69. الشماخي، شرح مقدمة التوحيد، 97/ 96 - السالمي، طلعة، 1: 45/ 42.
?495
495 (1/495)
صفحة 494
الباب الثاني: اجتهاد التفسير
*
ويسعه الفعل ويسعه الترك. والمضيق في أول الوقت يسعه العلم والفعل، ولا
يسعه الجهل والترك (1).
فالموسع فيه سعة للمكلف في أول الوقت إن لم يفعل لم يعص، والمضيق
إن لم يفعله عصى وأثم (2). وإنما قيل للموسع موسع لأنه إذا لم يفعل هنالك لم يكفر، وقيل للمضيق مضيق، لأنه إذا لم يفعل هنالك كفر» (3). والمقصود به كفر النعمة الناجم عن ارتكاب الكبائر.
والتزم الإباضية جادة الاحتياط في أمر الفرائض سعة وضيقا، ومن ذلك الصَّلاة، فمن ترك صلوات الليل إلى النهار أو صلوات النهار إلى الليل من غير عذر ولا نسيان ضل وكفر كفر نعمة (4).
،
وكذلك الزكاة والحج، هما واجبان على السعة، فلا يُحكم على أحد بالكفر ما لم يمت ولم يؤدّ ما عليه من زكاة أو حج ولم يوص به (5). ولو كان للإنسان مال وقدرة، واستطاع الحج وتركه أربعين سنة، لم يُبرأ منه؛ إلا أن ينكره أو لا يدري فرضه عليه، فقد قال فيه تعالى: وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ العلمينَ} [آل عمران: 97] (6). ودليل وجوب الحج على السعة فعل النبي، فقد روى الربيع عن أبي عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس أن رسول الله لم يحج إلا بعد عشر حجج من هجرته. ولا أنكر على من الحج من أمته) (7). وفي كتب العقيدة اهتمام بالغ بهذا الجانب اصطلح عليه بمسائل ما يسع يسع جهله؛ سواء ما كان في جانب التوحيد، أم الأعمال من
جهله، وما لا
1) السوفي، السؤالات، 211.
2) المزاتي، التحف، 6 و.
-
3) سعيد بن، زنغيل الرد على من زعم ... 171 و.
تخلف عن
(4) عمروس الدينونة 111 - المزاتي التحف 26 ظ الجناوني، كتاب الصوم، 10/ 9.
الجيطالي، قواعد الإسلام، 1: 236.
5) المزاتي، التحف 26 ظ. ابن النظر، الدعائم، 63.
6) الإمام عبد الوهاب، مسائل الإمام عبد الوهاب، 1 ظ.
7 الربيع، الجامع الصحيح، باب 1 حديث: 393، ج 2، ص 104.
496 (1/496)
صفحة 495
الفصل الرابع: نظرية الحكم الشرعي
E 3
الواجبات والمحرمات. فالتوحيد واجب مضيَّق أوّل ساعةِ البلوغ، وترك الشرك كذلك. وسائر الفرائض يسع جهلها ما لم يحن أوان أدائها. وسائر المحرمات يسع أيضا ما لم يقترفها الإنسان (1).
جهلها
قال المزاتي: «أما الذي كان إلزامه مُضيَّقًا من المفروضات هو التوحيد، والولاية والعداوة والكف عن جميع الذنوب. فهذا وأشباهه إلزامه مضيّق، ولا يسعه الترك على حال من الأحوال» (2).
وترك التوبة ذنب من الذنوب، كما أن فعلها فرض من الفرائض. وضد كل فرض تركه وضد كل ذنب تركه والتوبة إلزامها مضيق ليس كغيره من خصلة الفروض الموسعات، وهي خصال الطاعة» (3). من ج الواجب المعين والواجب المخيّر:
الواجب المعين هو الذي طلب الشارع فعله بعينه، كالصلاة والصيام والحج. فيجب أداؤه بعينه ولا تبرأ ذمة المكلف إلا بذلك. وكذلك إذا أمر الله بشيء على الترتيب كان واجبا معيّنا كالمظاهر من امرأته أمر بالعتق عند وجود الرقبة، وبالصيام عند عدمها، وبالإطعام عند العجز عن الجميع، فهو غير مخير، بل الواجب عليه منها واحد بعينه (4).
والواجب المخيّر ما طلب الشارع فعله بالتخيير بين عدة أعيان، وذلك ككفارة اليمين في قوله تعالى: فَكَفَرَتُهُ إطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَكِينَ} [المائدة: 89]. إذ ذكرت الآية عدة أعيان في واجب الكفارة. فهل المقصود منها واحد بعينه. أو بالتخيير بينها؟ لم يختلف الإباضية مع الجمهور في أن الواجب منها واحد غير معين. وللمكلف حرية اختيار الإتيان بأيها يشاء. ما دام خطاب الشارع الذي أوجب عليه الكفارة، هو الذي منحه الاختيار بين أعيانها. ولا منافاة بين ذلك
1) ابن جميع مقدمة التوحيد، 97/ 96.
2) المزاتي، التحف، 26 ظ.
3 المزاتي، التحف، 26 ظ. 4 السوفي، السؤالات، 212.
497 (1/497)
صفحة 496
الباب الثاني: اجتهاد التفسير
E 3
الوجوب وهذا التخيير (1). وما أتاه منها كان أداء للواجب، وسقط به عنه الفرض، وإن فعلها جميعا سقط الفرض عنه بواحد وكان الباقي تطوعا (2). وذهب المعتزلة إلى نفي الواجب المخير، لأن التخيير عندهم ينافي الوجوب، وهو غير سليم لاختلاف الجهات. وقد ردّ عليهم الوَارِجلاني بأن العقاب يتعلق بتركها كلها، لا بواحد منها (3)، كما أفاض الغزالي في رد هذا القول، مستدلا بالأمثلة الواقعية والشرعية على جواز التكليف بالواجب المخير، وذلك كوجوب تزويج المرأة من أحد الكفاين الخاطبين، وتقليد الإمامة لأحد الصالحين لها. وردّ على قولهم إن هذا الواجب معين في علم الله تعالى، بأن العباد مكلفون بما في علمهم لا بما في علم الله. والواجب في علم العباد غير معين، بل مخير، خلافا لما في علم الله (4). وفي الفقه الإباضي نماذج عديدة للواجب المخير، أشهرها التخيير بين خصال الكفارة الذي ثبت بنص القرآن الصريح. وفي باب الطلاق قالوا في رجل قال لامرأتيه: أنت طالق أو هذه. أن له الخيار في تطليق إحداهما قياسا على خصال الكفارة، فيقع الطلاق على واحدة بغير عينها، فله الاختيار في تعيينها. وخالف في ذلك الربيع فقال: إنهما جميعا
طوالق (5). وأجازوا التفريق بين الزوجين بسبب الإعسار، إذا عجز الزوج عن نفقة زوجته وكسوتها، وغيب عنها ماله حيث لا يصل الحاكم إليه. وطلبت المرأة الفراق، كان لها ذلك. ومن حججهم على ذلك قوله تعالى: {وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ [النساء: 19]. وقوله: فَإِمْسَاكُ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحُ بِإِحْسَنِ [البقرة: 229]. ومن المعروف في المعاشرة النفقة والكسوة، فإن عجز عن الإمساك بالمعروف يقال له: فأنت قادر على التسريح، لأنك مخير بين ذلك،
(1) الوارجلاني، العدل، 1: 98.
(2) السوفي، السؤالات، 211. 3 الوار خلاني، العدل، 1: 99/ 98. (4) الغزالي، المستصفى، 1: 67/ 68.
(5) جابر بن زيد من جوابات الإمام جابر، 100/ 101
498 (1/498)
صفحة 497
E 3
الفصل الرابع: نظرية الحكم الشرعي
فآت منهما ما تقدر عليه. إذ (1) كنت مأمورا بفعلهما. فعجزك عن أحدهما لا يُسقط الفعل الثاني الذي أمرت به، كالمخير في كفارة اليمين (2). وفي الوصية ذهب الإباضية إلى القول بالوصية الواجبة، ولكن الموصي بخير فيها ما لم يُجاوز الثلث، لقوله تعالى: وَاتُوهُم مِّن مَّالِ اللَّهِ الَّذِي اتنكُمْ [النور: 33]. فالإعطاء واجب، وليس فيه شيء محدود. إن شاء أوصى بالسدس، وإن شاء أوصى بالخمس أو أكثر. وهو شبيه بالرقبة الواجبة في كفارة الظهار، فقد ذهب محمد بن محبوب إلى إجازة رقبة مشركة أو أعور العين. ولم يراع في ذلك إلا استحقاق اسم الرقبة؛ فهو مخير بين أن يشتريها
بدينار أو بمائة دينار (3).
- من قضايا الندب: أهل المندوب مأمور به؟
من مباحث المندوب التي لها صلة بدلالة الأمر الشرعي، هل المندوب مأمور به، أم ليس كذلك؟
والتعريف الاصطلاحي للأمر يحسم الإشكال. فالأمر طلب فعل غير كف لا على وجه الدعاء (4).
ولكن هذا التعريف غير متفق عليه، فإن من الأصوليين من يرى الأمر للوجوب، لا لمطلق طلب الفعل. ولذلك اختلف الإباضية في كون المندوب مأمورا به؛ فذهب جمهورهم إلى أن المندوب مأمور به، وهو مذهب الجمهور أيضا. وذهب عمروس بن فتح وأبو بعقوب الواجلاني إلى أنه غير مأمور به (5). وهو مذهب الكرخي والرازي، لأن الرازي رجح كون الأمر للوجوب (6).
1) وردت في الأصل: إذا، ويبدو أن صوابها إذ.
2 ابن بركة الجامع، 2: 193/ 194.
3 ابن بركة الجامع، 2: 598/ 597 (4) السالمي، طلعة، 1: 37.
(5) الوار خلاني العدل 1 68 69 - الشماخي، شرح المختصر (مخ) 23 ظ.= شرح مقدمة
التوحيد، 98. - السالمي، طلعة، 1: 37.
6) الرازي المحصول 1 300 الجويني، التلخيص، 1: 257/ 261. -الغزالي، المستصفى،
499 (1/499)
صفحة 498
الباب الثاني: اجتهاد التفسير
ونصر الشماخي قول الجمهور إن المندوب مأمور به (1). لأنه شاع عند العلماء أن الأمر قسمان أمر إيجاب وأمر استحباب والمندوب طاعة، والطاعة فعل الأوامر، فيثاب فاعله، سواء كان الفعل واجبا أم مندوبا (2). والمسألة لا تعدو الخلاف اللفظي، فالمندوب غير مأمور به في قول عمروس والوَارِجلاني، لأنهما حملا الأمر كله على الوجوب. فجميع ما ورد فيه لفظ أمر، فمعناه أوجب والزم وفرض، ويعاقب تاركه. وما أسقط فيه
العقاب على الترك فلا يقال فيه أمر، وإنما يقال ندب ودعا ورغب (3). بينما اعتبر المندوب مأمورا به عند الجمهور، لأن الأمر عندهم لمجرد
الطلب (4). ولكن البَرَّادِي أطال في القضية وذكر أنها تتعلق بالبحث اللغوي والتنقيب عن علة الطاعة والإيمان، وعن حكم الأمر في الندب والمباح وغيرهما. وفائدته لها صلة بالفروع، وبالأصلين معا. فإذا سمع الفقيه حديثا عن الرسول صلى الله عليه وسلم وهو يعتقد أن الأمر للوجوب، وأن المندوب غير مأمور به جعل الأمر في الحديث للوجوب ولاحظ نتائج الإيجاب من الطاعة والعصيان، والثواب والعقاب، والإجزاء وعدمه، والصحة والفساد، الخ ... وإن كان ممن يعتقد
1: 75 - الآمدي، الإحكام، 1: 170/ 171. 1 واستدرك الشماخي أن المندوب ليس بتكليف على الأصح، لأن التكليف عنده إلزام ما فيه مشقة. الشماخي، شرح مقدمة التوحيد، 98. والربط بين التكليف والإلزام قضية فيها كلام لأن التكليف طلب ما فيه كلفة، بقطع النظر عن الإلزام وعدمه.
وقد بين الشيخ اطفيش معاني التكليف وعلاقتها بالأمر والنهي والندب. وجعلها أنواعا: 1= فهو إما حقيقة عرفية في الإلزام بدون اعتبار مفهومه اللغوي، وهو أن تكون به مشقة. وبهذا فالملائكة مكلفون والمندوب غير مكلف به، إذ لا لزوم فيه 2 أو هو إلزام ما فيه مشقة، فالملك غير مكلف به لأنه غير ملزم 3 أو هو الأمر والنهي، فالملك مكلف لأنه مأمور منهي. والمندوب به، لأنه مأمور به أمر ندب، كالمكروه. فإنه منهي عنه نهي تنزيه. اطفيش الذهب الخالص، 5.
مكلف
2 الشماخي، شرح المختصر (مخ) - 23 ظ الغزالي، المستصفى، 1: 75/ 76. 3 الوار جلاني، العدل، 1: 69/ 68. 4 الشماخي، شرح المختصر (مخ) - 23 ظ. - البَرَّادِي، البحث الصادق، 1: 197 و.-السالمي،
طلعة، 1: 37.
500 (1/500)
صفحة 499
*
الفصل الرابع: نظرية الحكم الشرعي
أن المندوب مأمور به ووجد مع الأمر قرائن تصرفه إلى الندب، تأول أمر النبي صلى الله عليه وسلم بمعنى ندب ودعا ورغب. وجعل الأمر فيه على المجاز، واعتقد وجوب الثواب على الفعل وسقوط العقاب في الترك (1).
ب الواجب الذي يلتبس به المندوب ذهب الإباضية إلى أن المندوب إذا التبس بالواجب أصبح الكل واجبا، وذلك مثل إطالة القيام في الصَّلاة والسجود والركوع، والقدر الزائد على الكافي في القراءة والتسبيح والتعظيم وغير ذلك، كالبر بالوالدين وصلة
الرحم.
بينما ذهب المعتزلة والأشاعرة إلى أن القدر الزائد مندوب، وليس
بواجب. وبخاصة إذا أمكن تمييز هذا القدر الزائد عن الأصل المزيد (2). ورجح الوار خلاني هذا الرأي لدلالة الندب عليه. وهو أنه لا يلحق تاركه لوم ولا عقاب إجماعا (3). وردّ البَرَّادِي هذا الترجيح متمسكا بقول جمهور الإباضية، وأنه الأقيس والأقوى في النظر والاعتبار. وتعجب البرادي من الوار جلاني قائلا: من أين رجح قول الأشعرية في هذه المسألة، وحكم في عبادة واحدة بحكمين، أن مذهبه في ما مضى من كلامه أن الأمر المطلق على الوجوب. فقلب القضية هاهنا ظهرا لبطن» (4). وبيّن البَرَّادِي أن السجود واجب ومحال أن يكون بعضه واجبا وبعضه مندوبا (5). وفصل الغزالي حجة أصحاب هذا القول بأن نسبة الكل إلى الأمر واحدة، والأمر في نفسه أمر واحد وهو أمر إيجاب، ولا يتميز البعض من البعض. فالكل امتثال (6). ولكن رغم هذا فحجة البَرَّادِي غير قوية، لأن الإجماع حاصل على
1) البَرَّادِي البحث الصادق، 1: 197 و 197 ظ.
(2) الغزالي، المستصفى، 1: 73.
3 الوار جلاني، العدل، 1: 116/ 115. 4 البرادي، البحث الصادق 2: 245 و. (5) البَرَّادِي، البحث الصادق، 2: 245 و.
6) الغزالي، المستصفى، 1: 73.
501 (1/501)
صفحة 500
الباب الثاني: اجتهاد التفسير وجوب الصلاة والصيام والحج والزَّكَاة، وفيهما أصناف من الأفعال، بعضها فرض وركن، وبعضها واجب، وبعضها مندوب فلا نسلم لرأي البَرادِي، بل الراجح ما ذهب إليه الوَارِجلاني، إذ لا يجب إلا أقل ما ينطبق عليه الاسم، أما الزيادة على الحد الأدنى فهي ندب.
ج انقلاب المندوب إلى واجب
قد ينقلب المندوب واجبا في بعض الأحيان، ويتجلى هذا في لزوم التطوع لمن بدأه والفقهاء إزاء هذه القضية فريقان بعضهم يرى أن المتطوع أمير نفسه، وبعض يرى أن من ألزم لنفسه شيئا الزمناه له.
ولكل أدلته فيما ذهب إليه. والإباضية مع الفريق الثاني.
وفي اجتهاداتهم الفقهية مسائل عديدة مخرّجة على هذه القاعدة. = - ففي الدينونة الصافية عن الرجل يوجب على نفسه الصيام من الليل حتى يصبح صائما، ثم يأتي عليه في نهاره ما يعطل صومه فيلزمه بدله. لأنه أوجبه على
نفسه.
=
ومن أحرم بحج نافلة أو عمرة نافلة، فقد أوجب على نفسه القيام بجميعه، والفراغ من المناسك، وحضور المشاهد كلها. وعليه من الكفارة فيما يصيب ما على صاحب الفرض.
=
الصلاة
ومن أحرم بصلاة نافلة بثياب طاهرة وجسد طاهر، ثم دخل عليه ما ينقض صلاته النافلة كان عليه بدلها، لأنه أوجبها، وإن كانت نافلة. وأما من أحرمها بثوب نجس أو عليه وضوء فذكر، فلا إعادة عليه. لأنه لم يدخل في وهو كمن عقد الصيام من الليل وهو جنب حتى أصبح، فلا إعادة عليه؛ لأنه أصبح مفطرا، لأن الجنابة تنافي الصيام عند الإباضية (1). - هل المباح حكم شرعي؟ قد يبدو هذا السؤال متعارضا مع تقسيم الأحكام إلى خمسة، ومن بينها حكم المباح ولكن بعض المعتزلة أثاروا هذه القضية، وذهبوا إلى أن الإباحة حكم عقلي لا شرعي. إذ معنى المباح رفع الحرج عن الفعل والترك، وذلك ثابت قبل السمع.
(1) عمروس الدينونة الصافية، 202.
502 (1/502)
صفحة 501
*
الفصل الرابع: نظرية الحكم الشرعي
ولكن الوصف الثابت بعد الشرع كان مرجعه حكم الشرع لا حكم العقل. فقولنا المباح ما لا أجر فيه ولا وزر عليه، ولا وعد ولا وعيد، قول سليم؛ إذ إنه لا ثواب ولا عقاب في فعله ولا في تركه، إذا تجرد عن النية. ولكن إذا قارنته النية لحقه الحكم، فيكون بنية التقرب طاعة لها أجرها، وبالنية السيئة يغدو معصية يؤزر عليها (1).
فمن أكل الطعام ونوى به التقوي للعبادة، أثيب، ومن أكله بنية التقوي على المعصية، عوقب. ولذلك جعل الإمام الكدمي فعل العبد قسمين: طاعة ومعصية، لا يخلو من أحدهما (2).
والحكم بالإباحة الأصلية، كان حكما عقليًا قبل ورود الشرع، ولما جاء الشرع أثبته فصار حكما شرعيا، فضلا عما في القرآن والسنة من أدلة تنص على إباحة المعفو عنه من الأشياء. كقوله تعالى: وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا في الأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ} [الجاثية: 13]. وقوله: «وسكت لكم عن أشياء رحمة بكم غير نسيان فلا تسألوا عنها» (3).
ولهذا قرر الغزالي ثبوت المباح حكما شرعيا لا عقليا «فدل السمع على أن ما لم يرد فيه طلب الفعل، ولا طلب الترك، فالمكلف فيه مخير. وهذا دليل على العموم فيما لا يتناهى من الأفعال، فلا يبقى فعل إلا مدلولا عليه من جهة الشرع فتكون إباحته من الشرع» (4). فالإباحة الأصلية حكم عقلي، ولكنه يصلح أن يقال إنه حكم تاريخي، وبعد ورود الشرع لم يبق إلا أن المباح حكم شرعي. وهذا ما يتفق والتصور الصحيح لشمول الإسلام كل مجالات الحياة،
1) الوارجلاني، الدليل والبرهان.2.7 طبعة عمان - السالمي، طلعة 2: 217 2 - السالمي، طلعة، 2: 218.
(3) الهندي كنز العمال حديث 980. ج 1 ص 193. ولفظ الحديث عند الدارقطني: عن أبي ثعلبة الخشني, قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الله عز
وجل فرض فرائض فلا تضيعوها, وحرم حرمات فلا تنتهكوها وحد حدودا فلا تعتدوها,
وسكت عن أشياء من غير نسيان فلا تبحثوا عنها.
سنن الدارقطني، كتاب الرضاع، حديث:3853.
(4) الغزالي، المستصفى، 1: 75.
,
503 (1/503)
صفحة 502
الباب الثاني: اجتهَادُ التَّفسِير
التعبدية منها والحياتية. فلا يند أمر عن حكم الشرع. وبذلك تندرج
?
تحت
المباحات اجتهادات الناس في تطوير شؤون الحياة في النظم والقوانين، والعلم
والتقنية؛ في الاجتماع والاقتصاد والسياسة والتربية. ويتحقق المدلول العام للعبادة في الإسلام؛ مصداقا لنص القرآن قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الأنعام:162].
-3 من قضايا الحكم الوضعي
-
- السبب والشرط والمانع انفرد السالمي دون سائر أصوليي الإباضية بتفصيل مباحث الحكم الوضعي، وإن وردت إشارات إلى بعضها في المصادر المبكرة، كالحديث عن الأداء والإعادة والقضاء عند ابن بركة والسوفي، وتحديد نجاد بن موسى لمفهوم السبب والشرط. ولم يخرج الإمام السالمي عن نهج علماء الأصول في تحديد أقسام ومفاهيم الحكم الوضعي. فالحكم الوضعي ما وضعه الشارع علة أو سببا أو شرطا أو علامة لشيء من الأحكام التكليفية، أو هو: ما كان في أثره تعلق حصول شيء بشيء (1). وهذا الحكم أنواع: 1 - الركن ما يتقوّم به الشيء، ويدخل في قوامه. وينهدم ذلك الشيء بانتفائه كالإقرار بالشهادتين ركن للإيمان عند جمهور أصحابنا. وتكبيرة الإحرام ركن للصلاة (2).
2 - العلة:
هي
الوصف المعرّف للحكم على الرأي الراجح (3). 3 - السبب: هو الوصف الموصل إلى الحكم بواسطة غيره (4). أو ما يتوصل
به إلى الحكم (5).
(1) السالمي، طلعة، 2: 229/ 230. (2) السالمي، طلعة، 2: 230. 3 السالمي، طلعة، 2: 231. 4 - السالمي، طلعة، 2: 232. 5) نجاد بن موسى، الأكلة، 106.
504 (1/504)
صفحة 503
E 3
الفصل الرابع انظرية الحكم الشرعي
4 الشرط: هو الذي يتوقف عليه وجود الحكم وينتفي بانتفائه، كالوضوء شرط لصحة الصلاة. فإذا عدم الوضوء بطلت الصلاة (1). أو هو ما ينعدم الحكم، لعدمه ولا يلزم من وجوده وجود الحكم (2). - الأداء والإعادة والقضاء:
إذا أمر الله بعبادة في وقت معلوم، ففعلها المأمور في ذلك الوقت سُمّي
ذلك أداء.
وإذا دخل عليها ما أفسدها، أو نسي شرطا من شروطها، والوقت باق لفعلها، سُمّي ذلك إعادة.
==
فإذا فات الوقت، أو فعلها بعد الوقت سُمّي ذلك قضاء (3). الأداء معلق بورود الخطاب زمن التكليف، فالصبي والعبد إذا حجا في حال طفولة الصبي، وعبودية العبد لزمهما الحج بعد البلوغ والحرية، إذا قدرا عليه. ولم يُجزهما الحج الأول عن الفرض، لأنهما لم يكونا مخاطبين به في تلك الحال. وقال محمد بن محبوب وبعض أصحابنا: يُجزئ ذلك عنهما (4). والإعادة والقضاء تجب بأمر ثان غير الأمر الأول (5).
==
وناقش ابن بركة القائلين بأن تارك الصلاة عمدا، لا يلزمه قضاؤها؛ محتجين بأن الرسول صلى الله عليه وسلم ذكر في قضاء الصلاة النائم والناسي. فأجابهم بأن المضيّع أولى بوجوب القضاء عليه، وقد سمّاه الله أيضا ناسيا، كما قال عن آدم وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى ءَادَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا} [طه: 115]. ومعلوم أن آدم أكل من الشجرة عامدا لا ساهيا. فقد ثبت وجوب قضاء الصَّلاة بأمر ثان، وهو هذا الحديث (6).
كما أشار إلى اختلاف الإباضية حول هذا القضاء، هل هو موسع أم مضيق؟ ورجّح أنه مضيق. لأن النظر يوجب تعجيل قضاء ما على الإنسان
1 السالمي، طلعة، 2: 233. 2) نجاد بن موسى الأكلة، 105.
3 السوفي، السؤالات، 211. 4 ابن بركة الجامع، 2: 66/ 65.
ابن بركة الجامع 2: 10/ 9 - الوَار جلاني، العدل، 1: 101. -السالمي، طلعة، 1: 45.
6) ابن بركة الجامع، 1: 499/ 500
505 (1/505)
صفحة 504
الباب الثاني: اجتهاد التفسير
من الديون والفرائض والكفارات مع القدرة والإمكان، لقوله تعالى: وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ} [آل عمران: 133]. وقول النبي: «مطل
الغني ظلم» (1) (2).
- الصحة والبطلان والفساد
4.
والفعل بالنظر إلى الحكم الأخروي، تعتريه أوصاف الصحة والبطلان. فالصحيح ما اعتُدّ به في الشرع. إذ يترتب عليه ذلك المقصود، كحل
الانتفاع في البيع، والوطء في النكاح، والإجزاء في العبادات. ولا يُحكم بالصحة إلا لما كان موافقا لمقتضى أوامر الشارع؛ مجانبا لمناهيه. وما عداه فهو الفاسد والباطل.
والفاسد لا يُعتد به شرعا لاختلال أوصافه المطلوبة (3). وقد ميّز الحنفية بين الفساد والبطلان فجعلوا الباطل لما لم يكن مشروعا بأصله. والفاسد ما لم يُشرع بوصفه. ومثلوا للفاسد بالربا، فهو عندهم بيع جائز في أصله. والزيادة فيه وصف غير مشروع. فإذا ألغيت عاد الفعل صحيحا. والجمهور على خلاف هذا فالأفعال عبادات كانت أم معاملات إما صحيحة وإما فاسدة، لأن النهي عندهم يقتضي الفساد (4).
(1) أخرجه البخاري ومسلم وأصحاب السنن عن أبي هريرة. صحيح البخاري، كتاب الحوالات باب الحوالة، حديث: 2187. صحيح مسلم، كتاب المساقاة، باب تحريم مطل الغني، حديث: 3008.
صحيح ابن حبان، كتاب البيوع، باب الحوالة، ذكر الأمر بالاتباع لمن أحيل على مليء ماله،
حديث: 5130.
سنن أبي داود، كتاب البيوع، باب في المطل، حديث: 2920.
سنن ابن ماجه، كتاب الصدقات باب الحوالة، حديث: 2401.
سنن الترمذي الجامع الصحيح، أبواب الجنائز عن رسول الله، أبواب البيوع عن رسول الله باب ما جاء في مطل الغني أنه ظلم، حديث: 1266.
2 ابن بركة، الجامع 2 272 273 - النزوي قواعد الهداية، 33 و/ 33 ظ. 3 نجاد بن موسى الأكلة 105 السالمي، طلعة، 2: 215.
(4) حول مناقشة نظرية الفساد عند الحنفية، ينظر الغزالي المستصفى، 1: 95/ 94. -السالمي، طلعة 2: 216/ 215 - الدريني، المناهج الأصولية، 724/ 720.
506 (1/506)
صفحة 505
الفصل الرابع: نظرية الحكم الشرعي
E 3
المبحث الثاني: الفعل والمكلف. (المحكوم فيه والمحكوم عليه)
بما أن الحكم الشرعي خطاب من الله تعالى متعلق بأفعال المكلفين، وأن التكليف إلزام ما فيه كلفة، وذلك بواسطة الأمر والنهي؛ فقد كان لزاما أن تتوافر في المخاطب وفي الفعل المكلف به شروط معينة حتى يمكن الامتثال.
وقد استفاضت مباحث الأصوليين في تفصيل هذه الشروط.
وأهم هذه الشروط فهم المخاطب للخطاب، وقدرته على الامتثال؛ ويجمعها وصف كمال قوة العقل والبدن، لذلك اصطلح الأصوليون على تسميته بصفة الأهلية. أي أهلية الإنسان للقيام بالتكليف (1). كما صنفوها قسمين: أهلية الإلزام وأهلية الالتزام، أو أهلية الوجوب وأهلية الأداء؛ فأهلية الوجوب صلاحية العبد لتعلق حكم الخطاب عليه؛ وأهلية الأداء صلاحيته لأداء تلك العبادة (2).
ولهذه الأهلية، عوارض، وهي العوائق التي تحول دون اكتمالها مما يحد من مسؤولية العبد في تحمل التكاليف، أو يُسقطها أساسا. وجعلوا هذه العوارض قسمين: عوارض سماوية كالصغر والجنون والمرض، وعوارض مكتسبة
كالسكر والسفر والإكراه (3).
وسنحاول اختصار أهم قضايا الأهلية وآثارها الفقهية لدى الإباضية،
موجزين الحديث في محورين:
الأول: ما يتعلق منها بفهم الخطاب، والثاني: ما يتعلق بالقدرة على
الامتثال
1 - فهم الخطاب:
لا تقوم الحجة على المكلف إلا بالبلاغ، وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثُ رَسُولًا} [الإسراء: 15]. وحجة الرسول تقوم بدلائل المعجزة، وفهم خطابه.
(1) السالمي، طلعة، 2: 245 2 - السالمي، طلعة 2: 247
3 فصل السالمي هذه العوارض تفصيلا وافيا وهو أهم المصادر الإباضية التي تناولت مباحث الأهلية بشمولية وتركيز ينظر السالمي، طلعة، 2: 245/ 273.
507 (1/507)
صفحة 506
الباب الثاني: اجتهاد التفسير
وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبين لهم) [إبراهيم: 4].
وعماد فهم الخطاب، سلامة العقل ووضوح الكلام. أما وضوح الكلام فهو ما عرضناه في اجتهاد التفسير؛ ولا خلاف في أن كلام الله ورسوله كلام، مبين بلغ الغاية في الوضوح والجلاء. وأما سلامة العقل فشرط في المكلف، ونقصانها أو عدمها يعوق دون فهم الخطاب، فيحول دون قيام الحجة ولزوم التكليف. وذكر المزاتي أن علة التكليف العقل الصحيح الذي ليس بمأفوه ولا زمن، فكل من له عقل صحيح فهو ملزوم، ومحجوج، ومن لا عقل له فليس بمكلف ولا محجوج، ولا يلزمه أمر ولا نهي ولا يكون من حكمته أن يكلف من لا عقل له كما لا يكون من حكمته أن يحط التكليف عن من له عقل» (1). ومن الضروري أن يكون العقل تابعاً للحياة، فالميت لا يخاطب، ولا يلزمه تكليف. وهذا مما لا يختلف فيه اثنان وإنما يُحتج به إذا اقتضى الحال في بعض الأحيان؛ فقد ذكر ابن بركة أن الزوجة إذا مات زوجها فلا نفقة لها عليه، حاملاً كانت أم حائلاً، لأن الخطاب قد زال عنه» (2).
وإذا كان الإنسان موجودا وعاقلا لزمه التكليف بمعرفة ما خوطب به، ولا يُعذر بالجهل. فالجهل ليس من عوارض الأهلية، لأن الحجة قامت بالعقل والرسل. فعلى العاقل أن يعلم التكليف.
وقد تقرر أن مَن جَهل أن الله أمر بالتوحيد، وأنه نهى عن الشرك فهو مشرك، أما إن جهل أن الله أمر بالفرائض التي هي دون التوحيد، ونهى عن المعاصي التي هي دون الشرك، فواسع له ذلك إلى وقت الابتلاء، بأن يحين وقت أداء الفريضة أو يقارف المعصية» (3).
1) المزاتي، التحف المخزونة، 7 و. - كما أوضح الملشوطي وجه الحكمة في ذلك بأن الأمة مجمعة على وصف الله بالحكمة، ومن حكمته أن يكلف أهل العقول، ويبين لهم كيفية إتيان الطاعة واجتناب المعصية. ولو تركهم سدّى الجاز أن يدعوهم إلى معصيته والفرية عليه. أو يدعهم وشأنهم، فيأتون ما يناقض كمال الله وجلاله. وليس هذا من الحكمة في شيء. الملشوطي، أصول الدين، 6 و 6 ظ.
(2) ابن بركة، الجامع، 2: 191. 3 سعيد بن زنغيل الرد على من زعم
177/ 177.
508 (1/508)
صفحة 507
*
الفصل الرابع: نظرية الحكم الشرعي
كما لا يُعذر الإنسان بجهل أهل التكليف ونص المزاتي أنه «قال أصحابنا أيضا، على العباد معرفة الإنسان الملزوم المحجوج المنهي الذي ألزمه الله التكليف لفروضه، وهو البالغ الصحيح العقل المستوجب لأمر الله ونهيه» (1). - نقصان العقل وفقدانه
أ الصغر: أجمع المسلمون أن الصبي لا تكليف عليه لأدلة متضافرة، من أشهرها حديث النبي رفع القلم عن ثلاث ... وذكر منهم الصبي حتى يحتلم (2). وعلل العلماء ذلك بنقصان العقل في الصبي، وأنه في طور الاكتمال التدريجي حتى يبلغ نضجه بسن البلوغ. وتلك علامة ظاهرة منضبطة، جعلها
الله سببا للزوم التكليف، أما الرشد فوصف خفي غير منضبط.
وقد اجتهد الفقهاء في التمييز بين الصبي غير المميز والصبي المميز الذي ناهز البلوغ. فحملوه بعض تبعات أفعاله ولكن ذلك من باب رعاية المصلحة، كالجراحات التي تقع بين الصبيان. كما قبلوا روايته إذا أداها بعد البلوغ. وكل ذلك استثناء القاعدة.
من
ويظهر أثر ذلك في بعض المسائل الفقهية.
=
فالصبي إذا بلغ في شهر رَمَضَان، فرأي جمهور الإباضية (3) والمسلمين (4) أن لا بدل عليه فيما مضى من الشهر قبل بلوغه. وإنما عليه بدل صوم الأيام التي بلغ فيها إن فرط ولم يبادر إلى الصيام حين البلوغ.
وذهب قلة إلى إلزامه بدل ما مضى باعتبار أن صيام رمضان عبادة متصلة، ووحدة لا تتجزأ (5). ومنهم موسى بن علي.
1) المزاتي، التحف 2 و.
(2) سبق تخريجه.
(3) الجيطالي، قناطر الخيرات 1: 467 - خميس الشقصي، منهاج الطالبين، 6: 92. 4 إذا بلغ الصبي في نهار رَمَضان وجب عليه الإمساك بقية النهار. عند الجمهور، وذهب بعض إلى إباحة الفطر له. وهو قول الإمام مالك والشافعي. أما ما مضى من رمضان قبل بلوغه فلا إعادة عليه عندهم اتفاقا ينظر: ابن قدامة، المغني، 3: 72.
5) ابن جعفر، الجامع، 3: 166.
509 (1/509)
صفحة 508
الباب الثاني: اجتهاد التفسير
وقال الشقصي: «والبدل أحب إلينا» (1).
والصواب ما ذهب إليه الجمهور.
=
ويري ابن جعفر عدم إمامة الصبي، لحديث إذا حضرت الصلاة فليؤذن أحدكم وليؤمكم أكبركم) (2). واحتج بأن «هذا يتوجه على المكلفين البالغين دون من لا يلحقه الخطاب الطفوليته وصغره) (3). ورد على من جعل صحة صلاة الصبي دليلا على صحة إمامته بأنه غير مسلّم، فليس كل من صحت صلاته جازت إمامته. وقد أجمعت الأمة أن المرأة لها صلاة، ولا تجوز إمامتها (4).
- ولا يرى الإباضية سقوط الزكاة عن الصبي لأنها تعلقت بماله لا بذمته، فهي عبادة مالية لا بدنية، فلا يشترط فيها البلوغ (5). وهذا رأي الجمهور (6)، خلافا للحنفية، لأن الزَّكَاة عندهم حق تعلق بالذمة، فتجب على المسلم العاقل البالغ (7).
1) خميس الشقصي، منهاج الطالبين، 6: 92.
(2) أخرجه البخاري وأصحاب السنن عن مالك بن الحويرث.
صحيح البخاري، كتاب الأذان، باب من قال: ليؤذن في السفر مؤذن واحد، حديث: 610. صحيح ابن خزيمة، كتاب الصلاة، باب الدليل على أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر برفع، حديث:561. صحيح ابن حبان، كتاب الصلاة، باب صفة الصَّلاة، ذكر الخبر الدال على أن المصطفى أمر،
حديث: 1894.
السنن الكبرى للنسائي مواقيت الصلوات اجتزاء المرء بأذان غيره في الحضر، حديث:1582.
(3) ابن جعفر، الجامع، 2: 278.
4) ابن جعفر، الجامع،2 278/ 279. 5 اطفيش شرح النيل 3: 8
6) ابن قدامة، المغني 2: 492 - ابن جزي القوانين الفقهية 102 - الشيرازي، المهذب، 1: 140.- وقال الشافعي في الأم: وتجب الصدقة على كل مالك تام الملك من الأحرار، وإن كان صبيا أو معتوها أو امرأة، لا افتراق في ذلك بينهم». الأم، 2 27 - وفصل ابن رشد الأقوال أكثر، فالجمهور على وجوبها على الصبي مطلقا، لأنها حق للفقراء تعلق بمال الصبي. وفرق قوم بين ما تخرجه الأرض فأوجبه فيه دون غيره من الأموال. بينما ذهب قوم إلى وجوبه في الأموال كلها إلا النقدين ابن رشد، بداية المجتهد، 1: 245. 7) المرغيناني، الهداية 1 103. السرخسي، المبسوط، 2: 162 - الكاساني، بدائع الصنائع، 2 4. الشيرازي المهذب:1: 140 ونسب ابن رشد إلى أبي حنيفة وأصحابه القول بإيجاب الزكاة في مال الصبي مما تخرجه الأرض دون ما سواه ابن رشد، بداية المجتهد، 1: 245
?
510 (1/510)
صفحة 509
E 3
الفصل الرابع: نظرية الحكم الشرعي
وقد سئل جابر بن زيد عن رجل مات وترك عيالا صغارا ولهم مال، فأوجب الزكاة فيه (1). وفي جنايات الصبي اختلف الإباضية، هل عليه غرم ما جناه في الأموال والأبدان أم لا؟ فقال بعضهم: لا شيء عليه فيما أتلفه من أموال الناس وأبدانهم. ولا يلزمه غرم في ماله بعد البلوغ. وذهب آخرون إلزام جنايته وغرمها من ماله. وفرّق بين حال الاختيار وحال الإكراه (2). وأجمعوا أن تعدي الصبي على الأبدان إذا بلغ الموضحة ـ وهو الجرح الذي يكشف العظم ويوضحه - فواجب على عاقلته. وإذا بلغ الصبي، وفي يده مال أخذه من أموال الناس وجب عليه رده إلى أربابه (3).
ب الجنون والإغماء جعل بعض الفقهاء المجنون كالصبي تماما في عدم لزومه التكاليف. وسقوط التبعات في الجنايات. للحديث المذكور وعن المجنون حتى يفيق». وثمة تفاصيل في كتب الفقه عن أحوال المجنون ومن كان جنونه متصلا أو متقطعا، وبيان أحكام تلك الصور (4).
أما الإغماء فليس متفقا على كونه رافعا للتكليف، فيرى جابر بن زيد أن ليس على المغمى عليه تكليف ولا بدل خلافا لأبي عبيدة. «فقد سئل جابر عن رجل مرض مرضا شديدا فأغمي عليه، ليالي لا يعقل ولا يصلي، ثم أفاق وصح. هل عليه بدل ما مضى من صلاته؟ قال: لا أرى عليه من صلاته التي لم يصلها، وهو لا يعقل، بدل ولا شيء» (5). كما سئل أبو عبيدة عن الرجل يُغمى عليه قبل رَمَضَان؟ قال عليه القضاء. ولما سئل عن الفرق بين المغمى عليه وبين المجنون الذاهب العقل، قال: إن المغمى عليه مريض، والتكليف عليه قائم والمجنون المطبق لا كلفة عليه، وهو
1 جابر من جوابات الإمام جابر 58. (2) ابن بركة التقييد 356
3 ابن بركة التقييد، 357/ 356.
4) الخراساني، المدونة، 1: 351. (5) جابر بن زيد کتاب جابر 7
511 (1/511)
صفحة 510
الباب الثاني: اجتهاد التفسير
بمنزلة الصبيان (1).
E 3
فبعض الحق الإغماء بالجنون، وبعض الحقه بالمرض، فاختلفت الأحكام لاختلاف القياسات. والتحقيق ان الإغماء نتيجة تعطل القوى المدركة المحركة حركة إرادية، بسبب مرض يعرض للدماغ، وهو شبيه بالنوم في تعطيل العقل، إلا أن النوم عارض طبيعي، والإغماء غير طبيعي؛ فيكون حكمهما واحدا في التصرفات. وهو إلغاؤها وبطلانها لعدم توفر القصد عند المغمى عليه (2).
ج النسيان معتمد العلماء في اعتبار النسيان عذرا للمكلف، قول النبي: «رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه» (3). والمقصود هنا رفع الإثم والعقاب، لا رفع عين الخطإ والنسيان. وهذا من دلالة الاقتضاء؛ لأن الخطأ والنسيان إذا وقعا لم يُرفعا.
وذكر ابن جعفر أنه جاء في الأثر في تأويل ذلك أن النسيان هو أن ينسى العبد شيئا من فرائض الله التي أوجب عليه فعلها، فهو سالم لنسيانه ذلك؛ في جميع الفرائض من صلاة أو زكاة أو غير ذلك، فهو سالم من الإثم بإجماع الأمة، ولو نسيها طول عمره، ولكن إذا ذكرها لزمه أداؤها في الحين لحديث
1) الخراساني، المدونة، 1: 351.
2) ينظر: الزحيلي، الفقه الإسلامي وأدلته، 4: 128.
3) أخرجه ابن ماجه عَنِ ابْنِ عَبَّاس عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ إِنَّ اللَّهَ وَضَعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأَ وَالنِّسَانَ
وَمَا اسْتَكْرَهُوا عَلَيْهِ».
سنن ابن ماجه، كتاب الطلاق باب طلاق المكره والناسي، حديث:2041. السنن الكبرى للبيهقي، كتاب الخلع والطلاق، جماع أبواب ما يقع به الطلاق من الكلام ولا يقع إلا، باب ما جاء في طلاق المكره، حديث: 14100. وأخرجته معظم كتب السنة بلفظ إن الله تجاوز لأمتي».
سنن ابن ماجه، کتاب الطلاق باب طلاق المكره والناسي، حديث: 2039
مصنف ابن أبي شيبة كتاب الطلاق ما قالوا في الرجل يحلف على الشيء بالطلاق،
حديث: 15480.
512 (1/512)
صفحة 511
E 3
النبي
الفصل الرابع: نظرية الحكم الشرعي
من نام عن صلاة أو نسيها فوقتها متى ذكرها» (1) (2). وهو ما أكده ابن بركة أنه «أجمع العلماء أن من نسي شيئا من اللوازم المأمور بإتيانها، أن عليه إعادة ما أمر به» (3).
=
: وإن نسي حتى أكل مال رجل أو ثمرته أو قتله، أو طلق امرأته، أو أعتق عبده وما كان من هذه الأشياء فهو متعبد بأدائها إلى أهلها في وقت
علمه بذلك (4). فالنسيان لا يؤثر في سقوط التكاليف، فمن نسي الماء ولم يعلم مكانه وهو عنده أو في رحله، وتيمم وصلّى ثم علم بمكانه فعليه القضاء. وقال بعض: لا قضاء عليه لأنه غير واجد للماء. وذكر ابن بركة أن الأول أرجح، لأن الناسي للرقبة في ملكه لا يجزيه الصوم الذي هو بدل منها. وكذلك من صلّى بثوب نجس، ولم يعلم، أو نسي نجاسته، أو صلّى على غير طهور، وهو ناس لحدثه، فعليه القضاء باتفاق الفقهاء (5).
- ويحرص الإباضية على وجوب التوبة من الذنب المعين، فمن تاب من ذنوبه، وهو عالم بذنب معيّن ارتكبه، فلا يكفيه أن يتوب توبة عامة، بل يلزمه أن يقصد ذلك الذنب بعينه، إلا إن نسيه، فلا حرج عليه ما دام يدين بتحريم ذلك الذنب (6).
1) ورد الحديث عند أبي داود وغيره عن أبي قتادة؛ ولفظ أبي داود «إِنَّهُ لا تَفْرِيطَ فِي النَّوْمِ إِنَّمَا التَّفْرِيطُ فِي الْيَقَظَةِ فَإِذا سَهَا أَحَدُكُمْ عَنْ صَلَاةٍ فَلْيُصَلِّهَا حِينَ يَذكُرُهَا».
سنن أبي داود، كتاب الصَّلاة، باب في من نام عن الصلاة، حديث: 378. سنن ابن ماجه کتاب الصَّلاة، أبواب مواقيت الصَّلاة، باب من نام عن الصلاة أو نسيها،
حديث: 696.
سنن الترمذي الجامع الصحيح أبواب الطهارة عن رسول الله، أبواب الصلاة عن رسول الله باب ما جاء في النوم عن الصلاة، حديث:167.
سنن الدارقطني، كتاب الصَّلاة، باب قضاء الصلاة بعد وقتها، حديث: 1255.
2 ابن جعفر، الجامع، 1: 135.
3 ابن بركة الجامع:1 552 النزوي، قواعد الهداية، 16 و.
4 ابن جعفر، الجامع، 1: 136/ 135.
5) ابن بركة، الجامع، 1: 345/ 346. 6) ابن جعفر، الجامع، 1: 135.
513 (1/513)
صفحة 512
الباب الثاني: اجتهاد التفسير
د- الخطـ:
جمع النبي الخطأ والنسيان في رفع الإثم عن أصحابهما، ولكن الخطأ المرفوع هو الذي يكون في القصد لا في الفعل؛ بأن يقصد الحق فيأتي غيره؛ كان يريد أن يقول: لا إله إلا الله، فيقول: إن الله ثالث ثلاثة. أو يريد القول: إن المسلمين من أهل الجنة فيقول: إنهم من أهل النار. أو يريد أن يقول لزوجته: أنت بارّة، فيقول: أنت طالق. فهذا كله مرفوع الخطأ فيه غير معتد به ولا إثم فيه. إلا أنه مأمور بإظهار التوبة، إن ظهر ذلك للناس بما يكفر به في ظاهر الأمر. كأن ينطق بالكفر، أو ينكر معلوما من الدين بالضرورة.
وحكم طلاق زوجته، وعتق عبده، لا يقع
الله
عند وإن وقع في ظاهر
الحكم والقضاء. أما لو أخطأ فقتل رجلا أو أتلف عليه ماله أو جرحه، لم يسقط عنه الضمان؛ دية كانت أم أرشا إن وقع الخطأ في الأبدان، وتعويضا للمثل أو القيمة إن وقع في الأموال (1).
وهذا معنى قولهم: الخطأ لا يُسقط الضمان وقولهم: العمد والخطأ في
أموال الناس سواء (2). هـ - السكر:
السكر غياب العقل بسبب تناول مادة تؤثر فيه.
واشتهر الإسكار بشرب الخمر، ولأجل ذلك حرمها الله، فمن شرب الخمر حتى سكر، الزمه الإباضية جميع أفعاله ولا يُعذر في شيء منها، لأن السبب في ذلك كان من قِبَله، ويجب عليه الحد في الخمر، سكر أو لم يسكر (3). وقد سئل سعيد بن زنغيل عن السكران هل هو مكلف في حال سكره؟
1 ابن جعفر، الجامع، 1: 137/ 136.
2) ينظر: أحمد الزرقاء، شرح القواعد الفقهية 125 في شرح قاعدة: الضرر يزال. وقاعدة: لا ضرر ولا ضرار. وقد فصل الإمام القرافي وجوه الضمان في الأموال، في الفرق الحادي عشر بعد المائة من كتابه الفروق ينظر القرافي الفروق 2 206
3) المزاتي، التحف، 14 و.
514 (1/514)
صفحة 513
E
الفصل الرابع: نظرية الحكم الشرعي
فقال: لست أزعم أنه غير مكلف في تلك الحال التي يُغلب فيها على عقله، لأنه تعمد بما سكر به، وتلزمه أيمانه، ولا يزيل عنه السكر حكما لزمه، لأن السبب منه (1).
وتحميل السكران تبعات أعماله رأي جمهور العلماء (2)، وهو اتفاق الإباضية، كما بينه ابن بركة، واتفق أصحابنا فيما تناهى إلينا عنهم أن طلاق السكران يقع منه محكوما عليه به ... ولم أعلم أن أحدا أجاز بيع السكران ولا
شراءه» (3).
=
- ولا تصح صلاته لعدم توفر القصد منه، ولكن تلزمه، ولا يسقط عنه فرضها بسبب الإسكار، فيجب عليه قضاؤها بالإجماع (4).
ولكن ابن بركة ينفرد برأي يفرق فيه بين السكران المميز، والسكران غير المميز، فالله تعالى قد خاطب بعض السكارى بقوله: {يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلوةَ وَأَنتُمْ سُكَرَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ} [النساء:43]. فالمميز إذا أتى بفعل وادعى عزوب النية، وترك القصد مع الفعل، لا تقبل منه دعواه، كما تقبل من مميز غيره والسكران الذي لا يعقل لا يقع منه طلاق ولا غيره إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى» (5). فإذا
لقول النبي
1) سعيد بن زنغيل الرد على من زعم، 237 و / 237 ظ. 2 ذهب الحنابلة وبعض المالكية والظاهرية إلى عدم اعتبار تصرفات السكران، لعدم توفر القصد الصحيح منه فلا يصح بيعه ولا شراؤه وعقوده، وطلاقه، وسائر أقواله. وقال الجويني بأن السكران يمتنع تكليفه لاستحالة فهم الخطاب. وقال الحنفية والشافِعِيّة: إذا كان سكره بمباح، كحالة البنج، والاضطرار والإكراه ونحوها، فلا تعتبر أقواله وأفعاله وإذا كان بمحرم فيؤاخذ بها عقابا وزجرا له وللإمام أحمد إيماء إلى التمييز بين إلزامه أقواله فيما هو تصرف من جهة واحدة، كالطلاق. أما فيما له وعليه كالبيع والنكاح والمعاوضات، فهو كالمجنون لا يصح منه شيء. وهو تفريق وجيه. ينظر الجويني البرهان:1: 91. ابن قدامة، المغني 8: 255 - 258. – ابن جزي، القوانين الفقهية 221 - ابن حزم المحلى 10 208 - محمد أبو زهرة أصول الفقه، 344 - الزحيلي، الفقه الإسلامي وأدلته، 4: 190.
:
(3) ابن بركة الجامع، 2: 179. 4 ابن جعفر الجامع 2: 40 ابن بركة، الجامع 1: 552.
(5) أخرجه البخاري وأصحاب السنن عن عمر بن الخطاب. صحيح البخاري، باب بدء الوحي / 0 بسم الله الرحمن الرحيم قال الشيخ
حديث: 1.
515 (1/515)
صفحة 514
الباب الثاني: اجتهاد التفسير
عُدمت النية لزوال عقله بسكر أو جنون كانت أفعاله غير محكوم بها. واستدل لذلك باتفاق الناس على عدم صحة شرائه وبيعه وهبته وزواجه واستئجاره في حال سكره، لعدم ثبوت القصد منه في تلك الحال، وعدم معرفته بحقيقة ما يأتيه من أفعال.
أما السكران المميز فيلزمه طلاقه لما عنده من العقل والتمييز (!). بينما ينزل غير المميز منزلة المجنون الذي تقع المقاصد، أفعاله معراة من والله تعالى لا يخاطب إلا من يعقل عنه خطابه، ومن كان مجنونا أو لا يعقل الخطاب، لا تلزمه أحكام العقلاء (2).
والصواب ما ذهب إليه الجمهور، لأن نظرتهم كانت أشمل، ولم تنحصر في وجود التمييز وعدمه لدى السكران، بل تعدت إلى اعتبار السبب في فقدانه التمييز، زجرا له، لأنه أتلف عقله الذي نيط به التكليف. فاعتبر موجودا، فلم تسقط عنه التكاليف، كوجوب الصَّلاة والصيام، وألزم ما يصدر عنه من أفعال كالطلاق، والعتق لأنها تقوم على إرادة منفردة. أما البيع والزواج، فإنها عقود بين طرفين تحتاج إلى توافق إرادتين، ولذلك تلزمه، وأبطلت لئلا يستغلها بعض المحتالين للسطو على أموال الناس تحت
ستار إلزام السكران تبعات سكره. والفرق بين الحالين في غاية الجلاء. 2 - القدرة على الامتثال من شروط التكليف أن يكلف الإنسانُ ما في وسعه فعله، وليس هذا شرطا واجبا على الله تعالى، بل هو تفضل منه على عباده، إذ وعدهم بذلك لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} [البقرة: 286]. و لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا
سنن ابن ماجه كتاب الزهد باب النية حديث: 4225.
صحيح ابن حبان، کتاب السير باب الهجرة ذكر البيان بأن كل من هاجر إلى المصطفى صلى الله عليه، حديث:4945.
وأخرجه الربيع عن ابن عباس بلفظ الأعمال بالنيات ولكل امرئ ما نوى».
الربيع بن حبيب الجامع، باب [1] في النية، حديث 1.
1) ابن بركة الجامع، 2: 180/ 179.
2) ابن بركة، الجامع، 2: 180/ 179.
516 (1/516)
صفحة 515
*
الفصل الرابع: نظرية الحكم الشرعي
ماءَاتَنهَا} [الطلاق: 7]. والأدلة على هذا كثيرة، نقلية وعقلية (1). فالتكليف بالمحال مرفوع عن هذه الأمة، وذلك كتكليف الأعمى الإبصار، والأصمّم السمع، والمشلول السير.
وأجازت ذلك الأشاعرة، ولهم أدلتهم على ما ذهبوا إليه (2). ومنعه الإباضية والمعتزلة (3)، لأنه مخالف لحكمة الله تعالى، ومخالف لأخباره
ونصوص شرعه، بل هو عبث والعبث منزه عن الله تعالى (4).
ومعنى كون التكليف بما لا يطاق محالا هو أن يكون الفعل نفسه مطلوبا ممن لا يقدر على فعله. أما إذا كان المقصود اختبار المكلف هل يتهيأ للامتثال فيثاب أو لعدمه فيُعاقب، فلا خلاف في جواز التكليف بما لا يطاق بهذا المعنى. ولذلك ذهب الإباضية إلى المنع على الوجه الأول، وقال الشيخ اطفيش
والسالمي بجوازه بالمعنى الثاني، فلا تناقض بين القولين (5).
=
وتجلى توظيف هذا القيد في كثير من مسائل الفقه. - ففي أحكام الصَّلاة، ذكر ابن بركة أن الإنسان إذا خوطب بفعل الصلاة وقد حضر وقتها، فلم يجد ماء ولا صعيدا، فإن عليه الصلاة، وليس عجزه عن وجود ما يتطهر به لها بمسقط عنه، فرضها كما قال بعض مخالفينا». واحتج بما رُوي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا تقبل صلاة بغير طهور» (6). واعتمد على ظاهر الخبر، ونفى أن تكون الصَّلاة مقبولة إذا لم تكن على طهارة. واحتج بأن الله جل ذكره لا يكلف الإنسان صلاة غير مقبولة، وهذا عندنا
1) للتفصيل ينظر السالمي، معارج الآمال، 1: 116. (2) السالمي معارج الآمال 1 122/ 117 ينظر تفصيل هذه الأدلة: الرازي، المحصول، 1:
302 فما بعد.
3 أبو الحسين البصري، المعتمد، 1: 139/ 140.
4 - السالمي، معارج الآمال، 1: 117/ 122.
5 السالمي، الحجج المقنعة 30/ 29.
6) أخرجه مسلم وأصحاب السنن عن عبد الله بن عمر.
صحيح مسلم، كتاب الطهارة، باب وجوب الطهارة للصلاة، حديث:355.
سنن الترمذي الجامع الصحيح أبواب الطهارة عن رسول الله، باب ما جاء لا تقبل صلاة
بغير طهور، حديث: 1.
السنن الكبرى للنسائي، كتاب الطهارة، فضل الوضوء، حديث: 77.
517 (1/517)
صفحة 516
الباب الثاني: اجتهاد التفسير
E 3
لمن قدر على الطهارة» (1). كما استدل على وجوب الصلاة بآية {وَأَقِيمُوا الصلوة [البقرة: 43]. فثبوتها متيقن لنا، وما ثبت يقينا فلا نزيله إلا بدلالة، والخبر المروي محتمل أن لا تقبل صلاة بغير طهور ممن يقدر عليه، والآية محتملة كذلك أن " أقيموا الصَّلاة" إذا كنتم طاهرين. وتعلق كل فريق بعموم دليله، وادعى التخصيص في قول مخالفه. ولكن من أمر بفعل شيئين، فعجز عن فعل أحدهما، لم يسقط عنه فعل ما قدر عليه. وقد أمر بالطهارة والصلاة فعجزه عن الطهارة لا يُسقط عنه فرض الصلاة. بدليل قوله: «إذا نهيتكم عن شيء فانتهوا، وإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم» (2). وهذا مستطيع للصلاة، ومعذور عن الطهارة (3).
والقاعدة أن التكليف إنما يجب على ما أمكن فإذا جاءت العوارض
وحدث العجز، سقط اللزوم وتغيرت الأحكام لوجود العذر (4). - فللإنسان أن يصلي إلى غير القبلة إذا خشي من التوجه إليها، وله أن
=
يصلي راكبا وراجلا بطريق الإيماء، والمريض على حسب طاقته (5). وكل من أوجب الله عليه أمرا فهو واجب عليه حتى يعلم زواله عنه، وكل قادر على فعل ما أمر به فلا عذر له في ترك فعله. وكل عاجز عن فعل ما أمر به، فمعذور في تركه، ومخاطب بالانتقال عن الهيئة التي أمر بفعله عليها،
إلى حالة أنقص منها (6).
ويترتب عن هذا حكم من لم يجد الثياب للصلاة، فيصلي عريانا. ولكن
أيصلي قائما أو قاعدا؟
الجمهور قالوا يصلي قاعدا ويومئ إيماء، لأن فرض الستر في الصلاة
أوكد من فرض القيام.
=
(1) ابن بركة الجامع، 1: 335. 1: 346
(2) سبق تخريجه.
3) ابن بركة، الجامع، 1: 347/ 346.
4 ابن بركة، الجامع:1 (437 النزوي، قواعد الهداية، 14 ظ.
5 ابن جعفر، الجامع 2: 11/ 10 - ابن بركة، الجامع، 1: 541. 6) العوتبي، الضياء، 2: 249.
518 (1/518)
صفحة 517
E 3
الفصل الرابع: نظرية الحكم الشرعي
وذهب ابن بركة إلى أنه يجوز أن يصلي قائما، ويركع ويسجد. فإذا سقط عنه فرض الستر، لم يسقط عنه فرض القيام والركوع والسجود (1). ولكن الراجح رأي الجمهور، لعدم استواء الفروض في التأكيد، إذ فرض القيام يسقط لأدنى عذر، بدليل جواز النفل على الراحلة. وفرض الستر لا يسقط إلا عند عدمه.
=
وفي باب الأيمان من حلف بصدقة ماله على الفقراء، ثم يحنث، هل عليه أن يعشر ماله؟
ذهب أكثر الإباضية إلى أن عليه أن يعشر ماله. وفصل بعضهم، إن كان ماله كثيرا، عشره، وإن كان قليلا خمسه وما بين ذلك درجات. وخرجه بعضهم مخرج الوصية، فأوجب عليه إخراج الثلث، ومنعوه من إخراج ما زاد على الثلث. وذهب آخرون إلى أنها كفارة يمين لأنه حلف بصدقة ماله. وإن كانت غير يمين فليفعل في ماله ما يشاء (2).
وكل نظر إلى مستطاع العبد في التزام التكليف. لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا
إِلَّا وُسْعَهَا} [البقرة: 286]. = وقد كره بعض الإباضية الحلف بالله مع الصدق، توقيا وتعظيما الله الله
تعالى. بينما أجازه جمهورهم لدلالة الأدلة على ذلك، إذ أمر بذلك وَيَسْتَنْبِتُونَكَ أَحَقُّ هُوَ قُلْ إِلى وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقُّ} [يونس: 53] (3)
=
نبيه
- ولا يجوز الحلف على أمور الغيب لأنها من شأن الخالق، ولا تدخل في قدرة العبد، ومن قال إن الشمس تشرق غدا من المشرق، ثم أشرقت فإنه يحنث. وأيمان الغيب كلها حنث» (4).
- ويتعلق بالقدرة قضية النيابة في العبادات، فقد سئل الإمام جابر بن زيد عن رجل مرض في رَمَضَان، ثم صح، فلم يصم ما أفطر من رَمَضَان حتى توفي، فما حكمه؟ قال: يصوم عنه وليه. وإن لم يصم عنه فليطعم لكل يوم
1) ابن بركة، الجامع 1: 501/ 503 = 1: 541.
2 ابن جعفر، الجامع، 3: 479/ 476.
3 ابن جعفر، الجامع 3: 428 - 4 ابن جعفر، الجامع 3: 498
519 (1/519)
صفحة 518
الباب الثاني: اجتهاد التفسير
مسكينا من ماله (1).
= وسئل عن رجل سافر في رَمَضَان ولم يصم، ولم يرجع من سفره حتى مات، قال: لا يصام عنه ولا يُطعم (2).
وذلك أنه لم يلزمه التكليف بالصيام لاستمرار عذره بالسفر حتى الوفاة. وذكر الجناوني عن بعض الفقهاء أنه لا يصوم أحد عن أحد، ولا يحج، ولا يصلي. ومنعوا النيابة في العبادات مطلقا. والمعمول به عند أصحابنا أن الوصية بالصوم جائزة، دون الصلاة (3).
- الإكراه لئن كان التكليف بالمحال مرفوعا لتنافيه مع القدرة، فإن سلب الاختيار كذلك يشوب الإرادة، ويحول دون المكلف وحرية القرار، والحرية أساس الجزاء في شرع الله وفي عرف الناس فالإكراه مرفوع شرعا بنص الحديث النبوي رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه» (4). والإكراه مرفوع ولو أدّى بالمرء إلى النطق بكلمة الكفر. كما حدث لعمار
بن ياسر، فأقره النبي، ونزل القرآن يُؤصل حالته للمكلفين جميعا. وقد تناول علماء الفقه والأصول شوائب الإرادة بتفصيل واف، ومن هذه الشوائب الإكراه والغبن والتدليس والغرر ونال الإكراه نصيبا موفورا من البحث والتحليل، مما أفرز لنا نظرية كاملة في الفقه الإسلامي تجلت تطبيقاتها في معظم الفروع الفقهية، وبخاصة في مجال المعاملات. وقرر الفقهاء أن أيمان الجبابرة لا حنث فيها قياسا على حال عمار بن ياسر لما أجبر على الكفر بالله، فلم يُلزمه الله في ذلك تبعة، ولا شيء
=
عليه فيما يعطيهم من الأيمان تحت الإكراه، لأنه يتقي أذاهم بذلك (5). بل قد يكون ذلك واجبا في بعض الأحيان لإنقاذ روح مسلم بريء، كمن أخذه الظلمة وقالوا له: احلف لنا أن هذا ليس بفلان. - لرجل أسروه
(1) جابر بن زيد، کتاب جابر 15 = من جوابات الإمام جابر، 61.
2 جابر بن زيد کتاب جابر 15 = من جوابات الإمام جابر، 66. 3) الجناوني، كتاب الصوم، 60.
4) سبق تخريجه. 5) ابن جعفر، الجامع، 3: 502/ 503.
520 (1/520)
صفحة 519
الفصل الرابع: نظرية الحكم الشرعي
ليقتلوه -. فإن أبى عن اليمين فقتلوا الرجل المأسور عندهم، فقد ذهب بعض الإباضية إلى أنه هالك وضامن لدية القتيل (1).
وأورد ابن جعفر في جامعه صورا عديدة لهذا الإكراه، ما يجوز منها وما
لا يجوز.
ومما يجوز منها: الإكراه على تولّي أهل الضلال، وتصويب رأيهم، والبراءة من المسلمين وتخطئتهم، وتحليل الحرام وتحريم الحلال، والشرك بالله. فكل هذا جاء الأثر فيه المجتمع عليه أنه مرفوع إثمه عن المكره، لأنه أخذ برخصة الله، وقلبه مطمئن بالإيمان.
أما إذا أكره على فعل معصية فيها إتلاف مال أو قتل نفس، أو ارتكاب محرم من زنا أو شرب خمر، فقد أجاز بعضهم مواقعة المحظور، ورفع الإثم عنه، لأن الجبر من الضرورات. وقال بعض لا يجوز له ذلك، وإن فعله كان آثما ضامنا لما أتلف من حقوق الناس. وكذلك إن قتل نفسا، فقال بعض: عليه القصاص، ورأى آخرون أن عليه
الدية والكفارة. وإن ارتكب ما يلزمه الحد بسببه، قال بعض: يُحدّ، ولا عذر له. وقال بعضهم: لا يُحدّ ويُدرأ عنه الحد لموضع الشبهة، لحديث «إدرؤوا الحدود بالشبهات) (2) (3).
1) مجهول، كتاب المعلقات، 21.
2 ورد الحديث عن عائشة بلفظ: إدرؤوا الحدود" عن المسلمين ما استطعتم المستدرك على الصحيحين للحاكم، كتاب الحدود، وأما حديث شرحبيل بن أوس، حديث: 8232. سنن الترمذي الجامع الصحيح أبواب الجنائز عن رسول الله، أبواب الحدود عن رسول الله باب ما جاء في درء الحدود، حديث:1382.
السنن الكبرى للبيهقي، كتاب القسامة، كتاب الحدود، باب ما جاء في درء الحدود بالشبهات،
حديث: 15865.
ولم أجده مرفوعا بلفظ " إدرؤوا الحدود بالشبهات". وورد عن عمر بلفظ قال: لئن أعطل الحدود بالشبهات أحب إلي من أن أقيمها بالشبهات».
مصنف ابن أبي شيبة، كتاب الحدود في درء الحدود بالشبهات، حديث: 27917. المتقي الهندي كنز العمال عن عمر بن عبد العزيز مرسلا حديث 12957، ج 5، ص 305. (3) ينظر: ابن جعفر، الجامع، 1: 137/ 138.
521 (1/521)
صفحة 520
الباب الثاني: اجتهاد التفسير
- تكليف الكفار بفروع الشريعة
E 3
اختلف الإباضية كغيرهم في كون الكفار مخاطبين بفروع الشريعة أم هم مخاطبون بالتوحيد دون الشريعة؟
ذهب بعضهم إلى أنهم خوطبوا بالتوحيد والإقرار بالجملة، فإذا أقروا بذلك لزمهم ما لزم المسلمين من الخطاب بأحكام الشريعة. واحتجوا بواقعة إرسال النبي المعاذ بن جبل إلى اليمن، إذ قال له النبي صلى الله عليه وسلم: «إنك تأتي قوما من أهل الكتاب فادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله فإن فإن هم أجابوك فأعلمهم أن الله افترض عليهم ... وذكر له فرائض الإسلام (1). والبدء
بالتوحيد دلالة على أنهم غير مخاطبين بالفروع قبل الإقرار بالشهادة. و ممن قال بهذا القول أحمد بن الحسين الاطرابلسي (2). كما ذهب إلى القول به علماء الحَنَفِيّة من مشايخ سمرقند، خلافا لمشايخ العراق (3). ونُسب القول به إلى أبي حامد الإسفراييني (4). وذهب قوم إلى التفصيل، وأنهم مكلفون بالنواهي دون الأوامر. أما التكليف بالعقوبات
والمعاملات، فقائم على أساس عقد الذمة بينهم وبين المسلمين (5). وذهب جمهور الإباضية إلى أن الكفار خوطبوا بالشريعة كما خوطبوا بالتوحيد، ولا فرق، وهو قول الأشاعرة (6). إلا أن هؤلاء الكفار أمروا بتقديم
(1) أخرجه البخاري ومسلم وأصحاب السنن عن عبد الله بن عباس. البخاري، كتاب التوحيد، باب ما جاء في دعاء النبي أمته، حديث: 6960. صحيح مسلم، كتاب الإيمان، باب الأمر بالإيمان بالله ورسوله، حديث: 52
صحيح
سنن ابن ماجه، كتاب الزَّكَاة، باب فرض الزكاة، حديث: 1779. سنن أبي داود، كتاب الزَّكاة، باب في زكاة السائمة، حديث: 1364. سنن الترمذي الجامع الصحيح، أبواب الجمعة، أبواب الزَّكَاة عن رسول الله، باب ما جاء في كراهية أخذ خيار المال في الصدقة، حديث: 597
2) المزاتي، التحف، 22 ظ. 3) ابن عبد الشكور مسلّم الثبوت 1: 128 - الكاساني، بدائع الصنائع، 2: 4. الخضري،
أصول الفقه، 102.
4 أبو إسحاق الشيرازي التبصرة، 80. 5 ابن عبد الشكور مسلم الثبوت، 1: 128.
6 الرازي المحصول، 1: 316 فما بعد.
522 (1/522)
صفحة 521
الفصل الرابع: نظرية الحكم الشرعي
التوحيد على ما سواه، كما أمر المسلمون بتقديم الطهارة على الصلاة (1). ولم يرجح ابن بركة قولا على آخر، وعقب على الخلاف بقوله: «والله أعلم بأعدل القولين» (2). والقول الثاني هو الراجح، وهو قول جمهور الإباضية، وترجيحه منطقي لأنه لا يتنافى مع القدرة على الامتثال الذي اتخذه أصحاب القول الأول مستندا ودليلا لما ذهبوا إليه وقالوا بأن الكفار في حال كفرهم غير قادرين على فعل الطاعات، لأنها لا تقبل منهم، فهو تكليف بالمحال. والصواب أنهم مأمورون بجميع التكاليف عقيدة وشريعة. وتهوا عن الشرك والمعاصي كلها. ولا عذر لأحد في عصيان الله بعد البلوغ والبلاغ. والحجة في هذا كتاب الله وسنة رسوله. فقد ذكر الله اخبار الأمم الخالية مع رسلهم، وأنهم كلفوهم بالفروع مع التوحيد. فقال صالح لقومه: هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ ءَايَةٌ فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [الأعراف: 73]. وقال هود لقومه: {أَوْفُوا الْمِكْيَالَ والْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ} [هود:85]. وقال لوط لقومه: أَتَأْتُونَ الذِّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ}
[الشعراء:165].
والإجماع حاصل على أن هؤلاء القوم الذين أمروا بهذه التكاليف، كانوا مشركين مكذبين لرسلهم. وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم قريشا حال كفرهم بالتوحيد، كما أمرهم بالفروع. وقال عزّ وجل: وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُم مِنْ إِمْلَقِ [الأنعام: 151]. وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلَّا بِالْحَقِّ [الإسراء:33]. و قُل لَّينِ اجْتَمَعَتِ الإِنس وَالْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْءَانِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ، وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظهيراً [الإسراء: 32].
(1) ابن بركة، الجامع:2 387 - اطفيش الذهب الخالص 6.
(2) ابن بركة الجامع، 2: 387
523 (1/523)
صفحة 522
الباب الثاني: اجتهاد التفسير
*
فكيف تكون هذه مباحة لهم في حال شركهم، وتحرم عليهم بسبب التوحيد؟ فيكون إذا ترك التوحيد أفضل من عمله. والله أهلك الأمم الخالية لعصيانها رسلها في هذه الأحكام، مما يدل على أنهم مأمورون منهيون مكلفون، ولا فرق (1). ومما يؤكد هذا أيضا محاسبتهم بذلك في الآخرة، وتغليظ العذاب على من جمع بين الكفر وغيره من المعاصي، وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَنهَا ءَاخَرَ وَلَا يقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا}
[الفرقان: 69/ 68].
وأقر الكفار أنفسهم بذلك حين سئلوا عن سبب دخولهم النار ما سَلَكَكُمْ فِي سَفَرَ قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ)
42
~
43
اَ
وَكُنَّا غَفُوضُ مَعَ الخايضِينَ وَكُنَّا نُكَذِّبُ يوم الدِّينِ (3) حَتَّى أَننا اليقين
[المدثر: 42 - 47].
ولو لم يكونوا مخاطبين بهذه الفروع ما حوسبوا عليها. أفيصح أن
يحاسبهم الله بما لم يخاطبوا به؟ تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا» (2). ونتيجة لذلك حكم الإباضية أن الكافر إذا أسلم في شهر رمضان أن
عليه بدل ما مضى، لأنه كان لازما له ومأمورا به حال كفره (3). ومن نذر في الكفر نذرا وجب عليه الوفاء به بعد إسلامه، وهو صنيع عمر بن الخطاب (4).
ولا تناقض بين تكليف الكفار بالتوحيد وتكليفهم بالفروع، وبين كون الفروع لا تقبل منهم إلا بعد التوحيد، لأن ذلك من باب تقديم الشرط، وليس من شروط التكليف حصول الشرط الشرعي. فإيجاب الصلاة لا يتعلق بحصول شروطها وهو الوضوء، وستر العورة، ونحوهما، بل الطلب متجه
1) المزاتي، التحف، 22 ظ/ 23 و.
2 الوار جلاني، العدل، 1: 105. 3) ابن جعفر، الجامع، 3: 166.
4 ابن بركة الجامع 2 102 - النزوي، قواعد الهداية 30 ظ.
524 (1/524)
صفحة 523
الفصل الرابع: نظرية الحكم الشرعي
إليهما جميعا، مع مراعاة الترتيب. ولو توقف التكليف على تحقق شروطه التي في قدرة المكلف، لقلنا لغير المتوضئ لست مكلفا بالصلاة ما لم تتوضأ ولو إلى عشر سنين. ولا قائل بهذا من علماء الإسلام وهو كما قال الغزالي خلاف
الإجماع (1).
(1) الغزالي، المستصفى، 1: 91.
525 (1/525)
صفحة 524
الباب الثالث
جتهاد الترجيح والاستدلال (1/527)
صفحة 525
الباب الثالث: اجتهاد الترجيح والاستدلال
تمهيد أهمية الترجيح ودائرة الاستدلال
قد يعترض المجتهد أثناء عملية الاستنباط أكثر من دليل على مسألته؛ ويجد معاني هذه الأدلة غير متسقة؛ يوحي ظاهرها باختلاف وتنافر؛ وقد يستعجل بعض قاصري النظر فيسمونه تعارضا بين الأدلة؛ وهو ما يقتضي تأملا وروية قبل الحسم في المسألة؛ مما يقتضي اجتهادا لإزلة هذا التعارض الظاهري؛ ويتم
ذلك باستعمال قواعد الترجيح؛ وهو اجتهاد دقيق بالمعنى الصحيح. ثم يكون الاجتهاد أيضا عند انعدام الأدلة المتفق عليها؛ وفقدان نصوص تخص المسألة المعروضة للنظر؛ ويتم ذلك بالبحث عن أدلة أخرى يكون لها اعتبار في نظر الشرع؛ وهي المعروفة بالمصادر التبعية أو الأدلة الاجتهادية؛ وتسميتها هذه تؤكد اندراجها تحت مظلة الاجتهاد.
كما أن عملية الاجتهاد نفسها بحاجة إلى بيان في قواعدها وطبيعتها؛ وشروط من ينتدب لها؛ ومسؤولية المجتهد عما يصدر عنه من آراء؛ وغير ذلك من مباحث أفاض فيها علماء الأصول.
هذه
هي
المحاور الثلاثة التي تضمنها هذا الباب؛ مع ما يلحق به من قضايا
فرعية وتطبيقات عملية برز أثرها في فقه الإباضية وترك بصماته في واقعهم العملي؛ إن في مستوى الممارسة الفردية أو مستوى الممارسة الجماعية؛ وهو ما يكشف جانبا من تفاعل المجتهد مع الحياة وحرصه على اصطباغ جوانبها بحكم الشرع الحنيف وهذا ما ستكشفه مباحث هذا الباب بإذن الله.
528 (1/528)
صفحة 526
E 3
الفصل الأول: التعارض والترجيح
الفصل الأول: التعارض والترجيح
تمهيد حقيقة التعارض بين الأدلة يقصد بالتعارض بين الأدلة الشرعية تناقضها وتدافعها. وذلك بأن يقتضي دليل شرعي حكما معيّنا في مسألة معينة، ويقتضي دليل آخر حكمًا مغايرا في المسألة ذاتها. وهذا التفسير للتعارض غير موجودٍ في حقيقة الأمر، ذلك أن وحدة المصدر التشريعي، ووصف الشارع بالعلم والحكمة، ينفي احتمال التعارض بين أحكامه لأن الاختلاف بين الأحكام نتيجة الجهل أو العجز أو البداء. وهذه سمات المخلوقين، أما المشرع هنا فهو الله العليم الحكيم، الذي أحاط بكل شيء علما.
وأجلى بيان لعلم الله وحكمته دستوره الحكيم؛ وكتابه المبين. وقد نفى الله عنه هذه التهمة الخطيرة فكان هذا الدستور نسيجا فريدا، أعجز البشر؛ وتحدى الإنس والجن أن يأتوا بسورة من مثله. وجعل الله إحكام أحكامه وانسجامها دليل صدق نبوة رسوله أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْءَانَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا} [النساء: 82]. والغاية من التشريع إفادة الأحكام ومطالبة المكلفين بالتزامها، وتنظيم
شؤون حياتهم وفق مقتضياتها، سواء في جليل الأمور أم حقيرها. واحتمال وقوع التعارض بين هذه الأحكام يحول دون تحقيق هذا المقصد الأساسي للتشريع، إذ يُفضي إلى التناقض والتجهيل والإيهام والإبهام. وإلى فوات شرط التكليف وهو فهم الخطاب، وهذا ما لا يجوز على شريعة الإسلام أكمل وأحسن الشرائع، وأصلحها للبشرية جمعاء (1). وإذا ما وجدنا بين نصوص الكتاب والسنة تعارضا، فهو أمر ظاهري يعود إلى قصور في الفهم؛ أو عدم إحاطة بأدلة المسألة، ووجوه دلالة تلك النصوص على معانيها. إن في الوضوح والخفاء، أو في العموم والخصوص. وأسباب هذا راجعة أيضا إلى تفاوت النصوص في قوة دلالاتها وفي
1) زيدان الوجيز في أصول الفقه، 344.
529 (1/529)
صفحة 527
الباب الثالث: اجتهاد الترجيح والاستدلال
شمولها؛ وإلى اختلاف أزمنة ورودها؛ إذ امتدت فترة الوحي ثلاثا وعشرين
سنة.
كما تعود بعض أسبابه إلى تدرّج بعض الأحكام بما يتناسب ومصالح المكلّفين؛ فكان بعضها ناسخا وبعضها منسوخا.
لأجل ذلك كله، فإن الناظر إلى نصوص الشارع المتعارضة بادئ الأمر، يتجلّى له بعد التأمل أنه لا تعارض في الواقع ويخلص إلى الحكم الواحد الواضح في المسألة دون تردّد أو ارتياب وذلك بتطبيق قواعد الترجيح بين هذه الأدلة، والخلوص إلى الدليل الأقوى، واعتماده في الحكم على المسألة. وقد أسهم أصوليو الإباضية في إرساء قواعد الترجيح بين الأدلة وتجسيدها في مجال الاجتهاد. وكان لهم بعض التميّز في عدد من المسائل الفقهية بناء على منهجهم في الترتيب بين بعض قواعد الترجيح. وسنحاول استجلاء أهم هذه القواعد وتطبيقاتها في هذا المبحث بحول
الله.
المبحث الأول: قواعد الترجيح
يُقصد بالترجيح في الاصطلاح تقوية أحد الدليلين المتناقضين (!).
وهو مأخوذ من رجحان كفة الميزان؛ إذا مالت عن أختها.
ومن المناسب الإشارة إلى أن قواعد الترجيح تندرج في عمومها في ثنايا المباحث السابقة حول تأصيل الأدلة وتفسير النصوص، إذ إن الترتيب يقضي بترجيح الأقوى على الأدنى، سواء بين الأدلة ذاتها، أم بين ألفاظ النصوص ودلالاتها. والقسمة الرباعية للنّصوص من حيث الثبوت والجلاء، أنها:
=
- إما نص قطعي الثبوت قطعي الدلالة.
=
=
=
أو نص قطعي الثبوت ظني الدلالة. - أو نص ظني الثبوت قطعي الدلالة. أو نص ظني الثبوت ظني الدلالة.
1) الأمين الشنقيطي، مذكرة أصول الفقه، 317.
530 (1/530)
صفحة 528
E 3
الفصل الأول: المعارض والترجيح
ولا يصح التعارض بين نصين قطعتين ثبوتا ودلالة، فهذا ما لا يقع أبدا في نصوص الشارع (1). وما دون ذلك من الأنواع يجوز فيها التعارض الظاهري، ويُرجّح بينها حسب قوة كل نص في ثبوته أو دلالته.
وهذا رأي الأصوليين من مختلف المذاهب.
وذكر السالمي رأيا نشارًا لم يسمّ صاحبه؛ يذهب إلى جواز وقوع التعارض الحقيقي بين الظنيات والصواب عدمه، لما ذكرنا من اقتضاء هذا القول الحاق وصمة الخلل بالتشريع (2). كما لا يقع التعارض بين صحيح النقل وصريح العقل، لأن الشرع لا يأتي بما يُناقض العقول. لأن الشارع وهو الذي جعل العقل دليل معرفة الخالق، وأناط به عهدة التكليف، وتبعة الجزاء. وهو ما مضى بيانه بجلاء في مبحث دليل العقل.
وأدلة العقل يستحيل نسخها وتكاذبها. فإذا ورد دليل سمعي على خلاف العقل، فإما أن لا يكون متواترا، فيُعلم أنه غير صحيح، وإما أن يكون متواترا فيكون مؤوّلا، ولا يكون متعارضا. أما أن يرد نص متواتر لا يحتمل الخطأ والتأويل، وهو على خلاف دليل العقل، فهذا محال (3). فقوله تعالى: وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [الحديد: 3]. لا يناقض قوله: وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَهِدِينَ مِنكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوا أَخْبَارَكُمْ} [محمد: 31]. لأن العلم المذكور في الآية الثانية يعني تميزهم بأشخاصهم بعد ابتلائهم وفرز المجاهدين والصابرين عن غيرهم؛ أو علم النبي والصحابة بهم؛ أو غير ذلك مما بسطه المفسرون. وأما أن يكون المراد به علمًا جديدًا ينكشف الله في ذلك الحين؛ فهذا محال
في حق الله؛ مناقض لصفة علمه المحيط بكل شيء. ومن المصادر المتقدمة التي عنيت بوضع قواعد إزالة التعارض، جامع ابن بركة، فقد حدد منهجه في إزالة التعارض بين الأخبار، وهو أن يُنظر المتقدم
(1) السالمي، طلعة، 2: 193.
2 - السالمي، طلعة 2: 193.
(3) الغزالي، المستصفى، 2: 137/ 138.
531 (1/531)
صفحة 529
الباب الثالث: اجتهاد الترجيح والاستدلال
من المتأخر، ليُعلم الناسخ من المنسوخ، فإن جهل التاريخ، سعينا للجمع بين الدليلين ما استطعنا وعملنا بكل في مجاله. وقال: «وإذا ورد الخبران وثبت
صحتهما عند أهل العلم، ولم يُعلم المتقدم منهما من المتأخر، ولا الناسخ من المنسوخ فالواجب عندي استعمالهما إذا أمكن ذلك. ولم يعارضهما أو يعارض واحدا منهما دلالة تمنع من استعمالهما أو استعمال واحد منهما ولا يُطرح منهما شيء» (1)، وإن تعذر النسخ والجمع تساقط الدليلان ورجعنا إلى الإباحة الأصلية (2).
كما وردت في المصادر الأولى قواعد الترجيح منها ما ذكره العوئبي في أقسام الدلائل وأنواعها ووجه ترتيبها واستعمالها:
أن ما ثبت بنص جلي فلا يجوز دفعه بنص خفي،
كما أن ما ثبت بالبديهة والضرورة والاستدلال؛ لا يجوز دفعه بدليل عام وما تمهد بتواتر، فلا يجوز إبطاله بآحاد.
وما كان بتوقيف وخبر لا يجوز تركه باعتبار ونظر. والخاص والعام إذا تقابلا، نظر فيهما» (3).
فيقدم الخاص على العام عند التنافي دون المطابقة.
كما ذكر أن اليقين لا يرتفع بالشك، والمعلوم لا يرتفع بغير المعلوم، وحكم المختلف فيه يُرد إلى حكم المتفق عليه» (4). وثمة قواعد أخرى للترجيح وردت عند غير العوتبي، فقد تحدث الوَارِجلاني عن تعارض الخاص والعام، وعن تعارض العمومات (5). وتحدث اللاحقون بعد ابن بركة عن تعارض السنة القولية الفعلية، وعن تعارض أفعال النبي (6).
1) ابن بركة الجامع، 2: 56 العوئبي، الضياء، 2: 255.
=
2) ابن بركة الجامع:1 19/ 18 2 310. جابر السعدي ابن بركة وأراؤه الأصولية،
142/ 138
(3) العوئبي، الضياء، 3: 20.
4) العوئبي، الضياء، 3: 14.
5 الوار جلاني، العدل، 1: 62 2 171 6) ينظر مثلا: الكندي، المصنف. 1: 40.
532 (1/532)
صفحة 530
الفصل الأول: التعارض والترجيح
ولكن السَّالِمِي يُعد أجمع من تناول قواعد الترجيح عند تعارض الأدلة، إذ استوفاها وأجاد تصنيفها وفق تقسيم دقيق، بعد أن تبنّى منهج ابن بركة في أن البدء يكون بمعرفة الناسخ والمنسوخ، ثم نسعى إلى الجمع، فإن تعذر ذلك فقد حكى عن ابن بركة والكدمي أن المجتهد بالخيار في ذلك، ولكنه اختار الوقف في المسألة، لأن الترجيح بلا مرجح تحكم، والقول بالتساقط هو الصحيح (1). فهناك إذا أربع صور النسخ والجمع والترجيح والتساقط. ثم فصل السَّالِمِي قواعد الترجيح بين الأدلة بناءً على قوتها، وذلك من
جهات عديدة:
-
= من جهة النصوص والمتون (2).
=
من جهة الإسناد والرواية (3).
= من جهة الحكم والدلالة (4). من جهة خارج هذه الأمور (5).
=
من جهة القياس وعلله (6).
وفي كل جهة مراتب وصور عديدة نتج عنها فيض من الآراء الفقهية. وهذه نماذج تجلّي بعض الآثار الفقهية لإعمال قواعد الترجيح:
-1 الجمع بين الدليلين أولى من إلغاء أحدهما.
تجلت هذه القاعدة في قضية عدة المتوفى عنها زوجها. فقد قال الله تعالى: وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا}
[البقرة: 234]. فهذا حكم عام يشمل الحوائل والحوامل.
وقال في عدة المطلقات وَأُولَتُ الْأَعْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ
:
1 السالمي، طلعة 2: 192 193. (2) السالمي، طلعة، 2: 196/ 202.
(3) السالمي، طلعة، 2: 202/ 204. (4) السالمي، طلعة 2: 205/ 208 (5) السالمي، طلعة، 2: 208/ 210. 6 السالمي، طلعة 2: 212/ 210
533 (1/533)
صفحة 531
الباب الثالث: اجتهاد الترجيح والاستدلال
[الطلاق: 4].
وجاء في مسند الربيع بن حبيب عن أبي عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس قال: اختلفت أنا وأبو سلمة عبد الرحمن في المرأة الحامل إن وضعت بعد وفاة زوجها بليال، قال: فقلتُ: عِدتها آخر الأجلين. فقال أبو سلمة: إذا وضعت حلّت. فجاء أبو هريرة فسئل، فقال: أنا مع أبي سلمة، فبعثنا كريبا مولى ابن عباس إلى أم سلمة، فسألها عن ذلك فقالت: ولدت سبيعة الأسلمية بعد وفاة زوجها بليال، فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال قد حلت» (1). و ممن ذهب إلى أنها تحل بالوضع ابن مسعود، فقد قال: «من شاء لاعنتُه؛ إن الآية التي في سورة النساء القصرى نزلت بعد سورة البقرة بكذا وكذا شهرا» (2).
وأخرج عبد بن حميد عن علي أنها نسخت ما في البقرة. وأخرج بن مردويه عنه أنها نسخت سورة النساء الصغرى كل عدة. وأخرج ابن مردويه عن أبي سعيد الخدري قال: «نزلت سورة النساء الصغرى بعد التي في البقرة بسبع سنين» (3). وقال الفقهاء بأن عِدّة المتوفى عنها الحامل تنتهي بوضع الحمل اتفاقا (4). وعن حديث سبيعة الأسلمية، قال الربيع: قال أبو عبيدة: وهذه رخصة من النبي للأسلمية. وأما العمل فعلى ما قال ابن عباس، وهو المأخوذ به
1) الربيع، الجامع الصحيح، باب 29 حديث 540. ج 2، ص 147. 2) لفظ الحديث عند النسائي: عن علقمة بن قيس، أن ابن مسعود، قال: " من شاء لاعنته؛ ما نزلت "وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن، إلا بعد آية المتوفى عنها زوجها. إذا وضعت المتوفى عنها زوجها فقد حلت».
السنن الكبرى للنسائي، كتاب الطلاق ما استثني من عدة المطلقات، حديث: 5549. السنن الكبرى للبيهقي، كتاب العدد، جماع أبواب عدة المدخول بها، باب عدة الحامل من الوفاة،
حديث: 14422.
الزحيلي، الفقه الإسلامي وأدلته، 7: 634/ 635. 3) السالمي، حاشية الجامع الصحيح، 3: 122.
4 - الشيرازي المهذب 2 142. - ابن جزي القوانين الفقهية 231. – الكاساني، بدائع
الصنائع، 3: 192.
534 (1/534)
صفحة 532
الفصل الأول: التعارض والترجيح
?
E 3
عندنا، وهو قول الله عز وجل في كتابه» (1). وهذا القول محل اتفاق بين الإباضية أنها إذا وضعت بعد وفاة زوجها بأيام أو شهر أو شهرين فلا تتزوج حتى تنقضي أربعة أشهر وعشر، أخذا بأبعد الأجلين وعملاً بكلا الدليلين (2)، وحملوا حديث سبيعة الأسلمية على الرخصة والخصوصية (3).
وعقب السَّالِمِي بأن دعوى الخصوصية تحتاج إلى دليل. وهو ما ذهب إليه بعض الصحابة أن الحامل المتوفى عنها اجتمع عليها عدنان، فلا تخرج من
عدتها إلا بيقين واليقين أبعد الأجلين بناء على العمل بالأحوط (4). وعقب أبو ستة على حديث سبيعة بأن «القاعدة الأصولية تقتضي ترجيح، مذهبهما، لأن الدليلين إذا كان كل واحد منهما عاما من وجه وخاصا من وجه، فإنه يخص عموم كل واحد منهما بخصوص الآخر عملا بالدليلين معا. وهاهنا كذلك، فإن قوله: {وَأُولَتُ الْأَعْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ [الطلاق:4]. ظاهر العموم في كل حامل. فيخص بقوله: {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ
وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا} [البقرة: 234]. وهذه الآية ظاهرها العموم في كل متوفى عنها زوجها، حاملا كانت أو غير حامل، فيُخص عمومها بقوله: {وَأُوَلَتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ. فلا بد من وضع الحمل. وإن زادت على الأربعة أشهر وعشر. فقد عمل بالدليلين معا. بخلافه على مذهب غيرهما، فإنه عمل فيه بعموم آية
الطلاق فقط» (5).
وقد يصلح هذا التفسير للقاعدة الآتية.
1 الربيع، الجامع الصحيح، باب 29 حديث 540. ج 2، ص 147. (2) جابر بن زيد من جوابات الإمام جابر 91/ 90 الربيع، آثار الربيع، 5.-الخراساني، المدونة الكبرى، 2: 77.
(3) السالمي، حاشية الجامع الصحيح، 3: 122.
4) مصنف ابن أبي شيبة، كتاب النكاح، في المرأة يتوفى عنها زوجها فتضع بعد وفاته بيسير،
حديث: 13110.
5) أبو ستة، حاشية الترتيب، 3: 133/ 134.
535 (1/535)
صفحة 533
الباب الثالث: اجتهاد الترجيح والاستدلال
-2 - إعمال الدليلين أولى من إلغاء أحدهما:
K
من نماذج هذه القاعدة، ما ذكره ابن بركة من اختلاف أصحابنا في القارن بالحج والعمرة، فبعضهم أوجب عليه طوافين وسعيين، وهو قول الحنفية (1). وبعض أوجب عليه طوافا واحدا وسعيا واحدا، وهو قول الشافِعِيّة (2). والسبب اختلاف الأدلة في قوله لعائشة لما حاضت: «طوافك بالبيت
وسعيك يكفيك عن حجك وعمرتك» (3). ودليل الآخرين أنها لما طهرت بعث بها مع أخيها عبد الرحمن، واعتمرت من التنعيم (4) (5).
وإذا علم النسخ ارتفع الإشكال كما في مسألة الوضوء من أكل ما مسته النار. فقد رُوي عن النبي أنه توضأ منه، وأمر به (6). فأخذ به قوم.
1) المرغيناني، الهداية 1 166 السرخسي، المبسوط، 4: 27.
2 الشيرازي المهذب، 1: 200
3) أخرجه مسلم وأصحاب السنن عن عائشة.
ولفظ مسلم: عن عائشة رضي الله عنها، أنها حاضت يسرف فتطهرت بعرَفَة؛ فقال لها رسول الله: يُجزئ عنك طوافك بالصفا والمروة، عن حجك وعمرتك. صحيح مسلم، کتاب الحج، باب بيان وجوه الإحرام، حديث: 2199. سنن أبي داود، كتاب المناسك باب طواف القارن، حديث: 1634.
السنن الكبرى للبيهقي، جماع أبواب وقت الحج والعمرة جماع أبواب دخول مكة، باب المفسد لعمرته يقضيها من حيث أحرم ما أفسد وكذلك المفسد، حديث: 9212.
4 - أخرج الخبر البخاري ومسلم وغيرهما.
ولفظ البخاري: عن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق رضي الله عنهما، قال: " أمرني النبي أن أردف عائشة، وأغيرها من التنعيم». صحيح البخاري، كتاب الجهاد والسير باب إرداف المرأة خلف أخيها، حديث: 2844. 5) ابن بركة، الجامع، 2: 56.
6) لفظ الحديث عند مسلم عن عروة بن الزبير قال: سمعت عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم تقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: توضئوا مما مست النار».
صحيح مسلم، كتاب الحيض، باب الوضوء مما مست النار، حديث:556.
وفي صحيح ابن حبان: عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: توضأ مما مست النار». صحيح ابن حبان كتاب الطهارة، باب نواقض الوضوء، ذكر البيان بأن قوله: توضأ، حديث:1164.
536 (1/536)
صفحة 534
E 3
الفصل الأول: التعارض والترجيح
وروي عنه أنه أكل كتفا مُؤَرَّبَةً) أي موفّرة) فصلّى ولم يتوضأ (1)؛ فأخذ
به آخرون.
كما اعتمدوا حديث بلال عن أبي بكر أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «لا يتوضأ من طعام أحل الله أكله» (2).
وهو الأمر الآخر من فعل رسول الله. وهو المأخوذ به عندنا.
وقال آخرون إنما الوضوء غسل الكفّين والفم، لا غير.
وكل قد قيل به، وكل قد عُمل به (3).
فبعض عمل بالنَّسخ، وبعض جمع بين الدليلين بتقديم الحقيقة اللغوية للوضوء على الحقيقة الشرعية والهدف في الحالين رفع التعارض عن
النصوص.
وقد يختلف الأصوليون في النسخ، فلا يحسمون المسألة، ويظل الخلاف قائما. وذلك نحو ما رُوي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سها في صلاته فسجد قبل التسليم (4). وروي أيضا أنه سجد بعد التسليم (5). فتنازع الناس في ذلك،
،
1) أخرجه البخاري عن ابن عباس: أن رسول الله أكل كتف شاةٍ؛ ثمّ صلّى ولم يتوضأ». صحيح البخاري، كتاب الوضوء، باب من لم يتوضأ من لحم الشاة والسويق، حديث: 203. صحيح ابن حبان، کتاب الطهارة، باب نواقض الوضوء، ذكر خبر أوهم عالما من الناس أنه ناسخ للأمر بالوضوء من حديث: 1143.
2) الربيع الجامع الصحيح، باب.7. حديث 104.-ج 1، ص 25. و عن سويد بن غفلة، عن بلال قال: حدثني مولاي أبو بكر، أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: لا أتوضأ من طعام أحل الله أكله».
معجم ابن الأعرابي، حديث: 1062.
6
3 الحضرمي، الدلائل والحجج 4 - السوفي، السؤالات، 100/ 99. 4 لفظ الحديث عند مسلم: عن عمران بن الحصين، قال: سلّم رسول الله صلى الله عليه وسلم في ثلاث ركعات، من العصر، ثم قام فدخل الحجرة، فقام رجل بسيط اليدين، فقال: أقصرت الصلاة يا رسول الله؟ فخرج مغضبا، فصلى الركعة التي كان ترك، ثم سلم، ثم سجد سجدتي السهو، ثم سلم». صحيح مسلم، كتاب المساجد ومواضع الصَّلاة، باب السهو في الصلاة والسجود له، حديث:931. ولفظ الموطإ: «عن عبد الله ابن بجينة أنه قال: صلى لنا رسول الله الظهر، فقام في اثنتين ولم يجلس فيهما، فلما قضى صلاته، سجد سجدتين، ثم سلم بعد ذلك». موطأ مالك، كتاب الصلاة، باب من قام بعد الإتمام أو في الركعتين، حديث: 216. (5) لفظ الحديث عند البخاري: عن أبي هريرة رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم انصرف من
537 (1/537)
صفحة 535
الباب الثالث: اجتهاد الترجيح والاستدلال
واختلفوا في الناسخ منهما من المنسوخ، والمتقدم من المتأخر (1). وعند الالتباس وعدم معرفة النسخ، وعدم المرجح، يكون التوقف
أو التساقط والرجوع إلى الإباحة الأصلية. وذكر ابن بركة مثالا لذلك، وهو ما روي أن النبي (نهى عن الشرب
قائما» (2)، ورُوي أنه شرب من ماء زمزم قائما (3).»
فوجب الرجوع إلى قوله تعالى: وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا شرفوا [الأعراف: 31]. وهذه الآية تبيح الأكل والشرب على أية حال كان عليها الآكل والشارب، إلا أن تخص دلالة في بعض الأوقات وبعض الأحوال (4).
-3 - تعارض السنة القولية والسنة الفعلية
إذا تعارض قول النبي وفعله، فالمقدم هو القول، لأن دلالته أقوى، دلالة متفق عليها، كما أن القول ورد أساسًا للتشريع، وهو مُتَوَجِّه إلينا، أما الفعل فيخص النبي ولا يعم.
وهي
اثنتين، فقال له ذو اليدين: أقصرت الصَّلاة، أم نسيت يا رسول الله؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: * أصدق ذو اليدين؟ " فقال الناس: نعم، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلى اثنتين أخريين، ثم سلم، ثم كبر، فسجد مثل سجوده أو أطول. صحيح البخاري، كتاب الجمعة، أبواب العمل في الصَّلاة، باب من لم يتشهد في سجدتي السهو،
حديث: 1184.
1) ابن بركة الجامع:1: 18 - العوئبي، الضياء، 2: 254 الكندي، المصنف، 1: 40. 2 لفظ الحديث عند مسلم: عن أبي سعيد الخدري، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن الشرب
قائما.
صحيح مسلم، كتاب الأشربة باب كراهية الشرب قائما، حديث:3867.
وعند مسلم أيضا عن أنس أن النبي زجر عن الشرب قائما». صحيح مسلم، كتاب الأشربة باب كراهية الشرب قائما، حديث:3864. 3 أخرج أحمد وابن خزيمة وغيرهما عن ابن عباس أن النبي شرب من دلو من زمزم
قائما.
مسند أحمد بن حنبل، ومن مسند بني هاشم، مسند عبد الله بن العباس بن عبد المطلب،
حديث: 1851.
صحيح ابن خزيمة، كتاب المناسك جماع أبواب ذكر أفعال اختلف الناس في إباحته للمحرم، باب استحباب الشرب من ماء زمزم بعد الفراغ من طواف الزيارة، حديث: 2746. 4) ابن بركة، الجامع، 1: 211. = 2: 310.العوئبي، الضياء، 2: 254/ 255. - الكندي، المصنف،
538
43:1 (1/538)
صفحة 536
*
الفصل الأول: التعارض والترجيح
وإن قامت قرينة على التأسى به ودلّت على تكرار الفعل، فالثاني نسخ
للأول (1).
ومن تطبيقات هذه القاعدة إجماع الإباضية أن الجنابة تنافي الصيام، عملا بحديث أبي هريرة في مسند الربيع وغيره من أصبح جنبا أصبح مفطرا» (2). ثم ذكر عن عروة بن الزبير والحسن البصري وإبراهيم النخعي، وجملة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يقولون: من أصبح جنبا أصبح مفطرا، فيأمرونه
بالقضاء ويدرؤون عنه الكفارة (3).
ولذلك أفتى جابر بن زيد بفساد صوم من أصبح جنبا؛ سواء كان ذلك في الفرض أم القضاء أم النفل، إلا إن نام ولم يعلم بجنابته حتى أصبح. فيلزمه المبادرة إلى الغسل، وإلا كان مضيّعا (4).
أما القضاء، فإن بعض الفقهاء الزمه قضاء يوم واحد، لاستقلال كل يوم بعبادة منفردة، وبعضهم قال يقضي ما مضى من الشهر باعتبار رَمَضَان عبادة
واحدة (5).
وقدّم الجميع العمل بهذه السنة القولية على ما ورد من سنة فعلية رويت عَنْ عَائِشَةَ وَأَمِّ سَلَمَةَ زَوْجَيِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُمَا قَالَتَا إِنْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم
لَيُصْبِحُ جُنَّبًا مِنْ حِمَاع غَيْرِ اخْتِلَام فِي رَمَضَان ثُمَّ يَصُومُ (6). لأن الفعل تَرِدُ عليه الاحتمالات، فلعل النوم قد غلب النبي حتى أصبح،
1) الشماخي، شرح مقدمة التوحيد، 94/ 93 - الجيطالي، قواعد الإسلام، 2: 83. (2) سبق تخريجه 3 الربيع، الجامع الصحيح باب 51 حديث 315 ج 1، ص 81. الخراساني، المدونة الكبرى، 1: 282 - ابن بركة الجامع، 2 25 = 1 321 - ابن خلفون، أجوبة ابن خلفون،
76
4 جابر بن زيد من جوابات الإمام جابر، 62/ 61. 5) ابن بركة الجامع:1 315/ 314. الربيع آثار الربيع 22/ 21.-الخراساني، المدونة، 1:
282
_ (6
صحيح مسلم کتاب الصيام باب صحة صوم من طلع عليه الفجر وهو جنب،
حديث: 1934.
موطأ مالك، كتاب الصيام، باب ما جاء في صيام الذي يصبح جنبا في رمضان، حديث:641. سنن أبي داود كتاب الصوم، باب فيمن أصبح جنبا في شهر رمضان، حديث: 2053. السنن الكبرى للنسائي، ذكر ما ينقض الوضوء وما لا ينقضه، نسخ ذلك، حديث: 183.
539 (1/539)
صفحة 537
الباب الثالث: اجتهاد الترجيح والاستدلال
وحديث أبي هريرة عموم يحتمل النسيان والعمد. والإجماع حاصل على أن الناسي لا شيء عليه. فيحمل عليه فعل النبي، ويبقى النهي على العامد (!). ونص ابن خلفون أن أقوال النبي مقدمة على أفعاله في البيان عند أكثر أهل العلم بالأصول، لاحتمال أن يكون الفعل مخصوصا به أو ناسيا أو نائما، والقول على عمومه لا احتمال فيه (2).
ونعتمد عليهم لا
كما اهتم فقهاء الإباضية بالخبر من جهة أخرى، فقد أورد الخراساني في المدونة الكبرى أنه سئل أبو المؤرج - وهو من تلاميذ أبي عبيدة مسلم ـ عما رَوَى هؤلاء عن عائشة رضي الله عنها أن النبي كان يغتسل من الجنابة ثم يخرج من عندي إلى صلاة الصبح ورأسه يقطر بالماء، ثم يصبح صائما» (3). قال: «الله ورسوله أعلم هل صح ذلك عمن ذكرت. ولو علمنا أن النبي فعل ذلك لأخذنا به، غير أن أصحابنا الذين نأخذ عنهم يرون ذلك ولا يأخذون به والله أعلم بهذا الحديث» (4). وهذا منطق الموضوعية في قبول الحق واتباع الدليل. وإنما الخلاف في الثقة بالرواية، ومدى صدقها وصحة نسبة الحديث إلى رسول الله ويعقب الشيخ اطفيش على هذا الكلام موجها حديث عائشة في اغتسال الجنابة وصومه، أن الاغتسال كان بعد الفجر، أو أنه من خصوصيات النبي على ما قيل ولكن الخصوصية لا تثبت إلا بدليل (5).
النبي من
1) ابن بركة، الجامع، 1: 316/ 315. (2) ابن خلفون أجوبة 77.
3) لفظ الحديث عند النسائي: عن عائشة، قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخرج ورأسه يقطر لصلاة الفجر، ثم يتم صومه ذلك اليوم».
السنن الكبرى للنسائي، كتاب الصيام سرد الصيام الاختلاف على مغيرة، حديث: 2906. ولفظ أحمد: «عن عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يُصبحُ جُنُبا ثُمَّ يَغْتَسِلُ ثُمَّ يَعْدُو إِلَى الْمَسْجِدِ وَرَأْسُهُ يَقْطُرُ ثُمَّ يَصُومُ ذَلِكَ الْيَوْمَ».
مسند أحمد بن حنبل، مسند الأنصار الملحق المستدرك من مسند الأنصار، حديث السيدة عائشة رضي الله عنها، حديث: 24158.
4) الخراساني، المدونة، 1: 281.
=
5) الخراساني، المدونة 1 281. وأما ما قيل عن رجوع أبي هريرة عن هذا الحديث، وأنه سمعه من الفضل بن عباس. فقد ذكر الشيخ اطفيش أن القصة مروية في الموطأ. - ونصها (حدثني عَنْ مَالِكَ عَنْ سُمَيٍّ مَوْلَى أَبي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا بَكْرِ بْنَ
540 (1/540)
صفحة 538
E 3
*
الفصل الأول: التعارض والترجيح
عليه.
واهتم الإباضية بالقضية من جوانب أصولية أخرى، فاعتبروا الحديث مخصصا لعموم القرآن في قوله تعالى: أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَا بِكُمْ [البقرة: 187]. فخص الحديث من ذلك مقدار ما يغتسل فيه الجنب من الليل، فلا يدخل في الرفث المباح (1). بينما ذهب الجمهور إلى أنه يُفهم بدلالة الإشارة من الآية جواز الأكل والشرب والوطء إلى آخر جزء من الليل، فيصبح المرء جنبا ولا حرج ولكن قواعد الترجيح تقضي أن عبارة الحديث مخصصة لإشارة الآية. ويرى الشيخ اطفيش أن الأكل والشرب ليسا كالوطء، لأنه إذا تبين الفجر أمكن الكف عن الأكل والشرب، أما الواطئ فإنه إذا تبين الفجر وأخرج، كان واطئا في جزء من النهار. ولذلك ذهب إلى أن لفظ "حتى" في الآية للاستثناء، وقد ورد بعد جمل متعاطفات فيعود إلى الأخيرة منها، وهو الأكل والشرب - وهما كشيء واحد ـ لا إلى مجموع الجمل (2). وترك الأكل والشرب حين تبين الفجر ليس فيه تباعة، والجماع له تباعة
عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ يَقُولُ كُنْتُ أَنا وَأَبِي عِنْدَ مَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ وَهُوَ أَمِيرُ الْمَدِينَةِ فَذكِرَ لَهُ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ مَنْ أَصْبَحَ جُنُبًا أَفْطَرَ ذَلِكَ الْيَوْمَ فَقَالَ مَرْوَانُ أَقْسَمْتُ عَلَيْكَ يَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ لَتَذْهَبَنَّ إِلَى أُمَّيِ الْمُؤْمِنِينَ عَائِشَةَ وَأَمِّ سَلَمَةَ فَلْتَسْأَلَنَّهُمَا عَنْ ذَلِكَ فَذَهَبَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ وَذَهَبْتُ مَعَهُ حَتَّى دَخَلْنَا عَلَى عَائِشَةَ فَسَلَّمَ عَلَيْهَا ثُمَّ قَالَ يَا أَمُّ الْمُؤْمِنِينَ إِنَّا كُنَّا عِنْدَ مَرْوَانَ بْنَ الْحَكَمِ فَدْكِرَ لَهُ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ مَنْ أَصْبَحَ جُنُبًا أَفْطَرَ ذَلِكَ الْيَوْمَ قَالَتْ عَائِشَةُ لَيْسَ كَمَا قَالَ أَبُو هرَيْرَةَ يَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ أَتَرْغَبُ عَمَّا كَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَصْنَعُ فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ لَا وَاللَّهِ قَالَتْ عَائِشَةُ فَأَشْهَدُ عَلَى رَسُول الله صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ كَانَ يُصبح جنبًا مِنْ حِمَاع غَيْرِ احْتِلامَ ثُمَّ يَصُومُ ذَلِكَ الْيَوْمَ قَالَ ثُمَّ خَرَجْنَا حَتَّى دَخَلْنَا عَلَى أُمِّ سَلَمَةَ فَسَأَلَهَا عَنْ ذلِكَ فَقَالَتْ مِثْلَ مَا قَالَتْ عَائِشَةُ قَالَ فَخَرَجْنَا حتَّى جِئْنَا مَرْوَانَ بْنَ الْحَكَم فَذَكَرَ لَهُ عَبْدُ الرَّحْمَن مَا قَالَتَا فَقَالَ مَرْوَانُ أَقْسَمْتُ عَلَيْكَ يَا أَبَا مُحَمَّدٍ لَتَرْكَبَنْ دَابَّتِي فَإِنَّهَا بِالْبَابِ فَلْتَذْهَبَنَّ إِلَى أَبِي هُرَيْرَةَ فَإِنَّهُ بِأَرْضِهِ بِالْعَقِيقِ فَلْتُخْبِرَنَّهُ ذَلِكَ فَرَكِبَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ وَرَكِبْتُ مَعَهُ حَتَّى أَتَيْنَا أَبَا هُرَيْرَةَ فَتَحَدَّثَ مَعَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ سَاعَةً ثُمَّ ذَكَرَ لَهُ ذَلِكَ فَقَالَ لَهُ أَبُو هُرَيْرَةَ لاَ عِلْمَ لِى بدَاكَ إِنَّمَا أَخْبَرَنِيهِ مُخبر».
موطأ مالك، كتاب الصيام، باب ما جاء في صيام الذي يصبح جنبا في رمضان، حديث: 640. ورجح اطفيش أن الصحيح ما روي عنه أنه قال: ما أنا قلت من أصبح جنبا أصبح مفطرا، محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم قاله ولفظ عبد الله بن عمر القاري سمعت أبا هريرة يقول: لا ورب الكعبة ما أنا قلت من أصبح جنبا فليفطر، محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم قاله الخراساني، المدونة، 1: 281 (1) ابن خلفون، أجوبة، 77/ 76. (2) الخراساني، المدونة 1: 310.
541 (1/541)
صفحة 539
الباب الثالث: اجتهاد الترجيح والاستدلال
تلحقه (1).
E 3
كما ردّ ابن بركة على من استدل بدلالة الإشارة على جواز الجماع إلى آخر الليل، بقاعدة ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. كالصلاة تجب في الوقت، ولا يجوز تأخيرها إلى آخر الوقت إلا بقدر ما يجب للطهارة والوضوء وأدائها. وإلا وقعت خارج الوقت فيُعدّ صاحبها مُضيعًا. وكذلك أحل الجماع كامل الليل حتى يبقى من الوقت ما يكفي للاغتسال (2). ونص ابن بركة أن من أصول أصحابنا تقديم الحظر على الإباحة، وتقديم الخبر المثبت للفعل على الخبر النافي له (3). كما قاس الجنابة على الحيض والنفاس، إذ لا تصح الصلاة بهذه الثلاثة، ولا يصح الصوم مع الحيض والنفاس فصار من المناسب والمعقول إلحاق الجنابة بهما في الحكم فاستوى الجميع، بجامع الحدث، فلا يصح مع الجنابة وخلص الشيخ اطفيش بعد نقاش ما ورد من فعل النبي مخالفا لقوله في هذه القضية إلى أن أحاديث غسل الجنابة للصوم أحق، ولا شك أن قولنا أحوط ولا شبهة لمن عمل بها، بخلاف قول مخالفين (5). والأخذ بالأحوط من القواعد المعتبرة في الاجتهاد عند الإباضية.
صيام (4).
-4 - تعارض الخاص والعام والمجمل والمفسر
لا خلاف بين الإباضية أنه إذا تعارض الخاص والعام، فالخاص يقدم على العام. وكذلك المفسر يقضي على المجمل (6). «فإذا ورد خبران أحدهما عام والآخر خاص ومفسر، كان الخاص والمفسر قاضيا على العام (7)، وكما يكون هذا في الأخبار، يكون في آيات
1) عمروس، الدينونة الصافية، 129.
(2) ابن بركة، الجامع 1: 317.
3) ابن بركة، الجامع، 1: 20.
-4 ابن بركة، الجامع، 1: 324. 5) الخراساني، المدونة، 1: 311.
6) ابن بركة الجامع:1 18. العوئبي، الضياء، 2: 254 - الكندي، المصنف، 1: 41. 7) ابن بركة الجامع:2: 321 - العوئبي، الضياء، 2: 255.
542 (1/542)
صفحة 540
الفصل الأول: التعارض والترجيح
القرآن (1). وهو ما نص عليه الوَارِجلاني وقولنا إن الخاص مقدم على
العام» (2).
أحدهما
وأكد السالمي تقديم الخاص على العام دائما، ولو جهل التاريخ، لأن الخاص دلالته قطعية، ودلالة العام ظنية ولا يجوز إلغاؤهما معا، أو إلغاء مع إمكان الجمع بينهما (3). وأمثلة تخصيص العام كثيرة جدا؛ أوردنا قسما منها في مباحث تخصيص العام. واختار الوَارِجُلانِي حديث في الرقة ربع العشر» (4). خصصه حديث ليس فيما دون خمسة أواق صدقة» (5). فقضينا بالخاص على العام، وبطل قول من قال بتعارضهما (6). والحقيقة أن إطلاق لفظ تعارض الخاص والعام تجوز ليس إلا، لأن الجمع بينهما ممكن، وهو العمل بالخاص في محله، وبقاء العام ساريا على ما عدا القسم الخاص. وقد تختلف الأنظار عند تنزيل هذه القاعدة إلى أرض التطبيق، ومن الخلاف حول الأوقات المنهي عن الصَّلاة فيها، فذكر ابن بركة إجماع أهل الحديث ونقلة الأخبار من أصحابنا، أن النبي ا نهى عن صلاة بعد العصر،
ذلك
1) العوئبي، الضياء، 3: 14. 2 الوار خلاني، العدل، 2: 174. 3) السالمي، طلعة، 1: 106.
(4) أخرجه البخاري وأصحاب السنن عن عبد الله بن عثمان. صحيح البخاري، كتاب الزكاة، باب زكاة الغنم، حديث: 1397. سنن أبي داود، كتاب الزكاة، باب في زكاة السائمة، حديث:1352. السنن الكبرى للنسائي، كتاب الزكاة زكاة الإبل، حديث: 2202. 5) أخرجه البخاري وابن خزيمة وابن حبان وغيرهم عن أبي سعيد الخدري. صحيح البخاري، كتاب الزكاة دون رقم الحديث. صحيح ابن خزيمة، كتاب الزكاة، جماع أبواب صدقة الحبوب والثمار، باب ذكر الدليل على أن النبي، حديث: 2142.
صحيح ابن حبان كتاب الزكاة، باب العشر، ذكر الخبر المدحض قول من زعم أن فيما يخرج من
الأرض، حديث: 3334. الوار خلاني، العدل، 2: 174.
543 (1/543)
صفحة 541
الباب الثالث: اجتهاذ الترجيح والاستدلال
الصلاة فيه،
وبعد الفجر (1). وفسروه بالنهي عن صلاة النفل بدليل حديث من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها» (2). فالصَّلاة المنسية إذا ذكرها يصليها في كل وقت، بنص الحديث إلا في الوقت المتفق على النهي عن وهو عند طلوع الشمس، وعند غروبها، وعند الزوال. والأخبار كلها صحيحة والأخذ بها جائز، والعمل بها ثابت، والغلط
في التأويل» (3). ثم رد ابن بركة على من قال بجواز النفل في تلك الأوقات، استنادا إلى فعل علي بن أبي طالب، أنه صلّى بأصحابه في السفر صلاة العصر، ثم دخل فسطاطه وصلى ركعتين، بأنه لا يخصص عموم النهي. كيف، وقد روى علي نفسه حديث لا صلاة بعد العصر حتى تغيب الشمس، ولا صلاة بعد الفجر حتى تطلع الشمس (4)؟ ويُحمل فعل عليّ على أنه صلاة كانت عليه ذكرها في ذلك الوقت (5). وفي قضية تطهير جلد الميتة، أورد ابن بركة نقاشا طريفا في الردّ على من لم يجوز الانتفاع بجلد الميتة إذا دبغ؛ استنادًا إلى قول النبي: «لا تنتفعوا من الميتة بشيء (6). وقال بأن هذا خبر ضعيف قد تكلّم فيه حَمَلة الأخبار،
=
1) الحديث ورد بألفاظ متعددة في الصحيحين وغيرهما. ولفظ البخاري: عن أنس بن مالك، عن النبي الله قال: من نسي صلاة فليصل إذا ذكرها». صحيح البخاري، كتاب مواقيت الصلاة، باب من نسي صلاة فليصل إذا ذكر، حديث: 581. صحيح مسلم، كتاب المساجد ومواضع الصَّلاة، باب قضاء الصَّلاة الفائتة، حديث: 1132. 2 ورد الحديث عند أبي داود بلفظ «إِنَّهُ لا تَفْرِيطَ في النَّوْمِ إِنَّمَا التَّفْرِيطُ فِي الْيَقَظَةِ فَإِذَا سَهَا أَحَدُكُمْ عَنْ صَلَاةٍ فَلْيُصَلِّهَا حِينَ يَدْكُرُهَا».
سنن أبي داود، كتاب الصلاة، باب في من نام عن الصلاة، حديث: 378.
(3) ابن بركة، الجامع، 1: 545. 4) سبق تخريجه قريبا.
وكل طرقه عن عمر وابن عمر وأبي سعيد الخدري وأبي بصرة الغفاري وغيرهم. ولم أجده في
المصادر الحديثية عن علي بن أبي طالب.
5 ابن بركة الجامع، 1: 547/ 546.
6 لفظ الحديث في كتب السنن لا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب.
أخرجه أصحاب السنن عن عبد الله بن عكيم الجهني.
صحيح ابن حبان، کتاب الطهارة، باب جلود الميتة، حديث:1293.
544 (1/544)
صفحة 542
الفصل الأول: التعارض والترجيح
*
ولو كان ثابتا ما دلّ على منع الانتفاع لأنه خبر عام عورض بخبر خاص، والخاص يقضي على العام.
فهذا الحديث لا يفيد أكثر مما أفادت الآية حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ [المائدة:3]. ومن شأن العلماء طلب الخبر الذي فيه زيادة وفائدة، وهو هنا قول النبي: أيما إهاب ديغ فقد طَهُر» (1). فقد خص بعض تلك الجملة فأدخلها في خبر الإباحة.
وإن اعترض عليه بحديث لا تنتفعوا من الميتة بشيء، بإهاب ولا عصب» (2). فالحديث أيضا فيه مقال، ولو ثبت لكان خاصا بدلالة اللغة، فإن الإهاب في لسان العرب للجلد ما لم يدبغ، فإذا دبغ صار أديما. وفي هذا قال الشاعر: قد كان نعلك قبل اليوم من أهب فصرت تخطر في نعل من الأدم (3). وجعل ابن جعفر والوَارجُلانِي ذلك من تعارض العمومات (4)، لأن قوله تعالى: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ} [المائدة: 3] عام، وقوله: «أيما إهاب دبغ
فقد طهر» عام كذلك. وكما يقال: بينهما عموم وخصوص نوعي. ولا مشاححة في الاصطلاح ما دامت النتيجة واحدة، وهو تقديم أحدهما على الآخر، وإعمال كل في دائرته.
سنن أبي داود، كتاب اللباس، باب من روى أن لا ينتفع بإهاب الميتة، حديث:3617. سنن ابن ماجه، کتاب اللباس، باب من قال: لا ينتفع من الميتة بإهاب ولا عصب، حديث: 3611. سنن الترمذي الجامع الصحيح الذبائح، أبواب اللباس، باب ما جاء في جلود الميتة إذا دبغت،
حديث: 1696.
1) أخرجه أصحاب السنن عن عبد الله بن عباس.
صحيح ابن حبان، كتاب الطهارة
باب جلود الميتة، ذكر خبر ثان يدل على إباحة الانتفاع بكل جلد ميت إذا
حديث: 1303.
سنن الدارمي، من كتاب الأضاحي
باب الاستمتاع بجلود الميتة، حديث: 1966.
سنن ابن ماجه کتاب، اللباس باب لبس جلود الميتة إذا دبغت، حديث: 3607 2 لم يرد في الصحيح بلفظ "شيء" وإنما ورد بإهاب" ولا عصب". ينظر التخريج السابق. 3) ابن بركة، الجامع، 1: 377/ 378/ 379.
4 ابن جعفر، الجامع:1: 274 الوار جلاني، العدل، 2: 177/ 178.
545 (1/545)
صفحة 543
الباب الثالث: اجتهاد الترجيح والاستيدلان
=
ومن هذه القضايا التعارض بين عموم آية المحرمات من النساء، وفيها وَأَن تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ} [النساء:23]. وآية من
يباح نكاحها، وفيها وَالْمُحْصَنَتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَنُكُمْ [النساء:24]. فتعارضت الآيتان في الجمع بين الأختين في ملك اليمين، فغلبنا
=
الحظر على الإباحة. وقال بعض الصحابة أحلتهما آية، وحرمتهما آية (1). وفي موضوع النكاح جنح ابن بركة إلى رأي طريف، خالف فيه إجماع الإباضية وجمهور المذاهب، ووافق فيه الحنفية، وهو القول بجواز تولي المرأة تزويج نفسها، إذا عضلها وليها (2). وجعل حديث أيما امرأة أنكحت نفسها بغير وليها فنكاحها باطل» (3) عاما، واعتبر قوله تعالى: فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَن ينكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُم بِالْمَعْرُوفِ [البقرة: 232]. مخصصا لعموم، الحديث، لأن الآية أضافت التزويج إليهن.
فالخبر في إيجاب الولي عام لكل امرأة ثيبا كانت أم بكرا، ولكنه مخصوص بالبكر، وخرجت منه الثيب بالآية المذكورة (4). فلها أن تزوج نفسها إذا وضعت نفسها في كفء. وذكر أن قول كثير من الإباضية أنها إن فعلت ذلك لم يكن للولي ولا للحاكم فسخ النكاح ولكن يأمرون بتجديد النكاح بحضرة الولي إذا لم يقع الدخول؛ رعاية للمصلحة، وتأديبا حتى لا تتجرأ النساء على
(1) الوَار جلاني، العدل، 2: 178.
2 ابن عبد الشكور، مسلم الثبوت، 2: 25.
(3) أخرجه الترمذي وأبو داود والدارمي عن عائشة بلفظ أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها
فنكاحها باطل سنن الترمذي الجامع الصحيح، أبواب الجنائز عن رسول الله الله، أبواب النكاح عن رسول الله باب حديث: 1057
سنن الدارمي، ومن كتاب النكاح، باب النهي عن النكاح بغير ولي، حديث:2156. أبي داود، كتاب النكاح، باب في الولي، حديث: 1797.
سنن
وأخرجه الحاكم وأصحاب السنن بألفاظ أخرى.
المستدرك على الصحيحين للحاكم، كتاب النكاح، حديث: 2636.
صحيح ابن حبان، کتاب الحج، باب الهدي، ذكر بطلان النكاح الذي نكح بغير ولي
حديث: 4137.
4 ابن بركة، الجامع، 2: 118.
546 (1/546)
صفحة 544
E
الفصل الأول: التعارض والترجيح
الاستخفاف بحقوق الأولياء.
وأورد الأدلة وفصل القضية تفصيلا شافيا (1).
1
كما أورد الوَارِجلاني اختلاف العلماء في ما إذا تعارض العموم والظاهر وأخبار الآحاد، فغلب قوم أخبار الآحاد لأنها أقوى من الظاهر، واستدلوا بحديث أبي بكر عن النبي صلى الله عليه وسلم نحن معاشر الأنبياء لا نورث، ما تركناه صدقة» (2).
وغلب قوم العموم، استنادا إلى فعل عمر في ردّ حديث فاطمة بنت قيس
?
في نفقة المبتوتة، أن النبي لم يجعل لها سكنى ولا نفقة (3). فقال عمر: «لا ندع كتاب ربنا إلى قول امرأة لا ندري أصابت أم أخطأت» (4). فأوجب النفقة والسكنى للمبتوتة.
وخلص أبو يعقوب إلى أن الظاهر والعام وأخبار الآحاد، طرق مستعملة، فإذا تقاومت غلبوا عليها الرأي والقياس واستصحاب الأصل (5).
(1) ابن بركة، الجامع، 2: 118/ 122.
(2) سبق تخريجه.
(3) أخرجه مسلم وابن ماجة والترمذي وغيرهم عن فاطمة بنت قيس. ولفظ مسلم: «عن الشعبي، قال: دخلت على فاطمة بنت قيس فسألتها عن قضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم عليها، فقالت: طلقها زوجها البتة، فقالت: فخاصمته إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في السكنى والنفقة، قالت: فلم يجعل لي سكنى، ولا نفقة».
صحيح مسلم کتاب الطلاق باب المطلقة ثلاثا لا نفقة لها، حديث: 2793.
سنن ابن ماجه، کتاب الطلاق باب المطلقة ثلاثا هل لها سكنى ونفقة، حديث: 2031. سنن الترمذي الجامع الصحيح، أبواب الجنائز عن رسول الله، أبواب الطلاق واللعان، باب ما جاء في المطلقة ثلاثا لا سكنى لها ولا نفقة حديث: 1136
4) أخرجه مسلم وابن حبان والدارمي وابن أبي شيبة وغيرهم. ولفظ مسلم: «لا نترك كتاب الله وسنة نبينا القول امرأة، لا ندري لعلها حفظت، أو نسيت». صحيح مسلم، کتاب الطلاق، باب المطلقة ثلاثا لا نفقة لها، حديث: 2797 صحيح ابن حبان كتاب الرضاع باب النفقة ذكر عدم إيجاب السكني، حديث: 4311.
سنن الدارمي ومن كتاب الطلاق، باب في المطلقة ثلاثا ألها السكني، حديث: 2241. مصنف ابن أبي شيبة كتاب الطلاق من قال في المطلقة ثلاثا: لها النفقة، حديث: 15098. (5) الوار جلاني، العدل، 1: 63/ 62.
547 (1/547)
صفحة 545
الباب الثالث: اجتهاد الترجيح والاستدلال
-5 تعارض خبر الآحاد والقياس
*
ذهب عامة الإباضية وجمهور المتكلمين والفقهاء إلى أنه يُقدم الخبر على القياس. وهو المعهود عن الصحابة، فقد رُوي عن عمر أنه كان يقول: «الدية للعاقلة، ولا ترث المرأة من دية زوجها شيئا حتى أخبره الضحاك بن سفيان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كتب إليه أن يورث امرأة أشيم الضبابي من ديته. فرجع إليه عمر (1). ولما بلغ عمر خبر دية الجنين قال: «إن كدنا أن نقضي في مثل
هذا برأينا» (2)، وقال مثل ذلك في دية الأصابع (3).
ورُوي قول للإمام مالك وغيره بتقديم القياس على الخبر. وقول ثالث لأبي لأبي الحسين البصري أنه إن كانت علة القياس ثابتة بطريق قطعي قدم القياس، وإن كان الأصل قطعيا، والعلة ظنية فموضع لاجتهاد، وإن كانت العلة ثابتة بنص أرجح من الخبر المخالف للقياس، قدم القياس إن كانت وجودها في الفرع، قطعيا وإن كان ظنيا فالوقف. وإن كان خلاف ذلك قدم الخبر (4). وفي هذا قال السالمي:
أما إذا عارض ــ ـــه القياس فاختلفت هـ نالك الأكياس فقدم القياس قوم، والخبر قوم، ومعنى الوصف قوم اعتبر فقدموا ذا العل ــــــة القطعية وأخروا ذا العلة الظنية (5) ولهذه الأقوال أدلة، وفيها نقاش يطول. ولم يورد لها الأصوليون أمثلة
-
تطبيقية، فتظل تفريعا غير منزل على أرض التطبيق بشكل دقيق. 6 - التعارض بين الأقيسة
ذكر العوتبي أنه إذا كان القياس على أصلين أو ثلاثة، فهو أقوى من التعلق بأصل واحد. والسنة تؤيده وحكم الشريعة يوجبه، كان الراجع بقياسه
1) الشافعي، الرسالة، 426.
2 الشافعي، الرسالة، 427.
3) الشافعي، الأم، 6: 107.
4 الشماخي شرح المختصر) مح) - 467 - السالمي، طلعة، 2: 20/ 21.
5) السالمي، طلعة، 2: 20.
548 (1/548)
صفحة 546
الفصل الأول: التعارض والترجيح
*
إلى أصلين أعم لعلته» (1).
والعلتان إذا تقابلتا وكانت إحداهما أعم وأكثر فروعا، فتكون أولى من الأخص، لأن كثرة الفروع تدل على قوة الأصل المثمر، كعلة القوت لما كانت داخلة في علة الأكل كانت علة الأكل مقدمة عليها (2).
=3
وفصل العوئبي قواعد الترتيب والترجيح بين العلل تفصيلا دقيقا. - أحدها أن تكون إحدى العلتين منصوصا عليها والأخرى مستنبطة؛ كقولنا: إن الحج لا يسقط بالموت لأنه دين، فأشبه ديون الآدميين. فتكون هذه العلة أولى من علة العراقي، حيث قال: تسقط بالموت لأنها عبادة، فأشبهت الصَّلاة والصيام، لأن النبي قد نص عليها في قوله: «فدين الله أحق أن
يُقضى (3).
=
الثاني: أن يكون إحداهما يشهد له عموم الاسم، فتكون أولى في ذلك، مثل علة البر أنه مطعوم في جنس، لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الطعام إلا مثلاً
يمثل (4).
1) العوئبي، الضياء 3 22 نجاد بن موسى الأكلة، 58. مكرر في 88. (2) نجاد بن موسى الأكلة، 97.
3) أخرجه البخاري ومسلم وأصحاب السنن عن ابن عباس. صحيح البخاري، كتاب الصوم، باب من مات وعليه صوم، حديث: 1864. صحيح مسلم، کتاب الصيام، باب قضاء الصيام عن الميت، حديث: 2002. السنن الكبرى للنسائي، كتاب الصيام، سرد الصيام صوم الحي عن الميت وذكر اختلاف الناقلين للخبر في ذلك، حديث: 2849.
سنن أبي داود، كتاب الأيمان والنذور باب ما جاء فيمن مات وعليه صيام صام عنه وليه
حديث: 2895.
4) أخرجه مسلم وابن حبان والدارقطني والبيهقي وأحمد عن معمر بن عبد الله القرشي؛ بلفظ: الطعام بالطعام مثلاً يمثل».
صحيح مسلم، کتاب المساقاة، باب بيع الطعام مثلا بمثل، حديث:3067. صحيح ابن حبان، کتاب البيوع باب الربا ذكر الزجر عن بيع الجنس من الطعام بجنسه إلا مثلا بمثل، حديث: 5088.
سنن الدارقطني، كتاب البيوع، حديث: 2516.
السنن الكبرى للبيهقي، كتاب البيوع جماع أبواب الربا باب جواز التفاضل في الجنسين، وأن البر والشعير جنسان، حديث:9862.
مسند أحمد بن حنبل، مسند الأنصار، من مسند القبائل، حديث معمر بن عبد الله
549 (1/549)
صفحة 547
الباب الثالث: اجتهاد الترجيح والاستدلال
=
أو تكون إحداهما منتزعة من أصل أقوى من أصل الأخرى. أو منتزعة من أصل جلي، والأخرى من أصل خفي، أو من خبر متواتر، والأخرى من خبر مفرد أو منتزعة من أصل متفق على حكمه أو منتزعة من أصل متفق عليه بين الخصمين وقد خالفهما فيه غيرهما؛ كانت أولى. وإنما كان ذلك أولى لأن الأصل عماد العلة. فكلما كان عمادها أقوى كانت بالعمل أولى.
==
أو تكون إحداهما يوجد الحكم بوجودها ويرتفع بارتفاعها والأخرى يوجد الحكم بوجودها ولا يعدم بعدمها، وهو المعروف بالطرد والدوران، فتكون التي تجمع الأمرين أولى.
ومثل لها الفقهاء بالعبد إذا زنى فعليه نصف حد الحر قياسا على الأمة، لعلة وجود الرق؛ فتكون هذه العلة أولى من علة مَن يقول إن عليه الحد
=
كاملا، لأنه ذكر مكلف قياسًا على الحر، لأنها تجمع السبب والوجود. أو تكون إحداهما مقتضاة من أصول والأخرى من أصل واحد. فمثاله علة العراقي في جواز الوضوء بغير نية لأنها طهارة بالماء قياسا على إزالة النجاسات. وعلتنا في المنع أنها عبادة من جنسها فرض ونفل، فكانت هذه العلة أولى، لأنها تستند إلى أصول وهي الصلاة والزَّكَاة والصوم والحج. أو تكون إحداهما صفة اتفق على ثبوتها، فتكون أولى. وذلك مثل علتنا في نجاسة بول ما يؤكل لحمه لأنه مستحيل في الجوف، فأشبه بول الإنسان، فتكون هذه العلة أولى من علة المالكي حيث علل بأنه مائع وردت
=
=
الرخصة في إباحة شربه، فأشبه اللبن، لأن علّتهم صفة مختلف فيها. - وإذا كانت إحداهما موجبة والأخرى نافية، فالموجبة أولى، لأنهما صارتا كالخبرين والمثبت في الخبر مقدم على النافي. وذلك كقولنا بوجوب الزكاة في مال الصبي، لأنه مال مسلم تام الملك؛ فأشبه البالغ، فتكون علة أولى علة العراقي، حيث قال: لا زكاة في ماله لأنها عبادة محضة قياسا على الصلاة، لأنها موجبة وعلته نافية (1).
من
حديث: 26657
1) العوئبي، الضياء، 1: 247/ 246. وأورد النص أيضا نجاد بن موسى، الأكلة، 100/ 97.
550 (1/550)
صفحة 548
E 3
الفصل الأول: التعارض والترجيح
ثم استطرد العوئبي بإيراد تفصيل دقيق لترتيب هذه العلل، بما لم يُعْنَ بمثله أغلب أصوليي الإباضية، الذين اكتفوا بذكر قاعدة تقديم الخبر على القياس دون تفصيل.
المبحث الثاني: النسخ
يعد النسخ من بين أهم قواعد إزالة التعارض بين الأدلة، وهو أول ما يلجأ إليه مجتهدو الإباضية عند اختلاف الأدلة في مسألة واحدة. فإذا ما علم نسخ في المسألة أخذ بالناسخ وأهمل المنسوخ، وإن لم يكن نسخ اجتهدوا
لإزالة التعارض وفق قواعد الترجيح التي فصلناها في المبحث السابق. وقد حظيت مباحث النسخ باهتمام الأصوليين وأخذت قسطا وافرا من بحوثهم، تركزت أساسا حول مفهوم النسخ، وإثباته على منكريه، ورد شبههم حول استلزام النسخ الجهل والبَدَاء على الشارع. كما اجتهدوا في تحديد مجال النسخ، وصوره، وبم يكون؟ وغير ذلك من المباحث التي تجلّي أهمية النسخ
في عملية الاجتهاد. 1 - مفهوم النسخ:
أوجه:
ورد النسخ في اللغة لمعان متقاربة، ذكرها عامة الأصوليين. وهو على
=
- الإزالة، من قول العَرَب نسخت الشمس الظل، ومعناه زوال المنسوخ
=
بثبوت الناسخ؛ كما يزول الظل بمجيء ضوء الشمس مكانه. الإبطال، وهو أن يبطلا جميعًا، وفيه قالت العرب: نسخت الريح الأثر، ونسخ المطر الأثر، أي ذهبا جميعا (1). وبالتأمل يتضح أن الإزالة والإبطال بمعنى واحد، ولذلك اعتبر السوفي الرفع والإزالة سواء، ومثل لهما بنسخ الشمس للظل، ونسخ الريح للأثر، إذا أزالتها ومحتها، وأعقبت في أماكنها غيرها (2).
وفي النص خلل كبير صححناه بالمقابلة بين المصدرين.
1) الوار جلاني، العدل، 2: 218.
2 السوفي، السؤالات، 108.
551 (1/551)
صفحة 549
الباب الثالث: اجتهاد الترجيح والاستدلال
ودقق البَرَّادِي في المعنى بأن الإزالة على وجهين: إزالة على التلاشي، وإزالة على المعاقبة (1). وبعضهم يعبر عن هذا بالتحويل والتبديل (2). قال السوفي: «وكل نسخ تبديل وليس كل تبديل نسخا قال تعالى: وَإِذَا بَدَّلْنَا ءَايَةً مكان اية [النحل: 101]. والتبديل تغيير الشيء من مكانه، والإبدال جعل الشيء في مكان شيء، وقيل معناهما واحد» (3).
=
النقل: من قولك نسخت الكتاب إذا نقلت ما فيه إلى كتاب آخر (4). وحملوا عليه معنى النسخ في القرآن وهو ما نُقل حكمه من آية إلى آية فصارت الأولى منسوخة والأخرى ناسخة.
ومنه حديث ذلك أوان يُنسخ القرآن فقال أعرابي: وكيف ينسخ يا
رسول الله؟ قال: يذهب بأهله ويبقى رجال كأنهم النعام (5). ومنه أيضا قيل: أصحاب التناسخ، لأنهم زعموا أن الأرواح تنقل من جسم إلى جسم، فهذا هو التناسخ (6).
=
)
وللنسخ معنى رابع ذكره ابن بركة وهو الإحصاء؛ أن يحصى الشيء على عامله ويُحتفظ به، ومنه قوله تعالى: إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ [الجاثية: 29]. ويريد: إنا كنا نحصيه عليكم حتى نعيد ذكره عليكم فتعلمون أنما
تجزون بما كسبت أيديكم (7).
وقد اختلف في أي المعاني هي
(1) البَرَّادِي، رسالة الحقائق، 15.
2) ابن بركة، الجامع، 1: 26. (3) السوفي، السؤالات، 110.
الأصل في اللغة؟ فذهب العوتبي إلى أن
(4) العوئبي، الضياء، 2: 214 - القلهاتي، الكشف والبيان 1: 291.الوار جلاني، العدل،
218:2
5) الربيع، الجامع الصحيح، باب 3 حديث 13. ج 1، ص 8/ 7. ولفظه "كأنهم البغاث". وقال
الربيع: البغاث أرذلة الطير. 6) العوتبي، الضياء، 2: 218.
(7 العوتبي، الضياء، 2: 214 - القلهاتي الكشف والبيان:1: 291. -الوار خلاني، العدل،
552
218:2 (1/552)
صفحة 550
*
الفصل الأول: التعارض والترجيح
الأصل في اللغة هو النقل (1). وجعله الوَارِجُلانِي والبَرَّادِي في الإزالة والنقل معا (2). ورأى الشماخي أنه مشترك بين معنى الإزالة ومعنى النقل دون
تغليب (3).
وناقش الإمام السَّالِمِي أصل استعمال الكلمة لغة بأنها للنقل والإزالة الحسية دون المعنوية، لأن العرب يتضح لها من الإزالة إزالة الأعيان لا إزالة المعاني، ثم استقر في أفهام الناس عند إطلاق لفظ النسخ المعنى الاصطلاحي وهو إزالة الأحكام الشرعية دون الأعيان فعلمنا أنه منقول بالشرع، فصار فيه حقيقة شرعية (4). أما النسخ في الاصطلاح فلم يتعرض له ابن بركة، رغم تخصيصه فصولا ضافية للنسخ من كتابه الجامع، ولم يعرفه إلا عرضا، إذ قال: والخاص يعترض على العام والعام لا يعترض على الخاص، وليس مثل هذا يكون نسخا لأن النسخ حقيقة أن يُرفع الكل» (5). كما عُني الوَار جلاني به عناية خاصة؛ فهما أبرز من تناول مباحث النسخ باستفاضة في المصادر الإباضية القديمة.
وجاء تعريف الوَارِجلاني للنسخ بأنه «إزالة حكم ثابت بشرع متقدم، بشرع متأخر عنه، لولاه لكان ثابتا» (6).
ولم تخرج عبارات البَرَّادِي والسَّالِمِي عن هذا التعريف إجمالا (7). أما السوفي فقال: حدّ المنسوخ كل حكم رفع من غير أن يُذكر فيه شرط إلى مدة أو غاية» (8). وهي مطابقة لعبارة الملشوطي (9).
1) العوئبي، الضياء، 2: 218. 2 الوار خلاني العدل 2: 218 البرادي، رسالة الحقائق، 15. 3) الشماخي شرح المختصر، تحقيق مهني التيواجني، 469. 4 - السالمي، طلعة، 1: 268/ 269.
5 ابن بركة، الجامع 1: 106 6 الوار جلاني، العدل، 2: 218.
7) البرَّادِي، رسالة الحقائق، 15 - السالمي، طلعة، 1: 269.
السوفي، السؤالات، 107.
9) الملشوطي، الأدلة، 6 ظ.
553 (1/553)
صفحة 551
الباب الثالث: اجتهاد الترجيح والاستدلال
-2 النسخ والتخصيص
نبه الوار جلاني إلى التمييز بين النسخ والتخصيص، بأن النسخ رفع حكم قد ثبت واستقر والتخصيص بيان مخصص لم يتناوله الخطاب، وغير مراد له. والنسخ لا يكون إلا متراخيا عن زمان المنسوخ؛ بخلاف التخصيص فقد يكون
متصلا به
والاستثناء كالتخصيص أيضا، لأن معنى الاستثناء أن ما خرج لم يكن مرادا بالكلام الأول، فمن قال: "لا إله إلا الله" لم يرد إلا نفي ألوهية غير الله تعالى، فلم يثبت أولا ما نفاه آخرا كما يفهم بعض الناس (1).
ولذلك اشتهرت عبارة: أن التخصيص بيان الأعيان والنسخ بيان الأزمان (2)، ومعناه أن التخصيص استثناء بعض الأفراد من حكم العام والنسخ تحديد زمان الحكم وإنهاؤه. أما إن كان المراد تقييد بعض الأزمنة بالحكم، دون رفع الحكم، فهذا تخصيص كذلك، مثل تقييد الصوم بشهر رَمَضَان والحَج بأشهره، المعلومات لأن هذا من لوازم التكليف، أن يقع في الزمان إما ممتدا كوجوب الإيمان وتحريم الكفر والمعاصي. أو محددا كوجوب الفرائض من الصلاة والصيام والحج.
وهذا ما عناه الواجلاني بقوله: إذا ثبت عموم الأزمان والأعيان بقول
ثم نسخ بعض تلك الأعيان والأزمان كان تخصيصا لا نسخا» (3). وقد يتساهل في إطلاق لفظ النسخ على التّخصيص، نظرا للاشتباه بينهما في تحديد بعض الأزمنة أو الأعيان. وهذا موجود في عبارات الفقهاء المتقدمين (4)، وبخاصة عند الحنفيّة الذين يرون كل زيادة في النص نسخا، كما سيأتي بيانه. ومن ذلك قول الجيطالي: إن النبي عليه السلام أمر بالزكاة حين كان بمكة شيئا غير مؤقت ولا معلوم ... فلما هاجر إلى المدينة، أنزل عليه فريضة
(1) الوَارِجلاني، العدل،2: 223.
2) العوتبي، الضياء، 2: 218. الممشوطي، الأدلة، 6 ظ.
(3) الوار خلاني، العدل،2: 223.
4 القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، 2: 288.
554 (1/554)
صفحة 552
*
الفصل الأول: التعارض والترجيح
الزكاة، فنسخ ما كان قبل ذلك من صدقة وزكاة وتطوع (1). وهذا المثال يصلح بيانا للمجمل، وتقييدا للمطلق، لا نسخا بالمعنى الدقيق، وهو رفع الحكم الشرعي كله لأن الأمر بالصدقة باق، ثم حددت أموال الزكاة وأنصبتها ومقاديرها.
والخلاف هين ما دامت هذه من وجوه البيان، كما قال الملشوطي: «إن التفسير والتخصيص والتقييد والاستثناء والنسخ، وإن اختلفت الفاظها، متفقة في معنى كونها بيانا للمراد بالخطاب» (2).
3 - شروط النسخ للنسخ شروط بعضها متفق عليه، وبعضها مختلف فيه. وأهم هذه الشروط متضمنة في تعريف النسخ، وهي:
1 - أن يكون النسخ بدليل شرعي، وهو الكتاب والسنة اتفاقا. 2= وأن يقع على حكم ثبت بالشرع؛ فرفع الحكم العقلي، أو ما ثبت بالبراءة الأصلية، أو بشرع سابق لا يسمّى نسخا، وكذلك العجز والموت، يزيلان التعبد ولا يسميان نسخا.
ولكن ابن بركة تساهل في هذا فسمّى الأحكام التي نزلت وأبطلت عادات جاهلية نسخا، كتوريث الزوجة، والبنات، وإبطال الميراث بالتعاقد، وإعطاء القوامة للرجال، ونحو ذلك (3).
3 - أن يكون الناسخ منفصلا ومتأخرا عن المنسوخ. فالاستثناء والغاية لا يُعدان نسخا كما سبق بيانه. 4 كما يشترط رفع الحكم السابق كلية أما تخصيصه فليس نسخا (4). ومن الشروط المختلف فيها:
1 - كون الناسخ والمنسوخ من جنس واحد من الكتاب والسنة. 2 - اشتراط البدل للمنسوخ. 3 - كون الناسخ أخف من المنسوخ. 4 - نسخ الحكم
1) الجيطالي، قواعد، 2: 8.
2) الملشوطي، الأدلة، 6 ظ.
3) ابن بركة، الجامع، 1: 29. 4 الوار خلاني، العدل، 2: 223.
555 (1/555)
صفحة 553
الباب الثالث: اجتهاد الترجيح والاستدلال
قبل الفعل.
وسنعرض لبعض هذه القضايا بمزيد بيان في هذه الصفحات (1).
4 - إثبات النسخ
منصوص
لا خلاف بين أهل الإسلام أن الإسلام ناسخ للديانات السابقة، وذلك عليه القرآن وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ بصريح وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَسِرِينَ} [آل عمران: 85]. واختلاف الشرائع يقتضي التناسخ بينها في الأحكام لا في التوحيد ومكارم الأخلاق.
وقد استشهد ابن بركة على ذلك بقول عيسى عليه السلام كما حكاه
القرآن وَلأُحِلَّ لَكُم بَعْضَ الَّذِى حُرِّمَ عَلَيْكُمْ} [آل عمران: 50]. ومن ذلك تحريم صيد السمك يوم السبت والكف عن العمل فيه، وغيرها مما جمعه قوله تعالى: {فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ [النساء: 160] ثم أبيح لنا ذلك في الإسلام (2).
فشريعة الإسلام ناسخة لما سبقها، ولا شيء ينسخ أحكامها، إلا ما صح نسخه فيها من أحكام معدودة، فأحكام الإسلام المحكمة محكمة إلى يوم القيامة، وما مات عليه النبي من منسوخ الأحكام في شريعته، فهو منسوخ إلى يوم
القيامة (3).
وقد أنكر اليهود وقوع النسخ في الشرائع وهم محجوجون بما أحله عيسى عليه السلام مما كان محرما على بني إسرائيل. وقد أخبرنا به القرآن، وخبره صادق كالعيان. وهم عمدوا إلى هذا القول لينكروا نسخ الإسلام لشريعتهم. ولكن الله المسألة بقوله: وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَبَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَبِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ [المائدة: 48]. وقد بين الله أن في التوراة والإنجيل دلائل على صدق رسالة محمد، كما أخذ العهد على النبيئين أن يؤمنوا به
حسم
(1) ينظر: السالمي، طلعة، 1: 284.
2 ابن بركة، الجامع، 1: 47/ 46.
(3) الكدمي، المعتبر، = (مخ) 82 ظ. = (مط) 1: 184.
556 (1/556)
صفحة 554
E
الفصل الأول: التعارض والترجيح
وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِشَقَ النَّبِيِّينَ لَمَا ءَاتَيْتُكُم مِّن كِتَبٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَ كُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقُ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ، وَلَتَنصُرُنَّهُ} [آل عمران: 81] (1). ويُنسب إلى عبيد بن عمير الليثي من التابعين إنكار النسخ، وأنه فسر ما ورد من النسخ في القرآن بالانتساخ فقوله تعالى: يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وينبت} [الرعد: 39]. قال إن معناه مفسر بقوله: إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} [الجاثية:29]. وهو من نسخ الكتاب. وهذا شأن الملائكة في تسجيل عمل ابن آدم، فيثبت الله ما يشاء منه، ويمحو ما يشاء مما ليس في الكتاب المحفوظ (2). وعقب الوار جلاني على هذا بأننا اتفقنا معهم في المعنى، وسموه بيانا، واختلفنا في اللفظ، وأبطلوا اللفظ وأطلقوا المعنى» (3).
ونُسب إلى الإمام أبي مسلم الأصفهاني وبعض الشيعة أيضا إنكار النسخ، بحجة أن القول به يلزم عنه البَدَاء على الله تعالى، والبَدَاء هو الظهور والانكشاف بعد الخفاء. وهذا ما لا يليق بكمال الله تعالى.
وقد توالى ردّ الإباضية على هذه الشبهة منذ عصر مبكر. فقرر ابن بركة أن «من زعم أن الله تعالى لا يعلم الشيء حتى يكون، فأجاز عليه البداء، أن الحجة عليه قوله تعالى: وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَلَيْنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِبَ بنايت ربنا وتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ بَلْ بَدَا لَهُم مَّا كَانُوا يُخْفُونَ مِن قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا
27
نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَذِبُونَ} [الأنعام: 28/ 27]. فأخبر الله بما يقولون قبل أن يقولوا، وأخبر أنهم لو ردوا كيف كان حالهم. فقد علم ما يكون من قولهم قبل أن يكون، وعلم ما لا يكون أن لو كان كيف كان يكون، ونظير هذا كثير في القرآن» (4).
=
1) ينظر تفصيل الحجج والردود السالمي، طلعة 1 270/ 273. معارج الآمال، 1:
52/ 45
(2) الوار خلاني، العدل، 2: 220.
3 الوار جلاني، العدل،2: 220.
4 ابن بركة الجامع:1 49/ 48 العوتبي، الضياء، 2: 231.
557 (1/557)
صفحة 555
الباب الثالث: اجتهاد الترجيح والاستدلال
ومن الجواب عليهم أننا وجدنا من أفعال الله أن يحيي الإنسان ما كانت الحياة أصلح له في التدبير ثم يُميته. ويُصحه ما دامت الصحة أصوب له في تدبيره، ثم يُسقمه (1). واتفقوا على أن القول بالبَدَاء فيه نسبة الجهل إلى الله العليم الحكيم، وهو
إفراط وخروج من الدين وإشراك بالله ما لم ينزل به سلطانا (2). وقد أفاض السالمي في رد مقالة هؤلاء، وأورد الأدلة النقلية والعقلية على جواز النسخ، مؤكدًا ما استقر في عقيدة المسلمين أن الله تعالى يعلم الغيب ويعلم ما يصلح لعباده من تشريع في كل حال وهذا العلم يقتضي أن من مصالح المكلفين تشريع حكم مؤقت إلى حين ثم نسخه بعد ذلك، وتشريع حكم يليق بتلك الحال الجديدة وهذا عين الحكمة ودليل العلم بالمال (3).
5 - مجال النسخ أجمع الإباضية وجمهور المسلمين على أن النسخ يكون في الأمر والنهي، وما يتعلق بهما من الأحكام، ولا يكون في التوحيد في صفات الباري ولا في
الأخبار. وبين الكدمي أن «الدين) واحد؛ وهو الإيمان بالله وبرسوله، وبما جاء به رسوله في كل عصر وزمان، وأوان من جميع النبيئين والمرسلين، وأن التناسخ بين الشرائع إنما كان في الأمر؛ لا في الإيمان والوعد والوعيد والأخبار. فإن كل ذلك ثابت محكم لا يجوز عليه النسخ من قبل الله تبارك وتعالى في شريعة نبي ولا رسول» (4). وقد أخبر الله أن الدين واحد، وهو الإسلام في جميع الأمم وَإِنَّ هَذِهِ أمَّنكُمْ أُمَّةً وَحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُون} [المؤمنون: 152. شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَضَيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِمُوا
1) العوئبي، الضياء، 2: 229.
2) ابن بركة الجامع:1 45 - الوار جلاني، العدل،2: 218/ 220. 3 السالمي، طلعة:1 +270 273 = معارج الآمال، 1: 52/ 45. 4 الكدمي المعتبر، (مخ) - 82 = (مط) 1: 183/ 184.
558 (1/558)
صفحة 556
الفصل الأول: التعارض والترجيح
الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ} [الشورى:13]. وغيرها من الآيات.
وإنما تختلف الشرائع بين الرسل لِكُلِّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا [المائدة: 48]. والشريعة هي الأحكام من الأمر والنهي، وفيها يقع النسخ، أما أصل الدين فلا نسخ فيه أبدا (1). وتتفق المصادر الإباضية كلها على هذا القول (2). فصفات الله لا تتبدل ولا تتغير، وذلك من مقتضيات كماله وأخباره لا ينالها النسخ لأنها أخبار صادقة، ولو أجزنا النسخ فيها للزم نسبة الكذب إلى الله تعالى الله
عن
ذلك
علوا كبيرا. والمراد بالأخبار ما لم يكن في معنى الأمر والنهي، لأنه قد يرد الأمر والنهي بصيغة الخبر، نحو حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الخنزير
[المائدة:3].
وقوله: {وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ} [البقرة: 233]. ونحو
ذلك. فهذا مما يجوز نسخه اتفاقا (3).
وأضاف الوار خلاني والسَّماخِي عدم جواز النسخ في الأمور العقلية، لأن الشرع لا يأتي بخلافها (4). وذهب المعتزلة إلى قريب من رأي الإباضية فقالوا بعدم جواز نسخ معرفة الله تعالى وتوحيده، وحرمة الكفر والظلم والكذب، ووجوب شكر المنعم
عقلا.
كما ذهب المعتزلة إلى القول بوجوب الأصلح على الله تعالى، بناء على تحسين العقل وتقبيحه (5).
1) الكدمي، المعتبر، (مخ) - 84/ 84 ظ. = (مط) 1: 187. 2) ابن بركة الجامع:1 42 - 4645 - العوئبي، الضياء، 28 214.المزاتي، التحف، 6 و. السوفي، السؤالات 107. الوار جلاني، العدل 2: 221 222 - القلهاتي، الكشف والبيان، 1: 292 - السالمي، طلعة، 1: 276/ 273.
3 السالمي، طلعة 1 274 وفيه تفصيل الأقوال حول نسخ الأخبار.
4 الوَارِجلاني، العدل، 2: 223. الشماخي، شرح المختصر، تحقيق مهني التيواجني، 472. (5) الغزالي، المستصفى، 2: 222.
559 (1/559)
صفحة 557
الباب الثالث: اجتهاد الترجيح والاستدلال
E 3
أما الإباضية فيرون منع نسخ ذلك لدلالة قواطع القرآن عليه، ويتأيد بدلالة صريح العقول، لأن التحسين والتقبيح عند الإباضية للشرع، والعقلُ تابع ومؤازر.
وقد ردّ الغزالي على المعتزلة قولهم، وذهب إلى تجويز ذلك كله، واستثنى منه نسخ جميع التكاليف، ومنها الإيمان بالله، إذ لا يعرف النسخ من لم يعرف الناسخ، فيكون هذا تكليفا بالمحال. كما لا يكلف الله الناس أن لا يعرفوه، لأن ذلك متضمن لمعرفته ضرورة. فكان التكليف بعدم التكليف بالإيمان عين التناقض (!).
كما ذهب ابن حزم إلى جواز النسخ في التوحيد وصفات الله، وأنه قد يأمر بالكفر، ولو أراد الله أن يتخذ ولدا لفعل (2). ومن منعه وأراد أن الله تعالى غير قادر على نسخ أحكام التوحيد؛ ولو فعل ذلك لكان ظلما وعبثا، فهو مخطئ ومفتر في نظر ابن حزم معجز الله ومتحكم عليه، ومُرَتِّب له تحت رئب القوانين العقلية. وهذا كلام يفضي إلى الكفر المجرد، والشرك المحض (3). وحكى الشماخي هذا القول عن ابن حزم ولم يردّ عليه، بل استغفر الله وتاب من تلك الحكاية (4)، وذكر السالمي قول ابن حزم أيضا (5). والصواب أن خصال التوحيد لا يجوز النسخ فيها، وكذلك خصال الكفر والشرك؛ لأنه لم يأت زمان أبيحت فيه (6). فالمعتمد هو الواقع التشريعي الممتد عبر تاريخ البشرية لا مجرد الافتراضات العقلية النظرية. لأن النسخ قضية شرعية، ولا بد لتحديد مجالها من استقراء نصوص الشارع لتبين حدود النسخ على أرض الواقع التشريعي. وقد أثبتت دلائل الشرع أن أصول الديانات وأصول العبادات لا نسخ فيها، فكان التنبيه على ذلك لازما، وإن لم يُناقض
مقتضيات العقول.
(1) الغزالي، المستصفى، 2: 123.
2) ابن حزم، الإحكام، 4: 73.
3 ابن حزم الإحكام 4 73.
4 الشماخي، شرح المختصر، تحقيق مهني التيواجني، 472.
5 السالمي، طلعة، 1: 273. -6 السوفي، السؤالات، 107.
560
B (1/560)
صفحة 558
الفصل الأول: التعارض والترجيح
ويندرج تحت الأخبار مسائل الوعد والوعيد. فإنها مما لا يجوز النسخ فيه. وقد قال جابر بن زيد: من زعم أن الوعيد منسوخ بقوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ [النساء: 116]. فقد كذب، لأن الناسخ والمنسوخ في الأمر والنهي، أن يأمر الله عباده بأمر ثم يخفف عنهم، أو ينهى عن أمر ثم يرخص لهم فيه، فالله عز وجل لم ينسخ الأخبار، وإنما نسخ الأحكام» (1). ونجد الموقف نفسه عند الحارث المحاسبي، إذ يرى عدم جواز النسخ في الصفات والأخبار فما أخبر الله به من قصة الخلق وأخبار الرسل، والوعد والوعيد، وكل ما يتعلق بالإنسان والكون، هي كالصفات تماما، لا يجوز فيها النسخ على الإطلاق، وإلا كان كلام الله من قبيل الهزل واللعب، أو الجهل والكذب، أو التراجع والنكوص. تعالى الله عن هذه النقائص (2). ولكن الخلاف في نسخ الإخبار عن الثواب والعقاب؛ إذ يرى الشيخ سليمان المزاتي أن من زعم أن الخبر من الله يُنسخ أشرك بالله العظيم، لأنه ساواه بالكاذبين» (3). وقد ناقش الوَارِجلاني هذا القول، وقال بأن «هذا عموم يجوز أن يريد به من أجاز النسخ فيما لا يجوز فيه النسخ من أخباره تعالى، كقوله: إِنَّمَا اللهُ اللهُ وَاحِدٌ سُبْحَنَهُ أَن يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ} [النساء: 171]. وقوله: الله لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ} [آل عمران: 2]. وجميع ما ذكره من أمور الآخرة الآتية، وأمور الدنيا الكائنة، وجميع ما أخبر به عن النبيئين والمرسلين، وأخبار الأمم مع أنبيائها. فهذا كله من أجاز النَّسخ فيه فمشرك؛ وأما من أجاز النسخ في الأخبار التي تتعاقب على الأمر والنهي، إذا وجب أو زال بإيجاب الثواب مع الأمر، وسقوطه بعد الأمر. وإيجاب العقاب مع النهي وسقوطه بعد النهي. وأن الخبر الأول الذي قال هذا فرض، والخبر الآخر الذي قال هذا ليس
1) العوتبي، الضياء 2: 215. القلهاتي، الكشف، 1: 292.
2 الحارث المحاسبي، العقل وفهم القرآن، 172.
(3) المزاتي، التحف 6 ظ. - سعيد بن زنغيل الرد على من زعم 194 ظ 195 و.
561 (1/561)
صفحة 559
الباب الثالث: اجتهاد الترجيح والاستدلان
بفرض هما خبران مختلفان بإجماع الأمة. وإنما اختلفنا في التسمية، فمن أجاز النسخ فلا حرج، وإن كان مخطئا فإنما أخطأ من جهة اللغة، وقد أتى بالمعنى،
وإن كان مصيبا فذلك» (1).
وتشدد الوَارجُلانِي في القضية؛ وذكر بأن من شرك هذا فقد حصل في مذهب الخوارج الذين يشركون على الذنوب والنصوص في هذه المسميات كلها معدومة، ولا يصح تشريك ما لم يصادِم النص، وإن أخطأ في المعنى، فكيف بمن أصاب في المعنى؟ والاحتمالات موجودة، لا ضرر ولا ضرار على المعنى ولا على اللغة» (2).
ولم يوافق الشماخي الوَارِجُلانِيُّ على تسمية هذا نسخا للأخبار، لاختلاف جهات الخبر (3). والواقع أن هذا خلاف لفظي كما قال لأن نسخ الإخبار عن الثواب والعقاب متفرع عن نسخ التكليف ورفع الأمر والنهي. فإذا نسخ الأصل
تبعه الفرع. فالأمر باستقبال بيت المقدس كان واجبا وترتب على مطيعه الثواب وعلى عاصيه العقاب. ثم نُسخ فارتفع الإخبار بالثواب والعقاب، وآل الأمر إلى حكم جديد وخبر جديد وهو وجوب استقبال الكعبة وحرمة استقبال بيت المقدس، فمن توجه بعد ذلك إلى بيت المقدس في صلاته كان عاصيا وآثما، وبطلت صلاته، وأخبرنا أن عليه عقابا فاختلفت الجهات فلا تناقض، ولا نسخ للأخبار، إنما هو نسخ للأحكام، ولما تعلق بها من الأخبار. والتناقض إنما يتحقق عند اتحاد المحل والزمن واختلاف زمان كل خبر عن الآخر لا يترتب عنه تكذيب للشارع ولا محال في العقول. 6 - يم يكون النسخ
بما أن النسخ رفع حكم شرعي متقدّم بحكم شرعي متراخ عنه. فلا يكون إلا بدليل شرعي، لأن مصادر الأحكام هي الأدلة الشرعية. وفي مقدمتها
(1) الوارجلاني، العدل، 2: 222/ 223. 2 الوار جلاني، العدل، 2: 223
3) الشماخي، شرح المختصر، تحقيق مهني التيواجني، 472 473. -السالمي، طلعة، 1: 275.
?
562 (1/562)
صفحة 560
E 3
الفصل الأول: التعارض والترجيح
الكتاب والسنة.
والنسخ ليس عملا اجتهاديا، بل هو من اختصاص الشارع الحكيم، فهو مرتبط بالوحي، ولذلك انحصر في زمن الرسالة. فلا نسخ بعد وفاة الرسول
غير أنه قد يبحث المجتهدون فيجدون دليلا عن النسخ لم يُعلم به، أو لم يشتهر في أول الأمر حتى اطلع عليه الناس بعد وفاة النبي. وربما كان هذا نادرا لشهرة المسائل التي وقع النسخ فيها.
وقد يختلفون في اعتبار الدليل ناسخا أو مخصصا أو مقيدا. والمتفق عليه أنه لا نسخ على الحقيقة إلا في زمن الرسالة، فما توفي النبي وتركه محكما فهو محكم إلى يوم القيامة، وما تركه منسوخا فهو منسوخ إلى يوم القيامة. بل إن أبا الربيع سليمان المزاتي يعتبر العلم بوفاة الرسول مسألة عقدية، لأنها تتعلق بمعرفة الناسخ والمنسوخ من أمور الدين. وأنه «لا يسع جهل موت محمد، لأن مَن جَهل موته جهل أن الذي في يده من الشريعة يُنسخ أو لا ينسخ. ومن قبل ذلك أشرك من جهل موت النبي عليه السلام» (1). ولهذا اتفق المسلمون أن النسخ يكون بالكتاب والسنة، ويقع على الكتاب
والسنة.
ونص أبو يعقوب الوَارِجُلانِي أنه جائز نسخ القرآن بالقرآن والسنة بالسنة، ونسخ السنة بالقرآن، ونسخ القرآن بالسنة، وأخبار الآحاد بأخبار الآحاد، وأخبار الآحاد بالمتواتر، والمتواتر بالأحاد» (2). وهذا قول الإباضية وجمهور المسلمين وإن ورد خلاف في بعض هذه الصور، كنسخ القرآن بالسنة، ونسخ المتواتر بالآحاد (3).
أما الإجماع والقياس والاجتهاد، فلا يجوز النسخ بها اتفاقا، وإن ذكر قول ضعيف بجواز النسخ بها والصواب، عدمه لأن هذه أدلة لا تقاوم النص.
1) المزاتي، التحف، 1 ظ.
2 الوار خلاني، العدل، 2: 225.
3 السوفي، السؤالات 109 - السالمي طلعة 1: 289. = المعارج 1: 25.
كافة
563 (1/563)
صفحة 561
الباب الثالث: اجتهاد الترجيح والاستدلال
فالإجماع لا تثبت حجيته في عصر الرسالة والقياس والاجتهاد لا يجوز أن
يثبتا بخلاف النصوص (1).
- نسخ القرآن بالقرآن
هذه الصورة محل إجماع بين القائلين بالنسخ، وذكروا لها أمثلة عديدة. = منها عدة المتوفى عنها زوجها كانت مدتها إلى الحول، فنسخت بأربعة أشهر وعشرا. فعدة الحول ثبتت بقوله تعالى: وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِم مَّتَلَعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إخراج [البقرة: 240]. ثم نسخت بقوله تعالى: وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا} [البقرة: 234].
=
وفي تطبيق قضاء المسلمين على، الذميين قال ابن بركة: «وقد غلط بعض مخالفينا فقال: للإمام أن يحكم بين أهل الذمة إذا اختلفوا إليه، وله أن فلا يحكم بينهم واحتج بظاهر قوله تبارك وتعالى: فإن
يُعرض عنهم جاءُوكَ فَاحْكُم بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ} [المائدة:42]. قال: فهذا تخيير، وهذه
] ?
الآية عند العلماء منسوخة بقوله تعالى: وَأَنِ أَحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ
(2) [49: JU
أَهْوَاءَهُمْ} [المائدة: 49] (2). . ومن نسخ القرآن قالوا: قوله تعالى: يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تقائِهِ} [آل عمران: 102]. وقوله: {وَجَهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ
[الحج: 178. نسخ بقوله: فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} [التغابن: 16].
=
وحبس الزناة في البيوت ورد في سورة النساء وَالَّتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِن نِسَآبِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةٌ مِّنكُمْ فَإِن شَهِدُوا
(1) ابن بركة الجامع:1 48 - العوئبي الضياء 2: 230 231 - السالمي، طلعة، 1: 293. المعارج 1: 25 - الشماخي، شرح المختصر، تحقيق مهني التيواجني، 474/ 473. 2 ابن بركة، الجامع، 2: 458 459.
564 (1/564)
صفحة 562
الفصل الأول: التعارض والترجيح
فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا له [النساء: 15]. ثم نسخ بالحد في سورة النور الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ} [النور: 2]. وأورد العوتبي نماذج عديدة لهذا، وبعضها عند التحقيق يندرج تخصيص العام لا تحت النسخ (1).
ومن
تحت
ذلك أن عدة المطلقات حددتها سورة البقرة بثلاثة قروء، ثم وردت عدة الآيس والصغيرة والحامل والتفريق بين المدخول بها وغير المدخول بها، في سورتي الطلاق والنساء. فقال البعض بتخصيصها لعموم آية البقرة، وذهب بعض إلى القول بالنسخ.
وحسم ابن بركة الأمر أنه لا يجوز أن يُقضى على آية قد أحكم تنزيلها بنسخ بغير دليل» (2).
وفسر أبو عبيدة قوله تعالى: كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إن ترك خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ} [البقرة: 180]. أن الله تعالى أمر أن يوصي الإنسان لوالديه وقرابته، ثم نسخ أمر الوالدين فجعل لهما نصيبا معلوما في سورة النساء، وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ منْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِن كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِن لَّمْ يَكُن لَّهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ: أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثلث فَإِن كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ [النساء:11]. وجعل لكل ذي ميراث نصيبه من الميراث، فصارت الوصية لمن لا يرث من قريب أو غير قريب» (3). وتسمية هذا نسخا كذلك فيه تجوز، بل إن آية الوصية عند التحقيق مخصصة بآيات المواريث، وليست منسوخة، وإن كان كثير من الفقهاء يرونها منسوخة بحديث النبي (لا وصية لوارث» (4). بينما يرى الإباضية أن الوصية
1) العوئبي، الضياء 2: 218. فما بعد القلهاتي الكشف، 1: 293. فما بعد. 2) ابن بركة، الجامع، 1: 167/ 166.
3) الخراساني، المدونة 2: 183.
أخرجه الربيع وأصحاب السنن عن ابن عباس وأنس بن مالك وأبي أمامة الباهلي. الربيع بن حبيب، الجامع الصحيح، کتاب الأيمان والنذور 46 باب في المواريث، حديث 667، ج
565 (1/565)
صفحة 563
الباب الثالث: اجتهاد الترجيح والاستدلال
لا تزال واجبة للأقرب، وأما الورثة فقد حدد أنصبتهم بالميراث، لأن النبي لم يقل لا وصية إطلاقا بل قال لا وصية لوراث. وبقي الحكم ساريا على الأقرباء غير الوارثين.
ورد ابن بركة على من يرى آية الوصية منسوخة بآية المواريث، بأن النسخ حقيقة أن يُرفع جميع ما تضمنته الآية، فإذا بقي منها شيء وقدر على استعماله، كان تخصيصا ولم يكن نسخا» (1). والنسخ يكون حيث يقع التعارض ويمتنع الاجتماع، والحال أن آية الوصية شملت الوارث وغير الوارث. وخص النبي صلى الله عليه وسلم الوارث بعدم الوصية، وبقيت الوصية واجبة لغير الوارث. فالآية محكمة وليست منسوخة (2). - نسخ السنة بالقرآن، ونسخ القرآن بالسنة. ذهب الإباضية إلى جواز نسخ السنة بالقرآن، لأن الأقوى ينسخ الأدنى اتفاقا والقرآن ثبت كله، تواترا، والسنة ليست كذلك.
وذكر ابن بركة والسوفي أن ثمة من منع نسخ السنة بالقرآن، بحجة كون السنة بيانا للقرآن، وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ
يَتَفَكَّرُونَ} [النحل: 44]. وما كان للمبين أن ينسخ بيانه (3).
والجواب على هذا القول هو دليل الوقوع، فمن قال إن القرآن لا ينسخ السنة، فمن الحجة عليه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يزل يصلي إلى بيت المقدس بغير قرآن نزل، ثم إن الله نسخ ذلك بقرآن أنزله، وحوّل القبلة إلى الكعبة، بقوله:
2، ص 261. سنن أبي
داود کتاب الوصايا باب ما جاء في الوصية للوارث، حديث: 2501 سنن ابن ماجه کتاب الوصايا، باب لا وصية لوارث، حديث: 2711. سنن الدارقطني، كتاب الفرائض والسير وغير ذلك، حديث: 3638. سنن الترمذي الجامع الصحيح الذبائح، أبواب الوصايا عن رسول الله، باب ما جاء لا وصية لوارث، حديث: 2097
السنن الكبرى للبيهقي، كتاب الإقرار باب ما جاء في إقرار المريض لوارثه، حديث:10715. (1) ابن بركة الجامع، 2: 596
2 ابن بركة الجامع:1 45:44:596259222 العوئبي، الضياء، 2: 217/ 216. 3) ابن بركة الجامع 1 47. السوفي، السؤالات، 109.
566 (1/566)
صفحة 564
الفصل الأول: التعارض والترجيح
فَوَلِ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} [البقرة: 144] (1). وكذلك صوم يوم عاشوراء، كان واجبا بالسنة، ثم نسخ بأمر الله بصوم
رَمَضَان. فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} [البقرة: 185].
وأورد الوراجلاني من شواهد ذلك أيضا قول ابن عباس: «كان النبي صلى الله عليه وسلم يقضي بالقضية، فينزل القرآن بخلافها، فيستقبل حكم القرآن ولا يرد
قضاءه» (2).
أما نسخ القرآن بالسنة، فجمهور الإباضية على جوازه أيضا. وحكى ابن بركة عن بعضهم منع ذلك، وقال: «والذي عليه جل فقهاء أصحابنا أن القرآن ينسخ السنة ويُنسخ بالسنة، كما أن السنة تنسخ بالسنة. وقد وجدت لبعض أصحابنا أن السنة لا تنسخ القرآن. ولعل هذا مذهب بعض البصريين» (3). وربما يقصد بهؤلاء البصريين أبا غانم الخراساني، فقد جاء في مدونته قوله: «ولا نعلم في كتاب الله شيئا نزل نسخه إلا من القرآن، ولا ينسخ القرآن
إلا القرآن، ولا نعلم رواية نسخت القرآن، إنما ينسخ القرآن القرآن» (4). ودليل المانعين أن القرآن لا يُعلم نسخه إلا بخبر من الله تعالى أو الرسول أو إجماع الأمة، أو أن تقوم دلالة على ذلك، وقد قال تعالى: مَا نَنسَحْ مِنْ ءَايَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرُ [البقرة: 106]. والسنة ليست مثل القرآن لأنها مظنونة والقرآن متيقن، فلا ينسخ مظنون متيقنا. كما أن السنة ليست مثل القرآن في الإعجاز (5). وقد قال الله تعالى: وَإِذَا بَدَّلْنَا ءَايَةً مكان ايةٍ} [النحل: 101]. والسنة
238
1) ابن بركة الجامع 1: 48/ 47 - العوئبي، الضياء، 2: 230.-الوار جلاني، العدل. 2: ووردت قصة تحويل القبلة مفصلة عند ابن جعفر، الجامع، 2: 7. 2 الوار خلاني، العدل، 2:228.
3 ابن بركة، الجامع 1:66 - لعوتي، الضياء 2 217 وكانت البصرة مركزا هاما لعلماء
الإباضية منذ عهد نشأة المذهب. 4) الخراساني، المدونة، 1: 26. 5) ابن بركة، الجامع، 1: 67/ 66.
567 (1/567)
صفحة 565
الباب الثالث: اجتهاد الترجيح والاستدلال
ليست آية من القرآن.
?
هذا أن الآية لم ترذ، حاصرة، فالله لم يقل: لا نبدل آية إلا
والجواب عن بآية، بل وقع النسخ بأقل من آية، فلا تدل على المطلوب (1). واستدل المجيزون وهم الجمهور (2)، بأن السنة كالقرآن كلاهما وحي من عند الله إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى} [النجم: 4]. والسنة جاءت بيانا للقرآن، والبيان يكون بالتخصيص، وبالتقييد، ويكون بالنسخ والقرآن حكم الله، والسنة حكم الله، فيُنسخ كل واحد منهما بالآخر (3).
وذهب السالمي إلى قول من قال: إن الآحاد لا ينسخ القرآن. واحتج بفعل عمر مع فاطمة بنت قيس، إذ ردّ حديثها بقوله: «لا نَدَعُ كتاب ربنا وسنّة نبينا لقول امرأةٍ لا ندري أصدقت أم كَذَّبَت ذَكَرَت أم نسيت» (4). والصواب أن هذه قضية تتعلق بثبوت الخبر وكونه من السنة، لا بنسخ القرآن بالسنة. فمجال الاجتهاد في صحة الرواية، ونحن لم نجز نسخ القرآن بكل خبر بل بالخبر الصحيح، وهو ما يفسره مسارعة أهل قباء إلى قبول خبر الواحد في تحويل القبلة، وقبول أهل الأطراف أخبار رسل رسول الله
الشك
وأحكامه عنهم بلا حاجة إلى التواتر والتثبت، إلا إن شكوا. وبسبب احتاج عمر إلى التثبت ولم يقل إن الآحاد لا ينسخ القرآن (5). وعلى من سمع من الرسول خبره مشافهة أن يأخذ به في بيان القرآن؛ تخصيصا أو تقييدا أو نسخا.
وقد نص ابن الحواري على جواز صور النسخ، «وإنما يُعمل بآخر التنزيل ويعمل بآخر السنن. وقد تنسخ السنة ما في الكتاب والسنة تصديق للكتاب» (6).
ومن شواهد ذلك نسخ الحبس في البيوت للزناة بجلد البكر ورجم
1 الوار جلاني، العدل 2: 230
2 الأسنوي، نهاية السول،2: 579.
(3 ابن بركة الجامع 1: 44. = 1:67 - العوئبي، الضياء، 2: 217/ 218.
4 - السالمي، طلعة، 1: 292.
5) الوارجلاني، العدل، 2: 232/ 233.
6 محمد بن الحواري، جامع أبي الحواري، 771.
568 (1/568)
صفحة 566
الفصل الأول: التعارض والترجيح
المحصن. فالحبس ثابت بالقرآن ثم نسخ بجلد البكر ورجم المحصن، والجلد ثبت بالقرآن والرجم ثبت بالسنة البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام، والثيب بالشيب الرجم» (1). والتحقيق يقضي عدم صلاحية هذه القضية مثالا دقيقا للنسخ، لأن الحبس مؤقت في الآية بالأجل، فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّنَهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا} [النساء:15]
وقد صرّح النبي أن الله قد جعل لهن سبيلا» (2). (3). ومثال آخر قوله تعالى: قُل لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَى مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنزير} [الأنعام: 145]. نسخه حديث ابن عباس أن النبي نهى عن أكل كل ذي ناب من السباع وكل ذي مخلب من الطير (4). والخبر مستفيض من أهل النقل والآية في سورة الأنعام، وهي مكية. وذهب أبو عبيدة مسلم إلى عدم العمل بالحديث، ووجه ابن بركة ذلك إما
1) أخرجه مسلم وأصحاب السنن وأحمد عن عبادة بن الصامت. ولفظ مسلم عن عبادة بن الصامت، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: خذوا عني، خذوا عني،، قد جعل الله لهن سبيلا، البكر بالبكر جلد مائة ونفي سنة، والثيب بالثيب جلد مائة، والرجم». صحيح مسلم، كتاب الحدود، باب حد الزني، حديث: 3285.
سنن ابن ماجه، کتاب الحدود، باب حد الزنا، حديث: 2546. السنن الكبرى للنسائي، كتاب الرجم، عقوبة الزاني الثيب، حديث:6916. مسند أحمد بن حنبل، مسند المكيين حديث سلمة بن المحبق، حديث: 15630. 2 وهو ما ورد في حديث مسلم السابق؛ وفي غيره أيضا؛ إذ قال رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «قَدْ جَعَلَ اللهُ لَهُنَّ سَبِيلاً».
3 الوارجلاني، العدل، 2: 227/ 228
4) أخرجه مسلم والحاكم وابن حبان عن ابن عباس؛ والبخاري عن أبي ثعلبة الخشني. صحيح البخاري، كتاب الذبائح والصيد، باب لحوم الحمر الإنسية، حديث: 5214. صحيح مسلم، کتاب الصيد والذبائح وما يؤكل من الحيوان؛ باب تحريم أكل كل ذي ناب من السباع، حديث: 3668.
المستدرك على الصحيحين للحاكم، كتاب البيوع، وأما حديث أبي هريرة، حديث:2213. صحيح ابن حبان، کتاب الأطعمة، باب ما يجوز أكله وما لا يجوز ذكر الزجر عن أكل كل ذي مخلب وناب من الطير والسباع، حديث: 5356.
569 (1/569)
صفحة 567
الباب الثالث: اجتهاد الترجيح والاستدلال
E 3
لأن السنة لا تنسخ الكتاب عنده، أو لتضعيف الخبر وجرح بعض ناقليه،
وذكر أن الإمام مالك بن أنس قد طعن في الخبر (1).
وهذا مثال لتداخل الاصطلاح بين النسخ والتخصيص.
وقد نسب إلى الإمام الشافعي القول بعدم نسخ السنة بالقرآن، والقرآن بالسنة (2)، وهو موافق لقول بعض الإباضية.
وردّ جمهور الأصوليين هذا القول (3).
وعقب الغزالي بأن الشافعي أجلّ من أن لا يعرف هذه الوجوه في النسخ، فكأنه يقول: إنما تلتغى السنة بالسنة، إذ يرفع النبي صلى الله عليه وسلم سنته بسنته، ويكون هو مبينا لكلام نفسه وللقرآن. ولا يكون القرآن مبينا للسنة. وحيث لم يصادف ذلك فلأنه لم يُنقل، وإلا فلم يقع النسخ إلا كذلك» (4). ونص الشافعي في الرسالة بحسم الخلاف، إذ ورد فيه أن لا ينسخ كتاب الله تعالى إلا كتابه وهكذا سنة رسول الله لا ينسخها إلا سنة لرسول الله، ولو أحدث الله لرسوله في أمر سن فيه غير ما سن رسول الله، لسَن فيما أحدث الله إليه، حتى يبين للناس أن له سنة ناسخة للتي قبلها مما يخالفها» (5). هذا النص كما أوضحه المحققون أنه حيث وقع نسخ القرآن بالسنة فلا بد أن يكون معها قرآن عاضد لها يبيّن توافق الكتاب والسنة، وحيث وقع نسخ السنة بالقرآن فمعه سنة عاضدة لها تبين توافق الكتاب
ومعنى
والسنة» (6).
وقد أجاب الشافعي عن سؤال دقيق في صلب الموضوع: «فإن قال قائل: هل تنسخ السنة بالقرآن؟ قيل: لو نُسخت السنة بالقرآن، كانت للنبي فيه سنة
1) ابن بركة، الجامع، 2: 83. 2 الأسنوي، نهاية السول 2 578 الشيرازي التبصرة 272. هامش.
3 السالمي، طلعة، 1: 290/ 291 (4) الغزالي، المستصفى، 1: 124. وأورد السبكي كلام الذين انتصروا للشافعي في رأيه وتأويلهم له، وحملوه محامل كثيرة، لأنه قول رجل عظيم وعالم ضليع. كما أورد كلام الذين انتقدوه، حتى قال عبد الجبار بن أحمد وهو من المولعين بالشافعي: هذا رجل كبير ولكن الحق أكبر منه السبكي الإبهاج في شرح المنهاج 2: 270. 5) الشافعي، الرسالة، 108. 6 السبكي، الإبهاج في شرح المنهاج 2: 271 272 - البوطي أصول الفقه، 284.
570 (1/570)
صفحة 568
الفصل الأول: التعارض والترجيح
تبين أن سنته الأولى منسوخة بسنته الآخرة، حتى تقوم الحجة على الناس بأن الشيء يُنسخ بمثله» (1). فأصحاب هذا القول نظروا إلى الواقع التشريعي، فوجدوا أنه لم يقع في الحقيقة نسخ الكتاب إلا بالكتاب وإن كان ثمة سنة مؤكدة له. ولم يقع نسخ السنة إلا بالسنة، وإن كان ثمة كتاب مؤكد لها. أي أنه لم يقع نسخ أحدهما للآخر إلا ومعه مثل المنسوخ عاضد له. وهذا ما تقتضيه ضرورة الانسجام والتوافق بين الكتاب والسنة، لإبعاد كتاب الله وسنة رسوله عن عبث العابثين. ولولا هذه الضمانة لافتات المبطلون على دين الله، فكلما رأوا آية تعارض حديثا قالوا: نسخ أحدُهُما الثاني، ومَضَوا ينقضون أحكام الشريعة، ويَهدِمُون بناءَها من الأساس، بحجّةِ نسخ الكتاب للسنة ونسخ السنة للقرآن. فإذا سمع أحدهم حديث لا. الرجل على بيع أخيه» (2)؛ قال: نسخته آية يبيع وَأَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبوا} [البقرة: 275]. وإذا سمع آية {وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِن رِّجَالِكُمْ} [البقرة: 282]. قال: نسخه حديث «مَن شَهِد لَه خزَيْمَة فحسبه» (3). ويكفي مكانه كُل عذل أمين.
وليس أخطر على الشريعة من هذا التخريف والبهتان. فبان من هذا أن ربط الكتاب بالسنة والسنة بالكتاب في مجال النسخ أمر شهد له الواقع التشريعي، وهو أكبر ضمانة وحاجز دون هذه الأفهام السقيمة. وليس في هذا ردّ على الجمهور بجواز نسخ القرآن بالسنة، والسنة بالقرآن، بل هو توضيح له وبيان. - نسخ السنة بالسنة:
أجاز الأصوليون نسخ السنة بالسنة بلا خلاف. وقال الواجلاني: «فكل دليل دلّ على جواز نسخ القرآن بالقرآن دلّ على جواز نسخ السنة بالسنة، وأخبار الآحاد بأخبار الآحاد» (4).
(1) الشافعي، الرسالة، 110. 2) سبق تخريجه.
3 الهندي كنز العمال، حديث 37038. ج 13، ص 379.
4 الوار جلاني، العدل، 2: 231.
571 (1/571)
صفحة 569
الباب الثالث: اجتهاد الترجيح والاستدلال
وأمثلة ذلك أكثر من أن تحصى، وذكر منها:
*
- أن الصَّلاة كانت ركعتين بالغداة وركعتين بآخر النهار، فنسخت بالخمس المعروفة، ونسخ الكلام في الصَّلاة بالقنوت، ثم نسخ القنوت بالترك. وبآية لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٍ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَلِمُونَ} [ال
عمران: 128].
=
- وأما أخبار الآحاد، فمنها نسخ النهي عن زيارة القبور، وادخار لحوم الأضاحي، وجلد المحصن وتغريب البكر عاما (1). وواضح من مبحث دليل السنة أن المقصود بالسنة في اصطلاح الإباضية، ما ثبت تواترا أو قريبا منه وخبر الآحاد ما دون ذلك.
وذكر الخراساني أن تشميت العاطس كلام قاطع للصلاة، لأن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه كانوا يتكلمون في الصَّلاة لحوائجهم، ثم نسخ ذلك بقوله تعالى: وَقُومُوا لِلَّهِ قَنِتِينَ} [البقرة: 238].
قال ابن مسعود: كنا نرد السلام في الصَّلاة، فسلمت على النبي صلى الله عليه وسلم فلم
يرد علي، فسألته فقال: إن في الصلاة لشغلا» (32).
وقد أوردت المصادر الإباضيَّة الأمثلة نفسها تقريبا (4). وذهب جمهور الإباضية إلى منع نسخ السنة المتواترة بالآحاد لأنها قطعية،
1 الوار جلاني، العدل، 2: 231 232.
2) أخرجه البخاري وأصحاب السنن عن ابن مسعود.
صحيح البخاري، كتاب الجمعة أبواب العمل في الصَّلاة، باب لا يرد السلام في الصلاة،
حديث: 1172.
سنن أبي داود، كتاب الصلاة، باب تفريع أبواب الركوع والسجود، باب رد السلام في الصلاة،
حديث: 801.
سنن ابن ماجه، كتاب إقامة الصَّلاة، باب المصلي يسلم عليه كيف يرد، حديث: 1015. مسند أحمد بن حنبل، ومن مسند بني هاشم، مسند عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه،
حديث: 3457.
3 الخراساني، المدونة 1: 175/ 174.
4 ابن بركة، الجامع:1: 19/ 18 العوئبي، الضياء 2 254 الكندي، المصنف، 1: 41.- السوفي، السؤالات، 109.-النزوي، قواعد الهداية، 1 ظ.
572 (1/572)
صفحة 570
E 3
*
الفصل الأول: التعارض والترجيح
والآحاد ظني، ولا يعارض الظني القطعي (1). واستدل السالمي بإجماع الصحابة على ردّ ما خالف القرآن من الآحاد، وبرد عمر خبر فاطمة بنت قيس لمعارضته القطعي من القرآن. وذكر خلاف الظاهرية الذين أجازوا ذلك، ونسب إلى السَّمَاخِي قوله بأن هذا هو ظاهر قول ابن بركة العماني (2).
وأورد
حجج
هؤلاء المجيزين المتمثلة في قبول أهل قباء خبر تحويل القبلة، فاستداروا إلى الكعبة بخبر آحاد وتركوا به اليقين الثابت عندهم. وقبول أهل الآفاق أخبار رسل رسول الله، وما يبلغونه من الأحكام، مبتدأة كانت أم
ناسخة.
وقد نسخ حديث النهي عن كل ذي ناب من السباع، آية قُل لَّا أَجِدُ في مَا أُوحِيَ إِلَى مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَّسْفُوحًا
أَوْ لَحْمَ خِنزير} [الأنعام: 145].
وأجاب السّالِمِي عن ذلك بأن القرائن دلت على إفادة القطع في تلك الأخبار، فأجزنا بها نسخ المتواتر.
فأهل قباء كانوا ينتظرون تحويل القبلة، إذ علموا من النبي تردده في السماء ترقبا لهذا التحويل، وهو ما سجله القرآن قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَهَا} [البقرة: 144].
وكذلك كان شأن أهل الآفاق بوسعهم التيقن من الخبر بمشافهة الرسول
والوصول إلى الخبر اليقين. وهذا متعذر بعد عهد الرسالة. وأما حديث تحريم ذوات الأنياب والمخالب فهو مخصص للآية لا ناسخ
لها (3).
ثم عقب السَّالِمِي بأن ادعاء وجود قرائن في هذه الأخبار تحملها على اليقين، أمر غير مسلم، إلا بنوع تكلف (4).
1) السوفي، السؤالات، 109.-السالمي، طلعة، 1: 292. 2 ينظر: السَّماخِي، شرح المختصر، تحقيق مهني التيواجني، 482.
(3) السالمي، طلعة، 1: 292/ 293.
4 - السالمي، طلعة، 1: 292/ 293.
573 (1/573)
صفحة 571
الباب الثالث: اجتهاد الترجيح والاستيدلان
E 3
K
وقد أوضحنا أن المسألة تتعلق بثبوت الخبر دون الحاجة إلى التواتر. لأن النسخ يتعلق بالأحكام، والأحكام تثبت بالظن الراجح، دونما ضرورة إلى القطع واليقين. فإذا ما ثبتت صحة الخبر وجب العمل به دون شرط التواتر. ومن وجوه العمل به نسخه للكتاب والسنة المتواترة. بل إن الوار خلاني نفسه يرى أن قول الصحابي: نسخت آية كيت وكيت، مقبول. بل لو قال: الخبر الفلاني والآية الفلانية منسوخة، فإننا نحسن الظن به، ونحمله على السماع ولو لم يذكر لنا الناسخ لها (1). وقال بأن هذا ظاهر روايات الصحابة. أما إذا كان قوله متأولاً عن اجتهاد لا عن سماع فرأيه مثل رأي المجتهدين (2). وقد سبق بيان أن الاحتجاج برَدّ عمر حديث فاطمة بنت قيس، غير مسلم، لأنه شك في الخبر؛ ولم ينف جواز نسخ المتواتر بالآحاد، ولم يطمئن شخصيا إلى حفظ فاطمة. وهو اجتهاد من عمر في ثبوت الخبر. وأما ما اشترطه السَّالِمِي من تكافؤ الأدلة لثبوت النسخ، فالجواب عنه أن دليل النسخ أو النص الناسخ يتجه إلى الحكم فيرفعه، ويقطع استمراره، لا إلى أصل الحكم فيبطله فأصل الحكم السابق ثابت ثبوتا قطعيا، وهو السنة المتواترة أو القرآن أما استمرار الحكم ذاته فهو ثابت ثبوتا ظنيا (3)، إذ هو محتمل للتخصيص، والتقييد والنسخ، وهذا محل وفاق. فكان استمرار الحكم مكافئا في القوة لدليل النسخ، وهو هنا خبر الآحاد في كونهما ظنيين، فبطل ما ذهبوا إليه، وصح القول بجواز نسخ متواتر الكتاب والسنة بأخبار
1) وقول الوَارِجُلانِي هذا موافق لرأي أبي عبد الله البصري، وأبي الحسن الكرخي من المعتزلة، ينظر: أبو الحسن البصري، المعتمد، 1: 418 - السالمي، طلعة، 1: 296. ولكن هذا القول مخالف لجمهور الأصوليين والاباضية، فهم لا يعتدون بقول الصحابي: إن الحكم منسوخ حتى يذكر الدليل الناسخ الشماخي شرح المختصر، تحقيق مهني التيواجني، 485.-السالمي،
طلعة، 1: 295
2 الوار خلاني، العدل، 2: 233. (3) البوطي أصول الفقه، 282.
574 (1/574)
صفحة 572
E 3
الآحاد (1).
الفصل الأول: التعارض والترجيح
7 - من قضايا النسخ
تناول الأصوليون قضايا عديدة في باب النسخ نختصرها في هذه
الإشارات.
- نسخ الحكم ونسخ التلاوة:
أجاز الإباضية أن يُنسخ من القرآن حكمه وتلاوته، أو ينسخ أحدهما دون الآخر، ولا محذور في ذلك ولا تكليف بالمحال (2).
وذكر الشماخي عن بعض علماء عمان منع نسخ التلاوة دون الحكم، وتوقف آخرون في نسخ التلاوة والحكم معا، ولم يذكر من هم هؤلاء. وأورد السالمي كلام الشماخي دون بيان (3).
ومثل السوفي لهذه الصور الثلاث أحدها أن يذهب الرسم ويبقى الحكم، كآية الرجم الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة). فهذا نسخ رسمه وبقي حكمه. وقالت البدعية من الأزارقة بنفي الرجم، وبقاء قطع الرجلين للسارق؛ والصَّلاة عندهم ركعتان غدوا وركعتان عشيا، لعنوا بما قالوا. والصحيح عندنا أن الرجم من فرائض سنة النبي الل، والختان والاستنجاء والوتر ... والوجه الثاني من النسخ، أن يذهب الحكم ويبقى الرسم. وهذا الوجه كثير في القرآن متلوّ كالعدة كانت حولا ثم نسخت بأربعة أشهر وعشرا والثالث أن يذهب الرسم والحكم كتحريم الرضاعة، كان بعشر رضعات، وكان فيما يتلى فنسخ الرسم والحكم جميعا» (4). كما أورد الوار خلاني للتمثيل على نسخ التلاوة رواية أبي عبيدة القاسم بن سلام عن عائشة أنها قالت: كانت سورة الأحزاب تقرأ في زمن رسول مائتي آية، فلما كتب عثمان المصحف جعلها كما هي عليه الآن» (5).
الله
1) الأسنوي، نهاية السول، 2: 588/ 587.
2 ابن بركة، الجامع:1 (43/ 42 - العوئبي، الضياء، 23 +2215 230 - القلهاتي، الكشف 1 293. -الوار جلاني، العدل 2: 225 - السالمي، طلعة، 1: 277. فما بعد.
3 الشماخي، شرح المختصر، تحقيق مهني التيواجني، 484 485 - السالمي، طلعة، 1: 277.
السوفي، السؤالات، 108.
(5) الوار خلاني، العدل، 2: 227.
575 (1/575)
صفحة 573
الباب الثالث: اجتهاذ الترجيح والاستدلال
K
وأوردتها كتب التفسير كذلك (1)، ولكنها بحاجة إلى تمحيص، لأن روايتها بهذه الصيغة قدح في صحة النص القرآني الذي أجمع المسلمون على أنه ثابت بالتواتر، وأنه محفوظ بوعد الله من التبديل والتغيير منذ نزل على سيدنا محمد إلى أن يُرفع القرآن.
- النسخ إلى الأثقل وإلى الأخف وإلى غير بدل: من صور النسخ التي أجازها الإباضية وجمهور أهل الأصول؛ النسخ إلى الأثقل، فينقل الله المكلفين من حكم إلى آخر أثقل منه، أو إلى الأخف، أو إلى إباحة من غير بدل للحكم المنسوخ. والله تعالى في عباده ما يشاء من أمر ونهي وتخفيف وتثقيل أَلَا لَهُ الْخَلْقُ والأمر (الأعراف: 54]. ومن رحمته أن جل الأحكام كانت إلى التخفيف، مثل آية المصابرة: الكن
,
1) من هذه الروايات ما ذكره القرطبي، أن سورة الأحزاب ثلاث وسبعون آية. وكانت هذه السورة تعدل سورة البقرة. وكانت فيها آية الرجم الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة نكالا من الله والله عزيز حكيم؛ ذكره أبو بكر الأنباري عن أبي بن كعب. وهذا يحمله أهل العلم على أن الله تعالى رفع من الأحزاب إليه ما يزيد على ما في أيدينا وأن آية الرجم رفع لفظها. وقد حدثنا أحمد بن الهيثم بن خالد قال حدثنا أبو عبيد القاسم بن سلام قال حدثنا ابن أبي مريم عن ابن لهيعة عن أبي الأسود عن عروة عن عائشة قالت: كانت سورة الأحزاب تعدل على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم مائتي آية, فلما كتب المصحف لم يقدر منها إلا على ما هي الآن. قال أبو بكر: فمعنى هذا من قول أم المؤمنين عائشة: أن الله تعالى رفع إليه من سورة الأحزاب ما يزيد على ما
عندنا.
قلت: هذا وجه من وجوه النسخ, وقد تقدم في "البقرة" القول فيه مستوفى والحمد الله. وروى زر قال قال لي أبي بن كعب كم تعدون سورة الأحزاب؟ قلت ثلاثا وسبعين آية؛ قال: فوالذي يحلف به أبي بن كعب إن كانت لتعدل سورة البقرة أو أطول ولقد قرأنا منها آية الرجم: الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة نكالا من الله والله عزيز حكيم. أراد أبي أن ذلك من جملة ما نسخ من القرآن. وأما ما يحكى من أن تلك الزيادة كانت في صحيفة في بيت عائشة فأكلتها الداجن فمن تأليف الملاحدة والروافض القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، 14: 113. وقد تناول ابن عاشور هذه الروايات بالنقد، وبيّن أنها لا تتفق وقطعية ثبوت النص القرآني. ينظر: محمد الطاهر بن عاشور، تفسير التحرير والتنوير، 21 246 247. وهو ما سبق إليه القاسمي بالتعليق على حديث عائشة بأنه خبر لم يخرجه أرباب، الصحاح فهو من الضعف بمكان. - القاسمي، محاسن التأويل، 13: 4821.
C
576 (1/576)
صفحة 574
الفصل الأول: التعارض والترجيح
خَفَّفَ اللهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإن يكن مِّنكُم مِانَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مانين وإن يَكُن مِّنكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّبِرِينَ
[الأنفال:66].
ومنها ما كان إلى الأثقل، كتحريم الخمر وفرض صيام رمضان، ونحو ذلك. وقد توعدهم أحيانا بالأثقل فلم يفعل رحمة بهم، فقال: إِلَّا تَنفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا} [التوبة: 39] (1)
ورد السالمي على من احتج بمنع النسخ إلى الأثقل، بقوله تعالى: مَا نَنسَخ مِنْ ءَايَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرُ [البقرة: 106]. أنها آية مخصصة بالواقع من وجود النسخ إلى الأثقل، أو أن الخيرية فيها لا تعني منع هذا النسخ، بل الخيرية في الحكم الجديد مهما كان؛ لأن خير الله في شرعه دائما، وقد تدركه عقولنا وقد يغيب عنا وتقصر عنه مداركنا (2).
- هل الزيادة على النص نسخ؟
اختلف الأصوليون في الزيادة على النص؛ هل تعتبر نسخا أم ليست كذلك؟ وأورد الشماخي الأقوال، فبعضهم قال: ليس ذلك بنسخ، لأن النسخ هو الإزالة، وهذا حكم باق.
والمختار هو التفصيل، فإن كان المزيد غير متعلق بالمزيد عليه فليس بنسخ،
الصَّلاة.
كزيادة فرض الصيام بعد فرض وإذا كان متصلا به اتصال اتحاد يرفع التعدد والانفصال؛ كان نسخا عند الخراساني، وليس نسخا عند الشماخي. ومن ذلك أن الصلاة كانت قبل الهجرة ركعتين على الحاضر والمسافر، ثم نسخ الاثنان بالأربع في الحضر، لأن الزيادة كانت محرمة، ثم نسخ ذلك
1) ابن بركة، الجامع، 1: 148 - العوتبي، الضياء، 2: 2488.-السوفي، السؤالات، 110.
الأصم، النور، 192.
(2) السالمي، طلعة، 1: 187. فما بعد. و
577 (1/577)
صفحة 575
الباب الثالث: اجتهاد الترجيح والاستدلان
بوجوب زيادة ركعتين (1).
وإن كانت زيادة من غير اتحاد، ففيه الخلاف، وذلك كزيادة عشرين جلدة على الثمانين في حد القذف، فهو ليس منفصلا انفصال الصوم عن الصلاة، ولا متصلا اتصال الركعات المزيدة في الصَّلاة، وهو بالمنفصل أشبه، كما سماه الغزالي (2). وأورد السالمي نقاشا مطوّلا للقضية، وما فيها من أقوال وردود. ثم خلص إلى أن الخلاف لفظي لا معنوي، وأن الأصل المزيد عليه أو المنقوص منه لا يكون منسوخا بتلك الزيادة أو النقصان؛ لأنه لم يزل وجوبه ولا إجزاؤه، ولا وجب بأمر آخر غير الأول. فالزيادة أو النقصان على الفرض لا تكون نسخا له عند التحقيق (3).
وختم الموضوع ببيان فائدته، وهي أن ثمرة الخلاف في كون الزيادة نسخا أم لا؛ إنما تظهر حيث يكون المزيد عليه قطعيا ثابتا بآية أو خبر متواتر؛ فالزيادة الواردة عند من جعلها ناسخة لا يقبل فيها خبر الواحد، ولا يجوز إثباتها بالقياس. فمن جعل التغريب والحكم بالشاهد واليمين ناسخين؛ لم يقبل الأخبار الواردة فيهما، ولا يجيز العمل بهما، وكذلك ما أشبههما. ومن لم
يجعلهما ناسخين قبل فيهما خبر الواحدِ والقياس الظني وعمل به) (4). ثم استطرد الإمام السَّالِمِي بذكر أن الإباضية لم يعملوا بالتغريب في الزيادة على حد البكر والحكم بالشاهد واليمين، لكون الخبرين لم يصحا عندهم في ذلك، لا لأجل أن ذلك نسخ لما تقرر من الحد بالجلد، والحكم بالشاهدين (5). - متى تقوم حجية الدليل الناسخ؟
-
هل العلم بالخبر الناسخ شرط للتكليف به؟
لم تختلف كلمة الإباضية والجمهور أن العلم بالخبر شرط للتكليف به،
(1) الشماخي، شرح المختصر، (مخ) 58 و. = تحقيق مهني التيواجني، 476.-الخراساني، المدونة،
184:1
(2) الغزالي، المستصفى، 1: 117. 3 السالمي، طلعة، 1: 181/ 179.
4 - السالمي، طلعة، 1: 281. 5) السالمي، طلعة، 1: 281.
578 (1/578)
صفحة 576
E 3
الفصل الأول: التعارض والترجيح
سواء كان ذلك الخبر ابتداء أم نسخا لحكم سابق. لأن الحجة تقوم بالعلم. وقد نص العوتبي أن من كان على ناسخ من القرآن أو السنة ثم نسخ، ولم
يعلم فهو على ما كان عليه من التعبد حتى يقوم له الدليل أنه منسوخ» (1). وإذا بلغه الخبر الجديد وجب عليه المصير إليه، وترك العمل بالأول، وإذا مات على الأمر الأول قبل العلم بالناسخ، فهو على الهدى والحق، ولا يضره وقوع النسخ. ولهذا قد تختلف الأحكام من شخص لآخر، ومن بلد لآخر، وكلهم على هدى وصواب. وقد يعلم بالنسخ من بخراسان، ولا يعلم به من بالمدينة المنورة. ولا ضير في ذلك لأن الحجة في الخبر لا في المكان (2). وفرعوا على هذا أن على الحاكم أن يعمل بما قام عليه الدليل عنده من أقاويل العلماء، فإذا قام له دليل بعد ذلك على قول آخر هو أرجح عنده من الأول، عمل بالثاني، وترك العمل بالأول الذي حكم به (3). والعمدة في هذا عمل أهل قباء إذ جاءهم خبر تحويل القبلة وهم في صلاة الفجر والناسخ نزل ليلا ولكن لم يلزمهم حتى علموا به.
وينبني على هذا أمور فقهية كثيرة.
=
فإذا اضطر العاري إلى الصَّلاة ثم وجد ثوبا أثناء صلاته لبسه، وأعاد صلاته. وكذلك المتيمم إذا وجد الماء وهو في الصلاة نقض ما صلى وأعاد. وكل من أمر بالصلاة على وصف فلم يفعل لعذر أو لعجز، ثم ارتفع العذر عاد مأمورا بفعل ذلك. ما لم يكن قضى ما أمر به، وأداه على حال العذر. وأما من كان مأمورا بالصَّلاة في الابتداء على وصف، ولم يكن أمر بغيره، فعجز ووجب العذر، ثم انتقل إلى حالة ثانية فلزمه زيادة الفرض، لم يلزمه الخروج مما أمر به حتى يتمم. وهذا مخالف للأول، نحو الأمة تعتق وهي في الصَّلاة، فعليها ستر رأسها والبناء على ما صلت، لأنها لم تكن في ابتداء الصلاة مأمورة بستر رأسها. فلما عُتقت لزمها زيادة فرض وهو ستر الرأس.
1) العوئبي، الضياء، 2: 218.
(2) الكدمي، المعتبر، = (مخ) 77 و. فما بعد. (مط) 1: 175 فما بعد. – المزاتي، التحف،
16
3 ابن بركة الجامع:1: 26 - العوتبي، الضياء، 2: 256.
579 (1/579)
صفحة 577
الباب الثالث: اجتهاد الترجيح والاستدلال
وكذلك المقعد إذا حدث له الصحة بنى على صلاته قائما، إلا أن يكون صحيحا قبل ذلك فحدث له العجز فصلى بعض صلاته قاعدا ثم وجد القدرة على القيام، فإنه ينقض صلاته، ويبتدئ من جديد (1).
ماله
ولكن وقع خلاف في مسألة الوكالة، فإذا وكل رجل رجلا في بيع أو طلاق زوجته، ثم نزع منه الوكالة، وقد غاب الوكيل وامتثل أمره، ولم يعلم بنزع الوكالة، فإن فعله ماض في قول محمد بن محبوب، وقال غيره من الإباضية إن فعله يكون باطلا وجهله لا ينفعه، وجعلوه كالوفاة، فإذا مات الموكل بطلت تصرفات الوكيل من حين وفاته، ولو لم يعلم بها. ورجح ابن بركة هذا القول (2)، ولم يعتبره مندرجا تحت قاعدة تعلق التكليف بالعلم؛ لأن الوكالة مقيّدة، وليست تشبه عموم التكاليف. - يم يُعرف النسخ؟ نص ابن بركة «أن القرآن لا يُعلم نسخه إلا بخبر من الله تبارك وتعالى، أو الرسول عليه السلام، أو إجماع الأمة على النسخ، أو تقوم دلالة على نفس
الخطاب» (3).
فطرق معرفة النسخ محددة في:
1 - إخبار الله تعالى بذلك، كقوله: الكَنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنكُمْ} [الأنفال: 66]. 2 - إخبار الرسول كقوله: كنت نهيتكم عن زيارة القبور ألا فزوروها» (4). 3 - إجماع الأمة على ذلك، كإجماعهم على حجب الأم بالأخوين؛ والقرآن ذكر حجبها بالإخوة، فإن كَانَ لَه إخوة فَلأُمِّه السدس
[النساء: 11].
(1) ابن بركة، الجامع:1 472 473 - النزوي، قواعد الهداية، 21 ظ. 2) ابن الجامع، 2: 404. 3) ابن بركة، الجامع، 1: 66. (4) أخرجه مسلم وأصحاب السنن وغيرهم عن بريدة الأسلمي. – صحيح مسلم، كتاب الجنائز، باب استئذان النبي ربه عز وجل في حديث: 1676. - صحيح ابن حبان، کتاب حديث:1676. الأشربة، باب آداب الشرب، ذكر خبر ثان يصرح بصحة ما ذكرناه، حديث:5468. سنن أبي داود، كتاب الجنائز، باب في زيارة القبور حديث: 2832 - سنن الترمذي الجامع الصحيح، أبواب الجنائز عن رسول الله، باب ما جاء في الرخصة في زيارة القبور، حديث: 1010.
580 (1/580)
صفحة 578
E 3
الفصل الأول: التعارض والترجيح
- أو بقيام دلالة على ذلك.؟ ولم يورد لها مثالا. وإن قال الصحابي: إن الآية منسوخة، ولم يذكر الناسخ؛ فقوله مردود عند الجمهور (1)، وذهب بعض إلى قبوله، كما أوضحناه سابقا. وأرشد الوار جلاني إلى بعض طرق معرفة النسخ، مذكرا بنزول القرآن منجما، وأن ترتيبه توقيفي اتفاقا. فوجب على الناس معرفة ترتيب النزول، ولما ذهب عنهم ذلك احتاجوا إلى معرفة التاريخ، فإن عدموه رجعوا إلى اجتهاد الرأي، وغلبوا الحظر على الإباحة» (2).
1) السالمي، طلعة، 1: 296. 2 الوار خلاني، العدل، 2: 235.
581 (1/581)
صفحة 579
الباب الثالث: اجتهاد الترجيح والاستيدلان
الفصل الثاني: الاستدلال
تمهيد: مفهوم الاستدلال.
لا يقتصر عمل المجتهد على تدبر النص وتعقل معناه، في دلالاته اللفظية أو لوازمه العقلية؛ بل عليه مهمة لا تقل خطورة وأهمية عن هذه، وهي تلمس الحكم الشرعي خارج إطار النص، والاستدلال عليه بما يتفق ومعالم الشرع في روحه العامة ومقاصده الكلية. والمصادر الأساسية للأحكام، ممثلةً في الكتاب والسنة والإجماع والقياس، قد لا تفي بحاجات الناس وتطور الزمان إذا ما التزمنا معناها القريب وتقيدنا بدلالات نصوصها العامة.
وهذا ما دعا الأصوليين للاجتهاد خارج هذه المصادر، فيما اصطلح عليه بالاستدلال. وإن كان الاستدلال لغةً يشمل طلب الدليل، أو إقامة الدليل، ولكنه غدا مصطلحا خاصا لنوع خاص من الأدلة، مما ليس بنص ولا إجماع
ولا قياس (1). وعرف السالمي الاستدلال بقوله:
وغيرُ ما مر استدلال في ثبوت بعضه جدال (2) ويقصد بما مرّ النص والإجماع والقياس، لأنها أدلة متفق عليها بين الجمهور (3).
ويذكر علي يحي معمر أن مصادر التشريع عند الإباضية هي القرآن والسنة والإجماع والقياس والاستدلال، ويدخل تحت الاستدلال الاستصحاب والاستحسان والمصالح المرسلة. وقد يطلقون على الإجماع والقياس والاستدلال مصطلح الرأي. فيقولون عن مصادر التشريع هي: الكتاب والسنة والرأي» (4).
1) الشماخي، مختصر العدل، 14 ظ - الآمدي، الإحكام 4 161. – خلفان السيابي، فصول الأصول، 350 - الشوكاني، إرشاد الفحول 207 الزحيلي، أصول الفقه، 2: 733.
(2) السالمي، طلعة، 2: 176.
3) السالمي، طلعة، 2: 177.
(4) علي يحي، معمر الإباضية، دراسة مركزة، 60.
582 (1/582)
صفحة 580
E
الفصل الثاني: الانتد لان
ولكن هذا التعبير أورث شبهة عند بعض الدارسين إذ اعتبروا الإباضية ممن يعترف بالقرآن والسنة مصدرا للأحكام الشرعية، ولكنهم يقولون بالرأي بدلا من الإجماع والقياس (1).
والواقع أن الاقتصار على مصطلح الرأي دون ما عداه من الأدلة النصية أمر درج عليه بعض الأصوليين المحدثين إذ أدرجوا القياس ضمن مصادر الأحكام الاجتهادية، لأنه ليس نصا من الشارع. وهذا ما يؤكد المعنى الواسع
للاجتهاد (2).
وتتداخل الاصطلاحات دون مشاححة فيها. فبعض يسميها بالاستدلال، وبعض بالرأي، وقد تُدعى بالاجتهاد وإن كان الاجتهاد في الحقيقة إثباتا للدليل؛ أو نظر في الدليل، وليس دليلا بنفسه (3).
من
ويندرج تحت هذا القسم أنواع عديدة ليست كلها محل اتفاق، بل في ثبوت بعضها جدال كما نص السَّالِمِي. كما أن بعضها قد تعتبر أدلة باب التجوز، إذ لا تعدو في الواقع أن تكون قواعد أو مبادئ تراعى عند الاجتهاد، وليست دليلا قائما تستمد منه الأحكام.
كما تسمّى بالأدلة التبعية، أو الأدلة المختلف فيها. وبعض الأصوليين توسع فيها حتى بلغ بها الأربعين كالطوفي، بينما حصرها ابن الحاجب في ثلاثة أنواع، وجمهورهم على أنها لاتتجاوز العشرة (4). الغزالي فاعتبرها من الأصول الموهومة، ونفى صحة الاحتجاج بها
أما
هذا 1) مصطفى الشكعة، إسلام بلا، مذاهب 106 طبعة قديمة. ثم تراجع في طبعة جديدة عن القول، وذكر أن مصادر التشريع عند الإباضية تتمثل في الكتاب والسنة والرأي والإجماع. والسنة تمثل عندهم الصحيح والحسن، وغيرهما إلا ما اشتد ضعفه. ويتمسكون بالرأي تمسكا شديدا. وهو عندهم اجتهاد العلماء. وهم يدينون من أنكره بالكفر والركن الرابع هو الإجماع، وهو أيضا اجتهاد مأخوذ من الكتاب والسنة، لكن خفي مأخذه منهما، وإنما خفاؤه على غير المجمعين. - الشكعة، إسلام بلا، مذاهب، ط 10 140 وأورد مزيد تفصيل لتاريخ الإباضية وآرائهم السياسية وتراجم لأئمتهم ودولهم التي قامت بالمشرق والمغرب. معتمدا على مصادرهم. وهذا ما كان مفقودا في كتابته الأولى عنهم الشكعة إسلام بلا مذاهب، ط 10. 135 - 170. 2) علي حسب الله أصول التشريع الإسلامي، 131.
(3) السالمي، طلعة، 2: 177. 4) ينظر: مصطفى ديب البغا، أثر الأدلة المختلف فيها، وهي رسالة دكتوراه تناول فيها هذه الأدلة، وجعلها عشرة - الزحيلي أصول الفقه 2 724.-السالمي، طلعة، 2: 178.
583 (1/583)
صفحة 581
الباب الثالث: اجتهاد الترجيح والاستدلال
أصلا (1).
واعتبر السالمي منها سبعة هي: القياس الاقتراني، والقياس الاستثنائي، والاستصحاب، والعكس والاستقراء والمصالح المرسلة، والاستحسان، والإلهام، وحكم الأشياء قبل ورود الشرع (2).
وهو أوفى من تناول هذه الأدلة من بين أصوليي الإباضية (3). وسنتناول أهم هذه الأدلة اعتمادا على المصادر الإباضية أساسا، وتقيدا
بحدود البحث، مع اللجوء إلى المقارنة عند الاقتضاء.
وتتلخص في الآتي:
1 - قول الصحابي. 2 شرع من قبلنا. وهذان دليلان نقليان. وباقي الأدلة كلها عقلية وهي: 3 - المصالح المرسلة. 4 - الاستحسان. 5 - الاستصحاب 6 سد الذرائع. 7 - العرف. 8 - الاستقراء. 9 - قياس
العكس. 10 - الإلهام.
المبحث الأول: الأدلة النقلية
1 - حجية قول الصحابي
فاختلف
عرف الوَارِخلاني الصحابي بأنه كل من أدرك رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمن به. وأما إن كان رأه قبل أن يُبعث أو بعد ما بُعث؛ ولم يؤمن به إلا بعد موته فهو من التابعين. وأما من آمن به وحال بينه وبينه البعد فلم تمكنه رؤيته، فيه، كالنجاشي. وأما الأعمى الذي لا يبصر، وقد سمع كلامه أو كان بموضع لا يسمع كلامه، أو رآه لكنه أصم لم يسمعه إلا أن هؤلاء كلهم عقلوه ورأوا من هديه شيئا من أقواله وأفعاله، فهم من الصحابة» (4). وهذا تعريف موافق لتعريف المحدثين للصحابي أنه «من لقي النبي
(1) الغزالي، المستصفى، 1: 145. 2 - السالمي، طلعة، 2: 178. (3) الشماخي، مختصر العدل، 14 ظ. (4 الوَارِجلاني، العدل، 202/ 203/ 204.
584 (1/584)
صفحة 582
E
الفصل الثاني: الانتد لان
مسلما ومات على إسلامه، سواء طالت صحبته أو لم تطل» (1). وقد نص في هذا التعريف على شرط الموت على الإسلام، وهو شرط مهم لا ستحقاق وصف الصحبة.
كما اشترط الأصوليون أيضا طول الصحبة بعد الإيمان بأن يلازم
الصحابي النبي زمنا طويلا. وقد يكون لهذا القيد اعتبار في مجال الاجتهاد
لا في ثبوت الصحبة (2).
ولا جرم أن الصحابة رضوان
?
عليهم قد فازوا بفضل صحبتهم
لرسول الله، ومعاصرتهم الوحي، وجهادهم لنصرة الدين وتبليغه، وهم
في ذلك على درجات بين سابق ولاحق. وبعد وفاة النبي أصبحوا مرجع الفتوى ومنبع الاجتهاد في الحوادث التي جدّت، ولم يكن للمسلمين سابق عهد بها في عصر ودرجات الصحابة في الإفتاء كانت متفاوتة، بحسب نضجهم الفقهي
التنزيل
واستيعابهم للمأثور من السنة والمحفوظ من القرآن. وجاء التابعون فتتلمذوا عليهم ونقلوا آراءهم واجتهاداتهم. ثم اختلف هؤلاء ومن بعدهم في هذه الآراء والأقوال أيؤخذ بها على العين والرأس؟ أم تردّ كلها؟ أم إن في المسألة تفصيلا؟
وسبب الخلاف أن الصحابة تجاذبتهم اعتبارات متعددة.
=
1 شرف صحبة الرسول، وشهود التنزيل. 2 الأولوية في فهم أحكام الشارع ومقاصده. 3 احتمال استناد آرائهم إلى نص من الشارع. 4= ورود آثار تفيد الاقتداء بهم أو ببعضهم. 5 - العصمة في الرسول وحده أو في إجماع الأمة.
1) قال ابن الصلاح: المعروف من طريقة أهل الحديث أن كل مسلم رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو من الصحابة». ابن الصلاح، علوم الحديث، 262. ونقل تعريف البخاري: أنه «من صحب النبي أو رآه من المسلمين فهو من أصحابه البخاري، أول فضائل الصحابة، 5: 2. ينظر أيضا الأقوال في تعريف الصحابي عند المحدثين السيوطي، تدريب الراوي، 2: 206 فما بعد. 2) ابن عبد الشكور، مسلّم الثبوت 2: 158. الأسنوي، نهاية السول، 3: 179. -الزحيلي، أصول الفقه، 2: 850.
585 (1/585)
صفحة 583
الباب الثالث: اجتهاد الترجيح والاستدلال
يري
6 = هل يجتهد الصحابة فيما لا مجال للعقل فيه؟
3
وقد اختلف الأصوليون في حجية قول الصحابي بناء على ترجيح بعض
هذه الاعتبارات على بعض مع اتفاقهم في بعض المسائل، وكان للإباضية إسهامهم في ذلك وفاقا وخلافا. فإمام المذهب جابر بن زيد كان يقدم أقوال الصحابة في الاعتبار، ولا لنفسه رأيا في مسألة مخالفا لهم. ففي حكم المطلقة في مرض الموت وقبل الدخول قضى ابن عباس فيها أن لا صداق لها ولا ميراث. فقال جابر: «ولولا قول ابن عباس في ذلك لسرني، وإن تزوجت، إذا عُرف الضرر، أن تستوجب الأمر كله، ما لم يذهب ميراثها. وَرَأْيُ مَن قَبلنا أفضل من رأينا الذي نرى، ما يزل الآخر يعرف للأول [فضله]، وكانوا أحق بذلك المهاجرين مع رسول الله والتابعين لهم بإحسان فقد شهدوا وعلموا، فالحق علينا وطء أقدامهم واتباع أثرهم. واعلم أنه لم يهلك قوم قط حتى نازع الآخرُ الأول في العلم (1). وهذا موقف واضح، يرى الاعتماد على أقوال الصحابة اتباعا للأولى، ومن باب التقدير والاحترام لا من باب الحجية والإلزام (2). كما التزم جابر قول عمر بن الخطاب في المنكوحة في العدة، أنه إن كان دخل بها فُرّق بينهما فُرقة أبدية، وعليها العدّتان، تقضي بقية عدة الأول، ثم تعتد من الآخر. وإن لم يدخل بها فُرّق بينهما، وليس لها عليه صداق، واستكملت عدتها، ثم يكون هذا الزوج خاطبا من الخطاب (3). ونص جابر في موضع آخر أن هذا هو فعل عمر بن الخطاب (4). وسئل عن رجل خطب امرأة في عدتها وتواطآ على ذلك، فلما انقضت العدة أظهرا ذلك فتزوجها؟ قال: كان ابن عباس يقول: «بدأ أمرهما بمعصية الله، فأحَبُّ إليّ أن يُفرق بينهما، وأن لا يجتمعا أبدا» (5).
ويقف ابن سلام في صف جابر محتجا بقول الصحابة، وملزما الناس على
(1) جابر بن زيد رسائل الإمام جابر، 42.
Ennami, Studies ,/50.49 (2
3) جابر بن زيد، من جوابات الإمام جابر (كتاب النكاح) 150/ 149. 4 جابر بن زيد من جوابات الإمام جابر (كتاب النكاح) 150. 5) جابر بن زيد من جوابات الإمام جابر (كتاب النكاح) 130.
586 (1/586)
صفحة 584
E 3
التمسك
الفصل الثاني: الانتد لان
به رواية عن ابن مسعود. وقال عبد الله بن مسعود: كل حدث بدعة، ومن كان منكم مُستَنا فلْيَسْتَن بمن كان مات، أولئك أصحاب محمد ال كانوا أفضل هذه الأمة، أبرها قلوبا وأقومها هديا، وأقلها تكليفا. قوم الله لمحمد نبيه ال، وإقامة دينه، فاعرفوا لهم فضلهم، واتبعوهم في آثارهم، وتمسكوا بما استطعتم من أخلاقهم وسيرهم، فإنهم كانوا على الهدى المستقيم» (1).
اختارهم
وأورد ابن سلام حديث عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي،
عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور ... » (2) (3). ولكن هذه الأدلة عامة لا تقيّد حجية قول الصحابي في مجال الاجتهاد، بل تعمّ ما رووه من السنن وما اتفقوا عليه، وأجمعوا، وما كان محل اجتهاد. وقد سئل سعيد بن زنغيل ما تقول في قول الصحابي، أسنة هو؟ قال: نعم، قول أهل الفقه والرأي منهم (4). ولكنه تشدد في من حكم بغير قولهم، وخرج عن جميع أقاويلهم، أنه يكفر
- كفر نعمة - لأنه ارتكب كبيرة باتباعه غير سبيل المؤمنين (5). ويذكر الجيطالي أن الأصول أربعة: الكتاب والسنة والإجماع وآثار الصحابة وأن الآثار تدل على السنة، لأن الصحابة شاهدوا الوحي والتنزيل، وأدركوا بقرائن الأحوال ما غاب عن غيرهم عيانه. فمن هذا
1) ابن سلام، بدء الإسلام، 81.
2) أخرجه الحاكم وأصحاب السنن عن عرباض بن سارية.
المستدرك على الصحيحين للحاكم، كتاب العلم، ومنهم يحيى بن أبي المطاع القرشي،
حديث: 302.
سنن الدارمي باب اتباع السنة، حديث: 100.
،داود کتاب السنة، باب في لزوم السنة حديث: 4012
سنن ابن ماجه المقدمة باب اتباع سنة الخلفاء الراشدين المهديين، حديث:42. سنن الترمذي الجامع الصحيح الذبائح، أبواب العلم عن رسول الله، باب ما جاء في الأخذ
بالسنة واجتناب البدع، حديث: 2668.
3 ابن سلام، بدء الإسلام، 82
4 سعيد بن زنغيل الرد على من زعم 192. 5) سعيد بن زنغيل الرد على من زعم 192.
587 (1/587)
صفحة 585
الباب الثالث: اجتهاد الترجيح والاستدلال
الوجه رأى العلماء الاقتداء بهم والتمسك بآثارهم. وذلك بشرط مخصوص وعلى وجه مخصوص» (1).
وفي موضع آخر قال: «وإنما فَضل الصحابة لمشاهدتهم قرائن أحوال رسول الله، واعتلاق قلوبهم أمورا تُدرك بالقرائن، فيسدد لهم ذلك إلى الصواب، من حيث لا يدخل في الرواية والعبارة؛ إذ أفاض عليهم من نور النبوة ما يحرسهم في الأكثر عن الخطا» (2). وذكر عن بعض السلف قولهم: «ما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قلناه على
الرأس والعين وما جاءنا عن الصحابة رضي الله
عنهم
فنأخذ ونترك، وما
جاءنا عن التابعين فهم رجال ونحن رجال) (3). فتبين بهذا أنه على نهج الإمام جابر يفضل أقوالهم ولا يجعلها حجة
ملزمة.
ولكن ليس كل الإباضية على هذا الموقف في تفضيل اتباع قول الصحابي، فابن بركة يفصل القضية، بدقة مميّزا بين ما له حكم المرفوع من أقوالهم، وما ليس كذلك، وبين ما كان محل اتفاق بينهم وما كان محل اختلاف، وبين المقلد والمجتهد. فَحَكَم بأن تقليد الصحابة جائز في باب الأحكام، وما كان طريقه طريق السمع. ألا ترى أنك تحكي عنهم الإجماع، وإن كان الخبر منقولا عن بعضهم، إذا لم يُنقل عن أحد خلاف لذلك. ويجوز تقليد الواحد منهم أيضا إذا قال قولا، ولم ينكر عليه غيره، وإن عُلم له مخالف في الصحابة فلا. وخلاف التابعي عليهم ليس كخلاف بعضهم على بعض، لأنه ليس في طبقتهم، لأن الصحابة
هم
منهم
الحجة التامة» (4).
واستشهد ابن بركة لموقفه بآية {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شهداء على النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا} [البقرة: 143]. وآية {وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا نَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِهِ، مَا
(1) الجيطالي القناطر، 1: 76. 2) الجيطالي القناطر، 1: 182/ 183. 3) الجيطالي القناطر، 1: 182/ 183. 4 ابن بركة، الجامع، 1: 23/ 22.
588 (1/588)
صفحة 586
الفصل الثاني: الانتد لان
تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا} [النساء:115]. وبحديث «لا تجتمع أمتي على ضلال» (1).
لمخالفة
فإذا لم يُنقل الاختلاف فيهم، وكان المنقول عن بعضهم، وترك المخالفة عن الباقين، وهو حجة الله تعالى في أرضه على عباده، دل تركهم القائل منهم على تصويبه، ومن ادعى أن في ضمائر بعضهم غير ما كان في الظاهر منهم، أو تقية منعتهم، كان مخطئا، وطعن على الصحابة أنهم لم يقيموا الحجة الله و بالنهي عن المنكر والأمر بالمعروف» (2). ولا يجوز التقليد لأهل الاستدلال والبحث والأخبار في عصر غير الصحابة مع الاختلاف (3).
فابن بركة تناول إجماع الصحابة وهو محل اتفاق على حجيته. ولو كان إجماعا سكوتيا، كما بينه ودلّل عليه. وكذلك ما كان طريقه طريق الأخبار، فيؤول إلى السنة وما كان محل اختلاف فليس بحجة، ولا يجوز فيه التقليد للمجتهدين.
أما السَّالِمِي فأورد الأقوال في المسألة، وأنها ثلاثة:
=
= أنه حجة مطلقا. = وأنه ليس بحجة. - وأنه حجة فيما لا يدرك بالرأي
والاجتهاد، فيُحمل على السماع من النبي.
وبعد عرض أدلة كل قول رجح كونه غير حجة. وإلا لزم أن لا يقع خلاف بين الصحابة، والواقع أن الخلاف قد حدث واشتهر، ولم يُلزم السابق اللاحق أن يتبعه في رأيه. فهذا إجماع منهم على عدم حجية أقوالهم؛ بل حكي الإجماع على أن قول الصحابي ليس حجة على صحابي مثله، والخلاف في حجيته على من بعده. والراجح أن أن الأمر سيان، فلا حجة في قول الصحابي
على أحد (4).
1) سبق تخريجه.
2 ابن بركة الجامع، 1: 23/ 22.
(3) ابن بركة الجامع:1: 23/ 22 - العوئبي، الضياء، 1: 251 252.-الكندي، المصنف، 1:
-.151/ 150
(4) السالمي، طلعة 2: 63/ 65. - ولمزيد التوسع ينظر: الغزالي، المستصفى، 1: 260/ 262.
589 (1/589)
صفحة 587
الباب الثالث: اجتهاد الترجيح والاستدلال
وقد سئل أبو عبيدة: أيعمل بما أفتاه الثقة إذا كان إنما رواه عن الصحابة؟ قال: إن عرفت الحق عملت به وإلا فلا. قال: ولا تسلّم لرجل يحدث بكل ما سمع، ولكن تميز المعتمد عليه من الأقاويل» (1).
وقال ابن خلفون بعد عرضه أدلة الأحكام: ولا يجوز لمن له أدنى تحصيل من النظر تقليد عالم، وإن عظم قدره وجلّت منزلته، صحابيا كان أو غيرهم ممن دونهم، لقوله تعالى: فَإِن نَنَزَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ
[النساء:59] (2).
وهذا ما استقر عليه رأي الإباضية أن لا حجة في قول الصحابي مجردا، لأنه ليس معصوما، ولم يرد عن المعصوم ما يجعل قوله حجة، إلا ما كان إجماعا
فلا خلاف.
وأما ما ذهب إليه الإمام جابر وابن سلام والجيطالي فهو تفضيل رأي الصحابة على رأي غيرهم، لا إلزام الناس به. وهو موقف جمهور علماء الأصول، خلافا للحنفية والشافعي في القديم، ورواية عن أحمد ومالك (3). أما إذا قال الصحابي أمرنا بكذا، أو كنا نفعل كذا على عهد رسول
أو
من
السنة كذا؛ فهو محمول على السنة، فيجب العمل به (4). وإن أفتى فيما لا مجال للعقل فيه، فيُحمل على السماع؛ فالحجة في مستنده
لا في قوله.
وإن كان هناك إجماع من الصحابة ولو سكوتيا، فالحجة في الإجماع. وإن وقع الاختلاف بين اجتهاداتهم فللمجتهد أن يختار منها ما يشاء دون إلزام، بل يتبع ما يعضده الدليل. وذكر ابن بركة رواية عن الإمام علي بن أبي طالب أنه خطب للجمعة
1) أبو عبيدة مسلم، مسائل أبي عبيدة، 12 ظ.
(2) ابن خلفون، أجوبة، 102/ 101.
3 ينظر: الغزالي المستصفى 1 267/ 260 - الزحيلي أصول الفقه، 1: 251/ 258. وأحال
إلى مصادر عديدة.
4) ابن بركة الجامع:2: 252 - الوَارِجلاني، العدل، 2: 217
?590
590 (1/590)
صفحة 588
E 3
الفصل الثاني: الانتد لان
قبل الزوال، وأن الإجماع على عدم جواز ذلك. وما رُوي عن علي لم يرد بطريق قاطع للعذر، وإن صح، ففعل غيره من الصحابة أولى أن يُتبع لأن الحجة تؤيده» (1). كما نص ابن جعفر أنه لم يختلف ابن عباس وأحد من الصحابة إلا أخذ الناس بقول ابن عباس إلا في مسائل، معدودة، ذكرها. ومنها قول ابن عمر في المال إذا بلغ النصاب لا يزكي حتى يحول عليه الحول، وقول ابن عباس أنه يزكي حين يبلغ النصاب.
وذلك كله جائز لا دينونة فيه ولا تخطئة، لأنه مجال للاجتهاد (2). وأورد الخراساني اختلاف الصحابة في حد الفجر المحرم للأكل، المبيح للصلاة. وترجيح ما اعتضد بالسنة والقياس (3). ولئن استقر رأي الجمهور من حجية قول الصحابي على التفصيل الذي ذكرناه، فإن من الأفضل أن تُحسم هذه الافتراضات بعملية استقرائية، لحصر كل آراء الصحابة في المسائل الاجتهادية التي لا نص فيها من كتاب ولا سنة ولا إجماع، ثم تصنيفها والخروج بقواعد مضبوطة في اعتماد تلك الآراء أو ردها. ونستريح من عناء الافتراضات والتفريعات النظرية. ويمكن الاستعانة بأجهزة الحاسوب في الحصر والتصنيف لتحقيق هذه الغاية، فنحن بأمس الحاجة إلى أن يكون فقهنا وأصوله علما واقعيا، لا صوريا أو افتراضيا. -2 - شرع من قبلنا
من بدهيات العقيدة الإسلامية أن الإسلام آخر الرسالات السماوية، وأنه مهيمن على سائر الأديان الأخرى، كما قال تعالى: وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَبَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَبِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ [المائدة: 48]. وأنه في الجملة ناسخ للكتب السابقة، فلا اعتداد بها بعد نزول القرآن ومجيء الإسلام وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ
1) ابن بركة، الجامع، 1: 569. 2) ابن جعفر، الجامع، 3: 101/ 103. 3 الخراساني، المدونة، 1: 322/ 321.
591 (1/591)
صفحة 589
3
الباب الثالث: اجتهاد الترجيح والاستدلال
الْخَسِرِينَ [آل عمران: 85].
بيد أن علماء الأصول تحدثوا عن إمكان ورود أحكام في الكتب السابقة
الله بها
ظلت سارية المفعول، وتعبد بها أمة الإسلام. والذي اتفقوا عليه، أن أصول الدين والأخلاق وأصول الأحكام، لا
نسخ فيها بين الديانات، وهو ما بينه الله تعالى في غير ما آية من القرآن، أن الرسل كان التوحيد، يأمرون أقوامهم بعبادة الله دينهم وحده والإيمان باليوم الآخر، وإقام الصلاة وإيتاء الزَّكَاة والصدق في القول والعدل في
المعاملات (1).
ما الشرائع غير السماوية فلا اعتداد بها أصلا، لأن التشريع كالخلق من وحده أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُّ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ
خصوصيات
[الأعراف: 54].
الله
وما نص عليه الكتاب والسنة من الأحكام هو المعتمد، ولا اعتبار لما ورد في غيره من الكتب السابقة سواء في مجال العبادات أم المعاملات وشؤون
الحياة.
غير أن ثمة مسائل معدودة لم يرد بها حكم في القرآن ولا في السنة، فهل لنا أن نلجأ لاستقاء أحكامها من كتب ديانات خلت، أم إن الأمر محظور، بحجة نسخ الإسلام لهذه الديانات؟
هذا ما عرف بشرع من قبلنا. وقد اختلف الأصوليون فيه اختلافا كبيرا. وتعددت آراؤهم نظريا في القضية، وكان بوسعهم أن يتقيدوا في ذلك بالواقع الفعلي لهذه القضايا التي لم يرد بها حكم في القرآن ولا في السنة، فهي معدودة لا تستحق ما ما أثير حول
هذا الدليل من جدل طويل. أورد السالمي مبحث شرع من قبلنا في آخر مباحث السنة، وكأنه من باب الأخبار (2). وهو مصيب في هذا الاعتبار. إذ شرع من قبلنا دليل نقلي لا عقلي.
(1) الوَارجُلانِي، العدل 1 181.-الأصم، النور، 204.
2 - السالمي، طلعة، 2: 60.
592 (1/592)
صفحة 590
E 3
الفصل الثاني: الانتد لان
ولهذا المبحث صلة بحكم الأشياء قبل ورود الشرع، وحكمها بعد ورود
الشرع.
أما قبل ورود الشرع وإرسال الرسل؛ فبعض الإباضية على القول بالإباحة الأصلية، أو العقلية. وهو قول الوَارجُلاني وأبي يحي زكرياء بن أبي بكر، وهو الراجح. إذ لا تكليف قبل قيام الحجة وإرسال الرسل، غير ما يؤدي إليه نظر العقل.
وجمهور الإباضية وأكثر معتزلة بغداد والشَّافِعِيّة والشيعة على القول
بالحظر.
وتوقف الصيرفي والأشعري في ذلك (1).
واستدل كل فريق لما ذهب إليه بأدلة عقلية ونقلية (2).
وقال عنها البَرَّادِي: «هذه المسألة جرت عادة الأصوليين بالخوض والتنازع فيها، وهي عديمة الفائدة، والحاجة غير ماسة إليها حيث الشرائع ثابتة، والحلال بين والحرام بين، وحلال الله حلال إلى يوم القيامة ... وقولهم: حكم الأشياء قبل ورود الشرع، معناه قبل ورود الحكم. فكيف السؤال عن الحكم وليس ثم حكم؟ والحكم في الحقيقة هو خطاب الله تعالى» (3). أما بعد ورود الشرع، ففي المسألة الخلاف المذكور، التحليل والتحريم
والتوقف.
النصو
ومال أبو سعيد الكدمي إلى الحلية ما لم يرد محرم؛ وهو الأعدل، لدلالة عليه وسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ} [الجاثية: 13].
وذكر الله ذلك في معرض الامتنان، ولا يمتن الله بغير الجائز (4). وإذا ما ورد الشرع وانتفى الحكم فيه، ولكن وجدناه في شرع سابق، فما العمل؟ هنا يأتي موقع دليل شرع من قبلنا.
1) الوَارِجلاني، الدليل والبرهان 3: 235 - الشماخي شرح المختصر، (مخ) 20 و = تحقيق مهني التيواجني، 280.- السالمي، طلعة، 2: 189.
2) ينظر تفصيل الأدلة الوارجلاني، العدل، 1: 89/ 88 - الغزالي، المستصفى، 1: 63/ 65. (3) البَرَّادِي، البحث الصادق، 2: 219 و.
4 - السالمي، طلعة، 2: 190/ 191.
593 (1/593)
صفحة 591
الباب الثالث: اجتهاد الترجيح والاستدلال
E 3
وهل كان النبي بعد البعثة متعبدا بشرع من قبله؟ لم يتحدث متقدمو الإباضية عن شرع من قبلنا كمصدر للأحكام، بل نفوا
كونه شرعا لنا.
من
ذلك أن ابن بركة ذكر اختلاف أصحابنا في كراء الأرض بجزء مما يخرج منها. ورجح فساد ذلك، وهو المخابرة التي نهى عنها النبي، ولأنها لا تشبه المضاربة، لأن المضاربة تتم بالمال فقط، ولا تشبه الإجارة، لأن الإجارة
تذهب بذهاب العمل. وكلا الوصفين غير متحقق في المخابرة. وقد قيل بجوازها استدلالاً بآية الرضاع فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَتَاتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ [الطلاق: 6].
وجوابه أن ذلك نص خاص، لا حظ للنظر معه. أما الاستدلال بآية إجارة مُوسَى عاملا الشعيب فجوابه «إنا لم تتعبّد اليوم بشرائع الأنبياء المتقدمين، فنحن على شريعة محمد، ولسنا على شريعة شعيب. وشريعتنا ناسخة لكثير من شرائع الأنبياء صلوات الله عليهم» (1). فقد وظف في هذه النظرة الناقدة الاجتهاد القياسي، وخلص إلى عدم صحة المخابرة، معتمدا على السنة التي وردت بالنهي عنها. وعلى الدليل العقلي للرد على من قال بجوازها، وانتهى إلى عدم الاحتجاج بشرع من قبلنا جملة وتفصيلا؛ ولو حكاه الله في القرآن.
ونص في موضع آخر أن الإسلام فسخ كل عقد قبل الإسلام، إلا أشياء
أوقف النبي أمته عليها، وأثبتها فصارت كالفعل المبتدإ» (2). وبين الإمام الكدمي أن كل ما حلّ في شريعة نبي من الأنبياء صلوات الله عليهم كان التمسك به هدى وعدلا، وصوابا، ما لم ينسخه غيره من الأنبياء والمرسلين. فإذا جاء الدين الناسخ صار ذلك ضلالا وخطأ لا يجوز
الله
التمسك به» (3).
كما أكد أبو ستة أن الراجح أن شرع من قبلنا ليس بشرع لنا، إلا في ما
(1) ابن بركة، الجامع، 2: 399/ 400.
2) ابن بركة، الجامع، 2: 108.
(3) الكدمي، المعتبر، = (مخ) - 82 ظ / 83 و. = (مط) 1: 184.
594 (1/594)
صفحة 592
الفصل الثاني: الانتد لان
E
لا يُنسخ كالتوحيد ومحاسن الأخلاق» (1). أما الوار خلاني فحدد من ذلك ما ذكره الله تعالى حكاية عنهم في القرآن
ولم يُنسخ» (2).
وأول من أورد الخلاف مفصلا في القضية هو السوفي، إذ قال: «واختلف
الناس في شرع من قبلنا على خمسة أوجه:
فمنهم من قال ليس بشرع لنا.
وقيل: شرع إبراهيم وحده لا غيره.
ورُوي عن الشيخ يخلفتن بن أيوب أن ليس شرع إبراهيم يلزمنا إلا في
مناسك الحج وحده. = ومنهم من قال شريعة مُوسَى شرع لنا إلا ما نسخت منها شريعة عيسى. ومنهم من قال: شريعة عيسى شرع لنا.
=
وقال آخرون: متعبد لنا بشريعة نُوح، لقوله: وَإِنَّ مِن شِيعَيْهِ
لإبرهيم} [الصافات: 83]. أي من دين نوح، وقيل: من ذريته. = وقال آخرون: لم نتعبد بشيء من الشرائع إلا ما لا يجوز نسخه كالتوحيد ومحاسن الأخلاق. وإليه يتوجه قوله تعالى: فَبِهدَ لَهُمُ اقْتَدِة (الأنعام: 90]. وبهذا القول يقول بعض أصحابنا، استنادا إلى إجماع الأمة أن ليس على المجتهد أن يرجع إلى ما في الكتب المتقدمة والسنن الماضية» (3).
وقد أوسع الغزالي القضية بحثا في المستصفى (4).
وخلص السالمي إلى حصر الخلاف في أقوال ثلاثة - أنه ليس بشرع لنا. - أنه شرع لنا. أنه شرع لنا بشرطين: أن يحكيه الله أو الرسول، وأن لا ينكره أو يحكم
بخلافه. قال:
و شرع من قبلنا إذا لم يُبْدَل شرع لنا على المقال الأعدل إن قصه الله أو المختار شرعًا لنا ولم يقع إنكارى
(1) أبو ستة، حاشية الترتيب، 1: 137.
2 الوارجلاني، العدل، 1: 82. 3 السوفي، السؤالات، 85/ 84. (4) الغزالي، المستصفى، 1: 260/ 250. 5 السالمي، طلعة، 2: 60.
595 (1/595)
صفحة 593
الباب الثالث: اجتهاد الترجيح والاستدلال
*
والتحقيق أن هذا القول يؤول إلى أن شرع من قبلنا ليس شرعا لنا على الاستقلال. وأن الحجة في الكتاب والسنة، لأنهما أوردا هذا الحكم حكاية، ثم أقراه على ذلك. فثبتت حجيته بهذا الاعتبار. وعُدنا إلى مصادر التشريع المعتمدة، الكتاب والسنة. فلا، اختلاف ولا قيل ولا قال. وكفى الله المؤمنين القتال.
المبحث الثاني: الأدلة العقلية
1 - المصالح المرسلة
- المفهوم والتأصيل
لم يُعرف مصطلح المصالح المرسلة في الفقه الإسلامي أول عهده، وإنما كان ثمة إشارات إلى المصلحة (1).
ومع تنامي البحث الأصولي والتطور المنهجي في ضبط مسالك العلة،
عرف الأصوليون مصطلح المصالح المرسلة في مسلك المناسب. والمناسب أو المناسبة، هو الموافقة والملاءمة بين الوصف والحكم، أي كون الوصف صالحا لعلة الحكم بظهور المناسبة دون أن يرد بها نص أو إجماع أو تنبيه؛ وتسمى إخالة، لأنه بالنظر إليها تخال وتظن أنها علة، كما تسمى تخريج المناط، وهو الطريق الأغلب في المناظرة (2).
وقسم الأصوليون المناسب على أساس اعتبارات ثلاثة:
1 باعتبار إفضائه إلى المقصود.
2 باعتبار نفس المقصود.
3 باعتبار الشارع.
=
1 فبالنظر إلى إفضائه للمقصود، يكون على درجات:
= فقد يحصل به المقصود يقينا، كالبيع لحل الانتفاع، والنكاح لجواز
1) من
ذلك ما روي عن جابر في جواز بيع أمهات الأولاد على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر، وصدر من خلافة عمر حتى نهاهم عمر لما سمع بكاء صبي بيعت أمه. وعقب ابن بركة على ذلك: أن عمر جمع الصحابة وشاورهم عن طريق المصلحة للرعية وأطفالها، بأن يمنع عن بيعهن، فمنع ذلك من طريق مصلحة النظر للرعية، ثم أجازه علي بعده. ابن بركة، الجامع، 2: 246 ومكرر في 252.
2 الشماخي شرح المختصر، تحقيق مهني التيواجني، 568.
596 (1/596)
صفحة 594
E 3
الاستمتاع.
=
المشقة.
=
الفصل الثاني: الاستد لان
وقد يحصل به ظنا كالقصاص للزجر وردع الجناة، وكالسفر لظن
- وقد يستوي حصول المقصود، وعدمه، كالحد في الخمر والزني، فإن عدد المنزجرين وغيرهم متفاوت.
= وقد يكون حصول المقصود مرجوحا، كنكاح الآيس ابتغاء النسل. = وقد يكون معدوما، كنكاح امرأة وعدم لقائها، بأن يكون أحدهما بالهند والآخر بالمغرب، ثم ولادتها؛ فلا يُقطع بأن الولد للفراش. أو كاستبراء جارية يشتريها بائعها في المجلس (1). والتعليل بالأنواع المذكورة جائز عند أهل القياس، إلا النوع الأخير فقد اختلف الإباضية كغيرهم في جواز التعليل، به لعدم حصول المقصود من الحكم فيه، فأجازه من رأى التعقل، ومنعه من رأى التعبد في هذه الأحكام (2). حفظ 2 أما النظر إلى المقصود من الحكم فإنه يتعلق بالمصالح، وهي الكليات الخمس المعروفة الدين والعقل والنفس والنسل والمال. وهي على
درجات ضروريات وحاجيات وتحسينيات ولكل منها مكملات. ومجمل أحكام الشرع تندرج تحت هذه الكليات؛ تحصيلا لها، أو حفاظا عليها بعد وجودها (3).
=
3 والمناسب باعتبار الشارع ينقسم إلى معتبر وملغى ومرسل. المناسب المعتبر: ما شهد الشارع باعتباره بنص أو إجماع، أو بترتيب الحكم على وفقه.
ويشمل الأحكام التي شرعت لحفظ مقاصد الشرع المذكورة. وقد فصل بعضهم أنواعه إلى مناسب مؤثر وملائم، وغريب. وذلك بحسب تأثير
1 - الشماخي، شرح المختصر، تحقيق مهني التيواجني، 572/ 570.- السالمي، طلعة، 2:
123/ 122
2 - السالمي، طلعة، 2: 124/ 125.
3 ينظر: الغزالي، المستصفى، 1: 314/ 284 - الشماخي شرح المختصر، تحقيق مهني التيواجني، 574/ 572.
597 (1/597)
صفحة 595
الباب الثالث: اجتهاد الترجيح والاستدلال
الوصف في الحكم عموما وخصوصا، أو عينا وجنسا (1).
=
C 3
المناسب الملغى وهو ما شهد الشرع بإلغائه وعدم الاعتداد به في وضع الأحكام، كإيجاب صوم شهرين في كفارة الجماع في نهار رمضان على الغني؛ فهو مصادم للحكم الشرعي بترتيب الكفارة بدءا بالعتق، ثم الصوم ثم الإطعام. وكالتسوية بين الذكور والإناث من الأولاد في الميراث، لمصلحة العدل. وهو مصادم لآية المواريث التي حددت الأنصبة، وفيها لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِ الْأُنثَيَيْنِ} [النساء: 11].
وهذا متفق على عدم جواز التعليل به لمناقضته للنصوص (2).
=
المناسب المرسل: هو وصف مناسب ترتبت عليه مصلحة العباد، واندفعت به عنهم مفسدة. ولكن لم يُعلم من الشارع اعتبار ذلك الوصف بعينه ولا بجنسه في شيء من الأحكام، ولا إلغاؤه؛ فكان مرسلا، أي غير مقيد باعتبار ولا إلغاء (3). وقد اختلف في جواز التعليل به وعُرف بالمناسب المرسل لدى المتكلمين كما سماه المالكية المصالح المرسلة، وخصوه بمزيد اهتمام ضمن المصادر التبعية (4).
وسماه الغزالى بالاستصلاح، واعتبره من الأصول الموهومة (5)، بينما انفرد الشماخي على خلاف المشهور فقصد بالمناسب المرسل، المناسب الملغى، وعرفه بأنه ما لم يثبت اعتباره لا بالنص ولا بترتيب الحكم، ومثل له بفتوى
1 الشماخي شرح المختصر، تحقيق مهني التيواجني، 575 - الزحيلي، أصول الفقه، 2: 752. 2 الزحيلي أصول الفقه 2 753 3 السالمي، طلعة، 2: 185.
4) وقد حكي عن الإمام مالك القول بالمصالح المرسلة مطلقا. حتى نسب الجويني إليه الإفراط فيها إلى حد استحلال القتل وأخذ المال لمصالح يقتضيها في غالب الظن، وإن لم يجد لها مستندا. ولكن جماعة من المالكية أنكروا هذه النسبة. ومنهم القرطبي الذي اعتبر قول الجويني اجتراء ومجازفة لا سناد لها في كتب المالِكِيَّة. وأكد ابن دقيق العيد أنه لا شك في ترجيح مالك للمصالح على غيره من الفقهاء، ويليه أحمد بن حنبل. وهو ما زكاه القرافي والشوكاني وعمما الحكم بأن جل الأئمة على العمل بها. إذ يعتبرون المناسبة ولا يطلبون شاهدا بالاعتبار. وتلك هي المصلحة المرسلة ينظر: الشوكاني، إرشاد الفحول 212 - الزحيلي أصول الفقه، 2: 754. 5) الغزالي، المستصفي، 1: 284.
598 (1/598)
صفحة 596
E
الفصل الثاني: الانتد لان
صيام شهرين لمنتهك حرمة رَمَضَان بالجماع؛ فهو مناسب لقصد زجر المترفين، ولكم علم من الشارع عدم اعتباره (1)، فهو يقصد بعدم الاعتبار معنى الإلغاء. أما السَّالِمِي فسار في ضبط معناه مع رأي الجمهور، وقال: ومنه و صف لم يكن معتبرا من شارع الحكم وليس مهدرا
وظهرت لنا به مصلحة وإسمه المصالح المرسلة (2). وذكر اختلاف العلماء في الاستدلال، به وأن للإمام مالك عناية خاصة
وكلية (3).
كما اعتبره الغزالي، واشترط لذلك أن تكون المصلحة ضرورية وقطعية وعقب السالمي بقوله: إنك إذا تأملت مذهب الأصحاب رحمهم الله تعالى، وجدتهم يقبلون هذا النوع من المناسب ويعللون به، لما دلّ عليه مجملا، أي وإن لم يدل على اعتباره بعينه أو جنسه، فإن الأدلة الشرعية دالة على اعتبار المصالح مطلقا، كما في قوله تعالى: وَيَسْتَلُونَكَ عَنِ الْيَتَمَى قُلْ إِصْلَاحُ همْ خَيْرٌ وَإِن تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ [البقرة:
[220
أن المقاصد الشرعية إنما اعتبرت المصالح جملة وتفصيلا، فينبغي إلحاق ما لم يُعلم اعتباره منها بما علم، اعتباره لعلمنا بمراعاة الأصلحية منه تعالى، تفضلا على خلقه، وتكرما على عباده لا وجوبا ولا إيجابا» (4).
1) الشماخي، شرح المختصر، تحقيق مهني التيواجني، 577.
(2) السالمي، طلعة 2: 185. -3 - لا تناقض في اعتبار الغزالي للمصلحة بشروطها الثلاثة، مع قوله بأن الاستصلاح من الأصول الموهومة، وقد أجاب عن ذلك بأننا نعني بالمصالح المرسلة، ما يعود إلى حفظ مقاصد الشرع الخمسة التي تعرف بالكتاب والسنة والإجماع. وكل مصلحة لا ترجع إلى هذه الأصول وكانت غريبة فهي باطلة. ومن صار إليها فقد شرّع. وكل مصلحة تحفظ مقصودا شرعيا، علم بالكتاب والسنة والإجماع، فلا يسمى قياسا بل مصلحة مرسلة لأنها عُرفت بأدلة كثيرة لا حصر لها. وسميت لذلك مصلحة مرسلة. فهي ليست أصلا بذاتها، بل ثبتت بأصول أخرى. -الغزالي المستصفى، 1: 310/ 311. 4 - السالمي، طلعة، 2: 143.
599 (1/599)
صفحة 597
الباب الثالث: اجتهاد الترجيح والاستدلال
?
ولا نجد في المصادر الإباضية تفصيلا لمبحث المناسب المرسل، أو المصالح
المرسلة، أكثر مما أورده الشَّمَّاخِي والسَّالِمِي. وإنما نجد تجسيدا لها في اجتهادات
فقهائهم، كما نص عليه السَّالِمِي، أو أنهم يتحرّون مقصد الشارع من الحكم ويوازنون بين المصالح عند تعارضها فهم على سبيل المثال يقدمون مصلحة حفظ الدين على مصلحة حفظ النفس، ومصلحة حفظ النفس على مصلحة حفظ المال. وكثير من فروعهم مبني على هذا الاستدلال. كما تحدث الوار جلاني عن بعض مقاصد الشارع، وعن التيسير في أحكام
الإسلام.
وسنعرض لمزيد بيان لهذه القضية في الاجتهاد المقاصدي.
- الاجتهاد المقاصدي عني الإباضية وسائر أهل القياس القائلين بتعليل الأحكام، ببيان مقصد الشارع من التكليف في الجملة وفي تفاصيل العبادات والمعاملات. وسعوا لضبط هذه المقاصد وترتيبها للموازنة بينها عند التعارض، وهذا
من أهم مجالات الاجتهاد وخاصة في حالات الضرورة. وفي تصرفات الإنسان اليومية وفي، معاملاته، نجدهم يعنون بمعرفة الباعث، للوصول إلى الحكم على الفعل بناء على الدافع إلى القيام به، وعلى التصرف وفق الباعث على إنشائه. وقد يكون ثمة قصد غير مشروع، فيحد صاحبه دون بلوغه ولو كانت الوسيلة مشروعة. وهذا ما تجلّى واضحا في
مبدإ سد الذرائع.
ونكتفي في هذا المبحث بتقسيم المقاصد، وترتيبها، وبعض تطبيقاتها. ونرجئ الحديث عن قاعدة التيسير وحالات الضرورة إلى مكانها ضمن القواعد الفقهية.
إن المقاصد المرادة من الأحكام هي تحصيل المصلحة أودفع المفسدة، والمراد بالمصلحة اللذة ووسيلتها، والمراد بالمفسدة الألم ووسيلته. وكل منهما نفسي أو بدني، وديني أو أخروي (1).
والمصلحة المعتبرة في الشرع لها ضوابط فليست تابعة لأهواء الناس
1) السالمي، طلعة، 2: 118. فما بعد.
600 (1/600)
صفحة 598
الفصل الثاني: الاستد لان
وأمزجتهم، بل حددها الشرع بمعايير، ثابتة تصونها أن تحرفها الأنظار القاصرة، أو تطوّح بها الأهواء الجامحة. ولذلك اشترط في المصلحة المعتبرة أن تحت مقصد من مقاصد الشارع، وأن لا تخالف نصا من الكتاب أو
تندرج
السنة، ولا إجماعا ولا قياسا وأن لا تفوت مصلحة أهم منها. وفي هذه الشروط تفاصيل أفردها العلماء بالبحث والتأصيل (1). وقد تناولت المصادر الإباضية المتقدمة مقاصد الأحكام، وفق تقسيمات مختلفة، إذ ذكر ابن بركة أن التكليف ثلاثة أقسام: قسم أمر المكلفون باعتقاده، وقسم أمروا بفعله، وقسم أمروا بالكف
عنه.
فما أمروا باعتقاده، فإثبات التوحيد وصفات الكمال الله، وتنزيهه عن
النقص.
وما أمروا بفعله فعلى أقسام قسم على أبدانهم كالصَّلاة والصيام، وقسم
في أموالهم كالزَّكَاة والكفارة، وقسم فيهما كالحج والجهاد. وما أمروا بالكف عنه، فعلى ثلاثة أقسام كذلك، قسم لإحياء نفوسهم، كالنهي عن القتل وأكل الخبائث والسموم، وشرب الخمور المفسد للعقل.
وقسم لائتلافهم وإصلاح ذات بينهم كنهيه عن الغصب والظلم والشر المفضي إلى القطيعة والبغضاء.
وقسم لحفظ أنسابهم وتعظيم، محارمهم كنهيه عن الزنى ونكاح ذوات
المحارم.
فكانت نعمته فيما حرمه عليهم كنعمته فيما أباحه لهم، وتفضله فيما
كفهم عنه كتفضله فيما أمرهم به (2). أما الوراجلاني فقد سلك سبيلا أخرى في تقسيمه للمقاصد. إذ سماها قواعد الشرع، وحصرها في:
(1) حول تفصيل هذه الشروط، ينظر: د. محمد سعيد رَمَضان البوطي، ضوابط المصلحة في الشريعة الإسلامية. وهي رسالة دكتوراه خصصت لهذا الموضوع الهام. 2) ابن بركة المبتدأ، 128/ 127 - الأصم النور، 177 - الجيطالي، القواعد، 1: 42/ 41.
601 (1/601)
صفحة 599
الباب الثالث: اجتهاد الترجيح والاستدلال
E 3
1 أحكام الحدود والقصاصات والتباعات في الأموال، والتعاوض بالأبدال؛ لأن حاجة الاجتماع البشري وتعارض المصالح تفضي إلى التنازع
والصراع، فردعهم بهذه الأحكام.
2 النكاحات والإجارات والقراضات والمساقاة، لضمان سير مصالح الأنام على خير ما يرام.
3 النظافات والطهارات، وهو تخليص الإنسانية من البهيميات. 4 - ما يؤول إلى مكارم الأخلاق والشيم ومحاسم الأفعال والهمم، من الصدقات والزَّكَاة والهدايا والعتاقات لتخليص النفوس من البخل إلى البذل
والفضل
5 - العبادات البدنية، وما فيها من مصالح لا يدركها العقل، ولا يصل إليها بالقياس (1).
ثم جاء السالمي فسلك النهج الذي سار عليه جمهور الأصوليين، إذ إنهم لم يختلفوا في تقسيم هذه المقاصد إلى ضروريات وحاجيات وتحسينيات، وشمولها للكليات الكبرى للتشريع متمثلة في حفظ الدين والعقل والنفس والنسل والمال (2). وقد خص بعضهم، ومنهم الشَّمَّاخي حفظ العرض وجعله مقصدا
سادسا، بينما اعتبره الجمهور ضمن كلية حفظ النسل (3). وفصل السالمي أقسام المقاصد والأحكام التي شرعت لتحصيلها أو
للحفاظ عليها، سواء ما كان منها ضروريا أم حاجيا أم تحسينيا (4). وذكر من أمثلة فقه المقاصد قضية رمي البغاة بالمنجنيق، وتهديم معاقلهم، وإضاعة أموالهم التي تكون لهم قوة على بغيهم. فإن القائل بهذا من أصحابنا لا مستند له إلا القياس المرسل. وهو النظر فيما يعود نفعه للإسلام وظهور العدل. ولم يكن شيء من ذلك بعينه ولا بجنسه معتبرا بنص الشارع
(1) الوارجلاني، العدل، 3: 350/ 349.
(2) السَّالِمِي، طلعة 2: 118. فما بعد. - ينظر أيضا الزحيلي أصول الفقه، 2: 101 فما بعد.
3 السالمي، طلعة، 2: 120.
(4) السالمي، طلعة، 2: 118. فما بعد.
602 (1/602)
صفحة 600
الفصل الثاني: الاستد لان
E 3
أو الإجماع.
ومنها ما قاله الشيخ أبو المؤثر في حرق بيوت القرامطة، وغير ذلك كثير
في كتب أصحابنا (1).
ومن فقه الأولويات في المقاصد لحفظ النفس، فتوى الإمام جابر بن زيد في رجل أصابته جنابة بأرض لا ماء لها، ومعه ماء يسير، وخاف على نفسه العطش، قال: فإن له أن يتيمم صعيدا طيبا، كما قال الله. فيمسح وجهه يسير يسع لغسله، فإن الرجل يغسل
ويديه. فإن لم يخف ظمأ ومعه ماء
لا
مذاكيره، ثم يتوضأ وضوءه للصلاة، ثم يصلي؛ فإن بلغ الماء اغتسل» (2). وأكد ابن بركة هذا المعنى إذا امتنع الماء بغلائه، وبلغ فوق ثمنه، وكان
في شرائه على من عَدِمَه ضرر كثير، جاز له التيمم والاستبدال به عنه، والاستغناء بالتيمم وليس له أن يتلف جزءا من ماله ليضر نفسه» (3). والله يقول: {وَلَا نَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ} [النساء: 29]. كما استدلوا بإقرار النبي صلى الله عليه وسلم عمرو بن العاص على تيممه للجنابة في غزوة ذات السلاسل، خشية الهلاك لشدة
البرد (4).
فهذه الأخبار تدل على أنه لا يجوز لأحد أن يُلقي بنفسه إلى التهلكة، إذا خاف على نفسه من استعمال الماء التلف لمرض به، أو كان صحيحا، وخاف التلف من شدة البرد» (5).
ومن هذه القضايا «ما أباح الله للمضطر من أكل الميتة والدم ولحم الخنزير، إن خاف على نفسه، لأن قتل النفس ليس من القربات إلى الله
1 السالمي، طلعة، 2: 145/ 144.
2 جابر بن زيد، کتاب جابر، 20. (3) ابن بركة، الجامع، 1: 349.
4 لفظ الحديث عند الحاكم: عن عمرو بن العاص، قال: احتلمت في ليلة باردة في غزوة ذات السلاسل، فأشفقت إن اغتسلت أن أهلك، فتيممت، ثم صليت بأصحابي الصبح، فذكروا للنبي صلى الله عليه وسلم، فقال: " يا عمرو صليت بأصحابك وأنت جنب؟ " فأخبرته بالذي منعني من الاغتسال وقلت: إني سمعت أن الله يقول: ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما فضحك رسول الله ولم يقل شيئا.
المستدرك على الصحيحين للحاكم، كتاب الطهارة، وأما حديث عائشة، حديث:581. (5) الحضرمي، الدلائل والحجج، 15 و.
603 (1/603)
صفحة 601
الباب الثالث: اجتهاد الترجيح والاستدلال
?
وَلَا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ، فمن ترك الطعام والشراب بعد الجهد إليهما، وهو
يجد إليهما سبيلا، فقد قتل نفسه. وإن كان جاهلا فثوابه على الله، وإن كان
عالما
=
لم يؤمن عليه العقاب» (1).
- وفي حفظ المال سئل أبو المؤرج في رجل تصدق بماله كله، هل يجوز له أن يرجع فيه؟ قال: لا ينبغي أن يتصدق بماله كله، ويبقى يسأل الناس بكفّه. ويُردّ عليه من تلك العطية ما يعيش به، ويُمضي المتصدق عليه بقيته. وأما ابن عبد العزيز فقد قال: لا يرجع في شيء من ذلك. وقد أساء من فعل ذلك، وركب أمرا مكروها حيث تصدق بماله كله (2). ورجح حاتم بن منصور رأي أبي المؤرج، إلا أنه يُرَدّ على المتصدق من
تلك العطية ما يكفيه عن المسألة بنظر ذوي العدل (3). وهذا اجتهاد صائب، لموافقته مقصد الشارع من حفظ المال الذي به تحفظ النفوس والأعراض، وكرامة الإنسان من دل السؤال. - وفي الاهتمام بحفظ العرض، أفتى موسى بن على في رجل له يسار ولم قط، ولم يحج الفريضة أيهما أفضل؟ قال: إن كان النساء يشتهي فليتزوج، وإن صبر عن التزوج فليحج. وقال غيره: إذا خاف الفتنة
يتزوج
فليتزوج (4).
2 - الاستحسان
أثار دليل الاستحسان جدلاً طويلاً بين الحَنَفِيّة والشَّافِعِيّة؛ وأخذ مساحة معتبرة من بحوث الأصوليين واجتهادات الفقهاء.
فالحنفية توسعوا فيه تأسياً بإمامهم الذي قال عنه محمد بن الحسن: «كان أصحاب أبي حنيفة ينازعونه المقاييس، فإذا قال أستحسن لم يلحق به أحد (5).
(1) الخراساني، المدونة 1: 320 2 الخراساني، المدونة 1: 159. (3) الخراساني، المدونة 1: 159 4 ابن جعفر، الجامع، 3: 285.
5) النسفي، كشف الأسرار 2 291 أبو زهرة، المذاهب الإسلامية، 164. - البغا، أثر الأدلة
المختلف فيها،130.
604 (1/604)
صفحة 602
الفصل الثاني: الاستد لان
وردد الشَّافِعِيّة قول إمامهم: من استحسن فقد شرع» (1). وشددوا النكير على من اعتمده دليلا لاستنباط الأحكام. وموقف الإباضية كان مع القائلين بالاستحسان، إذ اعتمده الإمام جابر بن زيد في اجتهاده، وتبعه تلاميذه من بعده.
و سبب الخلاف في القضية ناتج عن عدم وضوح المصطلح أول الأمر، ثم تحدد في العصور التالية. واستبان أن معظم الفقهاء يعملون به، بين مقتصد ومكثر.
وأصل الاستحسان في اللغة عَد الشيء حسنا (2).
أما في الاصطلاح فله تعاريف كثيرة نختار منها تعريف البزدوي الحنفي الاستحسان هو العدول عن موجب قياس إلى قياس أقوى منه. أو هو تخصيص قياس بدليل أقوى منه» (3).
ويوضح السرخسي معنى الاستحسان بأنه الدليل الذي يكون معارضا للقياس الظاهر الذي تسبق إليه الأوهام قبل إنعام التأمل فيه، وبعد إنعام التأمل في حكم الحادثة وأشباهها من الأصول يظهر أن الدليل الذي عارضه فوقه في القوة، فإن العمل به هو الواجب، فسموا ذلك استحسانا للتمييز بين هذا النوع من الدليل وبين الظاهر الذي تسبق إليه الأوهام قبل التأمل» (4). وعرفه ابن قدامة الحنبلي بقوله: الاستحسان هو العدول بحكم المسألة
عن نظائرها لدليل خاص من كتاب أو سنة» (5). وتردد استعمال لفظ الاستحسان في المصادر الإباضية الأولى دون تحديد للمصطلح. فقد ذكر العوئبي الخلاف في بعض الأدلة غير النصية، ومنها
(1) الغزالي، المنخول 374 - الأسنوي، نهاية السول 4 399 - البدخشي، مناهج العقول، 3 140. - ابن قدامة روضة الناظر، 1: 410 - النسفي كشف الأسرار، 2: 299 - الشوكاني، إرشاد الفحول، 211. وينص الدكتور البغا أن جل المصادر تذكر هذا القول عن الشافعي. د. مصطفى ديب البغا، أثر الأدلة المختلف فيها في الفقه الإسلامي، 132. 2 حسن الشيء: ضد قبح وحسنت الشيء زينته ويستحسن الشيء يعده حسنا. -ابن منظور، لسان العرب مادة حسن، 2: 877.
3) عبد العزيز البخاري، كشف الأسرار، 4: 1132
4) السرخسي أصول السرخسي 2 200 وفيه تفاصيل صور الاستحسان عند الحنفية. 5 ابن قدامة روضة الناظر، 1: 407.
605 (1/605)
صفحة 603
الباب الثالث: اجتهاد الترجيح والاستدلال
القياس والاستحسان (1).
23
ثم وجدناه عند أبي زكرياء الجنّاوئي، إذ قال: «وأما الاستحسان فقول
بتقليد لا تقييد ولا دليل ولا برهان» (2).
الله
ووردت العبارة نفسها لدى الوَار جلاني (3). ولكنه لم يحدد معناه بصورة دقيقة، إذ أشار إليه بعد ذكر مناهي النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «ومناهي المسلمين من مناهي الرسول عليه السلام ومن قوله ما رآه المسلمون حسنا فهو عند حسن، وما رآه المسلمون سيئا فهو عند الله سيء " (4) فإن حجر المسلمون على مباح كان محظورا، وإن أهملوه رجع إلى الإباحة» (5).
فهل يعني بهذا كون الاستحسان حجة؟ أم إنه لا يحتج به حتى يقع إجماع المسلمين عليه؟ لأن رأي المسلمين يحتمل اجتهاد فرد منهم، أو جماعة، أو
جميعهم؟. ثم ذكر ثانية أقسام القياس، فعد الاستحسان أحد قسمي القياس الخفي، وجعله قسيما لقياس الشبه واصطلح على تسميته قياس الاستدلال، وحدده بأنه ما استوت فيه الأشباه بلا ترجيح (6). فمفهوم الاستدلال عنده قاصر على الاستحسان، ولكنه زاده توضيحا بقوله: واعلم أن الاستدلال قد قال به طوائف من الفقهاء، وأنكره بعضهم والأصل فيه ـ وهو مشعر بالحكم من لوائح وإشارات مذكورة من الأمم السابقة في القرآن، فنصبوه عَلَمًا للقياس عليها ـ لا يستند إلى شيء من قواعد الشريعة. فأجازه بعض الفقهاء بشرط أن يكون سالما من المبطلات، ونصبوه عَلَمًا على طلب المصلحة. وكان رأيا
1) العوئبي، الضياء، 3: 16.
2) الجناوني، الوضع، 7.
3 الوار جلاني، العدل، 1: 18.
4) أخرجه أحمد والحاكم عن ابن مسعود.
مسند أحمد بن حنبل، ومن
مسند
بني هاشم، مسند عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه، أما حديث ضمرة
حديث: 3493.
المستدرك على الصحيحين للحاكم، كتاب معرفة الصحابة رضي الله
وأبو طلحة "، حديث: 4413.
5 الوار خلاني، العدل، 1: 130. 6 الوَارِجلاني، العدل، 3: 345.
عنهم
606 (1/606)
صفحة 604
الفصل الثاني: الاستد لان
من رأي المسلمين. وعضدوه بقول رسول الله: «ما رآه المسلمون حسنا
فهو عند الله حسن» (1) (2).
وفي توضيح الوَارِجُلانِي هذا، تداخل بين الاستحسان والاستصلاح وشرع من قبلنا. وقد ذكر الوار خلاني أن القائلين به أبو حنيفة ومالك، ومنع منه الشافعي، ولأهل الدعوة في بعض المسائل طرف منه (3).
وميز الشوفي بين الاستحسان المقبول والاستحسان المردود، بأن الأصل في الاستحسان أنه شهوة النفس والميل بالهوى إلى الشيء، فإن قارنه دليل كان محمودا؛ وإن هويته النفس. كقوله تعالى: {قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَهَا} [البقرة: 144]. أي تؤثرها وتهواها. لأنه كان يجب التوجه إلى الكعبة بالصَّلاة، وهي قبلة أبيه إبراهيم وشرف العرب، وأن تُصرف عن قبلة اليهود (4).
ذلك
وإن كان الاستحسان بغير دليل فهو مذموم، لنهي الله تعالى عن بقوله: إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُم مِّن رَّبِّهِمُ الْهُدَى [النجم:23]. فأخبر أن الهوى ضد الهدى وقال لداود الله: وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ [ص: 26] (5).
وذكر السَّمَّاخِي الاختلاف في حجية الاستحسان وتعاريفه، ومنها: أنه دليل وقع في نفس المجتهد يعسر عليه التعبير عنه، وقيل: هو العدول عن قياس إلى قياس أقوى وقيل: تخصيص قياس بأقوى منه، وقيل: العدول إلى خلاف النظير لدليل أقوى، وقيل: العدول عن حكم الدليل إلى العادة لمصلحة الناس (6)، وهو التعريف المشهور لدى الحَنَفِيَّة؛ بينما عرف المالكية العمل به
1) سبق تخريجه.
2 الوار جلاني، العدل، 3: 357/ 358.
3 الوارجلاني، العدل، 3: 347.
(4) السوفي، السؤالات، 125.
(5) السوفي، السؤالات 125.-الملشوطي، الأدلة، 2 ظ. 6) الشماخي، شرح المختصر، تحقيق مهني التيواجني، 589.
607 (1/607)
صفحة 605
الباب الثالث: اجتهاد الترجيح والاستدلال
K
باسم الاستحسان الاستصلاحي، حيث يشمل المصلحة المرسلة التي لم يشهد له نص خاص بالاعتبار ولا بالإلغاء (1).
وعقب بأنه لا نزاع في قبوله بهذه المعاني، عدا الأول منها، فإنه يحتاج إلى ضبط وبيان لأنه لا اعتداد بما يقع في نفس المجتهد، إلا بما اعتضد بدليل شرعي. ثم مثل له بجواز دخول الحمام بأجرة معلومة دون تحديد مقدار الماء المستهلك ومدة المكوث. وقال: «ولأصحابنا ميل إلى جوازه في بعض الأحكام» (2). وأورد السالمي التعاريف نفسها وشرحها (3). كما ذكرها السيابي بإيجاز (4). بل إن المحققين من الشَّافِعِيّة ذهبوا إلى أن الإمام الشافعي قائل بالاستحسان بهذا الاعتبار، وبينوا أن قصد الشافعي من قوله: «من استحسن فقد شرع» هو الإنكار على من استحسن على سبيل التشهي. وقد استحسن الشافعي أشياء خرجها أصحابه على مآخذ فقهية. وليس ذلك الاستحسان المختلف من فيه ومما قاله أستحسن في المتعة أن تكون ثلاثين درهما، وأستحسن أن تثبت الشفعة للشفيع إلى ثلاثة أيام، وغير ذلك (5).
ولم يفصل الإباضية الحديث عن أنواع الاستحسان، ما كان منها بالنص أم بالإجماع أم بالمصلحة، واكتفوا باستعماله في اجتهاداتهم مع التنصيص على مستندهم في بعض الأحيان.
- فقد روى الربيع عن ضُمام عن أبي الشعثاء، أن عبد الملك بن مروان أتي برجل تزوج امرأة ابنه فقال: إني جهلت وما ظننت به بأسا، فقال: لا جهل ولا تجاهل في الإسلام. فضرب عنقه فرضي أبو الشعثاء فعله،
1) محمد أبو زهرة تاريخ المذاهب الإسلامية 218 2 الشماخي شرح المختصر تحقيق مهني التيواجني، 589.
3 السالمي، طلعة 2 185 فما بعد. وحول تعاريف الاستحسان ينظر أيضا: الغزالي،
المستصفى، 1: 274/ 283.
(4) خلفان السيابي، فصول الأصول، 354.
(5) الغزالي، المنخول هامش المحقق الدكتور هيتو. 374.
608 (1/608)
صفحة 606
واستحسنه (1).
الفصل الثاني: الانتد لان
وفي المدونة الكبرى نماذج من الاجتهاد بالاستحسان. = ففي ثبوت شهر رَمَضَان بشهادة الرجل الواحد، أورد حديث الأعرابي الذي شهد عند النبي أنه رأى الهلال فأمر النبي الناس بالصيام (2). وهو فعل عمر وغيره من الأئمة وفرّق بعض بين رَمَضَان وشوال، فأثبتوا رَمَضَان بواحد وشوال باثنين فإذا كان الشهر قد شهد عليه رجلان عند قوم، فقد وجب الصوم والفرض بهما، فإذا شهد رجل فالقياس أنه لا يثبت الفرض على العامة والصوم أولى بهما فيه الاستحسان إذا كان الشاهد عدلا؛ لأن فيه التحصين للفرائض والشبهات وهو قول أبي عبيدة؛ وعليه نعتمد، وهو قول العامة من فقهائنا» (3).
-
= وإن جمع الرجل أربع نسوة، ثم طلّق واحدة طلاقا بائنا؛ فبعض الفقهاء قالوا: يتزوج الرابعة - ولو كانت أختها قبل أن تنقضي عدة المطلقة، ما دام الطلاق بائنا واختاره أبو غانم الخراساني بقوله: «وإنه عندي لنفس القياس، ولكني استحسنت هذا القول، وتركت القياس» (4).
وهذا تصريح بأن الاستحسان هو العدول عن القياس إلى غيره، لدليل
أقوى. - ويقرر أبو عبيدة أن الشفعة ثابتة للشريك المقاسم، أما الجار فليست
1) الربيع، آثار الربيع 8. جابر من جوابات الإمام جابر، 125. 2) أخرجه الحاكم وأصحاب السنن عن عبد الله بن عباس.
ولفظ الحاكم: عن ابن عباس، قال: جاء أعرابي إلى النبي، فقال: إني رأيت الهلال. يعني هلال رمضان فقال: أتشهد أن لا إله إلا الله؟ قال: نعم، قال: أتشهد أن محمدا رسول الله؟ قال: نعم قال: يا بلال أذن في الناس أن يصوموا غدا.
المستدرك على الصحيحين للحاكم، كتاب الصوم، حديث: 1477.
سنن الدارمي كتاب الصلاة، باب الشهادة على رؤية هلال رمضان، حديث: 1693. سنن أبي داود، كتاب الصوم، باب في شهادة الواحد على رؤية هلال رمضان، حديث: 2006. سنن الترمذي الجامع الصحيح، أبواب الجمعة، أبواب الصوم عن رسول الله، باب ما جاء
في الصوم بالشهادة، حديث: 659
(3) الخراساني، المدونة 1: 308/ 307.
-4 الخراساني، المدونة 2: 21.
609 (1/609)
صفحة 607
الباب الثالث: اجتهاد الترجيح والاستدلال
الشفعة واجبة له إلا من باب الاستحسان وفيما يجمل أن يصنع الجار مع
جاره (1).
- وكذلك من وكل إنسانا أن يشتري له سلعة من مكان بعيد، فاشتراها واستأجر لحملها إليه بكراء، فإن الكراء لا يلزم الموكل، لأنه أمره بالشراء دون الحمل. وأما من طريق الاستحسان والعادة بين الناس فالكراء يلزمه، لأن تسليم المبيع له غير مقدور إلا بكراء. فصار كالمنطوق به في الوكالة (2). كما ذكر الوَارجُلانِي نماذج عديدة للاستحسان، منها:
من باع رجلا حرا، فعليه أن يسترده بما عزّ وهان، وإن لم تعلم حياته ولا وفاته، فعليه الدية استحسانا.
=
- من قال: ما أملك صدقة؛ فتحمل على الزَّكَاة في أموال الزكاة استحسانا. وإن قال مالي في المساكين، فبعض قال: يخرجه كله، وقيل: الثلث،
وقيل النصف وقيل: الثلثان، وقيل: أكثر وأقل. وهذا كله استحسانا. = ومن تفريعاتهم التفريق بين أنواع النوم الناقض للوضوء استحسانا، والحنث في اليمين بالملل الكافرة. واستحسنوا في النكاح المكروه إن سبقهم بالدخول أن يُقروه، وإن لم يكن دخل أن يُجددوا العقد استحسانا (3).
=
ومن
ذلك الحكم على المفقود والغائب بالوفاة بعد مضي مدة كافية لغلبة موتهما؛ استحسانا وحملا على أغلب الأحوال. وكان القياس يقضي بعدم الحكم بموتهما حتى يصح ذلك يقينا (4).
وقال الوَارِجلاني عن أحكام الظهور والكتمان بأنها تختلف بناء على الاستحسان، والذي عندي أن أمور الكتمان كلها أو جلها على الاستحسان (5). وذلك أن الإباضية لا يرون تطبيق الحدود وشعائر الإمامة أيام الكتمان، لأنها متعلقة بحال الظهور إذا عزّ سلطان المسلمين، وكانت لهم
(1) الخراساني، المدونة 2: 152
2) ابن بركة، الجامع، 2: 293/ 294. 3 الوار جلاني، العدل، 3: 348/ 347 4 - السالمي، طلعة، 2: 179. (5) الوار خلاني، العدل، 3: 348.
610 (1/610)
صفحة 608
الفصل الثاني: الانتد لان
دولة ظاهرة، وإذا غلب الظلم واستولى عليهم الجورة، ولم يقدروا على إقامة الإمامة العادلة لجؤوا إلى الكتمان، وعطلوا كثيرا من الأحكام المنوطة بالإمام؛ ذلك شعيرة الجهاد وإقامة الحدود، وإجراء اللعان، وحكم مانع الحق، والطاعن في الدين. وفي رسول الله أسوة حسنة إذ إنه لم يطبق هذه
ومن
الأحكام إلا لما ظهر أمره بالمدينة، وكان له دولة وسلطان (1). وقد رد ابن بركة على بعض صور الاستحسان لدى الحنفية. من ذلك أن طاف بالبيت للإفاضة ثلاثة أشواط، ثم رجع إلى بلده فذكر ذلك، أنه يلزمه الرجوع حتى يتم الطواف سبعة أشواط، وإلا لم يصح حجه. أما إن كان قد طاف أربعا، فإنه لا يلزمه الرجوع، لأنه أتى بالأكثر وفرقوا بين
من
الحالين استحسانا.
فردّ عليهم بأنه على هذا القول لا يلزم من صلّى ثلاث ركعات من الظهر أن يتم صلاته، لأنه قد أتى بالأكثر. ولا قائل بهذا، بل عليه إتمام أربع ركعات في الصلاة، وسبعة أشواط في الطواف؛ ولا فرق فلا يخرج من الفرض إلا
بتأديته كاملا، ويجب عليه أن يستوعبه ويدع الاستحسان (2). وقد يُعترض على ابن بركة أن أمر الحج يختلف عن الصلاة، فقضاء الصلاة أمر يسير، أما الحج ففي قضائه كلفة وعنت في المال والبدن. ولذلك فرق الحنفية بينهما استحسانا.
وهذه النماذج تؤكد ما أوضحناه من أن الإباضية كانوا في الأصول
عمليين أكثر منهم نظريين.
3 - الاستصحاب
الاستصحاب في اللغة طلب المصاحبة (3).
وعند أهل الأصول الحكم على الشيء بما كان ثابتا له أو منفيا عنه، لعدم
1) للتفصيل ينظر: الوَار جلاني، العدل 3 359/ 358 - Ennmi. Studies. 102/101. 2) ابن بركة، الجامع، 2: 212. 3 جاء في قواميس اللغة: صحبه وصاحبه عاشره. والصاحب المعاشر. واستصحب الرجل: دعاه إلى الصحبة. وكل ما لازم شيئا فقد استصحبه ابن منظور، لسان العرب، مادة: صحب،
611
2400:4 (1/611)
صفحة 609
المجال: المطبوعات، كتب
المادة: أصول الفقه والقواعد الفقهية
------------------------------------------
العنوان: منهج الاجتهاد عند الإباضية
المؤلف: مصطفى صالح باجو
تقديم: أحمد بن حمد الخليلي
الناشر: جمعية التراث
مكان النشر: القرارة - غرداية - الجزائر
تاريخ النشر: 1442ه/ 2021م
الطبعة: 2 (منقحة)
أصله: أطروحة دكتوراه
ردمك: 7-55-553-9931-978
الإيداع القانوني: أفريل 2021م
------------------------------------------
مصدر النسخة المصورة للكتاب (PDF) من موقع المكتبة السعيدية:
https://alsaidia.com/node/577
ملاحظة: قامت المكتبة السعيدية باستغلال تقنية التعرف الضوئي على الحروف في اللغة العربية (OCR) في إنشاء هذه النسخة المصورة (PDF)، لذلك فإنه يمكن البحث فيها للوصول إلى المعلومة بسهولة.
تنبيه: قام فريق مشروع المكتبة الشاملة الإباضية باستغلال تلك التقنية لتوفير النص المرقون، وذلك بالتحويل الآلي لصور صفحات الكتاب إلى نص، لذا فالنص الناتج ليس صحيحا 100%، لذا يمكن استخدام ذلك النص لنسخ جمل وفقرات من هذا النص الناتج، مع ضرورة مراجعته ومقارنته بنسخة (PDF) المرفقة، وتعديله وفقا لذلك قبل اعتماده.
ترقيم الصفحات: موافق للمطبوع
تاريخ النشر الرسمي بالشاملة الإباضية: 22 رجب 1446ه/ 22 - شهر 01 - 2025م. الباب الثالث: اجتهاد الترجيح والاستدلال قيام الدليل على خلافه.
3
فهو عبارة عن إبقاء ما كان على أصوله التي كان عليها من وجود أو
عدم أو نحوهما، ما لم يرد دليل ينقله عن حكم أصله إلى حكم آخر» (1). فمبناه عدم قيام الدليل على تغيير حكم سابق. ولذلك اعتبر آخر ما يلجأ
إليه المجتهد (2). لأن ما ثبت في الماضي فالأصل بقاؤه في المستقبل (3). وهو ما سار عليه الوَارجُلانِي، إذ جعله آخر أقسام أدلة الشرع، وأدرج فيه براءة الذمة وشغل الذمة. فأما براءة الذمة فإن الأصل في الفرائض براءة الذمة منها، لا فرض إلا بثبوت الشرع عليه، فمن ادعى شغلها فعليه الدليل. وما ثبت من الفرائض فالأصل شغل الذمة، ومن نفاه بعد ثبوته فعليه الدليل» (4).
وعرف الجناوني براءة الذمة بأن «الأصل في الفرائض براءة الذمة منها، لا فرض إلا بثبوت الشرع عليه؛ فمن ادعى شغلها فعليه الدليل، ومن نفاه بعد ثبوته فعليه الدليل» (5).
ويتبين من تعريف الاستصحاب أنه نوعان:
=
الأول: استصحاب حكم العقل بالإباحة، أو البراءة الأصلية، عند عدم
الدليل على خلافه.
=
- الثاني: استصحاب حكم شرعي ثبت بالدليل، ما لم يقم دليل على
تغيير ذلك الحكم (6).
وقد سماه الغزالي دليل العقل والاستصحاب. وجعله رابع الأدلة بعد الكتاب والسنة والإجماع؛ إذ إن العقل دلّ على براءة الذمة عن الواجبات وسقوط الحرج عن الخلق في أفعالهم حتى يرد عليهم السمع بأحكامه. فنحن
1 - السالمي، طلعة، 2: 179 - الرواحي، نثار الجوهر، 1 82. – خلفان السيابي، فصول
الأصول، 351. 2) على حسب الله أصول التشريع الإسلامي، 168.
3) الشوكاني، إرشاد الفحول، 208.
(4) الوار جلاني، العدل، 1: 18. 5) الجناوني، الوضع، 7. 6) باجو، أبو يعقوب الوارجلاني، 318.
612 (1/612)
صفحة 610
E 3
الفصل الثاني: الاستدلال
على استصحاب العدم الأصلي بدليل العقل. فالصلاة لم تكن واجبة، ثم ورد النبي بوجوب خمس صلوات، فنلتزمه ولا تجب علينا صلاة سادسة لعدم ورود السمع بها ولا يقال ربما ورد الدليل ولم نعلم به فعدم العلم ليس علما بالعدم لأن الأصل أن ينتشر الخبر ويشتهر. فإذا ما خفي علينا كان ذلك ظنا قويا قد يبلغ درجة اليقين بعدم وروده، فيكون عدم العلم به علما بعدمه. وقد كُلفنا في باب الأحكام العمل بالظن الغالب لا باليقين. (1). وبذلك ثبت استصحاب حال الأصل وهو براءة الذمة الثابتة بدليل العقل. كما أن المجتهد إذا استفرغ وسعه في البحث فغلب على ظنه انتفاء الدليل، فإن ذلك يُنزّل منزلة العلم في حق العمل، لأنه ظن استند إلى بحث واجتهاد هو غاية الواجب على المجتهد (2).
والاستصحاب حجة عند الإباضية وعند الشَّافِعِيّة والحنابلة، وقد عقد له ابن القيم فصلا مطولا في كتابه أعلام الموقعين"، خلافا للمعتزلة والحنفية (3). والحجة على اعتبار الاستصحاب حديث إن الشيطان ليأتي أحدكم فيقول: أحدثت أحدثت، فلا ينصرفن حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا» (4).
(1) الغزالي، المستصفى، 1: 217/ 220. (2) الغزالي، المستصفى، 1: 217/ 220.
-
(3) التلاتي، رفع التراخي 2 - السالمي، طلعة، 2: 179 - الغزالي، المستصفى، 1: 217 - ابن القيم، أعلام الموقعين 1 339 السرخسي أصول السرخسي، 2: 199 فما بعد. ابن بدران المدخل، 286 - الشوكاني، إرشاد الفحول، 208. - وحول أقسام الاستصحاب وحجيته مفصلا،
ينظر: البغاء أثر الأدلة المختلف فيها، 186 - 197 - الزحيلي أصول الفقه، 2: 859 - 872 4 الحديث رواه الربيع عن جابر عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم بلفظ " إذا شك أحدكم في صلاته فلا ينصرف حتى يسمع صوتا أو يشم ريحا"، باب 17. ح 106 1: 3 وورد بألفاظ متقاربة في كتب السنة: صحيح البخاري، كتاب الوضوء، باب من لم ير الوضوء إلا من المخرجين: من القبل،
حديث: 174.
صحيح مسلم، کتاب الحيض، باب الدليل على أن من تيقن الطهارة، حديث: 566. السنن الكبرى للبيهقي، كتاب الصلاة، جماع أبواب الكلام في الصلاة، باب من أحدث في صلاته قبل الإحلال منها بالتسليم، حديث: 3142
سنن أبي داود، كتاب الطهارة، باب إذا شك في الحدث، حديث: 153.
613 (1/613)
صفحة 611
الباب الثالث: اجتهاد الترجيح والاستدلال
23
قال أبوستة: وهو حديث أخذ به جمهور العلماء. ونقل عن الخطابي أن هذا الحديث أصل حكم بقاء الأشياء على أصولها، حتى يتيقن خلاف ذلك، ولا يضر الشك الطارئ عليها» (1).
وكثير من قواعد الشرع دالة على الاستصحاب. فمن قال: لا إله إلا الله محمد رسول الله. حرم دمه وماله مدة حياته، ولو لم يُسمع منه تشهد بعد ذلك
أبدا، حتى يصح ارتداده، وهو معنى الاستصحاب. وغير ذلك في أحكام الشرع كثير (2). وقد حصر العوئبي مجموعة من أصول الأحكام على الأشياء؛ يبنى عليها الاجتهاد بإعمال قاعدة الاستصحاب:
- فأصل بني آدم الحرية. والرق طارئ عليهم.
- وأصل الماء الطهارة.
- وأصل الدم النجاسة.
- وأصل النكاح الإباحة حتى يحظره التحريم.
- وأصل الفروج التحريم حتى يحلها واحد من أوجه أحكام التحليل. - وكل حلال فهو على أصله حتى يصح تحريمه.
=
=
=
وكل حرام على أصله حتى يصح تحليله.
- وكل طاهر على حكم طهارته حتى يصح تنجيسه. - وكذلك كل نجس فهو على نجاسته حتى تصح طهارته.
==
- وكل حي فهو على حكم الحياة حتى يصح موته. وكل غائب فهو على حكم الغيبة حتى يصح موته. وفيه اختلاف. - والأشياء على أصولها حتى ينقلها ناقل عنها (3). أما فائدة الاستصحاب فإنه يفيد تأكيد الحكم السابق، ولا يثبت به حكم جديد، بل يستمر به حكم البراءة الأصلية الثابت بالعقل. أو حكم الشرع الثابت بدليله.
(1) أبو ستة، حاشية الترتيب 1: 128.
(2) السالمي، طلعة 2: 180 3) العوتبي، الضياء، 3: 15.
614 (1/614)
صفحة 612
:
E 3
الفصل الثاني: الاستد لان
وفي تنزيل هذا الدليل على أرض الواقع أفرز خلافا بين الأصوليي، هل يصلح حجة في الدفع والإثبات معا؟ أم في الدفع دون الإثبات؟ يرى الإباضية أن الاستصحاب حجة فيهما معًا، في الدفع والإثبات. وإن كان لازم مذهب بعضهم عدم حجيته.
وهذا ما يوضحه لنا اجتهادهم التطبيقي في بعض المسائل.
=
من ذلك خلافهم في حكم المفقود الذي بقي أمره مجهولا حتى حكم القاضي بوفاته بناءً على طول غيبته ورجحان، موته، فما حكم ميراثه ممن مات
من أقاربه الذين يرثهم في فترة الفقد وقبل صدور الحكم بوفاته؟ ذهب الحنفية والمالِكِيَّة إلى أن هذا المفقود لا يرث في هذه الحال، لعدم تحقق وجوده حيا حين غيبته أو فقده. بينما ورثه الإباضية والشَّافِعِيّة والحنابلة استصحابا لحياته التي كانت ثابتة قبل فقده بيقين فتستمر إلى حين ظهوره أو الحكم بموته؛ فيتغير حكم الأصل حينئذ. فهو قبل الحكم بموته في عداد الأحياء يرث ولا يورث، وبعد الحكم في عداد الأموات يورث ولا يرث. ولا يُعامل باعتبارين مختلفين، لأن ذلك يتناقض وقاعدة الاستصحاب (1). - وفي باب الطهارات:
=
- كل ماءٍ وُجد متغيرا ولم يُعلم أن تغيره كان من نجاسة، فهو محكوم له بالطهارة، لأنها اليقين وما سواه شك عارض (2).
وقال الجيطالي: والذي يزيل الوسواس أن تعلم أن الأشياء خلقت طاهرة بيقين، فما لم تشاهد عليها نجاسة ولا قامت الحجة بها. فحكمها الطهارة على الأصل الأول» (3).
=
رجل يُشبه له أن البول يخرج منه، فيتحرى فيجد البول حينا، ولا يجده حينا. هل عليه أن ينظر كل ما شك؟ قالوا: يبني على الحال الأغلب. وإذا تحققت التهمة استحبوا له الاستبراء، وما لم يقع اليقين والمعاينة فلا يحكم
1) السالمي، طلعة 2: 179 - على حسب الله أصول التشريع الإسلامي، 170.
(2) ابن بركة، الجامع 1: 257 (3) الجيطالي، قواعد، 1: 310.
615 (1/615)
صفحة 613
الباب الثالث: اجتهاد الترجيح والاستدلال
بالنجاسة على ظاهر الأمر (!).
=
?
- إذا لقي رجل رجلا حاملا لحما فمسه منه، دم، فحكمه أنه نجس، حتى يعلم أنه غسل المذبحة.
وأما إذا باع عليه فحكمه أنه طاهر، لأنه متعبد بأن لا يبيع إلا طاهرا. قد غسل مذبحته.
ودم العروق نجس، إلا ما كان من دم الكبد فحكمه طاهر، ودم اللحم لا بأس به بعد غسل المذبحة (2).
=
: وحكم المتوضئ لفريضة أو نافلة أو صلاة بعينها؛ أنه على طهارته ما لم يُحدث. وإن طرأ عليه ما ينقض وضوءه وجب عليه الإتيان به؛ وإلا بطلت صلاته. لقول النبي: «لا تقبل صلاة من أحدث حتى يتوضأ» (3). (4). فالمتطهر إذا شك في الحدث فهو على طهارته حتى يتيقن بالحدث، فشكه في الحدث لا يرفع عنه ما ثبت باليقين (5).
=
والمتيمم إذا وجد الماء وقد دخل في الصَّلاة، قطعها ولزمه فرض طهارة الماء. وهذا قول الإباضية والحنفية.
وأما الشافعي وداود فقالا يمضي في صلاته، ولا تقطع رؤية الماء تيممه. إذ ليس ذلك حدثا ناقضا للطهارة. ونحن نقول: إن التيمم بدل عن الماء، فإذا وجد المبدل منه عاد إليه وترك البدل؛ لأن هذا سبيل الأبدال كلها. فوجود الماء قبل الصلاة مبطل للتيمم اتفاقا فكذلك بعد الدخول في الصلاة ولا فرق. وقول النبي: إذا وجدت الماء فَأمِسَّه جلدك (6)، عام لكل الأحوال،
(1) ابن جعفر، الجامع، 1: 304/ 305.
2) ابن جعفر، الجامع، 1: 331.
3) أخرجه البخاري والبيهقي وأحمد عن أبي هريرة.
صحيح البخاري، كتاب الوضوء، باب: لا تقبل صلاة بغير طهور، حديث:134. السنن الكبرى للبيهقي، كتاب الطهارة، جماع أبواب الحدث باب الوضوء من الريح يخرج من أحد السبيلين، حديث: 531.
مسند أحمد بن حنبل، ومن مسند بني هاشم، مسند أبي هريرة رضي الله عنه، حديث:7892. 4 ابن بركة الجامع:1 360 - الجيطالي، قواعد، 1: 180.
5 ابن بركة الجامع:1 321 322. 1: 356 357. (6) أخرجه الحاكم وأبو داود والبيقهي عن أبي ذر الغفاري.
616 (1/616)
صفحة 614
الفصل الثاني: الانتد لان
فوجب استعمال الماء قبل الصلاة وأثناءها، ولا معنى للاحتجاج بالاستصحاب في هذه الحال، لأنه طرأ دليل يقطع استمرار الحكم الأول (1). وكذلك النية يجب استصحابها للعبادات إذا أراد فعلها، واستصحابها أن لا ينقلها من عمل هو فيه إلى غيره. أما غروب النية من غير قصد له فلا يقدح في الاستصحاب (2).
هو
==
=3
وفي باب المعاملات من علم مالا لرجل ثم غاب أو مات، فوجد المال عند غيره، فحكمه للأول حتى يصح انتقاله للآخر بدليل صحيح. وليس له أن يزيل ما تقدم من علمه إلا بعلم مثله (3).
= والديون التي ثبتت بذمة الإنسان في حياته؛ ثم يموت قبل قضائها، فإنها تخرج من تركته قبل قسمتها وليس للورثة في مال الميت سبيل حتى يصح انتفاء الديون، لأن كل شيء على أصله ثابت، حتى يصح انتقاله عن حال ما ثبت عليه. وقد ثبت هذا الدين على الهالك في ماله. حتى يصح خروجه منه بحكم ثابت (4).
- ويرى العوئبي أنه إذا مات أحد الزوجين فجائز أن يغسل كل منهما صاحبه، لأن العصمة باقية بينهما بعد الموت. قال تعالى: {وَلَكُمْ نِصْفُ ما ترك أَزْوَاجُكُمْ} [النساء: 12]. وقال: وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ
أَزْوَاجًا} [البقرة: 234]. والمدعي قطع العصمة بينهما محتاج إلى دليل (5). = وفي الشهادات، إذا شهد شاهدان على رجل أن هذا المال الذي في يده
المستدرك على الصحيحين للحاكم، كتاب الطهارة وأما حديث عائشة، حديث: 579. سنن أبي داود، كتاب الطهارة باب الجنب يتيمم، حديث: 285. السنن الكبرى للبيهقي، كتاب الطهارة جماع أبواب الغسل من الجنابة، باب فرض الغسل،
حديث: 801.
6
(1) ابن بركة، الجامع:1 338 339 - ينظر كذلك الآمدي، الإحكام، 4: 172. ابن قدامة، روضة الناظر 1 392 - الشوكاني فتح القدير 1 92 الزحيلي أصول الفقه 2: 865/ 864. (2) ابن بركة، الجامع، 1: 267.
(3) العوتبي، الضياء، 3: 15.
4 البوسعيدي، لباب الآثار 14: 448
5 ابن بركة، الجامع، 1: 363/ 362.
617 (1/617)
صفحة 615
الباب الثالث: اجتهاد الترجيح والاستدلال
E 3
حرام أو زوجه عليه حرام أو وقعت الحرمة بينهما، ولم يفسرا بالبينة ما هذه الحرمة، لم يُعتدّ بشهادتهما في هذه الأحكام. فالأشياء على أصولها حتى يصح تحولها بما لا شك فيه ولا ريب؛ سواء في الطهارات، والمحرمات، والطلاق والظهار، والولايات والبراءات (1).
=
وقد تجسدت قاعدة الاستصحاب في كثير من مسائل الولاية والبراءة. فلو أن رجلين متوليين قتل كل منهما، صاحبه، ولم يُدْرَ الظالم منهما من المظلوم؟ فقال أصحابنا بالإمضاء على ولايتهما بما تقدم فيهما من معرفة الهدى، والصلاح ولا تُترك الولاية بأمر، مظنون، ولا تزيلها الشكوك والشبهات. فنحن على أصلنا من الولاية والبراءة حتى يتبين لنا المصيب منهما ما غاب عنا. وكذلك الأمر في المتلاعنين إذا
من المخطئ. ولم يكلفنا
كانا من أهل الولاية (2).
علم
وقد انبنى على تطبيق الاستصحاب قواعد فقهية هامة منها:
ه الأصل في الأشياء الإباحة.
ه الأصل في الذمة البراءة.
اليقين لا يزول بالشك.
وهي ضوابط لكثير من مسائل الفقه وفروعه (3).
ويرسم ابن جعفر صورة واضحة لأهمية اليقين في الأحكام. أن ليس
على المرء في ظنون الشك حكم لازم ولا حجة قائمة. والشك ضد اليقين، كما أن الباطل ضد الحق، فمن اتبع الباطل ترك الحق ولم ينتفع به، ولو كان لمعالم الحق واصفا ولأحكامه عارفا. كذلك من ترك اليقين لم ينتفع به، ومن لم ينتفع بيقينه لم ينتفع بيقين غيره كمن لا يبصر بعينه، لم يبصر بعين غيره) (4).
1) ابن جعفر، الجامع، 1: 344.
2) المزاتي، التحف المخزونة 19 ظ 20 و. - الجيطالي، القواعد، 1: 95/ 94.
3 حول شرح هذه القواعد الفقهية ينظر: أحمد الزرقاء، شرح القواعد الفقهية، وهو كتاب
هام في بابه.
4 ابن جعفر، الجامع، 1: 402.
618 (1/618)
صفحة 616
الفصل الثاني: الاستد لان
E
4 - الاستقراء
لم يتحدث متقدمو الإباضية عن الاستقراء كدليل، بل ذكروه في معرض بيان مسلك السبر والتقسيم، في مسالك العلة.
بينما أفرد له السالمي والرواحي كلمة موجزة، وعرفاه بأنه عبارة عن تتبع أفراد الجنس في حكم من الأحكام، فإذا وجد ذلك الحكم شاملا لكل فرد من أفراد ذلك الجنس، قطع بذلك الحكم على الجنس تماما» (1). وهذا إما كامل وإما ناقص.
فالكامل أن يستقرئ المستدل جميع أفراد الجنس بحيث لا يشذ عنه فرد من أفراده، غير الصورة المطلوب الحكم عليها، فيحكم أن حكم تلك الصورة كحكم سائر أخواتها من أفراد الجنس، كالحكم على الشجرة بالنماء، لأن كل
النباتات تنمو. والناقص كأن يستقرئ أغلب عادات النساء في الحيض مثلا، فيجد أقصى
حيضهن لا يزيد على عشرة أيام فيأخذه حكما لأقصى مدة الحيض. ويسمي الفقهاء هذا النوع بإلحاق الفرد بالأغلب، وهو دليل ظني اتفاقا.
أما الاستقراء التام فقيل هو دليل قطعي، وقيل ظني كالناقص (2). ويظهر أن الاستقراء في مسلك السبر والتقسيم، يُعنى بتتبع الأوصاف التي قد تصلح للتعليل، واستخراج الوصف المناسب من بينها. أما الاستقراء هنا فيعنى بتتبع أفراد الجنس في حكم معين للحكم على فرد واحد مثلها بنفس الحكم. ومثل الغزالي للاستقراء بصلاة الوتر، وأنها ليست بفرض، لأنها تؤدى على الراحلة. وقد تتبعنا الصلوات المفروضة بالاستقراء فوجدناها لا تؤدى على الراحلة، فقلنا إن كل فرض لا يؤدى على الراحلة. ونص على أن الاستقراء التام صالح للقطعيات، أما الناقص فلا يصلح إلا للفقهيات، لأنه يفيد غلبة الظن دون اليقين (3).
(1) السالمي، طلعة 2: 183 184 الرواحي، نثار الجوهر، 1: 82/ 83. (2) السالمي، طلعة 2 184/ 183 - الرواحي، نثار الجوهر، 1: 82/ 83. (3) الغزالي، المستصفى، 1: 52/ 51.
619 (1/619)
صفحة 617
الباب الثالث: اجتهاد الترجيح والاستدلال
K
E 3
ونسب السالمي للإمام الكدمي أنه كثير العناية بالاستقراء في فتاويه، وأن
ذلك مبثوث في مصنفاته (1).
5 - الإلهام
هل يجوز أن يلهم الله العباد التكليف من غير رسول؟
أجاز بعض علماء الإباضية ذلك، ومنهم أبو زكرياء يحي بن أبي بكر، إذ
قال بإمكان أن يلهم
الله
جميع
العقلاء، واستدل بآية: {فَأَهْمَهَا فُجُورَهَا
وتقونَهَا} [الشمس: 8].
وفسر أبو عمار عبد الكافي ذلك بأنه ملك موكل بقلب الإنسان يزجره عن المعاصي وينكر عليه فعله ويأمر بالطاعات حتى يكون نورا في قلبه، فذلك فجورها وتقواها (2). وقالت الصوفية إن العلوم تدرك بغير تعلّم، فإذا لازم العبد الطاعة، وصفا ذهنه من شوائب الدنيا وعلائق الخلق انطبعت فيه العلوم كالمرآة الصقيلة (3).
وذكر أبو إسحاق اطفيش أن هذا قول جمع كبير من أئمة العلم من سائر المذاهب، ويسمونه بعلم الإلهام ومنهم من يعبّر عنه بالفيوضات الحكمية. وكل هذا لا يخرج عن استكشاف وحقائق صحيحة غالبًا لأهل الرياضة العقلية. لكنها ليست في العلوم الشرعية، لأنها مستمدة من كتاب الله رسول الله وقد يفيض العرفان على قلب العلماء العاملين، فهما وتحقيقا
وإدراكًا لعويصات المسائل لأدنى تأمل (4).
وهذا المعنى هو الذي عناه السالمي بقوله:
ومنه إلهام به ينثلج قلب الذي في قلبه يختلج وليس حجة لعدم العصمة مخالف لمذهب الصوفية (5)
1 السالمي، طلعة 2: 184. 2 السوفي، السؤالات، 101
3 الشماخي، شرح مقدمة التوحيد، 114/ 113. (4) الشماخي، شرح مقدمة التوحيد، 114/ 113. 5 السالمي، طلعة، 2: 188.
وسنة
620 (1/620)
صفحة 618
E
الفصل الثاني: الانتد لان
فإن كان ذلك الملهم نبيا فهو حجة اتفاقا لأنه نوع من الوحي، وإن كان غير نبي. فالصحيح أنه ليس بحجة لعدم العصمة.
وذهب بعض الصوفية إلى أنه حجة قاصرة على الملهم دون غيره، وهو مقتضى مذهب الإمام الكدمي، فإنه جعله حجة يضيق بها جهل الجاهل. والزم صاحبها العمل بها في بعض المواضع (1).
والحق أن الإباضية لم يعتبروا الإلهام حجة شرعية في مواجهة النص والأدلة الأخرى، وإنما يعمدون إليه عند غياب النص في حالات خاصة. وهذه الحالات بينها الإمام الكدمي وابن بركة.
فأبو سعيد الكدمي نص على أنه عندما تقوم الحجة على الإنسان بوجوب فريضة مؤقتة عليه، وتعدّر أن يصل إلى من يُعلمه كيفية أدائها .. وهو الذي يسمّيه بالمعبر فإنه يؤديها كما حسن في عقله، أو ألهم تأديتها، فإذا قامت عليه الحجة الشرعية بكيفية أدائها وجب عليه ترك ما حسن في عقله والتمسك بمقتضى الدليل الشرعي.
أما ابن بركة فذكر عن المنقطع في جزيرة نائية، لا يجد من يُخبره بأحكام الحلال والحرام. فإنه يترك ما قبح في عقله تناوله، إلى أن يجد المعبر الشرعي، فقد يترك أكل الحيوان المباح، لأن ذبحه وإيلامه قبيح في العقول (2). وهذه الصور تندرج في حجية العقل ومدى اعتماده مصدرا للمعرفة، ومجال الاستدلال به وبخاصة عند غياب الدليل السمعي وخبر الرسول. وأكد ابن بركة عدم حجية الإلهام عند ورود الشرع، مبيناً أن السلف يكونوا في اجتهاداتهم ملهمين بل كانوا يعتمدون القياس، وأن المستفتي لا يعلم الملهم من غير الملهم. وأن مدعي الإلهام ومن لا يدعيه يستوون في الحجة، إذ يدعي كل واحد على صحة رأيه بقوله: هذا ما ألهمته. والقرآن تعبدنا بغير ذلك، إذ قال تعالى: سَنُرِيهِمْ ءَايَتِنَا فِي الْآفَاقِ
وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ} [فصلت: 53].
لم
فلو جاز أن يكون العلم إلهاما لارتفع عندئذ النظر والاعتبار، ولما احتاج
1) السالمي، طلعة، 2: 188.
2) أحمد الخليلي، مقابلة خاصة، بتاريخ: 10/ 1/ 1997.
621 (1/621)
صفحة 619
الباب الثالث: اجتهاد الترجيح والاستدلال
الناس إلى القياس (1).
ولا يجوز لأحد أن يدعي الإلهام، لأن الإلهام نقل، وباب الوحي قد سُدّ بوفاة الرسول .. وطريق النقل لا يثبت بالعقل فمن ادعاه نظر إلى قواعد الشرع، إن وافقها، قبل، وإن خالفها رددناه، لأن الشرع هو الحجة في ذلك (2). وقد يقصد بالإلهام عند بعض أهل الاجتهاد معنى الاستحسان، على ما ورد في تفسير الاستحسان بأنه معنى ينقدح في ذهن المجتهد تقصر عنه عبارته، فيكون عندئذ، حجة، بناء على ضوابط الاستحسان المعتبر، وهي المطابقة للقواعد الشرعية (3). فالإباضية لا يعتبرون الإلهام دليلا، إلا في حالات خاصة عند غياب الشرع، وإذا ورد الشرع فلا إلهام، بل يغدو مجرد أوهام لا تبنى عليه الأحكام.
المبحث الثالث: القواعد الفقهية
القاعدة
تمهيد مفهوم القاعدة الفقهية
هي
قضية كلية منطبقة على جزئيات موضوعها.
والقاعدة الفقهية تجمع فروعا من أبواب شتى من أما الضابط فيجمع فروعا من باب واحد (4).
الفقه.
وقد اتسم الفقه الإسلامي بانبنائه على قواعد أصولية، واحتوائه على قواعد فقهية جمعت كثيرا من تفاريع المسائل من مختلف الأبواب، عُني بها الفقهاء منذ عهد مبكر، وأورثوا مؤلفات مستقلة في هذه القواعد، اشتهر منها كتاب الفروق للقرافي وكتب الأشباه والنظائر للسيوطي و الأشباه والنظائر لابن نجيم وغيرهما، كما تعتبر مجلة الأحكام العدلية التي أصدرتها الدولة العثمانية، من أهم المصادر التي جمعت هذه القواعد، وعليها شروح عدة، ومن بين أوفى المراجع المتأخرة كتاب شرح القواعد الفقهية لأحمد الزرقاء، وكتاب
(1) ابن بركة الموازنة) ضمن كتاب السير والجوابات) 2: 418 420.
(2) السالمي، معارج الآمال، 1: 146/ 145.
3 السالمي، طلعة، 2: 188. 4 - السالمي، طلعة، 1: 14.
?622
622 (1/622)
صفحة 620
الفصل الثاني: الاستد لان
نجله مصطفى الزرقاء المدخل الفقهي العام (1). ولم يُحظ الفقه الإباضي بمن يرصد هذه القواعد المتناثرة في موسوعاته الآن. غير أن السالمي أشار في خاتمة كتابه شرح طلعة الشمس
الفقهية حتى
إلى أن قدماء الفقهاء من أصحابنا وغيرهم بنوا الفقه على خمسة قواعد: الأولى: اليقين لا يزيله إلا يقين مثله. وهو نوع من الاستصحاب؛
=
=
فالشك في الطهارة لا ينقضها. الثانية: أن الأمور بمقاصدها. ومنها وجوب النية في العبادات. الثالثة: الضرر يزال ومنه وجوب رد المغصوب وضمانه بالتلف. الرابعة: المشقة تجلب التيسير. ومنه جواز الفطر والقصر والجمع في
=
=
السفر.
- الخامسة: العادة محكمة. ومنه بيان أقل الحيض وأكثره، ومسائل
=
العرف (2).
الاجتهادية. وهي
وهذه أمهات القواعد الفقهية وعليها فرّع الأصوليون بعض المصادر لا تعدو أن تكون قواعد فقهية، أو بعض هذه القواعد. = فالاستصحاب تندرج فيه القاعدة الأولى، اليقين لا يزول بالشك. وقاعدة الأمور بمقاصدها تتفرع عنها نظرية الباعث، وقاعدة سد
=
الذرائع.
= والمشقة تجلب التيسير، تتفرع عنها أحكام الرخص، وأحكام الضرورة
والإكراه.
=
والعادة محكمة، بني عليها دليل العرف. ومن الضروري تناول بعض هذه القواعد وبيان أثرها في الفقه الإباضي ونختار منها: 1=العرف. 2=التيسير والضرورة. 3 - الباعث والذرائع. 4 - الأخذ بالأحوط.
1) ومن الدراسات الحديثة أيضا كتاب "القواعد الفقهية" للدكتور يعقوب بن عبد الوهاب الباحسين. ط 1. مكتبة الرشد الرياض 1408 هـ / 1988 م. وأيضا، كتاب "القواعد الفقهية" ل: علي أحمد النذوي، ط 2. دار القلم، دمشق. 1412 هـ / 1992 م.
2) السالمي، طلعة، 2: 191.
623 (1/623)
صفحة 621
الباب الثالث: اجتهاد الترجيح والاستدلال
- مفهوم العرف
العرف في اللغة ما اعتاده الناس وساروا عليه من كل فعل شاع بينهم، أو لفظ تعارفوا إطلاقه على معنى خاص لا تألفه اللغة، ولا يتبادر غيره عند وهو بمعنى العادة الجماعية (1). وقد عرفه النسفي بقوله: «العرف والعادة ما استقر في النفوس من جهة العقول، وتلقته الطباع السليمة بالقبول» (2).
سماعه.
ونال العرف من اهتمام فقهاء الإسلام نصيبا موفورا، وعدوه من أدلة الأحكام، واحتكموا إليه في كثير من المسائل الفرعية.
وللإباضية إسهامهم في الاعتماد على العرف في كثير من فتاويهم، وإن لم يتطرقوا إلى تقاسيم العرف وأنواعه من عرف قولي وعرف فعلي، وخاص وعام، وصحيح وفاسد. بينما وجدنا عناية وافية بهذه الأقسام في كتب الأصول لدى مختلف المذاهب. ولم نجد في المصادر المتوفرة تفصيلا في هذه الأقسام؛ وربما يكشف البحث عن كتابات أخرى في مستقبل الأيام. والذي دونته المصادر المتقدمة كان منصبا على الجانب العملي العرف؛
بمراعاته في مجال الأيمان والنذور والنكاح والطلاق وبعض العقود. وخصص ابن بركة رسالة مستقلة، تضمنت تطبيقات عملية للعرف سماها التعارف. ولم يُفرد له السَّالِمِي مبحثا مستقلا في كتابه الأصولي شرح طلعة الشمس، وإن أشار إليه ضمن القاعدة الفقهية "العادة محكمة"، أي أن الشرع حكمها. وذكر من فروعها بيان أقل الحيض وأكثره، ومسائل التعارف (3). وهو صنيع السيابي في كرسي الأصول، وإن نص على أن قواعد
العرف راجعة إلى الاستقراء (4).
- تطبيقات العرف
اعتمد العرف في مجالات عدة من اجتهاد الفقهاء.
(1) الزحيلي، أصول الفقه، 2: 828.
2 الزحيلي أصول الفقه، 2: 828 3 السالمي، طلعة، 2: 191. (4) خلفان السيابي، فصول الأصول، 358.
624 (1/624)
صفحة 622
الفصل الثاني: الانتد لان
- في الزَّكَاة: حكموا العرف في تحديد المسكين الذي يستحق الزكاة، فقد سئل الإمام عبد الوهاب عن ذلك فأجاب إن كان عنده ما يكفيه قوت سنة في نفقته وكسوته وما يحتاج إليه، فإن هذا ليس بفقير، ولا يكون له أخذ المسكنة، وإن كان ليس عنده قوت سنة فله أن يأخذ المسكنة، وهو فقير» (1).
= في الأيمان: نص العوتبي أن «الأيمان على الإرادات والمقاصد، وتعلق الأسماء
بمسمياتها» (2).
وذكر ابن بركة أن من حلف لا يأكل بيضا، لا يحنث بأكل بيض
السمك؛ لأن عرف الناس وعاداتهم ومقاصدهم على بيض الدجاج. ولو حلف لا يسكن بيتا؛ فكل بيت من حجر أو مدر يسكنه حنث، وإن سكن بيتا من شعر أو نحو ذلك لم يحنث، لأن البيوت المعروفة والمقصود إليها هو ما ذكرنا؛ ولا اعتبار لتسميتها في القرآن بيوتا وَجَعَلَ لَكُم مِّن جُلُودِ الْأَنْعَمِ بيوتا [النحل: 80]. إذ في القرآن تسمية السمك لحما وَهُوَ الَّذِى سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طريا ما [النحل:14]. وتسمية السماء سقفا وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا تَحْفُوظًا} [الأنبياء:32]. والأرض فراشا الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَسا} [البقرة: 22]. فإنما الأيمان على المقاصد والعادات، مع تعلق
الأسماء بمسمياتها» (3).
ومن
حلف لا يشرب لبنا، فحساه حسوا لا يحنث ولو حلف لا يقعد في هذه الدار، فجلس على أطراف بنان رجله لا يحنث (4).
=
- في النكاح:
استند الإمام جابر إلى العرف في عدم تحديد الصداق، فقد سئل: هل فرض الني للنساء مهورا؟ أي حددها قال لا أعلمه إلا ما اصطلح
(1) الإمام عبد الوهاب، مسائل نفوسة، 79.
2 العوتبي، الضياء، 3: 14.
3 ابن بركة الجامع، 2: 90/ 89. 4 مجهول، كتاب المعلقات 53.
625 (1/625)
صفحة 623
الباب الثالث: اجتهاد الترجيح والاستدلال
عليه الناس بينهم» (1).
=
- وفي جامع ابن جعفر: إذا تزوج الرجل امرأة نكحها علانية، ودخل وأقام معها ثم مات، فإنه يسع جيرانها أن يشهدوا أنها امرأته وإن لم يكونوا شهدوا النكاح، وإن كان لهما ولد شهدوا أنه ولدهما وإن لم يعاينوا الولادة؛ لأن أمر الناس على هذا، ولا يجدون من ذلك بدا. فمن تركه ترك السنة» (2). فاعتبر ابن جعفر العدول عن متعارف الناس عدولا عن مقتضيات السنة
لأنها اعتبرت هذا في الحكم على أفعال الناس وتصرفاتهم. = كما جعلوا تحديد مدة الحمل أقله وأكثره راجعا إلى العرف، ولم يجدوا له حدا في الكتاب والسنة إلا الاجتهاد، وما عرف من عادة النساء» (3)، ولذلك اختلفوا فيه بين سنتين وسبع سنين على أقوال. وذكر ابن خلفون أنه ليس عند الجميع نص يقفون عليه إلا الاجتهاد في الرأي، وما وقع به العرف عند كل طائفة» (4).
=
في الطلاق
- وعلى هذا إذا قال رجل لامرأة لا يملكها إذا نكحتك فأنت طالق، فإذا عقد عليها التزويج وقع الطلاق، لأن النكاح قبل التزويج يقع على العقد دون الوطء. ولو قال لزوجته: إذا نكحتك فأنت طالق، أو لأمته فأنت حرة،
=
فإن هذا يقع على الجماع. وهذا على مقاصد الناس والعرف بينهم (5). وإن قال لها أنت طالق متى قدم زيد، فجيء به ميتا، لم يقع به الطلاق، لأنه لم يجي، بل جيء به.
=
=
- وكذلك إن قال لها: إن دخل الدار، فأدخل كرها، لم يقع الطلاق. - وإن قال لها: إن لم أضرب فلانا فضربه وهو ميت، ففي الأثر عن أصحابنا أنه لا يحنث والنظر يوجب أن ضرب الأموات من بني آدم وغيرهم ليس بضرب. وأن حكم البشرية قد زال عنه عند الموت، لأن أيمان الناس
1) جابر بن زيد کتاب جابر (مخ) 22 = من جوابات الإمام جابر، 88.
(2) ابن جعفر، الجامع 4: 84. (3) ابن خلفون أجوبة، 26/ 25
4 ابن خلفون، أجوبة، 26/ 25. 5 ابن بركة الجامع، 2: 172/ 171.
626 (1/626)
صفحة 624
الفصل الثاني: الانتد لان
على عرفهم وعاداتهم وما يقصدون به في أيمانهم أن الضرب لإدخال المكروه على المضروب، والألم الذي يوجد الضرب» (1).
في البيوع:
- سئل سليمان بن ماطوس عن رجلين اختلفا في البيع والعملة التي تم بها البيع، قال: يرجعان إلى ما يجري بين الناس في البلد (2).
=
- كما أجازوا بيع عن رجل جاء إلى رجل يشتري سلعة فقال: بكم هذا؟ فقال: بدينار. فقال له خذ دينارك. فأعطاه الدينار وأخذ السلعة، فقال: ذلك جائز (3). وذكر أن أبا عمران موسى بن زكرياء أجاز بيع الرجوع، وهو أول من أجازه من الإباضية. وبلغنا أن رجلا باع له جنانا بيع الرجوع بأربعين دينارا، فلما حضره الموت قال لأولاده: إن أعطاكم في الجنان ستين دينارا فردوه، وإلا أمسكوا جنانكم» (4). ولعل هذا هو الذي اصطلح عليه الحنفية ببيع وهو عقد توثيقي في صورة بيع على أساس احتفاظ الطرفين بحق التراد
المعاطاة، فقد سئل يوسف بن أبي عمران بن زكرياء
الوفاء.
في العوضين» (5). وفسره مصطفى الزرقاء بأنه مزيج من بيع ورهن، وشبهه بالبيع أن المشتري يملك منافع الشيء المبيع وفاء بخلاف الرهن، فإنه يقتضي احتباس المال المرهون عن كل تصرف.
أما شبهه بالرهن فإن المشتري لا يملك حق استهلاك المبيع ولا نقل ملكيته إلى أحد، ولا رهنه ولا إنشاء حق عيني لأحد فيه، بل يجب عليه حفظه وصيانته. وفوق ذلك، فإن المشتري مُلزم برد المبيع بالوفاء إلى البائع متى ردّ
(1) ابن بركة الجامع، 2: 168/ 169.
2) مجهول، كتاب المعلقات، 94.
3) مجهول، كتاب المعلقات، 43.
4 مجهول كتاب المعلقات، 43.
5) مجلة الأحكام العدلية 118 - 119/ و / 396 - 403 من كتاب مصطفى الزرقاء، المدخل
الفقهي العام، 1: 544.
627 (1/627)
صفحة 625
الباب الثالث: اجتهاد الترجيح والاستدلال
هذا إليه الثمن، وهو معنى "الوفاء" الذي سمي به هذا النوع من البيوع (1).
=
=
في الاستئذان:
أجازوا دخول الغرف التي تكون في الأسواق دون إذن من أهلها، إذ يأوي الناس إليها للأكل والاستراحة؛ استنادا إلى ما تعارف الناس من دخولها بدون إذن في النهار. أما في الليل فلا؛ إذ ليس في الليل تعارف لإجازتهم ذلك، إلا أن يتعارفوا عليه.
فوجه الجواز وعدمه هو التعارف وما تعرفه النفس من إباحة أهلها
لذلك (2).
= في الوصايا:
=
لو أوصى رجل للأرامل من قرابته فهو للنساء ممن لا أزواج لهن، ولا يدخل في هذه الوصية الأرامل من الرجال، لأن الأرامل الذين تعرفهم العامة ويقصدون إلى تسميتها هم النساء دون الرجال (3).
-2 التيسير والضرورة والإكراه.
- التيسير والضرورة
من قواعد الشرع التيسير ومراعاة حال الضرورة. واشتهر بين الفقهاء
قاعدة المشقة تجلب التيسير.
واستشهد الوَار خلاني لهذه القاعدة بأدلة كثيرة، منها قوله تعالى: لَا تُؤَاخِذْنَا إِن نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ
ج
على الذين مِن قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ} [البقرة: 286]. وأن أهل التفسير نظروا إلى أنفاس الشريعة فرأوها تميل إلى أحد الجانبين، وهو اليسر دون العسر. قال الله: يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بكُمُ الْعُسْرَ} [البقرة: 185]. وقال: يُرِيدُ اللَّهُ أَن يُخَفِّفَ عَنكُمْ وَخُلِقَ الْإِنسَنُ ضعِيفًا} [النساء: 28]. وكان رسول الله ما خير بين أمرين إلا اختار
(1) مصطفى أحمد الزرقاء، المدخل الفقهي العام، 1: 544.
(2) ابن بركة التقييد، 366/ 365.
3) ابن بركة، الجامع، 2: 569.
628 (1/628)
صفحة 626
الفصل الثاني: الانتد لان
أيسرهما (1). ورسول الله صلى الله عليه وسلم راغب في إصلاح أمته والتخفيف عنها، ويكره
التنطع في الدين والرهبانية فيه. وقال: شر السير الحقحقة» (2). ويريد به المنبت لا أرضا قطع، ولا ظهرا أبقى (3). ولرأفته بهم ورحمته عليهم وحرصه عليهم أنزل الله تعالى قوله: {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عزيز عَلَيْهِ مَا عَنِتُمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمُ ا
[التوبة: 128].
وشرح الوار جلاني هذه الآية مبينا صفات الرحمة في سيرة النبي الكريم (4). ويقرر ابن جعفر (أن العالم العالم الذي لا يرخص للعباد في معصية
الله، ولا يؤيسهم من رحمة اللهى.
الفقه
وقاعدة المشقة تجلب التيسير تجلّت في اجتهادات الفقهاء في كثير من أبواب
=
من ذلك قولهم عن التمر إذا عُجن بماء نجس، أنه إذا ترك في الشمس الحارة حتى يجف وتزول عنه رطوبة النجس، فتلك طهارته، لأنه لا يبلغ إلى غسله إلا بمضرة ولا ضرر ولا ضرار في الإسلام. وعند الضرورات تزول
1) أخرجه البخاري ومسلم وأصحاب السنن عن عائشة.
صحيح البخاري كتاب الحدود، باب إقامة الحدود والانتقام لحرمات الله، حديث: 6416.
?
صحيح مسلم کتاب الفضائل، باب مباعدته للآثام واختياره من المباح، حديث: 4398. سنن أبي داود، كتاب الأدب، باب في التجاوز في الأمر، حديث: 4174. السنن الكبرى للنسائي، كتاب عشرة النساء، ضرب الرجل زوجته، حديث: 8884 السنن الكبرى للبيهقي، كتاب النكاح، جماع أبواب ما خص به رسول الله، باب ما أمره الله تعالى به من أن يدفع بالتي هي، حديث: 12430.
2) أخرجه البيهقي وأبو نعيم؛ وهو ضعيف أو موضوع.
شعب الإيمان للبيهقي، القصد في العبادة، حديث:3718. معرفة الصحابة لأبي نعيم الأصبهاني، حرف الميم، معبد الجهني، حديث: 6671. الهندي كنز العمال، حديث 28658. ج 10، ص 132.
3 مثل عربي شهير. يعنى به المنقطع عن القافلة استعجالا للمسير، فيهلك دابته، ولا يصل إلى المكان المقصود بل اجتمعت عليه الخسارتان فلا هو أدرك المراد، ولا هو أبقى على المركوب
وتلك عاقبة العجلة في الأمور كلها. 4 الوار جلاني، جواب الأبدلاني، 223.
5) ابن جعفر، الجامع، 1: 40.
629 (1/629)
صفحة 627
الباب الثالث: اجتهاد الترجيح والاستدلال
الأحكام، ويتبدل الضيق سعة. والاختيار غير الاضطرار» (1).
=
ومن رعف فلم يرقأ دمه ولم ينقطع، فإنه يصلي قاعدا، ويتوقى ثيابه أن يصيبها النجس. ويجزيه الجمع بين الصلاتين، قياسا على المستحاضة والمسافر بجامع المشقة التي تبيح الرخص والتيسير (2).
= ومن أصابته جنابة بأرض مثلجة لا يجد نارا يحمي بها الثلج ليغتسل به قال عنه جابر بن زيد الصعيد يكفيه حتى يجد الماء فيغتسل، والإيسار أحب إلى الله من الإعسار» (3).
- وفي حال الحرب ومجابهة العدو، إذا لم يستطع الراكب النزول مخافة العدو صلى على دابته وهو يسير حيث كان وجهه. وكذلك يصلى الرجل ماشيا أو قائما، حيث كان وجهه إذا خاف الطلب. فذلك من تيسير الله على
عباده (4).
=
والصوم في السفر، يراه أبو عبيدة أفضل لمن قدر عليه، والفطر حسن جميل. وأما الصوم بمشقة فإنه مكروه (5).
= وفي التسعير، نهى النبي عن التسعير، وقال: «إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمُسَعرُ الْقَابِضُ الْبَاسِطُ الرَّازق» (6). فلا يجوز لهذا الخبر أن يسعر أحد على الناس
أموالهم ولا أن يجبرهم على بيعها بغير طيب نفوسهم، إماما كان أو غيره. ولكن إذا بلغ الناس من حال الضرورة من الحاجة إلى الطعام، جاز للإمام أن يأخذ أصحاب الطعام ببيع ما في أيديهم بالثمن الذي يكون عدلا من
1) ابن جعفر، الجامع 1: 298.
2) ابن بركة، الجامع، 1: 418/ 417.
3 جابر بن زيد کتاب جابر 21 = من جوابات الإمام جابر، 15. = 4 جابر بن زيد، کتاب جابر 2 = من جوابات الإمام جابر، 39.
5) الخراساني، المدونة، 1: 278.
6) أخرجه أصحاب السنن عن أنس بن مالك.
سنن أبي داود، كتاب البيوع، أبواب الإجارة، باب في التسعير، حديث: 3011. سنن ابن ماجه،کتاب التجارات باب من كره أن يسعر، حديث: 2197 سنن الترمذي الجامع الصحيح، أبواب الجنائز عن رسول الله، أبواب البيوع عن رسول الله باب ما جاء في التسعير، حديث: 1272.
630 (1/630)
صفحة 628
قيمته، ويجبرهم على ذلك (1).
=
الفصل الثاني: الاستد لان
وأحكام الفقد والغيبة كلها ليست بناء على اليقين. بل مبناها طمأنينة النفس وغلبة الظن بموت المفقود والغائب، فيُحكم بذلك، وتقسم أموالهم وئبين أزواجهم وذلك للضرورة. ولولا ذلك لدخل على الناس حرج ومشقة، وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَج} [الحج: 78] (2).
- الإكراه قد تبلغ المشقة حال الضرورة القصوى التي يفقد المكلف معها الاختيار، ويدخل حد الإكراه.
ومن صور الإكراه التي تلجئ إلى التضحية ببعض المصالح، واعتبار الأولويات في ذلك، ما إذا أكره بعض الجبابرة أو الكفار أحدا على الكفر بالله أو تصويب الكفر، وهدد بالقتل. فإن غلب على ظنه أن يحقق هذا الظالم تهديده، جاز له أن يُظهر له ما أراد بلسانه ويكره ذلك بقلبه تأسيا بعمار بن ياسر، وقصته المشهورة، وما نزل فيها من القرآن. وكذلك إن خاف أن يضربه ضربا شديدا يؤدي إلى تلف نفس، أو خاف أن يأخذ ماله بما يُضر نفسه وعياله فله أن يُظهر له ما أراد بلسانه. أما إن كان له مال كثير ولا يضره ما يؤخذ منه. فلا رخصة له، وليس له أن يصوّب الكفر لأجل المال (3).
=
أهله،
وعدد أبو العباس أحمد صورا كثيرة تجوز فيها التقية، و يردّ بها غائلة الموت كالإكراه على قول إلهين اثنين وتحقيق الباطل، وإبطال الحق، وولاية الكافرين، والبراءة من المسلمين وإثبات النسب لغير أهله، أو نفيه عن وإنكار الزوجية وإثباتها وإثبات المال لغير صاحبه، وإنكاره عن صاحبه. وفي الجماع في نهار رَمَضَان اختلاف؛ فمنهم من جوزه ومنهم من أبطله. فهذه الوجوه التي ذكرناها، فهو مخيّر إن أخذ برخصة الله فهو معذور، فإن مات
(1) ابن بركة الجامع، 2: 604
(2) ابن بركة، التعارف 37. 3 ابن بركة الجامع، 1: 190/ 189.
631 (1/631)
صفحة 629
الباب الثالث: اجتهاد الترجيح والاستدلال
على دينه فهو مأجور» (1)
وحدد الوجوه التي لا تجوز فيها التقية ولو أدت إلى الموت، وهي قتل النفس التي حرم الله قتلها من بني آدم كلها، كائنا من كان. وما دون النفس من الجروح والضرب والفساد وأكل أموال الناس بالتعدية، والفساد فيها من غير حلّه، والتجسس في الأنفس والأموال، وقذف المحصنات، وشهادة الزور، والفتوى بغير حق، وإلقاء السلاح للعدو، وإعطاء لباسه إياه، وشرب الخمور وأكل أقذار بني آدم وجميع النجس الذي يكون فيه اختلاف بين العلماء في نجسه؛ فإنه يموت ولا يفعل شيئا من هذا كله (2). وفي هذه النماذج ضوابط لترتيب الأولويات؛ فحفظ النفس من المقاصد الكبرى للشارع، ولكن لا يجوز لأحد أن ينجي نفسه بالتضحية بنفس بريئة، ما حدده الرسول صلى الله عليه وسلم بقوله: «كن عبد الله المقتول ولا تكن عبد الله
وهو
القاتل» (3)
وكذلك حفظ أعراض المحصنات وحرمة الفتوى بغير الحق. وتقوية العدو بالسلاح. فهذه كلها لا تستباح بحجة حفظ نفس الإنسان. لأنها مقدمة في الاعتبار لمساسها بالصالح العام للمجتمع. وهذا أولى من مصلحة إنسان واحد يهدد بالقتل، فيصبر ويذهب إلى ربه شهيدا.
وقد ذهب ابن بركة إلى الترخيص في بعض هذه الصور، حيث يكون الإكراه على فعل دون القتل، لأن القتل متفق على عدم جوازه، إذ ليس للإنسان أن يفدي نفسه بإزهاق نفس غيره، ولكن يفديها بما دونها؛ ولذلك
1) أبو العباس أحمد كتاب أبي مسألة (مخ) 63 ظ. = (مط) 143. (2) أبو العباس أحمد، كتاب أبي مسألة (مخ) - 63 ظ. = (مط) _ 144/ 143. (3) أخرجه الحاكم وأحمد وابن أبي شيبة بألفاظ متقاربة. ولفظ الحاكم: عن خالد بن عرفطة، قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا خالد، إنه سيكون بعدي أحداث وفتن واختلاف، فإن استطعت أن تكون عبد الله المقتول لا القاتل فافعل».
المستدرك على الصحيحين للحاكم، كتاب الفتن والملاحم، أما حديث أبي عوانة، حديث: 8660. ولفظ أحمد: « ... فكن عبد الله المقتول، قال أيوب: ولا أعلمه إلا قال، ولا تكن عبد الله القاتل. مسند أحمد بن حنبل، أول مسند البصريين، حديث خباب بن الأرت عن النبي، حديث: 20588. مصنف ابن أبي شيبة كتاب الفتن من كره الخروج في الفتنة وتعوذ عنها، حديث:36743.
632 (1/632)
صفحة 630
الفصل الثاني: الانتد لان
أجاز شرب الخمر وأكل الميتة وقذف المحصنات؛ إن خاف على نفسه القتل أو الضرب الشديد المؤدي إلى الهلاك (1). فإن قال: ولم أجزتم قذف المحصنات عند الاضطرار، والقدح في المسلمين؟ قيل له: إن قذف المحصنات هو كذب عليهن، وكذلك القول في المؤمن بما ليس فيه ولا يشبهه، هو كذب، وقد أباح الله جل ذكره عند الاضطرار الكذب، لقوله: مَن كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَنِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَيِنُ بِالإِيمَنِ} [النحل: 106]. فَعَدرَه في هذه الحال، وهو الله تعالى.
يقول: إن الله ثالث ثلاثة، وهذا أعظم الكذب، لأنه كذب على الله فالكذب على المسلمين أيسر، إذا لم يعرف المعاريض، ومن المعاريض أن يقول: إن محمدا يكذب على الله، وهو يقصد شخصا اسمه محمد فيه هذه الصفة، وليس رسول الله (2). والذي يبدو لنا راجحا هو الرأي المانع للعلة التي أوضحناها، ولأنه يتسامح في حق الله ما لا يُتسامح في حق العباد؛ إذ حقوق الله مبناها المسامحة، وحقوق العباد مبناها المشاححة. فالقياس على الكفر قياس مع الفارق. والله
أعلم.
وفي حال الإكراه على الزنى والتهديد بالقتل قيل: لا يجوز له ذلك؛ لأن الزنى ظلم للمرأة، فليس له أن يظلم غيره ليحيي نفسه. وإن كانت المرأة راضية بذلك، لم يجز له أيضا لما يلحقها من العار والإثم العظيم عند الله، لأن الله لم يأذن لها بأن ترضى به فرضاها بما لم يجعل الله الرضا لها به، لا يصير غير ظلم منه لها؛ كما لو أكرهه جبار على قتل رجل، فرضي القتيل ليخلصه من الإكراه، لم يجز له ذلك، ورضاه لا اعتبار له. أما إذا أكرهت المرأة على الزنى فلْتُمسك جوارحها، وليست كالرجل، لأن الفعل منه، وأما فعلها فهي أن لا تطاوعه، ولتدفعه ما استطاعت، وليس سبيلها كسبيل الرجل (3). والله أحلم من أن يؤاخذ العباد فيما غلبوا وقهروا
1) ابن بركة، الجامع، 1: 191. 2 ابن بركة، الجامع، 1: 191/ 192.
3) ابن بركة، الجامع، 1: 193.
633 (1/633)
صفحة 631
الباب الثالث: اجتهاد الترجيح والاستدلال
عليه ولا يمتنعون من الشهوة في المجامعة التي أكرهوا عليها (1).
=
وشبيه بهذه المرأة من طلقها زوجها ثلاثا فجحد ذلك، وأبي فراقها، فلترافعه إلى السلطان ولا تقيم معه، ولتفتَدِ منه بمالها كله. وإن حبسها فلْتَمْنعه من نفسها ما استطاعت ولا تدعه يطأها حراما، فإن غلبت بعد ذلك فقد اجتهدت ولا عليها.
وذهب الشيخ اطفيش إلى أن لها أن تضره، ولو بالقتل، إن لم تقدر على دفعه إلا بالقتل (2). = ومن أكرهه أبواه على طلاق زوجته دون سبب مشروع، لم يجز له أن يطيعهما، لأن طلاقها ليس من المعروف، بل هو أبغض الحلال. وجاء في الحديث أنه مكروه جدا (3)؛ إذ فيه إضرار بالغير، ولا طاعة لمخلوق في معصية
الخالق.
أما إن أمراه بطلاقها وقد استحقت ذلك بمعصية، وخالفت أمر وخانته في نفسها، فلا يجوز له حينئذ إلا الطاعة (4).
3 - الباعث وسد الذرائع
- الباعث
الله
تجسدت قاعدة: الأمور بمقاصدها" في اعتبار الباعث معيارا للحكم على كثير من الأفعال بالجواز أو المنع، وعلى كثير من التصرفات بالصحة أو البطلان ومستند هذه القاعدة حديث رسول الله إنما الأعمال بالنيات
(1) الإمام عبد الوهاب مسائل نفوسة (مخ) 3 ظ. = (مط) 89.
2) الخراساني، المدونة 2: 81.
3) أخرجه ابن ماجة والبيهقي وأبو داود عن عبد الله بن عمر. نص الحديث عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم أَبْغَضُ الْحَلَالِ إِلَى اللَّهِ الطَّلَاق». سنن ابن ماجه کتاب، الطلاق، باب حدثنا سويد بن سعيد، حديث: 2014.
السنن الكبرى للبيهقي، كتاب الخلع والطلاق باب ما جاء في كراهية الطلاق، حديث: 13921. سنن أبي داود، كتاب الطلاق أبواب تفريع أبواب الطلاق باب في كراهية الطلاق
حديث: 1876.
4) الخراساني، المدونة 2: 82.
634 (1/634)
صفحة 632
الفصل الثاني: الانتد لان
E 3
وإنما لكل امرئ ما نوى» (1).
فالنية هي الفيصل بين العادات والعبادات وبها تتميز الفرائض عن النوافل، والأداء عن القضاء. فصورة الفعل لا تدل على طاعة ولا معصية، وإنما يصير كذلك إذا أضيفت إليه النية. وقد مدح الله الذين قالوا: إنما نطعمكم لوجه الله} [الإنسان: 9]. وذم فريقا آخر من وَالَّذِينَ يُنفِقُونَ أمْوَالَهُمْ رِئَاءَ النَّاسِ [النساء: 38] (2) فاستحق الأولون المدح لنيتهم الحميدة، ونال الآخرون الذم لسوء مقصدهم، والفعل واحد هو الإنفاق، ولكن اختلفت الأحكام لاختلاف النوايا.
=
بل قد يتغير الفعل من طاعة إلى معصية بسبب النية. فمن أسلف من رجل مالا، ثم عقد النية ألا يرده له، فهذه معاملة انقلبت تعدية. ومن غصب مالا لرجل، ثم تاب وعقد النية أن يرده له فهذه تعدية انقلبت معاملة» (3). وفي الطهارات المعنوية أجمع المسلمون أنها عبادة تعبد الله بها عباده، فلا تجوز إلا بنية، وإلا لم يكن فاعلها مطيعا، ولم يُجزه الفعل عاريا عن القصد. لقوله تعالى: {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ} [البينة:5] (4) وإذا كان عند إنسان ماء يخاف على نفسه إن استعمله من عطش يلحقه فيُتلفه وهو مُحْدِث، وقد أمر بالصَّلاة، فلا يحل له أن يستعمله للطهارة. فإن استعمله لذلك كان عاصيا لربه (5) وترتيب أعضاء الوضوء حكم ورد به القرآن وواظب عليه الرسول فمن قدم غسل رجليه قبل وجهه، أو رجليه قبل يديه، فلا نقض عليه، ما لم يُرد خلافًا للسنة. وأما إن فعل ذلك قصد المخالفة، ورغبةً عن سنة رسول الله الله فقد تعرض للبراءة، لاستهتاره وقصده السيئ (6).
1) سبق تخريجه.
2) ابن بركة، الجامع، 1: 264/ 265.
3 مجهول كتاب المعلقات، 88.
4 ابن بركة الجامع، 1: 264.
5 ابن بركة، الجامع، 1: 276. 6 ابن جعفر الجامع، 1: 362/ 358. 1: 381.
635 (1/635)
صفحة 633
الباب الثالث: اجتهاد الترجيح والاستدلال
=
E 3
والهدية للثواب جائز، قبولها، إذا قدر المهدى له على الإثابة، فإن عجز لم تحل له؛ فقد سأل رجل جابرا أنه يُهدِي إليه أقوام يرجون نفعه، ولا يستطيع لهم نفعا، فقال: «لا تقبل منهم هدية؛ فإنهم إنما يُهدون لك لذلك، فمتى لم تفعل ذلك تصير خيانة. فإنك إنما أؤتمنت على ما أنت عليه أمانة. قوم يُهدون لك معروفا صنعته لم يضر أمانتك شيئا، فلا بأس بذلك» (1).
فأما
فاختلف الحكم باختلاف الباعث على تقديم هذه الهدايا.
- كما تجسد اعتبار الباعث في باب التعديات والقصاص.
من
ذلك أنهم حكموا بالقصاص على من ضرب بجميع ما لا يتوهم منه القتل متعمدا بالتعدية فأدى إلى القتل لأن القصد هنا هو المعتبر، ولو
كانت الوسيلة لا تؤدي إلى الهدف في العادة.
وبعضهم حط عنه حط عنه القصاص وأوجب عليه الدية والإثم.
=
كما عمموا حكم القصاص على من استعمل وسيلة تؤدي إلى القتل عادة، كالسيف والمسدس، ولو لم يقصد القتل. لأن الوسيلة دليل واضح على
القصد.
= وأما ما لا يُستعمل للقتل عادة، ولم يظهر معه القصد إليه، وذلك مثل الضرب باليد أو بالرجل، أو ما أشبه ذلك، فإذا أدى إلى القتل كان عليه الإثم والضمان، ولا قصاص عليه (2).
=
وكذلك لو تركه لِلْحَيَّة حتّى قَتَلَتْه، أو العقرب حتى لَسَعَتْه، أو تركه للبرد أو الحر حتى هلك، أو تركه يأكل السم فمات؛ فهو ضامن عليه الدية. ولا قصاص عليه لأنه لم يباشر الجريمة بيده (3).
وثمة تفاصيل عديدة لصور القتل وأحكامها تجلي لنا أهمية الفقه بالبواعث، والحرص على حفظ النفس. وهي من كبريات مقاصد الشريعة. ومن نماذج الاجتهاد المبني على اعتبار الباعث، الحكم بثبوت الميراث للمطلقة ثلاثا في مرض الموت؛ قياسا على حرمان القاتل من الميراث بجامع
(1) جابر بن زيد رسائل الإمام جابر، 34. (2) أبو العباس أحمد، كتاب الألواح، 2 ظ.
3) أبو العباس أحمد كتاب أبي مسألة (مخ) 75 ظ 76 و. = (مط) 168/ 167.
636 (1/636)
صفحة 634
الفصل الثاني: الانتد لان
أن كل واحد من التطليق المذكور والقتل فعل محرم لغرض فاسد؛ فعارضه الفقهاء بنقيض قصده. وهذا رأي الإباضية أن الميراث ثابت للمطلقة إن كانت وفاة زوجها في عدتها، ولوكان الطلاق ثلاثا، فترثه وتعتد عدة طلاق لا عدة وفاة؛ لأن الطلاق في المرض إضرار والضرر يزال. أما إن تبين عدم القصد إلى الإضرار فإنها لا ترث، وذلك كأن تطلب هي طلاقها (1). ولفقهاء المذاهب في هذه القضية تفصيل فمنهم من ورث المبتوتة في مرض الموت إن توفي المطلق في العدة، ومنهم من ورثها ولو بعد العدة ما لم تتزوج، ومنهم من ورثها ولو
تزوجت. (2).
- سد الذرائع
ليس سد الذرائع مصدرا للأحكام، بل هو قاعدة استعملها الأصوليون والفقهاء في اجتهاداتهم (3)، استلهموها من مقاصد الشرع، حتى تنسجم الأحكام مع غاياتها، وتحقق ما شرعت من أجله من أهداف. وإذا اتخذت وسيلة لهدف غير مشروع حكم عليها بالإبطال والمنع؛ ولو كانت في الأصل مباحة، كما لا يُتوصل إلى الغاية المباحة بالوسيلة المحرمة.
وللمالكية أيضا اهتمام متميز بسد الذرائع. وهذا الأصل من الأصول العُمَرية الواضحة، فقد عُرف عمر الله بسياسته الوقائية، وإجراءاته الردعية، وجه من وجوه رعاية مقصود الشارع في حفظ المصالح ودرء المفاسد (4).
لأنه
(1) ينظر: اطفيش، شرح النيل:7 497 السالمي، طلعة، 2: 144/ 143. (2) يرى الحنفية أن المطلقة طلاقا بائنا في مرض الموت ترث إذا مات مطلقها وهي في العدة. فإن انقضت عدتها سقط حقها في الميراث. ويرى الحنابلة أنها ترث ولو بعد العدة ما لم تتزوج. بينما يرى المالكية بقاء حقها في الإرث ولو تزوجت. أما الشافعي في الجديد والظاهرية فلم يورثوها أصلا. إذ لم يفرقوا بين حال الصحة وحال المرض في هذا الطلاق. وأجروا الأحكام على الظاهر. ينظر: المرغيناني الهداية 2: 281 الزحيلي الفقه الإسلامي وأدلته، 7: 452 - 454. (3) اختلفت عبارات الأصوليين في باب الذرائع فسماها بعضهم دليلا، وبعضهم قال إنها أصل من أصول الاجتهاد. بينما سماها آخرون قاعدة. ولعل هذا هو الأنسب بها. وحول هذه التسميات ومناقشتها، ينظر: د. محمود حامد عثمان قاعدة سد الذرائع وأثرها في الفقه الإسلامي
77 - 67. وقد أشبع موضوع الذرائع بحثا، تأصيلا وتفريعا. 4) أحمد الريسوني، نظرية المقاصد عند الشاطبي، 73.
637 (1/637)
صفحة 635
الباب الثالث: اجتهاد الترجيح والاستدلال
E 3
بل جعلها ابن القيم أحد أرباع التكليف، وبنى عليها بحثا مطولاً في تحريم
الحيل (1).
وقد اتسم اجتهاد الإمام جابر بالتنزه عن اللجوء إلى الحيل الشرعية في فتاويه، بل إنه كان يحدر منها؛ ويرى بطلانها لمناقضتها لمقصد الشارع (2). وفي كتب الفقه الإباضي عناية خاصة بهذه القاعدة تجلت في كثير من اجتهادات فقهائه، وبخاصة في أبواب النكاح والبيوع (3). = ومن الذرائع المحرمة، أن من أجنب ولم يجد مان، ولم يصل إليه إلا بإبداء عورته للناس، أنه لا يُبدي عورته لأنه يأثم بذلك، ويتيمم ويصلّي، لأن الحق لا يقوم بالباطل (4). ومن تسبب في تضييع من يرثه حتى مات كان بمنزلة قاتله، فلا يرثه وإن لم يكن، وارثا وكان الهالك أوصى له بطلت وصيته، قياسا على القاتل، ومعاملة بنقيض قصدهما (5).
= وفي المعاملات حرموا بيع العينة، لإفضائه إلى الربا المحرم. ومنعوا بيع السلاح لأهل الفتنة. وكذلك بيع العنب لمن يعصره خمرا (6). وفي بيع العينة، روى الربيع عن ضمام عن جابر في رجل يبيع من رجل متاعا بنسيئة؟ قال: لا بأس أن يشتري منه ذلك المتاع بعينه، بأقل أو أكثر. قال الكوفيون: الشراء الثاني فاسد وهو ضرب من الربا» (7).
1) ابن القيم أعلام الموقعين 3 159/ 135 وينظر أيضا تفصيل موضوع الذرائع سدا وفتحا، الزحيلي أصول الفقه 2: 914/ 873.
6
2) يحي بكوش، فقه الإمام جابر بن زيد، 1: 76. (3) أحمد الخليلي مقابلة خاصة، بتاريخ 1 رَمَضَان 1417 هـ 10/ 1/ 1997 م. 4) ابن جعفر، الجامع، 1: 415/ 416.
أجاز
5) أبو العباس أحمد كتاب أبي مسألة (مخ) 75 ظ. = (مط) 167. 6) وقد كره الإمام أبو حنيفة بيع السلاح أيام الفتنة ممن يُعرف عنه أنه من أهل الفتنة. بينما بيع العنب ممن يعلم أنه يتخذه خمرا، وإيجار الدار ليتخذه كنيسة أو بيعة أو ليباع فيه الخمر. وذهب صاحبا أبي حنيفة إلى المنع، لأنه إعانة على المعصية. ينظر المرغيناني، الهداية، 4: 429. وللفقهاء تفصيل في الحكم على هذه الصور بالجواز أو البطلان نظرا لاختلاف درجة ظهور الباعث وخفائه. ينظر: خالد بابكر الباعث وأثره في العقود والتصرفات، رسالة ماجستير،
جامعة الأمير عبد القادر للعلوم الإسلامية معهد الشريعة.1994. مصورة بحوزة الباحث. (7) الربيع بن حبيب آثار الربيع 12 جابر بن زيد من جوابات الإمام جابر، 110/ 111.
638 (1/638)
صفحة 636
E 3
الفصل الثاني: الانتد لان
علمنا
فمن أجاز هذا البيع بنى على الظاهر، ومن منعه اعتبر الباعث. وقد أجاب ابن بركة عن سؤال أيجوز بيع العنب ممن يتخذ منه الخمر، والبسر ممن يتخذ منه الفضيخ؟ إذا لم يقل إنما اشتريته منكم لأتخذ منه الخمر والفضيخ؟ قيل له: يجوز ولا نأمر به بل ننهى عنه. فإن قال: لِمَ جوزتم ذلك؟ قيل له: قد يجوز بيع الطعام على أهل الذمة في شهر رَمَضَان مع بأنهم يأكلونه في ذلك الوقت المحرم عليهم (1). وفي هذا النص نقاش حول بعض تعليلاته، والذي يعنينا منه دلالته على اعتبار الباعث في منع هذا البيع. فإذا تحقق القصد السيء مُنع صاحبه من ذلك التصرف، وإلا كان الأمر
على الجواز بناء على الظاهر. والله يتولّى السرائر.
==
=
وحظي باب النكاح بتطبيقات وافرة لهذه القاعدة. منها:
- حكم نكاح التحليل؛ فإذا بانت المرأة من زوجها بثلاث تطليقات لم يحل له مراجعتها حتى تنكح زوجا غيره ثم يطلقها. هذا ما نص عليه القرآن صريحا فَإِن طَلَقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ فَإِن طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَن يَتَرَاجَعَا إِن ظَنَّا أَن يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ} [البقرة: 230]. ولكن إذا تزوجها هذا الأخير بنية طلاقها، وعلم بنيته بقرائن الحال كان النكاح محرما. وقد سمّاه الرسول صلى الله عليه وسلم بالتيس المستعار (2).
وحَكَمَ الإباضيَّة أنه إذا تبين هذا القصد السيء، بأن علمه أحد الثلاثة، الزوج أو الخاطب أو المرأة، لم تحل الزوجة لزوجها الأول؛ ولو ندم الزوج
1) ابن بركة، الجامع، 2: 352.
(2) أخرجه ابن ماجة والحاكم والدارقطني والبيهقي عن عقبة بن عامر الجهني. ولفظه: «قَالَ: «قَالَ رَسُولُ اللهِ: ألا أخبركُمْ بالتّيسِ الْمُسْتَعَارِ؟ قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ؛ قَالَ: هُوَ الْمُحَلِّلُ. لَعَنَ اللهُ الْمُحَلَّلَ وَالْمُحَلَّلَ لَهُ».
سنن ابن ماجه، كتاب النكاح باب المحلل والمحلل له، حديث:1932. المستدرك على الصحيحين للحاكم، كتاب الطلاق، حديث:2736.
سنن الدارقطني كتاب النكاح، باب المهر، حديث: 3160. السنن الكبرى للبيهقي، كتاب النكاح، جماع أبواب الأنكحة التي نهي عنها، باب ما جاء في نكاح المحلل، حديث: 13273.
639 (1/639)
صفحة 637
الباب الثالث: اجتهاد الترجيح والاستدلال
الثاني بعد زواجه لأن نكاحه بُني على هذا القصد؛ فلا اعتداد به في تحليل
الزوجة (1).
=
- طلاق الفار: أقر الإباضية قول عمر الله في من طلق زوجته ثلاثا في مرض موته ومات في عدتها، أنها ترثه ماكانت في العدة، ولا يرثها. وذلك إذا تبين أن الضرر كان من الزوج لقصده السيء، أما إذا طلبت هي الطلاق فلا ميراث لها والعبرة دائما للباعث (2).
=
وفي نكاح المعتدة: حكم عمر أن من نكح معتدة ودخل بها فُرّق بينهما فراقا مؤبدا، وإن لم يدخل بها فُسخ النكاح واعتدت بقية عدتها، ثم صار واحدا من الخطاب. وزاد الإباضية فحرّموا حتى الخطبة من الرجل ومن المرأة سواء، وإلا حرمت عليه؛ احتياطا وسدا للذرائع (3). وتحريم المنكوحة في عدتها حكم متفق عليه عند الإباضية والمالكية، وهو قول عدد من الصحابة تأييدا لفعل عمر؛ إذ رآه صلاحا للرعية فلم ينكروا عليه. فإذا ترك المسلمون النكير على الإمام حكمه في حادثة كان أثرا يُعمل
به، ويُعتمد عليه» (4).
=
كما حكم الإباضية على من هَويَ امرأة فقتل زوجها أن المرأة تحرم عليه، قياسا على قاتل وارثه ليرثه أنه يُحرم من الميراث، وسدا لذريعة
=
الفساد وزاد آخرون فيمن خيب امرأة على زوجها أنها تحرم عليه (5). ومن ذلك أيضا تحريم نكاح المزنية على من زنى بها. وقد بينا مستند الإباضية في هذا الحكم من النصوص، ومن قياسه على اللعان (6). ثم أيدوا
(1) جابر بن زيد من جوابات الإمام جابر 148 - الخراساني، المدونة 2: 73. - بل ذهب ابن حزم إلى أنه إذا صرح بالتحليل في العقد كان زنا موجبا للحد. لقول عمر: «لا أولى بمحلل ومحلل له إلا رجمته». أما إن لم يتبين قصد التحليل فالنكاح صحيح. بناء على الظاهر. – ابن حزم، المحلي، 11: 249.
(2) الخراساني، المدونة 2: 73.
3 أبو العباس أحمد، كتاب أبي مسألة (مخ) 66 و. = (مط) 149.
4 ابن بركة الجامع 2: 1392. ابن خلفون، أجوبة، 41. 5) الوَارِجلاني، العدل، 3: 346.
6 جابر بن زيد من جوابات الإمام جابر 155 ابن بركة الجامع، 1: 120/ 121 - 123.
640 (1/640)
صفحة 638
الفصل الثاني: الاستد لان
ذلك بمبدإ سد الذرائع. حتى لا يُتخذ الزنى الحرام ذريعة للنكاح الحلال، لأن الوسيلة المحرمة لا تفضي إلى الغاية المباحة، وفي هذا التحريم معاملة للزاني بنقيض قصده. ومن تعجل الشيء قبل أوانه عوقب بحرمانه. فتبين أن هذا منسجم مع مقاصد الشارع في حفظ الأعراض، وكبح جماح الفساد، وحض
الناس على اتخاذ السبل المشروعة لبلوغ الغايات المباحة (1).
==
والرجل إذا ظاهر من زوجته بقصد تعطيلها وإضرارها، ليدعها لا متزوجة ولا مطلقة، فإنهم حكموا عليه إذا مسها قبل أن يكفر، أنها تحرم عليه أبدا معاملة له بنقيض مقصوده أيضا (2).
=
والمرأة إذا زنت ولها زوج فإنها تُرجم لإحصانها. والخلاف في ميراث زوجها منها، إذ ذهب بعض الإباضية إلى أنه لا يرثها، لأنها قد بانت منه قبل موتها وحَرُمَت عليه بزناها وخرجت من عصمته. ورأى آخرون أن له الميراث، ولا يحرمه بغيها وخيانتها من حقه في الميراث.
=
==
كما اختلفوا في صداقها للعلة نفسها.
والعدل أنه يرثها ويسترد الصداق، لأنها خانته في نفسها، فأبطلت بذلك حقها في صداقها، فيسترد الزوج ما أعطاها معاملة لها بنقيض مقصودها (3). وإعمالا لمبدإ سد الذرائع أفتى الإمام جابر بمنع الرجل من التصرف في ماله إذا صار في حال يخشى فيه من الموت، ويضعف أمله في الحياة. فلا يجوز له في ماله إلا الثلث.
وذلك كأن يكون في الحرب، والمسايفة أو داخل حريق لا يقدر أن ينجو
منه، أو في البحر وقد صار إلى حد الغرق.
وألحقوا به المرأة الحامل إذا ضربها المخاض (4).
فهؤلاء ليس لهم تصرف في أموالهم إلا في حدود الثلث، حملا لهم على
2 133 ابن خلفون أجوبة 40.
1 لتفصيل النظرة المقاصدية من هذا الحكم عند الإباضية ينظر إبراهيم بيوض، في رحاب
القرآن، تفسير سورة النور، ج 6. 32 - 47
2 محمد بن محبوب، أبواب من السنة، 6 ظ.
3 الخراساني، المدونة 2: 65 (4) جابر بن زيد من جوابات الإمام جابر، 105
641 (1/641)
صفحة 639
الباب الثالث: اجتهاد الترجيح والاستدلال
حال الوصية، لأنه تصرف مضاف إلى ما بعد الموت.
E 3
وقال جابر في الرجل المريض يوصي لوارثه بدين قد كان له عليه، فأجاز ذلك على أنه إقرار بدين لا وصية، إذ لا وصية لوارث» (1)، وعلل ذلك بقوله: «أصدق ما يكون الناس عند الموت». وأخذ تلاميذ جابر بهذا القول، وخالفهم ابن عبد العزيز فقال: بمنع تصرف المريض مرض الموت، وحمله على الوصية. ولو كان في صورة الإقرار.
ورجح الشيخ اطفيش قول جابر حملا للناس على الظن الحسن، فهذا مريض أقر بتباعة عليه لئلا يلقى الله بها. فهي للموصى له ولو كان وارثا، حتى إذا تبين الميل إلى الباطل بطل التصرف (2).
4 - الأخذ بالأحوط
ليس الأخذ بالأحوط قاعدة فقهية بالمعنى الدقيق، ولكنها سمة تتجلى في اجتهاد بعض الفقهاء حين استنباطهم للأحكام والإفتاء. وهو نتاج الورع والحزم في التعامل مع أحكام الدين من باب قول عمر: «كنا ندع سبعين بابا من الحلال مخافة أن نقع في الحرام. والفقه الإباضي من خلال القضايا المعروضة نجده يتسم بالجنوح إلى الأخذ بالأحوط في كثير من الأحكام، وبخاصة في أمر الفروج والأموال والدماء، لأنها تتعلق بحقوق العباد؛ وعفو العباد عن حقوقهم أمر عسير، خلافا لعفو الله الغفور الرحيم.
واعتماد الأحوط فيما فيه فسحة للمكلف ليس بضار له، بل هو أحزم لأمر دينه كما كان شأن الصحابة، إذ قال عمر: «كنا ندع سبعين بابا من الحلال مخافة أن نقع في الحرام» (3).
وأورد العوتبي اختلاف الفقهاء: هل بنى الدين على الاحتياط أم على الأحكام؟ وذهب آخرون إلى أنه بني على الورع، وخلصوا إلى القول: أربع
1) سبق تخريجه.
2 الخراساني، المدونة 2: 187.
3 مقالة مشهورة عن عمر لم أهتد إلى توثيقها رغم طول البحث.
642 (1/642)
صفحة 640
الفصل الثاني: الانتد لان
لولاهن لهلك الناس جميعا الوقوف والرخصة، والتوبة، والتقية (1). والأصل البناء على الأحكام، والأخذ بالأحوط أولى، ما لم يخش المكلف دخول الشك والوسواس عليه، فيُخرجه عن مقتضى الأحكام، ويُفضي به إلى ترك الفرائض (2). ولذلك ذهب ابن جعفر إلى أن من كان يعرف نفسه بالشك والوسواس، أن يعتمد على الأحكام ويتوقف عندها، ومن أمن من الوسواس استعمل الاحتياط (3).
- ومن مسائل الأخذ بالأحوط كراهة بعضهم سؤر الدجاجة لأنها تخلط الأنجاس؛ فلا يؤمن بقاؤها على منقارها.
=
أن
وقد أمر النبي المستيقظ من نومه بغسل يديه احتياطا مما عسى يكون قد أصابت يده أثناء نومه. كما علله النبي بقوله: «فإنه لا يدري أين
باتت يده» (4) (5).
=
ومن ظن أن الشمس قد غابت وحل وقت الإفطار فأكل أو شرب، ثم له تبين أنه أكل أو شرب قبل الغروب فقد انهدم صومه. ومنهم من يرخص أن يعيد ذلك اليوم، ولا ينهدم صومه والقول الأول مبني على الاحتياط (6).
1) العوتبي، الضياء، 3: 8.
2) ابن جعفر، الجامع، 1: 344. 3 ابن جعفر، الجامع 1: 345
(4) أخرجه البخاري ومسلم وأصحاب السنن وغيرهم عن أبي هريرة.
صحيح البخاري، كتاب الوضوء، باب الاستجمار وترا، حديث: 159. صحيح مسلم، كتاب الطهارة، باب كراهة غمس المتوضئ وغيره يده المشكوك في نجاستها في الإناء، حديث:442.
صحيح ابن حبان، کتاب الطهارة، باب سنن الوضوء، ذكر الخبر الدال على أن هذا الأمر أمر مخافة النجاسة، حديث: 1071.
سنن أبي داود، كتاب الطهارة، باب في الرجل يدخل يده في الإناء قبل أن يغسلها، حديث: 95.
سنن ابن ماجه کتاب الطهارة وسننها باب: الرجل يستيقظ من منامه حديث: 392 سنن الترمذي الجامع الصحيح، أبواب الطهارة عن رسول الله، باب ما جاء إذا استيقظ
أحدكم من منامه حديث: 26
5) ابن جعفر، الجامع، 1: 352. 6) الجناوني، كتاب الصوم، 53.
643 (1/643)
صفحة 641
الباب الثالث: اجتهاذ الترجيح والاستدلال
=
?
- ويرى الإباضية أن الجنابة تناقض الصوم، فمن أصبح جنبا أصبح مفطرا. ويقدم عمروس بن فتح مقارنة بين الرأيين، قائلا: «أرأيتم فقيهين اختلفا لرجل، فقال أحدهما: إذا اغتسلت ليلا أجزاك، وإذا أخرت إلى الصبح لا يضرك، وقال آخر: إن اغتسلت ليلا أجزاك، وإن توانيت إلى الصبح أبطلت
صومك. أليس الوثاقة أن يحتاط لنفسه ويأخذ بالذي اجتمعا عليه؟» (1). = وفي النكاح تشدد الإمام جابر في وطء الحائض، فقال: «لا أحلها ولا أحرمها، وأحب إلي أن يفارقها» (2). ولا يرى الشيخ الخليلي القول بالتفريق (3). = ومن قال للمعتدة: لا أتزوج غيرك. فقد عزما العقدة المنهي عنها في القرآن. وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَبُ أَجَلَهُ} [البقرة: 235]. قال جابر: «فذلك نكاح لا ينبغي، فإن نكحها بعد انقضاء العدة فرق بينهما ولا يعجبني مراجعتها، وتركها أحب إلي» (4).
=
وإذا طلق الرجل المرأة قبل الدخول، ثم غشيها ظائًا أن له عليها الرجعة، فقد ذهب جمهور الإباضية إلى تحريمها مؤبدا، لأن المطلقة قبل الدخول لا عدة لها ولا رجعة وهي بائنة. فغشيانها حينئذ زنا يحرمها على صاحبها (5). وفي أموال الناس من أخذها ظلما ثم أراد أن يتوب، فإنه يلزمه إعادة المال لأصحابه، فإن لم يقدر عليهم أوصى به لمن، بعده، ومن بعده يوصي به، حتى يُعلم أصحابه.
=
ويُنسب قول آخر لابن مسعود أنه يتصدق بذلك المال، فإن عَرَف أصحابه بعد ذلك أو جاؤوه، خَيَّرَهم بين الأجر وبين الغُرم، فيغرم لهم مالهم، وتكون
صدقته أجرا له ولا تستباح أموال أهل القبلة بحال (6). ومما يتعلق بالأخذ بالأحوط الخروج من الخلاف. ومن ذلك ما أورد ابن
1) عمروس بن فتح الدينونة الصافية، 130.
2 الربيع، الجامع الصحيح، باب 30 حديث 544. ج 2، ص 148. 3) أحمد الخليلي مقابلة خاصة بتاريخ 1 رَمَضان 1417 هـ 10/ 1/ 1997 م. 4) جابر بن زيد، رسائل الإمام جابر، 19.
5 الخراساني، المدونة 2: 67/ 66. (6) الإمام عبد الوهاب مسائل نفوسة، = (مخ) 5 ظ/ 6 و.
644 (1/644)
صفحة 642
الفصل الثاني: الاستدلان
بركة من الاختلاف في أول وقت العشاء، هل هو غياب الشفق الأحمر أو الأبيض؟ ورجح الثاني احتياطا والأخذ بالقول الأول فيه مخاطرة للاختلاف، والقول الثاني عليه الاتفاق وعليه قرر أنه «لا تجب الصلاة إلا بعد غيبة الشفق الثاني، لأنا أمرنا بفعلها بعد غيبة الشفق، وما كان الشفق قائما فنحن ممنوعون من الصلاة حتى يغيب» (1). وفي الاختلاف في عدد ركعات الوتر ذهب بعض الإباضية إلى أنه ثلاث ركعات، وهو المشهور، بينما يرى بعضهم أن ركعة واحدة جائزة، ويرجح ابن بركة القول الأول، وثلاثة أحب إلينا لزيادة العمل .... فاسم الوتر يقع على الواحدة والثلاث ومن أتى بواحدة فغير خارج من الاختلاف والذي قلنا
أكثر احتياطا» (2).
1) ابن بركة الجامع، 1: 585.
2 الإمام عبد الوهاب مسائل نفوسة، = (مخ) 5 ظ 6 و.
645 (1/645)
صفحة 643
الباب الثالث: اجتهاد الترجيح والاستدلال
الفصل الثالث: عملية الاجتهاد
تمهيد أهمية عملية الاجتهاد
E 3
جاءت شريعة الإسلام عامة خالدة، ونصوصها معدودة، وحوادث الناس متجددة لا تكاد تنقضي. وهنا تتجلى ضرورة الاجتهاد لضمان تنزيل أحكام الشرع على كل الوقائع، فلا تند حادثة عن حكم الله.
والاجتهاد مما امتازت به أمة الإسلام واختصت به دون سائر الأمم.
وهو تشريف لعقولها ولعلمائها، وتجسيد فعلي لخلودها وشمولها. ابن بركة أن «الحادثة إذا حدثت لا تخلو من حكم الله فيها، إما ويصرح أن يكون منصوصا عليها بأخص أسمائها، أو يكون منصوصا عليها في الجملة مع غيرها» (1). وبواسطة عملية الاجتهاد يتوصل إلى معرفة الحكم الصحيح والدقيق على كل حادثة بعينها. ونظرا لشمول التشريع لكل الوقائع والمستجدات، فقد قرر الأصوليون أن الاجتهاد عمل كاشف لحكم الله لا منشئ له. ومباحث علم الأصول كلها وسائل للمجتهد، بها يتوصل إلى معرفة
الحكم الشرعي. وتختلف الأنظار بناء على اختلاف المناهج في اعتماد بعض القواعد الأصولية، أو الترتيب بينها. وكان ذلك شأن الصحابة والمجتهدين من بعدهم، إذ كان اختلافهم نتيجة لتباين الرؤى في اعتماد قواعد الاجتهاد. وذلك ما بسطناه في فصول هذه الدراسة. وقد أفردت مباحث مستقلة في ذلك عُرفت بأسباب اختلاف الفقهاء، وأشار ابن بركة إلى بعضها؛ إذ عزاها بعض إلى الاختلاف في استخراج الحكم بالدليل المستنبط به وقال قوم كان الاختلاف من طريق القياس والاجتهاد (2). كما يقع الاختلاف في نفس المنصوص، إذ يقول ناس بالعموم، ويقول آخرون بالخصوص. ويرى بعض أن الأمر للوجوب، ويراه آخرون للندب
1) ابن بركة، الجامع 1: 115 العوئبي الضياء 3 - 11. الكندي، المصنف، 1: 66.- النزوي، قواعد الهداية، 3 ظ.
2) ابن بركة الجامع:1 115 - نجاد بن موسى، الأكلة 52.
646 (1/646)
صفحة 644
الفصل الثالث: عملية الاجتهاد
ويعمدون عند فقدان النص إلى التعليل فتتوزعهم منازع العلل وتتباين المقاييس (1).
وليس هذا التباين بين آراء الفقهاء وليد شهوة طاغية، أو نزوة عابرة، أو مصلحة آنية؛ بل كان نتاج مبادئ مرسومة ومنهج دقيق، قائم على أدلة الأحكام وقواعد الاستنباط؛ عصمت شريعة الإسلام أن تتلاعب بها الأهواء الجامحة، أو تطوّح بها الأنظار البشرية القاصرة. ذلك أن الفكر البشري بعيدا عن الهداية الإلهية سيظل رهين نظرة معرفية قاصرة، توجه مساره ضغوط بيئية قاهرة. أما الاجتهاد الفقهي فيوجهه الوحي المعصوم، وتضبط خطاه قواعد تفسير النصوص، ورائده في ذلك كله تحقيق مقاصد الشرع الحكيم. وفي هذا المبحث تستوقفنا عملية الاجتهاد نفسه لنتعرف على ماهيته ومن يؤهل للقيام به؟ وما الحكم فيما أدى إليه اجتهاده؟ وهل يجوز الاجتهاد في كل القضايا؟ وما حكم اختلاف المجتهدين؟، أهو صواب كله، أم فيه للخطإ نصيب؟ وهل يأثم المخطئون أم يرفع عنهم إثم الخطا؟ وما حكم من عجز عن تسنّم هذا المقام؟. أيسير بلا دليل، أم يجب عليه التقليد؟. وكيف يختار مرشده في هذه السبيل؟.
أسئلة وقضايا عديدة يثيرها مبحث الاجتهاد؛ طرقها الأصوليون بإسهاب وتفصيل. ونحاول استجلاء نظرة الإباضية إليها، عامدين إلى الإيجاز قدر
المستطاع.
(1) ابن بركة الجامع:1 115 - العوئيبي، الضياء، 3: 12.
647 (1/647)
صفحة 645
الباب الثالث: اجتهاد الترجيح والاستدلال
المبحث الأول: عملية الاجتهاد مشروعية وممارسة
-1 - مفهوم عملية الاجتهاد
اصطلحنا في بدء البحث على أن الاجتهاد يتسع ويضيق، وقد أخذناه في البدء واسعا يشتمل على الأصول إجمالا، بما فيها أدلة الأحكام وقواعد التفسير والاستنباط. بينما حصره بعضهم في ما لا نص فيه، وهو المصادر التبعية أو الاجتهادية. وحديثنا هنا ليس عن هذه الدوائر، إنما عن عملية الاجتهاد نفسها. فقد عرفها العوئبي بأن الاجتهاد بذل المجهود في طلب حكم الحادثة» (1). وذكر نجاد بن موسى هذا التعريف وأضاف تعاريف أخرى: أنه النظر المؤدي إلى إصابة الحادثة.
=
=
=
أو هو إصابة الحادثة نفسها.
أو
هو التقلب في الأسباب التي يتوصل بها إلى إصابة الحادثة (2). أما تعريف الملشوطي له فهو حمل النفس على ما يشق عليها؛ مأخوذ من الجهد ... ويسمى الناظر مجتهدا، لِمَا يلحقه القلب من التعب» (3). وتحوم التعاريف كلها حول هذا المعنى، ولعل من أدقها تعريف الوَارِخلاني. الاجتهاد هو استفراغ الوسع في طلب علم الحادثة. ولا يكون الاجتهاد إلا لمن بلغ الأمر منه الجهد فهو اجتهاد ولا يقال اجتهدت فحملت
ذرة، ولا لمن عمل عملا يعجز فيه إذا كان دون وسعه إنه مجتهد» (4). والاتفاق حاصل بين المعنى الاصطلاحي والمعنى اللغوي للاجتهاد، وهو بذل أقصى الجهد لتحقيق العمل المراد، ويكون هذا العمل مما يستلزم جهدا؛ ولذلك عدوا حمل الذرة والشيء اليسير خارج مجال الاجتهاد. وأضاف الوارجلاني شرط أن يكون العمل في مقدور الإنسان، لأن محاولة المحال لا تعد اجتهادا؛ فمن يريد عد حصى الرمل أو نجوم السماء، لا يقال له مجتهد،
1) العوتبي، الضياء، 1: 242. 2 نجاد بن موسى الأكلة 49. 2) 3) الملشوطي، الأدلة، 33.
4) الوَارِجلاني، العدل 2 268. وانظر أيضا: الوَارِجلاني، الدليل، 2: 59. -البرادي، رسالة الحقائق، 13. - السالمي، طلعة، 2: 274.
648 (1/648)
صفحة 646
الفصل الثالث: عملية الاجتهاد
يل هو متردد بين العبث والجنون.
وهذا ملحظ دقيق يميّز بين الناس في مجال الاجتهاد الشرعي، فلا يناله إلا من تأهل له وامتلك أدلته. أما العامي، والجاهل، فليس من حقهم ذلك، ومحاولتهم للاجتهاد مردودة؛ وهم في ذلك أشبه بمن يحاول عد نجوم السماء. وليس هذا حجرا للاجتهاد، بل هو ضبط له، فلا يلج بابه إلا القادرون، فمن رامه سعى في امتلاك أسبابه وأدواته ووجد الباب مفتوحا والولوج مسموحا.
2 - مشروعية الاجتهاد
الاجتهاد عمل عقلي في تفهم نصوص الشارع، واستلهام مراده إذا أعوزه
النص، لاستنباط الحكم الشرعي للحوادث المستجدة. ولكن لا دخل للعقل في إثبات مشروعية الاجتهاد. وقد صرح الوَارِخلاني أن العقل لا ذلك ولا يحيله، لأنه من الجائزات التي لا يوجب يقطع العقل فيها بشيء (1). ولذلك كان المعتمد في إثباته ومشروعيته على
الأدلة النقلية. وأدلة الاجتهاد في القرآن مشمولة في عموم الآيات التي تدعو إلى النظر والاعتبار، وقد تضمنها سياق الحديث عن مشروعية القياس ومن ذلك قوله تعالى: فَاعْتَبِرُوا يَتأُولِي الْأَبْصَرِ} [الحشر: 2]. وقوله: أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ القرءان أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقفَالُهَا} [محمد: 24]. وقوله: {وَتِلْكَ الْأَمْثَلُ نضربها لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُها إِلا العَلِمُونَ} [العنكبوت: 43]. وقوله: وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرُ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ [النساء: 83]. وغيرها من الآيات، أوردها الوَارجُلانِي لبيان مشروعية الاجتهاد (2). وأما من السنة فاشتهر عند العلماء حديث: «إذا اجتهد الحاكم فأصاب
(1) الوار جلاني، الدليل، 2: 59
2 الوار جلاني، الدليل:2 59 - ابن خلفون، أجوبة، 99/ 98.
649 (1/649)
صفحة 647
الباب الثالث: اجتهاد الترجيح والاستدلال
E 3
فله أجران وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر واحد» (1). فله أجر اجتهاده، وحط
الله عنه الماثم. كما ثبت اجتهاد النبي في مسائل عديدة، وإن منع ذلك البعض، فالواقع دليل لا يقاوم. وذكر ابن عباس الله أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقضي في المسألة فينزل القرآن، بخلافه فيستقبل حكم القرآن ولا ينقض قضاءه (2). وقد كان عماد النبي في التشريع هو الوحي، متلوا كان أم غير متلو؛ وإذا أعوزه عمد إلى الاجتهاد، فإن كان صوابا أقره الله، وإن أخطأ صوبه القرآن. ومن شواهد ذلك حادثة أسرى بدر، وأخذ الفداء منهم؛ إذ عاتبه الله على ذلك، مَا كَانَ لِنَي أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُنْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللهُ يُرِيدُ الآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [الأنفال: 167
67].
كما عاتبه على إعراضه عن ابن أم مكتوم رغبة في إسلام كبراء قريش، عبس وتولى) أَن جَاءَهُ الْأَعْمَى} [عبس: 2/ 1].
وقد أورد الشماخي والسَّالِمِي الآراء المختلفة في اجتهاد النبي، واختارا منها جواز اجتهاده مطلقا، في الآراء السياسية والمسائل الدينية؛ وإنما وقع منها في الشؤون الحربية والسياسية دون غيرها (3).
1) ورد الحديث عند البخاري ومسلم وغيرهما عن عمرو بن العاص: ولفظه عند البخاري: إذا حَكَمَ الْحَاكِمُ فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أَصَابَ فَلَهُ أَجْرَانِ وَإِذَا حَكَمَ فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أَخْطَا
فَلَهُ أَجْرٌ». صحيح البخاري، كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة، باب أجر الحاكم إذا اجتهد فأصاب أو أخطأ،
حديث: 6940.
صحيح مسلم، كتاب الأقضية، باب بيان أجر الحاكم إذا اجتهد فأصاب، حديث: 3326. صحيح ابن حبان كتاب البيوع، كتاب القضاء، ذكر إعطاء الله جل وعلا الحاكم المجتهد لله
ولرسوله، حديث:5137. وورد بلفظ إذا اجتهد الحاكم في المنتقى لابن الجارود عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله: إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران اثنان، وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر واحد». المنتقى لابن الجارود، كتاب البيوع والتجارات باب ما جاء في الأحكام، حديث: 969. 2 الربيع الجامع الصحيح، باب 3. حديث 16. ج 1، ص 8. 3) نجاد بن موسى الأكلة 51 الشماخي، شرح المختصر، تحقيق مهني التيواجني، 512/ 513. - السالمي، طلعة، 2: 5/ 4.
650 (1/650)
صفحة 648
الفصل الثالث: عملية الاجتهاد
وأيا ما كان، فالاجتهاد وقع وأقره القرآن؛ تصويبا أو استدراكا. أما اجتهاد الصحابة فقد وقع في عهد النبي صلى الله عليه وسلم في حوادث عديدة، منها اجتهادهم في تحديد المراد من قوله: «لا يصلين أحدكم العصر إلا في بني قريظة» (1)، فأخذ بعضهم بظاهر اللفظ وأخر العصر عن وقته وصلّى في بني قريظة، وأخذ آخرون بمعناه وفهموا منه الإسراع. فصلّوا العصر في وقته في الطريق. وأقر النبي الجميع (2).
كما صوّب خطأ عمار بن ياسر في اجتهاده لما أصابته جنابة ولم يجد الماء فتمعك في التراب؛ قياسا لبدل الغسل على بدل الوضوء. فقال له: «إنما يكفيك هكذا» (3). وبيّن له أن التيمم للوجه واليدين كاف. وقد سُرَّ رسول الله بجواب معاذ لما بعثه إلى اليمن، وسأله عن معتمده في القضاء، فأجاب معاذ بأنه يعمد أولا إلى كتاب الله ثم السنة، فإن أعوزه الدليل فيهما قال: «أجتهد رأيي ولا آلو» (4). وتم تدريب الصحابة على الاجتهاد بين يدي النبي. ووصف الوَارِجلاني مقدرة الصحابة على الاجتهاد بأنهم كانوا «وافري العقول،
1) أخرجه البخاري عن ابن عمر، قال: قال النبي لنا لما رجع من الأحزاب: لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة». صحيح البخاري، كتاب الجمعة، أبواب صلاة الخوف باب صلاة الطالب والمطلوب راكبا وإيماء،
حديث: 918.
2 السالمي، طلعة، 2: 300.
3) أخرجه البخاري وأصحاب السنن وغيرهم عن عمار بن ياسر بألفاظ متقاربة.
صحيح البخاري، كتاب التيمم، باب: المتيمم هل ينفخ فيهما؟، حديث:335. صحيح ابن حبان، كتاب الطهارة باب التيمم، ذكر خبر ثان يصرح بأن مسح الذراعين في التيمم غير واجب، حديث: 1320.
سنن أبي داود، كتاب الطهارة، باب التيمم، حديث: 278.
السنن الكبرى للنسائي، بدء التيمم، نوع آخر، حديث:295.
(4) أخرجه الدارمي وأبو داود والبيهقي وأحمد والطبراني عن معاذ بن جبل. سنن الدارمي، باب الفتيا وما فيه من الشدة، حديث: 173. سنن أبي داود، كتاب الأقضية، باب اجتهاد الرأي في القضاء، حديث: 3136. معرفة السنن والآثار للبيهقي، الاجتهاد، حديث: 55. مسند أحمد بن حنبل، مسند الأنصار، حديث معاذ بن جبل، حديث: 21551. المعجم الكبير للطبراني، بقية الميم رواية أهل الكوفة المراسيل، حديث: 17179.
651 (1/651)
صفحة 649
الباب الثالث: اجتهاد الترجيح والاستدلال
E
يعرفون غرض القرآن ومراده. ومحمد صلى الله عليه وسلم واسطة بينهم وبين الله تعالى، فما
عازاهم بينه لهم، وما انفهم لهم مضوا فيه وما لم ينفهم لهم فسره لهم» (1). ثم واصل الصحابة المسير بعد وفاة رسول الله، وحمل لواء الاجتهاد صحابة أجلاء عديدون منهم عمر وابن مسعود وابن عباس، واشتهرت أقوالهم في كتب الفقه والتفسير والآثار.
ومن
ذلك
منع عمر سهم المؤلفة قلوبهم لإدراكه أن العلة في منحهم سهما في الزَّكَاة هي حاجة الإسلام إليهم وكسبهم واتقاء شرهم، أول الإسلام؛ فلما جاؤوا يطلبون سهامهم في عهد عمر قال: «ذلك إذ كان الإسلام حقيًا، أما الآن فقد بَزُل» (2). فذهب إلى تخصيص القرآن بالأزمان
والأحوال. وكان ذلك رأيا منه أذعنت له الأمة، وصوبت فعله (3).
كما أقرت الأمة اجتهادات كثيرة لعمر كمنعه قطع يد السارق عام قسمة أرض الخراج وإنشائه الدواوين، وغيرها. وكان هذا
الرمادة، ومنع إجماعا من الصحابة على جواز الاجتهاد.
وهذا ما يتسق والمنطق التشريعي ومقاصد الإسلام، وإلا لتعطلت كثير
من الحوادث عن أحكام الله.
3 شروط الاجتهاد يعتبر المجتهد خليفة رسول الله في رسالته، ورسالة النبي تبليغ الدين وبيان الأحكام للناس. وهذا مقام جليل وخطير معًا، فكان لزاما على من يتبوؤه أن تتوفر فيه الشروط التي تؤهله للاجتهاد. وقد أجمع العلماء على شروط الاجتهاد في عمومها وهي العلم بالأصول والأحكام، ثم اختلفوا في تفاصيل بعض الشروط. بيد أنه ليس ثمة خلاف يذكر بين الإباضية وجمهور الأصوليين حول هذه
(1) الوار خلاني، الدليل، 3: 223.
2 الوار جلاني، الدليل:3: 227 - وجاءه مشرك يلتمس منه مالا فلم يعطه وقال: «فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر». وقال لآخرين: إن رسول الله كان يتألفكما، والإسلام يومئذ ذليل. وإن الله قد أعز الإسلام. ينظر: د. محمد رواس قلعجي، موسوعة فقه عمر بن الخطاب. 471 3) الوَارِجلاني، العدل، 2: 298.
652 (1/652)
صفحة 650
الشروط.
الفصل الثالث: عملية الاجتهاد
الأدلة
ومن النصوص الضابطة لها استيفاء واختصارا عبارة الوَارجُلانِي " إن الذي يجوز له الرأي والاجتهاد في النوازل، من كان عارفا بوضع مواضعها من جهة العقل والشرع والتوقيف فيها، ويكون عالما بأصول الديانات وأصول الفقه، وعالما بأحكام الخطاب في فنون الشريعة من العموم
والخصوص، والأوامر والنواهي، والمفسر والمجمل، والمنصوص والنسخ. ويعلم من النحو واللغة وما يفهم به معاني الكلام، كلام العرب. فإنه يحتاجهما للقرآن والسنة والآثار.
ويحتاج في السنة والآثار إلى طريقهما، فإنه لا غنى للسنة والآثار عن تصحيح طرقهما، وعوفينا في القرآن من ذلك، لأن الله تعالى تولّى حفظه، وأجمعت الأمة على متنه.
فإن حُرم المجتهد شيئا من هذه الشروط كان راوية لا عارفا، ومتفقها لا
فقيها. ويكون
صحيح الأمانة مأمون الخيانة سليم الديانة» (1). وأوردت كتب الأصول الأخرى الشروط نفسها (2).
ويعتبر الورع والتقوى والعدالة أمرا متفقا عليه في شروط الاجتهاد، فمن لم يكن عدلا لا يُقبل اجتهاده.
وقد اختصر الغزالي شروط الاجتهاد كلها في اثنين: الأول، الإحاطة بمدارك الشرع، والقدرة على الاستنباط.
=
=
الثاني العدالة واجتناب المعاصي القادحة. ولكنه جعل العدالة شرطا لاعتماد فتوى المجتهد، لا لصحة اجتهاده في ذات نفسه (3). وهو تفريق معقول.
1) الوار خلاني، العدل، 2: 257
2 ينظر: الكدمي، المعتبر، 4 و 4. - ابن سلام، بدء الإسلام،96. – نجاد بن موسى، الأكلة، 49 50 - سعيد بن زنغيل الرد على من زعم 202 و. المزاتي التحف، 15 و. - ابن خلفون أجوبة، 102. - الوار جلاني، العدل، 2: 278 = الدليل 2: 64/ 63 - السالمي، المعارج 1: 25
=
طلعة، 2: 275/ 278. (3) الغزالي، المستصفى، 2: 350.
653 (1/653)
صفحة 651
الباب الثالث: اجتهاد الترجيح والاستدلال
*
والنتيجة أن اجتهاد غير العدل لا يكون حجة في دين الله للناس. وهذا محل اتفاق بين أهل الأصول؛ لاشتراطهم الإسلام والعدالة فيمن يتصدى لبيان أحكام الله، لأنه في ذلك خليفة لرسول الله في مهمة البلاغ والبيان. وقد توسع أبو الربيع المزاتي في شروط الاجتهاد، بأن يكون صاحبه حافظا لكتاب الله ولجميع معانيه، وللسنة وجميع معانيها، وحافظا لآثار من
كان قبله من المسلمين» (1).
ولكن هذه شروط تعجيزية تتعذر إلا في الشواذ من الأمة. وعقب عليها الوَارِجلاني بأن ذلك هو الأصل، «فالشيخ أبوالربيع قد صدق، هكذا ينبغي أن يكون العالم، ولكن هذا لا يتحقق إلا نادرا. وقد قال على بن أبي طالب (ما من شيء إلا وفي القرآن علمه ومعرفته، غير أن آراء الرجال تعجز عنه» (2).
ولذلك ولا حفظ أقوال الصحابة وآثار السابقين جميعا، ومواطن الإجماع كلها (3). وواقع الصحابة أكبر دليل على ذلك؛ إذ لم يكونوا كلهم من حفظة القرآن، وغابت عن فقهائهم أحاديث كثيرة، ومع ذلك اجتهدوا في النوازل حسب مؤداهم وعلمهم (4). وقد سئل أبو عبيدة أرأيت من لا يحفظ أحاديث رسول الله له وهو ثقة، أيؤخذ عنه العلم؟ قال: سبحان الله، أوكل الناس يحفظون الحديث
رجح السالمي عدم اشتراط حفظ القرآن، ولا حفظ السنة، جميع
؟!» (5).
والقدر المطلوب هو أن يحفظ ما يؤدي به إلى إدراك المسألة بجميع أدلتها،
ولا يعارض نصا أو إجماعا سبق.
وهذا
مبني على القول بتجزؤ الاجتهاد، وهو الراجح من الأقوال، وهو
1) المزاتي، التحف، 15 و. 2 الوار جلاني، العدل، 2: 278. 3) السالمي، طلعة، 2: 277. (4 السالمي، طلعة، 2: 277/ 278. 5) أبو عبيدة، مسائل أبي عبيدة، 12 ظ.
654 (1/654)
صفحة 652
الفصل الثالث: عملية الاجتهاد
ما ذهب إليه أبو سعيد الكدمي، وأحمد الكندي، والشماخي والسَّالِمِي (!). واستدل الكدمي بواقع الناس في أمور حياتهم، إذ لا يُشترط ليوصف الإنسان بالصانع أن يكون ملما بجميع الصنائع، بل يكفي إتقان صنعة واحدة كالحدادة أو النجارة. وفي صفة التجارة يكفي المتاجرة بنوع منها ليوصف صاحبها بأنه تاجر وكذلك الاجتهاد من أتقن فيه بابا أو أبوابا وصف بأنه
مجتهد (2).
وقال: «لو اشترطنا إحاطة المجتهد بكل العلوم لكان محالا» (3). أما الاجتهاد المطلق، فيُشترط فيه العلم الواسع بمدارك الأدلة، وقواعد استنباط الأحكام والإجماعات، وأسباب النزول، وقواعد اللغة، ونحو ذلك. وهذا ما لا يقدر عليه أغلب الناس.
والتفنن في الشروط التعجيزية للاجتهاد وإن كان مقصده سليما، وهو تحصين حمى الشريعة من غير المؤهلين، فإنه أفضى إلى نتائج عكسية، إذ أخلد الناس إلى الدعة والخمول وهجروا مجال الفقه، وأوصدت أمامهم أبواب الاجتهاد، وانكفؤوا على الموروث الجاهز يجترونه دون انقطاع، ودون سعي إلى تجديد أو وعي بالجديد. وأفرزت الحياة المتطورة ركاما من المسائل والمشاكل تنتظر حكم الإسلام فيها. فأحجم عن التصدي لها كثيرون بحجة عدم توفر شروط الاجتهاد. - غلق باب الاجتهاد
مضت على تاريخ الفقه الإسلامي عصور ازدهار ذهبية أنجبت فقهاء مجتهدين أثروا الفقه بآرائهم، وكانوا أكفاء لهذا المقام. ثم تلاهم من لم يبلغ مقامهم، فخشي بعض أهل الغيرة على الدين أن يلج هذا الحرم من ليس أهلا، فنادوا بغلق باب الاجتهاد لئلا يتطاول على الله الجاهلون ولا يدعي
(1) الكدمي، المعتبر، = ((مخ) - 4 ظ 5 و. = (مط):1: 27/ 26 – الكندي، المصنف، 1: 89/ 90 - الشماخي، شرح المختصر = ((مخ) - 64 ظ = تحقيق مهني التيواجني، 511. السالمي،
طلعة، 2: 278/ 279.
2 الكدمي المعتبر = (مخ) 5 و. = (مط) 1: 27. 3) الكدمي، المعتبر، = (مخ) 5 و. = (مط) 1: 27.
655 (1/655)
صفحة 653
الباب الثالث: اجتهاد الترجيح والاستدلال
الفقه المبطلون (1).
?
فقد ذهب بعض المتأخرين من الشَّافِعِيّة والحنفية إلى القول بغلق باب
الاجتهاد المطلق. ثم تدارك الأمر العلماء اللاحقون، فدعوا إلى فتح باب الاجتهاد من جديد وكتبوا في ذلك كتبا ورسائل شتى (2).
ولكن الحنابلة قرروا بقاء بابه مفتوحا وهم يقولون بعدم خلو العصر من مجتهد قائم لله بالحجة. وهو ما قرره الشيعة أيضا، بيد أنهم يشترطون وجود إمام من أئمتهم ضمن أهل الاجتهاد لأن الحجة تقوم بقوله (3). ولكن الإباضية لم يغلقوا باب الاجتهاد يوما، ونصوا على أنه ظل مفتوحا لأهله، ولا يملك أحد أن يوصده إلى يوم الدين. وفي ذلك قال المزاتي: «من حرم الرأي على العالم المجتهد ضل وكفر (4). وكذلك من جوزه وأحله للجاهل ضل وكفر أيضا. فالرأي حلال لكل عالم في كل زمان ومكان، وحرام في كل زمان على كل جاهل» (5).
وفي تفسير قوله تعالى: وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ [النساء: 83] قال الوَارِخلاني: «فأطلق لهم سبيل
(1) حول غلق باب الاجتهاد وأسبابه ينظر الزحيلي أصول الفقه 2 1086/ 1085. - ولتفصيل حال الاجتهاد في عصر الانحطاط الفكري والجمود الفقهي ينظر: الخضري، تاريخ التشريع، 379 فما بعد. - علي السايس تاريخ الفقه الإسلامي، 118/ 121.
2) كتب السيوطي، رسالة في ذلك بعنوان: الرد على من أخلد إلى الأرض. وبيان أن الاجتهاد في كل عصر فرض وحشر لذلك أدلة عديدة وأقوال علماء كثيرين في وجوب الاجتهاد ومنع التقليد. وأنه لا يخلو عصر من مجتهد. ينظر عبد الرحمن السيوطي، الرد على من أخلد إلى الأرض، المطبعة الثعالبية، الجزائر. - كما كتب الشوكاني رسالة هامة في ذم التقليد، سماها " القول المفيد في أدلة الاجتهاد والتقليد". ط المنيرية 1348 هـ / ط دار القلم الكويت. تحقيق عبد الرحمن عبد الخالق. 1396 هـ/ 1976 م.
3) أبو زهرة، تاريخ المذاهب الإسلامية، 116/ 115. (4) الكفر المراد هنا هو كفر النعمة وهو المقصود بلفظ الكفر في اصطلاح الإباضية، من باب حديث " سباب المسلم فسوق وقتاله كفر" وقوله تعالى: وضرب الله مثلا قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغدا من كل مكان فكفرت بأنعم الله). (5) المزاتي، التحف، 15 و. - سعيد بن زنغيل الرد على من زعم.
202 و.
656 (1/656)
صفحة 654
الفصل الثالث: عملية الاجتهاد
الاستنباط إلى يوم القيامة» (1). ولكل أهل زمان في محدثاتها أحكام» (2). فباب الاجتهاد مفتوح ما توافرت في المجتهد شروط الاجتهاد (3). 4 - مسؤولية المجتهد
العالم الذي استوفى شروط الاجتهاد، يجب عليه القيام بفرض الاجتهاد، و استفراغ الوسع في طلب الحق من أدلته (4).
ويتعين هذا الوجوب في حالتين:
=
=
الأولى: إن سأله سائل عن رأيه في تلك المسألة. وكان السائل بحاجة
علما.
للعمل فيها، فلا يجوز له أن يكتمه الحكم فيها، وإلا لحقه وعيد من كتم الثانية: إذا أراد المجتهد أن يعمل في مسألة مما يصح فيها الخلاف، فيلزمه النظر في أقوى الأمارات والعمل بأرجحها ويبذل في ذلك قصارى جهده بحثا وتأملا (5).
ويراعي في ذلك قواعد ترتيب الأدلة، ومنهج الاستنباط، فلا يعارض نصا باجتهاد، ولا جليا بخفي، ولا خاصا بعام. وهكذا. ويقدم الكتاب والسنة على القياس، ولا يخالف الإجماع (6).
وضابط ذلك أنه لا ينبغي للمجتهد إلا أن ينظر إلى الله تعالى بعين الخشية في أمر قد كلفه الله تعالى وأمره فيه بالاجتهاد، فإن ضيع عصى، وإن اجتهد فكتم عصى، وإن اجتهد فأظهر خلاف ما رأى عصى. ولا يجعل للشهوة في رأيه نصيبا» (7).
وما أدّى إليه اجتهاده هو الواجب في حقه، ولا يجوز له العدول عنه إلى رأي غيره، إلا أن يعرض له دليل صحيح يوجب فساد ذلك الحكم عنده، أو
1) الوار خلاني، الدليل، 3: 224. (2) الوار جلاني، الدليل، 3: 226. (3) ينظر: 100/ 99 Ennami, Studies (4) ابن خلفون، أجوبة، 98.
(5) السالمي، طلعة، 2: 285 فما بعد.
6 الكندي المصنف:1 105 - الجيطالي، القناطر، 1: 176.
7) الوار خلاني، الدليل، 2: 60/ 59.
657 (1/657)
صفحة 655
الباب الثالث: اجتهاد الترجيح والاستدلال
شبهة أورثت شكا في صوابه (1).
E
ومنع جمهور الأصوليين المجتهد من تقليد غيره ولو كان أعلم منه. وذهب
بعضهم إلى جواز تقليد الصحابة. والمعتمد هو رجحان الدليل لا نسبة الرأي إلى صحابي أو غيره (2). فإذا رجح الدليل في نظر المجتهد وجب عليه اتباعه، دون النظر إلى قول عالم سابق أو لاحق، صحابيا كان أم غير صحابي، لأن العصمة ثبتت لكتاب الله وسنة رسوله ولإجماع الأمة.
- ضمان المجتهد
"
والمجتهد إذا سئل عما لا يعلم، ينبغي له أن يقول: لا أدري، وقال ابن عباس: إذا ترك العالم قول " لا أدري أصيبت مقاتله وقد يُحلّ حراما أو يحرم حلالا بغير علم. وهذا الجرم يضاهي في المنزلة الشرك بالله تعالى، إذ وردا مقترنين في القرآن. قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ والا ثم وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَن تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِلْ بِهِ سُلْطَنَا وَأَن تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ [الأعراف: 33]. وروى الربيع عن أبي عبيدة عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من أفتى مسألة أو فسر رؤيا بغير علم كان كمن وقع من السماء إلى الأرض فصادف بئرا لا قعر، له ولو أنه أصاب الحق» (3). وقد استفاضت المصادر الإباضية في بيان ضمان المجتهد إذا أفتى في مسألة خطأ، جهلا كان أم عمدا.
فإن كان من أهل الفقه والاجتهاد واجتهد فيما يجوز له الاجتهاد فيه، فلا إثم ولا ضمان عليه اتفاقا. أما الجاهل فهو ظالم آثم، وعليه التوبة. وإن خالف المجتهد الحق فيما لا يسعه فلا عذر له في ذلك (4).
1 الحضرمي مختصر الخصال، 13 و. (2) السالمي، طلعة 2: 290
3 الربيع، الجامع الصحيح، باب حديث 35. ج 1، ص 35.
4) الكدمي المعتبر:1: 30/ 29 الكندي، المصنف، 1: 91 - وانظر المسألة أيضا في الكدمي الاستقامة، 3: 9/ 8/7 نجاد بن موسى الأكلة، 15/ 14 الكندي، المصنف، 1: 96/ 85. البوسعيدي لباب الآثار، 1: 12
[658]
658 (1/658)
صفحة 656
الفصل الثالث: عملية الاجتهاد
المبحث الثاني: الصواب والخطأ في الاجتهاد.
يتعلق الحكم بصواب أو خطإ الاجتهاد بتحديد المجالات التي يجوز الاجتهاد فيها من التي يحظر. والموضوع متشابك أسهب فيه الأصوليون، ونحاول اجتزاء ما أسهم به الإباضية بما يفي بالغرض قدر المستطاع. 1 - مجال الاجتهاد
هل الاجتهاد يشمل كل المجالات ويتناول كل الموضوعات؟ أم إن ثمة أمورا لا ينالها الاجتهاد؟ يجيب الشيخ أبو الربيع المزاتي عن هذا التساؤل «أن الذي يجوز فيه الرأي للعلماء ما لم يجدوه في الكتاب ولا في السنة، ولم يكن في آثار من كان قبلهم من العلماء» (1).
عبارة
وتتردد بين الأصوليين عبارة (لا اجتهاد مع ورود النص»، وهي مجملة تحتاج إلى بيان؛ والمقصود منها أنه لا مجال للبحث عن الحكم خارج النص في أمر ورد فيه النص.
وتصادفنا هذه المقولة في المصادر الإباضية في ثنايا الاستدلال على كثير
من الآراء الفقهية. ومن نماذج ذلك:
=
أورد الخراساني قول جابر أن من حاز دارا وأعمرها خمسا وعشرين سنة أو ثلاثين سنة؛ فهي له، بينما ورد الحديث بخلافه، وبتحديد المدة بعشر سنين. ثم ذكر الخراساني الخلاف وقال: وما قاله النبي فهو حق، والسنة أحق بأن تتبع، إذا كانت سنة من النبي» (2).
- روي عن النبي أنه قال: «لا يتوارث أهل ملتين» (3). وروي عن
(1) المزاتي التحف، 15 و. - سعيد بن زنغيل الرد 195 - الوار جلاني، العدل، 2: 277. = الدليل، 2: 60 (2) الخراساني، المدونة 2: 224/ 225.
3) أخرجه الحاكم عن أسامة بن زيد؛ وأبو داود وابن ماجة عن عبد الله بن عمرو بن العاص، والترمذي عن جابر بن عبد الله. وأخرجه غيرهم أيضا.
المستدرك على الصحيحين للحاكم، كتاب التفسير، حديث: 2876.
سنن أبي داود، كتاب الفرائض باب هل يرث المسلم الكافر؟، حديث: 2538 سنن ابن ماجه، کتاب الفرائض، باب ميراث أهل الإسلام من أهل الشرك، حديث: 2728.
659 (1/659)
صفحة 657
الباب الثالث: اجتهاد الترجيح والاستدلال
?
معاذ جواز ميراث المسلم للكافر دون العكس، لأن الإسلام يعلو ولا يُعلى
عليه. وعقب ابن بركة أن هذا القول حسن في الظاهر، ولكن القدوة بالنبي والاتباع لسنته أولى (1). ويردد ابن بركة أمثال هذه العبارة كثيرا في كتابه الجامع، مؤكدا أنه لاحظ للنظر مع ورود الخبر، محتجا بها على آرائه (2).
=
وجاء في جامع الفضل بن الحواري، ولولا أن النص ورد بجواز استئجار الظئر (3) ما جاز استئجارها، غير أنه لا حظ للنظر مع النص» (4). - وذهب بعض إلى منع الحائض من تناول شيء من المسجد، لأنها تكون بجزء منها في فضاء المسجد، وينبغي أن يُنزّه المسجد وهواؤه من ذلك، وعقب ابن جعفر بقوله: «فإذا ثبت هذا عن النبي، وعلم أنه أجازه فهو أولى ما عمل به وأخذ به (5).
=
وقال العوتبي: «وإذا تعارض الأثر والنظر، كان الحكم للأثر، وسقط اعتبار النظر. وإذا جاء النص بطل القياس (6).
=
- وذكر الكندي أن أموال أهل القبلة لا تحل فيها الغنيمة، وليست كأموال أهل الشرك والذي فرّق بينهما هي السنن الماضية والآثار المتبعة التي يُقتدى بها، ليس لأحد فيها اختيار ولا رأي ولا قياس» (7).
كما تحدث عن التفريق بين أحكام مشركي العرب - الذين لا يُقبل منهم إلا التوحيد أو الحرب وبين سائر المشركين الذين يقبل منهم التوحيد أو الجزية أو الحرب، على التدرج؛ وكلا الفريقين مشركون. وجاءت السنة والأثر
سنن الترمذي الجامع الصحيح الذبائح، أبواب الفرائض عن رسول الله، باب لا يتوارث
أهل ملتين، حديث: 2085
(1) ابن بركة الجامع 2: 274
(2) ابن بركة الجامع:1: 214 - 241 - 371 - 543. 2: 155.
3 ورد في الأصل الطير» وواضح أنه تصحيف؛ فصوّبناه اجتهادًا. (4 الفضل بن الحواري جامع الفضل بن الحواري، 3: 84.
5 ابن جعفر، الجامع 1: 346
6) العوتبي، الضياء، 1: 245 – 3: 14.
7) الكندي، المصنف، 1: 70/ 71.
660 (1/660)
صفحة 658
الفصل الثالث: عملية الاجتهاد
بهذا التفريق، فبطل هاهنا الرأي والقياس (1).
فقاعدة لا اجتهاد مع النص قاعدة صحيحة، وتفسيرها الدقيق يتجلى من تقسيم العلماء للنصوص الشرعية قسمة رباعية. فهي:
=
- إما قطعية الثبوت قطعية الدلالة.
=
=
=
وإما قطعية الثبوت ظنية الدلالة.
وإما ظنية الثبوت قطعية الدلالة.
وإما ظنية الثبوت ظنية الدلالة.
فما كان قطعي الثبوت والدلالة هو الذي يصدق عليه حقا أنه «لا اجتهاد مع ورود النص. وباقي الأقسام الثلاثة كلها تظل تحت مجهر البحث ونظر
المجتهدين؛ لمعرفة طرق إثباتها وتوثيقها، ثم لتوضيح دلالتها وبيانها. وهذا مجال رحب للبحث في إطار النص الوارد وفق منهج توثيق النصوص وقواعد تفسيرها، وهو اجتهاد بأتم معنى الكلمة.
وهناك أيضا اجتهاد بالمعنى الخاص، وهو البحث عن حكم مسألة لم يرد فيها نص، وذلك بالاعتماد على المصادر الاجتهادية من استحسان و استصحاب واستصلاح وغيرها. فإذا نزلت نازلة مما لم يكن في الكتاب ولا في السنة ولا في آثار المسلمين الذين كانوا قبل النوازل الحادثة، فعلى العلماء أن يجتهدوا فيها (2). والاجتهاد في هذه القضايا مشروع والخلاف فيها سائغ. وكان هذا منهج الصحابة وأئمة المسلمين؛ إذ اجتهدوا فيما لم يرد فيه النص، كما اجتهدوا في تفسير النصوص وتطبيقها. واجتهادات عمر في سهم المؤلفة قلوبهم وسهم قرابة رسول الله، وعدم قسمة أرض الخراج وغيرها معروفة مشهورة، وكلها كانت في دائرة النصوص. وما ساغ لعمر ساغ لغيره، ما توافرت فيه شروط الاجتهاد. وهذا ما
يقضي به اليسر في الدين (3).
(1) الكندي، المصنف، 1: 71/ 70.
2 محمد بن الحواري، جامع أبي الحواري 1 12 - الوَارِجلاني، العدل، 2: 277/ 278.
سعيد بن زنغيل الرد 195 ظ
3 الوار خلاني، الدليل، 3: 72.
661 (1/661)
صفحة 659
الباب الثالث: اجتهاد الترجيح والاستدلال
واعتبر الوارجلاني هذا الاجتهاد قاضيا على الكتاب والسنة، رغم أن الكتاب أصل للسنة، والسنة أصل للرأي (1).
وليس المراد بذلك نقض الكتاب والسنة بالرأي، بل بيان معناهما، والاجتهاد في تحقيق المناط أثناء التطبيق، وإلا فإنه لا يسوغ لأي اجتهاد كان أن يقضي على نصوص السنة والقرآن.
فالاجتهاد ينحصر في الظنيات دون القطعيات، أو ما اصطلح عليه بالفروع والأصول، و لا يسوغ الاجتهاد إلا في فروع الشريعة، وأما أصولها
فلا» (2).
ووضع الوَارجُلانِي الضابط للتمييز بينهما، فالأصول كل ما جاء في كتاب الله نصا أو مستخرجا مجمعا عليه، أو في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم مقطوعا بها، أو أجمعت عليه الأمة ... والفروع بخلافها، وهو ما طريقته غلبة الظن
والاجتهاد» (3).
واصطلح على تسمية الأولى قضايا الدين، أو مسائل الديانة؛ كالتوحيد والنبوة والبعث ونحو ذلك، وعلى الثانية بمسائل الرأي والاجتهاد، وتشمل العبادات والمعاملات والحلال والحرام.
فالأولى لا يجوز الخلاف فيها، وفي الثانية يجوز.
والحَجّة في ذلك عمل الصحابة، فقد اختلفوا بعد نبيهم. فما كان من مسائل الأصول لم يعذر بعضهم بعضا فيها، ووقعت البراءة والتضليل وسفك الدماء بينهم فيها، وما كان من الفروع وسعهم الخلاف فيها دون تفسيق ولا براءة ولا تضليل. وقد أجمعوا على هذا فكان معيارا للتمييز بين الأصول والفروع (4). (4). قال العوتبي: وما لم يُجمعوا على أنه من الأصول، ولم يُجمعوا
(1) الوار خلاني، الدليل، 3: 98/ 97
(2) الوَارَجْلاني، الدليل، 3: 72. 3 الوار جلاني، الدليل، 2: 269
4 - وقد أسهبت المصادر الإباضية في تأصيل هذه القضية وتفصيلها. ينظر منها: نجاد بن موسى الأكلة، 86/ 85 - أبو خزر يغلا بن زلتاف، الرد على جميع المخالفين 20/ 19.-العوتبي، الضياء، 3: 13/ 12. ابن خلفون أجوبة 100 101 الكندي- التخصيص، 7 و/ 7 ظ.= المصنف، 1: 48. ابن جعفر الجامع:1: 205/ 204 - محمد بن الحواري جامع أبي الحواري، 1: 12.
662 (1/662)
صفحة 660
الفصل الثالث: عملية الاجتهاد
على تضليل من قال فيه بالرأي والاجتهاد فهو فرع يجوز فيه الاختلاف والقول بالقياس والاجتهاد» (1). فإذا قال أحد بالرأي في الدين فقد خالف معنى الرأي؛ فإنه لا يجوز الرأي في الدين، ولا يجوز الدين في الرأي (2). ومن قال في الدين بالرأي والقياس فقد أخطأ وضل عن سواء السبيل (3).
2 آراء الأصوليين في الصواب والخطا في الاجتهاد يترتب عن تحديد مجال الاجتهاد الحكم على هذا الاجتهاد، أصواب كله أم يعتريه الخطأ؟ وما حكم المجتهد إذا أخطأ الحق؟ أيأثم أم يُرفع عنه المأثم والملام؟
تلك أهم الأسئلة التي عالجها الأصوليون في محور الصواب والخطا في
الاجتهاد؟
وبدأ، نذكر أن حصر مجال الاجتهاد في الظنيات من الفروع الفقهية، يقتضي الحسم بالنسبة لمجال القطعيات من أصول الدين، إذ لا يجوز فيها القول بغير مقتضى الأدلة القطعية من نصوص وإجماع، فالحق فيها واحد ومع واحد. وهو من وافق هذه الأدلة ومن أخطأه كان آثما مأزورا وضالا. هذا القول محل إجماع لدى الإباضية (4)، وهو ما عليه جماهير العلماء إلا الشذوذ ممن أجاز الاجتهاد في الأصول (5). ويلزم عن هذا القول الشاذ احتمال الصواب في عقائد اليهود والنصارى؛ وهذا مصادمة صارخة لقواطع الأدلة
1) العوئبي، الضياء، 3: 25/ 24.
2) الكدمي، المعتبر، 4 و. (3) الكندي، المصنف، 1: 122.
(4) ينظر: الكدمي الاستقامة، 3: 38. المعتبر، 11 ظ 12 و. - العوتبي، الضياء، 3: 8/ 9 - نجاد بن موسى، الأكلة، 50.- السالمي، طلعة، 2: 284. 5 نسب هذا القول إلى عبد الله بن الحسن العنبري وبشر المريسي والجاحظ. لكن العنبري قال: كل مجتهد في الأصول مصيب، وليس فيها حق متعين. وقال المريسي: الحق فيها واحد متعين والمخطئ آثم. وقال الجاحظ فيها حق متعيّن، لكن المخطئ معذور غير آثم. ينظر: الغزالي، المستصفى، 2 259 - الشماخي شرح المختصر، (مح) 506. الآمدي، الإحكام، 4: 247. - الرازي، المحصول 2: 500.
663 (1/663)
صفحة 661
الباب الثالث: اجتهاد الترجيح والاستدلال وإجماع الأمة (1).
هذا؛ وقد أشار السَّالِمِي إلى أن الاجتهاد في القطعيات جائز، ومعناه أخذ هذه المسائل مشفوعة بأدلتها لانبنائها على القطع واليقين. وهذا ما يلزم عنه العلم بالدليل الموجب لذلك، وهو ما لا يتأتي عن طريق التقليد والتلقين. وهذا هو الرأي الصواب خلافا لبعض القائلين بالتقليد في العقائد، والتسليم فيها؛ لأن الناظر في أدلة المسائل القطعية يزداد بذلك اطمئنانا ويقينا، غير أنه لا يجوز له الخطأ في ذلك وإلا كان آثما هالكا (2).
ويبقى الخلاف حول الخطا والصواب سائغا بعد ذلك في الاجتهاد المشروع، وهو المحصور في دائرة الفروع.
فما حكم الاختلاف الواقع بين المجتهدين في هذه المسائل؟ للعلماء أزاء هذا قولان أساسيان قول بأن الجميع على صواب، وقول بأن بعضهم مصيب، وبعضهم
مخطئ.
الأول: أن كل مجتهد في الظنيات مصيب.
ونسب الوَارجُلانِي هذا القول إلى بعض الحنفية (3)، كما ذكر السَّماخِي أنه مذهب أكثر المعتزلة والأشاعرة (4)، ونسبه نجاد بن موسى إلى عبد الله بن الحسن قاضي البصرة، وطائفة من أهل الكلام (5)، ونقل عن الإمام أبي حنيفة
ومالك والشافعي رواية بهذا القول (6).
1 البَرَّادِي رسالة الحقائق 13 - الشيرازي، التبصرة، 496.
2 - السالمي، طلعة، 2: 284/ 285.
3 الوار جلاني، العدل، 2: 269 - وهوما تؤكده مصادر الحنفية، ينظر: ابن عبد الشكور، فواتح الرحموت، 2: 381
4 - الشماخي، شرح المختصر، = (مخ) 63 ظ. = تحقيق مهني التيواجني، 507. ينظر: الرازي، المحصول، 2: 500.
(5) نجاد بن موسى الأكلة 50 ينظر: ابن عبد الشكور، فواتح الرحموت، 2: 381. - الآمدي، الإحكام، 4: 246 فما بعد. وذكر الآمدي أن التصويب قول القاضي أبي بكر وأبي الهذيل والجبائي
وابنه.
6) البرادي، رسالة الحقائق، 13 - الشماخي شرح المختصر، = (مخ) 63 ظ. = تحقيق مهني التيواجني، 507. وذكر الآمدي أنه نُقل عن الأئمة الثلاثة أبي حنيفة والشافعي وأحمد القولان. ينظر: الآمدي، الإحكام، 4: 247.
664 (1/664)
صفحة 662
الفصل الثالث: عملية الاجتهاد
ونص السالمي أن هذا مذهب أصحابنا من أهل عمان إلا ابن بركة، و مذهب أبي يعقوب [الوارجلاني] من أهل المغرب (1). وظاهر كلام السالمي أنه مع هذا القول، وإن كان يرى أن الخلاف في المسألة لفظي لا ثمرة له. والصواب أن جمهور الإباضية مع المخطئة، ولابن بركة قول يوحي
بالتصويب، وقول صريح يفيد أنه المخطئة، وسيأتي. ثم اختلف أصحاب هذا القول: هل الله تعالى في الواقعة المجتهد فيها حكم معين؟ - ذهب بعضهم إلى أنه ليس في الواقعة التي لا نص فيها حكم معين عند الله يطلب من المجتهد إصابته، بل الحكم تبع لظن المجتهد. وحكم الله تعالى
على كل مجتهد ما غلب على ظنه. وهو ما اختاره الغزالي (2).
=
- وذهب آخرون إلى أن الله حكما في المسألة يتوجه إليه الطلب، لكن لم يُكلّف المجتهد إصابته، فإن أخطأ ذلك الحكم المعين في علم الله، فقد أدى ما عليه. وأصاب بفعله ما كلّف به، وهو الاجتهاد (3).
وجعل السَّالِمِي هذا القول هو رأي المصوبة من الإباضية (4). وكلا الفريقين يعرفون بالمصوبة في الاجتهاد لاتفاقهم في النهاية أن الجميع
مصيب.
الثاني: أن المصيب في الاجتهاد في الظنيات واحد. وأصحاب هذا القول متفقون أن الله حكما معينا في المسألة، هو الذي يصل إليه المجتهد المصيب. ثم اختلفوا بعد ذلك: هل المخطئ لهذا الحكم أثم أم لا؟ - ذهب فريق منهم إلى أن المخطئ معذور والإثم عنه مرفوع ونص ابن
خلفون أن هذا قول الإباضية اتفاقا (5).
1) السالمي، طلعة، 2: 279. = 2: 283. (2) الغزالي، المستصفى، 2: 363.
(3) الغزالي المستصفى، 2: 363 - الشماخي شرح المختصر، = (مخ) 63 ظ. = تحقيق مهني
التيواجني، 507.
4 - السالمي، طلعة، 2: 279.
5 ابن خلفون أجوبة 99.
665 (1/665)
صفحة 663
الباب الثالث: اجتهاد الترجيح والاستدلال
E 3
وقال الوَارجُلانِي: (ومذهب أهل الدعوة أن الحق في واحد، والخطأ في خلافه. وإنما ينبغي أن يقولوا والباطل في خلافه. وأما الصواب فإنهم قالوا: الصواب في واحد والخطأ في خلافه. فهذا مستقيم» (1). وقال سعيد بن زنغيل: «إن الله كلّف العلماء الاجتهاد، ولم يكلفهم إصابة الحق الذي عنده، ولو كلفهم ذلك لكفّر بعضهم بعضا. والحق مع واحد، ولا يضيق على الناس خلافه، ومن ضيقه عليهم فهو كافر» (2).
وكرر العبارة المزاتي: «وقال أهل العدل: الحق مع واحد، ولا يضيق على الناس خلافه» (3).
وهو قول الشماخي أيضا (4).
وذكر الكندي عن أبي قحطان قال: «خطأ العالم الذي يجوز له أن يفتي بالرأي مرفوع عنه خطؤه، وصوابه مأجور عليه» (5). ولا يجوز أن يجزم أحد بأن أقوال المختلفين كلها حق عند الله، إلا ما
اجتمعوا عليه (6). وقال البَرَّادِي: «وهو قول أكثر الأمة» (7). وقال ابن عبد الشكور الحنفي: «وكون الحق واحدا هو الصحيح عند الأئمة الأربعة» (8). وأكد الدكتور محمد حسن هيتو أن هذا هو الحق، ورأي الجمهور، وهو الأصح مما رُوي عن هؤلاء الأئمة (9).
ونص ابن بركة في كتاب التعارف على وجود الخطإ في الاجتهاد، ولكن
1 الوار خلاني، الدليل، 3: 38. 2 سعيد بن زنغيل، الرد، 202 و. (3) المزاتي، التحف، 15 و.
(4) الشماخي، شرح المختصر، = (مخ) 63 ظ. = تحقيق مهني التيواجني، 507. (5) الكدمي المعتبر:1: 25 - الكندي، المصنف، 1: 16 = 1: 123 نص مكرر. 6 - أبو العباس أحمد تبيين أفعال العباد 114 ظ.
7 البَرادِي، رسالة الحقائق، 12. 8) ابن عبد الشكور فواتح الرحموت، 2: 381 9) الشيرازي التبصرة، هامش 498.
?
666 (1/666)
صفحة 664
الفصل الثالث: عملية الاجتهاد
صاحبه معذور، وهو الحق الذي كُلّف به (1). ولكنه ذكر في كتابيه المبتدا والجامع أن الجميع مصيب، فلا يحق لأحد أن يعتقد تخطئة صاحبه فيما
خالفه (2).
ومراد ابن بركة هنا تخطئة الإثم والضلال لا الخطأ في إصابة الحق في علم الله لأنه ثبت أن الخطأ خطآن خطأ ضلال وهو أن يقول بالرأي فيما لا يجوز فيه الرأي. أما إن قال بالرأي فيما يجوز فيه الرأي، وهو ممن يجوز له ذلك، فإن وافق اجتهاده الصواب كان مأجورا، مصيبا، وإن خالف الصواب كان معذورا قريبا من الحق لا فرق بينه وبين من أصاب الحق على الحقيقة. فمثله كمن تحرّى القبلة، وصلى جازت صلاته - وإن أخطأ جهتها في حقيقة الأمر - لأنه أدى ما عليه حسب اجتهاده وعمله بالدلائل والأمارات (3). والصواب المراد هنا غير الصواب عند الله، وقد ذكر نجاد بن موسى فريقا يقول: الحق عند الله، واحد، إلا أن كل واحد من الناس إذا اجتهد فقد
أن
أصاب، على معنى أنه قد أدّى ما كلفه الله. وهو قول أبي حنيفة (4). وقد يبدو من النظرة الأولى أن هذا القول متردد بين المصوبة والمخطئة، وأنه يصلح تفسيرا لكلا المذهبين ولذلك نُسب القولان جميعا لأبي حنيفة. فبأيهما قال في الحقيقة؟.
يرفع ابن عبد الشكور هذا الإشكال بأن المصيب من المجتهدين في العقليات، واحد وإلا لاجتمع النقيضان وكذلك الأمر في الشرعيات الضروريات. أما الظنيات فالأمر مختلف؛ فالحنفيّة يقررون أن الله في الواقعة محل الاجتهاد حكما كلّف المجتهدين بذل الوسع لإصابته. «فمن أصابه فله أجران أجر الاجتهاد وأجر الإصابة، ولا وجه لهذا الأجر إلا الرحمة الإلهية، لأن إصابته ليست بفعل مقدور، إنما المقدور له بذل الجهد، فإن اتفق تأدى نظره إلى مقدمات مناسبة له أصابه، لكن دلّ النص على أن له أجرين، فيجب
(1) ابن بركة، التعارف، 8 - 10 - 12.
(2) ابن بركة المبتدأ، 106
3 الكدمي المعتبر:1: 25 الكندي، المصنف، 1: 88/ 87.
4) نجاد بن موسي
، الأكلة، 50.
667 (1/667)
صفحة 665
الباب الثالث: اجتهاد الترجيح والاستدلال
القبول. ومن أخطأ فله أجر واحد لامتثاله أمر الاجتهاد ببذل الوسع، ولا أجر بمقابلة الخطإ، فإن أخطأ وإن لم يكن مؤاخذا به، إلا أنه لا يوجب الأجر عليه. وهذا معنى قول الحنفية إن المجتهد، المخطئ مصيب ابتداء، أي مأجور بفعله، ومخطئ انتهاء ... وهذا عبر عنه الإمام أبو حنيفة رحمه الله، فقال: كل مجتهد مصيب، والحق عند الله تعالى واحد. يعني مصيب في بذل وسعه، حتى يُؤجر عليه. والحق عند الله واحد قد يصيبه وقد لا» (1).
ونفس الإشكال وقع بالنسبة لكلام ابن بركة، فاختلفت عباراته من موضع لآخر. ولهذا الاختلاف فقد نسبه السَّالِمِي إلى المصوبة، والتحقيق أنه الجمهور في القول بوجود الخطإ في الاجتهاد (2).
وقال الوار خلاني: (أما إذا أخطأ الحق عند الله، فهو مأجور في اجتهاده ونشره، ومأجور في كل شيء غير استخراجه، بدليل قوله: «إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران وإذا اجتهد وأخطأ فله أجر واحد» (3). ألا ترى إلى أنه أوجب له الأجر في إصابته الحق، وعلى اجتهاده. وأوجب له الأجر إذا أخطأ في اجتهاده، وحط عنه المأثم في خطئه» (4).
وذهب الفريق الثاني، إلى أن الحق في كل ما اختلف فيه في واحد، ومن أصاب الحق الذي نصب الله عليه الدليل فهو مصيب، ومن أخطأه كان آثما
غير معذور. وهو قول نفاة القياس (5)، ورأي النكارية (6)، وأبي بكر الأصم، وبشر المريسي، وأحمد بن الحسين؛ وهو ممن شذ عن الإباضية (7).
ويتلخص لنا مما سبق أن الأقوال في القضية أربعة،
=
الأول - الكل مصيب، وكلا الحكمين حق وصواب عند الله. وهو قول
1) ابن عبد الشكور فواتح الرحموت، 2: 380/ 381.
2) ابن بركة، التعارف 8 - 10 - 13. المبتدأ، 106. = الجامع، 1: 123.
3 سبق تخريجه.
(4) الوار جلاني، العدل، 2: 269.
(5) الوار خلاني، العدل، 2: 270.
6 السوفي، رسالة الفرق، 1 ظ.
7) البَرَّادِي، رسالة الحقائق، 12 - الشماخي، شرح المختصر، تحقيق مهني التيواجني، 508.
668 (1/668)
صفحة 666
الغزالي.
الفصل الثالث: عملية الاجتهاد
الثاني: - الكل مصيب، وحكم الله واحد في المسألة، ولكن لم يكلف
المجتهد إصابته.
=
الثالث - المصيب، واحد والمخطئ غير آثم. وهو قول الجمهور. الرابع: - المصيب واحد، والمخطئ آثم.
=
والقول الأخير قول واءٍ لمعارضته لصريح الحديث النبوي الذي أثبت الأجر للمجتهدين، ورفع عنهم المأثم في حال الخطا.
والأخذ بهذا القول تكليف بما لا يُطاق، وتنفير للناس عن ولوج باب الاجتهاد، مما يفضي إلى خلو الساحة من المجتهدين وغلق أبوابه، فيضيق على الناس معرفة أحكام الدين. ويخلص لنا من الأقوال الباقية أنها تنحصر في اثنين:
قول المصوبة، وقول المخطئة.
- أدلة المصوبة
1 - أن الاتفاق حاصل على أن الله كلّف المجتهدين أن ينظروا ويجتهدوا في النوازل؛ فما أدى إليه نظر كل واحد فهو الحق الذي افترضه الله عليه، ولا يأثم إلا بكتمان الاجتهاد أو تبديل خلاف ما رأى برأيه. فلما كان الإثم في تركه الاجتهاد، أو كتمانه ما أوصله إليه اجتهاده أو استبداله. دلّ على أن ما رآه هو الحق عند الله تعالى (1).
2 ليس في تصويب آراء المجتهدين على اختلافها ما يدعو إلى التناقض. ونظير ذلك ثبوت التخيير في بعض الواجبات مثل خصال الكفارة؛ فما أتاه المكلف منها كان حقا عند الله، ولو كان متضادا في نظر الناس، كالإطعام والصيام، والتعجيل والتأجيل في الحج. 3= ومحال أن يكلف الله العباد ارتكاب الخطإ ويُقرهم عليه ويجعله لهم
شرعا متبعا (2).
-4 - كما لم يُرْوَ عن الصحابة تخطئة بعضهم وتأثيم بعض، رغم الاختلاف
(1) الوار جلاني، العدل، 2: 270. 2 الوار جلاني، العدل، 2: 271/ 270.
669 (1/669)
صفحة 667
الباب الثالث: اجتهاد الترجيح والاستدلال
الذي وقع بينهم (1).
والصواب أنهم لم يؤثموا بعضهم في المسائل الاجتهادية، ولكنهم صرحوا بالصواب والخطا فيها كما سيأتي.
5 وأورد الغزالي حجة عقلية لهذا القول تتلخص في أمرين:
- قياس ما لا نص فيه على ما ورد فيه النص وهو أن المجتهد إذا اجتهد في مسألة فيها نص لم يبلغه، وأفتى فيها برأيه بعد استفراغ جهده في البحث ثم بلغه النص فلا يُعدّ مخطئا قبل ورود النص إليه. وقد يسمى مخطئا مجازا، أنه أخطأ بلوغ ما لو بلغه لصار حكما في حقه (2). فإذا ثبت هذا في
على معنى مسألة فيها نص، فالمسألة التي لا نص فيها كيف يتصور الخطأ فيها؟. - لو كان الحق متعيّنا في باب الاجتهاد لنصب الله عليه دليلا قاطعا. ومن نظر في المسائل الفقهية التي لا نص فيها، علم ضرورة انتفاء دليل قاطع فيها، وإذا انتفى الدليل فتكليف الإصابة من غير دليل قاطع تكليف بالمحال. فإذا انتفى التكليف بالمحال انتفى الخطأ» (3).
«أما الأدلة الظنية فهي تختلف باختلاف الأشخاص والأحوال، وهي في الحقيقة أمارات لا أدلة وتسميتها أدلة من باب التجوز ليس إلا. والأمارات كحجر المغناطيس تحرك طبعا يناسبها كما يحرك المغناطيس الحديد دون النحاس» (4). خطا وإذا سلمنا تسمية حكم المجتهد على خلاف النص قبل بلوغه إليه مجازا، فذلك غير مسلم فيما لا نص فيه. إذ المجتهدات التي لا نص فيها ليس فيها حكم معين أصلا. لأن الحكم خطاب مسموع، أو مدلول عليه بدليل قاطع، وليس في هذه المجتهدات خطاب ونطق. فلا حكم فيها أصلا، إلا ما
غلب على ظن المجتهد (5).
1) السالمي، طلعة، 280.
6
(2) الغزالي المستصفى 2: 364 (3) الغزالي، المستصفى، 2: 365. (4) الغزالي، المستصفى، 2: 366. 5) الغزالي المستصفى 2: 367
670 (1/670)
صفحة 668
-
أدلة المخطئة
الفصل الثالث: عملية الاجتهاد
أما القائلون إن الحق واحد، ولكن لا يضيق على الناس خلافه. فحجتهم -1 - أن الله تعالى كلّف العباد الحق الذي عنده. ولكن الله بكرمه ورحمته قد وسع على عباده في أمور وكلهم الحكم فيها، وفوضه إليهم، وأمرهم بالاجتهاد فيها. وجعل فرضهم الاجتهاد، ثم إظهار ما رأوه، ثم العمل به. فمن لم يجتهد، أو اجتهد فلم يُظهر أو أظهر فلم يستعمل، كان مقصرا» (1). أما وجه الحق فلا يكون عند الله إلا واحدا متعيّنا. وذلك لاستحالة أن يكون الشيء الواحد في الشخص الواحد في الزمان الواحد حلالا وحراما. ويكون النكاح صحيحا وفاسدا. والقول بهذا هو عين المحال (2). 2 الاستدلال بعمل الصحابة. فقد جرى بينهم الاختلاف في مسائل عديدة، ولم يؤثم بعضهم بعضا وقد يقول أحدهم لصاحبه: أخطأت في رأيي الحق. فإذا كان حقا عند الله فما باله يُخطئه؟ (3).
بل إنه قد حصل الإجماع من الصحابة على وجود الصواب والخطا في
الاجتهاد (4). - واشتهرت مقالة أبي بكر: أقول في الكلالة برأيي، فإن يكن صوابا فمن الله، وإن يكن خطأ فمنّي واستغفر الله». - وقال عمر لكاتبه: «اكتب هذا ما رأى عمر، فإن كان خطأ فمنه، وإن
كان صوابا فمن الله تعالى ورسوله» (6). - وقال ابن مسعود: أقول في المفوضة برأيي، فإن كان صوابا فمن الله ورسوله، وإن كان خطأ فمنّي ومن الشيطان، والله ورسوله بريئان (7).
1) سعيد بن زنغيل الرد، 169 و. - الوارجلاني، العدل، 2: 271. 2) المزاتي التحف 15 و 15 ظ. - الوار جلاني، العدل 2: 271 - السالمي، طلعة، 2: 282 (3) المزاتي التحف 15 ظ الوار خلاني، العدل، 2: 271.
(4) الشيرازي، التبصرة، 500.
5) الطبري، جامع البيان في تفسير القرآن 8: 53
6) ابن القيم، أعلام الموقعين، 1: 54.
7) أخرجه أصحاب السنن وغيرهم بألفاظ متقاربة.
ولفظ النسائي: «سأقول فيها بجهد رأيي، فإن كان صوابا فمن الله وحده لا شريك له، وإن كان
خطأ فمني، ومن الشيطان، والله ورسوله منه براء».
671 (1/671)
صفحة 669
الباب الثالث: اجتهاد الترجيح والاستدلال
?
- وقالت عائشة لأم ولد زيد بن أرقم لما بايعها زيد بالعينة: «أبلغي زيدا أنه أبطل جهاده مع رسول الله إلا أن يتوب» (1).
وغير هذه النماذج من حياة الصحابة كثير، تفيد بمجموعها إجماعهم على جواز الخطإ والصواب على المجتهدين. 3 كما أجمعت الأمة على وجوب النظر والاستدلال في ترتيب الأدلة وبناء بعضها على بعض ورعاية هذا الترتيب دليل على أن الحق ليس في جميعها عند تعارضها، ولو كان الجميع حقا وصوابا ما كان للنظر والاجتهاد معنى، ولبطلت فائدة الاعتبار والتدبر والاستنباط (2).
YA
4 - ومما استشهد به الوَارِجلاني قوله تعالى: وَدَاوُدَ وَسُلَيْمَنَ إِذْ يحكمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَهدِينَ) فَفَهَمْنَهَا سُلَيْمَنَ وَكُلًّا ءَانَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا} [الأنبياء: 78/ 79].
فسماها الباري حكما وعلما، فماذا بعد الحكم والعلم إلا الحق، والحق سائغ في القولين جميعا. وإنما الذي لا يسوغ أن تكون صوابا كلها؛ إذ لا بد من الخطا فيها عند الله، بدليل قوله: فَفَهَمْنَهَا سُلَيْمَنَ. (3)) ورأى الوار جلاني أن كلا القولين حق، وليس أحدهما ضلالا. أما الخطأ والصواب، فأحدهما مخطئ والآخر مصيب. ولا يجتمعان» (4).
- الترجيح
إن حجج المصوبة حجج
منطقية ووجيهة ولكنها تظل رهينة النظر
السنن الكبرى للنسائي، كتاب النكاح، ذكر الاختلاف على عامر الشعبي في هذا الحديث،
حديث: 5364.
ولفظه عند أبي داود قال: فإني أقول فيها إن لها صداقا كصداق نسائها، لا وكس، ولا شطط
، وإن لها الميراث وعليها العدة، فإن يك صوابا، فمن الله وإن يكن خطأ فمني ومن الشيطان
والله ورسوله بريئان
سنن أبي داود، كتاب النكاح، باب فيمن تزوج ولم يسمّ صداقا حتى مات، حديث: 1820. (1) ابن الأثير، جامع الأصول، 1: 478 - السالمي، طلعة، 2: 280.
2 ابن خلفون، أجوبة، 99. 3) الوارجلاني، العدل، 2: 273. 4 الوار خلاني، الدليل، 3: 36.
6
672 (1/672)
صفحة 670
الفصل الثالث: عملية الاجتهاد
العقلي المجرد، ومحاولة تنزيلها على أرض الواقع تجعلها غير متكافئة مع حجة من قال إن الحق والصواب في واحد، والمخطئ سالم غير آثم. والدليل الحاسم لهذا القول حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي صرح فيه بوجود الخطإ والصواب في الاجتهاد. وهو يقطع كل هذا الجدل الطويل، إذ حسم الأمر بوجود الخطإ والصواب، ونفى الإثم عن الجميع، بل أثبت لهم الأجر، وميز المصيب بمزيد
الفضل لتوفيق الله له إلى الصواب. وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء. وقد ناقض الغزالي نفسه، إذ اعتبر أن الجميع على صواب، لأنه جعل الإثم والخطأ متلازمين فقال فكل مخطئ آثم، وكل آثم مخطئ. فمن انتفى عنه الإثم انتفى عنه الخطأ» (1).
ولكن الحديث النبوي صريح في وجود الخطإ والصواب وفي نفي التلازم
بين الخطإ والإثم. ثم عمد الغزالي إلى القول: «والمختار عندنا، وهو الذي نقطع به، ونخطئ المخالف فيه أن كل مجتهد في الظنيات مصيب. وأنها ليس فيها حكم معين
الله تعالى» (2). فقد خالف مبدأه وحكم بخطإ من يخالفه في هذه القضية. ولعله يراها قضية قطعية لا مجال للنظر فيها والاختلاف ولو كان الأمر كذلك ما اختلف فيها المسلمون منذ الصدر الأول إلى اليوم. ومأتى الغزالى في هذا الرأي هو ربطه بين الخطإ وبين الإثم. وهو أمر غير الأدلة. بينه الحديث الصحيح، وغيره من صحيح بل إن الوارجلاني من جهة أخرى أدرج ضمن الرأي المردود المأزور صاحبه، كل رأي قطع فيه الشهادة أنه حق عند الله، وقطع عذر
كما
من
خالفه
أو صادم فيه الشرع ولك في القدرية والصفرية والخوارج وأشباههم
معتبر) (3).
1) الغزالي، المستصفى، 2: 357.
6
(2) الغزالي المستصفى 2: 364 3 الوار خلاني، الدليل، 2: 73.
673 (1/673)
صفحة 671
الباب الثالث: اجتهاد الترجيح والاستدلال
ذلك أن الشطط وتضييق ما وسع الله على عباده، ونسبة كل مخالف في مسائل الاجتهاد إلى الضلال والابتداع هو بدعة لم تشرع في دين الله. وقد عمد إليها بعض المسلمين في جدالهم مع مخالفيهم، والذي يخشى منه أن يكون هذا ستارا لشهوة خفية، وأنانية مقيتة، تسترت بقناع الشرع والانتصار للحق» (1). لأجل هذا، فنحن لا نملك أن تصدر على الإمام الغزالي حكما قاسيا كهذا، وإنما نقول: إن ما أداه إليه اجتهاده كان عن مقدمات غير مسلمة، في تخطئة من خالفه، وأن التصويب والتخطئة في الظنيات قضية ظنية. والراجح رأي الجمهور لاعتضاده بالدليل من الحديث الصحيح وإجماع الصحابة الكرام. ثم إنه لا ضير من الحوار بين العلماء المقتدرين في المسائل الاجتهادية مما اختلف فيه الفقهاء، بغية التعاون في البحث عن الحق الواحد في ميزان الله (2)؛ فإن وصلوا إليه واتحدوا في التمسك به، فنِعِمَّا هي، وإلا كان على كل واحد أن يعذر الآخر، ويوصيه بالعمل وفق ما أدى إليه اجتهاده. ما دام مبناه
فأخطأ
الدليل، وسلمت له الغاية والوسيلة بصدق النية وصواب الحجة.
وهذا ما يقضي به دين الله، ويقتضيه منهج الإنصاف وقواعد الاجتهاد.
المبحث الثالث: العاجز عن الاجتهاد حجة الله قامت على الناس جميعا بدليل العقل والسمع؛ فعليهم أن يعبدوه كما شرع. ولا يُعذر أحد بالجهل بالأحكام.
ولكن ليس في وسع كل الناس معرفة الأحكام من أدلتها مباشرة، بل ذلك قاصر على المجتهدين ممن أوتوا القدرة على فهم الأدلة واستنباط
الأحكام. وكثير من الناس لا يملكون هذه المقدرة لعدم استيفائهم شروط الاجتهاد، وليس لهم من سبيل غير التوجه إلى القادرين واستفتائهم، كما قال تعالى: فَسْتَلُوا أَهْلَ الذِكرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [النحل: 43].
1) البوطي، السلفية مرحلة زمنية مباركة لا مذهب إسلامي، 193.
2) البوطي، السلفية، 195.
674 (1/674)
صفحة 672
الفصل الثالث: عملية الاجتهاد
وهذا ما اصطلح عليه في علم الأصول بالتقليد. فما هي حقيقته وحجيته؟
وما حدوده ومجالاته؟ ومن يجوز تقليده؟
1 - حقيقة التقليد وحجيته
حقيقة التقليد قبول قول القائل من غير دليل ولا برهان» (1). وقيل: هو الرجوع إلى قول من لا يؤمن عليه الخطأ فيما قاله» (2). وعبارة الجربي أنه قبول قول أو فعل تحكما لا حكمًا، بغير دليل» (3). وفصل الشيخ اطفيش بين أنواعه، فإن كان من غير دليل فتقليد، وأما قبوله بدليل فليس تقليدا ولا اجتهادا؛ بل بواسطة تسمى تقييدا. وادعى بعض أنه اجتهاد وافق اجتهاد الأول. وأما اتباع مجتهد مجتهدا آخر بعد النظر في الدليل الأول فاجتهاد لا تقليد» (4). وحجية التقليد ثبتت بأمر الله تعالى بسؤال أهل الذكر. ولما كان السؤال واجبا، كان العمل بمقتضاه كذلك، وهو التقليد، وإلا لكان الأمر به دون فائدة ويتنزه كلام الحكيم عن هذا.
وقيل لا يجوز التقليد لعدم أمن الخطإ من المجتهد، والصواب جوازه، إذ
إن تكليف العامي الاجتهاد تكليف بما لا يطاق. وهو مرفوع شرعا (5). ولكن وردت أدلة في القرآن والسنة تذم التقليد وتشنع على أهله. وهذا ليس على إطلاقه، بل هو مختص بالتقليد في مجال العقائد، وفي تقليد غير العالم الذي يفتي على خلاف الدليل. فهذا لا يجوز (6).
2 - مجال التقليد
اهتم فقهاء الإباضية كغيرهم ببيان التقليد الجائز والتقليد الممنوع. فلا يجوز في العقائد إلا من معصوم، وهو النبي (7).
(1) ابن خلفون أجوبة 99 - الجيطالي، القناطر، 1: 258. 2 السوفي، السؤالات 125. الملشوطي، الأدلة، 2 و. 3) سعيد الجربي، جواب، 111 ظ.
(4) اطفيش، شامل، 1: 18.
5 السالمي، طلعة، 2: 293.
6 السالمي، طلعة 2 293 مشارق أنوار العقول: 30. - 86.
7) سعيد الجربي، جواب، 111 ظ.
675 (1/675)
صفحة 673
الباب الثالث: اجتهاد الترجيح والاستدلال
والخلاف في تسمية ذلك تقليدا أو عملا بالدليل، والصواب أنه ليس تقليدا، لأن الحجة في قول النبي؛ بخلاف المجتهد فإن الحجة في دليله لا في
قوله (1).
وذكر العوئبي أنه ليس في الدين تقليد إلا للأنبياء لأنهم معصومون، ولا يقولون على الله إلا الحق والعدل وليس بعدهم لأحد تقليد. فإذا أحل المسؤول حراما أو حلالا مما أحل الله واتبعه على ذلك، فالسائل
حرم
والمسؤول هالكان جميعا (2). كما لا يجوز التقليد في العقليات، لأن طريقها طريق العقل لا السمع (3). وليس العدل والعدلان والثلاثة وما فوق ذلك بحجة في الدين الذي طريقه طريق العقل. وإنما العدل حجة فيما طريقه طريق السمع والخبر، ينقله الواحد والأكثر (4). ومن التقليد المذموم اتباع الأسلاف والإعراض عن الدليل فيما يكون الحق فيه في واحد. وهذا لا يجوز فيه الخلاف الصريح حكم القرآن: وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ ءَابَاءَنَا أَوَلَوْ كَان اباؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ} [البقرة: 170] (5). ويحذر الوارجلاني من مغبة تقليد الآباء، فإنه «لا ينبغي للعاقل أن يتخذ دينه لهوا ولعبا فإن من ورائه يوم الفصل بين الحق والباطل، ولا أن يقلد الآباء دينا ولا مذهبًا، لأنه الداء العضال الذي أهلك القرون الماضية والأمم
الخالية» (6).
كما ذم الله اليهود والنصارى لأنهما اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ} [التوبة: 31]. وبين النبي صلى الله عليه وسلم أن هذه
1) اطفيش، شامل 1: 19
(2) العوئبي، الضياء، 1: 251 - محمد بن الحواري جامع أبي الحواري، 1: 11.
(3) العوئبي، الضياء، 1: 250. ابن بركة، التقييد 332.
(4) العوئبي، الضياء، 1: 249.
(5) العوئبي، الضياء:1: 249 - الجيطالي، القناطر، 1: 257. 6 الوارجلاني، الدليل، 2: 3. طبعة عمان
676 (1/676)
صفحة 674
الفصل الثالث: عملية الاجتهاد
الربوبية ليست سجودا لهم وعبادة؛ بل لأنهم كانوا يحلون لهم الحرام، ويحرمون عليهم الحلال فيتبعونهم؛ فتلك عبادتهم. (1). (2)
هي
ومن التقليد المذموم اتباع غير العالم فقد غضب الرسول صلى الله عليه وسلم على قوم أفتوا رجلا أصابته شجة فاندملت وأجنب فأمروه بالغسل ولم يعذروه فمات؛ فقال النبي: «قتلوه قتلهم الله، الا سألوا إذ لم يعلموا، فإنما شفاء العي
السؤال» (3) (4).
وعقب ابن بركة بأن في هذا الخبر دليلا على أنه لم يجعل للمستفتي ولا للمستفتى له عذرا ولعل المفتي لم يكن أهلا لذلك (5).
ويذهب الكدمي إلى منع التقليد كله فالتقليد في الدين حرام محجور، ولكن الله تعالى أمر باتباع أحسن ما أنزل، وبطاعة أولي الأمر، وهم العلماء في الدين والأئمة المنصوبون؛ فجعل للعلماء طاعة فيما قالوه من الحق في أمر الدين، وجعل للأئمة طاعة فيما قاموا به من الحدود والأحكام في أمر الدين ولم يجعل لأحد من هؤلاء طاعة فيما يخالف الدين في الشريعة والأحكام.
1 والحديث أخرجه الترمذي عن طريق عَدِي بْنِ حَاتِم قَالَ أَتَيْتُ النبي صلى الله عليه وسلم وَفِي عُنقي صليب مِنْ ذَهَبِ فَقَالَ يَا عَدِيُّ اطْرَحْ عَنْكَ هَذَا الْوَثَنَ وَسَمِعْتُهُ يَقْرَأُ فِي سُورَةِ بَرَاءَةٌ (اتَّخَدُوا أحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللهِ - قَالَ أَمَا إِنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يَعْبُدُونَهُمْ وَلَكِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا أحَلُوا لَهُمْ شَيْئًا اسْتَحَلُوهُ وَإِذا حَرَّمُوا عَلَيْهِمْ شَيْئًا حَرَّمُوهُ». سنن الترمذي الجامع الصحيح الذبائح، أبواب تفسير القرآن عن رسول الله، باب: ومن
سورة التوبة، حديث: 3103 وورد بألفاظ متقاربة عند
السنن الكبرى للبيهقي، كتاب آداب القاضي، باب ما يقضي به القاضي ويفتي به المفتي, فإنه
غير جائز، حديث: 18924.
المعجم الكبير للطبراني، من اسمه عبد الله من اسمه عدي مصعب بن سعد بن أبي وقاص،
حديث: 14091.
2 العوئبي، الضياء، 1: 253
(3) أخرجه أبو داود والبيهقي عن جابر بن عبد الله.
سنن أبي داود، كتاب الطهارة، باب في المجروح يتيمم، حديث: 287.
السنن الكبرى للبيهقي، كتاب الطهارة، جماع أبواب التيمم، باب الجرح إذا كان في بعض جسده
دون بعض، حديث: 1011.
(4) - العوتبي، الضياء، 1: 252. 5 ابن بركة، الجامع 1: 25/ 24
ComB
677 (1/677)
صفحة 675
الباب الثالث: اجتهاد الترجيح والاستدلال
E 3
وما اتبع فيه العوام العلماء من أمور الشريعة والرأي فهم سالمون مثابون، وليس ذلك على سبيل التقليد، وإنما هو على سبيل الاتباع والطاعة لأنهم متبعون لأمر الله» (1)
ولكنه سمّى هذا الاتباع في موضع آخر تقليدا؛ إذ جعل من التقليد الجائز، تقليد الحاكم للشهود الظاهر عدالتهم فيما شهدوا فيه من الحدود والحقوق؛ سواء كانوا صادقين في سريرتهم أم كاذبين، لأن الحاكم خوطب بعد التهما في الظاهر.
=
عادل.
وتقليد الرعية للحاكم اللازم لهم سواء كان عادلا في سريرته أم غير
= ومنه تقليد الضعفاء للعلماء في ما خرج مخرج الرأي والاجتهاد من أحكام الشرع؛ لأن العلماء حجة في باب الاجتهاد بشرط أن لا يخرجوا عن جميع أقاويل أهل القبلة، وإن خرجوا منها دخلوا في مخالفة الأمة، وأصبح الحكم دينا ولا يجوز التقليد في الدين لظهور قيام أدلة الدين من الكتاب والسنة والإجماع (2).
وهذا منه تحديد دقيق لمجال التقليد الجائز والتقليد غير الجائز. وإذا أفتى المجتهد على خلاف الدليل رُدَّ قوله ولا كرامة. ومن أخذ به
كان هالكا (3).
فقد استقر عند فقهاء الإباضية منع التقليد في مسائل الأصول، وإباحته في مسائل الفروع، مما ليس عليه دليل ظاهر من كتاب ولا سنة ولا إجماع. كما يدخل في الجائز تقليد أهل العلم في تقدير الأروش والنفقات وقيم المتلفات ومتعة المطلقات وغير ذلك من مسائل الأحكام والنوازل مما طريقه طريق السمع، ويرجع فيه إلى قول أهل العلم لعدم الدليل على حكمه (4).
1) الكندي، المصنف، 1: 148/ 149.
(2) الكندي، المصنف، 1: 147. = التخصيص، (نسخة ثانية) 252/ 253. 3 الكندي، المصنف، 1: 146. (4) ينظر: ابن بركة المبتدأ، 106 - العوئبي، الضياء، 1: 249 250. -الوار جلاني، الدليل، 2: 6 (طبعة عمان) - الكندي، المصنف، 1: 147/ 146. - أبو العباس أحمد، تبيين أفعال العباد، 134 و. الجيطالي القناطر، 1: 257/ 258.
678 (1/678)
صفحة 676
الفصل الثالث: عملية الاجتهاد
E
3 من قضايا التقليد
- متى يجوز التقليد؟
يجوز التقليد عند عدم الدليل الصحيح من الكتاب والسنة وإجماع الأمة ودليل العقل. فإذا عُدمت صح التقليد، ولأنه لا معنى للتقليد عند وجود هذه الأدلة؛ إذ التقليد قول قائل بلا دليل ولا برهان، وهنا وجد الدليل والبرهان (1).
فإن دان المقلد بما أفتاه به المجتهد فهو سالم، ولو أخطأ المجتهد الحق عند الله ما لم يكن مخالفا لظاهر الأدلة المعروفة (2).
- من يجوز تقليده؟ المتفق أنه لا يقلد إلا العالم بالشريعة القادر على استنباط الأحكام من
أدلتها، ولا تقبل الفتوى إلا من أهل العلم بها ممن كان ثقة في الدين (3). قال ابن بركة: ويجوز للعامة تقليد العلماء والاتباع لهم فيما لا دليل لهم على التفرقة بين أعدل أقاويلهم في باب الشرع، وما كان طريقه طريق الاجتهاد واستسلامهم للعلماء كاستسلامهم للحكام فيما يحكمون به لهم وعليهم فيما لا علم لهم، بصوابه وكذلك تقليد الجاهل لمن لا يتهم في الدين» (4).
فمن لم يجمع ثلاثة أوجه، علم بكتاب الله، مع سنة النبي ال مع تقوى الله؛ فليس له أن يفتي أحدا من الناس، ولا أن ينظر في شيء بين اثنين، ولا يحل لأحد أن يسأله. وذلك أن الجاهل لا يكون دليلا إلى الجنة، ولا إماما في دين الله، وكذلك الخائن» (5).
- تقليد الصحابة يندرج الخلاف في قضية تقليد الصحابة تحت مبحث حجية قول
1) العوتبي، الضياء، 1: 249 - الجيطالي، القناطر، 1: 258.
(2) الكندي، المصنف، 1: 147. (3) الكندي، المصنف، 1: 111.
4 ابن بركة، الجامع:1 23 وكذلك العوئبي، الضياء، 1: 252 - الكندي، المصنف، 1: 151.
النزوي قواعد الهداية 2 و.
(5) أبو القاسم سدراتن، جواب، 1 و.
679 (1/679)
صفحة 677
الباب الثالث: اجتهاد الترجيح والاستدلال
*
الصحابي. وقد تبين رأي الإباضية أن قول الصحابي ليس حجة، لأنه غير معصوم، ولكنه قد يرجح على غيره لمزيد قدرة له على الاجتهاد؛ إذ عاصر الرسول وشهد الوحي وأدرك من أسرار ومقاصد الشرع ما لم يدرك غيره، والمعرفته باللغة فطرة وسليقة، لا نظرا وتعلما (1).
صحيح،
فلا
ففي باب الاجتهاد لا يجوز للمجتهد أن يقلد غيره على الراجح، وقيل بجواز تقليده لمن هو أعلم منه وقيل يجوز له تقليد الصحابي؛ لحديث «أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم» (2). وهو عند أهل الرواية غير يصح الاحتجاج به. وقال ابن بركة: «تقليد الصحابة جائز في باب الأحكام، وما كان طريقه طريق السمع ثم قال بعد قليل: ويجوز تقليد الواحد منهم إذا قال قولا ولم يُنكر عليه غيره، وأما إذا علم له مخالف في الصحابة، فلا» (3). وقال أيضا: ولا يجوز التقليد لأهل الاستدلال والبحث في عصر غير عصر الصحابة، مع الاختلاف. ويجوز الاعتراض عليهم في أدلتهم ولا يجوز الاعتراض على الصحابة» (4). والظاهر من كلام ابن بركة اعتبار إجماع الصحابة وإن كان سكوتيا، وأن قول الصحابي الواحد ليس بحجة. وصحح الشماخي جواز تقليد المجتهد للصحابي دون من سواه، أما غير
المجتهد فعليه أن يقلد العالم، صحابيا كان أم غيره (5). بينما ذهب ابن خلفون إلى منع تقليد المجتهد لغيره مطلقا. ولا يجوز لمن له أدنى تحصيل من النظر تقليد عالم وإن عظم قدره، وجلت منزلته، صحابيا كان أم غيرهم ممن دونهم؛ لقوله تعالى: فَإِن تَنَزَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ
(1) السالمي، طلعة 2: 292
2 الذهبي، ميزان الاعتدال. 1: 412.
(3) ابن بركة، الجامع، 1: 22.
4 ابن بركة، الجامع:1: 23 - العوئبي، الضياء:1 252 الكندي، المصنف، 1: 151. (5) الشماخي، شرح المختصر، تحقيق التيواجني، مهني
516.
680 (1/680)
صفحة 678
الفصل الثالث: عملية الاجتهاد
وَالرَّسُولِ [النساء: 59]. فهذا هو الرد ... وهذا لمن كملت له آلة الاجتهاد» (1). تقليد المفضول: تقليد المفضول جائز مع وجود الأفضل إن كان موثوقا به؛ لأنه وقع في عصر الصحابة، وشهر الإفتاء من جماعة منهم، وفيهم الفاضل والمفضول، ولم ينكر عليهم أحد؛ فكان إجماعا على جواز ذلك (2).
ويجوز تقليد الميت لإمكان خلو العصر من المجتهد، فيلجأ الناس إلى أقوال المجتهدين السابقين يقلدونها، وإلا لزم إحراج الناس لمعرفة الأحكام حيث
ينعدم أهل الاجتهاد فيكون ذلك تكليفا بما لا يطاق (3).
- التخيير بين أقوال المجتهدين
إذا تعددت الأقوال في المسألة، فليتخير المرء أعدلها، ويتحر أقربها إلى الصواب، وما يرجو أنه الحق؛ فإن كانت الآراء في ذلك متساوية تخيّر منها
ما يشاء.
والأساس أنه لا يفعل ذلك بدافع الشهوة والهوى، وإنما يتخير من أقوال العلماء ما يراه أسلم لدينه وليستعن لمعرفة ذلك بما استطاع من الدلائل والأمارات، وسؤال من يرجو أن يدله على الصواب (4).
ومن دخل بلدا يجهل أهلها ونزلت به نازلة في دينه فعليه السؤال عن العلماء من أهل البلد والمنسوبين إلى الفقه. فإن وجدهم مختلفين ميز بين
أقاويلهم، واستدل على عدلها بأشبهها بالكتاب والسنة فعمل به.
ومن
ذلك أن يسأل عن سيرتهم وعلمهم ويجتهد فينظر أيهم أكثر علما وأثبتهم، صلاحا، وأفضلهم، ورعا، فيأخذ باجتهاده ويقلده (5). وإن استووا، واستوت أقاويلهم كان عليه التحري كما سبق بيان ذلك. وليس عليه من
(1) ابن خلفون أجوبة، 102/ 101. 2 الشماخي شرح المختصر، تحقيق مهني التيواجني، 523 - السالمي، طلعة، 2: 298/ 299. 3 السالمي، طلعة، 2: 302/ 301. (4) الكدمي، المعتبر، = (مخ) 6 ظ 7 و. = (مط) 1: 31/ 30. - العوئبي، الضياء، 3: 14.- الكندي، المصنف:1: 95/ 94 = 1: 107/ 106 الوار جلاني، العدل، 1: 33.-الحضرمي، مختصر الخصال، 12/ 13 و. سعيد بن زنغيل الرد 202 و.
5) ابن بركة، التقييد، 331.
681 (1/681)
صفحة 679
الباب الثالث: اجتهاد الترجيح والاستدلال
التكليف فوق ذلك، ولا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} [البقرة: 286] (1). المبحث الرابع: صلة الاجتهاد بالولاية والبراءة وبمسالك الدين 1 - الاجتهاد والولاية والبراءة
تتجلى في الفقه الإباضي نظرة شمولية لأحكام الإسلام؛ إذ لم يحصر فقهاؤه اهتمامهم على جانب منها دون آخر، فأولوا قضايا العقيدة والأصول حقها من البحث والتأصيل، كما اهتموا بجانب العبادات والمعاملات ومنحوها ما تستحق من النظر والتحليل. ولم تنفصم عندهم قضايا الفقه عن قضايا العقيدة؛ إذ نجد تمازجا كبيرا بين هذين المجالين.
ويندر أن نجد كتابا في الفقه خاليا من مسائل التوحيد؛ إن في مقدمته وأبوابه الأولى، أو في ثنايا مباحثه
ومن أبرز القضايا العقدية التي تميز بها الإباضية قضية الولاية والبراءة، وهي قضية ألقت بظلالها على مساحة كبرى من قضايا الفقه والاجتهاد في كتب الإباضية. ولا غَرْو فإن الولاية والبراءة حرز الدين بما يتميز الأوفياء بالدين من العصاة والمستهترين. ويذكر الدكتور النامي أن مبدأ الولاية والبراءة قد اتبعه الإباضية كواجب عقدي، أكثر من كونه موقفا سياسيا وظهرت قواعده وتنظيماته في الفقه الإباضي منذ البدايات المبكرة، ومارسه الإباضية مفسرا ومجسدا في الواقع المعيش؛ بينما لا نجد هذا المبدأ في التراث الإسلامي على الصورة التي تجلى فيها لدى الإباضية (2).
والمسلمون يُقرون بالولاية العامة للمسلمين، والبراءة العامة من الكافرين. وهو ما يعرف عند الإباضية بولاية الجملة وبراءة الجملة، ولكنهم يتميزون بتفصيل أحكامها وتطبيقها على الأفراد بما اصطلحوا عليه بولاية الأشخاص وبراءة الأشخاص.
1) ابن بركة التقييد 331 - وانظر أيضا، اطفيش، شامل، 1: 13/ 12.
682
Ennami/ Studies, 217/218. __(2 (1/682)
صفحة 680
- مفهوم الولاية والبراءة حدد محمد بن محبوب مفهوم الولاية والبراءة بأنهما الحب في الله والبغض في الله. فالحب الله ولاية أهل طاعة الله على استكمال طاعته، والحفظ لغيبتهم بما حفظ الله، والعون لهم على البر والتقوى، كما أمر الله، فرض واجب والفراق لأهل معصية الله على معصية الله، والعداوة لهم فرض
واجب» (1).
وعن ابن عباس الله قال: «أحب في الله وأبغض في الله، وأعادي في الله ولا تنال ولاية الله إلا بذلك. ولا يجد المرء طعم الإيمان وإن كثرت صلاته وصيامه حتى يكون كذلك» (2).
وأدلة الولاية والبراءة مستفيضة في الكتاب والسنة، استقرأتها المصادر العقدية الإباضية، وخلصت إلى الحكم بأنهما فرض عين مضيق لا يجوز جهله ولا التفريط فيه لحظة (3).
فهما فريضتان بفرض الله، وقد اقترنتا بالإيمان في معظم مواردهما في
القرآن.
[محمد: 19].
فَأَعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَاسْتَغْفِر لذيك وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنتِ)
ولا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَاذَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ولو كَانُوا ءَابَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَنَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَبِكَ كَتَبَ في قُلُوبِهِمُ الْإِيمَنَ} [المجادلة: 22].
=
- وفسر ابن جعفر قول النبي من غشنا فليس منا» (4). بمعنى ليس
(1) ابن جعفر، الجامع 1: 181. 2 ابن جعفر، الجامع 1: 181. 3) المزاتي، التحف، 2 ظ.
4) أخرجه الربيع عن ابن عباس وابن حبان والحاكم عن أبي هريرة؛ والدارمي عن ابن عمر. الربيع، الجامع الصحيح، باب 34 حديث 582. ج 2، ص 156. صحيح ابن حبان كتاب البيوع ذكر الزجر عن غش المسلمين بعضهم بعضا في البيع،
حديث: 4983.
المستدرك على الصحيحين للحاكم، كتاب البيوع، أما حديث محمد بن جعفر، حديث:2095.
683
B (1/683)
صفحة 681
الباب الثالث: اجتهاد الترجيح والاستدلال
البراءة (1).
بولي لنا. وتلك هي وقول عمر: من رأينا فيه خيرا ظننا فيه خيرا وقلنا فيه خيرا
=
وتوليناه، ومن رأينا فيه شرا ظننا فيه شرا وقلنا فيه شرا وتبرأنا منه» (2). وأهل الولاية كل من تسمّى بالإسلام وأقر بالجملة قولا وعملا، ولم يظهر منه تضييع لشيء من فرائض الله، ولا ركوب لشيء من محارم الله. ومن خالف واحدة من هذه كان في البراءة حتى يتوب. ومن لم يُعرف حاله، أمسكنا عنه، وكان على الوقوف، حتى يتبين أمره فننسبه إلى أحد الفريقين» (3). وفي هذا الباب تفريعات عديدة حول موجبات الولاية وموجبات البراءة، وكيفية إثباتهما، والفرق بين ولاية وبراءة الظاهر وهي المبنية على ما يظهر من حال الإنسان، وبين ولاية وبراءة الحقيقة وهي التي لا يعلمها إلا الله. واختلاف أحكام الولاية والبراءة عن أحكام الحدود وأحكام الشهادات، والتحري في إثبات البراءة والولاية بصورة دقيقة. وما إلى ذلك أفاضت فيها المصادر الإباضية قديما وحديثا (4). وقد جاء في خطبة للإمام عبد الرحمن بن رستم من قرأ في صلاة الصبح فاتحة الكتاب فقد تولى جميع المسلمين، وتبرأ من جميع الكافرين. ومن قرأ التحيات في صلاته، فقد أتى بالتوحيد الذي عليه ولو كان هناك شيء يلزم العباد لأدرجه رسول الله له في الصَّلاة، فإنها عمود الدين .... فقوله: "السلام علينا وعلى عباد الصالحين هذه الكلمة تأتي على الولاية التي أوجبها الله تعالى بين المؤمنين من الإنس والجن والملائكة، وفي "المغضوب
،
سنن الدارمي، ومن كتاب البيوع، باب: في النهي عن الغش، حديث: 2498.
من مباحث
1) ابن جعفر، الجامع:1 180 مجهول، كتاب المعلقات، 23. 2) تنظر هذه الأدلة بتفصيل: الجيطالي، القواعد 1 98/ 45 كمثال. وهي متوفره في كتب
العقيدة الإباضية.
6
3 الإمام عبد الوهاب مسائل نفوسة 39.-ينظر أيضا: ابن جعفر، الجامع، 1: 182. – الجيطالي، قواعد، 1: 45 فما بعد. 4) الجيطالي القواعد 1 76 - الكندي التخصيص، 10 ظ 11 و. - الكدمي، = الاستقامة، 1: 20/ 19. = المعتبر، 117 ظ/ 118 و. - ابن جعفر الجامع 1 250 العوتبي، الضياء، 3: 14.- السالمي، طلعة 2 39 = مشارق أنوار العقول، 336.
684 (1/684)
صفحة 682
*
الفصل الثالث: عملية الاجتهاد
عليه ولا الضالين" من البراءة التي أوجب الله تعالى بيننا وبين الكافرين» (1). - من تطبيقات الولاية والبراءة
إن الذي يعنينا هنا أساسا هو أثر تطبيق هذا المبدإ على ميدان الاجتهاد واستنباط الأحكام. وقد سبق أن الإباضية يعتمدون مقياس الولاية والبراءة للتمييز بين المسائل التي يجوز فيها الخلاف، والتي لا يجوز فيها. ومن ذلك استدلالهم على جواز القياس والاجتهاد واعتماده لأن
الصحابة اجتهدوا وقاسوا واختلفوا، ولم يبرأ بعضهم من بعض (2). فلا براءة فيما يجوز فيه الخلاف والرأي، وإنما البراءة في الخلاف في مسائل الديانة. ولا يجوز أن يُنصب الرأي دينا، ولا تجوز التخطئة على الرأي المخالف فيه مما يجوز فيه الاختلاف. ومن فعل ذلك فقد قيل إنه مبطل، وهو
كذلك» (3).
وقد شنّع أبو المؤرج على من تسرع إلى البراءة في مسائل الرأي، لأن الاختلاف فيها يسع الجميع (4).
1 ففي ما يسع جهله من الأحكام ذكر الجناوني أن «الحرام واسع على الناس جهل، تحريمه مثل الميتة والدم ولحم الخنزير، وشرب الخمر وشهادة الزور، والربا والزنى وما أشبه ذلك. فواسع على الناس جهل تحريم ما ذكرنا، ولما أشبهه، ما لم يواقعوه أو يتولوا من واقعه على مواقعته، أو يقفوا فيمن تبرأ منه، أو يتبرؤوا ممن تبرأ منه على براءته منه، إلا المحل والمصر والراجع
عن علمه فمن فعل شيئا مما ذكرنا فقد ضل وهلك في قول المسلمين» (5). 2 وفي الصلاة ذكر الكدمي أن ركعتي الفجر قبل الفريضة وركعتي المغرب بعد الفريضة سنن مؤكدة، لا خلاف بين أهل القبلة فيهن، وقد ذهب البعض إلى أنهما فرض، وحمل على ذلك قوله تعالى: وَمِنَ الَّيْلِ
1) الوارجلاني، الدليل، (طبعة عمان) 2: 17/ 18.
(2) العوتبي، الضياء، 3: 24. 3 ابن جعفر الجامع:1 251 252 - محمد بن الحواري جامع أبي الحواري، 1: 12.
4) _الخراساني، المدونة 2: 260.
(5) الجناوني، كتاب الصوم، 10.
685 (1/685)
صفحة 683
الباب الثالث: اجتهاد الترجيح والاستدلال
فَسَبِّحْهُ وَأَدْبَرَ السُّجُود) [ق:40].
وقوله: وَمِنَ اليَّلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبَرَ النُّجُومِ} [الطور: 49].
وذهب آخرون إلى أن هذا في فرض المغرب والفجر.
E 3
وقد ثبت الإجماع بالعمل بهما وانهما من جملة أعمال الإسلام، بلا خلاف بين أهل القبلة فمن تركهما استخفافا بلا عذر مرض أو سفر أو غير ذلك، مُدمنا على تركهما ما انساغت عندنا ولايته لمخالفته ما أجمع عليه أهل القبلة قولاً وعملاً» (1).
3 كما أكد على وجوب اتباع السنة التي نهت عن الصلاة بعد الفجر حتى تطلع الشمس وبعد العصر حتى تغرب الشمس (2)، وثبت الخبر بذلك عن النبي نصا لا يختلف فيه أحد من المسلمين، ومن خالف النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك فقد شاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى، وشاقق الله ورسوله والمسلمين، ولا عذر له بعد قيام الحجة؛ فيُبرأ منه حتى يتوب. وذلك مثل الوصال في الصوم، وصيام يوم النحر ويوم الفطر، وصلاة الحائض والنفساء. فهؤلاء كلهم منهيون عن ذلك، وفعلهم معصية لا طاعة، ومشاقة لله ورسوله، واتباع لغير سبيل المسلمين (3).
4 - وتشددوا حتى في الأمر اليسير، كخروج النساء ذوات الخدور ليشهدن صلاة العيد ودعوة المسلمين، فهذا الخروج مسنون بأمر النبي، وليس بواجب عليهن، ولكنه أفضل لهن، وإذا لم تخرج المرأة استحياء منها، وهي
?
ذلك،
تدين بذلك 1 أي بعدم الخروج] لم تترك ولايتها (4)؛ لأن الديانة بتحريم مخالفة لصريح أمر النبي، فهو موجب للبراءة. 5 وفي الزَّكَاة، سئل جابر عن نساء لا يُخرجن زكاة حليهن؛ فأجاب أن اجبروهن على ذلك خيرًا لكم، وإن كرهن مِن قبل التضييع لذلك فليس عليكم إلا الأمر بالمعروف. وأما قولك كيف يُمسك الرجل امرأة لا تزكي
(1) الكدمي المعتبر، 150 و 150 ظ. 2 سبق ذكر نص الحديث وتخريجه. 3) الكدمي، المعتبر، 152 و. 4 ابن، وصاف الحل والإصابة 1: 92 و.
686 (1/686)
صفحة 684
الفصل الثالث: عملية الاجتهاد
مالها؟ فإن ذلك إنما يحرم من قبل الكفر بالزكاة والتكذيب» (1). وهذا فهم سليم وعميق، وتمييز واضح ودقيق، بين ترك الواجب تهاونا وتفريطا، وبين الإعراض عنه إنكارا واستحلالا. 6 والزكاة على الرأي المشهور عند الإباضية، لا تُعطى إلا مُتَوَلَّى موف بدينه ولا تعطى لفاسق منتهك الحرمات الله.
وخالف بعضهم فأجاز إعطاءها لكل فقير ومسكين من المسلمين (2). 7= ولا تجوز النيابة في الحج إلا لمتَوَلّى عن متَوَلَّى، فلا تعطى لغير أهل الولاية، حتى يصح منه الدعاء والاستغفار.
فسأل
الله
وقد وردت في كتب السير قصة أبي ميمون النفوسي الذي ماتت أمه وتركته صبيا، واستخلفته على وصيتها، ولما بلغ وجد أنها أوصت بالحج عنها، عن ولايتها حتى شهدت له عجوز بذلك، فحج عنها بعد أن أفتاه عبد بن عباد المصري بجواز ثبوت ولايتها بشهادة امرأة واحدة (3). 8 وفي الحدود ثبت أن عمر والأئمة جلدوا على الخمر ثمانين جلدة. وقد وردت الرواية أن النبي الجلد أربعين وأبوبكر بعده. ولكن الإجماع منعقد على الثمانين فهو قاض على الرواية. ولو أن إماما ترك الإجماع ما منه ولزالت إمامته ووجبت براءته (4). 9 ووطء المرأة في الدبر حرام، وقد روي عن النبي أنه قال: «مَلْعُونَ مَنْ أَتَى امْرَأَةٌ فِي دُبُرِهَا»، وفي بعض الروايات قال عنه «فقد كفر بما أنزل
قبل
على محمد (6).
1 اطفيش ترتيب نوازل نفوسة، 14 ظ.
2) ابن خلفون أجوبة 64 - اطفيش الذهب الخالص، 236.
3 الشماخي، سير المشايخ، 232/ 122.
4 محمد بن الحواري، جامع أبي الحواري، 1: 77. 5) أخرجه النسائي والبيهقي وأحمد عن أبي هريرة.
السنن الكبرى للنسائي، كتاب عشرة النساء، ذكر اختلاف الفاظ الناقلين لخبر أبي هريرة في ذلك،
حديث: 8737.
معرفة السنن والآثار للبيهقي، كتاب النكاح، باب إتيان النساء في أدبارهن، حديث:4449. مسند أحمد بن حنبل، ومن مسند بني هاشم، مسند أبي هريرة رضي الله عنه، حديث: 10008. 6) أخرج ابن ماجة والترمذي والدارمي وأحمد عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من أتى حائضا
687 (1/687)
صفحة 685
الباب الثالث: اجتهاد الترجيح والاستدلال
ولم يرخص أحد من المسلمين في وطء الدبر، فمن فعله متعمدا ولم يتب فقد حقت براءته (1). ومن وطئ في الحيض فإنه يستتاب وإلا زالت ولايته، ولا يعجل عليه بالبراءة؛ لأن المسلمين اختلفوا في الحيض ولم يختلفوا في الدبر، فهو أعظم إثما وأشنع جرما. وذهب بعضهم إلى الوقوف فيمن وطئ في الحيض؛ لموضع الشبهة؛ فإن القبل وردت إباحته بأسبابه، ولم ترد إباحة الدبر أبدا. فهو أعظم من الزني (2). 10 وفي باب الفتوى جعلوا من شروط المفتي أن يكون عدلا فقيها معروفا بالستر والصلاح فإن كان ثقة، وليس من أهل الولاية، لم يُقلد في فتواه لأنه ليس من أهل الأمانة في الدين (3).
2 الاجتهاد ومسالك الدين
التشريع الإسلامي نظام شامل لكل مجالات الحياة، وضابط لشؤون
الإنسان وعلاقاته.
وقد اختزل علماء الإسلام ميدان الفقه في محورين: العبادات والمعاملات. وعنهما تتفرع بقية الفروع.
وقد أولاهما الفقهاء المجتهدون نصيبا موفورا من العناية، واستناورا بمناهج الاجتهاد لتطبيق أحكام الشرع على كل مناحي الحياة الفردية والجماعية للإنسان. غير أن ثمة بضع جوانب لم تحظ بالقدر الكافي من البحث والتأصيل،
أو امرأة في دبرها، أو كاهنا فصدقه بما يقول، فقد كفر بما أنزل الله على محمد». سنن ابن ماجه، کتاب الطهارة وسننها، أبواب التيمم، باب النهي عن إتيان الحائض، حديث: 636. سنن الترمذي الجامع الصحيح، أبواب الطهارة عن رسول الله، باب ما جاء في كراهية إتيان الحائض، حديث: 128.
سنن الدارمي كتاب الطهارة، باب من أتى امرأته في دبرها، حديث: 1169. مسند أحمد بن حنبل، ومن مسند بني هاشم، مسند أبي هريرة رضي الله عنه، حديث: 9969.
(1) ابن جعفر، الجامع:1: 214. ابن خلفون، أجوبة، 55/ 54.
(2) ابن جعفر، الجامع:1 - 214. ابن خلفون، أجوبة، 55/ 54. 3 ابن بركة التقييد 230
688 (1/688)
صفحة 686
الفصل الثالث: عملية الاجتهاد
وهي قضايا الفقه السياسي، إذ إن نصوص الشرع فيها محدودة، ففي القرآن آيتان تتحدثان عن الشورى وآية تتحدث عن طاعة أولي الأمر، وآيات تأمر
بتطبيق أحكام الشرع وحدوده، ورعاية الشعائر العامة للإسلام (1). ورغم ثراء تجربة التطبيق الأولى لهذه الأحكام على يد رسول الله صلى الله عليه وسلم وخلفائه الراشدين، إلا أنها لم تستثمر في مجال الاجتهاد على الوجه الأمثل، وظلت سيرًا تُحكى وتاريخا يُرَدّد. ونأى المسلمون في واقعهم العملي عن هذا النهج النبوي، وطغى الاستبداد السياسي منذ فجر مبكر على كثير من بلاد الإسلام؛ فأحجم الفكر الفقهي عن تناول هذا الجانب، إلا واصفا أو مبررا لانحرافات وقعت، كقول الماوردي بجواز إمارة الاستيلاء (2)؛ نزولا تحت ضغط الواقع والانحراف السياسي الذي أناخ على معظم البلاد الإسلامية بعد الخلافة الرشيدة. وكان قول الماوردي تقديرا لحال الضرورة، ولكن مسار الانحراف زاد تجذرا واستمد مشروعيته من الفقه التبريري؛ فأصبحت الخلافة فيئا وغنائم تقتسم، ومالا وتركة تورث. وتجرع المسلمون من هذا الانحراف ويلات عديدة طيلة هذه القرون، ولا يزالون
وكان للظروف السياسية التي عرفها الإباضية عبر تاريخهم أثر بارز على الاهتمام بهذا الجانب في اجتهاداتهم الفقهية، ووجدنا صلة حميمة بين الاجتهاد وبين الممارسات السياسية في الفقه الإباضي. كما وجدنا مؤلفات مطولة حول الإمامة وحكمها وشروطها، ومن يتولاها، وشروط الإمام، ومواصفات عماله، وعلاقة الرعية بالإمام في حال العدل وحال الجور. وتجلت قضية الولاية والبراءة بارزة في هذه القضايا أيضا، وكان للمجتهدين في باب الولاية والبراءة وأحداث الأئمة تحليلات دقيقة وثراء فقهي خصب، إذ طبقوا هذه القواعد على كل أئمة المسلمين الذين تولوا أمانة
1) ذكرت الشورى في قوله تعالى: (وَشَاوِرْهُمْ فِي الأمْرِ آل عمران: 159. وقوله: (وَأَمْرُهُمْ شورَى بَيْنَهُمْ الشورى: 38. وأمر الله بطاعة أولي الأمر في قوله: يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولى الأمر منكر النساء 59. وأما آيات تطبيق الأحكام والحدود فهي كثيرة. 2) الماوردي، الأحكام السلطانية، 39.
689 (1/689)
صفحة 687
الباب الثالث: اجتهاد الترجيح والاستدلال الإمامة بعد رسول الله.
E 3
وربما يجد الدارس قسوة في بعض تلك الأحكام، ولكن الوفاء للمبدا
والالتزام بقواعد الشرع هي الحكم الفيصل في هذه القضايا. وأفرزت لنا اجتهادات فقهاء الإباضية في هذا المجال مؤلفات هامة في
الفكر السياسي الإسلامي عنيت به تنظيرا وتطبيقا. ومنها:
- كتاب السير والجوابات، لأئمة وعلماء عمان.
=
=
- الاستقامة في الولاية والبراءة والإمامة. لأبي سعيد الكدمي. وأبواب مطولة في كتب: الضياء للعوتبي، وقاموس الشريعة للسعدي، وقواعد الإسلام للجيطالي، وتمهيد قواعد الإيمان للخليلي، وغيرها من الموسوعات الفقهية العمانية على وجه الخصوص.
- ومن كتب المغاربة نجد: الدليل والبرهان للوارجلاني.
- مفهوم مسالك الدين
وقد اشتهر لدى الإباضية المغاربة مصطلح مسالك الدين. ويقصد به مراحل إقامة الدين ممثلة في الإمامة وصُوَر إقامتها، من أعلاها قوة واستقلالا، إلى أدناها ضعفا وانحلالا ووضع المسلمين فيها خلال هذه المراحل.
وهذه المسالك هي: الظهور والدفاع والشراء والكتمان.
الظهور هو الوضع الطبيعي لدولة المسلمين حيث يكون لها كامل السلطة
ويتولى أمورها إمام يختار بالشورى ويقيم أحكام الله ويطبق حدوده. والدفاع حين الحروب ومجابهة عدو يتهدد كيان الدولة، فيلزم استنفار الأمة للدفاع عن وجودها. وفي هذه الحال قد تعطل بعض الأحكام بما يتناسب و خصوصيات هذه المرحلة.
أما الشراء فيكون عند غلبة الجور وانحراف السلطان وعدم إمكانية إقامة الإمامة العادلة حينها تنتدب فئة من الناس للتذكير بوجوب العودة إلى الوضع العادي للحكم العادل. ويضحون بأنفسهم في سبيل الوقوف أمام الظلم والانحراف، ولا يرجعون عن سبيلهم إلا إذا بقي منهم عدد ضئيل أيقن أنه لا جدوى من محاولة التغيير.
690 (1/690)
صفحة 688
الفصل الثالث: عملية الاجتهاد
حينئذ تأتي مرحلة الكتمان وهي سعي المسلمين لإقامة شعائر الدين بينهم في حال غياب الإمام العادل فيسندون أمورهم إلى واحد منهم، ويطبقون في هذه المرحلة الحد الأدنى من أحكام الإمامة، وتتعطل الحدود إلا بعض التعزيرات، وتتركز الجهود على تربية الفرد ورعاية المجتمع وصيانته من تداعيات انعدام السلطة العادلة، لأن دور السلطة خطير في حياة الأفراد والمجتمعات، وكما ورد في الأثر "يزع الله بالسلطان ما لا يزع بالقرآن" (1).
ومن الاجتهادات الفقهية المتعلقة بموضوع الإمامة. - حكم الإمامة الإمامة عند الإباضية، فرض والاجتماع على من ولوه سنة ماضية، واختيار الإمام وطريقته يتم عن طريق الرأي والاجتهاد (2). وقد جعل عمر النفر الستة وأسند الشورى إليهم في إقامة الإمام منهم. وفي هذا دلالة على إقامة إمام بعد مشورة (3). فإذا قدر المسلمون أن يولوا على أنفسهم إماما ويبايعوه على ما في كتاب وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأثر السلف الصالح، على أن ينصف للمظلوم من الظالم. وله عليهم المؤازرة والسمع والطاعة ما أطاع الله ورسوله. ويجب عليه النهي عن المنكر، ورفع المظالم وإقامة الحدود (4).
الله
فإن انحرف عن الحق والصواب نصحوه وبينوا له، وإن تمادى في غيّه عزلوه، وولوا إماما مكانه. وإن أبي قتلوه ولا كرامة؛ تأسيا بفعل عمر مع
النفر الستة الذين استخلفهم للمشورة حول من يتولى الأمر من بعده. قال الوَار جلاني: ومن الرأي تأمير أمير المؤمنين، وعزله إن ضيع أمور الدين، وقتله إن امتنع من العزلة إلى الهوان)). ومن واجب الإمام أن يشاور أهل الرأي في الدين فيما يخصه من أمور
(1) حول مسالك الدين ينظر: علي يحي، معمر الإباضية في موكب التاريخ، الحلقة الأولى.
نشأة المذهب الإباضي. ص 93.
2 سعيد بن زنغيل، الرد، 209 ظ.
3 ابن بركة، الجامع، 2: 390. 4 الجناوني، كتاب الأحكام، 19/ 18. 5) الوارجلاني، الدليل، 3: 62.
691 (1/691)
صفحة 689
الباب الثالث: اجتهاد الترجيح والاستدلال
رعيته، تأسيا برسول الله صلى الله عليه وسلم لما شاور اصحابه بأمر الله جل ذكره، وهو كان أعلمهم وأرجحهم رأيا وأوفرهم دراية وأفضلهم؛ فإذا اجتمع رأيهم على
شيء كان أصح من رأيه وحده (1).
- الخروج على الإمام الشراء}
إذا كان الإمام عادلا لم يجز الخروج عن طاعته أبدا، لأن هذا نكث للعهد ونقض للبيعة، وثلم لأحكام الدين وقد وردت أحاديث عديدة في الوعيد على هذه الكبيرة.
أزاءه.
أما الإمام الظالم فاختلف المسلمون في حكمه، والموقف الواجب اتخاذه
=
1 فمذهب الجمهور البقاء تحت حكمه وتحريم الخروج عليه وقتاله، ووجوب الامتثال لأحكامه.
2 ومذهب الخوارج وجوب الخروج والاستعراض لكل من بقي تحت حكم الإمام الظالم من الجنود والرعية، لأن المقام عندهم على ذلك شرك. 3 ولا يرى الإباضية وجوب المقام، ولا وجوب الخروج، بل يرون جواز الخروج؛ ولكن بشرط دقيق؛ وهو حين يستيقنون من تحقيق المراد بإزاحة الظلم وإحياء إمامة العدل. أما إذا غلب على ظنهم أن الخروج يؤدي إلى فتنة أكبر من ظلم الإمام، لم يجز لهم ذلك؛ إذ لا يُدفع ضرر بضرر أكبر. وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ} [البقرة: 191] (2).
بيت عند الصفا
وأسند الشيخ اطفيش مشروعية مبدإ الشراء إلى قصة اجتماع النبي صلى الله عليه وسلم في الصحابة وكمال عددهم أربعين رجلا بإسلام عمر، وقول عمر حينئذ: لا نعبد الله سرا بعد اليوم، ونزول قوله تعالى: {يَأَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ [الأنفال: 64]. (3).
وإذا جاز الخروج على الظلم لم يُبح الاستعراض ولا القتل، بل لا يتعرض
1) ابن بركة، الجامع، 2: 389. 2 الوار خلاني، الدليل، 3: 62 3 اطفيش شرح النيل 2: 362
692 (1/692)
صفحة 690
الفصل الثالث: عملية الاجتهاد
إلا لجند السلطان؛ ومن يستعين له لبسط ظلمه على الناس. ويلخص الوارجلاني اجتهاد الإباضية في القضية بأن رأينا هو الصواب إن شاء الله، وذلك أنا نقول: لا يحل لنا أن نستعرض أحدا من الرعايا والمسافرين والتجار والحراثين وغيرهم إلا الملوك الظلمة الجورة، وندعوهم إلى ترك ما به ضلّوا، ولا نعترض على العامة إلا جنودهم، وإنهم وجنودهم بمثابة واحدة وأجزنا الخروج عليهم والكون معهم، فإن خرجنا عليهم وقاتلناهم حتى تزيل ظلمهم على العباد والبلاد، وإن لم نخرج عليهم ورضينا بالكون معهم وتحتهم فجائز لنا ذلك، ونعيش في كنفهم حراثين فدادين حتى نلقى الله بسوء حال» (1).
كما يضبط الفقه الإباضي إجراءات هذا التغيير؛ بأنه لا يجوز للمسلمين أن يثوروا على السلطان الجائر، وإن كانوا في عدد وقوة حتى يعقدوا لإمام يقوم بهم موثوق به في صلاحه وورعه وفقهه وعقله، وعلمه بالكتاب والسنة فيما يحكم ويقسم بينهم. فإن لم يفعلوا فحرام عليهم البسط على أهل خلافهم بغير إمام يَدْعَم أمرهم ويدفعون به عن أنفسهم (2).
وأحكام الشراة مثل أحكام أهل الكتمان إلا في بعض مسائل العبادات؛ فإنهم يُصلّون في أوطانهم سَفَرا، وإذا خرجوا من أوطانهم صلوا حضرا. فموطن الشاري سيفه.
ولم يأت في هذا أثر في كتاب الله ولا في سنة رسوله، إنما هو رأي
واجتهاد (3). - أحكام الكتمان
إذا تغلب الجَوَرَة ولم يمكن إقامة إمامة الظهور، ولم يشأ المسلمون منابذة الظالمين، جاز لهم البقاء تحت حكمه، وصاروا في حال الكتمان؛ فَيُوَلُون أمورهم حاكما محتسبا يقوم بمصالحهم، ويتقي الله في خاصة نفسه ويسير فيهم
(1) الوارجلاني، الدليل، 3: 63. (2) ابن سلام، بدء الإسلام، 96/ 95. 3 الوار جلاني، الدليل، 3: 151.
693 (1/693)
صفحة 691
الباب الثالث: اجتهاد الترجيح والاستدلال
بالعدل والحق (1).
X
ويقرر الوَارجُلانِي أن أصل أحكام الكتمان كان اجتهادا وقياسا على کتمان رسول الله له الذي جرى عليه قبل الهجرة، فجعله المسلمون من مسالك الدين. فمن حرمه أخطأ، ومن حكم فيه بأحكام الظهور أخطأ (2). وتختلف أحكام الكتمان عن أحكام الظهور، إذ تتعطل الحدود ويلجأ إمام الكتمان إلى الأدب والتعزير والنكال إلا قتل المرتد فإنه سائغ في الظهور
والكتمان.
وقد يلجؤون إلى قتل الطاعن في الدين ومانع الحق والجناة، بالسوط لا بالحديد، من باب الرأي والاجتهاد (3). كما أبطلوا ولاية البيضة وهي ولاية الإمام وبطانته واكتفوا بولاية الأشخاص، لعدم وجود الإمام الحقيقي في الكتمان، ولم يأخذوا الجزية عن أهل الذمة، ولم يقطعوا بعصيان من يأخذها وأثبتوا جميع أحكام الولاة الفَجَرَة، إذا سوغتها الشريعة ولم تصادم نصوصها. وأجازوا الصلاة وراءهم إذا أقاموها.
ومنعوا من تولي جُلّ أمورهم للشبهة في أموالهم وأعمالهم، ولحديث
1) الجناوني، كتاب الأحكام، 19.
2 الوار جلاني، العدل، 2: 305. وتعرف هذه المصطلحات في أدبيات الفكر الإسلامي المعاصر بأحكام الفترة المكية، التي يعلق عليها البوطي بأنها فترة اقتضتها السياسة الشرعية. اتخذها النبي باعتباره إماما لا بوصفه نبيا. وبناء عليه فإنه يجوز لأصحاب الدعوة الإسلامية في كل عصر أن يستعملوا المرونة في كيفية الدعوة من حيث التكتم والجهر بالدين والقوة، حسبما يقتضيه الظرف وحال العصر. ينظر البوطي، فقه السيرة النبوية. 77/ 76 - أحمد فريد، وقفات تربوية مع السيرة النبوية. 65. فما بعد. 3 الوار خلاني، الدليل، 3: 224
694 (1/694)
صفحة 692
النبي
الفصل الثالث: عملية الاجتهاد
«لعن الله الظالمين وأعوانهم وأعوان أعوانهم ولو بجرة قلم» (1). (2). أما الزَّكَاة التي تدفع إليهم، فقد اختلف فيها، فبعض سوغها، وبعض الزم صاحبها إخراجها ثانية، وعدم الاعتداد بما دفع منها للحكام الظلمة (3). وقال الشيخ اطفيش: ويقيم المسلمون أعلمهم وأورَعَهُم في الكتمان، يستندون إليه، ويعطونه إياها ويبرؤون .... وهو أنسب بقول من قال يجوز في الكتمان ما قدر عليه من أحكام الظهور» (4). بل ذكر ابن جعفر الأزكوي قولا لبعض المجتهدين؛ أنه لو غصب الإمام الظالِمُ زكاة إنسان، لم يكن ذلك مجزيا له عن أدائها، حتى يؤديها إلى أئمة العدل، أو إلى فقراء المسلمين (5).
بينما نجد رأي الوارجلاني -وهو من المتقدمين- أكثر مرونة في التعامل مع الحكام الجورة؛ وهو رأي يقتضي المشاركة والاجتهاد لدفع الشر من منبعه؛ وعدم الانزواء؛ فيخلو المجال فسيحا لأهل الظلم؛ فيعيثوا في الأرض فسادًا. يقول الوار خلاني: ومن الرأي الكون مع أئمة الجور، تحت أحكامهم ما أقاموا حكم الله فيك، ولم يحكمك على معصية، وتودية [تأدية] حقوق الله عليه إليهم، وأخذ العطايا من بيوت أموالهم، والجهاد معهم، والغزو معهم
1 الوارجلاني، الدليل والبرهان، 3: 64. لم أجده بهذا اللفظ.
وفي سنن أبي داود: عن ابن عمر، عن النبي صلى الله عليه وسلم بمعناه، قال: ومن أعان على خصومة بظلم فقد باء بغضب من الله عز وجل. سنن أبي داود، كتاب الأقضية، باب فيمن يعين على خصومة من غير أن يعلم أمرها،
حديث: 3140.
وعند ابن ماجه عن نافع، عن ابن عمر، قال: قال رسول الله: من أعان على خصومة بظلم، أو يعين على ظلم، لم يزل في سخط الله حتى ينزع».
سنن ابن ماجه كتاب الأحكام باب من ادعى ما ليس له وخاصم فيه، حديث:2317. وفي الضعفاء الكبير: عن حذيفة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أهل الجور وأعوانهم في النار ". الضعفاء الكبير للعقيلي باب الميم مروان بن عبد الله بن صفوان، حديث: 1971. 2 الوار جلاني، العدل، 2: 307/ 306.
3 ابن جعفر، الجامع، 3: 74/ 75. 4 اطفيش الذهب الخالص. 235. 5 ابن جعفر، الجامع 3: 74/ 75.
695 (1/695)
صفحة 693
الباب الثالث: اجتهاد الترجيح والاستدلال
E 3
جميع ملل الشرك، والخروج عليهم إذا جاروا وبغوا» (1). فهناك إذن هامش للحركة بين الركون والخروج؛ بمراعات الأحوال
والمآلات والموازنة بين المفاسد والمصالح.
والمبدأ الأساس رعاية مصلحة الدين والسعي لتغيير المنكر قدر المستطاع، إذ المعلوم فقها وواقعا أن السكوت عن الظلم أكبر عون للظالم، وأهم عامل يمنحه صبغة المشروعية؛ ثم يقتطع به الشرعية ليضمن بها الرسوخ والبقاء. وهذا مناقض لمقصد التشريع؛ وهو إقامة العدل في الحياة. إن العدل قيمة كبرى؛ وهو غاية الإسلام ومقصد تشريع الأحكام، وعلى أساسه قام أمر الدنيا والآخرة. وما جاءت رسالة محمد إلا لتخرج الناس من جور الأديان إلى سماحة الإسلام، ومن رقّ عبادة العباد إلى حرية عبادة
رب العباد.
1 الوارجلاني، الدليل، 2: 63.
696 (1/696)
صفحة 694
الخاتمة (1/697)
صفحة 695
X
الخاتمة
أسهم الإباضية في مجال علم الأصول مساهمة لها وزنها بين التراث
الفكري للمسلمين، وتناولت جهودهم كل مجالات الاجتهاد، وتجلت لنا من مباحث هذه الرسالة انسجامهم مع أعلام الأصول في جل القضايا، سواء ما تعلق منها بالتأصيل أم بالتفسير أم بالترجيح. وتلك طبيعة المنهج التي تقتضي الاتفاق على أسسه وقواعده العامة، ثم يكون التنوع واختلاف الأنظار حول
فروعه ومسائله الخاصة.
ه كان للإباضية دورهم في تأصيل نظرية المعرفة، إسهاما في الجهد العام لعلماء المسلمين في هذا المجال. الهام. وعُنُوا بضرورة النظر ووجوبه، ولزوم السؤال لمن عجز عن الاستقلال بالنظر والاجتهاد لأن ذلك مفض إلى معرفة الخالق والقيام بعهدة التكليف وفصلوا ما يسع الناس جهله وما لا جهله، حتى لا يظل الإنسان سائرا في عماية من أمور دينه وجهل بما يلزمه معرفته.
يسع
ه تؤكد هذه الدراسة أن المصادر التي استقى منها الإباضية فقههم هي المصادر المتفق عليها بين المسلمين الكتاب والسنة والاجتهاد بأوسع معانيه. وكانت نشأة هذه المدرسة على يد جابر بن زيد وتلاميذه بالبصرة، وقد تتلمذ جابر على الصحابة بالمدينة ومكة فكانت أصول اجتهاده مزيجا بين مدرسة العراق ومدرسة الحجاز، واتسم بالاعتدال بين التزام النص وبين إعمال الرأي والتعليل، واعتماده الدليل الشرعي في كل الأحوال.
الأئمة
بالنسبة للسنة بمفهومها الاصطلاحي، فقد أرسيت قواعدها مع الأوائل، جابر وأبي عبيدة والربيع. وتم اعتمادها مصدرا للتشريع، صنوا للقرآن باعتبارها وحيا من الله، وتتلوه في المرتبة عند التعارض باعتبارها غير
قطعية الثبوت في جميع نصوصها.
مصطلح السنة عندهم يشمل كل ما أثر عن النبي، وقد يضيق المعنى أحيانا فيقصد بالسنة ما ثبت بالقطع، وأما ما دون ذلك فهو من باب الأخبار.
698 (1/698)
صفحة 696
الخاتمة
ه لذلك كان المنهج المتبع من قبل علماء الإباضية الأوائل في قضايا الاجتهاد الاعتماد أولا على القرآن فإن تعذر استخراج الحكم منه وجب اللجوء إلى السنة، فإن لم تعالج السنة هذه القضية كان الملاذ إجماع الصحابة، فإن اختلفوا وجب اختيار أحسن هذه الآراء، وكان جابر يرى عدم الخروج عنها. وإن عُدِمَ رأيهم في المسألة كان المجال فسيحا للنظر والاجتهاد.
ه تشدد الإباضية في رواية الحديث حرصا على سلامة نسبتها إلى الرسول، ولذلك كانت مروياتهم من الأحاديث قليلة مقارنة بغيرهم. وإن خلت ساحتهم من الوضاعين لاعتقادهم أن الكذب كبيرة تخلد في النار، فكيف بالكذب على رسول الله، وقد توعد صاحبه بمقعده في النار!.
من القواعد التي اعتمدت في اجتهادات الإباضية تقديم السنة القولية على السنة الفعلية عند التعارض لأن الحجة في القول عموم الخطاب فيه للمكلفين، أما الفعل فهو ليس عاما ولا موجها للأمة، وإن ثبت دليل التأسي بالنبي فإن تعارض قوله مع فعله يجعل الفعل محتملا للخصوصية؛ لضعف عن دلالة السنة القولية.
دلالته
في مجال الإجماع رأينا أن الإباضية لم يقصروه على شخص أو فئة، كما فعلت الشيعة باشتراطها وجود الإمام المعصوم ضمن المجتهدين، أو حصره على زمن معين فعل الظاهرية الذين منعوا وقوعه بعد عصر الصحابة. بل متى حصل اتفاق مجتهدي الأمة في زمان كان حجة على من بعدهم.
ه كما لم يعتبروا الإجماعات الجزئية حجة شرعية، كإجماع العمرين وإجماع الخلفاء الأربعة بالنظر إليهم كأفراد ولا بإجماع أهل المدينة وإجماع أهل البيت وغيرها، لأن العصمة ثبتت للأمة بكليتها عند اتفاق مجتهديها، لا لبعض أفرادها. ولأن ذلك ليس إجماعا بالمعنى المقصود، وتظل تلك الإجماعات اجتهادات راجحة عند الاختلاف لا مانعة من الاختلاف. فلها وزنها عند تعدد أنظار المجتهدين، لكنها ليست حجة ملزمة للناس.
ه وقع الخلاف بين الأئمة الأوائل حول حجية القياس ومدى اعتماده لاستنباط الأحكام، فارتضاه أكثرهم ورده، بعضهم، ثم حصل الاتفاق على
699 (1/699)
صفحة 697
القول به، وتوسع فيه اللاحقون فأجروه في المعاملات وفي العبادات، وجاوزوا به إلى ميدان الحدود والكفارات.
ه مصطلح الرأي كان يضم ما عدا الأصول الثلاثة: الكتاب والسنة والإجماع وأحيانا يقصدون برأي المسلمين، الإجماع، فهم يعتمدون المصادر التبعية المختلفة، وظهر ذلك جليا في اجتهاداتهم في أبواب الفقه عموما. وقد أدى عدم وضوح المصطلح عند بعض الدارسين إلى اعتبار الإباضية من المنكرين للرأي، وهو فهم جانب الحقيقة كما أوضحتها فصول هذه الدراسة.
ه كان اعتماد الإباضية على الرأي في الاستنباط معتدلا. فلم يجمدوا على حرفية النصوص صنيع أهل الظاهر، ولم يوغلوا في التأويل البعيد فعل أهل الباطن، الذين أغرقوا في التفسير الإشاري، الذي يجافيه وضع اللغة وعرف الشارع. وتمثل اعتدال الإباضية في التأويل أنهم يلجؤون إليه بعد استنفاد طاقة العقل في سبر النصوص ومعرفة دلالاتها وعللها ومقاصدها، والالتزام بروح الشرع في كل أنواع الاجتهاد، سواء منها ما كان في إطار النص، أم عند فقدان النص.
وأما موقعهم من مدرسة المتكلمين ومدرسة الفقهاء الأصولية، فقد كانوا في الغالب على منهج المتكلمين يعمدون إلى التأصيل ووضع القواعد العامة للاجتهاد، ثم يعرجون إلى التفريع، ولكن وجدنا في اجتهاداتهم شبها بمنهج الحنفية أيضا، من مثل تقسيمهم للأخبار إلى متواترة ومشهورة وآحاد، وتمييزهم بين الفرض والواجب في الأحكام. كما أنهم تناولوا تقسيم الألفاظ في دلالاتها تناولا فيه مزج بين المنهجين فلم يكتفوا بدلالة المنطوق والمفهوم، إذ تحدثوا عن لحن الخطاب وإشارته واقتضائه ودلالته. عرفها منهج الحنفية واشتهرت في كتبهم الأصولية. ه استندوا في تخريج بعض الفروع على اجتهادات الأئمة الأوائل مثل صنيع الحنفية مع أئمتهم. ولعل ما يفسر هذا هو تأخر التدوين الأصولي عندهم مقارنة بالتدوين الفقهي، إذ عرفوا الموسوعات الفقهية الضخمة، قبل التأليف الأصولية المستقلة، مما دعا الأصوليين إلى ترديد عبارة: وعلى أصول
وهي
مصطلحات
700 (1/700)
صفحة 698
الخاتمة
E 3
أيمتنا، ومقتضى أصولهم، ونحو ذلك.
شرعه
ه في مجال العقل والنقل، وجدنا التركيز منصبا على ربط النص بالعقل وعدم إلغاء أحدهما من الاعتبار. وإن كان النص هو المحكم فيما لا مجال للعقل فيه، ويظل العقل رافدا يدعم النص ولا يناقضه. كما لا يمكن أن يناقض النص الصحيح بدهيات العقول. وإن حدث ذلك كان السؤال موجها إلى طريق ثبوت النص، واتهامه بالخلل، لا إلى الشارع؛ فلا يوصم بالقصور، وحاشاه، إذ هو تشريع العليم الخبير. وتجلت هذه النظرة بوضوح في قضية التحسين والتقبيح، وفي قضايا التأويل فجمعوا بذلك بين صحيح النقل وصريح العقل. ه عني الإباضيَّة بضرورة الفهم وسلامة الفقه للنصوص؛ ضمانا لإصابة الاجتهاد، وعدم الاكتفاء بالرواية وحفظ الآثار؛ حتى اعتبر أبو عبيدة مسلم: أن كل صاحب حديث ليس له إمام في الفقه فهو ضال.
ه لم يعتبر الإباضية قول الصحابي حجة، إلا إن كان فيما لا مدخل للعقل فيه؛ فيحمل محمل الخبر المرفوع فتكون الحجة في نسبة القول إلى الشارع لا في صدوره عن الصحابي.
ه قيدوا مجال الاجتهاد، فلم يجيزوه في القطعيات إلا من باب التعرف على أدلتها، حتى يأخذها المكلف عن يقين ويبني أحكامها على الحجة لا على
التقليد.
لم يوصدوا باب الاجتهاد على أحد؛ فهو مفتوح أمام القادرين ممن الله
امتلك أدواته، وتمكن من ناصيته وليس لأحد أن يحظر عليهم ما أباحه فالاجتهاد مباح لأهله إلى يوم الدين وحرام على غيرهم إلى يوم الدين. عني مجتهدو الإباضية بالترتيب بين القطعي والظني من الأدلة والترجيح بينها عند التعارض، كما جنحوا إلى الأخذ بالأحوط في كثير من الأحكام، عند تعارض الاجتهادات ونجم عن ذلك فروع فقهية اختلفوا فيها مع غيرهم، وبخاصة في باب الفروج والأموال.
?701
701 (1/701)
صفحة 699
E 3
الخاتمة تجلّى في اجتهاداتهم الحرص على ربط الفقه بالعقيدة، وبروز الجانب الأخلاقي في كثير من القضايا، باعتبار الدين كلاً لا يتجزأ، وأن الأحكام يجمعها رباط، واحد هو الدينونة الله بها جميعا، وعدم الاجتزاء ببعضها عن بعض. وهو ما تجلى في تطبيقات قاعدة الولاية والبراءة وبروزها في كثير من قضايا الاجتهاد.
ه تأثر الفقه الإباضي واجتهاد علمائه بالظروف السياسية والتاريخية التي مرّ بها المذهب وأتباعه سواء في المشرق أم في المغرب، وهو ما تجلّى في الاهتمام بالإمامة وأحكامها وعلاقة الفرد بالسلطان في مختلف حالاته من العدل والجور، ولهذا المجال صلة وثقى بقضية الولاية والبراءة أيضا وحضورها القوي في كتابات فقهاء المذهب قديما وحديثا، وذلك في عهود تداول فيها المد وانحسار الوجود الإباضي في مواطن عديدة من العالم الإسلامي.
ه برز في فقههم الاهتمام بالجانب المقاصدي وتحري إصابة الغابة من التشريع عند الاجتهاد والعناية بالباعث والتعرف عليه للحكم على الأفعال، والاجتهاد للنظر إلى مآلات أفعال المكلفين وعدم الاكتفاء بالجانب الظاهري، ما وجد المجتهد إلى ذلك سبيلا. وإن تعذر الأمر؛ فالقاعدة أن الحكم على الظواهر والله يتولى السرائر.
ه كان التركيز على الجانب المقاصدي وسيلة لمحاربة الحيل ورصد المتخيلين على الشارع، حتى لا تفضي الأحكام إلى عكس مقصودها. وقد تجلى هذا في اجتهاد علماء الإباضية متناثرا في كتبهم دون أن يُعنوا بوضع هيكل متكامل لعلم المقاصد، وما تعلق به من مباحث الباعث والمآلات.
ه تجلت عناية فقهاء الإباضية بتوظيف الاجتهاد في جميع مجالات الحياة، وعدم الاقتصار على فقه العبادات والمعاملات على أهميتها في حياة المسلم. وبروز العناية بالفقه السياسي، وهو ما تجلّى في تأصيل مسالك الدين، حرصاً على إحياء أحكام الإسلام مهما بلغ الضعف بالمسلمين.
ه تميز تاريخ هذا المذهب بالسعي المتصل والصراع المتسديم لإقامة وجود سياسي للعقيدة الإسلامية؛ ممثلاً في الإمامة العادلة في حال الظهور، أو
702 (1/702)
صفحة 700
الخاتمة
ما دونها عند تعذر الظروف وغلبة
ه ينتقد على كتابات الأصول الإباضية عدم الاهتمام بالتعاريف وتحريرها والاكتفاء بالمعنى الشائع منها، والتركيز على الجانب العملي التطبيقي والاقتصاد في مجال التنظير والتقعيد وهو رأي وجيه له اعتباره؛ بينما يحبّذ بعض الدارسين هذا الاقتصاد في مجال التنظير، ويعدونه مسلكا محمودا؛ لانسجامه مع منهج القرآن وهذي الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه، الداعي إلى الاهتمام بالعمل، والابتعاد عن الجدل إلا بقدر الضرورة.
ه في هذا المسار تجد الإباضية يُعنون بالفقه العملي وينهون عن الفقه
الافتراضي. ه يؤاخذ على بعض التأليف الأصولية تداخل المباحث وعدم العرض المنهجي لها؛ إذ نجد الحديث عن حجية قول الصحابي مدرجا في التخصيص أو في مباحث السنة، ومسائل التحسين والتقبيح تتضمنها مباحث التكليف والأمر والنهي وما أشبه ذلك. ولم تكن الكتابات الأولى في العلوم الإسلامية كلها على نسق واحد في جودة التصنيف والتبويب، بل نما الاهتمام بهذا الجانب مع تطور النتاج الفكري لعلماء الإسلام عبر القرون. ه لم تخل ساحة التأليف الأصولي لدى الإباضية من التأثر بمحيطها عبر تطوّر الفكر الأصولي، إجمالا، فعني بالمباحث الكلامية حين طغى الاهتمام بعلم الكلام، وظهرت فيه بعض المسائل الهامشية التي تعد ترفا فكريا لا تدعو إليه ضرورة، ولا تعقبه نتيجة ولا فائدة. كما نالها نصيب من الصنعة الكلامية في عهود متأخرة على اختلاف في درجة التأثر بين المشارقة والمغاربة، بل وبين عالم وآخر. وإن كانت السمة العامة الاقتصاد في هذا التأثر، مقارنة بغيرهم ممن ولع بهذه القضايا وذهب فيها إلى مدى بعيد.
برز الاهتمام بالمقارنة في كتب الأصول الإباضية بصورة واضحة، إذ نجدها تعرض لأغلب الآراء الواردة في المسألة، وتحظى هذه الآراء بالتحليل والنقد، ثم يتم اختيار الراجح منها حسب ما اعتضد بالحجة والدليل. وفي هذه المؤلفات فيض من أقوال علماء الإسلام من شتى المدارس والمذاهب؛ بما
703 (1/703)
صفحة 701
الخاتمة
يكشف بجلاء عن سعة الأفق العلمي، ورحابة الصدر في الحوار، بلا عقدة خوف من عرض الرأي والرأي، المخالف ما دام القصد خدمة الدين، والغاية إصابة الحق ونيل رضوان الله.
نرجو أن تكون هذه الدراسة خطوة موفقة لإلقاء ضوء كاف على معالم المدرسة الإباضية ومنهجها في الاجتهاد وبيان أصالة هذا الجهد في إطار الشرع الحنيف، مما يساعد على إزالة الغشاوة التي رانت على كثير من
المسلمين عامة ومتخصصين في نظرتهم إلى هذه المدرسة وأتباعها.
a أملنا أن تتواصل جهود الباحثين في هذا الموضوع الهام، وهذا البحث إسهام محدود، وجهد فردي يظل بحاجة إلى إضافة وتوسيع، فإن كثيرا من المباحث التي تناولها تستدعي وقفة متأنية وتحليلا ضافيا، ولكن كان حظها النظرة العجلى التزاما بخطة البحث، وخشية أن يخرج عن حجمه المقبول. لذا؛ فإن الموضوع سيظل مجالا مفتوحا لمن يوفّي هذه المباحث حقها من التأصيل
والتفصيل.
a رجاؤنا في الختام أن يكون نشر هذه الأعمال دافعا للعلماء والمفكرين للتدبر في فقه هذه المدرسة ووضعه في موقعه الصحيح بين نتاج علماء الإسلام. وفي ذلك إسهام محمود لتصحيح الرؤية ورأب الصدع، وخطوة في سبيل توحيد الصف على هدي الكتاب والسنة في زمن تآرزت فيه خطط التآمر لاجتثاث أمتنا من الجذور. فأصبحت مراجعة فكرنا ضرورية بالرجوع به إلى المنابع؛ واعتماد الأصول الموحدة والموحدة ضملنة من التشرذم والتنازع؛ وسبيلا وحيدا لإعادة الشهود الحضاري لأمة الإسلام.
704 (1/704)
صفحة 702
قائمة المصادر والمراجع (1/705)
صفحة 703
قائمة المصادر والمراجع
1
أولا: المخطوطات).
قائمة المصادر والمراجع
أحمد بن يحي بن المرتضى.
عمان.
2
منهاج الأصول إلى معاني معيار العقول. مكتبة السالمي، بدية، سلطنة
الأزكوي، سرحان بن سعيد.
كشف الغمة لأخبار الأمة. (292 ورقة) نسخ: سرحان بن سعيد الأزكوي. ت. ن.: محرم 1146 هـ. مكتبة آل خالد بني يزجن. غرداية. الجزائر. رقم م/ 88. ترقيم التراث: 391.
3
4
5
6
7
الأصم، عثمان بن أبي عبد الله. (ت 631 هـ)
كتاب البصيرة. د. ن. د. ت. مكتبة السالمي، بدية، سلطنة عمان.
رقم: 207 مخطوطات.
البَرَّادِي، أبو القاسم بن إبراهيم. (القرن 8 هـ)
البحث الصادق والاستكشاف عن حقائق معاني كتاب العدل والإنصاف. (288 ورقة) جزءان. نسخ: بابة بن محمد. ت. ن.: 1179 هـ. مكتبة الحاج سعيد محمد. غرداية. الجزائر. د. ر.
رسالة الحقائق. (21 صفحة). د. ن. - د. ت - مكتبة الحاج سعيد محمد.
غرداية الجزائر. د. ر.
ابن بركة. أبو عبد الله محمد بن بركة البهلوي. (القرن 4 هـ) كتاب الموازنة. (14 صفحة) ضمن مجموع نسخ: سالم بن خميس بن سالم المحليوي. ت. ن.: 1126 هـ. مكتبة السَّالِمِي، بدية سلطنة عمان. د. ر. وطبع ضمن كتاب السير والجوابات لعلماء وأئمة عمان.
كتاب التقييد. (116 صفحة ضمن مجموع. نسخ: عبد الله بن عمر بن زياد. ت. ن.: 963 هـ. مكتبة السالمي. بدية عمان. د. ر. صورة لدى
-1 وضعت جمعية التراث دلائل لفهارس مخطوطات مكتبات وادي ميزاب، وفق برنامج خصيص لذلك معالج بالإعلام الآلي وأشرنا إليه ب "ترقيم التراث". إضافة إلى رقم الكتاب الخاص بالمكتبة.
706 (1/706)
صفحة 704
الباحث.
قائمة المصادر والمراجع
8
9
تقييدات ابن بركة (40) ورقة). د. ن. د. ت.- مكتبة الحاج صالح
لعلي. بني يزجن. غرداية. الجزائر. د. ر. صورة لدى الباحث. كتاب المبتدأ. (39 صفحة ضمن مجموع. نسخ: عب الله بن عمر بن زياد. ت. ن.: 963 هـ مكتبة السالمي. بدية. عمان. د. ر. صورة لدى الباحث. بشير بن محمد بن محبوب بن الرحيل، أبو المنذر. (القرن 3 هـ
10
كتاب المحاربة. (11 ورقة) ضمن مجموع. د. ن.- ت. ن.: 1299 هـ. مكتبة وزارة التراث القومي والثقافة سلطنة عمان. رقم عام 1263. خاص: 134. صورة لدى الباحث.
11
التلاتي، عمر بن رَمَضان الحربي. (ت 1187 هـ)
رفع التراخي في مختصر الشماخي. (137 ورقة). نسخ: عمر بن موسى. ت. ن.1264 هـ. مكتبة الحاج صالح لعلي بني يزجن. غرداية. الجزائر. د. ر. الثميني، عبد العزيز. (ت 1223 هـ/ 1808 م)
12
تعاظم الموجين شرح مرج البحرين مكتبة الاستقامة. بني يزجن.
غرداية. الجزائر. د. ر. جابر بن زيد. (ت 93 هـ)
13
کتاب جابر بن زيد مرقون عن مخطوط بدار الكتب المصرية. تحت
رقم: 21582 ب. مصور لدى الباحث. رسائل الإمام جابر بن زيد. مرقون عن مخطوط دار الكتب المصرية
السابق مصور لدى الباحث.
الحضرمي، أبو إسحاق إبراهيم بن عبد الله بن قيس. (ت حوالي 475 هـ) مختصر الخصال. (129 ورقة) ضمن مجموع. نسخ: ناصر بن سعيد السعدي العماني. ت. ن.: 1272 هـ. مكتبة آل خالد بني يزجن. غرداية. الجزائر. رقم م 110. ترقيم التراث: 424.
16
الدلائل والحجج (375 صفحة) نسخ: أحمد كروم. ت. ن.: أوت 1995 م عن نسخة أصلية من نسخ أحمد بن أبي القاسم بن عمور. ت. ن.: 1117 هـ. مكتبة الحاج بابكر بن مسعود الغرداوي. د. ر. الربيع بن حبيب الفراهيدي. (ت حوالي 176 هـ)
17
مسائل مما سئل عنه الربيع بن حبيب (45) ورقة) د. ن. د. ت. خط
707 (1/707)
صفحة 705
قائمة المصادر والمراجع
مغربي قديم. مكتبة الاستقامة. بني يزجن. غرداية. الجزائر. صورة لدى
الباحث.
18
آثار الربيع. (49) ورقة). نسخ صالح بن سالم بن يدر. ت. ن.: 1191 هـ. مكتبة وزارة التراث القومي والثقافة سلطنة عمان. د. ر. صورة لدى
الباحث.
19
أبو ستة محمد بن عمر، المحشي. (ت 1088 هـ/ 1679 م)
حاشية على مختصر العدل والإنصاف (175) ورقة). د. ن. - د. ت. مكتبة الحاج صالح لعلي بني بني يزجن. غرداية. الجزائر. غرداية. الجزائر.
رقم: ج: 41.
20
سدراتن، أبو القاسم سدراتن بن الحسن. جواب لأبي القاسم سدراتن. ورقة واحدة، ضمن مجموع بمكتبة آل خالد بني يزجن. غرداية. الجزائر. رقم م 163. ترقيم التراث: 553. سعيد بن زنغيل. (القرن 4 هـ)
21
الرد على من زعم أن الاستواء على العرش على ما يُعقل. (165 ورقة) ضمن مجموع نسخ عامر بن علي. ت. ن.: 751 هـ. مكتبة آل خالد. بني يزجن. غرداية. الجزائر. رقم: م 152. ترقيم التراث: 513.
سعيد بن علي بن يحي الخيري الجربي. (ت 898 هـ) جواب عن
أسئلة (15 ورقة) ضمن مجموع. د. ن.- د. ت. د. ر.
مكتبة الحاج صالح لعلي بني يزجن. غرداية. الجزائر. السوفي، أبو عمرو عثمان بن خليفة المارغنّي. (القرن 6 هـ) كتاب السؤالات (115 ورقة). نسخ: أحمد بن عيسى بن داود المليكي. ت. ن.: 1184 هـ. صورة لدى الباحث. رسالة في الفرق. (6) ورقات). د. ن. د. ت. - مكتبة الحاج سعيد محمد.
24
غرداية. رقم: 67.
25
السَّمَّاخِي، أحمد بن سعيد، أبو العباس. (ت 928 هـ)
مختصر العدل والإنصاف. (16 ورقة) نسخ: سعيد بن قاسم بن أبو علي. ت. ن.:صفر 1209 هـ. مكتبة الحاج صالح لعلي بني يزجن. غرداية. الجزائر. شرح مختصر العدل والإنصاف. (89) ورقة). منسوخ مع المختصر.
26
الشماخي عامر بن علي، أبو ساكن. (ت 792 هـ/ 1389 م)
708 (1/708)
صفحة 706
27
ئمة المصادر والمراجع
كتاب الديانات. نسخ يوسف بن محمد البدري. (7 ورقات). مع حاشية السدويكشي، ضمن مجموع ت. ن. 1178 هـ. مكتبة آل خالد. بني بني يزجن. غرداية. الجزائر غرداية. الجزائر. رقم: م 109. ترقيم التراث: 420. اطفيش، امحمد بن يوسف. (ت 1332 هـ / 1914 م).
28
شرح شرح مختصر العدل والإنصاف (ثلاث مجلدات) بخط المؤلف. مكتبة القطب، بني بني يزجن. غرداية. الجزائر، غرداية. الجزائر. تحت رقم: أ هـ 1. داعي العمل ليوم الأمل، تفسير من سورة الرحمن إلى الناس. مصور
29
بمكتبة جمعية التراث.
30
31
ترتيب نوازل نفوسة (235 صفحة) نسخ: المؤلف. د. ت. مكتبة الاستقامة بني يزجن غرداية. الجزائر. رقم: ج 8. رقم: ج 8. أبو العباس أحمد بن محمد بن بكر الفرسطائي. (ت 504 هـ) السيرة في الدماء. (78 صفحة). نسخ إبراهيم بن إسماعيل بن حمو. ت. ن.:
1334 هـ. صورة بمكتبة الدكتور إبراهيم بجاز. الخروب، قسنطينة. الجزائر. كتاب أبي مسألة أو مجمل الفتوى (86 ورقة). د. ن.
32
ت. ن.: 1306 هـ. مكتبة الحاج سعيد محمد غرداية. الجزائر. د. ر. كتاب الألواح (35) ورقة). د. ن. د. ت. مكتبة آل خالد. بني يزجن.
33
34
غرداية. الجزائر رقم م 152. ترقيم التراث: 507. صورة لدى الباحث. تبيين أفعال العباد (71 ورقة). ضمن مجموع. نسخ: بابه بن بيشة بن محمد الوارجلاني. ت. ن.:994 هـ. مكتبة آل خالد. بني بني بني يزجن. غرداية. الجزائر. غرداية. الجزائر غرداية. الجزائر. رقم: م 105. ترقيم التراث: 413. عبد الوهاب بن عبد الرحمن بن رستم (ت 250 هـ)
35
36
مسائل الإمام عبد الوهاب (19 ورقة). نسخ: محمد بن يوسف بن داود المصعبي. ت. ن.: نهاية القرن 12 هـ / 18 م. مكتبة آل خالد. بني يزجن.
غرداية. الجزائر. رقم: م: 5/ 163. ترقيم التراث: 559. أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة (ت حوالي 145 هـ)
مسائل أبي عبيدة. (20 ورقة) ضمن مجموع. د. ن. - ت. ن.: 1287 هـ. مكتبة آل خالد. بني يزجن. غرداية. الجزائر. رقم: ح 13. ونسخة أخرى برقم: ح 50. ت. ن.:1259 هـ.
709 (1/709)
صفحة 707
قائمة المصادر والمراجع
37
أبو عمار عبد الكافي التناونّي الوَار جلاني. (ت. قبل 570 هـ). اختصار المواريث (7) ورقات). د. ن. د. ت.- مكتبة الحاج سعيد
محمد. غرداية. الجزائر. رقم: 12 - 3.
38
سير أبي عمار. (6) ورقات). د. ن. د. ت. - مكتبة الحاج سعيد محمد.
غرداية. الجزائر. رقم: 72.
39
العوئبي، أبو المنذر سلمة بن مسلم الصحاري. (القرن 4 هـ)
سيرة الصحاري. (27 ورقة) ضمن مجموع. نسخ: أحمد بن سعيد العمري العماني. ت. ن.: 1272 هـ. مكتبة آل خالد. بني يزجن. غرداية. الجزائر. رقم م 110. ترقيم التراث: 427.
40
القلهاتي، أبو سعيد محمد بن سعيد.
الكشف والبيان. (جزءان) الناسخ سالم بن خميس بن عويم الخميسي،
ت. ن. 1293 هـ. مكتبة الاستقامة بني بني يزجن. غرداية. الجزائر. غرداية
الجزائر. د. ر.
41
الكدمي، أبو سعيد محمد بن سعيد. (ق 4 هـ)
كتاب الاستقامة في الولاية والبراءة والإمامة. (459 ورقة). نسخ: سيف بن مسلم السعدي العماني. ت. ن.: 1273 هـ. مكتبة آل خالد بني يزجن. غرداية. الجزائر. رقم: م 137. ترقيم التراث: 473. الكندي، أبو بكر أحمد بن موسى النزوي العماني. (ت 557 هـ).
كتاب التخصيص. 73 صفحة). نسخ محمد بن راشد النوفلي ربيع الأول 1307 هـ. مكتبة الاستقامة وزارة التراث القومي والثقافة، سلطنة عمان. د. ر. صورة لدى الباحث.
الكندي، محمد بن إبراهيم. (ت 19 رَمَضَان 508 هـ)
بيان الشرع المجلد الأول. ويقع المخطوط في 68 مجلدا. نسخ: سباع بن محمد الذيابي العماني. ت. ن.: 1290 هـ. مكتبة آل خالد. بني يزجن. غرداية. الجزائر. رقم: م 1. ترقيم التراث: 289.
محمد بن محبوب بن الرحيل، أبو محمد. (ت 260 هـ)
أبواب مختصرة من السنة. (10 أوراق). د. ن. د. ت. مكتبة الحاج صالح لعلي بني بني يزجن. غرداية. الجزائر. غرداية. الجزائر. د. ر. صورة
لدى الباحث.
710 (1/710)
صفحة 708
45
مجهول.
قائمة المصادر والمراجع
سبوغ النعم. (85) ورقة) ضمن مجموع نسخ: زايد بن يسفاو الوسياني. ت. ن.: 900 هـ. مكتبة آل. خالد بني بني يزجن. غرداية. الجزائر. غرداية. الجزائر. رقم م 127. ترقيم التراث: 454. وذكر البَرادِي أن "سبوغ النعم" هو مختصر الشيخ أبي الحسن البسيوي العماني.
46
مجهول.
كتاب المعلقات (24 ورقة) ضمن مجموع. نسخ: يوسف بن محمد اليدري اليسجني. ذو الحجة 1178 هـ. مكتبة آل خالد. بني بني بني يزجن. غرداية. الجزائر غرداية. الجزائر غرداية. الجزائر. رقم: م 109. ترقيم
التراث: 418.
47
المزاتي، أبو الربيع سليمان بن يخلف. (ت 471 هـ)
التحف المخزونة في إجماع الأصول الشرعية. (55 ورقة). د. ن.- ت. ن.: 1269 هـ. المكتبة البارونية جربة تونس. صورة لدى الباحث. الملشوطي، تبغورين بن عيسى. (القرن 6 هـ)
48
كتاب الأدلة والبيان. (7 ورقات). ضمن مجموع. نسخ: محمد بن جميع.
ت. ن.: 1267 هـ. مكتبة وزارة التراث القومي والثقافة، سلطنة عمان. الرقم العام: 2028. الخاص: 323 ب. صورة لدى الباحث.
49
كتاب أصول الدين (20 ورقة). نسخ محمد بن يوسف بن داود المصعبي. ت. ن.: 1185 هـ. مكتبة آل. خالد بني بني يزجن. غرداية. الجزائر. غرداية. الجزائر رقم م/132. ترقيم التراث: 463. صورة لدى الباحث. كتاب الجهالات (14 ورقة) د. ن. - د. ت. مكتبة وزارة التراث القومي
50
والثقافة سلطنة عمان. صورة لدى الباحث.
نجاد بن موسى بن نجاد المنجي. (ت 513 هـ) كتاب الأكلة وحقائق الأدلة. ج 1 (250 صفحة). نسخ: إبراهيم بن أحمد الكندي. ت. ن.: 1344 هـ. مكتبة الشيخ سالم بن حمد الحارثي.
سيف بن
المضيرب عمان. صورة لدى الباحث. النزوي، صالح بن عمر بن مبارك.
قواعد الهداية في تفسير الآية والرواية والإجماع من أهل الهداية. (أو:
سقط الزند). (79 ورقة). د. ن. ت. ن.: 1163 هـ. مكتبة السالمي، بدية.
711 (1/711)
صفحة 709
قائمة المصادر والمراجع
سلطنة عمان. د. ر. صورة لدى الباحث.
53
الوارجلاني، أبو يعقوب يوسف بن إبراهيم (ت 570 هـ)
العدل والإنصاف في معرفة أصول الفقه والاختلاف. (120 ورقة). نسخ محمد بن الحاج صالح المصعبي. ت. ن.: 1268 هـ. مكتبة الحاج سعيد
54
محمد غرداية. د. ر. الدليل لأهل العقول لباغي السبيل بنور الصدق لتحقيق مذهب الحق بالبرهان والصدق. (279 ورقة). نسخ: بَس بن أم موسى بن الحاج داود بن بمحمد بن الفقيه داود الوَار خلاني. ت. ن.: محرم 1130 هـ. مكتبة الحاج صالح لعلي بني يزجن. غرداية الجزائر. د. ر.
55
أجوبة الوارجلاني. (11 ورقة). ضمن مجموع. د. ن. - د. ت. - مكتبة
آل خالد بني يزجن غرداية الجزائر. د. ر. صورة لدى الباحث. رسالة أبي يعقوب. (20 ورقة) د. ن. - ت. ن.: 1308 هـ. مكتبة الحاج
56
سعيد محمد غرداية. الجزائر. رقم: 254.
57
58
الوسياني، أبو الربيع سليمان بن عبد السلام. (القرن 6 هـ). سير الوسياني. (3) أجزاء - 182 ورقة). د. ن. - د. ت. -مكتبة الحاج صالح لعلي بني بني يزجن غرداية الجزائر غرداية. الجزائر. رقم: ج 41. ابن وصاف، محمد.
الحل والإصابة. (شرح كتاب الدعائم). (مجلدان)، نسخ: عبد الله بن ناصر الإسماعيلي. د. ت. مكتبة آل خالد بني بني يزجن. غرداية. الجزائر غرداية. الجزائر. رقم: 93 - 94. ترقيم التراث:396 - 397. أبو اليقظان، إبراهيم بن عيسى. (ت 1973 م)
59
60
61
الإمام أبو يعقوب يوسف بن إبراهيم السدراتي الوَارِجلاني.
(61 صفحة) د. ن.- ت. ن.: 1386 هـ / 1966 م.
ثانيا: المصادر
الآمدي، أبو الحسن على بن أبي علي بن محمد. (ت 631 هـ) الإحكام في أصول الأحكام دار الكتب العلمية. بيروت، لبنان.
143 هـ / 1983 م.
الأزكوي، أبو جابر محمد بن جعفر. (القرن 3؛ 4 هـ) الجامع. ج 1،2. تحقيق عبد المنعم عامر ط. مطبعة عيسى البابي
712 (1/712)
صفحة 710
قائمة المصادر والمراجع
الحلبي. 1981 م. -ج 3. تحقيق عبد المنعم عامر، ط. مطبعة الألوان الحديثة. مسقط. 1988. -ج 4، تحقيق الدكتور جبر محمود الفضيلات. 1414 هـ / 1994 م. -ج 5، تحقيق الفضيلات. 1415 هـ / 1995 م. نشر وزارة التراث القومي والثقافة، سلطنة عمان.
الأسنوي، جمال الدين عبد الرحيم بن الحسن. (ت 772 هـ) 62 نهاية السول في شرح منهاج الأصول للبيضاوي. عالم الكتب. بيروت 1982 م. نسخة مصورة عن طبعة المطبعة السلفية ومكتبتها 1345 هـ. الأشعري، أبو الحسن علي بن إسماعيل. (ت 330 هـ).
63
مقالات الإسلاميين. تحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد. ط 2. دار
الحداثة. بيروت، لبنان. 1405 هـ/1985 م. الأصم، عثمان بن أبي عبد الله. (ت 631 هـ)
64
البصيرة. (جزآن). د. ط. نشر وزارة التراث القومي والثقافة سلطنة عمان. الجزء الأول: 1404 هـ / 1984 م. وكتب عليه خطأ الجزء الثاني. والجزء الثاني لم يكتب عليه رقم الجزء. د. ت.
65
كتاب النور. د. ط. مطبعة عيسى البابي الحلبي. نشر وزارة التراث القومي والثقافة سلطنة عمان. 1404 هـ / 1984 م.
66
الباجي، أبو الوليد سليمان بن خلف. (474 هـ)
كتاب الإشارات في الأصول المالِكِيَّة. طبع بهامش الشيخ الهدة السوسي على الورقات للجويني. ط.4. مطبعة التليلي. تونس. 1368 هـ. كتاب المنهاج في ترتيب الحجاج. تحقيق عبد المجيد التركي. نشر: G
67
PARIS P MAISONNEUVE ET LAROSE
1978 م.
68
البخاري، عبد العزيز. (ت 730 هـ)
1307 هـ.
69
كشف الأسرار على أصول البزدوي طبع مكتب الصنائع. د. م.
البَرَّادِي، أبو القاسم بن إبراهيم. (القرن 8 هـ)
الجواهر المنتقاة في إتمام ما أخل به كتاب الطبقات. طبعة حجرية.
المطبعة البارونية القاهرة - د. ت. ابن بركة. أبو عبد الله محمد بن بركة البهلوي (ت ق 4 هـ)
713 (1/713)
صفحة 711
قائمة المصادر والمراجع
70
كتاب الجامع. (مجلدان) حققه وعلق عليه عيسى يحي الباروني. ط.2.
دار الفتح بيروت، لبنان. 1394 هـ/ 1974 م.
71
كتاب التعارف مطابع سجل العَرَب نشر وزارة التراث القومي
والثقافة سلطنة عمان سلسلة تراثنا: 1984.53 م.
72
البسيوي، أبو الحسن علي بن محمد. (ق 5 هـ) جامع أبي الحسن البسيوي (4) مجلدات). نشر وزارة التراث القومي
والثقافة، سلطنة عمان. 1404 هـ / 1984 م. البغدادي، عبد القادر. (ت 429 هـ):
73
74
الفرق بين الفرق. تحقيق لجنة إحياء التراث العربي في دار الآفاق الجديدة. 5. دار الآفاق الجديدة بيروت، لبنان. 1402 هـ / 1982 م.
بن خلفان بن
محمد. (ت 1250 هـ)
البوسعيدي، مهنا كتاب لباب الآثار. (14 مجلدا). تحقيق: عبد الحفيظ شلبي. د. ط. وزارة
التراث القومي والثقافة سلطنة عمان. 1404 هـ / 1984 م.
الله البيضاوي، عبد بن عمر. (ت 685 هـ)
منهاج الأصول. مطبوع مع كتاب الأسنوي نهاية السول. ومناهج العقول للبدخشي. مطبعة محمد علي صبيح وأولاده. بالأزهر، بمصر. د. ت. التلاتي، داود بن إبراهيم، أبو سليمان. (ت 967 هـ) شرح مقدمة التوحيد. تصحيح وتعليق أبو إسحاق إبراهيم اطفيش،
ط.1. القاهرة. 1353 هـ.
التلاتي، عمر بن رَمَضَان الجربي. (ت 1187 هـ)
عمدة المريد لنكتة التوحيد طبع ضمن مجموع. المطبعة الإدراية.
قسنطينة. 1323 هـ
جابر بن زيد. (ت 93 هـ)
من جوابات الإمام جابر بن زيد ترتيب الشيخ سعيد بن خلف الخروصي. د. ط. وزارة التراث القومي والثقافة، سلطنة عمان. 1404 هـ / 1984 م. ابن جزي، محمد بن أحمد بن عبد الله الكلبي الغرناطي (ت 741 هـ) القوانين الفقهية. قام بنشره عبد الرحمن بن حمده اللزام، و محمد
الأمين الكتبي تونس. 1344 هـ/ 1926 م.
714 (1/714)
صفحة 712
الجناوني، أبو زكرياء يحي بن الخير. (القرن 5 هـ)
قمة المصادر والمراجع
80 كتاب الأحكام. بحاشية المصعبي وحاشية السدويكشي. تحقيق: أحمد كروم، وعمر بازين. 1418 هـ/ 1998 م. تحت الطبع.
81
82
كتاب الوضع. نشر وتعليق أبو إسحاق إبراهيم اطفيش. مطبعة
الفجالة الجديدة. القاهرة. د. ت. كتاب الصوم. أعده للنشر سليمان موسى الجناوني، وعلي سالم علوش. ط 2. دار الفتح. بيروت. 1393 هـ.
الجويني، أبو المعالي عبد الملك بن عبد الله بن يوسف. إمام الحرمين.
(ت 478 هـ)
83
البرهان في أصول الفقه. تحقيق د. عبد العظيم محمود الديب. ط 3. دار الوفاء للطباعة والنشر والتوزيع المنصورة، مصر. 1412 هـ/ 1992 م. كتاب الإرشاد إلى قواطع الأدلة في أصول الاعتقاد. حققه وعلق عليه وقدم له وفهرسه د. محمد يوسف موسى علي عبد المنعم عبد الحميد. ط
84
مطبعة السعادة نشر مكتبة الخانجي بمصر. 1369 هـ/ 1950 م.
الجيطالي، إسماعيل بن موسى أبو طاهر. (ت 750 هـ)
قواعد الإسلام. (مجلدان). صححه وعلّق عليه بكلّي عبد الرحمن بن
عمر. ط.1. المطبعة العربية. غرداية. الجزائر. 1976. قناطر الخيرات. (3 مجلدات). ط. حجرية. المطبعة البارونية. القاهرة، د. ت. ابن حزم، أبو محمد علي بن أحمد. (ت 456 هـ) الإحكام في أصول الأحكام. ط.1. دار الآفاق الجديدة. بيروت.
1400 هـ / 1980 م.
المحلى. دار الفكر. بيروت، لبنان. د. ت.
89 الفصل في الملل والأهواء والنحل. دار المعرفة، بيروت، لبنان.
1403 هـ / 1983 م.
مراتب الإجماع. تحقيق لجنة إحياء التراث العربي، ط 3. دار الآفاق
الجديدة. بيروت لبنان. 1402 هـ / 1982 م.
د. ت.
أبو الحسين البصري، محمد بن علي. (ت 436 هـ)
المعتمد في أصول الفقه. د. ط. دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان.
715 (1/715)
صفحة 713
قائمة المصادر والمراجع
92
ابن الحواري. الفضل بن الحواري. (ق 4 هـ)
جامع الفضل بن الحواري. (3) مجلدات) وزارة التراث القومي
والثقافة، سلطنة عمان. 1406 هـ/ 1985 م. ابن الحواري. محمد. (القرن 4 هـ)
93
جامع أبي الحواري. (5 مجلدات) مطابع سجل العرب. وزارة التراث
القومي والثقافة سلطنة عمان. 1405 هـ / 1985 م.
الخراساني، أبو غانم بشر بن غانم (القرن 2 هـ) المدونة الكبرى ترتيب وتحقيق وشرح محمد بن يوسف اطفيش. (مخطوط مصور) دار اليقظة العربية. بيروت. لبنان. 1394 هـ / 1974 م. الخروصي، سعيد بن خلف.
قواعد الشرع في نظم كتاب الوضع د. ط. وزارة التراث القومي
والثقافة، سلطنة عمان. 1403 هـ / 1983 م.
ابن خلدون عبد الرحمن بن محمد. (ت 808 هـ)
المقدمة. د. ط. دار الكتاب اللبناني، ومكتبة المدرسة. بيروت، لبنان. 1982 م.
ابن خلفون، أبو يعقوب يوسف المزاتي. (القرن 6 هـ) أجوبة ابن خلفون تحقيق وتعليق الدكتور عمرو خليفة النامي. ط.1.
دار الفتح. بيروت لبنان. 1394 هـ / 1974 م. الدرجيني. أحمد بن سعيد. (ت. حوالي 670 هـ) حوالي 670 هـ)
طبقات المشائخ بالمغرب. تحقيق إبراهيم طلاي. مطبعة البعث.
قسنطينة. الجزائر. د. ت.
الرازي، عبد الرحمن بن محمد. الحافظ (ت 327 هـ)
طا.
كتاب الجرح والتعديل تصوير دار الكتب العلمية، بيروت عن مطبعة مجلس دائرة المعارف العثمانية. بحيدر أباد الدكن، الهند.
1372 هـ / 1952 م.
الربيع بن حبيب. (أواخر القرن 2 هـ)
الجامع الصحيح. ترتيب أبي يعقوب يوسف بن إبراهيم الوارجلاني.
ط 2. المطبعة السلفية. القاهرة. 1349 هـ.
الربيع بن حبيب ومخلد بن العمرد، ووائل بن أيوب الحضرمي. الرسالة الحجة. تحقيق سليمان بن إبراهيم بابزيز. بحث التخرج، قسم
716 (1/716)
صفحة 714
قائمة المصادر والمراجع
التخصص بمعهد الحياة. القرارة. الجزائر. 1417 هـ/ 1996 م. صورة لدى الباحث. ونسخة مطبوعة: نشر وزارة التراث القومي والثقافة، سلطنة عمان،
2009/ 1430
102
ابن، رشد محمد بن أحمد. (ت 595 هـ)
بداية المجتهد ونهاية المقتصد. ط 3. شركة مكتبة ومطبعة مصطفى البابي
الحلبي. بمصر. 1379 هـ/1960 م.
103. فصل المقال فيما بين الحكمة والشريعة من الاتصال. ط.2. المطبعة
الجمالية بمصر. 1328 هـ/ 1910 م.
الرواحي، أبو مسلم ناصر بن سالم.
104 نثار الجوهر في علم الشرع الأزهر. نسخة مصورة بخط المؤلف. ط حمد بن سالم الرواحي. سلطنة عمان. د. ت.
أبو زكرياء، يحي بن أبي بكر الوارجلاني. (ت 528 هـ)
105 كتاب السيرة وأخبار الأئمة تحقيق عبد الرحمن أيوب. ط.1. المطبعة العربية التونسية. نشر: الدار التونسية للنشر. تونس. 1405 هـ. / 1985 م. السَّالِمِي، عبد الله بن حميد. (ت 1332 هـ / 1914 م) تحفة الأعيان بسيرة أهل عمان طبع وتصحيح وتعليق: أبو إسحاق
106
إبراهيم اطفيش. ط 2. مطبعة الشباب. القاهرة. 1350 هـ.
107
حاشية الجامع الصحيح مسند الربيع بن حبيب. ج 1. مطبعة الأزهار
الرياضية. القاهرة 1326 هـ. = ج 3. صححه وعلق عليه عز الدين التنوخي، المطبعة العمومية بدمشق. 1383 هـ / 1963 م.
108 الحجج المقنعة في أحكام صلاة الجمعة. ط.1. نشر: مكتبة الإمام السالمي، مسقط. سلطنة عمان. 1996 م.
109
110
شرح طلعة الشمس على الألفية. مطبوع مع الطلعة، في جزأين. طلعة الشمس، أرجوزة في أصول الفقه في ألف بيت. ط.2. وزارة
التراث القومي والثقافة سلطنة عمان. 1405 هـ / 1985 م.
111
معارج الآمال على مدارج الكمال (18) مجلدا) تحقيق: محمد محمود إسماعيل. وزارة التراث القومي والثقافة سلطنة عمان. 1403 هـ / 1983 م. السبكي، علي بن عبد الكافي. (ت 756 هـ). وولده عبد الوهاب بن علي. (ت 771 هـ)
717 (1/717)
صفحة 715
قائمة المصادر والمراجع
112
113
*
الإبهاج في شرح المنهاج. تحقيق وتعليق الدكتور: شعبان محمد
إسماعيل. مكتبة الكليات الأزهرية القاهرة. 1401 هـ / 1981 م. أبو ستة. محمد بن عمر، المحشي. (1088 هـ/ 1679 م) حاشية على الجامع الصحيح للربيع بن حبيب. (5 أجزاء). إخراج وتحقيق، إبراهيم محمد طلاي طبع دار البعث قسنطينة. الجزائر. 1994 م. السرخسي، أبو بكر محمد بن أحمد بن أبي سهل. (ت 490 هـ) أصول السرخسي. تحقيق أبو الوفاء الأفغاني. دار المعرفة. بيروت.
114
د. ت.
115
المبسوط. تصنيف الشيخ خليل الميس. دار المعرفة للطباعة والنشر والتوزيع. بيروت، لبنان. 1406 هـ/1986 م.
116
ابن سلام لواب بن سلام بن عمر. (ت بعد 273 هـ / 887 م) بدء الإسلام وشرائع الدين تحقيق فيرنز شفارتز، وسالم بن يعقوب. . طبع دار صادر، بيروت لبنان سلسلة النشرات الإسلامية 33. دار النشر فرانز شتاينر. فيسبادن. ألمانيا. 1406 هـ / 1986 م.
117
السيابي، خلفان بن جميل.
فصول الأصول. د. ط. وزارة التراث القومي والثقافة. سلطنة عمان.
1402 هـ / 1982 م.
سلك الدرر الحاوي غرر الأثر. ط.2. وزارة التراث القومي والثقافة.
سلطنة عمان. 1409 هـ/ 1988 م.
السيوطي، عبد الرحمن بن أبي بكر. (911 هـ)
تدريب الراوي في شرح تقريب النواوي. حققه وراجع أصوله: عبد الوهاب عبد اللطيف. ط.2. دار الكتب الحديثة. القاهرة. 1385 هـ / 1966 م. كتاب الرد على من أخلد إلى الأرض وجهل أن الاجتهاد في كل
فرض المطبعة الثعالبية الجزائر. 1325 هـ/ 1907 م.
ألفية السيوطي في علم الحديث شرح أحمد محمد شاكر. نشر دار المعرفة للطباعة والتوزيع، بيروت، لبنان. دار الباز للنشر والتوزيع، مكة
المكرمة. د. ت.
الشاطبي، أبو إسحاق إبراهيم بن موسى اللخمي. (ت 790 هـ) الموافقات في أصول الشريعة بشرح عبد الله دراز. المكتبة التجارية
718 (1/718)
صفحة 716
قائمة المصادر والمراجع
الكبرى بمصر. د. ت.
الشافعي، محمد بن إدريس. (ت 204 هـ)
الرسالة. تحقيق أحمد محمد شاكر. د. ط. دار الفكر د. م. -
الأم. أشرف على طبعه وتصحيحه، محمد زهدي النجار. دار المعرفة
للطباعة والنشر، بيروت، لبنان د. ت.
الشقصي، خميس بن سعيد بن علي. (ق 10 هـ)
منهج
الطالبين وبلاغ الراغبين. (42 مجلدا). تحقيق سالم بن حمد الحارثي. أعده للطبع وراجعه عبد المنعم عامر. نشر وزارة التراث القومي والثقافة،
سلطنة عمان. 1979 م. السَّماخِي، أحمد بن سعيد، أبو العباس. (ت 928 هـ)
شرح مقدمة التوحيد. تصحيح وتعليق أبو إسحاق إبراهيم اطفيش.
ط.1. القاهرة. 1353 هـ.
كتاب السير. طبعة حجرية. قسنطينة. الجزائر. 1301 هـ.
الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم. (ت 548 هـ):
الملل والنحل. صححه وعلق عليه: الشيخ أحمد محمد فهمي. ط 1.
مكتبة الحسين التجارية. القاهرة. 1368 هـ/ 1948 م.
الشوكاني، محمد بن علي بن محمد. (ت 1255 هـ)
إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق في علم الأصول. طبع إدارة الطباعة
المنيرية مصر. 1347 هـ.
الشيرازي أبو إسحاق إبراهيم بن علي. (ت 476 هـ)
التبصرة. تحقيق د. محمد حسن هيتو دار الفكر، دمشق. سورية. اللمع في أصول الفقه. ط 1. دار الكتب العلمية. بيروت، لبنان.
1405 هـ/1985 م.
المهذب في فقه الإمام الشافعي دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع.
د. ت. د. م.
ابن الصلاح أبو عمرو عثمان بن عبد الرحمن. (ت 643 هـ)
علوم الحديث حققه وخرج أحاديثه وعلق عليه: د. نور الدين عتر.
المكتبة العلمية. بيروت، لبنان. 1401 هـ/ 1981 م. اطفيش امحمد بن يوسف، (ت 1332 هـ / 1914 م)
719 (1/719)
صفحة 717
قائمة المصادر والمراجع 134 جامع الشمل في أحاديث خير الرسل. حقق نصوصه وخرج أحاديثه الدكتور عبد الرحمن عميرة دار الجيل بيروت، لبنان. 1408 هـ / 1988 م. الذهب الخالص المنوّه بالعلم القالص. طبع وتصحيح: أبو إسحاق إبراهيم اطفيش، ط.2. مطبعة البعث. قسنطينة. الجزائر. 1400 هـ/ 1980 م. شرح عقيدة التوحيد. طبعة حجرية. قام بطبعه: الحاج عمر بن الحاج
135
136
إبراهيم. د. م. - د. ت.
137 شرح النيل وشفاء العليل. ط.2. دار الفتح بيروت لبنان.
1393 هـ / 1973 م.
138 شامل الأصل والفرع طبع وتصحيح أبو إسحاق إبراهيم اطفيش،
المطبعة السلفية، القاهرة. 1948 م
139
ابن عاشور محمد الطاهر. (ت 1973 م)
تفسير التحرير والتنوير. الدار التونسية للنشر تونس المؤسسة
الوطنية للكتاب، الجزائر تونس 1984 م.
140
أبو العباس أحمد بن محمد بن بكر الفُرْسُطَائي. (ت 504 هـ) كتاب أبي مسألة حققه وقام بطبعه محمد صدقي واسبع إبراهيم. ط 1. دار البعث قسنطينة. الجزائر. 1404 هـ / 1984 م. القسمة وأصول الأرضين. تحقيق الدكتور محمد ناصر. والأستاذ بكير بالحاج ط.2. نشر جمعية التراث القرارة غرداية. الجزائر.
141
الشيخ
1418 هـ / 1998 م.
ابن عبد الشكور، محب الدين. فواتح الرحموت بشرح مسلم الثبوت طبع بهامش المستصفى. ط.1. المطبعة الأميرية بولاق مصر 1322 هـ نشر: دار صادر. د. م.
عبد الغني عبد الخالق.
1986 م
حجية السنة. نشر المعهد العالمي للفكر الإسلامي، شتوتجارد. ألمانيا.
عبد الوهاب بن عبد الرحمن بن رستم. (ت 250 هـ) مسائل نفوسة. تحقيق وترتيب إبراهيم طلاي. المطبعة العربية، غرداية.
الجزائر. 1991 م.
العراقي، أبو الفضل عبد الرحيم بن الحسين. (ت 806 هـ)
720 (1/720)
صفحة 718
145
قائمة المصادر والمراجع
فتح المغيث بشرح ألفية الحديث. ط 1. طبعه أحمد نشأت، ومحمود سكر. د. م. 1355 هـ / 1937 م.
146
علماء وأئمة عمان.
السير والجوابات تحقيق وشرح الدكتورة سيدة إسماعيل كاشف. طبع دار جريدة عمان. روي. نشر وزارة التراث القومي والثقافة، سلطنة عمان. 1410 هـ/ 1989 م.
147
عمرو بن جميع أبو حفص. (النصف الأول للقرن 8 هـ)
مقدمة التوحيد. تصحيح وتعليق، أبو إسحاق إبراهيم اطفيش، ط.1.
القاهرة. 1353 هـ.
عمروس بن فتح النفوسي. (ت 283 هـ/ 896 م)
148. أصول الدينونة الصافية. تحقيق حاج أحمد كروم. مراجعة مصطفى شريفي، محمد بابا عمي. 1416 هـ / 1995 م. تحت الطبع.
العوتبي، سلمة بن مسلم الصحاري. (القرن 4 هـ)
الضياء. (19 مجلدا) ط 1. استفدنا من الأجزاء الثلاثة الأولى. ج 1: 1411 هـ / 1991 م. ج 2: 1415 هـ / 1991 م. ج 3: 1411 هـ / 1990 م. نشر وزارة التراث القومي والثقافة، سلطنة عمان.
عياض، القاضي أبو الفضل عياض اليحصبي. (ت 544 هـ).
الشفاء بتعريف حقوق المصطفى. دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، د. ت.
الغزالي، أبو حامد محمد بن محمد. (ت 505 هـ)
151. المستصفى من علم الأصول. ط ... المطبعة الأميرية. بولاق، مصر.
1322 هـ. نشر: دار صادر. د. م. المنخول من تحقيقات الأصول. حققه وخرج نصه وعلق عليه: د.
محمد حسن هيتو ط 2. دار الفكر دمشق. 1400 هـ/ 1980 م.
القاسمي، محمد جمال الدين. (ت 1332 هـ / 1914 م)
تفسير القاسمي، المسمى "محاسن" التأويل". ترقيم وتخريج وتعليق: محمد فؤاد عبد الباقي. ط 1. دار إحياء الكتب العربية. عيسى البابي الحلبي وشركاه. مصر. 1379 هـ/ 1959 م.
ابن قتيبة، أبو محمد عبد الله بن مسلم. (ت 276 هـ)
تأويل مختلف الحديث صححه وضبطه محمد زهدي النجار دار
721 (1/721)
صفحة 719
قائمة المصادر والمراجع
الجيل، بيروت، لبنان. 1393 هـ / 1973 م.
155
ابن قدامة، عبد الله أحمد. (ت 620 هـ) بن
روضة الناظر وجُنة المناظر. ط 3. مكتبة المعارف، الرياض.
1404 هـ / 1984 م.
156
المغني. ومعه الشرح الكبير لعبد الرحمن بن محمد بن أحمد المقدسي.
دار الكتاب العربي للنشر والتوزيع بيروت، لبنان. 1403 هـ/ 1983 م. القرافي، أبو العباس أحمد بن إدريس. (ت 684 هـ)
157. شرح تنقيح الفصول. ط 1. مطبعة النهضة، تونس. 1341 هـ. الفروق. د. ط. عالم الكتب. بيروت. د. ت.
158
159
القرطبي، أبو عبد الله محمد بن أحمد الأنصاري (ت 671 هـ)
الجامع لأحكام القرآن تصحيح وتعليق أحمد عبد العليم البردوني،
أبو إسحاق إبراهيم اطفيش. ط 3. دار الكتاب العربي للطباعة والنشر. د. م. 1347 هـ / 1967 م. ابن قيم الجوزية، أبو عبد الله محمد بن أبي بكر. (ت 751 هـ) أعلام الموقعين عن رب العالمين مراجعة وتعليق: طه عبد الرؤوف
160
سعد. دار الجيل. بيروت، لبنان. 1973 م.
161
الكاساني، علاء الدين أبو بكر بن مسعود. (ت 587 هـ). بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع. ط 1. مطبعة شركة المطبوعات
العلمية. بمصر. 1327 هـ.
ابن كثير، أبو الفداء عماد الدين. (ت 774 هـ).
الباعث الحثيث شرح اختصار علوم الحديث. شرح أحمد محمد شاكر. تعليق: ناصر الدين الألباني. حققه وتمم حواشيه: علي بن حسن بن علي الحلبي: ط 1. مكتبة المعارف للنشر والتوزيع الرياض. 1417 هـ / 1997 م. الكدمي، أبو سعيد محمد بن سعيد. (القرن 4 هـ)
المعتبر. (4 مجلدات) تحقيق محمد أبو الحسن ط. دار جريدة عمان
للصحافة والنشر. رُوي نشر وزارة التراث القومي والثقافة، سلطنة عمان. ج 1،2: 1405 هـ / 1984 م. - ج 2،3: 1405 هـ/ 1985 م.
الاستقامة. (3 مجلدات). تحقيق محمد أبو الحسن. ط. دار جريدة عمان
للصحافة والنشر. رُوي نشر وزارة التراث القومي والثقافة سلطنة عمان.
722 (1/722)
صفحة 720
1405 هـ/ 1985 م.
165
قائمة المصادر والمراجع
الكندي، أبو بكر أحمد بن موسى النزوي. (ت 557 هـ / 1162 م) المصنف. المجلد الأول (ج 1 - 2) تحقيق عبد المنعم عامر. طبع مطبعة
عيسى البابي الحلبي. نشر وزارة التراث القومي والثقافة، سلطنة عمان. د. ت. والكتاب يقع في 42 مجلدا.
166
الكندي، محمد بن إبراهيم. (ت 508 هـ)
بيان الشرع طبع منه 62 جزءا. بين سنتي: 1404 - 1414 هـ / 1984 - 1993 م. نشر وزارة التراث القومي والثقافة، سلطنة عمان.
المالكي، عامر بن خميس.
167
موارد الألطاف بنظم مختصر العدل والإنصاف. وزارة التراث القومي
والثقافة، سلطنة عمان. 1405 هـ/1985 م.
168
مجهول.
كتاب المعلقات في أخبار وروايات أهل الدعوة دراسة وتحقيق: سليمان بن إبراهيم بابزيز. بحث التخرج من قسم التخصص في الشريعة. معهد الحياة. القرارة. الجزائر. 1418 هـ / 1998 م. مصور بحوزة الباحث. المحاسبي، الحارث بن أسد. (ت 243 هـ)
169
العقل وفهم القرآن تحقيق د. حسين قوتلي، ط.3. دار الكندي -
دار الفكر. د. م. 1403 هـ / 1983 م. المرغيناني أبو الحسن علي بن أبي بكر الرشداني (ت 593 هـ) 170. الهداية بشرح بداية المبتدي. ط 1. دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان.
1410 هـ / 1990 م.
المصعبي، أبو يعقوب يوسف بن محمد. (ت 1188 هـ).
حاشية المصعبي على أصول الدين لتبغورين. دراسة وتحقيق، حمو بن عيسى الشيهاني دبلوم الدراسات العليا في العقيدة والأديان. جامعة محمد الخامس. كلية الآداب والعلوم الإنسانية الرباط. 1415–16 هـ / 1994 - 95 م. النسفي، أبو البركات عبد الله أحمد. (ت 710 هـ) بن
كشف الأسرار، شرح المصنف على المنار. ط 1. دار الكتب العلمية،
بيروت، لبنان. 1406 هـ/1986 م
ابن النظر، أبو بكر أحمد القرن 5 هـ)
723 (1/723)
صفحة 721
قائمة المصادر والمراجع
173 الدعائم بشرح ابن وصاف (جزءان) نشر وزارة التراث القومي والثقافة سلطنة عمان. 1982 م.
الهجاري. أبو زكرياء يحي بن سعيد. (القرن 5 هـ)
174. الإيضاح في الأحكام. (4) مجلدات) تحقيق محمد محمود إسماعيل. مطابع سجل العَرَب. نشر وزارة التراث القومي والثقافة، سلطنة عمان.
1404 هـ / 1984 م. الوار جلاني، أبو يعقوب يوسف بن إبراهيم. (ت 570 هـ)
175. الدليل والبرهان (مجلدان). تحقيق الشيخ سالم بن حمد الحارثي. د. ط. نشر وزارة التراث القومي والثقافة سلطنة عمان. 1403 هـ / 1983 م. وثمة طبعة حجرية بالمطبعة البارونية، القاهرة. 1306 هـ. و نسخة مرقونة بتحقيق ودراسة صالح بوسعيد في رسالة دكتوراه الحلقة الثالثة بالكلية الزيتونية بتونس. (صورة لدى الباحث). العدل والإنصاف في معرفة أصول الفقه والاختلاف. (400 صفحة).
176
تحقيق الدكتور عمرو خليفة النامي. صورة لدى الباحث
ابن، وصاف، محمد بن وصاف العماني. (ق 6 هـ) شرح الدعائم لابن النظر. الجزء الأول. تحقيق: عبد المنعم عامر. مطبعة عيسى البابي الحلبي، مصر. نشر وزارة التراث القومي والثقافة، سلطنة
177
عمان. 1982 م. يغلا بن، زلتاف أبو خزر. (ت 380 هـ)
178. الرد على جميع المخالفين. (77 صفحة تحقيق الدكتور عمرو خليفة
النامي. صورة لدى الباحث.
179
خامسا: المراجع أحمد فريد.
وقفات تربوية مع السيرة النبوية دار طيبة للنشر والتوزيع.
1417 هـ / 1997 م.
180
ابن الأثير أبو السعادات مبارك بن محمد بن الأثير. (ت 544 هـ). جامع الأصول من أحاديث الرسول. حققه محمد حامد الفقي. ط 3.
دار إحياء التراث العربي. بيروت، لبنان. 1402 هـ / 1983 م. ازفلد كولبه OSWALD KULPE
724 (1/724)
صفحة 722
181
قائمة المصادر والمراجع
المدخل إلى الفلسفة. ترجمة أبو العلا عفيفي. نشر لجنة التأليف والترجمة
والنشر. ط 4. القاهرة. 1961 م.
182
1969
183
ا. س. رابوبرت.
مبادئ الفلسفة ترجمة أحمد أمين دار الكتاب العربي، بيروت، لبنان.
الألباني، ناصر الدين.
إرواء الغليل في تخريج أحاديث منار السبيل المكتب الإسلامي. بإشراف زهير الشاويش ط 2،بيروت، دمشق. 1405 هـ/1985 م. باجو مصطفى بن صالح. (معاصر)
184
أبو يعقوب الوَارِجلاني وفكره الأصولي. (رسالة ماجستير، جامعة الأمير عبد القادر للعلوم الإسلامية. (قسنطينة). ط.1. وزارة التراث القومي والثقافة، سلطنة عمان. 1415 هـ/ 1995 م. منهج الاجتهاد عند الشيخ إبراهيم بيوض. مجلة الحياة. ع 1. معهد
185
الحياة، القرارة. الجزائر. رَمَضَان 1418 هـ / 1998 م. ص 17 - 40. 186. المنهج العلمي لدراسة أصول الفقه (3 حلقات) مجلة النهضة. (أسبوعية جامعة) دار النهضة للنشر والتوزيع مسقط. عمان. عدد: 858، 21 رمضان 1418 هـ / 20 يناير 1998 م. =ع 859، 6 شوال 1418 هـ/ 3 فبراير 1998 م. ع 860، 13 شوال 1418 هـ/ 10 فبراير 1998 م. الباروني، سليمان بن عبد الله. (ت 1940 م)
الأزهار الرياضية في أئمة وملوك الإباضية. ج 2. المطبعة البارونية.
القاهرة. د. ت.
ابن بدران، عبد القادر الدمشقي. (ت 1346 هـ)
188. المدخل إلى مذهب الإمام أحمد بن حنبل. صححه وقدم له وعلق د. عبد الله بن عبد المحسن التركي. ط 2. مؤسسة الرسالة. بيروت.
عليه
1401 هـ / 1981 م.
بدوي، د. إبراهيم عبد العزيز. (معاصر)
دور المدرسة الإباضية في الفقه والحضارة الإسلامية. نشر ضمن أعمال "ندوة الفقه الإسلامي" المنعقدة بجامعة السلطان قابوس. بمسقط. في شعبان 1408 هـ / أفريل 1988 م. ط.1. وزارة العدل والشؤون الإسلامية،
725 (1/725)
صفحة 723
قائمة المصادر والمراجع
سلطنة عمان. 1410 هـ/ 1990 م. البغا، د. مصطفى ديب. (معاصر)
190
أثر الأدلة المختلف فيها في الفقه الإسلامي د. ط. دار الإمام البخاري
للطباعة والنشر والتوزيع. دمشق. د. ت.
بكوش، يحي محمد. (معاصر)
فقه الإمام جابر بن زيد ط 2. المطبعة العربية غرداية، الجزائر.
1408 هـ / 1988 م.
السنة عند الإباضية. بحث غير مطبوع بحوزة الباحث.
البوطي،، د. محمد سعيد رمضان. (معاصر)
193 ضوابط المصلحة في الشريعة الإسلامية. ط 4. مؤسسة الرسالة.
بيروت، لبنان. 1402 هـ / 1982 م.
السلفية. مرحلة زمنية مباركة لا مذهب إسلامي. ط.1. دار الفكر.
دمشق. 1408 هـ/ 1988 م.
فقه السيرة النبوية. طبعة دار رحاب الجزائر. كبرى اليقينيات الكونية. ط 8. دار الفكر، دمشق. سورية. 1985 م.
بيوض إبراهيم بن عمر. (ت 1981 م)
في رحاب القرآن. ج 6. تفسير سورة النور. تحرير عيسى محمد الشيخ بالحاج. ط المطبعة العربية غرداية الجزائر. نشر: جمعية التراث. القرارة.
الجزائر. 1419 هـ/ 1998 م.
التركي، د. عبد المجيد. (معاصر)
مناظرات في أصول الشريعة الإسلامية بين ابن حزم والباجي. ترجمة
وتحقيق د. عبد الصبور شاهين. ط.1. دار الغرب الإسلامي. بيروت، لبنان.
1406 هـ/1986 م.
د. ت.
ابن تيمية أبو العباس أحمد. (ت 728 هـ)
كتاب الرد على المنطقيين. دار المعرفة للطباعة والنشر، بيروت، لبنان.
التيواجني، مهني بن عمر. (معاصر)
دراسة وتحقيق شرح مختصر العدل والإنصاف للشماخي. دكتوراه الحلقة الثالثة، الجامعة الزيتونية معهد الشريعة تونس. 1411 هـ/ 1990 م.
726 (1/726)
صفحة 724
قمة المصادر والمراجع
(772 ص). صورة لدى الباحث. الجابري، علي حسين (معاصر)
201
الفكر السلفي عند الشيعة الاثنا عشرية. ط.1. منشورات عويدات.
بيروت. باريس. 1977 م.
الجابري، محمد عابد. (معاصر)
بنية العقل العربي. دراسة تحليلية لنظم المعرفة في الثقافة العربية. ط.3. مركز دراسات الوحدة العربية. بيروت، لبنان. 1990 م.
202
الفقه والعقل والسياسة. مجلة الفكر العَرَبي المعاصر. ع 24 شباط
1983 م. مركز الإنماء العربي. بيروت. الجعبيري، فرحات بن علي. (معاصر)
203
البعد الحضاري للعقيدة عند الإباضية. طبع: المطبعة العربية. غرداية. نشر: جمعية التراث، القرارة. الجزائر. 1991 م.
أعمال
دور المدرسة الإباضية في الفقه والحضارة الإسلامية. نشر ضمن "ندوة الفقه الإسلامي" المنعقدة بجامعة السلطان قابوس بمسقط. في شعبان 1408 هـ / أفريل 1988 م. ط.1. وزارة العدل والشؤون الإسلامية،
سلطنة عمان. 1410 هـ/ 1990 م.
جمعية التراث. لجنة البحث العلمي.
معجم أعلام الإباضية قسم المغرب،.ط 1. المطبعة العربية، غرداية،
الجزائر، 1999 م ابن الجوزي عبد الرحمن.
كتاب الموضوعات ضبط وتقديم وتحقيق عبد الرحمن محمد عثمان. ط 2. دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع. 1403 هـ / 1983 م. الحارثي، سالم بن حمد بن سليمان. (معاصر)
العقود الفضية في أصول الإباضية. وزارة التراث القومي والثقافة،
سلطنة عمان. 1403 هـ / 1983 م.
حسب الله على.
1964
أصول التشريع الإسلامي. ط.3. دار المعارف بمصر. 1383 هـ /
خالد بابكر. (معاصر)
727 (1/727)
صفحة 725
قائمة المصادر والمراجع
209
الباعث وأثره في التصرفات والعقود. رسالة ماجستير، جامعة الأمير عبد القادر للعلوم الإسلامية قسنطينة. 1414 هـ / 1994 م. صورة لدى
الباحث.
210
الخضري، محمد. (معاصر)
أصول الفقه. ط.1. المطبعة الجمالية بمصر. 1329 هـ. 211. تاريخ التشريع الإسلامي. ط 4. المكتبة التجارية الكبرى، بمصر.
1353 هـ / 1934 م. الخطيب البغدادي. أبو بكر أحمد بن علي. (ت 463 هـ)
212 تاريخ بغداد أو مدينة السلام المكتبة السلفية. المدينة المنورة. د. ت. خلاف، عبد الوهاب. (ت 1956 م)
213
علم أصول الفقه. ط.1. في الجزائر. نشر: الزهراء للنشر والتوزيع.
الجزائر. 1990 م.
214
مصادر التشريع الإسلامي فيما لا نص فيه. ط 4. دار القلم. الكويت.
1398 هـ / 1978 م. الخليلي، أحمد. (معاصر)
215
216
بمسقط.
الحق الدامغ. ط.1. - د. ن. - مسقط، سلطنة عمان. 1409 هـ. مقابلة خاصة مع الشيخ أحمد الخليلي المفتي العام لسلطنة عمان بمكتبه يوم ا رمضان 1471 هـ / 10 يناير 1997 م. تسجيل المقابة لدى الباحث. دبوز، محمد علي. (ت 1981 م) تاريخ المغرب الكبير. ج 1. ط.1. مطبعة عيسى البابي الحلبي. القاهرة. 1384 هـ / 1964 م. - ج 2،3. 1383 هـ / 1963 م.
نهضة الجزائر الحديثة وثورتها المباركة. ج 1. المطبعة التعاونية. دمشق.
1385 هـ / 1965 م. الدريني، د. فتحي. (معاصر) المناهج الأصولية في الاجتهاد بالرأي في التشريع الإسلامي. ط.2.
الشركة المتحدة للتوزيع دمشق. 1405 هـ / 1985 م. الذهبي، محمد بن أحمد عثمان. (ت 748 هـ) بن
ميزان الاعتدال في نقد الرجال. تحقيق علي محمد البجاوي. دار المعرفة.
بيروت. لبنان. د. ت.
728 (1/728)
صفحة 726
قائمة المصادر والمراجع
221
الراشدي، مبارك بن عبد الله. (معاصر)
نشأة التدوين للفقه واستمراره عبر العصور. نشر ضمن أعمال "ندوة الفقه الإسلامي" المنعقدة بجامعة السلطان قابوس بمسقط. في شعبان 1408 هـ / أفريل 1988 م. ط.1. وزارة العدل والشؤون الإسلامية، سلطنة عمان. 1410 هـ / 1990 م. ابن رشد محمد بن أحمد. (ت 595 هـ)
222
بداية المجتهد ونهاية المقتصد. ط 3. مكتبة ومطبعة مصطفى البابي
الحلبي، بمصر. 1379 هـ/1960 م.
223
د. إسماعيل يحي رضوان.
عدد 6.
224
شواذ القياس. مجلة الموافقات. المعهد الوطني لأصول الدين الجزائر.
الريسوني، أحمد. (معاصر)
نظرية المقاصد عند الإمام الشاطبي. نشر المعهد العالمي للفكر الإسلامي، سلسلة الرسائل الجامعية. 1. ط.1. المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع بيروت. لبنان. 1412 هـ / 1992 م.
الزحيلي، د. وهبة. (معاصر)
أصول الفقه الإسلامي. نشر: دار الفكر الجزائر. دار الفكر، دمشق.
الجزائر 1992 م.
الفقه الإسلامي وأدلته ط 1. دار الفكر، دمشق. 1404 هـ / 1984 م.
الزرقاء، أحمد. (ت 1357 هـ/ 1938 م)
شرح القواعد الفقهية نشره وراجعه وصححه، عبد الستار أبو غدة. دار الغرب الإسلامي بيروت. 1403 هـ / 1983 م. الزرقاء مصطفى أحمد. (معاصر)
المدخل الفقهي العام. ط 9. دار الفكر، دمشق. 1967/ 1968 م.
الزركلي، خير الدين.
الأعلام. قاموس تراجم لأشهر الرجال والنساء. ط 7. دار العلم
للملايين. بيروت. لبنان. 1986 م.
أبو زهرة. محمد.
تاريخ المذاهب الإسلامية. ج 1 في السياسة والعقائد ج 2 في تاريخ
729 (1/729)
صفحة 727
قائمة المصادر والمراجع
المذاهب الفقهية دار الفكر العربي. د. م.
231
زيدان د. عبد الكريم. (معاصر)
الوجيز في أصول الفقه الإسلامي. دار النذير للطباعة والنشر
والتوزيع. بغداد. 1382 هـ / 1962 م.
السالمي، عبد الله بن حميد. (ت 1332 هـ / 1914 م)
232. اللمعة المرضية من أشعة الإباضية. ضمن مجموع: ستة كتب. د. م.- د. ت. السايس، محمد علي. (معاصر)
233 تاريخ الفقه الإسلامي د. ط. مكتبة ومطبعة محمد علي صبيح
وأولاده، ميدان الأزهر. د. ت.
السباعي، د. مصطفى. (معاصر)
السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي دار العروبة. القاهرة.
1380 هـ / 1961 م.
د. سعد زغلول عبد الحميد (معاصر)
تاريخ المغرب الكبير. ج 2. منشأة المعارف، الإسكندرية. 1979 م. السعدي، جابر بن علي بن حمود. (معاصر). ابن بركة وآراؤه الأصولية. رسالة ماجستير. الجامعة الأردنية. كلية
الشريعة. 1994 م. صورة لدى الباحث.
سهير القلماوي.
أدب الخوارج في العصر الأموي. مطبعة لجنة التأليف والترجمة
والنشر. 1945 م.
د شعبان محمد إسماعيل.
أصول الفقه، تاريخه ورجاله. ط 1. دار المريخ للنشر. الرياض.
1401 هـ / 1981 م.
الشكعة د. مصطفى (معاصر)
إسلام بلا مذاهب. دار القلم، د. م. 1961. - إسلام بلا مذاهب ط 10. الدار المصرية اللبنانية. القاهرة 1414 هـ / 1994 م.
الشنقيطي، محمد الأمين.
مذكرة أصول الفقه الدار السلفية. الجزائر. د. ن.- د. ت الشهرستاني، أبو الفتح محمد بن عبد الكريم. (ت 548 هـ)
730 (1/730)
صفحة 728
241
قائمة المصادر والمراجع
الملل والنحل. صححه وعلق عليه الشيخ أحمد فهمي محمد ط.1.
مكتبة الحسين التجارية. القاهرة. 1368 هـ/ 1948 م.
د. صابر طعيمة. (معاصر)
الإباضية عقيدة ومذهبا د. ط.
1406 هـ/1986 م.
الصابوني، محمد علي. (معاصر)
دار الجيل، بيروت.
روائع البيان في تفسير آيات الأحكام. ط 1. مكتبة الغزالي، دمشق.
مؤسسة مناهل العرفان، بيروت. 1400 هـ / 1980 م. الصوافي، د. صالح بن أحمد. (معاصر)
244 الإمام جابر بن زيد وآثاره في الدعوة. (رسالة ماجستير، جامعة الأزهر). 2.5 وزارة التراث القومي والثقافة، سلطنة عمان.
1409 هـ / 1989 م.
ابن عاشور، محمد الطاهر. (ت 1973 م)
اليس الصبح بقريب. الشركة التونسية للتوزيع. تونس. 1967 م. تفسير التحرير والتنوير. الدار التونسية للنشر، تونس - المؤسسة
الوطنية للكتاب، الجزائر. 1984 م. د. عبد الأمير الأعسم. (معاصر)
الفيلسوف الغزالي، إعادة تقويم لمنحى تطوره الروحي. ط.2. دار
الأندلس. بيروت، لبنان. 1981 م.
عبد الحليم الجندي:
الإمام الشافعي ناصر السنة وواضع الأصول. ط 3. دار المعارف.
مصر. 1984 م.
د. عبد الحليم محمود.
التفكير الفلسفي في الإسلام. ط.3. مكتبة الأنكلو المصرية القاهرة.
1387 هـ / 1968 م.
د. عبد الحميد مدكور. (معاصر)
المنهج في علم أصول الفقه ضمن أعمال: ندوة قضايا المنهجية في
الفكر الإسلامي المعهد العالمي للفكر الإسلامي. عبد الرحمن أبو بكر المصطلح. (معاصر)
731 (1/731)
صفحة 729
قائمة المصادر والمراجع
251
الإباضية عقيدة وفكرا. رسالة ماجستير كلية أصول الدين. جامعة بن سعود الإسلامية الرياض. 1402 هـ / 1982 م. صورة بمكتبة
الإمام محمد
الحاج سعيد محمد غرداية. الجزائر.
د عبد الستار الراوي. (معاصر)
252 العقل والحرية. دراسة في فكر القاضي عبد الجبار المعتزلي. ط.1. المؤسسة العربية للدراسات والنشر بيروت. 1400 هـ/ 1980 م.
عبد العظيم عبد السلام شرف الدين (معاصر)
ابن قيم الجوزية، عصره ومنهجه وآراؤه في الفقه والعقائد والتصوف.
ط.3. دار القلم الكويت. 1405 هـ/1985 م.
عبد اللطيف شرارة (معاصر)
ابن حزم، رائد الفكر العلمي. د. ط. المكتب التجاري للطباعة والنشر
والتوزيع. بيروت. د. ت.
د. عبد المجيد النجار (معاصر)
1985 م.
المهدي بن تومرت. ط.1. دار الغرب الإسلامي، بيروت، لبنان.
د. عبد الوهاب إبراهيم أبو سليمان (معاصر) الفكر الأصولي. دراسة تحليلية نقدية. ط.2. دار الشروق. جدة.
1404 هـ / 1984 م.
منهج البحث في الفقه الإسلامي. ط.1. المكتبة المكية. مكة المكرمة، السعودية - دار ابن حزم بيروت، لبنان. 1416 هـ/ 1996 م. العدالي، سالم. (معاصر)
البَرادِي، حياته وآثاره. دكتوراه الحلقة الثالثة. الجامعة الزيتونية. الكلية الزيتونية للشريعة وأصول الدين 1402 هـ / 1982 م. (بحث مرقون).
أبو العلا عفيفي. (معاصر)
المنطق التوجيهي. لجنة التأليف والترجمة والنشر. القاهرة. 1951 م.
العلواني، د. طه جابر فياض. (معاصر)
أصول الفقه الإسلامي، منهج بحث ومعرفة. المعهد العالمي للفكر
الإسلامي. سلسلة محاضرات 1،2،3. نشر دار الهدى للطباعة والنشر والتوزيع. عين مليلة، الجزائر. د. ت.
732 (1/732)
صفحة 730
قئمة المصادر والمراجع
أصول التشريع الإسلامي. ط 6. دار الفكر العربي، القاهرة.
علي حسب
الله
1402 هـ / 1982 م.
علي جواد الطاهر.
منهج البحث الأدبي. ط 3 المؤسسة العربية للدراسات والنشر.
بيروت، لبنان. 1979 م.
علي يحي معمر. (ت 1980 م)
263. الإباضية. دراسة مركزة في أصولهم وتاريخهم. المطبعة العربية. غرداية.
الجزائر. 1985 م.
الإباضية في موكب التاريخ الحلقة 1. نشأة المذهب الإباضي. ط.1. مطابع دار الكتاب العربي مصر. نشر: مكتبة وهبة. القاهرة. 1964 م. الإباضية بين الفرق الإسلامية. ضمن كتاب المقالات في القديم
والحديث ط.1. مكتبة وهبة. القاهرة. 1396 هـ/ 1976 م.
عمر بن الحاج محمد صالح با. (معاصر)
دراسة في الفكر الإباضي. (رسالة ماجستير، جامعة هلال نهرو بالهند تقديم وتعليق أحمد بن سعود السيابي. ط. 1. - د. ن. مسقط، عمان.
1407 هـ/1986 م. د. عمار طالبي (معاصر).
آراء الخوارج الكلامية دراسة وتحقيق الموجز لأبي عمار عبد الكافي. مطابع الشروق بيروت نشر الشركة الوطنية للنشر والتوزيع الجزائر.
1398 هـ/ 1978 م.
268
د. عوض محمد خليفات. (معاصر)
نشأة الحركة الإباضية. مطابع دار الشعب. عمان. 1978 م. الأصول التاريخية للفرقة الإباضية. ط.2. سلسلة تراثنا عدد 27. نشر
وزارة التراث القومي والثقافة، سلطنة عمان. د. ت.
الغزالي، محمد. (ت 1996 م)
السنة النبوية بين أهل الفقه وأهل الحديث. ط.1. دار الصديقية
للنشر، حسين داي الجزائر. 1410 هـ/ 1989 م.
د. فؤاد سركين. (معاصر)
733 (1/733)
صفحة 731
قائمة المصادر والمراجع
تاريخ التراث العربي. ترجمة د. محمود فهمي حجازي، و د. فهمي
أبو الفضل الهيئة المصرية العامة للكتاب. القاهرة. 1977 م. القرضاوي، د. يوسف. (معاصر)
كيف نتعامل مع السنة النبوية، معالم وضوابط. د. ط. د. ن. - د. م. د. ت.
القنوبي. سعيد بن مبروك. (معاصر)
273 الإمام الربيع بن حبيب مكانته ومسنده ط.1. مكتبة الضامري للنشر والتوزيع. مسقط، سلطنة عمان. 1416 هـ/ 1995 م.
السيف الحاد في الرد على من أخذ بأحاديث الآحاد في الاعتقاد. ط.3.
مطابع النهضة، سلطنة عمان. 1418 هـ.
الكباوي، أبو القاسم عمر بن مسعود. (معاصر)
275 الربيع بن حبيب محدثا وفقيها. (رسالة ماجستير، كلية التربية، جامعة الفاتح، طرابلس) المطبعة العربية. غرداية. 1994 م.
مالك بن نبي. (ت 1973 م)
الظاهرة القرآنية. ترجمة عبد الصبور شاهين دار الفكر. د. م. - د. ت.
الماوردي، أبو الحسن علي بن محمد. (ت 450 هـ)
277 الأحكام السلطانية دار الكتب العلمية. بيروت، لبنان. د. ت.
مجمع اللغة العربية، القاهرة.
المعجم الفلسفي. الهيئة العامة لشؤون المطابع الأميرية. القاهرة.
1979/ 1399
د. محمد أديب صالح. (معاصر)
تفسير النصوص في الفقه الإسلامي. ط.3. المكتب الإسلامي،
بيروت. دمشق. 1404 هـ / 1984 م. محمد حسان كسبة (معاصر)
الإباضية وعقيدتهم. رسالة دكتوراه كلية أصول الدين، جامعة الأزهر. 1399 هـ/ 1979 م. صورة بمكتبة الحاج سعيد محمد. غرداية. الجزائر.
د. محمد رواس قلعجي.
موسوعة فقه عمر بن الخطاب. ط 4. دار النفائس. بيروت، لبنان.
1409 هـ / 1989 م.
محمد السعيد بن بسيوني زغلول.
734 (1/734)
صفحة 732
قائمة المصادر والمراجع
موسوعة أطراف الحديث النبوي الشريف. ط 1. عالم التراث للطباعة
والنشر. بيروت. 1410 هـ/ 1990 م. د. محمد عجاج الخطيب (معاصر)
السنة قبل التدوين. ط.2. دار الفكر للنشر والتوزيع. بيروت، لبنان.
1400 هـ / 1980 م.
د. محمود حامد عثمان (معاصر)
قاعدة سد الذرائع وأثرها في الفقه الإسلامي. ط 1. دار الحديث،
القاهرة. 1417 هـ/ 1996 م.
م روزنتال. و ب. يودين.
1981 م.
الموسوعة الفلسفية. ترجمة سمير كرم. ط 4. دار الطليعة، بيروت.
الملا علي القاري، نورالدين علي بن محمد.
الأسرار المرفوعة في الأخبار الموضوعة. حققه وعلق عليه وشرحه: محمد بن لطفي الصباغ. ط 2. المكتب الإسلامي. بيروت، دمشق.
1406 هـ / 1986 م.
شرح شرح نخبة الفكر؛ تحقيق عبد الفتاح أبو غدة؛ نشر دار الأرقم؛
بيروت؛ لبنان؛ د. ت.
ابن منظور، محمد بن علي بن أحمد. (ت 711 هـ)
لسان العَرَب المحيط. إعداد وتصنيف يوسف خياط دار لسان
العَرَب. بيروت، لبنان. د. ت.
د. نادية شريف العمري.
الاجتهاد في الإسلام. ط 3 مؤسسة الرسالة. بيروت، لبنان.
1406 هـ / 1986 م.
النامي، د. عمرو خليفة النامي. (معاصر)
ملامح عن الحركة العلمية بوارجلان ونواحيها منذ انتهاء الدولة
الرستمية حتى أواخر القرن السادس الهجري. ضمن أعمال الملتقى ال 11 للفكر الإسلامي، بورقلة. صفر 1397 هـ / فبراير 1977 م. ط. مطبعة
البعث، قسنطينة. نشر: وزارة الشؤون الدينية. الجزائر .. 1984 م.
ابن النديم.
735 (1/735)
صفحة 733
قائمة المصادر والمراجع
291 الفهرست المكتبة التجارية الكبرى بمصر. د. ت.
النشار، د. على سامي النشار.
292 مناهج البحث عند مفكري الإسلام. ط.1. دار الفكر العربي. القاهرة.
1367 هـ / 1947 م. النمر، د. عبد المنعم.
293. الاجتهاد. ط.1. دار الشروق. القاهرة بيروت. 1406 هـ/1986.
294 الهندي، علاء الدين علي المتقي بن حسام الدين. (ت 975 هـ)
كنز العمال ضبطه وشرحه الشيخ بكري حبّاني. صححه ووضع فهارسه ومفتاحه الشيخ صفوة السقا. مؤسسة الرسالة بيروت.
1413 هـ / 1993 م.
295 ولتَن، مصطفى بن الناصر.
آراء الشيخ امحمد بن يوسف اطفيش العقدية. جمعية التراث. القرارة.
الجزائر. 1417 هـ/ 1996 م.
رابعا: المراجع الأجنبية
AMR KHALIFA ENNAMI
, 296. Studies in Ibadism. A thesis submitted to the University of Cambridge for the degree of Doctor of Philosophy. Cambridge. May, 1971.
297. A Discreption Of new Ibadi manuscripts from north Africa. Jornal of semetic studies. vol: 15. N:1. Spring 1970. Pp,63 - 87.
G. SHASHT,
298. Bibliotheques et Manuscrits Abadites. Revue Africaine (tome 100) Alger 1956. Pp. 375 - 398.
D. Josef Vanees.
299. Recherches sur quelques manuscrits Ibadites. Traduit de l'Allemand au Francais par Bammoun Mustapha . Melika. Ghardaia.
ZYGMUNT SMOGORZEWSKI.
300. Apercu general des ecrirs Abadites pp. 23 - 27. ZRODLA ABADYCKIE BO HISTORJI ISLAMU. (WZARYSIE) LWOW. WARSZAWA-KRAKOW. 1926.
301. Essai de Bio-bibliographi Ibadite-Wahbite; Avant-propos. Article dans "ROCZNIK RJENTALISTYCZNY". Tome 5. (1927) pp.45 - 57.
736 (1/736)
صفحة 734
خامسا: الأقراص المدمجة CD
قائمة المصادر والمراجع
برنامج مصحف المدينة النبوية؛ إصدار مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف المدينة المنورة، الإصدار الأول.
302
303
برنامج "الجامع للحديث النبوي". ويضم معظم مصادر السنة النبوية
من الصحاح والسنن والمسانيد، وعددها 401 مصدر، ضمت 745 521 حديثا). إصدار 1.2 شركة رواية إيجيكوم للبرمجيات. مصر).
8000008
737 (1/737)
صفحة 735
الفَهَارِس (1/739)
صفحة 736
? 156,144 .. 625 ....... 423 فهرس الآيات القرآنية فهرس الآيات القرآنية سورة البقرة ذلِكَ الْكِتَبُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ} [البقرة: 2] الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَشا} [البقرة: 22] فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ} [البقرة: 22] وإن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّن مِثْلِهِ، وَأَدْعُوا شُهَدَاءَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ صَدِقِينَ} [البقرة: 23]. وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [البقرة: 29] وَعَلَمَ ءَادَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَهَا} [البقرة: 31]. وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الكفرين} [البقرة: 34] وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ [البقرة: 34] ............ وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَيْكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ} [البقرة: 34]. وَقُلْنَا يَتَادَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا نَقْرَبَا هَذِهِ الشجرة فتكونا مِنَ الظَّالِمِينَ} [البقرة: 35]. وَأَقِيمُوا الصَّلوةَ} [البقرة: 43]. إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تَذْبَحُوا بَقَرَةً} [البقرة: 67] .... 149 ...... 404 ...... 326 .. 401 417 ......... 452 ........ 447 .... 518 .......... 370 ............ يَسْمَعُونَ كَلَمَ اللهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} [البقرة: 145 ........... 577,567. [75 ما ننسخ مِنْ ءَايَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قدِيرُ} [البقرة: 106] وَكَذَلِكَ جَعَلْنَكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا} [البقرة: 143]. 588,224 ..... 740 (1/740)
صفحة 737
فهرس الآيات القرآنية وَكَذَلِكَ جَعَلْنَكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ} [البقرة: 143] ........... 225 قَد نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَهَا} [البقرة: 144] ...... 607,573 فَوَلِ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} [البقرة: 144] إنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَفِ الَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِن مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُل دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَا يَتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} [البقرة: 164] وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ ءَابَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ اباؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ} [البقرة: 170] 567 .......... 127. 676 ................ 329 ........ فَمَنِ اضْطُرَ غَيْرَ بَاغِ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ} [البقرة: 173]. وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَوَةٌ يَتأُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة: 179] .......... 149 وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَوةٌ يَتأُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة: 18] .......... 333 كتبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ} [البقرة: 180] .... فمن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} [البقرة: 184] ... فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} [البقرة: 185] يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْمُسْرَ} [البقرة: 185]. أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ القِيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَا بِكُمْ} [البقرة: 187] وكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُرُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ} [البقرة: [187 ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى الَّيْلِ} [البقرة: 187]. وَلَا تُبَشِرُوهُنَّ وَأَنتُمْ عَلَكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ} [البقرة: 187] ...... وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ} [البقرة: 191] فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَأَعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ} [البقرة: 194] 565 .... 372. 567 ........ 629 ............... 541 ............ 375 ........... 394,390 ............. 241 ......... 692. 287 .. 741 (1/741)
صفحة 738
فهرس الآيات القرآنية فتن كان منكُم مَّرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِّن رَأْسِهِ، فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكِ} [البقرة:. [196 379 ...... فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَج وَسَبْعَة إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ [البقرة: 196] .......... 343 فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَج وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ} [البقرة: 196] ذلِكَ لِمَن لَّمْ يَكُنْ أَهْلُهُ، حَاضِرِى الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} [البقرة: 196]. فمن تمنع بِالْعُمْرَةِ إِلَى الحج} [البقرة: 196]. ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ} [البقرة: 199] .... وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ} [البقرة: 210] كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَبَ بالْحَقِّ لِيَحْكُم بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَ تهُمُ البَيِّنت بغيا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَن يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيم} [البقرة: 213]. وَيَسْتَلُونَكَ عَنِ الْيَتَمَى قُلْ إِصْلَاح لَهُمْ خَيْرٌ وَإِن تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِح [البقرة: 220]. وَلَا تَنكِحُوا الْمُشْرِكَتِ حَتَّى يُؤْمِنَ} [البقرة: 221] فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا نَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ} [البقرة: 222]. فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللهُ} [البقرة: 222]. وَالْمُطَلَّقَتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلَثَةَ قُرُوءِ} [البقرة: 228]. فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فَمَا أَفْتَدَتْ بِهِ} [البقرة: 229]. فَإِمْسَاكُ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَرِيحُ بِإِحْسَنِ} [البقرة: 229]. 443 ...... 441 ........ 441 ........ 416 ........ 448 ....... 226. 599 ... 477,421. 285 .............. 458 ......... 421,347 ........... 311 ......... 498 ........... فإن طلقها فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ فَإِن طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَن يَتَرَاجَعَا إن ظنا أن يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ} [البقرة: 230] 639. فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَن يَنكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَاَضَوْا بَيْنَهُم بِالْمَعْرُوفِ} [البقرة: 232 ............ 546 وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ} [البقرة: 233] 559,450 .............. 742 (1/742)
صفحة 739
وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ} [البقرة: 233]. فهرس الآيات القرآنية 375 ........... وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا} [البقرة: [234 وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا} [البقرة: 234]. تعزمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَبُ أَجَلَهُ} [البقرة: 235] أَوْ يَعْفُوا الَّذِي بِيَدِهِ، عُقدَةُ النكاح} [البقرة: 237] وَقُومُوا لِلَّهِ قَنِتِينَ} [البقرة: 238] 564,535,533. 618,333 .......... 644 ......... 361 ......... 572 ...... وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِم مَّتَنَعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إخراج [البقرة: 240]. اللهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ} [البقرة: 255]. 564 .. 390 .......... أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِن ليَطْمَينَ قَلبي} [البقرة: 260] وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبوا} [البقرة: 275]. وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ [البقرة: 275]. وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبوا} [البقرة: 278]. إذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَاكْتُبُوهُ} [البقرة: 282] ..... وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِن رِجَالِكُمْ} [البقرة: 282] فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ} [البقرة: 282]. وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ} [البقرة: 282]. 181 ........... 571,374,344 ... 430 ........... 477 ........... 457 ........... 571,333 .......... 387 ... 482,457,440 لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} [البقرة: 128 .............. 132, 516, 519, 681 رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ} [البقرة: 2826 .................. 628 سوره آل عمران اللهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ} [آل عمران: 2] وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ ءَامَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا} [آل عمران: 7] ?743 743 561 354 (1/743)
صفحة 740
? 353 .... فهرس الآيات القرآنية مِنْهُ وَايَنتُ تُحكَمَتُ هُنَّ أُمُّ الْكِتَبِ وَأُخَرُ مُتَشَبِهَتُ} [آل عمران: 7] قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} [آل عمران: 31] ءَايَتُكَ أَلَّا تُكَلِمَ النَّاسَ ثَلَثَةَ أَيَّاءٍ إِلَّا رَمزًا} [آل عمران: 41]. وَلأُحِلَّ لَكُم بَعْضَ الَّذِى حُرِّمَ عَلَيْكُمْ} [آل عمران: 50] وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِن تَأْمَنْهُ بِقِطَارِ} [آل عمران: 75]. وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّنَ لَمَا أَتَيْتُكُم مِّن كِتَبٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقُ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ، وَلَتَنصُرُنَّهُ} [آل عمران: 81]. 170 .......... 450 .......... 556 ........... 378 .............. 557 ........... وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَسِرِينَ} [آل عمران: 85]. 592,556 .... وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا} [آل عمران: 97] ..... 211, 233, 366 وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ} [آل عمران: 97] يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَائِهِ} [آل عمران: 102]. وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا} [آل عمران: 103] وَلتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأَوَلَيْكَ هُمُ المُفْلِحُونَ} [آل عمران: 104] كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ} [آل عمران: 110] كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} [آل عمران: 110]. 496 ......... 564 ........ 236 ......... 225 .. 214 .......... 224 ........... 572 ......... 461 506 ........ ليس لك مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٍ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَلِمُونَ} [آل عمران: [128 وسارعوا إلى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ} [آل عمران: 133] وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ} [آل عمران: 133] وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} [آل عمران: 139 ............. 390 744 (1/744)
صفحة 741
فهرس الآيات القرآنية 416 ............ 416 .......... 374 ........ الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ} [آل عمران: 173]. سورة النساء وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا} [النساء: 1] فانكحوا ما طابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاءِ} [النساء: 3] الرِّجَالِ نَصِيبُ مِّمَّا تَرَكَ الْوَلِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبُ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَ مِنْهُ أَوْ كَثُر نَصِيبًا مَفْرُوضًا} [النساء: 7] 365,362 ........ إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سعيرا [النساء: 10]. 378 .......... يُوصِيكُمُ اللهُ فِي أَوْلَادِكُم لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنثَيَيْنِ} [النساء:11] ..... 365, 400, 429 لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنثَيَيْنِ} [النساء: 11] 598 ........... 580 ........ فإن كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ}} [النساء: 11] ا و لأبويهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِن كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِن لَّمْ يَكُن لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أبواهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِن كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ} [النساء: 11] وَلا بَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِن كَانَ لَهُ وَلَدٌ} [النساء: 11] فَإِن كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ} [النساء: 11] 565. 356 ............. 398,397 ........ 618 .......... وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ} [النساء: 12] و إن كان رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةٌ أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِن كَانُوا أَكْثَرَ مِن ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي التَّلْتِ} [النساء: 12]. وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدخله نارا خلدا فيها وَلَهُ عذاب مهين} [النساء:14] 469 وَالَّتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِن نِسَا بِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِّنكُمْ فَإِن شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّنَهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلا [النساء:15] 565 ..... 745 (1/745)
صفحة 742
569 ...... 367 ........ فهرس الآيات القرآنية فأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَنَّهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلا [النساء: 15]. وَالذَانِ يَأْتِينِهَا مِنكُمْ فَتَادُوهُمَا فَإِن تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّابًا رَّحِيمًا [النساء: 16] وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ} [النساء: 19] 498 ......... وَلَا تَنكِحُوا مَا نَكَعَ مَابَاؤُكُم مِّنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ [النساء: 22].477,421 حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ} [النساء: 23] حرمت عليكُمْ أُمَّهَتُكُمْ} [النساء: 23] وربيبكُمُ الَّتِي فِي حُجُورِكُم} [النساء: 23] 468,373 ........ 357 ......... 383 ...... 546 .. وَأَن تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ} [النساء: 23] .............. 435, 546 وَالْمُحْصَنَتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَنُكُمْ} [النساء: 24] ومَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلًا أَن يَنكِحَ المُحْصَنَتِ الْمُؤْمِنَتِ فَمِن مَا مَلَكَتْ أَيْمَتكُم مِّن فَنَيَتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ} [النساء: 25] ذالك لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ} [النساء: 25] فَإِذَا أَحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ [النساء:25] 386. 386 ......... 431,409,372 ..... 629 ....... يُرِيدُ اللَّهُ أَن يُخَفِّفَ عَنكُمْ وَخُلِقَ الْإِنسَنُ ضَعِيفًا} [النساء: 28] يايها الَّذِينَ ءَامَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَن تَكُونَ تجرة عن تراض مِّنكُمْ [النساء: 29] 436 يأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ} [النساء: 29] وَلَا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا} [النساء: 29] وَلَا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ} [النساء: 29] ......... 172 ......... 603 إِن تَجْتَنِبُوا كَبَابِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ} [النساء: 31] ........... 1396 746 (1/746)
صفحة 743
فهرس الآيات القرآنية الرّجالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَلَ اللهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ} [النساء:34] وَالَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَاءَ النَّاسِ} [النساء: 38]. يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنتُمْ سُكَرَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ} [النساء: 43] حَتَّى تَعلَمُوا مَا تَقُولُونَ} [النساء: 43]. أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِّنكُم مِّنَ الْغَابِطِ} [النساء: 43]. فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا [النساء:43] أَوْ لَمَسْتُمُ النِّسَاء [النساء: 43] / [المائدة: 6] 278 .... 635. 515,281 ...... 281. 373 ...... 318 ............ تَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَتَزَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى الله والرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخر ذالك خيرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا} [النساء: 59] 336,83 .... 156 ........... 231 .......... تَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولى الأمي} [النساء: 59] ..... فَإِن تَتَزَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ} [النساء: 59] ..... 142, 226, 680,590,236 فلا وربك لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [النساء: 65]. الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا} [النساء: 77] من يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَن تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْتَكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا [النساء: 80] مَن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ الله} [النساء: 80] أفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْهَانَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا [النساء: 82] 141 .. 416 ............ 156 ........... 160 ............. 529,148,65 ..... وَإِذَا جَاءَ هُمْ أَمْرُ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ، وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ} [النساء: 83]. 649,267,262 ..... ?747 747 (1/747)
صفحة 744
106 ......... 656 ........ 435 ...... 444,443 ... 381 .......... 443 .......... 390 ............ 436,401 ... 401 ......... 382 ........ 262 .. 589,227 .. 217 237 ... 227 ........ 246 .......... فهرس الآيات القرآنية لَعَلِمهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ} [النساء: 83]. وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ} [النساء: 83] وَمَا كَانَ لِمُؤْمِن أَن يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَا} [النساء: 92]. وَمَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ [النساء: 92] وَمَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ} [النساء: 92] فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ} [النساء: 92] لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ} [النساء: 95] لا يَسْتَوِى الْقَعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمَجَهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ} [النساء: 95] غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ} [النساء: 95] وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن نَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَوَةِ إِنْ خِفْتُمْ أَن يَفْيْنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا} [النساء: 101]. إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَبَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَنكَ اللَّهُ وَلَا تَكُن لِلْخَاسِنِينَ خَصِيمًا} [النساء: 105] وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا نَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا} [النساء: 115] وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِهِ، مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا [النساء:115] وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ} [النساء: 115] تُوَلِهِ، مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا} [النساء: 115]. إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ [النساء: 116] .... مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا إِلَى هَؤُلاء} [النساء: 143] 748 (1/748)
صفحة 745
فهرس الآيات القرآنية فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ} [النساء: 160 ................ 5556 رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلُ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا [النساء: 165] إِنَّمَا اللَّهُ إِلهُ وَاحِدٌ سُبْحَنَهُ أَن يَكُونَ لَهُ، وَلَدٌ} [النساء: 171]. إِنَّمَا اللهُ اللَّهُ وَاحِدٌ سُبْحَنَهُ} [النساء: 171] يُوصِيكُمُ اللهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنثَيَيْنِ} [النساء: 176]. يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ في الكللة ... [النساء: 176] وَاللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [النساء: 176]. سورة المائدة أُحِلَّتْ لَكُم بَهِيمَةُ الْأَنْعَمِ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ} [المائدة: 1] وإِذَا حَلَلْتُمْ فَأَصْطَادُوا} [المائدة:2] حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الخنزير} [المائدة:3] حُرمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ} [المائدة:3] 115 ......... 561 .......... 390 ......... 397 ......... 430 ................. 394. 365 ........... 458 ......... 559,294 ....... 545,423 ..... 366 .......... حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الخنزيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ، وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَن تَسْتَقْسِمُوا بِالأَزلَم [المائدة:3] فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخَمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإنْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [المائدة: 3]. [المائدة:3] .......... 329 وَالمُحْصَنَتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَبَ مِن قَبْلِكُمْ} [المائدة:5] ......... 421 ياتها الَّذِينَ ءَامَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَلَوَةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَينِ وَإِن كُنتُمْ جُنُبا فَاطَهَرُوا وَإِن كُنتُم مَّرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنكُم مِّنَ الْغَابِطِ أَوْ لَمَسْتُمُ النِّسَاءَ فلم تجدوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَأَمْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم مِّنْهُ [المائدة: 6] فاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ} [المائدة: 6] 239 ....... 441 ....... ? 749 (1/749)
صفحة 746
فهرس الآيات القرآنية وأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ} [المائدة: 6] وإن كُنتُم جُنُبًا فَأَطَهَرُوا} [المائدة: 6] فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا} [المائدة: 6]. فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم مِّنْهُ} [المائدة: 6]. 389. 466 ..... 441. 329. بأهل الكتب قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتَرَةٍ مِّنَ الرُّسُلِ أَن تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلَا نَذِيرٌ فَقَدْ جَاءَ كُم بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [المائدة: 19] ....... 121 مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إسراءيل} [المائدة: 32] إِنَّمَا جَزَاؤُا الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلَافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنَ الْأَرْضِ [المائدة: 33] والسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَأَقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَلًا مِّنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حكِيمٌ} [المائدة: 38]. 290,283 ..... 389 ...... 422,406 ........ وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا} [المائدة: 38] ........... 280, 284, 399,346 564 ..... 429. فَإِن جَاءُوكَ فَاحْكُم بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ} [المائدة: 42] وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ} [المائدة: 45] وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَبَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَبِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ [المائدة: 48] لِكُلِّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا} [المائدة: 48]. وَأَن أَحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ} [المائدة: 49] وإذا نا ديتُمْ إِلَى الصَّلَوَةِ اتَّخَذُوهَا هُرُوا وَلَعِباً ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمُ لَا يَعْقِلُونَ} [المائدة: 58] 591,556 ......... 559. 564 ........ 441 ......... 361 .......... 286 ......... وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ [المائدة: 64] قبل يداهُ مَبْسُوطَتَانِ} [المائدة: 64] لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَنِكُمْ وَلَكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَدتُمُ الْأَيْمَنَ [المائدة: 89] 750 (1/750)
صفحة 747
فهرس الآيات القرآنية 497 ............ 470 ............ فَكَفَرَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَكِينَ} [المائدة: 89]. فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [المائدة: 90] إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ والبغضاءَ فِي الخَيْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلوة} [المائدة: 91] 290,280 ......... 160 ......... 288. 419 ......... 419 .......... وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ [المائدة: 92]. ايُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنتُمْ حُرُم وَمَن قَتَلَهُ مِنكُم مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاهُ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ} [المائدة:95] وَأنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [المائدة: 97] ياتها الَّذِينَ ءَامَنُوا لَا تَسْتَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ} [المائدة: 101]. وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ} [الأنعام: 18] سورة الأنعام وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَلَيْنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِبَ بِنَايَتِ رَبَّنَا وَتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ بَلْ بَدَا لَهُم مَّا كَانُوا يُخْفُونَ مِن قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَذِبُونَ} [الأنعام: 28/ 27]. ما فرطنا في الْكِتَابِ مِن شَيْءٍ} [الأنعام: 38] وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا 557 ........... 268 ....... 401. 358 ........ 263,230 .............. 595 ...... 419 ........... 118 ........ في كتب مُّبِين [الأنعام: 59]. قال لا أُحِبُّ الأَفِلِينَ} [الأنعام: 76]. أَوْلَكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهدَهُمُ اقْتَدِة} [الأنعام: 90]. فيهدَ هُمُ اقْتَدِة} [الأنعام: 90] خلق كل شئ} [الأنعام:102] قد جَاءَكُم بَصَابِرُ مِن رَّبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ، وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُم تحفيظ} [الأنعام: 104] 751 (1/751)
صفحة 748
فهرس الآيات القرآنية وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدُوا بِغَيْرِ عِلْمٍ [الأنعام: 108]. وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرٍ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ} [الأنعام: 121] وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ تَشْرِكُونَ} [الأنعام: 121] 280 ....... 429 ........ 357 ....... وَاتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ} [الأنعام: 141] كلُوا مِن ثَمَرِهِ} [الأنعام: 142] 428,362,359 .... قُل لَّا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَى مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمَا 350 ........ مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسُ أَوْ فِسَفًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ} [الأنعام: 1415 2015 قُل لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَى مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنزير} [الأنعام: 145] ......... 573,569,366 ....... وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُم مِّنْ إِمْلَاقٍ} [الأنعام: 151] 523. قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الأنعام: 1162 .............. 504 سورة الأعراف اتَّبِعُوا مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ} [الأعراف: 3] مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ} [الأعراف: 12]. وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُرِفُوا} [الأعراف: 31]. 141. 454 ........ 538,350 ......... قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَن تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِلْ بِهِ سُلْطَنَا وَأَن تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ} [الأعراف:33] ...... 269, 658,459 هل ينظرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ} [الأعراف: 53]. أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ} [الأعراف: 54] أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ} [الأعراف: 54] هذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ وَايَةٌ فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [الأعراف: 73] 523 سبْحَنَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ} [الأعراف: 143] 355 ......... 592 ....... 576 ......... 420 ..... 752 (1/752)
صفحة 749
فهرس الآيات القرآنية وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبينَ} [الأعراف: 157 ............ 2993, 336 وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبينَ} [الأعراف: 157] فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ [الأعراف: 176]. أَوَلَمْ يَنظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ} [الأعراف: 185]. 205 .......... 293 ........ 127,110 ........ 427 وَإِذَا قُرِئَ الْقُرَه أَن فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا} [الأعراف: 204] سورة الأنفال وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ [الأنفال: 1]. إِنَّ شَرَّ الدَّوَاتِ عِندَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ} [الأنفال: 55] 160 ......... 293 ................. لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَّا أَلَفتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ} [الأنفال: 63] يَتَأَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ [الأنفال: 64]. انَ خَفَّفَ اللهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَن فِيكُمْ ضَعْفَا فَإِن يَكُن مِّنكُمْ مَانَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا ماثْنَيْنِ وَإِن يَكُن مِّنكُمْ أَلْفَ يَغْلِبُوا الْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ [الأنفال: 66]. 228 .. 692 ............. 577 ...... انَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنكُمْ} [الأنفال: 66] 580 ............ ما كان لنبي أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُشْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الآخِرَةُ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [الأنفال: 67] سورة التوبة فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْضُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فإن تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَوَةَ وَمَاتَوُا الزَّكَوةَ فَخَلُوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمُ [التوبة:5] فاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ} [التوبة: 5]. إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ} [التوبة: 28]. قَتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ} [التوبة: 29] مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكتب} [التوبة: 29] 650 ..... 246 .......... 397 ......... 293 ........... 417 ................. 417 ... 753 (1/753)
صفحة 750
E فهرس الآيات القرآنية حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَغِرُونَ} [التوبة: 29] 429. أخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَنَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ الله} [التوبة: 1 3. .......... 1676 والَّذِينَ يَكْذِرُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَةَ وَلَا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيم} [التوبة: 34] وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَأَفَةً [التوبة: 36]. إِنَّمَا النَّبِي زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ} [التوبة: 37] إلا تَنفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا} [التوبة: 39] إِنَّمَا الصَّدَقَتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ والقَرِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِّنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} [التوبة: 60] 349 ..... 422,345 ...... والشيفون الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَنِ رَضِيَ اللَّهُ عَنهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ} [التوبة: 100] خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهَرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم هَا} [التوبة: 103]. وما كان استغفارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَن مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّهُ حَلِيمٌ} [التوبة: 114]. وما كان اللهُ لِيُضِلَّ قَوْمَا بَعْدَ إِذْ هَدَنَهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُم مَا يَتَّقُونَ إِنَّ اللَّهَ بكلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [التوبة: 115] لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُوكَ مِنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزُ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ تَكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ} [التوبة: 128] سورة يونس العني وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنَّا إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ [يونس: 36] أمْ يَقُولُونَ أَفَتَرَنَةٌ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ صَدِقِينَ} [يونس: 38]. 375 ... 577 ..... 376 ......... 267 ......... 430 ......... 391 .... 122 ......... 629 268 .... 149 ........ 754 (1/754)
صفحة 751
وَيَسْتَنْبِتُونَكَ أَحَقُّ هُوَ قُلْ إِلى وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقُّ} [يونس: 53] فهرس الآيات القرآنية قُلْ أَرَءَ يْتُم مَّا أَنزَلَ اللهُ لَكُم مِّن رِزْقٍ فَجَعَلْتُم مِّنْهُ حَرَامًا وَحَلَلًا قُلْ اللَّهُ أَذِنَ لكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ} [يونس: 59] فاجمعوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ} [يونس: 71]. فَاجْمِعُوا أَمْرَكُمْ} [يونس: 71] قل انظرُوا مَاذَا فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْأَيْتُ وَالنُّذُرُ عَن قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ [يونس: 101] ........ كتَب أَحْكَمَتْ ايَتُهُ} [هود: 1]. سورة هود العلنية وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا} [هود: 6]. أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَ هُمْ وَلَا 519 ........... 474,269 ......... 209 ........ 211 110 ........... 353 ..... 416,401 .......... تعثوا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ} [هود: 85]. سورة يوسف العلية إني أرني أَعْصِرُ خَمْرًا} [يوسف: 36]. 523 ...... 333. وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ} [يوسف: 43] ....... 415 فَلَمَّا اسْتَيْتَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا بِجَيا} [يوسف: 80] وَشَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا} [يوسف: 82] عَسَى اللهُ أَن يَأْتِينِي بِهِمْ جَمِيعًا} [يوسف: 83] 149 ...... 376,333 ....... 399 ......... وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِيَ إِلَيْهِم مِّنْ أَهْلِ الْقُرَى} [يوسف: 109 .......... 390 سورة الرعد يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُنْبِتُ} [الرعد: 39]. سورة إبراهيم القني وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ} [إبراهيم:4]. 557 .......... 154 ... وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ} [إبراهيم:4 ............... 5008 755 (1/755)
صفحة 752
فهرس الآيات القرآنية سورة الحجر إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَفِظُونَ} [الحجر: 9] 398 ..... إِنَّ عِبَادِى لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانُ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ} [الحجر: 42] ........... 437 وَمَا خَلَقْنَا السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ} [الحجر: 85]. سورة النحل 289 ................. وَهُوَ الَّذِى سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيا} [النحل: 14] .......... 336, 625 أَفَمَن يَخلُقُ كَمَن لَّا يَخْلُقُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ} [النحل: 17] ومَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُّوحِي إِلَيْهِمْ فَسَتَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ 369 ........ [النحل: 43] فَتَلُوا أَهْلَ الذِكرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [النحل: 43]. 131 ........ 674,161,130 وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} [النحل: 44] 566,366 وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ} [النحل: 44] وَجَعَلَ لَكُم مِّن جُلُودِ الْأَنْعَامِ بُيُوتًا} [النحل: 80] وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَبَ تِبْنَا لِكُلِّ شَيْءٍ} [النحل: 89] يُضِلُّ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ} [النحل: 93] وَإِذَا بَدَّلْنَا ءَايَةً مكان ءَايَةٍ [النحل: 101]. وهذا لسان عربي مبين} [النحل: 103] ار من ككَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَنِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَنُ بِالْإِيمَنِ [النحل: 106] سورة الإسراء هذا القرة أن يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقومُ} [الإسراء: 9] وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى [الإسراء: 15]. وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا} [الإسراء: 15] فَلَا تَقُل لَّهُما أَي وَلَا تَنْهَرْهُمَا} [الإسراء: 23] 756 172 ........ 625 ...... 268 ...... 353 ......... 567,552 ......... 154,152 .......... 633 ........ 156 ........... 201,200 ........ 507 ..... 377,275 .. (1/756)
صفحة 753
E فهرس الآيات القرآنية قُل لين اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْمَانِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ، وَلَوْ كان بعضهم لبعض ظهيراً [الإسراء: 32]. وَلَا نَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ} [الإسراء: 33]. وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلم} [الإسراء: 36]. ولا نقفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمُ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَيْكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُوا * [الإسراء:36] قل لين اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْمَانِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ، وَلَوْ كان بعضهم لبعض ظهيرا [الإسراء: 88]. سورة الكهف واضْرِبْ لَهُم مَّثَلًا رَّجُلَيْنِ جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْتَبِ} [الكهف: 32] وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا} [الكهف: 49] فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَن يَنقَضَ} [الكهف: 77]. حَتَّى إِذَا أَنْيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ أَسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا} [الكهف: 77] وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي} [طه: 39] سوره طه قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى} [طه: 50]. وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى ءَادَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا} [طه: 115]. وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَيْكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى [طه: 113] وَكَذَلِكَ أَنزَلْتَهُ قُرْءَ انا عربيا} [طه: 113] سورة الأنبياء وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَعِبِينَ} [الأنبياء: 16] لَوْ كَانَ فِيهِمَا وَالِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَنَا} [الأنبياء: 22] لَا يُسْتَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْتَلُونَ} [الأنبياء: 23]. وجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا تَحْفُوظًا} [الأنبياء: 32]. وَدَاوُدَ وَسُلَيْمَنَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرَّثِ} [الأنبياء: 78] 523. 523. 184 ....... 416,320 ...... 148 ......... 415 .......... 396 ............. 333 ........... 416 ............. 356 ......... 358. 505 ............ 153 ............. 289 ........... 368 ........... 371,289,271 ...... 625 .... 415. BB 757 (1/757)
صفحة 754
فهرس الآيات القرآنية ود اورد و سُلَيْمَنَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شهدين} [الأنبياء: 78] وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَهِدِينَ} [الأنبياء: 78]. E 398,397 ... 398 ......... وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَنَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَسَتْ فِيهِ عَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَهدِينَ فَفَهَمْنَها سُلَيْمَنَ وَكُلًّا وَانَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا} [الأنبياء: 78/ 79].672,263 إنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنتُمْ لَهَا وَارِدُونَ} [الأنبياء: 98] 401 .. إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُم مِّنَا الْحُسْنَ أُولَيْكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ} [الأنبياء: 101 ......... 401 سورة الحج فاجتنبوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُورِ} [الحج: 30] ...... 470 ....... وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ [الحج: 78] .......... 2225 وَجَهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ} [الحج: 78] وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَج [الحج: 78] 564 ...... 631. سورة المؤمنون قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ} [المومنون: 1] 451. وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَفِظُونَ إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ} [المؤمنون:6/ 5. ............. 4335 وَإِنَّ هَدِهِ أُمَّتَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ} [المؤمنون:52] 558 .... أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَكُمْ عَبَنَا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ} [المؤمنون: 115 ............. 369 سورة النور 565,367,284,280 ...... الزَّانِيَةُ والزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ [النور: 2]. الزان لا يَنكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ} [النور: 3] 312 ......... وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَنِينَ جَلْدَةً} [النور: 4] ........... 409 والذينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ} [النور: 4] ثمَّ لَوْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَامَ} [النور: 4] 758 372 .. 443 .. (1/758)
صفحة 755
فهرس الآيات القرآنية والَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَلَمَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَنِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَدَةٌ ابدا وَأَوْلَيْكَ هُمُ الْفَنسِقُونَ إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَسْلَمُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيرٌ} [النور:5/ 4] وَءَاتُوهُم مِّن مَّالِ اللَّهِ الَّذِي مَاتَنكُمْ} [النور: 33] 439 ..... 499 ........ 454,141 .. 227 ....... 126 .......... 327 .. 524 ........... فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيرُ} [النور:63] وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهَا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا} [الفرقان: 68]. سورة الفرقان أمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا مَا لَأَنْعَمِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا} [الفرقان: 44] .... وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا} [الفرقان: 48] والَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهَا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يزنون وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا} [الفرقان: 69/ 68] وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَها ءَاخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يزنون ومَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا) يُضَعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مهانا إِلَّا مَن تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَلِحَا فَأَوَلَيكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَتٍ وَكَانَ اللهُ غَفُورًا رَّحِيمًا} [الفرقان: 68 - 70] سورة الشعراء أن أضرب بعصاكَ الْبَحْرُ فَأَنفَلَقَ} [الشعراء: 63] 406 ............ 373 ...... 523 ...... 145. 420 ......... (194) ا تَأْتُونَ الذِّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ} [الشعراء: 165] وإِنه لتَنزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ) بلسان عربي مبين} [سورة الشعراء: 192 - 195] وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ} [النمل: 23] سورة النمل (1/759)
صفحة 756
E فهرس الآيات القرآنية فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَةً وَكَشَفَتْ عَن سَاقَيْهَا} [النمل: 44] سورة القصص إن فرعون وَهَمَنَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَطِعِينَ} [القصص: 8]. سورة العنكبوت 420. 415 .. إِنَّا مُهْلِكُوا أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ إِنَّ أَهْلَهَا كَانُوا ظَلِمِينَ} [العنكبوت: 31] .......... 369 قالَ إِنَّ فِيهَا لُوطًا} [العنكبوت: 32]. قَالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَن فِيهَا لَنُنَحِيَنَّهُ، وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْقَبِرِينَ 369. 369 ..... 201 ........ [العنكبوت:32] فكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ} [العنكبوت: 40] وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَلِمُونَ} [العنكبوت: 43] 649,263 وإِن الصَّلَوَةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ} [العنكبوت: 45] تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ} [العنكبوت: 45] وَالَّذِينَ آمَنُوا بِالْبَطِلِ وَكَفَرُوا بِاللَّهِ أُوْلَبِكَ هُمُ الْخَسِرُونَ} [العنكبوت:52] سورة لقمان العليا لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِن الشِرْكَ لَظَامُ عَظِيمٌ} [لقمان: 13] إن الشركَ لَظُمُ عَظِيمٌ} [لقمان: 13] سورة السجدة وَبَدَأَ خَلَقَ الْإِنسَنِ مِن طِينٍ} [السجدة: 7] سورة الأحزاب لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أَسْوَةٌ حَسَنَةٌ} [الأحزاب: 21] 451 ............... 290 ........ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُّبِينًا} [الأحزاب: 36] اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا [الأحزاب: 42/ 41]. .} ... 469 ....... 396 .......... 468 ...... 416 .......... 169 ........ 454 ........ 350 ..... 760 (1/760)
صفحة 757
فهرس الآيات القرآنية إذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا} [الأحزاب: 49] و ما كَانَ لَكُمْ أَن تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَن تَنكِحُوا أَزْوَجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا [الأحزاب:53] إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُّهِينًا} [الأحزاب:57] لعَذِّبَ اللهُ الْمُنْفِقِينَ وَالْمُنَفِقَتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَتِ وَيَتُوبَ اللهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَتِ} [الأحزاب: 73] سورة سبا وَمَا أَرْسَلْنَكَ إِلَّا كَافَةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا} [سيا: 28] وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى [فاطر: 18] سورة فاطر 246 ......... 421 345 ...... 469 ...... 411,154 ............ 184 .......... عَمِلَتْ أَيْدِينَا} [يس: 71] ......... سورة يس سورة الصافات 352 ............. وإن من شيعيه لإبْرَاهِيمَ [الصافات: 83] سورة ص وَهَلْ أَتَنكَ نَبوا الْخَصّيمِ إِذْ سَوَّرُوا الْمِحْرَابَ [ص: 21]. يد اوردُ إِنَّا جَعَلْنَكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَأَحْكُم بَينَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سبيل الله [ص: 26] وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ [ص: 26]. كتب أَنزَلْتَهُ إِلَيْكَ مُبَرَكَ لِيَدَّبَّرُوا ءَايَتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُوا الأَلْبَبِ} [ص:29] فَسَجَدَ الْمَلَيْكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ إِلَّا إِبْلِيسَ [ص: 74/ 73] 595 .......... 399. 268 .......... 607 ..... 261 ....... 436 ............. 352 .......... مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَى [ص: 75] قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ} [ص:82/ 83] ....... 437 761 (1/761)
صفحة 758
فهرس الآيات القرآنية سورة الزمر إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَب} [الزمر: 21] نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَباً مُّتَشَبِهَا} [الزمر: 23] وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُم} [الزمر: 55] بحَسْرَى عَلَى مَا فَرَطَتُ فِي جَنْبِ اللهِ} [الزمر: 56]. سورة غافر الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ، وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ ءَامَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الجَحِيمِ} [غافر: 7] وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ ءَامَنُوا رَبَّنَا [غافر: 7] وَقَالَ رَجُلٌ مُّؤْمِنُ مِنْ عَالِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَنَهُ} [غافر: 28] سورة فصلت وَإِنَّهُ لَكِتَبُ عَزِيزٌ لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ، تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حميد [فصلت: 42/ 41] 263 ... 353. 156 ...... 352 .......... 391 .... 440 .... 415 ......... 157 ..... وَلَوْ جَعَلْتَهُ قُرَعَ أَنَا أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا لَوَلَا فُصِّلَتْ ايَتُهُ: أَعْجَمِيٌّ وَعَرَبيٌّ [فصلت: 44] ........... 153 وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ} [فصلت: 46]. 122 .......... سَنُرِيهِمْ ايَتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ} [فصلت: 53] ....... 622 سورة الشورى ويستغفرون لِمَن فِي الْأَرْضِ} [الشورى: 5] ....... أَخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللهِ} [الشورى: 10] ... لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} [الشورى: 11]. لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَى [الشورى: 11] شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَضَيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ} [الشورى: 13] 440. 236 ......... 358,352,338 ...... 356 ............ 559 ....... وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ اللهُ إِلَّا وَحْيا أَوْ مِن وَرَاى حِجَابٍ} [الشورى: 1] .............. 147 ?762 762 (1/762)
صفحة 759
? سورة الجاثية وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ} [الجاثية: 13]. وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى الْعَلَمِينَ} [الجاثية: 16] إنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} [الجاثية: 29]. سورة الأحقاف فهرس الآيات القرآنية ما خَلَقْنَا السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُّسَمًّى} [الأحقاف: 13]. وَهَذَا كِتَبٌ مُصَدِّقُ لِسَانًا عَرَبِيًّا} [الأحقاف: 12]. تدمر كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَتِهَا} [الأحقاف: 25]. فَأَصْبَحُوا لَا يُرَى إِلَّا مَسَنكتُهُمْ} [الأحقاف:25] سوره منم 593,503 ....... 420 ........ 557,552 ........ 289 ........... 153 .......... 419 ........ 420 .......... فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَتِ} [محمد: 19] ..... أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْء ان أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا} [محمد: 24] وَلَتَعْرِ فَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ} [محمد: 30] 649 .......... 378 .......... ولَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَهِدِينَ مِنكُمْ وَالصَّبِرِينَ وَنَبْلُوا أَخْبَارَكُمْ} [محمد: 31] ... ............. 5531 سورة الفتح يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِم مَّا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ} [الفتح: 11]. وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَرُ} [الفتح: 17]. تُحَمَّدٌ رَّسُولُ اللهِ} [الفتح: 29]. سورة الحجرات إن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَا فَتَبَيَّنُوا} [الحجرات: 6] فَقَتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللهِ} [الحجرات: 9] 441 ............. 451 ............ 349 ........... 379 ......... 388 ..... يأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْرٌ} [الحجرات: 12] ............ 268 ياتها النَّاسُ إِنَّا خَلَقْتَكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى} [الحجرات: 13]. إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَنْقَنَكُمْ} [الحجرات: 13] 417 .......... 417 ......... ?763 B (1/763)
صفحة 760
? 686 ........ 352,289,115 686 ......................... فهرس الآيات القرآنية سورة ق وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدَبَرَ السُّجُودِ} [ق: 40]. سورة الذاريات وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات: 56] سورة الطور وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبَرَ النُّجُومِ} [الطور: 49] سورة النجم إن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُم مِّن رَتِهِمُ الْهُدَى} [النجم: 123 ........ 607 568 .......... 352 ......... 324 ......... إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى} [النجم: 4] سورة القمر تجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاء لِمَن كَانَ كَفَرَ} [القمر: 14]. سورة الرحمن الرَّحْمَنُ عَلَمَ الْقُرْهَانَ خَلَقَ الْإِنسَنَ عَلَمَهُ الْبَيَانَ} [الرحمن: 1 - 531,402 ..... 283 ........ 444 ...... 443 ........... 358 ... 441 [4 سورة الحديد وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [الحديد: 3] لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ} [الحديد: 23] سورة المجادلة فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِّن قَبْلِ أَن يَتَمَا سَا} [المجادلة: 3]. فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ} [المجادلة: 4]. مَا يَكُونُ مِن نَجْوَى ثَلَثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِن ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا} [المجادلة: 7] وَيَقُولُونَ فِي أَنفُسِهِمْ لَوْلَا يُعَذِّبُنَا اللهُ بِمَا نَقُولُ [المجادلة: 8]. لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا 683 ....... ابَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أَوَلَيْكَ 764 كتب في قُلُوبِهِمُ الإِيمَنَ} [المجادلة: 22] (1/764)
صفحة 761
سورة الحشر فهرس الآيات القرآنية فَاعْتَبِرُوا تَتأُولِي الْأَبْصَرِ} [الحشر: 2] كن لا يكون دُولَةٌ بَيْنَ الْأَغْنِيَاء مِنكُمْ} [الحشر:7] وَمَا الَنَكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَنكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا} [الحشر: 7]. 649,261,141,127 ومَا انَنكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَنكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ [الحشر: 7] وَمَا ءَ الكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَنكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا} [الحشر: 7]. فَاعْتَبِرُوا يَتأُولِي الْأَبْصَرِ} [الحشر: 7]. وَتِلْكَ الْأَمْثَلُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} [الحشر: 21]. سورة الممتحنة 290.280. 205 ......... 170 .. 474.141.140 317 ......... 263. اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَتِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ} [الممتحنة: 10]. ياتها الَّذِينَ ءَامَنُوا إِذَا جَاءَ كُمُ الْمُؤْمِنَتُ مُهَاجِرَاتِ فَأَمَتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَنِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤمِن فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ} [الممتحنة: 10] 183 ......... 112 ........... سورة الجمعة يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَوةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ} [الجمعة: 9] يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَوَةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا البيع [الجمعة: 9] 241 .. 368 ..... إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَوَةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا البيع} [الجمعة: 9] ........ 481 فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَوةُ فَانتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ} [الجمعة: 10] 458 ...... سورة التغابن فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} [التغابن:16] سورة الطلاق وَأَشْهِدُوا ذَوَى عَدْلٍ مِّنكُمْ} [الطلاق: 2]. وَأُولَتُ الْأَعْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمَلَهُنَّ} [الطلاق: 4]. وإن ارتبتُم فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَثَةُ أَشْهُرٍ} [الطلاق: 4]. 765 564 .......... 445,443,440 535,534 .......... 390 ......... (1/765)
صفحة 762
E 421. 385. فهرس الآيات القرآنية والَّتِي بِسنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِن نِسَا بِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَثَةُ أَشْهُرٍ وَالَّتِي لَمْ يَحِضْنَ وَأَوَلَتُ الْأَعْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمَلَهُنَّ} [الطلاق: 4] وَإِن كُنَّ أَوَلَتِ حَمْلٍ فَأَنفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ} [الطلاق: 6]. فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَأْتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ} [الطلاق: 6] لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلَّا مَا ءَاتَنهَا} [الطلاق: 7]. 594 .. 517,132 ....... 419 .......... أنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [الطلاق: 12] سورة التحريم إن تنوبا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا وَإِن تَظهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَنَهُ} [التحريم:4] ....... 399 سورة الملك وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ} [الملك: 10] سورة الحاقة وَلَوْ نَقَولَ عَلَيْنَا بَعْضَ الأقاويل لأخَذْنَا مِنهُ بِالْيَمِينِ ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ فَمَا مِنكُم منْ أَحَدٍ عَنْهُ حَنجرينَ} [الحاقة: 44 - 47] سورة المدثر ما سلككم في سقر) قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ) وَلَوْ نَك نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ وَكُنَّا 126 .......... 459 ........ نَخُوضُ مَعَ الْخَابِضِينَ وَكُنَّا نُكَذِبُ بِيَوْمِ الدِّينِ حَتَّى أَتَنَا الْيَقِينُ} [المدثر: 42 - 47] ........ 524 فَإِذَا قَرَأْنَهُ فَاتَّبِعْ قُرْهَانَهُ [القيامة: 18] سورة القيامة فَإِذَا قَرَأَنَهُ فَاتَّبِعْ قُرْهَانَهُ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ} [القيامة: 18] ... 144 ........ 369 ........ 487,132,115 635 .......... 263 ......... 650 ..... أيَحْسَبُ الإِنسَنُ أَن يُتْرَكَ سُدى} [القيامة: 36] سورة الإنسان إنما نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ} [الإنسان: 9]. سورة النازعات إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَن يَخْشَى} [النازعات: 26] سورة عبس عبس وتولى أَن جَاءَهُ الْأَعْمَى [عبس: 2/ 1]. ? 766 B (1/766)
صفحة 763
E سورة الغاشية أَفَلَا يَنظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ} [الغاشية: 17] سورة الفجر فهرس الآيات القرآنية 127. 419,350 .......... 620 .... 635 .......... 293 ........... 275 .... 350 ........... 450,349 .......... وجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا} [الفجر: 22] سورة الشمس فأَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَنَهَا} [الشمس: 8]. سورة البينة وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ} [البينة: 5] أوْلَيْكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ} [البينة: 6] سورة الزلزلة فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ} [الزلزلة: 7] سورة الكوثر فصلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَر} [الكوثر: 2] سورة الإخلاص قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} [الإخلاص: 1] لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ} [الإخلاص: 4/ 3 ........ 352 8000008 ?767 767 (1/767)
صفحة 764
E 3 630 ........ 432 ...... فهرس الأحاديث النبوية فهرس الاحاديث النبوية إنَّ اللهَ هُوَ الْمُسَعَرُ الْقَابِضُ الْبَاسِطُ الرَّزَّاقِ فاغسلوه سبعا"» اثنان فما فوقهما جماعة اجتماع النبي في بيت عند الصفا الصحابة وكمال عددهم أربعين رجلا بإسلام عمر. «أجتهد رأيي ولا آلو» أحلت لنا ميتتان، ودمان السمك، والجراد والكبد والطحال ....... إدرؤوا الحدود بالشبهات 398 ..... 692 .... 651 ....... 423. 521 ...... إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر واحد» .............. 650 466 .......... 328 .. 455. 465 ......... 296 .......... 385 .......... 510 .......... 292 ... 617 «إذا أدبرت الحيضة فاغتسلي وصلّي» إذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم» إذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم إذا أمرتكم بشيء فأتوا منها ما استطعتم» إذا حضرت الصلاة فأذنا وأقيما» إذا حضرت الصلاة فأذنا وأقيما» إذا حضرت الصلاة فليؤذن أحدكم وليؤمكم أكبركم. إذا ماتت الفأرة في السمن فإن كان ذائبا فأريقوه وإن كان جامدا فألقوها وما حولها» 264 ..... 680 ........ 603 ... 194 .... 204 .... 430 .......... إذا وجدت الماء فأمسه جلدك» أرأيت لو كان على أبيك دَيْن فقضيته أكنت قاضية عنه؟ قالت: نعم، قال: فذلك كذلك» أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم ? إقرار النبي عمرو بن العاص على تيممه للجنابة في غزوة ذات السلاسل اكتب، فوالذي نفسي بيده ما خرج منه إلا حق» أكل كل ذي ناب من السباع وذي مخلب من الطير حرام «البر بالبر والشعير بالشعير والتمر بالتمر .. ( ... 768 (1/768)
صفحة 765
البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام، والثيب بالثيب الرجم. الشؤم في ثلاثة في الدار والدابة والخادم. الصعيد الطيب يكفيك ما لم تجد الماء، ولو إلى عشر سنين. الصلاة خير موضوع، فمن شاء فليقلل ومن شاء فليكثر الصلاة خير موضوع فمن شاء فليقلل، ومن شاء فليكثر العقل نور في القلب يميز به بين الحق والباطل فهرس الأحاديث النبوية 569 ...... 202 318 ....... 424 .......... 414. 124 ........ العلم كله القرآن، وهو الأصل والتنزيل، وما بعده من العلم تفسير له وتأويل ....... 157 «القرآن كلام الله، من قال غير هذا فقد كفر 146 ............ 310 ........ 643. 337 ......... 303 113 ........ 523 ......... 609 ......... النبي أثبت حق المرأة في النفقة وأباح لها أخذه «النبي المستيقظ من نومه بغسل يديه احتياطا مما عسى أن يكون قد أصابت يده أثناء نومه ..... النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا يتوضأ أحدكم من طعام أحل الله أكله. «أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ شَرِبَ فِي إِنَاءٍ مِنْ دَهَب أَوْ فِضَّةٍ فَإِنَّمَا يُجَرْحِرُ فِي بَطْنِهِ نَارًا مِنْ جَهَنَّمَ أمارتها عِفَاصُها ووكاؤها» أمر النبي صلى الله عليه وسلم قريشا حال كفرهم بالتوحيد، كما أمرهم بالفروع أمر النبي الناس بالصيام ... «أُمِرْتُ أَنْ أَقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا لاَ إِلَهَ إلا اللهُ فَإِذَا قَالُوهَا مَنَعُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ 359 ..... 305 ............ 613. 490 ......... 569 ...... 340 ......... 481 .......... وَأَمْوَالَهُمْ إِلا بِحَقِّهَا وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللهِ. إن الذي حرم شربها حرم بيعها إن الشيطان ليأتي أحدكم فيقول: أحدثت أحدثت، فلا ينصرفن حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا» إن الله زادكم صلاة سادسة خير لكم من حمر النعم، هي الوتر «أن الله قد جعل لهن سبيلا ... أن النبي أنه قال: «لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه أن النبي رأى رجلين أحدهما ينقر في سجوده والآخر مرخيا إزاره في الأرض، فقال: «أحدهما لا ينظر الله إليه». وهو الذي سحب ذيله. والآخر لا يغفر الله له». وهو الذي ينقر في سجوده 769 (1/769)
صفحة 766
267 ..... 266 ...... 650 ...... 554 .......... 540 ....... 147. 572 ......... 425 .......... 522 ....... 204 ..... 635 .... 515 .... 113. 651 ....... 388 ..... 243 ..... 203. 285. 203 ... فهرس الأحاديث النبوية أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا تجتمع أمتى على ضلال أن النبي قال: من اشترى طعاما فلا يبعه حتى يقبضه. قال ابن عباس: وأحسب كل شيء مثله ......... أن النبي كان يقضي في المسألة فينزل القرآن بخلافه، فيستقبل حكم القرآن ولا ينقض قضاءه إن النبي عليه السلام أمر بالزكاة حين كان بمكة أن النبي كان يغتسل من الجنابة ثم يخرج من عندي إلى صلاة الصبح ورأسه يقطر بالماء، ثم يصبح صائما. إن روح القدس نفث في روعي أن نفسا لن تموت حتى تستوفي رزقها وأجلها، وأجملوا في الطلب» ... فاتقوا الله. إن في الصلاة لشغلا ....... إن كنت صدقت فما أصبت منها، وإن كنت كذبت كنت من ذلك أبعد» أنا أولى بأخي موسى إنك تأتي قوما من أهل الكتاب، فادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله، فإن هم أجابوك فأعلمهم أن الله افترض عليهم .... إنكم ستختلفون من بعدي، فما جاءكم عني فاعرضوه على كتاب الله، فما وافقه فعنّي وما خالفه فليس عني ....... «إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ، وَإِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَيَّ، وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَلْحَنَ بِحُجَّتِهِ مِن بَعْض؛ فَأَقْضِي لَهُ عَلَى نَحْو مَا أَسْمَعُ فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ مِنْ حَقٌّ أَخِيهِ شَيْئًا فَلَا يَأخُدَهُ؛ فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنَ النَّارِ إنما يكفيك هكذا» أنه قال: «ولا ربا فيما كان يدا بيد «أنه نهى عن شرطين في بيع أنه واحدة لمن قل ماؤه واثنتان لمن استعجل وثلاث عليهن الوضوء إنها من الطوافين عليكم والطوافات إنهم يتحرون الصدق لهم وعليهم 770 (1/770)
صفحة 767
«أوف بنذرك» أيما امرأة أنكحت نفسها بغير وليها فنكاحها باطل فهرس الأحاديث النبوية 411 .. 546 ......... أيما إهاب دبغ فقد طهر» أيما إهاب دبغ فقد طهر» بعثت إلى الأحمر والأسود» بعثت بكسر الصليب وقتل الخنزير وإراقة الخمر). 431 ..... 545 .......... 411 305 ....... بقوله: إذا حَكَمَ الْحَاكِمُ فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أَصَابَ فَلَهُ أَجْرَانِ وَإِذَا حَكَمَ فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أخطَا فَلَهُ أَجْرٌ» بين النبي أن هذه الربوبية ليست سجودا لهم وعبادة. تجزئك ولا تجزئ أحدا بعدك تفكروا في الخلق ولا تتفكروا في الخالق توضأ واغسل ذكرك» جعلت لي الأرض مسجدا وترابها طهورا» جمع النبي الخطأ والنسيان في رفع الإثم عن أصحابهما حجوا قبل أن لا تحجوا» حديث من أعتق شقصا له في عبد قوم عليه» 649,265 ......... 676 ........... 413 .......... 359 .... 333. 424 ..... 514 ....... 462 ......... 408 ........... 299 حديث النبي من سمع النداء فلم يُجب فلا صلاة له إلا من عذر، قيل له: صلى الله عليه وسلم يا رسول الله وما عذره؟ قال: خوف أو مرض حديث رسول الله الذي صرح فيه بوجود الخطإ والصواب في الاجتهاد ............ 673 الله: «عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ إِنَّ اللَّهَ لَا يَقْبِضُ الْعِلْمَ انْتِرَاعًا يَنْتَزِعُهُ مِنَ الْعِبَادِ وَلَكِنْ يَقْبِضُ الْعِلْمَ بِقَبْضِ الْعُلَمَاءِ حَتَّى إِذَا لَمْ يُبْقِ عَالِمًا اتَّخَذَ النَّاسُ رُءُوسًا جهالاً فَسُئِلُوا فَأَفْتَوْا بِغَيْرِ عِلْمٍ فَضَلُوا وَأَضَلُوا» حديث رسول حكمي على الواحد منكم كحكمي على الجميع حيثما أدركتك الصلاة فصل خذوا عني مناسككم» درجات الأمر والنهي قد بينها الرسول صلى الله عليه وسلم باليد أو اللسان أو القلب دَعِي الصَّلاةَ قَدْرَ الأَيَّامِ الَّتِي كُنتِ تحيضينَ فِيهَا» 269 .... 412 ......... 424 ........... 169 ......... 494 ........... 397 ............. ???? 771 (1/771)
صفحة 768
فهرس الأحاديث النبوية رفع القلم عن ثلاث الصبي حتى يحتلم، والمجنون حتى يفيق، والنائم حتى يستيقظ رفع القلم عن ثلاث ..... رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه» رفع عن أمتي الخطأ والنسيان ... » روت عائشة حديث إذا التقى الختانان فقد وجب الغسل 420 ... 509 ........ 520,512 ......... 47 ........... 382 ....... روى الربيع عن أبي عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يحج إلا بعد عشر حجج من هجرته ولا أنكر على من تخلف عن الحج من أمته روي أيضا أنه سجد بعد التسليم روي عن النبي أنه سها في صلاته فسجد قبل التسليم سالت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال (صدقة تصدق 496 ..... 537. 537 ..... الله بها عليكم فاقبلوا صدقته)» .......... 382 ستختلفون بعدي، فإذا جاءكم حديث فرأيتموه مضيئا ليس بذي تفاقم ولا تفاوت، فعنّي، وإذا رأيتموه غير ذلك فليس عني ستختلفون من بعدي، فما جاءكم عني فاعرضوه على كتاب سماه الرسول بالتيس المستعار. سن الاستنجاء من كل نجاسة سن رسول الله صلى الله عليه وسلم المضمضة والاستنشاق ... شاور أصحابه بأمر الله جل ذكره شرب من ماء زمزم قائما صلوا كما رأيتموني أصلّي». .... طوافك بالبيت وسعيك يكفيك عن حجك وعمرتك على المؤمن حفظ مال أخيه «عليكم بالسواد الأعظم الله تعالى 203. 203. 639 ... 490 490 ....... 692 ..... 538. 169 .... 536 ..... 405 ... 219 ..... 125 587. عَلَيْكُمْ بِالْقُرْآنِ فَإِنَّهُ فَهُمُ الْعَقْلِ وَنُورُ الْحِكْمَةِ وَيُنَابِيعُ الْعِلْمِ وَأَحْدَثُ الْكُتُبِ بِالرَّحْمَنِ عَهْدًا عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور ... » 772 (1/772)
صفحة 769
فهرس الأحاديث النبوية عن ابن عباس أنه قال: «لا يحل نكاح الأمة إلا لمن يخشى العنت منكم ................ 386 عن أبي عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس قال: اختلفت أنا وأبو سلمة عبد الرحمن في المرأة الحامل إن وضعت بعد وفاة زوجها بليال، قال: فقلت: عدتها آخر الأجلين. فقال أبو سلمة: إذا وضعت حلّت. فجاء أبو هريرة فسئل، فقال: أنا مع أبي سلمة، فبعثنا كرنيا مولى ابن عباس إلى أم سلمة، فسألها عن ذلك فقالت: ولدت سبيعة الأسلمية بعد وفاة زوجها بليال، فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال قد حلت» 534 ... 171 عن أبي عبيدة عن جابر بن زيد قال: كان أصحاب رسول الله من ينامون جلوسا حتى تخفق رؤوسهم، ثم يصلون ولا يتوضؤون، والنبي يشاهدهم على تلك الحالة ولا يأمرهم بإعادة الوضوء. عن أبي عبيدة عن جابر بن زيد قال: يُروى عن عبد الله بن مسعود ليلة الجن في إجازة النبي صلى الله عليه وسلم له أن يتوضأ بالنبيذ، قد سمعت جملة من الصحابة يقولون: ما حضر ابن مسعود تلك الليلة، والذي رفع عنه كذب، والله أعلم بالغيب ........... 192 عن النبي أنه قال: السلطان» ولي من لا ولي له من النساء» عن النبي قال: إذا مست المرأة فرجها انتقضت طهارتها. عن النبي قال: (من أصبح جنبا أصبح مفطرا» 405 .......... 409 .......... 375 ............ عن جابر أنه سأل عائشة: أيباشر الرجل زوجته في ملحفة واحدة وهو صائم؟ فقالت: لا. فقال لها جابر: الم يكن نبي الله يفعله؟ فقالت: إن النبي صلى الله عليه وسلم كان أملك لأربه منكم عن جابر بن زيد وهذا يدل أن الذباب وما يشبهه مما ليس له دم لا ينجس ما وقع فيه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إذا وقع الذباب في إناء أحدكم فامقلوه، فإن في أحد جناحيه داءً وفي الآخر شفاء، وإنه يقدم الداء ويؤخر الدواء غضب الرسول على قوم أفتوا رجلا أصابته شجة فاندملت فإنه لا يدري أين باتت يده فدين الله أحق بالقضاء» فدين الله أحق أن يُقضى «فقال: «لقد حكمت فيهم بحكم الله من فوق سبعة أرقعة. 301 ..... 292 ........... 292 677 644 ......... 265 ..... 549 ........ 264 ........ 773 (1/773)
صفحة 770
فهر من الأحاديث النبوية «فمن ترك الوتر والختان فإنه يستتاب، إذا لم يَدِن بهما، فإن تاب وصلّى واختتن، وإلا قتل إذا لم يدن بهما، وهو كافر لا يُصلى عليه» فوالذي نفسي بيده، لا يخرج منه (أي من لسانه) إلا الحق» في الرقة ربع العشر. في الغنم السائمة زكاة» «في سائمة الغنم زكاة» قاس النبي دين العباد على دين الله قال: إنما الربا في النسيئة. قال: «إذا ابتلت النعال، فالصلاة في الرحال E 3 165 ........ 194 ...... 543 ........ 386 .......... 384 ......... 278 ...... 388 ......... 299 ...... «قتلوه قتلهم الله، هلاً سألوا إذ لم يعلموا، فإنما شفاء العيّ السؤال» ..................... 67 قول النبي عن دم الاستحاضة: «إنه دم عرق قول النبي في آخر الحديث: «أرأيت إن منع الله الثمرة؛ فيم يستحل أحدكم مال أخيه؟» .... قول النبي: «إلا بحقها» قول النبي: «الجهاد ماض إلى يوم القيامة» قول النبي: جعلت لي الأرض مسجدا وترابها طهورا» قول النبي: لا صلاة إلا بطهور» قول النبي: لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب قول النبي: لا يبولن أحدكم في الماء الراكد ثم يتوضأ منه» قوله في الشهداء: «زملوهم بكلومهم فإنهم يحشرون وأوداجهم تشخب دما ... » قوله لأبي بكر: ما منعك أن تصلي بالناس إذ أمرتك؟» قوله: إذا اختلف الجنسان فبيعوا كيف ششتم قوله: الولد للفراش قوله: «إنما الماء من الماء» قوله: «إنما الولاء لمن أعتق» قوله: إنما جعل الاستئذان لأجل النظر قوله: «أينقص الرطب إذا جف؟ قالوا: نعم، قال: فلا إذن ....... 774 294 ......... 307 ....... 359 ......... 345 ........ 319 ....... 339 ......... 343 ..... 283 .... 283 450 ......... 286 ...... 395 ... 382 ... 388 .... 281 285. (1/774)
صفحة 771
قوله: «نقطع اليد في ربع دينار فصاعدا» قوله: رفع عن أمتي الخطأ والنسيان قوله: «في الغنم زكاة» قوله: «في سائمة الغنم زكاة قوله: «لا تقتلوا امرأة ولا صبيا» قوله: لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب قوله: لا صيام لمن لم يُجمع الصيام قبل الفجر قوله: من أعتق شقصا له في عبد قوم عليه قوله: «العينان وكاء السَّهِ، فإذا نامت العينان استطلق الوكاء فهرس الأحاديث النبوية 422 ........ 376 ........... 384 .......... 379. 423 363 ........ 376 ......... 380 .......... 282 .......... 285 .......... 293 .... 306 ......... 376 ......... 363 .......... 285 ........... قوله: «القاتل لا يرث. قوله: «إنها من الطوافين عليكم قوله: «أيما إهاب دبغ فقد طهر». قوله: «لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد) .... قوله: «لا نكاح إلا بولي وصداق وبينة كإعطائه للفارس سهمين وللراجل سهما كان النبي يقضي بالقضية، فينزل القرآن بخلافها، فيستقبل حكم القرآن ولا يرد قضاءه كان أهل الجاهلية يقولون الطيرة في الدابة والمرأة والدار. كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار كسب الحجام خبيث كسب الحجام خسيس» كقوله: «لا يقضي القاضي وهو غضبان ? کن عبد المقتول ولا تكن عبد كنت نهيتكم عن زيارة القبور ألا فزوروها. لا تجتمع أمتي على ضلال القاتل 567 ...... 202 ... 189. 473 473 281. 632. 580 .... 214 ...... 589. لا تجتمع أمتي على ضلال» لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين لا يضرهم من ناواهم حتى يأمر الله ....... 29 لا تقبل صلاة بغير طهور 517 .......... 775 (1/775)
صفحة 772
فهرس الأحاديث النبوية لا تقبل صلاة من أحدث حتى يتوضأ» لا تنتفعوا من الميتة بشيء، بإهاب ولا عصب لا تنتفعوا من الميتة بشيء" لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب 616 .......................... 545 ..... 544 ........ 339. لا صلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس، وبعد الصبح حتى تطلع الشمس» ........... 424 الا صلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس، ولا صلاة بعد الصبح حتى تطلع الشمس لا صلاة بعد العصر حتى تغيب الشمس، ولا صلاة بعد الفجر حتى تطلع الشمس لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد 414 ....... 544 ..... 340 ....... لا صيام لمن لم يُجمع الصيام قبل الفجر» ... 465,445,425,424, 509, 520,518, 686,668,642,635,607,571,547,539 لا ندع كتاب ربنا وسنة نبينا لقول امرأة لا ندري أصدقت أم كذبت، ذكرت أم نسيت لا نكاح إلا بولي وصداق وبينة لا نكاح إلا بولي وصداق وبينة لا وصية لوارث الا يبيع الرجل على بيع أخيه «لا يتوارث أهل ملتين لا يتوضأ من طعام أحل الله أكله» لا يصلين أحدكم العصر إلا في بني قريظة لا يُقتل ذو عهد في عهده» ... لا يقضي القاضي وهو غضبان لاصلاة إلا بفاتحة الكتاب الاصلاة لجار المسجد إلا في المسجد 568 ..... 339 ........ 445 ........ 565,204 ....... 571 ........ 659 .... 537 ....... 651 ......... 423 ...... 380,284 ......... 426 ......... 340 ........... 426 .... 695 .... لعلكم تقرؤون خلف إمامكم؟ قلنا: أجل، قال: لا تفعلوا إلا بأم القرآن، فإنه لا صلاة إلا بها. لعن الله الظالمين وأعوانهم وأعوان أعوانهم ولو بجرة قلم 776 (1/776)
صفحة 773
فهر من الأحاديث النبوية «لعن الله النامصة والمتنمصة لعن الله اليهود تقول: إن الشؤم في ثلاثة لَعَنَ اللهُ الْحُمْرَ وَشَارِبَهَا وَسَاقِبَهَا وَبَائِعَهَا وَمُبْتَاعَهَا وَعَاصِرَهَا وَمُعْتَصِرَهَا وَحَامِلَهَا وَالْمَحْمُولَةً إِلَيْهِ «لقول الرسول ال: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله ويقيموا 469. 202 ........ 469 ....... الصلاة ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك منعوا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها .......... 245 لو راجعتيه. فقالت: يارسول الله، ابامرك؟ فقال: لا، إنما أنا شافع. فقالت: لا حاجة لي به «لو قلت نعم لوجبت» لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة ليس فيما دون خمسة أواق صدقة» ليس منا من ضرب الخدود وشق الجيوب ودعا بدعوى الجاهلية. ليس منا من غشنا 454. 465 ......... 455 ......... 543 ......... 470 ................. 215. 125 ......... ما اكتسب الإنسان مثل عقل يهديه إلى هدى، ويرده عن ردى» ما اكتسب مكتسب مثل فضل علم يهدي صاحبه إلى هدى أو يرده عن ردى. ولا استقام دينه حتى يستقيم عقله حسن، وما رآه المسلمون سيئا فهو عند ما رآه المسلمون حسنا فهو عند سيء. ما كان الله ليجمع أمتي على ضلال ما لي أنازع القرآن؟». مطل الغني ظلم مَلْعُونٌ مَنْ أَتَى امْرَأَةً فِي دُبُرِهَا» ال 125 606 ......... 228 .......... 426 ............ 506 ............ 687 ........... 464 ........... من أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر، ومن أدرك ركعة من العصر قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك الصبح من اشترى شاة محفّلة فهو بالخيار والنظر إلى ثلاثة أيام، إن شاء أمسكها وإن شاء ردّها وصاعا من تمر» من أطاع أمري فقد أطاعني، ومن عصى أمري فقد عصاني» 386 ... 161. (1/777)
صفحة 774
فهرس الأحاديث النبوية من أفتى مسألة أو فسر رؤيا بغير علم كان كمن وقع من السماء إلى الأرض فصادف بئرا لا قعر له، ولو أنه أصاب الحق من ألزم شيئا لنفسه الزمناه له من بدل دينه فاقتلوه» من بلغه آية من كتاب الله فقد بلغه أمر الله كله، قبله أو ردّه» 658 ..... 297 433 ........ 152 ........ 229 ..... من بلغه هذا القرآن فقد لحقته النذارة، وقامت عليه الحجة إلى يوم القيامة» ............ 152 من سره أن يسكن بحبوحة الجنة فليزم الجماعة من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة، ومن سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة من شهد له خزيمة فحسبه من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد» من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد من غشنا فليس منا» من فارق الجماعة قدر شبر مات ميتة جاهلية من كان له إمام فقراءته له قراءة من كذب علي متعمدا فليتبوأ النار من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار .... من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها» .... من نام عن صلاة أو نسيها فوقتها متى ذكرها» «نحن معاشر الأنبياء لا نورث ماتركناه صدقة» نهى النبي أهل الأسواق أن يتبايعوا قبل طلوع الشمس نهى أن يبيع الرجل على بيع أخيه، أو يخطب على خطبة أخيه نهى أن يُخلط البُسر بتمر، أو زبيب ببسر، أو زبيب بتمر نهى عن أكل كل ذي ناب من السباع وكل ذي مخلب من الطير نهى عن الشرب قائما» نهى عن بيع الثمرة قبل أن يبدو صلاحها ويُؤمن عليها من صلاحها صفرتها وحمرتها نهى عن بيع الطعام إلا مثلا بمثل» العاهة (). وبدء 159 .... 571. 161. 476 ......... 683. 228 ......... 427 ... 168 ..... 174 ..... 544 ... 513 ..... 400 ..... 474 ..... 482 ...... 304 ..... 569 .... 538 ........ 307. 549 ...... 778 (1/778)
صفحة 775
نهى عن صلاة بعد العصر، وبعد الفجر فهر من الأحاديث النبوية 544. نهى عن صوم ستة أيام من السنة العيدين، وأيام التشريق، ويوم الشك ................ 473 عن إقعاء الكلب، ونقر الديك، والتفات الثعلب وقعود القرد ........... 480 انهي النبي نهي النبي عن بيع النبي عن بيع الملاقيح وبيع حبل الحبلة الثمر حتى يبدو صلاحه. نهي النبي نهي النبي عن بيعتين في بيعة واحدة هذان جماعة هل عندك شيء من الطعام؟ فقالت: لا، فقال: فإني صائم «وإذا قرأ فأنصتوا» ... 387. 310 .... 482 ......... 398 ......... 425 .......... 426 ..... 435 ......... «والله لأغزون قريشا» وحاشا الرسول صلى الله عليه وسلم أن يحث على الحج ويأمر به بالمبادرة إليه، ويتأخر عنه. بل قيل: إن فرض الحج إنما لزمه في عامه الذي خرج فيه وسكت لكم عن أشياء رحمة بكم غير نسيان فلا تسألوا عنها. وفي رواية أخرى أن عائشة قالت: كذب - والذي أنزل القرآن على محمد من حدث هذا عن رسول الله، إنما قال: «كان أهل الجاهلية يقولون الطيرة في الدابة والمرأة والدار»، ثم قرأت مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَبٍ مِّن قَبْلِ أَن نَبَراهَا} [الحديد: 22]) وقوله: «إنما نهيتكم لأجل الدافة. 462. 503 202 ........ 281 ................ 358 ......... «يا أيها الناس إنكم لا تدعون أصمّ ولا غائبا، إن الذي تدعونه بينكم، وبين أعناق ركابكم يا عبادي كلكم جائع إلا من أطعمته كلكم عار إلا من كسوته، كلكم ضال إلا من هديته «يا وابصة، استفت نفسك يتم النكاح بشهادة من ليس بعدل، بل بفاجر لا تقبل له شهادة» يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله، ينفون عنه تحريف الجاهلين وتأويل الغالين وانتحال المبطلين يقطع الصلاة المرأة والحمار والكلب، ويقي من ذلك مثلُ مؤخرة الرّحل. مع الجماعة، ولا يبالي الله بشذوذ من شذ بد الله 437 .... 114 445 168 ....... 201 229 .... 779 (1/779)
صفحة 776
31 ......... 92 ....... 38 ......... 38 .......... 430 .......... 165 ......... 150 ....... 709 ......... 709 ......... 720,716,35 ......... فهر من الأعلام فهرس الأعلام Josef vaness ا. س. رابوبرت أبا القاسم سعيد بن عبد الله أبا مالك غسان أبان. أبد الله السكاك إبراهيم النظام إبراهيم بجاز إبراهيم بن إسماعيل بن حمو إبراهيم طلاي. إبراهيم ,164,154,85,79,62,57,55,52,48,47,45,43,38,35,19 ,711,710,707,706,641,607,595,508,391,369,358,247,181 ,726,725,724,721,720,719,718,717,716,715,714,713,712 709 ..... 576 ......... 724,672 ...... 727,206 .... 583,429,403,230 ...... 401 ....... 75 ........... 719,585,195,96 ........ 671,638,613,270,269,266,264,260,206,84 .... 226 ......... 735,255,15 ......... 723,496,420,146,127,111 ..... 725,613,485,343,139. 780 732 إبراهيم ابن أبي مريم ابن الأثير. ابن الجوزي ابن الحاجب ابن الزبعرى. ابن الساعاتي ابن الصلاح ابن القيم ابن المبارك ابن النديم ابن النظر ابن بدران (1/780)
صفحة 777
فهرس الأعلام ,98,97,87,86,85,78,60,50,49,48,41,40,39,38,37,12 .. ,148,137,131,129,127,126,117,116,115,114,113,112,108 ,182,176,170,169,168,167,161,160,159,156,151,150,149 ,236,209,208,202,201,196,195,194,193,192,186,185,183 ,266,265,264,261,259,257,256,250,243,242,241,240,239 ,295,294,293,292,290,289,287,278,277,276,273,272,267 ,313,311,310,309,308,307,304,303,302,300,299,298,296 ,333,330,329,328,327,326,325,324,319,318,317,316,314 ,373,371,367,366,356,355,353,352,351,341,340,337,336 ,405,404,403,401,398,397,394,390,389,388,387,386,385 ,431,429,427,426,425,424,421,416,412,411,409,408,406 ,464,463,462,461,460,456,453,450,449,444,441,440,437 ,492,491,482,481,480,479,477,474,472,468,467,466,465 ,519,518,517,516,515,513,511,508,506,505,504,499,494 ,545,544,543,542,540,539,538,536,533,532,531,524,523 ,567,566,565,564,559,558,557,556,555,553,552,547,546 ,594,591,590,589,588,580,579,577,573,572,570,569,568 ,624,622,621,618,617,616,615,611,610,603,602,601,596 ,645,641,640,639,635,634,633,631,630,628,627,626,625 ,681,680,679,678,677,676,668,667,666,665,660,647,646 730,713,707,706,692,691,688 104 ........ 726,203,96,95 .......... 304 ......... 232 .......... ابن تومرت ابن تيمية ابن جريج ابن جرير الطبري ,158,157,156,122,118,112,111,78,41,39,38,37,36 .... jaz il ,293,292,246,243,242,220,219,203,202,192,187,166,165 ,510,509,495,494,491,482,481,473,436,427,411,356,303 ,604,591,567,545,524,521,520,519,518,515,514,513,512 781 (1/781)
صفحة 778
فهرس الأعلام ,683,662,660,644,643,638,636,630,629,626,619,618,616 695,688,685,684 238,206,187,125 ابن حجر ,387,381,271,250,247,222,220,183,179,150,90,63,14 732,726,715,640,560,515,453,403 716,249,92,76,75,72 ..... ابن خلدون ,245,187,142,88,85,77,69,51,41,38,35,34,33,30,16! ,640,626,590,541,540,539,472,471,396,315,314,313,312 716,688,687,680,675,672,665,662,657,653,649,641 716,33,16 ..... 729,717,510,427,249 ....... 731,720,576,150 ........ ,203,197,196,192,188,187,163,161,152,83,82,68 ...... ,301,300,299,297,295,282,270,266,265,262,228,222,204 ابن خلفون. ابن رشد ابن عاشور ,423,414,398,397,388,386,376,360,340,337,317,306,305 ,534,516,512,496,473,469,454,438,435,434,433,431,425 683,658,650,613,609,591,586,569,567,549,538,537 ,485,476,444,437,403,364,347,345,344,291,237. jul 720,668,667,666,664,585,546,522 642,604,470,385,305,304,164,163 ..... 187 .... ابن عبد العزيز ابن عدي ,285,269,266,245,229,214,204,202,200,192,85,84,83 jul ,473,469,428,424,423,411,388,387,336,314,307,299,296 695,683,651,591,481 721,202 .... ابن قتيبة. ,476,454,429,427,425,343,297,294,291,223,222,220. j 722,617,606,605,515,510,509,489,485 732,722,198 ... 576 ........... 782 ابن قيم الجوزية ابن لهيعة. (1/782)
صفحة 779
فهرس الأعلام ,296,292,285,269,266,219,215,205,204,192,159,147. ,424,423,414,395,388,385,382,376,340,339,328,306,300 ,522,515,513,512,506,490,481,472,465,433,432,431,427 695,688,659,644,640,634,630,587,572,569,566,547,545 534 ........ 735,612,605,487,484,449,355,288,147,124,62,61 ..... 64 ............ 724,406,368,146,111 ...... ابن مردويه ابن هشام ابن وصاف 724,712,686,482,406,368,312,166,159,146,111,57 .. l, j 722,719 ........... 439,127,107 أبو إسحاق إبراهيم اطفيش أبو الحسن البسيوي أبو الحسين البصري ....... 715,517,476,460,454,447,438,430,182,177 أبو الشعثاء 609,17 أبو العباس أحمد ..... 666,640,638,637,636,632,631,491,355,53,46, 485,107,92 .... 708,679 .......... 710,42 ..... 685,604,540,341,315,301,191,85. 139 ........ 576 ......... 96 ........... 215 ............ 17 ............... 668,638,437,329,308,293,17 ........... 662,333,37 ................. 677,469,426,359,345,299,297,292 ....... 430 .......... 188 .. 783 726,722,678 أبو العلاء عفيفي أبو القاسم سدراتن أبو المنذر سلمة بن مسلم أبو المؤرج أبو الوليد الباجي. أبو بكر الأنباري أبو بكر الباقلاني أبو حازم أبو حنيفة النعمان ... أبو حنيفة أبو خزر يغلا بن زلتاف أبو داود أبو سريج. أبو سعيد الخدري (1/783)
صفحة 780
534 .... 170 ............ 32,30 ...... 576 ........ 709,31,17,14 .......................... 708,162,125,42 ...... 620,358,244,209 710 ......... 38 ....... 170 ......... 541,534,432,337,202,197,187. فهرس الأعلام أبو سلمة أبو شهاب أبو صفرة عبد الملك بن صفرة أبو عبيد القاسم بن سلام أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة أبو علي أبو عمار عبد الكافي. أبو عمار، عبد الكافي التناوتي الوَارِجلاني أبو محمد عبد الله بن بركة أبو نعيم أبو هريرة أبو يعقوب الوارجلاني 188,117,104,103,99,98,79,52,51,24, 253,189, 725,613,563,495,486,402,381,263 34 ........ أبي الخطاب عبد الأعلى 576,463 ........ ..... 187,77,14 .......................... أبي بن كعب أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة. ,163,162,161,85,84,82,77,69,34,33,32,31,30,14 ...... أبي عبيدة. ,303,297,292,259,254,228,203,191,188,187,171,167,164 709,658,654,609,590,575,540,534,496,438,381,340 388,33 أبي غانم الخراساني 67 ......... 728,644,638,621,257,189,146,134 .......................... 638 ..... 628,618,514 ..... 725,103 ....... 522,255,133 ... 576 ........... 8,7 ........... 784 أحمد الحارثي أحمد الخليلي. أحمد الريسوني أحمد الزرقاء أحمد أمين أحمد بن الحسين أحمد بن الهيثم بن خالد أحمد بن حمد الخليلي (1/784)
صفحة 781
فهرس الأعلام أحمد بن حنبل ... 114, 194, 214, 215, 216, 219, 233, 282,266,265,243, ,361,343,340,337,333,318,308,305,300,296,286,285,284 ,426,423,420,413,409,406,405,398,385,380,375,370,368 ,598,572,569,549,540,538,476,474,469,465,437,428,427 688,687,651,632,616,606 49,47 720,709,46 ...... 706 ......... 722 ........... 724,694 ........... 721,715,707,46,45 ........... أحمد بن عبد الله الكندي أحمد بن محمد بن بكر أحمد بن يحي بن المرتضى أحمد عبد العليم البردوني أحمد فريد أحمد كروم أحمد محمد شاكر. أحمد محمد فهمي أحمد نشأت 722,719,718,92,74 .. 719 .......... 721 أخرجه مسلم .... 159, 536,517,465,437,432,388,341,286,266,169, 580,569,549,547 632,627,614,557,505,447,417,416,407,390,326,120 ...... 93,74 ......... 103,93 .......... 659,388 ............ آدم أرسطو از قلد كولبه. أسامة بن زيد ,714,707,620,522,471,433,296,288,253,206,150,46,45 b 522,150 .......... 113 ........... 729,315 ......... 713 ......... 576,384,200 ... 713,358,266,150,64,22,15,14 ......... 548 .......... 785 721,720,719,717,715 الإسفراييني إسماعيل بن جعفر إسماعيل يحي رضوان الأسنوي، جمال الدين الأسود الأشعري أشيم الضبابي (1/785)
صفحة 782
فهر من الأعلام ,247,202,172,152,133,131,130,129,127,126,108,57 ...... $1 713,706,668,602,592,577,494,490 ,210,180,165,151,150,139,99,87,83,57,56,46,45,33 ... bl ,301,297,273,270,266,261,253,251,238,223,221,220,213 ,453,431,429,428,397,386,369,354,353,312,309,305,304 ,542,541,540,523,517,510,500,471,462,461,460,455,454 ,715,714,709,695,692,687,681,676,675,642,637,634,620 721,720,719,717,716 725 ..... 466 ......... 541,534,397,303,113 .... 725,454,221,139,30 715,446,137,93 ..... 42,38,37,36 ..... الألباني أم حبيبة أم سلمة الإمام أحمد إمام الحرمين الإمام الصلت ,684,645,634,625,496,337,336,255,36,35,34 .... lo ply 736,359,81,55,34,33,28 ......... 709 امحمد بن يوسف اطفيش ,291,273,260,237,235,227,222,221,220,178,177,117 ... ,663,617,582,500,489,485,480,476,454,449,445,444,326 730,714,530,145 ... 630,565,544,370,345,297,219,204,188,187,161,68 17 ......... 709 ... 725,613,486,402,381,271,99,86 623 ...... 712,664 الأمين juil بابن عباس ...... با به بن بيشة بن محمد الوَارِجُلانِي باجو الباحسين ,200,192,183,170,169,168,121,113,96,86,85,75,64 .... ,266,265,264,245,234,229,228,226,216,215,213,202,201 ,308,307,303,300,299,297,296,294,284,283,282,281,269 786 (1/786)
صفحة 783
فهر من الأعلام ,354,347,346,345,343,339,333,332,329,328,319,314,310 ,411,407,397,395,394,388,387,386,385,381,380,368,363 ,455,453,450,448,433,430,428,427,426,425,424,422,414 ,515,510,506,491,482,481,480,476,473,472,470,466,464 ,616,614,605,585,572,569,549,544,543,538,537,536,522 726,713,651,650,644,629 605 ............ 413 .......... البدخشي البراء بن عازب ,128,127,110,108,99,98,97,93,89,79,68,55,44,19,18. ,360,350,334,327,317,316,256,169,168,140,139,137,133 ,475,468,467,457,455,453,452,451,448,447,434,433,396 ,668,666,664,648,593,553,552,502,501,500,489,487,478 732,713,711,706 456,454,282 ............ 713,605,394,96,75 ............ 712 ............... 714,711,439,141,137,127 247. 707,78,36 .......... 728,714,206,183,178,164,152,104,15 726,638,222,198,197,83,31,30 ............. 720,47. 714,658,617,230,220,210,156 .................... بريرة البزدوي بَس بن أم موسى البسيوي بشر بن المعتمر بشير بن محمد بن محبوب 726,694,674,574,570,392,365,345,344,343,342,332,62 714,445,438,403,392,291,93,11 .......... 629,480,204,169 711,54,51,50 .......... 726 ........... البغدادي بكوش بكير الشيخ بالحاج البوسعيدي البيضاوي البيهقي تبغورين التركي. 787 (1/787)
صفحة 784
فهر من الأعلام ,296,292,285,283,269,265,238,229,214,204,200,113 .. ? i ill ,424,412,401,388,382,368,363,340,339,337,306,301,297 ,547,546,545,522,521,517,513,506,482,431,428,426,425 688,677,660,644,630,609,587,580,566 57 ........... التعاريتي. ,707,613,491,470,453,253,210,167,160,104,79,70,54 714 258,257,256,254,253,247,84,82,76,54,53,50 ........ ill 262 ........ 204 ........... 312. تغلب ثوبان الثوري ,84,83,82,77,76,70,68,67,57,32,31,30,18,17,14 ... ,253,228,222,203,198,191,188,187,171,162,161,112,111 ,496,490,483,474,471,411,386,340,312,300,297,295,292 ,630,626,605,603,586,561,539,535,534,520,519,511,498 731,726,714,707,698,645,642,641,640,639,638,636 41. جابر بن علي السعدي ,83,82,81,77,76,70,68,67,57,37,33,32,31,30,18,17,14. ? ,187,171,170,169,167,164,163,162,161,147,112,111,84 ,295,292,284,257,254,253,228,222,203,198,197,191,188 ,411,386,358,340,335,319,315,312,310,304,301,300,297 ,534,532,520,519,511,498,496,490,483,474,471,444,427 ,630,626,613,609,605,603,596,590,588,586,561,539,535 ,698,686,677,659,658,645,644,642,641,640,639,638,636 732,731,730,726,714,712,707,699 636,472,83,69,39,30 ..... 727,96,95,74,73 663 .... 460,429 ........ 713 ....... 788 جابرا الجابري الجاحظ الجبائي جبر محمود الفضيلات .... (1/788)
صفحة 785
فهرس الأعلام 170,145 ........ ... جبريل. ,57,55,52,50,49,46,44,37,36,35,34,31,19,18,17,14. S 727,359,134,120,69,59,58 103 جون لوك ,138,137,124,117,110,109,105,103,93,91,90,89,88,75 ,461,260,258,184,183,182,179,178,177,175,174,173,172 715,598,515,499,476 ,301,299,292,281,246,179,171,133,127,108,85,83,58 ,509,496,489,465,453,423,410,379,357,355,340,332,302 ,678,676,675,657,618,616,615,602,588,587,555,554,539 715,684,679 604 ............. 36 ............... 734,732,712,710,709,708,706 ....... 561,126,124 727,85,68,33 ......... 238 ........ 695,319 ........... حاتم بن منصور الحاج أحمد كروم الحاج سعيد محمد الحارث المحاسبي الحارثي الحافظ العراقي 312,198 ............ 723,124 ............. حذيفة الحسن البصري. حسين قوتلي ,491,471,458,453,433,296,244,232,231,172,45,33 ..... 716,707,681,658,604,537 187 ............ 727,708,639,632,113,78,48,38 ......... حيان الأعرج خالد الخراساني 191,188,171,164,163,85,779,689,33, 203, 219, 297,295, ,386,376,375,341,336,317,316,315,313,305,304,301,298 ,540,539,535,512,511,483,480,474,470,453,413,411,389 ,630,610,609,604,591,578,577,572,567,565,542,541 716,685,659,645,642,641,634,640 789 (1/789)
صفحة 786
716 ......... 152 ........... فهرس الأعلام الخروصي الخطيب البغدادي ,185,177,151,146,134,129,92,89,73,64,63,41,27,22 .... ,244,237,233,231,223,221,220,219,217,213,212,209,190 ,351,342,331,312,301,298,287,279,278,276,273,258,247 ,466,459,449,442,438,428,408,403,389,387,371,366,361 ,563,562,556,548,542,531,525,517,508,506,495,487,479 ,670,669,657,652,614,608,599,590,589,588,580,573,571 728,686,685,678,675 80,58 718,80,58 ...... خلفان بن جميل السيابي خلفان بن جميل 80 ......... 219 .......... 16 ............. ,340,305,285,282,243,215,195,192,169,159,154,125 .. 688,684,651,609,587,547,546,545,490,454,431,411 75 ........... خليفة بن سعيد بن ناصر البوسعيدي الخياط د. ماكدونال الدارمي الدبوسي ..... ,187,165,78,77,68,67,44,36,35,34,33,30,18,17,14 ... 716,256 728,506,476,444,442,439,347,345,344,343,342 74 .......... 728,680,91,39 ..... 538,282. 716,664,663,522,517,499,460,316,219,30 ......................................... 40 ......... 43 ......... 729,81,78,77,70 ........ 319 ...... 790 الدريني ديکارت الذهبي ذو اليدين الرازي راشد بن النظر راشد بن علي الراشدي ربعي (1/790)
صفحة 787
فهرس الأعلام ,187,167,162,161,152,121,85,77,33,32,30,19 ... i will ,534,516,472,471,470,439,400,340,304,254,228,203,198 734,717,716,707,639 717,619 ,612,252,237,233,210,160,159,144,139,136,117,81 .... lg.gull 200 ............... 18 .. رواه مسلم روبيناسي ,230,229,223,222,220,174,172,153,151,144,142,93 .... ,515,512,493,485,454,427,317,316,297,294,293,291,237 ,656,638,637,624,617,613,602,598,590,585,583,582,534 729 729,45 .... 425 ........ الزركلي زفر ,606,593,450,312,256,245,165,108,54,46,45,39,18 ...... ? S; 724,717,715,627,620 405,233 ......... 730,529,439,347,346,345,344,343,235 ............. 123 ......... 19 ........... 724,719,711,44,40 ......... 81 ........... 718,35 ...... الزهري زيدان. زيغريد هونکه سالم العدالي سالم بن حمد الحارثي سالم بن حمود السيابي سالم بن يعقوب ,99,92,90,88,82,81,67,60,59,57,56,50,48,43,41,38 ... ,147,145,144,139,136,135,132,129,127,121,120,117,116 ,179,178,177,176,175,174,173,171,170,169,166,160,159 ,217,216,213,210,206,198,197,190,188,185,182,181,180 ,238,235,232,230,229,225,224,223,222,221,220,219,218 ,287,286,280,279,278,277,275,274,273,272,259,252,251 ,356,355,353,351,350,348,335,332,331,316,300,299,289 ,376,375,374,373,371,370,369,365,364,363,361,360,357 791 (1/791)
صفحة 788
فهرس الأعلام ,410,408,407,404,403,402,399,396,395,393,389,378,377 ,437,435,433,432,431,430,420,419,418,415,414,412,411 ,460,457,455,453,450,448,447,445,444,443,440,439,438 ,499,495,491,489,485,477,476,475,471,468,466,465,461 ,548,543,535,534,533,531,517,507,506,505,504,503,500 ,574,573,570,568,564,563,562,560,559,558,557,556,553 ,597,596,595,593,592,589,584,583,582,581,578,577,575 ,619,615,614,613,612,610,608,603,602,601,600,599,598 ,657,655,654,653,651,650,648,637,624,623,622,621,620 ,706,684,681,680,675,672,671,670,668,665,664,663,658 730,717,711,707 717,570,454,448,183,60. السبكي. 535,534 ....... 37 ......... سبيعة الأسلمية سحنون بن أيوب ,347,346,345,344,342,294,293,240,222,221,220,75 .. 718,613,605,536,510,489,453,447,438,437,425 730,1 ,14,13 ..... 730,722,677,285,281,264,215,60,14,13 .......... 206,201,183 314 ........... 714,30 ...... سعد زغلول. سعد سعيد القنوبي سعيد بن جبير سعيد بن خلف الخروصي 80 ......... سعيد بن خلفان الخليلي ,587,561,515,514,508,496,491,457,165,159,44 ... Jew 708,691,681,671,666,661,659,656,653 81 ......... 548,282,188,187,81,77 ........... 721,145,42 80 ........... 97,68,34 ....... 792 ..... سفيان بن محمد الراشدي سفيان ...... سلمة بن مسلم سليم بن سالم آل ثاني سليمان الباروني (1/792)
صفحة 789
فهرس الأعلام 33 ......... سليمان بابزيز 723,716 .......... سليمان بن إبراهيم بابزيز ,90,79,75,74,68,66,64,61,57,56,51,50,45,44,34,33 ... ,713,712,711,627,563,561,469,457,424,420,255,97,95,94 732,727,725,716,715,714 18 ......... 540 .............. 730,136,135 .. 407. سموجورجفسكي سمي سهير القلماوي سهيل بن عمرو ,122,121,120,119,116,111,106,104,98,79,51,50,49,44. j ,174,172,171,170,169,165,151,150,149,148,147,145,140 ,364,360,354,353,352,350,349,325,247,212,196,180,175 ,449,448,445,444,443,440,439,436,411,410,375,367,366 ,495,487,470,469,467,460,457,456,455,453,452,451,450 ,572,566,563,560,559,553,552,551,537,505,498,497,496 708,675,668,620,607,595,577,575,573 247 ......... 144,73 721,49,41 .... سيار سيبويه سيدة إسماعيل كاشف 718,656,585,206,197,196,195,175,174 ............. 258,257,235,17 ......... 729,718,638,76 .......... السيوطي شاخت الشاطبي ,203,197,182,172,153,124,95,94,92,75,74,73,72,65 .. ,438,425,403,378,349,336,320,309,308,307,297,288,255 731,719,637,616,608,607,605,571,570,548,510,489,439 671,547,200 .................. 718,35 .......... الشعبي شفارتز ,220,210,193,174,168,160,159,156,125,124,122,80 ... sell 793 719,510,509,414,405,255 (1/793)
صفحة 790
فهرس الأعلام ,111,104,99,79,77,76,70,67,58,56,55,54,53,17,14 ... ,223,222,181,180,178,177,171,165,164,160,159,138,133 ,286,283,280,278,277,273,270,260,256,255,252,235,224 ,453,445,440,438,430,429,413,403,396,395,393,361,326 ,559,553,548,539,500,499,495,494,492,491,489,485,455 ,597,596,593,584,582,578,577,575,574,573,564,562,560 ,666,665,664,663,655,650,620,608,607,602,600,599,598 719,708,707,687,681,680,668 730,530 ......... 730,719,15,13. الشنقيطي الشهرستاني ,612,605,598,582,485,291,278,235,206,174,64,63,625 mill 719,656,617,613 22 ....... 726 .......... الشيخ الخضري الشيخ بالحاج. ,536,534,522,510,449,447,427,425,297,294,206,205. ? ill 719,671,666,664,570 731,19 303,187 ....... 67,18 40 ....... 724 ...... 712,710,708,707,99,28 ............................. صابر طعيمة صالح الدهان صالح الصوافي صالح بن عمر بن مبارك النزوي. صالح بوسعيد صالح لعلي صالح. ... ,377,345,344,343,342,303,187,99,68,67,40,28,18,8 .... ,731,725,712,711,710,708,707,620,523,446,445,425,383 734,733 41,40,38,37,36 .... 548. 309. 461 ......... 794 الصلت بن مالك الضحاك بن سفيان. ضمام بن السائب ضمرة بن ضمرة (1/794)
صفحة 791
فهرس الأعلام 388 ....... 481,386,214,204 ......... 81,56 ....... 425,312 .............. 569,426,363,343,339,286,213 ....................... 28 ........ 570 .......... 732,570,104,90,75 ......... 731,320,74 ..... 731,134,131 ... 720,709,684,34 .... 165,121,19 E طاووس الطبراني عامر بن خميس المالكي عائشة أم المؤمنين عبادة بن الصامت. عبد الله السالمي عبد الجبار بن أحمد عبد الجبار عبد الحليم الجندي عبد الحليم محمود عبد الرحمن بن رستم عبد الرحمن مصلح عبد الرحمن ..... 19, 481,337,256,203,200,174,165,121,113,58,34, ,720,719,717,716,715,714,709,684,656,541,540,536,534 731,727 481,428,382 45 ........... 326 .. 82 ........ 45 ............ 68 ............ 311 ........ 664,663 ......... 283 ........ 687 ......... 13 ......... 609,545,522,13 259,254,33 .......... 725 ........... 795 عبد الرزاق عبد العزيز الثعالبي عبد العزيز الثميني عبد العزيز بدوي عبد القادر المجاوي. عبد الله بن إباض عبد الله بن أبي بكر عبد الله بن الحسن عبد الله بن ثعلبة عبد الله بن عباد المصري عبد الله بن عباس عبد الله بن عباس عبد الله بن عبد العزيز عبد الله بن عبد المحسن التركي (1/795)
صفحة 792
فهر من الأعلام الله بن عمر ... 93, 463,428,423,387,333,312,310,214,202,192, عبد 714,706,634,541,517,469 عبد الله بن محمد بن بركة البهلوي عبد الله بن مسعود. عبد الله بن مسعود. عبد الله بن يحي الكندي. عبد الله بن يوسف عبد الله دراز عبد المجيد التركي عبد الملك بن مروان. عبد المنعم النمر عبد المنعم عامر عبد الوهاب بن عبد الرحمن بن رستم عبد الوهاب عبد اللطيف عبد بن حميد عبيد بن عمير الليثي 38 .......... 606,587,572,481,386,284,191,13. 587,191,13 ...... 33 ...... 715 .......... 718 ........ 713,90 ....... 609,68 67,63,62 ................ 724,723,719,713,712,48. 34 ........... 718 ........ 534 .......... 557 ......... ,198,191,187,163,162,149,84,82,77,69,33,32,31,17,14 us ,432,386,381,335,315,301,300,292,259,258,257,256,254 709,701,698,654,630,610,590,569,565,534,511,490,482 397,151,14 .................. 677 ... 720 ....... 576,539,536,467,466,405,312 ..... 150 ...... 732,90,73,65 .......... 656 ...... .... عثمان بن عفان عدي بن حاتم العراقي، أبو الفضل عبد الرحيم عروة عضد الدين الإيجي. العلواني علي السايس علي بن أبي طالب 222,220,204, 590,544,463,428,423,311,297,285 علي جواد الطاهر علي حسب الله 733,61 733,583,332 ....... 796 (1/796)
صفحة 793
فهرس الأعلام 67 .. 733,691,582,166,165,133,120,70,18 651,520,473,64 .... 733,135 ............ علي سامي النشار علي يحي معمر عمار بن ياسر عمار طالبي ,473,430,411,382,368,313,308,266,264,234,207| jc 734,652,586,524,515,474 521. 19 ........ 502,311 ........... عمر بن عبد العزيز. عمر بن مسعود الكباوي عمرة 659,650,603,409,269,265,243,194,172 ............................................ volellige 300,30 ........ 735,724,716,53,18,16 .......... عمرو بن هرم عمرو خليفة النامي ,120,119,104,98,85,79,69,53,51,49,44,35,30,18,16 ..... ,354,337,300,269,265,243,214,195,194,172,171,167,138 ,389,373,372,367,366,315,303,241,158,78,69,36,33 .. 735,724,721,719,716,708,659,650,603,409,398,361 721,644,542,502,500,499,496,490,457,406 ,145,144,137,136,129,120,117,116,111,107,106,42 ..... العوتبي ,194,193,191,189,182,168,156,154,153,152,149,148,146 ,254,251,250,234,233,231,228,216,215,211,202,197,196 ,314,308,290,287,277,276,272,270,266,265,262,257,256 ,360,359,356,355,353,352,350,349,348,339,338,333,325 ,424,421,414,404,397,391,380,379,378,373,372,371,364 ,468,465,461,460,455,454,453,450,449,445,441,433,429 ,552,551,550,549,548,543,542,538,532,518,490,488,475 ,575,572,568,567,566,565,564,561,559,558,557,554,553 ,660,648,647,646,643,625,617,615,614,606,589,579,577 721,710,685,684,681,680,679,678,677,676,663,662 721 .... 797 عياض، القاضي (1/797)
صفحة 794
728,724,723,721,713,712 ....... فهرس الأعلام عيسى البابي الحلبي. ,712,711,708,595,556,430,401,301,297,185,79,50,39 .. und 728,726,724,723,714,713 ,133,130,128,126,105,97,96,95,94,93,89,86,75,46,22 ,180,179,178,177,176,174,171,161,153,148,142,141,137 ,218,217,216,215,212,199,197,196,191,190,185,184,182 ,260,252,249,235,232,229,228,227,223,222,221,220,219 ,349,340,335,334,331,327,326,291,288,280,277,271,270 ,394,384,383,382,381,380,371,370,369,364,356,353,350 ,434,432,430,413,411,410,408,407,403,402,400,399,395 ,476,466,461,460,456,455,453,452,449,446,442,438,435 ,500,499,498,495,494,492,486,485,484,480,479,478,477 ,590,589,584,583,578,570,560,559,531,525,506,503,501 ,665,663,653,620,619,613,608,605,599,598,597,595,593 733,731,721,674,673,670,669 294 ....... 574,573,568,547,467,200 ................... 19 ......... 425 ..... 320 ...... 540 ....... 712 ......... 80 .......... 123. 733,67 ....... 718 ......... 449,178 ...... 575 ......... 734,200,195. 798 فاطمة بنت حبيش فاطمة بنت قيس فرحات الجعبيري فرعون ... فرنسيس بيكون الفضل بن عباس الفقيه داود الوَارِجلاني فهد بن عامر السعيدي فؤاد حسنين علي فؤاد سركين فيرنز شفارتز الفيروز أبادي القاسم بن سلام القرضاوي (1/798)
صفحة 795
فهرس الأعلام 722,598,576,554,305,226,152,151,150 ......... القرطبي ,552,356,355,333,154,153,152,149,148,146,145,144 .. will?ll 710,575,565,561,559 722,534,522,510,489,398,293 ..... الكاساني ,179,177,176,166,160,156,145,140,137,132,127,42,415 ,556,503,357,316,267,263,262,245,237,228,225,208,191 ,667,666,663,658,655,653,621,620,594,593,579,559,558 722,710,690,686,685,684,681,677 574,499,476 ...... الكرخي ,174,167,159,156,133,130,114,106,105,104,79,48,47. ? ,272,266,265,250,243,228,211,210,209,196,195,194,176 ,390,362,349,308,306,302,296,294,290,287,277,276,273 ,542,538,532,424,421,420,418,417,416,415,403,402,401 ,678,667,666,663,662,661,660,658,657,655,646,589,572 723,711,710,684,681,680,679 37 ............. 77,33 لأبي خزر يغلا بن زلتاف لأبي غانم بشر بن غانم الخراساني 38 ........... 104,19 ...... 98,36 ........... 80 ............ 80 ........... 80 .......... 70,17 36 ........... 35 ............. 718 ............ 384,258,94,58,22 ............ 690,99,86,50,16 ..... 799 لأبي محمد عبد الله بن محمد بن بركة لأبي يعقوب الوارجلاني. لبشير بن محمد بن محبوب لحمد بن عبيد السليمي لخلفان السيابي لخلفان بن جميل السيابي لعمرو بن جميع لعمروس بن فتح للإمام عبد الوهاب للربيع للغزالي. للوارجلاني .... (1/799)
صفحة 796
E 35 ......... 35 ............ 523,315. 39 .......... 510,385,296 ........ 570,17 .... 734,146 .. 381 .... 257,254,188,187,132,108,77 ........... 722 ......... 608,515,166,66,63,15 ........... فهرس الأعلام لواب بن سلام لواب لوط ليحي بن زكرياء الموصلي مالك بن الحويرث مالك بن أنس مالك بن نبي. المبرد. محبوب بن الرحيل محمد أبو الحسن محمد أبو زهرة محمد إسماعيل شعبان. محمد الخضري. محمد بابا عمي. محمد بخيت المطيعي. محمد بن الحاج صالح المصعبي محمد بن الحسن محمد بن الحواري. محمد بن بكر النفوسي. محمد بن جعفر محمد بن محبوب بن الرحيل 88,81 .... 403,63,22 ........ 721 ........ 491 ......... 712 ..... 605 ........ 687,685,676,662,661,568,185 ...... 44 ........ 712,683,37 .... ........ 710,707,78,36,35 ......... محمد بن محبوب ...... 35, 444,427,38, 710,683,641,580,505,499,479 711,709 ........ 236,235,227 721 ...... 734,19 721,719,666 ...... 734,652 ...... 800 محمد بن يوسف بن داود المصعبي محمد تقي الحكيم محمد جمال الدين القاسمي محمد حسان كسبة محمد حسن هيتو محمد رواس قلعجي (1/800)
صفحة 797
E محمد زهدي النجار. محمد زهري النجار محمد سعيد رمضان البوطي محمد صدقي محمد عجاج الخطيب محمد علي الصابوني محمد علي دبوز محمد عوض خليفات ..... محمد فريد وجدي محمد فؤاد عبد الباقي. محمد محمود إسماعيل محمد ناصر محمود سكر فهرس الأعلام 721. 719 ...... 601,344,146 ........ 720,47 735,203,195 240 ........... 67,46 .......... 68 ...... 449 .. 721 724 ... 720,47,46,24 ........... 721 .. 735,734,717,715,713,704,637,260,206,146,60,45 ......... 33 ......... 33 ........... out مخلد بن العمرد. مخلد بن العمرد العمرد ..... 723,638,637,536,510 ......... 541 ........... المرغيناني مروان بن الحكم ,130,125,120,119,117,112,106,104,60,51,50,46,45,44. ,490,469,459,457,451,447,434,406,390,231,161,160,138 ,579,563,561,559,524,522,514,509,508,497,496,494,493 716,711,683,671,666,659,656,654,653,618 224,201,145 627,623 ....... 203. 583,247,246 .... 253,62,51 .. 34 ............. 801 مسروق مصطفى الزرقاء مصطفى السباعي مصطفى الشكعة مصطفى باجو مصطفى بن الناصر ويتن (1/801)
صفحة 798
605,583 ..... 726,605,583 ... 721 ...... 8. 723,715,79,55 ............. 337 ......... 651,265,191 ..... 301 ....... 454,282 ............. .... فهرس الأعلام مصطفى ديب البغا مصطفي ديب مصطفى شريفي مصطفى صالح باجو. المصعبي المطلب بن عبد الله معاذ بن جبل .... معاذة مغيث ملا علي القاري. 198 ......... ,125,124,119,117,116,115,106,105,104,98,79,50,16. üll! ,212,208,197,196,190,180,176,174,148,138,134,133,131 ,349,333,331,291,290,275,262,251,246,238,236,231,221 ,388,379,378,373,367,365,364,360,358,354,351,350 ,553,508,494,453,441,440,437,433,418,417,416,393,413 19 ........... 17 ............ 509,255 ....... 711,675,648,607,555,554 40,38 .... 595,594,425,420,369,358,356,152 ..... 735,63 .... 722 ....... 80 .......... 695,463,327,299,192,85. 17 ........... 735,682,259,217,69,51,50,37,17,16. 802 مهني التيواجني موتيلانسكي. مورينو .. موسى بن علي موسي بن موسي مُوسَى ...... نادية شريف العمري ناصر الدين الألباني ناصر بن أبي نبهان نافع نالينو النامي (1/802)
صفحة 799
فهرس الأعلام ,235,228,221,220,216,211,128,117,116,111,98,43 نجاد بن موسى ,276,275,272,270,268,267,266,261,260,257,252,251,250 ,505,504,379,378,377,373,364,349,317,308,290,287,277 711,667,664,663,662,658,653,650,648,646,550,549 687,671,540,534,474,469,467,466,337,284,243,85 ...... 723,624,605,476,454,444,347,346,345,344,291,174 .... mill 260,247,237,235 ..... النظام النعمان 461,219,215 ........ 36 ........... 595 .......... 200,183 .. 302 ....... ...... ,285,283,282,233,216,215,204,202,201,197,188,121 540,539,432,375,337,328,312 736,629,571,521,503,462,423,269,168,125 ....................... نفاث بن نصر نوح النووي هاشم بن غيلان هريرة. الهندي. 38 ............. وأبا إبراهيم محمد بن سعيد بن أبي بكر الأزكوي 38 ............ 114 ............. 18 ......... وأبا قحطان خالد بن قحطان. وابصة وأبي زكرياء الوارجلاني ,99,98,97,87,86,79,60,56,55,53,52,51,24,19,18 .... ,128,127,119,118,117,116,110,109,108,106,105,104,103 ,173,172,168,155,154,153,151,140,139,138,137,133,132 ,193,190,189,188,183,182,181,180,178,177,176,175,174 ,217,216,214,213,212,211,209,208,198,197,196,195,194 ,232,230,229,228,227,226,225,224,223,222,221,220,218 ,265,263,262,261,260,259,253,252,251,237,235,234,233 ,288,287,286,283,282,281,280,278,274,271,270,267,266 ,334,333,332,331,327,326,325,321,317,316,309,291,289 ,365,364,362,360,357,355,353,352,351,350,349,348,338 ,385,384,382,381,379,377,373,371,370,369,368,367,366 803 (1/803)
صفحة 800
فهرس الأعلام ,411,410,407,402,400,399,398,397,396,395,394,393,388 ,438,437,436,435,434,432,431,429,423,420,419,418,413 ,457,455,453,452,451,450,448,447,445,444,443,442,440 ,480,479,477,475,470,469,468,467,466,465,462,461,460 ,524,505,503,502,501,500,499,498,495,494,491,488,486 ,559,558,557,555,554,553,552,551,547,546,545,543,532 ,590,584,581,575,574,572,571,569,568,567,563,562,561 ,629,628,613,612,611,610,607,606,602,600,595,593,592 ,664,662,661,659,657,656,654,653,652,651,649,648,641 ,693,692,691,685,681,678,676,673,672,671,669,668,666 725,724,717,716,712,710,709,696,695,694 217 ......... 698,335,188,77,33 ......... 655,559,489,395,321,253,252,18 ...... 14 .......... 33 .. 381,262 ........ 40,38 ... 712,711,491,78,51,18,13 38 ........ 401. 716,33 ...... 30 ......... 724 ..... 187. 382 .... 724 .......... 804 الوار جلاني. والربيع والشماخي والشهرستاني وائل بن أيوب وتغلب وراشد بن النظر الوسياني وغسان بن محمد بن الخضر الوليد بن المغيرة ووائل بن أيوب ويحي بن معين. يحي بن سعيد. يحي بن معين يعلى بن أمية يغلا بن زلتاف (1/804)
صفحة 801
فهرس الأعلام ? ,332,200,195,153,149,81,79,55,54,52,51,34,33,28 ..... ,719,716,715,711,709,627,415,399,398,390,376,359,333 #000000 736,735,734,724 805 (1/805)
صفحة 802
605,476,370 283 ...... 159 ....... فهرس الجماعات والطوائف فهر من الجماعات والطوائف أصحاب أبي حنيفة أصحاب الظاهر أصحاب رسول الله ,28,27,26,25,24,22,21,20,19,18,17,16,15,14,13,8 .... YI ,52,51,50,49,48,46,45,44,42,41,38,37,36,35,33,32,31 ,83,82,81,79,78,77,76,70,69,68,67,61,59,58,55,54,53 ,118,117,116,111,110,105,104,98,97,96,93,87,86,85 ,137,136,135,134,133,132,130,126,125,124,123,121,120 ,167,166,165,164,162,160,158,157,150,146,142,140,139 ,191,189,188,187,185,184,183,182,178,176,174,172,171 ,225,223,222,220,219,218,216,214,213,212,208,197,193 ,253,250,247,246,244,240,239,238,235,234,232,231,230 ,290,289,287,280,279,273,268,260,259,258,257,256,255 ,319,314,313,312,311,308,305,304,303,302,296,294,291 ,357,356,354,351,349,347,335,330,328,327,325,324,321 ,389,388,386,378,376,375,374,373,372,371,369,361,359 ,431,430,427,426,417,403,402,399,397,396,395,394,390 ,459,457,456,453,452,451,450,448,444,440,439,436,432 ,479,478,475,472,471,470,468,467,466,465,464,463,460 ,502,501,499,497,496,495,493,491,489,487,484,481,480 ,522,521,519,517,515,514,513,511,510,509,507,505,504 ,557,553,551,548,546,542,541,540,539,535,530,524,523 ,580,578,576,575,572,570,567,566,565,563,560,559,558 ,608,606,605,601,600,597,594,593,590,588,584,583,582 ,645,644,641,640,637,627,621,620,619,616,615,613,611 ,682,679,678,675,668,665,663,662,659,658,656,652,647 ,701,700,699,698,693,692,691,690,689,687,685,684,683 734,733,732,731,730,727,726,725,704,703,702 ?? 806 (1/806)
صفحة 803
فهرس الجماعات والطوائف ,104,97,94,92,91,89,88,75,74,67,63,56,27,23,22 .... $1 ,225,221,220,218,215,210,186,171,169,139,125,119,106 ,360,355,351,350,327,326,316,283,278,274,249,237,232 ,455,453,449,447,443,442,439,433,418,394,373,372 ,593,583,582,574,570,551,507,499,495,487,484,459,478 700,659,658,652,637,602 68 ........ الأمويين ,347,344,342,328,293,291,235,174,91,75,74,73,27,22. ,431,430,429,427,425,402,397,381,374,372,364,353,352 ,604,554,546,536,522,515,506,495,491,489,487,444,432 700,668,664,637,627,615,611,608,605 699,218 ....... الخلفاء الأربعة ,562,260,258,236,235,203,187,167,166,136,135,68 ..... ll 733,730,692 735,35,34 ..... 689,587,423,368,266,218,207,80,68,14. 34,14 ...... 258,235 ........... 203 ...... 179 .... 217,165 ........... 730,728,726,720,716,713,674,95,62 ....... 178 ........ الدولة الرستمية الراشدين الرستميين الروافض الزنادقة السفسطائية السكاكية السلفية السمنية 656,613,608,605,536,445,431,427,399,335,297,221 ... 693,255 ........ 727,699,656,557,260,235,218 .... ,180,170,163,162,91,84,83,82,76,72,68,64,32,17 ...... الشراة الشيعة ,201,200,198,197,196,195,194,191,188,187,184,182,181 ,234,230,229,224,223,222,221,220,219,218,215,213,207 ?? 807 (1/807)
صفحة 804
X فهرس الجماعات والطوائف ,269,268,267,266,264,260,259,254,253,247,243,238,237 ,430,427,402,400,397,385,382,368,367,313,312,297,270 ,585,584,574,573,548,546,535,479,478,477,472,456,431 ,651,646,643,640,629,606,596,591,590,589,588,587,586 ,685,681,680,679,674,672,671,669,662,661,658,654,652 699,698,692 357,236 ........ 621,620 ....... 699,573,403,378,308,259,249,238,218,39 ....... 218 ...... الصفرية الصوفية الظاهرية. العترة. ,146,134,125,124,123,104,97,92,91,88,84,62,61,57 .... ,288,278,252,209,184,154,153,152,151,150,149,148,147 ,369,362,357,355,354,348,337,334,331,330,324,320,318 ,449,441,440,438,436,433,409,407,400,399,381,375,372 ,653,612,607,605,553,551,545,487,484,470,461,455,453 735,724,716,714,660 120,58,55,54,46 ..... 732,729,726,320,319,123 103 العزابة الغرب الغربيون. ,160,115,97,91,90,87,76,75,74,72,66,38,22,13,11,7. elgëëll ,329,315,310,302,297,288,244,218,209,207,177,172,162 ,520,513,511,509,488,472,471,451,439,432,389,387,341 ,625,623,622,619,609,607,605,598,565,554,550,539,534 700,688,674,646,643,642,637,630,628 673,487,452 603 .... 639 ....... .... القدرية القرامطة الكوفيون 713,637,608,598,515,476,431,429,427,403,291,218 ..... ? ,359,342,221,104,98,97,89,87,86,75,60,50,43,27,22 kill 808 700,598,548,476,381 (1/808)
صفحة 805
فهرس الجماعات والطوائف 451,372,96,89 ........ المتكلمون. ,256,238,234,221,219,217,212,207,97,86,67,27,26,7 ji 699,695,681,674,672,669,667,664,661,647,574,393,324 234 ......... 193,186,174,136 48,47,43,41,38. 733,691,120,33,17,13 المجوس المحدثون المدرسة الرستاقية المذهب الإباضي 16 ........ المستشرقون ,407,395,369,368,359,246,242,199,109,93,70,66,12. ? ambl ,693,692,691,689,673,640,635,607,606,576,563,523,509 695,694 ,83,78,73,72,70,69,68,67,24,18,16,15,14,13,12,11 .. all ,161,160,146,145,138,136,132,124,123,120,115,103,93 ,234,231,230,226,218,215,210,208,207,189,187,182,166 ,453,407,359,357,337,329,319,306,254,249,246,245,238 ,611,607,606,585,564,563,558,522,521,514,483,462,458 ,690,689,688,687,686,685,684,683,674,661,654,633,631 704,700,698,695,691 360 ........ المشركون ,371,370,340,177,150,135,134,133,132,75,60,44,17 ... jill 664,574,560,559,502,501,498,487,452,449 569,385,361,285,215 ..... 576 ....... 557,454,437,436,401,369,319,189,134 ....................... 485,392,252,107,99,86 ............... 726,95 ........ 208 .... 258 260 ...... المكيين الملاحدة الملائكة المناطقة المنطقيين المهاجرون النجدات النجدية ? 809 (1/809)
صفحة 806
E فهرس الجماعات والطوائف 668 ...... 676,663,607,556,425,266,265,261,202 ........ 320,122,103,72 ...... 14 ....................... 723,666,57,44,14 ....... 247 ... 700 ......... النكارية اليهود اليونان أهل البصرة أهل الدعوة أهل الرفض أهل الظاهر. أهل جبل نفوسة 686,685,678,660,645,471,458,247,232,160,47,13 ..... | Jal 35 ........ 60,21 ..... 69,22 651,264,64 .... 736,727,726,720,709,81,24 ........ 34,14 ,14 ........ 264 ....... 305 ........... 1 أئمة الأصول أئمة تاهرت بالإباضية بني قريظة جمعية التراث حملة العلم خثعم دوس علماء الإسلام 11, 12, 703,688,525,248,247,183,144,123,122,21, 704 علماء الأصول 21, 590,504,467,461,393,341,319,316,224,9487, 592 258,42,14 ...... 80,58,36 ...... 650,467,401,194,154,42 .. 38 ......... 698,586,486,187,78,76,71,59,50,31,30,25,18,15,14. 640,615,18 646,164,11 علماء المذهب علماء عمان قريش لأئمة الإباضية والمالكية والمجتهدين #00000* 810 (1/810)
صفحة 807
فهرس البلدان والأماكن فهرس البلدان والأماكن إجناون 45 ... 58 ........... إجيطال أجيم أروبا 57 ............. 320,123 ........ 50 ........... أريخ إزكي الأزهر. 37 ............... 734,731,730,717,81,46 .. الأندلس الباطنة. 731,52 120 ............. البصرة التنعيم الجامعة الأردنية 664,567,187,30 ......... 536 ......... 730,80,59 ...... 37 ......... الجريد ,709,708,707,706,656,62,50,49,46,45,34,33,28,27,18 ,727,726,725,723,720,719,718,717,716,715,712,711,710 736,735,734,733,732,731,730,729,728 69 ......... 37 ........ 698,271,83,73,17. 41 ......... 59 ......... 80,59,37 ..... 732,730,722,623 59 ......... 428,234 ......... 692,192,170 811 الجزيرة العربية الحامة الحجاز الحمراء الحوقين الرستاق الرياض الزيتونة الشام الصفا (1/811)
صفحة 808
698,522,271,222,219,83,73 ... 59 .... فهرس البلدان والأماكن العراق القابل ,724,721,720,719,718,717,716,715,714,713,54,37,28. lill 736,735,734,733,732,731,730,728,725 736,727,726,725,723,720,717,81,62 .... 34 .......... 607,573,566,562,541,490,474,428,401,361 ........ 651,254 ...... 732,728,656,198 720,718 ......... 728,207 .......... 411 ........ 702,519,428,358,69,52,42,38,34,24 ...... 711,40 ..... 718,656 .......... القرارة. القيروان الكعبة الكوفة. الكويت المانيا ..... المدينة المنورة المسجد الحرام المشرق. المضيرب المطبعة الثعالبية ,428,363,254,98,69,67,57,50,49,47,45,44,35,24,14 ... ill 730,728,727,702,686,685,665 35 ........... 34 ......... 716,152 ......... 16 .......... 16 ......... 651,522,265 ..... 30 ...... 28,24,18 ....... 34 ......... 44,28 ..... 48,32 ..... 812 المغرب الإسلامي المغرب الأوسط الهند الولايات المتحدة اليابان اليمن بالباطنة بالقرارة بالقيروان بالمضيرب. ببني يزجن (1/812)
صفحة 809
فهرس البلدان والأماكن 16 ........... 58,53,35,33,16 ......... 650,265,175,40 706,51,28 ........ 59,51,48,40,39,38,37 ..... 39,34 .... 58,53,35,19,16 ............................. 729,728,727,725,517,189,28 ........ 736,729,728,727,722,719,717,715,714,54 ..... 717,18 ..... 32 ...... 57,48,33,32 ....... 18 ........ 712,711,710,709,708,707,706,99,33,28. 38 ....... 721,720 ......... بجامعة بنغازي بجبل نفوسة بدر بدية بعمان بلبنان بليبيا بمسقط بمصر بمعهد الحياة. بمكتبة الاستقامة بميزاب بنالوت بني يزجن بهلا بولاق ,724,723,722,721,720,719,718,716,715,714,713,712 .... 736,735,734,733,732,731,729,728,727,726,725 34,33 50 ........ 54 ...... 731,726,722,720,717,714,713,711,55,45,18. 51 ......... 50 ........ 35 ......... 18 .. 734,19 16 ......... 813 تاهرت تقرت ثلات تونس تين باماطوس تين يسلي جادو جامع الزيتونة جامعة الفاتح جامعة طرابلس (1/813)
صفحة 810
57,55,45 ...... 711,58,57,55,54 ........ 78,45,33,14 707,34,28 ...... 723 ..... فهرس البلدان والأماكن جبل نفوسة جربة حضرموت دار الكتب المصرية دار الكندي 735,734,731,729,728,726,725,721,719,623,60 ...................................... ? us 522 ....... 28 ...... 726,719 .......... 50,49 ....... 720 ........ 69 ........ 42,38 ......... 38 .......... 734,34 ..... 299 ....... سمرقند سوريا سورية سوف شتوتجارد شمال افريقيا صحار. صلان طرابلس عرفة. ,57,56,53,49,48,47,45,44,41,40,38,37,36,35,33,30,17 ülas ,281,256,254,231,189,127,120,85,84,82,78,77,69,59 ,710,708,707,706,690,685,678,676,665,575,503,447,338 ,724,725,723,722,721,719,718,717,716,714,713,712,711 734,733,731,729,728,727,726 ,726,720,715,712,711,710,709,708,707,706,99,81,28 .. ??? 734,733,732,727 ,368,314,298,295,286,272,258,240,185,179,164,70,17 ... ?? ,660,644,640,617,611,586,524,522,472,471,454,384,370 17 ....... 45 ......... 718 .. 814 667 فَرْق فرنسا فيسبادن (1/814)
صفحة 811
فهرس البلدان والأماكن 579,573,568 735,728,725,720,719,718,716,714,709 ....... 18,16. ........ قباء قسنطينة کمبريدج ,724,723,722,721,720,719,718,716,715,714,713,712 ...... 735,734,733,732,731,729,728,727,726,725 34 ..... 36 ..... 16 ... 734,733,728,725,717,713,8 ... 737,733,731,724,721,720,719,715,46 725,723,62 ....... 732,718 ......... 712,711,710,709,708,707,706 ........... 709,99,28 ليبيا مانو متشيجان مسقط مصر معهد الحياة مكة المكرمة مكتبة آل خالد مكتبة القطب 28 ......... مكتبة المخطوطات بوزارة التراث القومي والثقافة ...... 50 ............ 16 ........ ملشوطة نالوت نزوي 57,48,17 ......... ,709,687,684,645,634,625,337,238,165,57,45,36,35 .... gi 81,28 ... 52,51,50,44 .... 28 ........... 34 .......... 51,50 ........ 34,28 28 ......... 28 .. 28 .. 815 720 وادي ميزاب وارجلان والأردن والحجاز ورقلة وعمان ومكتبة الاستقامة. ومكتبة الشيخ بالحاج ومكتبة الشيخ سالم بن حمد الحارثي (1/815)
صفحة 812
28 ........ 28 ...... 28 ........ 28 .......... فهرس البلدان والأماكن ومكتبة الشيخ عبد الله السالمي. ومكتبة المستشار أحمد بن محمد البوسعيدي. ومكتبة عشيرة آل خالد ومكتبة معهد الحياة. 53 .......... 8000008? 816 يفرن .... (1/816)
صفحة 813
فهرس المحتويات
الإهداء.
تقديم سماحة العلامة أحمد بن حمد الخليلي.
المقدمة.
جهود السابقين.
المصادر والمراجع عرض وتحليل .. الفصل التمهيدي ..
المبحث الأول: تحديد المفاهيم.
المنهج:
الاجتهاد:
فهرس المحتويات
الإباضية
المبحث الثاني: علم الأصول، التطور و الروافد.
...... :
1 - تطور علم الأصول ...
- أصول الفقه بعد الشافعي:
- تدوين الأصول عند الإباضية.
- موقع المدرسة الإباضية من المدارس الأصولية
2 - روافد علم الأصول
- علم الكلام والأصول
- علم الفقه والأصول. - علم اللغة والأصول. - علم المنطق والأصول: 3 الإباضية وروافد علم الأصول ...
الباب الأول: اجتهاد التأصيل
تمهيد مفهوم اجتهاد التأصيل
817 (1/817)
صفحة 814
فهرس المحتويات
الفصل الأول: المعرفة والدليل.
المبحث الأول: نظرية المعرفة.
مفهوم العلم ..
2 - أقسام العلوم -3 - النظر والسؤال:
- نتيجة النظر:
-4 درجات اليقين في العلم.
المبحث الثاني: مفهوم الدليل وقيام الحجة.
1 - مفهوم الحجة:
2 - مفهوم الدليل
3 - ثبوت الحجة:
المبحث الثالث: حجية العقل، وأدلة الأحكام.
1 - حقيقة العقل:
2 إشكالية العقل والنقل
3 أدلة الأحكام مفهوما وتقسيما الفصل الثاني: دليل الوحي - الكتاب والسنة. المبحث الأول: حجية الكتاب
1 - تعريف الكتاب.
وحي
القرآن ........
2 - إعجاز القرآن ..
- قضية الصرفة:
- عربية القرآن و هل في القرآن ألفاظ غير عربية؟.
3 - مرجعية القرآن.
- مباحث القرآن:
- القرآن أصل الأدلة والأحكام
818 (1/818)
صفحة 815
المبحث الثاني: دليل السنة ... 1 - أهمية السنة ...
2 - السنة مفهوما ودليلا - مصطلح السنة:
- حجية السنة.
-3 منزلة السنة في اجتهاد أئمة الإباضية:
- موقف الإباضية من منكري السنة: المبحث الثالث: أقسام السنة، وحجية الأخبار
1 - مباحث السنة وأقسامها
- مباحث السنة:
- أقسام السنة:
2 - علاقة السنة بالقرآن
3 - تقسيمات الخبر:
4 - الخبر المتواتر:
- مفهوم المتواتر
- شروط التواتر:
- القيمة العلمية للتواتر
5 - خبر الآحاد .......
- مفهوم خبر الآحاد:
- حجية خبر
الأحاد:
- ما يفيده خبر
الأحاد:
المبحث الرابع: منهج نقد الرواية.
1 - أهمية نقد الرواية.
-2 - شروط الحديث المقبول:
فهرس المحتويات
819 (1/819)
صفحة 816
E 3
193 ......
فهرس المحتويات
3 - أقسام الحديث الضعيف
195 ..........
4 - حجية الخبر المرسل
- مفهوم المرسل:
- حكم العمل بالمرسل:
5 - عرض الحديث على الأصول .......
- حديث عرض السنة على القرآن:
الفصل الثالث: دليل الإجماع. تمهيد المرجعية التاريخية والإجماع. المبحث الأول: الإجماع بين التصور والواقع.
1 - تحديد مفهوم الإجماع: 2 كيفية حصول الإجماع.
3 - أقسام الإجماع:
المبحث الثاني: أركان الإجماع
-
-1 الركن الأول: أهل الإجماع. 2 الركن الثاني: حصول الاتفاق.
- الإجماعات الجزئية
-3 - انقراض العصر.
- اعتبار التابعي في إجماع الصحابة: - إحداث قول ثالث في المسألة:
المبحث الثالث: الإجماع بين التوثيق والإنكار.
1 - حجية الإجماع. - من الكتاب:
من
السنة:
من الإجماع:
2 - مستند الإجماع: (1/820)
صفحة 817
- تعارض الإجماع وخبر الآحاد ...
-3 قضية إنكار الإجماع.
- مستند المنكرين
- حكم منكر الإجماع
المبحث الرابع: القيمة العملية لدليل الإجماع.
1 - في العبادات .....
- في الطهارات: في الصلاة:
في الزكاة
- في الحج: 2 في المعاملات:
في البيوع
- في الهبة:
3 - في الأحوال الشخصية:
- المواريث:
- في النسب:
4 - في السياسة الشرعية.
5 في الولاية والبراءة.
خاتمة الإجماع.
الفصل الرابع: دليل القياس.
المبحث الأول: مفهوم القياس وحجيته:
-1 - مفهوم القياس.
2 - القياس عند أوائل الإباضية:
3 - حجية القياس.
- أدلة الكتاب:
فهرس المحتويات
821 (1/821)
صفحة 818
فهرس المحتويات
- أدلة السنة:
- عمل الصحابة
-
من المعقول:
-4 حوار مع منكري القياس
تقويم الخلاف حول حجية القياس:
المبحث الثاني: بناء القياس والتعليل
-
1 أسس القياس:
2 - أقسام القياس: 3 - شروط العلة
4 - مسالك العلة .....
- العلل المنصوصة:
-
العلل المستنبطة:
- قياس الشبه.
المبحث الثالث مجالات القياس 1 - القياس في العبادات .....
-
في الطهارات
- في الصلاة:
- في الصيام
- في الزكاة:
- في الحج:
- في الأواني والأشربة:
2 - القياس في المعاملات
- في باب البيوع:
- في باب الربا: (1/822)
صفحة 819
فهرس المحتويات
القياس في النكاح والطلاق
- تحريم المرأة على زوجها:
4 - القياس في الحدود.
5 - القياس في
اللغة.
تقويم القياس الأصولي.
الباب الثاني: اجتهاد التفسير
تمهيد علاقة اللُّغة بتفسير النصوص قضية بداية اللغة:
علاقة الأحكام بالأسماء:
الفصل الأول: البيان ..
المبحث الأول: الحقيقة والمجاز.
1 - الحقيقة والمجاز مفهوما .. وأقساما .....
2 - الترتيب بين الحقائق والمجازات. 3 - الحقيقة والمجاز في باب الصفات .... 4 نفي الحقيقة الشرعية.
المبحث الثاني: الوضوح والخفاء
-1 - مناهج المجتهدين في الوضوح والخفاء
- تقسيم
الجمهور:
- تقسيم الحنفية:
2 موقع الإباضية بين المنهجين
3 النص والظاهر
- النص:
- الظاهر:
4 - المحكم والمتشابه
5 - التأويل ..
823 (1/823)
صفحة 820
فهرس المحتويات
- التأويل والصفات:
المبحث الثالث: الإجمال والبيان.
-1 - مفهوم المجمل والمبين
-2 - أسباب الإجمال ...
- قضايا اختلف في إجمالها:
3 - بيان المجمل وأنواعه:
- البيان بالقرآن
- البيان بالسنة:
- البيان بالإجماع:
- البيان بالعقل.
-4 - تأخير البيان عن وقت الحاجة.
.
المبحث الرابع: طرق دلالات الألفاظ. -1 - منهج الإباضية في تقسيم الدلالات
2 - أقسام المنطوق:
- دلالة العبارة، أو عبارة النص:
- دلالة الإشارة:
- دلالة الاقتضاء
- دلالة الخطاب:
3 - أقسام المفهوم
- مفهوم الموافقة:
- مفهوم المخالفة (دليل الخطاب)
- معنى النص: (القياس).
4 - حجية مفهوم المخالفة
- مناقشة أدلة المنكرين لمفهوم المخالفة:
824 (1/824)
صفحة 821
5 - مفهوم المخالفة في اجتهادات الإباضية
- مفهوم الشرط:
فهرس المحتويات
385 ........
385 .........
- مفهوم الصفة:
- مفهوم الغاية:
- مفهوم الحصر:
- مفهوم المخالفة وحروف المعاني
- مفهوم المخالفة في العقيدة الفصل الثاني: العموم والخصوص. تمهيد: علاقة اللفظ بالمعنى.
المبحث الأول: قضايا العام.
1 - العام مفهوما وصيغة.
- مفهوم العام:
- صيغ العموم
2 - دلالة العام.
- قوة دلالة العام:
- العمل بالعام قبل ورود المخصص:
- من تطبيقات هذه القاعدة في الفقه الإباضي
3 - أنواع العام
- دخول النساء في خطاب الرجال:
- دخول الرجال في خطاب النساء:
- دخول العبيد والكفار والمجانين والصغار في الخطاب العام ..... 409
- خطاب الأمة وخطاب النبي
- خطاب المفرد هل يعم غيره؟
المبحث الثاني: الخاص. 1 - مفهوم الخاص.
825 (1/825)
صفحة 822
فهرس المحتويات
- حكم الخاص:
2 - الألفاظ بين العموم والخصوم مخصصات العام.
- التخصيص بالعقل:
- التخصيص بالنص:
- التخصيص بالإجماع: التخصيص بالقياس:
-
- التخصيص بقول الصحابي
- التخصيص بالاستثناء:
4 - الإطلاق والتقييد.
- حمل المطلق على المقيد الفصل الثالث: الأمر والنهي.
تمهيد أهمية الأمر والنهي في التكليف.
المبحث الأول: الأمر وقضاياه ..
1 - مفهوم الأمر وصيغته - مفهوم الأمر
- صيغة الأم
2 - دلالة الأم
- الأمر بين الوجوب والندب.
وذهب فريق من الأصوليين إلى أن الأمر المجرد يفيد الندب. .455
الأمر المنصوص والأمر المستخرج:
-
3 - علاقة الأمر بالزمن
- الأثر العملي لعلاقة الأمر بالزمن -4 - علاقة الأمر بالمقدار .. المبحث الثاني: النهي وقضاياه.
826 (1/826)
صفحة 823
1 - مفهوم النهي وصيغته. - مفهوم النهي:
- صيغة النهي:
-2 دلالة النهي.
- أثر القول بالتحريم:
- النهي للأدب:
3 - اقتضاء النهي الفساد.
- الأثر العملي لدلالة النهي على الفساد.
الفصل الرابع: نظرية الحكم الشرعي. تمهيد: أهمية الحكم الشرعي.
المبحث الأول: الحكم الشرعي. المحكوم به -1 الحكم الشرعي أركانا وأقساما. - مفهوم الحكم الشرعي. - أقسام المحكوم به
2 الحكم التكليفي
- حقيقة التكليف:
- مفهوم الحكم التكليفي:
- من أقسام الواجب
- من قضايا الندب:
ا هل المندوب مأمور به؟
ب الواجب الذي يلتبس به المندوب.
ج انقلاب المندوب إلى واجب
- هل المباح حكم شرعي؟: 3 من قضايا الحكم الوضعي
-
- السبب والشرط والمانع
فهرس المحتويات (1/827)
صفحة 824
فهرس المحتويات
-
الأداء والإعادة والقضاء:
- الصحة والبطلان والفساد
المبحث الثاني: الفعل والمكلّف (المحكوم فيه والمحكوم عليه).
1 - فهم الخطاب.
- نقصان العقل وفقدانه
2 - القدرة على الامتثال .... - الإكراه
- تكليف الكفار بفروع الشريعة الباب الثالث: اجتهاد الترجيح والاستدلال تمهيد أهمية الترجيح ودائرة الاستدلال. الفصل الأول: التعارض والترجيح. تمهيد: حقيقة التعارض بين الأدلة. المبحث الأول: قواعد الترجيح
1 - الجمع بين الدليلين أولى من إلغاء أحدهما .. 2 إعمال الدليلين أولى من إلغاء أحدهما.
-3 - تعارض السنة القولية والسنة الفعلية .. -4 تعارض الخاص والعام والمجمل والمفسر. 5 - تعارض خبر الآحاد والقياس. 6 - التعارض بين الأقيسة.
المبحث الثاني: النسخ.
1 - مفهوم النسخ: 2 - النسخ والتخصيص
3 شروط النسخ.
-4 - إثبات النسخ.
5 - مجال النسخ.
828 (1/828)
صفحة 825
فهرس المحتويات
-6 يم يكون النسخ. - نسخ القرآن بالقرآن
نسخ السنة بالقرآن، ونسخ القرآن بالسنة.
- نسخ السنة بالسنة:
-7 - من قضايا النسخ.
- نسخ الحكم ونسخ التلاوة:
- النسخ إلى الأثقل وإلى الأخف وإلى غير بدل.
- هل الزيادة على النص نسخ؟.
- متى تقوم حجية الدليل الناسخ؟ - بم يُعرف النسخ؟
الفصل الثاني: الاستدلال.
تمهيد: مفهوم الاستدلال.
المبحث الأول: الأدلة النقلية.
1 - حجية قول الصحابي.
-2 شرع من قبلنا.
المبحث الثاني: الأدلة العقلية
1 - المصالح المرسلة. - المفهوم والتأصيل
- الاجتهاد المقاصدي
2 - الاستحسان.
3 - الاستصحاب
4 - الاستقراء.
5 - الإلهام ...
المبحث الثالث: القواعد الفقهية
تمهيد مفهوم القاعدة الفقهية.
829 (1/829)
صفحة 826
فهرس المحتويات
1 - مفهوم العرف.
- تطبيقات العرف
2 التيسير والضرورة والإكراه
- التيسير والضرورة
- الإكراه.
-3 الباعث وسد الذرائع.
- الباعث
- سد الذرائع.
-4 - الأخذ بالأحوط
الفصل الثالث: عملية الاجـ
تهاد
تمهيد: أهمية عملية الاجتهاد ..
المبحث الأول: عملية الاجتهاد مشروعيةً وممارسة.
1 - مفهوم عملية الاجتهاد.
2 مشروعية الاجتهاد ..
3 شروط الاجتهاد.
- غلق باب الاجتهاد
-4 - مسؤولية المجتهد.
- ضمان المجتهد
المبحث الثاني: الصواب والخطأ في الاجتهاد.
1 - مجال الاجتهاد ..
2 آراء الأصوليين في الصواب والخطا في الاجتهاد
- أدلة المصوبة
أدلة المخطئة
- الترجيح.
المبحث الثالث: العاجز عن الاجتهاد (1/830)
صفحة 827
1 - حقيقة التقليد وحجي 2 مجال التقليد.
-3 من قضايا التقليد
فهرس المحتويات
- متى يجوز التقليد؟
- من يجوز تقليده؟
تقليد الصحابة
- تقليد المفضول:
الخاتم
- التخيير بين أقوال المجتهدين
المبحث الرابع: صلة الاجتهاد بالولاية والبراءة وبمسالك الدين ......... 682
1 - الاجتهاد والولاية والبراءة.
- مفهوم الولاية والبراءة
- من تطبيقات الولاية والبراءة
2 - الاجتهاد ومسالك الدين.
- مفهوم مسالك الدين - حكم الإمامة
- الخروج على الإمام {الشراء}
- أحكام الكتمان
فهرس المصادر والمراجع
أولا: المخطوطات.
ثانيا: المصادر ....
خامسا: المراجع.
رابعا: المراجع الأجنبية.
خامسا: الأقراص المدمجة. CD ...
الفهارس (1/831)
صفحة 828
فهرس المحتويات
فهرس الآيات القرآنية ..
فهرس الأحاديث النبوية فهرس الأعلام.
فهرس الجماعات والطوائف
فهرس الأماكن والبلدان فهرس المحتويات
طبع بالمؤسسة الوطنية للفنون المطبعية وحدة الرغاية - الجزائر - 2021
Achevé d'imprimer sur les presses ENAG, Réghaia - Alger - 2021 Bp 75 Z.I.Réghaia Tél: (023) 965610/11
832 (1/832)