صفحة 1
المجال: غير المطبوعات، ملتقيات وندوات
المادة: أصول الفقه
------------------------------------------
العنوان: منهج النقد الفقهي عند ابن بركة من خلال كتابه الجامع
المؤلف: جابر بن سليمان فخار
الجهة المنظمة: كلية العلوم الشرعية، سلطنة عُمان
تاريخ التنظيم: ديسمبر 2018م
عنوان المؤتمر: العلوم الشرعية تحديات الواقع وآفاق المستقبل
------------------------------------------
مصدر النسخة المُصوّرة (PDF):
https://www.researchgate.net/publication/362553901_mnhj_alnqd_alfqhy_nd_abn_brkt_mn_khlal_ktabh_aljam
تمّ الحصول على ملف (Word) مِن المُؤلِّف مباشَرة (جزاه الله خيرا).
ترقيم الصفحات: موافق للمطبوع
تاريخ النشر الرسمي بالشاملة الإباضية: 25 رجب 1446ه/ 25 - شهر 01 - 2025م. منهج النقد الفقهي عند ابن بركة من خلال كتابه "الجامع"
جابر بن سليمان فخار
باحث في مرحلة الدكتوراه
إمام وخطيب- وزارة الأوقاف والشؤون الدينية
مقدمة
يعتبر النقد عملية عقلية تقوم على تقويم المعارف والعلوم، بغية ترشيدها وتصحيحها، ولقد اهتم العلماء المسلمون بهذا المنهج، وأعملوه في مختلف مجالات العلوم الإسلامية، ومنها علم الفقه، إذ تجلَّى ذلك في علمي الخلاف والمناظرة، حيث يتجه نظر الفقيه إلى نقد الأقوال، ومناقشة أوجه الاستدلال وطرق الاستنباط، احتكاما إلى قواعد علم أصول الفقه.
ويحاول هذا البحث الوقوف على إسهام عالم من علماء عمان الأفذاذ في هذا المجال، وهو الإمام ابن بركة البهلوي (ق 4 هـ)، من خلال كتابه "الجامع".
ولا يخفى على الدارس للفقه الإباضي ما لابن بركة من دور بارز في إثراء الفقه الإسلامي عموما، وكذا تطوير الفقه الإباضي خصوصا، وإرساء قواعده، أصولا وفروعا، من خلال تراثه الفقهي والأصولي المتميِّز، والذي أفاد منه العلماء اللاحقون مشرقا ومغربا.
ويأتي في طليعة هذا النتاج العلمي كتابه "الجامع"، الذي يعتبر نموذجا في التأليف الفقهي لدى الإباضية خلال القرن الرابع الهجري، وذلك لما يتميز به الكتاب من خصائص في المنهج والعرض، تتجلى أهمها في قوة التأصيل، وعمق التحليل، للمسائل والآراء، في أسلوب حجاجي مقارن فريد. كما نطلع في كتابه الجامع على مباحث فقهية نفيسة في علم الخلاف، سواء أكان الخلاف داخل المذهب، أم عاليا بين المذاهب، تعتبر نماذج متميزة للفقه المقارن في تلك الحقبة الزمنية.
لذا، فقد تم اختيار هذا النموذج عينة للدراسة، التي عنونتها بـ: منهج النقد الفقهي عند ابن بركة من خلال كتابه "الجامع".
أما المنهج المتبع في الدراسة فهو المنهج التحليلي التركيبي، وذلك بانتقاء المادة الفقهية مع مراعاة تنوع موضوعها، ثم تحليل المضمون، من أجل الوصول إلى معالم منهج النقد عند ابن بركة.
وتهدف هذه الورقة إلى بيان عناصر منهج النقد الفقهي عند ابن بركة، ومدى إسهامه في تطوير مناهج البحث الفقهي وإرساء قواعده وأسسه.
وتتضمن الورقة المباحث الثلاثة الآتية مع مقدمة وخاتمة:
مقدمة تعريفية بموضوع البحث ومنهجه وأهدافه
المبحث الأول: مفهوم النقد الفقهي وأصوله في الفكر الإسلامي
المبحث الثاني: أدوات النقد الفقهي عند ابن بركة (1/1)
صفحة 2
المبحث الثالث: مجالات النقد الفقهي عند ابن بركة
خاتمة: نظرة تقويمية ومقترحات عملية
المبحث الأول: مفهوم النقد الفقهي وأصوله في الفكر الإسلامي:
أولا: مفهوم النقد:
· النقد لغة:
تطلق كلمة النقد على معان متعددة ومتقاربة، حسية ومعنوية. قال ابن فارس: «النون والقاف والدال: أصل صحيح يدل على إبراز شيء وبروزه» (1)؛ ففي الجانب الحسي يقال: «نقدت الدراهم وانتقدتها، إذا أخرجت منها الزيف». وتأتي بمعنى المناقشة، ففي الصحاح: «وناقدْتَ فلانًا: إِذا ناقَشتهُ فِي الأَمر» (2). ويقال: نقد الكلام وانتقده: أظهر عيوبه ومحاسنه (3).
· النقد اصطلاحا:
لم يكن مصطلح النقد متداولا لدى علماء المسلمين الأوائل، وأوَّل ما عُرف عند علماء الحديث، حيث وظَّفوه للدلالة على فحص الروايات بتمييز صحيحها من ضعيفها، وتقييم الروَّاة وفق ميزان الجرح والتعديل.
أما علماء الفقه والأصول فلم يعرفوا هذا المصطلح بالتحديد، وإن وظفوا مدلوله، واصطلحوا عليه بأسماء أخرى وهي: المناظرة، والجدل، والخلاف. ولم يظهر مصطلح النقد إلا في الدراسات الفقهية المعاصرة (4).
ويمكن القول إن النقد هو «عملية تقويم وتصحيح لنتاج فكري احتكاما إلى قواعد متفق عليها أو نسق كلي، وذلك ببيان مواطن الخطإ والصواب، وجوانب القوة والضعف» (5).
· مفهوم النقد الفقهي:
عرفه أحد الباحثين بقوله: «هو العملية البحثية التي تروم تحرير مسائل المذهب، سواء من حيث الراويات والأقوال، أو من حيث توجيهها والتخريج عليها، بتمييز أصحها وأقواها من ضعيفها ومرجوحها، وذلك باعتماد
__________
(1) () ... معجم مقاييس اللغة، 5/ 467.
(2) () ... الجوهري: الصحاح، 2/ 544.
(3) () ... جميل صليبا: المعجم الفلسفي، 1/ 148.
(4) () ... انظر: حسان الشهيد: نظرية النقد الأصولي، ص 50.
(5) () ... فريد الأنصاري: أبجديات البحث في العلوم الشرعية، ص 103. (1/2)
صفحة 3
طرق معلومة ومصطلحات مخصوصة» (1). والملاحظ على هذا التعريف اقتصاره على النقد الداخلي دون الخارجي.
وقد عرفه غيره بقوله: «هو عملية دراسة وتقويم الإنتاج الفقهي لمذهب من المذاهب الفقهية» (2).
وإن حاول الباحث أن يكون تعريفه شاملا لكل أشكال النقد الفقهي، إلا أن عبارته لم تكن دقيقة على بيان المعنى المراد.
ويمكن تحديد مفهوم النقد الفقهي بالقول: «هو دراسة النتاج الفقهي من مختلف جوانبه المعرفية، تحليلا وتقويما، وفق موازين علمية وقواعد شرعية متفق عليها».
ونروم من خلال هذا المفهوم أن يكون النقد الفقهي شاملا لكافة جوانب المادة الفقهية، تأصيلا وتخريجا، استنباطا وتنزيلا، تعريفا وتصنيفا.
· الفرق بين النقد الفقهي والخلاف الفقهي:
عرف أحدهم علم الخلاف بأنه: «علم يعرف به كيفية إيراد الحجج الشرعية، ودفع الشبه، وقوادح الأدلة الخلافية، بإيراد البراهين القطعية» (3).
1 - الخلاف الفقهي نطاقه آراء الفقهاء واجتهاداتهم. أما النقد الفقهي فيشمل: الآراء، الأدلة، والقواعد، والحدود والاصطلاحات، مناهج التأليف.
2 - الغرض من الخلاف الفقهي هو مناظرة الخصم ومجادلته سعياً إلى تصحيح كل منهم مذهب إمامه، والدفاع عن أصوله التي بني عليها استنباطاته، مع تضعيف رأي الخصم ونقض أدلته. أما النقد فيقصد طلب الصواب ونشدان الحق في ذاته بغض النظر عن قائله.
ثانيا: أصول النقد في الفكر الإسلامي:
ترجع أصول منهج النقد في الإسلام إلى القرآن الكريم والسنة النبوية أساسا، ثم تتجلى تطبيقات هذا المنهج في عمل الصحابة، والأئمة الأعلام من بعدهم. وإنَّ الورقة البحثية لا تسع لإيراد الاستشهادات، لذا أكتفي هنا ببعض الإشارات.
1 - القرآن الكريم:
الأصل الأول الذي ينبني عليه النقد في الفكر الإسلامي؛ ذلك أن النقد في حقيقته إعمال للفكر، وتوظيف لطاقات العقل في البحث والنظر. وكتاب الله حافل بالآيات التي تدعو إلى ذلك: {لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ}، {أَفَلاَ تَعْقِلُونَ}، {لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} {لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} ... الخ
وفي مقابل ذلك ينعى القرآن على الكفَّار مكابرتهم في الحق الساطع، وجحودهم للبرهان القاطع، ركونا إلى التقليد، وتعاميا عن المنهج السديد. قال تعالى: {صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ} [البقرة:171]، وقال سبحانه: {إِنَّ شَرَّ الدَّوَابَّ عِندَ اللّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لاَ يَعْقِلُونَ} [الأنفال:22].
__________
(1) () ... عبد الحميد عشاق: منهج الخلاف والنقد الفقهي عند الإمام المازري، ص 9.
(2) () ... رابح صرموم: النقد الفقهي مفهومه وأهميته، ص 52.
(3) () ... حاجي خليفة: كشف الظنون، 1/ 721. (1/3)
صفحة 4
كما أنَّ من أهم غايات الوحي المنزَّل تصحيح الأفكار والتصورات، ونقد العادات والسلوكيات، كل ذلك نجده في نصوص القرآن بأسلوب حواري عقلي. وفي قصص الأنبياء أيضا ومحاوراتهم مع أقوامهم إرشادٌ إلى منهج النقد وأساليبه القويمة.
والقرآن الكريم يدعو المسلم إلى اتِّباع الأحسن، كما في قوله تعالى: {الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُوْلَئِكَ هُمْ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ} [الزمر:18]، وقوله: {وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُم} [الزمر:55]. ولا بدَّ للوصول إلى الأحسن من عملية التقييم للتمييز بينه وبين ما دونه.
ولم يخل القرآن أيضا من توجيه النقد لعباده المؤمنين وتنبيههم إلى أخطائهم، إرشادا منه تعالى لأحسن الخِلال وأقوم الأعمال. على أنَّ أجلَّ مستويات النقد نجدها في عتاب الله تعالى لنبيِّه الكريم.
2 - السنة النبوية:
وعلى هدى القرآن الكريم، نجد في السُّنة المطهَّرة الكثير من النصوص والمواقف التي تؤصِّل لمنهجية النقد وتقرِّر آدابه، كقوله - صلى الله عليه وسلم - لما شكا إليه أحدهم إطالة إمامه في الصلاة: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ مِنْكُمْ مُنَفِّرِينَ، فَمَنْ أَمَّ النَّاسَ فَلْيَتَجَوَّزْ، فَإِنَّ خَلْفَهُ الضَّعِيفَ وَالكَبِيرَ وَذَا الحَاجَةِ» (1).
وقد عاش النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - بين أصحابه معلِّما ومربِّيًا، فيصحِّح سلوكهم إذا باينوا الصواب، ويرشدهم لأحسن الآداب، منهجه في ذلك الدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة، دون تجريح ولا تشهير.
3 - عمل الصحابة:
ثم سار الصحابة على هذا النهج، وقد تشرَّبت نفوسهم مبادئ القرآن، وارتووا من معين السنة، ليخلِّد لنا التاريخ من أرقى مشاهد النقد في المجتمع البشري. وما أكثر المواقف التي تجلِّي لنا انتقاد الصحابة لبعضهم بعضا، في رحابة صدر، وقبول للحق وإذعان له، دون أن يكون في ذلك أدنى غضاضة لأحد منهم، كما قال سيدنا أبو بكر لما ولي الخلافة: «أَمَّا بَعْدُ، أَيُّهَا النَّاسُ فَإِنِّي قَدْ وُلِّيتُ عَلَيْكُمْ وَلَسْتُ بِخَيْرِكُمْ، فَإِنْ أَحْسَنْتُ فَأَعِينُونِي، وَإِنْ أَسَأْتُ فَقَوِّمُونِي» (2).
أما في باب الاجتهاد والرواية فقد أثر عنهم مواقف عديدة تبيِّن مدى حرية الرأي وحركية النقد في مجتمع الصحابة، ولعلَّ من أشهر ما نقل عنهم استدراكات السيِّدة عائشة - رضي الله عنه - ا على رجال الصحابة (3).
4 - النقد عند الفقهاء ممارسة وتنظيرا:
بما أن النقد عملية تهدف أساسا إلى تصويب الأفكار، وتمييز صحيح الأقوال من ضعيفها؛ فقد كان ميدان الفقه رحبا لممارسة النقد على مختلف مستوياته منذ عهد مبكر من تاريخ نشأته؛ ذلك أن المجتهدَ مكلَّف باستفراغ وسعه في درك الصواب وتطلُّب الحقيقة، إلا أن ذلك لا يمنع ذلك وقوعه في الخطإ، إذ لا عصمة لغير الرسل، وكلٌّ يوزن رأيه بميزان النقد ويستدرك عليه، وقد تواتر القول بأنه: كلٌّ يؤخذ من قوله ويردُّ إلاَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
وقد كان لتباين مناهج الاجتهاد ونشوء المدارس الفقهية أثرا في نشاط حركة النقد في فروع الفقه وأصوله؛ حيث حفظ لنا التراث الإسلامي مناظراتٍ علميةً ومحاوراتٍ قيِّمةً بين الأئمة الأعلام، مثل: مراسلات الإمام الليث مع الإمام مالك في
__________
(1) () ... رواه البخاري، كتاب الأذان، رقم:704.
(2) () ... ابن هشام: السيرة النبوية، 2/ 661.
(3) () ... وقد جمعها بدر الدين الزركشي في كتاب عنوانه: «الإجابة لما استدركت عائشة على الصحابة». (1/4)
صفحة 5
حجيَّة عمل أهل المدينة، وكتاب: «الرد على سير الأوزاعي» لأبي يوسف، كما ضمَّن الشافعي في كتابيه الأم والرسالة رسائل نقدية قيِّمة (1).
ثمَّ تطوَّرت عملية النقد لتولِّد علوما مستقلة بموضوعاتها ومصنفاتها، تحت مسمى: علم الخلاف، وعلم الجدل وعلم المناظرة، مما يدل على أهمية صنعة النقد في الفكر الإسلامي عموما وفي علم الفقه على وجه الخصوص. قال ابن عبد البر: «وأما الفقه فأجمعوا على الجدال فيه والتناظر؛ لأنه علم يحتاج فيه إلى ردِّ الفروع على الأصول» (2).
المبحث الثاني: أدوات النقد الفقهي عند ابن بركة:
من الضروري أن تكون عملية النقد وفق معايير وموازين علمية يحتكم إليها في ذلك العلم، وتتمثل معايير النقد الفقهي في القواعد التي يقوم عليها علم الفقه. وقد وظف ابن بركة في منهجه النقدي قواعد متعددة المشارب؛ عقلية ولغوية وشرعية، مما يدل على ثرائه المعرفي وكذا تمكُّنه من علوم الاجتهاد.
أولا: قواعد العقل:
إنَّ الله تعالى ركَّب في عقل الإنسان قواعد وبديهيات مسلَّم بها لدى جميع العقلاء، لذا تعدُّ هذه القواعد من أهمِّ المعايير التي يحتكم إليها الفقهاء عند الاختلاف. وقد وظَّفها ابن بركة في تمحيصه لأقوال الفقهاء وترجيحه لأصوبها، ونذكر فيما يأتي بعضا منها:
* لا تجتمع طاعة ومعصية من فاعل واحد في آن واحد: وظف ابن بركة هذه القاعدة في نقض القول بصحة الصلاة في الأرض المغصوبة والثوب المغصوب ونحو ذلك وهو مذهب الجمهور، بينما ذهب الحنابلة وبعض الإباضية إلى القول بالفساد (3)، وهو الذي انتصر له ابن بركة. وقد نقد الرأي المخالف بعدة أدلة، منها: المعقول، حيث يقول: «وإذا كان الأمر على ما ذكرنا (4) فمحال أن تكون صلاة واحدة مأمور بها منهيٌّ عنها في حال واحدة. ألا ترى أن القيام والركوع والسجود منهيٌّ عن جميع ذلك في هذا المكان ويستحقُّ العقاب عليه، والصلاة التي أُمِر بها هي التي تكسبه الثواب، ويكون بها طائعا بفعل واحد. والفعل الواحد من فاعل واحد في وقت واحد لا يكون طاعة ومعصية» (5).
* استحالة اجتماع حكم الحيض والاستحاضة في حال معًا: اختلف الفقهاء ومنهم الإباضية في حكم وطء المستحاضة (6)، والرأي المختار عند ابن بركة هو الجواز مطلقا، واعترض على مذهب القائلين بالكراهة أو الحرمة من جهة المنقول والمعقول، فمن المعقول قوله: «والدَّم الذي بوجوده سقوط الصلاة غير الدَّم الذي بوجوده وجوب الصلاة، وإذا ثبت أنَّ كلَّ واحد منهما غير صاحبه وجب أن يكون حكم كل واحد منهما غير حكم الآخر» (7).
فابن بركة بنى اعتراضه على أمر متَّفق عليه وهو أنَّ دم الحيض يفترق عن دم الاستحاضة طبيعة، وهذا يلزم منه التغاير في الأحكام. ويؤيِّد اعتراضه في موضع آخر بقوله: «ولو كان الحيض والاستحاضة اسما لظهور الدم لا معنى
__________
(1) () ... انظر: نوار: العقل الفقهي، ص 24 وما بعدها. حسان الشهيد: نظرية النقد الأصولي، ص 88 وما بعدها.
(2) () ... جامع بيان العلم، 2/ 929.
(3) () ... ينظر: السالمي: معارج الآمال،3/ 130. الزحيلي: الفقه الإسلامي وأدلته، 2/ 157.
(4) () ... يعني أن الصلاة في هذه الحالة اجتمع فيها خطابان: أمر ونهي.
(5) () ... الجامع، 2/ 865. وينظر: 2/ 769 - 770.
(6) () ... ينظر: ابن المنذر: الأوسط، 2/ 216. السالمي: معارج الآمال، 2/ 117.
(7) () ... الجامع، 3/ 1402. (1/5)
صفحة 6
لحائض في أحد الدمين، لوجب أن تكون المستحاضة حائضا، والحائض مستحاضة في حال واحدة، ولو أن تكون المرأة في حال ظهور الدم مأمورة بالصلاة لأنها مستحاضة، منهية عنها لأنها حائض في حال واحدة؛ فهذا عين المحال» (1).
* اجتماع الأضداد محال: اختلف علماء الإباضية في المرأة التي تلد ولدا ويبقى في بطنها غيره، هل تعطى حكم النفساء؟ (2).
ذهب ابن بركة إلى القول إنها لا تعتبر نفساء حتى تضع آخر ما في بطنها؛ لأنَّ اسم النفاس يتحقَّق بوضع جميع الحمل. واعترضَ على الرأي المخالف من جهة المعقول مستخدما أسلوب المناظرة بقوله: «وفي اتِّفاق الجميع أنَّ الحمل معنى والنفاس ضدُّه ما يدلُّ على أنَّ الحمل والنفاس لا يجتمعان في حال واحدة. وفي حال اجتماعهما في حال واحدة وجوب كون الشيء وضدِّه في حال، ومحال اجتماع الأضداد في حال.
فإن قال قائل: قد وضعَتْ بعض حملها وقد تغيَّر الاسم. قيل له: ليست تخلو إذا وضعت بعض ما في بطنها من أن تكون حاملا أو غير حامل؛ فإن كانت غير حامل فهذا عين المحال، وإن كانت حاملا فغير جائز أن تكون حاملا قد وضعت حملها، وفي هذا بيان ما قلنا، وغلط من ذهب إلى خلافه» (3).
ثانيا: قواعد الشرع وأدلته:
نصوص الشريعة وقواعدها من أهمِّ المعايير التي تضبط طرائق الاستدلال، وتوزن بها الأقوال، فيتمكَّن من خلالها تمييز الصحيح من السقيم، والحق من الباطل، والأصل في هذا قوله سبحانه: {فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً} [النساء: 59].
وقد قدر تمكُّن الفقيه من علوم الاجتهاد، وإحاطته بنصوص الشريعة وتبصُّره بقواعدها تكون مقدرته على مناقشة الأدلة ونقد الآراء والترجيح بينها. وقد برز ابن بركة في هذا المجال، وأعرب عن قوة في الرد والاحتجاج وحرية في الاجتهاد، ويتجلَّى هذا الآتي:
أ- القواعد العامة:
* لا تكليف بالمحال: ذهب ابن بركة إلى أنَّ المرأة مكلَّفة شرعا بمعرفة دمائها والتمييز بينها، مع الاجتهاد في طلب ذلك، إذ لا تعذر بجهلها. وقد فرضَ أنَّ معترضا يقول: إن الواقع على خلاف مذهبك، فإنَّ أغلب النساء لا يعرفن ذلك، ولا يفرِّقن بين دم الحيض وبين غيره، لأن الأمر عسير عليهن، لكثرة الاشتباه (4).
وقد أجاب عن هذا الاعتراض بأنَّ هذا الأمر مما يسع المكلَّف علمه؛ «لأنَّ الله تعالى حكيم ليس في صفته أن يلزم عباده فعلا ويأمرهم به، ولا ينصب لهم عليه دليلا ... ، ولابدَّ من نصب علَمٍ يفرَّق به بين دم الحيض من دم الاستحاضة، ليتوصَّل المتعبِّد إلى امتثال ما أُمِر به، ولو لم ينصب للمتعبِّد علَما على دم الحيض وعلى دم الاستحاضة كان التكليف عنه زائلا، إذ لا سبيل له إلى امتثال ما أُمِر به» (5).
__________
(1) () ... الجامع، 3/ 1380. وينظر: 3/ 1444.
(2) () ... ينظر: السالمي: معارج الآمال، 2/ 128.
(3) () ... الجامع، 3/ 1412 - 1413.
(4) () ... الجامع، 3/ 1392، 1419.
(5) () ... الجامع، 3/ 1420. وينظر: 3/ 1393. (1/6)
صفحة 7
فيلاحظ هنا أن ابن بركة ينوِّه بقاعدة مهمة في التكاليف الشرعية، مفادها أنَّ الله تعالى لم يتعبَّد عباده بالجهل، ولم يكلفهم بالمحال؛ فقد نصب على التكاليف أماراتٍ بيِّنة وعلاماتٍ واضحة، يتمكَّن بها المكلَّف من العلم بالمطلوب وتحقيق المقصود، وإلا كان تكليفا بالمحال، تعالى عن ذلك الكبير المتعال.
* الطهارة والنجاسة حقيقتان شرعيتان: في معرض مناقشته لمسألة الحكم على المياه بالطهورية أو النجاسة، ينصُّ ابن بركة على أنَّ الطهارة والنجاسة أحكام تعبُّدية مصدرها الشرع، «وليس للعقول مجال عند ورود الشرع؛ لأنَّ المطهِّر للماء هو المنجِّس له على لسان نبيِّه - صلى الله عليه وسلم -، إذ الطاهر والنجس اسمان شرعيَّان، فالواجب علينا تسليم ما ورد الشرع به» (1).
كما يؤكِّد في ذات المسألة، أنَّ تحديد مقدار الماء والنجاسة قلَّة وكثرة إنما هو من وضع الشارع، والعقل له تابع؛ ذلك أن «الحدود لله تعالى، وليس لأحد من الأمَّة أن يضع حدًّا يوجب بوضعه في الشريعة حكما إلاَّ أن يتولَّى وضع ذلك الحدِّ كتاب ناطق، أو سُنة ينقلها صادق عن صادق، أو يتفق على ذلك أمَّة محمَّد - صلى الله عليه وسلم -» (2).
* لا تردُّد في النيات: بمعنى لابدَّ في النية أن تكون مستندة إلى علم جازم أو ظن راجح (3).
ففي مسألة صوم يوم الشكِّ اختلف العلماء في حكم صومه، ورجَّح ابن بركة عدم الجواز مطلقا، ونقد الرأي المخالف من عدَّة أوجه من المعقول والمنقول.
ومما بنى عليه نقده أنَّ الصائم يعتري عمله الشكُّ، لأنه غير جازم في نيَّته، فهو متردِّد بين صوم الفرض وصوم التطوُّع (4)، ومن القواعد الشرعية أنَّ العبادة تبنى على اليقين، ولا يصحُّ الدخول فيها بشكٍّ ولا وهم. ونقل ابن بركة عن شيخه أبي مالك قوله: «صوم ذلك اليوم لا يجزئ عمن صامه، ولو جاء الخبر بصحَّة دخول رمضان في صدر النهار أو في آخره، إذا كان إنما عقد صومه على غير يقين في الابتداء» (5).
ب- الأدلة النصية:
وهذه الأدلة من أهم معايير النقد لدى ابن بركة. وقد تقدَّم القول بأن الأدلة النصِّية ويلحق بها الإجماع هي المرجع عند الاختلاف، والحكَم عند التنازع، فمتى تبيَّن مخالفة قول لنصٍّ قطعي أو إجماع صريح سقط عن الاعتبار.
1 - القرآن:
إن القرآن هو أصل الأصول، وإليه ترجع كافَّة الأدلة المنقول منها والمعقول. ويؤسِّس ابن بركة لمرجعية القرآن عند تعارض الروايات بقوله: «وإذا تكافأت الأخبار، ولم يعلم الناسخ منها من المنسوخ، ولا المتقدم منها من المتأخر وجب إيقافها، وكان المرجوع إلى حكم القرآن بالاستدلال عليه باللغة التي خوطبنا بها» (6). ولا يفوت ابن بركة الاعتراض على أي رأي متى كان مخالفا لمحكمات الكتاب.
__________
(1) () ... الجامع،1/ 440.
(2) () ... الجامع،1/ 439.
(3) () ... ابن عبد السلام: قواعد الأحكام، 1/ 218. السدلان: القواعد الفقهية الكبرى، ص 62.
(4) () ... الجامع، 2/ 1086 - 1087.
(5) () ... الجامع، 2/ 1087.
(6) () ... الجامع، 1/ 505. (1/7)
صفحة 8
* ففي مسألة مصافحة أهل الذمة: ينقل ابن بركة إجماع علماء الإباضية على «المنع من المصافحة أهل الذمة، وأن يعادوا إذا مرضوا، وأن يكنوا إذا خوطبوا، وأن يبدؤوا بالسلام إذا لُقوا». إلا أنه انتقد هذا الرأي -ولو كان متَّفقا عليه في المذهب- بقوله: «والنظر لا يوجب عندي ذلك إلا من قصد إلى تعظيمهم والإجلال لهم بذلك، ألا ترى إلى قول الله جل ذكره: {لاَ يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ} [الممتحنة: 8].» (1).
فكان معتمده صريح الكتاب في تضعيف هذا القول، وترجيح خلافه الذي هو الأوفق للنصوص، والأقرب لروح الإسلام ومقاصده في التعامل مع بني البشر؛ إذ إن اختلاف الأديان لا يكون سببا للامتهان لذات الإنسان.
2 - الحديث:
تأتي السنة عند ابن بركة في المرتبة الثانية من مصادر التشريع، وكتابه "الجامع" غزير المادة بالأحاديث التي هي مدار الاحتجاج عند الفقهاء، وقد تميَّز في توظيفها استدلالا ونقدا، فوضع القواعد، وبيَّن الأسس، وغدا نتاجه مادة ثرية لمعرفة منهج الإباضية في التعامل مع السنة النبوية (2).
ومن أقواله التي تبين أهمية دليل السنة عنده: «وإذا ثبت الخبر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - فليس إلاَّ اتِّباعه» (3)، «والواجب إذا ورد خبر عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يستعمل ظاهره ويجرى على عمومه، ولا يخصَّ إلا بحجَّة من كتاب أو سنة أو إجماع» (4).
ومتى تبين لديه مخالفة قول العالم -مهما كان مذهبه- لسنة ثابتة صحيحة كان مردودا وساقط الاعتبار، وفيما يلي بعض النماذج:
1. مسألة المرور بين يدي المصلي: ردَّ ابن بركة على من اعتبر أن الصلاة لا يقطعها شيء وليست كالحبل الممدود، بما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ فَلْيَجْعَلْ بَيْنَ يَدَيْهِ شَيْئًا» (5)، قال ابن بركة: «وفي أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بذلك دليل على أن الصلاة تفسد ببعض ما يمر بين يدي المصلِّي؛ لأنَّ أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - لا يخلو من فائدة» (6).
2. وفي مسألة الصوم والإفطار في السفر: رد على القائلين بوجوب الإفطار في السفر بقوله: «ثمَّ المرجوع إلى السنة القاضية بين المختلفين، وقد كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يصوم في السفر ويفطر فيه، وكان أصحابه يفعلون ذلك معه وبعده، جاءت الروايات الصحيحة بذلك، والنبي - صلى الله عليه وسلم - هو المبيِّن لأمَّته بقوله وفعله» (7).
3. أما في مسألة اقتناء الكلاب وأكل لحومها: فقد نقد ابن بركة رأي الإمام أبي عبيدة مسلم في جواز أكل الكلاب واقتنائها بما ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من الأحاديث الدالة على الكراهة أو الحرمة، فقال: «والخبر إذا نقله عدل عن مثله
__________
(1) () ... الجامع، 1/ 338.
(2) () ... ينظر: المسعودي: ابن بركة ودوره الفقهي، ص 87.
(3) () ... الجامع، 1/ 536.
(4) () ... الجامع، 4/ 1924.
(5) () ... سنن أبي داود، كتاب الصلاة، رقم:689. البيهقي: السنن الكبرى، كتاب الصلاة، رقم:3467.
(6) () ... الجامع، 2/ 788 - 789.
(7) () ... الجامع، 2/ 1065. (1/8)
صفحة 9
جاز القول به، إذا لم يكن معارضا له ولم تقم الدلالة على فساده. والخبر قاضٍ على الآية التي تعلَّق بظاهرها أبو عبيدة في سورة الأنعام (1)؛ لأنَّ الخبر لا يخلو أن يكون ناسخا أو مبيِّنا لمعناها؛ لأنه ورد بعد نزولها» (2). وفي هذا النص يتجلَّى منهجه في التعامل مع السنة إذا عارضت نصًّا من الكتاب.
3 - الإجماع:
الأصل الثالث من أصول التشريع عند ابن بركة، فهو الحجَّة حال الاختلاف، وفي هذا يقول: «الإجماع حجة لله، وحجج الله لا يلحقها الفساد، ولا يجوز عليها بعد ثبوتها الانقلاب» (3). كما أنه «لا حظَّ للنظر مع الإجماع» (4). وقد احتجَّ به ابن بركة في كثير من المسائل، كما اعتمد عليه في نقد الأقوال، وأقتصر هنا على ذكر مسألتين:
1. في مسألة خروج الدم أثناء الحمل: نقد رأي من اعتبرها حائضا تجري عليها أحكام الحيَّض، وذلك بإجماع الأمة على أن طلاق السنة يقع وقت الطهر، «والحامل لا تكون حائضًا طاهرًا مأمورا زوجها أن يطلقها للسُّنة في حال حملها، ممنوعًا من ذلك لأنها حائض غير طاهر ... ، واعتمادنا على جواز الطلاق للسنة وهي حامل، مع إجماعهم أن طلاق السُّنة لا يكون إلا في حال طهر» (5).
2. وطء المستحاضة: رد ابن بركة مذهب القائلين بعدم جواز وطء المستحاضة أو كراهته باتِّفاق الأمة ودلالة نصوص الكتاب والسنة على أن الحيض هو المانع من الوطء، «والمستحاضة مخالفة للحائض، إذ هي طاهرة ومأمورة بالصلاة والصيام بدلالة السنة واتفاق الأمة» (6). وقال: «واتفقوا على أنها إذا كانت حائضا فمحرم وطؤها، فهذه طاهر بالإجماع، أو محكوم لها وعليها بحكم الطواهر المأمورات بالصلاة» (7) وقال: «وأجمعوا أنَّ المرأة مباحة الفرج لزوجها إلا في حال حيضها، والإجماع لا يزيله رأي، فالكاره لوطء المستحاضة محتاج إلى دليل» (8).
ثالثا: قواعد اللغة:
بما أن العربية هي لغة الوحي فتظلُّ الأداة الرئيسة في فهم خطاب الشارع، واستنباط الأحكام من النصوص. وقد كان الجانب اللغوي له حضور قوي في فقه ابن بركة، وكانت معانيها سندًا في الاستنباط والاستدلال، وحكمًا عند اختلاف الأقوال، ومن الأمثلة على ذلك:
* حقيقة الصعيد: رد ابن بركة على من أجاز التيمم بغير التراب، احتجاجا بأن الصعيد مأخوذ مما تصاعد على الأرض وعلاها بقوله: «هذا إغفال منك؛ إذ ليس اسم الصعيد مأخوذا من الصعود، ولو كان كل ما ارتفع من الأرض
__________
(1) () ... يقصد الآية: {قُل لاَّ أَجِدُ فِي مَا أُوْحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ} الأنعام: 145.
(2) () ... الجامع، 4/ 1630 - 1631.
(3) () ... الجامع، 3/ 1390.
(4) () ... الجامع، 1/ 503.
(5) () ... الجامع، 3/ 1421. وينظر: 3/ 1388.
(6) () ... الجامع، 3/ 1445.
(7) () ... الجامع، 3/ 1402 - 1403.
(8) () ... الجامع، 3/ 1403. (1/9)
صفحة 10
وعلا يسمى صعيدا لكان الحيوان وما كان في معناه يسمى صعيدا، بل اسم الصعيد اسم علم ليس باشتقاق، ألا ترى إلى قول الشاعر:
قوم حنوطهم الصعيد وغسلهم نجع الترائب والرؤوس تقطف» (1).
* نقض الصوم بما هو غير مغذ: رد ابن بركة على قول أبي حنيفة بأن أكل الجص والحصى وما جرى هذا المجرى لا ينقض الصوم، وقد بنى اعتراضه على تحقيق المعنى اللغوي "الصوم"، وفي هذا يقول: «الأكل اسم جامع يقع على الأغذية وغيرها، ولو كان الصوم يمنع من الأغذية دون غيرها لبُيِّن ذلك في السنة، ولكنا تبُعبِّدنا بالصوم الذي يعرف في اللغة، وهو الإمساك والكف، ومن أكل غير الأغذية فليس بممسك ولا يستحق اسم صائم، وقد حرم الله الأكل على الصائم، وكل من استحق اسم آكل فصومه باطل» (2).
* إطلاق الضالَّة على اللقطة: قال ابن بركة تعليقا على حديث: «لاَ يُؤْوِي الضَّالَّةَ إِلاَّ ضَالٌّ» (3): «فذهب بعض الناس إلى أن اسم الضالَّة يقع على اللقطة، وإن ضمانها غير زائل وإن عرَّفها بظاهر الخبر ... ، ومن قال إن اللقطة يقع عليها اسم ضالَّة فعندي أن قوله غلط؛ لأنَّ اللقطة لا يقع عليها اسم ضالَّة، والضالَّة إنما تكون في الحيوان، ولا يعرف الناس في كلامهم غير هذا، والله أعلم؛ لأنهم يقولون في اللقطة ضاعت وسقطت، وفي الحيوان ضلت وذهبت، ونحو هذا وجدته لأبي عبيد القاسم بن سلام» (4).
رابعا: قواعد أصول الفقه:
ولا خلاف في أهمية علم الأصول في ضبط عملية الاجتهاد، وتقويم طرق الاستدلال، ويؤكد ابن بركة هذا العلم بالنسبة للمجتهد بقوله: «فالواجب عليه إذا أراد علم الفقه أن يتعرف أصول الفقه وأمهاته، ليكون بناؤه على أصول صحيحة، ليجعل كل حكم في موضعه، ويجريه على سننه ... » (5). وفيما يلي طائفة من القواعد التي وظفَّها في النقد:
* نسخ النص المتقدِّم بالمتأخِّر: وهذا في مسألة حكم الوضوء بالنبيذ، فقد نقل عن أبي حنيفة قوله بالجواز عند عدم الماء (6)، وقد ردَّ ابن بركة هذا الرأي من عدة أوجه منها قوله: «ولو ثبت التطهُّر بالنبيذ في زمان من الأزمان كان منسوخا؛ لأنَّ ليلة الجن التي روي الخبر فيها عن ابن مسعود عن النبي - صلى الله عليه وسلم - كانت بمكة، ونزل فرض التيمم بالمدينة، فكان التيمم عند عدم الماء ناسخا للنبيذ، والمنسوخ قد ارتفع حكمه» (7).
* لا تخصيص إلا بدليل: في مسألة من نذر نذرا في حال كفره هل يجب الوفاء به بعد إيمانه؟ فذهب ابن بركة إلى القول بالوجوب، واحتج له بأمر النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - لعمر بن الخطاب بالوفاء بنذره الذي نذره في الجاهلية بقوله: «أوفِ بنذرك» (8)
__________
(1) () ... الجامع، 1/ 506.
(2) () ... الجامع، 2/ 1062.
(3) () ... مسند الربيع، كتاب الأحكام، رقم:614. سنن ابن ماجه، كتاب اللقطة، رقم:2503.
(4) () ... الجامع، 1/ 356. ينظر: غريب الحديث لابن سلام، 2/ 203.
(5) () ... الجامع، 1/ 62.
(6) () ... الكاساني: بدائع الصنائع، 1/ 15.
(7) () ... الجامع، 1/ 449.
(8) () ... البخاري، كتاب الاعتكاف، رقم:2032. الترمذي، أبواب النذور والأيمان، رقم:1539. (1/10)
صفحة 11
، لكن اعترض عليه بأنَّ ذلك الحكم خاصٌّ به دون غيره؛ فأجاب عن هذا الاعتراض بأنَّ الأصل في النصوص العموم لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «حكمي على الواحد منكم كحكمي على جميعكم» (1)، فمن ادَّعى التخصيص كان عليه إقامة الدليل (2).
* بقاء حكم العام بعد التخصيص: ردَّ ابن بركة على قول الحنفية بجواز نكاح إماء أهل الكتاب قياسا على المحصنات من أهل الكتاب بقوله: «إنَّ الله تبارك وتعالى حرَّم نكاح المشركات عاما بقوله: {وَلاَ تَنكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ} [البقرة:221]، فدخل في هذا النهي كل مشركة، كتابية أو غير كتابية، أمة كانت أو حرَّة، ثم استثنى من جملة ما حرَّم المحصنات من أهل الكتاب، وهنَّ الحرائر، وبقي الباقي على التحريم» (3).
المبحث الثالث: مجالات النقد الفقهي عند ابن بركة:
يمكن حصر هذه المجالات في أربعة نواح: نقد الدليل- نقد التعليل - نقد الاستدلال - نقد الأقوال.
أولا: نقد الدليل: والمقصود به هنا نقد صحة الرواية وثبوتها سندا أو متنا.
وقد أولى ابن بركة جانب السنة اهتماما بالغا في كتابه الجامع، فأول باب صدَّر به الكتاب "باب الأخبار"، كما يرى أنها أهمُّ أسباب الاختلاف الواقع بين المذاهب. وهنا يصرِّح ابن بركة بقاعدة جليلة في منهج التعامل مع الروايات إذا ثبتت عند المخالف دون الموافق بقوله: «ولسننا ننكر أخبار مخالفينا فيما تفرَّدوا به دون أصحابنا من غير أن نعلم فسادها؛ لأنَّا قد علمنا فساد بعضها، ويجوز أن يكون ما لم نعلم بفساده أن يكون صحيحا ... » وهذا إنصاف منه -رحمه الله- في الأخذ بمرويات غير الإباضية متى توفَّرت الشروط، ثم يضيف معللا قبول هذه الروايات، كما ينصُّ على قاعدة مهمَّة في العمل بالرواية بقوله: «والصحيح منها ما أيَّده العمل أو وقع عليه الإجماع» (4).
ونقتصر هنا على ذكر مثالين لنقد الحديث عنده:
1 - رد الحديث إذا خالف قطعيات القرآن: نقد ابن بركة حديث: «إِنَّ الْمَيِّتَ يُعَذَّبُ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ» (5) بقوله: «وأما الخبر الذي رواه أهل الحديث عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - من طريق عمر وعبد الله بن عمر أن النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «إِنَّ الْمَيِّتَ يُعَذَّبُ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ»، فهذا خبر غير موافق لكتاب الله، ولا يوجب صحَّته العقول، ولم يرد ورود الأخبار التي ينقطع العذر بصحَّتها، قال الله تبارك وتعالى: {وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} [الأنعام:164]، وقال جلَّ ذكره: {فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنبِهِ} [العنكبوت:40]» (6).
__________
(1) () ... قال عنه السخاوي: «ليس له أصل كما قاله العراقي في تخريجه، وسئل عنه المزي والذهبي فأنكراه». (المقاصد الحسنة، ص 312). وفي معناه ما أخرجه الترمذي وغيره من حديث أميمة ابنة رقيقة: «إِنَّمَا قَوْلِي لِمِائَةِ امْرَأَةٍ كَقَوْلِي لِامْرَأَةٍ وَاحِدَةٍ». سنن الترمذي، باب ما جاء في بيعة النساء، رقم:1597.
(2) () ... الجامع، 3/ 1237.
(3) () ... الجامع، 3/ 1246.
(4) () ... الجامع، 2/ 899.
(5) () ... صحيح البخاري، كتاب الجنائز، رقم: 1304. صحيح مسلم، كتاب الجنائز، رقم:927.
(6) () ... الجامع، 1/ 674. (1/11)
صفحة 12
وللعلماء تأويلات وتوجيهات لمعنى الحديث دفعا للتعارض مع كتاب الله (1) -كما ذكر ابن بركة. ومعلوم استدراك عائشة -رضي الله عنها- على رواية عمر وابنه عبد الله لهذا الحديث (2)، فصحَّحت لفظه وبيَّنت سبب وروده (3).
2 - رد ما يقدح في عدالة الصحابة: نقل ابن بركة عن أهل الحديث روايتين عن أبي بكر وابن عباس في مسألة الإمساك في الصيام؛ الأولى قول أبي بكر لغلامه وهو يتسحَّر: «أوثق علي الباب، لا يفجأنا الصبح» (4)، والأخرى ما روي عن ابن عباس أنه قال لغلاميه: اسقياني الماء، فقال أحدهما: أصبحت، وقال الآخر: لا، فقال: «اسقياني فإني أشرب إلى أن تصطلحا» (5)
ثم نقد هاتين الروايتين لما فيهما من قدح في سمعة الصحابيين الجليلين بقوله: «وحاشا لأبي بكر وابن عباس مع ورعهما وزهدهما وعلمهما وما يعلمان من اقتداء الناس بهما أن تكون فيهما شراهة الأنفس وقلة الصبر على فضل الأكل، أو شرب ماء ... ، ومثل هذه الأحاديث تؤكد في نفوسنا تكذيبا لهم في مثلها، وما ينقلونه من الأخبار إلينا مما لا يعلم صحته، ولا دلالة عليه من كتاب ولا سنة ولا إجماع يوجب صدقهم فيه» (6).
ثانيا: نقد التعليل:
والمقصود به نقد علة القياس، وهو ما يعرف في علم الأصول بقوادح العلة.
وإنَّ المطَّلع على كتاب الجامع ليجد في ثنايا أبوابه مباحث جليلة في بناء الفروع على أصل القياس، استدلالا أو اعتراضا، وهذا يعكس أهمية هذا الدليل لدى ابن بركة.
ونحاول إيراد بعض الشواهد على نقد ابن بركة لمسالك التعليل من خلال الأمثلة الآتية:
· التيمم لأجل صلاة الجنازة: رد ابن بركة قول بعض فقهاء المذهب بجواز التيمُّم لمن خاف فوت الجنازة ولم يجد الماء في الحضر، قياسا على من لم يجد الماء وخاف فوت الصلاة إذا كان يقدر على الماء بعد خروج الوقت.
وقد نقد ابن بركة هذا القياس ببيان الفارق بين صلاتي الجنازة والفريضة؛ حيث إن الأولى فرض على الكفاية، فمن حضر الجنازة متطهِّرا بالماء ففرض الصلاة لازم عليه، ويكون نفلا في حقِّ من كان محدثا، ومعلوم أن النفل لا يصحُّ بالتيمم في الحضر حال القدرة على الماء (7).
__________
(1) () ... ينظر: شرح النووي على صحيح مسلم، 6/ 228.
(2) () ... أخرج البخاري عن عائشة قالت: رَحِمَ اللَّهُ عُمَرَ، وَاللَّهِ مَا حَدَّثَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: «إِنَّ اللَّهَ لَيُعَذِّبُ المُؤْمِنَ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ»، وَلَكِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ لَيَزِيدُ الكَافِرَ عَذَابًا بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ»، وَقَالَتْ: حَسْبُكُمُ القُرْآنُ: {وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى}. صحيح البخاري، كتاب الجنائز، رقم:1288.
(3) () ... ينظر: الزركشي: الإجابة لإيراد ما استدركته عائشة على الصحابة، ص 77، 102.
(4) () ... أخرج عبد الرزاق أن أبا بكر كان يَقُولُ: «أَجِيفُوَا الْبَابَ لَا يُفْجُؤْنَا الصُّبْحُ». مصنف عبد الرزاق، باب تأخير السحور، رقم:7618.
(5) () ... لم أجده بهذا اللفظ، وفي معناه أخرج عبد الرزاق عن عكرمة مولى ابن عباس قال: اسْقِنِي يَا غُلَامُ قَالَ: أَصْبَحْتُ، فَقُلْتُ: كَلَّا، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: «شَكٌّ لَعَمْرُ اللَّهِ اسْقِنِي فَشَرِبَ». باب الطعام والشارب مع الشك، رقم:7366.
(6) () ... الجامع، 2/ 1095.
(7) () ... الجامع، 1/ 412 - 413. (1/12)
صفحة 13
· حكم الصلاة في الأرض المغصوبة: نقد قياس القائلين بصحة الصلاة في الأرض المغصوبة على إجازة بعض البيوع المنهيِّ عنها، وإثبات أحكامٍ بالوطء المحرَّم، للعلة الجامع بينها وهي النهي عن الشيء مع صحته وترتب آثاره عليه.
وقد بنى نقده على نقض هذه العلة (1) فقال: «فكان العلة الجامعة بينهما هو النهي، ومن شأنك أن العلة إذا لم تجر في معلولاتها بطلت، فيحتاج أن يجري النهي في كل شيء وتمضيه، فلما كانت ههنا أشياء منهي عنها لا نمضيها ونحكم بفسادها بطلت العلة لأنها إذا لم تجر في معلولاتها بطلت» (2). ثم استطرد الحديث في بيان العلة التي يبنى عليها القياس الصحيح؛ حيث ردَّ بطلان الصلاة في الأرض المغصوبة على بطلانها في الأرض النجسة، فقال: «من شبه المكان بالمكان والنهي بالنهي والسبب بالسبب أولى ممن رد الصلاة إلى البيع» (3).
· نقد علَّة منع استعمال آنية الذهب والفضة وهي التكبر والخيلاء: وهو تعليل بعض علماء المذهب، حيث قال: «وهذه علة تنكسر علينا، وذلك أنهم أجمعوا مع مخالفيهم أنَّ الشرب بقدح بلَّور تكون قيمته ألف درهم جائز، وامتنعوا من قدح فضة وقيمته عشرة دراهم، فلو كان طريقه طريق الخيلاء والتكبر وليَبِينُوا به من سائر الناس بأوانيهم لما جوزوا الشرب في قدح بلَّور يكون قيمته ألف درهم، والعلة موجودة والتحريم مرتفع، وبطل أن يكون النهي بهذه العلة» (4)، فيتجلى في هذا النص استعمال ابن بركة طريقة النقض للقدح في العلة بإثبات تخلُّف الحكم مع وجود العلة.
ثانيا: نقد الاستدلال:
يتوجه النقد في هذا المسلك إلى وجه الاستدلال بالنص، من خلال الاحتكام إلى قواعد اللغة لأنها الأساس في الفهم والاستنباط، ومدى موافقة ذلك لمقاصد الشريعة وقواعدها الكلية.
وقد أشرنا سابقا إلى مدى اهتمام ابن بركة بالجانب اللغوي في فقه النصوص، استنباطا وترجيحا ونقدا، وهو ما مكَّنه من مناقشة آراء العلماء ونقض استدلالاتهم، والمادة في ذلك غزيرة، والشواهد كثيرة، نختار منها مسائل يسيرة:
· هل تخرج وصية الميت بالحج من التركة أو من الثلث؟ ذهب بعض فقهاء الإباضية إلى أنها تخرج من التركة، استدلالا بحديث الخثعمية المشهور، فقالوا: «قد شبَّه [الرسول - صلى الله عليه وسلم -] الحجَّ بالدَّين، فلما كان الدَّين من رأس المال كان الحجُّ مثله» (5).
لكن ابن بركة ردَّ على هذا الاستدلال بقوله: «وإنما شبَّهه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالدَّين، فإنَّ المرأة سألته عن الأداء، فشبَّه ذلك بأداء الدين إذا قضته عنه كان قضاؤها عنه كقضائها الدَّين عنه إذا قضته، ولم تسله عن الوجوب فيرد الجواب عنه» (6). وفي هذا تأمل عميق، وإشارة إلى معنى دقيق في نصِّ الحديث.
__________
(1) () ... الجامع، 2/ 866. وينظر: 2/ 769 - 770.
(2) () ... الجامع، 2/ 867.
(3) () ... الجامع، 2/ 869.
(4) () ... الجامع، 3/ 1575.
(5) () ... الجامع، 1/ 249.
(6) () ... الجامع، 1/ 251. (1/13)
صفحة 14
· الإصباح جنبا في نهار رمضان: وهي مسألة مشهور خلاف الإباضية فيها للمذاهب الأربعة، لذا نجد ابن بركة أطال فيها البحث، مبيِّنا حجج مذهبه في المسألة، كما ناقش أدلة المخالف، ونقد استدلالاتهم؛ منها استدلالهم بآية الصوم: {أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَآئِكُمْ} [البقرة: 187]؛ فقالوا: إن الله أباح الجماع إلى طلوع الفجر، وهذا يلزم منه أن يصبح جنبا، ولو كانت الجنابة مفسدة للصوم لوجب أن يحرم الوطء في آخر جزء من الليل بمقدار ما يتَّسع للغسل (1). ويسمى هذا عند علماء الأصول بدلالة الإشارة.
فردَّ على هذا الاستدلال بأن الوقت المقدر للغسل مخصوص من الإباحة، وداخل ضمن النهي عن الإصباح جنبا، لأنَّ الغسل من لوازم الجماع، وهذا مثل الصلاة «لها أول وآخر، فالمتعبِّد بها يوقعها فيه وفي أي وقت منه، ثم مع ذلك لا يجوز إلا بالطهارة، فقد خصَّ للطهارة وقتا من أوقات الصلاة، وكذلك الغسل من الجماع خصَّ له وقت من أوقاته» (2).
· صرُّف الوالد في مال ولده: نقد ابن بركة قول من أجاز للأب أخذ مال ولده على غناه استنادا إلى قول الرسول - صلى الله عليه وسلم -: «أنت ومالك لأبيك» (3). فقالوا: قد ملَّك النبي - صلى الله عليه وسلم - الأبَ مال ولده بظاهر هذا الخبر، لكن كان لابن بركة نظر آخر في دلالة الحديث، حيث قال: «والنظر يوجب عندي أن هذا الخبر لا يوجب تمليك المال، وأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أراد به منزلة الأب وعظم حقِّه على ولده، وتعريف الولد أنه من والده وبضعة منه، وأن الولد من كسب الوالد» (4). كما اعترض على استدلالهم بقوله: «ولو كان قوله: «أنت ومالك لأبيك» يوجب أن يكون مال الابن لأبيه لم يكن الحاكم يفرض للأب على ولده النفقة إذا كان فقيرا أو محتاجا؛ لأن الحاكم لا يفرض لأحد النفقة في مال يملكه، وإنما يفرض له في مال غيره» (5). فأثبت بطلان القول وهو ملكية الوالد لمال ولده بإبطال أحد لوازمه وهو عدم فرض الحاكم النفقة على الولد، وإذا بطل اللازم فقد بطل ملزومه قطعا.
ثالثا: نقد الأقوال:
والنقد هنا متجه إلى قول الفقيه لا إلى دليله، إذا كان قوله مناقضا لقواعد العقل أو النقل، أو مخالفا لأصوله في الاجتهاد، أو معارضا لرأي آخر له في مسألة مشابهة.
وقد برز ابن بركة في هذا المجال، فلا تكاد تخلو مسألة في "الجامع" من الاعتراض والمناقشة ثم الترجيح، سواء أكان النقد ضمن دائرة أقوال المذهب، أم على مستوى المذاهب الفقهية. ويمكن الاصطلاح على الأول: بالنقد الداخلي، وعلى الثاني: بالنقد الخارجي.
__________
(1) () ... القرطبي: الجامع لأحكام القرآن، 2/ 326. الغزالي: المستصفى، ص 264.
(2) () ... الجامع، 1/ 473.
(3) () ... سنن أبي داود، كتاب البيوع، رقم:3530. سنن ابن ماجه، كتاب التجارات، رقم:2292.
(4) () ... الجامع، 4/ 1683.
(5) () ... الجامع، 3/ 1684. وينظر: 3/ 1694. (1/14)
صفحة 15
1 - النقد الداخلي: إن من أهم أهداف تأليف ابن بركة لكتابه الجامع هو الاستدلال لآراء الإباضية، وبناء الفروع على الأصول، لذا فقد اهتم كثيرا بتحرير أقوال المذهب، والاحتجاج لها، وتمييز الصحيح من الشاذّ، والراجح من المرجوح (1). وقد مضى ذكر نحو من هذا في المبحث الثاني، وأضيف هنا مسألتين:
* حكم طلاق السكران: نقد ابن بركة تفريق علماء المذهب بين طلاق السكران وبين تصرفاته المالية؛ حيث حكموا بوقوع طلاقه وترتب آثاره عليه، بينما لم يصححوا عقوده المالية، فقال: «ولم أعلم ما وجه قول أصحابنا في تفريقهم بين طلاق السكران وغيره من النكاح والبيع والشراء، مع استواء حكم الظاهر في الجميع، مع قولهم إنَّ الطلاق لا يقع إلا بنيَّة، والسكران لا نيَّة له» (2). ثم بيَّن رأيه المختار وأقام عليه الأدلة.
* شهادة الأعمى: قال فقهاء المذهب بعدم قبولها إلا في النسب، وفيما كان متيقِّنا به قبل ذهاب بصره. ونقد ابن بركة هذا الرأي بقوله: «وكيف يجوز أن يحدِّث القاضي أعميان بحديث أو فقه فرفعاه إليه، وقبله القاضي منهما وجعله أصلا له يحكم به، فإذا شهد عنده بشهادة يجب بشهادتها (3) ذلك الحكم الذي حكم به بحديثهما لم يقبله» (4)، وفي هذا من الإلزام بالحجة ما لا يخفى.
2 - النقد الخارجي: لقد كان منهج الفقه المقارن من ركائز تأليف كتابه "الجامع"، مكَّنه من ذلك سعة اطِّلاعه على أقوال العلماء من لدن الصحابة والتابعين، وعلى نتاج المدارس الفقهية الأخرى؛ ولا يكاد يذكر خلافا فقهيا دون نقد أو مناقشة على أسس علمية ومعايير موضوعية. فمن الأمثلة على ذلك:
* اعتراضه على قول الشافعي في إسقاط الكفَّارة عن من تعمَّد الأكل في نهار رمضان، مع إيجابه الفدية على الحامل والمرضع إذا أفطرتا، ويبيِّن وجه اعتراضه بقوله: «إذا كان العاصي بالإفطار لا كفَّارة عليه، فمن أُمر بالإفطار ورخِّص له فيه أولى بأن لا كفَّارة عليه» (5).
* وفي مسألة اشتراط النية للوضوء اعترض على قول أبي حنيفة بعدم اشتراط النية للوضوء، واشتراط ذلك في التيمُّم وهو بدل منه، فقال: «والأولى لمن قال بالقياس أن لا يجيز الطهارة إلا بالنية؛ لأنَّ التيمم عنده بدل من الطهارة، وقد قامت الدلالة عنده أن هذا البدل لا يجوز إلا بقصد ونية، فالذي أبدل منه أولى أن لا يجوز إلا بنية» (6).
* كما اعترض عليه في مسألة تتعلق بطواف الزيارة؛ حيث ذهب إلى أنَّ من لم يتمَّ الطواف وقد طاف أكثر من ثلاث أنه لا يرجع؛ لأنه قد أتى بالأكثر. فردَّ ابن بركة هذا الرأي وبين تناقضه بقوله: «وذلك أن طواف الزيارة فرض ولا اختلاف فيه، كما أن صلاة الظهر فرض لا اختلاف فيها، والواجب على قياس قوله أن يكون إذا أتى بثلاث ركعات من الظهر فلا
__________
(1) () ... ينظر هذه المواضع: 1/ 242، 487، 535، 648. 2/ 1085. 3/ 1248، 1370. 4/ 1893، 2061.
(2) () ... الجامع، 3/ 1345.
(3) () ... كذا في الكتاب. ولعل الصواب هو التثنية: "فإذا شهدا عنده بشهادة يجب بشهادتهما .. ".
(4) () ... الجامع، 3/ 1589 - 1590.
(5) () ... الجامع، 2/ 1103. وينظر: الزيادات: 2/ 518 - 555.
(6) () ... الجامع، 1/ 394. (1/15)
صفحة 16
شيء عليه؛ لأنه قد أتى بالأكثر منها، وهو لا يقول بذلك، فإن كان الفرض عليه أربع ركعات نظير الذي عليه سبعة أشواط فالواجب عليه أن لا يجوز للمفروض عليه طواف سبعة أشواط أن يخرج منهن إلا بتأديتهن» (1).
وبعد تمام التحرير، فمن الجدير التنبيه إلى أني لم أورد أجوبة صاحب القول على اعتراضات ابن بركة فيما ذكر سابقا من المسائل؛ لأن الغرض في هذا البحث هو الوقوف عند منهج النقد وأسسه عند ابن بركة، وليس بيان القول الأرحج والرأي الأصوب.
__________
(1) () ... الجامع، 3/ 1397. (1/16)
صفحة 17
الخاتمة
في ختام هذه الورقة البحثية، وبعد القراءة المتأنية والمنتقاة لمباحث الكتاب، يمكن تسجيل الملاحظات الآتية:
* يمثل نتاج ابن بركة لحظة فارقة في تطور فقه المدرسة الإباضية اجتهادا وتصنيفا؛ حيث يعد كتابه "الجامع" قمة التأليف الفقهي الإباضي خلال القرن الرابع الهجري، امتاز بمزج الصياغة الفقهية بالصناعة الأصولية، وربط الصلة بين الفروع والأصول.
* يعتبر كتاب الجامع من أهم مصادر الفقه المقارن لدى الإباضية، فقد حوى مادة ثرية تتجلى فيها الروح النقدية عند ابن بركة، والنزعة الحجاجية القائمة على الاعتداد بالرأي والانتصار له متى تبيَّن رجحانه.
* تتجلى معالم المنهج النقدي عند ابن بركة في الاحتكام إلى قواعد علمية وعقلية متفق عليها، تشكِّل معايير أساسية لعملية النقد، يمكن تلخيصها في ثلاثية: العقل، الشرع، اللغة.
* تعدَّدت مجالات النقد عند ابن بركة لتشمل مختلف جوانب الاجتهاد الفقهي، تأصيلا وتنزيلا، مما يدل على سعة الاطلاع، والتمكن من علوم الاجتهاد، وقوة العارضة في الاحتجاج.
* تميَّز منهج النقد عند ابن بركة بخصائص تتمثل في: 1 - الموضوعية، فينقد الرأي متى تبين خطأه دون النظر إلى قائله، ولو كان إمامًا في مذهبه. 2 - التأصيل: وذلك ببناء النقد على أسس ومعايير علمية، وليس مجرد كلام ملقى على عواهنه. 3 - الأدب: وهذا ثمرة لما قبله، وذلك بالتزام آداب النقاش، وعدم الجنوح إلى التجريح أو التعييب، وقد كان هذا دأب ابن بركة، إلا في قليل من المواضع حاد فيها عن مسلكه.
هذا، وإني أقترح في ختام هذه الورقة البحثية أمران:
أولا: القيام بدراسة شاملة لمنهج النقد الفقهي عند ابن بركة وإسهاماته في هذا المجال نظرا لما تتميز بهذه الشخصية العلمية من طاقات وملكات فذة.
ثانيا: إدراج منهج النقد الفقهي ضمن مساقات العلوم الشرعية على كافة المستويات، لتمكين الطلبة والباحثين على إعداد بحوث نقدية ذات عمق فكري وضبط منهجي.
وختاما، فهذا بحث مختصر حاولت الوقوف عند أهم معالم المنهج النقدي عند ابن بركة، تاركا المجال لأهل العلم والتحقيق حتى يستخرجوا درره، ويجلوا نفائسه. وأستغفر الله من كل زلل أو تقصير، {رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ}، والحمد لله رب العالمين. (1/17)
صفحة 18
المصادر والمراجع:
· ابن بركة، أبو محمد عبد الله بن محمد السليمي: الجامع، تحقيق: مصطفى بن صالح باجو، وزارة التراث والثقافة، سلطنة عمان، 2017 م.
· ابن الشلي، أبو أمامة نوار: العقل الفقهي معالم وضوابط، ط.1، دار السلام، القاهرة، 1429 هـ/2008 م.
· ابن الشلي، أبو أمامة نوار: نظرية النقد الفقهي، معالم لنظرية تجديدية معاصرة، ط.1، دار السلام، القاهرة، 1431 هـ/2010 م.
· ابن عبد البر، أبو عمر يوسف النمري: جامع بيان العلم وفضله، تحقيق: أبو الأشبال الزهيري، ط.1، دار ابن الجوزي، المملكة العربية السعودية، 1414 هـ/1994 م.
· ابن عبد السلام، أبو محمد عز الدين: قواعد الأحكام في مصالح الأنام، مكتبة الكليات الأزهرية - القاهرة، 1414 هـ/1991 م.
· ابن فارس، أحمد بن زكرياء القزويني: معجم مقاييس اللغة، تحقيق: عبد السلام هارون، دار الفكر، 1399 هـ/1979 م.
· ابن هشام، عبد الملك الحميري: السيرة النبوية، تحقيق: مصطفى السقا وآخرون، ط.2، مطبعة مصطفى البابي الحلبي وأولاده، بمصر، 1375 هـ /1955 م.
· الأنصاري، فريد: أبجديات البحث في العلوم الشرعية، دار الحامد، عمان-الأردن، 2008 م.
· جميل صليبا: المعجم الفلسفي، دار الكتاب اللبناني، بيروت-لبنان، 1982 م.
· الجوهري،: الصحاح، أبو نصر إسماعيل بن حماد، تحقيق: أحمد عبد الغفور عطار، ط.4 ن دار العلم للملايين، بيروت، 1407 هـ/1987 م.
· الحسان شهيد: نظرية النقد الأصولي، دراسة في منهج النقد عند الإمام الشاطبي، ط.1، المعهد العالمي للفكر الإسلامي، الولايات المتحدة الأمريكية، 1433 هـ/2012 م.
· رابح صرموم: النقد الفقهي مفهومه وأهميته، مجلة الأكاديمية للدراسات الاجتماعية والانسانية، جامعة حسيبة بن بوعلي، الشلف، العدد 12، جوان 2014 م.
· الزحيلي، وهبة: الفقه الإسلامي وأدلته، ط.12، دار الفكر، دمشق-سورية. د. ت.
· الزركشي، بدر الدين محمد بن عبد الله: الإجابة لإيراد ما استدركته عائشة على الصحابة، ط.2، المكتب الإسلامي، بيروت، 1390 هـ/1970 م.
· السالمي، عبد الله بن حميد: معارج الآمال، تحقيق: سليمان بابزيز وآخرون، مكتبة الإمام السالمي، بدية-سلطنة عمان، 2010 م.
· عبد الحميد عشاق: منهج الخلاف والنقد الفقهي عند الإمام المازري، ط.1، دار البحوث للدراسات الإسلامية وإحياء التراث، دبي- الإمارات العربية المتحدة، 1426 هـ /2005 م.
· الغزالي، أبو حامد محمد: المستصفى، تحقيق: محمد عبد السلام عبد الشافي، ط.1، دار الكتب العلمية، 1413 هـ/1993 م.
· القرطبي: الجامع لأحكام القرآن، تحقيق: أحمد البردوني وإبراهيم أطفيش، ط.2، دار الكتب المصرية، القاهرة، 1384 هـ/1964 م. (1/18)
صفحة 19
· الكاساني، علاء الدين أبو بكر: بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع، ط.2، دار الكتب العلمية، بيروت، 1406 هـ/1986 م.
· الكدمي، أبو سعيد محمد: زيادات أبي سعيد الكدمي على كتاب الإشراف لابن المنذر النيسابوري، تحقيق: إبراهيم بن علي بولرواح، ط.1، وزارة الأوقاف والشؤون الدينية، سلطنة عمان، 1432 هـ/2011 م.
· المسعودي، زهران بن خميس: الإمام ابن بركة السليمي البهلوي ودوره الفقهي في المدرسة الإباضية من خلال كتابه "الجامع"، ط.1، وزارة الأوقاف والشؤون الدينية، سلطنة عمان، 1421 هـ/2000 م.
· النيسابوري، أبو بكر بن المنذر: الأوسط في السنن والإجماع والاختلاف، تحقيق: أبو حماد صغير، أحمد بن محمد حنيفن ط.1، دار طيبة، الرياض- السعودية، 1405 هـ/1985 م. (1/19)