صفحة 1
المجال: المطبوعات، كتب
المادة: إسلاميات - التزكية والأخلاق
------------------------------------------
العنوان: إيضاح نظم السلوك إلى حضرات ملك الملوك
المؤلف: ناصر بن جاعد الخروصي
تقديم وتحقيق: وليد محمود خالص
الناشر: هيئة أبو ظبي للثقافة والتراث - دار الكتب الوطنية
مكان النشر: أبو ظبي - الإمارات
تاريخ النشر: 1432ه/ 2011م
الطبعة: 1
ردمك: 978-9948-01-777-6
مصدر البيانات من برنامج الرستمي بموقع المنهاج:
https://www.elminhaj.org/catalogue_rech_notis.php?id_liv=3689&id_ty=1
------------------------------------------
مصدر النسخة المصورة للكتاب (PDF) من موقع المكتبة السعيدية:
https://alsaidia.com/node/820
ملاحظة: قامت المكتبة السعيدية باستغلال تقنية التعرف الضوئي على الحروف في اللغة العربية (OCR) في إنشاء هذه النسخة المصورة (PDF)، لذلك فإنه يمكن البحث فيها للوصول إلى المعلومة بسهولة.
تنبيه: قام فريق مشروع المكتبة الشاملة الإباضية باستغلال تلك التقنية لتوفير النص المرقون، وذلك بالتحويل الآلي لصور صفحات الكتاب إلى نص، لذا فالنص الناتج ليس صحيحا 100%، لذا يمكن استخدام ذلك النص لنسخ جمل وفقرات من هذا النص الناتج، مع ضرورة مراجعته ومقارنته بنسخة (PDF) المرفقة، وتعديله وفقا لذلك قبل اعتماده.
ترقيم الصفحات: موافق للمطبوع
تاريخ النشر الرسمي بالشاملة الإباضية: 09 رمضان 1446ه/ 09 - شهر 03 - 2025م. إيضاح نظم السلوك
إلى حضرات ملك الملوك
لناصر بن جاعد الخروصي 1264 ه
تقديم وتحقيق:
د. وليد محمود خالص (1/1)
صفحة 2
إيضاح نظم السلوك
إلى حضرات ملك الملوك
لناصر الخروصي (1264)
تقديم وتحقيق د. وليد محمود خالص (1/2)
صفحة 3
هيئة أبوظبي للثقافة والتراث، دار الكتب الوطنية. فهرسة دار الكتب الوطنية أثناء النشر.
خروصي، ناصر بن جاعد، 1778 - 1847.
إيضاح نظم السلوك إلى حضرات ملك الملوك / ناصر الخروصي؛ تقديم وتحقيق وليد محمود خالص. – ط 1 – أبوظبي: هيئة أبوض للثقافة والتراث دار الكتب الوطنية، 2011.
ص.
ظبي
سم.
ت د م ك: 6 - 777 - 01 - 9948 - 978
1 - الشعر الصوفي. 2 - الشعر العربي - العصر الأيوبي - تاريخ ونقد. أ - خالص، وليد محمود، 1951 –. ب - ابن الفارض عمر بن علي 1181 - 1234 - تائية ابن الفارض. ج - العنوان.
LC
PJ 7755.118 Z 75 2010
أبوظبي للثقافة والتراث
ABU DHABI CULTURE & HERITAGE
حقوق الطبع محفوظة
دار الكتب الوطنية هيئة أبوظبي للثقافة والتراث «المجمع الثقافي»
O National Library Abu Dhabi Authority for Culture & Heritage "Cultural Foundation"
الطبعة الأولى 1432 هـ 2011 م
الآراء الواردة في هذا الكتاب لا تعبر بالضرورة عن رأي هيئة أبوظبي للثقافة والتراث - دار الكتب الوطنية
أبوظبي - الإمارات العربية المتحدة
ص. ب: 2380
publication@adach.ae www.adach.ae
2 (1/3)
صفحة 4
إيضاح نظم السلوك
إلى حضرات ملك الملوك (1/4)
صفحة 5
إضاءات
-1 -
))
وكلام ابن الفارض ما دام له مخرج حق في التأويل فلا يصح أن يؤول إلا على الوجه الحق ما احتمل له ... ولا يجمل بأهل العلم الترفّع على العلماء الكبار إذا أظهر رأياً أفضل من رأيهم، بل يظهر رأيه على حسن أدب فيما بينه وبين الذي عارضه».
ناصر الخروصي (1264 هـ)
-2 -
ولو قال قائل إن شرح كلّ بيت من نظم ابن الفارض يحتمل أن يكون كتاباً واسعاً
لكان صادقاً».
-3 -
ناصر الخروصي (1264 هـ)
«هذا هو ذكر جماعة من شيوخ هذه الطائفة، وكان الغرض من ذكرهم التنبيه على أنهم مجمعون على تعظيم الشريعة، متصفون بسلوك طرق الرياضة، مقيمون على متابعة السنة غير مخلّين بشيء من آداب الديانة، فكلّ شريعة غير مؤيدة بالحقيقة فغير مقبول، وكلّ حقيقة غير مقيدة بالشريعة فغير مقبول».
عبد الكريم القشيري (564 هـ)
5 (1/5)
صفحة 6
-4 -
تراه، إن غاب عني كل جارحة في كلّ معنى لطيف رائق بهج في نغمة العود والناي الرخيم إذا تآلفا ألحان بين من الهَزَج وفي مسارح غزلان الخمائل في برد الأصائل والإصباح في البلح وفي مساقط أنداء الغمام على بساط نور من الأزهار منتسج وفي مساحب أذيال النسيم إذا أهدى إلي شحيراً أطيب الأرج لم أدر ما غربة الأوطان وهو معي وخاطري - أين كنا - غير منزعج
عمر بن الفارض (632 هـ)
-5 -
فألقت على سرّي
أباحت دمي إذ باح قلبي بحبها وحلّ لها في حكمها ما استحلَّتِ وما كنتُ ممن يظهر السرّ إنما عروس هواها في ضميري تجلت أشعة نورها فلاحت لجلاسي خفايا طويتي ومن عَجَبٍ أَنَّ الذين أحبهم - وقد أعلقوا أيدي الهوى بأعنة - سقوني وقالوا: لا تُغنّ، ولو سقوا جبال حنين ما سقوني لغنّتِ عز الدين المقدسي (660 هـ)
-6 -
تمذهبتُ المذاهب بعض عمري
انتسبت
قدرياً
مرجئيا
حنيفياً
وأيضاً
شافعياً
ووقتاً
حنبلياً
مالكيا
وشيعياً
وحيناً أشعرياً
ومن
بعد إباضياً رضيّا
6 (1/6)
صفحة 7
فدعني منهم طُراً جميعاً خليلي حين كنت الخارجيا وصرت الآن روحاني حكيماً خرقت به الحجاب الحندسيا
فحزت الملك للملكوت سيراً بأنوار رقيت بها
رقيا
وباريت الكواكب في ضيائي فحزت الفخر فخراً أقدميا جاعد بن خميس الخروصي (
(1237 هـ)
-7 -
يا من ابتليت بالتعصب، وتورّطت دائماً في الحب والبغض، انتبه الآن، وكن عديم التعصب، وامض قدماً، إنَّ تعصبك أفنى روحك، وشغلت نفسك بإحصاء معاصي الناس. تارة تقبل هذا، وتارة ترفض ذاك، فماذا يعنيك إن كان هذا في نفسه أفضل أم ذاك؟ وكلّ عمرك قضيته تقارن بين الناس، فمتى تتفرّغ للعبادة؟ وغداً سترى من حولك في الحضرة اثنتين وسبعين فرقة، فماذا يعنيك مَنْ منها على صواب، ومَنْ على ولو تمحصت فيهم لوجدتهم جميعاً عشاقاً جاؤوا للعبادة. وإنّي لأدعو الله أن يطامن من طغيان نفوسنا، ويخرج الفضول من أدمغتنا، وأن يشغلنا بما في قلوبنا، ويبعد عنا أهل التعصب».
فريد الدين العطار (617 هـ)
-8 -
كلُّ ما أذكره من طللٍ أو ربوع أو مغان كلّ ما وكذا إن قلت قد أنجد لي قدر في شعرنا أو أنهما
وكذا السحب إذا قلت بكت وكذا الزهر إذا ما ابتسما
أو أنادي بحداة
كل ما أذكره مما
منه
يمموا بانة الحاجر أو ورق الحما
جري ذكره أو مثله أن تفهما
أسرار وأنوار جلتْ أو علت جاء بها ربُّ السما (1/7)
صفحة 8
لفؤادي أو فؤاد من
مَن له
مثل مالي من شروط العلما
فاصرف الخاطر عن ظاهرها واطلب الباطن حتى تعلما
محيي الدين بن عربي
(638 هـ)
-9 -
وأي مقام لا أروم انتهاءه وفي مبدئي نور المصاحف غشاني فصحح إيماني بكل حقيقة بسر إلى أوج النهاية أنهاني وما زج بالإيمان روحي فاغتدى مسوطاً بجسمي، في دمائي ولحماني فهام بحب عام في بحر ذكره ولم يدر وجدان اصطبار وسلوان قدام به في كل وقت وهيئة على صيغ التلوين في كل أحيان سعيد بن خلفان الخليلي (1287 هـ)
-10 -
لم يتصل بي كيفية تبتّل سيدي القطب الخليلي، قدّس الله سره، بدعوته سموط الثناء إلا ما ذكره شارحها الشيخ العلامة جمعة بن خصيف لله من كون القطب كان آناء الليل، وأطراف النهار، وطوراً ينوّر بها سُدفة السحر، وتارة يصمي بها رابعة النهار
يرتلها
حتى خُرقت له عوائد التمكين، وفتح الله له بها الفتح المبين، ولما منَّ الله عليّ بتخميسها تعرضاً لبركات ذلك القطب، واستمداداً للفتح من نفثاته لا مباراة لكلامه، فإنَّ كلامه وهبي لا يبلغ شأوه مثلي حتى يقتحم الضالع الجبل الأملس، أو يصعد البغاث كسير الجناح إلى الفلك الأطلس، ولكنّي امرؤ حالفت خدمة الأذكار، وأُشربت حبّ الاغتراف من بحر
الأسرار».
ناصر بن سالم بن عديم الرواحي
أبو مسلم (1330 هـ)
8 (1/8)
صفحة 9
تصدير عام
هذا كتاب من ذخائر المكتبة العُمانية القديمة، ركب فيه صاحبه مركباً شاقاً عسيراً، واختط لنفسه فيه منهجاً سُداه التميّز، ولحمته الفرادة، وآلى على نفسه أن يقطعه إلى منتهاه، وقد فعل، وكأنه يذكرنا بما كتبه الفيلسوف الألماني شيلر سنة 1797 إلى صديقه جيته بعد أن انتهى من قراءة كتاب (فنّ الشعر) لأرسطو؛ فقد كتب يقول: «أنا راض كلّ الرضا عن أرسطو، لا عن أرسطو وحده؛ بل عن نفسي أيضاً، فليس من الأمور العادية أن يقرأ الإنسان لرجل مثله، رصين العقل، مودع الحكم دون أن يفقد معه الطمأنينة. إن أرسطو هذا حكم رهيب كأنه أحد زبانية الجحيم بالنسبة إلى كلّ مَنْ يدّعي التمسك الوضيع بالشكل الخارجي، أو التحرر المطلق من كلّ شكل ... وعلى مَنْ شاء أن يقرأه بفائدة أن يكون عارفاً من قبلُ بالأفكار الواضحة كلّ الوضوح عن الأمور الرئيسة، أما من لم يقف من قبل على الموضوع الذي يعالجه أرسطو فمن الخطر المحقق أن يلتمس عنده النصيحة» (ينظر فنّ الشعر، أرسطو، ترجمة عبد الرحمن بدوي، ص (12)، وكأن شيلر في نصه السالف يحدّد أموراً ثلاثة تجلّل (فنّ الشعر) نراها منطبقة إلى مدى بعيد على هذا الكتاب؛ أولها فقدان الطمأنينة بعد القراءة، بسبب ما يقدمه أرسطو من آراء جديدة، ومفاجآت فكرية، وكم عالجت من غصص هذا الفقدان، وأنا أتعامل مع هذا النص الثري الطويل لسنوات، ولا أحسب القارئ إلا غارقاً في تلك الحالة وهو يعاني القراءة مع اختلاف الأسباب، وربما النتائج. وثانيها ضرورة المعرفة المسبقة بالأفكار الرئيسة التي يعالجها أرسطو، وهذا متحقق هنا أيضاً؛ فلا غنى لمن يحقق أو يقرأ أن يكون عارفاً بمقدمات الأفكار التي سيتناولها المؤلف، واضعاً إياها في مواضعها السليمة في تاريخ العلوم العربية عامة، والتصوف خاصة، وإلا فلن يصل إلى شيء يذكر، وكأنَّ ما يمسكه بعد القراءة ليس شيئاً سوى الهواء. وثالثها بثّ اليأس في نفس القارئ الغافل، بحيث يصل به إلى حافة الخطر؛ إذ لن يظفر هنا بنصيحة ما، أو فائدة معينة ما دام لم يستوف الأمرين السابقين؛ فكأنَّ الثلاثة وحدة واحدة لا انفصام لها، وهذا بدهي! ألم يكن الكتابان ذاك المتقدم السابق وهذا الذي بين الأيدي وحدة متلاحمة يفضي أولها إلى آخرها في انسجام بديع، وتناغم عجيب
9 (1/9)
صفحة 10
ناهيك عن
هذا عن التوطئة؛ غير أنَّ عمود القول وسنامه متعلّق بصاحب هذا الكتاب، وعمله فيه، أما صاحبه فهو علم سائر الذكر من أعلام عُمان، تعرفه الخاصة، وتتناقل أخباره، ومروياته مصادر العلم، ومظانه على اختلاف حقولها، هو الشيخ ناصر بن أبي نبهان الخروصي، أنه رأس من رؤوس المذهب الإباضي، أهله لهذه الرئاسة بيت كريم درج في عشه، وتفيأ ظلاله، وعلوم متنوعة حصلها بالصبر والمثابرة منها علوم القرآن الكريم وحديث رسول الله، والفقه والأصول، وعلوم العربية، والفلسفة، والمنطق، وإلى جانبها الشعر الذي صبّ فيه سبحاته الوجدانية، وتحولاته السلوكية، غير أننا نسارع هنا لنقول إنَّ الشيخ قد صهر هذه العلوم في فضاء فكره، وصنّفها في مراتب عقله، وروحه لتحقق غرضاً هو أعمق وأشدّ غوراً، ونفاذاً من قشرة تلك العلوم وهي مفردة، ولم يكن ذلك الغرض المنشود، والتوق الملح سوى (التصوف) بمصطلحه العام، أو (السلوك) بمصطلحه الخاص عند القوم، ذلك الاتجاه الذي استمسك بأسبابه، وأنفق عمره وهو ينهل منه نَظَراً، ليروح بعدها فيجعله سلوكاً، وشعار حياة، وهل يكفي عمر واحد لبلوغ ذلك؟ وهذا هو الذي قصدنا إليه بالمركب الشاق متمثلاً في الأمور الثلاثة التي أسلفنا الحديث عنها، فقد تقدم الشيخ ناصر في هذا الكتاب بعد أن استوفى أدواته بنوعيها الكبيرين، إلى قصيدتين هما من عيون شعر ابن الفارض هما التائيتان الصغرى والكبرى؛
6
بل هما من عيون الشعر الصوفي وغُرره، أجمع على هذا الدارسون قديماً، واتفق عليه الباحثون حديثاً، وكان للمستشرقين الذين درسوا ابن الفارض وشعره رأيهم العلمي الذي دعم آراء الدارسين العرب، أقول تقدّم الشيخ إلى التائيتين راغباً في وضع شرح لهما، وقد يبدو الكتاب في النظرة العجلى، والقراءة المتسرعة - على هذا – شرحاً للقصيدتين، وحتى إن وقع هذا فهو ممّا لا يقدح في عمل الشيخ، فهو عمل كبير بشكله، وعمل كبير بمضمونه، بَيْد أنَّ هذا لم يقع، فقد جعل الشيخ من القصيدتين نقطة نور ينطلق منها إلى آفاق رحبة يعبّر فيها عما يجول في خاطره، ويدور في خَلَده من أفكار وآراء وقناعات، وأضف إليها المواجيد والإشراقات، فهو ما نقرؤه، ونلمسه أيضاً في الثنايا، لقد أراد الشيخ من القصيدتين ذلك كلّه، ولتحقيق هذا فاء إلى منهج مختلف، ورؤيا مغايرة عما سبقه من الشروح، وهو يعلم حق العلم أن شروح التائيتين قبله ليست بالقليلة، ولا سيما الكبرى منهما، فلو سلك سبيل غيره لجعل من نفسه رقماً جديداً يضاف إلى تلك الأرقام التي
10 (1/10)
صفحة 11
غير
سبقته، وليس الهمّ عندئذ سوى الأخذ من تلك الشروح، والتعويل عليها، والتسويد منها، أنَّه تنكب ذلك الطريق اليسير الواضح، وعمد إلى آخر أصعب، وراد فلاة لم تطأها قدم قبله، وأراد لنفسه التفرّد، وتجلية قناعاته الفكرية، فنخل التائيتين مدارسة ونظراً، ووصل إلى أنهما واحدة، لا يمكن فهم الأولى بمعزل عن الثانية، ولن تتحقق الفائدة المطلوبة من الثانية وهي مبتورة عن أختها الأولى، فبدأ الطريق من أوّله وفق رؤية خاصة لم نجد لها سابقة، فبدأ من أبيات الصغرى لينتهي منها، ثم يستأنف مع أبيات الكبرى ليستوفي شرحها أيضاً، ويسبق ذلك كله استخلاص رحيق القصيدتين، ومكامن الجوهر فيهما ليجعل من ذلك الرحيق أبواباً وأجزاء، ومقدمات ينضوي الشعر والشرح معاً تحته، وليس العكس كما فعل غيره من الشراح؛ فكأنَّ الشيخ هنا ليس شارحاً بقدر ما هو مؤلف مبتكر، جعل مادته الخام نص القصيدتين ليقول من خلالهما أشياء كثيرة.
ومن هنا نستطيع تفسير تلك الوقفات الطويلة التي تأتي على هيئة الاستطراد ليشرح مصطلحاً، أو يجلّي الحديث عن مرتبة بلغتها الحقيقة المحمدية، أو يفسر آيات من كتاب الله العزيز هي داخلة ضمن النسيج العام للكتاب توضيحًا للباب، أو الفصل الذي قسم الكتاب بموجبهما منهجياً، نعم، ليس ما بأيدينا شرح للقصيدتين، ولو رأيناه كذلك فسيصيب هذا العمل الكثير من الظلم والحيف وبين أيدينا جمهرة من الشروح سيأتي بيانها لم تصنع صنيعه مع أنّه متأخر عنها بوقت طويل، فقد كان مقصد تلك الشروح الشرح وحده، أما غاية الشيخ هنا فهو تأليف كتاب في (التصوف) على مصطلح القوم هناك، و (السلوك) على مصطلح القوم هنا، وقد تحقق ما أراد فكان هذا الكتاب.
هذا ما كان من أمر الشيخ الجليل وكتابه، وهو مَنْ هو رسوخ قدم في (السلوك)، وتعمق نظر في فنونه ومسالكه، ولكن ما حال المحقق الذي افتقد الطمأنينة في كثير من مراحل العمل على ما رأينا سابقاً؛ بل بدأ يفقدها حال شروعه فيه على ما سنرى؟! أما ما لم يكن في حسبان شيلر، ولم يتطرّق إليه أرسطو فهو أمر آخر هو اللبّ في هذا العمل كلّه، ويحق لهما أن لا يذكراه؛ فهو ليس من عملهما، وإن يكن الطرف الثالث – ونعني به جيته – قد ألم به إلماماً قليلاً، وليس الديوان الشرقي للمؤلف الغربي ببعيد عنا، ويتمثل ذلك اللب في العلم نفسه، أو الفنّ، وهو التصوّف، أو السلوك؛ فالمحقق يقرأ في كتب القوم ما يدعو إلى
11 (1/11)
صفحة 12
اليأس، واعتزال العمل، يكتب ابن عربي مثلاً: نحن قوم يحرم النظر في كتبنا»، (تنبئة الغبي السيوطي، ص 114)، ويكتب السبكي: «الله الله في ألفاظ جرت عن بعض سادات القوم لم يعنوا بها ظواهرها، وإنّما عنوا بها أموراً صحيحة»، (معيد النعم، ص 124)، إذن هناك مسافة واضحة بين ظاهر الألفاظ، وما يريدونه من بواطنها، والشيخ ناصر يخوض معهم في هذه الألفاظ، ولا يريد بها الظاهر البتة، فما العمل؟ وحين قرأ قول القشيري: « ... وهذه الطائفة يستعملون ألفاظاً فيما بينهم، قصدوا بها الكشف عن معانيهم لأنفسهم، والإجمال والستر على مَنْ باينهم في طريقتهم؛ لتكون معاني ألفاظهم مستبهمة على الأجانب، غَيرة منهم على أسرارهم أن تشيع في غير أهلها، إذ ليست حقائقهم مجموعة بنوع تكلّف، أو مجلوبة بضرب تصرّف، بل هي معان أودعها الله تعالى قلوب قوم، واستخلص لحقائقها أسرار قوم (الرسالة القشيرية (2001)، أقول: حين قرأ قول القشيري، ومعه إعراض بعض الشيوخ عن تدريس هذا العلم للجمهرة من الناس بحسبان أن «ما هذه طريقة القوم، لا من دنوا ولا من نأوا من جاع جوع القوم وسهر سهرهم رأى ما رأوا (قمع المعارض، السيوطي، ص 84).
حين قرأ ذلك كلّه أدركه اليأس، ولا سيما عندما يلمس من الشيخ ناصر تبحر في هذا العلم، وسلوك متين فيه، فكأنه استوفى ما قرره السابقون، فهل يعتزل العمل أسوة بغيره من (المعتزلة)؟ وفاء إلى العقل يحاسبه حساباً عسيراً، ويسأله عن أولئك الباحثين الذين اقتربوا من (التصوف)، هل وفّوا بتلك الشروط جميعها، وأهمها شرط (التسليك)؟ ويأتي الجواب بالنفي، وممّا يقوّي ذلك النفي مدارسة جمهرة واسعة من المستشرقين لهذا العلم من حيث تحقيق نصوصه، أو الكتابة فيه، وهم على دين آخر، ويخص بالذكر منهم أربعة هم الأساتذة نيكلسن، وماسينيون، وجولدتسيهر، وآربري الذين شاركوا مشاركة قيمة في درس هذا الجانب العميق من الفكر الإسلامي، فقلب الأمر عندئذ ظهراً لبطن، وأخذ بأحزم الأمرين، واقترب من الكتاب قارئاً أولاً، ومستكشفاً ثانياً، ومتأملاً ثالثاً، وفاتحاً بعض مغاليقه رابعاً، وواضعاً كثيراً من إشكالياته في مواضعها أخيراً، يعينه على ذلك صبر على فهم النص، ومصادر ومراجع هي أشبه بصوى الطريق وضحت رؤيته، وسهلت سبيله، ولم يكن بالإمكان إتمام هذا العمل بغير الرجوع إليها.
12 (1/12)
صفحة 13
يتحدث ابن سينا في واحدة من رسائله عن كتاب له قد ضاع هو (الإنصاف)، وهو يتحسّر لهذا الضياع، ويبين صعوبة إعادة كتابته؛ يقول: كتاب الإنصاف) لا يمكن أن يكون إلا طا، مبسوم وفي إعادته شغل، ثمَّ مَنْ هذا المعيد، ومَنْ هذا المتفرغ عن الباطل للحق، وعن الدنيا للآخرة، وعن الفضول للفضل! لقد أنشب القدر في مخالب الغير، فما أدري كيف أتملّص وأتخلّص (أرسطو عند العرب، د. عبد الرحمن بدوي، ص 245)، لقد تفرّغ الشيخ ناصر تعلله للحق وللفضل فأنشأ كتابه، وتركه مخطوطاً، وكانت من أماني المحقق الغوالي أن ينشره بهيئة علمية نقدية تليق به - ولا كمال إلا لله وحده - خشية أن يصيبه ما أصاب (إنصاف) ابن سينا، وكم من الكتب كان نصيبها ذلك المآل المحزن، فلعلّ في هذا النشر تحقيقاً لبعض من تلك الأماني.
د. وليد محمود خالص
***
13 (1/13)
صفحة 14
[صفحة فارغة] (1/14)
صفحة 15
المقدمة
تعود علاقتي بهذا الكتاب إلى عشر سنوات خَلَت، وذلك يوم ظفرت بمخطوطه وأنا أبحث في زوايا المخطوطات العمانية التي تحتفظ بها وزارة التراث والثقافة، وخزانة معالي السيد محمد بن أحمد البوسعيدي، وشرعت يومها بقراءته والنسخ منه مدة ليست بالقليلة، وكانت ثمرة تلك القراءة بحثاً طويلاً نشرته في كتاب (الأدب في الخليج العربي - دراسات ونصوص)، ووعدت بتحقيق هذا الكتاب تحقيقاً علمياً، وتقديمه بنشرة نقدية تليق بمكانته، ومرت سنوات حتى قيض لي أن أنتهي منه بسبب ضخامة حجمه، وعسر مادته، واستغلاق عبارته، مع أن صاحبه الشيخ ناصر بن أبي نبهان الخروصي أراده كتاباً سهلاً، سائغاً للقارئين، غير أنَّ المادة العلمية التي ضمّها الكتاب بين دفتيه هي مردّ تلك الصعوبة. ويمكن القول بعد هذا التأخر في الانتهاء منه: إنني بذلت أقصى ما في وسعي لقراءة النّص، والتعليق عليه، وتجلية مصطلحه، مع شروح أخرى مما يقتضيه التحقيق، وهو مفصل فيما بعد. وقد اقتضت طبيعة الموضوع أن تكسر المقدمة على المباحث التالية:
1 - التعريف بمؤلف الكتاب، وثقافته، ومكانته العلمية.
2 - تحليل مادة الكتاب.
3 - إشكالية العزلة الثقافية.
4 - نسبة الكتاب إلى مؤلفه.
5 - وصف مخطوطتي الكتاب.
6 – عملنا في التحقيق.
آمل أن تكون هذه المباحث وافية بالمطلوب، كاشفة عن جوانب من هذا الكتاب
15 (1/15)
صفحة 16
النفيس الذي من الممكن عده بامتياز من أعمدة السلوك الإباضي العماني، ولا سيما في
جانبه النظري.
-2 -
الشيخ ناصر بن جاعد هو صاحب كتاب إيضاح نظم السلوك كما مرّ سابقاً، وسنحاول الاقتراب من هذه الشخصية العلمية الكبيرة.
ولعل أهم ما يواجهنا من صعوبات في هذا الاقتراب هو أنَّ المصادر تضنّ علينا بصورة مفصلة لحياة الشيخ ناصر من مولده إلى وفاته؛ فهي تقدم نتفاً من حياته مع شيء يسير عن تفاصيلها، بالإضافة إلى عبارات المديح والثناء، وهو أمر ليس بجديد في كتب التراجم، إذ طالما اكتفت بلمحة سريعة هي أقرب إلى حسوة الطائر لا تنقع غلة أو تبين غامضاً، غير أن جمع تلك النتف، وترتيبها ترتيباً زمنياً مع الاستعانة بإشارات من هنا وهناك يساعد على إبراز الصورة بشيء قريب من الكمال فيه من الفجوات ما لا يخفى على المدقق. وتحدثنا المصادر أنه ناصر بن جاعد بن خميس بن مبارك بن يحيى بن عبد الله بن ناصر ابن محمد بن حيان بن زيد بن منصور بن ورد بن الإمام الخليل بن شاذان بن الإمام الصلت ابن مالك الخروصي الأزدي القحطاني (1)، ومن الواضح أن نسبه يعود إلى اثنين من الأئمة الذين بويعوا بالإمامة في أوقات مختلفة (2).
(1) ينظر الفتح المبين، ص 146، وشقائق النعمان، 1/ 139.
هذه الكتب
(2) ينظر في ترجمة هذين الإمامين والأحداث التي جرت في عصريهما: تحفة الأعيان 1/ 108 و 2/ 203 والشعاع الشائع باللمعان ص 48 و 67، وكشف الغمة، ص 264 و 312، وشقائق النعمان، 2/ 204 و 207، وتقدم مسارد مفصلة عن الأئمة غير أن مسرد صاحب الشقائق ذو صبغة منظمة بشكل واضح، وما يهمنا فيه أن هناك سبعة عشر إماماً من اليحمد وبني خروص الذين ينتمي إليهم الشيخ ناصر، ولهذا دلالة مهمة سنقف عندها فيما بعد، وفي الفتح المبين، ص 179 منظومة مفيدة عن نسب بني خروص، وينظر كذلك كتاب عمان الديمقراطية الإسلامية، د. حسين غباش، وهو دراسة علمية منهجية عن نظام الإمامة وأصولها وتقاليدها مع مفاصل مهمة
من تاريخها.
16 (1/16)
صفحة 17
ولد الشيخ ناصر في العلياء (1) وادي بني خروص سنة 1192 (2) للهجرة في بيت علم وفقه وتدريس، ومشاركة في الحياة العامة، فوالده الشيخ أبو نبهان، جاعد بن خميس من أعلام العلماء في عُمان كان المتقدم على أهل زمانه بالعلم والفضل، والشرف، واتخذه الناس قدوة في مراشد دينهم ومصالح دنياهم، وقلده الأفاضل أمرهم لما علموا من علمه وورعه (3)، وهو «الشيخ العالم الرباني الرئيس .. وكفى به شيخاً راسخاً في العلم وتصانيفه الكثيرة مشتملة على فوائد جمة .. وهو خاتمة جهابذة علماء عمان» (4)، وهو أيضاً «العلامة الرئيس .. والحبر الرباني المشار إليه بالبنان، وكان الفرد الوحيد في علم الأسرار» (5)، وكان راسخ القدم في علمي الحقيقة والشريعة)، ولا شك أن الفتى وقد تفتحت عيونه على ذلك الجو العلمي الصافي قد أخذ ما شاء له الأخذ فوالده يملأ السمع والبصر، مشغول بالعلم والإفتاء والتأليف ولا ريب في أن هناك مكتبة تسند ذلك يرجع إليها الوالد ومن بعده الولد فيفيدان منها. إن ذلك كله قد جعل الفتى يلتفت منذ وقت مبكر إلى العلم، والمداومة على أخذه والتزود منه، وتحدثنا المصادر أن ديدن إخوة الشيخ ناصر ومسلكهم
كان كذلك، وخصوصاً أخاه الشيخ نبهان وبه يكنى الوالد فيقال له أبو نبهان (7).
ولا تقدم المصادر شيئاً عن نوعية العلوم التي تلقاها الشيخ ناصر غير أننا نستطيع استنتاج نوعيتها من خلال البيئة التي تفيأ ظلالها، والكتب (8) التي تركها، ويقف في مقدمة تلك العلوم
(1)
تقع على سفح الجبل الأخضر من جهة الشمال، ينظر بحث الفاضل مبارك الراشدي عن العلامة الخليلي،
ص 116.
(2) تحفة الأعيان 2/ 175، والبوسعيديون حكام زنجبار، ص 84، وأعلام عمان، ص 156، وشعر سعيد بن خلفان الخليلي، الفاضلة شريفة اليحيائي، رسالة ماجستير لم تنشر، ص 24.
(3) تحفة الأعيان، 147/ 2.
(4) الفتح المبين، ص 147.
(5) شقائق النعمان 1391
(6) ينظر بحث الفاضل مبارك الراشدي عن العلامة ا ص 116، وينظر أبو مسلم الرواحي د. محمد بن صالح
ناصر، ص 120.
(7) ومن إخوان الشيخ ناصر غير نبهان يحيى وسعيد وخميس، والأخير هو الذي طُلب منه أن يكون إماماً قبل عقد الإمامة لعزان بن قيس فأبى، ينظر بحث الفاضل مبارك الراشدي عن العلامة الخليلي، ص 118، وشقائق النعمان، 1401، وعمان الديمقراطية الإسلامية، د. حسين غباش ص 216، وما بعدها. (8) قدم الباحث إبراهيم بن يحيى العبري ثبتاً ممتازاً لكتب الشيخ ناصر جعله في قسمين هما: مؤلفاته الموجودة، والكتب غير الموجودة، حوى الأول ثمانية كتب، وضمّ الثاني سبعة عشر كتاباً، ورسالة، والكتب الثمانية
17 (1/17)
صفحة 18
القرآن الكريم وعلومه، والحديث الشريف، والفقه والأصول، وعلم الكلام، والفلسفة مع زاد وفير من علوم العربية كالنحو والصرف والبلاغة والأدب والأخبار، بالإضافة إلى علوم ملحقة بها وجدنا الشيخ مهتماً بها كالنبات والفلك والتاريخ (1)، ولعل الكتاب الذي بين أيدينا خير شاهد على ما نقول، فقد عالج الشيخ فيه مسائل علمية شتى تشير إلى تلك العلوم التي حصلها، وعاد ثانية فوظفها في كتابه، كما أننا نجد بين كتبه الكثيرة كتاباً سماه (الحق اليقين) وفيه تناول جوانب متعددة من قضايا العقيدة» (2)، وكتاباً آخر سماه (لطائف المنن في أحكام السنن) حاول أن يرتب فيه كتاباً في الحديث الشريف هو (الجامع الصغير للسيوطي) ترتيباً مختلفاً، إذ «صنّفه صاحبه على الحروف الهجائية في حين أن الشيخ ناصراً أخذ يبوب الكتاب على الأحاديث النبوية (3)، وللشيخ ناصر كتاب ثالث عنوانه (السر الخفي في ذكر أسرار النبات السواحلي) وهو كتاب «طبي شعبي ذكر فيه العلاج بأنواع النباتات الموجودة هناك في شرق أفريقيا .. وفيه مقدمة .. ذكر فيها مصطلحات اللغة الساحلية وما فيها من تفخيم المسمى وتصغيره. وأورد أسماء الأشجار باللغة الساحلية» (4). وله كتب أخرى تؤكد ما ذهبنا إليه سابقاً، كما نجد وفرة من مروياته التاريخية عن أحداث مختلفة وقعت بعمان يحفظها صاحب التحفة منسوبة إليه، وكأنه لم يجد سوى ذلك العالم الثبت المدقق ينقل عنه، ويثبت ما ينقله في كتابه (5).
الموجودة ما تزال مخطوطة عدا الكتاب الذي حققه وهو كتاب (الإخلاص)، وهذا الكتاب، ولم يذكر كتاباً للشيخ ناصر هو شرح قصيدة والده حياة المهج الذي حققته الباحثة عالية بنت حسن بن محمد العجمي، وقدّمته إلى جامعة السلطان قابوس كلية الآداب والعلوم الاجتماعية قسم اللغة العربية رسالة ماجستير بإشراف كاتب هذه السطور. (1) يلاحظ هذا التشابك في العلوم الذي يميز ثقافة الشيخ ناصر، وهو ما أشرنا إليه في التصدير، ويومئ بقوة إلى الوحدة من خلال التعدد، العلوم المختلفة تخدم غرضاً واحداً.
6
(2) بحث سماحة المفتي العام للسلطنة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي عن العمانيين وأثرهم في الجوانب العلمية والمعرفية بشرق أفريقيا، ص 182–183، وينظر شعر سعيد بن خلفان الخليلي الفاضلة شريفة اليحيائي، رسالة ماجستير، لم تنشر، ص 24 وما بعدها، ومما يذكر هنا أنَّ هذا الكتاب وصل إلينا سالماً، وهناك نسخ منه، وعنوانه الكامل (العلم المبين وحق اليقين، ينظر عنه مقدمة تحقيق كتاب (الإخلاص) ص 72 - 73. (3) بحث سماحة المفتي السابق، ص 183. ومما يذكر هنا أيضاً أن هذا الكتاب وصل هو الآخر سالماً من الضياع، وهناك نسختان منه، ينظر تفصيل هاتين النسختين في مقدمة تحقيق كتاب (الإخلاص)، ص 74. (4) المرجع السابق، ص 183.
(5) ينظر تحفة الأعيان في مواضع متفرقة مثل: 2/ 20 و 24 و 140 و 141 و 143 و 144 و و 145 و 147 و 149 وغيرها كثير.
18 (1/18)
صفحة 19
أما فتاواه وآراؤه الفقهية فهي كثيرة جداً (1)، وقد أشار الفاضل مبارك الراشدي إلى أن للشيخ ناصر أجوبة كثيرة لم يعتن أحد بجمعها وإخراجها حتى الآن، ومنها مجموعة أجوبة أرسلها إلى الشيخ سعيد بن يوسف المصعبي بالمغرب) (2)، إن ذلك كله وغيره كثير يشير بقوة إلى سعة المعارف التي حصلها الشيخ ناصر، وأفاد منها فيما بعد في تأليف كتبه من جهة، ومعالجة الأحداث التي شارك فيها من حيث التوجيه والنصح من جهة أخرى؛ ويعجب المرء من قدرته على التوفيق بين شغفه العلمي، ومشاغله الدنيوية التي قصد منها - حسب اجتهاده - إقامة الشرع، ونشر العدل، ولا شك أن هذا يعني انصرافاً تاماً للعلم مع اهتمام بالحياة، وشؤونها مما حقق ذلك التوازن بينهما. والذي دعا إلى هذا الكلام ما رأيناه من اهتمام الشيخ ناصر ووالده بالأحداث السياسية التي جرت بعمان فقد كانا مشاركين فيها بفعالية واضحة، وهذا ما حدا بصاحب التحفة إلى أن يكثر من النقل عنهما وهو يدون تاريخ عُمان (3).
وقد ظلّ الشيخ ناصر مشتغلاً بالعلم إلى آخر حياته، عرف له معاصروه، ومن أتى بعدهم تلك المنزلة العلمية التي وصل إليها كما سنرى فيما بعد، ويبدو أنه ظل مستقراً في بلده العلياء التي ولد فيها حتى بدأ في الانتقال منها إلى أماكن أخرى، ونراه يصل إلى نزوى، وفيها ألف كتابه مدار حديثنا، وهو إيضاح نظم السلوك، ويظهر من فقه الأحداث أن معيشته فيها كانت أقرب إلى الضيق منها إلى السعة، وقد صوّر بنفسه معيشته خلال بيتين أوردهما صاحب التحفة هما:
معيشتنا خبز لغالب قُوتِنا وماء وليمون وملح وقاشع (4)
و (5)
تلك
من
فإن حصلت مع صحة الجسم والتقى فيا حبذا هذا بما هو قانع وهما – بلا شك – يعبّران تعبيراً دقيقاً عن تلك الحال الضيقة التي آل إليها، غير أن
(1) ينظر على سبيل المثال الفتح المبين، ص 103 وما بعدها. (2) بحث الفاضل مبارك الراشدي عن العلامة الخليلي، ص 118. (3) ينظر تحفة الأعيان في مواضع متفرقة، وخصوصاً 2/ 147 و 162، وهناك تفصيلات أخرى تهم المؤرخ يراها
القارئ مبثوثة في التحفة.
(4) القاشع بلغة أهل عمان نوع صغير من السمك، ينظر إزاحة الأغيان عن لغة أهل عمان، الشيخ الحارثي،
ص 108.
(5) تحفة الأعيان، 2/ 175.
19 (1/19)
صفحة 20
مسحة الزهد والتعفف واضحة فيهما مما يؤكد ما سنراه فيما بعد من اكتفائه بالقليل عن رضا وقناعة. غير أن ما يلفت النظر حقاً هو ما ساقه صاحب التحفة نقلاً عن ذي الغبراء خميس بن راشد العبري؛ وهو قوله: وعمت هذه الأخبار مع جميع الفرق الإسلامية واليهودية والنصرانية والمجوسية، فتأسفوا في نفوسهم بما أصاب عبد الرحمن، ثم اجتمعوا في بندر مسقط بحضرة سيدهم ومولاهم سعيد بن سلطان، وقالوا لا يرضى أحد بمثل هذا من الأمراء في علمائهم» (1). وقد استجاب السيد سعيد بن سلطان، إلى هذا الطلب كما سنرى.
إن وجهة النص تشير بقوة إلى أن الشيخ قد نال مكانة محترمة، ومنزلة سامية بين المسلمين كافة، وأتباع الديانات الأخرى على حد سواء، ومن هنا تنادوا جميعاً لنصرته ودرء بلاء الزمان عنه، ولا تجتمع تلك الفرق وهي متفرقة في مقالاتها؛ نقول لا تجتمع على رجل واحد ما لم يكن ذا فكر مستنير، وعقل راجح، ونفس عالية شعارها الاعتدال والنظر بميزان القسط والعدل إلى الجميع، ومن هنا اتحدت كلمتهم على نصرته، وهذا مما يحسب له بلا شك.
وقد
صنع السيد سعيد بن سلطان البوسعيدي (2) ما يصنعه الملوك، والقادة عادة من تکريم العلماء فكتب بالوصول إليه، فلما وصل حباه وكرمه وعظمه وكساه. ومهما مشى خطوة في حضر أو سفر أخذه في صحبته، وأطعمه من طعامه، واستشاره في أكثر أموره في طول زمانه» (3). ولم يكتف بهذا بل استصحبه معه إلى زنجبار حين قصدها سنة 1243 هـ (4)،
(1) تحفة الأعيان، 1/ 175.
(2) هو السيد سعيد بن سلطان بن الإمام أحمد بن سعيد البوسعيدي، ولد سنة 1204 هـ، وتوفي سنة 1273 هـ، كان من كبار الساسة وحكم طوال نصف قرن. وقعت في عهده أحداث جسام عالجها بحكمة، وقد ألف عنه ابن رزيق كتاباً صغيراً سماه (بدر التمام في سيرة السيد الهمام سعيد بن سلطان بن الإمام الحميد أحمد بن سعيد البوسعيدي)، وقد طبع ملحقاً بكتابه الفتح المبين، وفيه تفصيلات تاريخية وسياسية واجتماعية مفيدة، وينظر عنه كذلك: جهينة الأخبار، ص 233، وشقائق النعمان 2 236، والعمانيون وأثرهم في الجوانب العلمية والمعرفية بشرق أفريقيا، بحث لسماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي مفتي عام السلطنة، ص 7 177، وما بعدها، ويقول فيه: (وكان الرجل الذي أعطى أفريقيا الشرقية عنايته البالغة هو ا السلطان سعيد بن سلطان الذي أسس إمبراطورية هناك)، ص 180، وعمان الديمقراطية الإسلامية، ص 155، وما بعدها، والموجز المفيد، ص 33، وما بعدها، والشعر العربي العماني في المهجر الأفريقي، الفاضل سبيت الغيلاني، رسالة ماجستير لم تنشر، ص 25 وما بعدها.
(3) تحفة الأعيان، 2/ 175، وفي كتاب البوسعيديون حكام زنجبار، ص 83، أن السيد سعيد كان يحترم الشيخ وكذلك
كان الجميع. (4) ينظر جهينة الأخبار، ص 237.
20 (1/20)
صفحة 21
فإذا علمنا أن الشيخ ناصر توفي سنة 1264 هـ فيكون قد قضى عشرين سنة الأخيرة من حياته في زنجبار، ومن الثابت أنه توفي (1) فيها في المكان المسمى المتوني وقبره مشهور
هناك» (2).
وقد ترك الشيخ ناصر أثراً قوياً فيمن جاء بعده من العلماء والأدباء، غير أن اثنين منهما تأثرا به تأثراً كبيراً، نلحظ هذا في ما تركاه من كتب وما نظماه من قصائد، وأولهما هو العلامة المحقق سعيد بن خلفان الخليلي (3) المتوفى سنة 1287 للهجرة، فقد كان الشيخ ناصر على قمة المشايخ والعلماء الذين كانوا اليد المعاونة له يأخذ بمشورتهم ويستفيد من آرائهم (4) وعنه تلقى الشيخ سعيد علومه الأولى فقد كان يتردد عليه بمسقط (5) فدرس عليه العلم الإسلامي الواسع كأصول الدين، وأصول الفقه بتوسع والفقه بأبوابه المختلفة (6)، وقد حفظ المحقق الخليلي له تلك اليد للشيخ ناصر فهو لا يذكره إلا محاطاً بالإجلال والاحترام، ولعل قوله عنه في مقدمة كتابه مقاليد التصريف خير تأكيد على ما نذهب إليه فنراه يقول: « .. فقد منَّ الله عليَّ بألفية مغنية في هذا الفن الشريف وسميتها والحمد لله بمقاليد التصريف، ولما اطلع على نظامها العالم الرباني والبحر النوراني وحيد دهره بلا ممانعة وفريد عصره بلا ممانعة، أبو محمد ناصر بن المولوي الولي أبو نبهان جاعد بن خميس الخروصي أمرني أن أثبت عليها شرحاً لطيفاً مختصراً و ا» (7)،، ويتبين من هذا النص أن إقدامه على الشرح كان بتوجيه من شيخه العلامة الكبير ناصر بن أبي نبهان رحمهما الله تعالى (8)، وقد ظهر أثر العلوم التي تلقاها المحقق الخليلي عن الشيخ ناصر في كتبه، وفي اتجاهه السلوكي في شعره ونثره على حد سواء.
(1) ينظر تحفة الأعيان 2/ 175، والفتح المبين، ص 150.
(2) جهينة الأخبار، ص 237.
العلامة
(3) لا حاجة بنا للتعريف بالمحقق الخليلي فهو علم مشهور وعالم كبير، ينظر عنه رسالة الفاضلة شريفة اليحيائي مع مصادرها، وبحوث الندوة التي أقامها المنتدى الأدبي تكريماً له، وصدرت في كتاب، وينظر كتابنا (الأدب في
الخليج العربي، الجزء الثالث حيث عرّفنا بالمحقق الخليلي
(4) الشيخ الخليلي الفاضلة شريفة اليحيائي، ص 24. (5) بحث الفاضل مبارك الراشدي عن العلامة الخليلي (6) المرجع السابق، ص 116. (7) مقاليد التصريف، 3/ 1.
، ص 116.
(8) بحث سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي مفتي عام السلطنة. تليلي فقيهاً ومحققاً، ص 14.
عن
21 (1/21)
صفحة 22
أما الثاني فهو المؤرخ والشاعر حميد بن حمد بن رزيق (1) المتوفى سنة 1290 هـ الذي أفسح مجالاً رحباً للشيخ ناصر ووالده الشيخ جاعد في كتابيه الفتح المبين، والشعاع الشائع باللمعان، ويبدو أن علاقته بهما كانت وثيقة إذ يسوق ذكرهما في كتابيه مقروناً بالتجلة والرفعة، كما يحفظ في الفتح المبين بعضاً من مراسلات الشيخ ناصر، وكان الشيخ ناصر يثني عليه (2)، ويحفظ في الفتح المبين مطالع ست قصائد رثى بها الشيخ ناصر بعد وفاته، منها قوله:
خلا مجلس الفقه الأنيس من الأنس فمن ذا إلى التدريس في ذروة الدرس
ومنها:
ذهب الضياء فيومنا إظلام ما هكذا يا يومنا الأيام (3) وغيرها، كما ينظم قصيدة طويلة يضمنها عنوانات كتب الشيخ ناصر، ويقول في هذا ما نصه: وقد نظمت في اسم هذه الكتب قصيدة .. لأجل مصاحبتي للشيخ ناصر المذكور أيام حياته، ومطلع هذه القصيدة قيل لي: سم أنت ما صنف الشي خ من الكتب ناصر ذو الفعال الفقيه النبيه نجل أبي نبـ هان يم الندى فصيح المقال فأثبت في قصيدتي هذه تسمية هذه الكتب على التفصيل ولا شك في أهمية هذه القصيدة؛ فقد حفظ بها ابن رزيق عنوانات كتب الشيخ ناصر، وستكون هي الدليل الموثق لمن يريد البحث عن هذه الكتب ودراستها فستقدم له مادة ثمينة عن عددها، وحجم العمل الذي قدمه الشيخ ناصر، واضطلع به.
(4) (
ونري ابن رزيق يقطع الشوط إلى نهايته في علاقته بالشيخ ناصر حين يؤلف كتاباً خاصاً
(1) ابن رزيق هو حميد بن محمد بن رزيق بن بخيت بن غسان النخلي، ولد سنة 1198 للهجرة وتوفي سنة 1290 للهجرة، يحتل منزلة متقدمة بين شعراء ومؤرخي عمان، ينظر عن سيرته وآثاره بحث الدكتور سعيد الهاشمي،
ومقدمة تحقيق سلك الفريد، 1/ 10 وما بعدها.
(2) يأتي ذكر ابن رزيق في هذا الكتاب أيضاً. (3) ينظر الفتح المبين، ص 151، وما بعدها. (4) الفتح المبين، ص 151.
22 (1/22)
صفحة 23
عنه
عن
يجمع فيه قصائده التي قالها في مدحه، فنحن نقرأ له في الفتح المبين متحدثاً نفسه وقد مدحت الشيخ العالم الفصيح أبا محمد ناصر بن الشيخ العلامة أبي نبهان أيام حياته بجملة قصائد» (1)، غير أنه هنا يجمع ما أشار إليه في كتابه (الفتح المبين)، ويضم إليه قصائد أخرى ويجعله كتاباً عنوانه (سبائك اللجين الملقب بقرة العين)، وما يزال هذا الكتاب مخطوطاً (2) يقول في مقدمته: «لما كان على الحر إذاعة الحمد لأهل الحمد من المجرب الواجب الذي لا ينسل إلى السالب .. فيا أيها السائل عن إيضاح اسم هذا المسمى .. ذلك هو الشيخ المفخم المعظم .. ناصر بن السيد أبي نبهان العلام» (3). ثم ينتقل إلى الشعر فيحفظ في هذا الكتاب خمسين قصيدة في مدحه تتراوح بين عشرة أبيات، وأربعين بيتاً يحاول فيها جاهداً إبراز جوانب الشيخ العلمية والسلوكية التي تميز بها، وتظهر في هذا العمل وسواه مظاهر من الوفاء يقل نظيره، وكأنَّ ابن رزيق يقتفي أثر قوله تعالى: (وهل جزاء الإحسان إلا الإحسان، فهو يرد للشيخ بهذه الأشعار وموصول الذكر أياديه العلمية البيضاء التي أسبغها عليه تلك التي انتفع بها شاعراً، ومؤلفاً.
-3 -
وقد أخرنا لأسباب منهجية واحداً من العلوم التي ظهرت جلية في مصنفات الشيخ ناصر، ولاسيما في هذا الكتاب، وذلك لأهميته، وتوجيهه شخصيته وجهة معينة، ونعني به التصوف أو علم السلوك، ومن الثابت أنه تلقاه عن أبيه ذوقاً ورياضة، ونماه هو بجهده الشخصي قراءة وفهماً واقتناعاً. وقد ذاع في المصادر - بما لا يدع مجالاً للشك ـ أن الشيخ ناصر ووالده قد اتخذا من السلوك طريقة لهما في الحياة، وكأنهما كانا يعمقان ذلك المشرب الذي وجد في الثقافة العمانية من حيث اصطناعه لهما شعاراً وطريقة. ولعلّ هناك عوامل دعت إلى اتخاذ تلك الطريقة، منها ذلك النسب الذي وقفنا عنده فيما سبق من
(1) المصدر السابق، ص 158. (2) اطلعت على نسخة منه في مكتبة معالي السيد محمد بن أحمد البوسعيدي بالسيب ويقع في مئة واثنتين وثلاثين صفحة من القطع المتوسط، مكتوب بخط واضح بالأسود والأحمر، وهذا من الكتب الواجب دراستها وتحقيقها استكمالاً لمشروع نشر كتب الشيخ ناصر الله.
(3) سبائك اللجين، مخطوط و 1.
23 (1/23)
صفحة 24
حيث الاتصال المباشر بإمامين من الأئمة، مما ولد إحساساً ثقيلاً بحجم المسؤولية الدينية الملقاة على عاتقهما، وضرورة حمل تلك الأمانة بإخلاص وتأديتها كما هي بلا زيادة أو نقصان. ومن هذه العوامل الثقافة الدينية الخاصة التي تلقاها الوالد والابن، واختيارهما جانب الزهد، والانصراف عن الدنيا من هذه الثقافة، مما حملهما على تطبيق ما أخذاه بدقة، ومنها أيضاً الاقتناع الكامل بتلك الوجهة في الحياة التي تؤثر الخلوة والعزوف عن الملذات، وهو مما يتلاءم مع تركيب شخصيتهما ومنحاهما في الحياة. وقد بيّن لنا الفاضل أحمد بن سعود السيابي معالم ذلك الاتجاه الذي تبناه الوالد وولده وهو يقوم على «عمق التأمل في الوجود والتعمق في علم الكلام والفلسفة والمنطق والخلوة وكثرة الأوراد» (1). ونلاحظ أنه يجعل من هذا التوجه مدرسة يسميها المدرسة الجاعدية أو البونبهانية، وهذه المدرسة صاحب فكرها العلامة الرئيس أبو نبهان جاعد بن خميس الخروصي .. وبعد وفاة أبي نبهان حمل ابنه الشيخ ناصر .. فكر تلك المدرسة» (2)، وهذا هو الذي رأيناه متحققاً في سيرة الشيخ ناصر وكتبه على حد سواء.
ومن الضروري أن نقف عند نقطة أكدها الفاضل السيابي وهي قوله: « .. حتى إن الإباضية لم يطلقوا على ذلك التوجه اسم التصوف، بل أطلقوا عليه اسم السلوك، فالشعر الذي تكون فيه نزعة صوفية يسمونه شعر السلوك» (3)، ونحن نعلم أن السلوك مصطلح ينضوي تحت مصطلحات الصوفية التي يكثرون ذكرها، ويرتبط به مصطلح آخر هو (الطريق)، ويتحدثون عنه بتفصيل؛ غير أن ما يهمنا منه هو معرفة مدلوله الصوفي الذي سنرى أنه يقترب كثيراً من المدلول الذي اختاره الاتجاه الجاعدي شعاراً له؛ فالسلوك هو تهذيب الأخلاق ليستعد العبد للوصول بتطهير نفسه عن الأخلاق الذميمة مثل حب الدنيا والجاه ومثل الحقد والحسد والكبر والبخل .. وبالنهج على الأخلاق الحميدة مثل العلم والحلم والحياء والعدالة» (4)، وهو أيضاً انتقال من منزل عبادة إلى منزل عبادة بالمعنى وانتقال بالصورة من عمل مشروع على طريق القربة من الله إلى عمل مشروع بطريق القربة
(1) بحثه عن أبي مسلم البهلاني، ص 51.
(2) بحثه عن أبي مسلم البهلاني، ص 51.
(3) بحثه عن أبي مسلم البهلاني، ص 51.
(4) معجم مصطلحات الصوفية، د. عبد الحليم الحفني، ص 133.
24 (1/24)
صفحة 25
إلى الله بفعل وترك، وانتقال بالعلم من مقام إلى مقام (1)، ومن تجل إلى تجلّ، والمنتقل هو السالك (2)؛ فالسالك إذاً هو العبد الذي تاب عن هوى نفسه وشهواتها واستقام في طرق الحق بالمجاهدة والطاعة والإخلاص» (3)، فالسلوك والتسليك وفق ما تقدم هو تربية الإنسان الروحية الذهنية كما تظهر على مستوى السلوك النفسي .. وهو تدريس على المستوى العملي يتمتع بكل ما للتدريس من مناهج وثوابت (4)، وفصل المتصوفة الحديث عن أنواع السلوك والسالكين، وشققوا الموضوع تشقيقاً خصباً مفيداً مما لا مجال لإيراده هنا (5). ويقترب من مصطلح السلوك مصطلح آخر هو الطريق الذي يختصر جملة الطريق إلى الله، لذلك كان من الشمول بحيث تندرج تحته التجربة الصوفية بكاملها ابتداء من تنبه القلب من غفلته مروراً بمجاهدة النفس ورياضتها وصولاً إلى النشاط الروحي وتفتح فعالياته» (6).
ولا يخفى على المدقق العلاقة الوثقى سواء أكانت لغوية أم روحية بين السلوك والطريق، فإذا علمنا بعد ذلك أن التصوف (7) هو «العكوف على العبادة والانقطاع إلى الله تعالى والإعراض عن زخرف الدنيا وزينتها والزهد فيما يقبل عليه الجمهور من لذة ومال وجاه والانفراد عن الخلق في الخلوة والعبادة» (8)، نقول إذا علمنا هذا أدركنا التشابه بين
(1) المقام هو ما يتوصل إليه العبد عن طريق الأعمال، ويرد معه مصطلح الحال، وهو لا يكتسب بالأعمال؛ وإنما هو منة إلهية يمنها الرب للعبد، ينظر ابن الفارض والحب الإلهي، د. محمد مصطفى حلمي، ص 171، وينظر بتفصيل أكثر كتاب السيوطي والتصوف، د. عبد الخالق محمود، ص 88.
721
(2) ينظر المعجم الصوفي، د. سعاد الحكيم، ص 585. (3) معجم ألفاظ الصوفية، د. حسن الشرقاوي، ص 232. (4) المعجم الصوفي، د. سعاد الحكيم، ص (5) ينظر المرجع السابق، ص 585 وما بعدها. (6) السابق، ص 720 - 721 وينظر كذلك. تفصيل واف.
موسو
رعة مصطلحات التصوف الإسلامي د. رفيق المعجم، ص 573، ففيه
جمع
(7) في تعريف التصوف مشكلة كبيرة بسبب كثرة الحدود التي يقدمها المتصوفة له، وقد. الأستاذ نيكلسون ثمانية وسبعين تعريفاً له، غير أننا نأخذ هنا جوهره وتجربته الباطنية فحسب، ينظر تاريخ التصوف الإسلامي، د. عبد الرحمن بدوي، ص 15، وما بعدها فقد ساق كثيراً من تلك الحدود، وينظر كذلك كتاب الحركة الصوفية في الإسلام، د. محمد علي أبو ريان، ص 18، وما بعدها، فقد أورد خمسة عشر تعريفاً للتصوف مع مناقشتها
وشرحها. (8) مقدمة ابن خلدون، 1097/ 3.
25 (1/25)
صفحة 26
مدلول المصطلحين إلى حد كبير من حيث إن السلوك هو التطبيق العملي لجملة الأفكار التي آمن بها السالك وراح يطبقها على نفسه، ويبدو لي أن هناك أسباباً حدت بالفكر الإباضي إلى العدول عن مصطلح التصوف وتفضيل مصطلح السلوك عليه؛ منها الاعتزاز بالشخصية، والرغبة في التميز؛ فجميع الفرق - إلا في حالات نادرة (1) ـ تتخذ المصطلح شعاراً لها، فآثر الفكر الإباضي مصطلحاً هو من داخل التصوف نفسه غير أن له خصوصية واضحة فاتخذه مصطلحاً له.
من
هذا
و سبب ثان استضأنا فيه بملاحظة أوردتها الدكتورة سعاد الحكيم وهي قولها: «ولم يهتم الصوفية قبل القرن السابع الهجري بتدوين مصنفات في السلوك بل دونوا في الفكر الصوفي وعاشوا وفقاً للسلوك الصوفي، ولم تتعدد المؤلفات في التصوف العملي والسلوك إلا بعد القرن السادس – السابع الهجري حيث دخل التصوف مرحلة التربية الصوفية ومناهج التسليك» (2). فكأنَّ الفكر الإباضي أراد في وقت متأخر أن يشارك في هذا الموضوع فوجد أمامه نقصاً في جانب ووفرة في (3) جانب آخر فآثر الأول لكي يزيده ثراء وخصوبة. وهناك سبب ثالث أكاد أذهب إلى أنه أهم الأسباب وأقواها ويتمثل في كون السلوك ومدلوله العميق يشير إلى النقاء الذي ظل محتفظاً به من حيث التحامه الوثيق بالشريعة وأحكامها ورغبة الإنسان في اتخاذ طريق معين لعبادة ربه يتمثل في الخلوة، وتلاوة القرآن والأوراد فحسب، في حين اختلط التصوف ومدلوله بمؤثرات أجنبية أبعدته عن منبعه الصافي، وهو الزهد، وأدخلته في مسارب فكرية متشعبة أوصلت بعض الفقهاء إلى اتهام بعض الصوفية بالكفر، وهو ما نأى الفكر الإباضي بنفسه عنه، واكتفى بالسلوك منهجاً وطريقة وتفاعلاً مع الحياة وأحداثها (4).
(1) تحدث الدكتور عمر فروخ عن الغرباء والسياحين والنورانية، والمقربين، وهي مصطلحات مرادفة للمتصوفة غير أنها لم تنتشر كانتشار التصوف والصوفية، ينظر كتابه التصوف في الإسلام، ص 25، ويشير د. كامل الشيبي إلى أنّ الزهاد في الشام يسمون جوعيين، ينظر كتابه الصلة بين التصوف والتشيع، 1/ 339، ومعلوم أنّ الجوع
واحد من وسائل المتصوفة للوصول إلى الحقيقة مثل العزلة، ولبس الخشن من الثياب وغيرها. (2) المعجم الصوفي، ص 712. (3) من المهم أن نشير هنا إلى أن هذا الجانب بحاجة إلى مزيد من الدراسة والبحث كي تتضح الصورة ويستقيم المنهج، وليس هذا موضعه.
(4) ومما يساعد على هذا تأكيد القشيري أن كل شريعة غير مقيدة بالحقيقة فغير مقبولة، وكل حقيقة غير مؤيدة (بالشريعة فغير مقبولة»، ينظر الرسالة القشيرية 1/ 261، ولم يقل القشيري هذا الكلام إلا بعد رؤيته أناساً من الصوفية يتخففون من الفرائض، ويذهبون في كلامهم مذاهب توحي بالخروج على أحكام الشريعة.
26 (1/26)
صفحة 27
ولعلنا – بعد ما تقدم – نستطيع القول إن الشيخ ناصراً قد سار على نهج والده طلباً وسلوكاً، وعرف له الآخرون تلك المنزلة التي وصل إليها فأصبح يشار إليه على أنه من علماء عمان الكبار، غير أن السلوك الذي اتخذه منهجاً وطريقة ظل هو السمة المميزة لمكانته العلمية، إذ نجد تلميذه العلامة المحقق سعيد بن خلفان الخليلي يصفه فيقول: ولما اطلع على نظمها (1) العالم الرباني (2) والبحر النوراني .. أبو محمد ناصر ابن العلامة المولوي الولي أبو نبهان جاعد بن خميس الخليلي الخروصي (3)، فنرى العلامة الخليلي يصفه بالعالم الرباني والبحر النوراني ويصف والده بالمولوي (4)، والولي (5)، وهي من مصطلحات الصوفية والسلوك، ويلح ابن رزيق هو الآخر على مثل هذه الأوصاف يطلقها على الشيخ ناصر، فهو المولوي (6)،
(1) مقاليد التصريف أرجوزة طويلة في علم الصرف نظمها العلامة الخليلي ثم شرحها بنفسه، وهناك دراسات قامت عليها، ينظر بحوث الندوة التي أقيمت تكريماً له بالمنتدى الأدبي، سنة 1994 م.
(2) ووصفه الشيخ سالم السيابي كذلك بالشيخ الرباني في كتابه أصدق المناهج، ينظر ص 57. (3) مقاليد التصريف، 3/ 1، ومن المفيد أن نشير هنا إلى أن العلامة الخليلي نفسه وصف بالقطب وذلك على لسان الشاعر الكبير أبي مسلم البهلاني حيث تحدث عنه في ديوانه فقال: (لم يتصل بي كيفية تبتل سيدي القطب الخليلي ... ) وأعادها ثلاث مرات، ينظر ديوان أبي مسلم، ص 153. (4) المولوي من كان من أتباع المولوية وهي طريقة صوفية تنسب إلى مؤسسها جلال الدين الرومي المتوفى سنة 672 للهجرة، ويلقب بمولانا، وتسمى الجلالية نسبة إليه أيضاً، ويلحظ الدارسون تقارباً بين جلال الدين الرومي وابن الفارض في سلوكهما الصوفي وقولهما بوحدة الشهود وهي غير وحدة الوجود التي قال بها غيرهما، وهي نهاية الطريق الصوفي من حيث وصول الروح إلى عوالم بعيدة والدخول في مناطق حساسة بغير امتزاج بالحق كما قال غيرهم، وهذا قول المتصوفة المحافظين على الشريعة، فهل يوصف الشيخ ناصر ووالده بالمولوي نسبة إلى المولوية بسبب اقترابها من ابن الفارض من جهة وتمسكها بأهداب الشريعة من جهة أخرى؟ أم أنَّ المولوية – كما هو معروف - تجيز وراثة الطريقة فقد ظلت مستمرة في أبناء جلال الدين، وأحفاده، ونراها هنا في الشيخ ناصر، ووالده الشيخ أبي نبهان؟ هذا الموضوع محتاج إلى مبحث مستقل، ينظر عن المولوية ووحدة الشهود، ووراثة الطريقة دائرة المعارف الإسلامية مادة (مولوية) بالإنجليزية، مدخل إلى التصوف الإسلامي، .. أبو الوفا الغنيمي، ص 213، وما بعدها، في التصوف الإسلامي، نيكلسون، ص 152، وما بعدها، وابن الفارض والحب الإلهي، د. محمد مصطفى حلمي، ص 10، ومعجم العالم الإسلامي، ص 622، وما بعدها، وللدكتور عبد القادر محمود رأي مخالف لما تقدم، ينظر كتابه الفلسفة الصوفية في الإسلام، ص 534 وما بعدها، والصلة بين التصوف والتشيع، د. كامل الشيبي، 1/ 476. (5) الولي: هو من تولى الحق أمره وحفظه من العصيان، ومن توالت طاعته من غير أن يتخللها عصيان، وهو العارف بالله وصفاته بحسب ما يمكن المواظب على الطاعات المجتنب عن المعاصي، ينظر اصطلاحات الصوفية،
د.
الكاشاني، ص 6
76
مع مصادر التحقيق. (6) ينظر الفتح المبين، ص 150.
27 (1/27)
صفحة 28
والقطب (1)، والولي (2)، والصوفي (3)، وتجد هذه المصطلحات مكاناً رحباً في كتب الصوفية يديرون عليها معانيهم ومراتب السلوك عندهم نلمح من جهة أخرى عند التدقيق في عنوانات كتب الشيخ ناصر اتجاهاً صوفياً واضحاً، فنحن نقرأ مثلاً: كتاب الإخلاص (4)، وكتاب مبدأ الأسفار، وكتاب الكشف، وكتاب المعارج، وكتاب منتهى الكرامات، وكتاب السر العلي، وكتاب سلامة الحال (5)، ومعلوم أن تلك العنوانات ذات مدلولات سلوكية فمن الضروري أن تضم مادتها مباحث مقاربة للعنوان إن لم تكن مطابقة له، فالسفر، والمعراج، والكرامة والسرّ، والكشف من مصطلحات القوم، والشيخ ناصر يعلم هذا حق العلم، ولم يكن ليولي هذا الجانب اهتمامه من التأليف لولا رسوخ قدمه فيه علماً وذوقاً (6).
-4 -
لم يكن غريباً بعد ما تقدم أن يتصدى الشيخ ناصر لشرح شعر ابن الفارض، ويختار قصيدتين له هما من عيون شعره، ونحن نعلم - والشيخ ناصر الله يعلم قبلنا (7) أن لابن
هو
(1) ينظر سبائك اللجين، ابن رزيق، مخطوط، و 115، ومما يذكر هنا أن الشيخ جاعد بن خميس وصف في مواضع كثيرة بالقطب الرباني، ينظر الشعاع الشائع باللمعان، ص 69 على سبيل المثال، والقطب هو الواحد الذي موضع نظر الله من العالم في كل زمان ينظر اصطلاحات الصوفية، الكاشاني، ص 153، مع مصادر التحقيق.
(2) ينظر سبائك اللجين، و 3. (3) المصدر السابق، و 1.
(4) هو كتاب الإخلاص بنور العلم والخلاص من الظلم)، وقد وصل وقام بتحقيقه وكتابة مقدمة جيدة له الفاضل/ إبراهيم بن يحيى بن حمدان العبري، وقدّمه إلى كلية دار العلوم - قسم الفلسفة الإسلامية، سنة 1998 م، رسالة جامعية لنيل درجة الماجستير، وستكون لنا معه وقفات، لكون الشيخ ناصر يشير إليه مرات في هذا الكتاب. (5) ينظر الفتح المبين، ص 150. (6) إن كتب الشيخ ناصر بحاجة إلى بحث خاص يكون أشبه بالتمهيد من حيث معرفة أماكن وجودها ونسخها ووصفها وصفاً علمياً، وتكون نقطة البداية قصيدة ابن رزيق التي أشرنا إليها سابقاً، والثبت الذي صنعه الباحث إبراهيم بن يحيى العبري وهذا ما قصدناه بالتمهيد، أما تتمة العمل والدخول فيه فيتمثلان في تحقيق هذه الكتب
تحقيقاً علمياً ونشرها خدمة لهذا الاتجاه في الفكر والأدب بعمان، الذي لم يوله الدارسون عناية كبيرة. (7) تعرّض الشيخ ناصر في هذا الكتاب وفي مواضع كثيرة لمكانة ابن الفارض ويكفي أن نثبت نصاً واحداً لتبيان رأيه فيه، يقول الشيخ ناصر: « ... واعلم أنَّ كل علم عند الله تعالى عظيم سخّر له إنساناً يحبّه ويتعلّمه ... يتناهى فيه فيظهر على لسانه بأفصح وأحكم حكمة في الفصاحة فيصير عالم الوجود معجزة لغيره من بعده إلى يوم
28 (1/28)
صفحة 29
الفارض مكانته الظاهرة اللامعة بين المتصوفة .. كما يعد رأساً لشعراء الصوفية من العرب» (1)، وهكذا فقد استكمل الشيخ أدواته بأنواعها جميعاً: القراءة والفهم من جهة، والسلوك والذوق من جهة أخرى فليقم بهذا العمل كما قام به آخرون قبله. غير أننا نود هنا تقديم لمحة موجزة عن اعتناء الشراح بديوان ابن الفارض يكون عوناً على كشف عمل الشيخ ناصر، وتضعه في محله السليم بين أعمال أولئك الشراح.
ونقرر بداية أنه لم يظفر ديوان من دواوين الشعراء العرب بعناية الشراح كما ظفر ديوان ابن الفارض، فإذا استثنينا دواوين بعض الشعراء الكبار مثل المتنبي والمعري الذي نال ديوانه الأول (سقط الزند) عناية الشراح على حين لم يَحْظَ ديوانه الثاني (اللزوميات) بعناية تذكر، ويدخل في هذا الاتجاه ديوان الحماسة لأبي تمام نقول إذا استثنينا تلك الدواوين وهي قليلة جداً بالقياس إلى الجمهرة الكبيرة من الدواوين التي وصلتنا فإن شعر ابن الفارض يقف في المقدمة من حيث الاهتمام والشرح. ومن الممكن تقسيم عناية الشراح بالديوان قسمين كبيرين: يتمثل الأول في شرح الديوان كله، ويبدو الثاني في شرح قصيدة واحدة، أما الأول وهو شرح الديوان كله فقد وصلتنا شروح مختلفة له لعل أشهرها شرح حسن البوريني، وعبد الغني النابلسي، وقد جمع رشيد بن غالب الدحداح اللبناني هذين الشرحين في كتاب واحد سماه (شرح ديوان ابن الفارض) ضم فيه شرح البوريني برمته مع نبذ من شرح النابلسي عند كل بيت ووضع إشارات تعين على التفرقة بين الشرحين، ومن شروح الديوان أيضاً شرح أحمد المخزنجي وعنوانه (المدد الفائض عن شرح ديوان ابن الفارض، وشرح أمين الخوري المسمى (جلاء الغامض في شرح ديوان ابن الفارض)، ومن الشروح الحديثة شرح كرم البستاني، ود. عبد الخالق محمود، ود. إبراهيم
السامرائي.
أما القسم الثاني فهو شرح قصيدة واحدة من الديوان، وقد نالت القصيدة الميمية التي
مطلعها:
شربنا على ذكر الحبيب مدامة سكرنا بها من قبل أن يخلق الكرم
القيامة، ولا شك أن هذا الناظم في هذا العلم هو معجزة لجميع خلق الله تعالى ما خلا ... »، وهذا كلام طويل، وهو يبين مكانة ابن الفارض عند الشيخ ناصر، والاتجاه السلوكي عموماً.
(1) ابن الفارض والحب الإلهي، د. محمد مصطفى حلمي، ص 7، وفيه ترجمة وافية لابن الفارض.
29 (1/29)
صفحة 30
والتائية الكبرى (1) التي مطلعها:
سقتني حميا الحب راحة مقلتي وكأسي محيا من عن الحسن جلتِ نقول: نالت تينك القصيدتان (2) اهتمام الشراح فقامت حولهما شروح كثيرة، وقد شرح القصيدة الأولى داود بن محمود القيصري، ومحمد بن محمد الغمري واسمه الزجاجة البلورية في شرح القصيدة الخمرية، والمولى علمشاه عبد الرحمن وغيرهم (3). وحظيت التائية الكبرى بنصيب أكبر من عناية الشراح إذ زادت شروحها على العشرة منها شرح داود القيصري، وشرح عمر بن أحمد الغزنوي، وشرح سعيد الدين الكاساني الفرغاني، وشرح عبد الرزاق القاشاني وغيرها (4)، ولم يكن الشيخ ناصر بعيداً عن ذلك كله إذ يصرح في مقدمة هذا الكتاب أي إيضاح نظم السلوك بما يلي: .. وأقوى وأجلّ وأشرف نظم عرفناه في هذا العلم نظم الشيخ العارف أبي حفص عمر بن الشيخ أبي الحسن علي بن المرشد بن علي الحموي نسباً والمصري مولداً .. وهو المعروف بابن الفارض، وأعظم ما نظمه في العلم منظومته التائية وهي التي سماها نظم السلوك (5). فهو يعلم جيداً مكانة ابن الفارض الشعرية، ومنزلته بين شعراء التصوف، ولم يقتصر الاهتمام بابن الفارض على الشيخ
(1) يذهب د. عاطف جودة نصر ومعه جمهرة من الدارسين إلى أن ابن الفارض هو «أستاذ الفن التائي في الشعر العربي، وذلك أنه استحدث قصيدتين: الأولى التائية الصغرى، والثانية التائية الكبرى المعروفة بتائية السلوك، وقد نسج على منواله في هذا الفن صوفية آخرون كإبراهيم الدسوقي، وقطب الدين القسطلاني، والسيد أحمد البدوي، واحتذوا حذو ابن الفارض في التعبير عن آرائهم، ينظر كتابه شعر عمر بن الفارض، ولذلك ص فليس غريباً أن يتأثر شعراء السلوك العمانيون - كما سنرى – بابن الفارض أسوة بغيرهم من شعراء هذا
المشرب.
306
(2) من المفيد أن نشير هنا إلى أن الإمام جلال الدين السيوطي قد شرح القصيدة اليائية لابن الفارض في كتاب سماه (البرق الوامض في شرح يائية ابن الفارض)، ومطلع اليائية:
سائق الأظعان يطوي البيد طي منعماًع عرج على كثبان طي
ومنه نسخ مخطوطة في القاهرة ودمشق، والمغرب، وقطر، ونعمل على تحقيقه الآن. (3) من المفيد أن نشير هنا إلى أن هناك شروحاً بالفارسية لهذه القصيدة، ينظر ابن الفارض والحب الإلهي،
101
(4) ينظر عن هذه الشروح ابن الفارض والحب الإلهي، د. محمد مصطفى حلمي، ص 90، وما بعدها، وتائية ابن الفارض وشروحها العربية، د. عبد الخالق محمود، رسالة ماجستير لم تنشر، جامعة القاهرة، ص 26، وما بعدها. وفيها تفصيل مفيد لتلك الشروح، ومن الضروري أن نؤكد هنا على أن أغلب الذين تصدوا لتلك الشروح إن لم يكونوا كلهم من ذوي المشرب الصوفي؛ فكأنهم كانوا يسيرون في أرض هم عارفون خباياها سابرون أعماقها. (5) إيضاح نظم السلوك، و 1.
30 (1/30)
صفحة 31
6
ناصر وحده بين العلماء والشعراء العمانيين (1)، بل لعله تلقى ذلك الاهتمام من والده الشيخ جاعد الذي نراه «متأثراً إلى حد كبير بمنهج ابن الفارض في تائيته نظم السلوك» (2)، ولاسيما في قصيدته الشهيرة (حياة المهج) التي شرحها هو بنفسه لشدة غموض وعمق أفكارها» (3). ونرى العلامة سعيد بن خلفان الخليلي يشرح هو الآخر أبياتاً من قصيدة ابن الفارض الميمية التي مر ذكرها (4)، كما أن تأثر الشيخ سعيد في شعره بسلطان العاشقين في الأدب العربي ابن الفارض ولاسيما في نونيته الكبرى (5) واضح بيّن مع ملاحظة أنه قد أسهب في ذكر أخبار الأنبياء والمرسلين أكثر من ابن الفارض» (6). أما الشاعر الكبير أبو مسلم البهلاني فله التائية المعروفة المثبتة في ديوانه التي بلغت عدتها نحو ألف وستمائة، بيت ولا شك أنه ينظر فيها إلى تائية ابن الفارض الكبرى، غير أنه جعلها مقاطع تكفل كل مقطع بواحد من أسماء الله الحسنى ودعاه سبحانه في هذه القصيدة بجميع أسمائه الحسنى وتوسل إليه فيها» (7)، ومطلعها:
هو الله باسم الله تسبيح فطرتي هو الله إخلاصي وفي الله نزعتي)
(8)
(1) ولعل للفظة السلوك الواردة في عنوان القصيدة علاقة باعتناء العلماء والشعراء العمانيين بها، لكونها تتشابه مع ما اختاروه لأنفسهم من منهج هو (السلوك). (2) اتجاهات الأدب العماني في العصر الحديث، د. علي عبد الخالق، رسالة دكتوراه لم تنشر، ص 334. (3) المرجع السابق، ص 334. (4) حقق هذا الشرح محقق هذا الكتاب ونشره في الجزء الثالث من كتابه (الأدب في الخليج العربي).
65.
ما
(5) و (6) شعر سعيد بن خلفان الخليلي، إعداد الفاضلة شريفة اليحيائي، رسالة ماجستير لم تنشر، ص 5 (7) العمانيون وأثرهم في الجوانب العلمية والمعرفية بشرق أفريقيا، سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي مفتي عام السلطة، ص 186، وينظر كذلك تطور الأدب في عُمان، د. أحمد درويش، ص 187. (8) ديوان أبي مسلم، ص 42، وما بعدها، ومما يذكر هنا أنَّ شاعراً يمنياً من شعراء التصوف هو أبو بكر السقاف المتوفى سنة 992 للهجرة قد عارض تائيتي ابن الفارض الصغرى والكبرى بتائيتين من نظمه مما يشير إلى اهتمام المناخ الصوفي بابن الفارض، ينظر عن تائيتي السقاف بحث د. عبد الله محمد الغزالي (أبو بكر السقاف وتائيته) المنشور في مجلة معهد المخطوطات العربية، القاهرة، المجلد 40، الجزء الثاني، نوفمبر سنة 1996 م، ويضاف إلى ما تقدّم أن شاعراً من شعراء القرن التاسع هو عبد القادر بن محمد، وشهرته ابن قضيب البان نظم تائية طويلة عارض بها تائية ابن الفارض، ينظر الموسوعة الصوفية، ص 482. كما إنَّ شاعراً من شعراء القرن الثامن الهجري هو عامر البصري قد نظم تائية هو الآخر على غرار تائية ابن الفارض بلغت عدتها خمسمائة وستة أبيات، ونراه يصرح في مقدمتها أنه ينسج على منوال ابن الفارض في تائيته فيقول: ( ... فإنه لما رأى الإخوان .. ما تضمنته قصيدة أبي حفص عمر بن الفارض ... التائية في علم التوحيد من النظم الفائق .. التمس مني المقرب لدى منهم .. ترتيب قصيدة على وزن تلك القصيدة ورويها)، ينظر تائية عامر البصري، ص 20، ونجد مبحثاً غنياً عن عامر وتائيته وعقيدته في كتاب الصلة بين التصوف والتشيع، د. كامل مصطفى الشيبي، 2/ 115، وما بعدها مع مصادره، ولم يكن القصد إحصاء مَنْ عارض ابن الفارض في تائيته، فهم كثر، غير أنّ هذه الشواهد تشير إلى شهرة التائية، وانتشارها.
31 (1/31)
صفحة 32
ومن الضروري أن نشير هنا إلى أن أولئك الشعراء والعلماء العمانيين حين تأثروا بابن الفارض وغيره من شعراء المتصوفة ومؤلفيهم إنما اختاروا ما يلائم عقيدتهم ومذهبهم، وقد ألمحنا إلى هذا فيما سبق، ولهذا اختاروا مصطلح السلوك، ونأوا به عن الحلول، ووحدة الوجود وما إليهما ذلك مما قاله فيه بعض المتصوفة، كما أن ابن الفارض نفسه ينضوي تحت ذلك التيار «المتمشي مع أصول الدين، المحافظ على تعاليم الكتاب والسنة) (1) ومن هنا جاء ذلك الاهتمام به من لدن الشعراء والعلماء العمانيين للتوافق بينهما منطلقاً ونتيجة.
-5 -
بين المسرد السريع الذي قدمناه سابقاً عن اهتمام الشراح بشعر ابن الفارض أنهم حين تصدوا للشرح في القسم الثاني كانوا يكتفون بشرح قصيدة واحدة من شعره، وعليها تقوم كتبهم، فإذا انتقلنا إلى التخصيص قلنا إنهم حين تصدوا الشرح التائية الكبرى أفردوا الكتاب برأسه لها لم يخلطوه بقصيدة أخرى، وفي الوقت عينه لم تظفر التائية الصغرى بشرح منفصل كالذي رأيناه مع الكبرى؛ غير أننا في عمل الشيخ ناصر نجد أنفسنا إزاء عمل مختلف تماماً، وقبل الدخول في تفاصيل هذا العمل نقف عند واحد من أشهر شراح التائية هو عبد الرزاق الكاشاني، فبعد أن يسهب في الحديث عن مكانة التائية، وأهميتها الصوفية يتحول ليبين جهده معها فيقول: «فانبعثت مني دواعي التقرب إليها والاستئناس واستنطقتها للإيناس بعد الإياس حتى إذا أنست بمجاورتي وأخذت من مسامرتي طفقت أنضو نقاب تعززها بيد، التوحيد، وأكشف حجاب تمنعها بأيدي التأييد وأحلّ معاقد دررها ومناضدَ غُررها بمحالل التأنق والتحقيق وأنامل التأمل والتدقيق .. فلما تصفحتها مراراً وقلبتها أطواراً واحتظيت بمعانيها على قدر ما قدر لي من الاستعداد (2)، وجدتها مبنية على قواعد العلم والعرفان منبئة عن نتائج الكشف والوجدان» (3)، إلى أن يقول: .. ولم أرجع في إملائه إلى مطالعة شرح له كي لا ترتسم في قلبي رسوم وآثار تسد باب الفتوح
6
(1) ابن الفارض، والحب الإلهي، د. محمد مصطفى حلمي، ص 42. (2) يرجى ملاحظة الأسلوب الذي يستخدمه الكاشاني الذي يقوم على المجازات والتصوير، وينحو نحو الزخرفة وتعميق ظلال الألفاظ، وهذا هو شأن أسلوب الصوفية في كتاباتهم ولاسيما المتأخرين منهم، ومن هنا اتصف ما قدموه بالعمق والخصوبة، واللغة المتميزة مقترنة بالمضمون العميق.
(3) كشف الوجوه الغر، 8/ 1 - 9.
32 (1/32)
صفحة 33
وتتشبث بأذيال الروح فأتلو حينئذ تلو الغير وأحذو حذوه في السير (1)، وبعد أن يقدم بين يدي الشرح بعشرة فصول تتضمن مباحث مختلفة يقول: ... وإذ بلغ الكلام هذا المبلغ لزم تقصير أذياله فلنرجع إلى المقصود من الشرح الموعود للقصيدة التي مطلعها قوله ... (2)، ثم يسوق البيت الأول ويبدأ بشرحه. ونحن مع إعجابنا بذلك الشرح الفريد الذي وظف فيه صاحبه لغة خاصة ذات إيحاءات وظلال، مع خصوبة جلية في التأويل، واصطناعه منهجاً خاصاً به لم يتأثر فيه بسابق عليه كما أشار هو بنفسه، نقول على الرغم من ذلك كله فإنه يسلك مع بقية الشروح، ويقوي ما ذهبنا إليه في بداية الحديث، وهو أن الكتاب كله قام على شرح التائية الكبرى وحدها، وقد صنع هذا الصنيع كلُّ من تقدم الكاشاني وتأخر عنه، وكأنهم وجدوا ضالتهم في تلك القصيدة من حيث كشفها مقاصد ابن الفارض، وتصوير حالاته، واستبطان مقاماته التي تنقل فيها واحداً بعد واحد، وليس في هذا كبير غضاضة غير أن الشيخ ناصر يختط لنفسه نهجاً مختلفاً وهنا تكمن الأهمية، وتتمثل معالم هذا الاختلاف في أن الشيخ قد جمع في كتابه قصيدتين لابن الفارض لا واحدة هما التائيتان الصغرى والكبرى وعليهما أقام كتابه، ولا نقول شرحه لأنه هو بنفسه اختار لفظة الكتاب كما سنرى لاعتبارات كثيرة، ولنسلك الطريق من أوله.
القصد
يبين الشيخ ناصر علاقته بشعر ابن الفارض قبل الشروع في تأليف هذا الكتاب فيقول: واعلم أني لما نظرت إلى منظومة هذا الشيخ واعتبرت معانيها فكلما لاح لي معنى من معاني شيء من بيوتها رسمت تحته بأشد إيجاز تذكرة لنفسي لئلا يغيب علي حين أهمل أمرها، ولم يكن ليكون كتاباً باقياً بعدي، ولم أرسم غير تقديم لفظ البيت بمعناه وهو الذي قصدت بيانه لنفسي لا شرح المعاني، فإنه لو شرح كل بيت ما يحتمله من المعاني لأفضى إلى مجلدات كثيرة (3) وللحق قارئه
(1) كشف الوجوه الغر، 9/ 1. (2) السابق، 1/ 46.
(3) لعل الشيخ يومئ هنا من بعيد إلى تلك القصة التي وردت في ديباجة ديوان ابن الفارض وملخصها أن أحد الشيوخ من معاصري ابن الفارض، وكان من أكابر علماء زمانه، استأذن ابن الفارض في (شرح قصيدة نظم السلوك، فقال له في كم مجلد تشرحها؟ فقال: في مجلدين فتبسم ابن الفارض وقال: لو شئت لشرحت كل بيت منها في مجلدين)، وعلى هذا سيكون الشرح ألف مجلد ويزيد وهو مما ليس في طاقة البشر، ينظر الديوان، ص 27، وشرح الديوان، 7/ 1، ويعود الشيخ ناصر إلى هذا الموضوع في خاتمة الكتاب ليقول عن بيت التائية الكبرى الأخير: ( .. ولو أمليت لك شرح هذا البيت ومعانيه ومعاني معانيه لأفضى شرحه إلى ألف مجلد) ينظر إيضاح نظم السلوك و 147.
33 (1/33)
صفحة 34
الملل» (1)، ونحن نشعر منذ الوهلة الأولى بنبرة التواضع التي تشع في الكلام السابق، فهو يبدأ بداية متواضعة من حيث إنه لم يرده كتاباً، بل أرادها تعليقات على الأبيات يحتفظ بها لنفسه لتكون عوناً له إن أراد العودة إلى الشعر بعد حين. فهل بدأ الشيخ بصنع الجزازات، وكل جزازة هي الشرح المبدئي البسيط للبيت وتتوالى الأبيات، وتتكاثر بعد هذا الجزازات فالشروح؟ فقه النص يشير إلى هذا، غير أنه لم يكتف بهذا الحد، بل انتقل إلى عمل آخر كان النواة لهذا الكتاب، ولعله رأى أن ما علق به على الأبيات لم يكن كافياً فاتخذ وجهة أخرى مصغياً لنصيحة من نصحه، واقتناعاً منه بهذا النهج الجديد، يقول: « .. واعلم أن الشيخ بدأ بنظم السلوك من غير أوله بل من مراتبه العلية بقوله: سقتني (2)، وأوهمت صحبي (3)، وهو قصد نظم السلوك إلى الله تعالى كله فكان ابتداء سلوك صحبه الذين ذكرهم لم يأت ابتداء سلوكهم وعرف أنه كان ينبغي له غير ذلك فعمل لها رأساً (4)، وبدأ بالسلوك من أوله في مائة وثلاثة أبيات (5) للمواصلة، ونحن أحببنا أن نبتدئ بإيضاحه من أوله، وأشار علينا بعض الإخوان بترك الكتاب لمن يأتي ويشاء النظر فيه فأجبته وجمعته وسميته كتاب إيضاح نظم السلوك إلى حضرات ملك الملوك وجزيته ثلاثة أجزاء» (6)، هل نفهم من قوله السابق أنه يرى القصيدتين شيئاً واحداً، وأنه لا بد لمن يريد التصدي لشرح الثانية أن لا يتسنى له ذلك إلا بعد شرح الأولى، فكأنَّ الأولى وسيلة الدخول إلى عالم الثانية؟. نحن نعلم أن من الباحثين من ذهب إلى أن التائية الكبرى ليست إلا ترجمة لحياة الشاعر الروحية كتبها عن نفسه بنفسه، وقص فيها ما تعاقب عليه من أطوار الحب وما عاناه من ألوان الرياضات والمجاهدات، وما خضع له من ضروب المحن والآلام في كل طور من هذه الأطوار (7)، أو هي وصف المعراجه
(1) إيضاح نظم السلوك، وا.
(2) يشير الشيخ ناصر إلى الكلمة الأولى من بيت التائية الكبرى الأول، وهو: سقتني حميا الحب راحة مقلتي وكأسي محيا من عن الحسن جلت (3) ويشير هنا إلى الكلمتين الأولى والثانية من بيت التائية الكبرى الثاني وهو:
وأوهمت صحبي أن شرب شرابهم ينظر ديوان ابن الفارض، ص 84، وما بعدها. (4) رأساً يريد به تمهيداً أو مدخلاً.
(5) هذا. هو
في انتشائي بنظرة
عدد أبيات التائية الصغرى، وهي في الديوان كذلك كما ذكر الشيخ ناصر مئة وثلاثة أبيات، ينظر الديوان،
ص 71 - 80.
(6) إيضاح نظم السلوك، و 1، نلاحظ هنا أن الشيخ يشير صراحة إلى عنوان كتابه النهائي، وهو ما سنقف عنده بعد
قليل في توثيق نسبة الكتاب إلى الشيخ ناصر.
(7) ابن الفارض والحب الإلهي، د. محمد مصطفى حلمي، ص 93.
34 (1/34)
صفحة 35
الروحي نظاماً (1)، كما نثر فيها ابن الفارض اختباراته الشخصية وسرد أحواله النفسية سرداً بعيداً عن الاستقصاء والحصر (2)، ونعلم أيضاً أن من الباحثين من سلك طريقاً آخر إذ اعتبر أن التائية الكبرى جماع لبقية قصائده التي تبدو كتجارب جاهدة ومحاولات غير تامة في سبيل وصول الشاعر إلى غايته، فلو رتبت جميعها ترتيباً نفسياً متسامقاً وطبيعة التجربة الصوفية لجاءت نقاطاً صاعدة على خط بياني واحد تتربع التائية على قمته علامة وصول إلى النهاية والغاية» (3)، وهي أيضاً النهاية مطاف السير الحثيث للشاعر في طريق حبه الإلهي .. فهي بهذا محصلة بقية قصائد الديوان التي تمثل تجاربه القاصرة عن بلوغ الغاية (4)، أقول نحن نعلم هذا، وكثرة أخرى من الدارسين كان لها رأيها القريب من الرأيين السابقين، ولكن الشيخ ناصراً يختط لنفسه طريقاً ثالثاً يختلف عن الطريقين السابقين، ويرى أن هذه الحياة الروحية لابن الفارض في أطوارها الأولى لم تبدأ في التائية الكبرى، أو قصائد الديوان كلها كما رأينا، بل يراها متمثلة في تائيته الصغرى فقط، ومن هنا توجب سلوك الطريق من أوله، والوقوف عند الصغرى لملاحظة ذلك التطور الروحي ورصده، كما أنه يعدل هنا عما قرره سابقاً، فقد أخذ بنصح من نصحه، وجعل من القصيدتين وشرحهما كتاباً ذا ثلاثة أجزاء بحسبان أنهما شيء واحد، فهو ليس شرحاً بالمعنى المباشر للشرح بل رصد للتطور الروحي لابن الفارض من خلال القصيدتين.
وقبل الدخول إلى منهج الكتاب نقف عند أمرين نراهما مهمين يتعلقان بالتائية الكبرى وحدها. أما الأول فيتلخص فيما يراه الشيخ ناصر من أن ابن الفارض ركب جميع كلامه فيها على هذه الرواية المروية التي حكاها رسول الله عن الله تعالى وجعل قاعدتها ومنتهاها في شرح ثلاثة أسماء الله تعالى من أسماء ذاته وصفة رابعة من صفات ذاته جل وعلا وهي السميع والبصير والقدير ولم يزل متكلماً، وقال وهذه بلا آلة التعريف هي صفات ذات المرء التي هي عقله فهو سميع بصير قدير متكلم، وجعل الله تعالى هذه الذات وأنها هي في الحقيقة سميعة بصيرة متكلمة قديرة وبها كان العقل عقلا» (5)، ويريد الشيخ ناصر بالرواية المروية التي حكاها رسول الله لعن الله تعالى قوله: «كنت كنزاً
(1) في التصوف الإسلامي، نيكلسن، ص 120. (2) التصوف في الإسلام، د. عمر فروخ، ص 138.
(3) تائية ابن الفارض وشروحها العربية، د. عبد الخالق محمود، رسالة ماجستير لم تنشر، ص 2.
(4) المرجع السابق، ص 15.
(5) إيضاح نظم السلوك و 1. وسنقف بتفصيل فيما بعد عند هذه القضية الكلامية المعقدة.
35 (1/35)
صفحة 36
لم أعرف فأحببت أن أعرف فخلقت خلقاً كي أعرف فبي كانوا وبي عرفوني، وما تقرب عبدي بشيء أحب إلي مما افترضت عليه، وإذا تقرب مني عبدي بفرائضي وبالنوافل شبراً تقربت منه ذراعاً وإن تقرب مني ذراعاً تقربت منه باعاً .. ولا يزال يتقرب إلي بفرائضي وبالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته توليت أمره وكنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ولسانه الذي يتكلم به ويده التي يبطش بها .. (1)، ومن المفيد أن نشير أولاً إلى أن هذا الحديث القدسي قد أفاد منه الصوفية كثيراً قبل ابن الفارض وبعده في حديثهم عن الحب الإلهي (2) أي حب الله للعبد من جهة، وحب العبد لله من جهة أخرى، غير أن توجيه الشيخ ناصر له من حيث علاقته بابن الفارض يقوم على أمرين أولهما أن السمع والبصر والقدرة بهذا الوصف الوارد في الحديث هي مواهب من الله للعبد المحب، ولن يصل إلى هذه المرحلة إلا بعد قطعه طريقاً طويلاً من المجاهدات والرياضات، غير أن هذا الوصول إلى هذه المرتبة – وهو الأمر الثاني – لا يسقط عنه التكاليف والفرائض بدلالة استمراره القيام بها والإلحاح على هذا الاستمرار، فكأن الشيخ ناصر يرى أن ابن الفارض والاتجاه السلوكي الذي التزم هو به موافق لأحكام الشريعة، آخذ منها، معتمد عليها، وكأنه من جهة أخرى ينفي عنه ما اتهم به من خروج على الشريعة وهكذا يتبدى لنا هنا بقوة ما أشرنا إليه سابقاً من اكتمال القصيدتين، إذ وصل ابن الفارض إلى مرحلة متقدمة من طريقه الصوفي في التائية الكبرى، وعلى هذا سيقوم هو برؤية القصيدتين بنظرة تكاملية تكشف لنا بدايات ذلك الطريق الذي بدأ في الوصول إلى نهايته في الكبرى، ولن يتحقق هذا الكشف بغير الرجوع إلى التائية الصغرى فهي بداية الطريق وأوله.
أما الأمر الثاني فهو عنوان القصيدة إذ نرى الشيخ ناصراً يقدم لها عنواناً يكاد يكون جديداً لم نره في المصادر التي بين أيدينا، يقول: « .. وأعظم ما نظمه ابن الفارض في العلم منظومته التائية وهي التي سماها نظم السلوك إلى حضرات ملك الملوك، وكلمة حضرات نحن اخترناها، وإلا فهو سماها إلى خدمة ملك الملوك» (3). واعتماداً على هذا سمى كتابه إيضاح نظم السلوك إلى حضرات ملك الملوك) كما صرح بذلك هو بنفسه. ولابد من الوقوف قليلاً عند هذا العنوان (الجديد) الذي
(1) إيضاح نظم السلوك، و 1.
(2) ينظر حول هذا الموضوع كتاب ابن الفارض والحب الإلهي،، د. محمد مصطفى حلمي، ص 173. (3) إيضاح نظم السلوك، و 1.
36 (1/36)
صفحة 37
يذهب إلى أن القصيدة هي (نظم) السلوك إلى خدمة ملك الملوك)، وهو مخالف للوثيقة التي بين أيدينا في ديباجة الديوان التي كتبها سبط ابن الفارض، ويقدم لنا فيها مراحل تسمية قصيدة جده إذ كان عنوانها أول ما نظمت (أنفاس الجنان ونفائس الجنان)، ثم صار اسمها (لوائح الجنان وروائح الجنان)، ثم ينقل سبط ابن الفارض عن أبيه عن جده أنه رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم «في المنام وقال له: يا عمر ما سميت قصيدتك؟ فيجيب ابن الفارض: سميتها يا رسول الله: (لوائح الجنان وروائح الجنان). فيقول رسول الله: بل سمها نظم السلوك فسميتها بذلك» (1). ولم نقف عند رؤية الشاعر الرسول الله في المنام فهذا يخرجنا عما نحن فيه، غير أن العنوانات السابقة تختلف اختلافاً بيناً عما اختاره الشيخ ناصر إذ يصرح بأن ابن الفارض هو الذي سماها (نظم السلوك إلى خدمة ملك الملوك) فهل يقدم الشيخ ناصر عنواناً جديداً معتمداً على مصادر لم يطلع عليها من درسوا التائية؟ وخصوصاً أن هذه الجمهرة من الدارسين تتخذ من ديباجة الديوان التي سقناها قبل قليل معتمداً في عنوانات القصيدة باعتباره نصاً موثقاً ذا سند صحيح لا يفصل بين السبط والجد سوى الابن والثلاثة لا يوصفون بكذب، أو تغيير لانتفاء أسبابه وحرصهما: الابن والسبط على تأدية ما قاله ابن الفارض كما جاء على لسانه بلا تغيير لاعتبارات كثيرة: دينية وأسرية وما إليها، وللمسألة وجه آخر يتمثل في عنوان خامس للقصيدة يقدمه أحد أشهر شراح التائية وهو عبد الرزاق الكاشاني إذ يسمي شرحه (كشف الوجوه الغر لمعاني نظم الدر)، ولا تهمنا تتمة العنوان وهي (شرح تائية ابن الفارض الكبرى المشتهرة بنظم السلوك) فهذا من صنع المطبعة؛ لأن الكاشاني نفسه يصرح باسم كتابه فيقول: ... في قصيدته - أي ابن الفارض – الغراء المسماة بنظم الدر» (2)، ويقول: وسميته - أي الشرح - كشف الوجوه الغر لمعاني نظم الدر» (3)، فهذا عنوان خامس للقصيدة هو (نظم الدر)، وهذا ما يجعلنا نتوقف عن القطع في هذه المسألة، واعتبار العنوان الذي تبناه الشيخ ناصر أحد العنوانات التي أطلقت على القصيدة في انتظار دراسة مستقلة للعنوان وحده، ويبقى أمر آخر معلق لا نستطيع البت فيه وهو السبب الذي حدا بالشيخ إلى إحداث ذلك التغيير في العنوان باختيار لفظة بدل أخرى فهذا مما لم يبينه لنا.
6
اصطنع الشيخ ناصر منهجاً خاصاً به في تأليف هذا الكتاب يقوم على الترتيب والتنظيم،
(1) ينظر ديوان ابن الفارض، ص 81، 27، وينظر شرح ديوان ابن الفارض، 1/ 6 - 7.
(2) كشف الوجوه الغر، ص 7 وص 9.
(3) المصدر السابق، ص 9.
37 (1/37)
صفحة 38
الأجزاء فالأبواب، وتسبقها مقدمة، فكأنَّ هناك خيطاً خفياً ينتظم الجميع ليوصل إلى النهاية فنراه يعالج في المقدمة مجموعة من القضايا هي أدخل فيما عرف بتصنيف العلوم (1) غير أنه يستند إلى آية وحديث، أما الآية فهي قوله تعالى: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُون، وأما الحديث فهو حديث المعرفة الذي مرَّ سابقاً، وينطلق منهما ليقول ... وهذا يدل على أن الله تعالى عالم الغيب والشهادة لم يخلق الخلق إلا لأجل العبادة كما شاء من عباده (3)، ويقسم العبادة بعد هذا ثلاثة أقسام هي: كشفي وهو علم التوحيد .. والقسم الثاني الحقيقة وهو علم الباطن، والقسم الثالث الشريعة (4)، وكأنه يذكرنا بتقسيم ذي النون المصري للمعرفة من أن قسمها الأول حظ مشترك بين عامة المسلمين، وثانيها معرفة خاصة بالحكماء والعلماء وقسمها الثالث خاص بالأولياء الذين يرون الله بقلوبهم (5)، وهو تقسيم سنجد له صدى في كتابات من جاء بعد ذي النون من حيث تفرقتهم بين علوم الشريعة والحقيقة، ويعمق الشيخ ناصر بعد هذا حديثه عن هذه العلوم من حيث وسائل اكتسابها فيراها تتمثل بثلاث طرق هي طريقة وسائل الشريعة، وطريقة وسائل التجريد من الحقيقة وطريقة المكاشفة براية المحبة (6) ويفصل الحديث عن هذه الطرق بقوله فأما علم الشريعة وأقسامها فقد تكفل كثير من العلماء بتشريحها، وأما علم الحقيقة طريقة ووسائل التجريد وطريقة المكاشفة براية المحبة فأقل بياناً وإن تكلم فيها بعض العلماء نثراً ونظماً فكلامهم فيها أشد غموضاً من كلام العلماء في علم الشريعة الظاهرة (7) ويخرج بعد هذا إلى تبيان أنَّ أقوى ما عرفه من نظم في هذين العلمين الأخيرين هو تائية ابن الفارض الكبرى. ومن الواضح أن الشيخ ناصراً يفيد كثيراً من التراث الصوفي (8) المعتدل الذي قرأه بإمعان ودقة
=
(1) يحتل تقسيم العلوم وتصنيفها منزلة مهمة في التراث العربي، وقدم فيه الفلاسفة والمفكرون مباحث وكتباً كثيرة تشير إلى استيعاب واستقصاء، ورؤى خاصة أيضاً، ينظر على سبيل المثال كتاب إحصاء العلوم للفارابي وما كتبه
ابن خلدون في المقدمة، وغيرها.
(2) الذاريات: 56. (3) إيضاح نظم السلوك، و 1.
(4) المصدر السابق، و 1
(5) ينظر الصلة بين التصوف والتشيع، 97/ 1، ومدخل إلى التصوف الإسلامي، ص 101.
(6) إيضاح نظم السلوك، و 1. (7) المصدر السابق، و 1.
(8) أطلق المتصوفة على (علمهم أسماء كثيرة مثل علم الباطن، وعلم الحقيقة، وعلم الدراية وغيرها وهي كلها تقابل الشريعة، أما التجريد الوارد في النص فيراد به التوجه بالكلية إلى الله سبحانه ونزع الشهوة للدنيا وزخرفها استعداداً للسفر في الطريق الطويل، ينظر عن هذه القضايا، ديباجة ديوان ابن الفارض، ص 20، ومدخل إلى التصوف الإسلامي،
38 (1/38)
صفحة 39
فطالما تحدث المتصوفة عن علاقة التصوف بالشريعة من جهة، واتخاذهم طريقة تختلف عنها في عبادة الله من جهة أخرى، كما أن ابن خلدون وهو يقدم تصوراً لعلوم عصره تحدث عن علوم الشريعة ورأى أنها صنفان صنف مخصوص بالفقهاء وأهل الفتيا، وصنف مخصوص بالقوم – يريد الصوفية - في القيام بهذه المجاهدة، والكلام في الأذواق والمواجد العارضة في طريقها (1) ولم يخرج الشيخ ناصر عن هذا المعنى، بيد أنه أضاف إليه تلك الصعوبة والعسر اللذين يتميز بهما العلمان الثاني والثالث بحسبان أنهما يصدران عن تجربة شخصية، ويستخدمان مصطلحات خاصة لا يعرفها على وجه الدقة إلا أهل هذا الطريق وحدهم، ولذلك نراه يعود مرة أخرى فيقدم تقسيماً آخر للعلوم مستنداً فيه إلى حديث لرسول الله له هو (أعطاني ربي ثلاثة علوم: علم أمرت بتبليغه وهو علم دينه تعالى، وعلم خيّرت بين كشفه وكتمانه وهو علم الحقائق وعلم أخذ علي بكتمانه وكلّ ذلك في الكتاب المبين) (2)، ومع ملاحظة إشارة الحديث الواضحة إلى ارتباط تلك العلوم بالقرآن الكريم، أو بتعبير القوم اتكاء الحقيقة على الشريعة، نقول إن الشيخ ناصراً يتخذ من هذا الحديث وسيلة عملية لتبيان طريقة تعامله مع شعر ابن الفارض، والخطوات التي سيسلكها في شرحه القصيدتين. ونستطيع تبين ثلاثة معالم رئيسة تنتظم الشرح كله، أما المعلم الأول فهو صفة مزج المعنى بتقدير ألفاظه» (3)، أي إنه سيعمد إلى النظرة الكلية للشعر القائمة على البحث عما وراء المعنى الظاهري الذي تشي به الألفاظ وهو الذي «طلب نفسه إلى معرفته من نظم هذا الناظم في منظومته (4) على اعتبار أن الفطن تلوح له المعاني إذا انفتح له التقدير ويريد بهذا أنه لن ينظر إلى الشعر الذي بين يديه نظرة تقريرية جافة، وإنما سينظر إلى التركيب باعتباره نصاً مفتوحاً يمثل تأويلات متعدّدة، وعلى هذا فهو سيأخذ بالتأويل لكن بنوع واحد منه وهو القريب الذي يحتمله الشعر، وهذا هو المعلم الثاني إذ يقول: واعلم أن لها تأويلاً باطناً خفياً علوياً سماوياً روحانياً وتأويلاً ظاهراً جسدانياً، ونحن اكتفينا بالجلي الظاهر الممكن فهمه بالغالب
د.
، (5) (
أبو الوفاء الغنيمي، ص 96، وما بعدها، والصلة بين التصوف والتشيع، د. كامل الشيبي، 1/ 413 و 417. (1) مقدمة ابن خلدون، 3/ 1099، ولابن خلدون كلام نفيس حول هذا الموضوع بسطه في المقدمة، فلينظر هناك. (2) إيضاح نظم السلوك، و 2. (3) المصدر السابق، و 2.
(4) إيضاح نظم السلوك. و 2، ولعلّ الشيخ كان مصيباً فيما ذهب إليه من إمكان إساءة الظن به لدى بعض المتعلمين، إذ لدينا إشارات كثيرة تنبه إلى ضرورة الحذر في التعامل مع ألفاظ القوم واصطلاحاتهم على اعتبار أنها ذات خصوصية ومدلولات معينة.
(5) المصدر السابق.
39 (1/39)
صفحة 40
من العقول السليمة وأعرضنا عن الباطن .. ومن توغل فإنه يلوح له من باطن ما نورده فإنه يكون له كالإقليد (1)، ويقدّم لذلك النهج سبباً هو أن التفسير الباطن (ربما إذا وقف عليه الغالب من المتعلمين تقصر عقولهم فإما أن يصوّروا ما لا يجوز وإما أن يسيئوا بنا ظناً» (2)، وكأنَّ الشيخ ناصراً أراد هذا الكتاب للكافة لا تقتصر عليه النخبة فقط، غير أنه ترك الباب مفتوحاً لذوي الأفهام العميقة السابرين غور التراكيب فأمامهم فسحة واسعة كي يتأولوا، ويمعنوا في التأويل، فالنص خصب يعين على هذا، والشرح منفتح على الدلالات جميعاً لا يمنعه التحفظ والتوقي اللذان أرادهما الشيخ من الانطلاق والعطاء، ولم يكن بمقدور الشيخ ناصر أن يصنع غير هذا فهو مرتبط بالشريعة وأحكامها من جهة، وهو من جهة أخرى أمين على النص الطويل الذي بين يديه فليس له إلا أن يقول، وعلى المتلقي أن يسمع ويتأول وهذا شأن الكتب والشروح التي تمكث في الأرض تنفع الناس.
أما المعلم الثالث والأخير فهو قيام الكتاب كله وانطلاق الشروح جميعها من فكره الإباضي الذي يمثله خير تمثيل، فهو واسع العلم به خبير بدروبه فليس له إلا أن يتخذه هادياً ويجعل من مباحثه صوى في طريقه الطويل الذي سيقطعه مع ابن الفارض، فنراه
(1) المصدر السابق. والإقليد الوارد في النص هو المفتاح، ومن المفيد أن نوضح هنا أنَّ الشيخ حين يتحدث عن (إساءة الظن) إنما يصدر عن علم واسع بما رمي به القوم قبله من تهم: بسبب عباراتهم المستغلقة، وكان هذا منذ وقت مبكر في الإسلام حتى. إننا نقرأ قولاً لعلي بن الحسين مفاده أنه «لو علم أبو ذرّ ما في قلب سلمان لقتله و قد آخى رسول الله بينهما، فما ظنكم بسائر الخلق، على اعتبار أن لسلمان جانباً في علم السرّ، ومثله قول أبي هريرة: «حفظت من رسول الله من وعائين، فأما أحدهما فبثثته، وأما الآخر فلو بثثته لقطع هذا البلعوم»، ينظر عن هذا كله مع شرحه الصلة بين التصوف والتشيع، 1/ 31، وما بعدها، إنَّ هذا وأمثاله يرد في هذا الموضع، والشيخ ناصر يحترس خشيةً من سوء ا ء الفهم. (2) و (2) المصدر السابق. والإقليد الوارد في النص هو المفتاح، ومن المفيد أن نوضح هنا أنَّ الشيخ حين يتحدث عن (إساءة الظن) إنما يصدر عن علم واسع بما رمي به القوم قبله من تهم بسبب عباراتهم المستغلقة، وكان هذا منذ وقت مبكر في الإسلام حتى إننا نقرأ قولاً لعلي بن الحسين مفاده أنه «لو علم أبو ذرّ ما في قلب سلمان وقد آخى رسول الله بينهما، فما ظنكم بسائر الخلق»، على اعتبار أن لسلمان جانباً في علم السرّ، ومثله قول أبي هريرة: «حفظت من رسول الله من وعائين، فأما أحدهما فبثته، وأما الآخر فلو بثثته لقطع هذا البلعوم»، ينظر عن هذا كله مع شرحه: الصلة بين التصوف والتشيع، 1/ 31، وما بعدها، إنَّ هذا وأمثاله يرد في هذا الموضع، والشيخ ناصر يحترس خشيةً من سوء الفهم. (3) يرصد الشيخ ناصر ظاهرة مهمة تبدت في شروح التائية الكبرى وهي استغلاقها على الفهم وتوظيف مصطلحات صوفية كثيرة واستخدام لغة خاصة لا يستطيع التعامل معها سوى النخبة، وفي هذا يقول الدكتور محمد مصطفى حلمي عن أولئك الشراح إن بعضهم لم يسلم من الجموح والشطط ومسايرة الهوى، والذهاب في تأويل كثير من الألفاظ تأويلاً هو أبعد ما يكون عن المعاني التي تنطوي عليها)، ينظر كتابه ابن الفارض، ص 95.
لقتله
40 (1/40)
صفحة 41
يقول: « .. وقد شرح بعض من تلامذة تلميذ الناظم بشرح سماوي أغمض معاني شرحه أشد غموضاً من معانى النظم وأبعد على الفهم بأضعاف مضاعفة (1) فصار كأنه لا فائدة فيه إلا للعارف لمعاني النظم، والعارف لمعاني النظم غير محتاج إلى الشرح، فسهلته بألفاظ قريبة ولم أرد أن أورد معانيه التي أوردها للخلاف الذي بيننا وبينهم، فاخترعت لها معاني ظاهرة بينة موافقة للاستقامة لأن النظم يحتملها في التأويل وما لا يصح في ميزان الاستقامة (2) فليس بتأويل لكلام» (3)، ومكمن الأهمية في هذا الكلام يظهر في قضية الخلاف التي أشار إليها بينه وبينهم وهو يحتمل شيئين خلاف مذهبي وهو ما ألمعنا إليه سابقاً، وخلاف منهجي وهو أشبه بالنتيجة للخلاف المذهبي، فكأنَّ أخذه بنهج معين في السلوك يتعامل به مع القصيدتين أبعده عن تلك الشطحات والتهويمات، وتقديم شروح توحي بالانخلاع من الشريعة وتدخل في المحظور، كما هو عليه الحال في الشروح المتقدمة، فهذا كله مما سيبتعد عنه هذا الكتاب، وفيه تأكيد على النهج المستقل الذي سيتخذه.
أشرنا فيما سبق إلى أن الشيخ قسم كتابه ثلاثة أجزاء وجعل لكل جزء عنواناً، أما الأول فهو «في تخليص النفس والروح إلى مراتب الكمال براية محبة المريدين»، وفيه يبين استعداد ابن الفارض لسلوك الطريق، وأخذه بالوسائل من تجريد، وقطع العلائق بالدنيا وزخرفها تمهيداً للسفر الطويل. والجزء الثاني «في كمال النبي صلى الله عليه وسلم براية محبة المرادين
(1) يرصد الشيخ ناصر ظاهرة مهمة تبدت في شروح التائية الكبرى وهي استغلاقها على الفهم وتوظيف مصطلحات صوفية كثيرة واستخدام لغة خاصة لا يستطيع التعامل معها سوى النخبة، وفي هذا يقول الدكتور محمد مصطفى حلمي عن أولئك الشراح إن بعضهم لم يسلم من الجموح والشطط ومسايرة الهوى، والذهاب في تأويل كثير
من الألفاظ تأويلاً هو أبعد ما يكون عن المعاني التي تنطوي عليها)، ينظر كتابه ابن الفارض، ص 95. (2) أهل الاستقامة هم أتباع المذهب الإباضي ولا تزال هذه العبارة مستعملة للدلالة على المذهب الإباضي، ينظر الإمامة عند الإباضية، مالك بن سلطان الحارثي، ص 88، وفي رائعة أبي مسلم في رثاء العلامة نور الدين السالمي
التي مطلعها:
ريب المنون مقارض الأعمار وحياتنا تعدو إلى المضمار إشارة إلى الاستقامة حيث يقول:
مهلاً همام الاستقامة ما الذي غادرت من هول ومن إذعار إرجع فإن الاستقامة أرملت ارحم يتيمك وهو دين الباري ينظر ديوانه، ص 331، وللعلامة أبي سعيد الكدمي كتاب بثلاثة أجزاء عنوانه (الاستقامة)، بحث فيه قضايا فقهية وكلامية مختلفة، ينظر طبعة وزارة التراث القومي والثقافة سلطنة عُمان، سنة 1985. (3) إيضاح نظم السلوك، و 2.
41 (1/41)
صفحة 42
وفي التوحيد لله المجيد، ويعمد فيه الشيخ إلى توضيح مقاصد الشاعر عن الحقيقة المحمدية ومنزلتها وبداية الاقتراب من التوحيد بمعناه الصوفي، وأما الجزء الثالث والأخير فهو في «مقامات الحقيقة وفي التوحيد وفي كمال النبي، وكأنَّ هذا الباب ثمرة للبابين السابقين من حيث نجح الرياضيات والمجاهدات، ووصول الشاعر إلى غايته في الكشف ومعرفة التوحيد الحقيقي.
وهذا التتابع البديع للأجزاء يشير إلى مرافقة الشيخ الدقيقة لسلوك ابن الفارض وتطوره الروحي، وتنقله بين المراحل مرحلة فمرحلة مما نراه مبسوطاً في التائيتين. ولم يرق للشيخ أن يترك هذا التعميم الذي نلحظه واضحاً على الأبواب فاتخذ من داخلها فصولاً وأبواباً أوصلها إلى سبعة وعشرين فصلاً وجعل لكل واحد منها هي الأخرى عنواناً، فالباب الأول في الانتباه من رقدة الجهالة وسنة الغفلة والباب الثاني «في المكاشفة بمشاهدة جمال المحبوب والثالث في الاتصال بالمحبوب بوقفة المواقفة في طريق مكة»، وبالباب الثاني عشر يبدأ الجزء الثاني من الكتاب وهو في سفر النبي وهو السفر الرابع المخصوص به، وكأنه يشير إلى إسرائه ومعراجه، ويبدأ الجزء الثالث بالباب التاسع عشر وهو في التوحيد بمعرفة الذات الإلهية وفي مقامات الحقيقة والسلوك»، وينتهي الكتاب بالباب السابع والعشرين وهو «في التنبيه على التوحيد الإلهي». ومن الضروري أن نشير هنا إلى أن الشيخ ينتهي من شرح التائية الصغرى في الباب الثالث، ويبدأ بالكبرى عند الباب الرابع، وفي هذا تأكيد لما ذهب إليه من أن التائية الصغرى هي رأس وبداية السلوك على حد قوله، إذ استغرقت الفصول الباقية وهي أربعة وعشرون فصلاً بقية الكتاب، وفيها وقف عند التائية الكبرى بأبياتها التي بلغت سبعمائة وواحداً وستين بيتاً، ويبدو جلياً لنا ذلك الجهد الضخم الذي بذله الشيخ ناصر لا في متابعة رحلة ابن الفارض وحدها، وإنما في تشقيق مراحل تلك الرحلة أيضاً، ووقوفه عند كل مرحلة مشيراً إليها، وملاحظاً الفروق الدقيقة بينها، ومنبهاً على أن هذه الرحلة من خلال الرياضات والمواجيد تتجه صاعدة إلى الأعلى في تهذيب الروح، وتصفيتها تمهيداً لقطف الثمرة مما هو معروف عن غايات التصوف الكبرى، ويضاف إلى ما سبق تلك الوقفات التي تطول أحياناً فتبلغ صفحات حين يفردها للحديث عن مصطلح معين، أو مناقشة قضية كلامية، أو ردّ على بعض المخالفين، وهو يصطنع لتلك الوقفات هيئة منهجية تتمثل في استخدامه مصطلح
42 (1/42)
صفحة 43
(بيان)، فكأنَّ هذا (البيان) أشبه بإشارة منه إلى أنّه سيستطرد قليلاً لإيضاح ما مر بحسبان أنه لم يستوف الحديث عنه في الكلام السابق، وقد كثرت هذه البيانات) حتى من الممكن جعل بعضها مباحث منفصلة بسبب اكتمال منهجيتها، ووضوح غاياتها.
-6 -
6
وهو
ولعل ما تقدّم يفسح المجال قليلاً للوقوف عند ظاهرة أشار إليها بعض الدارسين، وهم يتحدثون عن مسيرة الحياة الفكرية والأدبية في عمان ونعني بها العزلة الثقافية، فهم يذهبون اعتماداً على مقولة المركز والأطراف إلى أنّ عمان من أقاليم الأطراف، وهذا يستتبع بالضرورة عزلة ثقافية من نوع ما، وقد وقفت عند ظاهرة العزلة المكانية في بحث سابق، ومما جاء فيه أن «التراث العماني في أغلبه ... يصدر عن الفكر الإباضي، وهو المذهب المنتشر بعمان منذ زمن قديم ... وعلماء الإباضية أنفسهم لا ينكرون مجموعة من القضايا تميّز بها المذهب ... مثل التمسك بالكتاب والسنة، والعمل بما جاء فيهما، والمحافظة على الفرائض ورفض السلطة المتجبّرة الظالمة،، مربط الفرس في هذا الموضع، ويحدّثنا التاريخ العماني عن كثرة الحروب، والنزاع الذي وقع بين السلطة الحاكمة، وأهل عمان بسبب رفضهم سياسة القهر والبطش التي يرونها مخالفة لأصول الشرع، ونجد هذا منذ عهد معاوية بن أبي سفيان الذي لم يكن له في عمان سلطان على حد قول محقق كشف الغمّة (1)، ويستمر هذا الأمر إلى وقت متأخر، حتى إنّنا نجد اللغوي الشهير أبا بكر بن دريد المتوفى سنة 321 للهجرة يوثّق في شعره ما نزل بأهل عمان من كوارث على يد محمد بن نور عامل الخليفة العباسي المعتضد، حتى إنَّ ابن رزيق يصف ما وقع وصفاً مسهباً من أنَّ محمد بن نور «استولى على كافة عمان، وفرّق أهلها، وعاث في البلاد، وأهلك كثيراً من الحرث والأولاد ... وجعل على أهلها النكال والهوان، ودفن الأنهار، وأحرق الكتب (2)، مما يشير إلى استمرار النزاع، والاختلاف بين السلطة المركزية وعمان، وقد تولّد عن هذا الواقع ما نستطيع تسميته بالاكتفاء الداخلي باعتباره نوعاً من الحماية الذاتية وفق قانون التحدي والاستجابة، فالدولة على مدى قرون متطاولة تعتنق مذهباً مختلفاً، ورأياً سياسياً مناقضاً، وسلوكاً مرفوضاً، وأهل عمان بالمقابل
عمان
(1) ينظر الأدب في الخليج العربي، 3/ 541. (2) الفتح المبين، ص 208، ويقول أيضاً، ص 216،: ... ولما ركدت زعازع بغي الخلفاء العباسيين عن وانقطعت مادتهم عنها بالبغي والعدوان عقد أكابر عمان بالإمامة على الخليل بن شاذان»، وينظر كذلك تاريخ عمان المقتبس من كتاب كشف الغمة، ص 54، وما بعدها.
43 (1/43)
صفحة 44
يمتلكون رؤيتهم المذهبية الخاصة، وموقفهم السياسي المنفصل عن السياق العام، فلا مفرّ عندئذ من اللجوء إلى الداخل تعتمل فيه الاتجاهات، وتتباين فيه الرؤى بعيداً عما يجري في الخارج، فإذا كان هذا صحيحاً من حيث البعد المكاني والاقتناع بما هو موجود في الداخل، والاكتفاء بالمخزون الذاتي. أقول، إذا كان هذا صحيحاً بالنسبة لما سبق، فهل يصح من وجهة ثقافية أيضًا؟ بمعنى هل استتبع هذا الاكتفاء انقطاعاً ثقافياً ومعرفياً عما يجري في الخارج؟ إنَّ الإجابة المنهجية عن هذا السؤال تستدعي نَخْلاً شاملاً لمفاصل الحياة الثقافية في عمان تمتد لقرون، وهذا ليس موضعه هنا، كما أنه ليس بمكنة باحث واحد أن ينهض بهذا العمل الكبير، غير أنَّ التوقف عند محورين رئيسين من محاور الثقافة يمكن أن ينفخ الحياة في هذا الموضوع، ويوصل إلى نتائج يمكن الاطمئنان إليها بدرجة كبيرة، ونريد بالمحور الأول الطب والصيدلة، ونقصد بالمحور الثاني هذا الكتاب الذي بين أيدينا بحسبان أنه من أهم كتب (السلوك) التي وصلتنا، وقد اعتمد فيه مؤلفه على علوم مختلفة ما كان له أن يتبحّر فيها لولا تواصل ثقافي ملموس بينه وبين الخارج هيأ له الاطلاع على عشرات المصادر، سواء في التخصص الدقيق، أو فيما هو قريب منه كما سنرى؛ مما أتاح له تحرير
هذا الكتاب.
وقد درست في مناسبة سابقة حركة الطبّ والصيدلة في عمان من خلال عائلة علمية صرفت جهدها لهذين العلمين هي آل هاشم وقد وقف مطوّلاً عند أحد أعلامها الكبار وهو الطبيب الصيدلي راشد بن عميرة، ونخل تراثه العلمي الذي ما يزال مخطوطاً. ويقع بسبعة كتب، وتوصل إلى أنَّ هذا الطبيب ورث الطب والصيدلة عمّن سبقه، وأورثه مَنْ
جاء بعده، وكان يعتمد الملاحظة، والتجربة في عمله ممّا يشي بإفادته من المراكز الطبية في عصره، وقبله مثل، دمشق وبغداد والقاهرة، وفارس مع اطلاع كافٍ على المنجز العربي وغير العربي في الطب والصيدلة، ومصادرهما المعتبرة في هذين المجالين، ولذلك رأينا أسماء أعلام عربية وغير عربية، ومصادر عربية وغير عربية تتردّد في كتبه، وهو يفيد منها، ومن التجارب والملاحظات، ويردّ على بعض مَنْ سبقه في بعض الأحيان، ويضيف إليهم في أحيان أخرى مما يشير إلى تمكن ملحوظ، ورسوخ في هذين العلمين، ولا شكّ أنَّ توفّر تلك المصادر قد وفد من الخارج على هيئة المخطوطات مما يقطع بوجود تواصل قوي بين ذاك الخارج وهذا الداخل، ولم يمنع ذلك التواصل اختلاف في الرأي أو ابتعاد في المكان، فالحكمة هي الضالة المنشودة فلتؤخذ من منابعها، وهكذا كان.
44 (1/44)
صفحة 45
ويقال مثل ما سلف عن هذا الكتاب الذي يمكن اعتباره بامتياز ممثلاً لحركة التأليف في السلوك) بمصطلح القوم هنا، فليس الأمر تأليفاً وحسب، وإنما هو استعداد، واستكمال للأدوات، وأخذ بالعزم، وفي نص نادر ظفرت به في ثنايا المخطوط يشير الشيخ ناصر فيه إلى أنَّ ابن الفارض «قد توغل في علم اللغة، والمعاني، والبيان، والمنطق، والفلسفة، والبديع، والعروض، والنحو، وكفى بسبك نظمه، وجناسه دليلاً على ما قلناه»، أقول، إذا كان ابن الفارض قد توغل في تلك العلوم على حد قول الشيخ ناصر،، أفلا يحتاج كشف تلك العلوم والتنويه بها ومعرفة مواضعها إلى علم معادل، وتوغل مكافاء يكون بمكنته تحقيق ذلك الكشف؟ إنَّ الجواب المنهجي لن يأتي إلا بالإيجاب، والكتاب كله معرض رحب، وفضاء متسع يومئ إلى هذا الأمر، ويشير إليه، إذ نجد مفردات تلك العلوم ظاهرة مرة هكذا عياناً، ومستترة أخرى تدعم البناء العام للكتاب، ونضيف إلى ما ذكره الشيخ ناصر تفسير القرآن الكريم، والقراءات والحديث النبوي والتاريخ، والفلك، ويقف (التصوف) هناك، و (السلوك) هنا في مقدمة تلك العلوم، إذ نجد الشيخ مطلعاً على مصادره المعتبرة، وخابراً أسماء الصوفية الكبار، متتبعاً أخبارهم، وناقلاً الكثير من أقوالهم، هذا عن الظاهر، أما ما أشرنا إليه بالمستتر فنريد به تلك النظريات الفلسفية، والأقاويل الماورائية، والتصورات التي قامت عليها بنية التصوف بدءاً من السالك، وانتهاءً بالقطب، وبين الاثنين (سفر) شاق متنوع ذو أفانين. وقد دخلت تلك النظريات الفلسفية التصوف، وخصوصاً في طوره المتأخر مثل نظرية المثال الأفلاطونية، والفيض الأفلاطونية، والحقيقة المحمدية، وغيرها، إذ نجد الشيخ خبيراً بها، موظفاً إياها خير توظيف في بناء كتابه، ومجارياً ابن الفارض في تلاوينه الروحية، وتحولاته الوجدانية، أما المصطلح الصوفي فقد كان الباقعة فيه (والباقعة الداهية من الرجال الخبير بالأمر على حد قول الخليل في العين) أقول، كان الباقعة فيه من حيث إحاطته به، وتحركه الدقيق بين طبقات تأويلاته المختلفة، وقدرته على تمييز الفروق الدقيقة بين تلك الأفواج المتتابعة من المصطلحات، ولم يتهيأ له ذلك بغير اطلاع على مصادره، وتدقيق في مظانه، ولا تنبسط هذه العلوم ذلك البسط بغير مكتبة كبيرة قدمت له من الزاد، أوفره، ومن الثمر أنضجه، وأعانته على دخول عالم ابن الفارض المتسع الجنبات المتنوع المسالك بقدم ثابتة، وخطوة راسخة، وقد تحمّل المحقق إيضاح كلّه: الظاهر، والمستتر، رادّاً المعالجات إلى أصولها، وشارحاً المصطلح – وما أكثره –
ذلك
45 (1/45)
صفحة 46
الذي يوظفه الشيخ ناصر في سبيل تقريب النص، وتجلية مراميه.
وتأسيساً على ما تقدّم فإنَّ ما يقال عن عزلة ثقافية عانت منها الحياة الثقافية في عمان موضوع بحاجة إلى إعادة نظر جادّ وفق المقولات السابقة، والموضوع، بعد بحاجة إلى درس واستقصاء، غير أنَّ ما سلف قدّم شواهد لا تدفع عن (الوهم) الذي يقع فيه بعض الدارسين، وهم يطلقون الأحكام جزافاً، ومن الممكن أن يقال شيء قريب من هذا الكلام عن الجوانب الأخرى من تلك الحياة الثقافية – وهي كثيرة متنوعة – بغية استكمال الصورة، وتقديم المشهد بصورة متكاملة، وعند ذاك ستبدو هذه الصورة على غير ما استقر عند بعض الدارسين تماماً، بل ستظهر وهي مزدانة بالتفاعل، مجلّلة بالتواصل أخذاً بالشرائط الموضوعية لأي حياة فكرية أدبية تريد لنفسها البقاء، والاستمرار، ولم تكن الحياة الثقافية في عمان بعيدة عن ذلك البتة.
-7 -
كتاب (إيضاح نظم السلوك إلى حضرات ملك الملوك ثابت النسبة إلى الشيخ ناصر ابن أبي نبهان الخروصي، ولتحقيق هذه النسبة سلكنا ثلاثة طرق أولها نسبة الكتاب إلى الشيخ عند غير واحد من الباحثين قديماً وحديثاً، وثانيها تصريح الشيخ ناصر نفسه بنسبة الكتاب إليه، وثالثها
ورود عنوانه الصريح في ثنايا الكتاب نفسه، وسنقف عند كل واحد من هذه الطرق تفصيلاً. أما الطريق الأول فهو ورود نسبته إلى الشيخ ناصر عند جملة من العلماء، والباحثين قديماً وحديثاً فنرى ابن رزيق يسمّيه (كتاب تفسير نظم السلوك) (1)، وليس هناك من ضير في اختلاف التسمية؛ فهذه عادة قديمة درج عليها أصحاب كتب التراجم حين يسوقون الكتاب بعنوان، مختصر، مثال ذلك كتاب ابن قتيبة الدينوري (المتوفى سنة 276 للهجرة) في الدفاع عن العرب، ومجادلة الشعوبية فنرى ابن النديم يسميه (التسوية بين العرب والعجم)، ومثله القفطي، والذهبي، والصفدي، أمّا القاضي عياض فيسميه (كتاب العرب والعجم)، ومثله ابن فرحون وابن حجر، أما صاحب العقد الفريد فيسميه (كتاب تفضيل
(1) ينظر الفتح المبين، ص 132.
46 (1/46)
صفحة 47
العرب)، ويسميه صاحب الآثار الباقية (كتاب تفضيل العرب على العجم) (1)، فهذه أربعة عنوانات مختلفة، غير أنَّ الثابت في اسمه هو (فضل العرب والتنبيه على علومها)، ويقال مثل هذا عن كتب كثيرة أخرى (2) ليس هناك مجال التفصيل فيها، فابن رزيق يختار من العنوان الكامل كلمتين، ويضيف إليهما كلمة من عنده جرياً على العادة السابقة التي أشرنا إليها، ويتعرض الباحث سلطان بن محمد الحراصي (3) لهذا الكتاب، ويثبت نسبته إلى الشيخ ناصر اعتماداً على مخطوطته المحفوظة بوزارة التراث القومي والثقافة بسلطنة عُمان، كما يشير إليه الباحث إبراهيم بن يحيى العبري، ويؤكد نسبته إلى الشيخ ناصر اعتماداً على مخطوطته المحفوظة بمكتبة معالي السيد محمد بن أحمد البوسعيدي (4)، ويقطع فهرس مخطوطات وزارة التراث القومي والثقافة بهذه النسبة حيث يقول: «إيضاح نظم السلوك إلى حضرات ملك الملوك، الخروصي، ناصر بن جاعد بن خميس بن مبارك
بن أبي نبهان» (5)، فهذه الإشارات جميعها تؤكد هذه النسبة بما لا يدع مجالاً للشك. ويتمثل الطريق الثاني في تصريح الشيخ ناصر نفسه بنسبة الكتاب إليه؛ إذ جاء في نص نشرته تحت عنوان (نص في السلوك العُماني للمحقق الشيخ سعيد بن خلفان الخليلي، وهو من تلاميذ الشيخ ناصر كما مرَّ بنا، أقول جاء فيه أنّ المحقق الخليلي سأله عن المحبة بقوله: « ... وسألت الشيخ ناصر بن أبي نبهان عن محبة الله لعبده، فقال: محبة الله شرحها طويل، وقد ذكرناها في كتابنا الإخلاص بنور العلم والخلاص من الظلم، وذكرها الغزالي، وهي على أقسام ... وهذا يحتاج إلى شرح طويل جداً، وذكرنا في كتابنا شرح نظم السلوك إلى حضرات ملك الملوك، ولا يتضح بيانها إلا ببيان أقسامها، وأصلها» (6)، فها
(1) ينظر تفصيل هذا الموضوع في مقدمة تحقيق كتاب فضل العرب والتنبيه على علومها بتحقيقي، ص 10، وما بعدها. (2) ينظر مقدمة تحقيق فضل العرب، ص 11، وما بعدها. (3) ينظر (البعد الصوفي في الفكر الإباضي)، رسالة دكتوراه غير منشورة، الجامعة الإسلامية العالمية، ماليزيا، سنة 2007 م، ص 8. (4) تنظر مقدمة تحقيق كتاب (الإخلاص) للشيخ ناصر. رسالة ماجستير غير منشورة، كلية دار العلوم، سنة 1998. 19 م،
ص 73.
(5) ينظر فهرس مخطوطات الأدب، ص 108.
(6) الأدب في الخليج العربي، د. وليد محمود خالص، 3/ 441، ويضاف هنا أمر آخر هو أقرب إلى القرينة منه إلى الدليل، وهو تصريح الشيخ ناصر في ثنايا المخطوط باسم والده الشيخ أبي نبهان الله، وذلك حين يقول: «كما قال والدنا الشيخ أبو نبهان له في مرتبة التلوين»، ويسوق بيتاً من قصيدته الشهيرة (حياة المهج)، فهذا التصريح
47 (1/47)
صفحة 48
هو
الشيخ ناصر يوثق نسبة كتابين إليه لا كتاباً واحداً، أولهما كتاب (الإخلاص)، وثانيهما هذا الكتاب، وقد وصل كتاب الإخلاص)، أما هذا الكتاب فهو يصرّح بنسبته إليه، ويختار له عنواناً قريباً من التمام يؤكد ما ذكرناه سابقاً.
ويبقى الطريق الثالث، وهو ورود العنوان الصريح في المخطوطين، فإذا علمنا أن واحدة من النسختين هي بخط المؤلف نفسه وهي نسخة وزارة التراث، وهي الأقدم كما سنرى، أقول، إذا علمنا هذا أدركنا كم يحمل هذا التصريح من ثقة تامة، واطمئنان لا يداخله شك في هذه النسبة، فقد جاء في آخر مخطوط الوزارة ما يأتي: « ... وهذا آخر كتاب إيضاح نظم السلوك إلى حضرات ملك الملوك»، ويرد في ثنايا النسخة الثانية، وهي نسخة مكتبة معالي السيد محمد بن أحمد البوسعيدي ما نصه: « ... فأقول، وأنا عبد الرحمن ناصر بن أبي نبهان ... الباب الأول من الجزء الأول من كتاب إيضاح نظم السلوك إلى حضرة ملك الملوك»، ويرد النص نفسه في نسخة الوزارة هكذا: « ... فأقول، وأنا عبد الرحمن ناصر بن أبي نبهان ... الباب الأول من كتاب إيضاح نظم السلوك إلى حضرات ملك الملوك»، ويرد ثانية في هذه النسخة، وذلك حين يقول الشيخ ناصر نفسه: .... ولكن طلبني بعض من الأصحاب أن أجمع ذلك له فكان كما تراه وسمّيته كتاب إيضاح نظم السلوك إلى حضرات ملك الملوك». فكأنَّ هذه الإشارات جميعها تقطع بهذه النسبة التي نريد إثباتها، كما تقطع بالعنوان النهائي للكتاب ذلك الذي استخلصناه من واقع المخطوطين نفسهما، وممّا يضاف هنا أيضاً أنَّ الشيخ صرَّح في موضع آخر بالسبب الذي جعله يختار (حضرات) بدل (حضرة)، وذلك في قوله: « ... والمراد بجمع الحضرات احترازاً عن الوقوف عن السير دائماً بالسلوك من حضرة إلى حضرة، أعلى، وأقرب؛ لأنَّ ذلك من شرط سلوك صدق المحبة، وصحة التصوف». وعلى هذا يكون العنوان الذي اختاره الشيخ ناصر بنفسه هو (إيضاح نظم السلوك إلى حضرات ملك الملوك)، وهو ثابت النسبة إلى الشيخ ناصر بن أبي نبهان كما سقناه في الطرق الثلاثة.
يحمل في تضاعيفه ما يدعو إلى الاطمئنان أنَّ صاحب هذا الكتاب هو أحد أولاد أبي نبهان، فإذا تعانقت الأدلة
وصلنا إلى أنه الشيخ ناصر لا غير.
48 (1/48)
صفحة 49
-8 -
كان الاعتماد في تحقيق هذا الكتاب على نسختين مخطوطتين، جعلت الأولى (أمّاً)، وقوبلت الثانية على (الأم) الأولى، وهما تامتان لم ينقص منهما شيء إلا في بعض المواضع التي وقع فيها طمس لم يؤثر في القراءة كثيراً، وقد أعانت المقابلة على تجاوز هذا الطمس، وهذا بيان مفصل عنهما:
1 - النسخة الأولى، ورمزنا لها بـ (الأصل)، وهي محفوظة بوزارة التراث القومي والثقافة تحت رقم 1456/ 88، وعدد أوراقها مائة وتسع وأربعون ورقة، وهي نسخة نفيسة؛ لأنها نسخة المؤلف، إذ يرد ما يؤكد هذا في آخرها، وهو: وتاريخ تمام تأليفه ثامن رجب سنة 1243 بالردة من سمد نزوي»، كما يشير فهرس مخطوطات وزارة التراث إلى هذا بقوله: « .. المخطوط من نسخ المؤلف الذي ذكر مكان النسخ (1)، ومن المفيد أن نشير هنا إلى أنَّ السنة التي انتهى فيها الشيخ ناصر من تأليف هذا الكتاب ونسخه، وهي 1243 للهجرة هي السنة نفسها التي انتقل فيها من عمان إلى زنجبار، وبقي بها إلى أن توفاه الله كما رأينا.
وقد كُتبت هذه النسخة بخط أسود واضح معتاد، وكتب الشعر المشروح بخط أغلظ تمييزاً له عن الشرح كما جاء تسلسل المقدمات، والأبواب بخط أحمر إشارة إلى ابتداء كلام جديد، ويضم الوجه الواحد من الورقة خمسة وعشرين سطراً، مع ثماني عشرة كلمة في السطر الواحد على وجه التقريب، وهناك تآكل في بعض أطراف الأوراق، وطمس لعله من آثار الرطوبة وصل إلى بعض الكلمات فمسحها، وعلى العموم فهي نسخة جيدة مقروءة، ويكفي أنّها نسخة المؤلف ليضفي عليها أهمية، ونفاسة.
2 - النسخة الثانية، ورمزنا لها بـ (س)، وهي محفوظة بمكتبة معالي السيد محمد ابن أحمد البوسعيدي بالسيب، وهي أحدث من السابقة، إذ يعود تاريخ نسخها إلى سنة 1288 للهجرة، كما جاء في آخرها، وهذا نصه: «آخر كتاب نظم السلوك إلى حضرات ملك الملوك، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وصل اللهم على سيدنا محمد وآله وصحبه، وكان تمامه يوم الاثنين من نهار حادي من شهر شعبان من سنة 1288 على
(1) فهرس مخطوطات الأدب، ص 108.
49 (1/49)
صفحة 50
مهاجرها أفضل الصلاة والسلام، نسخه للشيخ والده، وصفيّ وده الثقة القاضي خلفان بن حاكم بن إسماعيل الحميري الإباضي، بقلم الحقير راجي رحمة ربه القدير أفقر خلق الله وأحوجهم إليه سالم بن علي بن ناصر بن علي الإسماعيلي بيده».
النسخة
وتقع هذه النسخة بأربعمائة وسبع وستين صفحة من القطع الكبير، وهي مكتوبة بخط أسود واضح معتاد، أما الأحمر فقد كُتب به تسلسل المقدمات والأبواب كالنسخة الأولى، كما كتب الشعر المشروح بخط أغلظ تمييزاً له عن الشرح كما هو عليه الحال في الأولى، وتضمّ الصفحة خمسة وعشرين سطراً، وأربع عشرة كلمة في السطر الواحد على وجه التقريب، ومما يميز هذه النسخة وضوح خطها، وخلوها من التآكل والطمس؛ إذ يبدو أنها قد حفظت بشكل جيد مما دعا إلى احتفاظها بالأصل الذي تركت عليه، وقد أعانت هذه النسخة على قراءة كثير من الكلمات المطموسة، وغير الواضحة في النسخة الأولى. ومن الضروري أن نشير إلى بعض الملاحظات التي أصبحت أقرب إلى الظاهرة في النسختين سواء في المضمون أم في رسم الكلمات، وهي:
1 - هناك سقط في الأم في ثلاثة مواضع أوله بمقدار عشرين ورقة، وثانيه بمقدار ورقتين، وثالثه بمقدار خمس، ورقات وكان الاعتماد في جبر هذا السقط على [س] وحدها، وقد أشير إلى ذلك في مواضعه.
2 - يشيع في [س] التصحيف والتحريف، وهما الآفتان اللتان ابتليت بهما المخطوطات العربية، وقدمت نسخة (الأصل) معونات جمّة في إصلاح ذلك التصحيف والتحريف، بالإضافة إلى الاجتهاد الشخصي، والاستضاءة بالسياق في اختيار رسم معيّن للكلمة، وقد أشير إلى ذلك كله في مواضعه.
3
تعمد النسختان إلى تسهيل الهمز مثل: بئر الجائزة الوسائل، تكتب هكذا: بير، الجائزة الوسائل، وقد أثبتنا ما هو متعارف عليه في الكتابة المعروفة اليوم.
4
- تعمد النسختان كذلك إلى ضروب من الكتابة تختلف عما هو متعارف عليه اليوم، وقد تمكنا من رصد ظاهرتين أولاهما إضافة الياء إلى الكلمة، وكانت الكسرة وحدها تكفي مثل (تجلتِ) تكتب (تجلّتي)، و (قضيتِ) تكتب (قضيتي)، وهكذا، وثانيهما استخدام ألف الإطلاق
50 (1/50)
صفحة 51
في مواضع من حقها أن تكون ألفاً مقصورة مثل (المني) تكتب (المنا)، و (القرى) تكتب (القرا)
وهكذا، وقد اعتمدنا ما هو متعارف عليه اليوم كما في النقطة السابقة.
5 - أنَّ يبدو أن الشيخ علله كان يثبت الآيات الكريمات من حفظه، ولذلك لاحظنا في الكثير منها تغييراً، وبتراً، وتقديماً، وتأخيراً، وقد أثبتنا الآيات بحروفها كما وردت في المصحف بلا إشارة إلى مواطن التغيير لسبب معروف هو اتفاق المسلمين جميعهم على مصحف واحد.
6 - يعمد المؤلف في كثير من المواضع إلى استخدام ظاهرة لغوية في اللهجة الأزدية وهي. أنَّ الفعل إذا أسند إلى ظاهر مثنى أو مجموع أتي فيه بعلامة تدلّ على التثنية أو الجمع (1)، مثل قولهم قاما الزيدان، وقاموا الزيدون، ولذلك تتردّد عنده عبارات مثل: (يعرفونه عواده) (استعانوا باسمه القاصدون) و (يسمونه أهل التصوف) و (يختلفون أهل الله)، وغيرها، ويقول ابن عقيل: .... وهذه اللغة القليلة هي التي يعبر عنها النحويون بلغة: أكلوني البراغيث ... فـ (البراغيث) فاعل أكلوني (2)؛ فلعل هذا من بقايا التأثر بتلك اللهجة سواء في الكلام أم في الكتابة، وهذا يثبت أنَّ هذه الكتب لا تقدّم فوائدها في العلم الذي اختصت به فقط بل تتعدّاه إلى فوائد لغوية، واجتماعية، وهو ما لحظناه في هذا
هذه هي
(
الكتاب، وأشرنا إليه في مواضعه. أهم الملاحظات التي رأينا إثباتها هنا، وهي تفتح الباب واسعاً لجملة من الدراسات سواء منها ما هو متعلّق بالأسلوب أو المجتمع، أم ما هو متعلق بـ (السلوك) نفسه، ولن تتحقق تلك الغايات بغير النظر الشامل إلى مؤلفات الشيخ ناصر الأخرى، و تقديم دراسات مفصلة عن تلك الجوانب التي أشرنا إليها.
-9 -
من الممكن تلخيص عملنا في هذا الكتاب بالنقاط الآتية:
(1) ينظر شرح ابن عقيل على الألفية، 2/ 80.
(2) شرح ابن عقيل على الألفية، 2/ 85، وقد لاحظ محقق كتاب (الإخلاص) هذا الأمر أيضاً في كتاب (الإخلاص)، مما يؤكد شيوع هذه الظاهرة في كتب الشيخ الأخرى، ينظر كتاب (الإخلاص)، ص 178.
51 (1/51)
صفحة 52
1 - تقديم قراءة سليمة للنسخة (الأم)، هي التي ارتضاها المؤلف لكتابه، وتمثلت هذه القراءة في إعادة نسخ هذه (الأم) مرة أخرى تمهيداً للمقابلة.
2 – مقابلة النسخة الثانية، وهي التي رمزنا لها بـ[س] على (الأم)، وإثبات الفروق في
الهوامش.
3 - عرض أبيات التائيتين على ديوان ابن الفارض المطبوع بتحقيق علمي، وإثبات الاختلافات في الهوامش، وقد أفادت هذه العملية في إثبات أن الشيخ لله كان يمتلك نسخاً مختلفة للديوان يوازن بينها، ويختار ما يستقر عليه من قراءات مختلفة للأبيات. 4 - ردّ الآيات الكريمة إلى مواضعها في سورها مع أرقامها.
5 - تخريج الأحاديث الشريفة، والآثار النبوية في كتب الحديث المعتمدة، ومصادر التصوف، والأدب.
6 - تخريج الشعر، وهو قليل جداً، وقد اعتمد المحقق على الديوان، أو المشهور من مصادر الشعر.
- الترجمة للأعلام ترجمات مختصرة مفيدة مع الإحالة إلى مصادر هذه التراجم، وأغفلت الترجمة للمشهورين منهم كالأنبياء عليهم السلام خشية أن تكون الترجمة في هذه الحال فضولاً وزيادة.
- تخريج الأقوال التي يستشهد بها المؤلف في ثنايا كتابه، وهي غالباً أقوال لكبار
الصوفية، وكان المعتمد في هذا التخريج مصادر التصوف المعتمدة في هذا المجال. 9 - تقديم شروح مختصرة وافية للمصطلح الصوفي الذي يوظفه المؤلف، وكان القصد من هذا العمل تقريب النّص إلى القارئ، ومعرفة المرامي البعيدة التي يريدها ابن الفارض، والشيخ ناصر معاً، وكان الاعتماد في ذلك الشرح على معاجم المصطلح الصوفي التي قدمت خدمة جليلة لهذا العمل من حيث جمع المصطلحات في مكان واحد، وتقديم آراء مختلفة في شرح المصطلح الواحد. 10 - تقديم شروح هي أقرب إلى التوضيح لبعض القضايا الكلامية، والفلسفية التي
52 (1/52)
صفحة 53
يعالجها المؤلف مع محاولة معرفة جذورها، وربطها بالسياق العام للفكرين الكلام الكلامي، والفلسفي عند المسلمين، مع التركيز على الفكر الذي يصدر منه الشيخ ناصر، وهو الفكر الإباضي، وقد اعتمدنا على المصادر الموثوقة في هذا العمل.
وأخيراً آمل أن أكون قد قدمت خدمة نافعة للتراث العماني عامة، وللتراث السلوكي خاصة، وهو يكرّر ما تبنّاه في مناسبات سابقة من ضرورة الاهتمام بمصنفات الشيخ ناصر الخروصي، وتراثه الفكري، والنظر بجد إلى الاتجاه السلوكي الذي مثله الشيخ جاعد بن خميس خير تمثيل لما فيه من خصوبة، وتجارب وجدانية عميقة، والتوجه إلى تبيان المؤثرات العامة في هذا الاتجاه سواء أكانت عربية أم غير عربية لما في هذا التبيان من تعميق لما أشرنا إليه سابقاً من نقض مقولة العزلة الثقافية، ولن يتحقق هذا كله إلا بتضافر الجهود المخلصة، والرؤية العلمية المنهجية في تناول ذلك الدرس، وعند ذاك يتجلّى الاعتناء بالتراث العماني في أجلى صوره قائماً على العلم والمنهج معاً.
ولا يفوتني في ختام هذه المقدمة أن أتقدم بوافر الشكر والتقدير إلى معالي السيد محمد بن أحمد البوسعيدي الموقر الذي فتح مكتبته العامرة أمام الباحث كي ينهل من معينها العذب، كما لم يتردّد في تلبية طلبي لتصوير النسخة من الكتاب التي تحتفظ بها المكتبة، وهذا ليس بغريب على سماحته، وسعة صدره، ودعمه المستمر للباحثين، كما أتقدم بوافر شكري إلى وزارة التراث والثقافة لتفضّلها بالموافقة على تصوير النسخة من الكتاب التي تحتفظ بها، كما أشكر المكتبة الرئيسة في جامعة السلطان قابوس، ولاسيما الأخوة الأفاضل في قاعة عمان إذ سهلوا عملي بما وضعوا تحت يدي من مصادر، ومراجع، كما أشكر الزملاء الكرام الذين أعانوني في إنجاز هذا العمل، وهم كثير، وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين.
***
53
د. وليد محمود خالص
شتاء
ء 2009 م (1/53)
صفحة 54
[صفحة فارغة] (1/54)
صفحة 55
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي أوجد جميع الموجودات دلالة على معرفته، وأوجد أجل وأشرف وأعلى وأفضل من كلّ ما أوجده العقل النوراني (1) وتعبّد به مَنْ تعبّده من عباده بعبادته، فكانت هي الأمر الأعظم والأعلى على شرف العقل وغيره، وهي المقصودة من الله الودود بإيجاد جميع الوجود، وكان العقل هو المخاطب (2) بوجوب معرفة ربّه المعبود، وبأداء طاعته بالإخلاص إليه بدينه الذي شرعه عليه عن ذاته التي هي العقل ومن جميع رعيته، وصل اللهم وسلم وبارك على أفضل مخلوق وأعظم موجد في كماله وسيادته الرسول الأعظم النبي الأكرم محمد الله وعلى آله وأصحابه وجميع رسل الله وأنبيائه وملائكته، وعلى جميع أولياء الله أهل حبّه وكرامته. أما بعد فأقول وأنا عبد الرحمن ناصر بن أبي نبهان: اعلم أنَّ الله خلق الملائكة لمحض السعادة وخلق الجن والإنس والشياطين للابتلاء والعبادة وخلق سائر الأشياء للدلالة والشهادة، فقال جلَّ وعلا: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (3)، وقال الله تعالى: سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (4)، وقال تعالى: {وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ (5)
(1) العقل النوراني: هو العقل الأول باصطلاح القوم، وهو «الحقيقة المحمدية في الخارج .. ... وهو ألطف الموجودات وأشرفها وأكملها؛ لأنه ظهر في مرآة الوجود الحق بلا واسطة فكانت حقيقة العقل كالحجاب على وجود الحقِّ، وكلّ مَنْ ينظر بعده في مرأة الحق فلا يرى إلا صورة العقل فهو أول الحجب الكونية»، ينظر موسوع عة مصطلحات التصوف الإسلامي د. رفيق العجم، ص 652، وسنرمز لها فيما بعد بموسوعة العجم، ومن المفيد أن نذكر هنا الشيخ ناصراً يفتتح كتابه (الإخلاص) بفاتحة مشابهة لما هو موجود هنا، ويخص العقل النوراني بالفضل
أنَّ
والمكانة، ينظر ص 161.
(2) يشير الشيخ ناصر هنا إلى ما ورد في المصادر من أن الله سبحانه لما خلق العقل قال له: مَنْ أنا؟ فسكت، فكحله بنور الوحدانية فقال: أنت الله، فلم يكن للعقل أن يعرف الله إلا بالله»، ينظر، اللمع، الطوسي، ص 63، والتعرف لمذهب أهل التصوف»، الكلاباذي، ص 39، وموسوعة العجم، ص 646 و 647.
(3) الذاريات، الآية 56.
(4) الحشر، الآية 1. (5) الإسراء، الآية 44.
55 (1/55)
صفحة 56
وقال في مثل نور معرفته ومحبته وإشراقهما في أعمال دينه من عبده الولي المخلص إليه بالحقِّ التقى: اللَّهُ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَوةِ فِيهَا مِصْبَاحُ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِى يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُبَرَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَّا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُّورُ عَلَى نُورٍ يَهْدِى اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَلَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عليم (1)، وروي عن النبي حاكياً عن ربه جل وعلا أنَّه قال (2): «كنتُ كنزاً لم أعرف فأحببت أن أعرف فخلقتُ خلقاً كي أعرف فبي كانوا وبي عرفوني. وما تقرب عبدي بشيء أحبّ إليّ ممّا افترضت عليه، وإذا تقرّب منّي عبدي بفرائضي وبالنوافل شبراً تقربت منه ذراعاً وإن تقرب مني ذراعاً تقربت منه باعاً وإن أتاني يمشي أتيته أهرول، ولا يزال يتقرب
إليّ بفرائضي وبالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته تولّيت أمره وكنت سمعه الذي يسمع وبصره الذي يبصر به ولسانه الذي يتكلّم بها ويده التي يبطش بها، وما وسعني أرضي ولا سمواتي ووسعني قلب عبدي المؤمن، وإنّي عند المنكسرة قلوبهم» (3). فظهر من هذا الكلام المروي عن الله الملك العليّ من العِلم الظاهر الجليّ، ومن العلم الباطن الخفي ما لو شُرح لطبق العالم به علماً ودارت جميع بحور العلم المتجلّي به المولى العظيم سبحانه الله على عباده وعلى الوجود بأسره على قطب معناه من مكاشفته وطريقته وحقيقته وشريعته. ولنشر (4) إلى بعض منها: الأول يدلّ على أنَّ الله تعالى عالم الغيب والشهادة لم يخلق الخلق إلا لأجل العبادة كما شاءها من عباده.
الوجه الثاني يدلّ على أنَّ العبادة له جلَّ جلاله على ثلاثة أقسام: كشفي وهو علم
(1) النور، الآية 35. (2) يذهب د. محمد مصطفى حلمي إلى أنّ الصوفية استغلت هذا الحديث استغلالاً خصباً، ولا يبعد أن يكون ابن الفارض قد استغله مثلهم في قصيدته الخمرية، وفي بعض أبيات التائية الكبرى، حيث اتخذ من حب الله لأن يُعرف موضوعاً لهذه الأبيات، وتلك القصيدة»، ينظر كتابه ابن الفارض والحبّ الإلهي، ص 173، وينظر كذلك عن هذا الحديث كتاب [عطف الألف المألوف على اللام المعطوف]، الديلمي، ص 25، وما بعدها عن كتاب الشعر الصوفي حتى أفول مدرسة بغداد، عدنان حسين العوادي، ص 179. (3) يرد الحديث القدسي بروايات مختلفة، ينظر عنها: الأحاديث القدسية، إعداد وتدقيق جمال محمد الشقيري، ص 29، وما بعدها، والحديث نفسه ذائع في كتب المتصوفة، وقريب منه ما ورد في صحيح البخاري،، وصحيح مسلم 2675، ويعلّق النووي شارح صحيح مسلم بقوله: «هذا الحديث من أحاديث الصفات، ويستحيل إرادة ظاهره ... ومعناه: مَنْ تقرّب إليّ بطاعتي تقربت إليه برحمتي والتوفيق والإعانة، وإن زاد زدت»، وينظر كذلك كتاب السير والسلوك، قاسم الخاني، ص 196، وفيه مزيد من التخريج. (4) في المخطوطين: [ولنشير].
7405
علي
56 (1/56)
صفحة 57
التوحيد، وعلم المآل، وعلم الدلالة: [وكل قـ] (1)
والقسم [الثاني] (2): الحقيقة وهو علم الباطن.
والقسم الثالث: الشريعة.
سم
منها
وكلّ قسم من هذه الأقسام [و] الثلاثة هو منقسم إلى أربعة أركان: [او]
الركن الأول: هو ما لا يسع المرء اعتقاده، ولا يسعه إلا اعتقاده، أو لا يسعه أن يتركه، أو لا يسعه إلا تركه والرجوع عنه، وهذا هو الركن الواجب الفرضي الذي إن قام به المرء سلم ونجا، وله القرب من الله والثواب كان بقوة حبّ أو بغير قوة حبّ فإنَّ الله مستحق للعبادة، ومَنْ تركه وعصاه فيه بغير عذر هلك وتردّى وعليه السخط والعقاب وما سوى
ذلك فهو دونه.
والركن الثاني: ترك المنهي عنه من غير تحريم والعمل بالمندوب من غير إيجاب للعمل
والركن الثالث: الرأي الموكول إلى العلماء بالنظر إلى الأعدل والأهزل والعمل بالأفضل، فقد يكون الأفضل العمل بالأهزل في الآراء إذا كان في النظر أنَّ العمل به أورع إلا أنَّه لا في الحكم بين الخصماء بل فيما يكون إليه النظر في العمل به أو مَنْ ولاه أمره في الاستحباب ولا يخطاء فيه غيره ولا يدين برأيه.
والركن الرابع: الوسائل من الأعمال أو بترك المباحات إلا أنَّه فيما يؤجر فيه بتركه من غير إفراط مجاوزة الحدّ إلا ما لا أجر فيه ولا تفريط في تساهل.
وأعظم الوسائل النهضة العلية لإقامة الدين حتى تكون كلمة الله هي العليا وكلمة الذين كفروا السفلى، وكذلك تجويد الفرائض وترقيها بالمحاسن الكمالية، وما كان القرب به إلى الله أعظم كتعليم العلم الشرعي والحقيقة والطريقة والتقرب به إلى الله تعالى. والوسائل على (3) ثلاث طرق: طريقة وسائل الشريعة وطريقة وسائل التجريد من
(1) ما بين المعقوفين مطموس في الأصل، والزيادة من س. (2) ما بين المعقوفين ساقط في س، والزيادة من الأصل.
(3) في س: [على] بدل [إلى].
57 (1/57)
صفحة 58
الحقيقة، وطريقة المكاشفة براية المحبة.
فأما
علم الشريعة وأقسامها فقد تكفّل كثير من العلماء بتشريحها.
وأما علم الحقيقة وطريقة وسائل التجريد وطريقة المكاشفة براية المحبة فأقل بياناً، وإن تكلّم فيهما بعض العلماء نثراً ونظماً فكلامهم أشدّ غموضاً من كلام العلماء في علم الشريعة الظاهرة.
عمر
وهي
[بيان] (1) وأقوى وأجلّ وأشرف نظم عرفناه في هذا العلم نظم الشيخ العارف أبي حفص بن الشيخ أبي الحسن علي بن المرشد بن علي الحموي نسباً والمصري مولداً. ولد في آخر الرابع من شهر ذي القعدة سنة 577 (2) بالقاهرة، وتوفي في الثاني من شهر جمادى الآخر سنة 632، وهو المعروف بابن الفارض، وأعظم ما نظمه في العلم منظومته التائية (3) التي سمّاها [نظم السلوك إلى حضرة ملك الملوك]، وكلمة حضرات نحن اخترناها وإلا فهو سمّاها إلى خدمة ملك الملوك، وركب جميع كلامه (4) فيها على هذه الرواية المروّية التي حكاها رسول الله عن الله تعالى وجعل قاعدتها ومنتهاها في شرح ثلاثة أسماء الله تعالى من أسماء ذاته، وصفة رابعة من صفات ذاته جلّ وعلا وهي: السميع والبصير والقدير، ولم يزل متكلّماً، وقال: وهذه بلا آلة التعريف هي صفات ذات المرء التي هي عقله، فهو سميع بصير قدير متكلم، وجعل الله تعالى هذه الذات وأنها هي في الحقيقة سميعة بصيرة متكلمة قديرة وبها كان العقل عقلاً. فأما السمع فمظهره الأذن، وأما البصر فمظهره العين، وأما الكلام فمظهره اللسان، وأما القدرة فمظهرها اليد لقوله تعالى: {وَالسَّمَوَاتُ مَطْوِيَّتُ بِيَمِينِهِ (5)، وقوله تعالى: {يَدُ اللهِ} (6)، أي قدرته وقوته
(1) ما بين المعقوفين ساقط في س.
(2) في مقدمة الديوان أنّ مولده في سنة 576 للهجرة، وينظر كتاب [ابن الفارض والحبّ الإلهي]، د. محمد مصطفى حلمي، ص 8 28، وما بعدها، ففيه تفصيل وافٍ عن حياته، والاختلاف في سنة مولده.
(3) يريد بها التائية الكبرى. (4) ينظر تفصيل هذا الموضوع في [تائية ابن الفارض وشروحها في العربية]، عبد الخالق محمود عبد الخالق، رسالة ماجستير غير منشورة، جامعة القاهرة، سنة 1971، الباب الثالث، الفصل الأول.
(5) الزمر، الآية 67.
(6) الفتح، الآية 10.
58 (1/58)
صفحة 59
فوق قدرتهم وقوتهم، وإن كانت القدرة تحتاج لها [العين])، وتحتاج الأذن ولكن يمكن أن يكون قديراً للسمع والبصر ولا يقدر على البطش أو بالعكس، وأما الشم واللمس [1] ببقية الجسد، وباليد أيضاً ففي الحقيقة كلّه من حاسة اللمس؛ لأنَّ الذوق لا يصح إلا بعد أن يلمس المذاق بفمه، والشمّ لا يصح إلا بعد أن يمسس لطيف الرائحة والج أنفه فيكون كلّ ذلك من فعل قدرة الذات على ذلك، ونكتفي بذكر اليد عنه فصح أن أسماء ذات المرء أربعة فافهم.
واعلم أنّي لما نظرت إلى منظومة هذا الشيخ واعتبرت معانيها فكنت كلّما لاح لي معنى من معاني شيء من بيوتها وسمت تحته بأشدّ إيجاز تذكرة (2) لنفسي لئلا يغيب عليّ حين أهمل أمرها، ولم يكن القصد ليكون كتاباً باقياً، بعدي، ولم أرسم غير تقدير لفظ البيت بمعناه وهو الذي قصدت بيانه لنفسي لأشرح المعاني، فإنّه لو شرح كل بيت ما يحتمله من المعاني لأفضى إلى مجلدات كثيرة، وللحق قارئه الملل (3).
وكثير من المفسرين يفسرون النظم معناه ولم يمزجوه بتقدير لفظ بعينه فيه حتى إذا أتمّ التفسير لم يقدر أن يقدّر ألفاظ ذلك البيت بذلك المعنى. والمثال في ذلك قول القائل: إنّي حريص بك وحريص عليك، فيعرف معنى الحريص أنه شديد الشفقة والضنانة بالشيء، ولكن لو قدرت معنى حريص بمعنى شفيق وضنين لم يتقدّر إلا شفيق بك وضنين بك، وتعذر عليه تقديره بعليك. فإذا أراد أن يقدّره بعليك فيكون شفيق ضنين ولشدة شفقتي بك وضنانتي بك لم أزل خائفاً عليك أن يصيبك ما أكرهه فيك فيكون معنى حريص عليك شفقة وضنانة معها خوف. وهكذا صفة مزج المعنى بتقدير ألفاظه وهو الذي طلبت نفسي معرفته من نظم هذا الناظم في منظومته، ولعلَّ الفَطِن تلوح له المعاني إذا انفتح له
التقدير.
(1) ما بين المعقوفين مطموس في الأصل، والزيادة من س. (2) يكرر الشيخ في مواضع كثيرة من الكتاب أنَّ هذا الشرح ليس كتاباً، بل هو تذكرة له، وهذا هو الموضع الأول، وفيه من تواضع العلماء، وتبينهم النقص في أنفسهم الشيء الكثير.
(3) يشير الشيخ ناصر هنا إلى عمق القصيدة واحتياجها إلى شرح طويل مبسوط مما يستغرق مجلدات، وهو أمر نراه ماثلاً في ديباجة ديوان ابن الفارض حين يسأله أحد أكابر علماء زمانه أن يأذن له في شرح التائية فيسأله ابن الفارض: في كم مجلد تشرحها؟ فقال: في مجلدين، فيتبسّم ابن الفارض ويقول: لو شئت لشرحت كل بيت منها
في مجلدين، ينظر الديوان، ص 82.
59 (1/59)
صفحة 60
وقد شرح بعض من تلامذة تلميذ (1) الناظم بشرح سماوي أغمض معاني شرحه أشدّ غموضاً من معاني النظم وأبعد على الفهم بأضعاف مضاعفة، فصار كأنه لا فائدة فيه إلاّ للعارف لمعاني النظم (2)، والعارفُ لمعاني النظم غير محتاج إلى الشرح فسهلته بألفاظ قريبة، ولم أرد أن أورد معانيه التي أوردها للخلاف الذي بيننا (3) وبينهم فاخترعت لها معاني ظاهرة بينة موافقة للاستقامة؛ لأنَّ النظم يحتملها في التأويل، وما لا يصح في ميزان الاستقامة فليسه بتأويل لكلام يحتمل أن يؤول على طريقة العدل.
واعلم أنَّ لها تأويل باطن خفيّ علوي سماوي روحاني، وتأويل ظاهر جلي جسداني، ونحن اكتفينا بالجلي الظاهر الممكن فهمه بالغالب من العقول السليمة، وأعرضنا عن الباطن الذي ربّما إذا وقف عليه الغالب من المتعلمين تقصر عقولهم فإما أن يصوّروا ما لا يجوز، وإما أن يسيئوا بنا ظناً، وقال النبي وقال النبي: أعطاني ربّي ثلاثة علوم: علم أمرت بتبليغه وهو علم دينه تعالى، وعلم خُيّرت بين كشفه وكتمانه وهو علم الحقائق، وعلم أخذ عليَّ بكتمانه، وكلّ ذلك في الكتاب المبين (4). أما ما أُمر بتبليغه فقوله: {لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِهِ، وَلَوْ كَرِهَ
كما
(1) لا يصرّح الشيخ ناصر هنا باسم هذا التلميذ، أو هؤلاء التلاميذ. الن يصرّح باسمه في ثنايا الشرح: غير أن أقدم شرح وصل إلينا للتائية الكبرى هو شرح محمد بن أحمد الفرغاني المتوفى سنة 699 للهجرة، ولم يرد في المصادر أنه كان تلميذاً مباشراً لبعض تلامذة ابن الفارض على حد قول الشيخ ناصر، غير أنه كان تلميذاً من تلاميذ الصدر القونوي المتوفى سنة 672 للهجرة، وكان القونوي نفسه تلميذاً لابن عربي | الصوفي المعروف، ولعل التلمذة المقصودة بعبارة الشيخ ناصر هي الموافقة في الطريقة والمنهج، وعند هذا يصح ما ذهب إليه، فإذا علمنا أن شرح الفرغاني شرح صوفي تغلب عليه نزعتهم، ومصطلحهم ترجّح لدينا أن المقصود هو شرح
الفرغاني الذي يشير الشيخ ناصر إليه.
(2) يقول د. مصطفى حلمي: « ... إن بعض الشارحين لم يسلم من الجموح والشطط، ومسايرة الهوى، والذهاب في تأويل كثير من الألفاظ تأويلاً هو أبعد ما يكون عن المعاني التي تنطوي عليها، والمقاصد التي ترمي إليها»،
ينظر ابن الفارض والحب الإلهي، ص 95، ومن هنا تأتي أهمية شرح الشيخ ناصر الذي سيحدّد منهجه في
هذا
الشرح معتمداً على ثقافته الواسعة من جهة، ورغبته في الكشف عن أسرار هذه القصيدة بعبارة واضحة من جهة
أخرى.
(3) لعل الشيخ يريد الخلاف هنا سلوكه منهجاً مختلفاً عن أولئك الشراح السابقين الذين جعلوا الغموض سبيلهم وهم يشرحون القصيدة، أو إنَّه تنكب طرق شرحهم للاختلاف المذهبي بينه وبينهم، فاختط لنفسه طريقاً يوافق مذهبه وهو بهذا منسجم مع نفسه تماماً. (4) ينظر إحياء علوم الدين الغزالي، 20/ 1، وفيه كلام مفصل عن.
هذا الموضوع.
60 (1/60)
صفحة 61
الْمُشْرِكُونَ (1)، وأما المخيّر فيه فقوله تعالى: {سَنُرِيهِمْ آيَتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ (2) الآية. وأما المكتوم فكقوله تعالى: {وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي) (3)، {وَيَسْتَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ (4)
الآية.
الله
واعلم أنَّ التوراة كلها مكشوف فيها، وكذلك الإنجيل، ولم يحيطوا بفهمه فضلوا. وأمّا كتاب الله والسنة فأورد كلّ منهما العلم الباطني بطريق الإشارات ليعرض عنهما مَنْ عجز فهمه عن إدراكها، ويغوص فيها [من أراد (5) الله أن يكاشفه بما شاء من ذلك، ولذلك اكتفينا بإيضاح جليّ الجلي دون الجلي والخفي، ومن [2 و] توغل فإنَّه يلوح له من باطن ما نورده فإنه يكون له كالإقليد (6) فافهم. واعلم أنّ الشيخ بدأ بنظم السلوك من غير أوله بل من مراتبه العلية بقوله: سقتني، وأوهمت صحبي، وهو قصد نظم السلوك إلى الله تعالى كلّه فكان ابتداء سلوك صحبه الذين ذكرهم لم يأت ابتداء سلوكهم، وعرف أنه كان ينبغي له غير ذلك فعمل لها رأساً، وبدأ بالسلوك من أوله في مائة بيت وثلاثة أبيات (7) للمواصلة، ونحن أحببنا أن نبتدي بإيضاحه من أوله، وأشار علينا بعض الأخوان بترك الكتاب لمن يأتي، ويشاء النظر إليه فأجبته وجمعته، وسمّيته كتاب [إيضاح نظم السلوك إلى حضرات ملك الملوك].
وجزيته ثلاثة أجزاء:
(1) التوبة، الآية 33. (2) فصلت، الآية 53.
(3) الحجر، الآية 29.
(4) الإسراء، الآية 85.
(5) ما بين المعقوفين مطموس في الأصل، والزيادة من
(6) الإقليد هو المفتاح،
(7) وهي القصيدة المسماة [التائية الصغرى]، وهي في الديوان - كما ذكر الشيخ هنا - مائة وثلاثة أبيات، ينظر ديوان ابن الفارض، ص 71، وما بعدها، ومن الضروري الإشارة هنا إلى أنه تبعاً لكلام الشيخ في المتن فإنّه يجعل من التائيتين شيئاً واحداً، بمعنى أنّ الصغرى أشبه بالتمهيد للكبرى، ولا يمكن فهم طريق سلوكه حين نعزل الأولى عن الثانية أو العكس، وهو أمر جديد لم نجده عند شراح شعر ابن الفارض - على كثرتهم – من قبل، وقد فصلنا الحديث عن هذا الأمر في ا المقدمة.
61 (1/61)
صفحة 62
الأول: في تخليص النفس والروح إلى مراتب الكمال (1) براية محبة المريدين (2). والثاني: في كمال النبي براية محبّة المرادين (3) وفي التوحيد لله المجيد. والثالث: في مقامات (4) الحقيقة، وفي التوحيد، وكمال النبي
ورتبته أبواباً، وقسمت الأبواب فصولاً وجاء كتاباً.
وترتيب الأبواب سبعة وعشرون باباً كما ترى.
الباب الأول: في الانتباه من رقدة الجهالة وسنة الغفلة، وفي التخليص ممّا يجب، أو يستحب له التخليص منه، وترك ما يجب، أو يستحب له تركه، والقيام بما يجب أو يستحب له القيام به، والسلوك بعد ذلك إلى المكاشفة (5) بمشاهدة الحضرات الإلهية (6) و اختلاف بدايات مبتدين إلى هذا السلوك الحبّي براية المحبة الإلهية.
(1) مراتب الكمال هي أعلى المراتب في العبودية لله، ويكون صاحبها من أهل الشهود والعرفان، والوصول إلى الله تعالى، قائماً بوظائف ربوبيته سبحانه ظاهراً وباطناً، بعد أن أغلق جميع الأبواب على شيطانه، ولم يجعل له عليه سلطاناً، ينظر موسوعة العجم، ص 858 - 859. (2) المريد: هو من انقطع إلى الله تعالى عن نظر واستبصار، وتجرّد عن إرادته لما علم أنه ما يقع في الوجود إلا ما يريده الله تعالى، لا ما يريده غيره فيمحو إرادته فلا يريد إلا ما يريده الحق، ينظر الموسوع عة الصوفية، د. عبد المنعم الحفني، ص 953، وسنرمز لها فيما بعد بموسوعة الحفني.
(3) المراد: هو العارف الذي لم تبق له إرادة، وقد وصل إلى النهايات وعبر الأحوال والمقامات والمقاصد والإرادات، فهو إذن في مرتبة فوق المريد، وجعله بعضهم في مرتبة واحدة على اعتبار أنه لو لم يكن مراد الله عزّ
وجل بأن يريده لم يكن مريداً أصلاً، ينظر موسوعة العجم، ص 867، وموسوعة الحفني، ص 950. (4) المقامات: مفردها مقام وهي طريق الطالب وموضعه في محلّ الاجتهاد، وتكون درجته بمقدار اكتسابه في حضرة الحق تعالى، وشرط المقامات أن لا يرتقي من مقام إلى مقام إذا لم يستوف أحكام ذلك المقام، والمقامات مثل التوبة، والورع، والزهد، والفقر، والزهد، وأوصلها بعضهم إلى مائة مقام وتزيد، ينظر موسوعة العجم، ص 917، سوعة الحفني، ص 963.
وموسو
(5) المكاشفة: حضور القلب بنعت البيان، فيكشف له الله عزَّ وجلَّ ما يستتر على الفهم كأنه رآه رأي عين، وهي ثلاثة أوجه: مكاشفة العيان بالأبصار يوم القيامة، ومكاشفة القلوب بحقائق الإيمان بمباشرة اليقين بلا كيف ولا حد، ومكاشفة الآيات بإظهار القدرة للأنبياء بالمعجزات ولغيرهم بالكرامات والإجابات، ينظر موسوعة العجم، ص 930، وموسوعة الحفني، ص 965، وسنرى أنَّ الشيخ سيفصل الحديث عن هذا الموضوع فيما بعد و وجه المكاشفة الأول وهو [الرؤية] لرأيه المختلف فيها. (6) الحضرات الإلهية هي | المراتب الكلية وتسمى عوالم وحضرات، وهي مظاهر ومجالي للحقائق المنسوبة إلى الحق سبحانه، وهي خمس حضرات ينظر موسوعة العجم، ص 289.
وخصوصاً
62 (1/62)
صفحة 63
الباب الثاني: في المكاشفة بمشاهدة جمال المحبوب المحبة الإلهية والحضرة الإلهية بالرؤية المنامية والتخليص بنوافل التجريد (1) من الصفات الجلية براية المحبة الإلهية.
الباب الثالث: في الاتصال بالمحبوب بوقفة المواقفة في طريق مكة على عجلة قضاء مناسك الحج تمثيلاً، وتصفية النفس من جميع صفاتها، وتصفية الأعمال الإيمانية بنوافل التصفية براية المحبة الإلهية.
الباب الرابع: في الوصال بمشاهدة جمال الحضرة الإلهية وتصفيته من الأغيار والحظوظ براية الطور الأول الحبّي الراجع إلى المحب بالسفر (2) الأول: سفر النفس بمشاهدة الحضرات الظاهرية الفعلية الإلهية براية المحبة الإلهية.
الباب الخامس: في خلاص المحبة للمحبوب وإخلاصها لمن له الجمال المطلق وتخليص النفس من جميع الحظوظ الحقيقة، وتجريد النفس من حبّ ذاتها إلى جمال الحضرة الإلهية براية المحبة الإلهية.
الباب السادس: في سفر الروح، وهو السفر الثاني بمشاهدة الحضرات الباطنة الأسمائية الإلهية براية المحبة الإلهية.
الباب السابع: في الحث على السلوك وما يستحبّ له أن يتجرّد منه فيه براية المحبة الإلهية. الباب الثامن في مرتبة الصحو (3) بعد المحو (4) ودرجة التمكين (5) بعد التلوين (6)
(1) التجريد: هو خلوّ قلب العبد وسره عما سوى الله، بمعنى أن يتجرد بظاهره عن الأعراض، وبباطنه عن الأعواض، وهو ألا يأخذ من عرض الدنيا شيئاً، ولا يطلب عما ترك منها عوضاً من عاجل ولا آجل، بل يفعل ذلك لوجوب حق الله تعالى لا لعلّة غيره، ولا لسبب سواه، ينظر موسوعة الحفني، ص 678. (2) السفر: في اصطلاح القوم توجّه القلب إلى الحق سبحانه، وهو أربعة أنواع سيشرحها الشيخ شرحاً مفصلاً، ينظر موسوعة الحفني، ص 794.
(3) الصحو: رجوع العارف إلى الإحساس بعد الغيبة، وهو صحوان: صحو غفلة، وصحو محبة، ومن المؤكد أن الشيخ يريد هنا الصحو الثاني، ينظر عن الصحو موسوعة الحفني، ص 826.
(4) المحو: رفع أوصاف العادة بحيث يغيب العبد عندها عن عقله، ويحصل منه أفعال وأقوال لا مدخل لعقله فيها كالسكر، ينظر موسوعة الحفني، ص 947. (5) التمكين: هو مقام الرسوخ والاستقرار على الاستقامة، وما دام العبد في الطريق فهو صاحب تلوين، يعني يتغير ويتحول، لأنه يرتقي من حال إلى حال، وينتقل من وصف إلى وصف، فإذا وصل واتصل فقد حصل التمكين، يعني استقر وسكن، ينظر موسوعة الحفني، ص 690.
(6) التلوين هو تلوّن العبد في أحواله، ومعناه التغيير، وهو يحصل قبل التمكين السابق، ينظر موسوعة الحفني، ص 689.
63 (1/63)
صفحة 64
وحضرة الجمع (1) براية المحبة الإلهية.
الباب التاسع: في سفر النفس والروح معاً، وهو السفر الثالث آخر مراتب السالكين إلى حضرات جمع الجمع الظاهرية والباطنية براية المحبة الإلهية.
الباب العاشر: في الجمال الإلهي والمحبة الإلهية ومحبة المشاهد إليه بالمحبة الإلهية.
وهي
الباب الحادي عشر: في الرجوع إلى الشريعة التي لا يصح كمال الحقيقة إلا بها (2) من الحقيقة في الحقيقة وذلك في حين القيام في مقامات حضرات جمع الجمع، أو دونها براية المحبة [الإلهية]. (3)
الباب الثاني عشر: وهو [الجزء الثاني] من الكتاب في سفر النبي بالطور الثالث الحلبي الإلهي] [2] وهو السفر الرابع المخصوص به (5)، وفيه بيان شيء من التوحيد والمعرفة المختص بهما رسول الله صلى الله عليه وسلم وذلك براية المحبة الإلهية.
الباب الثالث عشر: فيما يذكر في مبدأ سيره في سفره الرابع المخصوص به من حيث نفسه وظاهر وجوده للتحقيق بحقيقة التوحيد والمعرفة المتعلقين بحضرة أحدية (6) لإعطاء حق الربوبية من عبوديته بلسان حال مقامه براية المحبة الإلهية.
الجمع
الباب الرابع عشر: في ذكره لما رآه في
سير
باطنه، ومبدأ سيره الباطني إلى حضرة
(1) حضرة الجمع: هي واحدة من الحضرات الخمس التي أشرنا إليها فيما سبق، وهي الحضرة الجامعة للحضرات الأربع السابقة، وهي الحضرة الواحدية، وتسمى حقيقة الحقائق وحضرة الوجود، ينظر موسوعة الحفني،
ص 720.
(2) ارتباط الحقيقة بالشريعة أمر مفروغ منه عند القوم، وقد بحثنا هذا بتفصيل في المقدمة.
(3) ما بين المعقوفين مطموس في الأصل، والزيادة من س. (4) ما بين المعقوفين مطموس في الأصل، والزيادة من س.
(5) خص الشيخ هنا رسول الله الله بهذا السفر لمنزلة الرسول الكبرى من جهة، والمشقة التي يتحملها المسافر فيه من جهة أخرى، وهو ما لا ينهض به سوي رسول الله.
(6) الأحدية مجلى ذاتي، ليس للأسماء ولا للصفات ولا لشيء من مؤثراتها فيها ظهور، فهي اسم لصرافة الذات المجردة عن الاعتبارات الحقية والخلقية، وليس لتجلّي الأحدية في الأكوان مظهر أتم من ذلك إذا استغرق العبد في ذاته، ونسي اعتباراته، لكان هو. في هو من غير أن ينسب إلى نفسه شيئاً ممّا يستحقه. من الأوصاف الحقية، أو مما هو له من النعوت الخلقية، فهذه الحالة من الإنسان أتمّ مظهر للأحدية في الأكوان، وهي بهذا الاعتبار يمتنع الاتصاف بها للمخلوق لأنه محكوم عليه بهذه المخلوقية، أما أحدية الجمع فاعتبارها من.
64
630,
إسقاطها ولا إثباتها، ينظر موسوع رعة الحفني،
ص (1/64)
صفحة 65
أحدية جمع الجمع، وفي المحبة الإلهية، وفي التوحيد المتعلّق بهذا المبتدأ بلسان حال مقامه براية المحبة الإلهية.
الباب الخامس عشر في التوحيد المتوسط بين الجلي والخفيّ المتكمّل به مقامه
المكاشف به في سفره الرابع بلسان حال مقامه وكماله براية المحبة الإلهية. الباب السادس عشر: في المحو والصحو المحمدي الأحمدي ونتائجهما له، وفي التوحيد براية المحبة الإلهية.
الباب السابع عشر: في ذكر جمال الجلال الإلهي وجلال الجمال الإلهي ومشاهدته إليهما في مبدأ كشف التجلي الأحدي الجمعي إليه وذكر انتهاء أثر التمكين المختص بمقام الأكملية الأحمدية، وفي التدلّه والاندهاش برؤية الجمال بلسان كماله ومقامه براية المحبة الإلهية.
الباب الثامن عشر في اتحاد كماله بالمشاهدة لكمال الله تعالى بالتوحيد الحقيقي بلسان مقامه براية المحبة الإلهية. الباب التاسع عشر: [والجزء الثالث] من الكتاب في التوحيد بمعرفة الذات الإنسانية وفي مقامات الحقيقة والسلوك فيها براية المحبة الإلهية. الباب العشرون: فيما نبَّأ به حال الكمال المحمدي ومقامه في حضرة أحدية الجمع بتحقيقه حقائق التوحيد في مشاهدته براية المحبة الإلهية. الباب الحادي والعشرون: في بيان ظهور المعجزات أنها كلها من فيض كمال حضرة جمع الجمع، وحضرة أحدية جمع الجمع للواصلين إليها براية المحبة الإلهية.
جمع
الباب الثاني والعشرون: في الإرشاد إلى الراية بالمحبة الإلهية. الباب الثالث والعشرون في الإرشاد إلى مكاشفة التوحيد بمكاشفة أحوال اللاهي المشعبذ والراية إلى المكاشفة براية المحبة الإلهية.
الباب الرابع والعشرون في خطاب الكمال الإلهي للنبي، وكمال حبّه بالمحبة
الإلهية.
65 (1/65)
صفحة 66
الباب الخامس والعشرون: في بناء كمال النبي، وبناء مقامه عن أحواله فيهما وعن کماله في المحبة الإلهية. الباب السادس والعشرون: في توحيد الجمال والكمال الإلهي في كلّ شيء ومشاهدة جمالهما وجلالهما في كلّ شيء براية المحبة الإلهية.
الباب السابع والعشرون: وهو الخاتم لكتاب [إيضاح نظم السلوك إلى حضرات ملك الملوك].
وآخر الجزء الثالث منه في التنبيه على التوحيد الإلهي وعلى [تكميل] (1) النفس بالكمال الإلهي براية المحبة الإلهية.
وهي
واعلم أنَّ كلّ محبة في ذات المرء لا تطلب إلا كمال الله ورضاه، ولم يزغ صاحبها عن طريق الاستقامة والحقيقة فهي محبة إلهية مضافة إلى الله تعالى؛ لأنَّ [محبة] (2) الله على معنيين: أحدهما صفة لذاته إرادته، والثانية سرّ إلهي يودعه في بصيرة عقل الولي [و] وهو نور عظيم لا يدعو إلاّ إليه، وتصح (2) العبادة بغير قوة المحبة (3)، ولكن المراد بهذا النظم في هذا السلوك لدرجات المشاهدة براية المحبة؛ لأنَّ المشاهدة مع قلة المحبة هي علم، وقد يحصل العلم مع غير العمل أصلاً فيكون لا نفع فيها، وكذلك احترزنا بالمحبة الإلهية في كلّ باب، وهذا شروع الابتداء والحمد لله أبداً.
***
(1) و (2) ما بين المعقوفين مطموس في الأصل، والزيادة من س. (2) في الأصل، و [س] هكذا ولعلها [ولا تصح] وبها يستقيم المعنى.
(3) أفاض القوم في الحديث عن المحبة، وأنواعها، والشيخ هنا يتحدث عن نوعين منها، الأولى تسمى الأصلية وهي محبة الذات عنها لذاتها؛ لأنها أصل جميع أنواع المحبّات، والثانية محبة الخواص وهي إثبات عن الله لعباده
المخلصين، ومعها نهاية الفضل العظيم، ينظر موسوعة الحفني.
941
ص. وموسوعة العجم، ص 839.
66 (1/66)
صفحة 67
الباب الأول من كتاب إيضاح نظم السلوك إلى حضرات ملك الملوك
في الانتباه من رقدة الجهالة وسنة الغفلة والتخليص من المظالم، وترك المآثم والمكروهات، والإخلاص بقيام اللوازم والمندوب والمستحب، والسلوك بعد ذلك إلى مكاشفات الحضرات الإلهية براية المحبة الإلهية وبيان بدايات أحوال المبتدئين للسلوك الحبي والكشفي بلسان المقام المحمدي
قال:
(1)
1 - نعم بالصَّبا قلبي صبا لأحبتي فيا حبّذا ذاك الشذا حين هبت يقول: وفيه تقديم وتأخير، وتقديره نَعَم بفتح العين - قسم. قوله «صبا»، أي مال بقوة المحبة لأحبتي أي إلى أحبتي الذين هم على الحقيقة، وفي الحقيقة هم أحبتي، أي يحبونني حقيقة بحبّ حقيقي بالصبا إليّ وذلك بسبب ريح الصبا حين هبت عليّ من وجهتهم فذكرتني بهم، فيا حبّذا ذاك الشذا، أي الروائح الطيبة التي حملتها إلي من أماكنهم كأنها هدية منهم إليّ بصحبتها، وذاك تستعمل للبعيد المتوسط، كما أن [ذا] و [هذا] للحاضر، وذلك للأبعد من المتوسط، ولما ذكر الريح، ولم يذكر شذاها التي حملته أشار إليه بالمتوسط؛ لأنّه لو قال [هذا] أو [ذا] لأوهم أنَّ الشذا هو الريح. و «حبذا» كلمة مركبة، أي حبّاً له هذا، وأشار إليه بالحاضر؛ لأنّه محمول في الريح الحاضرة، وإنما أشار إليه بذاك، أي الذي لم أذكره فيها فافهم، وهذا هو تقدير لفظ البيت بمعناه من غير شرح لمعانيه، وهكذا في كل بيت نورده لا نتعرض لشرح معانيه خوف الإطالة والملل ولأننا لم نرد بهذا ليكون كتاباً، وإنما رسمت التقدير تذكرة لنفسي حين أمعنت النظر في هذه المنظومة وأطلت الفكر، ولاح لي بعض المعنى، وخفت أن أنساه حين أهمل التفكر فيها، ومَنْ كان ذا فهم قدر أن يفهم ما وراء ذلك من المعاني، ولكن براعة المطلع لابد وأن
(1) يلاحظ أن الشيخ يبدأ الطريق من أوله بحيث يجعل التائية الصغرى هي نقطة البداية ليستمر معها حيث توصله إلى التائية الكبرى مؤكداً الاتصال الحميم بينهما.
67 (1/67)
صفحة 68
يذكر بعضاً من معانيه بأوجز إيجاز؛ لأنه إذا لم يبين الغرض المطلوب بمقدمات (1) في أول الإيضاح عسر فهم ما يأتي بعده من النظم، ولو أطال البيان، وإن أوضح بعضه في البداية سهل عليه التلويح بعدها، ونبيّن بعضاً منها في أربع مقدمات.
المقدمة الأولى:
هو أن تعلم أن الناظم لم يرد نفسه ما يخبر عنه بياء الإضافة إلى نفس المتكلم مثل: قلبي، وسقتني، وما أشبه ذلك أصلاً في جميع هذه المنظومة، ولم يشر فيها إلى نفسه ولا ببيت واحد منها (2).
المقدمة الثانية:
هو أن يُعلم أنَّ الناظم تكلّم في هذه المنظومة وترجمها بلسان المقام المحمدي لا بلسان النبي (3) لئلا يكون النبي هو الثاني (4) على نفسه بإطناب من القول، وإن كان النبي لابد وأن يوضح فضله في الوجود على جميع الوجود لئلا يكون مجهولاً، والله يريد تعريفه فيكون قد أراد غير ما أحبّ الله تعالى، ولكنّ النبي صلوات الله عليه يتكلم
(1) إنَّ هذه المقدمات تؤكد ما أشرنا إليه سابقاً، وما سيرد لاحقاً من أنَّ هذا الذي بين أيدينا هو كتاب بالمعنى الدقيق لمصطلح [كتاب]، ففيه الأبواب، والأجزاء كما رأينا، وتأتي هذه المقدمات لتمهد الطريق أمام هذه الأبواب والأجزاء لتوضح جوانب منها لئلا يضطر إلى التكرار دائماً، وهو ما يريد الشيخ تجنبه.
(2) يخالف الشيخ هنا ما عُرف عن التائية من أنّها ثمرة صادقة من ثمرات أذواقه ومواجيده التي تعاقبت على نفسه ... وهي مرآة صادقة انعكست على صفحاتها المختلفة الأحوال التي تعاقبت على نفس ناظمها ... فهي ترجمة لحياته الروحية كتبها بنفسه عن نفسه»، ابن الفارض والحب الإلهي، د. محمد مصطفى حلمي، ص 181، ولعلَّ الشيخ فهم منها شيئاً مخالفاً لما شاع بين الدارسين فصار له تأويله الخاص بها.
(3) يفرّق الفكر الصوفي تفريقاً حاسماً بين النبي محمد الإنسان، وبين ما يسمونه الحقيقة المحمدية أو الكلمة المحمدية، أو المقام المحمدي كما يسميه الشيخ هنا، ويريدون بها التعيّن الأول الذي ظهرت منه النبوة، والرسالة، والولاية، ونشأت منه جميع التعينات، ولأجل ذلك كان محمد = عليه الصلاة والسلام سيد الوجود، وأصل كلّ موجود، وهو أول الأولين، وخاتم النبيين، ينظر موسوعة العجم، ص 300، والصلة بين التصوف والتشيع، د. كامل
الشيبي، 47811، وما بعدها، إذ توقف بتفصيل عند هذا الموضوع، ودرس الحديث الذي يخاطب به النبي جابر بن عبد الله الأنصاري، ومنه قوله: يا جابر، إن الله تعالى خلق قبل الأشياء نور نبيك من نوره، وقد تعلّق القوم بهذا الحديث تعلّقاً شديداً، وبنوا عليه نظريتهم في الخلق، وينظر كذلك طواسين الحلاج، ص 159، عن بين التصوف والتشيع، 1/ 195 و 39411، وفيه أن ذا النون المصري كان يقول بهذا، وينظر كذلك 40111، وربّما بدا شيء من الغلو على هذا الكلام، ولذلك نرى الشيخ لا يجاري أولئك القائلين بهذا الكلام إلى نهاية
الصلة
الشوط، وينظر موسوعة، الحفني، ص 722، ففيها تفصيل.
(4) الثاني هنا من الثناء، أي مدح النفس وإطراؤها.
68 (1/68)
صفحة 69
بالإشارة وبالإيجاز وجوامع الكلم، ولكن لسان حال مقامه يخبر عنه، وكـ[ل امرئ] (1) فلسان [3] حاله الظاهر لابد وأن يخبر عنه، وأما الباطن فإذا صح المرء علم باطنه بوحي إلهي، أو قول نبي أخبر لسان حال الظاهر والباطن، فإذا عرفت ذلك فلسان حال
الله
مقامه المتكلم هذا الناظم عن ما هو يخبر به، تارة يخبر المقام عن نفسه، وتارة عن كماله، وتارة يخبر كماله عنه بلسان حاله، وتارة يخبر عن منزلة الكمال المطلق الأعظم جلَّ وعلا، وتارة يخبر المقام المحمدي عن أصحابه السالكين سلوكه في الطاعة بالاستقامة، وتارة يخبر عن مبتدأ وتوسط ومنتهى السلوك براية المحبة بلسان حال السالك، وليس هذا الناظم هو منفرد بهذا الأسلوب، بل هذه عادة فصحاء العرب (2). وانظر إلى كلام الله في الفاتحة فهي كأنها في صيغتها عن مخاطبة محقق فني حبّه في مشاهدة الله تعالى بالمكاشفة وبراية المحبة في مقام الاستقامة في الكمال يخاطب ربّه بآياتها.
المقدمة الثالثة:
هو أن تعلم أنَّ من الشروط في بلاغة الفصاحة أن تكون براعة المطلع في الكلام الشعري أو النظمي (3) أو النثري دالة على ما يراد أن يورده في التصنيف، وإن قدر أن يكون كالجملة لجميع ما سيذكره وما يأتي فكالتفسير لها، كان هو الغاية مع أهل الكلام (4)، ثم يأتي بعده بأبيات كالجُمل وإن تبرّك بالفرد كان أشرف، وقد فعل بهذا كذلك بهذا البيت، وبأربعة أبيات بعده اقتداء بالقرآن حيث جعل الله الملك الديان العلوم في كتابه العظيم الفرقان، وجعل جميع ما في القرآن العظيم في سبع آيات الفاتحة، وجميع ما في الفاتحة في البسملة، وجميع ما في البسملة في الباء، وجميع ما في الباء في النقطة (5) بدليل
جميع
(1) ما بين المعقوفين طمس في الأصل، والزيادة من س. (2) هذا ما قصدناه سابقاً من أنَّ الشيخ لا يجاري القائلين بالشطح في موضوع الحقيقة المحمدية، بل يردّ الأمر هنا إلى تلاوين الكلام، واختلاف أساليبه.
(3) يعتمد الشيخ هنا تفريقاً واضحاً بين [الشعري] و [النظمي]، فليس كلّ [نظم] شعراً، وإن جاء على وزن وقافية، غير أنَّ الجميع يشترك في أنَّ المطلع عليه أن يشير إلى ما سيأتي. وهذه ملاحظة جديرة بالنظر. (4) يقول صاحب الكافية البديعية: « ... وشرط (براعة المطلع) في النظم أن يكون المطلع دالاً على ما بنيت القصيدة عليه من غرض الشاعر ... وفي النثر أن يكون افتتاح الخطبة أو الرسالة أو غيرهما دالاً على غرض المتكلم»، النقد العربي القديم، د. أحمد مطلوب، 1 [278، وهو قريب ممّا يشير الشيخ إليه، وهو شائع في قوانين
ينظر معجم البلاغة العربية.
(5) للنقطة مكان متميز في الفكر الصوفي، ولهذا كان الشبلي يقول: أنا النقطة التي تحت الباء، يريد أنه وصل إلى
69 (1/69)
صفحة 70
أنه متى قرأ الباء بالكسر دلّ على أنه بدأ منها، وتلاوته كذلك إشارة إليها فيكون [ب]، وإذا جرَّ إليها كان بي، والنقطة إشارة إلى الأحد الفرد، والباء نقط متعددة (1) متلاصقة، وذلك إشارة إلى مخلوقاته، وذلك إشارة إلى أن كلّ شيء كان بي لفظة عمومية تأتي على تعداد كلّ شيء، فصح أنَّ هذه النقطة مع الباء، ولو كان البحر مداداً لتفسيرها لنفد البحر قبل أن يتم تأويلها، وإن كان البحر يمده من بعده سبعة أبحر إلى ما لا نهاية لذلك؛ لأنَّ الآخرة لا نهاية لها. وكذلك هي في تعداد نعمها داخلة في معاني [ب] فلم يكن أوجز من هذه الكلمة ولا أطول تأويلها في شيء، كذلك هو في الإيجاز فأعجز الباري جلَّ وعلا ببراعة
مطلع كلامه العظيم جميع الخلائق وصحح مذهبهم في ذلك.
المقدمة الرابعة:
أن
تعلم
6
أنَّ
الناظم بنى منظومته هذه كلها على قاعدة معاني آية المسيح، وآية النور، وآية الروح والكلام الذي رواه النبي عن الله تعالى وهو الذي ذكرنا، وفيه: ولا يزال يتقرب إليّ عبدي بالفرائض والنوافل حتى أحبّه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ولسانه التي ينطق بها (2)، ويده التي يبطش بها، وهي إشارة إلى اسمه السميع والبصير والقدير، ولم يزل متكلماً (3)، فهي ثلاثة أسماء لذات الله جلّ
عن النقطة.
موسو
عة
أعلى المقامات، فالنقطة في الباء هي التي تقوم بها، كما أن واحداً من طواسين الحلاج عنوانه (طاسين النقطة) يقول فيه: وأدق من ذلك ذكر النقطة وهو الأصل، لا يزيد ولا ينقص ولا يبيد، المنكر هو. في دائرة البراني، وأنكر حالي حين لم يرني، والزندقة سماني، وبالسوء، رماني، ومن هنا جاء حديث الشيخ عنها في المتن كما رأينا، ينظر رعة الحفني، ص 337، و موسوعة العجم، ص 991، وطواسين الحلاج، ص 179. (1) للباء اعتبار واضح في الفكر الصوفي أيضاً، فهم يرون أنها أول الموجودات الممكنة، والمرتبة الثانية من الوجود، بينما الألف أول الحروف وأعظم الحروف؛ لأن الإشارة بها إلى الله تعالى الذي ألف بين الأشياء، ينظر موسوع الحفني، ص 663، ويرى الشيخ عكس هذا حين يجعل النقطة إشارة إلى الأحد الفرد كما رأينا، ولعله ذهب إلى هذا على اعتبار أنّ النقطة هي الجوهر الفرد الذي لا يتجزأ، وهي الأصل، والمنطلق، ومنها يبدأ رسم الحروف بحسبان أن الحروف كلّها نقط متلاصقة على حد قوله، وهو رأي له وجاهته. (2) كذا في الأصل و [س]، واللسان مذكّر. (3) يتحدث الشيخ هنا عمّا يسمى بالصفات الذاتية لله سبحانه وتعالى وهي: العِلم، والقدرة، والإرادة، والسمع، والبصر، والحياة، كما يقف عند (كلام الله سبحانه، فمعنى كونه تعالى سميعاً «أي إنه سميع بذاته لا يسمع هو غيره، أي ذاته تعالى كافية في انكشاف المسموعات لها انكشافاً تاماً غير محتاجة إلى صفة معنوية حقيقية زائدة على الذات قائمة بها تسمى. سمعاً على حد قول العلامة السالمي، ومثلها (البصير)، و (القدير)، أما الكلام فهو صفة لله تعالى، وأنها تكون من الصفات الذاتية الواجبة باعتبار، ويراد بها نفي الخرس عنه تعالى، وتكون من
70 (1/70)
صفحة 71
وعلا، وصفة رابعة لذاته المولاة وكذلك هذه الأربعة [الأسماء] (1) بلا آلة التعريف لذات الإنسان التي هي العقل، وبها صار العقل عقلاً، فالعقل سميع بصير متكلم [قدير] (2) على ما أقدره الله عليه، ومظاهر أفعاله هي العين للبصر والأذن للسمع، والكلام للسان والبطش [4 و] لليد، وأمّا الشم والذوق واللمس فهي في الحقيقة من حواس اللمس، وإن افترقت ببعض المعاني فإنَّ الذوق لا يصح إلا بالملامسة بالفم، وكذلك الشم إذا مست الرائحة باطن الأنف وولج فيها، وهي جسم لطيف، وفي العقل عين جهتها على غير هذه الحواس كما سيذكره في نظمه.
بيان: فإذا عرفت ذلك فاعلم أنَّ تجلّي الباري جلَّ وعلا على خلقه ثلاثة وجوه (3): الأول: تجلّي أفعاله في المرء بنفسه من لطف أو قوة أو شدة إلى غير ذلك، وتجلّي ذلك على المرء في غيره من أنواع جنسه أو في غيره من أيّ شيء كان، وبأي شيء كان، وكلّما كان الشيء عند الله أعظم، وكرامته، ومحبته أعظم تجلّت على المرء عظم كرامة في ذلك أعظم، وكانت في العقل أوقع كالنبي، والرسل، والأنبياء، والملائكة، وصحابة رسول الله. وكذلك الحاضر المشاهد الذي جعله الله آية لأهل زمانه في مبالغة ورعه، وزهده، وقوة براعته في العلم والفهم.
والوجه الثاني: تجلى الأسماء الصفاتية والأسماء الذاتية.
والثالث: تجلّى وجوب وجود الذات، وأما تجلّي الذات فلا يصح على حال بلا نهاية؛ لأنها ليست هي لشيء ممّا يُرى أصلاً.
بيان: فإذا فهمت ذلك فاعلم أنَّ الناظم بدأ بالانتباه من سِنَة الغفلة، أو من رقدة الجهالة إلى
صفات الفعل الجائزة باعتبار آخر في حقه، ويراد بها خلق الكلام وإيجاده»، ينظر عن هذا الموضوع (الإمام نور الدين السالمي وآراؤه في الإلهيات)، د. مبارك الهاشمي، ص 154، وما بعدها، والكلام في هذا الموضوع يطول وكان القصد توضيح مقصد الشيخ.
(1) ما بين المعقوفين مطموس في الأصل، والزيادة من س. (2) ما بين المعقوفين مطموس في الأصل، والزيادة من س. (3) ينظر عن التجلّي، ووجوهه
حديث طويل.
الثلاثة
موسو رعة الحفني، ص 678، وموسوعة العجم، ص 161، وما بعدها، وفيها
71 (1/71)
صفحة 72
معنيين
تأتي
اليقظة (1) في طلب السلوك إلى الله تعالى بطريق الاستقامة، وبراية المحبة إليه جلَّ وعلا بأحد أحدهما ظاهر لأولي الظاهر المريدين، وباطن لأهل الباطن المرادين، فالوجه الأول مثله بالنائم في أول الليل على تعب شديد من شدّة الحرّ فهبت عليه ريح الصبا، وهي التي من جهة المشرق، وتتوجّه إلى باب البيت الحرام، وحجره الأسود الذي هو جهة لجميع الخلق بالتوجه إليها لله تعالى في صلواتهم، وحجّهم، وعمرتهم، وهديهم إلى غير ذلك، إشارة إلى إشراق نور محبة الله تعالى إلى ذات عقله المنبهة له إلى التوجّه إلى الله تعالى، وهي ريح تحمل بخار الأرض، فهي حارة رطبة معتدلة تشير برطوبتها إلى تلين صعوبة قلبه عن الانقياد، وترطيب أعضائه من يبوسة استصعاب الأمر وباعتدالها على المحبة المعتدلة التي هي [كمال الاستقامة] (2)، ولا محبّة الهوى، ولا يصح فيها التوافق إلا على حكم العدل المنزهة عن الهوى، [فدل بذلك على حبّ الله]، وحبّ مَنْ أراد الله أن يحبّه، وحبّ ما أراد الله تعالى أن يصدق فيه [المحبة] (4)، [وجمالها المحبّة الكمالية] (5) [بالأداء إليه، ويروى عن (6) النبي أنه قال: «نصرت بريح الصبا، وهلكت عاد [بالدبور (7)، وذلك إشارة إلى ذكره، وحبّه] (8) وصدق حبّه العمل بشرعه، وحقيقته والا استكمال بما قدر من كماله، وفي ذلك] (9) إشارة إلى مساكنه، وأوطانه كمكة، وبيت الله الحرام، والمدينة، [ومسجده، وبدأ] (10) بالريح للطفها إشارة إلى تذكّره للطف الله تعالى إليه، وهي لا تُرى، إشا [رة إلى أنَّه لا يراه كلّ أحد، وبالذي يلامسه] (II) هو بجسده من غير تعرّض منه له بقبض يد، ولا ينطبق لسان، ولا بإصغاء أذن من النغم التي تصل إليه بسبب] (12) من سعيه إشارة إلى ما سبق محبة الله للعبد قبل محبة
(1) في الأصل: [اليقضة]. (2) ما بين المعقوفين مطموس في الأصل والزيادة من س. (3) ما بين المعقوفين مطموس في الأصل والزيادة من س. (4) ما بين المعقوفين مطموس في الأصل والزيادة من س. (5) ما بين المعقوفين ساقطة. من س. (6) ما بين المعقوفين ساقطة. من الأصل والزيادة من س. (7) ينظر فتح الباري، 52112. (8) ما بين المعقوفين ساقطة في الأصل، والزيادة من س. (9) ما بين المعقوفين ساقط في الأصل والزيادة من س. (10) ما بين المعقوفين ساقطة في الأصل، والزيادة من س. (11) ما بين المعقوفين ساقطة في الأصل، والزيادة من س. (12) ما بين المعقوفين ساقطة في الأصل، والزيادة من
س.
72 (1/72)
صفحة 73
العبد لربه لئلا يظنّ أنّه هو المتفضّل أولاً] (1) لقوله تعالى: يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ (2) وغالب الناس إذا مسهم التعب من شدة الوقت، وهبت عليهم الرياح اللطيفة] (3) [4 ظ] العذبة في المكان العذب من الأماكن العذبة تذكروا بها ما تشوقوا إلى وصوله ليلاً كان أو نهاراً.
وذكر شذاها، وولوجه في الأنف وهو لطيف لا يُرى مثلها إشارة إلى ولوج ذلك اللطف إلى العقل المطيب المفرج له مما كان فيه من وسخ الغفلة، أو رين (4) الجهالة، والملطف لذلك حتى يرقّ، ويزول ذلك الرين، والوسخ، والضيق، وإنَّ غير هذا الطيب هو غير طيب إذ لا طيب إلا طاعة الله جلَّ وعلا، وفي هذا إشارة إلى أنَّ المحبة لله كامنة في كلّ شيء لأنها خُلقت لمحبّة الله في إيجادها، وبكمال، تدبيره وكلّ كمال وجمال وجلال، فحقيقة المحبة محبة له، وإنَّما يمنع القلب التي تحلّ فيه عن محبة الكمال الحقيقي إلى الكمال الخيالي توسخه بالرين الضلالي أو بوسخ الغفلة عن رؤيته بالرؤية إلى المحسوسات ومثالاتها في القلب والخيالات ومتى ظهرت ظهرت بالقصد والعزيمة والاستقامة شيء كما تظهر النار من الحصى القوي الناري مهما صودم بالفولاذ المسقى بعد حميه وإطفائه في الكبريت بالماء القراح فتعلق بالحراق، وفي ذلك إشارة على أن للمرء اختياراً في إظهارها منه أولاً وبانبعاث ما كان كامناً يصح إمكان الترقي إلى مشاهدة فعل أفعال الله غير ذلك، وكلّما انفتحت النفس بقوة الحضور والمشاهدة إلى الله تعالى بفعل أو بصفة من صفاته جلّ وعلا يُسمّى هو في حضرة تلك الصفة، أو في حضرة ذلك الفعل، أو في حضرة ذلك الاسم من الحضرات الإلهية، ولكن العقول غالبها تبتداء في معرفة المحسن إليها من تجلّي أفعال الإحسان عليها، هكذا في المتعارف بينهم، كذلك أول سلوك (5) الطالبين الضعفاء المريدين، وأما المرادون فقد [يكونوا] (6) من
في
من
(1) ما بين المعقوفين ساقطة في الأصل، والزيادة من س. (2) المائدة، الآية 54.
(3) ما بين المعقوفين ساقطة من الأصل، والزيادة من س.
فكان
(4) الرين: الطبع على القلب، ومنه قوله تعالى: «بل ران على قلوبهم، والرَّين هو الذنب على الذنب حتى يسود
القلب، ينظر العين، ص 325.
(5) في س: [السلوك].
(6) كذا في الأصل، و [س]، وصوابها [يكونون].
73 (1/73)
صفحة 74
غير هذه الدرجات؛ لأنَّ أهل التقى (1) على أربعة أقسام: قسم هم أهل الظواهر الغافلون عن المكاشفة يعرفون الله تعالى بالتصديق والتحقيق بالحضرات الظاهرة من الأفعال والصفات ولكنّهم في غالب أمورهم في غفلة إلا إذا تذكروا ذلك عرفوه، بها وهؤلاء عامة
المتقين غير المكاشفين.
والقسم الثاني عرفوا الشهود وهي الأكوان وشاهدوا بها المشهود، وهؤلاء أهل] (2) [الحضرات الظاهرية برؤية حقيقة الوجود.
والقسم الثالث نظروا إلى المشهود أولاً 1 (3) لها، وكذلك هي في القسم الرابع عرفوا المشهود ولم يرجعوا إلى الشهود.
وكلّ قسم يمكن ترقيه؛ لأن [أعلى المراتب مرتبة النبي صلى الله عليه وسلم كما سيأتي الناظم بيانه في محله، فأشار الناظم بظاهر لفظه أولاً بالنائم من سنة الغفلة إلى القسم الأول، وبالانتباه بريح الصبا إلى القسم الثاني أهل السلوك بالمحبة.
بيان: وأشار في الباطن (4) إلى القسمين الآخرين لأنه أراد في الباطن بريح الصبا إشارة [إلى نفحات محبة الله التي لا يراها أحد إلا] (5) هو من حيث جاءت إلا من جهة إشراقها على مرآة ذات المرء [التي هي مرآة لتجلّي حضرات العلم بالله] ربّ الأرض والسموات الجاذبة بطيب شذاها روحانية محبة [الذات العقلية إلى مشاهدات (6) الكمالات الخفية والحضرات الإلهية، كما أنَّ الرائحة الطيبة إذا عظمت [تجذب روح الحياة بالاستنشاق] (7) إليها حتى تفارق الروح الجسد قبل تمام حبّ استجذابها لها، [كما يحكى عن رائحة
(1) ينظر عن هذه الأقسام موسوعة العجم، ص 116، وهناك غيرهم مثل أهل الاتحاد، وأهل الإرادة، وأهل البساط، وأهل التشبيه، وغيرهم.
(2) ما بين المعقوفين مطموس في الأصل، والزيادة من س. (3) ما بين المعقوفين طمس في الأصل بمقدار نصف كلمة، وفي س يرد النص هكذا والقسم الثالث نظروا إلى المشهود أولاً ثمّ عرفوا به الشهود، والقسم الرابع: عرفوا المشهود ولم يرجعوا إلى الشهود.
(4) ما بين المعقوفين من س لاضطراب الكلام في الأصل. (5) ما بين المعقوفين من س لاضطراب الكلام في الأصل. (6) ما بين المعقوفين من س لاضطراب الكلام في الأصل. (7) ما بين المعقوفين من س لاضطراب الكلام في الأصل.
74 (1/74)
صفحة 75
]
الإكسير في الطرق الجوانية إذا فتح وهو حار سَرَت رائحته من كل جهة إلى نصف فرسخ، وإنه (2) إذا استنشقه الروح انجذب إليها، ولم يرجع إلى الجسد فتفارق جسده ويموت كما جرى على الحكيم ابن عبود حين خلا لعمل الإكسير، وكان ابن الملك (3) به فكمل إكسيره، وفجأه ابن الملك عند عمله، فلمّا رآه فتحه ليأخذه ويخفيه عنه فاستنشقه، ومات فغنم به ابن الملك، وهؤلاء هم المرادون كالنبي، والرسل، والأنبياء عليهم السلام والملائكة عليهم السلام وفي الحقيقة كل مريد لله تعالى هو مراد، ومحبّة الله سابقة إليه (4) (8)، ولكنّ المثال أنّ الذي قيل له: هذا الماء، وهذا المال اسقيه، وكل واشرب منه، وعلى قدر عملك فيه تؤتى من الغلّة، وأتنا كل يوم تحضرنا بما معك من الطعام والشراب لتأكله معنا، أو لتسكر به في حبّنا، وبين الذي يوجد من غير دربة بنفسه فيدنيه الملك في حضراته، ويأتيه بالطعام مهيَّأ، ويسكره بخمرة حبّه بنفسه فرق في حكم الظاهر فافهم.
بيان: وقوله: لأحبتي بلفظ الجمع إشارة إلى الذين يحبونه، وإلى الذين يحبّهم، وفي ذلك إشارة إلى محبة الله تعالى من قوله جلّ وعلا يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ، والله يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ} (5)، وإشارة إلى تجلّي محبة الله بذاته التي بها يحبّ الله ويحبّ محبته، ويحبّ معرفته، ويحبّ مشاهدة مراتب معرفته وهي حضراته، ويحبّ طاعته، ويحبّ أعمال طاعته ومعرفتها وتعليمها، وبها يحبّ كتابه العظيم، وجميع كتبه، وبها يحب نبيه محمداً، وجميع أ أنبياء الله وملائكة الله وأولياء الله، وبها يكره معصية الله تعالى، وبها يبغض أعداء الله تعالى، وبها يبغض أعمال المعاصي، على أنَّه يريد أن يتكلم في محبة الله تعالى، وصدقها الإخلاص لله بدينه الحق في كلّ شيء، وبها يحبّ دعوة كلّ مَنْ يدعوه إلى الله تعالى، وإلى محبّة الله بلسان الحال وبلسان المقال.
،
(1) ما بين المعقوفين من س لاضطراب الكلام في الأصل.
(2) من هنا يبدأ السقط من الأم، وهو بمقدار عشرين ورقة تقريباً، وسيكون الاعتماد على س وحدها، وسيشار إلى انتهاء السقط فيما بعد، بينما سيظل الترقيم مستمراً وفق ما جاء في ترتيب الأصل، ومما يذكر هنا أن هناك سقطاً
آخر في الأم بمقدار ورقتين سيشار إليه في موضعه.
(3) ما بين المعقوفين كلمة لم أتمكن من قراءتها. (4) وقفنا سابقاً عند هذا في معنى المريد الذي هو مراد في الوقت عينه.
(5) البقرة، الآية 222.
75 (1/75)
صفحة 76
اعلم أنَّ المحبة الإلهية (1) على [معان] (2) أحدها محبة الموصوف بها ذاته، وهي إرادته
فإنّه لم يزل مريداً، وما أراد كونه فقد أوجب كونه، وما أراد عدمه فقد أراد عدمه، وكلّ شيء أراده فقد أحبّه، فالمحبة والإرادة هنا بمعنى واحد، وقد أراد كون الكافر ولا يحبّه وأراد كشف اختياره في الطاعة لله، أو المعصية، ولا يحبّ منه المعاصي ولم يكن إلا ما أحب وأراد؛ لأنه انكشف ما أراد منه أن يكشفه منه فافهم.
والمعنى الثاني من المحبّة الإلهية هو رضاه عن العبد بأعماله التي رضيها له أن يعبده بها فتكون المحبة والرضا معناهما متقاربان، ولكنّ المحبة فوق الرضا، إذ قد يرضى الله عن العبد بإكماله في الإخلاص له جلّ جلاله بدينه الحق، وقد أحبّه بذلك، والمقربون يحبّهم أكثر من بقية المؤمنين المخلصين بغير تلك المراتب فيكون الرضا أول درجات المحبة، والمحبة هي التقريب الرضائي، ودرجاته في هذه المحبة التي هي رضاه وتقريبه موصوف هو سبحانه وتعالى.
والمعنى الثالث من المحبة الإلهية النسبية هي محبة منسوبة إلى الله نسبة تولية محبة، ولم نقل تمليك؛ لأنه مالك كلّ محبة حتى المحبة الفاسدة إذ ليس شيء هو غير ملكه، وقولنا: تولية محبة، أي هي لعل في الكلام سقطاً، ولعلها أي هي تولية يحبها ويوليها من أراد أن يحبّه، ويقربه إليه، وهي نور عظيم يجليه على العين (3) البصيرية، ويقبض نورها على الغريزية، والمدبرة فتذعن عيون الحجر من المرائي عقله إلى محبة الله، وهي التي تطلب محبة الله لها، ورضاه عنها، وحبّ ما يحبّه، وحبّ ما يحبّه منها، وبها، وفيها، وحبّ ما يحبّ لها أن يحبّه لا غير، وهي الداعية إلى الله تعالى ولا تغلط العين البصيرية بها، فإن قلت: إنَّ كثيراً ممّن يحبّ الله تعالى، ويحبّ ما يحبّه له أن يحبه وهو ضال بتأويل لا يسعد، فنقول: ذلك بحبّ العين الغريزية، وحبّ العين المدبرة، ونور محبّة الله تعالى قد ذهب بسبب ضلاله، وبقي يحبّ بغير ذلك النور، فإن قلت: إنَّ العين الغريزية، والعين
(1) ينظر عن المحبة الإلهية ومعانيها موسوعة العجم، ص 838، وما بعدها، وموسوعة الحفني، (2) زيادة من س.
ص 940، وما بعدها.
(3) العين: إشارة إلى ذات الشيء الذي تبدو منه الأشياء، وهناك قوم علموا مصادر الكلام من أين، فوقعوا على العين، فأغناهم عن البحث والطلب أي إن مقصودهم كان الله تعالى وليس سواه، وينظر عن أنواع العيون موسوعة العجم، ص 684، وما بعدها، وموسوعة الحفني، ص 886 - 887.
76 (1/76)
صفحة 77
المدبرة ليس فيهما حب لله تعالى، فنقول: إنَّ العين الغريزية تحبّ الجاه، والكمال الحقيقي والخيالي، فهي ترى مثالات الحق، وترى الخيالات الضلالية كالذي يتصوّر له السراب ماءً، أو يتصوّر له شيئاً، ويراه بعينه كأنهم أناس، والقوي النظر يرى أنَّ ذلك السراب ليس هو ماء، بل لا ينظر سراباً، وكذلك يرى أنَّ هنالك ليس أحد من الناس، كذلك العين البصرية، أو كالذي تخيّل بالحبال والعصي أنّها حيَّات تسعى، والعالم ينظرها حبالاً، وعصيّاً، فكذلك العين البصرية لا ترى إلا الحق حقاً، والباطل باطلاً كالعصي
والحبال، أو لا ترى شيئاً كالقوي النظر الذي ينظر أنَّه لا شيء ما خيله ضعيف النظر. فإذا فهمت ذلك فيمكن أنّ الذي رأته العين الغريزية خيالاً فظنته حقاً، ولم تناظر العين البصرية، وهو ممّا لو ناظرتها لم تَرَ شيئاً؛ لأنَّها تراه حبالاً وعصياً فلم تنظره العين البصيرية إذا لم تناظرها، ولم تمنعها عن شيء لم تنظره، ولو ناظرتها فيما رأته من هذا الخيال الذي هي تراه ليس [شيء] (1) لحكمت عليها أنّ ذلك ليس بشيء، فلا أرى ما أنت رأيته وقد رسخ جماله واستحسانه في العين الغريزية فأحبته، فلما نافقت حيث لم تناظر مَنْ جُعل لها بمنزلة رسول من الله تعالى ذهب نور المحبة الإلهية عن العين البصيرية، ولم يَبْقَ هنالك غير حبّها الأصلي الذي هو كامن فيها ككمون النار في الحصى القوي، ولا يطلع منها إلا نور محبّة الله تعالى، ولا يأتي نور محبة الله في 1 (2) وقد وسخ بالنجاسات فالعقل (3) بيت الربّ فهو مسجد لله تعالى، وفيه محلّ نور معرفته، ومشاهدته، ونور محبّته هذه المحبة النسبية، ونور حقه، ولا تحلّ هذه الأنوار الثلاثة الإلهية في مسجد نجس
في
بضلالة لا يسع عاملها، أو معتقدها، أو بترك واجب عليه لله تعالى، فصح أن محبة الله المرء هي التي تطلب محبّة الله التي هي رضاه، وتقريبه إليه بدينه الحق بالإخلاص لا غير ومَنْ هام واجتهد بالجد والاجتهاد إلى أن يتصل بها، وبها يتصل إلى محبة الله الرضائية فجدير بذلك، ولو أذاب الجبال والسموات بنيران شوقه مثلاً، أو أغرق الوجود بدمعه مثلاً لما أدى حق وصول محبة الله الرضائية، ولا المحبة الإلهية الإضافية، ولو أتى ما أتى من
(1) كذا في س، وصوابه [شيئاً].
(2) ما بين المعقوفين كلمة لم أتمكن من قراءتها.
(3) العقل هو العلم بحقائق الأمور فيكون عبارة عن صفة العلم الذي محله القلب، أو هو المدرك للعلوم فيكون هو
القلب، ينظر موسوعة العجم، ص 647، وله معان أخرى.
77 (1/77)
صفحة 78
المثالات في الحب تعظيماً لهما، وإظهاراً لجلالة شأنهما ما بلغ الحد لمستحق أن يبالغ في القول فيهما، وأما بصفة أنه رآها في النوم، وأنه واقعها في طريق الحج، وهام بها فهي المحبة الإلهية الإضافية التي تبلغه المحبة الإلهية الرضائية إذ هي المقصودة بهذه، ولكن تلك تشاهدها الأنبياء، والرسل والملائكة ومَنْ أخبره الله أنه من أوليائه، وأما لغيرهم فلا تتجلّى، ولذلك هاموا فيها خوفاً أن لا يذكرها مَنْ خفيت عليه، وهام فيها مَنْ شاهدها لجمالها فافهم، فإنّهما يشتركان في الاسم والمقصود؛ لأنهما لا يحصلان إلا معاً، وأيضاً يشير بالمواصلة إلى مشاهدة الحضرات الإلهية وهي المعرفة بالله، ومشاهدة صفاته، ولكن أراد هنا بقوة الحضور وملازمة الشهود فافهم ذلك.
وبالجملة إنَّ بيته هذا هو كالجملة لما سيذكره في جميع النظم من المعاني، ويمكن أن تخرج معاني نظمه من جميع معاني هذا البيت، ولعلّه يأتي على جميع هذا العلم بالتأويل، وتأويل التأويل كذلك نازلاً، وليس كلمة «لعلّ» شك فافهم ذلك.
قال:
مني
2 - سَرَتْ فأسرت للفؤاد غُدَيَّةٌ أحاديث جيران العُذيب فَسَرَّتِ
يقول:
6
سرت، أي ريح، والشرى المشي في الليل، واستعار ذلك إما لِليْل سنة غفلته، وإمّا لليل رقدة جهالته فيتوب إلى الله تعالى هذا لأهل الظواهر، وإما هو استعاره لنفحات محبة الله تعالى للمرادين قبل أن يعرفوا أنهم مرادون، أو قبل أن يولدوا، ويظهروا في عالم الشهادة، وتُستعمل كلمة السرى» لكلّ شيء يأتي في ليل أو نهار إلا الحيوانات فلا يطلق عليها الشرى بأرجلها إلا إذا كان ليلاً. وأما إذا كان سرواً معنوياً فالليل والنهار فيه سرى، وتقديره سرت غُدية، أي طيبة هواؤها، وهو الجوّ وأرضها، وأراد بذلك طيبة كذلك في رياض القلب وهوائه واستعار اسم الهوا إشارة إلى الهوى الحبّي، واعتداله، وطيبه، فأسرت بكلامها العذب الحلو السّري غير الجهري الداعي إلى السلوك إلى حضرات الله، وحضرات القرب، والكمال بالاستقامة في كلّ شيء بطريق الإلهام أحاديثَ جيران العذيب، والعذيب والعذيبة ماء ان معروفان، واكتفى بذكر أحدهما دون الآخر، وأشار بهما إلى ماء مكة، وماء المدينة، وأراد بذكر مائهما المورد، والماء هو واحد في النوع،
78 (1/78)
صفحة 79
ولذلك اكتفى باسم أحدهما دون الآخر، وأراد بذلك النبي، أو هو والقرآن، أو هو وما جاء به بإشارته إلى المدينة وبيت الله الحرام بإشارته إلى ماء مكة وجيرانهما، وتذكّره لجيرانهما بذكره بيت الله الحرام في مكة، والنبي وما جاء به بتذكره جيران أهل المدينة، وأحاديثهما ودلالتهما إلى الله تعالى ودلالتهما على محبة الله تعالى لنبيه، ولما جاء به من كتاب وسنة، وشريعة وحقيقة، وطريقة، ومكاشفة للحضرات الكمالية الإلهية. ويصح أن تكون المحبة سرت لهؤلاء وهم النبي الله وأصحابه، وأن تكون سرت لمن هو قبلهم عن فيض بَحْرٍ مَنْ يكون بَحْرُ كماله في هذه المواطن، ولم يأتِ بعدهم، فكلامه هنا مطلق عمومي قوله: «فأسرت» فأولته سروراً وفرحاً وطيباً.
3
قال:
مُهَيْنَمَةٌ بالروض لدن رداؤها بها مرض من شأنه بُزء علّتي مهينمة» والهينمة صوت الريح في الأشياء، أي ريح الصبا ناطقة بصوتها بالرياض الحسنة الأشجار، فكأنّه مثل الأشجار كاللسان لها، وإنَّ أصل ذلك الكلام والصوت منها هي، وإنّما لسانها الشجرية أو ما أشبه ذلك بها يتكلم، وفي ذلك إشارة إلى صفة ذات الإنسان العقلية أنها هي الفاعلة باللسان، وبالأذن، وبالعين، وباليد، وهي حقيقة كالريح لا تُرى وإنّما تظهر آثارها، وأفعالها، وأصواتها.
والوجه الثاني الباطني يشير بريح الصَّبا التي هي أفضل الرياح من الله تعالى إلى أرج نفحات محبة الله تعالى لعبيده المنبهة والداعية له إلى السلوك إلى مقامات قربه وحضراته، وحضرات كمالاته، وحضرات كراماته ورضوانه، وحبّه، ومخاطبتها لأشجار القلب المشرقة من العين البصرية الداعية للعين الغريزية، والعين المدبّرة من العقل إلى اختراق المحسوسات بحواسهما إلى المشاهدة للكمال الإلهي الذي تراه هذه العين البصرية من تجلي علم الله عليها من غير جهة المحسوسات؛ لأنَّ العقل له هذه العيون الثلاثة، وكل عين منها إلى جهة يستجلب العلم من جهتها.
وقوله: لدن ردائها، فالرداء ثوب معروف تتوشّح به المرأة فوق درعها، ولدونته من كثرة تعطّره بلدونة الندودات والعطورات، والروائح الحسنة حتى أثقلها حمله في التوشّح به، وما تهديه هذه الريح من تذكارها للسلوك إلى حضرات ملك الملوك، مع أنَّ محبة الله
79 (1/79)
صفحة 80
قد سبقتها عند التذكر بها، أو ما أهدت رياح المحبة من الحضرات الإلهية إلى أمراء عيون العقل برياض القلب فتلين صعوبته وتستنشق روائحها فتنجذب إليها روحانية محبّتهم إلى مَنْ جاءت من عنده أجل وأشرف ممّا تحمله المرأة بردائها.
بريح
نفحات
وقوله: بها مرض من شأنه برء علّتي، أي فيها، أراد بها، أي بالريح، أو المحبة، وكلاهما فيهما مرض الحبّ، وأراد بمرضه نحوله هو فعله بالجسد بكثرة النحول كما ينحل بكثرة المرض فاستعار نحول الجسد، وذهابه إلى مرض الذنوب بها، وفنائها، ومرض الصفات الذميمة الموصوفة النفس بها، ونحولها بها إلى فنائها، ونحو الغفلة والحجب [المانعة] (1) عن [مشاهدة] (2) الحضرات الإلهية، وذلك معنى قوله: من شأنه، أي ذلك المرض [برء] علتي بزوال ما أحبّ زواله، وبرء شوقي، واشتياقي بلقاء، ومشاهدة المحبوب، وكل له مقام فيما تمرض منه، وتشفيه به فافهم.
قال:
4 - لها بأعشاب الحجاز تحرّش به لا بخمر دون صحبي شكرتي وفيه تقديم وتأخير، وتقديره لها تحرّش بأعيشاب الحجاز، وأراد بالحجاز الحرمين وبالأعيشاب تصغير عشب، وهو الكلأ والشجر الصغير الذي ترعاه الدواب صغير، تصغير محبّة للحرمين، ولمن له الكمال الأعظم من الحبّ الإلهي الظاهر في الظاهر الكامل فيهما، ويشير بتصغيره حبّاً إلى أن المحبّ إذا عظمت محبته في أحد أحب مكانه، وأرضه، ودواب أرضه، وأشجاره، وأحجاره، وأغواره حتى ينتهي بحبّ كلّ متوجّه إليه، أو صادر عنه، أو عن مكاناته من ريح، أو إنسان، أو حيوان، أو جيران، وموضع تذكر أحبابه فيه، ويكون ذلك كالتحرّش لصيد قلبه إلى مَنْ يحبّه. والتحرّش هو أن يعمد المرء لصيد الضب فيدخل يده في باب جحره، أي بيته من الأرض، ويحرّكها، ويضرب الأرض بها قليلاً فيظنّها حيّة، ويقرب إليها مدبراً، أو يضربها بذنبه فيقبضه الصائد، فقال: فلان تحرّش إذا صاده بهذه الحيلة، وأراد بذلك من قوله لها، أي لتلك الريح الحاملة إليه تذكار أحبابه الباعثة له إلى السلوك إليهم، أو تلك النفحات
(1) في س: [المانعت]. (2) في س: [مشاهدت].
80 (1/80)
صفحة 81
الخفية الإلهية، أو للمحبة العظمى الإلهية التي هي أعظم محبة منه للموجدات لها بمواضع الحجاز صيد عظيم صادت أولاً رسول الله صلى الله عليه وسلم في أول الإيجاد حين أوجد الله أولاً نوره فأكمل له أعظم المحبة، وجعله هو بحرها، وما يفيض على غيره إلا من فيض بحره، وفي علمه أنَّ محلّ بحرها الأعظم يكون في الحرمين في العلم الأزلي، وما كان في العلم الأزلي فهو كذلك ثابت، فثبت أنَّ أصل بحر المحبة الإلهية التي يكرم بها خلقه هو في الحرمين، وكلّ مَنْ أفيض عليه منها شيء قبل النبي أو بعده، ومَنْ كان عنده فهو من فيض هذا البحر الحرمي، فمن أهدت إليه بتذكار ريح، أو بنفحة منها فإنَّما هو صيد من
فيض البحر الحرمي.
وقوله: به لا بخمر دون صحبي سكرتي خصّ وعمّم، وخص بتخصيصه الأول للمجذوبين (1) بها المرادين كالأنبياء والرسل، والملائكة، والأولياء أهل الجذبة، والصحب هم المريدون الطالبون، وفي الحقيقة إنَّ محبة الله سابقة لكلّ محبّ لله وليّ، ولكن المقربون لهم السبق فخص المقربين كلّهم، وعمّهم جميعاً، وخص النبي، وأنه هو الذي سكر (2) بكمالها في أول الوجود، وفي حين الظهور، وإن فاض على غيره فليس هو فيضان نقصان كالبحر، بل مثل فيضان ضوء الشمس في الوجود كلّما اتسع فيضانها دلّ على شرف ضوئها، وإمكان اتساعه، فَصِيد صلى الله عليه بالمحبة الكاملة قبل أن يصيد، واريد به قبل أن يريد، وجُذب قبل السلوك فطوى السلوك في لمحة مجذوب عن الأغيار بمشاهدة الملك الجبار لكن بالصفات لا بالذات (3).
قال:
5 - تُذكّرني العهد القديم لأنها
حديثة عهد من أُهيل مودتي
(1) الجذب: هو أن يجذب الله تعالى عبده إلى حضرته والمجذوب هو مَنْ ارتضاه الحق لنفسه، واصطفاه لحضرة أنسه، وطهره بماء قدسه فحاز من المنح والمواهب ما فاز به بجميع المقامات والمراتب بلا كلفة المكاسب، والمتاعب، ينظر موسوعة الحفني، ص 703 - 704. (2) السُّكْر: دَهَش يلحق سر المحب عند مشاهدة جمال المحبوب فجأة فيذهل الحسّ، ويلم بالباطن فرح وانبساط، ينظر موسوعة الحفني، ص 795، وينظر كذلك شعر عمر بن الفارض - دراسة في فن الشعر الصوفي، د. عاطف جودة نصر، ص 136، وما بعدها، ففيه حديث مفصل عن [السكر] ورمزيته عند ابن الفارض. (3) يلح الشيخ هنا، وفي مواضع أخرى على أنَّ الرؤية هنا (بالصفات) لا (بالذات) انسجاماً مع قناعته التي بينها في مفتتح الكتاب.
81 (1/81)
صفحة 82
يقول: وفي كلامه عموم للأولياء، وخصوص لأفضل الرسل والأنبياء، فأما ما تذكره فمقامه يخبر عنه بلسان الحال أنه يقول حين ظهوره في مواضع نزل الحب الإلهي إليه المودع له تذكرني المحبة الإلهية العهد القديم يوم كنت نوراً ولا كون معي غير نوري (1) فلا شاغل، ولا صاحب بيني وبين مشاهدة الله تعالى بالصفات، وتجلّي علمه عليّ، فهذا التذكر هو الذي يزعجني إلى أن أكون كذلك كما كنت في ذلك الحال، وهذا التذكار لي على الخصوص، دون أهيل مودّتي؛ لأنها حلت فيهم، وصدرت أفعالهم منهم حديثة عهد لم يُفَضٌ عليهم من بحر الحبّ الإلهي إلا حين خُلقوا فهي فيهم حديثة عهد، ومراده «بأهيل مودّته» هم الرسل والأنبياء والأولياء، وليس المراد بتصغيرهم تصغيراً لهم بأنفسهم، وإنما صغر فرقتهم لقلّتهم لقوله تعالى: وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ} (2)، فصغر جملة الفرقة، فكأنه قال: فريق أهل مودتي، وأما على العموم لجميع الأولياء أنّهم يتذكرون عهد الله إلى آدم، وما أعطاه الله تعالى لذرّيته بقوله تعالى: والْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ} (3)، فكل مولود على الفطرة} وعلى تلك الكرامة، وأسْجَد الملائكة لأبيه آدم كرامة له ولجميع ذريته، ولعن الله إبليس حين عادى آدم، ولم يسجد لله بسبب عداوته لآدم، فكلّ مولود هو على هذه الكرامة، وثابت له ذلك ما لم يضيعه حين تنزل به بلية التعبّد بما لا يسعه إلاّ أداء الطاعة لله تعالى، فذلك العهد القديم مع معرفتهم بالعهد الأول أن لم يخلق الوجود إلا لأجلهم، ولم يخلقهم إلاّ لأجل إخلاص العبادة لله تعالى فذكرته هذه العهود التي لزمته في حين ظهوره تلك العهود القديمة التي علمها أنه لم يخلق إلا لذلك، وإنّما ذكرته هذه تلك؛ لأنها حديثة عهد من أهل «أهيل مودتي»، أي من فُريقة قليلة العدد، أهل مودّتي.
هو
وتقدير الكلام من أهيل أهل مودتي فحذف كلمة «أهل» التي هي بمعنى أصحاب واكتفى بذكر كلمة أهيل التي هي بمعنى فريقة قليلة العدد، وهم الرسل والأنبياء الذين هم جاؤوا بهذه العهود الدينية، وإن كان المتكلم مقام نبي بلسان حاله عن صاحبه فإنّه لابد وأن يذكر مَنْ تقدّمه من فرقته تعظيماً لها وتكريماً فافهم.
(1) لا شكّ في أنَّ الشيخ يتحدث هنا عن [الحقيقة المحمدية] التي أشرنا إليها فيما سبق.
(2) سبأ، الاية 13.
(3) الطور، الآية 21.
82 (1/82)
صفحة 83
بيان
ولما أجمل بذاته أهل السلوك وخاصة خصَّ بذكر بداية النبي بحكمه، فحكمه الكلام في تخصيص بداية كلّ امريء ما بدأ به وذكر أسماء الذات التي هي السمع والبصر والكلام والقدرة ومظاهرها التي هي الأذن والعين واللسان، واليد، وبدأ بذكر حاسة الشم واللمس فجميع الجسد، ثمّ بالصوت واللسان بصوت الريح، ونطقها بلسانه وسماعه بالأذن، وقبض الصَّيدِ باليد، وذوق الخمر (1) للأصحاب، وأكمل مظاهر صفات الذات، وأشار إلى أنَّ ذلك كلّه أفعال الذات، ثم ذكر فعل الذات بنفسها بالتذكار، وأَجْمَلَ جميع العلم في هذه الخمسة الأبيات، انتقل يتكلّم بطريقة الإرشاد إلى بداية بعض السالكين من الأصحاب بتخصيص التذكار بالنبي وأصحابه له حين ذكرته ريح الصبا ونفحات المحبة الإلهية إظهاراً لما أشار إليه أنه هو المقصود في ذلك.
فصل في تخصيص التذكار بالمقام المحمدي من المريدين:
قال:
6 - أيا زَاجراً حُمْرَ الأوارك تارك الـ مَوَارِكِ عن أكوارها كالأريكة وفيه تقدير محذوف، وذلك لما تذكر بريح الصبا المهبة من جهة الحرمين مع ما حملته من التذكار بلسان الحال، أو بنفحات المحبة المفيضة من ضياء شمس المحبة الكاملة الإلهية للظاهر في أرضهما الكامل إليه ولم يصرّح، وأراد أن يصرّح بتذكار السالك إلى موضعه إلى السلوك إلى مقامات حضراته التي هي الحضرات الإلهية، وتشوّق الطالب المريد، وتذكّر بالواصل أولاً من جهة تذكّر السلوك بالسالك إليه، فقال: «أيا زاجراً راً، ولم يذكر بالحمر ما أراده، والحُمر هو كلّ شيء أحمر، وأراد بذلك وصف الإبل القاصد بها أهلها إلى يثرب المكرمة، والزاجر هو السائق لها بالحداء المطرب المعجب من الأصوات الحسنة حتى تسير الإبل مطربة غائب حسّها عن شدّة نصبها وكثرة تعبها،
حمر
(1) الخمرة كناية عن المحبة الإلهية أو المعرفة الإلهية والشوق إلى الله تعالى ينظر ديوان ابن الفارض، ص 189، الهامش، وابن الفارض والحبّ الإلهي، د. محمد مصطفى حلمي، ص 101، ومما يضاف هنا أنَّ جلال الدين الرومي سئل عن الخمر، فأجاب: إن المقصود بالشراب الخمر الإلهية على أساس الحديث: اخترت اللبن، واختبأت الخمر لأوليائي، ينظر الصلة بين التصوف والتشيع، 1 [239.
83 (1/83)
صفحة 84
فتجاوبه بالحنين الشجيّ المشجي كالنائح على شيء أحزنه فأشجاه وأبكاه، كذلك تذكّر هذا بصوت الحادي للإبل، ووصفها بالحمر في ألوانها إذ هو أحسن ألوانها، فكأنه تذكّر المحاسن والكمالات، وتذكّر سيرة السلوك النبوي إلى حضرات الملك العلي القوي، فقال: أيا زاجراً حُمْر الإبل، أي الإبل الحمر بارك فيها فوق ظهورها لأوراك إلى مائل إلى أوراكه فحذف الضمير وهو الهاء ضرورة، وأراد أنه متورّك على أحد أوراكه فحذف الضمير وهو الهاء ضرورة، وأراد أنه متورك على أحد أوراكه، ولشدة فراسته بالركوب أرجله في الموارك (1)، وهنّ آلة تجعل للرجل يضعها فيها متى عياه الركوب
كاته
واضع
ليستريح.
قوله: (من أكوارها»، أي رجلها متورك في بعض أكوار الإبل ثابت فيه هو له كالأريكة، والأرائك صغار السرر يجلس عليها بين القيام والجلوس فتكون رجلاه نازلتين إلى الأرض، ومجلسه فيها، وأراد بذلك الثناء عليه في هيئة ركوبه وفراسته فيه، ويثني عليه لسلوكه إلى جهة يثرب شرّفها الله تعالى، فكأنَّه أحبّ الإبل، وصوّرها من أحسن شيء، وأحبّ حنينها، وصوت الحادي، وهيئة ركبته، وكلّ ذلك أثر فيه قوة الشوق إلى الكامل، وإلى التكميل ببعض مقامات كماله، ثم قال:
7 - لك الخير إن أوضحت توضح مضحياً وَجُبْتَ فيافي خَبْتِ آرام وَجْرَتي)
هي
(2)
يقول للراكب المورك على أوراكه في الموارك والأكوار، بارك له كالأريكة لك الخير إن أوضحت، أي فإن بنت وظهرت على توضح هو موضع من المواضع) مضحياً»، أي وقت الضحى ثم جبت فيافي، وهي القفار والفلوات خَبْت آرام وجرتي والخبت المواضع الواسعة بين الجبال، وخبت الخميس موضع، ويجوز أن يضاف إليه صحراء بين الحرمين ووجرة موضع بين مكة والبصرة ليس فيه منزل، تتربّى فيه الوحوش. تذكر بهذه المواضع طلباً وحبّاً للوحشة من الناس، والأنس بربّ الناس مثل هذه الوحوش والآرام المتوحشة في هذه المواضع، والآرام هي
يقول: إذا وصلت إلى هذه المواضع ولم يذكر مراده بعده.
الظباء.
(1) في العين، ص 898، الوراك والموركة من الرّحال: الموضع الذي أمام قادمة الرَّحْل. (2) في الديوان: [وجرة] بدل [وجرتي].
84 (1/84)
صفحة 85
قال:
8
4 - ونكبّت عن كُتبِ العُرَيضِ معارضاً حزوناً لحزوى سائقاً لسويقة و - وباينت بانات كذا عن طويلع بسَلْعِ فَسَل عن حِلَّةٍ فِيهِ حَلَّتِ وَعَرّج بذياكَ الفريق مُبَلّغاً سَلِمْتَ عُرَيباً ثُمَّ عَنِّي تَحيتي
10
—
بعد
11 – فلي بين هاتيك الخيام ضنينة علي بجمعي سَمْحةٌ بتشتتي يقول: وإذا نكبت: أي نزلت هابطاً من كتب العريض جمع كثيب الرمل، وسرت معارضاً، أي مائلاً، طالباً حزوناً، وهو الموضع المرتفع لحزوى إلى حزوى سائقاً بالحدي للإبل بصوتك المشوق المذكر إلى تلك المواضع تسلك فيها موضعاً موضع، ثم هي مذكرة إلى السلوك إلى الله تعالى من مقام إلى مقام، ومن حضرة إلى حضرة من حضرات الله التي هي حضرات كوشف بها، ووصل إليها مَنْ أنت سائق إبلك إلى نحو منزله، فكذلك سائق لفؤادي إلى نيل بعض كراماته، فإذا باينت، أي جاوزت مواضع بانات كذا عن طويلع، تصغير محبة لطالع، أي صاعد بسلع، أي بموضع سلع، وهو جبل صغير بالمدينة، فَسَل عن خلة فيه حلّت.
بيان في الخُلَّة (1) العظمى بالمحبة الكبرى، والخُلة هي أن يحبّ أحد أحداً بأعظم محبته للأشياء، قال النبي: لو كنت متخذاً خليلاً لاتخذت أبا بكر خليلاً (2)، ولكن صاحبكم خليل الرحمن فليس بعد الخلّة قرابة؛ لأنّها لو زادت المحبة لغير مَنْ اتخذته كانت الخلة لمن أراد بدت له المحبة، وخُلَّة الله لرسوله محمد صلى الله عليه وسلم لا يجوز أن [تفاومها] (3) خُلة، فصح أنَّ أعظم محبة الله للأشياء، هي محبّته لرسوله، فهو حبيب الله، وخليله، فإن قلت: كيف قيل إبراهيم العلبة خليل الله، ومحمد الله؟ قلنا: ذلك إظهار لمعرفة حظ
(1) الخُلّة: ة: هي تخلّل شمائل المحبوب روحانية المحبّ حتى تتكيف بها النفس والروح وسائر الجملة الإنسانية، فتتحرك أعضاء المحبّ عن إرادة المحبوب المتحرك بها القلب فتستحيل المخالفة، ينظر موسوعة الحفني، ص 738، ويلخصه بيت الحلاج
ماقدلي عضو ولا مفصل إلا وفيـ لكم ذكر
ينظر ديوانه، ص 301، وكذلك موسوعة العجم، ص 326، وما بعدها.
(2) ينظر فتح الباري، 17/ 7، باب المناقب.
(3) كذا في س، ويجوز أن تُقرأ [تقاومها] بمعنى أن تقف إزاءها، أو ترتفع عليها.
85 (1/85)
صفحة 86
إبراهيم عند الله، والنبي معروف بغير التسمية بذلك، وإلا ففي الحقيقة أن محمداً. خليل الله تعالى، واسم الحبيب يطلق على كلّ محبوب قلت المحبة أو كثرت، ولما تذكّر الخُلة الإلهية، أي اتخاذ الله تعالى محمداً خليلاً حبيباً، وانجذب حبّه إلى حبه دوماً أن يفاض عليه من بحر حبّه. قال لزاجر الإبل إذا وصل يثرب شرفها الله تعالى وعرّج لذياك الفريق تصغير محبة لذلك، والفريق الجماعة من الناس، وأراد النبي وأصحابه الناصرين له المهتدين بهداه السالكين سلوكه، السائق الأول أولاً محبة لوصوله لوصول سلامه إلى مَنْ أراد أن يبلغهم سلامه فقال سلمت أي سلامة لك، أو لك السلامة، ثمّ كن مبلغاً عني إذا سلّمت واصلاً عُريباً هناك تحيتي، وهم النبي وأصحابه المرتضون الذين استقاموا على استقامته جميعاً، وصغَر غريباً وفيهم النبي، ولا يجوز تصغير الأنبياء، ولا الملائكة، ولا كتب الله تعالى، ولكنَّه هو لم يصغر العرب النبي وأصحابه، وإنما مراده تقليل عددهم، فهو معبر تصغير محبة لعددهم لا نفوسهم فكأنه قال: فُريقة العدد، وعظيمة مع الله، كثيرة الفضل، شديدة على أعداء الله مع كثرتهم، فافهم. وقوله فلي بين هاتيك الخيام أي البيوت ضنينة علي، وأراد ضنينة ضنينة مرتين، وإنّما اكتفى بذكر مرة اتكالاً على فهم السامع، وله في معنى ذلك وجوه، الوجه الأول: عنى بضنينة محبته، أي فلي هنالك محبة عظيمة لتلك الخُلَّة دوماً أن يفاض عليَّ منها ما يقربني إلى بعض حضراتها، وبعض مقاماتها، وهي ضنينة عليّ، متعزّزة بامتناعها بجمعي بها لقصور درجتي عن الوصول إليها، سمحة بتشتتي، أي بفرقتي بيني وبين الوصول إلى تلك المقامات العلية.
والوجه الثاني ضنينة، أي محبة عظيمة عزيزة عالية عليّة أصلها من فيض بحر تلك الخُلَّة الإلهية المخصوصة للذات الأحمدية، وما كان من فيض بحره فلا يرضى إلا أن يرجع إليه، فهي طالبة الرجوع إلى بحرها، والسلوك إلى حضراته، والتقرب إلى قُرباته فهي شديدة عليّ في طلبها الكمالات والحضرات بجمعي بها، سمحة بتشتتي، أي بتفتت كبدي، ونحول جسدي، وفنائي، وقتلي وهلاكي كما فعلت بالنبي وأصحابه في بذلهم الأموال، والنفوس لله بأشد القتال فكم تركته صريعاً، وكم راجع على حسرة حيث لم تفته المحبة الإلهية، ولم يمت بها قتيلاً، فتراه يجتهد في طلبها حتى يرى نفسه أنها قد
86 (1/86)
صفحة 87
أخذت روحه، ومات موتاً لا يرجع إلى الحياة.
فصل في آثار أفعال الخلة الإلهية بالذات المحمدية وبآثار أفعالها بمن عظم فيض بحرها إليه من أصحابه، أو مَنْ كان قبله، أو مَنْ جاء بعده بلسان المقام الأحمدي:
قال:
—
12
13
- 14
—
محجبة بين الأسنة والطبا
إليها انثنث ألبابنا إذ تثنت
منعمة خَلْعُ العِذارِ نقابها مسربلة بردين قلبي ومهجتي
(1)
- تُتيح المنايا إذ تبيحُ لي المنى وذاك رخيص منيتي بمنيتي
15 - وما غَدَرتْ في الحبّ أن هَدَرتْ دمي بِشَرع الهوى لكن وَفَتْ إِذ تَوَفَّتِ يقول: لما ذكر شوقه وحبَّه، ورغبته إلى الوصول إلى مقامات هذه المحبة الإلهية الكاشفة لمعرفته سبحانه وتعالى ناداه المقام المحمدي بلسان حاله عن حاله لصاحبه، وأصحاب صاحبه: نعم، وصحيح أنها هي الكمال المطلق، وإليها الوصول وبها إلى الحضرات والدرجات، ولكنّها محجّبة بين الأسنة (وهي الرماح)، والظبا (وهي السيوف)، وإليها انثنت، أي رجعت ألبابنا، أي قلوبنا إذ تثنّت، أي حين لانت صعوبة انقيادها برؤيتنا
لجمال نورها.
وقوله: منعمة خلع العذار، نقابها أي منعمة أي ملطفة محاسنها، وكمالاتها خلع العذار، وخلع العذار هو 1 (2) خيط على وجه المطية يربط فيه زمامها، فإذا خلعه سارت كيف شاءت، فاستعاره لخلع نقابها وهو الثوب الذي تغطي به المرأة
وجهها، يقول: قد خلعت نقابها لتفعل فينا بمحاسنها كيف شاءت من قتل أو هلاك. مسربلة بردين، والبرد الثوب يلبس وقت البرد، يقول: ملبسة بلباسين هما قلبي و مهجتي، أي نفسي ومهجتها؛ لأنَّ حقيقتها هي نورٌ في القلب تبيح لنا المنايا، أي الموت تخبره لنا أن نتهالك فيها وعليها، وهي تعدنا أن لا تبلغنا ولا تبيح، أي تسمح ببلوغ المنى
(1) في الديوان: [ممنّعة] بدل [منعمة]، والشرح هنا يشير إلى [منعمة]. (2) ما بين المعقوفين كلمة لم أتمكن من قراءتها.
87 (1/87)
صفحة 88
منها وبها إلا ببذل النفوس قبل الأموال على حكم أحكامها لا على الهوى (1) المتبع، فلذلك وجب اتباع مَنْ يجمعها فيه وكما لها في باله وبها جاز الجهاد، ووجب في مواضع وجوبه، وإلا فالنية لها لو أرادت قتله في حكمها لقادها لها وهي قد حكمت بالفناء والهلاك لأهلها.
فهي
الإلهية مع
وما غدرت، أي وما خدعت إن هدرت أي سفكت وهراقت في الحبّ دمي، وليس ذلك وفاء لما نادت به على أهلها، ولكن أن توفّت النفس فقد وفت بقولها، ووفت بتمام مرتبة محبتها لمن حلت فيه، فكيف تصح دعوى محبتها من إثر هواه بترك أوامرها، وفعل مناهيها، أو يتشاغل بشيء عنها، وكيف يدعي نظرة من محاسنها، وهو متشاغل بحبّ غيرها؟ كلا، بل كلُّ ينجذب إليها على قدر قوة نورها فيه، ولا ينفع علم ولا عمل إلا بها، الأصل، وبوجودها يصح الرضا قلّ العلم أو كثر، وبعد مهما يقع السخط والجهل الظلمي قل العلم أو كثر، وهي الكاشفة لحقائق الكائنات بنور العلم، والكاشفة للحضرات الاقتداء بنور العلم، وهي النور الأعظم، وهي المضيئة للعلم في قلب المرء وهي التي قال الله فيها نُورُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَوةِ فِيهَا مِصْبَاحُ (2) الآية، فإن قلت: إنَّ ذلك نور العلم بالله في عقل المؤمن لقول الله: نُورُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ، ومعلوم أنَّ نوره في السموات والأرض العلم به (3). فنقول: إنَّ معرفة الله في السموات والأرض، ولا تشرق معرفته بدلالة معرفته من السموات والأرض في عقل المرء إلاّ بنور المحبّة من الله لعبده في عقله فيكون المعني الله معرفته، والعلم به في السموات والأرض، ومثل نور محبته المضيء المشرق في قلب المرء من العين البصرية كالسراج المضيء على عيون أمراء العيون الفعلية فيرى بذلك السراج نور الله بالدلالة من السموات والأرض، ومن عالم الغيب، فالسراج هو نور المحبة والناظرون إلى نور الله هم الأمراء الثلاثة المضيء عليهم فيرون بعيونهم نور السموات والأرض، والدليل على أن السراج هو مثل لنور المحبة الإلهية في قلب المرء لوجود كثير من المتوغلين في العلم بتوحيد الله تعالى، والمعرفة به وعلم شرائعه وعلم الحقيقة، وعلم الطريقة والمكاشفة وهو قليل
هو
(1) في س: [الهوا].
(2) النور، الآية 35.
(3) عن هذا التأويل للنور ينظر موسوعة العجم، ص 997.
88 (1/88)
صفحة 89
الإيمان، أو ضال بتأويل ضلالي إلى مستحلّ لباطل لا يسعه ذلك في الحقيقة، ليس فيه نور سراج المحبة، وعلمه كلّه ظلمة، ومظلم، وكثير ممَّن هو قليل العلم بتوحيد الله، وقليل العلم بدينه قوي الورع لا يقدم على شيء إلا بعلم من نفسه لقادها إليها، وذلك العالم المعدم منها، أو بالسؤال شديد المحبة لله لو حكمت عليه محبة الله التي بقلبه على قَوْد نفسه لقادها إليها، وذلك العالم المعدم منها يخالف حكمها بأدنى شيء، فإن قلت: كذلك كثير ممن فيهم محبة الله من المستحلّين ما لا يسعهم في دينه ولو وجب عليه لقادها الله، فنقول: إن محبة تلك محبة نفسه لا محبة الله فيه، وكلّ واحد من هذين ففي الحقيقة ليس فيه شيء منها، ولو كانت فيه أدنى شيء منها لما طلب غير رضى الله تعالى في كلّ شيء لأنها لا تقف إلا بأعمال (1) الخالصة لها بالحق والعدل التي حكمت به، فصح أن النور نورها وهي التي تعرف الله تعالى، وهي الموصلة له إليه فافهم ذلك.
***
89
(1) كذا في س، ولعلها [الأعمال]. (1/89)
صفحة 90
[صفحة فارغة] (1/90)
صفحة 91
الباب الثاني
في الاتصال بالمحبوب بالرؤية المنامية بمشاهدة جمال المحبة الإلهية والحضرة الإلهية وهي المعرفة بالله تعالى وفي التوسل بتجريد الصفات النفسانية الخلية براية المحبة الإلهية بلسان المقام المحمدي
قال:
18
16 - متى أَوْعَدَتْ أَوْلَتْ وَإِن وَعَدَتْ لَوَتْ وإن أَقْسَمَتْ لا تبرى السُّقم بَرَّتِ 17 - وَإِنْ عَرَضَتْ أُطْرِقْ حَياءً وهيبةً وإن أعرضتُ أُشْفِقُ ولم أتلفت 1 - وَلَوْ لَم يَزُرني طيفها نحو مَضْجَعي قضيتُ ولم أسطع أراها بمقلتي يقول: متى أوعدت، والتوعد في الأصل يستعمل للشر، وليس في أفعالها شيء من الشرّ إلا لمن أطفاها عن ذاته، ومال عن أحكامها إلى ما لا يسعد، ولكن هنا أراد بعض معناه فاستعمله للتوعد في الظاهر بنحول الجسد، وتحمّل البلاء، والتصعب، والمصائب، وبنزول ذلك عليه منها وإن وعدت والوعد يستعمل لإعطاء الخير، وأراد وإن وعدت بالراحة لَوَتْ أي، ثنت، وإن أقسمت لا تبرء القسم، برت. وأراد بالسقم ألم الخوف من بعدها عنه، وذهابها منه فلا يقرّ له قرار حتى ترقيه إلى مقامات القرب، والحضرات الإلهية.
وقوله: وإن عرضت على رؤية عيون عقلي أطرق حياءً وهيبة منها ففي الظاهر الظاهر من حسن جمالها وعظمة شأنها، وفي الباطن حياء ممّن جلاها على ذاتي، وهيبة منه، وإن عرضت عن رؤيتي ولا عن ذاتي أشفق، أي أخاف أن أنسى حقها، وأعقل عن رؤية جمالها، ومحاسنها فأشتغل عنها بغيرها فأكون مستبدلاً بحبّ غيرها فتغار حتى تكاد أن تذهب بشدة الغيرة، ولم أتلفّت لأجل ذلك عنها إلى غيرها.
91 (1/91)
صفحة 92
وقوله: ولو لم يزرني طيفها نحو مضجعي قضيت، يحتمل معنيين أحدهما لو لم تُزرني طيفها، أي خيال جمالها نحو مضجعي، أي في منامي، بل رأيتها في اليقظة (1)، قضيت، أي ضعفت وهلكت في الحال، ولم أستطع أراها بمقلتي فلا أتدارك حتى أنظر جمالها بل يهلكني في أول لحظة، والمعنى الثاني ولو لم يزرني طيفها في منامي لهلكت من كثرة
شوقي إلى نظرها ولكن رأيتها في المنام، وأما في اليقظة (2) فلم أستطع أراها بمقلتي. وأعلم أنه بدأ برؤيتها، أي المحبة الإلهية والحضرة الإلهية في المنام ليكون السلوك مرتباً ترتيباً كامل النظام هكذا غالب كلّ أمر عظيم تأتي الرؤيا قبله بخير، أو شرّ، وفيما يُروى عن خديجة، وعائشة و أنها قالت: كان النبي قبل نزول الوحي عليه كثير الرؤيا فيما يدلّ على شرفه (3)، وكان لا يرى رؤيا إلا وتصدق فافهم ذلك.
قال:
19 - تَخيُّل زُورِ كان زور خيالها لمشبهه عن غير رؤيا ورؤية يقول: وقد تخيّل زوراً، وأصل معنى الزُّور المين (4)، ولكن هنا لم يُرِدْ إلا بعض معناه، أي تخيّل خيالاً باطنه على غير ظاهره، وكان من أحوالها أن تخيّل خيالاً ظاهره على غير باطنه، وإنَّه لمشبهه في ظاهر الأمر في عقل مَنْ يرى خيالها كذلك من غير رؤيا في منام، ولا خيال ظاهر في رؤية العين، بل تخيّل ذلك بالأفعال وذلك مثل ما ابتلي أهلها (5) بالفقر، ونكبات الدهر، وما يصيبه من ظلم الظلمة، ولا تدفع عنه ذلك إلى غير ذلك مما لا يعدّ من المصائب التي في ظاهرها خيالاً على بواطنها؛ لأنَّ ذلك هو معها حقيقة المحبة، وما يصل إلى أهل الظلم من الحظ والتوفيق لما يريدونه (6) ويرمونه هو في خيال المحبة، وما يصل إلى أهل الظلم من الحظ والتوفيق لما يريدونه (7) ويرمونه في خيال المحبة، وفي الباطن
(1) في س: [اليقضة].
(2) في س: [اليقضة].
(3) ينظر فتح الباري، 12/ 351، كتاب التعبير.
(4) المَيْن: الكذب، ورجل مَيُون كذوب العين، ص 799.
(5) أهلها: أي أهل تلك الحضرة العالية.
(6) في س: [يريدوه]، وما أثبتناه أصوب. (7) في س: [يريدوه]، وما أثبتناه أصوب.
92 (1/92)
صفحة 93
أنَّ ذلك هو حقيقة سخطها وغضبها فافهم.
قال:
20 - لِفَرْطِ غرامي ذِكْرَ قَيْسِ بوجده وبهجتها لبني أُمَتْ وأُمَّتِ (1) يقول: وكان يتكلم في المحبة ثم انتقل يتكلّم في حاله بها، فقال: لفرط، وأراد هنا بعض معناه فاستعاره لمعنى فيض، ولكثرة فيض بحر غرامي، أي حبّي، وبعد ساحله وغزارة قعره، وشدّة تموجه باضطرابي فيه أفاض إلى قيس لمعشوقته حتى اشتهر به فکانت ذكر شهرة قيس بحبّه وشهرة بهجتها [لبنى] من ذلك الفيض أَمَمْتُ أي قصدت أنا ببحر حبّي، واضطرب وتموّج من اضطرابي، به وفاضت قطرة من موجه قامت نحوهما، ومحبة الله أجلّ من هذا، ولكن هذا تقريب للأفهام، ويقول: إن أصل المحبة كلّها جميعاً كمالي، وبخري، وما أفيض على الخلق إلا قطرة منها وقسمت، وأصل المحبة وما وضعت في حجر امرئ إلا ليعبد الله تعالى بها، وإنّما العاصي يصرفها في غير ذلك، وأمّا فما هي لم تدنّس بشيء فلا تطلب إلا الكمال الحقيقي، وطلبت حبّ المظاهر وتركت الظاهر، وإذا تدنّست حجبها ذلك الدَّنس عن حبّ الظاهر جماله وحسن كماله في كلّ شيء] (2)، وأحبّت المظاهر الظاهر فيه جماله فأحبّت الصنعة لأجل حسنها الظاهر، وتركت حبّ الصانع وحبّ علمه وحكمته الظاهرة بتلك الصنعة مع أنّ حبّ حكمته من علمه مع ترك حبّ ذاته لم يكن خالصاً له؛ لأنَّه يحبّ الصفة ولا يحبّ الموصوف، فهو كالذي يحبّ العلم بالله ولا يحب العمل، له وحقيقة المحبة من العبد لربّه – إن صدقت بالإخلاص بدينه الحق إليه - هي محبة الله للعبد لا غير فافهم.
قال:
21 - فَلَمْ أَرَ مثلي عاشقاً ذا صبابة ولا مِثْلَها معشوقةً ذاتَ بَهْجةِ يقول: فلم أرَ مثلي محتاجاً قوياً عظيماً ذا صبابة، أي صاحب محبّة شديدة بالغة، ولا مثلها، أي المحبة الإلهية وجمال الحضرات الإلهية، والأعمال الإيمانية، وجمال الطاعة لله تعالى محبوبة ذات بهجة وسرور والبهجة نظارة أشجار البستان، وشدة زهرته.
(1) في الديوان: [بفرط] بدل [لفرط]. (2) ما بين المعقوفين مكتوب في الهامش.
93 (1/93)
صفحة 94
وقوله: عاشقاً ومعشوقته، وفي حبّ الله لا يصح الوصف فيه بالعشق (1)؛ لأن العشق إنما يطلق على حبّ المحسوسات، أو المخيلات إذا قوي كثيراً، فأما في الله، وملائكته،
ورسله، وأوليائه والأعمال الإيمانية وما أشبه ذلك فلا يطلق على الحبّ فيهم عشقاً.
فإن قلت: أفلا يقال لمن طلب بقوّة المحبة علم الشريعة والحقيقة إنَّه عاشق لذلك؟ فنقول: نعم، على معنى التوسع بمجاز اللغة، وأما في الحقيقة فلا يسمى عاشقاً، ولكن الشيخ لم يرد بالعشق هنا إلا بعض معناه فيكون قد استعار لفظه إلى قوة المحبة، وصفائها
كما يستعار اسم الأسد للشجاع، والسراج لنور الإيمان ونور العلم ونور المحبة. واعلم أنَّ المحبة التي يحبّ المرء بها محبة الله تعالى له هي هي لا غيرها فهي تُحَبّ هي، وهي تُطلب هي، وهي تحبّ معرفة الله تعالى، والعِلم به، وهي المعبر عنها بالحضرة الإلهية، أي معرفة الله تعالى لا غيره، ولا لوم على شفقة حبّها، ومتى اتصفت بها النفس طلبت الزيادة أيضاً من المعرفة إذا صحبتها قوة المحبة الإلهية، وطلبت الإخلاص لله تعالى بالأعمال الإيمانية وأحبّت الاجتهاد في تعليمها وإنّما هي تطلب الزيادة فتكون هي والزيادة هي إلى ما شاء الله تعالى، ولذلك صارت محبة المرء التي من محبة الله أشدّ كل محبة حبّاً لمحبة الله لها فافهم.
قال:
22 - هي البدر أوصافاً وذاتي سماؤها سَمَتْ بي إليها همَةٌ أَي هِمْةِ (2) يقول: هي البدر جاءت أوصافاً، أي تمثيلاً، وأراد محبّة الله تعالى الكاشفة معرفته الداعية إلى طاعته.
وذاتي سماؤه، أي أسماء له قد سَمَتْ بي إليها همة في طلبها، أي عَلَتْ بي همة، أي همة عالية؛ لأنَّ محبة الله تعالى لا تتجلّى على المرء إلا إذا طلبها، وأخلص الأعمال
(1) هذا تأويل من الشيخ يدلّ على رسوخ قدم في علم الحقيقة، جاء في موسوعة الحفني، ص 872: «العشق في جانب الله جائز ولكنه لا يصدر من الله، فالإنسان له أن يعشق الله، ولا ينطبق هذا الاصطلاح عليه سبحانه، فالعشق لا يتحقق إلا بالإدراك، وذات الله لا تُدرك، والمحبة قد تحدث بالسماع، وإنما العشق لا يحدث إلاّ بالمشاهدة، وعلى ذلك لا ينطبق على الله. (2) في الديوان: [همتي حين همّتِ] بدل [همة أي همة].
94 (1/94)
صفحة 95
الكاملة الاستقامة لها بهمة عالية، وعزم قوي، وبذل نفس ومال، وجميع ما يحبّ بذله، وصفاؤه إيمان ومبالغة وورع وعلم بالله وبدينه وبقوة اجتهاد إلى حد بلوغ المراد، مع أنها غير مأمونة من ارتفاعها عنه في كل لحظة إلا ما دام في كلّ لحظة على استقامة رضاها، فلذلك قال: همّة أي همة، وهذا يدلّ على أنه متى قصر في شيء لا يسعه أن يقصر فيه من أداء الطاعة ارتفعت عنه بالحين والحال إلى أن يرجع ويتوب فهي مثل البدر يذهب نوره ويرجع، فإن قلت: كيف لم يقل كالشمس؟. فنقول إنّه أراد أنَّ محبة الله التي ينزلها على سماء قلبه الداعية إليه إلى حبّ محبة الله هي مثل البدر في إمكان ذهاب نورها، ورجوع النور إليه، وفي اكتساب النورية من الشمس إلى مبلغ رتبته كذلك تكسب محبة الله التي في سماء قلب الولي كالبدر الزيادة في محبة الله مثل اكتساب البدر عن الشمس، وأراد بالبدر هنا القمر أو الهلال، وإنّما سمّاها البدر تعظيماً بأعظم أسمائه؛ لأنَّ الهلال هلال مع الحقيقة، وحكماء الصنعة الفلسفية في التمثيل لا مع أهل الفلك، ولا أهل العلم من 25 (1) إلى خامس من شهر الآخر، والقمر من سادس إلى عاشر، ومن إحدى وعشرين إلى 25 والبدر بدر من عاشر إلى عشرين، وأما مع أهل العلم فليالي البدر هي 13 و 14 و 15، ولو مثل المحبة الإلهية الحالة في قلب الولي مثل الشمس لكان قصور لها في التمثيل لدلالة امتناع الزيادة (2) فافهم.
هي
قال:
23
منازلها مني الذراع توسّداً وقلبي وطرفي أوطنت أو تجلت يقول: وفيه تقديم وتأخير وتمثيل، فمثل العقل سماء البدر، والعين البصرية منه کالهلال ومحبة المحبة الإلهية التي فيه كون البدر في هلاله حتى صار بها بدراً في سمائه، وهو في باطن السموات كلّها، وباطن الأفلاك كلها.
ومثل الفلك الذي فيه المنازل بجسد الإنسان المحيط بسماء العقل، ومثل المنازل التي
(1) كذا في س، وبقية الأعداد.
هو
(2) هذا تأويل فيه عمق شديد، وتغلغل أدّى إليه معرفة الشيخ العميقة بالفلك، ومنازل القمر، وربط ذلك كله بما ه فيه من شرح بيت ابن الفارض، ونرى الشيخ ناصراً اً نفسه يصف علم الفلك بأنه علم شريف جليل، ويقف عنده في كتابه (الإخلاص)، ينظر ص 188، وما بعدها.
95 (1/95)
صفحة 96
يدور عليها الهلال والقمر والبدر بمنازل مظاهر العقل الذي هو هلال، وقمر بمحبة الله تعالى وبدأ بها، ودوران أفعاله في منازله التي هي البدر، وكنّى عنها بالذراع؛ لأنها منزلة سعيدة في الفلك يدلّ على الأعمال الصالحة 1 (1) عطارد الدال على العلوم، ومقاربة نور الشمس التي هي المحبة الإلهيّة، والحضرات الإلهيّة، والأعمال الإيمانية وكتب الله ورسله، وأشار بالطَّرْف إلى العين من مظاهر بدر العقل، والطرف من منازل القمر 1 (2) القمر الدال على العين البصيرية من سماء العقل، وبرجها السرطان الماوي الدال على الظهور والمظهر، وفي ذلك إشارة إلى رقة القلب، وإلى المعرفة بالله المظهرة للذات ولمظاهر ها (3)، وإلى المحبة الإلهية المظهر، وإلى العلم المظهر، وإلى السلوك المظهر، وإلى العمل المظهر إلى غير ذلك.
ولما مثل لبدر عقله منازل كما أنّ لبدر السماء منازل (4)، وأشار إلى بعض منازل العقل إلى اليد والعين فقد أشار إلى الأذن واللسان، وتقدير البيت يقول: بعدما مثل عقله بسماء البدر والعين البصيرية منه بالهلال ومحبّة الله تعالى بنور البدر فقال: وكذلك سماء قلبي قد أوطنت المحبة الإلهية فيه يُديرها كما يدور هو على منازله، وهي في سماء غير السماء الذي هو فيها فهو في سماء باطن فلك المنازل فكأنَّه هو الظاهر وهذا في الباطن، فكذلك منازل بدر محبتي التي هي عن محبة الله تعالى منازلها منّي الذراع، أي توسيدا، يعني مذعناً لها بجميع جوارحه إذ لا يصح محبّة إلا بعمل وإلا فهي غير صادقة إذ ليست هي محبة الله لمحبة الله تعالى إذا تجلت فيه أحبّت ما يحبه له، ومنه، وفيه، وبه، فإذا حلّت بالقلب ظهرت جمال أفعالها في الأعضاء وذلك قوله انجلت أي ظهرت أفعال جمالها، كانت منزلتها طرفي، أي طرف عيني وأراد بمنازلها العين للبصر، واليد للقبض، والبسط وإظهار القدرة واللسان للكلام، والأذن للسمع، والأنف للشم، والفم للذوق، وبقية الجسد للمس.
وإنما خص العين لتجلّي الكثرة عليها في دفعة واحدة، والذراع وأراد به اليد؛ لأنَّ
(1) ما بين المعقوفين كلمة لم أتمكن من قراءتها. (2) ما بين المعقوفين كلمة لم أتمكن من قراءتها. (3) في س: [المظاهرها]، وما أثبتناه أصوب. (4) في س: [منازلاً]، وما أثبتناه أصوب.
96 (1/96)
صفحة 97
غالب كلامهم في هذا العلم بالإشارة والرموز (1) قريباً من مذهب أهل الصنعة الفلسفية في رموزهم، وأراد باليد القدرة؛ لأنها هي الأصل الأكبر التي إذا عدمت عدم بعدمها جميع أصول الصفات الإدراكية (2).
وقوله: توسد استعارة في المحبة؛ لأنَّ غالب التوسد من المرء بذراعه لا يكون إلا الخلّة لخِلّته بكسر الخاء التي هي خليلته إذا كان شديد الألفة بها، فكذلك هو قد أعطاها زمام كل عضو منه بإذعان كامل فافهم.
قال:
24 - فما الوَدْقُ إلا من تحلب أدمعي وما البرق إلا من تلهب زفرتي 25 - وكنت أُرى أَنَّ التَّعشق منحة لقلبي فما إن كان إلا لمحنتي 26 - منعمة أحشاي كانت قبيل ما دعتها لتشقى بالغرام فلبت 27 - فلا عاد لي ذاك النعيم ولا أرى من العيش إلا أن أعيش بشقوتي يقول: قد تمكنت مني المحبة، واستولت عليّ بحبّ المحبة الإلهية إلى الكاشفة في معرفته وإلى ترقي مقاماتها القريبة، وأحضرت المشاهدات بالصفات لا بالذات على سبيل الاستقامة والكمال في كل شيء حتى بلغت عبرتي بكثرة التضرع والابتهال وانسكاب الدموع وتلهب نار الاشتياق أي محبة الله ومحبة رضاه ما بلغ، فصرت أقول لعظم ذلك مني ما الودق وهو المطر إلا من تحلب أدمعي المنسكب من سحاب عبرتي، وما البرق المضيء بالسحاب إلا من تلهب زفرتي المضيء من سحاب قوة شوقي واشتياقي، وكنت
(1) هذا تنبيه ضروري من الشيخ وقفنا عنده في المقدمة، لئلا يؤخذ الكلام على ظاهره فيؤدي إلى غير المقصود
به.
(2) يقول العلامة السالمي: «اليد الواردة في قوله تعالى: {يَدُ اللَّهِ فَوقَ أَيْدِيهِمْ} [الفتح: 10]، وفي قوله: {لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَى) [ص:75]، ونحوها من الآيات هي بمعنى القدرة، لا بمعنى الجارحة، فإنها وإن كانت هي حقيقة اليد فحمل الآيات عليها محال لما يلزم من تشبيه الله تعالى بخلقه، وقد عرفت بطلانه»، مشارق الأنوار، = ص 212، عن الإمام نور الدين السالمي وآراؤه في الإلهيات د. مبارك الهاشمي، ص 191، وينقل د. الهاشمي تعليقاً لسماحة المفتي الشيخ أحمد الخليلي مفاده أنَّ «إنكار المجاز رأساً، أو إنكاره من كلام الله، وكلام رسوله ليس هو إلا مكابرة صريحة للعقل، وتحدياً سافراً للواقع»، ينظر ص 188، وقد أردنا تبيان رأي الشيخ ناصر في هذا الأمر لا نقف عنده مرة أخرى إذ ستتكرّر الإشارة إليه فيما بعد.
كي
97 (1/97)
صفحة 98
أرى في نفسي أنّ التعشق للمحبوب منحة، والمنحة هي العطية ولكن هنا أراد بعض معناها، أي لذة لقلبي وراحة لنفسي، فما إن كان لمحنتي بكثرة الشوق والوله والبلاء وتكلّف المشاق.
وأراد التنبيه على ذلك أن صحة المحبَّة لابد من تكلف المشاق وتحمل بلائها، على أي وجه جرى حكمها عليه؛ ولا بدَّ هي من أن تبليه بشدة، البلاء، ثم قال: وكانت أحشاي منعمة قبل ما دعتها المحبة إليها لتشفى بالفاء بالغرام فلبت دعوتها وأجابتها مسرعة. وقوله: لتشقى بالقاف وبالفاء- أي منعمة بالتسلي عن طلب المحبة وما تطلبه المحبة لقول النبي: حُفَّت الجنة بالمكاره وحفَّت النار بالشهوات) (1)، وأراد لتشقى، وأصل الشقوة الهلاك بالمعصية، ولكن هنا أراد بعض معناه وهو النَّصب والتعب والبلاء، واستعار لذلك الشقا مبالغة واستعارة؛ لأنه متكلم بالرمز والإشارات المتوسطة لإفهام أهل الفهم من أهل العلم.
قوله: فلا عادني ذاك النعيم أي الراحة، وفي الظاهر يتكلم بصيغة الخبر، وفي الباطن يدعو عليه بالذهاب أصلاً، ولا أرى إن شاء الله فيما أرجو منه من العيش، أي من بقية الحياة التي هي عمره إلا أن أعيش، أي أبقى مدة العمر لشقوتي، أي إلى شقوتي هذه، أي يعني وإرادتي لا أرجو أن يمن عليّ الله تعالى أن لا يحييني ما بقي من عمر إلا إلى حياة
فيها تعب طلب، محبته وقرباته ومرضاته، وحضراته.
قال:
28 - ألا في سبيل الحبّ حالي وما عسى بكم أن ألاقي لو دَرَيْتم أحبتي يقول مخاطباً أحبته ألا في سبيل، أي طريق الحبّ، حالي: أي قصدي في سلوكي إليكم بقوة عزيمة، وما أقول فيه عسى أن لا أبلغ وصالاً ولا أملك نفسي أن ألاقي بلاء، وهلاكاً، وشدة، ومحنة، فكل ذلك تركت ذكره حباً إليكم ورغبة في وصالكم لو دريتم بي
229
(1) هذا جزء من حديث قدسي، ينظر الأحاديث القدسية، إعداد وتدقيق جمال محمد علي الشقيري، ص 29 أخرجه الترمذي، وينظر جامع الأحاديث، للسيوطي، الحديث رقم (1180)، 3/ 750 عن السير والسلوك، ص 82، وفيه التخريج. وقوله عزّ وجلّ حفَّت بالمكاره) أي لا يصل أحد إلى الجنة إلا إذا تجرّع وتقبل التكاليف الشاقة
على النفوس.
98 (1/98)
صفحة 99
وقد دريتم بحالي وجميع الأحبة، وأراد المحبة الإلهية وما تحبّه المحبة، وما يتولّد منها
في السلوك بها إلى مشاهدة الحضرات الإلهية.
قال:
30
29 – أخذتم فؤادي وهو بعضي عندكم فما ضركم لو تتبعوه بجملتي (1) 3 - وَجَدْتُ بكم وجداً قوى كلّ عاشق لو احتملت من بعضه الكلّ كلَّتِ (2) 31 - بري | رى أعظمي من أعظم الشوق ضعف ما بجفني لنومي أو بضعفي لقوّتي 32 - وأنحلني سُقم له بجفونكم غرام التياعي بالفؤادِ وحرقتي أخذتم عندكم فؤادي وهو بعضي فما ضركم لو تتبعوه بجملتي، وقوله: فما ضركم بطريق الاستخبار، وفي الباطن أراد النفي أنه لا يضرهم ولا ينفعهم قوله تعالى: فكن يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا (3) فجاز بمعنى، وفي هذا ما يدلّ على أنه في أول السلوك وأول مراتب الحب لمعرفة الله تعالى؛ إذ لو استولى عليه الحبّ لاستولى على كل ذرة منه بل هو أول حظوة، ولكنّه أوله في حقه كما أخبر عن نفسه، فقال: وجدت، أي ولهت حباً، وشوقاً، وغيرة، وحزناً بكم: أي بحبكم وجداً، أي حباً عظيماً لو احتملت قوى كل عاشق من جميع الخلائق من بعضه، وهو أقل شيء منه، كلّت الكل، أي عجزت الكل من العاشقين عن حمله، ولأذاب أكبادهم وأذاب الجبال، وهذا ما لا شك فيه في حقه ولو صار كذلك أحد في حب الله، وطلب رضاه عنه لكان ذلك قليلاً في حق الله.
قوله: برى أعظمي، أي عظامي حتى صارت لا تُرى من شدة النحول، من أعظم، أراد بـ (من) هنا بمعنى أشد الشوق وذلك البعض الذي أنحل جسمي وعظامي وهو ضعف ما بجفني، والضعف زيادة المثل أو نقصان النصف، فهي كلمة تصلح للزيادة والنقصان، فإن أراد بالضّعف هنا الزيادة فيكون ما بجفنه أنقص مما برى عظامه؛ لأن الذي براها هو ضعف ما بجفونه، وإن أراد به النقصان فيكون ما بجفونه لأن الذي برى عظامه هو ضعف،
(1) في الديوان يرد البيت هكذا:
أخذتم فؤادي وهو بعضي فما الذي يضركم أن تتبعوه بجملت
(2) في الديوان [عبئه] بدل [بعضه] و [البعض] بدل [الكلّ].
(3) آل عمران، الآية 144.
99 (1/99)
صفحة 100
أي أقل مما هو بجفونه، فالحب الذي بجفونه يكون أكثر.
أو بضعفي: أي بوهني لقوتي، يقول: والذي أنحل عظامي هو بعض من عظيم شوقي، والذي بجفوني ليمنعني النوم أو بوهني لقوتي، أي لتوهينها وتضعيفها هو ضعف يزيد أو ينقص بالنصف عن الذي أوهن عظامي من حبي وأنحلني جميعاً سقم، أي تعب، وبلاء له، أي ذلك السقم وهو البلاء الذي بي بجفونكم، أو أراد إلى تجلي أوائل المحبة وأوائل بعض الحضرات الإلهيّة؛ لأنّ العين تطلق على ذات الشيء وعلى وسط لعزة العين في الشيء، وهذا كأنه لم ينظر إلا إلى الوجه والجفون، يقول: بجفونكم، أي بنظرة أو لبعض الحضرات الإلهية.
غرام التياعي، فالغرام هو الهوى والالتياع واللوعة قوة الحب، وأراد هنا شدة جوى قوة حبي بالفؤاد وشدة حرقتي بحرارة ناره، فافهم.
قال:
33 - فضعفي وسقمي ذاكراني عواذلي وذاك حديث النفس عنكم برجعة (1) يقول: فضعفي: أي فضعف قواي وشدة سقمي بقوة الحب ذاكراني، أي مذكران عواذلي؛؛ لأنهما يظهران ما أكنّه من الجوى وقوة البلاء فيعاودون عليَّ عواذلي بالعذل واللوازم لأترك ذلك وأتسلى عنه ولكن ذا العذل منهما هو عندي كحديث النفس مني وما ينبئ عنكم برجعة الجواب منكم إليّ فلا أرى أنه من العذال ولا أفهم ما يقولونه، ولا أراهم أصلاً، بل أصوِّره في النفس أنتم تراجعون بالكلام الإلهامي وإن ذلك صادر عنكم لاستغراق (2) نظر عقلي فيكم.
قال:
34 - وهى جسدي ممّا وهى جَلَدي لذا تحمّله يبلى وتبقى بليتي وهي: أي وهى هو جسدي لم يبق منه شيء كما ترونه، وهي جلدي، أي ضعف مما وهي به جَلَدي، أي من الذي ضعف عن جملة تصبري فلم يطق تصبري تحمّل الصبر؛
(1) في الديوان: [ذا كر أي] بدل [ذاكراني] و [برجعتي] بدل [برجعة].
(2) في س: [للاستغراق]، وما أثبتناه ينسجم مع الكلام.
100 (1/100)
صفحة 101
لأن تصبري كذلك أفناه الحب، وبعد فالتصبر كذا ما تحمله من الصبر يبلى فلا يبقى صبر
بعد ذلك وتبقى بليتي، فافهم.
قال:
35 - وَعُدْت بها لم يُبْقِ مِنِّي موضعاً لضُر لعوّادي حضوري كغَيْبتي يقول: وعدت، ومعنى عدت، أي رجعت في عنائي لتعرض هذا البلاء بها، أي بحال لم يبق مني موضع لوصول ضرّ بألم ووجع فلا يضرني شيء من ذلك؛ لأنّ الآلام تأتي على الأرواح والأجساد إذ كلّ روح في جسدها معاً إذا كان الجسد قد تلاشى وبقيت الروح وحدها فلا يأتيها بلاء إلا بلاء الحب، فلم يكن لعوّادي سبيل إلى عيادتي إما لعدم الآلام أنها لا تحلّ بعد ذلك فيّ، وإما لأجل عدم رؤيتهم لي، وصار حضوري عندهم كغيبتي فلا يرونني إن حضرت ولا يعرفونني (1) إن عنهم سرت. واعلم أنَّ مراده هنا بنحول الجسد هو نحول صفات النفس التي تحبّ المحبة الإلهية طهارتها في التوسل إليها لا على حكم الفرض منها عليها. والعوّاد والعذال هنا صفاتها (2) التي تدعوه إلى ترك، والعذال منها والعواد صفات الكسل وما أشبهه. والعواد مثل حبّ الجاه وحظوظ النفس وما أشبه ذلك، وذكر كل شيء غير الله تعالى وترك محبة كل شيء سوى حب محبة الله تعالى، فافهم إليه فإنه يتكلم بطريق الرمز وبراية المحبة في التجريد ومكاشفة الحضرات ومحبة الله ومحبة الله تعالى إليه، ولم يزل يترقى مرتبة ودرجة درجة في المحبة والتجريد فافهم.
قال:
هي
مثل
36 – كأني هلال الشك لولا تأوهي خفيت فلم تُهد العيون لرؤيتي يقول: وصرت كأني هلال الشك يريدون رؤيتي، وهم العوّاد والعذال ولولا بقاء
(1) في س: [يعرفوني]، وكذلك [يروني] السابقة، وما أثبتناه أصوب.
(2) يعني ' صفات النفس.
101 (1/101)
صفحة 102
6
صوت تأوهي مني بعده لم أَفْنَ (1) عن العجز عنه بالكلية خفيت فلم تَهْدِ (2) العيون لرؤيتي؛ لأن الجسم قد تلاشى وتصبري تلاشي وصبري تلاشي، ولم يبق غير نفس بها تأوه لعظم شدة بلاء المحبة، وهذا كله لبقية في النفس من النظر إلى سواء المحبوب وهي المحبة الإلهية، كما ذكرناه ومحبة مشاهدة الحضرات، وفناء الغير به من الأغيار، فافهم.
قال:
7 3 – فجسمي وقلبي: مستحيل وواجب وخدي مندوب لجائز عبرتي يقول: فجسمي مستحيل: أي منفي عني متلاش (3)، وقلبي ثابت باق (4) في بلاء الحب، وخدي مندوب، وأراد بالخدّ الوجه وبالوجه التوجّه والظهور، أي مندوب بوجهه وظهوره لجائز عبرتي، أي لطريق عبرتي حيث طلبت أمراً بقوة البلاء والمحبة والضنى، وهي بعد لم تبلغ ذلك فهي جائز عبرتها وانتحاب بكائها على نفسها حتى تبلغ المطلوب. فإن قلت كيف تبكي غيرة على نفسها ببعد المرام عنها والمحب يسلم أمره إلى من يحبه كيف شاء بوصال أو بامتناع؟ قلنا: نعم إذا كان الامتناع من جهة المحبوب، وأما هذا فالامتناع هو من جهة تقصيره من نفسه عن بلوغه تلك الدرجة.
وضمن في بيته المستحيل والواجب والمندوب والجائز، فالمستحيل هو الذي لا يسع اعتقاده ولا فعله، والواجب هو الذي لا يسع إلا اعتقاده أو لا يسع إلا فعله أو معاً، والمندوب هو المستحبّ تركه اعتقاداً أو فعلاً، أو معاً، وهو المكروه، وكذلك المندوب المستحب فعله أو اعتقاده، والجائز ما جاز تركه أو جاز فعله، ويدخل فيه المباح الذي لم يكن مندوباً تركه ولا فعله وتدخل فيه الوسائل التي لم يأتِ فيها كراهية بتركها ولا كثرة تحريض وندب على فعلها، فجمع في بيته هذا (4) في سبر آية المحبة، وأراد لزوم الاستقامة في كل قسم منها بأكمل الكمال الحقيقي ثم من بعده طرق التجريد، وطرق المحبة وطرق
(1) في س: [أفنى]، وما أثبتناه أصوب. (2) في س: [تهدي]، وما أثبتناه أصوب.
(3) و (4) في س: [متلاشي] و [باقي]، وما أثبتناه أصوب.
(4) في س: [هذه]، وما أثبتناه أصوب.
102 (1/102)
صفحة 103
المكاشفة ولا يصح التوجه إلى هذه إلا بعد إحكام تلك الأصول علماً وعملاً وتركاً، وأتى
بهنّ في سبر راية المحبّة.
بيان في أقسام السالكين إلى الله تعالى وبيان أطوار المحبّة:
لأن القاصدين إلى الله تعالى على أقسام (1) منهم من تجلت لهم شدة العقاب في الآخرة، أو لذة الثواب في الآخرة ورغب في ذلك الثواب وخاف من ذلك العقاب فأدى الطاعة لله الملك الوهاب بالإخلاص إليه بدينه الحق من غير تضييع لشيء بما ألزمه إياه، فهذا قسم من المخلصين.
والقسم الثاني هو القسم الأول ولكنه بالغ في المحبة لله والتضرع والابتهال والتعليم للعلم الإيماني والتجريد للنفس وانتهى إلى مراتب المكاشفات، فهو في الحقيقة محبّ لنفسه وهذا (2). والقسم الثالث هم الناظرون إلى الله تعالى بعين التحقيق أنه مستحق للعبادة في عبوديتهم له ولو لم يخلق جنة ولا ناراً، فهم يؤدون له الطاعة أداء ما هو واجب عليهم إليه من غير رؤية إلى جنة ولا نار مع أنهم إن ذكر وهما لم يأمنوا من سخطه وعقابه ولم ييأسوا من رضاه وثوابه يخافون عقابه ويرجون ثوابه إن ذكروهما، ولكن أصل عبادتهم لا عن طمع في الجنة وإن طمعوا، ولا من خوف وإن خافوا بل عن رؤية استحقاق له وعن رؤية واجب عليهم، ولو قال لهم لأعذبنكم لما نقصوا من العبادة أو لأثيبنكم لما وكسوها وتعالى الله عن ذلك وإنما هذا مبالغة في المثل، ولله المثل الأعلى، وهؤلاء قسم أهل التحقيق.
والقسم الرابع أن يكونوا هؤلاء هكذا ولكن براية قوة المحبة لله تعالى وتجريد النفس والسلوك إلى الله بطريق المحبة والمكاشفة، لا يريدون لأنفسهم حظاً في عبادتهم أصلاً إلا، رضاه، وهذا هو الطور الثاني في المحبة، وهؤلاء هم المحبون للمحبوب على
الحقيقة.
(1) ينظر عن أقسام السالكين موسوعة العجم، ص 451، وما بعدها، وموسوعة الحفني، ص 789، وما بعدها، والسالك
هو مَنْ سلك الطريق أي ذهب فيها، والسالك إلى الله. المتصوف الذي تاب إلى الله عن هوى نـ
هو
في طريق الحق، ومشى على المقامات بحاله لا بعلمه وتصوره.
نفسه،
واستقام
(2) كذا في
س.
103 (1/103)
صفحة 104
هو
لحكمة
والقسم الخامس هم المرادون كالأنبياء والرسل والملائكة وبعض الأولياء فهم مجذوبون بالمحبة قبل أن يكونوا مريدين وإن كانوا في الحقيقة لهم اختيار ولكن لهم الدرجة العلية، فهم معصومون عن كلّ ما لا يحبه لهم وإن زلّ بعضهم في الحضرات الإلهية ببعض ما يستحق به العتاب فلم يعصمهم عن ذلك حتى فعلوه، فإنما ربانية في إظهار إلهية من الله تعالى لهم وأن لا يشرك في حكمه أحداً، وليعلموا فضل الله عليهم أنه لو ترك عصمتهم لحظة لم يقدروا على شيء إلا به، ولا تظن أن عصمة الله لهم هي من طريق جبرهم منه فيهم على ذلك بل علم منهم في سابق علمه أنهم يكونون كذلك في اختيارهم فكشف (1) الله للخلق علم أحوالهم أنه لا يزلون ولا يخطئون وإن زلّ بعضهم قليلاً فإنه يرجع بالحال إلى الحق وأما ما يوحي عليهم به على ألسنة الملائكة فلا يمكن أن يكون الأمر في شيء على غير وحي من الله تعالى فيكون بين الشك واليقين، فهذا ما لا يسع الشك فيه ولا يجوز على حال، فاحترز الناظم في هذه الأصول أن يكون السالك فيها بطريق المحبة وفي جميع طرق النوافل؛ لأنه معتمد نظم سلوك العبادة براية المحبة، فافهم ذلك.
فصل في التجلي بعد التحلي بعد التخلي (2):
التجلي -بالجيم- هو الظهور، والمراد تجلي جمال المحبة الإلهية، وتجلي بعض حضراتها وهي المعرفة بالله تعالى، وذلك بعد التحلّي بالحاء المهملة- أي بعد أن تحلى صاحبها بحلي جمالها في كل اعتقاد وعمل وترك وحركة وسكون، وذلك بعد التخلي بالخاء المعجمة - أي بعد أن يتخلى من جميع الصفات غير المحمودة ولا المحبوبة معها، ولما تخلى من صفات نفسه و تلاشى جسده اضمحل جسمه الأول وفنت منه أعضاؤه الأولى ولم يبق إلا روحاً مطهرة، أي روحانياً طاهراً لا يحب سواها (3) خلعت عليه حلية من حلي فحلته بجسد حبّي، وأعضاء حبية، ونفس حبية، وصفات حبية.
جمالها
(1) في س: [فشكف].
(2) تأتي هذه المصطلحات مرتبة هكذا: التخلّي (بالخاء)، فالتحلي (بالحاء)، فالتجلي (بالجيم)، فالأول يعني ترك الصفات الذميمة، وبعده الأخذ بكلّ ما هو محمود فيصبح كأنه حلية، يأتي بعد هذا التجلي الذي هو أعلى المراتب، وهو ما يشرحه الشيخ هنا. وينظر عن هذه المصطلحات موسوعة الحفني، ص 678، وما بعدها، وموسوعة العجم، ص 161، وما بعدها.
(3) [الهاء] في [سواها] تعود إلى الحضرات الإلهية.
104 (1/104)
صفحة 105
وأما الروح فمسكنها من قبلُ فيها ولكن حلَّتها كذلك فما لا يليق بمحلها، وحلّتها بحلي جمالها فكان إنساناً كاملاً (1) معها لا يحبّ سواها ولا يطلب إلا إياها فهدي بها.
قال:
38 - وقالوا: جَرَت حمراً دموعك قلتُ: عن أمور جرت من كثرة الشوقِ قَلتِ 39 - نحرت لضيفي السهد في جفني الكرى قري فجرى دمعي دماً فوق وجنتي (2) 40 - فلا تُنكروا إن مسَّني ضُرُّ بينكم علي سؤالي كشف ذاك ورحمتي 41 - فصبري أراه تحت قدري عليكم مطاقاً وعنكم فاعذروا فوق قدرتي يقول: وقالوا: جرت حُمراً دموعك. قلت: لا عجباً أنها جرت عن أمور جرت هي من كثرة حرارة نار الشوق قلت ولولا تجفيف نار الشوق لها لما جرت بل استجرت، وطمت، وأغرقت. ويحتمل له وجه آخر أنها إذا نظرت مع كثرة نيران الشوق قلت في عين الناظر إلي جري دموعي دماً.
نحرت لضيفي والضيف هو النازل عليك فتضيفه بالطعام، يقول: ذبحت ونحرت الكرى، أي النوم وهو السهد وهو ترك النوم وضيَّفته في جفني قرى، والقرى هو إطعام الضيف، أي ضيفاً وطعاماً له فجرى دمعي دماً فوق وجنتي ليأكل ويشرب ضيفي من ذلك، وكل هذه استعارات إلى ترك النوم، وأنه نحره ومات فلا يرجع إليه بعد موته حياً، وأحييت السهاد بشراب دمعي وبطعام نومي الذي نحرته حتى لا تبقى له بقية.
ثم انتقل إلى ذكر ما خاطب به المحبة الكمالية فقال: إن مسني ضر بينكم، أي معكم ضرّ عظيم بكثرة الشوق إلى نظرة إليكم فلا تنكروا عليّ إذا سألتكم كشف ذاك عني ورحمتي بمسامحة النظر إليكم، فإني في أشد بلاء بمحبتي إلى ذلك فصبري عليكم، أي على ما تحبونه مني من لزومي له ومن ترك غيركم إلاه مطاقاً معي وهو تحت قدري، أي تحت قوتي، ومراد أن قوته هي فوق ذلك.
(1) الإنسان الكامل من مصطلحات القوم، ويريدون به القطب الذي تدور عليه أفلاك الوجود من أوله إلى آخره، وهو واحد منذ كان الوجود إلى أبد الآبدين تنظر موسوعة العجم، ص 108، ولعبد الكريم الجيلي كتاب عنوانه
الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل)، وهو مطبوع.
(2) في الديوان [لضيف الطيف] بدل [لضيفي السهد].
105 (1/105)
صفحة 106
وأما عنكم، أي عن نظرة من جمالكم فاعذروني بالإلحاح عليكم لذلك فإنه هو فوق قدرتي، أي قوتي لا تطيق على ذلك.
فإن قلت: وأين بيان موضع التحلى بالحاء المهملة؟ فنقول: إنه لما تخلى أولاً عن جميع صفاته، وذكر تلاشي جسده وأنه لم يبق منه بقية حتى لم يعرفوه ولم ينظروه عوّاده ولم يبق غير روح لها تأوه، وذكر هنا خطابه وجفونه ووجنته وضره، دلّ على أنه قد رجع إليه حاله مبدلاً عنها عوضها من المحبة الإلهية، ولما أشار إلى تبديل الحال بالكمال
تجلّت عليه.
106 (1/106)
صفحة 107
الباب الثالث
في وصال وقفة الموافقة بمشاهدة المحبوب المحبة الإلهية والحضرة الإلهية بذي طوى من مكة شرفها الله تعالى في أضيق وقت، وفي تصفية النفس، والأعمال الإيمانية بنوافل التصفية براية المحبة الإلهية بلسان المقام المحمدي
قال:
42
—
ولما توافينا عشاء وضمنا سواد سبيلي ذي طُوى والثنية 43 - ومنت وما ضنّت علي بوقفة تعادل عندي بالمعرف وقفتي (1) 44 - عَتَبْتُ فلم تعتب كأن لم يكن لقى وما كان إلا أن أشرتُ فأومت يقول: ولما توافينا عشاء وضمنا سواء سبيلي، أي في استقامة سيري في ذي طوى، وطوى والثنية جبل أو الطريق إليه أو فيه، وأراد بذي طوى البيت الحرام، وأراد بالثنية جبل عرفات والطريق إليه، وفيه وأراد بذكرهما التوجه إلى المحبة الإلهية التي هي قبلة، وعرفات لكل ولي لله عارف ومتوجه إليه، وهما قبلة لتوجه بعض العبادة لله إليهما جعلتا كذلك للمحبة الإلهية.
يقول: ولما قصدتها لحبها سالكاً في طريقها تعرضت إليّ وضمّتنا وقفة، ومنت بها وما ضنت، أي شحت عليّ ولم يرد بكلمة الشح إلا بعض معنى رمزاً واستعارة. يقول: منَّتْ بوصلها إلى ذاتي أي المحبة الإلهية ومشاهدة حضرة من حضراته وهي التي رأيتها في المنام، واقفتها بذي طوى، موضع قرب مكة وقفة واحدة في حين استعجال قضاء مناسك الحج بوقفة تعادل وقفتها عندي بالمعرّف (2) وقفتي، أي يعادل فضلها فضل وقفته بجبل عرفات، واستعار اسم الجبل لذات العقل وعرفات بالعرفة، وخصص وقت
(1) في س: [وما ظنّت].
(2) المعرّف: الموقف بعرفات ينظر ديوان ابن الفارض، ص 75، الهامش.
107 (1/107)
صفحة 108
العشاء؛ لأنه مبتداء فلم يحصل التجلي إلا في وقت لا يمكنه تمكن النظر الكامل إليها ولاسيما قال: عتبت، أي خاطبتها بالعتاب فلعزتها لم تعتب، أي لم تجب بعتاب ولا بغيره، ولم تظهر أن سكوتها كان عن عتاب ولا عن غيره، فكأن لم يكن لقاء بيني وبينها، وما كان بيننا من اللقاء إلا بمقدار أن أشرت إليها فأومت بوعد اللقاء ووعيد البلاء وسارت عن رؤية العين فعاتبت البين [(1) في الحين بالحين.
بيان في المخاطبة لها والتولّه بجمالها:
قال:
45 - أيا كعبة الحسن التي لجمالها قلوب أولي الألباب لبت وحجتِ
46 - بريق الثنايا منك أهدى لنا سنا بريق الثنايا فهو خير هديَّة يقول: لما تجلت عليّ بجمال وجهها، والوجه هو أول الظهور من الشيء كما يقال: نظرت وجه القوم، أو وجه الركب فقلت لها: كعبة الحسن التي لجمالها، أي إلى جمالها قلوب جميع أولي الألباب لبّت لداعيها وحجت، وصامت، وصلت، وسمّاها بالكعبة؛ لأنها قبلة لكل متوجه بالعبادة الصحيحة المستقيمة لله تعالى، ثم قال مخاطباً لها بريق، أي أنوار الثنايا منك أهدى لنا السنا، أي الأنوار، ويحتمل قوله: (الثنايا) وجوهاً من المعاني (2) أرادها جميعاً ليعلم المعاني التي هو قاصد جمعها: الأول: أنه استعار اسم الثنايا التي هي الأضراس الأربعة من مقدم الفم الذي منه يخرج النطق والكلام إلى سور القرآن العظيم وأن ذلك منها لنا بريق ثنايا أضراسنا نتلوه ونسمعه وتتجلى لنا أنواره هو خير هدية منك - بكسر الكاف -؛ لأنّه يخاطب المحبة الإلهية وذلك بأنه عتبت فلم تعتب أي فلم تتكلم بعتاب ولا بغيره من الكلام، قال لها: إنك لو لم تخاطبيني الآن في هذه الوقفة فأنوار سور القرآن العظيم الذي أنزل منكِ، ولكِ هو لنا خير هدية، واستعار لسوره الثنايا، لأنها تسمى المثاني، وتصح الإشارة بالثنايا إلى المثاني
(1) ما بين المعقوفين كلمة لم أتمكن من قراءتها. (2) إنَّ هذه المعاني التي سيذكرها الشيخ هي من تأويله وتشقيقه المعنى، وإلا فنحن لم نجدها في شرح التائية الصغرى للبوريني، وشرحها الآخر للنابلسي مثلاً، ينظر الشرحان وهما في مجلد واحد تحت عنوان شرح ديوان ابن الفارض، 1/ 130، وما بعدها.
108 (1/108)
صفحة 109
لخروج تلاوة المثاني من الثنايا وذلك بالمجاورة في الاسم والمخرج، ولاسيما هو متكلم بالإشارة والرمز والتلويح لا بالتصريح.
والوجه الثاني: أنه لما ذكر أنه تجلّت له بوجهها ولم تخاطبه وإنما أومت إليه ولم يذكر الإيماء بماذا فذكره أنه لما ساءلها وصالها وعاتبها عتاب شكية بلائه وطمعه تبسمت له حتى بدت نواجذ أضراسها، وبدا ريق ثناياها تطميعاً له بالوصال وبالسقي له من شراب ثغورها، وليس هنالك تبسم ولا ثنايا ولا ريق ولكن لما جازت الاستعارة في المشي والهرولة (1) استعار لما تجلّت له من أنوار الجمال بذلك السلوك أنه تطميع له في الوصول فاستعار للتطميع التبسم، ولأنوار الجمال أنوار الأضراس ولشرب كأس محبتها بالريق فقال: وإن لم تخاطبيني فأنوار جمالكِ الذي تجلّيت به عليّ من وجهك الكريم الكريم وما أطمع أن أشرب من محبتك هو خير كثير وهو أفضل هديتي، أي هدية لي من الهدايا التي من غيرك، وهذا يدل على أنه في أول السلوك: لأنه لم يشرب من رحيق
مائها.
وماء
والوجه الثالث: أن يكون خصوصاً للنبي صلى الله عليه وسلم في أول سلوكه فيكون المعنى: عتبت على نفسي معها فلم تعتب عليّ بل رأتني على ما تحبّه وترضاه وخاطبها بهذا الخطاب، ويكون المعنى في بريق الثنايا هو أنوار سور القرآن العظيم، فافهم ذلك.
قال:
47 – وأوحى لعيني أن قلبي مجاور حماك فتاقت للجمال وحنت يقول: وذلك السنا الذي شاهدته من جمالك وعرفت سلوكه إليك من مثاني سناك أوحى لعيني، أي إلى عيني برؤيته ومشاهدته، وأراد بالعين هنا عين قلبه أو عين بصيرة تجلى بسبب نظرها إلى قبر النبي الله وإلى المواضع التي عظمها الله تعالى، مخبراً لها عن قلبي أن قلبي هو مجاور حماك عن قريب إن شاء الله تعالى، فلأجل ذلك تاقت نفسي بهذا التطميع للجمال، أي إلى نظرة الجمال منك وحنت إليه.
عن الله سبحانه
(1) يشير الشيخ إلى الحديث القدسي الذي أثبته في أول الكتاب، وهو ما ينقله رسول الله صلى الله عليه وسلم وتعالى من أنَّ العبد إذا تقرب من الله تقرّب الله منه، وإن أتاني يمشي أتيته أهرول»، ينظر ما سبق.
109 (1/109)
صفحة 110
قال:
48 – ولولاك ما استهديتُ برقاً ولا شَجَتْ فؤادي فأبكت إذ شَدَتْ وُرقُ أيكة 49 - فذاك هدى أهدى لعيني وهذه على العود إن غنّت عن العود أغنت (1) يقول: ولولاك ما أشهدت، برقاً، أي ما نظرت أنوار برق جمالك ولا شجت فؤادي ورق - بضم الراء- حمامة تغني في أشجار أيكة فأبكت فؤادي شوقاً إليك، والأيكة غيطة فيها شجر، وكل غيطة فيها نبات كثير وهي كثيرة الرطوبة، حتى النخيل فهي أيكة، وأرادها هنا بالحمامة محبة أيكة رياض قلبه ونفسه وإن كان يصح أنّه يلمح البرق على عينه وبإنشاء الورق على الأيكة يتذكرهما أنوار جمالها وجمال خطابها فتهيج حبه، وتذكاره، وشوقه، وولهه وجواه، وانزعاجه كما قال فذاك هذا، أي البرق أهدى لعيني وهذه، أي الورق على العود من عيدان شجر الأيكة (2) غنّت بألحانها المعجبة وأصواتها المطربة المشجية أغنت عن العود أي عن الرجوع والإنشاد بالتسلي عنك وعن طلبك فإن هذا مثال ظاهر، وأراد به المثال الباطن وهو أنوار سنا الثنايا بريق الثنايا، وهو تلاوة خطابها باللسان ثم تلاوتها بلسان القلب، فافهم.
قال:
50 - أروم وقد طال المدى منك نظرةً وكم من دماء دون مرماي طلت يقول: لم أزل أروم، أي أطلب منك نظرة وقد طال المدى، وكم من دماء طالبين منك دون مرماي، أي دون ما رميت في مطلبي أنك منك طلّت، أي هدرت وسفكت هدراً وسفكاً لا إيثار فيه ولا مطالبة بأخذ الثأر ولا بالعزم، وذلك بسبب ما طلبوه منك وأنا لم أبال بذلك فأطلب أعظم مما طلبوا نظرة من تجلي جمال وجهك الكريم - بكسر الكاف-،
فافهم.
قال:
51 - وقد كنتُ أُدعى قبل حُبَّيك باسلا فَعُدت به مستبسلاً بعد منعتي
(1) في الديوان: [إلي] بدل [لعيني]، و [إذ] بدل [إن].
(2) في س: [الأريكة)، وهو تحريف.
110 (1/110)
صفحة 111
يقول: وقد كنت أدعى قبل أن أتبلى بجوى حبك، وإنما زيد في القراءة [ياء] بعد الباء (1) لإقامة الوزن، باسلاً، أي شجاعاً مع الناس في ظاهر الأمر معهم فعدت به مستبسلاً، أي ذليلاً حقيراً. والمستبسل هو المكروه، وهو المسلَّم للموت والهلاك، أي فصرت به، أي بحبك مكروهاً مسلّماً للموت والهلاك بعد منعتي، أي بعد عزتي، وهيبتي، وشجاعتي، وامتناعي عن كلّ من أرادني بضره، وأراد بذلك إظهار حاله لها عسى أن ترقّ له وهي عالمة به ولكن أظهر ذلك إرشاداً لغيره من الطالبين أنَّ هكذا حال صفة السلوك إليها وبغير ذلك لا تتجلى
بما أنا طالبه منها.
قال:
52 - أقاد أسيراً واصطباري مهاجري وأَنْجد أنصاري أسى بعد لهفتي يقول: وصرت بعد شجاعتي أقاد بحبك أسيراً ذليلاً، واصطباري: أي وصبري عن نظرة منك مهاجري أي مهاجر لي قدكرهني فلا إرادة له بوصالي وانجذابي فأطلب، وأقوى، وأغرم وأنا على حال قوة أسى، أي حباً وحزناً أدعو أنصاري، وهي الروح والنفس وصفاتهما التي أنتِ أهديتها إليهما من التقوى، والتوكل، والتفويض، والإخلاص، وذلك بعد لهفتي وهي شدة تنفس صعداء شدة جوى المحبة وحرارة نارها.
قال:
53 - أَمَالَكِ عن صدٌ أَمَالَكِ عن صَدٍ لِظَلمك ظُلماً منكِ مَيْلٌ لِعِطفة
صد،
يقول: أمالك عن صدّ، أراد بقوله: أمالك ألف استفهام، بمعنى عرضك عن سبب أي عن كراهة لشيء مني احتملت به ظلماً، أي منك عما ينبغي، أمالك، أي ميلك ذلك الصدّ الذي هو الكراهية عن صد أي عن قوى العطش بحرارة حبك فلم تنظري إليه بعطفة ميل منك إليّ بنظرة أنظرها.
وقوله: لظلمك: لا ظلمك، وإنما قصر المدّة للأم لإقامة الوزن ضرورة.
(1) يقصد [حبّيك] بدل [حبّك].
111 (1/111)
صفحة 112
وقوله: ظلماً، أراد ميلاً عما ينبغي، لا الظلم المعهود، وإنما أراد بالظلم المعروف من قوله: لا ظلمك، والمعنى لأظلمك ما كان مني ميلاً عما ينبغي مني في وصالك الذي هو أن ظلماً في جناب حقك إنما هو ظلم لنفسي لقوله تعالى {وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} (1).
حقيق
يسمى
فإن كان أمالك عن ميل عطفة منك إليّ كان عن ميل مما ينبغي في جنابك فإنِّي أراه ظلماً لنفسي لا ظلماً لك فأظهرته إليّ؛ لأن ضرره علي لا عليك فكيف لا أحبّ رفع ضرري،
ودفع ظلمي لنفسي حتى أكون على حكم الرضا معك بكل شيء وفي كل شيء.
قال:
54 - فَبَردُ غَليل من عليل على شَفَا يل شفاءٌ منك أعظمُ مِنَّة (2) يقول: فَبَرْد، أي فتبريد ألم مرض قوي عظيم قد اشتدت حرارته من رجل عليل مريض على شفا، أي على خوف من موته به وهلاكه شدته بنظرة منك يبلّ بها حشاه شفاءً منك لعلته هو أيسر شيء منك، وأعظم منة منك له.
قال:
55 - ولا تحسبي أني فنيتُ من الضنا بغيرك بل فيك الصبابةُ أَبْلَتِ يقول: ولا تحسبي أني فنيت بغيرك، أي بحب غيرك جسدي بالنحول، وفنيت نفسي عن أوصافها من الضنا، أي من كثرة المحال لمحال الحب، فإن الصبابة: المحبة، والصبا: التخلق بهواها وإعطائها القيادة إليها، بل فيك أبلت، أي أفنت ذلك مني الصبابة.
قال:
56
جمال محياك المصون لثامه عن اللثم فيه عُدْتُ حياً كميت
يقول: جمال محياك، أي وجهك المصون لثامه، أي عن حاجة اللثم، واللثم طرف العمامة يلويه على فمه، أو كل ما يستر به الفم يقول: جمال وجهك في الحقيقة ظاهر مکشوف قدر ما كشف للخلق من معرفة جماله وجلاله وكماله غير محجوب، وهو
(1) النحل، الآية 33.
(2) في الديوان: [فبل] بدل [فبرد]، و [منه] بدل [منك].
112 (1/112)
صفحة 113
مصون عن حاجة اللثم أي الاحتجاب ولكن مع شدة ظهوره فلا يراه الأكثر من أهل التقى من الورى لتشاغلهم بالنظر إلى غيره وقد استبدلوا البصل والثوم عن المن والسلوى، وأعظم من ذلك، وإنَّما هذا تمثيل، وقد عدت منه حياً باقياً، دائماً بعدما كنتُ ميتاً بالغفلة عنه، ولكن حياتي معه، أي مع جمالها كَميت بين يديها تصرفه كيف شاءت، وقد أولاها نفسه وهذا يريد به التفويض إليها في كلّ أمر والتوكل عليها في كلّ مهم.
قال:
57 - وجنبني حُبَّيك وَصْل مُعاشِري وحتيني ما عِشْتُ قَطْعَ عشيرتي 58 – وأبعدني عن أَربعي بعد أربع: شبابي وعقلي وارتياحي وصحتي 59 - فلي بعد أوطاني سكون إلى الفلا وبالوحش أُنسي إذ من الإنس وحشتي يقول: وجنبني حبّك، وإنما قال حبّيك لإقامة الوزن، وَصْل كلِّ حبيب معاشر، وحببني ما عشت قطع عشيرتي، وأراد بذلك ظاهراً هو ظاهر لفظه، واستعاره لمعنى باطن، والمعنى وجنبني، أي وأبعدني حبي لك عن وصل كل ما كان لنفسي معاشراً، أي موالفاً من الصفات أو من حبّ شيء من الأغيار، وحببني حبي لك وحبك لي ما دمت حياً قطع
عشيرتي الذين هم كانوا أصحاب النفس من الصفات والاشتغال بشيء من الأغيار. وأبعدني عن أربعي، أي منازلي بعد فناء أربع مني: شبابي في حبّك، وعقلي شوقاً إلى لقاك، وارتياحي، وصحتي، زاهداً عنها فلي رغبة ومحبة بعد بعدي عن أوطاني سكون إلى الفلا، وبالوحش من الدواب المتوحشة عن الناس أنس، إذ من الأنس الشاغلين عن رؤيتك وحشتي، وظاهره ظاهر لفظه، واستعاره لمعنى باطن، يقول: وأبعدني، أي نظر عيون عقلي عن منازلي الأولى التي كنت أجول بها نظرها فيها من النظر إلى الأغيار، والأغيار هي كل شيء هو غير الله تعالى فأجلته في عالم الملكوت، وذلك بعد فناء أربع: شبابي فنيته الطلب لخرق الحجب، وعقلي لخرق الموانع، وارتياحي، أي وكثرة نشاطي، وقوة
صحتي إذ لا تبلغ درجتها إلا بذلك حتى فني الشباب وفنت الصحة والراحة. ولي بعد أوطاني الأولى سكون إلى الفلا، أي فلوات عالم الملكوت، وهو النظر إلى حقائقها بتجلي حضرات الله تعالى عليها، وبالوحش، أي وبما استوحش الأكثرون
113 (1/113)
صفحة 114
صعوبة الارتقاء إليه لما به من تحمّل وثَبَات أُسود الصدود، وسباع الموانع الموجبة للامتناع عن كشف البرقع والقناع، إذ من الأنس، أي مما تأنس به النفوس عن الصفات، ومحبّات الأغيار وحشتي، فافهم ذلك.
قال:
60
وزهدني وَصْلَ الغواني إذ بَدا تبلجُ صبحِ الشيب في جُنْحِ لِمَّتي
(1)
61 - فَرُحْنَ بحزنٍ جازعات بعيدها فَرِحْنَ بَحَزْنِ الجزع بي لشبيبتي وشابوا وإنّي منه مكتهل فتي 62 - جَهِلْنَ كلوام الهوى لا عَلِمَنَه
(2)
يقول: وزهدني في حبك وصل الغواني، وهي النساء، إذ بدا تبلج صبح الشيب في
جنح ليل سواد شعر لمتي، واللمة الشعر المجاور شحمة الأذنين، فَرُحْن، أي فأمسين بحزن جازعات جزع كراهية لي حين رأين صبح الشيب بليل سواد شعره. بعيد: تصغير بعدما فرحن، أي من الفرح. بحَزْن الجزع أراد بالحزن هنا الغلظ والجزع الطائفة من الليل، واستعار ذلك لسواد شعره، وفرحن به لي بمعنى في لشبيبتي بكسر اللام، وإشباعها إلى أن تصير ياء - لإقامة الوزن، أي لشبابي.
والشبيبة هي الجمال (3) شابَ المرء، وماء الشبيبة يظهر في زمنها، ونور يظهر في شدّة وجه الشخص عند البلوغ إذا كان الوجه قوي البياض مليء اللحم، رقيق البشرة، حسن الدمة (4)، ممتزجاً بين البياض القوي والحمرة المعتدلة، فيظهر له رائج له نور كأنه كوكب في باطن بشرته يتلالأ نوره، وغالبه يأتي في الشبان وإن أتي في أحد من النساء مع كمال صورتها واعتدالها في كل شيء فهي التي تدعى بوحيدة العصر، ولعل في زماننا هذا قلَّ ما يوجد ماء الشبيبة في أحد لعدم وجود الشروط التي ذكرناها، ثم لا تدوم كثيراً من السنين فيمن ظهرت فيه (5)، فافهم.
(1) في الديوان: [وزهد] بدل [وزهدني] و [في وصلي] بدل [وصل].
(2) في الديوان: [وخابوا] بدل [وشابوا]، ويشير المحقق في الهامش إلى [وشابوا] في إحدى نسخ الديوان. (3) في س: [الجمل]، واجتهدنا في وضع [الجمال] أنساً بالسياق، و [شاب] بمعنى خالط.
(4) الدمة: هي
القطعة من الدم العين، ص 258، يريد حمرة الوجه.
(5) هذه لفتة اجتماعية من الشيخ ذات دلالة، وهي تنفع في درس المجتمع العُماني في تلك المرحلة لمعرفة أسبابها، وخصوصاً أنَّ الشيخ لم يفصل الحديث عنها.
114 (1/114)
صفحة 115
وأما الحزن الأول من قوله، فهو حزن الهم معنى والجازعات هو جزع الحزن الهمّي مع الخرف، كالفزع، جهلن فَضْل الشيب، ولا علمنه: أن فيه السكينة والوقار 1] (1)، وأنَّه نذير الموت المخوف من العذاب الداعي إلى الثواب، والجمال المطلق. كلوّام الهوى، أي الحبّ في الله جهلوا فضله، وكرهوا السلوك إليه لصعوبته وكرهوه للسالكين، وشابوا جميعاً النساء الجازعات منه والمجزوع منهم فلم ينفع جزعهم، وإنّي منه، أي الفرح به كأني مكتهل فتي، أي فتي نسب نفسه إلى سن الفتوة وإنَّما لم يحرّك الياء بالضم والتشديد لأجل القافية، هذا في ظاهر معناه، وفي الباطن يقول: وزهدني وصل الغواني، أي صفات النفس وما كانت معانقة لها بحبّها لها من الأغيار، إذ بدا تبلج صبح بياض جلاء العقل والنفس بطلوع شمس جمالك على ليل شعر صفات رأسها، أي النفس، فَرُحْنَ الصفات وما عانقته بحبها من الأغيار نحرن مشارعات خائفات مني كارهات في بعد ما فَرِحْنَ بتراكم ليل هواها في ضياء شبابي، جهلن أني العين الغريزية والمدبرة وحواسها الخمس فضل تعب الحب وأنوار جمالك الأعظم المطلق، فكنَّ كلوّامي عن سلوك سبيل الهوى مثل الكسل والهوى [الداعيين] (2) إلى الترك وطلب الراحة حتى شابوا جميعاً، أي صار الكل بذلك مني على السكينة والوقار متنورين بنور المحبة والإيمان، فهم في الحقيقة مني جسد وإياهم، مكتهل فتيّ؛ لأني على أكمل اعتدالي في حياتي.
قال:
!
63 - وفي قطعي اللاحي عليك ولات حيـ ن فيك جدال كان وجهك حُجَّتي 64 – فأصبح لي من بعد ما كان عاذلاً به عاذراً بل صار من أهل نجدتي يقول: وفي قطعي الكلام اللاحي، أي اللائم لي في حبّك وعظم تولهي، وتحمّلي لبلائه وهو يلومني على ذلك حيث لم يدر (3)، ولم يعلم بمن فنيت حبّي فيه، ولا يخفى عليك حالي ولو لم أعذر به، ويحتمل أن يكون هنا عليك بمعنى فيك؛ لأنَّ حروف الجر قد يقوم بعضها في مواضع مقام غيره منها فيكون المعنى اللاحي اللائم لي بحبي فيك. وجادل:
(1) ما بين المعقوفين كلمة لم أتمكن من قراءتها.
(2) في س: [الداعيان]، وما أثبتناه أصوب. (3) في س: [يدري]، وما أثبتناه أصوب.
115 (1/115)
صفحة 116
وحاج، ولات حين التاء استعملت زائدة، فيك جدال: أي وليس وقت يصح فيك جدال. ولما ظهر له أمري أنَّ وَلَهَ حبي لك أذعن وكفَّ فكان وقوفه عن لوم وما كان إلي وجهك حجتي عليك في الكفَّ وفي الدعاء له بالسلوك منه إليك؛ لأنَّه إذا كان معه حبّ كل شيء
سوا
واك إلى حبك يستحق الملام، وفيك ينقطع الكلام، أليس ذلك ما يكفي كلّ عاقل أن يكتفي ويحبك حب ما كان حبّه لك.
وقوله: فأصبح لي من بعد ما كان عاذلاً عاذراً، بل صار من أهل نجدتي، أي من أهل نصرتي، وظاهره ظاهر لفظه، وباطنه أراد به الكسل والهوى فصار الهوى، أي الحبّ هو من أهل نصرتي، والكسل هو الذي يدعوني ويحبّني لما تجلّى لهما بعض جمالك. 5 6 – وحجي، عَمْري، هادياً ظلَّ مُهدياً ضَلالَ ملامي مثل حَجي وعُمْرتي يقول: وحجي عمري: أراد بعمري قسماً يميناً، أي ومما حجي لعمري، بعدما ظنّ أنّه كان هادياً بملامي، ظل عارفاً نفسه إن كان مهدياً إلى ضلال ملامي عن التلذذ بتحمل بلاء حبك مثل لومه لي عن تحمل البلاء في قضاء حجي وعمرتي، أن لو لامني في ذلك لكان ذلك بالسوى؛ لأن كل سلوك من هذين الوجهين فيه تحمل مشاق.
قال:
66 - أرى رَجَبا سمعي الأبي وَلَوْمي الـ مُحرَّمَ من لؤم وغِشّ النَّصيحة يقول: أرى سمعي الأبي عن الانقياد إلى استماع اللوم رَجَباً المعظم صومه (1) والمعظَّمة زيارة النبي فتحملت المشاق في صومه، وفي زيارة إلى قبره، ولومي، أي الذين هم كانوا يلومونني (2) في تحمل المشاق لما عرفوا فضل ما عرفوا، ورأوا المحرم عليهم عن التحري منهم عليَّ في لومي عن قصدي، ورأوا غش النصيحة منهم إليّ فأذعنوا، وقال: رأى سمعي والرؤية بالعين فدل على أنه رأى سمع وأن السمع والرؤية في العقل من شيء واحد بخلاف السمع الظاهر والبصر (3
قلبه،
(3)
(1) في هامش الديوان أن المقصود بـ (رجب) هنا هو الأصم وليس الشهر، كما أوّله الشيخ، أي إِنَّ سمعي أصمّ عن سماع اللوم، وينظر كذلك شرح الديوان 1391، ففيه كلام قريب من هذا.
(2) في س: [يلوموني]، وما أثبتاه أصوب.
(3) في س: [والبصير]، وأثبتنا [البصر] لتلاؤمها مع السياق.
116 (1/116)
صفحة 117
(1)
الظاهر، وأراد بالعاذل النفس، والمعذول الملوم الروح، فإنَّ عند أهل هذا العلم أن للعقل ثلاث عيون أحدها النفس المدبّرة وهي بمنزلة ساحر قد تعلمت التخييل والسحر من الشيطان وصادقته وليس من أدنى، وصادقته في عموم جميع العباد بل في كذلك الذي هم هي فيهم ولو لم يأتِ (2) بيان ذلك في كل موضع، ونظرها من الحواس إلى المحسوسات والعين الثانية الغريزية وهي بمنزلة الملك القوي القاهر، ولا يطلب إلا الفخر الدنياوي من حيث ما طلبه من جهة العلم الديني والدنياوي ونظرها من الحواس إلى المحسوسات، ولها نظر من عالم المثالات والخيالات، وهذه العين والعين المدبرة يسمونها النفس.
والعين الثالثة البصيرية هي بمنزلة نبي ورسول من الله تعالى إليهما معصومة عن الخطأ، والزلل (3)، ونظرها إلى الله تعالى بالصفات لا بالذات وإلى محبة الله، وفيها يتجلى جمال نور محبة الله ذي العظمة والجلال، وهذه هي الداعية للنفس ويسمونها الروح (4)، وهي
عن
(1) كأنَّ الشيخ يريد [المتصوفة بقوله [أهل هذا العلم، ولم أجدهم يقسمون هذا التقسيم، بل نراهم يتحدثون عن العقل وقسميه: الغريزي والمكتسب، أو العقل الذي يبصر أمر دنياه، والآخر الذي يبصر أمر آخرته، مع مصطلحات أخرى مثل: العقل الأول، وعقل حجة، وعقل عاشر، وعقل الفطرة، وعقل فعّال، وغيرها، ينظر العقل موسوعة العجم، ص 646، وموسوعة الحفني، ص 876، وما بعدها، ولكنّي لاحظت أن الشيخ بعد أن ينتهي من القسمين الأول والثاني يقول: وهذه العين أي الغريزية، والعين المدبرة يسمونها النفس، وكأنه يفيد من مباحث الفلاسفة في النفس إذ نجدهم يتحدثون عن أقسام لهذه النفس وقواها = منها النباتية، والحيوانية، والإنسانية، وكلّ واحدة منها تقسم أقساماً يقترب بعضها من تقسيم الشيخ في المتن. ينظر عن النفس وقواها: أحوال النفس، ابن سينا، ص 57، وكتاب النفس، ابن باجه، ص 278، وما بعدها، والنفس والروح في الفكر الإنساني، د. يوسف محمود محمد، ص 91، وما بعدها. كما يتحدث المتصوفة عن النفس ويجعلونها أربعة أقسام هي: الحيوانية والأمارة، واللوامة، والمطمئنة، وهناك اقتراب بينها وبين ما قرّره الشيخ في المتن، ينظر موسوعة، الحفني، ص 984، وما بعدها، وينظر كذلك كتاب الشيخ (الإخلاص)، ص 558، وما بعدها ففيه حديث
مفصل عن (النفس) و (الروح). (2) في س: [يأتي)، وما أثبتناه أصوب. (3) في س: [وزلل]، وما أثبتناه أصوب.
(4) من الواضح أنَّ الشيخ يفرّق هنا تفريقاً حاسماً بين النفس والروح، وبهذا قالت جمهرة من المتصوفة والفلاسفة، وإن جعلها آخرون شيئاً واحداً، وهذا التفريق مهم في بابه؛ لأنه يبعد الشيخ ومعه السلوكيون العمانيون عن أهل التصوف الفلسفي الذين ذهبوا إلى أن الروح في حقيقتها جوهر روحي مستمد من الله ... وأن النفس والروح عندهم بمعنى واحد، وأن الاختلاف في اللفظ دون المعنى، ينظر النفس والروح في الفكر الإنساني، د. يوسف محمود محمد، ص 141. وأهل التصوف الفلسفي أخذوا بما لم يأخذ به الشيخ وأمثاله من أقوال أخرى كوحدة الوجود، والحلول، والشطح، وما إليها، وعلى هذا فإن الروح عند الشيخ شيء استأثر الله بعلمه، ولم يُطلع عليه
117 (1/117)
صفحة 118
التي ذكرها الله تعالى {قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبّي (1) أي أمر رباني شأنه عظيم، وهذه القوة لا تبقى في الكافر يوم القيامة بل لا تبقى فيه غير النفس الغريزية والنفس المدبرة أحدهما اللاحي واللوام، وهما اللذان لما كشفت العين البصيرية لها حين انقادتا لها وأذعنتا إليها نور جمال المحبة الإلهية وجمال ما جلَّت لهم من جمال الحضرات الإلهية، عرفا صدق قولها، ورأيا محرّم اللوم، وغشّ النصيحة إلا لأنفسهما وما رجع صلاح أتباعهما إلا إليهما، وفي الحقيقة إن محبة الله المتجلية عليها ومنها هي الداعية إليهما إلى طلب المحبة أيضاً وإلى مشاهدة الحضرات الإلهية فافهم ذلك.
قال:
67 - وكم رام سلواني هواكِ مُيمّماً سواك، وأنَّى عَنْك تبديل نيتي يقول: وكم رام: فالرَوْم الطَّلب، ولكن هنا أراد بعض معناه، أي أحب هواك، أي حبك، وسلواني، أي سلوتي ولكن أراد هنا بعض معناه أي بعدي والمعنى: وكم مرة أحب حبك بعدي الداعي إلى الإياس عن تجلي نظرة منك لي ناسياً فأكون بالإياس ميمماً، أي قاصداً سواك، وأنّى: أي وكيف يمكن عنك تبديل نية من نظرك نظرة واحدة ولو عُمر عُمْرَ الدنيا لما انقطع طلبه ورجاه.
قال:
68 - وقال: تلاف ما بقى منك، قلت: ما أراني إلا للتلاف تلفتي يقول: وقال حبّك بلسان حال الامتناع الشبيه بالإياس تلاف، أي تدارك حياة ما بقي منك حياً، قلت: ما أراني، أي ما أرى نفسي في تلفتي وطلبي ورغبتي إلا للتلاف، أي للتعرّض للهلاك بكلّ ما بقي مني حياً فكيف أتلافي (2) حياة ما أتمنى إتلافه.
أحداً من خلقه، ولا يجوز العبارة عنه بأكثر من موجود لقوله: (قل الروح من أمر ربي)» على حد قول الجنيد، ينظر الفرق بين الروح والنفس، قسطا بن لوقا، ص 83 وما بعدها، ومعجم المصطلحات الصوفية، أنور أبو خزام، ص 91، وموسوعة الحفني، ص 772، وما بعدها.
(1) الإسراء، الآية 85.
(2) في س: [أتلافا].
118 (1/118)
صفحة 119
قال:
69 – إبائي أبى إلا خلافي ناصحاً يحاول مني شيمةٌ غير شيمتي يقول: إبائي أبى: أنفتي أنفت استماع لوم وعذل كل من جاءني به ناصحاً عن حبّي وسلوك سبيله ولو يريد مني إبائي، أي أنفتي عنه إلا خلافي له يحاول مني تطبع شيمة غير شيمتي التي قد طبعت روحي عليها، وأراد هنا بالشيمة بعض معناها، أي طبعاً غير طبعي الذي قد انطبعت به روحي ونفسي، وظاهره ظاهر اللفظ وباطن معناه خطاب الروح للنفس، وذلك قبل انقياد أمرها بالكلية إليها.
قال:
70 - يَلذُّ له عذلي عليك كأنما
منه مني وسلواه سلوتي
يقول: يلذ له، أي اللاحي اللائم العاذل عذلي، أي عذله لي عليك بمعنى فيك، وذلك قبل علمه بحبي أنه فيك كأنَّما أي كالذي يرى منه وصلة مني إليه، وأراد كأنما كأنه يرى في نفسه منه مني وصلته في الفرح بها كذلك فرحه بعذلي، ويظن أن سلوتي ممكنة لي مثل إمكان سلواه من ذلك، والسلوة تفرّغ النفس من كل هم حبّي وغيره من الهموم، ولم يدر أنَّ ما بي قد صار طبعاً منطبعاً لا يزول لشدة تمكنه ولمشاهدتي جمال ما شاهدت. فصل في التجلي على التباين بعد الاتصال بالمحبوب
اعلم أن هذا السالك صوّر في دلالته أنَّ أول هيمانه بمحبوبه رآه في النوم، وهام به وأنه اتصل به وقت العشاء في طريق مكة الحب، قاصداً لقضاء حجّ المحبة في موضع طوى، والثنية، وأراد به جبل عرفات المعرفة والمشاهدة، وأنه في ذلك الحال لم يكن حال وقوف بينهما؛ لأنهما في حال إفاضة، وقضاء مناسك، ولكن أومت إليه بالاتصال بعد قضائه مناسك شروط المحبة والتوجه إلى طواف قبلتها فذكر ما ذكره من خطابه لها، ثم أراد أن يذكر تحسره على بينونته عن مشاهدة جمالها وجمال ما أبدت به من الحضرات الكمالية في تلك الوقفة، وهذا تمثيل ظاهر وله في الباطن [و] مثال (1)؛ لأنه يمكن أن يكون هنالك
(1) من هنا ينتهي السقط في الأم، وسيبدأ الترقيم كما هو موجود في الأصل أي [5 و]، مع المقابلة من ة مع س، وهو ما أشرنا إليه سابقاً، وسنشير إلى موضع السقط الثاني في موضعه.
119 (1/119)
صفحة 120
تجلت لذاته نور المحبة من الله تعالى له وطلب رضاه عنه وطلب السلوك إلى ذلك، ولم تجد في نفسه تلك القوة في كثرتها وتلك الشدة في إزعاجها فلم يزل يطلبها ويجتهد)) د (1) في تصفية نفسه وعلمه وأعماله، وكلما ازداد شوقاً إلى طلب محبة الله ومحبة رضاه عنه ومحبة السلوك إليه، ومحبة تعليم السلوك، ومحبة الاجتهاد فيه، وكل ذلك لا يكون إلا إذا قويت محبة الله التي بقلبه، ومع ذلك يخاف أن تكون تلك المحبّة نفسه لذلك، لا بمحبة الله تعالى كما ترى ذلك من المستحلين بما لا يسعهم، ويكفرون به عند الله تعالى وهم على هذه الصفات في الظاهر، فيدلّ على أنَّ تلك المحبة ليست هي محبة الله فيهم وإنما هي محبة العين الغريزية والعين المدبرة، فلذلك صار يهفو على محبة الله ولا يعرفها إلا بمعرفة سلوكه على الحق في كل شيء وقوة رغبتها بعد ذلك، فافهم.
قال:
1 7 – ومعرضة عن سامر الجفن راهب الـ فؤاد المعنى مُسلم النفس صدَّتِ يقول: ومعرضة: يحتمل أن يكون الواو هنا بمعنى رُبَّ، معرضة نكرة لم يرد بها محبوبته على الخصوص بل كل من هي كذلك، وإنّي كذلك حالي معها وحالها معي، ويحتمل أن يكون ليس بمعنى رُبّ، بل أراد وإني كلما ذكرتها وذكرت نفسي بها ومعها في حين اتصالي بها كذلك أقول في حال بها وهي معرضة عني.
ولعل الأول أصح، يقول: ورُبّ معرضة صدّت، والصدّ القلي والميل. فإن كان أراد بها نكرة أرادهما معاً، وإن أراد بها المحبة الإلهية والحضرة الإلهية كان بمعنى [الميل والميل يكون] (2) بمعنى أحبّت وأخرت وكذلك أراد بصدّت، أي أخرت وأحبت التأخير لأمر يوجب التأخير.
والأول بمعنى النكرة في هذا البيت أصح، صدّت عن سامر الجفن، أي ساهد العين بقوة حبّه، بها راهب أي خائف وَجِل الفؤاد المُعنّى: أي العاشق إليها، خائف من صدودها، مسلّم النفس لا عيب ولا عتب في حبه لها، وصدّت مع هذا كله فهذا مما يمكن
(1) في س: [ويجهد].
(2) ما بين المعقوفين مكتوب في الهامش في الأصل.
120 (1/120)
صفحة 121
بين الناس وكذلك يمكن من هذه المحبة الإلهية والحضرة.
عن سامر الجفن يعني نفسه على هذا الوجه، راهب الفؤاد أي خائف وجل القلب المعنى: أي الشديد المحبة مسلّم النفس لأمر لا يحيط به علماً إلا الله ويصح أن تكون صدت، بضم الصاد- فيكون الضمير راجعاً (1) إلى النفس، وأنها صدت عن نظر الحضرات وجمالها وجمال المحبة الكمالية، فافهم.
قال:
عمري،
2 - تناءت فكانت لذة العيش وانقضت بعمري فأبدى البين مداً لمدّتي (2) 73 - وبَانَتْ فأما حُسْنُ صبري فخانني وأما جفوني بالبكاء فأوفت (3) يقول: تناءت رؤية جمال المحبة وجمال الحضرة عن نظري فكانت لذة العيش، أي الحياة بمشاهدتها، وانقضت المشاهدة، وانقضت لذة الحياة بعمري، أي مع كذلك انقضى بانقضائها فأبدى البين مدداً، وأراد بأبدى أظهر، وأراد بالبين الموت وإن كان معناه الفرقة وأراد بقوله: مداً، أي مدداً. وقوله: لمدتي فاللام بمعنى إلى، والمعنى وأبدى الموت لي مدداً منه إلى مدة حياتي، فإن قلت: كيف يمده الموت بمدده وقد انقضى عمره؟ قلت إنه أراد مثلاً أنه قد انقضى عمره الذي يعرف فيه صحته، وما بقي من العينين الباصرتين (4) [5] وإن طال به المدى فهو في غرغرة الموت لا حياً مع الأحياء ولا ميتاً مع الأموات، وبانت عنه: أي وفارقت رؤيته لها وإليها. فأما حسن صبري فخانني أي ذهب وفني، فلم يبق منه شيء يصحبه، وأما جفوني بالبكاء فأوفت الغاية والنهاية، وأراد بهذا أنّ التخلي والتجلي لا يكونان في كل لحظة، وأنّ تخلّي المرء من كل شيء مما هو غير الله وتجلى عليه في ذلك الحال شيء من مكاشفات جمال حضراته بالمحبة من الله إليه، وهي لذة الحياة معه، وذلك يدوم ولاسيما في ابتداء السلوك، ومتى ذهب عنه ذلك الحال صار كأنه غير حيّ مع
لا
(1) في الأصل و [س]: [راجع]. (2) في الديوان [فأيدي] بدل [فأبدى]. (3) في الديوان [فوفت] بدل [فأوفت].
(4) في س: [وما بقي من حياته].
121 (1/121)
صفحة 122
الأحياء المكاشفين، ولا ميتاً مع الذين لم يكاشفوا أبداً، فافهم، فإنّ لكلامه معاني ظاهرة ومعاني باطنة.
وقوله: وخانني صبري، أراد في الباطن خانه صبره أن يبقى على تلك الحالة، والعين أوفت بالبكاء فاشتغلت به عن الرؤية والمشاهدة، وأراد في الباطن عين العقل، والمعنى الباطن مطابق للظاهر؛ لأنَّه يصح أن يقال حزناً على فراقه لتلك الحالة التي شاهد (1) فيها
جمال الحضرة الإلهية.
واعلم أن لكلّ حضرة اسماً (2) من أسماء الله أو صفة؛ لأنَّ كل صفة تجلت عليه فهي حضرة تلك الصفة، أو لذلك الاسم، وكلها يطلق عليها الحضرات الإلهية (3)، ولذلك يخص اسم الحضرة باسم الحضرة الإلهية لأن التي تتجلى على المرء في حال سلوكه لا تعرف أيَّ حضرة تتجلى عليه، وإن كان الابتداء في الترتيب بالمبتدين حضرات الأفعال فإنَّ حضرات الأفعال كثيرة، فلا يمكن أن يخصص اسم حضرة تجلت له باسم؛ لأن ذلك لا يعرفه المفسّر، ولا الناظم للسلوك، ولو قال حضرة كذا مثلاً تجلت له حضرة اللطف فيمكن أن يكون غيرها، فإنَّ الحضرة الربانية مع أهل هذا العلم في اصطلاحهم هي غير الحضرة الرحمانية، وغير الحضرة الرحيمية، وغير الحضرة القدسية، فأما حضرات التجريد فكلها تسمى الحضرة القدسية وكل حضرة هي معنى اسمها، وكذلك المحبة ولذلك نخصها بالمحبة الإلهية لا باسم غير ذلك؛ لأن لكل حضرة محبة؛ لأنه إذا تجلى على عبده بحضرة فقد أحبّ أن تتجلى له بتلك فتكون تلك المحبة وتلك الحضرة كل منهما منسوبة إلى تلك الصفة، وليس المراد أنه لا يجوز تسميتها إلا كذلك شرعاً، وإنما
(1) في الأصل و [س]: [شاهده]، وما أثبتناه أليق بالسياق. (2) في الأصل و [س]: [اسم]، وما أثبتناه أصوب.
(3) الحضرات الإلهية خمس حضرات هي: حضرة الغيب المطلق، عالمها عالم الأعيان الثابتة في الحضرة العلمية، وحضرة الشهادة المطلقة تقابل الأولى، وعالمها عالم الملك، وحضرة الغيب المضاف، وعالمها عالم الأرواح الجبروتية والملكوتية وهي عالم العقول والنفوس المجردة، وإلى ما يكون أقرب من الشهادة المطلقة، وعالمها عالم المثال ويسمى بعالم الملكوت، والخامسة هي الحضرة الجامعة للأربعة المذكورة وهي الحضرة الواحدية، وهي مظهر الحقيقة الأحدية وتسمى حقيقة الحقائق، وحضرة الجمع وحضرة الوجود، ينظر عنها موسوعة الحفني، ص 720، ومعجم المصطلحات الصوفية، د. أنور أبو خزام، ص 75، وسيتحدّث الشيخ كثيراً فيما بعد عن هذه الحضرات، وقد مرَّ شرح (الحضرة) فيما سبق.
122 (1/122)
صفحة 123
المراد كذلك في اصطلاحهم مثلاً لو شاهدت ربوبية الله تعالى في كل شيء مشاهدة حضور، وأدهشتك عظمتها فيك، وفي كل شيء فهي الحضرة الربانية والمحبة الربانية، وكثير من الملائكة نظرهم إلى الحضرة الربانية لرؤيتهم لنفوسهم بذل العبودية ورؤيتهم إلى الله أنه ربهم وأنهم عبيده، فلذلك ترى أدعيتهم غالبها: ربنا ربنا، ولو بسطنا القول في معرفة كلّ حضرة بشرحها لأفضى ذلك إلى مجلد متصوف (1)، وبهذه الإشارات كفاية
فافهم. قال:
74 - فلم ير طرفي بعدها ما يَسُرّني فنومي كصبحي حيث كانت مسرّتي يقول: فلم يَرَ طرفي، والطرف موضع الهدوب من العين، وأراد فلم ير بصري، وفي الباطن: بصر بصيرتي بعدها شيئاً [يسرني (2) أن ينظر إليه.
قوله: فنومي لصبحي يحتمل وجوهاً من المعاني: أحدها أراد فوهبت نومي، أي نوم ليلي) لصبحي الذي هو محل يقظتي (4)، أي وهبته ليقظتي (5) وجعلت ذلك كله يقظة تذكار أو شوقاً [و] إلى حيث كانت مسرّتي، أراد في الظاهر حيث تلاقينا في ذلك الموضع، وأراد في الباطن إلى حيث كانت مسرّتي، أي حيث المشاهد الإلهية بالصفات فاكتفى بذكر المحلّ عن ذكر ما يُستعمل فيه.
والمعنى الثاني: فنومي لصبحي، أي أجعل نومي كله من أول ليلي إلى صبحي حيث كانت مسرتي، أي حيث أبلغ مطلوبي فيكون هنا مراده بالنوم الراحة، والليلُ ما دام في حال غير المشاهدة، والصبح المشاهدة ورؤية جمال التجلي بظهور أنوار جمال الحضرة الإلهية والمحبة الإلهية، وهي حيث كانت مسرتي، أي هو جهتي التي كانت فيها مسرّتي،
(1) إنَّ ما يؤكد كلام الشيخ ناصر هي تلك الجمهرة من البحوث عن الحضرة وأنواعها في كتب المتصوفة إذ لو جمعت لكانت مجلداً كبيراً على حد قوله، ولكنه التزاماً بالاختصار الذي أخذه على نفسه اكتفى بذلك القدر من
الحديث عنها، وإلا فإنَّ دروبها متشعبة، ومسالكها كثيرة.
(3) ما بين
(2) ما بين المعقوفين مطموس في الأصل، والزيادة من س. المعقوفين مطموس في الأصل، والزيادة من س. (4) ما بين المعقوفين مطموس في الأصل، والزيادة من س. (5) في الأصل و [س]: [يقضتي] و [ليقضتي].
123 (1/123)
صفحة 124
فقال: فنومي، أي فراحتي وهبتها لصبحي، أي بمشاهدتها جمال المحبة، وجمال الحضرة الإلهية، ويحتمل فنومي، أي نفسي تبعاً لصبحي، أي لعين بصيرتي لتتوجه بها حيث كانت مسرّتي، وهو تجلي المحبة والحضرات الإلهية فافهم.
قال:
75 - وقد سخنَتْ عيني عليها كأنها بها لم تكن يوماً من الدهر قرت يقول: وقد سخنت عيني حزناً عليها، أي فراقي لها كأنها لم تكن يوماً من الدهر، وهي يوم اتصالنا قرّت بها، أي فرحت بها حتى جرت العين من شدة الفرح بدمع بارد، والعرب تسمي دمع الحزن سخناً وحراً، ودمع الفرح قرّاً أي بارداً، والقر هو البرد، كما أنَّ فصل الصيف القوي الحرارة هو الحرّ، فيقولون للدعاء بالشر والحزن أحرّ الله عينيه، وللدعاء بالفرح والسرور أقرَّ الله عينيه، وقد يستعمل أقرّ الله عينيه، أي أسكن دموعها، ولكن يحتمل أنه دعاء لشر أو لخير؛ لأن قرارها بالسكون عن الدموع يمكن أراد الدعاء بتخفيفها أصلاً حتى تغسل رطوبتها، فافهم.
قال:
76 - فإنسانها ميت
فضله
ودمعي
وأكفانه ما ابيض حُزناً لفرقتي
يقول: فإنسانها، أي إنسان عينيه، وأراد فصاحبها ميت ودمعي غسله، وأكفانه بياض ما ابيض من عيني حزناً لفرقتي وذلك قوله تعالى: {وَابْيَضَتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ
كظيم (1).
قال:
77 - فللعين والأحشاء أَوَّلَ هل أتى تلا عائدي الآسي وثالث تبت يقول: فللعين تلا الآسي، وأراد هنا بالتلاوة الذكر، والآسي: أصله الطبيب، ولكن هنا أراد العالم بحالي، أي فللعين لما رآها أنها قد ذهبت أصلاً تذكر قوله تعالى: {هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنسَنِ حِينٌ مِّنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُن شَيْئًا مَذكورًا} (2).
(1) يوسف، الآية 84.
(2) الإنسان، الآية 1.
124 (1/124)
صفحة 125
ولما علم بأحشائي وتوقد نيـران شوقها تذكّر قوله تعالى: {سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ هَبِ (1) وأراد في الباطن أنه لما رآني في الهوى وأنصاره أنّ
عيني
قد ذهبت، وفي أحشائي نيران المحبة تحرق كلّ من دنا منها منهم لم يطمع بعيني الظاهرة ولا بعيني الباطنة، وذهاب العين الباطنة ذهاب صفاتها أن يرين لهما شيئاً، ولم يطمع بأحشائي أن تقربها؛ لأن أصل
آثار محبة الله تعالى تحرق الشياطين، وكلَّ وسخ في النفوس لشدة عبرتها.
قال:
78 - كأنَّا حَلَفْنا للرقيب على الجفا وأن لا وفا لكن حَنَتْتُ وبَرْتِ يقول: كأنا حلفنا، أي العين والأحشاء، وأراد بالأحشاء في هذا الموضع والموضع الأول الذي قبل هذا البيت إشارة إلى العين البصيرية، وهي الروح، وهي المقابلة إلى جهة الغيب وتجلّي نور محبة الله تعالى. والعينان الباصرتان (2) [6 ظ] إشارة إلى العين الغريزية والعين المدبّرة وهما عينا النفس الناظرتان بعينهما الباطنية إلى عالم المثال الناظرتان بالعينين الباصرتين إلى المحسوسات، ويحتمل أن يكون أراد بالأحشاء الإشارة إلى عيني النفس والعينين إلى الباصرتين، يقول: كأنا حلفنا للرقيب المقيم الثابت على الجفاء والحسد.
والرقيب هو كل حاجب من المشاهدة للحضرة الإلهية من صفات النفس ومن طلبها للحظوظ مثل الجاه، وكلّ ما أحبته من الأغيار أو ذكرته في حين المشاهدة حجبت المشاهدة في حين المشاهدة لا محالة، ولو كان أصل التجلي بذكر ذلك الغير؛ لأنّ الغير إِنَّما يكون سبباً، وفي حين التجلي عليه للمشاهدة فلابد من ذهاب ذكره بعد ذلك لقوله تعالى: {مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِّن قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ (3) إلا من اختصه الله تعالى بحضرات الجمع كما سيأتي بيان ذلك.
وأما في الابتداء فلا، وهي أي الحضرة الإلهية قد نادت على نفسها بلسان الحال
(1) المسد، الآية 3.
(2) في الأصل و [س]: [العينين الباصرتين]، وما أثبتناه أليق بالسياق.
(3) الأحزاب، الآية 4.
125 (1/125)
صفحة 126
أنه ما دام رقيب من الأغيار تنظر عيناك الظاهرتان أو الباطنتان (1) إلى ظاهره دوني فلا أتجلى للرؤية، ولا أحضر فيك وأن لأوْفَت، أي وإن كان لا رقيب وَفَتْ بالتجلي للرؤية، و حضرت ثمرات الذات الحجرية أي العقلية، ولكن حنثت ت أنا فلم أصفُ (2) من وجود الرقباء، وبرت هي بعهدها فلم تتجَلَّ (3) ولم تحضر كما ذكرت هي.
قال:
79 - وكانت مواثيق الإخاء أخِيَّةٌ فلما تفرقنا عَقَدْتُ وَحَلَّتِ يقول: وكانت مواثيق الإخاء أراد بالإخاء بعض معناه أي وكانت صفاوة (4) عيون عقله كلها صافية صفاوة صالحة للتجلي وللحضور فيها، وليس المراد بالإخاء صفاوتها هي وصفاوة عيونه، فإن ذلك لا يصح الوصف به للحضرات الإلهية ولكن الإخاء وهي الصفاوة الصالحة هي من عيونه الحجرية، وليس حاجب بين التجلي والحضور إلا اشتغاله بالنظر إلى الرقباء، أو ظنَّ أنَّ صفاوته أخيّة، والأخيَّة: هو أن يدفن عرق حَبْل في الأرض دفناً قوياً بها يربط فيها حبل خيله أو زمام مطيته، أو مقود حماره حذراً أن يذهب. يقول: ظنت أنها عروة قوية فلما تفارقنا عقدت حبل زمامي في تلك الأخيّة، وحلّت هي ذلك العقد فعلمت أني قد توسخت بشيء فرجعت إلى نفسي، وهكذا (5) حال هل هي
المراءة.
قال:
80 - وتالله لم أَخْتَرْ مذمَّةً غدرها وفاء وإن فاءت إلى خير ذمّة (6) يقول: وتالله لم أختر مذمّة غدرها لي حيث عذرتني بتقصير (7) فيما يوجب صفاوتي الصالحة لتجليها على ناظري ولحضورها في مرآة خاطري، وأن يكون ذلك العذر منها
(1) في الأصل و [س]: كذا: ولعلّها: ينظر عينيك الظاهرتين أو الباطنتين، والفاعل الرقيب.
(2) في الأصل و [س]: [أصفوا] و [تتجلّى]. (3) في الأصل و [س]: [أصفوا] و [تتجلّى]. (4) كذا في الأصل، و [س]، ويريد بها: [صفاوة]. (5) في س: [وهكذي].
(6) في الديوان [ختر] بدل [خير]، و [ذمتي] بدل [ذمة].
(7) في س: [بتقصيري].
126 (1/126)
صفحة 127
وفاء، أي هو وفاء تقصيري؛ لأن ذلك هو ذمّ عظيم منها لي، وأما إن فاءت، أي رجعت إلى خير ذمّة، أي إلى خير عهد عهدته مني، وقطع الكلام ولم يتمه اتكالاً على فهم الطالب كالذي ينظم قصيدة على قافية اللام مع الألف فيقول في بعض قوافيها: ولا حول ولا، ويقول في بعضها ولا تلقوا بأيديكم إلى، وفي بعضها في الدنيا ولا، ومعلوم تمامه (1)، وكذلك هذا مفهوم تمامه بدليل ما في سطره الأول من البيت، وأراد: وإن فاءت إلى خير ذمة فهو الذي أختاره؛ لأنه لم يختر الحالة الأولى، دلّ على أنه يختار الحالة الآخرة فافهم. [و] قال:
1 8 – سقى بالصَّفا الربعي ربعاً به الصفا وجاد بأجياد، ثرى منه ثروتي يقول: سقى الله بالصَّفا الرَّبعي، وهو فصل الربيع المعتدل الذي هو أفضل الفصول والسنة، والصفا المحبة الخالصة والربع المنزل والصفا أراد به هنا الصفا والمروة وبيت الله الحرام، يقول على طريق الدعاء لما ذكر بلاءه وتحسره على ما نظره من جمال
محبوبه في موضع من مواضع هذه الأماكن: سقى الله بجمال المحبة وكمال تجلي الحضرة الكاملة الصفا، أي النور الربعي أي أكمل التجلي وأجلّه وأفضله ربعاً ظهر به أكمل مظهر لتجلى جمال الله عليه وجلاله وكماله رسول الله (2)، وهو الموضع الذي به الصفا والمروة والبيت الحرام والحجرات، والمشعر وعرفات، ومنى. وجاد بأجيادي، والباء هنا بمعنى على، والأجياد جمع جيد وهو العنق (3) أو مقدمه أو ما يطوّق به، واستعار الأجياد لكلّ قوة من قواه، وجزء من أجزائه، يدعو لنفسه أن يجود على جيد كل شيء منه بأجياد ثرى، أي غنى، أي بأطواق عنى من ذلك الكمال والجمال يطوّق أجياد كل شيء مني تكون منه، ثروتي، أي غناي به عن كل شيء.
(1) يشير الشيخ هنا إلى ما يسمّى في البلاغة بـ[إيجاز الحذف]، أو [الإيجاز المحذوف]، أو [الكلام المحذوف]، على حد قول الجاحظ، وهو عجيب الأمر أشبه بالسحر، وذاك أنك ترى فيه ترك الذكر أفصح من الذكر، والصمت عن الإفادة أزيد للإفادة، وتجدك أنطق ما تكون إذا لم تنطق، وأتمّ ما تكون مبيناً إذا لم تبين» على حد قول ابن الأثير في المثل السائر، 2/ 81، وفيه مباحث كثيرة، وأنواع مختلفة ينظر عنها معجم ا البلاغية، د. أحمد مطلوب ب، 1 [349، وما بعدها.
(2) [صلى الله] ساقطة من س.
المصطلحات
(3) في الديوان، ص 78 الهامش أن أجياد هي أرض مكة، وفي شرح الديوان، 145/ 1، أن أجياد أرض مكة، أو جبل
بها ... وهي كناية عن الجسم العنصري للإنسان الكامل.
127 (1/127)
صفحة 128
فأشار أولاً إلى الكمال المحمدي، وأشار من بعد إلى كل مفاض عليه من بحر جماله وكماله، وإلى الموضع المعظَّم، وفي ذلك إشارة إلى العقل وعينه البصيرة النبوية التي هي الروح، وإلى عيني النفس، وإلى إخلاص صفائها واعتدالها وتجلي محبة الله وحضراته
عليه، فافهم.
قال:
82
مخيم لذَّاتِي وَسُوقَ مآربي وقبلة آمالي وموطن صبوتي يقول: أشار إلى هذه المواضع الظاهرة الحجرية، وإلى المواضع الباطنة الحجرية فقال: مخيم، أي مركز خيام لذاتي، والمخيم هو الراكز عمود خيمته قاصداً للسكون والمقام ويستعار للبيوت كلها، وسوق مآربي، وفي تلك المواضع السوق الأعظم الذي فيه [مآربي، وفيه] (1) قبلة آمالي، أي وفيه تجلي المحبّة الإلهية التي هي قبلة آمالي بطلبها، وتجلي الحضرات الإلهية فيها إذ النبي صلى الله عليه وسلم منها كان ظهوره، وموطن صبوتي: أي شدة حبّي، وأراد بالمواضع الظاهرة الحجرية إشارة إلى النبي وبالعيون الحجرية النبي صلى الله عليه وسلم، وكل مَنْ أفيض عليه من بحر كماله ممن كان قبله، أو عنده، أو بعده؛ لأن بحر الكمال الحبّي وتجلّي أنوار الحضرات أصلها بمكة والمدينة وهما الحرمان (2) ومن بحرهما أفيض على الخلق أهل الكمال منهم، وكماله لمن ظهر فيهما من هو أكمل
الخلق به.
قال:
83
8 - منازل أُنس كن لم أنس ذكرها بمن بعدها والقرب ناري وجنتي يقول: وأراد بالمنازل الحرمية ظاهراً، ومنازل العيون الحجرية الأحمدية، أو من أفيض عليه من كماله عليها منه باطناً.
والأنس: هو الاستئناس بالشيء، وأراد بمنازل تجلّي جمال المحبة وجمال الحضرات الإلهية، لم أنس: أي لم أغفل ذكرها لشدة طلبي ورغبتي وحبي إلى ذلك المرتقى، فمن
(1) ما بين المعقوفين ساقط من س.
(2) في الأصل، و [س]: [الحرمين]، وما أثبتناه أصوب.
128 (1/128)
صفحة 129
بعدها - بضم الباء - يكون عذابي وناري، وبالقرب منها ألاقي جنّتي ونعيم
قال:
84 - ومن أجلها حالي بها وأجلها عن المنّ ما لم تَخْفَ والشقم حُلتِ (1) [7] يقول: وفيه تقديم، وتأخير، وحذف يدلّ على بيانه المثبوت فإنّه حكيم، فصيح،
بالغ، عليم، أعجز بفصاحة نظمه جميع فصحاء أهل هذا العلم من أهل النظم. قوله: ومن أجلها: أي المحبة الإلهية وتجلّي الحضرات كان حالي بها، أي بحبّي فيها وتحمل بلائه لأجلها، وهو من أعظم المنّ منها لي، ومن المنّ منها لي من جملة منتها عليّ أجلها السقم ما لم يخف أي الذي لم يكن معه أن يخفى لإنحاله الجسد حتى يتلاشى فيكون لا شيء، فأكون نفساً وروحاً مجردة نورانية قد أكل كلّ حجاب مني عن مانع عن رؤيتها، وتجليها عليَّ، ولا يمكن تجليها إلا على هذه الحالة، وما دامت تمنّ عليَّ بغير هذا الحب السقمي الذي لا يأكل ولا يفنى منّي هذا، فأنا في أشدّ بلاء إلى لقائه واتصاله لاستدل به على الرضا منها عليّ.
بي
والسقم
حلّت
مصيبته علي فأنا به في أشد فرح، وأسرّ نعمة، وأكثر عافية للسلوك، وكلما زاد ازددت به عافية فعافيتي في سقمي وهو خير سقم، وعافيتي عن سقمي هو سقمي الذي لا يرجى برؤه، وهو شرّ سقم، فافهم فإنه يشير إلى حسن الرضا في كل أمر قضته عليك، أو لك المحبة.
قال:
85 - غرامي بِشَعْب عامرٍ شِعْبَ عامر غرامي، وإن جازوا فهم خير جيرتي يقول: غرامي، أي هواي بشعب عامر، وهو اسم موضع، والباء بمعنى من، أو بمعنى في، وأصل اسم الشعب يطلق على مسميات كثيرة، وبالفتح (2): الجمع، والتفريق، والتفرق، والصدع، والإصلاح، والإفساد، والقبيلة العظيمة، والبعد والبعيد، وبالكسر (3):
(1) في الديوان: [حُلّتي] بدل [حلّت].
(2) يقصد [الشعب].
(3) يقصد [الشعب].
129 (1/129)
صفحة 130
عن
الطريق ومسيل الماء في بطن أرض وما انفرج بين الجبلين، والشعبة بالضم: الطائفة من الشيء والمسيل من المرمل وما صغر من (1) التلعة وما عظم من سواقي الأودية، وصدع في الجبل يأوي إليه الطير، وشعبة شعلة، ورسولاً إليه شعبه، أي أرسله، وشعبه: كفَّه قصده ومنعه، وشَعَب فارق صحبه، وأشعب مات، وفارق فراقاً لا يرجع، وشُعْب كقُفْل واد بين الحرمين.
فإذا عرفت ذلك فتنبَّه، قد تضمَّن جميع هذه المعاني، وفيما يدل عليه كلامه أنه أشار بذلك إلى ظاهر وباطن باطن، وباطن باطن باطن، فهو إلى أربع مراتب، والخامس الذي ذكرناه أولاً أنه اسم موضع، وأراد بعامر في الأول من العمارة، أي معموراً، فالأول أنه أشار إلى مكة وشعبها، والأبطح، ومنى، والمحشر، والمشعر، وشعاب جبل عرفات، والغار من الجبل الذي أقام فيه رسول الله، والوادي الذي بين الحرمين، والحرمان (2) جميعاً مكة والمدينة وبدر وكلّ شِعْب عامر بمحبة الله في إظهار تعظيمه، أو عامر بظهور محبة الله فيه بظهوره، وأراد بالشَّعب القبيلة آله وأصحابه، وهم الطائفة المتحلّية بالأخلاق الكمالية، وإنّما قلنا إنَّه أراد كلَّ معنى من هذه؛ لأنَّه قال: غرامي بشعب، فأتى به منكراً ليكون عموماً، ومنكّراً ليكون مخصوصاً بالذي يريده ولا يعرفه إلا من فهم، وإلاّ منكر عن فهم جملة العوام.
فهي
وقوله عامر، أي غرامي بكل، أو من كلّ أو في شعب عامر بمحبة الله تعالى إليه، قوله: شعب عامر غرامي يحتمل للنبي ولغيره، فأما الإشارة إليه ال، فيقول: محبتي لكلّ شعب عامر بمحبة الله تعالى محبّتي منه لله، وغرامي عامر منه، وفيه، وبه محبة لله، وحب لله، وغرامي شعب عامر، أي إصلاح اجتماع شمل عامر بطاعة الله تعالى حتى تكون كلمة الله هي العليا وكلمة الذين كفروا السفلى [و] حتى بظهوري في هذه [و] المواضع لهذه المواضع لأجل ذلك.
والوجه الثاني لغيره أنَّ حبَّه في شعب عامر لمحبّة الله من هذه المواضع لمعان منها: الحب لله لها حيث عظمها، وأظهر فيها أكمل الخلق، ومنها حبّاً للنبي الظاهر فيها.
(1) [من] ساقطة في س.
(2) في الأصل و [س]: [والحرمين]، وما أثبتناه يستقيم به الكلام.
130 (1/130)
صفحة 131
ومنها أنها تذكّرني بمحبة الله وبالشوق إلى السلوك إلى الله تعالى، ومنها أنَّ بها بحر المحبة الإلهية وتجلي جماله، وكماله وجلاله الأعظم لمن ظهر في هذه المواضع، وأنّي أحبها لكل وجه، ورغبته أن يفاض عليّ من ذلك البحر.
وكذلك النبي محبته في هذه لأجل أنه فيها أودع بحره الأعظم الحبّي الإلهي، وفيها يترقى إلى درجات الحضرات وهو وجه رابع.
والوجه الخامس يقول: غرامي بشعب عامر، أي حبي في تفريق، وتمزيق، وتصدّع، وتشتيت كل شيء عامر مني بصفاتي الأولى، وما يتبعها من راحة، وحبّ جاه، وكلّ شيء ساكن ذكره عامر متأهل في حَرَمَيْ الروح والنفس وشعابها كالخواطر والحواس وحياتهما (1) كالفكر والترقي إلى جبال المشاهدة بعقل المحبة الإلهية وتجلّي الحضرات [الإلهية]، أي عزم ذلك شعب عامر، أي اجتماع أنس عامر لها من الحبّ الإلهي وتجلي الحضرات الإلهية، فهي في الحقيقة العمارة لها لا العمارة الأولى فإنها خراب محض. وما جعلت هذه المواضع الظاهرة إلا لمحض العبادة كذلك الباطنة ما جعلت إلا لعمارتها بالكمال الإلهى الذي به يكمل رسول الله لله و إن لم يكن يجمعه] (3) بجميعه بل حدّ الإمكان في الاجتهاد حباً لله تعالى بنوافل التقرب بعد أداء الفرائض، ثم قال: فهم خير جيرتي، فالأول بالخاء المعجمة والآخر بالجيم، أي هم خير جيرتي في حجري وفي حواسي، وإن حادوا، أي مالوا، ولكن هنا أراد بعض معناه، وإن بعد عني المحبوب منهم وأحبوا أن لا أبلغ المطلوب، فهم على كل حال خير لي ذكرهم، وقربي إليهم من كلّ
شيء.
قال:
أي
86 - ومِنْ بَعدِها ما سُر سري لبعدها وقد قَطَعَتْ منها رجائي بخيبتي يقول ومن بعدها أي ومن بعد نظري إليها واتصالي بها وتجلي جمالها عليّ، الحضرة الإلهية بالمحبة الإلهية وذهاب ذلك عن رؤيتي ما سُرّ، أي ما فرح سرّي، أي
(1) في س: [وخيالهما] بدل [وحياتهما].
(2) ما بين المعقوفين ساقط من س.
(3) ما بين المعقوفين ساقط في الأصل، والزيادة من س.
131 (1/131)
صفحة 132
قلبي، و ولا لذ له شيء لبعدها عن رؤيتي وقد قطعت مني رجائي عن الوصول إليها، بخيبتي أي مطيتي وأراد نفسه أنه رآها بعد كأنها في حال لا يمكن الوصول إليها بصفاتها
تلك، فافهم.
قال:
87 - وما جزعي بالجزع عن عبث ولا بدا ولعاً فيها ولوعي بلوعتي يقول: وما جزعي، أي خوفي بالجزع، والجزع قطع الطريق والطائفة من الليل، وأراد طريق الوصول إليها، والخروج من ليل ظلمة الحُجب المانعة عن تجليها إلى نهار، وصبح تجلي إشراق شمسها بمرآة عقلي، ولا بدا ولعاً فيها – بكسر اللام لا بفتح اللام –: الكذب
والزور.
وهذا أراد به المولع بالشيء، أي المُعاني له بكثرة المحبة فيه كما يقال: مولع بهذا العلم، وإنما قال هذا فيها؛ لأنه لا يصح له أن يكون مولعاً بها، أي يعاينها هي بذاتها، وإنما هو مولع بكل شيء يؤدي إلى التقرب إليها فيكون ذلك فيها، وكذلك لوعي بلوعتي، أي وكذلك كثر مرضي بلوعتي بشدة محبتي إليها، كل ذلك لم يكن مني عن عبث، فأما جزعي المجزع فلصعوبة الأمر، وأما ولعي فلدقة غيرتها فأدنى شيء جلَّ أو قل، ظهر أو خفي، وسرّ من الحجب أوجب المنع.
وأما حبّي لها وفناء محبتي فيها؛ فيها؛ فلان. ذاتي [8 ظ] أصلها لها ملكاً وعبودية؛ ولأنَّ كل جمال وكمال مطلوب محبوب فكيف يصبر عن شيء لا يصبر عنه، فمن تجلى له من جمالها لمحة [لم يصبر عنها لمحة] (1) كما لا يصبر على النار لمحة، فليس عذاب النار بأشدّ من عذاب الاحتجاب عنها، فافهم ذلك.
قال:
(2)
8 8 - على فائت من جمعي كان تأسفي وود على وادي مُحَسّر حَسْرتي 2 يقول: كان تأسفي هذا على فائت من جمعي، أي اجتماع وصالي بها، وتحسّر حسرتي
(1) ما بين المعقوفين ساقط في الأصل، والزيادة من س.
(2) في الديوان: [جمع جمع] بدل [جمعي].
132 (1/132)
صفحة 133
على فوات لذة ودّ عظيم مهلك على يقين من أودي، أي هلاكي به فلم أَرَ الاجتماع، ولم
أجد لذة هذا الودّ المودي المهلك الذي هو ألذ شيء معي.
قال:
89 - وَبَسْطِ طوى قَبضُ التنائي بساطه لنا بطوى ولى بأرغد عيشتي (1) يقول: ولله من بسط (2) لذة ورغدة معيشة وجدتها بتلك النظرة منها في تلك الوقفة التي
و
كانت لنا بطوى: موضع في مكة، وهو الموضع الذي كان اتصالها به كما ذكره. وقوله: طوى قبض التنائي، أي البعد عن رؤيتها، بساطه، أي بساط البسط، لا أن التنائي له بساط وطواه، ولكن طوى بساط ذلك البسط، وبذلك الطي ولي بأرغد عيشة، أي بألذ
حياة، فافهم.
قال:
90 - أبيت بجَفْنِ للسهادِ مُعانِقٍ تُصافح صدري راحتي طول ليلتي يقول: أبيت بجفن معانق للسهاد وراحتي أي راحة يدي تصافح صدري كان لك طول ليلتي، ووضع راحة يده على صدره لوجوه:
أحدها من قوة التعب.
والثاني: لعلمه أن هناك محلَّ تجلّيها فهو يحبّ ذلك، ويلتمسها من ذلك الموضع. ووجه ثالث لعله يجد هناك بقية شيء من العلل الحاجبة لعلمه أن لم يحجب عن رؤيتها وحضورها في ذلك إلا لحجاب من نفسه ولا حجاب إلا الأغيار (3).
قال:
(1) في الديوان: [عيشة] بدل [عيشتي].
(2) البسط في مقام القلب بمثابة الرجاء في مقام النفس، وهو حال من الأحوال، ويقابله القبض، كالخوف في مقابله الرجاء في مقام النفس، وهناك البسط في مقام الحق وهو أن يبسط الله للعبد ظاهراً، ويقبضه إليه باطناً رحمة بالخلق، ينظر موسوعة الحفني، ص 667، وبيّن الجنيد هذين الأمرين فقال: القبض والبسط يعني الخوف والرجاء، فالرجاء يبسط إلى الطاعة، والخوف يقبض عن المعصية، ينظر موسوعة العجم، ص 144. (3) الأغيار: وهم كلّ شيء غير الله تعالى، ينظر موسوعة العجم، ص 74.
133 (1/133)
صفحة 134
(1)
1 9 - وذكرُ أويقات التي سلفت بها سميري لو عادت أويقاتي التي يقول: وذكر أويقات: تصغير محبة لوقت التي وصلت بها سميري، أي لم أزل أذكرها، وأقول في ذكري ليلاً ونهاراً يا حبّذا لو عادت أويقاتي التي، وقطع كلامه، وأراد التي وصلت بها إليَّ، وإني لم أزل ولها بها، ولذلك قال:
92 - رعى الله أياماً بظل جنابها سرقت بها في غفلة البين لذتي يقول: رعى الله أياماً: يدعو لها بالرعاية أياماً بظلّ، وقوله بظل لها معان كثيرة، ولكن هنا بمعنى يدنو جنابها، أراد بدنوّ وقت تجلّيها على مرآة حَجَري (2) وحضورها فيه فذلك الوقت الذي أكون فيه سرقت بها في غفلة البين، والبين الفرقة، واستعمل للفراق الحقيقي الذي هو الموت فسمّي به، والمعنى أني أكون قد سرقت في غرغرة الموت من شدة ألم الشوق كأنَّ الموت يغرغرني، يعالج هلاكي، الذة. حياتي الأبدية التي وجدتها حين اتصالي بها، وذهبت عني حين احتجابي عنها على غفلة منه، وإن هو، أي الموت هلكني في حين ذلك فلا أبالي ولا يقدر على هلاكي بعد ذلك؛ لأنه وإن أتلف روحي بعد ذلك فأنا باق دائم (3) لا أموت بعد أن أسرق حياتي بوصالي إليهم، فافهم.
قال:
حيّ
93 - وما دار هَجْرُ البُعْدِ عنها بخاطري لديها بوصل القُرب في دار هجرتي يقول: وفيه تقديم وتأخير، وتقديره: وماذا؟ وأي؟ وما كثرة هجراتي هجران منها في دار هجرتي، أي مهاجرتي إلى دارها البعيدة أرى مشقة ذلك بخاطري. كلا إنِّي أرى كلَّ بعيد وصعب في لديها، أي في جنابها قريباً وسهلاً [و] وأستلذ صعوبة ذلك إذا كنت أرجو أن أحظى بوصل القرب منها، وقد رجوت فسهل لديّ كل عسير، وهان عليّ بذل كل عزيز، وهذه إشارات إلى محبّة بذل النفس والأعضاء، والأموال في حبّ الله تعالى
(1) في الأصل [أو يقات].
(2) الحجر هو اللطيفة الإنسانية؛ لأنّ الإنسان مفطور بالأصالة على الحقيقة الإلهية، وذلك معنى قوله تعالى: وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقويم، ورجوع الإنسان إلى الطبائع والعادة والعلائق هو اسوداد هذا الحجر أي اللطيفة الإنسانية، وكلّ ذلك من الذنوب، ينظر موسوع عة الحفني، ص 717.
(3) في الأصل: [دام]، وأثبتنا ما في س.
134 (1/134)
صفحة 135
فافهم.
قال:
94 – وقد كان عندي وصلها دون مطلبي فصار تمني الهجر في القُرب قربتي (1) يقول: وقد كان عندي في نفسي وظني أنَّ وصلها هو دون مطلبي، أي ظنت أنَّ مطلبي له قوة عليَّة يبلغني إليها بأدنى من قوته القوية، وبدون الصفاوة التي جلاتُ بها مرآة حجري، فلما انكشف لي الأمر رأيت أنّ ذلك كله لا يفيد، ولا يرقى للوصال، وأن بيني وبين الوصال حجباً (2) بعد هذه كثيرة، فصار الحال الذي لي لشدّة بعدي عنها تمني الهجر، أي المهاجرة في طلب القرب إليها هي قربتي، أي رأيت نفسي في أول ابتداء السلوك إلى المهاجرة إلى دارها البعيدة، فكانت مرتبتي هي قربة الطالبين الراغبين المبتدين؛ لأنهم أقرب من الذين لم يرغبوا، أو لم يطلبوا السفر إليها، فالطالب المريد السفر إلى الحج في سببه هو ابتداء القرب للسفر إلى الحج إذا قرب إليه أوان السفر يكون هو قربة الثاني للحج، أي للسفر إليه، فإذا تأهب للسفر فهو أول قربه الثالث منه، كذلك رأيت نفسي أن قُربي منها هو تمني قرب أو ان السفر لأقرب التهيؤ للسفر فإنَّ المنبئ لقرب السفر للمسافر هو أول القصد والنية والعزم فافهم. ودلّ بهذا كلّه أنّ هذا الذي أشار به في جميع. الأبواب من أول نظمه إلى قوله: [سقتني حميا الحب] كلّه إشارات إلى تخليص النفس من جميع الذنوب وتجريدها بعد ذلك من صفاتها ومن جميع العيوب، والقيام باللوازم، والمندوب، والمستحب اعتقاداً، ونفياً، وعملاً، وتركاً، وإن من وراء ذلك صفات دقيقة
يأتي بها في النظم التالي كما سنوضحه في محله إن شاء الله تعالى.
هذه
قال:
95 - وكم راحة لي أقبلت حين أقبلت ومن راحتي لما تولت تولت يقول: وكم راحة لي أقبلت إليّ حين أقبلت إليَّ من لذة، ونعمة، وسرور، وفرح،
(1) في الديوان: [فعاد] بدل [فصار].
(2) في الأصل و [س]: [حُجُب]، وما أثبتناه أصوب.
135 (1/135)
صفحة 136
وناهيك، فأين وصفك مَنْ تجلّى عليه كمال الله المطلق الذي لا يوصف بكمال (1) غيره ولا يجوز على حال، وإذا كانت لذة نعيم الجنة عظيمة (2) ولا يصح أن يوصف بكمالها تشبيهاً بكمال على كمال جمال جلاله كمال الله تعالى ولا يجوز على حال فأي شيء ولعمري إنّ ألذ ما في الجنان تجلي معرفة الله تعالى، ورؤيته بالصفات لا رؤية الذات، فإنّ ذلك مما لا يجوز القول به معنا على كل حال.
أعظم
منه،
ومرادنا بالرؤية هي قوة حضور العقل مع الله تعالى ومشاهدته بصفاته دون الذات فافهم.
ولذلك قال لمّا حُجب عن المشاهدة ولذتها مع أنه لا يطلبها لأجل التلذذ برؤيتها وإنما يطلبها محبّةً لحضور عيون حجره مع الله تعالى: إن راحتي من راحتي، أي من راحة يدي لما تولّت تلك المشاهدة تولّت تلك الراحة، فافهم.
قال:
96 - كأن لم أكن منها قريباً ولم أزل بعيداً لأي ماله مِلْتُ مِلَّتِ يقول: ورأيت نفسي كأن، أي كأنني لم أكن قريباً منها بجميع أحوالي هذه من طهارة نفس من جميع الذنوب اللازم الخروج منها، وطهارة صفاتها منها تنفلاً، وقيامها باللوازم، وبالمندوب، والمستحب، والنوافل، وترك المحرمات، والمكروهات.
ولم أزل أرى نفسي بما أتبعها من دقيق السرّ الخفي منها وبها وفيها بعيداً لأي [وظ] ماله ملت ملة، و (ما): أصلها هنا بمعنى [الذي] ولكن أراد بها هنا معنى شيء، [وله] (3): بمعنى إليه، وملة بمعنى مذهب، وطريق؛ لأن أصل المِلَّة - بكسر الميم – الدين، وجاز استعمالها في معانيه وأقسامه فيكون المعنى لأي شيء مِلْتُ إليه بالتفكر في كل مذهب ذهبت إليه من أحوالها لم أجدها فيه تماماً، وأراد بذلك وجهين: أحدهما تجريد النفس وطهارتها من رؤيتها في الأعمال بعين الرضى عنها بها فإنه كذلك ينبغي أن يراها في كل
شيء.
(1) في س: [كمال]، وما في الأصل أصح. (2) في الأصل [عظيم]، وأثبتنا ما في س.
(3) ما بين المعقوفين ساقط من س.
136 (1/136)
صفحة 137
والوجه الآخر أنه طالب سير المحبة أن ينتهي إلى المكاشفة بالمشاهدة، وبهذه الأحوال لا تتجلى، ولكلّ مقام حال، ولكلّ حال رجال، ولكل رجال مقام.
ولا تظنّ أنّه قال: ملت، أي الحضرة الإلهية ملته من الملل، فإنّ ذلك ما لا يصح القول به، ولذلك ترانا لا نود إحالة الأمر في البعد والاحتجاب.
وكلّ صفة لا تليق بحضرات الله تعالى إلا إلى نفس الطالب المريد، والمراد؛ لأنّ أصل البعد والاحتجاب عنها إنما كان من قِبلها هي لا من قِبل المحبة الإلهية، ولا من الحضرات الإلهية، فافهم.
(بيان: اعلم أن كثيراً من ظنّ أن هذه المنظومة (1) التي جعلها بداية لنظم السلوك أدنى قوة في معانيها من التي أولها سقتني (2)، وليس الأمر كذلك، وإنما كانت بداية سلوكه (3)، والبداية لابدَّ أن يكون المبتدئ في كل شيء من أوصافه أدنى، فلا يصح أن يأتي فيه بأقوى معانيه؛ إذ لو وصفه بذلك لم يبتداء بذكر أول سلوكه، وكذلك التي أولها: سقتني، فأولها أدنى وصفاً للسالك من آخرها (4).
فليس هذا، بمعاب ولا ممّا يدلّ على هزالة الأمر بل هو مما يدلّ على قوة براعته في الفهم، والمعرفة للترتيب، وكثير من الشعراء يبتدؤون بأول نظمهم في غاية القوة ثم لا يزال يهزل حتى ينتهي إلى الأدنى فيستدلّ عليه بذلك أنه ضعيف الغريزة الباطنة، وكذلك المفسرون قد يطوّل بعضهم أولاً ثم يلحقه الملل، وبعض الشعراء كالمتنبي، وهذا (5)، والشذوري (6) وغيرهم من أهل البلاغة، والمفسرين المدى في نظمهم لمنظومته، أو المفسر بتفسيره زادت في ذلك بلاغته وقوته، فافهم ذلك.
قال:
كلّما طال
بهم
(1) في الأصل: [المنضومة]، وأثبتنا ما في س، وهو أصوب. (2) يقصد التائية الكبرى التي سيأتي شرحها.
(3) في الأصل: [سلوك]، وأثبتنا ما في س، وهو أليق بالسياق.
(4) إنَّ هذا يشير بقوة إلى اقتناع الشيخ ناصر اقتناعاً تاماً بترابط القصيدتين بحيث لا يمكن فهم الثانية فهماً حقاً بمعزل
عن الأولى. (5) يقصد ابن الفارض
(6) لم أهتد إلى ترجمته.
137 (1/137)
صفحة 138
حبي
97 – غرامي أقم، صبري انصرم، دمعي انسجم عدوّي انتقم، دهري احتكم حاسدي اسمت يقول: فإذا كنت على بُعد منها فلا أبالي بشيء، وإن كنت بحضرتها فلا أبالي بشيء فعلى كل حال فحالي يقول: غرامي، أي اثبت على حبها، ويا صبري انصرم، أي انقطع عني واذهب، وليس المراد بانصرامه لتعقبه الجزع، بل يعني أنك أفنني حتى لا يبقى لك موضع تقيم فيه، ويا دمعي انسجم، أي أدم إدرارك، ويا عدوي إن أحسنت أو انتقمت فلا أبالى، لا أنّه يأمره بذلك، ولكن كما حكى الله تعالى عن سحرة فرعون حيث قال لهم: وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ) (1) قالوا له جواباً لقوله فَاقْضِ مَا أَنتَ قَاضٍ} (2) ليس المعنى أنهم أمروه بفعل ذلك فيهم.
ويا دهري احتكم بحلقات مصائبك عليَّ بألم بعدها؛ إذ إنّي لا أبالي بقربها، ويا حاسدي اشمتِ فإنّي لا أبالي وكل هذه إشارات إلى تحمّل المصائب والصبر على مشاق السلوك.
وقوله: أقم بفتح الألف وما بعده بإسقاط (3) قراءته دون كتابته، (ويا دمعي) بالفتح وما بقي بإسقاط الياء في القراءة دون الكتابة فافهم.
قال: [10 و]
8 9 - وَيا جَلَدي بعد النقا لشتَ مُسْعدي ويا كبدي عز اللقا فتفتي يقول: وأقول ويا جَلَدي: أي تصبري بعد النقا، أي بعد (4) الإعذار والإنذار افعل أنت ما شئت فإنّي أنا في غرامي لأفعلن بك ما شئت كما ينذر العدوّ عدوه فلست أراك مسعدي، أي فلا أصطفيك معيناً بعد إظهاري لك هذه العداوة، وكنت أخبرك حماسياً، فما وقوفك عن الفعل بمن خاصمك وعاداك فقد حرّضتك (5) مرة أخرى أن تفعل ما شئت. وأنتِ كبدي عزَّ اللقا بالمحبوب فما مقام اجتماعك عندي، وأنا لم أرد بك
(1) طه، الآية 71.
(2) طه، الآية 72.
(3) في س: [بالإسقاط]. (4) في س: [بعد ما الإعذار].
(5) في الأصل: [ضرتك] بدل [حرضتك]، وأثبتنا ما في س لتلاؤمها مع السياق.
138 (1/138)
صفحة 139
وباجتماعك (1) إلا اللقا بالمحبوب وقد عزَّ فتفتني وتشتّي.
وهذه كلها إشارات إلى الصبر ليفنى منه كل وسخ بقي، وتأكيد لكثرة التضرع، والابتهال بالسؤال إلى انكشاف العيوب وطرق جلائها، وطلب الإعانة (2)، والابتعاد عن
رؤية النفس بعين الرضا عنها بالأعمال، ومبالغة للحذر عن ذلك، فافهم.
قال:
99 - ولما أبت إلا جماحاً، ودارها أن تزاحاً وضنَّ الدهر منها بِأَوْبة ولما أبت الحالة الداعية إلى القرب إلا جماحاً لي عنها عن حضور الحضرة الإلهية، وأن تجعل الحالة، دارها، أي طريقها، وأراد حضور الحضرة لا دار الحالة، انتزاحاً: أي بعيدة عليّ، وضنَّ: أي ولم يسمح الدهر بأوبة، أي برجعة إلى حضور الحضرة الإلهية، كما توافق اللقاء بذي طوى عن مكة شرفها الله تعالى.
قال:
100 - تيقنت ألاً منزلاً بعد طيبة يطيب وأن لا عِزّةً بعد عَزَّة (3) يقول: تيقنت ألاً: بمعنى أن لا منزلاً يطيب بعد طيبة، وأن لا عَزّة بفتح العين وبكسرها يصح، والفتح أسيق. (4)
وأراد بطيبة مدينة رسول الله، وأراد بعزة الكعبة بيت الله الحرام شرفها الله
تعالى.
فإن قلت: ما الدليل على أنه أراد مكة؟
فنقول: إنه لما ذكر يثرب وذكر أنّ الذي أفنى حبّه فيها نظرها في مكة، دلَّ على أنه أراد بعزة البيت الحرام.
ومن أسماء الكعبة ليلى، والإشارة إليها باسم عزة من أفضل الإشارات؛ لأنَّ الله تعالى
(1) في س: [وبإجماعك].
(2) في الأصل: [الاعناتة، وهذا من زلل القلم. (3) في الديوان: [أن لا دار من بعد] بدل [ألاً منزلاً بعد].
(4) لعله يريد أكثر ملاءمة للسياق.
139 (1/139)
صفحة 140
أعزها الله من أعدائه أصحاب الفيل حين أرادوا هدمها، وأعزّ الله بها رسول (1) الله، وأعزَّ المسلمين بها عن اتباع أعدائهم اليهود في الاستقبال بقبلتهم، وأعزها الله بطهارتها من دخول المشركين بعد قوله تعالى: {فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ (2) وأعزها الله بحَرَمِها (3) بأن جعله الله تعالى آمناً، وأعزّها الله تعالى بأن جعلها قبلة للصلاة، ولغرض الحج فاعرف ذلك، وأكثر نظمه بالإشارة والتلويح دون العبارة والتصريح 4 ولذكره لهما (5) وجوه من المعاني:
الأول: يقول: لما نظرت إلى محبة الله تعالى بأن جعل النبي الأعظم صاحب المقام والكمال الأعظم مكيّاً ومدنياً، وجعل قبره في المدينة وإظهار دين الله تعالى وهو في المدينة، وهو خاتم الرسل، وجعل قبلته البيت (6) الحرام، وحكم بكفر من لم يستقبلها في نزول بليّة فرض استقبالها، تيقنت أن لا رسول بعد الرسول المدني وأن لا قبلة غير البيت الحرام، وأنّ منتهى أمر المحبة الإلهية هكذا كان في التدبير، وأن لا كمال إلا كمال الرسول المدنى ولا محبة إلا محبته، وأنه هو بحر المحبة وبحر الكمال، ولمن أفيض عليه منه، من كان قبله أو كان عنده، أو جاء بعده قرب إليه، وقرب [10 ظ] من ربه، وَمَنْ فاتته من هذه المحبة الأحمدية النبوية مكملة من كماله خسر الدنيا والآخرة، وأن لا قبلة غير قبلته لمن جاء بعده.
وأراد في الباطن أن لا توجه إلا إلى توجّهه، فمن (7) توجّه إلى توجهه من كان قبله، أو
(1) في س: [رسوله]. (2) التوبة، الآية 28، وفي الأصل و [س]: [فلا يدخلون]، وهذا من سهو القلم.
(3) [بحرمها] ساقطة في الأصل، والزيادة من س.
(4) يقول د. كامل الشيبي معلّقاً على شعر الحلاج: «إنّ هذه الصورة تستمدّ وجود وجودها أساساً. من اللغة الخاصة التي اتخذها الشعر الصوفي لنفسه منذ القرن الثالث، فقارئ شعر الحلاج يلاحظ بوضوح أن اللغة التي استخدمها الحلاج للتعبير عن معانيه الصوفية لغة خاصة ليست كاللغة التي يتداولها الناس، فهي لغة ذات اصطلاحات فنية خاصة»، ينظر شعر الحلاج، ص 391، وينظر كذلك كتاب استقبال النص عند العرب، د. محمد المبارك، ص 143، وما بعدها ففيه تفصيل مفيد عن هذا الموضوع، وهو ما رأيناه في إشارات الشيخ ناصر في المتن، وسيقف عنده
في مواضع قابلة.
(5) يقصد مكة ويثرب.
(6) في س: [بيت الله].
(7) في الأصل: [مَنْ]، وأثبتنا ما في س لتلاؤمها مع السياق.
140 (1/140)
صفحة 141
عنده، أو بعده فقد فاز وإلا فقد
ضلَّ ضلالاً بعيداً، والتوجه الباطن هو السلوك إلى الله تعالى بدينه الحق.
والوجه الثاني: أنّ كل ما عظمه الله أكثر دلّ على محبة الله له أكثر، وكان التذكار به السلوك والشوق إلى السلوك أكثر، وأنّه لا أعظم تذكار من التذكار بالرسول المدني، ولا أجلّ تذكاراً للتوجه إلى الله تعالى من التذكار بالقبلة الإسلامية، ومن كان لله أحبّ كان لهذه المواضع أيضاً أحبّ وأكثر تعظيماً له، وكلُّه يدلّ على أنَّ فناء المحبة في الله لا توجب نفي محبة غيره مما يكون حبّه لله ويحبّ الله تعالى أن يحبه أتى (1) بهذه القاعدة لما سيأتي ذكره من أبواب الفناء بحب الله، وفناء حبّ الأغيار، فليس هو على هذه الصفة بأن يفنى حتى عن حبّ من يحبّ الله تعالى له أن يحبه لئلا يتوهمه الناظر إليه أن الفناء على ظاهر فهم العوام أنّهم يسكرون، ولا يفيقون، فلو كان الأمر كذلك لما فاق لإقامة الأوامر، والتخلّص من المناهي وذلك باطل على كل حال، بل حقيقة الفناء (2) فناء صفات النفس وطلبها حظوظها، وفناؤها بالمشاهدة إلى الله تعالى بصفاته بقوة الحضور في كل شيء يراه وعند المناجاة (3) ويكون قوي الإيمان، والعزم، والتوكل، والثقة، والتفويض، ومحو الإرادة إلى ما يريده الله منه، وبه، وفيه.
ويكون مع ذلك قوي المسارعة إلى أداء اللوازم والمندوب، والمستحب، بالغ التنزه عن المحرمات والمكروهات، متجرّداً من الصفات الذميمة، ومن الحبّ في غير الله من الأغيار، كثير التضرع والابتهال، شديد المراقبة عن الغفلة في كل أمر، وفي سبيل المحبة شديد المراقبة عن الغفلة عن ذكر الله ومشاهدته بصفاته، والترقي في درجات الحضور في المشاهدة إلى ماله من المقامات في علم الله تعالى، غير طالب لشيء غير
جميع
(1) في الأصل: [أنا]، وأثبتنا ما في س لتلاؤمها مع السياق.
(2) الفناء: هو كما شرحه الشيخ ناصر حمدالله تبديل الصفات الإلهية بالصفات البشرية دون الذات، فكلما زالت صفة قامت صفة إلهية مقامها، أو هو سقوط الأوصاف المذمومة، والغيبة عن الأشياء، وشققه المتصوفة أنواعاً منها فناء بالكلية، وفناء السالك، وفناء عن شهود السوى، وفناء الفرد، وفناء في الرابطة حتى يصلوا إلى فناء الغناء أعلى من الفناء؛ لأنه دهليز البقاء عند أهل التقى، واكتفى الشيخ بمعنى واحد إذ قصده التوضيح كما أشار،
وهو
ينظر عن الفناء وأنواعه موسوعة العجم، ص 730، وما بعدها، وموسوعة الحفني، ص 905، وما بعدها. (3) في س هكذا: [المناجات]، ومن الغريب أنه كتبها في الأصل: [المناجاة] هكذا ثم ضرب التاء المربوطة بالقلم، وكتب فوقها تاءً مفتوحة هكذا: [ت].
141 (1/141)
صفحة 142
الحب في الله وابتغاء قربه لا لأجل حطّ عاجل ولا آجل، وإن كان يصح بأن يعبد الله تعالى بالباعثة المخوفة له من عذاب الله ولمطمعة لله لثواب الله فإن تلك، مرتبة، وهذه مرتبة أخرى كما ذكرنا أولاً من طرق السلوك، فافهم.
والوجه الثالث: أنه أشار بالمدينة إلى النبي [وبالنبي]) إلى عقله، وأنه لا عقل كامل إلا عقله، وَمَنْ أُفيض عليه منه من كان قبله أو كان عنده، أو جاء بعده، وكلّ من كان به عقل لزم التعبد به فإنما هو من فيض عقله، وكلّ مَن به حبّ فإنما هو من فيض حبّه ولكن مَنْ وجهها إلى غير ما توجّه بهما إليه على ما يكفر به عند الله فقد باء بالعذاب المهين فلا عقل إلا عقله، ولا كمال إلا كماله، ولا قبلة أي ولا توجّه إلاّ إلى قبلته، وتوجهه منذ خلق الله الوجود إلى أن يكونَ لا شيء.
والوجه الرابع: أشار بالنبي إلى العين البصيرية المعبّر عنها بالروح الداعية إلى الله تعالى المعصومة عن الخطأ، وأشار بمن تبعه وسلك سبيله ممن كان قبله، أو عنده، أو بعده إلى العين الغريزية، والعين المدبرة المتوجهتين بالانقياد للروح إلى توجّهها، وأشار بالكعبة [11 و] شرّفها الله تعالى إلى أنه لا جهة لتجلّي الحضرات الإلهية إلا الجهة المتوجّه إليها رسول الله له بالسلوك إليها وهي قبلته إليها، فافهم ذلك.
بيان:
الله
قال الشيخ ابن الفارض: عملت هذه الأبيات، وأراد هذه المائة البيت التي أوضحنا بعض معانيها بعدما فرغت من نظم السلوك التي أولها سقتني حميا الحب راحة مقلتي] فمن أراد أن يصلها بها فليقل بعدها هذه الثلاثة الأبيات (2).
قال:
101 - سلام على تلك المعاهد من فتى على حِفْظِ عهد العامرية ما فتي يقول: سلام على تلك المعاهد من فتى وعنا بالسالك الناظر تلك النظرة للحضرة الإلهية، والمحبة الإلهية بذي طوى نفسه، وأنها على حفظ عهود العامرية، ما فتي: أي
(1) ما بين المعقوفين ساقط في الأصل، والزيادة من س.
(2) ينظر ديوان ابن الفارض، ص 80، الهامش.
142 (1/142)
صفحة 143
ما انفكت وما زالت على ذلك، والعامرية: هي المحبة التي أودعتها المحبة الإلهية، والحضرة الإلهية في قلبه فهي في الحقيقة من المحبة الإلهية إن طلبت الكمال الحقيقي، وإلا فهي من محبة نفسه، ولكنَّ القول هنا على المحبة الإلهية التي حلت بذاته الداعية له إلى زيارتها منها، وإلى تجلّي الحضرات، والمراد تجلّي الحضرات هو العلم بالله، ومشاهدته بالصفات إما في كلّ شيء، وإما مشاهدته بصفاته لا في شيء، وتجلّي الأفعال غالبها يكون في الأشياء، والصفات تكون في الأشياء، وفي غير شيء، وكذلك الأفعال يمكن أن تتجلى في غير شيء، وسمّى محبّته التي هي من محبة الله عامرية بعمارة قلبه بعهودها التي عاهدته بها المحبة الإلهية لتجلّي الحضرات الإلهية بلسان الحال، أني لا أتجلى إلا إذا أخلصت لي بالإخلاص الفرضي أولاً [والإخلاص] (1) الكلّي النفلي بعد ذلك، ويقول: إنّي على حفظ ما عهدته على المحبة العامرة لقلبي بالعلم والعمل (2). وإنّما نسبها عامرية؛ لأنها صارت مقيمة في حجره لعمارته، وعمارة
مظاهره (3).
وقوله: المعاهد أراد بالمعاهد منازل الحرمين والنبي وأصحابه ممن كان قبله، أو عنده، أو بعده، ومنازل عقولهم، وما يتجلّى عليهم فيها فهي منازل لمحل محبة الله، ولتجلّي الحضرات الإلهية، والأعمال الإسلامية الإيمانية الإحسانية، وقد تسمى المعاهد الأعمال المقرَّبة إلى الله تعالى كلّها، وتسمّى المعاهد ما يتذكره المرء من اللذاذات بوصوله إلى ما يحبّه، وإلى المكانات (4) التي اتصل بها إلى غير ذلك، فإنّ كلمة المعاهد تأتي على أمور يتسع الكتاب بشرحها، ولكن لم يرد هو إلا ما يقربه إليها، ويتذكره بها، وإلى منازلها، وما أشبه ذلك.
قال:
(1) في الأصل وس: [وإخلاص]، وما أثبتناه يتلاءم مع السياق. (2) في الأصل: [والعلم]، وما أثبتناه من س.
(3) هذا تأويل خصب من الشيخ ناصر للعامرية لم أجده عند غيره، ممّا يشير إلى مدارسة عميقة للنص أولاً،
ولمصطلح القوم، ومسالكهم ثانياً.
(4) جمع مكان على مكانات.
143 (1/143)
صفحة 144
102 - أعد عند سمعي شَادي القوم، ذِكْرَ مَنْ بهجرانها والوصل جادتْ وضنّت (1)
يقول: وفيه تقديم وتأخير، وتقديره عند سمعي شادي القوم، والشادي هو الناشد للأشعار في مجلس السامعين له بترتيب ترجيع أصواته المعجبة خفضاً (2)، ورفعاً، ومداً، وقصراً بألذ، صوت، وألذ ترجيع، فسمّى السامعين القوم؛ لأنه يمكن أن يكونوا على خلاف مذهبه وسلوكه في ذلك، فكلّ من حكم له بحكم، وعليه بحكم الإسلام، وهو على خلاف مذهبه فهم عنده القوم، ولا يسمّيهم الأصحاب، ومن كان على مذهبه، في الدين فهم أصحابه في الدين وفي المذهب، ومن كان على مذهبه وعلى سلوكه في كل [11 ظ] شيء من القربات إلى الله تعالى فهم أصحابه في السلوك، وفي الطريقة.
يقول: كلما سمعت ذلك الإنشاد [أعد أنا بقلبي ذكر مَنْ، أي التي جادت بهجرانها، والوصل أي وبالوصل مرة واحدة، وضنّت] (3) بعد ذلك فلم تسمح من أي التي جادت، أي تفضّلت بهجرانها، أي ببعادها عن تجلّيها عليّ ما دمت على أحوالي هذه، والوصل: أي وتفضّلت بالوصل وهوتجلّيها على مرآة عقلي مرة واحدة بذي طوى من مكة شرّفها
الله تعالى. وضنت: أي لم تسمح بعد ذلك، وأراد بعض معناه، أي أحبت في أحكامها أن لا أحضر مشاهدتها بأحوالي (4) هذه، فافهم. فإنّا نحاول أن يكون الحجاب من المريد لا منها إلا على ما أوجبه حكمها فإنه يجوز أن يضاف إلى المحبة الإلهية والاستعارة (5) جائزة إذا أريد بها بعض معناها الجائز؛ إذ لا يمكن كشف السلوك، ولا معرفة المشاهدة في الحضرات إلا بالتشبيه والاستعارات، والمعنى أنّ الله تعالى منزّه عن
ذلك.
والحجة في إجازة ذلك هو الخبر المروي عن النبي الذي أوله: كنت كنزاً لم أعرف، إلى قوله تقربت منه شبراً) إلى غير ذلك، ومعلوم أن الله منزّه عن ذلك التشبيه
(1) في الأصل و [س]: [ظنت]، وما أثبتناه أصوب لتلاؤمه مع السياق، وهكذا في كلّ مرة وردت في الشرح.
(2) في الأصل و [س]: [خفظاً]، وما أثبتناه الصواب.
(3) ما بين المعقوفين ساقط في
س، و، والزيادة من الأصل.
(4) في الأصل: [بأحوال]، ما أثبتناه من س: وهو يتلاءم مع السياق.
(5) في س: [واستعارة].
(6) في س: [ذراعاً].
144 (1/144)
صفحة 145
بالشبر والذراع [والباع] (1) فإن قلت: لعلّ هذا خبر لا يصح، ولا يقبل إلا من القرآن، فنقول: قوله تعالى {وَأَصْحَبُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَبُ الْيَمِينِ} (2) إلى آخر الآية {وَأَصْحَبُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَبُ الشِّمَالِ (3)، ومعروف أن الله تعالى لا يوصف باليمين ولا بالشمال، وقوله في مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ} (4) فأتى بلفظة العندية، وقال اللَّهُ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ (5) سمي نوراً، والمعلوم أنه يعني نور معرفته، ولكن ظاهر لفظ الآية لم يأت كذلك صيغته. قال تعالى: مَن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَعِفَهُ لَهُ)، والله غير محتاج لقرض، وكلّ هذه استعارات منزّه عن معاني ظاهرها (7) فافهم.
وهي
(6)
وإنما نحن نحترز في التفسير أن تكون الحضرة الإلهية هي المحتجبة وهي الهاجرة النائية، فإنَّ ذلك لا يصح وصفها به (8).
وكلام الناظم ما دام له مخرج حق في التأويل فلا يصح أن يؤول إلا على الوجه الحق ما احتمل له لأنه يمكن أن يكون أراد الوجه الحق فإنّ الرادَّ على أحد ينبغي أن يكون قوي العلم والفهم، ويرى (9) أنّه لا مخرج له من الباطل فيحكم بباطله، وإن كان ظاهره يدلّ على الباطل وله وجه باطل يحتمل حقه حسن تأويل الحق، وإيضاح الخلاف ولا يعنفه بل يحسن الأدب معه (10) أنه لا يصح هذا أن يحمل (11) على ظاهره، وأنّ الحقّ فيه كذا وكذا وأنه هو المقصود، ولكن إن دخله (12) الريب في قصده فلا يقول إنه هو مقصوده، فإن قال المقصود، أي هو الحق المقصود كان ذلك وما أشبهه حسناً، ولا ينبغي له أن
(1) ما بين المعقوفين ساقط من س.
(2) الواقعة، الآية 27.
(3) الواقعة، الآية 41.
(4) القمر، الآية 55.
(5) النور، الآية 35.
(6) الحديد، الآية 11.
(7) في س: [طارها]، وهو تحريف.
(8) هذا من ورع الشيخ تخلله، وتأنيه في الكلام لئلا يقع في المحظور.
(9) في الأصل [ويروى]، وما أثبتناه من س وهو أصوب.
(10)
(11)
(12)
في س: [فيه].
في س: [يحتمل]، وما أثبتناه أليق بالسياق.
في س: [أدخله، وما أثبتناه أليق بالسياق.
145 (1/145)
صفحة 146
يظهر له عيباً فيما احتمل، ولا يجمل بأهل العلم الترفّع على العلماء الكبار إذا أظهر رأياً أفضل من رأيهم، بل يظهر رأيه على حسن أدب فيما بينه وبين الذي عارضه (1)، وكذلك فيما يحتمل، ولذلك قلنا قوله هو المقصود، وما أشبهه ذلك هو من أحسن القول لما فيه من إظهار الحق، ولزوم الأدب، والكفّ عن القطع عليه بشيء هو غيب معه، وكل هذه آداب في الحقيقة غير لازمة ما لم يُحط محقاً بدين، أو يدين برأي، ولكن الرزانة والثقلة
محبوبة عند الله تعالى من عبده وكذلك الأدب في محلّه، فافهم ذلك.
قال:
[12 و] 103 - تضمنه ما قلتُ والسكرُ مُعْلِنُ بسري وما أخفت بصحوي سريرتي يقول: تضمّنه حالي جميع ما قلته والسكر في حال ذلك معلن بسريرتي، أي مظهر عليّ، ويحتمل كلامه معنيين: أحدهما مظهر لسريرته مع كلّ مَنْ يراه، والأصح أنه مظهر يسكر سريرته على جميع أعضائه، وقواه وما أخفت أي وما أبقت سكر سريرتي (2) بصحوي، أي بشيء مني صاحياً بل سرّي سكرها، وجرى في جميع دمي، وبشرتي، وشعري، وعظامي، وعصبي، وعروقي، وحواسي، وعيون عقلي، وكل جزء من (3) أجزائي وكل قوة من قواي (4)، وأراد بذلك أنه إذا أطاع المرء ربّه كان كل شيء منه مطيعاً، وإذا أحبّ العبد ربه كان كل جزء منه، وكل قوة منه محبة لله في الحكم، فإذا صفا العقل، وصار نوراً عظيماً، وروحاً كريماً صار في الحكم كلّ جزء منه نوراً عظيماً، وروحاً كريماً صافياً مقدساً والعكس بالعكس (5)، فافهم ذلك، وبالله التوفيق.
***
(1) هذا من أخلاق العلماء الراسخة التي شاعت في التراث العربي. (2) في الأصل، و [س]: [سريري]، وما أثبتناه يتلاءم مع السياق.
(3) في س: [وعن].
(4) في س: [أقواي]. فيس:
(5) لعل هذا [العكس بالعكس] هو المعنى الثاني الذي يقصده.
146 (1/146)
صفحة 147
الباب الرابع
في الوصال بالمشاهدة للحضرات الإلهية الظاهرية الفعلية الإلهية، وفي تجريد الصفات النفسانية الخفيّة، والحظوظ القلبية، والتجرّد من الأغيار بالسفر الأول النفساني بالطور الأول الحبي، وبيان ذلك بلسان المقام الأحمدي المحمدي مخبراً عن مقال أحوال السالكين من أهل هذا المقام، ومنبئاً (1) عن أعلاهم درجة فيه:
قال:
1 - سَقَتْني حُمِّيا الحب رَاحَةُ مقلتي وكأسي مُحيَّا مَنْ عَن الحُسْنِ جَلَّتِ (2) يقول: وفيه تقديم وتأخير وحذف، وتقديره: سقتني راحة كفّ يد نظرة مقلتي، أي عيني الباصرة من المحبة الإلهية حميا الحبّ أي خمرة المحبّة، وسميت حميا، واستحسن وضع هذا الاسم من أسمائها لكثرة حرارتها، وشدة سؤرتها أي قوة حدتها، وإشعالها للقلب بشدة حرارتها، وكأسي: الذي نَظَرَتْه عيني، وسكرت بحميا حبه هو محيا، أي هو وجه جمال حضرة مَنْ - بفتح الميم - بمعنى الذي جلّت حضرته عن وصفها بجمال الحسن المعروف بالعقول المشهود؛ لأن كل حسن وكمال وجمال مشهود مكيف محدود، أو مصوّر فهو محدث، وموجد، وجمال كأس وجه تجلّي الحضرات الإلهية موجود غير موجد، ولا محدود ولا مصوّر، ولا مكيف ولا نهاية له (3).
بيان
ودلَّ بهذا معنى بيته أنَّه تجلّى جمال الحضرة الإلهية، وأنه شرب من المحبة الإلهية (1) في س: ومبيناً].
(2) هنا بداية التائية الكبرى، وقد بدأنا معها برقم جديد، ومن الواضح أنَّ الشيخ مستمر في الشرح بلا إشارة منه إلى ابتداء القصيدة الثانية على اعتبار أنّ القصيدتين هيكل واحد لا يكتمل البناء إلا بهما معاً، وهو ما بيناه في
المقدمة.
(3) في س: [جعله] بدل [له] ولا معنى لها.
147 (1/147)
صفحة 148
بالمحبة الإلهية؛ لأنه جعل الساقي له نظرته إلى الحضرة الفعلية من الحضرات الإلهية. فإن قلت: كيف أضاف إلى نفسه أنَّ نظرته هي التي سقته، ولم يضفه (1) إلى الله
تعالى؟
قلنا: ليثبت أن للمرء اختياراً، وإرادة، وأنه لابد أن يكون أول الطلب باختياره وإرادته، ولكن لا يجب السلوك إلى الله إلا بمحبة الله التي يجعلها بقلبه فهو يحبّه لمحبته، فمحبة الله سابقة لقوله تعالى: يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ} (2)، فالمحبة الإلهية التي أوجدها بروحه هي التي لا تطلب إلا رضا الله تعالى في كل شيء، وإن طلب في شيء، أو لم يخلص في كل شيء بانتهاك لما يدين بتحريمه في دين الله أو باستحلال بتأويل ضلال لا يسعه، أو يرى نفسه أنه قويّ المحبة والاجتهاد لله تعالى وهو مخالف له في شيء لا يسعه جزما مع جزماً مع الله تعالى خلافه، ويكون هالكاً عند [12] الله بذلك، فتلك محبة نفسه لا محبة الله تعالى وحرم محبة الله جل وعلا بخلافه [له] (3) في ذلك الذي لم يسعه خلافه، فافهم.
والوجه الآخر أنّه في مقام البداية، وفي مرتبة المريدين لا في مرتبة المرادين المجذوبين، لكنّه وإن كان كذلك فهو يقول: سقتني راحةُ كفّ يد نظرة مقلتي حميا الحبّ الإلهي، نظرت عيني بالمحبة الإلهية التي هي في ذات نفسي الآمرة للعين بالنظر، أي إلى تجلي كامن جمال الحضرة الفعلية الإلهية فأسكرني حبّ جمالها، فكانت أصل النظرة بالمحبة الإلهية التي بذاتي هي الناظرة وبها كان نظر العين ونظرت إلى جمال حضرات الله وجمال محبة أفعال الله، وأشار به أنها، أي المحبة التي بذاتي نظرت بنظر عيني، أنه تجلى له جمال الحضرة الفعلية الإلهية في المحسوسات، وبذلك دلّ على أنه تجلَّتْ له حضرة الأفعال دون حضرات الأسماء؛ لأنه مبتداء، ولو أضافها، أي النظرة إلى الذات لقطع أول السلوك، ولو أضاف السقي إلى الله لترك سلوك المريدين، بل قد أحكم الترتيب، وإيضاح الحق والاحتراز عن الردّ عليه من جهة الأسباب، والاختيار للاختيار بأبلغ حكمة، وأنجز حكمة بأوفر إشارة بأعجز بلاغة، واستعار لنظرة عينه راحة كف يد لها.
(1) في الأصل: [يفضه] بدل [يضفه] وهو تحريف. (2) المائدة، الآية 54.
(3) ما بين المعقوفين ساقط في الأصل، والزيادة من س.
148 (1/148)
صفحة 149
وقراءة [راحة] في البيت: (راحات) - بفتح الحاء وإشباعها- بحيث أن تصير ألفاً لإقامة الوزن واستعارته هنا للراحة لمعان، وسنوضح بعضها، ولأنَّ التناول للكأس يكون براحة اليد، والنظر إلى الكأس ليشرب (1) به، والسكر بخمرة حبّ جماله وحسنه، فجماله هو المسكر، واستعار لوجه الحضرة الفعلية الإلهية الكأس، وبالمحيا وهو [لوجه] (2)
الوجه؛ لأنَّ الكأس هو أول منظور إليه وكذلك الوجه [هو] (3) [أول] (4) منظور إليه. وأوّل كل شيء وجهه، وذات كلّ شيء وجهه أيضاً، فدلّ بذلك على تحقيق النظر إلى الجمال حقيقة احترازاً من تجلّي الخيالات، فذات حقيقة جمال الحضرة الفعلية الإلهية هو الذي نظرها، ولا يظن أنه نظر ذات الله فإنه الآن يتكلم في تجلي كمال (5) الأفعال، والوجه أول ظهور التجلي عليه. وفي الحقيقة لا أول لكمال الله ولا آخر له؛ لأنه بلا نهاية فليس له، آخر ولا له كلّ إذ الكلّ يدلّ على التحديد، وإنما هذه استعارات ليفهم بها توحيد الله تعالى، وكذلك جمال حضراته وكمالها جلت أن توصف بالحسن المعروف المكيف؛ لأن لحضرات الله الكمال والجمال والجلال المطلق الذي لا يتناهى، ودلّ على أنه قاصد سلوك المحبة والمكاشفة التوحيدية، ولو كشف لك الغطاء عما تضمنته مطلع (6) (6) هذا البيت، واستعارته بالراحة، والعين والنظرة، والكأس وجميع معانيه لرأيت ما يدهش اللب، ولعلمت أنه يغترف من بحر إلهي، ومدد رباني، وكذلك براعة مطلع (7) الأولى (8) كما أشرنا إلى بعض معانيها، وسنوضح بعضاً من معاني هذا البيت ليتضح به ما
سنذكره فيما بعد.
براعة
ولعل جميع ما سنذكره بعده هو ما تضمنه هذا البيت من المعاني وذلك في خمس
مقدمات.
(1) في س: [والشرب].
(2) ما بين المعقوفين ساقط من س. (3) ما بين المعقوفين ساقط من الأصل.
(4) ما بين المعقوفين ساقط من س.
(5) في س: [جمال]، وأثبتنا ما في الأصل لتلاؤمه مع ما سيأتي. (6) في الأصل: [مطلق]، وهو تحريف، وأثبتنا ما في س. (7) في الأصل: [مطلق]، وهو تحريف، وأثبتنا ما في س. (8) يقصد التائية الصغرى.
149 (1/149)
صفحة 150
(المقدمة الأولى هو أن يُعلم أن الناظم لم يقصد بنظمه، وكلامه نفسه من قوله: سقتني، وليس في منظومته بيت أشار به إلى نفسه وإنما هو متكلم عن مقالة المقام المحمدي، وكماله مخبراً بلسان حاله تارة عن صفة سلوك صاحبه [13 و] وتارة عن صفة سلوك المرادين من الرسل والأنبياء، أو من شاء الله من الأولياء، وتارة عن صفة سلوك المريدين من الأولياء السالكين طريق التوسل بنوافل المحبة، والتجريد، والمكاشفة التوحيدية لله المجيد من أن كل مريد وصل هو في الحقيقة مراد، ولكن من لم يكشفه (1) الله تعالى بوحي منه أو بقول نبي أنه ولي الله تعالى وأنه أنه ولى الله تعالى وأنه معصوم، سمي مريداً، ومن كشف الله عنه بأنه من أولياء الله حقاً، وأنه معصوم سمي مراداً مجذوباً.
(3)
وابتدأ في النظم بأول سلوك المريدين (2) فافهم (المقدمة الثانية): أنّه بنى منظومته على معنى آية النور التي: اللَّهُ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورو، إلى تمام الآية، وعلى معنى ما حكى رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كنت كنزاً لم أُعرف فأحببت أن أعرف فخلقت خلقاً كي أعرف فبي كانوا وبي عرفوني. وما تقرب عبدي إليَّ بشيء أحب إلي مما افترضت عليه، وإذا تقرب منّي عبدي بفرائضي وبالنوافل شبراً تقربت منه ذراعاً، وإن تقرب مني ذراعاً تقربت منه باعاً، وإن أتاني يمشي أتيته أهرول، ولا يزال يتقرب إليّ عبدي بفرائضي وبالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه وبصره ولسانه ويده، فبي يسمع وبي يبصر وبي ينطق وبي يبطش، وما وسعني سمواتي ولا أرضي، ووسعني قلب عبدي المؤمن (4).
وعلى الخبر المروي عن النبي حين جاءه أحد في صورة رجل أعرابي، وقال السلام عليك يا رسول الله صلى الله عليك (5) وسلم، فردّ السلام عليه ال، ثم قعد بعدما أمره بالقعود، ووضع يديه على ركبتيه، وقال: أسألك يا رسول الله صلى الله
(1) كذا في الأصل و [س]، ولعلّ [يكاشفه] أليق هنا بالسياق. (2) في س: [المريد].
(3) شرحنا فيما سبق الفرق بين [المريد] و [المراد].
(4) مرّ تخريج الحديث.
(5) في س [عليه]، وما في الأصل أليق لتلاؤمه مع الخطاب.
150 (1/150)
صفحة 151
عليك (1) وسلم فأخبرني عن الإسلام فقال له: الإسلام هو أن تشهد أن لا إله إلا الله وأنَّ محمداً رسول الله، وأنَّ ما جاء به محمد رسول الله هو الحق من الله، وتعبد الله مخلصاً بأداء الطاعة، فقال: صدقت يا محمد. فعجبوا منه يسأله ويصدّقه كأنه سؤالُ
جميع
متعنت لا سؤال متعلّم، ثمّ قال له: أخبرني ما الإيمان؟ فقال له: الإيمان هو أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر مخلصاً لله في عبادته. فقال: صدقت يا محمد، أخبرني عن الإحسان. فقال: الإحسان هو أن تعبد الله تعالى كأنك تراه فإن لم تكن تراه
فإنه يراك (2).
وجميع
العبادة تدور على هذه المعاني، فَرْضِها وَنَفْلِها، وأتى بأربع صفات التي عليها مدار الخطاب هي السمع والبصر والكلام واليد دالّة على أربعة أسماء لذات الله تعالى هي السميع، والبصير، والقدير، ولم يزل متكلماً، وهذا الرابع لم يزل متكلماً صفة لله لا اسماً من أسمائه (3).
وقال: إنّ هذه إشارة إلى أنها أسماء بلا آلة التعريف لذات المرء التي هي عقله، فهو سميع بصير قدير متكلم، وبهذه القوى صار عقلاً آمراً فعالاً مختاراً مدبراً، وبهذه القوى وجبت عليه العبادة مما يتعبّده به منها إليه، وإنّ مظاهر الحواس مظاهر هذه القوى الذاتية فقدرت بها على السمع من الأذن، والشمّ من الأنف، والبصر من العين، والبطش باليد
وبغيرها، وجميع اللمس، والذوق، والحركات، والسكنات في المرء بها، فافهم. (المقدمة الثالثة): هو أن تعلم أنّ المخلصين لله تعالى على الإجمال أربعة أقسام: (4) الأول: إخلاص أهل الورع بالشريعة والحقيقة، اللازم، والمندوب، والمستحب فيهما، وليس لهم قوة محبة ولا قوة حضور [13] بالمشاهدة، وهؤلاء على قسمين: قسم أنكر المحبة من الله تعالى للعبد، ومحبة العبد لربه، وقال: إن تأويل قوله: يحبهم بالتوفيق والثواب، ويحبونه بأداء الطاعة لا غير، ولم يفهم معنى محبة الله لعبده ولا محبة
(1) في س: [عليه]، وهي كالسابقة.
(2) ينظر فتح الباري، 114/ 1. (3) مرَّ الحديث عنه هذه القضية.
(4) ينظر عن الإخلاص والمخلصين موسوعة العجم، ص 24، وما بعدها، وموسوعة الحفني، ص 33.
151 (1/151)
صفحة 152
العبد لربه، ولو كانت له لذة في المناجاة لشاهد ما يدلّ على تلاشي حجته، ولذهب عنه ما تخيله، ولعله (1) ظنّ أنَّ محبة الله للعبد لا يمكن إلا أن يكون على شبه محبّة البعل لأهله، أو لولده فيكون صحيحاً ما ظنه أنه لا يصح ولا يجوز.
ومحبة الله تعالى هي محبته للكمال، الحقيقي، وإرادته منا لنتخلّق به؛ لأنه هو الذي له الكمال المطلق. والآخرون من هؤلاء القسم لم ينكروا المحبة ولكنَّهم في شغل عنها. والقسم الثاني: أهل المحبة وسلكوا بها طرق المشاهدة فشهدوا الشهود أولاً ثم شهدوا بها المشهود. والقسم الثالث: شهدوا المشهود أولاً، وعرفوا به الشهود آخراً وهم المرادون.
والقسم الرابع: شهدوا المشهود أولاً، وما أرادوا أن يرجعوا إلى الشهود.
وقال في ذلك الشيخ العارف القطب الرباني أبو (2) نبهان.
(المقدمة الرابعة): هو أن تعلم أنَّ التجلي الإلهي هو ظهور معرفته، والمتجلّى عليه بها هو العالم بمعرفة الله تعالى، والمشاهد لها بقوة الحضور، وانفتاح النفس والروح إليها انفتاحاً كلياً، فهي الحضرات له وهي المعرفة وكمالها في المحبة هو الكمال في العلم والعمل والشوق إلى علم معرفة الله تعالى وإلى محبّته له ورضاه عنه، وإلى محبة القُرب إليه، ولو بلغ ما بلغ حق محبّة الله له وحق محبة رضاه عنه، وحتى محبّته مشاهدة جماله وكماله وجلاله، وصفاته، وأفعاله، وجميع معرفته، وحضراته وتجلّي الله بها على ذات المرء لقوله تعالى: {وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ (3).
والتجلي الإلهي بالحضرات أكثر من أن تحصى، وتنحصر في قسمين: مقيد، ومطلق. فالمقيد هو أن يتجلى للمرء من حضرات الله فعلاً واحداً، أو اسماً، أو صفة، أو أكثر، ويكون له حد في كثرة ذلك التجلي مثلاً أن ينظر وتنكشف له قدرة في تدبيره في شجرة فينظر قدرة الله تعالى في تلك الشجرة أنه يقسم رزق أوراقها ورقة ورقة، وعوداً
(1) في الأصل و [س]: [ولعلّ]، وما أثبتناه أليق بالسياق.
(2) في الأصل و [س]: [أبي]، وأبو نبهان هو الشيخ جاعد والد الشيخ ناصر صاحب هذا الكتاب، ومرّت ترجمته في
المقدمة.
(3) الأنعام، الآية 91.
152 (1/152)
صفحة 153
عوداً، وعرقاً عرقاً من الورق، إذ الورق كلّه في الحقيقة عروق مشتبكة [] (1) ظاهر يسير منها أنه توصل إليه قسمه قدره وتمنعه قدره فيندهش بذلك عقله، فهذا وأمثاله من حضرات الفعلية الإلهية وتجلي ذلك عليه من التجلي المقيد.
موسي
وانظر إلى آية العصا لموسى ال هو تجل (2) فعلي مقيد ناظرها بها، ولم يدهش ال بها، ودهشو بها السحرة؛ لأنهم حققوها أنها أية الله تعالى لا أنه سحر لعلمهم بالسحر أنه لا يبلغ إلى ذلك، ولم يدهش غيرهم لاشتباهها معهم بآية السحر وإن كانت هي خارقة لعادة السحر فلم يتجلّ (3) لهم حقيقة عظمتها، ولم يدهش بآية انفلاق البحر، ولم يدهش قومه بذلك لألفتهم بآياته واندهش موسى ال بآية الجبل، وهي حضرة تقييد في مشاهدته مقيّدة بمقدار اندكاك ذلك الجبل.
وآية الله التي ظهرت في السموات والأرض هي أعظم من اندكاك ذلك الجبل، وإنما (4) لم يدهش الناظرون بها لحجاب مانع لهم في نفوسهم عن المشاهدة والتجلي، والمطلق هو أن تشاهد أفعال الله تعالى في كل ما يشاهده وأن أفعاله في قدرته لا نهاية/ (5) لها. والمثال أنَّ الجمال الموجود في أجمل الأشياء له حد ولكن في قدرة الله تعالى في ذلك الجمال بزيادته صاعداً لا نهاية لها، فصار في الحقيقة ليس شيء بشيء كامل في وصفه إلا الله تعالى؛ لأنه قابل للزيادة في القدرة الإلهية. فهذا هو التجلي المطلق شرط أن يرى جميع أفعاله أو صفاته كذلك في التجلي المطلق الفعلي الأسمائي.
والتجلي على ثلاثة أقسام: الأول تجلي الأفعال، والمشاهدون بها المشهود هم المبتدون المريدون، وبها تنزل آيات الأنبياء الخارقة للعادة؛ لأنَّها ظاهرة لأهل الظواهر، ولذلك ابتداء الناظم برؤية العين، وابتدأ بالراحة إشارة إلى القدرة من قوى الذات؛ لأن القدرة هي القوة
(1) ما بين المعقوفين كلمة لم أتمكن من قراءتها.
(2) في الأصل و [س]: [تجلي]. (3) في الأصل و [س]: [يتجلّى]. (4) في س: [فإنّما].
(5) من هنا يبدأ السقط الثاني الذي أشرنا إليه سابقاً، وهو بمقدار ورقتين والزيادة من س وحدها، وسيستمر الترقيم
كما هو موجود في الأصل.
153 (1/153)
صفحة 154
المحتاجة لها أن تصرف كل عضو من أعضاء إنسانها والعين يمكن أن ينظر بها إلى كثير من الأشياء بخلاف السمع، وبخلاف النطق فإنّه مما لا يمكن أن تتجلى بهما الحضرات المطلقة الفعلية، فدلّ بالراحة على القدرة من القوى الأربعة التي للذات، وبنظرة العين إلى تجلّي الحضرات المشاهدة الكثيرة المطلقة، وبالراحة التي هي القدرة على قدرته إلى النظر بالمشاهدات الأفعال الكثيرة في الأشياء الكثيرة ليدلّ على أنه تجلى له التجلي بنظرة المطلق من حضرات الأفعال، ودلّ بسكره على أنّ حقيقة تلك النظرة أصلها بمشاهدة عين نفسه الناظرة إلى المحسوسات الحقيقية (1)؛ لأنها لو لم تكن هي الناظرة بالعين ما سكرت بالنظر، فإن السكر المعروف بالشرب إذا وصل إلى القلب أغمض عيونه لحدته، فسكره، ودلّ على أنه ابتدأ بتجلي الأفعال وهي المرتبة الأولى، وعلى أنه بعيني النفس الغريزية والمدبّرة لا العين الروحية التي هي البصيرية؛ لأن الروح جهتها على غير المحسوسات، ودلّ على أنه سفر النفس بتجريدها وتصفيتها أولاً، ودلّ على أنها قد انقادت إلى الروح فيما أمرتها لتخرق الحجب حتى تلاقي رؤية النفس رؤية الروح، فافهم فإنا لا نقدر أن نستقصي جميع وإنما أتينا منها ما يكون كالإقليد لما يأتيه من بعد.
وقوله: جميعاً الحبّ، فالحبّ على أطوار ومراتب كما سنذكره.
يريد
معانيه،
(المقدمة الخامسة في بيان معرفة أطوار المحبة، ومراتبها، ودرجاتها في مشاهدة
الحضرات الإلهية والكمالات الإلهية
واعلم أنَّ المحبة على ثلاثة أطوار وكل طور على مراتب ودرجات، وله أول ووسط وانتهاء، ولكلّ طور تردّد، ورجوع، وفناء، وصحو، ولا يتم له الانتهاء إلا بعد كثرة تردّد، ورجوع، إذ لابد من التلوين قبل التمكين (2).
فالتلوين والمتلون كحبّ النساء ليوسف والتمكين كحبّ الزليخا له، فلم يصبها ما أصاب النساء من تلك النظرة، وأول الحبّ والمحبة الباعثة وهي مثل المنبهة للنائم إلى يقظة، ثم يظهر من أثر تصوره الإرادة، ثم داعية السير إلى طلب الوصال والاتصال به ثم قطع العلائق، ثم يترقى إلى قطع الحجب وكشفها، ويتصوّر الميل الحبّي بواسطة تجلي
(1) في س: [الحقيقة]، وما أثبتناه أليق بالسياق.
(2) مرّ شرح هذه المصطلحات فيما سبق.
154 (1/154)
صفحة 155
أفعال يميل إليها منه، مقيّد برؤيتها، ثم يشرق جمال أفعاله الظاهر في كل فعل فعله، ثم يتوجه إلى فناء الحظوظ الحسّية كالنظر وغيره، ثم المعنوية كالجاه وكلّها هو ليس لمحبوبه، وهذا فناء قبل فناء الحب فيما أحبه، فهذا على الإجمال فيه، وعلى التفصيل فهو على ثلاثة أطوار: طوران منها للمريدين، وطور واحد للمرادين، فافهم. (الطور الأول الحبّي) من طَوْرَيْ المريدين الحبّ الراجع في الحقيقة من المحب إلى
حبّ ذاته.
وقد يكون كما ذكرناه في المجمل، وقد يكون عن رؤية في منام، أو عن نظرة نظر إلى الشيء فمالت نفسه للذة وحدها في ذلك كما ذكرناه، ويروم الطلب لأجل تلك اللذة، ويندرج فيه إلى فناء أحواله لبلوغ تلك اللذة إذا كانت معه هي ألذ من الذي يفنيه لأجلها، وهذا الطور الأول الفعلي هو على ثلاث مراتب (المرتبة الأولى): أن يعاتب محبوبه ويخاصمه، وهذا في العباد بعضهم لبعض، لا في الله تعالى، ولا يصبر عنه ويهواه، وهذا يصح في حبّ معرفة الله تعالى.
:
(المرتبة الوسطى): أن تزيد حرارة الحبّ والقلق فيتولد منها قوة شوق، وانزعاج، وَوَلَه، وعطش، وَهَيمان فيحسّ بتفتّت كبده بحرارته، وسؤرته، أي حدته، ونحوله، وبكائه، وزفيره، ثمّ يمضي إلى الفنا، وكل هذا مثال في كونه قد يمكن العباد بعضهم لبعض لا في الله تعالى ولكنَّ حبّ المعرفة بالله يصح استعارته لا في ذات الله تعالى.
(المرتبة الأخرى (1) فافهم فلقوة ما يقاسيه من حرارته وتعبه فيزيد ويحبّ الفنا فيه يروم به الراحة منه، وآخر هذا الطور كما السكر، والغيبة، وعدم الإحساس بكلّ ما يجري من الألم حتى نفسه، وعن محبوبه أيضاً وهو المعبّر عنه بالصَّعق الأول، والمحق (2).
وكفى بما جرى على النساء الناظرات ليوسف وجماله وجمال حضرات الله، أجل
(1) في س: [الآخرا، وما أثبتناه أصوب.
(2) الصعق: الفناء في الحق عند التجلّي الذاتي، والصوفي عند مطالعة أنوار الحقائق يصيبه الدهش، وقد يخرّ صعقاً، أما المحق فهو فناء وجود العبد في ذات الحق تعالى، وهنا يجب التنبه إلى أنّ الفناء لا يراد به الحلول، أو شيء قريب من هذا ينظر موسوعة الحفني، ص 830، وص 943، وينظر موسوعة العجم، ص 847، وما بعدها ففيها
تفصيل.
155 (1/155)
صفحة 156
من كمال وجمال يوسف والقلوب المكاشفة به أحد حباً إليه من حبّ كمال جمال
يوسف العلية لا
والشيخ الناظم تدرّج مراتب المحبة إلى كشف حضرات الله تعالى، وما لقربه، فيشير بها إلى محو صفات النفس، ومحو طلب حظوظها، ومحو حُجب الأغيار بطريق المحبة الإلهية المعتدلة في كل أمر، المخلصة للنفس والروح من جميع الأغيار. ويأتي بالقياس على مراتب الحبّ المعروف تعظيماً لله تعالى في حبّه؛ لأنه لا يفيق السالك، فإنّه لو كان الأمر كذلك لتعطل قيامه بالشرائع الفرضية، ولكن لا يحسن أن يكون الرمز في حبّ الله بأقل مما بين الناس، ويكون معناه لا على ظاهره فإنه كلما كان التشبيب في المدح أعظم، كان للمدوح والمثنى عليه أعظم، وقد يكون الشيء يطلب به التعظيم في إظهار الحكمة المعظمة لذلك.
وانظر إلى نون الجمع كيف كان الوصف بها في الله أعظم، ويسمى نون التعظيم، فكلّ محل له حال يخصه، وفي المحبة الراجعة من العبد إلى ذاته مثال ظاهر في أهل الإخلاص من أهل الظاهر، والمثال في ذلك أنَّ من تجلى له شدة عذاب النار، أو كثرة حبّه في الثواب، ونهض بالإخلاص إلى الله تعالى في كل عمل رجاء لأن ينجيه الله من عذابه ويدخله في ثوابه، ووجد للعبادة لله لذة ومحبة عظيمة، أو لم يجد لذة أبداً، ولا محبة للعبادة، وإنَّما كلفته الخوفة من عذاب الله تعالى فهذا مخلص ولكن مع أهل المرتبة الثانية الذين هم (1) يعبدون الله تعالى بالاستحقاق لربوبيته لهم من واجب عبوديتهم له الباعثة لهم على ذلك، وهم يخافون سخطه ويرجون رضاه عنهم، ولكن ليس الباعثة لهم على ذلك تجلّي عذاب النار، ولا نعيم الجنة، فأهل هذه المرتبة يرون أن أهل المرتبة الأولى عبادتهم حقيقتها [14 و] (2) كانت عن محبة لأنفسهم فلاشك أنهم أدنى من أهل هذه المرتبة.
وهي
فصح أنّ المحبة على طورين: فالطور الأول هو الذي ذكرناه، فافهم.
(1) في س: [الذينهم].
(2) إلى هنا ينتهي السقط الثاني الذي أشرنا إليه فيما سبق، وسيبدأ الترقيم بـ (14 و] كما هو مثبت في المتن.
156 (1/156)
صفحة 157
(الطور الثاني الحبّي هم أهل هذه المرتبة الثانية الذين هم (1) يعبدون الله تعالى للاستحقاق، ولأداء واجب العبودية منهم لحق الربوبية، ولأنّ الله تعالى أوجب عليهم ذلك، ولأنّ الله تعالى في الحقيقة واجبة عبادته، وواجب على من تعبده أن يعبده بما تعبّده، وكلّ شيء في الوجود تعبّده بشيء فأذعن إلا بعضاً من هذا النوع الإنسي والجني تمرد وطغى قبّحه الله تعالى. قال جل وعلا: فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ انْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهَا قَالَتَا أَنَيْنَا طابعين (2)، وقال تعالى: {وَإِن مِن شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ (3)، وقال: سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ (4) فهي عبادتهنّ لله تعالى، وستأتي مراتب هذا الطور في محلّه إن شاء الله تعالى.
(الطور الثالث الحبّي حبّ المرادين، وسنذكره في محله إن شاء الله تعالى.
بيان
فبدأ الناظم أولاً برؤية مشاهدة المحبوب من تجلّي المحبة الإلهية، وتجلّي جمال الحضرة الإلهية بالمكاشفة في الرؤية النومية، ثم كان الوصال منه بالمشاهدة في وقفة المواقفة بذي طوى من مكة شرّفها الله تعالى في خوف من فوت الحج عليه، وكلّ ذلك على سبيل الترتيب والتمثيل القريب، ثمّ ذكر هنا الاتصال بالنظر العيني الدَّال إلى الاتصال بالمشاهدة إلى التجلي المطلق الفعلي الإلهي دون الذوقي، ودون السماعي، ودون النطق الذي لا يكون إلا شيئاً فشيئاً الدَّال على التجلي المقيد، وإن قال: سقتني، فإن نظره يأتي في كل لحظة ولمحة نظرة إلى السموات والأرض، وإلى كثير مما فيهما، فلو أن ولداً ولد أعمى وأصمّ، ولم ينظر شيئاً ولا سمع شيئاً، حتى كبر وفتح الله له عينه ورأى هذا كلّه في لمحة لخيف عليه الصعق والموت، به، فانظر إلى قوة فهمه وعلمه وبلاغته. ثم قال:
2 - فَأوهَمُتُ صحبي أَنْ شُرْبَ شرابهم به سُرَّ سري في انتشائي بنظرتي
(1) في الأصل و [س]: [الذينهم].
(2) فصلت، الآية 11.
(3) الإسراء، الآية 44. (4) الحشر، الآية 1.
157 (1/157)
صفحة 158
يقول: فأوهمت، والوهم التخييل بشيء ليس هو في الحقيقة كذلك، ولكن أراد هنا فأخفيت الذي أسكرني عن صحبي الذين يشربون كاسات المحبة، وهم أصحابي في السكر حتى ظنوا أن شرب شرابهم، أي خمرة حبهم التي يشربونها هو الذي به سُرَّ، أي فرح سري، أي خاطري وقلبي في انتشائي، أي في سكري بنظرتي إلى جمال تلك الحضرة الفعلية الجمال المطلق.
والمعنى أني لما سكرت بتلك النظرة التي نظرت بها جمال الحضرة بتجلي جمالها المطلق على سري، كتمت على صحبي الذي أسكرني فظنّوا أنّي أشرب مثل شربهم، وليس الأمر كذلك؛ لأنهم يشربون من كاسات التجلي المقيد وأنا [قد] (1) كوشفت بالتجلي المطلق، فلم يكن كأسي غير وجه الحضرة المطلقة، والمسكر جمالها، وهو الذي لا ينظره أحد إلا، دهش وفني، وكفى بالنظرة إلى ذلك للإدهاش، ومن أدهشه الجمال فقد سكر، فافهم ذلك.
وأما المقيد فأكثر العقول يحتمله، ولم أكتم ذلك عن حسد منّي لهم، ولكن لأجل أنَّ أمر المكاشفة لله لا للعبد فلا ينفع إظهاري لهم ذلك، وكل هذه إشارات إلى تجلي أفعال الله وجمال أفعاله، وكماله وجلاله في كل شيء حتى تأخذه الدهشة، وتدعوه إلى محبة التصفية الخالصة، ولكل امرئ من المكاشفة في ذلك هو ما علم الله تعالى به أنه كذلك حظه منها، [14]، وكيف لا يدهش مَنْ كَاشَفه الله بعظمة كمال جماله في كل شيء، وجمال يوسف قد أدهش بنص الذكر وهو جمال تدبير الله فيه، وكلّ تدبير من تدبير الله هو في غاية الكمال، فلا شك أنّه من كوشف بجلال الجمال من وجود الدهشة كما دهش موسى حين تجلّى له شيء من كمال جمال القدرة الإلهية فلا ينكر إلا المحجوب، وكفى له ذمّاً بقوله تعالى: {بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ (2)، واعلم أنَّ موسى العليا لم يسأل ربه أن يريه ذاته؛ لأنه نبي، وعليم بصفات الله تعالى (3)، وأنه ليس هو شيء يُرى أصلاً فليس بجسم، ولا بجوهر، ولا عرض ولا بروح، ولا بمعنى؛ لأنه لو كان معنى لكان المعنى هو الله تعالى، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً، فلا يعرف هو إلا هو، ولا يوصف ذاته بماهيته، ولا كيفيته،
(1) ما بين المعقوفين ساقطة من س. (2) يونس، الآية 39.
(3) ما سيأتي كلام نفيس في نفي الرؤية، وهو ما ينسجم تماماً مع فكر الشيخ الله.
العلمية لا
158 (1/158)
صفحة 159
ولا إنّيته، ولا كان بعد زمان ولا مكان، مع تحققه بعلم توحيده، ولسنا بأعلم منه ونحن ندري هذا فكيف هو، ولكن سأل ربه تعالى ليتجلّى عليه ببعض آيات كماله في قدرته فيرى ذلك بعينه، ولم يسأل كما سأل إبراهيم ال أن يريه آية من قدرته في شيء عينه يحتمله فقال: {أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى (1)، وأما موسى فقال رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ} (2)، أي إلى كمالك في صفاتك كلها التجلّي تجلّى بها في الوجود فقال له تعالى: {لَن تَركيني (3) أي لن تقدر على ذلك يا موسى؛ لأنَّ كمالي بلا نهاية، ومتى أريتك كمال صفة من صفاتي ببعض الظهور لتجلّي بها على الجبل، وهي قدرتي فإن استقر مكانه، واحتمل الجبل مع تجلّي قدرتي عليه فسوف تراني، أي ترى من كمال قدرتي، وإن لم يستقر الجبل فلا يدرك عقلك أن يثبت ما أفعل بالجبل ويندهش ولا ترى من كمال قدرتي في ذلك كما تجلّى حسن يوسف على النسوة من أول نظرة نظرته، فلم يمكنهنَّ من النظر إلى جماله، وجمال محجوب عن الخلق أن ينظر في كلّ نظرة لا بحجاب من ثياب كما ظنّه بعض العوام، وإنّما حجاب كوني من الله تعالى، أي لا تتجلّى أنوار جماله، إلا لآية يريد الله إظهارها لعباده، فإذا أظهرها زاغت عقول الناس جميعاً، كذلك موسي لما تجلّى ربّه بقدرته على الجبل، وجعله دكّا بقدرته لم يدرك موسى غير أول نظرة، ولم يتمكن فيها حتى ينظر الآية كلّها في الجبل، وخرّ موسى صعقاً، فلو تجلّى على عقل موسى ذلك التجلّي لتلاشى موسى، وصار غير شيء، بل رجع إلى الجزء الذي لا يتجزأ كما يرجع السحاب لا شيء، وإذا كان بهذا التجلّي المقيّد لم يطق موسى فكيف إذا دُكّت الأرض دكّة واحدة؟ فكمال الله وقدرته لا نهاية لها، ولو أراه أنَّه دلّ الوجود دكّة واحدة لكانت هذه آية مقيّدة بالوجود، وكمال الله غير مقيد ولا يعرف جمال جلاله، ولا جلال جماله، ولا جلال، ولا جمال كماله إلا هو، وإنما عرف بحق المعرفة قدر ما تجلى من العلم به على خلقه.
جميع
ولم يدهش بآية خلق السموات والأرض، وأنها لأعظم ظهوراً ولكن من عادة النفس لا تدهش بالمألوف إلا مَنْ كاشفه الله فاخترقها فكانت هى الحاجبة بألفتها، والشاغلة عن شهود المشهود بشهودها مع أنها هي الدليل على معرفة الله جل وعلا.
(1) البقرة، الآية 260.
(2) الأعراف، الآية 143. (3) الأعراف، الآية 143.
159 (1/159)
صفحة 160
فاعجب بها حُجباً مانعة عن الوصول، وهي الدليل والأعلام إلى الوصول: {مَن يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِى وَمَن يُضْلِلْ فَأُوْلَبِكَ هُمُ الْخَسِرُونَ} (1).
فإن قلت: إنّ المقام المحمدي أخبر عن نفسه من جملة أصحابه وكأنه ابتدأ به ويتم [15 و] السلوك به، وفيه إلى مقام النبي ولم يذكر ابتداء أصحابه؟
قلت: إنه ابتدأ في منظومته الأولى بذكر ابتداء كل مبتدئ، وأصحابه هنا هم أصحابه أولئك، وكيفية السلوك واحد، ولكن حظ المكاشفة أمره لله تعالى يخص به من يشاء وإنما على المرء الاجتهاد في السلوك، وإليه إيصال كل حقّ إلى مستحقه بما يستحقه من
الحظ،
قال:
فافهم ذلك.
3 - وبالحَدَقِ استغنيتُ عن قدحي ومِن
–
شمائلها لا من شمولي نشوتي
يقول: وبالحَدَق: أي حدق العين، استغنيت عن قدحي: أي كاسي، أي استغنيت بنظرة إلى الحدق، استعار للحضرة اسم العين؛ لأن عين الشيء ذاته، وعن الشرب وسكرت
بتلك النظرة، فنشوتي، أي سكرتي من نظر شمائلها، أي محاسنها لا من شمولي.
قال:
4 - ففي حان شكري حان شكري لفتية بهم تم لي كتمي الهوى معَ شُهرتي يقول وفي حانة، وإنما حذف الهاء ضرورة، وهو موضع عمل الخمرة، أو بيعها، أو شربها استعاره للحضرة التي نظرها وسكر بها. حان أي حان شكري، أي وجب وقت شكره لفتية وهم أصحابه الذين يشربون من التجلي المقيد وهو قد تعلاهم إلى نظرة التجلي، المطلق، وقد ذكرنا معنى المقيد، وهو المقصود تجلّيه على معنى واحد، والمطلق على الكثرة والسعة بهم، ثم له كثم الهوى، أي بسببهم كان كتمان أمره؛ لأنهم ظنّوه قد شرب مثل شرابهم وهو مشتهر معهم؛ من جملتهم ولو اطلعوا على ما نظر، وبه سكر لم يتم له الكتمان ولو رامه، وإنما وجب
(1) الأعراف، الآية 178.
لأنه
160 (1/160)
صفحة 161
في ذلك الوقت شكرهم على ذلك؛ لأنه قد حسن بالفنا عنهم، فلا يدرك يؤدي شكر والمراد بشكرهم سكرهم، ووداعهم.
قال:
5 - ولما انقضى صحوي تقاضيتُ وَصْلَها ولم يَغْشَني في بسطها قَبْضُ خَشْية يقول: وشكرتهم على ذلك وودعتهم، ولما انقضى أي كمل كلّه، صحوه: أي لم يَبْقَ فيه من وصف الصحو وصف، فسكر من كثرة النظر إلى تلك الحضرة بالتجلي المطلق، تقاضيت وصلها: أي أردت وفاء وصلها، أي تمامه من تجلّي الأفعال إلى تجلي الأسماء، ولم يغشني: أي في بسطها، أي في انبساطي في الطلب لوصلها، ويستعار الانبساط لنشاط القلب بالجرأة في القول فلم يأته قبض خشية، أي خوف مع تعظيم؛ لأن شدة الهيبة تمنع، وهو القبض عن الانبساط، ولم يمنعني ذلك لشدة سكري حتى غاب خجلي؛ لأن كثرة السكر يذهب بالخجلة، وفي بعض النسخ (1) تقاصصت من المقاصصة، أي أردت وصلها بحبّي لها، أو بمعنى القصص، أي قصصت لها مطلبي بغير خجلة لشدة سكري في طلب
وصالها.
قال:
6 - وأبثها حالي ولم يك حاضري رقيب بقا حطّ بخلوة جلوتي 2
يقول: لما تمكنت حرارة حميّا الحبّ وشدّتها وحرارتها في نفسي، وغيبتني عن حسّي، وأغفلتني عني وعن جميع حظوظي المتعلقة بغير المحبوب، ولم يتبق منها رقيب مانع لي منها، أي من حظوظ (3) نفسي، بل صارت خالية مجلية صالحة لتجلي تلك الحضرة بثت حالي لتلك الحضرة ممّا حل بي من بلاء الولاء وعناء الفنا إلى غير ذلك، وحاصله شرح حال، وطلب وصال.
(1) إنَّ هذا يشير إلى توفّر نسخ من التائية بين يدي الشيخ ناصر، وهو يرجّح بين رواياتها، وسنرى هذا في مواضع
أخرى.
(2) في الديوان [بقا] أصلها بقاء ثم قصر، ينظر ص 84.
(3) في الأصل و [س]: [حضوض].
161 (1/161)
صفحة 162
قال:
7 - وقلت وقلبي بالصبابة شاهد ووجدي بها مَاحِيّ والفقد مُثبت (1) يقول: لما تمكنت آثار حميا الحبّ، وأنحلت جسمي، وجميع ما ترى في عالم الشهادة ولم يتبق لي من ذلك بقية ولم يبق [15] غير الحبّ، والأنين و [] (2) وأثبت الوجد فقدي من ظهوري في الكون.
قال:
8 - هبي، قبل يُفني الحب مني بقية أراك بها في نظرة المتلفت (3) يقول: قلت لها، أي تلك الحضرة: هبي، أي هبي لي قبل أن يفني الحب منّي ما بقي من وجود فهم وإدراك، فإنّي عن يقين فان (4) بقوة الحب نظرة [من جمالك] (5) نظرة المتلفت أي المسرع بالالتفات أفنى بها وهي نظرة الوداع.
قال:
9 - ومني على سمعي بِلَنْ إن مَنَعْتِ أن أراكِ فمن قبلي لغيري لذّتِ يقول: وإن لم تسمحي بنظرة لعيني فمنّي من المنّة على سمعي بلن، أي [لن تراني] فإنَّ لذة سماعك ولو بهذه الكلمة بعد عدم النظرة لي فيه لذة عظيمة، كما قد لذ لغيري من قبل سماع كلام محبة ولو بالامتناع عن الوصال إذا لم يحصل الوصال وأنا مثلهم، فإن ذلك خير من الحرمان الكلي.
قال:
10 – فعندي لسكري فَاقَةٌ لإفاقة لها كبدي لولا الهوى - لم تُفتّتِ يقول: فإني قد بقيت لي فاقة في السكر عن الفناء في الإدراك بقدر نظرة، أو بقدر ما
(1) في الديوان [وحالي] بدل [وقلبي]، و [مثبتي] بدل [مثبت].
(2) ما بين المعقوفين كلمة لم أتمكن من قراءتها.
(3) في الديوان: [لي] بدل [في].
(4) في الأصل و [س]: [فاني]. (5) ما بين المعقوفين ساقط من س.
162 (1/162)
صفحة 163
أسمع كلمة [لن] وبها وبلذتها أفنى بتفتت كبدي، ولولا الهوى لم تتفتت ومن بعد حتى لا
أحس بشيء أبداً وهو الصعق والمحو (1) والفناء الأول.
قال: المرتبة الوسطى من الطور الأول الحبّي،
قال:
لدكت
11 - ولو أنَّ ما بي بالجبال وكان طو ر سيناء بها قبل التجلي يقول: ولو حلَّ ما بي على طور سيناء، وجميع الجبال ما بي من شدة الحب وطلب منك الوصال، وسمع منك لاندك جبل طور سيناء واندكَّتْ عليها بتجليك الجبال كلها قبل أن تُستداً لموسى؛ لأنها لم تندك بكلمة [لن] إذ قلتها لموسى؛ لأنها لم يكن بها مثل ما بي، وإن كان بها لم تسمع بذاك كذلك ما بي، واندك بقولك [لن] قبل تمام تجلّيك وموسى لم يندك بتلك الكلمة، إشارة من الحالة الناطقة بهذا السلوك أنه هو المقام الأحمدي فهو فوق مقام موسى؛ لأنه يحصل له من سماع كلمة [لن] ما يحصل لموسى من الصعق، وفي هذه الحالة لا يدري ولا يحس بالألم وجميع البلاء، وهو في الحقيقة راحة له من ألم الحب. واعلم أن هذا الحب الفعلي الظاهر متعلقة من حيث المظاهر الكونية تارة يبدو بوساطة النظر إلى مظهر يدرك بالبصر، وتارة يبدو بوساطة السمع.
والمظاهر المدركة بالبصر أربعة أنواع:
نوع منه أكثر نظر إلى ظهور نوره من ذاته كالشمس ونوع نسبته إلى الظلمة أكثر خفاء من ذاته كالكواكب فإن أنوارها أشد مما ترى.
ونوع ثالث متردّد كالقمر بين هذين النوعين كالقمر، ونوع جامع بين الجميع غير مقيد بشيء بل هما بالسواء كرؤية الملائكة للشمس، فإنهم لا ينظرون نورها أكثر ظهوراً من النظر إلى ذاتها، فكان التجلّي للخليل الله في ظاهر الحكاية أنه مثل التجلي الكوكبي، إلى أن قال وَجَهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِى فَطَرَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ (2)، فحصل له الصعق
(1) في س: [والمحق]. وقد مرَّ شرح هذه المصطلحات. (2) الأنعام، الآية 79.
163 (1/163)
صفحة 164
بالنظر إلى التجلي المطلق بعدما ارتحل عن المقيّد، وقيل إنّه عرف المشهود الشهود أو مع الشهود، وإنما أراد بهم هم (1) السلوك الذي هم من أهله البداية من التجلي المقيد ترتيباً للسلوك لأهل درجتهم.
فإن قلت: لم يذكر سلوك إبراهيم، ويشير إليه، وإنما خص موسى بالصعق. فالجواب لإضافة مجيء موسى لربه [16 و] إليه بقوله تعالى {وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَينَا (2) وسير إبراهيم مضاف إلى الله تعالى لقوله جلّ ذكره وَكَذَلِكَ نُرِى إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ (3).
فإن قلت: كيف ساير في نظمه بسير موسى، ولم يشر بسلوك إبراهيم وهو أتم في حق السلوك المحمدي وهو مشير إلى السلوك المحمدي بنظمه؟ فالجواب تأدباً كما ذكرناه ولئلا يوهم أنه لا مبدأ له إلا تلك المرتبة فهو مشير إلى سير النبي بما يأتيه، وبما أبداه في الذي يليه من المرتبة وأصحابه الذين ذكرهم لعامة السالكين، فكأنه ذكر سلوك الجميع على الإطلاق؛ لأنه يأتي بسير النبي المحمدي فيما يأتيه بعد ذلك مما يدلّ على أنه هو المطلوب، وبذلك يدلّ على أنه هو المقصود، وإنما لم يبدأ به هو تأدباً واتكالاً على فهم السالكين أنّ المراد المقام المحمدي، وأنه مراد في أول بدايته قبل أن يريد فلا يقدح ذلك في نظم الناظم فيما حكى عن مقالة الحالة المشيرة إلى هذا السلوك بلسان حالها،
فافهم. قال:
12 - هَوَى عَبرة نمت به وجويٌّ نَمَتْ به حُرَقٌ أدواؤها بي أودتِ
يقول: إنَّ هواي الشديد المفتت كبدي الذي كنت أكتمه، فعبرتي ودموعي هي تنمّ عليّ، أي تفشي سرّي على ما فيه من قوة الحبّ، ونيران جوى لم يزل يزيد، وعبرتي تزيد فيظهر تكاثر دموع العبرة قوة ازدياد حرارة جوى، وأن كلما زاد الطمع والرجاء نيران فرط الحبّ أثارت عليه نيران بعد الوصال فعظمت عبرتي بذلك، وتكاثر دمعها فالعبرة تزيد،
(1) كذا في الأصل و [س]، ولعلها [أهل].
(2) الأعراف، الآية 143.
(3) الأنعام، الآية 75.
164 (1/164)
صفحة 165
ونار الجوى تزيد حتى بلغ الحال كما قال:
(1)
13 - فطوفان نوح عند نوحي كأدمعي وإيقاد نيران الخليل كلوعتي يقول: فإن قيل: وما المراد بهذه المبالغة في الفناء وفناء الجسم بالنحول، وكثرة الدموع وإيقاد نيران المحبة؟ فأقول: لوجوه
الأول: أنّ الناظم لم يرد بهذه المعاني نفسه، وإنما هو كالمحكي عن قول الحالة المخبرة عن ذلك، ومثله عن قول حال المقام المحمدي مخبراً للسالكين إلى الله تعالى بقوة المحبة والإخلاص لله تعالى لمن يشاء السلوك إليه بما أحبّه له أن يسلك إليه به من منهاج دينه القويم، وصراط حبه المستقيم، وما هو واجب في حق الله تعالى، وحال مقام النبي صلى الله عليه وسلم، و حال مقام كل عابد لله تعالى، وحالة كلّ شيء في الوجود، والحالة بنفسها تدلّ على جميع العباد، وجميع الكائنات، وكلّ عبد من عباد الله تعالى بلسان الحال أنه لو أغرق جميع الوجود إلى العرش المحيط بأدمعه عبرة وخوفاً من سخطه، أو طبق الكون ناراً من نار محبته واشتياقه وشوقه إلى رضا ربّه عنه، وفني مرات كثيرة بعد الحياة بعدد ذرات الوجود لكان ذلك قليلاً في حق جناب واجب الله تعالى واجب الوجود، وخلاف
6
هذا كفر لا يصح.
وإذا كان الأمر هكذا ففي الحقيقة إن قطرة دمع من خشية الله تعالى من عبده المؤمن، ولمحة نار شوق منه إليه على الإخلاص هو أعظم عند الله تعالى من طوفان نوح، ومن نيران الخليل عليهما السلام، بل هما أعظم من ماء يغرق الوجود، ومن نار تطبق العالم كله لقوله تعالى في تعظيم التقى: {إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَنُ (2) التقي المؤمن، وأمّا الكافر فلم يحملها مع [16 ظ] هذا التعظيم له {إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا} (3) لم يأتِ بها إباءة عصيان، وإنما المراد: لم أخلقها فاهمة عاقلة جميع أنواع العبادة ودقائقها مثل الإنسان، وإنما خلق لها من المعاني بقدر ما
(1) في الديوان: [وطوفان] بدل [فطوفان] وأثبتنا ما في الأصل بسبب الالتحام الذي أدّته [الفاء] مع البيت السابق، وهو مقصد الشاعر. وفي الديوان: [كلوعتي] بدل [كز فرتي]، وأثبتنا ما في الديوان منعاً للإيطاء إذ سترد [زفرتي]
في البيت الرابع عشر التالي.
(2) الأحزاب، الآية 72. (3) تتمة الآية الكريمة السابقة.
165 (1/165)
صفحة 166
تؤدي
له الطاعة الواجبة عليها، فكل شيء هو في الحقيقة يعبد الله فيما تعبّده، ولكن دلّ بهذا ما خلقتهما إلا لأجل وجودكم، وخلقت وجودكم لأجل عبادتي، فالإنسان أفضل، والحالة تخاطبه بذلك وتشهد له بالفضل إن أدى الواجب، وتشهد له بأنه أقبح المخلوقات هو؛ لأنه رُفع فوق الكائنات فأسقط نفسه من فوقها نازلاً متعمداً فما أجهله، وأظلمه،
وأقبحه.
والوجه الثاني: أن المقصود بالنظم إنباء ما تنباء به الحالة من المقصود بإيجاد الوجود، وأنه المقصود به السلوك ممن لزمه السلوك إلى واجب الوجود، وملك الملوك بإخلاص المحبة. ومن عادة العرب الابتداء بالتشبيب (1)، وتعظيم التشبيب تعظيم للمقصود به ذکره، فيلزم الحالة أن تأتي في تشبيبها ما هو فوق هذا، والحالة لها قدرة على أقوى من هذا، ولكنَّ الناظم ليس له قدرة على الإنباء عنها إلا على قدر فهمه من مقالتها.
فإن قلت: كيف يمثل صفاته الذميمة بفنائه وهو يقول: أرني نظرة، أو أسمعني قول لن] فإني أفنى بذلك، أيستعار هذا للصفات الذميمة، وإنّ منها فيه بقية وتفنى بعد ذلك
بذلك؟
أقول: ليس الاستعارة لها هي، وإنما استعارة ذلك لذاته، وأنه يريد أن يتجلى له من جمال المحبة الإلهية والحضرات الإلهية ما يدهش عقله فيجذبه إلى استغراق المشاهدة فيصفّي ذاته وأعماله لقوة حبّه إليها من كلّ دَنَس وعيب، ويشتغل بغيرهما، فهو يذكر فناء
عن
صفات نفسه بفنائه في حبّ ربّه، فالروح والنفس يفنيان عنه بمشاهدته جمال الله شهود غيره ويندگان اندهاشاً، والجسد والأعضاء اللطيفة استعارهما لنحول الذنوب والصفات الذميمة يفنيان بطاعتهما للروح والنفس الفانيين بحبّ الله تعالى حتى يصير الكلّ نور الكمال لله تعالى.
فالمراد بالاندكاك جبل العقل بالمشاهدة ليندك بها جبل جسد الذنوب، وجسم الصفات بذهابهما أصلاً بقوله: أنظرني وأسمعني خطاباً من العقل وإلى العقل، ومهما
(1) يقول ابن قتيبة الدينوري: « ... وسمعت بعض أهل الأدب يذكر أنَّ مقصد القصيد إنما ابتدأ فيها بذكر الديار، والدمى، والآثار، فبكى، وشكا، وخاطب الربع ... ثم وصل ذلك بالنسيب ... لأنّ التشبيب قريب من النفوس،
لائط بالقلوب»، الشعر والشعراء، 7411 - 75، وهذا هو نظام القصيدة العربية القديمة كما هو معروف.
166 (1/166)
صفحة 167
اندهش الحجر من المرء بهيبة أو بحبّ انجذبت الأعضاء إلى ذلك، واشتغل الحجر أدهشه وذهبت كل صفة وكل مشاهدة كانت في غير مَنْ أدهشه
وجميع
الأعضاء
بمن
وفي غير ما أدهشه إلا ما أدهشه، ويصح حينئذ أن يستعار للأعضاء أنها كلها مشعرة بحبّه أو بهيبته، ولا ينكر شعورها فإنّ المرء متى اندهش من هيبة ملك، أو بحبّ محبّ لاقاه فتراه يرتعش جميع جسده من ارتعاش عقله، ويتلجلج لسانه في الكلام، وإذا كان قد يكون هذا في بعض الناس لمشاهدة بعضهم، فما ظنّك إذا تجلى الله بعظمته، أو بمحبته، أو بهيبته على عبد من عبيده كما تجلّى الله بقدرته على موسى على الجبل فخر موسى صعقاً، فاعرف ذلك.
والوجه الثالث له مثال فيهم؛ لأنّ صفات نفوسهم الذميمة منها يجب أولاً فناء أفعالها، وما تابعوها لقوله تعالى: {وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ، وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى (1) وهو الفناء الأول، ولكنَّا فيها هي بمنزلة الأجساد الكثيفة ثم فناء [17 و] الصفات بالتجرّد عنها أصلاً، وهو الفناء الثاني، وهو بمنزلة فناء الأجساد اللطيفة، وذلك أنّ فناءها غير لازم إذا لم يتابعوها، وإنما هي من طريق التصوف بفنائها، والثالث: فناء الإرادة، والمحبة والمشيئة في غير ما يحبّه الله زيادة فوق الواجب عليه، وهو الفناء الثالث وهو بمنزلة فناء الإحساس؛ لأنه لا يحس في نفسه حتى فيما يصيبه من ألم حباً لزواله لقوة حبه في الله تعالى.
والرابع: الاستغراق في مشاهدة تجلّي حضرات الله من تجلي المقيد صاعداً إلى تجلّي المطلق، فيكون حينئذ بمنزلة الفناء الكلي حتى العقل والإدراك؛ لأنه لا يشاهد إلا ما يشاهده فقد فني عن جميع الكائنات، ولم يلتفت إليها، وهنا وإن كان لا يدوم بأحد ثابتاً، فإنَّه قد يكون في الناس أهل هذا السلوك ويختلف مقامه فيهم، ومنهم مَنْ يكون كذلك الله ويردّه إلى خلقه للأمر والنهي كالأنبياء، ومن بعدهم بعض الأولياء كمن ما يشاء الله من الصحابة.
مع
والوجه الخامس (2): أن إشارة الحالة بهذه المقالة إلى السلوك المحمدي ومن بعده من
(1) النازعات، الآية 41.
(2) في الأصل و [س]: [الرابع] بدل [الخامس)، وهو من خطأ القلم.
167 (1/167)
صفحة 168
مراتبه نازلاً، وسلوك النبي في الحقيقة أعظم من هذا كله.
والوجه السادس (1): أنّ الله تعالى خلق الإرادة، والمحبة، والمشيئة، والعلم، والحكمة، والسمع، والبصر، والجمال والحسن، والإحاطة بمعرفة الأشياء، والقوة، والقدرة، وكلّ صفة تدلّ على صفة من أوصافه التي يريد الباري تجلّيها إلى خلقه، وأودع ذلك في هذا الجنس المقصود بإيجاد جميع الوجود لأجله فالله له الجمال، وله ذات، وله في وصفه إرادة، ومشيئة، ومحبة، وهو قدير، وعليم، وحكيم، وعدل، وله أفعال، وجعل عبده العاقل هذه الصفات وهي غير صفات الله تعالى، فقدرة الإنسان ليست كقدرة الله؛ لأنها لا تماثلها في القوة، بل هي لا تشبهها في شيء، وكذلك علمه، وإحاطته، ومشيئته، وكذلك بخلاف صفات الخلق، فدل على أن هذه الصفات الدالة صفات الله الحق
جميع
جميع
هي
على صفاته هي من أحبّ الصفات إلى الله تعالى أودع بعضها في الحيوان، وأكملها في المتعبدين ولكن لا تتجلى كلها إلا بالعلم والتعليم، ودلّ على أنه بكل صفة من صفات
العبد المتقي هي من تجلي صفاته تعالى عليه هي أعظم من جميع الكائنات.
(بيان)
فالحالة تارة تنبئ عن الله، ومحبة الله، وتجلّيها في كل شيء في الوجود؛ إذ لم يوجد شيء في الوجود إلا بمحبة الله في إيجاده كذلك، وتارة تخبر عن أحوال المحبين وتجلّي محبة الله لهم فيهم، وفي أي شيء من الوجود، وتارة تنبئ عن كمال السالكين إلى الله بالمحبة وإخلاصها في العمل لله أنهم أشرف ما في الوجود، وتارة تخبرهم أنهم لو فعلوا أعظم من ذلك ما أدوا الواجب في جناب، الله، وتارة تخبر عن تجلي الله تعالى لهم بالصفات أو تجلي الحق في أعمال الحق (2) فهي تارة تنبئ على هذه، وتارة على هذا، وتارة على الأحوال، إلى غير هذا من المعاني، ولذلك اشتقت العبارة والأمثال لأهل النظم والنثر في الإنباء عن مقالتها بلسان حالها، حتى إنَّ بعضهم تكلم وقال: أنا الذي أفعل كذا كذا، وهم يعنون تارة هو الله تعالى وتارة محبته كقول ابن العباس مخبراً عن نبأ الحال
،
(1) في الأصل و [س]: [الخامس) بدل [السادس)، وهو من خطأ القلم.
(2) كذا في الأصل و [س]، ولعلها: [الخلق].
168 (1/168)
صفحة 169
المخبر عن الله: [أنا الموجود أطلبني تجدني وإن تطلب سواي لا تجدني])، وهو [17 و] يريد بذلك الله تعالى كذلك ابن الفارض هو مخبر عن مقالة الحالة بلسان حالها في هذا الطريق، وتخبر تارة عن مقالتها في نظرة أهل الحبّ إلى المحبوب، وتارة إلى حضرة أفعاله، وتارة إلى حضرة أسمائه، وتارة إلى حضرة محبّته وإرادته في الأفعال، وتارة في سكرتهم في ذلك، وتارة في كمال السالكين، وتارة إلى حضرة الشهادة، وتارة إلى حضرة المثال، وتارة إلى حضرة الغيب الذي لا يعلمه إلا الله تعالى إلى غير هذه المعاني، كما قال مخبراً عن مقالة الحالة المنبئة عن أحوال السالكين والسلوك المحمدي، والمكاشفة لهم بأوضح عبارة وأفصح كلام أنهم لا يبلغون حقّ واجب الله ولو كانوا كما أخبرتكم، ولا يبلغون وصف كمال سلوك أفضل السالكين إلى الله وإن مثلته لهم على قدر ما تحتمله عقولهم من أمثالها، وإن مثلت لهم كما أخبرهم عن مقالي من أخبر عني.
قال:
14 - ولولا زفيري أغرقتني أدمعي ولولا دموعي أحرقتني زفرتي يقول: لولا تكافيء دموع عبرتي ونار شوقي لأفناني أحدهما، وإنَّما بقي لي بقدر ما أسمع الخطاب بـ[لن]، أو أنظر نظرة واحدة.
قال:
15 - وحُزني ما يعقوبُ بَتْ أقله وكُلُّ بَلا أيوب بعض بليتي يقول: بيان المعنى لو أصابني كذلك في حبّك، وفي الحقيقة أن ذلك قليل من الوصف في المقام المحمدي
قال:
16 – وآخر ما ألقي الأُولى عشقوا على الـ ردى بعض ما لاقيتُ أوّل محنتي يقول: إنَّ جميع ما لقيه الأولون من أحوال العشق وبلائه، وسقمه إلى أن انتهى بهم إلى
الردى، أي الفناء والموت هو أول ما لاقيته أنا من بلائه، قال:
(1) ينظر موسوعة، الحفني، ص 974، وموسوعة العجم، ص 954.
(2) في س: [غيرهم] بدل [أخبرهم].
169 (1/169)
صفحة 170
17 - ولو سمعت أُذْنُ الدليل تأوهي لآلام أسقامي بجسمي أضرَّتِ 18 – لأذكره كربي أذى عيش أزمة بمنقطعي ركب إذ العيسُ زَمَّتِ يقول: ولو سمعت أذن الدليل تأوهي، أي أنيني فإنّه ذكر العبرة، والزفرة الأنين الذي من لوازمهما، فذكّره هنا بمثل ركب غابوا في فلاة، وانقطع عنهم الزاد والماء، وانقطعت أعلام الطرق وليس في تلك الفلاة ماء وقد أشرفوا على الهلاك هم وإبلهم، وأمسى عليهم الوقت وناموا قليلاً، قاموا للرحيل، وزمّوا العيس، أي الإبل بالشدّ عليها، أو زمها بخطامها وهي ترعى وهم يبكون ويتضرّعون إلى الله تعالى بأرفع أصواتهم، ورق قلب الدليل لهم الذي بسببه كان غيابهم. ويقول: ولو سمع هذا الدليل أنيني وما نحل جسمي وضره من نيران الجوى قبل وقوع هذا الأمر عليهم لاستحقر ما هم فيه وعليه، ولذكر كربي والأذى الذي أصابني عيش أزمة، أي حياة الشدة المنقطع عن وصول مطلوبه، ولذكرهم بذلك أنه أصيب أحد بمثل هذا المصاب ولكنّه أشدّ مما أصابكم حتى يخفّف عنهم ويطمعوا في
بقاء الحياة.
قال:
(1)
19 - وقد برّح التبريح بي وأبادني وأبدى الضَّنا مني خفي حقيقتي يقول: وقد برّح، أي اشتد الحرق بي، وأباد، أي أهلك جسمي كله فلم تبق منه بقية أصلاً، وأبدى الضنا، أي مرض الحب مني كل خفية لما خفيت عن الرقيب من أصحابي الذين كانوا يشربون من كأس التجلي المقيد، وأنا سكرت بنظرة من حضرة التجلي الوجداني العقلي المطلق، ولم يعلموا ما أخفيته عنهم، فلما نحل جسمي [18 و] وذهب ولم يرني رقيبي عرف أنه قد بلغ بي الحب ما بلغ فانكشف له ما كنت أستره منه بجسمي
الذي يراه. قال:
20 - فَنَادَمْتُ في سكري النحولَ مُراقبي بجملة أسراري وتفصيل سيرتي يقول: نادمت، والنديم هو الذي يكلمه مَنْ صحبه في وقت شراب السكر قبل الشرب، (1) في الديوان: [حقيقة] بدل [حقيقتي].
170 (1/170)
صفحة 171
والسكر نادمه حالي حيث غبت عن رؤيته بتلاشي جسمي، فعرف ما بي فهو ينادمني
بسماعي لكلامه مما يخبر به عن صحبي وأنا أنادمه بحالة حالي.
قال:
21 - ظهرتُ له وَصْفاً وذاتي بحيثُ لا يراها البلوى من جوى الحب أبلت أَبْلَتِ يقول: هو ما قلناه، ثم قال:
22 - فأبدت ولم يَنْطِقُ لساني لسَمْعِه هواجس نفسي سِرَّ مَا عَنْهُ أَخْفَتِ يقول: أبدت أي أظهرت له نفسي عن سر حقيقة أمري التي أخفته عنه ولم أطق أن أنادمه بالقول، وإنما أنادمه بسماع هواجس نفسي له مما يتحدث عني، وعن أسراري.
قال:
23 - وَظَلّت لفكري أُذنه خَلَداً بها يدور به عن رؤية العين أَغْنَتِ يقول: وظلت: أي وصرت لفكري، أي لأجل ما أدركه في فكري من نظرة الحضرة وما أصابني فيها، وتلاشى بها جسمي، كأنَّ أذنه، أي رقيبه، خَلَد: أي أذن خلد، وهي فأرة خلقت ليس لها عين، وهي حريصة على الاستماع (1).
تدور به: أي بما أحاط به فكري عن رؤية العين أغنتِ، أي أغنته سماع أذنه كالخلد على تطلّع حقيقتي بسماعه أنيني، وهو يريد أن يحيط بما أنا سكرت به، وإنما خصص لفظة [يدور] عن لفظة [يحيط]؛ لأنه دارة تحيط بالظاهر والإحاطة تحيط بالباطن والظاهر
وهو لم يُحط بباطنه.
قال:
(2)
24 – وأخبرَ مَنْ في الحيَّ عَنْيَ ظاهراً بباطن أمري وهو من أهل خُبرتي يقول: ولما تلاشى جسمي وعرف أنَّ الحبّ أبلاه مني أخبر من في الحي، أي الأهل وهم أصحابه في السكر بباطن أمري من الحبّ والجوى، وبلائه، وهواي، وكان صحيحاً
(1) في العين، ص 218: «الخُلد ضرب من الجرذان عُمي، لم يخلق لها عيون، واحدتها خِلدة، والجميع خلدان». (2) في الديوان: [فأخبر] بدل [وأخبر]، و [خبرة] بدل [خبرتي].
171 (1/171)
صفحة 172
من أهل خبرتي، أي علمه بحالي.
قال:
25
كأنَّ الكرام الكاتبين تَنَزَلُّوا على قَلْبِه وَحْياً بما في صحيفتي يقول: كأنّ الكرام الكاتبين أي الملائكة عليهم السلام الذين يكتبون عمل المرء، تنزلوا على قلب رقيبي فعرف حقيقتي حين تلاشت صورتي فعبّر عن فنائي وقوة حبي، وعرفني أني سكرت بما لم يسكر به هو ولا أصحابه فكأنه اطلع على عيبي ولكن لم يعرف حقيقة الذي نظرته فسكرت به
قال:
26 – وما كان يدري ما أُجِنُّ وما الذي حَشَاي من السر المصون أكنت 27 - فَكَشْفُ حجابِ الجسمِ أَبْرِزَ سِرَّها به كان مستوراً له من سريرتي يقول: وما كان رقيبي ونديمي يدري ما أجنّ أي أخفيه عنه، وما الذي في حشاي من السرّ المصون من حبّه وبلائه وعنائه أكننته عنه، ولكنّ كشف حجاب الجسم، أي لكن لما كان ينظر إلى جسمي لم يعرف حالي فلم يزل يتناقص بالنحول حتى لم يَبْقَ منه شيء يراه، عرف الحقيقة وأني تعديت طورهم من أول نشوة سكرت بها.
قال:
28 – وكنتُ بسري في خُفْية وقد خَفَتْه لِوَهْنٍ من نُحوليَ أَنتي يقول: ثم تزايد بي الحال في انكشاف أمري بأنين كنت أهذي به في المحبوب من غير تصريح باسمه لعجزي عن التصريح [18] ثم انقطع أنيني لوهن، أي لضعف، أي من ضعف وعجز عن الأنين، فعلم أيضاً بذلك تزايد غرامي.
قال:
29 - فأظهرني سقم به كنتُ خافياً له والهوى يأتي بكل غريبة يقول: أظهرني لرقيبي سقم الحبّ الذي كنت له خافياً، وهذا آخر البلاء والفناء في هذا الطور الأول الحبّي.
172 (1/172)
صفحة 173
(المرتبة الثالثة من الطور الأول الحبّي):
قال:
30 – وأفرط بي حب تلاشت لمسه أحاديثُ نَفْسٍ كالمدامع نَمَّتِ (1)
يقول: وأفرط بعد ذلك، أي اشتد وأسرف، والفرطة [(2)، ولكن المراد وأسرف اشتداد حرارة نيران حبّي حتى تلاشت لمسه، أي لأذاه، واللمس الطلب، والمس الأذى فيما يستعمل، وأما هما في المعنى متقاربان. أحاديث نفسي التي نمت على أنه لم يبق مني غير هواجس النفس بذهاب الأنين كما نمَّ عليَّ الدمع من قبل كذلك هواجس
تلاشت.
قال:
31 - فَلَو هَم مكروه الردى بي لما درى مكاني ومن إخفاء حُبّكِ خُفيتي يقول: وصرت في حالة لا أحس بشيء من هواجس وخواطر، ولا أحس بنفسي ولا بوجودي فخفيت حتى عن نفسي، وعن حبك خفيت أيضاً، فلم تَدْرِ (3) نفسي بحبّها لك فلا جرم، ففي هذه الحالة خفيت عن الرقيب وعن مكروه الردى، [والردى] (4) الموت، ومكروهه سكراته، وألم القتل أي لو طلبتني شدة سكرات الموت، وألم القتل، وألم الإحراق بالنار لما وجدني ذلك الألم، أي لم أحس به لقوة شوقي إلى تجلي الأسماء باستتاره عنّي تارات، وتارة يتجلّى لي بعض منها فيزعجني الاشتياق، فالشوق (5) طلب لقاء المحبوب والاشتياق طلب الوصول إليه بعد النظر إليه ليتم تجليه له، كما قال:
32 - وما بين شوق واشتياق فنيت في تَوَلُّ بحظر أو تجل) بحضرتي
(7)
يقول: صرت فانياً في سكرة بين شوق إلى لقاء المحبوب، وهي نظرة حظرة تجلي
(1) في الديوان: [خُيّر] بدل [حبّ].
(2) ما بين المعقوفين كلمة لم أتمكن من قراءتها، ولعلّ رسمها يوميء إلى: [التعدمة].
(3) في الأصل و [س]: [تدري].
(4) ما بين المعقوفين ساقط من س.
(5) في الأصل: [والشوق]، وما أثبتناه من س، وهو أليق بالسياق.
(6) في الأصل و [س]: [تجلّي].
(7) في الديوان: [بحضرة] بدل [بحضرتي]، وما في الديوان أصوب: لأنَّ الحضرة ليست له.
173 (1/173)
صفحة 174
الأسماء بتَوَلّ عني لحظر، أي لمنع عن النظرة إن خفيت عليّ، وبين اشتياق مني نظرت
إليها، إلى وصالها.
بيان
اعلم أن الارتباط الحاصل بين الأمرين لظهور كمال متيقن، ومظنون متعلق بذلك الظهور، ولهذا الارتباط مبدأ، وهو الميل إلى ظهور المذكور، والطلب المتعلق بالمحبّ والمنبعث منه، وله نهاية متعلقة بالمحبوب وحاصلة من قبله وهو امتناع ذلك الظهور لأجل مانع عليه ما به إلى المباينة والامتياز بين المحب والمحبوب، وله وسط، ودفع ذلك الامتناع بالميل إلى دفع ذلك المانع. ولكلّ واحد من هذا المبدأ، والوسط، والنهاية حكم وأثر خاص ظاهر في المحب، فحكم المبدأ رجاء وانبساط وتوقع لذة، وحكم النهاية حزن غالب، وهم دائم متلف كالعشق وهو نبت يجفف الشجر، وبهذا الحكم يسمى عشقاً، ووسطه حركة مزعجة، وحرقة متلفة إلى لقاء المحبوب والنظر إليه، فإذا تجلى له من بعيد
أو قريب، ولم يكمل التجلّي زاد فيه طلب تمام التجلّي والقرب معه وهو الاشتياق. ولذلك قالوا: الشوق يزول بلقاء المحبوب والاشتياق يزيد يقول: فنيت بين هاتين الحالتين مع تولي الحضرة عني منعت، وهو معنى حظرت فَلَجَّ بي الشوق، ومع التجلي الحضرة يزيد اشتياقي بالنظر إليها لطلب تمام التجلي (1).
قال:
33 - ولو لفنائي من فنائك رُدَّ لي فؤادي لم يرغب إلى دار غُربة يقول: [19 و] قد بلغ بي الفناء إلى أن التحقت روحي بعالم [المثال] (2) الأول الذي فيه الأرواح قبل الأجسام بألفي عام (3) فيما يروى عن النبي أنه قال كذلك، ثم خلقت
(1) هذه تفرقة دقيقة بين [الشوق] و [الاشتياق] تشير إلى علم الشيخ الواسع، وتغلغله الدقيق في دروب الحقيقة، ومسالكها، فقد سئل الأستاذ أبو علي الدقاق عنهما ففرّق بينهما وقال: الشوق يسكن باللقاء، والرؤية، والاشتياق لا يزول باللقاء بل يزيد ويتضاعف، ومن هنا توجّبت الدقة في فهم [المصطلح] فهو رفيع المعنى، ضيق الدلالة، ينظر عن هذين المصطلحين موسوعة الحفني، ص 818، وموسوعة العجم، ص 511، وما بعدها. (2) ما بين المعقوفين ساقط من س.
(3) يوضح د
د. محمد مصطفى حلمي هذا الأمر بقوله: .... رأينا أنَّ أخص ما تمتاز به الروح سبقها في الوجود على البدن، فهي موجودة في عالم الأمر قبل أن يوجد البدن في عالم الشهادة، وهي مستقلة في حبّها للذات وفي
174 (1/174)
صفحة 175
-
الأجسام في عالم الشهادة، ونزلت فيه الروح في هذه الدار الجسمانية، وأفنى حبي فيك حتى بقيت الروح وحدها ورجعت إلى عالمها، فلو رُدّ فؤادي وهو الروح لفنائي والفناء بكسر الفاء- ما امتد مع الدار من حول الدار، فلو ردّ فؤادي إلى فنائي إلى داري من فنائك، أي من دارك عالم المثال وهو العالم الأول، لم يرغب فؤادي إلى ذلك؛ لأن دار غربة لها؛ لأنها لم تكن فيه من قبل، وإنما جاءت إليه غريبة زائرة فلم تستلدّ دار الغربة عن الوطن الأصلي.
جسمي
قال:
34 - وعُنوان شاني ما أَبْتُكِ بَعْضَه وما تحته إظهاره فَوْقَ قدرتي يقول: وعنوان شأني ظاهر إليك، وما أبتك، بعضه، أي والذي أتكلم به بحضرتك هو بعضه، واستعار لما يبله بعنوان الخطّ ليدل على أنما هو في والج الخط ما يزيد على
العنوان.
قوله: ما تحته، أي وما تحت العنوان في باطن الخطّ هو فوق قدرتي، أي ليس لي قدرة
على بته.
قال:
، ص
مختلفة
معرفتها استقلالاً تاماً عن البدن وحواسه، ينظر ابن الفارض والحبّ الإلهي. .259. وعالم المثال هو التطور بأطوار مختلفة، وهو الذي تسميه الصوفية بعالم المثال، وبنوا عليه تجسّد الأرواح وظهورها في صور من عالم المثال، ينظر موسوعة العجم، ص 603. ويبدو أنَّ هناك تأثيراً أفلاطونياً، ومن بعد هذا أفلوطينياً في هذه المسألة، فنرى أفلاطون في محاورة (مينون) يشير إلى أنَّ «الفضيلة هي المعرفة عن طريق تذكر الروح لما كانت تعلمه في العالم العلوي قبل هبوطها إلى العالم المادي»، ينظر النقد الأدبي الحديث، د. محمد غنيمي هلال، ص 32. ويقرّر أفلوطين في تساعياته) أنّ «النفس الشريفة السيدة، وإن كانت تركت عالمها العالي، وهبطت إلى هذا العالم السفلي، فإنها فعلت ذلك بنوع استطاعتها وقوتها العالية لتصوّر الآنية التي بعدها ولتدبّرها»، ينظر أفلوطين عند العرب، د. عبد الرحمن بدوي، ص 84. ويرتفع جورج طرابيشي بهذا الرأي إلى أرسطو نفسه، ينظر نقد نقد العقل العربي، ص 83. وبهذا المعنى تأتي القصيدة المنسوبة إلى ابن سينا ومطلعها: هبطت إليك من المحل الأرفع عذراء ذات تعزّز وتمنع أقول: تأتي هذه القصيدة بهذا السياق من حيث نزول الروح من عليائها لتلتحم بالبدن، وينظر كذلك كتاب د. محمد عابد الجابري (تكوين العقل العربي)، ص 172، وما بعدها الذي يتحدث فيه عن تأثيرات (هرمسية) في هذه المسألة، وهي محتاجة إلى فضل نظر من حيث إنها تيار شائع في الفكر الصوفي لا يأخذ الشيخ ناصر وحده
به.
175 (1/175)
صفحة 176
35 - وأَسْكُتُ عَجْزاً عن أمور كثيرة بنطقي لن تُحصى ولو قلتُ قلت يقول: وأسكت عن تعداد أمور كثيرة مما بي من عجائب المحبّة، وما تصنع بأهلها، وما لن يحصى بنطقي، ولو قلت بتعدادها قلت لأنّ إحصاءها لا يمكن، وبتعداد بي أن ذلك حدّها، وأراد في الباطن ما يشاهده من عجائب جمال الحضرة لا
صنعت
بعضها يوهم عجائب حبّه هو، فافهم.
قال:
36 - شفائي أشفى، بل قضى الوجد أن قضى وَبَرْدُ غليلي واحِدٌ حَرَّ غُلَّتي يقول: شفائي، أي أول حبي الذي فيه شفائي، أشفى، أي قارب هلاكي به، وذلك قوله تعالى: عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارِ} (1)، بل بمعنى: لكن قضى الوجد، أي وفا الحبّ عهده على المحبين إن قضى أي إن أهلك، وأمات، وقتل.
وبرد غليلي والغليل ألم به يقوى العطش بقوة حرارته، وبرده تبريده بشرب الماء، وأراد بشرب الماء هنا الحبّ الذي فيه شفاه.
يقول: وتبريد قوة عطش مرضي بشرب ماء المحبة، وأجد: أي موجد زيادة حرّ غُلتي، أي مزيد حرارة عطش مرضي، وإذا كان الذي يبرد هو الذي يزيد مرضه فالموت أروح
له.
قال:
37 - وبالي أبلى من ثياب تَجَلّدي به الذات في الإعدام نيطت بلدة (2) يقول وبالي أي قلبي، أبلى أي أخلق والخَلِق هو القديم السريع الضياع من ثوب وغيره، وقال هنا من ثياب، تجلدي أي تصبّري واستعار للصبر اسم الثياب؛ لأنه من لباسه أيضاً، ولكن قال قلبه أخلق من ثياب تصبّري بل بمعنى لكن الذات.: هي النفس
والروح.
نيطت، أي علقت بلذة الإعدام أي الموت والهلاك والقتل والفناء، وكل هذه إشارات
(1) التوبة، الآية 109.
(2) في الديوان: [بلذتي) بدل (بلدة).
176 (1/176)
صفحة 177
إلى إرادة فناء كل حجاب مانع عن تجلي جمال الحضرات الإلهية بالمحبة الإلهية. واعلم أن المحبة التي تكون بالمرء إذا كانت لا تطلب إلا الله تعالى بالإخلاص إليه، وصدقت في الطلب والعِلم والعمل فهي المحبة الإلهية؛ لأن المحبة الإلهية (2) تطلق على معنيين:
أحدهما محبة الله التي هي إرادته التي هي صفة ذاته ولم يزل مريداً.
والمعنى الثاني المحبة التي يودعها في قلب المؤمن الولي، ويشرق في العين [19 ظ] البصيرية، ويدعو العين الغريزية والعين المدبرة إلى الله تعالى، فتلك المحبة هي خلق من الله تعالى، وهو نور المؤمن. ويصح أن تنسب إلى الله تعالى فتسمى المحبة الإلهية، وهي تطلب الزيادة من المحبة التي أوجدها في عباده الأنبياء والأولياء، وبحرها المحبة التي حلت في روح رسول الله، وكلّ مَنْ أفيض عليه منها شيء فإنما أفيض من بحره، فصح أن محبة الله على معنيين: أحدهما له، والأخرى صفة لذاته والكلام في الإلهية التي له. فإن قلت كيف جاز نسبها إليه؟
قلت: لقوله تعالى: {وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي (3)، وقوله في عيسى إِنَّه: {وَكَلِمَتُهُ أَلْقَنهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحُ مِنْهُ} (4) فنسب ذلك إليه، وجعل عيسى كلمته، أي آيته، فدلّ على أنَّ كلَّ شيء في الوجود هو كلامه وصح أن الكلام على معنيين: أحدهما صفة لذاته، والمعنى الثاني نسبي إليه، وبهذا التوحيد تتضعضع حجّة من قال كتب الله غير محدثة؛
لأنها كلامه.
والكتب ليست هي صفة ذاته، أي لو كانت صفة ذاته لثبتت أنها هي الذات، تعالى الله علوّاً كبيراً، كذلك إذا تكلمت اللسان بكلام فهو كلام الذات الإنسانية، ولكن هي لا تتكلم بالحروف، فكان صفة ذلك الكلام من أفعالها ليس ذلك الكلام صفة ذاتها، بل هو صفة لذات ما هو فيه معناه، والمراد بذلك أنَّه صفة ذات المذكور المراد بذلك الكلام، فافهم،
(1) ما بين المعقوفين ساقط في الأصل، والزيادة من س، وبها يستقيم الكلام.
(2) مرَّ الحديث عن المحبة الإلهية. (3) الحجر، الآية 29.
(4) في سورة النساء: 171 قال تعالى: {إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَيْهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحُ مِنْهُ)
177 (1/177)
صفحة 178
فإنّ الأشياء تضاف إلى الله تعالى بالنسب لا بالصفة، له وصفته لا يصح أن يكون غيره، ولا موصوفاً بها غيره، والكتب هي غير الله، وموصوف ببعض كلامها غير الله فذلك غير صفة الله، ولا هي صفة الله ولا هي الله تعالى، فافهم ذلك (1).
قال:
38 - ولو كوشِفَ العُدّال بي وتحققوا من اللوح ما مِني الصبابةُ أَبْقَتِ 39 - لَما شَاهَدَتْ منى بصائرهم سوى تَخلَّلَ روح تَحْتَ أثواب مَيِّتِ يقول: وفني كل جسد وجسم منّي وحسّ، ولم يبق إلا نفس روحانية، وروح نورانية، ولو كوشف العوّاد، أي الذين يأتونني يعودون مرضي وسقمي لما رأوا شيئاً أبداً، ولو كوشفوا من اللوح المحفوظ (2) وهو عالم الأرواح، وتحققوا ما منّي الصبابة أبقت إذ ليس لهم حيلة أن يعرفوني إلا من اللوح، واللوح وإن كان لا حيلة لهم ليعرفوني فإنّي أشترط وأقول لو أمكن، ولكنَّه لا يمكن وإنما هو مبالغة لما شاهدت مني بصائرهم، أي أعينهم سوى تخلّل روح تحت أثواب ميت. وكل هذا أراد به طهارة نفسه وروحه، وإحساسه من جميع الأغيار حتى رجعت في الطهارة كما كانت قبل نزولها فيه من اللوح المحفوظ، فافهم.
قال:
40 - ومُنْذُ عفا رسمي وَهِمْتُ وهَمْتُ في -
وجودي فلم تظفر بكوني فكرتي
(1) يلخص الشيخ ناصر هنا تلخيصاً مفيداً ما اشتجرت حوله الآراء قديماً، وألفت الكتب في مسألة [خلق القرآن]، أهو قديم أم محدث، ويتبين رأيه بوضوح، وقد فصل د. مبارك الهاشمي الحديث في هذه المسألة، وبين رأي الإمام السالمي فيها، وهو يقترب كثيراً مما أخذ به الشيخ ناصر، ينظر الإمام السالمي وآراؤه في الإلهيات، د. مبارك الهاشمي، ص 154، وما بعدها، وينظر كذلك كتاب (الإخلاص) للشيخ ناصر نفسه، ص 5 225، وما بعدها
ففيه تفصيل مفيد.
(2) اللوح هو الكتاب المبين محل التدوين والتسطير المؤجل إلى حد معلوم، والألواح عند القوم سبعة منها اللوح المحفوظ الذي يذكره الشيخ ناصر، وهو نور إلهي متجلّ في مشهد خَلقي انطبعت الموجودات فيه انطباعاً أصلياً، وهو موضع تنزيل الكتب، وهو أول كتاب سُطّر فيه الكون، ينظر عن الألواح واللوح المحفوظ موسوعة الحفني، ص 933، وما بعدها، وموسوع وعة العجم، ص 815، وما بعدها.
178 (1/178)
صفحة 179
يقول: ومنذ عفا: أي اندرس رسمي، أي وجود (1) تركيبي، وَهِمْت: من الهيمان بحبي، وَهِمْتُ: أي غلطت في وجودي فلم تظفر فكرتي بكوني، أي بوجودي، أي أراد أن ينكر موجود هو أم غير موجود، أو أراد أن يرى وجوده، وذلك غلط منه في
وجود نفسه أنه
فكرته؛ لأنه صار كما كان لا وجود له فلم تظفر فكرته بكونه أنَّه لا شيء ولا وجود له. وهذه كلها إلى تطهير النفس براية المحبة الإلهية والاندهاش برؤية جمال كمال
حضرات الله.
واعلم
ذلك.
أن المشاهدة على غير قوة المحبة الإلهية قليلة الجدوى كما باجتماعها، فافهم
201 و] قال:
41 - وَبَعْدُ فحالي فيكِ قَامَتْ بنفسها وبينتي في سَبْقِ روحي بَنيتَّي يقول وبعد فحالي أي وحالتي بعدها قائمة بنفسها على حبّها فيك، أي روحي هي على حبّك لم يفنها ذلك بهذا الفناء حتى ترغب في الرجوع لأجل وجود المحبة؛ لأن المحبَّ لا يرغب بعداً عن محبوبه، وبينتي: ودليلي على ذلك سبق روحي وقيامها بحبّك في عالم المثال هي قائمة بنفسها قبل نزولها بنيتي، أي بتركيب جسمانيتي (2).
(وهذا آخر الفناء في الطور الأول الحبي وآخر مرتبة الآخر)، وقد بينا لك أنَّ الأصل المراد بهذه الإشارات فناء أفعال النفس بصفاتها الذميمة، وفناء صفاتها الذميمة، ثمّ فناء الإرادة، والمحبة والمشيئة في محبة الله وإرادته ومشيئته حتى لا يحبّ إلا ما أحب فعلاً ولا كوناً، ولا موتاً ولا حياةً، ولا يحسّ في نفسه إرادة لنفسه غير ما كونه الله لها من خير أو أذى أو موت، وكذلك في أعماله لله، فكلّ هذه إشارات ورموز إلى ذلك، وأنه لو بلغ الأمر به ما بلغ لم يكن إلا قليلاً في حق جناب الله تعالى من العبد لله، وأما هو عند الله من عبده فقليله أعظم وزناً من وزن جميع الوجود، ومن بعد النهاية رجع إلى مراتب الأطوار؛
(1) في س: [وجودي].
(2) هذا معنى دقيق في المحبة يتردّد عند بعض الصوفية، والتقطه الشيخ ناصر لرسوخ قدمه في هذا المجال، ومفاده أن محبة الله هي حال قامت بنفسها، تلقتها الروح قبل أن تهبط إلى البدن، وهي لم تكتسب عن أي طريق من الكسب، ينظر تفصيل هذا في كتاب ابن الفارض والحب الإلهي، د. محمد مصطفى حلمي، ص 172.
179 (1/179)
صفحة 180
لأنه قدر على المخاطبة بعدما انتهى إلى درجة لا يقدر على الأنين، وفي ذلك مثال قوله تعالى: {نَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ} (1).
(بيان في الإفاقة في السكر والرجوع إلى مراتب الطور الأول الحبي):
قال:
42 - ولم أحكِ في حبيكِ حالي تبرّماً بها لاضطراب بل لتنفيس كربتي (2) يقول: وما أبته بين يديك وإليك بما لا قيت من آلام الحبّ وشدائده لم يكن ذلك تبرماً، أي لم يكن عن سآمة، ولا لأجل اضطراب منّي، أي تردّد إلى إرادة وميل إلى السلوان، وإنما هو لتنفيس كربتي معك بإظهاره إليك؛ لأن كتمان السر بنفسه شديد تعبه وألمه.
بيان
اعلم أنا قد ذكرنا أنّ المحبّ في ترقي محبته في مَنْ يحبه في مراتب أطواره لن يتخلص بالكلية من أحكام كل طور كلّي منها إلا أن ينتهي به الحبّ إلى آخره، ثم يرجع به إلى أوله مرات كثيرة، وذلك لبقايا خفية منه في دقائق ذلك الطور، وما تحقق فناؤها كما يشير إلى ذلك فيما بعد قوله:
ولم يَبْقَ هَوْلٌ دونها ما ركبته وأشهد نفسي فيه غير زكية (3)
أي غير نقيّة من بقايا دقائقه لم أَفْنَ (4) فيها كما سيأتي بيانه في محله.
ومن جملتها تألم المحب من آلام الحب وأسقامه، وطلب الخلاص من كربها، وإرادة الخلاص لأجل ذلك الهلاك، فهذه الإرادة لأجل حصول اللّذة بالراحة منها، وذلك من بقايا طلب حظ النفس وغايتها أن لا يريد إلا ما يحبّ المحبوب، وهو من طلب حظها لتتم لذتها بذلك.
(1) الزمر، الآية 23.
(2) في الأصل: [أو] بدل بل]، وأثبتنا ما في الديوان لتلاؤمه مع الشرح.
(3) لم ندخل هذا البيت ضمن الترقيم العام إذ ساقه المؤلف على سبيل الاستشهاد، وسيتوقف عنده ثانية في موضعه،
ورقمه ضمن التسلسل (202).
(4) في الأصل و [س]: [أفنى]، وما أثبتناه أصوب.
180 (1/180)
صفحة 181
ولما انتهى إلى آخر هذا الأول الحبّي رجع إلى مرتبته الأولى من ذكر التألم، والتضجر
من البلاء، ثمّ يترقى ويذكر أنّ ذلك البلاء بعده من الإنعام على سبيل التهتك في المحبة، ويروم أداء شكرها، ثم يترقى إلى ذكر إخلاصه في المحبة، وأنَّه لا يريد بها سوى مَنْ أَحبَّه، ثم يترقى إلى ذكر ثباته في الحب، وأنَّه لا يغيّره شيء، ولا يرغب عما يحبّه الذي هو يشير إليه، ثم إلى أنه هو غاية مرامه، وفي هذا لا يبقى فيه إلا إحساسه، ثم إذا تخطاه إلى الفناء
لا يعود.
فانظر هذا من أبياته التي تأتي تراه كذلك مرتباً فيها (1)، وقد أظهرت لك أنَّ هذا كله
إشارات [20] ورموز، وإظهار حكم في فناء صفات النفس وفناء إرادتها.
قال:
43 - وَيَحْسُنُ إظهار التجلّد للعدا وَيَقْبحُ غير العجز عند الأحبَّةِ يقول: ويحسن إظهار التصبر بالكتمان على ما في المحبّ من التعب والبلاء، وشدة الآلام للأعادي لئلا يشمتوا به، وأما عند محبوبه فلا بأس فهو غير قبيح إذا كان على غير معنى العجز، أي الملل وطلب السلوان.
واعلم أنّ قولنا: محبوبه نفي الله التنزيه أولاً، وإن جاز بمعنى التوسع في اللغة، ولكن نحن لم نرد بهذه الكلمة في الله، وإنما أردنا بذلك المثل في المحب والمحبوب، ثم ينقل المعنى لا الكلمة إلى الله تعالى، فإنّه على هذا الوجه يليق لقوله تعالى: {اللَّهُ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ}، وفي الحقيقة إن معرفة الله تعالى وظهور معرفته في الكائنات أعظم من أن يوصف بالنور؛ لأنها أكمل برهاناً من النور (2). وأعظم نور في الوجود نور الشمس، وهو أجلُّ وأعظم فضرب مثلاً بالشمس، ثم بالسراج وهو أقل من الشمس تمثيلاً حكمياً بالغاً إلهياً في القرآن العظيم، والنبي الكريم، وما في القرآن العظيم من العلم، ومثالاً لصدر النبي، وقلبه، وعقله، وعلمه، وإيمانه، ومثلاً لكلّ مؤمن، وضرب بالزيت مثلاً للعلم الإلهي الحق من دينه، والسراج مثلاً لنور الإيمان،
(1) يرجى ملاحظة هذا الترتيب المنهجي الذي أخذ به الشيخ ناصر نفسه، وهو ينطلق فيه من فكرته الأولى عن القصيدتين كليهما من حيث أنهما بناء فكري واحد وهو ما أشرنا إليه سابقاً. (2) هذا ورع شديد من الشيخ ناصر، وتوق حذرٌ منه لئلا يخرج ولو قلامة ظفر عن التوحيد الخالي من أي شبهة.
181 (1/181)
صفحة 182
والفتيلة
مثلاً
للعقل المضيء بنور الإيمان والعلم والزجاجة مثل القلب الجسماني المركب فيه العقل، والمشكاة وهي كوّة في الجدار مثلاً للصدر، وتحت ذلك علم جمّ شرحناه في كتابنا [كتاب الإخلاص بنور العلم والخلاص من الظلم] (1) شرح أبيات قالها الشيخ الفصيح المنطيق حميد بن محمد بن رزيق (2)، فصح أنه يجوز ويحسن أن تقول لمن تخاطبه في حبّ الله جل وعلا من علامات المحبّ لمحبوبه أن يكون كذا كذا (3)، وأنت لا تريد بذكر المحبوب الله، وإنما تريد به غيره تمثيلاً، وكذلك لو قال إنَّ المحب في صحة هوى محبوبه كذا وكذا، وكلمة الهوى لا تحسن في الله، ولكن تحسن في غير الله، ويكون ذلك بمعنى المثل، حتى أن يجوز ويحسن لمن يخاطبه في حب الله تعالى أن يقول له ليس هذه من صدق تمام المحبة بالكلية؛ لأنّ من علامات المحبة إذا
من
علامات
شغف المرء بأهله بقوة هواه أن يكون كذا وكذا، وأنت بعدك لم تبلغ هذه المرتبة. ولذلك اتسعت العبارات لأهل السلوك (4) إلى الله تعالى، فتراهم يذكرون حبّ النساء، وحبّ الأماكن، وحبّ الناس بعضهم بعضاً، ويرومون بذلك المثل في حبّ الله تعالى أنه كذلك صدق المحبة في الله تعالى، وما داموا يريدون به المثل فيصح لهم ذكر الهوى والعشق، وإذا أرادوا به الله تعالى نزّهوه عن كلمة العشق والهوى.
وأما في ضرب المثل بها في غير حبّه، والمراد بالمثل في حبّ الله تعالى فلا لوم، فقل في المثل في غير الله ما شئت ممّا جاز، وإن كان المراد بالمضروب به المثل في حبّ الله
(1) ينظر كتاب [الإخلاص] للشيخ ناصر، ص 596، وما بعدها.
(2) الشيخ حميد بن محمد بن رزيق بن بخيت بن غسان النخلي، ولد سنة 1198 للهجرة، وتوفي سنة 1290 للهجرة، مؤرخ، شاعر، ملمّ بفنون مختلفة، ينظر عنه بحث د. سعيد الهاشمي، ومقدمة تحقيق سلك الفريد، 1/ 10، وما بعدها، وقد أشرت إليه في المقدمة باعتباره أحد تلاميذ الشيخ ناصر. (3) في س: [كذلك].
(4) يعالج الشيخ ناصر الله في هذا الموضوع قضية هي من أعقد قضايا الشعر الصوفي وهي الرموز، والإشارات في شعرهم، ولذلك نراه يتبنى الرأي الذي يذهب إلى ضرورة فهم العبارات على غير ظاهرها، وأنَّ «الإشارة سبيل الصوفي إلى ستر أذواقه ومكاشفاته عمّن ليس من أهل الذوق والمكاشفات، ولعله لو اصطنع أسلوب العبارة فعبّر في صراحة ووضوح عن أسراره وحقائقه، لكان في ذلك ما يحنق عليه الناس ... وقد تبين أن شعر ابن الفارض الذي يتغنى فيه الحب، ويصف الخمر، لا يصح أن يؤخذ على ظاهر ألفاظه، وإنّما يجب أن يلاحظ فيه عامل التلويح والإشارة»، وهكذا فهمه الشيخ ناصر، ودعا إلى الرضا بهذا الفهم ينظر ابن الفارض والحب الإلهي،، د. محمد مصطفى حلمي، ص 153. وينظر كذلك شعر عمر بن الفارض د. عاطف جودة نصر، ص 122، وما بعدها ففيه تفصيل عن هذه الرموز، والإشارات.
182 (1/182)
صفحة 183
فلا بأس وافهم، كقول ابن الفارض:
هو الحب فاسلم بالحشا ما الهوى سهلُ فما اختاره مضنـي به وله (1) عقلُ فهو متكلم في حقيقة الهوى في كل شيء لم يقصد به الباري أولاً، وإنما قصد حقيقة الهوى في كلّ شيء، ثم يقصد بذلك بعد قصده في كلّ شيء أنَّ الحبّ في الله كذلك، كما أنَّ الهوى في غيره كذلك، فيقيس الحبّ الذي يحسن إلا أن يسمى حباً فيه لا هوى ولا عشقاً بالحب الذي يحسن أن يسمى فيه هوى وعشقاً، إنَّه كما أن صدق الهوى في [21 و] هذا المخلوق كذلك صدق المحبة في الله فافهم.
وافهم
أننا أحببنا في الله اقتصار التسمية في ذلك على المحبة، وأخرناها في المثل الذي يمكن فيه إرادة (2) غيره، وكذلك لفظة المحبوب لا نريد بها إلا مثلاً لا تسمية لله تعالى بذلك، وإن جاز، وكذلك الشوق إنَّما نريد به مثلاً في كل شيء لا تخص به في ذكر الباري وإن جاز غير الذات تأدباً في عظمة الله جلّ وعلا، والمثل قد يكون خصوصياً، وقد يكون عمومياً، فالخصوصي ما يضرب به مثل في شيء مخصوص، والعمومي ما كان بمعنى كلّ لا يخصّ به الباري جلّ وعلا، وما كان الكلام يتوجه إلى معنى كل، ومثاله أنّ الحبّ والهوى من المحبّ في المحبوب أن يكون كذا وكذا فهو بمعنى كلّ، وفي مثل هذا ولو كان المراد به الباري سبحانه وتعالى فإنّه يكون بذلك مثلاً، ويرتفع المثل بنفسه إلى الله تعالى بالتنزيه، ولو لم يرفعه الناظم بلفظه ما لم يرفعه تخصيصاً لله بمثل لا يليق وإلا فهو كذلك.
وذلك مثل قول القائل: فتى في هواه عن سواه له به فأحلنا لفظة [هواه] إلى الحبّ في
الله فكتبناه: فتى حبّه فيه إليه له به إذا كان القائل بذلك من أهل الاستقامة في الدين. والحب، والهوى، والعشق كله من معنى واحد، ولكن بالتوجه بالمحبة في الأشياء تختلف أحكامها فتختلف أسماؤها للفرق فإذا توجهت المحبة لغير الله تعالى سميت هوى وحباً، فإذا توجهت إلى المحسوسات، وقويت حركاتها في النفس وطلبها بمحبوبها
(1) في الأصل: [وهو] بدل [وله]، واخترنا رواية الديوان و [س] فهما أصوب، ينظر الديوان، ص 185. الملاحظ ومن أن المؤلف يسوق بيت ابن الفارض على سبيل الاستشهاد كما صنع في واحد من أبيات التائية الكبرى كما سبق. (2) في الأصل: [رده]، وأثبتنا ما في س.
183 (1/183)
صفحة 184
عشقاً، وإن توجّهت المحبّة لله، ولما أراد الله أن يحبه عبده ذات ذلك الشيء لم سمي يُسم (1) إلا حبًا على حال لا زيادة على ذلك، كما أنَّ حبّ الله لا يسمى إلا حباً لا غير، وحبّ العبد لما أراد الله تعالى أن يحبّه من صفات الله وملائكته، ورسله، وأنبيائه، ما كان حبّ ذاته واجب أو مستحب له لله في دينه فهو من حب الله تعالى. فإن قلت: إن المال والنساء وعشقهن مما لا يكرهه الله تعالى، فأقول: ليس المراد ذلك، وإنَّما المراد حبّ الشيء لحبّ الله لذات ذلك الشيء، فافهم.
وجميع
فعشق الشيء لا يكون لحبّ الله لذات ذلك الشيء، فإنّ الأهل لو عشقها زوجها لقوة اجتهادها في الإخلاص لله تعالى حتى صارت وليّةً في حكم الظاهر فولايته لها ليس هو حقيقة عشقه لها، فالعشق لحبّ في النفس وولايته لها هي الحب لله لحبّ الله لذات الأعمال التي ظهرت منها التي هي كريمة عند الله تعالى، وهي التي يحبّها للمرء أن يخلص له فيها، فأعمالها في حكم الظاهر هي التي أحبّها أن يعملها، ويخلص فيها لله تعالى، فمحبّة الله لذات الشيء هي محبته التي أحب أن تكون هي محبة عبده، فإذا كانت محبة العبد هي محبة الله في ذات الشيء لم يجز أن تسمّى هوى، ولا محبة الله، ولا محبة العبد التي هي محبة الله تعالى، فافهم ذلك وافهم الفرق يتضح لك الحق.
قال:
44 - وَيَمنعُني شكواي حُسْنُ تَصبّري ولو أشكو ما بي للأعادي لأشْكَتِ يقول: ويمنعني شكواي للبلاء والآلام التي أجدها عن الأعادي وهم اللائم، والواشي حسن تصبري، ولو أشكو لهم ما بي لأشكت أي لتركوا شكايتي، أي تركوني وبلائي الحبّهم لي شدة البلاء.
قال:
45 - وعُقبى اصطباري في هَوَاكِ حميدة عليك ولكن عنكِ غَيرُ حميدة (2) يقول: [21] وعقبى أي وعاقبة اصطباري، أي تصبري في هواك - بكسر الكاف -
(1) في الأصل و [س]: [يسمّى].
(2) في الأصل و [س]: [وعقب]، وأثبتنا ما في الديوان، وهي أليق بالسياق، ينظر الديوان، ص 89.
184 (1/184)
صفحة 185
أي في حبّك، ومراده تلك الحضرة، وإنما قال هواكِ؛ لأنَّه ضارب مثلاً، والمراد بالمثل الحضرة فلذلك تساهل بلفظة هواك وعاقبتها في حبّك حميدة عليك، أي معك، ولكن بمعنى وإنما عاقبة الصبر عنك غير حميدة.
قال:
46 - وما حل بي من محنة فهي مِنْحَةٌ وقد سلمتْ من حَلَّ عَقْدِ عزيمتي (1) يقول: وما حلّ بي من محنة الحبّ وآلامه وبلائه فهو منحة، أي نعمة وكرامة لا أحسبه بلاء، وإنما البلاء والمحنة إذا انحلت عقد عزيمتي عن ثبات حبّك في نفسي، وإرادة زيادة الحبّ إليك، وإذا سلمت من الانحلال عقد هذه العزيمة مني فيك فلا أبالي ببلاء ولا ألم، بل كلّه نعمة في حق جنابك.
قال:
47
(2)
4 - وكلّ أذى في الحبّ مِنْكِ إذا بدا جَعَلْتُ له شكري مكان شكيتي يقول: وكلّ أذى لحقني بسبب اجتهادي لمحو صفات نفسي لمخالفتها، ومحو إرادتي في حبّك عن حبّك لي إذا أظهر حبّك بالإعانة، وبتجلّي الحضرة، ورقيتي فيها إلى تجلي الأسماء، جعلت له شكري، أي ألزمت نفسي شكري لك مكان الشكية؛ لأنّ ذلك من محبتي أن تزول عنّي حظوظ نفسي ولو وجدت في ذلك، ولولا حبك لي ما قدرت على إزالة (3) ذلك الذي كرهته في نفسي بحبّ منك.
قال:
(4)
48 - نعم، وتباريح الصبابة إن عَدَتْ علي من النعماء في الحب عدّتى يقول: نعم وتباريح: أي شدائد شدّة الصبابة، إن عَدَتْ أي جاوزت الحد بشدتها عليّ فإني أعد ذلك في الحبّ منّي فيك هو عدَّتي أي الذي أتقرب به إليكِ فهو من آلات
(1) في الأصل: [فهو] بدل [فهي]، وأثبتنا ما في الديوان للإشارة إلى المنحة.
(2) في الديوان: [فكلّ] بدل [وكلّ].
(3) في س: [إزالت].
(4) في الديوان: [عُدَّتِ] بدل [عُدَّتي].
185 (1/185)
صفحة 186
القرب، وهو معنى العدة؛ لأني أعدّه من أكثر النعمة عليّ؛ لأني أستلذ البلاء وآلام (1) الحبّ
فيك وبتلك اللذة أتقرب إليك حتى أبلغ الوصال.
قال:
49 - ومِنْكِ شقائي بَل بَلائي مِنْةٌ وفيك لباسُ البؤسِ أَسْبِعُ نِعمةِ يقول: ومنك أي الحضرة وما أجده من الشقاء، أي التعب والبلاء في حبّ النظر إليك مع الحرمان هو منك منّة لي أي نعمة أي ذلك البلاء لا الحرمان، وفيك: أي التعب والبلاء من الحبّ فيك هو أسبغ نعمة، أي أوسع، أي أكبر نعمة.
قال:
50 - أراني ما أوليتُه خَيْرَ قِنْيةٍ قديم ولائي فيكِ مِن شر فتية يقول: أراني أي أنظر نفسي أنّ ما أوليته أي الحضرة أي وليتني إياه، وهو قديم ولائي، أي قديم حبي في العهد القديم عند خلق الأرواح قبل خلق الأشباح، أي أوليتني قديم حبي في العهد القديم وأوليتني إياه في عالم تركيبي هو خير قنية، أي المال، ومن أسمائه الخير أي خير خير، أي أفضل شيء، وكذلك نجاتي من شرّ العذال، والواشين، واللوام وهم شرّفتية لي إذ لو لم تمنعني عن اتباعهم قوة حبّكِ الذي هو أصله منك، ومن نظري إليك وانكشافك في بعض جمالك لي، ولو لم تكشفي لي شيئاً ربما مِلْتُ، ولكن هذا خير فضل منكِ لي.
قال:
51 - فَلَاحٍ وواش: ذاك يُهدى لغرّة
ضلالاً وذا بي
ظل يهذي لِغَيْرة
يقول: فمنهم لاح ومراده هنا اللائم له، ومراده الذي ضل في توحيد ربّه، ومالوا إلى التشبيه، وأنكرواً حبّ الله تعالى والواشي: أي النمّام في هذا الموضع، وهو الذي لم يضلّ في التوحيد، وإنّما أنكر المحبة، فهذا يلومني بحبي فيك لإنكاره جمال [22 و] كمالك، ويظهر لي أنَّ ترك ذلك هو أعزّ وأجلّ عندك ضلالاً منه، وهذا يهذي: من الهذيان
(1) في الأصل: [والألم]، وأثبتنا ما في س، لتلاؤمه مع السياق.
(2) في الديوان [لباسي البؤسَ] بدل [لباسُ البؤس].
186 (1/186)
صفحة 187
بالنميمة على غيره بخلافي،له واعتقادي خلاف اعتقاده
قال:
2 5 - أخالف ذا في لَوْمِه عن تُقَى كما أخالف ذا في قومه عن تقيّة (1) يقول: أخالف المشبه في توحيد الله عن تقى، أي عن تقوى، كما أني أخالف هذا عن تقية، أي تقية عن اتباعه، والتقية عن اتباعه أصلها من التقى أيضاً، ويصح أنه يخالفه بكتم الحبّ عنه، ويظهر له غير الحب خوفاً من أن ينم (2) به، والحب من سنته الكتمان لئلا يكثر الصادّون عنه عليه، أو تأخذه الفترة عنه بكثرة العذل وإن كان الصادق الحب لا يردّه العذل واللوم، ولكنّ المحب إذا قوي حبّه خاف كل شيء يكدر الحب أن يكدره.
(بيان)
ولما فرغ من ذكر آلام الحب وبلاياه، وأنه إن كان ذلك بلاءً فإنه في حق محبوبه عطايا، شرع إلى درجة أخرى في ذكر ثباته كما بيناه في مبتدأ الرجوع.
قال:
53 - وما رد وجهي عن سبيلك هَوْلُ ما لَقِيتُ ولا ضراء في ذاك مَسْتِ يقول وما ردّ أي وما صدّ وجهي أي توجهي وقصدي عن سبيلك: أي عن السلوك في طريق محبتك، هول ما لقيت من محن الواشين واللوام والعاذلين، وشدّة بلاء الحب ولا مستني ضراؤه، أي سقمه وبلاؤه؛ لأني كل ذلك عددته نعماً لا بلاء وسقماً، ويحتمل أنه أراد لم تردني عن ذلك أهوال ولا ما مستني من الضراء، فكلّ ذلك لم يردني عن
التوجه إليك. قال:
54 - ولا حِلْم لي في حَمْل ما فيك نالني يؤدي لحمدي أو لمدح مودتي يقول: ولم أستحق مدحي بالحلم فيما تحملته من الأذى من سبب محبتي فيكِ ممَّا
(1) في الديوان: [أحالف] بدل [أخالف]، وأثبتنا رواية الأصل لتلاؤمها مع الشرح. (2) في س: [يأتم] بدل [ينم].
187 (1/187)
صفحة 188
نالني.
من شدَّتها، ومن أذى الواشين والعذال واللوام، يؤدي بهذا إلى حمدي: إلى الثناء به عليّ أني حليم، ولا إلى ثنائي بكثرة محبتي وإخلاصها؛ لأن ذلك كله إنما تحتمله لنظرة أريتني إياها، فكان ذلك منك لي بذلك.
قال:
55 - قَضَى حُسْنُكِ الداعي إليك احتمال ما خَصَصْتُ وأقصى بَعْدَ ما بَعْدَ قِصَّتي يقول: قضى أي حكم علي جمالكِ، يخاطب الحضرة - بكسر الكاف – الداعي إلي إلى التوجه إلى هذه الطريقة الحبيّة هو حكم على احتمال ما قضيته مما لاقيت من الشدّة والبلاء وعددت به، وإنَّ ذلك قليل في حقّ جمالك وما شاهدته، وأين نظري أنا من جمالك وتعداد محاسنه المطلقة؟! فهي أقصى أي أبعد من بعد قصتي منها وقصص جميع الكائنات، فلو قضت جميع ذرات الوجود كلّ ذرة تقص صفة عن جمالك منذ كونها الله تعالى إلى أن يكون كما كانت لم ينتهِ (1) إلى إيضاح ذرة من بيان جمالك.
[بيان] (2):
قال:
56 - وما هو إلا أن ظَهَرْتِ لناظري بأكمل أوصاف على الحُسْنِ أَرْبَتِ: - فحليت لي البلوى فخليت بينها وبيني فكانت منك أجمل حِلْيَةِ
- 57
يقول: وما هو أي وليس السبب في ذلك إلا أن ظهرت أي الحضرة، أي تكشفت ببعض جمالك لناظري بأكمل أوصاف على الحسن أربت، أي على الحسن المخلوق أربت، أي زادت على الحسن المعروف إلى الجمال المطلق التوحيدي، فحلّيت: - بالحاء المهملة والتاء المكسورة - أي فجعلت لي البلوى في الحبّ حلوة عذبة، ويحتمل أن يكون مراده فحليت أي فأنزلت لي، أي إلى البلوى، فخليت بالخاء المعجمة- فتركتيني بيني وبينها، أي ولما أظهرت لي شيئاً من جمالك، وحلّت لي البلوى تركتني وبلائي بها، وبعد
(1) في الأصل و [س]: [ينتهي]، وما أثبتناه أصوب.
(2) ما بين المعقوفين في س فقط.
188 (1/188)
صفحة 189
بعد ذلك عن ذاتي تجلّي [بيان] (1) جمالك في الوقت فكانت منك أجمل [22 ظ] حلية،
أي [أحسن حلية] (2)، أي تلك النظرة وبلواها لا بعد عن رؤيتها، فافهم.
قال:
58 - وَمَنْ يتحرش بالجمال إلى الردى أَرى نَفْسَه من أَنْفَسِ العيشِ رُدَّتِ يقول: ومَنْ يتحرّش: أي ومن يعرض نفسه إلى التلذذ بالجمال، ويطلبه بقوة الحب، أرى: أي أنظر نفسه أنها من أنفس، أي أوسع العيش أي الحياة، ردّت: أي ردّت من سعة الحياة إلى ضيقها الهلاكي، وقد مضى تفسير التحرّش أنه صيد الضب بحيلة معروفة، وأراد ومن يعرّض نفسه ليصاد بالحبّ والجمال حتى يكون مقبوضاً فقد تعرض لتحمّل البلاء والهلاك، وذلك على قياس الضب المصاد المقبوض، وإلا فهو في الحقيقة معه أنّ ذلك فيما بينه وبين محبوبه هو لذة الحياة، فافهم.
قال:
-59
5 - وَنَفْسِ ترى في الحبّ أن لا ترى عناً متى مات صدت للصبابة صُدّت يقول: إنّ الحبّ مطية العناء ومنشأ البلاء ومورد، الفناء، فمن لم يجد في نفسه في حبّها العناء أي المحبة ومقاساة (3) البلاء ولم يورده [موارد] (4) الفناء ولم يزل حكم التمييز بين المحبّ والمحبوب والمباينة الثابتة بينهما، ولم يَتَجلَّ لها شيء من الجمال متى تصدّت، أي تعرضت للصبابة، أي لطلب الهيمان في المحبّة بالمحبة، صُدَّت: أي رُدَّت عن ذلك، وهذا يدل على أنّ مَنْ لم يعرف أبواب الحبّ، وكيفية الدخول منها، والنظر إلى الجمالات
المطلقة لم يحبّ، ولم يقدر على السلوك بالمحبة فينكرها، وسيأتي بيان ذلك.
قال:
60 - وما ظَفِرَتْ بالودَ نَفْسٌ مُراحةٌ ولا بالولا نفس، صَفَا العيشِ وَدَّتِ (5)
(1) ما بين المعقوفين في س فقط. (2) ما بين المعقوفين في س فقط. (3) في الأصل و [س]: [ومقاسات]. (4) ما بين المعقوفين ساقط من س.
(5) في الديوان: [روح] بدل [نفس]، وأثبتنا ما في الأصل لتلاؤمه مع الشرح.
189 (1/189)
صفحة 190
لا
يري
يقول: ولا ولا (1) ظفرت بالحبّ مَن كانت نفسه مراحة من عنائه وبلائه وفنائه، ولا ظفرت بالولاء، وهو أول الحب، فإنّ مبادئ الحب مقرب، ووسطه موصل، وانتهاؤه موجد، أي نفسه إلا صاحبه، وتسقط الأثنينية كما حكي عن رجلين تحابا فسقط أحدهما، الآخر بنفسه قال الأول للآخر وما أسقطك؟ فقال: ذهبت بك حتى ظننت أنَّكَ أنّي. فلا ظفرت حتى بأول الحب نفس ودّت صفاء العيش أي الحياة، أي أبقت من طلب البلاء، فإنّ الحبّ لا يتعرض له إلا من تصدّى لاحتمال الأذى والبلاء والضناء، وغير ذلك، وقال في لاميته:
ورمي
هو الحب فاسلم بالحشا ما الهوى سهلُ فما اختاره مضني به وله عقل أي لم يختره مُضنى وله عقل لنفسه، إنما المختارون له هم الذين أضناهم، وفنوا عقولهم فيه، وفي التلذذ به، وفي بلائه، أو لغير التلذذ به، وإنما حبّاً للمحبوب لا غير، فالذي بقي له عقل ولم يَفْنَ فيه فليس هو بمختار له، إنَّما المختار له هو المضنى الذي لم يبق لنفسه عقلا يحسن به،
قال:
فافهم.
61 - وأين الصفا؟ هيهات من عَيْش عاشق وَجَنَّةُ عَدْن بالمكاره حُفَّتِ يقول: وأين الصفا أي الراحة من عيش أي في حياة عاشق، وأطلق اسم العشق؛ لأنه لفظ بياني عمومي في كلّ عاشق لم يخصّ به الله تعالى، وكذلك هو في المخلوقين كما ذكره، ويكون الحبّ وصدقه في الله كذلك، ولا يحصل الصفا لمن طلبه لعزّته فهو محفوف بها، كما أن الجنة لعزّتها حقت بالمكاره، كذلك الحب في الله تعالى محفوف أولاً بصفات النفس الذميمة، وطلب إرادتها وفكرها وخواطرها في المكنونات دون النظر، واستغراق الفكر في آلاء الله تعالى فافهم فإنّ هذه كلها إشارات برمز حكمي إلى فناء جميع ذلك في الله تعالى، وذلك من أصعب شيء على المرء؛ لأن ترك المألوف
صعب شديد.
6
(1) في س: [وما] بدل [ولا].
190 (1/190)
صفحة 191
قال:
62 - ولي نَفْسُ حُرِّ لو بذلت لها على تسليك، ما فوق المنى ما تَسَلَّتِ يقول: [23 ظ] للحضرة المتجلّي له بعض جمالها: إنّ لي نَفْسَ حرّ لا ترقّ، أي لا تستعبد لأمثال هذه الحظوظ (1) والأماني، وما وراءها حتى لو بذلت أنت لي أنت ما فوق المنى من اللذات والحظوظ (2) والأماني الروحانية مثل العلوم، والمكاشفات والمشاهدات بما وراء العلوم الكونية إلى غير ذلك، على أن أتسلى عن حبّي فيك، وطلب القرب منك ما أردت ذلك، ولا سلاني ذلك الأماني.
قال:
3 6 - ولو أُبْعِدَتْ بالهجر والصدِّ والقِلى وقطع الرجا عن خُلّتي ما تخلت (3) يقول: ولو أبعدت شاهدة الحضرة الإلهية بالهجر والصدّ والقلي، وأراد بعد طرق الوصال بالهجر فلم يرد هنا في الباطن هنا بهجرها له، ولكن بعدها بالهجر لكلّ شيء سواها، وكذلك بالصدّ عن كل ما لا تحبّه والقلي لكلّ شيء لا ترضاه له.
وقوله: وقطع الرجاء، ففي ظاهر لفظه: إن بعدت هي بهجرها له وصدّها عنه وقلاها له، وقطعها رجاءه تمثيلاً بالناس بعضهم في بعض، وفي الباطن: وإن بعدت عن المشاهدة بهذه الموانع والحجب الحاجبة له حتى صارت لصعوبتها في زوالها، مع أنها لا تتجلى إلاّ برفعها كأنَّها – أي الحجب – قاطعة للرجاء ولكنها مع ذلك، وإن كانت كذلك، فلقوة حبه امع لا ينظر صعوبتها، وما تجلّت عن خلّتي: أي ذهبت من مجاورة فؤادي وحبي، ولا أبالي بجميع ما أراه من البلاء في صلتها بل أراه أحبَّ شيء وألذ شيء، ولو جاءني خطابها [بلن تراني] إذ ليس كلّ قاصد ليراها، ولكن صدق المحبة أن يحبّ ولا ينثني.
قال:
64 - وعن مذهبي في الحبّ ماليَ مَذْهَبٌ وإنْ مِلْتُ يوماً عنه فارقتُ مِلَّتِي
(1) في الأصل و [س]: [الحضوض]. (2) في الأصل و [س]: [الحضوض].
(3) في الديوان [بالصد والهجر] بدل [بالهجر والصد].
191 (1/191)
صفحة 192
يقول: لأنه ليس لي مذهب أقصد به إليك إلا بكمال صدق الحب، ومتى مِلْتُ عن هذا
المذهب فارقت (1) ملّتي، أي ديني ومذهبي.
قال:
65 - وإن فَطَرتْ قلبي سواك إرادة على خاطري سهواً قَضَيْتُ بردَّتي (2) يقول: ولو خطرت في قلبي خطرة في ذكر غيرك سهواً مني لجعلت ذلك ذنباً في حق المحبّة لي فيك تعظيماً لشأنك، ولقضيت أي ولحكمت بردتي، أي برجعتي عن ذلك
حكماً حبّياً عليها.
قال:
66 - لك الحكم في أمري فما شِئْتِ فاصنعي فَلَمْ تَكُ إلا فيكِ لا عَنْكِ رغبتي يقول: لك الحكم في كل أمري فما شئت فاصنعي أي الحضرة، فَلَمْ يَكُ إِلا فيك
محبتي لا عنك، أي لا لغيرك، ولم تَبْقَ لي إرادة إلا أنت فاحكمي بما شئت.
واعلم أنَّ التجلي له مراتب الأول الذات، فأما في الله فلا تتجلى حقيقة الذات، ولا يعرف ذات الله إلا هو، ولكن تجلي تحقيق الذات الذي يصح تجلّي تحقيق وجودها فهو تجلي الذات في حق المخلوقين، وتجلي حقيقة النظر إلى ذاته لا يصح، وأما إلى تحقيق وجود ذاته فهو يصح والتجلي الثاني الصفاتي، والتجلي (3) الثالث الفعلي، والتجلي الرابع التجلي الجامع للتجلي التحقيقي لوجود الذات والتجلي الصفاتي، والفعلي، والتجلي في عالم الغيب والتجلي في عالم الإرادة والتجلي في عالم الأمر، والتجلي في عالم المثال، وهو اللوح المحفوظ، والتجلي في عالم الشهادة، هذه تجليات الحق، والتجلي الآخر الحق في عقل الإنسان، هذه المراتب التي يصح التجلي منها عليه. وَمَنْ شهد منها وانكشف له من حضرة ذلك التجلي طلب المحبة لا محالة، ومن كان على نفسه حجاب فلا يحبّ ما لا يرى، والمثال في ذلك من اشتد حبّه في طلب علم،
(1) في الأصل و [س]: [فارقة].
(2) في الديوان [لي في سواك] بدل [قلبي سواك]، وأثبتنا ما في الأصل لتلاؤمه مع السياق. (3) في الأصل و [س]: [وتجلّي]، وأثبتنا [التجلي] لتلاؤمه مع السياق.
192 (1/192)
صفحة 193
ولم يجد كتبه مشروحاً فيه آيسه طلبه حتى يذهب حبه منه، وإن وجده مشروحاً، ولم يفهم له لم يحبّ ذلك الشرح، وإن كان له قوة فهم وأبهره قوة تدقيقه في ذلك الكتاب فإنه [24 و] يعشق التوغل فيه، ويتسلسل حبّه إلى الذي شرح ذلك العلم فإن [كان] (1) بعيد الغور، كثير التوغل وهو يفهمه، ولكن لم يُحِطّ حفظه تماماً فتراه يستغرق أوقاته جميع فيه، وربما يكره الليل لما يشغله عن استقصاء ما فيه، ويحبّ شارحه لا لصورة صوّرها من جمال ذات الشارح، ولكن لما أبداه، ولو أنّه فهمه [فيه] (2) معلّمه أحبَّ معلّمه لأجل ذلك لا لصورته، فصح أنَّ طريقة الدخول في حبّ الله هو التفكر في آلاء الله إذا طلبت نفسه، وإن لم تطلب فهي محجوبة كما أنه لو أتى لطالب هذا العلم علماً عسيراً فهمه غير الذي طلبه، فلو كان لفهمه قوة يقدر بها على فهمه أن لو جمع همه من اجتمع فيه حبّه لفهمه ولكن لعسر فهمه ولإعراض حبّه عنه، ولو فكر فيه لم يدخل حبّه في قلبه، ولا ينظر إلى جماله، ولو كان في الحقيقة أجمل من الذي طلبه فيكون بينه وبينه حجاب عن تجليه بالجمال، فافهم. فقد أوضحت ذلك من يمكنه الدخول والسلوك إلى الله بطريق المحبة، و من (3) لا يمكنه، وكيفية الدخول والحجب المانعة والسبب الباعث إلى إنكار المحبة، والسبب الباعث إلى التجلي الجمالي من الكمالات، والسبب المانع فلا ينكر إلا من كان محجوباً، وأخبرتك بأنَّ الحبّ قد يكون لغير تصور الذات، وقال النبي: تفكروا في آلاء الله ولا تتفكروا في الله])، فالحب ظاهرة حجة وجوده في الله تعالى.
الله
بيان في مخاطبة الحضرة المتجلية له بالقسم) ولما كان أعظم قربة إلى الله صدق المحبة إليه بأداء واجبها، ولا تصدق إلا بتمام إحكام، أي إتقان أمورها حلف بها الشيخ.
قال:
67 - ومُحْكَمُ حُب لم يخامره بيننا تخيلُ نَسْخِ وهو خَيْرُ أَليَّةِ
(1) ما بين المعقوفين ساقط في الأصل، والزيادة من س.
(2) ما بين المعقوفين ساقط من س.
(3) ما بين المعقوفين ساقط من س.
(4) ينظر موسوعة الحفني،
ص
686
، وموسوعة العجم، ص 188.
193 (1/193)
صفحة 194
يقول: أقسم بمحكم الحبّ، والمحكم هو الذي لا يجوز عليه خلل. لم يخامر: أي لم يخالط بيننا تخيل نسخ أي لا تصور الحالة بيننا شك أنه عقد الحبّ يخلّله نسخ، أي إنساخ وزوال، وهذا خير: أي أفضل أليّة، أي يمين.
فإن قيل: كيف جاز له القطع على هذا؟ قلنا: لأنه منباء عن حال سيرة [النبي] (1)
فهو يخبر عن حاله، ولا شك أنه كذلك، وقسم بحقيقة ذات الحب.
قال:
68 - وأخذك ميثاق الولا حيث لم أبن بمظهر لبس النفس في فيء طينتي يقول: ونحن في صلب آدم ال، وحكمت لنا بحكمه أنا مؤمنون طائعون لك لقولك: الْحَقْنَا بِهِمْ} (2) أي أولياءك في الرضا عنهم ذرياتهم، فكنا في الحكم مؤمنين بإيمانه، ولقول النبي: كل مولود على الفطرة (3) أي على فطرة إيمان أبينا آدم، وإنما الطفل والصبي قبل بلوغ الحكم يهوّدانه وينصرانه ويمجسانه في الحكم الظاهر لا في حكم الآخرة، أبواه، فصار كلّ مَنْ يبلغ الحلم غير متعبّد بشيء وهو في حكم السلامة إلى أن يبلغ
الحلم، فإما أن يضيع وإما أن يصلح وقال النبي صلى الله عليه وسلم [كل ميسر لما خلق له]).
يقول:
وكلّ هذا الحب مني لم يكن أصله إلا منك لي، وقد سبق لي حكمك في حكم أخذ الميثاق الأول على آدم وذريته أنهم في حكمك من لم يُضع فهو عهد لجميع ذريته، وكان هذا قبل أن أبن، أي أظهر بمظهر لبس النفس، ولباسها الجسد في فيء: أي في جسم طينتي، استعار للجسم اسم الفيء ومعناه؛ لأنه لا يكون إلا من جسد بريء تمييزاً بين الأجسام اللطيفة والأجساد الكثيفة، ثم كل هذا أيضاً كان في عالم المثال منكِ لي، فإنّ ما كان في عالم المثال محبّاً كان في عالم الشهادة محباً، ثم كان منك لي هذا التجلي، والمحبة في عالم الأمر، وفي عالم الإرادة، وفي [24 ظ] علمك بي بدايةً، فمحبتي لك من محبتك لي، وقد خصصتني بهذا
(1) ما بين المعقوفين ساقط من س.
(2) الطور، الآية 21، والآية هي: {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَهُمْ ذُرِّيَّهُم بِإِيمَنِ الحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّنَهُمْ)
(3) صحيح البخاري، الحديث 1358، وصحيح مسلم، الحديث 2658. (4) صحيح البخاري، الحديث،6596، وصحيح مسلم، الحديث 2647.
194 (1/194)
صفحة 195
في مجمل السالكين بالمحبة وإخلاصها إلى الله تعالى.
(بيان)
وأما في الإشارة إلى السير المحمدي فالحالة تدلّ عليه بأكثر من هذا أن أصل المحبة والإرادة من الله تعالى ليعرف والنبي أسبق الخلق بالمعرفة إلى الله تعالى فهو أسبق الخلائق محبة لله، وأسبق الخلائق محبة من الله، له لا أسبق في علمه فإنَّ نفسه عالمة بكل شيء بلا بداية، وإنما أسبق في الفضل.
وإذا كان هكذا فأصل العهد أخذ على ذرية آدم بالإيمان على مَنْ ضيّع إنَّما هو محبة الله للنبي، ومحبة الله لآدم، وتعظيمها له إنَّما هو لعظمة محبة الله للنبي ولأجله خلق ففي الحقيقة يتسلسل التكوين أنّ النبي الله هو أب جميع الوجود؛ لأنه خُلق الوجود لأجل المعرفة بالله، وأعظم العارفين بالله النبي صلى الله عليه وسلم فكان لأجله إيجاد الوجود، وما وجد الوجود إلا بالمحبة، أي بالإرادة لإيجاده، والمحبة في النبي الأفضلها وأجلّها، فكان النبي الأب لآدم في المعنى الحقيقي، وهو ابنه في المعنى الخروجي إلى عالم الشهادة (1) فلا غرو أن نبأ الناظم عن نبأ الحالة المنبئة عن حالته أنها تقول:
هو
ومحكم حبّ لم يخامره بيننا تخيل نسخ وهو خير ألية. وأخذك ميثاق الولاء: وهو الحبّ الأول القديم والمتسلسل في الرُّتب، حيث لم أَبِنْ بمظهر لبس النفس في فيء طينتي.
فإن قلت: كيف لم يقسم باسمه؟ فالجواب أنّ القسم بالمحبة ما يدلّ على المحبة والتعظيم، والقسم بالاسم ما يدلّ على التعظيم والثاني مراعاة (2) للكلام، والثالث ليدلّ على نفسه تعظيم المحبة له جلّ جلاله. (بيان): اعلم أنّ الله تعالى ذكر الميثاق والعهد في مواضع من كتابه، كقوله
(1) وقفنا عند هذا الموضوع فيما سبق، ومعه الحديث المنسوب إلى الرسول صلى الله عليه وسلم: كنت نوراً وآدم بين الماء والطين، وما يضاف هنا ذهاب د. الحفني في موسوعته، ص 655، إلى أن هذا الحديث موضوع، مع حديث طويل فلينظر هناك، وينظر كذلك الصلة بين التصوف والتشيع، د. كامل الشيبي، 7311 و 401، وهو ينقل نصاً للحلاج، و 1 [394، وهو ينقل نصاً لذي النون المصري بهذا المعنى. (2) في الأصل و [س]: [مراعات].
195 (1/195)
صفحة 196
تعالى: {وَإِذْ أَخَذْنَا مِيتَقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ) (1)، وقوله تعالى: {وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّنَ مِيتَقَهُمْ وَمِنكَ وَمِن نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُم مِّيتَقًا غَلِيظًا (2). وظنّ بعضهم أن أخذ الميثاق لعامة المؤمنين قوله تعالى: {وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَن تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَفِلِينَ} (3).
إن الله تعالى أخرج من بني آدم ذريته في ظهور آبائهم في جميع واحد مثل الذرّ، وأشهدهم ألست بربكم؟ قالوا: بلى، أي أنت ربنا، ولو قالوا: نعم لكفروا؛ لأنَّ بلى تأتي جواباً لإثبات المستفهم المراد إثباته، ونعم تأتي جواب نفي للمستفهم فيه (4)، ثم عاهدوه إذا ردّهم إلى آبائهم، وإخراجهم بعد ذلك ليؤدوا له الطاعة، وأنّ الله تعالى يؤاخذهم بذلك العهد وتلك الشهادة.
والصحيح أن تلك الشهادة إنّما هي شهادة عقولهم التي لا يصح معها شكّ أنّ الله تعالى ربهم، والأخذ هو الإخراج، وهو إخراج كلّ ولد من ترائب أمه، وصلب أبيه في وقت خروجه وبلوغه الحلم، ووجوب التعبّد بمعرفة الله تعالى فهو مأخوذ بالشهادة لله أنه ربه، ومأخوذ باعتقاد الطاعة لله، فإذا عرف ذلك فقد شهد، فإذا اعتقد فقد عاهد، وإن لم يهتد إلى الاعتقاد، ولم يَنْوِ الخلاف، وكل شيء لزمه أدَّى فهو في الحقيقة معتقد، وقد ثبت له إيمان أبيه آدم وأمه حواء لقوله تعالى في حكم ذريته أولياءه: (الْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّنَهُمْ، فقد عاهد الله آدم لأن يعبده ويرضى عنه فهو عهده عليه، وأنّ لذريته ماله من الرضا من لم
(1) البقرة، الآية 63.
(2) الأحزاب، الآية 7. (3) الأعراف، الآية 172.
(4) يسمّي البلاغيون ودارسو الإعجاز هذا النوع من الاستفهام استفهاماً تقريرياً، وحقيقته أنه استفهام إنكار، والإنكار نفي، وقد دخل على النفي، ونفي النفي إثبات، ويقول الزركشي في البرهان، 32412 ما نصه: «واعلم أنّ في جعلهم الآية/ ألست بربكم من هذا النوع إشكالاً؛ لأنه لو خرج الكلام عن النفي لجاز أن يجاب بنعم، وقد قيل: إنهم لو قالوا «نعم» كفروا، ولما حسن دخول الباء في الخبر، ولو لم تُفد لفظة الهمزة استفهاماً لما استحق. الجواب، إذ لا سؤال حينئذ»، وهو يقترب مما ذهب إليه الشيخ ناصر، وهذا يشير إلى قراءات الشيخ الواسعة في علوم القرآن الكريم، وينظر عن هذا النوع من الاستفهام معجم المصطلحات البلاغية، د. أحمد مطلوب، 1/ 190، وما بعدها، ففيه تفصيل مفيد.
196 (1/196)
صفحة 197
يضيّع واجباً لا يسعه، أو يركب محرّماً لا يسعه، وذلك معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم [25 و]: [كل مولود على الفطرة] أي على فطرة إيمان أبويه آدم وحواء، وإيمان النبي نوح عليهم السلام، وعلى فطرة إيمان أبيه الذي من صلبه ما لم يبلغ الحلم، وبعد بلوغه، كذلك ما لم يضيّع ذلك، ثم قال: (وإنما يهوداه وينصراه ويمجساه أبواه أي في الحكم الظاهر في أحكام الدنيا دون أحكام الآخرة.
والوجه الثاني: أنّ عهد الله القديم على عباده العمومي هو خطابه لهم أني ما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون، فإيجادهم لأجل العبادة من حين إيجادهم في عالم الأمر، وفي عالم المثال، وفي عالم الشهادة، وفي عالم الظهور، وأن ذلك كله لم يكن إلا لأداء العبادة ولزومها، فالعهد واقع عليهم من حين الإرادة والعهد هو ما يعهده على عباده، ولعباده من البيان والشروط التي يشترطها، والميثاق الشديد عليهم فيما ألزمهم إياه وجوباً، والغليظ التوعد على من خالف ذلك، فكان عهد الله وميثاقه عمومياً وخصوصياً على كل متعبّد يتعبده به على الخصوص، وعهد العبد اعتقاده لله هو وعهده الثابت له من إيمان أبيه إن كان مسلماً عهد أبيه النبي نوح، وعهده الثابت له من إيمان أبيه آدم وأمه حواء.
(بيان)
قد أخبرتك أنّ [الله] (1) أفاض على بعض] (2) العباد بعضاً من جمال صفاته التي هي المحبة والإرادة والعلم إلى غير ذلك، فمن تمت صفاته وكمل جمالها بلغ ما خُلق
صفة لأجله، وإن ضيع من التخلّق بحقيقة الجمال الكوني المفاض من صفات مما لا يسعه ضلَّ وقبح، وأبعده الله تعالى.
[بيان] (3):
فإذا عرفت ذلك فاعلم أنه لا ينال المرء من هذه الحياة فيها إلا ما سبق له في علم الله تعالى، لا أنه يجبره على فعل ما سبق في علمه فيه، ولكن سبق علمه أنَّ نفسه تحب كذا وتكره كذا من ذات نفسه، ومنهم من كشف الله تعالى جماله في الحضرة في عالم الدنيا
(1) ما بين المعقوفين ساقط في الأصل، والزيادة من س.
(2) ما بين المعقوفين ساقط من س.
(3) في س بياض.
197 (1/197)
صفحة 198
كالأنبياء، ومنهم من لم يكشف [طور] (1) جماله إلا في الآخرة والحالة تتكلم بالعموم في أهل الإخلاص على الحقيقة عبد الله بالمحبة لله التي هي محبة الله في السلوك من كلّ سالك، وفي السلوك الأعظم المحمدي، لا أنّها تروي أنّ النبي كذلك يقول، وإنَّما تروي وتحكي صفات سلوكه إلى الله، وسلوك من هو دونه، وهم الصحب الذين ذكرهم الناظم.
هي
الله
وهو
فإن قلت: إنَّ كثيراً يحب الله ويعبده وهو على غير الهدى، ولم يدر نفسه كما قال تعالى: وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا} (2). فأقول: ليس المحبة النافعة محبة العبد لله، وإنما المحبة النافعة محبة الله تعالى للعبد، فإذا كانت محبة العبد لله هي محبة الله له لا غير تمّ له الجمال وإن كان محبة العبد لله، وهي غير محبة الله له فليس هو بشيء، ومحبة الله لعبده التي هي محبة العبد لله لا غيره موافقة العمل إليه بالذي يحبّه، له ومنه وإن خالف فقد اكتفى بمحبة نفسه لله الهوى، واكتفى بها عن محبة الله جل وعلا؛ لأنّ محبة الله هي محبة كمال العبادة بوجهها لا تخلَّل فيها، ولأجل ذلك خلق، فصح أن النبي الله، وكلَّ مخلص لله تعالى في سلوكه إليه إِنَّما انجذب إلى الله تعالى بمحبة له في العهد القديم الأزلي، فلا غرو إذا بانت الحالة وعن حبّه لله وحبّ الله له في العهد السابق القديم فقالت على لسان الناظم: وأخذك ميثاق الولاء، أي الحبّ الأول القديم، أي لم تلزمني محبتك وطاعتك، وتجعلني من جنس المتعبدين في العموم لجملة السالكين، وجعلتني في حق السلوك المحمدي أول المقربين [25]، وأول منظور إليّ، ولأجلي كوّنت جميع الوجود، وألزمتني السلوك إليك قبل أن أبن، أي أظهر بمظهر لبس النفس، ولبس النفس هو الجسم والجسد.
عنه
وفي فيء طينتي: استعار للجسد اسم الفيء ومعناه؛ لأنّ الفيء، وهو الظل، لا يكون إلا من جسد يستر الشمس؛ أي هذا الحبّ كان منك لي في العهد القديم وإن كان الله تعالى لم يوجد الكائنات إلا لأجل المعرفة به، ولأجل إخلاص العبادة له، وإخلاص المحبة له بمحبته له، وكان النبى الله هو أعرف العارفين وأول السالكين، وأول منظور إليه، العليا
(1) في س: [ظهور]. (2) الكهف، الآية 104.
198 (1/198)
صفحة 199
ولأجله وجد الوجود، فلا غرو فهو على هذا هو أبو آدم وحواء، وأبو جميع الوجود على الإطلاق، ولإيمانه كان حكم ذرية آدم على الإيمان إلا مَنْ ضيّع شيئاً منه بعد ما وجب عليه؛ لأنَّ في الحقيقة ذلك فضل للذي يخرج من صلبه، فكان جميع الوجود وآدم وحكم
الإيمان لذريته إنَّما هو لأجل محمد ا، ولا غرو أن قالت لسان الحالة المنبئة عنه: بمحكم حبّ لم يخامره بيننا تخيّل نسخ وهو خير أليّة وأخذك ميثاق الولا حيث لم أبن بمظهر لبس النفس في فيء طينتي
فافهم ذلك.
قال:
69 - وسابق عَهْدِ لَم يَحُلْ مُذْ عَهِدْتُه ولاحق عَقْدِ لم يُحلَّ بفترة (1) يقول: وسابق ذلك (2) العهد القديم الأزلي الذي قدّرته لي، وقدرتني لأجله، أي لم أنقضه مذ عهدته، أي ألزمتني إياه منذ خلقتني لأجله في العهد الأزلي الغيبي، ولاحق عقد
بعدما أظهرتني في عالم الشهادة لم يحل، أي لم ينقض بفترة عن السلوك إليك.
قال:
70
وَمَطلع أنوار بطلعتك التي لبهجتها كلُّ البدور استسرَّتِ (3)
يقول: وأقسم بسابق العهد إلى آخر بيته، وبمطلع أنواري، وبتجلّي ظهور ذات وجهك لنفسك فإن المطلع المراد به هنا ظهور وجه الذات، وذلك معنى قوله: لطلعتك، أي لذاتك التي لبهجتها أي لجمالها المطلق الحقيقي كلّ البدور استسرّت، والإسرار الإخفاء، واستعار بالبدور النجوم والكواكب والشمس والمراد بذلك أنوار العقول، أي الكائنات فلا تتجلى لشيء أبداً إلا [لذاته] (4) جلّ وعلا.
اختفت عن جميع
قال:
6
(1) في الديوان: [جلَّ عن حلّ فترة] بدل [لم يحلّ بفترة]. (2) في س: [لك] بدل [ذلك]، ولا معنى لها.
(3) في س: [كالبدور] بدل كلّ [البدور]، وما أثبتناه رواية الأصل والديوان معاً.
(4) ما بين المعقوفين ساقط من س.
199 (1/199)
صفحة 200
،
جميع
1 7 - وَوَصْف كمال فيك أحْسَنُ صورة وأقومُها في الخَلْقِ منه استمدت يقول: وأقسم بوصف الكمال الذي هو أحسن صورة، وأقومها في الخلق منه استمدت، أي وبوصف كمالك (1) الذي خلقت على صفتها آدم ال من جمال ذاته ووصفه بما و صفت به نفسك أنك مريد، وتشاء وتدبّر، ومتكلم، وعليم، وقدير، ومحيط، وله صفة العدل، والسمع والبصر إلى غير ذلك من صفات الله تعالى، فإنَّ الكائنات لم يخلق لها ذلك من صفات الله تعالى إلا الإنسان، والعباد أهل العقول، فصح أنَّ أحسن صورة وأقومها في الوجود منْ هو على صفات الله تعالى، ولذلك قيل فيما يروى عن النبي: [إن الله تعالى خلق آدم على صورته] (2) فظنّ كثير أنّه خُلق على صورته، أي على صورته آدم التي خلق فيها، وهذا يصح إذا كان على وصفه الصحيح أنه على صورته، أي على صفاته تعالى من السمع والبصر، والعلم، والقدرة إلى غير ذلك، ولم يقل كصورته؛ لأن صفات العباد ليست هي كصفات الله ولكن مستمدة منها، وصفات العباد مخلوقة مجموعة في الشخص، وصفات الله ليست كذلك، ولم يقل على صفاته لئلا يوهم أنّه على صفاته حقيقية.
وأما الصورة [26 و] فمعلوم أنّ الله تعالى لا يوصف بالصورة، فعدل إلى المفهوم عن
المشتبه.
قال:
(1) في س: [كمال].
هي
(2) صحيح البخاري، الحديث،3326، وصحيح مسلم، الحديث،2841، ويقول النووي شارح صحيح مسلم: ... وهذه الرواية ظاهرة في أنَّ الضمير في (صورته) عائد إلى آدم، وأنّ المراد أنه خلق في أول نشأته على صورته التي كان عليها في الأرض، وتوفي عليها وهي: طوله ستون ذراعاً، ولم ينتقل أطواراً كذريته، وكانت صورته في الجنة صورته في الأرض لم تتغير، وينظر كذلك الملل والنحل، 1/ 151، وفيها مزيد من التخريج، وإحياء علوم الدين، للغزالي، 2/ 168، ويقول جورج طرابيشي إنَّ هذا الحديث أحدث انقساماً عميقاً في صفوف المتكلمين، والمتصوفين، وحتى المتفقهين، وكان أبرز مظاهر هذا الخلاف الاختلاف على العائد في ضمير (الهاء): أهو لله أم لآدم نفسه في كلام طويل ينظر هناك في كتابه وحدة العقل العربي الإسلامي، ص 244، وما بعدها، وواضح أن الشيخ ناصر في تأويله في المتن يجنح إلى نفي (الصورة) عن الله تعالى نفياً للتجسيم، وهو يقترب مما ذهب إليه ابن طفيل في كتابه (حي بن يقظان)، ينظر ص 64، وينظر كذلك موسوعة الحفني، ص 656، وفيها حديث طويل، والصلة بين التصوف والتشيع، د. كامل الشيبي، 1/ 151، وفي (بحار الأنوار) للمجلسي، 14/ 4، وما بعدها حديث طويل عن. هذا الحديث.
200 (1/200)
صفحة 201
72 - وَنَعْتِ جلالِ مِنْكِ يَعْذُبُ دونَه عذابي ويحلو عنده لي
يقول: وأقسم بنعت جلال: أي بوصف تجلي جلال جلالك، يعذب: أي أستلذ دونه، أي أقلّ ما أستلده أشد عذابي، وتحلو قتلتي: أي إلى قتل مرات كثيرة، ومراده الفنا الحبّي. والتجلي على وجوه (1): تجلي الذات للذات وتجلي الصفات للذات، وتجلّي أنوار ه (1): الصفات في عالم المثال وفي عالم الأشهاد، وتجلّي العقل الوجداني بما تجلّى في الوجود من الصفات تجلّت له من الوجود، أو من صفاته وأفعاله واجب الوجود؛ لأنَّ منهم من شهد الله والوجود معاً، ومنهم من شهد الوجود وشهد به واجب الوجود ومنهم من شهد الله وشهد به الوجود ومنهم من شهد الله ولم يشهد الوجود بل فني في حبّه، وأنَّ الفناء قد أخبرناك به مراراً أنّ المراد به بعد فناء الصفات التي أشرنا إليها وهي الصفات الذميمة النفسانية، المرتبة الآخرة فناء المحبة والإرادة والفكرة في صفات الله تعالى وأفعاله، لا في مشاهدة ذاته، والدليل على صحة (2) ذلك أن المرء قد يمر في طريقه وهو يفكر فى أمر فيغفل أنّ معه أصحاب (3) أبداً، ويغفل عن كلّ ما يمر به في طريقه وإن كُلّم لا يسمع في أول مرة، وهذا مشاهد كثير، فكيف ينكر من يفكر في آلاء الله، وإحسانه، وكرمه، ولطفه، وجلاله، وعظمته ويترك التفكر في الذات، وقد قال النبي: [تفكروا في آلاء الله ولا تتفكروا في الله] (4)، وقال تعالى: نَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللهِ} (5)، وقال تعالى: {وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ (0)، فمن يجد من نفسه في ذكر الله، وذكر آيات الله هذه الصفات وقد ذكرها فلا غرو إن أنكر طريق المحبة وفناء الفكر فيها، فقسم هذا يتجلى كلّ جلال الله تعالى الذي لا يمكن تجلّيه للسالكين إليه، ويعذب معه كل عذاب، ويحلو كلّ قتل، أي فناء، أو القتل نفسه، أي الموت إن اختار الله له الموت، وقد ذكرنا لك أنَّ هذا
(1) ينظر عن [التجلّي] ووجوهه: موسوعة الحفني، ص 678، وما بعدها، وموسوعة العجم، ص 161، وما بعدها، والشيخ ناصر يلخص وجوه ا ره التجلي هنا تلخيصاً جيداً، يشير إلى سعة اطلاعه.
(2) في س: [صفة]، وما أثبتناه من الأصل، وبه يستقيم المعنى.
(3) في الأصل و [س]: [أصحاب]، وهو أصوب.
(4) مرَّ تخريج هذا الحديث.
(5) الزمر، الآية 23.
(6) المائدة، الآية 83.
201 (1/201)
صفحة 202
أكثره غالباً في البناء عن السلوك المحمدي.
قال:
73 - وسر جمال عنكِ كلُّ مليحة به ظهرت للعالمين وتمت (1) يقول: وأقسم بسر جمالك الفعلي الذي تجلّى بفعلك عن كلّ صفة مليحة حسنة ظهرت للعالمين، وتمت بأكمل صفاتها الجمالية فصارت به مليحة.
وأعلم أن الجمال والجلال والكمال (2) يطلق على معان، فالجمال يطلق على لطف الله تعالى وعلمه وحكمته، وكلّ صفة حسنة، والجلال يطلق على [كل] (3) صفة عظيمة، والكمال الكامل في الجمال والجلال، وكلُّ واحد منهما متجل في الوجود بيانه وحضراته، والجمال والجلال والكمال الذاتي لا يتجلّى إلا لله تعالى.
والجمال الآخر تجلي جمال الله في جمال الإيجاد، وهو جمال لا يتناهى حدّه في علمه؛ لأنه خلق الجمال وهو قادر [على] (4) ترقيه بلا نهاية في قدرته، فهو يقسم بجمال الله الذي تجلى في علمه من الجمال الإيجادي الذي في علمه أنه لا يتناهى في قدرته لإيجاده فدلّ على أنَّ حقيقة تمام إيجاد الكمال ليس هو هذا المحدود والمعروف؛ لأنه
متناه، وقدرة الله على تحسينه بأكثر من ذلك لا نهاية لها كذلك نهاية ذلك لا نهاية له.
فإن قلت: إنّه قال: عنك [26 ظ] فنقول: مراده وبسر جمال أخبرت عنك كل صفة مليحة تمَّت في العالمين أن نهاية قدرتك ليس هو هذا الذي تمت به حسنها، فهو يقسم بذلك الجمال الذي يتجلّى في ذلك الذي يخبر أنه وإن تمت صورته فجمال فعلك فيه على ترقيه غير متناه، كذلك كمال المخلوقات وجلالها في الحقيقة لا نهاية له في علمه وقدرته؛ لأنَّه قادر بلا نهاية على أن يجعلها أكمل وأجلّ وأجمل من هذا الذي ظهر في الوجود بجماله، وظهر بكمال قدرته وكمال صفاته، وتمّت في الوجود على الحد الذي
(1) في الديوان: [ملاحة] بدل [مليحة]، وما أثبتناه يتلاءم مع الشرح. (2) ينظر عن [الجمال] و [الجلال] و [الكمال] موسوع وعة الحفني، العجم، ص 250، وما بعدها، و 248، وما بعدها، و 799، وما بعدها. (3) ما بين المعقوفين ساقط في الأصل، وأثبتنا ما في س.
(4) ما بين المعقوفين ساقط في الأصل، وأثبتنا ما في
س.
ص
707، وما بعدها و 706 و 928، وموسوعة
202 (1/202)
صفحة 203
أراده الباري فيها، فافهم، فإنّه عسر الفهم وقد كرّرت عليك، والتكرار يفقه الحمار (1). والمثال في ذلك أن النار لها حدّ في حرقها في الوجود، وقوتها لا نهاية لها، كذلك كل جلال (2) وكل جمال، وكلّ كمال ظهر في الوجود خلقاً حسناً له نهاية في الإيجاد وليس له نهاية في القدرة على ترقّيه من ذلك، وهذا مما يدلّ على أن صفات كل عبد من عباد الله التي أفيضت عليه من فضل الله على صفاته سبحانه وتعالى لا نهاية لها في ترقيها في قدرته، وإن تمت صفتها في الكون فليست هي في الحقيقة نهاية تمامها، وبهذا يستدلّ على أنَّه ليس مخلوق تام جماله وحسنه ذاتاً ولا صفات (3) أبداً؛ لأنَّه لم يُعْطَ إلا بقدر ما أُعطي، وأتم الوجود كمالاً وجمالاً] (4) النبي [محمد]، وهو آخر الحد الإيجادي في الحسن والكمال، لا حدّ القدرة على الترقي من الله، فإنّ التحديد في ذلك كفر، ولأنه إذا لم يتجلَّ (6) له جمال الله في الإيجاد إلا أنه هو النهاية في الحسن لكان ذلك هو الضلال؛ لأنَّ الإيجاد يدل على أنّ الله تعالى لقدرته، وهذا دله على أنَّ هذا هو نهاية الحسن في قدرة الله تعالى، وبهذا يستدلّ على أنَّه اعترف نفسه بالقصور عن الجمال، والكمال المطلق الإبداعي فكيف تجلى جمال الله في ذلك، وتجلى جمال الله لذاته.
قال:
- 74
- وَحُسْن به تُسبى النُّهى دلّني على هَوَى حَسُنَتْ فيه لعزّك ذِلَّتي يقول: وأقسم بحسن به تُسبى النهى: أي تؤسر فتؤخذ النهى، أي العقول، دلّني: أي ذلك الحسن، ومراده بحسن تجلي الحضرات وجمالها، أي دلني على هوى، أي على حبّ حسنت فيه ذلتي لعزّكِ بكسر الكاف، أي لعزتك فإنَّكِ عزيزة، ولعزّك العزّ المطلق، ولذلك صار تذلّلي في حبك حسناً، ولا حسن في غير حسنك؛ لأنَّ كلّ حسن فعلى الحقيقة هو غير حسن إلاّ حسن جمالك.
(1) هذا تعليق مستغرب من المؤلف، يدلّ على ضيق صدر، وبرم بمن يوجه الكلام إليه.
(2) في س: [حال].
(3) في الأصل و [س]: [صفاتاً].
(4) ما بين المعقوفات ساقط في
(5) ما بين المعقوفات ساقط في (6) في الأصل و [س]: [يتجلّي].
س.
س.
203 (1/203)
صفحة 204
فإن قلت: كيف قال أولاً عن الحسن جلت، وهنا قسم به؟
فنقول: هنالك معروف أنه مراده الحسن الإيجادي القابل للترقي حتى إن ترقيه بلا نهاية؛ لأنه في الحقيقة ناقص إذ لم يكن مترقياً إلا بمُرّقٍ له، وأما الحسن المطلق هو الذي
لا نهاية له، وهو كمال جمال، جلال الله] (1)، وجماله، وكماله، ولذلك قال:
75 - وَمَعْنى وراءَ الحُسْن فيكِ شَهدتُه به دق عن إدراك عَيْنِ بَصيرة يقول: وأقسم بمعنى ما وراء الحسن الذي شهدته، أي الذي لا يشهده أحد سواك، أي لا يعرفه أحد سواك، ووراء الحسن هو الجمال المطلق؛ لأنّ كمال جمال صفات الله لا نهاية له، ولا يعرف حقيقة في وصفه في كمال كلّ صفة إلا الله تعالى، وإنَّما هذه صفات الله موصلة إلى حقيقة صفاته وحقيقة كمالها لا يعملها إلا هو.
والمعنى يقول: وأقسم بجمالك وكمالك الذي هو وراء الحسن الإبداعي غير المتناهي (2) في قدرتك علماً تعجز عين بصيرتي عن تجلّيه؛ لأن جمالك وكمالك المطلق الذي لا يتجلى إلا لذاتك تعجز عين بصيرتي عن رؤيته، وإني أقسم بمعنى هذا الحسن. واعلم أن للعقل ثلاث عيون (3): الأولى المدبرة [27 و] وهي مثل الساحر تخيل الأشياء القبيحة حسنة، وقد تعلمت السحر من الشيطان ومن تخييله (4).
والثانية (5): العين الغريزية محلّ النظر إلى العلوم، وتتخيّل لها تارة مثالات الحق، وتارة مثالات خيالية، وهي بمنزلة الملك والسلطان وهي أقواهنَّ أمراً، وكل واحدة منها لا تدعو إلى حبّ الله.
والثالثة: البصيرية وهي الداعية إلى الله تعالى، ولا تغلط أبداً، وهي بمنزلة النبي صلى الله عليه وسلم) والرسول من الله تعالى إلى هذا الملك، وهذه المدبرة
(1) في س: [جلاله]، وسقطت كلمة [الله]. (2) في س: [الغير المتناهي].
(3) ينظر كتاب (الإخلاص) للشيخ ناصر، ص 578، وما بعدها ففيه تفصيل مفيد عن هذه العيون.
(4) في س: [تخيله].
(5) في س: [الثالثة]، وهو سهو من الناسخ.
(6) ما بين المعقوفين ساقط من س. (7) ما بين المعقوفين ساقط من س.
204 (1/204)
صفحة 205
الساحرة، ومن أطاعها فقد أطاع الله، ومن عصاها منهما فقد عصى الله، وفيها تتجلى محبة الله تعالى إذا أطاعها (1) الأمران: الملك والساحر منهما، وتحت ذلك علم جم، وقد شرحناه في كتابنا الإخلاص بنور العلم والخلاص من الظلم (2).
فأشار هذا أنه دق عن عين بصيرته هذه التي لا تغلط في الدعاء إلى الله تعالى؛ لأنها كلّ شيء لا تعرفه أمِرَتْ بالتوقف (3) عنه فهي معصومة من الغلط، ولذلك احترز بذكرها عن الغريزية والمدبرة، فافهم.
(بيان)
وهذا أعزّ ما قسم به، وحاصله معنى واحد أنه لا محبوب له غير هذه الحضرة التي سكر بأول نظرة إليها، والدليل كلّ ذلك ما سيأتي بيانه.
قال:
(4)
76 - لأنت منى قلبي وغاية مطلبي وأنهى مرادي واختياري وخيرتي يقول: لأنَّك أنت. أي الحضرة، مُنَى، أي غاية ما يتمناه قلبي وأنت غاية مطلبي ونهاية مرادي واختياري، أي ما أختاره، وخيرتي: هو غاية الخير لي فإنّي قد اخترت أكمل خيرتي.
قال:
77 - خلعت عذاري واعتذاري لابس الـ خلاعة مسروراً بخلعي وخلعتي 78 - وَخَلْعُ عِذاري فيك فَرْضي وإن أبي اقـ ترابي قومي والخلاعة سنتي يقول: ومع أنكِ [أنتِ] أماني [قلبي، وغاية مطلبي، ونهاية مرادي فليس لي حب
(1) في س: [أطاعاها].
(2) يكرّر الشيخ ناصر الإشارة إلى هذا الكتاب، وأشرنا فيما سبق إلى الموضع المقصود في الكتاب.
(3) في س: [بالتوفيق].
(4) في الديوان: [بغيتي] بدل [مطلبي].
(5) ما بين المعقوفات ساقطة من س. (6) ما بين المعقوفات ساقطة من س.
205 (1/205)
صفحة 206
غيرك، أي الحضرة، فإنّي جئت إليك بشدة حبّي وقد خلعت (1) عذاري، والعذار: الحبل الذي تقاد به المطية، وتزم به عن مرادها، ويجعل مع أنفها وما دار بوجهها إلى حنكها، وخلعه رفعه عنها حتى تسير على هواها، فكذلك أنا رفعت عذاري، وهو حبّ كلّ شيء غيرك من كرامات وحظوظ وإرادات لنفسي التي هي قيد وحجاب عن النظر إليك، مهما خطرت ببالي منعتني النظر وحجبتني عنه فتركتها على سير حبّها فيك، وتركت اعتذاري، أي كل خطرة تخطر (2) لي من ذكر غيرك فتمنعني عن رؤيتك بسبب ذلك فتركت الخطرات المانعة بيني وبينك التي يجب [بها] (3) الاعتذار وجئتك لابساً، أي متخلّقاً، بالخلاعة مسروراً، أي فرحاً بخلعي، أي بزوال الخواطر القلبية عن ذكر سواك، وخلعتي:
أي وبلبسي بهذا التخلّق بين يديك إذ حصل لي تيسر هذا الذي هو غاية منى قلبي. ويمكن أن يكون معنى خلعي رفعي كلَّ حجاب يحجبني عن رؤيتكِ -بكسر الكاف-، وخلعتي: أي ارتفاعها عني؛ لأنه يمكن أن يدوم هو (4) رفعها فلم يساعده الحظ فهو مسرور بإرادته وبتيسير ما أراده.
وخلع عذاري: أي رفع الحجب، والزمامات الحاجبة بيني وبينك، وهي خطرات ذكر سواك وطلب [كل شيء سواك])، وطلب كل شيء غير حبك، وحبّ النظر إليك، هذا فيك هو فرضي، أي مذهبي وديني في مذهب الحبّ في واجب حقك، وإن كان غير فرض منكِ عليّ فإنّي لا أريد أن ألتزم غير هذا فيك، والفرض مراده الالتزام لا اللزوم الشرعي، وإن أبى اقترابي قومي، وإن كره قومي هذا المذهب من أهل العباد والزهاد، وقولهم إنّك ترضين عنهم بدون هذا، وقولهم باللوم [27 ظ] فَلِمَ الانتهاء إلى هذا المقام؟ وما الفائدة فيه؟ فَأبَوَه لشدته عليهم، ولم يتجلَّ (6) لهم بعض ما تجلى لي من جمالك، فيعرفون أنهم لو بلغوا ما بلغوا لكان ذلك في حقك قليلاً، فاستكثروا أمرهم
(1) في س: و [قد جعلت خلعت عذاري]، وهو سهو من الناسخ.
(2) ما بين المعقوفين ساقط من س.
(3) ما بين المعقوفين ساقط من س. (4) في س: [وهو].
(5) ما بين المعقوفين ساقط في الأصل، والزيادة من
(6) في الأصل و [س]: يتجلّى].
206 (1/206)
صفحة 207
وحبّهم فيك، واستخفّوا بمن خلع عن نفسه كل لحظة وخطرة في غيرك، ولوموا كلَّ مَن تحمّل البلاء إلى الوصل إلى هذا المقام معك، وأما أنا فليس لي غير الخلاعة، أي رفع كل خطرة تخطر لي في ذكرك وحبّك ومشاهدته.
قال:
79 - وليسوا بقومي ما استعابوا تهتكي فأبدوا قلي واستحسنوا فيك جفوتي يقول: تقديره والذين استعابوا تهتكي والتهتك في الحب تفتت الكبد بالحبّ فأبدوا لي قلى: أي بغضاً وكراهية، واستحسنوا فيك جفوتي فليسوا هؤلاء بقومي، ومراده هنا ليسوا
بأهل مذهبي.
قال:
80 – وأهلي في دين الهوى، أهله وقد رَضَوا لي عاري واستطابوا فضيحتي يقول: إن هؤلاء المترسمة الظاهرية الذين لم يفارقوا النواميس الظاهرية ما لم يفارقوا ذلك، ويترقوا عن حضيض التقليد، ولم ينطلقوا (1) عماهم فيه من التقييد، ولم يدخلوا في منهاج الحب، ولم يخرجوا من مضيق النفس إلى فضاء القلب العين البصيرية ليسوا بأهل مذهبي، وإنما أهلي [أي] (2) أصحابي أهل الحب فيك الذين هم فنوا حظوظ (3) أنفسهم، وإرادتهم في إرادات الله، وأفنوا فكرهم، وحبَّهم في الله ربهم، أي محبتي سلوك طريقهم.
قال:
81 - فَمَنْ شاء فليغضب سواكِ فلا أذى إذا رضيت عني كرام عشيرتي يقول: فمن شاء فليغضب عليّ بسبب (4) سلوك طريق (5) المحبّة إليك من اللوام والعدال، وليؤذوني بما شاءوا من أجل ذلك فلا أذى إن رضيت عني أهل التوحيد، والمحبة الصادقة بشهادتهم عليّ أنّي قد تعديت درجاتهم إذا كان المراد به السلوك
(1) كذا في الأصل و [س]: ولعل [يطلقوا] أصوب لتلاؤمها مع السياق.
س.
(2) ما بين المعقوفين ساقط في (3) في الأصل و [س]: [حضوض].
(4) في س: [سبب].
(5) في س: [طريقة].
207 (1/207)
صفحة 208
المحمدي، وإلا فقد صرت من جملتهم، وهم أهل الطريقة المستقيمة في
ويحتمل أيضاً أن يكون أراد كرام عشيرته (1) الحضرات المتجلية له، واستعار اسم العشيرة للقرابة، ومراده القربة، ومراده بالقرابة والقرابة اتصافه بصفاتها حتى ترضى عنه الحضرات المتجلية إليه.
قال:
82 - وإنْ فَتَنَ النُّسَاكَ بَعضُ محاسن لديك فكلّ منكِ موضِعُ فتنتي يقول: وإن يكن بعض النسّاك، أي العبّاد، فَتِن، أي كان سبب حبّه فيك تجلي بعض محاسن من صفاتك مثلاً أنه نظر إلى عظم لطفك، أو قهرك، واقتدارك، وبطشك، أو عظم عفوك، وكلّ صفة ترغب نفسه إليها، فأنا أي صفة من صفاتك، أو من صفات تدبيرك، وفعالك من رفع أو خفض لي أو لغيري وعزّ وذلّ، وإجراء مصائب، وبلاء كلّه افتتن به في حبّكَ؛ لأني أرى ذلك كله محاسناً رؤية مشاهدة لتحقيق لا عن تصديق واجب كون ما أحببت كونه أنت بكسر التاء -؛ لأنّ الخطاب للحضرات، وما لا تحبينه أنت فلا أحبّه.
قال:
83 - وما احترتُ حتى اخترتُ حُبِّيك مذهباً فواحيرتي لو لم تكن فيكِ خَيْرتي يقول: وما أنا متحيّر، أي وما أنا تائه متردّد في الأمر، وما إن عرفت الحق حتى اخترته لنفسي فيك مذهباً وهو حبّك، وإنّما قال: حبّيك لإقامة الوزن، وللفرق بين خطاب المذكر والمؤنث، ولو لم تكن خيرتي مذهب حبّك لكان ذلك الأحرى بي أن أقول: واحيرتي، أي لا شك أنّي تائه، متردّد غير مستقيم على شيء، والتائه والمتحيّر هو الذي لم يعرف الطريق ولا السلوك إلى أي جهة.
(بيان في ردّ جواب [الحضرة] (2) المتجلّية المخاطبة بهذا الخطاب بلسان حالها إلى
(1) لعل ابن الفارض كان ينظر إلى قول الشاعر:
إذا رضيت عني كرام عشيرتي
فما زال غضباناً عليَّ لثامها
أما التأويل الذي يسوقه الشيخ ناصر فهو داخل ضمن كلام القوم البعيد.
(2) ما بين المعقوفين ساقط من س.
208 (1/208)
صفحة 209
المحب المخاطب)
قال: [28 و]
84 - فقالت: هوى غيري قصدت ودونه اقـ تَصَدْتَ عَمِيّاً عن سواء محجّتي يقول: لما قصصت لها أحوالي في الحبّ، وقسمت لها به في صدق محبّتي لها وأخبرتها ما أصابني قالت: انتبه فإنك لو نظرتَ نفسك وأحوالك، وعرفت طرق المحبة وصحتها لنظرت أنك قد صاحبتَ غيري، وكلّ ذلك إنَّما هو لغيري لا لي أنا، وهو نفسك، وإن فنيتها فإنما هو للذة وقعتْ لك في نفسك، وكلّما انتهيت إليه رُمْتَ به نيل نهاية ما اشتهته نفسك، وهذا هو الطور الأول الحبّي، فافهم.
قال:
85 - وَغَرّك حتى قلت ما قُلتَ لابساً به شَيْنَ مَيْنِ، لبسُ نَفْسِ تحنّتِ
يقول: وقالت لي: وغرّك بعد معرفة ماهية حقيقة المحبة لنا عنك حتى قلت ما قلته من معاني هذه الأبيات، وهو شين في حقنا وَمَيْنٌ، أي غير صحيح في صحيح محبتنا لبست عليك نفسك التي تمنّت، ولو انكشف لك الحق في صدق محبتك لنا لعرفت نفسك أنك جئتنا لابساً
شَيْنَ مَيْن (1). قال:
6 8 – وفي أنفس الأوطار أَمْسَيتَ طامعاً بنَفْس تَعدِّتْ طَوْرَها فتعدّتِ يقول: وقالت: وأمسيت طامعاً في أَنْفَس، أي أوسع، الأوطار: الحوائج المهمة، بنفس تعدت طورها: أي جاوزت مرتبتها في مطلبها فتعدّت، أي جاوزت الحد، أي جئتَ تطلب مرتبة عظيمة بنفس هي بعيدة التناول منها فتعدّت بهذا الطلب.
قال:
7 8 – فكيف بحبّي وهو أحسن خُلَّة تفوز بدعوى، وهو أقبحُ خَلَّةِ (2)
(1) يريد بـ[شين مين] سوء الكذب.
(2) في الديوان [وكيف] بدل [فكيف] و [هي] بدل [هو].
209 (1/209)
صفحة 210
يقول: وقالت: فكيف تطمع بحبّي، وهو أحسن خُلَّة - بضم الخاء، أي وهو أعظم محبّة، وبالفتح الخصلة، أي وهو أحسن خصلة فكيف تفوز بحبّي لك بدعوى حبّك لي،
والدعوى أقبح خلّة، أي صاحب، أو أقبح خصلة، أو أقبح خلل في الحبّ.
قال:
8 8 – وأين الشها من أَكْمَهِ عَنْ مرادِه سَهَا عَمَها، لكن أمانيكَ غَرّتِ يقول وقالت: وأين السها وهو نجم من بنات النعش، عن أكمه: وهو المولود أعمى، عن مراده أي عن النظر إليه سها: أي غفلت عمهاً: أي بقيت متحيراً تائهاً، ولكن غرتك أماني نفسك فلم تنظر إلى حقارة منزلتك، وإلى عظم درجتي التي جلت عن أن توصف بالحسن المعروف مع الناس، بل لها الحسن المطلق الذي لا يعرفه إلا هو جلّ وعلا.
قال:
89 - فَقُمْتَ مَقاماً حُطَّ قَدرُكَ دونَه على قدَمِ عن حَظًّهَا مَا تَخطَّتِ يقول: وقالت: إنّك قد قمت مقاماً حُطّ قدرك عن بلوغ هذه الدرجة التي طلبتها، وقد ثبتت قدمك على طلب حظ نفسك ومحبتها فلم تسلك طريق محبتك لنا إلينا قدماً واحداً
أبداً.
وهذا مقام منزه عن مشاركة أحد من الخليقة فيه، فلا يصلح إلا لمن فارق كل شيء سواه، فلا يشاركه حتى يلحظه خاطر من نفسه لنفسه، ولا لغيره، فأين أنت عنه؟ وأين الواصل إليه بهذه الشروط؟
ما
قال:
0 9 - وَرُمْتَ مراماً دونه كم تَطَاوَلَتْ بأعناقها قَومٌ إليه فَجُنَّتِ يقول: وقالت: ورمت أي طلبت مطلباً، دونه أي دون هذا المطلب لأنك أنت [تطلب] (1) الحضرات المطلقة، وغيرك (2) طلب الحضرات المقيّدة، وتطاول بعنقه إلى نيل حضرة منها، فجذَّت أي فقطعت، وهذا حال من طلب بالتمني، أو طلب من غير
(1) ما بين المعقوفين ساقط في
(2) في س: [وغير).
210 (1/210)
صفحة 211
أبواب الدخول، وذلك حال من طلب السلوك إلى الله بطريقة المحبة في تصوّفه، ولم يَدْرِ
الأبواب فلم يقدر على الولوج.
قال:
1 9 - أَتيت بيوتاً لم تنل من ظهورها وأبوابها عن قَرْع مِثلِكَ سُدَّتِ يقول: وقلنا له: أي قالت الحضرات للذي طلب حبَّنا وتجلّينا عليه، وتطاول بعنقه إلى الوصول لحصن منيع عزيز النيل: [28] أتيتَ بيوتاً ضَرَب مثلاً للحضرات الإلهية، لم تنل من ظهورها أي من أطراف أسوارها وجدارها من أعلى ومن أبوابها قد سُدَّت عن مثلك، وهو خطاب للذي لم يبلغ درجات المشاهدة بالتجلّي، وهم الذين جُدت أعناقهم عن الوصول إليها.
قال:
92 - وبين يَدَيْ نَجْواك قَدَّمتَ زُخرُفاً ترومُ به عِزّاً مراميه عَزّتِ يقول: وقيل له أيضاً للذي جُذَّتْ عنقه: وقدَّمتَ بين يدي نجواك زخرفاً، تروم: أي تطلب به عزّاً لمحبتنا عزّت أن تنال بما قدَّمته وظننته مَنْحاً منك لنا، وإخلاصاً في محبتنا، وهذا البيت والذي قبله ليس هما خطاب لهذا الفاني بحبّه؛ لأنه إذا كانت الإشارة إلى السلوك المحمدي فلا يليق هذا الجواب بمقامه، ولكن هذا في خطاب الفاني بحبه.
قال:
93 - وَجِئْتَ بوجه أبيض غَيْرَ مُسْقِط لجاهك في دَارَيْكَ خَاطِبَ صَفْوتي يقول: قالت: رُمْتَ مراماً عزيزاً عظيماً بدعوى من محبتك لي، وإنَّك قد أبلاك الحب فأضناك وجئتنا بوجه أبيض.
ومن علامات أهل البلاء والنَّصب تسود وجوههم من قوة أثره فيهم، وأنت غير كئيب ولا حزين، بل جئت بوجه فرح غير مسقط لجاهك، أي تطلب لنفسك الحظ بهذا الحبّ والراحة واللذة في داريك دار الدنيا ودار الآخرة، وهذا معنى قولهم: إنّ بعض الناس
211 (1/211)
صفحة 212
ا،
يعبدون الله تعالى خوفاً من النار طمعاً في الجنة (1)، وهي المرتبة الأو المرتبة الأولى، وهي مرتبة عامة المؤمنين، وبعضهم ليعطي الربوبية حقها من عبوديته له لا لخوف من نار ولا لطلب جَنَّة، بل لا يحبّ إلا رضاه، وهي المرتبة الثانية، وهي مرتبة العلماء أهل الشريعة الذين هم كذلك صفاتهم، أو العباد القاصدون كذلك.
وكأن جميع ما مضى من النظم إشارة إلى المرتبة الأولى، ومن بعد جواب الحضرة إشارة إلى المرتبة الثانية، والمرتبة الثالثة كذلك مثل الثانية لكن باستغراق الفكرة في حبّ الله حتى تفنى إرادتهم ومحبتهم وفكرتهم في حبّ الله وإرادته، وهم أهل التصوّف (2)
فافهم. قال:
94 - ولو كُنْتَ بِي فِي نُقْطَةِ الباءِ خَفْضَةً
95 - بحيثُ نَرى أن لا تَرَى مَا عَدَدْته
تنله رفعت إلى ما لم
بحيلتي
وأن الذي عدّدته غير عدّتي
(3)
(4)
يقول: ولو كنت بي: أي لو عرفت أن جميع ما بك من حبّ ولذة به، وما ذكرته من تصبّرك على بلائه، وتيشر الفناء لك الذي أردته، وانبعاث إرادتك إلى طلب ذلك رأيته أنّ ذلك كله كان فيك ومنك بي، أي مني، وبإعانتي لك، وهو معنى قوله: ولو كنت بي من نقطة الباء خفضةً، أي مستعيناً بي، ورأيت كل شيء بي، وقد ذكرنا بيان معاني ذلك صدر الكتاب.
وفيه إشارة إلى الاستعانة للمكاشفات بالاسم الخماسي المخصوص للمكاشفة بخاصية فيه كذلك، وفيه إشارة إلى باء بسم الله الرحمن الرحيم] وإلى أنه باء استعانة، استعانو به باسمه القاصدون إليه، فاستعانوا بالله، وبالاسم الأعظم لوصول أعظم منزلة عظمت في قلوبهم، فعلموا أنَّها لا تنال بالاستعانة بالاسم الأعظم عليها، فلو عرفت أنّ ذلك كله بي، ومني، واستعنت باسم الله على ذلك لعرفت الحقيقة، ورفعت إلى المقام
(1) وهذا هو الذي حاولت رابعة العدوية تجنّبه بغية الوصول إلى مرامها، ويتجلّى هذا في قولها: «ما عبدت الله خوفاً الله فأكون له كالأمة السوء، إن خافت عملت، ولا حباً للجنة فأكون كأمة السوء إن أعطيت عملت، ولكنّي
من
عبدته حباً له وشوقاً إليه»، ينظر موسو عة الحفني،، ص 232.
(2) هذا هو منتهي
مقصد الشيخ ناصر الله للوصول إلى هذه الدرجة الرفيعة، وهي درجة قليل واصلها.
(3) في الديوان: [بحيلة] بدل [بحيلتي]. (4) في الديوان: [أعددته] بدل [عدّدته].
212 (1/212)
صفحة 213
الذي طلبته، وأما أنت فنظرت كلّ ذلك أنَّه كان منك لنا، وأنه إخلاص في محبتنا، وحسب بعدده إلينا تذكرنا به كالمستكثر ما أهداه، وصحيح الحبّ أن لا يرى نفسه، ولا ما أصابه شيئاً، وأن يرى حبّه وبلاءه وشدَّته [29 و] ولو فني بعدد ذرّات الوجود فناء الحياة، ويحيى لكان ذلك قليلاً في واجب حقنا، بل كان ليس بشيء أصلاً أبداً.
قال:
96 - وَنَهْجُ سبيلي واضح لمن اهتدى ولكنّها الأهواء عمَّتْ فأعمت يقول وقالت أي الحضرات الإلهية لهذا المحبّ الفاني حبّه فيها بقوله: ونهج، أي وسلوك طريقي واضح لمن اهتدى أنَّ صحيح المحبَّة من المحبّ لمحبوبه هو أن لا يطلب له، لنفسه حظاً أبداً، ولكن ما الأهواء، أي محبّات النفس لحظوظها عمت عامة الخلق فأعمت فأسترت طرق الحق عليهم.
قال:
97
و - وقد آن أن أُبدي هواك ومن به ضَنَاك بما ينفي ادعاك محبَّتي يقول: وقالت وقد آن أي (1) حضر وقت إبداء، أي إظهار هواك، ومزيد ضناك، أي تعب حبّك بما ينفي ادعاك محبتي، وأنَّك في الحقيقة محب لغيري.
وقال:
- حَليفُ غَرام أنتَ، لكن بِنَفْسِه وإبقاك وَصْفَاً مِنكَ بعض أدلتى يقول: قال: نعم أنت حليف غرام أي شدّة حب لكن بنفسه، أي لكن أنت محبّ لنفسك؛ لأنَّك طلبت الحبّ للذة تريدها لنفسك، وأبقاك، ومن بعض أدلّتي أنك محبّ لنفسك؛ لأنك تذكر ما أصابك من البلاء والعناء والفناء، وتنظر لنفسك أفعالاً ومنناً
استكثرتها، ولم تنظرها إلا منك.
**
(1) في س: [وقد].
213 (1/213)
صفحة 214
[صفحة فارغة] (1/214)
صفحة 215
الباب الخامس
في إخلاص المحبّة للمحبوب، وتجريد النفس عن الأغيار وعن النفس براية المحبة الإلهية والمكاشفة للحضرات الإلهية الجميعة بالطور الثاني الحبّي، وبيان تجلّي [بالحاء المهملة] (1) الذات الإنسانية بصفات الله تعالى بلسان المقام الأحمدي:
قال:
99 - ولم تَهْوَني ما لم تكن في فانياً ولم تَفنَ ما لم تُجتلى فيك صورتي (2) يقول: وقالت الحضرة الإلهية بلسان حالها لم تهوني وأراد معناه الذي هو الحبّ، أي لم تحبّني ما لم تكن في فانياً لا فيك وأما أنت الآن في مرتبة المحبّ لنفسه؛ لأنَّ كلّ [ما] (3) لَحِقَك من تعب الحبّ، وتحمّلت شدائده فإنَّما هو حبّ لنفسك؛ لأنه لأجل بلوغ ما أحبته نفسك.
قوله:
وأما محبتك لي هو أن يكون حبك لا لأجلك، ولا لأجل شيء غيري، فانياً عن كلّ شيء [هو] (4) غيري، ولم تَفْنَ ما لم تجتل أي تظهر فيك صورتي، أي صفاتي، وذلك معنى: إن [الله] (5) خلق آدم على صورته، ظنَّ كثير من الناس أنه خلقه على صورته، أي على صورة آدم [التي هي صورته، أي آدم])، ولو كان المعنى كذلك لكان هذا من تحصيل الحاصل (7).
(1) ما بين المعقوفين موجود في الأصل، وليست زيادة من المحقق، وكذا كلّ ما سيأتي إلا ما نبه عليه.
(2) في الديوان: [مالا] بدل [ما لم].
(3) ما بين المعقوفين زيادة من عندنا يستقيم بها الكلام.
(4) ما بين المعقوفين ساقط في س.
(5) ما بين المعقوفين ساقط من س.
(6) ما بين المعقوفين ساقط في الأصل، والزيادة من س
(7) مرّ تخريج الحديث.
215 (1/215)
صفحة 216
إلا
بيان
،
إذ كلُّ شيء خلقه الله على صورته ليس آدم ولا ذريته مخصوصون بهذه الخاصية، وإنَّما المعنى هو ما أشار إليه الناظم؛ لأنَّ العلم بالله تعالى والعلم بذات المرء التي هي روحه ونفسه وعقله يخاطب المرء المكاشف أنّ لله ذاتاً لا تُرى، [ولا] يعرف ذاته هو، وإن لك ذاتاً، روحانية، ولكن لا تُرى ولا يعرفها إلاّ الله تعالى، وذات الله من أسماء الله تعالى (2) التي هي أسماء ذاته سميع بصير قدير لم يزل متكلّماً، وأنت من أسماء ذاتك: سميع، بصير، قدير، متكلّم، والله يريد، وأنت تريد، والله يفعل ما يشاء، وأنت لك اختيار في القدرة، لا في التفويض تفعل ما تشاء في بعض الأمور، وسمّى الله تعالى لمظاهر فعله كما في مظاهر فعل ذات المرء تعظيماً لشأن المرء فقال في السمع: وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرُ (3)، وقال تعالى: تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا) (4)، وقال: {سَلَمُ قَوْلًا مِّن رَّبِّ رَحِيمِ} (5)، وقال: يَدُ اللهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ)، ومظاهر أفعال ذات الإنسان [29 ظ] الأذن للسمع، والعين للبصر، واللسان للقول، واليد للقدرة، ومعلوم أنَّ الله تعالى لا يوصف بالعين، ولا بسمع الأذن، ولا النطق باللسان، ولا اليد التي هي الكفّ، وكذلك ذات المرء ذاتها قادرة، وسميعة، وبصيرة، ومتكلّمة، وإنّما هذه مظاهرها في هذا الهيكل الإنساني، وكذلك كلّ شيء من جميع الوجود هو هيكل كلّي لمظاهر فعل ذات الله فيها وبها، فكلها سمع له، وكلّها كلام له، وكلّها بصر له، وكلّها ظهور قدرة له، فكلّ شيء الله، ولا يسبح إلا بكلام، وبسمع وبصر، وقدرة، وإن كانت بلسان الحال، وسمع
يسبّح
الحال، وبصر الحال، والقدرة على ذلك بدلالة الحالة فإنّها تسمّى خطاب الله، وترى
(1) ما بين المعقوفين ساقط. من س.
(2) ذات الله سبحانه عند القوم غيب الأحدية، لا تُدرى بمفهوم عبارة، ولا تفهم بمعلوم إشارة، وليس لذاته في الوجود مناسب ولا مطابق ولا منافٍ ولا مضاد، ينظر موسوعة الحفني، ص 753، وفرّقوا بينها وبين [ذات إلهية] وهي من مراتب الوجود المعبّر عنها ببعض وجوهها بالغيب المطلق، وبغيب الغيب لصرافة الذات المقدسة عن سائر النسب والتجليات، ينظر موسوعة العجم، ص 358. ونرى الشيخ يتريث، ويدقق في كلامه كلّما حديثاً متعلقاً بالحق سبحانه توقياً منه وورعاً.
استقبل
(3) المجادلة، الآية 1.
(4) القمر، الآية 14.
(5) يس، الآية 58. (6) الفتح، الآية 10.
216 (1/216)
صفحة 217
أمره، [و تذعن لأمره لقوله تعالى: {لَوْ أَنزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ] (1) خَشْيَةِ اللَّهِ (2)، وكذلك أنت لك هيكل هو مذعن لأمر ذاتك يسمع خطابها فيتحرك بإذنها وأمرها، ويسكن بأمرها من غير أن يأمره بحرف ولا بصوت، فإذا تجلّت صفات الله كلّها فيك فالله عادل في ملكه، فكن عادلاً في ملكك الذي هو هيكلك، والله كامل في كلّ أمر ونهي وتدبير، [فكن كاملاً في كلّ أمر ونهي وتدبير، ولا كمال إلاّ أمره ونهيه وتدبيره فاتبع أمره ونهيه وتدبيره] (3) والله منزّه عن كلّ ما لا يليق بصفاته لذاته، ولأفعاله، فكن أنت منزّهاً عن كلّ ما لا يليق بذاتك من صفاتك وأفعالك. ولله الصفات العليا فاصقل مرآة ذاتك حتى تتجلّى فيها علم صفات الله تعالى فكن حليماً، حكيماً، سميعاً بصيراً، علياً قوياً، عليماً، شكوراً، إلى غير ذلك مما يمكن أن تتخلّق بمعناه من معاني أسمائه والله يرى كلّ شيء في الوجود هو تسبيح الله، ويسمع تسبيح كل شيء، فاخرق حجب الأشهاد حتى تنظر كلّ شيء يسبّح الله، ويحمده، ويشكره، وكلّ جزء من أجزائك، وكلّ قوّة من قواك فيتحد [علمك] (4) بالوجود، وعلمه بما علمت أنت علماً واحد، ويتحد حينئذ كمالك بكماله في علم ذلك على التخلّق بالكمال في كلّ شيء؛ لأنَّ أصل كمالك أن تكمل ببعض (5) كماله، ولا يصح إلا الاتحاد بأن يكون كمالك في العلم به هو كماله في العلم، ويكون كمالك من كماله؛ لأنه لا يصح أن يختلف علمك به، وعلمه بنفسه في ذلك العلم الذي علمته وأما أنّه هو أعلم بما لم تعلمه فهذا لا يخالف كمالك كماله؛ لأنَّ ذلك لم تعلمه، وإنّما يخالف كماله كمالك، وكمالك كماله في العلم به، وفي مشاهدة الوجود إذا كان علمك به بخلاف علمه بنفسه، وهذا باطل لا يصح، فإذا رأت نفسك الوجود، ونفسك كلها تسبيح، بعين المشاهدة، واخترقت الشهود بالنظر فيها، أوليس فيها إلى صفات المشهود في كلّ ذرّة، في كل لحظة صار نظرك، ونظر الله إلى ذلك، في ذلك، واحد، وقد اتصفت ذاتك بصفاته إذا كانت ذاتك في غاية
(1) ما بين المعقوفين ساقط من س. (2) الحشر، الآية 21. (3) ما بين المعقوفين ساقط من س.
(4) في الأصل و [س]: [عملك]، وجاء في هامش س: لعلّه عملك، وأثبتنا [علمك] لتلاؤمها مع السياق. (5) في س: [بعض]، وهو ما لا يجوز، إذ يفهم منها أنَّ كمال السالك يكمل كمال الخالق وهذا ما يفهم منه نقص كماله تعالى الله. عن ذلك علوّاً كبيراً، وجاءت نسخة الأصل لتضع الأمور في نصابها.
217 (1/217)
صفحة 218
الجمال، والكمال في كلّ شيء، وحينئذ تجلّت صفات الله في ذاتك، وكنت مرآة لتجلّي صفاته، ورأيت نفسك وجميع الموجودات مرآة لتجلي الله، فقد صار علمك في جميع الوجود، وصار الوجود تحت دائرة ملكك، وكنت المتصرّف به بالعلم، وكله ملك لك إذ لم يُخلق إلا لأجلك لتراه كذلك، وقد أُحطت علماً بجميع الوجود، وإذا كنت تراه في كل لحظة كذلك صار جميع الوجود هيكلاً لك كلّه لمجالي تصرّف ذاتك؛ لأنَّ الله تعالى غير محتاج إلى توسّع هذا الوجود، وإنّما هو موسّع لمجالي ضياء شمس ذاتك إذا أضاءت بكمال الله وجماله وجلاله وتخلّقت بصفاته، ولا تضيء إلا بأنوار [30 و] العلم بالله، وبأنوار محبّة الله يتجلى من عين (1) روح المرء المقابلة لعالم الغيب فيحترق بها عيني النفس عالم الشهادة والملكوت والجبروت (2) حتى يلتقي نظرها هي والروح إلى عالم الغيب. فانظر إلى عظمة نور علمه بذات المرء، وإلى كرامة الله للإنسان، وإذا تجلّت عليها صفات الله تعالى والعلم بالله والتكمّل بكماله صارت باقية خالدة لا يفنيها الموت، وإن ماتت وصار كمالها بلا نهاية؛ لأنّها ترى الله تعالى أنّ كماله (3) بلا نهاية؛ ولأن علم الله تعالى [الذي] (4) هو صفاته غير مخلوق، واتصفت النفس والروح بكمال الله الذي هو غير مخلوق؛ فلأجل ذلك استحق أن يكون مخلّداً في النعيم الخالد أبداً؛ لأنَّ ذلك الكمال الإلهى هو يبقى فيه أبداً، فلو نظر الإنسان إلى عجائبه لكان هو الآية الكبرى في الوجود، وأنَّ جميع الوجود يمكن أن يكون ملكاً له، ويكون هو في الأرض، والسموات، والعرش، واللوح، والملكوت والجبروت بالعلم، كما أنَّ الله تعالى في السموات، والأرض، أي علمه، ويكون علم الله في ذلك هو العلم به هو علم عبده هذا المكاشف الذي كاشفه، ويكون الله في السموات والأرض، وعبده في السموات والأرض، والله مَلِكُ السموات والأرض وعبده (هذا] (5) ملك السموات والأرض من
(1) في س: [غير].
(2) عالم الشهادة مرقاة إلى عالم الملكوت، ويعبّر عنه بالدين، وبمنازل الهدى، أما عالم الملكوت فللعبد فيه اختيار ما دام في هذا العالم، فإذا دخل عالم الجبروت صار مجبوراً على أن يختار الحق، وأن يريد ما يريد، ولا يمكنه مخالفته أصلاً. ينظر عنها موسوعة الحفني، ص 703، وموسوعة العجم، ص 601، وما بعدها.
(3) في س: [كمال].
(4) ما بين المعقوفين ساقط من س.
(5) ما بين المعقوفين ساقط من س.
218 (1/218)
صفحة 219
غير تشبيه في شيء، ولكن هذا هو عين التوحيد، لا عين التشبيه لتعلم أن الله غني عن السموات والأرض، وإنما كوّن (1) الأكوان لأجلك، لأجل العلم به، ولا يصح أن يختلف
علمك به الذي تجلّى به في السموات والأرض، وكشفه لك عن عمله بذاته وبصفاته. وليس المقصود من كلامنا هذا أنَّك تكون عالماً بجميع علمه بالسموات والأرض، ولا
علمه بكل ما أودعه في ذلك من العلم، بل المقصود العلم بالله تعالى لا غير (2). والعلم الذي علمته أنت لا العلم الذي خفي عليك، فالعلم الذي علمته أنتَ من العلم به هو الذي لا يختلف، والكمال الإلهي هو كمال صفاته، وأفعاله، وكماله أنت هو العلم به بكماله وبصفاته، فصار كمالك كماله ونور علمك به الذي نقب العوالم كلّها هو من نور علمه به، فإذا صرت هكذا كاملاً في كلّ شيء فقد تجلّت صورته في صورتك، أي صفاته في ذاتك، وهو الذي أراده الناظم. وقد كررنا عليك القول في هذا المعنى خوفاً من أن لا يتضح لك فتسيء إما به، وإما بنا ظنّاً، فافهم ذلك (3).
قال:
- فَدَعْ عَنكَ دعوى الحب وادْعُ لغيره فؤادك وادفع عنكَ غَيَّكَ باللتي يقول: وقالت: فإذا كنت على هذه الصفة، وأنت تدعي أنّك محب لنا فَدَعْ عنك هذه الدعوى، واصدق القول هو خير لك، وأما انظره بالكشف إنّه صحيح.
لغيره: أي لغير الذي ادعيته أنه إليه فؤادك، وادفع عنك غيّك: أي زيغك عن طريق الحبّ، بالتي هي أحسن حتى تظفر بمنهاجه وتأتينا منه، وهو أن لا تُرد به لنفسك في شيء من الأحوال أصلاً، وأن لا تُري نفسك أصلاً فضلاً أن ترى شدّة حبّها وبلائها، وهو الطور الثاني من الحب.
وهذا آخر بيان الطور الحبّي الذي هو من أوله إلى آخره في الحقيقة يطلبه المحبّ
(1) في س: [يكوّن].
(2) يلاحظ هذا التوقي، والاحتراز لئلا تخدش الوحدانية الصافية، وهو ما أشرنا إليه سابقاً.
(3) هذه إشارة ضرورية من الشيخ ناصر لئلا يقع القارئ في الوهم، ويظن الظنون، فالكلام يحتمل وجوهاً يحرص
الشيخ على توضيحها جميعاً خشية التوجه إلى وجه واحد.
219 (1/219)
صفحة 220
لأجل حبّه لنفسه، وللذة يريدها منه، وبه، فافهم ذلك (1). بيان في الطور الثاني الحبّي وبيان مراتبه ودرجاته:
اعلم أنَّ في هذا الطُّور تحيل المحبّة المحبّ (2) إلى وجه المحبوب من الحضرات الإلهية من أوّل طوره إلى ثانيه ووسطه بسبب فنائية الأحكام الامتيازية عنه، فإذا أفاق من سكره الأول الذي هو آخر الطور الأول، وانكشف له صحة ما نادته به الحالة الدالة عليه [30] على صدق المحبّة كما قد عرفته بعض الحضرات الإلهية التي تجلت له، وسكر بها، أصبح معادياً نفسه وجميع حظوظها ولذاتها المتعلقة بغير المحبوب، فيراها حُجُباً مانعة عن كمال الصفاء المؤدّي إلى وصال المحبوب، فيقول: سبحانك قد وجب عليّ أن أنزّهك عن مشاركة غيرك في حبّك، ما أكبر ضلالي فيما كنت أراه أنه حبّ لك، فقد تُبْتُ إليك عن طلب لذة نفسي، وعن طلب شيء لأجل نفسي، وهذا الطور أيضاً له ثلاث] (3) مراتب حكم له مبدأ، له حكم ظهور علوم، وحكم، وإلهامات، وفراسات،
وأسرار عرفانية.
بيان
وحكم وسطه مكاشفات ومشاهدات إلهية ربانية، ومعاينات حقانية.
بيان
وحكم آخره فناء في فناء عن كل قيد، وما يقابله من الإطلاق وغيره، أي فلا يدري [أنَّه] (4) في حكم الإطلاق، ومحو في تجلّي وجوب وجود الذات، أما تجلّي الذات فمحال ولكن تجلّي وجوب وجود الذات، ثم يترقى الحبّ [بالمحبّ] (5) من كثرة نسبتي المحبة والمحبوبية والظاهرية والباطنية إلى وحدة المحبّ الموجود إياهما، وحكم
(1) في س عبارة تأتي بعد [ذلك] هي: [المحبّ إلى وجه المحبوب]، ولعلّها مقحمة إذ ينتهي هنا الطور الأول ليبدأ
الثاني كما في الأصل.
(2) في س: [إلى المحبّ].
(3) في س: [ثلاثة]، وفي الأصل: [3] هكذا.
(4) ما بين المعقوفين ساقط في
(5) في س: [بالمحبوب].
220 (1/220)
صفحة 221
الحضرة الجمعية الذاتية أي تجلّي وجوب وجود الذات فتشغله عين الحبّ عن كلّ صفة، أو أثر إلهي، أو كوني تنباء عن تنبيه قوله: [أسألك حبّك، واجعل حبّك أحبّ الأشياء إليّ)، يشير إلى عين هذا المقام، والطور في الحبّ الوصفي، وقال مجنون (2): [شغلني حبك عنك].
وقال بعض قومنا: إنَّ الفناء له ثلاثة وجوه الأول: الوصفي، والثاني: الأثري، والثالث: العيني (3).
وطريق التحقق (4) بالفناء الأول الوصفي هو التحقق بالمراتب، والمقامات، والأحوال الإسلامية، والإيمانية كالتوبة يمحو بها كل ذنب حتى يفنى ولا يبقى [منه] (5) له بقية ثم المحاسبة، والمراقبة، والمجاهدة، والورع، والإخلاص والصدق، والزهد، وتحقق دقائقها، وحقائقها، وخفاياها.
والوجه الثاني الفناء الأثري، وهو فناء الصفات الأصلية عن المحبّ بباطن التحقق (6)
بمقام الثقة، والتوكل، والتسليم والتفويض والرضا، ومحققاتها، ومتمماتها. وأما [الفناء] (7) الثالث العيني هو استهلاك المحبة، والإرادة، والمشيئة، واتخاذهما بمشيئة الله ومحبته، وإرادته فلا ينظر لنفسه حبّ شيء، ولا بغض شيء أبداً إلا ما أحبّه، ولا حُبَّ له إلا هو، وما أراده، وشاءه، وأحبّه، وفناء مشاهدته في الحضرات الرحمانية، والإلهية فلا يريد إلا وجهه، ولا يرى إلا وجهه، أي وجوب وجود ذاته، فيكون كما حكي عن النبي (8): «فإذا أحببته كنت سمعه وبصره، وعقله، فبي يبصر، وبي ينظر، وبي يسمع، وبي يعقل، وبي يبطش».
(1) ينظر عوارف المعارف، شهاب الدين السهرودي، ص 239.
(2) المجنون هنا الذاهل عما حوله بسبب التدله بالحب الإلهي، والانشغال بطلب المقامات.
(3) توقفنا عند الفناء فيما سبق، ويفصّل الشيخ ناصر هنا الحديث عنه، وعن وجوهه بحيث يصل بها إلى سبعة.
(4) في س: [التحقيق].
(5) ما بين المعقوفين ساقط في الأصل، والزيادة من س.
(6) في س: [التحقيق].
(7) ما بين المعقوفين ساقط من س.
(8) مرّ تخريج الحديث.
221 (1/221)
صفحة 222
[بيان] (1):
وأقول إنَّ الفناء على سبعة وجوه، وإليها إشارات رموز الناظم بالفناء، والنحول، والتلاشي كما ذكرناه، وقد ذكرناه أولاً، وإليك تفصيل الفناء أيضاً فنقول:
الأول: فناء اتباع النفس هواها بالتوبة والتخلّص من كلّ ما فعلته محرماً (2)، أو تركت واجباً محواً كلياً حتى يتخلّص من كلّ ما عصى الله فيه، وفيه فناء الخروج من المكروهات.
والثاني: فناء صفات النفس الذميمة.
والثالث: فناء النفس في القيام بجميع الواجبات، ويلحقها المندوبات، والإخلاص في ذلك، وفناء كلّ ما يليق بها في العمل، وواجب تركه منها، أو مكروه، واستتمام كلّ شيء من ذلك بتمام الإسلام، والإيمان والإحسان، والورع، والزهد.
والرابع: فناؤه في استتمام الرّضا، والتوكل، [31 و] والتفويض، والرضا، وما أشبه ذلك.
والخامس: فناؤه في الرّضا، والتسليم، وما أشبه ذلك.
والسادس: فناؤه في المحبة والفكرة، والمحبّة، والإرادة، والمشيئة. السابع: فناؤه في مشاهدته لحضرات الله تعالى وفناء كلّ حضرة (3) تخطر بباله سوى الله تعالى، وما يحبّه له أن يخطر بباله.
ولعل هذا المقام لا يصله دائماً إلا الملائكة، والأنبياء، وأعظم الخلائق حضوراً مع الله تعالى، وأشدّهم مشاهدة لربه النبي، وأما على غير الدوام فإنَّ الأولياء تجلّي حضرات مع ربهم، ولعلّ أهل العلم بالشريعة، والحقيقة، والتصوف يجعلون أوقاتاً لله تعالى يناجون ربهم فيكاشفهم الله تعالى بما شاءه من حضراته، و [وأما النبي صلى الله عليه وسلم فقد أخبر عن نفسه فقال:
(1) ما بين المعقوفين ساقط في س. (2) في س: [محرمات، أو ترك واجب ... إلخ). (3) في الأصل و [س]: [حظرة].
(4) في س: [وبعد]، ولا معنى لها.
222 (1/222)
صفحة 223
تنام عيناي ولا ينام قلبي]، وقال: [وإني ليغان على قلبي حتى لا ينام، وإن نامت عيناي] (2)، وقال النبي: [ما فضلكم أبو بكر بكثرة صوم ولا صلاة، ولكن بما وقر في قلبه] (3)، وقال النبي صلى الله عليه وسلم حاكياً عن الله تعالى إنَّه قال في كلّ سالك لله إلى هذا المقام الأعظم الحبّي الفنائي: [إنه لا يزال عبدي يتقرب إليّ حتى أحبّه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، وعقله الذي يعقل به ويده التي يبطش بها]، ومعي (4) أنّ مراده سبحانه وتعالى أنَّه يكون ذلك كله بمحبة الله، أي على ما يحبّه منه؛ لأنَّ حركات العبد إما أن يكون بمحبّة نفسه، أو بمحبة الله تعالى، وكذلك (5) سكناته، فإذا كان على غير ما يحبّه الله فليس ذلك بمحبة الله، وإن كان على ما يحبّه منه في كلّ حركة، وسكنة منه فهو بمحبّة الله تعالى، وإذا ثبت أنه بمحبته لله صار به يسمع، أي لا يسمع إلا ما يحبّه له سماعه. وكذلك النظر، والعقل فلا يقبل عقله إلاّ ما يحبّه له أن يقبله، وكذلك البطش والحركات، والسكنات. ولما كانت الحضرات لا تتجلّى تماماً التجلّى الإطلاقي ما كان المرء في حين استغراقه، وفناء حبّه فيها إلا أن يتجلّى في حين ذلك كلّ خطرة تخطر بباله؛ لأنه متى كان في قلبه ذكر شيء فلا شكّ أنه [في حين ذلك] () محجوب عن المشاهدة لقوله تعالى: {مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِّن قَلْبَيْنِ فِي جوفه (7)، ولكن مع قوة الحبّ وإن كلّم الناس، وكلّموه، فإنَّ قلبه، وذكره لا يحول عن مَنْ يحبّه، هكذا المعروف حتى في الناس بعضهم في بعض ولما كانت الحالة منبئة عن المقام الأعظم المحمدي، وهو المقام الأعلى من مراتب المقام السابع من الفناء (8). مع حضوره في المقام السادس، والخامس، والرابع، والثالث فهو في مقام الجمع)، وفي كلّ مقام فله
6
6
(1) ما بين المعقوفين ساقط في س، والحديث في صحيح مسلم، رقم 763.
(2) صحيح مسلم، الحديث،2702، وإحياء علوم الدين، الغزالي، 31111.
(3) الحديث في صحيح الترمذي في النوادر، وينظر إحياء علوم الدين الغزالي، 1 [23 ففيه الحديث وتخريجه. (4) في س: [ومع]، ولعلّ معناها: ما أراده.
(5) في س: تكررت [وكذلك] مرّتين. (6) ما بين المعقوفين ساقط. من س. (7) الأحزاب، الآية 4.
(8) وهي الوجوه التي تحدّث عنها فيما سبق، أي وجوه الفناء السبعة.
(9) مقام الجمع هو مقام مَنْ غرقوا في بحار الأحدية، ولم يشهدوا سوى ذات الله تعالى الأحدية التي هي كالبحار،
وهو مقام عال مرتفع المنزلة، ينظر موسوعة العجم، ص 923.
223 (1/223)
صفحة 224
على الدرجات، مع أنه في [الطور الثالث في كل] (1) مقام؛ لأننا قلنا إنَّ جميع أعمال العباد
لله بطرق الإخلاص هم على ثلاثة أطوار خافوا من النار، وطمعوا في الجنّة (2).
وطور تحققوا الأمر فهم يعبدون لأداء حق الربوبية من عبوديتهم لله.
وطور كذلك، ولكن مع قوّة الحضور، والمشاهدة لله بصفاته، وفناء إرادتهم، ومحبّتهـ
ومشيهم إليه.
وطور هم
كذلك، ولكن جذبوا إلى الله فأريد، وأقبل أن يرادوا، وهذا هو المقام الأعظم في كلّ مقام، وفي كلّ حضرة من حضرات الله تعالى.
واعلم أنَّ حضرات القرب من الله تعالى تختلف، وبعضها أقرب من بعض، والحضرة التي هو طلب وصالها إلى الله من التي هو فيها.
فالأول مريد محبّ لنفسه، وهذا [31] مريد محبّ لمحبوبه، لا لنفسه. والثالثة (3) الآتية بعد هذه مراد مجذوب، محبوب، وهو الطور المحمدي الحقيقي فافهم [ذلك] (4).
قالت الحالة المنبئة عن هذه الحضرة الثانية عن هذا (5) المقام المحمدي، وأنَّه مَنْ كان كذلك مع الله فهو قليل في حق واجب الله جل وعلا، فقالت منبئةً عن الحضرة المتجلية لهذا المحبّ الفاني في حبّه إليها بلسان الناظم.
قال:
1 10 - وَجَانِبْ جَنابَ الوَصْلِ، هيهات لم يكُنْ وها انتَ حَيٌّ إن تكن صادقاً مُتِ يقول: وقالت الحضرة وعلى أحوالك هذه فهيهات أن تصل إلي بصدق المحبة، إذ ليست كذلك صحة صدقها، فابعد عن جنابي جانباً، فإنَّ الوصل بهذه الأحوال لم يكن،
(1) ما بين المعقوفين ساقط من س. (2) وهو أدنى الأطوار، وقد مرّ بنا حديث رابعة. (3) سقطت الحضرة الثانية من الأصل و [س].
(4) ما بين المعقوفين ساقط في الأصل والزيادة من س، ومرَّ شرح [المريد] و [المراد].
(5) في س: [هذه].
224 (1/224)
صفحة 225
أي لم يحصل كونه، وها أنت حي بإرادتك المُحبَّةُ منكَ لنا، ولنا إليك لنفسك، أي لم تُفْن حبّك لنا؛ لأنّ الحيّ نقيض الفاني فإن تكن صادقاً أمت إرادتك لنفسك، وأخلصها لنا،
قال:
102 - هو الحبُّ إن لم تقض لم تَقْضِ مأرباً من الحب فاختر ذاك أو خَلٌّ خُلَّتي يقول: وقالت: هو الحب الصحيح إن لم يفض، أي بالموت والفناء لم يقض من قضاء المآرب أي لم يَقْضِ لك حاجة في وصول، مارمته، إن لم تفن طلب حظوظ نفسك به لم يَقْضِ حاجة من المحبّ [بكسر الحاء] (1) أي المحب، والأول بالضم وهو الحُب، فاختر ذاك: أي الفناء في حبّي لأجل محبتك لي، لأجل محبتك لنفسك.
وقوله: ذاك إشارة، أي الطريق الأبعد القريبة في الذكر، فإن قدرت على ذلك فهو الحبّ الصحيح الذي تبلغ به وصالي بالتجلّي إليك، وإلا فَخَل: أي اترك خلّتي، أي صحبتي. بيان في جواب المحبّ الفاني بالحضرة القريبة بابتداء الدخول في أول الطور الثاني
الحبّي: قال:
103 – فَقُلْتَ لها روحي لديك وقَبْضُها إليك، ومالي أن تكونَ بِقَبْضتي (2) يقول: فقلت لها، أي لهذه الحضرة القريبة: روحي لديك، وذلك لما فني حبّه أولاً في طلب وصال هذه الدرجة من حضرات القرب، وكانت مرتبة أدنى من التي طلبها، وإنّ تلك مريد محبّ لنفسه، وهذه مريد محب لمحبوبه، ولم يبق منه في فنائه في الحضرة يَبْقَ الأولى، وطلبه لهذه الآخرة إلا روحه لأنه فني منه [] (3) وجسمانيته، وإحساسه، ولم يَبْقَ
الا روحه. وقد أعلمتك أنَّ هذه إشارات إلى فناء أوصاف مراتب ودرجات في الفناء، فقال لهذه الحضرة القريبة إليك روحي أي لا أريدها لنفسي، ولا أريد أن أفنيها أنا، بل أريد أن
(1) ما بين المعقوفين موجود في الأصل.
(2) في س: [إليك]، ولا يستقيم. (3) ما بين المعقوفين كلمة لم أتمكن من قراءتها.
225 (1/225)
صفحة 226
يكون قبضها وفناؤها بيدك، لأنّه انكشف له الحق إن أضافه ذلك إلى نفسه خطا هذه المرتبة كما أَخْبَرتَه فاعترف بذلك.
قال:
في
طلب
104 - وما أنا بالشَّاني الوَفَاةِ على الهوى وَشَأني وفاً، تأبى سواه سجيتي يقول: وقلت: وما أنا بالشأني بهمز الألف: أي وما أنا بالمبغض للوفاة على الهوى، أي على حبّك، بل هذه محبّتي إن أفنى في حبّك حبّاً لكِ لا لي، وشاني بغير همزة: أي وحالي وطبعي الوفاء بما أقوله وسجيّتي تأبى سواه، أي [سوى] (1) الوفاء، ولاسيما في حقك، وهذا تأكيد للمبالغة في قوة الطلب.
قال:
105 - وماذا عَسَى عَنِّي يُقال سوى قضى فلان هوى مَنْ لي بذا وهو بغيتي يقول: فإذا أنا مِتُّ في حبّك بحبّك ما عسى أن يقال إلا مات فلان من قوة الحب بمدح أو للوم، وأنا لا أبالي بهذا، وهذا من أعظم يد إليَّ، أي كرامة معك لي إن أفنيتني بحبّك، وهو بغيتي، أي مرادي الذي طلبته، وأحببته، [31 و] ورغبت فيه وإليه، قال:
- 106
1 - أَجَلْ، أجلي أرضى انقِضَاهُ صَبابَةً ولا وَصْل إن صحت لحبّك نسبتي يقول: أجل: أي نعم، إلا أنَّ [أجل] في التصديق أجود، و [نعم] في جواب الاستفهام أجود للنفي، و [بلى] للإثبات في الاستفهام (2). أجل أجلي: أي انقضاء أجلي أرضاه، أي أحبّه أن يكون من صبابة، أي من محبة فيك ولك، ولو لم أدرك الوصال إذا صحت نسبتي لحبّك، أي إذا كنت أنت المتولّية فنائي بمحبتك، ولو قضيت أجلي قبل الوصال؛ لأني لا أحبّ إلا ما أنت قد أحببته لي.
قال:
107 - وإن لم أفُنْ حَقَّاً إليكِ بِنسْبَةٍ لعزَّتِها حَسْبي افتخاراً بتُهمتي (3)
(1) ما بين المعقوفين ساقط من س. (2) مرّ الحديث عنه هذه الأدوات. (3) في الديوان: [بتهمة] بدل [بتهمتي].
226 (1/226)
صفحة 227
يقول: وإن لم أفز حقاً بالوصال إلى تجلّيك عليّ، وقربي منك لبعد النسبة بيني وبينك لعزّة نسبتك إلى العظمة والجمال المطلق، ونسبتي إلى الذل والحقارة، فحبّي بتهمة، أي برجائي، وتهمتي للوصال بسبب محبتك لي، وفنائك لروحي أن ذلك من محبتك لي، والمحبة منك إلى وصالي إليك، أو إلى تجلّيك فأموت وأنا تاهم نفسي بالوصال، وبلوغ ما
طلبته ورغبت إليه.
قال:
108 - ودون اتهامي إن قَضَيْتُ أسى فما أَسَأْتُ بنفس بالشهادة سُرَّتِ يقول: ودون اتهامي، أي وإن لم أتهم نفسي بالوصال فأنا أحبّ ما تحبّينه أنت لي، فإن أحببت أن تفنيني بحبّي لك، وحبّك لي، ومتّ على أسى، أي على حزن من قوة طلب وصالك فما أسأت بإفنائك روحي في حبّك، بل قد بلغتني الدرجة العلية التي هي بقتلك لي، وهي أعظم منزلة في الشهادة.
قال:
الشهادة
أُعدَّ شَهيداً، عِلْمُ داعي منيتي
109 - ولي منكِ كافٍ إِن هَدَرْتِ دمي ولم يقول: وكاف لي أي ويكفيني منك إن هدرت، دمي، أي إن أجزت قتلي؛ لأن الدم المهدور هو الذي لا دية فيه ولا قصاص، ولا يكون كذلك إلا في محلّ جوازه، أي إن أجزت قتلي بغير قصاص، ولا تفويض حقّ منك لي يكفيني أن أكون قتيلاً بحبّك لي، وحبّي لك ولو لم أعد شهيداً؛ لأنَّ الشهداء ضوعف لهم الجزاء في الآخرة، وأنا يكفيني منك علمك بي أنَّ الداعي إلى منيتي حبّك لي، وعلمك بذلك هو الغرض المطلوب.
[بيان] (1)
ومراده بما تضمنته هذه الأبيات ترك الحظوظ الوهمية من أعلى مراتبها إلى أدناها، وهي نيل درجة الشهادة، ولوازم كمالاتها مع أهل المحبة.
(1) ما بين المعقوفين ساقط من س.
227 (1/227)
صفحة 228
قال:
110 - ولم تَسْوَ روحي في وصالك بَذْلَها لدي، لِبَوْنِ بين صَوْنِ وَبَذْلَةِ يقول: إنّ روحي حقيقتها لك، وقبضها بيدك، وأنا ليس لي فيها شيء، ولو كانت لديَّ، أي هي لي، وقبضتها بيدي لم أرها شيئاً أصلاً حتى أكون قد بذلت شيئاً إذا بذلتها في وصالك، لِبَوْن: أي لِفَرْق ما بين الصَّوْن والبذل؛ فإنَّ البذل أفضل، وأقرب من الصَّوْن، ولكن كيف أبذل شيئاً أصله ليس بشيء أصلاً.
قال:
111 - وإنّي إلى التهديد بالموت راكن ومِنْ هَوْلِه أركانُ غَيريَ مُدَّتِ يقول: وإنّي إلى التهديد: أي الهدم بالموت راكن أي مائل بقوة المحبّة، ومن هول الموت أركان غيري جميع البرايا هدت أي انهدمت أركانهم بالموت، وأنا أهوى أن يكون قتلي بحبّك، إذ الموت أمر لا بدَّ منه إن كان بالمحبة أو بغيرها.
قال:
- 112
1 - ولم تُغسفي بالقَتْلِ نَفْسي بل لها به تُشعفي إن أنت أتلفت مُهجتي يقول: وإن أنت قتلتني بالمحبة فلم تسعفي نفسي أي لم تأخذ نفسي على غير طريقة العدل، بل ذلك منك لها به بالقتل [1] تسعفي: توافي مطلوبها منك الذي غاية مناها إن أنت أتلفتها بالمحبة.
قال:
113 - فإن صح هذا الفَالُ منكِ رَفَعْتِني وأعليتِ مقداري وأغليت قيمتي يقول: [وأنا أتفاءل بهذا الفأل، وذلك أن الناس إذا] (1) أهمهم أمر تفاءلوا بخيره، وإن كان شراً تفاءلوا بزواله، وأنا ما كنت أتفاءل إلا أن أموت بحبي لك، وإن تقتليني [أنتِ] (2) حبّاً، وإن صح منك هذا الفأل لي فقد أعليت مقداري إلى كمال هو خير كمال، وإلى شرف هو أعظم شرف للخلق، وأغليت قيمتي؛ لأني أرى نفسي ليس بشيء أبداً، فكيف
(1) ما بين المعقوفين ساقط من س. (2) ما بين المعقوفين ساقط من س.
228 (1/228)
صفحة 229
يكون لها قيمة حتى أن الواحدة من الذرّ عن مثقال الذرّ هو شيء، ونفسي ليست بشيء أبداً أصلاً، وإن قتلتيني أنت بالمحبة لك فأكون حينئذ عظيم القيمة أوازن الوجود المكوّن لغير العبادة كلّه عندك ومعك.
قال:
- وَهَا أنا مُسْتَدعِ قَضَاكِ وما به رضاك، ولا أختار تأخيرَ مُدَّتي يقول: وإذا كان الأمر كذلك فها أنا مستدع قضاك: أي أدعوك وأسألك أن تقضي على روحي بالفناء إن كان رضاك ذاك مني، ولا أختار تأخير مدّتي إن لم تختاري أنت تأخيرها وإلا أنا فما أختار لنفسي شيئاً إلا ما تختارينه أنت لي.
قال:
115 - وَعِيدك لي وعد، وإنجازه منى ولي بغير البعدِ إِن يُرْمَ يَثْبَتِ يقول: وعيدك: الوعيد لا يُستعمل إلا للتوعد بالشر، كما أنَّ الوعد لا يستعمل إلا لوعد
الخير.
يقول: إنَّ وعيدك لي بالقتل والهلاك هو وعد، أي خير ونعم، وهو أفضل الكرامات منك لي، وإنجازه مني: أي وتمام قضائه منك لي هو منائي، والإنجاز دفع العطاء مأخوذ من الجائزة، وإنّي ولي: أي محبّ على كل حال إن يُرْمَ بكلّ شيء من المصائب وغيره، غير ما يبعدني عنك فإنّي ثابت على الحبّ.
فإن قلت: كيف استثنى البعد إذا رُمي به أنَّه لا يثبت عليه محبّاً، والمحبوب يفعل فيمن أحبّه كيف شاء، ولا يتغيَّر عن محبّته وقد أتى أبياتاً تدلّ على ذلك قوله: ولو بعدت بالصد، والهجر، والقلى إلى آخر البيت، وقوله: وإن فتن النساك .. ؟ فالجواب: إنّ مراده هنا أن يُرْمَ بالبعد إذا كان الرامي له غير محبوبه بل شيء من صفات نفسه إذا رمته بما يبعده عن محبوبه، فافهم.
قال:
229 (1/229)
صفحة 230
116 - فَقَدْ صِرْتُ أرجو ما يخاف فأسعدي به روح ميْت للحياة استعدت يقول: فقد صرت بهذه الإرادات أرجو واجب ما تخافه الناس وهو الموت، والقتل، يا روحَ ميت بالحبّ استعدت للحياة الأبدية إذا مِتْ قتيلة حبّ فاستعدي به، وذلك عبارة عن فناء طلب مخصوص (1) النفس للنفس؛ لأنّ الميت لا يطلب شيئاً، أو يرجى له إلا حياته الأبدية في الآخرة إن كان من السعداء، كذلك الفناء في حبّ هذه الحضرة القريبة الإلهية في الحقيقة هي الحياة في الدنيا والآخرة، وإلى هذا البيت صار يطلب الفناء الحقيقي، والفوز بالحياة الحقيقية عند أهل التصوف (2).
وهي
قال:
وهم
صنفان:
117 - وبي مَنْ بها نَافَسُتُ في الحب سالكاً سَبيلَ الأُولى قبلي أبوا غير شرعتي (3) يقول: وبي: أي أفدي بي، أي بروحي، مَنْ بها نافست في الحبّ: أي التي لأجلها، الحضرة القريبة من الحضرات الإلهية التي أردت أن أفنى بحبّي لها، سالكاً سبيل الأولى: أي الأولين الذين هم نافسوا في هذه الطريقة من قبلي، وأبوا أن يسلكوا غير شرعتي: أي غير هذه الشريعة من شرائع الحب التي أنا قاصدها وطالبها، صنف سلكوا شرائطه حتى فرغوا جهدهم، ولم يفوزوا بنظرة من جمال تجلّي الحضرات الإلهية الصفاتية بحقيقة النظر إليها، واستنشقوا هبةً من [32] نسيم عناية الجذبة ففازوا بها، وأدركتهم المنية. وصنف دونهم، وهم دون الجذبة. وصنف آخر أدركتهم الجذبة، وماتوا قبل أن يتمّوا شرائط سلوك المحبة، فذكر في هذا البيت الصنف الأول، وفي هذا الذي يأتي الذي بعده الصنف الآخر كما تراه.
قال:
(1) في س: [شيء من حظوظ].
(2) هذا معنى منتشر بين الصوفية، يقول الجنيد مثلاً: «إنَّ الحيّ مَنْ تكون حياته بحياة خالقه، لا مَنْ تكون حياته ببقاء هيكله، ومَنْ يكن بقاؤه ببقاء نفسه فإنّه ميت في وقت حياته، ومَنْ كانت حياته به كان حقيقة حياته عند وفاته؛ لأنه يصل بذلك إلى رتبة الحياة الأصلية»، ينظر موسوعة الحفني، ص 728، وجعلوا الحياة خمسة أنواع أعلاها هو ما أشار إليه الشيخ ناصر، ينظر عن هذه الأنواع موسوعة العجم، ص 309، وما بعدها. (3) في الديوان: [بالنفس] بدل [في الحبّ].
230 (1/230)
صفحة 231
- 118
1 - بكل قبيل كم قتيل قَضَى بها أسى لم يفز يوماً إليها بنظرة يقول: وكم قتيل قتلتيه بحبّك، وبحبّه لك فقضيت عليه أسى، أي حزناً لم ينل نظرة منك، وكم فعلت كذلك بكل قبيلة هي لك، أي أهل جماعة حبّك فهم غير واحد؛ لأنَّه، کم قتيل، وعظم الأمر، وكم فعلت كذلك بكل قتيل.
ومن عادات نظمه أن يراعي به شروط أهل البديع فانظر فيه، فإننا لم ننبه عليه؛ لأنّ مرادنا الاختصار لإيضاح المعاني بأوجز لفظ لا غير، فافهم
قال:
(1)
119 – وكم في الورى مِثْلي أماتتْ صبابةً ولو نَظَرتُ عَطْفاً إليه لأَحْيَتِ يقول: وكم في الورى مثلي من أهل الحبّ أماتته في سلوكه إلى وصالك صبابة، أي حبّاً وشوقاً قبل الوصول إلى نظرة من جمالك، وقبل تمام الشروط، إما لجذبة، وإما لقوّة الشوق، ولو نظرت إليه بعين المحبّة لبقائه لأحييته لإتمام جميع الشروط حتى يجمعوا بين
أحكام السلوك، وإعطاء المقامات حقوقها، وبين الجذبة والتحقق بحقائقها.
قال:
120 – إذا ما أحلت في هواها دمي ففي ذرى العز والعلياء قدري أحلَّتِ يقول: إذا ما أحلّت دمي، أي سفك دمي جعلته حلالاً لها، أي أحلت قتلي في هواها، أي حبّها، فقد أحلّتني، أي أنزلتني ذروة العزّ، والعلياء أي أحلّتني أعلى درجات العزّ والعلياء في حق أهل حبها، وذلك غاية مطلبي.
قال:
(1) هذا نظر نافذ من الشيخ ناصر في أساليب العربية، وبلاغتها، وقد التفت كثير من الدارسين المحدثين إلى هذا الجانب في شعر ابن الفارض، فنري د. محمد مصطفى حلمي يقول: « ... ولعلّ أظهر ما يمتاز به شعر ابن الفارض من الناحية الفنية هو الإسراف في الصناعة اللفظية والإغراق في المحسنات البديعية، ينظر كتابه ابن الفارض، ص 83. ويقول د. عاطف جودة نصر: .... وفي شعر ابن الفارض نزوع حاد إلى التنميق والزينة، وشغف بالبديع لم يخل معه بيت من مجانسة، أو تورية، أو مقابلة»، ينظر كتابه شعر عمر بن الفارض، ص 150. وعقد لهذا الموضوع فصلاً كاملاً في كتابه. وينظر كذلك الشعر الصوفي حتى أفول مدرسة بغداد، عدنان حسين العوادي،
ص 223، وما بعدها.
231 (1/231)
صفحة 232
121 - لَعَمْري وإن أتلفتُ عمري بحبها ربحث، وإن أبلت حشاي أَبلَّتِ
يقول: لعمري: أي أقسم بعمري أنَّ الذي ذكرته في البيت المقدّم صحيح، وإن أتلفت عمري: أي حياتي بحبّها فهو الربح الذي أنا طالبه، وإن أبلت حشاي: أي هتكتها، أبلت: أي أشفتني، فالأول من بلي الثوب إذا صار خَلقاً، وأبلت من بلي المرض، إذا براء، أي هو شفائي، فحياتي في موتي وتهتك أحشائي.
[بيان])
ومن هنا إلى اثني (2) عشر بيتا سيذكر فناء صفاته الشهوانية، والحظوظ النفسانية ثمّ عدم ظهور شيء منها عليه.
قال:
122 – ذَللْتُ بها في الحي، حتى وَجَدْتُني وأدنى منال عندهم فَوقَ هِمّتي يقول ذللت بها: أي بلغت الغاية في الذلّة، وبالضمّ نقيض العزّة، وبالكسر نقيض الصعوبة، أي بلغت في اللين للمطاوعة، والتذلل لها حتى ظن الحي، أي أهله – وهم أهل هذه الطريقة - أنّي كلّ ما أناله من الكرامات التي هي أدنى منال عندهم فوق همتي زيادة عما أريده، أي هو غاية مطلبي، وليس الأمر كما ظنّوه بي، وقوله: حتى وجدتني: خطاب للحضرة القريبة، وجدته من الوجد الذي هو (3) فوق الشوق والمعنى ذللت بقوّة حبّي بها، أي بالحضرة حتى وجدتني، حتى أحرقتني نيران شوقي إلى وصالها (4) وأنا من بين عشيرتي أهل الحبّ معهم، وظنوا بي أنّ أدنى مطلب منها هو فوق همتي، وأنه يكفيني منها ذلك، وأنا لا أطلب منها إلا البلوغ إلى الغاية التي يمكن الوصول إليها.
قال:
(1) ما بين المعقوفين ساقط من س.
(2) في الأصل و [س]: [اثنا]، وما أثبتناه أصوب.
(3) تكرّرت [هو] مرتين في س. (4) تكررت [وصالها] مرتين في س.
232 (1/232)
صفحة 233
123 - وَمِنْ دَرجات العز أمسيتُ مُخْلداً إلى دَرَكاتِ الذلُّ من بَعْدِ نَخْوتي (1)
يقول: وقد كنت قبل وصولي هذا المقام في حال سلوكي، وبدايتي طاهراً بكثرة الورع، والمجاهدات، والأخلاق والعلوم، والأعمال القلبية، والغالبية على ظنّ أنّها وسائل لحصول وصولي إلى هذه الدرجة القربية، [32]، وكانت لنفسي في ذلك نخوة، أي تعظيم وتكبّر، أي أراها بعين التعظيم والرفعة والشرف وأني في أعلى درجات العزّ، فلما انكشف لي الحق في طريق الحبّ أنزلت نفسي من درجات العزّ التي ظننتها عزّاً لي، وإنما هي غاية العزّ، وانكشف لي غاية العزّ في درجات هي أعلى من هذه، وهي دركات الذل والتذلّل بالمحبّة، وفناء جميع الصفات الذميمة النفسانية، والإرادات لها، والمحبّة لشيء لغير المحبوب، فأمسيت مُخْلِداً، أي مائلاً عن هذا النظر لنفسي إلى المنظر إليها بالذلّ، وإنزالها أسفل دركات (2) الذلّ، وإلى سلوكها طريقة المحبّة، والفناء عن النظر إلى نفسي بشيء أريده لها غير ما يريده المحبوب.
قال:
(3)
124 - فلا بابَ لي يُغْشَى ولا جَاءَ يُرتجى ولا جَارَ لي يُحمى لِفَقْد حميتي) يقول: وأمسيت لا باب لي يغشى: أي لا أحد يأوي إلى بابي، ولا لي جاه مع أحد؛ لأني صرت كأني لست بشيء لما أنزلت نفسي منازل الذل والحقارة، ولا لي جار يحميني لفقد حميتي، أي لعدم حميتي لنفسي عن الذلّ؛ لأني أنزلتها أسفل منازل الذلّ حتى لم ينظرني أحد أني شيء أبداً لحقارتي، ومراده لا يغشى بابه، أي باب نفسه من رؤيته أعمال نفسه، ولا جاه، أي لا يطلب حظاً لنفسها ولا جار، أي ولا صفة من صفات النفس لها تدبير، وتأخير [في] (4) نفسي من العزم، والتوكل والتفويض، والإرادة، والمحبة، بل رجعت ذلك كله إلى الله تعالى ما يشاء ويختار، ولم يكن لنفسي عن التدبير إلا ما يأمرني به ويحبّه لي،
(1) هناك بيت في الديوان يسبق هذا البيت هو:
وأخملني وهناً خضوعي لهم، فلم يروني، هواناً بي محلاً لخدمة
وسيأتي هذا البيت بعد قليل، ورقمه [125].
(2) في س: [درجات].
(3) في الديوان: [بي] بدل [لي].
(4) ما بين المعقوفين ساقط في
س.
233 (1/233)
صفحة 234
فجمع في هذا البيت ما ذكره في كلّ بيت قبله، وذلك أنَّ أصل الفناء ثلاثة (1): فناء صفات النفس الذميمة بزوالها بالكلية، والثاني فناؤه في تكميل الأعمال الإيمانية، وزوال ما لا يليق بمقامات أعلى المقامات القربية، والثالث فناء الإرادات والمحبّات، فافهم فقد كررنا عليك أنَّ هذه الإشارات كلّها باطنها غير ظاهرها، وأن المقصود هو ما كررنا.
قال:
مَحَلاً
125 – وأخملني وَهْناً خُضوعي لَهُم فلم يَرَوْني، هَوانا بي، مَحَلَّا
6
لخدمتي (2) يقول: وأخملني: أي أسقط اعتباري وسمعتي وَهْناً أي تهاوناً بي لحقارتي لأجل خضوعي لهم أي حبّه، ومراده [هنا] (3) إراداته، ومحبّاته فإنّه لشدّة خضوعه لهم، أي أعطاهم إرادات محبّته لمحبوبه وخضوعه فله معارضتها عن مرادها، وكذلك تفويضه ورضاه وتسليمه حتى صار معهم كأنه ليس بشيء، والذي ليس بشيء لا يكون أهلاً لأن
يُخدم ويُكرم.
قال:
126 – كأن لم أكن فيهم خطيراً ولم أَزَلْ لديهم حقيراً في رخائي وشدتي يقول: كأني لم أكن معهم خطيراً، أي شريفاً من قبل أن أرى الذل، والتذلّل هو الشرف الأعلى حين كنت في نخوة بأعمالي الظاهرة الإيمانية، وكنت بذلك مع نفسي، ومعهم خطيراً بتلك الأعمال حين صرت معهم حقيراً، ولم أزل أزداد معهم حقارةً، وهواناً حتى صرت معهم ليس بشيء، فلا ينظر إلى إرادتي، ولا محبتي، ولا مشيئتي، وجميع صفات توكلي، وتسليم أمري، ورضائي لم ينظرني أحد منهم، فكيف يحبّون مَنْ قد غفلوه ونسوه،
وصار عندهم نَشياً منسيّاً؟!
قال:
(1) في س: [وذلك أن أصل ثلاثة فناء ... إلخ].
(2) في الديوان: [لخدمة] بدل [لخدمتي].
(3) ما بين المعقوفين ساقط من س.
234 (1/234)
صفحة 235
127 - ولو قيل مَنْ تهوي؟ وصرّحت باسمها لقيل كنّى أو مشَه طَيْفُ جنَّة يقول: ولما صرتُ عندهم حقيراً مهاناً ليس بشيء، فلو قيل: مَنْ تهوى؟ على سبيل الاستهزاء لجلال عظمة الحضرة القربية الإلهية، فإذا صرحت باسمها لقيل لي من حقارتي، وعظم جلالها أنّ به كنى بكسر الكاف [33 و] وتنوين بالفتح-، هي علة يهذي فيها المرء كالمعارض من الجنّ، أو مسه طيف، أي خيال جنّة من الجنّ، وأراد لقيل له:
شدة
إنَّ هذا مجنون. ويحتمل له وجه آخر أنّه لقيل بها كنى، أي كناية لئلا يقال لك إنك صخيف (1) العقل، أو مسك طائف جنّة، فافهم؛ لأنّ الحقير معهم إذا طلب العظيم الخطير يستضعف الناسُ عقله حتى يقال إنّه لا يقول هذا إلا مجنون لا عقل له.
قال:
128 - ولو عَزَّ فيها الذلُّ ما لذ لي الهوى ولم تكُ لولا الحُبُّ في الدلّ عِزَّتي يقول: ولو عزّ فيها الذلّ: أي لو لم يوجد الذلّ، لي، أي لو لم يحصل وجود الذلّ ما للَّ لي هواها، أي حبّها، ولولا وجود الحبّ وحصوله، ووجود الذل وحصوله من المحبّ للمحبوب لم تك لي عزّة في الذلّ، ولكن حصلت عزّتي في وجود ذلّتي لمحبوبي، وهي التي تمنّيتُها، أي الذلّة، وبوجودها وحصولها لي بلغت منائي، ومراده محبّة التذلّل، والذل في محبوبه فكيف يكرهه؟
قال:
عقل
129 – فحالي بها حَالُ عقل مدله وصحة مجهودٍ وَعِزُّ مذلة (2) يقول: فصار حالي بها، أي الحضرة، حال مَنْ عقله مدلّه، أي مدهوش متحيّر، وصحتي صحة المجهود أي المريض الذي يترقب الناس موته في كل حين، هذه صحتي، وأمّا عزّتي فهي عزّة مذلول مهان حقير لا ينظر إليه أحد، ومراده ما قلناه
حالة
(1) كذا في الأصل و [س] بالصاد ويريد [سخيف]، وهي من ظواهر الإبدال الصوتي المعروفة، وينسبها سيبويه (الكتاب، 4 [381) إلى بني العنبر، وهم من بني تميم، وجاءت عليها إحدى القراءات القرآنية في قوله تعالى: كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ} [الأنفال: 6]، قُرأت (يصاقون)، ينظر سرّ صناعة الإعراب، ابن جني، 1 [212. (2) في الديوان: [بعقل] بدل [عقل].
235 (1/235)
صفحة 236
محبته وإرادته ومشيئته لا يُنظر إليه، ولا يُلتفت لديه (1)، بل هي كالمدهوشة مع محبوبها، والمريضة التي لا تريد شيئاً بين يدي العالم، بها أي محبوبها، وذلّتها كذلك بين يديها لا يقدر على أن يطلب شيئاً ولا يحبّ، فصار جميع أمرها إليها تجرَّدت من إراداتها، ومحبّاتها إلى ما تحبّ هي، وليس المراد أنه صار غير مريد لشيء أبداً، ولكن لا يريد إرادته إلاّ ما هي تريد، ولا تحبّ محبّته إلا ما هي أحبته، ولا تشاء مشيئة إلا ما هي تشاء، فافهم ذلك.
[بيان] (2):
واعلم
أن النفس الملهمة فجورها وتقواها (3) لها ثلاثة وجوه كلية: فالوجه الأول مما يلي كثرة عالم الطبيعة لتدبير الصورة العنصرية البدنية، والوجه الثاني ممّا يلي عالم الأرواح للاستكمال والاستمداد، فتستمد من النفس المطمئنة الوجدانية التي هي أصلها وباطنها، وهي تستمد من باطنها الذي هو الروح الروحانية، وهي تستمد من كلتيهما من صورتها في الوحدة التي هي اللوح المحفوظ، وهو يستمد من] (4) موجده إما بواسطة العلم المعنوي الأعلى، وإما بلا واسطة.
والوجه الثالث ممّا يلي السرّ الوجودي المضاف المفاض بطريق المدد كلّ أنَّ على جسمه المستمد ذلك السرّ من الوجود المفيض الظاهر في القلب النقي التقي بعد ظهوره ويعينه عند حقه طهر النفس من أوزار أحكام وجهها الذي يلي عالم الطبيعة، والمراد بهذا أنَّ عيون القلب كلّما فنت فكرتها في حضرات الله تعالى، وشاهدت جمال صفاته وأفعاله، وفنت إرادتها في إرادته وانجلت الأغيار منها، وَصَفَت الأعمال الإيمانية العدلة ورقت ولطفت ورجعت إلى لطفها الحقيقي، ولطفت أنوار عيون عقلي وسرّها، والمستمد من عالم الأرواح اللوحي، ورجعت أنواره على أنواره من عالم المثال أشرقت أنوار محبة الله فيها أشدّ، وانجذب حبّها إلى ذلك أكثر، وزادت المحبّة، وزاد الشوق إلى حضرات القُرب و درجاته، وإلى المشاهدة إلى الحضرات الإلهية، وعظم التمني؛ لأنَّه كلّما شاهد شيئاً
(1) في س: [إليه].
(2) ما بين المعقوفين ساقط من س.
(3) النفس الملهمة هي التي قال تعالى فيها: {فَأَهْمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَنَهَا} [الشمس: 8]، لبعدها عن مقام الثبوت والتمكين، ويلزمها الاجتهاد، والتصفية، وجعلها بعضهم ذات سبع مراتب، ينظر تفصيلها في موسوعة العجم، ص 986.
(4) ما بين المعقوفين ساقط من س.
236 (1/236)
صفحة 237
محبوباً تمنّى وصاله، والوصال حضرات القرب بلوغها بالعمل، وصار حضرات التجلّي
بزيادة الإشراق فافهم، فإنّه سيذكر فيما يأتي من الأبيات في هذه المعاني.
قال:
130
- أَسَرَّتْ تُمَنِّي حُبَّهَا النَّفْسُ حِيثُ لا رقيب حجي، سراً لسري وخصت يقول: [33] أسرت تمنّي: أي أخفت النفس تمنّي حبها، ومراده بالنفس هنا هو الروح، وهما العقل، أي صارت النفس تتمنّى حبّها، أي حبّ حضرة المحبوب من حيث لا يدرك العقل ماهية هذا السر الإلهي لأيّ شيء خُصَّت به، فإنَّ الله خلق العباد وهو عالم بالمطيع، وبالعاصي بلا بداية في علمه، وليس للعقل مدخل في علمه السابق، ولا التفكر فيه على الحكم؛ لأنه ينتهي به إلى التفكر في الذات، كذلك تمنّي حبّي نفسي لهذه الحضرة الإلهية، وسريان ذلك لسرّي، أي لعقلي، سراً، أي خفياً، وتخصيصي بذلك فهو سرّ خفّي في عالم البرزخية (1) قبل كون الكائنات.
قال:
6
1 13 - وَأَشْفَقْتُ من سير الحديث لسائري فَتُغرب عن سرّي عبارةُ عَبْرتي يقول: ومن قوّة حبّي، وشدّة تمنّي وصال حضرة محبوبه لشدّة صفاء الروح، وأعمالها كما هي في عالم المثال قبل حلولها في الجسد المستمد وجوده من العالم اللطيف قوة ذلك التمنّي في جميع سائري في السمع والبصر واليد والأعضاء، فصار كلّ شيء مني يتمنّى حبّها لرجوع كلّ شيء منّي إلى عالمه الأول الصافي [من] النسبة الترابية، والجسمية [الجسميته] (3) كما هو في عالم المثال من قبل، وإنما ظهر في عالم شهادتي حديثاً، وهذا الحديث صار هو ذلك القديم من انكشاف سير هذا السرّ الإلهي في جسمي حديثاً في سائر أعضائي فتظهر ما بي في كل عضو من أعضائي، فتعرب: أي فتبين، ويظهر من سرّي: أي من حبّي، وتمنّي كلّ شيء من أعضائي، ذلك عبارات عبرتي: أي عبارات
(1) البرزخ هو الحائل بين الشيئين، ويعبر به عن عالم المثال، أي الحاجز بين الأجساد الكثيفة وعالم الأرواح المجردة، يعني الدنيا والآخرة، ينظر موسوعة العجم، ص 143، وموسوعة الحفني، ص 677.
(2) ما بين المعقوفين ساقط في الأصل، والزيادة من س، وبها يستقيم المعنى. (3) ما بين المعقوفين ساقط في الأصل، والزيادة من س، وبها يستقيم المعنى.
237 (1/237)
صفحة 238
كل عضو من أعضائي عن أحوالي، والكتمان واجب عند أهل الحبّ (1).
قال:
132 - يُغَالِطُ بَعضي عنه بَعضي صِيانةً وَمَيْني في إخفائه صِدْقُ لَهْجتى يقول: وصار كلّ شيء منّي يغالط بعضه بعضاً، أي كلّما كاد البعض منّي أن يظهر ذلك التمني، وذلك الحبّ على البعض الآخر منّي، وأشفق في ظهوره عليه غالطه بالكتمان، وأنه على غير تلك الأحوال، وجعلت ميْني، أي عدم صحة ذلك، والمين هو الكذب، ومراده هنا أي وجعلت عدم صحة ذلك مع حضرة المحبوب صدق لهجتي، أي قول لساني، ومراده وصحة قول لسان كلّ شيء منّي إنّما هو مع الحضرة في الظاهر لغيري بخلاف ذلك لشدّة الكتمان.
قال:
و
133 - ولمّا أَبَتْ إظهاره لجوانحي بديهة فكري، صنته عن رويتي يقول: ولما أبى كلّ شيء مني أن يظهر ما تمناه وأحبّه، وفناء مشاهدته، وحضوره فيه بعضي علي بعض، وكذلك فكرتي أبت أن تظهر ذلك منها لسائر جوانحي كذلك بديهة فكري والبديهة الفجاءة وهي أول وهلتها، كتمت ذلك عن بقية أعضائي، وأرواحي، وأنفاسي، صنته، أي السر عن رويَّتي، والرؤية الفكرة الصائبة، كذلك صنت السر (2) عن كلّ شيء منّي عن الآخر حتى عن فكرتي الصائبة، فصار كلّ شيء مني تجلى له سرّ من جمال الحضرة من الحضرات الإلهية، وفني بحبّها، وتمنّى وصالها، وأشرق عليه سرّ المحبّة من الحضرة، ونورها، وكتم بعض سرّه وأحواله عن بعضي محبّة لها (3)، وتعظيماً لجلالها لم أكشف بعضي على بعضي، ولما كانت الفكرة قوة مطرقة للعلم إلى المعلوم، فتارة يستعملون أهل التصوف هذه القوة العقل، وتارة النفس، ومرّة الروح، وطوراً السرّ،
(1) من شروط القوم التي يأخذونها على أنفسهم الكتمان، وترك البوح، ولا يعني هذا ترك الكلام جملة بل اتخاذ الرمز، والإشارة منهجاً لهم، ومن هنا نفهم قول أبي علي الروذباري من أنّ علمنا هذا إشارة فإذا صار عبارة خفي»، ولذلك كثرت (المصطلحات) في نثرهم وشعرهم وهي محتاجة إلى أناة وتدبّر كما نراه عند الشيخ ناصر
مثلا.
(2) في س: [السرّي].
(3) في الأصل: [عن بعض محبتي لها]، وما أثبتناه من س، وهو أليق.
238 (1/238)
صفحة 239
وتارة الأنانية (1)، وهي الهيئة الاجتماعية في اللوح المحفوظ التي هي نسبة نسبة الجميع إليها على السواء، ومراده بـ (صنته) هنا سرّه الوجودي كما قال:
134 - وَبَالَغْتُ في كتمانه فَنُسِيتُه وأُنسيتُ كَثْمِي مَا إِليَّ أَسَرَّتِ يقول: [34 و] وبالغت في كتمانه أي السرّ الإلهي عن كلّ بعض منّي عن بعضي، ونسيته، وأنسيت كلّ شيء منّي [كتمه] (2) فصار معه منسيّاً، أي صاحبه من بعضي ما إليَّ أسرَّتِ، أي ما أفاضت إليَّ من سرّها، أي الحضرة الإلهية فانصب في أسراري من آثار رحمانية، وأقسام 1 (3) انصباباً أشغلني عنّي، وعن كلّ ما يبدو منّي، أي
عن النظر إليه، ثم رجع يتكلم بلسان الجمعية والأنانية.
قال:
135 - فإن أَجْن في غرس المنى شجر العنا فَلّلهِ نَفْسٌ في مُناها تعنَّتِ (4) يقول: فإن غرست شجر منى القرب والتجلّي والوصل في [أرض] (5) النفس، وأجنيت ثمر العنا: أي التعب والنَّصَب بحصول الفناء، فلله نفس أي فما أهنأ نفس تعنّت: أي تعبت، ونصبت لله تعالى في مناها وصال قربه إذ ما وجدت الكائنات، ولا وجدت نفسي إلا لأجل ذلك؛ فكلّما كان التعب أعظم وأشدّ في الشوق كان ذلك إلى الله أقرب، وهذا معنى قولهم: مَنْ كان مع الله كان الله معه، ومَنْ كان لله كان الله له (6).
قال:
136 – وأحلى أماني الحُبِّ للنَّفْسِ مَا قَضَتْ عناها به من ذكرها النفس أنست (7) (1) الأنانية، وتسمى الأنينية أيضاً وهي الحقيقة التي يضاف إليها كلّ شيء من العبد كقوله: نفسي وروحي وقلبي ويدي، وتكون حقيقة القائل بها غير الحق، ومن هنا ذهب الشيخ ناصر إلى نسبة الجميع إليها فهي موجودة عند الكل، ينظر عنها موسوعة الحفني، ص 654، وموسوعة العجم، ص 98.
(2) ما بين المعقوفين ساقط من س.
(3) ما بين المعقوفين كلمة لم أتمكن من قراءتها.
(4) في الديوان: [ثمر] بدل [شجر].
(5) ما بين المعقوفين ساقط من س، وهي كلمة دالة.
(6) هذا قول مأثور يتردّد في كتب التصوف كثيراً، ويريدون به التوكل الصافي من الشوائب على الله، وإسناد الأمور
إليه تعالى شأنه.
(7) في الديوان [به مَنْ أذكرتها] بدل [به من ذكرها النفس].
239 (1/239)
صفحة 240
به
يقول: وأحلى: أي وألذ ما في الحبّ للنفس، ما قضت: أي قضت، أي انقضى عناها إلى أن وصله وصال حضرة محبوبه التى من وصفها أي الحضرة إذا ذكرتها نفس إنساني ذكر وصالها جميع منائي وعنائي وبلائي، وما أجده من العناء، أي التعب حتى لا أحسّ بألم الموت مع ذكر وصالها فهي أحلى الأماني الحب فيها، وأحلى كلّ الأماني بلوغ المنى فيها ومنها، وهو البقاء الحقيقي الذي معناه هو قوله تعالى فيما يحكي: [فإذا أحببته كنت سمعه، وبصره، فبي يبصر، وبي يسمع، وبي يعقل، وبي يبطش]، وهذا معنى قوله آنفاً: ولم تهوني ما لم تكن في فانياً، ولم تَفْن ما لم تتجلّ (1) فيك صورتي، وفي هذا الفناء يذهب
العناء (2)، فإنَّه لا أثر بعد العين، ولا خبر هنالك، ولا كيف ولا متى ولا أين 3)
قال:
137 - أَقَامَتْ لها منِّي عَليَّ مُراقباً خَواطِر قلبي بالهوى إن ألمَّتِ يقول: إن ألمت بتجلّيها على قلبي بأنوارها، وعلى كلّ عضو من أعضائي أقامت لي منها رقباء هي خواطر قلبي بالهوى أي الحبّ، وسمّاها خواطر قلبية؛ لأن مبدأها من
القلب، وفيه يتجلّى قبل تجلّيها على الأعضاء، ولأنَّ القلب هو سلطان الجوارح. والمراد بالمعنى أنه لا تتجلّى الحضرات الإلهية على شيء من أعضائي وعلى القلب إلا وأرسلت رقباء منها يزيدونها قوّة حب واشتياق وكمال في كل ذلك حيث كانت الأعضاء تتحرك، وتسكن بالله وبمحبّته ومشيئته وإرادته، فبي يسمع، وبي يبصر إلى آخره، وإرسالها ذلك لئلا يدخل عليها داخل سواها إذ كانت هي المتولية أمرها في هذه الدرجة لقوله: ليس أحد أغير من الله، ومن غيرته حرّم الفواحش] (4).
قال:
138 - فإن طَرَقَتْ سِرَّاً مِن الوَهُم خَاطري بلا حاظر أطرقت إجلال هيبتي يقول: فإن طرقت: والطارق السالك في الليل، فإن طرقت خاطري سرّاً: أي خفته من (1) في الأصل و [س]: [تتجلّى].
(2) في الأصل و [س]: [الفناء]، وهو ما لا يستقيم، وأثبتنا [العناء] لتلاؤمه مع السياق. (3) أي بعد الفناء.
(4) صحيح مسلم، الحديث 2760، وصحيح البخاري، الحديث 5220 و 7403.
240 (1/240)
صفحة 241
الوهم، والوهم] (1) يتمثل على الحق وهو على غير الحق بلا خاطر [أي بلا خاطر] (2) منها أطرقت، أي نكست رأسي إجلالاً من هيبتها؛ لأنّ الوهم يصوّر، ويكيف، ويحدّد، وعظمتها منزهة عن التحديد والتكييف والتقييد، بل لها الجمال المطلق الذي لا يعرف ذات حقيقة كمالها إلاّ الله تعالى، والله تعالى منزّه عن إدراكه بحقيقة الإدراك فلا يعرف هو إلا هو، وهذا صحيح التوحيد.
قال: [35]
139 - ويُطْرَفُ طرفي إِن هَمَمْتُ بنظرةٍ وإن بُسِطَتْ كفّي إلى البسط كُفَّتِ يقول: ولما انصبغ جميع ظاهري، وباطني، وصفاتي الأصلية، ومظاهرها بحكم التجلّي المحبوبي بوصفه وصفاته، وصرت بحيث لم أشاهد شيئاً إلا وأشاهد الشاهد والمشهود، والفاعل والمفعول إيّاه بلا شهود مغايرة، وغيرته أي لا أرى الشهود ثمّ المشهود، بل أرى هذا في رؤية هذا معاً في حال واحد لا جَرَم، فكلّما هممتُ أن أنظر إلى غير تلك الحضرة بطرف [طرف] (3) عيني، أي يقصر [طرف عيني، أي يقصر] (4) عن رؤيته، وإن بسطت كفّي إلى البسط بالفعل كفّ عنه كفّي أي منع كفّ يدي عن أن أفعل من غير ما يكون الله المتولّي ذلك منّي، وذلك لأنه صار في حالة مع الله كما قال: [بي يبصر،
الله
وبي يسمع، وبي يبطش]، فلو همّت إحدى جوارحي على فعل شيء مُنعتُ كرامة من تعالى، والمراد: إن يفعل (5) شيئاً على الغفلة ذكرتها الحضرة بالرقباء الذين أرسلتهم إليه
وإلى أعضائه.
قال:
140 - ففي كلِّ عُضْوِ في إقدامُ رَغْبَةٍ ومِن هَيْبة الإعظام إحجام رهبتي
(1) ما بين المعقوفين ساقط في س.
س.
(2) ما بين المعقوفين ساقط في (3) ما بين المعقوفين ساقط من س. (4) ما بين المعقوفين ساقط من س.
(5) في الأصل و [س]: [إن يفعل على شيئاً]، وما أثبتناه أليق.
241 (1/241)
صفحة 242
يقول: فصار بما أرسلتم إليّ من الرقباء على فكري، أو عقلي، وأعضائي (1) حين تجلّت عليها بصفاتها في كلّ عضو إقدام رغبة إليها، ومن هيبة التعظيم إحجام: أي انصراف عن كلّ شيء سواها رهبة من غيرتها من الأغيار، وهيبة عن الإقدام إليها بغير إذن منها، قال:
141 - لِفِيَّ وسَمْعي في آثارُ زَحْمَةِ عليها بَدَتْ عندي كإيثار رَحْمَةٍ
يقول: لفي – بتشديد الياء وكسرها من غير تنوين-، معناه لفمي، وإنما قال: لفيّ مراعاة (2) الشروط تركيب الكلام مع أهل (3) البديع في مقابلة في، يقول: وإنّ لفمي ولسمعي، وفي: أي وفي ذاتي، أي عقلي، وروحي، ونفسي، وجميع أعضائي، لأنّ كلمة فيَّ] تعمّ الكلّ [154]، آثار رحمة أي مراحمة من الواردات عليّ من حضرة المحبوب من قوة الرغبة، ومن الهيبة والرهبة والدهشة، أو ما يصيبه من ألم الحبّ يوم سلوكه من طرد وإبعاد، وتطمع وإياس، وقد جمع بقوله ذلك جميع ما يرد عليه من سببها، أو من جنابها، أو من إفاضتها عليه، أو من تجلّيها عليه.
وقوله: عليه بدت، أي هذه الأعضاء منّي، وأرواحي، وأنفاسي، وعقلي، وقلبي، وهي عندي، وعند كلّ شيء منّي كإيثار رحمة، أي كالتفضّل عليّ بأعظم رحمة منها، وقد تكون المراحمة بين أعضائي وكتمان بعضها على بعضها بما يُرى عليها من جناب الحضرة
الإلهية. قال:
142 - لِسَاني إن أبدى إذا ماتلا اسمها له وَصْفَه سمعي وَمَا صَمَّ يَصْمُتِ
يقول: وصار لساني إن أبدى سمعي له وصفه، أي إصفاء، وما صم عن سماعه بأحد ثلاثة وجوه: إما لوجود هيبة مانعة له عن السماع لوجوب ذلك في الحضرة أن لا يصغي هذا إذا أبدت لهذا، ولكن قد يكون ما لم يأتِ دليل على المنع منها إليه، والثاني إذا لم يكن منها رقيب مانع، والثالث حكم الدليل المانع يقول: فإذا لم تصمّ أذني بأحد هذه الثلاثة
(1) في الأصل: [وأعضاء]، وفي س: [واعطاء]، وما أثبتناه أليق بالسياق. (2) في س: [مراعات]. (3) [أهل] ساقطة في الأصل، وأثبتناها من س، ويقصد الشيخ ناصر هنا بقوله: ( ... مراعاة لشروط تركيب الكلام مع أهل البديع) تحقق الجناس التام بين (في) الأولى ومعناها (فمي)، و (في) الثانية ومعناها (في ذاتي).
242 (1/242)
صفحة 243
الوجوه فإذا تجلّى على لساني من واردات الحضرة الإلهية، وأراد أن يتلو اسمها، أي يذكر اسمها فإنّه يصمت لعلمها بغيرتها على ذلك، أي الحضرة من بعض الأعضاء على بعض.
قال:
143 - وأُذني إن أهدى لسانيَ ذِكْرَها لقلبي فلم تستعبدِ الصَّمْتَ صُمت (1) يقول: وكذلك أذني إذا أراد لساني أن يهدي ذكرها لقلبي أي يرسله هدية للقلب [لأنّ القلب] (2) هو بيت تجلّي صفات الرّب، ولم تستعبد أذني الصمت، أي لم تنقد (3) له بل طلبت الإصغاء صمت الأذن، أي منعت عن سماع ذكر لساني بأحد الوجوه الثلاثة [36 و] ظهور الغيرة عليها من الحضرة الإلهية، ولرقيب مانع منها، أو لهيبة وتأدب.
مع
قال:
144 - أَغَارُ عليها أن أهيم بحبّها وأعرفُ مقداري فأنكر غَيْرتي يقول: ولرؤيتي لنفسي بالحقارة أغار عليها أن أكون أنا الهائم بحبها، والطالب لوصلها عظمة جلالها، فإنَّ أقل الناس تغار منه الملوك يهيمون تحت نسائهم لشرفهم وحقارته، ثم أعرف مقداري أنه لا وجود لي أصلاً في الكون فكيف يغار مَنْ لا وجود له فأكون بقولي: أغار، هو عيب، أو ذنب في حقها؛ لأنّي بغيرتي عليها أثبت لنفسي وجوداً، وأنا لا وجود لي، وهذا بلسان الجمع، ثم رجع إلى لسان التفرقة (4)، أي الإنباء عن كلّ شيء فيه وجده من مقام الحجابية (5) في هذين البيتين كما ترى.
قال:
(1) في الديوان: [ولم يستعبد] بدل [فلم تستعبد]. (2) ما بين المعقوفين ساقط من س.
(3) في الأصل و [س]: [تنقاد]، وما أثبتناه أصوب.
(4) مرَّ الحديث عن (الجمع) و (التفرقة).
(5) الحجاب والحجب انطباع الصور الكونية في القلب لأنها مانعة من قبول التجلي الإلهي، والحجاب هو الذي يحتجب به الإنسان عن قرب الله، وقد يكون ظلمانياً بتأثير ظلمة الجسم، وكلّ المدركات الباطنة من النفس الله تعالى فحجاب النفس الشهوات، وحجاب القلب الملاحظة في غير الحق ... وهكذا، ينظر موسوعة
عن
الحفني، ص 716.
243 (1/243)
صفحة 244
(1)
145 - فَتَخْتَلسُ الرُّوحُ ارتياحاً لها، وما أُبراء نفسي مِنْ تَوهّم مُنيتي يقول: ولما تجلّى لكلّ شيء منّي من جمالها، وكتم بعضي عن بعض لغيرة منها، أو لهيبة، أو لرقيب منها، وكانت في العقل ثلاث (2) عيون، في كلّ عين أمر ومريد وطالب، أحدهما المودع في العين البصرية وهو بمنزلة النبي المعصوم من الغلط، وهو الداعي إلى الله، والثاني المودع في العين الغريزية وهو بمنزلة الملك المتصرف الآمر الغالب، والثالث المودع في العين المدبرة وهو الأمر بالسوء (3)، وبهذا التجلّي من الحضرة لكلّ شيء مني تختلس الروح، وهي العين البصيرية ارتياحاً، أي تختطف بهذا التجلّي نشاطاً، وانبساطاً في طلب الوصال، وتجلّي جمالها المطلق فرحاً، وسروراً بذلك؛ لأنَّ ذلك هو غاية مطلبها، ولكن ما أبريء نفسي، المدبرة، والغريزية أن تكون فيهما بعض بقية من توهم منيتي، أي وما أبريء ذاتي كلّها من التوهم، أي من ظنّ شكي من قبل نفسي المدبرة والغريزية أن يكون فيهما بقية من تمنّي طلب حظ لهما غير هذا المطلب فليست على يقين وتحقيق من كلّ شيء منّي من قبلهما، وهذا لازم أن يتهم العبد نفسه بغير التزكية؛ ولأنّ كلّ واحدة صارت لا تنظر، ولا تعرف جميع ما عند غيرها، فافهم.
قال:
146 - يراها على بُعدِ عن العَيْنِ مِسْمَعي بطيفِ ملام زائر حين يقظتي (4) [قد] (5) يقول: ومسمعي يرى الحضرة الإلهية على بعد من رؤية العين إذا طاف عليها طائف ملام من ملوم لي بحبّي وفنائي، وإرادة قتلي في حبّ حضرة المحبوب، فأراها بسماع ذكرها بالملامة من غير رؤية العين.
147 - فَيَغْبِطُ طَرْفِي مِسْمَعِي عِنْدَ ذكرِها وَتَحْسِدُ ما أَفتَتْه مني بقيتي يقول: وإذا رأى سمعي بعد فنائه من التجلي ما يرقيه إلى مرتبة الفناء كنت سمعه
(1) في الديوان: [منية] بدل [منيتي]. (2) في س: [ثلاثة].
(3) ذكر الشيخ ناصر هذه العيون فيما سبق.
(4) في الأصل و [س]: [يقضتي]. (5) ما بين المعقوفين ساقط من س.
244 (1/244)
صفحة 245
الذي
يسمع
به بدرجة النقاء بعد الفناء، وكنت بصره الذي يبصر به في مرتبة الفناء فيغبط
6
في
مسمعي عند ذكرها طرفي والغبطة الانبساط، والنشاط في الطلب على قوة لذة النعمة طمعاً أن يرقى إلى الدرجة التي بلغتها الأذن من مرتبة البقاء بعد الفناء، وتحسد بقيتي التي لم تنته (1) إلى هذه الدرجة الذي أفنته، ورقته درجة البقاء، وهي تجلّي صفاته الباقية عليها، ومراده الأذن، أي صار كلّ شيء منّي حاسداً للأذن، أي طالباً أن يكون مثلها في درجتها من غير تمن (2) لزوال ذلك عنها، فإنَّ الحسد يطلق على تمنّي زوال النعمة، وانتقالها إليه، وهذان الوجهان مذمومان.
والثالث أن يتمنّى أن يكون مثله، وأن لا يزول ذلك عنه، وهذا الوجه يسميه أهل
التصوف الغبطة (3) فافهم.
[بيان] (4)
في وجوه [36] الفناء أربع مراتب ثلاث تعمّ، ورابع يختص به النبي، ويترتب على كلّ مقام منها حكم من البقاء الحاصل من حضرة من الحضرات الكلية، وهي [حضرة الظاهر] (5) وحضرة الباطن، وحضرة الجمع بينهما، فتلك ثلاث مراتب. أمّا المرتبة الأولى من الفناء فهو السفر الأول (6)، وهو سفر النفس، وهو فناء النفس بجميع صفاتها العارضية الطارئة عليها من مراتب الوجود المفاض، وجميع صفاتها الأصلية المستصحبة لعين وجودها، والصادرة عنه، والبقاء الذي يترتب على هذا الفناء هو التحقق بظاهر الوجود الموصوف بالرحمانية، والفناء منه بحكم وحدته الحقيقية المنسوبة إلى أسمائها الحسنى، وهو ظاهر اسم الرحمن، واسمه الظاهر، وهذه الحضرة سفر الروح،
(1) في الأصل و [س]: [تنتهي]. (2) في الأصل وس: [تمنّي].
(3) لم أجد (الغبطة) في معاجم المصطلح الصوفي التي بين يدي، ويشرحها الكاشاني شرحاً لغوياً يقترب من شرح الشيخ ناصر لها، وهو قوله: «الغبطة تمني النفس حصول نعمة حاصلة للغير مع عدم تمنّي زوالها عنه»، ينظر
كشف الوجوه الغر، 127/ 1. (4) ما بين المعقوفين ساقط من س. (5) ما بين المعقوفين ساقط في س.
(6) وقف الشيخ ناصر عند مراتب السفر في بداية الكتاب، وقد مرّ الشرح هناك.
245 (1/245)
صفحة 246
أعني حضرة اسمه الظاهر يعبّر عنها باصطلاحهم (1) بمقام الجمع، وعالم الحقيقة. وأما المرتبة الثانية فهي فناء الروح وصفات حقيقتها، وخصائص عالمها المتعلقة بها، والغالبة عليها، والبقاء الذي يترتب على هذا الفناء هو التحقق بباطن [الوجود] (2) وغيبه في سابق علمه الأزلي؛ لأنَّ الوجود موجود في علمه الأزلي بلا نهاية كما هو في عالم الشهادة، ويعبّر بهذا البقاء بالتحقيق بحضرة الغيب، والباطن، وجمعه.
والمرتبة الثالثة سفر الجمع، وهو الفناء في حكمي الظاهر الوجودي، والباطن الغيبي، والبقاء المرتب في هذا الفناء عن التحقق بحكم حقيقة [النور] (3) البرزخية، والإنسانية، والجمعية التي خلق آدم عليها، وعلى صورتها، وهو المعبّر عنه مع أهل التحقيق بقاب قوسين، أي إنَّ الله تعالى (4) رتّب فيه صفات (5) تدلّ على حقيقة صفاته، ويتخلّق بتلك الصفات من صفاته فيخلع عليه من أنوارها، وما يصير أقرب الأشياء إليه رضا، ومحبة لا مسافة، تعالى الله عن ذلك، ويقال لها حضرة جمع الجمع (6) وفيها يلتقي رؤية الروح، ورؤية النفس فيكونا مرآة لتجلّي صفات الله تعالى، ويعبّر عن جميع مقامات البقاء بعالم الحقيقة، وحضرة الجمع، ولكن لا يقال جمع الجمع، ولا قاب قوسين (7) إلا المقام
الثالث.
وأما المرتبة الرابعة وهو السفر الرابع فهو مقام النبي، وهو: (أو أدنى) (8)، أي
(1) يريد باصطلاحهم أي المتصوفة، ومقام الجمع مرّ شرحه.
س.
(2) ما بين المعقوفين ساقط في (3) ما بين المعقوفين ساقط في الأصل، والزيادة من س.
(4) في س: [ثُمّ] بدل [تعالى]، ولها وجه في القراءة هو أن الله هناك، في [قاب قوسين]، ركب صفات فيه إلى آخر الكلام. (5) في الأصل و [س]: [صفاتاً].
(6) حضرة جمع الجمع الاستهلاك بالكلية في الله، وقد مرّت، ينظر موسوعة العجم، ص 256. (7) قاب قوسين مأخوذ من قوله تعالى: «ثم دنا فتدلى، فكان قاب قوسين أو أدنى»، النجم، الآية التاسعة، وفي مصطلح القوم هو مقام القرب الأسمائي باعتبار التقابل بين الأسماء في الأمر الإلهي المسمى بدائرة الوجود كالإبداء، والإعادة، والنزول، والعروج، والفاعلية والقابلية، وهو الاتحاد بالحق مع بقاء التميز، ينظر موسوعة العجم، ص 742، وموسوعة الحفني، ص 901.
(8) وهذا أرفع من المقام السابق، أي (قاب قوسين) بسبب شدة القرب.
246 (1/246)
صفحة 247
وأدنى من حضرة قاب قوسين، ويقال لها حضرة أحدية الجمع (1)، ولا يقال لشيء من المقامات بهذين الاسمين حضرة أدنى من قاب قوسين، ولا أحدية الجمع إلا لمقام
النبي (2)
[بيان]:
وفي
هذه الأبيات السبعة يعبّر عن هذا المقام الأول من البقاء المعبّر عنه بعالم الحقيقة، وحضرة الجمع مندرجاً في درجاته التي هي ظهور شيء من حكم التفرقة كما ذكرنا في الأعضاء، وفي كلّ شيء منه، ثم انتفاء ذلك عنه شيئاً فشيئاً، وذلك بسبب تحقق السائر فيه بكلّ ما يشتمله اسمه الظاهر من كليات الأسماء إلى أن يتحقق بجميع الكليات، وحينئذ ينتهي آخر هذا المقام الذي هو تمام غلبة الوحدة الحقيقية على الكثرة النسبية الأسمائية حيث تحقق من مركز دائرة اسم الظاهر الذي جميع توابعه بالنسبة إلى ذلك المركز سواء، فاعلم ذلك.
تلك
أقول: فإن قيل: كيف تتحقق الكثرة في الوحدة؟ وما المثال في ذلك؟ فأقول: إنَّ الإنسان إذا رأى بستاناً، ونظر إلى جميع أشجاره فإنّه ينظره نظرة جملة واحدة بعد ذلك بعقله، كذلك المثال في أسماء الله، فإذا نظر إلى معانيها فإنّه يتحقق ذلك منها جملة واحدة، وكلّها تنتهي إلى شيء واحد هو المسمّى بها، فافهم (3).
قال:
148 - أممْتُ إمامي في الحقيقة والورى وراثي وكانت حيثُ وجهتُ وِجْهَتي (4)
(1) ينظر عنها موسوعة الحفني، ص 629 - 630، وموسوعة العجم، ص 15. (2) هذا احتراز مهم من الشيخ ناصر حين يجعل هذا المقام خاصاً به الا الله، لا يلتبس الأمر على أحد فيظنّ أنَّ بمكنة غيره الوصول إلى هذا المقام، وهو يستند في هذا إلى الآية الكريمة في سورة النجم.
تختلف
(3) يتابع الشيخ ناصر في تأويله للكثرة مع الوحدة ابن الفارض من حيث قولهما بوحدة الشهود لا بوحدة الوجود، ووحدة الشهود هي | الفناء عن كلّ شيء سوى الله فأصبح المتصوف لا يشاهد في الوجود غيره، وهي: اختلافاً جذرياً عن وحدة الوجود، ومن هنا أخذ بها ابن الفارض والشيخ ناصر كلاهما، ينظر عن رأي ابن الفارض في وحدة الشهود، موسوعة، الحفني، ص 999، كما شرحها تفصيلا د. محمد مصطفى حلمي في كتابه
ابن الفارض، ص 313، وما بعدها. (4) في الديوان: [فالوري] بدل [والورى].
247 (1/247)
صفحة 248
الأعمال
صلاته
يقول: [37 و] أممت: أي قصدت أمامي، أي إلى ما أنا قاصد إليه في سلوكي في الحقيقة إلى حضرة المحبوب بحكم الحضور من التفرقة بحكم الشرع في جميع الإيمانية إلى حضرة الجمع، والواحدة، الحقيقية، والبقاء الثابت، وكل متوجّه في ودعائه فهو متوجّه إلى حضرة هذا الجمع؛ لأنّ حضرة الجمع حقيقته هو العلم بالله، وتوجّه كلّ شيء إلى العلم بالله تعالى، وإنّي متوجّه بوجهي في كلّ أعمالي إلى حضرة باطن تلك الحضرة الأحدية المنزّهة عن الإدراك والإحاطة، فلمّا كانت جميع ما سواها لا أنظر إليه، ولا أنا مستقبل إليه فقد صح أني أينما وجهت فهي وجهتي، أي مقابلة وجهي، ثم ذكر هذه الحضرة.
قال:
149
1 - يَراها أَمَامي في صلاتي ناظري ويَشَهَدُني قلبي إمام أئمتي يقول: لما تجلّى حضرة المحبوب، وأقام في قلبي، وسرّي أثر تجليها في جميع صفاتي، وأعضائي حتى انصبغ كلّ واحد منّي من سرّها وتحلّمها، وبوصفها بحيث لا ترى العين إلا إياه، ولا تسمع الأذن إلا نداه، وذكره، واسمه، فلا جرم ففي صلاته لا ينظر إلا إيَّاها فهو متوجّه إليها لله.
وقوله: ويشهدني: أي ويريني قلبي بتجلّي هذه الحضرة التي هي قبلة لكلّ عبد عابد لله، وهي الحضرة [الواحدية الحقيقية أني إمام للأئمة، ولكل متوجّه إلى الله تعالى؛ لأنّ التوجّه في الحقيقة إلى الله هو إلى هذه الحضرة] (1) المتجلّية على قلبي التي أنا متوجّه إليها، وهي حضرة العلم بالله ومشاهدته بصفاته.
قال:
150 - ولا غروى أن صلّى الأنام إلي أن تَوَتْ بفؤادي وهي قِبْلَةُ قبلتي يقول: ولا غروى: ولا عجب أن صلّى الأنام إليّ، أي أن توجّهوا بقلوبهم إليّ، أي إلى المتجلّية (2) على قلبي، [وهي قبلة قبلتي، أي قبلة توجّهي، فلا غرو أن توجهوا إلى التي هي
(1) ما بين المعقوفين مكتوب في الهامش في (2) في س: [إلى التي هي متجلية].
248 (1/248)
صفحة 249
متجلية في] (1) قلبي وأينما توجّه، توجّه إليها إن توجّه إليّ، أو إلى أي شيء كأن لم يرها إلاّ هي، يعني غروى، أي لا عجب أن بلغوا هذا المقام، وتوجّهوا في صلاتهم لا توجّه الوجوه الملزومين أن يتوجهوا بها إلى الكعبة، بل توجّه القصد والاعتقاد والإخلاص، والمحبة والفناء إلى القبلة، وهي الحضرة التي تجلّت بقلبي، أي وجهوا في ذلك بقلوبهم إلى مَنْ توجهت إليه فلا غروى أي فلا عجب فإنّه هو التوجه المقصود الشريف.
قال:
-151
:
وكُلُّ الجهات الست نحوي تَوَجَّهَتْ بما ثَمَّ مِنْ نُسْك وَحَجٌ وَعُمْرةٍ
يقول: وصارت جميع الجهات الست من القبلة التي هي الكعبة من جميع الكائنات هي توجهت نحوي، أي إلى وجهتي التي توجّهتُ إليها، وهي حضرة الله؛ لأنّ كلّ شيء من الكون هو متوجّه إلى الله تعالى، إلى حضرته هذه، وكذلك أنا متوجه إليها، وكلّ عبد متوجّه إليها بما عملوه من الأعمال الإيمانية التي لزمهم أن يستقبلوا بها بوجوههم إلى الكعبة، وغيرها من الأعمال، وكلّها في الحقيقة، فالتوجّه بها إلى هذه الحضرة وهي متجلّية في كلّ شيء بالدلالة، وقد تجلّت بقلبي بالحضور والمشاهدة، فافهم. ولا تظن أنه يعني نفسه، بل يعني الحضرة، حضرة الله تعالى، والمتوجّه للحضرة متوجّه إلى الله.
قال:
152 - لها صلواتي في المقام أقيمها وأَشْهدُ فيها أنها ليَ صَلَّتِ (2) يقول: صلواتي التي أقيمها في المقام، أي مقام إبراهيم، وهو ما دار بالكعبة موضع الطواف لها صلاتي هنا السلام، بمعنى إلي إليها أوجه صلاتي، أي إلى حضرة الله التي أشهد بها، وتجلّت على قلبي، وسرّي فيه، وفي جميع أعضائي سرها حتى صار كلّ عضو مني بي يسمع، وبي يبصر، وكذلك بي يصلّي، ولأداء حق الربوبية [38 ظ] لي من عبوديتي له كانت العبادة، والصلاة التي صلّيتها في الحقيقة من تلك الحضرة فرضاً عليّ، وبإعانتها لي فهي منها لي، أي لأجلي كانت فرضاً وإعانة ونفعاً، ففي الحقيقة إنَّ الله هو الفاعل إذ
(1) ما بين المعقوفين ساقط في س. (2) في الديوان: [بالمقام] بدل [في المقام].
249 (1/249)
صفحة 250
راجع
وقة
هو الموفّق، وهو المكوّن العامل والعمل العدل، ونفع ذلك راجع إلى العامل فهي له، أي لأجله تكميلة بأداء ما هو واجب عليه لله، والله غني عن ذلك، فكل ذلك] (1) نفعه للعامل، وله معنى آخر، لي صلاتي، أي ذاتي لي بمعنى إلي، أي إلى جهتي؛ لأنه توجه إلى الله إلي كان علمه في ذاته فهو متوجّه إلى جهته، وفي الحقيقة إلى الله تعالى الذي تجلّى علمه في ذاته لقوله تعالى: «ما وسعني سماواتي ولا أرضي، ووسعني قلب عبدي المؤمن» (2)، والوجه الآخر في العقل (3) عين بصيرية، وهي الروح بمنزلة [نبي] (4) لا يذعن إلا إلى الله تعالى وهي المتوجهة إلى الله تعالى وعلى العين الغريزية، والمدبرة الإذعان إليها، والتوجّه إلى جهتها، وألاً تمام إلا بها، وهي متوجهة إلى الله] (5) الذي تجلّى عليها علمه فيها، فهي كأنها متوجهة لله إلى جهتها؛ لأنَّ الله الذي تعبده هو الذي تجلّى علمه فيها، فافهم.
قال:
- كلانا مُصَلَّ واحدٌ سَاجِدٌ إلى حقيقته بالجمع في كُلِّ سَجدة يقول: كلانا مُصَلِّ، يحتمل أنه يعني نفسه وروحه، ويحتمل أنه أراد هو وكماله، أو هو وحقيقته، أي أنوار، كماله أو العلم وهو حضرته لأنها فيه، أو لأنها كانت بإعانتها فتكون بمعنى الاستعارة من قوله تعالى: بي يسمع وبي يبصر، فكذلك يكون الحال، وبي يصلّي، والمصلّي ساجد إلى حقيقته بالجمع، فمقام الجمع هنا البقاء بعد فناء النفس الذي هو الفناء الأول، وبقاء الجمع بتحقيق عين حقيقة الوجود الظاهر بالإفاضة من أنوار الصفات الأسمائية كذلك في كلّ سجدة منّي فعلاً، ومنها إذ هي بها لولاها لم تكن ثمَّ صلاة، ولا حجّ، ولا نسك، ولا عمرة، والمثال في ذلك لو أن ملكاً أمر أستاذاً 1 للبناء أن يبني له بيتا في موضع عيّن موضعه، وأتقن كيفية صورته، وأنفق الملك على
(1) ما بين المعقوفين ساقط في (2) مرّ تخريج الحديث.
س.
(3) في س: [إنّ في العقل عين]، والصواب عيناً.
(4) ما بين المعقوفين ساقط في س.
(5) ما بين المعقوفين ساقط في س.
(6) ما بين المعقوفين كلمتان لم أتمكن من قراءتهما.
(6) [
250 (1/250)
صفحة 251
بنائه النفقات العظيمة، وعبده يبني البناء حتى أتمّه وأحكم صناعته، وتشييده بالتشييد فيصح أن يقال إنّ هذا البناء بناه الملك الفلاني لنفسه، أو لأحد من خدمه، ويصح أن يقال هذا بناه هذا الأستاذ من خدمة للملك، أو لنفسه لأجل أن نفعه رجع إليه، كذلك الصلاة والعبادة على المجاز، والحقيقة على هذا المثال يصح القول فيها كذلك، فافهم.
قال:
154 - وما كانَ لي صَلَّى سِواي ولم تكُنْ صلاتي لغيري في ادا كل ركعة يقول: وفي الحقيقة لم يصل (1) لي أحد غيري؛ لأنّ تلك الحضرات وإن أوجبت عليّ، وصار فرضاً، وأغاثتني، فهي فارضة عليّ وعلى غيري، ومعينة لي ولغيري، فالتي أنا صليتها لم يصلّها أحد غيري بها، ولم تكن صلاتي إلا لي في أداء كلّ ركعة، لا لغيري لقوله تعالى: مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ (2) وَمَن شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ} (3)، وكذلك توجّهي إلى ذاتي، أي إلى الحضرة المتجلّية في ذاتي؛ لأنَّ عند أهل الصوفية أنَّ الذات هي نور العقل، وإنّما سواه كان عدماً محضاً (4) وإن كان في الحقيقة هو غير عدم، ولكن في مقابلة هذا النور الذي به يُعبد الله تعالى، وبعدمه تفسد عليه العبادة بإفساده صاحبها لها فيكون باطلاً، وتلك الذات النورانية هي التي عرفت الباري حق المعرفة وتوجهت إليه، وهي الداعية إلى الله تعالى وهي التي لزم التوجّه إليها لتسلك حيث تسلك به، لا لأجلها، ويكون التوجّه [39] هي الدليل، والتوجه إلى قضد الدليل ليدله إلى المطلوب الواجب عليه قصده، وأحبّ كذلك الحضرات الصفاتية، ففي الحقيقة أن العبد يقصد بعبادته الذات لا الصفة، ولكنّ الصفة هي الدليل على معرفة الذات فإذا لم تُعرف الصفة لم يعرف الموصوف بها، فالتوجّه إلى الصفات لازم ليعرف بها الموصوف، فافهم ذلك.
بيان: هذا آخر سَفَر النفس، ومن بعده سفر الروح:
قد ذكرنا أنَّ السفر إلى الحق على أربع مراتب الأول من النفس إلى الحق بحكم
(1) في الأصل و [س]: [يصلي].
(2) الجاثية، الآية 15.
(3) النمل، الآية 40.
(4) في الأصل و [س]: [عدم محض].
(5) ما بين المعقوفين ساقط في
س.
251 (1/251)
صفحة 252
الحبّ لأجل التحقق بحقيقة الاسم الظاهر، وأسمائه الكلية الأصلية نحو السميع والبصير، ونحوهما، وهذا آخره.
والثاني من الروح إلى الحق بحكم الحبّ لأجل التحقق بحقيقة الاسم الباطن، والأسماء المختصّ به نحو السلام، والقدوس ونحوهما.
والثالث من التقيّد بأحد هذين الاسمين إلى ظاهر الحضرة الإلهية الجامعة بينهما
بالذات.
والرابع سفر النبي، وهو من ظاهر الحضرة الإلهية إلى باطنها، وهذه الحضرة المحمدية هي المقصودة بنظم الناظم، ويتكلم بلسان حالها عن كيفية السلوك إليها من
بداية السفر الأول إلى الثاني إلى الثالث، ثمّ إليها، وإن كان لا يصلها إلا النبي.
[بيان]
ولما انتهى هذا السَّفَر الأول تفرّع بسيره في الروح، وإزالة الأحكام الخلقية عنها بحكم الحبّ، وذلك أنه لما رجع من هذه السفرة أحس بستر رقيق، وحجاب شفاف من أحكام خلقية الروح فتوجّه إلى الحبّ مستعيناً به فأجابه الحبّ أني قد فرغت من هذا الشغل قبل إحساسك بإنّيتك حيث كنت معدوماً في حضرة علم ربّك، وعند مبدأ قدومك إلى عرضة الكون، وتعلّق وجود المفاض على حقيقتك، والمضاف إليها، وبروزك به في عالم الأمر والأرواح حيث لا ظهور للصور وعوالمها أصلاً، فتقدّم، وأقدم على السير، فأقدم وتقدّم واخرق ذلك الستر الرقيق الذي تجده فيك بقوة عزمك القويّ. فلما تقدّم بقوّة الهمة، وتعارض العزم لكن براية الحبّ، وكمال تأثيره فيهما فحينئذ انهتك الستر فرأى أنّ عرى عقد هذا الستر والحجب كانت مسترخية بيد الحبّ عند عقد فأحببت أن أعرف قبل ظهور حقيقته، ثمّ انجلت بيد الحبّ عند العهد الثاني، عند إرادة الإيجاد، ثم انحلّ منها ء عند ظهوره في عالم الأمر، وهو عالم الأرواح، ثمّ أفنى كلّ ما لم يكن مع الوجود في عالمه ثابتاً من الصفات الأصلية، والتحق بالروح من أحكام المرتبة الخليقية، والأوصاف الكونية المختصة بالروح، ومن أدنى غبار خفيف يتشبت بأذيالها من أحكام باقي المراتب بسبب أدنى ملابسة تعلق النفس بها، ورجوعها إلى الروح بطريق الاستمداد منها، وعند التوجه إلى الحبّ بقوّة العزم والهمّة بحكم الحبّ يغني الحبّ هذه العوارض
شيء
جميع
252 (1/252)
صفحة 253
التي لم تكن ثابتة مع الوجود، وتمّت في عالمه فاضمحلت، وانهتكت الحجب والأستار
الكلية، وفي الأبيات الآتية يذكر هذه المعاني كما ترى.
***
253 (1/253)
صفحة 254
[صفحة فارغة] (1/254)
صفحة 255
الباب السادس
في السفر الثاني، سفر الروح براية المحبّة الإلهية ومشاهدات الحضرات الباطنية الأسمائية الإلهية بلسان المقام المحمدي:
قال:
155 - إلى كَمْ أُواخِي السِّتْرَ؟ ها قد هتكتُه وَحَلّ أواخي الحُجْبِ في عَقْدِ بَيعتي يقول: وفي عقد بيعتي لها في صدق حبّها، ووصل رضاها عني من طريق المحبّة حلَّ الحجب المانعة عنّي عن ذلك، وعن تجلّيها [39] وأنا كلّما هتكت حجاباً رأيت حجاباً مانعاً فكأنه استطول مدة قطعها وكثرتها فقال: إلى كم أواخي؟ أي كم من الحجب لم أزل مقارباً لها، مؤتلفاً بها، مشغولاً بها؟ وكلّما تركت أخوة حجاب، وحللت عقدة ألفته، وأخوته التي عقدت بيعة نفسي وروحي لها على ذلك، وظننت أني قد هتكته، ولم يَبْقَ غيره رأيت حجاباً آخر.
قال:
156 - منحْتُ ولاها يومَ لا يومَ قَبْلَ أَن بَدَتْ ليَ عند العَهْدِ في أوليتي يقول: إلى كم هذه الحجب أقطعها، وقد عقدت هي بيعتي لها بخرقها، وزوالها، ومنحتني بقبول العقد، وزوال الحجب هي يوم لا يوم أي في العلم الأزلي قبل إرادة الإيجاد، وقبل العهد منها عليّ في الإيجاد عند الإيجاد الذي هو عالم الأمر أني لم أخلق لأجل هذا ولهذا، وهو معنى قوله: أوَّليتي.
قال:
157 - فَتِلْتُ هواها لا يسمع وناظر ولا باكتساب واجتلابِ جِبلة
(1) في الديوان: [عند أخذ العهد] بدل [لي عند العهد].
255 (1/255)
صفحة 256
يقول: فنلت هواها: أي حبّها لا بسمع منّي عن لسان حالها ولا نظر، ولا باكتساب ولا باجتلاب حيلة، أي ولا بطبع في النفس، بل كرامة في علم الغيب الأزلي أني كذلك لها محبة، وهي كذلك لي حِبّ، ولم يزل الأمر كذلك إلى أن ظهر وجودي فكنت كما في سابق
علمه الغيبي الأزلي.
قال:
158 - وَهِمْتُ بها في عالم الأمرِ حيثُ لا ظهور وكانتْ نَشْوتي قَبْلَ نَشْأَتي يقول: وَهِمْتُ بحبّها في عالم الأمر باتحاد الأرواح قبل الأشباح لما خلقت روحي قبل خلق جميع عالم الشهادة مع خلق الأرواح في اللوح المحفوظ، فهامت بحبّها لهذه الحضرة الباطنية الغيبية كما سبق في علمه الأزلي أنها من أهل حبّها فكانت في الحقيقة نشوتي، أي سكرتي بحبّها قبل [نشأتي، أي] (1) قبل ظهوري في عالم الشهادة كما كنت كذلك في عالم الغيب قبل ظهوري إلى عالم الأمر.
قال:
159 - فأفنى الهوى ما لم يكن ثم باقياً هنا من صفات بيننا فاضمحلت
من
يقول: وأفنى الهوى، أي الحبّ كلّ ما لم يكن ثَمّ باقياً، أي ما لم يكن فيها حالا الصفات، أو مجتلباً، ولم يكن أصله من صفاتها في عالم الأمر باقياً إلى الذي هو من صفة بقائها الحقيقي فاضمحلت، ورجعت كما كانت في عالم الأمر، وذلك بانكشاف حقيقة الحضرة العلمية الأزلية الغيبية، وتجلّيها على الروح، وانكشاف حقائق باطن الوجود في الحضرة العلمية، والمعنى أنه متى غاصت الفكرة فيها، وفنت في حبّ النظر إليها ذهب كل مكون في الكون من عالم الأمر، وعالم الشهادة وتوحدت بوحدتها فيها.
قال:
160 - وألفيتُ ما أَلْقَيْتُ عنّي صادراً
إليّ ومِنّي وارداً ببصيرتي
(2)
يقول: فألفيت - بالفاء- أي فوجدت ببصيرتي المضافة إلى عين وجودي لا إلى روحي
(1) ما بين المعقوفين ساقط في س.
(2) في الديوان: [فألفيت] بدل [وألفيت]، و [بمزيدة] بدل [ببصيرتي].
256 (1/256)
صفحة 257
وعقلي هو ما ألفيته، أي هو الذي طرحته عنّي ما كان عن روحي وصادراً من حقيقتي، أو ما كان عليها وارداً مما هو حجاب مانع عن التجلّي، وقوله: ما كان صادراً إليّ، أي الذي صدر من صفات حقيقتي هو في الحقيقة وارد إليها، وما كان وارداً إلى بصيرته فهو في الحقيقة صادر منها وعنها، إذ الكلّ في الأصل قبل نزولها، أي الروح في عالم أشباحي ليست من صفاتها كذلك، وكلُّ ما ألفيته ليست من صفاتها في عالم الأمر، ولا في عالم الغيب طرحته منها ونفيته عنها، ولو لم يكن كذلك في سابق علمه ما قدرت على ذلك.
قال:
161 - وَشَاهَدْتُ نَفْسي بالصفات التي بها تحجبت عني في شهودي وحُجْبَ يقول: وشاهدت نفسي، أي ونظرت نفسي في علم الحضرة الغيبية الأزلية التي كانت ولا شيء معها، ولا يعرفها أحد إلا الله تعالى فهي [40 و] محجوبة عن معرفتها، ومعرفة صفاتها فنظرتها في شهودي [لها، وفي] (1) شهودي في عالم الشهود، وفي حال [احتجابي عنها] (2) وحال احتجاب جميع الأشياء المكونة بعدم كونها بصفاتها كذلك أني لم أزل كذلك قديماً في علم الله بلا بداية، وكذلك جميع صفاتي قديمة أزلية في علم الله بلا بداية، ولكن نظرتك كذلك، ونظرت نفسي كذلك بالصفات المفاضة عليّ من أنوار صفاتك الذي نوّر لا كالنور مثل سمعي وبصري وإرادتي وحياتي، وعلمي وحبّي، المخلوقة لى الدالّة كلّ صفة على صفات الله من أن يكون مثلها، أو على شبهها في شيء تعالى الله علوّاً كبيراً.
قال:
162 - وإنّي التي أَحْبَبْتُها لا محالة وكانت لها نفسي عليَّ مُحيلتي يقول: وإني أنا تلك النفس التي شاهدتها في عالم الغيب في العلم الأزلي، وهي التي أنا أحببتها اليوم حيث أردتها أن تكون فانية بحبّها لتلك الحضرة المحبوبية، وتبقى بصفاتها التي هي صفات البقاء لها من صفات الباقي، وكانت أي تلك الحضرة العلمية الأزلية التي نفسي معها أزلية في علم الله محبّة لها هي المحيلة، أي المخولة على تلك
(1) ما بين المعقوفين ساقط في الأصل، والزيادة من س.
(2) ما بين المعقوفين ساقط من س.
257 (1/257)
صفحة 258
النفس إلى جسدي في عالم الشهود، وتحويلها نفسي عليّ هو تحويل لها [ا] (1) عنها؛
لأني صرت في الصفاء والبقاء كما كان كنت في العالم السابق الأزلي.
قال:
163 - فَهَامَتْ بها من حَيْثُ لم تَدْرِ وهي في شهودي بنَفْس الأمرِ غَيْر جَهولة يقول: [فهامت بها: أي بحبّ الحضرة المحبوبية في عالم الأمر] (2) من حيث لم تدر، وهي في شهودي: أي في عالم شهادتي، بنفس الأمر غير جهولة: أي غير جاهلة اليوم بحقيقة الأمر أنها كذلك كانت في عالم الأمر هائمة بحبّها، وكذلك هي في العلم الأزلي قبل كونها لا تدري بذاتها، واليوم بذلك غير جاهلة أنها كذلك.
قال:
164 - وَقَدْ آنَ لِي تَفْصِيلُ ما قُلْتُ مُجْمَلاً وإجمالُ ما فَصَّلْتُ بَسْطاً لِبَسْطَتي يقول: ولما تجلّت لي الحضرة منّي (3)، الظاهرة والباطنة، ووصلت مرتبة بقائهما بقدر استعدادي لقبول ذلك، لا كلّ التجلي، ولا كلّ البقاء فقد آن أي حضر أن [أفضل] (4) شرح ما أجملت في هذا السلوك، وإجمال ما فصلته، والمراد الإيجاز المخبر، قوله: بسطاً، أي شرحاً لبسطتي أي لتحققي علماً وعملاً ووصولاً لأهدي إلى الطريق، وأحدى حداء الحقيقة من أولها، وهي الحضرة العلمية الأولية الأزلية في ثلاثة أبيات
قال:
165 - أَفَادَ اتخاذي حُبَّها لاتحادِنا نوادر عن عادِ المحبّين شَذَّتِ يقول: أفاد حبّها لي وحبي لها اتحاد أي في المحبة لها بما هي تحبّه، وليس المراد غير الموافقة لا غير، وموافقة صفاتي بصفاتها، ولكن من غير اتحادها حبها وصفاتها هي مباينة لصفاتي، إذ لا يصح اتحاد صفات الله تعالى بصفات المكونات
بي؛
(1) ما بين المعقوفين ساقط في الأصل، والزيادة من س، و [لا] هنا ذات دلالة مهمة في السياق. (2) ما بين المعقوفين ساقط في س. (3) في الأصل: ولما تجلّت لي الحضرتان الظاهرة ..... إلخ)، وأثبتنا ما في س لتلاؤمه مع السياق. (4) ما بين المعقوفين ساقط في
س.
لأن صفات
258 (1/258)
صفحة 259
وهذه من نوادر عادة الاتحاد بين المحبين فافهم، فإنّهم قد يتحدون في التشابه بالأوصاف، وهذه الحضرة منزّهة عن ذلك (1).
قال:
166 – يشي لي بي الواشي إليها ولائمي عليها بها يُبدي لديها نصيحتي يقول: وكان قبل وصولي إلى هاتين الحضرتين: الظاهرية والباطنية من النفس، ومن الروح يشي: أي يريد لي الواشي، والواشي معروف أنه هو الذي يسير تارة مع المحبّ، وتارة مع المحبوب بما يفسد عليهما ألفتهما، وأما اللائم فأكثره يلوم المحبّ على حبّه في محبوبه يريد أن يصده، كان هذا في بداية أمري، ولكن لما سبق في العلم الأزلي أنّي ممّن يحبّ هذه الحضرة ذكرهما لها في معرض اللوم والوشاة يبدي بها نصيحتي لديها كان يحتني إلى قربها ويرجعني إلى حبّها، وإلى السلوك إلى وصالها، والسفر عنهما، وعن أوصافهما؛ لأني حينما ذكراها همت في حبّها، ورمت القصد إليها فكانت نصيحتي في عذلهما [40] ولومهما، ووشاتهما، فافهم.
قال:
167
1 - فَأُوسِعُها شكراً وما أسلفتْ (2) قلى وَتَمْنَحُني برًا لِصِدْقِ المحبّة (3)
يقول: ولما تجلّت لي الحضرتان (4) في مقام الجمع بالتجلي المطلق على ذاتي، أي نفسي فأوسعها ذلك التجلّي، أي أوسع النَّفْس والروح معاً، وذكرهما هنا بمعنى واحد (5)؛ لأنهما في مرتبة الجمع، شكراً: أي رضا، وقربة، وتجلّياً وكرامة، وظهور محبّة، وتجلّيات علوم تحقيقية في تحقيق إلى النظر إلى الحضرتين وتمنحني أي تلك الحضرة الجمعية التي فيها صارت الحضرتان (6) حضرة واحدة في مقام الجمع برّاً ولطفاً، وزيادة تقريب
(1) مرَّ الحديث عن [وحدة الشهود] التي يقول بها ابن الفارض، ويشرحها الشيخ ناصر هنا تفصيلاً. (2) في الأصل: [وما أسفلت]. وما أثبتناه من س وهو يتلاءم مع الديوان.
(3) في س: [المحبّتي].
(4) في الأصل و [س]: [الحضرتين، وما أثبتناه أصوب. (5) مرَّ الحديث عن [النفس] و [الروح]، والفرق بينهما. (6) في الأصل و [س]: [الحضرتين]، وهي كالسابقة.
259 (1/259)
صفحة 260
وتجل، وإفاضة صفات البقاء لصدق المحبة التي منحتني هي إياها، وما أسلفت (1) من المدة من تباعدها عن تجلّيها لي، وتقريبها إيَّاي ما كان منها ذلك قلى، أي غير محبة، وإنما ذلك هو عين محبّتها مثل محبّتها لوصالي، فهي بخلاف أهل الحبّ في الأغيار؛ لأنها لو كان ذلك منها عن قلىً لي لما وصلت إليها إذ بها كان وصولي إليها، وكذلك أنا قد شكرتها على جميع ذلك كما هي قد شكرتني على جميع ذلك، وفي الحقيقة هي شاكرة نفسها بشكري لها؛ لأنَّ شكري لها كان منها إلي فافهم.
[بيان]
ولما كان السلوك إلى الله بهذه المحبة هي وسيلة إلى الله تعالى، وقد أحبّها وجب على مَنْ سلكها، وعلى شروطها وجوب استحباب لا إلزام بيانها لمن رام السلوك إلى الله بها، وكان في المستحبّ أن يذكر أول السلوك، لا أوّل سلوكه ليدخل الطالب إليه من بابه، بدأ الناظم بأول السلوك منبئاً عن قول الحالة المنبئة عن ذلك بلسان الحال لطالب السلوك بواشي روحه، ولائم نفسه، ولو لم يكن هو قد وقع عليه ذلك منهما فإنَّ حالة كذلك غالباً، فافهم، فإنَّ الحالة مرادها أن تنبيء عن سلوك النبي ولكنه هو لم يبدأ من أوله؛ لأنَّ الغالب في الخلق غير الأنبياء أن يكونوا مريدين، والنبي صلى الله عليه وسلم والأنبياء مرادون، ولكنه لم يصح للطالب السلوك إليه معهم في زمرتهم إلا من أوله إلى أن يصل بعض حضراتهم التي تجلت لهم.
المرء هي
[بيان]
اعلم أن الحجب الحائلة بين النفس، وبين تجلّي الحضرات الإلهية، والقربية إليها تنقسم إلى قسمين: أحدهما الصفات وطلب الحظوظ والاستبقاء بها والاشتغال بها. والثاني تعلّق النفس بذلك، وذلك على نوعين: نوع متصل بالشخص كالأكل والشرب والنكاح، وغير ذلك من اللذات الحسنة، والنوع الثاني منفصل عن الشخص كالجاه، وحبّ المال، والمُلك، وأمثال ذلك من اللذات والحظوظ الوهمية كالعلوم، والحرف (2).
س.
(1) في الأصل: [وما أسفلت]، وما أثبتناه من (2) يلمس الشيخ ناصر هنا موضوعاً أثيراً دائراً في التراث الصوفي طالما وقف عنده أعلامهم شارحين، ومقسمين هذه الحجب أقساماً، وداعين إلى تجنّبها كي يتمكن السالك من قطع الطريق، والوصول إلى الغاية المبتغاة، وهم
260 (1/260)
صفحة 261
والترك لهذا القسم الأول، ونوعه الأول، والصفات، وطلب اللذات الحسية يسمّى عند
أهل الصوفية في اصطلاحهم توبة (1)، وترك القسم الثاني ونوعه، والإعراض عنه يسمّى الزهد (2)، وباقي المقامات الإيمانية والإسلامية كلها فروع ومقامات، ومتمات لهذين القسمين وهذين النوعين ويتفرّع هذان القسمان والنوعان في الترك لهما والإعراض عنهما إلى مراتب، ودرجات الفقر (3) جامع لدرجاتها، فإنَّ الفقر إلى الله هو القُربة إليه، وهو الموصل إلى حضرة القُرب، والداعي إليها، فصار من أكبر الأسباب الموصلة إلى تجلّي الحضرات التوبة الزهدية، والزهد في الأغيار والفقر إلى الله الملك الجبار، ولما كان لا يصح كون التوبة عن النظر إلى الأغيار والزهد وتحقيق الفقر إلى تبدل النفس وصلها عن ذلك، أتى الشيخ بهذه المعاني في هذه الأبيات.
قال:
168 - تَقَرَّبت بالنَّفس احتساباً لها ولم أكن راجياً عنها ثواباً فأدْنَتِ يقول: [41] تقرّبت بقتل نفسي احتساباً لها، أي لصلاحها متبرّعاً كالمحتسب الناظر للصلاح بغير طلب أجرة على فعلي ذلك منها، ولم أكن راجياً عوضاً عنها ثواباً؛ لأني لم
في
ذلك يبرزون [احتراق] ذلك السالك، و [قلقه] الدائم بغية التغلب على تلك الحجب وخرقها، وهي عملية دونها مشاق وأهوال.
(1) التوبة أول مقام من مقامات الانقطاع إلى الله، وأول مقام من مقامات السالكين، ووصفها الثوري بقوله: هي أن تتوب عن كلّ شيء سوى الله تعالى، وجعلوها أقساماً نحو توبة الإنابة، وتوبة التائب، وتوبة نصوح، ولهم فيها كلام خصب يطول، ينظر عنها موسوع رعة العجم، ص 211، وما بعدها، وموسوعة الحفني، ص 695، وما بعدها.
من
(2) الزهد هو خلوّ القلب عمّا خلت منه اليد، والفرق بينه وبين الفقر هو أنَّ الفقر يمكن وجوده بدون الزهد، كأن يترك الفقير الدنيا بعزم ثابت إلا أنَّ ميله إليها لا يزال باقياً، والزهد أيضاً يمكن وجوده بدون الفقر كأن يزهد الشخص الدنيا رغم إقبالها عليه، وتقتدي الصوفية بالرسول محمد صلى الله عليه وسلم باعتباره ذروة الزهد والزاهدين، وللقوم كلام طويل في الزهد وأقسامه، والزاهدين وأنواعهم ينظر في موسوعة الحفني، ص 870، وما بعدها، وفيها أنَّ الزهد مقامات اليقين التسعة. (3) الفقر: لعلَّ هذا المصطلح من أظهر الدلائل على خصوصية الألفاظ عند الصوفية، ونهجها نهجاً خاصاً بهم ينفصم عن الدلالة اللغوية المعروفة، فحقيقة الفقر عندهم ليس هو الفاقة والعدم، بل هو الفقر المحمود الثقة بالله تعالى، والرضا بما قسم، أو هو وقوف الحاجة على القلب، ومحوها إلى كلّ أحد سوى الرب على حد قول السهروردي، كما جعلوا الفقراء أقساماً ومراتب، ينظر موسوعة الحفني، ص 902، وما بعدها، وموسوعة العجم، ص 717، وما بعدها.
261 (1/261)
صفحة 262
أنظر نفسي أني تقرّبت في حق هذه (1) الحضرة المحبوبة بشيء فلذلك لم أرج بها عنها ثواباً، ولم أرد منها أجراً على احتسابي أيضاً، وبقتلي لها على هذه الصفة أدنت أي قربت، والمراد أنها قربتها الحضرة القربية والحضرة المحبوبية، ومراده هنا مرتبة التوبة، أي
أفنيت صفاتها، وطلب حظوظها الحسيّة، ثم انتقل إلى مرتبة الزهد في الأغيار.
قال:
169 - وَقَدِّمتُ مالي في مالي عاجلا وما إن عساها أن تكون مُنيلتي يقول: وقدمت بالبذل مالي من الحظوظ عن جاه ومال، وما كان لي في الكون من حظ فتركته عاجلاً، زهداً في طلب مالي، أي العاقبة في الدنيا للوصول إلى الحضرة، ولعاقبة الآخرة للفوز بالقرب، وبتجلّي الحضرة المحبوبية المتجلية عليّ في الدنيا فإنّه كما تتجلّى في هذه الدنيا كذلك تجلّيها في الآخرة لا غير، وما لا يمكن تجلّيه في الدنيا كالذات كذلك في الآخرة، وليس في نفسي أنّه عسى أن تكون تلك الحظوظ التي تركتها طلباً للوصول إلى الحضرة المحبوبية في الدارين أنّها يبذلها قربات منيلتي ذلك؛ لأني لا أراها شيئاً، ولأني بذلت شيئاً.
قال:
170 - وَخَلَّفْتُ خَلْفي رؤيتي ذَاكَ مخلصاً وَلَسْتُ بِراضِ أن تكون مطيتي
من
أداء
يقول: وخلّفت خلفي رؤيتي ذاك، أي الذي بذلته فلم أنظر أنّي بذلت شيئاً طاعة، ولا ما تركته لأجلها زهداً، ولست براض أن تكون مطيتي التي توصلني إلى الحضرة برؤيتي إلى أعمالي، ومراده أنه كذلك ينبغي أن يكون السالك، وله معنى آخر، ولست براض أن تكون نفسي مطيّتي، أي أن أكون أنا السابق لها، بل مراده درجة قوله: «تولّيت أمره، وكنت سمعه وبصره، ولسانه ويده، فبي يسمع، وبي ينطق، وبي يبطش» فيكون
حينئذ مجذوباً، فافهم.
قال:
(1) في س: [تقربت في هذه الحضرة].
262 (1/262)
صفحة 263
1 17 - وَيَمَّمْتُها بِالفَقْرِ لكن بِوَصْفِه غَنَيتُ فألقيتُ افتقاري وثروتي يقول: ويمّمتها أي قصدتها، أي الحضرة الإلهية الجمعية بالفقر، أي بالافتقار إليها (1) لكن بحقيقة وصفه، ومَنْ أخلص لله تعالى بحقيقة الافتقار بلغ إلى الوصول لا محالة؛ لأنَّ حقيقة الافتقار إليه أولاً بالأعمال أن لا يخالفه فيما أحبّ أبداً، ومَنْ خالف في شيء لم يکن مفتقراً إليه في ذلك؛ لأنَّه كأنّه اغتنى برأيه عمّا أحبّه الله إليه فأحبّ هو غير ما أحبّ فلم يكن إليه مفتقراً. والافتقار الثاني افتقاره إلى إيجاده، وإذا قصده بحقيقة الافتقارين، كما أنه لا يمكن إيجاده إلا به، كذلك كان افتقاره إليه في كلّ أمر.
وقال:
وبهذا السلوك إليها، أي الحضرة في الافتقار غنت؛ لأني غنيت عن كلّ شيء فلم أحتج إليه سواها فألقيت فقري وثروتي، أي لم أنظر إلى نفسي أني يممتها بفقري، ولم أنظر ثروتي وغنائي بذلك؛ لأنَّ كلَّ ما أفعله لا أراه شيئاً أبداً، ويصح أن تكون الثروة نظرة إلى الأغيار (2).
يقول: فألقيت نظري إلى فقري، وإلى غنائي بذلك، وإلى الأغيار كلها فيكون معنى الثروة: الغنى، والمراد بالغنى استعارة إلى الكثرة، وتلك الكثرة] 3) في رؤيتي ليس بشيء أبداً، والأول أوجه في تفسير البيت.
قال:
172
- فَأَثْبَتَ لي إلقاءُ فَقْري والغنى فضيلة قصدي فاطرحتُ فضيلتي يقول: فأثبت لي إلقاء أي ترك رؤيتي إلى فقري، وإلى فناها – بإلفاء – رؤيتي فقري فضيلة قصدي إليها فضيلة [41 ظ] عظيمة، ولكن كذلك طرحت فضيلتي، أي كذلك ترکت رؤيتي لهذه الفضيلة، وهذا كله مراده ترك رؤية استعظام الأعمال في حق الله
(1) هذا هو المعنى الجوهري للفقر الذي يقصده القوم، وهو ما وقفنا عنده سابقاً، ويجليه الشيخ ناصر هنا. (2) هذا معنى عميق للثروة يؤكد ما سبق.
(3) ما بين المعقوفين ساقط من س.
263 (1/263)
صفحة 264
تعالى، والنظر إلى أنه لا حول عن معصية الله، ولا قوة على طاعة الله إلا بالله العلي العظيم، إذ الكلّ فيه فضل على السالك، فأي شيء منه على الحقيقة إذا كان كلّ ما فعله إليه من شيء يحبّه منه بإعانته، والألم يقدر، وقال تعالى: {خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ} (1)، وإذا كان العمل الخير من الله، ومن العبد، فعل، فهو خالق الفاعل، وبإعانته تعالى لعبده أقدرها العبد. قال الله تعالى: [يا داود اشكرني، قال: يا ربّ، وما شكري لك، وشكري لك هو كذلك منك لي فضل كذلك بلا نهاية. قال: يا داود يكفي ذلك منك مع العمل منك بما أُحبّ، وترك ما أكره] (2).
قال:
173 – فَلاحَ فَلاحي في اطراحي وأصبحت ثوابي لا شيئاً سواها مثيبتي يقول: فلاح: أي فلمح نور فلاحي في اطراحي، أي في ترك رؤيتي لأعمالي (3) بنظر الاستعظام إليها في حق جناب الله تعالى، وأنَّ شيئاً كان منّي، وبي، وأنّ كلّ ذلك كأنه ليس بشيء، وأني لم أعمل بعد عملاً كما ذكرت لي سابقاً، وأن لا ترى ما أعددته، وأنّ الذي أعددته غير عدّة فأصبحت بهذا السلوك ثوابي هي، أي ثوابي [توالي] (4) تجلّيها عليّ،
وتقريبي إليها، ولم أكن بشيء سواها مثيبة لي، وذلك هو الذي طلبته منها.
قال:
174 - وَظِلْتُ بها لا بي، عليها أَدلُّ مَنْ به ضل عن سبل الهدى وهي دلت (5) يقول: وظلت أي قصرت في خلوصي من جميع الأغيار إليها مجرّدة كما كانت في عالم الأمر، أي وصارت نفسي وروحي فانية عن جميع الأغيار كما كانت قبل نزولها في الجسد في عالم الشهادة، لأنها لم تدنس بها إلا بعد نزولها في عالم هيكلها، أي جسدها وصورته، وكلّ ذلك كان بها، أي بسببها، أي بسبب حبّها لي وحبّي لها، وبإعانتها لي،
(1) الصافات، الآية 96.
(2) القول في عوارف المعارف، ص 236. (3) في س: [الأعمال، وما في الأصل أوجه.
(4) ما بين المعقوفين ساقط في الأصل، والزيادة من س، وهي هناك مكتوبة في الهامش.
(5) في الديوان: [إليها] بدل [عليها].
264 (1/264)
صفحة 265
وأصبحت أدلّ عليها بها، أي على الاستعانة بها أدلّ كلّ به (1) أي بنفسه وبإرادته، وبرؤية أعماله، وبحجب الأغيار عنها إنّما هي للمرء به عن سبل الهدى، أي هداها، وهي دلت:
أي وهي دلتني عليها، فالدلالة منها عليها، وبها كان الوصول.
(1) في س: [أدلّ كلّ مَنْ ضَلَّ به أي بنفسه].
265 (1/265)
صفحة 266
[صفحة فارغة] (1/266)
صفحة 267
في
الباب السابع
الحثّ على السلوك، وفيما يستحب له أن يتجرّد منه براية المحبة الإلهية بلسان
المقام المحمدي:
ولما بين غاية السلوك، وفوائد الوصول، وتكلّم في الترغيب فيه، وما ينبغي أن يكون قال فيما يجب له أن يعمله، ويتركه في سلوكه
175
فَخَلَّ لَها خِلِّي مُرادَكَ مُعْطِياً قِيادَكَ مِنْ نَفْس بها مُطْمئنة
يقول: أيها المحب الراغب إلى وصالها كن كما قد ذكرت لك، وإن كنت قد وصلت فقد تحققت الأمر فإنها تقول لك بلسان حالها ما أقول لك، وأبديه إليك أنك قد عرفتنا فارجع فأصلح ما بقي وفاتك من الإصلاح، وتأهب للمقام معنا بعد ذلك، وأسرع الرجعة، وكذلك أنا أقول لك إنك خَل لي، أي اترك لها يا خلّي أي خليلي، مرادك: أي إرادتك اتركها، وإليها معطياً قيادك من نفس مطمئنة: أي ساكنة إليها غير ملتفتة إلى غيرها، منقادة لأمرها من غير عناد لها، ولا رؤية لأعمالك.
قال:
6 17 - وَأَمْسِ خَليا عن حظوظك واسم عن
-176
حضيضكَ واثبت بعد ذلك تنبت (1)
يقول: وأمس خليّاً: أي خالياً عن حظوظك عن طلب شيء لنفسك، حتى نفسك لا تريدها، واسْمُ: أي واغلُ، عن حضيضك: أي نزولك ونقصك إلى ارتفاعك بمفارقتك للأغيار إلى الحضرات الإلهية، وأثبت هناك بعد ذلك فإنك تنبت، أي تبقى البقاء الأبدي بالصفات الباقية المتجلّية عليك من صفاتها، فافهم [42].
(1) في الأصل و [س]: [حظيظك]، وما أثبتناه أصوب.
267 (1/267)
صفحة 268
قال:
177 - وسدد وقارب واعتصم واستقم لها مجيباً إليها عن إنابة مُخْبِتِ 178 - وَعُد من قريب واستجب واحتسب غدا اشمر عن ساق اجتهاد بنهضة (1)
يقول: سدّد أي الزم الصواب في كلّ أمر، وتقرب إلينا في كل لحظة، واعتصم بنا، واستقم إلينا، والزم الاستقامة علماً واعتقاداً وعملاً وتركاً وقولاً، واستجب لما أردناه منك، وأنب إلينا أي ارجع إلينا إنابة، أي رجوع مُخبت أي [(2)، وَعُد: أي وارجع عن قريب أي عن سرعة كما وصلت إلينا، وتحققت أمرنا، واستجب لما نأمرك به من السرعة [واجتنب غداً: أي اجتنب التسويف في اليوم إلى غد فلا تقل بالقول أو بالفعل أو بالتواني غداً لا اليوم] (3) عن ساق في الاجتهاد بنهضة، فإنّك غداً لا تدري حالك، ونظرة منا إليك، ونظرة منك لنا تكفيك، وربّما بتأخير ساعة تفوتك تلك النظرة؛ لأنَّ أجلك لا بيديك.
قال:
- 179 - وَكُنْ صارماً كالوقتِ فالمَقْتُ في عسى وإِيَّاكَ عَلي فهي أخطرُ عِلَّةٍ يقول: وكن صارماً: أي سيفاً ماضياً، أي اقطع به كلَّ ما [ا] (4) يليق بسلوكك إلى الحضرة الإلهية، وكلّ حجاب مانع كالوقت كماضي الوقت، فإنَّ كلّ جزء عشر جزء لمحة من الوقت تمضي بأسرع من لمح الطرف ولا تعود، كذلك في تخلّصك عنك، وعن كلّ شيء سواها، أي الحضرة، فإنَّ المقت، وهو الإفساد في التأخير، لعسى غداً ابتداء، ولعلّي غير اليوم، ولعلَّ غداً، ولعلَّ لا تدرك، ولا تصل، ولعلّ يصل بغير سلوك، وعسى ذلك، وهذا هو أخطر علّة، أي أخوف علة، والعلّة قد يراد بها ما يوجب الحكم بوجودها، ويرفع لعدم وجودها، وذلك مع أهل المنطق والعلة مع أهل الطب التي يعتلّ بها غير
(1) في الديوان: [واجتنب] بدل [واحتسب]، وفي س: [بنهظة]. المعقوفين بياض في الأصل و [س] بمقدار كلمتين. وهذا من غريب الاتفاق.
(2) ما بين (3) ما بين المعقوفين ساقط في س.
(4) ما بين المعقوفين غير موجود في الأصل و [س]، وأثبتناها لتلاؤمها مع السياق، ولا يستقيم الكلام إلا بها.
268 (1/268)
صفحة 269
الصحيح المعنى.
قال:
180
(1)، والمخطرة هي المخوف الهالك منها، أو بسببها، وفي الوجهين المراد هذا
القصد
18 - وَقُمْ فِي رضاها واسْعَ غَيْرَ مُحاوِلٍ نَشَاطاً ولا تُخْلِدُ لِعَجْزِ مُفَوِّتِ يقول: وقم أي انتبه من نوم غفلتك، واستيقظ (2) من رقدتك، وانهض من قعودك، واسْعَ: أي واقصد رضاها، أي الحضرة المحبوبية، والمراد برضا حضرة الملك هو ا إليها والتأدب بآدابها، والمقصود بذلك رضا الحضرة، والتأدب بين يدي الملك ليرضى عنك الملك، ولا تحاول نشاطاً أي لا تؤخر القيام تحاول له وقت نشاط تجده في نفسك، كذلك إذا وجدت من نفسك في حينك غير قوى النشاط، لذلك فلا تؤخره محاولاً مجيء وقته إليك أن لا يأتيك، ولا يزيدك التمادي إلاّ ضعفاً، والمراد بالنشاط قوة الرغبة، والضعف ضعفها، ولا تخلد أي تقيم (3) ثابتاً لعجز مفوت على التمادي لداعي عجز مفوت لك السعي، والقيام إلى ما لم تخلق إلا لأجله يدعوك داعي عجزه عن ذلك، فإنّك ما خُلقت إلا للسعي والقيام إلى عبادة الله تعالى.
عسي
[بيان]
فإن قيل ما الفائدة في الخطاب للتأنيث، ولم يأته صريحاً في الله تعالى، وإنما يأتيه في الحضرة؟ فأقول: مراعاة لأسلوب العرب في الحبّ (4) أنه أعظم شرفاً أن يكون في النساء
(1) يتنقل الشيخ ناصر بين مصطلحات العلوم ليبين الفروق بينها، فالكلمة واحدة غير أنّ دلالتها في علم هي غيرها في علم آخر، فالعلة في المنطق هي السبب، والفاعل الأول كقول بعض الفلاسفة: إنَّ علل العالم القديمة البادية أربعة وهي: الهيولى، والصورة، والعلة الفاعلة، والتمام، فهذه أسباب لهذا العالم، وتكوّنه على حد قوله، أما في الطب فهي المرض والداء، ومن هنا كثرت الكتب الطبية التي تحمل عنوانات مثل: العلة، أو العلل، أو العلل والدواء، وهكذا، مما يشير إلى الأمراض، وطرق علاجها، فالشيخ ناصر يفرّق بينهما وفق دوران الكلمة في علم بعينه، وهي تفرقة لازمة غايتها الإيضاح، وإن كان المعنيان كلاهما صالحين في هذا الموضع كما يقول. (2) في الأصل و [س]: [واستيقض]، وما أثبتناه أصوب. (3) في س: [لا تقيم].
(4) هذا تدقيق من الشيخ ناصر في معرفة أساليب العرب في كلامها ليس بغريب عليه، فالغزل العربي برمته منذ الجاهلية وحتى العصر الحاضر وصف لعلاقة بين الرجل والمرأة، مع تنوّع تلاوين هذه العلاقة، وموضوعاتها، أما ما طرأت على هذا الغزل بعد هذا من غرض هو الغزل بالمذكّر فهو مستجلب وافد على الطبيعة العربية، وشعرها كليهما من ثقافات أخرى نجمت بعد التلاقح الحضاري الكبير الذي وقع بين العرب، وغيرهم من
269 (1/269)
صفحة 270
من الرجال لشرف النكاح وفضيلته، فإنّ الرجل إذا تغزّل بقوة الحبّ في رجل مثله أنكر مع العرب ممّا يتغزّل به في النساء، ولمّا كان أعظم في التأنيث التغزّل بالحبّ خاصة، كما أنَّ التغزّل بالشجاعة في الرجال أعظم درجة من التغزّل به في النساء، ونظم هذا الرجل في حبّ الله تعالى فلا غرو وجب في حق جناب الله تعالى أن يسلك به الدرجة الأعلى في الأسلوب تعظيماً لله الملك العظيم، ولا يصح أن يسلك به [42 ظ] كذلك إلا في حضراته، و درجات قربه وصفاته، وما كان من القول في صفة الموصوف أو في حضراته، فهو في الحقيقة راجع إلى ذاته تعالى، وقال الله تعالى: وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ} (1)، وأراد بذلك صاحب الشجرة (2)، ولا تظن أنَّ المراد أن يعبد بعبادته الصفة دون الذات فإنَّ حقيقة العبادة لوجه الله تعالى، أي ذاته جلّ وعلا، والمراد برضا حضراته والإقبال إليها هو إلى ملك الحضرة، فافهم ذلك.
قال:
181 - وَسِرْ زَمَنا وانهض كسيراً فحظك في البطالة ما أخرتَ عَزْماً لِصُحْبَةِ (3) يقول: وَسِرْ: أي واسلك زمناً، أي مثقلاً بما تحملته من كثرة العلوم، وكثرة ما حملته من الكمال، ومن المحبة الإلهية، وانهض بقوة عظيمة كسراً، أي منكسر القلب بقوّة الخضوع والخشوع، وما حملته كالذي يمشي كسيراً لكثرة ما حمله غير طائق على المشي، فحضّك في البطالة: أي وخذ حظاً عظيماً فشرّ البطالة فيما أخرت، أي في الذي أخرته عن نفسك، أي في الذي وجب تركه في واجب المحبة لصحبة، أي لصحة الصحبة ووجوب صفاها، فكن قوي العزم في السلوك إلى كثير البطالة فيما لا يوجب القرب، فافهم.
قال:
الأمم، وهو مما أفاضت المصادر القديمة، والمراجع الحديثة في الحديث عنه، و ويأتي الشيخ ناصر ليرصد هذا الأمر، ويجعل منه حقيقة واقعة سندها الشعر نفسه.
(1) الإسراء، الآية 60.
(2) هذا لون بلاغي يسمى [إيجاز الحذف، وهو من باب حذف المضاف، وبقاء المضاف إليه يدلّ على المحذوف، كقوله تعالى: (واسأل القرية أي أهلها، ينظر معجم المصطلحات البلاغية، د. أحمد مطلوب، 1/ 353.
(3) في الديوان: [فحظك البطالة] بدل [فحظك في البطالة].
270 (1/270)
صفحة 271
182
1 - وَقَدِّمُ وأَقْدِم ما قعدت له مع الـ خوالف واخرج عن قعود التلفت (1) يقول: وقدم أولاً ترك الذي قعدت له، أي وقفت إليه مع الخوالف، [أراد الخوالف] (2) كلّ شيء لا يوجب القرب إلى هذه المقامات الكمالية، أو الوقوف مع ما صارت دونه من المقامات، أي قدّم ترك البطالة بالوقوف فيها مع أهلها، وأقدم بقوة عظيمة إلينا، واخرج عن قعود: أي قعودك في التلفّت بالنظر إلى الأغيار، فالمحبّ ليس له قرار في مرتبة [بل كلّ مرتبة] (3) يرقاها طلب أقرب منها كذلك بلا نهاية، فقالت له الحضرة: فحظك يكفيك من الوقوف في وقوفك عنا فيما أجزت من المراتب، أو أخرت الوصول إلينا بوقوفك سائراً في المراتب إلينا فهلم مسرعاً.
قال:
183
- وَجُذٌ بِسَيْفِ العَزمِ سوفَ فَإِنْ تَجُذْ تَجِدْ نَفَساً فالنَّفْسُ إِن جُدْتَ جَدَّتِ يقول: وَجُد بالجيم والذال المعجمة وفتحها وتشديدها: أي واقطع لسيف العزم وَجُنَّ [سوفاً]، وأراد بسوف التأخير، فإن تجد: أي فإن تقطع تجد – بالجيم والدال المهملة- - بفتح النون والفاء والسين: أي سعة، فالنفس وهي ذاتك إن جد أراد إن جُنَّت، أي قطعت عن شهواتها ومرامها، وهواها، جدت بالدال المهملة-، أي جدّت في السلوك، وأسرعت إلى ما يراد منها، فافهم ذلك.
نَفَسَاً
قال:
184 - وأقبل إليها وانْحُها مفلساً فقد وَصَيْتَ لنُضحي إن قَبِلْتَ وصيتي يقول: وأقبل بقوة العزيمة إليها، وانحها أي واقصدها، مفلساً: أي خليّاً من الأغيار كلها ليس في قلبك شيء منها، ومفلساً من رؤيتك ورؤية أعمالك، ومن رؤية كلّ شيء سواها فقد وصيت أراد بوصيت بمعنى وصلت وأراد معنى وصلت بمعنى جمعت؛
(1) في الديوان: [وأقدم وقدّم] بدل [وقدم وأقدم]، و [قيود] بدل [قعود]. (2) ما بين المعقوفين ساقط في س، والخوالف: جمع خالفة، وهي مَنْ تخلف عن المجاهدين من الضعفة كالنساء والصبيان، وهو ينظر إلى قوله تعالى: {رَضُوا بِأَن يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ وَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ} [التوبة:
[87
(3) ما بين المعقوفين ساقط في
س.
271 (1/271)
صفحة 272
لأنَّ الوصل (1) جمع بين واصل وموصول، أو بين موصولين، أي فقد جمعت لك بيان السلوك وشروطه لنصحى، لبذل نصحي: أي إعذاري وإنذاري لك وتحريضي، ووصيتي
عليك إن قبلت وصيّتي فقد فزت بالسعادة الأبدية في الدنيا والآخرة.
قال:
185 - فلم يَدْنُ منها موسر باجتهاده وعنها به لم يَنْاً مُؤْثِرُ عُسْرَةِ يقول: لمّا كانت حضرات القرب إلى الله تعالى من عباده على تفاوت، وكلّ حضرة تنال بوجه من السلوك إليها، وهذه الحضرة لا تُنال إلا بهذا السلوك، وذلك حق، وقد قلتُ لك في وصيّتي إليك، ونصحي لك أن تقصدها بالإفلاس من رؤية شيء من الأغيار حتى عن نفسك، وعن رؤيتك لأعمالك كأنها ليس بشيء في حقّ جنابها، فإنّه كم من محبّ رامها ورأى كثرة أعماله في اجتهاده، واستعظم ما كان من جنابه إليها، فلم يَدْنُ منها: أي لم يقرب إليها هذه الحضرة، وإن قرب إلى حضرة هي دونها [43 و] فإن المراد هنا هذه الحضرة، موسراً باجتهاده أي بكثرة اجتهاده من الأعمال مثل عامة أهل الإسلام المخلصين إلى الله بأداء الواجب وترك المحرم، وما قدروا عليه من المكروهات، والعمل بما قدروا عليه من المندوب، والوسائل الشرعية الخفيفة عليهم، ولم يتخلّصوا من رؤية الأغيار، ورؤية نفوسهم، ورؤية أعمالهم إليها مفلسين من كلّ شيء سواها، فهم وإن بلغوا الحضرة الأولى من القُرب فإنّهم لم يدنوا إلى هذه الحضرة، ولم ينأ عنها مَنْ أتاها كاملاً بأداء الطاعة، وهو مؤثر العسرة، أي مختار الإفلاس بعد ذلك من كلّ شيء سواها، ولأجل ذلك أمرتك أن تأتي إليها به.
قال:
- 186
- بِذَاكَ جرى شَرْطُ الهوى بين أهله
وطائفة بِالْعَهْدِ أَوْفَتْ فَوفَّت
يقول: بذلك: أي بهذه الشروط جرى بين أهل الهوى، أي أهل الحبّ في كمال صدق المحبّة من المحبّ لمحبوبه أن لا يأتيه إلا كاملاً لازماً للاستقامة التي أرادها منه محبوبه، وأن يكون مع ذلك مفلساً خالياً باله من كلّ شيء سوى محبوبه حتى لا يذكر الحضرة ولا
(1) في س: [الوصول].
272 (1/272)
صفحة 273
غيرها، وإن كان هو قاصداً إليها، وإنما في قلبه ليس شيء غير ذكر المحبوب (1)، وطائفة وقت بهذا العهد الذي عاهدوا به أنفسهم بوفاه وعهدهم هو قوة عزيمتهم التي أضمروها للسلوك في ذلك أنّهم لا يرجعون حتى يصلوا، أو يموتوا (2) قبل الوصول، فوفت: أي فوقوا بالعهد فوفّوا بمرادهم وبما أحبّوه وقصدوه.
قال:
7 18 – متى عَصَفَتْ رِيحُ الفَنا قَصَفَتْ أَخا عنا ولو بالفَقْدِ هبت لربّتِ (3) يقول: متى عصفت ريح الفناء: أي هبت بقوة ريح الفناء، أي النظرة إلى كثرة الأعمال، ورؤيتها بعين الاستعظام، لها، أو كثرة الرؤية إلى الأغيار، قصفت: أي كسرت أخا عناء، أي صاحب العناء، أي صاحب التعب بالعناء فيها عن الوصول إلى هذه الحضرة كما قالت: كم تطاولت أعناق إليها فجُنَّت قبل الوصول إلينا، ولو هبت بالفقد لربت، أي لرفعت من الربوة التي هي الارتفاع، ومراده بالفقد الفناء عن كلّ شيء سواها، وقيل: متى الغناء، بالغين المعجمة - كالأول، ولكن هنا مراده عدم الاحتياج (4)، أي لم يحتج إلى شيء سواها، والغنى بتلك الحضرة الجمعية، وتجلّى قوله تعالى: الولاك ما خلقت الكون عليه فيها فإنّها تقصف أخا الغنى بالغين المعجمة - خلاف التأويل الأول، أي الثروة بذلك الغناء الحقيقي أيضاً، فلا يرى ذلك الفناء أيضاً لتعاظم المحبّة عليه، ولو هبت بالفقد: أي بفقد رؤية ذلك الفناء بها لَرَبَتْ أي زادت مرتبة قرب أيضاً، فافهم الفرق بين
ريح
الوجهين. قال:
188 – وأغنى يمين باليسار جزاؤها مدى القَطْعِ ما للوَصْل في الحبّ مُدتِ يقول: وأغنى يمين: أي يد يمين يكون أن تكون كلّ ما تراه أنه يسار، أي غنى لها بذلك من الأغيار الذي هو في الحقيقة ليس بغنى، أو تراه غنى من الحضرة الحقيقية حتى فيما
(1) في س: [محبوبه].
(2) في الأصل و [س]: [يصلون أو يموتون].
(3) في الديوان: [غناء]، بدل [عنا] و [بالفقر] بدل [بالفقد].
(4) يعني الاستغناء.
273 (1/273)
صفحة 274
يفاض عليه من صفاتها أن يكون جزاؤها، أي تلك الأشياء التي يراها غنى، أي مدى القطع، أي سكاكين القطع، ما للوصل أي ما دام يقطعها للوصل مدة، أي أسباب الحبّ، والتوصل به إلى ما هو أقرب من تلك الدرجة ممدّة له بترك رؤيته إلى ذلك الغنى فإنّه يترك رؤيته، ولا يقف عن قطع الأسباب المانعة له إلى زيادة القرب ما دامت الزيادة ممدة له بقطع ذلك بلا نهاية حتى يفني روحه ملك الموت.
قال:
189 - وَأَخْلِصْ لها واخْلُصْ بها مِن رُعُونة اف تقارك من أعمالِ برِّ تَزكَّتِ يقول:
[43 ظ] وأخلص لها بالطاعة، وتخلّص لها من كلّ شيء سواها، وأخلص بها؛ لأنه لا يصح إلا بها في كلّ عمل تحبّه منك، وأخلص بها: أي برؤيتها من رعونة، أي من إعجابك برؤيتك افتقارك، أي من رؤيتك لخلوك من كلّ شيء سواها حتى من أعمال بر تزكت، أي خلصت إليها من كلّ شيء سواها، فلا تنظر إلى افتقارك إليها، ولا إلى أعمالك، ولا إلى غناك بها، بل اخلص إليها مخلصاً من هذا كلّه.
قال:
190 - وَعَادِ دواعي القيل والقال وانج من عوادي دَعَامٍ، صِدْقُها قَصْدُ سُمْعَةِ يقول: وعاد والمعنى أراد ترك القيل والقال، أي اترك كلّ قول يوقفك عن السلوك، واترك الالتفات إليه، وانج عن عوادي: أي كلّ ما كان من عوائده الصدود عن قصد السبيل من الأشياء التي لا تدعوك إلاّ إلى أعمال إذا نظرتها بعين اليقين وجدتها دعاوى، وصدقها قصد السمعة والشهرة والرياء والإعجاب (1)، والمعنى صدقها أي حقيقتها يؤول كذلك فدعها عنك، وكذلك الوقوف في أحد المقامات فإنّها عند الحضرة الأعلى إذا قصدتها، ووقفت مع هذه فإنّها تكون معها قصدك لها دعوى أيضاً.
(1) أسهب الغزالي في الحديث عن هذه المطالب، أي السمعة، والشهرة، وطلب المعرفة بين الناس، وذلك في كتابه إحياء علوم الدين، ينظر، 3/ 274، وما بعدها.
274 (1/274)
صفحة 275
[قال] (1):
- 191
لسان
فَأَلْسُنُ مَنْ يُدْعَى بِأَلْسَن عَارِفٍ فإن عبرت تلك العبارات كلت (2) يقول: فاقصد إلى هذه الحضرة المحبوبية، وخلّ عنك كلّ ما يمنعك عنها، ويشغلك بشيء تحبّه دونها فإنّها هي المحبوبة التي لها الصفات المحبوبة في الحقيقة، وعلى الحقيقة التي ليس مثلها شيء محبوب لا في الدنيا، ولا في الآخرة. فألسن: جمع مَنْ يدعى إلى معرفتها، وإلى وصفها إذا وصفها مَنْ هو ألْسَن، أي أفصح عارف بها من الواصلين إليها فإنّه لو أراد أن يعبّر عن حقيقتها في أوصافها من جهة عالم الأشباح (3)، أو عالم المثال، أو عالم المعاني، أو عالم الأمر، أو عالم السرّ، أو عالم الغيب فإنّ عبارته إن عبّرت تلك العبارات أي الصفات التي لها كلت عن إدراك حقيقة وصفها فإنَّ جمال كمال صفائها وكمال جمالها وجلالها لا يحيط به إلا الله تعالى؛ لأنه لا يعرف حقيقة وصف الله تعالى إلا هو، وإن نحن عبّرنا عن صفاته بصفاته الحق فإنّها موصولة إلى حقيقة وصفه، ولكن من حيث لا يحيط بحقيقة ذات كمال الصفات كما هو يعلم صفاته، کماله ويري
وجلاله جلّ وعلا.
قال:
192 - وَمَا عَنْه لم تُفْصِحْ فَإِنَّكَ أَهْلُهُ وأنتَ غَريب عنه إن قُلْتَ فَاصْمت يقول: وإن علمت بعبارتك أنّك لم تقدر أن تفصح عن حقيقة كماله وجلاله وجماله في عبارتك عنه، وذلك أنَّ حقيقة جلال جماله، وكماله ليس كما أنت عبّرت عنه، وأنه لا يعرف تحقيق صفات الله إلا هو فإنَّك أهله، أي أهل لمعرفته، ومن أهل توحيده، وإن ظننت أنك قد أحطت بعبارتك في وصفه، وأنّ ذلك هو غايته فلست من أهل المعرفة به، فأنت غريب، أي أنت فى غير وطنك؛ لأنَّ وطن وجودك يدلّ على أن كمال الله لا يحيط بحقيقته إلا هو فقد سافرت من وطنك الصحيح إلى البعد عنه في صحة التوحيد، وعن دلالتك؛ لأنك أنت، آن أي، قريب أي دلالة ذاتك قريبة إليك، إلى تصحيح الحق منها،
(1) ما بين المعقوفين ساقط في س.
(2) في الديوان: [عُبرت كلّ] بدل [عبّرت تلك].
(3) مرَّ الحديث عن هذه العوالم، وللمزيد ينظر موسوعة العجم، ص 600، وما بعدها.
275 (1/275)
صفحة 276
،
وقريبة [إلى الله] (1) بتسبيحها لله، ووصفه بصفاته، وأنّه لا نهاية لكماله، وأنّه لا يحيط بكماله إلاّ هو، وكذلك بجميع صفاته، فدلالة ذاتك ومعانيها، ودلالة جميع الوجود ومعانيه واحدة قريبة إلى الله بالتنزيه [لله] (2) والتسبيح والشهادة له بالعجز عن إدراك معرفته، وعن الإحاطة بمعرفة حقيقة جماله وجلاله وكماله، وإذا كنت كذلك فأنت غير محقق بالتوحيد فاصمت عن العبارة. وله وجه آخر في معناه أنك [إن] (3) اشتغلت بتدقيق [44 و] معرفته وأنت غير سالك حبّه، فأنت غريب عن وطنك الذي أنت قريب من الوصول إليه بتلك المعرفة؛ لأنَّ تحقيق المعرفة أن تقصد بها إليه، والصمت (4) أولى ما بك، ولكن قد يكون لطلب جاه إذا ظنّ أنّه
هو الأمدح له.
قال:
193 - وفي الصَّمْتِ سَمْتُ عِنْدَه جَاهُ مُسْكَةِ غَدا عَبْدَه مَنْ ظَنّه خَيْرَ مُسْكِتِ (5) يقول وفيه تقديم وتأخير: وإنّي أمرتك بالصمت في العجز عمّا لا تحيط به، والصمت على وجوه، وقد يكون في بعض وجوه الصمت سَمْتُ (6) أي قصد، عنده: أي بصحبة جاه، أي طلب جاه مُسكة: أي بقية مأخوذ من معنى التمسك ببعض الشيء، ويمكن أن يكون تقديره وفي بعض الصمت قصد بصحبة بقية من طلب بجاه متمسّك في طلبه لجاه هذا القصد، ومَنْ كان كذلك فقد غدا، أي أصبح عبده، أي عبداً للجاه من ظنّه، أي ذلك القصد والطلب والسعي لثباته في السكوت أنه يصير بذلك، أو قد صار بذلك خير مسكت، أي أفضل ساكت على هذا القصد، أو ظنّه خير مسكت، أي ظنّ أنّه كلّما كان
من
س.
(1) ما بين المعقوفين ساقط في (2) ما بين المعقوفين ساقط في س. (3) ما بين المعقوفين ساقط في س.
(4) الصمت من آداب الحضرة، وهو لا يختص باللسان لكنّه على القلب والجوارح كلّها، وهو من الصفات الواجب توافرها في السالك، ومن المأثور عند القوم: صمت العوام بألسنتهم، وصمت العارفين بقلوبهم، وصمت المحبّين من خواطر أسرارهم، ينظر عن الصمت موسوعة العجم، ص 550، وما بعدها، وموسوعة الحفني،
ص 835
(5) في الأصل: [سمعت] بدل [سمت]، ولا يستقيم، وهي [سمت] في س، والديوان، ينظر، ص 107. (6) في الأصل: [سمعت] بدل [سمت]، ولا يستقيم، وهي [سمت] في س، والديوان، ينظر،
، ص
107.
276 (1/276)
صفحة 277
السكوت أكثر فهو (1) أهيب له مع الناس طلباً للجاه لا لله تعالى، وكان سكوته خوفاً أن يفتضح مع مَنْ هو أعلم منه، فكل هذا من الرياء به، وطلبه لغير الله جلّ وعلا، وإنّما أمره بالصمت في سلوكه إلى الحضرة الجمعية التي انتهينا بالوصف إليها؛ لأن الكتمان أسلم له، ولكن يكون ذلك الصمت لعماه عن رؤيته عن كلّ شيء سواها، ويكون مع ذلك كما
قال.
قال:
- 194
فكُنْ بَصَراً وانْظُر، وسمعاً وَع، وكُنْ لساناً وقُلْ فالجمعُ أهدى طريقة
يقول: فكن مع صمتك عن كلّ شيء سواها لعدم رؤيتك إلا إياها بصراً ببصرها، وانظر بها، وكن سمعاً بسمعها، وع قولها، وكن لساناً: أي ناطقاً بكلامها، وتكلّم بها، وقل فالجمع أهدى طريقة ومراده وقل بلسان حالها حال سلوكك إلى هذه الدرجة التي هي الجمع، أي فناء النفس وفناء الروح منهما إلى حضرة الظاهر من غير الوجود بفناء النفس، وإلى حضرة الباطن الغيب الأزلي بفناء الروح، وهي الحضرة الإلهية الجامعة للحضرتين، أي حضرة الروح، وحضرة النفس، فحضرة الظاهرية الشهود به، وحضرة عالم العلم الغيبي، ومعنى عالم الغيب هو العلم الذي لم يتجلَّ بالشهود المقدم ذكر ذلك حتى يكون كما قال: «فإذا أحببته كنت سمعه وبصره، ولسانه ويده، فبي يبصر، وبي يسمع، وبي ينطق، وبي يبطش أي بإرادتي، وبمحبتي فلا يفعل إلا ما أحبّه أن يفعله فكأنه هو الفاعل حيث أراد فعل هذا به فحينئذ بهذه الصفات لا نهي عن كلام ولا نطق، ولا سمع ولا أمر بصمت؛ لأنَّ ما كان من ذلك فبمحبته وإرادته.
قال:
195 - ولا تَتَّبِع مَن سَوَّلَتْ نَفْسُه له فَصارت له أَمَارَةً واسْتَمرّتِ يقول: كن كما قلت لك ولا تتبع مَنْ سوّلت له نفسه إمّا لإعمال المعصية، وإما قعدت به بعد كمال الإيمان الواجب عليه عن الارتقاء إلى هذه الدرجات فصارت له أمارة إما إلى
(1) في س: [أنّه كلما كان لعله السكوت السلوت أكثر فهو ... ] ولا معنى لها.
277 (1/277)
صفحة 278
المعصية، وإما إلى التقاعد (1) عن الارتقاء بالوسائل التي لا يهلك المرء بها، واستمرت به كذلك، فالنفس الأمارة بالسوء هي الأمارة بالمعصية، والأمارة بالتقاعد هي التي تعاجزه عن كثرة التعب بطلب الارتقاء الذي لا يُنال إلا بأشدّ بلاء لها؛ لأنها لم تزل تطلب الراحة
التي هي في الحقيقة ليست هي راحتها، وتنفر عن بلائها الذي فيه حقيقة راحتها. وقد ذكر أولاً النفس المطمئنة [وهنا ذكر النفس الأمارة، وسيذكر بعد حين النفس اللوامة ليجمع في نظمه المراتب، ولم يزل يذكر مراتب التصفية] (2) تارة بترك المحرمات [44 ظ] وتارة بترك المكروهات، وتارة بإخلاص أركان الإيمان الشرعية الواجبة والمندوبة، وما شاء الله من الوسائل، وتارة كذلك بهذه الوجوه الخمسة بمعاملة الحقيقة، وتارة بعلم المكاشفة الواجب، والمستحيل، والجائز، وتارة بفضائل التصوف بطريقة التجريد وتنوير النفس المجرّدة، وتارة بطريقة المحبّة والفناء فيهما شيئاً فشيئاً [ترتيباً] (3) محكماً بنظم أكمل فيه أنواع البديع، وعلم المعاني، والبيان، وانظر إلى كثرة استعماله لمجانسة الكلام، ولو قال قائل: إنّ شرح كلّ بيت من نظمه يحتمل أن يكون] (4) كتاباً واسعاً لكان صادقاً، وإنا أو جزنا خوف الملل، ولأنا لم نطلب بهذا الإيضاح ليكون كتاباً، وإنّما جعلناه تذكرة (5)
لنا، فافهم ذلك.
قال:
196 - وَدَعْ ما عداها واعْدُ نَفْسَكَ فهي مِنْ عداها وَعُذْ مِنها بِأَحْصَن جُنَّةِ ما عداها: أي ما عدا الحضرة الجمعية، واعد (6) نفسك: أي وجاوز الأغيار إليها، ويمكن أن يكون أراد واعد من العدو في الحرب،
يقول: ودع
نفسك، وجاوز جميع وأراد بذلك: وعادها، وخاصمها فهي من عداها، أي من أعدائها، أي هي عدوّة لها،
(1) في س: [الفناء] بدل [التقاعد]، ولا معنى لها هنا.
(2) ما بين المعقوفين ساقط في
س.
(3) ما ببين المعقوفين ساقط في س. (4) ما بين المعقوفين ساقط في
س.
(5) يردّد الشيخ الله هذا المعنى في ثنايا كتابه، وهذا من تواضع العلماء فيه، وإلا فهو كتاب فيه من شروط الكتاب
النصيب الأوفر، وقد وقفنا فيما سبق عند ولع ابن الفارض بالبديع.
(6) في الأصل و [س]: [وأعدوا].
278 (1/278)
صفحة 279
أي الحضرة. ويمكن أن يكون أراد وجاوز كلّ شيء سواها حتى نفسك؛ لأنها هي من سواها، وَعُذْ - بالذال المعجمة أي واستعذ منها، أي نفسك بأحصن جُنَّة: وهى الترس، والمراد بأحصن، وقاء، أي حصن يقيك عنها. وليس هو غير مخالفتها وفنائها حتى عن رؤيتها، وعن رؤية كلّ شيء سوى الحضرة المحبوبية الجمعية.
قال:
197
- فَنَفْسي كَانَتْ قَبْلُ لَوَّامَةٌ متى أُطِعْهَا عَصَتْ أو أعص (1) كانت مُطيعتي يقول: كن كما أمرتك، وإن رأيت نفسك أمارة بالسوء، أو أمارة بالتقاعد عن طلب هذه المرتبة القريبة، وكذلك كانت لوّامة، واللوامة هي المطيعة لله، وقد تعصي تارة، ومتى عصت لامت نفسها وبادرت إلى التوبة والمطمئنة: أي الساكنة الثابتة التي تجاذبها إلى رغبة المعصية أصلاً، ولكن قد تكون مطمئنة بإخلاص عامة المؤمنين، أو بإخلاص زهّادهم في الحلال، أو بإخلاص العلماء بإخلاص عامة المؤمنين بزهد الحرام والمكروهات، أو بإخلاص زهادهم في الحلال إلا ما لابد منه، أو بإخلاص العلماء بإخلاص أهل الحقيقة المتصوفين بالتجريد، أو إخلاصهم بإخلاص أهل الحقيقة المتصوفين بطرق المحبة ودرجاتها، فهذه ست مراتب (2)، وكلّ مرتبة هم على تفاوت في درجات تفاوتهم، ثمّ كلّ مرتبة منهنّ إما مريد محبّ لنفسه، وإما مريد محبّ للمحبوب لا يشركه فيه غيره حتى المرء نفسه فهي مرتبة أعلى، وإما مراد هو في هذه المرتبة الأعلى فتكون مراتب الإخلاص كلّ منها على ثلاث بثماني عشرة (3) مرتبة، وفي كلّ منها بمعنى غير اللازم نفس أمارة على تقاعده بالأدنى عن الأفضل، ولوّامة فيما علت فيه، ثم نزلت فطلبت الرجوع، ومطمئنة لا تريد النزول، وليس المراد أنّها ساكنة لا تطلب الأعلى فإنّها تكون بذلك حتى في المراتب العلية، وهو مشير إلى جميع معاني ذلك.
قال:
1 - فَأَوْرَدْتُها ما الموتُ أَيْسَرُ بَعْضِهِ وَأَنْعَبْتُها كيما تكونَ مُريحتي
- 198
(1) في الديوان: [تُعْصَ] بدل [أعص].
(2) ينظر موسوعة الحفني، ص 633، ففيها حديث عن مفهوم ابن الفارض للإخلاص.
(3) في الأصل و [س]: [ثمانية عشر].
279 (1/279)
صفحة 280
يقول: فخالفتها وأوردتها ما الموت أيسر بعضه: أي أوردتها شدائد السلوك، وتحمّل بلاء ما أقاسيه ما كان ألم الموت وشدّته أيسر أي أهون تعباً من بعض شدائد ما أوردته إيّاها وحملتها بلاءه وأتعبتها فيه كي تكون مريحتي، أي كي أفنى بحبّ [45 و] الحضرة، ولا أنظر سواها فحينئذ أكون قد بلغت الغاية في الراحة؛ لأنَّ وصال أحب شيء إليَّ الذي إذا وصلته أسكر بالنظر إليه [ولا أنظر] (1) شيئاً سواه هي حقيقة الراحة، وقوله يطابق المعنى الظاهر؛ لأنَّ مخالفة الهوى، والخروج من الأغيار هو أشدّ، أي أعظم من شدّة الموت، إذ شدّة الموت لا تبلغ رضا المحبوب مع المعصية، ومخالفة النفس، وجلاء كلّ ذرة من الأغيار يستوجب بها زيادة القرب، فهي أعظم من جميع شدائد الموت.
قال:
199 - فَعَادَتْ ومَهُما حُمِّلَتْه تَحملَّتْ ه مني وإن خَفْفْتُ عَنها تأذتِ يقول: فعادت أي فرجعت نفسي اللوامة بالنزول عن مراتب الدرجات العلية، وأراد باللوامة التي تلومه بالعذل عن طلب ذلك، وصارت مهما حُمِّلته - ما لم يُسمَّ 2 فاعله -
ما هو
(2)
أي مهما حملته، أي عمل ذلك الأمر الثقيل عليها عمل ممّا يجب لها أن تعمله، أو ترك ثقل عليها تركه مما يجب لها تركه، أو جلاء ما ثقل عليها جلاؤه حتى تصير صافية كما هي في عالم أمرها قبل أن تتدنّس بنزولها في عالم هيكلها (3)، وهو صورة الشخص حملته، أي ذلك التكيف مني لها، وإن خففت عنها ذلك التحميل بطلب الأخفّ في ظاهر الأمر تأذت بذلك مني لما نظرت إلى كمال التكليف على جميع ذلك إلى أن تصل إلى
حضرة محبوبها.
قال:
به
200 - وَكَلَّفْتُها لا بل كَفَلْتُ قِيامَها بتكليفها حتى كَلِفْتُ بكُلفتي
(1) ما بين المعقوفين ساقط في س. (2) في الأصل و [س]: [يسمّى].
(3) يكرّر الشيخ ناصر هذا المعنى مرات، وهو – بلا شك – متابع فيه المقولة الشائعة عن نزول النفس من عليائها لتلتحم بالجسد، وتبدأ بهذا دورة جديدة حين ترغب النفس وتنزع للرجوع إلى عالمها الأصلي، ولن يتم هذا إلاّ بطريق السلوك وهو ما نحن فيه.
280 (1/280)
صفحة 281
يقول: وكلّفتها السلوك أي وحملتها مشقته، ثم استدرك وقال: لا بل كفلت قيامها، أي ضمن لي قيامها بتكليفها، أي بتحميلها مشقته بحبّها لذلك فهي كفتني بذلك عن أن أكون محملاً لها مشقة؛ لأنها هي صارت قوية الطلب والحبّ والرغبة، حتى كلفت: أي ولعت حباً بكلفتي، أي بولوعي حبّاً بذلك السلوك، أي كفاني حبّها إلى السلوك عن أن أكون أنا المحمل لها حتى كلفت أي حتى صرت شديد المحبة للسلوك بكلفتي، أي بشدة محبّتي إلى تلك الحضرة بشدة ولوعي إلى مقاساتي أنواع الحبّ في ذلك، وكثرة الولوع في حبّ ما يقربني إليها، ولم يزل يذكر مرتبةً مرتبة صاعداً، ومن النفس الحيوانية ثمّ الإنسانية ثمّ الروحانية، ومن النفس الأمارة إلى اللوامة إلى المطمئنة كما قال:
201 – فَأَذْهَبْتُ في تهذيبها كلَّ لَذَّةٍ بإبعادها عن عادها فاطمأنت يقول: وأذهبت في تهذيبها: أي تأديبها في طريق سلوكها كلّ لذة هي لذة في حق غيرها، وكلّ لذة بعد ذلك من كرامتها بعدم رؤيتي إلى تلك الكرامات سوى إرادة الوصول إليها، وزيادة القرب منها أبداً، وبإبعادها عن عادها: أي عاداتها، وأراد بذلك ترك ما لو فاتها من قبل أن يتمكن حبّها إلى السلوك حتى اطمأنت، أي سكنت إلى ترك ذلك، وإلى السلوك بأحد اجتهادها للوقوف لها أبداً عن الترقي حتى تصل، أو تموت قبل أن تصل، وكلّ ذلك مقبول منها.
قال:
202 - ولم يَبْقَ هَوْلٌ دونَها ما ركبته وأَشْهَدُ نفسي فيه غَيْرَ زكيّة
يقول:
ولم يَبْقَ هول: أي أمر صعب السلوك في قطع هذه الطريق هو دون الوصول، أي قبل وصولها إلى المرتبة التي تصير بها نفساً [مطمئنة] (1) إلا وتحملته، وكلّما وصلت إلى مرتبة من ذلك أشهدت نفسي، أي أنظرها فيه أنها غير زكية بذلك، أي غير مطمئنة.
كما قال:
(1) ما بين المعقوفين مطموس في الأصل، والزيادة من س.
281 (1/281)
صفحة 282
203
وكُلُّ مُقام عن سلوك قَطَعْتُه
عُبودية
حَقَّقتها
بعبودتي (1) يقول: وأنا مع ذلك في سلوكي على هذا الوصف كلّ مقام من مقامات السلوك في عمل ما أحبّت لي عمله، وفي ترك ما أحبّت لي تركه [45] ولم أر (2) فيه نفسي زكية أخلصت فيه عبودية لها، أي أردت به أداء حق عبوديتي لها لوجوب ذلك على عبوديتي لها، وقد حققتها: أي تلك العبادة، بعبودة منّي لها: أي بمعرفة منّي أني أعبدها عبادة حقاً [ورقاً] (3)، واحتياجاً إلى غير ذلك.
قال:
6
204 - وَكُنْتُ بها صبّاً فلما تركتُ ما أرادت أرادتني لها وأحبّتِ (4) يقول: وكنت بها أي بالحضرة الإلهية الجمعية المقدّم ذكرها، صباً: أي محبّاً، فلما تركت ما أرادت أن أتركه، وهو كلّ شيء سواها إلا ما يقربني إليها لا غير، أرادتني وأحبّتني
وتجلت إليّ.
قال:
205 – فَصِرْتُ حبيباً، بل مُحبّاً لِنَفْسِه وليس كَقَولٍ مَرَّ نَفْسي حبيبتي يقول: فَصِرت: بوصولي (5) الحضرة الجمعية الظاهرية، والباطنية الغيبية، وبتجليها عليّ فاني النفس والروح معاً في عالم الغيب وعالم الظهور معاً، حبيباً لها: أي هي المحبّة لي، أي الحضرة الكمالية؛ لأني كنت كما أرادتني وهو الكمال.
والمعنى أني لما تخلّقت بأخلاق الكمال الذي هو كمال لي عند الله تعالى، وهو الكمال الإلهي الذي جعله كمالاً لي وأحبّه، صرت محبوباً عند الله، وفي الحقيقة قد أحبّ کمال تدبيره وخلقه فلم يحبّ إلا كماله، فهو قد أحبّ كماله الذي جعله كمالاً وأحبّه، واتحدتُ بكماله، وبحبّه، فكانت محبّتي ومحبته لي واحدة وكمالي وكماله الذي جعله
(1) في الديوان: [بعبودة] بدل [بعبودتي].
(2) في الأصل و س: [أرى]. (3) ما بين المعقوفين ساقط في س. (4) في الديوان: [أريد] بدل [أرادت]. (5) في س: [بوصلي].
282 (1/282)
صفحة 283
لي كمالاً في تدبيره واحداً، فافهم.
قال:
206 - خَرَجْتُ بها عَنِّي إليها ولم أَعُدْ إليَّ ومِثْلي لا يقولُ بِرَجْعَةِ يقول: خرجت بها: أي ذهبت وسرت وسافرت بنفسي عنّي، أي عن صفات نفسي وحظوظها (1)، وعن كلّ ما ورد إليها من غيرها إليها، أي إلى الحضرة الجمعية التي هي الكمال، ففارقت الأغيار ونفسي وكلّ شيء سواها، ولم أعد إليّ: أي ولم أرجع بعد ذلك إلى نفسي؛ لأنَّ صفات نفسي صفات الفناء ولها الصفات الفانية، وقد تجلت بصفاتها الباقية، فإنّي بحبّ الفناء من تحلّى بالبقاء، لا بل مثلي، أي مَنْ صار في منزلتي هذه لا يقول
برجعة، أي لا يتمنّى ولا يريد الرجوع، ولا ينثني برجعة لما رأى وتحقق.
قال:
207 – - وَأَفْرَدْتُ نَفْسي عن خُروجي تكرماً فَلَمْ أَرْضَهَا مِن بَعْدِ ذاك لصُحبتي يقول: ولما خرجت أولاً إليها، أي إلى الحضرة بنفسي عن نفسي، وتجلّي بعض جمالها عزلت نفسي التي خرجت بها أولاً إليها عن نفسي، أي عزلت هذه النفس أيضاً التي خرجت بها؛ لأنّ الأول معناه الخروج عن النفس، أي عن أوصافها، وهذا خروج عن النفس التي تجرّدت عن أوصافها كذلك عزلتها عنّي؛ لأنها غير الحضرة، وكلّ شيء سواها فأنا لا أريد إلا الخروج عنه حتى لا أشاركها أبداً تكرّماً لها، فلم أردها بعد ذلك التجلّي أن تكون نصيحتي، والمعنى أنه حتى فني عن أن يخطر بباله ذكرها أصلاً، فهي فانية حتى عن ذكر نفسها، أي نفسه.
قال:
20 - وَغُيِّبت عن إفرادِ نَفْسي بحيثُ لا يُزاحمني إبداء وصفي بحضرتي
(1) في الأصل و [س]: [حضوضها]. (2) هناك بيت بعد هذا البيت في الديوان هو:
وأشهدت غيبي إذ بدت فوجدتني
(2)
283 (1/283)
صفحة 284
يقول: وغُيّبت: أي وفنيت عن رؤيتي إفراد نفسي فلم أر نفسي أني أفردتها عنها، وصرت بحيث لا يزاحمني نظري إلى إبداء وصفي بحضرتي، أي إلى ظهور وصفي لي أني بحضرتي بها، أي صرت بحيث إنّي لا أرى نفسي أني أرى الحضرة المتجلّية عليّ، وإني قد صرت بوصفي كذلك.
بيان:
وبعد أن تخلّص من القيود، وحجب الأغيار، وتخصص بأنوار الوحدة، وإطلاق البقاء ببقاء حضرة الرحمن والودود شرع بذكر ما تحقق من الحضرات الظاهرية والباطنية والجمعية بينهما، ليكون ذلك سبباً باعثاً للترغيب وللحثّ على السلوك الأول، وما تحققه
في سفر النفس.
قال: [46 و]
209 - وَهَا أنا أُبدي في اتحادي مبدأي وأُنهي انتهائي في تواضع رفعتي يقول: وفيه تقديم وتأخير وتقديره: وها أنا أبدي: أي أظهر وأكشف، وأبين ترغيباً للسالكين بياناً في اتحادي بالحضرة الجمعية الكمالية الاتحادية التي أصير فيها بي يسمع
أن
وبي يبصر، وبي ينطق، وبي يبطش، وأنهي انتهائي في تواضع رفعتي: أي أنهي نفسي تطلب نهاية في ترقّي القرب؛ لأن ذلك من سوء الأدب في كمال المحبة؛ لأنَّ المحبّ لا يطلب، ولا يرغب للقربة نهاية، وإنما أنهي انتهائي في تواضع رفعتي، فمتى نظرت نفسي أني قد أكملت مراتب القُرب واكتفيت بذلك دلّ على نظر نفسي بالرفعة، وصار لحبّي في الطلب حد، ولكنّي أتواضع عن رفعتي هذه فأكون كأني بعد لم أتقرب أبداً. والاتحاد له معنيان (2): أحدهما علم الله به في حضرة غيبه الذي لم تزل ذاته به عليمة.
هنالك إياها بجلوة خلوتي
و سيرد بعد قليل ضمن التسلسل ورقمه [211]، وفي الديوان: [وصف] بدل [وصفي].
(1) هنا اختلاف في ترتيب الأبيات عما هو في الديوان، وسيرد هذا البيت بعد قليل، ورقمه في الديوان [213]. (2) يقدّم الشيخ ناصر للاتحاد ثلاثة معان كما سنرى، وهو في جميعها يستبعد أي فكرة ولو كانت قريبة ممّا يذهب إليه القائلون بالاتحاد بمعناه الآخر، وهو تصيير ذاتين واحدة، أو حالة صوفية تسقط فيها الاثنينية بين المحبّ والمحبوب، ومن الممكن القول إنّ ابن الفارض والشيخ ناصر كانا يريان أنّ الاتحاد لا يبتعد عن كونه حالة نفسية تعرض للسالك في سلوكه، وينكشف فيها الحجاب عن نفسه فيشهد أنَّ المحبّ عين المحبوب، والمشاهد عين
284 (1/284)
صفحة 285
والثاني محبّته للكمال الذي هو عنده كمال لعبده فتتحد محبة العبد ومحبة الله، وكمال العبد والكمال الذي هو كمال إلهي جعله له. ومعنى ثالث كمال الله تعالى الذي هو موصوف به ذاته إذا تنوّرت به ذات العبد، فافهم.
قال:
210 - جَلَّت في تجلّيها الوجود لناظِري ففي كلِّ مَرْتَي أراها برؤيتي يقول: جلت: أي كشفت وأظهرت في أول الاتحاد الحضرة الظاهرة في تجلّيها على عين حقيقة الوجود، وجلّت منه غطاءه وحجابه المانع عن رؤية عين حقيقته لناظري، ففي كلّ شيء مرَّ بي من عالم الشهادة أراها، أي قد تجلّت، أي الحضرة في كلّ شيء من حقيقة عين الوجود برؤيتي عيني حقيقة خصصها لئلا يوهم برؤية الخيال في المنام أو غيره، بل أراها في اليقظة (2)؛ لأنَّ النائم بغفلته محروم عن رؤيتها.
بيان
واعلم أنَّ الناس على أربعة أقسام الشطرين: مسلم في حكم الظاهر، ومشرك، والمسلم على ثلاثة أقسام: منافق كافر مستحلّ بتأويله خلاف دين الله تعالى، ومنافق منتهك لما يدين بتحريمه، ومسلم سالم عند الله تعالى، فتلك أربعة أقسام.
والمسلمون المخلصون لله تعالى على أربعة أقسام، منهم مَنْ شهد الوجود، وعرف الله تعالى بالتصديق، وبعض التحقيق من شهود الوجود وأقبلوا على الدنيا بالحلال، أو زهدوا حلالها، ولكن ليس لهم فهم أكثر من ذلك، وهؤلاء في نوم على طاعة الله تعالى، وبعضهم أنكر المحبّة من الله لعباده، وأنكر محبّة العبد لله، وقال معنى قوله تعالى: وَيُحِبُّونَهُ يُحبهم (3)، أي يحبّونه بأداء الطاعة، ويحبّهم بالإعانة والثواب، وأنه لا تصح المحبّة من العبد إلا في المصوّرات، وتعالى الله عن ذلك، والداعي لهم إلى هذا الإنكار
المشهود، ومن هنا جاءت المعاني الثلاثة التي ساقها للاتحاد، وليس فيها ما يشير إلا إلى هذا الذي ذكرناه، ينظر عن الاتحاد موسوعة العجم، ص 6، وموسوعة الحفني، ص 628، وابن الفارض، د. محمد مصطفى حلمي،
ص 290.
(1) هنا اختلاف أيضاً في الترتيب، ورقم البيت في الديوان هو [214]. (2) في الأصل و [س]: [اليقضة].
(3) المائدة، الآية 54.
285 (1/285)
صفحة 286
عدم معرفتهم بحقيقة المحبّة، وعدم دخولهم فيها، وجهلهم بأبوابها، وقد أوضحنا ما يدلّ على نقض كلامهم مما أوردناه مثلاً في طالب العلم أنه يصح بغير [تصوير] (1) الذات. والناظم احترز عن أهل هذه الفرقة بقوله: برؤيتي، أي برؤية اليقظة المنسوبة إليّ؛ لأنَّ رؤية المنام ليست هي في الحقيقة رؤيتي الحقيقية (2).
والقسم الثاني شاهدوا الشهود وهي الموجودات وشهدوا وجوب وجود ذات الحق في كلّ شيء، وتجلّت لهم صفاته في كلّ شيء شهدوا وجوب وجود ذاته فيه، فهم يشهدون تحقيق حق الذات لا الذات بنفسها فإنَّه ممّا لا يمكن شهودها (3)، ولكن شهود حق الذات في ذات كلّ شيء، وحق الصفات وإلى هذه الحضرة أشار الناظم
ببيته هذا.
والقسم الثالث شهدوا المشهود أولاً، ثم شهدوا به الشهود كما أخبر الله تعالى عن النبي إبراهيم ال [46 ظ] بقوله: فلما رأى النجم، ثمّ القمر، ثمّ الشمس، ثمّ [توجه] إلى الله فقيل: إنَّه عرف الله بذلك (5). وكذلك أصحاب أهل الكهف عرفوا المشهود بالشهود. وقيل إنَّه عرف الله تعالى أولاً قبل معرفته بالشهود، وإنّما أراد بذلك ترقيهم بالاحتجاج عليهم حتى يعرفوا المشهود بالشهود، إذ لم يكونوا من أهل المرتبة الأعلى، وهذا هو الأليق بإبراهيم العلم.
والقسم الرابع: شهدوا المشهود قبل الشهود، وبقوا يترقون في درجات المشاهدة، ولم يرجعوا إلى الشهود، والناظم بدأ بالمرتبة الثانية، وهم أهل اليقظة بالنهوض إلى السلوك إلى حضرات ملك الملوك بطريق المحبّة، والتجريد، وإنَّه صار يرى الحضرة في كلّ شيء، وهو في مرتبة إذا فني بحبّها فهي حبيب نفسه؛ لأنَّ محبته للحضرة المحبة له هو
(1) في الأصل [تصور]، وأثبتنا ما في س لتلاؤمه مع السياق.
(2) هذا ما أشرنا إليه فيما سبق.
(3) هذا هو جوهر الفرق بين ابن الفارض والشيخ ناصر، وبين الفرقة الأخرى.
(4) في الأصل: [التوجّه]، وأثبتنا ما في س لتلاؤمها مع السياق ..
(5) ينظر الشيخ ناصر إلى قوله تعالى: {فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ الْيْلُ رَهَا كَوْكَبَا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْأَفِلِينَ لا فَلَمَّا رَهَا الْقَمَرَ بَازِغَا قَالَ هَذَا رَتي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَبِن لَّمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ (3) فَلَمَّا رَهَا الشَّمْسَ بَازِعَةً قَالَ هَذَا
ربي هذا أكبر فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَنقَومِ إِنِّي بَرِى مِمَّا تُشْرِكُونَ) الأنعام 76 - 78
286 (1/286)
صفحة 287
محبّ نفسه؛ لأنَّه إذا أحبّ ما تحبّه فهي تحبّه هو، فهو إن رآها فهو يرى نفسه لقوله تعالى:
(ما وسعني سمواتي وأرضي، ووسعني قلب عبدي المؤمن) (1).
[بيان] (2):
ثم إلى الحضرة الغيبية.
قال:
-211
إِيَّاهَا بِجَلُوةِ خَلُوةِ (3)
21 - وَأُشْهِدْتُ غَيبي إِذْ بَدَتْ فَوَجَدتُني هنالك يقول: وأشهدت ولم يقل وشهدت، أي وسلكت بها إلى الحضرة الغيبية بعد ذلك، غيبي: أي وغيبت روحي، وهي غيبة في حضرة غيبي، إذ بدت: أي إذ تجلّت، فوجدتني هنالك إياها: أي هي وجدتني في الحضرة هنالك، أي في عالم الغيب، بجلوة [بالجيم]: أي بانجلاء كلّ شيء لخلوة من إيجاد كلّ شيء [بالخاء المعجمة]، وهو الخلاء من اتحاد شيء في غيب الله تعالى على ثلاثة (4) وجوه: علمه بصفاته التي لا يعلمها إلا هو؛ لأنَّه لم ينكشف من صفاته إلا قطرة، أو ألف ألف جزء من قطرات (5) من بحر، أو أقل من ذلك بلا نهاية، وأكثر من بحر بلا نهاية، وعلم ذاته، والثالث علمه وقدرته على إيجاده للأشياء بلا نهاية التي لا يوجدها، وعلمه للأشياء التي يوجدها فعلمه بالأشياء وصورها على أوجد صورها التي يوجدها هي التي تسمّى بالشؤون (6) عند أهل التصوف، وما كوّنه فهو على مثال علمه بتلك الأمثال التي ليوجدها عليها، ولذلك (7) قيل إن معنى قوله: إن الله خلق آدم على صورته (8)، أي إنّ الله تعالى خلق آدم على صورة آدم التي هي له صورة
(1) مرّ تخريج الحديث.
(2) ما بين المعقوفين ساقط من س.
(3) في الديوان: [خلوتي] بدل [خلوة].
(4) في الأصل: رسمت ثلاثة هكذا 3، وفي س ر، كما في المتن.
(5) في س: [قطرة].
487
(6) شؤون جمع شأن وهو لكل تجلّ من تجلياته سبحانه حكم الهي، ولذلك الحكم في الوجود أثر لائق بذلك التجلّي، واختلاف الوجود، أي تغيّره في كلّ زمان، إنّما هو أثر للشأن الإلهي الذي اقتضاه التجلّي الحاكم على الوجود بالتغيّر، ينظر موسوعة الحفني، ص 805، و وموسوعة العجم، ص 37 (7) في س: [وكذلك] بدل [ولذلك]، وما في الأصل أليق. (8) مرّ تخريج الحديث.
287 (1/287)
صفحة 288
عالم الغيب التي يراها الباري سبحانه وتعالى قبل أن يخلقه؛ لأنه في علمه الأزلي ليس هو إلا صفة فى علمه سبحانه وتعالى، ولو ثبت شيئاً لثبت شيئان قديمان، ويثبت قدم الكثرة التي يعلمها الله تعالى جلّ وعلا، ولا يصح أنَّ الله تعالى لا يرى [الأشياء، ولا مثالاتها، ولا صورها إلا حين صوّرها، وليست هي في حيّز ذلك غير علم، وصفة في علمه، إذ لا يصح إلا غير ذلك] (1)، وهو الذي أبدع علمها ومثالاتها، ولا يوجب بهذا أنه كان غير عليم بها، وإنما رأى مثالاتها حين إبداعها في الأزل؛ لأنه عليم وقدير، ومتى شاء قدَّره، فافهم. [يقول: وأشهد غيبي، أي صفتي التي أنا في تلك الحضرة ليست بشيء، وانا في علم الغيب] (2).
قال:
—
21 - وَطَاحَ وجودي في شهودي وَبِنْتُ عن وجود شهودي مَاحِياً غَيْرَ مُثْبِتِ يقول: ولما انتقلت من حضرة نظري إلى عين الوجود، ورأيت فيه وجودي، وأشهدت غيبي حضرة الغيب طاح في هذه الحضرة، أي سقط نظري (3) عن رؤية وجودي، وشهودي في هذه الحضرة التي لا وجود لي فيها، ويحتمل أنه أراد وطاح بمعنى: وانتقل من هذه الحضرة، ونزل وجوده في شهود (4) حضرة الغيب؛ لأنَّه موجود في علم الله به أزلي، ثم قال: وبنت أي وفارقت نظري عن رؤية شهودي، أي ولم أرَ أني قد غبت عن وجودي، ولم أدر (5) بشهودي أنه طاح في هذه الحضرة، وأنّي في حضرة الغيب، [47 و] كلّ ذلك لم أنظر إليه ماحياً غير مثبت، أي قاصداً محو ذلك مني غير مثبت عليّ، وفوقي في درجة،
ولا مثبت علي رؤيتي في شيء أبداً سواها، ولم يزل يترقى في درجة درجة (6)، وبمحو
رؤيته عن رؤية ترقيته، وعن رؤيته أنه فيها كما قال:
(7)
(1) ما بين المعقوفين ساقط من س. (2) ما بين المعقوفين ساقط من س.
(3) في س
ترد كلمة [روية] بعد نظري، ولا موجب لها.
(4) في س: [شهوده].
(5) في الأصل و [س]: [أدري]. (6) في س: [ولم يزل يترقى درجة]. (7) في الأصل و [س]: [وبمحي].
288 (1/288)
صفحة 289
213 - وَعَانَقْتُ ما شاهَدتُ في مَحْو شاهدي بمُشْهِدِه للصحو من بَعْدِ سَكرتي يقول: وعانقت أراد بذلك، واتصفت بالصفات ما شاهدت في محو شاهدي: أي من محو وجودي يوم لا وجود لي، ولا وجود لليوم، بمشهده أي بعلم غيبته للصحو، أي قاصداً درجة الصحو بالتحلي بصفاتها، من بعد سكرتي: أي من بعد غيبة رؤيتي عني أنّي قد اتصفت بتلك الصفات طلباً للصحو بالحضرة الجمعية الإلهية، والعلم الأزلي (1)، وأراد بذلك أني صرت كما أنا في علم غيبه، وأنّي لأتصف كذلك بما هو في علمه.
***
(1) في الأصل: [الأزكي، وأثبتنا ما في س لتلاؤمها مع السياق.
289 (1/289)
صفحة 290
[صفحة فارغة] (1/290)
صفحة 291
الباب الثامن
في مرتبة الصحو بعد المحو، ودرجة التمكين بعد التلوين (1)، وحضرة الجمع بلسان المقام المحمدي:
الله
قال:
214 - ففي الصَّحِوِ بَعْدَ المَحْو لم أَلُكُ غَيْرَها وذاتي بذاتي إذ تجلت تجلّت (2) يقول: وفي الصحو أي وفي حال مشاهدتي في صحوي بعد المحو لكلّ شيء غير من عيون الروح والنفس، ولم أكن غيرها أي الحضرة؛ إذ لا يجوز أن يكون غيرها ا لأن ذلك شكّ في العلم بالله تعالى، وكذلك حضرة الجمال والكمال يجوز أن تكون غيرها] (3)، وذاتي: أي وحضرة مقام كمالي إذ تجلّت أي ظهرت بذاتي، أي بحجري، تجلّت أي ظهرت من حجب ظلمتها متلوّن أن الذات معهم هي حضرة الكمال الإلهي الموصوف به ذاته، وحضرة الكمال الإلهي المنسوب إليه لتدبير الله المرء لتكميله به عليه فهي الذات مع أهل هذا العلم اصطلاحاً يقول وذاتي، أي وكمالي الكمال الإلهي الذي جعله كمالاً لذاتي به تكمل ذاتي التي هي روحه ونفسه بعدما محوت الأغيار عنها إذا
تجلّت، أي أنوار الكمال، بذاتي تجلّت أي ظهرت وأشرقت، فافهم.
قال:
215 - فَوَصْفيَ إِذ لم تُدْعَ باثنين وَصْفُها وَهَيْتُها إذ واحِدٌ نحن هيئتي يقول: فوصف ذاتي بها، وكمالها بها، ووصف حضرة الكمال، وحضرة العلم بالله تعالى، وهي حضرة الكمال فإنّ حضرة الكمال والجمال بجمع جميع الحضرات في التسمية، إذ لم
(1) مرَّ شرح هذه المصطلحات فيما سبق.
(2) هناك بيتان بعد هذا البيت في الديوان مرا سابقاً، وقد أشير إليهما في موضعهما.
(3) ما بين المعقوفين ساقط من س.
291 (1/291)
صفحة 292
تدع باثنين: أي إذ صرت أنا هي، وهي أنا، فوصفي وصفها، ووصفها وصفي، وهيئتها إذ صرنا نحن واحد هيآتي، وذلك أن كمال ذاته بتنوّرها بكمال تدبير الله لها، وكمالها باتصافها بالعلم بصفات الله الذي هو الكمال المطلق فاتحد الكمال بالكمال، والمحبة بالمحبة، وكانت محبته لذلك الكمال بمحبته (1) الله وعلمه بالله وعلم الله بنفسه، وكمال الله، والكمال الذي كمل به هذا هو واحد لا غير فافهم فإنّه يتكلم في حضرة الإيجاد، وحضرة الإيجاد] (2) تأتي على حضرة الغيب (3)، وعلى حضرة التكميل بالكمال، فافهم.
قال:
216 - فإن دُعِيْتُ كنتُ المجيب وإِن أَكُنْ مُنَادِي أَجابَتْ مَنْ دعاني وَلَبَّتِ يقول: وصرت في حضرة الاتحاد بالكمال الإلهي، فإن دعيت: أي نوديت مرتبة الكمال كنت المجيب أنا وإن أكن أنا المنادي (4) أجابت هي مَنْ دعاني ولبت؛ لأني صرت أنا هي أنا، وأراد بذلك أنّ الله تعالى لم يتجلَّ (5) بظهور كماله الموصوف به ذاته، وكمال
وهي
(6)
تدبيره إلا ليتكمل به عبده الذي تعبده بعبادته، وإذا اتصف به صار هو الكمال الإلهي الذي جعله كمالاً في علمه وحكمته ومحبته ومشيئته، واتحد الكمال بالكمال، وصار (الإثنين) واحداً؛ لأنَّ لك محبة وله محبّة، ولك إرادة وله [47 ظ] إرادة [وأنت تنظر كمالاً خيالياً وهو يرى كمالاً حقيقياً، فإذا خرجت منك إلى محبته وكماله وإرادته] (7) ذهبت الإثنينية، وصحت الوحدة (8) والاتحاد، وتجلى الكمال التي هو في علم ذات الله كمال على ذلك، وصارت كاملة بالكمال الذي تراه ذات الله كمالا، فافهم ذلك.
(1) في س: لمحبته].
(2) ما بين المعقوفين ساقط من الأصل، وما أثبتناه من س، وبه يستقيم الكلام.
(3) ينظر عن حضرة الغيب، موسوعة الحفني، ص 720.
(4) في الأصل: [المناد]. (5) في الأصل و [س]: [يتجلّى].
(6) [الاثنين] هنا مصطلح وليس تثنية الواحد، وإلا كان من الواجب أن يقول [الاثنان] لكونها اسم [صار] المستوجب
للرفع، فالاثنين مرفوعة بالضمة باعتبارها مصطلحاً يراد بها الإثنينية التي سترد.
(7) ما بين المعقوفين ساقط من س.
(8) هي وحدة الشهود لا الوجود كما بينا سابقاً.
292 (1/292)
صفحة 293
قال:
هي
قَصَّت
يسمعه،
217 - وإن نَطَقَتْ كُنْتُ المناجي: كذاك إن قَصَصْتُ حديثاً إنّما يقول: وكذلك إن نطقت فإني أنا المناجي لها بذلك النطق، أي الحضرة الكمالية التي اتحدت بها كنت أنا المناجي، وذلك إشارة إلى ارتفاع الإثنينية، وكذلك إن قصصت حديثاً إنَّما هي قصَّتِ (1): أي [قصَّته] (2)، ويشير هذا إلى قوله تعالى على لسان نبيه أنَّه قال: (لا يزال عبدي يتقرب إليَّ حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ولسانه الذي ينطق بها، ويده التي يبطش بها) (3)، أي يكون ذلك على محبتي وإرادتي أن أسدَّده حتى لا ينظر إلا ما أحبُّ النظر إليه، ولا يسمع إلا ما أحبّه أن. ولا يتكلم إلا بما أحبّه له أن يتكلم به، ولا يعمل عملاً إلا ما أحبه له أن يعمله بتوفيقي إليه. بيان في رياضة (4) التصوف بالاسم الخماسي وقال النبي: (إذا أخلص العبد لله أربعين صباحاً أجرى الله ينابيع الحكمة على قلبه) (5)، ولا يسمى العلم حكمة إلا من أتقنه علماً وعملاً، كالعالم بصور أمثال الحروف الحسنة إذ رأى صورها فمثلها في نفسه فهو عالم بعلم تجويد الحرف (6)، ولا يسمى حكيماً فيها، فإذا أحكم تجويدها علماً و (7) عملاً. حكيماً فيها، وأشار النبي إلى ما يستعين به أهل التصوف في سلوكهم باسم ذي خمسة أحرف (8) عمّي الغالب في الناس عن
(1) في س: [قصتي].
(2) ما بين المعقوفين ساقط من س. (3) مرَّ تخريج الحديث.
(4) في س: [تدبير] بدل [رياضة].
سمي
(5) تنظر الرسالة القشيرية، 44712، وفيها أنَّ هذا القول لمكحول.
(6) في س: [الحروف] بدل [الحرف]. (7) في س: [و] بدل [أو].
(8) الاسم ذو الخمسة الأحرف هو [الله]، ويسمى أيضاً الاسم الأعظم، والأصل في [الاسم] عند الصوفية ليس هو اللفظ بل ذات المسمّى باعتباره صفة وجودية كالعليم والقدير، ومن هنا صار الاسم الأعظم هو الاسم الجامع لجميع الأسماء، وهو ما شرحه الشيخ ناصر في المتن ينظر موسوعة العجم، ص 59، وموسوعة الحفني، ص 638، ومن المتصوفة من يريد بالاسم الخماسي اسم (محمد)، و منهم الشيخ ناصر كما سنرى فيما بعد، ينظر عن موسوعة الحفني، ص 944، وموسوعة العجم، ص 850، ومن المفيد أن نضيف هنا أنَّ هذا الاسـ ذو تاريخ معرق في الفكرين الصوفي والشيعي، إذ ترى المغيرية مثلاً، وهم من الغلاة أنَّ الله تعالى لما أراد خلق العالم تكلم بالاسم
سم
هذا
293 (1/293)
صفحة 294
معرفة كميتها، وذلك أنهم هم على صفاته فإن أول (1) مشاهد على قيومية الله تعالى وغناه عن خلقه، وافتقارهم إليه، وإلى حديثه، وفردانيته، وصمدانيته، وإلى أن جميع الأشياء إنما هي. عنه، كما أن جميع ما سوى هذا من أنواعه هي منه، وهو لطيف روحاني، نوراني يدلّ على عالم الغيب وعالم المثال، وما بعد جسماني نوراني يدلّ على صفاء [الأعضاء] (2) بالأعمال لله بدينه. ورابعه كأوله يدلّ على تجلي العالم الغيبي على هذا العالم الجسماني تجلي الأول في الثاني (3) المودع فيه الذي هو بمنزلة الروح العقلي النوراني. والخامس يدلّ على لطافة المركب فيه هذا الروح الغيبي في هذا القلب الجسماني، اللطيف، الروحاني، ويدل الخامس على الروح، والثالث على النور الإلهي المتجلي في هذا الخامس العقلي المركب في هذا الجسم اللطيف، والجسد الكثيف النوراني بالأعمال النورانية، فإذا نظروا بعكس أوله فني كل شيء سوى الحضرة المحبوبية، وإن نظروا [بحذف أحد جسمانيتها، أي الحروف حققوا به لا يستحق العبادة إلا هو،] (4) وإن نظروا بذلك مع أوله وثانيه ورابعه المخفي مع كمال الاسم نفوا كل ما وجب عليهم نفيه، وأثبتوا ما يجب عليهم إثباته، وإن نظروا بالاسم أربعين صباحاً أجرى الله ينابيع الحكمة على قلبه، وقد ذكره الغزالي (5) وقال: إن الأصول لابد أن يتعلّمها من مواضعها الصحيحة فإنه لا يكشف إلا الفروع، وقد نظر به سنة فأُعطي سره، ونظر به الجنيد ثلاثين سنة فبلغ ما بلغ، وبسره بلغ، والذي ما بلغه من العلم (6) وبذلك أخبرني، وبه علّمني رحمة الله تعالى، وكذلك أسماء الله تعالى
بين
الأعظم، ينظر الملل والنحل، 142/ 1، وأنَّ الصوفي إبراهيم بن أدهم تعلّم هذا الاسم. من الخضر، ر، ينظر الصلة التصوف والتشيع، 138/ 1، وفيه، 39111، أنَّ ذا النون المصري كان مطلعاً على اسم الله الأعظم، وكذلك الحلاج، 1 [403، ومثله حاتم الأصم، 53611، وغيرهم، مما يؤكد تغلغله في تلك الأوساط، وانتشاره بينهم.
(1) في س: [أوله]. (2) ما بين المعقوفين ساقط في س.
(3) في س: [الثالث] بدل [الثاني].
(4) ما بين المعقوفين ساقط في س، ويتحدث الشيخ ناصر هنا عن أن حذف أحد الحروف من الاسم لا يؤثر فيه بل يظلّ على حاله، وهو يقترب مما ذهب إليه الطوسي في كتابه اللّمع في قوله: (اسم الله الأعظم هو: الله؛ لأنه إذا ذهب عنه الألف يبقى [الله]، وإن ذهب عنه اللام يبقى [له] فلم تذهب الإشارة، وإن ذهب عنه اللام الآخر فيبقى [هاء] وجميع الأسرار في الهاء؛ لأن معناه: [هو]، ينظر موسوعة العجم، ص 59. (5) ينظر إحياء علوم الدين 2011، وهناك خبر الجنيد الآتي.
(6) في س: [العالم] بدل [العلم]، ويتحدث الجنيد - كما ورد في الإحياء عن السري السقطي شيخه، ويدعو له بالرحمة.
294 (1/294)
صفحة 295
[لها] (1) أسرار عظيمة سرّ كل اسم في معناه، ويطلب كل معنى من معاني الاسم. وقد قيل: إن كل اسم من أسمائه تعالى موكّل به مَلَك يذكره دائماً، لا يذكر الله تعالى إلا به، وإن كان (2) بعض الملائكة يذكرون الله بذلك وبغيره، فذلك عموم، وهذا خصوص، وإنه يصعد مَنْ ذكره نور إلى [48 و] العرش المحيط، فإذا تلاه العبد كذلك دائماً بلا فتور على جمع همة إما باللسان وإما بالقلب وهو أعظم، مرتبة وإما بالحضور والمشاهدة، وهو أعلاها درجة، فإنه يصعد منه نور إلى السماء حتى يتصل بذلك الملك فإذا اتصل به أعطاه تصريفه، فإذا قال للشيء كن فكان، وقال بعض العارفين لأحد من أهل الطلب: ألا أدلك على سرّ عظيم؟ فقال: دلّني. فقال له: اتل (3) اسم الجلالة ذا الأربعة الأحرف بلا ياء النداء على شروط الرياضة بالخلوة، وامتناع أكل ذوات الأرواح، وما خرج منها، واعتزل عن الناس، ولا تذكر بقلبك شيئاً غيره، وهذا هو الحجاب المانع عن الوصول إلى سرّه الذي لولاه لنال سره كلُّ من سلك هذا السبيل، ولكنه حجاب لا تنفع الخلوة به إن لم يَخْلُ (4) فكره إليه، وقلّل من الأكل والنوم ما استطعت فإنه تنكشف لك كلّما غطّت عليك سِنَة، أو غشيك نوم عجائب الأرض، وفي السبع الأخرى ينكشف لك عجائب الهوى، وفي الثانية عجائب السماوات، وكأنك ترى في سنتك أو نومك الملائكة، ثم إذا بلغت صاعداً انتهيت إلى مَلَك موكَّل به ليس معه أحد غيره، ويعطيك سرّه، والتصريف في الوجود، وإذا قلت للشيء كن فكان. وأصل السنة لحظة عين من النوم، ولكن نحن أردنا بها النوم قاعداً غير مضطجع، وربّما رأى في اليقظة (5) ما لا يقدر أحد أن يصفه إلا هو، وكذلك كل اسم يتلوه المرء، ويواظب عليه تجلّى له سرّه وتصريفه، وأما أهل التصوف فلا يريدون الكرامات، ولا يلتفتون إليها، وإن تجلت لهم بذلك الاسم الخماسي الذي يستعينون به على ترك المألوفات فإنّهم يقطعون به الحجب في أيام قليلة ما لا يقدرون عليه في سنين عديدة بخاصية في صروفه؛ لأنه يجذبهم على مثال حروفه وإن نظروا بأوله، وآخرون بعد عنهم
(1) ما بين المعقوفين ساقط في الأصل، وما أثبتناه من س، وبه يستقيم الكلام
(2) [كان] ساقطة
في
س.
(3) في الأصل: [اتلوا].
(4) في الأصل و [س]: [يخلوا]. (5) في الأصل و [س]: [اليقضة].
295 (1/295)
صفحة 296
كل ما أرادوا بعده، وإن نظروا بآخره، وأوله عكساً قرب إليهم (1) ما أرادوا قربه وتقريبه، و شاهدوا به الحضرات كأنها تخاطبهم، وإن نظروا بآخره شهدوا محبوبهم في كلّ شيء، ثم فني عنهم كل شيء إلا وجهه وصفاته جلّ وعلا، وقد أشرت إليه قبل هذا، وأوضحت الاسم، وأشار إليه الناظم في نظمه، وأشارت به الحالة المخاطبة بلسان حالها إلى السالك الأول في أول بدايته إليها، فافهم ذلك.
قال:
218 - فَقَدْ رُفِعَتْ تاءُ المخاطب بيننا وفي رَفْعِها عن فُرْقَةِ الجمعِ رفعتي (2) يقول: فقد رفعت تاء المخاطب بيننا: أي صرت بحيث أنا، والحضرة الكمالية لا يقول أحدنا لصاحبه إلاّ أيا أنا لا يا أنت وكل هذه إشارات إلى اتحاد الكمال في كل شيء، وقوله عن فرقة الجمع، أي قولها هي لي يا أنا وأنا أقول لها: يا أنا، ليس المعنى أنا نقول ذلك بالقول دون المعنى، بل هو ابتعاد مني عن فرقة الجمع، أي اجتماعي بها اتحاداً كلياً لم يبق اثنينية بيني وبينها في شيء أبداً، فصرتُ أنا هي وهي أنا من الحضرة الغيبية، وقوله: وفي رفعتها: أي التاء في هذا الموضع المراد به ضمها لا زوالها كما في أول البيت.
قال:
219 – فإن لم يجوز رؤية اثنين واحداً حجاك ولم يُثْبِتُ لبُعْدِ التثبت (3) يقول: وإن لم يجوّز رؤية الاثنين واحداً حجاك أي عقلك، ولم يثبت في عقلك صحة ذلك لبعد التثبت: أي لبعد إدراكك الفهم في ثبوت ذلك، حيث إنّ ذاتي تجلّى عليها كمال الله الموصوف به ذاته فتنوّرت به ذاتي وكمال تدبيره فتنوّرت [48] بكماليته، وقوله: توليت أمره، وكنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ولسانه التي ينطق بها، ويده الذي يبطش بها فكماله هو الذي كملت به في كل شيء.
(1) في س: [عليهم].
(2) في الديوان: [الفرق] بدل [الجمع]. (3) في الديوان: [تثبت] بدل [التثبت].
296 (1/296)
صفحة 297
قال:
220 - سأجلو إشارات عليك خَفيَّةً بها كعبارات لديك جلية (1) يقول: سأجلو (2) أراد سأوضح وأكشف إشارات عليك خفية: أراد هي خفية عليك، أو هي من الأمور الخفية بها كعبارات، أي بها ينجلي عنك رين الشك؛ لأنَّها مثل عبارات لديك جلية: أي مثل العبارات الجليّة لديك، أي في حق فهمك.
قال:
1 22 – وأُعْرِبُ عنها مُغْرِباً حيث لات حي نَ لَبْس، بتبياني: سَمَاع ورؤية يقول: وأعرب: أي وأعبّر بتصريح عنها، مغرباً: أي بشيء غريب، حيث لات حين لبس: أي حيث لا حين لبس، والتاء استعملت زيادة فيها، يقول: حيث لا يلتبس عليك ذلك في حين إتيان برهاني لك، وذلك أني أتي بيان ذلك بتبياني: أي بتبيانين أحدهما بيان سماع، والآخر بيان رؤية تراها برؤية نفسك.
قال:
222
223
- وأُثْبِتُ بالبرهان قولي ضارباً
مثال محق والحقيقةُ عمدتي
(3)
- بِمَتبوعةٍ يُنبيك في الصرع غيرُها على فَهْمِها في مسها حيث جُنَّتِ (4) يقول: وأثبت بالبرهان قولي: أي على صحة قولي ضارباً مثال محق، وعمدتي [في كلّ أمر] (5) على الحقيقة، أي على الصدق، سأضرب المثل بالمتبوعة، أي المرأة المغلوب على فهمها، أي على عقلها، في مسها أي جنونها حيث جُنَّت، أي إذا داخلها الجنون، وتكلمت بجنونها فإنّه ينبؤك بلسانها وأنت تسمعه غيرها، وهو الحي المداخل لها فتراها هي هي، وهو فيها، ولا تراه منهما شيئان وشخصان في شخص واحد في الرؤية، كذلك تولية الله تعالى على عبده بتوفيقه، له، وتسديده وعصمته، مع أنَّ كلّ شيء أصله في الكون
(1) في الأصل و [س]: [سأجلوا]، وهي كذلك في الديوان، ولعلّها من الخطأ الطباعي. (2) في الأصل و [س]: [سأجلوا]، وهي كذلك في الديوان، ولعلّها من الخطأ الطباعي. (3) في الديوان: [مثالاً بحقِّ] بدل [مثال محق]، وفي هامش الديوان إشارة إلى هذه الرواية في إحدى المخطوطات (4) في الديوان [فمها] بدل [فهمها]، والرواية هنا أوْجَه لتلاؤمها مع المعنى العام للبيت، والسياق معاً.
(5) ما بين المعقوفين ساقط في
س.
297 (1/297)
صفحة 298
ناطق عن الله، أي بقدرته، وحكمته، ولكن جعل الاختيار للعبد، فإذا فني اختياره وحبّه في محبة الله واختياره له تولّى أمره، وعصمه من حيث لا يدري لقوله تعالى: {وَالَّذِينَ جَهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا} (1)، وذلك معنى قوله: بي يسمع، وبي يبصر، وبي ينطق، وبي يبطش كما ترى المعارض بالجنّ تراه أنَّ المعارض هو الفاعل لذلك، وإنَّما هو المعارض له، كذلك توفيق الله للمرء، فافهم.
قال:
224 - وَمِنْ لُغَة تبدو بِغَيرِ لسانها عليه براهين الأدلة صحت يقول: وقد تبدو أي تظهر بكلام وأخبار لا تعرفه التي دخلها الجنّي فيصح ما يقوله الجني فيدل بالبرهان الصحيح أنه عن (2) غيرها.
قال:
225 – وفي العلم حقاً أَنَّ مُبْدِى غَريبٍ ما سمعت سواها وهي في الحِس أَبْدَتِ يقول: وتقديره، وثبت حقاً في العلم، أو وثبت في العلم حقاً أنَّ مبدى غريب ما سمعت من الكلام والعلم واللغة التي لم تكن تعرف ذلك من قبل ولا من بعد، وذلك أكبر شاهد على أنه عن (3) غيرها، وأنه من الجني المعارض لها وهي في الحس، أي في حاسة السمع، وحاسة الرؤية أنها هي أبدت ذلك لا غيرها.
قال:
226 - فلو واحداً أَمْسَيتَ أصبحت واجداً منازلةٌ ما قُلْتُه عن حقيقة
يقول: وتقديره ولو أمسيت واحداً ولو أمسيت في مرتبة الاتحاد (4)، أصبحت واحداً: أي أصبحت وكمالك وكماله، وعلمك به وعلم نفسه به في ذلك العلم، ورؤيتك للأكوان علماً به، ورؤيته هو فيها في رؤيتين: أنت وكمال تدبيره لك الذي هو كمال فعله التدبيري
(1) العنكبوت، الآية 69.
(2) [عن] ساقطة في س. (3) [عن] ساقطة في س.
(4) في س: [الإيجاد].
298 (1/298)
صفحة 299
واحداً متحداً بكماله ومتحداً بحضرة الكمال الإلهي وكنت به في كل شيء، منازلة: أي [49 و] مصادقة، ما قلته عن حقيقة أي ما ذكرته عن علم الحقيقة. واعلم أن ما يتجلى للمرء في سلوكه إلى الحضرة التي هو طالبها ممّا يقربه إليها، وهو بعد غير تام يخلو من غيرها فهو يسمّى عندهم [تدلي])، وإذا تجلى له ذلك، وهو في حين الخلوة بها عن غيرها فذلك [التجلّي (2) معهم هو [المنازلة] (3) في اصطلاحهم.
227 – ولكن على الشركِ الخَفي عكفت لو عَرَفْتَ بِنَفْسٍ عن هدى الحقِّ ضَلَّتِ يقول: ولكن يبقى الاتحاد (4)، وبقاؤك على ثبوت الإثنينية في كمالك، وكمال الله على الشرك الخفي عكفت بنفس عن هدى الحق ضلت؛ لأنَّ كمالك هو العلم به متى ذاتك مرآة لصفات الله لا يتجلى فيها غير العلم بالله، ولا يتصف إلا بالكمال الإلهي نفيت، الإثنينية، وأثبت الاتحاد؛ لأنَّ كمالك بالعلم به، ومتى خالفت علمك به علمه بنفسه أشركت الشرك الخفي؛ لأنك وقعت في الشك به، وحينئذ وقعت الإثنينية؛ لأن الكمال باق على أصله أنه كمال، وأنت ليس بشيء أصلاً بل صرت (5) باطلاً، وضلالاً بعيداً.
قال:
فقد
228 - وفي حُبِّهِ مَنْ عَزَّ توحيد حبّه فبالشرك يصلى منه نار قطيعة يقول: وتقديره: وفي حُبّه بضم الحاء، مَن عزّ: أي مَنْ امتنع عن توحيد حبّه، أي امتنع مَنْ [يجوز (6) وحدة حبّه وحب عبده، فتكون المحبة محبة واحدة، فبالشرك في محبة الله ومحبة العبد بغير محبة في الكمال له علماً وعملاً، فلابد أن يصلى بنار القطيعة، أي بالبعد
(1) التدلّي نزول المقرّبين، ويطلق بإزاء نزول الحق إليهم عند التداني، موسوعة العجم، ص 171، ومعجم الشرقاوي، ص 75، ومعجم أبي خزام، ص 59. (2) مر شرح [التجلي].
(3) المنازلة: إرادة الحق في النزول إلى السالك، ويجعل في قلبه طلب النزول عليه فتتحرك الهمة حركة روحانية لطيفة للنزول عليه فيقع الاجتماع به بين نزولين نزول من السالك عليه قبل أن يبلغ المنزل، ونزول منه إلى السالك، أي توجّه اسم إلهي قبل أن يبلغ المنزل، فوقوع هذا الاجتماع في غير المنزلتين هو المنازلة، ينظر
موسوعة العجم، ص 944.
(4) في س: [الإيجاد]. (5) [صرت] ساقطة في س.
(6) في الأصل و [س] الكلمة غير معجمة هكذا: [يحوز]، وقد اجتهدت في [يجوز] اعتماداً على السياق.
299 (1/299)
صفحة 300
من محبة الله تعالى.
قال:
229 - وَما شَانَ هذا الشَّأْنَ منك سوى السوى ودعواه حقاً عنك إن تُمْحَ تَثْبتِ
يقول: وما شان: أي وما قبح هذا الشأن أي الأمر العظيم منك، سوى السوى: إلاّ
6
ثبوت الغيرية، ودعواه (1): أي ادعاؤه منك، أي الكمال حقاً أن تمحو (2) عنك، أي تمحي صفاتك، وما تجلّى عليها من الأغيار حبّاً إليها، وتتكمّل بكماله وبمحبته، وتكون مرآة لصفاته فتتصف صفاتك بصفاته أي متنورة بالعلم به، متخلّقة بالكمال العقلي الذي هو الكمال الإلهي الذي جعله هو الكمال لك فأظهر جميع الوجود علماً به، وأظهر كمال صفاته، كلّ ذلك لأجلك لتتكمّل ذاتك بذاتك لا غير، فهذا وجه من التأويل.
والوجه الآخر أنّه أشار إلى حضرة الغيب أنك كنت لا شيء في حضرة الغيب غير علمه بك، وهو الذي أوجدك علماً مثالياً، ولا يوجب أنه أوجد علمه، ولكن لا يصح أن يكون كنت مثالاً وهو عليم به فيكون مثالك قديماً أزلياً (3)، وهو لم يزل به عليماً، فهذا ما لا يصح الوصف به لله تعالى فإنه شرك خفيّ، والحق في ذلك أنّ الله تعالى أول بلا بداية، وعلمه في كلّ شيء وبكلّ شيء أزلي، وكان الله ولا شيء معه، ولا مثال ولا وصف ولا صفة؛ وبالجملة كان الله ولا شيء معه حتى الشيء غير ذاته وصفاته فهذا هو التوحيد اللازم، ومن توحيده أَنَّه مريد، ويشاء، ويحبّ، وإرادته، ومشيئته، ومحبته وهي إرادة أزلية لم يزل بها، لم تزل نفسه، أي ذاته عليمة بما سيجده من الأشياء التي لم تزل نفسه عليمة بها، وهي لا شيء إلا علمه بها، فهي لا شيء، وهي في علمه أنها ستكون شيئاً، ويراها قبل أن تكون غير شيء كما يراها، وهي شيء، ولا يصح أن يقال إن الذي يراه فيها هو مثال لها ليكون الباري أزلياً، والمثالات أزلية فصحت الوحدة لله تعالى مع وجود الوجود (4) في علمه لا مثالاً ولا خيالاً إلا علمه به، وهي شؤون الغيب، أي علمه بها، ولا يصح أن يكون علم الله الذي هو من وصفه أنَّ نفسه عليمة أن يكون هو شيء غيره فيكون حالاً فيه، وبه
(1) في الأصل جاءت [ودعواه] مرتين.
(2) في الأصل و [س]: [تمح]. (3) في الأصل و [س]: [قديم أزلي].
(4) [الوجود] ساقطة في س.
300 (1/300)
صفحة 301
يعلم، بل نفسه عليمة، ولا يصح أن يكون عليماً؛ لأنه عليم بالمعلومات [49 ظ] فهو عليم، والمعلومات مخلوقات هو خلقها فقبل أن يخلق العلم والمعلومات هو العليم الحكيم، فكذلك هذا السالك المتكلم الناظم عنه بلسان قول حالته إنَّه موجود في العلم الأزلي علمه؛ لأن الله تعالى لم تزل به، وبصفاته، وبما يفيضه عليه من أنوار صفاته، وأن يكون سمعه وبصره، ولسانه. والمعنى أن يتولى أمره بالتسديد والإعانة، عالماً كما كان في عالم الغيب لإيجاد (1) فهو موجود في علمه الأزلي، ولا وجود له في حين وجوده، ولا أنه صفة حالة في نفسه تعالى الله عن ذلك، ولا شيئاً منفصلاً عنه جلَّ وعلا، بل هو ليس بشيء في حين ذلك، وهو شيء، أي وجوده في علمه نفسه الذي من وصفه أنه لم يزل عالماً به، ولا يصح أن يكون عالماً بغير شيء، فإن فني هنا كلّ شيء سوى الله تعالى، فإنَّه هو الأول الأزلي الذي كان ولا شيء معه، فهذا نفي الإثنينة، والكثرة، وبقي حلول عالم (2) الأشياء التي ستكون بإيجاد الله لها في نفس الله، أي ذاته، وتصحيح توحيد الله إذ جعلته واحداً ولا شيء معه، وهو باق على وحدانيته فإنّه لم يزل واحداً، ولا شيء معه، ويبقى كذلك واحداً ولا شيء معه، ولكن المراد بالأول كان الله ولا وجود لشيء من الوجود معه، وبعدما أوجد فهو واحد، لا شيء معه حتى الوجود؛ لأنَّ الوجود إنَّما هو باق على وجوده لإبقائه هو إياه، وإلا فلا وجود لبقائه فإنَّه فعله، ومتى لم يفعله لم يكن، وليس كالباني متى لم يبن لم يكن، ومتى بنى كان؛ لأنَّ البناء بعد بناء الباني له لم يحتج إلى الباني لبقائه، وهذا في حين إيجاده له هو كائن، وفي حين تركه إيجاده له لم يكن فهو يضمحل بالترك، بل أقرب في الوصف أن يقال مثل الكتابة في الماء ففي حين الكتابة فيه ينشق الماء، وفي حين الترك يضمحل، وإذا كان الأمر هكذا - وهو لا شك - فالله تعالى باق على وحدانيته والوجود فعله، وفعله هو فعله، والمفعول غيره، وما كان خيراً من عمل الإنسان مما يحبّه منه، وإن كان من الله لذلك العمل خلقاً، ومن العبد فعلاً فإنَّه يجوز أن يقال إنَّ ذلك الفعل هو فعل الله؛ لأنه بمشيئته، ومحبته، وإرادته كان ذلك من العبد، والعبد، وما عمله ممّا يحبّه له هو من فعل الله فصح أنّ حقيقته كما قال عن الله تعالى رسوله: (كنت سمعه، وبصره، ولسانه). وما سبق له في الحضرة الغيبية أنه يكون كذلك فهو هو ذلك، وهي، أي
(1) في س: [علماً كما كان في عالم الإيجاد]. (2) في س: [علم].
301 (1/301)
صفحة 302
الصفات التي سبقت له في الحضرة الغيبية هو لا غير، فهذه معاني الوحدة في التوحيد، وفي الحضرة العلمية وفي المحبة والمشيئة والإرادة من المحب والمحبوب واحدة والمحبّ محبوباً، والمحبوب محبّاً، فافهم ذلك.
قال:
230 - كذا كُنْتُ حِيناً قَبْلَ أَنْ يُكْشَفَ الغطا من اللَّبْسَ لَا أَنفَثُ عَنْ ثَنويةِ يقول: كذلك كنت حيناً في علم الحسّ أي يوم لا أنظر إلاّ إلى عالم المحسوسات، قبل أن يكشف لي الغطا برايتي إلى عالم الحضرة، والغطا هو النظر إلى عالم الحس، أي: عالم الشهادة، لا أنفك من اللبس: أي من التباس الأمر الصحيح علي: عن ثنويتي أي عن نظري إلى الإثنينية، وملتبس علي الحق في وثبوت وجود (1) الوحدة حتى انكشف الغطا، إما غطاء العجز عن إدراكه معنى الوحدة في التوحيد وإمّا غطاء ثبوت الوحدة في الحضرة العلمية وهي من التوحيد.
وإما غطاء ثبوت الوحدة في الحضرة العلمية وهي من التوحيد، وإما غطاء ثبوت الوحدة في المحبة والمشيئة والإرادة في الاتحاد بالكمال، فأما في التوحيد وفي الحضرة فقد مضى، وأما في (2) المحبة والإفاضة لماله في الحضرة العلمية فالغطاء هو
رؤية كلّ شيء سواها.
[50 و] قال:
231 - أروحُ بِفَقْد بالشهودِ مُؤلّفي وأغدو بوجد بالوجودِ مُشتَني يقول: أروح أي أمسي، بفقد أي بفنائي، بالشهود وهي الموجودات في (3) لكن أراها علماً إلهياً تسبيحياً فإنّي بها أرى (4) حضرة جمعي، فذلك الفقد مؤلّفي بها: أي بحضرة جمعي، وهي حضرة الروح والنفس في رؤية الله تعالى بصفاته لأكمل ذاتي بكمال الله
في كلّ شيء.
(1) [وجود] ساقطة في.
(2) [في] ساقطة في.
س.
س.
(3) [في] ساقطة في س. (4) في الأصل جاءت [أرى] مرتين.
6
302 (1/302)
صفحة 303
وأغدو (1): أي وأصبح استعار المساء لحضرة، والصباح لحضرة [أعلى وأجلّ])، على واجد] (3) بوجد: أي بحبّ الحضرة الغيبية، وحضرة الجمع بحبّ بالوجود، مشتتي: أي مفرّق بيني وبينه لقوته، أي الحب، واستيلائه عليّ.
بيان
واعلم
أنَّ لكثير من بيوت هذه المنظومة معنيين: أحدهما ظاهر جسداني في علم الظاهر الجليّ من علم الحقيقة وعلم التصوف والآخر باطن روحاني في علم الباطن الخفي من علم الحقيقة والتصوف بعلم الباطن الخفيّ، وعلم الكشف التوحيدي الباطن الخفي. وقد شرح معانيها الباطنة الخفية تلميذ تلميذ الناظم (4) فكان هو أصح التأويل فيها ولها؛ لأنه أخذ معانيها عن شيخه، وشيخه عن الناظم بنفسه، ولكن حيث كان المقصود بالنظم (5) من المعاني [إلى علم باطن خفيّ لا يدركه إلا أهل التصوف بالباطن الخفي، لا جَرَم صار المقصود به النظم من المعاني])، وعبارة الشارح لها كلاهما بعيدان عن إدراك مقصودهما على عقول من سلك مسلكهما في التصوف، وصار علمهما: الناظم والمعبّر له، ذاك في نظمه، وهذا في شرحه له لا فائدة للمبتديء الطالب للسلوك، فلم يصر كلامها دليلاً له عليه، ومَنْ وصل إلى مرتبتهما، فهو غير محتاج إلى ما أبدياه، فلأجل هذا أثبتُ من نظمه معانيه الظاهرة التي هي كالجسد مما نظمته من علم التصوف الظاهر، وعلم التوحيد الظاهر معهم ليكون وسيلة إلى فهم معانيه الباطنة، والسلوك بها إلى الحضرات الإلهية وليس في القصد من رسم تحت كلّ بيت من هذه المنظومة من التعبير له مما لاح لي من معانيه الظاهرة ليكون كتاباً، وإنّما رسمته كذلك تذكرة لنفسي لما أتذكره من معانيها (7)
(1) في الأصل و [س]: [وأغدوا].
(2) ما بين المعقوفين ساقط في الأصل، والزيادة من س.
(3) ما بين المعقوفين ساقط في
س.
(4) لم نستطع تبيّن المقصود بـ[تلميذ تلميذ الناظم] لأسباب شرحناها فيما سبق.
(5) في س: [المقصود به الناظم]. (6) ما بين المعقوفين ساقط في س.
(7) يعيد الشيخ ما ساقه في موضع سابق من أنه لم يرده كتاباً بل تذكرة لنفسه، ونحن نعيد بدورنا ما قلناه من أنه كتاب
فيه من آيات الكتاب الشيء الكثير.
303 (1/303)
صفحة 304
وأظنه أنه كذلك أراد به الناظم، والمعبّر لنظمه، ولكن طلبني بعض من الأصحاب أن أجمع ذلك له فكان كما تراه وسميته: كتاب إيضاح نظم السلوك إلى حضرات ملك الملوك (1)، والمراد بجمع الحضرات احتراز عن الوقوف عن السير دائماً بالسلوك من حضرة [إلى
حضرة] (2) أعلى وأقرب؛ لأن ذلك من شرط سلوك صدق المحبة، وصحة التصوف. واعلم أنّ الأنبياء لا يسمون صوفيين؛ لأنهم مرادون إلى هذه المراتب والدرجات، والصوفي هو المريد الواصل إلى مراتبه، فافهم ذلك.
قال:
232 - يُفَرِّقُني لُبّي التزاماً بِمَحْضَري ويجمعني سلبي اصطلاماً بغيبتي يقول: يفرّقني عن حضرة الجمع لبّي: أي عقلي التزاماً (3) بمحضري: أي التزام رؤيتي بحضرة شهودي لنفسي، ولجميع الموجودات في الحضرة الظاهرية، ويجمعني سلبي: أي انتفائي عن رؤية نفسي، ورؤية الوجود لمشاهدة المشهود، اصطلاماً: أي قوة حبّ، بغيبتي (4): عن نظر الشهود بالنظر الظاهر فيها إلى رؤية الحقيقة العلمية بالله تعالى حتى تتحد رؤيتي، ورؤية الله تعالى فيكون علمي وعلمه في ذلك الذي أنا أعلمه وأراه واحداً. والمراد بتخصيص الذي هو يراه؛ لأن علم الله ورؤيته للأشياء علم توحيدي لا يشبهه أحد في شيء، وإنما المراد أن العلم لا يختلف، ولا يجوز أن يختلف علم المرء بالله، وعلم الله بذلك العلم بنفسه، وإلا كان شكاً في الله تعالى.
قال:
233 - إخالُ حضيضي الصَّحْوَ وَالسُّكرَ مَعْرجي إليها ومحوي منتهى قَابَ سِدرة (5) يقول [50 ظ]: وكنت إخال: أي يتخيل لي في ظنّي، أو منتهى قاب سدرة: أي منتهى
(1) هذه فائدة جليلة حين يكرّر المؤلف عنوان كتابه بنفسه، وقد رأينا العنوان نفسه في بداية الكتاب، وهي تسمية لا يداخلها شك.
(2) ما بين المعقوفين ساقط في (3) في س: [إلزاماً].
س.
(4) في س: [نفسي] بدل [بغيبتي]. (5) في الديوان: [سدرتي] بدل [سدرة].
304 (1/304)
صفحة 305
قربي الذي أنزل فيه، وهو حضيضي: أي نزولي فيه لا نزول مرتبة، ولكن نزول مقام يكون فيه، والسكر معرجي: أي مصعدي (1) إليها، وكذلك محوي، فأجهدتُ نفسي في محوي لقوة السكر بحبّها دوماً لأنتهي إلى مرتبة الصحو التي هي سدرة منتهى قربي وكمالي، وهي درجة جمع الجمع، فافهم.
قال:
234 - فلما جَلَوْتُ الغَيْنَ عني اجْتَليْتَني مفيقاً ومني العين بالعين قَرَّتِ يقول: فلما جلوت الغين: وهو السحاب (2)، وجلاؤه إزالته، وقوله: عني، أي كشف الغطاء عن ذاته، اجتليتني، بفتح التاء: أي كشفت عني الحضرة الجمعية، مفيقاً: أي صاحياً بعد السكر، وهي حضرة جمع الجمع، وحضرة الوحدة، وفناء الإثنينية، والكثرة الوجودية. وبإفاقتي بعد سكرتي بحبها في الحضرة حققت الوحدة حين تحققت بها منى العين أي القوة البصيرية من عقلي بالعين قرّت أي بحقيقة ذات الحضرة، وصحة الوحدة، قرّت: أي شهدت والمراد وشاهدت مني عيني عين الحقيقة في وحدة التوحيد، وفي وحدة الحضرة، وفي وحدة] (3) المحبة، ويحتمل وبالعين أي وبعين الحقيقة استقرت فيها بالتمكين (4)، وكنت في حال التلوين (5) بمعرفتي فيها، ويحتمل قرّت من قرّة العين وهو ماء بارد يخرج منها مع قوة الفرح، كما أنه يخرج منها ماء ساخن في الحزن، فيقال للدمع الفرحي قرّت العين وقرة العين]) محبة الفؤاد، وكلّ ذلك يصح في التأويل.
***
(1) في س: [مقصدي] بدل [مصعدي].
(2) ينظر العين للخليل، ص 619، وفيه الغين: السحاب، يقال غِينت السماء غَيْناً: وهو إطباق الغيم، وكلّ ما غشى
شيء وجه شيء فقد غين عليه.
(3) ما بين المعقوفين ساقط في
(4) مرّ شرح [التمكين]. (5) مرّ شرح [التلوين].
(6) ما بين المعقوفين ساقط في
س.
س.
305 (1/305)
صفحة 306
[صفحة فارغة] (1/306)
صفحة 307
الباب التاسع (1) في السفر الثالث
سفر يجمع النفس والروح معاً إلى حضرة جمع الجمع الظاهرية والباطنية معاً بلسان المقام المحمدي.
قال:
235 - وَمِنْ فَاقتي سُكْراً غَنِيت إفاقةً لذا فَرْقي النائي فجمعي كوحدتي 2 يقول: ومن فاقتي: أي ومن صحوي في حضرة الجمع أوجبت علي سكراً؛ لأنني غنيت إفاقة: أي وجدت غنى، أي راحة إفاقة وصحو، لذا فرقي أي لطلب فرقي النائي، أي (3) فراق هذه الدرجة التي صحيت من السكر فيها إلى جمعه النائي وهو الأبعد، وقيل [بالثاء] (4) المثلثة، والمعنى متقارب، فجمعي كوحدتي أي فيكون جمعي بهذه الحضرة كوحدتي، كحضرتي بالمقيدات التي لا تسمى حضرة الجمع بل هي حضرة الوحدة المقيدة الحضرة التي أنا أطلبها، ولو لم أَصْحُ (5) في هذا ما فقت لطلب الأعلى التي جمع الجمع، فيكون جمعي كوحدتي: أي نظري إلى الحضرة الظاهرة، [والحضرة] (6) الباطنة براية النفس إلى الظاهرة، والروح إلى الباطنة، والرؤية إليهما معاً في الحضرة الغيبية الروحية، والحضرة الكمالية الإيجادية.
جمع
قال:
236 - فجاهد تُشاهد فيك منك وراء ما وَصَفْتُ سكوناً عن وجود سكينة
(1) في الأصل: [السابع]، وما أثبتناه في س، وبه يستقيم الترتيب.
(2) في الديوان: [الثاني] بدل [النائي] وسيتكفل المؤلف بالإشارة إليها، وفيه: [لدى] بدل [كذا].
(3) [أي] ساقطة في س.
(4) [بالثاء] ساقطة في س. (5) في الأصل و [س]: [أصحوا]. (6) [الحضرة] ساقطة في س.
307 (1/307)
صفحة 308
يقول: فجاهد تشاهد منك فيك: أي إذا شئت الوصول إلى هذا المقام فجاهد فيك،
أي نفسك، أي اجعل هذا الجهاد فيك فإنَّك تشاهد منك، أي بنفسك، وهذا عند أهل البديع يسمونه اللف والنشر (1) في (1) في التقديم والتأخير وراء ما وصفت [أي فوق ما وصفت] (2) لك مما شاهدته بنفسي، ولا يريد بمعنى وراء ما أحطت به أنا سكوناً، أي اطمنانة، أي تمكناً عن وجود سكينة، أي تمكناً صادراً عن وجود سكينة، والمراد هنا بالسكينة الثبوت، والصحو بعد السكر، ولكن قد يسكر بذلك الصحو إن شاهد مرتبة أعلى في القرب فيكون لصحوه إلى المشاهد سكر، وفي حال سكره بحبها هو في صحو؛ لأنَّه لو لم يَصْحُ لم ينظر فيكون له وصف آخر أنَّ صحوه في سكره، وسكره في صحوه، كما صح وصفه كذلك في البداية، فهو في ترقي كلّ درجة من درجة أخرى كذلك في وصفه.
[51 و] قال:
237 - فَمِنْ بَعْدِ مَا جَاهَدْتُ شَاهِدتُ مَشْهدي وهادي لي إياي بل بي قُدوتي (3) 238 - وبي موقفي لا بل إلي توجهي كذاك صلاتي لي ومني تعبتي يقول: ولما قاله معانٍ، باطنة ومعان ظاهرة، فأما ظاهرها فلها وجه في الحق. يقول: فمن بعد ما جاهدت شاهدت مشهدي: أي صفاتي أنّي ما خُلقت إلا مرآة لتجلّي كمال الله تعالى، واتصف بكماله الصفاتي والعقلي؛ لأنَّ حقيقة فعله الكامل كلَّه إنّما هو لتكمل الذات المتعبّدة بمعرفته وعبادته فكانت حضرة التجلي بالكمال لأجل ذاتي، فذاتي وهي حقيقة ذاتي فأنا هي وهي أنا؛ لأنَّها كمالي، وهي الهادي، أي المهدية لي إياي، وأراد المهدية إياها، وإنما قال إيَّاي حيث جعلها، ذاته، وإنّما جعلها ذاته لأنَّ الله تعالى تجلّى بها لتكمل بها ذاته [فلما اكتملت بها ذاته] (4) صارت تلك الحضرة ذاته كأنه أثبتها هي، وطرح سواها،
(1) اللف والنشر ويسمّى أيضاً الطيّ والنشر، وهو أن تلفّ شيئين ثم ترمي بتفسيرهما جملة، ثقة بأن السامع يردّ إلى كلّ واحد فيها ماله، كقوله تعالى: وَمِن رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ الَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ، فألقى الليل والنهار أولاً وجعل الأول للسكون، والثاني لطلب الرزق، وكذلك ابن الفارض حيث ألقى المجاهدة والمشاهدة أولاً ثم أتى بالسكون للأول، والسكينة للثاني، ينظر عن هذا المصطلح معجم | المصطلحات البلاغية، د. أحمد مطلوب، 3/ 72، وما بعدها.
(2) ما بين المعقوفين ساقط في الأصل، والزيادة من س.
(3) في الديوان: [قدرتي] بدل [قدوتي].
(4) ما بين المعقوفين ساقط في
س.
308 (1/308)
صفحة 309
وأراد بذلك أنّه إذا لم تكمل الذات بها يراها، أي ذاته في حق رؤيته لها أنها لا شيء، وقوله: بل بي قدوتي يحتمل وجهين: أحدهما بي، أي بسعيي لئلا يبطل الأسباب والاختيار للمرء؛ لأنَّه يقول تعالى: (لا يزال عبدي يتقرب إليَّ) فكان التقرب سبباً، والثاني قوله: بي، أي بها، وإنَّما أضافها إلى نفسه لأنَّها كماله، وبتجليها عليه كان اقتدؤاه. وقوله: بي، بمعنى وفي موقفي إشارة إلى الوقوف في جبل عرفات، بل بمعنى: وكذلك إلى توجهي إشارة إلى التوجه إلى الله تعالى كذلك في صلاتي. ومني كعبتي وأراد بذلك. أحدهما: معنيين أن النفس مأمورة أن تأتم بالروح ائتماماً في التوجه إلى الله تعالى، وفي الصلاة وفي كلّ عبادة؛ لأنَّ طاعتها بالله طاعة الله، وعصيانها معصية الله تعالى؛ لأنها محل تجلي نور محبة الله المحبة الإلهية، ولا يصح إلا التوجه إليها. والمعنى الثاني أنَّ التوجه إلى الله تعالى وهو المتجلي علمه بمرآة العقل، وفيها تجلي صفات الله ونور محبته، وأوامره، ونواهيه التي الكمال فإليها التوجه، وفيها القبلة، وفيها يتجلّى المعبود لقوله: ما وسعني سمواتي ولا رضي، ووسعني قلب عبدي المؤمن، فليس الله في جهة يتوجّه إليها عليها، وإنما التوجه إليه خالصاً وهو التجلي لمرآة العقل، فكانت هي قبلة التوجه، فافهم. ولما أخبر بما شاهد
هي!
أمر بالسلوك إليه المستعدة قلوبهم إلى قبول ذلك، والاقتدار عليه بقوة عزائمهم.
قال:
239 - فَلا تَكُ مَفْتوناً بحبّك مُعْجَباً بنفسك موقوفاً على لبس غرّة (1) يقول: فلا تَكُ مفتوناً: أي مشغوفاً بحبك بقوة المحبة، والرضا لمحاسن أفعالك الحسنة، معجباً بنفسك: أي حيث أعجبتك نفسك على اقتدارك على أعمالك، موقوفاً لا تروم الترقي بالصعود إلى المراتب العلية، واقفاً على لَبْس غرّة، أي فذلك الوقوف هو
وقوف غِرَّة لبست عليك.
قال:
- وَفَارِقُ ضَلالَ الفَرْقِ فَالجَمْعُ مُنتج هُدَى فِرقة بالاتحاد تحدّت يقول: وفارق ضلال الفرق أي جرد نفسك عن كل شيء يضلّك عن الوصول إلى
(1) في الديوان: [بحسّك] بدل [بحبك]، وفي هامش الديوان أنها إحدى القراءات للبيت.
309 (1/309)
صفحة 310
مرتبة الاتحاد، ويحجبك عنها إلى أن تصل مرتبة الجمع، ومن بعدها مرتبة الاتحاد، ويحجبك عنها إلى أن تصل مرتبة الجمع، ومن بعدها مرتبة الاتحاد بالحضرة الكمالية بالتصفية من الأغيار التي تكون أنت في كل شيء من صفاتك هي، وهي أنت، وذلك بحيث أن تكون روحك، ونفسك كما كانت في عالم الغيب قبل نزولها بجسمك كما في اللوح المحفوظ خالصة مجرّدة من نظر الأغيار، وإن نظرت إلى الأغيار، ونظرته علماً توحيدياً فهو النظر الكمالي أيضاً، وهي مراتب الجمع؛ لأنَّ الله أحب وجودها شهوداً له
على العلم به، ونظرها كذلك من الكمال الإلهي الذي جعله كمالاً، فاعرفه
***
310 (1/310)
صفحة 311
الباب [51 ظ] العاشر
الجمال الإلهي والمحبّة الإلهية، ومحبّة المشاهد إليه بالمحبة الإلهية بلسان المقام
في المحمدي:
قال:
241 - وَصَرَّحْ بإطلاقِ الجمال ولا تَقُلْ بتقييده مَيْلًا لزُخْرِفِ زينة
الله
يقول: وقل بالاعتقاد، والقول والعمل، والسلوك، وقوة العزيمة، وشدة المحبة، والإرادة في العلم والتوحيد بثبوت الجمال المطلق لتسلك إلى رؤيته؛ لأنَّ مَنْ أَنكر شيئاً لم يطلبه، ولم يرغب إليه، ولذلك قال: ولا تقل بتقييده، أي ولا تقتصر على القول فيه إنَّ القول الحق في الجمال هو المقيد ظهوره في الأشياء الظاهر فيها لا غير، فإنَّ ذلك قصور في المعرفة، وهذه الفرقة هم الناكرون محبَّة الله تعالى للعبد، ومحبَّة العبد لله، وأنها لا تكون من العبد إلا في المحسوسات، وأما محبة العبد لله فهي عبادته لله بدينه الحق، ومحبة الله لعبده كرامته، له فهؤلاء من أهل التقييد وهم الذين لا يرومون الترقي في قربات الله بالمحبة والحضور إليه، والمشاهدة لحضراته فرضوا بمقامهم لرضاهم عن أنفسهم بأعمالهم، وقناعتهم في حق جناب الله تعالى ذلك رؤيتهم لأعمالهم أنَّ ذلك منهم في حقه كثير، والله يقول: {وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ} (1)، ولذلك قال: لزخرف زينة، زين لك الشيطان، أو نفسك ذلك، أو لزخرف زينة: أي عن شكٍّ وريب أنَّ المحبة ليس بشيء، وليس لله جمال محبوب
قال:
- 242
فكُلُّ مَليح حُسْه من جمالها معار له أو حُسْنُ كُلَّ مليحة
يقول: فكل مليح ظهر حسنه من جمالها أي من جمال الحضرة الفعلية الحكمية
(1) الأنعام، الآية 91.
311 (1/311)
صفحة 312
الإلهية الكمالية، ومن جمال المحبّة الإلهية معادله منها؛ لأنّه كان بتدبير جماله، وكمال الإرادة الإلهية وهي المحبة، ولكن الإرادة تقضي إرادة ظهور كلّ ما في اختيار المرء من خير أو شر، وأما المحبّة فتختصّ مع أهل هذا العلم اصطلاحاً بمحبة (1) الكمال في كل شيء. وقوله أو حسن كل مليحة أي [حسن] (2) كل صفة مليحة فإنّما كان حسن تلك الصفة، وذلك الشيء، أو في الصفة المعنوية مليحة لتجلي بعض الكمال والجمال الفعلي الإلهي؛ لأنّ كلَّ ما يصنعه الله تعالى فهو جمال، وكمال [لا محالة، وجمال وكمال] (3) حكمة الله مطلقة غير مقيدة، ولا متناهية، وكلّ ما يظهره في الوجود من الكمال، والجمال هو مقيد، ومتناه وفي، قدرته وحكمته لا نهاية له ولكن تجلي صفاته لا نهاية لكمالها، كذلك تتجلّى بذات المرء الكامل فيكون متصفاً بكمال لا (4) نهاية له.
وهي
قال:
—
244
245
243 - بها قَيْسُ لُبنى هام بل كُلُّ عاشق کمجنون ليلى أو كثير عزة 24 - فَكُلُّ صَبا منهم إِلى وَصْفِ حُسْنُها بصورة حُسْنٍ لاحَ في حُسْنِ صورة (5) وما ذاك إلا أن بدت بمظاهر فظنوا سواها وهي فيهم تجلّتِ يقول: بها: أي بجمال تلك الحضرة الجمالية الحكمية الإلهية المراد إظهارها في الوجود وجوداً لتجلّي جمالها فيه بها هام حبّاً وعشقاً قيس بحبّ لبنى، وهو اسم امرأة. بل كلّ عاشق إنّما عشق محبوبه بتجلّي جمالها في مظهر محبوبه، کمجنون بحب ليلي، أو كثير (6) - بتشديد الياء، والمثناة التحتية وكسرها - اسم رجل هام بحبّ عزّة، اسم امرأة، ففي الحقيقة كلّ مَنْ هام إنما هام منهم، صبا إلى وصف حسنها إذ تجلّت له بصورة حُسنٍ لاح له في حسن صورة، وما السبب في ذلك إلا أن بدت (7) أي تجلّت له بمظاهر، أي
(1) في س: [لمحبة]. (2) ما بين المعقوفين ساقط في الأصل، والزيادة من س. (3) ما بين المعقوفين ساقط في الأصل، والزيادة من س.
(4) في الأصل: [له] ولا معنى لها، وأثبتنا [لا] لتلاؤمها مع السياق، وفي س: [متصفاً بكماله نهاية]،
مضطربة.
وهي
عبارة
(5) في الديوان: [لبسها] بدل [حسنها] و [معنى] بدل [حسن]، وفي هامش الديوان أنها إحدى القراءات للبيت. (6) كثير هو الشاعر الأموي المشهور.
(7) في الأصل: [أبدت]، وأثبتنا ما في س لتلاؤمها مع السياق.
312 (1/312)
صفحة 313
بأشخاص يظهر منها لهم في الصورة الجميلة، فهي تظهر وهم [52 و] محجوبون عن معرفتها، فصار قصور عقولهم عن إدراكها حُجباً لها لا هي محتجبة، وإنما كان ذلك كأنه حجاب لها عن عيونهم، وعقولهم إلا عقول أهل التحقيق؛ فكما ينظرون بعقولهم أنّ ذلك اللون الحسن المشوب بالحمرة ظهر في بشرة هذه الصورة إنّما هو حسن الدم، وجمال (1) الحياة الذي هو مادة الحياة حين رقت البشرة، كذلك يرون أنّ كلّ جمال وحسن ظهر في مظاهر تجلّي الجمال إنّما هو من تجلّي جمال الحضرة الجمالية، الحكمية، الإلهية.
قال:
246 – بَدَتْ باحتجاب واختفت بمَظَاهِرٍ على صيغ التلوين في كلُّ بَرْزَةِ يقول: بدت: أي تجلّت وظهرت باحتجاب واختفت بمظاهر: هو كما ذكرناه على صيغ التلوين في كلّ برزة: أي في كلّ (2) ظهوره، ومراده على صيغ التلوين، أي على ألوان أصباغ كثيرة الأنواع في تلوّنها، وإنّها ظهرت في حمرة الذهب، وبياض الفضة، ونور الشمس، وضياء النار، وأصباغ الأشجار، وألوان الناس أهل الجمال، [كل] على قدر ما تجلّت فيه فصار محبوباً على قدر تجلّيها للعاشق لها.
قال:
247 - ففي النَّشْأَةِ الأولى تَراءَتْ لآدم مَظْهرِ حوّا قَبْلَ حُكْم الأمومة 248 - فَهَامَ بها كيما يكون بها أَبَاً ويَظْهَرَ بالزَّوجين سر البنوة 249 - وكان ابتدا حُبِّ المَظاهرِ بَعْضَها لبعض ولا ضدُّ يُصدُّ بِبَغْضَةِ يقول: ففي النشأة الأولى الإنسانية التي لأجلها أوجد الله جميع الموجودات، ولوجود النبي: محمد منها، وهو الحبيب الأعظم الذي خُلق لأجله كلّ شيء. تراءت: أي تجلّت لآدم في مظهر حوّاء قبل أن يعرف أنه المراد بحبّها لأجل خروج النسل منهما، وبظهور الجمال التدبيري الإلهي في مظاهر نسله في الحبّ، والجمال يخرج الذرية، فوجد آدم
(1) في س: [وحال] بدل [وجمال].
(2) [كلّ] ساقطة في س.
(3) ما بين المعقوفين ساقط في الأصل، والزيادة من س.
313 (1/313)
صفحة 314
حباً في نفسه إليها من حيث لا يشعر. وكذلك ليخرج منه المحبوب الذي لأجله وجد الوجود، وكان حبّ آدم [هو] (1) ابتداء حبّ مظاهر تجلّي الحضرة الإلهية المحبوبية الجمالية، ولا ضدّ له بالضاد المعجمة - يصدّه - بالصاد المهملة - ببغضة: أي ليس له من ضدّ يصده عن حبها ببغضه.
قال:
250 - وما بَرَحَتْ تبدو وتَخْفَى لِعَلّة على حَسَبٍ حَسَبِ الأَوقاتِ الأوقات في كلّ حِقْبَةِ من اللَّبْس في أشكالِ حُسْنِ بديعة تدعى بعزة
من
251 - وَتَظْهرُ لِلعُشَّاقِ في كلّ مَظهرٍ 252 – ففي مَرّةٍ لبنى وأخرى بثينةً وآونة
عزة
253 - وَلَسْنَ سِواها لا ولا كُن غيرها وما إن لها في حسنها من شريكة يقول: ولم تزل تخفى في المظاهر تارة، وتظهر أخرى، وتظهر للعشاق من اللبس: أي من الحجب في أشكال بديعة كلما كان الشكل أقرب إلى صفات كمالها ظهر جمالها فيه أكثر، ففي مرة تراءت في لبنى من النساء لمن عشقها، وأخرى في بثينة، وتارة آونة تُدعى أي تنادى بعزة عزّة: أي يا عزّة بعزتك في طلبه لرؤية جمالها لها منها، وليست في الحقيقة سواها، أي الحضرة، لا بل هي هي، ولكنّ هذه المظاهر غيرها، واختلف تجلّيها على اختلاف صور الأشكال المتجلية فيها، وهي ليس لها شريك في جمالها وحسنها؛ لأنَّ كمالها في حضرة (2) علمه تعالى وحكمته وقدرته، [52] وجمال حكمته لا شريك له وتدبيره كله جمال، ولا شريك له، فافهم، ولا نهاية له فله الجمال المطلق، وكلُّ جمال ظهر فهو من جمال فعله، فافهم.
قال:
254 كذاك بحكم الاتحاد بحسنها كمالي بَدَتْ في غيرها وتَزيّتِ (3) يقول: كذلك بحكم الاتحاد في حسني وجمالي (4) بجمالها أو حسنها، أي الحضرة
(1) في الأصل: [كلّ] بدل [هو]، وأثبتنا ما في س لتلاؤمه مع السياق. (2) في س: [الحضرة]. (3) في الأصل، و [س]: [كذلك] بدل [كذاك]، وما أثبتناه من الديوان، وبه يستقيم الوزن.
(4) في س: [وجمالها] بدل وجمالي]، وما أثبتناه من الأصل يتلاءم مع السياق.
314 (1/314)
صفحة 315
الجمالية هو جمال واحد وحسن واحد بدت أي ظهرت جمالي وكمالي، ولم يقل أبدت؛ لأنَّه جعل جمالها وجماله، وكمالها وكماله واحداً فى غيرها من (1) المظاهر لها.
قال:
255 - بَدَوْتُ لها في كلُّ صَبٌ مُتيم بأي
حسنه
وباية
بديع يقول: بدوت: أي أظهرت لها، أي الحضرة الجمالية، في كل صبّ متيم بأي، أي بشكل بديع حسنه وجماله، وبأية صورة حسنة بديعة الشكل؛ لأنَّ الجمال معناه واحد وهو الذي ظهر في صورتي، وأعمالي، وصفاتي بحكم الاتحاد إذا صار كل شيء مني جمالاً، فذلك الجمال الذي كنت مظهراً لها تظهر فيه هو الجمال الذي ظهر في غيري، أي غيرها،
أي الحضرة الجمالية المطلقة.
بيان في معنى (2) الاتحاد
اعلم أن من المعاني ما لا يُفهم إلا بمقدمات والاتحاد (3)، والمطلق، والمقيد، والمظاهر لا تفهم معانيها، ما هي في اصطلاح المتصوفين. أما الاتحاد فله معان، وعلى أحوال كثيرة، ومنها اتحاد المزاج كامتزاج ماء قراح بماء قراح، ومنها اتحاد الشبه في الصورة والشكل، فالاتحاد في الصورة مثل ماء بماء شبيه له واتحاد الصورة الشكلية مثل أن يدور دائر بين بآلة واحدة (4) لم يغيرها بشيء، ولم يرد أهل التصوف هذه الوجوه، ومنها اتحاد في الوصف بالاتصاف، ومنها الاتحاد في المعنى، وهذان الوجهان هما المقصودان، وأمَّا اتحاد الشيء بالتجلي في المرآة فلم يرده أهل العلم إلا مثالاً لا حقيقة، ولكن احتاجوا إلى وصف كمال الله بصفاته، وتجليها على ذات المرء مبالغة في التحقيق أن علمها بالله العلم الحق هو كذلك غير مختلف، وكذلك للمطلق معان منها مطلق باتحاد (5) المعنى كالمحبة من الناس معناها، واحد، وكذلك الجمال والكمال معناهما، واحد، وظهوره في الأشخاص
س.
(1) [من] ساقطة في (2) في س: [سفر] بدل [معنى]، ولا معنى لها.
(3) مر الحديث عن [الاتحاد]. (4) في س: [واحد] بدل [واحدة].
(5) المطلق هو الكلّي العقلي لا يكون إلا في الأذهان لا في الأعيان، والمطلق لا بشرط وهو الكلّي، ينظر موسوعة العجم، ص 989، وسيشرح الشيخ ناصر [المقيد] و [المظاهر] في ثنايا حديثه الآتي.
315 (1/315)
صفحة 316
مقيد بها ويقابله قبح، والجمال المطلق الذي لا يتناهى (1) في صفته ولا في أوصافه، وهو كمال الله وجماله الذي لا نهاية له، فإذا فهمت ذلك فاعلم أن جميع محبّات الخلق بعضهم لبعض هي في الحقيقة متحدة محبة واحدة في المعنى وإن أمكن أنّ الله خلق في كل شخص محبة غير المحبة التي خلقها في الآخر فإنَّ معنى المحبّة كلها بمعنى واحد متحد اتحاداً كلياً، وإن اختلفت أحوالها في المظاهر التي تظهر فيهم، فصارت المحبات هي محبة واحدة في المعنى، فيقال في اتحادها في المعنى المحبّة المطلقة، وظهورها في كل شخص هو مظهر لها تظهر فيه هي المقيدة بظهورها في شخصه دون غيره فهي تظهر بالتقييد، وأما هي أصلها، فمطلقة، وكذلك الإرادة، والمشيئة، والعلم، والسمع والبصر كلّ واحد من ذلك هو مطلق في المعنى، وظهوره في الأشخاص، وهي المظاهر مقيَّداً ظهوره فيها، وأصلها مركبة فيه لتطلب المحبة الإلهية، والكمال الحقيقي حتى بمحبة الله وبكماله الحقيقي الذي جعله كمالاً، أو تتنور بنور كماله الذي لا يتناهى (2)، فمن صَرَفها عن المقصود بها فإنَّما ذلك إفسادها بنفسه لها، وإلا فهي كذلك، والجمال إنما ظهر في الوجود ليشهد به جمال الحكمة الإلهية الفعلية في تدبيره لا ليشهد الجمال نفسه لذاته، فمن اقتصر به فقد حجب نفسه عن رؤيته لله، ولم يحجب الله نفسه عنه [53] فإنه ليس على الله حجاب، فاتحدت معنى المحبة من جميع الأشياء واتحد معنى الكمال، وكذلك الجمال هو في الحقيقة مطلق؛ لأنه لا يمكن أن يكون الجمال شيئاً (3). على غير معناه نقيضاً له، وما كان على معناه فهو هو، وكان مطلقاً هذا المطلق في المعنى،
تتحدّ
هو
وأما المطلق الحقيقي فهو الذي يكون في مقابلته مطلق المعنى مقيداً؛ لأنه لا نهاية في الاتحاد، لا في القدرة هو الكمال الإلهي الموصوف به ذاته، وتجلّى به بما شاء أن يتجلى به على مَنْ (4) أفاضه على ذاته التي أضاف صفات دالة على صفاته كالسمع، والبصر، والكلام، والقدرة، والعلم، والعدل، وكل صفة تجلى بها على الوجود لم يتجل (5) بها
(1) في الأصل و [س]: [لا يتناها]. (2) في الأصل و [س]: [لا يتناها].
(3) في الأصل و [س]: [شيء]، وما أثبتناه أصوب. (4) [مَنْ] ساقطة في الأصل، وما أثبتناه من س.
(5) في الأصل و [س]: [يتجلّى].
316 (1/316)
صفحة 317
[إلا لتكمل] (1) بها الذات التي هكذا صفاتها، وهي الذات الحجرية، ولأجل تكميلها بها أوجدها وأوجد جميع الموجودات، فإذا اتحدت به واتصفت قد اتحد كمالها بكماله (2)؛ لأنَّها لا كمال لها إلا أن يتحد بذاتها ذلك الكمال الإلهي، واتحاده بكمال المحبة وجمال الكمال الحقيقي اتحاد المحبّة مطلقاً، وبالجمال مطلقاً من حيث ظهر في] (3) المعنى لا في الاتصاف، وذلك حيث كان جمال كمال الحكمة الإلهية أن يظهر جمال التدبير في كل شيء في المحبة، وفي المظاهر من الصور، وفي المثالات، وفي الخيالات، وفي الأعمال وفي الصفات، وفي الإرادات، والمحبات، والمشيئات حتى في عمل الكافر الكفر، فإنَّما تجلى له الجمال التدبيري الإلهي، وفي ذلك العمل ابتلاء من الله فأحبّه، وكفر به عن قصد وإرادة، وقد نهاه الله تعالى، ويظهر الجمال له في خيال على نفسه وهو باطل فيراه حسناً فيبتعد، وجعل له قدرة يمكنه أن يصرفها عن أتباعه، وأظهر كفره الباري جلّ وعلا بظهور هذا الجمال التدبيري وأظهر له بقدر ما يقدر] (4) أن يخالف فيه هواه أن لو أراده ولكن في علمه تعالى أنه ليخالفه عن رغبة واختيار منه، فكان الله تعالى بهذا التدبير الجمالي فيه هو المظهر منه ما في نفسه من حيث لا أنه أراد وأحب أن يعصيه، كلا، ولكنه سبحانه جل وعلا بما علم ما في نفسه أنه سيعصيه في علمه الأزلي كونه بالاستحقاق، وأمره ونهاه بما أمر به غيره، وبما نهى عنه غيره، وهداه إلى الجمال والكمال المطلق، وتجلى له الجمال في الخيالات التي هي في الأصل قبيحة كما يتجلى ذلك لغيره فيخليه عن نفسه فلم يخله بل اتبعه، فصار جميع اتحاد الوجود في تدبير الله تعالى جمالاً مطلقاً (5)، وحيث ما تجلى الجمال فهو جمال، فكان من الجمال المطلق أن يظهر في الصور في صورة الحمار على صورة الحمار، وفي الإنسان على صورة الإنسان، وفي النحل على صورة النحل، وفي الكرم على صورة الكرم، وفي الذهب على صورة الذهب، وفي القار الأسود على صورة القار، وفي الكفر على صورة الكفر فيهلك به من هلك (6)؛ لأنَّ الكفر خلق من الله تعالى،
س.
(1) ما بين المعقوفين ساقط في (2) في س: [كماله] بدل [كمالها]، وقد سقطت [بكماله]، وما جاء في المتن أكمل.
(3) ما بين المعقوفين ساقط في الأصل، والزيادة من س.
(4) ما بين المعقوفين ساقط في س.
(5) في الأصل، و [س]: [جمال مطلق]، وحقهما النصب لكون [جمال] خبر صار، ومطلق نعت له.
(6) في س: [فهلك به وملك].
317 (1/317)
صفحة 318
6
ومن العبد عمل، ولو قيل: إنَّ خلق الكفر ليس في حسن التدبير في الوجود لكان ذلك من الغيب في تدبير الله تعالى وتدبيره كله حسن والجمال هو الحسن فصح أن كل شيء في الوجود إنما ظهر فيه صورة الجمال والحسن المطلق التدبيري المعنوي، وظهور له حد فهو مقيد بالتحديد، وفي علم الله وقدرته هو بلا نهاية فهو أيضاً مطلق بلا نهاية، وأصل ظهوره هو كمال، وجمال عمومي للكلّ، وإنما يحجب عنه حجبه (1) عن نفسه؛ لأن حكمة التعبد للكلّ من المتعبدين، وما ظهر من الجمال في المظاهر، وتجلّى على المحبة فهو يظهر بعضه للطائع والعاصي فيضل بتجلّيه عليه [53] في بعض المظاهر بعضهم، ويزاد به قربه الله تعالى بعضهم فيكون حجّة على العاصي، وأصل ظهور جمال الحكمة في ظهور المحبّة، والجمال المعنوي، والجمال الظاهر في الصور والخيالات ليترقى (2) بذلك إلى العلم بالله تعالى لا ليعصي الله بهما وفيهما، وما أفيض على ذات حجر المرء من الصفات الأربع وتوابعها التي هي أفضل ما أفيض على الوجود يسمى في اصطلاح أهل هذا العلم بالمضاف إليه كالسمع والبصر، والقدرة، والكلام، والإرادة، والمحبّة، والمشيئة، وأعماله وأفعاله واعتقاداته، وما يفاض عليه من الجمال كأنوار محبة الله له من الجمال (3) المطلق، وكالتوفيق والتسديد إلى غير ذلك، فهو المسمى عندهم بالمفاض فإذا جلّى مما أضيف إليه حتى بلغ به في التصفية إلى الجمال، والكمال الحقيقي الذي هو أحبّ الأشياء إلى الله تعالى، وأكملها، واتحدت إرادته في كلّ ما أضيف إليه بإرادة الله تعالى، ومحبته بمحبة الله منه، وفيه، وله ومشيئته بمشيئة (4) الله فصار أحبّ الأشياء إليه هو أحبّها إلى الله، وأكملها معه هو أكملها معه علماً أو عملاً، وعلماً به جلَّ وعلا كما هو علمه بذاته بذلك العلم غير مختلف، فذلك هو الاتحاد مع أهل هذا العلم (5)، وليس المعنى أنَّ إرادة الله الموصوف بها ذاته صارت هي إرادة هذه الذات الموجودة، بل صار لا يحبّ إلا ما يحبّه الله له أن يحبّه، ولا يريد إلا ما يريده (6) الله به ومنه، ولا يشاء إلا ذلك فقد
(1) في س: [مَنْ يحجبه].
(2) في الأصل و [س]: [ليرقا].
(3) في س: [ومن الجمال وكانوا من محبته الله من الجمال].
(4) [بمشيئة] ساقطة في س.
(5) هذا هو معنى الاتحاد الذي يلح الشيخ ناصر عليه، وهو مبراً من الشرك، خالٍ من الالتحام الذي يقول به غيره. (6) في س: [وما أريده]، ولعله يريد [ما أراده].
318 (1/318)
صفحة 319
التحق بعالمه الأول فى الصفات، وذهبت الأغيار عنه، وأفاض عليه الجمال المطلق، والمحبة المطلقة، الجمالية، وإذا كان معنى الجمال واحداً (1)، ومعنى المحبة واحداً، وثبت ذلك فلا غرو (2) أن قال حال السالك الواصل إلى مرتبة الاتحاد بالكمال التدبيري: إنَّ ذلك الحبّ، وذلك الجمال الذي ظهر لآدم بحوّاء هو الكمال والجمال، والحبّ الذي هو حبّي وجمالي؛ لأنَّ جمالي من جمال حكمة الله، وذلك كذلك، والجمال الإلهي غير مختلف معناه بمعنى التضاد، ولا محبّته وجمالها؛ لأنَّ جماله الجمال المطلق الذي لا تضاد فيه، ومتى تجلّى الجمال على المحبّة مالت إليه، فإن كانت الذات المحبة محتجبة على التحقيق حالت إلى حبّ المظهر، وإن كانت تشاهد التحقيق مالت إلى حبّ مظهر الجمال، فصح أنّ حقيقة الجمال هو جمال حكمة الصانع لا غير (3)، وذلك مثل الصانع من الناس إذا صنع صنعة مبهرة للعقول بحسنها فقد تجلّى جمال حكمته فيها، فمنهم مَنْ عشق الصنعة، ومنهم من أحبّ جمال حكمة الصانع فتراه يجتهد في تحصيلها في ذاته، وأحبّ الصانع لكماله وجمال حكمته، فإذا عرفت ذلك، اتضح (4) لك أنَّ الجمال الإلهي حقيقة واحد، وأنه هو المتجلي في المظاهر، وأن (5) هذا السالك هو المتصفة ذاته به علماً وعملاً، وأنه ليس شيء محبوب في الحقيقة غيره.
قال:
256 - وليسوا بغيري في الهوى لتقدم علي لسبق في الليالي القديمة (6) يقول: إنَّ الجمال يقول بلسان حاله للمتصف به وليسوا أي العاشقين بغيري عشقوا، أو تهالكوا في الهوى فيمن تهالكوا فيه حبّاً، وهوى وإن كانوا مضوا قبل أن أحلّ في ذاتك، وأكملها فلا حجّة لتقدّمهم، ولأجل سبقهم عليّ، أي على ظهوري فيك وعليك في الليالي القديمة، فإنّي أنا الذي ظهرت في كلّ جميل حسن فالذي ظهر لازم في حوّاء، وكلّ جمال
(1) في الأصل و [س]: [واحد]، وما أثبتناه أصوب.
(2) في الأصل و [س]: [فلا غروي].
(3) في الأصل: [إلى غيره]، وأثبتنا ما في س لتلاؤمه مع السياق.
(4) في الأصل و [س]: [واتضح لك]، وبالواو ولا يستقيم الكلام لكون [اتضح] جواب الشرط.
(5) كتب الناسخ [وأن] في الأصل مرتين.
(6) في الديوان: [سواي] بدل [بغيري]، وفي هامش الديوان أنها إحدى القراءات.
319 (1/319)
صفحة 320
في محبة وفي مظهر، فأنا الجمال الظاهر؛ لأنّي الجمال (1) الإلهي، وأراد بذلك الحثّ على التكميل، وتوحيد جمال تدبير الله تعالى.
قال:
257 - وما القومُ غيري في هواي وإنّما ظَهَرْتُ بهم لِلَّبْسِ لِلَّبْسِ في كلّ هيئة [54] 258 - ففي مرّةٍ قَيْساً وأخرى كثيراً وآونة أبدو جميل بثينة (2) يقول: بلسان حال الجمال الذي اتحد به، وهو الجمال المطلق المتجلّي في المظاهر، وما القوم الذين هم هاموا في هواي، أي الجمال المطلق، غيري، أي ليس هم غيري، وإنما أنا الذي ظهرت بهم في الوجود صورة، أو صفات (3) اللبس (4)، أي للشكل متشكلاً في كلّ هيئة، أي في كل صورة وهيئة حسنة في المحبة، ففي مرة ظهرت حواء وآدم، وفي مرة ظهرت قيساً محباً لمحبوبته، وكثيراً لمن هواها، وآونة جميل وبثينة، فأنا أتصور لهم جمالاً ومحبة؛ لأن جميع صور الوجود صورتي، وظهرت بذاتك لا بصورتك مع أن صورتك ظهرت بها، ولكنّ الكمال في ظهوري كاملاً (5) بذاتك، وانكشافي إليك حقيقة في كلّ شيء يرى الله، وجمال فعله فيه، وأمّا ظهوري في المظاهر يضلّ بها أهل العمى، ويهتدي بي أهل الهدى فكن أنت أنا، وأنا أنت، وكلّما رأيت الله، وجماله في كلّ شيء علماً وعملاً فقد عظم جمالك فلا تقنع بالدون والكثير مبذول إليك.
قال:
259 - تَجَلَّت فيهم ظاهرا واحتجبتُ با طناً فاعجب لكشف بسترة
بهم
يقول: مخبراً عن الجمال المطلق: تجلّيت فيهم ظاهراً بالاتحاد، وظهور الصورة، تشكلها إليهم، واحتجبت باطناً بهم: أي لم يعرفوني أني أنا واحد أظهر لهم لا
وحسن
(1) في الأصل و [س]: [جمال] بدل [الجمال]، وما أثبتناه يستقيم به ا
، الكلام.
(2) في الأصل و [س]: [أبدوا]. (3) في س: [وصفاً] بدل [صفات].
(4) في س: [باللبس].
(5) جاءت [كاملاً] منصوبة باعتبارها خبراً للفعل الناقص [صار] المحذوف أي تقدير الكلام ... ولكنّ الكمال فـ
ظهوري صار كاملاً بذاتك ..
320 (1/320)
صفحة 321
غيري، وإن اختلفت أشخاصهم، فاعجب بكشف هو ظهوري لهم، وبسترة: وهو اختفائي
أني أنا لا غيري ذلك المتشكّل على صور شتى.
قال:
لنا بتجلينا بحب بِحبُّ ونَضَرة
بحب،
260 - وَهُنَّ وَهُم - لا وَهْنَ وَهُم - مظَاهِرُ يقول: وهن أي المظاهر المعشوقات وهم أي العاشقون لا وَهْنَ بتسكين الهاء وفتح النون-، أي قول لا هَزْل فيه أنّهم، وهم، مظاهر، أي خيالات مظاهر بتجلّينا ونظر، أي بتجلّينا في الحبّ، وفي النظرة فلا تعرض إلى حبّ المظاهر عن الجمال الظاهر الحقيقي فاشتغل بالتخلّق بالكمال، والجمال الظاهر في المظاهر، ولا يحجبك المظاهر عن رؤيتها أنّ ذلك أنا لتعرف جمال الله في كلّ شيء علماً وعملاً.
قال:
- 261
- فكلُّ فتى حُبُّ أنا هو وهي حب بُ كُل فتى، والكلّ أسماء لُبْسَة يقول: على لسان الجمال المطلق، وعن لسان المتحد به، فكلُّ فتى حُبّ، أي صاحب حُبّ - بضم الحاء - أنا هو ذلك الفتى وأنا الحب لا غيري.
قال:
- 262
26 – أسام بها كنت المسمى حقيقةً وكنتُ لي البادي بِنَفْسٍ تَخفَّتِ يقول: إن ظهوري في المقيدات وهي المظاهر والأسماء التي سُمِّيت بها تلك المظاهر من كلّ شيء في الوجود إنّما أنا الظاهر في ذلك، وتلك الأسماء إنما هي أسام، أي أسماء كنت أنا المسمّى بها حقيقة، أي في الحقيقة، وكنت بظهوري في الوجود إنّما ظهرت لي، أي لنفسي لا غير، وأحببت نفسي، أي ذاتي بنفس، أي بذات تخفّت، أي تستّرت، أي لم تظهر لأكثر الناس غالباً أنّي أنا ذلك.
قال:
263 - وَمَازِلْتُ إيَّاها وإيايَ لم تَزَلْ ولا فَرقَ بل ذاتي لذاتي أَحبَّتِ
يقول: بلسان الحال المتحد بالجمال وما زلت: إيّاها أي حضرة الجمال، وإياي: أي أنا
321 (1/321)
صفحة 322
هي وهي
أنا منذ اتصفت بها في عالم الغيب عالم المثال، وكذلك في ظهوري انتهائي من ا ن أن (1) أكون كما كنت جمالاً في عالم المثال. ومتى انتهيت إلى ذلك فقد انتهيت إلى درجة جمالي.
وقوله: ولا فرق: أي لم تزل هي في محبّة، وأنا لم أزل لها محبّاً، ولا فرق: يحتمل أنه أراد لا فرق بين محبتي لها في شيء، ومحبتها لي، فصرت أحب ما تحبّه علماً وعملاً، ويحتمل ولا فرق أي بمرتبة الجمع وهي النظر [54] إلى الله تعالى برؤية الروح من جهة الغيب ونظر النفس إلى الله بالشهود حتى تخرقها إلى عالم الغيب، ويلتقي برؤية الروح فهي مرتبة الجمع، وهي آخر مرتبة السالكين غير النبي، وقوله: ذاتي لذاتي أحبت: يقول: وأصل هذا الجمال هو ذاتي؛ لأنه ما تحلى به الباري جل وعلا إلا لأجل ذاتي] (2) فقد صرت أنا ذاتها، وهي ذاتي جمالاً ومحبة، فإنَّما هي أحبت ذاتها فقد أحبتني إذ أنا ذاتها. واعلم أنّ هذا من حيث الاتحاد بشرط هو صحيح كما قلناه؛ لأنَّ حقيقة المحبة قد قلنا لك إنَّها في الحقيقة واحدة، وكذلك الجمال، والجمال محبّ نفسه، حتى إنَّ الفرد إذا أحب ربّه فقد أحب نفسه؛ لأنّ الله يحبّه، ولكن لا يصح في تحقيق المحبّة وكمال جمالها المطلق إلا الخلوص فيها، والإخلاص فيها، فإذا أخلص المرء فقد التحق بعالم المحبة المطلقة الجمالية التي ظهرت في الوجود، فإن قلت: كيف تختلف المحبة والجمال في الأشخاص وإرادتهم، وأنت [تقول] (3) بالوحدة، وأنَّ الكمال فيهن هو التحاقها بعالمها الأول وبحضرتها الأولى، وقد يكون في معاص، ويكون كاملة، وكذلك الجمال كيف يتصور لبعض أهل الحب حبّ الكفر والشرك بالله تعالى، وأنت تقول بالوحدة؟ فأقول: قد ذكرنا أنّ حقيقة معنى المحبة ومعنى الجمال لا يمكن إلا أن يكون كلُّ منهما هو جامع لجميع أنواع الحبّ ولا يختلف، وجامع لمعنى الجمال معاني الجمال، وإنَّما مثال الحب أو الجمال مثال الشمس التي تدخل في المصابيح من البيوت، فيمكن المرء أن يقابلها بأشياء منوعة بالأصباغ فيظهر في السواد لون السواد، وهو إشارة إلى مقابلة المحبة الكفر والمعصية لله تعالى، والجمال قد تجلى في خيال ذلك الكفر في النفس فرآه حسناً، وهو على خلاف ما رآه، ويتجلّى
(1) في س قبل [أن] هناك [مَنْ] وسقطت [أن]، ولعلَّ الكلام يستقيم في إثباتهما جميعاً. (2) ما بين المعقوفين ساقط في س. (3) ما بين المعقوفين ساقط في الأصل، وما أثبتناه من س، وبه يستقيم الكلام.
322 (1/322)
صفحة 323
له الحسن في خيال المعصية، والحَسَن ينهاه أن يحبّه، ويميل إليه، ويأمره بمحبته في أعمال الطاعة لله تعالى، ويقول له بلسان حاله إنَّ ظهوري (1) هنالك فتنة فأغمض عَيْنَيْ قلبك عن رؤيتي، وانظرني من الأعمال الصالحات ومثال تجليه بالشمس، والثوب الأسود فإنّه كان محجوباً عن رؤيته في ظلمته فلما تجلّت عليه الشمس، ونظر أسود أعجب، ناظره، وقد يمكن أن يلوّنه تجلّي الشمس في، أحمر، وأخضر (2)، وأبيض، ومرآة حتى ينظر الشمس منها فتشرق في البيت من حيث لا ترى به الشمس من كوّ البيت، ويرى من تلك المرآة فكذلك تجلّيها في الأعمال المستعدة لقبول ذلك، وقد يختلف صفاء المرآة وصفاء الألوان وكدوراتها، فكذلك المحبة المطلقة والجمال المطلق، وتجلّيه وظهوره في مظاهره، وقد تظهر المحبة من أناس في شيء من الدواب التي لا يحبها (3) غيره كالحمر الأهليات والكلاب والخنازير أكثر مما يحبّ صورة أبناء جنسه هي بين يديه، فافهم ذلك.
حسنة في فبهذا يصح أن جميع إيجاد الوجود إنّما تجلّى ظهوره من الجمال المطلق والمحبة المطلقة؛ ولأنه كله موجود بمحبة الله لإيجاده والجمال في إيجاده فصار الجمال في الموجودات، وهو الجمال الذي جعله الله جمالاً، وعلم به في العلم الأزلي؛ لأنّ جميع فعل الله حسن وحمد وثناء، ولا يكون حمد، ولا حسن إلا جميلاً فصارت التسمية لفعل الله أنه جمال وكان بالمحبة والإرادة، فافهم.
قال:
264 - وَلَيْسَ معي في المُلْكِ شَيْءٌ سِواي والـ مَعِيَّةٌ لم تَخْطُرُ على المعيَّني يقول: مخبراً بلسان حال الجمال الإلهي المطلق الموصوف به نفسه المتجلّي به على هذا المتصف به، فإنه لما ذكر كلامه التدبيري الإلهي انتقل إلى الجمال الموصوف به ذاته مخاطباً للمتحد به قال وليس معي في الملك شيء سواي، والمعيّة لم تخطر عليّ [55] الألمعية الألمعية: الذكاء والعقول، وهذه الحضرة الجمالية المطلقة، والمحبة
(1) في س: [ظهوره].
س.
(2) ما بين المعقوفين ساقط في (3) في س: [يحبّها]، وما أثبتناه من الأصل.
323 (1/323)
صفحة 324
المطلقة التي علم الله أنهما سيوجدان قد كان الله ولا شيء معه، [ومعرفته بأنه لا شيء معه غير موجودة إذ لا وجود لعقل ذكي يعرفه أنّه كان الله ولا شيء معه] (1) بل كان غير معروف لقوله مخبراً عن ربه أنه قال: كنت كنزاً لم أُعرف فأحببت أن أعرف) فكان هذا الجمال في علم الله شيئاً (2) وهو لا شيء، وهو شيء، أي عالم به الباري، ولا يصح أن يقال إنَّه كان علماً (3) علم به الباري [فيكون ذلك العلم أزلياً، بل إنما يجوز أن يقال لم يزل الله به عالماً، وأنّ نفسه عالمة بذلك، لا وهو علم علمه الله تعالى] (4) فيكون حالاً فيه بعلمه له، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً، بل ترك التفكر هنالك أولى للمرء خوفاً أن يضلّ لقوله: [تفكروا في آلاء الله ولا تتفكروا في الله تعالى])، ويمكن أن يكون أخبر بالجمال المطلق، والمحبة المطلقة حين أظهرها الباري في الوجود فيقول مخبراً عنهما بلسان الحال، وعن نفسه لاتحادهما به أنَّه ليس في الوجود، وهو عالم الملك في الوجود سواي أي كنت لمحبة الله جمالاً مطلقاً في كل شيء من الملك، أي الوجود، وليس شيء سواي، والمعيّة لم تخطر على الألمعية، وذلك في عالم المثال، وهو اللوح المحفوظ فإنّ العقول في ذلك العالم لم تُخْطر المعية، أي لم تخطر عليها معرفتها لي أني معي شيء، أو غير معي شيء، فإنَّ العقول (6) لم تدرك هذا الإدراك إلا حين ينزل إلى
معي
مظاهرها.
واعلم أن المحبة يتربّى (7) بها المرء، وكل حيوان منذ يوم يخلق، فيحب الغذاء اللبني، أوّلاً، أو غير اللبن من بعض الحيوانات، ثم أمه، ثم مَنْ قاربه من أب أو غير أب، وكذلك إن أرضعته غير أمه أحبَّ الذي أرضعته، فاعتبر بذلك، فالمحبّة وتجليها إنَّما هي تتجلى من عالم الجمال، ومن الحضرة الجمالية، أي حضرة الحسن المطلق، فافهم.
قال:
(1) ما بين المعقوفين ساقط في س.
(2) ما بين المعقوفين ساقط في الأصل، والزيادة من س.
(3) في س: [عالماً).
(4) ما بين المعقوفين ساقط في
س.
(5) مرَّ تخريج الحديث. (6) في س: [القول] بدل [العقول].
(7) في الأصل و [س]: [يتربّا].
324 (1/324)
صفحة 325
265 - وَهَذي يدي لا أَنّ نَفْسي تَخَوَّفَتْ سواي ولا غيري لخيرِ تَرجَتِ يقول: بلسان حال الجمال الإلهي مخبراً عن جماله التدبيري للمتحد به: وهذي يدي: ما أظهرته في الوجود هو من جمال تدبيري إليك وفيك ولأجلك، وظهرت لك، لا أن نفسي تخوّفت سواي، ولا غيري لخير ترجّت أي لم أظهر لك [جمال] (1) الكرامة لتعينني على شيء تخوفته، ولا راجياً نفعاً وخيراً انتفع به، إنما هي كرامة محضة خالصة
أي جميع
لك.
قال:
266 - ولا ذُلَّ إخمال لذكري توقعت ولا عز إقبال لشكر توخَّتِ (2) يقول: وظهرت بصفاتي وبكرامتي، لا عن ذلّ إخمال لذكري توقعت نفسي كذلك أنَّ الإخمال، وهو اندفان الذكر بشهرة خير، توقعت نفسي أن ذلك ذلّ لي، ولا عن إقبال (3) لشكر توخت: أي ولا توخت بإقبال عزّ عليَّ لشكر الناس نُعمى كان تجلي ظهوري، وظهور كرامتي، وإرادة الكون ليعبدني، وإنَّما كله لأجلك، ولتكميل ذاتك، وكرامة منّي لك، ومحبة مني إليك، ولا يضرني كفرك وإن كنت لا أرضاه لك، ولا تنفعني طاعتك ولازداد عزّاً ولا حمداً في صفاتي [وكمالي] (4) وجمالي، والمراد بذلك أن تعلم أنَّ تكوين الكائنات من الله لم يزدد بها حمداً في وصفه ولا ثناء ولا كمالاً؛ لأنَّ له الحمد والكمال ولو لم يخلق، فافهم.
قال:
267 - ولكنْ لِصَدِّ الضَّدِّ عَن طَعْنِهِ على عُلا أوليائي المنجدين بنجدتي يقول: ولكن ظهرت بجمالي وصفاتي، وكمال تدبيري في كل ذرّة من ذرات الوجود لصد: أي لمنع الضدّ أي العاصي الذي علمته في علمي الأزلي أنه يعصيني عن طعنه على أوليائي المنجدين بنجدة من أهل الصدّ، أي الأعداء.
(1) ما بين المعقوفين. ساقط من س. (2) في الديوان: [لشكري] بدل [الشكر].
(3) في س: [ ... ولا إقبال عن الشكر].
(4) ما بين المعقوفين ساقط في الأصل، والزيادة من س.
325 (1/325)
صفحة 326
[صفحة فارغة] (1/326)
صفحة 327
الباب الحادي عشر (1) [55]
في الرجوع إلى الشريعة التي لا يصح كمال الحقيقة إلا بها وهي الحقيقة أيضاً في حين المكاشفة بلسان المقام المحمدي.
قال:
6
268 - رَجَعْتُ لأعمال العبادة عَادَةٌ وأعددت أحوال الإرادة عدّتي يقول: مخبراً عن الجمال الحقيقي المطلق: رجعت عن كشف ظهوري في مظاهر الصور إلى مظاهري في أعمال العبادة؛ لأنّي كلّ ظهور ظهرت فيه إنّما (3) ليقام الحجة على إيجاب العبادة لله تعالى وللدلالة على معرفة الله تعالى، وفيه يتجلّى كمالي وجمالي لكن في الأعمال التي أحبها، وهي مظاهري الكمالية، وإليها سلك من رام السلوك أولاً إليّ، وليكن كما قال المتحدث (4) إليّ بالحقيقة: رجعت لأعمال العبادة عادة: أي التي قد عملتها أولاً، ولزمني أن أعاودها وأعتادها، وأعددت أحوالي أي، وجعلت الإرادة: أي صدق (5) الإرادة عدتي هي التي أعتد بها، والعدّة هي كلّ ما يتوصل به إلى بلوغ الإرب كالسلاح، والعيش للحرب، وجميع ما يحتاج إليه.
قال:
269
- وَعُذْتُ بِنُسْكي بعد هَتْكي وَعُدْتَ مِن خلاعة بَسْطي بانقباض لعفّة (7)
(1) في س: [العاشر] بدل [الحادي عشر].
(2) هذا هو جوهر سلوك الشيخ ناصر الله ومَنْ معه من أهل السلوك العمانيين: الشريعة مقرونة بالحقيقة، وليس
هناك
حقيقة بمعزل عن الشريعة، وقد شرحنا هذا. من
في
المقدمة.
(3) في س: [فإنّما].
(4) في س: [المتحدّ].
(5) في س: [قصد] بدل [صدق].
(6) ما بين المعقوفين ساقط في الأصل، وما أثبتناه من س (7) في الديوان: [بعفّة] بدل [لعفة].
327 (1/327)
صفحة 328
يقول: وعدت بالدال المهملة - بنسكي: أي بأدائي لمناسك العبادة التي وجبت عليّ
في الشريعة فعلاً وتركاً، أو ما هو مندوب فعله أو تركه أو اعتقاده، وما قدرت عليه من الوسائل، وهذا مما يدلّ على أنه مَنْ لم يخلص في الشريعة مما لا يسعه إلا الإخلاص فيه منها فلا حقيقة له، ومَنْ لم يخلص في الحقيقة ممَّا لا يسعه إلا الإخلاص فيه فلا شريعة له، وما بعد ذلك وسائل منهما وفيهما وسائل وقُربات، وهذا مما يدلّ على أنَّ الفاني بحبّ الله لا على ما يتوهّمه الجاهلون أنهم يسكرون حتى لا يفيقون لشيء، فلو كان المعنى كذلك لما فاق لأداء الصلوات وترك المحرمات، وإنّما الفناء فناء الصفات الذميمة، وتجلّيها بالكمالات الإلهية التي جعلها الله هي الكمالات في عباده، ثمّ فناء الإرادات، والمحبة والمشيئة حتى يسطع (1) في قلبه، لا يحبّ إلا ما يحبّ الله له أن يحبّه، ولا يريد إلا ما يريده الله له أن يريده، ولا يشاء إلا ما يشاء الله له أن يشاءه فتكون المشيئة في كلّ شيء يخطر على قلبه والمحبة والإرادة وفي كلّ ما يتعبّده الله به منه كما هي عند الله تعالى، وكذلك فناء رضاه وتوكله، وعزيمته وثقته إليه، ثم يفني فكره في أوقات معلومة بذكره لله تعالى بصفات أفعاله الحسنة فيه، وتارة بالنظر إليه بصفاته، فإنّه لابد أن يفنى بذكره حتى لا يشغله شاغل، ويجد في نفسه لذة مناجاته حتى إنَّه لو نودي في ذلك الحال لما سمع، وهذا مما لا ينكر كما مثلناه أولاً فيمن وقف يفكر في شيء فإنّه قد يغفل عن كلّ شيء، والناس في ذلك على تفاوت، وهو مع ذلك لا يغفل عن أداء كلّ ما لزمه؛ لأن ذلك لا يدوم في الدنيا.
(2)
بيان في معنى رؤية الباري في الدنيا والآخرة:
وهذه هي رؤية الله تعالى لا غير فإنّ الله لا تُرى ذاته، ولكن يُرى بالصفات، وهذه الرؤية في الآخرة هي التي يرون أهل المحبة (3) بها ربهم دائماً لا يزول عنهم، والمراد بها قوة الحضور مع
الله تعالى، والمشاهدة له بالصفات لا بالذات، وقد قال الشيخ (4) أبو نبهان:
تجلّى ظهوراً بالصفات لقلبه (5)
(1) في س: [سطع].
(2) في س: [معقود] بدل [معنى]. (3) في س: [الجنة] بدل [المحبة].
(4) [الشيخ] ساقطة في س، وأبو نبهان هو الشيخ جاعد حمدالله والد الشيخ ناصر، وقد ترجمنا له في ا (5) في س: [لذاته] بدل [لقلبه]، وهو صدر بيت من قصيدته الشهيرة [حياة المهج]، وتتمته:
المقدمة.
328 (1/328)
صفحة 329
ففي
الآخرة لا تزول مشاهدة الله تعالى بالصفات من العقول أبداً، كما أن النبي صلى الله عليه وسلم لا تزول رؤية الله تعالى عنه، وحضور عقله مع الله تعالى فهو يراه، أي حاضر عقله مع ربه دائماً أبداً، ويشاهد صفاته، لا ذاته لقوله: الست كأحدكم، وإنّي ليغان على قلبي حتى تنام عيناي ولا ينام] (1) عقلي) (2). فرؤية النبي إلى ربّه بالحضور والمشاهدة بصفاته [في الدنيا هي مثل حضوره في الآخرة، ولا يبلغ أحد مبلغه [56 و] في قوة الحضور، وكثرة مشاهدته بكثرة صفاته] (3)، ومن بعده الرسل أولو (4) العزم وهم نوح، وإبراهيم، وموسى، وعيسى عليهم السلام، وهم خمسة بالنبي، ومن بعدهم الرسل، والملائكة، والأنبياء، وأما في الآخرة فكلّهم لا يغفلون عن ذكر الله لا باللسان (5)، وإنما يرون صفات الله تعالى بالقلوب وقوة الحضور، ومن هنا ضلّ مَنْ ضلّ فأنكر الرؤية بعضهم.
وقال بعضهم بالرؤية، ودانوا برؤية الذات، وهو الذي لا يصح، ولا يحلّ القول به، فإنَّ الذات لا يراها، ولا يعرفها، ولا سيراها، ولا سيعرفها] (9) إلا الله تعالى، لا نبي ولا مَلَك، ولا شيء أبداً على حال، وذلك من المحال، والقول به ضلال على كل (7) حال، وإن كان هذا الذي قلناه يصح في الله تعالى فلا يكون معنى [ذلك] (8) قوله تعالى: {وُجُوهٌ يَوْمَيذٍ نَاضِرَةُ إلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (9)، فإنَّ المراد هنا إلى رحمة ربّها ناظرة، والقول المحكم في توحيد الله تعالى أنه يوجد كما وصف به نفسه بقوله: {لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَرُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَرَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ} (10)، وذلك في الدنيا والآخرة، والمعنى أنكم نزهتموه عما هو ليس
إلى طورها، فاندك في نورها سهبا
وفي شرح القصيدة: [لذاته]، كما في س ينظر شرح حياة المهج تحقيق د. صادق إسماعيل، ص 27.
(1) ما بين المعقوفين ساقط في س.
(2) مر تخريج الحديث، ويضاف هنا الرسالة القشيرية، 20711.
(3) ما بين المعقوفين ساقط في س.
(4) في الأصل و [س]: [أولي]، وما أثبتناه أصوب.
(5) في الأصل: [بالسان]، وما أثبتناه من،
(6) ما بين المعقوفين ساقط في.
(7) [كلّ] ساقطة في.
س.
س.
س.
(8) [ذلك] ساقطة في الأصل، والزيادة من س.
(9) القيامة، الآية 22.
329
الأنعام، الآية 103.
(10) (1/329)
صفحة 330
من صفاته، فلا تصفوه بكلّ ما يُدرك بالبصر فإنَّ الله تعالى ليس كذلك، وكذلك كلّ ما تتو همونه (1) بعقولكم، فإنّ الله ليس كذلك، وقوله لموسى: لن تركني (2) جواب قاطع الدنيا، وقوله: {وَلَكِن أنظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ, فَسَوْفَ تَرَكَنِي} (3)، ولم يستقر الجبل فدلّ على أنه لن يراه (4) جواب له بـ[سوف] للمستقبل، و [سوف] من كلامه يأتي لمستقبل الدنيا والآخرة.
له في
وبالجملة فالقول بثبوت رؤية الله تعالى إلى الذات من أحد من خلقه مستحيل، ومحال، وضلال، ومَنْ دان بذلك فهو دائن بالضلال، ومَنْ قال ذلك واعتقده (5) فهو قائل ومعتقد للضلال الذي لا مخرج له على حال (6).
فإن قلت: فما معنى قول ابن الفارض وإذا سألتك أن أراك حقيقةً فاسمح، ولا تجعل جوابي [لن ترى] (7) هل يحتمل له وجه حق؟ فأقول: إنّه يحتمل أن يكون أراد رؤية غير الذات، وإنما أراد رؤية تحقيق وجوب الذات وتحقيق الصفات لله تعالى التي هي صفاته، وأما تحقيق صفاته فكذلك هيهات أن يراها وأما تحقيق وجوب ما له من الصفات فهو الحق الذي لابد أن يتحققه كلّ متعبد، وبالحقيقة إنَّ إدراك العجز عن الإدراك هو الإدراك، فإذا عرف (8) الله حق المعرفة فقد رآه حقيقة؛ لأنَّ تلك الرؤية التي عرف بها الباري بصفاته، ووجوب
(1) في الأصل و [س]: [تتوهموه] بدل [تتوهمونه].
(2) الأعراف، الآية 143.
(3) الأعراف، الآية 143.
(4) في الأصل و [س]: [لا سيراه]، وما أثبتناه الصواب. (5) في س: [ومَنْ اعتقده].
(6) هذا هو الرأي السائد الذي تأخذ به الإباضية في هذا الأمر، ومن البدهي أن يشدّد الشيخ ناصر في توضيح رأيه فيه، وفي هذا يقول سماحة المفتي الشيخ أحمد بن حمد الخليلي: (وذهب إلى استحالة الرؤية في الدنيا والآخرة أصحابنا - الإباضية – وهو قول المعتزلة ... )، ينظر كتابه الحق الدامغ، ص 32، وينظر كذلك كتاب عزة محمد عبد المنعم زايد (رؤية الله تعالى بين المثبتين والنافين) ففيه تفصيل مفيد. (7) هذا بيت من قصيدة عدّتها أحد عشر بيتاً لابن الفارض، مطلعها:
زدني بفرط الحب فيك تحيراً وارحم حشا بلظى هواك تسعرا
ينظر ديوانه، ص 231.
(8) في س: [عرفت] بدل [عرف]، وما في الأصل الصواب.
330 (1/330)
صفحة 331
ما له من الصفات، ووجوب وجود الذات هي حقيقة الرؤية الصادقة، وما تخيل [له] (1) أنَّه رأى الذات فهي رؤية كاذبة فليست هي رؤيته (2) بالحقيقة، فعلى هذا الوجه يحتمل حقه أنه لم يُرد الذات، ولو أراد لم يرد إلا أن يرى ما يوجب وجود الذات لا يرى الذات، ولا حقيقة الصفات؛ لأنّ صفات الله تعالى لا نهاية لها لقوله: (اللهم إني أدعوك بكل اسم سميت به نفسك، واستأثرت به في علم الغيب معك)، وصفات الله تعالى لا نهاية لها فكيف يعرف ذلك أحد غيره.
وقوله (3): فاسمح ولا تجعل جوابي لن ترى أي وإذا سألتك أن تكشف مني حجب الغفلة عن معرفتك، والحضور في ذكرك فلا تجعل جوابي [لن ترى]، أي لا أعينك على زوال الغفلة منك، أي لا تكلني على نفسي، فرؤية الباري بحقيقة الرؤية هو تحقيق معرفته بالحق، لا رؤية، الذات فافهم.
بيان
ولنرجع إلى تأويل تمام بيته من قوله: وعدت إلى نسكي التي هي أقسام العبادة، ونسكه هو العمل بها (4)، أي وعذت إلى الأعمال الشرعية التي لا [56] يصح السلوك إلى الله تعالى بالحقيقة إلا بها معها، وذلك بعد تهتكي في المحبة التي ذكرتها في سلوكي من غير أن ينقص مني تهتكي، وعذت بالذال المعجمة - أي واستعذت من خلاعة بسطي، أي واستعذت من انخلاعي إلى بسطي بالتساهل فيها، أي لا أعمل (5) فيها إلا بما هو أكمل وأحبّ إلى الله تعالى لانقباض بعفّة: أي مائلاً إلى الانقباض عن البسط الذي هو التساهل بغير الأفضل، والأعدل في كل شيء منها، بعفّة: أي بعفاف، أي بكمال ورع، وعفة، وزهد وتقوى، حقيقية، ولما ذكرت اللازمات والمندوبات انتقل إلى الوسائل.
قال:
الله
(1) [له]: ساقطة في الأصل، والزيادة من س. (2) في س: [رؤية] بدل [رؤيته].
(3) في س: [ولقوله] بدل [وقوله] وهو تحريف. (4) في س: [لها] بدل [بها]، وما في المتن أوجه.
(5) في س: [الأعمال] بدل [لا أعمل].
331 (1/331)
صفحة 332
270 - وصُمْتُ نهاري رَغْبةً في مَثوبة وَأَحْيَيتُ ليلي رَهْبةً من عقوبة 271 - وعمرت أوقاتي بورد الوارد وصَمْتِ لِسَمْتِ واعتكاف لحرمة - وَبِئْتُ عن الأوطانِ هِجران قاطع مواصلة الإخوان واخْتَرتُ عُزلتي يقول: وصمت نهاري، وأحييت ليلي مع رهبة من عقوبته (1)، أي غير آمن من سخطه مع رجائي لثوابه، والسمت القصد وبان عن الأوطان أي فارقها، وعمر أوقاته بورد: أي بالدعاء لوارد أي لطلب واردات ترد عليَّ، وهي نفحات القرب، وانفتاح أبواب المحبة، ودلّ على أنه لابد في السلوك إلى الله بالمحبة [من أذكار يتلوها، أو شيء من أسماء الله تعالى، وأسرع شيء في التجرد عن الصفات النفسانية، وانفتاح أبواب المحبة] (2) إلى الله تعالى بخاصية في الحروف هي خمسة أحرف تركيبها على صفات السالك الواصل الكامل محمد، وهو اسم عظيم ذو الخمسة الأحرف بحرف خفي فيه عن أكثر [العوام كما أن اسم محمد ظاهره أربعة أحرف، وباطنه خمسة فيه اسم خفي عن أكثر العامة] (3) من الناس كذلك ذلك الاسم، وقد مضى ذكره وشرحه ولابد منه لأهل السلوك (4) فإنه به ينفتح لهم ما لا يعرفه إلا هم، ويتكلم بالحكمة من الكلام في علوم لا يفهمها غيرهم،
وهذا النظم منه، وإنما نحن فسرنا منه معانيه الظاهرة الجسمانية والجسدانية، وتركنا المعاني الروحانية، فافهم ذلك.
قال:
273 - ودققت فكري في الحلال تورّعاً وراعيت في إصلاح قُوتي قوتي يقول: واجتهدت في تدقيق معرفة الحلال والحرام (5) لئلا أدخل في شيء من الشبهات تورعاً، وراعيت في إصلاح قوتي الذي تحتمله معدتي، وقوّتي في العمل بالوسائل، وهذا حد (6) الميزان العدل في الزهد الحلال في التقرب إلى الله بالوسائل بعد إحكام اللازم،
(1) في س: [عقوبة] بدل [عقوبته]. (2) ما بين المعقوفين ساقط في س.
(3) ما بين المعقوفين مكتوب في الهامش من الأصل.
(4) مرَّ فيما سبق اختلاف الأقوال في هذا الأمر، واستقرار الشيخ ناصر على أنّ هذا الاسم يراد به (محمد).
(5) في س: [ ... في تدقيق الحلال معرفة والحرام]. (6) في س: [أحد] بدل [حد]، وما في الأصل أليق.
332 (1/332)
صفحة 333
وقد أحكم العمل في كل شيء على الاستقامة، وأمر بالاستقامة في كل شيء
قال:
274 - وَأَنْفَقْتُ من يسر القناعة راضياً من العيش في الدنيا بأيسر بلغة 275 – وهذَّبت نفسي بالرياضة ذاهباً إلى كشف ما حُجب العوائد غطت يقول: ولما أديت ذلك وفرغت (1) ممّا لزمني، واستحبَّ لي أن أعمله لم أترك ما كنت عليه، بل مع عملي بالشريعة فإنّي عامل بالحقيقة، وذاهب إلى كشف ما حُجب العوائد غطّت، والعوائد هى المألوفات من جميع الأغيار.
الان
قال:
276 - وجرّدت في التجريد عزمي تزهداً وآثرتُ في نسكي استجابة دعوتي يقول: وآثرت نسكي استجابة والدعوة: أي أدعو بالذي يستجاب به الدعوة، وهو اسم الأعظم، هكذا ذكره تلميذ تلميذ الناظم، وهو أعلم بمراده، وأنه استعان على سلوكه بالاسم الأعظم، أي أعظم الأسماء التي يفتح بها أبواب هذا السلوك، وهو [57 و] الاسـ اسم الخماسي، أي خمسة أحرف، وهو مخصوص لأهل السلوك إلى حضرات الله، ويفتح بخاصيته دون غيره ما لا يفتح بغيره، فافهم. وذكر هنا طريقة التجريد، وبالاسم يتجرّد بسرعة، فلذلك لم يُطل القول فيها، والمراد تجريد النفس من صفاتها ومألوفاتها، ولكن بالاسم الأعظم تشتغل النفس بما يتجلّى لها من حضرات الله تعالى فتشتغل النفس بما تراه فتتجرَّد عن صفاتها، ومألوفاتها بذلك
الحال.
قال:
277 - متى حِلْتُ عن قولي: أنا هيَ أو أَقُلْ وحاشا هُداها - أَنَا في حَلَّتِ
يقول: متى حلت أي انصرفت عن قولي أنا هي وهي أنا، أي حضرة كمال صفات الله تعالى، واتصافي بكمالها، أو أقل إنّها في - بفتح الياء- حلّت: وحاشا هداها أن
(1) في س: [وعرفت] بدل [وفرغت]، وما في المتن أليق بالسياق.
333 (1/333)
صفحة 334
يختلف فيكون على غير ما تجلّت به وحاشا أن أدعي حلولها بذاتي إلا حلول علم بها لا
غير، فافهم.
في
وكذلك قولي: محبتي محبة الله ومحبة الله هي محبتي، لا أنها صفة الله حلّت ذاتي تعالى الله)، وكذلك محبة غيري حيث قالت بمحبتي أنا التي تصوّرت لمجنون ليلى، ولكثير عزة، لا أنَّ محبتهم انتقلت في ذاتي أنا، وإنما قولي ذلك لاتحاد المعنى في المحبة فهي شيء واحد في المعنى، والمثال في ذلك مَنْ أخذ كفّ ماء وقال: من هذا جعل الله كلّ شيء حي [وليس المراد الماء الذي بكفّه] (2)، فافهم.
قال:
(3)
278 – ولشت على غيب أُحيلك لا ولا على مستحيل واجب سَلْبَ حيلتي يقول: ولست أحيلك على غيب مني، بل على حقيقة؛ لأني قد تحققت ذلك، ولا على مستحيل، ولا على جبلة واجب سلبها، أي لازم نفيها، بل أدلك على الحق الذي قد
تحققته.
قال:
279 – فكيف، وباسم الحقِّ ظَلَّ تخلقي تكون أراجيفُ الضَّلالِ مُخيفتي (4) يقول: وفيه تقديم وتأخير، وتقديره: كيف تكون أراجيف أهل الضلال مخيفتي، أي مخوفة بي عن سلوكي إلى هذا المقام، وقد تخلّقت باسم الحق، وتحققت الوصول، ومَنْ شاهد كيف يقبل قول مَنْ عاند في إنكار ما شاهد وما نطقت به من معاني الوحدة والجمع، وأني لم أرد بتجلي حضرة ذات المحبوب على قلبي، ولا ذات صفاته، فإنّ ذلك كله، باطل، فالله لا تحلّ ذاته في شيء، ولا يصح أن يوصف بالحلول، ولا صفاته تحلّ
(1) في س: [الله تعالى] بدل [تعالى الله]، وما في المتن الصواب. (2) ورد ما بين المعقوفين في س: هكذا: [والمراد من ذلك الماء الذي بكفّه]، ولا يستقيم الكلام به، بل يستقيم بما ورد في الأصل.
(3) في الديوان: [موجب] بدل [واجب].
(4) في الديوان: [وكيف] بدل [فكيف]، و [تحققي] بدل [تخلّقي]، وفي هامش الديوان أن [تخلقي] إحدى روايات
البيت في واحدة من المخطوطات.
334 (1/334)
صفحة 335
في شيء، وكلّ ذلك لا يجوز اعتقاده، ولا أنّ عين حقيقة الوجود أنا هي، ولا هي أنا على الحقيقة، وإنّما المعنى على غير ما تتوهّمه، وقد ذكرنا ذلك، ومثلناه بالمحبة، وأتى هو
بمثل آخر بجبريل الل، ونزوله على النبي على صورة دحية.
قال:
280 - وهذا دحية وافى الأمينَ نَبيَّنا بصورته في بَدْءٍ وحي النبوة (1) يقول: انظر إلى تجلي جبرائيل على صورة دحية (2)، وليس ذلك هو دحية حقيقة، ولا هو مداخلاً لجسد دحية.
مع
قال:
28 - أجبريلُ قُلْ لي: كان دحية إذ بدا لمهدي الهدى في صورة بشرية
—
281
282
يرى ملكاً يوحي إليه وغيره
يرى رجلاً
(3)
يرعى لديه بصحبتي يقول: أجبريل كان دحية (4) إذ بدا على صورته؟ أو هل تجلّى فيه نزولاً، أو صار هو حقيقة؟ وهل يجوز لمن رآه من أصحابه، وظنّه أنه دحية أن يشهد به أنَّ هذا دحية؟ فكان أصحابه هو دحية، ومع النبي هو غير دحية، فاتحدت أشكال الصورتين على صورة واحدة في التساوي في الشبه، كذلك تجلي کمال الله والعلم به بذات المرء هو حلول صفات كالمرآة تجلى (5) معرفته، لا أنَّ صفات ذاته جلّ وعلا تحلّ بذات المرء، كما أن جبريل لا يحلّ في صورة دحية [57] فالاتصاف بكمال الله مثل اتصاف جبرائيل في صورة دحية، وتلك الصورة حاكية صورة دحية حقيقة، كذلك اتصافك بالعلم بالله حاكية
(1) في الديوان: [وها] بدل [وهذا].
(2) ينظر صحيح البخاري، الحديث 50، وصحيح مسلم، الحديث في كتاب الإيمان.
(3) بين هذين البيتين بيت ثالث في الديوان هو:
وفي علمه، عن حاضريه، مزية
بماهية المرئي من غير مرية
(4) جاء في تأويل مختلف الحديث لابن قتيبة، ص 531، ما نصه: «وقد جعل الله عزّ وجلّ للملائكة منا الاستطاعة أن
تتمثل في صور مختلفة، وأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم جبريل اللي في صورة دحية الكلبي، وفي صورة أعرابي»، وينظر
الهامش ففيه مزيد من التخريج.
(5) في س: [تحكي] بدل [تجلى].
335 (1/335)
صفحة 336
ذاتك صفات الله حقيقة من غير حلول في ذاتك؛ لأنَّ الخلاف شك في الله.
قال:
(1)
283 – ولي في أصح الرؤيتين إشارة تُنزّه عن رأي الحلول عزيمتي يقول: ولي في أصح الرؤيتين أي رؤية جبرائيل ال في صورة دحية، ورؤية دحية بنفسه إشارة تنزّه الباري سبحانه وتعالى في تجلّيه على مرئي العقل عن رأي مَنْ قال بالحلول، عزيمتي: أي اعتقادي وعلمي؛ لأنه لو كان جبرائيل [حلّ] (2) في دحية [لم يُر] (3) دحية في
ذلك الحين، فافهم.
قال:
284 - وفي الذِّكْرِ ذكرُ اللَّبس ليس بمنكر ولم أعد عن حكمي: كتاب وسنة (4) يقول: وفي الذكر: أي القرآن العظيم ذكر اللبس ليس بمنكر، ولم أعد: أي لم أجاوز في حكمي وعلمي عن حكمي كتاب الله وسنة نبيه، والتلبيس (5) مع أهل البديع أن يذكر كلاماً يحتمل فيه المدح والذم، وأنت تريد به أحد الوجهين لا غير، كذلك في غير المدح والذم، وقال تعالى: نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَن فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا وَسُبْحَنَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} (6)، وقال تعالى: {نُودِيَ مِن شَطِي الْوَادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبَقَعَةِ الْمُبَرَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَن يَمُوسَى إِنِّي أنَا اللهُ} (7)، فظاهر ملتبس أنه سمع من الشجرة النداء من الله تعالى إنِّي أنا الله هذا في تأويل (8) القوم في هذه الآية، ويحتمل أن يكون المراد هنا بالنداء الإلهامي بمعرفة ربّه بظهور برهان ربّه في تلك الشجرة، ويخلق الله له صوتاً يناديه، أو ينزل عليه جبرائيل
(1) في الديوان [من أتم] بدل [في أصح]، و [عقيدتي] بدل [عزيمتي].
س.
(2) ما بين المعقوفين ساقط في (3) ما بين المعقوفين ساقط في س.
(4) في الأصل و [س]: [أعدو].
(5) التلبيس: ويسميه البلاغيون أيضاً [المحتمل للضدّين]، وهو – كما ذكر الشيخ ناصر – أن يكون الكلام محتملاً للمدح والذم احتمالاً متساوياً، ومنه قوله تعالى: {إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ} [هود: 87] إذا جعل هذا من باب التهكم به، والازدراء عليه كان ذمّاً، ينظر معجم المصطلحات البلاغية، د. أحمد مطلوب، 3/ 228.
(6) النمل، الآية 8. (7) القصص، الآية 30.
(8) في س: [التأويل] بدل [تأويل]، وهو تحريف واضح.
336 (1/336)
صفحة 337
فيكلمه من حيث لا يراه. فإن قلت: كيف يخلق الله صوتاً يكلمه، أو جبرائيل، ويقول له: إني أنا الله، وكل ذلك هو غير الله؟ فأقول: يجوز على معنى الإرادة أنه يريد به الذي أرسله إليه كما قال ابن العباس (1) في منظومته:
في
أنا الموجود فاطلبني تجدني وإن تطلب سواي لا تجدني إلى آخرها، فهو مخبر عن الله لا عن نفسه، ومن هذا الوجه سُمي التلبيس كذلك قوله: أنا الحضرة المحبوبية، والحضرة المحبوبية هي أنا وأنا عين حقيقة الوجود، وأنا الظاهر في كل مظهر من الوجود، فإنما هو لتوافق المعنى، والمراد بذلك حضرة الجمال الإلهي التدبيري الظاهر في كل شيء، وسمى نفسه به لاتحاده [به] (2)، وإن كان هو قد اتحد ببعضه فالمعنى كله واحد، فإنّ الماء من جميع الأنهار هو الماء القراح، وهو واحد بالاسم والمعنى والحقيقة، ولكنَّ ذات ماء ذلك النهر في الحقيقة هو غير ذات الماء الجاري هذا النهر الآخر، وكذلك الذهب هو الذهب حيث ما كان اسماً ومعنى وحقيقة، وفي الحقيقة أنَّ هذا الذهب هو غير ذلك في الشخصية، فيصح أن تحكي عن شيء من الذهب أنّ هذا الذي كسا الملوك، وعمّر المدن، وجيش الجيوش، وجذب جميع العقول، وذلك الذهب الذي معك وتصفه بهذا الوصف أخرجته بنفسك من معدنه، أو عملته بالحكمة الصادقة الصحيحة فيه لم يستعمله إنسان في شيء أبداً، فقولي: أنا هي، وهي أنا، أي الحضرة الجمالية التي في علم الله أنه يظهرها في الوجود وجدها من هذا الوجه، والاتحاد بها هو الاتصاف بصفاتها، والحضرة الجمالية التي هي وصف لذات الله تعالى فتلك لا تجلي، ولا تظهر إلاّ صفاتها بالصفات الدالة عليها التي أوجدها الباري دلالة عليها لتوحيد بحقيقة التوحيد، ومعرفته حقَّ المعرفة التي أرادها الباري أن يعرفوها بها لا غير وهذا آخر سلوك المريدين القاصدين إلى الله تعالى وآخر قسميه، فالقسم الأول الذي تجلى لهم أولاً عذاب النار فخافوا فأنهضهم إلى العبادة لله بالإخلاص خوف النار على أنفسهم، أو تجلّى لهم نعيم الجنة فطمعوا به، وأنهضهم الطمع والرجاء إلى الإخلاص لله تعالى، وذلك مقام عامة [58 و] المؤمنين الناجين، وله في الذكر الحكيم ذكر قوله تعالى:
(1) في س: (عباس) بدل [العباس].
(2) [به] ساقطة ـة في سـ
س.
337 (1/337)
صفحة 338
كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ (5) لَتَرَوُنَ الْجَحِيمَ} (1) بعقولكم، وتخوفون بها نفوسكم ثُمَّ لَتَرَوُنَهَا عَيْنَ الْيَقِينِ} (2) في الآخرة لتعرفوا عظم كرامتنا مما نجيناكم عنه، وهذا المقام هو له حضرة قريبة من الله تعالى وهي الحضرة الأولى للمؤمنين، وهم على
تفاوت فيها.
والمقام الثاني هم الذين عرفوا الله حق اليقين أنه مستحق للعبادة، وواجبة عبادته، ولو لم يأتهم منه إيجاب، ولم يجعل جنة ولا ناراً، ولا نَشْراً (3) بعد حشر الموت لرأوا بعقولهم أنَّ اعتقاد طاعته لازمة على كل حال، فهم يعبدونه لإعطاء حق ربوبيته لهم من عبوديتهم له، لا لخوف من نار، ولا لرجاء جنّة، ولكنهم موقنون أنَّ جزاءه الجنة لمن أطاعه (4)، والنار لمن عصاه لا محالة شاؤوا ذلك أو لم يَشَؤُوه مع أنَّهم لا يشاؤون، ولا يحبون، ولا يريدون، إلا ما أحب وأراد وشاء أبداً، وهذا هو الجمال والحسن المطلق الذي علم الله أنه سيوجده، ويظهره في الوجود، وهو الجمال المحبوب، وفي هذه الحضرة يصح القول بالاتحاد، وبالجمع، وبجمع الجمع، والتلبيس، فافهم ذلك.
والمقام الثالث: المرادون وهم الأنبياء والرسل، والملائكة، وهم أعلى درجة، فإنَّ هؤلاء من أول كونهم معصومين (5) عن الزيغ بمدد من الله تعالى بمحبته لهم، وقد يكون بعض الأولياء، أو كلّ الأولياء في الحقيقة مرادين (6)، فإنَّه لو لم يكن في علمه تعالى أنه ليكون من أوليائه، ويسدّده ويعصمه وإلا فلا قدرة له على الوصول إلى رضاه إذ لا حول عن معصية الله، ولا قوة على طاعة الله إلا بالله العلي العظيم، ولكن مَنْ لم يكشف له الغطا عن نفسه لنفسه ولا لغيره فلا يعرف أنه مراد [أو مريد]، ومَنْ نزل فيه وحي، أو سمع فيه من قول النبي أنَّ فلاناً من أولياء الله تعالى صح مع ذلك النبي، ومع ذلك الذي أخبره به، وسمعه من لسانه إلى أذنه أنه من المرادين، وكانت ولايته حقيقة، وصح أن
(1) التكاثر، الآية 5.
(2) التكاثر، الآية 7.
(3) في الأصل، ولا نشر]، وما أثبتناه من س، وبه يستقيم الكلام.
(4) في س: [أعطاه] بدل [أطاعه]، وهو تحريف.
(5) في الأصل و [س]: [معصومون]، وما أثبتناه يتلاءم مع قوانين النحو. (6) في الأصل و [س]: [مرادون]، وما أثبتناه يتلاءم مع قوانين النحو.
(7) ما بين المعقوفين ساقط في
س.
338 (1/338)
صفحة 339
يقول: الق؛ لأن اللة بعد الموت إخبار عن الله بالقطع] (1) أنّه عليه سلام الله في الآخرة، وأما، ورحمه الله فهو بمعنى الدعاء لا بمعنى الخبر فيه عن الله تعالى بالقطع، ولكن لا تصح ولايته بالحقيقة إلا للذي سمع النبي بنفسه ولو شهر بعد ذلك من قوله أو قول غيره وإنما تكون ولايته بحكم الظاهر من قبل صحة الشهرة إذا كانت على وجه لزومها باثنين، أو على الاستحباب بالواحد الثقة، والولي في شهرة الخبر، وهذا المقام الثالث أهله فيه على تفاوت لا يحصي درجات تفاوتهم إلا الله تعالى.
معه،
بيان
(2)
وقد ذكرنا أنَّ السفر إلى الله تعالى بوسيلة المحبة هو على أربعة أقسام، وأنّ السفر الأول سفر النفس إلى الحضرة الظاهرة التي هي عين حقيقة الوجود، والسفر الثاني سفر الروح إلى الحضرة الباطنة العلمية الغيبية، والسفر الثالث سفر النفس والروح من جهة الجمع أنهما بمعنى واحد في عالم المثال إلى حضرة الجمع بين الحضرة الظاهرة والباطنة، وإلى حضرة الاتحاد، وهو منتهى السالكين إلى الله تعالى كأولي العزم من الرسل، ومَنْ شاء الله من الأنبياء عليهم السلام، وهي حضرة قاب قوسين، والسفر الرابع سفر النبي صلى الله عليه وسلم من حضرة الاتحاد إلى حضرته التي خُص بها من جميع سائر المخلوقين، وهي حضرة الأحدية، وحضرة [أو أدنى] في عبارة أهل التصوف في التسمية اصطلاحاً، لا أنَّ معنى آية القرآن كذلك فافهم (3)، ولا أنَّ قربه كذلك بالمسافة تعالى الله عن ذلك علوّاً كبيراً، ولكن تجوز الاستعارة في حق جناب الله ليفهم بها توحيده [58 ظ] كما قال المخبراً عن ربه أنه قال: (لا يزال عبدي يتقرب إليّ بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به، وفي رواية ولسانه الذي يتكلم به) (4) وفي رواية (ويده التي يبطش بها، فبي يسمع وبي يبصر وبي يتكلم، وبي يبطش)، والمعنى أني أسدّده، وإلا فمحال أن يكون سمعه سمع الله، ولكن يرسل عليه نوراً
(1) ما بين المعقوفين ساقط في س.
(2) في س: [الثالث] بدل [الثاني]، وما أثبتناه من الأصل يستقيم به التسلسل.
(3) مرّ شرح هذا كله فيما سبق.
6
(4) في الأصل: [التي] بدل [الذي]، وما أثبتناه من س، وفي الأصل و [س]: [بها]، وأثبتنا [به] لكون [اللسان]
مذكراً.
339 (1/339)
صفحة 340
فلاناً
يهديه به (1)، ويسدّده به، ويعصمه عن الزيغ، ولو ترك عصمته طَرْفة عين، أو أقلّ لضلّ في الحال، فجميع أولياء الله إنّما وصلوا إلى رضائه بعصمته، ولكن لم يكشف أنّ معصوم (2) إلا مَنْ أراد أن يظهر كالأنبياء والملائكة، ومَنْ أُنزل فيه بيان ذلك لقوله تعالى: {وَالَّذِينَ جَهَدُوا فِينَا (3) بما أمرناهم [به] (4) امتثالاً، وتركوا ما نهيناهم عنه ما كان في حقهم ضلالاً، وتقربوا إلينا بالوسائل وَلَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا} (5) أي لنبين لهم الحق، ونوفقهم على عمله، ونعصمهم من حيث لا يعلمون عن الضلالة، ثم قال صلى الله عليه وسلم تمام الرواية التي أخبر بها عن ربّه أنه قال: (ومَنْ تقرب مني شبراً تقربت منه ذراعاً، ومَنْ تقرّب مني ذراعاً تقربت منه باعاً، ومن أتاني يمشي أتيته أهرول)، والله تعالى في الحقيقة منزّه عن التقرّب بالمسافة، وبالمشي، فافهم لئلا تضلل أهل العلم من حيث لا تفهم فلا تقدم
حتى تعلم لئلا تأثم.
وهذا مبتدأ سفر النبي [بالمحبة إلى ربه]).
وہ
***
(1) [به] ساقطة في س.
(2) في الأصل و [س]: [معصوماً]، وأثبتنا [معصوم] لكونها خبر أنَّ.
(3) العنكبوت، الآية 69.
(4) [به] ساقطة في الأصل، والزيادة من س.
(5) العنكبوت، الآية 69.
(6) ما بين المعقوفين ساقط في
س.
340 (1/340)
صفحة 341
الباب الثاني (1) عشر، [وهو الجزء الثالث من الكتاب] (2)
في سفر النبي بالطور الثالث الحبّي حبّ المرادين، وهو السفر الرابع إلى الله تعالى، وفيه بيان شيء من التوحيد والمعرفة المختص بها رسول الله صلى الله عليه وسلم بلسان کماله،
ومقامه.
قالت الحالة مخبرة عن قول الحضرة المحبوبية الاتحادية ومناداتها للسالك (3) الأكرم معبّراً عن قولها، وقول السالك بلسان الحال.
قال:
285 – مَنَحْتُكَ عِلْماً إِن تُرِدْ كَشْفَهِ فَرِدْ سبيلي واشرع في اتباع شريعتي يقول: قالت الحضرة المحبوبية الاتحادية إن لك عندي علماً منحتك إياه وإنه [لك في] (4) العلم السابق الأزلي لا أخص به أحداً غيرك؛ لأنَّك اليوم أقرب كل شيء أوجدته إلى محبة، وما خلقت الأشياء إلا لأجلك، فإن ترد كشفه: أي ذلك العلم، فَرِدْ سبيلي الوارد القاصد إلى ورود الماء، واشرع في اتباع شريعتي، وهو الدين الذي أنزله الله تعالى،
ويعبّد به عباده.
قال:
286 – فَمَنْبعُ صداء من شرابٍ نَقيعُه لدي، فدعني من سرابٍ بِقَيْعَةٍ يقول: فدونك شراباً من (5) شراب ماء نقيعة، والنقيعة ما خرج من الماء من باطن
(1) في س: [الثالث] بدل [الثاني].
(2) ما بين المعقوفين ساقط في
س.
(3) في الأصل: [للسالكين]، وأثبتنا ما في س لتلاؤمه مع السياق.
(4) ما بين المعقوفين ساقط في س. (5) في س: [و] بدل [من]، ولا يستقيم الكلام بها.
341 (1/341)
صفحة 342
الأرض، أي شراباً من العلم الباطن منبعه، وهو صدّاء، أي ينبع صداء من الماء، والصداء هو الماء الذي يكون على وجهه غشاوة صافية يضرب بها المثل (1) أنَّه لن يمسه أحد غيره؛ لأنه لا يكون صدَّاء ما مُسَّ، فهذا هو الخاص لك، فدعني فاترك سراباً بقيعة الأولى – بالنون - وهذه بالباء - أي هيهات أن تكون معي على شكّ، وريب، وخيال تخيل لك، بل ترى حقيقة العلم الحقيقي، والتجلي [الحقيقي بالصفات] بالذات ليس كغيرك يرونني من مكان بعيد؛ لأنك بالمحل المكين خاصاً.
قال:
287 - ودونَك بَحراً خُضْتُه وَقَفَ الأُلى بساحله صَوْناً لموضع حُرْمَتي (4) يقول: لما نادته بادر إلى الإجابة حين وقع الدعاء، وكشف له بحر العلم الخفي، وقالت: دونك بحراً من العلم العظيم خضته أي قد خضته بإجابتك لي، وكشفي لك، ومبادرتك إلى خضوضه (5) فإنَّه يمرّ فيما تأمره به أسرع من لمح الطرف؛ لأنه أقوى الخلائق [59 و] إلى الإجابة والسير؛ لأنه هو المراد بأن يكون أقرب الخلق إليها، ودلّ بقولها: فرد، وأشرع، ودونك إلي أن قالت خضته بفعل الماضي (6) على أنه خاصة في حين الأمر، ثم عظمت حرمته على غيره دونه (7) وقف كل من سبقك مولداً بساحله لموضع حرمته، أي عظمته وعزّته لا أخصّ به أحداً إلا أحب الخلق إلى، وأجلّهم عندي، وليس ذلك أحد غيرك، وهذه الحضرة الإلهية وهي حضرة أولي العزم من الرسل ومنتهى وصولهم، وهذه الحضرة هي الجامعة لجميع الحضرات والأسمائية (8)، ومنها سفر النبي إلى حضرة أحدية الجمع، ولما كان الأولياء غالبهم ينظرون إلى البحر، وبعضهم يشرب منه، وأما
(1) المثل هو: ماء ولا كصداء، يضرب مثلاً للرجلين لهما فضل إلا أن أحدهما أفضل، وصدّاء ماء للعرب ليس لهم أعذب منه، ينظر عن المثل، وقائله، جمهرة الأمثال لأبي هلال العسكري، 2/ 241.
(2) [الحقيقي] ساقطة في س.
(3) [ل] ساقطة في الأصل، والزيادة من س، وبها يستقيم الكلام.
(4) في الأصل و [س]: [الأولى]، وما أثبتناه من الديوان، وبه يستقيم المعنى. (5) في الأصل و [س] [خضوضه]، ولعله يريد [خوضه].
(6) في الأصل: [المعاصي] بدل [الماضي]، وما أثبتناه من س، وبه يستقيم الكلام.
(7) في س: [على غيري دونك].
(8) هكذا في الأصل و [س] بوجود [الواو] قبل [الأسمائية]، ولعلَّ حذفها أفضل على اعتبار أن [الأسمائية] صفة للحضرة، وسترد هكذا بعد قليل أي: [الحضرات الأسمائية].
342 (1/342)
صفحة 343
الأنبياء فيستخرجون الجواهر، وأما النبي الله فكالعالم بخواص الجواهر وأسراره (1).
قال:
288 – ولا تَقْرَبُوا مَالَ اليتيم إشارةٌ لكفِّ يدٍ صُدَّتْ له إِذ تَصدَّتِ يقول: وقالت الحضرة الأحدية المخصوصة بالنبي الله كل من طمع إلى الوصول إليها من الأنبياء نادته: لا تقربوا مال اليتيم، أي لا تقربوا مقام النبي الذي ينشأ يتيماً إشارة إلى النبي صلى الله عليه وسلم، والنهي إشارة لكفّ يد صدّت عن تناول الشيء ما ليس له، إذ تصدَّت: إذا تعرضت بالطمع إلى الوصول إليه، استعار هذه الألفاظ لصدّه عن وصولها.
قال:
يعني
289 – وما نالَ غيري منه شيئاً سوى فتى على قدمي في القبض والبسط ما فتي يقول: وقالت الحضرة الأحدية وما نال منه: أي مال اليتيم؛ لأنها أشارت لهم بالرمز لمال اليتيم فقال: وما نال منه شيئاً غيري أنا وسوى فتى على قَدَمَي القبض والبسط ما فتي، ومعنى ما فتي: وما انفك وما برح، ولم يزل سوى في المعنى ما برح في جميع قبضه، أي سكونه وبسطه، أي حركاته وأعماله الألى، وبإرادتي ومشيئتي، والمعنى أنه ما وصل إلى هذا المقام، ولا نظره أحد إلا النبي الله الذي جميع حركاته وسكناته بالله ولله، ولا يغفل عن الله طرفة عين، وكلّ مَنْ أراد أن يصله رُدَّ، وقوله: غيري، أي لا يدرك رؤيتي، أي هذه الحضرة، غيري، وغير فتى واحد وهو النبي.
قال:
290 - ولا تعش عن آثار سيري واخْشَ غَيْ ن إيثار غيري، واغشَ عَيْنَ طريقتي يقول: وقالت الحضرة المحبوبية للنبي صلى الله عليه وسلم: ولا تعش بالعين المهملة- أي ولا تعرض عن آثار سيري أي عن شريعة سلوكي، أي السير والسلوك إلي. واخش: أي وخَفْ غين - بالغين المعجمة - أي حجاب إيثار، غيري أي محبة غيري، واغش بالغين
(1) هذه صورة فريدة يرسمها الشيخ ناصر هنا، ومكمن فرادتها في ذلك التتابع الهاداء في المراتب: النظر، فالشرب، فالجواهر، فسبر هذه الجواهر، ولكلّ مرتبة دلالة خاصة، وعمق منها اتكاء الشيخ ناصر على التشبيه الذي وقع موقعه فجاء متلاحماً مع ذلك التتابع فانتج الصورة بهذا النمط الفريد.
343 (1/343)
صفحة 344
المعجمة: أي أقدم وادخل، واسلك عين بالعين المهملة - طريقتي، يقول: ولا تعرض عن آثار شريعة السلوك إليّ، وخف حجب محبّات، غيري، وأسلك عين: أي ذات، أي حقيقة طريقتي، أي الطريقة التي توصلك إلى وصولي.
واعلم أن حضرات القرب من الله ليس هو قرب إيصال ومسافة، وإنما هو قرب محبة وتعظيم وتكريم وتفضيل على غيره، وقربة في الحضرات الأسمائية، والصفاتية تجلي صفات الله عليه أكثر من تجليها على غيره بالكثرة، وقبول عقله لقوة صفائه، وقوة حضور ذكر عقله مع ربه، وعظم نور محبة الله على أعماله ممَّا لا يبلغ مبلغه أحد في ذلك، وفي جميع صفاته فهذه هي صفات القُرب من الله فاحذر أن تصل، وتصوّر خيالات باطلة، واعلم أنَّ النبي لا شك أنه أعظم الخلائق جلالة، وأعظمهم عند الله محبة، وأعظمهم قربة، وأكشفهم مشاهدة لكثرة صفات الله، وأعظمهم حضوراً مع ربه فلا غرو أن نادت مرتبته [59 ظ]، وحضرته أن لا مبلغ إلى هذه المرتبة إلا النبي المصطفى. فإن قلت: لم أعلم الفرق بين الحضرات الإلهية، فأقول: إنَّ المثال في ذلك مَنْ حضر عقله بالفكر إلى قوة الله وجلالة عظمته ولطفه بقدر عقله، ومثال مَنْ لكلّ ألف صفة من صفات الله تعالى في كل [شيء] (1) لحظة قد أدهشه جلالة كلّ صفة من صفاته إما بتجليها في الوجود، وإما بحضور عقله مع صفاته وأسمائه، أفلا يكون بين ذلك فرق؟! فإنَّ كثيراً من عوام المؤمنين البله المخلصين لله تعالى لا يعرفون غير أنَّ الله تعالى حق، وأنه هو الذي خلق كلّ شيء، ولو قيل [له] (2): إنَّ الله حيّ، لا يفهم معنى الحياة، وظنّها كحياته وقال: لا يجوز أن تصفه أنّ الله حي؛ لأنّ الحيّ الذي يأكل ويشرب، ويعلم أن الله باق، أول كلّ شيء، لا أول لأوليته، وآخر لا آخر لآخريته، وأمثال هذه الصفات الجلية عرفها بالسماع من حين نشوة في حال السبات، ولم يتحقق معرفته بالكشف الحقيقي، وهؤلاء يسمون في مصطلح الصوفية أهل التصديق (3)، والمحققون
(1) [شيء] ساقطة في. (2) [له] ساقطة في س.
س.
يري
مائة
(3) أهل التصديق ويسمون أيضاً أهل التقليد وهم ثلاثة أصناف: الأول: قلدوا آباءهم، والثانية قلدوا علماءهم، والثالثة قلدوا أنبياءهم، ومعرفة هؤلاء خبرية، ينظر موسوعة العجم، ص 118، وموسوعة الحفني، ص 657، ويسميهم أهل العموم وهم العامة.
344 (1/344)
صفحة 345
هم أهل التحقيق (1) فشتان بينهما (2)، فحينئذ قد أوضحت لك معاني الحضرات الصفاتية، والحضرات الإلهية، والحضرات الفعلية بالإجمال والتفصيل، فإِنَّ مَنْ غاص فكره أفعال الله، وأدهشت عقله فهو [في] (3) الحضرات الفعلية، ولا يرى ذلك إلاّ الوجود، والحضرات الصفاتية إما أن يتجلّى له بالفكر، ويغوص بالتفكر (4) في الله كالسميع، والبصير، والأحد والواحد، وكلّ اسم له، أو صفة، أو فعل له حضرة،
في
،
في
صفات
أي معانٍ عظيمة، ولا نهاية لكماله في كلّ صفة له جلّ جلاله (5). وأما حضرة الذات، أي حضورك مع ذكر الله من غير أن تذكر شيئاً من صفاته في ذلك الحين، بل لم يذكر عقلك إلا الله فقط فهي حضرة الذات، ويصح بحضور (6) مع الله من غير أن يذكر في حينه ذلك شيئاً من صفاته، وكلّما أحضر قلبك مع شيء من أسمائه، أو صفة من أسمائه فهي حضرة ذلك الاسم وتلك الصفة، وإن حضر عقلك مع معنى (7) الألوهية فهي حضرة الإلهية، وإن لم يحضر عقلك إلا مع الله تعالى من غير أن تمثَّل ولا تخيل فهي حضرة الذات، وفي الحقيقة لا يشاهد أحد الذات، ولا يشاهد حقيقة كمال الصفات؛ لأن صفات ذاته هي صفات ذاته، وكلّ ما هو في عالم الشهادة من علم، وقدرة، وإرادة، ومشيئة، وكلام، وسمع، وبصر، وحكمة ورحمة، وحياة، وغير ذلك، فإنّما هو خلق من خلقه، فكما لا يرى أحد ذاته، ولا يعرف أحد ذاته، كذلك لا يرى أحد كمال صفاته إلا بقدر ما يتجلى له منها، وإن رأى المحقق أنّ الله عليم وحكيم، وقادر فإنّ علمه لا يشبه علم المخلوقين، ولا قدرته تشبه قدرة المخلوقين، وكذلك كلامه لا يشبه كلام المخلوقين، وليس المعنى أنَّه لا يشبه في القوة، بل ليس هو مثل كلام المخلوقين بالحروف، والكلام المؤلف
(1) أهل التحقيق، وهم أهل الخصوص أيضاً، وهم ثلاثة أصناف الأول جمعوا بين الخبر والنظر، والثاني: جمعوا بين التشبيه والتنزيه والثالث جمعوا بين العجز والاتحاد المقدس، ينظر موسوعة العجم، ص 117، وموسوعة الحفني، ص 657. (2) هذه خاتمة ذات دلالة نافذة، أي ما أبعد أولئك عن هؤلاء، ولا ريب أنَّ الشيخ ناصراً يجعل أهل التحقيق في مرتبة أعلى، وأسمى من أهل التصديق لسلوكهم طرقاً مغايرة، ونفاذهم إلى أعماق لا يستطيع أهل التصديق الوصول
إليها.
(3) [في] ساقطة في س. (4) في س: [ ... ويغوص به بالفكر].
(5) في س: [وعلا] بدل [جلاله]. (6) في س: [الحضرة] بدل [بحضور].
(7) في س: [معاني] بدل [معنى].
345 (1/345)
صفحة 346
المنظوم؛ لأنَّ الله تعالى لم يزل متكلّماً ولو كان بالحرف [] (1) لم يزل يقرأ، ويؤلف النظم بقوله: كن، بل كلامه هو دلالته على نفسه، كما أنَّ الوجود لم يزل متكلماً بتوحيد [الله] (2) منذ كونه الله تعالى.
عن نفسه أنه
سميع، وا وأنه
جميع
هذه
فإن قلت: فإذا كنا لا نعرف الحقيقة فإنا لم نوحده بالحقيقة، فأقول: إنَّ. الصفات التي جعلها الله لعباده دلالة على صفته هي موصلة إلى تحقيق معرفته؛ لأنه أخبر عليم بحقيقة صفته هي كذلك، عرف الشاهد لله بذلك معنى ذلك أو لم يعرفه، ولا نقول إنّه لا يعرف الله أنّه عليم ما معناه، ولا سميع أ أنه لا يعرف أحد معناه، فليس المعنى كذلك، وإنما المعنى أنَّ كماله في صفته بأنه [60 و] عليم، وكمال صفته أنه حكيم، وأنه قادر فلا يحيط بكماله في ذلك إلا هو، وهو يرى أنَّ كماله في ذلك إلا هو، وهو يرى أنَّ كماله في كلّ صفة لا نهاية له؛ لأنَّ كماله في ذلك بلا نهاية [له] (3). والمثال في ذلك لو قبض أحد مثقال ذرة من الهواء، أو لم يقبض بل نظر، وفكّر أن الله تعالى لو هدم السموات والأرض والعرش، وجميع ما خلق، وجزأها أجزاء على هذه الذرة هل يقدر أن يجزئ هذه الذرة بعد أجزاء جميع [ذلك] (4) على هذه الذرة؟ فإن قلت: نعم، وهو الحق، فتقول لك نفسك، وثمّ كلّ من تلك الأجزاء التي يقسمها كذلك بعدد ذرات الوجود جميعاً، ثمّ كلّ ذرة كذلك، وثم جرى (5) بلا نهاية فأين عقلك يشاهد تلك القدرة إلا بالإقرار بأنَّ الله على كلّ شيء قدير، لأنا فرضناه كذلك بلا نهاية في أبد الآباد أنَّ ذلك التجزيء يكون في كلّ لحظة كذلك، ويبقى ذلك التجزيء على كلّ لحظة إلى يوم القيامة، ولا مدة لا نهاية لها أبداً، فحينئذ يتبين لك أن مشاهد كمال كلّ صفة لا يراه إلا هو، وهو يراه أنّه لا نهاية له فيها، ولكن الصفة موصلة إلى وصف الله بها بحقيقة الصفة؛ لأنَّ قولنا: نعم، إنَّ ذلك قادر بلا نهاية، وهو على كلّ شيء قدير، وصف محقق فيه بأنه قادر، فافهم معاني قولنا: إنّ صفات الله دالة على حقيقة وصفه، وكفى بها معرفة له، وشهادة له على حقيقة وصفه، ولو لم يشاهد بحقيقة الكمال، وكيف يشاهد حقيقة جمال
مع
(1) ما بين المعقوفين كلمة لم أتمكن من قراءتها.
(2) [الله] ساقطة في س.
(3) [له] ساقطة في الأصل، وما أثبتناه من س. (4) [ذلك] ساقطة في الأصل، والزيادة من س. (5) في الأصل و [س]: [جرا].
346 (1/346)
صفحة 347
لا نهاية له إلا بالإقرار أنّه لا نهاية له، فيكون ذلك هو الوصف الحق فيه؛ لأنَّه كذلك هو في الحقيقة، فافهم ذلك. فالنبي مثلاً يشاهد قدرته في تجزيء ذلك برؤية الحق كما نراه نحن أنه يقدر أن يجزئها إلى أجزاء تضلّ فيه عقولنا، ثمّ بعد ذلك تذهب عن العقول رؤية تكشف صغر الأجزاء في هوية لا تدرك أن ترى شيئاً فلا تشاهد القدرة على تجزئها على ما لا تراه فيشهد العقل بالإقرار بعد ذلك أنه قادر بلا نهاية لا بالمشاهدة، والنبي صلى الله عليه وسلم [يرى] صغرها بعد ذلك، ويرى قدرته بالمشاهدة على قدر ما يرى صغر الأجزاء، ولا يتعدّى طوره أحد في رؤيته لصغر تلك الأجزاء، ثم يذهب بعد ذلك عقله عن تكييفها فيشهد له بالإقرار أنه قادر على ذلك كذلك بعد ذلك بلا نهاية في (2) التجزيء وفي المدة، فصح أنّ کمال صفات الله إنّما تُعرف بالإقرار في مواضع، والمشاهدة في مواضع، وكلّ ذلك حق،
(1)
ومتى كان بالمشاهدة فهو حضور عقله فيه، وهي حضرة من حضرات الله تعالى. فإن قلت: وهل يعلم الله لقدرته في ذلك نهاية؟ فنقول: إنّ نفسه عالمة أنها لا نهاية لقدرته في ذلك أبداً، وهو يرى قدرته أنها لا نهاية لها في ذلك، وغيره أبداً، ولا يجوز التفكر بعد ذلك فيما يضلّ به المرء، وإنّما كشفنا هذا ليتضح لك ما قلناه.
واعلم أنما قلنا هذا التجزيء إنَّما هو ممكن في قدرة الله، فأما هو في تدبيره في الوجود فإنه قد جعل لكلّ شيء حداً، ومقداراً فإنّ تجزيء تلك الذرة ينتهي إلى اضمحلالها حتى لا تكون شيئاً في الوجود أصلاً فتلتحق بالجزيء الذي لا يتجزأ، كما ترى السحاب فإنه بتجزئه يتلاشى (3)، ويذهب وجوده، ويبقى مثالاً لا يتجزأ؛ لأنك إذا مثلته بعين عقلك لم يتجزأ ذلك المثل، ولو جزأته لكان كل جزء هو مثل غيره، فافهم ذلك.
ولنرجع إلى النظم في مخاطبة الحضرة القريبة المختصة بالمقام المحمدي
قال:
291
29 - فُؤادي وَلاها صاح صاحي الفؤادِ في ولاية أمري داخل تحت إمرتي يقول: لما خاطبته الحضرة بما ذكره، وذكرناه تكلّم هو فقال: فؤادي ولاها: أي أحبّها،
(1) [يرى] ساقطة في س.
(2) في س: [إلى] بدل [في].
(3) في س: [لا شيء] بدل [يتلاشى] وهو تحريف.
347 (1/347)
صفحة 348
يا صاح أي يا صاحبي وأنا [60] صاحي الفؤاد: أي حاضر العقل، لقوله تعالى: {مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى (1)، وقال: {لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى (2) في ولاية أمري: أي عقلي وصاحبي، وهو كلّ مَنْ سلك شريعته وحقيقته ولو لم ينته إلى مقامه، داخل تحت إمرتي: أي ولايتي وملكي، فإن كان مراده: فؤاده فمعناه أني أعطيت أمر عقلي، فهو داخل تحت ملكي وولايتي لا يروع بكلّ ما يراه ويشاهده، وإن كان أراد أصحابه السالكين سلوكه الذين ناداهم بلفظ الواحد المنكر بقوله: يا صاح، منكراً ليكون كلّ من سلك سبيله هو صاحبه، وهو في ملك أمره لقوله تعالى: {أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ (3)، وقوله تعالى: (من أطاع الله فقد أطاع الرسول ومن أطاع الرسول فقد أطاع الله (4)، وقال تعالى: {قُلْ إِن كُنتُم تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ} (5).
قال:
(6)
2 29 - وَمُلْكُ معاني العِشْقِ مُلكي وجندي الـ معاني وكلُّ العاشقين رعيتي)
يقول: وكل ملك معاني العشق: أراد به هنا قوة الحبّ، ولم يرد بلفظ العشق الاستعارة؛ لأنَّه لا يجوز في الله، وإنما هو استعارة [، ولم يرد بلفظ] (7) لمعنى قوة الحب، يقول: وكلّ معاني نهايات [المحبة] (8) لله تعالى التي لا يبلغ إلى درجاتها أحد غيري هي ملكي، أي قد وليت إياها دون غيري فإنَّ كلّ ما بلغوه من المحبة لله ومن الله لهم فإنّما هي منهم أقل من بدايتي، وأقلّ ممّا أعطوا جميعاً من محبة الله لهم لقوله تعالى: {قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} (9)، وجندي المعاني الحقيقية وهي الشريعة، والحقيقة، والطريقة بأكمل الأوصاف، ولا يصل إلى حضرة من الحضرات إلا باتباعي فيها والسلوك إليها بها، فكان بهذا
(1) النجم، الآية 17.
(2) النجم، الآية 18. (3) النساء، الآية 59.
(4) ما ساقه المؤلف ليس آية، والآية التي في معنى ما ساقه في سورة النساء، الآية 80، وهو قوله تعالى: {مَن يُطع الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَن تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْتَكَ عَلَيْهِمْ حَفِيفًا).
(5) آل عمران، الآية 31.
(6) في الديوان: [معالي] بدل [معان].
(7) ما بين المعقوفين ساقط في الأصل، والزيادة من س.
(8) [المحبة] ساقطة في س.
(9) آل عمران، الآية 31.
348 (1/348)
صفحة 349
الاعتبار كلّ العاشقين لم يرد بلفظة العشق هنا العشق، وإنما استعارة، وإشارة إلى مَنْ قوي صفا حبّه في الله تعالى فهم رعيتي لأنهم أتباعه.
بنت
قال:
293 - فتى الحُب ها قد بِنْتُ عنه بحكم مَنْ يراه حجاباً فالهوى دون رتبتي يقول: فتى الحبّ أي يا صاحب الحبّ، ها أي أحضر سمعك لما أبينه لك أني قد عنه، أي فارقته، بحكم من يراه حجاباً أي شغلاً، فالهوى: أي صار الهوى دون رتبتي، يقول: إنَّ قوة الحب قد تسكن متى شاهد محبوبه حتى يشغله عن سماع كلامه، وغير ذلك مثله في المظاهر بعضهم لبعض، وكذلك قوة الفكر في صفات الله تعالى قد يشتغل الفكر حتى عن بعض الصلوات والمثال في ذلك [أنّ] مَنْ كانت فكرته في تدقيق شيء من علم التوحيد الذي هو أعظم شيء، وحضر وقت صلاة، ربّما أنَّه يشغله ذلك فيغفل، وكذلك الفناء بالمحبة، وإنّما هذا مَثَل، وأما أنا فصرت كأني لا أحسّ لمحبتي لقربي من الحضرة، والمثال في ذلك أنَّه قد يحبّ ولده حبّاً، ولا يعرف محبته له وقوتها، ويظنّ أنّه لا يحبّه كثيراً، فإذا مرض أو غاب تعب تعباً عظيماً، شديداً، وكانت له زوجة يرى نفسه أنّه يحبّها حباً عظيماً، فلما مرضت لم يتعب كما تعب من ولده فصح أن تكون قوة حب وغير شاغل، أما ترى إلى الزليخا لم يشغلها حبّ يوسف عن النظر إليه، وشغل النسوة اللاتي قطعن أيديهن فغابت إحساسهن حتى عن رؤيته (2)، وبقيت الزليخا ثابتة على المحبة، ولم يكن حجاباً لها، فصاحب هذا المقام كذلك يقول: إن الحبّ الشاغل الحاجب عن رؤية تجلي الحضرة الأحدية المحبوبية لا يغيب عقلي عنها؛ لأنَّ ذهاب العقل عن الرؤية حجاب، وهذا كله ضرب مثالات وليس المراد بها] (3) إلا أنه أعلى المراتب محبة لله، فيصورها مثالاً في الأشخاص بأعلى مقاماتها فيهم ذلك فيما
(1) [أن] ساقطة في الأصل، وما أثبتناه من س. (2) ينظر الشيخ ناصر هنا إلى قوله تعالى: {وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ تُرَوِدُ فَنَهَا عَن نَّفْسِهِ، قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا إِنَّا لَنَزَنَهَا فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَكَا وَانَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّينًا وَقَالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ فَلَمَا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حَشَ لِلَّهِ مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكَ كَرِيمٌ) قَالَتْ فَذَلِكَنَ الَّذِى لُمْتُنَّنِي فِيهِ) صدق الله العظيم
[يوسف:32 - 30].
(3) [بها] ساقطة في
س.
349 (1/349)
صفحة 350
يصح.
قال:
294 - وَجَاوَزْتُ حَدَّ العشق فالحبُّ كالقلي وعن شأو معراج اتحادي رحلتي
يقول:
[61] وجاوزت حد العشق: أي الحبّ المعروف مبلغه في النهاية، والكمال إلى الحبّ الذي لا يعرفه الناس حتى صار ذلك الحبّ الذي هم يحبون به معي هو والقلى بالسواء، أراد أني أرى ذلك الحبّ في حق هذه الحضرة والجمال حتي لها هو، والقلى لها بالسواء، فلا أراه حباً أصلاً في حقها، وفي كمال حبّي أرى أنَّ ذلك الحب قلى في مقابلة حبي، وفي مقابلة ما يستحقه من المحبة، أو أرى حبّي في حق ما تستحقه كأنه (1) قلى، وكانا بالسوى قوله عن شأو أي عن غاية حضرة الاتحاد رحلتي، والشأو: السبق، والمراد هنا الغاية، يقول ورحلتي من هذه الحضرة إلى حضرة أحدية الجمع، والمعراج الترقي، وقد مضى سابقاً، بيانه فالمعراج الأول سفر النفس عن حظوظها وصفاتها إلى الحضرة الظاهرة من اسمه الظاهر، والمعراج الثاني سفر الروح بفناء الإرادات والمحبة والمشيئة إلى ما يحبّه الله له، وهي حضرة الباطنة الغيبية من اسمه الباطن، والمعراج الثالث سفر الروح والنفس (2) معاً إلى حضرة جمع الجمع، وحضرة الاتحاد، والمعراج الرابع سفر النبي الله إلى الحضرة المختصة بمقامه، فافهم.
قال:
295 - قطب بالهوى نَفْساً فقد سُدْتَ أنفس الـ
عِبادِ من العُبّادِ في كلَّ أَمَةِ
يقول: فنادته الحضرة المحبوبية فطب بالحب نفساً] (3) الذي جلّ حسنه وجماله وكماله عن أن يحيط به بشر، فهو بالنسبة إلي الحب المعروف جلّ عن أن يوصف بالحبّ المعروف، قد سُدْتَ أنفس العباد [من العباد (4) في كل أمة؛ لأني قدمتك عليهم، فأنت
(1) في س: [كان]، ولا يستقيم بها المعنى.
(2) في س: [والنفوس] وما ورد في المتن أليق لتلاؤمه مع [الروح].
(3) [نفساً] ساقطة في الأصل، والزيادة من س.
(4) ما بين المعقوفين ساقط في
س.
350 (1/350)
صفحة 351
ملك العباد من العبّاد المخلصين إلى (1) الله تعالى، وأهل المحبة لي. قال: 296 - وَفُز بالعلا وافخر على ناسك علا بمظهر أعمالِ وَنَفْسٍ تزكَّت 2 يقول: وقالت [الحضرة] (3): وفز بالعلا وافخر على كلّ (4) ناسك علا أي سما بمظهر، أي بإبدائه إلي أعمالاً (5) خاصة صحيحة، ونفس تزكّت: أي تطهرت، فإنّك أعلى من كل عبد تقرب إلى، وكل هذا تلطفاً به منها، قال:
297 - وَجُزْ مُثْقَلًا لو خَفَّ طَفَّ موكَّلاً بمنقول أحكام ومعقول حِكمة يقول: وَجُزْ: أي وجاوز كل شيء سواي سالكاً طريقي مثقلاً ثقيلاً غير ملتفت إلى شيء غيري، ومثقلاً بكثرة ما حملته من العلوم، وتجليته من الحلم واليقين، ومثقلاً برزانة العقل، ولو خفّ: أي ولو استخف به، أي بما حُمِّلْته طفٌ، والطف الزيادة القليلة، والمراد ولو خف به بعض فلا تلتفت إلى ذلك، أي لا يصدّك عن قصدي، واصدع بما أمرتك به كله موكلاً بمنقول، أي فقد جعلتك بمنقول، أي بنقل أحكام الشريعة عني، ومسلّطاً عقلك بتجلي حكمتي فيك وعليك، وتجلي نور محبتي التي فيها أصبي قلوب كل المحبين
المخلصين إليّ.
قال:
298
وحز بالولا ميراث أَرفع عارف غدا همه ايثار تأثير هِمَّةِ
يقول: وقالت له: وَحُز: أي واجمع همتك، بالولاء: أي بالمحبة مني لك ميراثاً يا أرفع عارف بي، وترك تنوين [ميراث]،ضرورة واستعار كلمة الميراث للاستحقاق له به دون غيره، أي هبة مني لك فتكون أنت القائم في الأرض الأمر بأوامري والناهي لما نُهيت عنه فلا شريك لك في جلالك وجمالك وكمالك، وكن أرفع مَنْ غدا، أي أصبح، همه إيثار: في محبته على كل شيء تأثير الهمة في السلوك إليّ، وفي قتال أهل الشرك
أي مقدّماً
(1) في س: [الحبّ] بدل [إلى].
(2) في الديوان: [بظاهر] بدل [بمظهر]. (3) [الحضرة] ساقطة في الأصل، والزيادة من س.
(4) [كلّ] ساقطة في س. (5) في الأصل و [س]: [أعمال]، وما أثبتناه أصوب.
351 (1/351)
صفحة 352
والنفاق حتى تكون كلمة الله هي العليا، وكلمة الذين كفروا السفلى، وفي كل ما أحبّه له أن يفعله، وأشدّ، فإنّي قد اخترتك لأشدّ العبادة، ولأعلى مقام [61] من قربي، قال:
مود
299 - وَتِه ساحباً بالشخب أذيال عاشق بوصل علا أعلى المجرّة جُرّتِ
يقول وقالت له: وَتِه أي وتكبّر، ساحباً بالسحب أي بالهواء، أي عند السحاب فوق الخلق، أذيال عاشق: أي قوي المحبة، وقد قلت لك: لا يصح أن يُراد به في الله، ولا في أنبيائه، ولا في ملائكته، وأنه لم يُرد به إلا معناه فاستعاره كما يُستعار غيره من الألفاظ في التمثيل في صفات الله تعالى ممَّا لا يراد بها كذلك، وقوله بوصل: أي بطرق وصل وصلة إلينا، علا: أي سما طرفه على المجرّة وهي سماء الدنيا، أي وامش متكبراً على كل محبّ لجلالتك بحبي لك ساحباً أذيال الحب، يستعار ذلك في المعطي الحبّ قياده بغير محل متكبراً، فيقال: سحب أذيال الهوى، كذلك كن أنت بلا خجل فإن الملك إذا أحداً على جميع الرعية تكبّر عليهم لشرفه عليهم، فلعظم محبتي لك (1)،، ولعظم جلالي وملكي أنت الأولى أن تكون أكبر الناس وأنت الملك فيهم، فلا تصعر خدك لهم إلا بالتي أحسن، وليس المراد أن يتكبر عليهم التكبّر المنهي عنه معها، وإنَّما يتكبّر، أي يكون كبيراً فيهم، وملكاً وسلطاناً، وأن يكون فظا غليظ القلب على من عصا، وأرق وأرحم الخلق لمن أطاع، فافهم ذلك.
هي
قال:
300 - وَجُلْ في فنون الاتحاد ولا تَحِد إلى فئة في غيره العُمْرَ أَفْنَتِ يقول: وَجُلْ بصفات ذاتك في فنون الاتحاد بالمحبّة، والاتصاف بالكمال الأعلى، ولا تحد: أي ولا تمل إلى فئة في غيره أفنت العمر، فإنّه وإن كان قد يمكن الإخلاص باللوازم فإنَّ درجتي، وحضرتي لا تُنال بذلك؛ لأنَّ تلك درجات أخرى، وأهليتك أنت إلى مقامي
وحضرتي.
قال:
301 - فَواحِدُه الجمُّ الغَفِيرُ وَمَنْ عَدا، شرذمةٌ حُجَتْ بأبلغ حُجَّةِ
(1) [لك] ساقطة في.
س.
352 (1/352)
صفحة 353
يقول: وقالت له الحضرة الاتحادية فواحده الجمّ أي الجمع الغفير، أي الجماعة من الناس، ومَنْ عداه أي ومَن كان دونه فهم وإن كانوا كثيرين فإنّهم بالنسبة إلى الواصل إلى مرتبة الاتحادية بمنزلة الشرذمة القليلة، وإن كانت قد حجّت بأبلغ حجة، أي قضت فروضها، وما ألزمتها إياهم من الأعمال بأبلغ حجّة في الدين، أي بأصح دين موافق للحق، والمعنى أنَّ الواحد الواصل إلى مرتبة الاتحاد هو مثل الجماعة، فهو واحد عن مائة ألف من أفضل العباد، والألف ومائة (1) الألف من غيره في الفضل هم أدنى من الواحد الواصل،
فافهم.
قال:
302 - فَمُتَّ بمعناه وَعِش فيه أو فَمُتْ معناه واتبع أمةً فيه أُمَّتِ يقول: وقالت له: فمت بفتح التاء وتشديده - أي فتوسل إلينا بمعناه في الاتصاف - والتخلق، والمعاني (2) الموصلة إلينا، وعش فيه طول حياتك، أو فمت، والمعنى: وَمت من الموت، والألف من [أو] زائدة كقوله تعالى: {قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى، فالمراد: وأدنى على التحقيق لا على الشك، تقول: ومت به معنى، والمعنى العاشق والمراد هنا معناه لا لفظه، أي فمت بقوة المحبة، واتبع أمة: أي فرقة فيه أمَّتِ، أي قصدت رغبة في وصالنا.
قال:
6
303 - وأنت بهذا المجد أجدر من أخي اج تهاد مجد عن رجاء وخيفة يقول: قالت الحالة المنبئة له عن قول الحضرة له لما قالت له: واتبع أمة أمت محبتي إلي كان يأمرها بذلك كأنه لم يكن بذلك إلا أماً] (لا إماماً فيه، قالت له ما يدلّ على أنه هو إمام السالكين إليه بالمحبة، وأنت بهذا المجد أي الشرف الأعلى من مقامات المحبّة، أجدر أي أحرى وأحق به من أخي اجتهاد، أي من صاحب اجتهاد مجد، أي قوي السلوك إلينا بالإخلاص بموافقة الحق، والاستقامة في كل ما يحبّه له أن يعتقده أو يعمله، أو يتركه في رجائه لرضانا عنه، وفي خوفه من سخطنا عليه، أنت أشرف وأعظم ممن كان
معتدلاً
(1) [مائة] ساقطة في
س.
(2) في س: [والمعنى] بدل [والمعاني]، وما جاء في الأصل أليق.
(3) ما بين المعقوفين ساقط من س.
353 (1/353)
صفحة 354
معنا من الأولياء بهذه المنزلة.
قال:
[162] 304 - وَغَيْرُ عَجِيبٍ هَزُّ عِطْفَيكَ دونَه بأهني وأنهى لذَّةٍ وَمَسرَّة يقول: وليس عجيباً هزّ عطفيك، يستعار هزّ العطفين على قوة الفرح بالفخر بالمحبة 1 من المحبوب])، والتخلّق ظاهر بأخلاقها، تقول: وليس عجيباً منك ذلك، أي ليس بجنون منك إذا أصبحت مفتخراً بأهني لذة وأنهى [أي ليس] (2) وأنت في غاية نهاية المسرة بمحبتي لك، وبتجلّي جمالي عليك، وبقربتي لك عن جميع الموجودات، فأنت أحق بالفخر وإظهاره في جميع الوجود على جميع الوجود] (3) وتبليغ ما أمر به في
الرسالة.
قال:
-
،
305 - وأوصافُ ما يُعزى إليه كم اصطفت من الناسِ مَنْسيّاً وأَسْمَاه أَسْمَت يقول: وكم اصطفت أوصاف ما يعزى [إليه أي ينسب] (4) إليه إلى مقام اتحادي وولايتي، والمراد بولايتي - بكسر الواو - من ولي الأمر، أي توليت أمره من الناس منسيّاً، أي كان غير منظور إليه قبل أن تصطفيه صفات حضراتي القربية كالأنبياء الذين كانوا يحرثون الأعمال التي لا يُنظر إليها كرعي الغنم والحدادة فأسمت: أي فأغلت أسماؤه بشهرته وليّاً كان أو رسولاً أو نبياً، فعلاً في الوجود فخره، وانتشر في العالمين العلوي
والسفلي اسمه، ولولا صفات قربي وولايتي لأمره لكان نسياً منسياً لا يذكر.
قال:
306 – وأنتَ على ما أنت عني نازح وليس الثريا للثرى بقريبةِ يقول: وقالت [له]) الحضرة المخصوص بها التي هي أقرب إلى الله من التي هو في
(1) ما بين المعقوفين ساقط في س.
(2) ما بين المعقوفين ساقط من س. (3) ما بين المعقوفين ساقط من س.
(4) ما بين المعقوفين ساقط من س. (5) [له] ساقطة في الأصل، والزيادة من س.
354 (1/354)
صفحة 355
ابتداء أمره فيها، وهي حضرة الاتحاد التي إليها ينتهي السالكون: وأنت على ما أنت فيه من درجات القرب، عني نازح: أي بعيد، وليس الثريا للثرى بقريبة: أي إنّ رتبتك أعلى من التي أنت فيها فارتفع منها إلى ما أنت له أهل، وهي حضرتي أنا.
وقال:
307 - وطورك قد بُلَّغْتَه وَبَلَغْتَ فو ق طورِك حيث النَّفس لم تَكُ ظَنَّتِ (1) يقول: وقالت له وطورك أي وأعلى مقاماتك مأخوذ من جبل طور سيناء إذ تصعده موسى ال قد بلغته: أي قد بلغتك معرفته، وهديتك للسلوك إليه، وقد بلغت فوق طورك؛ لأن الطور لابد أن يكون له أول ووسط وغاية فقالت: وقد بلغت غاية طورك في هدايتي لك على سلوك وصاله، وبلغت بك إلى حيث النفس لم تكن ظنت أنها ستبلغ إلى ذلك؛ لأنك بلغت إلى مقام لا يدركه عقل، ولا خطر على قلب بشر، ولا سيخطر عليه قلب بشر بلا غاية أبداً إلا أنت في كلِّ صفة من صفات جمالك وجلالك وكمالك الذي أعطي الخلق أهل الكمال كلهم من بعض ما أعطيت أنت.
قال:
308 - وَحَدُّكَ هذا عندَه قِف فَعَنْه لو تَقَدَّمت شيئاً لاحترقت بجذوة يقول: وقالت له: وهذا حدّ وصولك ووصول المخلوقين، ولا أحد وصله غيرك، وقف عنده فلو تقدمتَ عنه شيئاً قليلاً لاحترقت بجذوة وهي قبس النار، والمعنى لو تجلّيتُ عليك بأكثر ممّا تجليت عليك من ظهور الجمال عليك، والجلال والكمال والكشف أكثر مما أنا كشفت لك لم يحتمل عقلك، وذهبت وتلاشيت، وانظر إلى موسى كيف خرّ صعقاً لما تجلّت له قدرة الله تعالى على الجبل فجعله دكّاً، وانظر إلى إبراهيم ال كيف لما رأى الطيور التي ذبحها أُحييت بقدرة الله كاد أن يخرّ صعقاً، وانظر إلى عزير لما رأى الحمار وقد صار رميماً يحيا بين يديه أدهش ذلك الأمر عقله ولبه، ومن العجائب أنَّ هؤلاء يرون خلق الله تعالى من السماء والأرض وما بينهما وما فيهما ولم يخرّوا صعقين، ولا أدهشهم ذلك، وأدهشهم وانخرّوا صعقين بآيات أدنى من ذلك، ولم
(1) في الديوان: [فَطورك] بدل [وطورك].
355 (1/355)
صفحة 356
يخر صعقاً.
موسى ال بآية العصا وهي آية عظيمة وانخرُّوا بها صعقين [62 ظ] السحرة إذ تجلى لهم جلالتها فانخرُّوا ساجدين لله تعالى، وحُجب الآخرون بحجب الهوى فصح أنَّ على جميع الخلائق حُجباً عن النظر إلى تجلي صفات الله تعالى، وأنه متى كاشف الله عبده بشيء من تجلي صفاته في أفعاله اندهش (1) وصعق، ولكلّ حال مقام، ولكل مقام رجال، وما منا إلا له (2) مقام معلوم، وحق مقسوم، وأمر محتوم، والله تعالى لا تتجلّى
ذاته، وإنَّما تتجلى صفات أفعاله، وصفات ذاته في أفعاله سبحانه جل وعلا.
قال:
309
- وَقَدْري بحيثُ المرءُ يُغْبَطُ دونَه سُمُواً وقدري فوق قدرك غبطتي يقول: وقال له مقامه الأعلى المخصوص به من مقامات القرب: وقدري: أي وجلالتي وكمالي ومنزلتي، بحيث يغبط السالكون (4) سموّاً: أي ارتفاعاً إلى دون مقامي، يغبط: أي يفرح فرحاً عظيماً بوصوله إلى ذلك المقام الذي هو دون مقامي في المرتبة نازلاً، وقدري: أي وقدر غبطتي، أي قدر الغبطة بمقامي فوق قدرك، أي فوق ما يكفيه عقلك؛ لأن عقلك لا يحيط بمقدار غبطتك بي إلا بعد الوصول؛ لأنّه لم يخطر على عقلك، وليس في عقلك وسع إلى معرفته قبل وصولك إليه.
قال:
310 - وكلّ الورى أبناء آدمَ غير أن نَنِي حُزْتُ صَحْوَ الجمع من بين إخوتي يقول: وقالت الحالة المنبئة من قول حالة النبي، وانتهائه في مقاماته واعلم أنَّ كلَّ الورى أبناء آدم، غير أني حزت أي جمعت صحو الجمع من بين إخوتي: أي الأنبياء، أي إني لم أصعق بتجلي حضرات صفات الله تعالى عليّ مما هو أعلى مقاماً لم يحتمله الأنبياء من مشاهدته فإنّي أنظر أكثر مما نظروا من كمال جلال جمال جلال الله تعالى من صفاته، وصفات أفعاله.
(1) في الأصل و [س] هناك [واو] قبل [اندهش]، ولا موجب لها. (2) أثبتنا ما في لاستقامة المعنى، إذ جاء في الأصل: [ ... ومنا إلا له ... ].
س
(3) في الديوان: [لكن] بدل [وقدري].
(4) أثبتنا ما في س، إذ ورد في الأصل [السلوك] ولا يستقيم المعنى بها.
356 (1/356)
صفحة 357
قال:
311 - فَسَمْعي كليمي وقلبي
بأحمد رؤيا مُقْلةٍ
أحمدية
يقول: وسمعي كليمي - بكسر اللام وتشديده - أي سمعي بخطاب حضرات الله تعالى هو يكلمني فأقول بما سمعته، وهذه إشارة إلى تصحيح التجلي من غير حلول؛ لأنَّ السمع والبصر والفؤاد كلّ منهما يكلم اللسان، وقلبي منبيء عنه لساني بأحمد: أي بأشرف، رؤيا مقلة: أي مقلة عين أحمدية، وهو محمد، وأحمدية أفضلية، يقول: أتكلم بما رأيته بعين بصيرتي وعين قلبي وسماع أذني بأفضل رؤية وأصحها، وأصدقها لقوله تعالى: لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى، وقال تعالى: {مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى، وقال: مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى} (1)، ولولا عِظَم ما رآه مما تزيغ به الأبصار ما أثنى عليه بثبوت عقله مع ذلك، وفي الحقيقة لم يثبته إلا هو.
قال:
312 - وروحي للأرواح روح وكلُّ ما ترى حَسَناً في الكون من فيض طينتي يقول: وروحي روح لجميع الأرواح، وكلُّ جمال في صورة فهو من قبض طينتي، وأراد من جمال تركيبي؛ لأنه هو حقيقة الجمال الإيجادي، وإذا كان هو أصل الجمال فيصح أن يقال كل جمال فإنَّما هو من جماله؛ إذ لو أخذ إنسان كفّ ماء قد خرج من باطن الأرض في حين أخذه فيصح أن يقول: إنّ هذا هو الذي جعل الله به كل شيء حيّاً في العالم السفلي، وإشارة إلى الماء [مطلقاً، وأنه لولا هذا لم يبق شيء حي في تدبير الله تعالى الذي أراده أن يكون كذلك في الناميات، مع أنَّ ذلك] (2) الماء الذي هو في كنّه لم يحي الله به شيئاً، وأما قوله: فهو روح للأرواح فلوجهين: أحدهما أنَّه هو حقيقة الجمال والكمال القُربي بالصفات والأعمال إلى الله تعالى، وكلّ الخلق دونه، فصار كل من تخلّق بكماله كان كاملاً مِن مَلَك ونبي ورسول وولي، فهو روح الأرواح؛ لأنَّ روح الروح هي الطاعة، والتخلق بكمالها، وكل الكاملين فإنما هم قد أخذوا [63 و] بعضاً من كماله في الطاعة لله، وكماله في الإيمان والتقوى، وجميع الصفات، مع أن معاني
(1) النجم: 17، 16، 11.
(2) ما بين المعقوفين كتب في الهامش في الأصل.
357 (1/357)
صفحة 358
الطاعة، ومعاني الإيمان، ومعاني التقوى واحدة. والوجه الثاني ما يروى أنّ أول ما خلق الله نور محمد، و أقام يعبد الله تعالى ولا شيء في الوجود غيره، ثم أوجد منه جميع الموجودات والعباد، وأفاض على من كان في علمه أنَّه من أوليائه (1) نوراً من نوره، وسراً من أسراره فهو يقربه بذلك النور، ويخلص إلى الله تعالى بذلك النور، وهذا ممكن، والأول مشاهد صحته بالعقل (2) فافهم ذلك.
قال:
313 - فَذَر لي من قبل الظهور عرفته خصوصاً ولي في الذر لم تَدْرِ رفقتي (3) يقول: إذا شئت أن تصفني فلا تصفني بما اتصف به، غيري، ولا يوصف ظاهري، ولكن إن شئت أن تعرف حقيقتي، فَذَر لي، أي فدع لي من الصفات ما عرفته قبل الظهور في عالم الشهادة الذي هو عالم ظهوري، وقبله الذي عرفت فيه حضرتي يوم كنت نوراً لا كون معي، فلا حجاب يحجب ذاتي عن رؤية ربي بالصفات لحظة، وكان كل شيء من نور فكذلك باطني (4) مع حضرتي؛ لأني لم أظهر لنقصان مرتبة، وفي ذلك المحل لم يدر: أي لم يعرف شيئاً، رفقتي: كالأنبياء والرسل والأولياء في الذراري، حيث هم في جملة الذرّ من ذرية آدم مأخوذ من قوله تعالى: {وَهُوَ الَّذِى ذَرَاكُمْ فِي الْأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ} (5)، وقال بعض المتأولين يعني في الذرّ: {وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّنَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ [قَالُوا] بَلَى، وذلك أنه أخرج من
(1) في س: [أولياء الله].
(2) هذا تحرّز دقيق من الشيخ ناصر حين يقول: والأول مشاهد صحته بالعقل اعتماداً على التجربة، والمخالطة، أمّا الثاني فهو رواية بمعنى أنه من المنقول لا المعقول، أي إنّه (خبر) يحتمل وجوهاً، فإذا أخذ به قوم أنكره آخرون، بينما الأول قضية عقلية قائمة على التجربة نسبة الصواب فيها كبيرة جداً، ولعلَّ هذا التحرّز من آثار ثقافة الشيخ المنطقية الفلسفية معاً.
(3) في الديوان: [وبي لم تدر في الذرّ] بدل [ولي في الذرّ لم تدر]، وفي هامش الديوان إشارة إلى هذه القراءة. (4) أثبتنا [باطني] من س لكونها أليق بالسياق، إذ هي [باطن] في الأصل، ولا يستقيم بها الكلام.
(5) المؤمنون، الآية 79. (6) [قالوا] ساقطة في الأصل.
358 (1/358)
صفحة 359
مما
صلب آدم جميع ذريته مثل الذرّ، وأشهدهم على أنفسهم بذلك، وشهدوا أنه هو ربهم وأنَّه إن أعادهم إلى صلب آدم وأخرجهم من آبائهم هل يعبدونه؟ فقالوا: نعم، فهو يأخذهم [بذلك] (1) العهد، ونحن نقول إنَّ التأويل الصحيح لهذه الآية أنه أخذهم من ظهور آبائهم كما قال تعالى كل أخذه من ظهر أبيه فأخرجه في حين خروجه إلى الدنيا، وركب فيهم العقول الذكية التي لا يصح معها إنكار معرفة الله تعالى فأشهدهم بتلك العقول حين تعبّدهم ببلوغهم الحدّ الذي يجب عليهم فيه التعبد فعرفت الله يقيناً، ولو أنكروا بألسنتهم، وعلموا أنَّه ما خلقهم إلا لعبادته وطاعته فألزمهم اعتقاد أداء الطاعة كلّ من نزلت بلية التعبد بذلك فهو عهدهم إليه، وعهده هو عليهم، إلزامهم ذلك عليهم، أي المتعبدين منهم بما لا يسعهم إلا أداءه اعتقاداً أو عملاً أو تركاً، وقد مضى بيان العهد وأقسامه ما فيه كفاية، وأما ما خص به قبل ظهور، آدم و قبل ظهور الخلائق (2) كلهم يستحق أن يوصف به فعلى وجهين: إمكاني، ومشاهد، أما الإمكاني فهو ما ذكرناه مما أنَّ يروي الله تعالى أول ما خلق نوره، وبقي دهراً قبل أن يخلق الدهر يعبد الله تعالى، وأفاض عليه ما سيفيضه عليه في إظهاره إلى عالم الدنيا، وخلق الله تعالى منه جميع. خلق والوجه الثاني المشاهد أنّ الله تعالى جعله أكمل الخلائق، وأجملهم ذاتاً وصفات وهو الكمال والجمال المطلق الوجودي فهو كالبحر في المثل، وجميع ما أعطي في الوجود من الموجودات من الكمال والجمال بعض شيء منه، فصار هو الأول والأقدم، وهم جزء من أجزائه، فإن قلت كيف يكون غيره من أجزائه؟ أليس ذلك ممّا ينقص من أجزائه؟ فأقول: لم يفهم المعنى، والمثال لمعنى ما أردناه أنَّه لو كان بجمال الجمال، وجمال الكمال (3) هو أن يتعبّد المرء بألف ركعة فهو منتهى الكمال فافترض الله على كل امريء ركعة ركعة، وبعضهم أكثر إلى عشر، والنبي الافترض عليه ألف ركعة أفلا يكون هو الغاية في الكمال، وما بقي كلّ تكمل ببعض كماله الذي هو تكمل به كله، وهل كان ذلك من نقصان أجزائه، وهذا مشاهدة صحته، ولا يصح إنكاره [63]
ما
(1) [بذلك] ساقطة في س.
(2) في س: 1 ... وأما ما خصّ به ظهور آدم، وقبيل ظهور الخلائق].
(3) في س: [كمال الجمال، وجمال الكمال].
359 (1/359)
صفحة 360
أنهم
يكونون بذلك [متكملين] (1) ببعض كماله، وأنَّ كماله ذلك الذي جعل (2) في ركوع الركعات هو سرّي فيهم إذ عملوا ببعض ما عمل هو ما يستحق (3) به الكمال، فافهم ذلك.
وكلمة [ذر لي]: أي اترك لي، ويذر مضارعه، ولا يستعمل ماضيها فاعرف ذلك.
قال:
314 - ولا تُسْمني فيها مُريداً فمن دعي مراداً لها جَذْباً فَقير لعصمة يقول: ولا تسمني فيها مريداً: أي أنا في مرتبة المرادين، المجذوبين، لا المريدين الطالبين، ومن دعا مراداً لها (4) إلى الحضرات (5) الإلهية بالمحبة الإلهية، جذباً: أي مجذوباً، كان فقيراً لعصمة: أي يحتاج إلى أن يكون مؤيداً بالعصمة، ومن لا يسمى [معصوماً لا يسمى (6) مراداً، ومن كان معصوماً في الحكم الظاهر كان في الحكم الظاهر مراداً، وَمَنْ كان في الحكم الظاهر لا يسمى معصوماً فلا يسمى مراداً، وأما في الحقيقة فكلّ ولي لله تعالى فهو معصوم؛ لأنه لم يبلغ درجة رضاه إلا بتوفيقه سبحانه
وتعالى، فافهم.
قال:
-315
فهي من آثارِ صيغة صنعتي
(7)
31 - وَأَلْعُ الكُنى عنِّي ولا تَلْعُ الْكَناً بها يقول: وألغ: أي واترك، عنِّي: أي في تسميتي، الكنى: أي التكنية في الدعاء وفي التسمية، كيا أبا القاسم، ولا تلع ألكناً: أي ولا تتكلم بالكناية لي بالصوت الذي لا يفهم كما تصفر الطير، ولا تلع: أي ولا تصفر بكنايتي ولا باسمي، فإنَّ كنايتي باسم الظاهر من آثار صنعة صنعتي؛ لأنَّ الظاهر من آثار صنعة حسن صنعي،، أي هو ولد متولد سببه من حسن الصنيع، وأنا أشرف من الولد والكنية تعظيم بالاسم، واسمي أعظم من اسم الولد،
(1) في الأصل: [متكلمين]، وما أثبتناه من س: يتلاءم مع السياق.
(2) في س: [جعله] بدل [جعل].
(3) في س: [لا يستحق] بدل [يستحق].
(4) [لها] ساقطة في س.
(5) في س: [الحضرة] بدل [الحضرات].
س.
(6) ما بين المعقوفين ساقط في الأصل، والزيادة من سر ا (7) في س: [صبغة صبغتي]، وفي الديوان: [صيغة] بدل [صنعة].
360 (1/360)
صفحة 361
وأنا أعلى مرتبة من أن أرفع بالكنية إذ يمكن أن يكون المعظم بالكنية التعظيم بها أرفع من منزلته، وذلك قول الله تعالى: {لَّا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُم بَعْضًا (1)
فلا تقولوا إلا يا رسول الله، ويا نبي الله، صلى الله عليك وسلم.
قال:
316 - وعن لقبي بالعارف، ارجع فإن ترى الـ تنابز بالألقاب في الذِكرِ تُمْقَتِ يقول: ولا تلقبني باسم العارف، والفطن، والمتفطن، والأستاذ، وأمثال هذه الألقاب التي هي قصور عن وصفي بمنزلتي، فإنّ العارف والفطن يوصف به من هو دوني منزلة، وقد سمعت التنابز بالألقاب بأنَّها تُمقت أي تهلك صاحبها، والمقت الذنب الممقوت فإن كنت ترى ذلك في الذكر في غيري فكيف بي
قال:
أنا.
317 - وَأصغر أتباعي على عَيْن قلبه عرائس أبكار المعارف زُفَّتِ يقول: إذا كان أصغر اتباعي من المخلصين لله تعالى الراسخين في العلم الذي شرعته يرى على عين قلبه أنوار عرائس أفكار المعارف زُفّت إليه من فيض علمي وكمالي وصفاتي وخلقي حتى يظهر منه من آيات العلم، وغيره من الأوصاف الكمالية، ومن خرق العادات ما يدهش العقول، فما قولك فيمن لا يحيط بوصفه في الكمال إلا الله تعالى.
قال:
318 - جَنَى ثَمَرَ العرفان من فرعِ فِطْنَةٍ زكا باتباعي وهو من أصل فطرتي يقول: جنى ذلك المتبع لي ثمر العرفان: أي المعرفة بالعلم الحقيقي والعمل الديني الخفي، من فرع فطنة: أي من فرع ذكاء عقل ذكي، أي ظهر باتباعي، أي بسبب اتباعه لي فصار منوّر العقل، وهو: أي ذلك النور والعلم والإيمان والحبّ في الله، هو من أصل (2) خلقتي: أي أنا أصلي مخلوق من ذلك النور الذي تجلّى له في عقله وإيمانه [وحبه لله
(1) النور، الآية 63.
(2) في الأصل: [أفضل]، وأثبتنا ما في س لتلاؤمه مع السياق.
361 (1/361)
صفحة 362
ربه (1)
قال:
(4)
ما
319 - فإن سيل عن معنى أتى بغرائب عن الفهم جلت بل عـ أن الوهم دقت] (2) يقول: [64 و] فإن سيل - بغير همزة - أي فإن سئل ذلك المتبع لي الذي أفيض عليه من نوري وكمالي عن معنى من معاني العلوم أتى (3) فيها بغرائب من حقائقها عن الفهم، جلت: أي أفهام العامة جلّت، أي تعالت بجلالتها أن يفهموها أو تدركها عقولهم وأفهامهم، بل عن الوهم دقت: أي ومع ذلك فهي عن أن يراها الوهم دقت عليه فلا يراها، والوهم هو تراه العين المدبرة، والعين الغريزية من الخيالات التي تحسبها حقاً، وهي غير حق. يقول: دقت أن يراها الوهم بل تراها العين البصيرية التي لا ترى إلاّ (5) الحق، وإن رأت غيره عرفته، ولا مجال للوهم فيها. واعلم أنه لا يقدر أن يفرق أحد بين الوهم الخيالي، والحق المثالي إلا الأنبياء في كلّ شيء، وإن قدرت عيون العقل في بعض الأمور، وانظر إلى ابن عباس حين رأى صحة ما أري إيَّاه من الاختلاف، فلما أرسل به وعرف الحق عرفه أنه كان عن ذلك منه خيالاً لا مثالاً، ولو لم يرسل، ويوضحون له ربما أنَّه بقي فيه إلى آخر عمره، ولا يضره ما لم يُدن به، أو يخطيء من قال، أو عمل بخلافه بدين، فصح أنَّ العلم الديني الخالي من الوهم هو الدين الذي جاء به الأنبياء من عند ربهم، والمحقون هم المتمسكون به، وإنما لم يأت الأنبياء لقوة نظر عيون عقولهم، والصفاء الغريزية، والمدبرة البصيرية منهم، وكمال ولايتهم ولاية تامة، وأما غير الأنبياء والبصيرية لا يتخيل لها شيء، وإنَّما يتمثل لها الحق، ولكن لضعف عين الغريزية وعين المدبرة قد يتراءى للغريزية على البعد خيالات يظنها حقا وليس كذلك، وأما المدبرة فكذلك وهي بنفسها تخيل الأشياء خيالات حسنة، وهي قبيحة في النفس قد تعلمت من الشيطان ذلك وصادفته، وهو تجلّى لها إلا مَنْ. الله، وتولت عينه المدبرة الساحرة، وعينه الغريزية التي هي كالملك العين البصيرية التي
(1) ما بين المعقوفين خرم في الأصل بسبب تآكل في أطراف الورقة، وما أثبتناه من س. (2) ما بين المعقوفين خرم في الأصل بسبب تآكل في أطراف الورقة، والزيادة من س، والديوان.
(3) في الأصل و [س]: [أتا].
(4) [بل] ساقطة في س. (5) في س: [بها] بدل [إلا].
عصمه
362 (1/362)
صفحة 363
هي
كالنبي والرسول ولاية تامة، فإنَّه يسلم من الهلاك لا من اندفاع الوهم، وقد ذكرنا أنّ للعقل ثلاث عيون المدبرة، والغريزية والبصيرية فيما سبق، وكرّرنا عليك هنا، فهذا نوع من النهي عن التسمية به والنوع الثاني عن التصريح بالوصف كما قال:
320 - ولا تَدْعُني فيها بنعت مقرّب أراه بحكم الجمع فوق جريرة (1) يقول: ولا تدعني فيها: أي لا تنادني ولا تصفني فيها: أي في حضرتي التي خصصت بها وفي أوصافي، بنعت: أي بوصف مقرّب فإنّي أراه أي معنى المقرب، بحكم الجمع، أي الاتحاد في المحبة فوق أي زيادة جريرة، أي جراءة عليّ بذكري بأقل ما أنا فيه؛ لأنَّ ذلك نوع من التحقير والتصغير، وتنزيل المرتفع ندم عن شرفه محال فيه؛ لأنَّ معنى القرب من كان بعيداً فقرب، أو بغيضاً فود، أو بعيداً فوصل، ولست كذلك.
قال:
321 - فوصلي قطعي واقترابي تباعُدي وودي صدي وانتهائي بدايتي يقول: بعد أن أقول إنَّ لهذه المعاني ثلاثة وجوه الوجه الأول يخبر عن نبأ حالة النبي عنه بلسان حالها، أني أنا في حضرة ومقام وصفات لا يحيط بها خلق من خلق الله تعالى؛ لأني في كمال مطلق لا يقابله صدّ، ولا يكون معه في تلك الحضرة إلا صدّ، فأنا في كمال لا تحيط به الأفهام، والوقوف عن تكييف وصفي أحرى، وفيك مثال لهذا في واحدة منها تعرفها من عقلك ممَّا تشاهده به هل يوجد فيها صفة القرب والبعد، فالقريب والبعيد في المشهودات لعقلك كلها بالسوى وإن شئت بيان صحة ذلك فانظر هذه المعاني المقابلة للكمال بالنقض، [هل توجد مع أهل الجنة] (2) فيما بينهم، أو من الله لهم، أو منهم مع الله تعالى؟ هل يوجد فيهم البعض، والأبعاد، وبداية معرفتهم بالله؟ وهل يزدادون في كلّ لحظة علماً بالله دائماً؟ هل يزدادون علوماً، أو قربة من الله تعالى؟ أو هل يقال إنّ اليوم فلان [64] عرف كذا كأن لم يعرفه، أو فلان قرب فلاناً أو أبعده، أو اليوم أحبّه أو أبغضه، أو ابتدأ بالقريب له وللمحبة له؟ فكلّ ما يضاد الكمال بنقص فلا يوجد، وإن عرفت الأسماء فلا يوجد معانيها، ولا تكون لها معان إلا الكمال. فإن قلت: إنَّ
(1) في الديوان: [يوماً] بدل [فيها]، و [فرق] بدل [فوق].
(2) ما بين المعقوفين من س لوجود تآكل في طرف الورقة في الأصل.
363 (1/363)
صفحة 364
[معانيها] (1) موجدة في أهل النار، فتقول: نعم (2) بعضها كالكراهية والقلى للعذاب، وأما الحبّ والغضب [والتقريب فلا، كما أنّ الغضب والكراهية، والقلي، والعداوة والبغض] (3) والحسد والطمع كلّ هذه معانيها لا توجد في أهل الجنة حتى لا يوجد فيهم لأهل النار بعد استقرارهم في الجنة؛ لأنَّ ذلك لو وجد فيهم لكان شغلاً شاغلاً، وإن كانت موجودة منهم لأهل النار، ولكنَّ لها لذة عظيمة في قلوبهم فقد صح أنها قد استحالت معانيها عن معانيها في الدنيا، وصح أن هذه صفات ركبت في الإنسان لأجل التعبد، ولكل مثال، فانظر إلى المغناطيس وجذبه للحديد هل فيه نفس تحبّ؟ ولو كان ذلك كذلك لم يقدر أن يجذب بحبّه، لأنَّ الحبّ لا يجذب، وهل عنده حب الحديدة وبغضه سواء؟ فافهم ذلك. وإذا كان أهل الجنة في قرب من الله جل وعلا ليس لهذه الألفاظ معان غير فما ظُنُّك الكمال فيهم بمقام قرب هو أعظم من ذلك؟! أفليس الأحرى أن يوصف بهذا الوصف الذي وصفت به نفسي؟ [الوجه الثاني]) في تأويل قوله ذلك له مثال ظاهر الشريعة، إلا أنه لا يخص به النبي، وذلك أنَّ وصله إلى تحقيق وصفه هو معرفته بالعجز عن إدراكه، وهو انقطاع علمه فيه، وقربه تباعده، وهو أن يعرفه أنَّه ليس كمثله شيء فلا يوصف بصفات المخلوقين التي هي فيهم، فتباعد وصفه عن وصفه، ووصفه بصفاته الحق هو قربه، وودّه له صدّه عن تكييفه، وإيضاح الحق له، وصدّه عن كل عمل لا يليق به وانتهائه هي بداءة كماله؛ لأنَّ الله قادر على أن يزيد كماله بلا نهاية.
في
[والوجه الثالث] (5) أنَّ. جميع هذه الصفات العرضية المركبة في الإنسان، أو العارضة له التي تعرض له تارة، وتذهب تارة من محبة وإرادة ومشيئة، وكلام، وسمع، وبصر، وعلم، وحكمة، ومحبة، وبغض، وقلى، وغضب، وابتداء، وانتهاء إلى غير ذلك، كلّها الباري منزّه عن أن يوصف بها، فإنّ علمه، وحكمته، وإرادته ومشيئته، ومحبته هي على خلاف ما فينا نحن، فإنّ نفسه عليمة، وحكيمة، ومريدة، ولا يصح أن يوصف الله تعالى أنّ له نفساً تارة تحب وتارة تبغض، وتارة تكره، وتارة تبتديء بالتقريب، وبالأمر، ويزيد حبّه
(1) [معانيها] ساقطة في س.
(2) [نعم] ساقطة في.
س.
(3) ما بين المعقوفين ساقط في س.
(4) ما بين المعقوفين بياض في س، والزيادة من الأصل. (5) ما بين المعقوفين ساقط في س، والزيادة من الأصل.
364 (1/364)
صفحة 365
في المرء أو ينقص، فإنَّه منزّه عن حلول الأعراض فيه، أو حلوله في الأعراض والجواهر، فدلّ على أن محبة الله وغضبه لا (1) على المفهوم، فغضبه جزاؤه، ومحبته رضاه، ورضاه لا (2) على المفهوم، ومحبته إرادته، وإرادته [] (3) على المفهوم كما هي فينا، فإن قلت: إنّ المحبة غير الإرادة؛ لأنَّ الله تعالى أراد أن يظهر في الوجود من سبق في علمه أنه ليعصيه، وأراد أن يظهر ما سبق فيه علمه ليعذبه بالاستحقاق؛ لأنَّ علمه بالعاصي أنه عاص (4) في مع وجود عصيانه في الوجود بعد الإيجاد، ولا يحبّه ولا يحبّ منه المعصية، قلنا: أراد وأحبَّ في وصف الله سواء، ومن هنا تبين أنَّ الله تعالى محبته على غير المفهوم؛ لأنَّه لا يحب المعصية، وأحبّ ظهورها منه هو لا يحبّها، وهو غير مغلوب في فعله، ولا في وجودها؛ لأنه هو الذي خلق المعصية فأحبّ وجودها بالإيجاد، وهو لا
الاستحقاق سواء
يحبّها فافهم، فإنّه ينكشف لك الحق أن محبة الله لا على المفهوم، وقد قال النبي [65] ربي زدني فيك تحيراً (5)، والعجز عن الإدراك إدراك، وتفكروا في آلاء الله، ولا تتفكروا في الله، وإذا ثبت هذا فقد صح أنَّ النبي في مقام كشف الحق في تحقيق صفات الله بأكثر الخلق؛ لأنَّه أعلم الخلق بصفات ربّه الملك الحق، وأما كمال الله تعالى في كل صفة فلا يراه أحد إلا هو جلَّ وعلا؛ لأنَّ كماله بلا نهاية، وقد أشار في النظم أنّ حالة التوحيد أشارت إليه أنك قف هنا، ولا مجاوزة لك إلى ما وراءه، فافهم.
قال:
322 – وفي مَنْ بها وَرَّيتُ عنِّي ولم أُرِدْ سواي خَلَعْتُ اسمي ونعتي وكنيتي
(1) [ا] ساقطة في س، وبوجودها يستقيم الكلام. (2) [ا] ساقطة في س، وبوجودها يستقيم الكلام.
(3) [ل] ساقطة في الأصل، والزيادة من س. (4) في الأصل و [س]: [عاصي]، وما أثبتناه أصوب.
(5) نظر ابن الفارض إلى هذا (الحديث) في واحدة من قصائده فقال:
زدني بفرط الحب فيك تحيراً
وارحم حشا بلظى هواك تسعراً
ينظر ديوانه، ص 231، والتحير من مصطلحات الصوفية كأنّهم بنوا هذا المصطلح على ذلك الحديث، والتحيّر عندهم منازلة تولى قلوب العارفين بين اليأس والطمع في الوصول إلى المطلوب والمقصد، ولا تطمعهم في الوصول فيرتجوا، ولا تؤسيهم عن الطلب فيستريحوا فعند ذلك يتحيّرون، ينظر موسوعة الحفني، ص 679،
وموسوعة العجم،.
ص
169
365 (1/365)
صفحة 366
يقول: وفى مَنْ أي وفى التي بها وريت، أي وريت بها، أي (1) أشرت إليها بقولي: ولا
تدعني فيها، أريد بها الحضرة الكمالية، خلعت عني اسمي وكنيتي: أي اعترفتُ بجلالة تكريمها التي لم أعرف مبلغ فضلي معها، وتركت الاسم والنعت، أي وصف نفسي وكنيتي خوفاً من أن أكون قد نقصت ثناء نفسي على نفسي عن الرتبة التي أنا فيها معها، فأكون كالذي هو غير شاكر وغير معترف بالفضل، وذلك نقصان وصف في حق المنعم المحبوب، ولم أجد بهذه الحضرة سواي؛ لأني خُصصت بها عن جميع المخلوقات (2).
قال:
323 - فَسِرْتُ إلى ما دونه وَقَف الألى وَضَلَّت عقول بالعوائد ضلَّتِ
يقول:
وسرت إلى ما دونه وقف الألى (3) كالأنبياء والرسل من مقامات القرب بالعلم والعمل، والاتصاف بصفات القرب، وغير الأنبياء ممن ضلّت، أي حارت عقولهم بحجب العوائد، ضلت أي أظلمت، أو حادت عن طرق هذا المقام أو مقامات الأنبياء، إذ كان المشار بهذه الإشارة غيرهم ممن هو محجوب عن تجلّي حضرات الله تعالى، والعوائد: هم المعتادون، أهل الحجب بألفة مشاهدات الآيات حتى صارت غير مدهشة لعقولهم، أوما ترى إلى آيات الأنبياء كنار الخليل، وريح هود، وصاعقة عاد، وناقة صالح، وجمال يوسف، وعصا موسى، وتفجيرها للصخر، وشقها للبحر، وانقلابها حية، وعَوْدها عصا كما كانت، وطوفان نوح ولين الحديد لداود، وحسن صوته (4)، وملك سليمان، وآيات عيسى (5) عليهم جميعاً السلام، كيف أدهشت عقولهم هذه الآيات مع نظرهم إلى آيات السماء والأرض مما هو أكبر آية، ولم يدهشهم شيء منها؟ كل ذلك لألفتهم بها، كذلك لو أنّ إنساناً أخلص لله أعماله جاء الناس يشكون القحط في بلدهم، وقالوا له: ادع لنا
(1) [أي] ساقطة في س.
(2) في س: [المخلوقين].
(3) في الأصل و [س]: [الأولى] وما أثبتناه من الديوان، وهو أصوب.
(4) في س: [صورته] وهو تحريف.
(5) هذه معجزات أولئك الأنبياء عليهم السلام مبسوطة في القرآن الكريم، والشيخ ناصر ينظر إليها، ويفيد منها اتفاقاً مع منهجه العام باعتماد الحقيقة على الشريعة.
366 (1/366)
صفحة 367
ربّك أن يسقينا، أو يخصب بلدنا فيدعو الله تعالى فيستجيب له في الحال، وينزل الغيث القوي، فيأتوه مرة أخرى ويقولون له قد خفنا على بلداننا الغرق فادع (1) ربك يرفعه فيرفعه في الحال حين يدعو لأدهشهم ذلك الحال واندهش هو لعظم كرامة الله تعالى إليه، وخرَّ ساجداً شكراً لله تعالى، ولم يدهشه عظم كرامة الله تعالى له في الوجود، وما أمده من نعم تنوّر عقله، وينمو بها جسده، وتتلذذ بها نفسه، ويعده بقربه وإكرامه في الآخرة، فصح أن الحجاب عن تجلي عظم كرامة الله تعالى إنَّما هو الألفة بها، وكذلك كما صفاته وفعاله، ومَنْ سلك إلى الله تعالى بطريق المحبة والإخلاص لله تعالى ليعطي الربوبية حقها من عبوديته لا لغير ذلك، وأحال نظر [عقله] (2) إلى فعال الله وإلى صفاته، وهو يتلو الاسم الأعظم خماسي الحروف فإنَّ الله يكشف عنه حجاب الألفة فيما شاء من الأفعال والصفات والكرامات، وتأتيه حالات يمكن أن يصعق معها، فذلك غير منكر أنه يمكن وجوده، ولا يدوم عليه لقوله تعالى: نَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ الله (3)، ومن لم يكن] (4) تنبعث فيه ومنه المحبة لله تعالى، وكان مشغولاً بحجب العوائد، ولو تلي الاسم فلا يتجلى له [به] (5) شيء [65]، وانظر إلى الناس كيف منهم من يجد في المناجاة لله تعالى لذة عظيمة فتراه لا يفتر عن المناجاة، ومنهم من لا يجد في قلبه لذلك لذة، وهو من المخلصين لله تعالى، وقد قيل فيما يروى عن الله تعالى أنه قال: إذا أقبل العلماء على غيري بحبهم فإنّ أدنى ما أصنع بهم أن أنزع من قلوبهم لذة مناجاتي، يعني إذا كانوا من المخلصين لكن قد حجبتهم عن لذة مناجاته التلذذ بما لو فاتهم الجلالية، فافهم ذلك.
قال:
م وَسم فإن تكني فكن أو انعتِ
324 - فَلا وَصْفَ لي والوَصْفُ رَسُتُم كذاك الاس مُ
يقول: بعد أن أقول في إعراب هذا البيت لإقامة وزنه، وصحة النطق به هو أن تلحق
(1) في الأصل: [فادعوا]، وما أثبتناه من س.
(2) [عقله] ساقطة في
(3) الزمر، الآية 23.
س.
(4) [يكن] ساقطة في الأصل، والزيادة من س.
(5) [به] ساقطة في س.
367 (1/367)
صفحة 368
بآخر كلمة (كذاك) لاماً ساكنة هي أول لام من كلمة (الاسم) فيكون ذلك اللام الساكن هو آخر المصراع الأول، ثم يبتداء بالمصراع الثاني بلام مفتوحة من كلمة الاسم، ثم بألفه المخفوضة، ثم بتسكين السين، ثم بضم الميم من الاسم، وإشباعها حتى تصير واواً، وكذلك يشبع خفض الميم من كلمة (وسم) حتى يصير ياء، وكذلك وكني كلمة أم، لكن يشبع خفظها لإقامة الوزن، لفظ كلمة كذلك هكذا كذا لكلّ، وتسقط الألف من الاسم فتكون هكذا (الاسم)، فافهم ذلك.
وأما المعنى ف يقول: ولا وصف لي يعرف حقيقة كماله به (1)، والوصف رسم يؤدي إلى الحقيقة لكنه من حيث لا يدرك، وكذلك الاسم، وإن سميت باسم مدح يراد به مدحي مثل (2) محمد، أي محمود في كل شيء، أو حامد لله في كل شيء، أو أحمد، أي أحمد الخلائق لله تعالى وأكملهم وأفضلهم فهذا موصل إلى حقيقة وصفي، ولكن لا يعرف ولا يحيط بكمالي في الحمد، ولا معنى ماهية كمالي ومنتهاه، نبي ولا ملك، ولا نفسي تحيط بذلك، فإذا تحققت ذلك بي فإن شئت بعد ذلك فسمني بما شئت من أسماء الثناء اللائقة أو تكن تريد أن تكنّيني، فكن، وانعت: أي وصفني إن تكن تريد أن تصفني في كل شيء من ذلك بما هو لائق؛ لأنَّك قد تحققت بي أنّي على غير ذلك الوصف المفهوم من تلك المعاني، وأنا على غير ذلك المفهوم.
قال:
325 - ومن أنا إيَّاها إلى حيث لا إلى عرجت وعطَّرتُ الوجود برجعتي يقول: ومن مقام هذه الحضرة القريبة المخصوصة، أنا إيَّاها: أي أنا لها دون غيري في العلم السابق الأزلي، ثم في الوجود المثالي، ثم في الوجود الشهودي كما تردّت إلى الوجود عرجت إليها إليّ حيث هي لا إلى غيرها في الحال، وعطّرت الوجود برجعتي من تلك الحضرات الغيبية لإملاء الوجود كمالاً ونوراً؛ لأنَّ حقيقية وجودها هي تمام كمال الوجود، إذ [ل] (3) يتم كمال جمال اتحاد الوجود إلا بإيجاد أكمل الوجود، وهو معنى
(1) [به] ساقطة في س. (2) في س: [ثم] بدل [مثل].
(3) [ل] ساقطة في الأصل و [س] وما أثبتناه يقتضيه القصر الذي أراده المؤلف.
368 (1/368)
صفحة 369
وعطّرت)، وأراد حسن شذى الرائحة الكاملة الطيب بإظهار الدعوة والشريعة، وتكميل
أهل الكمال بها، وأنا في حين رجوعي عنها غير سائر عنها، بل هي عين المسير إليها، ومسيري إليها هو عين وقوفي فيها، والمعنى في ذلك: أنّي وإن رأيتموني مثلكم أقاتل، وأتكلم، وأنكح، وآكل وأشرب، وأجالسكم فإنَّ كل هذا لا يشغل عقلي عن حضوره مع الله تعالى طرفة عين، فحضوري في الخلوة، وفي الملأ، ويوم يعيد الله نوري، ولا شيء غيره في الوجود؛ لأنه وجد قبل إيجاد كل موجود تعظيماً لي، فكلّ ذلك سواء في حضوري مع الله فلست في الحقيقة كأحدكم.
قال:
(1)
326 - وعن أنا إياي لباطن حكمة وظاهر أحكام أقيمت لدعوتي يقول: وإن رجعت من مقام حضرتي المخصوص بها في الأزل وعالم المثال إلى عالم الشهادة، أنا إياي أي هي لي على الخصوص، فليس ذلك رجوع عن صفاتي، وخروج مني عن تلك الحضرة، وإنَّما هو عين مقامي فيها، وإنما كان خروجي لباطن حكمة، وهو إظهار ما سبق في علم الأزل، ولظاهر أحكام أقيمت: وهي الشريعة، لدعوتي: أي لأدعو (2) بها الخلق إلى الله [66 و] ليثيب من كان علمه الأزلي مطيعاً له؛ لأنَّ الملك الحكيم لا يترك من يراه في علمه مطيعاً له إلا أن يكافيه، ولا يترك من يراه في حضرته
مفسداً عاصياً إلا أن يبعده ويحاربه.
قال:
(3)
327 – فغاية مجذوبي إليها ومنتهى مراديه ما أسلفت من قبل توبتي يقول: وغاية مجذوبي: أي جذب نفسي النفسي])، إليها: إلى تلك الحضرة القريبة، وأضاف الجذب إلى نفسه إشارة إلى عظم إجلالها له، وأنها أعطته تصريف نفسه، وتصريفاً في الوجود كالملك الذي يولي أحداً فيما شاء بولاية تزيد على جميع من ولاه،
(1) في الديوان: [أقمت] بدل [أقيمت].
(2) في الأصل و [س]: [الأدعوا].
(3) في الديوان [ما أسلفته قبل] بدل [ما أسلفت من قبل. (4) [لنفسي] ساقطة في الأصل، وما أثبتناه من س.
369 (1/369)
صفحة 370
ولمعنى آخر فيه إرشاد أنّ في ذات المرء المتعبّد قوة الاختيار يقدر أن يسلك أي الطريقين، وهذا ردّ على من اعتقد سلب الاختيار من المكاشفين، حتى إنّهم تركوا بعض العبادات (1)، ففكّر في كلام هذا الناظم فإنّك لم تجد فيه خللاً، وإن اختل معك فإنَّما هو خلل في فهمك عن معاني إرادته فافهم، وكذلك النبي لذاته اختيار، ولكنه لم يتولها من الاختيار إلا ما اختار الله تعالى لها فاتخذ اختياره باختيار الله جلّ وعلا، وقوله: ومنتهى مراديه بتثنية مراد: أي مرادي، ومراد جذبي هو ما أسلفت أي المقام الذي أسلفته قبل توبتي، أي قبل رجوعي من الحضرة الأولى التي كنت أعبد الله فيها قبل إيجاد الوجود في تلك الحضرة قبل ظهوري في الوجود هو منتهى مرادي ومراد جذبي، فإرادته هو حقيقته، وإرادة جذبه استعارة من اللفظ،، فافهم ذلك.
قال:
328 – ومنّي أَوْجُ السابقين بزعمِهم حضيض ثرى آثار موضع وطأتي يقول: ومني أوج: أي كمال ارتفاع كمال جمال (2) السابقين من الرسل، والأنبياء، والأولياء، بزعمهم: أي يشهدون بذلك علماً حقيقياً أنَّ حضيض، أي أنزَل وأسفل ثرى هو التراب الثري بالماء آثار موضع وطأتي، أي أثر موضع نعالي التي أطأ بها، أي الوصول إلى هذا التراب والأخذ منه، والتخلق بأخلاقه هو غاية كمالهم في الكمال ما بقي في النعال فهو مثل كمال الرسل والأنبياء، وما كان في الأرض قد سقط من النعال هو كمال الأولياء أهل الفناء بحبّ الله، والإخلاص له في كل ما يحبّه، وما كان تحت ذلك لم يعلق بالنعال هو مثل جمال المخلصين من عامة المؤمنين، ومَنْ لم يَنَلْ مِن آثار وطأته فهو مبعود من الكمال ولا إيمان له، وإنَّ من آمن وعمل صالحاً وهو مفسد بغيره ولغيره من أركان الإيمان، فإنَّ ذلك تراب من غير وطأته فلا ينفعه، وكذلك إذا ضيع في آخر عمره فإنّ تلك الأعمال هي من غير أثر وطأته في المثال، فافهم.
قال:
(1) كلام الشيخ ناصر هنا يعمق من اتجاهه العام في اعتماد الحقيقة على الشريعة بحيث لا تسقط العبادات أبداً حتى لمن وصل أعلى المقامات، وفي هذا ردّ على مَنْ ذهب إلى إسقاط التكاليف، أو بعضها في حالات معينة، وهو
ما ينفيه الشيخ ناصر بقوة. (2) في س: [جلال] بدل [جمال].
370 (1/370)
صفحة 371
329 - وآخر ما بعد الإشارة حيث لا ترقي ارتفاعِ وَضْعُ أول خطوة يقول: وآخر مراتب السالكين حيث الإشارة لهم لا يتجاوزوا مثل ما قال أولاً: {وَلَا نَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ} (1)، فذلك المقام حيث لا ترقى ارتفاع أحد من الأنبياء، والرسل هو أول وضع قدم وضعته في سلوكي إلى الله تعالى فذلك قوله: أول خطوة منه إلى حيث لا
أدري وصفه.
قال:
(2)
330 - فلا عالم إلا بِفَضْلي عالم ولا ناطق في الكون إلا بمدحتي يقول: فلا عالم بالعلم الحق إلا بفضلي عالم، ولا ناطق في الكون إلا بمدحتي: أي إلا ويشهد لي بالثناء، وأشار بالعالم والعلم؛ لأنَّ الوجود أصله قبل إيجاده وهو معلوم في علم الله الأزلي فلفضل العلم، ومن وصف الله تعالى أنه لم يزل به عالماً كان العلم أشرف صفة، والعلم الموجود هو المعلومات التى لم يزل الله بها عالماً، وكان أعظم الموجودات علماً (3) النبي، وجميع الوجود لقطرة من بحر علمه، كما أنه أعظم الكائنات كمالاً، الكائنات إنَّما كمالها قطرة من بحر كماله ولاسيما أنه صح له أنَّ
هو
هو
وجميع
كلّ عالم هو شاهد بعلمه [66]، وكل مدح في الوجود إذ لا مدح فيه غير العلم، وهو فرع من أصله فصار كلّ مَنْ مدح شيئاً على صفته من المدح فهو مدح له، وإذا كانت هذه صفات مكوّن لا كمال له إلا بغيره، فذلك من الكفر في صفات الله تعالى، أي أعظم ثناء على النبي وأكمل كمال إذا وصف به الباري جلّ وعلا فهو كفر؛ لأنّ الله تعالى كماله لا يجوز أن يكون بمكمل له حتى إذا وصف أنه هو المكمل لكماله كان كفراً؛ لأنَّه يكون بهذا الوصف أنَّه خالق نفسه وكيف يخلق من هو غير موجود، تعالى الله عن ذلك
علواً كبيراً.
قال:
1 33 - ولا غَرْوَ أَنْ سُدْتُ الأَلى سبقوا وقد
(1) الأنعام، الآية 152. (2) في الديوان: [فما] بدل [فلا]. (3) في س: [عالما] بدل [علماً].
371
تمسكت من طه بأوثق عروة (1/371)
صفحة 372
يقول: ولا غرو أن سدت الألى) الذين سبقوني: أي صرت سيد الأنبياء والرسل والوجود جميعاً، وقد تمسكت من معاني طه إما أراد السورة، وإما معاني الطاء والهاء: فأما عند تلميذ تلميذ الناظم (2) أنَّه أراد معاني الطاء والهاء (3) وأنَّ طه اسم النبي، وللطاء معان جمة منها الطاهر والطيب، والهاء فيها إشارة إلى اسم الإشارة هو المعنى هو الله، وهو الآخر، وهو الموجود في كل شيء علمه وتدبيره، ولا يوجد في شيء، وهو الذي لا يعرف هو إلا هو، وقيل طه حرف قسم قسم بهما، وبفواتح السور إشارة إلى علم سرّ الحروف (4)، وعظمة أسرارها وخواصها فنبّه على ذلك، والكلّ متوجّه إلى الحقّ، ومعنى تمسكه بالطهارة التي كان عليها حين وجد قبل جميع الوجود فلم تتغير صفاته بإيجاده في الوجود بما تغير به غيره من المخلوقين بالعوائد والمألوفات، أو بما فيهم من الصفات، بل قد صرت في هوية اسم الإشارة من حيث إنّي لا يعلم بكمالي إلا هو، فأكمل وصفي به كما تكمل وصف أولياء بصفاته التي لا يصح أن يتخلقوا بها، ولكن بصفات مخلوقة خلقها لكمالهم، دالّة على صفاته كالعلم على العليم والحلم على الحليم إلى غير ذلك، فقد تمسكت (5) طه بمعاني بأوثق عروة أنّي على العهد القديم، ولذلك سميت، طه، وإن كان المراد بالقرآن لقوله تعالى: وطه مَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْوَانَ لِتَشْقَى أي لا لتصير على خلاف ما كنتَ عليه من قبل، وكلّمني بالقرآن الذي هو كلامه ووحيه وتنزيله الذي هو أفضل وأعظم آية في الوجود، فكان خلقي على وصفه، وكما لا يحيط فكراً عقل ولا عقول الخلائق كلهم، كمال الخلائق كلهم كمال فضل القرآن العظيم، ومعاني أسراره وعلومه فكذلك لا يحيط بوصفي، وعلمي،
(6).
(1) في الأصل و [س]: [الأولى]، وما أثبتناه يتلاءم مع السياق.
(2) مرّت الإشارة إليه
(3) في س: [والطاء] وهي من زلات اليراع
(4) علم سرّ الحروف يشير الشيخ ناصر بهذا إلى [الحروفية]، وهم فرقة من الصوفية، أطلقوا عليها هذا الام لاسم بسبب المعاني الصوفية التي وضعوها لحروف الهجاء، وما يتركب منها من كلمات ينظر موسوعة الحفني، ص 718، ويستندون في تأويلاتهم إلى أنَّ الحرف هو اللغة، وهو ما يخاطبك به الحق من العبارات على حد قول ابن عربي، ينظر موسوعة العجم، ص 281، وفي كتاب (الصلة بين التصوف والتشيع) للدكتور كامل مصطفى الشيبي مبحث طويل مليء بالفوائد عن (الحروفية)، وأعلامها، ونشأتها، وتطوّرها، وأهم كتبها، ووقف عندها الشيخ ناصر نفسه في كتابه (الإخلاص)، ويصف هذا العلم بأنه علم شريف قد عظمه الملك اللطيف، وأشار إليه في كتابه العزيز في فواتح بعض السور منه، ينظر ص 199، وما بعدها.
(5) في س: [بمعنى] بدل [بمعاني].
(6) طه، الآيتان الأولى والثانية.
372 (1/372)
صفحة 373
وفضلي، وكمالي في ذلك؛ لأنّ القرآن خلقي، وكفى بذلك دليلاً عليّ، فافهم.
قال:
(1)
332 - عليها مجازي سلامي لأنها حقيقته مني إلي تحيتي يقول: عليها سلامي: أي إليها استسلامي، وذلك مجازي؛ لأنَّ الحضرة التي أسلمتُ فيها، والحضرة في ذاتي فصار ذلك مجازي؛ لأنها: أي الحضرة في لأنها صارت متصفة بكمالها فصارت مني تحيتي وإليّ، أصل
إليها ذاتي هي الحقيقة
(2)
هي كمال ذاتي؛ حضرة معرفة الله هي هي في ذاتي وذاتي متصفة بها؛ لأنها صارت عالمة بذلك، فهي كاملة بذلك العلم، وليس الحضرة هي غير علم الذات بالله تعالى، فافهم.
***
373
(1) في الديوان: [وإنما] بدل [لأنها]. (2) [هي] ساقطة في.
س. (1/373)
صفحة 374
[صفحة فارغة] (1/374)
صفحة 375
الباب الثالث عشر
فيما يذكر في مبدأ سيره في سفره الرابع المخصوص به من حيث نفسه، وظاهر به وجوده براية المحبة بلسان المقام المحمدي للتحقيق بحقيقة التوحيد، ومعرفة (1) المتعلقين بحضرة أحدية الجمع لإعطاء حق الربوبية له من عبوديته لله ربه.
قال:
333 - وأطْيَبُ ما فيها وَجَدْت بمبتدا غرامي وقد أبدى بها كل ذرة (2) 334 – ظهوري وَقَدْ أَخفيتُ حالي مُنْشِداً بها طرباً والحالُ غَيْرُ خفية يقول: [67 و] وأطيب ما وجدته فيها: أي في تلك الحضرة، بمبتدأ غرامي: أي ببداية حبي لها، وقد أبدى بها: أي بحبها كل ذرة من أجزاء تركيبي، أي جسدي وجسمي، وفي كل قوة من قواي، وفي كل صفة من صفاتي، وظاهري وباطني هو ظهوري (3) كذلك إليها بقوة المحبة فهي تبلغ بحبّها، وقد أخفيت حالي أي حال ذاتي عن كل جزء من أجزائي؛ لأنَّ كلّ ذرة مني مشتغلة بحبّها ولا تدري بحبّ غيرها منّي بلذة كلّ لمعة تلمع لها من تجلي جمالها عليها، وكذلك أنا بعقلي ورؤيتي لها، وأردت أن أخفيها منشداً: أي لأنشد بها، أي بحبها، طرباً: أي شوقاً وإن كنت لست في منزلة الشوق لوصولي إليها، ولكن أريد لها بإنشاد أبيات فيها [أي (4) الحضرة طرباً، أي حباً وشوقاً، لكن الحال غير خفية: أي هي التي أخبرت بعقلي ولساني أنّي كذلك مشغول بجمالها؛ لأني لم أقدر على الإنشاد شغلاً، وهذه الأبيات التي قصدت أن أنشدها فيها وهي أبيات (5) أخبرت بها
أن أخفيها حبي
(1) في الأصل و [س]: [والمعرفة)، وما أثبتناه أليق. (2) في الديوان: [نذرة] بدل [ذرة].
(3) في س: [ظاهري] بدل [ظهوري]. (4) [أي] ساقطة في الأصل، والزيادة من س. (5) في س: [ ... وهي ستة عشر بيتاً أخبرت ... ].
375 (1/375)
صفحة 376
الحالة
قال:
عني،، وأما أنا فشغلت عن أن أقولها.
335 - بَدَتْ فرأيتُ الحم في نقض توبتي وقام بها عند النُّهى عُذْرُ يقول: ولما ظهرت محبّتها في كل ذرة من أجزائي وقواي، وظاهري، وباطني، وصفاتي، ورمت أن أخفي نفسي حبّه بالشوق والاشتياق بإنشاد الأبيات، رأيت الحزم في نقض توبتي: أي في نقض رجوعي عن إرادتي بالتخلق بمقام هو دون مقامي، وقام بها: أي بالنظر إليها، عند النهي: أي عند عقلي، عذر محبتي: أي محبتي بهذه الإرادة، أي تركت هذه الإرادة التي لو علمتها لوجب الاعتذار إليها بمحبتها إليّ؛ لأنها لا ترضى لي بغير ما أنا أهله، وإنما تركت هذا باشتغالي بالنظر إليها فكان بها زوال عذر محبتي، فافهم.
قال:
336 - فمنها أماني من ضنى جَسَدي بها أماني آمال سَخَتْ ثم شجَّتِ
يقول: فمنها: أي من الحضرة المحبوبية الأماني، وأراد هنا بالأماني طمأنينة النفس وسكونها (1)، وأمنها لي أن أزول عنها فكان ذلك أمناً لي من ضنى جسدي [وبها من مرض جسدي ومن] (2) نحوله، بها، أي بحبها ولكمال كلّ عضو بكمالها فإنّه لا يضنى؛ لأنه كلما كاد أن ينحل الحبّ جسدي تنبه الكمال، وتلك الأماني، أي الطمأنينة هي أماني آمال، أي مع طمأنينتها، وسكونها هي آمال إلى طلب مراتب أعلى (3) ليست هي أماني سكون ووقوف عن طلب القرب وزياداته، فإنّ ذلك نقصان في حق المحبة والمحبوب، ويمكن أنه أراد أماني من التوعد بالعطاء، ويؤمله به ولكنه قال سخت بكل أمانيها، وبلغت الغاية، ثم شحت بما وراء ذلك لقولها: هذا حدّك فقف عنده ولا تجاوز، وما شحّت إلا عن محبة منها لي، فصار شحها سخاءً، وقطعها لي عن ذلك وصلاً، وبعدي عن ذلك قرباً، وانتهائي هنالك ابتداء في حقها، وصدها لي (4) من هنالك حبّاً منها، وصح ما قلته، ولا من هذا الوجه أيضاً.
(1) في س: [وسلوكها]، وأثبتنا ما في الأصل لتلاؤمها مع السياق. (2) ما بين المعقوفين ساقط في الأصل، والزيادة من س.
(3) في الأصل، و [س]: [أعلا].
(4) [لي]: ساقطة في
س.
376 (1/376)
صفحة 377
قال:
337 - وفيها تلافي الجسم بالسقم صحة له، وتلافُ النَّفْسِ نَفْسُ الفتوة
يقول:
وفيها أي وفي حلها تلافٍ أي تدارك الجسم عن تلافه بالسقم: أي بمرض الحب، صحة: أي من ذلك قوة على النظر والتجلي بصفاتها، فليس منزلتي منزلة الذي ينحله الحب حتى يفنى جسده؛ لأنَّ ذلك مما يضعف القوة عن أداء تحمل الطاعة، وأما أنا فالكمال لا يضني جسدي، وقد عرفتك أن مراده بنحول الجسم هي زوال صفات النفس الذميمة، وفناء الروح، وفناء الإرادات، والنبي المطهر عن هذه فلأجل ذلك لم يثبت فيه ولم يصفه بالنحول، وقوله: له (1): أي صحة للمرء على القيام بما توجب المحبة، وقوله: وتلاف النفس في حب الله هو نفس الفتوة أي هو ذات المروءة، وعين المروءة في حق غيري، وأما أنا كما قلت وأخبرت، فافهم.
فمرتبتي
قال [67]
338 - وموتي بها وجداً حياة هنيئة وإن لم أمت في الحب عشت بغصتي يقول: وموتي: هو الموت المعروف بها أي الحضرة المحبوبية، وجداً: أي حبّاً، وموتي وأنا خالص لها وجداً بحبّها هي حياة هنيئة، وإن لم أمت في الحب عشت بغصتي: ولو أعلم أني لا أموت وأنا على حبّها لكنت قد عشت بغصتي، ولكني قد علمت أني لا أموت (2) إلا وأنا على صدق حبي لها، وكمال محبتها لي، ولما ذكر أنَّ الموت على محبتها، وفي محبتها هي الحياة الهنيئة ذكر كيفية الموت فيها.
قال:
339 - فيا مهجتي ذوبي جوى وصبابةً ويا لوعتي كوني كذاك مذيبتي يقول: لما تحققت أنَّها أحلام الموت في محبتها، وعلى محبتها قلتُ: فيا مهجتي: أي نفسي، ذوبي جوى والجوى حرارة الحبّ، وصبابة وهي العشق، وأراد هنا معناه، أي
(1) [له] ساقطة في
س.
(2) ما بين المعقوفين ساقط في
س.
377 (1/377)
صفحة 378
قوته، المحبة شديدة فيها، ولما خاطب أن يموت حباً خاطب الحبّ فقال: ويا لوعتي،
وهي المحبة اللطيفة المهيجة للشوق كذلك (1)، كوني مذيبتي.
قال:
340 - ويا نار أحشائي أقيمي من الجوى حنايا ضلوعي فهي غير قويمة
يقول: ويا نار أحشائي من الجوى أي يا أيتها النار التي هي من الجوى، أي من حرارة
الله
الحبّ التي هي بأحشائي، أقيمي حنايا ضلوعي بقوة منك وزيادة، فإنها غير قويمة، بل صارت متهتكة بالحبّ، وإذا كان قد تهتكت بالحب فكيف نار جواه يقومها، إنما أشار بذلك إلى إهلاكها بها؛ لأنه قد علم أن الزيادة لا تمكن إلا أن تميته وتهلكه، وإنما قال إخباراً عن اللذة بذلك.
قال:
341 - ويا حسن صبري في هوى من أُحبّها تجمل وكن للدهر غير مُشْمِتِ بي يقول: وقال لصبره حين أراد زيادة البلاء بحبّها ويا حسن صبري في هوى من أحبّها: أي في التي أحبها، تجمّل عليّ بتمام الصبر إلى آخر الموت، وكن للدهر: أي وكن أيها الصبر لي معيناً مدة الدهر الذي أعيش فيه، غير مشمت بي مع الحضرة المحبوبية بوجود هلع أو ملل أو ضجر، أو بشيء يغيّر الحب من حيث لا أدري، ولما كان الصبر يحتاج إلى تجلد، قال:
342 - ويا جلدي في حيث طاعات حبّها تحمل عداك الكلّ كل عظيمة (2) يقول: وقلت يا جَلَدي تصبّر في حبّ طاعات حبها، تجمل، أي أجمل، أو احمل في الصبر – بالجيم أو بالحاء - على أداء جميع الطاعة لها في جميع ما تحبّه منك، وبك،
وفيك، فافهم.
(1) في س: [وكذلك].
(2) في الديوان: [جنب طاعة] بدل [حيث طاعات].
378 (1/378)
صفحة 379
قال:
343 - ويا جسدي المضني تسل عن الشفا
ويا كبدي مَنْ لي بأن تتفتّتي)
(1)
يقول: وقلت: ويا صبري المضني، أي المريض بقوة جوى الحبّ تسلّ عن الشفا: أي فلا ترده، ثم خاطب كبده فقال: ويا كبدي إني راض بتفتتك، من لي: أي من يأتني خبراً عنها بأن تتفتت أي بأنها لتفتت، ولم يترك يعلو مرتبة بترتيب عجيب، كامل النظام، وذلك أَنَّه لما سلّم نفسه لجميع البلاء، والأسقام خاطب الأسقام، قال:
ولت
344 - ويا سقمي لا تُبق لي رمقاً فقد أبيتُ لبقيا العز ذلّ البقيَّةِ
يقول: وقلت لبلا (2) سقمي الصوري والمعنوي: لا تبق لي رمقاً، أي نفساً، أبلى كلّ ذرة من أعضائي، وكلَّ قوة من قواي فإنّي أبيت أن ترضى نفسي ذلّ البقية مني؛ لأني أرى كلّ ذرة مني لم يسقمها الحبّ فهي في ذلّ؛ لأنّي أعلم أنَّ بقيا العزّ [أي بقاء العزّ لكلّ ذرة مني هو سقم بقوة المحبة، واللام من قوله لبقيا، أي لأني أرى بقاء العز، أو لعلمي ببقاء] (3) العز، والكمال في السقم، ولما خاطب الأعضاء أو الأسقام والبلايا، وخاطب الأسقام لتبلى أعضاؤه خاطب الصفات.
قال: [68 و]
345 - ويا صحتي ما كان من صحبتي انقضى وَوَصلُك في الأحياء ميتاً كهجرة يقول: ويا صحتي ما كان من صحبتي انقضى؛ لأنّ الصحة إنّما تصحب الحياة، وقد انقضت الحياة فلا يحلّ لك معى ووصلك ميتاً في الأحياء أي واقعاً بين الأحياء، كهجرة أي كهجرة وفراق وانقطاع وصاله؛ لأنَّ الميت لا يستفيد بوصال من وصله، ولا بهجران مَنْ هجره، وأنا كذلك في هؤلاء الأحياء، أي في جملتهم الذين هم في الحقيقة الأموات، وأنا في الحقيقة الحي الباقي فيهم، ثم انتقل إلى ما هو أخفى من الصفات، قال:
346 - ويا كل ما أبقى الضنا منّي ارتحل فمالك مأوى في عِظامِ رَميمة
(1) في الأصل و [س]: [المضنا] و [تسلّى].
(2) يريد: [بلاء].
(3) ما بين المعقوفين ساقط في
س.
379 (1/379)
صفحة 380
يقول: ويا كلّ ما أبقى الضنا من حياة وقوى وإحساس، وهي من القوى، ارتحل فمالك مأوى في عظام رميمة؛ لأن عظامي صارت رميمة قد ذهبت منها بعد حياتها رطوباتها ولدونتها (1) حتى صارت هباءً تطير بين السماء والأرض، وهو الذي ثم تلاشت غير شيء أبداً، ثم خاطب ما هو أخفى مما خفي عنه.
قال:
347 - وياما عسى مني أنادي توهماً بياء الندا أُونستُ منك بوحشة يقول: وقلت: ولما خفي عليّ، وقلت توهماً عسى أنه بقي مني شيء لا أعلمه، فقلت بياء النداء: وياما: أي الذي عساه لم يفن (2) عني، وأنا أنادي توهماً لم أعرف نفسي بها تنادي كذلك أم لا، وقلت للتي عسى التي تعبت أونسته: أي حسيت منك بوحشة، أي بخيفة أن تكون باقية مني، ولما بلغ الغاية في ذلك خاطب الحضرة بأحوال الرضا، قال:
348 - وكلّ الذي ترضاه والموتُ دونَه به أنا راض والصبابة أَرْضَت
يقول: وكل الذي ترضاه لي وبي من البلاء وغيره، ويكون شدّته دونه، أي أقل شدة منه، فأنا به راض (3)، والصبابة: أي قوة الحب وشدته أرضت بذلك مني فيك، وقيل: إنَّ معناه والموت دونه حائل بيني وبينه لا أبلغه إلا إذا مت فأنا راض بالموت، وصبابتي راضية رضاك عنا فاقض (4) علينا وتحمّل، وكلّ هذا معناه تسليم الأمر، واتحاد المشيئة، والمحبة، والإرادة والرضا، أشار بهذه المعاني إليها بإشارات لطيفة.
بموتي
قال:
لأجل
349 - وَنَفْسي لم تَجِزْعَ بإتلافها أسى ولو جزعَتْ كانَتْ بغيري تأستِ يقول: ونفسي لم تجزع حزناً بإتلافها حبّاً، ولو جزعت لتأسّت بغيري، أي لاعتبرت بغيري الذين هم ماتوا بالحب، وعندهم أنَّ أهنأ (5) شيء هو أن يموتوا به، وما ماتوا بالحب،
(1) في س: ليونتها].
(2) في الأصل و [س]: [يفنى]. (3) في س: [أرضى] بدل [راض].
(4) في الأصل: [اقض]، وأثبتناً ما في س لتلاؤمها مع السياق، وفيهما [اقضي].
(5) في الأصل و [س]: [أهنى].
380 (1/380)
صفحة 381
ولكن ماتوا بحبّ لذة الموت بالحبّ للمحبوب وإذا كان كذلك هو دون الذي أنا أحبّه من المقامات، أو بحبّ مَن أنا مظهر من أول بدايتي عن حبه، فكيف بحبّ مَنْ هو المحبوب، وله الجمال المطلق، وأنا أصلي إمام أهل الحبّ، وما أخذ الناس من بحر حبّي مثل قطرة منه؛ لأنه من المعلوم أنّ حبّ جميع المخلوقين على الإطلاق في كلّ ما أحبّوه لا توازن جزءاً واحداً من عشر معشار مائة ألف جزء من قطرة بحور حبّي فكان لي الحبّ المطلق، وما حبّهم إلا كمثقال ذرة من بحري، فأنا لا أتأسى في الحقيقة بأحد، وليس حبي مثل حب الخلق بعضهم لبعض؛ لأنَّ حبّ الحضرات الإلهية ليس كحب الخلق من العباد، ولا يعرف ذلك إلا أهله، وأهله لا يعرفون كمالي فيه كما أنّي لا أعرفُ كمالي فيهم مع أنِّي أعلم منهم جميعاً فيه، قال:
350 – وفي كلٌّ حَيْ كُلُّ حَيّ كميت بها عِنْدَه قَتْلُ الهوى خَيْرُ مِيتة يقول: وفي كلّ حيّ: أي قبيلة من قبائل أنواع أجناس جميع الموجودات عن جميع الكائنات، كلّ حيّ منها هو كميت بين يديك، واستعار لكل شيء من الوجود اسم الحي، وهو اسم للقبائل والعشائر من الناس ولاجتماعهم بالسكنة، ثم سماه أنَّ كل حي منها يدلّ على أنّ كلّ شيء هو حي بالإيجاد له من الله تعالى فهو بوجوده في عالم الوجود يسمى حيّاً، وليس المراد حيّاً بالحياة التي تعرف [68] بالإنسان الحيّ، وهو الروح التي بذهابها يموت المرء، وكذلك جميع الحيوان، ولا حياة الأشجار التي بها علة نموها، بل المراد حياة الفطرة، أي الإيجاد، أو بالوجود فإنَّ الله تعالى حيّ، أي موجود باق (1)، والميت من الحيوان هو حيّ، أي موجود في الوجود، فكان تقدير البيت: وكل حي، أي وكلّ شيءٍ هو موجود في كل قبيلة من أنواع أجناس الموجودات هو كميت بين يدي المغسل، بل هو أكثرُ إذعاناً واستسلاماً لأمرك، وكلّ موجود فهو محبّ لله تعالى؛ لأنه محتاج إلى بقائه (2) في الوجود بمدده، عرف أنه محبّ أو لم يعرف، لأنَّ الكل مستسلم لأمره. وكل [حيّ، أي وكلّ] موجود بها، أي بحبّ الحضرة المحبوبية، عنده قتل الهوى خير ميتة: أي موت الحب والمحبة خير ميتة؛ لأنَّ كلّ شيء في الوجود يعلم أن تنقله من كون إلى
(1) في الأصل و [س]: [باقي].
(2) في س: [محتاج بقاءه]. (3) ما بين المعقوفين ساقط من س.
381 (1/381)
صفحة 382
كون هو موت له من حياة الكون الأول، وحياة له في الكون الثاني، وكذلك تنقله من حال إلى حال، ويشهد أنّ ذلك هو الكمال؛ لأنَّ تدبير الله تعالى كله جمال وكمال، وكلّ ذلك يعلم أنه يكون بمحبتك وإرادتك، فالكل بين يديك كالميت والكل يرى أن ذلك من محبتك وكمال التدبير، فكيف أنا أكونُ أكره الموت وتبدل الأحوال، وما كان حبّ جميعِ الموجودات إلا من قطرة بحر حبي؟! وما أدركتهم العناية من حبك لجميع الوجود إلا قليلاً من عظم محبتك لي فأنا أحرى بجميع الوجود بالرضا، والإرادة من المحبة لما تحبه
وترضاه وتريده.
قال:
351 - تجمعت الأهواء فيها فما ترى بها غَيْرَ صَبٌ لا يَرى غَيْرَ صَبوة يقول: تجمعت محبات جميع الكائنات فيها، أي في الحضرة المحبوبية، فما ترى شيئاً في الوجود غير صب بها: أي إلا وهو صب بحبّها، والصبُّ هو المائل بقوة الحبّ، لا يرى كلّ صبّ غير صبوة: أي غير الحبّ، والمراد كل شيء في الوجود هو محبّ للحضرة، واله إليها، لا يرى شيئاً إلا جمالها لقوله تعالى: {وَإِن مِن شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَدِهِ} (1)، يقول: وكذلك أجزائي، وقوامي هي كذلك [وكلّ] (2) جزء من ذرات وجودي أعظم من محبّات أجزاء جميع الوجود، وهذا حق يقين، فافهمه.
قال:
2 35 - إذا أسفرت في يوم عيد تزاحمت على حسنها أبصارُ كل قبيلة يقول: [إذا سفرت: أي إذا تجلت في يوم عيد: أي يوم الاجتماع مثل اجتماع العوالم والأشياء كلّها في عالم المثال، ثمّ في عالم الأشهاد، وإن تقدم بعض إيجاد الشيء على البعض فهو في الحقيقة اجتماع تزاحمت على نظر جمالها، وكمال حسنها أبصار كلّ قبيلة (3) من أنواع جميع الكائنات، والمراد بكشف هذا كله أنه هو أعظم من الكلّ حبّاً
(1) الإسراء، الآية 44.
(2) ما بين المعقوفين ساقط في س.
(3) ما بين المعقوفين ساقط في
س.
382 (1/382)
صفحة 383
وانقياداً واستسلاماً وطاعة وإقبالاً، وإذا كانت الكائنات هكذا فما وصفك بمن لم يُعط (1)
من هذا الكمال إلا ذرة من ذرات كمالي ما يزيد على عدد ذرات الوجود.
قال:
3 35 – فأرواحهم تصبو لمعنى جمالها وأحداثهم من حسنها في حديقة يقول: فأرواحهم: أي كلُّ شيء من الموجودات، أو العباد على الخصوص، يقول: تصبو: أي تميل بقوة الحب لمعنى جمالها، ومعنى جمالها] (2): أي معاني صفات جمالها، وأحداقهم، أي ونظرات أعينهم كأنَّها في حديقة من لذة النظر إليها، فهي تقتطف ثمار الأنس، وتجني أنوار القدس.
قال:
354 - وعندي عيدي كل يوم أرى بها جمال مُحيَّاها بعين قريرة يقول: وعندي أي معي، وفي نفسي أن عيدي أنّ حقيقة سروري هي يوم أرى بها جمال محياها أي أرى بها، يمكن أنه أراد بها، أي برؤيته، أو بها بالحضرة؛ لأنها لا ترى إلا بها، جمال محياها: أي حُسن وجهها، أراد بالوجه هنا ما تجلى له من جمالها؛ [69 و] لأنّ كمال جمالها لا نهاية له فلا يُرى كله، وقوله: بعين قريرة أي بعين مسرورة آمنة من الرجوع عنها، والخروج من حضرتها إلى غير ذلك.
[بيان] (3):
إن جميع مظاهر الوجود منها هيئات كالزمان، وأقسامه، وأحوال، وصفات، وأجسام، وكلَّ شيء في الوجود بعضه مقبل على الله بالمحبة أكثر من بعض، إما بهيئته، أو بصفاته، أو بأحواله، أو بالحال من ذلك، وإما بجسمه، وكلّها كان أعظم عند الله تعالى من ذلك فهو أحبّ إليه، ولذلك فُضّلت الأشياء بعضها على بعض، كليلة القدر، ويوم الجمعة، وشهر رمضان، وأيام الحج، وأوقات الصلوات ويوم العيد، ومن الصفات كأعمال الدين
(1) في الأصل و [س]: [يعطى]. (2) ما بين المعقوفين ساقط في س. (3) في س: [اعلم] بدل [بيان].
383 (1/383)
صفحة 384
الحق، والصفات الدالة بمعانيها على صفات الله كالسمع، والبصر (1)، والذي تحلّ فيه المعرفة كالعقل، والمساجد للعبادة مثل مكة والمدينة، ومسجد الأقصى، وبقية المساجد إلى غير ذلك، فاستعار هذا الناظم هذه الأشياء التي هي أقرب إلى الله تعالى، وقربها من الله ليس شيء هي غير تعظيم الله تعالى ومحبة الله إياها، أكثر من غيرها، فافهم.
قال:
6
355 - وكُلُّ الليالي ليلةُ القَدْرِ إِن دَنَتْ كما كلُّ أيام اللّقا يوم جمعة يقول: وكلّ الليالي إن دنت بتجلّيها عليّ فيها فهي معي ليلة قدري التي ليلة قدري التي عظمها الله تعالى لي كما عظم ليلة القدر في الأيام؛ لأنَّ في تلك الأيام قد بلغت القدر العظيم كما أنَّ (2) كل أيام اللقاء [هي (3) يوم جمعة، وهي يوم عظيم عظم الله قدرها، وأنا يوم جمعتي العظيمة عند الله تعالى هي يوم جمعتي، أي اجتماعي بها، أي الحضرة التي خُصصت بها.
قال:
الله
356 – وسعي لها حَج به كلُّ وقفة على بابها قد عادَلَتْ كلَّ وقفة يقول: وكلُّ سعي لها: أي لأجلها من السعي الذي تحبّه هو حج كما يتوجه إلى الحجّ لأجل الفضيلة، فجميع السعي بترك العوائد، وجميع أنواع العبادات هو حجّ، أي مثل التوجه إلى الحج الذي يقصد به القبلة أي (هي) أي القبلة في الحقيقة، وكلّ أعمال الحج وغيرها، والتوجه إلى الكعبة يراد به التوجه إلى هذه الحضرة الأحدية، والواحدية والمراد به أن يقصد به وجه الله تعالى])، به: أي بالسعي، أو بحج التوجه إليها من الأجر العظيم في كل وقفة على بابها، أي باب هذه الحضرة، استعار اسم الباب لما يتجلى منها من الجمال والكمال، والجلال قد عادلت في الفضل (6) كل وقفة من الوقوف في جبل عرفات كلّ وقفة من الوقوف على باب الحضرة، أي وقفة واحدة تعادل كل وقفة وقفها
(1) في س: [كالسميع والبصير].
(2) [أنّ] ساقطة في الأصل، والزيادة من س.
(3) ما بين المعقوفين ساقط في (4) [هي]: ساقطة في س. (5) [تعالى] ساقطة في س. (6) في س: [بالفضل].
س.
384 (1/384)
صفحة 385
الخلائق منذ خلق الله آدم، وحج البيت إلى يوم الحشر، ولما ذكر ما فضّل الله تعالى من الزمان اعترافاً بفضل الله فضل الله، وحبَّاً لما أحبّه انتقل إلى ما فضله مما يشتمل على الزمان والمكان، ثم تخلّص إلى ذكر الأمكنة ليعطي كلّ شيء حقه نظراً إلى ما أحبّه جلّ وعلا، وهو ربّه.
قال:
حَلَتْ غير مكة
357 - وأي بلادِ اللهِ جَلَّتْ بها فما أراها، وفي عيني يقول: وأي بلاد الله: أي وأي بلاد الله تعالى جَلَّتْ - بتشديد اللام، وفتحة، وتسكين التاء- أي عظمت بها، أي بتجليها على رؤيتي فيها فما أراها إلا وفي عيني حَلَت - بالحاء المهملة - أي حَلَت رؤيتها في عيني بسبب تجلي جمالها، أي الحضرة عليّ فيها، فلا أراها غير مكة، أي لا أنظر إلا إلى مكة التي هي أعظم بلاد وأحبّها إلى الله تعالى. ثم إني كذلك أرى تلك البلد مكة، وصارت كل بقعة تتجلى لي فيها هذه الحضرة هي مكة، فافهم.
قال:
(1)
358 – وأي مكان ضمّها حَرَم كذا أرى كل دار أوطنت دارَ غربتي يقول [70 و] وكذلك أي مكان نظرت إليه رأيته مظهراً لجمال هذه الحضرة، فلم أنظر أنا إلى المكان وإنَّما رأيت ظهور جمالها لك فيه، وذلك معنى قوله [ضمها فهو] (2) حرم عظيم، وكما أنّ مجمع الحرم الكعبة التي هي القبلة التي عليها التوجه بالصلاة (3) كذلك أرى ظهور جمال الحضرة هي قبلتي التي عليها التوجه، وذلك المظهر الذي ظهر فيه جمالها حَرَمٌ لقبلتي، كذا كلّ دار أوطنت شخصاً متخلّقاً بأخلاق الكمال رأيتُ كمالي متجلياً بذلك الشخص، وكأني أرى نفسي به في دار غربتي، أي المدينة، وسمّاها دار غربة؛ لأنه كان في عالم المثال، وظهر غريباً لأيام حياة الدنيا، وبعد النشر ليخرج منها، ويسكن غيرها، وفي نسخة (4): دار هجرتي) وهو أصح معنى، والأول أغزر في المعنى،
(1) في الديوان: [هجرة] بدل [غربتي]، وسيشير إليها المؤلف فيما بعد.
(2) ما بين المعقوفين ساقط في (3) في س: [في الصلاة].
س.
(4) إِنَّ هذا يشير إلى أنَّ الشيخ الله كان يقرأ في نسخ مختلفة للتائية، وهو يتخير من بينها.
385 (1/385)
صفحة 386
وبرؤيتي لشخص، ورؤيتي إلى المدينة إنّما أرى في الحقيقة تجلي الحضرة عليَّ في نفسي، وفي بلادي، وفي غيري؛ لأني لست كغيري يشغلني الوجود، بل لا أنظر شيئاً إلا وأرى تجلي عظمة الحضرة وجمالها وكمالها، فلا تظنّ أني لا يحضرني الحضور إلا بمفارقة الأغيار، فأنا في مقام الجمع ليتم بي كمال الوجود؛ لأنه إذا لم يكن كذلك لم يتمّ
كمال الإيجاد بالنهاية في مبلغ غاية الكمال، ولا يمكن ذلك إلا أن أكون أنا.
قال:
359 - وما سَكَنَتْه فهو بَيْتُ مقدس بقرة عيني فيه أَحْشَايَ قَرْتِ يقول: وما سكنته أي وكلّ موضع هو مظهر لجمالها وحسنها، وتجلّى لي ذلك منها فيه، فهو بيت مقدس في نظري له قرّت فيه أحشائي أي سكنت فيه حرارة حبّ أحشائي لا أميل عنه، قوله: بقرة عيني: أي بسبب أن عيني قرَّت به، أي سُرَّت بالنظر إلى جمالها، فلا يحلو لها غيره، وكلّ هذه المواضع الفاضلة إنَّما هي بالنسبة إلى غيري معينة مقيدة في مواضع مخصوصة بجهات دون جهات، وكذلك الأيام والليالي مقيَّدة بالأزمنة كليلة العيد، ومكة والمدينة، والمسجد الأقصى، وأما في رؤيتي للحضرة في كل شيء على الإطلاق فكلّ الأيام، وكلُّ المواضع لي هي كذلك ليلة قدر، ويوم عيد، ويوم جمعة، ومكة، ويثرب، وكعبة، وقبلة، ومسجد أقصى، فافهم ذلك.
القدر، ويوم
قال:
الجمعة، ويوم
360 - ومسجد الأقصى مَساحِبُ بُرْدِها وطيبي ثرى أرض عليها تمشتِ (1) يقول: ومسجد الأقصى وهو البيت المقدس، مساحب بردها: أي موضع جرّ أذيال ردائها، والمراد بذلك موضع تجلي كبريائها، وذلك أن المسجد الأقصى كالعين الروحانية لجميع أقطار الأرض، وبيت المقدس الذي فيه هو مثل البصير الذي به ينظر إلى الحضرات الظاهرية، والأرض المقدسة أعلى روحانية من جميع روحانية الأرض، وأما مكة فهي أكمل جمالاً، وأجمل كمالاً، وهي بمنزلة عين العقل التي ينظر بها جمال حضرة الجمع، ومكة بمنزلة بصيرتها التي ترى بها حضرة جمع الجمع، وأنا أعلى درجة؛
(1) في الديوان: [ومسجدي] بدل [ومسجد].
386 (1/386)
صفحة 387
هذه
لأني أرى هذه الحضرات كلها في كل شيء، فمتى نظرت شيئاً تجلّت لي جميع الحضرات في هذه وغيرها، فأشاهد برؤيتي ما لا يشاهد بهذه فكان تجلي الجلال لغيري برؤية بيت المقدس، وتجلي الجمال والكمال برؤية مكة، وبيت الله الحرام على غيري أكثر من تجلي هذه في غيرها، وأما أنا فتتجلى جميع هذه الحضرات في هذه وغيرها من دون (1) تمييز، وقوله: وطيبي ثرى أرض: أي وثرى أرض طيبة، وهي المدينة، وإنما حذف الهاء لإقامة الوزن، وقوله عليها تمشّتِ: أي تمشّت عليها الحضرة المحبوبية، أي في تجليها استعار لها صفة المشي لحلول النبي فيها، وأصحابه المرتضين لقوله حاكياً عن الله تعالى أنه قال: من أتاني يمشي أتيته أهرول] (2)، وعليها تمثّت أيضاً يمكن أنَّه عنى [70 ظ] نفسه بتجلي جمال فعلها فيه، أي تمشّت صفة فعلها، واتصاف الماشي ال بصفاتها؛ لأنَّه هو أعظم مظهر لجمالها الإيجادي في الوجود.
قال:
361 - مَواطِنُ أفراحي وَمَرْبا مآربي وأطوار أوطاري ومأمن خيفتي يقول: فكانت هذه الأزمنة، وهي الأمكنة المفضلة، وكل وقت، وكلّ موضع، وكلّ شيء مواطن أفراحي، ومربأ بالهمزة، وإنما حذفت لإقامة الوزن، أي وزيادة مآربي، أي حوائجي، ومراده: وبها كان زيادات حوائجي إلى الترقي في درجات مقامي بتطلعي على كمالي لأقاربه إلى كمال أعلى بالشكر؛ لأني كلَّما عرفت منزلتي مع الحضرة ازددتُ معها حبّاً؛ لأني ازداد بذلك معرفة بجلال كمال كرامتها لي فأكون بذلك أشكر له، وهذه إشارات إلى الشكر، وشكر الشكر بالتلويح لا بالتصريح فإن لكلّ إشارة معنى في الشريعة، والحقيقة تلوح عليها، وتعظيماً لما عظمه الله محبة الله تعالى، وقوله: وكانت هذه أطواري: مراتب و درجات أوطاري أي حوائجي، ومأمن خيفتي؛ يشغلني شيء عن رؤيتها لما كان عليّ أمان من انحرافي إلى رؤية غيرها، ولولا هذه أيضاً لما ظهر جلال كمالي؛ لأنَّ غيري لا يكشف له القناع إلا بفنائه عن الأغيار، وأنا لا يُحجب شيء من الأغيار عن رؤيتي فظهر بالأغيار كمالي فكنت على خلاف غيري.
(1) في الأصل و [س] من تمييز.
(2) مر تخريج الحديث.
لأنَّه
لو كان
387 (1/387)
صفحة 388
قال:
362
- مَغَانٍ بها لم يدخُلِ الدَّهْرُ بيننا ولا كادنا صَرْفُ الزمانِ بفرقة يقول: فكانت هذه الأوقاتُ المفضلة، والأمكنة المشرّفة، وكلّ شيء من الموجودات مغان بها، أي منازل تتجلى بها بالصفات على كل ذرة في، وعلى كلّ قوة مني، وعلى كل صفة مني لم يدخل الدهر، وتصرفاته بيننا، أي لم يحجبني عن رؤيتها تصرّف الدهر، وكيف يقدر أن يحجب ما هو أدق من الذرّ الطائر في الهواء على أعظم نور (1) في الوجود، ولا كادنا صَرْف الزمان بفرقة، وجمع بنون الجمع [كادنا] تعظيماً لنفسه، والمراد بتعظيم نفسه تعظيم الحضرة لا غيرها؛ لأنَّه إذا عظم ما أنعمت عليه، فقد عظم المنعم ولاسيما إذا لم يرد به نفسه، وإذا عظم نفسه فله لتحققه بمحبتها منه كذلك، فليس له أن يحبّ إلا ما تحب كما قال الله تعالى {وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (2) فهو عالم بنفسه مع ربه، فافهم.
قال:
364
3 36 - ولا سَعَتِ الأَيامُ في شَت شَملِنا ولا حكمت فينا الليالي بجفوة ولا صبحتنا النائبات بنبوة ولا حدثتنا الحادثات بنكية 365 - ولا شَعَ الواشِي بَصد وجوة ولا أَرْجَف اللاحي ببَينِ وسَلُوةِ يقول: كلّ هذا لم يغير علينا حال، ولا صبحتنا الأيام بنبوة: أي بحال مذموم، ولم يرجف قلوبنا اللاحي العاذل، ببين: أي بفرقة وسلوة.
قال:
366 - ولا استيقظت عين الرقيب ولم تَزَلْ علي بها في الحبّ عَيْني رقيبتي يقول: وما استيقظت عين الرقيب وأراد هنا بالرقيب كلّ شاغل يشغله عن محبوبه وجميع الكائنات كل شيء هو مثل النائم بين يدي، ولم يستيقظ شيء من الوجود يشغلني طرفة عين، بل لم تزل عيني، أي ذاتي هي رقيبتي: أي رقيبة لي محبّة مني أن يكون رقيباً، فهي رقيبتي عليَّ لأهيم في الحبّ لكن بها لا بغيرها، ويمكن أن يكون أراد بها في الحبّ
(1) في س: [نار] بدل [نور].
(2) القلم، الآية 4.
388 (1/388)
صفحة 389
بالتلذذ برؤيتها في الحبّ، وهذه إشارات إلى المراقبة عن الغفلة طرفة عين، قال: 7 36 - ولا اختصّ وَقت دون وقتِ بطيبه بها كُلُّ أوقاتي مواسم لذتي يقول [71 و]: ولا اختص وقت دون وقت بطيبه: أي إنَّ هذا وقت أطيب من هذا، بل كل أوقاتي مواسم لذتي بها، أي كلّ وقت هو وقت حضور تلذذي برؤيتي إليها، والتلذذ
بها، قال:
368 - نهاري أصيل كله إن تبسمت أوائله
منها
برد
وفي نسخة (1) أخرى يقول:
وليلي فيها كله إن تبسمت أوائله
منها برد
تحيتي
فصرت في أوقاتي بها كأحسن ما يكون منها، فنهاري أصيل كله، والأصيل وقت غروب الشمس، مدحه العرب، إن تبسمت من أوائله رياح فيها برد لطيف فيتلذذون به مما أصابهم من حرّ النهار في شدّة الحرّ، ويقول: وإنَّما إن تبسّمت عليّ بأوائله، أي النهار برياح ردّ تحيّتي من قولك: التحيات المباركات لله والصلوات، فإنّه يكون نهاري، وإن اشتدّ حرّه فلا أرى شدّته مع تجليها عليّ، ولم يرد هنا إذا حصل الشرط بل الشرط حاصل.
قال:
369
وليلي فيها كله
سَحَرُ إِذا سرى لي منها فيه عَرْفُ نُسَيْمَةِ يقول: وصار ليلي فيها: أي في حبّها، ورؤيتي فيها، أي إليها، كلّه سحر إذا سرى: أي هبت منها عَرْف نسيمة، أي رائحة ريح منها، وكلّ ذلك مراده إذا تجلت على كل عضو من أعضائه، وخص السحر من الليل؛ لأنَّ أول الليل يثقل عليهم ليلهم، ويشتد عليهم حره، فإذا جاء السحر في زمن الحرّ برد عليهم الوقت، وهبت عليهم رياح لطيفات البرودة، يقول: أنا إذا سرى لي من ريحها شذا طيب من أوّل ليلي يصير كله لي سحراً في اللذة؛ إذ لا لذة لي بشيء إلا بها. وخص بذكر الليل؛ لأنّ النهار يستعار معهم لتجلي الحضرة الظاهرية، والليل يستعار إلى الحضرة التي تضلّ عقول الخلق عن إدراك مشاهداتها إلا النبي من حضرات الكمال.
(1) هذه إشارة أخرى إلى تعدّد النسخ التي كانت بين يدي الشيخ يختار منها.
389 (1/389)
صفحة 390
قال:
370 – وإِن طَرَقَتْ ليلا فشهري كلُّه بها ليلةُ القَدْرِ ابتهاجاً بزَوْرة يقول: وإن طرقت بتجليها عليَّ ليلاً من أول ليلة من الشهر فإن ليالي شهري كلّها تكون ليلة القدر ابتهاجاً، أي فرحاً بزورة منها إليّ، استعار اسم الزورة إذا تجلت عليه مرة بعد
الله
مرّة، هذا لو كانت ولم تتجلّ عليّ بجمالها إلا في هذه الأوقات، فكيف وهي قد تجلت على كل ذرة من ذراتي وقواي وصفاتي في كل حين ولمحة وأقل من ذلك؟
قال:
371 - وإِن قَرُبَتْ داري فَعامِيَ كله ربيع اعتدال في رياض أريضة يقول: وإن قربت داري: أراد وإن تجلّت بذاتي فهي كأني في الحقيقة داره، فعامي كلّه أي سنتي كلها يكون معي فصل ربيع اعتدال في رياض، والرّياض هي الكثيرة الماء والخضرة، والأريضة كذلك إذا كانت الأرض الخضرة الكثيرة الماء، كثيرة السعة، حسنة الاستواء عجيبة الاخضرار، وانتظام الأشجار على الأسلوب العجيب الغريب الذي لا
يمل النظر من رؤيتها.
قال:
372 - وإن رَضِيَت عني فعُمري كله أوان الصبا طيباً وَعَصْرُ الشبيبة يقول: وإن علمتُ في لحظة أنها قد رضيت عني فعمري كله أوان الصبا، وهو زمان شبابه الذي هو ألذ زمان له طيباً، وهو زمن مراهقته بالبلوغ، وقوله: وعصر الشبيبة، أي يكون بتلك الساعة كلّ العمر في لذتي هو هذا العصر، والشبيبة هو ماء يظهر بالوجه المرهف الحسن الوجه البهي البشرة، البالغ في الجمال لوناً في البياض والحمرة، وامتلاء الوجه بالجسم، وصفاء الدم داخل البشرة كأنَّه يُرى ذلك الدم من باطن البشرة له رائح عظيم، وغالبه يظهر بالذكور الذين هم على هذه الصفة دون الإناث، وإن ظهر بواحدة منهنّ دعيت بوحيدة العصر، ولا يدوم أكثر من سبع سنين بعد البلوغ إلى تسع إلى
390 (1/390)
صفحة 391
عشر. يقول: أنا معي كلّ شيء معهم ألذّ شيء، وأطيب شيء أنا معي ذلك الشيء رؤيتي إلى حضرة المحبوب [71]، وكلّ هذه إشارات إلى عدم الالتفات إليها طلبها لنفسه، أو
التلذذ بها طرفة عين، وصَرْف المحبة والإرادة والرغبة إلى الله تعالى.
قال:
373 - لئن جَمَعَتْ تلك المحاسن صورة شَهِدَتْ بها كلُّ المعاني الدقيقة (1) يقول: لئن أي لأنّه إذا جمعت تلك المحاسن: أي المظاهر، صورة: أي حقيقة واحدة رأيتها كلّها جمالاً إلهياً وتدبيرياً وكمالاً إلهياً، وعلماً، توحيدياً، شهدت بها: أي بهذه الرؤية، كلّ المعاني الدقيقة في كلّ شيء، فإن كل ما تجلى من الجمال، والكمال في الوجود، فهو متجل (2) في كلّ ذرّة، وفي كل معنى وصفة وهيئة.
قال:
-
374 - فقد جَمَعَتْ أحشاي كلُّ صبابة بها وَجَوى يُنْبيكَ عن كلِّ صَبوة يقول: فقد جمعت أحشاي كلُّ صبابة: أي ولو جمعت كل محبّات الكائنات محبّة واحدة لم تكن إلا مثل قطرة من يم محبتي بها، وجوى فيها، والجوى: هو التعب من حرارة الحبّ، وأراد به هنا قوة المحبة لا غير، فأنا بحر الحبّ، وما حلَّ فيمن وفيما حلّ فيه منه إلا من قطرته، وإذا كان كذلك فبحر حبي ينبيك: أي يخبرك عن كل صبوة أنَّها من بحر حبي، أي محبة كلّ محب إنَّما هي من مظاهر بحر حبّي على معنى اتحاد المعنى هو أنه كله يشتمل عليه اسم الحب، وأنا لي الحبّ المطلق فهو من صفاتي، وباتحاده في لاسم والمعنى يصح أن يقال كلّ حب هو من حبّي، ومن مظاهر حبّي، وإن كان لكل شيء حب مخصوص به فإن معنى المحبة واحدة كما مثلناه في الماء القراح إن أخذته في موضع فيصح أن تقول: كلّ شيء حي جعله الله من هذا، والمراد به الجنس عموماً لا ذلك الذي
الان
اغترفته، فافهم.
[بيان] (3):
(1) في الديوان: [شمل] بدل [تلك].
(2) في الأصل و [س]: [متجلّي]. (3) ما بين المعقوفين ساقط من س.
391 (1/391)
صفحة 392
واعلم أنّه لمّا أنه لما صحٌ أنّ كلّ شيء إنَّما كان وجوده بإرادة الله، ولا يريد إلا ما يحبّه أن يكون فما كان شيئاً إلا بمحبته وإرادته، فإن قلت: إنّ المعصية كانت، ولا يحبها، ولا يريدها أن تكون من العاصين لله، قلنا: كيف يكون ما لا يحبّ، ولا يريد ولو كان كذلك لكان مغلوباً في ملكه تعالى الله (1)، بل خلق المعاصي فكان في إيجادها بإرادته ومحبته، وخلق العباد، ونهاهم عن المعصية، وأمرهم بالطاعة، وقد سبق في علمه من يكون عاصياً ومن يكون مطيعاً، وأراد أن يكرم من علم به أنّه سيطيعه، ويجاري من علم به أنه سيعصيه علماً أزلياً ينقطع فيه علم المخلوقين بالتفكر فيه فأمر ونهى إرادة فيه ليظهر معصية العاصي من ذات نفسه، وطاعة المطيع من ذات نفسه، ويعين الطائع ويترك العاصي فلا يعينه، ولكن يسهل عليه بعض الأمور التي يريدها من العاصي ابتلاء، كما يرى أصحاب السبت لا تأتيهم حيتانهم يوم لا يسبتون وتأتيهم يوم سبتهم (2)، فانظر من الذي يأتيها إليهم هل أحبّ إظهار ذلك منهم الذي لا يحبه أن يفعلوه، وكذلك في جميع المتعبدين لقوله: نَبْلُوهُم بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ} (3). وبهذا يُستدل أن معنى محبة الله وإرادته لا على معنى محبتنا وإرادتنا، فإذا تحققت أن كل شيء إنّما يكون بمحبة الله، وإرادته فاعلم أنّ كلّ شيء هو مظهر لمحبته تعالى وكل حسن جميل فهو مظهر لمحبة الله تعالى أن يكون على جمال كمال الصفات، وإن كان الجمال والكمال الذي يوصف به الباري هو غير هذا الجمال والكمال، ولكن جميع الصفات الحسنة وكل الجمال، والحسن، والعلم، والحلم، والسمع والبصر، والإرادة والمشيئة والمخلوقات المركبة في المخلوقين، دالات على الله تعالى فكان الجمال والكمال والمحبة والعلم، وجميع الصفات الحسنة هي على أربعة (4) أقسام لوجهين: مطلقة ومقيدة، والمطلقة على ثلاثة وجوه أحدها يختص به الباري سبحانه وتعالى في صفات (5) ذاته أنه لم يزل موصوفاً:
إنّما
هي
(1) [الله] ساقطة في الأصل، وما أثبتناه من س.
(2) في س: [يسبتون] بدل [سبتهم]، وينظر الشيخ ناصر هنا إلى قوله تعالى: {وَسَئَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَعًا وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُم
بمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ}، صدق الله العظيم، الأعراف، الآية 163.
(3) الأعراف، الآية 163. (4) في الأصل: [4] بدل [أربعة]، وأثبتنا ما في س للإيضاح. (5) في س: [بصفات].
392 (1/392)
صفحة 393
سيو جده،
بالصفات الحسنة، الواجبة في وصفه بها، والوجه الثاني ما سبق في علمه (1) أنّه الوجه الثالث: ما أوجده [72 و] مثالات، وهو المسمى عالم المثال، وعالم الأرواح، وهو المسمى اللوح المحفوظ، وهو المطلق الإيجادي (2).
معناها
والوجه الرابع: هو علمه بما سيوجده مقيداً محدوداً، وفي علمه وقدرته أنه قابل للزيادة بلا نهاية عما حدّده، فهو المطلق الذي لا يبلغه (3) مخلوق؛ لأنَّ كل مخلوق لابد أن يكون في كلّ شيء له نهاية وعلم الله وقدرته في زيادة ذلك له لا نهاية لها، وهو عالم بتلك الزيادة، ويراها أنّها لا نهاية لها في قدرته وعلمه، وما خلقه الله وأظهره في عالم الشهادة، وظهر ما جعله الله مظهراً له في الإرادة والمحبة، والكمال، والجمال، اله والمثال، والصورة فإنّما كان بمحبة الله المطلقة الموصوف بها ذاته، ولكن ظهر الذي ظهر فيه من المحبة إنّما هو من المحبة المطلقة، الموجدة في عالم المثال التي هي. معنى واحد كأنها بحر يفيض منه على المظاهر، وكلّ شيء أوجده الله في عالم الأرواح إنما يضاف إلى الله تعالى بالتمليك (4)، لا أنها صفاته، فكانت هذه المحبّة وهذا الجمال الذي ظهر هو محبّة الله، أي محبة لله وجمال لله تعالى، ولكنّهما دالان على محبة الله الموصوف بها نفسه، وجماله الموصوف به ذاته وصفاته، وكلّ شيء كان له وقع معظم في النفس جمالاً وكمالاً وتعظيماً من الله تعالى كان في التذكّر به إلى صفات الله أكثر وقد يقع تجلي بعض صفات الله بالتفكر لبعض الناس في غير الأعظم في ظاهر الأمر، وأما في الباطن فكلّ ذرّة في الوجود هي محلّ لتجلي الله عليها، وفيها بصفاته من غير حلول فيها، فإذا تجلّت له جلال أو جمال صفة من صفات الله في شيء فهو مقيد في حضرة تلك الصفة، فإذا كان على صحيح العلم به في تلك الصفة، وغيرها، وأدهشته عظمة الله بما رآه من عظمته في تلك الصفة فذلك نوع من تجلي الباري على قلبه بتلك الصفة، ولا يمكن أن يتجلى له عظمة الباري بتلك الصفة إلا أن يكون في حين ذلك فانياً، ذكر عقله ورؤيةُ قلبه عن كل شيء سوى ذكرها هي لقوله تعالى: {مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِّن
(1) في س: [بعلمه].
(2) مرَّ شرح هذه المصطلحات.
(3) سقطت [ا] في الأصل، وأثبتناها من س، وبها يستقيم الكلام.
(4) في س: [في التمليك].
393 (1/393)
صفحة 394
قلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ (1)، ولا النبي محمد: [لست كأحدكم إنَّه ليغان على قلبي حتى تنام عيناي ولا ينام قلبي (2)، وقوله تعالى {وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (3)؛ لأنّ له الكمال المطلق الإيجادي، وهو الذي قلنا به ما كان في عالم المثال من المعاني فهي المطلقة الإيجادية، فكلُّ شيء حسن مطلق من الكمال الإيجادي فإنّما هو للنبي، وكلّ ما يظهر في غيره منه فإنَّما يظهر من فيض بحره في المقيدات، ومعنى المقيد هو كل شيء بعينه كالإنسان، والخيل، والنخل، والشمس والقمر، والجمال والصفات والهيئات، وكل شيء حسن، وكلما كان أكمل وأفضل عند الله تعالى كان فيض الكمال المطلق الإيجادي عليه أكثر، ودلّ على محبة الله له أكثر، وكان التذكار به أكثر.
[بيان] (4):
وحيث كان كلُّ شيء [هو] () مظهراً لتجلي محبة الله فيه، ولتجلّي جماله وجلاله وكماله، وجميع صفاته التي يعقلها المتجلية عليه فيه اتسع لأهل الحبّ في الله الفانين عقولهم في التفكر في جمال صفاته وآلائه ومحبته فكلّ شيء تجلى لهم ذكره مع قوة محبّتهم إليه، وأرادوا أن يتغزلوا في ذلك صح لهم، ولأجل ذلك اتسعت لهم طرق التشبيب في الله، وبهذا الاعتبار يفهم جميع ما تكلّموا به في حبّ الله بالتشبيب بذكر النساء، والرجال، والدعاة، والسالكين، والعاشقين فإنّهم قد يذكرون حسن امرأة وجمالها، وصحيح المحبّة فيها أو لا، وهم يتذكرون بذلك محبة الله تعالى] (6) وجماله، وكماله، وحضراته، فتارة يصرفون الكلام إليه حين يتجلى لهم بصفاته في ذلك، وتارة يمرون الكلام، والنظم في المظهر الذي تجلّت فيه تلك الصفة، وتارة يتكلمون في المحبة، وتارة في السالك كان مخبراً عن نفسه، والمراد [72 ظ] الحالة تخبر عنه بلسان حالها، وتارة يتكلمون في السالك ويخبرون عنه، وتارة يتكلمون في الحضرات المختصة بوصف ذاته،
(1) الأحزاب، الآية 4.
(2) مرّ تخريج الحديث. (3) القلم، الآية 4.
(4) ما بين المعقوفين ساقط من س. (5) ما بين المعقوفين ساقط من س. (6) ما بين المعقوفين ساقط من س.
394 (1/394)
صفحة 395
وهي. صفات ذاته، وتارة في الحضرات الغيبية بما علم أنَّه سيوجده قبل أن يوجده، وتارة في المعاني المطلقة في عالم المثال، وهو العالم الإيجادي، والمطلق الإيجادي، والكمال المطلق الإيجادي، وتارة في المطلق العلمي في الإيجادي أنه لا نهاية له في علمه وقدرته، ولكنّه هو الآن غير موجود إنّما هو علمه به فقط فهو كعلمه بالشيء قبل الإيجاد، وتارة يتكلمون في المظاهر، وهو كلّ شيء وجد في عالم الشهادة، فإذا عرفت ذلك فاعرف أني قد كشفت لك جميع معاني ديوان هذا الشيخ وجميع الكلام الذي تكلم به أهل الحبّ في الله في هذا العلم إذا كنت ذا فهم قوي وصح أنّ أكمل الوجود كله، وأعظمه مظهر محبة الله تعالى النبي محمد، وأن كل جمال، وكمال، وحبّ، وعلم، وحلم، وصفات حسنة إنَّما هو من فيض بحر كماله في كلّ شيء من ذلك، وأنَّ إيجاد جميع الموجودات هو فيض بحر كماله، لأنَّه كان من الكمال إيجاد الوجود، وهو أكمل الموجودات فصح أنه كان إيجاده من فيض كماله فكيف يكون حجاباً عن تجلي ربّه إليه بالصفات.
واعلم أنّ التجلّي له مراتب على الخلق، وعلى النبي لا يصح لهم أن يجاوزوها لعدم طاقتهم، والمثال في ذلك أنه لما تجلى من كمال قدرة الله على موسى ال بالجبل فجعله دكّاً، وخرّ موسى صعقاً، ولم يتجلّ له ذلك الكمال قبل اندكاك الجبل، إذ لو تجلّى له لخرّ موسى صعقاً من غير اندكاك الجبل، والنبي يرى ذلك التجلي وأعظم منه وعقله ثابت، وما كنت تقول لو ترك النبي في موضع خارج من السموات والأرض، وأراه الله الوجود كله جملة واحدة، وتجلّت قدرة الله على الوجود بأسره، واندك دكة واحدة، أما كان هذا التجلي أعظم من التجلي على موسى؟ فإن كان النبي يحتمل ذلك، ولا يصعق فلابد أن تكون له نهاية في تجلي كمال صفات الله مما يصعق بها، ولا يحتملها في إيجاد الله له، وفي الحد الذي لا يصعق به، وهو يرى قدرة الله في ذلك كذلك كأنه قد اندك هو حده، وهي منتهى حضراته مع الله تعالى (1)؛ لأنه كلما كان عند الله أعظم تجلت به مشاهدة عظمته أكثر، وإذا كان هكذا في صفة واحدة من صفاته جلّ وعلا فأين القول بجميع صفاته، وصفاته لا نهاية لها، فليس لها جميع، وإنما المراد بالجميع هنا هي الصفات التي يمكن أن يتجلى على الخلق، وكلّها يجمعها النبي، وما له من الصفات
(1) [تعالى] ساقطة. من س.
395 (1/395)
صفحة 396
بعد ذلك فليس لها جميع، فافهم
ذلك
قال:
375 - وَلِمْ لا أَباهي كُلَّ مَنْ يدعي الهوى بها وأُناهي في افتخاري بحظوة يقول: ولم لا أباهي: من المباهات كلَّ من يدعي الهوى: أي الحب، بها: أي بالحضرة الإلهية الأحدية، وأناهي في افتخاري بحظوة من النهاية أي أفاخر بالانتهاء إلى نهاية درجاتي التي لا ينالها شيء، ولا يتخطى إليها أحد غيري، وما فاض من الحبّ لأهله إلاّ من بحر حبّي المطلق المثالي.
قال:
376 - وَقَدْنِلْتُ منها فوق ما كنتُ راجياً وما لم أكن أملتُ من قرب قربتي يقول: وقد نلت أي بلغت منها أي الحضرة من التجلي عليّ بصفاتها فوق ما كنت راجياً، ونلت من قرب قربتي إليها ما لم أكن أملته [73 و]، وهذا معنى يستملحونه (1) أهل المآرب إذا بلغوا فوق ما أملوه ورجوه، وأما هو فمعناه أني بلغت إلى حظ عظيم، ومقام
كريم لا علم لي بإحاطة وصفه.
قال:
377
و
- وأَرْغَمَ أَنْفَ البينِ لُطْفُ اشتمالها
عليّ بما يربي على كل منية (2)
يقول: وأرغم فعل ما (3)، أنف البين: أي أنف الفرقة، وأرغمها: أي أسقطها، ويراد به على كره المرء، يقول: ولطف اشتمالها علي أي ظهور محبّتها على كل ذرة من أجزائي وقواي وأحوالي وهيئاتي، وكلّ شيء منّي مشتمل ظهورها عليّ فيه، أي على ذات كل شيء مني بما يربى أي يزيد على كل منية تتمناه الخلائق فأرغم أنف الافتراق هذا الاشتمال فلو جمع منا والخلائق كلهم مناء (4) واحد لما كان إلا قطرة من بحر مناء كلّ ذرةٍ
(1) في الأصل و [س]: [يستملحوه]، وما أثبتناه أصوب.
(2) في الديوان [منّة] بدل [منية، وهي إحدى القراءات كما ورد في هامش الديوان.
(3) كذا في الأصل و [س]، ولعلها [ماض].
(4) المناء ه ناء هيا
المني.
396 (1/396)
صفحة 397
مني يقربها، وأنا مع ذلك بلغت فوق ما بلغ منائي؛ لأنّ منائي لم أعلم نهايته، فكيف لي أن
أبلغ ما زاد على منائي؟
قال:
378 - بها مثل ما أمسيتُ أصبحتُ مُغْرَماً وما أصبحث فيه من الحُسْنِ أَمْسَتِ يقول: بلغت مبلغاً في (1) الحب لا يزيد ولا ينقص بها أي بحبّها، مثلما أمسيت أصبحت مغرماً، وما أصبحت لي فيه من الحب والتجلي والتقرب، وكشف حُسنها في جمالها وكمالها كذلك أمسيت، وأراد بذلك بلغت الغاية في مرتبتي التي لا ارتقاء لي بعدها، ولا زيادة لي منها على ذلك، وقدّم المساء في الأول على الصباح في إضافة حبّه لها؛ لأن المساء يدلّ على حضرة غيبه التي تظلم الفكرة فيه، وأصبح بعد الظهور في الوجود على ما في الحضرة الغيبية، وقدّم الصباح، وأخبر بالمساء في إضافة محبّتها له؛ لأنّ الصباح كأنّه أول ظهوره في عالم المثال، أو عالم الشهادة، وقدّم الحبّ على الحسن، وفي الحقيقة أنَّ الحسن مقدّم إشارة إلى أنّ أصل الحبّ سابق له في عالم الغيب، وعالم المثال قبل ظهوره في عالم الشهادة، وفي العلم الأزليّ لا يجوز وصفه بالتقديم والتأخير، بل الكلّ باطل؛ لأنّ الله لم يزل عالماً (2) بذلك بلا بداية في علمه به.
قال:
379 - فلو منحث كلَّ الورى بَعْضَ حسنها خلا يوسف ما فاتهم بمزية يقول: ولو منحت تلك الدرجة والمرتبة التي وصلتها، والتى جمالها الجمال المطلق، كل الورى [أي العباد بعض: حسنها: هو أقل من عشر معشار مائة ألف جزء من مثقال ذرة الطائر في الهواء، ما خلا يوسف الذي قد أعطته من جمالها ما قد أعطته، وفُرّق ذلك الجزء على جميع الورى ما فاتهم وصف يوسف بكلّ مزية: أي بكل صفة من جماله، وكلّ هذا مثالات لكشف فضل النبي، وفضل السالكين سبيله من الملائكة، والرسل، والأنبياء، والأولياء، وطرح ما سواهم؛ لأنّ من لم يأخذ من كماله في أعماله لله تعالى كان
(1) في س: [من] بدل [في]. (2) في الأصل و [س]: [عالم]. (3) ما بين المعقوفين ساقط من س.
397 (1/397)
صفحة 398
خاسراً خسراناً مبيناً.
قال:
380 – صرفت لها كلّي على بدء حسنها فضاعف لي إحسانها كلَّ وَصْلَةِ (1) يقول: صرفت لها كلّي: أي كلّ جزء من أجزاء ذراتي وقوامي، على بدء: أي على بداية ظهور تجلي حسنها؛ لأنه لا يمكن إلا أن يتجلى البعض من الحسن والكمال لأنّه لا نهاية له، فضاعف لي صرف نفسي وجزيئاتي إحسانها ولطفها، كل وصلة: أي في كل لحظة تضاعف لي كل وصلة من وصالها في كل ذرة من ذراتي.
فإن قلت: كيف يمكن أن يقول كل وصلة؟ فنقول: نعم؛ لأنَّ درجات الوصل والقرب من الله تعالى لخلقه لها نهاية ثم لا مجاوزة لهم إلى ما وراء ذلك، فيمكن أنه أراد كل وصلة وصلت به لغيره، وهو كذلك في الحق، ثمّ بعد ذلك في كل لحظة وصلت هي في العلم إنَّما هي رتبتي، وقد بلغ نهايته فهو في مرتبة لا ينقص بفعله، ولا يزيد بزيادة تفكر، فإن قلت: إن النبي لم يزل يترقى، فأقول: نعم، هو في ظهوره كذلك، ولا يأتيه الموت إنَّ إلا وقد [73] بلغ طوره، وما كان له كذلك في عالم المثال، فهو في تلك الحضرة كذلك جملة، وليس هذا إلا بناء ممّا يضاف إلى نفسه أنه هو كذلك يقول، بل حالته تخبر عنه، والحالة يصح أن تخبر عن البداية، وغيرها إلى النهاية، وعن الجمع، وعن كل شيء يدلّ عليه مجملاً أو مفصلاً، فافهم ذلك.
قال:
381 - يُشاهد منّي حُسنَها كلُّ ذرّةٍ بها كلُّ طَرْفِ جال في كلِّ طَرْفَةِ يقول: كلّ شيء منّي من ذرات وجودي وقواي يشاهد حسنها كلّ ذرة، أي في كل ذرة من ذرات الوجود، ومظاهرها إلى عالم المثال إلى عالم الغيب حيث انتهاء حضرتي فيه، وقوله: بها يحتمل أن يكون أراد بها، أي يشاهد حسنها فيها، أي ذرات الوجود في عوالمها، ويحتمل أن يكون أراد بها، أي بها كانت المشاهدة وبتجلّيها عليّ فيها، كل طرفة: أي في كلّ لمحة عين، ويحتمل أن يكون أراد بها متعلّق معناه بكلّ طرف، أي بها كلّ، أي
(1) في الديوان: [يد] بدل [بدء].
398 (1/398)
صفحة 399
تحيّر، طرف، أي نظر عين جال أي سرح في مجال، أي في سعة مسارح في التفكر فيها فصارت كلمة بها متكررة في هذه المعاني الثلاثة: الأول أشاهدها بها، والثاني وأشاهدها بها، أي فيها أي الموجودات والثالث، وبها عجز وتحيّر كل حال بالتفكر فيها، فافهم
ذلك.
قال:
382 - ويثني عليها في كلُّ لطيفة بكل لسان طال في كلّ لفظة يقول ويثني عليها أي الحضرة، في: بمعنى مني، كلّ لطيفة: أي في كلّ لفظة من التسبيح في كل لحظة، فافهم.
قال:
383 - وينشق رياها بكل رقيقة بها كَلَّ أنفُ ناشقُ كلَّ هبّة (1) يقول: وينشق ريّاها أراد شذاها، أي رائحتها بكل قوة رقيقة أي لطيفة، أراد بكثرة رقة القوة الشمّية مبالغة في صفائها للشَّم. ويقول بها أي بروائحها، كلَّ: أي عجز عن إدراكها بالتحقيق في كمال حسن شذاها أنف ناشق كلّ هبة، أي كل رائحة من الطيب، وغيره من مكان بعيد، وكلّ هذا مثالات في صفات الجمال المطلق، وأنك لا تدرك تحقيق كماله بشيء من الحواس، ولا القوى.
قال:
384 - ويسمعُ منّي لفظها كلُّ بضْعَةٍ كَلَّ سَمْع سامع متنصّتي يقول: وصرتُ يسمع مني لفظها ونداها وكلامها كلُّ بَضعة مني، والبضعة: بعض قطعة لحم من الإنسان أو غيره، وأراد بذلك كلّ ذرة من أجزائي وقواي، وإنما قال بضعة لئلا يتكرر اللفظ، وسماع كلّ ذرة منه نداها وكلامها بلسان حالهنّ منهن، ومن كلّ ذرة في الوجود؛ لأن العقل هو علمه بما يقول لسان حالة الأشياء، فإذا عرفها فقد سمعها، وإذا سمعها فتلك الحالة المنبئة بعد ذلك من دلالة ذلك الموجود هو الله الذي جعلها تخبر عنه، ففي ذلك الإخبار هو كلام من الله لمن عقل، وكذلك البصر العقلي إذا رأى
سمع
(1) في الديوان: [وأنشق] بدل [وينشق].
399 (1/399)
صفحة 400
الشيء وعرفه فقد أبصره وسمعه فيكون السمع العقلي بصراً، والبصر العقلي سمعاً، فإن قلت: قد يرى الشي ولا يفهم معناه فيكون قد نظر ولم يسمع لسان حاله. فأقول كذلك لم يَر معناه فإذا فهم الشيء فقد رآه، وسمع لسان الحال فيه لا محالة، وقوله: بها كلّ: أي عجز، سمع سامع متنصتي: أي متنصت بي، أي لا يسمع ما تسمعه أجزائي وإن كان قد أجهد نفسه في التنصت إلى استماع ما تسمعه
قال:
385
أجزائي.
بمعنى
- وَيَلْتُم مِنِّي كُلُّ جزءٍ لِثَامها بكل فم من لثمه كُلُّ قُبلة يقول: ويلثم مني: أي كلّ ذرة من أجزائي وقواي لثامها أي لثام وجهها، أراد أن كل جزء مني يشاهدها ويشرب [من شراب] (1) محبتها [74 و]، ويلثم وجه المحبة، ومراده هنا باللثم ليس شيئاً غير اتصال نظره إلى وجه محاسنها؛ لأنَّ كل معنى من معانيه قد اتحدت الآخر كما صوّرناه في السمع والبصر من دلالات الأشياء، فكذلك يصح أن يسمّى إذا عرف المرء الشيء أن يقال قد استنشق منه رائحة المعرفة، وقد سمع الحق فيه، ونظره، ولثم وجهه، والمعنى كله يؤوّل إلى أنه أدرك محبته فاتحدت المعاني في معنى الإدراك، كذلك اتحدت هذه المعاني في معنى المشاهدة والمعرفة بالله تعالى. بكل فم: أراد أنَّ كل شيء في الوجود هو فم ناطق بالحضرة، وبالتوحد، وبظهور الجمال، والكمال، والجلال، وكلّ فمّ، أي وكلّ شيء من الوجود هو لاثم، أي شاهد بمعرفة الله تعالى، وبالمشاهدة له بحضرات صفاته، فلأجل ذلك قال: ويلثم مني كلّ جزء لثامها بكلّ فم، أي أشاهدها بكلّ شيء في الوجود، من لثمه: أي من مشاهدته وشهادته كلّ قبلة: أي كلّ لثمة أي شهادة منها، وبكل مشاهدة منها؛ لأنَّ الوجود شاهد بكل صفة لله تجلّت فيه في كل لحظة، والنبي يشاهد كلّ شيء منه، ومن كلّ شيء من ذرات الوجود كشهادتها، وما شهدت أي وما عرفت إلاّ من فيض بحر مشاهدته، وعلمه فهي به تشاهد أي بكماله؛ لأنها من فيضه، وهو يشاهد منها وبها، وليس المراد أنه يستدلّ بها، بل لا يرى في شيء إلا تجلي الصفات فيه وبه.
بيان في عموم إطلاق هذا السلوك لكل سالك إلى حضرات ملك الملوك
(1) ما بين المعقوفين ساقط في
س.
400 (1/400)
صفحة 401
فإن قلت: إذا كان هذا المقام مختصاً به النبي صلى الله عليه وسلم فما فائدته لمن بعده؟ وكيف يصح أن يسلك فيه غيره؟ وما الفائدة في إطالة القول في إيضاحه؟ فأقول: لوجوه (1): أحدها أن أهل التحقيق لا يقنعون في معرفتهم بالله وبالنبي بالتصديق دون التحقيق، والوجه الثاني أنّ التوحيد كشف تحقيق معرفة الباري فلا يصح إيضاح التحقيق إلا بالتدقيق، والوجه الثالث وإن كانت هذه مراتب النبي فإنَّها طرق لطرق كلّ سالك إلى بعض المراتب، والدرجات، والحضرات، والمشاهدات.
فكلّ مَنْ اتّصف بصفاته، وتخلق بأخلاقه أكثر كان إلى الله ثم إليه أقرب، والمثال في هذا السلوك أنّ كلّ مَنْ حضر ذكر الله تعالى في قلبه لقوة حبّه في كلّ شيء رآه فشاهد برؤية عين قلبه صفاته دالّة على توحيده بلسان حالها كان ذلك المظهر الذي تجلّت له المعرفة بالله سمعاً، وبصراً، وعقلاً، وكلاماً، ولساناً، وشماً، ورائحةً، ولثماً لتلك المعرفة، واتحدت حواسه وقواه في معنى واحد وهي المعرفة والإدراك والمشاهدة، وعلى هذا القياس وظاهر هذه الإشارات مدح النبي، وباطنها إشارات إلى السلوك، وفناء كل شيء في حبّ الله، والنظر إلى كماله وجلاله وكماله والنظر إليه بالصفات والأفعال وإلى محبته ولطفه وإحسانه مع تلاوة الاسم الخماسي الأحرف المشار إليه تلاوة بالقلب دون اللسان فإنَّه أقوى، فإنّ الله تعالى يشاهده إذا كان قوي المحبة ما لا يراه المشغولون بعالم الأشهاد المحجوبون به، وسوف تعلم صدق ما قاله الناظم، وقلناه، ومَنْ لم يجد في نفسه قوة حبّ لله ورغبة فليس له من هذا القسم قسم، فلا ينكر ما ليس له به علم فإنّ لكل مقام رجالاً، ولكلّ رجال مقاماً، فافهم لئلا تظنّ أنّ هذا لم يُردِ غير مدح النبي، ولا كشف فيه سلوكه إلى ربّه، ولا كشف لسلوك غيره إلى حضرات الله تعالى فإنّه ليس كذلك، وقد نبهتك على المطلوب، وإنّما يأتيه على سبيل الحكاية والرمز والإشارة ليكون النظم له حلاوة، وعليه طلاوة في قلوب السامعين تعظيماً لهذه [المقامات] (2).
واعلم أن كلّ [علم] (3) عند الله تعالى عظيم سخّر له إنساناً يحبه ويتعلمه ويسلك فيه، فيتناهى فيه إلى الحد الذي أراده الله تعالى أن [74 ظ] يتناهى فيه فيظهره على لسانه أنه بأفصح
(1) هنا حذف تقديره: يعود السبب في إيضاحه لوجوه، ثم راح يسردها.
(2) في س: [المناسبات] بدل [المقامات].
(3) في س: [ما] بدل [علم].
401 (1/401)
صفحة 402
وأحكم حكمة في الفصاحة، فيصير في عالم الوجود معجزة لغيره من بعده إلى يوم القيامة، ولا شكّ أنَّ هذا الناظم بهذا النظم في هذا العلم هو معجزة لجميع خلق الله تعالى ما خلا النبي ولكنه لا يتكلّم [إلا] (1) بالشعر، فلو أجمعت الثقلان أن يأتوا بمثله في قوة النظم في هذا العلم لعجزوا، ولو كان بعضهم لبعض ظهيراً (2)، وإن كان يمكن أن يكون لا يصح إلا أن يكون يمكن أن يكون، ولكنّه في مشاهدة تدبير الله تعالى أنّ العقول لم تزل تضعف، وقوتها تضعف، وعلمها وفصاحتها كذلك، وإن جاء أحد هو أعلم من هذا في هذا العلم فلابد أن لا يتفق له كلّ ما اتفق لهذا، وإن كان ممكناً كونه، وهذا قول ظنّي اعتباري بكل كرامة أكرم الله بها أحداً من خلقه في شيء قل أن يكون لغيره، ولا نقول إلا بالإمكان، فافهم ذلك.
قال:
به
كلُّ قَلْبٍ فيه كلُّ مَحِبَّةِ
386 - فَلَوْ بَسَطَتْ جسمي رأت كلّ جوهر يقول: فلو بسطت جسمي أي حللته أجزاء إلى أن تصير الأجزاء لا يحيط بكنهها، وتصويرها إلا الله تعالى، ولو شاهدت نفسها في ذلك الحال لرأت تلك الأجزاء كلّ جوهر من ذرات الوجود، أي بالجوهر، كلّ قلب فيه كلّ محبة: أي في كلّ جوهر من ذرات الوجود، ولو كان فيه قد اجتمع كلّ قلب فيه محبّة، لرأت كل ذرة مني من تلك الذرات كلّ ذلك فيها، فأقام كلمة [به] للوجهين: أحدهما به أي الجسم المتجلّي تلك المحبات به، أي بالجسم، والوجه الثاني به أي بذلك الجوهر كلّ قلب فيه كلّ محبّة، فيكون فيه محبتان محبة من ذات نفسه ومحبّة جميع الوجود؛ لأنّ ما فيه من حبّ مفاض عليه من حبّه، فافهم ذلك.
،
***
(1) ما بين المعقوفين يخلو منها الأصل و [س]، وأثبتناه اجتهاداً لتلاؤمه مع السياق.
(2) قد يبدو شيء من المبالغة في كلام الشيخ ناصر الله، ولا يمكن تفسيره إلا بشدة الإعجاب بابن الفارض، وشعره الذي تمكن من خلاله تبيان هذه الرحلة الطويلة لتحولاته السلوكية.
402 (1/402)
صفحة 403
الباب الرابع عشر
في ذكره لما رآه في سير الأحدي للحقيقة المحمدية، وفي المحبّة، والتوحيد، والمعرفة المتعلقة بهذا المبتدأ، وفي
باطنه ومبتدأ سلوكه الباطني إلى حضرة جمع الجمع
:
مبتدأ تكوين جميع الكائنات من نوره الأول بلسان مقامه وكماله.
قال:
صَدُّه كالمودة
387 - وأغرب ما فيها استجدتُ وجاد لي به الفتح كشفاً مُذهِباً كلَّ ريبة 388 - شهودي بعين الجمع كُلَّ مخالف ولي ائتلاف يقول: وأغرب ما فيها: أي الحضرة التي استجدت، أي لما صرت جيداً، وجاد لي: أراد بما جَادَ له من العطاء، وقوله: الفتح أي وجاد لي بالفتح أي الكشف، وأرادني به، أي بالكشف والفتح، كشفاً مذهباً: أي مزيلاً كلَّ ريبة، أي كل شك وريب.
شهودي بعين الجمع، أي مشاهدتي بعين الجمع، أي لعين الجمع، أو بحبّ عين الجمع إلى كل مخالف، أي متضاد في المفهوم كالصد والمودة والحسن، والقبيح المنظر لا القبيح في الحكم فأرتني حضرة جمعي أنَّ كلَّ ما في الوجود من تدبير الله هو جمال متحد ليس صورة الجميل بأحسن من صورة القبيح الصورة، ولا جمال المحبة أكمل من جمال البغض والقِلى؛ لأنَّه كلّه تدبير إلهي كمالي، ولا يصح في التوحيد الإلهي إلا
كذلك.
قال:
389 - أحبني اللاحِي فَغَار فلامني وهام بها الواشي فحار برقبتي
403 (1/403)
صفحة 404
390 - فشكري لهذا حاصل حيث برها لذا واصل والكل آثار نعمتي
يقول: أحبني اللاحي: أي اللائم لي، أي أصل محبته للومي، ومحبته لي حين غار عليّ فلامني بسبب محبته لي في ظاهر الأمر، وهام بها: أي بجمال المحبّة، المحبة الإلهية التي أوجدها الله تعالى، محبّة في الوجود وأكملني بها وأفاضها من فيض بحري في كلّ شيء [75] من الوجود، وعلى هذا اللائم في محبّته لي وعلى الواشي لمحبته ليشي فحار: أي فتحيّر، برقبتي: بمراقبتي فيها لو كوشفت به، ولو شاهد اللائم ما شاهدت لما لام، ولو شاهد العدو والواشي ما شاهدت لما غمّا، فشكري للائم حاصل حيث يراها: أي محبته؛ لأنَّ ذلك مقدار ما رآه عقله، والوجه الآخر أنه لم يدر بالذي قد أردت أن أفني روحي ونفسي بمشاهدتي، وللواشي العدو شكري له حاصل حيث كان ظهوري، ومشاهدته لي، وأوامري ونواهي حكمة في إظهار ما يقليه (1) من العداوة لله تعالى فصار جمالي كله جمالاً، ومحبتي وإفاضة بحرها على جميع الطائعين والعاصين كله، وكلها جمال، وكحال هذا لإظهار حبّه لله ليثاب بالاستحقاق في علم الله تعالى، وهذا الإظهار معصية ليُعذب بالاستحقاق في علم الله تعالى، كذلك في التوحيد الإلهي.
قال:
391 - وغيري عن الأغيار يثنى وللسوى
سواي يثني منه عِطْفاً لِعِطْفتي (2) يقول: وغيري عن الأغيار يثنى وللسوى، والأغيار هو شيء سوى الله تعالى، ويثني: أي يرجع عنها في سلوكه إلى حضرات الله بطريقة المحبّة والفناء عنها كلّما تعلّق شيء منها به حتى يخلّصها من نفسه، ويتخلّص منها إلى حضرة الظاهرية، وهي التي يشاهد فيها في كلّ شيء منها بالصفات لا بالذات، وقوله: وللسوى أي [إلى السوى] (3) وهي حضرة هذه الحضرة، والحضرة الباطنة التي لا يشاهد فيها الموجودات، فهي مرتبة الجمع
جمع
وهو
بين راية النفس وراية الروح اللتين مرّ ذكرهما، ويثني منه: أي ويعرض من نفسه، الفناء حتى عن النفس عطفاً: أي ميلاً وشفقة عن أن يحجب عن ذلك، لعطفه: أي لعطف
(1) ترك الناسخان هذه الكلمة في الأصل و [س] بلا إعجام، وقد اجتهدت في قراءتها.
(2) في الديوان: [على] بدل [عن].
(3) ما بين المعقوفين ساقط في س، والزيادة من الأصل.
404 (1/404)
صفحة 405
محبته تجلّت له في تلك المقامات، أو لمحبة منه هو إلى تلك الحضرات، أو لعطفتي بالإضافة إلى نفس المخاطب أي بعطفه من بحر حبّي، ومحبّة الله لي جذبته إلى ذلك، وقوله: سواي: أي إلا أنا، فليس وصولي بالأغيار ولا بالفناء عنها، بل أنا شاهد الحضرات
وحقائق الموجودات؛ إذ الكلّ من بعض فيض حقيقتي وكمالي؛ فافهم.
قال:
392 - وشكري لي والبر مني واصل إليَّ ونفسي باتحادي استبدت يقول: وشكري للأحي اللائم بظاهر حبّه إليّ، وبرّي للواشي العدو واصل إلي، أي راجع شكري وبرّي لهما إلى شكري لنفسي وبرّي لنفسي؛ لأني قلت إنّ كلّ كمال في الوجود أصل بحره أنا، وإنما أفيض على كلّ من أفيض عليه لإظهار ما يكون في اختياره من خير خير أو شر هو ثناء على نفسي وبرّ بنفسي؛ لأنّ ذلك التدبير الإلهي هو من الكمال، وكل كمال موجد فمطلقه لي، ومنه أفيض على مَنْ أفيض عليه كما قلت، فافهم. وقوله: ونفسي باتحادي استبدت أراد انفردت به دون غيرها بجميع الكمالات التي أظهرها الباري سبحانه وتعالى، ولا شريك لي في مرتبتي، وفي موضع آخر استبدّت، أي تفرّدت مأخوذ من استبداد المرء برأيه إذا لم يَرْضَ إلا رأيه؛ لأني إذا شكرت ما فاض من بحر جمالي ومحبّتي وبرّي فأنا شاكر لنفسي ومبر بنفسي، ولم يتحدّ هذا الاتحاد إلا أنا؛ لأنه ليس لغيري كمال مطلق فيكون كمالاً لاتحادهما في المعنى فيرجع الكمالان بمعنى واحد هو الكمال لا غير، ولا لأحد كمال مثل كمالي فيكون فضله مثل فضلي، فدلّ على أنَّ كلَّ كمال هو من فيض كمالي، وكذلك الجمال، والمحبة، والحسن، والشكر، والبرّ، والإيمان، والتقوى، واليقين، وكل صفة، وهيئة، وصورة [حسنة] (1).
قال:
3 39 - وَثَمَ أمورٌ تَمّ لي كَشْفُ سِرِّها بَصَحْرٍ مُفيق عن سوائي تغطت (2) يقول: [75]: وثَم أمور تم لي كشف سرها: أي تحقيقها، بصحو مفيق عن سوائي تغطّت،
(1) ما بين المعقوفين ساقط من س، والزيادة من الأصل.
(2) في الديوان: [سواي] بدل [سوائي].
405 (1/405)
صفحة 406
إذ روحه ويقينه وعقله مستعدة على ذلك فشاهد [ما] (1) عن سواه تغطّت، وهذا صحيح.
[بيان]
وقد قلنا: إن مراتب التلوين (2) أربع مراتب: الأولى مرتبة اسم الظاهر، وتجليات الأسماء المشتملة بمعناه من الأسماء الثبوتية كالخالق والرازق، وجميع أسماء الأفعال الدالة على فعله وكلَّ اسم يتجلّى له منها، ولم يحضره تجلّي الآخر فهو مقيد بحضرته حتى يتجلّى له جميع ما اشتمل بمعنى اسم الظاهر فيكون متمكناً فيه، ثم يتلون إلى المرتبة الثانية، وهي تجلّي حضرة اسمه الباطن، وما اشتمل بمعناه من الأسماء السلبية كالسلام، والقدوس، والعظيم، والكبير، والفرد والوتر والغني، والعلي، ونحو ذلك التي هي أسماء ذاته، ولا تدلّ على فعل وكلّ اسم تجلى له فهو مقيّد في حضرته الباطنية حتى
،
يتجلّى له في كل لحظة جملة ما اشتمل بمعنى اسمه الباطن فيكون في حضرة الباطنية فيتمكن بها، أو يكون متلوناً بمطلبه المرتبة التي تليها، وهي المرتبة الثالثة مرتبة الجمع بين تجلي الأسماء (3) المشتملة بمعنى الظاهر، والأسماء المشتملة بمعنى الاسم الباطن وما لم يكن متجلياً له الكل في كل رؤية (4) يراها دفعة واحدة فهو متلوّن بمرتبة الجمع، فإذا تم ذلك فقد تمكن في مرتبة جمع الجمع، فافهم. ثم لا مجاوزة إلى ما وراء إلا النبي فإنه يرى هذه الحضرات كلها بأكثر منهم، ويرى حضرات خصت به، وجميع حضرات الله تعالى يراها مجملاً وتفصيلاً في كلّ ذرة من ذرات الوجود، وفي كل صفة، ومعنى، وحالة، وهيئة، مجملاً، وتفصيلاً مع مشاهدة روحه لجميع حضرات الله أيضاً من عالم الغيب، وهو عالم العلم المتجلي به الله تعالى في غير الشهود من المحسوسات مجملاً وتفصيلاً، وهذه هي [مرتبة] (5) أحدية الجمع المخصوص بها، فقد صح أنه يرى ما
غطي عن غيره، فافهم.
قال:
(1) ما بين المعقوفين ساقط في س، والزيادة من الأصل. (2) مرّ شرح (التلوين) فيما سبق.
(3) في الأصل [أسماء] وما أثبتناه من س، وبه يستقيم الكلام (4) في س: [برؤية] بدل [في كلّ رؤية)، وما أثبتناه من الأصل. (5) ما بين المعقوفين ساقط في، س، وما أثبتناه من الأصل.
406 (1/406)
صفحة 407
394 - بها لم يَبحُ مَنْ لم يُبح دَمَه، وفي الـ إشارة معنى ما العبارة حدت (1) يقول: وإن لله علماً وسراً لا يكشفه لأحد من عباده، ثم إنَّ له أسراراً لم ينصها كشفها لمن شاء من عباده، وكشف لي إيَّاها كلّها، ولا يجوز لي كشفها، ولو جاز لي كشفها لأناس لافترض عليهم كتمانها، وإن أوضحوها لأباح قتلهم، ولم يطيقوا كتمانها، فقال: مَنْ لم يبح دمه: أي من لم يبح بها من نفسه سفك دمه هو الذي لم يبح بها، أي لم يظهرها بها، ومن أباح منهم بها فقد أباح من نفسه سفك دمه فكتمها الله عنهم لئلا لا يطيقوها رحمة بهم (2) لئلا يبيحوا بها من أنفسهم سفك دمائهم فيكفرون بذلك، ويروى عنه أنه قال (3): أعطاني ربّي ثلاثة علوم علم أمرت بكشفه وهو الدين الحق، وعلم خُيّرت بين كشفه وكتمانه وهو علم الحقائق، وعلم أخذ عليّ العهد بكتمانه، وبيان كل ذلك في الكتاب، والمأمور بكشفه قوله تعالى: لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ، وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ، والمخيّر فيه قوله تعالى: {سَنُرِيهِمْ آيَتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ فظاهره ظاهر معناه، وباطنه باطن معناه والآخر مثل قوله تعالى: {وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي) وَيَسْتَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ * وغير ذلك فاعرفه.
وقوله: وفي الإشارة معنى، أي إشارة لكلّ شيء أراد التجاوز إلى مرتبته جاءته الإشارة وَلَا نَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ} إن ذلك مقام ليتيم يكون نبياً، ومعنى هذه الإشارة ما فيه عبارة على ما ذكرناه، وإنّها حَدَّت لكل نبي حداً، وأنَّ لي حداً أعلى من حدّهم، فلا بد وأن يكون لي فيه من المكاشفة ما ليس لهم. [76 و].
قال:
395 - وعنّي بالتلويح ما يغني ذائق غَنيّ عن التصريح للمتعنت (4) يقول: وعني، بالعين المهملة، وفتح الياء: أي وافهم عنّي بالتلويح ما يغني ذائق: أي معه ذوق من المعرفة والفهم، غني عن التصريح للمتعنّت: أي يفهم كلام المتعنّت، أي
(1) في الديوان: [غطّت] بدل [حدت]، وفي هامش الديوان إشارة إلى هذه القراءة. (2) في الأصل و [س]: [منهم] بدل بهم]، وما أثبتناه يتلاءم مع السياق.
(3) مرَّ الحديث عن هذا الموضوع مع تخريج الحديث، والآيات الكريمات. (4) في الديوان: [يفهم] بدل [ما يغني].
407 (1/407)
صفحة 408
المستخبر لعقل صاحبه بالتغابي هل يفهمها، أراد البصير العارف الفهم الذي لا يخفى عليه التغابي بالرموز القريبة والبعيدة فاستحضر عقلاً.
قال:
396
وَمَبْدأُ مبداها اللذان تستبا إلى فُرقتي والجمعُ يأبى تشتتي (1)
يقول: ومبدأ مبداها أي الحضرة الظاهرية، اللذان تسبّبا أي مبداها التقرب إلى الله تعالى بالفرائض والنوافل، وهما السبب اللذان تسبّبا إلى فرقتي: أي إلى حضرات فرقتي، وحضرات الفرق هي الحضرات الظاهرية بمشاهدة النفس لها في حقائق المشهودات ويحتمل أنه أراد مبدأ مبداها أعمال العبادة، والتصفية باختراق الشهود إلى رؤية حقائقها، أو الأعمال، وقوة المحبة، أو التصفية مطلقاً في كل شيء من كل شيء من أعمال ومحبة، والتعرض للمكاشفة فإنّه لم يذكر اللذين تسبّبا في مبدأ مبداها ما هي إلا ليعم كلّ ما يحتمله، ولم يرد أن يعمّ ذلك إلا وقد رأى كثرة المعاني التي يصح أن يجمعهما إلى اثنين: علم وعمل، وهما اللذان تسببا. وقال: وحضرة جمع الجمع، وتجلي جمالها على ذاتي تأبى تشتتي، أي فرقتي عنها بوقوفي في حضرة الفرق من شاهد حضرات الجمع لم يتمالك نفسه أن يقف في حضرات الفرق؛ لأنَّ حضرات الجمع جامعة لحضرات الفرق، ولحضرات الباطنة، فاعرف أولاً اصطلاحاتهم في لغتهم، ثم افهم معاني كلامهم فإنَّها كلّها إشارات إلى علم التوحيد (2) لله تعالى بلسان المقام المحمدي.
بيان [في] تحقيق المعرفة:
اعلم أن تحقيق معرفة الله تعالى تأتي على قسمين قسم يختص بصفات ذاته بلا مشاركة لمعناه، ومنها ما يشارك غير ذاته في معناه، وكلّ ذلك على تسع مراتب: المرتبة الأولى: معرفة الذات، وهي ذات الله تعالى، ولا يصح معرفتها لأحد في الدنيا، ولا في الآخرة، ولا رؤيتها إلا هو فلا يعرف هو إلا هو، وتحقيق رؤيتها ومعرفتها هو إيجاد وجوده
(1) في الديوان: [إبداها] بدل [مبداها].
الله
(2) ما يفتأ الشيخ ناصر يكرّر هذا الأمر حرصاً منه على فهم كلام القوم على وجهه المطلوب بعيداً عن الفهم الظاهري
الذي يؤدي إلى التباس، واضطراب.
(3) ما بين المعقوفين ساقط في س، والزيادة من الأصل.
408 (1/408)
صفحة 409
باقياً سبحانه وتعالى (1)، والمعرفة بالعجز عن إدراك معرفتها، ومشاهدة إيجاد وجودها في كل شيء أو بالتحقيق في غير شيء، والحضور العقلي بذكره سبحانه جل وعلا، والاسم
العلم لهذه الذات هو اسم الله، وإن اختلفت لغاته وهو الاسم الأعظم فاعرفه. والمرتبة الثانية: الأسماء التفريدية، وهي أسماء الذات التي ليس فيها صفة زائدة ولا تعب زائد، وذلك مثل الأحد، والواحد والوتر، والفرد والإله فإنّ الله إله ولو لم يعبده أحد، وليس أنه كان له هذا الاسم لأنه معبود أو أنه ليعبد، وهذه أسماء الذات، ولا صفة فيها زائدة عن تفريده وتحقيق ألوهيته إلا اسم الإله فقيل: إن له معاني، والصحيح ما قلناه: إن معناه الله لا غير وقيل معنى الإله العالم بكل ذي حق حقه، كما أن معنى الرحمن المعطي كل ذي حق حقه حتى في ظهور صور الأشياء، وما لها من حق فإنّ الخيل كذلك حقها في صورتها، والحمار كذلك، وكذلك النبات، والحيوان، والمعادن، والعوالم، وما لها من جميع الحقوق، واسم الواحد تفريد للذات، وتفريد لصفاته وأفعاله، فإنّه واحد في ذاته، وهو واحد في صفاته وأوصافه، متفرّد لا يشبهه شيء، ولا يشبه شيئاً في كل صفة من صفاته. والمرتبة الثالثة: أسماء الذات التي فيها صفة تخصّ ذاته لازماً يدخل فيها معنى غيره مثل أسمائه الكبير المتعال العلي العظيم، الغني القدوس السلام، الحي، الحميد،
6
المجيد الحق، الباقي، الدائم الباطن، ذو الجلال، الأول، الآخر، العزيز، المتكبر. والمرتبة الرابعة: الأسماء [76 ظ] الصفاتية للذات بمشاركة معان يدخل فيها غير الذات كالعلم السابق الأزلي بما سيوجده من الأشياء، وما لا يوجده، وذلك مثل العليم، والسميع، والبصير، والرحمن، والرحيم، والقدير، والقادر، والمقتدر، والقوي، والمجيد، والواسع، والرؤوف، والشاكر، والحليم والقيوم الشريع، الشهيد، الوكيل، اللطيف، الخبير، الصادق الكريم المبين الشديد، ذي الطول، ذي القوة المتين، ذو الإكرام، المؤمن، المهيمن.
والمرتبة الخامسة: أسماؤه الدالة على ثناء تدبيره من غير أن يدخل فيها تصريح معنى
التدبير، وذلك مثل الحكيم، والبديع.
(1) توقفنا فيما سبق عند هذا الموضوع.
409 (1/409)
صفحة 410
والمرتبة السادسة أسماؤه التي يدخل فيها معنى المخلوقات من غير أن يدخل فيها تصريح كيفية الأفعال، وذلك مثل الرّب، والمالك (1)، والمليك والولي.
والمرتبة السابعة: أسماء أفعاله، وذلك مثل الخالق والرازق، والتواب، والكافي، والكفيل، والشاكر، والغفور، والقابض والباسط، والوهّاب، المقيت، الفاطر، القاهر، المحيي المميت البصير الحفيظ الفعّال لما يريد الخلاق المنّان الوارث، الباعث الديان، الهادي، الفتاح الشكور الغافر، الرازق الجبّار الباري، المصوّر، المبدي، المعيد، فإن قلت هل يسمى الباري بهذه الأسماء مثل الخالق وما أشبه ذلك من أسماء الأفعال؟ فأقول نعم؛ لأنَّ الله لم يزل خالقاً لما علم أنه سيخلقه كذلك بقية أسماء
أفعاله.
[
والمرتبة الثامنة] (2) فيما يختص بصفات أفعاله اللازمة لنفسه، ويدخل فيها معنى ما علم أنه سيوجده، وذلك مثل المحبة والإرادة والمشيئة، والكلام. والمرتبة التاسعة ما وصف به من جهة مخلوقاته إليه، وذلك مثل المعبود، والمشهود، وما أشبه ذلك.
بيان في مبتدأ الإيجاد بالنور المحمدي:
اعلم أنَّ الله تعالى كان ولا شيء من الأشياء معه، وهو الآن على ما كان عليه من قبل، وسئل (3) النبي ما كان الله قبل الخلق؟ قال: كان في عمي، وهو على ما كان عليه من قبل. نعم، ولكن المعنى المفهوم أنّه كان ولا، زمان ولا وقت، ولا حين، ولا دهر، ولا يقال إنَّه في ذلك الوقت، أو الدهر، أو الحين، وإن جاز القول بذلك فإنّه لأجل المعرفة بوصفه، وإلا فالوقت مخلوق، والمكان مكوّن، والهواء موجد، والظلمة، والنور، والحركة، والسكون محدثان، ولا يعرف ما كان قبل الهواء الذي هو الجوّ فكيف يعرف ما كان عليه ربُّ الأرض، والسموات، وما هو عليه. وقال النبي صلى الله عليه وسلم حاكياً عن الله تعالى
(1) في س: [والملك] بدل [والمالك].
(2) ما بين المعقوفين ساقط من الأصل، والزيادة من س.
(3) ينظر تأويل مختلف الحديث، لابن قتيبة، ص 453، والعمي أو العماء سحاب كثيف مطبق، وقيل: شبه دخان، أي ليس معه شيء، وينظر الهامش ففيه مزيد من التخريج والشرح.
410 (1/410)
صفحة 411
أنه قال: كنت كنزاً لم أعرف فأحببت أن أعرف فخلقت خلقاً كي أعرف، فبي كانوا وبي عرفوني، وإنَّما وقعت معرفته لما تجلّى بعلمه، ولا يسمى أنه تجلّى بعلمه ما لم يتجلّعلى شيء غيره، ولا شيء غيره إلا هو الذي كوّنه وقال النبي الجابر: إن أول ما خلق الله تعالى نور نبيك يا جابر، ومنه خلق الله جميع الأشياء، وبظهوري قد دار الدور في
أن
الإيجاد (1)، والمعنى في ذلك يتضح بمعرفة ترتيب الإيجاد الإلهي على سبع مراتب المرتبة الأولى وذلك فيما قيل - والله أعلم - أنَّ الله تعالى لما أراد أن يُظهر أول وجود يوجده تجلى بعلم صفاته الذي أراد أن يظهره على خلقه من المعرفة به، وقد ذكرنا العلم بالله على معنيين: أحدهما علم صفات ذاته التي لا يشاركه أحد في معناها كالعظيم، والعلي، والكبير وما أشبه ذلك. والمعنى الثاني علمه الذي لم يزل به عالماً بما سيكونه من خلقه من أمثال وصور أشخاص ومعان إلى غير ذلك، فإنّ ذلك هو الذي أوجده مثالات ومعاني، وغير ذلك، وهذا العلم الذي لم يزل الله به عليماً يسميه أهل [هذا العلم بالشؤون (3)، وعلم ذلك هو أوجده، ولا يوجب بوجوب ذلك أن يكون قبل أن يوجدها غير عليم بها، ولا أنَّه ازداد بها علماً، ولا أنه حدث علمه بها، ولا أنَّهما كذلك كانت أمثالاً قديمة وهو عليم بها [77 و] فإذا فهمت ذلك فاعلم أنَّه لما تجلى بعلم صفاته أوجد الله تعالى من نور العلم نوراً عظيماً برزخياً الذي هو بمنزلة الخلاء فلم يكن خلاء أبداً؛ لأنه فيه نور العلم، والنور الموجد من نور العلم، وإنما قلنا بنورين؛ لأنّ نور العلم هو ذات العلم لا غير، والعلم بصفات الله غير موجد، ولا يجوز أن يكون محدثاً، والنور الذي أوجده الله تعالى 1 من نور العلم هو أول ما تجلّى الله تعالى] (4) بعلمه عليه، فكان هو أول
(1) ينظر موسوعة الحفني، ص 986، وموسوعة العجم، ص 1000، وفيها: «النور المحمدي الشريف، وهو أول صادر عنه سبحانه، وإنما سمّي أمراً؛ لأن الله أوجده بأمر (كن) من لا شيء بغير واسطة شيء»، وأخرج عبد الرزاق هذا الحديث في مسنده، وتوقف عنده مرات. د كامل الشيبي في كتابه الصلة بين التصوف والتشيع، ينظر 1 [74 و 195 و 197 الهامش و 394 و 401، وينبغي ملاحظة ورود (ما) وليس (من) في الحديث مما يشير إلى العموم: الإنسان، والحيوان والجماد، ولو وردت (من) لاقتصر الخلق على العاقل وحده، وهو ما لا يستقيم مع مقولة الخلق
العام. (2) ما بين المعقوفين ساقط في س، والزيادة من الأصل.
(3) مرّ الحديث عن [الشؤون].
(4) ما بين المعقوفين ساقط في س، والزيادة من الأصل.
411 (1/411)
صفحة 412
شاهد لله بالعلم به، وهو نور النبي محمد، وإنما قلناه برزخياً إذ لا يصح وجود شيء موجد في غير محلّ فكان النور ومحله بمعنى واحد، وليس هو نور أبيض مثل الشمس فإنّ نور العلم بخلاف الأنوار، ويمكن أن يكون التجلي بصفاته وبالعلم الذي سيوجده معاً أو تجلّى أولاً بعلم صفاته.
المرتبة الثانية: ومن تجلّي اسمه الحيّ الذي هو معناه الموجود فهو دالّ على تجلي وجوب الذات لا تجلي الذات، ومن تجلي اسمه الواحد وتجلّي أسمائه: السميع، والبصير، والقدير، ولم يزل متكلماً، ومن تجلي الإرادة فهي سبعة أصول، فمن أنوار هذه أوجد الله تعالى ذات العقل وأحديته، و وسمعه وبصره، وكلامه، وقدرته، وكان هو العقل الأول الكلي، وهو عقل القلم الإلهي، ونفسه وعقل العلم بصفات الله تعالى، والعلم الذي سيوجده الله تعالى جملة واحدة من غير تفصيل مما تجلى به الله عليه، وكان للعلم ثلاثة أوجه: روح وهو ما يلي العلم وذات، وهي ذات ونفس وهي مما يلي (1) الإيجاد الذي سيوجده الله تعالى، ولا تظنّ أنّ تجلي الله تعالى بنور العلم مثل تجلي ضوء الشمس من الشمس، فإنّ ذلك مما لا يجوز القول به، ومن هذه الذات، والروح، والنفس ذات عقل، وروحه، ونفسه.
النبي
المرتبة الثالثة ثم أمر الله تعالى القلم فقال له اكتب فقال: وما أكتب؟ فتجلى له بالعظمة، وباسمه العليم، وباسمه الحكيم فارتعد القلم هيبة وفاض منه نفسه، وذاته، وروحه روحاً، وذاتاً، ونفساً، وهو اللوح المحفوظ فليس اللوح هو لوح جسمي مبسوط كالسموات فيه كتاب، فهو في الحقيقة العلم الكلّي الذي تجلّى به الله تعالى، وصار معلوماً في الوجود ثمَّ تفصّل إلى معان ومثالات وهيئات، فظهر في عالم الشهادة كلّ شيء على ذلك المثال، وتجلى على كلّ مثل من العقل الكلي اللوحي من روحه، وذاته، ونفسه ما يكون لشخصه في عالم الشهادة، ولم يخل شيء له مثال في اللوح المحفوظ غير ممدود من عقله] 2 في عالم الشهادة مما يلي القلم، وروحه، ومما يلي المثالات نفسه، وكذلك ما يتجلى لكل مثل، فالروح ممّا يلي القلم، روحه، وما يلي المثالات نفسه،
(1) ما بين المعقوفين ساقط في الأصل، والزيادة من س. (2) ما بين المعقوفين ساقط في س، والزيادة من الأصل.
412 (1/412)
صفحة 413
وكذلك ما يتجلى لكلّ مثل، فالروح ممّا يلي اللوح، والنفس ممّا يلي عالم الشهادة. المرتبة الرابعة ومن تجلي عظمة الله تعالى على النور الأول، والقلم، واللوح، والمثال تولدت [حركة هذه الموجدات، ومن تجلي لطفه تولد السكون، ومن الحركة والسكون] (1) تولدت بعد اللوح المحفوظ الحرارة والبرودة، ومن تجلّي العظمة، واللطف عليهما فوق حركة النور والقلم واللوح وسكونها زادت الحرارة من الحركة، والبرودة، والرطوبة، واليبوسة، وهو المعبّر عنه بالناسوت (2)، وهي الطبيعة الكبرى، والحياة المتحركة التي بها كانت حركة الكون المتولد منه، وبحركته تتحرك السموات وجميع المتحركات، ثمّ تعاظم اضطراب الطبيعة حتى تولّد من الحرارة النار، ومن البرودة الماء، وهما بمنزلة الذكر والأنثى، ولكن ماء لطيف روحاني كما هو في رطوبة الهواء لا جسدانياً، وكذلك النار كما هي في حرارة الهواء لا ناراً لها نور بلا، واضطربت الطبائع بحركة الطبيعة الكبرى، وتولد البخار، والدخان، ولكنهما لا مثل هذا البخار، ولا مثل هذا الدخان [77]، وصار الكون
كله كذلك، فافهم. المرتبة الخامسة ثم فتق الله تعالى الدخان والبخار سموات وذلك قوله: السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَهُمَا) (3).
المرتبة السادسة ثم تجسد الماء، وتجسدت النار بين السماء والأرض، واضطربتا بحرارة الطبيعة الصغرى التي هي بين السماء والأرض، وتغيّرت عن الطبيعة الكبرى بتغير حركات السموات عليها، وتولّد من زبد الماء، والجبال، والحصى، والأرض باضطرابه بحرارة النار، وحرارة الطبيعة الوسطى، وحركات الفلك، وشرح ذلك يطول به الكتاب، وبتغير هذه الطبيعة الوسطى وقع التغيير في العالم السفلي.
(1) ما بين المعقوفين ساقط في س، والزيادة من الأصل. (2) سيقف الشيخ ناصر في موضع قابل عند (الناسوت)، وهو يتفق مع القوم كما تبين من شرحه في المتن من أنّ الناسوت هو عالم الشهادة أي الدنيا، أو هو النشأة الإنسانية، أو المحلّ القائم به الروح، ينظر موسوعة الحفني، ص 978، وموسوعة العجم، ص 958، وقد وردت الكلمة في بيت للحلاج هو: سبحان من أظهر ناسوته
رسنالاهوته الثاقب ينظر ديوانه، ص 291، والكلمة ذات أصل سرياني قديم يدلّ على هذا أنّها مختومة بواو وتاء، ينظر التوزيع اللغوي
الجغرافي، د. إبراهيم السامرائي، ص 83.
(3) الأنبياء، الآية 30.
413 (1/413)
صفحة 414
المرتبة السابعة (1): ثم تولّدت المعادن، ثم النبات، ثم الحيوان، ثم الإنسان من الماء والتراب، والجان من نار والملائكة من نور اللوح المحفوظ، فكان كل شيء كما هو في اللوح المحفوظ، وكذلك مراتب العقل الذي صار مدركاً بأربع صفات: بالسمع، والبصر، والقدرة، والكلام، وذاته ووحدته في كل شيء من سرّ سبعة الأصول التي ذكرناها. بيان في مراتب العقل المفاض على المظاهر الشخصية
المرتبة الأولى: هو ما أعطي كلّ جماد، وجسم لا يطلق عليه الفهم مثل السموات، والنجوم، والأرض، وكرات الهواء، والطبيعة الكبرى، والطبيعة الوسطى، وغير ذلك. وهذا قد أفيض عليها بقدر ما تعرف الله تعالى كقوله جلّ ذكره {فَقَالَ لَهَا وَالْأَرْضِ انْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَنينا طابعينَ} (2)، قيل: قالتا بيان بالدّلالة في خلقهما إنهما ذات على معرفته حقيقة لا على الكره، وإلا فهنَّ في الحقيقة غير دالات، فلو قالتا كذلك لكفرتا؛ لأنه جحود لتوحيد الله، وقيل: قالتا عن فهم لخطاب الله، وقالا: بقول هو مخصوص في قولهما، ولا يعرف قول كل جماد إلا الله تعالى ومن فتح له ذلك من عباده.
المرتبة الثانية: ما أفيض على النبات من الحاسيّة، فإنّها أكثر من الجمادات؛ لأنها تسير بعروقها إلى حيث تحسّ بالماء، وتسير بفرعها إلى حيث تحس بالصفا] (3)، والشمس في النبات الذي تحت الشمس والفضاء، فافهم ذلك.
المرتبة الثالثة: الحيوانات، وهي أكثر عقلاً من غيرها، ولكن لا تفهم معاني العلم، والعبادة، وعقلها قدر ما تؤدي به الطاعة لله تعالى.
المرتبة الرابعة عقل الإنسان، وأوله العقل الذي أوجب الله به التعبد على المتعبّد إذا قامت عليه الحجة بنزول شيء من التعبد، وأما ما دون ذلك فلاحق بعقل البهائم أو ما دونه، وهذا بعض عبد الله به، وبعض عصاه به.
المرتبة الخامسة: عقول العلماء المحقين، أهل الاستقامة في الكمال، ودرجاتهم في
العبادة شريعة، وحقيقةً، وطريقةً، ومكاشفة.
(1) في س: [السابعة عشر]، ولعلها وهم من الناسخ. (2) فصلت الآية 11.
(3) ما بين المعقوفين ساقط في الأصل، والزيادة من س.
414 (1/414)
صفحة 415
المرتبة السادسة عقول الأنبياء، ودرجاتهم كأولي العزم من الرسل، وعقولهم ممدودة بعقل اللوح المحفوظ، وأما غيرهم فعقولهم (1) ممدودة بأمثالهم من اللوح المحفوظ، المسماة بالكتاب في اللوح المحفوظ على قدر ما تجلى على مثاله من العقل
وهي
اللوحي.
المرتبة السابعة: عقل النبي، وعقله، وروحه وذاته ونفسه من ذات وروح ونفس القلم الإلهي، فليس بين عقل النبي وبين تجلي العلم الإلهي حجاب كوني كما يحجبه عن غيره عنه كما عقول جميع الخلق محتجب عن مشاهدة الله تعالى بحجب الأغيار، ولا يصح أن يقال إنّ الله محتجب، ولكنَّ العقول محتجبة عن الله تعالى، ومن جلالها، وشاهد الأكوان علماً إلاهياً توحيدياً، فقد كشف عن قلبه حجاب الغفلة، ولما كان النبي في ظهوره روحه مما يلي [القلم الإلهي الأول الذي تجلى به قبل أن يوجد كون غير نوره ونفسه مما يلي الموجدات] (2)، وشاهد هذا، وهذا كالقلم فقد دار الدور الأول، وكلّ نفس، وروح كشفت الغطا عن نفسها بالكلية فقد رجعت إلى دورها، ولكن أول التجلي الأول روح النبي [78 و] على جهته فهو أحق بهذا أنه به دار الدوار، فافهم. بيان في التجلي الإلهي، وهو على سبعة أبطن، وسبعة أبواب:
البطن الأول وهم أهل العقول الذين فهموا الخطاب، ولم ينتفعوا به، وهم الذين انفتح
لهم باب واحد من تجلي علم الله الظاهر قدر ما يلزمهم به التعبد، وعصوا الله تعالى. البطن الثاني وهم الذين انفتح لهم بابان من تجلي نور الله بالمحبة الإلهية، وحضرات التجلّي من التوحيد، وهم أهل الإيمان، والاستقامة من أهل الظواهر.
البطن الثالث: العلماء أهل الاستقامة في الدين فهم أهل الشريعة وما لزم (3) من الحقيقة، وهؤلاء كالذي انفتح لهم ثلاثة أبواب: باب العلم بالله من العلم الجلي، وعلم الشريعة، والجلى من علم الحقيقة.
البطن الرابع: العلماء أهل الاستقامة في الشريعة الخفّي من علم الحقيقة، مع التجلي،
(1) في الأصل: [فعقلولهم]، وهو سهو من الناسخ. (2) ما بين المعقوفين ساقط في س، والزيادة من الأصل. (3) في س: [وما لزمهم] بدل [وما لزم].
415 (1/415)
صفحة 416
وكثرة الزهد مع ذلك، وهؤلاء كالذي انفتح لهم أربعة أبواب من معرفة الله، ومعرفة ما
لله.
البطن الخامس: هم العلماء المكاشفون بحقائق الموجدات بمشاهدة الحضرات الظاهرية، ومشاهدة الحضرات الباطنة إلى آخر مراتبهم، وهؤلاء كالذي كشف لهم خمسة أبواب، وإن كانت الحضرات كثيرة فإنّهم في البطن الخامس.
البطن السادس: الأنبياء، وهم المشاهدون الله تعالى بحضرات الجمع، وجمع الجمع، وكلّ أهل مرتبة فلا يحصي تفاوتهم إلا الله تعالى.
البطن السابع: المقام المخصوص به النبي، وهو مشاهدة روحه العلم بالله، ومشاهدة نفسه للوجود علماً إلهياً توحيدياً في حال واحد كما تراه الروح من غير شيء يحجبها [عن الله تعالى فيشغلها رؤيته، كذلك النفس، وإن رأت الوجود فلا يشغلها حاجب يحجبها ويشغلها] (1) عن رؤيته علماً توحيدياً.
العين
واعلم أنّ في اصطلاح أهل هذا العلم في التسمية للروح والنفس أنّ الروح هي البصيرية، والنفس هي العين الغريزية، والعين المدبرة من العقل، وأنَّ الروح نظرها إلى عالم الغيب، ولم يذكروا إلى أن تنظر إلى عالم الغيب، وعالم الشهود، والحق في البحث فيها يوجب أنها تنظر إلى عالم الغيب وعالم المثالات، والخيالات، والمحسوسات، ولكنها تعرف الخيال خيالاً، والمثال مثالاً (2)، والحق حقاً، والباطل باطلاً، وتنظر إلى عالم الغيب، وعالم الملك والملكوت، والجبروت، ولو لم يكن كذلك لم تهتد (3) إلى توقيف العين (4) الغريزية بالتوقف في الأمور التي رأتها العين الغريزية حتى يتضح لها الحق، ولم تهتد (5) إلى ما تخيّله النفس، فتنهاهما عنه إذا أولياها أمرهما، ولما صح ذلك فيحتمل في التمثيل أن تكون لها عينان، ولكن بهذا المثل يكون للعقل أربع عيون، وأكثر اتفاق أهل هذا العلم أنّ للعقل ثلاث عيون، فعلى مذهبهم بالثلاثة فتكون العين البصيرية وهي الروح
(1) ما بين المعقوفين ساقط في س، والزيادة من الأصل. (2) في س: [والمثالات مثلاً] بدل [والمثال مثالاً].
(3) في الأصل و [س]: [تهتدي].
(4) [العين] ساقطة في الأصل، والزيادة من س.
(5) في الأصل و [س]: [تهتدي].
416 (1/416)
صفحة 417
ترى بعينها العوالم كلّها عالم العلم الغيبي، وعالم الأشهاد، ولكن لما كانت هي الناظرة إلى عالم الغيب، وغيرها إلى عالم الشهادة اكتفوا بذكرها في باب الغيب، وإلا فهي معهم أَنَّها كما ذكرناها، إذ لا يصح في صحيح النظر إلا كذلك، فافهم
27
(1)
28
والنفس نظرها إلى عالم المحسوسات والمثالات والخيالات، وسموا تلك بالروح، وهذه بالنفس اصطلاحاً لتفهم ما يتكلم في كلّ واحدة منهن، وبقوله تعالى {وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي (2) و {قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَتِي (3) وقال: في النفوس: {فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ (4) وقال: وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ الوَامَةِ (5) وقال: {يَايَنَهَا النَّفْسُ الْمُطْمَينَةُ ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً فَادْخُلِي فِي عِبَادِي) وَادْخُلِي جَنَّي (6)، وقال: {وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى (7)، فلم يذكر الروح إلا بالثناء، وذكر النفس بجميع أقسامها (8) جلّ وعلا، فدلّ بذلك على أن تجلي علمه وأمره، ونور محبته على لوح الرّوح التي هي العين البصيرية إذا صدقت نية المرء في إخلاصه بها [79 و] الله علماً وعملاً بالحق في كلّ شيء، فافهم ذلك.
وكل متعبّد لزمه التعبد بعقله، ولم ينفعه عقله، وكان كافراً كفر جحود، وهو الشرك الجلي، وكان كافراً منافقاً منتهكاً لما يدين بتحريمه، أو مستحلاً بدينونة بتأويل وضلال لا
(1) يقارن ما ورد هنا عن (الروح) و (النفس) بما ورد في كتاب الإخلاص) للشيخ ناصر، ففيه تفصيل، ينظر ص 558،
وما بعدها. (2) الحجر، الآية 29. (3) الإسراء، الآية 85. (4) المائدة، الآية 30.
(5) القيامة، الآية 2.
(6) الفجر، الآية 29. (7) النازعات، الآية 40.
(8) وقفنا فيما سبق عند الفرق بين (الروح) و (النفس)، وهنا يتحدث الشيخ ناصر عمّا يسمّيه أقسام النفس، إذ أوصلها القوم إلى تسعة أقسام، وهم يعتمدون في هذا التقسيم على القرآن الكريم خصوصاً في حديثه المتكرر عن النفس، ومما يجب ذكره هنا أنّ ابن سينا تحدث باستفاضة عن النفس وأقسامها وخصوصاً في كتابه (أحوال النفس)، وذلك في الفصل الثاني منه وهو (في تعريف القوى النفسانية على سبيل الاختصار)، كما أنّ الفيلسوف ابن باجة أفرد هو الآخر كتاباً عن النفس هو كتاب النفس) تحدث فيه بتفصيل عن ماهيتها، وأقسامها، وهما – بلا شك – يفيدان من كلام أرسطو عنها مع تطوير، وإضافة، ينظر عن هذا الموضوع موسوعة العجم، ص 969، وما بعدها، ا وكتاب أحوال النفس لابن سينا بتحقيق د. أحمد فؤاد الأهواني، وكتاب ابن باجة في النفس بتحقيق محمد صغير حسن المعصومي.
417 (1/417)
صفحة 418
يسعه
الله
موصوف
على حال، ويستحق به العقاب عند الله تعالى، وكان جاهلاً بالعلم الخفي من دين وتوحيده، أو عالماً بالغاً غير قوي المحبة، أو قوي المحبة لله تعالى مكاشفاً، فهؤلاء خمسة أقسام كلهم خليون من تجلي نور محبة الله تعالى على عينهم البصيرية، وإن أحبوا الله وعبادته، وتحققوا معرفته فهم على خلافه فيما لا يسعهم يحبونه بحبّهم الحب الذي يحبّون به غيرهم غير الله فأحبّ هؤلاء الله تعالى ودينه ومعرفته بتلك المحبّة لا بمحبة الله، فإنّ محبة الله تعالى قد انسد مصباحها من زجاجة العين البصيرية، وبقي عقله في ظلمة، وأصل المحبّة كلّها إنما حلّت في ذات العقل لينهض بها الله فيشرق فيها نور محبة الله له وهي الكمال، فإنّ الكمال الإلهي (1) على معنيين: أحدهما كمال صفات ذاته فهو كمال به، وإذا علمه المرء، وتم كماله بالكمال الإلهي المنسوب إليه لا من حيث إنّه جعله كمالاً للمرء فهو كمال إلهي؛ لأنَّه هو الذي جعله كمالاً، وبكمال الله بالعلم بكماله وبمحبته، وقولنا: إنَّ كلَّ شيء من عالم الشهادة له من العقل ما تجلى على مثاله في اللوح المحفوظ، لا يوجب أنَّ ظهور معصيته من قلة ما جعل له من العقل؛ لأنَّ كثيراً ممن جعل له عقلاً، علماً الله تعالى، وكثيراً من هو دونه عقلاً أطاع الله تعالى، فصح أنَّ الطاعة على قدر تجلي نور محبة الله تعالى على العقل لا غير، وإنَّها تقوى بقوة الرّغبة، والإخلاص في الأعمال، ومحلها في العين البصيرية المعبّر عنها بالروح، وأما العين المدبرة فقد تكون قوية في العلم، ولكن قد دنستها برينها؛ لأنها هي القوية الغالبة القاهرة إذا لم تولها نفسها، ومن بعدها العين المدبّرة التي هي كالساحرة، فهي مغلوبة تغلبها العين الغريزية فكانت الصور والأشياء كلّها على ما في مثال اللوح المحفوظ، والأجسام كلّها من الجسم المطلق الكلي من الطبيعة الكبرى، والأنفاس، والأمثال والأرواح من مثال، ونفس، وروح اللوح المحفوظ، وذلك
عصى
من القلم، والقلم من النور، والنور من العلم من تجلي الله تعالى به جلّ وعلا. [بيان] (2):
(1) الكمال: هو التنزيه عن الصفات وآثارها، وكمال الله عبارة عن ماهيته، وماهيته غير قابلة للإدراك، وليس لكماله غاية ولا نهاية، وكماله سبحانه لا يشبه كمال المخلوقات؛ لأنَّ كمال المخلوقات بمعان موجودة في ذواتهم، وتلك المعاني مغايرة لذواتهم، وكماله سبحانه بذاته لا بمعان زائدة عليه، ينظر موسوعة الحفني، ص 928، وينظر
موسوعة العجم، ص 799، وما بعدها ففيها تفصيل. (2) ما بين المعقوفين ساقط في س، والزيادة من الأصل.
418 (1/418)
صفحة 419
فكان في الإنسان سرّ وجود علم جميع الكون السفلي، والطبيعة الوسطى، والسّموات، والطبيعة الكبرى، وسرّ اللوح والقلم، والنور، وفيه سرّ علم الله، وركب جسده من الماء والطين، وركَّب عقله من ثلاثة أشياء: الأول العين البصيرية من روح اللوح المحفوظ من غير اختلاط بشيء من العوالم فهي لا تحبّ إلا الله تعالى ولا تدعو إلا إليه وليس لها جهة إلاّ إلى عالم الغيب، وهو عالم العلم المتجلي به الله تعالى على القلم، وعلى اللوح المحفوظ، وركب العين الغريزية من نفس اللوح المحفوظ ممتزجة [بعالم] (1) الطبيعة الكبرى فهي تحت العلوّ إلى أوجها، لا إلى ربّها واللطائف من جميع الكون السفلي، وركَّب النفس المدبرة من النفس الكلية ممتزجة بلطائف الأرض، والطبيعة الوسطى، ونظرها إلى عالم المثالات والخيالات، والمحسوسات إلا الرسل والأنبياء، وأما ما سواهم فكما قلنا، وكذلك الجنّ، ولكن لم تمتزج نفوسهم من لطائف الأرض إلا بعد أن صارت غذاءً للنار، ودخاناً لا يرى، فأقبلت بحبّها على ما امتزجت به، وانعكس أمرها، فهي مثل نفس الإنسان فأوجب الله تعالى على مَنْ شاء من عباده عبادته لوجوبها عليهم، فمنهم من أطاعه وارتفعت روحه [79] ونفسه طاهرتين من تدنيسه لها، ولكنّها امتزجت به لأنها لم توجد بذلك؛ لأنَّ ذلك لم يكن من قبلها، ورجعت إلى عالم مثالها في اللوح لتعلق حبّها به؛ لأنَّها خارجة منها الثلاثة العيون جميعاً وهي العقل، وهي الروح، وهي النفس، وهي القلب العقلي، أو في عالم مثالي تتجلى فيه تلك المثالات، ومن أقبل إلى الله تعالى وخلصها مما امتزجت به التحقت بصفاتها كما هي في عالم مثالها قبل نزولها إليه من اللوح المحفوظ، ومن دنسها بفعله اسودت وكثفت ولم تقدر على الصعود، وبقيت في مثالها الأسفل، وهو عالم السجين، وهو عالم المثالات الأسفل، والدليل على أنَّ في العالم الأسفل الذي نحن فيه [عالماً مثالياً] (2) أيضاً هو ما تراه بعينيك فيتمثل لك مثالاً تراه بعقلك فلو لم يكن له في العالم السفلي مثال لم تره بعقلك فتبقى نفس الكافر في عالم السجين، وهو عالم مثالات أهل النار، ومثالات الأشياء في غير اللوح المحفوظ، ومنه في غيره هو مثل المرآة لتجلي فيها تلك المثالات، كذلك عالم السجين مثال تتجلى فيه مثالات أهل النار فيصير كلّ روح إلى مثل شخصها الذي كانت فيه إلا الروح الأمر
(1) ما بين المعقوفين ساقط في الأصل، والزيادة من س. (2) في الأصل و [س]: [عالم مثالي، وما أثبتناه الصواب.
419 (1/419)
صفحة 420
بطاعة الله تعالى فيه الذي هو من اللوح المحفوظ غير الممتزج بشيء، وهو المتجلي بالعين البصيرية فإنّه في اللوح المحفوظ يفيض نوره مثل نور الشمس عليه من كوة بيت فإذا عصى الله تعالى فكأنه قد سدّه عن نفسه، ومات وهو ليس فيه شيء.
منه
وأما المدبّرة والغريزية فهما، يبقيان وهما نفسه التي تبقى في سجين، فافهم ذلك. فدلّ على أنه ليس اللوح المحفوظ، ولا في القلم، ولا في النور الأوّل إلاّ صفات الكمال الذي لا تضاد فيه كما وصفه الناظم ولا قبح، وإنما القبح كان من فعل الذات حين حلّت بجسدها فدنّست نفسها بمعاصي الله تعالى، وصح أنه أصله ليس شيء في الوجود قبيح إلا هذا القبيح المقبّح نفسه، وإلا فجميع الموجودات مذعنة لله إذعاناً كلياً كاملاً كلّ بما تعبّده الله تعالى به إليه جلّ وعلا، وصح أنّ كلّ ذات ترجع إلى محلها الذي هو لها، فترجع أرواح الأنبياء في اللوح المحفوظ إلى مثالاتهم، ولكن مثالاتهم مقبلة إلى النفس الكلية، والروح الكلية من اللوح، وترجع نفس النبي صلى الله عليه وسلم إلى نفس القلم، وروحه إلى روح القلم المقابل بجهته إلى جهة عالم العلم، ولذلك قال النبي: [استدار الكون]، وكذلك أرواح ونفوس الكاملين الصفات إلى مثالاتهم في اللوح المحفوظ، والمؤدّون الواجب هم كاملو (1) الصفات أيضاً، ولكنَّ أهل الكمال على درجات، وذواتهم ترجع إلى مثالاتهم، ولما كان مقام النبي وذاته من درجات حضرة أحدية الجمع، ولابد من الأعمال إلى وصول حضرات، الفرق والحضرات الباطنية، والتسبب إلى ذلك، وتسبب و مشاهد حضراته إلى جمالها إلا أن يجذبه إليها، فافهم، وانكشفت مرتبة كلّ قسم من المتعبدين إلى مثالهم، وانكشفت درجة المصطفى، فافهم ذلك، ولأجل ذلك أخبرت حالته عنه بلسان حالها على لسان الناظم أنّ مبدأ بدأته تجلّي حضرات الله، تجلّي حقائق الكائنات اللذان تسببا إلى فرقتي.
قال:
397 - هما معنا في باطن الجمع واحد وأربعة في ظاهرِ الفَرْقِ عُدَّتِ يقول: هما: أي رؤية الحضرات، ورؤية حقائق الكائنات، معنا: أي مع رؤيته، وإنَّما جمع بنون التعظيم، في باطن الجمع واحد؛ لأنه لا في الوجود إلا الحضرات كما يراها في
(1) في الأصل و [س]: [كاملون].
420 (1/420)
صفحة 421
غير الوجود، فلا يشاهد شيئاً إلا ويرى فيه صفات الله تعالى 801 و] لأنّها كذلك حقيقتها، وقوله: وأربعة في ظاهر الفرق عدّت أي الأولى وحضرات الظاهرية براية النفس، والثانية الحضرات الباطنية براية الروح، والثالثة حضرات الجمع وجمع الجمع براية النفس والروح معاً، والرابع حضرات أحدية الجمع، حضرات النبي، وكل هذه الأربع هي حضرة واحدة جامعة لها، وهي حضرة أحدية جمع الجمع فهي في هذه واحدة، وتفصيلها من غير هذه أربع، فافهم ذلك.
قال:
398 - وإني وإيَّاها لذاتٌ وَمَنْ وشى بها وَثَنى عنها صفات تبدَّتِ يقول: وإنّي وإياها: أي تلك الحضرة المتحدة فيها الحضرات الأربع (1) لذات واحدة هي ذاتي، فحقيقة ذاتي وكمالها بها، وبغيرها كمالها لا يعتبر به مع مقابلة كمالها في ذاتي التي كملت بها ذاتي فكان عالم العلم 1 (2) للروح، وشى بها الذي يريد التفرقة من الأربع الحضرات الأصولية التي ذكرناها، ومن ثنى عنها، أي اللاحي، وهي النفس التي هي ذاته إذ أرادت أن تلومه بمشاهدة ظاهر المظاهر فسافر بها إلى أن اخترقت الأكوان وتلاقى رؤيتها، ورؤية الرّوح فقد صرنا جميعاً ذاتاً واحدة، وصفات اتحدت
بكمال واحد الإلهي في حضرة أحدية الجمع، أو جمع الجمع في الابتداء، فافهم.
قال:
399 - فَذَا مظهر للروح هَادٍ لأُنْقِها شهوداً غدا في صيغة معنوية (3) يقول: فلا مظهر هادٍ للروح في أفقها: أي الروح العلمي الأعلى، وأفقها العالم النوري الأعظم، أي ليس بيني وبين عالم العلم مظهر يتجلّى فيه العلم كما يتجلى في الشهود من الموجدات؛ لأنّ ما فوقه شهود غير العلم، يقول: فلا مظهراً يظهر لروحي هنالك شهوداً غدا في صيغة معنوية أرى شهود العلم وحضرات الباري منها، بل ليس بيني وبين
الحضرات المتجلية في ذلك البرزخ شيء غيرها.
(1) وهي الحضرات التي وقف عندها حين شرح البيت السابق. (2) ما بين المعقوفين كلمة لم أتمكن من قراءتها.
(3) في الديوان: [صورة] بدل [صيغة].
421 (1/421)
صفحة 422
قال:
، وروح النبي
400 - وذا مُظْهِرُ للنَّفْسِ حَادٍ لِرِفْقِها وجوداً بدا في صورة عنصرية (1) يقول: وذا: أي الشهود مظهر للنفس حاد: أي سائق إلى أفقها: وأفقها رؤية المشهود بالشهود وجوداً أي الشهود بدا في صورة عنصرية: أي مصوراً من الطبيعة الكبرى الناسوتية حتى تخترق الشهود، وتلتقي برؤية الروح، وتتحد الرؤيتان (2) إلى حضرات أحدية الجمع، وهي نفس العلم، والروح الأولى روح القلم، وهما نفس، وروح، وهي النفس الأعظم [التي فهمت الكثرة، وميزت كلّ شيء وحده مما سيكون في علم الله إلى يوم القيامة، ولم تزل] إمدادها نازلاً إلى اللوح المحفوظ إلى الطبيعة العنصرية الكبرى إلى السموات إلى العناصر الوسطى إلى الأرض إلى المولدات إلى الإنسان، وهو آخر الدور، إلى رجوع كل شيء كما كان، إلا ما لحق النفوس من الأدناس. واعلم أنا لم نذكر العرش (4) [والكرسي لاختلاف الناس فيهما، فقيل: العرش هو العلم النوري الأول، وقيل: اللوح، وقيل: فلك أعلى الأفلاك كلّها] (5)، وكذلك الكرسي قيل كما قيل في العرش إلا قيل إنّه فلك تحت العرش، وقيل العرش في صورة إنسان، والكرسي منه الرأس (6)، وأما القلم فلا يصح إلا أن يكون على صورة النبي؛ لأنه مثاله الذي وجد عليه كما ذكرنا، فافهم.
قال:
(1) في الديوان: [عدا] بدل بدا] و [صيغة صورية] بدل [صورة عنصرية].
(2) في الأصل و [س]: [الرؤيتين].
(3) ما بين المعقوفين ساقط في س، والزيادة من الأصل.
وهو
(4) العرش: هو كما ذكر الشيخ ناصر، ويضاف إليه أنَّ العرش هو مستوى الأسماء المقيدة، وهو مظهر العظمة، ومكانة التجلي، وخصوصية الذات، ويسمى جسم الحضرة ومكانها، ولكنّه المكان المنزه من الجهات الست، فلك يحيط بجميع الأفلاك المعنوية، والصورية، وأسبغ القوم عليه صفات منها: عرش الحياة، وعرش رحماني، وعرش عظيم، وغيرها، ينظر موسوعة الحفني، ص 871، وموسوعة العجم، ص 633، وما بعدها، ومعجم أبي خزام، ص 127. (5) ما بين المعقوفين ساقط في س، والزيادة من الأصل. (6) الكرسي: هو كما ذكر الشيخ ناصر، ويضاف إليه أنّ الكرسي هو موضع الأمر والنهي، وتجلّى جملة الصفات الفعلية، فهو مظهر الاقتدار الإلهي، ومحلّ نفوذ الأمر والنهي والإيجاد والإعدام، ومنشأ التفصيل والإبهام، ومركز الضرّ والنفع، ينظر موسوعة الحفني، ص 924، ومعجم أبي خزام، ص 147.
422 (1/422)
صفحة 423
401 - وَمَنْ عَرَف الأشكال مثلي لم يَشَبْ ه شك هدى في رفع إشكال شُبهة
يقول: ومن كان مثلي في رفع إشكال كلّ شبهة مشكل، أي عسر فهمه لها، وعرف حقائق الأشكال: أي المثالات الحق اليقيني هيئة وصورة، لم يَشُبه: أي لم يخالط نور عقله، شرك هدى أي خيالات باطلة تتراءى له كأنها مثالات [80] حتى كما يتصور لغير الأنبياء [على العين الغريزية والعين المدبرة ذلك وهو الوهم، وقوله: ومَنْ كان مثلي أشرك معه الرسل] (1) والأنبياء، والملائكة؛ لأن هؤلاء الذين لا يخالط عقولهم الوهم أصلاً، وفي ذلك إشارة إلى أنّ الحق مع من هو متمسك بدينهم وشريعتهم إذا افترقت أمة
كل نبي، فافهم.
قال:
402 - فذاتي باللذات خَصَّت عوالمي بمجموعها إمدادَ جَمع وَعَمَّتِ يقول: فذاتي: أي روحي، ونفسي باللذات: أي بلذة المشاهدة للحضرات أحدية الجمع، خصت عوالمي: أي كلّ جزء من أجزائي، وكل قوة من قواي بإمداد كلّ جزء، وكلّ قوّة بمشاهدة جميع حضرات الجمع، وعمّت كذلك أعضائي، وهي عوالمي، فافهم
ذلك.
قال:
403 – فَجادَتْ ولا استعدادَ كَسْبِ بِفَيْضِها وَقَبْل التهتي للقبول استعدت يقول: فجادت لي بتجلّيها عليّ، ولا استعداد: أي من غير استعداد، كسب: أي اجتهاد منّي بفيضها على ذلك الاجتهاد، وقيل: التهييء مني للقبول بالجلاء استعدّت هي، وأراد أنها هي هيأتني للقبول، والاستعداد، ثم هي تجلت عليَّ فيما هيأته مني لقبولها لتجليها
قال:
404 - فبالنفس أشباح الوجودِ تنعمت وبالروح أرواح الشهودِ تَهنَّتِ يقول: فبالنفس العلمية، وهي النفس الأعظم نفس النبي، أي فيها أشباح الوجود بدليل قوله تعالى: اكتب ما سيكون إلى يوم القيامة فجميع الوجود من فيض هذه النفس (1) ما بين المعقوفين ساقط في س، والزيادة من الأصل.
423 (1/423)
صفحة 424
الكبرى العلمية تنعمت بمشاهدة الكمال الإلهي يشاهد بها تجلّي صفات الله عليها، وبالروح الأعظم العلميّة هي روحه، ليس بينه وبين النور الأعظم العلمي الأول مظهر إلا هو، وبه جميع الأرواح التي نظر بمظاهرها تهنّت بالنظر إلى تجلّي صفات الله تعالى عليه من غير حجاب، وأي شيء أعظم لذةً من ذلك؟ فإن قيل: وما الدليل على أنَّ روح القلم هي التي عقله، وعلى أنَّ نفسه، وعلى أنَّ ذاته هي عقل النبي صلى الله عليه وسلم ونفسه ذاته؟ فنقول: الدليل أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم أفضل ما خلق الله تعالى، ولا يكون أعظم إلا أن يكون أكمل من كلّ شيء، والقلم لما أمره أن يكتب دلّ على أنه عقل العلم وكتب ما علّمه، وعقله فلو لم يكن النبي كله منه لكان هو أكمل منه في هذا، فإن قلت: يدلّ على أنَّ العلم هو النبي النبي. فنقول لك: كذلك القلم إذا ثبت ذلك ثبت أنّه القلم لا غير، ومثال عقل النبي وإمداده بعقل القلم مثل كوّة البيت وإيصالها بالهواء، ومثال علم القلم وعلم النبي مثل تجلي ضوء النهار، والشمس من هواء ذلك الكوّ، فعقله، وعلمه متصل بعقل اللوح، وعلمه، وهما شيء واحد، كما أنَّ هواء الكوّة، والهواء شيء واحد، ونور الحق ونور هواء الكوّ شيء واحد، كذلك هما، فافهم.
قال:
405 - فحال شهودي بَيْنَ سَاعِ لأُنْقِه ولاح مراع رفقه بالنصيحة يقول: فصار حال شهودي بين ساع لأفقه، وهو العقل الأعلى، وأفقه عالم النور الأعظم العلمي، وبين لاح يجرُّه إلى رؤية ما سفل منه، وهي النفس الأعظم ناظرة إلى الوجود، وما فيه من العباد، مراع لرفقة منهم النصيحة بأداء الطاعة لله بالإخلاص له بدينه، ولرفقه: أي أولياء الله تعالى بإعداد النصيحة من نور نفسي.
قال:
(1)
406 - شهيد لحالي بالسماع لجاذبي قَضاءُ مَقرّي أو ممر قضيتي يقول: شهيد لحالي: أي لصحة حالي بالسماع لجاذبي: أي لجاذبة الروح إلى فضاء مقري، وهو نظرة إلى النور الأعلى الأعظم الذي [81 و] هو حقيقة نور تجلي صفات الله
(1) في الديوان: [بحالي] بدل [لحالي].
424 (1/424)
صفحة 425
تعالى، ولجاذبة النفس الكلية ممرّ، قضيتي، أي لممر تكميلي باختراق الشهود إلى مشاهدة المشهود بالصفات، وكفى بالسماع دليلاً على ذلك، ومراده وكفى بسماع الذكر الحكيم
وكتب الله، فلو كان الداعي غيري، والمذكور غيري لكان ذلك هو الأفضل.
قال:
6
7 40 - وَيُثْبِتُ نَفْي الالتباس تطابق الـ مثالين بالخمس الحواس المبينة يقول: ويثبت نفي الالتباس عما قلته لإظهار صحته أني كنتُ ناظراً حاضراً إلى رؤيتي إلى أفقي الأعلى تجلي صفات الله، وتجلي نظري إلى حقائق الوجود كلّه في حال واحد، تطابق المثالين بالحواس الخمس وهي البصر والسمع، والذوق، والشم، واللمس، فإذا عرفت صورة الشيء بالبصر، ورأيته بعين عقلك فأنت تراه بالعين، وترى مثاله بعين العقل، وترى مثاله في مكانين بعين العقل إن كنت رأيته فيهما، إذا كان المكانان متقاربين (1) فالمثال الذي تراه بعين العقل هو من تجلّي مثاله في اللوح المحفوظ الذي هو عالم المثال؛ فلما صح اجتماع رؤيتين في شيء واحد، أمَّا خياله في موضعين، وأما هو وخياله، وكذلك رؤية المرء وظله يراهما في حال واحد، كذلك رؤية روحي لعالم العلم، ورؤية لعالم العلم من جهة الشهود، وكفى بذلك حجّة على صحة إمكان ذلك، فافهم ذلك.
قال:
408 - وَبَيْنَ يَدَيْ مرماي دونك سر ما تلقته منها النَّفْسُ سراً فألقت يقول: وبين يدي مرمامي: أي وبين يدي مقصدي وَمَدْعاي، دونك: أي إليك بيان سرّ ما تلقته النفس منها، أي من الرّوح فألقته سراً من الحضور والمشاهدة وصدق المحبة، وعلاماتها صحة المكاشفة، وهو ما أبديه لك في هذه الأبيات.
بيان في آداب سماع الذكر الحكيم، وفي السماع
(1) في الأصل و [س]: [متقاربان].
425 (1/425)
صفحة 426
إعلم أنَّا قد ذكرنا أولاً أنَّ للذات الحجرية أربع قوى، وهي السمع والبصر، والقدرة، والنطق، وهي التي بنى الناظم عليها منظومته، فقوتان منهما يخرجان منها إلى المظاهر، وهي القدرة والنطق، وقوتان يجلبان إليها علم ما بان عنها، وهما السمع والبصر، وقوة البصر أدلّ على رؤية الحضرات الفعلية المطلقة لإمكان رؤية الكثير منها في لمحة واحدة بخلاف السماع، فلذلك كان الابتداء بها أولى في الحضرات الظاهرية، ثم بدأ في السماع وبدأ بالذكر الحكيم كلام الله تعالى، قال هو ما تراه في هذه الأبيات.
قال:
9 40 – إذا لاح معنى الحسن في أي صورة وناح مُعنَّى الحُزْنِ في آي سورة يقول:
إذا لاح: أي ظهر، معنى الحسن: أي معنى الجمال الإلهي بشيء من الحضرات، في أيّ صورة: أي في أي شيء، وناح بالنون - معنى الحزن والمعنى أصله العاشق، ولكن أردنا هنا بعضاً من معناه أي المشتاق الكئيب الحزين في أي سورة من سور القرآن العظيم، وأراد بناح، أي إذا تلا الحزين المحبّ المشتاق شيئاً من سور القرآن العظيم بصوت مذكر خاشع فإن هذا القوي الحب في الله المكاشف بحضراته لا يلتفت إلى صوت القارئ، بل كلام الله تعالى يراه كأنه هو يخاطبه بذلك تهديداً في موضع التهديد، ولطفاً في موضع اللطف، فإذا كان قوي المحبة والمشاهدة والحضور إلى عظمة الله فإنَّه يُخاف عليه الصعق، ومن صعق فغير منكور عليه إمكانه قال الله تعالى {تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِن الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ (1) فإذا لم تفض عينك دمعاً فكيف تنكر المحبة ومكاشفة الله
تعالى؟ قال [81 ظ]
410 - يشاهدها فكري بِطَرْفِ تخيلي ويسمعها فكري بمسمع فطنتي يقول: يشاهدها أي الحضرات بسبب سماعي لتلك التلاوة من كتاب الله تعالى بطرف: أي بعين تخيلي، أي مخيّلاً أنّي أسمع كلام الله من الله، وهو الحقيقة كذلك من
(1) المائدة، الآية 83.
426 (1/426)
صفحة 427
في
الله، لا لأنّي أُخيّل الصوت أنه من الله تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً، ولكنّي أسمعه منه وأنا في حضرته، وحضرة، عظمته، وهيبته هيبة مكاشفة تصعق منها النفوس، وترتعد منها الفرائص، وتقشعر منها الجلود، وتهتزُّ منها الأعضاء، ويتلجلج معها اللسان، فإن لم تجد ذاتك كذلك فلست من الكاشفين، والدليل أنك لو دعاك ملك ولم تعرف ما عنده لك من خير أو شرّ، وأُحضرت بين يديه، وكان ذا هيبة عظيمة لوجدت ذلك في نفسك، وأنت مع الله في حضرته دائماً، ولكن غير مكاشف بجلاله، وجماله، وكماله، وهيبته، وعظمته، وهذا صحة الدعوى، وبيانها بل مثالك مثال الملك البعيد عنه المعتقد طاعته، كذلك قلبك محتجب عن الله وعن مكاشفتك إليه، ومكاشفته لك لاحتجابك عنده لاحتجابه هو عنك، فإنَّه غير محتجب عن كون أبداً، ولكن العقول تعجز عن أكثر مما يكاشفها به من أهل المكاشفة، فافهم ذلك.
قال:
مکاشفته
(1)
11 4 - وَيَحضُرُها للنَّفْسِ وهمي تصوّراً فيحسبُها للحس وهي نديمتي يقول: ويحضرها: أي تلك التلاوة للنفس، ولم يقل للروح، لأنّ حاسية السمع وجميع
الحواس هي آلات نظر النفس للمحسوسات، لا نظر الرّوح في اصطلاحهم، وقوله: وهمي: أي تخيّل تصور أنّ الله يخاطبني في حين سماعي لكلامه العظيم في حضرة عظمته وهيبته، فيحسبها: أي وهمي وتصوري لوصولها للحسّ، أي إلى حاشية عين نفسي أنَّ الله هو المخاطب لي بذلك، وهي نديمتي: أي حاسيّة نفسي أو التلاوة، أي وإن كنت أكاد أن أصعق فإنّي من حبّي لسماعه هي نديمتي، أي هي غاية لذة سماعي للكلام الذي لا يلذ لي سواه، ولا يذهب بنومي سماع غيره من الكلام.
قال:
(2)
412 – فأعجب من سكري بغير مدامة وأطرب في سرّي ومني طريبتي يقول: فأعجب من سكري بغير بداية لشراب شيء مسكر تبدأ بشرابه أولاً، ثم أسكر به، بل شرابي في ذاتي وسكري، وكأسي، وخمرتي، وكرمتها، وإنباتها، وثمرتها، وعصيرها،
(1) في الديوان: [في الحسّ] بدل [للحسّ]، و [فهمي] بدل [وهمي].
(2) في الديوان: [طربتي] بدل [طريبتي].
427 (1/427)
صفحة 428
ودنها، وعاصرها، كلّ ذلك يكون في حال واحد في ذاتي، ومن ذاتي، ولذاتي، وأطرب: أي وأغرّد بالكلام المذكر المشوق، في سري: أي في ذاتي، وهي عيون حجري، ومن ذاتي طريبتي: أي تغريدي وكلام التغريد كما يغرّد البلبل فرحاً بنعم الله تسبيحاً لله جلّ وعلا، وكل هذه استعارات لكثرة المحبة وهذيان الذات بها هو طربها، أو كلامها لا بالحروف ولا بالصوت، ولكن بقوة الطلب والجد في السلوك، فافهم.
قال:
(1)
413 – فيرقص قلبي وارتعاش مفاصلي ويصفق كالشادي وروحي قينتي يقول: فيرقص قلبي أراد فيهتز من قوة الحبّ، وترتعش مفاصلي خشية من الله تعالى، ويصفق والتصفيق ضرب الكفّ بالكف، ويضطرب كالشادي، وهو المعنى بإنشاد أشعار المحبة وروحي قينتي مغنية لي، فهذه، استعارات والمطلوب أنَّ جميع أنواع الحبّ، وما يتولد م معه، وبه، وفيه من شرب أقداح خمر، وغناء، وطرب، ورقص، كله ذلك كان في ومني وبي، ولكن لا على ما هو مع أهل الهوى والعشق؛ لأنه قال: ويرقص قلبي، ما قال: وترقص رجلاه، ويصفق قلبه لا يداه، وروحه مغنية له لا لسانه، فدلّ على أنّ كلّ ذلك معنوي
لا صوري، فافهم. [82 و] قال:
414 - وما بَرِحَتْ نفسي تقوَّتُ بالمنى وتنحو القوى بالضَّعف حتّى تَقَوَّت (2)
يقول: وما برحت [نفسي]: أي لم تزل نفسي، تقوَّت: أي [تتقوى] (4)، بالمني: أي برجاء الترقي إلى الزيادة، واستعار اسم القوت وفعله؛ لأنّه غذاء به يحصل النمو، وحذف التاء من تتقوت هو مثل حذفها في قوله تعالى نَزَّلُ الْمَلَيكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا} (5) أي تتنزَّل. {وقوله: وتنحو القوى بالضعف، أي والقوى يضعفها، أي مع حالة ضعفها تنحو، أي تقصد
(1) في الديوان: [يصفّق] بدل [ويصفق].
(2) في الديوان: [وتمحو] بدل [وتنحو].
(3) ما بين المعقوفين ساقط في الأصل، والزيادة من س. (4) ما بين المعقوفين ساقط في س، والزيادة من الأصل. (5) القدر، الآية 4.
428 (1/428)
صفحة 429
درجات الترقي حتى تقوّت، أي صارت قوية على ذلك، [فافهم] (1).
قال:
415 – هناك وجدتُ الكائنات تحالفت على أنها والعون مني معينتي يقول: هناك أي في الحضرة التي هي أحدية الجمع، وهي حضرة النور الأول الأعظم الذي ذكرناه، وقوله: هناك أي فيها جميع الكائنات تحالفت، أي تحالفت عليها وإليها، أي رجعت حقائق حضراتها كلّها هنالك على أنها تكون بمحالفتها، أي رجوعها فيها كلّها هي معينة لي على رؤيتها جملة واحدة، وتفصيلاً، وسبب العون على ذلك كان مني، أي من ذاتي، والمعنى من صفاء ذاتي، وحبها إلى حضرات أحديّة الجمع، وسلوكها إليها، وقوة حضورها فيها، وشهودها إليها فرأتها، أي الكائنات كلها جملة، ومفصلة ذرة ذرة، وفي جملتها، وفي كل ذرة من ذراتها، أي حضرة أحدية الجمع مجملاً، وتفصيلاً أيضاً،
فافهم.
قال:
416 – ليجمع جمعي كُلُّ جارحة بها ويجمع شملي كلّ مَنْبتِ شعرة (2) يقول: وإنما أشهدني الله تعالى كل الكائنات في حضرة جمعي مجملة ومفصلة، ليجمع جمعي: أي ليجمع كل جارحة منّي حضرة أحدية جمعي بها، ويجمع شملي كلّ
منبت شعرة: وأراد يشاهدها مني كلّ جزء من أجزائي، وكلّ قوة من قواي.
قال:
417 - ويخلع فيما بيننا لُبْسَ بَيننا على أنني لم أُلْفِه غَيْرَ أُلْفَتِي يقول: وإنما كان هذا التخالف كلّه إلى جمع هذه الحضرة الكلية ليجمع جمع رؤيتي إليها جملة واحدة، وتخلع فيها أي في هذه الحضرة بيننا: أي بيني وإياها، بيننا: أي فرقتنا، أي لنزول التفرقة، على أنني لم ألفه أي ذلك البين أي الفرقة، غير ألفة: أي غير اجتماع، والمراد أنّ هذا الأمر كله إنّما كان ليجتمع نظري إلى جميع الحضرات، وتنتفي
(1) ما بين المعقوفين ساقط في الأصل، والزيادة من س.
(2) في الديوان: [شملي] بدل [جمعي] و [ويشمل جمعي] بدل [ويجمع شملي].
429 (1/429)
صفحة 430
عني
التفرقة على التي لم أَلْفَ، أي لم أجد التفرقة أصلاً كما هي في مراتب غيري، بل لم
ألف إلا الجمع. بيان في السير:
قال:
418 – تنبه بنقل الحس للنفس راغباً عن الدرس ما أبدت بوحي البديهة (1) يقول: لما قال في سلوك الروح ما تلقته منها قال في سير النفس: تنبه بنقل الحس، أي إدراك حقائق المحسوسات، للنفس: أي إلى النّفس ما أبدت إليك الحضرة الإلهية بوحي البديهة: أي الإلهام ممّا يقربك إليها بالأصول الصحيحة التي هي تحبّها منك، وكن راغباً عن الدرس والاكتساب بالحواس فيما يحجبك عنها مكتفياً بما هي أبدت إليك من علم وأعمال ودواع (2)، وبما أبدت إليك بلسان الحال، وجميع ذرّات الوجود هي دواع (3) تدعوك إليها، وليس شيء في الكون من أمثال وأشخاص، وصفات، وهيئات، وعلوم، وأعمال، وهيئات إلا وهو يدعوك إليها، وإلى ترك سواها، وإلى فنائك عن كل شيء بما أوجبت عليك، أو أحبته منك حتى المعاصي نفسها تدعوك إلى تركها، كلّ ذلك بلسان الحال، ومن يدعوك بلسان المقال فهو يدعوك بلسان مقاله وحاله يدعوك بلسان حاله، وإذا نقلت ذلك إلى نفسك، وخرقت بها الوجود فإنَّها تلتقي رؤيتها ورؤية [82 ظ] الروح من عالم الغيب الذي يتجلى على الروح من غير واسطة شهود.
قال:
419 – لروحي يُهْدِي ذكرَها الرَّوْحُ كلَّما سَرَت سَحَراً منها شَمالٌ وَهَبْتِ يقول: لروحي: أي إلى روحي، وهي العقل يهدي ذكرها، الروح بفتح الراء و تشديدها أي لطف روحها، كلّما سرت ريح شمال روح لطفها، وهبت به إليّ، والمراد أنه كلما هبت ريح روح لطفها عليّ سحراً وأهدته إلى روحي فقد أهدت إليّ ذكرها فيصعد الروح إلى المشاهدة في عالم أفقه، واستعار لما تهديه إليه بريح الشمال؛ لأنها كذلك
(1) في الديوان: [لنقل] بدل [بنقل]. (2) و (3) في الأصل و [س]: [دواعي].
430 (1/430)
صفحة 431
تذکره متى هبت بما تهب إليه هي] (1) من لطفها إليه بمناسبة إشارة منه إلى استعارة ريح الصبا للروح والشمال للنفس كاستعارة اليمين للرّوح والشمال للنفس، وليس المراد هنا استعارة ذمّ لها كأصحاب اليمين، وأصحاب الشمال، بل استعارة تفضيل، وتكميل المرء أحدهما بالأخرى، فافهم.
قال:
420 – ويلتذ إن هاجَتْه سمعي بالضحى على وَرَقِ وُرْقٌ شَدَتْ وَتَغَنَّتِ يقول: ويلتذ إن هاجته: أي هيجته، لا يستعمل ثلاثياً متعدّياً، وإنما استعمله لضرورة الشعر. سمعي: أي إن هيجت سمعي بوقت الضحى على ورق - بالكسر – أي على غصن مورق، وإنما اكتفى بذكر الورق من طريق ذكر إطلاق الملزوم إلى اللازم. ورق: أي حمامة، شدت أي صوتت بصوتها الذي يشبه المنشدة الأشعار على هيمانها في حبّه وغنت به، أي الحمامة بذلك الإنشاد ذكّرني سماع كلام الحضرة المحبوبية ومخاطبتها إليّ، وهذا حال السالكين فهو الآن يدلّ على السلوك وصفته أن يكونوا كذلك، لا على
نفسه.
قال:
421 - وَيَنْعَمُ طَرْفِي إِن رَوَتِه عَشِيَةً لإنسانه عنها بروقٌ وأهدت
يقول: وينعم طرفي أي نظر بصري، إن روته أي روت ذكرها الحضرة الإلهية عشية وقت غروب الشمس لإنسان أي إنسان طرفه الذي هو بصر عينه، وأراد بذلك إنسان طرف عينه بنفسه إذا روت عن الحضرة الإلهية ذكرها بروق لمعت وقت العشيّة؛ لأنها تكون أشدَّ لمعاناً من لمعانها في وسط النهار، وقوله: وأهدت: أي وذكرتني بذلك تذكاراً لمعاني تجلّي الحضرة عليّ؛ لأنه صار لا يرى شيئاً إلا ويرى في حينه ما يناسبه من الحضرة الإلهية.
قال:
(1) ما بين المعقوفين ساقط في س، والزيادة من الأصل.
431 (1/431)
صفحة 432
422 - ويمنحه ذوقي ولمسي أكؤس الـ شراب إذا ليلا علي أدرت (1) يقول: وفيه تقديم وتأخير، وتقديره: ولمسي لكؤوس الشراب مع حضور عقلي، تمنحه: أي تمنح العقل الحضرة الإلهية بحاسّته لمسي للكؤوس تذكار كؤوس شرابها، وكذلك تمنح عقلي شراب خمر محبتها بحاشية ذوقي للشراب، إذا ليلاً عليَّ أدَّرت: أي أدرت بالشراب منها، وفي نسخة (2): أديرت، أي أديرت في المجلس، ولم يرد الكأس كأس الخمر، ولا الشراب شراب الخمر، وإنَّما أراد بهما الاستعارة لكلّ شراب يشربه من الحلال بإناء، ذكره الإناء كأس الحضرة، وبما فيه من الشراب بخمرة حبّها، وبالشرب بما فيها بالشرب من خمرة المحبّة؛ لأنَّه أراد أنّه كلّما شرب ماء من إناء ذكره ذلك.
قال:
ويوحيه قلبي للجوانح باطناً بظاهر ما رُسُلُ الجوارح أدتِ
يقول: يوحيه قلبي الجامع بين روحي ونفسي، للجوانح باطناً: استعار هنا اسم الجوانح الباطنة إلى الفهم والإدراك، والحضور والمشاهدة ما رسل الجوارح وهي الحواس الخمس التي ذكرها أدّت من المعرفة بإدراكها الظاهر من العلوم المحسوسات إلى قلبي، وقلبي يوحيه إلى الفهم والإدراك، والمشاهدة إلى الحضرة الإلهية.
قال:
(3)
424 - ويُحضرني للجمع من باسمها شدا فأشهدها عند السماع بجملتي يقول: [83 و] ويحضرني للجمع أي إلى حضرة أحدية الجمع في القلب الجامع بين النفس والروح بذكر مَنْ شدا، بالشين المعجمة والدال المهملة- أي أنشد شعراً باسمها، فأشهدها: أي الحضرة الجمعية الأحدية، عند السماع بجملتي: أي أشهدها بكلّ جزء من
أجزائي وقواي.
قال:
(1) في الديوان: [أديرت] بدل [أدرت]، وسيذكر الشيخ ناصر هذه الرواية. (2) هذه إشارة أخرى إلى توافر النسخ بين يدي الشيخ ينتقي منها ما يشاء.
(3) في الديوان: [في الجمع] بدل [للجمع).
432 (1/432)
صفحة 433
6
425 - فتنحو سماء النفخ روحي ومظهري الـ مسوى بها يحنو لأتراب تُربتي يقول: فتنحو أي فيقصد حين أسمع ذكر اسمها في الإنشاد روحي إلى سماء النفخ، أي نفخ الروح، وهو علم الغيب وعالم العلم المتجلّي به الله أولاً في غير الموجدات، وهو الذي من نوره وجد نوره فتجلّى الله تعالى بالصفات أولاً ما تجلى بالعلم به على ذلك النور، وذلك العلم هو الظاهر (1) في المظاهر الشخصية، وذلك العلم الأول هو هذا العلم الذي إليه عين جهة الرّوح، وهو عالم القلم، وعالم قلمها، وعالم الغيب المتجلي به الله تعالى ومظهري السمعي، أراد مظهر سمع عيني نفسه الناظرة إلى المحسوسات، وجهتها إلى جهة المحسوسات. يحنو والحنين من الإبل إذا اشتاقت إلى إلفها وموطنها، وذكرها الحادي حنّت بأصواتها، وأسرعت في سيرها إلى أوطانها، كذلك يقول حاسة سمع نفسي تحسّ لأتراب، تربتي أي إلى تركيب صورتي، وأراد بذلك إلى اختراق حقيقة صورتي، وصور الكائنات كلها بالنظر إليها، وإلى تجلي العلم الغيبي فيها حتى يلتقي برؤية الرّوح، وهو عالم العلم، وهو وطنها، ومنه افترقا النفس، والروح فلم تزل تحنّ حتى وصلت. واكتفى بذكر الجزء بقوله: لأتراب تربتي، عن ذكر الكائنات كلها، وبذكر السمع عن النظر، والمراد بذلك كله وهو عند أهل المنطق من ذكر الجزء بإرادة الكلّ، وقد جاء استعماله كثيراً في الذكر الحكيم، وعرفت الرّوح أنّ نظرها إلى عالم الغيب لقوله تعالى: {وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي أي من عالم غيبي الذي تجلت به عليها، وقوله جل ذكره: الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبّي، أي أمر ربّاني لا يدعو إلا إلى الله تعالى، فهو بمنزلة نبي معصوم من الخطأ، ولا يتخيل له الوهم؛ لأنّ الوهم يتخيل من عالم المثال والخيال، وإليه جهة نظر النفس، وأما جهة نظر الرّوح فإلى جهة عالم الغيب لا إلى المحسوسات ولا إلى المثالات والخيالات، فافهم.
قال:
426 - فَمِنْيَ مَجذوبٌ إليها وجَادَبٌ إليَّ وَنَزْعُ النَّزْعِ فِي كُلِّ جَذْبةِ يقول: فمنّي: أي فبعض مني، وهي روحي ونفسي، مجذوب إليها: أي الحضرة المحبوبية، وبعض منّي جاذب إليّ: أي روحي ونفسي، كلّ منها جاذب لكل ذرة من
(1) في س: [الظاهري] بدل [الظاهر].
433 (1/433)
صفحة 434
أجزائي لقوة محبتهما، كذلك إلى الحضرة، وفي كلّ جذبة من الحضرة لروحي ونفسي، وفي كلّ جذبة من روحي ونفسي لذرات أجزائي مثل نزع النزع، أي مثل نزع الروح للموت من الجسد، فالحضرة تجذب الروح والنفس والنفس والروح يجذبان إليهما أجزاء ذرات بقوّة محبَّتهما للحضرة لا لمحبتها إليهما، فافهم ذلك.
قال:
427 - وما ذاك إلا أن نفسي تذكرتُ حقيقتها من نفسها حين أَوْحَتِ يقول: وما كان سبب ذلك التجاذب من الحضرة الإلهية لروحي ونفسي، وتجاذب روحي ونفسي لأجزاء تركيبي شوقاً، إلا أنّ نفسي تذكرت، وأراد بالذكر هنا ذكر العقل، أي شاهدت حقيقتها من نفسها أي من ذاتها حين أوحت لها الحضرة بتجليها عليها، ومعرفة حقيقة النفس أنّ جميع ما كوّنه الله تعالى من أرض وما فيها، وسموات وما فيهن وما بينهن، ومن لوح وقلم، وما تجلى الله به من العلم به، كل ذلك لأجلها، وليتسع علمها فيها، وتشاهد الله بصفاته، وتخترق [83] عالم الملك، وعالم الملكوت، وهو عالم الأرواح والمثال والمعاني، وعالم الجبروت، وهو عالم العلم الإلهي الغيبي المتجلي به الله تعالى، ويرى الكل علماً متحداً إلهياً توحيدياً، فلما تذكرت، أي حققت شهود ذلك
وقع التجاذب.
قال:
428 – فحنت لتجريد الخطاب ببرزخ الـ تراب، وكل آخذ بأزمتي
يقول: فحنّت لمشاهدة حقائق الخطاب الإلهي الذكر الحكيم، القرآن العظيم الكاشفة حقائقه الحضرات الإلهية، وقوله: ببرزخ التراب أي كلام الله المثلي بعالم الأرض، وهو القرآن العظيم، وكتب الله تعالى كلها وكلَّ أنّ كلام الله، وكل حضرة من حضراته،
434 (1/434)
صفحة 435
آخذ بأزمتي: أي قائد بحبل زمامي بقوة المحبّة له إليه شوقاً وشهوداً، فهي آخذة لروحه ونفسه، وروحه آخذة لكلّ جزء من أجزائه، يريد أن يصحبها معها شوقاً إلى الحضرات، وإلى حضرات حقائق الذكر الحكيم العظيم، وإذا شئت أن تعرف أحوال المكاشفين لحضرات الله تعالى، وحضرات خطابه بكلامه العظيم، وتصحح أحوالهم، فانظر إلى ما يبديه إليك من الأمثال، والقياسات، والحج في الطفل (1) يُري كلّ شيء يبديه لك آية من آيات الله تعالى يجريها على لسانه فتعرف أنه يغترف من بحر إلهي، ومدد ربّاني جلّ الله، يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَاءُ وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَرُ إِلَّا أُوْلُوا
الألباب (2)
قال:
429 - وينبيك عن حال الوليد إذا نشا بليداً بإلهام كوحي وفطنة (3) يقول: وإذا شئت أن تعرف صحة قولي إنَّ تكرار التذكّر لأفعال الله تعالى من لطف وإحسان، وكرامة، وإلى أفعاله وصفاته، مع تطهير النفس من كلَّ رَيَن أنه لابد أن يترقى إلى مقامات علية شريفة ينتهي بها إلى أن يتذكر بذلك كلَّ ما شاهده، وينسيه عن كل ما سوى ذلك ينبيك عن شأني هذا الذي قلته لك، الوليد: أي الولد الصغير إذا كان بعده منذ خلق لم تمض (4) له إلا أياماً قليلة قد نشأ فيها بليداً لصغره فيفهم ويعرف بإلهام هما كوحي، أي مثل الوحي الذي يوحى به على أهل العلم على قدر ذكاء عقولهم، فتراه يعرف ما يحتاج إليه، ويعرف أبويه، ومن يحسن فيه، وإذا ربط برباط حنّ وبكى، وإن كُلّم صغى وسكت كالعاقل المستمع، وينسى ما كان فذكر به، كلّ ذلك دليل على صحة السلوك إلى الله
تعالى. قال:
وس
(1) قد يبدو (الحج في الطفل) مقحماً في هذا الموضع، واستضأنا بما سيأتي وهو حديث ابن الفارض والشيخ ناصر معاً عن (الوليد) الذي يأتيه الإلهام، وقبل هذا وبعده تحولاته المختلفة، فكأنَّ هذا مثل ذاك، فالطفل يرى في الحج ما لا
يراه غيره بفضل الله ونعمائه.
(2) البقرة، الآية 269.
(3) في الديوان: [شأني] بدل [حال] و [وإن] بدل [إذا].
(4) في الأصل، و [س]: [تمضي].
435 (1/435)
صفحة 436
430 - إذا أَنَّ مِن شدّ القماط وحنَّ في نشاط إلى تفريج إفراط كُرْبةِ 431 - يُناغَى فَيُلغى كُلِّ كَلٌّ أَصابَه ويصغي لمن ناغاه كالمتنصت
432 - ويُنسيه مُرَّ الخطبِ حُلْو خطابه ويُذكره نجوى عهود قديمة 433 - وَيُعْرِبُ عن حالِ السَّماعِ بحاله فَيُثْبِتُ للرقص انتفاء النقيصة يقول: إذا أنَّ وبكى الرضيع في مهده من شدّ القماط، وهو ما يربط به من الثياب في مهده، وحَنّ وهو في نشاط أي صحة وقوة، وطلب منه إلى تفريج إفراط كربة من ذلك الرباط، أو مبتغياً أمه يناغي، أي يخاطب بنغاه الذي لا يفهم، لمن ناغاه: أي لمن كلّمه وخاطبه، فيلغى: أي يترك كل ما به: أي جميع ما أتعبه وأعياه تعبه فيه تحمله فكل عن الصبر عليه، ويصغي لمن ناغاه كالمتنصت العاقل الفطن العارف الفاضل، وينسيه مرّ الخطب أي مرارة، الخطب أي البلاء والتعب الذي تعبه وآلمه من رباط وجوع، يريد الغذاء بالرضاع، حلو خطاب المناغي له أي حلاوة ذلك في قلبه، أو ينسي حلاوة نغي الطفل في قلب المناغي له الذي ناغاه مُرَّ المصائب فيغفل عنها بسماعه لنغاه وترنّمه به، ويذكره نجوى [84 و] أي محل عهود قديمة إذا كان قد ولد أولاداً، وماتوا عليه، وقد ناغاهم كذلك، وحينئذ يعرب: أي يكشف عن حال السماع أنَّه يذكر أموراً قد نسيها، ونسي أموراً هو فيها فيعرف ذلك من معرفته بحاله، وحينئذ من كان من أهل المحبة لله قوياً فيها يثبت منه انتفاء النقيصة منه، أي يثبت زوال النقص عنه، أي نقص عقله بشهود الحق فيما قلناه؛ لأنّ نفيه إمكان ذلك، ومن نقصان العقل لقلّة وصوله إلى هذه الدرجات، وإذا اتضح له هذا القياس، صح معه الإمكان للرقص، أي إلى الطرب والاهتزاز بقوة الحبّ للحضرات وللمشاهدات إليها، فافهم ذلك.
قال:
الأولية
434 - إذا هام شَوْقاً بالمناغي وهم أن يطير إلى أوطانه 435 - يُسكّن بالتحريك وهو بمهده إذا ماله أيدي مربيه هزّتِ يقول: إذا هام شوقاً بالمناغي، أي بالطفل، وبما تذكّر به إلى تصفية روحه، وتزكية نفسه، وتلطيف حواسه، وانقياد أعضائه، وتقدّس فكره، وإخلاص أعماله إلى الله تعالى،
436 (1/436)
صفحة 437
والتقرب إليه بما يحبّه منه، وتصدق المحبّة، وهم أن يطير إلى أوطانه، أي أوطان روحه ونفسه، ومساكنه الأولية التي هي ظاهرة في عالم المثال، ثم في عالم القلم، ثم في عالم العلم بالمشاهدة لله بالصفات وسكن اضطراب شكه في صحة السلوك، وأنه ينسيه عن كل سوى المحبوب بما رآه في الطفل أنه يسكن بالتحريك وهو بمهده، والمهد الذي يضجع فيه معلّقاً ليحرك به كما قال: إذا ماله أي حرّكه مرتيه: أي التي تربّيه، وهزّت المهد عليه سكن عن الأنين والاضطراب والرقص، كذلك تعلم هذا أنَّ الحركة هي التي تسكنه أوطانه؛ لأنَّ حقيقة المحب أن يتذكّر بكلّ شيء كلَّ ما يناسبه أن يذكر به محبوبه، ثم يتحرك بالشعي، وإلا فلا ينفع تذكار لا سعي معه.
واعلم أنه تارة يخبرك السالك عن نفسه ترغيباً إليك، وإن كنت لا تبلغ منزلته، فإنَّ المرء يأخذ من العبادة قدر قوته، وتارة يخبرك عن حالة السلوك، وما ينبغي فيه، وما يوقظه إليه، ويرغبه فيه، ويحكي لك بذلك عن نفسه، وهو في مرتبة أعلى، كل ذلك تطمعياً لك وهداية، وخضوعاً للطالب، وانحناء ليتناوله فيرفعه، ولما فرغ من الدلالة والدليل رجع إلى ذكر حاله في السماع، فافهم.
قال:
436 - وَجَدْتُ بوجدٍ آخذي عند ذكرها بتحبير تال أو بألحان صبتِ 437 - كما يجد المكروب في نَزْعِ نفسه إذا ما له رُسُلُ المنايا توفَّتِ يقول: وجدت بوجد أي هويت بهوى آخذي أي جاذبي إليها، أي الحضرة عند ذكرها، بتحبير تال: أي بتحسين صوت للقرآن العظيم، أو الشيء مما يقرب إليها، أو تذكرني بها فيرتفع الصوت تارة وينخفض أخرى، أو بألحان صيّت من تحسين صوت في شعر، أو في شيء حلال، أو نغمة طائر، أو صوت حيوان، أو ريح، أو صوت نار، ورأى حمرة، وكلّ صوت مترنم مباح سماعه فكلّ ذلك يحرّك النفس إلى رؤية الحضرة وسماع
437 (1/437)
صفحة 438
كلامها بلسان الحال، وتذكر به الرّوح، وتشوق الروح والنفس إلى مشاهدة عالمها العلمي فنظرت الروح بالمشاهدة إلى عالمها، ونظرت النفس باختراق المشهود عوالم الحسن إلى عالم العلم، وهو عالم الروح حتى يستقرًا في عالمها الذي افترقا منه، فترى الذات العالمين عالم الغيب وعالم الشهادة كلّه علمًا واحداً متحدا توحيدياً إلهياً، كمالاً وجمالاً وجلالاً، فكانت الروح كالباعثة بالتشوق للنفس، والنفس كالباعثة بالتذكار للروح فالحضرة تجذبها، وهما يجذبان كلَّ جزء من أجزائي شوقاً إلى ما اشتاقاه ولكن لا تقدر على الصعود (1)، [84] فصار ذلك كأنه نزع الروح منّي للموت فصرت أجد ذلك كما يجد المكروب في نزع نفسه، إذا ما رسل المنايا، أي ملائكة الموت، توفّت له روحه في
6
شدة الألم هو معي
قال:
ألذ شيء.
43 - فَواجِدُ كَرْبِ في السياق لِفُرْقَةٍ كمكروب وجد في اشتياق لفُرْقة (2) 439 - فذا نَفْسُه رَقَّتْ إلى ما بدا به وروحي ترقت للمبادي العلية (3) يقول: فإنَّ شدَّة، واجد، أي ملاقي كرب في السياق، أي في سياق الموت بفرقة من جسده مما يجده في ذلك من الكرب والألم والتعب فهو كمكروب، أي مثله، ومثل مكروب واجد أي حبّ قد فارق أحبابه، وحنّت نفسه وروحه إليهم بشدّة تعب الفراق وقوة حبّه، وشمَّره شدّة كرب شوقه وألم فراقه إلى المسير إليهم، وذهب يقطع الفيافي والقفار ولم يبال (4) أن يلاقي ما يتلف روحه، أو منعه عن المسير إليهم، فحنّت الروح والنفس، ولم تَرَ روحه ونفسه بفراقها جسدها فصار ذلك المحبوب أحب إليهما من جسدهما، فهو والذي نزع روحه في البلاء سواء، وقد استلذ ذلك الحبّ ولو كان سبب موته، وهذا مشاهد في الناس، وفي محبوب لمحبة ذات أحبته، وربما أنّ صورته غير محبوبة بالجمال فكيف من شاهد الجمال المطلق (1) الإلهي؟ فذا نفسه: أي فذا
(1) في س: [الوصول] بدل [الصعود].
(2) في الديوان: [لرفقة] بدل [لفرقة]. (3) في الديوان: [ما بدت] بدل [ما بدا]. (4) في الأصل: [يبالي].
(5) ما بين المعقوفين ساقط في س، والزيادة من الأصل.
438 (1/438)
صفحة 439
العاشق نفسه ترقت إلى حبّ ما بدا له، أي فأحبّ ما ظهر له من الجمال المحبوب في محبوبه، وليس المراد بالجمال جمال الصورة بل الذي أحبّه لأجل ذلك الذي تجلى له فجذب حبّه إليه فكانت هكذا فيه أحواله. وروحي ترقت للمبادي العلية، أي إلى مشاهدة مبادي جمال الحضرات العلية الإلهية، وجعل ما يتجلى له منها مبادي؛ لأنّ جمالها لا نهاية له، ولا يمكن أن ينظر إلى بعض الجمال منها، فافهم.
***
439 (1/439)
صفحة 440
[صفحة فارغة] (1/440)
صفحة 441
الباب الخامس عشر
في التوحيد المتوسط بين الخفي والجلي المتكمل به مقامه ال بلسان المقام الأحمدي الحاصل في سفره الرابع
قال:
440 - وباب تخطي اتصالي بحيث لا حجاب وصال عنه روحي ترقّتِ يقول: ولما ذكر سفر النفس في الحضرات الظاهرية في المحسوسات، وما في ذلك من التوحيد الإلهي ذكر سفر الرّوح في الحضرات الباطنة حضرات أسماء صفاته، وأسماء ذاته جلّ وعلا فقال وباب تخطّي اتصالي بفتح الألف من اتصالي، لإقامة الوزن، يقول: وأما باب تخطي اتصالي بالمشاهدة إلى الحضرات الباطنة الإلهية، بحيث لا حجاب وصال أي بحيث لا حجاب موصل إليها جعل الشهود حُجباً؛ لأنَّها برؤيتها إلى ظواهرها حجبت أهل العمى عن مشاهدة الجمال الإلهي مع أنها هي الموصلة للنفس إلى المشاهدة والكمال الإلهي لأهل الكشف.
وقوله: عنه روحي ترقّت: أي من حيث ليس حجاب موصل إلى المشاهدة ترقّت عنه روحي فاخترقته، هو للنفس حجاب موصل ترقت عنه النفس فاخترقته بل باب اتصالي إلى مشاهدة الحضرات الإلهية بغير حجاب موصل هو باب الروح، فإنَّ جهتها إلى عالم العلم الإلهي واتصالها به من جهة العلم الغيبي المتجلي به الله على القلم واللوح، كذلك يتجلى به على قلم روح الذات الحجرية، ولوجها من جهة عالم الغيب، وإن شئت أن تعرف ذلك فانظر إلى علم الإلهام الذي لم يصل إلى النفس بالحواس، ولا بالقياس إلى ما وصل بالحواس، فإنَّه هو من عالم الغيب، والمراد من عالم الغيب المتجلي به الله تعالى، لا الغيب الذي لا يتجلى به، فإنَّ الغيب له معان، وقال الله تعالى: يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ (1)، ويريد بذلك كلّ ما غاب عنهم، وسمعوا
(1) البقرة، الآية 3.
441 (1/441)
صفحة 442
به کالحساب والجنة والنار، والكتب، والملائكة، وأخبار الله، وهي محققة في العقول، ومع تحققها أسماها الله تعالى بالغيب، [85] ومع أهل هذا العلم في اصطلاحهم عالم الغيب (1) العلم الذي تنظره الروح، ويصل إليها من الله تعالى من غير جهة المحسوسات بالحواس،
هو
فافهم ذلك. قال:
441 - على أَثَرِي مَنْ كان يُؤثِرُ قَصْدَه كَمِثْلِي فليركب له صدق عزمة يقول: وفيه تقديم وتأخير، وتقديره ومن كان يؤثر قصده كمثلي في قصدي يمشي في سلوكه على أثري فليركب له، أي قصدي صدق العزيمة، أي فليجعل مطيته صدق العزيمة ويركب عليه وينجو (2) بالنفس كما ذكرت له، وكما أذكر له فيما سأبديه الآن تتمة لبيان سفر النفس حتى ترى الشهود برؤية الرّوح لها، وكذلك على أثري يمشي بالروح، وبالأعضاء في كلّ حركة، وسكنة منه في كل لحظة فإنّه يصل إلى حضراتي، وإن لم يجمع الكلّ فإنّ الكلّ حضراتي مع الله تعالى، وهي حضرات لكل سالك مالك، خلق الأشياء إلا للعلم به، والتكمل بكماله، فافهم ذلك.
قال:
4 - وكم لُجَةٍ قد خُضْتُ قَبْلَ ولوجه
-
442
فقير الغني ما نلت منها بنغبة (3) يقول: وكم لجّة قد خضتها قبل ولوجه أي باب هذا المقام بالتوحيد بالأسماء المشتملة على اسمه الظاهر وبالتوحيد المشتملة على اسمه الباطن، والرؤية إلى حضرات هذه الأسماء، والجمع لرؤية رأيتها إلى أن وصلت إلى المقام الأعظم الجمعي بينهما، ثم رمت الترقي إلى هذا المقام، وأنا فقير، الغنى أي فقير من الغنى الموصل إلى هذه الحضرة قبل اليوم، وما نلت منها في ذلك الوقت بنغبة أي بجرعة من شرابها، ولما
(1) الغيب: هو الأمر الخفي الذي لا يدركه الحس، ولا تقتضيه بديهة العقل، أمّا عالم الغيب فهو عالم الأمر، وعالم الملكوت، وهو عالم الأرواح والروحانيات؛ لأنها وجدت بأمر الحق بلا واسطة مادة ومدة، ينظر موسوعة الحفني، ص 892، وموسوعة العجم، ص 602.
(2) في الأصل و [س]: [وينجوا]. (3) في الديوان: [ما بل] بدل [ما نلت].
442 (1/442)
صفحة 443
ترقت قوتي ووصلت إلى هذا المقام رمت الذي أعلاه.
قال:
443 - بمرآة قولي إن عَزَمتَ أُريكه فَأَصْغ لما أُلقي بِسَمْعِ بصيرة
يقول: بمرآة قولي: استعار لقوله بالمرآة التي تظهر فيها مثالات الصور، واستعار لما يظهر له من صدقه وصحة معناه كما يظهر المثال في المرآة. يقول: إن عزمت إلى (1) السلوك بطريقتي فاصغ (2)، أي أنصت بأذنيك لما ألقي، أي لما أطرحه عن رؤيتي، ولما ألقي إليك من القول بسمع أذن العين البصيرية العقلية، وهي الداعية إلى الله تعالى؛ لأننا أخبرنا أولاً أن للعقل ثلاث عيون أحدها مثل الساحرة في بعض الناس قد تعلمت السحر من الشيطان، وصادقته فهي لم تزل تلعب بخيالاتها، وهي العين المدبّرة، والثانية العين الغريزية، وهي مثل الملك القوية القاهرة، وتطلب الرفعة والجاه الخيالي الظاهر والعلوم، والثالثة العين البصيرية، وهي مثل الرسول والنبي في التمثيل، وهي الداعية [إلى الله تعالى، وهي التي ذكرها الناظم، وقوله: وإن عزمت بقوة القصد، والرغبة فإنّي أريكه: أي أريك قولي كما ترى، [فافهم ذلك] (4).
قال:
6
444 - لَفَظْتُ من الأقوالِ لفظي غَيْرةً وحظي من الأفعال في كلِّ فِعْلَة يقول: لفظت وطرحت مأخوذ من لفظ المرء الشيء من فمه إذا ألقاه وطرحه، وقوله: من الأقوال لفظي بفتح الياء - أراد [قولي)، غيرة بالغين المعجمة، وبالعين المهملة: أي لم أنظر إلى رؤية قولي إنّه منّي؛ لأنه لا عن اختياري، ولكن أراه عن نعمة من وبقدرته إذ الكل نعمة من الله، فإن عبدته بقدرته ونعمته فلا أرى أني تفضلتُ بشيء، بل الكلُّ منه، وكذلك حظي من الأفعال في كل فعلة، لم أرَ إلى عملي، وفعلي للعبادة لله أنَّه
(1) في س: [على] بدل [إلى]. (2) في الأصل و [س]: [فاصغي].
(3) ما بين المعقوفين ساقط في س، والزيادة من الأصل. (4) ما بين المعقوفين ساقط في الأصل، والزيادة من س. (5) ما بين المعقوفين ساقط من س، والزيادة من الأصل.
الله،
443 (1/443)
صفحة 444
منّي، وإن كان مني فإنَّ الكل نعمة منه، إذ كل فعلة فعلتها من العبادة فهي منه وبه، وأنا نعمة ا لذاتي منه و به كنت وقوله: غيرة بالغين المعجمة: أي عند مشاهدتي لجمال جلال حضرة النعم الإلهي، ومشاهدة حقارتي، وعدم كون شكر مني له إلا منه وبه، فتغار ذاتي أن ترى أنَّ حضرة النعم الإلهي لي شركة فيها منّي إليها بما يكون مني في شكرها. وعلى معنى عبرة بالعين المهملة: أي لفظت [85] ذلك مشاهدة أنَّه متى نظر إلى حقيقة النعم أنها من حضرات النعم الإلهي عبرةً، والعبرة اعتبار الشيء، أي تأويله، وأراد به عبرة الباطن، وهي المشاهدة الحقيقية، وهي مشاهدة حضرات النعم الإلهية، [فافهم ذلك] (1).
قال:
445 - وَلَحْظي من الأعمالِ حُسْن ثوابها وحفظي للأحوال من شَيْنِ زِينة يقول: [وطمحت] (2) [كذلك] (3) في سلوكي إلى هذا المقام الأعلى الذي أنا قاصده، رؤية لحظي، أي ملاحظتي، والملاحظة هي نظر العين إلى الشيء.
قوله على الأعمال، أي على رؤية الأعمال حُسن ثوابها، فلا أنظر إلى ذلك أصلاً، وكذلك طرحت حفظي، أي كثرة محافظتي للأحوال، أي على طلب أحسن الأحوال في كلّ عمل من أعمال الطاعات الصحيحة التي هي تحبّها مني ولي.
وقوله: شين زينتي: أي تلك الأعمال هي في الحقيقة هي الزينة ما وجب منها، وما كان نفلاً، ولكن شينها رؤيتها بعين الرضا عنها، وأنا طرحتُ منها ذلك الشين فلم أرضَ عنها، ولم أر (4) نفسي أنَّها حافظت على أحسن الأعمال أصلاً؛ لأني كلّ ما أعمله في حضرتها وتجليها عليّ لا أراه يستحقُ اسم شيء، بل هو كأنه شيء لا يُرى، أو ليس بشيء كان مني أصلاً، وكذلك في الحقيقة، إذ الكلّ من الله تعالى، فما يعبد الله تعالى المرء إلا به، وإذا كان لا يقدر أن يعبده إلا بالله فالكلّ منه، وهذه مقامات التبري من الحول والقوة والطول إلا بالله العلي العظيم فلا حول عن معصيته، ولا قوة على طاعته إلا به جلّ وعلا، ثم انتقل
(1) ما بين المعقوفين ساقط في الأصل، والزيادة من س.
(2) في الأصل: [وطرحت] بدل [و طمحت]، وأثبتنا ما في س، وبه يستقيم الكلام.
(3) ما بين المعقوفين ساقط في س، والزيادة من الأصل.
(4) في الأصل و [س]: [أرى].
444 (1/444)
صفحة 445
إلى رؤية أخرى في لفظه ووعظه ونظره إلى أعماله وتجلّي حضرات الله فيها.
قال:
446 - ووعظي بصدقِ القَولِ إلغاء مُخلص وَلَفْظي اعتبارُ اللَّفْظِ في كلٌّ قِسْمَةِ يقول: وقد انتقل إلى معنى آخر فقال: ووعظي لنفسي بصدق القول، أي باتباعي له منّي حقاً، كذلك طرحت رؤيته فكان كأنّه إلغاء مخلص لا ينظر إلى شيء من أعماله. ولا يسمع إلى شيء من أقواله، وإنما يفهم من إلغاء كما يفهم كلام جميع الموجودات ما تقوله بلسان الحال، كذلك أنا إذا سمعت أذني كلامي إنما يتجلى لي شهود الحضرات، وكلامها ينبئ عنه لسان حاله لا بما قالته لساني بمقالتها فأفهمُ منه عبارتها دون عبارة قولي، فكان معي كأنه إلغاء ظاهره لا معنى له، وإنَّما المعنى هو الباطن، وهو دلالته على تذكار كلامها فأفهم منه ما يقوله من القول ما قاله لسان حاله فيها، وذلك معنى قوله: ولفظي اعتبار اللفظ في كل قسمة من ذرات الوجود فإنَّ كلَّ ذرّة هي تتكلم بلسان حالها في قسمتها وحدها من الوجود، كذلك اعتبار لفظي هو مثل اعتبار ألفاظ الموجودات بدلالتها، والمراد بالاعتبار هنا في تأويله وعبارته، فافهم.
قال:
447 - فقلبي بيت فيه أسكن دونه ظهور صفاتي عنه مني حُجبيني يقول: ولما كان أول شيء كان في الإيجاد هو نور تجلي صفات الله تعالى، وهو العلم والمعرفة لأنوار كالأنوار، وما كان من ذلك النور وجود نور ذاتي ونوري وصفاتي، وكلّ شيء وجد فهو منه فلا غرو صار قلبي بيتاً (1) فيه أسكن، أي أنا البيت، وأنا الذي سكنت ذلك البيت، كما هو في القلم هو من ذلك النور، وسكن فيه ذلك النور، والنبي في الحقيقة هو ذلك النور الأول، وإنّما وجد ما وجد من جميع الموجودات هو من فيض نوره، ومن ذلك النور كانت الكعبة التي هي القبلة ففضلت لفضل ذلك النور. يقول: ومن نوري بيت دونه، أي دون ذلك النور الأعلى، وهي [86 و] الكعبة فيها ظهور صفاتي؛ لأنه ما كان فضلها إلاّ لفضل النور الأعلى، وهو متى كان كونها، وهي حجيبتي عنه، أي من
(1) في الأصل و [س]: [بيت].
445 (1/445)
صفحة 446
ظهور صفاتي كالحاجب القائم على الباب، وهذا مما يدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم أفضل من الكعبة، وهي أفضل من كل بقعة في الأرض، وليس في الحقيقة التوجّه إليها لها، وإنَّما التوجّه إليها لله تعالى، ولكنّها كالوسط الذي يتوجه إليه كلّ العباد من كل جهة، وجميع الأرض إنّما دحيت منها، كما أنَّ جميع الوجود كان من نوره، الموجدات لله وجميع تعالى متوجهة إلى جهة النبي الله في توجهه إلى الله تعالى فهو إمام الخلائق كلهم من أوّل الموجود إلى يوم فنائه (1)، فصار في الحقيقة هو القبلة بالإتمام في التوجه إلى الله تعالى، ومن زاغ عن توجهه فقد ضل ضلالاً بعيدًا، ووجب عليه المقت من الله جل وعلا من جميع الكائنات، ولكن لم يخالف شيء في الوجود إلا هذا العاصي القبيح الضعيف، قبحه الله تعالى حين قبح ذاته، فكانت الكعبة من أدلّ الأشياء على مشاهدة حقيقة النبي، وعلى مشاهدة توجيه كلّ شيء إلى الله تعالى بالتوجيه، فافهم ذلك.
قال:
448 - ومنها يميني فِيَّ رَكُنٌ مُقبل
(2)
ومن قبلتي للحكم في فيَّ قبلتي) يقول: إن أصل جهتي إليّ، أي المتجلي في ذاتي علمه تعالى فهو جهتي، فكانت ذاتي منها يميني: وهي العين البصيرية الواجب الإتمام بها إلى الله فهي ركن مقبلي، ومن قبلتي للحكم في أي ومن اللازم ومن المستحب التوجه إليه بنور المحبة الإلهية في الحكم هو في ذاتي التي هي العين البصيرية، فهو قبلتي، وهو في ذاتي فصارت حقيقة القبلة الباطنة في ذات المرء، وهنّ كالمساجد، والنبي صلى الله عليه وسلم] (3) كالكعبة، كلُّ ذات تتوجّه إليها لله تعالى، وفي قوله (منها) إشارة إلى ركن اليماني أنها في ظاهر صورته كأنها
يمين يده منه في التمثيل بالتوجه إليه لله بالإتمام به في كل شيء، فافهم ذلك.
يقول:
449 - وحولي بالمعنى طوافي حقيقة وسعيي لوجهي من صفاتي لمَرْوَتي يقول: ومن حولي بالمعنى الباطن الحقيقي طوافي أي بقبلتي التي بذاتي، وهو العلم
(1) الهاء في [فنائه] تعود إلى الوجود.
(2) يرد العجز في الديوان هكذا: [ومن قبلتي في في للحكم قبلتي].
(3) ما بين المعقوفين ساقط في الأصل، والزيادة من.
س.
446 (1/446)
صفحة 447
الإلهي والكمال الحقيقي الذي خلقت لأكملها به، وهو المتجلي فيها فصار هو القبلة، وتوجّهي إليه، بالمعنى طوافي حقيقة أي باطناً لا توجّه الظاهر، بل حقيقة التوجه الباطن،
أن
وحقيقة توجه الظاهر إلى المتجلي في الذات علمه، ومعرفته جل وعلا إذ لا يصح يتوجه إلا إلى الله الذي عرفه في ذاته، وبذاته، فمعرفته فيها، وقوله: وسعيي لوجهي، أي
إلى توجّه وجهي، وأراد وجهه العين البصيرية، وتوجّهها إلى الله تعالى، أي إلى توجّه عين بصيرتي، فإن قلت: إنّه قال لوجهي، ولم يقل لوجهه وجهي. فنقول: لو قيل لرجل إلى أين تذهب؟ فقال: لوجهي، كان جواباً تاماً مفهوماً أنه أراد أذهب إلى أين توجّه وجهي، أي إلى تلك الجهة، وقوله: من صفاء لمروة أراد بالصفاء صفاء العين الغريزية، لمروة: أي إلى صفاء العين المدبرة حتى تكون محل واحدة كاملة الصفاء، وأشار بالتوجه إلى جهة العين البصيرية التي هي الرّوح إلى عالم الغيب من الحضرات الباطنية الأسمائية الإلهية، وبالصفا والمروة إلى اختراق عيني النفس عالم الشهود بالحضرات الظاهرية إلى أن يصل حضرات حتى يشاهد هو في كلّ شيء وفي كل مثل؛ لأنّ المقصود من نظم منظومته أن يرى الحضرات في كلّ شيء على الإطلاق، لا فيما يذكره في نظم فقط، وإنّما يذكر في نظمه كالشبه، ولذلك تظنّه أنه لم يزل يتكلم في معنى واحد لا غيره في كل ما يأتيه، فافهم.
[86]
قال:
جيرتي
450 - وفي حَرَم من باطني أمنُ ظاهري ومن حوله يُخْشَى تَخَطَّفُ يقول: وفي كون حرم مكة، وجعله الله آمناً إنَّما هو من أمان باطني من أمن ظاهري، والمراد بباطنه هو النور الأول الأعظم، وأمن ظاهره هو ظهوره في الوجود، فهو في ظهوره في أمن من اختلافه في صفاته يوم كان نوراً، فلذلك كان حرم مكة آمناً حيث كان كله في صفاته على شبه بعض صفاته، وهذا الأمن من حوله تخشني جميع المعلومات، تخطف جيرة: أي أن تتخطف بالجيرة إلى حرمه فهو كله قدس، وذلك إشارة إلى باطنه بالبيت، وإلى ظاهره بالحرم، ولا تجوز أن تتخطف دلالات الموجودات إلى ذلك النور بحيرة؛ لأنَّ ذلك مما ينفي على أنها غير دالة على توحيد الله، وهذا هو مراده أنَّها كلها دالّة على الله بصفاته شاهدة على أنّ ذاته لا يعرفها إلا هو، ولا يصح أن تتجلى على شيء حتى على
447 (1/447)
صفحة 448
العلم الأول الذي تجلّى من نور صفاته في أول الإيجاد، وهو النور الأعظم.
ذاتي
قال:
-451
- وَنَفْسي بصومي عن سواي تَفَرّداً زكَتْ وبفضلِ الفَيْضِ عنّي تز يقول: ونفسي بصومي: أي مع صومي، وأراد به الإمساك عن الغفلة بمشاهدته حقائق الموجودات التي هي تجلي الحضرات فيها، تفرّداً أي انقطاعاً (2) عن التعدية بذلك حتى أترقى بها [(3) بل الحضرات المتجلية في الوجود كلها إنّما أشاهدها من أول بدايتي، لأنّي يُشاهَدُ منّي ما فوق الأفق، وهو الذي أشاهده في الموجودات من غير ترّقِ بالموجودات، ففي الحقيقة لا أشاهد ما في الوجود إلا نفسي؛ لأنَّ تجلي ذلك كله بمرآة فأنا أشاهده بذاتي في ذاتي، ولا أرى ذاتي أرى فيها ذلك العلم المتجلي فيها فكان كأنه هو ذاتي، فنفسي وانقطاعي عن كلّ شيء تفرداً برؤية تجلّي صفات الله جلّ وعلا، وزكت نفسي: وبفضل الفيض من نوري وعلمي في جميع الوجود زكت، أي ذلك الذي أفيض من نوري على الوجود هو زكاة من النفس، ففرضت الزكاة لوجود الزكاة من نوري، وفرض الصوم لإمساك نفسي عن رؤية كلّ شيء إلا نوري، وتجليّ صفات الله عليه في أول الإيجاد، وفرضت الصلاة لخضوع ذلك النور وانقياده لله تعالى وفرض التوجه إلى القبلة لتوجه جميع الموجودات إلى ذلك العلم الأول الذي هو نوري، وفرض الحج والطواف لسير دلالة كلّ شيء إلى ذلك العلم الدال على توحيد الله، وفرض الطواف لإحاطة ذلك النور على كلّ شيء، وعلى هذا القياس 4
قال:
(4)
452 - وَشَفْعُ وجودي في شهودي ظل في ات حادي وترًا في تيقظ غفوتي
(1) في الديوان: [زگت] بدل [تزكَّت].
(2) في الأصل و [س]: [انقطعا]، وهو تحريف، ما أثبتناه يستقيم به الكلام.
(3) ما بين المعقوفين كلمة لم أتمكن من قراءتها.
(4) يؤيد تأويل الشيخ ناصر السابق ما شاع في كتب القوم، وأشار إليه الشيخ ناصر نفسه من أن ألفاظهم لا ينبغي لها أن تؤخذ على وجهها الظاهر، بل الرمز والتلويح هما المخرج، وها هو [الصوم] = و [الزكاة] و [الطواف]، وغيرها تقدّم بمحمولات دلالية مغايرة تماماً للمألوف، فكأنّ خدش المألوف هو النهج، وتقديم البديل المعنوي النابع من التجربة ذاتها لا من خارجها.
448 (1/448)
صفحة 449
يقول: وشفع وجودي، أي كان الله ولا شيء معه، ثم كان الله ولا وجود. إلا النور الأعظم الذي هو نوري في شهودي، أي كان إيجاده في حين شهودي تجلّي صفات الله جل وعلا ظلّ: أي صار في اتحادي. وتراً: أي نوراً واحداً متحداً، برزخياً، لا جزء، ولا كون، ولا تمييز؛ لأنَّ التمييز موجود، وكلّ موجود فهو من ذلك، وذلك التجلي بالصفات في غير مظهر الأنفس اتحاداً لعلم من تجلي الصفات. قوله: في تيقظ غفوة قصرت كأني في حين معرفتي بالله في ذلك متيقظ من غفوة، أي نوم، وأراد أني من حين كنت نوراً كأني تيقظت من غفوة انتبهت في الحال فعرفت الله تعالى، وقبل وجودي لا وجود لي، وإنما كنت في علم الله بي لا غير، وهو المسمى مع أهل التصوف بالشؤون، والشؤون هي المعلومات التي علم الله أنه سيوجدها قبل أن يوجدها (1).
قال:
453 - وإسراء سِرّي عن خُصوص حقيقة إليَّ كَسَيْري في عمومِ
يقول [87 و]:
الشريعة
وإسراء: وهو مشي الليل، ولكن هنا أراد [بعض] (2) معناه، وهو السير والمشي لا غير، يقول: وسير سيري إليّ بروحي بالمشاهدة إلى أفقها وهو العلم الغيبي عن خصوص حقيقة خصصت بها، والحقيقة علمه الباطن الذي خص به كان ذلك إلي خصوصاً أراه في ذلك العلم كسيري في عموم الشريعة إلى الله تعالى، وأراد بذلك أنه تحقق معناه كل شيء من الشريعة هو لأجل كذا، ومن قبل كذا يشاهده في تلك الحضرات، ومن ذلك العلم كما ذكرناه في افتراض بعض الفرائض.
قال:
454 - ولم آله باللاهت عن حكم مظهري ولم أنس بالناسوت مظهر حكمتي يقول: وفيه تقديم، وتأخير، وتقديره وباللاهوتي، وإنما حذف الياء لإقامة الوزن، أي وبفنائي في مشاهدتي للعلم الإلهي في حضرة أحدية الجمع لم أله أي لم أغفل، ولم
(1) مر الحديث عن (الشؤون). (2) كلمة [بعض] يخلو منها الأصل و [س]، وأثبتناها جرياً على أسلوب الشيخ ناصر، وبها يستقيم الكلام.
449 (1/449)
صفحة 450
أشتغل عن حكم مظهري الذي ظهرت فيه لأداء ما وجب عليَّ في الشريعة أداؤه فرضاً، أو العمل به استحباباً، وترك ما لزم تركه فرضاً واستحباباً، وأمر قتال أهل الباطل، ولم أنس: أي لم أغفل مظهر حكمتي، أي تحقيق الحكمة في ظهوري إلى الوجود، ولماذا، وظهور حكمتي التي هي العلوم والدعاء إلى الله تعالى، وشرع الشريعة، ولإظهار فضلي لذلك على جميع الوجود، لم أنس تحقيق هذا بتحقيق العلم الناسوتي في تكوين جميع الموجودات الجسمية منه، كل ذلك قد تحققته، وتحققت الوجود بأسره من أول بدايته من النور الأعلى إلى آخر ما أُمرت به أن أظهره بحقيقة الرؤية من غير أن يشغلني شيء عن شيء، واللاهوت والناسوت لم يذكرا في كلام العرب، ولا في علم الشريعة، وإنما كان من موضوعات النصارى حيث استعملوها، وأرادوا باللاهوت سر الإلهية وبالناسوت الطبيعة (1)، وقالوا: تلبس اللاهوت بالناسوت، ودخل فيه فظهر على صورة عيسى فهو ابن الله، وكفروا بهذا القول، ومعي أن مما يدلّ على أنَّ اللاهوت هو معنى الإله، ومعنى اللاهوتي معنى الإلهي بالعربية ما يروى الأحد من الجن وهو ابن عبد الله المذهب، ونهاه عن المزاح معهم، وكان في طاعته زماناً، فأتاه يوماً في صورة طير فقال له: ما أعجبك للصيد أنت! فغضب المذهب وقال: والأسماء اللاهوتية، والحروف النورانية لولا العهد الذي بيني وبينك لمزقتك تمزيقاً كما يُمزّق الريح العاصف في التراب، فارتعدت فرائص الرّجل هيبة منه، ولم يقدر أن يدعوه سنة كاملة حتى صلح بينهما الشيخ الذي آخى بينهما، ولولا أنَّ كلمة اللاهوت معروفة في لغة معلومة لما قسم بها الجني، والأسماء اللاهوتية هي الأسماء الإلهية من أسماء ذاته، وأسماء صفاته، العلمية وأسماء أفعاله، وقول النصارى إنَّ اللاهوت دخل في الطبيعة الكبرى فظهر عيسى فهو ابن الله تعالى. وقيل: إن أول من تكلم بهاتين الكلمتين من المتصوفين النوري (2)
أن عالماً صادق بين
مَلَك
يوم
(1) مر الحديث عن الناسوت، وما يقوله الشيخ ناصر هو الصواب من حيث إنَّ المصطلحين نصرانيان، وهما من أصل سرياني قديم بدلالة أنهما مختومان بواو وتاء. (2) النوري: هو أحمد بن محمد النوري المتوفى سنة 295 للهجرة، ويعرف بابن البغوي نسبة إلى قرية اسمها بغشور بخراسان وإن كان قد ولد ونشأ ببغداد، وله طريقة صوفية تنسب إليه يقال لها النورية، صحب النوري مجموعة من الصوفية منهم الجنيد، والسري السقطي والقصار، وغيرهم، وممّا يروى عنه أنه كان يحمل غداءه من بيته في الصباح متوجهاً إلى حانوته فيتصدق به في الطريق، ويظل صائماً بقية اليوم، فيظن أهل بيته أنه يأكل في الحانوت، ويظنّ أهل السوق أنه يأكل في بيته، وظل على هذه الحال عشرين سنة، ولما توفي قال عنه الجنيد: منذ مات النوري لم يخبر عن حقيقة الصدق أحد، ينظر عنه موسوعة الحفني، ص 586، وما بعدها.
،
450 (1/450)
صفحة 451
فقال:
سبحان
من
أظهر
ناسوته
سنا
لا هوته
الثاقب
تي بدا في خلقه ظاهراً في صورة الأكل والشارب (1) أي سبحان من سرّ سنا، أي نور لاهوته، أي نور صفاته الثاقب، وهو النور الأول الأعظم الظاهر من تجلّي صفاته، وهو نور المعرفة الذي تولّد منه القلم، واللوح، ثمّ الطبيعة، وهي الناسوت، وقوله أظهر ناسوته، أي الطبائع حتى بدا، أي ظهر في خلقه ظاهر، أي الناسوت في صورة الآكل والشارب، أي انتهى الأمر في تكوين الناسوت، وهو الطبيعة الكبرى حتى ظهر منها كلّ موجود وآخر ما ظهر منها الحيوان في صورة الآكل والشارب، والجميع أصله ناسوت واحد، أي طبيعة واحدة، وهو الجسم اللطيف الذي هو غير متجزئ [87] أجزاء فهو الجزء الذي لا يتجزأ فأشار إلى إيجاد جميع الموجودات بهذين البيتين، وقد مرَّ شرح ذلك، ثم استعملها الحلاج (2) في مناجاته فقال (3): اللهم أنت المتجلّي عن كل جهة، قيامك بحقي وقيامي بحقك يخالف قيامك بحقي؛ لأنَّ قيامي بحقك ناسوتية، وقيامك بحقي لاهوتية، وكما أن ناسوتيتي مستهلكة في لاهوتيتك غير ممازجة لها، ولاهوتيتك مستولية على ناسوتيتي غير مماس لها، أن ترزقني شكر ما أنعمت علي به حيث غيبت أغياري بمشاهدتك بصفاتك، ومراده أنَّ قيامه بحق ربّه ناسوتية، أي قيام طبيعة ظهرت جوهراً، واتصفت بأعراض فلا يصح أن تشابه قيام ربّه؛ لأنّ قيام الله تعالى به قيام إلهي، وكما أنّ ناسوتيته مستهلكة في لاهوتية ربّه، أي لحقارتها في مشاهدة الصفات اللاهوتية لا ترى شيئاً؛ لأنها فانية متفرقة أجزاء في صفاته جلَّ وعلا، فإنّ ذلك
(1) ليس البيتان للنوري، بل للحلاج، وهما في ديوانه بنصهما، ينظر ديوان الحلاج، ص 291، ومع البيتين بيت ثالث
هو:
حتى لقد عايـنه خلقه كلحظة الحاجب بالحاجب (2) الحلاج الحسين بن منصور المقتول سنة 309 للهجرة ببغداد، الصوفي المشهور، أصله من البيضاء من كور اصطخر بفارس، ولتلقيبه بالحلاج أقوال منها أن أتباعه قالوا إنه لقب بالحلاج لأنه كان يكاشفهم بما في قلوبهم فأطلقوا عليه حلاج الأسرار، حوكم في بغداد، ووجهت له تهم عديدة، وانتهى الأمر بقتله، ترك ديوان شعر، وكتباً منها الطواسين، وبستان المعرفة، والتفسير، وغيرها، ينظر عنه موسوعة الحفني، ص 164، وما بعدها، والأعمال الكاملة للحلاج. قاسم محمد عباس مع مصادره.
(3) هذه المناجاة من أقوال الحلاج في كتابه (نصوص الولاية)، ينظر، ص 246 باختلاف يسير.
451 (1/451)
صفحة 452
كفر (1)، وكذلك قوله: ولاهوتيتك، أي وإلاهيتك مستولية على ناسوتيتي، أي مستولية
بالتدبير لها من غير مماسة، وليس فيما قاله خطأ، فافهم ذلك.
قال:
455 – فعني على النَّفْسِ العقود تحكّمت ومني على الحس الحدود أُقيمت يقول: فعن عهدي الله بالطاعة والعبادة يوم كنت نوراً ثبتت العقود، أي العهود التي تحكمت على كل موجد من نوري الأول من جميع الموجدات، وعلى العباد المتعبدين، ويثبت لهم الإيمان بإيماني لله تعالى، وبعهده تعالى لي عهد تفضّل، وإعلام لي وجميع من وجد من نوري الأول قوله: {الْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّنَهُمْ} (2) أتبعنا بهم ذرياتهم إلا مَنْ ضيّع ما ثبت له من ذلك العهد عليّ، وعلى كلّ من أوجده الله تعالى من المتعبدين الحدود أقيمت على الحسّ، أي على الحواس الخمس ما يلزم كلّ حاسّته من العبادة لله، أو على الاستحباب، بقوله تعالى في عهده لي أوجد معي من نوري الأول من العباد: {وَمَا خَلَقْتُ الجنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (3).
قال:
456 - وقد جاءني مني رسول عليه ما عَنِتُ عزيز بي، حريص لرأفة يقول: وقوله تعالى: {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُوكَ مِنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزُ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ} (4)، ومعنى هذه لقد جاءكم أيها العرب رسول من أنفسكم أي عربي من أشرف العرب، وممن رضيتموهم أن يكونوا سادات لكم من قبل كانت الأمم الذين هم يفتخرون عليكم برسلهم، الآن لكم الفخر على جميع الأمم، عزيز عليه أي صعب شديد عليه [ما] بمعنى الذي، أي الذي عاندتم به الخلاف لدين الله، والشرك بالله تعالى حريص، أي ضنين، متخوّف بها عليكم، وهو
من
بالمؤمنين رؤوف رحيم.
(1) يريد الشيخ ناصر بقوله: (إنَّ ذلك كفر»، لو قال بغير هذا لصار كفراً.
(2) الطور، الآية 21.
(3) الذاريات، الآية 56.
(4) التوبة، الآية 128.
452 (1/452)
صفحة 453
وصفه بغاية اللطف للمؤمنين وبنهاية الشدة والصعوبة على الكافرين، والمقام المحمدي يقول بلسان حاله مخبراً عن قول حاله: وقد جاءني، ولما كان النبي صلى الله عليه وسلم أباً لجميع الموجدات فهو في الحقيقة أب لجميع العباد، والعباد كلهم هو أبوهم، وذكر الله تعالى الأبناء بالنفس فقال تعالى: {وَلَا عَلَى أَنفُسِكُمْ أَن تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ} (1) أي بيوت أبناءكم؛ لأنه ذكر أقارب المرء، ولم يذكر ولده، فدلّ على أنه أراد بذلك ولده، وسمّى نساءه أمهات المؤمنين، فكذلك هو أب المؤمنين، فقال تعطفاً وتلطفاً، وإظهار شفقته للذين اتبعوه من المؤمنين أولياء الله تعالى وفيه تقديم وتأخير، تقديره: وقد جاءني، أي جاءكم مني رسول تقديره رسول منكم من أنفسكم، أي أشرفكم، وفي قراءة بفتح الفاء (2)، وبضمها، ومني تتمة الكلمة من أنفسكم على الوجهين يصح؛ لأنَّه متكلم بالإشارة إلى الآية قوله: [عزيز عليه] أي صعب عليه أن يترككم [88 و] على ما عنتم به الله تعالى، عزيز: أي ضنين حريص أي ضنين أيضاً لرأفة، أي لكثرة رأفة بي، أي بكم فأضافهم إلى نفسه في كلّ كلمة منه مبالغة في كرامته لهم؛ ولأنَّ حقيقة [كمالهم أن يجدوا بكماله فيكونوا في الحقيقة شيئاً واحداً، حقيقة واحدة، ونوراً واحداً، ونورهم من نوره لا غير فافهم] (3). ويتضمن معنى آخر يقول: ولقد جاءني منّي، أي من ذاتي إلى رسول، وهو الأمر الداعي إلى الله تعالى في العين البصيرية من أنفس عيون ذاتي، أي أشرفهنّ، عزيز عليه ما عنتم: إشارة إلى العين الغريزية والعين المدبّرة، والخواطر، والحواس، والأعضاء، ما عنتم، أي الذي لا يليق بكم من عمل أو غفلة، حريص عزيز بمعنى ضنين لشدة رأفة بي، وعلي، وبكم، وعليكم، رؤوف رحيم، وأراد بذلك تمثيلاً لنفسه أنّ فيه مثال وأن أمر العين البصيرية بمنزلة الرسول من الله تعالى في الدعاء إليه، وفي العظمة عن الخطأ في كل ذي حجر، فإن أطاعه أطاع الله، وإن عصاه عصى الله تعالى، وليس المراد بمنزلة نبي في كل حالة، ولكن في العصمة، والدعاء إلى الله تعالى، وفي لزوم طاعته، وفي
جميع
ذلك،
(1) النور، الآية 61. (2) جاء في المحتسب لابن جني، 1/ 306، ما نصه: (ومن ذلك قراءة عبد الله بن قُسيط المكي: لقد جاءكم رسول من أنفسكم. قال أبو الفتح: معناه من خياركم، ومنه قولهم: هذا أنفس المتاع، أي أجوده وخياره». (3) ما بين المعقوفين مكتوبة في الهامش في الأصل.
453 (1/453)
صفحة 454
حكم كُفر من خالفه فيما يكفر بخلافه، وكذلك النبي فيه هذه العين، ويلزمه طاعتها لله، والتوجه إلى توجّهها، والامتثال لأوامرها، ولا يجوز له خلافها فهي بمنزل رسول من الله تعالى عليه أيضاً فاعجب من رسول عليه رسول من نفس جلّ الله تعالى، وهو على كل شيء قدير] (1).
قال:
457 - فحكميَ مِن نَفْسي عليها قَضَيْتُه ولما تولت أمرها ما تولّت يقول: إن حقيقة العلم تقضي أن يكون عليه ما عليه لواجب الوجوب، وجميع ما تعبد الله به العباد، وجميع دلالات الوجود، وما لزمها أن تشهد به هو من دلالة العلم، وكلّ ما سيكون في الوجود إلى يوم القيامة هو من العلم الأول الذي منه القلم واللوح، وإذا كان ذلك القلم الأول النور الأعظم هو أنا كان حكمي في كلّ شيء هو حكم نفسي بذلك على نفسي، لأني أنا النور العلمي، وأنا القلم الحكمي في الإيجاد الأول، وما قضيت به فقد قضيت به على نفسي؛ لأنَّ ذلك القضاء به سابق في العلم الأول وأنا هو، ولما تولت أمرها أي ذاتي ما تولت أي لما ظهرت في الوجود، وما تولّت، بل أدّت الشهادة على وجهها، والأحكام حكمت كما سبق في العلم الأول النور الأعظم، إذ الكل توجهت بفكرك تجدني أنا ذلك في المعنى الأولي لا في التشخيص.
6
مني
أينما
فإن قلت: كيف يكون هو، وهو غيره ويعدّ به الله، وأنت تقول منه؟ فنقول: إنَّه منه، أي من نوره الأول، ولما خالف ذلك النور الذي أطاع الله، وفارقه وجب عليه العذاب، والولد من الأب، وليس هو هو في الأحكام والتشخيص، يعني أَنَّ كُلَّ شيء شيء أصله متولد مني، ومَن أحبّه إنّما أحبه لرجوعه إلى الاتصاف بصفاتي، ومن عصى فقد خرج عني، فأنا كالبحر العذب الحلو فيؤخذ من قعري التراب، ويعجن بذلك الماء فيصوّر منه أشخاص، ويشرب مني، وسعد مما أسقيه من الأشجار فإن أحييته فللنسبة، وإن عصى فأبغضته فلخلافه وفراقه، وكراهيته ألفتي، وإن كان كله مني كان كونه فقد تشخص. فافهم
ذلك.
(1) ما بين المعقوفين ساقط في س: والزيادة من الأصل.
454 (1/454)
صفحة 455
قال:
458 - ومن عهد عهدي قبل عَصْرِ عناصري إلى دار بَعْثِ قبل إنذار بعثتي يقول: ومن عهدي أي زمن عهدي أي علمي ومحبتي، وإلزام الطاعة لي من حين ظهور النور الأعظم في أول الإيجاد قبل وجود الزمن وغيره، وقبل عصر؛ أي زمان عناصري، أي تركيب صورتي البشرية، أو صور الموجودات كلّها أني رسول إلى دار بعث، وهو دار إيجاد الوجود، وبعثها إظهار وجودها بعد عدمها، وقبل إنذار بعثتي، أي قبل ظهوري في مكة [88] والمدينة رسولاً إلى الخلق أنّي رسول إلى كافة الوجود؛ لأني كنت أوّل معاهد لله بعبادته يوم كنت نوراً في أول الإيجاد، وعبدته، وثبت ذلك لكلّ شيء وجد من نوري، ولم يضيع فصرت إمام المتوجهين إلى الله بالعبادة والطاعة، وكلّ شيء متوجّه إلى توجهي لله تعالى، ويعبدون الله، عبادتي، ويطيعونه مثل طاعتي، ففي المعنى فيهم كالرسول إليهم، ولو لم يشاهدوني؛ لأنَّ الرسول رسول إلى كلّ أمة ولو لم يشاهدوه، ولو بلغ امرؤ قول رسول قوم، وهو من أمته ولكن لم يسمع باسم الرسول، وعبد الله بما جاء به ذلك الرسول لكان هو رسول إليه وعليه ومن أمته، فكلّ شيء من جهة الأكوان لم يضيع ما ثبت له من الطاعة بعهدي القديم فهو في المعنى الباطني الحقيقي من
محمد.
قال:
،
أمة
459 - - إلي رسولاً كُنتُ مِنْيَ مُرْسِلاً وذاتي بآياتي على استدلّت يقول: وفيه تقديم وتأخير، وتقديره كنت مرسلاً رسولاً منّي إليّ، بفتح الياء وتشديدها: أي إلى ذاتي وذاتي استدلت عليّ، بفتح الياء وتشديدها: أي على ذاتي بآياتي، أي بقوى ذاتي الأربع التي هي السمع والبصر، والنطق والقدرة، وأراد هنا الرسول هو إرساله رؤية ذات روحه إلى العالمين الغيبي والشهودي، ورؤية ذاته إلى عالم الشهود بقوة قدرتها فأتت له من العلم الإلهي هي رسل إليه، فالرؤية رسله، ورجوعها رسله إليه، وبحقها أرسل رسله إليه، ولكلّ مَنْ عبد الله ولكن هنا يشير إلى ثبوت قوة الاختيار للمرء، وثبوت صحة الأسباب، وكذلك قوله ذاتي بآياتي، أي بقوى ذاتي الأربع، فهي آيات للذات الإنسانية، واستدلالها على ذاتها معرفة الذات نفسها بهذه القوى، وأنه يمكن أن يستكشف
455 (1/455)
صفحة 456
بها الحقائق، والعلوم الشريعة بالسماع وبالنطق، وبالقدرة بمظاهرها الظاهرة في هيكل جسدها، فمن شاء فليجتهد فإنّ الذات عارفة أنها ما خُلِقَتْ إلا للعبادة، وهي ميسرة بهذه القوى، ومعرفتها بها، ووجودها في الكتب الإلهية وآثار العلماء أهل الاستقامة في الدين،
فافهم ذلك.
قال:
460 - ولمَّا نَقَلْتُ النَّفْسَ مِن مُلك أرضها بحكم الشرا منها إلى أرض جَنَّةِ (1) 461 - وقد جاهدت فاستشهدت في سبيلها وفازت ببشرى بَيْعِها حين أوفتِ 462 - سَمَتْ بي لجمعي عن خلود سمائها ولم تَرْضَ إخلادي لأرض خليفتي يقول: ولما نقلتُ رؤية عين النفس من ملك أرضها، أي من رؤية عالم الملك بالرؤية الظاهرة المجرّدة عن الرؤية إلى حقائقها بحكم البيع مني بيع القطع، والشرا من الحضرات الإلهية الجمعية بشرط التجرّد والخلا عن كلّ حاجب مانع عنّي إليها، إلى أرض جنة: أي إلى أرض خلع البقاء، والخلود الدائم فيها، وهي الصفات الإلهية التي يصح أن يتخلّق بها، ويخلع عليَّ فيها. قوله: بي يسمع، وبي يبصر، وبي يعقل، وبي يبطش، وبي ينطق، وبي يتحرك، وبي يسكن، وما خلد أهل الجنة في نعيم إلا لخلع صفات الخلود عليهم في الدنيا ممّن خلع عليهم، أو من ثبت لهم خلع آبائهم، وأبيهم آدم، ونور النبي وقوله: وقد جاهدت في إتمام العهد، وفي ذلك إشارة أنَّ التمني للكمالات بغير سعي لها، وأنّ بينه وبين الحقيقة والاستقامة، والكمالات أمور صعبة كالجهاد للأعداء بالسيوف. وقال: فاستشهدت أي فماتت بالسيوف، وقال فاستشهدت أي فماتت في سبلها، أي في سلوكها إليها موت خضوع لها وخشوع وإذعان، وتجريد من كلّ شيء سواها؛ لأنَّ الميت لا يشغله شيء أبداً، فكذلك هو لا يشغله إلا محبوبه، لأنَّ موته به، وإليه، وفيه، وله، وفازت ببشرى أي برجاء قبول بيعها، أي ذاته لها، أي إلى الحضرات حين [89 و] أوفت الحضرات أنّها لنقلتها عهداً منها أنّ سبب الوصول فقتلتها ففرحت بالقتل حين أَوْفَت، ويحتمل أنَّه أراد وقت ذاته بما عليها من الشرط، والأول أصح، والغالب في كلمة [أوفت] بغير ألف وإنّما استعملها فاستحسنها لإقامة الوزن، فلما وفت بالقتل سَمت (1) في الديوان [ملك] بدل [أرض].
456 (1/456)
صفحة 457
جمع
بي، أي غلت بي لجمعي، أي إلى حضرات جمعي، وهي معي، وهي أحدية الجمع، أو أحدية. الجمع. عن خلود سمائها: أراد هنا [عن] بمعنى [على]، أي على خلع خلود بقاء سمائها هو عالم العلم، وعالم الغيب، وهو العلم المتجلّي به الله في كلّ شيء من العوالم، وهو علم صفات الله تعالى، والخلع التخلّق بكمالها بكل اسم، وصفة يصح أن يتخلّق بمعناه، ويتوالى أمره حتى تكون كلّ قوة من قوى ذاته بيده، أمرها، ولم يرض إخلادي أي بإخلادي لأرض، أي أرض خليفتي، وهو آدم ال حين طلب الخلود فيها فأكل من الشجرة طلباً للخلود في الأرض، وسماه خليفته؛ لأنه في الحقيقة الباطنة المعنونة هو ابنه،
وإن كان [أباه] (1)؛ لأنه وجد ممّا وجد من النور الأول المحمدي، فافهم ذلك.
قال:
463 - وكيف دخولي تحتَ ملكي كأوليا ء ملكي وأتباعي وحزبي وشيعتي يقول: وكيف دخولي تحت ملكي: ومعنى التحت هو معنى التملك قوله تعالى حاكياً عن قول فرعون: {وَهَذِهِ الْأَنْهَرُ تَجْرِى مِن تَحْتِى (2)، ويكون معنى التحت نقيض الفوق، والمعنيان يتوجهان في معنى الاتحاد لها أنّها كلها وجدت لأجل الذات الإنسانية ليتصرف فيها بعلم ذاته فيها بالعلم بالله، ليتّسع نور علمه بالله فيها، وهو نور الله تعالى الذي تجلّى به على ذات عبده الولي المكاشفة بحقائق الوجود ليتَّحد فيه علم الله، وعلمه بالله تعالى فيها، وإن كان علم الله أجلَّ من علم المرء حتى كاد أن لا يسمى علماً لقلته، ولكن وإن قل فيما تجلّى الله به بعلمه فيها لا يجوز أن يخالف علمه علم الله تعالى، وإلا فهو شك، وأراد بقوله: كيف دخولي تحت ملكي: أي كيف أدخل تحت ملكي، وأجعل ملكي هو المتصرف بذاتي يحجبني عن مشاهدة الله تعالى وفي الحقيقة هو ملكي، أي أنا القادر على كشفه، والمتصرف فيه بعلمي بما تجلّى الله تعالى عليّ فيه من العلم به، وفي الحقيقة جميع الموجدات هي ملك للذات، وإن كان كلّ الوجود هو ملك لكلّ عبد مكاشف بها فكيف النبي صلى الله عليه وسلم لا يقول: كل الوجود ملكي؟ ومعرفة ذلك معرفة تحقيق نعم الله على العبد، فكيف لا يعترف به شكراً لله تعالى؟ وكيف يشغله أو يلهيه ما هو ملكه، ويقدر
أنَّ.
(1) في الأصل و [س]: [أبوه]، وجعلناها [أباه] على تقدير: كان آدم أباه، خبر كان الذي يلزم أن يكون منصوباً، وشرح الشيخ ناصر فيما بعد هذه الأبوة استناداً إلى الحديث النبوي السابق. (2) الزخرف، الآية 51.
457 (1/457)
صفحة 458
أن لا يشغله عن مشاهدة جمال حضرات المولى العظيم، ولا يصرف شغلها عنه؟ أم كيف لا يكون كما قال فلا أكون كأولياء ملكي، أي كالذين ولوا ملكي حتى صار ملكاً ملكاً لهم؟ وهم ملوكه هم وأتباعي وشيعتي وأنا ملكهم، فكيف لا أكون مثلهم؟ بل كيف لا أتعدّى وأنا ملك، الملك لي مملوك؟ وإذا كان كلّ الوجود ملك المرء، مسخّر له أن يجول فيه علمه فكيف يجعل المرء ذاته ملكاً له يلعب بذاته ويخضع له، ويخدمه، ولا يجعل نفسه هو الملك عليه، ويسخّره في قبضته؟ فافهم ذلك.
ظهورهم
قال:
به مَلكُ يُهدى الهدى بمشيئتي
464 - فَلا فَلَك إلا ومن نور باطني يقول: تعظيماً لحضرة العلم حضرة أحدية الجمع فلا فلك من الأفلاك العلوية، وهي السموات، إلا وبه ملك منّي يكون نور باطني؛ لأنَّ نور باطني هو نور المعرفة، وهم مكوّنون من نور المعرفة.
لأَنَّ
وقوله: يهدي، أي يكشف له الهدى بمشيئتي أي بعلمي، والعلم الإلهي المتجلّي حقيقة العلم تنادي بإرادة كشف الهدى لجميع العباد، وبإرادة الطاعة لله تعالى، وهكذا كلّ علم في أحد، وفي الوجود، وإنّما قدّم نفسه عليهم لقدم نور علمه في
بذاتي؛
أول الإيجاد.
قال:
[89] 465 - ولا قطر إلا وهو من فيض ظاهري به قطرة عنها السحائِبُ سَجَّتِ (1) 466 - ومن مطلعي النور البسيط كلمعة ومن مُشرعي البحر المحيط كقطرة يقول ومن مطلعي أي من مشرق نوري العلمي هذا النور البسيط الذي هو نور الشمس، ونور جميع الأنوار ما هو إلا كلمعة خفيفة أدنى ما يسمى لمعة، وقوله: ومن مشرعي البحر المحيط كقطرة له معنيان: إنَّ جميع ما شرع من العلم ليس هو [] (2) من علم الله تعالى، والوجه الثاني: أنَّ كلّ ما ظهر في الوجود، وشرع من البحر المحيط
(1) في الديوان: [حلّ] بدل [وهو].
(2) ما بين المعقوفين كلمة لم أتمكن من قراءتها.
458 (1/458)
صفحة 459
المتجلّي به الله تعالى الذي هو العلم الإلهى، وتجلّى به على الذات الأحمدية لا يكون كقطرة، وما ظهر للخلائق من نور ما تجلّى به على الذات الأحمدية ليس كقطرة عن
بحره.
قال:
467
-
فكلّي لكلّي طالب متوجه وبعضي لبعضي جاذب بالأعنة يقول: فكلّي: وأي فكلّ جزء من أجزاء ذاتي وقواي طالب متوجه لكلّي، أي لذلك العلم بالتوجّه إليه، وبعضي لبعضي جاذب بالأعنّة: أي بالزمامات التي تقاد بها الدواب، وهذا المعنى قد مضى بيانه أنَّ روحه يجذبها حبّها إلى رؤية أفقها الذي هو العلم الغيبي، ونفسه يجذبها بما شاهده من الحضرات المتجلّية في الموجودات فتطلب نظرها من أفقها الأعلى، وكلّ ذرة من ذراته لتجلّي تلك الحضرات المتجلية في مظاهر الوجود والهة إلى ما ولهت إليه النفس فيجذبها الحبّ بنظرها إلى حبّ النفس إلى ذلك، وإنما يتكرر المعنى باختلاف الألفاظ؛ لأنه يكشف أنّ حقيقة الوجود كلّها تؤول إلى معنى واحد، أي إلى
حقيقة واحدة.
قال:
468 – وما كان فوق التحت والفَوْقُ تحته إلى وجهه الهادي عَنتْ كلُّ وجهة (1)
هو
يقول: وما كان فوق التحت هو فوق كلّ شيء بالمعنى؛ لأنَّه لا يكون شيء إلا ما. فيه علمه، فهو محيط بكلّ شيء، وما كان هذا الفوق هو تحته، أراد الأعلى منه وهو القلم، وأراد أن جميع ما هو تحت اللوح من طبيعة كبرى ناسوتية، وسموات وأرض، وما فيهما وما بينهما، وما فوق اللوح من القلم، أما العرش والكرسي (2) فقد اختلف أهل العلم فيهما فقيل: عرش الله علمه المتجلّي به الذي من نوره وجد النور الأول المحمدي، وقيل اللوح، وقيل فلك محيط بجميع الوجود الكوني، والكرسي فلك تحته، وقيل العرش هو فلك محيط بالموجودات، وهو على صورة إنسان والكرسي رأسه، وقيل الكرسي علم الله المتجلّي به، وبالجملة فهما إن كانا معناهما علم الله فعلم الله غير مخلوق الذي نفسه
(1) في الديوان: [ومن] بدل [وما]. (2) مرَّ الحديث عن [العرش] و [الكرسي].
459 (1/459)
صفحة 460
لم تزل عالمة، وإن كان معناهما غير علم الله فهما مخلوقان وداخلان في إشارة قوله: ما فوق التحت والفوق تحته، والمعنى فوق الفوق، وقوله: إلى وجهه الهادي عَنَتْ كل وجهتي: أراد أنَّ الجميع متوجّه بالإتمام إلى توجّه ذات النبي صلى الله عليه وسلم لله؛ لأنّ كلّ شيء متوجه إلى العلم بالله، والإقرار به، والاستسلام لأمره، والافتقار إليه، وبالطاعة له جلّ جلاله في كل شيء، وأما المتوجهون إلى الله بكل شيء لله ذات النبي صلى الله عليه وسلم، فهو بالمعنى الأيمامي (1 قبلة كل شيء متوجه لله.
قال:
وشرح
469 - فَتَحْتَ الثرى فوق الأثيرِ لِرَتْق ما فتقتُ وَفَتْقُ الرَّزْقِ ظاهرُ سُنَّتي يقول: فتحت الثري: أي فإنّي أرى حضرات أحدية الجمع مجملاً وتفصيلاً في كلّ ما كان من شيء تحت الثرى، وهو التراب الثري بالماء وتحته بحر الماء، وذلك يدلك على أنّ الأرض سطحت على بحر الماء، وقد يضطرب فيخرج من اضطرابه بخار صاعد بحرارة الطبيعة فيعلو سحاباً، وينعكس ببرد الهواء ماءً، أو تهلكه حرارة الهواء فيذهب، ويعلو باضطرابه على وجه الأرض فتنفجر [90 و] الأنهار ماء سحابه، وتفجر أنهاره، ذلك يطول به الكتاب. ويحتمل أن يكون أشار بالثرى إلى كرة الأرض، وهو الذرّ الطائر في الهواء، وتراه ما كان منه ممازجاً كرة الماء، وهي الرطوبة التي هي فوق كرة الأرض، فجمع كرة الهواء لرطوبته، وكرة الماء لرطوبة، وكرة الأرض الممازجة لكرة الماء والهواء ثرى فوق الأثير، حذف الواو لإقامة الوزن. وفوق، أي وما كان فوق الأثير، والأثير كرة النار، فذكر كرة النار، وتحتها كرة الهواء، ثمّ كرة الماء، ثم التراب، ثم الامتزاجات حتى صار التراب ثرى، فنبّه في معرض كلامه إلى عظيم طويل شرحه، وما تحت هذا الثرى الأرض كلّها، وما فوق هذا الأثير السموات وما فوقها من العوالم وما فيهن إلى عالم العلم، وفي كلّ ذرة من ذلك أُري حضرات جمعي، وكلّ ذلك جعل كذلك لرتق، أي لأجل ما فتقت لجمع الحضرات الظاهرية حتى تلتقي الرؤيتان إلى علم واحد إلهي ليس شيء خلاء برؤية عيون النفس والروح والحضرات الباطنية الغيبية، وبرؤية عين الروح عن العلم بالله أبداً، وفتق الرتق ظاهر سنتي، أي فتق رتق اجتماع الحضرتين
(1) كذا في الأصل و [س] ولعلّها [الأمامي].
460 (1/460)
صفحة 461
حضرة واحدة، ورؤية جميعها، مع أني أرى هذه الحضرات كما هي على الانفراد، وتلك من تلك الجهة الغيبية كما هي من عادتي ورغبتي؛ لأني أراها بعين [الجميع مع أني أرى الوجود كما هو والحضرات من كلّ شيء، ومع ذلك أرى هذه الحضرات من باب عالم]
(1) الغيب كذلك، أي عيون عقلي حاضرة إلى الجهات كلّها، فافهم.
قال:
470 - ولا شُبهة والجمعُ عَيْنُ تيقن ولا وجهة والأين بين تشتت (2) يقول: ولا شبهة: أي لم يَبْقَ شيء في الوجود إلا ويتجلى لي فيه بقوة الحضور والمشاهدة حضرة أحدية أراه فيه عين تيقن وأراد هنا العين ذات اليقين، وهي حق اليقين، أي ولا حضرة الجمع أراها فيه حقّ تيقن أي بحق التيقن بمظهر مستتر فيه كمظاهره في الوجود لا يراه إلا بمعرفة ما يدل عليه العلم؛ لأنَّ الجمع هو عين تيقن من غير حجاب، ولا جهة له: أي ليس له جهة أتوجه إليه دون جهة، ولا أين بين تشتتي: أي ولا مدة تحيل بيني وبينه فيكون ذلك سبب تشتتي، أي تفرّقي فيما بيني وبينه.
قال:
6
471 - ولا عِدة والعد كالحد قاطع ولا مُدة والحد شرك شترك مؤقت يقول: ولا عدّة هنالك فإنَّ العدد كالحد قاطع، أي مميز بين المعدود، ولا مدة: لأنَّ المدة زمان لها أول وآخر وهو عدد، وذلك تحديد لذلك النور؛ لأنه غير متجزيء بعد
6
ولا بمدة ولا بجهة عني فالحدّ أي والتحديد بالعدد شرك مؤقت أن يكون لي شريك في وقتي ذلك؛ لأنَّه يكون ذلك النور نورين؛ لأنَّه لا بين من وجود الخلاء بين النورين، فيكون الخلاء موجوداً من غير النورين، ويكون موجوداً من غير نور المعرفة بالله، ويكون بذلك شريك لي في أوّل الوجود، وكذلك لو كانت هنالك جهة، أو أين، أي مكان، وموضع، أو متى، أي زمان، ومدة، ووقت، ويوم، وكلّ هذا موجود من نور المعرفة بالله، والعلم به العلم الموجود أولاً من تجلّي صفاته، فافهم ذلك.
(1) ما بين المعقوفين ساقط في الأصل والزيادة من س. (2) في الديوان: [ولا جهة] بدل [ولا وجهة].
461 (1/461)
صفحة 462
قال:
472 – ولاند في الدارين يقضي بنَقْضِ بنيتُ ويُمضي أمره حكم إمرتي يقول: ولا ندَّ لي: أي ولا مثل لي في جوهري، ولا في أحكامي، ولا معاند لي يقضي، أي يحكم بنقض ما بنيت في العلم الأول ممّا سيكون، ورسم في اللوح المحفوظ إلى يوم القيامة، ويكون بقدر أن يمضي أمره، أي حكمه بخلاف حكم إمرتي، أي إمارتي وولايتي التي وليتها في العلم الأول ثم ما سطر في اللوح. وأضاف تسطير ذلك إلى نفسه؛ لأنّ ذلك هو من نوره فلا يقدر أحد أن يخالفه ويمضي بخلافه؛ لأنه سطر العلم به لم يسطر خبره، وكذلك في الآخرة، وإن كان إنَّما سطر في اللوح إلى يوم القيامة فإنّ أحكام الآخرة لا تختلف عن العلم الأول، ولا تختلف صفات الإحسان، واللطف، والجمال، والكمال، والعلم بالله وكلّ جمال مطلق في [90 ظ] الآخرة عن معناه في الدنيا، وفي العلم الذي أنا خلقت من نوره، فصح أن جميع الوجود في الدنيا والآخرة، ومددهما هو من ذلك العلم، وقد جاء بعض من بيانه ما سيكون في الآخرة، وهو من العلم والعلم هو من ذلك النور، فافهم.
[بيان] (1) فإن قيل: ما معنى كشف حقيقة النبي هو توحيد الله تعالى؟ قلنا: من وجوه أحدهما: إذا كان هذا لطف الله بعبد من عباده تجلّت لك (2) عظمة
لطف الله.
والثاني: إذا كان هذا جمال عبد من عباده، وكمال خلق من خلقه، وعلم القلم علم من كونه وجلال نور كوّنه الله تعالى وهو علم به فما علمك بكمال وجلال وجمال الله المطلق؟
والثالث: كشف الحقائق، ومعرفة الله بها بتحقيق حقيقة النبي، فإن قلت: قد علمنا ما قلته فيه، ولكن قلت: إنَّه لا يخفى عليه شيء في الوجود فأقل شيء هل يفهم من يكلّمه باللغة الفارسيّة؟ فأقول: ليس المراد كذلك فلا تضل، ولا تضلل من وصفه بانكشاف
(1) ما بين المعقوفين ساقط في الأصل، والزيادة من س. (2) في س: [له] بدل [لك].
462 (1/462)
صفحة 463
حقائق الموجودات، فإنّه متى تكلم المرء باللغة الفارسية علم ما يقوله [كلامه] (1) بلسان الحال من توحيد الله، ودلالاته على كلّ شيء من العبارات التي تدلّ عليه الموجودات من صفات الله، وصفات ذاته، وصفات أفعاله وأحكامه إلى غير ذلك. وقد يتجلى للمرء
من الدلالة من ذلك معنى من هذه المعاني إلى ما فوق ذلك إلى ألف معنى، والنبي يرى من المعاني كلّ ما يدل عليه ذلك، وتعبّر عنه العبارة بلسان الحال كما هو متضمّن فيه في العلم الأول النوري، وفي الحقيقة إنّ ذلك النور العلمي لا يحيط به مخلوق لا نبي ولا مَلَك، وإنّما لكلّ أحد مرتبة، والنبي أعلى مراتب الخلق في تجلّي ذلك النور عليه، وفي إحاطته ما يدلّ عليه كلّ شيء من الموجودات، وذلك العلم هو الذي ظهر بمظاهر الموجودات في الدنيا، وهو الذي يظهر من مظاهر الآخرة، فهذا هو الصحيح من القول وصحٌ أنّما مراد الناظم [كشف] (2) دلالات المخلوقات على قدرة الله وجلاله، وكماله، وجماله، وكرمه ولطفه، وقدرته، وأنّه لا يختلف ما كان في علمه وسيرته في كشف فضيلة المصطفى عليه أفضل الصلاة والسلام.
قال:
473 - ولا ضد في الكونين والخَلْقُ ما ترى بهم للتساوي من تفاوت خلقة يقول: ولا ضدّ في الكونين أي الأول العلمي والكون الثاني الوجودي (3) والكون الدنياوي والكون الأخراوي، مع أنّ الخلق ما ترى أي كما ترى من تفاوت خلقه، أي خلقهم وخُلقهم، فإنّه للتساوي بين ذلك وبين ما هو في العلم الأول فما كان في الأول فهو الظاهر في الوجود الدنياوي والأخراوي، وكلّ حكم ذلك بالتساوي للعلم الأوّل، ووجه آخر أنه ليس شيء يخالف دلالته في الله دلالة الآخر، فافهم ذلك.
قال:
474 – ومني بدا لي ما علي لَبِسْتُه وعني البوادي بي إليَّ أُعيدت يقول: وقالت، وفيه تقديم وتأخير، وتقديره وما لَبَسته - بفتح اللام، والباء - علي - بفتح
(1) ما بين المعقوفين ساقط في س، والزيادة من الأصل. (2) ما بين المعقوفين ساقط في الأصل، والزيادة من س. (3) في س: [الوجود]، وما في الأصل يستقيم به الكلام.
463 (1/463)
صفحة 464
الياء- أي الذي علي هو لي، ومنّي ظهر من لباس أنوار الجمال، والكمال الذي لا يتناهى، ولا غاية له هو مني، وهو صفات ربّي، وهو صفاتي وذاتي؛ لأنَّ العلم ذاته هو العلم نفسه لا غيره، وقد صرت كمالاً لذاتك لتكمل ذاتك بكمال لا نهاية له ولا غاية، وتتحد صفاتك بصفاتي، وكمالك بكمالي، وعنّي صدرت البوادي، أي كل ما تبدى من العلوم فهو منّي، وبي كان ظهورها، وإلي أعيدت، وكلّ علم فإليَّ يعود، وأراد بذلك أنّ كل علم يرجع إلى المتجلي به الله تعالى على القلم الأعلى في أول الإيجاد، وهذا خطاب ذلك العلم هو هذا
العلم المتجلي في جميع الوجود لا غير، ولا يجوز أن يختلف، فافهم ذلك.
قال:
[191] 475 - وفي شهدت الساجدين لمظهري فحققت أني كنتُ آدم سجدتي يقول: وشهدت في بكسر الياء وتشديدها أي في نوري الأول، وهو العلم الأول، جميع الساجدين بمظهري: أي في حال ظهوري في الوجود وظهوره هو، وإنَّما أضاف ظهورهم بمظهره؛ لأنَّ ظهور جميع الوجود من ظهور نوره وجوداً في الوجود فحققت في ا سجود آدم، وسجود الملائكة بسجوده إماماً لهم في السجود أني أنا كنت ذلك الساجد، وأن سجدة آدم هي سجدتي، وسجود الملائكة هو سجودي؛ لأنهم كذلك كان سجودهم في ذلك العلم، وأنا أشاهدهم، وكذلك أشاهد شهود الساجدين من غير تمييز لكلّ واحد منهم مصوّر الشخصية؛ لأنّ نوري واحد علمي غير متميز أقساماً كما ذكرناه.
قال:
أكفاء
رتبتي
476 - وعاينتُ روحانية الأرضين في ملائك عليين يقول: وعاينت روحانية الأرضين، أي جميع أرواح وأنفاس وأشخاص وأهل الأرض في ملائك عليين، أكفاء رتبتي: أي في تلك الرتبة كلّهم في العلم سواء من أن يكون صوراً متميزة؛ لأنها لم تتميز صورهم مثالات إلا في اللوح المحفوظ.
قال:
464 (1/464)
صفحة 465
(1)
477 - ومن أفقي الداني اجتدى رفقي الهدى ومن فرقي الثاني بدا جَمْعُ وحدتي يقول: ومن أفقي الداني اجتدى أي طلبوا جدوى الهدى، أي طلبوا إعطاء الهدى، رفقي: أي أصحابي أهل الإيمان المخلصين لله بجميع الطاعة التي تعبّدهم بها، ومن فرقي الثاني [أي ويطلبوا الهدى من فرقي الثاني] (2)، وهو ظهوري عليهم كأني بلا جمع وحدتي، أي كأني لا أشاهد تلك الحضرة فأكثرهم لا يعرفونني إلا بهذه الأخلاق الظاهرة التي هي في الظاهر لا يصح معها أن أكون لا أغفل طرفة عين عنها؛ في قلوبهم تجتمع الأشياء في قلب كما قال الله مَا جَعَلَ اللهُ لِرَجُلٍ مِّن قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ (3) فهم يهتدون بظاهري، وأهل الحقيقة، وبواطن جميع أهل الإيمان من أهل السموات والأرض، مَنْ عَلِم ومن لم يعلم، يطلبون هدى باطني الذي هو ذلك العلم.
قال:
لأنَّه
لا
478 - وفي صَعْقِ، دَا الحس خرت إفاقةً ليَ النَّفْسُ قبل التوبة الموسوية يقول: وفيه تقديم وتأخير، وتقديره ومشاهدتي في العلم الأول في صعق موسى ال بسبب رؤيته بحاسة العين دك الجبار الذي هو من عالم الحسّ، أي المحسوسات، خرّت لي: أي إلى النفس طائعة مذعنة إلى ما أريده بها إفاقة، نصب إفاقة للمفعولة له، أي لأجل إفاقة حصلت لها حين شاهدت بالعلم فلم تصعق؛ لأنها لو صعقت لذهب عقلها عن المشاهدة، ولم تذعن منجرة بالطاعة؛ لأنّ المراد بها دوام المشاهدة، وأنا أشاهد الاندكاك في ذلك العلم قبل ظهور التجلي على موسى ال، وقبل ظهور التوبة الموسوية، وأراها في ظهورها لموسى لقوله: [لو كُشف الغطا ما ازددتُ يقيناً].
قال:
479 - فلا أينَ بعد العين والشكر منه قد أفقتُ وعَيْنُ العين بالصحو أضحَتِ يقول: فلا: أين أي انتهيت إلى مقام لا مقام لأحد غيري فليس فيه لأحد أن يفيق إلى أين، إذ لا أين بعد العين، أي بعد حصول عين الشيء وعين المقصود، يقال للمرء إذا
(1) في الأصل و [س]: [فرقتي] بدل [وحدتي]، وأثبتنا ما في الديوان لتلاؤمه مع السياق والشرح معاً. (2) ما بين المعقوفين ساقط في س، والزيادة من الأصل. (3) الأحزاب، الآية 4.
465 (1/465)
صفحة 466
ظفر بمطلوبه: إلى أين فلا أين بعد العين (1)، أي بعد حصول عين المراد، وعين الشيء ذاته، وقوله والسكر منه قد أفقت لأنَّ الساكر غير محصل على كمال النظر إلى الجمال وتحقيقه، بل هو ذاهب الفؤاد زائغ و أما أنا مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى (2)، وعين، أي وسحاب العين، أي الحجاب الذي هو الفناء في السكر بالصحو، أي بسبب الصحو، أصحت: أي أصبحت بسحب الحجب بالصحو، أي لإفاقة صاحبه.
* *
*
(1) الوارد في كتب الأمثال: لا أطلب أثراً بعد عين، ومعناه لا أترك الشيء وأنا أعاينه، ثم أتتبع أثره حين فاتني. ينظر
جمهرة الأمثال العسكري، 389/ 2، والعين للخليل، ص 598.
(2) النجم، الآية 17.
466 (1/466)
صفحة 467
الباب السادس عشر
في المحو المحمدي والصحو ونتائجهما [91 ظ] بلسان مقامه، وكماله.
قال:
480 - وآخر محوِ جَاء خَتمي بعده كأول صخو لارتسام بعدة يقول: وفيه تقديم وتأخير، وتقدير البيت وآخر محو ختمي في مراتب الرسل والأنبياء والأولياء جاء بعده في حقي، ومشاهدتي لحضراتهم تلك كأني في أول صحوي الأول الذي حيث لم أدخل في فناء الذات في الحضرات بعد أصلاً، وذلك أنَّ الصحو في اصطلاح أهل هذا العلم (1) في التسمية على وجهين الصحو الأول: القيام بأداء كمال الطاعة لله تعالى بالشريعة والحقيقة، باللازم والمندوب فيهما عملاً وتركاً، إلا أنه لم يسلك طريقة وسائل التجريد والمحبة ووسائل المكاشفة للحضرات الإلهية، فهو في مقام الصحو والمحو معهم هو محو الحجب والأغيار ومن رؤية نفسه بالرؤية إلى حقائقها علماً توحيدياً يرى الله تعالى بصفاته في كلّ شيء يراه بقوة الحضور والمشاهدة، وبقوة المحبة لله تعالى، والرغبة إليه، ومحو حبّ الأغيار إلا ما يحب الله تعالى له أن يحبّه فهذا هو المحو الأول، ولكل مقام محو، وكلّ مقام هو على درجات كثيرة، وذلك معنى قوله لارتسام بعدّة أي ثبوت رسم المحو، والصحو أنّهما بعده مراتب كثيرة، وأنّ لكلّ ذات امرئ مقاماً (2)، ومعلوم أني أول السابقين إلى الله تعالى، وأول العابدين يوم كنت نوراً في أول الإيجاد، وإمام المتوجهين، وأفضل الخلائق أجمعين، وهذا هو الدليل على أنَّ آخر مراتب محو ختمي للأولياء هو أول درجات صحوي، ومن بعده درجات محوي، فلو لم يكن اسم المحو على درجات لم يكن لي ذلك فضل فيه عليهم.
(1) مر الحديث عن الصحو.
(2) في الأصل و [س]: [مقام]، وما أثبتناه الصواب.
467 (1/467)
صفحة 468
بيان
فالمحو الأول والفناء فيه هو مثل الحضرة والحضرتين إلى تمام الحضرات الظاهرية بأسمائه الفعلية، والمحو الثاني هو مثل المحو والفناء فيه بتمام مشاهدة الحضرات الباطنية بالأسماء المشتملة على اسمه الباطن، والمحو الثالث والفناء في مشاهدة الحضرات كلها جملة واحدة متعدّدة، وهي حضرة الجمع، وجمع الجمع، وهذا المحو هو آخر مراتب السالكين، والمحو الرابع محو النبي، وهو أن يرى حضرات الموجودات السفلية، والعلوية، واللوحية، والعلمية والعلمية الأولى كلّها في رؤية واحدة، إلا أنه تذهب رؤيته عن المظاهر في محوه، وتبقى رؤيته في العلم الظاهر في المظاهر ويراه هو الذي يراه في
أفقه، فافهم ذلك.
قال:
48 – ومأخوذُ مَحْو الطَّمْس محقاً وَزَنْتُه بمحدودِ صَحْوِ الحَسَ فَرْقاً بِكَفَّةِ يقول: ومأخوذ: أي الذي أخذه محو الطمس محقاً بفناه عن كلّ شيء سوى الحضرة المحبوبية في مقام جمع الجمع، أي الجامع بين الحضرات الظاهرية والباطنية، وزنته في احتجابه عن رؤية حضرتي، وزنته محوي ومحقي بمحدود بمقطوع صحو الحسّ، أي بإلقائي عن جميع المحسوسات فرقاً: أي مفارقاً لها منفضّاً صحوة عنها لم تبق فيه بقية رؤية إليها لفنائه عنها، وهي المرتبة الأولى في الفناء في مراتب الفرق في الحضرات الظاهرية، فلما وزنتهم في عدم مشاهدتهم لحضرتي، وفنائي، ومحوي، وطمسي، ومحقي وجدتهم على بعد هؤلاء أهل الفرق من مرتبتي، وقرب أولئك أهل الجمع لحضرتي كلهم في كفة واحدة، فإنّ الطالب لرؤية البيت الحرام [بين الناس] (1) السالك إليها من أقصى بلدان المغرب الواقف، والواصل إلى الحديبية في عدم المشاهدة لها بالسواء.
بيان
وفي اللغة أنَّ المحو إزالة الأثر، والطمس هو المبالغة في الإزالة، والمحق الإعدام أصلاً، وفي اصطلاح أهل التحقيق أنّ المحو رفع أوصاف العادة، وذهاب للعلة التي
(1) ما بين المعقوفين ساقط في الأصل، والزيادة من سر
س.
468 (1/468)
صفحة 469
بوجودها توجد أوصاف العادة، وبذهابها تذهب، والطمس (1): رفع جميع الأوصاف، والمحق: الاستهلاك، وبيان ذلك أنَّ المحو محو المألوفات النفسانية، والباعث إليها، والطمس [92 و] ذهاب صفات النفس، وتجريدها حتى لا تكون لها إرادة إلا فيما يحبّه لها، وفيها مكونها، والمحو محق صفات الروح من طلب الحظوظ الدنياوية والأخراوية، حتى لا تبقى لها إرادة، ولا محبة إلا فيما يحبّه.
قال:
482 – فنقطةُ عَيْنِ الغَيْن عن صحوي انمحت ونقطة عين العين محوي ألغت يقول: وقد مثل رؤيته إلى عين أي ذات حضرة أحدية جمع الجمع، أي ذات ذلك العالم العلمي الأول الموجود في أول الإيجاد مثل رؤيته إلى عين الشمس، أي ذات الشمس، ونفسها الآن عين الشيء ذاته، والعين عين الإنسان التي ينظر بها، والعين حرف غير منقوط والغين المنقطومة اسم للغيم وهو السحاب الرقيق (2)، والغين حرف منقوط، واستعار نقطة حرف الغين من غين السحاب إلى النقطة الصغيرة من السحاب التي هي مثل نقطة حرف الغين التي (3) في الكتابة، واستعار نقطة الغين التي هي عين الإنسان من رَمَد أو من علة، فإذا عرفت ذلك فهو يقول: فنقطة حرف الغين التي تنقط بها في الكتابة كلمة الغين، وهو الغيم الذي هو في قلته مثل نقطة كلمة اسمه امحت عن صحوي، أي عن رؤيتي ومشاهدتي، وعن أفقي الذي هو العالم العلمي النور الأعظم، ومن لم يكن من الغين، أي من سحب الحجب حتى نقطة، ولا أقل منها، ولا شيء أبداً حائل بينه، وبين المشاهدة لم يَرَ إلا العين، أي ذات العلم الذي به يرى الله بصفاته بقوة الحضور، والمشاهدة، وأما الذات فإنّها لم تتجلَّ (4) حتى لذلك العلم المجرّد، فلذلك لا يرى به، ولا يراه أحد لا في الدنيا ولا في الآخرة؛ لأنَّ ذلك العلم [هو العلم] (5) الخالد الباقي الذي
من
(1) الطمس ذهاب سائر الصفات البشرية في صفات أنوار الربوبية، أي تفنى صفات العبد في صفات الحق تعالى، ينظر. موسوعة الحفني، ص 855، وموسوع عة العجم، ص 581، وما قدمه الشيخ ناصر من تعريف للطمس أوضح مما هو في الموسوعتين، وأكثر قرباً للفهم. (2) هو كما ذكر الشيخ ناصر، ينظر العين للخليل، ص 619. (3) [التي] ساقطة في الأصل، والزيادة من س. (4) في الأصل و [س]: [تتجلّى].
(5) ما بين المعقوفين ساقط في الأصل، والزيادة من س.
469 (1/469)
صفحة 470
هي
لا يتغير ولا يتبدل؛ لأنَّ ذلك العلم يدلُّ على أنّ الله لا يراه، ولا سيراه أحد، ولا يجوز أن يتبدل علم الله جل وعلا، ولما صح، الغين، وتجلّت الغين، إذ ما بعد الأغيار إلا الله تعالى، شاهد بذلك عين صفات الله تعالى أي حقائقها، وقوله: ونقطة عين الغين استعار كما قلنا النقطة التي تعتل بها عين الإنسان لعين حقيقة المشاهدة فقال (1): ونقطة عين الغين، أي ونقطة نفس ذات ذلك العلم، وتلك المشاهدة به ألقت أي طرحت، أي لم يَبْقَ في عين نفس المشاهدة حجاب في نقطة له علة في رؤيته ومشاهدته. واعلم أن الصحو معهم على ثلاثة وجوه اثنان لغويان والثالث معنوي حقيقي، فالصحو الأول صحو الجو الذي هو بين السماء والأرض، والصحو الثاني نقيض السكر، ويراد به مع أهل التحقيق الصاحي قلبه من المحبة لله التي تستغرق فكره في آلائه وصفاته، ويفنى عن كثير من صفاته، فيسكره حبّ مولاه؛ لأنّ حقيقة السكر الحق معهم هو بحبّ الله، وما سواه، فباطل كأنه لا شيء، وما دام الإنسان لم يسكره حبّ الله (2) فيشغله عن كل شيء سواه فهو على حكمه الأول تمثيلاً بساكر الخمر فحكمه أنه صاح ما لم يسكر، و تمام السكر الأول محو كلّ شيء سوى محبوبه حتى لا يرى نقطة من الأغيار مثل نقطة الغين من سحاب الحجب، وما دام يرى نقطة فهو صاح صحوه الأول بقدر تلك النقطة، وأما الصحو الثالث فهو الصحو المعنوي الحقيقي، وهو صحو لمشاهدة الله تعالى، ولا يكون إلا بعد محو لكلّ ما سواه، وأراد هنا في هذا الصحو هذا الوجه الثالث، أي في صحوي هذا وصفه بصحو الجوّ وصفائه، ولكنَّ محو النبي مخالف لكلّ محو غيره أن لا يرى غير الحضرات، ومحو أن يرى الحضرات والوجود ولكن يرى حقائق الوجود كما يرى ذلك من أفق العلم الأول، وكذلك صحوه يرى الكل، وصحو غيره أن لا يرى إلا الحضرات، ولا يدهش فإنه قد يكون محواً مع اندهاش حتى تأخذه الحيرة عن الرؤية بفكره، ويسمّى بذلك متلوّناً (3)، وأما الصاحي بعد [92] محوه فلا يدهش وإن رأى ما رأى، وهو المتمكّن في تلك المرتبة، ومتلوّن بطلبه لمرتبة أخرى، فافهم ذلك، كما قال
والدنا الشيخ أبو نبهان له في مرتبة التلوين:
(1) [فقال] ساقط في س، والزيادة من الأصل.
(2) في س: [مولاه] بدل [الله].
(3) مرَّ الحديث عن (التلوين).
470 (1/470)
صفحة 471
فإن شاهد المشهود لم ينظر الورى لما قد يرى يدهش النفس والقلبا (1)
قال:
483 - وما فَاقِد في الصَّحْو والمحو واجد لتلوينه أهل لتمكين زُلْفَة يقول: وفيه تقديم وتأخير، وتقديره وما واحد، أي وليس سواء هذا فاقد الصحو، وهذا فاقد في المحو، والفاقد هو الغائب؛ لأنَّ الغائب في المحو هذا الذي غابت رؤيته عن رؤية المحسوسات إلى الحضرة المحبوبية، والغائب في الصحو بعد المحو في حضرة أحدية جمع الجمع ترى الحضرات في كلّ شيء، ويراها كذلك في برزخية العلم الأول فيراها رؤية واحدة، ويرى المحسوسات على حقيقتها لقوله تعالى: {مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى (2) فليس ذلك هو أهل لتمكينه في زلفة، أي في قرب هذا المقام، لتلوينه، أي لأجل كثرة بعد وتعداد مراتب تلوينه إلى أن يصل هذا المقام، وهيهات أن يصله أحد غيري.
قال:
4 48 - تساوى النشاوى والصحاةُ لِنَعْتِهم برسم حضور أو بوسم حظيرة يقول: تساوى في المنع عن مقام التساوي، وهم السكارى بحبّ الله، والصحاة بعد محوهم الذين هم لم يسكروا في الحب أصلاً، ولم يمحوا صفاتهم من أهل الإيمان المخلصين لله تعالى لنعتهم، أي لوصفهم كلّهم جميعاً الحضور، أي بثبوت
برسم
الحضور، والمشاهدة في صحوهم بعد محوهم للحضرات التي هم فيها دون مشاهدة حضراتي منهم في هذا، والموصوفون بوسم الحضرة، أو بعلامة المنع أصلاً من أهل الظواهر كلّهم صاروا سواء في المنع القريب والبعيد، مع تفاوت درجاتهم في القرب تفاوتاً كثيراً، وذلك كما مثلناه في رؤية البيت الحرام من كان بالحديبية، ومن كان بمصر ولم يرها من قبل، فكلاهما في الحرمان سواء.
(1) هذا بيت من قصيدة (حياة المهج) للشيخ أبي نبهان جاعد الخروصي الله، ينظر شرح حياة المهج، ص 138،
وينظر شرح البيت هناك فهو من صنع أبي نبهان نفسه.
(2) النجم، الآية 17.
471 (1/471)
صفحة 472
يقول:
485 - وليسوا بقومي مَن عَلَيهِم تَعاقَبَتْ صفات التباس أو سماتُ بَقيَّةِ يقول: وليسوا بقومي بأصحابي القاربين قربي في هذا السلوك الحبّي، الغير اللازم عليهم فرضاً ولاندباً من تعاقبت عليه صفات التباس تلبس عليه، أي تحجبه عن مشاهدة الحضرات الإلهية، أو يكن فيه سمات، أي علامات بقية من صفات نفسه لم يتجرد بالكلية عنها، وإن كان هو من جملة أصحابي، ولكنَّ أهل المحبة قوم، وأهل الظاهر (1) قوم، فهم من قوم أهل الظواهر، وليسوا هم من قومي في هذه الطريقة.
قال:
486 - ومَنْ لم يَرِثُ عنّي الكمال فناقص على عقبيه ناكص في العقوبة يقول: ومن لم يرث مني الكمال في كل شيء من الكمالات فهو ناقص فضله عن رتبة من ورث الكمائل، وناكص أي منثن (2) على عقبيه، أي على ورائه، راجع في العقوبة، أي عقوبة الحرمان على نيل تلك المقامات لا عقوبة الآخرة؛ لأنّه لم يرد بهذا هنا العاصين
الله تعالى.
واعلم أنه ليس شيء أعظم من السلوك إلى الله بعد أداء اللازم والمندوب بالمحبة لله تعالى لأداء حق الربوبية من العبودية، فإنَّ الله تعالى مستحق للعبادة، لا لأجل المحبة وصدقها ولكن لاستحقاقه من العباد، فهو يعبده ويحبه لأجل استحقاقه، ولأجل لزوم ذلك عليه لا لأجل أنه يحبّه؛ إذ لو كانت المحبة علة لوجود الطاعة لوجب أن يعبد الأب ولده ولو عبد المرء ربّه، وقد تجلّى له في نفسه خوف النار، ولم يجد لنفسه في عبادة الله رغبة ولا محبة، وإنَّما يجدها كارهة لذلك، ولكن كلَّفها حتى أدّى لله الطاعة كلها بالتكليف ما كان ذلك في الحقيقة عن محبة، ولكان عند الله من المخلصين، فصح أن المحبة من الوسائل، والسلوك بها عبادة لله تعالى من أقرب الوسائل إليه، ولكن قد [93 و] يكون في وسائل الشريعة على الانفراد ما هو أفضل منها مثل تكليف المرء نفسه لتعليم العلم، وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والجهاد في موضع لزومه أو نفله، وإقامة
(1) في س: [الظواهر] بدل [الظاهر].
(2) في الأصل و [س]: [منثني].
472 (1/472)
صفحة 473
الدين بإمام أو بغير إمام بجماعة من العلماء والمسلمين، أو على سبيل الاحتساب، وغير ذلك. ولكنَّ هذه الأعمال إذا قرنت بسلوك المحبة إلى الله، والتصوف بها، والتصوف بتجريد النفس وتقديسها، أو تخليتها من أوصافها وصفاتها وتحليتها بصفات الله التي يمكن أن تتحلى بها، والمعنى صفات الله هي الصفات التي أوجدها، ودلالة على صفاته فيكون المعنى صفات الله، أي صفات لله؛ لأنَّ صفات الله الموصوف بها لا يتصف بها أحد، ولكن لما كان هذه دلالة على صفاته حقيقة أضيفت إليه كما يقال في الكلام الذي يروى عنه كلام الله تعالى أي كلام له أوجده من غير واسطة بأحد، فلما لم يكن بواسطة أحد تكلم به من ذاته واختياره، بل أنزله الله على لسان ملك من ملائكته، أو أخبر به نبي من أنبيائه أنه قال الله تعالى كذا وكذا، لم يجز أن ينسب إلى أحد إلا إلى الله تعالى فقيل: كلام الله، أي كلام منسوب لله، وكذلك كلّ روح أوجدها من غير واسطة حيوان تنسب إليه مثل روح آدم و مثل روح عيسي نسبت إليه ونسبها إلى نفسه، فقال: {وَنَفَخْتُ فِيهِ من رُّوحِي (1) وعيسى روح الله وكلمته أي آيته كما أنَّ روح عيسى روح الله وكلمته، وكذلك كلّ كلام أوجده هو، وخلقه بغير واسطة من أحد نسب إليه، كذلك أحبّ الله بمحبته، أي بالمحبّة التي خلقها فأحبها وأرادها، وكذلك بإرادته وقدرته، واعرفه بعلمه. وعلى هذا فالتخلق بصفات الله هو على هذا المعنى، ولا نشك أن الجمع بين الوسيلتين الشرعية والحقيقية هو الكمال الأعظم، ولكن بعض مراتب الشريعة في الوسائل العلية لا تمكن لكل من رآها، وأما طريقة المحبة، وطريقة التجريد هى مبذولة لكل من شاءها إلا من لم يكن في نفسه رغبة ومحبة لله، وإنّما يكلف نفسه في العبادة فما دام كذلك فلا يقدر حتى يقطع العوائق، وليس كل أحد يتهيأ له قطع العوائق، فصح أن لكل مقام حالاً (2)، ولكل رجال مقاماً، وكل ميسر لما خلق له، وعلى المرء الاجتهاد في الطلب؛ لأنه لا يعلم أنه ممن هو ميسر لذلك أم لا، فافهم.
قال:
487 - وَمَا فِي مَا يُفْضِي لِلَبْسِ بَقيةٍ ولا في لي يقضي علي بفيئة
(1) الحجر، الآية 29. (2) في س: [مقالاً] بدل [حالاً].
473 (1/473)
صفحة 474
يقول: وفيه تقديم وتأخير، وما في بكسر الياء وتشديدها- بقية من الحجب بقدر ما يفضي -بالفاء- أي تجاوز بي للبس أي للحجاب، وأراد إليّ حجاب بمعنى، أو يحيل بيني رؤية الحضرات، وما فيء - بالهمز - أي ولا ظلّ لي أي ولم يَبْقَ لنفسي ظلّ حجابي من الأغيار أشاهده دون أن أشاهد فيه الحضرة. يقضي أي يحكم عليَّ بفتح الياء وتشديدها بفيئة، أي برجعة عن الصحو إلى رؤية ذلك وإن رأيته فإنّي لا أرى فيه إلاّ
التحقيق.
قال:
بين وحي
وصيغة
488 - وماذا عسى يلقى جَنان و ما به يفوه لسان يقول: وماذا: أي وما بقيته أنَّه لم يبقَ منه في شيء ماذا، ما هذا فيه عسى أن يكون قد بقي، ويلقى ذلك جنان، أي قلب أحد من العباد بين وحي وصيغة، أي ما عن وحي يوحى إليه، وإما عن صفاء فكرة يمكن أن يتطلع وما به يفوه لسان أي مما لم يفه به لسان فيما مضى، كلا على التحقيق أنه لم يبقَ شيء، وليس لعسى في قولي مدخل.
قال:
بساط السوى السوى عَدْلاً
489 - تعانقت الأطرافُ عندي وانطوى حكم السَّوِيَةِ يقول [93] أنا في تلك الحضرة، ومشاهدتي قد تعانقت الأطراف، أي الابتداء والانتهاء، والأولية والأخروية، والموجودات والحضرات كلّه صار عندي في ذلك العلم البرزخي الأول، أراد ذلك كله وأنا ذلك، ولا غيري ولا شيء معي، إذ كان الله ولا شيء معه، ثم كان ولا وجود إلا أنا الذي أوجدني أوّل الأشياء علماً برزخيَّاً من نور تجلي الصفات، فلم يكن العلم هنالك محجوباً بأغيار عن مشاهدة الله بالصفات، بل ذات العلم وحده، ولا ذرّة من المخلوقات، وانطوى بساط السوى، أي رؤية الموجودات، ورؤية ذلك الأفق بالسوى، ففي هذا العالم، وفي هذه الحضرة قبل إيجاد الوجود يبطل حكم الشوى، إذ ليس هناك وجود حتى تكون رؤيتهما بالسوى عدلاً، أي بحكم الشوية، أي بحكم اجتماع ذلك النور الذي لا يجزؤه حكم كون شيء، فإنّه لو كان هناك وجود غير ذلك العلم شيء، ولو مثل مثقال ذرّة لكان متخيراً بالغيرية بقدر ذلك الجزء، ولابد أن
474 (1/474)
صفحة 475
يكون فيه خلل غير العلم خالصاً غير متحد بقدر ذلك الجزء، فهو شيء لا يتجزأ.
قال:
490 - وعاد وجودي في فنا ثنوية الـ الوجود شهوداً في بَقَا أحديتي يقول: وفيه تقديم، وتأخير، وتقديره ولما رأيت شهودي في العلم البرزخي لا وجود لغيره من الموجدات، وعاد أي وثم رجع شهودي، أي رؤيتي ومشاهدتي في ثنوية، أي في رجعتي إلى فناء وجودي في جميع الموجودات وشهودي الأول، وشهودي إلى وجود نفسي، ووجود جميع الموجدات من وجودي لكلّ ذلك ليكون شهوداً في بقاء أحديتي؛ لأنَّ هذه هي مرتبتي، ولا أنزلها أن أكون كذلك.
قال:
491 - فما فوقَ طَوْرِ العقل أوَّلُ فَيْضَةٍ كما تحتَ طورِ النَّقْلِ آخِرُ قَبْضَةِ 492 – لذلك عن تفضيله - وهو أهله - نهانا على ذي النون خَيْرُ البريَّةِ يقول: فما فوق طور العقل: أي عقل العلم الأعلى، وفوقه هو العلم البرزخي هو أول فيضة بالفاء ثم الياء- أي أول فيضة من تجلي صفات الله تعالى علماً برزخياً هو نور المعرفة، وأراد هنا بالطور المرتبة وهو كما تحت طور النقل، وطور النقل هم الأنبياء بما ينقلونه (1) عن الله، والعلماء بما ينقلونه (2) عن الأنبياء، وبعضهم عن بعض، وعن عقولهم من الحق، والطور هنا التركيب الحسن كما يقال: فجاء تركيبه على طور عجيب، والطور جبل موسى ال الذي ينزل عليه فيه الوحي فينقله للناس عن ربه، ويمكن أنّه استعاره اسماً للأنبياء والعلماء، وقوله: آخر قبضة إشارة إلى قوله تعالى: {وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ (3) وجميع ما في أفق العلم من العلم وما في الوجود بأسره، وما جاء به الرسل والأنبياء والعلماء المحقون كلَّه إنَّما الدلالة معرفته وعبادته، والكلّ في الحقيقة هو في فيضة واحدة ومعنى واحد، وهو حقيقة واحدة فما هو أول فيض، وما هو آخر قبضة -بالقاف- أي هو آخر في التدبير، وأما هو في الحقيقة لا أول للفيضة ولا آخر لها، ولكن لها أول وآخر في
(1) في الأصل و [س]: [ينقلوه]، وما أثبتناه هو الصواب. (2) في الأصل و [س]: [ينقلوه]، وما أثبتناه هو الصواب. (3) الزمر، الآية 67.
475 (1/475)
صفحة 476
التدبير، فيصح أن يستعار لآخر التدبير آخر قبضة بالقاف والباء الموحدة- ولأول التدبير أول فيضة بالفاء، والياء المثناة التحتية وأنَّه كله بمعنى واحد، ومن حيث حققت العلم من فوق العلم، أو من تحته إلى السموات، أو من الأرض، ومن تحت نجومها فالعلم لا يختلف على حال، ولذلك قال: [لا تجعلوني أقرب إلى الله تعالى من أخي يونس حين غيبه الحوت في قرار البحر وحين عرج بي إلى السموات] (1) ويريد بذلك أيضاً نفي قرب المسافة لأن يكون الأعلى أقرب إلى الله تعالى من الأسفل، وإلا فمعلوم أنّ النبي صلى الله عليه وسلم أفضل من النبي يونس، وكذلك لم يقل: لا تجعلوني أفضل، بل قال أقرب ليدلهم على ذلك.
قال:
493 - أشرتُ بما تقضي العبارة والذي تغطى فقد أوضحته بلطيفة (2) يقول: [94 و] أشرت بما تقضي العبارة، وإلا فالأمر أجلُّ من أن يحصي أحد كشفه، يقول: وبعض الذي تغطى من العلم، أي خفي فقد أوضحته بنبذة لطيفة وإلا كيف يقدر أحد أن يصف شيئاً، والله يقول: {قُل لَّوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَن تَنَفَدَ كَلِمَتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ، مَدَدًا} (3) وقال تعالى: {وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِن شَجَرَةٍ أَعْلَمُ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ، سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَّا نَفِدَتْ كَلِمَتُ اللهِ} (4) وقد ضرب الله مثلاً بأقل مما تخبر عنه
الحالة تقريباً للإفهام فافهم.
قال:
494 - وليس أَلَسْتُ الأمس غَيْراً لمن غدا وجنحي علا صبحي ويومي وليلتي (5) يقول: وفيه تقديم وتأخير، وتقديره وليس الأمر، أي وليس الخطاب الماضي بالأمس معناه للماضي من الله تعالى لآدم ولأولاده ونسله ممن لزمهم التعبد منهم حين خاطبهم الله عموماً بقوله: {وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ} (0) أي من ظهور آبائهم حين
(1) ينظر صحيح البخاري، الحديث 3395، وصحيح مسلم، الحديث 2377، باختلاف. (2) في الديوان: [تعطي] بدل [تقضي].
(3) الكهف، الآية 109.
(4) لقمان، الآية 27.
(5) في الديوان: [غدا] بدل [علا].
(6) الأعراف، الآية 172.
476 (1/476)
صفحة 477
يولدون ويبلغون الحلم، وتنزل عليهم بلية التعبّد، وأشهدهم على أنفسهم بالعقول التي ركبها فيهم التي لا يصح معها إنكار أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى} (1)، أي أنت ربنا حقاً، ويمكن أن يكون قال ذلك لآدم ال فأجابه آدم فكان ثابتاً على جميع نسله ممن تعبد منهم إلى يوم القيامة إلا من غيّر، وبدل لقوله تعالى في المؤمنين: الْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ} (2) فأثبت لهم ما أثبت لآبائهم من الإيمان ما لم يبلغوا الحلم، ويغيّروا فهو ثابت لهم ذلك أنه ليس عليهم دعوة، ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: (كلّ مولود على الفطرة) (3) أي على فطرة إيمان أبينا آدم حين أقر بالله وعمل صالحاً، وإنما يهودان، الطفل، وينصرانه، ويمجسانه أبواه في أحكام الدنيا لا في أحكام الآخرة، لقوله تعالى: {وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى (4) {وَإِن تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا} لَا يُعْمَلْ مِنْهُ شَيْ (5)، وله معنى آخر أنّ كلَّ مولود على الفطرة القابلة للإيمان بوجود العين الغريزية والعين البصيرية، والعين المدبرة، وإنّما يضيع المرء المقاربة فينصرانه، ويمجسانه (6)، ويهودانه (7) أبواه، وكل هذه يتضمنها قوله، يقول هذا الخطاب من الله تعالى وخطابه: لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ} (8)، وفي مفهوم العامة أنَّ هذا خطاب خاص للآخرة، وهو كذلك صحيح في التأويل، وهو المقصود، ولكن في مرتبتي أنا، و مشاهدتي للعلم الأول البرزخي ليس هذا خطاباً منفرداً (9) عن هذا الخطاب بتقدم، ولا بتأخر لا، ولا هذا غير ذلك، ولا خطاب الآخرة واقع للآخرة فقط؛ لأني أرى في تلك الحضرة كلّ هذا دفعة واحدة وأرى الدنيا والآخرة فى ذلك العلم دفعة واحدة ليس أحداهما قبل الأخرى، ولا أرى الأولى أكثر من الأخرى، ولا الأخرى أكثر من الأولى، وذلك قوله: ليس لست أراهما غداً، أي لمن الملك غداً لا أرى هذا غير هذا، ولا هذا غير هذا، وكذلك أيام الدنيا فجنحي، أي ظلمة ليلي غداً، أي صار هناك صبحي: ويومي ليلتي
(1) الأعراف الآية 172.
(2) الطور، الآية 21. (3) مرّ تخريج الحديث. (4) الأنعام، الآية 164.
(5) فاطر، الآية 18.
(6) في الأصل، و [س]: [ويمسحاه]، وما أثبتناه الصواب (7) في الأصل و [س]: [ويهوداه]، وما أثبتناه الصواب. (8) غافر، الآية 16. (9) في الأصل و [س]: [خطاب منفرد)، وما أثبتناه الصواب.
477 (1/477)
صفحة 478
6
إذ لا تفرقة هنالك بأيام، إذ اليوم والليل والجنح، وهو الظلمة، والصبح كله هناك أراه لأنه علم محض لا وجود لشيء غيره من الموجودات، وقيل: معنى فجنحي
غدا صبحي: أي غيبة علمي هنالك هو ظلمة على الخلق لا يراها، ولا يراني فيها كما أنا هنالك حقيقتي غيري وغدا ذلك العلم ونوره بظهوري في الشهادة هو صبحي، ويوم الذي ظهرت فيه كأنه نهار معهم، وأنا باق في ليلتي في ذلك العلم المظلم على قلوب
الخلق مشاهدته.
قال:
495 - وسر بلى لله مرآة كشفه وإثبات معنى الجمع نَفْي المعيّة يقول: وجميع ما سيكون في الوجود فكان إنّما كونه ذلك كالمرآة التي تقابل بها الصور، وكذلك سرّ [بلى] أي جواب [ألست بربكم [94] قالوا: بلي] جواب الله تعالى، أرى الجواب والسؤال في حال واحد في نور غير متجزء، وقولهم في الوجود جواباً [بلى] لله، وسؤال الله لهم ظهوره في الوجود هو كالمرآة في ذلك العالم، وهذا صحيح، ولا يصح غيره؛ لأنّ علم الله تعالى لا يختلف، وأراد أنه يراه في وحدة الجمع، وإثبات معنى الجمع، أي معنى حضرة الجمع، وهي حضرة ذلك العلم البرزخي هو نفي المعيَّة، أي هو أن ينفي أنه كان ذلك النور ولا شيء معه، والموجودات أصلاً وإن أشركت فيها شيئاً أنه موجود معه فقد أثبت أنه شيء وجد بغير علم الله، وإن أثبت أنه لا شيء، ولكن وجد ذلك قبل العلم فقد أثبت أنه بغير العلم، وأما أن يكون هو العلم الأول وهو هو العلم الأول الذي قلنا، وإن قلت: نعم أوجد بالعلم شيئاً قليلاً، ثم وجد العلم بعده، قلنا: لا يصح تجلّي صفات الله يكون شيئاً غير عظيم، ثم يتجلى بعد ذلك عظيماً، هذا ما لا يصح، ولو كان كما قلت لما قال للقلم: اكتب جميع ما سيكون بعد ما أوجد البرزخ العلمي والقلم واللوح، مع أنّ اللوح لم يوجد إلا من فيض القلم حين الأمر، وأيضاً لو فرض إمكان وجود بعض العلم فكان كوناً ثم وجد العلم فكان معه ذلك الكون، فلابد إما أن يتساويا في العظمة والكمال وأن يختلفا، فإن اختلفا فإن كان الأول أعظم فهو المقصود، ورجعت إلى أنَّ العلم هو الأول ولم يكن كما (1) هو في العلم الذي كوّنه؛ لأنه زاد وإن كان الآخر
(1) في الأصل [كلما]، وأثبتنا ما في س لتلاؤمها مع السياق.
478 (1/478)
صفحة 479
أعظم، فكيف يكون أفضل شيء خلقه الله النبي الله إلا من نور علم هو الأعظم، فإن كان
الأول لم يجمع الكمال ولم يكن في الوجود شيء كامل الجمال الإيجادي، وإن كان من الآخر فالسابق أفضل، ولم يجز مرتبة السبق، فصح أنّ أول ما خلق الله تعالى نور المعرفة من تجلي صفاته نوراً برزخياً غير متميز، ولا متجزئ، ولا وجود لشيء من الموجودات غيره، وهو نور النبي لا يرى حقيقة إلا وهو لم يزل مشاهداً لله بتجلّي صفاته، ولو لم يتجلَّ (1) الله عليه لحظة لانطمس الوجود من ساعته، فكان لا شيء تعالى الله علواً كبيراً، فإن قلت: يتجلى الله بالصفات. فأقول: هو كما يتجلّى بالصفات في عقول أهل العلم به، وكيف لا يتجلى بالصفات، ولو ثبت أنه لا يتجلّى بالصفات لثبت أنّ الله تعالى لا يعرفه أحد بصفاته، وبطل وجود التوحيد، وصار كلما وصف الله به من الحق هو ليس كذلك، ووقع الشرك بالله، تعالى الله علواً كبيراً.
قال:
496
- فلا ظُلَمْ تُعْشى ولا ظُلْمَ يُختشى ونعمة نوري أطفأت نار نقمتي يقول: فلا ظُلَم - بفتح اللام، وبضم الميم وتنوينه، أي في تلك الحضرة لا ظُلم ليلية تغشى، أي تغطي بسواد ظلمتها، ولا ظلم أي ليس هنالك ظلم وبغي وفساد يختشى، أي يخاف منه، وإن كان علم هذا كلّه في تلك الحضرة، ونعمة نوري أطفأت نار نقمتي، أي ولأجل كمال جمال ذلك النور الذي هو نوري أطفأت نار نقمتي، ولذلك ظهرت بالمؤمنين رؤوفاً رحيماً (2)، وظهرت بكمال الأوصاف، فذلك النور هو الذي أطفأ نار نقمتي؛ لأني لو لم أكن كذلك في اتصافي في تلك الحضرة قبل الظهور لكان بي نقمة عن الوصول إلى تلك حين الظهور إلى عالم الدنيا، ولكنَّ ذلك النور أزاله نيران الحجب التي هي نقمة لي عن الوصول فيكون بهذا الاعتبار لقوله هذان المعنيان أحدهما لنفسه، والآخر لغيره، وغضبه على الكفار من تمام كمال رحمته ونعمته، فافهم.
قال:
497 - ولا وَقْتَ إلا حيثُ لا وقتَ حَاسِبٌ وجود وجودي من حساب الأهلة
(1) في الأصل و [س]: [يتجلّى].
(2) في الأصل و [س]: [رؤوف رحيم] بدل [رؤوفاً رحيماً)، وما أثبتناه الصواب.
479 (1/479)
صفحة 480
يقول: وفيه تقديم وتأخير، وتقديره: ولا أرى هنالك وقتاً حاسباً من حساب الأهلة كالساعات والأيام والشهور والسنين، والدهر، إلا حيث: أي إلا قولي حيث وجود وجودي، ولا وجود لغيري من الموجدات والمراد حيث كذلك أنا لا هو وقت [95 و] فإني لم أرد بحيث أي وقت؛ لأنّ الوقت وغيره، وكلّ ذلك موجود منه بعد أن ظهر في قلم
ولوح ومكونات.
قال:
498 - ومسجون حَصْرِ العَصْرِ لم ير ماورا
ء
سجيته في جَنّة أبدية (1) يقول: ومن كان مسجون حصر أي مسجون سجن رؤية العصر، أي الزمان وما يحتاج إليه فيه، مشغولاً عن تفتيش الأسرار الإلهية بحثه في علم الله تعالى، ومشاهدته للحضرات الإلهية لم يَرَ - بفتح الياء، وإشباعها مدّة لإقامة الوزن- أي لم ينظر إلى ما وراء سجيته، أي أخلاقه التي هي طبع في جنَّة أبدية، ألم تر (2) عقله سارحاً في فضاء الحضرات الإلهية، والاتصاف بها؛ لأنَّها. الصفات الخالدة الأبدية. هي
قال:
44 - قبي دارت الأفلاك فاعجب لقطبها الـ مُحيط بها والقُطْبُ مركز نُقطة يقول: فبي دارت الأفلاك يعني لما كانت جميع الموجودات أفلاكاً، وأرضاً، ونباتاً، وحيواناً، وكلّ شيء في الوجود كلّه بدلالته في العلم هو العلم هو الذي أنا أراه، وأشاهده فكنت أنا إمام المحققين والمسبحين، وكلّ شيء إنّما هو مقبل إلى ما أنا مقبل عليه، وناظر إلى ما أنا ناظر إليه، فلا غرو فقد دارت وأحاطت بي الأفلاك، وجميع الموجودات؛ لأني قطبها في العلم والمحيط، والمحقق لعلومها والقطب مركز نقطة، أي معنى القطب مثل مركز نقطة تدور عليها، فلو نقط المرء نقطة من قلم في قرطاسه لكانت قطباً لكلّ ما هو حولها منها إلى جميع الجهات، ثم جميع السموات، ثمّ كلّ شيء، فاعجب أنت كنت مركز نقطة لجميع الوجود، فكل حقائقها تدور على حقيقتي فصرت في الصورة كأني أصغر منها، وأنا مع ذلك محيط بجميع حقائقها، فهي مثل النقطة مع تحقق علمي.
(1) في الديوان: [الأبدية] بدل [أبدية].
(2) في الأصل و [س]: ترا]، وما أثبتناه هو الصواب.
480 (1/480)
صفحة 481
قال:
-500
بدلية
- ولا قُطب قبلي عن ثلاث خَلَفْتُه وقطبية الأوتاد الأوتاد عَنْ يقول: وفيه تقديم وتأخير، وتقديره ولا قطب قبلي فأكون قد خلفته بعد موته عن الثلاثة الأوتاد بعد موت قطبهم الرابع، فأكون أنا عنه بدله منهم؛ لأن القطب واحد من الأربعة الأوتاد على أركان الدنيا شرق وغرب وجنوب و شمال وقيل واحد من ثلاثة لتكون الأوتاد قطباً وإمامين (1) كلا، ولا قطب قبلي إنّما قطبية الأوتاد عن بدلية، يقول: إِنَّما بقية الأقطاب منذ خلق آدم هم عن بدليتي أنا وإن بعثت آخر الأمم ففي الحقيقة أنا أول الموجدات، ومعنى القطب (2) هو المركز الذي تدور عليه الأشياء كقطب نجم الجاه قطب لجميع النجوم، ودوران السموات وقطب الرحى مسارها الوسط، والقطب من الناس هو الذي كمل في زمانه في جميع الأرض علماً وعملاً وحباً لله تعالى قد ترقى (3) في حضرات الجمع، فالنبي قطب الرسل، والملائكة، والأنبياء، والأولياء، جميع الوجود، بدليل إحاطته بما فيه من العلم، والقطب يسمى الغوث لإغاثة العالم به، ثم الأوتاد الثلاثة فيكونوا بقطبهم أربعة، وهم قطب الأبدال السبعة والأربعون النجبا، وكلّما مات واحد من هؤلاء الأوتاد، ومن هؤلاء الأبدال قام غيره بدله، فإذا مات القطب رفع الله من الأوتاد قطباً، ويرفع من الأبدال وتداً، ورفع بعض النجباء (4) بدلاً، وبعض الأولياء نجيباً، ولذلك
وجميع
(1) في الأصل و [س]: [قطب وإمامان]، وما أثبتاه الصواب، والإمامان الواردان في المتن هما أخص من الأبدال، أي أرفع درجة، ينظر موسوعة العجم، ص 122، و، وسيأتي الحديث عن الأبدال. (2) يتحدّث الشيخ ناصر، وما سيأتي بعد قليل عن التنظيم الذي يعتمده التصوف في ترتيب الأشخاص داخله، فهناك القطب وهو صاحب أعلى الدرجات في الطريقة، وهو رجل واحد هو موضع نظر الله تعالى من العالم في زمان، ويسمّى الغوث أيضاً باعتبار التجاء الملهوف إليه، وهو ما يقرره الشيخ ناصر أيضاً في النص، وهناك الوتد والأوتاد، وهم الرجال الأربعة الذين على منازلهم الجهات الأربع من العالم بهم يحفظ الله تلك الجهات لكونهم محل نظره سبحانه وتعالى، وهناك الأبدال وهم أعوان القطب وعددهم كما ذكر الشيخ ناصر سبعة وأربعون، سبعة أمناء، وأربعون هم الأبدال، وسمّي [بدلاً] لأنَّه إن سافر عن موضعه ترك جسداً على صورته، حياً بحياته، ظاهراً بأعمال أصله، بحيث لا يعرف أحد أنَّه فُقد، وللصوفية كلام يطول عن هذا الأمر، والشيخ ناصر راسخ العلم به، وفي المتن تفصيل عميق لهذا الأمر، ينظر عن هذه المصطلحات: موسوعة الحفني، ص 665، وما بعدها، وص 913، وما بعدها، وص 996، وموسوعة العجم، ص 140، وص 759، وما بعدها، وص 122، ومما يذكر هنا أنَّ القطب يعرف الأبدال والأوتاد جميعاً، وهم موضع نظره، وسنقف عند هذا الترتيب في موضع قابل. (3) في الأصل و [س]: [ترقا]. (4) النجباء: جمع نجيب وهو كريم الحسب أو الذي يُحمد في نظره، أو في قوله، وهم قائمون بإصلاح أحوال
481 (1/481)
صفحة 482
قال: عن بدلية، فاكتفى بذكر الأبدال بتورية البدلية ليعم ذكر التبدل في الكل بما ذكرناه هكذا معنى نظمه، ونحن نقول الله أعلم فإنّه هذا يمكن وجود صحته، ويمكن أن يكون هؤلاء السبعة والأربعة صحيحاً ولكن بدون ما ذكروه، وهذا لا يمكن إنكاره؛ لأنه لابد أن يتفاوت (1) العباد في كل حين حتى يكون أفضلهم في علمه تعالى هو قطب زمانه، ولابد أن يكون بعده اثنان، وثلاثة، وأربعة، وسبعة وأربعون (2) فإنّ هذا مما لا يصح إنكاره؛ لأنَّه حق ظاهر كالشمس في يوم لا غيم فيه، وناكره ناكر لعلم الله تعالى بعباده؛ لأنه [95] لابد أن يكون عالماً بالأفضل، ثم الذي يليه إلى الأربعين فيكونوا هم المشار إليهم، وما كان دونهم فهم من عامة المؤمنين، ولا يجوز الإنكار علماً هذه الصفة؛ لأنَّه إنكار لعلم الله تعالى بالأفضل من فى الدنيا، والله بكل شيء عليم (3).
بيان
واعلم أنَّ التصوف لا ينبغي للمرء أن يهمله، وإن لم يقدر على الوصول إلى كمال درجاته فليتوسل إلى الله تعالى به بما قدر كما يتوسل بالنوافل الشرعية، وليس حقيقة التصوف كما ظنّه من لا علم له به أنه السياحة في الأرض، بل حقيقته الانقطاع إلى الله تعالى في كلّ شيء مع لزوم الاستقامة في كلّ شيء، ثم التوسل بعد ذلك إما بطريق تجريد النفس من صفاتها الذميمة أصلاً، ثمّ تحليتها بمقامات درجات أعمال الإيمان الوسائل بعد كمال الطاعة بأداء اللازم والمندوب اعتقاداً وفعلاً وتركاً، والاستقامة في الورع، والزهد والتقوى واليقين والنصيحة ثمّ إخلاص التوكل، والتفويض، والرضا، والخوف، والرجا، والتعظيم، والهيبة، والخشية والسكينة والوقار، والتضرع إلى الله،
الناس، وحمل أثقالهم لاختصاصاتهم برحمة فطرية، ولكنّهم لا يتصرفون إلا في حظوظ غيرهم، أما حظوظهم
أنفسهم فلا مزية لهم فيها، ينظر عنهم موسوع رعة الحفني، ص 981.
(1) في الأصل: [يتفات]، وما أثبتناه من س، وبه يستقيم الكلام. (2) في الأصل: [وأربعين]، وما أثبتناه من س، وهو الصواب. (3) حفظ الخطيب البغدادي في كتابه تاريخ بغداد، 3 [75، نصاً لأبي بكر الكتاني (محمد بن علي بن جعفر المتوفى سنة 322 للهجرة) يقترب من حديث الشيخ ناصر عن هذه (المملكة الروحية) نثبته لأهميته، يقول: «النقباء ثلاثمائة، والنجباء سبعون والبدلاء أربعون والأخيار سبعة والعمد أربعة، والغوث واحد فمسكن النقباء المغرب، و مسكن النجباء مصر، و ر، ومسكن الأبدال الشام، والأخيار سياحون في الأرض، والعمد في زوايا الأرض، ومسكن الغوث مكة، فإذا عرضت الحاجة من أمر العامة ابتهل فيها النقباء، ثم النجباء، ثم الأبدال، ثم الأخيار، ثم العمد، فإن أجيبوا وإلاّ ابتهل الغوث فلا يُتمّ مسألته حتى تجاب دعوته».
482 (1/482)
صفحة 483
والابتهال، والإلحاح في السؤال، وتحليتها بصفات الله تعالى، وهذه هي طريقة التجريد، وإما بطريق المحبة مع هذا كله، وهو يستغرق [فكره في العلوم الشرعية وعلوم الحقيقة] (1)، ويستغرق بهما فكره في التفكر في أفعال الله من لطف، وكرامة، ورحمة، ورزق، وقدرة إلى غير ذلك من أفعاله جلّ وعلا، ويتلو مع ذلك الاسم الخماسي (2) الأحرف الذي ذكرناه أولاً بقلبه لا بلسانه، ولا يزيد على أحرفه شيئاً، فإنّه يتجرد بسرعة من صفات نفسه بخاصية فيه، وتنفتح له أبواب الحب في الله، وينكشف بسره حقائق الموجودات فتتجلى له الحضرات الإلهية فيها، ويرى ما يدهش عقله لا محالة، ويستحبّ له أن لا ما يراه لئلا (3) يستخف به الناس، أو يجب به الثناء، ولا يطلب به تلك الكرامات التي يراها، ولا يلتفت إليها، وإن التفت فلا يضرّه في دينه، ولكن التصوف لا يطلب فيه إلاّ ابتغاء وجه الله تعالى، فإذا فني في حب الله، ورضاه، وتوكله، وتفويضه، ومحبته، وإرادته، ومشيئته حتى صار لا يحبّ ولا يشاء ولا يريد إلا ما يحب الله ويشاؤه ويريده منه، وبه في جميع ما كان من قبل الله عليه وفيه وبه وفي جميع ما أراده منه من العبادة، وما أحبه منه من العبادة، ولم يكن في حركة ولا سكون إلا بالله وفي الله ولله، وفيما يحبّ الله منه وفيه، وبه، الصوفي ولو لم يَتْلُ (4) الاسم الذي ذكرناه.
فذلك هو
بيان
وأما مراتب الحضرات فكلما انفتح فكره ونظره إلى الله بشيء من صفات أفعاله مما ذكرناه، أو غيره في شيء فهو يسمى بحضوره مع الله بتلك الصفة هو في تلك الحضرة مقيداً بها، وكلما حضرت (5) كثرت رؤيته في ذلك الشيء الحضرات كان أبلغ، أو في أشياء كثيرة حتى تتم حضرات الأفعال، وأسماء الأفعال، ويحضر قلبه فيراها جملة في كلّ شيء يراه من الوجود فقد بلغ حضرة اسمه الظاهر، وهي الحضرات الظاهرية، ومقام الفرق، وراية النفس في اصطلاحهم، فإذا تجلّت له صفات الذات، ولم يزل يتلوّن (6) بها
(1) ما بين المعقوفين ساقط في س، والزيادة من الأصل.
(2) مرَّ شرحه فيما سبق.
(3) في الأصل و [س]: [لالا] بدل [لئلا]، واستضأنا بسياق الكلام لكتابة [لئلا].
(4) في الأصل و [س]: [يتلو]، وما أثبتناه هو الصواب. (5) [حضرت] ساقطة في الأصل، وما أثبتناه من س.
(6) مرَّ الحديث عن (الحضرات) و (التلوين).
483 (1/483)
صفحة 484
يحضر عقله مع
هي
صفة، أو صفتين حتى يجمع الصفات وأسماء الذات فهي حضرة اسمه الباطن، فإذا جمع الحضرات الظاهرية والباطنية فقد بلغ حضرة الجمع، فإذا لم يغب عقله عن رؤيتها جميعاً، وشاهد الوجود، وجمال الحضرات، وجمال صفات الله تعالى، ولم يشغله أمور العباد وإن أقام بدين الله فيهم، فهو الصحو بعد المحو ()، وهي مرتبة جمع الجمع؛ لأنَّه لم يغفل عن الحضور مع الله تعالى بالمشاهدة بجميع صفات ذاته، وصفات أفعاله مع رؤيته للوجود، وقوة اشتغاله بالخلق بجميع قيام دين الله فيهم وعليهم، وهذه مرتبة الأنبياء والرسل، وبعض الأولياء، ومرتبة [96 و] أهل الجنة جميعاً فإنّهم لا يغفلون عن حضورهم مع الله طرفة عين بجميع صفاته في كل لحظة جملة واحدة، ولم يشغلهم ذلك عن التلذذ بنعيمها، ولم يشغلهم التلذذ بالنعيم عن شهود الله بصفاته طرفة، وهذه الرؤية في الجنة على الصحيح التي يرون بها ربّهم في هذه الدنيا في حق، الأكثرين محرومون منها، ومَنْ لم يحرم لم تدم له، وأما في الآخرة فهي دائمة لا رؤية الذات فإنّ رؤية الذات في الدنيا والآخرة لا تجوز، والقول بها ضلال (2)، وهذا آخر مقام الأنبياء، ومن بعده مقامات النبي فإنّ مقامه أحدية الجمع، وهو مخصوص، وهو يرى الحضرات الإلهية وحقائق الموجودات في وحدة العلم البرزخي علماً لا شيء معه من الموجودات، وغير متميز أقساماً، ويرى حقائق الموجودات كذلك هو ذلك العلم بعينه، وترى اجتماعه في القلم، وإفاضته إلى اللوح، فمنتهى مقامات الأنبياء إلى الروح الكلية اللوحية، وإلى النفس الكلية، وإلى المثال الكلي اللوحي، وهذه هي مراتب جمع الجمع، وأما مراتب الأولياء غالباً فإلى مثالات اللوح في التمثيل، وأما النبي فمن إفاضة القلم لوحاً صاعداً إلى القلم ثم من القلم) إلى العلم وهي مرتبة أحدية الجمع؛ لأنه يرى فيها الحقائق شيئاً؛ واحداً جمعاً غير متميز، وكذلك يراه في الوجود ومرتبة أحدية جمع الجمع هو مشاهدة ذلك العلم صفات الله تعالى منها ظهر وجود ذلك العلم، ولم يزل ذلك العلم يرى الله بصفاته، وأما الذات فلا يراها حتى ذلك العلم، وذلك العلم هو منسوب إلى علم الله تعالى، فصار جميع الوجود إمامها النبي، وكلها متوجهة إلى ما توجّه هو إليه، وإذا كان
(1) مر شرح (الصحو) و (المحو).
(2) مرَّ الحديث عن (الرؤية) بتفصيل فيما سبق. (3) في س: من أهل القلم)، وما أثبتناه من الأصل.
6
484 (1/484)
صفحة 485
كذلك فكلها متوجهة إليه فكان هو كالقبلة وكالإمام، فهم متوجهون إليه إتماماً لاستقبال في كلّ شيء من عمل أو دلالة أو خضوع لله، فكائنات بأسرها مؤتمة به، وهو متوجّه إلى ربه، وهي متوجهة إلى الله، ولكن مؤتمة إلى النبي، ولا مطمع لهذه المرتبة لمخلوق أبداً غيره، ومن هذه المراتب قال النبي: [ما فضلكم أبو بكر بكثرة صوم ولا صلاة ولكن بما وقر في قلبه])، وفي هذه المراتب قال أهل التحقيق: إنّ توبة المؤمنين من الذنوب، وتوبة الخواص من غفلة القلوب، وتوبة خواص الخواص من ذكر كل شيء سوى المحبوب (2)، والمراد بذلك إذا كان ذكر ذلك الشيء لا لله، ولا في الله، ولا فيما يحب الله ذكره له.
بيان
(3)
واعلم أن التوسل إلى الله تعالى وسيلة التصوف يصح ولو كان ينام بين أربع نساء في ليله ونهاره في جهاد الكفر المباح جهادهم ويكون وسيلة أيضاً، وقائماً بأمور الخلق (3 ويشغل نفسه بعلم الشريعة، كل هذا لا يفسد التصوف، ولا يعلم أحد أنّ هذا صوفي حقيقة بغير وحي من الله وبغير قول نبي سمعه من فمه إلى أذنك؛ لأنّ التصوف أعمال قلبية وأما تسمية مَنْ هو متصف به في ظاهر الحكم فيجوز أنَّ هذا صوفي؛ لأنه – وإن قال – فلا يقدح أن يكون على التحقيق، وإن نوى به كذلك فهو قائل بجهل بعذر فيه إذا لم يعتقده ما لا يسعه في ذلك، فافهم.
قال:
501 - فلا تعدو خَطي المستقيم فإنَّ في الزوايا خفايا فانتهز خَيْرَ فرصة (4) يقول: وإذا كنت أنا قطب الأقطاب فأنا أعلم بالطريقة والشريعة والحقيقة بأكملها،
(1) مرَّ تخريج الحديث.
(2) ينسب هذا القول إلى ذي النون المصري الصوفي المعروف، وهو أبو الفيض ثوبان بن إبراهيم الأخميمي المتوفى
ص
211
وموسو
رعة الحفني، ص 222، وما بعدها.
سنة 353 للهجرة، ينظر موسوعة العجم، (3) هذا ما كان يصنعه الشيخ ناصر، وأقرانه من سلوكيي عمان، فقد كانوا زاهدين عابدين، ومع هذا انشغلوا بأمور الخلق على حد قوله، من نشر للدين، وتهذيب وإصلاح بحيث كانت عزلتهم إيجابية أفادتهم، وأفادت غيرهم. (4) في الديوان: [خبايا] بدل [خفايا].
485 (1/485)
صفحة 486
فلا تعدو: أي لا تجاوز، خطي المستقيم: الطريق الواضح، العدل، الكامنة (1)، في الزوايا: أي في الجوانب المنتحية عني خفايا من الظنون التخييلات والأوهام الباطلة إذا تعديت إليها فلابد وأن تضلّ فانتهز خير فرصة بي، وبسلوك طريقتي، وتحقيق حقيقتي، والعمل
بشريعتي.
قال:
502 - فَعَنِّي بدا في الذرّ في الولا ولي
يقول: [6 وظ]
لبانُ ثَدي الجمع الجمع مِنْيَ دَرَّتِ
فعني بدا وصدر وظهر الولاء، أي الحبّ لله تعالى؛ لأنّي أنا أول مَنْ أحببت الله تعالى العلم البرزخي في الذرّ، أي في أجزاء ذرات الوجود، وظهر من تلك الأجزاء المركبة في المركبات منها كالحيوان والإنسان، وهو الذي كان في بكسر الياء، وتشديدها- في النور الأول، ولي لبان اللبان هو المخض ما دام في الضرع أو الثدي، فإذا فارقه سمّي باللبن، يقال: هذا أخوه بلبان أمه، ولا يقال بلبن أمه، يقول: لأنّه كان لي لبان ثدي الجمع، استعار كلمة ثدي للحضرة العلمية التي هي نوره الأول، والجمع لاجتماعه نوراً خالصاً لأكون معه غيره. قوله: مني درّت أي ثم درّت علماً، وموجدات كونيات، وهيئات وأعمال كما هو كذلك، فمن خلص له ذلك اللبن، وشرب منه صرفاً كما كان صرفاً فقد فاز، وإن شربه ممزوجاً بما لم يكن عليه فيه حرج كان له العذر، ونجا من نجسه بعدما ورد عليه صرفاً، وشربه بنجاسته فقد خسر، وخاصمني بما قسم له من قسمي، لأنه من جزاً عند الله بحق اليقين فضيعه وبخسه وأفسده، فلا شك أنه قد خاصمنى، وله اللعنة وسوء
الدار.
بيان
واعلم أنه لما ذكر سلوك النبي في سفره الرابع في حضراته درجة درجة، طوراً فطوراً بترتيب كامل، وذكر تحلية الظاهري والباطني والجمعي، وجمعي الجمع، وأحدية الجمع، وذكر مبدأه، ومنتهاه في السفر الأول والثاني والثالث، وإن كانت تلك
(1) في الأصل: [الكاملة]، وما أثبتناه من س، وبه يستقيم الكلام.
486 (1/486)
صفحة 487
علماً
أسفار هي في حق غيره، وإنّما هو له السفر الرابع، فإنَّه لابد أن يكون حائطاً بالجميع. والمثال ذلك أنّ المبتديَ تصفية نفسه من صفاتها حتى كملت صفاوتها، ومن كان
وعملاً،
هو
كذلك صافياً منها من أول الآخر ففي الحقيقة هو مجاوز (1) لتلك المرتبة، وعالم بها، ومسافر عنها، وهي في الأصل مبدأ طريقة إذا دعا الناس إلى طريقته لأمرهم بتصفية ما قد صفا منه، وبهذا الاعتبار أنَّ السلوك المحمدي أصل أوّله ليس أول مبدئه هو، وإنَّما مبدؤه ما هو قد صفا منه وسافر عنه، فإذا عرفت ذلك فاعلم أنَّ لكلّ مرتبة تجل جمالاً وجلالاً (2) وذكر الناظم تجلي جمال وجلال كلّ سفر من الثلاثة الأسفار، ولم يذكر في هذه السفرة الرابعة تجلي جمالها، ولا جلالها فذكر هذه الأبيات الآتية، أولاً ذكر الجمال في الجلال ثم تذكر بعد ذلك الجلال في الجمال، فافهم.
***
(1) في س: [يتجاوز]، وما أثبتناه من الأصل.
(2) في الأصل و [س]: [أن لكل مرتبة تجلي جمال وجلال] وبها يضطرب المعنى، وما أثبتناه الصواب.
487 (1/487)
صفحة 488
[صفحة فارغة] (1/488)
صفحة 489
الباب السابع عشر
في ذكر جمال الجلال الإلهي وجلال الجمال الإلهي ومشاهدتهما في مبدأ كشف التجلي الأحدي الجمعي، وذكر انتهاء حكمهما بظهور أثر التمكين المختص بمقام الأكملية، الأحمدية، وفي التدله والاندهاش برؤية الجمال بالمحبة الإلهية بلسان مقامه
وكماله.
قال:
503 - وَأَعْجب ما فيها شَهِدْتُ فراعني ومِن نَفْثِ روحِ القُدْسِ في الرَّوعِ روعتي يقول: وفيه تقديم وتأخير، وتقديره وأعجب أي وأكمل ما شهدت فيها، أي الحضرة الأحدية جمالاً وجلالاً، فإنه لم يُرِدْ هنا بكلمة أعجب إلا معناه، وهو كمال جمال الجلال، فراعني، ومعنى فراعني أعجبني وراقني، وأراد هنا معناه أي وأدهشني روعتي ودهشني وحشتي وهيبتي من ذلك الذي شهدته فيها، وهو ما يتجلّى من هيبة العظمة، وهيبة الجلال، وهيبة الكبرياء وهيبة العزّة، وهيبة القوة والقدرة هيبة، وخشية لو وزنت هيبة جميع الموجدات، وخشيتهن لم تكن إلا كقطرة من بحر تلك الهيبة والخشية، فدهشت بذلك مع علمي بأن لا خوف علي بإبعاد، وانظر جمال اللطف مع نظري إلى تلك الهيبة، وذلك الجلال فانبسط به، وكلّ ذلك في حال واحد فهو من أعجب، أي أجمل ما شهدت فيها، وكذلك مشاهدتي نفث والنفث هو ما يلقيه المرء قليلاً أقل من الثفلة وهو البزاقة القليلة، وأراد هنا معناه أي إلقاء روح القدس جبرائيل الوحي [97 و] عليّ، ومشاهدتي أن جبرائيل وإلقاءه الوحي عليّ إنَّما كان كونه من نوري، وذلك العلم الذي يلقيه عليّ هو العلم الذي هو أنا في ذلك الحين من غير تمييز لرؤية جبرائيل هناك إذ ليس هنالك؛ إلا علم، فجبرائيل وعلمه وإلقاءه علي هنالك هو أنا كذلك أشاهده (1).
(1) قد يبدو في هذا الكلام، وقبله بيت ابن الفارض شيء من التجاوز، والشطح، وقد لحظ هذا بعض الدارسين، ينظر
489 (1/489)
صفحة 490
قال:
حجائي ولم أُثبت جلائي لدهشتي
(1)
504 - وقد أَشْهدتني حُسْنَها فَدُهِشْتُ عن يقول: وقد أشهدتني حسنها: أي جمالها هو مشاهدتها جمال صفات الله تعالى، وأنا ذلك المشاهد، فالمعنى متوجّه إلى جمال صفات المشهود فدهشت عن حجائي: أي عقلي، ولم أثبت علي زيادة جلائي: أي انكشاف رؤيتي إليها أكثر من ذلك في مقامي هذا؛ لأنّ بناءه هنا في ابتداء سلوكه في هذه السفرة الرابعة، قوله: لدهشتي، أي لاندهاشي
بما شهدته.
قال:
- 505
5 - ذَهِلْتُ بها عنِّي بحيث ظَنَنتُني سوائي لم أقصد سواء مظنَّتي (2) يقول: وفيه تقديم وتأخير، وتقديره ذهلت أي غفلت ونسيت مما دهشت بها (3)، أي حضرة أحدية الجمع وهي الحضرة العلم البرزخي التي هي أنا، هي في الحقيقة لما تجلى لي زيادة مما كنت أراها في أول سلوكي إليها فذهلت عني، أي عن نفسي، حيث: أي إلى أن ظنتني، أي ظنّت نفسي لم أقصد سواي، أي أوسط طريق، مظنتي، أي الموضع الذي أظنّ فيه قصدي؛ لأنَّ المظنة الموضع الذي فيه الشيء، وهي حضرة نفسي التي هي أنا، فظننت أنَّ تلك الحضرة هي حضرة سوائي، أي حضرة غيري؛ لأني قبل هذا المقام رأيت حضرتي فلم أرها بهذا الجمال فلما قربت منها وتجلى لي جمالها ظننت أنها حضرة سوائي.
قال:
506 - وَدَهْلني فيها ذهولي ولم أُفق
علي ولم أَقْفُ التماسي بظنّتي
(4)
على سبيل المثال موسوعة الحفني، ص 457، غير أنَّ القراءة الرمزية غير المباشرة، مع التأكيد على أنّ المقصود هو (الحقيقة المحمدية) لا ابن الفارض في هذا كله، وهو ما يلح عليه الشيخ ناصر في مواضع كثيرة، أقول إنَّ هذا
مجتمعاً يقود إلى المعنى الغائر في العمق للقصد الجوهري من التائية كلها، لا هذا البيت وحده. (1) في الديوان: [فشدهت] بدل [فدهشت]، وفي هامش الديوان إشارة إلى هذه القراءة، وفيه [حلاي] بدل [جلائي]، ولم يشرحها محقق الديوان، ولعلها [حالي] وجعلت [حلاي] للوزن.
(2) في الديوان [سواي] بدل [سوائي]، [ولم] بدل [لم]. (3) [بها] ساقطة في الأصل، والزيادة من س، وبها يستقيم الكلام. (4) في الديوان: [وولهني] بدل [ودهلني].
490 (1/490)
صفحة 491
يقول: ثم زادني الأمر في الذهول بحيث أنّي أولاً ظنّت نفسي أنّ تلك الحضرة هي حضرة نفسي، وأني لم أقصد حضرتي، ودهّلني بالدال المهملة- وهي مبالغة البلادة والغيبة عن إدراك الحواس، يقول: وغيبني ذهولي فيها، أي الحضرة، ولم أفق، أي ولم انتبه وأرجع عليَّ، أي على نفسي وإدراكي وإحساسي أنّني ذاهل، ولم أفق، أي ولم أتتبع نفسي وإحساسي، وإدراكي حتى أشهده بظنتي، أي بسبب ظنتي فأتتبع حيث أظنّ، بل غبت عن الظنّ بشيء منّي فلم أتتبع ما لم يخطر ببالي، فقد صرت كأني لم تخطر معرفتي
ببالي.
قال:
507 - فأصبحت فيها والها لاهيا بها وَمَنْ وَلَّهتْ شُغلاً بها عنه أَلْهَتِ يقول: فأصبحت أي فصرت فيها بذلك، واستعار أصبحت لظهور تجليها أكثر مما تجلت له من قبل، فاستعار للتجلي الأول الليل، والتجلي الأظهر النهار، قوله: والها، أي ذاهب العقل عن رؤيتي به إلى رؤيتي إليها لقوة الحبّ، لاهياً بها، أي متشاغلاً بها، أي بالنظر إليها، ومن ولهت - بتشديد اللام - أي ومن أذهبت عقله عن رؤية نفسه شغلاً برؤيتها، ألهت: أي ألهته عن كلّ شيء، ولا شيء.
قال:
508 - وعن شُغُلي عني شُغِلْتُ فلو بها قَضَيْتُ رَدَى ما كنتُ أدري بنقلة يقول: وفيه تقديم، وتأخير تقديره وعن شغلي وولهي بها أيضاً شغلت عني، أي عن معرفتي بنفسي أنّي واله مشغول بها، فشغلت عنّي وعن معرفتي بأني شغلت بها، وأنّي شغلت عنّي، أي عن نفسي جميعاً، فلو بها: أي بحبّها قضيت ردى، أي متُ هلاكاً، كما يقال قعدت جلوساً، ما كنت أدري بنقلتي: أي بانتقالي من حياتي إلى موتي، ومن موتي إلى حياتي، وأراد بذلك اتصافه بتلك أنه لو نقل إلى تلك الحضرة التي كان قاصدها لم يدر (1) أنه نقل إليها، ولو ردّ منها إلى الحياة أيضاً كما يردّ في النشأة الآخرة ما درى بنقلته أيضاً، وكلّ هذه إشارات إلى أنّه كان نوراً خالصاً لله، ولو ظهر في الدنيا لم [97] يتغيّر
(1) في الأصل و [س]: [يدري].
491 (1/491)
صفحة 492
عن صفاته كما كان من قبل، ولم يزل يرقى إليه في حياته إلى أن يكون كما كان من قبل إذ لا يصح أن يكون ظهوره إلاّ تكميلاً لمرتبته لا نقصاناً، ويكشف بذلك توحيد الله تعالى، وأنّ كل شيء هو دالّ عليه وشاهد به، وأنه في الحقيقة كلّه نور وعلم، وظاهره كأنه مشير بالموجدات، وفي الباطن الموجدات كلها هي علم الله الذي أوجده نوراً علمياً من تجلى أنوار صفاته، والمعرفة به، والعلم به، فافهم ذلك.
قال:
509 - ومِن عَجَب الوجد المدلَّه في الهوى الـ موله عقلي سَبْي سَلْبٍ كغفلة (1) يقول: ومن عجب الوجد: أي قوة الحب المدلّه المذهب برؤية عقلي عن رؤية نفسي، وإحساسها في الهوى، أي الحب الموله، أي الشاغل عقلي، والسبي هو (2) أخذ الشيء قهراً وغلبة، والسلب الانتزاع، وتقديره المولّه عقلي بسبب سبيه، أي أخذه عنّي أخذ سلب أي انتزاع له هو كغفلة أي مثل غفلة، ولم يتم الكلام، بل أشار إلى تمامه أنّه مثل غفلة المغفلين المشهورين في الأخبار، وإذا كان الأمر كذلك فيهم هم بكمال وجمال، وحبّ غير حقيقي، ولا كامل فكيف بجمال لا يتناهى، وحبّ لا يعلم أقصاه إلا الله تعالى.
حكاية
ومما يروى عن رجلين تحابا واصطحبا في سفينة فوقع أحدهما في البحر فألقى الآخر نفسه فأطلعهما أهل السفينة فقال الأول منهما: أنا فأسقطني كذا وكذا، وأنت فما الذي أسقطك؟ فقال الآخر: ذهبت بك عني حتى ظننت أنك أنّي، أي غبت برؤيتك عني، أي عن رؤية نفسي حتى ظننت أنك أنت، أي أنا الساقط (3).
(1) في الديوان: [ملح] بدل [عجب]. (2) [هو] ساقطة في الأصل، والزيادة من س.
(3) ينظر عة
موسو
العجم، ص 851، وهو ينقل هذا الخبر من كتاب بغية الواحد في مكتوبات حضرة مولانا خالد، محمد زاده العثماني النقشبندي، ص 28 و 14، ويجعل هذا الخبر تحت مصطلح (المحو- الفناء عن شهود
السوى).
492 (1/492)
صفحة 493
[حكاية] (1) أخرى: قيل إن رجلاً عشق امرأة، ووعدته أن تلاقيه في موضع خارج عن البلد، في فلاة بعيد طلوع الشمس، فذهب في طريقه إلى لقائها، وأظلم الليل عليه فوقف عند طحان يطحن على رحى ماء حتى يطلع القمر، وقال للطحان متى تبدأ بالطحن، أراك واقفاً؟ قال: عند طلوع القمر، وعند الطحان رجل آخر فلاح يعمل في أحوال الفلاحة، وعليه ثياب خلقة، والعاشق عليه من الثياب والسلاح من أحسن ما يكون، فقال للطحان والفلاح: أنا أنام في هذه الرحى ما دامت لا تطحن، فإذا أردت الطحن أيقظني فإنّ عليَّ وعيدة أن ألاقي أحداً في موضع يلاقيني بدراهم كثيرة في فلاة كذا وجبت عليه (2)، أو قال له غير ذلك، فقالا: علينا لك أن نوقظك متى طلع القمر، فأخذ الطحان ينزع عنه ثيابه [بلطف] (3) ولبسه إزاراً خلقاً، وعممه بثوب خلق، وأخذ السلاح وجعل في شدّ إزاره حديدة من آلة (4) العمال، وأيقظه حين طلع القمر فلما مضى وأسفر الصبح، ورأى لباسه لباس الفلاح، وفي محزمه آلة فلاح ظنَّ نفسه أنه هو الفلاح، وقال: واعجباً أنا الطحان وأنا الفلاح، وقد وعدنا الرجل لنوقظه فأوقظ الطحان أنا، ولم يوقظ صاحب اللباس، الحسن، ويقول عليه وعد لقاء، ونحن وعدناه، والوعد لا ينبغي إلا وفاؤه فأنا أرجع أوقظ الرجل فرجع، ولم يجده على الرحى فعاتب الطحان كيف أوقظتني أنا ولم توقظ الرجل، فقال له: أنا أوقظت الرجل ولكن لم يذهب إلى الفلاة التي ذكرها لي ولك في الليل، بل ذهب إلى السوق فقال: لعلّه غفل فأنا أسير ألتمسه من السوق فذهب يلتمسه، ويسأل عنه كلّ من لقيه، وهو يسأل عن نفسه. فالناظم أراد مثل هؤلاء، وأنّ المقام الأكملي تخبر صاحبه بلسان حاله أنه كذلك يحبّه لحضرته التي هي أحدية الجمع كما نبأ عنه الناظم.
قال:
510
أُسائلُها عَنِّي إِذا ما لَقِيتُها من حيث أهدت لي هداي أضلت
يقول: أسائلها عنّي إذا ما لقيتها: أي شهدتها، ومن حيث أهدت: أي ومن باب أرادت
(1) ما بين المعقوفين ساقط في الأصل، والزيادة من
(2) أي الدراهم.
س.
(3) ما بين المعقوفين ساقط في س، والزيادة من الأصل. (4) في س: [آلات].
493 (1/493)
صفحة 494
أن تهدي لي أي إليّ هداي بكشفها لي عن نفسي أنّى أنا ذلك الذي أسائلها عنه، أضلت: أي أضلتني زيادة بنظري إليها، وإلى كلامها فلا أسمع المعنى، وإنما [98 و] تشغلني رؤيتها، وزينة كلامها فأزداد تدلّها واندهاشاً وبلادة وأنا لم أسألها عن عنّي بمعرفة، وذكر لنفسي وإنّما سؤالي واقع كأنه عن هذيان؛ لأني كيف أسائلها عن شيء كأنه لم يخطر ببالي
أصلاً.
قال:
[
11 5 - وأطلُبُها منّي وعندي لم تَزَلْ عجِبتُ لها بي كيف عنّي استجنَّتِ يقول: وكذلك من أعجب ما شاهدته فيها أني أطلب، أي تلك الحضرة منّي، أي من نفسي لأنها هي نفسي])، وحقيقتي، وهي عندي لم تزل، أي في من غير 1 (2) لا تزول؛ لأنّها نفسي وأنا نفسها، وعجبت لها أي لأمرها وحالها كيف استجنّت، أي اختفت عني، أي عن (3) رؤيتي بي، أي بسبب حبي لها غفلت عن نفسي بمشاهدة نفسي، وأراد نفسه هي الحضرة الأولى العلمية البرزخية التي يشاهد جمالها؛ لأنه هو ذلك النور الأول الذي به ظهر في الوجود، وإليه مرجعه بالمشاهدة الدائمة الباقية الخالدة، وكما لا نهاية لذلك النور في علم الله؛ لأنَّ المعرفة بالله ثابتة وجودها بلا نهاية، كذلك لا نهاية لبقاء الموجدات وإن تغيرت، وتبدلت فلابد من إيجاد غيرها لتجلي نور المعرفة، ودوامه، ودوام وجودها، ولو فنت الخلق فالرسم باق أنّه قد عرف الباري، فذلك كان الخلود والخلود في الآخرة، فافهم.
قال:
12 5 - وما زلتُ في نفسي بها متردداً
لنشوة حبّي والمحاسِنُ خَمرتي)
(4)
يقول: وما زلت في نفسي متردداً: أي والها ومدلها؛ لأني أطلب نفسي من نفسي، وأغيب عنها بمشاهدتي لها لنشوة حبي أي لسبب نشوة أي سكرة عن رؤيتي
(1) ما بين المعقوفين ساقط في س، والزيادة من الأصل.
(2) ما بين المعقوفين كلمة لم أتمكن من قراءتها. (3) [عن] ساقطة في الأصل، والزيادة من س.
(4) في الديوان: [حسّي] بدل [حبّي].
494 (1/494)
صفحة 495
وسكرة إحساسي أيضاً، ورؤيتي إلى المحاسن منها هي خمرتي التي لم أزل ازداد بها
سكراً (1).
بيان
يرى منه
فإن قيل: وما معنى هذه المبالغة في التدلّه والحيرة والسكر؟ فأقول: إن مراده أن أول ما أوجد الله تعالى من العلم نوراً من تجلي صفاته، وذلك النور هو نور النبي صلى الله عليه وسلم فكان نوراً برزخياً، ومنه وجد جميع الموجدات، وظهرت في عالم الشهادة، والنبي صلى الله عليه وسلم حقيقة نوره هو ذلك النور، وهو فيه، ومنه، ولكنَّه لا نهاية له في عقله، وله مقام قدر ما يتجلى له منه، وهو غير متجزيء، أي ذلك النور في مظاهر قبل ظهور المظاهر، بل هو نور واحد لا وجود معه لشيء من الموجودات، والنبي كذلك يراه الآن في كلّ شيء فإنَّ الأشياء كلّها تشف معه حتى يصير علماً، وذلك العلم هو نوره، ولا يعلم له نهاية، وفي علم الله قدرته في إمداده لا نهاية له، فحق المقامه الله أن يخضع لله، ويدله نفسه، وأنه لا: إلا ما فتح له، فهو يطلب زيادة التجلي، وفي الحقيقة يطلب تجلّي نوره، فهو كمن يطلب نفسه، وهو صحيح أنّ الذي يطلبه من نفسه يشاهده، وما لم يشهده فهو غائب عنه، وهو مثل الغائب عن نفسه، وذلك ليوضح مقامه إحاطة علمه، وأنه أعلم المخلوقات، وأنه مع ذلك هو مثل المتدلّه الذي لا يعرف شيئاً فإنّ من امتدح قوماً في الشجاعة، وبالغ في مدحهم، ثم ذكر من غلبهم، وأذلهم كان أكشف في المدح ممن امتدح الغالب، ولم يذكر حال المغلوب إذ قد يمكن أن يكون جباناً، كذلك كشف جمال النبي وكماله، وإحاطة علمه الذي هو أكمل الخلق في كل شيء، ثم يدله نفسه في تعظيم جمال العلم الذي أوجده الله علماً، ثم إنّ ذلك العلم ليس هو بعد إلاّ خَلقٌ من خلق الله فيكون كشف العلم دلالة على جمال الله وكماله وجلاله الذي لا يعرف بحقيقته إلا هو إلا بتحقيق الوصف والصفات التي هي حقيقة صفاته، ووصفه كذلك، فافهم، فإنّ المقام المحمدي إذا أخبر
هنا
يتبين
(1) السكر عند الصوفية دَهَش يلحق سرّ المحبّ عند مشاهدة جمال المحبوب فجأة فيذهل الحسّ، ويلم بالباطن فرح وهزّة وانبساط، وهو نوعان: سكر بخمر المودة، وسكر بكأس المحبة، والسكر من مقامات العشاق، ومن أن لا علاقة لهذا السكر بالسكر الحقيقي، ينظر موسوعة الحفني، ص 795، وموسوعة العجم، ص 469، وما بعدها، وينظر كذلك كتاب [المفهوم الرمزي للخمر عند الصوفية]، د. حسن الفاتح قريب الله، ص 173، وما بعدها خصوصاً، وإن كان الكتاب كله يعالج الخمرة والسكر ومفهومهما عند الصوفية.
495 (1/495)
صفحة 496
عنه بلسان الحال أن العلم هو نور نفس النبي وعقله وذاته الممدودة بعقل القلم وروحه ونفسه وذاته المتصلة بها اتصالاً كلياً وافق العلم القلم فهو صحيح، ولكنّ العلم [98 ظ] لا يعلم كماله وجلاله وجماله إلا الله تعالى، وهو مضاف إلى الله فيقال علم الله، وقدرة الله، وقوة الله، وكلام الله، والمراد بذلك القوة التي خلقها، والعلم الذي خلقه، والقدرة التي خلقها، والكلام الذي خلقه، وكلّ ذلك دلالة على قدرة ذاته، وعلم ذاته، وقوة ذاته، وكلام ذاته، وجميع صفاته التي هي موصوف بها ذاته، فافهم ذلك.
[بيان]:
نور
وأقول: إنّ الله كان ولا شيء معه ثم تجلّت صفاته فظهر من التجلي نور العلم به ومعرفته، وأوجد الله من نور العلم تعظيماً للعلم نوراً برزخياً لا كالأنوار، كما أنّ العلم لا يشبه الأنوار، ومن ذلك النور ظهرت الموجدات فحقيقة الموجدات وإن تجزأت و تشخصت فإنّها من نور أنوار ذلك العلم والعلم علمان: علم بصفات الله، وكماله، وجلاله، وجماله، وعلم بما سيكونه ويوجده، فأما علم صفاته، وجماله، وجلاله، وكماله، ليست بمخلوق كالمحبة التي ليوجدها، والإرادة على الإطلاق، وأما هو في علم الله فهو لم يزل بها عالماً، وأما العلم بما سيكونه الله تعالى فعلم الله به غير مخلوق، ولكنّه هو خالق علم مثالاتها وخيالاتها، والأشخاص والمعاني؛ وكلّ ما سيوجده، ولا يوجب أن يكون بذلك يوجب أنه خلق علمه بهما، بل هو خالق، علمها، ونفسه لم تزل عليمة بها؛ لأنه
لو لم يكن عليماً بها لم يعلم تكوين إبداعها، وقبل إبداعها لها فليست هي بشيء. فإن قلت: أليس يراها قبل أن يصوّرها؟ قلنا: قبل أن يصوّرها ليست بشيء، فلما أراد أن تكون شيئاً في علمه صارت شيئاً. فإن قلت: أليس يوجب هذا أن يكون قد خلق علمه بها؟ قلنا: لأنّ قدرته على الخلق بلا نهاية، ولو كانت صور الأشياء أصلها بلا نهاية من غير أن يكون هو الذي صوّرها ولكن يراها، ويعلمها، لوجب قدم الكثرة، وبطل توحيد القدم، والأزلية لله تعالى، وثبت أنّ مثالات الأشياء كلّها، قديمة، وثبت أنّ الله خلق الأشياء على مثالات صوَّرها لم يكن هو صوّر تلك المثالات الأولى، وكان من الشرك الخفي الذي لا يجوز القول به ولا الاعتقاد له في الله تعالى، فلمّا صح هذا ثبت ما قلناه، فإذا عرفت ذلك فاعلم أن نور النبي وجد من نور تجلي الصفات الإلهية، ومن نور تجلي العلم
496 (1/496)
صفحة 497
يسبح
(2)
الذي سيكونه الله جلَّ وعلا وجوداً في الوجود، وكذلك أوجد العلم، ولم يزل الله متجلّياً على ذلك النور، وهو أيضاً نور ذلك اللوح المحفوظ من نور أنوار العلم الإلهي، ولم يزل الله متجلياً على تلك الأنوار، وعلى جميع الموجدات، وعلى أفعال أهل العقل من الموجدات حتى أعمال الطاعة، وأعمال المعصية لقوله تعالى: {وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَدِهِ بلسان الحال، أو بلسان مقالة المقال المختص له وبه والمعاصي شيء [وكلّ شيء] (1) الله جلّ وعلا، ويتجلى في الخيالات الفاسدة؛ لأنّها دالة على قدرة الله وتوحيده، وكله بلسان حاله تسبيحه إلى الله يدعوه إلى الله، وإلى ترك معاصيه، ومن كشف الله [له] عن عين بصيرة، وشفّ الكون في رؤيته بعقله، وبالعلم الذي هو العلم الأول، وهو العلم الباقي، وهو العلم الظاهر في الوجود، والموجدات رأى جميع الأشياء علماً محضاً، وكلما تجلّت له مرتبة من ذلك فهي درجته، وهي حقيقته منه، ولا يزال يختلف عليه ذلك الشيء، أو الوجود بأسره حتى يرى الكل علماً محضاً حتى الأجسام والأجساد، هي في الحقيقة علم ظهر بتلك الصورة، والنبي شفت معه جميع الكائنات فرآها كلها من تحت التحت إلى فوق الفوق كلّها علماً لم تبق ذرة يراها كما يراها غيره، وكلّما يتجلّى للمرء فهو منه من علم، وإيمان ومحبة، ويقين، وإسلام، وإحسان، وعلم بالله، وجميع العلوم فإنّما مثل ضوء الشمس يدخل في كوته، ومثال (3) لشفاف مثل ما يرى الجوّ لا يرى إلا نور الشمس، وهو فيه كرة الأرض، وهو مثقال الذرّ الذي في الهواء كيف شفّ، ولم ير إلا ضوء الشمس، كذلك الوجود يشفّ حتى لا يرى [99] إلا علماً محضاً كله غير متجزئ، ويرى الوجود كأنّه الجسم الذي لا يتجزأ، يعني وإن كان يرى الموجدات فإنّه يراها علماً كما أنَّه وإن رأى الذرَّ في الهواء فإنّه يرى الشمس فيه، وإن بالغ في الرؤية فيرى الوجود كله مثل حرارة الشمس هي شيء وكلّها نور، كذلك لا يبقى معه ذرة في الوجود حتى يراها علماً؛ لأنّ الذرات كلّها تصير في رؤيته علماً نورانياً، فافهم فإنّي كررت عليك لتفهم، وهذه مرتبة لا تكمل إلا في النبي، ولكلّ امريء منها درجة ومقام، فالنبي في نفسه إذا كان حقيقة العلم فهو لا يحيط بكماله ولا بجماله ولا بجلاله؛ لأنه لا يحيط بعلم الله، وكيف يحيط
(1) ما بين المعقوفين ساقط في س، والزيادة من الأصل. (2) ما بين المعقوفين ساقط في س، والزيادة من الأصل. (3) في س: [ومثل] بدل: [ومثال].
497 (1/497)
صفحة 498
بعلم الله الذي أوجده نوراً، وهو من تجلي صفاته، والتجلي عليه، أي العلم بصفاته منذ أوجده دائماً بلا نهاية، إذ لا يجوز غير هذا، والقول بغير هذا ضلال؛ لأنه يصير أن العلم غير دال على العلم بالله، وإذا ثبت أنّ تجلّي الله بصفاته على العلم [ونور العلم بلا نهاية، وصفات الله لا نهاية لكمالها وجلالها وجمالها دلّ على أن العلم] (1) لا نهاية له، وإن لم تفهم ما قلناه هناك مثال آخر، وذلك أنّ الموجدات مثل المرآة التي تتجلّى فيها الصور، فإذا كانت واسعة وقلبت نظرك إلى جهاتها فتارة تتجلّى لك الصور فيها إذا قابلتها، وتارة تنظر زجاجتها صافية إذا قابلتها قريباً من سمكها، فلا ترى فيها صورة، وإن ألصقتها في جدار بيت لَصْقاً محكماً تجلى فيها كلّ ما قابلها، ولم تنظر إلى زجاجتها، بل يظن الرائي إليها أن ذاتها كوّة في الجدار نافذة إلى بيت آخر، فكذلك الوجود من ينظرها، ولا يراها علماً كالذي ينظر إلى زجاجتها قريباً من النظر إلى سمكها، والذي يرى الموجودات علماً، ولا يرى شيئاً فيها غيره كالناظر إليها من موضعها في الجدار، فالوجود مرآة للعلم الكلّي المتحد شيئاً واحداً بدليل أنّ ما يدلّ عليه السّماء تدلّ عليه الذرة التي في الهواء (2)، ولولا الموجدات [ما] (3) عرف العلم وما عرف به الباري والعلم مرآة لتجلي صفات الله عليه وفيه وبه لا يزال كذلك منذ كوَّنه بلا نهاية، فدلّ على أنّ صفات الله المتجلية في العلم لا تجلي حلول، ولا تختلف الصفات عما تجلّت، ولكن لا تتجلى إلا ما شاء أن تتجلى من صفاته فيه، والعين البصيرية من العقل ما يتجلى لها من العلم بمنزلة الكوة المقابلة لذلك العلم الذي لم يظهر في المظاهر (4)، ولكنّ الغيبي الذي لم يتجل بعد في مظهر، وما يتجلى على العين الغريزية مثل الكوة النافذة إلى المثالات والخيالات التي هي مظاهر لطيفة، وما أراده الله صحيحاً أظهر العلم متجلياً في تلك المثالات، وما كان على خلاف العلم أظهره في تلك الخيالات والمثالات، والخيالات حقيقة ذاتهن مظاهر علم لدلالتهن في إيجاد الله لهن على قدرة
(1) ما بين المعقوفين ساقط في س، والزيادة من الأصل. (2) إنَّ ما يقرره الشيخ ناصر هنا هو من أهم الركائز التي تقوم عليها (وحدة الشهود) التي يقول بها ابن الفارض والشيخ معاً ناصر وهي تجعل الوجود كله واحداً، فما تدلّ عليه السماء تدلّ عليه الذرة على حد قول الشيخ ناصر في المتن، وهم بذلك يصلون إلى أنّ الاتحاد ليس سوى فناء للظواهر في الحق الواحد الأبدي، وليس الامتزاج كما تقول الحلولية، ينظر موسوعة الحفني، ص 999، وابن الفارض، د. محمد مصطفى حلمي، ص 300، وما بعدها.
(3) في الأصل و [س]: [لم] بدل [ما]، وأثبتنا [ما] لتلاؤمها مع السياق.
(4) في الأصل [مظاهر]، وأثبتنا ما في س لتلاؤمه مع السياق.
498 (1/498)
صفحة 499
الله، والعلم به، وما يتجلى على العين المدبّرة كأنه من كوّة نافذة إلى المحسوسات، والخيالات تتجلى فيها المظاهر، ولا تتجلى فيها العلوم إلا العلوم الظاهرة، فهي كالمرآة التي لا تنظر إلى زجاجتها قريباً من جهة سمكها فهي تنظر ما ظهر، وإن ولّت نفسها، أي المدبرة، والغريزية، العين البصيرية أحالتهما إلى جهتها فينظر أنّ من كوتها، وتنبعث المحبة إلى الجمال الحقيقي فيسلكون جميعاً في التصفية حتى يشفّ الوجود، ويبلغون ما يبلغون من الحضرات والمشاهدات وتقوى المحبة لانكشاف الجمال في كل رتبة، وهذا هو المعبّر معهم براية النفس، وراية الروح، فهم يعنون بالروح العين البصيرية، والنفس العين الغريزية، والعين المدبرة، والدليل على أنّ في المرء أمراء ثلاثة لكلّ عين أمير؛ لأنّ أحدهما يأمر بفعل، وآخر يأمرك بتركه، وهما العين البصيرية، والعين المدبرة، ثم أتت ثالث إن اتبعت هذا سلمت وهي العين البصيرية، وإن اتبعت هذا فيما لا يسعك [ووظ] هلكت، والمراد إن اتبعت هو خطاب للثالث، وهي العين الغريزية، فهي مثل الملك، والمدبرة مثل الساحرة، والبصيرية مثل نبي ورسول من الله تعالى إليهما، والنبي كل مرائي عقله الثلاثة مقابلة للعلم الأول الذي هو هو الآخر الظاهر في المظاهر، ويرى العلم علماً واحداً لا يمنعه تجزؤه بالمظاهر، وصح أنّ ذات الإنسان وحقيقته الباقية هو نور علم الحق كمال إيمانه من نور علمه المنوّر به عقله الذي هو حقيقة ذاته، وأنّ العلم لا نهاية له، وأنه مرآة لتجلي صفات الله تعالى، وهنالك ينقطع العلم والكلام والهوية التي لا يراها أحد، أي مشاهدة الكمال والجمال والجلال الذي لا يطيق أحد أن يشاهده؛ لأنه كمال وجلال وجمال بلا نهاية، وحق على المقام المحمدي أن يقول في ذلك ما حكى عنه، [الناظم رمزاً
لمشاهدة العجز عن الإدراك، وإن العجز عن الإدراك هو الإدراك] (1).
قال:
513 - أسافر عن علم اليقين لعينه إلى حَقَّه حيث الحقيقة رحلتي يقول: أسافر عن علم اليقين وهو حقيقة التصديق في الحق الحقيقي، وعين العين
(1) ما بين المعقوفين ساقط في س، والزيادة من الأصل، والإدراك عند القوم نوعان: إدراك بسيط، وهو إدراك وجود الحق سبحانه مع الذهول عن هذا الإدراك وعنا أنَّ المدرك هو الوجود الحق، ولعلَّ هذا. هو الذي يقصده الشيخ ناصر، والإدراك الثاني هو إدراك مركب وهو عبارة عن إدراك الحق سبحانه مع الوعي بهذا الإدراك وأن المُدْرَك هو وجود الحق سبحانه، ينظر موسوعة الحفني، ص 635.
499 (1/499)
صفحة 500
مشاهدته بالعين. قال الله تعالى: {كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ} أي لو صدقتم بحقيقة التصديق {لَتَرَوُنَ الْجَحِيمَ) ثم لترونها في الآخرة عين اليقين، أي بعيونكم، وأما حق اليقين فهو الملازم بالمشاهدة، والمثال في ذلك أن لو سمع أن شيئاً يقال له جوهر موجود مع الملوك وغيرهم، ونشأ على هذه الشهوة، فصدق ولم يختلجه شك، ولكن لم ينظر جوهريته، فإذا نظر جوهره مرة واحدة تحقق بالمشاهدة، ولكن قيل إنّ ذلك الذي نظرته جوهر عملي ليس هو الجوهر الأصلي فليس هو كمن هو ممن شغله الغوص إليه من البحر، وصار يعرف جنس كلّ جوهر، حتى إن هذا من جوهر البحر الفلاني (1)، وهذا آخر البحر الفلاني، وصار عالماً به علماً حقيقياً فهو حق اليقين في علمه بالجوهر أنه موجود، وأنّ هذه جوهريته، وأما عند أهل الحقيقة فعلم اليقين (2) علم تحقيق النفس بالتصديق، وعين اليقين علم تحقيق الروح، وحق اليقين علم تحقيق السر، فإذا عرفت ذلك فهو يسافر بنفسه عن علم اليقين علم النفس لعينه، أي إلى عين اليقين، علم روحه ليسافر معه، وتسافر روحه مع النفس إلى حق اليقين مقام الجمع، وهي حقيقة الحقيقة، يقول: وإنما كان هذا السفر منّي حيث إنّ الحقيقة هي منزلي وإليها رحلتي، فافهم ذلك.
قال:
514 - وانْشُدُني عنِّي لأرشدني على لساني إلى مسترشدي عند نشدتي يقول وأنشدني أي وأنشدها، وإنّما سماها نفسه، عنّي: أي عن نفسي لأرشدني أي لأرشد نفسي، وأراد لترشدني هي على لساني، أي على لسانها هي التي ستر شدني، يقول: أناشدها لترشدني إلى الذي هو يناشدها عنّي عند نشدتي إيَّاها، حين ذلك لأذهب إليه، وهو هو الناشد عن نفسه ليسير مع نفسه، وأراد يسير معها هي، وذلك لشدّة تدلّهه بحبّها.
قال:
-515
5 - وأسألُني رَفْعَ الحجابِ بكشفي الـ
نقات
وبي كانت إليّ وسيلتي
(1) في الأصل: [الغاني]، وأثبتنا ما في س لتلاؤمه مع السياق.
(2) علم اليقين ما كان من طريق النظر والاستدلال، وحق اليقين ما كان بتحقيق الانفصال عن لوث الصلصال بورود رائد الوصال. ويتحدث الجنيد عن حق اليقين فيقول: إنّه ما يتحقق العبد بذلك، وهو أن يشاهد الغيوب كما يشاهد المرئيات مشاهدة عيان، ويحكم على الغيب فيخبر عنه بالصدق ينظر موسوعة العجم، ص 675.
500 (1/500)
صفحة 501
يقول: وأسألها، ولكن في سؤالي لها فأنا أسألني، أي أسائل نفسي رفع الحجاب بكشفي النقاب، والمراد نقابها، ولكن أضاف نقابها إلى نفسه، ووسيلتي كانت بي إليّ في ذلك السؤال، أي إلى نفسي، والمراد إليها، فإن قلت كيف يضيفها هي إلى نفسه، ولم يضف نفسه إليها حتى يجعل خطابه إليها؟ فالجواب: إن ذلك مما [لا يجب أن] (1) يدل على الاتحاد لو قال لها، يا أنت، ويعني نفسه لم يفهم أنه قصد نفسه، وإن قال لها: يا أنا فقد فهم الاتحاد كذلك هي لتخاطبه: يا أنا، فالأصح في الاتحاد ما سلكاه في مخاطبتهما بعضهما بعضاً.
قال:
حسن
هي
516 - وأنظر في مرآة حسني كي أرى جمال وجودي في شهودي طَلْعَتي [100 و] يقول: وفيه تقديم وتأخير، وتقديره وأنظر طلعتي: أي ظهور وجهي، وأراد بالوجه هنا الحسن، والذات أي وأنظر ظهور وحسن ذاتي في مرآة حسني، والمرآة الناظور التي ينظر بها الصور، استعارها لنور العلم؛ لأنه يرى حقائق الأشياء، وأنه يرى ذاته في نور العلم إذا تنوّرت به وكلما ازداد بالله وفي الله علماً ازدادت طلعته جمالاً وحسناً. يقول فيه: وجّهت بالكلية نظري كي أرى جمال وجودي في شهودي، أي ظهور وجودي في عالم الشهادة في الدنيا، أي كي أرى مقاماتي في العلم والكمال والجمال السابق لي في علم الله تعالى حتى أنتهي إليه في هذه الدنيا، وهو عالم شهودي، فإنَّ حسني هو نور العلم، والقرب به من الله تعالى لا غير، ونهايتي بلوغ حضرتي، ومرتبتي، ودرجتي، ويحتمل له مع هذا الوجه وجه فيكون معناه الوجهين جميعاً، وأرادهما جميعاً فيكون تقديره: وأنظر في مرآة طلعتي، أي طلعة وجه جمالها أضافها إلى نفسه، كي أرى جمال وجودي: أي وجودها في شهودي حسني، أي في مشاهدتي حسنها.
قال:
517 – وإن فهتُ باسمي أُضغ نحوي تشوقاً إلى مشمعي ذكرى بنطقي وأُنْصِتِ يقول: وإن فهتُ - بضم التاء وأراد وإن فاهت هي سمّاها نفسه، باسمي: يحتمل
(1) ما بين المعقوفين ساقط في الأصل، والزيادة من س.
أنه
501 (1/501)
صفحة 502
أراد باسمه، أو باسمها، أصغ نحوي: أي نحوها تشوّقاً إلى مسمع ذكرى بنطقي، أي إلى
سماع ذكرها بنطقها، وأنصت إلى ذلك.
قال:
518
(1)
1 5 – وأُلْصِقُ بالأحشاء كفّي عساي أن أعانقها في وضعها عند ضمتي يقول: ومن شدة التعب والوله والتدلّه ألصق بالأحشاء كفّي، أي راحة يدي عساي أعانقها في وضعها، أي براحة يدي عند ضمّتي لها بأحشائي. ذكر أولاً مشاهدتها ظاهراً، ثم ذكر سماعها وكلامها، ثم ذكر هنا مشاهدتها باطناً، وإن قال ذلك في تدلّهه فإنّ تدلّهه لا يريد به غير العجز عن الإدراك والإحاطة بكمالها علماً وجمالاً، وكمالاً، وجلالاً، وعن كل صفة يصفها بها، وليس المراد بمعانقتها غير اتصافه بصفتها، والمراد الاتصاف بصفات الله التي شاهدها علماً، وسمع بها عقلاً وتحقيقاً، ورآها بسره غيباً؛ لأن انكشافها إليه من حيث لا يعلم [أولاً هو سرُّ الله الأخفى، وعلم أنّ الكمال هو الاتصاف بالكمال، ولا كمال إلا كمالها فولهت نفسه إلى أن يعلم أن روحه، ونفسه، وذاته، وسره اتصفت فاستعار الناظم لذلك هذه الاستعارات رمزاً دالاً على ذلك ليكون النظم أعذب تعظيماً لشأنها، أي الحضرات الصفاتية والوصفية والفعالية جميعاً.
قال:
519 - وأهفو لأنفاسي لعلي واجدي بها مستجيزاً أنها بي مَرْتِ يقول: ولم أزل أن أهفو، أي أميل بقوة الحبّ لأنفاسي، أي إلى أنفاسي بالتماسها منها، وأقول: لعلّي واجدي بها أي لعلّي أنا واجدها هنالك، بأنفاسي: قريب من معنى في أنفاسي ولكن [في] تستعمل ظرفية لوالج الشيء في الشيء، و [بها] تستعمل للاختلاط والملاصقة، أنها مرّت بي: أي تلك الحضرة؛ لأني كنت مستجيزاً كون مرورها بي، والمستجيز هو المجوز للشيء، أي الذي يكون ممكناً. يقول: لأنَّ مرورها بي كان عندي ممكناً كونه، وأراد بذلك قوله تعالى: [ما وسعني سمواتي ولا أرضي ووسعني قلب
(1) في الديوان: [أعانقني] بدل [أعانقها].
(2) ما بين المعقوفين ساقط في س، والزيادة من الأصل.
502 (1/502)
صفحة 503
عبدي المؤمن]، أي وسعه بتجلي صفاته عليه والعلم به ولدينه، وإكمال الطاعة بالعبادة الخالصة له، وهو يهفو قلبه راغباً، وتكون كذلك منزلته، وأنّه هل صار ممن صار قلبه قد وسع صفات [100 ظ] ربه كما ذكر هو جلَّ وعلا، وكون ذلك ممكناً عنده لعلمه بذلك؛ لأنه هو الحاكي عن الله قوله ذلك، واعلم أنّه في المرتبة الأولى في أول سلوكه ذكر الاندهاش والحيرة والتدله ولما انتهى إلى هذا المقام الذي أدهشه سكنت نفسه، فذكر
كما قال:
(2)
520 - إلى أن بدا مِنّي لعيني بارق وبان سنا فجري وبانت دجيتي 521 - هناك إلى ما أَحْجَمَ العقل دونَه وَصَلْتُ مني اتصالي ووصلتي وبي يقول: ولم أزل أرقى كذلك راغباً في الترقي إلى مقاماتي، وأنظر إليها بنور العلم والعمل إلى أن بدا، أي ظهر ولمع منّي، أي من نوري الأول الذي هو نور مقامي، لعيني، أي عين عقلي بارق من نور تجليها عليّ، وبان سنا: أي ضوء شمس فجري بمشاهدتي إياها، وبانت: أي فارقت، دجيتي، أي ظلمة حجابي عنها، وهناك، أي في حضرة كمالي وصلت إليّ. أحجم، أي امتنع العقل، والمراد هنا بالعقل معناه لا ذاته، أي الإدراك والشهود دونه، أي يمتنع الإدراك عنه وعن ما هو أقرب منه، وبي كان اتصالي بها، أي بنوري وكمالي كان اتصالي بها، ومنّي أي ومن نوري وجمالي، كان وصلتي إليها، وهي أيضاً حقيقتي، وبها ومنها وصلتها بي ومني؛ لأنّها أنا هي، وهي أنا، وذلك تحقيق لا بمعنى
الثناء، فافهم ذلك.
قال:
522 – فأسفرتُ بِشْراً إِذ بَلَغْتُ إلي عن يقين، يقيني شَدّ رَحْلِ لسفرتي يقول: فأسفرت أي فأصبحت مشرق الوجه بشراً وسروراً إذا بلغت إليّ، أي إلى حقيقتي التي أعدت لي خالدة لا فناء لها عن يقين أني وصلت من حُسن كمال يقيني في شدّ رَحْل لسفرتي، أي أكملت حسن يقيني في شدّ رحلي في سفري إليها.
(1) مر تخريج الحديث القدسي. (2) في الديوان: [جنتي] بدل [دجيتي].
503 (1/503)
صفحة 504
قال:
(1)
523 – وأرشدني إذ كنتُ عني ناشدي إليَّ ونفسي بي علي دليلتي يقول: وفيه تقديم وتأخير وتقديره وأرشدني، أي وأرشد نفسي إلي، أي إلى حقيقتي تلك التي هي كمالي إذا كنت عني ناشدي: أي إذا كنت أنا ناشد عنّي، أي عن حقيقتي التي هي غايتي ونفسي في إنشادها، وإرشادها إلى حقيقتي تلك إنما كانت دليلتي عليَّ بفتح الياء- أي على حقيقتي ودرجتي تلك، بي: أي بنور ذاتي، ولولا نور عقلي لما
اهتديت إليها.
قال:
524 - وأستارُ لَبْس الحس لما كشفتُها وكانت لها أسرار حُكميَ أَرْخَتِ يقول: وأستار لبس الحسّ أي الشهادات الموجدات التي هي مظاهر لنور العلم، ولا يراه منها، وفيها إلا أهل التحقيق مع أنها لولاها ما عُرف التحقيق؛ لأنه لا يتحقق المرء بما لا يراه، ولا يحسه وإن عرفت بعض العلوم بالعقل فإنها هي السبب الأول. يقول: لما کشفتها، أي صفت وشفت وراءها كلها علماً كما لا يرى زجاجة الناظور، وإنما يرى ما تجلّى (2) فيها، فالعلم يتجلى في الموجدات، وهي مرآة له، فلما رآها علماً، وكانت لها أسرار حكمي، أي قضائي بعلمي أن ترتفع، أرخت حجبها أي طرحتها فرأيت الوجود كلّه علماً لا حجاب بيني وبينه كما كان قبل إيجاد شيء غيره، ووصلت إلى حضرتي وحقيقتي.
(1) في الديوان: [وأرشدتني] بدل [وأرشدني]. (2) في س: [ما يتجلى تجلى فيها].
***
504 (1/504)
صفحة 505
الباب الثامن عشر
في اتحاد كماله بالمكاشفة، والمشاهدة بالكمال الإلهي بالتوحيد الحقيقي بلسان
جماله ومقامه.
قال:
525 - رَفَعْتُ حجابَ النَّفْس عنها بكشفي الـ نقاب وكانت عن سؤالي مجيبتي يقول: ولما كشفت الحجب كلها، وتجاوزت الحضرات والحقائق، ووصلت إلى تلك الحضرة والحقيقة، رفعت حجاب النفس عنها بكشفي النقاب، والنقاب هو ما يغطى به الوجه، ولا يظهر إلا العينان منه. يقول: رفعت حجاب نفسي عنها بكشفي لنقاب [101 و] وجهي وهو التدلّه، والغفلة، والدهشة، وهو الحجاب، وهو النقاب، وكانت نفسي عليمة عالمة محققة أنّها مجيبتي، أي مجيبة في سؤالي لها إليّ كشف الحجاب والنقاب مطاوعة
لما أريده منها.
قال:
-
526 - وكنتُ جلا مرآة ذاتي من صدا صفاتي ومني ومنِّي أَحْدَقت أشعتي (1) بي يقول: وكنتُ جلا: أي وكنت أنا جلا، والجلا الصحو، والجلا الذي تجلى به، وهذا هو المراد هنا، وكنت الجلا فجلوت مرآة ذاتي، من صدأ وهو الوسخ الذي تتوسّخ به الحديدة المجلية التي ترى الصور منها وهي الناظور؛ لأنّ الناظور قد يكون من زجاج وقد يكون غيره مثل الحديد، وما كان يصح أن يعمل ناظوراً. يقول: فجلوت صدأ صفاتي الحاجبة عن وصولي إلى مقامي الأعلى في تلك المقامات التي هي دون مقامي، ولما وصلتها أحدقت، أي أحاطت بي أشعتي، أي أشعة أنواري، ومني أحدقت بي، أي وبنوري
(1) في الديوان: [ومني أُحدقت بأشعة] بدل [ومني أحدقت بي أشعتي].
505 (1/505)
صفحة 506
ذلك وصلتها، فأحدقت بي، وهي هي أنواري التي وصلتها بها فكان وصلها بي ومنّي، أي من نوري، وبنوري صح الوصل إلى نوري، وهي نور حضرتي، ونور حقيقتي. واعلم أنّ كلّ أحد ممدود نوره من نور مقامه وحضرته، فهو يتصل إليها بها وبنوره الذي بعقله المتجلّي من نوره ذلك الذي هو مقامه، فافهم.
قال:
527
5 - وَأَشْهَدتَني إياي إذ لا سواي في وجودي موجود فيقضي بزحمة (1)
يقول: وأشهدتني إياي - بإدغام الدال في التاء لإقامة الوزن، وأراد وأشهدتني إياي هي، وإنّما أضافها إلى نفسه، لا لتدلّه، ولا لدهشة مثل حاله الأول؛ لأنه هنا عن صحو، ولكن لاتحاد وصفه بوصفها، أي حضرته، وقوله: إياي، أي حقيقتي الأولى التي هي نوره الأول الذي كان ولا كون لشيء معه، ولذلك قال: إذ، أي حيث لا موجود هنالك سواي في وجودي ذلك، وصرت كذلك أرى نفسي هي، والوجود عما كنت أولاً نوراً عملياً متحداً، وإن كنت أرى الوجود فإنّي لا أراه إلا كذلك علماً تجلّت فيه صفات الله لم تزل
كذلك بلا نهاية.
قال:
- 528
وَنَفْسِي بِنَفْيِ الحَسٌ أَصْغَتْ وَأَسْمَتِ وَأُسْمعني في ذكي اسمي ذاكري يقول: وأُسمعني بضم الألف والعين؛ لأنه فعل متعد هو يُسمع نفسه، وأراد وأسمعتني هي أي حضرتي الأولى التي رأيت فيها كلّ شيء هي في الحقيقة كلّ ذكر باسم هو في ذكري واسمي، وذاكري؛ لأني في حضرتي؛ لأنّ الذكر، والأسماء كلّها أراها مظاهر علم تجلّي صفات الله، ورأيت العلم والمظاهر كلها علماً كما كنت نوراً، وهو نوري كذلك هو هو في كلّ شيء فأنا أرى ما أسمعه أسمع نفسي. ونفسي بنفي الحسّ أصغت وأسمت أي ونفسي أصغت إلى هذا الإصغاء حتى أرى كل ذكر هو ذكر لحضرتي، وأسمت، أي وأسمتني، أي وقصدتني، أو قصدت بي إلى حضرتي، ومعنى قصدتني قصدت نفسي إلى حقيقتي التي هي، حضرتي، فالمعنى واحد، وإنما وصلت
(1) في الديوان: [شهودي] بدل [وجودي].
506 (1/506)
صفحة 507
إليها بنفي الحسّ، أي بسبب نفي حجب عالم الحسّ عن رؤيتي فلم أر الكون إلا برزخياً علمياً كما كان في أول إيجاده في الوجود، فرأيت الموجدات كلها مرآة للعلم بالله وفي الله ولله، وذلك العلم الذي نطق به كلّ هو الذي صار علمي، وفي الحقيقة أنّ العلم هو الناطق في كل شيء فلم أر في مرآة الكائنات إلا العلم الأول الذي هو نوري الأول، وإن سمعت كلاماً فأسمع فيه، ومنه كلام لسان حال دلالة تجلّي العلم الأول الذي نوري، وإن رأيت شيئاً رأيت فيه ذلك كذلك أيضاً، فإن قلت: إنَّ (1) في الوجود وجود المعاصي، فأقول: إن المعاصي في ذاتها مظاهر علم مثل غيرها لا تختلف؛ لأن وجودها يدلّ على قدرة الله وعلى أنّها مخلوقة، وعلى [101 ظ] علم الله بها، وكذلك هي تدلّ على ما يدلّ غيرها من التوحيد، فهو يشاهد ذلك التوحيد منها، ولقوله تعالى: [وإن من شيء إلا يسبح بحمده، وهي شيء، وكلّ شيء يسبح حتى وجود نفس المشرك بالله تعالى، فهي تسبّح الله بالدلالة على توحيده جل وعلا، ولا أجر له؛ لأنّ ذلك لا من إرادته بل إيجاد الله تعالى لها كذلك بعلمه وقدرته، فهي تدلّ على علم الله، والعلم بالله، ونفس الأنبياء، والملائكة، ونفس إبليس لعنه الله في دلالة إيجادها على توحيد الله تعالى سواء، وكذلك إيجاد الكفر والإيمان، والشرك والنفاق، والإسلام والإحسان في دلالة إيجادها على توحيد الله تعالى؛ لأنها أشياء، وكلّ شيء يسبح بحمده بالدلالة على معرفة الله تعالى، فتساوت في حضرة الدلالة، واختلفت في الحِلّ والإباحة، والصدق والكذب، والحق والباطل، والمحق والمبطل، فافهم ذلك. ومعنى قولنا ومن صفت وشفت معه الموجدات علماً واحداً متحداً ليس المراد أنه رآها شفافة منظرة، وإنما شاهد تسبيحها، والعلم بالله الناطقة به فسمع نطقها وتسبيحها وراءه عياناً فأغفله رؤية أجسامها كما ينظر إلى صنعة صانع (2) يعرفه فتدهشه فطنته ومعرفته حتى يذهب فكره في ما أعطى الصانع من الحكمة عند رؤية تلك الصنعة، وإذا صار كذلك في حدّ رؤيته في الموجدات كلّها علماً واحداً صارت هي علمه، وعلمه هو العلم الذي هي مظاهر له، واتحد الكل شيئاً واحداً كما اتحد الهواء بين السماء، والأرض شيئاً واحداً.
فلو كان الهواء به عقل يعقل الأشياء لكان كلّ جانب منه هو بقية الجوانب كلها،
(1) [إِنَّ] ساقطة في الأصل، والزيادة من س.
(2) في س: [الصانع] بدل [صانع].
507 (1/507)
صفحة 508
فإن ذكر بعضاً منه كان كأنه قد ذكر كلّه، وإن غفل جانباً وصف به كلّه، وإن نطق جانباً وصف به کلّه وعلى هذا القياس فلذلك علم النبي، وحضرته اتحدت علوم جميع المعلومات بعلمه فصار الكلّ علماً واحداً متحداً عما كان فى أول الإيجاد نوراً واحداً لا كون لشيء معه، فيصح أن يتكلم مقامه بلسان كلّ شيء أنه يتكلم بمقامه، وفي الحقيقة أنّ كلّ عالم بالله تعالى فعلمه متصل بجميع المعلومات وتسبيحها، فتسبيح كل شيء هو تسبيحه، وتسبيحه هو تسبيح كل شيء، فالتسبيح لا غيره، فلو قال: إن الشيء الفلاني يسبّح بتسبيحي، وينطق بنطقي، ويتكلم بلساني، ويسمع بسمعي، وينظر بنظري، وأنا أسبح بلسانه، وأسمع بسمعه، وأنظر بنظره إلى غير ذلك لكان صادقاً إذا كان محقاً في توحيده، ولكان ذلك هو الحق الذي لا خلاف فيه لمن فهم، وليس في الوجود موضع ذرة خلل، ولا خلاء، بل كله تجلي علم صفات الله تعالى، وعلمه، علم صفات الله تعالى وعلمه، وجميع الموجدات لسان، ونطق، وكلام، وسمع وبصر، وتسبيح، وكلّ ذرة وحدها هي كذلك أيضاً، وكلّ عمل، وكلّ، لسان وكلّ سمع، وكلّ بصر، وكلّ عقل، وكلّ كلام هو مظهر تسبيح وتجلّي علم الله فيه، وصفاته وتوحيده حتى لسان المشرك، وكلام الشرك بالله تعالى، فهي بالدلالة في إيجادها، ووجودها فلا يصح أن يوجد في الكون شيء هو غير كذلك ضرورة
ينطق
(1)
لا ملجأ عنها، فلو قال لساني هي لسان الكون، وسمعي سمعه وبصري بصره، وهو ويتكلّم ببصري، ويبصر بلساني، وينظر بسمعي لكان قولاً صحيحاً على بسمعي، هذه المعاني؛ لأنّ الدلالة لا تختلف، فالكل مشتركون فيها، وقد يسمّى الشجاع بالأسد، والعالم بالشمس والسلطان الجواد بالبحر، لاشتراكهما في بعض الصفات، وإذا كان كذلك فالناظم تكلّم عن قول المقام المحمدي بلسان حاله كما قال:
529 - وَعَانَقْتُني لا بالتزامِ جوارحي الـ جوانح لكني اعتنقت هويتي يقول: وعانقتني - بضم التاء وتسكين القاف أي وعانقتها، وهي حضرة أحدية الجمع العلمية، وإنما أضافها إلى نفسه (2) في تحقق [102 و] ذاته بحقيقتها، وكمال صفات ذاته بكمال صفاتها للاتحاد بذاته حيث كانت هي في ذاته، وذاته متصفة بعلمها،
(1) [هو] ساقطة في الأصل، وما أثبتناه من س.
(2) في س: [ونفسه] بدل [إلى نفسه].
وهي
فيه،
508 (1/508)
صفحة 509
وتراها ذاته من ذاته، وهي نور ذاته فهو لا يرى إلا نور ذاته، فلأجل ذلك قال: وعانقتني، أي شاهدت بذاتي نور ذاتي فهذه معانقته لها قوله: لا بالتزام جوارحي بالجوارح، أي بجوانحها كما هو المعروف مع العامة، وكما فعلت أولاً بوضع يدي على حشاشتي من كثرة الوَلَه بها، ولكنّي عانقت هويتي: أي عانقت مشاهدة حضرة الجمع التي فيها هويتي، أي في التوحيد إلى هوية ليس فيها غير العجز عن الإدراك هو الإدراك، ولا غوص بعد ذلك لمخلوق أبداً؛ لأني منتهى الغائصين.
قال:
530
المفتت
5 - وَأَوْجَدتُني روحي وروحُ تنفسي يعطّر أنفاس العبير يقول: وأوجدتني - بضم التاء، ويحتمل كلامه معنيين: الأول بمعنى الحب، وأوحدتني، أي وهمتني، وروح: أي ورائحة، أو ريح طيب تنفسي فيها التي يعطّر أنفاس العبير المفتت، وهو تنفس مجال نظره، ومشاهدة في فضاء عالم الغيب، وعالم ملكوت الملك، روحي: وأراد هنا الروح غير ذاته، بل هي أنوار المحبة الإلهية، وأنوار دينه، وأنوار المحبة الرضائية الإلهية، وأنوار مشاهدة معرفته بالحضرات الإلهية التي هي روح الأعمال، كماله، وروح وروحه التي بها حياته، وبقاؤه، فمن كانت فيه هذه الأنوار فهو في روح، وله حياة وبقاء، ومن لم يكن فيه منها شيء فلا روح له، ولا حياة، ولا بقاء إلا بقاء الخسران الذي لا يستحق مع مقالة هذا البقاء أن يسمى بقاء. وروح تنفسي التي رائحتها، أو رائحة ريحها، تعطّر أنفاس: أي نفحات العبير المفتت، استعار كلمة الأنفاس لشذاه الذي يتنفس له الاستنشاق. والمعنى الثاني، وأوجدتني: أي وأشهدتني روحي تلك الأنوار الكمالية التي جعلها الله لي كمالاً بالعلم بها، والتكميل بكمالها التي هي أركان كعبة الذات الحجرية، وروح: أي ورائحة، أو وطيب تنفسي: أي فضاء مجال نظر روحي تعطر رائحة أنفاس أهل العبير المفتت، أي رائحة العبير من طيب فضاء ذلك العالم العلمي، ويصح أن يكون استعار أنفاس أهل العبير المفتت، وهم أهل الأرواح الطيبة العبيرية المفتتة بالمحبة والرغبة والشوق، فافهم ذلك.
قال:
531 - وعن شِرْكِ وَصْفِ الحُسْن كلّي مَنَزِّهُ وفي وقد وحدتُ نفسي نزهتي
(1) في الديوان: [الحسّ] بدل [الحسن] و [ذاتي] بدل [نفسي].
(1)
509 (1/509)
صفحة 510
يقول: وعن شرك وصف الحسن كلّي منزّه، ويحتمل كلامه معنيين: أحدهما كلي منزه، أي كل شيء منه هو منزّه لله تعالى عن شرك وصف الحسن المعروف؛ لأنّ كمال الله لا يوصف بالحسن المعروف، والمعنى الثاني كلي منزّه، أي هو منزّه، أي كماله الذي هو علم صفات الله تعالى أي كل شيء إذا نظرت على حقيقته وجدته تسبيحاً وتوحيداً وذلك التوحيد والتسبيح عن شرك وصف الحسن لما وجد في الموجدات منزّه، وبعد أن وصف الله تعالى بالوصف الموجد في الموجدات من شرك وصف الحسن، ومن توحيد الله منزه عن ذلك، وقوله: وفي بفتح الياء وتشديدها-: ويحتمل كلامه معنيين أحدهما: وفي نزهتي أي توحيدي لله تعالى، وأراد، وفي كل جزء من أجزائي توحيد الله تعالى الذي أمرتُ أن أعرفه وأشاهده، والمعنى الثاني: وفي نزهتي أي فحال مشاهدتي لتوحيد الله، وتسبيحه في عالم أجزائي، وقد وجدت نفسي، أي شاهدت نفسي علماً توحيدياً، و شاهدت جميع الوجود فلم أنظر إلى كمال الله وجلاله وجماله، فكلّ شيء رأيته توحيد الله تعالى فهو موجود حقيقة نفسه التي هي تسبيح الله تعالى لا نفسه؛ لأنه لما لم ينظر إلى ظاهره، ونظر إلى تسبيح الله بتلك الأجزاء منه عرفها أنّ حقيقتها هو ذلك منها لا غير، فإن قلت: هل يصح أن يقال وجدت نفسي؟ فنقول: نعم، على هذا المعنى بمعنى، وقد نظرت 1021 ظ] إلى حقيقة نفسي، والذي هو تسبيحها لله، وتوحيدها لله تعالى، ورأيت الله متجلياً بالعلم به فيها، وفي كلّ جزء منها، وشاهدت ذلك فإنّ الكلام يحتمل التقدير المحذوف، والضمير المحذوف فتأول على ما يحتمله من وجوه الحق، فافهم.
قال:
532 - وَمَدْحُ صفاتي بي يُوفِّقُ مادحي لحمدي وَمَدْحي بالصفاتِ مذمّتي يقول: ومدح صفاتي أراد بالمدح المعنوي، أي وتنوير صفاتي الأربع التي هي السمع والبصر والنطق والقدرة بأنوار الكمالات الإلهية التي بها استحق المدح مهما انتهيت مراتب الكمالات، وحضرات الجمع، وحضرات أحدية جمع الجمع التي جعلها الله لي كمالاً أكمل بها ذاتي توقف مادحي لحمدي: أراد هنا اللام يعني [عن] أي حمدي لأنّ كمال الله الذي تجلى في ذاتي لا نهاية له، فأين لحامد يقدر أن يثني على كمال الله تعالى الذي لا نهاية له، وقد كملت به ذاتي متجلّية عليها، وتنورها به. وقوله:
وثنائي؛
510 (1/510)
صفحة 511
ومدحي بالصفات مذمّتي: لم يرد هنا بالمدح مدح الغير له وإنّما أراد المدح المعنوي، إذن وإذا وقفت على درجات الاقتصار بقوة السمع من الأذن، وقوة بصر للمتنوعات من العين للمبصورات، وقوة النطق باللسان فى الألفاظ، وقوة الشجاعة بالعقل، والبطش، وبلغت الغاية في حسن وصفي بهذه الصفات الأربع، ولم أنور الذات بالأنوار الإلهية، وأكون أشجع جائل في عوالم الغيب، وعوالم حقائق الملك والملكوت والجبروت، وأبصر ناظر ومشاهد، وأسمع سامع في الحضرات الإلهية، وأنطق ناطق بها وبكمالها فهو مذمتي، أي مذمَّة لي، ذمّني أحد، أو لم يذمني أحد.
قال:
533 - فَشَاهِدُ وصفي بي جليسي وشاهدي به لاحتجابي لن يحل بحلة يقول: فشاهد وصفي: أي فالناظر إلى وصف، أي وصف ذاتي، ومشاهدتها لأنوار الحضرات وجمالها والتكميل بكمالها هو جليس هو، أي هو العارف بي وبحقيقة كمالي، ولم يرد بالشاهد في الحقيقة غير ذاته، وإنّها إذا تجلت فيها أنوار الحضرات الإلهية والكمالات الإلهية والمحبات الإلهية فهي جليسه الناظرة إلى كماله أنّ ذلك هو كماله وصوره، أو المطَّلع عليه بذلك هو العارف بحقيقة كماله من الناظرين إليه؛ لأن الجليس هو المطَّلع على من يجالسه وقوله وشاهدي به (1)، أي والمشاهد لسمعي الظاهر وبصري الظاهر ونطقي الظاهر وفعلي الظاهر، وأن كمالي في هذه هو غاية الكمال وحده، ومنتهاه لن يحلّ بحلّة الحلّة الدار، والمنزل، أي لن ينزل بدار معرفة حقيقتي مثله كالذي لم ينظره ولم يعرفه أبداً، ولم يحلّ محله المكاشفة بحقيقة الكمال؛ ولم يرد بذلك نفسه فقط، وإنّما أراد التنبه على أنّ الكمال ليس هو الكمال الظاهر فقط، وإنما الكمال كمال الباطن بنور الله تعالى وكماله، ثم كمال الظاهر، ولم يرد بالذي
6
6
لم يكاشف بمعرفته، ولم يحل بدار معرفته غير معرفته آنها متى ظنّت كذلك، ورأت أن الكمال غايته كمال ظاهره لم تحلّ المعرفة بداره، أي بقلبه، فافهم ذلك.
قال:
534 - وبي ذِكْرُ أسمائي تيقظ رؤية وذكري بها رؤيا توسّنُ هجعتي
(1) [به] ساقطة في الأصل، وأثبتناها من س.
511 (1/511)
صفحة 512
يقول: وفيه تقديم وتأخير، وتقديره وذكر، وأراد هنا الذكر الباطني الذي هو المشاهدة
أي ومشاهدة أسمائي، أي أسماء ذاتي، وهي الأربعة الأسماء التي هي سميعة، بصيرة، قديرة ناطقة للحضرات الإلهية، والكمالات الإلهية والمحبّات الإلهية، وتجليها على ذاتي تيقظ رؤية في مشاهدتي لذلك انتباه من سنة غفلة إلى مشاهدة الجمالات الإلهية. وقولي، أي من شاهدني كذلك، وعرفني بها يقظة رؤيتي، ومشاهدتي إلى رؤية، ومشاهدة الحضرات الإلهية، وتكميل الذات [103 و] بالكمالات الإلهية، وكذلك نفسي إذا عرفت ذلك كما إذا عرفني غيري بذلك، وأما ذكري بها، أي وأما مشاهدتي بها، أي بذواتها التي هي السمع من الأذن، والبصر من العين، والنطق من اللسان، والفعل باليد، وبغيره، وكمالي في هذه فهي مثل رؤيا تؤنس هجعتي، والتوسن هو نوم السنة، وهو النوم الخفيف وقد يكون لحظة، والهجعة النومة القليلة أول الليل، ومثل مشاهدته بكمال ظاهره بالرؤيا التي على هذه الصفة، أي فلا توقظه كمشاهدته لي بها إلى الحضرات الإلهية، بل بما تريه بعض الدلالات القريبة إلى العلم بالله مثل رؤيا توسن، أي في سنة خفيفة في هجعة، أي في أول نومه في نومة قليلة بين اليقظة والمنام، فيرى رؤيا ربما تحتاج إلى تعبير، وربما لا تحتاج، كذلك رؤية ظاهري ترى قليلاً، وربما تحتاج إلى تأويل ما رآه منّي، وربما هو على ظاهره فهو بعد محتاج إلى علم التمييز، وهذا هو معنى قوله في الأبيات السابقة: ومدحي بالصفات وقوله وشاهدي به أي بوصفي، واستعار له رؤيا المنام في ليلة أنه كذلك رؤيته، وعلمه بما رآه منه هو في غفلته، وظلمة حجبه، ولكنه سالم عند ربّه، ولم يحظ بالحضرات القلبية في قربه، ولا يبعد أن يكون أراد نفسه أنها كذلك في معرفتها، وما دامت ترى كمالها عاينه في ذلك، فهي كالمنتبهة من النوم برؤيا تدلّها على طاعة الله تعالى ومعرفتها أنّ كمالها في مشاهدتها بالذات، وكمال الذات، وكمال الظاهر معاً هي رؤية تيقظها إلى ذلك، فإنّه لم يرد به نفسه دون التنبه لطالب السلوك إلى حضرات ومحبّات ملك الملوك جلّ وعلا، فافهم ذلك.
هو
قال:
535 - كذاك بفعلي عارفي بي جاهل وعارفه بي عالم بالحقيقة (1)
(1) في الديوان: [عارف] بدل [عالم].
512 (1/512)
صفحة 513
يقول: كذلك عارفي: أي الذي عرفني بما ظهر له من علمي، وأعمالي بأربع صفاتي الظاهرة، وإنّ ذلك منتهى كمالي، هو جاهل في: أي في وصفي هو غير عالم، وعارفه: أي العالم بالعلم الإلهي، والجمال الإلهي، والكمال الإلهي هو بي عالم على الحقيقة، وأراد أنّ كلّ من هو كذلك ليس هو مخصوص بهذا السلوك، ولم يقصد لك غير التنبيه، فافهم.
***
513 (1/513)
صفحة 514
[صفحة فارغة] (1/514)
صفحة 515
الباب التاسع عشر، والجزء الثالث (1)
من الكتاب في التوحيد بمعرفة الذات الإنسانية وفي مقامات الحقيقة بلسان المقام الأحمدي، وكماله.
بيان
اعلم أن هذا الشيخ بنى منظومته هذه على سبعة مقامات (2): مقام التخليص، ومقام الإخلاص، ومقام الخلاص، ومقام التفحيص ومقام التمحيص، ومقام التلخيص ومقام الخلاصة، أما المقام الأول: التخليص فهو أداء جميع ما لزم المرء أداؤه من الحقوق على الوجه العدل في سعة وضيق والتوبة مما فعله المرء مما يهلك به في الأخرى، ويلزمه أن يتوب عنه من جميع الذنوب، وهو الذي أشار إليه بنحول الجسم إلى أن لم يبق منه فيه بقية، واستعار له الجسد لكثافته وظهور معرفته. وأما المقام الثاني: الإخلاص، فهو القيام بجميع ما ألزمه الله تعالى المرء أداءه من العبادات التي تعبّده بها فرضاً من علم الشريعة، وعلم الحقيقة، وعلم المكاشفة، وهو علم التوحيد والمآل، والدلالة خالصاً من جميع العيوب، وهذا هو الصحو الأول، وهو مقام الإخلاص وما بعده من المقامات نفل ووسيلة وفناء العيوب من هذه الأعمال لاحقة بعبارة نحول الجسد وفنائه، وما كان من فعل مندوب وترك مكروه من الأعمال الشرعية الظاهرة، وتصفية أعمال الوسائل الشرعية لاحقة بهذين المقامين، فافهم.
وأما المقام الثالث: الخلاص فهو تصفية النفوس من صفاتها الذميمة كلّها حتى تنمحي منها أصلاً، وهي التوبة من غفلات القلوب وتحليتها [103 ظ] بصفات الله تعالى، وهو (1) في س: [الثامن] بدل [الثالث]، ولعله سهو من الناسخ، لأنّ [الثالث] هو المتلائم مع التقسيم الذي أراده المؤلف وهو ثلاثة أجزاء فقط - كما ورد سابقاً – تضم سبعة وعشرين باباً. (2) وقفنا فيما سبق عند [المقامات]، وقد أوصلها بعضهم إلى مائة وأربعة وعشرين مقاماً يختار الشيخ ناصر منها تلك المقامات السبعة، ينظر عن عدد المقامات موسوعة الحفني، ص 964.
515 (1/515)
صفحة 516
المشاهدة
المعبر عنه بفناء إحساس النفس. أما المقام الرابع: التمحيص فهو تمحيص المحبة محضاً للمحبوب والخروج بها في الرضا، والمحبة والإرادة والمشيئة، والفكر إلى حضرات المحبوب، والتوبة هنا من كل شيء يخطر عليه سوى المحبوب. وأما المقام الخامس: التفحيص فهو تفتيش بواطن الموجودات بالنظر إلى حقائقها علماً بالله، فلا يرى شيئاً إلا ويراه توحيداً ومعرفة وتسبيحاً. وأما المقام السادس: التلخيص فهو الترقي في حتى متى نظر إلى الموجدات أغفله النظر إلى ظواهرها، ولم ير إلا بواطنها، وهي مقامات الرسل والأنبياء، وهم على تفاوت في مراتبهم في ذلك، ولكن في كل مقام من هذه المقامات الأربعة فإنّما براية المحبة لا طالباً علماً فقط، بل يكون على مطية الحب. وأما المقام الشابع: الخلاصة هو أن يرى جميع الموجدات علماً بالله نوراً متحداً كما أوجده الله في أول الإيجاد نوراً، ولا شيء معه، ومع ذلك يرى الموجدات كما هي غير غافل عن رؤيتها كما هي فهو يرى الصفة، وصفات فيكون جماله جمال النور الأول، وجلاله من جلاله، وكماله من كماله ولا نهاية لجمال ولا لجلال ولا لكمال ذلك النور، وهذا مقام النبي حيث لم تحجبه ذرة في الوجود لا يشهدها علماً مشاهدة لا علماً تصديقياً يقينياً بعلم اليقين ولا بعين اليقين بل بحق اليقين كما يشاهد الصور في المرآة، ونظره يأتي على نظر المرآة والصور حقاً.
بيان
والتفحيص، والتلخيص، والخلاصة: هو علم المكاشفة بالعلم بالله تعالى، والوسيلة إليه بذلك، وتعرف بالموجدات، والمتوسّل إلى الله تعالى بها هو المتعبد من أجناس الموجدات، وأصول المعرفة بها، والتطلع عليها بأربع صفات من صفات الله تعالى يعرفها من صفاته، فأما من صفات الله تعالى فهو أنه سميع، وبصير، قدير، متكلم،
ومن صفات المرء نفسه سمعه وبصره، وقدرة جوارحه على الفعل، ونطقه، وعلى هذه الأصول بنى الشيخ منظومته في مقام التلخيص والخلاصة على أربعة أساليب: الأسلوب الأول: في مشاهدة جميع الموجودات بهذه الأربع الصفات نور العلم بالله
تعالى.
الأسلوب الثاني: في بيان أحكام الأسفار الثلاثة إلى مقامات الكمال، والسفرة الرابعة
516 (1/516)
صفحة 517
المختصة بالمقام الأحمدي التي هي سفر النفس عن النظر إلى ظواهر المحسوسات إلى
بواطنها.
والسفر الثاني: سفر الروح، وهو المشاهدة إلى الله تعالى بالصفات، والاستغراق في ذلك، والسفر الثالث الجمع بين المقامين: سفر الروح، وسفر النفس إلى مقام الجمع، وإلى الصحو في ذلك، وهو مقام جمع الجمع.
والسفر الرابع سفر النبي محمد صلى الله عليه وسلم إلى رؤية الوجود كما هو في أول الإيجاد نوراً
متحداً.
الأسلوب الثالث: في شروع النبي بحكم الظاهر في وصفه مع صلى الله عليه وسلم مقامه، وشروع كلّ سالك محقق إلى حكم الظاهر، ويبتنى هذا الأسلوب الثالث على أربع قواعد: القاعدة الأولى: في حضرة مقامات كليات في سير الإنسان المحقق إلى الله تعالى، وذكر الأحكام المتعلقة بكلّ مقام كلّ منها التي هي الإسلام، والإيمان، والإحسان، ومقاماته. القاعدة الثانية: في خصائص الكامل المحقق ومشاهدة روحه لعالم الغيب، ونظر نفسه إلى المحسوسات وأحكامها في الشريعة والحقيقة وما شرعوا فيه الأنبياء، والرسل، والعلماء، والأبشار (1)
القاعدة الثالثة: في هيئات الأعمال، وتمثيلها.
القاعدة الرابعة في تأثير العلم والأعمال في النفس والروح.
الأسلوب الرابع: في آيات النبي التي ظهر بها من آثار مقامه أحدية الجمع من غيوثاته ودعواته [104 و] وآياته الكبرى، وهذا شروع الابتداء في الأسلوب الأول.
بيان في الأسلوب الأول بلسان المقام الأحمدي في مقام التلخيص:
قال:
ص
(1) الأبشار: جمع جمع للبشرة، ينظر العين للخليل، 54، ولعلّ الشيخ يريد به جمع (بشير)، وهو في مصطلح القوم الأمير الذي يكون أزهد الجماعة، وأوفرهم حظاً في التقوى، ولذا سمي البشير؛ لأنه المنوط بإبلاغ كل بشرى، ومن هنا نرى الشيخ يضعه في مرتبة الأنبياء والرسل والعلماء. ينظر عن [البشير] موسوعة الحفني،
ص 669.
517 (1/517)
صفحة 518
6
36 5 - فَخُذْ عِلْمَ أَعلام الصفاتِ بظاهرِ الـ معالم من نَفْس بذاك عليمة يقول: إذا شئت ترى تجلّي الله بصفاته في الموجدات فخذ كشف ذلك من علم أعلام الصفات، والأعلام جمع علم، وهو الذي ينصب علماً على الطريق يستدلّ عليها، أي فخذ علم دلائل طريق الصفات التي هي الكلام والسمع والبصر والبطش المعهود مع الناس، فهي كالأعلام على طريق المشاهدة، وقوله: بظاهر المعالم، والمعالم هي التي يُستدلّ بها، أي بظاهر مدلولاتها كالأذن للسمع، والعين للبصر واللسان للكلام، واليد للقدرة على البطش، والقبض والبسط إلى غير ذلك من نفس بذلك عليمة: أي خذه من نفس قد تحققت العلم حين انتهى إلى أحدية الجمع، فإنّك ترى حقيقة ذلك كما وصفت لك.
قال:
6
من
روح
بذاك مشيرة
53 - وَفَهم أسامي الذَّاتِ عنها بباطن الـ عوالم يقول: ومعاني هذه الأسامي بالمرء هي مشيرة إلى ذاته؛ لأنَّ بصره، وسمعه، وكلامه، وفعله إنَّما هو سمع ذاته، وبصر ذاته، وكلام ذاته، وفعل يده فعل ذاته، وذاته هي هي الفاعلة، والناظرة، والسامعة والمتكلمة كذلك هذه الصفات لله تعالى تدلّ على ذاته.
واعلم أن الله تعالى لما تجلى بصفاته، وأظهر بقوله: كن كاف، ولا نون نوراً متحداً برزخياً؛ لأنه انفصل منه ذلك فإنّ ذلك وصف لا يجوز في توحيد الله تعالى، ولكن شاء أن يكون بتجليته علماً دالاً على صفاته، فكان في التمثيل كالمرآة التي ينظر منها الصور كذلك هو في التمثيل كالمرأة لتجلي الله عليه بصفاته، فالعلم يحكي صفاته، وهذا النور هو نور النبي، ومنه أو جدت الموجدات بعد ذلك، فأول ما وجد القلم من تجلي وجوب وجود، الذات لا من تجلي، الذات وهو اسمه الحي الدائم؛ لأنَّ معنى الحي الموجود الباقي، وذوات الأشياء وجدت ذات القلم، وبتجلي وجوب أحدية الله ووحدانيته وفردانيته، لا من تجلي الأحدية والفردية والواحدية وجدت أحدية القلم وأحدية الأشخاص، وبتجلي صفات الله السميع، البصير وجدت روح القلم، وهي الروح الأعلى المتصلة بروح النبي اتصال الهواء بعضه ببعض في التمثيل، ولكنَّه لا من كل حيثية فتجلى له بصفته أنه الودود فوجدت فيه المحبة لله الإرادة والمشيئة، وعرف الله، وعقل أراد الله أن يجمعه فيه من القلم جملة واحدة، ولذلك عقلاً ومَن يتجلى الله عليه
سمي
جميع
ما
518 (1/518)
صفحة 519
المثالات، ومن
بصفته أنه لم يزل متكلماً وجدت قوة القلم على الكلام، وبتجلي الله تعالى عليه بصفته أنه قدير قدر القلم على الكتاب، فقال له: اكتب من غير أحرف، فقال: وما أكتب؟ فتجلى له بصفته أنّه عليم ففهم تفصيل ما علّمه، فكانت هي نفس القلم الأعلى، ومنه، ومنها نفس نبينا محمد صلى الله عليه وسلم متصلة بها كما وصفنا، ولما سمع النداء بـ[اكتب]، وفهم ما أراده أن يكتب سال القلم من الهيبة، فكانت من ذلك ذات اللوح، وفاضت روحه عليه، ثمّ من نفسه فصار اللوح ذاتياً، وهي الذات الكلية، وروحاً وهي الروح الكلية، ونفساً وهي النفس الكلية، فلما أراد أن يكتب تجلى عليه بصفته أنه الحكيم، فأحكم الكتابة وهي اللوح، والمثالات أوجدت الأشياء كما ذكرناه أولاً، فكان ظهور صور الأشياء المصوّرة بتجلي أسمائه، تعالى الحي، الأحد، السميع البصير، الودود، المتكلم، القدير، العليم، الحكيم، فتلك تسعة أسماء، وبها تمت عقود العدد الذي به يظهر المدد في الوجود فالحي سرّ، والأحد أسماء الذات، والسميع، والعليم [104] والبصير، والقدير أسماء صفات الذات، والمتكلم صفة الذات، وصفات ذاته تدلّ على ذاته، فإذا عرفت ذلك فهو يقول في الحضرة العلمية والحضرة القلمية اللتين هما كالمرآة في التمثيل لتجلي صفات الله تعالى عليهما: إنّ فهم أسامي الذات عنها، أي فهم هذه الصفات الأربع: سميع، بصير، متكلم قدير بباطن العوالم أي العوالم العلوية ثم بينها، أي العوالم عن عوالم روح العالم الأعلى هي بذلك مشيرة، ولذلك سمّى عوالمه، أي ذاته وروحه ونفسه روحاً واحداً لتدلّ عليه، وإذا كل شيء أصله من روح القلم الذي هو عقله، ونفس القلم الذي هو فهمه ومن ذات [القلم] () الذي هو ذاته، وهو متّصف بهذه التسع الصفات، وكلّها فيه هي صفة واحدة صح أنّ كلّ شيء فيه من هذه التسع الصفات، فكان العقل أصله نور ممدود من عقل اللوح ونفسه وروحه وذاته في كل امرئ بقدر ما حمد مثاله في اللوح، فهو مرآة لتجلي العلم الإلهي الذي هو كالمرآة لتجلي صفات الله تعالى عليه في التمثيل، لا في المثال، ولا يصح أن يقال هو مثال لذلك فإنّ بين معنى التمثيل والمثال فرقاً، والمثال هو مثال كوني، والتمثيل قياس معنوي، ولكنَّ العقل لا يعقل إلا بالآلات هي الخواطر الإلهامية، وهي الآلات الباطنة، ومنها الخيالات والآلات الظاهرة هي الحواس الخمس التي هي الشم والذوق، والسمع والبصر، واللمس، وكلّ شيء من هذه آلة له
(1) ما بين المعقوفين ساقط في الأصل، والزيادة من س.
،
519 (1/519)
صفحة 520
تدرك بها المحسوسات، ولا يدركها بغيرها، والسادسة الخواطر التي تخطر عليه ولكن لو عدم من السمع والبصر والكلام، وحركة الجوارح لن يعرف الله تعالى، لكن يدرك علم المعلومات فصح أن هذه الأربع الصفات هي صفات ذلك العقل، وهي الأصول، وكلها تؤول معانيها في العقل معنى واحداً هو القدرة على الإدراك، وكذلك هذه الصفات
الأربع هي الأصول لجميع أسماء الله تعالى؛ لأنّ أسماء ذاته تدلّ عليها هذه، وبقية أسمائه وصفاته كلها تنضاف إلى هذه الأربع الصفات، ولذلك عرف العبد ربه، ورأى المحقق بها إلى كل شيء أن صفاتها في كل شيء هي معنى واحد هي الدلالة منها على صفات الله جملة في تفصيل، وتفصيلاً في جملة، فافهم ذلك.
قال:
538 - ظهور صفاتي عن أسامي جوارحي مجازاً بها للحكم نَفْسي تسمتِ يقول: وظهور تقسيم صفاتي سمعاً وبصراً وكلاماً وقوة عن أسامي جوارحي التي هي الأذن، واللسان، واليد، والعين إنما كان تسميتها كذلك مجازاً سميت نفسي بها، أي بهذه الأسماء الحسنة للحكم، أي لأجل إحكام التعبد بكلّ شيء منها، والمشاهدة لقدرة الله تعالى، ولإظهار العجز ليعلم أنه لا يقدر بما لا يقدره به عليه، وأما حقيقتها هي الإدراك، والقدرة على الإدراك، والدلالة، وحقيقتها الدلالة، وهي صفات العقل، وإدراكه لما في بواطن المحسوسات بالمحسوسات وبالحواس، فصار العقل من عالم الغيب، وآلاته حواسه إلى معرفة المحسوسات، والمحسوسات آلات إلى العلم الأول الذي عقله العقل، فإذا لم يكن بين العقل حجاب المحسوسات عن بواطنها تجلى الله عليه بصفاته في العلم الذي يرى فيه صفات الله على الحقيقة.
قال:
539 - رقوم علوم في ستور هياكل على ما وراء الحس في النفس ورّتِ يقول: كلّ هذه الصفات الأربع، ومعالمها الأربعة هي رقوم علوم: أي رسوم علوم كلّ شيء منها على إدراك شيء كالأذن للسمع، والعين للبصر، واللسان للكلام، واليد للقدرة، وإنّما جعل اليد للقدرة لقوله تعالى: {وَالسَّمَوَاتُ مَطْوِيَّتُ بِيَمِينِهِ} [105 و]
520 (1/520)
صفحة 521
بقدرته، ويدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ} أي قدرته، ثم السمع لإدراك المسموعات، والبصر لإدراك المبصورات واللسان للنطق بالمنطوق من الناطقات واليد للقدرة على الفعل، والمبصرات، والمسموعات والنطق به والأفعال كلها أيضاً دلالات على العلم بالله تعالى في هياكل، أي في صور حيوانية إنسانية، والهياكل بيوت للنصارى، والهيكل الفرس الضخم، ومن اسمها سميت صور الحيوان هياكل، وكلّ صورة مجوفة، وأراد بهذه الصفات التي هي في النفس ورَّت، والتورية أن يقال بكلام يقصد به علي غير معني ظاهره، بل المعنى الأبعد عن المفهوم (1). يقول: كلّ هذه الصفات لذات الإنسان، وشخص الإنسان الذي هو آلة فعل الذات مظهر لدلالة وجود ذاته الباطنة التي لا يدرك علمها، والمراد بها غيرها، فوجود ذات الإنسان التي لا ترى، وهي المدبّرة للأربعة المظاهر مشيرة إلى علم وجوب وجود ذات الله تعالى، ولا تُرى وصفات ذات الإنسان بهذه الصفات الأصولية إشارة إلى صفات ذات الله بصفاته هذه الأربع، وظهور هذه الصفات من ذات الإنسان في عوالمها اللطيفة هي إشارة إلى ظهور تجلي صفات الله أولاً، فظهر بالتجلّي علماً، ثم قلماً ولوحاً، وظهور هذه المظاهر في هيكل الإنسان هو إشارة إلى ظهور علم صفات الله في جميع عوالم الملك المحسوس، وليس المراد بهذا تشبيهاً بالله، وإنّما المراد لكشف هذه الدلالة على معرفة الله، والعلم به، وأنّ الوجود كله مظهر علمه، فصار الإنسان كالمرآة التي تجلّت معرفة صفات الله كلّها كما تجلّت على القلم الأعلى، ولذلك قيل: إنّ الله خلق آدم على صورته، أي خلق صفاته، ودالّة على وجود ذاته، فهو كالمرآة في التمثيل لا في المثال يحكي صفاته صفات الله تعالى من غير حلول ولا تشبيه به؛ لأنَّ وصف الله تعالى لا يشبه وصف خلقه في شيء، ولكن وصف خلقه يدلّ على
وصفه (2)، فافهم.
(1) التورية وتسمّى أيضاً الإيهام والتوجيه والتخيل، والمغالطة، وهي أن يذكر المتكلم لفظاً مفرداً له معنيان حقيقيان، أو حقيقة ومجاز، أحدهما قريب ودلالة اللفظ عليه ظاهرة، والآخر بعيد ودلالة اللفظ عليه خفية فيريد المتكلم المعنى البعيد، ويورّي عنه بالمعنى القريب فيتوهم السامع مع أول وهلة أنه يريد القريب، وليس كذلك، ولذلك. هذا الفنّ إيهاماً، والتورية أنواع منها المبينة، والمجردة، والمرشحة، وغيرها، ينظر معجم المصطلحات البلاغية، وتطورها، د. أحمد مطلوب، 2/ 383، وما بعدها.
سمي
(2) هذا هو التنزيه، والتوحيد الصافي الذي يلح عليه الشيخ ناصر في مواضع مختلفة من هذا الكتاب، ومنها هذا
الموضع.
521 (1/521)
صفحة 522
قال:
540 - وَأَسماء ذاتي عن صفاتِ جوانحي جوازاً لأسرار بها الروحُ سُرّتِ يقول: وتحقيق معرفة صفات جوانحي هذه الأربعة بهذه الأربع الصفات أنها صفات أفعال في هذا الهيكل الذي مثال لهيكل الوجود بأسره أنها صادرة عن أسماء ذاتي، أي عن أسماء صفات ذاتي التي هي إشارة إلى صفات ذات الله وأفعاله الظاهرة في هيكل الوجود يكون جوازاً، أي طريقاً جائزاً موصلاً لأسرار، أي إلى أسرار أسرّت بها الروح، أي سرّت بتحقيق العلم بالله تعالى، وظهور بذلك شرف الإنسان، وأنه هو السر الأعظم عند الله تعالى أن اتصف بحقيقة صفاته، وإلا فعليه العقاب إن عصى على هذا التفضيل العظيم.
قال:
541 - رموز كنوز عن معاني إشارة بمكنون ما تُخفي السرائر حُفَّتِ يقول: إنّ مَن فكّر في صفات نفسه ودلالاتها على صفات الله تعالى صفات تؤدي على حقيقة الحق تريه في مشاهدته أنَّ ظاهرها رموز كنوز باطنة فيه صادر ظاهرها عن معاني باطنها، أي عن الذات الإنسانية التي لا ترى ولا تُرى إلا فعلها في ظواهر مظاهرها مشيرة بمكنون علم ما يخفي السرائر، أي علم ذات الله تعالى؛ لأنَّ المرء إذا كان لا ذاته، ولا يدركها كيف يرى الباري جل وعلا، ويعرف ذاته، فكلّ هذا ما يدلك على معرفته سبحانه وتعالى فليس شيء من صفات الله تعالى إلا وهي راجعة إلى هذه الأصول الأربعة، وصادرة منها، وليس شيء من صفات الله تعالى هذه الأربع إلا ويعرف به المحقق من صفات ذاته، وظهورها في شخصه، فافهم ذلك.
قال:
542 - وآثارها في العالمين بعلمها
وعنها بها الأكوانُ غَيْرُ غَنيّة
[105] يقول: وآثارها أي الذات الإنسانية وأوامرها في جوارحهم الأربعة، في العالمين: أي في الناس جميعها كل شخص وحده يعلمها بها، أي بمعرفتها بإرادتها في شرعه انقياداً كلياً ما يدلّ على جميع الأكوان غير غنية عنها من مكونها أنها كذلك منقادة لأمر ربها، وأنها لابد أن تكون لها ذات سميعة عليمة متكلمة قديرة بأمرها وتصرفها
522 (1/522)
صفحة 523
هي ذات الله تعالى يدرك فهم كلامه من غير حرف في الأمر، الأمر، ويسمع بغير أذن، ولا كلام، ولا صوت، وترى أنها قد انقادت لأمر ربها، وتقدر أن يكون كما أمرها لقوله تعالى: وَإِن مِن شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وقال: سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وقال: فَقَالَ لهَا وَالْأَرْضِ انْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهَا قَالَتَا أَنَيْنا طَابِعِينَ}، أي دالين على معرفتك، والعلم بك مستمعين كلّ من أراد سماعنا، ورائين كلّ من أراد أن يرى أدلتنا، وقيل: قالا ذلك بلسان الحال، وقيل: قالا مقالاً، وإن لم يكونا نطقا بالحرف، فإنَّ العقل متكلم آمر، مفهوم كلامه يأمر الأعضاء فتسمع كلامه بغير السمع المعروف، وتبصر أمره بغير عين، ولا بالبصر المعروف، ويفعل ويقدر على الفعل ولا يُرى فعله ولا قدرته وكذلك يدرك إلهام ربه من العلوم فيعلمه من غير حرف ولا صوت، ويأمر كذلك، فجميع صفات ذات الإنسان وفعالها في هيكلها يحكي صفات الله تعالى وأفعاله في هيكل إنسان الوجود بأسره، وتجلي صفات الله تعالى على العقل، وإدراكه خطابه الإلهي هي دليل على تجلي الله تعالى على أول الإيجاد العلمي، وعلى القلم، وتجلي صفات على العقل، وظهور ذلك التجلي على الأربع الجوارح، ثم على الأكوان كلّه دليل على تجلي الله بصفاته على القلم، والعلم على اللوح والطبيعة، ثمّ على جميع الأكوان حذو النعل بالنعل، فكان تجلي الله بصفاته من أول الإيجاد على أول الإيجاد إلى ظهور الشهود على مثال تجلي الله بصفاته على ذات العقل إلى ظهور الشهود فشاهد في الشهود، وحقيقة صفات الحق وحقيقة وجوده كما شاهد ذلك عقل القلم، وكما يشهده الله تعالى جلّ وعلا لا بمعنى التشبيه، ولكن كشف لتحقيق معرفته أنّها لا تختلف في شيء، فافهم.
قال:
543 - وجود اقتنا ذكر بأيدي تحكم شهود أحبتنا شكر بأيد عميمة يقول: كلّ هذا منه سبحانه وتعالى للإنسان المحقق العارف به وجود، أي كون اقتناء، أي ذخر ذكر له ليكون متصرفاً في جميع الوجود بالعلم، ويكون الوجود كلّه تحت ملكه بالتحقيق، آخذ بزمامها بأيد بقوة تحكّم، أي تسلط له من الله عليها، وذلك التسلط لعقله على كشف الأكوان هو شهود أحبتنا، وأراد به الاستعارة إلى الإرادة، والمحبة من الله تعالى لعبده بأيدٍ، عميمة، أي بنعمة من الله عميمة على عباده.
523 (1/523)
صفحة 524
قال:
(1)
- 544 - وظاهر لي فيها بَدَوْتُ ولم أكن علي بخاف قبل موطنِ بَرْزَتي) يقول: وهذه الصفات الأربع التي هي أسماء وصفات الذات، وهي السمع للأذن،
والبصر للعين، واللسان للنطق، واليد للفعل هي لي ظاهر، أي مظاهر يظهر فيها آثار أفعال الذات بتجلي معاني هذه الأسماء الأربعة فيها، ففي هذه المظاهر الظاهرة الأربعة بدوت، أي ظهرت بمعرفة أسماء الذات وصفاتها، فلو لم تكن هذه المظاهر ما عرفت الذات، ولا صفاتها، ولا أسماءها ولا أفعالها، وكانت كنزاً لم تعرف، فأراد الله تعالى أن يجعل لها مظاهر يظهر فيها معرفة ما والعلم بها، فكانت كنزاً لم يعرف فأحبَّ الله تعالى أن تعرف فخلق لها خلقاً كي تعرف، فبمظاهرها وأفعالها في هيكلها عرفت النفس، [106 و] وبمعرفة النفس عرف الله تعالى، فإنّك لا تجد شيئاً في التوحيد إلا ويجد له مثالاً من نفسك يدلّك على حقيقته، فعرف الله تعالى بإيجاده الوجود، وعرف وجود ذاته بوجود الوجود، وتصريفه، وتغيّره، وتبدّله في بعض الأمور كما عرفت ذات الإنسان بتصريفها في وجود هيكلها، وظهور أفعالها في هيكلها فهو هيكل لها، ووجود لها لا يتحرك فيه متحرك إلا بأمرها وقدرتها وتحريكها، كذلك الوجود هو سميع لله تعالى لا يتحرك ولا يسكن إلا بأمر الله تعالى فإن قلت: هذا مما يقدح في علم القدرة، قلنا: إن علم القدر قد تكلمنا فيه، وأطلنا القول إنّ الله هو العليم، وقد خلق الأشياء قبل أن تكون كان في علمه، وحكمته أنّ نفوساً لا تؤدي الطاعة له (2)، وأنّ نفوساً تؤدي الطاعة له (3)، وإن كان هو خالق الخلق من أول الأمر فإنّه عليم، وبكلّ شيء عليم، ولا يحيط الخلق بعلمه لقوله تعالى {وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ (4)، وقال: {وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قليلا (5) والعلم نهاية التفكر فيه هوية (6)، ولا يصح النظر فيه حيث لم يظهره الله أصلاً، وقد قلنا إن الله خلق الإنسان على صورته، ليس المراد أنّ الله له صورة، وأنّ الإنسان
6
(1) في الديوان [مظاهر] بدل [و ظاهر]. (2) [له] ساقطة في س، وما أثبتناه من الأصل. (3) [له] ساقطة في س، وما أثبتناه من الأصل.
(4) البقرة، الآية 255.
(5) الإسراء، الآية 85.
(6) الهوية السقوط، والانحدار.
524 (1/524)
صفحة 525
على صورته، فإنّ ذلك من الشرك الخفي بالله تعالى توحيده، ولكن خلق له ذاتاً سميعة، بصيرة، ناطقة قادرة، وخلق لها اختياراً، وإرادة، ومشيئة، ومحبة، واستطاعة فيما اتباع ما أمرها، والانتهاء عما نهاها، فمنهم من نظرت عينه الذي بذاته إلى الكمالات الخيالية وأحبتها من ذاتها، ومالت إليها، وعصت لله باختيارها، وتلك القوى التي أمده بها، وقد
علم به أن يكون كذلك، وليس العلم بشيء يوجب الجبر، فافهم ذلك.
قال:
545 - فَلَفْظُ وكلّي بي لِسانٌ مُحدِّنٌ ولحظ وكلّي في عينُ لِعِبرة 546 - وَسَمْعُ وكلّي بالنَّدَى أَسْمَعُ النَّدا وكلّي في ردّ الرّدى يد قوة يقول: وكنت في حضرتي تلك الأولى جميع صفاتي هذه هي شيء واحد، كما قال. فلفظ: أي نطق، ولكن كلّي لسان محدّث: ليس فيه شيء مخصوص مثل اللسان، وهنالك لحظ، أي عين ناظرة، ولكن كلّي، أي كلّ شيء في عين تبصر، لعبرة: أي لاعتبار، أي لإدراك صفات الله تعالى وبي هنالك سمع، وكلي، أي النداء وكلّي، أي وكلّ شيء مني يسمع الإلهي، وكلّي في ردّ الردّ أيدي قوة، أي وكلّ شيء مني يد قوة في ردّ الردّ عن الاتصاف بما لا يصح الاتصاف به مع الله تعالى، بل ذلك العلم هو أقبل شيء عليه، وكذلك جميع الأكوان، ولذلك مثال في ذاتي التي ظهرت فيها فإنّ سمعها، ونظرها، وكلامها، وقدرتها، ولسانها، وعينها، وأذنها هو شيء واحد، وكذلك الكون بأسره فإنّ كلَّ جزء منّي، ومن أجزاء الكون يسمع ذاتي، ويرى كلّ شيء هو ناطق، ومتكلم، والمتحرك متحرك بالقوة، والساكن ساكن بالقوة، وكلّها مقبلة لأمر ربّها كأنّها ناظرة لأمره، ناصبة، صاغية لأمره تعالى، كذلك أجزاء ذراتي كلّ منها ناطق بتسبيح الله صاغية لأمره تعالى، ناظرة لما تؤمر به متحركة بالقدرة ساكنة بالقدرة، وكذلك هي لأمر ذاتي، فضاء سمع ذاتي دليل على صفة الله أنه سميع وبصير ذاتي دليل على أنّ الله بصير، وكلام ونطق ذاتي دليل على كلام الله يد ذاتي [دليل على قدرة الله تعالى، وأنّ هذه في ذاتي، لا على ظاهرها كذلك. في وصف ذات الله بها أنّه على ظاهرها فما أكشف لإنسان المحقق على معرفة الله تعالى
من نفسه، فافهم.
(1) ما بين المعقوفين ساقط في س، والزيادة من الأصل.
هي
525 (1/525)
صفحة 526
وهذا آخر الأسلوب الأول.
[بيان]: في الأسلوب الثاني الذي ذكرناه [107 ظ] أنه في بيان أحكام الأسفار الثلاثة، وسفر النفس منها إلى شهود حقائق الموجدات وسفر الروح منها إلى مشاهدة الله بصفاته، وسفر الروح والنفس إلى حضرة الجمع، أو إلى حضرة جمع الجمع الذي هو الصحو بعد المحو، وسفر السر، وهو سفر النبي إلى حضرة أحدية الجمع، وأحدية
جمع الجمع الأول في معاني الصفات الأربع التي للذات الإنسانية:
قال:
547 - معاني صفات ما ورا اللَّبْس أَثْبَتَتْ وأسماء ذات ممّا ورا الحسّ بشَّتِ (1) يقول: معاني صفات: أي هذه الصفات الأربع، أثبتت في ما وراء اللبس: أي في ما هو باطن هذه الظواهر التي هي جوارحها، أي أثبتت في الذات وهي لها كالأسماء، أي هي واحدة، وهذه صفات ذاتها، لا كما في ظواهر جواهرها، بل هي في الذات معنى واحد، وذلك معنى قوله وأسماء ذات ثبت حقائقها في كشف ما هو وراء الحسّ أي ثبت، أي كشفت معرفة ذات الله تعالى أنه العجز عن الإدراك فيها هو الإدراك، وأنَّ هذه الصفات صفات ذاته لا كظاهر
معانيها الظاهرة.
بيان
6
اعلم أن هذه الحواس الخمس، وصفاتها السبع التي هي الشم، والسمع والبصر، والذوق، والنطق، واللمس، والقدرة كلها مظاهر للذات من الإنسان فظاهرها صفات للأنف والأذن والعين والفم واللسان واليد، والجوارح، وباطنها أسماء صفات ذاته، وهي العقل المسمى بالروح والنفس والقلب وكلّها تؤول فيه إلى معنى واحد، وهو الإدراك، فالعقل أصله روح ونفس وذات من اللوح المحفوظ الذي هو الروح الكلية، والنفس الكلية، والذات الكلية أفيض عليه (2) منه كما يفاض إلى البيت من كوّة النافذة من
6
(1) في الديوان: [ما روى] بدل [ما ورا].
(2) يرى بعض الدارسين أنّ التصوف في جانبه الفلسفي من جهة، وتقسيمه الخاص للعالم من جهة أخرى قد تأثر بمؤثرات خارجية منها ما هو نصراني، ومنها ما هو يهودي، ومنها ما هو أفلوطيني، ومنها ما هو هرمسي، والأمر محتاج إلى وقفة أطول ليس هنا موضعها، غير أن استخدام الشيخ لكلمة [أفيض] في النص مع متعلقاتها يوحي
526 (1/526)
صفحة 527
الهواء، واللوح يمده القلم، والقلم من ورائه العلم الذي هو كما ذكرناه أنه كالمرآة تحكي صفات الله تعالى، وكذلك عقل المرء هو مثل اللوح؛ لأنَّه ممدود فيه، وكلّ ما يخطر فيه من الإلهام، وجميع الخواطر التي بالله من الله تعالى فإنّما القلم الإلهي هو الذي يكتب فيه ذلك، ومن وراء القلم العلم الذي تجلّي صفات الله، فصح أن اللوح ليس هو شيء مبسوط في مكان معلوم كالسموات، وكذلك القلم وانكشف الأمر أن تجلي الله بصفاته في أول الإيجاد على القلم عندما وجد العلم بتجلي الصفات، ثم إيجاد القلم الكاتب من الصفات التسع هو القلم الكلي لا غير، والروح العقلية هي الروح الكلية اللوحية لا غير، ولكل امرئ من العقل بقدر ما أفيض عليه منه، فكان في المرء مركباً في الجسماني كالمصباح الذي هو كوّة البيت، والمركب فيه الزجاجة له جهتان أحدهما إلى عالم القلم، ومنه إلى عالم العلم، والآخر إلى المرء في هيكله، وله خمسة مصابيح يرى بها الموجدات ويشاهد بها، فإن اخترقا رأى من جهة عالم العلم كما يراها من جهته الأخرى، فإن قلت: إنَّ للعقل ثلاث عيون أيهما هذه؟ فأقول: كلهن هنّ في شيء واحد، أما البصيرية فإلى عالم الروح اللوحي، وأما الغريزية فإلى عالم المثال وعالم الحس، وأما المدبرة فإلى عالم الحسّ، والغريزية والمدبرة إذا توجهت إلى البصيرية تجلى لهما من أنوارها، والبصيرية وإن توجهت إليهما رأت من جهتهما ما رأته أحدهما، فصح أن السمع، والبصر، والكلام، والقدرة هي القوة المدركة التي هي صفة ذات الإنسان، وهذه الأسماء أسماء لتلك الذات، وأنّ هذه الصفات الأربع بها يتوصل إلى فهم الخطاب الإلهي القولي والإلهامي والعلمي، ومنها يكون للذات الثواب وبها يكون العقاب، وبها صار العقل مدركاً، فإن أقبلت إلى النفس المقبلة على المحسوسات، ولم تربواطنها وأصلها، وكفرت بالله المنعم استحقت العذاب، وإن نظرت إلى الكمال الحقيقي [107 و] وطمعت في النعيم الأبدي، أو خافت
بشيء من هذا التأثر الذي أفاده الشيخ - بلا شك - من قراءاته الواسعة في الأدبيات الصوفية، ويكفي أن نشير إلى أن نظرية الفيض ذات أصل أفلوطيني صريح، ويرد المصطلح عند الصوفية بمعنى التجلي الدائم الذي لم يزل ولا يزال، فالعالم المسوّى بدون الروح الإلهي بمنزلة المرآة غير) (الصقيلة، وبالروح الإلهي بمنزلة الصقيلة، فكما أنَّ المرآة بسبب جلائها تقبل صورة من يحاذيها وتعطيها لصاحبها، كذلك العالم بسبب قبول الروح الإلهي يقبل التجلّي الدائم الذي هو ظهور عينه إليه في ذلك المحل المكمل)، ينظر موسوعة العجم، ص 741، وهو قريب ممّا يذهب إليه الشيخ ناصر من حيث توظيفه (الفيض) و (المرآة)، و (التجلّي) في الشرح، وينظر كذلك أفلوطين عند العرب، د. عبد الرحمن بدوي، ص 115، ما بعدها ففيه شرح مفيد.
527 (1/527)
صفحة 528
من العذاب السرمدي أخلصت العبادة، وإن قويت المحبة إلى الله تعالى، وتلا الاسم
6
الذي على هذا المثال في العقل والقلم، واللوح، والوجود فأوّله عبارة عن الذات، وثانيه عبارة عن اللوح والطبيعة، وثالثه عبارة عن الأكوان كلّها، ورابعه إلى الذات الإلهية، وخامسه إشارة إلى ذات الإنسان التي هي لوح ذاته، وقلمه، والعلم، وعالم المثال، وعالم الطبيعة، وصور الحروف هي مثل هيكل ذات الإنسان المتجلية فيه صفات ذاته، ومثل هيكل الوجود المتجلية فيه صفات ذات الله وصفات ذات الإنسان متجلية في الوجود بالإدراك لها لتكون معاني صفاتها متصلة بعالم المعاني من جميع المعلومات، وعالم الملك والملكوت، والجبروت والأفعال والهيئات والأعمال حتى تكون ذاته محيطة بالوجود إحاطة كلية علماً وشكلاً وذاتاً، وإنما تتصل صفات ذاته بالمكاشفة قدر ما يريد الله تعالى أن يكاشفها به من صفات ذاته الأربع، وأما هو في الحقيقة متصل بالكون بأسره، وكلّ أمر يراد به هو أداء العبادة لله بمحبة الله له كما قال الناظم.
قال:
-548
- فَتَصريفها من حافظ العهد أوَّلاً بنفس عليها بالولاء حفيظة
549 - شوادي مباهاة هوادي تنبه بوادي فكاهات، غوادي رجيّة يقول: فتصريفها: أي هذه الصفات التي صفات ذات الإنسان الموجدات من نور علم صفات ذات الله، وهي السميع العليم العزيز، لم يزل متكلماً، وهذه الصفات التي أحبّ الله وجودها في ذات العبد الذي كونه لمعرفته ولعبادته لقوله: [كنتُ كنزاً لم أُعرف فأحببت أن أعرف فخلقت خلقاً كي أعرف، فبي كانوا وبي عرفوني] فلم يعرف إلا بمعني هذه الصفات في ذات الإنسان، وتصريفها المراد بها إنّما يعرف من علم حافظ العهد أولاً الذي لم يغيّره، ولم يبدله كالرسل والأنبياء بالوحي لروح جبرائيل، وبالإلهام بما جاءوا به من العلم الديني، والشريعة كلها، والحقيقة، وعلم المكاشفات التي هي العلم بالله تعالى، وهم الحافظون بما عهد الله عليهم أولاً في أول الإيجاد بقوله: فأحببت أن أعرف، رف، فعرفوا أنّهم لذلك خُلقوا، والعهد الثاني النور الأول الموجد من نور العلم، وهو، {الْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ} نور النبي، وأداء الطاعة لله تعالى، وكان في ذلك قوله تعالى: الحقنا
528 (1/528)
صفحة 529
علة
فهذا عهد الله لهم، وإن كان لا يلزمه عهد (1)، ولكنّ ذلك فضل الله عليهم، وعهد النور لربّه أداء الطاعة، ثمّ عهد العلم، وهو من ذلك النور، وكلّ شيء هو من ذات العلم، ومن روحه ونفسه وصفاته فثبت ذلك العهد لجميع الموجدات لقوله: {وَالْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّنَهُمْ} في الإيمان إلا من نزلت عليه بلية التعبد على الخصوص لذاته فضيع بكلّ ما ثبت له في العهد الأول، وعاهد اللوح على الإجابة بالطاعة لله فثبت ذلك للطبيعة التي هي الحياة للوجود، وعلة حركة الأفلاك، وحياة المولدات الثلاث أيضاً ممازجة الطبيعة الوسطى المتغيرة بحركات الفلك 1 (2) فيها التي بعلمه تغيّرها وقع الكون، والفساد، والموت والحياة في العالم السفلي، وثبتت لها، وعاهدت بالإجابة، فثبت لعالم السموات والأرض وما بينهما التي هي هيكل الروح حياة الطبيعة الكبرى، ولذات العقل اللوحي الناقش فيه قلم القدرة المتجلي فيه العلم الحاكي صفات الله تعالى، وبه تم الوجود الذي هو في صورة الإنسان الذي خلق منه، ونزل الخطاب عليهما ليخص كلّ شيء بخطابه أن ثبت على ما ثبت له، وإلا هلك في الحال فأجابا للطاعة، ثم خلقت [107] الملائكة، وثبت لهم ذلك الإيمان، والإسلام والإحسان، ونزل عليهم التخصيص فأطاعوا، وخلق الجن وثبت لهم ذلك، ثم نزل الخطاب التخصيصي لهم فمنهم من آمن ومنهم من عصى، ورفع إبليس إلى السماء، وأسكن الله الأرض الملائكة ألف سنة، وإبليس في السماء إمام ملائكة السموات السبع يعبد الله تعالى، ثم نزل الخطاب للملائكة إنِّي جَاعِلُ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ (3) فكان جواب استفهام فيه قليل ظنّ، وفي إبليس ضمير حسد، فلما خلق الله آدم، وركب بدنه من الجوهر الظاهر المحسوس بحواسه التي يخلق عليها، وركب فيه لوحاً محفوظاً عقله، ممدوداً من عقل اللوح المحفوظ الثابت عليه عهده، وعهد القلم، ومن ورائه العلم، ومن ورائه العلم الحاكي صفات الله تعالى فكان الإنسان على صورة الوجود بأسره (4)، وصار للإنسان بابان: باب العقل إلى عالم الغيب إلى صفات الله تعالى
ثمانين
(1) هذا من معالم تنزيه الله سبحانه عن الشبيه، وهو ما يحرص عليه الشيخ في مناسبات مختلفة. (2) ما بين المعقوفين كلمة لم أتمكن من قراءتها. (3) البقرة، الآية 30.
(4) الإنسان عند القوم هو الكون الجامع، وهو موجود ليس بجسم ولا جسماني، ويقول ابن عربي في كتابه إنشاء الدوائر: «تقرر عندنا أن الإنسان نسختان: نسخة ظاهرة، ونسخة باطنة، فالنسخة الظاهرة مضاهية للعالم بأسره
529 (1/529)
صفحة 530
مثل الوجود، ولوحه المحفوظ وباب إلى الحواس الخمس إلى الوجود، ومن الوجود إلى اللوح إلى القلم إلى صفات الله إلى تحقيق ذاته، فأذعن الوجود كله لله، وأذعن وجود الإنسان إلى ذاته جلّ وعلا، فلما تمّ الله إيجاده ونظر الملائكة إلى هذا الأمر العظيم الذي مركّبه تركيباً يحكي معرفة الله بالعلم اليقين عرف الملائكة، وعرف إبليس ما يريد الله بهذه، وكانوا لا يعلمون، وكان الملائكة لا يعلمون للأشياء لغات إلا لغتهم، وعلّم آدم الأسماء، أي اللغات كلّها ليظهر فضله، وتتم حكمة التعبّد للملائكة بما ظنّوا، وبما ظنّوه إنّما هو عن علم ولكن مشوب استفهامهم قليلاً مما هم مقدسون في حضرتهم مع الله تعالى، وأراد الله أن يجعله هو إماماً لهم في العبادة التي هي شيء، ولم يكن إمامة إبليس للملائكة في العبادة، بل إمامة تفصيل لما يراد، ولمن كرامة الله له فأمر آدم بالسجود حين أكمل له العقل، والمعرفة، وخاطبه الله بعبادته، وألزمه إياها فكان هو عهده عليه، وعاهد آدم بأداء الطاعة، وقد ثبت له الإيمان من قبل بإيمان الأرض والماء المخلوق ومنهما، وأمر الملائكة أن يأتموا به في سجوده فسجدوا لسجود آدم لله تعالى، وجعل الله تعالى هذه الفضيلة التي هي الائتمام في الصلاة بالأفضل لأمة محمد صلى الله عليه وسلم خصوصاً دون سائر الأنبياء، فأدوا الطاعة الملائكة كلّهم إلا إبليس، فأظهر الله لآدم التعبد والعهد الذي سبقه به قبله نسل نور النبي، وتجلى لعقله منه، واتصل به النور من الجهتين كما ذكرناه فأتمه، وثبت ذلك لجميع ذريته إلا مَنْ نزلت به بلية التعبد فضيّع ما ثبت له، ثم عهد الله تعالى على كل عبد تعبّده بعبادته بلزوم العبادة، وجعل معاهدة أبيه آدم ثابتاً أنه معاهد ربه بالأداء، فإذا نقض ذلك لزمه العهد بالاعتقاد ثانية، وإن نقضه بمعصية انتقض عليه العهد بفعله تلك المعصية لله تعالى بما لا يسعه بكفر نفاق، أو بكفر شرك، فإن أسلم من شركه أو تاب المنافق مما فعله قبل الله منهما، وجعل إيمان أبيه أيضاً هو ثابت له فصار العهد الأول هو عهد النور، ثم القلم، ثم اللوح، ثم المثالات، ثم الطبيعة، ثم المحسوسات، والطبيعة الوسطى، وبينهما دقائق، ونتائج، وأتمّا هذه الأصول، ثمّ عهد آدم، ثم أولي العزم من الرسل: محمد، ونوح، وإبراهيم، وموسى وعيسى، ثم الأنبياء لقوله تعالى:
فيما قدرنا من الأقسام والنسخة الباطنة مضاهية للحضرة الإلهية، فالإنسان هو الكلي على الإطلاق والحقيقة، إذ هو القابل لجميع الموجودات»، ينظر موسوعة الحفني، ص 655، وموسوعة العجم، ص 104، ويلاحظ التناظر بين كلام الشيخ، وكلام ابن عربي.
530 (1/530)
صفحة 531
المرء به
{وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَقَهُمْ وَمِنكَ وَمِن نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُم ميتَقًا عَليا (1)، وليس الميثاق غير الإلزام والتشديد والوعيد لمن خالفه، رضي ا أو كره، ثم عهد إلى المرء، ثم المرء بنفسه، وذلك معنى قوله: [كل مولود على الفطرة] أي فطرة الإيمان التي فطر عليها آدم ال وإنما يهوده أبواه، وينصره أبواه، ويمجسه أبواه في حكم الدنيا لا لأحكامهم الآخرة [108 و] لقوله تعالى: {وَلَا نَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى، وقول النبي لخديجة حيث سألته عن أولادها الصغار الذين هم ماتوا وهي في الشرك: لو شئت أسمعتك لغفاءهم في النار، وهو ما يدلّ على أنَّهم لا في النار؛ لأنَّه من المعلوم أنَّها لا تشاء، ولكن علمت أنّ النبي رأى حكمة الله فيهم أن يكون كتمانهم عن آبائهم أفضل ليكون ذلك من الله تعزية لآبائهم بالتسلية ولقلوبهم فأجابها بجواب تفهم معانيه كله، وما خلق الله الخلق إلا لأجل العبادة لله، وجميع الكائنات إنّما وجدت لمحبته إلى ذات العبد، وصفاته بهذه الصفات التي صحت بها إدراك معرفته، فكانت هي إليها بـ (أحببت)، ولا يصح أن تعرف هذه الذات بهذه الصفات قانون العبادة، فأرسل الله الرسل، والأنبياء، وأوحى إليهم الملائكة ليتصل سرّ المتعبدين بعضهم ببعض جميعاً لاتصال أرواحهم وأنفاسهم وذواتهم من اللوح المحفوظ جميعاً إلا النبي فذاته وروحه ونفسه متصلة بذات وروح ونفس القلم الأعلى ليكون إمام الكائنات جميعاً متوجهة إليه مؤتمة به، وهو غير متوجّه إلاّ إلى جهته الأولى، ومن بعد الرسل العلماء، وذلك قوله وتصريفها، أي هذه الصفات التي لذات العبد المتعبد يعرف بشرائع من هو حافظ للعهد الإيماني الذي كان أولاً بنفس حفيظة عليها، أي على المراد بهذه الصفات محققاً في السلوك إلى الله تعالى بالولاء، أي بالمحبة بهذه الصفات الأربع، وعارفاً بمحبة الله في إيجاد الوجود، وما أراده به، وكذلك العلماء من بعدهم.
المشار
قوله: شوادي جمع، منشدةً شعراً كانت، أو نظماً، أو نثراً من الكلام المركب من ألفاظ لغته المفردة لإفادة المعنى المقصود كلاماً لأمر ديني يراد به أولاً من ينادي، وإن كان معنى الناشدة المغنية بالمناشد، فإنّه هنا أراد به العموم التي هي منافع [تدرك] (2) بهذه الصفات الأربع، وأراد الخصوص بعدما أراد العموم بقوله: مباهاة، أي مفاخرة؛ لأنَّ كل كلام أعظم
(1) الأحزاب، الآية 7.
(2) ما بين المعقوفين ساقط في الأصل، والزيادة من س.
531 (1/531)
صفحة 532
سراً كان أكثر فائدة، وكلما كانت ألفاظه دالّة على الأمر المقصود بإيجاد جميع الوجود لأجله كانت هي ا الأفخر. يقول: وتصريف هذه الصفات الأربع التي لهذه الذات الأرفع إنما أريد بها لإدراك حقائق معاني ألفاظ كلام هذه التي هي على الحقيقة هي [شيء])، شوادي: أي ألفاظ مركبة منظومة التي هي هي على الحقيقة ألفاظ مباهات أنزلت معجزة، ومعجزات للخلق، وهي كتب الله تعالى لرسله مثل صحف إبراهيم، وزبور داوود، وتوراة موسى، وإنجيل عيسى عليهم السلام، والقرآن العظيم المنزل على النبي، وفي هذه الكتب الأمر من الله بالعمل عليها، وبما يأتيهم الرسول، والعلماء المحقون، لكلّ قوم كتاب نبيهم حتى يأتي نبي آخر بعده ينسخ يأتي نبي آخر بعده ينسخ شيئاً مما في الكتاب الأول فيكون العمل على الآخر، والعمل اليوم على ما جاء به القرآن العظيم وروايات النبي الكريم، وآثار المسلمين أهل العلم والاستقامة في الدين، والعمل بهذه الأصول الثلاثة، وبما يراه العقل حقاً من الحق، فإن قلت: كيف سمّى كتب الله تعالى شوادي، وهي جمع ناشدة ومغنية بالشعر؟، فأقول: استعار لمعاني ألفاظها أنّها شوادي بألفاظها بلسان حالها فهذه الأربعة الأصول: الكتاب والسنة والأثر الصحيح، ونظر العقل من الحق مما يراه ذلك الحق ناطقاً بلسان الحال على تحقيق الحق، فصح أن يقال بالمعنى أن معنى ذلك من الشوادي بنطقه المعنوي فهو لاحق بها، وفي معاني ألفاظ هذه الشوادي الفاخرة المعجزة المبهرة بنور الحق هوادي تنبّه من رقدة الجهالة، أو من رقدة الغفلة والهوادي هي التي يُهتدى بها، الهوادي أعناق الخيل وما يبدو منها فاستعاره لما يبدو من نور الحق من هذه الشوادي المبهرة لأهل السلوك بها، وهي مبادئ فكاهات [108] لهم، أي مطالع أنس بالله، وكرامات، وتوفيق و ترغيب واستيجاش من حجب الأغيار الحاجبين عن الله، أو عن المشاهدة لله بصفاته فتضطرب العقول شوقاً إليه بعد أداء ما شرع عليهم النبي صلى الله عليه وسلم بأداء ما كان لازماً عليه اعتقاداً وعملاً، وتركاً، وبأداء ما كان مندوباً اعتقاداً، أو فعلاً، وتركاً، وما قدر عليه من الوسائل، وأخلص لله بالحق كذلك في الشريعة والحقيقة، ثم إن أراد التوجه إلى الله تعالى بالتصوف بطرق التجريد لصفات النفس التي هي صفات ذميمة، وتحليتها بالصفات الحسنة المستقيمة السليمة، وإن ثبت السلوك إليه بوسائل طرق بالفكر، والذكر، والابتهال، وإخلاص الإرادة و المحبة والمشيئة، والرضا، والتوكل إلى غير ذلك، فكلّ
(1) ما بين المعقوفين ساقط في الأصل، والزيادة من س.
532 (1/532)
صفحة 533
ذلك مما جاء بيانه بالذكر الحكيم، وروايات الأنبياء، وآثار أهل العلم المحققين، وإنها لغوادي رحبة، والغوادي السحب التي تكون صباحاً استعارها لإشراق نور الحق، أي كلها سحب رجاء، وبشارات أنوار، وتحقيق، ولطف، وتوفيق، فافهم ذلك.
قال:
صولة
550 - وتَوْقيفُها من آخر العَهْدِ آخراً بِنَفْسٍ على عزّ الإباء أبية (1) 551 - جواهر أنباء زواهر وصلة ظواهر أنباء قواهر يقول: وتوقيفها: أي هذه الذات لما يراد بها من هذه الصفات الأربع لذاتها كلّ شيء بعينه من لازم فعله، واعتقاده أو مندوب، أو وسيلة، أو لازم تركه اعتقاداً أو فعلاً أو ندباً، شريعةً أو حقيقةً أو مكاشفة إنما يكون بعلم من جاء آخر العهد كل قوم هو رسوله، وآخر الأنبياء عهداً النبي لكلّ من جاء في عصره، أو بعده إلى يوم القيامة يتجدّد لقومه عهد آخر لبعضهم، فأثبت لهم في كل عهد لله تعالى كان ثابتاً لهم به، ويصح أن يكون لتجدد عهد آخر غير العهود الثابتة لهم من لدن يوم كان نوراً إلى أبيهم آدم الله، ثم لابد لكلّ نفس متعبدة من ابتلاها هل تتم ما ثبت لها من العهود بفضل الله عليها أم تنقضه؟ فجاء بهذا العهد الآخر كلّ متعبد بعهد الله له بما تعبّده الله به، فما جاء به نبيه ليعرف نفسه أنه أتم ما ثبت الله تعالى له، أم ينقضه كلّ نبي جاء إلى قومه، والنبي محمد صلى الله عليه وسلم إلى كافة مَنْ في الأرض من المتعبدين جاء إلى قومه ظاهراً بنفس قوية، رؤوف بالمؤمنين، غليظ على المشركين والمنافقين أبية على المقام، والسكوت عنهم، وتركهم في امتناعهم على عزّ الآباء، أي على امتناع الآباء في الشرك حتى يبذل نفسه لقوة حبه لله ربِّه بالحرب لقتالهم وبالطعن والضرب حتى تكون كلمة الله هي العليا، وكلمة الذين كفروا السفلى، ويظهر دين الحق على الدين كله.
والإشارة إلى النبي، وكل من سلك مسلكه في أداء الطاعة لله من المتعبدين جميعاً من كان قبله، ومن جاء بعده فهو إمام الطائعين، وقدوة العابدين، وأول العارفين بالله ربّ العالمين، ولقد خصه الله بجوامع الكلم، فكان أعظم الكلام كلام الله، وأعظم
(1) في الديوان: [موثق] بدل [آخر].
533 (1/533)
صفحة 534
مع
6
كلام الله القرآن، وأعظم كلام الناس كلام الأنبياء، وأعظم كلام الأنبياء كلام النبي ثم العلماء المحقين، وهذا هو الكلام الذي أشار إليه بقوله: جواهر أنباء، أي أخبار عن الشريعة، والحقيقة، والطريقة والمكاشفة والجواهر مأخوذ من الجهر بالقول، استعار ذلك لظهور أنوارها، والجواهر جمع الجوهر الحامل للعَرَض، واستعاره لما حملته من المعاني والدلائل والأنوار والجواهر الجوهر المعروف، العزيز، الغالي الثمن، المتلألئ بالأنوار، استعاره لصفاء نور الحق في تلك الألفاظ والمعاني والأنوار، وعزّتها أهلها، وما يبلغون به من المآرب استعاره لعزة هذا العلم، وشرفه وأنواره [109 و]، وما يبلغون به، حتى إنهم ينظرون به الوجود علماً نورانياً كالجوهر الصافي، وأصفى من ذلك. وبها، وفيها للذات الإنسانية زواهر وصلة، فالزواهر النجوم التي يهتدى بها إلى وصول المقصود، فأشار بالجواهر إلى علم الحقيقة، وبالزواهر إلى علم الطريقة، أي السلوك بالحقيقة قد تحققوها وتلقوها بالقبول والسلوك بها إلى الله بقوة العزيمة والحماية، والغيرة عليها، والغضب لله على ما لم يذعن إليها. ظواهر أنباء، أي أعوان أنباء للنصر على إظهارها في الأرض رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا} (1)، قواهر صولة، أي قواهر طولة، وقوة، وشدّة، وغيرة عظيمة، لا يخافون جميع من في الأرض، ولا يخافون إلا من لم يزل ذواتهم حاضرة معه، لا ينظرون إلا هو، وهو الله تعالى، فلا يبالون بحرب ولا بقتال ولا ضرب.
قال:
552 - وتعريفها من قاصد الحزم ظاهراً سجيَّةُ نَفْسٍ بالوجودِ سخيّة 553 - مثاني مناجاة معاني نباهة مغاني محاجاة مباني قضيّة يقول وتعريفها: أي الذات بصفاتها الأربع في ترقيها إلى الحضرات الإلهية صفات سلوك، صفات من هو أفضل وأجلّ وأحزم قاصد غاية الحزم، ونهاية الكمال الإنساني والكوني كله، قد كشف طرق الشريعة والحقيقة والطريقة وسافر ببدنه بأكمل العبادة لله ظاهراً هداية لأهل الظواهر، وله سجية نفس أي خلق وطبع نفس ثاتبة عليه لا يزول عنها، سخيّة ببذل الموجود براية نفسه بالمحبة سفرها الظاهر بالنظر إلى حقائق عين باطن
(1) الأحزاب، الآية 23.
534 (1/534)
صفحة 535
الوجود إلى الحضرات الظاهرية، وهي التي لا يرى المرء إلى شيء من الوجود إلا ويرى تجلي الله تعالى فيه بصفاته، وترقي ذات المرء بصفاتها الأربع إلى هذه الحضرات هو تعريفها مثاني مناجات، ولقوله هذا وجوه الأول: مثاني مناجاة النبي يوم كان نوراً في أول الإيجاد، وثناها في ظهوره إلى عالم الملك، والوجه الثاني: المثاني بمعنى المعاودة، والتكرار لقوله تعالى: سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي (1) أنها آيات الفاتحة سميت كذلك، لأنها تثنّى في كل صلاة، بل في كل ركعة، فيكون المراد بمثاني المناجات هي الذكر في الصلوات،
والأدعية المشهورة المتخذة في التكرار عادة كأدعية في الحج، والزيارة لغير النبي وصاحبيه أبي بكر وعمر، والدعاء خلف الصلوات، والاستغفار، وكثرة الإلحاح في السؤال، والتضرع، والابتهال، والتبتل إلى الله ذي العظمة والجلال، والتهليل والتكبير، والتسبيح والتحميد والصلاة على النبي، وتكرار الحوقلة، وتلاوة القرآن، والتفكر فيه، والعمل به، وما أشبه هذا.
الوجه الثالث: مثاني المناجات الذكر لله تعالى والمراد بالذكر معناه، ومن معانيه تعليم علم الشريعة والحقيقة والطريقة والمكاشفة للعمل بهما لله تعالى. والوجه الرابع: التوبة من كل ذنب والعمل بالدين الحق في كل شيء، وقوة المراقبة، والعزيمة، والتوكل وحسن التفويض والتقوى واليقين والخوف والرجاء، وإكمال الإسلام، والإيمان،، والإحسان، والصبر والشكر والرضا والوجه الخامس مثاني المناجات من معنى ذكر التصوف بوسائل الحقيقة بتجريد النفس من جميع صفاتها الذميمة حتى تصفو، وتحليتها بكمالات الأخلاق الإسلامية، والإيمانية، والإحسانية والوجه السادس: السلوك إلى الله تعالى بالإخلاص في كلّ شيء لأداء حق الربوبية من عبودية العبد المتعبد، والسراية إليه بعد ذلك، وفي ذلك براية المحبة مع تلاوة الاسم الخماسي المخصوص لكشف الحقائق، ولكشف [109 ظ] أبوابها لمن أراد الدخول في أبوابها، وانفتاحها على قلبه فيفنى حبه، وإرادته، ومشيئته في محبة الله، ومشيئته، وإرادته، فلا يحبّ، ولا يشاء إلا ما يشاؤه، ولا يريد إلا ما يريده، ويستغرق غالب أوقاته في الفكر إلى جمال لطف الله، وكرمه، وإحسانه، وقدرته ورضاه وسخطه وغضبه، وأمثال هذا.
(1) الحجر، الآية 87.
535 (1/535)
صفحة 536
كلّها
والوجه السابع: الترقي في الحضور والمشاهدات والمكاشفات في الحضرات، وكل له مرتبة ودرجة لا يتعداها، وأوقات الخلوات بذكر الله جل وعلا، وأعلاها درجة النبي،، ومع ذلك فالمرء، وإن بلغ عقله ما بلغه فإنّ ذلك لا يدوم، ولكنّه لا يغيب أبداً لقوة حبّه، ورغبته لله تعالى، وليس ما قالوه في السكر أنّه يدوم في غير الخلوات، وعند المناجات؛ لأنه لابد له من القيام بالشريعة الظاهرة، والاجتهاد في تعليمها، وعلم الحقيقة والطريقة في المكاشفة، ولذلك أشار الناظم إلى ذلك، والوجه الثامن: أراد بمثاني المناجاة التي معناه بها الذكر، وأراد من الذكر معناه هو القيام بجميع أركان الشريعة أدياناً وأحكاماً، والحقيقة، والمكاشفة، وأنواع العبادة كلّها أجملها في هذه الكلمة؛ لأنها تدلّ على جميع ذلك، كما قال؛ لأنها معاني نباهة يحتمل مراده أنّ هذه المثاني المناجات التي ذكرناها هي معاني نباهة، أي منبهة لذات المرء مهما لاحظتها بعينها، وشمّرت إلى العمل بها فإنّها تنبهه، أي توقظه من رقدة الجهل بالتوبة النصوح، أو تنبهه من غفلة التقاعد، وحجب الأغيار والإقبال إلى الحجب المانعة عن القصد المقصود في الإيجاب، أو عن القصد المرغوب إليه بالاستحباب، ويحتمل أنه انتقل إلى المكونات أنَّ حقائقها معاني نباهة، أي منبهة إلى العلم والعمل وإلى الترقي، وإلى السفر منها عنها إلى مكوّنها، وهو سفر النفس من ظواهر الأغيار إلى بواطنها لقوله: مغاني بالغين المعجمة- وأما الأولى فهي بالعين المهملة وهي جمع مغنية تأنيث مغني، وأراد هنا بمعنى اكتساب فوائد، والمحاجات الافتقار، والمفتقر يقول وهي مغان، أي اكتساب فوائد محاجات، أي افتقار وتذلل، وخضوع، وخوف، وهيبة، وسكينة، ووقار، وابتهال، وقلة رضا عن النفس، واستغفار، وتأدب، وانكسار بإقبال، وذلّ في حضرة ملك عظيم جبار، ونظراً لاحتياج الأغيار إلى [الله]) الواحد القهار، وإذا كانت هي بنفسها محتاجة إلى الله، فالإقبال على المحتاج لا فائدة فيه، فأقبل على مَنْ أقبلت عليه العزيز القهار فقد أخبرتك بضعفها وإقبالها واحتياجها، وأغنتك عنها حين نادتك لشدّة، فقرها، وأغنيت عنها بنظر عقلك إليها فطرحتها، وبلغت من المراتب على قدر طرحك لها، وبقدر ذلك اتصلت صفاتك الأربع بصفاتها، وفارقت الأكوان بقدر ما اتصلت بصفات ذلك الأربع. وقوله: مباني قضية: القضية الجبر والحكم، وأراد المعنى، أي قواعد أحكام محكمة أحكم ترتيبها أحكم
(1) ما بين المعقوفين ساقط في الأصل، والزيادة من س.
536 (1/536)
صفحة 537
الحاكمين وأخبار أي، وعلوم وحكم، وآيات مفصلات، وأشار بذلك إلى اتحاد ذات الإنسان وجميع المتعبدين وإلى اتحاد جميع الموجودات، وإلى هذه الأربع الصفات التي لهذه الذات العظيمة في الخالص لله تعالى، وإلى ما أريد بها ومنها، وإلى الدين المحكم وما أنزل فيه، وفي العلوم من الكتب الإلهية والروايات النبوية، وآثار العلماء المحقين، وما فيها من أنوار العلوم، ومعاني حقائق الوجود، وإلى صفات الله تعالى، وإلى علم المآل والدلالة فهي كلمة مشيرة إلى كل شيء مفيد، وأن ذلك كله معانٍ مبنية لمعان، وكلها المقصود بها اتصال هذه الصفات الأربع لهذه الذات الأرفع لتكون حقيقة الكون، ولكن ذات المؤمن المخلص لله تعالى فذات الله عالمة بكلّ شيء في الكون، متصرّف بتدبيره وعلمه وقدرته، وذات كون المؤمن العارف [110 و] المحقق المكاشف، متصرف فيه بعلمه وقدرته على إدراك ما تجلى فيه من العلم به، مع أنَّ كون هيكله هو كون لا يخالف ذاته، ولا يكون فيه شيء ولا منه إلا بإذنها وحولها، وقدرتها التي جعل الله لها، والكون بعد ذلك هو فيه علمه، وقدرته على إدراك العلم الذي هو ظاهر في مظاهره جلَّ وعلا، فافهم.
هي
واعلم أن كل مَن كان قلبه إلى الله تعالى رغب وشاهد جلاله، وكماله، وجماله، وحضراته، وفني عن الأغيار بمشاهدة صفات الملك الجبار كان لدين الله أغير، وعليه أحرص، وعلى من خالفه أعدى، ولجهاده إن لزمه أو جاز له، ووجد سبيلاً إليه أحرى؛ لأنّه أبذل النفس، وأحبّ إليه أن لا يموت إلا على ما هو أحبّ إلى الله تعالى، ولا شك أنَّ بذل النفس لله في موضع لزومه، أو موضع جوازه هو أحبّ شيء إلى الله تعالى، ولذلك حكى الشيخ الناظم عن مقال لسان المقام المحمدي، قال: 554 - وتشريفنا من صادق العزم باطن إنابة نَفسٍ بالشهودِ رَضيّة (1)
555 – نجائِبُ آيَاتٍ غَرائبُ نُزْهَةٍ رغائب غايات كتائب نَجْدة يقول: وتشريف هذه الصفات الأربع التي ذكرناها لهذه الذات الأرفع إنَّما تكون في سلوكها إلى مقامات الحضرات الإلهية هو بها نطق به المقام المحمدي عن صفات من هو صادق العزم باطناً بالسفر من النفس وبالنفس إلى حضرات الظاهرية، والسفر من الروح
(1) في الديوان: [وتشريفها] بدل [وتشريفنا].
537 (1/537)
صفحة 538
اصطلاحهم
وبالروح إلى حضرات الأسماء الصفاتية، وإلى حضرات الجمع بالنفس، والروح بفنائهما بالصفات والأسماء الفعلية، وإلى جمع الجمع بالصحو بعد المحو، ثم السفر الرابع المختص بالمقام المحمدي إلى أحدية الجمع، وأحدية جمع الجمع، وهو الصحو بعد المحو. فإن قلت: ما معنى سفر النفس، وسفر الروح، والجمع، والمحو، والصحو، وأحدية الجمع، وأحدية جمع الجمع؟ فأقول: كلّ هذه اصطلاحات، فإنَّ مع أهل الحقيقة الروح والنفس، والقلب والعقل بمعنى واحد، وعند أهل المكاشفة كذلك، ولكن في (2) أنّ الروح هي العين البصيرية من العقل، وهي الممدودة من عالم الأرواح من اللوح المحفوظ، ولم يكن بينهما، وبينه حائل فهي بمنزلة نبي يدعو إلى الله تعالى، ولا يغلط أبداً، فما عرفته دعت به، وما أنكرته أمرت بالتوقف عنه فيما يجب فيه التوقف، والنفس العين الغريزية، وهي المتّصلة بالنفس الكلية اللوحية المتجلية على عالم المثال وهو كتاب اللوح المحفوظ، وعالم الخيالات، وهي بمنزلة الملك، والنفس أيضاً، والعين المدبرة بمنزلة الساحرة خدينة الشيطان قد تعلمت منه السحر بالتخييل، وهي النفس المتجلية في المثالات والمحسوسات، والكلّ شيء واحد، عقل وذاته متصلة بذات المثالات، فهي مركبة في قالب القلب الجسماني جميعاً، وكلّ جهة منها مقبلة إلى عالمها، وأعلاها النفس فإذا شمّر المرء إلى تصفيتها، وإلى التفكر بها في عالم المحسوسات من أفعال الله وصفاته سموه سفر النفس؛ لأنها هي المتصلة بعالم المحسوسات، كذلك الغريزية إلى عالم المثالات مهما فكرت في أفعال الله وصفاته، وأما الروح فإذا فكرت في صفات الله وعظمته وجلاله، وقدرته من غير أن تنظر الموجدات سمّي سفر الروح، فإذا اجتمع في نفسه، وروحه مهما نظر إلى الموجدات فني عقله بالنظر إلى الأسماء، والصفات فقد وصل مرتبة الجمع بشرط أن يتجلى له جميع الأسماء والصفات في حال واحد، فإذا اندهش سمّي فانياً، وإذا تمكن سمي صاحياً، وكلّ هذا لا يدوم للمرء، وما دام تتجلى له صفة صفة، أو اسماً اسماً لا الأسماء والصفات كلها فهو مقيد بتجلي تلك الصفة، أو تلك الصفات، وأما أحدية الجمع فهو أن ينظر الوجود كله علماً واحداً نوراً
س.
(1) ما بين المعقوفين ساقط في الأصل، والزيادة من (2) يعيد الشيخ هنا ما ذكره في موضع سابق من التفرقة بين (النفس) و (الروح) وإن كان بعض أهل الحقيقة يجعلهما شيئاً واحداً، فهنا كما ورد هناك يراد بالنفس العين المدبرة) بينما يراد بالروح (العين البصيرية) وهما أمران
مختلفان، وإن اختلطا في التسمية في بعض الأحيان، وينظر ما سبق ففيه تفصيل.
538 (1/538)
صفحة 539
في
وجود
عظيماً، وليس هو مثل هذا النور الشمسي كما كان الوجود قبل كونه إلا علماً لا [110 ظ] معه، ويرى الوجود غير حاجب له عن اتصال العلم بعدما صار الوجود كله ذاته واحداً علماً نورانياً برزخياً كما كان في أول الإيجاد، وهذه مرتبة النبي ما دام يدهش في ترقيه فيها، فهو في أحدية الجمع، فإذا تمكن، وصحا فهو في مرتبة أحدية جمع الجمع، وكل هذا يكون إذا خلا بمناجات ربه، ولا بد له من رجوع مع بقاء الحضور إلى إقامة الدين، وإجراء الأحكام، وتبليغ الدعوة، وجهاد المشركين، والمنافقين الباغين إلى غير ذلك، فهو في المثال من رأى قصراً مشيداً عجيباً، ودخله وصوّره في نفسه فلم يزل مثاله في عقله حاضراً لا يزول ولو عمل ما عمل وهو يحضر مع الناس، وكذلك من نظر إلى جمال امرأة قد شغفته فلم يزل يرى بعقله صورتها، ولم يقدر على إزالته لقوة حبّه لتلك الصورة، ولهذا المعنى التمثيل في حضور القلب مع من أحب بغير تصوير، ولو ظهرت منه للناس أعمال ظاهرة فإنّ ذلك ممكن، وإذا أراد الله بعبد أن يكاشفه بحبّه فغير منكر، ولا ينكره إلا من فقد حلاوة لذة المناجات، ومن وجدها حقق أنَّ ذلك من مبادئها. وقيل عن النبي الله يحكي عن الله أن أدنى ما أفعل بالعلماء إذا أقبلوا على الدنيا، وأعرضوا عن الآخرة أنَّ أنزع حلاوة الإيمان من قلوبهم، ولذة مناجاتي، وليس ذلك مما يغفله عن الاجتهاد في الشريعة وتعليمها، وبذل النفس في قيام الدين، وأمور المسلمين، بل كان المرء أحب إلى الله تعالى كان أقوى عزماً في كلّ أمر لله، وكفى بذلك شاهداً حال النبي، وحالتا أبي بكر الصديق، وعمر بن الخطاب، وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وعمار بن ياسر ومَنْ سار على مذهبه إلى يوم القيامة.
كلّما
ولذلك قال: قواهر صولة، وقوله نجائب، آيات وغرائب نزهة، ورغائب غايات، وكتائب نجدة، أراد بذلك معنيين: أحدهما أنه وصف الواصلين بهذه الصفات أنهم نجائب، أي نجباء، آيات، أي بلغوا مبالغ حتى صاروا بها آيات في العالمين، وغرائب: أي غرباء نزهة، أي في مبالغة نزاهتهم عن صفات من هو دونهم، ورغائب: أي رغباء قد بلغوا في الرغبة غاياتها وكتائب أي رايات نصرة لدين الله فجمع وصفهم في الحضرات، وفي ظهورهم بصفات الظاهر، وهذه إشارات إلى النبي وأصحابه ومن تمسك بدينه من بعده لنصر دين الله ونصر المسلمين، وكذلك الأنبياء ومن اتبع أمرهم في نصرة دين الله تعالى. والمعنى الثاني أراد بالنجائب جمع كل حالة ينجب بها المرء، وهي تأتي على
539 (1/539)
صفحة 540
جميع! العبادة لنجاة الآخرة، والوصول إلى حضرات القرب من الله تعالى، وأراد هنا بعد عموم الكلّ حضرات الأسماء الإلهية فهي نجائب، آيات، أي خارقة للعادة، وأراد بخرقها العادة، أي وصولهم الدرجات التي هي كالمعجزات في الوصول إليها. وغرائب نزهة: أي غرائب تسبيح وتهليل، وتكبير وحمد، وذكر وشكر، غريب مخالف للمفهوم؛ لأنَّ التنزيه المفهوم، والتسبيح، والحمد والتهليل والتكبير هو المعروف مع الناس بلفظه المشهور معهم مع حضور القلب لمعناه، وهو سبحان الله والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولله الحمد، وكذلك جميع الأذكار، وهذا بالمكاشفة والمشاهدة، وخرق جميع الوجود، و مشاهدة التسبيح نفسه، والحمد نفسه، وكذلك التهليل والتكبير كشفاً بلا حجاب من حجب الغفلة، ولا من حجب قلّة المحبة، ولا من حجب قلة العلم بالمعنى المقصود بما في الوجود، ولا من حجب الأغيار، وكلّها يراها رغائب غايات، وهي الحضرات، أي قوية الترغيب إلى الترقي، بل هي أبلغ غاية في الترغيب لما يشاهد من الجمال المطلق، والكمال المحقق الذي هو المحبوب على الحقيقة، وكيف لا يكون المحبوب المطلق جمال صفاته الله تعالى، [111 و]، وجمال ما أحبّه الله تعالى وجمال ما أحبّه الله تعالى من العلم الذي أوجده أحبَّ شيء إليه، وما خلق لذة ما في الجنان إلا لجمال العلم نفس نعيم الجنان، ولذته بلذة نعيم جمال العلم، ثمّ لا تقسه به بعد ذلك؛ لأنَّ مشاهدة جمال صفات الله تعالى لا يجوز أن تمثل بنعيم الآخرة إلا من حيث دوام رؤية الله تعالى بصفاته فيها، لا رؤية ذاته التي لا يجوز القول بها، وقلّة دوامها في الدنيا، ولكن من لم يصل أنكر ما لم يعرفه، ولم ينظر إلى غيره في العلم أنّ منهم لم يبلغ مبلغه، فليته يجوز له أن ينكر عليه صحة ما عرفه دونه وينكر هو علم من كان فوقه، كذلك هذا، ولينظر إلى نفسه في مناجات الله تعالى فإن لم يجد لها لذة عظيمة فهو محروم، وإن كان يجد لها فغيره لا يجد لها، ولا يناجي ربه أصلاً فكما هو ترقّى عليه بتلك اللذة أفلا يمكن أن يكون غيره أعلى منه؟ وأين علمه بمقدار وجد بما لا يجاوزه أحد، وبمقدار وجد ما يعطيه المرء مولاه من ذلك. وقوله: وكتائب نجدة، فالكتائب رايات الجيوش والنجدة الغلبة، والنصرة، أي الحضرات الإلهية استعار لها كتائب نجدة، أي وهي حضرات الجمع، وغلبتها المشاهدين إليها بقوة الجذب لعقولهم، وأسرها لأرواحهم بمشاهدة جمالها وجلالها وكمالها، فلا شك أن لها النصر عليهم، ولاسيما إلى ذلك منها يكون بقوة حبّهم لها، والرغبة إلى
540 (1/540)
صفحة 541
وصالها فجمع في بيته صفات الواصلين، وصفات الموصول إليه، وصفات التي بها وصلوا، فلولا إرادتنا الإيجاز لكان كلّ بيت من منظومته يحتاج في تأويله إلى كتاب متصوف. وإذا كنت ذا فهم تبين لك صحة قولنا بما نفتحه لك من البيان القليل، انظر لو بسطنا الإيضاح فإلى أين ينتهي؟!
بيان في الأسلوب الثالث:
قال:
6 5 5 – ولبس منها بالتعلق في مقم الـ إسلام من أحكامه الحكميَّة (1) 557 - عقائق أحكام دقائق حكمة حقائقُ إحكام رقائقُ بَسْطَةِ يقول: وللبس منها: أراد بـ (منها) من هذه الصفات الأربع لهذه الذات، وأراد باللبس هو كل ما ظهر في الوجود بصورته الجسدانية، ومراده هنا هيكل المتعبد الذي هو ليس للذات، يقول: وما جعل لمظاهر صفات هذه الظاهرة منها من هيكلها بالتعلّق بها، وعليها في مقم - بلا ألف بين القاف والميم، لا سلام - بفتح اللام بلا ألف قبل اللام، ويخفض الألف التي بعد اللام كذلك في القراءة والكتابة وأراد بذلك في مقام الإسلام، وإنما حذف الألفان، وفُتحت اللام في الكتابة، والقراءة، ضرورة لإقامة النظم والوزن، من أحكامه أي أحكام الإسلام الحكمية جمع حكمة، وكيف لا يكون حكمة، وقد أحكم نظامه أحكم الحاكمين، وما كونت الأكوان وأحكمت إلا لحكمة الإسلام والإيمان والإحسان، فهي أجلّ من حكمة الموجدات لأنها وجدت لأجلها، وأنّها لا شك أنّها عقائق أحكام بفتح الألف في أحكام، والعقائق جمع عقيق وهو الجواهر المعدنية الصافية الغالية. وأراد الاستعارة به لوجوه أحدهما أنّه جواهر مسموع به، ومنطوق بذكره، مبصور بالأعين، ملموس بالأيدي، والثاني: أنّها عزيزة في قلوب الناس، محبوبة على حبّه.
والثالث: أنه جوهر صاف (2) معدني يقبل الناس ويبذلون أموالهم الجزيلة في شرائه، الرابع: فيه خواص عظيمة فاستعاره للأحكام الظاهرة المسموعة، المقربة، المبصورة،
(1) في الديوان: [مقام] بدل [مقم].
(2) في الأصل و [س]: [صافي]، وما أثبتناه الصواب.
541 (1/541)
صفحة 542
هي
المنسوخة. ودقائق حكمة إشارة إلى ما هو أغمض، والحقائق إشارة إلى ما لا يرى، بل هو إلى ما فيها من نور الحق. رقائق بسطة: هو ما كان ألطف من العلوم التي تدق إلا على العلماء الكبار. وذكر أربعة أشياء لوجوه الأول أنّ الأحكام متعلقة بالأربعة المظاهر التي الأذن للسمع، والعين للبصر واللسان [111 ظ] للنطق، والجارحة كاليد والرجل للفعل، كلّ شيء من هذه يتعلق عليها حكم ما يخصها والكلّ راجع إلى الذات من أحكام الإسلام والوجه الثاني: أنّ أصول أحكام الإسلام الذي هو العبادة الظاهرة أربعة: الكتاب واليد والإشارة العقائق، والسنة التي هي حقيقتها تأويل معاني باطن الكتاب، وهي الدقائق، والآثار الصحيحة التي هي تأويل السنة، وهي الحقائق.
والثالث: النظر الصحيح الحقِّ من العقل النوراني، وهي الرقائق للطف نظر العقل فيها، ولبسطه بالانشراح إلى ما عقله العقل، وأقر به من نوره الوجه الثالث: إنّ العلم على أربعة أقسام: كشفي، وهو العلم بالله، وبالمآل وبالدلالة، وإليه الإشارة بالعقائق لظهوره، وقيام
حجته بالعقل مهما خطرت على قلب المتعبّد، وفهم الحق لم يسعه الشك فيه.
والرقائق الجليّ من علم الحقيقة والحقائق: العبادات الظاهرة من علم الشريعة، والدقائق الأحكام من علم الشريعة والوجه الرابع العقائق لظهورها ما هو حق لازم على المرء ديناً عملاً وتركاً؛ لأنها تكون من المرء من علامات تحقيق الرغبة والزهد والورع. والرقائق: الوسائل والمباحات، والعقائق ما جاز فيه الرأي، فتلك أربعة أقسام. والوجه الخامس العقائق ظاهر الكتاب والسنة والإجماع.
6
والرقائق فهم معانيها وتأويلها، والحقائق إحكام العمل بها، والرقائق استنباط العلوم الغامضة منها. والوجه السادس: أنّ العقائق أداء الطاعة بالتصديق، والدقائق أداؤها بالعلم، والرقائق أداؤه بإحكام الكمال فيه والرقائق بحسن، المراقبة والحضور فيه، وحضور الهيبة من الله تعالى، وغير ذلك من الحضرات القريبة إلى الفكر. والوجه السابع: العقائق شهادة أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ولقيام الحجة بذلك من العقل، والدقائق شهادة أن محمداً رسول الله، استعار لذلك اسم الدقائق لكثرة دقائق معاني ما أورده من الآيات والمعجزات والروايات، لقوله: أعطيت مجامع الكلم (1) والحقائق، وأن ما جاء به عن
(1) ينظر صحيح البخاري، الحديث،2977، وصحيح مسلم، الحديث 523، وفيهما: بعثت بجوامع الكلم، وأعطيت
542 (1/542)
صفحة 543
الله، وهو إشارة إلى القرآن العظيم أولاً، وإلى كلّ ما جاء به عن الله مجملاً. والدقائق العمل بجميع ما جاء به مما لزم المرء عمله على ما يلزمه دينونة، أو استحباباً، أو غير ذلك، وليس المراد بإتيان هذه الوجوه تحيّراً في التي أرادها فيها، بل بمعنى أنه مشير إلى جميعها، وإلى غير ذلك مما لم يحضرنا، وهذا هو بيان ما ذكره أولاً في قوله: شوادي، وهوادي، مبادي، غوادي، أوضحها هنا، فافهم ذلك.
قال:
558 – وللحس منها بالتخلّق في مقم الـ إيمان أعلامه العملية (1) عن صَوامِعُ أذكار لوامع فكرة جوامع آثارٍ قَوامِعُ عِزَّةِ
559
في
يقول: ذلك الذي ذكرناه لمظاهر هذه الصفات الأربع من الجسد، وللحس والحس إدراك المحسوسات بهذه الآلات الظاهرة، وأراد وما جعل للنفس منها، أي من تكميل صفاتها الأربع بالتحقيق في مقم - بلا ألف بين القاف والميم الآخر، ولإيمان - بفتح اللام بلا ألف قبله، وبخفض الألف التي بعد اللام وأراد في مقام الإيمان وإنما حذف الألفين، وفتح اللام في الكتابة، والقراءة ضرورة جائزة لإقامة وزنه عن إعلامه الأعمال العملية الباطنة، وهي صوامع أذكار، استعار للنفس بصوامع، وهي مواضع لا تتخذ إلا للعبادة، أي عبادة ذكر قلبي ومراده إيمان النفس بالله، وملائكته، وكتبه وأنبيائه ورسله واليوم الآخر، والحساب، وكلّ عمل قلبي يلزم اعتقاده. قوله: لوامع فكرة: أي [112 و] ظهور فكرة، وأراد بذلك قوة المراقبة بكثرة الفكر والحضور ورؤية الحق. جوامع آثار أي قوة تحقيق بما معه من الحق من تأويل الكتاب، وصحيح السنة، والإجماع الحق، والآراء الصحيحة، وصحة رؤية العقل في الحق الذي هو الحق الصحيح، وفيه إشارة إلى اتباع المذهب الحق، وهو التمسك بما جاء عن والصحابة، والمرتضين، والعلماء المحقين قوامع العزة.
اعلم
6
6
النبي
أنَّ هذا الناظم قد توغل في علم اللغة، والمعاني والبيان، والمنطق، والفلسفة،
والبديع، والعروض والقوافي، والنحو، وكفى بسبك نظمه وجناسه دليلاً على ما قلناه
جوامع الكلم، وينظر إحياء الدين للغزالي، 2/ 367. (1) في الديوان [بالتحقق] بدل [التخلّق]، و [مقام] بدل [مقم].
543 (1/543)
صفحة 544
ولو قيل لا كلام في النظم بعد كلام الله تعالى إلا نظم هذا الناظم في هذه المنظومة لكان قولاً حقاً، ومن شبهه بنظم شعري بشعر أحد في القوة والبلاغة فقد بعد عن الصواب، ودلّ على ضعف عقله، وركاكة فهمه، أما أنه منذ قيل فى الشعر إلى يومنا هذا أن يكون أحد يساوي مرتبته، ويشبهه فهو خطأ في المعرفة والفهم والعلم على كل حال، وأمّا في دينه فلا يضره ما لم يتعد (1) بذلك إلى ما لا يسعه، فقوله: قوامع، فهو يأتي بجوامع من الكلم التي معانيها مثل البحر الزاخر الذي لا يعرف أطرافاً ولا قعرا (2) فيحتمل له وجوهاً: أحدها: قوامع عزّة الحضور والخشوع والطمع فيها عند الله، والخوف من سخطه وعذابه، والرجاء لرضاه وثوابه، والابتهال في السؤال، والافتقار والتوبة، والندم، والحياء، والانكسار، والسكينة والوقار، وما أشبه هذا كله فإنها قوامع تقمع الرعونة، والصعوبة، والبطورة، والحمق والشره والغضب والحسد والرياء، والنفاق، وطلب الجاه الخيالي، والحبّ في غير الله، والعشق في غير ما يحبّه الله لازماً كان، أو على الندب، أو الاستحباب فهي قوامع عزّة لمن قمعتهم عن أخلاقهم الذميمة، وحلّتهم بالأخلاق العدل السليمة، والوجه الثاني: قوامع عزّة يقمع بها أهل الشرك، والنفاق لقوة إيمانهم، وهذا هو تفسير قوله مثاني، ومعاني ومغاني، ومباني.
بيان في معنى الإسلام والإيمان:
واعلم أنَّ الناس اختلفوا في معنى الإسلام، والإيمان، فقال قومنا (3): إنّ الإسلام هو شهادة الجملة التي هي (أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وأن ما جاء به محمد عن الله هو الحق من الله، وقال بعضهم: وكذلك جميع الأعمال الظاهرة بالأبدان الظاهرة المتعبّد المرء بها كالصلاة والصوم والزكاة لاحقة بهم، وأعمال الحج، وغير ذلك، والإيمان هو كلّ عمل قلبي باطن كاعتقاد التوحيد لله، واعتقاد المآل، والدلالة،
(1) في الأصل و [س]: [يتعدا].
(2) في الأصل و [س]: [أطراف ولا قعر]، وما أثبتناه الصواب.
(3) لعله يريد بـ[قومنا] مَنْ هم على مذهب الإباضية عموماً؛ لأنه سيفرق تفريقاً دقيقاً بين عموم الإباضية، والسلوكيين خاصة وذلك بإطلاقه لفظ [أصحابنا] على السلوكيين الذين يقدمون معنى دقيقاً للإسلام والإيمان ربّما بدا فيه شيء من الغرابة لعموم الإباضية كما سنرى، وينظر كتاب الإخلاص) للشيخ ناصر، ص 442، وما بعدها ففيه
منهم
تفصيل عن هذا الموضوع.
544 (1/544)
صفحة 545
والمراد بالمآل هو الحساب والثواب والعقاب والدلالة على أن المخلوقات والموت والحياة وأمثالها إنّما هو بيد الله تعالى، وأن هذا كلّه خلقه كالسموات، والأرض، وما فيهما وما بينهما، وما أشبه هذا من الدلالات الجلية والإيمان بالكتب، والملائكة، والأنبياء والرسل، وولاية أولياء الله والبراءة من أعدائه، وإنكار المنكر بالقلوب إلى غير ذلك بما هو عمل قلبي. وقال أصحابنا (1): إنَّ معنى الإسلام والإيمان في الباطن واحد، وفي الظاهر كذلك، وإنَّ من كان غير مؤمن في الباطن، وهو مسلم في الظاهر، فهو مؤمن لأحكام الظواهر من قبل النجاسة، وحرمة ماله ودمه ما لم يصر باغياً، وتحليل ذبائحه، وأكل طعامه بإذنه، ومناكحته، وأما من هو في حكم الحقيقة إذا مات، أو في حكم الولاية والبراءة فهو غير مسلم، ولا مؤمن ما دام على كفره ونفاقه، وكذلك من ضيع إسلامه فقد ضيع إيمانه، والصحيح من القول إنّ الإسلام ظاهر صدَّق الإيمان الباطن فهو العمل بالظواهر اللازمة، ومن ضيع إسلامه ضيّع صدق إيمانه وصار غير مؤمن حقاً، وأنَّ الإيمان باطن تحقيق صدق ظاهر الإسلام، فمن ضيَّع تصديقه إسلامه [112 ظ] الظاهر بباطن إيمانه الباطن فقد أبطله، وصار الإسلام ظاهر الإيمان، والإيمان باطن الإسلام وحتى إذا بطل أحدهما بطل الآخر؛ لأنَّه لا يتمّ إيمان القلب مع تضييع الأعمال الفرضية الدينية التي من تركها على ما لا يسعه كفر، ولا تصح الأعمال الظاهرة الإسلامية مع كفر القلب، وقوله تعالى: {قَالَتِ الْأَعْرَابُ امَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَنُ فِي (2) لا يدلّ على صحة هذا وثبوته مع كفرهم بهذا، وإنّما هذا يدلّ على أنهم دخلوا في الإسلام بشهادة الجملة فأسلموا ظاهراً ليسلموا من القتل فنصحهم الله أنَّ قلوبكم لن تؤمن، ولن تسلم فصح على هذا الارتباط أنّ حقيقة الإيمان كمال الطاعة اللازمة لنا إيمانياً، وظاهراً إسلامياً، وإن ضيّع شيئاً يهلك به بطل إيمانه، وإسلامه، وأنّ حقيقة
رحمهم
(1) يريد بـ[أصحابنا] أهل السلوك من الإباضيين خاصة، وبهذا الصدد يقول العلامة السالمي: «ومذهب الأصحاب الله تعالى أنهما – أي الإيمان والإسلام - شيء واحد عرفاً اصطلاحياً فمن استحق وصف الإسلام استحق الوصف بالإيمان والإسلام وكذا العكس، ينظر شرح الجامع الصحيح، 9211 عن الإمام السالمي وآراؤه في الإلهيات؛ د. مبارك الهاشمي، ص 255.
(2) الحجرات، الآية 14.
545 (1/545)
صفحة 546
الإسلام إكمال الطاعة اللازمة أعمالاً ظاهرة، وإيماناً، قلبياً، وإن بطل شيء لا يسعه إبطاله بطل إيمانه وإسلامه كله في حكم (1) الباطن، وأما في حكم الظاهر فلا يبطله عن حكمه في الظاهر مسلماً إلا أن يشرك بشيء يكون به مشركاً بالله تعالى، ولهذا اختلفوا في الإيمان يزيد وينقص، فقال قومنا: يزيد وينقص (2)؛ لأنه كلّما كان المرء أقوى رغبة إلى الله تعالى فقد زاد، وإذا لم يجد ذلك في نفسه إلا أنه لم يضيّع شيئاً فقد نقص بقدر ما نقصت تلك الرغبة، وظاهر الأمر يصحح قولهم، والتحقيق يصحح قول أصحابنا (3) أنّ حقيقة الإيمان هو إكمال الطاعة اللازمة فإذا أتمها فهو المؤمن حقاً، ولا ينقصه إلا إذا أبطل ركناً منه بفعل ما يسعه فعله، أو ترك عمل ما لا يسعه تركه، وإذا نقض كذلك من أركانه لم ينقص وإنما يبطل كله، ولا يتم إلا إذا أتمه كلّه، وأما زيادة الوسائل فهي مما يزيد في امتداد نور سراجه، وليس تركها مما ينقص نور السراج، وإنّما ينقص سعة امتداده، فالإيمان مثل السراج، إذا صغرت مكانه بترك الوسائل، وأفسحت مكانه ليمتد نوره، ولا يكون ذلك نقصاناً للسراج، فافهم ذلك.
وقد سمى الله تعالى المسلم مؤمناً، والمؤمن مسلماً في قوله: {فَأَخْرَجْنَا مَن كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (5) فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ} (4)، ولكنّ القوم أخذوا بظاهر الخبر فيما يروى
(1) في الأصل: [كلّ] بدل [حكم]، وأثبتنا ما في س لتلاؤمها مع السياق. (2) فصل الدكتور مبارك الهاشمي في كتابه عن الإمام السالمي الحديث في هذا الموضوع، ونقل رأي سماحة المفتي العام للسلطنة الشيخ أحمد الخليلي من أنَّ الإيمان يزيد ولا ينقص وبيّن أنّ هذا هو رأي الإمام السالمي و «رأي المذهب» على حد قوله، وهو يختلف عما قرّره الشيخ ناصر في المتن، ويضيف د. مبارك الهاشمي قائلاً: « ... وجدير بالذكر أنّ هناك من الإباضية من يرى زيادة الإيمان ونقصانه، وينقل هذا القول عن. علماء المغاربة من أهل المذهب، منهم أبو عمار صاحب (المؤجز) (ت 570 هـ)، والشيخ أبو مهدي (ت 971 هـ)، والشيخ أبو خرز (380 هـ)، وعن بعض علماء المشرق، منهم الشيخ خميس بن سعيد الشقصي في كتابه منهج الطالبين»، ولعلّ الشيخ ناصر، ومَنْ يرى رأيه من هذه الطائفة من العلماء التي تقول بالزيادة والنقصان، وخصوصاً أنّه يقدّم تعليلاً لهذا في المتن. (3) هل يريد الشيخ ناصر أن يقول إنّ (الأصحاب) يقولون بزيادة الإيمان، وعدم نقصانه ما تأخذ وهو الإباضية إلا من استثني منهم كما ورد سابقاً؟ فقه النص يشير إلى ذلك، وكأنه أراد بـ (قومنا) أولئك العلماء الذين قالوا بزيادة الإيمان ونقصانه، وهو ما أشرنا إليه أيضاً فيما سبق على اعتبار أن التحقيق يصحح قول أصحابنا)،
أي أهل السلوك كما ذكرنا.
(4) الذاريات، الآيتان 35 و 36.
به عموم
546 (1/546)
صفحة 547
عن النبي أنه كان في موضع، ومعه أصحابه، وجاء إليه رجل وقال له: السلام عليك يا رسول الله صلى الله عليك وسلم، ووقف بين يديه، واستأذن للقعود فأذن له وجثى على ركبتيه، وجعل عليهما يديه وقال: إنّي أريد أن أسألك يا رسول الله صلى الله عليك وسلم. فقال له: سل. فقال: أخبرني عن الإسلام؟ فقال له: هو أن تشهد أن لا إله إلا الله وأنَّ محمداً رسول الله، وأنّ ما جاء به محمد بن عبد الله عن الله هو الحق من الله، وأن تصلي الخمس، وتصوم شهر رمضان، وتؤدي الزكاة، وأن تحج البيت إذا استطعت إليه سبيلاً، فقال له: صدقت، إنَّ هذا هو الإسلام فهو كما قلت فعجبوا كيف يسأله، ويصدقه؛ كأنه متعرّض له يستخبره أيدريه أم لا، وليس المراد كذلك. فقال له: أخبرني ما الإيمان؟ فقال: هو أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله وأنبيائه، واليوم الآخر، فقال: صدقت يا رسول الله صلى الله عليك وسلم إنّ هذا هو الإيمان كما قلت فأخبرني عن الإحسان، فقال له: هو أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنّه يراك (1). فهذه رواية صحيحة، ولكن ما كان لا يتم الإيمان القلبي إلا بكمال الأعمال اللازمة الفرضية الجوارحية، والجوارح لا تعمل، ولا تترك إلا بعمل القلب صح أنّ الإسلام، والإيمان هما في الحقيقة معناهما واحد لا غير (2).
وأما الإحسان (3) فقد يكون بمعنى الإتقان للشيء كما يقال أحسن الصنعة، أي أتقنها، ويكون بمعنى شكر نعم المنعم، وعلامة الشكر أداء كمال الطاعة للمنعم، فعلى هذين الوجهين فالإحسان هو الإسلام [113 و] وهو الإيمان، ومعناه أداء أعمالهما وإتقانهما علماً وعملاً، وفيه زيادة من وجوه المعنى أنه زيادة البرّ فيكون معناه المعنيان الأولان، وهذا الثالث يدلّ على الوسائل بجميع أنواعها، ويكون معنى الرواية (4) ودلالتها أنّ النبي بدأ بما يسلم به المرء من أحكام الشرك عن القتل وأنّ الأعمال الظاهرة لا فائدة فيها إلا بإيمان القلب الباطن، ثمّ ذكر الإتقان في العمل الظاهر والباطن، وأنهما لا يصحان
(1) ينظر صحيح مسلم؛ الحديث الثامن، باب بيان الإيمان والإسلام والإحسان، وفيه تتمة أن هذا السائل هو جبريل أتى يعلم الناس الدين، وينظر الملل والنحل، للشهرستاني، 1/ 35.
(2) للصوفية حديث طويل عن [الإسلام] و [الإيمان] يختلف عما قرّره غيرهم. ينظر على سبيل المثال موسوعة الحفني، ص 660، وما بعدها، وموسوعة العجم، ص 56، وما بعدها، و 128، وما بعدها.
(3) ينظر عن (الإحسان) عند القوم موسوعة الحفني، ص 630، وموسوعة العجم، ص 16، وما بعدها. (4) يقصد الرواية التي مرّت قبل قليل.
547 (1/547)
صفحة 548
إلا به، وهو الشكر، وهو السراج الإيماني، والإسلامي، والإحساني، والشكري، ثم ذكر سعة امتداد نوره بالوسائل التي إن عملها دلّ على توسيع الفضاء، وليمتد فيه نور السراج من غير زيادة في نوره كالشمس إذا أضاءت ببيت من كوّة صغيرة، أو من باب واسع، وأضاءت الآفاق كلها فلا يدلّ سعة ذلك، وضيقه على أنّ ذلك هو مقدار ضوء الشمس ثم استنبط المتصوفون معنى باطناً غير معناه الظاهر في الإحسان (1) فإن لم تكن تم الكلام، وهو يدلّ على المحو والمحق ومراتب الفناء، فإن ترى نفسك والكائنات في مناجاتك كلها كأنها لم تكن لغيبتك منها لقوة حضورك مع الله، ناظراً إليه بالصفات لا الذات تراه بالصفات، أي فإنّك تراه، وتمام الكلام وأن تراه فإنّه حينئذ يراك بعين القرب والمكاشفة كما سيأتي هذا المعنى الناظم بعد حين.
قال:
560 - وللنفس منها بالتحقق في مقم الـ إحسان عن أنبائه النبوية (2) 561 - لَطَائِفُ أخبار وظائفُ مِنْحَةٍ صحائف أحبار، خلائف حِسْبَةِ يقول: وللنفس منها، أي من حظ صفاتها الأربع من المكاشفات بالتحقق بها في مقم - بلا ألف بين القاف، والميم الآخرة. لا حسان بفتح اللام بلا ألف قبله، وبخفض الألف التي بعد اللام، أي في مقام الإحسان، وإنّما حذف الألفين، وفتح اللام في الكتابة والقراءة ضرورة لإقامة وزن نظمه ضرورة جائزة للشعراء ممّا جاء في مراتب الإحسان عن أنبائه، أي عن أخباره الله من الأخبار النبوية، ولا شك أنها وبها وفيها لطائف أخبار -بالخاء المعجمة، وأراد باللطائف هنا الخفية التي لا يفهمها إلا أهل الدقة السالكون (3) تلك الطرق، وذلك مثل قوله: [الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنّه يراك] كما فسرناه قبل هذا، وقوله له حاكياً عن الله تعالى أنه قال: [ما تقرب إليَّ عبدي
(1) ولعلّ هذا المعنى الباطن هو ما يميل إليه الشيخ ناصر، وفيه قولهم مثلاً: الإحسان مقام دون مقام المشاهدة يكون العبد فيه ملاحظاً لأكثر أسماء الحق وصفاته، فيتصور في عبادته كأنه بين يدي الله تعالى، فلا يزال ناظراً إلى هذه الكينونة، وأقل درجاته أن ينظر إلى أن الله ناظر إليه، وهذه أولى درجات المراقبة)، ينظر موسوعة
الحفني، ص 630.
(2) في الديوان: [مقام] بدل [مقدم].
(3) في الأصل و [س]: [السالكين]، وما أثبتناه الصواب.
548 (1/548)
صفحة 549
بشيء أحب إلي مما افترضته عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إليّ بالفرائض والوسائل حتى أحبه، فإذا أحببته توليت أمره، وكنت سمعه وبصره، ولسانه ويده، فبي يسمع، وبي يبصر، وبي ينطق، وبي يبطش، والمراد بمحبتي، أي لا يعمل شيئاً من ذلك إلا على ما أحبه منه، وله، وفيه، وبه، وقوله: [أنا عند ظن عبدي بي إن أطاعني]، وأراد بلطائف الأخبار أنّ هذا من تجلي وصفه تعالى لم يزل متكلماً مما نطق به النبي صلى الله عليه وسلم فهو حق الكلام الظاهر والباطن أيضاً. وممّا يرى الأشياء ناطقة بلسان حالها، وإن كانت الأخبار يصح إدراكها بالنظر من الكتاب، وقوله: وظائف منحة، والوظائف هي زيادات منحة، أي عطية عن محض كرامة ومحبة، وهو ما يرد من تجلى اسمه تعالى البصير الظاهر، والبصيرة الباطنة من المشاهدة للحضرات الإلهية، وقوله: صحائف أحبار – بالحاء المهملة-، وهم العلماء، وهذا القسم من قسم السماع، وإدراك حقها السمع الذات، وهو ما جاء في الكتب القديمة من أخبار وآثار وعلوم أهل التحقيق وصح حقه، واتضح صدقه، ومما كان دليلاً على السلوك إلى حضرات ملك الملوك، وقوله: خلائف حسبة بالباء - والخلائف كل عمل يتبعه عمل، وحال يأتي بعده حال آخر درجة تتبعها [113 ظ] درجة أخرى، والحسبة: أي روم حسبة من الله تعالى لقوله تعالى: {وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَلِغْ أَمْرِي (1) فهو احتساب لله، وابتغاء وجهه الكريم لا لرياء ولا لسمعة، ولا لطلب حظ عاجل ولا آجل، وإن كان يخاف عقابه ويرجو ثوابه، وتعظيمهما لتعظيم الله لهما، فإنَّ ذلك كونه فيه لأنه صار لا يحبّ إلا ما يحبّ الله له، وقد أحبّ الله له أن لا يأمن من سخطه وعقابه، ولا ييأس من رضاه وثوابه، وهذا معنى ما ذكره في قوله المثاني، والمعاني، والمغاني، والمباني، فافهم ذلك.
قال:
562 - وللجمع من مبدا (كأنك) وانتها (فإن لم تكن) عن آيه النظرية (2) 563 - غيوثُ انفعالاتِ، بُعوثُ تَنزّه حدوث اتصالات، ليوت كتيبة يقول: وقد أشار إلى الخبر المشهور الذي سأل فيه جبرائيل ال النبي تعليماً
(1) الطلاق، الآية 3.
(2) الأقواس من المحقق للتوضيح
549 (1/549)
صفحة 550
لأصحابه، وهو الخبر الذي أوردناه في مقام الإيمان، فقال: ما الإسلام؟ ما الإيمان؟ حتى قال له وما الإحسان؟ فأجابه: هو أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنّه يراك. يقول في معنى [كأنك] لا بمعنى أنك لا تراه، بل معناه هو أن تعبده، وأنت تراه كما يقول المرء كأنّي أرى الشيء الفلاني إذا كان لم تذهب رؤية عقله عنه، وهذه هي الطريقة في سلوك أهل التحقيق في كشف الحقائق، والنظر إلى الله تعالى بصفاته جل وعلا. وقوله: وإن لم يكن كلام تام في المحو والفناء، وقوله: تراه جواب لذلك الشرط، أي فإنك حينئذ، تراه فهو كلام، تام وانتهى به الغرض المطلوب لدليل السلوك إلى الحضرات الظاهرية والباطنية والجمع.
فقوله: وللجمع أي والسلوك إلى مقام الجمع، فاللام هي بمعنى إلى، فأوله هو من مبتدا نظرك إلى الله تعالى كأنك في عبادتك له تراه، وإذا كنت تراه هو بأفعاله في الموجدات فأنت مستغرق بفكرك فيه في الحضرات الظاهرية، وهو سفر النفس حتى تراه أسماء أفعاله وصفاته في كلّ شيء، فإذا اجتمعت كلها في رؤية تراه بها في كلّ
بجميع
شيء من الوجود فقد تمت لكل حضرة اسمه الظاهر، وهي الحضرة المطلقة الظاهرية، ولكنّها من حيث الحضرات الباطنة فصاحبها مقيد بها، ثم تعبد الله، وأنت تراه بعد ذلك بصفاته من غير نظر إلى الموجدات، وهو سفر الروح، فإذا اجتمعت كلها فهي حضرة اسمه الباطن، ويصح بعد ذلك قوله: إنّ هنا منتهى وأنت تراه الذي جاء لفظه [كأنك] لئلا يضل العوام بظاهر الكلام، وللجمع من بعد ذلك وهي فإن لم تكن، وتم الكلام، والمراد بذلك الفناء بالمشاهدة حتى صار كأنه لم يكن، وهو طريق سلوك الجمع، وهو المشاهدة للحضرات الظاهرية والباطنية، وهو سفر النفس والروح معاً، وهو السفر الثالث، ويكون معنى (فإنّه)، أي فحينئذ يراك، أي يخلع عليك خلعه التي هي: وكنت سمعه، وبصره، ولسانه، ويده، فبي يسمع، وبي يبصر، وبي ينطق، وبي يبطش، وكل هذا سرّ اسمه السميع، والبصير، والقدير، ولم يزل متكلماً، وهذه الخلع الذات الإنسان هي السمع والبصر، والكلام، والعقل، ولأجل هذه الأربع أوجد الله جميع الموجدات، وجميع العلوم والعبادات؛ لأنَّه بها عُرف عزّ وجلّ وعلا. والمقصود بذلك لأجل عبادته سبحانه وتعالى، ويحتمل أن يكون أراد أنَّ للجمع أن تعبده كأنك تراه، وانتهى الكلام وتم. ومن بعده هذه المراتب لها فإن لم تكن، وهي مراتب النبي، وأولها فإن لم تكن،
لصفات
550 (1/550)
صفحة 551
وهي مرتبة فناء الموجدات حتى تكون آخرها، وهي حضرة أحدية الجمع، وأحدية جمع الجمع التي لا يرى فيها إلا العلم نوراً متحداً كما كان في أول الإيجاد، وليس المراد نوراً هو مثل نور الشمس أيضاً، فإنّ الكون كله نور علم، وأصل الفضاء ظلمة لولا الشمس فإن نور العلم [114 و] هو بخلاف النور المفهوم، وقوله: عن أية نظرية، أي إن لم يكن إنما هو عن سبب هو عن أية نظرية يشاهدها لقوله تعالى: {أَفَتُمَرُونَهُ عَلَى مَا يَرَى (12) وَلَقَدْ رَوَاهُ نَزَلَةً أُخْرَى عِندَ سِدْرَةِ الْمُنتَعَى عِندَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى إِذْ يَغْشَى السَدْرَةَ مَا يَغْشَى مَا 13 14
15
12
زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى (لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى) (1) وقوله تعالى: {وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عظيم (2) وقال النبي: [وإنّه ليغان على قلبي حتى تنام عيناي ولا ينام قلبي]، وفي هذا المقام، ومقامات الأولى من مراتب المحو في الحضرات الظاهرية، والحضرات الباطنية، والجمع مشاهدات، وواردات ترقيه إلى تلك الحضرات بأربع الصفات التي للذات الأرفع نفس المؤمن السميع كما قال غيوث انفعالات، وهي مما يختص من تجلي وصفه تعالى لم يزل متكلماً فيتجلى له من الواردات ما يحرّكه للدعوات، والسؤال بالأسماء، وهي الغيوث انفعالات أي يفعل له ما أراده من تيسير الأمور، ونزول لذة المناجات الجاذبة له إلى الترقي، وأراد بالغيوث هو كل ما يستغاث به. والنوع الثاني مما يختص من تجلي اسمه البصير، وهو [بعوث تنزه والتنزه] (4) هو التفرّج في الفضاء والنظر إلى فلواته وزهراتها، فاستعار ذلك لما يتجلى له من الجمال واللطف وترى جلال الإحسان، والتوفيق، ولذة الأنس، والانبساط لذلك ممّا يطول بتعداده الكتاب. والنوع الثالث ما يختص باسم السميع، وهي حدوث اتصالات بكل ما يسمعه من نطق الحالات بلسان الحال، أو ما يسمعه من الآيات والأسماء والصفات فيزيده بذلك شوقاً. والنوع الرابع: يختص من تجلي اسمه القدير. وهي ليوث كتيبة: والليوث هم الشجعان، والكتائب: رايات الجيوش، وذلك أنهم إذا شاهدوا قدرة الله تعالى ورأوا وسمعوا قوله تعالى: (لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا حدث له قوة وقدرة من الله تعالى] (5) وشجاعة
(1) النجم، الآيات 1812.
(2) القلم، الآية 4. (3) مرَّ تخريج الحديث.
(4) ما بين المعقوفين ساقط في س، والزيادة من الأصل. (5) ما بين المعقوفين ساقط في س، والزيادة من الأصل.
551 (1/551)
صفحة 552
على بذل نفسه في الجهاد والعبادة، ولم يبال (1) بشيء يحلّ له أن يعمله. وقيل إنّ رجلاً من العارفين مرّ بأدنان خمر قيل إنّها مائة دن، وعليها كثرة أناس أهل فساد، فجاء هذا وكسرها عليهم جميعاً إلا واحداً وقف عنه، فلما وقف عنده قبضوه أهلها، وذهبوا به إلى السلطان، فعجب من أمره وقال: ما حملك على هذا حتى لم تخف؟ قال: جذبت عن نفسي، فحدثت لي قوة غير قوتي، قال له: ولم قبضوك في آخرها؟ قال: ذنب عجلت عقوبته، قال له وما هو؟ قال: ذكرتك أنت حين ذلك فعلمت أنّي أسأت الأدب، فرددت إلى نفسي، وذهبت تلك القوة مني، وقد جوزي على ذلك من هو خير مني حين قال اذْكُرْنِي عِندَ رَبِّكَ} (2) فلمحبته الله له لبث في السجن بضع سنين، فلو لم يكن من المقربين لما جوزي يوماً واحداً بذلك، وقوله صحيح؛ لأنّ السعي في خلاص النفس عن الظلم من الفضائل في حق المؤمنين، فلذلك قالوا: إنّ توبة المؤمنين من الذنوب، وتوبة الخواص من غفلة القلوب، وتوبة خواص الخواص من كلّ شيء سوى المحبوب (3) وهذا هو معنى قوله: نجائب وغرائب وكتائب، فافهم.
قال:
564 - فَمَرْجِعُها للحِس في عالم الشها دة المجتدي، ما النَّفْسُ مِنّي أحسّتِ 565 - فُصولُ عبارات، وصول تحية حصول إشاراتٍ، أُصولُ عَطِيَّةِ
يقول: وقد أشار إلى قول المقام المحمدي بلسان حاله منبئاً عن حالة مشاهدة نفسه أنّ النبي في مقام أحدية الجمع روحه شاخصة برؤيتها إلى أفقها عالم العلم الغيبي، ونفسه مرجعها، أي ونفسه للحسن، أي القوة الحاسة فيها بصفاتها الأربع، أو للحس، أي عالم الحس، وهو عالمها؛ لأنها هي الحاسّة، ومجالها بصفاتها الأربع في عالم الشهادة، وهو عالم الحسّ المجتدي أي الطالب المدد من الله تعالى لبقائه في كل لحظة فترى نفسه المحسوسات كلّها علماً متحداً، وقوله: ما النفس مني [114] أحسّت: وأراد بقوله: [ما] أي الذي أحسّت به هو منّي فلم تختلف رؤية الروح ما تراه عن رؤية النفس ما تراه، فصار
(1) في الأصل و [س]: [يبالي]. (2) يوسف، الآية 42.
(3) ينظر موسوعة العجم، ص 212، وينسب القول فيها إلى ذي النون المصري.
552 (1/552)
صفحة 553
وهو
نظره في عالم الغيب، ونظره في عالم الشهادة [واحداً، وهي حضرة] (1) أحدية الجمع، وذلك لما قلناه إنّ الروح أصلها من فيض عالم الروح والنفس، وهي العين المدبرة، فيضها من عالم النفس المتصلة بالطبيعة الكبرى، والطبيعة الوسطى، والمحسوسات جميعاً، فلذلك كان نظرها إليها، والعين الغريزية من عالم المثالات، ومرّت على عالم الخيالات فنظرها إليها، ولكنّ النبي نفسه من نفس القلم فهي ترى الموجدات على حقيقتها، والمثالات والخيالات والمحسوسات؛ لأنها كلها بظاهر ذلك العلم لا غير فهو يراها كما يرى ذلك في إيجاد نوره الأول، وكلّ إيجاد كان موجداً منه حتى ظهر هو في عالم الشهادة للدعوة إلى الله تعالى بما كان يعبده حيث كان نوراً، وجميع والأنبياء والرسل إنّما يدعون إلى الله تعالى على ما كان هو من قبل، فظهر بالكتاب والسنة، وإيضاح الشريعة، وما يلزم من الأعمال لكلّ عضو، وما يلزم القلب، والحقيقة كلّ ذلك إنما يقيد بالفعل بالأعضاء لمظاهر صفات القلب منها، ففي الحقيقة هو المخاطب، المكلّف، وهو: أي العقل، وقوله: فصول عبارات: أراد أقسام ما شرع به من الكتاب مفصلاً، والسنة، وأقسام الشريعة، وغيرها لأمته فصلاً فصلاً فهي فصول عبارات أريد بها وصول تحية أي وصول شكر لله وحمد وثناء، وذكر كمال الإيمان، وتقوى، وورع ويقين، وتوكل، وعزم، وأراد بذلك أن فصول ما غيره من الأعمال الظاهرة إنما يحتاج إلى وصول كمال الإيمان فيها وبها، أو بمعنى اتصالها في العمل بالشكر وكمال الإيمان، فيكون المعنى أنه لا تنفع الأعمال الظاهرة ما لم تكن موصولة بكمال إيمان القلب، وبكمال الشكر، والحمد والثناء والذكر، والتقوى والورع، واليقين، مع أنّ كلّ واحد من هذه الأسماء معناه كمال الطاعة، فهي متفقة في المعنى مختلفة الألفاظ، وأصل معنى التحية الدعاء بالحياة، والحيا هو المطر الذي هو كلّ شيء حي منه، أي من الماء. ثم استعمل المعنى، ولفظ التحية الذكر والحمد والثناء والشكر لما في تطابق معانيها معنى الحياة المعنوية، وذلك معنى التحيات لله أي، الشكر والحمد، والثناء، والذكر، والتسبيح، والتهليل، والتكبير، والتعظيم والعبادة لله، والصلوات والطيبات في ا الأعمال الصالحات التي تعبّدنا بها إليه، وسبحان الله والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولله الحمد، فاستعار الناظم اسم التحية هذه المعاني، وكلّ شيء وصل به عن الله من
(1) ما بين المعقوفين ساقط في س، والزيادة من الأصل.
6
553 (1/553)
صفحة 554
كتابه أو تكلم به مما يلزم الأعضاء والقلب، وما موصلاً هذا بهذا، ولا يصح أحدهما إلاّ بالآخر، ففي كلام الله في ذلك التعبد، وفي كلامه، وكذلك ففيها من وراء ذلك حصول إشارات إلى كثير من العلم والتعبد يخرج بالقياس، والبراهين العقلية، والدلالات حتى صار علم الشريعة بذلك الكلام الموجز المعجز بحراً لا نهاية له حقيقة وشريعة، ديناً ورأياً، ووسائل وأحكاماً في أشياء لم تذكر في نص الكتاب، ولا في نص السنة، وإنما ظهرت بالتأويل، وتأويل التأويل] (1) كذلك بلا نهاية كلّ هذه في الحقيقة أصول عطية من الله تعالى، ولها للنبي، ثم الرسل والأنبياء، ثم العلماء ليلهمهم ذلك كرامة منه، ثم المتبعين لهم المخلصين لله تعالى بتوفيقه للعمل بها لقوله تعالى: {وَالَّذِينَ جَهَدُوا فِينَا
لَنَهْدِينَهُمْ
قال:
فهو
سُلَنَا (2) فافهم.
566 - وَمَطْلِعُها في عالم الغيب ما وَجَدْ تُ من نعم مني عليَّ استجدت
كانه
دعوة
ذاته،
567 - بشائر إقرار، بصائرُ عِبرة سرائر آثار، آثار ذخائر يقول: [115 و] ومطلعها: أي وظهورها في عالم الغيب، أي روحه ونفسه، وهي وأسماؤها الذاتية لما ذكر النفس ونظرها إلى عالم الحسّ ذكر هنا الروح ونظرها، في مقام القلم الإلهي، وقوله: فأوجدت من نعم مني استجدت: تقديره: كلّ ما وجدت، أي شاهدت من نعم العلم الإلهي من العلم بالله، وما كان لله وبالله، مني: أي شاهدته من ذاتي؛ لأنّ ما كان في غير ذاته فليس بعالم به فلا ينظر العلم إلا ينظر ذاته من مرآة ذاته، وما لم يكن في ذاته، ولم ينظره منها فهو غير عالم به، فهو ينظر الله بصفاته بذاته من مرآة ذاته. فإن رأى علمه ومعرفته بها فهو ينظر منها، وما كان من المعرفة لم يجده بها لم ينظره من غيرها أبداً، فإن قلت بالوحي، أو بالكتب للأولياء، أو بالسؤال؟ فنقول: وإن أراد أن يكتسبه فما لم يتجلَّ على مرآة ذاته، وينظر ذلك العلم فيها وإلاّ بعد فهو غير عالم به قوله: علي استجدت، أراد منه استجدت روحه في الطلب لمشاهدة
(1) ما بين المعقوفين ساقط في س، والزيادة من الأصل، وبها يستقيم المعنى.
(2) العنكبوت، الآية 69.
554 (1/554)
صفحة 555
الحضرات الإلهية الغيبية حتى لا 1 العلم، وهي الحضرات الإلهية في ذاته ومن ذاته وبذاته أجلّ من أن تحصى، ومنها بشائر إقراري زيادات علم، وتكميل، وقرب، ومخاطبة كلام بلسان الحال، أو بالإلهام تقرّبه الروح، أي تسكن إليها سكون ألفة بها ومحبة إليها، وفي ذلك إشارة إلى تجلي صفته تعالى لم يزل متكلماً، وفي تلك البشائر هي بصائر عبرة، أي معارف عبرة، أي آيات اعتبار، وهذا من تجلي اسمه البصير، والاعتبار هو تفصيل المجمل، وشرح الموجز، وتفسير المغلق، وإيضاح المرموز، وبسط المختصر، وما يعتبر به المرء بذكر يتوعظ به فيرغبه للسلوك، يعني أنّ في تلك البشائر هذه بصائر هذه العبارات، وفيها سرائر آثار تؤثر القرب من الله وزيادة التجلى بالحضرات لزيادة الكمال، وفي ذلك ذخائر دعوة، أي وفيها كنوز استجابة الدعاء بالتضرع، والسؤال في التوفيق للأعمال الإيمانية، وفي زيادة القرب والمشاهدة والكمال، والفتح للمشاهدات إلى غير ذلك من كرامات القرب الإلهي فافهم.
قال:
568 - ومَوْضِعُها في عالم الملكوت ما خُصصت من الإسرا به دون أُسرتي 569 - مدارس تنزيل محارسُ غِبطة مغارسُ تأويل، فوارسُ مَنْعَةٍ يقول وموضعها أراد وفي موضعها أي وفي مجالها أي ذاته بأسمائها الأربعة بالمشاهدة للحضرات الإلهية في عالم الملكوت وعالم الملك هو عالم الحس وعالم الشهادة، وعالم الملكوت عالم، حقائقها، وهو عالم العلم بالله تعالى المتجلي به عليها فيها. ما خصصت به أي الذي خصصت به من الأسرار إلى حضرات أحدية الجمع، وأحدية جمع الجمع من العطاء والكرامات دون أسرتي أي أصحابي السالكون هذا المنهاج هي مدارس تنزيل والدرس أراد هنا القراءة، وأشار إلى القرآن العظيم الذي يدرس في المدارس، أي قراءة تنزيل، وهو الكتاب العظيم، وجميع ما أوحي إليه بكلام سبحانه وتعالى محارس غبطة: أي نعمة لا يعقبها بؤس، وأشار إلى نعم العلم والقرب من الله تعالى، ومشاهدة حضراته سبحانه وتعالى التي هي البقاء، ولا يعقبها شكّ، وفي ذلك الكتاب، وفي ذلك العلم مغارس تأويل، استعار المغارس للذي يغرس، وينمو، ويثمر،
(1) ما بين المعقوفين بياض في الأصل و [س]، بمقدار كلمة وهو من الاتفاق الغريب.
555 (1/555)
صفحة 556
ويبذر في الأرض، ويتزايد بلا نهاية كذلك، تأويل القرآن العظيم، وما في ذلك العلم الذي علم تأويله بلا نهاية، وكلّها فوارس منعة، جمع فارس وهو الراكب على الخيل، والمنعة العزة، والامتناع من أن يدرك ويُلحق، وأراد هنالك في تجلّي تلك الحضرات الإلهية بصفاته كلّ صفة من صفاته لا تدرك لها نهاية ممتنعة عن الإدراك إذ لا نهاية لها، فافهم
ذلك.
قال:
570 - وموقعها في عالم الجبروت من مشارق فَتْح للبصائرِ مُبْهِتِ [115] 571 - أرائك توحيد، مدارك زلفة مسالك تمجيد، ملائك نصرة يقول: ولما ذكر محل مجال رؤية نفسه في عالم الملكوت ذكر محل رؤية ذاته التي هي روحه فقال: وموقعها، أي وعالمها وموضعها ومجالها في عالم الجبروت (1)، وهو عالم العلم الغيبي، علم صفات الله تعالى وعلم غيبه الذي يتجلى به على لوح الروح بنقش قلم القدرة الإلهية فأجلتها في حملها الذي جعلت لتجول فيه ما خلعت عليّ صفاتها هذه إلا لتجول هنالك، وتشاهد ذلك، وتتكمل بذلك الكمال الإلهي فأعطيت من مشارق فتح، أي كشف عظيم للبصائر، أي للعين البصيرية التي هي الروح مبهت للعقول، ومنه أرائك توحيد، والأرائك جمع أريكة، وهي كالسرير الصغير يقعد عليها الرجل الواحد مرتفعة عن الأرض قدر ذراع لتكون رجلاه في الأرض، ولها أربعة أرجل فاستعارها لقواعد التوحيد (2)، وأنه أربعة أصول
الأول وجوب وجود الذات، والثاني: أسماء الذات والثالث: أسماء الصفات، والصفات، والرابع: أسماء الأفعال، وفي مشاهدة الله تعالى بهذه الأسماء والصفات بالروح، وبالنفس في عالم الغيب وفي كل شيء من عالم الشهادة هي الحضرات الإلهية فإذا تجلت في الذات، ورأتها الذات في ذاتها، وكملت الذات بكمالها علماً وعملاً فهي
(1) الجبروت هو عالم العظمة، بمعنى أنه عالم السماء والصفات الإلهية، ينظر موسوعة الحفني، ص 703، وموسو العجم، ص 245.
عة
(2) ينظر عن التوحيد عند القوم موسوعة الحفني، ص 696، وما بعدها، وموسوعة العجم، ص 222، وفيه تفصيل واسع، وواحد من طواسين الحلاج طاسين التوحيد، ينظر الطواسين، ص 203، وما بعدها.
556 (1/556)
صفحة 557
مدارك زلفة، أي هي التي يدرك بها مقامات الزلفة، أي القرب من الله تعالى، وفيها مسالك أي طرق تمجيد، أي حمد وثناء وشكر، وتسبيح وتهليل وتكبير وتقديس وتنزيه، وأنها هي ملائك نصرة، يعني: وفي الحضرة الكمالية ملائك، أي أمداد من الله بتوفيق، وتسديد، وإيمان، وتقوية من الله تعالى إلى بلوغ المراد وهي أبلغ من نصرة الملائكة، ولكن استعارهم لذلك تقريباً للفهم؛ لأنهم أقوى المتعبدين، وقد أمد الله بهم نصرة نبيه،
وذكرهم تعظيماً لهم إذ جعلهم الله بأيديهم تدبير كثير من الأمور.
قال:
ومنبع
2 57 - وَمَنْبَعُها بالفيض في كلِّ عَالَم لفاقة نَفْسٍ بالإفاقاتِ أَسْرَت (1) 573 - فَوائد إلهام، روائدُ نُعمةٍ عوائد إنعام، موائد نعمة يقول: ومنبعها والمنبع هو حيث يثور الشيء المختفي بمنبع الماء حيث يظهر، يقول: هذه الحضرات الإلهية بالفيض، أي بتجلي الله تعالى بها هي في كلّ عالم، أي في عالم الغيب وفي عالم القلم، وفي عالم اللوح، وفي عالم المثالات، وعالم المعاني، وعالم الخيالات، وعالم الطبيعة الكبرى، وعالم السموات وعالم الهواء، والطبيعة الوسطى، وعالم الأرض، وعالم المعادن، وعالم النبات، وعالم الحيوان، وعالم الإنسان، وعالم الجن، وعالم الملائكة، وفي كلّ ذرة من ذرات الوجود، وتجلى الله بها في كل (2). لفاقة نفس والفاقة الفقر والغنى، أي والفقر نفس بالإفاقات، أي بالافتقار والاحتياج، أسرت: أخذت أسيرة بشدة الافتقار إلى سلوك هذه الحضرات للمشاهدة لها، والتكميل بكمالها، استعار الفقر؛ لأنَّ من افتقر إلى الشيء سعى إليه، ومن لم يفتقر إليه، ولم يحتج له لم يسع ولم يشاهد، ولمن افتقر، واحتاج، وسعى وشاهد من الغنى والكرامات فوائد إلهام، وهو ما ينقش بقلم القدرة على لوح روح العين البصرية، وما يتجلى لها من العلوم، ومشاهدة الحضرات الإلهية وجميع العلوم الإلهامية، والإلهام مطلق على جميع الموجدات لقوله: {فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ انْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَنَيْنَا طَابِعِينَ سؤال عام لهما، ولكلّ ما فيهما، وجواب عام منهما، ومن كلّ ما فيهما إلا من ضيع بعد
(1) في الديوان: [أثرت] بدل [أسرت]. (2) وقفنا عند هذا التجلي فيما سبق.
557 (1/557)
صفحة 558
ذلك من الناس والجنّة والشياطين، وقال في إلهام الحيوانات: {وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ (1) [116 و] وقال عن سليمان، وداود عليهما السلام عُلِّمْنَا مَنطِقَ الطَّيْرِ (2) وقال في الإنسان: وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّنَهَا فَأَهُمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَنَهَا (3)، وأراد هنا ما يتجلى للولي للمكاشف من إلهام المكاشفات الإلهية، وما يخاطبه بالإلهام زوائد - بالزاء المعجمة - نغمة -بالغين المعجمة، أي زيادة للذات المكاشفة نغمة يخاطب بها الله تعالى بما ألهمها بالخطاب فهو يخاطبها بالإلهام، وهي تخاطبه بذلك الإلهام بزيادة الدعاء والسؤال، وبزيادة المحبة والتضرع والابتهال فهي نغمتها، فكان إلهام الله تعالى مزيداً لنغمتها، وكلما زادت تضرعاً وتقرباً زيد من عوائد أنعام تتواتر عليها من تجلي حضرات زيادة، وزيادة شكر وقرب وصفاء في الأعمال والأفعال، وتنوّرُ بال. وقطع علائق: أشغال بغير الله ذي العظمة والجلال موائد نعمة: وما أكثر موائد الله فإنّ جميع الوجود هو إناء فيه جميع نعم الله تعالى، وكلّ ذرّة من ذرات الوجود فيه مائدة لذات المرء من علم، وحكمة، وسرّ، وما خلق الله تعالى الوجود ذرة من ذرات الوجود فيه بأسره إلا وفيه موائد جميع الوجود بأسره، وكلّ ذلك لكلّ ذات شاءته وقصدته، وكشف الغطاء الذي على قلبه فإنه يراها، ويكون له هي، ويكون هو لها، فافهم ذلك.
***
558
(1) النحل، الآية 68. (2) النمل، الآية 16. (3) الشمس، الآية 7. (1/558)
صفحة 559
الباب العشرون
فيما بنى به حال الكمال المحمدي، ومقامه في حضرة أحدية الجمع عن كماله ال بتحققه بحقائق التوحيد بلسان المقام، والكمال المحمدي.
قال:
574 - ويجري بما تُعطى الطَّريقة سائري على نهج ما منّي الحقيقةُ أَعْطَتِ يقول: ويجري بما تعطي الطريقة أي السلوك إلى الله تعالى بالترقي في الحضرات إلى حضرات الجمع، أي كلّ شيء من صفاتي إنّما هو على نهج، أي على سلوك ما أعطت مني الحقيقة في ذلك المقام، فإنّي لم أختلف في عالم الشهود عمّا أنا في تلك الحضرة الأولى يوم كنت نوراً علمياً لأكون معه.
واعلم أنّ الكلام من أول الباب إلى هنا كان على نهج الإجمال والإيماء، ومن هنا يورد على سبيل تفصيل ما أجمل، وتبيين ما أومأ وإحكام ما أسس، وإيضاح ما أبهم بأمثلة مطابقة للإرادة من ذكر التوحيد والمعرفة، وتحقيق الأمر وبيانه على ما هو عليه بمقتضى ذوق كلّ شيء فيه، كلّ شيء وهو ذوق المقام الأحمدي، والشرب المحمدي. والناظم تعرّض لبيان هذا الذوق إلا على بعضه بلسان الترجمانية (1)، وحسبه فيها، وبعضه بلسان
(1) لم أجد (الترجمانية) فيما بين يدي من معاجم التصوف، ولعل الشيخ ناصر يريد بها العنوان، أو التعريف، وذلك لأنَّ المصطلح الغالب على المؤلفين القدامى للعنوان هو (الترجمة)، فكأن الشيخ ناصر يريد به التوضيح، أو الإشارة فهي كالعنوان تدل على المضمون. ينظر عن موضوع (الترجمة) و (العنوان) كتاب منهج البحث الأدبي عند العرب، د. أحمد جاسم النجدي، ص 76، وما بعدها، وظفرت بنص يقترب مما نحن فيه، وذلك في كتاب البرهان في علوم القرآن للزركشي، 282/ 1، وهو قوله: «قال الحافظ أبو طاهر السلفي: سمعت أبا الكرم النحوي ببغداد: وسئل: كلّ كتاب له ترجمة، فما ترجمة كتاب الله؟ فقال: هَذَا بَلَغُ لِلنَّاسِ وَلِيُنذَرُوا بِهِ»، فالترجمة هنا تعني العنوان كما قلنا سابقاً.
559 (1/559)
صفحة 560
الجمع (1)، وبعضه بلسان التفرقة، وبعضه بلسان الإرشاد.
قال:
575 - ولما شَعَبْتُ الصَّدْعَ والتامتُ فطوره وَشَمْلٌ بفرق الوصف غيرُ مُشتتِ (2): يقول: ولما شعبت الصدع والشعب الجمع والشعب التفرقة فهو اسم لضدي الجمع والتفريق لكلّ منهما (3)، وأراد بالصدع هو الشقّ، ولكن استعمل في القطع، والفصل والشمل اجتماع المتفرق، وأراد بهذا عالم العلم الغيبي، وعالم الشهادة، ومراده ولما شعبت أي جمعت الصدع أي عالم الشهادة، وعالم العلم اللذين هما في الرؤية أنهما شيئان بينهما قواطع وهي المظاهر التي ظهرت محسوسات، والتأمت في رؤيتي، واجتمعت فطوراً (4)، والفطور، وهي الشقوق والقواطع، واستعارها لتقسيم أجزاء الموجدات وقوله شمل أي حقيقتها هي شيء واحد علمي، أراد: واجتمعت أقسام جمع شمل حقيقة واحدة بفرق الوصف، أي برؤية فرق في الوصف فيما بينهما أنهما عالمان عالم الغيب والشهادة، وهما في الحقيقة عالم واحد كذلك أراها غير مشتتي، أي غير مفرّق لرؤيتي فأكون إذا نظرت إلى عالم العلم غابت رؤيتي عن علم عالم الحسّ [116 ظ] وإن رأيت علم عالم الحس غابت رؤيتي عن عالم العلم الغيبي، بل رؤيتي جامعة لهما مع افتراق وصفهما، كما هما في الظاهر، وأنّي أرى الكل مع ذلك علماً متحداً غير مختلف، ولا قاطع عنّي شيئاً أبداً.
قال:
6
576 - ولم يبق ما بيني وبين توثقي بإيناس ودّي ما يؤدي لوحشة
(1) الجمع والتفرقة من المصطلحات المتداولة عند الصوفية، فالجمع هو جمع متفرقات، والتفرقة تفرقة مجموعات، وإذا قلت: الله ولا سواه فقد جمعت، وإذا قلت: الدنيا والآخرة والخلق فقد فرّقت، وبعبارة أخرى أن ما يكون كسباً للعبد من إقامة العبودية، وما يليق بأحوال البشرية فهو فرق، وما يكون من قبل الحق عن إبداء معانٍ، وإسداء لطف وإحسان فهو جمع، ينظر موسوعة الحفني، ص 708، وما بعدها، وموسوعة العجم، ص 253، وما بعدها.
(2) في الديوان: [والتأمتِ فطور شمل] بدل [والتامت فطوره وشمل].
(3) في العين للخليل، ص 412، أنَّ (شعب) بالتشديد: فرّق: و (شعب) بلا تشديد أصلح. (4) في الأصل و [س]: [فطور]، وما أثبتناه الصواب.
560 (1/560)
صفحة 561
يقول: ولم يبق ما بيني وبين توثقي: أي بين ثقتي واطمأناني بمشاهدتي للحضرات الإلهية بإيناس أي بحسن إيناس ودّي وحبي ما يؤدّي لوحشة بعد أو حجاب عنها، إذ لا يجوز الشك بعد العلم والشك في ذلك كفر؛ لأنَّ أصل الحضرات هي مشاهدة الله
بصفاته بحقيقة المعرفة، ومَنْ شكّ في شيء من صفات ربه بعد علمه بها فقد كفر.
قال:
577 - تحققتُ أنا في الحقيقة واحد وأثبتُ صَحْوَ الجَمع مَحْو التشنّتِ يقول: تحققت أنا - بتشديد النون، ولما صارت ذاتي مرآة لمشاهدة الحضرة الإلهية، وشاهدتها ذاتي في ذاتي بذاتي؛ لأنّها إن لم تكن بذاتي، ولا تشاهدها ذاتي من مرآة ذاتي فليست هي فيها، فلما شهدتها، وهي فيها فصرت أنا. هي، وهي أنا تحققت أنا - بتشديد النون- أي أنا وهي في الحقيقة واحد، أي ذاتي هي صارت في صفتها أنها عالمة بها متصفة بعلمها، فكانت هي ذاتي؛ لأنّ علمها صار صفة من صفاتها، وهي، أي الحضرة صفات الله تعالى، وتمّ كمال ذات المرء بعلمها، وصفها بعلم، وكمال صفات ذات الله. قوله: وأثبت صحو الجمع، أراد هنا بالصحو هنا المشاهدة، أي ولزمت مشاهدة حضرات الجمع، ومحو التشتت، وإنّما أسقط [واو] لضرورة الشعر، والتشتّت هو ما يرى حضرات الغيب، وهي حضرات الصفات الإلهية، ويغفل عن حضرات [الغيب])، والفرق، وهي حضرات حقائق عالم الشهادة، وهي حضرات الأفعال الإلهية، وأما أن يغفل عن حضرات الغيب] (2)، ويحضر مع حضرات الفرق، فافهم.
قال:
578 - فكلّي لسان ناظر مِسْمَع يد لنطق وإدراك وسمع وبطشة 579 - فعيني ناجت واللسان مشاهد ويَنْطقُ منّي السمع واليد أصغتِ 580 - وسمعي عين تجتلي كل ما بدا وعيني سمع إن شدا القوم تَنْصُتِ سَمْعُ 581 - وَمني عن أيد لساني يد كما يدي لي لسان في خطابي وخطبة
(1) ما بين المعقوفين ساقط في الأصل، والزيادة من س. (2) ما بين المعقوفين ساقط في س، والزيادة من الأصل.
561 (1/561)
صفحة 562
هي
582 - كذاك يدي عين ترى كلّ ما بدا وعيني يد مبسوطة عند بسطتي (1) 583 - وَسَمْعي لسان في مخاطبتي كذا لساني في إصغائها سَمْعُ مُنْصِتِ 584 - وللشم أحكام اطراد القياس في اتحاد صفاتي أو بعكس القضية
6
6
الذات، وهي
يقول: كلّ صفة من صفات ذاتي التي هي السمع، والبصر، والكلام، والشم، والقدرة أسماء ذاتي وذاتي هي الموصوفة بذلك، وهي القوة المدركة، وهي الروح، وهي العقل، والعين، والأذن، واللسان، واليد مظاهر، وكلّ واحد منها هي تسمع لأمرها، وتفهم كلامها، وتبصر مرادها، وتكلّمها بالسمع والطاعة والعقل؛ لأنَّ العين لو لم تسمع كلام العقل، ولم يعرفه لم يصح اتباعه، وإذا كانت كذلك فيصح أن يقال: أسمع، وأبصر، وأنطق بيدي، أي بقدرتي، والمراد بي، أي بذاتي، وكذلك أبطش، أسمع، وأنطق ببصري، أو بعيني، أي بذاتي، وبعين ذاتي. ومثله أبصر، وأنطق، وأبطش بسمعي، أي بذاتي، وبأذن ذاتي على هذا أسمع وأبطش، وأبصر بلساني، أي بذاتي، ولسان ذاتي؛ لأنّ السامعة، والباصرة، والناطقة، والفاعلة هي شيء واحد، وهي الذات، والأذن، واللسان، واليد، والعين صفات لها، ومظاهرها، فكذلك يصح أن يقال: أنظر بأذني، أي بأذن ذاتي، وكذلك بقيتها، وكذلك [117 و] كلّ شيء في الوجود هو يسمع الوجود هو يسمع خطاب الله له بغير حرف ولا صوت فينطق، ويسمع، ويبصر ما يريده الله ويحبّه، ويفعل، وينقاد لأمره طوعاً، كما فهم العقل خطاب الله بالإلهام، وكما فهمت الأعضاء كلام العقل بغير حرف ولا صوت فصح أن كل شيء في الوجود هو سمع، ونظر، وكلام ونطق، وقدرة، وفعل، ويد؛ لأنَّ
كـ اليد هي القدرة والنعمة، ومثال آخر لو سمع أحد من أحد كلاماً لصح له أن يقول: سمعت هذا، وإذا سمعته فقد أدركت سمعه بقوة السمع، وهي القدرة؛ لأنَّ القوة هي فاجتمعت فيه صفتان فيصح أن تقول: رأيت صحته، وشممت صدقه؛ لأنَّ معاني هذه كلها يؤول في الذات إلى معنى الإدراك والقدرة، وإذا عرفت ذلك فهو يقول: كلّ قوة في ذاتي من هذه الأربع تسمع الحضرة الإلهية، وسمعها هو شهودها، ونظرها، ونطقها، وفعلها، وتسمع بعينها، ونطقها، ولسانها، وعينها، كذلك هي تنظر، وتبصر، وتشاهد الحضرات الإلهية، وشهودها هو سمعها، وكلامها؛ لأنَّ كلامها بغير حرف، بل هو قدرتها، ومعرفتها،
6
(1) في الديوان: [سطوتي] بدل [بسطتي]، وفي هامش الديوان إشارة إلى هذه القراءة.
القدرة،
562 (1/562)
صفحة 563
وإدراكها لا غير، وكذلك هي تشهد بنطقها، وتسمع بنطقها، والحاصل أن التغاير في ذلك يطول ببسطه الكتاب، وكلَّ المعنى في ذلك واحد وأراد أنَّ كلّ قوة من قوى ذاته الأربع لكلّ عين من عيون حجره الثلاث صارت مرآة لتجلي الحضرة الإلهية، وصارت الحضرة صفة لذاته حيث صارت عليمة بها فهي من صفتها، والصفة يراد بها الموصوف، وهذا هو مراده بالاتحاد، فافهم ذلك.
قال:
5 58 - وَمَا في عضو خُص من دون غيره بتغيير وصف مثل عين بصيرة 586 - ومني على إفرادها كُلُّ ذرّةٍ جوامع أفعال الجوارحِ أَحْصَتِ 587 – يناجي ويصغي عن شهود تصرّف بمجموعه في الحال عن يد قوة (1) يقول: يناجي، ويسمع، أي ينطق بتوحيد الله، ويسمع من الله سمعاً عن شهود تصرّف، أي مشاهدة من الله تعالى عن شهود عن معرفة تصرّف الله تعالى فيها، وكلّ جزء من أجزائي، وكلّ ذرة من ذرّات الوجود، وسماعها لأمر الله، ونطقها بتوحيد الله بمجموعه في الحال عن يد قدرة بذلك فدلّ على أنها قديرة، وسميعة، وبصيرة، ومتكلمة، ونطقها بتوحيد الله في الحال أي في كل حين تنطق بجملته، وتنطق بتفضيله في حال واحد، والمراد بهذا الكشف هو توحيد الله تعالى أنّ كلّ شيء يسبّح الله تعالى، ويفهم خطابه، نداه، ويفعل ما يأمره، كما أنَّ هذه الأعضاء تفهم أمر الذات، وتسمع قولها، وتفعل أمرها بغير حرف ولا صوت، وكذلك الذات تفهم ما ينزل الله عليها من الإلهام الذي هو في الحقيقة خطاب، ففي الظاهر توحد ذاته بصفائها الدالة على صفات الله، وتوحيده الحقيقي لصفاته، وإذا كان صفة ذات المرء هكذا في أعضائه، وعلمها في كلّ شيء فكيف
ويسمع
بصفات الله جلّ وعلا أن يشبهه في شيء؟ ولكن جعل الخلق دليلاً على توحيده.
قال:
588 – فأتلو علوم العالمين بلفظة وأجلو عليّ العالمين بلحظة يقول: وخص في أول هذا البيت معنى النطق، وفي آخره معنى الرؤية، وأشار إلى أنهما
(1) في الديوان: [مصرف] بدل [تصرّف] و [قدرتي] بدل [قوة].
563 (1/563)
صفحة 564
الملاحظة، وهي
الناطقة،
قد يؤوّلان في الذات إلى معنى فقال وأتلو، وأراد تلاوة الباطن، وهي الذكر والمشاهدة، أي وأشاهد جميع علوم العالمين، أي الخلائق كلهم، وهو العلم الإلهي المتجلي الله تعالي به من الحضرات التي هي العلم به في لفظه أي في كل حرف، وفي كل ذرّة من ذرات الوجود؛ لأنّ ما تجلى به الله تعالى في جميع الوجود من حضرات العلم به تجلّى معي في كل ذرّة من ذرات الوجود، وفي كلّ ذرّة من ذرات أجزائي، وأجلو: أي وأكشف [117] عليَّ، أي على ذاتي بمشاهدتي لذاتي وهي فيها، أي الحضرات فأراها بذاتي في لحظة، أي في مشاهدة ذاتي لها؛ لأنه أثبت أنَّ الذات ونطقها هو ذكرها، وذكرها هو شهودها، وشهودها هو رؤيتها فرجع معنى النطق إلى معنى الشهود، فافهم ذلك. وكل هذا يريد ليكشف توحيد الله تعالى في كلّ شيء إذ هو المقصود بعلم المكاشفة قوله العالمين ثنيّة عالم، أي عالم الغيب العلمي، وعلم عالم الشهود بلحظة، أي برؤية واحدة ولا عجب فإنّ الناظر إلى السماء في الليل إذا رأى نجومها، وتمثلت له في نفسه فإنّه يراها جميعها في كل لحظة من لحظات ذاته لا لخطاب عينه، يراها جملة متى رآها ببصر عينه.
وكذلك
قال:
هي
589 - وأسمعُ أصوات الدعاة وسائر الـ للغات بوقت دون مقدار لَمْحة يقول: وخص السمع بهذا البيت، فقال: وكما أرى في كلّ ذرة، ومن كل ذرة ما أراه في الموجدات كلها كذلك أسمع وأرى في كل صوت بكلّ لغة تجلي الحضرات الإلهية فيها فأفهم حقائقها، وإن لم أفهم معانيها، ولكن أشاهد فيها قدرة الله، وأفعاله كلها بوقت، أي بكل وقت وحين دون مقدار لمحة، وأراد بذلك كمال حضرات الفرق بنظر حقائق الكائنات والتنبيه عليها شيئاً فشيئاً؛ لأنه إذا لم يشاهد الحضرات الفعلية الإلهية في كلّ شيء لم يرتق (1) إلى حضرات الجمع أصلاً، فلا تظن أنه تكرار، ولو عدده بجميع ما في الكائنات ما كان تكراراً، فافهم ذلك.
(1) في الأصل و [س]: [يرتقي].
564 (1/564)
صفحة 565
قال:
5 - وأُحضِرُ ما قَدْ عَزَّ للعبدِ جملةً ولم يَرْتَدِدْ طرفي علي بغمضة (1) يقول: وقد خص القدرة هنا فقال: وأحضر ما قد عزّ أي امتنع البعد، أي لأجل البعد جملة فأحضره بقدرتي، وقوة ذاتي، ولم يرتد طرفي علي بغمضة، أي قبل أن يرتد طرفي عليّ، وذلك مثل ما يراه المرء بعقله من مكان بعيد متى ذكره أحضره في عقله ورأى مثاله، وصورته في أسرع من لمح البصر كان قريباً أو بعيداً، والقريب والبعيد عليه سواء، وكلّ ذلك دلالة على العلم بصفات الله، وأنّ القريب والبعيد عليه سواء، فكلّ شيء لم يتصور في العقل من صفات الله جعل له مثالاً، مثل قدرته أنها لا نهاية لها جعل النار، وأكلها الحطب غذاء لها لا نهاية لها، وكذلك المتمم للمنطرقة المعدنية، وتغذيته بالروح، وبالكامل، أو بالناقصة بعد تكميلها به كلّما كثرت عليه الجسدانية بالكامل، وألقى على الروح، ثم ألقى على الكامل كذلك بلا نهاية أبداً أبداً.
قال:
1 59 - وأنشَقُ أرواح الجنانِ وعَرْفَ ما يُصافح أذيال الرياح بنسمة يقول: وقد خصَّ آلة الشم فقال: وأنشق أي وأشمُّ أرواح الجنان فيمكن أنه أراد روائح الجنان، ويحتمل أنه أراد ونسيم أرواح، أي حور عين الجنان، وأسمع كلامهنَّ، وأخاطبهن، ويخاطبنّي، وأعانقهن، ويعانقنني، وكلّ هذا يصح برؤية العقل، وأشمّ مع ذلك عَرْف ما يصافح أذيال الرياح، استعار لما تمس الرياح أشجار الأرض، وتأخذ من عرفها، أي روائحها مصافحة لها بأذيالها، ويحتمل أنه أراد رياح الدنيا، أو رياح الجنان، وأنّ كلّ هذا بنسمة واحدة، أي بشمة واحدة، وهذا يحتمل في درجة كلّ مَنْ شاهد ذلك برؤية عقله، ولكنّ الفرق بين المقام المحمدي وغيره أنّ المقام المحمدي يشاهد هذا عالم الآخرة، وعالم الدنيا، وعالم الغيب، وما في عالم الغيب من ذلك كله في كل لحظة وشمة وسمع، والمراد الباطن من هذا المثل أنّه ينشق أرواح الجنان إدراك الذات للصفات الإلهية؛ واستعار أرواح، أي أرواح حضرات التوحيد، وحقيقة التكميل بكمالها الذي هو البقاء الدائم له؛ لأنه كذلك الكمال يحظى بالقرب في الدنيا والآخرة، ويصافح أذيال
(1) في الديوان [حمله] بدل [جملة]، و [إلي] بدل [علي].
565 (1/565)
صفحة 566
[118 و] الرياح الحبّية الإلهية من ذلك الكمال الإلهي، والمحبة الإلهية في كلّ نسمة، أي في كل مشاهدة؛ لأنه جعل شمّ الذات وسمعها وبصرها هو شهودها وإدراكها، فافهم
ذلك.
قال:
592 – وأستغرقُ الآفاق نحوي بخطرة وأخترقُ السَّبْعَ الطباق بخطوة (1) يقول: وأستغرق الآفاق بالمشاهدة إلى علمها أي أحضرها نحوي بخطرة واحدة من خطرات ذاتي، وأخترق السبع السموات بخطوة واحدة، وأراد بالخطوة خطوة المشاهدة إلى علمها، كلّ ذلك في لحظة وخطوة ورؤية، وسمع واحد، وقدرة واحدة يعلم ما فيها من العلم، لا برؤية صورتها، قال الله تعالى: {نُرِى إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَوَاتِ (2)، ولم يقل ملك السموات؛ لأنّ الملكوت هو علم ما في الملك من العلم الإلهي
وفي الحقيقة أنَّ كلّ شيء تجلّى في ذاته فهو يراه من ذاته بذاته، وإذا كانت ذاته يجلّيها في رؤيتها القريب، والبعيد، سواء فما أدلَّها على قدرة الله، وصفاته، وكلّ هذا في الظاهر بذلك على صفات ذاتك لتعرف بها صفات ذات ربك جلّ وعلا، فافهم.
قال:
3 59 - وأشباحُ مَنْ لم تَبقَ منهم بقيةٌ
بجمعي كالأرواح خَفَّت فخفَّت
يقول: وأشباح مَنْ لم تبق أي حضرة الجمع منهم أي من أصحابي بقية منها، أي من أشباحهم، بل أفنتها كلها فخفت حتى صارت كالأرواح في لطافتها. حفّت بجمعي، أي بحضرة أحدية جمعي، جعل أهل الحضرات الجمعية التي لم تبق لهم أشباحاً، بل صيّرتهم
(1) في الديوان: [وأستعرض] بدل [وأستغرق]. (2) الأنعام، الآية 75.
6967
(3) الملكوت: هو عالم الغيب المختص بالأرواح والنفوس، ينظر موسوعة الحفني، ص 7 وموسوعة العجم، ص 940. أما الملك فهو عالم الأجسام والأعراض، وكلّ شيء من أشياء الوجود ينقسم بين ثلاثة أقسام: قسم ظاهر ويسمى بالملك، وقسم باطن ويسمى بالملكوت، والقسم الثالث منزّه عن الملكي والملكوتي فهو قسم الجبروتي الإلهي المعبّر عنه بلسان الإشارة بالثلث الأخير كما وقع في قوله: إن الله ينزل في الثلث الأخير من كلّ ليلة إلى سماء الدنيا فيقول: هل ... هل ... ، ينظر موسوعة الحفني،
967
566 (1/566)
صفحة 567
كالأرواح كأنهم حافّون حول حضرته، وهي وسط حضراتهم إلا أنها أعلى، فافهم. م. وأراد بذلك أنّ حقيقة المعرفة بالله تعالى لا تختلف، ولكن يختلفون أهل الله في تفاوتهم في مشاهدة كثرة الحضرات وقلتها، فافهم.
بيان
ولما ذكر حضرة أحدية جمعه الله أخبر مقامه عن قولها بلسان حالها،
قال:
594 - فَمَنْ قالَ أَو مَنْ طَالَ، أَو صَالَ إِنَّما يَمتُّ
بإمدادي
له
برقيقة
595 - وما سارَ فَوْقَ الماء أو طارَ في الهوا أو اقتحم النيران إلا بهمتي
596
—
وعنّي مَنْ أمددته برقيقة تصرف عن مجموعه في دقيقة
97 5 - وفي ساعة أو دون ذلك من تلا
بمجموعه جمعي
598 - ومنّي لو قامت بميت لطيفة لردّت
تلا ألف ختمة إليه نفسه وأعيدت
يقول: وقالت أحدية جمعي وكلّ من قال أي كلّ من نطق بلسان المقال أو لسان الحال، ومن طال: أي وكلّ من اقتدر على شيء من الحركات أو السكنات، أو صال: أي أو غلب شيء على شيء، أو سار: أي مشى أحد فوق الماء كما يحكى عن عيسى العلية لا، أو دواب الماء التي تسبح في الماء أنه كان يمشي على الماء (1)، أو طار في الهواء من الإنس بعلمه، والجنّ بقدرتهم، والملائكة، والطيور، أو اقتحم النيران كإبراهيم الخليل ال، أو بلغ أحد درجات حضرات الجمع حتى تصرّف في رؤيته ونظرته إلى الحضرات الظاهرية والحضرات الباطنية من أسماء أفعال الله، وأسماء صفاته، ينظرها في دقيقة واحدة: أي في لحظة ولمحة، ألف ختمة بمجموعه: أي في حضرة جمعه التي هي بعض حضرات جمعي، وأراد بذلك مشاهدة الله بحضرات الجمع في ألف لمحة شيء في واحدة، وأراد بأكثر من الألف؛ لأنَّه كلّ شيء ينظره في لمحة رأى في كلّ شيء منها جمع حضرات الجمع في لمحة واحدة، وهذا حَقّ؛ لأنَّ كل ذرّة من ذرات الوجود هي حرف،
(1) يقول د. كامل الشيبي: « ... وكان للمتصوفة بالمشي على الماء غرام أي غرام؛ لأن ذلك يجمعهم بالمسيح»، ينظر كتابه الصلة بين التصوف والتشيع، 1/ 425.
567 (1/567)
صفحة 568
وهي كلمة وهي آية، وهي كتاب تام فيها علم التوحيد كما في الوجود كلّه، فكلّ الوجود ختمة، وكلّ ذرة ختمة، والقرآن العظيم كلّ حرف منه في مشاهدة الحضرات فيه هو حرف وكلمة وآية ختمة، فافهم هكذا القول بلسان حال حضرة أحدية الجمع، وكلّ من كان فيه من هذه الصفات في وصفه وفعله [118] إنما يمت، أي يتوصل بإمدادي له برقيقة، أي بلطيفة، أي شيء قليل لطيف من بحر كمالي الذي لا نهاية له، ولا يجوز أن يكون له نهاية، ولا يقدر إلا بإمدادي، وبهمتي أراد هنا الهمة بعض معناها فاستعارها للإرادة والمشيئة، أي بإرادتي، فإن قلت: إن الحضرات هي صفات الله، ولا تنسب المشيئة إلى الصفات، فالجواب: إنّ الصفات يراد بها الموصوف، ويصح أن يشار بها إلى ذات الموصوف؛ لأنّ في الحضرات أسماء الله تعالى، وهو السميع، وهو القدير؛ لأنّ الحضرات هو العلم به، وبأسمائه، والعلم بوجوب وجود ذاته، وفيها العلم بذاته؛ لأنّ علم الذات هو العجز عن الإدراك، فمن عرف عجزه عن معرفة ذات الله، ونزّهها عن كلّ شيء هو منزّه عنه تعالى، ووصفه بصفاته فقد عرف ذات الله وصفاته، وشاهده حقيقة، وحضرة أحدية جمع الجمع هي الحضرة الجامعة لجميع الحضرات المتجلي بها الله تعالى على عباده، ولذلك كان من قولها بلسان الحال: أنا الذي ظهرت في كلّ شيء، وفي كلّ جمال، وليس شيء ظهرت فيه إلاّ وهي جمال وكمال. وعنّي أي وبي من أمددته، برقيقة، أي بمادة قليلة، لطيفة تصرف مشاهدته عن مجموعه، أي عن تجلي حضرات جمعه في دقيقة، أي يشاهدها في لحظة واحدة، كل ذلك من فيض بحري كمالي الذي لا نهاية له، ومني لو قامت بميت لطيفة، أي لطيفة من إمدادي له لردّت إليه الروح، وأعيدت، وكلّ هذا إشارة إلى أنه من الله تعالى، وعن الله تعالى، وأراد أنّ هذه كلها كراماتي (1) للذين وصلوا إلى هذه المقامات، ويشير في الباطن إلى وصول الذات الإنسانية إلى المكاشفة بالكمال، وطيرانها في عوالم الملك والملكوت والجبروت بمشاهدة الحضرات الإلهية، وختمها بالرؤية في كلّ شيء، وإحياء الذات بها بعد موتها لعدم تجلّيها عليها، وتحلّيها بصفات بقائها، وأنها لتردّ عليها الروح، وتعاد حينئذ بها، فافهم ذلك.
(1) الكرامة: هي خرق العادة من قبل وليّ، ومن حيث النظرية فلا فارق بين الكرامة والمعجزة إلا أن الكرامة تختص بالأولياء، أما المعجزة فهي مختصة بالأنبياء، ولها طرق ووسائل كثيرة، ينظر عن الكرامة كتاب أدبيات الكرامة الصوفية، د. محمد د. محمد أبو الفضل بدران فهو مخصص برمته لهذا الموضوع.
568 (1/568)
صفحة 569
قال:
599 - هي النَّفْسُ إِن أَلْقَتْ هواها تَضاعَفَتْ قواها وأعطتْ فِعلَها كُلَّ ذَرَّةٍ يقول: لما ذكر فيض كمال حضرة أحدية جمع الجمع مما يكشف لهم من تجلي الأفعال، والأسماء والصفات فى الحضرات، وما تأتيهم من الكرامات التي لا يلتفتون إليها (1)، ثناء على نفوسهم، تعظيماً لهم، وأخبر أنّ من بلغ مبلغهم نال منالهم فقال: هي النفس إن ألقت هواها أي طرحته وأسقطته عن جميع عالم حسّها، وعالم المحسوسات تضاعفت قواها، أي تزايدت قوة قواها أي صفاتها الأربع، وأعطت فعلها كلّ ذرة إما إعطاء حكم، ولو لم يشاهد ذلك منها، وإما إعطاء مشاهدة منها، أي الصفات الأربع فعلها كل ذرة، أي كلّ قوة منها التي هي السمع والبصر، والنطق والقدرة هي في كل ذرّة من أجزائه، وأجزاء الوجود بأسره، وإذا كان هكذا حق العارفين، المحققين، الواصلين إلى حضرة الجمع الذين قد اجتمعت لهم مكاشفة الأسماء الصفات لله، وأسماء الأفعال في كل ذرة من الوجود.
6
6
***
(1) من المعلوم أنَّ «الولي يجب عليه ستر كراماته وإخفاؤها، وليست الكرامات للأولياء إلا تأديباً لنفوسهم وتهذيباً عة لها». ينظر موسوع الحفني، ص 922، وهو ما قصده الشيخ ناصر في المتن.
569 (1/569)
صفحة 570
[صفحة فارغة] (1/570)
صفحة 571
الباب الحادي والعشرون
في بيان ظهور جميع المعجزات النبوية أنها كلّها من فيض كمال حضرة أحدية الجمع بلسان المقام المحمدي:
600 - فَناهِيكَ جَمْعاً، لا بِفَرْقِ مساحتي مكان مقيس أو زمانٍ مُؤقَّتِ يقول: ولما ذكر مقامات أهل حضرات الجمع، وأنهم يشاهدون الكلام، والسمع، والبصر، والقدرة في كلّ ذرة من ذراتهم، وذرات الوجود فناهيك أي فأين إدراك نهاك، أي ما أبعد إدراكه أن يدرك جمعاً، أي كمال جمال جلاله حضرة أحدية الجمع، وأحدية جمع الجمع التي هي تجلي صفات الله وجماله وجلاله وكماله هو الجمال المطلق والجلال المطلق، والكمال المطلق لا يحدّد كماله بفرق، أي بتحديد مساحتي مكان، أو تحديد زمان مؤقت جمعاً، أي كمالاً جلالياً، وجلالاً كمالياً لا نهاية له، لا يحدّد بفرق مساحتي: أي بقدر موضع مثل وسع مساحة بمكان مقيس الأرض ومساحتها هو تحديدها بالذرع [119 و]، ومقدار طولها وعرضها، يقال: مساحة هذه الأرض كذا وكذا ذراعاً، وكذلك مساحات السموات، أي حد وسعها طولا وعرضاً، ولا يصح في تحديد نهايته بوقت مؤقت أي بتحديد نهايته إلى مدة مؤقتة، أي لا يصح أن يقال عظيم، أي كثير الوسع في فضاء واسع محدود لكمال الله لا يوصف بذلك، ولا يوصف بنهايته بمدة، أي كبير كما لكبير الأجسام، ولكن لا نهاية لكبره تعالى الله عن ذلك، وله معنى آخر أنّ كمال الله لا يوصف بمكان ولا بزمان، وإنما يعرف علم كماله بالمكان والزمان، وأنه بلا نهاية بوقت مؤقت، والمثال في ذلك أنه قادر أن يخلق في كلّ لحظة مثل هذه السموات والأرض، ثمّ هو كذلك بلا نهاية يخلق مثلها، ومثلها، ومثلها في كل لحظة بلا نهاية في الخلق واللحظات فافهم ذلك، ولذلك قالت حضرة أفعاله وأسمائه وصفاته في ظهور كل معجزة نبوية: إنّه منها.
571 (1/571)
صفحة 572
قال:
601
مَشقَّةِ
- بذاك علا الطوفان نوح وقد نجا به مَنْ نجا من قومه في السفينة 602 - وغاض له ما فاض عنه استجابةً وجد إلى الجودي بها واستقرت 603 - وسار ومتن الريح تحت بساطه سليمان بالجيشين فَوْقَ البسيطة 604 - وَقَبْلَ ارتدادِ الطَّرْفِ أَحضر مِنْ سَبا له عَرْشُ بلقيس بغيرِ 605 - وأَخْمَدَ إبراهيم نار عدوه ومن نوره عادتْ له رَوْضَ جَنَّة 606 - ولما دعا الأطيار من كل شاهق وقد ذُبحت جاءته غَيْرَ عصيّة 607 - ومن يده موسى عصاه تلقفت من السِّحْرِ أهوالاً على النَّفس شَقَّتِ 608 - وَمِنْ حَجَرٍ أجرى عيوناً بضربة بها دِيَماً سَقَتْ وللبحر شَقَّتِ 609 – ويوسف إذ ألقي البشير قميصه على وجه يعقوب إليه بأوبة عليه بها شوقاً إليه فكُفَّت قبل مقدمه بکي بعين
—
610
رآه
11 6 – وفي آل إسرائيل مائدة من الـ سما لعيسى أُنزلتُ ثُمَّ مُدَّتِ 612 - ومِن أَكْمَه أبرا ومِن وَضَح عـ شفى وأعاد الطين طيراً بنفخة يقول: وقالت حضرة أحدية الجمع في ظهور المعجزات بسرّ مشاهدات بعض حضراتها لمن وصل إليها، وكملت ذاتها بكمالها، واتصلت محبته بجمالها بذلك، أي بالتكمل بكمالها: نوح على الطوفان قد نجا من نجا من ركب في السفينة، وغاض له مائة في باطن الأرض بعدما فاض من بطنها ظاهراً، ومن السحاب، وأصل ماء السحاب بخار، ثم دخان لطيف من حرارة الأرض، ومن هيجان بحر الماء الأرضي، فبقدر ما يهيج بحر الماء الأرضي يرتفع بخاره في الهواء سحاباً فيمطر سماء السحاب، ويفور بموج هيجان بحر الماء الأرضي، ويلتقي الماء كما قال تعالى: فَفَتَحْنَا أَبَوَبَ السَّمَاءِ بِمَاءِ مُنْهَمِرٍ (1) وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونَا فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قَدِرَ} (1) وقوله: استجابة أي لدعائه، وجد أي وانتهى في أمره الجد في الجودي، وهو جبل بالهند (2)، وقوله: ومتن الريح، والمتن هو ما بين
(1) القمر، الآيتان 11 و 12.
(2) هناك أقوال أخرى في مكان وجود هذا الجبل.
572 (1/572)
صفحة 573
العليا
الكتفين، ويحمل بعض الناس الأشياء على ظهره بين كتفيه، واستعاره للريح. وقوله: الجيشين: أي الإنس والجن والبسيطة الأرض، وقوله وأخمد النيران أخمدها أطفأها، ولكن هذا أرادها استعارة، أي أبردها الله تعالى، وذلك لما ركب إبراهيم على المنجنيق ليرموا به في نار هي فرسخ في فرسخ نزل جبريل ال، وقال له: هل لك من [119] حاجة؟ قال: أما إليك فلا. قال: أفلا تدعو الله بشيء؟ قال: هو أعلم بحالي فجعلها الله تعالى جُنَّة (1) له، وقوله: عن كلّ شاهق، فالشاهق الجبل، وقوله: تلقفت، أي ابتلعت في بطنها. وقوله: على النفس شقت، أي صعبت أي ثقلت على النفس في اتباعها، وفي استعظامهم لها أن يقاوموها، وقوله: للبحر شقت، هنا معنى شقت، أي عرفت البحر، وقوله: ديماً، فالديم المطر القوي المنقطع، ولكن أراد هنا معناه، أي الماء الكثير المتواتر المقطع اثني عشر عيناً، وقوله: البشير هو المبشّر بخبر يوسف، وقوله: بأوبة، أي برجعة، وقوله: في إلقاء القميص من البشير على النبي يعقوب عليهم السلام بأوبة؛ أي برجعة نظرة إليه لقوله تعالى: {فَارْتَدَّ بَصِيرًا، وأنه رآه بعين بصيرة قبل ذلك، وشم الرائحة قبل وصول البشير لقوله تعالى: {إني لأجدُ رِيحَ يُوسُفَ، وقوله: فكفت، أي كفت عينه عن قوة نظرها بها من قبل بكائه عليه. وقوله ومدت: المائدة أي اتسعت لجميع بني إسرائيل، وذلك لما رآه قد بلغ به العدم، وظنّوا به ما ظنّوا، وساءلوه ما سألوه أنزل الله عليه ما ساءله ليعلموا غناه بالله تعالى، وأنه ما طلق الدنيا، وزهدها إلا رغبة عنها لا لعجز مع رغبة فيها، وحجّة عليهم، وشفى من غدا، أي أصبح به وضح، أي برص، وهو الذي ولد أبرص، والأكمه من ولد أعمى.
قال:
613
الله
وسر انفعالات الظواهر باطناً عن الإذن ما ألقت بأُذُنِكَ صيغتي
يقول: وسرّ انفعالات الظواهر التي صدرت عن الإذن الإلهي لقوله تعالى: {فَتَكُونُ طيْرًا بِإِذْنِي وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَى بِإِذْنِي (2) إنما كان ذلك ما ألقت إليك بإذنك، أي ألقت إلى قلبك من أخبار معجزات الأنبياء
الإذن باطناً، وجميع
(1) جنة: وقاية. (2) المائدة، الآية 110.
573 (1/573)
صفحة 574
والرسل والأولياء، كآيات الخضر عليهم السّلام، حاسّة سمعك بآلة أذنك فإنّما هو صيغتي –بالياء المثناة التحتية، والغين المعجمة - والصيغة تستعمل في حسن نظام الشيء؛ يقال: ما أحسن صيغة هذا الأمر، أى ما أحكمه، وكذلك لو كان جذعاً قبيحاً ولكنّه على نظام معجب! فيقال: ما أقبح صيغة هذا الأمر! أي ما أحكم نظامه في الجذع! ومراده هنا بعض معنى الكلمة فاستعاره لقول الحضرة بلسان حالها منبئة عن قول الله تعالى فيها إنّ ذلك كله من حكمتي وكرامتي وآياتي لمقام النبوة، ولم يبلغوا ذلك إلا بعد أن وصلوا إلى بعض هذه الحضرات الجمعية من مراتب هذه الكمالات القريبة الحبيّة الإلهية الجامع لها النبي بحضرة أحدية جمع الجمع.
فصل (1)
ثم انتقل الكلام في الأنبياء عن مقام النبي لهم الإشارة هم قالوا بلسان الحال:
قال:
614 - وجاء بأسرار الجميع مفيضُها علينا لهم خَتْماً على حين فترة يقول: وكان الكلام لمقام النبي صلى الله عليه وسلم مخبراً عن الله تعالى، وانتقل كلام المقام المحمدي مخبراً عن قول أصحابه الذين ذكرهم بقوله: فأوهمت صحبي (2) فقال: قالوا وجاء، أي بعث بظهورهم بأسرار الجميع من الحضرات الإلهية العلمية والتكميلية، والقربات الحبية، الرضائية، وأنوار المحبة الإلهية، الداعية إلى الله تعالى مفيضها أي مفيض كماله لها علينا، بهم: أي بعلوم الأنبياء، والحضرات التي وصلوا إليها، ومقامات قربهم، وقربات المحبة المحبية الرضائية، ختماً: أي خاتماً لها كلّها لم تبق للأولين فضيلة إلا وقد جاء بها لأمته على حين فترة من الرسل، أي يباعد من مبعثهم إلى مبعثه وكلّ ذلك كرامة له ولأمته الطائعين له،
فافهم.
قال:
615 - وما مِنْهمُ إلا وقد كان داعياً به قومه للحقِّ عن تبعية
(1) في س [بيان] بدل [فصل]. (2) هو البيت الثاني.
من هذه التائية الكبرى فليلحظ هذا التلاحم في الكتاب
574 (1/574)
صفحة 575
يقول: وما منهم: أي الأنبياء والرسل، إلا وقد كان داعياً به، أي بذلك العلم والكمال والتكميل به الذي جاء به النبي [120 و] قومه للحق، أي للعمل بالحق، وهو العلم عن تبعية، أي عن إتمام في الحقيقة بالنبي ا ا ا ا ا ا ا لأنه إمام المتوجهين لله تعالى، وهذا إيضاح، لفضل أمته، وأنّ من اتبعه من أمته فهو أفضل تابع لنبي، ومن خالفه فهو شرّ مخالف لنبي إلا أنه في ذلك الأمر الذي خالفه فيه بينهما إلا في كلّ معصية؛ لأنّ المعاصي تختلف،
ومن هنا قيل إنّ أمة محمد الله لها الفردوس من الجنان، ولها شرّ النيران جميعاً.
قال:
616 - فعالمنا منهم نبي ومن دعا إلى الحق منا قام بالرُّسُليَّةِ يقول: فلما صح بمظهره ظهر الكمالي المطلق، الكلي، والحسن الكلي، والجمال الكلي، والبحر الأعظم في كل صفة من صفاته الحسنة لقوله: لو وزن إيمان العالمين بإيمان نبيكم لرجح، ولو وزن إيمان جميع أمتي بإيمان أبي بكر لرجح])، دلّ أنَّ إفاضة ذلك منه على أمته أعظم إفاضة من إفاضته لمن سبقه ظهوراً، وصح ما قيل: إنّ عالمنا العامل المحقق المخلص قائم مقام نبي منهم، أي من أهل ذلك الزمان، ومن دعا إلى الحق وكان عالماً، وإماماً، أو وليَّ العلماء نفسه، أو العلماء إذا تعاقد منهم اثنان أو أكثر ليدعو الخلق بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ويقيمون الدين كله، فأقاموا مقام الإمام في كل أمر إلا في إقامة الحدود. وقيل: حتى في إقامة الحدود لصيغة الأمر من الله في خطاب المؤمنين بلفظ الجمع، وأنه لهو الأصح، ومَن صار بهذه المنزلة قام مقام الرسلية، أي الرسل، والرسالة من الأولين.
قال:
آخذ بالعزيمة
أهل
7 1 6 – وعارفنا في وقتنا الأحمدي من أولي العزم منهم يقول: ومن كان كذلك أيضاً في منزلته في العلم، وإقامة الدين، وكان من التحقيق، وبلغ في مقامات حضرات الجمع قام مقام أولي العزم من الرسل، وقوله: في وقتنا الأحمدي، ونسب زمان بقاء أمته بالأحمدي. وقوله: آخذ بالعزيمة متوجّه معناه إلى
C
(1) ينظر إحياء علوم الدين الغزالي 52/ 1، وفي الهامش: أخرجه ابن عدي من حديث ابن عمر بإسناد ضعيف؛ ورواه البيهقي موقوفاً على عمر بإسناد صحيح.
575 (1/575)
صفحة 576
الرسول، وإلى القائم مقامه. وقيل بعض الأخبار إنّه كذلك يكون له من الأجر تعظيماً لأمته
في ظاهر الأمر وباطنه تعظيماً له. وقد قال الله تعالى: {إِنَّا أَنزَلْنَهُ} أي القرآن العظيم فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ} أي أنزله إلى سماء الدنيا على لسان جبرائيل ال في كل سنة أنزل في ليلة القدر هو ما ينزل في تلك السنة على النبي؛ لأن آيات القرآن لا تنزل إلا عن قصة وقضية تبدو قبل النزول، فينزل فيها، وفي معناها ثم قال: {وَمَا أَدْرَنَكَ أي ومن أخبرك مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ كلّ ما في القرآن إدراك، فالنبي يعلمه، وكلّ ما فيه، وما يدريك فهو لا يعلمه، ثم قال جل وعلا: لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ أي العبادة فيها أفضل من عبادة ألف شهر من العبادة في غيرها خاصة لكم هذا التفضيل لا للذين خلوا من قبلكم، فإنّهم كذلك كانوا يعبدون فيها، ولكن في حقهم لا فضل لهم فيها على غيرها. {تَنَزَّلُ الْمَلَبِكَةُ المقربين الذين هم مثل الرسل على الملائكة مما يوحي إليهم الله تعالى {وَالرُّوحُ فِيهَا والروح هو جبرائيل خصه بالذكر بعد ما كان داخلاً في العموم إخباراً منه تعالى عنه أنه هو أعظم جميع الملائكة على الإطلاق، وينزلون من السماء السابعة إلى السموات كلّها بالعلم إلى سماء الدنيا ليخبروا الملائكة الموكلين بالأشياء، وفي التدبير الإلهي ما يقضيه في تلك السنة كلها كما قال فيها: يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيم (1)، وقد ظنّ أهل العمى (2) أنهم} ينزلون إلى الدنيا، وكيف ينزلون إلى الدنيا، وجبرائيل يقول للنبي: هذا آخر نزولي إلى الدنيا، والله تعالى يقول: {تَنَزَّلُ الْمَلَيكَةُ وَالرُّوحُ، فدل ذلك على صحة ما قلناه، وذلك بإِذْنِ رَبِّهم أي ينزلون فيها بعلم ما يريد الله منهم وبهم من كُلِّ أَمْرِ وهي حتى، أي إلى مطلع [120] الفجر، فإذا طلع الفجر انقضت الليلة، وكذلك انقضاء كل ليلة، وإذا كان هذا التضاعف للأجر من أهل الإيمان من أمة محمد فلا يبعد إمكان ما قيل،
والله أعلم.
قال:
618 - وما كانَ مِنْهم مُعْجِزاً صار بعده كرامة صديق له أو خليفة
(1) الدخان، الآية 4.
(2) هل يريد الشيخ ناصر الله بـ (أهل العمى) الذين يأخذون بظاهر النصوص، وليس بمكنتهم الغوص إلى أسرارها، وتأويلها؟ فقه النصّ يشير إلى هذا، والخلاف بين الفقهاء، وأهل السلوك عموماً أشهر من أن نذكره.
576 (1/576)
صفحة 577
يقول: وما كان من كرامات الله تعالى لأحد من أنبيائه من إظهار المعجزات صار عوض ذلك التكريم بعده، أي بعد ذلك النبي كرامة صدّيق له النبي، أو خليفة له، لا أنه يقوم مقامه، ولكن في قيام دين الله تعالى، وليس المراد أن تكون تلك المعجزة بعينها تظهر على يد صديق أو خليفة، ولكنَّ المراد أنّ فضل تلك الآية هو أن يجعل عوضها في أمة محمد صديقاً فى إيمانه وعزمه وعلمه، أو خليفة في ذلك، وفي قيام الأمر بدين الله تعالى، فإنّ ظهور نور ذلك العلم، ونور إيمان ذلك، وكماله هو أعظم من ظهور تلك الآية، والنبي يختار هذا لأمته من إظهار تلك الآيات لهم، والخليفة هم خلفاء الأبدال السبعة، والأوتاد الأربعة، وإلا ما كان منهم، والقطب، والقطب من الثلاثة، والثلاثة من الأربعة، والأربعة أصلهم من جملة السبعة، والسبعة من جملة الأربعين (1).
قال:
والتابعين
الأئمة
19 6 - بعترته استغنت عن الرسل الورى وأصحابه يقول: بعترته أي بعلم أقاربه وأهله، استغنت الورى أي الخلق بعده من أمته عن الرسل، أي عن إرسال الرسل إليهم، وبعلم أصحابه الله، وبعلم التابعين الأئمة، أي العلماء المحقين، أهل الاستقامة في الدين علماً وعملاً لقوله تعالى: {وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ (2) إما رسول، وإما نبي، وإما عالم، وإما إمام عادل، وقال تعالى: {فَسَتَلُوا أَهْلَ الذِكرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} (3).
قال:
- 620
من
6 - كراماتهم مِنْ بعض ما حَصهم به بما خصهم من إرث كل فضيلة يقول: إن كراماتهم: أي الذين أعطوا فضائل معجزات الأنبياء أمته هو لهم على الخصوص من بعض ما خصهم به عموماً ما به بجميع المتقين من أمته، كما أن تلك الكرامة لذلك الرسول هو على الخصوص له دون أصحابه، وخصهم -بالخاء المعجمة-، وإنَّما تلك الكرامة التي خُصّوا بها هو، أي مما حصهم – بالحاء المهملة- أي بما لهم من نصيب من إرث كلّ فضيلة من فيض بحر فضائله. استعار كلمة الإرث للقسمة
(1) مر الحديث عن (الأبدال) و (الأوتاد) و (القطب) وعددهم.
(2) الرعد، الآية 7.
(3) النحل، الآية 43.
577 (1/577)
صفحة 578
العلم] (1)
الإلهية ما لكل امرئ من النصيب من ذلك، ولقوله: [نحن معاشر الأنبياء لا نورث، لا نورّث إلا العلم] (1) فالعلماء هم ورثة الأنبياء فكان ما لكلّ صديق له، أو خليفة من فضائله ما يحصّه - بالحاء المهملة- من ذلك.
قال:
حنيفة
621 - فمن نُصرة الدين الحنيفي بعده قتال أبي بكر لآل يقول: فمن آيات كرامات الله للخواص من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم التي هي بمنزلة معجزة نبي ورسول ما ظهر على يدي أبي بكر الصديق الله الله نصرة الدين الحنيفي، أي المائل عن الاعوجاج إلى الاستقامة وهو دين الله ثم دين نبيه صلوات الله عليه وسلامه، ونصرته بعده الدالّة على عظم الكرامات التي هي مثل المعجزات الأولى للأنبياء عليهم السلام هو قتال أبي بكر الصديقه مع قوة عزمه، وقلة عدته حين ارتدت الأعراب بعد موته، وكثر المرتدون فقاتلهم جميعاً حتى ردّهم قسراً وغلبة وقهراً، ومن ذلك قتاله لآل حنيفة وهم آل أي أصحاب وجماعة حنيفة، وهو مسيلمة الكذاب المدعي النبوة بالسخرياء والهزل بالنبوة؛ لأنّه يأتي فيما يدعيه من [121 و] الكلام الهزل البذيء الفحش، وهو مسيلمة بن حبيب بن حنيفة بن نجيم بن صعب بن علي بن بكر بن وائل، وكان أصحابه ن أشد الناس قوة لقوله تعالى: سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ نُقَيْلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ (2) أَي قاتلوهم حتى يسلموا (3)، وكذلك بقية المرتدين جميعاً (4).
من ا
قال:
622 - وسارية ألجاه للجبل الندا ءُ من عُمر والدار غير قريبة يقول: وكذلك من كرامات الله للخواص من أصحابه والتي هي في مثل معجزات
(1) ينظر فتح الباري 8112، والبداية والنهاية، 15412، وينظر كذلك الملل والنحل للشهرستاني، 1911، ففيه حديث طويل، وتأويل مختلف الحديث، لابن قتيبة، ص 562 امشه مع هوا وهي نافعة جداً، ويتبنى ابن قتيبة رأياً قريباً من رأي الشيخ ناصر في ميراث النبوة. (2) الفتح، الآية 16.
(3) في الأصل و [س]: [يسلمون]، وما أثبتناه الصواب.
(4) أفاضت كتب التاريخ في الحديث عن حروب الردّة، وموقف أبي بكر الحازم منها.
578 (1/578)
صفحة 579
الأنبياء ما ظهر على يدي عمر بن الخطاب حين بعث عسكراً (1) إلى العراق، وقدّم فيهم رجلاً فاضلاً اسمه سارية (2) قاصداً العدوّ عند بلد نهاوند، وجعل العدوّ على قوم عمر له كميناً عن يسار الجبل فرآه عمر بن الخطاب من المدينة وراء الكمين، وهو في الخطبة يوم الجمعة، فناداه يا سارية الجبل، يعني خذ طريق الجبل واحذر كمين العدو، وأسمع سارية نداه، وألجأه النداء إلى الجبل، وسلم المسلمون من نكاية العدو، والمسافة بين المدينة ونهاوند أكثر من مسيرة شهرين، كان ذلك مما خص النبي عمر بن الخطاب له من حصص - بالصاد المهملة - الفضائل التي خصه إياها من بحر فضله.
قال:
623 - ولم يشتغل عثمان عن وِرْدِه وقد أدار عليه القومُ كأس المنيَّة يقول: وعثمان حين قاتله المسلمون بعض أصحاب رسول الله، وأداروا عليه كأس المنية، وأشار إليه أنه لم ينقطع قراءته من القرآن العظيم إلى أن قتل (3).
قال:
علي بعلم
بالوصية
624 - وأوضح بالتأويل ما كان مُشكلاً بعلم ناله يقول: وأوضح بالتأويل للقرآن العظيم، ولكلام النبي صلى الله عليه وسلم ما كان مشكلاً ما كان مشكلاً من كثير من العلوم علي بن أبي طالب بعلم ناله بالوصية، أي بالتعليم له كما يقال: هذه وصية رسول الله لأبي هريرة، وهذه وصية رسول الله يوم الوداع، فكذلك علمه ما وصاه به، أي نتباه قوله تعالى: {ذَلِكُمْ وَصَنكُم بِهِ} (4) أي أخبركم به، وحرّضكم على العمل به فافهم
(1) في الأصل [عسكر) وما أثبتناه من س، وهو الصواب. (2) هو سارية بن زُنيم الدؤلي كما في تأويل مختلف الحديث لابن قتيبة، ص (350، والخبر هناك، وفي الهامش مزيد من التخريج.
(3) هي واقعة الدار كما اصطلح عليها المؤرخون، وهي ذائعة معروفة انتهت بمقتل عثمان بن عفان له. (4) الأنعام، الآية 151. (5) من الضروري الإشارة هنا إلى أنَّ (الوصية) قد أخذت أبعاداً أخرى عند المسلمين، ودخلت في الصراع الذي قام بين المسلمين على (الإمامة)، وهي أعظم خلاف بين الأمة ... إذ ما سُلّ سيف في الإسلام على قاعدة دينية مثل ما سلّ على الإمامة في كل زمان على حد قول الشهرستاني في الملل والنحل، 1 [18، وتذهب فرق الشيعة كلّها إلى «إمامة علي بن أبي طالب وخلافته نصاً، ووصية إما جليًا، وإما خفياً»، الملل والنحل، الشهرستاني، 1 [117، وعلى هذا تحتلّ الوصية منزلة خاصة عندهم، وتشعب الأمر بعد هذا، وكثر الحديث فيه، وللاستزادة ينظر تأويل
579 (1/579)
صفحة 580
قال:
625 - وسائرهم مثل النجوم من اقتدى بأيهم
منه اهتدي
بالنصيحة
يقول: وسائرهم أي أصحاب رسول الله مثل النجوم، ونظم قوله: [إنّ أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم من الحق اهتديتم] ()، وفي الحقيقة أن النبي أصحابه
منهم من كان على الحق لا غير لقوله تعالى: إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي} (2) فافهم)
قال:
626
وللأولياء المؤمنين به ولم يَروه اجتبا قُرْبِ لِقُربِ الأخوة 627 - وَقُرْبُهم معنى له كاشتياقه لهم صورة فاعجب بحضرة غَيْبة يقول: وبعد ذلك خصوصية من فيض بحر كماله وجماله ما للأولياء المؤمنين به، ولم يروه مَن في زمانه، ومَن يأتي من بعده إلى يوم القيامة، وإنما خُصّوا بالكرامات التي خصوا ب اجتباء، قرب، أي اصطفاء قرب بينه وبينهم لا قرب مكان، ولكن لقرب
بها هو
سبب
الأخوة لقوله: [واشوقاه إلى لقاء إخواني قيل له: ألسنا نحن إخوانكم يا رسول الله قال: لأنتم أصحابي وإخواني هم الذين آمنوا بي واتبعوا سبيلي ولم يروني ولم يغيروا ولم يبدلوا تبديلاً] (4) وقربهم له أي إليه معنى أي قربهم إليه قرباً معنوياً (5) كاشتياقه لهم
مختلف الحديث، لابن قتيبة، ص 102، وما بعدها مع الهوامش ففيه تفصيل مفيد. ومن المؤكد أنّ الشيخ ناصراً الله يأخذ بالمعنى اللغوي للوصية، ولا يتجاوزه إلى المعنى الاصطلاحي انطلاقاً من قناعاته الفكرية. (1) ينظر شرح ديوان ابن الفارض، ص)
160
(2) هود، الآية 46، وهي خطاب لنوح العلية.
(3) هذه نظرة عميقة ذات دلالة من الشيخ ناصر الله حين يجعل الصحبة التزاماً بالحق، والأخذ بالعزيمة و الفرائض، لا بمجرّد الصحبة الزمانية أو المكانية، وليس هذا بغريب عليه حين ينفق عمره في الغوص على المعاني الجوهرية محاولاً سبر أغوارها، واصطياد نفائسها، وقد توقفت عند هذا الموضوع في دراسة سابقة لي تحت عنوان (الثقافة الخليج العربي بين المتحرك والساكن - التراث العماني نموذجاً)، أقول، توقفت عند هذا الموضوع بتفصيل الحديث عن [الفرقة الناجية] وكأنَّ ما يذهب إليه الشيخ ناصر الله يقع ضمن اتجاه عام يرى أنَّ «الفرقة الناجية ليست قضية مذاهب ومصطلحات بقدر ما هي التزام وسلوك». ينظر الأدب في الخليج العربي، 3/ 548، وهو ما يراه الشيخ ناصر، ويأخذ به.
(4) تنظر الرسالة القشيرية 574/ 2، وفي الهامش أن الترمذي أخرجه في صحيحه. (5) في الأصل و [س]: [قرب معنوي]، وما أثبتناه الصواب.
580 (1/580)
صفحة 581
صورة: أي يرونه كأنه حاضر معهم، ويشاهدونه كما يشاهد أصحابه لا فرق، وأشار بذلك إلى قوة الإيمان ونهاية حدّه، وأشار في الباطن إلى أن معنى حبهم له، وحبّه لهم اتحادهم في الحقيقة، فإنّ [121] نور ذاته من نور ذاته لا غير، والذات إذا صارت نيرة بنور العلم بالله، وبالمحبة لنور الإلهية الداعية إلى الله تعالى، وبتجلي نور المحبة الإلهية الرضائية، ونور الحق، صارت ذواتهم بالنور ذاتاً واحدة في المعنى الاتصافي؛ لأنّ المحبة واحدة فهي تحب أنوارها من ذاته، ومن كلّ ذات هو فيه، وجمال الأنوار التي تحبّه هذه المحبة هو الذي في ذات غيره فصار بعضهم لبعض أحبّ كلّ شيء، وكانوا كلّ واحد منهم نوره وكماله هو في ذات الآخر. فما أعجب من هذه القرابة، ولا أغرب من هذا الحضور بعضهم لبعض مع غيبة كلّ واحد عن صاحبه مع أنه يمكن أنّه لا يعرفه أصلاً، ونور كماله في ذات هذا، ومحبته التي أحبّ بها ذلك الكمال هي في هذا، وذلك بالمعنى الاتحادي في المحبة والكمال؛ لأنّ معنى المحبة الإلهية واحد ومعنى الكمال الإلهي الصفاتي واحد ومعنى الكمال الإلهي الذي جعله كمالاً لذات المرء، ومعنى المحبة الرضائية واحد، وفي هذا المعنى إشارة إلى حكم الولاية والبراءة (1) أنّك في الحكم الباطن متول (2) [كلّ] (3) ولي لله تعالى عرفته أو لم تعرفه؛ لأنك أحببت ذلك الكمال الذي بذاتك، وذلك الكمال هو الذي يكمل به غيرك، وبغضت نقيضه فبغضت أهل نقيضه (4)، فافهم.
قال:
628 – وأهل تلقي الروح باسمي دعوا إلى سبيلي وحجوا الملحدين بحُجَّتي
(1) للولاية والبراءة معنيان: عام وخاص، أما العام فهو اتباع الإنسان أوامر الله ونواهيه، وتولّي رسوله فهذه هي الولاية، وترك ما نهى عنه الله ورسوله، فهذه هي البراءة، أما الخاص فمعنى الولاية عند القوم على ثلاثة أقسام: ولاية العام وهي الخروج من العداوة، وولاية الخاص وهي الاختصاص بالمحبة، وولاية الأخصّ وهي الاصطفاء بالولاية، والولي هو الذي يتولى الله سبحانه أمره فلا يكله إلى نفسه لحظة بل يتولى الحق سبحانه رعايته، وقد أطلق وصف (الولي) على الشيخ ناصر، ووالده الشيخ جاعد كما مرّ في المقدمة، أما البراءة الخاصة فهي ترك الذنوب والمحرمات، والتبرؤ منها نهائياً. ينظر عن الولاية موسوعة العجم، ص 1051، وما بعدها.
(2) في الأصل و [س]: [متولي]، وما أثبتناه الصواب. (3) ما بين المعقوفين ساقط في س، والزيادة من الأصل. (4) إنَّ هذا التأويل لمصطلحي (الولاية) و (البراءة) يؤكد ما سبق أن أشرنا إليه من سعة نظر الشيخ ناصر الله إلى هذا الموضوع، وهو يتحدث عن معنى صحبة رسول الله الله، فهو هنا ينظر إلى هذا الأمر بالسعة نفسها، ويقدم له مقياساً وحيداً هو التدين والورع بعيداً عن المذاهب وتفرّعاتها، فالأصل هو الالتزام الديني الحق، وما عداه فروع.
581 (1/581)
صفحة 582
الله
يقول: وجميع أهل تلقي الروح، والروح هو جبرائيل ال، وأهل تلقيه وحيه من تعالى هم الرسل والأنبياء باسمي وأراد باسم ذاته من أسماء صفاتها، أنها عليمة حين تجلت فيها أنوار المعرفة الإلهية، وأنوار الحق من الكمالات الإلهية، وأنوار المحبة الإلهية، وأنوار المحبة الرضائية الإلهية، فلما صار اسمها عليمة، وهذه أسماء صفاتها فكل نبي وولي دعي إلى الله تعالى دعي بهذه الأنوار، وإلى التكميل بهذه الأنوار الإلهية، وهي سبيلي وسبيل كل ولي لله تعالى، وكل سبيل غير هذه فهي باطلة، ذلك لتعلم أنّ الحق لا يختلف في زمان على حال، وبحج آيات هذه الأنوار حجّوا الأنبياء والرسل الملحدين (1) محجّتي، أي الملحدين الضالين محجّتي، وهي طريقتي لله، وطريقة الله تعالى، وطريقة كل وليّ لله تعالى.
قال:
جميع
الله
629 - وكُلُّهم عن سَبْقِ معناي دائر بدائرتي أو وارد من شريعتي يقول: وكلهم: أي الأنبياء والرسل والملائكة وكلّ ولي لله تعالى، عن سبق معناي: وسبق معناه أي إنّه لمّا كان في علم الله أنه ليوجد الخلائق، وفي علمه أنه يكون أكمل الخلائق معرفة به وأكملهم كمالاً بها، وأكملهم محبة لله بمحبته، وأكملهم مع محبة، وأنه إمام السابقين والمتوجهين إليه، وأنّه لاحق إلا كماله، وما سواه باطل، وأن ذلك الكمال هو الذي يفاض على أهل الكمالات صار في المعنى كلهم كأنهم دائر، أي محيط بدائرتي، أي بدورتي التي هي كالحلقة الدائرة، أو وارد من شريعتي، والوارد هو طالب الورد من الماء هو الصادر عن الورد بعد الورد من الماء.
قال:
وإني وإن كنتُ ابن آدم صورة فلي فيه معنى شاهد بأبوتى
يقول: وإنّي وإن كنت ابن آدم صورة: أي شخصاً، فلي فيه معنى شاهد بأبوة. والمعنى الأول أنَّ كل شيء وجد من نوره، والمعنى الثاني أنه هو أسبق الخلائق وأولهم، وكل من
(1) يقصد أن الأنبياء والرسل قد حاججوا الملحدين الضالين بحجته هو على اعتبار أنه يتحدث هنا بلسان المقام المحمدي الذي سبق نوره كل شيء.
582 (1/582)
صفحة 583
أفيض عليه شيء فإنّما هو من فيض بحره فهو أبوه بالسبق والفضل، والمعنى الثالث أنّ له العهد الأول على الطاعة والإيمان وثبت ذلك لجميع الوجود، وثبت لآدم، وعلى آدم، فعهد آدم ثبت لجميع ذريته وعلى جميع ذريته، وعهد نور النبي صلى الله عليه وسلم ثبت لجميع الوجود، ولآدم، وعلى جميع الوجود، وعلى آدم وعلى جميع ذرية [122 و] آدم إلا مَنْ ضيعه
بنفسه، فافهم.
قال:
1 3 6 – ونفسي من حَجْرِ التحلي برشدها تخلت وفي حجر التجلي تربتِ يقول: وفيه تقديم وتأخير، وتقديره ونفسي من حجر -بفتح الحاء- التحلي –بالحاء المهملة - أراد هنا من حرمة التخلق بالأخلاق المحجورة عليها برشدها، أي بسبب هداها ورشدها تخلّت (1) - بالخاء المعجمة أي تجردت وانسلخت من لبس حلي المحجورات فإنَّ التحلي هو لبس الحلي، ومن حجر - بكسر الحاء المهملة-، والتجلي: أي ظهور وانكشاف ومشاهدات الحضرات تربّت من حال طفوليتها، وفي نشوئها إلى أن انتهت غايتها، والحجر هو تربع المرأة بالجلوس فيكون أمامها من فخذها الأيمن إلى فخذها الأي أيسر هو الحجر الذي تضع فيه ولدها، استعاره لتربيته في حجر التحلي من أول
نشوئه إلى منتهاه فيه.
قال:
632 - وقبل فصالي دون تكليف ظاهري خَتَمْتُ بشَرْعي الموضحي كلَّ شِرْعةِ يقول: وقبل فصالي دون تكليف ظاهري، أي يوم كنت نوراً لا كونَ معي غيري ختمت، أي علمت بشرعي الموضحي أي الواضح كلّ شرعة جاءت للأنبياء؛ لأنّ بذلك النور علم كلّ ما سيأتي، وأنا ذلك النور، ولم أظهر بأقل رتبة مما أنا هناك، فافهم.
قال:
(1) وقفنا فيما سبق عند (التخلي) و (التحلي).
583 (1/583)
صفحة 584
633 - وفي المهد حزبي الأنبياء وفي العنا صر لوحي المحفوظ والفَتْحُ سُورتي (1)
يقول: ومعناه يتوجه إلى معنيين: ظاهر وباطن، فالظاهر أنه من حين ما كنتُ في المهد صبياً، والمهد هو الذي يوضع فيه الطفل ليحرك به، قوله: حزبي الأنبياء، أي أتباعه وأشياعه في التكميل بالعلم الإلهي، والكمال الإلهي، وقوله: وفي العناصر، الطبائع (2) التي هي الحرارة، والبرودة والرطوبة واليبوسة فظاهرها كرة النار، وكرة الهواء، وكرة الماء، وكرة 1 (3) في الهواء، ثم البسائط في الأرض، وهي الماء الظاهر، والتراب الظاهر، والرياح المحسوسة، والنار الظاهر، ومن هذه الطبائع تتولّد العناصر، ومن العناصر والبسائط تتكون المولدات المعدن، ثم النبات، ثم الحيوان، وبعد الحيوان الإنسان (4)، وهو من جملة الحيوان، إلا أنه لما كان أكمل منه كان هو المرتبة الرابعة الآخرة فيكون المراد في ظهوري المرتبة الرابعة الإنسانية التي هي أفضل مولدات العناصر، وفيهم ومنهم الأنبياء، قوله: لوحي أي لوح ذاته المحفوظ، أي لوح روح عقله المركب في الذات الإنسانية المتولدة من العناصر المائية، والترابية، والهوائية، والنارية إشارة إلى التركيب الإنساني الذي هو في المرتبة الرابعة فأشار إلى علم عظيم [بعلم عظيم] (5) طويل شرحه؛ لأنه يأتي على شرح جميع التوليدات والتكوينات من أول الإيجاد إلى رتبة الإنسان وقوله والفتح، سورتي أي القرآن العظيم سورتي أي كتابه، وإنما ذكر سورة الفتح من ذكر الجزء بإرادة الكل في علم المنطق (6)، وأشار بتخصيصها عن ذكر غيرها
،
(1) يرد هذا البيت في الديوان قبل البيت السابق.
(2) نظرية الطبائع مقولة يونانية قديمة تحدّث عنها جالينوس وتبعه الأطباء من بعده، وأفاد منها الأطباء والفلاسفة المسلمون، ونقرأ في كتاب (الأزرق) لمحمد بن ناصر بن سليمان وهو طبيب عماني، ومؤلف أيضاً قوله: «اعلم أنَّ الله خلق الدنيا وما فيها من أربعة أشياء من الريح، والنار، والتراب والماء، وبيان هذه الأشياء الحرّ، والبرد، والرطب، واليابس. ينظر الأزرق، 15 [17.
(3) ما بين المعقوفين كلمة لم أتمكن من قراءتها، واستضأنا بموسوعة العجم فوجدنا الكرات أربع، ذكر الشيخ ناصر منها ثلاثاً. هي: النار، والهواء، والماء، ولم يبقَ سوى التراب، فلعله يقصدها هنا. ينظر موسوعة العجم، ص 788. (4) يفيد الشيخ ناصر الله من اطلاعه الواسع على العلوم القديمة ومنها الفلسفة، وما يقوله في المتن يقترب من مذهب الفيلسوف اليوناني انكسيماندريس المتوفى سنة 546 قبل الميلاد، على سبيل المثال، وقد تطوّر هذا المذهب فيما بعد على يد الفلاسفة اللاحقين ينظر تاريخ الفلسفة اليونانية، د. يوسف كرم، ص 16، والوجود
عند فلاسفة اليونان، د. علي حسن محمد ص 20، وما بعدها. (5) ما بين المعقوفين ساقط في س، والزيادة من الأصل. (6) وهو من أساليب المجاز المفرد المرسل في البلاغة العربية مثل العين في الرقيب، وقوله تعالى: {فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ
584 (1/584)
صفحة 585
وأن جميع
إشارة إلى الفتح العظيم الذي هو الكشف في المكاشفة الإلهية المتوحد به عن جميع الخلائق كتو حده بنزول القرآن العظيم الذي هو أعظم شيء من كتب الله تعالى، وفي ذكر العناصر، واللوح إشارة إلى أسماء ذاته الأربع التي هي ال والبصر، والنطق، والقدرة، الأنبياء أنوار هذه الأربعة القوى من ذاته بنور العلم بالله كلهم حزبه، وأنّهم كلهم كأنهم في حال المهد مع مقابلة نور قواه الأربع التي هي لذاته، وهي لوح محفوظه، فإنّ روح العقل هي لوح محفوظ في المرء فيه بنفس القلم الإلهي ما شاء الله أن ينقشه فيه، وهو قلم معنوي، ولا نظنّ أنّ القلم الأعلى الناقش في اللوح الأعظم أنّه قلم جسمي صوري، ولا لوح جسمي صوري، بل الكلّ معنوي، فاعرفه.
بيان
ولما ذكر أنه إمام العارفين والمكاشفين بالله تعالى في حضرة أحدية جمع الجمع مقامه عن قوله حاكياً عن قول الله تعالى فيها.
[122 ظ] قال:
أخبر
63 – وهم والأُولى قالوا بقولهم على صراطي لم يعدوا مواطى مشيتي
634
-
يقول: وهم والأولى بحذف الواو من الأولى في القراءة دون الخط والكتابة، وقوله: وهم والأولى، وقد ذكر الأنبياء، والذين حجوهم من الملحدين فيحتمل أنه أراد الأولى أبعد مذكور، وأراد الملحدين، وهم أقرب مذكور، وهم الأنبياء، وكلّ طائع لله تعالى، وهكذا من عادته إذا أراد الإجمال أبهم الإشارة فتكون الإشارة يدخل فيها الطائعون والعاصون، وجميع الموجدات من جميع ذرات الوجود لتنكير الإشارة، فإنّ في تنكيرها فائدة ليدخل فيه كلّ ما يحتمل أن يدخل فيها، وقوله: قالوا بقولهم، أراد هنا القول فعل الذات من قول وغيره، وإنّما خص القول لظهور فعل الذات به من صفاتها الأربع. وقوله: بقولهم، أي بذواتهم الحجرية؛ لأنه لما أثبت أنّ من أسماء ذاتها السامعة، والباصرة، والناطقة، والقائلة، والقادرة، والفاعلة، وأنّ من أسماء أفعالها السمع، والبصر، والقول، والنطق، والبطش جاز له أن يذكرها بعد ذلك، ويشير إليها بأي اسم، وبأي صفة
[النساء:2 9] أي تحرير عبد مؤمن، ينظر معجم المصطلحات البلاغية وتطورها، د. أحمد مطلوب، 3/ 207.
585 (1/585)
صفحة 586
وبأي فعل من أفعالها، فقال حاكياً عن قول الله: إنّ الأنبياء والأولياء، والملحدين الضالين كلهم أفعالهم بذواتهم الفاعلة من قول أو عمل أو فعل أو نظر، أو سمع إنّما هم على صراطي، أي كلّهم على حكم طريقة تدبيري وصنعي، ولم يعدوا مواطيء مشيتي، أي لم يتخط أحد منهم قدماً عن مواطيء، أي آثار مشيتي، أي إرادتي، ويحتمل مشيتي استعاره من المشي، أي لم يعدوا أثر جري حكمي في تدبيري، وأشار بذلك أنه لم يعصني العاصي حيث عمل ما لم أرد منه فصار شيئاً في الكون خلاف إرادتي، فاحتمل في ظاهر الأمر أن يكون شيء في الكون على غير ما أريد، وهذه صفة المغلوب فلا تظن ذلك فإنّي شئت انكشاف ما علمتُ في سابق علمي الذي يختار أن يعصيني، فركبت له ذاتاً لها وبصر، ونطق، وقدرة، وجعلته بتدبيري قادرة على هذا، وهذا استخبار ليعمل ما سبق في علمي أنه سيعمله، وسبقت عداوتي له لعلمي به فكيف كان على غير إرادتي، وكلّ شيء فيه أنا خلقته فعصاني بالقدرة التي ركبتها فيه، وقد علمت أنه ليعصي بها، فافهم ذلك.
قال:
وهم
سمع،
(1)
هم
635 - فيمن الدعاة السابقين إلي في يميني ويسر اللاحقين بشرتي يقول: حاكياً عن قول الله تعالى له في حضرة أحدية جمع الجمع، فيمن: وأراد هنا اليمين اليد، وأراد باليد الإحسان وعين الإحسان المبالغة فيه، فأشار إلى إخلاص الدعاة، وهم العباد، ودعواهم عبادتهم، واجتهادهم، وتضرعهم من الأولياء السابقين، الأنبياء والرسل، وبعض الأولياء القائمين مقامهم من العلماء، والأئمة المهتدين الذين ذكرهم الله تعالى في قوله: {وَالسَبِقُونَ السَّبِقُونَ (أُوْلَبِكَ الْمُقَرَّبُونَ الا في المثال كأنّهم في قبضة يميني تمثيلاً، وتعظيماً لهم، ويُسراً، أي وتسهيل أمور التابعين لهم بإحسان كأنّهم في قبضة يساري، ولم يقل في شمالي؛ لأنّ أصحاب الشمال استعارهم لأهل المعاصي فلذلك استعار لأولياء اللاحقين التابعين باليسار، وهذا تمثيل، ولما مثل الله تعالى أصحاب اليمين لأهل طاعته، وأصحاب الشمال لأهل معصيته، وليس بيد يمين ولا شمال ولكن استعار الأفضل للأفضل، ولفظة الأدنى لغيرهم، فوسع أهل التحقيق، والمكاشفة في الاستعارة في الله تعالى لإيضاح توحيده، وكفى فخراً لمن كان
وهم
(1) الواقعة، الآية 10 - 11.
586 (1/586)
صفحة 587
في قبضة الله في يده اليمنى، ومَن في يده اليسرى قبضة محبة، وقربة فيكون بنصرته،
وولايته، وتوليته ومحبته وحركاته وسكناته بيد الله تعالى.
قال:
636 - فَلا تَحْسَبَنَّ الأمر عني خارجاً فما ساد إلا داخل في عبودتي يقول: وقال في حضرة أحدية جمع الجمع ولا تحسبن الأمر، أي شيئاً من التدبير من طاعة الطائع، ومعصية العاصي خارجاً [123 و] عن قدرتي عليه، ولا تظنّ أنّي مغلوب على ذلك، بل كل شيء بتدبيري وحكمتي، وما ساد ذاته بالطاعة من سادها، ولا ساد وتجبّر بمعصيتي من ساد من الملوك إلا وهو داخل في عبودتي، أي في ملكي، فكلّهم عباد لي، وكلّهم ملك لي، وأنا القادر عليهم، وعلى تقليب قلوبهم، ولو شئت لهديتهم جميعاً، ولكن شئت أن أتعبد كلّ من لزمته عبادتي بعبادتي، وأكشف ما في قلوبهم من اختيارهم لا على قدرتي عليهم، بل على اختيارهم، ولو شئت لم يختر المعصية (1) وإنما يختار الطاعة لكنت قادراً على أن أجعله بقدرتي عليه من أرغب الناس في طاعتي، ولكن لم أحبّ، ولم أرد، ولم أشأ أن يعبدوني على قدرتي عليهم، فافهم ذلك فإنه هنا أشار إلى هذه المعاني، وسيظهر بيان ذلك في غير هذا المحل؛ لأنَّه تارة بذكر ما يريد أن يذكره بالإشارة والتلويح، ثم يأتيه بالعبارة، والتصريح في موضع آخر، فافهم ذلك.
قال:
637 - فَلا حيَّ إلا عن حياتي حياته وطوع مرادي كلُّ نَفْسٍ مريدة يقول (2): فلا حيَّ إلا عن حياتي والحياة على أربعة معان: المعنى الأول بالحياة (1) في الأصل و [س]: [يختار]، وما أثبتاه الصواب.
(2) يفيد الشيخ ناصر في معاني الحياة من عبد الكريم الجيلاني في كتابه (مراتب الوجود) حيث يجعل الحياة خمسة أنواع لا أربعة كما ذكر الشيخ ناصر، وهو يختار ما شاء له الاختيار، فالنوع الأول حياة وجودية وهي سائرة في جميع الموجودات، والثاني حياة روحية وهي الحياة الملكية لسائر الموجودات في العالم الروحاني بالأصالة، والثالث حياة بهيمية وهذه الحياة هي الحرارة والرطوبة الغريزتان الكامنتان في الدم الجاري في تجاويف الكبد، والرابع حياة عارضة وهي ا الكمالات الحاصلة بحسب الأمر الوارد عليه كالعلم فإنّه حياة للجهل، وكالربيع فإنّه حياة للأرض، والخامس حياة الهيئة الأصلية اللازمة التي هي من كلّ الوجود وبكل الاعتبارات في غاية ما يكون الكمال، وهو تقسيم يقترب في مجمله مما قرّره الشيخ ناصر في المتن، ينظر موسوعة العجم، ص 311، وما
من
بعدها.
587 (1/587)
صفحة 588
المشتركة حياته التي هي أصلها الحرارة النارية وغذاؤها الماء ونسيم الهواء، كما ترى الإنسان يجذب الهواء بالاستنشاق فهو يلهب على نار روحه التي بها حياته عما يلهب صاحب الكور بالمنفاخ على ناره ومتى وقف عن النفخ بطلت النار، كذلك تبطل نار الروح متى انقطع عنها النفخ عنها، وكذلك الأشجار نارها تأخذ من نسيم الهواء، وأما حيوان الماء فلقوة حرارة لا يحتاج إلى نسيم الماء فإذا طبخت النار رطوبة الغذاء، وانعقدت جسماً في الجسم وكاد أن يجفّ الجسم، ويجفّ دهانة الرطوبة المستحيلة دهانة من الغذاء يطبخها؛ لأنّ النار لا تطلب إلا الدهانة فهي غذاؤها الإعصار والنار
،
والماء، فكان الحياة التي هي فهذه هي روح الحياة المشتركة في الحيوان والنبات الروح العقلية التي ذكرها الله تعالى: {وَيَسْتَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ بل هي العقل، والعين البصيرية، وعيون العقل خاصة، والمعنى الثالث (1) الحياة الوجودية التي يشترك فيها كل موجود فإن كلّ موجود] (2) يسمى حياً حتى الأموات من الناس والحيوان فإنّ الغير الحي هو غير الموجود (3) أصلاً.
والمعنى الرابع الحياة أنوار المعرفة بالله تعالى في ذات المرء، وأنوار محبته الإلهية التي تقضي بها ذات المرء، وأنوار تجلي المحبة الرضائية على ذات المرء وأعماله، فإنّه مع أهل هذا العلم لا حياة لذات الإنسان إلا بهذه الأنوار الثلاثة، ومن لم يكن له منها شيء فليس هو بحيّ، والناظم أراد الإخبار عن قول الله في حضرة أحدية الجمع أنه لا جمع حيّ، أي لا شيء حي إلا بحياتي، أي بأنواري لأهل الأنوار، وبحياتي التي هي محبتي التي أودعتها في ذاته فأحبّت عنه رضائي، وبحياتي الحياة المشتركة التي أحببته بها، وبحياة إيجادي له، وطوع مرادي كلّ نفس مريدة لا تظنّ أنّ العاصي عصاني عن غلبة منه لي، ولا عن عجز أن أجعله راغباً طائعاً محباً لطاعتي فالكلّ في قهري، وملكي، وتصريفي، وقد قلت في كتابي فَلَوْ شَاءَ لَهَدَنكُمْ أَجْمَعِينَ} (4) وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا} (5) ولكن شئت كما شئتُ لم أَعصَ عن غلبة، ولا على جبر منّي له على المعصية، فافهم ذلك.
(1) لم يرد المعنى الثاني في السياق.
(2) ما بين المعقوفين ساقط في س، والزيادة من الأصل. (3) في الأصل و [س]: [موجود]، وما أثبتناه الصواب.
(4) الأنعام، الآية 149.
(5) الرعد، الآية 31.
588 (1/588)
صفحة 589
قال:
638 – فلولاي لم يوجد وجود ولم يكن شهود ولم تُعهد عهود بذمتي (1) يقول: فلولاي: ويحتمل مراده وجهين أحدهما ولولاي إثبات لوجوده سبحانه وتعالى، فيكون لفظ البيت فلولاي لم يوجد وجودي في آخر وجودي، أي لولا أنّ الله تعالى حق وموجود لم يوجد أي لم يعرف وجوده، ولم يكن ثمّ شهود ولا خلق، ولم يعهد، أي يوثق عهود بذمته، بالهاء المقلوبة تاء من غير ياء، أي لم يعهد أي يلزم عبادة أحد؛ لأنَّه [123 ظ] لا يكون شيء أبداً، إذ لا يصح أن يكون كونه إلا بمكوّن، وإذا لم يكن مكوّناً لم يكن كون، ولما صح وجود الكون والشهود صح أن لها موجداً أوجدها، وخالقاً خلقها، وإذا كان هو خلاق كلّ شيء، وقد صح أنه هو الخالق لكلّ شيء في هذه الحجّة العقلية (2) فكيف يُعصى عن غلبة، أم كيف يكون في ملكه ما لا يريده، بل كلّ ما يراه هو بإرادته، ومشيئته شاء أن يظهر من الطائع الطاعة، وشاء أن يكشف عن العاصي ما في قلبه واختياره المعصية، فركب له الذات كما ركبها لأهل طاعته، وركب فيها قوة على السمع، وقوة على البصر، وقوة على المنطق، وقوة على القدرة وقوة على الفعل، وقد علم أنه ليعصيه، ويكره منه المعصية إذ لو لم يكرهها له لم يكن عاصياً؛ لأنّ الطير تخرب على الناس، والحية تلدغهم، وتلدغ الدواب، والسباع يفترس بعضها بعضاً، وحيث لم أجعل ذلك لها لإظهار ما في نفوسهم من حيث لأعذبهن على ذلك لم يكن ذلك جوراً أبداً. وحيث شئت أهل الجنان لا يعصون، ولا يتخاصمون، ولا يضمرون سوءاً أبداً أبداً (3)، ولا يتغيرون على غير ما ينبغي بلا نهاية، فهذا ما يدلّ على أن كل الأمور بيدي، وأني قادر على كلّ شيء، وهذه كلها إشارات إلى علم القدر، فافهم.
والوجه الثاني قوله: لولاي، أي لولا إيجادي للطائع والعاصي، ولجميع الوجود لم
(1) يرد هذا البيت في الديوان قبل البيت السابق.
(2) هذه الحجة العقلية كما سماها الشيخ ناصر الله من أقدم الحجج العقلية، وأقواها على وجود الله سبحانه وتعالى، إذ نرى أفلاطون مثلاً يقول بها في حديثه عن برهان وجود الله كعلة فاعلة ومفادها أنّ كلّ ما يوجد بعد أن لم يكن لابد لوجوده من علّة مؤثرة فيه، وهي لا تؤثر إلا إذا اشتملت على قوة التأثير، ينظر الوجود عند فلاسفة اليونان، د. علي حسن محمد علي، ص 122، وما بعدها.
(3) تكررت (أبداً) هكذا في الأصل و [س].
589 (1/589)
صفحة 590
يكن وجود أبداً، فيكون بهذا المعنى لفظ الوجود بضم الدال، ولم يكن شهود وإذا لم يكن إيجاد مني ولم يكن عهوداً بذمة عبد من عبادي يحتمل وجهين من المعنى: أحدهما: وإن لم يكن] (1) منّي عهود بذمة، أي تعبد به فكيف يعرف الطائع والعاصي، ومن أين يكون المرء عاصياً أو طائعاً؟ كما ترى السباع والحيات وكلّ دابة مضرّة حيث لم يكن ثمّ عليها تعبد لم يكن فيها طائعاً ولا عاصياً، كذلك يكون حال الناس لو لم أتعبدهم، ولكن شئت ذلك أن أتعبدهم، وكان ذلك في حكمي عليهم، وذلك لما جعلت لهم من العقول الدالة على إيجاب ذلك عليهم، فأوجبت عليهم ما وجب هو عليهم بالعقول التي فضّلتهم عليها، ولكن لو شئت غير ذلك لجعلتهم كالأنعام عقولاً، ولم أتعبدهم بشيء أبداً، ولكنّي أفعل ما أشاء، وهو الحق لَا يُسْلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْتَلُونَ (2) وأهل التحقيق لا يكتفون بظاهر هذه الآية حتى يكشفوا صفاتي، وينظروا عدلي حقاً من جميع الجهات؛ لأنّ ذلك في علمي أنهم ليعصون لي إذا تركتهم على اختيارهم، وإن كنت قادراً على أن أجعلهم أهل محبة على طاعتي، وفي اختيارهم لم أشأ أن أردّهم إلى قدرتي عليهم وفيهم، وإذا كان في علمي أراهم كذلك فليس من الحكمة أن يترك الحكيم فاسداً في حضرته ولا يبعده
6
عنها وهم في حضرة شهادتي وشهادة العباد إليهم، وشهادة نفسه لنفسه إذا كان في عالم الشهادة يستحق بكفره العذاب، فكيف لا يستحق في عالم غيبي مع أنه خالقهم وخالق علمهم؟ لأنه لا يمكن أن يكونوا في الأصل شيئاً، والله عليم بهم لم يزل فيكونوا في الأزل مثالاتهم في عالم الغيب والأزل قديمة فيكون الله أزلياً، ومثالاتها أزلية، والله أعلم بها فيكون علمه بعلم، أي بعلمه ذلك التي هي غيره، وأوجدها وهي في العلم مثالات أزلية، فإن قلت: أفلا يوجب أنّ الله تعالى هو خالق علمه بها؟ فنقول: إن الله ذاته عليمة، وهو خالقها أولاً علماً فهو غير خالق علمه بل خالق الأشياء علماً، فإن قلت: أفلا يكون قد خلق علماً وهو علمه، ولا يعلمه غيره؟ فنقول: كذلك خلق الوجود، ولا خالق لها غيره، والعلم علمان: علم نفسه عالمة، وعلم خلقه علماً. والمعاني كلها علم وهو خالقها، وشرائعه علم وهو خالقها، فالله خالق الأشياء، وخالق العلم، وأول ما خلق الله الوجود علماً. والمثال في ذلك أنّ الصائغ الذي
(1) ما بين المعقوفين ساقط في س، والزيادة من الأصل.
(2) الأنبياء، الآية 23.
590 (1/590)
صفحة 591
يبدع النقوشات من غير أن يحكي مثالات [124 و] وجدها في نفسها، بل كلّما شاء أن يبدع نقشاً صوّره في الحال فكان أولاً مثلاً، فإبداعه لصور النقوشات هو العلم الذي نقشه به فلم تزل به عليمة، وعن ذلك العلم صدر ظهور النقوشات فكذلك ذات الله عليمة، ومتى شاء إيجاد شيء من علم وغيره كان، وقدرته على الإيجاد بلا نهاية في كل لحظة، ولكنّه لا يشاء ذلك، فالموجودات لا نهاية في علمه، ولا نهاية في قدرته على الإيجاد إذا شاء، ولكنه لم يشأ إلا ما شاء، وليس هي مثالات يراها ولكنه لا يريد إبداعها؛ لأنها لو ثبتت مثالات لثبت إما أن يكون هو أخرجها مثالاً، ورجع القول إلى ما قلناه إنّه هو خلقها أولاً علماً، وإما أنها لا توجد لا مثالاً ولا شيئاً إلا ما أراد كان وما لم يرد لم يكن، فافهم، فإنَّ بحر التوحيد بحر عظيم، والقدرة بحر عظيم، والغوص فيه ينتهي إلى هوية (1)، كما أن جميع الأمر ينتهي إلى هوية، وأقلّ شيء ينتهي إلى هوية إن قيل هذا الهواء ما هو؟ وأي شيء، وما فوق الفوق، وما تحت تحت فإن كان هواء فما نهايته؟ وإن كان غير هواء فما نهايته؟ وإذا كان هذا علمه ينتهي إلى هويّة فما ظنّك بتوحيد الله الذي لم يكشفه لأحد في خلقه من قدر وغيره؟ فافهم ذلك، فإنّ هذا كله أراد به بيان القدرة بهذه الأبيات.
قال:
ولا ناظر إلا بناظر مقلتي)
(2)
(3)
639 – ولا قائل إلا بلفظي مُحدِّث 640 - ولا مُنصت إلا بسمعي سامع ولا باطش إلا بأَزُلي وبطشتي 3 641 - ولا ناطق غيري ولا ناظر ولا سميع سواي من جميع الخليقة يقول (4): وقد أتى أسماء الذات الإنسانية أسماءها الأربعة التي هي السامعة، والناظرة، والناطقة، والباطشة، وأراد الإخبار عن نبأ الحالة عن قول الله تعالى في بيان قدرته أني أنا
(1) هوية يريد بها القرار السحيق البعيد.
(2) في الديوان: [بقولي] بدل [بلفظي]. (3) في الديوان: [وشدّتي] بدل [وبطشتي].
(4) يفضل الشيخ ناصر الله هنا الحديث عن مسألة دقيقة من مسائل علم الكلام هي (صفات الله) التي أطال علماء الكلام الحديث فيها، واختلفوا حولها، ولعلَّ قصد الشيخ هنا هو التنزيه المطلق لله سبحانه مع إثبات القدرة، أي إنه «قدير بذاته لا بقدرة هي غيره على حد قول الإمام السالمي في مشارق الأنوار، ص 184، وقد فصل د. مبارك الهاشمي هذا الأمر تفصيلاً ممتازاً في كتابه (الإمام نور الدين السالمي وآراؤه في الإلهيات)، ص 153، وما بعدها فلينظر هناك.
591 (1/591)
صفحة 592
خالق ذات الطائع، وذات العاصي فليس هو الخالق لذاته، وأنا الذي جعلتها سميعة، فهي تسمع بسمعي الذي أوجدته لها سمعاً، وتبصر ببصري الذي أوجدته لها بصراً، فهي تبصر به، وتنطق وتقول بألطافي لها حتى تكملت، فهي تتكلم بكلامي الذي أوجدته كلاماً لها، وهي تبطش بقدرتي التي جعلتها لها قدرة تقدر على الفعل بها، ففي الحقيقة أنا المنطق بذاته، وأنا المسمع له بذاته، وأنا المبصر لذاته، وأنا المقدر لذاته –بتسكين القاف- أي أنا الذي جعلتها قادرة على ذلك. فعلى حكم الإيجاد فكلّ كلام هو كلامي، وكلّ سمع، وكلّ نطق، وكلّ بصر فهو سمعي وبصري وكلامي، وقدرتي؛ لأنّي أنا الخالق لذلك والمصوّر له، فهو لي، ويضاف إليّ مُلكاً وخلقاً، فجميع ذرات الوجود هو كلام الله تعالى، وهو المتكلم بها؛ لأنه هو خالقها وقوله فلا ناطق، غيري ولا، ناظر، ولا سميع سواي من جميع الخليقة، يقول: ففي الحقيقة ولا ناطق، ولا ناظر إلا بقدرتي، وبنظري الذي جعلته له نظراً ينظر به ولا يسمع سواي أي غير سمعي الذي جعلته له سمعاً، ولا نطق إلاّ ما جعلته من جميع أي كذلك من جميع الخليقة من طائع وعاص (1)، وكلّ هذه إشارات إلى القدر، وإلى أنه غير مغلوب في عصيان من عصاه؛ لأنه كلّ ذلك لم يعصه إلا بنعمة له وبقدرته، ولو شاء لصرفها عنه فلم يعصه، ولم يعصه بجبر منه له كذلك في سابق علمه، علمه به، وتكوينه في أول الإيجاد، وتكوينه علماً قبل إيجاده، وهو العليم، ولا يجوز الدخول فى ذلك؛ لأنه هويّة لا يحيط بها إلا هو وعلمه به وإن كان أزلياً فهو الذي أوجده علماً، ولا يوجب ذلك أنّ علمه به حادث بعدما أوجده علم به؛ لأن كثيراً من العلم أوجده، ومن لم يَغُص فهمه في هذا المعنى فليصمت، فإنَّه لا يجوز أن يكون الوجود أصله علم أزلي، وأنّ الله تعالى لم يزل به عالماً [124 ظ] فيكون عالماً بعلم لم يوجده هو، بل هو أوجد العلم، ويفعل ما يشاء، ويوجد ما يشاء متى شاء، واحذر أن تجعل أزليين فإنّ العلم علمان علم لم يزل الله عليماً؛ لأنه عليم وعلم لم يزل الله به عليماً، أي قادراً عليماً أن يوجد ما شاء، فهو لم يزل قادراً على أن يخلق العلم وغيره، فافهم ذلك.
و
قال:
642 - وفي كل معنى لم تُبنه مظاهري تصوّرت لا في صورة هيكلية (2)
(1) في الأصل و [س]: [عاصي] بدل [عاص]، وما أثبتناه الصواب.
(2) في الديوان: [هيئة صورية] بدل [صورة هيكلية]، وهناك بيت قبله، هو:
592 (1/592)
صفحة 593
يقول: وكل معنى من المعاني لم تُبنه، أي لم تظهره مظاهري لا في صورة هيكلية، والهيكل البيت، وتستعمل هذه اللفظة لكلّ صورة جسدانية، أي وكلّ شيء من تدبيري الذي ظهرت فيه معرفتي لم تُبنه، أي تظهره مظاهري المحسوسات من عالم الشهادة، ولا في مثال ولا في خيال تصورت، ولم يذكر ما تصور. وذكر (في كلّ معنى): وبها أشار إلى المعاني، أي الأشياء والمحسوسات دلّ على أنه أشار إلى المعاني و الهيئات، وأراد من [تصورت] بعض معناه فاستعاره أي ظهرت بتجلي علمي، وقدرتي، وتوحيدي من تدبيري الخارج عن هذه الأشياء في المعاني، والهيئات والأحكام، والعلوم، والخواطر لا تصور مثالاً ولا شخصاً ولا صورة، وأراد بذلك إيضاح توحيده في كلّ شيء، وفي كل علم، وفي كلّ هيئة لما ذكر عالم الشهادة، وذكر عالم صفات الذات من علم غيبه، وذكر علم الهيئات والأحوال والعلوم، وأنّ كلّ شيء هو بالله ومعرفته وعلمه، وفي كلّ
التي
شيء من ذلك، فافهم.
بيان في حال في مقام كماله
قال:
643 - وفيما تراه الروح كشف فراسة خَفِيتُ عن المعنى المعنى بدقة
يقول: وفيما تراه الروح والروح هي العين البصيرية المقابلة بجهتها إلى عالم الغيب، عالم الإلهام الإلهي، وقوله: كشف فراسة، أي فطنة، ومعرفة من المعاني، والهيئات، والعلوم، والحكم، والأسرار، وإلهام من الله تعالى، وهذا ما يدلّ المحقق على أنّ كلّ شيء بعلم الله، وقدرته، وحكمته، وتدبيره؛ لأنه قد يكون غير ذاكر للشيء من طائع أو عاص فتنبه الطائع إلى شيء لم يكن من قبل يعرفه في شيء أراد يعمله فيذكره إن كانت عالمة به، أو توقفه إن كانت غير عالمة به، وقد يتذكر شيئاً لم يخطر عليها من قبل أبداً فتبتلى بحبه أو بكراهيته من خير أو شر، وكذلك ذات العاصي، وكان من قبل نزول ذلك علمه بذاته معافى، كل ذلك لتعلم قوله تعالى: {أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ} (1)، وقوله تعالى: {وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِ
وفي عالم التركيب في كل صورة ظهرت بمعنى عنه بالحسن زينَتِ
ولم يرد هنا. (1) العنكبوت، الآية 2.
593 (1/593)
صفحة 594
وَالْخَيْرِ فِتْنَةً (1)، وقوله جلّ ذكره: وَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا} (2)، وقوله تعالى: وَنَبْلُوهُم بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ) (3). وكفى بإلهام الله تعالى للنفس فيما لا تعرفه من قبل أنه لم يُعْصَ عن غلبة؛ لأنه هو المذكر لذاته فيما يعصيه فيه، أو فيما يطيعه فيه، فلو لم يكن أراد كشف طاعة المطيع، وكشف معصية العاصي من العاصين لم يذكره بذلك، ولم يبله بما يعلم أنه يعصيه به وفيه أو يطيعه به وفيه باختيارهما، وأصل الفراسة (4) عند أهل الظواهر هو الذي يتحرّى توقع الأمور التي ستجرى في تدبير الله تعالى فتكون كما توقعها، ولكن هذا استعار ذلك لقوة فطنة الذات التي يأتيها الإلهام من عالم الغيب والخواطر التي تخطر عليها من حيث لا تدريها ممّا يريد الله أن يبتليها بها ليطيعه فيها وبها أم ليعصيه فسماها فراسة؛ لأنها هي والفراسة المعروفة كلاهما من عالم الغيب ورؤية الروح، فافهم ذلك.
قال:
644 - وفي رَحَمَوتِ البَسْطِ كُلِّيَ رغبةٌ بها بسطت آمال أهل بسيطة (5) يقول: بلسان قول حال النبي، وفي حضرة الرحموت: والرحموت لغة في مبالغة الرحمة، والبسط عظم سعتها. أراد: وفي مشاهدتي لجلال جمال عظمة لطف سعة رحمة الله تعالى كلّي رغبة، أي كلّ قوة من قواي [125 و]، وكلّ جزء من أجزاء ذراتي رغبة لها، أي إليها انبسطت أي رغبت ونشطت آمال أهل بسيطة: أي أهل أرض الدنيا، ويحتمل أنّ ضميره في (لها) إلى سعة الرحمة، أو إلى رغبة، وإلى ما رغب فيه من وصول مقام كمال الجمال، والكلّ، متوجّه، ولكن إذا كان المراد بالبسيطة أجزاء تركيبه الترابية فيكون لفظ (بسيطتي) آخرها ياء الإضافة ويكون أهل 1 (6) الأجزاء، واستعار لها الأهل؛ لأنّ الرغبة لا تكون إلا ممّن يعقل. يقول بعدما ذكر رغبة قواه، ذكر رغبة أجزاء بسيطتي، أي ترابيتي، وأراد بذلك الحثّ ليكون كلّ طالب لهذا السلوك كذلك، فافهم.
(1) الأنبياء، الآية 35.
(2) هود، الآية 7. (3) الأعراف، الآية 163.
(4) ينظر عن الفراسة عند العرب كتاب فضل العرب والتنبيه على علومها ابن قتيبة الدينوري، 13612، وما بعدها.
(5) في الديوان [بها انبسطت] بدل [لها بسطت].
(6) ما بين المعقوفين بياض في الأصل و [س] بمقدار كلمة، وهذا من غريب الاتفاق.
594 (1/594)
صفحة 595
قال:
645 - وفي رهبوتِ القَبْضِ كُلّي هيبة ففيما أَجَلْتُ العينَ مِنّي أَجلَّتِ يقول: وفي حضرة رهبوت القبض، والرهبوت (1): المبالغة في الرهبة، والقبض: الخوف، والانقباض عند الانبساط في الشيء مثل الذي لا يقدر أن ينبسط بالكلام بين يدي الملك لهيبته، وأراد بذلك في تجلي عظمة الله تعالى والهيبة من جلاله، كلّي هيبة منه: أي كلّ قوة من قواي، وكلّ جزء من أجزائي أعظم الخلائق هيبة منه ورهبة، كما إذا تجلى عليّ بصفة الرحمة أعظم الخلائق بسطاً ونشاطاً ورغبة إلى الله تعالى، ففيما أَجَلْت العين مني، أي ففي أي شيء أرسلت نظر العين مني إما العين الباصرة بالنظر إلى المحسوسات، وإما العين البصيرية إلى تجلي الأسماء، وتجلت لي هيبة العظمة، أجلتِ-بتشديد اللام، وفتحها أي أعظمت، وأراد أنه كلما نظر إلى تجلّيها زادت في ذاته هيبة، وأجلّت، و عظمت كذلك بلا نهاية إلى آخر عمره ليبلغ مقامه، كذلك ينبغي أن يكون كل سالك هذا السلوك، فافهم ذلك.
قال:
646 - وفي الجَمْعِ بالوصفين كُلِّيَ قُربةٌ فَحَيّ على قُربى خلالي الجميلة يقول: وفي الجمع: أي وفي حضرة الجمع بالوصفين أي بالرحموت، والرهبوت، وهما جلال جمال الرحمة، وجمال جلال الرهبة والرغبة بحكم تجلي أسماء الرحمن، الرحيم، اللطيف الرؤوف، وبحكم تجلي أسمائه العلي العظيم، الكبير، المتعال، القوي، وتجلي الاسم الجامع بين معنى الجلال والجمال أي أشاهد الله تعالى كما أشاهده بالذات، وكلّها مستغرقة بحبّ الله، وبحبّ كماله الذي هو طاعته، وكلّها سميعة لله، ناطقة بأمر الله ناظرة لأمر الله فاعلة لأمر الله؛ لأنّ كل شيء من المرء هو سميع لذاته، بصير بأمرها، ناطق بلسان حاله بطاعتها، فاعل لأمرها، فكيف لله، وفي الله، وبالله وإذا كانت الذات قد كملت بكمال الله تعالى، وهي تبع للذات صار كلّ شيء منه، وكلّ جزء من أجزائه حكمة مع الله حكمها إذا أذعن إليها فكلّها على هذا قد اتصفت بالرهبة
(1) جاء في العين، ص 317 ما نصه: في مكان واحد.
ن رحموت، أي: أن تُرهب خير من أن تُرحم»، فجمع الكلمتين
595 (1/595)
صفحة 596
من هيبة الله ما يمنعه حتى عن النطق بين يدي الله تعالى، وعن الحركة، والسكون، ومع النظر إلى الرحمة، والكرامة فكله بسط بالدعاء، والسؤال، والتضرع، والابتهال؛ لأنّ الله تعالى لو تجلى بعظمته على المرء لصعق، واندك، وفني، ومات من شدّة الهيبة، ولكنّ الله تعالى يتجلى بالعظمة على المكاشفين قدر ما تحتمله عقولهم، وبالرحمة حتى يأنسوا به فيناجوه ويعبدوه ويسألوه ما شاءوا، وكلّ ذلك من جلال كمال لطفه ورحمته، ولو تجلى لهم بعظمة كمال لطفه أيضاً لصعقوا واندهشوا، أو ماتوا وفنوا وتلاشوا، ولكن الله تعالى تجلى بقدر ما شاء، ومن رغب في التجلي لتعظيم محبته فيه، وسلك هذا السلوك فلابد أن يتجلى له بقدر ما شاء فيزداد به حبّاً، وإليه رغبة فافهم ذلك. وقوله: فحي على قربي -بفتح الياء، وتشديدها-[125 ظ] على قربي: مثل عظمتي وشكري، أي هلموا وأسرعوا واستعجلوا على طلب قربى سلوكها على ما أخبرتكم الجميلة من الجمع بين الرهبة والرغبة، فالرغبة تدعوكم إلى الشوق وإلى التضرع، والابتهال، والذكر والشكر، والاجتهاد في جميع الأعمال، والرهبة تخوفكم عن الأمن، والكسل، والفشل، ويحتكم على الصبر في كلّ أمر يحبّه منكم وفيكم، وهذه طريقة الدخول في هذا السلوك، فإنّ التفكر فيما يزيد المرء رغبة، وفيما يزيده رهبة في الله، ومن الله يبلغ به المراتب العلية.
قال:
647 - وفي منتهى في، لم أَزَلْ ليَ واحداً جلال شهودي عن كمال سجيَّةِ 648 – وفي حيث لا في لم أزل في شاهداً جمال لا بناظر مُقْلة وجودي يقول: وفي منتهى العلم الذي فيَّ لم أزل أنّي في علمه تعالى لم يزل بي عليماً لي واحداً قوله موجداً يحتمل معاني أحدها أنّه في منتهى علمه الذي لم يزل بي عليماً لي شاهداً خلال شهودي في علمه بعدما أوجدني علماً، ثمّ مثالاً، ثم ظهوراً، وشهود الله هو جلال الشهود، ويشهدني عن كمال سجيّة، أي هو أوجدني كذلك، وقد شهدني كذلك في علمه الذي لم يزل بي عليماً إلى تجلي طاعته. ويحتمل أنه أراد: وفي منتهى علم الغيب الذي لم يزل الله بي عليماً أُرى واحداً، أي مشاهداً جلال شهودي من الله لي في علمه عن كمال سجية، أي أرى جلال شهودي، وجلال الشهود هو شهود الله له؛ لأنّ شهود المرء لا يستحق أن يسمى جلال الشهود مع شهود الله لعلم ذاته، ولعلمه الذي أوجده علماً، وهو
596 (1/596)
صفحة 597
المجال: المطبوعات، كتب
المادة: إسلاميات - التزكية والأخلاق
------------------------------------------
العنوان: إيضاح نظم السلوك إلى حضرات ملك الملوك
المؤلف: ناصر بن جاعد الخروصي
تقديم وتحقيق: وليد محمود خالص
الناشر: هيئة أبو ظبي للثقافة والتراث - دار الكتب الوطنية
مكان النشر: أبو ظبي - الإمارات
تاريخ النشر: 1432ه/ 2011م
الطبعة: 1
ردمك: 978-9948-01-777-6
مصدر البيانات من برنامج الرستمي بموقع المنهاج:
https://www.elminhaj.org/catalogue_rech_notis.php?id_liv=3689&id_ty=1
------------------------------------------
مصدر النسخة المصورة للكتاب (PDF) من موقع المكتبة السعيدية:
https://alsaidia.com/node/820
ملاحظة: قامت المكتبة السعيدية باستغلال تقنية التعرف الضوئي على الحروف في اللغة العربية (OCR) في إنشاء هذه النسخة المصورة (PDF)، لذلك فإنه يمكن البحث فيها للوصول إلى المعلومة بسهولة.
تنبيه: قام فريق مشروع المكتبة الشاملة الإباضية باستغلال تلك التقنية لتوفير النص المرقون، وذلك بالتحويل الآلي لصور صفحات الكتاب إلى نص، لذا فالنص الناتج ليس صحيحا 100%، لذا يمكن استخدام ذلك النص لنسخ جمل وفقرات من هذا النص الناتج، مع ضرورة مراجعته ومقارنته بنسخة (PDF) المرفقة، وتعديله وفقا لذلك قبل اعتماده.
ترقيم الصفحات: موافق للمطبوع
تاريخ النشر الرسمي بالشاملة الإباضية: 09 رمضان 1446ه/ 09 - شهر 03 - 2025م. يري شهود الله تعالى لذاته في علم الغيب عن علمه بطاعته لله، فافهم.
وقوله: وفي حيث لا يحتمل كلامه معاني أحدها وفي حيث لا وجود لحيث، ولا زمان ولا وقت ولا مكان، وفي حيث لا وجود له، وإنّما هو لم يزل الله في -بفتح الياء- أي بي، وبتصريفي وبما يكون منّي، ولذلك قال: في ليجمع علمه به، وبأحواله، وأعماله كان لي شاهداً جمال وجودي، أي يراني قبل أن يوجدني أنّي على طاعته كما يراني في وجودي، فلم يختلف علمه بي وينظرني لا بناظر مقلة تعالى الله، فإن كان يعني أ أن الله يشاهده كذلك فهو ينظره لا بنظر مقلة، وإن كان أراد أنَّ ذاته ترى الله تعالى أنه يراه كذلك، فهو كذلك ينظر علم الله تعالى به لا بناظر مقلته، بل ينظر عين ذاته الروحية الحجرية، أي الفعلية، وذلك أنّه لما أشار إلى العاصي، وإلى سابق علم الله فيه، وإلى معنى العلم السابق، وإلى أنّ الله تعالى هو موجدهما علماً أولاً ثم ظهوراً، فافهم ذلك.
***
597 (1/597)
صفحة 598
[صفحة فارغة] (1/598)
صفحة 599
الباب الثاني والعشرون
في الإرشاد بلسان المقام المحمدي:
قال:
649 - فإن كنتَ مِنّي فَانْحُ جَمْعي، وامْحُ فَرْ قَ صَدْعي، ولا تَجْنَحْ لجنح الطبيعة يقول: فإن كنت منّي: أي إن كنت من أهل الاستعداد والقبول والرغبة إلى مقاماتي هذه فانح جمعي، أي اقصد طريقة حضرات أحدية جمعي، وامْحُ عنك فرق صدعي بتنوين الياء، وأراد بالصدع الانشطار إما إلى حضرات الظاهرية، وإما إلى الحضرات الباطنية. يقول: امح الفرق الانصداعي حتى تصل إلى مقامات الجمع؛ لأنّ الانصداع بأحدهما مع ترك الآخر يوجب إما أن يشاهد الله تعالى بعين النفس إلى أفعاله دون صفاته بعين الروح، وإما أن يشاهد الله تعالى بعين الروح بصفاته دون أفعاله في عالم الشهادة بعين النفس، فهذا هو معهم الفرق الصدعي في اصطلاحهم)، فامحُ حجب الروح حتى تشاهد حضرات الصفات الإلهية وامعُ حجب النفس حتى تشاهد [126 و] الحضرات الفعلية، الإلهية مشاهدة لا غفلة معها، ولا يكون ذلك إلا بقوة المحبة، وكثرة الرغبة؛ لأنه كلما قويت المحبة في شيء قللت غفلتها عنه، وعن ما يحبّه، والسعي فيما يحبّه ويقربه إليه، وهذا هو الميزان الصحيح في صدقها كما هو موجود في الناس في ما قويت فيه محبتهم، حتى إنّهم يسهرون الليل ولا ينامون، وكثير من العلماء ممن قويت محبتهم في إبداع علوم انفتحت له لا ينام ليلته تلك التي انفتح له فيها ذلك العلم، كذلك معرفة ومشاهدة جماله وجلاله وكماله، فافهم ذلك.
عن
(1) الفرق الصدعي: من مصطلحات ابن الفارض إذ لم نجده في معاجم التصوف بهذا النّص، وهو يقتر ن مصطلح المحو الذي هو فناء عن شهود السوى، وحقيقته فناء ما. سوي الله عن شهودهم وحسّهم فهو غيبة أحدهم. سوي مشهوده، بل غيبيته أيضاً عن شهوده ونفسه، وقد يسمّى حال مثل هذا سكراً واصطلاماً ومحواً وجمعاً، وقد أسهب الصوفية في شرحها، ينظر موسوعة العجم، ص 851 و 67 عن الاصطلام وهو القطع والاستئصال.
599 (1/599)
صفحة 600
هي
قال:
650 - فدونکها آيات إلهام حكمة لأوهام حَدْسِ الحِس عَنْكَ مُزيلة يقول: فدونكها: أي إن كنت راغباً إلى هذا السلوك من الوسائل إلى الله تعالى فدونك، أي فخذ هذه المعاني فإنّها آيات إلهام حكمة، مزيلة عنك لأوهام حدس الحسّ، والأوهام الخيالية، والحدس هو الظن الصادر عن سرعة الفكر، ويصيب الظن تارة ويخطئ أخرى، فقال هذا لأوهام أي لخطأ حدس أي ظن فكرة المفكر في عالم الحس، وقد ذكرنا أنَّ للعقل ثلاثة عيون: عين البصيرية، وهي التي لا تخطئ أبداً، والعين الغريزية وهي التي هي كالملك، وهي المأمورة باتباع البصيرية التي هي له كالرسول من الله والنبي، وبمخالفة غلطه ومخالفة غلط النفس المدبّرة المخيلة التي هي مثل الساحرة قد تعلمت التخييل السحري من الشيطان، وهذه الخيالات هي الوهم، ولا تتخيل إلا للعين الغريزية والعين المدبرة، إلا الأنبياء فإنّهم لا تأتيهم الخيالات لقوة نظرهم؛ لأنها لا تكون إلا من قلة قوة النظر منهما، فافهم.
قال:
1 65 - ومن قائل بالنَّسْخِ والمَسْخِ واقع به أبرأ وكُنْ عمّا يراه بعزلة 652 - وَدَعه ودعوى الفشخ فالرَّسخُ لائق به أبداً لو صح في كل دورة يقول: إن كنت راغباً إلى السلوك إلى هذه المقامات القربية، والكشفية، التوحيدية، الوسيلية فلا تشتغل بعلم غيرها، وعلم الشريعة والحقيقة والطريقة، والمكاشفة، ودع علوم الطبيعة التي غالبها مبني على الظنّ والوهم، ودع عنك التفكر في قول كلّ قائل في غيرها، ولا تلتفت إلى ذلك، ولا تأخذ علمك ممن قالها، ومن قائل بالنسخ للأرواح (1)
عنك
(1) القائلون بالنسخ أو التناسخ كثيرون منهم الحرنانية من الصابئة والبراهمة من الهنود، و «ما من ملة من الملل إلاّ وللتناسخ فيها قدم راسخ وإنّما تختلف طرقهم في تقرير ذلك على حد قول الشهرستاني في الملل والنحل، 236/ 2، وخلاصة التناسخ هو أن تتكرر الأكوار، والأدوار إلى ما لا نهاية له، ويحدث في كل دور مثل ما حدث في الأول، والثواب والعقاب في هذه الدار، لا في دار أخرى لا عمل فيها»، الملل والنحل، 2/ 54. ورأينا الشيخ ناصر في المتن يقف عند أنواعه الأربعة شارحاً ومفسراً، فالنسخ هو انتقال النفس من شخص الإنسان إلى شخص إنسان آخر، والمسخ هو انتقال نفس الإنسان إلى غيرها من صور الحيوان، والفسخ هو الانتقال إلى النبات، والرسخ هو الانتقال إلى الجمادات، وهذا يشير إلى سعة اطلاعه على أصحاب المقالات غير الإسلامية
600 (1/600)
صفحة 601
الإنسانية، والمسخ أنه صحيح واقع كائن أن نفس الإنسان ما لم تلتحق في تكميلها عالم الملائكة فتصير ملكاً في السموات بعد مفارقة جسد إنسانها تصير في إنسان آخر كذلك دائماً حتى تلتحق بالملائكة من مكمّل لها، وهو النسخ، وإن كانت النفس بمنزلة نفس الحيوان في الإنسان انتقلت في حيوان يماثلها بعد مفارقة جسدها الإنساني، وهو المسخ وإن كانت نفس الإنسان أوهن من نفس الحيوان انتقلت بعد موت إنسانها في نبات، وهو الفسخ، وإن كانت أوهن من ذلك أيضاً، أو كانت في وصفها جامدة لا تسمع، ولا هي انتقلت في المعدن والتراب وغيره، وهو الرسخ. وقوله: به أبرا - بإسقاط الألف من أبرأ في القراءة دون الكتابة، ومد الراء بالألف، أراد اشفِ قلبك من حبّ هذا العلم الفاسد، ومن اعتقاده؛ لأنه قول باطل. وقوله: به أي بذلك العلم الإلهي الحقيقي الكشفي؛ لأنّ علم الطبيعة فكري، والفكر يصيب تارة ويخطئ أخرى، وربما لا تدري خطأك من صوابك، وأما علم المكاشفة فهو علم إلهامي لم يكن كونه في عقلك بفكرك، إنّما وقع بكشف، وإلهام من الله تعالى به أبرأ وأشفى جهلك أن تضلّ كما ضل من قال بثبوت الفسخ والمسخ، والنسخ والرسخ، وكن عما يراه بعزلة عنه من كان علمه، وفهمه، وقياساته هكذا فدعه ودع دعوى الفسخ والرسخ، ولو صح قوله كذلك في كل دورة، كما زعم لكان الرسخ لا يؤبه دائماً أبداً، أي بهذا القول هذا [126 ظ] المذهب ولكنه غير صحيح، وقوله: في كل دورة، وأنَّ الرسخ كان هو الأليق به أبداً، وهي حجّته التي أدحض قوله ودعواه بها.
[بيان] (1):
وذلك أنّ قول الفلاسفة الذين هم غلطوا في علم الفلسفة مع أنّ علم الفلسفة حق (2)، وهو يطلق على علم حقائق الموجدات كلّها، علمها الظاهر كالعلم الطبيعي، والتكويني،
أيضاً، ينظر عن النسخ وأنواعه موسوعة العجم، ص 966. (1) ما بين المعقوفين ساقط من س، والزيادة من الأصل. (2) هذا موقف يحسب للشيخ ناصر الله يدلّ مرة أخرى على سعة أفقه، وقدرته على إدراك الترابط بين العلوم بحيث تخدم جميعها أغراضاً واحدة، وها هو يرحب بالفلسفة ومباحثها، ولم يقف كما وقف غيره منها موقف العداء والرفض، بل نظر إليها بعين الاصطفاء والانتقاء، فهي ليست شراً محضاً بل فيها جوانب مفيدة تنفع العقل، وتفسح المجال أمامه للتحليق والاكتشاف، وينظر كذلك كتابه [الإخلاص]، ص 206، ففيه تفصيل مفيد. الفلسفة عن ومباحثها، ويقرّر هناك أن علم التفلسف في غير التوحيد، وفي غير ما أخطاؤوا فيه هو علم شريف جليل، وبه تنكشف حقائق المخلوقات من الأرض والسموات فكيف يصح تحريمه؟». وهذا غير محتاج إلى تعليق لوضوحه.
601 (1/601)
صفحة 602
والجواهر، والأعراض، وما يزول، وما هو ثابت، وما هو مفارق إلى غير ذلك، ولكنَّ كلّ علم فيه بعض المتكلمين محقّ، وبعضهم ضالّ، ليس علم الفلسفة بهذا مخصوص من سائر العلوم، ومن ضلاله من ضلَّ فيه قول من قال بالنسخ، والمسخ، والفسخ، والرسخ، بالأربعة الأدوار فقالوا: إنَّ أصل عالم الحياة هو في عالم الطبيعة كلّي غير متجزئ فيه، وهو متصل بالأرض وأحجارها وترابها، فإذا استكمل شيء منه ظهر في صورة المعدن على قدر تكامله، وإن فسد ذلك الجوهر من معدن، أو حجر كانت وكانت قد تكامل أمرها فوق مرتبة الحجرية استحالت في النبات والتراب والأحجار على قدرها في عالم التراب والأحجار، كذلك على قدرها تكون في النبات، في الصغير، والكبير منه، والحلو، والمر، وهي الدورة الثانية، فإذا فسد ذلك النبات، ومات، وإن لم يتكامل، رجعت في نبات غيره، أو ظهرت من الأرض نباتاً كالأول، وإن ضعفت في ذلك النبات رجعت إلى المعدن، وإن تكاملت عن مرتبة النباتية انتقلت في الحيوان، وهي الدورة الثالثة في حيوان أو ظهرت حيواناً في حين الولد، فإن مات، ولم يختلف عن صورتها فيه رجعت إلى مثله، وإن ضعفت فإلى أضعف، وإن قويت فإلى أقوى، وإن وهنت عن الحيوانية رجعت إلى النبات، وإلى المعدن كما ذكرناه، وإن تكاملت عن الحيوانية انتقلت في إنسان حين ولده من أمه وأبيه، وظهرت إنساناً، وإن مات وقد تكاملت وعلت مرتبتها عن المرتبة الإنسانية صارت ملكاً في السماء بغير جسد بل روحاً روحانية (1)، وهو غاية عالمها، وإن لم تتكامل عن مرتبة الإنسانية انتقلت إنساناً، وهو النسخ، ولم يزل كذلك حتى تجد من يرقيها عالمها، وإن وهنت عن المرتبة الإنسانية حيواناً يشاكلها كالشجاعة نمراً وأسداً، وكالمراوغة ثعلباً، وكالبهيمة بهيمة، وهو المسخ، وإن كانت أوهن من الحيوانية ظهرت وهو الفسخ، وإن كانت أوهن انتقلت في معدن، أو تراب، وهو الرسخ، فقال: ولو صح هذا لكان الرسخ أولى به دائماً أبداً؛ لأنه إذا كانت الإنسانية تنتقل معدنية لضعفها، فمتى تكمل روح المعدن حتى تصير نباتاً، ومتى تكمل النباتية حتى تصير حيوانية، ومتى تكمل الحيوانية حتى تصير إنسانية، مع أنّ الإنسان رجعت معدنية إما من قلة شرف ذاتها
نباتاً،
(1) هذه هي الغاية النهائية للقائلين بالنسخ إذ إنّ النفوس لا تزال تنتقل من جسد إلى جسد إلى أن تكمل النفس فتصير طاهرة عن جميع العلائق الجسمانية، فحينئذ تتخلّص إلى عالم القدس، والطهارة الثابتة، ينظر موسوعة العجم،
ص 997.
602 (1/602)
صفحة 603
فلا
يصح ترقي ذات وهنة، وإما بأفعال وهنته التي فيه، فجميع الذوات غالبها لا تختلف طباعها، وإن كبرت وهنت وضعفت، وكذلك النبات فغالبها ترجع إلى الرسخ، والرسخ لا يكمل فيه؛ لأنه زعم أنه أدناها فأنّى ترتفع، وقد فرضه أدناها.
إن هذا من التناقض والضلال البعيد، وقد نبهتك على طريق الحق، أو لأكشف ذاتك، وتمر أسماء ذاتها الأربعة: الأسماء الأصولية ثم صفاتها، وأسماء صفاتها، وهي مظاهر أسماء ذاتها، ثمّ أسماء أفعالها بالمظاهر الأربعة والخامس وهي الحواس الخمس، ثمّ إدراكها، وتصرفها في الوجود بأسره، ثم مكاشفاتها في عالم الملكوت، ثم في عالم الجبروت، ثم تجلي صفات الله، ثمّ أسماء أفعاله، ثمّ أسماء صفات ذاته، ثمّ معرفة واجب وجود ذاته بمعرفته من معرفة نفسك، فصارت ذاتك دليلاً على معرفة وجوب ذاته، وصفاتك مرآة لتجلي معرفة صفاتك، ومظاهر صفاتك مرآة إلى الروح الحيوانية لتجلي مظاهر صفات الله تعالى، وتصرف أسماء ذلك، وتجليها في الوجود مرآة لتجلي صفات الله في الوجود، وهذا كشف صريح في عظمة كرامة الله لك. واعلم أنه ليس شيء [127 و] في الوجود عاصياً لله تعالى إلا من عصى الله من الإنس والجن والشياطين مع أنّ جميع أجزاء هؤلاء كلّها في طاعة الله تعاليوإنّما أمر ذواتهم، خالفت الله تعالى وعصته فاستحقت المقت لأجل هذا التكريم الإلهي لها لزمها العبادة له فلم تطعه، وإلاّ فجميع الكائنات مستسلمة، طائعة، سامعة لأمره، وناطقة بطاعته وتسبيحه، ومتفعلة لما يريده منها وبها، فاستحضر واستح من الله إن كانت لك أذن واعية، ورغبة داعية، وهيبة سائقة، وهمة عالية.
قال:
653 - وضربي لك الأمثالَ مِنْيَ مِنَّةٌ عليك بشأني مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةِ يقول: وضربي لك الأمثال بشأني، أي بحالي في جميع ما ذكرته من وصف ذاتي، وأسمائها، وصفاتها، وأفعالها، وتصرفها في جميع العوالم مرة بعد مرة، أي بتكرار ذلك مني منة، أي تفضلاً عليك؛ لأنَّ كشفي لصفاتي هو كشف لصفاتك، وكشف ذلك لتوحيد الله للسلوك إليه، فافهم.
قال:
603 (1/603)
صفحة 604
654 - تأمل مقامات السروجي واعتبر بتلوينه تَحْمَدُ قبول مشورتي 655 - وَتَدْر التباس النَّفْس بالحس باطناً بمظهرها في كل شكل وصورة 656 – وفي قوله إنْ مانَ فالحق ضارب به مَثَلاً والنَّفْسُ غَيْرُ مُجدّةِ
يقول: إذا شئت تدري ما قلته في علم الله السابق، وفي مشاهدة الحضرات الإلهية، وإمكان التلوين فيها، والتمكين (1) منها. وتأمل مقامات السروجي: أراد مقامات الحريري، وضربه الأمثال بالسروجي، واعتبر بتلوينه: أي بأنواع ما أبداه من المثالات تحمد قبول مشورتي أراد تحمد قبول دلالتي لك، وكشف الحق إليك بما أضربه لك من الأمثال، وتدري: أي وتعلم التباس النفس بالحس، أي بحجب المحسوسات باطناً، أي بالعلم الباطن الغيبي فيها بمظهرها، أي تدري بمظهر تدبير ذات المرء في كلّ صورة من حواسه تدبير الله تعالى، وظهوره في كلّ صورة ذات المرء، ولجميع الموجدات بالقياس من ذاتك، وبذات الحريري فيما أبدعه مثالات وفي قوله أي وفي ما أبدعه مثالات، وإن مان فيها، والمين، الكذب، ولكن هنا أراد بعض معناه أي وإن كان ذلك لم يكن فقد كان ضارباً مثلاً به في الحق، وهو مثال صحيح لما نحن بصدده، والنفس غير مجدة، أي نفس الحريري لم تتخذ ذلك أنه كائن ما مثله، وإنما أراد به الهداية، والتعليم، وتلوّن في حكاياته لتنوع العلم الذي أراد أن يتكلم فيه، فتارة في صورة واعظ، وإظهار الموعظة والنصيحة، ومرّة في شكل حكيم، وتلفيق الحكم والمثالات، ووقتاً في زي زاهد مجد، وإظهار كلام الزهاد، وطوراً في هيئة هازل، وإظهار ما يناسب ذلك من الكلام، ووقتاً في شكل عارف بفنون الفصاحة والبلاغة، وأخرى في زي العلماء بالشريعة والفتوى، وأخرى في صورة عارف بأسرار علم الحرف، وأخرى في زيّ طبيب حاذق، وزماناً يبدو في زيّ لاغز في كلامه، وهو شخص واحد يظهر بهذه الأشكال المعنوية، وليس الحريري هو منفرد بهذا الأسلوب، بل هذه عادة العرب في التشبيه بالأمثال في الشعر، والنثر، وانظر إلى آيات الفاتحة، فإنّها في صيغة نظمها كأنها عن عبد لله ولي ترقى في الحضرات الإلهية، ويخاطب ربّه بها عن مكاشفة بالعلم به في حضرة أسماء ذاته، وصفاته في الحضرات الباطنية، ثم عن مكاشفة بأفعاله بتجلية بأسماء الأفعال في العالمين في حضرات الآخرة،
(1) مرَّ الحديث عن (التلوين) و (التمكين).
604 (1/604)
صفحة 605
اصطلاحهم
ثم في حضرات العبادة والعبودية، ثمّ في حضرات الاستعانة والتبريء من الحول والقوة والطول، ثم في حضرات التذلّل والسؤال والابتهال، ثم في حضرات النظر إلى السابقين الداعين إليه، ثم في حضرات مشاهدة [127 ظ]،العاصين وهي حضرات الرجوع إلى العبادة بعد الوصول إلى حضرات الجمع فهو في صيغة مقامه، وجميع المقامات التي إليها وصل الواصلون، وهي من كلام الله تعالى، وأتى بها في صيغة كان غيره المخاطب له بها؛ لأنّ القرآن عربي، فهو سالك قانون العرب في بلاغة الفصاحة في كلامهم، وسالك منهج أهل كلّ فن من العلوم العليَّة في مخاطباتهم بعضهم لبعض في العربي من الفصاحة، فليس الحريري هو متوحد بهذه الطريقة، بل هي التي عليها جمهور الفصحاء، وهي الجادّة الكبرى في سلوكهم بالبلاغة، وأشار الناظم بضرب المثل بذات الحريري، وما أبدعه من المثالات هو ما ذكرناه من المعاني المعنى الأول: وأشار إلى إيجاد الله تعالى للوجود، وأنّه لم يزل الله به عليماً، وهذه مسألة عظيمة في التوحيد، وقلَّ من يفهم لها، ولم يأتِ إيضاحها كثيراً في الكتب، وإنّما يأتي غالبها مجملاً من القول فيها، وذلك قولهم إن الله تعالى أوجد الأشياء، ولم يزل بها من قبل عليماً، فالمعنى في ذلك على وجهين: أحدهما لم يزل بها عليماً من حين أوجدها علماً مثالات، فهو لم يزل يراها بعد ذلك كما أوجدها علماً قبل أن يوجدها ظهوراً، ولا يصح إلا ذلك، والمعنى الثاني: أنه لم يزل الله عليماً بإيجادها أنه لم يزل الله يراها قبل وجودها كما يراها بعدما أوجدها؛ لأنه بذلك يثبت أنّ الأشياء أصلها مثالات قديمة أزلية، والله تعالى لم يزل عليماً بما بها، وتوضيح ذلك أن يقال إنّ الأشياء هي شيء أم لا، فإن قال: هي شيء، وقد صدق، قلنا: يراها الله قبل إيجادها أشياء غير مكوّنة، أو يراها غير شيء، فإن قال: أشياء أثبتها مثالات لا محالة. قلنا: تلك الأشياء التي يراها الله من جعلها أشياء؟ فإن قال: الله تعالى، قلنا: متى؟ وهو لم يزل يراها أشياء فقد أثبت أزليتها إثباتاً لا ينفك عنه، وإن قلت: إنّه يراها غير شيء، قلنا: كيف يرى شيئاً غير شيء؟ هذا من التخالف، فإن قلت: إنّه يراها بعد ما أوجدها أشياء مثالات، وإنّها من قبل غير شيء أصلاً، أصبت الحق، وأثبت أنَّ الله تعالى لم يزل عليماً بإيجادها، فإن قلت أفلا يراها قبل أن يوجدها؟ فنقول: قبل أن يوجدها شيء، ونفسه لم تزل عليمة بالإبداع للأشياء التي هي في الأصل غير شيء، وقادرة على ذلك، وهذا هو المعنى أنَّ الله تعالى لم يزل عليماً بالأشياء، أي عليماً بإيجادها أشياء علماً
هي
غير
605 (1/605)
صفحة 606
وظهوراً. وضرب لك في ذلك مثلاً تدبير ذاتك بمظاهرها، وإبداع الحريري لمقاماته التي هي مثال وعلم، هل كانت قبل أن يبدعها مثالاً يراها بذاته، أم لما أراد إبداعها كانت فرآها بعد ذلك؟ وهل يقال قبل إبداعها غير عالم بها، إذ لو كان غير عالم بها، أي بإبداعها لم يقدر على إبداعها علماً مثالياً، ولا يقال أبدع لذاته ذلك العلم فصارت به عالمة؛ لأنه لو لم تكن نفسه عالمة إلا حين أبدع تلك المثالات فصار عالماً إذ كان عالماً بها يراها كذلك لما قدر على الإبداع؛ لأنه إذا كانت نفسه غير عالمة إلا حين أبدع ذلك لم يقدر على الإبداع أصلاً، وهذا مثال يخبر به عن الله تعالى أنه هو أبدع الأشياء علماً مثالات، فكانت أشياء ولا يقال إنها كانت أشياء يراها أشياء، ولا أنَّ ذاته غير عالمة بذلك؛ لأنها لو لم تكن عالمة لما قدرت على إبداعها علماً، ولا يوجب أنها إذا كانت ذات عليمة بها كانت أشياء يراها، كما أن ذات الحريري لا تسمّى غير عليمة بما أبدعه، ولا يوجب أنها كانت قبل إبداعه لها يراها أشياء، وإنّما رآها حين أبدعها كذلك الله تعالى رأى الأشياء كما لتكون حين أبدعها علماً، فإن قلت أفليس هو عليم بها قبل أن يبدعها؟ قلنا إنه لم يزل عليماً قادراً على إبداعها، وقبل أن يبدعها ليس هي شيء أصلاً، فلا يقال إنَّه عليم بها [128 و] لأنها ليست بشيء، ولكنّه عليم بإبداعها، ولو لم يكن عليماً بإبداعها لم يقدر على إبداعها فافهم، فإنَّ الله لم يزل عليماً بالأشياء على إبداعها، لا أنها كانت أشياء، وهو عليم بها ونفسه لم تزل عليمة بالإبداع كما يشاء، فإنّ الله لو شاء لغير الوجود على غير هذا الترتيب، ولم يرده، ولا يوجب أنّه لم يزل يوجد الأشياء كما في قدرته، إذ قدرته لا نهاية لها، والأشياء في علمه نهاية، وقادرة ذاته على أن يوجد الأشياء بلا نهاية، فتكون كثرة الأشياء بلا نهاية، ولكنّه لم يشأ فكانت لكثرتها نهاية، كذلك قدرته في تكميل الأشياء بأكمل من كمالها هذا بلا نهاية فيكون كمالها في قدرته بلا نهاية، ولكن لم يشأ ذلك فصار كمالها له نهاية، ولا شيء بعد تلك النهاية؛ لأنه لم يردها الله تعالى فلم يكن شيئاً، ولو وجب أنّ الأشياء بلا نهاية لوجب أنها قديمة بلا نهاية؛ لأنه يكون علمه فيها بعد ذلك الإيجاد، وعلمه فيها قبل الإيجاد بلا نهاية فتكون قديمة، وأن مخلوقه دلّ على أنها كانت غير شيء، وإنّما نفسه عليمة وقديرة، وكانت في سابق علمه أي في قدرة إيجاده لها، وعلمه بإيجاد لها. فإن قلت: حيث انتهيت إلى هذا المقام في التوحيد الخفي: أليس يدخل فيه علم القدر، وأنّ الله هو خالق النفوس منها طيب ومنها خبيث، ولم تكن هي في الأصل نفوس، والله عليم بها علماً أزلياً إذا ثبت
606 (1/606)
صفحة 607
أنها لم تكن في الأزل نفوساً، والله عليم بها، وخلقها للاستحقاق لنظره إليها أنها عاصية في علمه؛ لأنك نفيت أنها كانت غير شيء أصلاً لا اسماً، ولا رسماً، ولا مثالاً، ولا علماً، وإنّما الله نفسه عليمة، وقادرة على كل شيء يبدع ما شاء، فأبدع النفوس فكان منها طيب هو أبدعها طيبة، وكانت في علمه أنها لتكون طيبة من حين أبدعها، وكانت الخبيثة خبيثة في حين أبدعها مثالاً في عالم الغيب، والمثال هو العلم بها في علمه بها، فكانت في سابق علمه كما هو أبدعها مثالاً علمياً. فنقول: في ذلك: اعلم أنّ الله تعالى قبل أن يخلق الخلق في عمى (1) أي لا يعرفه، ولا يعرف توحيده أحد، ولما خلق الخلق، وكشف لهم من توحيده ما أراده أن يتجلى لهم به عليهم فهو الذي عرفوه به، وهو كذلك كما كشف لهم من معرفته حقيقة لا يجوز خلافها، وما لم يتجل لهم به من معرفته، فهو عن الخلق في عمى، فالعلم بالله تعالى كله ينتهي إلى عمى مما لم يكشفه توحيده، وما كشفه فلا يجوز أن يكون على ذلك، وممّا وصف به نفسه أنّه عدل كما هو في صفة العقول النورانية، وأنه لم يجبر العباد على معصية ولا على طاعة، وأنّه عليم بمن يعصيه أنّه ليعصيه، وبمن يطيعه قبل أن يطيعه؛ لأنه لو ثبت غير عالم به دلّ على أنه ليس بكلّ شيء عليم، ومن لم يكن بكلّ شيء عليم لم يقدر أن يخلق شيئاً أصلاً، ولا يعرف شيئاً أصلاً؛ لأننا نحن صرنا نقدر على شيء دون شيء بما هو أقدرنا عليه، وإذا لم يكن قادراً على كلّ شيء لم يقدر أن يقدر الناس على شيء فدلّ على أنه بكلّ شيء عليم، وليس العلم بالشيء يوجب الجبر عليه، والله تعالى وإن كان خالق النفوس في أول الأمر، وأنها لم تكن من قبلُ شيئاً هو لم يزل عليماً بها فإنّ نفسه عليمة قادرة، ولا يصح في وصفه أن يقال إنّه لم يزل يزداد علماً بما يخلق، ولا أنه كذلك علمه لا يزيد ولا ينقص، ولا أنّه يبدو له أمور لم تكن قد بدت (2) له من قبل كالتذكر لشيء لم يكن ذاكره من قبل، فيكون قد بدا له نظر آخر لم يكن به عليماً من قبل، وإن كان الله تعالى من قبل في عمى.
وقوله: كنزاً لم أعرف فأحببت أن أعرف فحينئذ أحبّ أن يعرف، ولم يكن من قبل له
-
(1) هذا الكلام يستند إلى حديث نبوي مرّ الاستشهاد به، وتخريجه، وشرحه. (2) يتحدّث الشيخ ناصر الله هنا عن مبدأ تقول به بعض الفرق وهو (البداء) وله معان مختلفة، منها البداء في العلم أن يظهر لله - تعالى الله. وهو خلاف ما علم، والبداء في الإرادة وهو أن يظهر له صواب على خلاف ما أراد وحكم، والبداء في الأمر وهو أن يأمر بشيء ثم يأمر بشيء آخر بعده بخلاف ذلك. وغيرها، والشيخ يعرض جوانب من هذا الموضوع، وينزّه الله تعالى عنه، ينظر عن (البداء)، الملل والنحل، 1 [118، وما بعدها.
607 (1/607)
صفحة 608
أنه
هذا النظر بل بدا له، وأحبّ أن يعرف. فالله تعالى منزّه عن هذه الصفات كلها فإنّ بحر التوحيد ينتهي إلى عمى، وذاته لم تزل عليمة بكلّ شيء بما سيكونه من قبل غير شيء، ولا يقال إنّه مضت عليه مدة لم يرد ذلك، وأنه أراد التأخير في هذه المدة، وفيما [128 ظ] مضى له، وعليه من المدة لم يرد ذلك فإنَّه لم تكن هنالك مدة ولا زمان ولا حين، وفي كلّ صفة من صفات الله تعالى نهايتها ينتهي علم الخلق فيها إلى عمى، ليس علم القدر مخصوص بهذا حيث ينتهي إلى عمى، وقال الله تعالى: {وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا} (1)، وقد نهى كل نبي لقيه عن الغوص في علم القدر، وعن التفكّر في الله تعالى. وروي عن النبي قال [تفكروا في آلاء الله ولا تتفكروا في الله تعالى) ولكن حيث انتهينا في علم التوحيد إلى هذا المحل فلا بد أن نتكلم في القدر بمثال يصح تصوره لئلا تصور النفوس في الله تعالى أنه عدل بالإقرار والتصديق دون المكاشفة، ونحن في سياق المكاشفة في توحيد الله تعالى فنترك مكاشفة علم القدر، وإن كان الإقرار والتصديق بعدل الله تعالى، وإن عدل في كلّ شيء، وأنه لم يجبر العباد على معصية، ولا على طاعة، وأن للمرء قدرة على اختياره لأحد الطريقين، وأنه إن عصاه فباختياره، وإن أطاعه فباختياره كاف لأهل التقى، ولكن اكتفاء بذلك عن مكاشفته سبحانه وتعالى بعدله في القدر مما يقدح بالظن في الله تعالى فكان لابد من الدخول فيه فنقول: اعلم أنّ الله تعالى، نعم خلق النفوس، وكلّ شيء من قبل أن يكون شيئاً، لا مثالاً ولا علماً، ولكن المثال في ذلك أنّ الله تعالى خلق أوّل ما خلق نور (3) من تجلي نور العلم به جل وعلا، ولم يكن وجود لشيء إلا من ذلك النور، وخلق منه القلم ذاته وروحه ونفسه، وليس هو قلم جسمي، وإنّما هو من النور، وليس هو نور أبيض كما هو المعروف في نور الشمس، ويحتمل أن يكون له صورة، وخلق اللوح من نور القلم ونفسه وروحه وذاته وليس هو لوح جسمي، وفي ذلك اللوح جميع العلم مجملاً ومفصلاً بالمثالات والمعاني والهيئات، وخلق الله تعالى الملائكة من ذلك النور اللوحي، ونفوسهم من نفسه، وأرواحهم من روحه الكلية، وذواتهم من ذاته، ولم يختلط خلقتهم بالكثائف ولا بالطبيعة الكبرى، ولا بالطبيعة الوسطى (4) فلم يكن بينهم في
النبي
(1) الإسراء، الآية 85.
(2) مرّ تخريج الحديث.
6
(3) وقفنا بتفصيل عند هذا الموضوع فيما سبق.
(4) أشرنا إلى الطبائع الأربع فيما سبق، وهناك طبيعة خامسة. الطبيعة المجرّدة، وهي من صفات الملائكة، على
608
مي (1/608)
صفحة 609
نفوسهم وأرواحهم، وبين مشاهدة الله تعالى بصفاته لا مشاهدة ذاته حجب حاجبة في كل ما تجلى لهم به من العلم، مع أنه يتجلى من العلم على هذا ما لا يتجلى به على الآخر، فجميع علمهم بالمكاشفة فيما بينه وبينهم من غير حجاب في نفوسهم يحتاج إلى إزالته، بل نفوسهم مستعدة لتجلي علم الله تعالى، فكلّ شيء وقع في نفوسهم فهو عن الله لا محالة، ولذلك مثال في ذات المرء هي الرؤيا الصادقة، فإنّ روح المرء ونفسه لما أغمضت عن مشاهدة الحجب ونامت فإذا دارت الروح جهتها إلى عالم الغيب، أو النفس، أو الروح، أو هما معاً إلى عالم الغيب أو إلى عالم حقائق عالم الشهادة، أو إلى عالم المثالات، فإذا واقعت بإدارتها إلى نظر شيء من ذلك، أو إلى عالم الغيب رأت ما رأته من الرؤيا الحق، وصح أن لها تأويلاً صحيحاً (1) لا شك فيه، علم أنه عن الله تعالى، كذلك إلهام العلماء العلم، وما يخرجونه بالعقل من الحق الصحيح هو عن الله تعالى، وليس كلّ من رام النظر إلى عالم الغيب، أو إلى حقائق عالم الشهادة قدر على كلّ ما رآه، فإنّ الله تعالى تجلّى له ما أراد الله تعالى، فكذلك الملائكة بغير رؤيا منام فكانوا كلّهم على طاعة الله تعالى، وقد مدت عقولهم بالمحبة الكلية التي باللوح وبالقلم، وحيث لم يكونوا إلا من النور المحض الخالص لم يكن نظرها إلا إلى الكمال الإلهى، ولم تحبَّ غير ذلك، وخلق الله تعالى الجنَّ من النار، والنار في الحقيقة مختلطة بعالم الطبيعة الوسطى، ولا تظهر إلا بغذاء، وليس لها غذاء إلا ما كان أصله مختلطاً بالأجزاء الأرضية الدخانية، فإن قلت: إنّ المارج هو لهب النار الصافي من الدخان (2)، فنقول: نعم، ولكن النار وإن صفت من الدخان فإنّ غذاءها الريح، وهي حاملة لأجزاء الترابية الذرية التي هي [129 و] لم تزل في الهواء، وغذاؤها ما كان من الماء، والأرض كالحطب، والأدهان، وخلق الله تعالى الإنسان آدم من الماء والتراب، ونسله من الغذاء، والغذاء من النبات من الماء والتراب، وإليه جسده مآله، ويصير تراباً، وجعل الله الإنسان جسداً كثيفاً، والجنّ جسماً لطيفاً لا يُرى كالريح،
اعتبار أن الملائكة «أرواح روحانية للطافة أجسامها» «على حد قوله في كتابه (الإخلاص)، ص 568، وعلى هذا فإن الطبيعة المجرّدة هي | المتخلية عن لباس الاستقصات وهي الحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسة، فصارت بهذا «موجودات مجرّدة عن المادة وهي لا تتحيّز ولا تختص بمكان دون مكان ينظر موسو ص 572 و 933.
(1) في الأصل و [س]: [تأويل صحيح]، وما أثبتناه الصواب.
(2) جاء في العين للخليل، ص 774: والمارج من النار الشعلة الساطعة ذات لهب شديد».
رعة العجم،
609 (1/609)
صفحة 610
أنه
فجسم الجنّ وجسم الريح سواء، ولذلك لا يراهم الإنس إلا أنهم قد أخفوا نفوسهم كما ظنّهم العوام من الناس، وركب الله في صورهم عقولهم من العقل الكلّي اللوحي من علم سيطيعه، ومن علم أنه سيعصيه، أمرهم كلهم من عقل واحد لتكون القسمة بينهم في السوية، ولتعلم العقول أنّ كلّ نفس تعصي باختيارها وتطيع باختيارها، وقد كمل عقل تعبّده بالسمع الكلي، اللوحي، وبالبصر الكلي، وبالنطق الكلي، وبالقدرة الكلية التي جعلها في العقل الكلي، وأمد كل عقل من بحر المحبة الكلية غير المتجزئة في اللوح المحفوظ كما ذكرناه أولاً أنّ كلّ صورة أمدّت من ذلك ما مدّت مثالها في اللوح المحفوظ لم تغير في اللوح المحفوظ، وإنَّما غيّر هو حين ظهوره، وأمد الله تعالى إرادته من الإرادة الكلية اللوحية، وكلّ شيء من هذا في اللوح هو ممدود من العلم، والقلم ممدود من النور، والنور ممدود بقاء وجود ببقاء وجود العلم بالله تعالى المتجلي به الله تعالى على ذلك، وعلى جميع الموجدات فكانت نفس الطائع ونفس العاصي من بحر واحد، وجعل الله النفس والروح هي الناظرة بالعين، وهي السامعة بالأذن، وهي الناطقة باللسان، وهي الفاعلة، وجعل هذه المظاهر دليلاً على وصفها وهي دليلة بصفاتها على صفات الله تعالى، فإذا رأت عين الذات النفسانية إلى الكمالات الحقيقية وإلى الكمالات الخيالية قدرت أن تصرف محبتها إلى الكمالات الحقيقية، وإلى الكمالات الخيالية، وكذلك عين نفس المطيع إذ كلّ منهما ممدود مما فيه من القوى من بحر واحد، وكلّ منهما ممتزجة من الكثائف الحسية التي هي كالحجب في الظاهر عن مشاهدة الله تعالى، وفي الباطن هي الدليل، فلذلك كانت نفوسهم بخلاف نفوس الملائكة، وكل واحد منهما، أي الطائع ينظر إليها، وكلّ واحد منهما زُيّن له الخيالية، وزُيّن له الكمالية، وركب له روحاً تدعوه إلى ترك الخيالية، والميل إلى الحقيقية؛ لأنّ من تخيل القطعة من الكاغد كأنها حرف ذهب يراها الطائع والعاصي بتلك الصورة، فليس العاصي مراداً بتحسين الأشياء على الطائع الخيالية، ولكنّ بعضهم يخيّل نظر عينه إلى الكمالات الحقيقية فيراها أنّها تزول، ولا تبقى كذلك، ولا يرضى أن يغشّ الناس بها يرى أنّ الكمال كذلك، وبعضهم يخيّل نظر ذاته إلى حسنها، وإلى قضاء حاجته بها، وإن عادت بعد ذلك إلى الكاغدية، أو إذا كانت قد صارت مع غيره وخيلت له نفسه أنّه لا يقدر على مخاصمته بها بعد قضاء الحاجة بها أكمل له خيالاً صوّره في نفسه، فتدعوه الروح إلى أن يخيّل نظرها إليها لتريه الأحسن فلا
نفسه
610 (1/610)
صفحة 611
هي
يلتفت إليها، كما أنّ نفس الطائع تدعوه للالتفات إليها لتزيد خيالها فلا يلتفت إليها، فهذه القسمة الأولى من الله تعالى للطائع والعاصي أنهم كلهم مخلوقون من شيء واحد: من الماء والتراب، والجن من النار، وكلّهم ممدودة ذواتهم من شيء واحد من جميع ما هم فيه، وعليه الذي به كانت طاعتهم، وبه كانت معصيتهم، لا أنّه خلق كل نفس من أول الأمر منفردة بذاتها هذه طيّبة، وهذه خبيثة، وإن كان الله عليماً بانقسامهنَّ فليست القسمة مما توجب الجبر؛ لأنه لو قسم أحد شيئاً، وأمره أن يعمل به شيئاً فخالف، ما كانت تلك القسمة موجبة لجبره على خلافه، والمثال في القسمة والإمداد من شيء واحد لذات كلّ امرئ من شيء واحد هو مثال دخول ضوء [129 ظ] الشمس والهواء من كو بيت كلّ أحد إلى بيته، ومثال الخيالات وتهيؤها له، والمثالات مثل ما هيّأ الله تعالى له أنواعاً من البلور منهنّ أبيض، ومنهن أحمر، ومنهن أسود، وأوعده إن نصبت على ضوء الشمس الأحمر أشرق في عينيك وأذهبها، وإن نصبت الأبيض زاد نور البيت وقدرت أن تنظر ما شئت في البيت و إن نصبت الأسود نقص ضوء الشمس، وضوء البيت، وجعل القدرة له على الاختيار، وعلى استعمال ما شاء، فمن أحبَّ الأحمر لحسنه حتى أذهب نظره، ومن استعمل الأبيض وزاد نوره وهكذا المثال في القدر، وفي اختلاف نفوس الناس، وأن معاصيهم من أنفسهم، وأن طاعتهم من أنفسهم، فلو كان كما قلت إنّ الله خالق كلّ نفس وحدها، هذه طيبة، وهذه خبيثة لكان كما قلت ولكنَّ الله تعالى قد عدل في القسمة، ولم يخلقهم على اقتداره عليهم فإنّه قادر على أن يخلقهم كلّهم على طاعته، ولكنّ هذا الاقتدار هو قسمة ثانية لا يستحقون به ثواباً إن أطاعوه، ولا تتبين به معصية عاص، ولا طاعة مطيع، ورفع هذه القدرة منه عليهم، وهذه الكرامة في حين الاستخبار عن الفريقين جميعاً، وإنما يتولى نفوس أوليائه بقدرته عليهم في الآخرة، فلأجل ذلك أهل الحسنة لا يتغيرون، ولا يتبدلون، ولا يزدادون علماً، ولا ينقص علمهم ولا تنقص مشاهدتهم، ولا يزدادون كل يوم مكاشفة، ولا يجهلون صفة لله تجلى بها عليهم، ولا يتغيرون على بعضهم بعضا بكراهية، ولا يطمعون بما مع بعضهم بعضاً، ولا يزدادون حباً، ولا شوقاً بعضهم لبعضاً، ولا يصح أن يبلغوا هذه الدرجات إلا إذا تولّى هو قلوبهم بقدرته عليهم، ولو شاء جميع أهل الأرض (1)
(1) يقصد: ولو شاء جميع أهل الأرض عكس ذلك لكان الله قادراً على أن ينفذ أمره.
611 (1/611)
صفحة 612
أن يكونوا كذلك لكان قادراً لقوله تعالى: {فَلَوْ شَاءَ لَهَدَنكُمْ أَجْمَعِينَ (1). فإن قلت: إنّ كلامك هذا يدلّ على أنّ النفس نفس واحدة مثل ضوء الشمس، فإذا رجعت كلّ نفس إلى عالمها رجعت غير دنسة كضوء الشمس متى زال عن كوّ ذلك البيت، وقد قابله صاحب البيت بألوان فتلون بألوان ما قابله رجع غير متلوّن، ويصير الكل نفساً واحدة كما كانت، فقلت بوحدة النفوس، وقد اختلف أهل العلم في وحدتها وتعدادها، وكأنك أخذت بقول من يقول بالوحدة فيها؟ فنقول: إنّا ضربنا به مثلاً للإفاضة لا من كلّ حيثية هو كذلك، ونقول بوحدتها في عالم الأرواح والأنفاس، وعالم المعاني، وعالم القوى، وأما بعد ليظهر الباري سبحانه وتعالى عدله حقيقة لأهل الكشف، وأما بعد الإفاضة فلكلّ امريء نفس، ولو شئنا لمثلناه بالبحر لجاز، وقلنا: إنّ عالم الروح هو بحر واحد، وعالم النفس بحر واحد، وعالم المعاني بحر واحد غير متجزئ، وبحر القوى بحر واحد، وبحر الاختيار بحر واحد، وبحر القوة كذلك، وقوة السمع والبصر والقدرة، وكل قسم أعطي المتعبدين إنّما أعطوا من بحر، واحد، وخلقوا جميعاً الناس من الماء، وهو واحد، ومن التراب وهو واحد، فبعضهم يحسّ ما يفيض عليه من تلك البحور باختياره، وبعضهم روّقه وصفاه مما لحقه من الغبار وممّا يلحقه، ولم تزل تصفيته تارة بالعلقة كما تصفّي الحكماء الماء الملحي بالصوف والشعر، ومنهم من يعطّره بالفرع والأسو (2) حتى يحرّ، ويكرر عليه التصفية حتى يخرج من ملوحتهم أصلاً، والكلّ مهيأ له إلا مَنْ أبى، والقدرة والمعرفة مبذولة عند من يعرفها، والنجاسات لمن شاء أن ينجسها فهي خلقها للجميع، والاختيار في الكلّ، والقدرة على ما يختاره في الكلّ لكان مثالاً مقرباً لذلك أيضاً، وصح أنّ كلّ أحد له قسمة، وجاز تصحيح القولين بالقول بالوحدة، والقول بالتعداد على هذا كلّ قول في محله، فافهم ذلك.
قال:
657 - فكُنْ فَطِناً وانظر بحسّك مُنصفاً
لنفسك في
أفعالك الأثرية
(1) الأنعام، الآية 149.
(2) الأسو، ولعله الأسوس وهو حجر يتولّد عليه الملح الذي يسمى زهرة أسوس، ينظر المساعد، للأب أنستاس
الكرملي، 1/ 228.
612 (1/612)
صفحة 613
يقول: [130 و] [فكن فطناً، عارفاً، منتبها] منصفاً: أي عادلاً، وأراد بعض معناه، أي معتدلاً في الفكر [بحيث لا قصور، ولا تجاوز فوق الحدّ] فيما تفكر فيه مما أبديه لك، واعتبر بحسّك أي [بصفات ذاتك التي تحس بها، وهي السمع، والبصر]، والقدرة، والكلام التي لنفسك، أي التي لذاتك الباطنة، وهي الروح، وهي النفس فإنّهما يشتركان في الاسم والمعنى، ويفترقان اصطلاحاً ليضاف كل وصف [إلى أحدهما، وقوله: في أفعاله الأثرية وهي سماعك للمسموعات، وبصرك للمبصورات، ونطقك بالكلام المنطوق به]، وفعلك للأفعال، وقدرتك على كلّ شيء من هذه، فاثنان خارجان عنهما يجلبان الإدراك لها من غيرها، وهما السمع والبصر، واثنان يخرجان منها، وهما الكلام والقدرة، وكلّها تظهر من العين والأذن واللسان، واليد، وما أشبهها، وهي مظاهر أفعال الذات وفي الحقيقة إنّ الذات هي الناطقة وهي السامعة، وهي الباصرة، أسماء أسماء صفاتها، وهي ذاتها، سميعة بصيرة متكلمة، قادرة، فهي الفاعلة، فهي ذاتها، والله سبحانه وتعالى لا تدركه الأبصار، وهو يدرك الأبصار، وذاتك لا تدركها الأبصار، وهي، وهي تدرك الأبصار، والله من أسماء ذاته أنه سميع بلا أذن، بل ذاته سميعة، وذاتك سمعية بلا أذن، بل ذاتها سميعة، والأذن من مظاهرها، والله بصير بلا عين، بل ذاته بصيرة وذاتك بصيرة بلا عين بل ذاتها بصيرة، والعين من مظاهرها، وكذلك الكلام، إنَّ الله لم يزل متكلماً لا بحرف، ولا بصوت ولا بلسان، بل ذاته متكلمة، وذاتك متكلمة؛ لأنها آمرة بأمرها الأعضاء وهي فاهمة خطاب الله بلا حرف ولا صوت ولا لسان، أعضائك منقادة لذاتك فهي سمعية لها ناظرة أمرها، ناطقة بطاعتها وبلسانها
وهي
وجميع
الله
فاعلة لأمرها، وإذا كان كذلك أنت، فالوجود كلّه وأنت كذلك مثله لسان ناطق عن تعالى، وكلّ شيء بأمره وتدبيره وحكمته لم يكن شيئاً إلا ما أراد، وكلّ هذا إشارات إلى العاصي أنّ الله قادر أن لو شاء أن يجعله غير عاص لئلا يظن أنه قدر أن يصنع غير ما أراد الله منه، فإنّه إنما قدر على ذلك بمشيئة الله تعالى، والله تعالى ذاته عليمة بالظاهر بما تحلى به من الصفات، والعلم في جميع الوجود، وعليمة بالباطن بالغيب الذي لا يعلمه إلا هو، وذاتك عليمة بالظاهر بما تجلى الله تعالى من الصفات والعلم في الوجود، وإن لم يكن كله، وعليمة بالباطن بالعلم الغيبي الذي هو عالم العلم، ولم يظهر في عالم الشهادة، وهو الذي لم يزل الله متجلياً عليه بصفاته، فصارت ذاتك من الله متجليا عليها
613 (1/613)
صفحة 614
جميع
بالصفات إن كنت عالماً به بما عرفته به وبعلمه الذي علمته، وصح أنك مرآة لتجلي صفات ذات الله في ذاتك وصفاتك، وظهر علمك، وهو علمه لا غير في الوجود، وكان الله ملك الموجدات فالله مالك الملك، وأنت مالك، وأنت مالك الملك إن اتصفت بصفاته ملكت الملك بالعلم والتصريف في محال ما فيه من العلم، فصار الكل مرآة لتجلي صفات الله وعلمه لم يبق شيء إلا. وهو علم الله، وثم علمك، وهو علم الله تعالى، وهذا لا على طريق التشبيه، ولكن بعض من العلم لا يمكن كشفه إلا بطريق التمثيل، وكلّ هذا لتعلم أنّ كلّ شيء يسبح بحمد الله، وأنه سبّح لله كلّ شيء، وقوله تعالى مَا أَشْهَدتُهُمْ خَلْقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنفُسِهِمْ} (1) ولتعلم أنه ليس شيء في} جميع الوجود عاصياً لله إلا نفس هذا الخبيث العاصي من الإنس والجن والشياطين، يا ويحه من عذاب الله وعقابه، حيث جعله الله تعالى حاكياً لجميع صفاته بالدلالة عليه من غير حلول ولا اتصال، فإذا اتصفت صفاتك الأربع بصفاته الأخرى التي يمكن أن يتصف بها المرء كنت [130 ظ] قريباً منه، إذ ليس القرب منه غير الاتصاف بوصفه وصفاته حيث جعله حاكياً صفاته كالمرآة، فإذا تجلّت فيها صفاته صح القرب الأعظم، وهذا هو معنى قوله في صدر النظم، ولم تَفْنَ ما لم تكن في فانياً، ولم تَفْن ما لم تتجلّ فيك صورتي، أي صورتي، وهو معنى قوله: [إن الله خلق آدم على صورته] (2) أي على صفاته، أي حاكياً لها كالمرآة، ولم يقل كصورته ليخرج من التشبيه، ولم يقل على صفاته لئلا يظن أنّ الصفات هي على سوى (3)، ومعلوم أنّ الله تعالى لا يوصف بالصورة فأوضح بالمفهوم اعتزالاً عن أوهام الأفهام، وهو معنى قوله صلى الله عليه وسلم حاكياً عن الله تعالى [ما تقرّب عبدي إليّ بشيء أحبّ مما افترضته عليه، وإذا تقرب مني شبراً تقربت منه ذراعاً وإذا تقرب مني ذراعاً تقربت منه باعاً، وإن أتاني يمشي أتيته أهرول، ولا يزال يتقرب إليّ بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به، ولسانه التي ينطق بها، ويده التي يبطش بها، فبي يسمع، وبي يبصر وبي ينطق، وبي يبطش (4)، واعلم أن المراد بالاتصاف بصفاته، أي بمعناها وبتجليها على مرآة عقلك، والعمل بها إليه لا بذاتها؛
(1) الكهف، الآية 51.
(2) مرَّ الحديث عن هذا الحديث وتخريجه.
(3) أي على شيء واحد متشابه.
(4) مرّ تخريج الحديث.
614 (1/614)
صفحة 615
لأنّ صفاته جلّ وعلا ليست بمخلوقة وصفاتك مخلوقة، وأما صفاته وتجليها على مرآة عقلك فليست هي بمخلوقة؛ لأنها صفاته كما قلناه في تجليها كالمرآة، فافهم ولا تضلّ، ولا تتناول خلاف الحق فيما قلناه بقلّة فهمك (1).
قال:
658 - وشاهد إذا استجليتَ نَفْسَكَ ما ترى - بغير مراء – في المرائي الصَّقيلة 659 - أغيرك فيها لاح أم أنتَ ناظر إليك بها عند انعكاس الأشعة يقول: وشاهد ما قلناه لك أنك أنت وجميع الوجود هو مرآة لتجلّي صفات الله تعالى، وما شاء من علمه تعرفه من نفسك فتعرف ذلك بغير مراء، أي بغير شك ولا جدال، إذا استجليت: أي إذا تجليت في المرائي، جمع مرآة، وهي المنظرة الصقيلة، أغيرك فيها لاح، أم أنت ناظر بعينك عند انعكاس الأشعة من قوة أنوار بصير بصرك إليك بها، أي إلى نظرك نفسك بنفسك في المرآة، فكذلك تجلّي الله تعالى بصفاته، وعلمه على العلم الذي أوجده على صفات ذات المرء، وعلى الوجود بأسره، وكذلك تجلي علم الله على ذاتك وصفاتك. فإن قلت: إنّ المتجلي في المرآة، أنت فنعم، ولكن أنت في معزل عنها، وإن قلت: ذلك غيرك فمن هو؟ أخبرني من ذلك المتجلي فيها، فخذ علم صفات الله تعالى من علم ذاتك وصفاتك.
قال:
660 - وأصغِ لِرَجع الصوتِ عند انقطاعه إليك بأكناف القصور المشيدة أَهَلْ كَان مَنْ ناجاكَ ثَمَّ سَوَاكَ أم سمعت خطاباً مِنْ صَداكَ المصوّت
-661
يقول: وَمَثَل آخر: اصغ بأذنك، أي أنصت لرجع: أي إلى رجع الصوت عند انقطاعه إليك إذا رفعت صوتك بأكناف بقرب أكناف أي جُدر القصور، والمشيدة هي العالية المبنية بالجص، والحصى المغرية بالنورة القوية البياض، المحكومة بالصقل، إذا تكلم المرء بصوت عال قرب جهة من جدرها يسمع من ذلك الجدار بعد انقطاع صوته هو
(1) هذا تأكيد من الشيخ ناصر الله بلغ الغاية في التفرقة بين صفات الله من جهة، وصفات الإنسان من جهة أخرى.
615 (1/615)
صفحة 616
ذلك الصوت، وذلك الكلام بعينه، ويسمّى ذلك الصوت الصدى - بغير همزة بعد الدال. فقال: هل كان ذلك مَنْ ناجاك، أي كلّمك بذلك الصوت ثُمَّ بفتح – الثاء- وليس بمعنى ثُمَّ التي هي بضم الثاء التي هي حرف من حروف العطف، بل هنا هي بمعنى هو سواك، أم سمعت خطاباً من صداك المصوّت بفتح الواو - من صداك: أي صوتك المصوّت الذي صوَّته، ورجع إليك، وهذا مثال تجلّي [131 و] الصور في المرآة سواء في المثال، وتجلي الله بصفاته على ذاتك وصفاتك، وعلى العلم، وعلى الوجود كذلك، والمراد بهذا تحقيق العلم بالله أنه لا يخالف صفاتك (1)، ولكن انظر إلى المتجلي في المرآة فلا تتجلى إلاّ ما واجهها من المتجلّي فيها، كذلك الله تعالى لا يحيط أحد بجميع صفاته إلا ما أراد كشفه
لخلقه، فافهم. قال:
662
66 - وقل لي: من ألقى إليك علومه وقد رَكَدَتْ منك الحواسُ بِغَفْلَةِ (2) 663 - وما كنتَ تدري قبل يومك ما جرى بأمسك أو ما سوف يجري بغُدْوَةِ 664 – فأصبحتَ ذا علم بأخبارِ مَنْ مضى وأسرارِ مَنْ يأتي مدلاً بخُبَرة 6 - أَتَحْسَبُ مَنْ جاراك في سِنَةِ الكرى سواك بأنواع العلوم الجليلة 666 - وما هي إلا النَّفْسُ عند اشتغالها بعالمها عن مظهر البشرية 667 - تجلّت لها بالغيب في شكل عالم هداها إلى فهم المعاني الغريبة
-665
-668
وقد طبعت فيها العلوم وأُعلمت
بأسمائها قدماً
الأبوة
بوحي
669 – وبالعلم من فوق السوى ما تنعمت ولكن بما أَمْلَتْ عليها تَمَلَّت يقول: ولكلامه في هذه الأبيات ثلاثة (3) [معان] (4): المعنى الأول يقول: انظر وتفكّر إذا كنت طفلاً لا تفهم ولا تعقل، وقد ركدت منك الحواس الخمس التي هي الشم، والسمع،
(1) في الأصل: [صفاته]، وما أثبتناه من س وهو منسجم مع السياق.
(2) في الديوان: [بغفوة] بدل [بغفلة]. (3) في الأصل و [س]: [ثلاث] بدل [ثلاثة]، وما أثبتناه الصواب، ومما يذكر هنا أن ناسخ الأصل كتب [بثلاثة]، ثم
عاد فشطب عليها وكتب [ثلاث].
(4) في الأصل و [س]: [معاني]، وما أثبتناه الصواب.
616 (1/616)
صفحة 617
والبصر، والنطق، والذوق، واللمس، وإنّما صارت ستة لأنّ الذوق والنطق باللسان، والمراد بركودها غفلتها لقلة فطنة الطفل، ثم لم تزل تتطور، والعقل يكمل حتى يتم العقل فتدري، وما كنت تدري كثيراً حتى عن العلوم الضرورية، وهي التي يعلمها الإنسان ضرورة لابد له من علمها لشهرتها، ومعرفة العقل لها في يومك، ولا في أمسك، ولا ما تحتاج إليه من التصديق مما يجري عليك في غدوتك لم تزل تترقى في العلم، فأصبحت ذا علم بأخبار مَنْ مضى، وتعرف كثيراً بالفراسة مما سيأتي غداً، مدلاً: أي مخبراً، بخبرة: أي بمعرفة منك في ذلك، أتحسب من جاراك: والمجاراة هو أن يجري لقوة السير في المشي ليعلم أيهما أغلب وأقوى، أو لغرض، وتسمّى المساوقة، أي أتظنّ أنّ الذي ساوقك في سنة الكرى، والكرى النوم ولكن أراد هنا بعض معناه، وهي رقدة الغفلة (1) عن معرفة ذلك العلم الذي علمه من بعد أتظن أنه شيء جاء إليك بأنواع العلوم الجليلة؟ وحيث سرت إليه فتجاريتما حتى تداركتما، وأنّ ذلك هو شيء سواك، فلا، فما إلا هي. النفس مثل العين تتجلى فيها صور الأشياء متى فتحت كذلك عين العقل عند اشتغالها بعالمها، أي بالنظر إلى عالمها من مظهر البشرية، أي الإنسانية، أي حيث هي الذات في مظهر إنسانها البشري؛ لأنّها من عالم الغيب، وظهرت في هيكلها الإنساني فإذا نظر إلى ما في عالمها الغيبي كما تنظر العين المحسوسات تجلّت لها بالغيب، أي بالعالم الغيبي في شكل أيّ في مثال عالم هداها، وهو عالم المعاني، وعالم المثالات، وعالم هداها أيضاً ذات المرء، وعالم المعاني منها صفاتها الأربع، وهو عالم هداها إلى فهم المعاني الغريبة. وقد طبعت فيها العلوم التي علمتها أي نقشت ويحتمل أنه أراد معناه أنَّ العقل يزيد بالعلم مثل السراج مهما كبرت له الفتيلة والحل فيصير ذلك العلم جزءاً منه مستحيلاً إليه فيه، وينقص بالنسيان، ويحتمل أنه جعل ذاته من ذات اللوح المحفوظ، وأنه كما خطّ فيه العلم بالخط المعنوي كذلك هذه الذات، ويحتمل أنه طبع 1311 ظ] كما ترى العين إذا فتحت ونظرت، وانطبع فيها كما تنطبع الصور في المرآة، والمعنى كله أن ذلك هو منها لا شيء وصل إليها غيرها؛ لأنَّ العين لم يصل إليها نجم رأته في السماء، وإنما تجلى ذلك
(1) النوم عند القوم على أقسام منها نوم غفلة، وهو الذي يذكره الشيخ ناصر الله، ونوم عادة، ونوم غلبة، وغيرها، والغفلة حجاب فلذلك يبتعد عنه أرباب الهمم الذين يزعجون النفس عن طبيعتها بالنظر إلى اللذات الروحية، ينظر موسوعة الحفني، ص 987.
617 (1/617)
صفحة 618
هي
النجم بصورته في العين، كذلك العلوم، يقول: ليست هي تصل لعين البصيرية، وإنّما ذاتها تنظر ذلك وتعلمه، وهذا مراده کشف توحيد الله تعالى أن علمه الذي سبق علمه به أزلياً ليس هو شيء غيره حال فيه، وكذلك علمه بالموجدات ليس هو شيء حالّ في نفسه، وجد علم هذا من نفسك فإنّ كل صفة لله فمرآتها في نفسك وقوله وأعلمت بأسمائها، الخمسة، أي وهي وهي أنها سميعة، بصيرة قديرة متكلمة وشامة، وباطنها عشرة: بأذن، وبغير أذن، وبغير عين، وبلسان وبغير، لسان والجارحة وبغير جارحة، وبأنف وبغير أنف. تلك عشرة، وقوله: قدماً بوحي الأبوة: أي كان ذلك لها قديماً من إلهام الله تعالى لآدم ال جعله كذلك فنسله كذلك إلا من اعتلّ منهم بعلّة، وقوله: وبالعلم ما تنعمت من فوق السوى، أي من أعلى، وأراد هنا بعض معناه، أي من أول بداية خلق الله تعالى لآدم، والسوى: التسوية، وهي التي ذكرها الله تعالى: {فَإِذَا سَوَيْتُهُ، وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي (1). يقول الناظم: وهذه الروح، وصفاتها الأربع، وأسماء ذاتها، وهي الأربعة التي هي السمع، والبصر، والقدرة، والنطق تنعمت به كلّ ذات جاءت منه من يوم التسوية، وأما بالعلم فما تنعمت ذات كلّ امرئ من نسله بمعرفته من أول بداية التسوية حتى يخلق كذلك عالماً من حين ما يولد المرء كما يخلق سميعاً بصيراً متكلماً قديراً من أول يوم يولد، ولكن تعلم بما أملت عليها تملّت. وقوله: تملت بفتح اللام وتشديده- أي امتلأت، وأملت - بتخفيف اللام مع فتحة والإملاء هو أن يتلو المرء على أحد كلاماً يخبره، واستعار هذا بما تملي على الذات الحواس الخمس كلّ حاسّة بما هي مخصوصة له مما أدركته حتى تراه الذات عياناً كما تراه العين الباصرة، ثم قد تناظر به عالم عينها فتتجلى لها من ذلك أيضاً من المعاني الدقيقة فوق ما فتحت لها هذه الحاسة. والمعنى الثاني يقول: قل لي من ألقى إليك علومه إذا علمت هذه العلوم، وكثيراً من أمور الدنيا حتى صرت تعرف كثيراً من أخبار ما مضى، وأخبار ما مضى، وأخبار ما سيأتي من كتب الله وأنبيائه، وحجة العقل، وامتلأت ذاتك علماً، وصرت عالماً في الناس كبيراً، ثم رقدت (2) منك الحواس في نومك بغفلة منك على نفسك وحسك، وعمّا كنت تدريه قبل يومك، بالياء لا
6
(1) الحجر، الآية 29.
(2) في س: [ركدت] بدل [رقدت].
618 (1/618)
صفحة 619
بالنون (1)، وما بأمسك، وما يجري عليك في غدك، أي في يوم القيامة، والحشر، والنشر، والحساب، والثواب والعقاب، وغفلت عن هذا كله فأصبحت، وأصبح كلّ ذلك العلم تراه كما كنت تراه، أتحسب أنّ أحداً ألقى إليك علومه، وأنه جاراك في حين أنت منتبه، وهو واصل إليك؟ كلا، ما هي إلا نفسك التي هي ذاتك وروحك، لما فتحت عينهما شاهدت ما شاهدته أولاً كما ذكرناه إلى تمام الشرح؛ لأنّ شرح البيتين الآخرين لا يختلف، وإنّما تحتمل هذه المعاني التي ذكرناها في التي قبلهما. والمعنى الثالث: هو كذلك للأبيات التي قبلهما أنه يحتمل أن يكون معنى قوله: فقل لي من ألقى إليك علومه بالرؤيا الصادقة، وجميع ما تمثل إليك فيها من علم ما سيكون، أو ما قد كان قبل علمها هي من جهة الحواس أو الإلهام، وقد رقدت (2) منك الحواس بغفلة: أي بمنامك، والنوم لا يأتي على الحواس إلا على حين غفلة منها، وذلك إذا غطّت عين العقل، وأغمضت كما تغمض العين رقدت بالنوم، وذهبت حواس جميع الحواس حتى تنتبه، وما كنت تدري ذلك الذي رأيته قبل يومك بالتعليم، ولا علمته بأمسك، ولا تعلم ما يجري عليك بغدوة فأصبحت ذا علم بأخبار من مضى، وبأسرار من يأتي مدلاً، أي مخبراً [132 و] بخبره، أي بدلالة منك، وهي الرؤيا الصادقة. أتحسب مَنْ جاراك: أي تظنّ أنّ ذلك من أحد غيرك جاراك، أي ساوقك على عقلك فألقى ذلك عليك في سنة الكرى سواك ألقى عليك بأنواع العلوم الجليلة؟ كلا، فما هي إلا النفس عند غيبتها عن حواسها، واشتغالها بعالمها، عالم الغيب، أي إذا دارت جهتها التي على عالم الغيب تجلت لها بالغيب من عالم الغيب في شكل هداها أي في مثال هداها أي فهم المعاني الدقيقة من عالم الغيب، مراده هنا هو عالم اللوح الذي فيه أمثال كل شيء (3) إن كانت الرؤيا حقاً، وإلا فالنفس دارت جهتها إلى عالم الخيال فتجلّى لها خيالاً، ولم يكن له تأويل، فافهم ذلك.
قال:
(1) في الأصل: [بالنوم] بدل [بالنون]، وما أثبتناه من س وهو الصواب لتلاؤمه مع السياق، يريد اليوم وليس النوم. (2) في س: [ركدت] بدل [رقدت]، كما مرّ سابقاً. (3) عالم اللوح كما يشرحه الشيخ ناصر الله يقترب كثيراً من عالم المثل الأفلاطوني وهو عالم الصور المجردة، والحقائق الخالدة، وهي لا تدثر أو تفسد، ولكنها أزلية أبدية، وليس ما نراه في العالم المحسوس إلا ظلالاً العالم المثالي المتعالي، ينظر عن المثل الأفلاطونية تاريخ الفلسفة العربية، د. جميل صليبا، ص 40،
من
ذلك
وأفلاطون، د. فؤاد الأهواني، ص 107.
619 (1/619)
صفحة 620
670 - وتجريدها العادي أَثْبَتَ أولاً تجرَّدَها الثاني المَعَادِي فاثبتِ 671 - ولو أنَّها قبل المنام تجرّدت لشاهَدتَها مثلي بعين صحيحة (1) يقول: أي الروح التي هي الذات، وتجريدها العادي بفتح الياء، وتشديدها- أي، وتجرّدها عن عاداتها بالنوم، وذهاب إدراكها بالحواس، وإقبالها إلى جهة عالمها عالم الغيب، ورؤيتها لما تراه من الرؤيا الصحيحة، وهي جزء من أربعة وثلاثين (2) جزءاً من الوحي أثبت بهذا البرهان أولاً على أنّ تجرّدها الثاني الذي هو في اليقظة عن الرؤية إلى المحسوسات التي برؤيتها المعادي، أي إلى معادها الذي هي منه، وإليه مرجعها إذا جرّدت، فأثبت حينئذ بهذا الإيضاح على صحة هذا الاعتقاد حتى تسلكه، فإن لم يحقق الشيء صحته لم يطلبه، ولم يرغب إليه، وذلك معنى قوله ولو أنها أي ذاتك قبل المنام تجردت كما تجردت في المنام، وأقبلت إلى عالمها الغيبي لشاهدتها، أي تلك الرؤية ذاتك من غير نوم مثلي، أي مثل ما أنا أشاهد ذلك في اليقظة بعين صحيحة، وأراد بمثلي، معناه أي وكذلك أنا بالكشف في اليقظة بعضاً من العلوم كما تراه أنت بالرؤيا، فكانت الرؤيا دليلاً على صحة هذا العلم، وفيها ترغيباً، ويروى عن عائشة 9 أن بداية [نبوة] (3) النبي ستة أشهر بالرؤيا الصادقة، وأنَّه كان لا يرى شيئاً إلا أصاب (4)، وكذلك كثير من الملوك إذا كان لينمحي ملكهم، أو غيرهم تبدو لهم الرؤيا، فافهم ذلك. وهذا ما يدلّ على صحة المكاشفة بالحضرات الإلهية فضرب مثلاً لتجلي صفات الله تعالى على قلبك بالصفات بالمرآة وبالصوت، وضرب مثلاً في إمكان مشاهدة الحضرات جملة ليثبت أحدية الجمع، وضرب مثلاً في إمكان الترقي والتلوين حتى يتمكن بالتسوية الأولى أنها لم تبلغ العلم بها كما بلغت وجود الذات الصفات الأربع توارثاً بالتسوية، ثم ضرب مثلاً في إمكان المكاشفة بعلم الغيب، وأقام حججه وبراهينه على ما أراد أن يتكلم فيه من العلم، ثم قال:
672 - ولا تُك ممَّن طيّشَتْه دروسه بحيث
(1) يأتي هذا البيت في الديوان قبل البيت السابق. (2) في الأصل و [س] كتبت [أربعة وثلاثين] بالأرقام. (3) ما بين المعقوفين ساقط في س، والزيادة من الأصل.
استقلت عَقْلَه واستفزَّتِ
(4) ينظر صحيح البخاري، الحديث 3392 و 4953، وصحيح مسلم، الحديث 160.
620 (1/620)
صفحة 621
673 - فثم وراءَ النَّقل علم يدق عن مدارك غايات العقول السليمة
أخذته
ونفسي كانت من عطائي مُمِدّتي
674 - تلقيتُه مني وعني يقول: ولا تكن ممن طيشته أي خفَّفت عقله، فلا يلبث للتفكر دروسه في كتب النقل من العلماء في علم الشريعة، وعلم الحقيقة، ولم يجد فيها علم المكاشفة بالأسرار الإلهية من علم الغيب بطريق الإلهام والمكاشفة، فأنكرها لأجل عدم ذكرها إلى أن صيّرته بحيث أن استقلت أي قللت عقله عن فهم إدراك التحقيق، واستقرت بالقاف والواو المهملة - أي ثبتت على إنكارها - وبالفاء، وبالزاء المعجمة - أي أزعجته، ودعته إلى الطيش والإنكار، فثَمَّ: أي فإنّ بعد وراء النقل [132] معان لذلك النقل، وبعد ذلك العلم الظاهر يدق عن أكثر مدارك العقول السليمة، ومدارك العقول هي صفاتها الأربع التي بها تدرك العلم بها، وقد تلقنته والتلقين حقيقة معناه إيصال الشيء إلى قلبك من كتاب أو عالم، أو عن نظر، وهو يقول: تلقته منّي: أي من مرآة عقلي، وعنّي: أي عن عقلي أخذته، ومراده أخذه عقله عقله، وعن عقله، وهو كذلك، ونفسي كانت من عطائي هي ممدتي، أي ممدها بالعطاء منها، أي من صفاتها، وتقابلها للعلم ولصفات الله تعالى. وفي الحقيقة الكلّ من الله تعالى، ولكن يريد هنا كشف السر الباطن، ولا يصح كشفه إلا أن يمثله عن نفسه، ومن نفسه إشارة إلى ما ذكرناه أنّ ذات المرء مرآة لتوحيد الله، فمن صفاتك خذ توحيده كما أشرنا إليه تارة، وصرّحنا به أخرى فإن قلت: إنّ علم الغيب لا يعلمه إلا الله تعالى لقوله جل وعلا: {قُل لَّا يَعْلَمُ مَن فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ} (1)، وقوله جل ذكره: {فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِن رَّسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ، رَصَدًا (2)، فنقول: نعم، ولكن في الحقيقة إنّ كل ما خفي عن الخلق فهو غيب على من خفي عليهم، وكلّ العلم إنّما علم بإعلام الله، وقد قال جل وعلا يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ (3) والمراد يؤمنون بالله واليوم الآخر، والحشر، والنشر، والحساب، والعقاب، والثواب وذلك مما أقام الله الحجة على خلقه الذين تعبّدهم بعلم ذلك بعلمه])، وقطع عذر مَنْ
(1) النمل، الآية 65.
(2) الجن، الآية 27.
من
(3) البقرة، الآية 3.
(4) ما بين المعقوفين ساقط في الأصل، والزيادة من س.
621 (1/621)
صفحة 622
6
شك بعد بلوغ الحجة له بالمعرفة بذلك من سماع أو خاطر ببال فعقله، ومع هذا سماه الله من علم الغيب، فصح أنّ اسم الغيب (1) يطلق على معانٍ من أقسامه، وأنه على أقسام، فمنه غيب لا يصح أن يظهره الله على أحد من خلقه، وهو مثل تجلي كمال شيء من صفاته قدر ما لا تحتمله العقول، أو لا يحتمله الوجود، ولو تجلّى عليه كذلك لتلاشي، وصار لا شيء كما كان قبل وجوده، كما تجلى للجبل قدر ما لا يحتمله فتلاشى، وصار لا شيء. ومنه ما لا يظهره على الجميع، ويظهره على البعض كالملائكة، فانظر بأي شيء يعلمون خطاب الله لهم، وكتبه المنزلة على الرسل، أليس ذلك من طريق المكاشفة؟ ومنه ما يكشفه على الرسل والأنبياء على ألسنة الملائكة كعلم الدين، ومنه بالإلهام، والمكاشفة لهم، ومنه ما يكشفه الله تعالى لأوليائه كما عرفته في الخضر ا، ومنه ما يكشفه للسالكين إليه بطريق المحبة، وقراءة الاسم الخماسي المخصوص، ولكشف الحقائق إلا أنه مع قوة الرغبة إلى الله تعالى، وإلا فلا تأثير له، ومنه ما يكشفه الله لأهل الشريعة فيستخرجون من العلم فيها بعقولهم ما لم يسبقهم به أحد، وهو من علم الغيب بالإلهام؛ لأنه لم يعلمه من أحد. ما يظهر للخلق من إبداع الصور والمثالات كالشعر، والحكم، والصنائع، وإلى غير ذلك مما يستخرجها من عقله، وكانت غيباً لم يحط بذلك غيره، أو أحاط به غيره إلا أنه هو لم يأخذ عنه، وكلّ هذا من علم الغيب. فتأويل الكتاب يحتاج إلى علم لا على الظن وإطلاق المعاني، والمراد بالكشف لعلم الغيب عند أهل الكشف هو العلم الممكن أن يكاشفوا به مما هو بعيد فهمه وإدراكه عن أكثر أهل العقول السليمة، أي العلماء؛ لأنّ غير عقول العلماء لا حجّة بها في قلة الإدراك.
ومنه
[بيان]:
فإذا عرفت ذقت (2) ذلك، وذهبت عنك الشكوك، فاعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن من
(1) للقوم حديث طويل عميق متشعب عن الغيب ورجاله، والشيخ ناصر الله يغرف من هذا المعين، ويفيضه هنا، وينظر عن الغيب موسوعة الحفني، ص 892، وما بعدها، وموسوعة العجم، ص 694، وما بعدها. (2) من الملاحظ أنّ الشيخ ناصر حمدلله يستخدم هذا المصطلح للمرة الأولى، ومن المعلوم أن للذوق عند القوم مكاناً عالياً، ويكفي أنهم يسمون العلم كله (علم الذوق) الذي لا يدرك إلا بالذوق، والذوق هو المبدأ فيه والمنتهى. ينظر عن الذوق موسوعة الحفني، ص 756، وما بعدها، وفيه: «ومن الاصطلاحات الصوفية المشهورة: مَنْ ذاق
622 (1/622)
صفحة 623
العلم كهيئة المكنون لا يعلمه إلا العلماء بالله، فإذا نطقوا به لم ينكره إلا أهل الغرّة بالله تعالى (1)، فلا عجب أن تكلم المقام المحمدي أني أخذت ظاهر العلم من حسّي، وباطنه من عقلي، وسرّه من روحي ومكنونه من سرّي، وكذلك من هو دونه من أهل الكشف على قدرهم، واعلم أنَّ من لم ينظر إلا إلى [133 و] ظواهر العلم، ولم يتحقق العلم من بواطنها فاته كثير من مشاهدة الحق في كلّ شيء، ومشاهدة الحكمة الإلهية، وكمالها في كلّ شيء، حتى في ظهور الهزل واللعب واللهو، وغير ذلك الصادرة من اتباع الهوى، فإن نظرها من حيث العلم الشرعي لا ينظر إلا باطنها ما كان باطناً، أو هزلاً ما كان هزلاً، وكفراً ما كان كفراً، وهو كذلك ظاهر أو حقيقة، والنظر إليها من طريق المكاشفة كذلك، ولكن يراها حكمة من الباري في كشف ذلك من أهله بتدبيره المحكم الجد الذي لا هزل فيه، ولا لعباً ولا عبثاً، فالهزل ممّن أتى به، والباطل ممّن أتى به، والكفر ممن أتى به هو في تدبير الله تعالى لإظهار ذلك منهم هو جدّ، وحكمة ربانية لو انكشفت لأدهشت العقول ويتجلى منها لأهل الكشف قدر ما تحتمله عقولهم، وكذلك ترى الحيوانات، واختلاف صورها، وظهورها على تلك الصور، وإبداعها على اختلاف أخلاقها، وكذلك النبات وأنواعه، والسحاب، وما يظهر ولا يسقي بل يتلاشى، وفي الظاهر أنه ظهر بلا نفع، وكذلك كثير من الأمور ممّا لا يحصى في صور الحصى والجبال على اختلافها وصعوبتها ولم يخلقها في رؤية العين مثل الجدر المحكم في بنائها، وكذلك الطيور، وكذلك جميع أخلاق العباد واختلاف صورهم، وأحوالهم، وهيئاتهم ورغباتهم، فإنّ أهل التحقيق وأهل الكشف ينظرون كمال الحكمة في كل شيء مشاهدةً لإقراره. واعلم أن للعقل ثلاثة وجوه في إدراكه المدركات: به الأول بالآلات المدركات الظاهرية، وهي الحواس الخمس بها تدرك المحسوسات والوجه الثاني: بالقوة الفكرية التي لا تخلو من حكم الطبيعة، وأثر هوائها لاستمدادها بالغذاء الطبيعي المعتدل. والوجه الثالث: إدراكه بالذات لوجود صفاته الأربع التي هي صفات ذاته، لأنه إذا لم يكن سميعاً،
عرف، يعني من يجعل الذوق وسيلة المعرفة كان من العارفين، والعلوم الذوقية هي العلوم الصوفية عن المعارف والأسرار»، وينظر موسوعة العجم، 372، وما بعدها. (1) ينظر إحياء علوم الدين، الغزالي، 20/ 1، وفي الهامش: رواه أبو عبد الرحمن السلمي في الأربعين له في التصوف من حديث أبي هريرة بإسناد ضعيف.
623 (1/623)
صفحة 624
بصيراً، متكلماً، قادراً لم يكن عقلاً، وكان فاسداً لا تعبّد عليه، ولا يبلغ درجة المكاشفة إلا بتطلعه على الحقائق، ووصوله إلى الحضرات وتجلّيه عن رؤية المحسوسات في حين ذلك، وتوجّه الروح، والنفس إلى الله بقوة الرغبة والتضرع إليه مع تلاوة الاسم الخماسي خالصاً لله بحبّه لا لكشف الحقائق له، ولا لتجلي الحضرات عليه، وإنما هو لإرادة القرب منه، وابتغاء ذلك الاجتهاد منه لوجهه خالصاً حتى لا لأجل لذة، ولا لنجاة نفسه، وإن كان هذا مما لا يقدح في بعده من ربّه، ولكن لكل درجة طريق، وهذه طريقة هذه الدرجة فإنَّ الله يكاشفه بعلم المكاشفة، ويجري ينابيع الحكمة على قلبه فيجب عليه من طريق استحباب الله له أن يكتم (1) ما يشاهده ممّا لا يساغ في عقول الأكثر قبول معرفته واتضاح حقه، إلا أن يبديه بطريق الرمز ترغيباً لمن يأتي من بعده كما فعل هذا الناظم، ولما لم أجد أحداً له قوة فهم على فهم معانيه صار كالذي لا فائدة فيه، فأحببت إيضاحه إيضاحاً قليلاً كالإقليد يفهم من كان له عقل ما وراء ذلك من المعاني، فافهم.
قال:
مستحيلة
675 - وَلاتُك باللاهي عن اللّهوِ جُملةً فَهَزْلُ الملاهي جِدُّ نَفْسِ مُجدّةِ 6 67 - وإياك والإعراض عن كل صورة مموهة أو حالة 7 67 - فَطَيْفُ خَيالِ الظَّلَّ يُهدي إليك في كرى اللَّهو ما عنه الستائر شفت 8 7 6 – ترى صور الأشياء تبدو عليك مِنْ وراء حجابِ اللَّبْسِ في كلٌّ خِلْقَةِ يقول: وفيه تقديم وتأخير واستعارات، وتقديره ولا تكُ باللاهي جملة، أي ولا تك بالغافل كلية عن نظر، ومشاهدة الحكمة الإلهية، وجدّها أي عدلها وحقها فيما تراه من
(1) هذا ما عليه القوم في كلّ حين من رغبتهم الصادقة في الكتمان، وترك إذاعة ما يمرون به من أحوال، وإذا كان لابد من الكلام فالرمز، والإشارة هما اللغة الوحيدة، وإلى هذا يشير الشيخ ناصر كما رأينا، ولعلّ أبلغ صورة تقدّمها المصادر عن كتم السر عند القوم ما صنعه الشبلي حين أوفد امرأة إلى الحلاج وهو مصلوب تقول له: إنّ الله قد ائتمنك على سرّ من أسراره فأذعته، فأذاقك طعم الحديد. فقال لها الحلاج: اذهبي وقولي له ما أذعت له سراً، فسألته: والتصوف؟ فقال: أهون مرقاة فيه ما ترين قالت فما أعلاه؟ قال: ليس لك إليه سبيل وا والشبلي: يقول: كنت أنا والحلاج شيئاً واحداً، إلا أنه أظهر وكتمت ينظر موسوعة الحفني، ص 168، ومتصوفة بغداد، عزيز السيد جاسم، ص 262، وينظر كذلك كتاب (الإخلاص) للشيخ ناصر، ص 572، وما بعدها فقد عقد فيه فصلاً للعقل، وقواه، ووجوهه.
نفسه
624 (1/624)
صفحة 625
أفعاله على صورة اللهو واللعب في الظاهر [133 ظ]، وهو الهزل، وأراد باللهو بعض معناه فاستعاره للهزل لا غير، وذلك مثل ما تراه من سحاب يبدو في كل يوم، ويتصور على صور شتى ويضمحل بلا فائدة وما تراه من الدواب السيئة الأخلاق والقبيحة الصور، وما أشبه هذا، فهزل الملاهي، أي فهزل هذا الظاهر في صورة الهزل هو جد نفس مجدّة، أراد بالنفس هنا ذات الشيء وحقيقته، وبالجد الحق، أي هو حق، حقيقة محققة آياته في علمه وحكمه ويحتمل له معنى آخر يقول: وكذلك لا تكن بالغافل غفلة كلية، أي من كل جهة، والمراد من جهة النظر إلى تدبير الله عن مشاهدة الحكمة من الله تعالى في تدبيره لكشف اللهو من صاحبه، فهزل الملاهي من صاحبها هو جد نفس، أي نفسه مجدّة في ذلك الهزل لحكمة الهيئة منه فيه لكشف اختياره من طاعة أو معصية عن رغبة من نفس صاحبه، وكذلك إيّاك والإعراض عن مشاهدة حكمة الله تعالى في تدبيره لإظهار كل صورة مموّهة، والمموّهة المنقوشة، وأراد بذلك الخيال الذي خلقه الله تعالى خيالاً في النفوس يحسّه المرء شيئاً وحقاً، وهو ليس بشيء، أو عن مشاهدة حكمة الله في تدبيره في إظهار كل حالة مستحيلة مثل أضغاث الأحلام، والسراب الذي من بعيد ماء، وما خلق الله من الخيالات الفاسدة التي تتخيل على المرء، والخيالات السحرية فإنّها من الله خلق، ومن أهلها، فعل، فكل هذا وأمثاله ممّا له هو صور مستحيلة ظاهرها هزل في إيجادها، وباطنها حقائق إلهية عدلة لابد من كونها لأمر لابد من كونه فلا تغفل إذا شاهدت ذلك عن رؤية العدل فيه بالتحقيق لا بالتصديق، وإن كان بالتصديق يسلم المرء، فأهل التحقيق لا يقنعون بمرتبتهم: قوله فطيف خيال الظل، والطيف هو ما يطوف عليك من حال يأتيك في ليل أو نهار، وأراد هنا في الليل، والخيال هو ما يتخيل إليك من قبل، وليس هو شيء غير خيال، ولكن هنا استعارة الخيال المثل الذي هو شيء كخيال الظل وهو ظلّ الشيء الذي يكون وراء جهة الشمس منه استعارة؛ لأنه خيال صحيح روحاني، وأراد هنا الرؤية في المنام التي هي حق، وتأتي في صورة اللهو واللعب، وهو الهزل، يقول: فإن طيف خيال الظل أي الذي هو على مثال الظل الذي يأتي في النوم من الرؤيا الحق كحق خيال الظل، فاستعاره لروحانيته وحقه قد يهدي إليك اللهو في الظاهر، وباطنه علم أوحاه الله تعالى إليك من علم الغيب في كرى، أي في نوم تنامه فتعرف حقه وتعبيره، أو يعرفه غيرك، وإنّ ذلك ليسه بلهو، ولا لعب، بل هو حكمة
625 (1/625)
صفحة 626
عجيبة، وكرامة إليك غريبة، ذلك ما شفّت عنه الساترة، أي لطفت عن ستر رؤية حقه الحجب الظاهرة الساترة عليه بذلك الهزل الظاهر على أهل العلم بتأويل الرؤيا، وبتأويل تلك الرؤيا، وكفى بهذا دليلاً أنّ من شفّت على عقله حجب الظواهر التي يراها شبيهة بالهزل أنه ليرى حقائقها، ويدرك حكمة الله فيها، وأنّ الحكمة في الظاهر جده، وفي الظاهر هزله لا فرق بينهما، فلا تغفل عن التحقيق في توحيد الله في الجد والهزل، فإنّه ليس في الحكمة الإلهية هزل فاكشف الحجاب تر (1) صور الأشياء، أي حقائق الأشياء، تر (1) تبدو أي تظهر وتتجلى عليك من وراء حجاب اللبس في كل حق خلقة، أي في كل صورة على الإطلاق.
قال:
679 - تجمعت الأضداد فيها لحكمة فأشكالها تبدو على كل هيئة 680 - صوامت تبدي النُّطْقَ وهي سواكن تحركُ تُهدي النورَ غَيْرَ صُويَّةِ يقول: تجمعت الأضداد فيها: أي في الظواهر كلّها في هزلها، وجدها التي هي في الحقيقة لا هزل فيها لحكمة عظيمة تدهش عقول المفكرين، فأشكالها: أي قصورها، تبدو: أي تظهر على كلّ هيئة، أي على كل حالة من حالات الأضداد في حالة واحدة تظهر أضداد هيئاتها، فجميع الصوامت والنواطق في حال صمتها صوامت في ظاهر الأمر، وفي حال صمتها تبدو، أي تظهر [134 و] النطق فهي نواطق بالدلالة والتسبيح وتوحيد الله تعالى، وهنّ سواكن في الظاهر التي هي في الظاهر سواكن، وهي في حال سكونها تتحرك بالمعنى والدلالة؛ لأنّ كل ناطق فهو متحرك؛ لأنّ كلّ مسبّح لله ناهض بقوة به، ويجد في التسبيح والإذعان والاستماع لأمر الله تعالى له، والانفعال لما يريده منه، والرؤية بالاهتداء إلى ما يريد الله منه، فهو متحرك بذلك، وانظر إلى النبات، واهتدائه لما أراد الله تعالى، فأذعن لأمره من شرب الماء، والغذاء من لطيف الأرض، ورفعه في حبه لذلك الغذاء إلى نهايته، كلّ ذلك ممّا يدلّ على أنّ كلّ شيء هو متحرك بالانفعال لما يريد الله منه، وكلّها في ظاهر أمرها غير ضوية، أي غير نيرة بأنوار العلم، بل هي أجساد مظلمة كثيفة غير لطيفة، وهي على بقاء ظلمتها كذلك تبدي النور العلمي، فصارت جميع الأكوان التي
(1) في الأصل و [س]: [ترى]، وما أثبتناه الصواب.
626 (1/626)
صفحة 627
هي في صورة الهزل وفي صورة الجد كلّها حق، ونور، وكلها ظاهرة كالرؤيا الحق التى هي في صورة حجاب الهزل، وكذلك حقيقة كلّ ذرة من أجزائك ظاهرها ظلمة، وساكنة وباطنها متحركة، ونور علم هي كذلك في حال، واحد وظلمة الليل بدلالته بالعلم بالله تعالى أضواً من النهار مع أهل الكشف، وأضواً من الشمس ونور الشمس مع المحتجبة ذواتهم عن الله تعالى أظلم من ظلمة الليل؛ لأنَّها حجاب عن الله لمن حجبت ذاته عن معرفة الله بها، ونور لمن عرف الله بها، وعرفها الله تعالى، ثم ذكر بعض الأضداد:
قال:
681 - وَتَضْحَكُ إعجابا كأجل فارح وتبكي انتحاباً مثل ثكلى حزينة 682 - وتندب إن أنتْ على سَلْبِ نعمةٍ وَتَطْرَبُ إِن غَنَّتْ على طِيبِ نغمة يقول: ولم يزل ترقيك في التوحيد لله المجيد في كلّ شيء مرتبة، مرتبة، ودرجة، درجة، ويضرب لك الأمثال في كلّ شيء فقال: فكلّ شيء في الحقيقة الباطنة من حيث لا تدري الأشياء بنفسها كما قال، وتضحك إعجاباً أراد بالضحك هنا بعض معناه، وهو الزهرة (1) وأراد بالإعجاب هنا حسن المنظر، والمخبر لا بمعنى التعجب، والجَذَل بالذال المعجمة - الفرح والسرور، والفارح الفرح والانتحاب رفع الصوت، والثكلى: المرأة التي مات عليها أمها أو أبوها أو ولدها، وتضحك زهرة إعجاباً، أي حسنة المنظر، وذلك هو حقيقة الضحك الذي هو في كلّ شيء، وبه يظهر ضحك المرء إذا ظهر بمظهره، وظهور زهر الأشياء الذي هو حسن منظرها هو ضحكها (2)، وكذلك إذا تجلى لطف الله على الأشياء في الحقيقة أنّ ذلك مما يسرّها علمت أو لم تعلم، فانبسطت، ونشطت وزهرت أظهرت الزهر أو لم يظهر، وهو الذي استعاره للضحك، وإذا تجلّى الله عليها بالعظمة والهيبة، والخوف من سطوته وخيفته سكنت، وانقبضت وهذه الحالة فيها هي
(1) في العين للخليل، ص 340: «الزهرة: نور كلّ نبات، وزهرة الدنيا حسنها وبهجتها ... والزهور: تلألؤ السراج الزاهر»، وهذا مقصد الشيخ ناصر الله بالزهرة، وسيوضحه بعد قليل.
(2) ومنه البيت المشهور:
ومنه أيضاً:
أتاك الربيع الطَّلق يختال ضاحكاً من الحسن كاد أن يتكلّما
تحتها دجلة يجري
ضاحكاً
627
يحمل الخصب ويستنشي الجنانا (1/627)
صفحة 628
التي استعار لها البكاء، وكلّ هاتين الحالتين هما في كلّ شيء في حال واحد، فهي تضحك إعجاباً، أي سروراً، كأجذل أي كأفرح فارح، وتبكي انتحاباً بأمثل ثكلى حزينة، وعلى سلب نعمتها، ولو لم يسلب الله عنها نعمتها، وهي معرفتها به فهي تئن حزناً إن ماتت، وإن كانت بعدها في الوجود على فراق زهرتها بلسان حالها، وهي على فراق علمها بربها فهي تبدّت، أي تعدّد حزناً على فوات تلك النعم، وإن لم تفتها بعد، ولكن كذلك هي في هيئتها دائمة، فهذه القوى موجودة في حالة كلُّ كوّنه الله تعالى، ولذلك يظهر في مظاهر الإنسان، وكذلك قوله: تطرب، أي تفرح بلسان الحال إن غنّت، إن تكلمت، ونطقت عن كل نغمة بالغين المعجمة - على كلّ كلمة من كلامها، فنطقها في كلّ نغمة هو طرب، وفرح على ما أنعم الله عليها، أو على معرفتها خطاب الله لها، فيكون على كل نعمة استعارة، أي على كل خطاب [134 ظ] من الله، والله لم يزل متجلياً بخطابه على الكائنات بغير حرف، ولا صوت في جميع أمورها، وجميع ما تجلى فيها من الصفات والعلم، ولا تظهر هذه الصفات التي في الألوان إلاّ في بعض الحيوانات كالإنسان، فصار الإنسان مظهراً لأحوال الكائنات، فهو لسانه التي ينطق بما ينطق به، ومظهر سمعها وبصرها وكلامها،
جميع
وحزنها وفرحها وبكائها، وأنينها وندبها، وكذلك بعض الحيوان كما قال: 683 - ترى الطَّيْرَ في الأَعْصَانِ يُطْرِبُ سَجْعُها بتغريد ألحان لديك شجية 684 - وتَعْجَبُ من أصواتها بلغاتها وقد أَغْرَبَتْ عن أَلسن أعجميَّةِ يقول: ومن ذلك ترى الطير في الأغصان يطرب، سجعها، أي يطربك سجعها بتغريد ألحان لديك أي بقربك شجيّة: أي حزينة وتعجب أي وتستحسن من لذة أصواتها بلغاتها، وقد أعربت أي أفصحت عن ألسن أعجمية أي غير مفهومة، وكلّ ذلك ليس بهزل، وكلّها مظاهر لتجلي لطف الله على الوجود فرحاً به، وبمعرفة الله تعالى، وحزناً من فوات نعمه التي هي لطفه والعلم به وبتلاشيه بمحبة الوجود لله بالعلم به، والحزن على فراق هذه النعمة العظيمة ظهر الحزن والبكاء، والفرح والطرب في بعض الحيوانات، وفي الحقيقة إن ذلك مظاهر تجلي، الله وصفاته وعلمه، وفعله وتدبيره.
قال:
685 - وفي البر تسري العيش تخترق الفلا وفي البحر تجري السُّفْنُ في وَسْطِ لُجِّةِ
628 (1/628)
صفحة 629
686 - وتنظر للجيشين في البر مرَّةً وفي البحر أخرى في جموع كثيرة وَهُم في حمى حَدَيْ ظُباً وأَسنَةِ 687 – لباسُهُم نَسْجُ الحديد لبأسهم
68 - فأجنادُ جَيْشِ البَرِّ ما بين فارس على فرس أو راجل رَبِّ رِجْلة
688
القنا العمالة الشمهرية
689 – وأكناد جيش البحر ما بين راكب مطا مركب أو صاعد مثل صَعْدة 690 - فَمِنْ ضَارب بالبيض فتكاً وطاعن بسمر القنا 691 - ومِنْ مُغْرِقٍ في النار رَشْقَاً بأَسْهُم ومن مخرق في الماء زَرْقاً بشعلة 692 - ترى ذا مُغيراً باذلاً نَفْسَه وذا يولي كسيراً تحت ذُلّ الهزيمة 693 - وَتَشْهدُ نَصْبَ المنجنيق ورميها لهدم الصياصي والحصون المنيعة (1) يقول: وانظر وشاهد الحق وتجلي الله في ذلك بصفاته في كلّ تدبير أظهره الله بحكمته لإظهار ما أراد الله إظهاره مما هو ملتبس علمه على العقول بحجاب جهل علمها به، وما أظهره من الصور، واختلاف كلّ شيء فيها، ترى العيس، وهي الإبل تخترق الفلا أي تقطعها بالسير فيها، وفي البحر تجري السفن في وسط لجة البحر، وتنظر تارة للجيشين، أي إلى الجيشين المتقابلين في البرّ مرة، وفي البحر مرّة أخرى في جموع كثيرة همّتهم أنفسهم لذلك، وفي ذلك فناؤهم وموتهم، وهم لا يبالون ويعلمون أن الوقوف لهم، والإذعان إلى صلاحهم الذي هو صلاح لهم خير من ذلك، والنفوس تأبى، ولباسهم نسج الحديد وهي الدروع لباسهم: أي لقتال بعضهم بعضاً، وهم في حمى: أي حماية حدي با: أي السيوف وأسنة: أي الرماح، وأراد بحدي: حد السيف حيث يقطع، وحدّ السنان حيث يطعن، وفي هذا ما يدلّ على خوفهم المنية، وهم متهوّرون إليها عن قصد من بعضهم في بعض فأجناد أي فترى إذا اعتبرت جيش البرّ ما بين فارس راكب عن فرس، وراجل أي [135 و]،ماش، ربّ رجلة: أي صاحب مشي قوي عليه، وترى أكناد أي خصوم جيش البحر ما بين راكب مطي، والمطيّ هو الموضع الذي يوطأ منه، وأراد بذلك سطح مركب، أو صاعد مثل صعدة: أي مثل درجة يصعد عليها، وترى بالنظر إليهم فمن أي منهم من هو ضارب البيض، أي
(1) في الديوان: [وَرَميه] بدل [ورميها].
6
629 (1/629)
صفحة 630
السيوف الحادّة، فتكاً أي قتلاً ومنهم من طاعن بسمر القنا، وهي الرماح العسالة)، ومنهم مَنْ هو مغرق في النار، أي في حرارة الموت
السمهرية، [
هذه
من
رشقاً بأسهم، أي طعناً بأشهم القوس، وهي النشاب، ومنهم من هو محرق بحرارة الموت في الماء هو في حين ذلك في الماء زرقاً بشعلة نار حرارة الموت، أو محرق، وهو في الماء زرقاً بشعلة نار تقتله فيه بحكمة مثل المدافع والبنادق (2)، أو بنار هي النار المعروفة، وترى ذا مغيراً باذلاً نفسه وذا يولّي كسيراً بالهزيمة، وما النصر إلاّ عند الله، وتشهد، أي نصب المنجنيق، ورميه لهدم الصياصي (3)، أي البيوت البعيدة عن الوصول إلى الدخول فيها إلا بها، ولهدم الحصون المنيعة، وهذا على نسق معنى قوله تعالى قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُم مِثْلَيْهِمْ رَأَى الْعَيْنِ وَاللَّهُ يُؤَتِدُ بِنَصْرِهِ، مَن يَشَاءُ)
قال:
- 696
-
وَتَلْحَظُ أشباحاً تراءى بأنفُسِ مُجردة في أرضها مُستجنّة 695 - تُبايِنُ أُنسَ الإنس صورةُ لَبْسِها لوحشتها والجن غير أنيسة وَتَطْرَحُ في النهرِ الشباك فتُخْرِجُ الـ سماك يدُ الصَّيادِ منها بسرعة 7 69 - ويحتالُ بالأشراكِ ناصبها على وقوع خماص الطير فيها بحبَّةِ 698 - ويكسرُ سُفْنَ البَحْرِ ضاري دوابه وَتَظْفَرُ آسادُ الشرى بالفريسة (5) 699 - ويصطادُ بَعْضُ الطير بعضاً من الهوا ويقبضُ بعض الوحش بعضاً بقفرة (6)
(1) بياض في الأصل بمقدار كلمتين ومثله في س، وهذا من غريب الاتفاق. (2) يشقق الشيخ ناصر الله الحديث هنا زيادة منه في التوضيح، وتقريب مقاصد ابن الفار، وإلا فـ ر من يعلم أن البنادق، والمدافع لم ترد في الشعر، ولم يكن ابن الفارض يعرفها.
(3) الصياصي كما شرحها الشيخ ناصر الله هي القلاع، ومفردها صيصية، وقد وردت الصياصي في القرآن الكريم في قوله تعالى: {وَأَنزَلَ الَّذِينَ ظَهَرُوهُم مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِن صَيَاصِيهِمْ. الأحزاب، الآية 26.
(4) آل عمرا
ان، الآية 13.
(5) في الديوان: [اليم] بدل [البحر].
(6) في الديوان: [الفضا] بدل [الهوا] و [يقنص] بدل [ويقبض]، وفي هامش الديوان إشارة إلى هذه القراءة.
630 (1/630)
صفحة 631
- 700
- وَتَلْمَعُ منها ما تخطيتُ فِعْلَه ولم أعتمد إلا على خَيْر مُلْحَةِ (1) 701 – وفي الزمنِ الفَرْدِ اعتبر تَلْقَ كلَّ ما بدا لك لا في مُدَّةٍ مُسْتطيلة 2 70 – وكلُّ الذي شاهدتُهُ فِعْلُ واحد بمفرده لكن بحُجب الأكنَّةِ يقول: وتلحظ في مشاهدتك لعالم الحسّ بعينك الحاسة أشباحاً، أي أجساداً، أو صوراً تراءى بالمد أي تتراءى أي تظهر في الرؤية للناظرين إليها أن تلك الأشباح هي بأنفس، أي بأنّها باطنها أنفس هي الفعالة، والفاعلة مجرّدة، أي أصلها روحانية رُكبت في أرضها، أي أجسادها الترابية والمائية والنباتية الغذائية فهي في الظاهر تفعل وفي الباطن، بنفس فيها مستجنّة: أي مختفية فلا ترى، ويحتمل أنه أراد: وتلحظ بعين العقل أشباحاً تراءت بأنفس مجرّدة، أي لطيفة في أرضها، أي الدنيا، مستجنّة: أي مختفية، وأراد بالأشباح ونفوسها هنا الجن فإنّه وجه من التأويل له، وفي أشباح الجن أيضاً هذه النفس الفاعلة، وهم في أشباح لطيفة لا ترى بأعين الإنسان للطفها، لا أنهم هم أخفوا أجسامهم كما ظنّه عوام الناس، بل لم يروهم للطف أشباحهم مثل جسم الرياح، وبهذا يدلّ على أنّ عذابهم ليس بجسم مرئي، إذ لو أبعدوا بما يرى لحمد فيهم جسداً مرئياً، وخلقوا من نار السموم، فلذلك تباين إنس، أي استئناس الإنس والجن فيما بينهم لوحشتها، أي لوحشة صورة الجنّ مع صورة الإنس، فصورهم غير أنيسة بالإنس إذ لو انكشفوا على الإنس لم [135] يؤالف صورهم محبة الإنس لها، وكل ذلك فالمصوّر هو الله تعالى، ولو شاء لأحسن صورهم، وكلّ هذا ينبهك على إظهار الحكمة الإلهية لترى بالنظر إلى ظواهرها، والتحقيق لبواطنها، والمشاهدة لمدبّرها بالصفات وتجلي أفعال الله في الموجدات، وكذلك ترى في حكمته التي أظهرها في الوجود كما قال الناظم، وترى يطرح الشباك في النهر، أي في الأنهار الحلوة، وخصص ذكر النهر بطريق الإلزام عند أهل المنطق بذكر الجزء، وإرادة كما يصح العكس (2)، وأراد: وتطرح الشباك في الماء بحراً كان أو غيره،
(1) في الديوان: [ذكره] بدل [فعله]. (2) هذا في المنطق، وأفاد منه البلاغيون في واحد من فنون البلاغة هو تأكيد المدح بما يشبه الذم، أو تأكيد الذم بما يشبه المدح، وهو قديم قدم الشعر العربي، نجده في قول النابغة الذبياني:
ولا عيب فيهم غير أنَّ سيوفهم بهنّ فلول من قراع الكتائب وشواهده كثيرة، ينظر المصطلحات البلاغية وتطورها، د. أحمد مطلوب، 2/ 9، وما بعدها.
معجم
631 (1/631)
صفحة 632
فيخرج السماك، أي السمك الصياد منها بسرعة، ويحتال بالأشراك، أي بتشابك الخيوط، والحبال أيضاً ناصبها، وهو الصياد على وقوع خماص الطير، والخماص الجياع، خماص البطون من الطير لشدة الجوع، بحبّة: يجعلها في تلك الشباك فتقع فيها فتكون سبب موتها حبّة، وهي لقوة طيرانها تقدر أن تأتي من غير تلك الحبة حبوباً كثيرة؛ لأنها ربت وكبرت على غير تلك الحبة، فأذلها الطمع حتى هلكت بسببها، كذلك غيرهنّ من الإنس هو مثلهن. وترى يكسر سفن البحر ضاري، أي أسود دوابه، استعار اسم الأسود للقوة، أي إلى القوية منها، وتظفر آساد الشرى (1) بالفريسة في البرّ، فهو يذكر، تارة آيات البحر، وتارة آيات البرّ، ويصطاد بعض الطير القوي بعضاً من الهواء بقوته عليه، ويقبض بعض الوحش، أي الدواب المتوحشة، ولما ذكر فعل الناس بعضهم لبعض انتقل إلى ذكر الإنس والجن، وافتراق أحوالهم، ثم إلى فعل الإنس في الحيوانات، وإلى فعل الحيوانات بعضه في بعض، ويختم ذكر ذلك ما تذكر المدبّر الحكيم جلّ وعلا كما في الفلوات بعضاً منها بقفرة، أي بخطوة، أو قبضة قوية منها عليها، وتلمح منها، أي جميع الكائنات، [ما]: أي الذي تخطت أي جاوزت عن ذكر فعله، ولم أعتمد في تعداد ما ذكرته إلا على خير ملحة، أي إلا على قبضة ملحة أملح بها الطعام (2)، وليس المراد المقدار كذلك الذي ذكره مع الذي لم يذكره، فإنّه حكيم، ولا ينطق إلا بالحقيقة يعني بقدر التنبيه الذي يصح أن ينفتح لك به أبواب الفكر، والاعتبار إن كنت مستعداً لقبول ذلك، وإن كان عقلك غير مستعد لذلك فهو لا يخاطبه إلا من قبل الاستدعاء إلى الدخول في أوامر الله تعالى، وإلى ما يحبه منه، كما أنّ كلّ شيء في الوجود هو داع إلى ذلك المتعبدين جميعاً. وقوله: وفي الزمن الفرد اعتبر تَلْقَ كلّ ما يدلّك فيها، أي كلّما ظهر لك في هذه الأفعال التي في ظاهرها في التدبير الإلهي لغير فائدة، فهي في صورة الهزل، وكذلك تولية أهل الجور على الناس، وتسلطهم على المؤمنين، وما أشبه ذلك مما هو في عالم الأرض، وهذا كله مقدس (3) عن عالم السموات، فهناك كلّه في الظاهر من الأفعال جد، وفي العالم
409
(1) الشرى: موضع كثير الأسود، ويضرب به المثل للكثرة، ينظر معجم العين للخليل، ص (2) لعل ابن الفارض يريد (ملحة) بضم الميم، وهي الكلمة المليحة كما في العين، ص 791، أو ما يستعذب به من الكلام، وردّ الشيخ ناصر الكلمة إلى معناها الحقيقي المتعلق بالملح المعروف.
(3) مقدس: يريد بها الشيخ ناصر هنا منزّه، أي غير موجود.
632 (1/632)
صفحة 633
كثير مما ترى منه لغير فائدة في ظهور الحكمة فيه، وإذا اعتبرت بالرؤيا الصادقة التي هي على هذا المثال في ظاهرها كذلك هزل، وتحققت هذا بهذا الكشف لك، لا في مدة مستطيلة، بل في مدة يسيرة، يعني من حين ترى ذلك، ثم تشاهده في الزمن الفرد الذي كان الله ولا شيء معه، ثم كان الله، ووجود العلم الذي لم يزل به عالماً، ثم كان العلم في القلم، وفي العقل القلمي واللوحي، واستمدت منه العقول في الملائكة، وفي الإنس وفي الجن، وفي الشياطين، وهم نوع من الجنّ لا غير، فكان العقل مرآة لتجلي صفات الله عليه، وأوامره ونواهيه وابتلائه، والنفس وهو جهة العقل من جهة أخرى لتجلي الأمثال والمثالات والخيالات التي تحسبها كمالاً بغلطها، ففي الحقيقة هي تطلب الحقيقي، ولكن يتراءى لها غيره فتحسبه هو حيث خالفت العقل الذي هو على جهة تجلي الله عليه بصفاته، وعلمه الحق، وغطّتها برؤيتها لئلا تغلب عليها [136 و] فتقودها أسيرة مغلوبة بعد أن كانت هي الغالبة، وكثير ممن أطاعت نفسه المدبرة والغريزية روحه البصيرية، فابدأ بالفعال الحميدة، ولما كان في الأزل أنّ الله تعالى سابق في علمه الخلائق وأفعالهم، ومَن يؤدي منهم الطاعة، ومن يؤدي منهم المعصية، وكان من وصفه أنه حكيم، وأنّ الحكيم لا يدع مطيعاً يراه مطيعاً له إلا ويخرجه من عالم الغيب إلى عالم الشهود، ومن كان في علمه وملكه أنه عاص لله مصر بخلقه، ويراه في غيب علمه أنه كذلك يكون فعله ظالماً لهذا فلا كمال للحكمة إلا أن يظهره من عالم غيبه إلى عالم، شهوده، ويبتليهما حتى يكافئ الطائع بطاعته، ويجازي الكافر بمعصيته وظلمه لعباده؛ لأنه كذلك يكون مستحقاً في العقول السليمة أنّ من كان كافراً بالملك في حضرة الملك، ويعمل الفساد في الحضرة الجليلة، حضرة الملك العظيم وحوله أهل العقول الثقال لرأوا أن سكوت الملك عنه من نقصان كماله، وإذا كان كذلك فهو في حضرة الغيب مع الله كذلك، وإلا جعلت أنّ نظرك إليك في الشهود أقوى حجة، وأبلغ في الاستحقاق من نظر الله إليه، وإلى حضرته وحضرتك، وعصيانه وكفره في عالم الغيب وحضرة الغيب، وهذا تحقيق علم القدر الذي أمر الأنبياء والعلماء عن التفكر فيه، فقد كشفنا حقه. فإن قلت كيف تتكلم فيما نهى عن الخوض فيه؟ فنقول: إنّ النهي واقع على العوام الذين هم إذا فكروا ظنّوا بالله في إبداع الخلق أهل الكفر ليعذبهم، خلقهم ليعذبهم، وأنّهم ليس لهم قدرة إلا على ما هو يدبرهم فيظنون بالله بقلة فهمهم، وهو الحجاب المانع عن معرفة الحق في قدر الله تعالى، وأمّا مَنْ نظر إلى
633 (1/633)
صفحة 634
ذلك من طريق الكشف، وكانت له قوة على إدراك تحقيق الحق في القدر لم يكن ممنوعاً، بل هو عين المقصود منه تحقيقه حتى يرى الله عدلاً، وكلّ شيء أبدعه في تكوينه، وتدبيره هو. حكمة وثناء وحمد بالمشاهدة، والعيان في درجات الإيمان والإحسان، لا بالاكتفاء فيه بالإقرار باللسان، والتصديق بالجنان بصحة الإيمان بأول درجات الإخلاص والإحسان، ويرى ويرى أهل الكشف جميعاً أن جميع هذه الأكوان، وكون العباد، وجميع الحيوانات، وغيرها، وجميع أعمالهم، وأفعالهم، وصنائعهم، وحيلهم، وغلبة أهل الظلم لأهل العلم ولأهل الحلم، وتولية الجبابرة وغلبتهم على أهل الإيمان، وعجز أهل الإيمان عن مقاومتهم لدفع ظلمهم، وإقامة دينه تعالى، ووجود العلماء الراغبين إلى إقامة الأمر، وغلبة الجبابرة عليهم، وقتالهم وأفعالهم وأفعال جميع الحيوانات التي تشبه الهزل واللعب واللهو، وما كان منها على مظهر الجد والعدل هي الحكمة الكاملة في الجمال، وأنّ كلّ ذلك كان عن تدبيره وحكمته لإظهار وجودهم، وإظهار تلك الأفعال منهم، وقد خلقها، وأحكم الحكمة في التدبير حتى تظهر ممن سبق في علمه أنه منه يظهر، فظهرت كما علم من غير خير لهم منه على ذلك، وكلّها حقيقتها في خلقتها تسبيح وحمد وشكر، بالتكوين الإيجادي لها قد تجلى الله بصفاته وعلمه عليها مثل غيرها من الوجود، مطيعة سامعة لخطابه، ناظرة لأمره، متكلمة بتوحيده، منفعلة لما يريده الله منها في إيجادها، وكذلك كلّ شيء لقوله تعالى: {وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَدِهِ، وَلَكِن لَّا نَفْقَهُونَ وهي كانت عدلاً، أو ضلالاً، أو إيماناً أو كفراً.
وهي
فهي
تسبيحهم
فإن قلت كيف تكون المعصية تسبيح الله؟ قلنا: نعم بالدلالة، حتى إن المشرك بالله تعالى كلّ جزء منه وكلّ قوة من قواه يسبّح الله تعالى ظاهره حجاب وظلمة، ودلالته تسبيح ونور، ولا ينفعه ذلك، وعليه غضب الله؛ لأنّ ذلك لا من اختياره، وبذلك يصح أنّ الوجود هو نور وعلم الله فيه حتى [136] أعمال العباد، ولم يزل يرقيك التوحيد مرتبة مرتبة لأنه لو ظهر لك الأمر الخفي عن أكثر العقول لأنكره عقلك فرقاك درجة درجة حتى تشهد الحق في كلّ شيء، وتعلم أنّ علم الله متحد في كلّ شيء، غير منفصل من جهة، ولا، موضع ولا من فعل، ولا من عمل، ولا خير ولا شرّ، وإن كان في المعصية محجوباً بظلمة الهزل فباطنه معلوم يخاطب به من تجلى بصفاته على مرأة عقله، فنظر إلى الكائنات علماً هي كذلك في نظر الله إليها، وفي الحقيقة أنّ الله تعالى ينظر فيها
في
634 (1/634)
صفحة 635
إلى صفاته وعلمه وتجليّه عليها، وينظر منك صفاته وعلمه وأنت تنظر إلى الوجود إذا [كنت] (1) من أهل الكشف إلى صفاته وعلمه، وكذلك ينظر من نفسك إلى صفاته وعلمه وبتجلي أسمائه: السميع، البصير، القدير، لم يزل متكلماً، على ذاتك كنت سميعاً بصيراً متكلماً قديراً إلى رؤية صفات الله وعلمه، فكنت الوجود كالمرآة للعلم بالله تنظر منها ما يرى الله فيها، وليس المراد هنا التشبيه، ولكن لولا هذا لاختلف العلم بالله وصح أن تحقيق [العلم] (2) بالله هو على غير ما وصفه به أهل الحق في وصفه، وصار الله غير معلوم بصفاته، وصح جحد التوحيد، تعالى الله علواً كبيراً، فصح أن صحة التوحيد هو أن يكون الأمر على هذا الكشف الحقيقي فإنّ هذا هو التوحيد الحق لله المجيد، وذلك معنى قوله: (وكلّ الذي شاهدته فعل واحد وهو الله تعالى بمفرده، أي كل التدبير لله تعالى بمفرده أي بغير شريك له، ولكن بحجب الأكنّة، أي مغطى عن العقول بحجب الأكنّة التي تكنّ على الحق عن ظهوره لكل العقول، فجميع ما في الوجود هو حكمة الله تعالى كما قال: {يُضِلُّ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِى مَن يَشَاءُ، أي يظهر ضلاله من يشاء، وهم أهل الضلالة بتدبيره وحكمته، ويظهر هدايته من يشاء وهم أهل الهداية بتدبيره وحكمته، فخلق الخلق، وخلق المعاني التي يُعصى بها ويطاع وأمر بطاعته ونهى عن معصيته، وخلق فيهم المحبة والإرادة والمشيئة والسمع والبصر، والقدرة، والنطق، وأقدرهم على كل ما يريدونه (3) من طاعة أو معصية، وجعل لهم قوة الاختيار للطاعة والمعصية يعرفونها فيما يختارونه (4)، ولم يجعل لهم الاختيار في ذلك، بل ألزمهم الطاعة، وحرم
عليهم المعصية، فافهم.
***
635
(1) ما بين المعقوفين ساقط في الأصل، والزيادة من س. (2) ما بين المعقوفين ساقط في الأصل، والزيادة من س. (3) في الأصل و [س]: [ما يريدوه]، وما أثبتناه الصواب. (4) في الأصل و [س]: [يختاروه]، وما أثبتناه الصواب. (1/635)
صفحة 636
[صفحة فارغة] (1/636)
صفحة 637
الباب الثالث والعشرون
في الإرشاد إلى مكاشفة التوحيد بمكاشفة أحوال اللاهي المشعبذ بلسان المقام
الأحمدي (1):
قال:
703 – إذا ما أزالَ السِّتْرَ لم تَرَ غيره ولم يبق بالأشكال إشكال ريبة يقول: وقد مثل الأفعال بالمشعبذ الذي يلعب (2) بالصور من وراء حجاب من ثوب أبيض رقيق في الليل على ضوء السراج تتحرك تلك الصور، ويراها الناظر أنها بأنفسها تتحرك، ولكن أراد إبداء المعنى بعض معناه، لأنه لا يجوز أن يكون ليس للخلق إرادة في حركاتهم وسكناتهم، فيكون التكليف عبثاً، ولكن استعار القدرة، والسمع، والبصر، والنطق التي أمدهم الله تعالى بها بمدد متصل بها يتحركون ويفعلون، ولو قطعها ما فعلوا شيئاً كالخيوط التي يحرّك اللاعب بها تلك الصور، ولو انقطعت لما تحركت. يقول: ولو أزال الحجاب الساتر من الرائي واللاعب لأري أنّ ذلك كله فعل من المشعبذ، كذلك إذا ما أزال المرء، أو أزال الله عنك حجاب الستر لم تَرَ غيره مدبّراً هذا التدبير المحكم بالحكمة الإلهية، فلا حركة ولا سكون إلا بالله وبالمكاشفة في ذلك، لم يبق بالأشكال: أي بالصور التي تراها، إشكال أي بقية ظنّ من جهة ريبة، أي من جهة ريب وشك لوضوح الحق، كما لو كشف المشعبذ ستره ارتفع الإشكال أي الشك عن الأشكال، أي الصور؛ لأنها تتحرك به كذلك كلّ شيء بقدرة الله تعالى فإن قلت: إنّك قد قلت: لا حركة ولا سكون إلا بالله وقلت: إنّ الله لم يقدّر على عباده فعل المعصية حتى يفعلوها، ولا [137 و] قوة لهم عليها إلا بالله. فنقول: لأنّهم عصوه بالقوة التي هي من عند الله فركبها
6
(1) في س: [في الإرشاد إلى مكاشفة التوحيد بمكاشفة التوحيد بمكاشفة أحوال اللاهي المشعبذ]. (2) في الأصل: [بلغت] بدل [يلعب]، ولا معنى لها، وما أثبتناه من س، وبه يستقيم الكلام.
637 (1/637)
صفحة 638
فيهم، فهم يعصونه بقوته وقدرته التي خلقها فيهم، فقد قلنا لك: إن القوة المنسوبة إلى الله خلق وجميع الصفات المنسوبة إلى الله تعالى هي على وجهين: أحدهما منسوبة إليه موصوفة به لم تزل ذاته كذلك، فذاته قدير وعليمة وبصيرة.
والوجه الثاني: هي من خلقه، ومضافه إليه، ويتصف بها بعض من خلقه كالقدرة، وهي خلق من خلق الله خلقها في روح الإنسان، فهو يعصيه بهذه القدرة، وهو قادر على منعه، ولكن أراد إظهار ما هو فيه وعليه ليكون حجة عليه يوم القيامة، فافهم.
قال:
704 - وحققت عند الكشفِ أَنَّ بنوره اهـ تديت إلى أفعاله في الدُّجيّة (1) يقول: وإذا زال الحجاب وانكشف لك الحق في كلّ شيء، والتوحيد في كلّ شيء، وأن جميع هذه الأفعال الظاهرة إلى (2) الهزل، أو في العدل أنها من حكمة الله وتدبيره لإظهارها، وأنها كلها حمد وشكر ونور في تدبيره، فقد اهتديت إلى تحقيق توحيده من جهة الأفعال في الدُّجيّة، وهي ظلمة الليل، ولكن أراد هاهنا لظلمة الحجب الساترة عن انكشاف رؤية الحق فيها حتى يرى العالم والوجود كلّه نوراً متحداً، وترقى إلى حضرات الجمع فإنّ حضرات الجمع لا يوصل السالك إليها ما دام محجوباً عن رؤية [شيء] (3) في الوجود غير نور، ولا علم ولا حكمة، بل حتى يرى لكل نوراً متحداً كما كان قبل أن يخلق الله الكائنات منه، وهي مرتبة النبي، ورؤية الوجود كذلك الحضرات الظاهرية، وتمامها جمع الحضرات، الظاهرية وهي تقييدية وفرقية مع ما وراءها من الحضرات، وترى صفات الأفعال، والتدبير، وحكمته كما ترى المشعبذ، ولكن من غير أن ترى الذات في رؤية صفات الله وأفعاله، فافهم.
قال:
هي
705 - كذا كنتُ ما بيني وبيني مُسْبِلاً حجاب التباسِ النَّفْسِ في كلُّ ظُلمةِ
(1) في الديوان [الدجنة] بدل [الدجية]، وفي هامش الديوان إشارة إلى هذه القراءة.
(2) في س: [في] بدل [إلى].
(3) ما بين المعقوفين ساقط في س، والزيادة في الأصل.
638 (1/638)
صفحة 639
706 – لأظهر بالتدريج للحس مؤمناً لها في ابتداعي دفعة بعد دفعة (1) يقول: كذا أراد بالكاف كاف تشبيه، وذا حرف إشارة إلى مذكور حاضر، أي مثل هذا المشعبذ كنت فيما بيني وبيني، يقول: كنت في أول ظهوري إلى عالم الشهادة أراد نفسه، أو غير نفسه كله متوجّه فيما بيني وبين ذاتي، مُسبَلاً - بفتح الباء- ما لم يسم فاعله (2) أي مرخى على حجاب ستر النفس في كلّ ظلمة، أي في كلّ حجاب عن حجب آلات الحسّ التي هي السمع والبصر والكلام واليد والشم التي يظن بها أنها هي السامعة، والباصرة، والمتكلمة، والباطشة، والشَّامة، وأنّ هذه الموجدات كلّها التي هي في عالم الحس ليس وراءها ما يحيّر العقل، ويدهش اللبّ، وإن كان لا يريد نفسه، وإنّما أراد التنبيه للراغب بذكر نفسه تقريباً لفهمه وترغيباً للوصول، والثاني: أنّه لابد أن تكون له حالة تأتي عليه في أول ظهوره أن يرى ذلك، ثم يتدرج بالفكر وبالكشف كما قال: لأظهر بكشف النفس، أي لأكشف الروح بالتدريج بكشف عالم الحس، مؤنساً لها: أي ثابتاً على ترقيق حجبها غير مستعجل الشيء فيها بالتجاوز عنه، ولذلك لم يقل مؤنساً بها؛ لأنه غير مستأنس بها، وإنما هو مستأنس لها كذلك، في ابتداعي أي في اختراعي للطرق التي تكشف حجبها دفعة بعد دفعة، أي مرتبة بعد مرتبة، ودرجة بعد درجة، وإنّما قال دفعة ليدلّ على قوته بكشفها في كثرة ما يكشفه من عالم الحسّ في كلّ دفعة حتى تخرق الحجب كلّها إلى حضرة أحدية الجمع، أو حضرة أحدية [137] جمع الجمع في حق النبي، وإلى ما شاء الله من الحضرات في حق غيره، فيرى الوجود ووجود هيكل ذاته كله نوراً، وهو سير النفس، وترى الروح تجلي كمال الله عليها من جهة عالم العلم الغيبي، وهو كذلك لم يزل الله عليها متجلياً حين أقبلت إلى الله وصفت، والتقى سير النفس وسير الروح، ورؤيا العلم في كلّ شيء متحداً هو علم واحد، وهو علم الله تعالى، وصار في حقه الكون مثل البلّور الذي يوصف (3) فيه الشيء، ويتصنّع بلونه، فلا ترى إلا لون الموضع (4) فيه، فافهم.
(1) في الديوان [مرّة] بعد مرّة] بدل [دفعة بعد دفعة].
(2) وهو المبني للمجهول أيضاً.
(3) في س: [يوضح] بدل [يوصف]. (4) في س: [الموضوع] بدل [الموضع].
639 (1/639)
صفحة 640
قال:
7 70 - قَرَنْتُ بِجِدِّي هَزْلَ ذاك مقرباً لِفَهْمِك غايات المرامي البعيدة يقول: قرنت: أي جمعت، بجدّي: أي بكشفي للعلم بالله، وتجلي صفاته، وكماله، وجماله وجلاله برفع أستار حجب المحسوسات بمثال هزل: أي لعب، وهو ذاك المشعبذ الذي ذكرنا مشبهاً بالمشعبذ ذات المرء، وبالأفعال أفعالها مقرباً لفهمك غايات
عن
أي نهايات المرامي أي المطالب البعيدة عن إدراكها عن جد عقول العلماء، فضلاً. إدراكها لعقول الضعفاء، كلا، ولا وصول إليها إلا بالسير سلوك المحبة، وتلاوة الاسم الخماسي بقوة الحضور لتنعت به أبواب المحبة والمشاهدة حتى تشاهد الحق في كلّ
شيء.
هو
قال:
حاله
بشبيهة
708 - ويجمعنا في المظهرين تشابه وليست لحالي يقول: ويجمعنا في المظهرين أي ظهور سمعي من أذني، وبصري من عيني، ونطقي من لساني، وشمّي من أنفي، وبطشي بيدي، وظهور صورتي، وأنّ هذه الأشياء هي الفاعلة لذلك بذواتها، كما أنّ تلك الصور هي المتحركة بذواتها في ظاهر الرؤية، وفي الحقيقة هي الذات، كما أنّ تلك في الحقيقة الفاعل، هو المشعبذ اللاعب بها، كذلك كلّ ما هو في الوجود إنّما كله بحكمة الله وتدبيره وقوته وقدرته، فلا حول عن معصية الله إلا بتوفيق الله، ولا قوة على طاعة الله إلا بإعانة من الله جلّ وعلا وهذا من جهة التمثيل في تشبيه الجد بالهزل تشبيهي بالمشعبذ، وبذاتي، وبذات المشعبذ وهيكله فإنّي وإيَّاه أيضاً كذلك شبيهان في الصورة، وقوله وليست فالواو هنا للاستدراك لا للعطف، يقول ولكن بمشاهدتي لجمال الله، وكماله وجلاله وصفاته وعلمه بروحي ونفسي وتجلي كمال الله، وعلمه، وجلاله، وجماله على روحي المستمدة من الروح الأعظم، وهو روح القلم الأعلى لم يزل الله عليّ في كلّ حين مدة بقائي بعلمه، وصفاتي عليّ فيها، ورؤية نفسي إلى أنوار المحسوسات، وخرقها لجميع حجبهها حتى رأت الأكوان كلّها نوراً علمياً، وهو الذي تراه من جهة عالم الغيب، ورأته النفس من جهة عالم الشهادة فالتقتا: رؤية النفس، ورؤية الروح إلى رؤية واحدة، ومشاهدة وحقيقة واحدة ورأيت كلّ جزء من أجزائي، وكلّ جزء من أجزاء الأكوان سمعاً، وبصراً،
640 (1/640)
صفحة 641
وكلاماً، ونطقاً، وقدرة، فهي تسمع كلام الله، وتنظر أمره، وتنطق بتوحيده، وتنفعل لأمره في حال واحد في كل حين، فصرت لست في حالة من الأحوال بحالة المشعبة في لعبه، ولا في رؤيته للعبه، ولا في رؤيته لنفسه، ولا لرؤيته لشيء من الأكوان، ولا لرؤيته إلى الله تعالى، وبجميع صفاته بشبيهتي لحالي، واللام هنا بمعنى إلى وشبيهتي بمعنى القريبة، والحال بمعنى الاتصاف، أي ليست بقريبة إلى اتصافي بالأحوال، فأين البعد بين الاتصافين في أحوالهما؟ فكيف يكون التشبيه بذلك في الله تعالى؟ كلاً إنّما ضربت بالمشعبذ مثلاً تقريباً [لمعرفة] (1) توحيد الله أنّ كلّ شيء في الكون هو خلقه، ويتحرك بقدرته، ويسكن بقدرته، ويتم بقدرته، ويفني بقدرته فافهم، فإنّي لم أرد به على معنى التشبيه، ولا أنّ الله [138 و] تعالى جبر العباد
على الطاعة، ولا على المعصية، فاعرف ذلك.
قال:
بستر
709 - فأشكاله كانتْ مَظَاهِرَ فِعْلِه تلاشت إذ تجلّى وَولّتِ يقول: فأشكاله أي المشعبذ كانت مظاهر فعله بستر يراها الناظرون أنها تتحرك بنفسها، وإذ تجلّى: أي انكشف الستر، ووقف هو على التحريك خوفاً أن يظهر عليه ما يعمله تلاشت أي تفرّقت، وولّت عن ظهور تلك الأعمال فلم تعمل شيئاً، كذلك من رفع ستر الحجب رأى العلم بالله في كلّ شيء، وأنّ كلّ شيء يقدره ويحركه بحكمته و تدبيره كما هو في إرادته ومشيئته ومحبته فيما يظهر في الوجود، ولا تظن أننا نعني أنه يحبّ معصيته، ولكن أحبّ تدبيره لكشف المعصية ممن عصاه، ولا تظنّ أنّنا نعني أنّ الله هو المحرك العاصي على المعصية، وإنّما نعني بقدرته التي لم يزل يمده بها، وهو يعصيه بها كذلك في إمداده له إلى حين زوالها عنه بموته، أو قبل موته، فافهم.
قال:
10 7 – وكانت له بالفِعْل نَفْسي شَبيهةً وحشي كالأشكال واللبس صورتي (2) يقول: وأمّا في التمثيل الظاهر فكانت نفسي، أي ذاتي الفاعلة، وهي روحه شبيهة له، ومظاهر حسّي كالأشكال، أي الصور واللبس وهو الحجاب بمنزلة صورتي كلّها،
(1) ما بين المعقوفين ساقط في س، والزيادة من الأصل.
(2) في الديوان: [سترتي] بدل [صورتي].
641 (1/641)
صفحة 642
6
فكما أنه. هو المحرك للصور فكذلك نفسي هي المحركة للعين، وللأذن، وللسان، ولليد، وللرجل، والفاعلات لإدراك ما يدرك بها، وفعل ما يُفعل بها فهي مثل صورة التي تتحرك به، كما أنّ هذه تتحرك بالذات التي هي العقل والروح فهما في الظاهر على مثال واحد، ثمّ إنّ المشعبذ الذي هو في مثال ذاتي، ففي الحقيقة أنّ الفاعلة لذلك ذاته لا يده، كذلك ذاتي في الحقيقة إنّما تتحرك، وتعقل، وتسمع، وتبصر، وتنطق بالقدرة الإلهية، وبالسمع الإلهي، والبصر الإلهي، والكلام الإلهي، والعقل الإلهي الذي خلق ذلك كله في عالم غيبه، وركبه في ذاتي، وقولنا وبالسمع الإلهي إلى آخر ما قلناه، فالمراد بذلك نسب تمليك، لا حلول صفات في ذات المرء، فافهم ذلك.
قال:
هي
11 7 - فلما رَفَعتُ السِّتْرَ عَنِّي كَرِفِعِه بحيثُ بَدَتْ لي النَّفْسُ مِن غيرِ حُجبة 712 - وقد طلعت شَمْسُ الشهود فأشرق الـ وجود وحلَّتْ لي عُقودُ أُخيَّتي 713 - قَتَلْتُ غُلامَ النَّفْس بين إقامتي الـ جدار الأحكامي وَخَرْقِ سفينتي يقول: وكلامه مراتب: المرتبة الأولى قوله: فلما رفعت الستر عنّي أي عن ذاتي التي الفاعلة بمظاهرها: الأذن والعين والأنف، واللسان، واليد، وما أشبهها التي هي مثل صور المشعبذ، وعرفت أنها هي الفاعلة دون هذه، كما أنّ المشعبذ هو المدبّر، والمحكم أمر تلك الحركات بحسن صنيعه وإتقان حكمته، وعلمت أيضاً في المرتبة الثانية أنَّ الفاعلة ذاته، أي المشعبذ كذلك رفعت عن ذاتي التي هي بمنزلته هو، لا بمنزلة ذاته أستارها أيضاً كرفعه هو عن ستاره، وأفعاله بغير ستار، وقد طلعت في انتهاء تحريكها، وسمعها، وبصرها، وكلامها، وأفعالها إنَّما هي حكمة أحكمها الذات الأعظم، الأكبر، الأقدس جلّ الله وتعالى بأفعاله وحكمته وصنعته، وتجلى عليها حين صفت من أكدارها، وتلألأت بأنوارها، فتولّى أمرها، وصارت كما قال: [بي يسمع، وبي يبصر، وبي ينطق، وبي يبطش، وبي يمشي، وبي يعقل] والناطقة به والماشية به، والباصرة به، والسامعة به، والباطشة به الذات منّي لا غيرها. والمراد بذلك، أي بمحبته؛ لأنه صار يحبّ، ولكن لا يحبّ إلاّ ما يحبّه هو ويريد، ولكن لا يريد إلا ما يريده هو، فإن قلت: إنَّ له إرادة فصحيح؛ لأنه مريد غير مقهور [138] ولا مجبور، وإن قلت لا يريد فصحيح؛ لأنه بمعنى لا يشتهي كون
هي
هي
642 (1/642)
صفحة 643
شيء لم يكوّنه الله، ولا يشتهي زوال شيء كوّنه الله تعالى فإن قلت: إنّ المعاصي من كون الله هو خالقها، قلنا: نعم، ولكنّها من فعل العباد والله يكرهها، وهذا صار يكره كل ما يكرهه الله، ويحبّ كل ما يحبّه الله ليس له شهوة في شيء إلا ما يحبّه الله تعالى، فهو أشدّ الناس عداوة لأعدائه ولمعاصيه، وأشدّ الناس محبة لأولياء الله، ولطاعته، فافهم. فذلك معنى قوله بحيث بدت أي ظهرت النفس، أي الذات لي، أي إليّ من غير حجبة، أي من غير سترة، كما رفع المشعبذ ستاره حذو النعل بالنعل في المثل، فمثل مظاهره وذاته بالصور والمشعبذ في المرتبة الأولى، ومثل بأفعال ذاته بقدرة الله بذات المشعبذ ومظاهر ذاته، فافهم.
قوله: وقد طلعت شمس الشهود بمشاهدتي لعالم الغيب، وعالم الشهود فأشرق الوجود، وحلّت، أي زالت بي أي بشهودي العالمين عقود أخيتي، أي تقييدي، وأراد تقييد شهودي بالحجب عن الانطلاق بنظر النفس إلى مجال عالم أنوارها العلمي حتى تخترق الأرض والسموات، والعرش، واللوح والقلم، والعوالم كلها، وتصل إلى عالم التجلي، وتلتقي بجهة الروح، ونظرها مع أنّ الروح كذلك تنظر إلى هذه العوالم مثلها؛ لأنها تنظر إلى العالمين جميعاً، وإن خصصناها في غالب الذكر بعالم الغيب، وليس كلامنا ذلك ممّا ينفي نظرها إلى عالم الشهادة، فافهم.
والأخيّة حبل فيه عروة يدفن في الأرض ليربط فيه رباط الدابة فافهم. وقوله: قتلت غلام النفس: أي صفاتها المذمومة، وتقاعدها بالنظر إلى ظواهر المحسوسات التي هي في الظاهر أنّ النظر إليها حسن، ولكن ليس مع خرقها ليبدلهما، أي النفس، والروح ربّهما خيراً منه زكاة، وهو الحبّ، والرضى، والقرب بين إقامتي الجدار، وهي القيام بالأوامر الشرعية، والحقيقية، والمندوب فيهما، والمستحب، وترك ما لزم أو ندب فيهما، وقوله: لإحكامي، أي لإتقاني كمال أدائها، واستعار لها اسم الجدار من قصة موسى لظهوره في العيون، ليستخرج يتيمي (2) النفس والروح كنز الإخلاص من ذلك الجدار
(1) العليا
(1) قال تعالى: {فَأَنطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَنَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ أَسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَن يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَن يَنقَضَ فَأَقَامَهُ، الكهف، الآية 77.
(2) ينظر إلى قوله تعالى: (وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِعُلَمَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ، كَنرٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَلِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَن يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِهَا كَنَزَهُمَا رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ، الكهف، الآية 82.
643 (1/643)
صفحة 644
ببلوغ حدّهما في كمال الطاعة منهما لربهما في ذلك، وبين خرق سفينتي، وهي الحجب الحسية، والمحسوسات التي من وراءها البحر الأعظم الذي هو علم المكاشفة، وهو علم التوحيد لأظهر ما هو منكور مع أهل الظواهر إنكار عجز عن فهمه، لا إنكار نفي، وأنظرها لأعيبها إن كان بها صفة تعيبها من طلب جاه، أو حظ لنفسها حذراً من الذي يأخذ كل سفينة غصباً، وهو داعي النفس الأمارة، والشيطان حتى أكون كلّي مرآة لعالم الغيب، فأشاهد ما لا يشاهده أهل الإيمان من أهل الظواهر بعدما كنت فيهم ومنهم ومعهم بالعلم والعمل، واستعار قصة موسى والخضر عليهما السلام استشهاداً على أنّ الله تعالى يكاشف عباده من علم الغيب الذي يكاشف به المكاشفون، وكفى دليلاً بذلك قصة الخضر ال، وأتى بذكرها في الاستشهاد في صورة السلوك ليجمع بين الفائدتين، فأشار بقتل الغلام إلى التخلّي من جميع من جميع ما يجب أن يتخلى منه، وعنه من لازم أو مستحب، وبالبدل إلى التحلي بالأخلاق المرضية، وبإقامة الجدار إلى ما يجب له أن يعمله من لازم، أو مستحب، وبالكنز إلى الإخلاص، وبخرق السفينة إلى علم المكاشفة بخرق حجب المحسوسات، وبالغيب إلى طلب الحظوظ، وبالغاصب إلى الهوى، والشيطان، وبالسفينة هيكله، وهو صورته، وبعمالها إلى المظاهر الخمسة العين والسمع واللسان، والأنف، واليد، وبالخضر، وموسى عليهما السلام إلى الروح [139 و] والنفس، وبذات موسى، وبذات الخضر عليهما السلام إلى روح ونفس العلم للنبي، وإلى روح ونفس اللوح للرسل والأنبياء، وإلى الأمثال التي في اللوح لكلّ وليّ لله تعالى كل ذات إلى ما أمدت من هذه العوالم، وبالبحر إلى عالم الشهادة، وبالشمس فوق السفينة إلى عالم الغيب، وبمجريها في البحر إلى الله تعالى، فكان هذا المثال ومثال المشعبذ سواء في التفهيم (1)، فافهم.
***
(1) من الضروري أن يفهم هذا التأويل البعيد ضمن السياق العام الذي يأخذ به القوم أنفسهم في سبر أغوار النصوص وتقديم تفسير يتلاءم مع المنهج الفكري الذي يتبعونه، وذلك من حيث رفض الاكتفاء بظاهر تلك النصوص بل التوغل إلى باطنها، وما توحي به إشاراتها فهو المقصد، وهذا هو مكمن الخلاف الحق بينهم، وبين غيرهم من الطوائف التي تدعو إلى الوقوف عند عتبات النصوص، والأخذ بظاهرها اللغوي، وهذا ما لا يقتنع به القوم، ومن هنا قرأنا ذلك التأويل الذي قدمه الشيخ ناصر الله منسجماً مع أبيات ابن الفارض.
644 (1/644)
صفحة 645
الباب الرابع والعشرون
من [خطاب] (1) الكمال الإلهي، وحضرة أحدية الجمع للنبي:
قال:
714 - وَعُدْتُ بإمدادي على كل عالم على حسب الأفعال في كلّ مدَّةِ يقول: ولما انتهيت إلى حضرة أحدية الجمع، أو أحدية جمع الجمع قال لي الكمال، وقالت لي الحضرة: قال الله تعالى لك فيها قد بلغت مبلغاً من مكاشفتي إليك بتجلي كمالي وجمالي وجلالي عليك في حد لو تقدمت بعد ذلك قدر نملة لأحرقتك سبحات وجهي والمراد بذلك أن بلغت مبلغاً من تجلي كمال صفاتي لم يبلغه مخلوق، ولا سيبلغه مخلوق حتى الكون بأسره لو زدتك من تجلي كمال جلالي وكمالي وجمالي بقدر نملة لأحرقتك سبحات وجهي أي كمال سبحان ظهوري، والسبحان هو تسبيح الله نفسه، وتسبيحه نفسه هو علمه بكماله وجماله وجلاله وعلمه أنه لا نهاية لذلك، فشهوده إلى كماله هو تسبيحه لنفسه، وشهود الوجود لكماله هو تسبيحها له سبحانه جل جلاله ولو تجلى الله على كل الوجود بالكمال الذي تجلى به على روح النبي ونفسه لما أطاقت واندك دكّة واحدة، وتلاشي وصار كلّ شيء كما كان قبل كونه، ولا يصح إلا صحة هذا؛ لأنه أكمل المخلوقات، ولا يكون أكمل المخلوقات إلا بتجلي عليه بكماله أكثر المخلوقات كلّها، فصار كالمرآة لتجلي جمال الله وكماله وجلاله جميع ما تجلى به على خلقه، ولكلّ وليّ ففضَّله على قدر ما تجلى الله عليه من كمال صفاته إذا كمّل ذلك بأكمل الأعمال، ولا يتجلى إلا على قدر الصفاء والصقل لها من جميع الحجب، والصفاء والصقل بأداء الطاعة له كلّها، فصح أنّ كمال المرء الوليّ هو من كمال الله لا غيره، وأن كمال جميع الخلق من فيض كمال النبي، وأن لكمال النبي
(1) ما بين المعقوفين ساقط في الأصل، والزيادة من س.
الله
من
645 (1/645)
صفحة 646
كمال الله لا غير، ولكن بقدر ما تحتمله عقولهم ممّا يتجلى عليهم، وكمال الله لا نهاية له، ليس هو مقدار ذلك التجلي، وكفى دليلاً وشاهداً على ما قلناه آية موسى، وتجلي الله على الجبل، فاندك الجبل وخرّ موسى صعقاً، ولم يصعق من آية العصى، وانشقاق البحر، ولم يصعق النبي بجميع ذلك، وهو من فيض بحر كماله، ولما صح أنّ كلّ كمال من كماله، وهو من كمال الله تعالى ومن طاعته بطاعته. وقال الكمال في حضرة أحدية جمعي: قال الله تعالى: ولما أكملت ذاتك، وبلغتك المقام كما كنت فيه يوم كنت نوراً في أول الإيجاد فكنت أول العابدين وأول، العارفين وأول المتكمّلين، وأول الكاملين، وكذلك كان كمالك في ظهورك، فبدأت أولاً، وعدت بعدك بإمدادي من فيض بحر جمالك وكمالك على ذات كل عالم ولي قابله ذاته لتجلي نوري عليها، وقبولها على حسب الأفعال في كل مدة، أي في كل عصر وزمان أنت فيه، أو جاء قبلك، ويأتي بعدك، فالكل أنت سابقهم، وأولهم، وسيدهم، وقدوتهم، والشاهد لهم.
قال:
715 - ولولا احتجابي بالصفات لأحرقت مظاهِرُ ذاتي من سناء سجيني يقول: وقال الله تعالى في تلك الحضرة ولولا احتجابي وأراد هنا بالاحتجاب بعض معناه؛ لأنه لا يجوز أن يوصف الله أنّه احتجب عن خلقه، ولكنّه أراد: ولو تجليت بكمال صفاتي بأكثر مما تجليت بالصفات لأحرقت مظاهر، أي ظهور كلّ [139 ظ] صفة من صفات ذاتي جميع الوجود، وتلاشى من سنا، أي نور سبحتي، وهذا هو ما روي عنه: [أني بلغت من تجلي كمال الله على ذاتي مبلغاً نوديت فيه يا حبيب الرحمن لو تقدّمت بعد ذلك بقدر نملة لأحرقتك سبحات وجهي وقد بلغت طور كمال المخلوقين فلا قدرة ولا طاقة لأحد بعد ذلك بأن أتجلى له بالمعرفة أكثر من هذا فقف مكانك] (1)، وفي النظم ما يدلّ عليه أنه لم يرد هنا لاحتجاب الله هو محتجب؛ لأنه يكشف طوره في كلّ شيء، وفي كلّ ذرة، فلما صح أن مذهبه كذلك، صح أن معناه، ولا احتجابي، أراد بعض معناه، أي ولولا عجز عقولكم عن رؤيتي بأكثر من ذلك لأحرقتكم سبحات وجهي، فافهم ذلك.
قال:
(1) ينظر صحيح مسلم، الحديث 179، باختلاف.
،
646 (1/646)
صفحة 647
716 – وألسنة الأكوان إن كنت واعياً شهودي بتوحيدي بحال فصيحة (1) يقول: وقال الله تعالى في حضرة أحدية جمع الجمع وألسنة الأكوان: إن كنت واعياً شهودي بتوحيدي بحال، أي بلسان فصيحة، أي بمفصحة بذلك، وذلك معنى قوله تعالى: سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ (2)، وقوله: {وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ،} (3)، فافهم.
***
647
(1) في الديوان: [شهود] بدل [شهودي].
(2) الحشر، الآية 1.
(3) الإسراء، الآية 44. (1/647)
صفحة 648
[صفحة فارغة] (1/648)
صفحة 649
الباب الخامس والعشرون
في بناء كمال النبي، وبناء مقامه عن أحواله فيهما بلسانهما:
قال:
717 - وجاء حديث في اتحادي ثابت روايته في النَّقْل غير ضعيفة (1) 718 - يُشير بحب الحقِّ بعد تقرب إليه بِنَفْلِ أو أداء فريضة 719 - وموضع تنبيه الإشارة ظاهر: بكنتُ له سمعاً كنور الظهيرة يقول: وقد جاء حديث: أي كلام ثابت فى النقل روايته غير ضعيفة، أي لا شكّ فيه، ولا ريب أنه عن الله تعالى في ثبوت اتحادي في محبتي لمحبة الله وبكمالي بتجلي كمال الله على ذاتي، ويشير ذلك الحديث بحبّ الحق جل وعلا، أي بثبوت محبة الله تعالى بعد تقرب إليه بنفل، أي بالتوسل إليه بالنفل، أو أداء فريضة، و [أو] هنا بمعنى وأداء الفريضة كقوله: (أو أدنى)، أي وأدنى وموضع تنبيه الإشارة ظاهر كنور الظهيرة، أي كنور شمس الزوال بأنّي أنا أول مقصود فيها به، بل كلّها إليّ، ومَن أفيض عليه منها فإنّما أفيض عليه كما يفاض من نور الشمس على كوة البيت والحديث المشار إليه هو بـ كنت سمعه، وبصره، ولسانه، وذلك فيما يروى عنه حاكياً عن ربه أنه قال: (ما تقرّب إليّ عبدي بشيء أحبّ إلي مما افترضته عليه، ثم بالنوافل، وإذا تقرّب مني شبراً تقربت منه ذراعاً، وإذا تقرب مني ذراعاً تقربت منه باعاً، وإذا أتاني يمشي أتيته أهرول، ولا يزال يتقرب إلي بالفرائض والنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ولسانه التي ينطق بها، ويده التي يبطش بها، وعقله الذي يعقل به)، وعلى معاني هذا الحديث نظم جميع هذا السلوك، فإنّ فيه معاني هذه الأسماء، ومعاني الذات، ومعاني التجلي، ومعنى الكمال، وكمال النبي، ومعنى التخليص من جميع ما ينبغي
(1) في الديوان: [حديثي باتحادي] بدل [حديث في اتحادي].
649 (1/649)
صفحة 650
أن يتخلّص المرء منه [وجميع ما ينبغي أن يخلص فيه] (1) ويتمحص منه، ويترقى فيه من
المحبة والحضور في الحضرات إلى مراتب الكمال فيها، وفيها إشارة إلى كمال النبي وأن كل، جمال، وكمال وحسن، وعلم من حسنه، وجماله، وكماله، وعلمه، ومكاشفاته، وإن الإشارة بهذا الكلام إليه، وهو المقصود، ومن أفيض عليه منه فإنّما هو من فيضه عليه، ولا يصح إلا هذا في النظر إلى تحقيق الحق بالمكاشفة.
واعلم 1401 و] أنّ الكمال الذي يكمل به المرء ثلاثة أشياء: أولها تجلي معرفة الله عليه بمشاهدة صفاته، وكماله وجماله وجلاله، وهذا كمال إلهي غير مخلوق، والثاني الذات القابلة لهذا التجلي وهو العقل، والثالث الإدراك، وذلك أنّ الله لم يزل متجلياً على خلقه، وعقولهم مستعدة لذلك، كلّ عقل على قدر استعداده، ومستعدة للإدراك بالمشاهدة، ولكنها مقبلة إلى غير ذلك، فلأجل ذلك لم تشاهد، فالعقول مرآة لما يقابلها تجلّى فيها، وشرفها على قدر ما يتجلى فيها، فإن تجلى فيها نور الحق علماً وعملاً تجلى الله عليه بنور المحبة، وبكماله الباقي الأزلي، وبه يبقى في الآخرة كاملاً، وإن أظلم بانطفاء نور الحق علماً وعملاً انسدت عنه تجلي أنوار المحبة، وأنوار كمال الله، وخسر وكان من الهالكين، فالإيمان هو الطاعة، ونوره نور محبة الله ونور تجلي كماله في العقل، فافهم.
قال:
720 – تسبب في التوحيد حتى وجدتُه وواسطة الأنساب إحدى الأدلة (2) يقول: تسبّب سعيي في كشف علم التوحيد بأداء الفرائض والتقرّب بالنوافل الشرعية والحقيقية، حتى وجدته أي حتى عرفته سبحانه جل ذكره، وقوله تعالى: (لا يزال يتقرّب إلي عبدي بالفرائض والنوافل حتى أحبّه إلى آخره إحدى الأدلة على صحة واسطة الأسباب، أي بعض الأسباب تكون واسطة لبلوغ بعض المراد لقوله تعالى: {ثُمَّ أَنْبَعَ سببًا (3)، وكذلك مكاشفة الحق في كلّ شيء قد يكون من أسباب، والتسبّب من العبد، والفعل من الله؛ لأنّ الأسباب بحقيقتها هي الفاعلة في كلّ شيءٍ من كلّ سبب على
(1) ما بين المعقوفين ساقط في س، والزيادة من الأصل. (2) في الديوان [تسبّبت] بدل [تسبّب] و [أدلتي] بدل [الأدلة]. (3) الكهف، الآية 89.
650 (1/650)
صفحة 651
الإطلاق، وإن صح أنّ بعضها يؤثر فعلاً ففي الحقيقة أنّ الله تعالى هو الذي جعلها كذلك،
فافهم.
قال:
721 - ووحدتُ في الأسباب حتى فقدتها ورابطة التوحيد أجدى وسيلة يقول: ووحدت الله تعالى، وأطعته مقرّاً بثبوت الأسباب أنّ رضا الله تعالى لا يُنال إلا بأداء الطاعة بما شرعه من دينه وبجميع ما يلزم أن يطاع فيه وبه، أو يستحبّ من العباد بترك ما لزم تركه، وندب تركه بالإخلاص في التقى والورع، والتوكل، والشكر، والثقة به، والخوض، والرجاء والإسلام والإيمان والإحسان، والصبر والرضا، وترك الرياء، والحسد، والعجب، والكبرياء، والشرك الخفي والجلي، والنفاق الخفي والجلي، والجهل الظلمي، واتباع الهوى الباطل، والتوبة من كلّ ما لزم أو استحب فيه، ومنه التوبة، والتضرع إلى الله تعالى، وأنّ هذه هي الأسباب الموصلة إلى الله تعالى، ثم سلكت بعد ذلك طريقة تجريدها من صفاتها الذميمة، ثم تجلّيها بالصفات الكمالية، ثم سلك طريق المكاشفة بقوة المحبة الإلهية للحضرات الإلهية حتى فقدتها، أي حتى لم أرَ نفسي بعين الرضا فيها، وأنّي لم أعمل شيئاً، بل رأيت ذلك كله فضلاً من الله تعالى لي، وإليّ، فلم أرَ نفسي معه تستحق الحمد والثناء بفعلي؛ لأنّ ذلك كلّه منه لي، فأنا العابد، وأنا من فضله خلقني وعبدته، وبفضله كانت عبادتي حتى كاد أن يكون ليس سبب في ذلك؛ لأنه هو المسبب من غير إنكار للأسباب كما قلت ورابطة التوحيد أي ومراصدة، أو ملازمة التوحيد في كلّ شيء، إذ لا حول عن معصية لله، ولا قوة على طاعة الله إلا بالله العلي العظيم، قوله: إحدى وسيلتي، أي واحدة من وسائلي إلى الله تعالى.
قال:
722 - وجرّدتُ نفسي عنهما فتوحدّث ولم تك يوماً قط غير وحيدة يقول: ثم جرّدت نفسي عنهما، أي عن رؤية أعمالي، أصلاً، وعن رؤيتي أنها أعمال، ولكنها هي فضل من الله تعالى؛ لأني بذلك كأني [140 ظ] بعد رأيت أعمالي، فرأيتُ بعد ذلك كما قلت في هذا البيت نفسي كأنها لم تعمل مستقلاً لقلة عملها مع مقابلة كرامة لي،
651 (1/651)
صفحة 652
فجردت رؤيتي عن الحالين جميعاً، فتوحدت بهذه الرؤية، أي صارت كأنها واحدة ليس معها عمل يكون مصاحباً لها، ولم تكن يوماً بعد ذلك ترضى [أن تكون غير وحيدة، أي لم ترضَ أن] (1) تكون يوماً غير ناظرة إلى أنّها كأنها لم تعمل، وإن عملت فلا تراه؛ لأنّ ذلك أصله فضل من الله تعالى عليها، وما فعلته إن شكرت فبفضله، فهو الشاكر وهو المشكور (2). وروي عن داود ال حين قال له الله تعالى: يا داود اشكر لي. قال: وما شكري لك؟ هو فضل منك لي، وكذلك شكره. قال: يا داود يكفي ذلك فإنّي جليل أقبل [القليل] (3) وأعطي الجزيل، فافهم.
قال:
723 - وَغُصْتُ بحار الجمع بل خُضْتُها على ان فرادي فاستخرجتُ كل يتيمة (4) 724 - لأسْمَعَ أفعالي بِسَمْعِ بصيرة وأشهد أقوالي بعين سميعة يقول: وثمّ غصت في بحار الجمع، أي في حضرات الجمع، وهي مشاهدة كمالات صفات الله تعالى، وبحار الأسماء الفعلية والذاتية، وجمع ترقية في الحضرات كلّها بقوله: بحار الجمع، ثم ترقى إلى مرتبة أحدية الجمع، وأفرد نفسه فيها بقوله: بل، وأراد هنا معنى لكن يقول: ولكن خضتها على انفرادي أي ليس معي شريك من الواصلين إلى آخر بحار الجمع، وهي مراتب أحدية الجمع، فاستخرجت كلَّ يتيمة، وأراد باليتيمة الدرّة لم يملكها أحد، يقال للشيء العزيز الذي لم يملكه بعده بحقه: يتيمة، أي هي خالصة لك، يقول: فاستخرجت كلَّ درّة من العلوم لم يحط بها أحد غيري من المخلوقين، فأعطيت كتاباً وسنّة وآثاراً ونبوة، وأعظم من هذا كله تجلي كمال الله على ذاتي أعظم مما تجلى به على كل مخلوق، ولكنّي وإن أتيت بلفظ المريد في السلوك فذلك استحثاث لكم، وترغيب لقلوبكم، وإلا أنا فمراد (5)، و المراد محبوب، والمحبوب مجذوب، والمجذوب معصوم ومكروم أكثر ممّن أنت تطالبه القرب، والمحبة ولكنّ المطالب كريم لا يطلبه
(1) ما بين المعقوفين ساقط. د في الأصل، والزيادة من س.
(2) ينظر عن الشكر ومعانيه موسوعة العجم، ص 500، وما بعدها.
(3) ما بين المعقوفين ساقط في س، والزيادة من الأصل.
(4) في الديوان: [وخضت] بدل [وغصت]، وفي هامش الديوان إشارة إلى هذه القراءة، و [غصتها] بدل [خضتها]. (5) مر الحديث عن المراد] و [المريد] والفرق بينهما.
652 (1/652)
صفحة 653
في
قصد إلا أحبّه، ولا يطلبه إلا من هو يحبه، ولا يحبّ هو إلا ما سبق في علمه أنه من أهل حبه، فالكل منه، وإليه يرجع الأمر كلّه، وهذا هو الكمال الأول، والقاعدة الأولى، ثم التجريد وإفاضة الصفات الحميدة، وهو الكمال الثاني، ثم السلوك بالمحبة إلى حضرات المكاشفة بالنظر إلى أفعال الله تعالى في الموجدات حتى يراها علماً توحيدياً، وهي حضرات الفرق والكمال الثالث ثم حضرات الأسماء الصفاتية، وهي الحضرات الباطنة، والكمال الرابع، ثم الجمع بين الحضرات الظاهرة والباطنة، وهي حضرات الجمع، وإذا لم يشاهد الموجدات معها، وهو الكمال الخامس، ثمّ حضرات الجمع مع مشاهدة الوجود، وهي حضرات جمع الجمع، ومشاهدة ذلك في كل ذرة على الانفراد من الوجود [جملة في نظر الحضرات في جملة الوجود، وفي كلّ ذرّة، وهي حضرة أحدية الجمع، ثم مشاهدة جميع أسماء الله وصفاته وأفعاله] (1)، مجملاً وتفصيلاً في كل ذرة الوجود مجملاً وتفصيلاً، وهي حضرة أحدية جمع الجمع، وهذا السابع في هاتين (2) الحضرتين مقام النبي، وتكون مشاهدته في كمال كلّ فعل لله، وكلّ صفة لله، وكلّ اسم لله ما لم تشاهده جميع الخلائق، وهذا هو المقام الذي لم يصله أحد غير رسول الله، وهي حضرة أحدية جمع الجمع، وفي هذه الحضرة يقول: فاستخرجت كلّ يتيمة، أي كلّ علم عظيم لم يعرفه غيري، وقوله لأسمع، وأراد هنا السمع [141 و] الباطن، سمع الذات، ومراده لأشهد أفعالي أي لتحضر مشاهدة ذاتي جميع معرفة الله تعالى، وما ينتج منها من هيبة وتعظيم، ومحبة وخوف عند كل فعل أفعله من أعمال الإيمان بعين بصيرة، أي بمشاهدة الروح الجامعة لمشاهدة العالمين الغيبي والشهودي، وأشهد أقوالي بعين سميعة، أي وحتى أنظر أقوالي تبدو بعين سميعة من تلك الحضرة فأكون فيها كما سمعته عن الله فيها: (بي يسمع، وبي يبصر، وبي ينطق، وبي يبطش فيكون سمعي فيها وبصري كله بمعنى واحد وأراد بالتخالف بين السمع والبصر، أي حتى يكون في تلك الحضرة لا يتكلم إلا بها، وبإذنها، وبمحبتها روماً (3) لمرتبة: بي يسمع وبي يبصر، وبي يبطش، وبي يتحرك، وبي يسكن، وأشاهد سمعي وبصري، وقولي في تلك الحضرة بعين سميعة، أي
(1) ما بين المعقوفين ساقط في س، والزيادة من الأصل. (2) في الأصل و [س]: [هذه] بدل [هاتين]، وما أثبتناه الصواب. (3) روماً أي طلباً ورغبة.
6
653 (1/653)
صفحة 654
بعين ذاتي؛ لأنّ الذات هي العين السامعة، وهي السمع الناظر؛ لأنَّ سمعها بها وبصرها، وأراد بعين سميعة، أي بمشاهدة تسمع ذاتي كلام وأقوال تلك الحضرة هي في ذاتي كلها، فهي في سمعي منها، وفي بصري منها، وفي قولي منها، وفي قدرتي منها، وهو باطن مراده لأسمع أي لأشهد أفعالي أي قدرتي، ومعناه ذاتي حضرة أحدية الجمع فيها، وسمّاها بالأفعال لأنّ الفعل بالقدرة، ومن أسمائها، قديرة، وبسمع بصيرة، أي بشهادة العين البصيرية، وأشهد أي وأرى أقوالي أي ذاتي؛ لأنّ من أسماء الناطقة حضرة أحدية الجمع فيها، بعين سميعة: أي بعين الذات النفس والروح، فذكر القدرة والنطق منها أنّه يشهدها بسمعها وبصرها؛ لأنّ الكلام والقدرة تخرج أفعالها منها لا يُجلبان إليها، والسمع والبصر يجلبان إليها ما هو خارج عنها، وسمّاها بالقدرة وكنّى قدرتها باسم الفعل، وسماها الناطقة، وكنّى نطقها بالقول، وسمّى بالسمع الموصل إليها العلم ممّا خرج عنها، وسماها بالعين الموصلة إليها بالعلم مما خرج عنها، وأراد أنه غاص في بحر الحقيقة، واستخرج كلّ يتيمة من العلم ليشهد الحضرة الجامعة للعلم بالله المتجلي به في الوجود كله في سمعها، وفي بصرها، وفي قدرتها، ونطقها حتى في كلّ قوة من قواها فيكون نظرها بعلم تلك الحضرة، وسمعها بها، وكلامها بها؛ لأنّ ذات المرء إذا صارت عالمة منوّرة بنور الله تعالى نظرت بالعلم وبنور العلم، وسمعت بالعلم وبنور العلم وفعلت بالعلم، وبنور العلم، ونطقت بالعلم وبنور العلم، وتحرّكت الأعضاء بأمرها فتحركت بالعلم وإن سكنت فبأمرها، وسكتت بالعلم، وبنور الله تعالى يُفاض في علم الحقيقة ليصل إلى هذه
الدرجات. قال:
725 - فإن ناح بالأيك الهزار وغردت جواباً له الأطيار في كلّ دَوْحَةِ 726 – وأطرب بالمزمار مُصْلِحُه على مناسبة الأوتار من يَدٍ قَيْنَةٍ 727 - وَغنّتْ مِن الأشعار مارقٌ فارتَقَتْ لسدرتها الأسرار في كل شذرة (1)
يقول: وفي حضرة جمعي، وكمال مشاهدتي لكمال الله تعالى، وكمال تدبيره أرى حكمة الله وتدبيره من جد الأمور، أو ظاهر هزلها التي هي
جميع
أفعال الخلق إنّما.
هي
(1) في الديوان: [شدوة] بدل [شذرة].
654 (1/654)
صفحة 655
في الحقيقة غير هزل، بل كلّها حكمة فإن ناح بالأيك والأيك الشجر الملتفّ، وقيل اسم غيضة بها شجر، والغيضة الغور الكثير الرطوبة من الماء، واحدها أيكة، والهزار بالراء المعجمة أولاً وبالمهملة آخره - وهو نوع من البلابل له صوت شجي أي حزين وهو معرَّب (1) لم يستعمل في فصيح كلام العرب إلا البلبل، والدوحة الشجرة العظيمة، يقول: فإن ناح بالأيك الهزار، وغرّدت جواباً له الأطيار في كل شجرة عظيمة الأغصان بأصواتها المعجبة المطربة [141 ظ]، والرياح تلعب بأغصانها فتزيد ذلك السامع طرباً. وأطرب - بفتح الباء - فعل ماضي، وتقديره مطرب مكبّ على فساده بالمزمار. مصلحه، أي الذي عمله، وعند نفسه أنه في صنعة أحكمه لتخرج أصواته على مناسبة الأوتار، أي الخيوط، وأراد هنا نوعاً (2) من الملاهي المعمول بالخيوط، لا الزمر المعروف، ثم يريد به أيضاً إشارة إلى جميع الملاهي ذوات الأصوات الحسنة من زمر، وغيره من ذكر الجزء بإرادة الكل (3) وقوله: من يد قينة، أي تبرز تلك الأصوات عنه من فعل يد مغنية، وغنت مع ضربها له فأتت من الأشعار ما رقّ ولطف، ويزيد في الهوى والطرب، فارتقت مشاهدتي لذلك لسدرتها، أي إلى سدرة منتهى العلم الأزلي في حكمة إظهار الوجود وما فيه. قوله: في كل شذرة – بالشين المعجمة، وبالدال المعجمة وهي شذرة الصائغ، الذهب والفضة، حبة صغيرة منهما، وأراد بذلك من قليل وكثير، ووجدت كل ذلك عن حكمة من الله تعالى، وكمال تدبيره لإظهار كلّ ما أراد إظهاره، فسلّط المحبة على الأطيار إلى سماع ألحانها فألحنت، وسلّط المحبة في قلوب عباده ليعبدوه بها، وتعبّدهم بعبادته التي هي واجبة عليهم وأحكم الحكمة بالتدبير في كشف ما هو عن اختيارهم لا عن جبر منه، ويسر لكل منهما الأمرين: الطاعة والمعصية، وأقدر كلاً منهما على هذا وهذا بعد ما تعبّدهما بما هو واجب عليه له، وأظهر جمال التدبير في المظاهر، فمنهم من أحبّ صاحب الجمال الظاهر جماله، ولم يلتفت إلى المظاهر الفتنية وعصى بها الله تعالى فآثرها عليه تعالى الله فظهر ما أراد كشفه فأطاعه الطائع باختياره، وعصاه العاصي
(1) الهزار: هو الفارسية، د. محمد التونجي، ص 157. (2) في الأصل و [س]: [نوع]، وما أثبتناه الصواب.
كما ذكر الشيخ ناصر الله معرب (هزار دستان)، وهو بلبل أخضر اللون، ينظر
معجم
المعربات
(3) هذا نوع من المجاز المفرد المرسل، وهو فنّ بلاغي ذكرته المصادر، ومنه قوله تعالى: {فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ [النساء: 92]، أي تحرير عبد مؤمن ينظر معجم ا المصطلحات البلاغية، د. أحمد مطلوب، 3/ 207.
655 (1/655)
صفحة 656
باختياره، وذلك في سابق علمه الأزلي به إلاّ إذا أوجده فأوجده لاستحقاقه الإيجاد؛ لأنه ليس من صفات الحكيم أن يرى من في حضرته سفيها، ولا يعزله عنها، ولا يجازيه. يقول: ولما رأيت هذا رأيت أنَّ كل شيء هو حكمة الله وتدبيره، لا أن ظهور المعصية هو الفاعل لها، ولكنّ تدبيره فيهما أظهرها من صاحبها عن اختياره لعلمه به ليعصيه، فابتلاه، وذلك معنى قوله تعالى: {فَيُضِلُّ اللَّهُ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِى مَن يَشَاءُ (1) أي يظهر بحكمته وتدبيره هداية من هو في علمه به أنّه ليهتدي، ويظهر بتدبيره وحكمته ضلاله من هو ليضل في علمه، ويستحق العقاب في حكمه وعدله، وسابق العلم الأزلي لا يجوز التفكر في هذا الأمر فيه؛ لأنه تعجز العقول عن إدراكه جلّ الله وتعالى علواً كبيراً، فافهم.
***
656
(1) إبراهيم، الآية 4. (1/656)
صفحة 657
الباب السادس والعشرون
في توحيد الجمال، والكمال الإلهي بإظهار جمال حكمته، وتدبيره في كلّ شيء بلسان الكمال الإلهي الذي به كمل المقام المحمدي:
قال:
728 - تنزهتُ في آثارِ صُنْعِي مُنزّهاً عن الشِّرْكِ بالأغيار جمعي والفتي يقول: قال الكمال الإلهي منبئاً عن قوله تعالى بلسان وحال الكمال: تنزهت في آثار، أي في أفعال صنعي، أي تدبيري وحكمتي، منزّهاً مقدسا، جمعي: أي كمالي وجمالي وجلالي بجميع صفاتي وأفعالي وتدبيري، عن الشرك: أي المشاركة في هذا الموضع في شيء من صفاتي وكمالي وتدبيري، بالأغيار والأغيار هي كلّ شيء هو غير الله تعالى، وعن الشرك، أي المشاركة في ألفتي، أي اجتماعي في صفة بتشبيه، أو تدبير بأحد غيري فلا شبيه، ولا ضدّ، ولا معين، ولا ند، ولا حاجة داعية لي في إبداع الخلق إلا لأكرم من يستحق الإكرام في عملي علمي، وأعذب من يستحق العقاب في حكمي وعدلي، لم أتعبد لحاجة، ولم أعص (1) مغلوباً وأنا الغني الحميد.
قال:
حانة الخمار عين طليعتي
729 - فبي مَجْلِسُ الأذكارِ سَمْعُ مُطالع ولي يقول: [142 و] وفيه تقديم وتأخير، وتقديره فبي: أي فبهدايتي، مجلس الأذكار: أي أهل الأذكار، وأراد بالمجلس كالمساجد والصلوات والبيع، والصوامع، ومواقف الحج، والمسجد الحرام والمدينة، والمقدس، ومدارس العلم، ومدارس الذكر الحكيم، وكلّ موضع يذكر فيه اسمي وذكري، ومواضع السموات كلها، وجميع الوجود هو سمع
(1) في الأصل و [س]: [أعصي]، وما أثبناه الصواب.
657 (1/657)
صفحة 658
مطالع تسبيحي، أي كله نطق مسموع بالعقول السميعة السليمة، وهم الذين وفقتهم على طاعتي، وابتدأتهم بمحبتي لعلمي بأنهم يحبونني (1) كذلك في علم غيبي، ولي القوة والقهر والغلبة، ولي كلّ موضع يعمل فيه غير الطاعة، وملك من يعملها كالفسّاق والفساد، وحانة الخمار: والحانة: هو الموضع الذي تباع فيه الخمر أو يعمل أو يشرب، وأعمالهم وفسقهم ليس بغلبة منهم لي في ملكي بل كلّهم ملكي، فكيف أكون وأنا خلقتهم وأنا أميتهم؟ بل ذلك عين أي حقيقة طليعتي، أي ظهور تدبيري وحكمتي فيهم لكشف ما علمته فيهم وفي اختبارهم وفي استحقاقهم العذاب، فكان التدبير مني لإظهار ذلك فظهر ما أردت كشفه، وذلك عين إرادتي فما اختلفت الإرادة، ولا اختلفوا عما سبق في علمي بهم أنه سيكون ذلك منهم باختيارهم للباطل، تعالى علواً كبيراً.
قال:
730 - وما عَقَدَ الزُّنارُ حُكماً سوى يدي وإن حُلَّ بالإقرار بي فَهِي حَلَّتِ يقول: وقال تعالى وما عقد الزنّار (2)، أي المشرك يزرّ ثيابه عن نفسه بخيط ليخالف لبسه لبس المسلمين وزيّهم، واستعار ذلك له لبقائه على شركه، وقوله: سوى يدي، أي قدرتي وتدبيري الذي أحكمته فيه لإخراج ما بدأته من غيب، وكفر في علم غيبي،، فما فعله من كفر فهو الذي أحكمت فيه الحكمة لكشفه منه حكماً، أي حكمة، وإن حلّ بالإقرار بي، أي وإن استسلم لأمري، وحلَّ ما كان عليه استعار العقدة لفعلة الكفر، وحلّها حلت: أي قيدي، أي قدرتي وحكمي فيه التي أحلت منه تلك العقدة (3) الإسلام لعلمي به أنه سيسلم، فما كان شيئاً في الكون على خلاف حكمتي
لاستسلامه، فهي
حتى
أظهر وتدبيري وإرادتي.
قال:
731 - وإن نار بالتنزيل محراب مسجد فما بار بالإنجيل هيكل بَيْعَة
(1) في الأصل و [س]: [يحبوني]، وما أثبتناه الصواب.
(2) الزنار: من الألفاظ النصرانية، وهو م منطقة تشدّ في الخصر وقت الصلاة مشتملة على صليب، وقد وردت في أدب الديارات كثيراً، ينظر التوزيع اللغوي الجغرافي، د. إبراهيم السامرائي، ص 78.
(3) في س: [إظهار] بدل [أظهر].
658 (1/658)
صفحة 659
732 - وأسفار توراة الكليم لقومه يناجي بها الأحبارُ في كل ليلة يقول: قال: كلّ شيء هو بتدبيري وحكمتي، وإن نارَ بالتنزيل محراب مسجد بالعمل بكتابي العزيز القرآن العظيم الذي هو ناسخ لأحكام جميع الكتب التي أنزلتها ما هو فيها من الحلال والحرام مما يجوز فيها التغيير، لا ممّا يجوز تبديله ولا تغييره في الدين من توحيد الله، ووعده ووعيده وإخباره، والإيمان بما ألزمت الإيمان به، وإن أنا أنزلت هداي للجميع، وأن يؤمنوا بهذا الرسول كما آمنوا برسولهم، فآمن به، واتبع الهدى من علمت أنه ليؤمن، ومَن علمت أنه لا يؤمن مثل النصارى واليهود، فما بار: فما ترك النصارى، هيكل: أي بيت بيعة، والبيع بيوت النصارى للعبادة، فما خالف علمي بهم، وكذلك أسفار توراة موسى لقومه لم يتركوا ما لزمهم في هذا النبي الأمي من الإيمان به، وبكتابه، والعمل بأحكامه فلم يؤمنوا كما علمت فيهم وبهم، وقد طالت في زمان تناجى بها العلماء الأحبار في كلّ ليلة، وهم العلماء الأخيار، ويؤدون الطاعة لي بأحكامها، وأراد بالإنجيل والتوراة، وإن ذكر أحدهما دون الآخر فإنّه من قسم التضمن مع أهل المنطق بذكر الجزء وإرادة الكلّ، فلمّا أنزلت كتابي على رسولي كفروا به، فكانت تلك حكمتي فيهم لإظهار ما علمت بهم فلم يختلف الأمر عن إرادتي فيهم.
قال:
733 - وإن خر للأحجار في البد عاكف فلا تَعْدُ بالإنكار في العصبية [142] 734 - فقد عَبَد الدينار معنى منزّه عن العار بالإشراك في الوثنية يقول: وقال الله تعالى: وإن خالفوني فيما أمرتهم ونهيتهم، وخرَّ من خر ساجداً كفراً بي، للأحجار أي للأصنام في البد: وهو الموضع الذي تجعل فيه الأصنام للعبادة. أصله البيت فعُرّب (1) البد، وهو الصنم فاستعار اسمه لموضعه، كما قال تعالى: وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ} (2) أي الملعون صاحبها، عاكف لعبادتها، فلا تعد: أي فلا تجاوز بالإنكار، أي بترك الإنكار عليه بالعصبية، أي بسبب الحمية من قرابة وقلة غيرة في الله فإنّه
(1) البد: بالباء كما ذكر الشيخ ناصر الله فارسي معرب وهو الصنم، جمعه بدده، ينظر معجم المعربات الفارسية، د. محمد التونجي، ص 36. (2) الإسراء، الآية 60.
659 (1/659)
صفحة 660
محبتي
لازم عليك، أي موضع لزومه عليك، وإنّي أكره ذلك فأنكره أنت، ومع لزومي ذلك عليك في محل لزومه عليك، فأنا المدبّر هذه الحكمة فيه لإظهار الذي أكرهه في حكمي عليك، وأحببت كشف أمره بذلك ليظهر ما أحبّه هو من معصيتي، ولا أرضى له ذلك، فلولا لكشفه لما أحكمت له الحكمة لكشفه، وإن تنكر عليه إذ هو ظاهر كفره، فاحذر ما أشغل الخلق عني ممّا هو غير ظاهر، أمرهم، فقد عبد الدينار غامضاً بحبّهم له حتى عصوني به فاختفى به لأجل معنى في نفسه كان أكنَّه فأظهر الإسلام منزّهاً، أي متنزهاً عن العار بظهور كفره في الإشراك، وهو الشرك بالوثنية، أي بالعبادة الصنمية، وأراد بالأول كفر الجحود، وهو الشرك، وكفاره المشركون، وأراد بكفر الدينار، واستعاره لكفر النفاق وأصحابه المنافقون، وهم كفار أهل الإقرار بالإسلام، فإنّ الناس أربعة أقسام لقسمين: أما القسمان فمشركون ومنافقون، وهذان الاسمان لا يصح تسمية أحدهما بالآخر لمعنى الأحكام، وأما بقية الأسماء العمومية في الكفر فتصح مثل الفاسق، والضال، والكافر، والمبطل، وأما الخصوصية بالأفعال فلا يصح أن يسمى أحد إلا بما فعله مثل السارق والزاني، وما أشبه ذلك، فصح أن المشركين قسم والمنافقين قسمان: قسم دائن بخلاف دين الله باستحلال التأويل الباطل للتنزيل والسنة والأثر الجليل (1)، وقسم منتهك لما يدين بتحريمه من الدين الحق والقسم الثالث من أهل الإقرار، وهو الرابع بعدد قسم المشركين، وهم المسلمون المخلصون أيضاً، وهؤلاء المخلصون على أربعة أقسام: قسم هم أهل الظواهر، وهم عامة المتّقين الناظرين المحسوسات إلى صورها، مع علمهم أنها خلق الله وتدبيره إلى غير ذلك من الصفات الظاهرة، وقسم نظروا إلى المشهودات وشهدوا بها الملك المشهود، وقسم شهدوا المشهود أولاً، ثم شهدوا به الشهود، وقسم شهدوا المشهود، وما رجعوا إلى الشهود، أي لم يلتفتوا إليه، وهؤلاء الثلاثة الأقسام هم
عن
(1) هذه إشارة عميقة من الشيخ ناصر لما يُصطلح عليه بـ (مراتب التأويل)، فهو يرى أنّ التأويل له حدود يجب أنّ يتوقف عندها، فإذا تعدّاها إنسان ما، ولم يكن له سند علمي دخل في جملة المنافقين، فهل يتحدث الشيخ ناصر ذلك التأويل الموغل في باطنيته، ونراه منتشراً عند بعض الفرق، وأصحاب المقالات؟ فقه النص يشير إلى هذا، كما أني لم أجد من معاني (المنافق) هذا المعنى الذي ذهب إليه الشيخ في معجمات المصطلح الصوفي، وإنَّما هناك الاختلاف بين السر والعلانية فحسب، وهو المعنى الشائع للنفاق، وهذا يدعو إلى القول إنّ الشيخ قد وقع على معنى آخر للنفاق وصل إليه مستنداً إلى قناعته الفكرية.
660 (1/660)
صفحة 661
السالكون إلى الله تعالى بوسائل المحبة والمكاشفة بعد (1) إكمالهم الطاعة لله بالشريعة الصحيحة، والحقيقة المستقيمة، وأما الأول فأقلّ مشاهدة لله، وأقلّ مكاشفة، وأقل حباً، حتى إن بعضهم أنكر محبة العبد لله، وأنكر محبة الله تعالى لعبده، وقال: ليس للعبد محبة لله غير طاعته لربّه، وليس لله محبة لعبده غير إثابته في الآخرة، وتوفيقه إلى الطاعة في الدنيا، وما حمله على الإنكار إلا قلة فهمه معنى المحبة ما هي، ولو كان كثير التضرع إلى الله في المناجاة بالابتهال، ووجد لذة المناجات، وحلاوة الذكر لعاين عنوانها، ولكن لعلّه قد غلب على عقله حبّ غيره فأحرمه ذلك لعلمه به أنّه مقبل إلى غيره، مشتغل عنه في الذي ألهاه عن عمل جائز له في دين مولاه، وقد مرّ بنا السير في هذا الميدان، وما مضى كفاية لبيانه، ولكن كرّرناه لتحضير فهمك وعقلك متى تباعد عليك العهد بالذكر، ولتقبض العنان إلى إيراد النظم
قال:
143 و] 735 - وقد بَلَغَ الإنذارُ عَنِّي مَنْ بَغَى (2) وقامت
بي الأعذار في كلٌّ فِرقة 736 - فما زاغتِ الأبصار من كلّ مِلَّةِ ولا راغت الأفكار في كلِّ مِلّة (3) 737 - وما احتارَ مَنْ للشمس عن غِرَّة صبا وإشراقها من نور أسفار غُرَّتي 738 - وإن عبد النار المجوس وما انطفت كما جاء في الأخبار في ألفِ حِجَّةِ 739 - فما قصدوا غيري وإن كان قصدهم سواي وإن لم يُظهروا عَقْدَ نِيَّةِ 740 - رأوا ضَوْءَ نوري مَرَّةً فتوهمو ه ناراً فضلوا بالهدى في الأشعة (4) يقول: وقد بلغ الإنذار منّي جميع من تعبدته بعبادتي بغيه من بغى، وقامت بي الأعذار في كلّ أمة، قوله: بي، أي بقيامي الحجّة منّي عليهم من عقولهم، وبالرسل، والأنبياء، وبالكتب، وبالملائكة، وبالعلماء، وأقول: نعم، ولا عذر لمن بلغته الحجة التي يسعه جهلها بعد، ولا يجهل من حجة العقل والسماع وبخاطر البال مهما عقل ذلك، فما كان
(1) في الأصل [بلي] بدل [بعد]، وما أثبتناه من س، وبه يستقيم الكلام.
(2) في الديوان: [يعي] بدل [بغى]. (3) في الديوان: [نحلة] بدل [ملة] الثانية.
(4) في الديوان: [في الهدى بالأشعة] بدل [بالهدى في الأشعة].
661 (1/661)
صفحة 662
تقوم به الحجة من العقل وغيره، وما كان لا تقوم به الحجة إلا بالسماع، ولكن وجد علم ذلك في نفسه، وكان مما تقوم به الحجة من كلّ من عبّر له كان ذلك حجّة عليه، ومتى نزلت فريضة التعبد قامت عليه الحجّة لكل معبّر له، وإن كان مما لم تلزمه في حينه في ذلك لم تقم الحجة عليه إلا بعلمه من نفسه، أو بفتوى عالم تقوم به الحجة فيما يسع جهله من الدين، ولكنّه لا بالإجماع، ففيه بعض من قول إنّه لا تقوم الحجة في الدين مما يسع جهله إلا بعلم المرء نفسه فيما لا يصح له إنكاره لصحته معه من دين الله تعالى مما لم يلزمه العمل له، ومتى حضر وقته وكان مما يفوت وكان يحفظ تلك العبارة لزمته من كل من كان قد عبّر له ذلك، وإن كان مما يمكن تأخيره لزمه حين يحضر، ويخاف فواته ولو كان عند موته، وكذلك فيما هو قد فعله مما لا يجوز له أن يفعله لم يجز له إلا أن يتركه، ويكون كل من (1) عبر له هو حجّة عليه، وإن كان قد تركه لم يكن عليه حجة فيما قد فعله وتركه إلا بالعالم الحجّة في الفتوى في أكثر القول، ويكون عليه حجة كلّ من قد عبّر له إذا باشر فعله كان مقطوع العذر، وما لزمه من التوبة إذا كان في نيته أنه لا يريد أن يعود إليه فهو توبة له مع قلة علمه، ولا يكون عليه فيه حجّة بعد ذلك كلّ من عبّر له، وإن كان في نيته ليعود كان على الاختلاف في قيام الحجّة عليه من العالم لجواز الاختلاف أنه يهلك بنية إرادة الفعل ما لم يفعل أم لا، وإذا كان الاختلاف في الدين في قيام الحجة فيما لم يلزم فعله إلا أن يقرّ له فيه أنّه من القرآن مصرّحه لم يجز له أن ينكر القرآن، ولا ما صرّحت به، وأما ما هو من غير الدين، ولا مما يجوز فيه الرأي مثل المستحب، والمندوب، والمكروه، والوسائل، والمباح فهذا مما لا تقوم الحجّة به لقطع العذر بلا اختلاف، وأما ما يجوز فيه الرأي، ورأي الأصح، وكان الأزهد له في العمل بالأهزل جاز له العمل بالأزهد جاز له أن يعمل في نفسه بالأزهد له، وإن رأى فيه رخصة، ورأى أنّ الأعدل غير ذلك، ولكن رأى لغيره رخصة جاز له أن يعمل فيها] (2) بينه وبين الله بالأعدل، وإن ترخص فلا لوم عليه لقوله: [إن الله يحبّ من يأخذ برخصه عند الحاجة إليها (3) كما يحبّ الأحزم، وإن كان فيما بينه وبين الناس، فإن كان رأي الأعدل أنه يلزمه ذلك الحق كان عليه أن يؤديه، وإن
(1) ما بين المعقوفين ساقط في الأصل، والزيادة من س، وبها يستقيم الكلام.
(2) ما بين المعقوفين ساقط في س، والزيادة من الأصل.
(3) ينظر جامع الأحاديث للسيوطي، الحديث رقم 11180، والسير والسلوك، ص 82، وفيه مزيد من التخريج، وإحياء علوم الدين، الغزالي، 4/ 278.
662 (1/662)
صفحة 663
كان قد وجد الاختلاف في ذلك، ولكنّي لا أقول إنّه عليه بدينونة، وإذا لم يكن بدينونة، وظن أنه يجوز له أن يترخص لم أحكم عليه بهلاكه ما لم يحكم عليه حاكم يلزمه حكمه في المختلف فيه، وإن كان يرى أنّه عليه بالعلم لا بالظن، ولم ير [143 ظ] غيره، ولم يؤده على قلة المبالاة لم أقل بنجاته والله المتولي حسابه إلا أن يكون حاكماً لم يجز له أن يحكم بذلك وإن حكم (1) مخالفاً لم أقدر أن أقول بنجاته، وإن حكم بالعدل، وكان مما يلزم حكمه في المختلف فيه كان عليه ذلك، ولا يجوز له الخلاف على حال، وإن كان الحق له على غيره على الاختلاف، ويرى أنّ ذلك له في أكثر القول لم يجز له أن ينتصر لأخذ حقه على الاختلاف، ولو عرف أنّ ذلك معه أنَّ القول بأنَّ عليه له أقوى، وإن انتصر لم أقل بهلاكه، وأما إن كان يرى أنّ الأعدل ليس له لم يجز له أن ينتصر في أخذ حقه، وإن أخذه على غير الرضا لم أقل بنجاته إذا رأى أنّ ذلك لا يجوز له، وإن رأى أنّ ذلك يجوز له لم أقل بهلاكه، هذا في الرأي، وإن كان قد سبق في الشيء نهي عن النبي أنه حرام، وكان مما يجوز فيه الاختلاف أنه نهي تحريم أو تحليل، ورأى أنه نهي أدب لا تحريم جاز لنفسه أن يعمل بالأفضل دون الأعدل، وأما فيما بينه وبين الله فإن أفسد ذلك لظنه أنه يجوز له لم يجز له ذلك، ولكن إن لم يسلم ضمان ذلك لم أقل بهلاكه، وأما إن كان غير عالم بالآراء، ولا بالأصح فقيل إنَّ عليه أن يسأل العلماء، ولكن إذا لم يسأل، وعمل بوجه سمع به أنّه يجوز له، أو لم يسمع، ولكنه ظنّ جوازه، ولم يُجز له ذلك العالم فلم يرد أن
يعمل بقوله إلا ما أراده في نفسه، فقيل إنّه لا يهلك ما لم يخرج إلى الباطل المحض. واعلم أنّ العلماء غالبهم لم يفصلوا هذا هكذا، ولكن لا يصح إلا على هذا لوجوه: أحدها من قولهم إنّه لا يجوز له أن يدين برأي، ولقولهم هذا معنيان إما أنه لا يجوز له أن يدين به، أي إذا أحد عمل بخلافه، وإلا فهو لازم عليه في نفسه بدينونة ما دام يراه هو الأعدل، فيكون قد جاز له أن يدين بالرأي، وإما أنّه لا يجوز له أن يدين حتى في نفسه حتى ما دام يراه أعدل فيكون حينئذ لا يصح له أن يدين برأي، وما لم يلزمه المرء بالدينونة، وكان له فيه مخرج حق، ولم يخرج إلى الباطل فهو غير هالك.
والوجه الثاني: أنّ العامل بالعمل إذا لم يكن من الدين اللازم لم يهلك ما دام له وجه
(1) في الأصل و [س] هناك [لم] بين [إن] و [حكم]، ولا معنى لها، كما أنه لا يجوز دخولها على الفعل الماضي.
663 (1/663)
صفحة 664
حق، ولم يخرج إلى الباطل المحض، والثالث: أنّ العالم إذا أخبر أحداً بمسألة فيها اختلاف بقول من الآراء بالإجماع أنّه لا يجوز له أن يدين بذلك، وإذا كان لا يجوز له أن يدين به جاز له خلافه إلى غيره من الآراء، وأمّا أكثر قول العلماء إنّ المرء ليس له أن يختار في الآراء ما شاء، وفي هذا له مواضع، وذلك فيما عليه من الحقوق وفيما له، وفي الحكم بهنّ وفي التخطئة، وفي المستحب، لا على الدينونة أنّ ذلك لازم عليه، فإن قلت: ولأيّ شيء يلزم النظر إلى الأعدل إذا كان لغير العمل به؟ فأقول: إنّ الله يلزم المرء في معاملته لا إلزام دينونة، وإن لم يعامل بذلك على غير النية للمعصية، بل على ظنّ الجواز فلا يهلكه، ويلزم النظر فيما يلزم العمل به فيما قلت لك فيما على المرء من الحقوق للعباد، وما أشبههم، وفيما له أن يأخذ من غيره، وفي التخطئة، وفي الاستحباب بعد ذلك، والدليل على ما قلناه لو قال عالم إنّ التحيات آخرها في التشهد الآخر إلى (عبده ورسوله)، وإن لم يتمّها إلى هناك فعليه النقص، ولم يعلم بغير هذا لم يجز له أن يدين بذلك، ولو كضّه شيء يمكنه أن يتمها، ولكن قطعها بعدما قال التحيات المباركات لله، والصلوات، وسلم وذهب، وظنّ أنّ ذلك جائز له بلا علم لم يجز له لأحد أن يهلكه، ولا يكون هالكاً، فافهم، فإنّي أطلت عليك القول في هذا مما ورد عن أكثر أهل العلم أنه لا يجوز العمل إلا بالأعدل على الإطلاق، فإنّ ذلك يحتاج إلى تأويل وتفصيل، وعلى هذا في كل علم الشريعة وعلم الحقيقة فيما يلزم بدين اعتقاده أو فعله أو تركه، أو فيما هو مندوب كذلك اعتقاداً أو فعلاً أو تركاً، وفيما هو مباح، وكلّ شيء في محلّه، وكذلك علم المكاشفة من العلم الظاهر فيها 1441 و]. وأما علم المكاشفة الخفية فهي من الوسائل، لا من اللازمات، وأهلها هم الذين يرون الأمور كما حكى عنهم هذا الناظم فتكلم بلسان المقام المحمدي تارة يخبر عن مقامه، وتارة يخبر عن أحوال السالكين من صحبه أهل الكشف، وتارة يخبر بطريق الإرشاد، وتارة يخبر عن الكمال الإلهي، الكمال المطلق، وتارة يخبر عن الكمال الإلهي، وهو قدر ما تجلى منه على النبي، وعلى جميع أولياء الله كل بقدره، وتارة يخبر عن طريق السلوك إلى الحضرات، وتارة يتكلم بلسان حال الكمال المطلق الأعظم عن جميع هذه الأمور في جميع هذه الأحوال، وتارة يتكلم بلسان الكمال الإلهي المتجلي على النبي
664 (1/664)
صفحة 665
بيان:
فتكلم الكمال في حضرة أحدية الجمع منبئاً عن قول الله تعالى فيها بلسان حال الكمال، فقال: وقد أقمت الحجة في لزوم عبادتي، وأوضحت طرقها، وناديت المتعبدين جميعاً وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} (1). وقال تعالى: {نَبْلُوهُم بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ} (2)، حكمة لكشف ما في كلّ متعبّد من ضمير خيراً وشراً، ولم يخطر عليه ضمير، ولكن يرسل الخواطر عليه التي يعلم أنّه بها يظهر أمره واختياره الطاعة أم المعصية، فظهر بذلك ما تختاره نفسه، ولا زاغت الأبصار عمّا علم الله أنه سيكون منهم في كلّ أمة، ولا زاغت الأفكار في كلّ ملّة عما أريد أن ينكشف منهم في اختيارهم فلم يحبّوا إلا ما علمت أنهم ليحبّوه من طاعة أو معصية، حكمة بالغة بمقدار، وما اختار رمزاً للشمس عن غرّة، أي عن جهالة صبا، أي مال حباً لعبادتها فإنّما هو لحكمة أحبها لتجلّي كمال تدبيري وحسن حكمتي، وإشراقها من أنوار إسفار غرَّتي: أي تجلي وجه بدر كمالي وحسنه، ووضع المحبة التي خلقتها وركبتها فيه، فهي تحبّ الكمال والحسن، ولكن ما كانت في قلبي محجوبة عني ضلت الكمال فطلبته من المظاهر الحجبية، ولم تطلبه ممّن احتجب عنه فكانت هذه الحكمة هي الحكمة في كشف ما علمت أنّهم ليعصوني به واهتدى بنور الكمال ومحبة الكمال أهل طاعتي، وليست هي جبلة، بل هي حكمة سابقة، ولا مخادعة، وهي التي بها اهتدى من علمت أنه ليهتدي، فالأنوار الظاهرة ظلمة في حق المحجوبين عن رؤيتي، وهي والظلمة نور عظيم مع الناظرين إليّ، وكذلك ترى أن عبد النار المجوس، وما انطفت كما جاء في الأخبار أنّهم أوقدوها في بيت ألف حجّة، أي ألف سنة يعبدونها، ويمدونها بالحطب، ويأخذون منها لمواضع عبادتهم، وما قصدوا في عبادتها غيري إن أظهروا أنّ قصدهم لي، وإن لم يظهروا لعقدِ نيّة فإنّي أنا المقصود من حيث لا يشعرون، وكذلك إن كان قصدهم سواي؛ لأني أنا الذي أكملت بحسن تدبيري وإحكام حكمتي في تحسين صورة النار، ورآهم نور كمال الحكمة مرة، أي بغير تفكر، فتوهموه: أي الذي عبدوه، ناراً فضلوا في الهدى بالأشعة؛ لأنّ أنوار النار هي الحقيقة نور هداية للمهتدين، وذلك من تجلي كمالي فيها، وكمال حكمتي، فأعينهم رأت النار، ومحبتهم رأت الحسن والكمال، فهي في الحقيقة طالبة كمالي، ولم
(1) الذاريات، الآية 56. (2) الأعراف، الآية 163.
665 (1/665)
صفحة 666
يقصد غير الكمال الذي نظرته أعينهم من حيث لا يشعر، ولكن حيث كانت المحبة محتجبة عن رؤية كمالي طلبت محبته من مظاهره، وضلت بذلك، وكفرت وأشركت، وكانت هذه الحكمة الإلهية هي الحكم، وهي الحكمة لكشف اختبار المرء في الطاعة والمعصية لأهل الطاعة وأهل المعصية، وذلك معنى قوله: {وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِ وَالْخَيْرِ فِتْنَةٌ (1)، وقوله تعالى: نَبْلُوهُم بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (2)، وقال: لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا (3)، وقال: {وَلَوْ شاءَ لَهَدَنكُمْ أَجْمَعِينَ} (4) فخلقت الأشياء [144 ظ] كما أردت، فكان كما أردته في تدبيري ذلك ليعلم أنَّ كلّ شيء في الوجود بإرادتي، ولا أحبّ الكفر، ولا أحبّ من يحبّه، وأحبّ الطاعة، وأحبّ من يطيع ويحبّ أهل الطاعة، ولم يكن شيئاً في الكون إلا ما أحببت، فافهم
ذلك.
(1) الأنبياء، الآية 35. (2) الأعراف، الآية 163.
(3) الرعد، الآية 31. (4) النحل، الآية 9.
***
666 (1/666)
صفحة 667
الباب السابع والعشرون
وهو الخاتم لكتاب إيضاح نظم السلوك إلى حضرات ملك الملوك، وآخر الجزء الثالث منه في: التنبيه على التوحيد، وعلى النفس، وتكميلها بلسان المقام المحمدي
الأحمدي.
قال:
741 - ولولا حجاب الكون قلت وإنما قيامي بأحكام المظاهر مسكتي يقول: قال المقام الأحمدي بلسان حاله في مظاهر كمال الله المحبوب، ولولا حجاب الكون عن ظهور تجلي حسن جمال وجلال وكمال صفات الله في أفعاله وصفات ذاته الذي لا محبوب في الحقيقة سواه، وإن أحبَّت المحبة من ذات شيء لشيء فإنَّما أحبته لتجلّي جمال الله في ذلك؛ لأنّ حسن الصنعة تدلّ على جمال وكمال صفات ذات الصانع في وصفها، فكلّ شيء حسن محبوب فهو من جمال فعله تجلى فيه، ولولا احتجاب الجمال عن العقول في ذلك أنَّه جمال الله تعالى لقلت، ولم يتم كلامه ما الذي أراد أن يقوله لمانع منعه من جوازه أن يقوله، وأراد بذلك أني لقلت إنّ كلّ عابد لغير الله تعالى، وعاص لله تعالى بشيء أحبّه أنه في الباطن لم يعبد، ولم يقصد بعبادته إلاّ ذلك المحبوب الذي أحبّه، وليس هنالك هو شيء أحبّه غير كمال الله وجماله تجلى فيه المحبوب المتجلي فعله في ذلك، فنظرت إليه المحبة المحبة للجمال فأحبته وعبدته، فهو لم يحب في الباطن إلا جمالاً، ومن أحبّ الجمال أحبّ الذات، فهو يحبّ الله تعالى، ويعبد الله من حيث لا يدري، وهو معنى قوله: قصدوني به نَوَوا، أو لم ينووا به في عبادتهم الشمس والنار، وكلّ ما أحبّوه، وكلّ هذا كشف توحيد أنه ليس شيء في الكون حسن، ولا جمال ولا كمال ولا محبوب في الحقيقة إلا كمال الله وجماله حيث تجلّى ولتعلم أنّ الصانع الحكيم إذا بهر الخلق في صنعه حتى مالت قلوب الخلق إليه يدلّ على
667 (1/667)
صفحة 668
کمال صفات ذلك الحكيم، وقد تجلى جمال صفاته، وكمال حكمته في ذلك فهو كأنه أمال قلب كلّ مَنْ مالت إليه محبته، وإن كانت في الظاهر أنّها مالت بنفسها، كذلك كلّ حسن هو من تجلي جمال حكمة الإله الحكيم، وكلّ من مالت نفسه إلى شيء مالت إلى ذلك الجمال المحبوب، فصحٌ أنّ جماله هو المحبوب لا غيره، فكل شيء هو نور جمال الله وكماله وجلاله وتوحيده، وبهذا المعنى قال: لقلت أي لقلت بهذا، وإنما منعني أن أقول بهذا وجوب قيامي، أي لزوم أدبي، وأنّ الأحكام تجري أحكام المظاهر فهو مسكتي، أي موجب صمتي، وأراد أنّه لما كان الحكم في المحبّ للشيء من المظاهر، أي من الأكوان هو محبّ لذلك المظهر، كما أنّ من أحبّ صنعة الصانع ففي الحكم [من المظاهر] (1) هو محبّ لتلك الصنعة، ولو عبدها لم يعبد صانعها، وإنما عبد صنعته، وهو غيرها، وهي غيره، كذلك من عصى الله تعالى بشيء فقد عبد ذلك الشيء، ولم يعبد الله تعالى، فكان كلّ من خالف في حرف واحد لا يسعه أن يخالفه فيه كان كافراً ضالاً، والوجه الثاني: أنّ العبادة لا ينوي بها الصفة، فلا يعبد المرء الصفة ولا القدرة، وإنّما يعبد الذات القادرة والعليمة، وتجلي جمال الله في الأشياء هو تجلي صفات أفعاله، فلهذا لم يجز إلاّ الإخلاص لوجه الله تعالى بما تعبّد به عباده لا على هوى النفس، ولا الظن، وما يراه في نفسه لوجود الخيالات الفاسدة المشتبهة بالمثالات الخفية (2)، فافهم ذلك.
قال:
[145 و] 742 - فلا عَبَتُ والخَلْقُ لم يُخْلَقُوا سُدى وإن لم تكن أفعالهم بالشديدة 743 - على سِمَةِ الأسماءِ تجري أمورُهُم وحكمةُ وَصْف الذات للحكمِ أَجْرَتِ 744 - يُصَرِّفهم في القبضتين ولا ولا فَقَنضَةُ تنعيم وَقَبْضَةُ شِقُوةِ يقول: وفيه تقديم وتأخير، وتقديره: والخلق لم يخلقوا سدى، أي إهمالاً لغير شيء، كما قال الله تعالى أي لم يخلقوا إلا لأجل العبادة، فخلق الله الملائكة لمحض السعادة، وخلق الإنس والجن والشياطين للابتلاء والعبادة، وخلق سائر الأشياء للدلالة والشهادة، فتعبّدهم بما هو واجب عليهم له، وخاطب كل من قامت عليه الحجة بنزول بلية التعبد،
(1) ما بين المعقوفين ساقط في الأصل، والزيادة من س.
(2) في س: [الخفيفة] بدل [الخفية]، وما أثبتناه في الأصل، وبه يستقيم الكلام.
668 (1/668)
صفحة 669
وانقطع عذره من كافة عباده بأدائه خالصاً إليه ولوجهه ذي الجلال والإكرام، وقد علم من يطيعه ومن يعصيه فالخطاب للجميع، وإن لم تكن أفعال أهل المعصية بالسديدة في علمه بهم فلا عبث في خطابهم، ولا ظلم في إيجادهم، بل كله عدل، وخلاف ذلك هو غير العدل وغير الكمال؛ لأنه لم يرد أن يثيب إلا على علمهم بأنفسهم، ولا أن يعذبهم إلا بعلمهم بأنفسهم، وما اختاروه في أنفسهم، وعملوه بمظاهر ذاتهم بأمر ذاتهم، فذلك معنى قوله على سمة الأسماء تجري أمورهم وتقديره وتجري أحكامهم في ظاهر أمرهم على سمة الأسماء، أي على علامة من الأسماء الأربعة وهي: الأذن للسمع، والعين للبصر، واللسان للنطق وللأكل، واليد والرجل والفرج وجميع البدن التي هي آلة اللمس، ويكتفي عن ذكرهنّ بذكر اليد، وأجرت الحكمة الإلهية أن أعمال هذه الظواهر في وصفها على ما هي عليه للحكم الظاهر في حكم المرء من شرك، أو نفاق مستحلّ، أو منتهك لما يدين بتحريمه، وما يجري عليه من تحريم ترويج أو تحليل، أو أدب، أو قتل، أو براءة، أو ولاية، إلى غير ذلك، وأجرت الحكمة الإلهية في صنعة حكمة وصف الذات، أراد هنا وصف بمعنى هيئة أي هيئة الذات في صنعة الله تعالى لها هي للحكم الباطن الحقيقي وأن تلك الأفعال الظاهرة منها وما تكنّه من الاعتقاد اللازم أو الجائز، أو المحرّم، أو المكروه، زيادة فوق ما يظهره من الجوارح، فكله منها، فهي المخاطبة، وهي المعاقبة، فإن أطاعت فهي الطائعة، وإن عصت فهي العاصية وهي القوة الغريزية، فهي الملك القاهر الغالب، ووزيرها القوة المدبرة، وأما البصيرية فهي القوة الآمرة له بالخير، وإن خالفها فهي تذهب منه في الآخرة ولا تبقى معه، وهي كالمرآة، وحقيقة الداعي فيها إلى الله
لا
هو تجلّي نور محبة الله تعالى، ونور علمه الذي يحبّه، ولا يتجلى فيها غير ذلك، فهي تغلط أبداً، وهي المقبلة على جهة عالم الغيب حيث لا خيال فيه، وهي الروح التي ذكرها الله تعالى: [ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي]، أي أمر رباني، ومعنى ذلك هو هذا المعنى، ومع نظرها إلى عالم العلم الغيبي، فهي تنظر إلى عالم الشهادة. وأما المدبرة والغريزية فهما النفس، وجهتهما عالم الحس والخيالات والمثالات وعالم المعاني يصيبان تارة ويخطئان أخرى، فلا يصيب المرء الحق كله من دين الله إلا باتباع الرسل والأنبياء الموحى عليهم من الله، والخارقة نفوسهم عوالم الحس والخيالات، والمثالات إلى عالم الغيب، وهو عالم العلم وعالم تجلي الروح عليه فأرواحهم العقلية، ونفوسهم
669 (1/669)
صفحة 670
الفعلية يلتقيان إلى رؤية عالم واحد، وهو عالم العلم، فلذلك لا يغلطون، ولذلك لا يغلط المتمسك بدينهم فى الدين، ولذلك لا يسلم غيرهم من لم يتمسك بدينهم، وحمل دينه على القياس فيما لا مجال لنفوسهم إلى نظرة، ولم تنظره أرواحهم من [145 ظ] الغلط، وقال تعالى: {إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنسَنَ مِن نُّطْفَةٍ أَمَشَاجِ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَهُ سَمِيعًا بَصِيرًا (1)، لم يرد به السمع والبصر الظاهر فقط دون سمع الذات وبصرها، بل أرادهما جميعاً، ثم قال: إِنَّا هَدَيْنَهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا (2) إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَفِرِينَ سَلَسِلَا وَأَغْلَالًا وَسَعِيرًا} (3)، {إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِن كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا} (4) يصرفهم المولى جلّ وعلا من أول الإيجاد إلى يوم القيامة من درجة إلى درجة، ومن حال إلى حال، وهم في علمه في القبضتين قبل أن يخلقوا وبعد ما خُلقوا، وقوله: ولا، ولا، أي وهما أي القبضتان لا ولا، فالواو الأولى بمعنى وهما وواو، وقبضة تأويل لقوله: ولا ولا، أي وهما، أيضاً قبضة تنعيم وقبضة شقوة، أي قبضة للجنة وقبضة للنار، وأشار بقوله: لا ولا ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم حاكياً عن ربه أنه قال جل وعلا: [يا عبادي اعملوا فإنّي جامعكم في صعيد واحد ثم أنظر إلى أهل طاعتي وأقبضهم قبضة وأدخلهم جنتي ولا أبالي، وأنظر إلى من عصاني وأقبضهم قبضة قبضة وألقيهم في جهنم و لا أبالي]، ومعنى قوله: ولا أبالي بترك غيرهم في قبضتي لهم، فافهم ذلك.
قال:
745 - ألا هكذا فَلْتَعرفِ النَّفْسُ أو فلا ويتلى بها العرفان كل صبيحة 746 - وعرفانها من نفسها وهي التي على الحِس مَا أَمَّلْتُ مِنْيَ أَمْلَتِ يقول: ألا: أي ألا أيها الطالب المريد إلى هذا السلوك من شاء معرفته، ومعرفة النفس ربها، ومعرفتها نفسها فلتعرف هكذا جميع ما أوضحته في خطابي لكم وشرحته في معرفة الله بحقيقة العلم به في كلّ شيء، ومعرفة ما يلزمه العمل له، وما يستحب في عبادته، وما يجب عليه تركه، وهو مستحب له تركه، ومعرفة المرء بنفسه في عبوديتها له وعجزها، وعظم كرامته له في جميع خلقته، وبتكوين جميع الموجدات فإنّه لا يعرف عظم النعم إلا من كوشف بها، ويسلك طرق الوسائل إليه بخالص المحبة، فهذه هي
(1) و (2) و (3) و (4) الإنسان: 2 - 5.
670 (1/670)
صفحة 671
حقيقة المعرفة المطلوبة بتكوين جميع الكائنات لأجلها، ممّن عرفها بذلك فقد عرفها وإلا فلا، وقوله: ويتلى، أراد هنا تلاوة النفس لا تلاوة اللسان، وهي المعرفة والعرفان، معرفة الله، الملك، الرحمن، أي ويعرف العلم بالله الديان بها، أي بمعرفتها نفسها في كلّ صبيحة، أي كذلك في كلّ زمن ووقت، وإنّما استعار الصبيحة، وهو وقت الصبح، أي في كلّ كشف مشرق من ليل الحجب المانعة عن المكاشفة، وكما أنّ عرفانها، أي علمها بربها يعرف بعلمها بها كذلك عرفانها بربها يكون من علم نفسها، أي ذاتها، فالعلم بالله يعرفها، ومنها، أي ومن علمها، وهي النفس التي على جهة الحسن، وهي العين الغريزية التي هي كالملك القوي، والعين المدبرة التي هي كالساحرة من عيون العقل؛ لأنّ العين البصيرية جهتها إلى عالم الغيب، وإلى تجلي صفات الله وعلمه عليها مما شاء أن يتجلى ذلك، عليها من فهي محققة، ومنها يشرق النور الأعظم النور المعنوي لأنور أبيض مثل الشمس، بل هو أعظم في المعنى، ولها باب ينظر منه إلى عالم الشهادة، وإنّما لا يظهر نورها على هذه العيون إذا وسخاها بالرين روماً عن الغريزية أن تملك نفسها، ومن المدبرة أن تملك نفسها، وأما هذه النفس من العقل فنظرهما من جانب الحواس الخمس، وإلى المحسوسات، والبصيرية تنظر ذلك من جهة عالم العلم فافهم. وإلى هذه تنظر إلى المحسوسات إشارة النبي صلى الله عليه وسلم [من عرف نفسه، فقد عرف ربّه]، وهي التي قال مقامه بلسان الحال إنّك إذا عرفتها بما شرحت لك في العلم بالله بها، والعلم [146 و] بها، وبما يحبّه الله أن يكون منها ما أملت، أي الذي رجوت مني - بفتح الياء - أن أكشفه لك، أملت: أي أملت عليك معرفتها، وأراد بالتلاوة هنا، والإملاء منها، وهي الذات المعرفة، وكشفها لك العلم، أي كشفت لها علمها، والعلم بالله وبالله إذا سلكت بها السلوك التي رجوته مني وكشفته لك، ومعرفة المرء نفسه بالعبودية، والعجز والاحتياج، والذل إلى غير ذلك، ومعرفة الله تعالى بأنّه ربّه، والقادر عليه، والغني، ورازقه، وهو العزيز، وهو الذي يعزّه إن أطاعه ويذلّه إن عصاه إلى غير ذلك، وهو المعرفة الظاهرة، وأما المعرفة الباطنة فهي المشاهدة بطريق المكاشفة التي أشرنا إليها حتى يكون علمي هو علم الله، وكمالي بعلمي هو من كمال الله بصفاته في العلم، وكلّ كمال وجمال وجلال، وهو علم الله الذي نطق به كل الوجود، وهو كمال الوجود.
671 (1/671)
صفحة 672
قال:
تُ مِن أي جمعي مشركاً بي صنيعتي
(1)
747 - ولو أنني وَحَدْتُ الْحَدْتُ وانسلخ يقول: ولو أنني وحدت وقلت لا يجوز القول بالاتحاد في كمال ذات المرء بكمال الله، والاتصاف بصفاته التي قلت إنّه يمكن الاتصاف بمعناها، وأن علمي به كعلمه بنفسه بذلك العلم، وأنّ الذات كالمرآة تجلي صفات الله، وأنّ علمها بحقيقة الوجود علماً توحيدياً إلهياً هو كعلم الله في الوجود في ذلك العلم، ومنعت من جواز هذا خوفاً أن أكون قد شبّهت به خلقاً من خلقه لكنت قد ألحدت فى توحيدي، وانسلخت من آي جمعي، أي من آيات علمي، به و علمي بالوجود الناطق بعلمه، وبمعرفته، وكانت صنيعتي بي، أي عمل نفسي كذلك أكون مشركاً بالله تعالى؛ لأني أكون بذلك قد أنكرت علمي به، وأنكرت جميع توحيده، بل علمي به هو مثل علمه بنفسه في ذلك العلم، وعلمي بالوجود الذي هو علم بالله هو مثل علمه بالوجود الذي هو علم به بذلك العلم، واشتراطي بذلك، أي بالعلم الذي علمته، وعلمه بنفسه بالعلم الذي علمته به أنا غير مختلف، وأما هو فأعْلَمُ بنفسه منّي بالعلم الذي لم أعلمه أنا به، وليس هذا مما يكون تشبيهاً، وإنما هو عين توحيده جلّ وعلا، وكذلك كمالي الذي كملت به هو من كماله؛ لأني كمالي بالعلم به سبحانه
وتعالى.
قال:
748 - وَلَسْتُ ملوماً أن أبت مواهبي وأمنح أتباعي جزيل عطيني
749 - ولي من مفيض الجمع عند سلامه عليّ بأو أدنى إشارة نسبة يقول: ولست ملوماً أن أبثَّ مواهبي: أي أن أشرح ما وهبه الله لي لأهدي به أهل الهدى، وأمنح أتباعي جزيل عطيتي: أي ما أعطاني الله تعالى من علم دينه، وعالم مکاشفته لي ترغيباً لمن شاء أن يسلك ذلك، وكيف أحرص عن البذل. ولي عند مفيض الجمع: أي حضرة الجمع الجامعة لجميع العلم المتجلي به الله تعالى تجلي سلامه عليَّ، وأراد بالسلام والصلاة معاً، وإنّما اكتفى بذكر أحدها دون الآخر إشارة إلى قوله تعالى:
(1) في الديوان: [صنعتي] بدل [صنيعتي].
672 (1/672)
صفحة 673
إِنَّ اللَّهَ وَمَلَيْكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (1) تجلى كماله وجماله وجلاله الأعظم عليّ أيضاً مع تجلي سلامه علي فيها الذي مُدَّ منه كمال كلّ شيء بعدي، ومعنى ذلك أنه لم يعط العباد شيئاً من العلم، ولا من الكمال من تجلي كمال الله تعالى عليه ممّا لم أعط أنا، وأنا قد أعطيت ما لم يُعْطَ أحد، بل لو تجلى الوجود لاندك دكّة واحدة ولم تطق وتلاشت كأنها لا شيء، وبلغت
ذلك على
جميع
بمرتبة بيني وبين التلاشي بالزيادة قاب قوسين أو أدنى، والمراد بأدنى، والباء من قوله: بأو، وهو للإشارة، أي بإشارة أنك بلغت مبلغاً من تجلي كمالي عليك ما قد صرت بينك وبين التلاشي قاب قوسين أو أدنى إشارة نسيئة حقيقية [146] أنّ ذلك الكمال الذي تجلى عليَّ، وصرت به كاملاً، وهو من كمال الله لا غيره، ولا يجوز أن يكون غيره فهي النسبة التي توافق الكمال فيها؛ لأنها لو جاز أن يكون غيره جاز أن يكون توحيده على غير ما علمته، وكنت كأني أنكرت توحيده، وضللت ضلالاً بعيداً.
قال:
750 – ومن نوره المشكاة ذاتي أشرقت علي فنارت في عشائي كضحوة (2) يقول: ومن نوره أي ومن نور علمه وكماله وجماله وجلاله أشرقت ذاتي على جميع عيون عقلي ومظاهر ذاتي، فنارت المشكاة (3): أي الصدر مني في عشائي كضحوتي؛ لأنّ نور العلم يكون أضوأ من الشمس، وضياؤه في الليل وفي ضحوة النهار سواء، وأشار إلى ضياء ليله، أي نفسه، وهي العين الغريزية، والعين المدبرة كضحوة نهار الروح، وهي العين البصيرية بضياء هذه من نور الله، وهو نور العلم به لا غير بتجليه عليها بالصفات كتجلي الشيء في المرآة، فلا يخالف وصف المتجلي، ووصف ما تجلى في المرآة من الكمال، هذا بمعنى التقريب للفهم، لا بمعنى التشبيه والعين البصيرية هي التي أشار إليها بقوله جلّ وعلا: {وَيَسْتَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ} أي العقل قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي} أي فكروا فيه فإنّه أمر رباني لا يطلب إلا ما يرضي الله تعالى، ولا يغلط أبداً فهو بمنزلة نبي ورسول أرسل إليه، معصوم عن الزلل والخطأ، ولا
(1) الأحزاب، الآية 56.
(2) في الديوان [مشكاة] بدل [المشكاة]، و [بي] بدل [في].
(3) في س: [المكاشفة] بدل [المشكاة]، وهو لا يستقيم بدلالة البيت.
673 (1/673)
صفحة 674
هو
نور
يدعو إلا إلى الله تعالى كأنّه عالم بما عند الله تعالى، فهو كأنه عالم بالغيب، فهو مما يدلكم على أنه ليس بينه وبين معرفة الله تعالى حائل يراه بينه وبينه، فهو مما يدلّكم أيضاً على أنه كالمرآة، لتجلي صفات الله تعالى والعلم به من جهة عالم الغيب، فهو مما يدلكم عليه على أنه مثل المصباح النافذ من البيت إلى خارج ضوء الشمس، فالضوء هو عالم العلم، وفيها لكلام الله ولجميع ما تدركه الحواس الخمس من وجوه العبادة ما يدلّكم على أنها نافذة رؤيتها إلى عالم الشهادة، فهذه هي الروح، وهي التي قد أخبرتكم بقولي: اللَّهُ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نورو في عقل المؤمن كيشكوة، أي كوّة في جدار مسجد غير نافذة يوضع فيها السراج مصلوحة بالهك والجص الأبيض المصقول جدارها، وجدار المسجد كذلك، وهي مثال صدر الولي، أي المشكاة، والمسجد قلبه، والمشكاة فيها مصباح، أي سراج، والسراج محبة الله في فتيلة الأعمال الدينية الإيمانية الصحيحة الإحسانية. الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ، وهي القلب الجسماني المركب فيه العقل، والأعمال الظاهرة القبلية والأعمال الباطنة. الزجاجة يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ عالم العلم الإلهي زيتونة وهي شجرة العلم، لا شَرْقِيَّةِ وَلَا غَرْبِيَّة، أي لم تخلُ من إشراق الشمس من جهة دون جهة بل من جهتين، أو لم تكفّها الشمس من زوال الشمس، ولا من طلوعها، أي لم يخلُ ذلك العلم من شريعة دون حقيقة، أو من حقيقة دونها شريعة، أو من معاملة بهما دون مشكاة، أو من مشكاة دون معاملة بهما، أي بالشريعة والحقيقة بل منهما، أو لم يفرط فيهما بالغلو إلى ما لا يجوز له أو بالتفريط في التساهل إلى حد ما لا يجوز له، أو لا شرقية ولا غربية، شمس شجرة العلم الغيبي الممد من سراج العين البصيرية، وهي الروح والغربية شمس شجرة العين الغريزية والمدبرة، وهي لا شرقية يمد زيتها الروح دون النَّفس ولا غربية يمد زيتها النفس دون الروح، بل يمد الكل. يَكَادُ زَيْتُهَا يضِيءُ، أي العلم يضيء، وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ، فلاجتماع نور الزيت، وهو العلم، وصفاء الزجاج والفتيلة، وهما الأعمال، ونور المشكاة، وهي انشراح الصدر، ونور المسجد، وهي الجوارح الظاهرة، والإمام في المسجد الآمر الداعي إلى الله الذي هو بمنزلة رسول من الله الذي هو بالعين البصيرية، وهي الروح، والسترة الملك القاهر الأمر الذي بالعين الغريزية، وهو الذي يطلب المفاخر، والعلو [147 و] إلا أنه إن ولي نفسه رسوله طلب الفخر الأخراوي، وإن تولى نفسه طلب المفاخر الدنياوية [] (1) في العبادة في مسجدهم إلا من الذي بالعين (1) ما بين المعقوفين كلمة لم أتمكن من قراءتها.
674 (1/674)
صفحة 675
المدبرة التي هي بمنزلة الساحرة المصادقة للشيطان، وتعلّمت منه السحر والتخييل، وإن ولّت نفسها العين البصيرية تمّ السرّ والكمال، وإن جاءهم الشيطان إلى مسجدهم طردوه وأبعدوه. والسراج هو محبة الله تعالى لهم، فإن نافق الآمر الذي بالعين الغريزية، أو الأمر الذي بالمدبرة بما لا يجوز، ولا يسع أو شرك ظاهراً، أو باطناً ارتفعت محبة الله، وانطفأ السراج؛ لأن محبة الله تتجلى من العين البصيرية، وينطفئ سراجها مهما عرف الله تعالى منهم خلافه بما لا يسع، والنفس، وهما العين الغريزية والمدبرة نظرهما إلى جهة المحسوسات فإن خرقتها بالعلم تلاقيا إلى جهة العلم ولكن حيث كان نظرهما إلى المحسوسات والأشخاص والأمثال والخيالات لم يكن يشلّ فرد من ذلك إلا الأنبياء فإنّ نفوسهم مستمدة من الروح اللوحية، والنفس اللوحية، والذات اللوحية الكلية قبل التقسيم بالأمثال، وقيل: إنّ هذا في النبي في قلبه وروحه ونفسه وصدره وجميع جوارحه على ما ذكرناه. وقيل: إن شجرة العلم القرآن العظيم، وما فيه من العلم كالزيت، وعقل النبي أو إيمانه كالسراج، وقيل: إنّ المشكاة هي المدينة، والبيت الدنيا كلها، والسراج النبي، والزيت علم القرآن، والشجرة نظم القرآن الموجز، المنجز، المعجز، وقيل: إنّ هذا مثل في كلّ ولي، والصحيح أنّ كلّ ما يحتمله من التأويل الصحيح هو المراد بمعنى هذه الآية، فافهم (1).
هو
قال:
سهلة يسيرة
هو
(1) إنَّ هذا التأويل الذي يقدمه الشيخ ناصر الله لآية النور، ويختمه بقوله: إنّ كلّ ما يحتمله من التأويل الصحيح، المراد بمعنى هذه الآية، فكأنَّه يفتح الباب لتأويلات أخرى لا تقف عند حد بسبب خصوبة النص وعمقه، وانفتاحه على مختلف التأويلات، أقول إنّ هذا التأويل الذي يقدّمه الشيخ ينضوي تحت اتجاه عريض بين اتجاهات تفسير القرآن الكريم هو. ذلك الاتجاه الذي يدعم الآخذون به عقائدهم وقناعاتهم الفكرية، بحسبان أنَّ «آيات القرآن رة، ولكنها على سهولتها تخفي وراء ظاهرها معنى خفيّاً مستتراً. ويتصل بهذا المعنى الخفي ثالث يحيّر ذوي الأفهام الثاقبة ويعييها، والمعنى الرابع ما من أحد يحيط به سوى الله واسع الكفاية من لا شبيه له» على حدّ قول أحد القائلين بالتأويلات المتدرجة، وهكذا تصبح الألفاظ الواردة في القرآن الكريم مجالاً رحباً للتأويلات، فالوضوء هو موالاة الإمام، والصلاة هي الناطق الذي هو الرسول، والغسل تجديد العهد، والكعبة هي النبي، وهكذا كل وفق قناعاته كما ذكرنا، فالشيخ ناصر الله لم يكن بدعاً في هذا الأمر، بل وجدنا له نظائر كثيرة من أتباع المذاهب والفرق الإسلامية الأخرى، ومما يذكر هنا أن آية النور التي يقف عندها الشيخ طويلاً كانت مجالاً عريضاً لكثير من التأويلات الخصبة، وما قدمه الشيخ ناصر واحد منها، ينظر عن هذا الموضوع كتاب الصلة بين التصوف والتشيع، د. كامل مصطفى الشيبي، 1/ 220، وما بعدها، مع مصادره، وينظر كتاب (الإخلاص) للشيخ ناصر، ص 596، وما بعدها، فقد وقف هناك عند آية النور أيضاً.
675 (1/675)
صفحة 676
(1)
وشاهدته إياي والنور بهجتي
- وأُشهدتني كوني هناك فكنته
- 751
يقول: وأشهدتني بضم التاء أي وأشهدتني - بتسكين التاء- ذاتي ومرآتي، كوني: أي نوري وكمالي الذي هو من كمال الله، ونور علمه هناك، أي في عالم الجبروت، وهو عالم العلم الغيبي، فكنت هو، أي فكانت حقيقة كمالي هو نور كمال الله تعالى الذي علمتُ به ربّي، وقوله: وشاهدته، أي ووجهته إياي، أي وجّهت إليه ذاتي وكمالي طالباً به وجهه سبحانه، والنور الذي أكمله في ذاتي، بهجتي: أي سروري وحياتي وبقائي، فأقبلت إليه أطلب الكمال بكماله وعلمه بعلمه، والقرب بفضله خالصاً ليس شيء فيه مما يدرك؛ لأنّ كماله ليس فيه كدر، ولا يصلح أن يتجلى الكمال في شيء وسخ، وذلك غير محبوب مع الله تعالى، والمعنى أني كلما شاهدت كمال الله ففي الحقيقة شاهدت كمالي، وأريت ذلك الكمال؛ لأنّ كمالي قدر علمي بالله تعالى، وحتى كاشفني الله بالعلم به زادني كمالاً فصار ذلك بكمالي، وصح أنّ كمال المرء يزيد بكثرة العلم بالله، وبما يزيده به ومنه، وكلما شاهد في ذلك أكثر شاهد جماله، وإن لم ينظر نفسه بعين الكمال فإنّ ذلك، كذلك في الحقيقة، لا في النظر، والتزكية والرضا على النفس والعجب بها، فافهم لئلا تضلّ من حيث لا تدري، ثم خاطبه الكمال قال: 752 - فبي قُدس الوادي وفيه خلعت نا علي على النادي وجُدت بخلعتي)
نفسي
(2)
يقول: فبي وأراد فيه أي الكمال الإلهي الذي تجلى عليه، وإنّما أضافه إلى نفسه إذ كان هو كماله، وتنزيهاً لله بأنه لم يتجلّ له إلا قدر ما يحتمله، وإلا فكمال الله لا نهاية له، وأراد فبذلك الكمال قدس الوادي، أي نور روحه العقلية المستمدة من الروح الأعظم العلمية، وفيه، أي وفي ذلك الكمال، وهو العلم الإلهي المتجلي عليه خلعت [نا] (3) بالنون والألف، وهو آخر المصراع الأول، وعلي بكسر اللام، وجرّها بالياء- وأراد خلعت نعلي بتسكين العين، وإنَّما زاد النون ألفاً وفتح [147 ظ] العين ضرورة لإقامة الوزن، ورواه بعضهم: خلعت خلع نعلي، وهذا فيه قصور بيان ما خلعه فليس كذلك، والأول أصح، وأراد بالنعل هنا الكائنات، وفيه بمعنى في طلبه لمشاهدة ذلك الكمال،
(1) في الديوان: [وأشهدته] بدل [وشاهدته].
(2) في الديوان: [خلعت خلع نعلي] بدل [خلعت ناعلي على]، وسيقف الشيخ ناصر عندها بعد قليل. (3) في الأصل [ناعلي]، وأثبتنا ما في س لتلاؤمه مع الشرح.
676 (1/676)
صفحة 677
أي حجب
وقوله على النادي، وهو المجلس واستعاره لمقام الكمال وملازمة مقامه فيه. يقول: وفي ظنّي مشاهدة ذلك الكمال الإلهي، وهو تجلى علمه عليّ، خلعت: أي نزعت نعلي الكائنات كلّها حتى لم يبق بيني وبين مشاهدة الله تعالى بالصفات لا بالذات حجاب أبداً، ولا مثل مثقال ذرة حائلة بيني وبينه، أي شاغلة لي عنه، فإنّ الحجب هي الشواغل من مشاهدة الأغيار والاشتغال بها، وجُدْت بخلعتي: أي وسلكت إلى مشاهدته لأكمل ذاتي بذلك بخلعتي عن شواغل الأغيار إذ لا طريقة موصلة إلى هذه المراتب لمن شاءها إلا بخلعها، وكيف يشغلني، ويكون حجاباً لي بيني وبينه من هو تحت قدمي كالنعل، وأنا فوقه، ثم خلعتها من قدمي لئلا يكون شيء منّي هي متعلقة به، وهذا ما يدلّ على أنه فوق جميع الكائنات، وأنّها كلّها كالنعل أي كلّها دونه، لا أنها مثل نعله؛ لأنّ فضل الأنبياء والرسل والملائكة لا يصح أن يمثلوا كنعل النبي، وإنما استعار هنا النعل بعض معناها للدون لا للمثل، ولعدم الحاجب الشاغل له عن الله، فإن الملائكة كذلك ليس بينهم وبين الله حجاب مثل الناس قد شغلتهم رؤية المحسوسات عن رؤية الله تعالى بصفاته وقوة الحضور معه فكانت الأنوار في حقهم ظلمة، والظلمة ظلمة، فتساوت معهم الأنوار والظلمة والليل والنهار كله ظلمة، وأما المكاشفون بكمال الله تعالى الذين هم قد اخترقوا الأكوان بنور العلم بالله حتى انتهوا إلى حد لا ينظرون إلا نور العلم بالله تعالى، فيكون في حقهم الليل أنور من ضوء الشمس وليس النهار بأضواً من الليل، ولا الليل أضواً من النهار، بل كلّهما متساويان نوراً عظيماً، واعلم أن نور الله ليس هو أبيض مثل نور الشمس، وإنما النور استعارة للكمال؛ لأنّ النور أكمل من الظلمة كما استعار أصحاب اليمين لحزبه، وأصحاب الشمال لحزب الشيطان، ولا يوصف الله باليمين ولا بالشمال ولا بالنور، ولا يسمى النور، ولا يجوز أن يوصف به على المفهوم، وقوله تعالى: {الله نُورُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ، أي نور العلم به، وهو نور معرفته في السموات والأرض، وفي كل ذرّة من ذرات الوجود، فافهم ذلك.
قال:
677 (1/677)
صفحة 678
إنَّه
753 - وآنسْتُ أنواري فكنتُ بها هدى وناهيك من نفس عليها مضيئة (1)
ال
يقول: وقد استعار قصة موسى (2) في خلع نعليه، وموقفه بالوادي المقدس طوى، وسماعه خطاب الله، إما بالإلهام، وإما بوحي جبرائيل ال، وهو الأصح في حق النبوة، وقيل: إنّ الله خلق صوتاً يتكلم من غير واسطة يخرج منه ذلك الصوت، والله على كلّ شيء قدير، ولو صح لجاز أن يقال ذلك كلام الله، وصوت الله بمعنى التمليك أنه صوت لله، وأمّا وصفه بأن الله له صوت، ويتكلم بالحرف فلا يجوز، وإنما كلامه بالحرف، أي من خلقه، وأنّه خلق الحرف والصوت، فمخلوقاته تتكلم بالصوت وبالحرف، وهو يتكلم بهما بالقدرة التكوينية، لا أنّ ذاته تتكلم بهما، تعالى الله أن يشبه خلقه، أو يشبهه خلقه بشيء علوّاً كبيراً، فجميع المخلوقات لسان الله تتكلّم بتسبيحه، أي بلسان الله وكلماته أي وكلمات الله وقوله وآنست، وأراد وآنست أنوار كمال العلم بالله بأسمائه وبصفاته، وصفات أفعاله، وإنّما أضافها إلى نفسه؛ لأنّها صارت عالمة بذلك فأخبر عما تجلى له من أنوار كمالها، لا إلى ما لم يتجلَّ له [148 و] مما هو وراء ذلك من الكمال الذي هو بلا نهاية فصار بقدر ما تجلى له من أنوار كمال الله هو نور روحه، وهو فأضافها إلى نفسه إخباراً بأنّ أنوار كمال الله ليس نهايته الذي تجلى لي، ولا زيادة، وإنّما أخبرت بما تجلى لى إظهاراً أنه لا نهاية لجماله وكماله جلّ وعلا، وقوله: فكنت هدى لها، فاللام هنا بمعنى إليّ، وهدى بمعنى مهتدياً، أي فكنت مهتدياً إليها، وناهيك ثناءً ومدحاً، أي: وأين نهاك يدرك؟ والنهى العقل، أو أين نهايتك في الإدراك؟ أو أنهيك أن تظن أنَّك تدرك، وفي كل وجه أن تدرك كمال نهاية وغاية برؤيته وتحقيقه من نفس عليها مضيئة أنوار أسماء الله وصفاته، وكماله وعلمه، ومن نفس كمالها من كمال الله، إن كنت ترغب إلى الكمال، فالكمال الحقيقي معرفة الله تعالى فتعرفه بمعرفة هي معرفته بنفسه
بتلك المعرفة، فافهم ذلك.
قال:
کماله،
(1) في الديوان: [لها] بدل [بها].
(2) يقول تعالى: {وَهَلْ أَتَنكَ حَدِيثُ مُوسَى) إِذْ رَمَا نَارًا فَقَالَ لِأَهْلِهِ أَمَكنُوا إِلَى مَانَسْتُ نَارًا لَّعَلَّى وَالِيكُم مِّنْهَا بِفَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى فَلَمَّا أَنْتَهَا نُودِيَ يَنمُوسَى إِني أَنَا رَبُّكَ فَأَخْلَم نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى، طه، الآيات 9 - 12.
678 (1/678)
صفحة 679
754 - وأسست أطواري فناجيتني بها وقضيت أوطاري وذاتي كليمتي يقول: وأتست، والأساس هو أول بناء الجدار فإن كان الأساس قوياً كان البنيان قوياً، وإن كان ضعيفاً كان ضعيفاً، وأراد هنا وأحكمت أساس بنيان أطواري، وهي مراتب الأعمال الدينية، ودرجات وسائلها التي أولها التوبة والخلاص من جميع ما يلزمه منه التخليص على موجب الشريعة والحقيقة، والمكاشفة الظاهرة والباطنة، والعمل بما يلزم فرضاً أو ندباً أو استحباباً، وترك ما يلزم تركه فرضاً، أو ندباً في تركه، وهو المكروه، أو استحباباً، واعتماد ما يلزم اعتقاده نفياً أو إثباتاً، أو كراهية أو بغضاً، أو محبة ورضا، وكمال المرء بتحقيقه على الاستقامة في كلّ هذا، وما عدا الفرض فعلاً أو تركاً أو اعتقاداً فهو نفل ووسيلة، وأفضل الوسائل بعد الفرض ترك المكروهات، والعمل بالمندوب، وقيام الدين كالإمام، أو ما قام مقامه في موضع نفله والجهاد، وتعليم العلم في موضع نفله، والسلوك إلى الله تعالى بطريقة المحبة والمكاشفة بالحضرات الإلهية من الأفعال إلى أسماء الذات إلى حضرات الجمع، وأما النبي صلى الله عليه وسلم فإلى حضرة أحدية الجمع، وأحدية جمع الجمع، وهي حضرة الصحو فيها يقول: فأحكمت أساس كلّ مرتبة من هذه المراتب التي هي كمالاتي فناجيتُني بها - بضم التاء - أي ناجيت أنا نفسي وأراد وناجتني -بتسكين التاء- هي أي المقامات والحضرات، وأراد فدعتني هي إليها بها، أي بمشاهدة جمالها وجلالها وكمالها، فكان سبب إخلاصي في الأطوار، وسبب تجلي تجليها علي هي الداعية لي إليها فأجبتها، وقضيت - بتشديد -الضاد - لا بمعنى قضيت حاجتي واستوفيت، أي وبلغت منائي في أطواري، أي حاجاتي وكانت ذاتي كليمتي، أي هي الداعية إلى السلوك لئلا يظنّ أنّ المرء لم يكن له اختيار في الطاعة، والمعصية وأنه مجبور على ذلك، ويجعل العلم السابق جبراً فإنَّ العلم غير الجبر وفيه معنى آخر قوله وذاتي، أي وذاتها، وذات تلك الكمالات العلمية، وأراد ذات العلم بالله لا ذات الله تعالى هي كليمتي، وهذا نفي لمن قال إنّ الله تعالى تكلم ذاته عبده بالصوت، بصوت غير مخلوق فدل على أنّ الكلام إمّا بالإلهام، وإما بالدلالة، وإما بالصوت المخلوق، وأنّ الله تعالى كلمني بأحد هذه الثلاثة لا غيرها، وأضاف ذات العلم المكلّم له إلى نفسه حيث صار العلم الذي علمه كمالاته، ولذاته متحد كمالها بكماله فأضافه إلى نفسه، ولإضافة ذلك كلّه إلى نفسه معنى مفيد يشير إلى الأسباب والقدرة على الاختيار، وأنه لابد للمرء من السعي من نفسه، والجهد
679 (1/679)
صفحة 680
والاجتهاد، وخلافاً لمن نفى صحة الاكتساب، وأنّ علم المرء منه كسبي لابد منه فافهم ذلك، ولئلا. أنّ ذات الله كلمته بالحرف والصوت، أو بصوت غير مخلوق بلا حرف وفهمه وإنّ ذلك باطل.
[148] بيان
واعلم أن من شأن العالم الفصيح في الشعر إذا أراد أن يتكلم في شيء من العلوم أن يبدأ بأول (1) نظمه ببيت دالّ معناه إلى العلم الذي يريد أن يتكلم فيه، وإن قدر أن ينظمه كالجملة كان أقوى، ثم يذكر مجملات يكون الذي يأتي بعده كالتفصيل لها ثم التفصيل، فإذا أراد الختم بمجمل ما فصل بمجمل يشير إلى تفاصيل ما فصله من تأويله ليكون شرح ما فصله أيضاً مجمله في تلك الجمل، ثم يختم التكلم ببيت جامع كثيراً لمعان يصح الختم عليه، كأنه ليس بعده شيء من الكلام يليق أن يؤتى بعده، كما جاء الختم في كلّ سورة من القرآن العظيم، وأشعار الفصحاء البلغاء، وكذلك في النثر، فسلك هذا الناظم هذا المذهب فهو في هذه الأبيات يأتي بمجمل ما فصله، وهي تشير إلى معاني ما تضمنت فصوله التي تخرج بالتأويل، وبتأويل التأويل منها، فافهم ذلك.
قال:
755 - فبدري لم يأفُلُ وشمسي لم تَغِب وبي يهتدي كُلُّ الدراري المنيرة يقول: فبدري أي نفسي، وهي العين الغريزية والعين المدبّرة من العقل الناظرتان (2) في المحسوسات الحاجبة عن رؤية نور كمال الحضرات الإلهية بالاشتغال إلى نظر ظواهر هما عن بواطنها، مع أنها هي الدليل على معرفة الله تعالى فهي ا الحجاب المظلم المانع، وهي الدليل والنور الموصل، يقول: فبدري لم يأفل، أي لم يحجبه حاجب عن
(1) يتحدث الشيخ ناصر الله حديث الخبير العارف بأوضاع الشعر العربي، فهو يقصد ما يسميه النقاد بـ (براعة المطلع) أو (حسن الابتداء)، وشرطه أن يكون المطلع دالاً على ما بنيت القصيدة عليه من غرض الشاعر» على حد قول صفي الدين الحلي، ويقصد أيضاً ما يسمّيه النقاد بـ (الانتهاء) و (حسن الخاتمة) و (براعة الختام)، والانتهاء «قاعدة القصيدة وآخر ما يبقى منها في الأسماع، وسبيله أن يكون محكماً لا تمكن الزيادة عليه، ولا يأتي بعده أحسن منه على حد قول ابن رشيق القيرواني، ينظر عن المطلع والانتهاء معجم النقد العربي القديم، د. أحمد مطلوب 1/ 239، وما بعدها، و 1/ 278.
(2) في الأصل: [الناظرتين]، وما أثبناه من س، وهو الصواب.
680 (1/680)
صفحة 681
الله بشاغل أبداً، وشمسي وهي، روحه وهي العين البصيرية التي هي على جهة عالم العلم الغيبي الذي لا وجود معه، فليس بينهما وبين تجلي العلم بالله حاجب كون من جهة عالمها القلمي فهو لوح محفوظه الذي ينتقش عليها قلم القدرة الإلهية؛ لأنها مستمدة من اللوح الذي على جهة القلم، فلم تغب أي لم تشتغل عن الله بشيء طرفة عين إذ الأصل أنه لا شيء هناك حاجب كون يشغلها، فهي بخلاف العين النفسانية، وهذا يدلّ على أنّ العين الغريزية والمدبرة كالقمر لا ضوء لها إلا إذا تجلى نور العلم بالاكتساب للعلم، والعمل بالإخلاص، والموافقة فيما يرضى الله تعالى، ومن بعده المكاشفة، وقوله: وبي يهتدي كلّ الدراري المنيرة: أراد بالدراري (1) النفوس، أي ومن كمالي وسلوكي تهتدي النفوس المنيرة بالكمال، وهم أولياء الله تعالى، بدليل أنه هو إمام المتعبدين بالكمال،
فافهم.
قال:
756
أفلاكه
- وَأَنْجُمُ أفلاكي جَرَت عن تصرفي بملكي وأملاكي بملكي خَرَّتِ يقول: ويحتمل لقوله: وأنجم أفلاكي معان كثيرة، وكلّها أرادها: الأول: أنه أراد بأنجم أولياء الله تعالى، واستعار لعالم العقل الأكبر الذي هو عقله بالأفلاك جميع إشارة إلى العيون الثلاثة منه، إضافة إليه، واستعار لنوره الشمس والقمر، وهو نور العلم، وللرسل والأنبياء والملائكة بالدراري المنيرة، ولبقية أولياء الله تعالى بالنجوم، وأنّهم كلهم كما قال جرت واستعار الجري لدوران الفلك، كذلك دوران نوره على الأولياء، وأراد بجرت هنا بعض معناه، أي رويت لهم عن تصرفي في سلوك الطاعة والإخلاص فيها لله تعالى، وأراد بذلك أنه إنما أفيض عليهم من بحر كمالي، ولكن لما كان فيضان البحر والأخذ لابد أن ينقص كانت كلمة رويت لهم عن تصرفي أكمل، لأنّ ما يروي الشيء من العلوم عن أحد لا ينقصه فكان معنى جرت عن تصرفي لا من تصرفي أكمل معنى، وقوله: بملكي يحتمل ضمّ الميم، والمعنى تصرّفي بملكي، أي بملك نفسي حين ملكتها وصرفتها على ما أحببت ويحتمل بكسر الميم فيكون المعنى عن تصرفي
6
(1) الدراري جمع مفرده درّي، وكوكب درّي ثاقب مضيء، ينظر العين للخليل، ص 242، ويلاحظ البون الشاسع بين المعنى اللغوي، وما يقدمه الشيخ ناصر حمدلله للدراري.
681 (1/681)
صفحة 682
بمملكتي التي هي نفسي لأملك - بضم الميم - للتصرف الفعلي، وبالكسر للمتصرف فيه، وأملاكي: أي روحي ونفسي الغريزية والمدبّرة، وصفاتها الأربع التي هي السمع والبصر، والنطق [149 و]، والقدرة، ومظاهر أفعالها وأعمالها الإيمانية، بملكي يحتمل أنه – بضم الميم - أي بتعريفي لها جرت مذعنة لأمري وطاعتي وهي في الحقيقة أذعنت لنفسها؛ لأن قول المرء أطاعتني نفسي، أي نفسه أطاعت نفسه هذا من حيث الجملة في العقل، وأما في الحقيقة فالنفس أطاعت الروح؛ لأنّ العين البصيرية تأمر بالخير، والمدبرة بالشرّ، وثالث ملك قاهر معهما مأمور بطاعة هذه، وخلاف هذه، وهي العين الغريزية والنفس فهي كالملك القاهر القوي معها. ويحتمل أنه بكسر الميم - أي أذعنت لقوة مملكة ذاتي، وقوتها هي كثرة ما احتوت عليه من كمال الحضرات الإلهية، وأي مملكة أعظم منها إلا مملكة الله تعالى في الكمال والملك.
قال:
(1)
757 - وفي عالم التذكار للنفس علمها الـ مقدم تستهديه مني فيئتي يقول: والنفس علمها في عالم التذكار المقدّم، وهو العلم الأول الذي كان ظهوره
بالتجلي الإلهي بالصفات، ومن نوره كان وجد القلم الإلهي، وهو نوره، وليس هو في الحقيقة قلم صوري، وإنّما هو قلم معنوي، وليس النور نوراً صورياً (2) وإنما نور معنوي، وهو ظهور القدرة، وتجليها بالفعل في العقول، وفي العقل اللوحي، مع أن العقول كلّها مستمدة من العقلي اللوحي كإمداد الهواء من كوّ البيت إلى البيت، أو إلى عين الإنسان، فالروح كالعين التي تنظر إلى الهواء، ولا ترى شيئاً إلا هواء، فهي كذلك إلى عالم العلم الذي لا وجود معه، وهو العلم الأول، والنفس علمها يحتمل علم مثالها، فيكون هكذا مثال علم الروح والنفس علمها هو أنَّها مقبلة إلى جهة عالم المحسوسات، ويصح أن لا يشتغل بالنظر إلى المحسوسات بل إلى العلم التي تراه الروح من جهة عالم الغيب، وهو تشاهد ذلك العلم فيلتقيان إلى رؤية واحدة، وحقيقة وحضرة واحدة،
عالم
التذكار
حتى
فكما هذه ترى عالم العلم لا شيء حائل بينها وبينه، فكذلك هذه لغفلتها عن رؤيتها إلى
(1) في الديوان: [فنيتي] بدل [فيئتي].
(2) في الأصل و [س]: [نور صوري]، وما أثبتناه الصواب.
682 (1/682)
صفحة 683
المحسوسات، أو تراها ولكن تراها كلّها علماً، فإن كانت علماً كرؤية الروح فهي حضرة الجمع لاجتماع حضرة الروح وحضرة النفس معاً في رؤية العلم بالله، وإن كانت تراها،
ولكن ترى صفات الله تعالى بها وتجليها عليها، فهي الحضرات الظاهرية التقييدية.
واعلم أن قولنا: العلم الأول هو هذا العلم لا غيره، وإنّما نسميه العلم الأول؛ لأنه ظهر وجوده قبل وجود كل شيء، وظهوره باق لم يزل، وهو الذي تجلى به على عالم المحسوسات لا غير، فإذا عرفت ذلك فهو يقول: ويحصل كمال النفس بالعلم عليها، أي غيبة مشاهدتها في عالم التذكار، وهو عالم العلم القديم الذي ظهر بالتجلي الأول، فتكون به نوراً برزخياً فإذا غابت هناك بغفلتها عن رؤية الأغيار فقد التقت مشاهدتها ومشاهدة الروح، وحصل كمال علمها، وقد تكون الروح قوية النظر في المرء، والنفس ضعيفة، وهو ولي، فيكون قوي الإيمان قليل العلم، وقد تكون النفس، وهي العين الغريزية والمدبرة، قوية الروح ضعيفة القوة، فيكون كثير العلم، أو حكيم الصناعة، ضعيف المحبة والرغبة إلى الله تعالى، وقد تكون كلتاهما قويتان، ولكن عليها حجاب الرين، وهو أثر الأعمال المخالفة لله تعالى وليس كلّ أحد يقدر أن يخترق الوجود بعقله، اللهم إلا أن يكون
بالاسم الخماسي فإنّه يفعل بالخاصية، وهو مخصوص لكشف الحقائق، فافهم. وقوله: تستهديه مني بفتح الياء وتشديدها فيئتي، والفيء هو ظل الشيء، من وراء جهة الشمس، ويحتمل الاستعارة ما أراده بهذا الظلّ الروحاني المظلم الذي كان سبب ظلامه احتجاب ضوء الشمس عنه معنيان: أحدهما أنّه استعاره للنفس التي هي الغريزية والعين المدبرة. وتستهديه: أي تطلب هدايته مني، أي منها وبها [149 ظ] فهي تطلب منّي وصول عالم التذكار بمعرفتها نفسها، وبمعرفة ربّها، ويحتمل أنه أراد فيئتي، أي تركيب صورتي، وتطلب هداية، علمها أي مكاشفاتها من صورتها أولاً، ثم من صورة الوجود حتى يخترق الكلّ ويحتمل أنه أراد وتستهديه، أي وتطلب هداية مكاشفة عالم التذكار الذي يكون في الأصل من نوره الأول في الإيجاد منه فيئتي أي رجوعي حين ظهرت في عالم الشهادة، فلم يكن لنفسه قرار إلا أن ترجع إلى عالمه الأول الذي كانت في القديم منه، فرجعتي إليه هي تدعوني إليه، وتريده فيما أن أسلك إليه، وأرتقي إليه، وفيه معنى آخر: تستهديه، أي تطلب بيان الاهتداء إليه، فيئتي أي طائفتي من أهل الكشف وأنه لأقرب
683 (1/683)
صفحة 684
إلى فهم السامع، فافهم.
قال:
58 7 - فحي على جمعي القديم الذي به وجدتُ كهول الحَي أطفال صبيتي يقول: وقد استعار كلمة من الأذان الذي يُدعى به ويحثّ به، ويشوق به على أفضل الأعمال، وهي الصلوات المكتوبة، ومعنى حيَّ عليّ، أي هلم على فعل كذلك باستحثاث، ولكن هنا أراد المعنى المقصود به؛ لأنه لا يحثّ أحداً على الإجابة بشيء متعذر وصوله إليه، وهو قد وصله فصح أنه أني هناك أقيم وألازم عبادتي، لله فأنا أقيم الصلاة والعبادة، وأصلي وأصوم وأعكف بذلك المقام بالمشاهدة للكمال الإلهي، وهو مقام حضرة جمعي القديم، أي حضرة التجلي للكمال الذي تجلى به عليَّ الله تعالى كلّه جملة في كل لحظة لا كتجليه من الحجب لغيري من المكاشفين شيئاً فشيئاً، وأما أنا فأنظر حضرة غيبي، والوجود هو علم واحد متحد، وكمال واحد متّحد كأنه العلم الأول الذي تجلّى به الباري في أول الظهور حيث لم يكن شيء مكوّن معه.
واعلم أن ذلك العلم الذي تجلى به الباري هو غير مخلوق؛ لأنه علم صفاته وكماله، وقوله: كهول الحي، والحي الأهل، والكهول المقاربون الشيب، وأراد بذلك جمعي الذي وجدت به في الحضرات من أهل المكاشفة من جميع الأنبياء والرسل والملائكة كلهم مع ذلك الكمال كأنهم أطفال الصبية، أي بعدهم في بداية صغورية صباهم كأنهم لم يبلغوا، أو لم يرتقوا إلى مرتبة ومرتبة النبي في حق ما رآه، كذلك إلا أنهم هم كانوا في حق ما شاهده هو، وكمال بمشاهدته، وهذا خطاب بلسان حال مقام كماله فلا لوم، إذ ليس
بلسان حاله بنفسه، فافهم.
قال:
(1)
759 - ومِنْ فَضْل ما أَسْأَرْتُ شُرْبُ مُعاصري ومن كان قبلي فالفضائلُ فَضْلتي يقول: ومن فضل: أي من بقية ما أسأرت - بتسكين السين، وفتح الألف الذي بعده،
(1) القصيدة في الديوان واحد وستون وسبعمائة بيت، بمعنى أنها تنقص هنا بمقدار بيتين، ولعلّ نسخ الشيخ ناصر رحم الله كانت هكذا.
684 (1/684)
صفحة 685
في
وبتسكين الراء وضم التاء والسؤر هو الفضلة الباقية من الطعام بعد أكله، أو الشراب، يقول: ومن فضلة ما أبقيت من شرابي شرب معاصري الذين هم في عصري. منذ ظهرت بالدين الإلهي إلى يوم القيامة من أولياء الله تعالى، ومن كان قبلي، فالفضائل التي أفيضت عليهم فهي فضلتي، أي بقية طعامي الذي أكلته، واستعار الأكل والشرب الصارحين لأنّ بهما قوام الإنسان، ولولاهما لم يقم تركيب الإنسان، ولا ثبت عقل إنساني في جسم؛ لأنه لا يبقى حياً بغير الطعام والشراب، وفي ذلك إشارة إلى أنّ بقاء الحياة الطبيعية المستمدة من الطبيعة الكبرى، والممتزجة بالطبيعة الوسطى هي بين السماء، والأرض لا قوام لها الهيكل الإنساني إلاّ بهما، ولا قوام للروح والنفس العقليتين إلا بقوام الجسد، ولا قوام للمعرفة بغير عقل، ولا قوام للعلم بالله بغير معرفة به، وأن الروح كذلك لابد من سقيها من تجلي بحر العلم الإلهي، وأن النفس لابد من تغذيتها بالعلم والعمل [150 و] وكذلك الجسد لا قوام إلا بحرفه بأداء الطاعة لله تعالى، كما لا يحصل الطعام والشراب إلا بالعناء، وفي الشراب والطعام إشارة إلى منافع الماء، وتوليده من السحاب، وانفجاره من الأرض، وإلى إنبات النبات، وتوليد الحيوان والمعادن وتكوين السحاب بالحرارة، وبالأركان، وبالشمس، وبدوران الفلك ما يحرّك الفلك، وارتباط الأشياء بعضها ببعض في تكوين كلّ شيء، وأنه لو اختلّ شيء من ذلك لما خرجت في الكون حبّة بُرّ من زرعها، أو ما نبتت أصلاً، وفي ذلك من الارتباط من أول التكوين إلى آخر التكوين، وإلى يوم القيامة، وما في أمثال ذلك من أمثلة العلم والقرآن العظيم في نزول المطر، وثبوته في الأرض، وانفجاره كنزول العلم على أراضي القلوب وثبوته في قلوب المؤمنين، وانفجار العلوم منها بسبب ذلك، وما يذهب جُفاء كنزوله في قلوب غير الأولياء، وما يدلّ على كثرة العلوم، وتعدادها، وما في ذلك من الأمثال، وما لا يصلح للغذاء، وما يصلح للنمو، وما يفسد النمو، وما يصلح التوليد، وما لا يتولد، وما يستدل به كذلك على طريق السلوك إلى العلم بالله، ووجوب العبادة له، وأنه لا يصلح الإخلاص بدينه الحق، وسلوك بعد ذلك هذه المشاهدة، وأنها فانية تدعو الحق على الحثّ، وما يدلّ بسبب
المشاهدة
عليه من التسبيح إلى ما لا نهاية لذلك، ولو مليت لك شرح هذا البيت، ومعانيه، ومعاني معانيه (1) نازلاً لأفضى شرحه إلى ألف مجلّدة كاملة متصوفة، ولعلك إذا اعتبرت تفصيل
لله
(1) معنى المعنى هو المعاني الثواني، وهو أساس الإبداع، وقد فرّق عبد القاهر الجرجاني بينهما، فالمعنى هو
685 (1/685)
صفحة 686
جمل ما أجملت لك اتضح؛ لأنه يمكن أن يشرح جميع ما تكلم به في نظمه من هذا البيت إلى غيره من العلوم، وإنما أشرنا إليه لمن منّ الله عليه بالهداية وبالله التوفيق.
وهذا آخر كتاب إيضاح نظم السلوك إلى حضرات ملك الملوك، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وصلى اللهم على سيدنا محمد وآله وسلّم، تأليفه ثامن رجب سنة
1243 بالردة من سمد نزوى
المفهوم من ظاهر اللفظ والذي تصل إليه بغير واسطة، أما معنى المعنى هو أن تعقل من اللفظ
معنى ثم يفضي
هو
ذلك المعنى إلى معنى آخر، والمعنى الآخر هذا. مقصد ابن الفارض من تائيتيه الصغرى والكبرى، ومقصد الشيخ ناصر أيضاً من شرحه هذا الذي انتهى منه، ينظر عن معنى المعنى معجم ا النقد العربي القديم، د. أحمد مطلوب، 2/ 326.
(1) وجاء في آخر س: [وكان تمامه يوم الإثنين نهار حادي من شهر شعبان من سنة 1288 على مهاجرها أفضل الصلاة والسلام، نسخه للشيخ والده وصفي وده الثقة القاضي خلفان بن حاكم بن إسماعيل الإسماعيلي الحميري الإباضي بقلم الحقير راجي رحمة ربّه القدير أفقر خلق الله وأحوجهم إليه سالم بن علي بن ناصر بن علي الإسماعيلي بيده].
686 (1/686)
صفحة 687
اضاءات:
الفهارس
1. لم يذكر في هذا الفهرس أسماء الرسول محمد صلى الله عليه وسلم، وابن الفارض، والشيخ ناصر الخروصي لكثرة ورودها في ثنايا الكتاب.
2. أهملت (ابن) و (أب) و (أل) التعريف في هذا الفهرس فابن عباس في حرف (العين)، وأبو بكر في حرف الباء) والغزالي في حرف (الغين) وهكذا.
3. إذا تكرر العلم في الصفحة الواحدة غير مرة يكتفى بذكره مرة واحدة في هذا الفهرس
687 (1/687)
صفحة 688
[صفحة فارغة] (1/688)
صفحة 689
البقرة
3
يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ
القرآن الكريم
وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَتَبِكَةِ إِنِّي جَاعِلُ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ
6216441
البقرة
30
529
البقرة
63
فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ
وَإِذْ أَخَذْنَا مِيتَقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ (
196
البقرة
البقرة
البقرة
269
البقرة
البقرة
آل عمران
13
245 مَن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَعِيفَهُ لَهُ}
255 {وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ)
يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَاءُ وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَكَرُ إِلَّا أُوْلُوا الْأَلْبَابِ
222 يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ
260 أرني كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى) أَرِنِي
145
524
435
75
159
قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُم مِثْلَيْهِمْ رَأَى الْعَيْنِ وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَن 630
يشاء
آل عمران
31
قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ}
آل عمران
144 فَلَن يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا
النساء
59
أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ
348
99
348
من يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَن تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَكَ عَلَيْهِمْ
النساء
348
80
حَفِيظا)
النساء
92
فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ
584 (ح)،
655 (ح)
إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَيْهَا إِلَى مَرْيَمَ 177
417
148673
485
426
وَرُوح منه
فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ
يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ.
تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ)
689
171
30
54
83
النساء
المائدة
المائدة
المائدة (1/689)
صفحة 690
201
573
566
164
وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنزِلَ إِلَى الرَّسُولِ}
فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ
الْمَوْتَى بِإِذْنِي)
نُرِى إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَوَاتِ
وَكَذَلِكَ نُرِى إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ:
فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ الَّيْلُ رَمَا كَوْكَبَا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الا فلين) فَلَمَّا رَهَا الْقَمَرَ بَازِغَا قَالَ هَذَا رَتِي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَمَن لَّمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ (3) فَلَمَّا رَعَا الشَّمْسَ بَازِعَةٌ 286 قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَنقَوْمِ إِنِّي بَرِى مِمَّا تُشْرِكُونَ
YA
83
110
75
75
78 -
76
المائدة
المائدة
الأنعام
الأنعام
الأنعام
الأنعام
الأنعام
79
91
وَجَهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِى فَطَرَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ)
وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ}
الأنعام
103 لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَرُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَرَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ:
165
311 152
329
6126588
الأنعام
149 {فَلَوْ شَاءَ لَهَدَ نَكُمْ أَجْمَعِينَ}
الأنعام
151 ذَلِكُمْ وَضَكُم بِهِ
الأنعام
152 وَلَا نَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ
666
579
407.371
الأنعام
164 وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى
5316477
وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَيْنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ 164،159،
الأعراف
143
قَالَ لَن تَرَينِي وَلَكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ, فَسَوْفَ تَرَيْنِي هِ
الأعراف
163 نَبْلُوهُم بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ
الأعراف
163 {وَسْتَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ}
الأعراف
172 {أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى
330 5946392 6666665
392
477
الأعراف
{وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِى آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ 172 أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَن تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَمَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا
3586196
476
غفِلِينَ
الأعراف
178 مَن يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِى وَمَن يُضْلِلْ فَأُوْلَيْكَ هُمُ الْخَسِرُونَ
160
690 (1/690)
صفحة 691
235 (ح)
140
60
271
175
452
158
594
580
336 (ح)
الأنفال
التوبة
التوبة
التوبة
6
28
33
78
كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ
فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا
لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ، وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ}
رَضُوا بِأَن يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ
التوبة
109 عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارِ
التوبة
128
لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُوكَ مِنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزُ عَلَيْهِ مَا عَنِتُمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمُ
يونس
هود
هود
39
7
45
87
بل كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ) لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا}
إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي
هود
إنَّكَ لَأَنتَ الْعَلِيمُ الرَّشِيدُ
وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَشَهَا عَن نَّفْسِهِ، قَدْ شَغَفَهَا حبا إِنَّا لَنَرَنهَا فِي ضَلَلٍ مُّبِينٍ (3) فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ 30 - هَمنَّ مُتَكَنَا وَانَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّينًا وَقَالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ 349 وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حَشَ لِلَّهِ مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكَ كَرِيمٌ (2) قَالَتْ
32
552
124
573
573
577
6666588
656
559
618
535
فَذَا لِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّى فِيهِ)
اذْكُرْنِي عِندَ رَبِّكَ.
وَابْيَضَتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ)
إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ)
فَارْتَدَّ بَصِيرًا
وَلِكُلِّ قَوْمِ هَادٍ
لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا به
فَيُضِلُّ اللهُ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ)
هَذَا بَلَغُ لِلنَّاسِ *
فَإِذَا سَوَيْتُهُ، وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي له
سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي)
691
42
84
94
96
7
31
4
52
29
87
يوسف
يوسف
يوسف
يوسف
يوسف
الرعد
الرعد
إبراهيم
إبراهيم
الحجر
الحجر (1/691)
صفحة 692
666
112
577
558
157 55
$497.382
6476634
659.270
6407661
6736588
4176118
433
6086524
614
643
وَلَوْ شَاءَ فَهَدَيكُمْ أَجْمَعِينَ}
وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ)
فَسْتَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ
وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ
وَإِن مِن شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَدِهِ، وَلَكِن لَّا نَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ)
وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ
وَيَسْتَلُونَكَ عَنِ الرُّوح
قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي)
وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا:
مَا أَشْهَدتُهُمْ خَلْقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ.
فَأَنطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَنْيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ أَسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَن يُضَيِّفُوهُمَا
فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَن يَنقَضَ فَأَقَامَهُ
9
33
43
68
44
60
85
85
85
51
77
النحل
النحل
النحل
النحل
الإسراء
الإسراء
الإسراء
الإسراء
الإسراء
الكهف
الكهف
الكهف
وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِعُلَمَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ، كَنزٌ لَّهُمَا 82 وَكَانَ أَبُوهُمَا صَلِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَن يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِهَا كَنَزَهُمَا 643
رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ
الكهف
89
ثُمَّ أَنْبَعَ سَبَبًا
الكهف
104 وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنعا
650
198
قُل لَّوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَن تَنفَدَ كَلِمَتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا
الكهف
109
476
بمثله مدرا
طه
1 - 2 طه) مَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْهَانَ لِتَشْفَى)
- 9
12
71
372
وَهَلْ أَتَنكَ حَدِيثُ مُوسَى) إِذْ رَمَا نَارًا فَقَالَ لِأَهْلِهِ أَمَكْنُوا إِنِّي وَانَسْتُ نَارًا لَعَلَّى وَالِيكُم مِنْهَا بِفَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى فَلَمَّا أَننَهَا 678 نُودِيَ يَمُوسَى إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَأَخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى}
وَلَأُصَلَبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ)
138
692
طه
طه (1/692)
صفحة 693
138
590
413
593
358
طه
الأنبياء
72 فَاقْضِ مَا أَنتَ قَاضِ 72 لَا يُسْتَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْتَلُونَ)
السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَنَا رَتْقًا فَفَتَقْنَهُمَا
وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً)
وَهُوَ الَّذِى ذَرَاكُمْ فِي الْأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ
اللهُ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكُوةٍ فِيهَا مِصْبَاحُ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُبَرَكَةِ زَيْتُونَةٍ لَّا 56، 88، شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُّورُ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ 677
عليم
وَلَا عَلَى أَنفُسِكُمْ أَن تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ) لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُم بَعْضًا
150145
66746181
453
361
336
558
نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَن فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ}
عُلِّمْنَا مَنطِقَ الطَّيرِ
وَمَن شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ)
251
قُل لَّا يَعْلَمُ مَن فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا الله
621
نودِيَ مِن شَطِي الْوَادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَرَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَن
336
يَمُوسَى إِنّى أَنَا اللَّهُ
وَمِن رَّحْمَتِهِ، جَعَلَ لَكُمُ الَّيْلَ وَالنَّهَارَ
308 (ح)
أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ)
593
3406298
وَالَّذِينَ جَهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا)
وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِن شَجَرَةٍ أَقْلَمُ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ، سَبْعَـ أحُرٍ مَّا نَفِدَتْ كَلِمَتُ اللَّهِ}
554
476
62236125
مَّا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِّن قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ)
4656393
{وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَقَهُمْ وَمِنكَ وَمِن نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى
5316196
ابن مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُم مِّيتَقًا غَلِيظًا}
693
23
35
79
35
الأنبياء
الأنبياء
المؤمنون
النور
النور
النور
النمل
النمل
النمل
النمل
61
63
8
16
40
65
القصص
30
القصص
العنكبوت
73
2
العنكبوت
69
لقمان
27
الأحزاب
4
الأحزاب
7 (1/693)
صفحة 694
رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَهَدُوا اللهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَـ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ
534
وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا
* وَأَنزَلَ الَّذِينَ ظَهَرُوهُم مِّنْ أَهْلِ الْكِتَبِ مِن صَيَاصِيهِمْ} إِنَّ اللَّهَ وَمَلَيْكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا
630
673
إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا
وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَنُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا)
165
وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ
يُضِلُّ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ
82
6566635
وَإِن تَدْعُ مُنْقَلَةٌ إِلَى حَمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ
سَلَامٌ قَوْلًا مِّن رَّبٍ رَّحِيمٍ)
خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ}
477
216
264
تَقْشَعِرُ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ 180، 201،
إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ
367
وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ.
وَالسَّمَوَاتُ مَطْوِيَّتُ بِيَمِينِهِ»
475
520 57
لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ}
477
فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ انْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهَا قَالَتَا أَتَيْنَا طَابِعِينَ.
مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ
سَنُرِيهِمْ آيَتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ}
6414 6157
557523
251
407.61
وَهَذِهِ الْأَنْهَرُ تَجْرِي مِن تَحْتِي)
457
يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ)
يدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ}
576
216 58
521
سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ نُقَتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ)
578
694
23
26
56
72
13
8
18
58
96
23
67
67
16
11
46
53
51
4
10
16
الأحزاب
الأحزاب
الأحزاب
الأحزاب
سا
فاطر
فاطر
يس
الصافات
الزمر
الزمر
الزمر
غافر
فصلت
فصلت
فصلت
الزخرف
الدخان
الفتح
الفتح (1/694)
صفحة 695
قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَنُ فِي
545
قلوبكم
فَأَخْرَجْنَا مَن كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (35) فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِّنَ الْمُسْلِمِينَ} 546
وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ؟
55638
6656452
194682
وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَهُمْ ذُرِّيَّهُم بِإِيمَن الحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّنَهُمْ)
64776452
5296528
قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى)
353
أَفَتَمرُونَهُ عَلَى مَا يَرَى 12) وَلَقَدْ رَوَاهُ نَزَلَةً أُخْرَى (3) عِندَ سِدْرَةِ الْمُنتَهَى عِندَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى (15) إِذْ يَغْشَى السَدْرَةَ مَا يَغْشَى مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا 551
(10
572
216
145
586
145
145
216
157 655
6476523
217
549
3946388
621
طفى) لقد رأى مِنْ آيَتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى)
فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ (1) وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونَا فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى
أَمْرِ قَدْ قُدِرَ
)
تَجْرِي بِأَعْيُنَا
فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ؟
وَالسَبِقُونَ السَّبِقُونَ) أَوْلَيَكَ الْمُقَرَّبُونَ)
وَأَصْحَبُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَبُ الْيَمِينِ)
وَأَصْحَبُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَبُ الشِّمَالِ
وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِير
سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ)
لَوْ أَنزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ، خَشِعًا مُّتَصَدِّعًا مِّنْ خَشْيَةِ
الله
وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ.
وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ
14
35
56
21
9
12
18 -
- 11
12
14
55
- 10
11
27
41
1
21
1
3
4
26 - عَلِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِن رَّسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا لله
27
695
الحجرات
الذاريات
الذاريات
الطور
النجم
النجم
القمر
القمر
القمر
الواقعة
الواقعة
الواقعة
الحشر
الحشر
الحشر
الطلاق
القلم
الجن (1/695)
صفحة 696
417
329
124
670
670
670
670
وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ القَوَامَةِ
در
وُجُوهٌ يَوْمَذٍ نَاضِرَةُ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ وجوه
هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنسَيْنِ حِينٌ مِّنَ الدَّهْرِ}
إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجِ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْتَهُ سَمِيعًا بَصِيرًا
إِنَّا هَدَيْنَهُ السَّبِيلَ
إنَّا أَعْتَدْنَا لِلكَفِرِينَ سَلَسِلَا وَأَغْلَلًا وَسَعِيرًا}
إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِن كَأْسٍ)
2
- 22
23
1
2
3
4
5
- 40
41
وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ، وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى 167
27 - يَتَأَيَّها النَّفْسُ الْمُطْمَينَةُ) ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةٌ (28) فَادْخُلِي فِي عِبَادِى
30
وَادْخُلِي جَنَّي)
7 - 8 {وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّنَهَا فَأَهْمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَنَهَا)
4
4 1
7 5
3
لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ
إِنَّا أَنزَلْتَهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ وَمَا مَا أَدْرَنَكَ لَيْلَةُ الْقَدْرِ لَيْلَةُ الْقَدْرِ. مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ تَنَزَّلُ الْمَلَتَيكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم مِّن كُل أَمِّي) كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ لَتَرَونَ الْجَحِيمَ)
ثُمَّ لَتَرُونَهَا عَيْنَ الْيَقِينِ) سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ
خير
417
236
134
5766428
1201
500 338
125
696
القيامة
القيامة
الإنسان
الإنسان
الإنسان
الإنسان
الإنسان
النازعات
الفجر
الشمس
التين
القدر
التكاثر
المسد (1/696)
صفحة 697
- إذا أخلص العبد الله أربعين صباحاً 293
الحديث الشريف
كنت نورا وآدم بين الماء والطين 195
- أسألك حبك، واجعل حبك أحب الأشياء إلي - لا تجعلوني أقرب إلى الله من أخي يونس 476
221
- استدار الكون 420
- أعطاني ربي ثلاثة علوم 39، 60، 407 - أعطيت مجامع الكلم 542
- الإسلام هو أن تشهد 151، 547، 548 - الإيمان هو أن تؤمن 151، 547 اللهم إني أدعوك بكل اسم 331
- إن أصحابي كالنجوم 580
- إن الله خلق آدم على صورته 200، 215، 287،
614
- إن الله يحب من يأخذ برخصه 662
- إن أول ما خلق الله تعالى نور نبيك 68، 114 - إن من العلم كهيئة المكنون 622 - إني بلغت من كمال الله على ذاتي 646 تفكروا في آلاء الله 193، 201، 324 تنام عيناي ولا ينام قلبي 223، 329، 394
- حفت الجنة بالمكاره 98
رب زدني فيك تحيرا 365
- كان في -
عمي
410
- كل مولود على فطرة 197، 531،477
- كل ميسر.
لما خلق له 194
- كنت كنزا مخفيا (حديث قدسي) 35، 56، 144،
- لو كنت متخذا خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا 85 لو وزن إيمان العالمين بإيمان نبيكم لرجح 575 - ليس أحد أغير من الله 240
- ما فضلكم أبو بكر بكثرة صوم 223، 485 - - من عرف نفسه فقد. عرف ربه 671 - نحن معاشر الأنبياء لا نورث 578
- نصرت بريح الصبا 2 7 - واشوقاه إلى لقاء إخواني 580
697
528 411 150 (1/697)
صفحة 698
[صفحة فارغة] (1/698)
صفحة 699
- آدم 2 8،
الأعلام
200199 197 196 195 194 82 583 530 385 359 320 314 215
618
- إبراهيم بن أدهم 294
- ابن باجه 117، 417
- بثينة 320
- البخاري (صاحب الصحيح) 56، 194، 200،
620542476 335 240
- إبراهيم الخليل 85 86، 159، 163، 164، - أبو بكر بن دريد 43
573.567532 366 329 249
- أبو بكر السقاف 43
-إبراهيم الدسوقي 30
- إبراهيم السامرائي (الدكتور) 29، 413، 658
- إبراهيم بن يحيى العبري 17، 28، 47
- أحمد البدوي 30
- أحمد جاسم النجدي (الدكتور) 559
- أبو بكر الصديق 535، 539، 578
- البوريني 108
– البيهقي 5 7 5
- الترمذي (صاحب الصحيح) 98، 580
- أبو تمام 29
- أحمد بن حمد الخليلي (سماحة مفتي سلطنة عمان) - الثوري 261
546 33097 31 21 2018
- أحمد درويش (الدكتور) 31
- أحمد بن سعود السيابي 24
أحمد فؤاد الأهواني (الدكتور) 417، 619
- أحمد المخزنجي 29
- أحمد مطلوب (الدكتور) 308،270،196،69،
6866680655631 585 521 336
- آربري 12
- أرسطو طاليس 9، 11، 175، 417
-أفلاطون 175، 589
-أمين الخوري 29 أنستاس الكرملي 612
– انکسمياندريس 584
- أنور أبو خزام 118، 122، 299، 422
- جابر بن عبد الله الأنصاري 68، 411
-جاعد بن خميس الخروصي 6، 17، 24، 27، 28،
32815253 647 631
-جالينوس 584
- جبريل 334 335 489،336، 547، 549،
6785825766573
- جلال الدين الرومي 27، 83
- جميل بثينة 320
- جمال محمد علي الشقيري 56، 98
- جميل صليبا (الدكتور) 619 - ابن جني 235، 453
- الجنيد البغدادي،118، 133،450،294،230،
500
- جورج طرابيشي 175، 200
699 (1/699)
صفحة 700
-جولد تسهير 12
- جيته 9، 11، 22
- حاتم الأصم 294
ابن حجر
46
-الحريري (صاحب المقامات) 604، 605 - حسن البوريني 29
- حسن الشرقاوي (الدكتور) 25 - حسن الفاتح قريب الله (الدكتور) 495 - حسين غباش (الدكتور) 16، 17
الحلاج 68، 70، 195، 294، 413، 451،
624 6556
- حواء 196 197، 199، 319، 320 - خديجة (أم المؤمنين) 92، 531 - أبو خرز 546
الخضر 294، 622، 644
- الخطيب البغدادي 482
ابن خلدون 25، 38، 39 - خلفان بن حاكم الإسماعيلي 686
-خلفان بن حاكم الحميري 49
- الذهبي 46
- رابعة العدوية 212
- راشد بن عميرة 44
- ابن رزيق،20 22، 27، 182،47،46،43،28
- رشيد بن غالب الدحداح 29 ابن رشيق القيرواني 680
- رفيق العجم (الدكتور،25، 68،66،62،55،
104 103 94 88 77 76 71 670 174 155 151 141 133 117 105 230 223 218 202 201 193 178 275 261 247 246 239 237 236 315 299 294 293 287 284 276 422 418 417 411 372 345 344 500 495 492 485 481 469 442 566 560 556 552 547 530 527 622 602 601 599 587 584 581
6526623
- الزركشي 196
- زليخا 154
- سارية بن زنيم الدولي 579
- سالم السيابي 27 أحمد الفراهيدي 45، 305، 466، -الخليل بن
681632627 609 560 517 469
-خميس بن راشد العبري 20 - خميس بن سعيد الشقصي 546 داوود (النبي) 366، 532، 652 - داوود بن محمود القيصري 30
- دحية 335، 336
- الديلمي 56 - أبو ذر الغفاري 40
- سالم بن علي بن ناصر الإسماعيلي 49، 686
- السبكي 12
- سبيت الغيلاني 20 - السري السقطي 294، 450 - سعاد الحكيم (الدكتورة) 25، 26
- سعيد بن خلفان الخليلي،8، 17، 18، 21، 27،
4731
- سعيد بن سلطان البوسعيدي 20
700 (1/700)
صفحة 701
- سعيد الدين الفرغاني 30 - أبو سعيد الكدمي 41
- سعيد الهاشمي (الدكتور) 22، 182
-سعيد بن يوسف المصعبي 19
- سلطان بن محمد الحراصي
- سلمان الفار
ارسي
39
-سليمان (النبي) 366 - سيبويه 235
- عبد الله بن قسيط المكي 453
- عبدالله محمد الغزالي (الدكتور) 31
-عبد الحليم الحفني (الدكتور) 24، 62، 63، 64،
117 104 103 81 76 71 70 66
174 155 151 141 134 133 122 216 212 202 201 195 193 178 247 246 243 239 237 230 218 344 293 287 284 279 276 6261 450 442 422 418 411 372 345 495 490 485 482 481 469 451 548 547 530 517 515 499 498 624622 6 17 569 566 560 556
47
ابن سينا 13، 117، 417،175 - السيوطي 12، 30، 662،98 - الشبلي 69، 624
-الشذوري 137
- شريفة اليحيائي (الدكتورة) 17، 18، 21، 31 - شهاب الدين السهروردي 221، 261
- الشهرستاني
-شيلر 11
600 579 578 547
- صالح (النبي) 366
-الصدر القونوي 60 - الصفدي 46
-صفي الدين الحلي 80 6 - أبو الطاهر السلفي 559
ابن طفيل 200
- الطوسي -
294655
عائشة (أم المؤمنين) 92، 620
- عاطف جودة نصر الدكتور) 30، 81، 182،
231
- عالية حسن العجمي 18
-عامر البصري 31
-عبد الخالق محمود (الدكتور) 25، 29، 30، 35،
58
- أبو عبدالرحمن السلمي 623
عبد الرحمن بدوي (الدكتور) 9، 13، 25، 175،
527
- ابن العباس 168، 337
- عبد الغني النابلسي 29، 108
-عبد القادر محمود (الدكتور) 27
- عبد القادر بن محمد ابن قضيب البان) 31
- عبد القاهر الجرجاني 685 - عبد الكريم الجيلي 105، 587 - عثمان بن عفان 579
- عدنان حسين العوادي (الدكتور) 56، 231
- ابن عدي 575 - عز الدين المقدسي 6
-عزة محمد عبد المنعم 330
- عزيز السيد جاسم 624
701 (1/701)
صفحة 702
- ابن عقيل 51 - علي ابن أبي طالب 579
- علي حسن محمد (الدكتور) 584، 589
-علي بن الحسين 40
-أبو علي الدقاق 174 - أبو علي الروذباري 238
- علي عبد الخالق (الدكتور) 31
- ابن عمر
575
- عمر بن أحمد الغزنوي 30
- عمر بن الخطاب 579،539،535
-عمر فروخ (الدكتور) 26، 35
- عياض (القاضي) 46
عيسي
- كامل الشيبي (الدكتور (68،38،31،27،26،
675 567 411.372.200.195.140
كثير عزة 334
كرم البستاني 29
- أبو الكرم النحوي 559
- الكلاباذي 55
- ماسينيون 12
- مالك بن سلطان الحارثي 41
- مبارك الراشدي 17، 19، 21
- مبارك الهاشمي (الدكتور) 71، 97، 178، 545،
591.546
- المتنبي 137
- المجلسي 200 (النبي) 329، 567،532،530،366
الغزالي 60،
6200 6223 6274 6543
6626623_575
-الفارابي 38
-فريد الدين العطار 6
-قاسم الخاني 56
-قاسم محمد عباس 451
- ابن قتيبة الدينوري،16646، 335، 410،
594580579 (578
- قسطا بن لوقا 118 القشيري 5، 12، 26
- القصار 450
- قطب الدين القسطلاني 30 - القفطي 46
- محمد أبو الفضل بدران (الدكتور) 568 - محمد أحمد البوسعيدي (السيد) 15، 23، 47، بن
53.49 48
- محمد بن أحمد الفرغاني 60
- محمد التونجي (الدكتور) 655، 659 - محمد زادة العثماني النقشبندي 492
- محمد صغير حسن المعصومي 417 - محمد عابد الجابري (الدكتور) 175 - محمد علي أبو ريان (الدكتور) 25
- محمد المبارك (الدكتور) 140
- محمد مصطفى حلمي (الدكتور) 25، 27، 29،
683668 660 58 56 40 36 34 32630 498 284 247 231 182.179 174
-قيس بن الملوح 320، 334
الكاشاني،27، 28، 245،37،33،31،30
- محمد بن محمد الغمري 30
- محمد بن ناصر بن سليمان 584
702 (1/702)
صفحة 703
- محمد بن نور 43
أبو الوفا الغنيمي (الدكتور) 27، 38
- محي الدين بن عربي 8، 12، 60، 372، 529، - يوسف (النبي) 154، 397،366،156،155،
مسلم (صاحب الصحيح 56، 194، 200، -يوسف كرم (الدكتور) 584
- يوسف محمود محمد (الدكتور) 117
- مسيلمة 578
-معاوية بن أبي سفيان 43
المعتضد (الخليفة العباسي) 43
-مكحول 293
-أبو مهدي 546
- موسى (النبي) 153، 158، 159، 163، 164،
-المولى علمشاه 30
ناصر بن سالم الرواحي (أبو مسلم البهلاني) 8،
نبهان بن جاعد الخروصي 17
- ابن النديم 46
نور الدين السالمي 41، 71، 591،97
نوح (النبي) 197، 329 530
- النوري 450
-ذو النون المصري،38، 68، 195، 294، 485،
النووي 56، 200
نيکلسن 12، 35،27،25
أبو هريرة 40، 579، 623 - أبو هلال العسكري 342، 466
- هود (النبي) 366 (1/703)
صفحة 704
[صفحة فارغة] (1/704)
صفحة 705
الأبطح 130 - البصرة 84
- بغداد 44
-بيت المقدس 386
- دمشق 44
زنجبار 20، 21 سلع 85 سيناء 163
- صداء (ماء) 342
- الصفا 127
- طيبة 139
-العذيب 78
- العذيبة 78
- عرفات 107، 119، 127، 130
العلياء 17، 19
- عمان 485،45،44،43
-فارس 44
- القاهرة 44
-المتوني 21
المواضع
- المدينة المنورة،72 78 79 85، 128، 130،
- منى 127، 130
نزوي 19، 686
- الهند 572
-وادي بني خروص 17
-وجرة 84
- يثرب 386،139،86،83
- المروة 127
- مسقط 20، 21
المغرب 19
- مكة 72 78 79، 84، 119، 127، 128، (1/705)
صفحة 706
[صفحة فارغة] (1/706)
صفحة 707
القوافي
القافية
الشاعر
عدد الأبيات
الصفحة
سهبا
جاعد بن خميس
والقلبا
جاعد بن خميس
الثاقبي
الحلاج
الكتائب
النابغة الذبياني
زكية
ابن الفارض
نزعتي
أبو مسلم البهلاني
تسعرا
ابن الفارض
المضمار
أبو مسلم البهلاني
الدرس
ابن رزيق
قاشع
ناصر الخروصي
عقل
ابن الفارض
الفعال
ابن رزيق
الأيام
ابن رزيق
الكرم
ابن الفارض
لثامها
يتكلّما
البحتري
الجنانا
الأثري
329
471
1
1
1
631
1
180
1
31
1
330
1
41
3
22
1
19
2
190183
1
22
22
1
29
1
208
1
627
1
627
1
413، 451 (بيتان)
707 (1/707)
صفحة 708
[صفحة فارغة] (1/708)
صفحة 709
أولاً: غير المنشورة
المصادر والمراجع
1 - اتجاهات الأدب العماني في العصر الحديث، د. علي عبد الخالق علي. رسالة دكتوراه. جامعة الأزهر. سنة
p 1980
2 - الإخلاص بنور العلم والخلاص من الظلم. الشيخ ناصر بن أبي نبهان الخروصي. دراسة وتحقيق. إبراهيم بن يحيى بن حمدان العبري. رسالة ماجستير. جامعة القاهرة كلية دار العلوم قسم الفلسفة الإسلامية.
سنة 1998 م. 3 - البعد الصوفي في الفكر الإباضي. سلطان بن محمد الحراصي. رسالة دكتوراه مقدمة إلى الجامعة الإسلامية العالمية. ماليزيا. سنة 2007 م.
4 - تائية ابن الفارض وشروحها العربية د. عبد الخالق محمود. رسالة ماجستير. جامعة القاهرة. كلية الآداب.
سنة 1971 م.
5 - سبائك اللجين الملقب بقرة العين ابن رزيق مخطوط محفوظ في مكتبة معالي السيد محمد البوسعيدي.
أحمد
بن
6 - شرح قصيدة حياة المهج للشيخ ناصر الخروصي دراسة وتحقيق عالية بنت حسن بن محمد العجمي. رسالة ماجستير مقدمة إلى جامعة السلطان قابوس كلية الآداب والعلوم الاجتماعية- قسم اللغة
العربية سنة 2002 م.
7 - شعر سعيد بن خلفان الخليلي دراسة تحليلية. إعداد الفاضلة شريفة بنت خلفان اليحيائي. رسالة ماجستير. جامعة السلطان قابوس
8 - الشعر العربي العماني في المهجر الأفريقي. إعداد سبيت بن سعيد الغيلاني. رسالة ماجستير. جامعة
اليرموك. سنة 1996 م.
ثانياً: المنشورة
9 - الأزرق. محمد بن ناصر بن سليمان تحقيق محمد عبد المقصود شلبي. مطبوعات وزارة التراث القومي
والثقافة. سلطنة عُمان. سنة 1986 م.
10 - ابن الفارض والحب الإلهي. د. محمد مصطفى حلمي دار المعارف بمصر. . .. القاهرة. بلا تاريخ.
709 (1/709)
صفحة 710
11 - أبو مسلم البهلاني. الفاضل أحمد بن سعود السيابي. بحث منشور في حصاد الندوة التي أقامها المنتدى
الأدبي. وزارة التراث القومي والثقافة سلطنة عُمان. الطبعة الأولى، سنة 1998 م.
12 – أبو مسلم الرواحي د. محمد بن صالح بن ناصر. مطابع النهضة سلطنة عُمان. الطبعة الأولى. سنة
1996 م. 13 - الأحاديث القدسية. إعداد وتدقيق جمال محمد علي الشقيري. دار الثقافة للنشر والتوزيع. عمان. الأردن. الطبعة الأولى. سنة 1990 م.
14 - أحوال النفس. ابن سينا. حققه وقدّم إليه د. أحمد فؤاد الأهواني. عيسى البابي الحلبي وشركاه القاهرة. الطبعة الأولى. سنة 1952 م.
15 - إحياء علوم الدين. الغزالي. دار المعرفة. بيروت. لبنان. بلا تاريخ النشر.
16 - أدبيات الكرامة الصوفية - دراسة في الشكل والمضمون. د. محمد أبو الفضل بدران. مركز زايد للتراث والتاريخ. دولة الإمارات العربية المتحدة. الطبعة الأولى. سنة 2001 م.
17 - الأدب في الخليج العربي دراسات ونصوص. د. وليد محمود خالص مطبوعات المجمع الثقافي. أبو
سنة 2004 م.
ظبي. 18 – أرسطو عند العرب. د. عبد الرحمن بدوي وكالة المطبوعات الكويتية ودار القلم اللبنانية. بيروت. الطبعة الثانية. سنة 1978 م.
19 - إزاحة الأغيان عن لغة أهل عمان. الشيخ سعيد بن حمد بن سليمان الحارثي. الطبعة الأولى. سنة 1990 م. بلا ذكر لمكان الطبع.
20 - الاستقامة. للعلامة أبي سعيد الكدمي وزارة التراث القومي والثقافة. سلطنة عُمان. سنة 1985 م. 21 - أصدق المناهج في تمييز الأباضية من الخوارج. الشيخ سالم بن حمود بن شامس السيابي السمائلي. تحقيق
وشرح د. سيدة إسماعيل كاشف. وزارة التراث القومي والثقافة سلطنة عُمان. سنة 1979 م.
22 - اصطلاحات الصوفية. عبد الرزاق الكاشاني. حققه وقدم له وعلق عليه د. عبد الخالق محمود. دار المعارف بمصر القاهرة. الطبعة الثانية. سنة 1987 م.
23 - أفلاطون. د. أحمد فؤاد الأهواني. دار المعارف بمصر القاهرة بلا تاريخ
710 (1/710)
صفحة 711
24 – أفلوطين عند العرب. نصوص حققها وقدّم لها عبدالرحمن بدوي ملتزم الطبع والنشر مكتبة النهضة
المصرية. القاهرة. سنة: ة 1955 م.
25 - الإمام نور الدين السالمي وآراؤه في الإلهيات. د. مبارك بن سيف بن سعيد الهاشمي. مكتبة الضامري. السيب سلطنة عُمان. بلا تاريخ.
26 - البداية والنهاية في التاريخ ابن كثير. دار نهر النيل للطباعة. القاهرة. بلا تاريخ.
27 - البرهان في علوم القرآن بدر الدين الزركشي. تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم. منشورات المكتبة العصرية. صيدا. بيروت الطبعة الثانية. سنة 1972 م.
28 - البوسعيديون حكام زنجبار. الشيخ عبد الله بن صالح الفارسي. ترجمة محمد أمين عبد الله. وزارة التراث والثقافة. سلطنة عُمان. سنة 1980 م.
القومي
29 – تأويل مختلف الحديث. ابن قتيبة الدينوري. عني بتصحيحه وتخريج أحاديثه والتعليق عليه د. محمد نافع المصطفى. مؤسسة الرسالة. دار البشير الأردن لبنان الطبعة الأولى. سنة 2004 م.
30 - تاريخ بغداد الخطيب البغدادي. دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، بلا تاريخ.
31 - تاريخ التصوف الإسلامي د. عبد الرحمن بدوي الناشر وكالة المطبوعات. الكويت. الطبعة الثانية.
سنة 1987 م.
2 - تاريخ عمان المقتبس من كتاب كشف الغمة. سرحان بن سعيد الأزكوي. حققه عبد المجيد القيسي. وزارة التراث والثقافة سلطنة عُمان. الطبعة الرابعة. سنة 2005 م.
33 - تاريخ الفلسفة العربية. د. جميل صليبا. دار الكتاب العربي. بيروت. بلا تاريخ.
34 - تاريخ الفلسفة اليونانية. د. يوسف كرم. لجنة التأليف والترجمة والنشر. القاهرة. بلا تاريخ. 35 - تائية عامر البصري. عني بنشرها وشرحها الشيخ عبد القادر المغربي. المعهد الفرنسي بدمشق للدراسات العربية. دمشق. سنة 1948 م.
36 - تحفة الأعيان بسيرة أهل عمان عبدالله بن حميد بن سلوم السالمي. القاهرة. بلا تاريخ.
37 - التصوف في الإسلام. د. عمر فروخ دار الكتاب العربي. بيروت. سنة 1981 م. 38 – تطور الأدب في عُمان. د. أحمد درويش. دار غريب للطباعة والنشر. القاهرة. سنة 1998 م.
711 (1/711)
صفحة 712
39 - التعرف لمذهب أهل التصوف الكلاباذي. تحقيق محمود أمين النواوي. مكتبة الكليات الأزهرية.
القاهرة. الطبعة الثانية. سنة 1980 م.
40 - تكوين العقل العربي. د. محمد عابد الجابري. مركز دراسات الوحدة العربية. بيروت الطبعة الخامسة.
سنة 1991 م. 41 - تنبئة الغبي بتبرئة ابن عربي. جلال الدين السيوطي. تحقيق د. عبد الخالق محمود عبد الخالق. القاهرة.
سنة 1987 م.
42 - التوزيع اللغوي الجغرافي في العراق. د. إبراهيم السامرائي. مكتبة لبنان ناشرون. بيروت. لبنان. الطبعة
43
الأولى. سنة 2002 م.
جلال الدين السيوطي والتصوف الإسلامي د. عبد الخالق محمود القاهرة. سنة 1987 م. بلا ذكر
لمكان الطبع. 44 - جمهرة الأمثال أبو هلال العسكري. حققه وعلّق حواشيه ووضع فهارسه محمد أبو الفضل إبراهيم وعبد المجيد قطامش. ملتزم الطبع والنشر المؤسسة العربية الحديثة. القاهرة. الطبعة الأولى. سنة
1964 م.
45 - جهينة الأخبار في تاريخ زنجبار. سعيد بن علي المغيري تحقيق محمد علي الصليبي. وزارة التراث القومي والثقافة سلطنة عُمان. الطبعة الثانية. سنة 1986 م.
46 - الحركة الصوفية في الإسلام. د. محمد علي أبو ريان. دار المعرفة الجامعية. الإسكندرية. سنة 1994 م. 47 - الحق الدامغ. سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي المفتي العام لسلطنة عُمان. مكتبة الضامري للنشر والتوزيع، سلطنة عُمان. الطبعة الثانية، سنة 1992 م.
48 – حياة المهج. جاعد بن خميس بن مبارك الخروصي. تحقيق د. صادق إسماعيل. بلا ذكر لمكان الطبع وتاريخه.
49 - الخليلي فقيهاً ومحققاً. سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي مفتي عام السلطنة. بحث منشور في حصاد الندوة التي أقامها المنتدى الأدبي. وزارة التراث القومي والثقافة سلطنة عُمان. الطبعة الأولى. سنة
1994 م.
50 - دليل أعلام عُمان. جامعة السلطان قابوس مكتبة لبنان الطبعة الأولى. طبع بالمطابع العالمية مسقط.
712 (1/712)
صفحة 713
سنة 1991 م. 51 - ديوان ابن الفارض. تحقيق د. عبد الخالق محمود عبد الخالق. دار المعارف بمصر. القاهرة. سنة 1984 19 م. ديوان أبي مسلم البهلاني. تحقيق علي النجدي ناصف وزارة التراث القومي والثقافة. سلطنة عُمان.
52
سنة 1980 م.
53 - ديون الحلاج. اعتناء قاسم محمد عباس. رياض الريس للكتب والنشر. بيروت. لبنان. الطبعة الأولى. سنة 2002 م.
54 - الرسالة القشيرية، لأبي القاسم عبد الكريم القشيري. تحقيق. د. عبد الحليم محمود ومحمود بن الشريف. دار الكتب الحديثة. القاهرة. سنة 1972 م.
55 - رؤية الله تعالى بين المثبتين والنافين. عزة محمد عبد المنعم زايد مكتبة الاستقامة. روي. سلطنة عُمان.
سنة 1980 م.
56 - سلك الفريد في مدح السيد الحميد ثويني بن سعيد ابن رزيق. تحقيق محمد علي الصليبي. وزارة التراث القومي والثقافة سلطنة عُمان. الطبعة الأولى. سنة 1997 م.
57 - السير والسلوك إلى ملك الملوك. قاسم بن صلاح الدين الخاني دراسة وتحقيق سعيد عبد الفتاح. الناشر مكتبة الثقافة الدينية القاهرة الطبعة الأولى. سنة 2002 م.
58 - شرح ابن عقيل على ألفية ابن مالك. قرأه محمد محي الدين عبد الحميد. مكتبة دار التراث. القاهرة. الطبعة العشرون سنة 1980 م.
59 - شرح ديوان ابن الفارض. جمعه رشيد بن غالب الدحداح طبع بالمطبعة الخيرية. القاهرة. سنة 1310 للهجرة.
60 - الشعاع الشائع باللمعان في ذكر أئمة عُمان حميد بن حمد بن رزيق تحقيق عبد المنعم عامر. وزارة التراث
القومي
والثقافة. سلطنة عُمان. سنة 1984 م.
61 - شعر عمر بن الفارض - دراسة في فن الشعر الصوفي. د. عاطف جودة نصر. دار الأندلس للطباعة
والنشر والتوزيع. بيروت الطبعة الأولى. سنة 1982 م.
62 - الشعر الصوفي حتى أفول مدرسة بغداد وظهور الغزالي. عدنان حسين العوادي. وزارة الثقافة والإعلام.
دار الشؤون الثقافية العامة بغداد. العراق. سنة 1986 م.
713 (1/713)
صفحة 714
63 – الشعر والشعراء. ابن قتيبة الدينوري. تحقيق وشرح أحمد محمد شاكر. دار المعارف بمصر. القاهرة.
الطبعة الثانية. سنة 1977 م.
64 - شقائق النعمان على سموط الجمان في أسماء شعراء عُمان. الشيخ محمد بن راشد الخصيبي. وزارة التراث القومي والثقافة سلطنة عُمان. الطبعة الثانية. سنة 1989 م.
65 - الشيخ العلامة سعيد بن خلفان الخليلي وفكره. إعداد الفاضل مبارك بن عبد الله الراشدي. بحث منشور في حصاد الندوة التي أحياها المنتدى الأدبي. وزارة التراث القومي والثقافة. سلطنة عُمان. الطبعة الأولى. سنة 1994 م.
66 - الصلة بين التصوف والتشيع. د. كامل مصطفى الشيبي. دار الأندلس. بيروت. الطبعة الثالثة. سنة
1982 م. 67 - الطواسين. الحلاج اعتناء قاسم محمد عباس رياض الريس للكتب والنشر. بيروت. لبنان. الطبعة الأولى. سنة 2002 م.
68 - عمان - الديموقراطية الإسلامية. د. حسين غانم غباش دار الجديد بيروت. الطبعة الأولى. سنة
1997 م. 69 - العمانيون وأثرهم في الجوانب العلمية والمعرفية بشرق أفريقيا. سماحة الشيخ أحمد ابن حمد الخليلي المفتي العام للسلطنة. بحث منشور في حصاد أنشطة المنتدى الأدبي لعام 91 - 1992 م. وزارة التراث القومي والثقافة سلطنة عُمان.
70 - فتح الباري بشرح صحيح البخاري ابن حجر العسقلاني قرأ أصله تصحيحاً وتحقيقاً عبد العزيز بن باز ومحمد فؤاد عبد الباقي ومحب الدين الخطيب. الناشر دار المعرفة للطباعة والنشر. بيروت. لبنان.
بلا تاريخ
1 - الفتح المبين في سيرة السادة البوسعيديين. حميد بن محمد بن رزيق تحقيق عبد المنعم عامر ود. محمد مرسي عبد الله. وزارة التراث القومي والثقافة سلطنة عُمان. الطبعة الثانية. سنة 1983 م.
72 – الفرق بين الروح والنفس. قسطا بن لوقا. عني بنشره حلمي ضياء أولكن. مطبعة إبراهيم حزوز. استانبول. سنة 1953 م.
73 - فضل العرب والتنبيه على علومها. ابن قتيبة الدينوري. تقديم وتحقيق د. وليد محمود خالص. مطبوعات
714 (1/714)
صفحة 715
المجمع الثقافي. أبو ظبي. سنة 1998 م.
74 – الفلسفة الصوفية في الإسلام. د. عبد القادر محمود. دار الفكر العربي. القاهرة. سنة 1966 م. 75 – فن الشعر. أرسطو طاليس. ترجمه عن اليونانية وشرحه وحقق نصوصه عبد الرحمن بدوي. دار الثقافة. بيروت. لبنان. سنة 1952 م.
76 - فهرس المخطوطات. وزارة التراث القومي والثقافة سلطنة عُمان. الطبعة الأولى. سنة 1996 م. 77 – في التصوف الإسلامي وتاريخه. رينولد نكلسن. ترجمة د. أبو العلا عفيفي. لجنة التأليف والترجمة والنشر. القاهرة. سنة 1946 م.
78 - كتاب العين. الخليل بن أحمد الفراهيدي. ترتيب ومراجعة د داود سلوم ود. داود سلمان العنبكي ود. إنعام داود سلوم. مكتبة لبنان ناشرون بيروت لبنان الطبعة الأولى. سنة 2004 م.
79 – كتاب النفس. ابن باجه الأندلسي. حققه محمد صغير المعصومي ونشره بثماني حلقات في مجلة المجمع العلمي العربي بدمشق. الجزء الأول. المجلد الثالث والثلاثون وما بعده. ثمّ نشره على هيئة كتاب بدار صادر. بيروت الطبعة الثانية. سنة 1992 م.
80 - كشف الوجوه الغرّ لمعاني نظم الدرّ. شرح تائية ابن الفارض الكبرى الشيخ عبد الرزاق الكاشاني. المطبعة الخيرية القاهرة. بلا تاريخ.
81
-
متصوفة بغداد. عزيز السيد جاسم. شركة المعرفة للنشر والتوزيع المحدودة. بغداد. سنة 1990 م. 82 - المحتسب في تبيين وجوه شواذ القراءات والإيضاح عنها. أبو الفتح عثمان بن جني. بتحقيق علي النجدي ناصف ود. عبد الحليم النجار ود عبد الفتاح شلبي. وزارة الأوقاف. جمهورية مصر العربية.
ة. سنة 1994 م.
القاهرة.
83 - المساعد الأب أنستاس ماري الكرملي. حققه وعلّق عليه وصنع فهارسه كوركيس عواد وعبد الحميد العلوجي. وزارة الإعلام. مديرية الثقافة العامة الجمهورية العراقية. سنة 1972 م.
84 – معجم المصطلحات البلاغية وتطورها. د. أحمد مطلوب. مطبعة المجمع العلمي العراقي. بغداد. سنة
1983 م.
5 8 - معجم المصطلحات الصوفية. الشيخ الدكتور أنور فؤاد أبي خزام. مكتبة لبنان ناشرون. بيروت. لبنان. الطبعة الأولى. سنة 1993 م.
715 (1/715)
صفحة 716
86 - معجم المعربات الفارسية في اللغة العربية. جمعه وشرحه د. محمد مد التونجي. دار الأدهم. دمشق. الطبعة
87
الأولى. سنة 1988 م.
- معجم
النقد العربي القديم د. أحمد مطلوب. دار الشؤون الثقافية العامة. وزارة الثقافة والإعلام.
بغداد. سنة 1989 م.
88 - المفهوم الرمزي للخمر عند الصوفية. د. حسن الفاتح قريب الله. مكتبة الدار العربية للكتاب. القاهرة. الطبعة الأولى. سنة 1999 م.
89 - الملل والنحل. الشهرستاني. تحقيق محمد عبد القادر الفاضلي. المكتبة العصرية للطباعة والنشر. صيدا. بيروت. سنة 2006 م.
90 - المنهاج في شرح صحيح مسلم بن الحجاج. الإمام الحافظ. الدين النووي. بيت الأفكار الدولية. الأردن. عمان. سنة 2000 م ومعه الأحاديث الواردة في صحيح البخاري التي اتفقت مع صحيح
مسلم.
91 - الموجز المفيد نُبذ في تاريخ البوسعيد. حمد بن سيف بن محمد البوسعيدي. مطبوعات مكتبة معالي السيد محمد بن أحمد بن سعود البوسعيدي. الطبعة الثانية. مسقط. سنة
92
نة 1995 م.
- موسوعة مصطلحات التصوف الإسلامي د. رفيق العجم. مكتبة لبنان ناشرون. بيروت. لبنان.
الطبعة الأولى، سنة 1999 م.
93 - الموسوعة الصوفية. د. عبد المنعم الحفني. مكتبة مدبولي القاهرة. الطبعة الأولى. سنة 2003 م. 94 - نصوص الولاية. الحلاج. اعتناء قاسم محمد عباس. رياض الريس للكتب والنشر. بيروت. لبنان.
الطبعة الأولى سنة 2002 م.
95 – نظرية العقل. جورج طرابيشي. دار الساقي بيروت لبنان الطبعة الثالثة. سنة 2007 م. 96 - النفس والروح في الفكر الإنساني. د. يوسف محمود محمد الناشر دار الحكمة. الدوحة. الطبعة الأولى.
سنة 1993 م.
1 م.
97 – النقد الأدبي الحديث د. محمد غنيمي هلال. دار العودة بيروت الطبعة الأولى سنة 1982. 98 - الوجود عند فلاسفة اليونان. د. علي حسن محمد علي. مطبعة الأمانة. القاهرة. الطبعة الأولى. سنة
1989 م.
716 (1/716)
صفحة 717
99 – وحدة العقل العربي الإسلامي. جورج طرابيشي. دار الساقي. بيروت الطبعة الثانية. سنة 2007 م.
***
717 (1/717)
صفحة 718
[صفحة فارغة] (1/718)
صفحة 719
المحتويات
الصفحة
الموضوع
إضاءات
تصدير عام.
المقدمة
الباب الأول.
الباب الثاني
الباب الثالث.
الباب الرابع.
الباب الخامس
الباب السادس.
الباب السابع.
الباب الثامن
الباب التاسع.
الباب العاشر.
الباب الحادي عشر
الباب الثاني عشر.
الباب الثالث عشر
الباب الرابع عشر
الباب الخامس عشر (1/719)
صفحة 720
الباب السادس عشر.
الباب السابع عشر
الباب الثامن عشر
الباب التاسع عشر
الباب العشرون
الباب الحادي والعشرون.
الباب الثاني والعشرون.
الباب الثالث والعشرون
الباب الرابع والعشرون
الباب الخامس والعشرون
الباب السادس والعشرون.
الباب السابع والعشرون ....
الفهارس
المصادر والمراجع (1/720)
صفحة 721
إيضاح نظر السلوك
يعد هذا الكتاب إيضاح نظم السلوك إلى حضرات ملك الملوك) لمؤلفها ناصر بن جاعد بن خميس الخروصي الإباضي (1264 هـ) واحداً من المؤلفات التي عني بها المتصوفة. وهو شرح لقصيدتي ابن الفارض الميمية والتائية، ولا يخفى على الباحثين أن موضوع هاتين القصيدتين هو التصوف
ومن الضروري أن نشير إلى أن علماء الإباضية لم يطلقوا على ذلك التوجه اسم «التصوف»؛ بل أطلقوا عليه اسم «السلوك»، ولذا فإن الشعر الذي تكون فيه نزعة صوفية يسمونه «شعر السلوك»؛ ويعنون به تهذيب الأخلاق ليستعدّ العبد للوصول بتطهير نفسه عن الأخلاق الذميمة، كما أن السالك هو العبد الذي تاب عن هوى نفسه وشهواتها، واستقام في طرق الحق بالمجاهدة والطاعة والإخلاص
وقد قسم هذا الكتاب إلى ثلاثة أجزاء؛ الأول في تخليص النفس والروح على مراتب الكمال، والثاني في كمال النبي صلى الله عليه وسلم، والثالث في مقامات الحقيقة.
السعر 00 درهم
أبوظبي للثقافة و التراث
ABU DHABI CULTURE & HERITAGE (1/721)