صفحة 1
المجال: المطبوعات، كتب
المادة: الأخلاق والرقاق والأذكار
------------------------------------------
العنوان: الأخبار والآثار
المؤلف: سالم بن عبدالله بن راشد الحمسعيدي النزوي
تحقيق: محمد علي الصليبي
الناشر: وزارة التراث القومي والثقافة
مكان النشر: سلطنة عمان
تاريخ النشر: 1405ه/ 1985م
الطبعة: د.ط
عدد الأجزاء: 2
------------------------------------------
مصدر النسخة المصورة للكتاب (PDF) من موقع المكتبة السعيدية:
https://alsaidia.com/node/536
ملاحظة: قامت المكتبة السعيدية باستغلال تقنية التعرف الضوئي على الحروف في اللغة العربية (OCR) في إنشاء هذه النسخة المصورة (PDF)، لذلك فإنه يمكن البحث فيها للوصول إلى المعلومة بسهولة.
تنبيه: قام فريق مشروع المكتبة الشاملة الإباضية باستغلال تلك التقنية لتوفير النص المرقون، وذلك بالتحويل الآلي لصور صفحات الكتاب إلى نص، لذا فالنص الناتج ليس صحيحا 100%، لذا يمكن استخدام ذلك النص لنسخ جمل وفقرات من هذا النص الناتج، مع ضرورة مراجعته ومقارنته بنسخة (PDF) المرفقة، وتعديله وفقا لذلك قبل اعتماده.
ترقيم الصفحات: موافق للمطبوع
تاريخ النشر الرسمي بالشاملة الإباضية: 02 رمضان 1446ه/ 02 - شهر 03 - 2025م. سلطنة عمان
وزارة التراث القومي والثقافة
الأخبار والآثار
تأليف
العلامة المحقق الشيخ سالم بن عبد الله بن راشد آل بوسعيدي العقري النزوي
تحقيق
محمد علي الصليبي
الجزء الأول
1405 ه - 1985 م (1/1)
صفحة 2
سلطنة عمان
وزارة التراث القومي والثقافة
الأخبار والآثار
تأليف
العلامة المحقق الشيخ سالم بن عبد الله بن راشد آل بوسعيدي العقري النزوي
تحقيق
محمد على الصليبي
الجزء الأول
1405 هـ - 1985 م (1/2)
صفحة 3
مذهبا
ولك مباهاة المصنفين ولاذكر الى الآخرين وانما اردت ذلك نصرة لضعيف مسترشاپ مستقل. ومعونة لطالعتمة، وعلى العابد محتمل وسبيا لنيل الثواب وذر بعد ليوم
الحسا
ان اودعت ما اسكنتِ من ذلك كتابا والحقت کل معنے منھا بانا لياخذها التوالي درسا و حفظ ويستشرفها معنا و لفظا ويستمط غرائبها ويستدر كم عجائبها ويجعلها املا ويمتثلها عملاً ليحصل يكم له نفعها ويتم له فضلها لا تها دليل المخير سبيل روما التوفيق بابنته ناسخه و مولفه العباد الحقير المعترف في ذلك بالتقصير سالم عبد الله من اشد سعيد والتروى وطنا و العقرى سكنا وذلك عام ثلاث و وسبعين من والف مرة هتة مثل المرسل الجيل صلى وعلى الموسلم تسليما كثيرا
احدى صفحات مخطوطة الآثار وهي بخط مؤلف الكتاب
امل
- 3 - (1/3)
صفحة 4
[صفحة فارغة] (1/4)
صفحة 5
كتاب الاخبار والاثار تألف العلامه سالم بن عبد الد بن راشد
ال بو سعيداري العصري النروي
من نيف وسبعين والفسنه
الصفحة الثانية من مخطوطة كتاب الآثار والأخبار (1/5)
صفحة 6
[صفحة فارغة] (1/6)
صفحة 7
السكرى الما
فى الاباضي يقام العبد الد البرنامج العلم الجليل محمله تَفَدَ مَاءُ السَّكرى الارد
است وقدامن
كانها، فيا أنها النارى هذا الكتاب
فان ود
ترافات
خللة، ورفع
فادارات الخطاف
واكرا
يم العقلة الانتو
والاعالم
م ارباك والنقصا الكريم
الصفحة الثالثة من مخطوطة كتاب الآثار والأخبار (1/7)
صفحة 8
[صفحة فارغة] (1/8)
صفحة 9
بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة الكتاب
الحمد لله الذي اختار لنا الاسلام دينا وجعل السعيد من التزم حدوده وتأدب بآدابه والصلاة والسلام على سيدنا محمد الذي أرسله الله شاهدا ومبشرا ونذيرا وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا وعلى آله وأصحابه نجوم الهدى وشموس المعرفة
أما بعد
فالله سبحانه وتعالى وهو الخبير بعباده أرسل رسوله بالهدى ودين الحق فبلغ الرسالة وأدى الأمانة وكانت حياته العظيمة المثل الأعلى في مكارم الأخلاق وجلائل الأعمال عامرة بالخير والهدى، وكان في دعوته وعبادته وفي حربه وسلمه، وفي أسرته وبين أصحابه، وفي كل مظهر من مظاهر حياته؛ مصداقا لقول الله - تعالى - فيه: وإنك لعلى خلق عظيم) وأنموذجا فذا
لقوله صلوات الله وسلامه عليه: «إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق
•
وقد اضطرت دعوته الصادقة القوية وأخلاقه السامية كثيرا من العقلاء
الذين هداهم الخلق النبوي، والذين كانت نفوسهم مستعدة لقبول دعوة هذا الرسول الصادق الأمين؛ إلى نبذ معبوداتهم، والاصغاء لداعي الحق، والاستماع لآيات الله البينات عاملين بها مخلصين دينهم الله وصاروا نورا يهتدى به إلى طريق التدين الصحيح، فازداد عدد المسلمين، وأخذوا يتكاثرون ولم يترك وسيلة من وسائل نشر الدعوة إلا سلكها وأمر أصحابه بالاقتداء به والسير على منهاجه
•
4. (1/9)
صفحة 10
إن الدعوة إلى الله حياة الأديان وأنه ما قام دين من الأديان ولا انتشر مذهب من المذاهب ولا ثبت مبدأ من المبادئ إلا بالدعوة ومن يمعن النظر فيها قصه الله - تعالى - في كتابه الحكيم على رسوله الصادق الأمين من أنباء الرسل صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، يرى أنهم قد اتفقوا على دعوة أقوامهم إلى توحيد الألوهية والربوبية، وإخلاص العبادة الله، والخضوع له - تعالى - والايمان باليوم الآخر وما فيه من البعث والجزاء على الأعمال والترغيب في طاعة الله جل وعلا والترهيب من مخالفته وعصيانه والحث على التحلي بالأخلاق الحسنة والتحذير من الأخلاق السيئة
ولقد كان المسلمون في الصدر الأول ولا سيما على عهد الخليفتين أبي بكر وعمر - رضي الله عنهما - يهتمون بأمر الدين وقد كانت خاصة الصحابة - رضوان الله عليهم - الذين صحبوا النبي صلوات الله وسلامه عليه، وتلقوا عنه متواصلين متكاتفين يشعر كل منهم بما يشعر به الآخر من الحاجة إلى نشر الاسلام وحراسته ومقاومة كل ما يمس شيئا من عقائده وأحكامه وآدابه ومصالح أهله وممن أحرز قصب السبق في هذا المضمار الحسن البصري وأبو ادريس الخولاني وعمر بن عبدالله بن زرارة الهمداني كان يكنى أبا ذر وابن السماك وهو أبو العباس محمد بن صبيح وسفيان الثوري والامام ابن الجوزي، هؤلاء وغيرهم كثير برعوا في الدعوة إلى الله وإرشاد العباد إلى الحق
ويندرج تحت هذا الفن: وعظ، وتذكير، وقصص؛ فالوعظ والموعظة والعظة النصح والتذكير بالعواقب سواء كان بالاستمالة والترغيب أم بالزجر والترهيب. قال ابن سيدة: هو تذكيرك الانسان بما يلين قلبه من
ثواب وعقاب.
•
وفي الاصطلاح: يطلق على القول الحق الذي يلين القلوب ويؤثر في النفوس ويكبح جماح النفوس المتمردة، ويزيد النفوس المهذبة إيمانا
10 (1/10)
صفحة 11
وهداية
والتذكير: تعريف الناس نعم الله عز وجل عليهم وحثهم على شكره مخالفته وتحذيرهم من
والقصص: تتبع القصة الماضية بالحكاية عنها والشرح لها والقَصَّاصُ
من يفعل ذلك وهو في الغالب عبارة عمن يروي أخبار الماضين ومن هنا يكون الوعظ هو النصح والتذكير بالخير والحق على الوجه الذي يرق له القلب ويبعث على العمل؛ وغايته صلاح المعاش والمعاد والفوز بسعادة الدارين وفضله عظيم وشرفه جسيم فإنه متعلق بطب الأرواح وعلاج النفوس لتصل إلى السعادة.
ولما كان الانسان مركبا من الجسم والروح وكان كلاهما عرضة للأمراض والعلل كان لا بد محتاجا إلى طبين ومتشوقا إلى علاجين؛ علاج الجسم وعلاج الروح ولا شك أن أفضل الطبين؛ ما أصلح أشرف
الجزأين
ومعلوم أن الأمراض والعلل تعرض للأجسام فتذهب بجمالها وكثيرا ما تودي بحياتها إلى الهلاك إذا لم تسعف بالعلاج الناجع قبل استفحالها
واشتداد خطرها
والقلوب كالأجسام يعرض لها من الأمراض والعلل ما يطفئ نورها وقد يفقدها حياتها وذلك بورودها موارد الغي والضلال وانهماكها في اللذات والشهوات والتهاون بالأوامر والنواهي وعدم المبالاة بأنواع الفسوق
والفجور وسيئات البدع ونبذ الآداب الدينية، والأخلاق المحمدية
6
وارتكاب كل ما لا يرضاه الشرع والعقل من الشرور والقبائح ومن هذه
الأفعال تكون أمراض القلوب وعللها
-11 - (1/11)
صفحة 12
وعلى الجملة فالدعوة إلى الله بالوعظ والارشاد هي العلاج الوحيد لصلاح العالم. والدين الحنيف هو الدواء المفيد لشفاء القلوب من أمراضها ولا سلامة للعالم من مخاطر الشقاء إلا به. ولا شك أنه إذا ترك علاج القلوب هذه الأمراض استفحل أمرها. ومتى أهمل تطهير النفوس من أدران النقائص والرذائل عظم خطرها وانتشر الفساد وهلك العباد وزاد البلاء وساء حال المجتمع الانساني.
من
ولقد أدرك العالم العماني الجليل والعلامة التقي الورع الحكيم الشيخ سالم بن عبدالله بن راشد آل بوسعيدي ـ رحمه الله ـ كل هذه الأمور التي سبق ذكرها وأدرك أهمية دور الدعوة والوعظ والارشاد في ذلك فقام - جزاه الله خير ما يجزي به الصالحين - بتأليف وتركيب هذه الأدوية النافعة التي تصحح القلوب من أمراضها وتنبه العقول من غفلتها وتطهر النفوس من أدران النقائص والرذائل وتنير أمامها السبل الموصلة إلى الرشد حتى ترجع عن غيها وتعود إلى حد الاعتدال وتتحلى بالفضائل والكمال
والكتاب فيما حواه من علم غزير صورة واضحة لما كان عليه المؤلف من تقوى وعلم وورع حيث استطاع بما وهبه الله ـ عز وجل ـ من نور الحكمة وقاطع الحجة وساطع البرهان وقوة البيان ومتانة العلم أن يجعل من كتابه كنزا ثمينا مملوءا بأنفس الجواهر وأجمل الحلل التي يتحلى بها كل من سلك سبيل الدعوة إلى الله والتي أدرك هذا العالم الجليل عظم منزلتها وعلو قدرها من كتاب الله الكريم في قوله تعالى: كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر). وقوله جل شأنه: ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم
المفلحون)
والمؤلف في ذلك ينهج منهج الامام الغزالي في كتابه (إحياء علوم الدين)، فقد جمع في كتابه القيم كل ما يحتاجه الانسان في أمر معاشه ومعاده
12 (1/12)
صفحة 13
مستشهدا بالأدلة النقلية والعقلية محتجا على ذلك بآيات من القرآن الكريم والأحاديث النبوية الشريفة، ثم جاء بما أثر عن الصحابة والتابعين كما ذكر لنا الكثير مما جاء ذكره على لسان الأنبياء السابقين مثل سيدنا عيسى وموسى و داود - عليهم السلام - وكثيرا ما يستشهد بأقوال الشعراء في الحكم
والفضائل
ولعلنا بذلك ندرك أهمية هذا الكتاب الذي يصنف بين أهم الكتب التي تعتبر المعين الذي لا ينضب للداعية والحجة القوية في الرد على المعارضين والمضللين والمرجع في الأحكام للفقهاء والمتفقهين، وصدق الله جلت قدرته حيث يقول: ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله وعمل صالحا وقال إنني من
المسلمين) كما ان هذا الكتاب يعطي دليلا واضحا على أن العمانيين لم يتركوا فنا من فنون المعارف والعلوم إلا طرقوه وألفوا فيه، فقد أجادوا في الفقه والأحكام وفي الوعظ والارشاد وفي التفسير والحديث وفي اللغة والأدب والفلك وعلوم البحار وكل ما من شأنه أن يرقى بالانسان ويبلغ به درجة
الكمال
وكما يبدو من الصفحات الأولى للمخطوط الذي بين أيدينا يتضح أن المؤلف من علماء القرن الثاني عشر الهجري، ولعل تاريخ الانتهاء من
التأليف كان سنة نيف وسبعين وألف سنة للهجرة النبوية الشريفة
وما أن بزغ ضوء النهضة المباركة حتى دبت الحياة في كل شيء، وكان أن صدرت التوجيهات السامية لجلالة سلطان البلاد المعظم بطبع هذه المؤلفات لتجد طريقها الى المكتبات العالمية، ولتكون شاهد عيان على النهضة العملاقة التي تشهدها السلطنة في كل المجالات، ولله الحمد؛ تلك النهضة الشاملة لكل ما على أرض عمان عمرانا وزراعة وعلوما ومعارف
•
- Ir- (1/13)
صفحة 14
ولقد قدرت وزارة التراث هذه المسئولية الضخمة التي ألقيت على عاتقها فقامت بها خير قيام وعلى أكمل وجه فأصبحنا ولا يمر يوم إلا وبين يدي القارئ فن جديد من فنون المعرفة ومنارة جديدة يعم نورها ربوع هذا
الوطن الغالي
ولعلنا ندرك من نظرتنا لتاريخ تأليف هذا الكتاب عمق جذور المعرفة والثقافة والحضارة لهذا القطر العربي الاسلامي وما سار عليه أبناؤه منذ بزوغ فجر هذا الدين الحنيف
فالمؤلف والحق يقال جمع في كتابه الذي سماه (الأخبار والآثار) من الأدلة القرآنية والأحاديث النبوية الشريفة وآثار وأقوال السلف الصالح ما به توجل القلوب ويزداد المؤمن إيمانا وينخلع قلب العاصي ويقشعر جلده
ويسارع إلى التوبة والعمل الصالح
-18 - (1/14)
صفحة 15
خطة تحقيق الكتاب
بتوفيق الله وعونه تم تحقيق هذا الكتاب على نسخة دار المخطوط والوثائق بوزارة التراث القومي والثقافة وهي بخط الشيخ الفاضل محمد بن سيف بن صالح المسكري الأزدي، وقد ثم نسخها ـ على ما يفهم من الصفحة الثانية من المخطوط - سنة نيف وسبعين وألف سنة للهجرة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام، وقد نسخت بخط جيد جميل إلا أننا لاحظنا عليها ما يأتي:
تداخل الآيات القرآنية وعدم تنصيصها وكذلك الأحاديث النبوية، كما أنه لوحظ سقط كثير من الجمل والعبارات أثناء النسخ ثم سجلها الناسخ بالهامش مما كان يصعب على القارئ في بعض الأحيان ربط هذه الجمل والعبارات بما قبلها وما بعدها
كما أن هناك كثيرا من الكلمات أو أجزاء الكلمات التي سقطت من الناسخ دون الاشارة إليها وبعض العبارات التي فيها تقديم وتأخير مما قد يخل بالمعنى في بعض الأحيان
فكان لزاما علينا وهذه الحال ضبط الآيات القرآنية وتنصيصها ووضع الهوامش لها وتحقيق الأحاديث النبوية وتصحيحها ووضع العبارات والجمل في مكانها الصحيح وإعادة الكلمات الساقطة، كذلك توضيح معاني الكلمات التي وردت في الأحاديث والآثار من حيث اللغة وقد أشرنا إلى كل
-10 - (1/15)
صفحة 16
ذلك بهامش الكتاب ولما كان الناسخ - جزاه الله خيرا - قد نسخ الكتاب دون مراعاة لترتيب الأبواب ترتيبا منهجيا حديثا، وذلك تبعا لعلاقة كل باب وربطه بما قبله وما بعده، فقد قمنا بترتيب هذه الأبواب ترتيبا علميا، فارتأينا أن يقع الكتاب في جزأين، يتضمن الجزء الأول كل ما يتصل بالعقيدة والعبادة، ويتضمن الجزء الثاني كل ما يتصل بالفضائل وآفات الأعضاء والأخلاقيات والآداب والحكمة
بحجم
هذا
ولعلنا بهذا الجهد المقل نكون قد وفقنا للايفاء بحق هذا الكنز الثمين من تراثنا الانساني الحافل وإخراجه بالصورة المشرفة اللائقة العمل الانساني الضخم
والله نسأل أن ينفع به المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها وأن يجزي القائمين على هذا العمل خير الجزاء إنه نعم المولى ونعم النصير
محققه:
محمد الصليبي (1/16)
صفحة 17
الباب الأول
في فضيلة العلم
قال تعالى: شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولو العلم قائما بالقسط) (1)، وقال تعالى: يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات) (2)، وقال الله تعالى: إنما يخشى الله من عباده العلماء) (3)، وقال ابن عباس: للعلماء درجات فوق المؤمنين بسبعمائة درجة ما بين الدرجتين مسيرة خمسمائة عام» وقال الله تعالى: قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون) (4)، وقال الله تعالى: (وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها الا العالمون) (5)، وقال الله تعالى: ولو
ردوه الى الرسول والى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم) (6) رد حكمه في الوقائع الى استنباطهم فألحق رتبتهم برتبة الانبياء في كشف حكم
الله.
وقال الله تعالى: بل هو آيات بينات في صدور الذين أوتوا
العلم) (7)
1 - الآية 18 من سورة آل عمران
الآية 11 من سورة المجادلة
- الآية 28 من سورة فاطر الآية 9 من سورة الزمر الآية 43 من سورة العنكبوت
الآية 83 من سورة النساء 7 - الآية 49 من سورة العنكبوت
- IV. (1/17)
صفحة 18
الأخبار
قال: «من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين ويلهمه رشده
وقال: «العلماء ورثة الأنبياء
(1)
وقال عليه السلام: يستغفر للعالم ما في السموات وما في الأرض» (2)، وقال عليه السلام: «إن الحكمة تزيد الشريف شرفا وترفع
المملوك حتى يدرك ملاك الملوك»
وقال عليه السلام: افضل الناس المؤمن العالم الذي إن احتيج إليه
نفع وان استغني عنه أغنى نفسه.
وقال عليه السلام: «أقرب الناس من درجة النبوة أهل العلم والجهاد أما أهل العلم فدلوا الناس على ما جاءت به الرسل، وأما أهل الجهاد فجاهدوا بأسيافهم على ما جاءت به الرسل.
وقال عليه السلام: «الموت قبيلة أيسر من موت عالم».
، ودم
وقال عليه السلام: «يوزن يوم القيامة مداد العلماء الشهداء (3). وقال عليه السلام: من تفقه في دين الله كفاه الله همه ورزقه (3)
من حيث لا يحتسب»
القيامة يوم
وقال عليه السلام: من حمل من أمتي أربعين حديثا لقي الله فقيها عالما، وقال عليه السلام: أوحى الله إلى إبراهيم يا ابراهيم اني عليم
أحب كل عليم
1 - رواه البيهقي عن ابن مسعود رواه ابن مسعود
رواه مسلم عن أبي هريرة
4 - رواه أبو داود عن أبي هريرة
- IA - (1/18)
صفحة 19
وقال عليه السلام: «العالم أمين الله في الارض»، وقال عليه السلام: صنفان من أمتي اذا صلحوا صلح الناس: الأمراء والفقهاء، وقال عليه السلام: «فضل العالم على العابد كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب، وقال عليه السلام: يشفع يوم القيامة ثلاثة: الأنبياء والعلماء والشهداء، وقال عليه السلام: «ما عبد الله بشيء أفضل من فقه في دين ولفقيه واحد أشد على الشيطان من ألف عابد ولكل شيء عماد وعماد هذا الدين الفقه
(1)
وقال عليه السلام: «فضل المؤمن العالم على المؤمن العابد سبعون درجة وقال: انكم أصبحتم في زمان كثير فقهاؤه قليل خطباؤه قليل سائلوه كثير معطوه العمل فيه خير من العلم وسيأتي على الناس زمان قليل فقهاؤه كثير خطباؤه قليل معطوه كثير سائلوه العلم فيه خير من العمل» وقال عليه السلام: «بين العالم والعابد مائة درجة بين كل درجتين حضر الجواد المضمر سبعين سنة (2)
وقيل: يا رسول الله أي الأعمال أفضل؟ فقال: «العلم بالله عز وجل» قال: أي الاعمال تزيد؟ قال: «العلم بالله عز وجل، فقيل: نسأل عن العمل وتجيب عن العلم؟ فقال: إن قليل العمل ينفع مع العلم وإن كثير العمل لا ينفع مع الجهل»، وقال عليه السلام: يبعث الله العباد يوم القيامة ثم يبعث العلماء ثم يقول: يا معشر العلماء إني لم أضع علمي فيكم إلا لعلمي بكم ولم اضع علمي فيكم لأعذبكم اذهبوا فقد غفرت لكم، وهم
المخلصون الذين أثروا الآخرة على الدنيا قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من سلك طريقا يطلب فيه علما سلك الله به طريقا إلى الجنة، وقال عليه السلام: «إن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضي بما يصنع (3)
1 - رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة
2 - رواه مسلم عن جابر
رواه الربيع عن أنس
14 - (1/19)
صفحة 20
وقال: «لئن تغدو فتتعلم بابا من العلم خير من أن تصلي مائة ركعة»
6
وقال: اطلبوا العلم ولو بالصين وقال: «العلم خزائن ومفاتيحها السؤال فإنه يؤجر فيه أربعة: السائل والعالم والمستمع والمحب لهم»، وقال: «لا ينبغي للجاهل ان يسكت على جهله ولا للعالم ان يسكت عن علمه، وفي حديث أبي ذر (1) رضي الله عنه: حضور مجلس علم افضل من صلاة ألف ركعة وعيادة الف مريض وشهود الف جنازة»، فقيل يا رسول الله: ومن قراءة القرآن؟ قال: وهل ينفع القرآن الا بالعلم
وقال عليه السلام: من جاءه الموت وهو يطلب العلم ليحيي به الاسلام فبينه وبين الأنبياء في الجنة درجة واحدة»
الآثار
قال ابن عباس ـ رضي الله عنه ـ خير سليمان بن داوود بين العلم
-
والمال، والملك، فاختار العلم، فأعطي المال والملك
معه
وقال ابن مسعود: عليكم بالعلم قبل ان يرفع، ورفعه، ان يهلك رواته، فوالذي نفسي بيده، ليودن رجال قتلوا في سبيل الله شهداء، ان يبعثهم الله علماء، لما يرون من كرامتهم، وإن أحدا لم يولد عالما، وإنما العلم بالتعلم. وقال ابن عباس: تذاكر العلم بعض ليلة أحب إلي من إحيائها. وقال الحسن: في قوله تعالى: (آتنا في الدنيا حسنة) (2) هي: العلم والعبادة وفي الآخرة حسنة) (3) هي: الجنة. وقال الاحنف: كاد العلماء، ان يكونوا أربابا، وكل عز لم يؤكد بعلم، فإلى ذل مصيره،
رواه الشيخان عن ابن عمر 2 - الآية 201 من سورة البقرة 3 - الآية 201 من سورة البقرة
وقال (1/20)
صفحة 21
بعض الحكماء: اذا مات العالم؛ بكاه الحوت في الماء والطير في السماء ويفقد وجهه ولا ينسى ذكره
وقال ابن عباس: العلم أفضل من المال والعلم ميراث الأنبياء، والمال ميراث الفراعنة، والعلم يحرسك وأنت تحرس المال، والعلم لا يعطيه الله الا لمن أحبه والمال اكثر ما يعطيه الكفرة لقوله تعالى: ولولا أن يكون الناس أمة واحدة لجعلنا لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم سقفا فضة) (1) من
والعلم يزيد بالبذل والانفاق، والمال ينقص بالبذل والنفقة، وصاحب المال اذا مات انقطع ذكره والعالم اذا مات فذكره باق، وصاحب المال يسأل. عن كل درهم، من اين اكتسبه وأين انفقه، وصاحب العلم يرفع له بكل حديث أو مسألة درجة في الجنة
قال ابن عباس: ذللت طالبا فعززت مطلوبا، وكذلك قال ابن ابي مليكة: ما رأيت مثل ابن عباس اذا رأيته رأيت أحسن الناس وجها، واذا تكلم، فأعرب الناس لسانا، واذا أفتى، فأكثر الناس علما.
وقال ابو الدرداء: لئن اتعلم مسألة، أحب الي من قيام ليلة، وقال أيضا. العالم والمتعلم شريكان في الخير، وسائر الناس همج لا خير فيهم وقال ايضا: كن عالما أو متعلما أو مستمعا، ولا تكن الرابع. وقال
عطاء: مجلس ذكر، يكفر سبعين مجلسا من مجالس اللهو.
وقال عمر - رضي الله عنه -: موت الف عابد قائم الليل وصائم النهار أهون من موت عالم عاقل بصير بحلال الله وحرامه
وقال الشافعي: طالب العلم أفضل من
النافلة
وقال أبو الدرداء: من رأى الغدو الى العلم ليس بجهاد فقد نقص في
1 - الآية 23 من سورة الزخرف
- 21 - (1/21)
صفحة 22
رأيه وعقله
وعن
معاذ
بن جبل يرفعه الى النبي انه قال: «تعلموا العلم فإن تعليمه الله خشية وطلبه عبادة ومدارسته تسبيح والبحث عنه جهاد وتعليمه لمن لا يعلمه صدقة وبذله لأهل قربة وهو الأنيس في الوحدة والصاحب في الخلوة. والدليل على السراء والضراء والوزير عند الاخلاء والقريب عند القرباء ومنار سبيل الجنة يرفع الله به أقواما فيجعلهم في الخير قادة هداة يهتدى بهم أدلة في. الخير تقتفي آثارهم وترمق اعمالهم ويقتدى بفعالهم وينتهى الى رأيهم وترغب الملائكة في صحبتهم وبأجنحتها تمسحهم وكل رطب ويابس يستغفر لهم حتى حيتان البحر وهوامه وسباع البر وأنعامه والسماء ونجومها والارض وتخومها لأن العلم حياة القلوب من العمى ونور الأبصار من الظلمة وقوة الأبدان من الضعف يبلغ به العبد منازل الأحرار ومجالس الملوك والدرجات العلى في الدنيا والآخرة، التفكر فيه يعدل الصيام ومدارسته تعدل القيام به يطاع الله عز وجل وبه يعبد ويوحد وبه يعمل الله ويحمد وبه يتروع لعله ـ يتورع ـ وبه توصل الأرحام ويعرف الحلال والحرام وهو امام والعمل تابعه يلهمه الله السعداء ويحرمه الاشقياء» (1)
فصل في فضيلة العلم
يا علي عليك بمذاكرة أهل العلم فإنهم يعرفونك بالحلال والحرام،
يا عليّ، عليك بملازمة العلماء ومراحمتهم بالركب، فإن العلم يحيي القلوب
الميتة بنور الايمان كما تحيا الأرض الميتة بوابل المطر
•
يا على عليك بمجالسة العلماء الفضلاء، أهل الخشية، فإنها تفيدك
1 - رواه
عن معاذ وورد ذكره في الجامع
- 22 - (1/22)
صفحة 23
استعدادا، لتحصيل الكمالات، واستنباطا للمجهولات واستنباطا للمجهولات، وعليك بتعظيم الفقهاء وتكثير العلماء فإنه من اكرم فقيها لقي الله تعالى وهو عليه راض وأسعد الناس من خالط كرام الناس، وليس أحد أكرم عند الله بعد الأنبياء من العلماء. والعلماء ورثة الأنبياء، ولم يخلفوا دينارا ولا درهما، وإنما خلفوا العلم فمن أخذ به فقد أخذ بإرث الأنبياء وحشر معهم، وليسوا بأرفع درجة منه الا درجة واحدة، ومن أهان فقيها لقي الله وهو عليه غضبان ومن صافح عالما أو طالب علم فإنما صافحني وحرم الله جسده على النار، ومن اكرم عالما أو متعلما فكأنما اكرمني معهم. ومن اكرمني اكرمه الله بنعيم يقصر عنها الأولون والآخرون، ومن زار عالما أو متعلما فكأنما زارني، ومن زارني كنت له شفيعا يوم القيامة، ومن مشى إلى عالم ولو قدمين وجلس معه ولو ساعتين وسمع منه ولو مسألتين أعطاه الله يوم القيامة جنتين؛ مثل كبر الدنيا مرتين، ومن كسا طالب العلم ثوبا كساه الله من ديباج الجنة حلتين خضراوين يتبختر فيهما بين الخلائق، ومن ساعد طالب العلم ولو بدرهم واحد فكأنما أنفق سبعمائة درهم في سبيل الله تعالى
عبادة
الجنة كرامة
والنظر الى وجه العالم والمشي إليه عبادة، والنظر الى بابه ومصافحته (1/23)
صفحة 24
[صفحة فارغة] (1/24)
صفحة 25
الباب الثاني
في فضيلة العلم وتحريم الكتمان
القرآن الكريم:
قال تعالى: واذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبينته للناس ولا
تكتمونه فنبذوه وراء ظهورهم (1). وهو ايجاب التعليم. وقال تعالى:
(2)
وان فريقا منهم ليكتمون الحق وهم يعلمون) () وهو تحريم الكتمان وكما قال في الشهادة: ومن يكتمها فإنه آثم قلبه (3) وقال تعالى: وادع الى سبيل ربك بالحكمة (4)، وقال تعالى: ويعلمهم الكتاب
والحكمة (5)
الاخبار (السنة)
قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ما أتى الله عالما علما إلا أخذ عليه الميثاق كما أخذ على
النبيين أن يبينوه ولا يكتموه»
1 - الآية 187 من سورة آل عمران
2 - الآية 146 من سورة البقرة 3 - الآية 283 من سورة البقرة 4 - الآية 125 من سورة النحل 5 - الآية 2 من سورة الجمعة
I
Yo- (1/25)
صفحة 26
وقال عليه الصلاة والسلام: من كتم علما آتاه الله. ألجم يوم القيامة بلجام من ناره (1)، وفي رواية عن رسول الله عليه السلام: انه قال: اذا ظهرت البدع فعلى العالم ان يظهر علمه فإن لم يفعل فعليه لعنة الله ولعنة اللاعنين الا أن يكون له عذر يقيه ولا يقبل منه صرف ولا عدل. والصرف: الفريضة، والعدل: النافلة
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لما بعث معاذا الى اليمن: لأن يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك من الدنيا وما فيها (2)، وقال عليه السلام: «من تعلم بابا من العلم ليعلم الناس أعطي ثواب سبعين نبيا صديقا
وقال عيسى عليه السلام: من عَلِمَ وعَمِل وعَلَّمَ فذلك يدعى عظيما
في ملكوت السموات
يوم
القيامة يقول الله تعالى
وقال النبي عليه الصلاة والسلام: اذا كان للعابدين والمجاهدين ادخلوا الجنة. فيقول العلماء بفضل علمنا تعبدوا وجَاهَدوا. فيقول الله عز وجل: أنتم عندي كبعض ملائكتي اشفعوا تشفعوا. فيشفعون، ثم يدخلون الجنة، وقال عليه السلام: «ان الله لا ينزع العلم من الناس انتزاعا من بعد أن يؤتيهم إياه ولكن يذهب بذهاب العلماء فكلما ذهب عالم ذهب بما معه من العلم حتى لم يبق الا رؤساء جهال إن سئلوا أفتوا بغير علم فيضلوا ويضلون
وقال عليه السلام: نعم الهدية ونعم العطية كلمة حكمة تسمعها فتنطوي عليها ثم تحملها إلى أخ لك مسلم تعلمه إياها تعدل عبادة سنة» وقال عليه السلام: «ان الله وملائكته وأهل السموات والأرض حتى النملة في جحرها وحتى الحوت في البحر ليصلون على معلم الناس الخير
-1 - رواه أبو داود والترمذي عن أبي هريرة 2 - رواه البخاري ومسلم من طرق عدة
26 (1/26)
صفحة 27
وقال عليه الصلاة والسلام: «ما أفاد المسلم أخاه فائدة افضل من
حديث حسن بلغه فبلغه
•
وقال عليه الصلاة والسلام: كلمة من الخير يسمعها المؤمن فيعمل بها ويعلمها خير له من عبادة سنة»
و خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم فرأى مجلسين أحدهما يدعون الى الله ويرغبون اليه، والثاني يعلمون الناس. قال: «أما هؤلاء فيسألون الله إن شاء اعطاهم وان شاء منعهم. وأما هؤلاء فيعلمون الناس وانما بعثت معلما» ثم عدل اليهم وجلس معهم وقال: مثل ما بعثني الله به من العلم والهدى كمثل الغيث الكثير أصاب أرضا فكانت منها بقعة أمسكت الماء فأنبتت الكلا والعشب الكثير وكانت منها بقعة أمسكت الماء فنفع الله بها الناس فشربوا منها وسقوا وزرعوا وكانت منها طائفة لا تمسك ماء ولا تنبت كلاه، فالأول ذكره مثلا للمنتفع بعلمه، والثاني للنافع، والثالث للمحروم منها
وقال عليه السلام: اذا مات ابن آدم انقطع عمله الا
عن
ثلاث علم
ينتفع به وصدقة جارية وولد صالح يدعو له بالخير» (1). وقال عليه السلام: «الدال على الخير كفاعله
وقال: «لا حسد الا في اثنين: رجل آتاه الله مالا فسلط على انفاقه في الحق ورجل آتاه الله حكمة فهو يقضي بها ويعلمها الناس» (2). وقال عليه السلام: على خلفائي رحمة الله قالوا: ومن خلفاؤك؟ قال: «الذين يحيون
سنتي ويعلمونها عباد الله»
1 - رواه مسلم عن أبي هريرة
2 - رواه مسلم عن ابن مسعود وذكره (منهج الطالبين جـ 1)
27 - (1/27)
صفحة 28
الآثار
قال أبو سعيد: روى لنا أبو الحسن - رحمه الله ـ أنه قال: نظر المؤمن
في كتاب ولو قبل موته بساعة زيادة له في دينه
ومن مناجاة الله لموسى عليه السلام: (من) دق في الدين نظره جل في القيامة (خطره وقال عمر: - رضي الله عنه - من حدث بحديث فعمل به فله مثل أجر ذلك العمل
البحر
يدخل
وقال ابن عباس: معلم الخير يستغفر له كل شيء حتى الحوت في
وقال بعض العلماء: العالم يدخل فيما بين الله وبين خلقه فلينظر كيف
وقال بعضهم: العلماء سرج الأزمنة كل واحد مصباح زمانه ليستضيء به أهل عصره.
وقال الحسن: لولا العلماء لصار الناس مثل البهائم. أي بالتعليم
يخرجون الناس من حد البهيمة الى حد الانسانية
وقال عكرمة: إن لهذا العلم ثمنا. قيل: وما هو؟ قال: ان تضعه
فيمن يحسن حمله ولا يضيعه
وقال يحيى بن معاذ: العلماء ارحم بأمة محمد من آبائهم وامهاتهم قيل: وكيف ذلك؟ قال: لأن آباءهم وأمهاتهم يحفظونهم من نار الدنيا وهم يحفظونهم من نار الآخرة. وقيل: أول العلم الصمت ثم الاستماع ثم الحفظ ثم العمل ثم نشره
YA - (1/28)
صفحة 29
وقيل: علم علمك من يجهل وتعلم ممن يعلم، فإنك إذا فعلت ذلك علمت ما جهلت، وحفظت ما علمت
وقال بعضهم: كان الصحابة يتدافعون أربعة أشياء: الأمانة والوديعة، والوصية، والفتوى
وقال بعضهم: كان أسرعهم الى الفتوى أقلهم علما، وأشدهم دفعا أورعهم. قال: وكان شغل الصحابة في خمسة: قراءة القرآن وعمارة المساجد وذكر الله تعالى والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ وذلك لما سمعوا من قوله صلى الله عليه وسلم: كل كلام ابن آدم عليه لا له الا ثلاثة؛ أمرا بمعروف أو نهيا عن منكر وذكر الله تعالى». وقد قال الله تعالى: ولا وقد قال الله تعالى: ولا خير في كثير من
نجواهم) (1)
1 - الآية 114 من سورة النساء
- 29 - (1/29)
صفحة 30
[صفحة فارغة] (1/30)
صفحة 31
بعلم».
الباب الثالث
في آفات العلم وبيان علامات علماء الآخرة
وعلماء الدنيا
قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ان أشد الناس عذابا يوم القيامة عالم لم ينفعه الله
ويروي أنه قال: «لا يكون المرء عالما حتى يكون بعلمه عاملا» وقال: العلم علمان: علم على اللسان فذلك حجة الله على ابن آدم وعلم في القلب فذلك العلم النافع». وقال أيضا: «يكون في آخر الزمان عباد جهال وعلماء فساق» وقال أيضا: «لا تتعلموا العلم لتباهوا به العلماء ولتماروا به السفهاء ولتصرفوا وجوه الناس إليكم فمن فعل ذلك فهو في النارة (1)
وقال أيضا: من ازداد علما ولم يزدد هدى لم يزدد من الله الا بعدا» وقال النبي: «ان العالم يعذب عذابا يطبق به أهل النار استعظاما لشدة عذابه أراد به العالم الفاجر
قال: «القضاة ثلاثة: قاض قضى بالحق وهو يعلم فذلك في الجنة وقاض قضى بالجور وهو يعلم وقاض قضى بالجور وهو لا يعلم فهما في
النار»
1 - رواه ابن ماجه عن أبي هريرة وورد ذكره في الجامع
- ri - (1/31)
صفحة 32
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «اذا تعلم الناس العلم وتركوا العمل وتحابوا بالألسن وتباغضوا بالقلوب وتقاطعوا الارحام لعنهم الله عند ذلك فأصمهم وأعمى
أبصارهم.
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «بدأ الاسلام غريبا وسيعود غريبا وطوبى للغرباء فقيل: من الغرباء؟ قال: الذين يصلحون ما أفسده الناس من سنتي والذين يحيون ما أماته الناس من سنتي»
وفي خبر آخر: «هم المتمسكون بما أنتم عليه اليوم
وفي حديث آخر: «الغرباء ناس قليلون صالحون بين ناس كثير من
يبغضهم اكثر ممن يحبهم.
وقال عليه السلام: «هلاك امتي، عالم فاجر وعابد جاهل وشر الأشرار شرار العلماء وخيار الأخيار خيار العلماء». وقال صلى الله عليه وسلم: «سيكون عليكم امراء تعرفون منهم وتنكرون فمن أنكر فقد برئ ومن كره فقد سلم ومن رضي وتابع أبعده الله». وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «العلماء أمناء الرسل ما لم
يخالطوا السلاطين فإذا فعلوا ذلك فقد خانوا الرسل فاحذروهم واعتزلوهم وفي خبر عنه عليه السلام أنه قال: «الفقهاء أمناء الرسل ما لم يدخلوا في الدنيا فإذا فعلوا ذلك فاتهموهم على دينكم. وعنه عليه السلام أنه قال: «لا تزال هذه الامة تحت يد الله وفي كنفه ما لم يمل قراؤها الى أمرائها وما لم يزك علماؤها فجارها وما لم يهن أشرارها أخيارها فإذا فعلوا ذلك رفع الله عنهم يده وسلط عليهم جبابرة فساموهم سوء العذاب
وقال: «شرار العلماء الذين يأتون الأمراء وخيار الأمراء الذين
يأتون العلماء
- TY- (1/32)
صفحة 33
الآثار
وقد قال عمر رضي الله عنه: إن أخوف ما أخاف على هذه الأمة المنافق العليم. فقالوا: وكيف يكون منافقا عليها؟ فقال: عليم اللسان جاهل القلب واللسان والعمل. وقال ابن المبارك: لا يزال المرء عالما ما طلب العلم، فإذا ظن أنه قد علم، فقد جهل. وقال الحسن: عقوبة العلماء موت القلب. وقال أسامة بن زيد: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «يؤتى بالعالم القيامة فيلقى في النار فتنزلق أقتابه فيدور به كما يدور الحمار في الرحى فيطوف به أهل النار فيقولون: مالك؟ فيقول: كنت آمر بالخير ولا آتيه وأنهى عن الشر وآتيه» (1) وانما يضاعف عذاب العالم في معصيته لأنه عصى عن
يوم
علم
وكذلك قال الله تعالى: إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار (2) وقال عيسى صلوات الله وسلامه عليه: «مثل علماء السوء مثل صخرة وقعت على فم النهر لا هي تشرب ولا هي تترك الماء يخلص الى
الزرع وفي أخبار داود صلوات الله عليه: «إن أدنى ما أصنع بالعالم اذا آثر شهوته على محبتي أن أحرمه لذيذ مناجاتي، يا داود؛ لا تسألن عالما عني اسكرته الدنيا فيضلك عن طريق محبتي أولئك قطاع طريق عبادي، يا داود؛ اذا رأيت لي طالبا فكن له خادما، يا داود؛ من رد إلي هاربا كتبته مجاهدا ومن كتبته مجاهدا لم أعذبه أبدا».
وقال يحيى بن معاذ الرازي: إنما يذهب بهاء العلم والحكمة اذا طلب
بهما الدنيا
1 - رواه الطبراني وابن ماجه عن أبي سعيد
الآية 145 من سورة النساء (1/33)
صفحة 34
وقال عمر رضي الله عنه: اذا رأيتم العالم محبا للدنيا فاتهموه في دينكم فإن كل محب يخوض فيهما أحب. وكتب رجل إلى أخ له إنك قد أوتيت علما فلا تطفئن نور علمك بظلمة الذنوب فتبقى في الظلمة يوم يسعى أهل العلم في
نور علمهم
وكان يحيى بن معاذ الرازي يقول لعلماء الدنيا: يا أصحاب العلم قصوركم قيصرية وبيوتكم كسروية وأثوابكم ظاهرية وأخفافكم جالوتية ومراكبكم قارونية وأوانيكم فرعونية ومآتمكم جاهلية ومذاهبكم شيطانية فأين
المحمدية؟
وقال سهل: العلم كله دنيا والآخرة منه العمل به، والعمل كله هباء
الا الاخلاص. وقال: الناس موتى إلا العلماء، والعلماء سكارى إلا العاملين والعاملون مغرورون إلا المخلصين والمخلصون على وجل حتى يختم
هم بهم
وقال سفيان الثوري: كانوا يتعوذون من فتنة العالم الفاجر وفتنة العابد
الجاهل فإن فتنتهما فتنة كل مفتون
وروى أبو هريرة أنه عليه السلام قال: من طلب علما مما يبتغي به وجه
الله ليصيب به غرضا من الدنيا لم يجد عرف الجنة القيامة يوم
وقال بعض السلف: العلماء يحشرون في زمرة الأنبياء، والقضاة يحشرون في زمرة السلاطين، وفي معنى القضاة كل فقيه قصده طلب الدنيا
بعلمه
وروى أبو الدرداء؛ أن النبي عليه السلام قال: «أوحى الله إلى بعض الأنبياء: (قل للذين يتفقهون لغير الدين ويتعلمون لغير العمل ويطلبون الدنيا بعمل الآخرة ويلبسون للناس مسوك الكباش وقلوبهم قلوب الذئاب السنتهم
- 34 - (1/34)
صفحة 35
أحلى من العسل وقلوبهم أمر من الصبر. إياي يخادعون وبي يستهزئون لا يتمن لهم فتنة تذر الحليم حيران
وقال ابن مسعود رضي الله عنه: سيأتي على الناس زمان تملح فيه عذوبة القلوب فلا ينتفع يومئذ بالعلم عالمه ولا متعلمه فتكون قلوب علمائهم مثل السباخ من ذوات الملح ينزل عليه قطر السماء فلا يوجد لها عذوبة وذلك اذا مالت قلوب العلماء إلى حب الدنيا وإيثارها على الآخرة فعند ذلك يسلبها الله ينابيع الحكمة ويطفئ مصابيح الهدى من قلوبهم فيحيرك عالمهم حين تلقاه فتظن أنه يخشى الله بلسانه، والفجور بين في أعماله فما أخصب الألسن يومئذ وأجدب القلوب! فوالله الذي لا إله إلا هو ما ذلك إلا أن المعلمين علموا لغير الله والمتعلمين تعلموا لغير الله وفي الانجيل مكتوب: «لا تطلبوا علما حتى تعملوا بما علمتم. وقال حذيفة بن اليمان: انكم في زمان من ترك عشر ما
يعلم هلك وسيأتي زمان من عمل بعشر ما علم نجا وذلك لكثرة البطالين وقال كعب: يكون في آخر الزمان علماء يزهدون الناس في الدنيا ولا يزهدون ويخوفون ولا يخافون وينهون عن غشيان الولاه ويأتون ويؤثرون الدنيا على الآخرة، يأكلون بألسنتهم يقربون الأغنياء دون الفقراء يتغايرون على العلم كما تتغاير النساء على الرجال يغضب أحدهم على جليسه اذا جالس غيره أولئك الجبارون اعداء الرحمن. وقال وهب بن منبه لعطاء الخرساني: كان العلماء قبلنا قد استغنوا بعلمهم عن دنيا غيرهم وكانوا لا يلتفتون الى دنيا غيرهم وكان أهل الدنيا يبذلون لهم دنياهم رغبة في علمهم فأصبح أهل العلم فينا اليوم يبذلون لأهل الدنيا علمهم رغبة في دنياهم فأصبح أهل الدنيا قد زهدوا في علمهم لما رأوا من سوء موضعه عندهم
وقال ذو النون المصري: كان الرجل من أهل العلم يزداد بعلمه بغضا
للدنيا وتركا لها واليوم يزداد الرجل بعلمه حبا للدنيا وطلبا لها، وكان الرجل ينفق ماله على علمه واليوم يكسب الرجل بعلمه مالا.
35 - (1/35)
صفحة 36
وقال ابن مسعود: نزل القرآن ليعمل به فاتخذتم دراسته عملا وسيأتي
قوم يثقفونه مثل الغناء ليسوا بخياركم والعالم الذي لا يعمل كالمريض يصف
الدواء والجائع يصف لذائذ الأطعمة ولا يجده
•
وقال ابن مسعود: ليس العلم بكثرة الرواية؛ انما العلم الخشية وقال الحسن: اعلموا ما شئتم أن تعلموا فوالله لا يأجركم الله عليه حتى
تعملوا
، فإن السفهاء همتهم الرواية والعلماء همتهم الرعاية. وفي ذلك قال
الله: ولكم الويل مما تصفون)
(1)
وفي الخبر: «مما أخاف على أمتى زلة العالم، وجدال منافق في القرآن»
ويروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «أخوف ما أخاف على أمتى ثلاث: زلة
العلماء وميل الحكماء وسوء التأويل وروي عن جابر موقوفا ومرفوعا إلى رسول الله أنه قال: لا تجلسوا عند كل عالم الا عالما يدعوكم من الخمس الى الشك الى اليقين ومن الرياء إلى الاخلاص ومن الرغبة الى الزهد
الخمس من ومن الكبر إلى التواضع ومن العداوة الى النصيحة»
وقال يحيى بن معاذ: العالم اذا لم يكن زاهدا فهو عقوبة لأهل زمانه وقال أبو الليث السمرقندي: يعرف العالم بعشرة أشياء: الخشية الله، والنصيحة لله، والشفقة على المتعلمين منه، واحتمال الأذى منهم وترديد المسائل لتفهيمهم صابرا على تعليمهم يبرهم حد طاقته حليما متواضعا لهم عفيفا يعني غير طماع في أموال الناس مديما على النظر في الكتب ويكون بتعليمه لوجه الله وقلة الحجاب بأن يكون بابه مفتوحا للوضيع والشريف والغني والضعيف وأن يكون عاملا بعلمه معلما لغيره خائفا من ربه راضيا بقضائه وقدره وبما قسم له من الرزق غير جماع للدنيا ولا طماع ولا يخاف من سلطان ويقول الحق ولو كان مرا ويقضي بينه وبين خصمائه بالقسط ولا يميل عنه (2) ولا يتواضع لأجل مال ولا جاه بل لوجه الله فقط صادقا في أقواله
1 - الآية 18 من سورة الأنبياء
2 - في الأصل اليه
360 (1/36)
صفحة 37
وأفعاله معينا للمظلوم على من ظلمه ولا يأخذ رشوة ويكون محبا لأهل الدين والصلاح مبغضا لأهل المعاصي ناهيا لهم ويهديهم الى الخيرات ويريد بنشر العلم تكثير الفقهاء وتقليل الجهلة واظهار دين الاسلام وتقوية قواعده والفرق بين الحلال والحرام خالصا لوجه الله الكريم مقتديا بأفعال نبينا الرؤوف الرحيم راغبا في الآخرة زاهدا في الدنيا الا فيما لا بد له منه وما يليق بحاله متيقنا بما وعد الله من فضيلة العلم راجيا ثوابه خائفا من عقابه
فصل
وعلى العالم والمتعلم أن يشتغل بما هو أهم عليه مما هو مأمور به ومسئول عنه؛ من مراقبة الله تعالى، واصلاح نفسه وقلبه، وله في ذلك شغل شاغل عما يفرق همه ويقسي قلبه، وينسيه ذكر ربه، لأن كل ما تستحليه النفس ويوافق غرضها؛ مصحوب بالآفات التي تقدح في الاخلاص، وإخلاص الأعمال شرط في وجود صحة القبول للأعمال
قال الله تعالى: يا أيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكرا كثيرا (1) يعني خالصا، فسمي الخالص كثيرا؛ وهو ما خلصت فيه النية الله تعالى، ولا يوافى
يوم القيامة أحدا، أفضل من عالم زاهد ورع.
وقال عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -: تعلموا العلم وتعلموا له السكينة والوقار والحلم والصبر والتواضع، وتواضعوا لمن تعلمون، وليتواضع لكم من يتعلمه منكم، ولا تكونوا من جبابرة العلماء فلا يقوم
علمكم بجهلكم.
وروي
الضحاك عن ابن عباس - رضي الله عنه - عن النبي أنه
1 - الآية 41 من سورة الأحزاب
- rv - (1/37)
صفحة 38
قال: «علماء هذه الأمة رجلان: رجل آتاه الله علما فبذله للناس ولم يأخذ عليه طمعا ولم يشتر به ثمنا فذلك يصلي عليه طير السماء وحيتان الماء ودواب الأرض والكرام الكاتبون يقدم على الله يوم القيامة سيدا شريفا حتى يرافق المرسلين، ورجل آتاه الله علما في الدنيا فضن به على عباد الله وأخذ عليه طمعا، واشترى به ثمنا، يأتي يوم القيامة ملجها بلجام من نار وينادي مناد على رؤوس الخلائق هذا فلان بن فلان آتاه الله علما في الدنيا فضن به على عباد الله وأخذ به طمعا، واشتري به ثمنا، يعذب به حتى يفرغ من حساب
الناس
عن معاذ بن جبل موقوفا ومرفوعا في رواية أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من فتنة العالم أن يكون الكلام أحب إليه من الاستماع
وفي الكلام تتويق زيادة، ولا يؤمن على صاحبه الخطأ، وفي الصمت
سلامة وعلم.
ومن العلماء من يخزن علمه فلا يجب أن يوجد عند غيره، فذلك في
الدرك الأول من النار
ومن العلماء من يكون في علمه بمنزلة السلطان فإن رد عليه شيء من
علمه أو تهون في شيء من حقه غضب، فذلك في الدرك الثاني من النار
•
ومن العلماء من يجعل علمه وغرائب حديثه لأهل الشرف واليسار
ولا يرى أهل الحاجة له أهلا، فذلك في الدرك الثالث من النار
ومن العلماء من ينصب نفسه للفتيا، فيفتي بالخطأ والله يبغض
المتكلفين، فذلك في الدرك الرابع من النار
ومن العلماء من يتكلم بكلام اليهود والنصارى ليغزر بذلك علمه، فذلك في الدرك الخامس من النار
- YA- (1/38)
صفحة 39
ومن العلماء؛ من يتخذ علمه مروءة ونيلا في الناس، فذلك في الدرك
السادس من النار.
ومن العلماء؛ من يستفزه الزهو والعجب فإن وَعَظ عنف وإن وعظ
أنف، وذلك في الدرك السابع من النار
وقال الأوزاعي: شكت النواويس ما تجد من نتن جيف الكفار فأوحى الله إليها بطون علماء السوء أنتن مما أنتم فيه
وقال الفضيل: بلغني أن الفسقة من العلماء يبدأ بهم يوم القيامة إلى
النار قبل عبدة الأوثان
وقال أبو الدرداء: ويل لمن لم يعلم مرة وويل لمن لم يعلم ولم يعلم - لعله
ولم يعمل - سبع مرات
وقال حاتم الأصم: ليس في القيامة أشد حسرة من رجل علم الناس
علما فعملوا به، ولم يعمل به، ففازوا بسببه وهلك
وقال مالك بن دينار: إن العالم إذا لم يعمل بعلمه زلت موعظته عن القلوب كما يزل القطر عن الصفا
وقال ابن السماك: كم من مذكر بالله ناس الله، وكم من مخوف من الله جريء على الله، وكم من مقرب إلى الله بعيد من الله، وكم من داع إلى الله
فار من الله، وكم من تال لكتاب الله منسلخ من آيات الله
وقال عمر - رضي الله عنه -: اذا زل العالم زل بزلته عالم من الخلق
وقال: ثلاث بهن ينهدم الزمان: إحداهن زلة العالم
وعن عمر - رضي الله عنه - انه قال لعبد الله بن سلام: من أرباب
- ra - (1/39)
صفحة 40
العلم؟ قال: الذين يعملون به. قال: فما ينفي العلم من صدور العلماء؟
قال: الطمع
وعن عيسى بن مريم - عليه السلام - أنه قال: (ما أكثر الأشجار وليس كلها مثمرة، وما أكثر العلماء وليس كلهم بمرشد، وما أكثر الثمار وليس كلها بطيب، وما أكثر العلوم وليس كلها بنافعة)
وعن علي بن أبي طالب - كرم الله وجهه - أنه قال: إذا لم يعمل العالم بعلمه يستنكف الجاهل أن يتعلم؛ لأن العالم إذا لم يعمل بالعلم لا ينفع العلم إياه ولا غيره وإن جمع العلم بالأوقار (1)
وقال سفيان بن عيينه: ليس يحسن على الناس الجهل فمن عمل بما
يعلم فهو من أعلم الناس، ومن ترك العمل بما يعلم فهو جاهل
وقال رجل للحسن البصري: إن فقهاءنا يقولون كذا. فقال الحسن: وهل رأيت فقيها قط، إن الفقيه الزاهد في دنياه الراغب في الآخرة البصير بدينه المداوم على عبادة ربه
ويقال: اذا اشتغل العالم بجمع الحلال صار العوام يأكلون الشبهة، واذا صار العلماء يأكلون الشبهة صار العوام يأكلون الحرام، واذا صار العلماء
يأكلون الحرام صار العوام كفارا
قال الفقيه: لأن العلماء اذا جمعوا الحلال والعوام يقتدون بهم في الجمع وهم لا يحسنون العلم فيقعون في الشبهة، وإذا أخذ العلماء في الشبهة وتحذروا من الحرام فالجهال لا يميزون بين الشبهة والحرام، فيقعون في الحرام، وإذا جمعوا من الحرام، فيقتدي بهم الجهال ويظنون أنه حلال فيكفرون، إذ
استحلوا الحرام.
1 - أي جمعه بالأحمال
40 (1/40)
صفحة 41
ويقال: إذا كان يوم
القيامة تعلق الجهال بالعلماء ويقولون: انتم قـ
علمتم فلم تذكرونا ولم تنهونا حتى وقعنا فيما وقعنا
فسد
وروي عن رسول الله أنه سئل: أي الناس أشر؟ قال: «العالم إذا
ويقال: إذا فسد العالم يفسد بفساده العالم
وعن بعض الحكماء أنه قال: تعلم العلم في زماننا تهمة أي رغبة
والاستماع مؤانسة، والقول به شهوة، والعمل به نزوع النفس
وقال الفضيل بن عياض: إذا كان العالم راغبا في الدنيا حريصا عليها؛ فإن مجالسته تزيد الجاهل جهلا، والفاجر فجورا، وتكسر قلب المؤمن، قال الله - تعالى -: وللبسنا عليهم ما يلبسون) (1)
عن ابن عباس - رضي الله عنه - قال: هم أهل الكتاب فرقوا دينهم و حرفوا الكلم عن مواضعه فلبس الله عليهم ما لبسوا على أنفسهم
وقيل: شبهوا على ضعفائهم فشبه الله عليهم. ومن علامات علماء الآخرة؛ أن لا يكون العالم يسارع الفتوى بل يكون متوقفا متحرزا ما وجد إلى ذلك سبيلا، فإن سئل عما يعلمه تحقيقا بنص كتاب الله أو بنص حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم أو بإجماع الأمة أو بقياس جلي؛ أفتى، وإن سئل عما يشك فيه قال: لا أدري، وإن سئل عما يظنه باجتهاد وتخمين رأي؛ احتاط ودفع عن نفسه، وأحال إلى غيره، إن كان في غيره غنية. هذا هو الحرام؛ لأن خطر تقليد
الاجتهاد عظيم.
وكذلك قال جابر بن زيد - رحمه الله -: لقد أدركت جماعة من أصحاب
1 - الآية 9 من سورة الأنعام
- {1 - (1/41)
صفحة 42
رسول الله إذا سئل أحدهم عن حادثة أو نازلة ود لو أن أخاه كفاه فتياه، فأصحاب رسول الله يخافون من أن يسألوا فيجيبوا بما عندهم وأنتم
،
تنتصبون للناس وتسألونهم أن يستفتوكم ما أظنكم تحبون السلامة لأديانكم ولا تخافون العقوبة من ربكم، فاتقوا الله واحذروا الفتيا فإذا سئلتم فإياكم أن تقدموا على ما ليس لكم به علم.
ومن علامات علماء الآخرة؛ أن يكون العالم غير مائل إلى الترفه في المطعم والتنعم في الملبس، والتجمل في الأثاث والمسكن، بل يلزم طريقة الاقتصاد في جميع ذلك كما ذكر أبو الحر علي بن الحصين - رحمه الله ـ في رسالته إلى الامام عبد الله بن يحيى الكندي - رحمه الله - قال فيها: فالله الله يا أخي أن تعمى بعد البصر وتضل بعد الهدى وبعد معرفة الاسلام وبعد الاخلاص لله بالتقوى، فإن أولي الألباب والنهى لم يكونوا أهل لهو ولا لعب، ولم يكونوا أهل نسيان ولا غفلة ولا أهل راحة ولا فترة ولا أهل تلذذ بالدنيا ومطايب عيشها، ولم يكونوا أصحاب نعيم ولا فخر، ولا أهل إبل ولا بقر، ولا أصحاب خيلاء ولا كبر، ولا أهل رغبة، ولا أهل ولا ولد؛ إلا ما أعطاهم الله - تعالى - تخوفا أن يفسدهم ذلك عن الله فيأشروا ويبطروا، ويمرحوا، ويشغلهم ذلك عن الذي وكلوا به والذي هم به معنيون، فكان الأقل من الدنيا أحب اليهم من الأكثر، وكان الجوع أحب اليهم من الشبع ما لم يجهدوا وهم في الشبع على أنفسهم أخوف، وفي الجوع أرجى وأذكر. وكان الفقر أحب اليهم من الغنى وهم في الفقر أعبد وأتقى وفي الغنى أنسى الله وأعصى لضعفهم عن الشكر وحبسهم ما ليس لهم، واستئثارهم به الرجاء الذي رجوه من الأجر في البلاء، يخافون من الاثم في الرخاء، ولم يكونوا بطالين بالعشي (1) والضحى، ولكنهم كانوا يصبرون أنفسهم مع الذين
يدعون
بالغداة والعشي يريدون وجهه ربهم
1 - أي متعطلين بالليل والنهار
،
- {Y- (1/42)
صفحة 43
ومن علامات علماء الآخرة؛ أن يكون العالم شديد التوقي في محدثات
الأمور وان اتفق عليه الجمهور، فلا يغره اطباق الخلق على ما أحدث بعد الصحابة على التفتيش عن أحوال الصحابة وسيرتهم وأعمالهم وما كان فيه أكثرهم، إن كان في التدريس والتصنيف والمناظرة والقضاء والولايات وتولي الأفات - لعله الأوقاف والوصايا ومال الأيتام ومخالطة السلاطين ومجاملتهم في العشرة - أو كان أكثرهم في الخوف والحزن والتفكر والمجاهدة، ومراقبة الباطن والظاهر، واجتناب دقيق الاثم وجليله، والحرص على ادراك خفيات شهوات النفس ومكائد الشيطان إلى غير ذلك من علوم الباطن، ويعلم تحقيقا أن أعلم أهل الزمان وأقربهم إلى الحق أشبههم بالصحابة وأعرفهم بطريق السلف، فمنهم أخذ الدين ولذلك قال علي: أخيارنا أتبعنا بهذا الدين
عن
وأما علماء الدنيا؛ فإنهم يتبعون غرائب التفريع في الحكومات والأقضية، ويتعنون في وضع صور تنقضي الدهور ولا تقع وإن وقعت فإنما تقع لغيرهم لا لهم وإن وقعت كان في القائمين بها كثرة، ويتركون ما يلازمهم ويتكرر عليهم آناء الليل والنهار في خواطرهم ووساوسهم وأعمالهم، وما أبعد السعادة من باع منهم نفسه اللازم بمهم غيره النادر إيثارا للقبول والتقرب من الخلق على القرب من الله - تعالى -؛ وشرها في أن يسميه البطالون من أبناء الدنيا فاضلا محققا عالما بالدقائق وجزاؤه من الله أن لا ينتفع في الدنيا بقبول الخلق بل تكدر عليه صفوة نوائب الزمان، ثم يرد يوم القيامة مفلسا متحسرا على ما يشاهده من ربح العاملين، وفوز المقربين، وذلك هو الخسران المبين وقال سعيد بن المسيب: اذا رأيتم العالم يغشى الأمراء فاحترزوا منه؛
فإنه لص
وقال الأوزاعي: ما من شيء أبغض الى الله من عالم يزور عاملا ويسأل
وقال ميمون: ما أسمح بالعالم أن يؤتى إلى مجلسه فلا يوجد،
- (1/43)
صفحة 44
عنه فيقال: إنه عند الأمير. قال: وكنت أسمع أنه يقال: إذا رأيتم العالم
يحب الدنيا فاتهموه على دينكم.
وفي موضع آخر عن عمر - رضي الله عنه -: إذا رأيتم العالم محبا للدنيا
فاتهموه على دينكم؛ فإن كل محب يخوض فيما أحب
ثم قال: وعلماء زماننا شر من علماء بني اسرائيل، يخبرون السلطان بالرخص وما يوافق هواه، ولو أخبروه بالذي عليه، وفيه نجاته لاستثقلهم وكره دخولهم، وكان ذلك نجاة لهم عند ربهم.
وعن الحسن قال: كان رجل يغشى هذا السلطان وكانت له منه منزلة، فلزم بيته ورفضهم، فكلمه بنوه وقالوا له: تركت حظك من السلطان ومنزلتك منه، فلم يلتفت إليهم فقالوا: والله لئن دمت على هذا لتموتن هزلا. فقال: والله لئن أموت هزلا أحب إلي من أن أعيش فاسقا
سمينا.
وكتب عمر بن عبدالعزيز إلى الحسن: أما بعد؛ فأشر علي بقوم على أمر الله - تعالى -، فكتب إليه: أما أهل الدين؛ فلم بهم يريدوك، وأما أهل الدنيا فلن تريدهم ولكن عليك بالأشراف فإنهم يصونون
أستعين
شرفهم أن يدنسوه بالخيانة
لا
وقال علي ـ في خطبته -: ذمتي رهينة وأنا زعيم لمن صرحت له العير أن مهيج على التقوى زرع قوم، ولا يطأ على الهدى ستح أصل، وإن أجهل الناس من لا يعرف قدره، وإن أبغض الخلق إلى الله رجل قمش علما أغار في أغباش (2) الفتنة سماه أشباه الناس وأراذلهم عالما، ولم يعن في
جمع العلم من هنا وهناك
فلام
الفتنة
(1)
- {{- (1/44)
صفحة 45
اجن
العلم يوما سالما، نكر فاستكثر مما قل منه خير مما كثر حتى اذا ارتوى من، واكتنز من غير طائل، وجلس للناس مفتيا لتلخيص ما التبس على غيره، وإن نزلت به احدى المبهمات هيأ حشو الرأي من رأيه فهو من قطع الشبهات في مثل غزل العنكبوت لا يدري أخطأ أم أصاب ركاب جهالات خباط عشوات لا يعتذر مما لا يعلم فيسلم، ولا يعض على العلم بضرس قاطع فيغنم، ويذرو الرواية ذرو الريح الهشيم تبكي منه الدم، ويستحل بقضائه الفرج الحرام ولأملي والله بإصدار ما ورد عليه، ولا هو أهل لما فرط به أولئك الذين حلت عليهم المثلات وحقت عليهم النياح والبكاء أيام حياة
الدنيا
وقال علي أيضا: إذا سمعتم العلم فاكظموا عليه ولا تخلطوه بهزل
فتمجه القلوب
وقال بعض السلف: من ضحك ضحكة مج من العلم مجة
وقيل: إذا جمع المعلم ثلاثا تمت النعمة به على المتعلم: الصبر، والتواضع، وحسن الخلق. وإذا جمع المتعلم ثلاثا تمت النعمة به على المعلم: العقل، والأدب، وحسن الفهم
وكتب سلمان الفارسي إلى أبي الدرداء وكان قد آخى بينهما رسول الله: يا أخي؛ بلغني أنك أقعدت طبيبا تداوي المرضى، فإن كنت طبيبا فتكلم فإن كلامك شفاء، وإن كنت متطببا فالله الله لا تقتل مسلما. فكان
أبو الدرداء يتوقف بعد ذلك إذا سئل
وقيل لحذيفة: نراك تتكلم بكلام لا يسمع من غيرك من الصحابة، فمن أين أخذته؟ فقال: خصني به رسول الله صلى الله عليه وسلم، كان الناس يسألونه عن الخير وكنت أسأله عن الشر مخافة أن أقع فيه، وعلمت أن الخير لا يسبقني
وقال مرة: فعلمت أن من لا يعرف الشر لا يعرف الخير، وفي لفظ آخر
؛
- 45 - (1/45)
صفحة 46
أسأل عن
كان الناس يقولون: يا رسول الله؛ ما لمن عمل كذا وكذا؟ فيسألونه عن فضائل الأعمال، وكنت أقول: يا رسول الله؛ ما يفسد كذا وكذا؟ فلما رآني آفات الأعمال خصني خصني بهذا العلم. فكان حذيفة ـ رضي الله عنه ـ خص بعلم المنافقين وأفرد بمعرفة علم النفاق وأسبابه ودقائق الفتن. فكان عمر وعثمان وأكابر الصحابة يسألونه عن الفتن العامة والخاصة، وكان يسأل يسأله
عن المنافقين فيخبر بأعداد من بقي، ولا يخبر بأسمائهم، وكان عمر
عن
نفسه؛ هل يعلم به شيئا من النفاق؟ فبرأه من ذلك
•
وكان عمر إذا دعي إلى جنازة نظر فإن حضر حذيفة صلى عليها، وإلا ترك. فكان يسمى صاحب السر
وقال الحسن: محدثان أحدثا في الاسلام: رجل ذو رأي سوء، زعم أن الجنة لمن رأى مثل رأيه، ومترف يعبد الدنيا، لها يغضب ولها يرضى، وإياها يطلب، فارفضوهما إلى النار.
وقد روي عن ابن مسعود موقوفا ومسندا أنه قال: انهما اثنان: الكلام والهدى. فأحسن الكلام، كلام الله - تعالى -، وأحسن الهدى، هدى محمد، ألا وإياكم ومحدثات الأمور، فإن شر الأمور محدثاتها وإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة، ألا لا يطولن عليكم الأمد فتقسو قلوبكم، الا كل ما هو آت قريب الا إن البعيد ما ليس بآت.
وفي خطبة النبي صلى الله عليه وسلم: طوبى لمن شغله عيبه عن عيوب الناس وأنفق من مال اكتسبه من غير معصية وخالط أهل الفقه والحكمة وجانب أهل الذل والمعصية، طوبى لمن ذل في نفسه وحسنت خليقته وصلحت سريرته وعزل عن الناس شره، طوبى لمن عمل بعلمه وأنفق الفضل من ماله وأمسك الفضل من قوله ووسعته السنة ولم يعدها إلى بدعة
وكان ابن مسعود يقول: حسن الهدى في آخر الزمان خير من كثير (1/46)
صفحة 47
العمل. وقال: أنتم في زمان؛ خيركم فيه المسارع إلى الأمور، وسيأتي
بعدكم زمان يكون خيركم المتثبت المتوقف لكثرة الشبهات
وقال أيضا: أنتم اليوم في زمان الهوى فيه تابع للعلم، وسيأتي عليكم
زمان يكون العلم تابعا للهوى
وقال حذيفة: أعجب من هذا أن معروفكم اليوم منكر زمان قد مضى، وأن منكركم معروف زمان قد أتى، وأنكم لا تزالون بخير ما عرفتم الحق، وكان العالم فيكم غير مستخف به.
ولما أحدث مروان المنبر في صلاة العيد عند المصلى قام إليه أبو سعيد الخدري وقال: يا مروان؛ ما هذه البدعة؟ فقال: إنها ليست ببدعة؛ هي خير مما تعلم، إن الناس قد كثروا فأردت أن يبلغهم الصوت
فقال أبو سعيد: والله لا تأتون بخير مما أعلم والله لا صليت وراءك اليوم، وإنما أنكر ذلك؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يتوكأ في خطبة العيد والاستسقاء على قوس أو عصا لا على المنبر. وفي الحديث المشهور: «من أحدث في ديننا هذا ما ليس فيه فهو رد) (1)
وفي خبر آخر: من غش أمتي فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين قيل: يا رسول الله؛ وما غش أمتك؟ قال: أن يبتدع بدعة يحمل الناس
عليها.
وقال: «إن الله - تعالى - ملكا ينادي كل يوم من خالف سنة رسول
الله لم تنله شفاعته
وقال بعض العلماء: ما تكلم فيه السلف فالسكوت عنه جفاء
1 - رواه مسلم عن عائشة
- {V_ (1/47)
صفحة 48
وما سكت عنه السلف، فالكلام فيه تكلف
وقال آخر: الحق ثقيل من جاوزه ظَلَم، ومن قصر عنه عجز، ومن
وقف معه اكتفى
وقال ابن عباس: إن الضلالة لها حلاوة في قلوب أهلها. وقال سهل
الشتري: إن من أعظم المعاصي الجهل بالجهل، والنظر إلى العامة واستماع كلام أهل الغفلة، وكل عالم خاض في الدنيا فلا ينبغي أن يصغى إلى قوله بل ينبغي أن يتهم في كل ما يقول؛ لأن كل انسان يخوض فيما أحب، ويدفع ما لا يوافق محبوبه
،
وقال أبو معاوية عزان بن الصقر في سيرته بعد نسبه: أئمة المسلمين نسأل الله اللحاق بهم والاتباع لهم والأخذ بسنتهم وأن يجعلنا ممن يطلب العلم للعمل ولا يطلبه للجدل فإنه أفضل الأعمال بعد أداء الفرائض لمن أراد الله هدايته، وهو زين لمن يعلمه يريد به رضاء ربه فعلمه وعمل به فهو زين له في دنياه ونجاة له في عقباه ذلك للعاملين ما علمهم الله لم يتعلموا العلم لطلب رئاسة ولا لسياسة، ولا طلبوا به شرف المنازل، ولا للمطامع. ولا للماكل، ولا يطلبون أن يكونوا به يكرمون، ولا به إلى السلطان يتقربون، قد أكرموه عن الأدناس، ولم يتقربوا به إلى الناس، فأولئك زادهم الله علما وزادهم حلما وفهما فهم أولي العلم ممن أراد به تقربا إلى السلطان وأمكن من نفسه كيد الشيطان، فسعى به اليهم وتوسل به عندهم، وكان جمعه للعلم لهم، فأولئك قد جعل الله لهم في القلوب البغض وأولئك قد استحقوا من الله السخطة، فلا جعلنا الله كذلك، ولا على سبيل أولئك
وعن ابن عباس أنه قال: لو أن أهل العلم أخذوه بحقه لأحبهم الله وملائكته والصالحون من عباده ولها بهم الناس، ولكن طلبوا الدنيا فهانوا على
الناس
- {^ - (1/48)
صفحة 49
وعن ابن مسعود - رحمه الله - قال: لو أن أهل العلم وضعوه عند أهله
لسادوا أهل زمانهم ولكن وضعوه عند أهل الدنيا لينالوا منهم فزهدوا فيهم
•
وعن وهب بن منبه أنه قال: من طلب الدنيا بعمل الآخرة نكس الله
قلبه وجعل اسمه في أهل النار
جابر بن زيد في قوله - تعالى -: ثم لننزعن من كل شيعة أيهم أشد
على الرحمن عتبا) (1) قال: هم علماء السوء
وجاء عن النبي: من أكل بعلمه جاء يوم القيامة وليس في وجهه صلى الله عليه وسلم
مغرة لحم».
1 - الآية 69 من سورة مريم
- 24 - (1/49)
صفحة 50
[صفحة فارغة] (1/50)
صفحة 51
الباب الرابع
في العقل
الأخبار
قال: «إن أحب المؤمنين إلى الله من أنصف نفسه في طاعة الله ونصح لعباده وكمل عقله ونصح نفسه وأبصر وعمل به أيام حياته فأفلح
ونجح
وفي الحديث عن رسول الله أنه قال: علم الرجل وعقله محسوب
من رزقه وقيل: إن عقول كل أمة على قدر ما بهم
وقال ـ عليه السلام -: أمرت أن أكلم الناس على قدر عقولهم وعنه: «العقل عقلان: دنياوي وأخراوي؛ فأما عقل صاحب الدنيا فعقيم ـ أي لا ينتفع به - وأما عقل صاحب الآخرة فمثمر وقال: «أتمكم عقلا أشدكم الله خوفا وأحسنكم فيما أمر به ونهى عنه
نظرا وإن كان أقلكم تطوعاه
وقال ـ عليه السلام -: جد الملائكة واجتهدوا في طاعة الله بالعقل وجد المؤمنون من بني آدم على قدر عقولهم فأعملهم بطاعة الله أوفرهم
عقلاه. (1/51)
صفحة 52
وعن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لكل شيء آلة وعدة وإن
آلة المؤمن وعدته العقل ولكل شيء مطية ومطية المؤمن العقل ولكل شيء دعامة ودعامة الدين العقل ولكل قوم غاية وغاية العبادة العقل ولكل قوم راع وراعي العابدين العقل ولكل تاجر بضاعة وبضاعة المجتهدين العقل ولكل أهل بيت قيم وقيم بيوت الصديقين العقل ولكل خراب عمارة وعمارة الآخرة العقل ولكل امرئ عقب ينسب إليه ويذكر به وعقب الصديقين الذي ينسبون إليه ويذكرون به العقل ولكل سفر فسطاط وفسطاط المؤمنين العقل
وعن عمر - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما اكتسب رجل مثل عقل يهدي صاحبه إلى هدى ويرده عن ردى وما تم إيمان عبد ولا استقام دينه حتى يكمل عقله (1)
وعن النبي صلى الله عليه وسلم: خالطوا الناس في أخلاقهم وخالفوهم في أفعالهم. وقال: «أول ما خلق الله - تعالى - العقل فقال له: أقبل فأقبل ثم قال: أدبر فأدبر ثم قال: وعزتي وجلالي ما خلقت خلقا أكرم علي منك، بك آخذ وبك أعطي وبك أثيب وبك أعاقب قال الله - تعالى -: إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون) (2)
الآثار
قالت العلماء: العقل جوهر مضيء خلقه الله - تعالى - وأنزله في الدماغ وجعله نورا في القلب يدرك الغايات بالوسائط والمحسوسات بالمشاهدة وحقيقة ما يبعدك عن مراتع المهلكات ويعرف بها عواقب الأمور بعلوم تستفاد،
1 - رواه الطبراني عن أبي سعيد الخدري
- OY -
الآية 24 من سورة الروم
2 (1/52)
صفحة 53
وقيل: العاقل إذا والى بذل في المودة نصره، وإذا عادى رفع عن الظلم قدره فيسعد مواليه بعقله ويختصم معاديه بعدله إن أحسن إلى أحد ترك المطالبة بشكره، وإن أساء إليه مسيء سبب له أسباب العذر ومنح له العفو والصفح
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «يا أيها الناس اعقلوا عن ربكم وتواصوا بالعقل تعرفوا به ما أمرتم به وما أنهيتم عنه واعلموا أنه يمجدكم عند ربكم واعلموا أن العاقل من أطاع الله وان كان دميم المنظر حقير الخطر دنيء المنزلة رث الهيئة وأن الجاهل من عصى الله - تعالى - وإن كان جميل المنظر عظيم الخطر شريف المنزلة حسن الهيئة فصيحا نظيفا، والقردة والخنازير أعقل عند الله ممن عصاه ولا تغتروا بتعظيم أهل الدنيا إياكم فإنكم من الخاسرين
وروي
أن الله - تعالى - أرسل جبريل إلى آدم - عليهما السلام - بالعقل والايمان والحياء. فقال له: اختر أيها شئت، فاختار منهم العقل. فقال جبريل للايمان والحياء: انصرفا فقد اختار عليكما العقل، فقال الايمان:
أمرني ربي - عز وجل - أن أكون حيث يكون العقل لا أفارقه أبدا. وقال
الحياء: أمرني ربي - عز وجل - أن أكون حيث يكون الايمان لا أفارقه أبدا فاجتمعت هذه الخصال الثلاث في آدم ـ عليه السلام -.
أصلها
وفي الخبر: مثل هذا الدين كالشجرة المثمرة في الحديقة؛ الايمان والصلاة عمودها، والزكاة ماؤها، والحج أوراقها، والأمر
بالمعروف ظلها، والنهي عن المنكر منارها، وحسن الخلق ثمرها، ولا يكمل الايمان إلا بالخلق الحسن، والدليل على صحة جلالة العقل وعلوه وشرفه؛ أن الله على عباده شيئين؛ وهما الأمر والنهي، وكلاهما موقوفان على العقل كما جاء في محكم التنزيل: فاتقوا الله يا أولي الألباب) (1) وأولو الألباب هم
أهل العقول
1 - الآية 100 من سورة المائدة
- or - (1/53)
صفحة 54
من
وقال بعض الحكماء: العاقل من تمسك بثلاثة أشياء إلى ثلاثة أشياء:
تمسك
تمسك بالصدق والاخلاص فيما بينه وبين الله في الطاعات، ومن بالصبر والقناعة فيما بينه وبين نفسه في النوائب والبليات ومن تمسك بالبر والمروءة فيما بينه وبين الخلق في المعاملات فهو العاقل حقا
وقال حكيم: للعاقل سبع علامات يعرف بها وهو أن يتجاوز عن ذنب من ظلمه وأن يتواضع لمن دونه وأن يسابق إلى فعل الخيرات إلى من هو أعلى منه وأن يذكر ربه دائما وأن لا يتكلم إلا عن العلم وأن يعلم منفعة الكلام من موضعه، وإذا وقع الشر التجأ إلى الله
•
ويقال: شهوة العاقل من وراء فكرته، فإذا عرضت له شهوة سبقتها فكرته في العواقب، وفكرة الأحمق وراء شهوته فهو يبادر إلى الشهوات غير مفكر فيما يجره من الآفات، وأرباب الغفلة لا فكرة لهم في الآخرة وهمهم ما يأكلون ويلبسون وينكحون يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون) (1)
1 - الآية 7 من سورة الروم
- • {- (1/54)
صفحة 55
الباب الخامس
في فضائل الايمان وفوائد الذكر
الآثار
وعن ابن عباس - رضي الله عنه - أن رجلا قام إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله؛ من خير الناس؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أنا ولا فخر» ثم قال الرجل: ثم من يا رسول الله؟ قال: «اذا عد الصالحون فأت بأبي بكر» قال: ثم من يا رسول الله؟ قال: «اذا عد المجاهدون فأت بعمر بن الخطاب» ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: عمر مني حيث حل وأنا من عمر حيث حللت فمن أحب عمر فقد أحبني ومن أبغض عمر فقد أبغضني، فلما قبض النبي صلى الله عليه وسلم قام ذلك الرجل إلى أبي بكر الصديق - رضي الله عنه ـ فقال: يا خليفة رسول الله؛ من خير الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال: عمر بن الخطاب. فقال: لأي شيء قدمته على نفسك؟ قال: الخصال؛ لأن الله - تعالى - باهى به الملائكة ولم يباه بي ولأن جبريل - عليه السلام - أقرأه السلام ولم يقرئني ولأن جبريل - عليه السلام - قال: يا محمد؛ أشدد الاسلام بعم والقول ما قال عمر ولأن الله - تعالى - صدقه في كتابه ولم يصدقني
وعاتب رسول الله صلى الله عليه وسلم بعض نسائه فأتاهن عمر بن الخطاب فقال: (1/55)
صفحة 56
لتنهين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أو لينزلن فيكن قرآن، فأنزل الله - عز وجل -: عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجا خيرا منكن) (1) (الآية)، ولأن عمر
قال: يا رسول الله؛ ليدخل عليك البار والفاجر فلو ضربت الحجاب فأنزل الله: (وإذا سألتموهن متاعا فاسألوهن من وراء حجاب) (2). ولأنه قال: لو اتخذت من مقام ابراهيم مصلى، فأنزل الله - تعالى -: واتخذوا من مقام ابراهيم مصلي) (3)
فلما قبض أبو بكر الصديق - رضي الله عنه ـ قام ذلك الرجل إلى عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - فقال: يا أمير المؤمنين؛ من خير الناس بعد رسول الله؟ قال: أبو بكر الصديق فمن قال غير هذا فهو مفتر عليه، وعليه ما على المفترين
وقيل: ان جبريل أتى النبي - صلى الله عليهما ـ حين قبض سعد بن
هذا
معاذ من جوف الليل معتجرا بعمامة من استبرق، فقال: يا محمد؛ من الميت الذي فتحت له أبواب السماء واهتز له العرش؟ قال: فقام رسول الله سريعا يجر ثوبه إلى سعد بن معاذ فوجده قد مات
وعن علي بن أبي طالب أن الايمان يبدو لمضة بيضاء في القلب كلما ازداد الايمان ازداد ذلك البياض فإذا استكمل الايمان ابيض القلب كله، وأن النفاق يبدو لمضة سوداء في القلب كلما ازداد النفاق ازداد السواد في القلب فإذا استكمل النفاق اسود القلب كله
•
وقيل: لا يكون الرجل من المؤمنين حتى يحاسب نفسه أشد محاسبة شريكه وحتى يعلم من أين مطعمه ومن أين مشربه ومن أين ملبسه من حلاله
أو من حرامه
1 - الآية 5 من سورة التحريم
2 - الآية 53 من سورة الأحزاب
- الآية 125 من سورة البقرة (1/56)
صفحة 57
وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن الايمان ليس بالتحلي ولا بالتمني ولكن ما وقره القلب وصدقه العمل» (1)
المؤمن أكرم على الله من الملائكة الذين هم عنده. وكان جابر - رحمه الله - يقول: ما وضع الله نور الايمان في قلب عبد الا جادت يداه عن النبي صلى الله عليه وسلم: طوبى لمن زارني - لعله رآني - وآمن بي، وطوبى ثم طوبى ثم طوبى - سبع مرات - لمن آمن بي ولم يرني»
•
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: هذا الدين مثل شجرة نابتة؛ الايمان بالله أصلها، والصلاة عروقها، والزكاة ماؤها، والصيام شعبها، وحسن الخلق ورقها، والكف عن محارم الله ثمرها، فكما لا تكمل الشجرة إلا بالثمر الطيب فكذلك الايمان لا يكمل إلا بالكف عن محارم الله
•
وقيل: علامة السعيد ثلاثة؛ إن أعطي شكر وإن ابتلي صبر وإن حكم عدل وما طبع الله أولياءه إلا على الخوف والمقام المحمود فهم أولى الناس عهودا وأصدقهم وعودا وأبرهم وأكدهم في الشدة والرخاء لا يضيمون جارا ولا يطلبون ثأرا ولا يدينون بالحسد ولا يعيلون على أحد أبدانهم مع الناس حاضرة، وقلوبهم متعلقة بالآخرة، قد شغلوا عن الناس بشأنهم تفكروا في
،
احسانهم وإساءاتهم نعيمهم في الدنيا ولذتهم ذكر الله ومناجاتهم وخلوتهم فمن تبعهم نجا ونال كما رجا فهو من أوفى الله لما أوثقه فأظمأ (2) الله هواجره، واسهر الله نواظره صابرا قائما قانتا لله محتسبا في طاعة مداوما فأوجب الله لهم الرضاء وحكم لهم بالجنة وقضى
•
ومن أوصافهم تطهير النفس من كل خلق دنيء، وتحليتها بكل سني،
1 - رواه الديلمي
جمع هاجرة وهو وقت الحر الشديد
- OV - (1/57)
صفحة 58
يتحملون الأذى ولا يؤذون، ويحملون كل الناس، ولا يحملون كَلَّهم على أحد، ويعينون على أسباب البر، ويغيثون الملهوف، ويرشدون الضال، ويعلمون الجاهل، وينبهون الغافل، لا يتخذون حجابا
،
ولا حجابة، وكل من طلبهم وجدهم، وكل من أرادهم وصل إليهم لا يستترون عن أحد، ولا يمنعون سائلا، ولا يمنعون سائلا، يُقْرُون الضيف ويؤنسون المستوحشين، ويؤمنون الخائف، ويشبعون الجائع، ويسقون العطشان، ويكسون العاري، ويعينون الخادم ويعينون الخادم، ولا يتركون فضيلة، ولا يفعلون رذيلة، ومن أحوالهم؛ النظر في عيوبهم والاشتغال بنفوسهم والتغافل عن عيوب الناس، ولا يعتقدون في أحد إلا خيرا، يعودون ألسنتهم بالخير. ويغضون البصر عن فضول النظر، والاسراع في المشي، والصمت إلا عن الخير، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
ومن أحوالهم نشر محاسن الناس، وستر عيوبهم، إلا المبتدعة، فيجب على كل أحد التعرف بحالهم ليأخذ الناس حذرهم منهم
ومن أحوالهم؛ أنهم لا يحسدون، ولا يحرصون، ولا يغتابون، ولا يرتابون، ولا يبطرون، ولا يفخرون. كلامهم حكمة، ونظرهم عبرة، وصمتهم فكرة، ليست لهم راحة ولا فترة عن ذكر الله، كلامهم سداد وعيشهم سداد، لا يخوضون إلا في حرمة المرمة في المعاش المطلبة والمصلحة عيشهم ولا يتمتعون إلا لتزود معادهم، لا ينامون إلا عدة لعبادته، ولا يأكلون إلا بلاغا إلى آجالهم، ولا يكتسبون إلا تعففا ولا ينفقون إلا تعطفا، ولهم في كل حركة نية وفي كل طاعة همة وفي كل صالحة مهمة، عشقوا الجنة وهاموا بها، فلا يهمهم إلا ما يقربهم إليها أو يقربها إليهم يَهْدُون (1) بذكرها، ويهيمون بحبها أطالوا فيها فكرهم، وصدقوا فيها همتهم
1 - بهدون بذكره: هذ الشيء هذا، وهَذَذا: قطعه سريعا، و - القرآن: أسرع في قراءته (وهو غير محمود)، و - الحديث: سرده. هذى فلان: هذيا وهذيانا: تكلم بغير معقول أو غيره فهو هاذي وهذاء، ويقال: هذى فلان بالشيء إذا ذكره في هذيانه
- OA- (1/58)
صفحة 59
حتى صارت لهم بالمغيب رأي العين، فهم ينظرون إلى زهرتها وبهجتها وبسطها ونمارقها وزرابيها (1) ورياضها وحدائقها وحجالها وظلالها وغرفها وشرفها، فهانت عليهم الدنيا في جنبها ووجدوها محفوفة بالمكاره والشدائد فعلموا أن لا وصول إلى ذلك دون احتمال المشقة والصبر على المضرة ومجاوزة ما حولها من الأهوال، وما دونها من الأوجال، فشمروا وجدوا في المطالب، و وطنوا أنفسهم على البلايا والمصائب، واشتروها بأنفسهم، واتقوها بأبدانهم، وتلقوها بوجوههم حتى بلغوا ما أرادوا ووصلوا ما استكادوا طوبى لهم لقد فازوا فوزا عظيما وأثيبوا بما صبروا ثوابا جزيلا، إن لأهل الجنة لسيما يعرفون بها، قوم صاموا عن الدنيا واستشعروا التقوى فصبروا على البلوى وصدقوا بالحسنى، وعملوا للعقبى، عزفوا عن الشهوات، وتورعوا عن الشبهات، رهبان الليل أحبار النهار قليلا من الليل ما يهجعون وبالأسحار هم يستغفرون
وفي الأثر: أن العبد المطيع الذاكر الله - تعالى - إذا أصابته شدة أو سأل
الله حاجة قالت الملائكة: يا رب؛ صوت معروف من عبد معروف والغافل المعرض عن الله إذا دعاه أو سأله قالت الملائكة: يا رب؛ صوت منكر من عبد منكر. ولا عمل من الأعمال أنجى منه من عذاب الله، وهو للعبد سبب لنزول السكينة عليه وحفوف الملائكة ونزولها لديه، وهو شاغل عن الغيبة والكذب وكل باطل، والذاكر لا يشقى جليسه، ويسعد به أنيسه، ومجلسه لا يكون عليه حسرة يوم القيامة، ولا يكون عليه تره (2)
ولا ندامة
1
-
والذاكر حي
للسان
وإن مات، والغافل وإن كان حيا فهو من الأموات
والذكر الله يطرد الشيطان ويقمعه ويكسره ويمنعه ويرضي الرحمن
النمارق: الوسائد التي يتكأ عليها والزرابي: البسط الفاخرة
2 - المراد بالتره الظلم (1/59)
صفحة 60
ويسخط الشيطان ويزيل الهم والغم من القلب ويجلب الفرح والسرور، ويذهب الترح والشرور، ويقوي القلب والبدن، ويصلح السر والعلن ويجلب الرزق وييسره ويكسو الذاكر مهابة ويلهم به من كل صوابه، وهو أعز شرف وأعلى مجد وبه يحيا القلب كما يحيا الزرع بوابل المطر، وهو قوت الأرواح كما أن الغذاء قوت الأشباح وجلاء القلب من الصدأ الذي هو الغفلة واتباع، وهو شجرة ثمرتها المعارف، وهو رأس مال كل عارف والله مع الذاكرين بالقرب والولاية والمحبة والتوفيق ويعدل عتق الرقاب والجهاد في سبيل الله والمشقات الصعاب والقتل في سبيل الله، والعطب.
الهوى
من
المتالف،
•
وانفاق الورق والذهب ويورث القرب من الرب ويفتح باب المعرفة في القلب، وهو سبب للعتق من النيران، والأمان من النسيان، جالب للنعم ودافع للنقم، ويقوي الجوارح ويسهل العمل الصالح، أمن للخائف ونجاة، تشهد له البقاع كما تشهد لكل عامل عصى وأطاع، يرفع العامل إلى أرفع الدرجات ويوصله إلى أعلى المقامات، ويجمع على الذاكر قلبه المتفرق وشمل ارادته وعزمه المتمزق، ويفرق جرمه وذنبه وجند الشيطان وحزبه، ويقرب من قلبه الآخرة، ويبعد عن قلبه الدنيا ومن لم يزل لسانه رطبا بذكر الله - تعالى - واتقاه في نهيه وأمره أوجب له دخول الجنة وروي عن ابن عباس أنه قال: لما نزلت هذه الآية: ورحمتي وسعت كل شيء) (1) تطاول إبليس - لعنه الله - وقال: أنا شيء من الأشياء يكون لي نصيب من رحمته، وتطاولت اليهود والنصارى، فلما نزل قوله - تعالى -: فسأكتبها للذين يتقون) (2) يعني أجعل رحمتي للذين يتقون الشرك ويؤتون الزكاة يعني يعطون الزكاة والذين هم بآياتنا يؤمنون) (3) يعني يصدقون بآيات الله - تعالى - فيئس إبليس - لعنه الله تعالى ـ من رحمته،
1 - الآية 156 من سورة الأعراف
2 - الآية 156 من سورة الأعراف
3 - الآية 156 من سورة الأعراف
-
1 (1/60)
صفحة 61
وقالت اليهود والنصارى: نحن نتقي الشرك ونؤتي الزكاة ونؤمن بآياته. حتى نزل قوله - عز وجل -: الذين يتبعون الرسول النبي الأمي) (1) يعني يصدقون محمدا - عليه السلام ـ، فيئس اليهود والنصارى وبقيت الرحمة للمؤمنين خاصة
فالواجب على كل مؤمن أن يحمد الله - تعالى - على ما أكرمه من الايمان
وجعل اسمه من جملة المؤمنين
1 - الآية 157 من سورة الأعراف (1/61)
صفحة 62
[صفحة فارغة] (1/62)
صفحة 63
الباب السادس
في صفة المؤمنين
الأخبار
قال النبي إن الله حرم على النار الهين اللين القريب»، وعنه: ان الله يصلح بصلاح الرجل أهله وولده وأهل دويرته وأهل الدويرات من حوله، ولا يزالون في حفظ الله ما كان بين أظهرهم»، وعنه: «من أخاف عبدا أخافه الله ومن أحزن مؤمنا أحزنه الله ومن أغاظ مؤمنا أغاظه الله». وقال: «المؤمن كالجمل الألوف إن قيد انقاد وان استنيخ (1) استناخ ولو على صخرة ولا خير فيمن لا يألف ولا يؤلف وخير الناس أنفعهم
للناس
وعنه: «المؤمن يسكن إلى المؤمن كما يسكن الظمآن الى الماء البارد. وعنه من طريق ابن مسعود - رضي الله عنه ـ أنه قال: «الأرواح جنود مجندة وأنها لتلتقي بالليل فتشام كما تشام الخيل فما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف ولو أن مؤمنا دخل مسجدا فيه مائة منافق ليس فيهم الا رجل واحد مؤ من لجاء حتى يجلس الى ذلك المؤمن، ولو أن منافقا دخل مسجدا فيه مائة مؤمن ليس فيهم الا منافق واحد لقام ذلك المنافق حتى يجلس مع ذلك
المنافق
1 - استناخ: برك ويقال: أناخه فاستناخ
-
- 63 - (1/63)
صفحة 64
وعنه صلى الله عليه وسلم انه قال: «انما الناس ثلاثة: مؤمن وكافر ومنافق. فالمؤمن من ولي الله وحبيبه أعطاه الله لسانه وعمله وقلبه، وأما
الكافر فقد أدله الله واما المنافق اعطاه الله لسانه ومنعه قلبه وعمله
وعنه من طريق الحسن قال: «يأتي على الناس زمان يكون أهل الجوع أئمة الهدى ومفاتيح - لعله - ومصابيح الليل لا تضرهم فتنة تمر بهم الفتن مثل الليل الأسود الايمان في قلوبهم مثل الجبال الرواسي لا يضرهم خذلان من خذلهم يدورون مع الحق حيث دار هم أمان الناس من العذاب
من استذهم في الدنيا أذله الله في الآخرة
الآثار
المؤ من بشره في وجهه وحزنه في قلبه أوسع شيء صدرا وأذل شيء نفسا لا حسود ولا حقود ولا عتاب ولا مغتاب طويل الغم بعيد الهم ضحكه تبسم واستفهامه تعلم ومراجعته تفهم كثير علمه عظيم حلمه لا يعجل ولا يبخل ولا يحيف في حكمه ولا يجور في علمه لا عنف ولا صلف سهل ان غضب رفيق ان طلب وثيق العهد والوعد قليل الأذى والفضول لا يتعدى على من يؤذيه ولا يخوض فيما لا يعنيه إن دهى بسب لم يسب وإن سأل ومنع لم يغضب، لا يشمت بالمصيبة ولا يذكر أحدا بغيبة مشتغل عن عيوب الناس بعيوب نفسه كثير الفضل رحب سهل مجالسته سليمة ومخالطته غنيمة قليل المراء كثير المعونة ورع عن الحرمات وقاف عن الشبهات لا يخرق الثناء سمعه ولا يدخل الطمع
قلبه
صادق اللسان جميل الثناء على الرحمن مصداق لأهل الصدق مواد لأهل الحق أب لليتيم والأرملة حفي لأهل المسكنة مرجو لكل شدة مأمول لكل كريهة هين لين رقيق النظر عظيم الحذر بسام من غير ضحك محزون من غير عبوس رطب اللسان بذكر الله قنوع برزقه قائم الله بحقه مترقب لحلول أجله قد هانت
- 18 - (1/64)
صفحة 65
عليه الدنيا وعلم أنها زائلة فزهد فيها وعظم عنده أمر الآخرة وعلم أنها دائمة فرغب فيها يطلب الدنيا من حلها متجاف عن الدنيا وأهلها في الشدة صبور وفي الرخاء شكور يسأل عن دينه العلماء ويناطق الحكماء خوفا أن يكون من أهل الضلالة والعمى خشوع قلبه يزيد على خشوع بدنه وجوارحه عامل بفرائض الله وسننه لا متكبر ولا متجبر ولا مستنكف ولا متعسف ولا منتهك ولا متهوك (1)، يعلم الدين من جهله، ويبذل الحق لمن سأله، متوسع في الدنيا بما وسعه، أثار بالمعروف نهاء عن المنكر غضاب الله لا يبرئ من الناس بغير حجة ولا يخلع إلا بالحجة الواضحة
وقيل: يأتي على الناس زمان لا يكون للمؤ من فضل على عبده في دينه
بما يموجون في باطلهم وتكون الأمة أعز من المؤمن.
وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم: «سيأتي على أمتي زمان يكون طفلهم شاطرا (2) وشابهم مقامرا وكهلهم كافرا وشيخهم لا يأمر بالمعروف ولا ينهى
،
عن منكر. وسيأتي على أمتي زمان إن إئتمنتهم خانوك وان شاريتهم أربوك وإن حدثتهم كذبوك، وإن غبت عابوك واغتابوك» وقال بعضهم: علامة انك تراه قريبا بعيدا، أعمى بصيرا، عالما غافلا، معترما صابرا، خلطا متوحشا، ألوفا نافرا، مهموما
المؤمن
،
فطنا، معرضا، ضاحكا باكيا مسرورا، عاقلا أحمق، عالما جاهلا راغبا زاهدا، آمنا خائفا راضيا
،
ساخطا، عزيزا ذليلا، متواضعا متعطفا، سلس القياد، صعب المرام، حلوا مرا، أُنسه الوحدة، وفرحه الحزن، وسروره الهم، وضحكه أنَّه، إن رأيته خلته تخليطا، وإن كلمته أبله، وان اختبرته اختبرت ملكا متوجا، لا يخلط هزلا بجد، ولا يؤثر دينا على آخرة، مشغول عن الخلق بنفسه، الناس منه في راحة ونفسه منه في تعب
1 - متهوك: هَوَك فلان: حفر الهوكة، و - فلانا: حمقه وحيره. انهاك فلان: تحير وتهور، تهوك فلان: انهاك وسقط في هوة الردى، واضطرب في القول. والهوكة: الحفرة.
2 - أي متصف بالدهاء والخباثة (1/65)
صفحة 66
وقال الحسن: من علامات المؤمن، قوة في دين وحزم في لين، وإيمان في
يقين، وعلم في حلم، وكياسة في رفق وإعطاء في حق، وقصد في غنى وتجمل في فاقة، وإحسان في قدرة، وصبر في شدة، لا يغلبه الغضب، ولا تجمح به الحمية، ولا تغلبه شهوة، ولا يفضحه بطن، ولا يستخفه حرص، ولا تقصر به نيته ينصر المظلوم، ويرحم الضعيف ولا يبخل، ولا يبذر ولا يسرف ولا يقتر، يغفر إذا ظلم، ويعفو عن الجاهل، نفسه منه في عناء والناس منه في رخاء. قال الشيخ أحمد بن النظر:
وهين ولين سهل عريکته
اذا حتى
سيم
(1)
يوما دينه صعبا
مثل الرديني لا يثني عزيمته صعب شكيمته مر وإن عذبا
وقال بعض الحكماء: اكمل الرجال من صدق لسانه وعدل سلطانه ودفن عيبه وخزن شينه (2) وحسن خلقه وتم وقاره، وصدق أخاه، ووصل جاره وأرضى جليسه، وصار كلامه إن ذل اعتذر، وان أساء استغفر، وإن أحسن إليه شكر، وإن اعتدى عليه عفا، وإن أغضب كظم، وإن قطع وصل، وإن فتن اعتصم، وإن اشتهى تعفف، وإن أصاب لم يفخر، وإن لم يجحد، وإن استغنى لم يبطر، وان افتقر لم يجسر، وان ابتلي لم يجزع،
اخطأ
وإن احتاج لم يكذب، وإن ركب لم يبغ، وإن قدر عفا، وان مُلك زكى وان ملك نصح، وإن ضعف تجامل وان شُتم صفح، وإن رفع تواضع، وان حدث استمع وإن زل رجع، وإن برئ لم يستهزئ، وإن ظفر لم يتكبر وان حمد لم يَغْلُ، وإن ذم لم يؤذ، وإن أسر لم يفش.
وقال معاذ بن جبل: إن المؤمن لا يطمئن قلبه ولا تسكن روعته حتى
1 - سيم: سام سوما: ذهب على وجهه حيث شاء، وذهب في ابتغاء الشيء، و - الماشية: رعت حيث شاءت ودامت على الكلا. و - الطير على الشيء: حامت. و ـ الابل والريح وغيرها: مرت واستمرت في سرعة أو في سكون، و - الشيء: لزمه ولم يبرح عنه. و - الانسان ونحوه ذلا أو خسفا أو هوانا أولاه اياه وأراده عليه، و - فلانا الأمر: كلفه اياه والزمه به.
2 - أي أخفى عيوبه وقبائحه
66 - (1/66)
صفحة 67
•
يخلف جسر جهنم
وعن الحسن، أن المؤمن هو الطلق الباذل البذول، الرفيق الوصول
،
يقطع فيصل، ويؤذي فيحلم، ويشتم فيكرم، صبور عند كل بلوى، لا يجدد ثوبا، ولا يرفع بيتا، قد تهدمت بالاستغفار ذنوبه، ومن علامات المؤمن؛ أنه رحمة وبركة فإذا دخل منزله فرح به أهله وعياله ودابته ودنوا منه، والمنافق يدخل بالجفاء والأذى تنفر عنه الدابة والمرأة، ويستريحون الى
خروجه
وقال يحيى بن معاذ: ليكن حظ المؤمن منك ثلاثا: إن لم تنفعه فلا
تضره، وان لم تفرحه فلا تغمه، وإن وإن لم تمدحه فلا تذمه
•
وعن الحسن؛ المؤمن ملجم أو قال: أنه لا يتكلم او قال: في فمه لجام يعني بذلك أنه لا يتكلم الا بعلم. ووجدت عن بعض العلماء أنه سئل ما علامة قبول الحسنات؟ قال: الزيادة منها وهذا لعمرى من أبين العلامات، لأن المؤمن يجد للعمل حلاوة، والمخذول لا يجد ما يجد المقبول وقيل: من ترك فضول النظر وفق للخشوع، ومن ترك فضول الكلام وفق للحكمة، ومن ترك فضول الطعام وفق للعبادة، ومن ترك فضول المزاح، وفق للبهاء، ومن ترك فضول الضحكة، وفق للهيبة، ومن ترك فضول التجسس وفق لصلاح عيوبه
وقيل: النائم الطاهر كالقائم الصائم.
وقيل: اذا اجتمع قوم يذكرون الله عز وجل اعتزل الشيطان والدنيا. فيقول الشيطان للدنيا: الاترين الى ما يسعون؟ فتقول الدنيا: لو تفرقوا لأخذت بأعناقهم ولو أن ثواب المجلس الذي يذكر الله عز وجل يبدو للناس لاقتتلوا عليه حتى يترك كل ذي إمارة إمارته، وكل ذي سوق سوقه
67 - (1/67)
صفحة 68
ويروى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: المجلس الصالح يكفر عن المؤمنين الف الف مجلس من مجالس السوء
ولا يكون العبد مؤمنا بلسانه شاكا بقلبه لأنه لا يكون إيمان بغير خشية، ولا يكون نسك بغير معرفة، ولا دين بغير شريعة، فمن دين الله الورع عن محارمه والوفاء بعهده، ولزوم فرائضه واستكمال دينه، فاعرضوا أعمالكم على كتاب الله صبحا ومساء، فمن كان عمله موافقا لكتاب الله على إحسانه إليه، واصطناعه المعروف عنده، طلب عند الله المزيد، ولم يأمن مع ذلك مكر الله، ولم يوجب لنفسه الجنة، وكان على ما قسم له له من ذلك خائفا
وجلا
ومن
كان مخالفا بعمله كتاب الله؛ نظر وأبصر وتفكر، وراجع التوبة. واستغفر من الخطيئة قبل نزول الموت وانقطاع العمل، وانقطاع المدة،
وذهاب الحيلة
،
- TA- (1/68)
صفحة 69
الباب السابع
صفة الجاهل والمنافق
الأخبار
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من صفة الجاهل يظلم من خالطه، ويتعدى على من هو دونه ويتطاول على من فوقه كلامه بغير تدبير وان تكلم أثم وإن سكت سها وان عرضت له فتنة سارع اليها فاردته وان رأى فضيلة أعرض فأبطأ عنها لا يخاف ذنوبه القديمة ولا يرتدع فيما بقي من عمره من الذنوب
يتوانى عن البر ويغضي عنه غير مكترث بما فاته من ذلك وضيعه فتلك
عشر خصال من صفة الجاهل الذي حرم العقل.
وعن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من لم يتق الله فلا خير فيه ولا خير معه) (1) جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ان من أشر منزلة عند الله يوم القيامة من يخافه الناس لفحش لسانه (2)
وقال عليه السلام: «اشتد غضب الله على عبد ستر الله عليه ذنبا فأفشاه على غيره»، وقال: «ما من انسان يسمع كلام قوم وهم له كارهون إلا
وضع الله في أذنيه الأنك القيامة» (3)
-
Y
رواه البيهقي عن ابن عمر
رواه الترمذي عن ابن مسعود
- الانك الزيت المغلي على النار
يوم
- (1/69)
صفحة 70
وقال عليه السلام: «يأتي عليكم زمان يكون المنافق فيه أشبه بالمؤمن
من الغراب بالغراب ومن ذكر منافقا بما ليس فيه كان حتفه على يديه» وجاء في الحديث: القوا المنافق بوجه مكفهر» أي بوجه منقبض لا شر ـ لعله ـ لا بشر فيه (1) - ولا طلاقة وعن عيسى عليه السلام أنه قال: «لا تمشوا مع الأشرار فتشبهون فإن للحكماء فيهم عبرة وعبرة الحكماء لهو السفهاء ولهو السفهاء عبرة الحكماء
بهم
•
الآثار
وقرأ عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - هذه الآية: (ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا (2) فسأل اعرابيا من الكنانة ما الحرجة فيكم؟ قال: الحرجة فينا الشجرة تكون من الأشجار التي لا تصل إليها راعية ولا وحشية ولا شيء. فقال عمر: كذلك قلب المنافق لا يصل اليه شيء من
الخير.
وقال معاذ: لو أن الجاهل أمسى وأصبح، وله من الحسنات وأعمال البر بعدد الرمل وشيكا ان لا يسلم له منها مثقال ذرة ولو أن العاقل امسى وأصبح له من الذنوب بعدد الرمال لكان وشيكا بالنجاة والسلامة والتخلص منها. فقيل لمعاذ: كيف ذلك؟ فقال: ان العاقل إذا زل وأخطأ أدرك نفسه بالتوبة، والعقل الذي قسم الله له، والجاهل هو بمنزلة من يبني ويهدم فيأتيه من جهله ما يفسد صالح عمله إن صلى أعرض وإن صام عرض فيحبط أجره، وان أتاه سائل عرض به و تبرم به نفسه فيشتمه ويؤذيه ثم يتصدق عليه فيحبط أجره، وان حج أو اعتمر أذى أصحابه وبخل ويحمل عليهم كله
1 - في الأصل أشر
2 - الآية 125 من سورة الأنعام
70 (1/70)
صفحة 71
فيكون ما يأثم اعظم مما ينال من الثواب والأجر، وان سأله أبواه حاجة آذاهما ويرفع الصوت عليهما ثم يقضي لهما حاجتهما وهو مدبر، فبالحري ان لا يؤذيهما ولا يهينهما فيسخط الله بسخطهما، فإذا تدبرت أمر الجاهل علمت ما يفسد اكثر مما يصلح
وقال بعض الحكماء: الجاهل يعتمد على أمله، والعاقل يعتمد على عمله، والمنافق لا يقف عند شبهة، ولا يزيغ عن محرم كحاطب ليل لا يبالي ما صنع ولا فيما لا يدع، همه الدنيا لها يغضب ولها يرضى عمله الخطايا، اذا حدث كذب، واذا إو تمن خان، واذا وعد أخلف؛ فالمسكين لوحل به ملك الموت رأيته مسودا وجهه ينظر الى دنياه التي استخصها لنفسه، يتمنى الرجعة إليها بقلبه فإذا وضع في قبره فإذا الأرض تكلمه لقد كنت تمشي على ظهري وأنت مبغض إلي وقد صرت اليوم في بطني فتنضم إليه الارض فتختلف اضلاعه ثم يضرب بعمود من نار فيملأ عليه قبره نارا الى يوم
القيامة
وقيل: لسان الجاهل مفتاح حتفه. وقيل: عدو عاقل خير من صديق جاهل، وغلام عاقل خير من شيخ جاهل. وقيل: زهد العامي مضلة، وقرب الأشرار مضرة، وقيل: لا فقر كالجهل. وقيل: إياك وصحبة الجاهل كما قيل في ذلك شعرا:
ولا تصحب أخا الجهل وإياك وإياه فكم من جاهل أردى حليما حين آخاه يقاس المرء بالمرء اذا ما المرء ماشاه وللشيء على الشيء مقاييس وأشباه ويقال: المعصية شهية وبئة (1)، والطاعة ثقيلة مرئة
وفي الخبر؛ أن الحق ثقيل مرئ (2)
، والباطل خفيف وبيء.
وقيل صحة البدن مع المعاصي خدعة، وحلول النعم على المذنبين
1 - كثيرة الوباء
2 - يريد أن الحق مع أنه ثقيل إلا أنه طيب
- VI- (1/71)
صفحة 72
عقوبة، ويروى عن الله تعالى: يا ابن آدم اذا كنت في نعمتي وأنت في معصيتي فاحذرني». وقيل: أصيب في بعض الكسبري صرة فيها حنطة مثل
•
النوى عليها مكتوب هذا نبت زمان كان العمل فيه بطاعة الله عز وجل أبو محمد - رحمه الله - جاء في الخبر؛ أن من تواضع لصاحب دنيا ذهب ثلثا دينه، ومن وقر ذا بدعة فقد أعان على هدم الاسلام.
وبلغنا أنه كان يقال في الحكمة: ان لسان المؤمن من وراء قلبه وإن قلب المنافق من طرف لسانه؛ لأن المؤمن اذا أراد ان يتكلم بكلام تدبره في نفسه، فإن كان خيرا أخرجه وأبداه وان كان شرا غمه وواراه، وان المنافق يتكلم بما أتى على لسانه ولا يدري ماذا له وماذا عليه كما يقال: لسان من يعقل في قلبه وقلب من يجهل في فيه، ابرويز: اجهل الناس من يعتمد في أموره على من لا يرجى خيره ولا يؤمن شره، وقيل: الجهل مطية من ركبها ذل، ومن صحبها ضل، ومن أشد الجهل مصاحبة ذي الجهل، ومن أقبح الحال مجادلة
ذي المحال
وقيل: دولة الجاهل عبرة للعاقل، وعالم معاند خير من جاهل مساعد. وقيل: خير المواهب العقل وشر المصائب الجهل، ومن قل عقله كثر جهله. وقيل: الجهل انكى عدو، والعاقل أفضل مرجو، والجاهل يطلب المال والعاقل يطلب الكمال، ونظر العاقل بقلبه وخاطره، ونظر الجاهل بعينه وناظره، وقيل: الجهل شر الأصحاب، والذم أقبح الأثواب إن الدنيا ربما أقبلت على الجاهل بالاتفاق وأدبرت عن العاقل بالاستحقاق، فإن أتتك منها بغية مع جهل أو فاتتك منها بغية مع عقل فلا يحملنك ذلك على الرغبة في الجهل، والزهد في العقل، فدولة الجاهل من الممكنات ودولة العاقل من الواجبات، وليس من أمكنه شيء من ذاته مثل ما لعله ـ من استوجبه بالته وأدواته، وليس للمرء أن يفرح بحالة ينالها بغير عقل، ولا جميلة يحلها بغير فضل، فإن الجهل ينزله منها ويزيله عنها ويحطه في
-
- VY - (1/72)
صفحة 73
رتبته ويرده الى قيمته بعد ان تظهر عيوبه وتكثر ذنوبه ويصـ
من
(1)
ويصبح وليه معاديا
وقيل لا مال أعود من العقل، ولا مصيبة أعظم من الجهل
•
وقيل: من جهل المرء ان يذل نفسه في طاعة هواه، ويهين نفسه في اکرام دنياه، فهو من دنياه في زوال، ومن هواه في ضلال، ومن جهل مواطيء قدمه عثر في دواهي ندمه، ومن جهل قدره عدا طوره، ومن جهل قدره جهل كل قدر، ومن ضيع أمره ضيع كل أمره، ظن العاقل أصح من يقين الجاهل
•
الغرة (2) ثمرة الجهل، ومن سوء الاختيار مودة الأشرار.
استحراج - لعله - استراح الجاهل من حيث تعب العاقل
•
كما قيل: ذو العقل يشقى في النعيم بعقله وأخو الجهالة في الشقاوة ينعم وقيل: اصطناع العاقل احسن فضيلة، واصطناع الجاهل اقبح رذيلة، فاصطناع العاقل يدل على استحكام العقل واصطناع الجاهل يدل على استحكام الجهل، وكل امرئ يميل الى مثله، وكل طائر يأوي الى شكله، ولا يقمع السفيه الكلام ولا يردع الجاهل الا الحسام
ومن دلائل الحمق دلالة بغير آلة، وصلف بغير شرف. كلام العاقل قوت، وجواب الجاهل كسكوت، لا يحملنك سب الجهول أو جرأة السفيه عليك على إجابة له، فحلم يغني صبرك خير من سفه يشفي صدرك.
1 - وجد الفراغ في الأصل
2 - ثمرة الجهل
- 73 - (1/73)
صفحة 74
[صفحة فارغة] (1/74)
صفحة 75
الباب الثامن
في العهد والوعد
وقال
قال الله عز وجل: والموفون بعهدهم اذا عاهدوا) (1) تعالى: (وبعهد الله أوفوا وومن أوفى بما عاهد عليه الله فسيؤتيه أجرا هو عظيما) (3) ثم ضرب عز وجل مثلا لناقض العهد فقال: ولا تتخذوا ايمانکم دخلا بينكم فتزل قدم بعد ثبوتها وتذوقوا السوء بما صددتم عن سبيل الله ولكم عذاب عظيم) (4)
يقول: من اعطى من المسلمين المشركين عهد الله وميثاقه من اهل الحرب أو من غيرهم ونقض عهده فإنه ينصب له يوم القيامة لواء يجر عند ظهره فيقال هذه لغدرة فلان.
وقيل الأحمق ضال مضل إن أونس تكبر، وإن أوحش تكدر، وإن
استعطف تخلف، وإن ترك تكلف، مجالسته مهنة ومعاتبته محنة، ومجاورته
غرر، ومؤ المته ضرر، ومقاربته عمى، ومفارقته شفاء
1 - الآية 177 من سورة البقرة
-
الآية 152 من سورة الأنعام
الآية 10 من سورة الفتح 4 - الآية 94 من سورة النحل
75 - (1/75)
صفحة 76
الأخبار
عن النبي صلى الله عليه وسلم: «لا إيمان لمن لا أمانة له ولا دين لمن لا عهد له»
وعنه: احق ما أوفي به عهد الله»
وعن النبي أنه قال: هلاك هذه الأمة عند نقض مواثيقها» وعنه: «العدة عطية» وقال: «عدة المؤ من كأخذ باليدين وفي
خبر عنه عليه السلام: «عدة المؤمن أخذ بالكف زيد بن ارقم عن النبي أنه قال: «اذا وعد الرجل أخاه أو كان نيته أن يفي فلم يج المعطى فلا إثم عليه (1) أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا وعدت أخاك قليلا أو كثيرا فلتستبدل بالمودة بغضا، ابن عباس - رضي الله عنه ـ في قول الله تعالى: واذكر في الكتاب اسماعيل انه كان صادق الوعدم (2) الآية. يريد أنه كان بينه وبين ابليس لعنه الله وعد لا يبرح حتى يعود إليه، وكان في ضميره أنه لو أقام سنة لم يخلف موعده فأتاه جبريل عليهما السلام فقال: ان الفاجر الذي سألك ان تقعد له حتى يعود اليك هو ابليس لعنه الله فلا تفعل له ولا كرامة فسماه الله صادق الوعد
وقيل: وعد رجلا ان يقيم مكانه حتى يرجع إليه فأقام ثلاثة أيام في حتى رجع اليه الرجل، وقيل: انه وعد رجلا سنة فانتظره سنة
الميعاد (3)
وروي
أنه عليه السلام: وعد رجلا بظاهر المدينة فنسي الرجل الموعد ففقد من المدينة ثلاثة أيام فخرج الناس في طلبه والرجل معهم ناسيا لوعده فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لولم تأت لكان المحشر من ها هنا وقال رجل: بايعت
1
-
يريد فلم يحضر الذي وحده
الآية 54 من سورة مريم
3 - هكذا في الأصل ولعله يقصد في المكان
- VT- (1/76)
صفحة 77
رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل ان يبعث فقلت له: مكانك حتى آتيك فقعد ثلاثة أيام ثم أتيته فوجدته في مكانه فقال: يا هذا ما أشفقت علي أما أنا انتظر من
ثلاث (1)
الآثار
قال أبو محمد - رضي الله عنه -: لم يختلف أصحابنا فيما علمت أن من أعهد إماما عادلا ثم أخلفه من غير عذر فقد ركب ذنبا عظيما، وإن أخلف غير إمام عدل فهو آثم، وهذا قول محتمل للتأويل، وعندي؛ ان معني ذلك - والله اعلم - ان خلف الامام فيما يجب من فرض طاعته من حق الله تبارك وتعالى وخلفه كبير من الذنوب فإن كان أخلف عهد الامام فيما يجري بين العامة في المعاملات والوصول للبر فالامام داخل معهم، لأن الامام ورجلا من المسلمين لا يجوز ظلمهما وواجب برهما، واعتقاد التعظيم لهما وتعظيم شأنهما إلا أن يكون خلف العهد مما يلحق منه ضرر في دين أو نفس أو مال قال المؤلف: على هذه الصفة. الوفاء بالعهد فريضة، وناقضه هالك
ضامن لما تلف، هكذا يوجد يوجد، والله أعلم
وقال ابن عباس - رضي الله عنه -: لا يعد أحدكم وعدا ولكن قل: أسمع ما تقول فإن يقدر شيئا كان إن شاء الله، فإن وعدته فلا تخلف، فإنه من أبواب النفاق، وكان يقال: ثلاث لا يجتمعن الا في منافق: ان حدث
كذب، وان وعد أخلف، وان اؤتمن خان
وقال سفيان: لم يعد الله من نفسه شيئا قط الا تم عليه. وقال: للكذب منازل، فأسوأها أثرا وأعظمها ضررا اخلاف المواعيد. عن عبد الله
ابن عمر
أنه كان وعد رجلا من قريش أن يزوجه ابنته فلما كان عند موته أرسل
1 - يريد ثلاثة أيام (1/77)
صفحة 78
إليه فزوجه وقال: إني كرهت أن القى الله بثلث النفاق
أبو الحسن - رضي الله عنه ـ ما كان من عهد في أمر الدين فلا يحل نقضه، وما كان من عهد بينه وبين إمام عدل أو بين المسلمين أو بين أحد من
أهل الملل والشرك فيجب الوفاء به
وقال الله عزو وجل: (وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسئولا)
يسأل الله ناقض العهد عن نقضه. وقال الله: والذين ينقضون عهد الله) (2)، الى قوله: أولئك لهم اللعنة ولهم سوء الدار) (3)، ففي هذا ما يؤكد الوفاء بالعهد ويشدد في نقضه
اعطاه
قال أبو مالك ـ رضي الله عنه - بين العهد والوعد فرق مختلف حكمهما، فنقض العهد من كبائر الذنوب، ومن أخلف وعده ونقضه بعد أن من نفسه كان آثما، وصفة العهد ان ينقض عهد الله، ونهى الله تعالى فيما تعبد من أمر الدين، أو ينقض عهدا أخذه عليه امام عدل، وما يكون بينه وبين أحد من الناس فيما لا يكون في خلفه إتلاف مال أو نفس أو ادخال ضرر كثير فهذه صفة العهد
وصفة الوعد؛ هو من وعد وعدا لا يتعلق عليه به حق المخلوق أو كان في خلفه كالساهي وما يؤدي الى كثير ضرر على الانسان فهذا ونحوه مما يأثم الناس فيما بينهم ولا يبلغ فاعلوه الى الكفر والهلاك، قال ابو محمد ـ رضي الله عنه - من وعد رجلا وعدا ثم أخلفه فإن أتلف بخلفه مالا أو نفسا فهو ضامن
والله اعلم.
-
الآية 34 من سورة الاسراء
2 - الآية 25 من سورة البقرة - الآية 25 من سورة الرعد
- 78 - (1/78)
صفحة 79
الباب التاسع
في اخاء أهل التقى
قال الله عز وجل: إنما المؤمنون اخوة) (1) فالاخوة في الله من أوثق عرى الاسلام ودرجاتهم في الجنة اعلى الدرجات وليس بعد الفرائض أفضل من ادخال السرور على المسلم.
الاخبار
وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال: أوثق عرى الاسلام الحب في الله والبغض في الله، وأفضل العبادة حسن الظن بالله وحلاوة التواضع. وعنه قال: عليكم بإخوان الصدق فإنهم زينة في الرخاء وعصمة
عند البلاء
وعنه انه قال: «المرء كثير بأخيه ولا خير في صحبة من لا يرى لك من الحق مثل ما ترى له (2)
وعنه: اذا احب احدكم أخاه فليسأله عن اسمه واسم أبيه وقبيلته وعشيرته فإن ذلك هو حق الاخاء»، وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم: «المؤمن مرآة أخيه ينصح له إذا غاب ويميط عنه الأذى ويوسع له في المجالس، وفي الحديث:
-
الآية 10 من سورة الحجرات الحديث مكرر
- 79 - (1/79)
صفحة 80
من زار أخاه أو عاد مريضا نادى مناد من السماء أن طاب ممشاك وتبوأت في الجنة منزلا وروي عن النبي انه قال: والذي نفسي بيده لا تموتوا حتى
تتحابوا
وكان يؤاخى بين المهاجرين والانصار ويقوم الأنصار بشأن المهاجرين. وقال: «من أعطى لله ومنع الله وأحب الله وأبغض الله فقد استكمل. وقال: من اكرم أخاه المؤمن كان حقا على الله ان يحمله على
الايمان
درج
الجنان
وعنه: المؤمن مرآة المؤمن اذا رأى فيه عيبا أصلحه. وعنه:
من لقي
أخاه
الله القيامة
پسره سره يوم
وعنه: إذا كانت لأحدكم الى أخيه حاجة فليكن هو الذي يأتيه
فإنه أحق بذلك
:
وعنه: من ذب عن عرض أخيه المسلك كان له حجابا من
النارة (1)
جابر بن عبدالله عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ما من صاحب يصاحب صاحبا ولو ساعة من نهار إلا سأله الله عن صحبته إياه هل أحب له ما أحب
لنفسه
شهرين
وقال: المشي مع أخ مسلم في حاجة أحب الى الله من اعتكاف
وعن النبي صلى الله عليه وسلم: «اني لأعرف ناسا من أمتي بمنزلة شريفة يوم القيامة ما هم أنبياء ولا شهداء وإن الانبياء والشهداء ليغبطونهم بمنزلتهم عند الله، قلنا
1 - رواه الترمذي عن أبي الدرداء
- A - (1/80)
صفحة 81
يا رسول الله من هم؟ قال: قوم تحابوا في الله على غير مال تهادوه بينهم ولا نسب تواصلوا به الا رحم الله الاسلام والحب في طاعة الله وإن لوجوههم نور الشمس لا يفزعون إذا فزع الناس ولا يخافون إذا خاف الناس
وقال: «ما من مسلمين يتحابان في الله إلا كان أفضلهما عند الله منزلة يوم القيامة أفضلهما حبا لصاحبه ومن أحب عبدا مسلما في الله فكأنما أحب
الله»
وعنه عليه السلام: لا يزال اهل الارض مرحومين ما تحابوا وأدوا الامانة وقروا الضيف وعملوا بالحق وأنهم قد برئ من البخل من أدى زكاة
ماله.
أبو هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يقول الله تبارك وتعالى يوم
القيامة «أين المتحابون من أجلي اليوم أظلهم في ظلي يوم لا ظل إلا ظلي
قال أبو عبيدة عن جابر بن زيد قال: بلغني عن معاذ بن جبل قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «يقول الله تعالى: وجبت محبتي للمتحابين في والمتجالسين في والمتزاورين والمتأدبين في». أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «اذا أحب الله عبدا قال: يا جبريل إني قد أحببت عبدي فلانا فيحبه جبريل عليه السلام ثم ينادي في السماء الا إن الله قد احب فلانا فأحبوه فيحبه أهل السماء ثم يوضع له القبول في الأرض واذا أبغض عبدا فمثل
ذلك.
جابر بن زيد عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «مثل قلب المؤمن كمثل الفضة الجيدة اذا دخلت النار وأحميت لم يزدد الا خيرا». وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «القلوب أجناد مجندة فما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف
1 - رواه الطبراني
- 81 - (1/81)
صفحة 82
أبو هريرة رضي الله عنه عن النبي انه قال: «من نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب الآخرة والله تعالى في عون
العبد ما كان العبد في عون أخيه. (1).
وعنه انه قال: وللمسلم على المسلم ثلاثون حقا لا براءة له منها يوم القيامة إلا بادائها وهي: أن يغفر ذنبه ويرحم غربته ويستر عورته ويقبل معذرته ويرد غيبته ويديم نصحه ويرعى صحبته ويحفظ خلته ويعود مرضته ويحضر موتته ويشهد جنازته ويجيب دعوته ويقبل هديته ويكافئ صلته ويشكر مسألته
عطسته
ويرد
نعمته ويحسن نصرته ويقضي حاجته ويسمع ويسمت سلامه ويرشد ضالته ويطيب له كلامه ويبدي أفعاله ويصدق أقسامه ويتولاه ولا يعاديه وينصره ظالما أو مظلوما فاما نصره ظالما فيرده عن ظلمه وأما ينصره مظلوما فيعينه على اخذ حقه ولا يسلمه ولا يخذله ويحب له من الخير ما يحب لنفسه ويكره له من الشر ما يكره لنفسه ثم قال: «لا يدع احدكم من حق أخيه شيئا الا طالبه الله عز وجل يوم القيامة»
الآثار
فالواجب على المسلمين مراعاة هذه السنة واتباعها في اخوانهم المسلمين
عند هفواتهم وزلاتهم، واذا سقط احدهم أخذوا بيده وستروا عليه
•
أبو محمد رحمه الله روى عن النبي أنه أوصى المسلمين بعضهم ببعض وأمرهم بالرعاية في ذلك والستر على بعضهم بعضا وأن لا يهتكوا اخوانهم عند هفواتهم وزلاتهم وندبهم الى الستر عليهم. وقيل: من حمل أخاه على شسع نعل فكأنما حمله على دابة في سبيل الله. وقيل: كان أصحاب
1 - رواه مسلم عن أبي هريرة
- AY- (1/82)
صفحة 83
رسول الله صلى الله عليه وسلم يمشون فإذا قطعت بينهم الشجرة ثم التقوا تصافحوا وقالوا: أمانة. وقيل: ما تصافح الأخوان في الله الا تناثرت ذنوبهما كما يتناثر ورق الشجر. وقيل: لقاء الاخوان جلاء الأجفان
وقال بعض العلماء: صديق مساعد عضد وساعد
وقال بعضهم:
هموم رجال في أمور كثيرة وهمي من الدنيا صديق مساعد نكون كروح بين جسمين فرقا فحسبهما جسمان والروح واحد
وروي
أن أهل الجنة ثلاثة: ذو سلطان مقسط، ومسلم متصدق
متعفف، ورجل رحيم القلب لكل ذي قريب ومسلم
وقال عمر - رحمه الله - رحم الله من اهدى إلينا مساوئنا. وقال أيضا - رحمه الله - اذا اخذ احدكم من لحية أخيه شيئا فليره إياه ولا يكون ملقا (1) وإن رجلا تناول من لحيته شيئا ثم أراه إياه فقال: «أماط الله عنك ما تکره وقال بشير ينبغي للمسلم ان لا يمنع أخاه من شيء يمكنه ان يفعله وينبغي للمسلم أن يكون وأخوه متناصحين متحابين، وأن يبذل كل واحد ماله للآخر ولا يمكر به، وكذلك كانوا لما آخى بينهم رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال أبو محمد: حق المسلم أوجب فيها تعبد الله تعالى به أولى من حق
الأدب
جابر بن عبدالله قال: ما رأني رسول الله صلى الله عليه وسلممد اسلمت الا تبسم. وقال ابن عباس: احب اخواني الي الذي إن غبت عذرني وإن جئته 1 - ولا يكون (ملقا). ملق الرجل: صار شديدا وملق الشيء: ملسه، وتملق الرجل وله تملقا وتملاقا: ملقه، والملق: الضعيف، وفرس ملق: يقفز ويضرب الأرض بحوافره ولا جري عنده، والملق: الذي يعد ولا يفي ويتظاهر بما ليس عنده، والملاق: كثير التملق الذي لا يصدق وده.
- AY- (1/83)
صفحة 84
قبلني. وقيل طلع على ابي الحر رجل من عمان فلما نظر اليه ابو الحر قام قائما من الحلفة واعتنقه وقبل جوانب عنقه
وعن أبي محمد الحريري قال: شاهدنا أقواما كانوا لنا غذاء من الطعام، وزاد امن العمل، وهديا من الضلالة، ونورا من العمى، استراحت بهم أسرارنا، وصحت بهم خواطرنا
،
وقال بعض المسلمين: لا يجوز للمسلم أن يصادق منافقا ولو كان في الصداقة تقية؛ لأنه ربما غر بذلك غيره
قال الله تعالى: (ولا تركنوا إلى الذين ظلموا) (1) الآية.
•
وقال بعض المسلمين: واجب على من استمسك بالدين أن لا يعدل
عن آثار المسلمين، ولا يرى في حيز المنافقين، ويقال: تفقدوا اخوانكم في ثلاثة أيام (2) ثم اسألوا عنهم أشهد أم غيب؛ فإن كانوا مرضى
كل يوم فعودوهم
،
وان كانوا مصابين فعزوهم، وإن كانوا غيبا فتفقدوا شأنهم
وقيل: أخ لك كلما لقيك وعظك خير لك من أخ كلما لقيك وضع في يمينك درهما، وقد بلغنا أن الاخوين اذا تلاقيا في الله نزل عليهما مائة رحمة فتسع وتسعون لأبرهما بصاحبه. وقيل خير الاخوان من ساعد أخاه في العاجل والأجل، والسراء والضراء
وقال علي: إن لأهل الدين علامات يعرفون بها: صدق الحديث، وأداء الأمانة، والوفاء بالعهد، وصلة الأرحام، ورحمة الضعفاء، وقلة النساء، وبذل المعروف، وحسن الخلق، وسعة الحلم، واتباع
مؤاتاة
العلم، وما يقرب إلى الله تعالى
1
الآية 113 من سورة هود
لعله أراد ثلاث مرات
-
84 - (1/84)
صفحة 85
وبلغنا عن رسول الله أنه كان يقول: أول ما يرفع من هذه الأمة الامانة والخشوع، حتى لا يكاد ان يرى خاشعا. وقيل: ان ركبا خرجوا حاجين ومعتمرين، فعطشوا. فناداهم صوت يفهمهم ولا يرونه. ان رسول الله حدثنا أن المسلم أخو المسلم وعين المسلم، وأن بين ايديكم في موضع كذا غدير ماء. فاعدلوا إليه فاستقوا واسقوا»
85 - (1/85)
صفحة 86
[صفحة فارغة] (1/86)
صفحة 87
الباب العاشر
ما جاء في حامل القرآن
الأخبار
روي عن النبي صلى الله عليه وسلم: من قرأ القرآن ورأى أن أحدا أوتي أفضل مما أوتي فقد استصغر ما عظمه الله) (1) ويروى عن النبي صلى الله عليه وسلم: «ما من شفيع أعظم عند الله منزلة يوم القيامة من القرآن) (2)
وقال: حملة القرآن عرفاء أهل الجنة والأنبياء عليهم السلام والشهداء قادة أهل الجنة» (3)
ومن أراد أن يستر نفسه من النار ويديم نعم الله فليصنع معروفا إلى فقير
لم يقدر له على جزاء
الجنة
وقال: من كان القرآن حديثه والمسجد بيته بنى الله له بيتا في
وروي عن رسول الله أنه قال: إن الله أهلين من الناس». قيل
1 - رواه الترمذي عن ابن مسعود
2 - رواه مسلم عن أبي أمامة - رواه أبو داود عن أبي موسى
- AV - (1/87)
صفحة 88
من هم يا رسول الله؟ قال: هم أهل القرآن هم أهل الله وخاصته
وروي عنه أنه قال: إن هذه القلوب تصدأ كما يصدأ الحديد
قيل له: ما جلاؤها يا رسول الله؟ قال: قراءة القرآن»
وروي عنه أنه قال: عليكم بالقرآن فإنه كلام رب العالمين»
صلى الله عليه وسلم
•
•
: حدثنا بحديث ننتفع به يا
وقال النبي المعاذ بن جبل حيث قال له (1) رسول الله. فقال: إن أردتم عيش السعداء وموت الشهداء والأمن يوم الحشر والظل يوم الحرور والهدى يوم الضلالة فعليكم بالقرآن
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «من قرأ ربع القرآن أوتي ربع النبوة ومن قرأ ثلث القرآن أوتي ثلث النبوة ومن قرأ نصف القرآن أوتي نصف النبوة ومن قرأ ثلثي
يوم
القرآن أوتي ثلثي النبوة ومن قرأ القرآن كله أوتي النبوة كلها ثم يقال له القيامة: اقرأ وارقَ بكل أية درجة في الجنة حتى ينجز ما معه من القرآن ثم يقال له: اقبض فيقض فيقال له: هل تدري ما في يدك فإذا في اليمين الخلد وفي
الأخرى النعيم.
ابن مسعود - رضي الله عنه - عن النبي أنه قال: «إن هذا القرآن مأدبة الله فتعلموا مادبة الله ما استطعتم (2)
إن هذا القرآن حبل الله وهو النور البين والشفاء النافع عصمة لمن تمسك به ونجاة لمن تبعه لا يعوج فيقوم ولا يزيغ فيستعتب ولا تنقضي عجائبه ولا يخلق على كثرة الرد
عن عثمان بن. عفان قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن أفضلكم من تعلم
القرآن أو علمه (3)
وعن أنس أنس بن
مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «القرآن
1 - رواه مسلم وابن ماجة
Y
رواه مسلم عن أبي هريرة
3 - رواه البخاري عن عثمان بن عفان
- 88 - (1/88)
صفحة 89
شافع مشفع وماحل أي شاكي مصدق فمن شفع له القرآن يوم القيامة نجا
ومن محل به القرآن كبه الله يوم القيامة على وجهه»
عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: القرآن أفضل من كل شيء فمن قرأ القرآن فقد وقر الله ومن استخف بالقرآن فقد استخف بحق الله»
حملة القرآن هم المحففون برحمة الله المعظمون بكلام الله الملبسون نور الله فمن والاهم فقد والى الله ومن عاداهم فقد استخف بحق الله
الآثار
وقال بعض المسلمين: يروى عن النبي أنه قال: «أولى الناس بهذا القرآن من عمل به لا من قرأه. وبلغنا عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «نجا بهذا القرآن قوم عملوا بما فيه وان لم يكونوا قرأوه»
حذيفة - رضي الله عنه - أنه قال: «من قرأ القرآن طاهرا ونظر حتى يختمه غرس الله له شجرة في الجنة ولو أن غرابا فرخ في ورقة منها ثم نهض يطير لأدركه الهرم قبل أن يقطع تلك الورقة
قال المؤلف: وذلك لمن كان مستقيما على الكتاب والسنة
وقال بعض: وذلك لمن يعمل ولو لم يكن يقرأه فهو سالم والذي يقرأو ولم يعمل به فهو هالك لأنه لم يحل حلاله ولم يحرم حرامه، ولم يمتنع عما حرم القرآن فينتهي عن ذلك ويتبع ما أحل القرآن فيعمل بذلك فهو هالك ولا ينتفع بقراءة، وإن كان يتلوه بكرة وعشيا يتدبره حرفا حرفا فهو هالك إن لم يعمل بما في القرآن. ويروى. ويروى أنه من اتبع القرآن هبط به إلى رياض الجنة، ومن لم يتبع القرآن - لعله يتدبره - زخ في قفاه ويقذفه في الجحيم
القرآن
- ^9 - (1/89)
صفحة 90
وقال مكي: أولى الناس بهذا القرآن من عمل بما فيه وان لم يحفظه،
وأشقى الناس بهذا القرآن من حفظه ولم يعمل بما فيه
وقال ابن مسعود ـ رضي الله عنه -: ينبغي لحامل القرآن أن يعرف بليله والناس نائمون وبنهاره والناس مفطرون وبحزنه والناس يضحكون وبصمته والناس يخوضون وبورعه والناس يخلطون وبخشوعه والناس
يخبطون
وينبغي الحامل القرآن أن يكون مستكينا لينا ولا ينبغي أن يكون جافيا
ولا عماريا ولا صباحا ولا صخابا ولا حديدا
وينبغي الحامل القرآن أن لا يلهو مع من يلهون ولا يسهو مع من
يسهون، ولا يلغو مع من يلغون تعظيما للقرآن
وينبغي لصاحب القرآن أن يخلص طلبه الله - عز وجل ـ فقد قال ابن مسعود: من قرأ القرآن يبتغي به وجه الله - تعالى - كان له بكل حرف عشر حسنات ومحي عنه عشر سيئات
•
وقالت عائشة - رضي الله عنها ـ: ان عدد درج الجنة على عدد آي القرآن، فليس أحد ممن دخل الجنة أفضل ممن قرأ القرآن تقيا لله مخلصا، وينبغي له أن لا يطلب بالقرآن شرف المنزلة عند أبناء الدنيا مثل الملوك وغيرهم وأن يخلص جميع أفعاله الله - عز وجل -، فإن كان داخله شيء من ذلك فليتب إلى الله - تعالى - منه، وليعتقد الاخلاص لله، وينبغي له أن يكون الله حامدا ولنعمته شاكرا وله ذاكرا وعليه متوكلا و به مستعينا وإليه راغبا و به معتصما، وللموت ذاكرا وله مستعدا
وينبغي له أن يكون خائفا من ذنبه راجيا عفو ربه ويكون الخوف أغلب
عليه ان لا يعلم بما ختم له ويكون رجاؤه عند حضور منيته أقوى في نفسه
-4.-
تحسن الظن بالله (1/90)
صفحة 91
وينبغي
له أن يكون عالما بأهل زمانه متحفظا من شيطانه، ساعيا في خلاص نفسه، ونجاة مهجته مقدما بين يديه ما يقدر عليه من عرض دنياه
مجاهدا لنفسه ما استطاع.
وينبغي له أن يأخذ نفسه بالتطاول عن طريق الشبهات ويقل الضحك، وكثرة الكلام، واللغط في مجالس القرآن وغيرها، وأن لا يترك أحدا يتكلم في مجلس القرآن عند القراءة، ويأخذ نفسه بالحلم والوقار والتواضع للفقراء والتحفظ من التكبر والاعجاب، ويتجافى عن الدنيا وأبنائها وأن يخاف على نفسه الفتنة.
وينبغي أن يترك الجدال والمراء، وإن كان محقا، وأن يأخذ نفسه بالرفق
والأدب ومكارم الأخلاق
وينبغي له أن يكون أهم أموره عنده الورع في مأكله ومشربه وملبسه ومنكحه واستعمال تقوى الله ومراقبته فيما أمره به ونهاه عنه
وقال عبد الله بن عمر: لا ينبغي لحامل القرآن أن يجد مع من يجد
ولا يجهل مع من يجهل ولكن يعفو ويصفح لحق القرآن الذي اختصه الله به
وينبغي له أن لا يحس في قلبه على المسلم ولا يحسد ولا يحقد ولا يغتاب
ولا يبهت ولا ينم، وأن يعفو عمن ظلمه، ويصل من قطعه، ويعطي من حرمه، وأن يأخذ بالعدل في أموره إذ لا منزلة فوق منزلته أعانه (1) الله على
ذلك السبيل
واعلم يا قارئ القرآن أنك لن تتلو القرآن حق تلاوته حتى تعرف الذي حرفه ولن تعرف الكتاب حتى تعرف الذي نقصه، ولن تعرف التقى حتى تعرف البدعة فإذا عرفت البدعة في الدين والتكليف عرفت الفرية على الله
1 - (أعا) في الأصل وجدت هكذا (1/91)
صفحة 92
من
خاف
والتحريف، وإن من هذا كيف هذا. وإن علم القرآن لا يعلمه إلا فأبصر به من عمى وسمع به من صمم، وحيي به إذ مات، ونجا من
السيئات
واعلم يا قارئ القرآن أن العهد بالرسول قد طال، ولم يبق من القرآن
إلا رسمه، ومن الاسلام إلا اسمه، وان الله لم يجعل ما قسم بيننا ليغلب
قوينا ضعيفنا، ولا كثيرنا قليلنا، بل قسم برحمته بالأقسام وبالعطية بالعد
،
والاحسان فاتبع الذين صدقت أقوالهم أفعالهم، وانقطعت من الدنيا آمالهم لا تعتريهم سامة، ولا يحتر منهم رغبة، ولا ينظرون إلى الدنيا بعين بغية ولا يعتقدون لها على مودة ولا يفرحون لها بزينة بل ضربوا في السهم الأمد وسلكوا الطريق الأقصد ولزموا السبيل الأرشد وهم أئمة التقى ونجوم الهدى
و أعلام الدين ومنار الاسلام، كلامهم حكمة وسكوتهم فكرة ومباينتهم) حسرة ومخالطتهم غنيمة والاستنارة حياة، والاقتداء نجاة
بهم
بهم
(1)
وعليك أيها الزائغ عن طريقهم والراغب عن سبيلهم بالاتباع فإنه ليس الاتباع كالابتداع، وعليك بطريق من كان بالله أعلم وبحلاله وحرامه أبصر وأحكم واعلم أنك لن تلحق بالأخيار حتى تتبع آثارهم وحتى تأخذ وتقتدي بسنتهم وتسلك مسالكهم وتأخذ طريقتهم.
تشعبت
بهديهم
هلك حيث
وإن ملاك الأمر أن تكون على استقامة والله إنما هلك من السبل وحادوا عن القصد فتركوا الآثار وقالوا في الدين برأيهم بهم
فضلوا وأضلوا عن سواء السبيل
وقيل في قول الله - تعالى -: الذين آتيناهم الكتاب يتلونه حق
تلاوته) (2) قال: يعملون به حق عمله
1 - هكذا وجدت في الأصل
الآية 121 من سورة البقرة (1/92)
صفحة 93
وقيل: فنبذوه وراء ظهورهم) (1) قال: تركهم العمل
ووقاه الله
وقال ابن عباس: من قرأ القرآن واتبع ما فيه هداه الله من الضلالة سوء الحساب وذلك بأن الله يقول في محكم كتابه: فمن القيامة يوم اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى) (2) فضمن الله لمن اتبع القرآن أن لا يضل في الدنيا ولا يشقى في الآخرة.
وروي عن رسول الله أنه قال: من أطاع الله فقد ذكر وإن قلت
صلاته وصيامه وتلاوة القرآن
وقيل: أطع القرآن ينفعك، واطلب الأدب يرفعك وفر من الدنيا تتبعك، ولا تركبها فتصرعك ولا تتعرض للسفيه فيلسعك، ولا تستشعر التكبر فيضعك، ولا تسكن إلى ما يفنى فيفجعك، وتوسع الرحمة تسعك،
وفي
واحفظ الله يحفظك، وامتنع به يمنعك، واذكر عند الموت مصرعك، ظلمة القبر مضجعك وإلى الله مرجعك لعل ذلك يرد عنك عما عن الحق يدفعك وعن الطاعة يمنعك
•
وقال - عليه السلام - لابن مسعود - رحمه الله -: «اقرأ علي سورة النساء فقال ابن مسعود: أقرأه عليك وعليك أنزل؟ فقال: «نعم؛ أحب أن أسمعه من غيري فقرأ عليه إلى: وجئنا بك على هؤلاء شهيدا (3)
ففاضت عيناه بالدموع فقال: «حسبك»
القرآن
ويقال: أربعة لا تبلى أجسادهم: الأنبياء والعلماء والشهداء وحملة
وقال وهب بن الورد: نظرنا في هذه الأحاديث والمواعظ فلم نجد شيئا
الآية 187 من سورة آل عمران
2 - الآية 123 من سورة طه 3 - الآية 41 من سورة النساء (1/93)
صفحة 94
أرد للقلوب ولا استجلاء للحزن من قراءة القرآن وتفهمه وتدبره. وفي الحديث أن عليا قال: إن جبريل نزل على محمد - عليه السلام - وأخبره أن أمته ستفرق بعده فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «فها المخرج يا جبريل؟» فقال: في كتاب الله النور المبين والصراط المستقيم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد الذي سمعته الجن فلم يتناهوا أن قالوا: سمعنا قرآنا عجبا يهدي إلى الرشد) (1) إلى طريق مستقيم، الفصل وليس بالهزل، الذي لا يخلق عن طول الرد ولا تفنى عجائبه. فيه نبأ من قبلكم وحكم ما بينكم وخبر معادكم من قال به صدق ومن حكم به عدل ومن قسم به أقسط ومن يليه من جبار فيحكم بغيره يقصمه الله ومن يلتمس العلم في غيره يضله الله
وقيل: مر ابن عمر برجل من أهل العراق ساقط والناس حوله، فقال: ما هذا؟ فقالوا: هذا إذا قرئ عليه القرآن أو سمع بذكر الله خر من خشية الله. فقال ابن عمر: إنا لنخشى الله وما نسقط
وقيل لعائشة - رضي الله عنها -: إن قوما إذا سمعوا القرآن صعقوا. فقالت: القرآن أكرم من أن تنزف عنه عقول الرجال ولكنه كما قال الله: تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله) (2) وقالت عائشة - رضي الله عنها -: الماهر في كتاب الله مع السفرة الكرام البررة. والذي يشق عليه القرآن له أجران بمشقته وتلاوته ولا ينتفع بشيء مما ذكرناه حتى يخلص النية فيه الله - عز وجل - عند طلبه أو بعد طلبه
ويروى عن أبي موسى الأشعري أنه قال: من إجلال الله - تعالى.
إجلال حامل القرآن غير الغالي فيه والجافي عنه
1 - الآيتان 1، 2 من سورة الجن
2 - الآية 23 من سورة الزمر
- 42 - (1/94)
صفحة 95
وعن إبراهيم قال: كانوا يكرهون أن تتلى الآية عند الشيء يعرض من
أمر الدنيا
•
وقال يزيد بن أبي مالك: أفواهكم طريق من طرق القرآن فطهروها
ونظفوها ما استطعتم.
وقال مجاهد: إذا تثاءبت وأنت تقرأ القرآن فأمسك عن القرآن حتى يذهب تناؤ بك
قال عكرمة: يريد أن في ذلك اجلالا للقرآن وتعظيما له
وقيل: القرآن لا يقصر بأهله عن تجارة ولا يوديهم إلى هلكة
شعرا:
باب كروض مطير ناضر خضر تريح نضرته أرواح كل فئة فيه الفوائد ثم الأجر مدخر ومن دراسته الأوزار منذرية أتمم لنا ربنا نورا ومغفرة بعد الممات إذا الأبدان متهمية (1)
1 - اذا الأبدان (متهميَّة). تهم اللبن واللحم: تهما، تغير وأنتن، وتهم ـ يفتح الأول وكسر الثاني -
الرجل: خبثت ريحه وظهر عجزه وتحيره. (1/95)
صفحة 96
[صفحة فارغة] (1/96)
صفحة 97
الباب الحادي عشر في وجوب النية
قيل في قول الله - عز وجل -: قل كل يعمل على شاكلته) (1) أي على نيته. وقوله - تعالى -: ولو أرادوا الخروج لأعدوا له عدة) (2) قيل: وفي قوله - عز وجل -: (وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين) (3)
الأخبار
قال النبي صلى الله عليه وسلم: «الأعمال بالنيات ولكل امرئ ما نوى فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فأجره على الله ورسوله ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو لامرأة يتزوجها كانت هجرته إلى ما هاجر إليه (4)
وعنه: عمل الفاجر خير من نيته». وفي خبر: «نية الفاجر شر
من عمله
وقال ـ عليه السلام -: «المؤمنون على نياتهم وقال: «لا عمل لمن
لانية له ولا أجر لمن لا خشية له.
1 - الآية 84 من سورة الاسراء
-
الآية 46 من سورة التوبة
3 - الآية. من سورة البيئة
4 - رواه البخاري ومسلم عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب
- AV- (1/97)
صفحة 98
الآثار
قول النبي صلى الله عليه وسلم: «نية المؤمن خير من عمله معنى ذلك ـ والله أعلم - أن نية المؤمن في العمل خير من عمل بلا نية، الدليل على ذلك قول الله - جل ذكره -: ليلة القدر خير من ألف شهر) (1) لا ليلة القدر فيه، ومعنى قول النبي صلى الله عليه وسلم: «الأعمال بالنيات لعظم الثواب بالنيات وشرف الأعمال بها، فإذا كان بلانية فهو عمل كما يقال: الرجل بقومه، والانسان بعشيرته والمرء بنفسه وهو رجل وانسان وإن لم يكن له عشيرة ولا قوم. فالنية فرض في الأعمال والطاعات كلها. والنية عقد بالقلب وعزيمة على الجوارح، وهي لب العمل فيجب على احكامها
والنية هي والنية مستدامة والعمل ينقطع، والنية لا يدخلها الرياء والعمل يدخله الرياء، وكل عمل خلا من النية فهو باطل ولا يصح عمل شيء من يصح عمل شيء من الطاعات إلا بتقديم النيات. والنية إذا انفردت لم يجب بها حكم وكذلك الفعل إذا انفرد لم يجب به حكم فإذا عقب النية بالفعل الموضوع لذلك المعنى وقع موقعه ولا تنازع بين أهل العلم في وقوع الحكم إذا اجتمع القول والنية يصح العمل الا بثلاث: تقوى الله والخشية والنية. وقيل:
القصد إلى الفعل طاعة لله ولرسوله محمد صلى الله عليه وسلم
وقيل: لا
لا يصح العمل إلا بأربع: العلم والعمل والورع والنية.:
كما قال المغربي:
ولا يعبد الرحمن الا بأربع دعائم صدق ضع قواعدها وابن علوم وأعمال وورع ونية فما اختل منها فالثلاثة لا تغني
وقيل: إن صدق النية إنما يهيج من تقاوة القلب وتقاوة القلب إنما تحصل
1 - الآية 3 من سورة القدر
- 4 A- (1/98)
صفحة 99
بسبب عشر خصال
فأولهن: الانابة إلى الله - تعالى -، ثم ترك التزين، ثم ترك التصنع إلى الناس، ثم الرغبة في ترك الشهوات، ثم الزهد في الدنيا، ثم معاداة الشيطان، ثم الاستعداد للموت، ثم الاعتزال عن الخلق، ثم الشفقة على جميع خلق الله، ثم الرضاء بالقضاء، ثم اليقين بوعد الله، ثم المواظبة على ذكر الله، ثم الصبر على البلايا، ثم الأنس بالله. فإذا حصلت هذه الخصال في قلب عبد تمت صفاوته وتقاوته وهاج منه صدق النية، والواجب على العبد
استصحاب النية جملة وتفصيلا لتخرج أعماله مخرج الطاعة، ولا يسعه أن
اللهم
يعمل عملا من واجب وجائز الا بنيته، فأما النية في الجملة فإنه يقول: نيتي واعتقادي في كل طاعة مننت بها علي ووفقتني لها من صلاة أو زكاة أو صيام حج أو جهاد أو أمر بمعروف أو نهي عن منكر أو صلة رحم أو صدقة أو ضيافة أو تعلم علم أو قراءة قرآن أو غير ذلك من واجب أو مباح فهو طاعة الله ولرسوله وقربة إليه
وأما النية على التفصيل فكل معنى على قدر ما يجب فيه من واجب أو فضيلة أو مباح فكل واجب فيه. فإن النية فيه تأدية المفترض وتأدية لما تعبد
الله به
وأما الفضيلة فالنية التقرب فيه إلى الله
وأما المباح فالنية فيه الشكر لله والتقوي على طاعته مثل الأكل والشرب والنكاح والنوم والمشي والقعود وما أشبه ذلك. وقيل: من حسنت نيته استقامت طويّته ونزه نفسه وملك هواه. وقيل: من ملك هواه فهو الرجل فكان الحسن يقول: إنما يخلد أهل الجنة في الجنة وأهل النار في النار بالنيات
وعن بعض الحكماء أنه قال: القصد بالقلوب أبلغ من حركات الجوارح. وقيل: من فتح على نفسه باب حسنة فتح الله عليه سبعين بابا من
- 14 - (1/99)
صفحة 100
التوفيق، ومن فتح على نفسه باب سيئة فتح الله عليه سبعين بابا من
الخذلان، وباب السيئة سوء النية
قيل: صلاح القلوب بصلاح العمل، وصلاح العمل بصلاح النية، ومن وقف بنفسه في المحراب وهرب بقلبه عن الوهاب فليس له عند الله
ثواب
وقيل: إذا صدرت الموعظة من القلب وقعت في القلب، وإذا صدرت من ظاهر اللسان لم تجاوز الآذان
وقيل: من ترأس قبل أوانه يوشك أن يفضحه الله على لسانه. وقال بعضهم: من تصدر قبل أوانه تصدى لهوانه. وقيل: الاعجاب ضد الصواب وآفة الألباب. وقيل: إذا أبغض الله عبدا نزع الرحمة من قلبه وقيل: لا يخلو شيء من فعل العبد أن لا يكتب حسنة أو سيئة. وقيل: ما لم يکن طاعة فهو معصية.
-
10 (1/100)
صفحة 101
بسم
الباب الثاني عشر
في التوبة
الله الرحمن الرحيم، الحمد لله غافر الذنوب وقابل التوب ممن تاب
رحمة من الله بها عليه شديد العقاب دائم العذاب عزيز ذو انتقام ممن أصر على ذنبه وأقام، لا تبديل لكلمات الله وهو العزيز الحكيم. واعلموا أن الله له الحمد ابتلى العباد بالأمر والنهي. ومن ذلك كانت الطاعة والمعصية فبالوفاء ثبت لأهل الطاعة صدق المعرفة وأسمائها وثوابها، وبتضييع الأمر والنهي كانت المعصية فمن المعصية بدأ الكفر وبالاصرار على المعصية كان الكفر
وبذلك خرج أهل المعصية من صدق المعرفة وأسمائها وثوابها ودخلوا في
الكفر فثبت لهم اسمه واستحقوا من الله العقاب عليه، وذلك أن عدو الله ابليس أول من عصى فمنه كان بدء المعصية ثم أصر فكفر بإصراره فبالاصرار صار إمام المصرين على الكفر بإصراره ثم كانت التوبة رحمة من الله عاد بها على أهل المعصية، وذلك أن آدم - صلى الله عليه - عصى بعد إبليس فاعترف بذنبه فتاب منه إلى ربه فخلص بالتوبة من الاصرار الذي كفر به إبليس وصار سبيل التوبة بعده سبيله، وكانت التوبة براءة من اصرار الكفر، وصار آدم إمام التائبين المعترفين. وقد ذكر الله في كتابه التوبة ووجهها وثوابها، وذكر الاصرار ووجهه وعقابه، وجعل التوبة في الحياة قبل حضور الموت وقبل فقال - عز وجل -: إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب فأولئك يتوب الله عليهم وكان الله عليها حكيما وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إني
الآيات
-1.1 - (1/101)
صفحة 102
تبت الآن ولا الذين يموتون وهم كفار) - يعني أهل الشرك - أولئك أعتدنا لهم عذابا أليما) (1) فالحق في هذه الاصرار من أهل الاقرار بالكفر، وقال: هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي ربك أو يأتي بعض آيات ربك يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا) (2) يعني المشركة التي لم يكن لها إيمان ويعني المصرة في إقرارها بالايمان وألحقها بمن كان لا إيمان له. ألا ترى كيف ميز الله المصرة في
إقرارها بالايمان وألحقها بمن كان له الايمان وقال: إن الذين اتقوا إذا من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون) (3) يعني أهل التوبة
طائف
وقال: واخوانهم يمدونهم في الغي ثم لا يقصرون) (4). يعني بذلك أهل الاصرار، والاصرار معنى فعل ثان وهو المقام على الذنب وهو كفر وليس في الكفر والبغي إيمان، ولا في الايمان بغي ولا كفر، والايمان قول وعمل ونية فمن بلي بشيء من الكفر أخرجه من الايمان ولا يسمى مؤمنا إلا بالرجعة والتوبة والرضاء بحكم كتاب الله فيما أصاب من حد أو وجب عليه من حق وقال محبوب: ليس بين التقوى والكفر منزلة
وكذلك قال الله - تعالى -: ولقد وصينا الذين أوتوا الكتاب من
قبلكم وإياكم أن اتقوا الله وإن تكفروا) (5) فمن لم يكن متقيا كان كافرا وقال: وما أشبه الكبير من الذنوب أو قاربه فالكبير أولى به وأنزله له المسلمون بمنزلته، وإذا عذب الله قوما على شيء عذب من هو أعظم منه جرما، وإن لم
6
يات فيه بوعيد، ومن لم يتب من الذنوب فقد أصر والمصر من أهل النار والتائب من أهل الجنة. قال الله - تبارك وتعالى -: والذين إذا فعلوا فاحشة
الآيتان 17، 18 من سورة النساء
2 - الآية 158 من سورة الأنعام الآية 201 من سورة الأعراف 4 - الآية 202 من سورة الأعراف
-
T
-
الآية 131 من سورة النساء
- 102 - (1/102)
صفحة 103
أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب إلا الله ولم
يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون) (1)
وقال محبوب: انه سمع مشايخه المسلمين يقولون في هذه الآية: ذكروا الله يقولون: عظم الله عندهم وجل في نفوسهم أن يقيموا على حرام طرفة عين فذلك قوله: ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون) (2)
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «هلك المصرون»
وروي عن ابن عباس أنه قال: لا صغير يصغر مع إصرار ولا كبير يكبر
مع توبة واستغفار
وذكروا عن عائشة - رحمها الله - أنها قالت: ما من عبد أصاب ذنبا صغيرا فصغره واستخف به إلا عظم ذلك الذنب عند الله حتى يكبه الله في النار، وما من عبد أصاب ذنبا كبيرا فندم عليه وصبر لحكم الله فيه وأدى الحق فيها لزمه إلا صغر ذلك الذنب عند الله حتى يغفر الله له
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «التائب من الذنب كمن لا ذنب له، وبلغنا عن أبي عبيدة مسلم أنه سئل فقيل له: هل من ذنب لا يغفر؟ فقال: نعم؛ ما لا يتاب منه، والمصر الذي لا يتوب ولا يندم ولا يرعى ولا ينزع.
وبلغنا عن أبي حمير - رحمه الله - أنه قال: كل مقر عاص مصر في النار. وقال أبو عبد الله: في قول الله - عز وجل -: وقد خاب من حمل ظلما (3) تأويلها من مات مصرا. وقوله - تبارك وتعالى -: إن الحسنات
1 - الآية 135 من سورة آل عمران
-
الآية 135 من سورة آل عمران
- الآية 111 من سورة طه
- 1. r. (1/103)
صفحة 104
يذهبن السيئات (1) فذلك على التوبة يكون الثواب والعقاب من الله على أهلها ليس على ما قال أهل الشك، وقوله: ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها) (2) إلى العباد وما بطن) عن العباد
والتوبة مع المسلمين اقلاع المذنب عن ذنبه والندم عليه بقلبه والتوبة منه إلى ربه والاستغفار بلسانه والاعتقاد لترك العودة إلى عصيانه
والذنوب عند المسلمين على منزلتين: فذنوب يهلك بها صاحبها عند مباشرتها ومواقعتها وهي الكبائر، وذنوب يهلك بها صاحبها بترك التوبة منها والمقام عليها وهي الصغائر
وعن بعض الصحابة؛ أن الكبائر ما ذكر الله - تعالى ـ في سورة النساء من أولها إلى قوله - عز وجل -: إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه) (3)
وعند بعضهم؛ الكبائر: ما ذكر الله في سورة النور من أولها إلى قوله: وتوبوا إلى الله جميعا) (4) (الآية)
•
وقال المسلمون: كل ما أوجب الله فيه الحد في الدنيا والعذاب في الآخرة فهو من الكبائر.
وقال محمد بن محبوب: اللهم؛ ما دون الكبائر من الذنوب التي تكون بين العباد وبين الله مثل الغمزة واللمزة والنظرة، وما كان أهله يدينون بالتوبة منه والاستغفار فذلك هو اللمم، وكل ما ألم بالقلب من ذكر المعصية وألهم لها والعمل بها من غير شتم المؤمنين والوقوع في أعراضهم فهذا إذا نسي يستغفر الله منه، قال الله - تعالى -: إن ربك واسع المغفرة) (5) لهذا إذا كان يدين
1 - الآية 114 من سورة هود
الآية 151 من سورة الأنعام - الآية 31 من سورة النساء 4 - الآية 31 من سورة النور الآية 32 من سورة النجم
-
1.2 - (1/104)
صفحة 105
بالتوبة منه ومما نهاه الله ـ تعالى ـ عنه أجزاه
ونوع آخر مثل: من خان من مال غيره حبه أو حطبه أو خلالا أو نباته أو لبس ثوبا أو ركب دابته أو استعمل خادمه أو استعار شيئا فاستعمله بغير ما استعارة أو وطئ في حرثه فتلف شيء بوطئه أو قعد على سريره أو حصيره أو كتب من دواته أو بقلمه أو في رقعة قرطاس أو استقى بدلوه أو انتفع بشيء من الأشياء له فكل هذا ومثله مما أصحابه معروفون بالمنع له من صغائر الذنوب وانما يكفر صاحبها بالاصرار عليها لا بركوبها، وكل هذه من حقوق العباد وعليه الخروج إليهم منه إلا ما كان منه الادلال الذي يجري بين الناس مثل رجل يدل على صديق أو أخ في الله - تعالى - أو الأهل أو غيرهم في أموالهم لا بأس بذلك وذلك فيما لو وجده صاحبه يفعله لم يستح من ذلك ويعلم أنه يسره ويفرح به وأن ذلك مباح بينهما فقد رخص بعض الفقهاء في الادلال على
هذه الصفة
ذلك وأما غيرهم فعليه الخروج من جميع
وتوبة من فعل من ذلك شيئا الاعتراف به والخروج منه بمثل أو قيمة وإن نسي شيئا منه وهو يدين بالتوبة وتاب في الجملة فأرجو له السلامة إن شاء الله - تعالى -. ونرجو أن هذه الذنوب التي سميناها مما يغفرها الله للمسلمين على التوبة ولسنا نأمن العقاب عليها فالفريضة على المسلمين أن يغفروها على التوبة وأن تكون من السيئات، قال الله - تعالى -: الذين يجتنبون كبائر الاثم والفواحش إلا اللهم إن ربك واسع المغفرة) (1) فلا ينبغي لأحد أن يأمن عذاب الله عليها ولا ييأس من مغفرته عند التوبة منها
أبو عبيدة: سمعت ناسا من الصحابة يروون عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: الذنوب على وجهين؛ ذنب بين العبد وربه إذا تاب منه كمن لا ذنب له،
1 - الآية 32 من سورة النجم
1.0 - (1/105)
صفحة 106
وأما ذنب بينه وبين صاحبه فلا توبة حتى يرد المظالم إلى أهلها»
قال أبو المؤثر: ما دخل أهل الجنة الجنة إلا بفضل الله ورحمته ومغفرته وتوفيقه وارشاده وعصمته وهداه وعفوه ثم هداهم إلى التوبة والاستغفار ثم بأعمالهم الصالحة التي علم الله أنهم سيعملونها ولا محالة عما علم الله، ولا يبطل علم الله ولم يحف الله لهم ولم يحابهم؛ لأن نعمة الله سبقت كل نعمة وإحسان الله سبق كل إحسان وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم، ولا حجة على الله ولا منة بل الله المن والحجة وما دخل أهل النار النار إلا بأعمالهم الخبيثة التي علم الله ولم يظلمهم الله شيئا ولم يُجر عليهم إن الله ليس بظلام للعبيد، وما زالت أقدام أهل الجنة من موقف يوم القيامة إلى الجنة حتى علموا فضل الله عليهم، ولم يحابهم ولم يحف (1) عليهم، وما زالت أقدام أهل النار في النار من عرصة (2) يوم القيامة إلى النار حتى علموا عدل الله ولم يجر عليهم ولم يظلمهم، وما ربك بظلام للعبيد
أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن مسعود قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لزوم الفقير حرام والمدعي ما ليس له والمنكر لما عليه كافران
وقيل لبعض الرهبان: لأي شيء قست قلوبنا وكثرت ذنوبنا ولا نتوب إلى ربنا؟ قال: لأنكم تركتم الآخرة وعملتم بالأعمال الخاسرة، وتركتم العلم، وظهر منكم الجهل والظلم، وضيعتم الأمانة، وأظهرتم الخيانة، و داخلكم الكبر والعجب، وضيعتم الصلوات، ومنعتم الزكوات، وقطعتم الصدقات، ومشيتم بالنميمات، وظلمتم الأيتام، وجرتم في الأحكام. وعصيتم الرحمن، وأطعتم الشيطان، وأكلتم الربا، وأطعتم النساء، وتعاملتم بالفجور، وشهدتم بالزور، وتواضعتم للأغنياء، وتكبرتم على الفقراء، وقست قلوبكم، وكثرت ذنوبكم، ولا واعظ ولا زاجر،
1 - الحيف: الظلم أي لم يظلمهم
- الساحة والمكان الخالي الذي ليس فيه بناء
-1.7 - (1/106)
صفحة 107
ولا خائف ولا حاذر، كلامكم حلو وفعلكم مر، وألسنتكم باشة وقلوبكم فلا من الله تستحيون، ولا إليه تتوبون، وعن قريب تموتون ثم
غاشة
،
تبعثون فتسألون عما كنتم تعملون
وقال بعض الفقهاء: طوبى لمن ترك شهوة حاضره الموعود يوم غائب لم
الله وقيل: ما رحم نفسه من عصى
وقيل: انه - عز وجل - أوحى إلى جبريل - عليه السلام -: (اسلب عبدي ما صلح به من حلاوة طاعتي فإن طلبها فارددها عليه وان لم يردها
فلا تردها عليه أبدا)
وعن عيسى - عليه السلام -: (طوبى لمن تاب لا يهم بمعصية ونيته إلى
غير اثم)
وقال الحجاج: رحم الله امراً جعل لنفسه خطاما وزماما فقادها بخطامها إلى طاعة الله وجذبها بزمامها عن معصية الله وأن الناس إذا تركوا العمل مما أمروا به وركبوا ما نهوا عنه اختلفوا في دينهم وتباغضوا وتعادوا؛ لأن الله جعل في طاعته الألفة والجماعة والحب وجعل في تركها التباغض والاختلاف عقوبة من الله
وكان جابر يقول: لو أن ابن آدم أطاع ما عثر في قميصه فقد ينبغي لمن أراد أن ينصر الدين ويقوم بما أمره الله أن يصلح ما بينه وبين الله ولا يخرج ونيته في معصية الله فيخذله الله ويديل عليه عدوه، فإن المؤمن إذا خرج وهو مطيع
الله لم يرد غير الله ثبته الله وسدده ونصره وأراه الحق حقا والباطل باطلا وخذل
عدوه. واذا خرج وهو مصر على معاصي الله خذله الله وأدال عليه عدوه
•
وقال حذيفة: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من أصبح همته غير الله فليس من
107 - (1/107)
صفحة 108
الله»
وعن النبي - عليه السلام -: من سره أن يعلم ما عند الله له فلينظر
ما عنده لله من الصدق والوفاء والبر والتقوى
وعن النبي أنه قال: من أصبح لا يهتم بظلم أحد غفر الله له
ما اجترم. وقيل: من سره الغنى بلا مال، والعزة بلا سلطان، والكثرة
•
بلا عشيرة، فليخرج من ذل المعصية إلى عز الطاعة فإنه واجد ذلك كله وقيل: علامة التائب دوام الأسف على ما انقضى من عمره في البطالة والاشفاق من أن لا يدري أقبل منه ذلك أم لا؟ وهل قصر فيها وإنه لا يدري أيضا ما يختم له مع دوام الانكماش فيهما يقبل عليه من عبادة ربه وانكسار القلب والجوارح والاجتهاد فيما يمكنه وبذل المهجة فيما دعي إليه، والاخلاص الذي ينجو ويزكو به عمله لقول الله - تعالى -: وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء) (1). وقال ـ عز وجل -: ألا الله الدين الخالص) (2)، فكل عمل يكون بغير الاخلاص فهو تعب ولا محصول له في الدنيا ولا في الآخرة لقول الله - تبارك وتعالى -: وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا) (3)
وعلامة صدق التوبة بترك الذنوب الظاهرة والباطنة، وترك الخيانة في ضميره، وأن يكون قلبه سالما منها، وترك المداهنة في دينه، مع أداء المظالم في أهلها، والاستحلال إلى من ظلم، وتعدى مع العزيمة أن لا يعود في شيء من ذلك، ما دام حيا، ويدين لمن قد بهته واغتابه، ويستحله منه. قال الله - عز وجل -: إلا الذين تابوا وأصلحوا وبينوا فأولئك أتوب عليهم وأنا التواب الرحيم (4)). واستغفر بلسانه من ذنوبه التي كان قدمها وسلفت منه في
-
الآية. من سورة البينة
الآية 3 من سورة الزمر
3 - الآية 23 من سورة الفرقان 4 - الآية 160 من سورة البقرة
- IA- (1/108)
صفحة 109
أيامه، ويبكي عليها حسرة على ما فرط من أمر الله وحقه وعدوله عنه أيام جهله وتمرده فليس تخلص التوبة لأحد من التائبين إلا من تكلف ولزم ما بينته بالحجة والبيان الذي شرحته، قال الله - تعالى -: ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي عن بينة) (1). وقال الحسن في قوله - عز وجل -: وحيل بينهم وبين ما يشتهون) (2)، قال: هي التوبة
الآية 42 من سورة الأنفال 2 - الآية 54 من سورة سبأ
- 1.4 (1/109)
صفحة 110
[صفحة فارغة] (1/110)
صفحة 111
الباب الثالث عشر
في التفكير
قد أمر الله بالتفكر والتدبر في كتابه العزيز في مواضع لا تحصى وأثنى على المتفكرين فقال: ويتفكرون في خلق السموات والارض) (1)
الآثار
قال ابن عباس: إن قوما تفكروا في الله تعالى فقال النبي صلى الله عليه وسلم: تفكروا في خلق الله تعالى ولا تفكروا في الله سبحانه فإنكم لن تقدروا عنه
قدره
•
وعنه انه خرج على قوم ذات يوم وهم يتفكرون فقال: مالكم لا تتكلمون قال: نتفكر في خلق الله تعالى قال: فكذلك فافعلوا تفكروا في خلق الله ولا تتفكروا فيه فإن بهذا المغرب ارضا بيضاء نورها بياض نورها مسيرة الشمس اربعين يوما بها خلق من خلق الله لم يعص الله طرفة عين قالو: يا رسول الله فأين الشيطان عنهم قال: ما يدرون خلق الشيطان ام لا قالوا: من ولد آدم قال: ما يدرون خلق آدم عليه السلام أم لا.
وقال: «تفكر ساعة خير من قيام ليلة"
وعن وهب بن منبه أنه قال: ما طالت فكرة الرجل قط إلا علم وما علم
إلا عمل وما عمل إلا تجازي جزاء كاملا
1 - الآية 191 من سورة آل عمران
•
- 111 - (1/111)
صفحة 112
وقال لقمان لابنه: ان طول الوحدة أجمع للفكرة، وطول الفكرة دليل على طريق الجنة
وقال حكيم: التفكر حارس القلب عن الغرق في بحار الغفلة
وقال أهل التحقيق: التفكر سراج القلب يرى به القلب خيره وشره ونفعه وضره، وكل قلب لا تفكر فيه فهو في ظلمات يتخبطه الشيطان
وعن الفضيل: الفكرة مرآة تريك حسناتك وسيئاتك
وقيل لابراهيم: انك تطيل الفكرة فقال: الفكرة مخ العقل
وعن طاووس: قال الحواريون لعيسى عليه السلام: يا روح الله هل على الأرض اليوم مثلك؟ قال: نعم. من كان منطقه ذكرا، وصمته فكرا، و نظره عبرة فإنه مثلي
وقال الحسن: من لم يكن كلامه حكمة فهو لغو، ومن لم يكن سكوته تفكرا فهو سهو، ومن لم يكن نظره اعتبارا فهو لهو وفي قوله تعالى: سأصرف عن آياتي الذين يتكبرون في الارض بغير الحق) (1) قال أمنع قلوبهم من التفكر
وعن امرأة كانت تسكن البادية قريبا من مكة أنها قالت: لو تطلعت قلوب المتقين الى ما قد ذخر في حجب الغيوب من خير الآخرة لم يصف لهم في الدنيا عيش، ولم تقر لهم في الدنيا عين.
وقال عمر بن عبدالعزيز: الفكرة في نعم الله تعالى من أفضل العبادة
وعن ابن عباس أنه قال: ركعتان مقتصدتان في تفكر خير من قيام ليلة
بلا قلب
-
الآية 146 من سورة الأعراف
- 112 - (1/112)
صفحة 113
وقال أبو سليمان: الفكر في الدنيا حجاب عن الآخرة، وعقوبة لأهل الولاية، والفكر في الآخرة يورث الحكمة ويحيي القلوب
بالفكرة
وقال الشافعي: استعينوا على الكلام بالصمت، وعلى الاستنباط
وقال أيضا: صحة النظر في الأمور نجاة من الغرور، والعزم في الراي سلامة من التفريط والندم، والروية والفكر يكشفان عن الحزم، والفطنة ومشاورة الحكماء ثبات في اليقين وقوة في البصيرة. ففكر قبل ان تعزم، وتدبر قبل ان تهجم، وشاور قبل ان تقدم.
وقال: الفضائل اربعة أشياء: احداها الحكمة وقوامها الفكرة.
والثانية: العفة وقوامها في الشهوة
والثالثة: القوة وقوامها في النصب - لعله - الغضب
والرابعة: العدل وقوامه في اعتدال قوى النفس
وقال ابن عباس: التفكر في الخير يدعو الى العمل به، والندم على الشر
يدعو الى تركه
- 113 - (1/113)
صفحة 114
[صفحة فارغة] (1/114)
صفحة 115
الباب الرابع عشر
في الرضى بقضاء الله وقدره
عن ابن عباس أنه قال: أول شيء كتبه الله في اللوح المحفوظ «أنا الله لا إله إلا أنا محمد رسولي من استسلم لقضائي وشكر نعمائي وصبر على بلائي كتبته صديقا وبعثته مع الصديقين ومن لم يستسلم لقضائي ولم يشكر نعمائي ولم يصبر على بلائي فليتخذ إلها غيري.
وذكر في الخبر أن الله تعالى أوحى الى عيسى بن مريم عليه السلام.
يا عيسى من لم يرض من الدنيا بما قسمت سلطت عليه الدنيا يركض فيها ركضا ثم بعد ذلك ليس له منها إلا ما قسمت له
•
عن الحسن بن نابي الحسن قال: لا ينبغي للعبد ان يكون في منزلة او حالة فيتمنى على الله غيرها فإنه لا يدري إذا وصلها ما تكون حالته فيها ولكن ينبغي له ان يصبر على الحالة التي هو فيها ويسأل ربه الخير.
وبلغنا أنه شكا نبي من بني اسرائيل القل والجوع الى ربه عشر سنين فما نظر في حاجته ولا أجيب في دعوته واحتبس عنه الوحي فبكى فلما اكثر اوحى الله عز وجل «لقد ظفر بك عدوك وشغل قلبك. لم تشكو إلي ولست بأهل ذم
ولا شكوى وانت اولى بالذم والشكوى
•
هكذا كان في بدو شأنك في علم الغيب من قبل ان اخلقك وتلك درجة
- 110 - (1/115)
صفحة 116
من اورثته دار قدسي وأبحته جواري. إني إذا احببت عبدا جلبت عليه البلاء جلبا فمن رضى فله الرضى ومن سخط فله السخط وسيقدم فيرى جزائي وعقابي افتريد ان اعيد من اجلك مرة اخرى فيكون ما تريد دون ما أريد أو يكون ما تحب دون ما أحب فوعزتي وجلالي لأن عاودتني في مسألتي لأدخلنك النار ولو كنت ابراهيم.
اذكر آباك آدم حين خلقته بيدي - اي قدرتي - ونفخت فيه من روحي وأسجدت له ملائكتي وأسكنته جنتي ثم أخرجته من جواري بأكله فازجر نفسك عن مساألتي ومعصيتي أمدبرا غيري تريد أم رجاء غيري تأمل».
وعن ابن عباس - رضي الله عنه - قال (1) أهدي للنبي صلى الله عليه وسلم بغلة
أهداها له كسرى فركبها من شعر ثم اردفني خلفه ثم سار بي مليا ثم التفت إلي فقال: يا غلام فقلت لبيك يا رسول الله فقال: احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده أمامك تعرف الى الله في الرخاء يعرفك في الشدة وان سألت فاسأل الله وان استعنت فاستعن بالله فقد مضى القلم بما هو كائن فلو جهد الخلائق على ان ينفعوك بما لم يقضه الله لك لم يقدروا عليه ولو جهدوا أن يضروك بما لم يكتب الله عليك ما قدروا عليه فإن استطعت أن تعمل بالصبر مع اليقين فافعل فإن لم تستطع فاصبر فإن في الصبر على ما تكره خيرا كثيرا واعلم ان النصر مع الصبر وأن مع الكرب الفرج ومع العسر يسرا»
تفکر
وقيل: الزاهد نظره في الدنيا عبرة، وكلامه حكمة، وسكوته فيها، يصبر عند البلاء، ويشكر عند الرضى، ويرضى بجميع القضاء، وكان عمر بن الخطاب - رضي الله عنه ـ يتمثل بهذين البيتين: هون عليك فإن الامور بكف الاله مقاديرها فليس يأتيك مصروفها ولا غائب عنك مقدورها
-1 - رواه الترمذي عن أب عباس عبدالله بن عباس وقال حسن صحي
-
117 - (1/116)
صفحة 117
فتدبر هذه الامور بعقلك والزم قلبك الرضى بقضاء الله تعالى والتفويض لأمره وقضائه وقدره في الحلو والمر والخير والشر في كل ما يريده. واعلم ان الأمور بالعواقب، فكم من شر في صورة الخير، وكم من ضر في جلبه نفع، وكم من سم في هيئة شهد، وأنت جاهل بالعواقب والأسرار
الخفية
- 117 - (1/117)
صفحة 118
[صفحة فارغة] (1/118)
صفحة 119
الباب الخامس عشر
في الخوف والرجاء
قال الله تعالى: (يدعون ربهم خوفا وطمعا) (1)
وقد فرض الله على العباد ان يخافوه فقال: وخافون ان كنتم مؤمنين) (2)
وقال: (وإياي فارهبون
ومدح المؤمنين بالخوف فقال: يخافون ربهم من فوقهم ويفعلون ما
يؤمرون) (4)
الأخبار
قال: رأس الحكمة الخوف»
وقال: «قال الله تعالى: وعزتي وجلالي لا اجمع للمؤمن (5) خوفين ولا أجمع له امنين فإذا امنني في الدنيا اخفته يوم القيامة، واذا خافني في
الدنيا امنته يوم
القيامة
1 - الآية 16 من سورة السجدة 2 - الآية 175 من سورة آل عمران
3 - الآية 40 من سورة البقرة 4 - الآية 50 من سورة النحل
ه - في الأصل (المؤمن) والصحيح ما ثبت
- 114 - (1/119)
صفحة 120
وقال: «اتحكم عقلا اشدكم الله خوفا وأحسنكم فيهما أمر الله تعالى به
ونهى عنه نظرا
وقال: اذا اقشعر قلب المؤمن من خشية الله تعالى تحاتت عنه
خطاياه كما تتحاتت من الشجرة ورقها
وقال عقبة بن عامر: ما النجاة يا رسول الله؟ قال عليه السلام: امسك عليك لسانك وليسعك بيتك وابك على خطيئتك» وفي الخبر: «اوحى الله تعالى الى موسى بن عمران عليه السلام: خف ممن يعلم السر والعلانية وارجُ ممن يملك الدنيا والآخرة واحذر ممن يأخذك حيث شاء»
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يموتن احدكم الا وهو يحسن الظن بالله»
قال الناسخ: وقد عرفت ان حسن الظن بالله حسن العمل.
وقال عليه الصلاة والسلام: «المؤمن بين محافتين بين أجل قد مضى لا يرى ما الله صانع فيه، وبين أجل قد بقي لا يدري ما الله قاض فيه، فوالذي نفسي بيده ما بعد الموت مستعتب ولا بعد الدنيا دار الا الجنة أو النار» وقال: «لو تعلمون ما اعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا»
وقال عليه الصلاة والسلام لابن مسعود: ان اردت ان تلقاني فاكثر من الخوف بغدي
الآثار
قال معاذ بن جبل - رضي الله عنه - ان المؤمن لا يطمئن قلبه ولا تسكن
روعته حتى يخلف جسر جهنم وراءه
120
- (1/120)
صفحة 121
وروي ان عليا قال لبعض ولده: يا بني خف الله خوفا ترى أنك إن أتيته بحسنات أهل الارض لم يقبلها منك، وارج الله رجاء ترى انك ان أتيته بسيئات أهل الأرض غفرها لك
وكان عمر - رضي الله عنه ـ يبالغ في تفتيش قلبه حتى كان يسأل حذيفة أنه هل يعرف به من آثار النفاق شيئا اذ قد كان خصه رسول الله صلى الله عليه وسلم بعلم
المنافقين
وقال يحيى بن معاذ: من عبد الله بمحض الخوف غرق في بحار الأفكار، ومن عبده بمحض الرجاء تاه في مفازة الاغترار، ومن عبد الله بالخوف والرجاء استقام في مهجة ذوي الاستبصار
وقال بشير بن الحارث: الخوف ملك لا ينزل الا في قلب تكون فيه
تقوى الله تعالى
والمحبة
وقال ابو عثمان المغربي: للايمان ثلاث خصال: الخوف والرجاء
ففي الخوف ترك الذنوب، وبه النجاة من النار
وفي الرجاء
الطاعة
حسن
، وبه وجوب الجنة
وفي المحبة تحمل المكروهات، وبه يوجد رضى الله تعالى
وقال ابو عثمان: الرجاء يتولد. من الايمان ومجاهدة النفس، ودوام الخوف.
6
وهجران الشر،
وقال أبو سليمان الداراني: ما تغررت عينا عبد بدمعة من خشية الله تعالى وانهارت إلا لم يرهق (1) وجه صاحبها قتر (2) ولا ذلة يوم
1 - في الأصل (يرحق) والصحيح ما ثبت بنص القرآن
2 - جمع قترة وهي الغبار
القيامة
- ITI- (1/121)
صفحة 122
وقال سهل: لا تجد الخوف حتى تأكل الحلال. وقال أبو سليمان الداراني: ما فارق الخوف قلبا إلا خرب. وقيل للحسين: يا أبا سعيد كيف نصنع بمجالس أقوام بخوفوننا حتى تكاد قلوبنا تطير؟ فقال: والله انك ان تخالط قوما يخوفونك حتى يدركك أمن، خير من ان تصحب قوما يؤمنوك حتى
يدركك الخوف
وقال الشبلي: ما خفت الله يوما إلا رأيت له بابا من الحكمة والعبرة ما
رأيته قط
سئل عالم ما أصل الطاعة؟ قال اربعة أشياء: الخوف والرجاء
والحياء (1)
وقال عالم: الخوف سراج القلب، به يبصر ما في القلب
وقيل: علامة الخوف: قصر الأمل.
•
وقال ذو النون المصري: الناس على الطريق ما لم يزل عنهم الخوف فإذا زال عنهم الخوف ضلوا عن الطريق.
وقال ابو عثمان: اصدق الخوف التورع عن الآثام ظاهرا وباطنا
وسئل أحمد بن عاصم: ما علامة الرجاء في العبد؟ قال ان يكون إذا أحاط به الاحسان الهم الشكر راجيا لتمام هذه النعم من الله عليه في الدنيا
وتمام عفوه في الآخرة.
1 - هكذا في الأصل لم يذكر الرابع ولعله المحبة
- 122 - (1/122)
صفحة 123
الباب السادس عشر
صفة المتقين السالكين طريق الآخرة
من خطبة لعلي بن ابي طالب. أما بعد. فإن الله سبحانه خلق الخلق غنيا عن طاعتهم، وآمنا من معصيتهم، لأنه لا يضره معصية من عصاه ولا تنفعه طاعة من أطاعه، وقسم بينهم معايشهم، ووضعهم من الدنيا مواضعهم، فالمتقون فيها أهل الفضائل، منطقهم الصواب وملبسهم الاقتصاد، ومشيهم التواضع، غضوا أبصارهم عما حرم الله عليهم، ووقفوا اسماعهم على العلم النافع لهم، نزلت أنفسهم منهم في البلاء كالذي نزلت في الرخاء، لولا الأجل الذي كتب الله لهم لم تستقر أرواحهم في أجسادهم طرفة عين شوقا الى الثواب وخوفا من العقاب، عظم الخالق في أنفسهم، فصغر ما دونه في أعينهم فهم والجنة كمن قد رآها فهم فيها منعمون، وهم والنار كمن قد رآها فهم فيها معذبون، قلوبهم محزونة، وشرورهم مأمونة، واجسادهم نحيفة، وحاجتهم خفيفة، وأنفسهم عفيفة، صبروا أياما قصيرة، اعقبتهم راحة طويلة، تجارة مربحة يسرها لهم ربهم، ارادتهم الدنيا ولم يريدوها، وأسرتهم فقدوا أنفسهم، منها، أما الليل فصافون أقدامهم تالين لأجزاء القرآن يرتلونه ترتيلا، يجربون به أنفسهم، ويستثيرون به دواء دائهم فإذا مروا بآية فيها تشويق ركنوا إليها طمعا، وتطلعت أنفسهم إليها شوقا، وظنوا أنها نصب اعينهم، واذا مروا بآية فيها تخويف اصغوا اليها مسامع قلوبهم، وظنوا
ان زفير جهنم وشهيقها في أصول آذانهم، فهم حانون على أوساطهم مفترشون الجباههم وأكفهم وركبهم وأطراف أقدامهم، فهم يطلبون الى الله
- 123 - (1/123)
صفحة 124
فك رقابهم، وأما النهار. فعلماء حلماء أبرار أتقياء، قد براهم الخوف بري القداح، ينظر إليهم الناظر فيحسبهم مرضى وما بالقوم مرض. ويقول: قد خلطوا ولقد خالطهم أمر عظيم، لا يرضون من اعمالهم القليل ولا يستكثرون الكثير، فهم لأنفسهم متهمون ومن اعمالهم مشفقون، واذا زكي احدهم خاف مما يقال له فيقول: أنا اعلم بنفسي من غيري، وربي أعلم بي من نفسي، اللهم لا تؤاخذنا بما يقولون، واجعلني افضل مما يظنون، واغفر لي ما لا يعلمون.
فمن علامة احدهم انك ترى له فترة في الدين، وحزما في لين وايمانا في يقين، وحرصا في علم، وعلما في حلم، وقصدا في غنى، وخشوعا في عبادة، وتجملا في فاقة، وصبرا في شدة وطلبا في حلال، ونشاطا في هدى، وتحرجا عن طمع ويعمل الأعمال الصاحلة وهو على وجل، يمسي وهمه الشكر، ويصبح وهمه الذكر، يبيت حذرا ويصبح فرحا، حذرا لما حذر من الغفلة وفرحا بما أصاب من الفضل والرحمة، إن استصعبت عليه نفسه فيما تكره لم يعطها سؤلها فيما تحب، قرة اعينهم فيما لا يزول، وزهادتهم فيما لا يبقى، يمزج الحلم بالعلم، والقول بالعمل، تراه قريبا أمله، قليلا أزله خاشعا قلبه، قانعة نفسه، منزورا اکله، سهلا، امره، حريزا دينه ميتة شهوته، مكظوما غيظه، الخير منه مأمول، والشر منه مأمون إن كان في الغافلين كتب من الذاكرين، وان كان من الذاكرين لم يكتب من الغافلين، يعفو عمن ظلمه، ويعطي من حرمه، ويصل من قطعه، بعيدا فحشه، لينا قوله، غائبا منكره، حاضرا معروفه، مقبلا خيره، مدبرا شره، في الزلازل
(
وقور، وفي المكاره صبور وفي الرخاء شكور، لا يحيف على من يبغض، ولا يأثم فيمن يحب، يعترف بالحق قبل ان يشهد عليه، لا يضيع ما استحفظ، ولا ينسى ما ذكر به، ولا ينابز بالألقاب، ولا يضار بالجار، ولا يشمت بالمصائب، ولا يدخل في الباطل، ولا يخرج من الحق، إن صمت لم يغمه صمته، وان ضحك لم يعل صوته، وان بغي عليه صبر حتى يكون الله هو
124 - (1/124)
صفحة 125
،
الذي ينتقم له، نفسه منه في عناء، والناس منه في راحة اتعب نفسه لآخرته واراح الناس من نفسه، بعده عمن تباعد عنه زهد ونزاهة، ودنوه ممن دنا منه لين ورحمة، ليس تباعده بكبر ولا عظمة، ولا دنوه بمكر وخديعة، واعلموا عباد الله ان المتقين ذهبوا لعاجل الدنيا وآجل الآخرة، فشاركوا أهل الدنيا في دنياهم، ولم يشاركهم أهل الدنيا في آخرتهم، سكنوا الدنيا فأفضل ما
سكنت، واكلوها بأفضل ما اكلت، فحظوا من الدنيا بما حظي به المترفون
،
واخذوا منها ما أخذه الجبابرة المتكبرون ثم انقلبوا عنها بالزاد المبلغ، والمتجر المربح، أصابوا لذة، زهدوا الدنيا في دنياهم، وتيقنوا أنهم جيران الله غدا في آخرتهم لا ترد لهم دعوة، ولا ينقص لهم نصيب من لذة، فاحذروا عباد الله الموت وقربه، واعدوا له عدته، فإنه يأتي بأمر عظيم، وخطب جليل، بخير لا يكون معه شر أبدا، وشر لا يكون معه خير أبدا فمن اقرب الى الجنة من، ومن أقرب الى النار من عاملها
عاملها
وانكم طردوا الموت، إن اقمتم له أخذكم، وان فررتم منه ادرككم، وهو الزم لكم من ظلكم
الموت معقود بنواصيكم، والدنيا تطوى من خلفكم فاحذروا نارا قعرها بعيد، وحرها شديد، وعذابها جديد، دار ليس فيها رحمة، ولا تسمع فيها دعوة، ولا تفرج فيها كربة وان استعظمتم أن يشتد خوفكم من، وان يحسن ظنكم به فاجمعوا بينهما، فإن العبد انما يكون حسن ظنه بربه
الله
على قدر خوفه من ربه، وان أحسن الناس ظنا بالله أشدهم خوفا له
ومن وصيته لابنه الحسن. أوصيك بتقوى الله با بني ولزوم امره، وعمارة قلبك بذكره، والاعتصام بحبله، وأي سبب أوثق من سبب بينك وبين الله إن أنت أخذت به أحي قلبك بالموعظة، وأمته بالزهادة، وقوه باليقين، ونوره بالحكمة، وذلله بذكر الموت، وقرره بالفناء، وبصره فجائع الدنيا، وحذره صولة الدهر، وفحش تقلب الليالي والأيام، واعرض عليه
- 125 - (1/125)
صفحة 126
أخبار الماضين، وذكره بما أصاب قبلك من الأولين، وسر في ديارهم وآثارهم فانظر ماذا فعلوا، وعما انتقلوا، وأين حلوا ونزلوا، فإنك تجدهم انتقلوا عن الأحبة، وحلوا دار الغربة، وكأنك عن قليل صرت كأحدهم، فاصلح مثواك، ولا تبع آخرتك بدنياك ودع القول فيما لا تعرف، والخطاب فيما لا تكلف، وأمسك عن طريق إذا خفت ضلالته، فإن الكف عن حيرة الضلال خير من ركوب الأهوال، وامر بالمعروف تكن من أهله، وانكر المنكر بيدك ولسانك، وباين من فعله بجهدك وجاهد في الله حق جهاده، ولا تأخذك في الله لومة لائم، وألج نفسك في الأمور كلها إلى إلهك، فإنك تلجيها الى كهف حريز ومانع عزيز، وتفقه في الدين، وعود نفسك الصبر على المكروه، ونعم الخلق التصبر، واخلص في المسألة لربك فإن بيده العطاء والحرمان
يا بني إني قد أنبأتك عن الدنيا وأحوالها وزوالها وانتقالها، وأنبأتك عن الآخرة وما أعد الله فيها لأهلها، وضربت لك فيها الامثال لتعتبر بها وتحذر
عليها.
إنما مثل الدنيا كمثل قوم سفر نبا بهم (1) منزل جديب، فأموا منزلا خصيبا، وجنابا مربعا، فاحتملوا وعثاء الطريق، وفراق الصديق وخشونة السفر، وخشونة المطعم ليأتوا سعة دارهم ومنزل قرارهم، فليس يجدون لشيء من ذلك الماء ولا يرون النفقة مغرما ولا شيء أحب إليهم مما قربهم إلى منزلهم، وأدناهم الى محلتهم
ومثل من اغتر بها كمثل قوم كانوا بمنزل خصيب فنبا الى منزل
بهم
جديب فليس شيء اكره إليهم ولا افظع (2) عندهم من مفارقة ما كانوا فيه الى ما يهجمون عليه ويصيرون اليه
1 - نبا بهم: نبا الشيء: نبوا - بضمتين - ونيا - يضم فكسر - ونبوة - بفتح فسكون: لم يستو في مكانه المناسب له، ويقال: كلمة نابية أي قلقة وغير منسجمة، ونبا عن الفراش: لم يطمئن به، والنبوة هي
الجفوة، يقال بينهما نبوة وهو يشكو نبوة الدهر، أي خطبه
2 - في الأصل (أفضع) والصحيح ما ثبت
- 119 - (1/126)
صفحة 127
يا بني: اجعل نفسك ميزانا بينك وبين غيرك، فأحب لغيرك ما تحب
لنفسك، واكره لهم ما تكره لها، ولا تظلم كما لا تحب ان تُظْلَم، وأحسن كما تحب ان يُحسن إليك، واستقبح من نفسك ما تستقبح من غيرك، وارض من الناس ما ترضاه لهم من نفسك، ولا تقل ما لا تعلم وإن قل ولا تقل ما لا تحب أن يقال لك، واعلم ان الاعجاب ضد الصواب وآفة الألباب فاسع في كدحك، ولا تكن خازنا لغيرك
فإذا أنت هديت لقصدك فكن اخشع ما تكون لربك
واعلم ان أمامك طريقا ذا مسافة بعيدة ومشقة شديدة وأنك لا غنى بك فيه عن حسن الارتياد وقدر بلاغك من الزاد مع خفة الظهر فلا تحمل على ظهرك فوق طاقتك فيكون ثقل ذلك عليك وبالا (1)، واذا وجدت من اهل الفاقة من يحمل زادك الى يوم القيامة فيوافيك به غدا حيث تحتاج إليه. فاغتنمه وحمله إياه، واكثر من تزويده وأنت قادر عليه فلعلك تطلبه فلا تجده واغتنم من استقرضك في حال غناك ليجعل قضاءه لك في يوم عسرتك. واعلم ان أمامك عقبة كؤودا المخف فيها احسن حالا من المثقل، والمبطئ عليها أقبح حالا من المسرع، وأن مهبطها بك لا محالة على جنة أو نار فارتد لنفسك قبل نزولك، ووطئ المنزل قبل حلوله، فليس بعد الموت مستعتب، ولا الى الدنيا منصرف
واعلم ان الذي بيده خزائن السموات والارض قد اذن لك في الدعاء وتكفل لك بالاجابة، وامرك ان تسأله ليعطيك وتسترحمه ليرحمك، ولم يجعل بينك وبينه من يحجبك ولم يلجئك الى من يشفع لك إليه، ولم يمنعك إن شئت من التوبة ولم يعاجلك بالنقمة، ولم يفضحك حيث الفضيحة، ولم يشدد عليك في قبول الانابة، ولم يناقشك بالجريمة، ولم ييئسك من الرحمة بل جعل نزوعك عن الذنب حسنة وحسب سيئاتك - لعله سيئتك - واحدة وحسـ
وجدت في الأصل عليك) وبالا عليك وهو تكرار لا حاجة اليه فحذفت كلمة عليك
- 127 - (1/127)
صفحة 128
حسنتك عشرا وفتح لك باب المتاب وباب الاستعتاب فإذا ناديته نداك
سمع
،
واذا ناجيته علم نجواك، واذا شئت اقتضيته فافضيت إليه بحاجتك وأبثثته
ذات نفسك، وشكوت إليه همومك، واستكشفته كربك واستعنته على أمورك، وسألته من خزائن رحمته ما لا يقدر على عطائه غيره، واستفتحت أبواب نعمته، واستمطرت شبابيب رحمته، وربما أخر عنك الاجابة ليكون لك أعظم الأجر للسائلين وأجزل العطاء للآملين
وربما تسأل الشيء فلا تؤتاه وأوتيت خيرا منه عاجلا وآجلا وصرف عنك لما هو خير لك فلرب أمر قد طلبته فيه هلاك دينك ولو أوتيته، فلتكن مسألتك له فيما يبقى لك جماله، وينفى عنك وباله
واعلم أنك إنما خلقت للآخرة لا للدنيا، وللفناء لا للبقاء وللموت لا للحياة، وانك في منزلة قلعة، ودار بلغة، وطريق الى الآخرة، وأنك طريد الموت الذي لا ينجو منه ها ربه ولا يفوته طالبه، ولا بد أنك مدركه. فكن منه على حذر ان يدركك وأنت على حالة سيئة، وقد كنت تحدث نفسك منها بالتوبة فتحول بينك وبين ذلك، فإذا أنت قد اهلكت نفسك
يا بني اكثر من ذكر الموت، وذكر ما تهجم عليه، وتقضي بعد الموت عليه حتى يأتيك وقد أخذت منه حذرك، وشددت له ازرك، ولا يأتيك بغتة فيبهرك. واياك ان تغتر بما ترى من اخلاد اهل الدنيا وتكالبهم عليك فقد نبأك الله عنها، ونعت لك هي نفسها، وتكشفت لك نفسها، وتكشفت لك عن مساوئها، فإنما اهلها كلاب عاوية وسباع عادية ضارية، يهر بعضها على بعض ويأكل عزيزها ذليلها، ويقهر كبيرها صغيرها. نعم
معلقة - لعله - معقلة وآخر مهملة، قد أضلت وركبت مجهولها
سلكت بهم الدنيا طريق العمى، وأخذت بأبصارهم عن منازل الهدى فتاهوا في حيرتها، وغرقوا في نعمتها، واتخذوها ربا فلعبت الدنيا ولعبوا بها بهم ونسوا ما وراءها.
- 128 - (1/128)
صفحة 129
رويدا يسفر الظلام كأن قد وردت الأظعان يوشك من
ان يلحق
أسرع
واعلم يا بني ان من كانت مطيته الليل والنهار فإنه يسار به وان كان
،
واقفا، ويقطع المسافة وان كان مقيما وادعا، واعلم يقينا انك لن تبلغ أملك ولن تعدو أجلك، وانك في سبيل من كان قبلك فخفض في الطلب وأجمل في المكتسب فإنه رب طلب قد جر الى حرب، وليس كل طالب بمرزوق ولا كل مجمل بمحروم، واكرم نفسك عن كل دنية، وان ساقتك الى الرغائب فإنك لن تعتاض بما تبذل من نفسك عوضا ولا تكن عبد غيرك وقد جعلك الله حرا، وما خير خير لا ينال إلا بشر، ويسر لا ينال الا بعسر، وإياك ان تزحف بك مطايا اللجاج فتوردك مناهل الهلكة، وان استطعت ان لا يكون بينك وبين الله ذو نعمة فافعل فإنك مدرك قسمك وآخذ سهمك، وان اليسير من الله اكرم واعظم من الكثير خلقه، وان كان كل منه، وتلافيك ما فرط من صمتك أيسر من ادراكك ما فات من منطقك، وحفظك ما في الوعاء بشد الوكاء، وحفظ ما في يديك أحب إلي من طلب ما في يد غيرك، ومرارة اليأس خير من الطلب الى الناس، والحرفة مع العفة خير من الغنى مع الفجور والمرء احفظ لسره ورب ساع الى ما يضره
قارن اهل الخير تكن منهم، وباين أهل الشر تبن عنهم، بئس الطعام
الحرام، وظلم الضعيف أفحش الظلم
وإياك والاتكال على المنى فإنها بضائع التوكي
والعقل حفظ التجارب، وخير ما جربت ما وعظك، بادر الفرصة قبل ان تكون غصة، ليس كل طالب يصيب ولا كل غائب يؤوب ومن الفساد اضاعة، ومفسدة المعاد، ولكل أمر عاقبة، سوف يأتيك ما قدر لك، واياك أن
الزاد
تطمح بك مطية اللجاح
- 129 - (1/129)
صفحة 130
احمل نفسك من أخيك عند صرمه على الصلة، وعند صدوده على
اللطف والمقاربة، وعند جموده على البذل، وعند تباعده على الدنو، وعند
شدته على اللين، وعند جرمه على الغدر كأنك له عبد وكأنه ذو نعمة عليك اياك ان تضع ذلك في غير موضعه
،
لا تتخذن عدو صديقك صديقا فتعادي صديقك، ولا تخص أخاك النصيحة حسنة كانت ام قبيحة، وتجرع الغيظ فإني لم أر جرعة أحلى منها عاقبة، ولن لمن غالظك فإنه يوشك أن يلين لك، وجز على عدوك بالفضل فإنه أحد الظفرين، وإذا أردت قطيعة أخيك فاستبق له من نفسك بقية يرجع اليها إن بدا له ذلك يوما، ومن ظن بك خيرا فصدق ظنه ولا يكن أهلك أشقى الخلق بك
ولا ترغبن فيمن زهد فيك، ولا يكونن أخوك اقوى على قطيعتك منك على صلته، ولا تكونن على الاساءة أقوى منك على الاحسان. ولا يكبرن عليك ظلم من ظلمك فإنه يسعى في مضرته ونفعك وليس
جزاء من سرك ان تسوءه
واعلم يا بني أن الرزق رزقان: رزق تطلبه ورزق يطلبك فإن أنت لم تأته أتاك، ما أقبح الخضوع عند الحاجة والجفاء عند الغنى، وانما لك من دنياك ما أصلحت به مثواك وان كنت جازعا على ما أثقلت من يديك فاجزع على كل ما لم يصل إليك، لا تكونن ممن لا تنفعه العظة إلا إذا بلغت في إيلامه، فإن العاقل يتعظ بالأدب، والبهائم لا تتعظ إلا بالضرب اطرح عنك واردات الهموم بعزائم الصبر وحسن اليقين من ترك القصد
جار
الصاحب مناسب، والصديق من صدق غيبه، والهوى شريك العمى
رب بعيد اقرب من قريب، وقريب أبعد من بعيد.
- 130 (1/130)
صفحة 131
من اقتصر على قدره كان ابقى له
ربما أخطأ البصير قصده، وأصاب العمى - لعله ـ الأعمى رشده
وقطيعة الجاهل تعدل صلة العاقل
من أمن الزمان أخانه عظمه اهانه
ومن
ليس كل من رمى أصاب دما
اذا تغير السلطان تغير الزمان
سل عن الرفيق قبل الطريق، وعن الجار قبل الدار، وإياك ومناورة النساء فإن رأيهن إلى أفن، وعزمهن الى وهن واكفف عليهن من أبصارهن بحجابك إياهن فإن شدة الحجاب ابقى عليهن، وليس خروجهن بأشد من ادخال من لا تثق به عليهن، وان استطعت ان لا يعرفن غيرك فافعل، ولا تملك المرأة من أمرها ما جاوز نفسها فإن المرأة ريحانة وليست بقهرمانة، ولا تطمعها في أن تشفع لغيرها، واياك والتغاير في موضع غيرة فإن ذلك يدعو الصحيح الى السقم، والبرئ الى الريبة، واكرم عشيرتك، فإنهم جناحك الذي به تطير، وأصلك الذي إليه تصير، ويدك التي بها تصول استودعك الله دينك ودنياك، واسأله خير القضاء لك في العاجلة والآجلة
والدنيا والآخرة إن شاء الله تعالى
•
ومن كلام له أيضا قال: وتمسك بحبل القرآن وانتصحه وأحل حلاله وحرم حرامه، وتصدق بما سلف من الحق، واعتبر بما مضى من الدنيا بما بقي منها، فإن بعضها يشبه بعضا وآخرها لاحق بأولها كلها حائل مفارق.
وعظم اسم الله ان تذكره إلا على حق، واكثر ذكر الموت وما بعد الموت، ولا تتمنى الموت إلا بشرط وثيق، واكره كل عمل رضاه صاحبه لنفسه، ويكره لعامة المسلمين، واحذر كل عمل تعمل به في السر وتستحي
131 - (1/131)
صفحة 132
منه في العلانية، واحذر كل عمل إذا سئل عنه صاحبه نكره واعتذر منه ولا تجعل عرضك غرضا لنبال القول، ولا تحدث الناس بكل ما سمعت فكفى بذلك كذبا، ولا ترد على الناس بكل ما حدثوك به فكفى بذلك
جهلا
واكظم الغيظ، واحلم عند الغضب، وتجاوز عند القدرة، واصفح عند الزلة، تكن لك العاقبة
واستصلح كل نعمة أنعمها الله عليك، ولا تضيعن نعمة إن انعم الله بها عليك، وكبر أثر ما انعم الله به عليك
واعلم أن أفضل المؤمنين افضلهم تقدمة من نفسه وأهله وماله وإنك ما
،
تقدم من خير يبق لك ذخره، وما تؤخر يكن لغيرك خيره واحذر من يقبل رأيه وينكر عمله، فإن الصاحب معتبر بصاحبه
صحابة (1)
واسكن الامصار العظام فإنها جماع المسلمين، واحذر منازل الغفلة والجفاء وقلة الأعوان على طاعة الله، واقصر رأيك على ما يعنيك، وإياك ومقاعد الأسواق فإنها محاضر الشيطان ومغارس الفتن، واكثر ان تنظر الى من
فضلت عليه فإن ذلك من أبواب الشكر
ولا تسافر في يوم جمعة حتى تشهد الصلاة إلا قاصدا في سبيل الله او في
أمر تعذر به، وأطع الله في جميع أمورك، فإن طاعة الله فاضلة على ما سواها
وخادع نفسك في العبادة، وارفق بها ولا ترهقها، وخذ في عفوها
ونشاطها إلا ما كان مكتوبا عليك من الفريضة، فإنه لا بد من قضائها
وتعاهدها عند محلها
وإياك ان ينزل بك ملك الموت وأنت آبق من ربك في طلب الدنيا
1 - هكذا وجدت في الأصل ولعله يريد (صحبة)
132 - (1/132)
صفحة 133
وإياك ومصاحبة الفساق فإن الشر بالشر ملحق، ووقر الله وأحبب أحباءه، واحذر الغضب فإنه جند عظيم من جنود ابليس لعنه الله، واتق الله في كل مساء وصباح وخف على نفسك الغرور ولا تأمنها على حال واعلم أنك ان لم تردع نفسك عن كثير مما تحب مخافة مكروهة سمت بها الأهواء الى كثير من الضر، فكن لنفسك مانعا رادعا، ولنزواتك عند الحفيظة
قامعا
قال: ازري بنفسه من استشعر الطمع، ورضى بالذل من ضره، وهانت عليه نفسه من أمر عليه لسانه.
کشف
والبخل عار، والجبن منقصة، والفقر يخرس الفطن عن حجته، والمقل غريب في بلدته، والعجز آفة، والصبر شجاعة، والزهد ثروة والورع جنة، ونعم القرين الرضى، والعلم وراثة كريمة، والآداب حلل مجددة، والفكر مرآة صافية، وصدر العاقل صندوق سره، والبشاشة حبال المودة، والاحتمال قبر العيوب، ومن رضي عن نفسه كثر الساخط عليه، وأعمال العباد في عاجلهم نصب أعينهم في أجلهم
وقال: خالطوا الناس مخالطة إن متم معها بكوا عليكم، وان غبتم
حنوا إليكم.
منه
وقال: فاعل الخير. خير منه، وقال: الشر - لعله فاعل الشر شر
وقال: من أسرع الى الناس بما يكرهون قالوا فيه ما لا يعلمون
وقال: ما أضمر احد شيئا إلا ظهر في فلتات لسانه وصفحات وجهه
وقال: امش بدائك ما سيء بك
133 - (1/133)
صفحة 134
وقال: افضل الزهد. اخفى الزهد.
وقال: من جرى في عنان أمله عثر بأجله
وقال: قرنت الهيبة بالخيبة، والحياء بالحرمان، والفرصة تمر مر
السحاب فانتهزوا فرص الخير.
وقال: احذروا صولة الكريم إذا جاع، واللئيم اذا شبع.
وقال: قلوب الرجال وحشية فمن تألفها أقبلت إليه
وقال: عيبك مستور ما أسعدك جدك
وقال: الظفر بالحزم والحزم بإجالة الرأي والرأي بتحصين الأسرار. وقال: الغنى في الغربة وطن، والفقر في الوطن غربة
وقال: فوت الحاجة أهون من طلبها الى غير أهلها، لا تستح من اعطاء القليل فإن الحرمان اقل منه. وقال: إذا تم العقل نقص الكلام قال: من نصب نفسه اماما للناس فعليه ان يبدأ بتعليم نفسه قبل غيره ولكن تأديبه بسيرته قبل تأديبه بلسانه
ومعلم نفسه ومؤدبها أحق بالاجلال من معلم الناس ومؤدبهم. وقال: اذا اقبلت الدنيا على قوم أعارتهم محاسن غيرهم، واذا أدبرت عنهم سلبتهم محاسن انفسهم
والأركان
وقال: أوضع العلم ما وقف على اللسان، وأرفعه ما ظهر على الجوارح
وقال: لا يترك الناس شيئا من دينهم لاستصلاح دنياهم إلا فتح الله (1/134)
صفحة 135
عليهم ما هو أضر منه.
وقال: اضاعة الفرصة غصة
وقال غيره: المراءاة كفر وغيرة الرجال إيمان
وقال: لا يكون الصديق صديقا حتى يحفظ أخاه في ثلاث: في نكبته
وغيبته ووفاته
وقال: من قصر في العمل ابتلي بالهم، ولا حاجة الله فيمن ليس الله في
نفسه وماله نصيب
وقال: عظم الخالق عندك يصغر المخلوق في عينك
وقال: الراضي بفعل قوم كالداخل فيه معهم، وعلى كل داخل في باطل اثمان، إثم العمل به واثم الرضى
وقال: من وضع نفسه مواضع التهمة فلا يلومن من أساء الظن به
وقال: من لم ينجه الصبر اهلكه الجزع.
وقال: يوم المظلوم على الظالم أشد من يوم الظالم على المظلوم
وقال: حسد الصديق من سقم المودة
وقال: عجب المرء بنفسه أحد حساد عقله
وقال: في تقلب الاحوال علم جواهر الرجال
وقال: آلة السياسة الصدر
وقال: لكل امرئ في ماله شريكان. الوارث والحوادث.
•
135 - (1/135)
صفحة 136
الطلب
وقال: ماء وجهك ماء جامد يقطره السؤال فانظر عند من تقطره
وقال: ما خير بخير بعده النار، ولا شر بشر بعده الجنة
وقال: خذ من الدنيا وتلوى عما تولى عنك فإن لم أنت لم تفعل فاجمل في
وقال كفاك أدبا لنفسك ما تكرهه من غيرك
وقال: من صبر. صبر الاحرار والا سلا سلوى الاغمار (1)
وقال: كفاك من عقلك ما أوضح سبيل غيك من رشدك وقال: من شكا الحاجة إلى مؤمن فكأنما شكاها إلى الله تعالى، ومن شكاها الى كافر فكأنما ـ لعله ـ شكا الله
وقال: إن آخر الناس صفقة وأخيبهم سعيا رجل اخلق بدنه في طلب آماله ولم تساعده المقادير على ارادته فخرج من الدنيا بحسرته وقدم على الآخرة
بتبعته
وقال: اذكروا انقطاع اللذات وبقاء التبعات
وقال: الزهد كله بين كلمتين من القرآن قال الله تعالى: لكيلا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم (2)، فمن لم يأس على الماضي، ولم يفرح بالآتي فقد أخذ الزهد بطرفيه
1 - سلا سلو الأغمار: غمرت اليد غمرا تعلق بها ريح اللحم أو الدسم، وغمر عرضه: دنسه، وغمر صدره على فلان: امتلا حقدا وغلا، والغمر من الماء خلاف الضحل، ومن الثياب؛ الواسع الساتر، وما يغمر من رائحة الدسم سائر الروائح، والغمر من الرجال قليل التجربة ومن الخيل: الجواد الكثير العدو الواسع الجري. وليل غمر: شديد الظلمة، والغمر: الزعفران وطلاء يتخذ من الزعفران أو الكركم وتجمع على أغمار
الآية 23 من سورة الحديد
- 136 - (1/136)
صفحة 137
نفس
وقال: من تجر بغير فقه ارتطم في الربا
وقال: من عظم صغار المصائب ابتلاه الله بكبارها
وقال: من كرمت عليه نفسه هانت عليه شهوته
وقال: زهدك في راغب فيك نقصان حظ، ورغبتك في زاهد فيك ذل
وقال: علامة الايمان تؤثر الصدق - لعله - حيث حين يسرك على الكذب حيث ينفعك، وان لا يكون في حديثك فضل عن عملك، وان تتقي
- 137 -
الله في حديث غيرك (1/137)
صفحة 138
[صفحة فارغة] (1/138)
صفحة 139
الباب السابع عشر
في لزوم التقوى
قال الله تعالى: يا أيها الذين آمنو اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا (يا
وانتم مسلمون) (1)
وقال الله تعالى: (واتقوا يوما ترجعون فيه الى الله ثم توفى كل نفس ما
كسبت وهم لا يظلمون) (2)
الوسنان
فقد أمر الله تعالى عباده المؤمنين بتقواه، والتزام طاعته. فيا أيها الغافل
،
، والجاهل الحيران، والنائم السكران انتبه من هذه الرقدة هذه الغفلة، واستفق من هذه السكرة، واعمر قلبك بخوف الله
واستيقظ من ومراقبته واستحي منه، واخرج عن قلبك حب الدنيا والرغبة فيها، واعلم ان من ادعى محبة الله وهو يحب الدنيا فهو جاهل كذاب غير عارف بحق الله من قطاع الطريق كما ذكر في الخبر: ان الله تعالى أوحى الى داود عليه السلام، يا داود؛ لا تستشر في رأيك عالما اسكره حب الدنيا فيقطعك بسكره عن طريق محبتي، ومن لم يكن متأسيا بالنبي لم يكن متبعا لأثره قال الله تعالى: لقد
كان لكم في رسول الله اسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآ. واليوم الآخر) (3) والمحب للدنيا قد تمكن الشيطان منه، وقاده بزمامه، وامكنه من
-
الآية 102 من سورة آل عمران
الآية 281 من سورة البقرة - الآية 21 من سورة الأحزاب
- 139 - (1/139)
صفحة 140
نفسه، وافنى عمره في مرضاته، فقلبه طول الدهر مشغول بالفكرة في الدنيا وحبها والزيادة منها، وقلبه مع الكثرة والمباهاة ويحسب انه من جملة المقربين فمن كانت هذه صفته فكيف يكون محبا لله أو كيف يخافه أو يراقبه بل خسر
الدنيا والآخرة واعلم ان أصل التقوى لزوم المعرفة ولزوم خوف الله تعالى ولزوم الخشوع له.
،
واحذر ان يخدعك الشيطان بغروره فتحتج بحجج لا تنفعك عند الله تعالى غدا فالواجب على كل انسان ان يشعر قلبه التوبة بصدق النية ويلتزم الأعمال الصالحة، وتقوى الله العظيم ويلزم نفسه حقيقة معرفة الله، ومراده من خلقه، لأن من عرف الله خافه خافه خشع له، ومن، ومن خاف الله لم يخف من شيء غيره وخافه كل شيء حتى ان أبليس لعنه الله يخافه ويمتنع
من
منه
•
ومن لم يعرف الله لم يخف منه لأنه كيف يخاف من لا يعرف ومن لا يخاف الله خوفه من كل شيء وسلط عليه الشيطان فعليك أيها الانسان بخوف الله ومراقبته وتقواه في السر والعلانية واعبده كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك بلا محالة، لأن الله مطلع على عمل كل عبد دقيقه وجليليه وعلى سره وعلانيته ويعلم ما يخفى من عمله وما يبديه وما يريد بعمله، ويعلم السر والاخفى، ويعلم ضمائر القلوب ويعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور قال الله تعالى: افمن هو قائم على كل نفس بما كسبت) (1)
1
وقال تعالى: ان الله كان عليكم رقيبا) (2)
وقال تعالى: وربك يعلم ما تكن صدورهم وما يعلنون) (3)
وذكر عن حميد انه قال لسليمان بن علي: عظني. فقال له: بما
1 - الآية 33 من سورة الرعد
-
الآية 1 من سورة النساء الآية 69 من سورة القصص
- 18. (1/140)
صفحة 141
أعظك؟ لئن كنت اذا عصيت الله عالما موقنا بأنه يراك حين تعصيه فقد اجترأت على أمر عظيم، وان كنت تظن أنه لا يراك فقد كفرت.
على جميع
قال الله تعالى: (واتقوا يوما ترجعون فيه الى الله ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون) (1)، فهذا خطاب من الله عز وجل وهو فرض خلقه فرضه في كتابه، وهو العمل بمحكمه في الأمر والنهي والخوف والرجاء لوعده ووعيده، والايمان بمتشابهه والاعتبار بقصصه وأمثاله، فإذا فعلت ذلك أيها الانسان فقد خرجت من ظلمة الجهل الى نور العلم، ومن الشك الى اليقين قال الله تعالى: الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الى النور) (2) وانما يعرف هذا أهل العقل الذين عقلوا عن الله ما ارادوا من خلقه فعملوا في احكام الطهارة وتنزهوا عن الشبهات لقول الرسول صلى الله عليه وسلم: الحلال بين والحرام بين وبين ذلك أمور مشتبهات» وتركها خير من
الظلمات
أخذها
وركوبها فالزم نفسك أيها الانسان تقوى الله في السر والعلانية واعلم أن المسلم من سلم الناس من لسانه ويده، والمؤمن من أمن الناس من بوائقه. كما ذكر عن أبي بكر الصديق - رضي الله عنه ـ أنه قال: اتقوا الله بتقاه، ولتكف يدك عن دماء المسلمين، وبطنك من أموالهم ولسانك عن أعراضهم، وحاسب نفسك قبل كل خطرة، وراقب الله في كل نفس تتنفس به، ولا تهمل نفسك كل الاهمال
وكما قال عمر - رضي الله عنه -: حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا وزنوا أنفسكم قبل أن توزنوا، وتأهبوا للعرض الأكبر يومئذ تعرضون
لا تخفى منكم خافية) (3)
1
فعليك يا أخي بخوف الله وتقواه في جميع أمورك وفي جميع أحوالك
الآية 281 من سورة البقرة 2 - الآية 259 من سورة البقرة - الآية 18 من سورة الحاقة
- 11 - (1/141)
صفحة 142
وأقوالك وأفعالك، وارجه في جميع أمورك واصبر على ما يصيبك وكما ذكر في حكمة داود: ينبغي للعاقل أن لا يغفل عن أربع ساعات؛ فساعة يحاسب فيها نفسه، وساعة يناجي فيها ربه، وساعة يخلو فيها مع اخوانه الذين يعرفونه بعيوب نفسه، وساعة يخلو بين نفسه ولذاتها فيما
يحل ويحمد واعلم بالحقيقة أنه ليس المطلوب من الخلق بك أحدا غيرك فلا تخف إلا ذنبك، ولا ترج إلا ربك، ولا تهمل نفسك الاهمال فتهلك إلى الأبد إلا أن يرحمك الله، قال الله - تعالى -: أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون) (1)
واعلم أن أقل الناس هما في الآخرة أهل الزهد في الدنيا وأتعب الناس قلوبا في الدنيا أهل المعرفة بالله لأن خوف الله - تعالى ـ أشد على البدن، وأتعب على النفس من قيام الليل، وصيام النهار، وانفاق المال في سبيل فإذا لزم العبد خوف الله ومراقبته اشتد خوفه والتزم التقوى وزاد في العمل كما قيل: من اتقى الله واليوم الآخر جد في العمل، وقصر في الأمل وحذر بغتة الأجل، وكان ليله قائما، ونهاره صائما، وكف لسانه عن كل
الله
،
ما لا يعنيه
واعلم أنه لا طريق أقرب من الصدق، ولا دليل أنجح من العمل
6
ولا زاد أبلغ من التقوى، ولا شيء أثبت للوسواس من ذكر الفضول ولا عمل أرجى في القبول من سلامة الصدور واعلم أن صحة اليقين في ثلاثة أشياء: سكون القلب إلى الثقة بالله - تعالى -، وانفاذ أمر الله، والاشفاق والوجل من سابق العلم، ومن ازداد الله يقينا ازداد له معرفة وازداد عند الله كرامة كما ذكر في الخبر عن النبي أنه قيل له: يا رسول الله؛ إن عيسى
1 - الآية 115 من سورة المؤمنون
- I?Y- (1/142)
صفحة 143
عليه السلام - كان يمشي على الماء فقال: «لو ازداد يقينا لمشى في الهواء» ولا يكون الخوف إلا بعد اليقين، وأصل ذلك كله المراقبة لله الواحد القهار، وأصل المراقبة في ثلاثة أشياء: مراقبة الله - تعالى - في العمل بطاعته، ومراقبة الله - تعالى - في ترك معصيته، ومراقبة الله - تعالى - في الهم والخواطر والوسوسة لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اعبد ربك كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك ثم عليك أيها الانسان بالاجتهاد في اصلاح نفسك، وتحفظ من المظالم وتقلل من المطاعم، وعليك بأخذ الكفاف من القوت
واترك المفضل الذي يطغيك ويلهيك فيذلك تنل الدرجة العليا لقول
الله - تعالى -: إن أكرمكم عند الله أتقاكم) (1)
ولما روي عن رسول الله أنه قال: إني لأعرف آيتين في كتاب الله لو أخذ الناس بهما لكفتهم عن جميع الأشياء؛ قوله - تعالى -: (ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب) (2)، وقوله: (ومن يتق الله يجعل له من أمره يسرا) (3)، يعني من كل أمر يضيق عليه ومن شبهات الدنيا وغمرات الموت وشدائد الآخرة
وذكر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ان الله يحب الأتقياء الأخفياء الذين إذا غابوا لم يفقدوا، وإذا حضروا لم يعرفوا، قلوبهم مصابيح الهدى، للناس حالات ولهم حالات
وذكر عن عمر ـ رضي الله عنه ـ أنه قال: من اتقى الله لم يشف غيظه
ومن اتقى الله لم يصنع ما يريد، ولولا يوم القيامة لكان الأمر غير ما ترون.
وذكر عن بعض الحكماء أنه قال: التقى نور في القلب يفرق به بين الحق
1 - الآية 13 من سورة الحجرات
الآية 2 من سورة الطلاق 3 - الآية 4 من سورة الطلاق
- 143 - (1/143)
صفحة 144
جاء
والباطل، وذكر عن النبي لو أنه قال: من قيل له اتق الله فغضب لذلك يوم القيامة فيوقف موقفا فلا يبقى ملك إلا مر به فيقال له: أنت الذي قيل لك اتق الله فغضبت فيحل بك الخزي والهوان في دار الآخرة. وذكر عن وهب بن منبه أنه قال: الايمان عريان، ولباسه التقوى وزينته
الحياء، وماله العفة
وذكر عن الأعمش أنه قال: من كان رأس ماله التقوى كلت الألسن
عن وصف ربحه
وذكر عن عمر بن عبدالعزيز أنه قال: لكل شيء معدن، ومعدن التقوى قلوب العارفين بالله؛ لأنهم عرفوا عن الله بعقولهم ما الذي أراده من خلقه، فاتقوه في أمره ونهيه ولم يخافوا أمره، فمن أراد أن يكون أكرم الخلق على الله فليتق الله
وذكر عن بعض الحكماء أنه قال: أصل معرفة الله وخشيته العمل بطاعته، وأصل التقوى الزام القلوب لعظمة الله وذكره، ويستدل على صحة المعرفة والتقوى ترك الاختيار في الباطن، وترك الاعتراض في الظاهر ورد الأمور كلها إلى الله - تعالى -، واعلم أن حقيقة المعرفة والمراقبة والتقوى والايمان وأشباهها إنما تقع في القلب إذ هو القطب وعليه المدار فاجتهد في اصلاح القلب فإن منه يتفرع كل صلاح وفساد وسأبين ذلك
في باب القلب إن شاء الله تعالى
فإن قيل فما التقوى حتى نعلمه؟ فاعلم أن التقوى كنز عزيز فإن ظفرت به فقد ظفرت بخير الدنيا ونعيم الآخرة، فكم فيه من جوهر شريف، وعلم نفيس، وخير كثير، ورزق كريم وفوز كبير، وملك عظيم، فكأن خيرات الدنيا والآخرة قد جمعت تحت هذه الخصلة التي هي التقوى، وتأمل ما في كتاب الله - تعالى - من ذكرها فكم تعلق بها من خير، وكم وعد عليها من
-
144 - (1/144)
صفحة 145
ثواب، وكم أضيف إليها من خير
أولها المدحة والثناء من الله - تعالى - كقوله: وان تصبروا وتتقوا فإن
ذلك من عزم الأمور) (1)
ثم
الحفظ والحراسة من الأعداء كقوله - تعالى -: وإن تصبروا وتتقوا
لا يضركم كيدهم شيئا) (2)
ثم الاعانة والنصرة كقوله - تعالى -: إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون) (3)
ثم النجاة من الشدائد والرزق من الحلال كقوله - تعالى -: (ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب) (4)
ثم تكفير الذنوب وتعظيم الأجر كقوله - تعالى -: (ومن يتق الله يكفر
عنه سيئاته ويعظم له أجرا) (5)
ثم اصلاح العمل وغفران الذنوب كقوله - تعالى -: (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم) (6)
ثم محبة الله - تعالى، كقوله - تعالى -: إن الله يحب المتقين) (7)
ثم البشارة عند الموت لقوله - تعالى -: إن الذين آمنوا وكانوا يتقون
1 - الآية 186 من سورة آل عمران 2 - الآية 120 من سورة آل عمران
-
الآية 128 من سورة النحل 4 - الآيتان 2، 3 من سورة الطلاق
الآية. من سورة الطلاق
6 - الآيتان 70، 71 من سورة الأحزاب
- الآية 7 من سورة التوبة
- 145 - (1/145)
صفحة 146
لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة) (1)
ثم النجاة من النار لقوله - تعالى -: ثم ننجي الذين
اتقوا) (2). وسيجنبها الأتقى) (3).
هي
فكل خير وسعادة في الدارين جميعا قد حصلت تحت هذه الخصلة التي التقوى، فلا تنس نصيبك أيها الانسان العاقل منها
وذكر عن بعض الناس أنه قال لبعض شيوخه: أوصني بوصية ينفعني بها ربي. فقال له: أوصيك بوصية الله - تعالى - لجميع خلقه من الأولين والآخرين قوله - تعالى -: ولقد وصينا الذين أوتوا الكتاب من قبلكم وإياكم أن اتقوا الله) (4)
هي
ولو علم الله ـ تعالى ـ خصلة أعظم من هذه الخصلة التي هي التقوى لوصانا بها، فعلم بذلك أنه ليس فوق تقوى الله غاية ولا نهاية وهو المقصد الذي أراد الله من جميع خلقه، وهي الجامعة لجميع خيرات الدنيا والآخرة، وهي المبلغة إلى أعلى الدرجات والكافية لجميع المحذورات
واعلم أن حقيقة التقوى هو تنزيه القلب عن كل ذنب سبق منك مثله
حتى يجعل العبد من قوة العزم وقاية بينه وبين المعاصي وذلك أن معني
وقاية
•
التقوى
وقد تقع التقوى في كتاب الله - تعالى - بمعنى الخشية والهيبة كقوله - تعالى -: وإياي فاتقون) (9)، وإياي فارهبون) (6)، واتقوا يوما
Y
2
4
-
-
-
-
الآيتان 63، 64 من سورة يونس
الآية 72 من سورة مريم
الآية 17 من سورة الليل الآية 131 من سورة النساء
الآية 41 من سورة البقرة الآية 40 من سورة البقرة
-187 - (1/146)
صفحة 147
ترجعون فيه إلى الله) (1)
وقد تقع بمعنى الطاعة كقوله - تعالى -: يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته) (2) معناه أطيعوه حق طاعته وذلك أن يطاع فلا يعصى ويذكر
فلا ينسى
وقد يقع بمعنى تنزيه القلب عن الذنوب وهذه الحقيقة في التقوى قوله - تعالى -: ومن يطع الله ورسوله ويخش الله ويتقه فأولئك هم الفائزون) (3)
وقد تكون التقوى بمعنى اجتناب فضول الحلال كما ذكر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: إنما سمي المتقون متقين لتركهم ما لا بأس به حذرا عما به بأس» وأصل التقوى في الحقيقة كل ما يخاف منه ضرر في الدين والذي يخاف منه الضرر في الدين وهو محض الحرام والمعصية بفضول الحلال، لأن الاشتغال بفضول الحلال يجر صاحبه إلى الحرام ومحض العصيان، وذلك لشدة النفس وطغيانها فمن أراد أن يسلم له دينه ويأمن الضرر فيه فليجتنب الحظر ويمتنع من فضول الحلال حذرا أن يجره إلى محض الحرام وهذا موافق لما ذكر عن النبي أنه قال: «المتقون تركوا ما لا بأس به حذرا عما به بأس» يعني لتركهم فضول الحلال حذرا عن الوقوع في الحرام المحض، والتقوى البالغة الجامعة هو اجتناب كل شيء فيه ضرر لأمر الدين فاتقوا الله عباد الله ولا تهملوا أنفسكم واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون) (4)
نسأل الله العظيم المولى الكريم أن يوفقنا لطاعته، ويتداركنا بفضله
وكرمه، ويمن علينا برحمته، ويميتنا مسلمين إنه هو أرحم الراحمين
-
-
الآية 281 من سورة البقرة الآية 102 من سورة آل عمران
3 - الآية 52 من سورة النور 4 - الآية 281 من سورة البقرة
- 147 - (1/147)
صفحة 148
[صفحة فارغة] (1/148)
صفحة 149
الباب الثامن عشر
ذكر خوف سوء
الخاتمة
فالسعيد
اعلم أيها الانسان أن جميع الأمور بالخواتم كما ذكر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قام خطيبا فقبض كفه اليمنى ثم قال: كتاب كتب الله فيه أهل الجنة بأسمائهم وأنسابهم لا يزاد فيهم ولا ينقص ثم قبض كفه اليسرى وقال: «كتاب كتب الله فيه أهل النار بأسمائهم وأنسابهم لا يزاد فيهم ولا ينقص منهم سعيد في بطن أمه، والشقي شقي في بطن أمه فالسعيد سعيد بقضاء الله، والشقي شقي بقضاء الله وانما الأعمال بالخواتم، وليعملن أهل الشقاء بعمل أهل السعادة حتى يكون بينه وبين الجنة شبر، ثم يرجع إلى عمل أهل الشقاء فيسبق عليه القضاء فيختم له بأعمال أهل الشقاء، وليعملن أهل السعادة بعمل أهل الشقاء حتى يكون بينه وبين النار شبر ثم يرجع إلى عمل أهل السعادة فيسبق عليه القضاء فيختم له بأعمال أهل السعادة.
وذكر عن عبد الله بن مسعود أنه قال: حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الصادق فقال: إن خلق أحدكم في بطن أمه يجمع أربعين ليلة، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يبعث الله - عز وجل - إليه ملكا فيؤمر بأربع كلمات فيكتب عمله ورزقه وأجله وشقي وسعيد، ثم ينفخ فيه الروح، وان أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى لا يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخل النار، وإن
-
149 - (1/149)
صفحة 150
أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبين النار إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخل الجنة، وما من نفس منفوسة إلا وقد كتب مكانها في الجنة والنار، فتكتب شقية أو سعيدة» فقال له رجل من القوم: يا رسول الله؛ أفلا نتكل على كتابنا وندع العمل فمن كان منا من أهل السعادة فيصير إلى السعادة، ومن كان منا من أهل الشقاوة فيصير إلى الشقاوة؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: اعملوا فكل ميسر لما خلق له (!)
JA
وملاك العمل خواتمه، وقد جف القلم بالشقي والسعيد وفرغ من أربع: من الخلق والخلق والرزق والأجل وفرغ إلى كل عبد من سبعة: من عمله ورزقه وأجله وأثره ومضجعه وشقي أو سعيد لا يتعداهن عبد فأما أهل السعادة فميسرون إلى عمل أهل السعادة.
وأما أهل الشقاوة فميسرون إلى عمل أهل الشقاء، ثم قرأ: فأما من أعطى واتقى وصدق بالحسنى فسنيسره لليسرى وأما من بخل واستغنى وكذب بالحسنى فسنيسره للعسرى) (2)
(2)
وذكر أن رجلا سأل أبا القاسم فقال له: هل من ذنب ينزع الايمان من العبد؟ فقال: ثلاثة من الذنوب؛ أولها أن لا يحمد الله ويشكره على ما أكرمه به، ومن عليه من الايمان والاسلام حين جعله مؤمنا مسلما
الثاني: أن يكون آمنا على نفسه غير خائف على دينه أن يسلب منه
الاسلام.
والثالث: أن يظلم أحدا من الأنام
وذكر عن بعض العلماء أنه قال لبعض إخوانه: اذا سمعت بحال أهل
الكفر وخلودهم في النار، فلا تأمن على نفسك أن تكون منهم، فإن الأمر على
1 ـ أخرجه ابن ماجة عن عبدالله بن مسعود
2 - الآيات.
10 من سورة الليل
10. (1/150)
صفحة 151
الحظر وما تدري ماذا يكون من أمرك، ولا من عاقبتك، ولا بماذا يختم لك،
ولا تعرف ما سبق لك في علم الغيب
ولا تغتر بصفو الأوقات فإن تحتها غوامض الآفات
ولا تغتر بالنعم فإن تحتها عواقب النقم، زين الله إبليس بأنواع عصمته، وهو عنده في حقائق نقمته، وزين بلعام بأنعام ولايته، وهو عنده في كائن عداوته
•
وذكر عن علي بن أبي طالب أنه قال: كم مستدرج بالاحسان وكم مفتون بحسن القول، وكم مغرور بالستر، وأكثر ما ينخدع به الانسان الألطاف والكرامات. ثم قرأ قول الله - تعالى -: سنستدرجهم من حيث لا يعلمون وأملي لهم إن كيدي متين) (1)، يسبغ عليهم النعم، وينسيهم
الشكر
كما ذكر أن نبيا من الأنبياء سأل الله - تعالى - عن أمر بلعام وطرده بعد تلك الكرامات والنعم السابغات. فقال الله - تعالى -: (إنه لم يشكرني يوما قط على ما أعطيته ولو شكرني على ذلك مرة واحدة ما سلبته إياها)
وذكر عن ابراهيم بن أدهم أنه كان يقول: كيف يأمن أحد على نفسه،
أن نعبد
وقد قال ابراهيم خليل الرحمن - عليه السلام -: واجنبني وبني الأصنام (2) ولم يأمن على نفسه ما كان فيه من الخلة، ويوسف ـ عليه السلام - قال: توفني مسلما والحقني بالصالحين))
(3)
فتأمل هذا - رحمك الله -، وتيقظ من غفلتك، واحتفظ بنفسك فليس المطلوب من الخلق بك أحد غيرك، واجتهد في الشكر جدا واحمد الله
1 - الآيتان 44، 45 من سورة القلم
2 - الآية 35 من سورة ابراهيم 3 - الآية 101 من سورة يوسف
-101 - (1/151)
صفحة 152
- تعالى - على ما من به عليك إذ جعلك من جملة أهل الاسلام دون سابقة منك، بل هو قد من بذلك عليك، واشكره على مننه عليك في الدين، لأنه أعلى النعم الاسلام والمعرفة، وأدناها العصمة على كلمة لا تعينك أن يتم نعمته عليك، ولا يبتليك بمرارة الزوال فإن أمر الأمور وأصعب الأشياء
الاهانة بعد الاكرام، والطرد بعد التقريب، والفراق بعد الوصال.
وقيل: ان سعادة الآخرة؛ العلم ثم الايمان ثم العمل ثم التوفيق ثم الخاتمة، فإذا لم يكن حسن الخاتمة لم يكن التوفيق وإذا لم يكن التوفيق لم حسن يكن العمل الذي يجدي أي يغني، وإذا لم يكن العمل الذي يجدي لم يكن الايمان الذي يجزي وإذا لم يكن الايمان الذي يجزي لم يكن العلم الذي يغني وإذا لم يكن العلم الذي يغني خسر المرء الدنيا والآخرة وذلك هو الخسران
المبين.
واعلم بالحقيقة أن كل ما صرت إليه أقرب، فأمرك أخوف وأصعب والمعاملة أشد وأدق، والخطر عليك أعظم فإن الأمر كما تظن وأشد لأنه كلما كان أبلغ علوا إذا انقلب كان أصعب وقوعا، فإذا لا سبيل إلى الأمن ولا سبيل إلى ترك الابتهال ولا إلى اغفال الشكر بحال
وذكر عن سفيان الثوري أنه بكى يوما فقيل له: بكاؤك هذا على الذنوب؟ فأخذ تبنة (1) من الأرض وقال: الذنوب أهون علي من هذا وانما أخاف أن يسلبني الله الاسلام وأموت على الكفر والعياذ بالله من ذلك؛ لأنه ما أمن أحد على دينه إلا سلبه. ولقد بكينا قبل اليوم على الذنوب، ونحن نبكي الآن على الاسلام لأن أعظم مصائب الانسان أن يكون طول حياته على الاسلام ويختلف على المساجد، ويصوم ويعبد الله، ويفعل جميع الخيرات وهو على الحقيقة من الخاسرين
فالواجب على الانسان أن يدعو الله - تعالى - بجميل العاقبة فإن أكثر
1 - القطعة الصغيرة جدا من عود القش
- 152 - (1/152)
صفحة 153
ما يخاف ذهاب الايمان عند الموت في حال النزاع.
فانظر أيها الانسان، وتدبر حال الخلق بين يدي الملك المقتدر وتفكر في قول الله - تعالى -: يوم نحشر المتقين إلى الرحمن وفدا ونسوق المجرمين إلى جهنم وردا) (1)
فواحد يخرج من قبره فإذا البراق على رأسه، والحلل بين يديه فيلبس الحلل، ويوضع التاج على رأسه، ويركب جنان النعيم لا يخلى من عزته وكرامته أن يمشي إلى الجنة بقدميه
وآخر يخرج من قبره فإذا الزبانية قد أحاطت به، والأغلال والأنكال والسرابيل قد ألبسها، والعذاب والخزي والهوان قد حل به لا يخلى أن يمشي إلى النار بقدميه من هوانه، بل يسحب إلى سواء الجحيم على وجهه، نعوذ بالله من سخطه وأليم عقابه الذي لا طاقة لنا به
ثم إن الطامة الكبرى والمصيبة العظمى الخلود في النار، إذ لو كان عذابا منقطعا لكان الأمر هينا، ولكن الشأن في الخلود، فأي قلب يحتمل هذا وأي نفس تصبر على هذا
كما ذكر عن عيسى ـ عليه السلام ـ أنه قال: (ذكر النار يقطع قلوب
الخائفين)
وعن عائشة - رضي الله عنها ـ عن النبي أنه قال: «إذا أراد الله ـ تعالى ـ أن يدخل أهل الجنة في الجنة بعث إليهم ملكا وعنده هدية وكسوة من الجنة فإذا أرادوا أن يدخلوها قال لهم الملك: قفوا فإن معي هدية من رب العالمين قالوا: وما تلك الهدية؟ فيقول الملك: هي عشرة خواتم مكتوب على احداها سلام) عليكم طبتم فادخلوها (خالدين وفي الثاني (رفعت عنكم
1 - الآيتان 85، 86 من سورة مريم
- lor_ (1/153)
صفحة 154
الأحزان والهموم وفي الثالث مكتوب (ادخلوها بسلام آمنين) وفي الرابع مكتوب (ألبسناكم الحلي والحلل) وفي الخامس مكتوب وزوجناكم بحور عين إني جزيتهم اليوم بما صبروا وانهم هم (الفائزون وفي السادس مكتوب (هذا) جزاؤكم اليوم بما فعلتم من الطاعة وفي السابع مكتوب (صرتم شبابا لا تهرمون (أبدا وفي الثامن مكتوب (صرتم آمنين لا تخافون أبدا وفي التاسع مكتوب رافقتم الأنبياء والصديقين والشهداء والصالحين) وفي العاشر مكتوب سكنتم في جوار الرحمن ذي العرش الكريم العظيم من لا يؤذي الجيران) ثم يقول الملك ادخلوها. فيدخلون الجنة ويقولون الحمد الله الذي أذهب عنا الحزن إن ربنا لغفور شكور) (1)، الحمد لله الذي صدقنا وعده وأورثنا الأرض نتبوأ من الجنة حيث نشاء فنعم أجر العاملين وترى الملائكة حافين من حول العرش يسبحون بحمد ربهم وقضي بينهم بالحق وقيل الحمد لله رب العالمين) (2). وإذا أراد الله أن يدخل أهل النار في النار بعث إليهم ملكا ومعه عشرة خواتم؛ أولها مكتوب فيه: ادخلوا جهنم لا تموتون فيها أبدا ولا تحيون ولا تخرجون
النار
1
وفي الثاني مكتوب: خوضوا في العذاب لا راحة لكم
وفي الثالث مكتوب: إيأسوا من رحمتي.
وفي الرابع مكتوب: ادخلوا في الغم والحزن والهم أبدا
وفي الخامس مكتوب: لباسكم النار وشرابكم الزقوم والحميم ومهادكم
وفي السادس مكتوب: هذا جزاؤكم اليوم بما فعلتم معصيتي وفي السابع مكتوب: سخطي عليكم في النار أبدا
الآية 34 من سورة فاطر
2 - الآيتان 24، 75 من سورة الزمر
- 108 - (1/154)
صفحة 155
وفي الثامن مكتوب: عليكم اللعنة بما قصدتم من الذنوب الكبائر ولا تتوبون ولم تندموا.
وفي التاسع مكتوب: قرناؤكم الشياطين في النار أبدا
وفي العاشر مكتوب: اتبعتم الشيطان وغرتكم الدنيا وتركتم الآخرة
فهذا جزاؤكم
الله
صار
•
وقال وهب بن منبه: مكتوب في التوراة من تزود في الدنيا صار حبيب، ومن ترك الغضب صار في جوار الله، ومن ترك حب العيش صار يوم القيامة محمودا على رؤوس الخلائق ومن ترك الرئاسة صار يوم القيامة عزيزا عند الملك الجبار. ومن ترك الفضول في الدنيا صار يوم القيامة من الفائزين ومن ترك الخصومة في الدنيا صار ناعما في الأبرار. ومن ترك الشهوات في الدنيا يوم القيامة من المقربين. ومن ترك الحرام في الدنيا صار يوم القيامة في جوار الأنبياء. ومن ترك النظر في الحرام في الدنيا أقر عينه يوم القيامة. فطوبى لمن شغله عيبه عن عيوب الناس، ورحم أهل الذل والمسكنة، وأذل نفسه في طاعة الله، وأصلح سريرته فيما بينه وبين الله، وعزل عن الناس شره، ومنحهم خيره، ووافق السنة والكتاب قوله وعمله، ونظر في الزاد ليوم المعاد، وبقدر ما تتواضعون فكذلك ترحمون، وكما تحرثون فكذلك تحصدون، فمن زرع خيرا وجد غبطة، ومن زرع شرا حصد ندامة، ولكل زارع ما زرع ولا يدرك حريص ما لم يقدر له فمن أعطي خيرا فالله أعطاه، ومن وقي شرا فالله وقاه
100 - (1/155)
صفحة 156
[صفحة فارغة] (1/156)
صفحة 157
الباب التاسع عشر
في القيام بالقسط
قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم: ويقتلون النبيين بغير حق ويقتلون الذين يأمرون بالقسط من الناس) (1) إلى أن انتهى وما لهم من ناصرين) (2) قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا أبا عبيدة؛ قتلت بنو اسرائيل ثلاثة وأربعين نبيا من أول النهار في ساعة واحدة فقام مائة واثنا عشر رجلا من عباد بني اسرائيل فأمروا من قتلهم بالمعروف ونهاهم (3) عن المنكر فقتلوا جميعا في آخر النهار من ذلك اليوم فهم الذين ذكر الله - عز وجل - في كتابه وأنزل الآية فيهم
الأخبار
عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: بئس القوم قوم يقتلون الذين يأمرون بالقسط من الناس، بئس القوم قوم لا يأمرون بالمعروف ولا ينهون عن المنكر، بئس القوم قوم يمشي المؤمن بينهم بالتقية والكتمان (؟)
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: انكم سترون ما تكرهون فمن أنكر نجا ومن كره
سلم ولكن من رضي وتابع
1 - الآية 21 من سورة آل عمران 2 - الآية 22 من سورة آل عمران
4
- هكذا وجدت في الأصل رواه ابن ماجه عن ابن عمر
•
157 - (1/157)
صفحة 158
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «المقام يقوم فيه المؤمن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر أفضل من عبادة الله في رؤوس الجبال مائة عام صائم نهارها قائم
ليلها
عن حذيفة وابن عباس عنه - عليه السلام -: «من قُتِل في عصبية أو
حمية أو تحت راية عمية فله النار
وقال: «من تعصب فليس منا وقال: من قاتل تحت راية عقدت للعصبية أو غضب للعصبية فقتل فقتلته جاهلية ومن دخل قلبه شيء من العصبية خرج منه بقدر ذلك من الايمان
وقال - عليه السلام -: «من مات وفي قلبه شيء من العصبية حشره الله يوم القيامة مع أعراب الجاهلية فلعن أهل العصبية وأمن عليهم
وقال: ألا أدلكم على ميت الأحياء؟ قيل: ومن هو؟ قال:
من لم ينكر المنكر بيده ولا بلسانه ولا بقلبه
وقيل إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: يا أبا بكر؛ إن الله - تعالى - في الأرض مجاهدين هم أفضل عند الله أفضل عند الله من الشهداء الأحياء المرزوقين يمشون على الأرض الملائكة، ملائكة السماء تزين لهم الأرض كما تزين أم سلمة
لعله ليزوج
يباهي بهم ربهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم قال: من هم يا رسول الله؟ قال: «الأمرون بالمعروف والناهون عن المنكر والمحبون في الله والمبغضون في الله والذي نفس محمد بيده أن العبد منهم ليكون في غرف الشهداء للغرفة منها مائة ألف باب من ياقوتة حمراء وزبرجد أخضر وان على كل باب منها نورا وان العبد منهم بثلاثة مائة ألف ألف قاصرات الطرف عين كلما التفت إلى واحدة منهن إلى ما أحسن منها وأجمل فينظر فيقول: هل تذكر يوم أمرت بالمعروف ونهيت عن المنكر؟ تقول له ذلك كل واحدة منهن تحول إليها تذكر بكل مقام أمر فيه بمعروف ونهى عن منكر.
التفت
10 A- (1/158)
صفحة 159
الآثار
قال حذيفة: يأتي على الناس زمان لأن تكون فيهم جيفة حمار إليهم من مؤمن يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر
وروي
أن الله - تعالى - أوحى إلى نبي من الأنبياء: (إني مهلك من قومك مائة ألف؛ أربعين ألفا من شرارهم وستين ألفا من خيارهم) فقال: الهي؛ أنت العدل الذي لا تجور أهلكت الأشرار بأعمالهم، والأخيار بماذا؟ قال: (أبصروا المنكر فلم ينكروه). فإنكار المنكر واجب على من شاهد ذلك القدرة بإجماع الأمة وهو ثلاث منازل؛ باليد أو باللسان أو قائله وفاعله مع من بالقلب، ولا عذر من أحد هذه الوجوه الثلاثة. فمن قدر على الانكار فلم يفعل كان بترك ذلك هالكا ولفاعله مشاركا
وقيل: الذي يأمر بالمعروف يحتاج إلى خمسة أشياء؛ أولها العلم؛ لأن الجاهل لا يحسن الأمر بالمعروف، والثاني أن يقصد به وجه الله - تعالى - واعزاز الدين والثالث الشفقة على الذي يأمره فيأمره باللين والتودد ولا يكون فظا غليظا لأن الله تعالى جده قال لموسى وهارون حين بعثهما إلى فرعون: فقولا له قولا لينا) (1) والرابع أن يكون صبورا حليما؛ لأن الله ـ تعالى ـ قال في قصة لقمان: وامر بالمعروف وانه عن المنكر واصبر على ما أصابك) (2). والخامس أن يكون عاملا بما يأمر لئلا يغتر به ويدخل تحت قوله: أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم) (3)
وقال: لا يأمر بالمعروف ولا ينهى عن المنكر إلا رفيق فيما يأمر به رفيق فيما ينهى عنه حليم فيما يأمر به حليم فيما ينهى عنه فقيه فيما يأمر به فقيه فيها
ينهى عنه
1 - الآية 44 من سورة طه 2 - الآية 17 من سورة لقمان 3 - الآية 44 من سورة البقرة
-109 - (1/159)
صفحة 160
وقيل: إن الله لا يعذب العامة بعمل الخاصة ولكن إذا ظهرت المعاصي فلم ينكروا فقد استحق القوم العقوبة
وقيل عن النبي أنه قال: ان من الناس ناسا هم مفاتيح للخير مغاليق للشر ومن الناس ناس هم مفاتيح للشر مغاليق للخير، فطوبى لعبد جعل الله مفتاح الخير على يديه وويل لعبد جعل الله مفتاح الشر على يديه يعني الذي يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر فهو مفتاح للخير مغلاق للشر وهو من المؤمنين كما قال الله - عز وجل -: والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر) (1)
وأما الذي يأمر بالمنكر وينهى عن المعروف فهو مفتاح للشر وهو من علامات المنافقين كما قال الله - تعالى -: (المنافقون والمنافقات بعضهم من بعض يأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف) (2).
وقيل عن النبي أنه قال: أنتم اليوم على بينة من ربكم ـ يعني على بيان - قد بين الله لكم طريقكم ما لم تظهر فيكم سكرتان؛ سكرة العيش وسكرة الجهل. أنتم اليوم تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتجاهدون في سبيل الله وستحولون عن ذلك إذا فشا فيكم حب الدنيا، فلا تأمرون بالمعروف ولا تنهون عن المنكر وتجاهدون في غير سبيل الله فالقائمون يومئذ
بالكتاب سرا وعلانية كالسابقين الأولين من المهاجرين والأنصار.
وعن علي بن أبي طالب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الذنوب التي تغير النعم البغي والتي توجب الندم القتل، والتي تنزل النقم الظلم والتي تهتك العظم شرب الخمر والتي تحبس الرزق الزنا والتي تعجل الفناء قطيعة الرحم والتي تحجب الدعاء عقوق الوالدين والتي تبت (3) العمر ترك الصلاة والتي
1 - الآية 71 من سورة التوبة 2 - الآية 67 من سورة التوبة 3 - يريد تقطع العمر (1/160)
صفحة 161
تورث الذل ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
وقيل للنبي صلى الله عليه وسلم: من خير الناس يا رسول الله؟ قال: «أتقاهم الله وأوصلهم للرحم وأمرهم بالمعروف وأنهاهم عن المنكره
وقد قيل: من ورع العلماء أن تتكلم، ومن ورع الجهال أن تسكت. وسئل: أي الجلساء أفضل؟ قال: من تذكركم بالله رؤيته ويزيد في عملكم منطقه».
أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن العبد إذا أخطأ خطيئة نكتت في قلبه نكتة سوداء فإن قرع (1) واستغفر صفت (2) وان هو عاد زيد فيها حتى تعلو قلبه وهو الذي ذكره الله - تعالى -: کلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون) (3)
قال الربيع: قال أبو عبيدة: بلغني عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا يمنعن
أحدكم مخافة الناس أن تتكلم بالحق إذا شاهده وينكر الباطل إذا قدر عليه
وقال: قل الحق وإن كان مرا ولا تشرك بالله شيئا وإن عذبت وحرقت. وقيل: من أمر بالمعروف فقد شد ظهر المؤمنين، ومن نهى عن المنكر أرغم أنف المنافق، ومن شنا (4) المنافقين الفاسقين؛ فقد غضب الله وغضب الله له. ويسمى المعروف معروفا إذا كانت العقول تعرفه وتوجبه ولا تنكره، والمنكر منكرا، إذا كانت العقول تنكره وتأباه ولا توجبه ولا تميل إلى تصويبه
،
ومن وصية علي لابنه قال: فمن خالط الناس كثرت معاصيه وإن كان
1 - خلا من الذنوب
2 - أي إن خلا قلبه من الذنب واستغفر صفت نفسه
3 - الآية 14 من سورة المطففين
- 171 -
شنا المنافقين: أبغضهم
4
- (1/161)
صفحة 162
تقيا إلا أن يترك المداهنة ولا تأخذه في الله لومة لائم، ولا يقدر على ذلك لأن
أغلب الناس على ما نهى عنه الشرع وربما اتصل الأمر إلى الايذاء
وقيل عن النبي لو أنه قال: من فر بدينه من أرض إلى أرض ولو كان شبرا من أرض استوجب الجنة وكان رفيق أبيه ابراهيم ونبيه محمد ـ صلى الله أن ابراهيم هاجر من أرض حران إلى أرض الشام وهو قوله
عليهما يعني - تعالى -: وقال إني مهاجر إلى ربي) ((1) يعني إلى طاعة وإلى رضاء ربي ربي. وقد هاجر النبي الله من مكة إلى المدينة فمن كان في أرض أظهروا فيها المعاصي فخرج منها ابتغاء مرضاة الله فقد اقتدى بإبراهيم واقتدى بنبيه محمد فيكون رفيقهما في الآخرة
وقال الله: (ومن يخرج من بيته مهاجرا إلى الله ورسوله) (2) يعني إلى طاعة الله ورسوله ثم يدركه الموت فقد وقع أجره على الله) (3) يعني وجب
ثوابه على الله - تعالى -.
1 - الآية 26 من سورة العنكبوت 2 - الآية 100 من سورة النساء 3 - الآية 100 من سورة النساء
- 162 - (1/162)
صفحة 163
الباب العشرون
في العدل في الرعايا
الاخبار
أبو هريرة عن النبي أنه قال: عدل السلطان يوما واحدا أو ساعة
واحدة أفضل من عبادة ستين سنة قيام ليلها وصيام نهارها وجور ساعة في حكم أشد وأعظم عند الله من معاصي ستين سنة»
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يؤتى بالولاة يوم القيامة فيقول الله جل وعلا: انتم كنتم رعاة خليفتي وخزنة ملكي في ارضي ثم يقول لأحدهم لم ضربت عبادي فوق الحد الذي أمرت به؟ فيقول: يا رب لأنهم عصوك وخالفوك فيقول: لا ينبغي ان يسبق غضبك غضبي ثم يقول للآخر: لما عاقبت عبادي أقل من الحد الذي أمرت به؟ فيقول: يا رب لأني رحمتهم فيقول تعالى: كيف تكون ارحم مني؟ خذوا بالذي زاد والذي نقص فاحشوا زوايا بهم
جهنم
الآثار
وروي عن النبي هو أنه قال: الرجل راع على أهل بيته وهو مسئول
عنهم والراعي مسئول عن رعيته وأمير القوم راع وهو مسئول عنهم وامرأة
- 163 - (1/163)
صفحة 164
الرجل راعية على بيت زوجها وهي مسئولة عنه وعبد الرجل راع على مال سيده وهو مسئول عنه
والعدل في الرعايا: هو ان تعرف قدر الولاية وتتيقن خطر الرعاية فإنها من أعظم النعم فمن أقام بحقها نال من السعادة ما لا نهاية لها ولا سعادة بعدها، ومن قصر عن النهوض بحقها حصل في شقاوة لا شقاوة اعظم منها إلا الكفر بالله
•
ومما يدل على عظم خطر الولاية ما روى ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلملزم حلقة باب الكعبة وكان في البيت نفر من أكابر قريش فقال: «عاملوا رعايكم وأتباعكم بثلاثة أشياء: إذا سألوكم الرحمة فارحموهم واذا حكموكم فاعدلوا فيهم واعملوا بما تقولون يعني من الامر بالمعروف والنهي عن المنكر فمن لم يعمل بهذا فعليه لعنة الله وملائكته ولا يقبل الله منه صرفا ولا عدلا وقال: من حكم بين خصمين فظلم فلعنة الله على الظالمين
ثلاثة لا ينظر الله إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم. سلطان كاذب جائر، وشيخ زان، وفقير متكبر. يعني يتكبر للطمع. يا أصحابي سيأتي عليكم قوم يفتحون جانب الشرق والغرب وتصير في ايديكم وكل عمال تلك الاماكن في النار إلا من اتقى الله وسلك سبيل التقوى وأدى الأمانة وما من عبد ولاه الله أمر رعيته فغشهم ولم ينصح لهم ولم يشفق عليهم كشفقته على أولاده واهله إلا حرم الله عليه الجنة
يعني
ومن ولي امر المسلمين ولم يحفظهم كحفظه أهل بيته فقد تبوأ مقعده من
النار. ما استرعى الله عبدا رعية فلم يحفظها بنصيحة إلا حرم الله عليه
الجنة. ما من عبد يسترعيه الله رعية يموت (1) وهو غاش لهم إلا حرم
عليه الجنة.
1 - في الأصل ويوم يموت) والصحيح ما أثبت
الله
164 - (1/164)
صفحة 165
وعن معقل بن سيار قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من استرعاه
الله رعية فغشها فهو في النار رجلان من أمتي يحرمان شفاعتي ملك ظالم ومبتدع غال في الدين يتعدى الحدود. خمسة قد غضب الله عليهم وان شاء أمضى غضبه عليهم ومقر لهم الى النار: أمير قوم يأخذ حقه منهم ولا ينصفهم من نفسه ولا يرفع الظلم عنهم. ورئيس قوم يطيعونه ولا يساوي بين القوي والضعيف ويحكم بالميل والمحاباة، ورجل لا يأمر أهله وأولاده بطاعة الله ولا يعلمهم أمور الدين ولا يبالي من أين اطعمهم ورجل استأجر اجيرا فتمم عمله ومنعه أجرته، ورجل ظلم زوجته صدقة.
وفي الخبر: ويل للعرفاء وويل للعوانية فإنهم أقوام يعلقون في القيامة من السماء بذوائبهم يودون لو لم يعملوا عملا قط. وما من رجل ولي أمر عشيرة من الناس ولو كانوا ثلاثة فقط إلا جيء به يوم القيامة ويداه مغلولتان الى عنقه لعله كان عادلا أطلقه عدله فيهم والا زيد عليه غل آخر. وفي لفظ آخر عمله صالح فك الغل عنه وان كان عمله سيئا زيد عليه غل آخر.
قال علي: ويل لقاضي الأرض من قاضي السماء حين يلقاه إلا من عدل وقضى بالحق ولم يحكم بالهوى ولم يمل مع أقاربه ولم يبدل حكما بخوف أو طمع لكن يجعل كتاب الله مرآته ونصب عينه ويحكم بما فيه
وعن ابن عباس يرفعه. عبادة يوم من إمام عادل خير من عبادة ستين
سنة وحد يقام في الأرض بحق خير وأزكى من مطر اربعين صباحا
•
وعن ابن عمر يرفعه. إن الله يحب الامام العادل والشاب التائب الذي يقضي شبابه في طاعة الله تعالى وإذا كان يوم القيامة لا يبقى ظل ولا ملجأ إلا ظل الله تعالى إلا لسبعة أناس. سلطان عادل في رعيته إلى أخر
الحديث
وقال ابن عباس يرفعه. من ولي على أمور المسلمين وحسن سيرته زاد (1/165)
صفحة 166
هيبته في قلوبهم واذا بسط يده بالمعروف رزق المودة والمحبة منهم، وإذا وفر عليهم أمواخم وفر الله عليه أحواله، واذا أنصف من القوي قوى الله سلطانه، ومن عدل فيهم مد الله في عمره
وعن أبي أمامة الباهلي الخدري ان رجلا أتى الى النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقول:
أي الجهاد أفضل؟ قال: كلمة عدل عند سلطان جائره
وروي أن نبي الله داود عليه السلام. كان يخرج في الليل متنكرا بحيث لا يعرفه أخد وكان يسأل كل أحد يلقاه داود سرا فكلهم يثنون عليه فجاءه جبريل يوما في صورة رجل فقال له: ما تقول في داود؟ فقال نعم الخليفة إلا أنه يأكل من بيت المال ولا يأكل من كده وتعب يده فرجع داود باكيا حزينا وقال: إلهي علمني صنعة أكل بها فعلمه الله تعالى الدروع صنعة الزرد وكان عمر بن الخطاب ـ رحمه الله ـ يخرج كل ليلة يطوف مع العسس حتى يرى خللا يتداركه وكان يقول: لو تركت عنزا جرباء على جانب ساقية لم تذكر الخشيت أن أسأل عنها يوم القيامة فانظر ايها السلطان الى عمر رضي الله عنه مع عدله واحتياطه وما وصل أحد الى تقواه وصلاحه كيف يتفكر ويتخوف من أهوال يوم القيامة وانت قد جلست لاهيا عن أحوال رعيتك غافلا عن ولايتك
حكاية
أرسل قيصر ملك الروم الى عمر بن الخطاب رسولا لينظر احواله ويشاهد أفعاله فلما دخل المدينة سأل أهلها وقال: أين ملككم؟ فقالوا: ما لنا ملك إلا الله بل لنا أمير خرج الى ظهر البلد فخرج الرسول في طلبه فوجده نائما في الشمس على الارض فوق الرمل الحار وقد وضع درته كالوسادة تحت رأسه وعرقه قد بل الأرض فلما رآه على هذه الحالة وقع الخشوع في قلبه وقال: رجل يكون جميع الملوك لا يقر لهم قار من هيبته ويكون هو هذه حالته ولكنك يا
- 111. (1/166)
صفحة 167
عمر
عدلت فأمنت وملكنا يجور فلا أنه لا يزال ساهرا خائفا فدل على ان
جرم
خطر الولاية عظيم وخطبها جسيم ولا يسلم الوالي الا بمقاربة العلماء وفضلاء الدين ليعلموه طريق العدل وليسهلوا عليه خطر هذا الأمر وأن يشتاق الى رؤية العلماء ويحرص على استماع نصحهم وقبول قولهم ولا يخالفهم في أفعالهم ويحذر من علماء السوء الذين يحضون على الدنيا فإنهم يثنون عليك فيغرونك وطلبهم رضاك طمعا للحطام الذي في يدك ولو من حرام ليحصلوا من المال شيئا بالمكر والحيل
فأما العالم الصالح هو الذي يزهدك في الدنيا ويرغبك في الآخرة ويدلك على الله تعالى ولا يطمع فيها عندك من المال وينصحك في الوعظ والمقال وإنما مثل الوالي مثل عين الماء وسائر العلماء في العالم مثل السواقي فإذا كان أصل العين صافيا لم يضر كدر السواقي وإن كان أصل العين كدرا لم ينفع
صفاء السواقي
وسأل عمر بن عبدالعزيز محمد بن كعب القرطبي فقال: صف لي العدل فقال: كل مسلم اكبر منك سنا فاجعله لك أبا، وكل مسلم أصغر منك فاجعله لك ولدا ومن كان مثلك فكن له أخا وعاقب كل مجرم على قدر جرمه كما جاء في منهاج الشريعة. فان زدت أو نقصت فقد ظلمت ولعنة الله على الظالمين ويجب على العالم ان يعظ الملوك بمثل هذه الموعظة ولا يغرهم ولا يدخر عنهم كلمة الحق وكل من غرهم فهو مشارك لهم في ظلمهم
كتب عمر بن الخطاب الى عامله ابي موسى الأشعري
أما بعد، فإن أسعد الولاة من سعدت به رعيته وإن أشقى الولاة من شقيت به رعيته وإياك والبطش فإن عمالك يقتدون بك فتكون مثل دابة رغت مخصبا فأكلت كثيرا حتى سمنت فكان سمنها سبب هلاكها لانها بذلك
مرعي
السمن تذبح؛ وفي التوراة كل ظالم عَلِمَهُ السلطان من عماله ورعيته ويسكت
167 - (1/167)
صفحة 168
عنه كان ذلك الظلم منسوبا لهم ويؤخذ به يوم القيامة ويعاقب عليه وينبغي لمن أراد العدل على الرعية ان يرتب عماله للعدل ويحفظ احوالهم كما يحفظ احوال أهله وأولاده ومنزله ولا يتم ذلك إلا بحفظ العدل أولا من باطنه وذلك بأن لا يسلط شهوته وغضبه على عقله ودينه، ولا يجعلهما اسرى شهوته وغضبه واكثر الخلق في خدمة شهواتهم ولا يعلمون أن العقل من جوهر الملائكة وهو من جند الله تعالى. وإن الغضب والشهوة من جند الشيطان فمن يجعل جند الله وملائكته أسرى لجند الشيطان كيف يعدل في غيرهم.
وأول ما يظهر شمس العدل في الصدر ثم ينتشر نورها في أهل البيت وخواص الملك فيصل شعاعها الى الرعية، ومن طلب الشعاع من غير الشمس فقد طلب المحال وطمع فيما لا ينال، ولو كنت عاقلا لعلمت ان الذين يخدمونك إنما هم لأجل فروجهم، وبطونهم وشهواتهم لأنفسهم لا لك، وعلامة ذلك أن الولاية اذا سارت لغيرك اعرضوا بأجمعهم عنك وتقر لذلك الرجل لأجل حظوظهم
واعلم ان ظهور العدل من كمال العقل، وكما العقل ان ترى الأشياء كما هي، وتدرك حقائق باطنها ولا تغتر بظاهرها مثلا إن كنت تجور على الناس فتنظر أي شيء مقصودك فإن كان للأكل والطعام الطيب فتعلم ان هذه شهوة بهيمة في صورة أدمي فإن الشره في الأكل من طبائع البهائم، وان كان مقصودك التزين في اللباس فإنك امرأة في صورة رجل، لأن التزين من أعمال النساء، وإن كان مقصودك ان تمضي غضبك على أعدائك فأنت اسد في صورة آدمي لأن الغضب من طباع السباع، وإن كان مقصودك ان يخدمك الناس فأنت جاهل في صورة عاقل لأنك لو كنت عاقلا لعلمت أنما يخدمونك لأجل بطونهم وشهواتهم فقط
وعن أبي عبيدة بن الجراح - رحمه الله ـ قال لعمر بن قال لعمر بن الخطاب - رحمه الله - يا أمير المؤمنين لو لبست ثيابا حسانا فرآك قواد الروم وعظماء الأعاجم
- 19 A- (1/168)
صفحة 169
فقال عمر: يا أبا عبيدة إن الله قد اعطاكم العز بغير الثياب فلا تطلبوه بغير ما اعطاكم الله فيذلكم
وعن ابي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من: من كانت له امرأتان فمال الى احديهما جاء يوم القيامة وشقه مائل» (!)
عنقك،
وذكر في الخبر أن عاملا من المسلمين افتتح مدينة من مدائن فارس
فأصاب فيها مالا كثيرا وأصاب فيها ذهبا وفضة فكتب اليه عبيد الله بن زياد أما بعد. فإن أمير المؤمنين أمرني ان اكتب اليك كتابا أن تصغى إلي بالصفراء والبيضاء والقليل والكثير وأيم الله لئن لم تفعل ذلك لأبعثن من يضرب فلما آتاه كتابه دعا بجميع ما أصاب فقسمه على سهام الله وسنة رسوله، ثم كتب الى عبيد الله بن زياد. أما بعد فإنك كتبت إلي كتابا وذكرت فيه؛ أن أمير المؤمنين أمرك ان اصغى إليك بالصفراء والبيضاء، واني نظرت فوجدت كتاب الله وسنة رسوله قد سبقا كتابك وكتاب أمير المؤمنين فقسمت ذلك على فرائض الله وسنة رسوله وأما تخويفك لي بالقتل فإن السموات والارض لو كانتا رتقا على عبد من عبيد الله وهو يخاف الله ويتقيه لجعل الله له منهما فرجا ومخرجا والسلام.
فبعث اليه عبيد الله عاملا آخر وأمره أن يضرب عنقه ويقعد على عمله، فخرج ذلك العامل الآخر، فلما انتهى الى تلك البلدة التي كان فيها وجده قد مات وقد انصرف من جنازته ودفنه
وقال أبو حازم: إن بني اسرائيل لما كانوا على الصواب وكان الامراء لا يحتاجون الى العلماء، والعلماء يقرون بدينهم، فلما رأى ذلك قوم من رذالة الناس، تعلموا ذلك العلم وأتوا به الى الأمراء فاستغنت به عن العلماء فاجتمع القوم على المعصية فسقطوا وانتكسوا.
1 - رواه البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه بألفاظ متقاربة عن أبي هريرة
179 - (1/169)
صفحة 170
فلو كان علماؤنا يصونون علمهم لم تزل الأمراء تهابهم. ومن كلام
لعلي بن أبي طالب لأبي ذر - رحمه الله - يا أبا زر انك غضبت الله فارج من غضبت له، إن القوم خافوك على دنياهم وخفتهم على دينك فاترك في أيديهم ما خافوك عليه واهرب منهم بما خفتهم عليه فما أحوجهم الى ما منعتهم وأغناك عما منعوك وستعلم من الرابح غدا والأكثر خسرا
ولو ان السموات والأرض كانتا على عبد رتقا ثم اتقى الله لجعل الله تعالى له منها مخرجا لا يؤنسنك إلا الحق ولا يوحشنك إلا الباطل فلو قبلت دنياهم لأحبوك، ولو فرصت (1) منها لأمنوك
وقال وهب بن منبه: إذا هم الوالي بالجور وعمل به أدخل الله النقص في أهل مملكته حتى في الأسواق والارزاق والضروع والزروع وكل شيء، واذا بالخير وعمل به وعدل بينهم ادخل الله البركة على أهل مملكته كذلك
هم
للعلاء بن
من
هذا كتاب من محمد نبي الله ورسوله سيرة الحضرمي ومن معه من المسلمين وعهدا عهده إليهم بها أن اتقوا الله وحده لا شريك له فإني قد استعملت عليكم العلاء بن الحضرمي وامرته باتقاء الله وحده لا شريك له وان يحسن فيكم السيرة وان يحسن ولا يتكم وأن يلين لكم الجناح وان يشاوركم في الأمور وان يحكم فيكم وفيمن لقي من الناس بما أنزل الله العدل بطاعة الله فإذا فعل ذلك فحكم فعدل واسترحم فرحم وقسم فأقسط فاسمعوا له واطيعوا واحسنوا مؤازرته ومعونته فيه فإن لي عليكم من الله طاعة وحقا واجبا لا تقدرون قدره ولا يبلغ القائل كنه حق الله وحق رسوله وكما أن الله ولرسوله على الناس عامة وعليكم خاصة حقا واجبا وطاعة ووفاء بعهده فمن اعتصم منكم بالطاعة وعظم حق أهلها وولايتها، فإن للولاة المسلمين على المسلمين إذا أطاعوا الله حقا واجبا، وفي الطاعة درك لكل خير يبتغى، ونجاة
1 - فرصت: فرص - بفتح الأول والثاني - الثوب ونحوه، فرصا شقه طولا وخرقه، يقال: فرص الحذاء النعل: خرقها للشراك، و - الحيوان؛ أصاب فريصته، و - الفرصة؛ اغتنمها وفاز بها
170 (1/170)
صفحة 171
من كل شر يتقى، وأنا أشهد الله على كل من ولي شيئا من امور المسلمين قل أو اكثر فلا بيعة له ولا عهد له ولا طاعة ولا وفاء وان بويع سبعين مرة فهو خليفة وقد برئت الى الله وإلى من معه من المسلمين من بيعتهم وعهدهم ومن ذمتهم فيستخيروا الله عند ذلك وليستعملوا عليهم أفضل أفاضلهم في أنفسهم وأيما وال ولي شيئا من أمر المسلمين فولى واحدا على هؤلاء على غير اختيار ولا مشاورة خيارهم فقد خان الله ورسوله والمؤمنين وبرئت منه ذمة الله وذمة رسوله وذمة المؤمنين وعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا يقبل الله منه صرفا ولا عدلا وعليه وزره ولا طاعة له ولا لمخلوق في شيء من معصية الله وأنا أشهد الله وملائكته عليهم)
كتاب في عهد أبي بكر الصديق رضي الله عنه
بسم
الله الرحمن الرحيم
هذا ما عهد أبو بكر بن ابي قحافة في آخر عهده في الدنيا خارجا منها وعند أول عهده بالآخرة داخلا فيها حيث يؤمن الكافر ويوقن الفاجر ويصدق الكاذب، إني استخلفت بعدي عمر بن الخطاب فإن عدل فذلك ظني به وعلمي فيه وإن بدل وجار فلكل امرئ ما اكتسب والخير أردت ولا اعلم الغيب، وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون.
وروي انه قال لعمر: يا عمر اني مستخلفك على أمة محمد صلى الله عليه وسلم وإني موصيك بوصية إن أنت حفظتها إن الله حقا في الليل لا يقبله في النهار وإن له في النهار حقا لا يقبله في الليل وانها لا تقبل نافلة حتى تؤدى الفريضة الم تر يا عمر إنما ثقلت موازين من ثقلت موازينه يوم القيامة باتباعهم الحق في الدنيا وثقل ذلك عليهم وحق الميزان لا يوضع فيه إلا الحق بأن يكون ثقيلا ألم تر يا عمر إنما
- 171 - (1/171)
صفحة 172
خفت موازين من خفت موازينه يوم القيامة باتباعهم الباطل في الدنيا وخفت ذلك عليهم وحق الميزان لا يوضع فيه إلا الباطل أن يكون خفيفا الم تر يا عمر أن الله أنزل آية الرخاء عند آية الشدة وآية الشدة عند آية الرخاء ليكون المؤمن راغبا راهبا لأن لا يرهب رهبة يلقى بيديه فيها إلى التهلكة ولا يرغب رغبة يتمنى فيها على الله غير الحق فإن أنت حفظت وصيتي هذه يا عمر فلا يكن غائب أحب إليك من الموت وهو نازل بك وان كنت ضيعت وصيتي هذه فلا يكن غائب أبغض إليك من الموت وأنت غير معجزه
ومن
خالد
كتاب عمر بن الخطاب
الى ابي عبيدة
من أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رحمه الله إلى أبي عبيدة بن الجراح سلام عليك فإني احمد اليك الله الذي لا إله إلا هو أما بعد، فإني أوصيك بتقوى الله الذي يبقى ويفنى ما سواه الذي استخرجك من الكفر الى الايمان الضلالة الى الهدى ومن الظلمات الى النور، وقد استعملتك على جند بن الوليد لا تقدم المسلمين الى هلكة رجاء غنيمة، ولا تقولن اني أرجو لهم النصر فإن النصر إنما يكون مع التوفيق والثقة بالصبر والنية والقوة، وإياك والتعزز وإلقاء المسلمين في التهلكة فغمض عن الدنيا عينيك وول عنها قلبك أن تهلكك كما أهلكت من كان قبلك فقد رأيت مصارعها وأخبرت بسوء أثرها على أهلها كيف عري من كسته وجاع من اطعمته ومات من احيته وإنما بينك وبين الآخرة ستر مثل الخمار تبصرها منه وما فيها قد تقدم إليها سلفك وأنت منتظر في غير دار مقام قد نضب ماؤها وهاجت ثمرتها فأحزم الناس الراحل منها الى غيرها بزاد بلاغ والسلام.
IVY - (1/172)
صفحة 173
فصل
وقيل: من عدل في حكمه وكف عن ظلمه نصره الحق وأطاعه الخلق وصفت له النعم وخدمته الأمم وأقبلت عليه الدنيا فتهنى العيش واستغنى عن الجيش وملك القلوب وأمن من الحروب وصارت طاعته فرضا وظلت رعيته جندا، وان أول العدل أن يبدأ الرجل بنفسه فيلزمها كل خلة جميلة وخصلة رضية ومذهب سديد ومسكن حميد يسلم عاجلا ويسعد أجلا، وأول الجور أن يعمد إليها فيجنبها الخير ويعودها الشر ويكسبها الآثام ويعقبها المذام ليعظم وزرها ويقبح ذكرها
وقال أفلاطون: من بدأ بنفسه فساسها أدرك سياسة الناس
وقال: أصلحوا انفسكم تصلح لكم آخرتكم
وقيل من أسس أساس الشر اسسة على نفسه
وقيل: استعن على العدل بخلتين قلة الطمع وشدة الورع.
وقيل: من استعمل الظلم عجل الله في هلاكه، ومن خبثت سيرته زالت قدرته، ومن عدل زاد قدره، ومن ظلم نقص عمره، ومن أولع بقبح المعاملة أوجع بسوء المقابلة ومن حارت قضيته ضاعت رعيته
وقيل: السلطان في نفسه إمام متبوع، وفي سيرته دين مسموع فإن
ظلم لم يعدل أحد في حكم، وان عدل لم يجسر احد على ظلم
وقيل: الظلم مسلبة للنعم ومجلبة للنقم، ومن اكثر العدوان لم يأمن حلول النقم، ومن آثر الاحسان لم يعدم مواد النعم، ومن ساءت سيرته لم يأمن أبدا، ومن حسنت سيرته لم يخف أحدا، ومن طال عدوانه زال ومن جار حكمه أهلكه ظلمه، ومن بغى على أخيه قتله بغيه، ومن
سلطانه
- 173 - (1/173)
صفحة 174
جرى في مساءته أهلكه جريه، ومن أشفق على سلطانه كف عن عدوانه احسن الملوك من أحسن فعله في نيته وعدل في جنده ورعيته، ومن ركب البغي لم ينل بغيته، ومن نكب عن الحق لم تحمد عاقبته، ومن لم يقل العثرة سلب القدرة
وسلطان السوء يخيف البرئ ويصطنع الدنيء، وأخسر الناس من أخذ بغير حق وأنفق على غير مستحق، ومن غدر شانه غدره، ومن مكر حاق به
مکره
ولأشد الفعال ما جلب الآثام، وشر الاقوال ما جلب الملام، وشر الآراء ما خالف الشريعة، وشر الأعمال ما هدم الصنيعة، فليكن مرجعك الى الحق وفزعك إلى الصدق، فالحق أقوى معين والصدق أفضل قرين، ومن أحسن فهو حكيم، ومن أوحش فهو لئيم، ومن زرع العدوان حصد الخسران، ومن نصر الحق قهر الخلق
وقيل: إياك والبغي فإنه يزيل النعم ويطيل الندم، ومن مكنه الله في
أرضه وبلاده وائتمنه في خلقه وعباده، وبسط يده وسلطانه ورفع محله
ومكانه. فحقيق عليه ان يؤدي الأمانة ويخلص الديانة، ويجمل السيرة
،
ويرضى العشيرة ويجعل دأبه العدل المعهود، وغرضه الأجر المقصود. فالظلم
يزل القدم ويزيل النعم ويهلك الأمم.
وقيل: غاية الأوزار تولية الأشرار، وأفود الغنائم دولة الأكارم، ومن
أشد النوازل دولة الأراذل.
خطبة لمعاوية بن أبي سفيان
فقال: أيها الناس إنا قد أصبحنا في دهر عنود وزمن شديد يعد فيه
المحسن مسيئا ويزداد الظالم فيه عنوا لا ننتفع بما علمنا ولا نسأل عما جهلنا
،
IVE - (1/174)
صفحة 175
ولا نتخوف قارعة عما قليل تحل بنا
والناس أربعة أصناف: منهم من لا يمنعه من الفساد في الأرض إلا مهانة نفسه وكلالة جده وقصر وفره أي قليل المال، ومنه المصلط بسيفه أي الشاهر سيفه، والمجلب بخيله ورجُله، والمعلن بسره قد اشرط نفسه وأوتغ (1) دينه الحطام ينتهزه أو مقنب ـ اي عسكر يقوده ـ أو منبر يفرعه ـ اي يرتقيه - وليس المجتر ان يراها لنفسه ثمنا، ومما عند الله عوضا.
ومنهم من يطلب الدنيا بعمل الآخرة قد طامن شخصه وقارب بين خطوه، وشمر من ثوبه وزخرف أي زين نفسه للأمانة واتخذ ستر الله ذريعة
الى المعصية
ومنهم من اقعده عن طلب الملك ضؤولة في نفسه وانقطاع من سببه فقصر به الحال عن حاله فتحلى باسم القناعة وتزين بلباس الزهاد، وليس من ذلك في مراح ولا مغذى وبقي رجال غض أبصارهم ذكر المضجع وأراق دموعهم خوف المحشر فهم بين شريد بار وخائف متقمع قد أخملتهم التقية وشملتهم الذلة بحر أجاج أفواههم ضامرة وقلوبهم فرحة قد وعظوا حتى ملوا وقهروا حتى ذلوا وقتلوا حتى قلوا فلتكن الدنيا في أعينكم أصغر من حثالة القرظ (2) وقراضة الجلم (3) واتعظوا بمن كان قبلكم قبل ان يتعظ بكم من بعدكم وارفضوها ذميمة فإنها قد رفضت من كان أشغف بها
منكم.
وقال الشافعي: أظلم الناس لنفسه من اذا ارتفع جفا أقاربه وأنكر
1 - قد أشرط نفسه و (أوتغ): وتغ فلان؛ يونغ وتغا: هلك وأثم وفسد وساء خلقه، وساء قوله، وكان مفرط الجهل، وفي حجته أخطأ. وأونغ الله فلانا: أهلكه، وأوتغ فلان فلانا: جعله يأثم وأفسده وألقاء في بلية، والموتغة: المهلكة، والوتيغة: الخطأ في الحجة
- المراد به قشر البلوط وهو نوع من الخشب - الجلم: جلم الشيء جَلَها؛ قطعه وحلقه، والشعر والصوف؛ جزء بالجلم، و ـ الحيوان؛ أخذ ما على عظمه من اللحم، والجلم؛ ما يجز به، والجمع جلام، والجلم - بكسر الجيم وسكون اللام - شحم
الكرش والأمعاء وما يجز به الصوف، والموسى.
175 - (1/175)
صفحة 176
معارفه، واستخف بالاشراف، وتكبر على ذوي الفضل
وقيل: إذا قرب السلطان من ينبغي ان يباعد، وباعد من ينبغي ان
يقرب فقد حان أوان الغدر
السفلة
وقيل: زوال الذيول بارتفاع السفل
وقالت الحكماء: موت الف من العلية اقل ضرر من ارتفاع واحد من
وقيل: هلاك هذه الامة من سبعة نفر؛ من عالم فاجر، وعابد جاهل، وزاهد راغب، وحاكم مرتشي، ومؤذن كذاب، وقارئ خائن، وأمير فاسق، وإن الله عز وجل زين الدنيا بخمسة نفر: بعلم العلماء، وعدل الامراء، وأمانة التجار، وغزو الغزاة، وزهد الزهاد، فجاء ابليس فخلط العلم بالحسد والعدل بالجور والامانة بالخيانة والغزو بالطمع والزهد بالرغبة حتى ذهب نفع هذه الأشياء من المؤمنين
وقال أبي بن كعب: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: بشر هذه الأمة بالثناء والرفعة في الدين والتمكين في البلاد ما لم يعملوا عمل الآخرة للدنيا، ومن يعمل عمل الآخرة للدنيا لم يتقبل منه، وليس له في الآخرة من نصيب
الله
وقيل: داء العلماء حب الدنيا وآفة النساء الجهل، وكل يصد عن
176 - (1/176)
صفحة 177
الباب الحادي والعشرون
في المشورة
وينبغي للمرء ان لا يبرم أمرا، ولا يمضي عزما الا بمشورة ذي الرأي
الناصح ومطالعة ذي العقل الراجح
قال الله عز وجل آمرا بالمشروة نبيه مع ما تكفل به من ارشاده و تأييده فقال عز وجل: وشاورهم في الأمر) (1)، وقد أثنى الله تعالى على عباده بالمشاورة فقال: (وأمرهم شورى بينهم) (2)، قال مقاتل وقتادة والربيع: كانت سادات العرب إذا لم يشاوروا في الأمر شق عليهم فأمر الله تعالى نبيه ان يشاورهم في الأمر الذي يريده فإن ذلك أعطف لهم وأذهب لأضغانهم وأطيب لأنفسهم، وإذا شاورهم عرفوا كرامتهم وان القوم اذا تشاوروا وأرادوا بذلك وجه الله عزم الله لهم على الأرشد وأنشد: إذا كنت في حاجة مرسلا فارسل حكيما ولا توصه وان باب أمر عليك التوى فشاور لبيبا ولا تعصه ونص الحديث إلى أهله فإن الوثيقة في نصه اذا المرء أضمر خوف الاله تبين ذلك في شخصه وقال آخر:
شاور صديقك في الخفى المشكل واقبل نصيحة ناصح متفضل فالله قد أوصى بذاك نبيه في قوله شاورهم وتوكل
1 - الآية 159 من سورة آل عمران
الآية 38 من سورة الشورى
- 177 - (1/177)
صفحة 178
الأخبار
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الا إن الدين النصيحة الا من لم ينصح فقد غش الا من غش فليس منا الا
ضالا
من صحب لم يسلم حتى يبتلى في نفسه أو في
بدنه ويرى عقوبة ذلك في عياله الا من مدح فاسقا ذهب ماء وجهه الا من طمع في مال اخيه نزعت البركة من كسبه الا من آذى مسلما فقد بارز الله بالمحاربة الا من فعل شيئا فعل به الا مالا من جمع من حرام فتصدق لم يؤجر وهو مأخوذ
به (1)
وقال: «المستشار بالخيار إن شاء امسك وان شاء فلينصح». وروي عن النبي أنه قال: المشاورة حصن من الندامة وأمان من
الملامة (2)
الآثار
قال عمر رضي الله عنه: الرأي كثير والحزم قليل، وقال بعض البلغاء: المشاورة لقاح العقول ورائد الصواب، والمستشير على طريق النجاح، واستنارة المرء برأي أخيه من عزم الأمور وحزم التدبير، وكان يقال: اذا شاورت العاقل صار عقله لك، وقال القباني: المشورة عين الهداية، وقد خاطر من استغنى برأيه، وقال القرشي: نعم المؤازرة المشاورة، وبئس الاستعداد الاستبداد
وقال عمر بن عبدالعزيز: المشاورة والمناظرة باب رحمة ومفتاح بركة لا
يضل معهما رأي، ولا يفقد معهما حزم
1 - رواه ابن ماجه عن أبي هريرة
2 - رواه مسلم عن أنس
178 - (1/178)
صفحة 179
،
وقال بعض البلغاء: من حق العاقل أن يضيف الى رأيه رأي العلماء
ويجمع الى عقله عقول الحكماء، والرأي الفرد ربما زل، والعقل الفرد ربما
ضل، واذا عزم على المشاورة ارتاد لها من
أهلها
من استكملت فيه خمس خصال: احداهن عقل كامل مع تجربة سالفة؛ فإن كثرة التجارب تصح
الرواية.
وقد روى أبو هريرة عن النبي انه قال: «استر شدوا العاقل ترشدوا ولا تعصوه فتندموا والخصلة الثانية أن يكون ذا دين تقي؛ فإن ذلك عماد كل صلاح وباب كل نجاح، ومن غلب عليه الدين فهو مأمون السريرة موفق
العزيمة.
وروي عن عبدالله بن عباس أنه قال: من أراد أمرا فشاور فيه امراً
مسلما وفقه الله لارشد أموره.
والخصلة الثالثة؛ أن يكون ناصحا ودودا؛ فإن النصح والمودة يصدقان
الفكرة، وبمحضان الرأي
والخصلة الرابعة؛ أن يكون سليم القلب من هم قاطع وغم شاغل،
فإن عارضت فكره شوائب الهموم لم يسلم له رأي ولم يستقم له خاطر
والخصلة الخامسة، ان لا يكون له في الأمر المستشار غرض يتابعه ولا
هوى يساعده، فإن الأغراض جاذبة والهوى صاد، والرأي إذا عارضه الهوى، وجاذبته الأغراض فسد، فإذا استكملت هذه الخصال الخمس في رجل كان أهلا للمشورة ومعدنا للرأي.
وبلغنا أن رسول الله انه قال: ما يشقى احد باستشارة ولا يسعد
-
باستبداد وقد أمرني الله - جل ذكره ان اشاوركم قال ابن عباس: الناس ثلاثة: رجل، ونصف رجل، ولا رجل، فالرجل المشاور في كل أموره، ونصف الرجل هو المشاور في بعض اموره، واللارجل الذي لا يشاور في
- 179 - (1/179)
صفحة 180
اموره. وقال عمر بن الخطاب - رحمه الله - شاور في أمرك الذين يخافون الله وقيل لرجل من عبس ما أكثر صوابكم؟ فقال نحن الف رجل وفينا رجل حازم ونحن نطيعه فكلنا الف رجل حازم، ويقال: أما ذو المروءة فيستشير وأما الاحمق فيختلس، والرجل الخير ينطق بالخير ويفعله لما في قلبه منه، والشرير ينطق بالشر ويفعله لما في قلبه منه، وكل يعمل على قدر نيته وما في قلبه من الخير والشر
وقال عمر بن الخطاب - رحمه الله -: الرجال ثلاثة: فرجل عفيف مسلم عاقل يأتمر في الأمور اذا أقبلت واشتبهت، فإذا وقع في الأمر برأيه فعل، ورجل عفيف مسلم ليس له رأي فإذا وقع الأمر نادى الرأي فاستشاره واستأثر ثم لم يزل عنده أمره، ورجل جائر برأيه لا يأتمر راشدا ولا يطيع مرشدا، وقيل: من استشار استبصر ومن استخار استظهر، ومن أبرم الأمر بلا تدبير، صيره الدهر الى تدمير، ومن استرشد برأيه خفت وطأته على
أعدائه
ومن أمارات الخذلان، معاداة الاخوان، ومن ضعفت آراؤه قويت أعداؤه، واذا استشرت الجاهل اختار لك الباطل، ومن استهدى الأعمى عمي عن الهدى
•
والخطأ مع الاسترشاد اجمل من الصواب مع الاستبداد ومن استكفى الكفاة آمن العداة، وسوء التدبير سبب التدمير، وإذا شكلت عليك الامور وتغير عليك الجمهور فارجع الى رأي العقلاء، وافرغ الى استشارة النصحاء، ولا تأنف من الاسترشاد، ولا تستنكف من الاستمداد فلئن تسأل وتسلم خير من ان تستبد وتندم، ومن صدقك فقد ارشدك، ومن نصحك فقد نجدك، ومن وعظك فقد اشفق عليك، ومن اعرض عن الحزم والاحتراس وبنى على غير أساس زال عنه العز واستولى عليه العجز فصار من يومه في نحس، ومن غده في لبس ومن قصر عن سياسة نفسه كان على سياسة غيره أقصر، ومن
- 180 - (1/180)
صفحة 181
غدر بأهل بيته كان بأهل وده أغدر، ومن اعرض عن نصيحة الناصح احترق بكبد الكاشح، ومن استغنى بعقله ضل، ومن اكتفى برأيه ذل، ومن استعان بذوي العقول فاز بإدراك المأمول، ومن استشار ذوي الالباب سلك سبيل الصواب، ومن استوزر غير كاف خاطر بملكه، ومن استشار غير أمين أعان على هلكه ومن أسر الى غير ثقة ضيع سره، ومن استعان بغير مستقل أفسد أمره، ومن ضيع رأي العاقل دل على ضعف عقله، ومن اصطنع جاهلا أعرب عن فرط جهله
والحازم من حفظ ما في يده، ولم يؤخر أمر يومه الى غده، ومن استشار الرشيد وعمل بمشورته، واستنصح الصديق وبنى نصيحته لم يفته حزم ولم يغلبه خصم، ولا تثق بالصديق قبل الخبرة، ولا تواقع العدو قبل القدرة ومن استشار العالم فيما ينوبه، واسترشد العاقل فيما يأتيه صحت له الأمور وصحبه الجمهور، واستنار منه القلب وسهل عليه الصعب، ومن جهل المرء وسقم رأيه ان يتصور في نفسه، ويتعود في قلبه أن الاستبداد بالآراء وترك استشارة النصحاء بما يزري به ويضع من قدره فيستبد بالتدبير ويعرض
بالمشير.
ولتكن مشاورتك بالليل فإنها أجمع للفكر واعون على الذكر، ثم شاور في امرك من تثق منه بعقل صحيح وود صريح، فالعاقل لا ينصح ما لم يصف
وده، والودود لا يصيب ما لم يصح عقله
- 181 -
- (1/181)
صفحة 182
[صفحة فارغة] (1/182)
صفحة 183
الجنة
الباب الثاني والعشرون
في ذكر القضاة والأمراء وأهل الظلم منهم
عن النبي أنه قال: «القضاة ثلاثة: قاضيان في النار وقاض في
والقاضي ينتظر المقت والمستمع ينتظر الجنة
ومن جعل قاضيا فقد ذبح بغير سكين
وذكر عن ابي هريرة انه قال: ما من أمير ولا قاض ولا حاكم على عشيرة من الناس إلا يحشر يوم القيامة وهو مغلول اليدين إلى عنقه فإن كان عدلا أطلقه عدله وان كان غير ذلك شد وثاقه
وذكر عن عائشة - رضي الله عنها - انها قالت: يؤتى يوم القيامة بالقاضي العدل فيلقى من شدة الحساب ما يود انه لم يكن قاضيا بين اثنين فإذا كان هذا حال قاضي العدل الذي يقضي بين الناس ابتغاء مرضاة الله فكيف يكون حال من جار في الأحكام وقبل الرشا على ظلم الأرامل والأيتام ومال بالحكم بين الضعفاء والمساكين ومن لا وجه له ولا قدرة عنده وصانع الأغنياء والكبراء وكان طلبه للقضاء ابتغاء عرض الدنيا والثناء والجاه والتكاثر والعلو والرفعة على الناس والفخر والكبرياء واصاب من الدنيا ما أراد فوق ما أراد
فكيف يكون حاله عند الله غدا نعوذ بالله من سخطه وأليم عقابه
- 183 - (1/183)
صفحة 184
وذكر عن مكحول انه ينادي مناد يوم القيامة، اين الظلمة وأعوان الظلمة فلا يبقى احد منهم مد لهم مدة أو برى لهم قلما أو أعانهم بكلمة الا
حضر فيجعلون في تابوت من نار ثم يلقون في جهنم
وذكر عن سفيان الثوري أنه قال: من تبسم في وجه ظالم أو وسع له في مجلسه أو قضى له حاجة وهو عالم بظلمه فقد قطع عرى الاسلام، ومن أعان ظالما على مظلمة فقد باء بغضب من الله وعليه وزره، وما ازداد أحد من ذي سلطان قربا الا ازداد من الله بعدا بقدر ما تقرب منه. وذكر عن النبي عليه السلام أنه قال: من اسود اسمه مع إمام جائر حشر معه، ومن جبى مع امام جائر در همين جعله الله في ضحضاح من النار، ومن سعى لسلطان جائر جعله الله قرينه في النار، ومن دل سلطانا على الجور كان قرين فرعون وهامان في جهنم، ولم يكن أحد في النار أشد عذابا منه»
وذكر عن سعيد بن المسيب أنه قال: لا ترفعوا أبصاركم الى أئمة الجور وأعوان الظلمة إلا بالانكار من قلوبكم لئلا تحبط اعمالكم الصالحة
وذكر عنه عليه السلام أنه قال: ما من أمير ولا وال على أحد من الناس إلا يؤتى به يوم القيامة فيوقف على جسر من جسور جهنم. فإن كان محسنا نجا وان كان مسيئا انخرق به الجسر فيهوى به في النار سبعين خريفا.
واعلم أن صحبة السلطان خطر وغرر لأنك ان اطعته خاطرت
،
بدينك، وان عصيته خاطرت بنفسك، وصحبة السلطان غرر في النفس ونقص في الدين، ومن تقرب من السلطان خاض في جهنم بعدد خطاه، وليس على العباد شيء أضر من اتيان أبواب السلاطين، وحب الدنيا، وحب
الدرهم، وحب الرياسة، وهذه الأربعة الأشياء تورد الانسان النار
وذكر في الخبر عن عمر بن عبدالعزيز أنه مر في بعض بلاد الشام براهب
في صومعة فناداه يا راهب فاشرف عليه من صومعته فقال له: انت عمر بن
-
184 - (1/184)
صفحة 185
عبدالعزيز ملك الأرض فقال له: نعم
فقال له: كيف بك يا عمر اذ نادى بك ملك الأرض والسماء وعرض حكمك على حكمه كيف تكون حالك فيه فبكى عمر فقال له: زدني فقال ما له: لا تدع لنفسك على نفسك حجة والله يعلم سركم وجهركم ويعلم من تكسبون
وذكر في الخبر عن سفيان الثوري انه كان صاحبا لهارون الرشيد من قبل ان يلي هارون الخلافة، فلما ولي الخلافة، فارقه سفيان وفر بنفسه هاربا الى الكوفة منه، ولم يره بعد ذلك فكتب اليه هرون الرشيد كتابا فيه الله الرحمن الرحيم بسم
من عبد الله هارون الرشيد أمير المؤمنين الى سفيان الثوري. أما بعد يا أخي فإني لم أقطع حبلك، ولم اصرم ودك، وأنا منتظر لك وللقائك في كل وقت، مع كل ساعة على افضل المحبة والصحبة التي بيني وبينك ولولا هذه القلادة التي قلدني الله لأتيتك ولو حبوا مما اجد لك في قلبي من المحبة وجميل الصحبة، واعلم انه ما بقي من اخواني واخوانك احد الا وقد أتوني وهنأوني بما قد صرت إليه من الخلافة، ففتحت بيوت المال وجوزتهم الجوائز السنية، حتى سرت به نفوسهم، وقرت به أعينهم وأنت لم تأتني وقد كتبت لك كتابي هذا حبا لك وفي لقائك وشوقا فإذا قرأت كتابي هذا فالعجل العجل ولا تتأخر عني ساعة واحدة على كل حال، ثم التفت هارون الرشيد الى من كان عنده بحضرته فقال: من يوصل هذا الكتاب إلى سفيان الثوري وكانوا يعرفون سفيان وقشوفته وما هو عليه فلم يجبه أحد الى ذلك ممن كان عنده. فقال: علي بمن في الباب فادخل عليه عباد الطليقاني فقال له: يا عباد خذ هذا الكتاب وانطلق به إلى الكوفة وادفعه الى سفيان الثوري ثم أفقه بسمعك وعقلك ما يكون من دقيق أمره وجليله
قال عباد: فأخذت الكتاب وانطلقت به الى الكوفة فسألت فيها عن
1 A 0_ (1/185)
صفحة 186
سفيان الثوري فقيل لي هو في المسجد فأتيت المسجد فلما دخلت عليه المسجد ورآني ورأى على اثر خدمة السلطان. قال: اعوذ بالله من الشيطان الرجيم أعوذ بالله من كل طارق يطرق الا بخير يا رحمن ثم قام يصلي ولم يكن تلك الوقت صلاة واذا بجلسائه قد نكسوا رؤوسهم كأنهم لصوص قد ورد عليهم السلطان فسلمت عليهم فما رفع احد منهم رأسه إليَّ، ولا رد على السلام إلا بأطراف الأصابع لعله وهم منكسو الرؤوس خائفون فقلت في نفسي إن هذا المصلي هو سفيان فالقيت إليه الكتاب فلما رآه ارتعد وتباعد عنه كأنما عرضت له حية في موضع سجوده فأقام في صلاته ما شاء الله فلما فرغ من صلاته لف يده في عباءته وأخذ الكتاب ورمى به الى جلسائه وقال: ليقرأ احدكم هذا الكتاب فإني اكره ان أمس شيئا مسه ظالم فأخذه أحدهم وفتحه وهو خائف منه كأنما أخذه من فم ثعبان فلما فرغ من قراءته تبسم سفيان تبسم المعجب ثم قال: اقلبوه واكتبوا إليه فيه على ظهره فإن يكن اكتسبه من حلال، سوف يجزى به وان يكن اكتسبه من حرام، فكيف يصلى به، ولا يبقى عندي شي، مسه ظالم فيفسد علينا ديننا، ثم اكتبوا له فيه من العبد الميت سفيان الى العبد المغتر بالآمال المحب للدنيا هارون الذي سلب حلاوة الايمان. أما بعد، فإني قطعت حبلك، وصرمت ودك، وقلبت موضعك، ولم ارض بما فعلت حين كتبت إلي كتابا وقد جعلتني في كتابك شاهدا عليك أنا ومن حضرني وسأؤدي الشهادة بين يدي رب العالمين. يا هارون هجمت على بيت مال المسلمين ووضعته في غير حقه، وانزلته في غير موضعه، فهل يرضي فعلك هذا اهل الفضل من اهل العلم والخير والسنة، أو هل يرضي فعلك هذا أهل الحاجة والفقراء والمساكين والأرامل والأيتام، والضعفاء من الناس، حين أخذت حقوقا وجبت لهم واعطيتها غيرهم من غير استحقاقها ووضعتها في غير مواضعها، أو هل يرضي فعلك هذا محمد رسول الله حين لم تعدل في أمته ويكون خصمك غدا بين يدي رب العالمين
•
ء
فشد يا هارون مئزرك واستعد للسؤال جوابا، وللبلاء والمحنة جلبابا،
،
186 - (1/186)
صفحة 187
واعلم أنك ستقف غدا بين يدي رب العالمين، وهو الحكم العدل الذي لا يجور في حكمه، ويجزي الظالمين بأعمالهم، فلا ينفعك حينئذ جندك، ولا وزراؤك، ولا جلساؤ ك ولا أعوانك وخدامك، ولا ينفعك من غرك بقوله نفسي لك الفداء. وجعلت فداءك، غروك والله يا هارون كما غروا غيرك من قبلك حتى اهلكوه، ولو علم عبيد الدنيا المغترون حقيقة الأمر لكانوا يعزونك ولا يهنئونك. فوالله ما احسبك إلا وأنت قد سلبت عقلك، وحلت بك العقوبة في نفسك حين سلبت حلاوة الايمان، وفقدت لذاذة القرآن، ومجالسة الاخوان ورضيت لنفسك ان تكون ظالما وللظلمين إماما
يا هارون لبست الحرير، وقعدت على السرير، والبست - لعله - واسبلت سترا دون بابك، وجعلت الحجبة عليه، وتشبهت بخالقك، واقعدت على بابك عماد الظالمين، يظلمون الناس ولا ينصفون المظلوم ويشربون الخمر ويحدون من شربها، ويزنون ويحدون الزاني، فهلا كانت هذه الأحكام عليهم قبل ان يحكموا بها على الناس، فكيف بك يا هارون اذا نادى المنادي أين الظلمة وأعوان الظلمة، وترى الظالمين حولك، وانت لهم امام فأخذت بضيق الخناق، وورود السياق فقربت للعرض ويداك مغلولتان الى عنقك، فلا يفكها ذلك اليوم إلا عدلك وانصافك، وانت ترى حسناتك في ميزان غيرك، وسيئات غيرك في ميزانك، فإن كنت لم تنصف ولم تعدل في عباد الله فقد خسرت خسرانا مبينا، والويل لك ثم الويل فاتق الله في رعيتك، واحسن عليهم الخلافة، ولا تأخذ الاشياء الا بحقها، ولا تضعها الا في موضعها، واحفظ محمدا عليه السلام في أمته، واعلم ان هذا الأمر الذي صار إليك لو بقي إلى غيرك ما صار إليك، ولكن زائل عنك الى غيرك، وهو ينتقل من واحد الى واحد، فمنهم من يتزود منها ما ينفعه، ومنهم من يخسر الدنيا والآخرة، فإياك يا هارون ان تكون ممن خسر الدنيا والآخرة، واعمل ليوم تذهل فيه كل مرضعة عما ارضعت، وتضع كل ذات حمل حملها
وترى الناس سكارى وما هم بسكارى، ولكن عذاب الله شديد
187 - (1/187)
صفحة 188
فاتق الله يا هارون، واحذر عذابه، ولا تتعرض لسخطه وتواضع
الله، ولا تتكبر على الله فقد آلى على نفسه ان يرفع من تواضع، ويضع من تكبر، فاتعظ بالموعظة، فقد نصحتك جهدي، وما أبقيت لك في النصيحة غاية، فاتق الله في رعيتك واعلم انه ليس المطلوب بك غيرك من الخلق احد غيرك، ثم إياك ان تكتب إلي كتابا آخر بعد هذا ابدا
وقال عباد: ثم رمى الكتاب منشورا غير مطوي، فأخذت الكتاب وقد وقفت الموعظة في قلبي، حين أملى الكتاب على كاتبه، وصرت كالمجنون مما سمعت، فانطلقت الى السوق، واشتريت جبة من صوف وعباءة قطوانية فلبستها، وتركت ما كنت البسه من الحرير ولين الثياب بين يدي امير المؤمنين. فلما وصلت الى حضرة امير المؤمنين تهزأ مني كل من كان عند الباب من اصحابي، فلما دخلت على أمير المؤمنين ونظر الي قام قائما على قدميه، وجعل يلطم خديه وهو ينادي بصوت رفيع انتفع المُرسَل، وخاب المرسل ما لي ولملك يزول عني.
قال: فالقيت الكتاب إليه، فأقبل عليه بالقراءة ودموعه تجري على خديه، حتى فرغ من قراءته. فقال له من كان بحضرته من جلسائه ووزرائه: لقد احزنك سفيان يا أمير المؤمنين، وادخل عليك المشقة في نفسك، واجترأ عليك بأمر عظيم فكان جزاؤه ان توجه إليه اجنادك وأعوانك، فيأخذوه ويوثقوه في الحديد، وتضيق عليه السجن، حتى تجعله مثلة ويكون عظة لغيره من الناس، ويكون مستحقا لذلك. فقال لهم هارون: اتركوني يا عبيد الدنيا، فالمغرور من غررتموه، والشقي من اهلكتموه فوالله لقد نصحني بأبلغ نصيحة، ووعظني بأكمل موعظة ولم يزل كتاب سفيان إلى جنب هارون يقرأه دبر كل صلاة يصليها كما
يقرأ القرآن فحسبك ما ذكرت لك
وذكر في الخبر: أن أبا ذر دخل يوما الى معاوية، وهو يومئذ قد بنى
188 - (1/188)
صفحة 189
بيتا، فقال له معاوية: كيف ترى هذا البنيان يا أبا ذر؟
فقال له ابو ذر: ان كنت بنيته من مال الله فأنت من الخائنين والله لا يحب الخائنين، وان كنت بنيته من مالك فأنت من المسرفين والله لا يحب
المسرفين
•
وذكر عن وهب بن الورد انه قال: البناء الذي لا اسراف فيه، ماستر من الشمس، واكن من المطر، واللباس الذي لا اسراف فيه؛ ما ستر العورة، وأدفأ من البرد، والطعام الذي لا اسراف فيه، ماسد الجوع وكان
دون الشبع
وذكر في الخبر: ان الله تعالى أوحى الى داود عليه السلام، يا داود؛ اسمع ما اقول والحق أقول: اذا قل الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وذهبت الهيبة من العلماء، وصارت في السفهاء فاطلب الهرب
وذكر انه قيل لعمر: ان فلانا بنى بالأجر فقال عمر: من بنى بالأجر فقد تشبه بفرعون لأن فرعون أول من بنى بالأجر
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: سيجيء في أخر الزمان أقوام تكون وجوههم وجوه
الأدميين وقلوبهم قلوب الشياطين أمثال الذئاب الضواري ليس في قلوبهم
شيء من الرحمة، سفاكون للدماء لا يزعون عن قبيح ان تابعتهم واربوك
،
وان تواريت عنهم اغتابوك، وان حدثوك كذبوك، وان ائتمنتهم خانوك صبيهم غارم، وشابهم شاطر، وشيخهم لا يأمر بالمعروف ولا ينهى عن المنكر، الاعتزاز بهم ذل، وطلب ما في ايديهم فقر، الحليم منهم غاو، والأمر بالمعروف فيهم متهم، والمؤمن فيهم مستضعف، والفاسق فيهم مشرف والسنة فيهم بدعة، والبدعة فيهم سنة، فعند ذلك يسلط الله تعالى عليهم شرارهم فيدعون خيارهم. فلا يستجاب لهم. وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: خير الدين النصيحة فاعلم ان من
149 - (1/189)
صفحة 190
نصحك فقد احبك، ومن داهنك فقد غشك ومن لم يقبل نصيحتك فليس بأخ لك
كما ذكر عن عمر - رضي الله عنه - أنه قال: لا خير في قوم لا يحبون
الناصحين، ولا خير في قوم ليسوا بالناصحين
فمن لزم منهاج ذوي الألباب، برعاية حدود الله واقامة الشريعة من كتاب الله عز وجل وسنة نبيه عليه السلام وما اجتمعت عليه الأئمة المهتدون - الله رضي عنهم - فقد استمسك بالعروة الوثقى وبلغ إلى الدرجة العليا، وهذا هو الصراط المستقيم الذي دعا الله عباده المؤمنين إليه بقوله تعالى: وان هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون)) قيل: والله اعلم ان السبل هي الأهواء الضالة، والأهواء الضالة ما خالف سبيل المؤمنين قال الله تعالى: (ومن يتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا) (2) أعاذنا الله منها وجميع المسلمين وما التوفيق إلا بالله
1 - الآية 153 من سورة الأنعام الآية 115 من سورة النساء
-
14 - (1/190)
صفحة 191
الباب الثالث والعشرون في الظلم
اعلم - وفقك الله - أن الظلم من المهلكات في الدين، وقد عظم الله أمره ونسب أكبر الكبائر إليه فقال - تعالى -: إن الشرك لظلم عظيم) (1). ووعد الظالمين على الظلم أشد العذاب في قوله - تعالى -: فكان عاقبتهما أنهما في النار خالدين فيها وذلك جزاء الظالمين) (2). وقال - تعالى -: إنا أعتدنا للظالمين نارا أحاط بهم سرادقها وإن يستغيثوا يغاثوا بماء كالمهل يشوي الوجوه بئس الشراب وساءت مرتفقا) (3) تعالى -: يدخل من يشاء في رحمته والظالمين أعد لهم عذابا أليما) (4) وقال سبحانه -: إن الله لا يهدي القوم الظالمين) (9). وقال - تعالى -: وجزاء سيئة سيئة مثلها فمن عفا وأصلح فأجره على الله إنه لا يحب الظالمين ولمن انتصر بعد ظلمه فأولئك ما عليهم من سبيل إنما السبيل على الذين يظلمون الناس ويبغون في الأرض بغير الحق أولئك لهم عذاب أليم) (6)
1 - الآية 13 من سورة لقمان
2 - الآية 17 من سورة الحشر 3 - الآية 29 من سورة الكهف الآية 31 من سورة الانسان 10 من سورة الأحقاف الآية
-
{
-
6 - الآيات 40، 41، 42 من سورة الشورى
وقال
- 141 - (1/191)
صفحة 192
وقال عز من قائل: ولا تحسبن الله غافلا عما يعمل الظالمون إنما يؤخرهم ليوم تشخص فيه الأبصار) (1). وقال - تعالى -: (قل إن الخاسرين الذين خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة ألا إن الظالمين في عذاب مقيم) (2)
وقال ـ سبحانه -: أفمن يتقي بوجهه سوء العذاب يوم القيامة وقيل للظالمين ذوقوا ما كنتم تكسبون) (3)
وقال - تعالى -: فتلك بيوتهم خاوية بما ظلموا إن في ذلك لآية لقوم يعلمون) (4). وقال - تعالى -: ولو أن للذين ظلموا ما في الأرض جميعا ومثله معه لافتدوا به من سوء العذاب يوم القيامة وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون وبدا لهم سيئات ما كسبوا وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون) (5)
يفلته
"
الأخبار
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن الله يملي للظالم - أي يتركه ـ فإذا أخذه لم ثم قرأ: وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة إن أخذه أليم شديد) (6) الا وإن السماء تبكي من رجل أصح الله جسمه وأرحب جوفه وأعطاه من الدنيا نصيبا فكان للناس ظلوما ()
1
6
-
الآية 42 من سورة ابراهيم الآية 45 من سورة الشورى
الآية 24 من سورة الزمر
الآية 52 من سورة النمل الآيتان 47، 48 من سورة الزمر
الآية 102 من سورة هود 7 - رواه البخاري ومسلم عن أبي موسى
- 192 - (1/192)
صفحة 193
وقال: إذا كان يوم القيامة يجئ الظالم والمظلوم حتى يقفا بين يدي الله فيقول المظلوم: يا رب خذ لي بحقي من هذا فيقول الله - تعالى -:
اعطه حقه. فيقول: يا رب قد ذهبت الدنيا فلا حمراء ولا بيضاء. فيقول الله
-
عز وجل - له: لو قدرت على ماله أكنت تعطيه إياه؟ فيقول: نعم يا رب فيقول الله: انطلقوا به فاروه مال صاحبه. فينطلقوا به إلى شفير جهنم فيمثل له ذلك المال ثم يقال له: انطلق فاحمله فرده على صاحبه فأدخله جهنم فيحمله فيرتفع حتى يظن أنه قد خرج فتزل قدماه فيهوي في جهنم». وقال: «من أحسن ينتظر الثواب، ومن أساء ينتظر العقوبة، ومن
اعتز بغير حق أذله الله بحق ومن ظلم ليستغني أفقره الله»
وقال: للظالم ثلاث علامات؛ يقهر من دونه بالغلبة، ومن فوقه بالمعصية، ويضاهي الظلمة
وقال: من مشى إلى ظالم - وهو يعلم أنه ظالم - يعينه فقد خرج من:
الاسلام،
وقال: الظلم ظلمات يوم القيامة
وقال: «من أحب لقاء ظالم فقد أحب أن
الله
يعصي
الآثار
سئل الأحنف بن قيس فقيل له: من أجهل الناس؟ قال: الذي باع آخرته بدنياه. قال عمر - رضي الله عنه -: ألا أنبئكم بأجهل من هذا؟ قالوا: بلى. قال: الذي باع آخرته بدنيا غيره. وقال ابن مسعود - رحمه
193 - (1/193)
صفحة 194
الله -: من أعان ظالما على مظلمة أو لقنه حجة فدحض بها حق امرئ مسلم
فقد باء بغضب من الله وعليه وزرها.
وفي الخبر؛ ان الله - تعالى - قال لموسى - عليه السلام -: قل للظلمة لا يذكروني فإن ذكري عليهم (وبال). قال: يا رب؛ ومن الظلمة؟ قال: (الذين يظلمون الناس في أموالهم يا موسى، بنفسي حلفت أن أبواب السماء مغلقة دون من أكل الحرام، واني لأمر ملائكتي ينادون في حوائجهم إذا غضبت عليهم). قال موسى: يا رب؛ تعطيه وهو مجرم؟ قال - تعالى -: أبغض دعوته فأسارع إلى حوائجه كيلا يدعوني)
•
وفي المناجاة: ان الله - تعالى - قال لموسى: ان أردت أن أخلصك وأنجيك من أهوال يوم القيامة) قال: نعم؛ قال: (تخلص من مظالم
الناس)
وحكي أن عبد الملك بن مروان خطب يوما بالكوفة، فقام إليه رجل من آل سوحان فقال: مهلا مهلا يا ابن مروان، فإنكم تأمرون ولا تأتمرون، وتنهون ولا تنتهون، وتعظون ولا تتعظون، أفنقتدي بسيرتكم في أنفسكم أم نطيع أمركم بألسنتكم؟ فإن قلتم أطيعوا أمرنا واقبلوا نصحنا فكيف ينصح غيره من غش نفسه، وان قلتم خذوا الحكمة حيث وجدتموها واقبلوا العظة
ممن سمعتموها فعلام قلدناكم أزمة أمورنا، وحكمناكم في دمائنا وأموالنا أو ما تعلمون أن فينا من هو أعرف منكم بصنوف اللغات وأحكم بوجوه العظات، فإن كانت الامامة تستحق بذلك فخلوا سبيلها واطلقوا عقالها يبتدرها أهلها الذين قتلتموهم في البلاد وشردتموهم في كل واد، أما والله لئن بقيت في أيديكم إلى بلوغ الغاية واستيفاء المدة ووجوب المحنة فإن لكل قائم منكم يوما لا يعدوه، وكتابا بعده يتلوه لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها، وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون
واعلم أن مظالم العباد سيوف تقطع يمين الظالم عن تناول الكتاب في
-
148 - (1/194)
صفحة 195
الماب إلا من ردها وتاب
والمظالم هَد الحصون الايمان في الدنيا، وان الظالم أبقى للمظلوم ما يغني وأفنى من دينه ما يبقى وهي مكاو يكوي بها الظالم نفسه، فإياك والمظالم وأن تكون عونا للظالم، فالعون على كل خبيث شريك، ولا تصحب الظالم، ولا تؤ اكله ولا تشاربه، ولا تجالسه، ولا تبتسم في وجهه ولا تنل منه شيئا، ولا تعوده إذا مرض، ولا تشيعه إذا سافر، واجتنبه ما استطعت اجتنابك الحيات والأفاعي
-190 - (1/195)
صفحة 196
[صفحة فارغة] (1/196)
صفحة 197
الباب الرابع والعشرون
في حق الجار والصاحب والوالد والولد والمماليك
قال النبي صلى الله عليه وسلم: ان خير الأصحاب عند الله - عز وجل - خيرهم لصاحبه وخير الجيران خيرهم لجاره (1)
أبو هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ليس بمؤمن من لا يأمن جاره بوائقه فأيما رجل أغلق بابه دون جاره مخافة على أهله وماله فليس جاره ذلك
(2)
بمؤ من قالوا: يا رسول الله؛ وما حق الجار؟ قال: «ان دعاك أجبته، وإن
،
وإن
أصابته فاقة عدت عليه، وإن استقرضك أقرضته، وإن أصابه خير هناته وإن مرض عدته، وإن استعانك أعنته، وإن أصابته مصيبة عزيته، توفي شهدت جنازته، ولا تستعل عليه بالبنيان لتحجب عنه الريح إلا بإذنه ولا تؤذه بقتار قدرك إلا أن تغرف له منها، وإن ابتعت فاكهة فاهد له منها فإن لم تفعل فأدخلها سرا ولا يخرج ولدك منها بشيء فيغيظ بها ولده، ثم قال: الجيران ثلاثة؛ فمنهم له ثلاثة حقوق ومنهم له حقان ومنهم له حق واحد؛ فأما الجار الذي له ثلاثة حقوق فالجار المسلم ذو الرحم له حق الاسلام وحق الجوار وحق الرحم، وأما صاحب الحقين فالجار المسلم له حق الاسلام وحق الجوار، وأما صاحب الحق الواحد؛ فالجار المشرك له حق الجوار وإن كان
مشرکا
(3)
1 - رواه الترمذي عن عبدالله بن عمر وقال حديث حسن
2 - رواه أبو هريرة ومتفق عليه وفيه رواية أخرى المسلم بواثق: جمع بائقة وهي الشرور
3 - في الأصل (الصاحب) والصحيح ما قد أثبت
- 14 V- (1/197)
صفحة 198
عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من آذى جاره فقد آذاني ومن آذاني فقد آذى الله ـ عز وجل -».
وقد قيل: أهل الذمة والمصلون سواء في الجوار ولا ينبغي للجار أن يؤذي جاره
وقال: «حرمة الجار على جاره كحرمة أمه
•
وقال: الجار قبل الدار والرفيق قبل الطريق (1)
وقيل: قالت عائشة: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ إن لي جارين فأيهما أهدي
إليه؟ قال: «أقربهما منك بابا
حتى
جابر الأنصاري أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال: «ما زال جبريل يوصيني بالجار ظننت أنه سيورثه كالولد من والده (2)
وقيل: غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما بلغ المنزل نادى: ألا من كان مؤذيا لجاره فلا يصحبنا فقال رجل: ما آذيت جارا لي قط غير اني كنت أبول في جداره. فرده وقال: لا تصحبنا ونهى أن يصدق الرجل ابنه السفيه صلى الله عليه وسلم وامرأته على جاره.
أبو هريرة قال: جاء رجل إلى النبي و فشكا إليه جارا فقال: «اصبر»
ثلاث مرات، ثم في الرابعة: اطرح متاعك في الطريق» قال: ففعل
فجعل الناس يمرون عليه ويقولون: مالك؟ فيقول: آذاه جاره. فجعلوا يقولون: لعنه الله. فجاء جاره فقال: رد متاعك لا والله لا أو ذيك أبدا.
ويقال: ركوب البحر خير من مجاورة جار السوء
1 - رواه الترمذي وابن ماجة عن ابن عمر 2 - رواه ابن عمر وعائشة متفق عليه
198 - (1/198)
صفحة 199
وفي الحديث: ان من صبر على أذى جاره ورثه الله داره. وقال رجل لجابر بن زيد: يا أبا الشعثاء؛ إن لي جارا يؤذيني فقال له جابر: إنما تؤذيك نفسك، أصلح بينك وبين الله حتى يعطف قلب جارك
عليك
وكف الأذى عن الجار واجب وإن كان مجوسيا، وبذلك جاء الأثر ومن استعان به جاره فيها يجوز معونته فيه لم يسعه ترك ذلك وعليه معونته واعانته في كل ما يجوز.
والجار أحق من غيره ولا يعينه على الاثم في شيء من الأمور.
وقيل: يجيئ الرجل يوم القيامة متعلقا بجاره فيقول: يا رب هذا جاري خانني. فيقول: وعزتك وجلالك ما خنته في أهل ولا مال. فيقول يا رب صدق ولكن رآني في معصية فلم ينهني. والجار يسأل عن حق جاره. وبلغنا عن النبي صلى الله عليه وسلم: «ما من امرئ بات وجاره طاو وعلم به ولم
يطعمه إلا كان بريئا مني وأنا بريء منه
الوضاح بن عقبة: إذا اشتريت فاكهة فاسترها من جارك والا فانله وإذا
طبخت قدرا فاخف رائحتها عن جارك والا فانله منها.
وقد ذكر لنا أن نبي الله يعقوب ـ عليه السلام ـ قال: إلهي أذهبت ولدي وبصري فارحمني فأوحى الله إليه: وعزتي وجلالي إني راد ولدك وبصرك عليك ولكن بلوتك بهذه البلية لأنك شويت جملا فوجد جارك رائحته فلم تطعمه. قيل: فكان ينادي مناد: ألا من كان مفطرا فليتغد مع آل يعقوب. فإذا كان المساء نادى مناديه: ألا من كان صائما فليفطر مع آل يعقوب. فرد الله ولده وبصره كما وعده الله وأصدق وعدا وأوفى عهدا
والحمد لله رب العالمين
149 - (1/199)
صفحة 200
ومن حق الجار على جاره أن يستر عورته ويحتمل زلته ويظهر معرفته ويواسيه ولا يرفع عليه صوته ولا يبحث عن عورته وان اطلع على عيب نصح له فيه، وأصلح له من شأنه ما لم يدخل عليه اثم ولا يخاف عيبا، وان كان فوقه لم يحسده، وإن كان دونه لم يحقره، وعظم من حق جاره ما عظم عليه وحفظ فيه ما أوصاه الله به
وحق الوالد على ولده ما لا يحصى. ومن ذلك أن يبره حيا وميتا. فأما بره حيا فلزوم طاعته واجابة دعوته ولا يعصيه في معروف ولين الجانب له ويخفض له جناح الذل من الرحمة، وإن كان وليا من المسلمين تولاه وترحم عليه ودعا له، وإن كان غنيا تعاهده وسلم عليه، ويقوم في حاجته ولا يخرج من رأيه، وإن كان فقيرا أعانه بنفسه ويواسيه بماله، والأثرة له على نفسه، والترحم عليه ميتا، والاستغفار له، ولا يشتم أعراض الناس فيشتموا
عرضه
وحق الوالدة على ولدها فهي أولى بالبر واللطف لأنها حملته في بطتها وغذته بلبنها وربته في حجرها وأولته الخير إذ كان لا يطيق لنفسه دفعا ولا حيلة ولا نفعا وفي الحديث: إذا كان معك درهم فأطعمه أمك وإن كان معك آخر فأطعمه أباك والثالث عيالك
ويقال: للوالد على الولد عشرة حقوق؛ أحدها أنه إذا احتاج إلى والثاني إذا احتاج إلى الكسوة كساه إن قدر عليه وهكذا
الطعام أطعمه
روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه سئل عن تفسير قوله - تعالى -: وصاحبهما في الدنيا معروفا) قال: نزلت في شأن سعد بن أبي وقاص قال: مصاحبة المعروف أن يطعمهما إذا جاعا ويكسوهما إذا عريا»
والثالث: إذا احتاج إلى خدمته خدمه (1/200)
صفحة 201
والرابع: إذا دعاه أجابه وحضره
والخامس: إذا أمره بأمر أطاعه ما لم يأمره بمعصية مالم
والسادس: أن يتكلم معه باللين ولا يتكلم معه بالكلام الغليظ
والسابع: أن لا يدعوه باسمه
والثامن: أن لا يمشي خلفه
والتاسع: أن يرضى له ما يرضاه لنفسه
والعاشر: أن يدعو له بالمغفرة كما دعا لنفسه
وينبغي للولد أن لا يتكلم إذا شهد والداه إلا بأمرهما ولا يمشي بين أيديهما ولا عن يمينهما ولا عن يسارهما ولكن يمشي خلفهما كما يمشي العبد خلف
مولاه.
(1)
وذكر أن رجلا جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله؛ إن أمي خرفت عندي وأنا أطعمها بيدي وأوضيها وأحملها على عاتقي هل جازيتها (2)؟ قال: لا؛ ولا واحدا من مائة ولكنك قد أحسنت والله يثيبك على القليل
كثيرا
(د)
وروي عن بعض الصحابة أنه قال: ترك الدعاء للوالدين يضيق
العيش على الولد.
وعن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا تقطع من كان يصل أباك فتطفئ بذلك نورك فإن ودك ود أبيك وذكر أن رجلا من بني سلمة جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال له: إن أبوي قد ماتا، فهل بقي من برهما شيء؟ قال: «الاستغفار لهما وانفاذ
1 - معنى خرفت؛ أي ضعف عقليها لكبر سنها
2 - في الأصل (الى) والصحيح ما قد أثبت
- في الأصل (ثيبك) (1/201)
صفحة 202
عهدهما واكرام صديقهما وصلة الرحم التي لا تصل إلا بهما (1)
وحق الولد على والده أن يحسن تربيته وأدبه ويعلمه القرآن والحساب والصلاة والفرائض وكل ما يحتاج إليه
•
وقيل إن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من حق الولد على الوالد ثلاثة أشياء؛ أن
يحسن اسمه إذا ولد ويعلمه الكتاب إذا عقل ويزوجه إذا أدرك»
وعن عمر بن الخطاب - رحمه الله - أن رجلا جاء إليه بابنه فقال: ان ابني هذا يعقني فقال عمر للابن: أما تخاف الله في عقوق والدك وان من حق الوالد كذا ومن حق الولد كذا. فقال الابن: يا أمير المؤمنين؛ أما للولد حق على والده؟ قال: نعم؛ حقه أن يستنخب أمه - يعني لا يتزوج امرأة دنية لكيلا يكون الابن يعير بها -. قال: ويحسن اسمه ويعلمه كتاب الله تعالى -. قال: فوالله ما استنخب أمي، ما هي إلا سندية اشتراها بأربعمائة درهم، ولا حسن اسمي، سماني جعلا، ولا علمني من كتاب الله آية واحدة. فالتفت عمر - رضي الله عنه - إلى الأب قال: إنك تقول إن ابني عقني وقد عققته قبل أن يعقك فمر عني
-
ويحكى عن أبي حفص الاسكندري بسمرقند وكان من علمائها أنه أتاه رجل فقال: إن ابني ضربني. فقال: سبحان الله! الابن يضرب أباه؟ قال: نعم؛ ضربني وأوجعني فقال له: هل علمته العلم والأدب؟ قال: لا. قال: هل علمته القرآن؟ قال: لا. قال: فأي عمل يعمل؟ قال: الزراعة عمله. قال: علمت لأي سبب ضربك فلعله حين أصبح وتوجه إلى الزرع وهو راكب على الحمار والثيران بين يديه والكلب من خلفه وهو لا يحسن القرآن فتعرضت له في ذلك الوقت فظن انك بقرة فضربك، فاحمد الله حيث لم يكسر رأسك
1 - في الأصل لهما الاستغفار) والصحيح ما أثبت
- Y. Y- (1/202)
صفحة 203
وعن ثابت البناني قال: رؤي رجل يضرب أباه في موضع فقيل له:
ما هذا؟ فقال الأب: خلوا عنه فأنا كنت أضرب أبي في هذا الموضع فابتليت بإبني فضربني في هذا الموضع
وقال بعض الحكماء: من لم يبر والديه لم ير السرور عند ولده. ومن لم يستشر في الأمور لم يصل إلى حاجته، ومن لم يدار مع أهله أذهب عنه لذة
عيشه
وقال الفضيل (1) بن عياض: تمام المروءة لمن بر والديه ووصل رحمه خلقه وأكرم إخوانه وحسن ولده وأهله، وأحرز دينه وصلح ماله وأنفق فضله وحفظ لسانه ولزم بيته. يعني يكون مقبلا على عمله ولا يجلس مع أهل
الفضول
الأجل
جرم
•
وقال: صلة الرحم محبة في الأهل مثراة في المال منساة في
وفي رواية: «أول ما يذهب من العدل صلة الرحم وقطعهم من غير
وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: أربع بالمرء سعادته (2): أن تكون زوجته موافقة وأن يكون اخوانه صالحين وأن يكون أولاده أبرارا وأن يكون رزقه في
بلده
وعن النبي صلى الله عليه وسلم: لا تدع على ولدك بالموت فإنه يورث الفقر».
وقال: رحم
الله والدين أعانا ولدهما على برهما (3)
1 - وردت في الأصل (فضيل) والصحيح ما أثبت وردت في الأصل (سعادة) والصحيح ما أثبت
3 - وردت في الأصل (رحم الله والدين أعانهما على ولدهما على برهما) والصحيح ما أثبت
O (1/203)
صفحة 204
يتبع
وفي رواية: رحم الله من أعان ولده على بره يعني الاحسان إليه حتى
ويقال: بروا آباءكم تبركم أبناؤكم
المقداد وعن
بن الأسود: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إن الله
يوصيكم بأمهاتكم ثم يوصيكم بأمهاتكم ثم يوصيكم بأمهاتكم ثم يوصيكم
بآبائكم ثم الأقرب فالأقرب.
وحق السيد على عبده؛ أن يناصحه في صنعته، ويحفظ ماله
ما ائتمنه، ويحسن خدمته، ولا يعصيه في جميع أحواله، إلا أن يأمره بمعصية
فلا يطيعه على ذلك
•
وحق العبد على سيده؛ أن يشبع بطنه، ويكسو جثته، ولا يستعمله إلا بما يقدر عليه، ولا يكلفه فوق طاقته، ويحفظه فإنه أمانة في يده، ونعمة
•
من نعم الله كف بها عناءه، وجعلها وقاية له، ولا يحمله على ما لا يحل له وقد قال الله - تعالى -: (يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا) (1) وذلك مما أدبهم الله وأمرهم أن يعلموا أهلهم وأولادهم وأزواجهم وخدمهم وعبيدهم ومن هو من أهلهم حيث يبلغ طولهم ويحذرهم الحرام وارتكاب (2) الآثام ويأمرهم بطاعة ذي الجلال والاكرام.
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: للمملوك ثلاث خصال؛ لا يعجله عن
ولا يقيمه عن طعامه، ويبيعه إذا استباعه
صلاته
ويقال: المملوك أخوك من أمك وأبيك ابتليت به وابتلي بك فله أجران
وعليك الحساب
1 - الآية 6 من سورة التحريم
في الأصل (وارتكبوا) والصحيح ما أثبت
-
204 (1/204)
صفحة 205
الباب الخامس والعشرون
في أكل الحرام
اعلم أن الله - تعالى - لم يرض لأنبيائه - عليهم السلام - المعصية والحرام والظلم، قال الله - تعالى -: (يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا إني بما تعملون عليم) (1) ثم قال - تعالى -: (يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم ومما أخرجنا لكم من الأرض ثم أجملها فقال: (يا أيها الناس كلوا مما في الأرض حلالا طيبا ولا تتبعوا خطوات
(2)
الشيطان) (3)
الأخبار
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الله ملكا ينادي من أكل حراما لم يقبل الله تعالى - منه صرفا ولا عدلا (4) الصرف: النافلة والعدل: الفريضة. وقال: من علم أن في بيته من الحرام ولو قيمة شعيرة لم يقبل الله - تعالى - منه صرفا ولا عدلا حتى يخرج ذلك الحرام من بيته فإن مات على ذلك فأنا منه بريء» (2)
1 - الآية 51 من سورة المؤمنون
الآية 267 من سورة البقرة
3 - الآية 168 من سورة البقرة
- رواه مسلم عن أنس
ه - رواه ابن ماجه
205 - (1/205)
صفحة 206
وقال: «اخرجوا الأمانة من بيوتكم وردوها إلى أربابها فإن لم تفعلوا فلن تنفعكم الأعمال شيئا، ولا ينفع قول لا إله إلا الله مع الحرام في
البيت
الجنة
•
وقال: من أكل طيبا وعمل صالحا وأمن الناس بوائقه دخل
وقال: من اكتسب درهما من حلال وأنفقه في حلال غفر الله له كل
ذنب إلا الدماء والأموال
وقال: طلب الحلال فريضة على كل مسلم.
وقال: من أكل لقمة من حرام لم يقبل الله منه صلاة أربعين يوما ولم يستجب له دعوة أربعين صباحا وكل لحم نبت من سحت فالنار أولى به. وقال: «لو أن رجلا اشترى ثوبا بعشرة دراهم وكان فيه درهم حرام لم يقبل الله فيه عملا حتى يؤديها إلى أهلها أو يردها عن نفسه وفي خير آخر ما دام عليه منه شيء
وقال: لا يدخل الجنة لحم ولا دم نبت من حرام (1)
وقال: من كسب مالا من حرام لم يقبل الله منه صدقة ولا عتقا ولا حجا ولا عمرة وكان له بعدده أوزارا وما بقي منه بعد موته كان زاده إلى
النار
وقال: «لو أن صاحب المال الحرام استشهد في سبيل الله سبعين
مرة لم تكن الشهادة له توبة وتوبة الحرام الرد.
وقال: من أكل الحلال أربعين يوما نور الله قلبه وأجرى ينابيع
1 - رواه الطبراني عن ابن عمر (1/206)
صفحة 207
الحكمة
من قلبه على لسانه ويهديه الله في الدنيا والآخرة
وفي المناجاة: أن الله - تعالى - قال لموسى - عليه السلام -: يا موسى؛ إن أردت أن تدعوني فصن بطنك عن الحرام). وقال موسى
عليه السلام -: يا رب؛ ما جزاء من أكل الربا ولم يتب منه؟ قال: يا موسى؛ أطعمه يوم القيامة من شجرة الزقوم)
وقال موسى - عليه السلام -: يا رب؛ ما على من أكل الربا؟ قال:
أخلده في النار.
•
وعن جابر قال: لعن رسول الله لا آكل الربا ومؤكله وكاتبه وشاهديه وهم سواء. قال الناسخ: وذلك على العلم عندي معهم بموجب الربا، والربا مما لا يسعه جهله عند ارتكابه والله أعلم
قال الله - تعالى -: الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس ذلك بأنهم قالوا إنما البيع مثل الربا وأحل الله البيع وحرم الربا فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف وأمره إلى الله ومن عاد فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون يمحق الله الربا ويربي الصدقات والله لا يحب كل كفار أثيم) (1)
وقال ـ عز وجل -: (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله وإن تبتم فلكم رؤوس أموالكم لا تظلمون ولا تُظلمون) (2). جعل من يتعامل في الربا في الآية مأذونا بمحاربة الله - تعالى - وفي آخره متعرضا للنار. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: درهم من ربا أشد على الله - تعالى - من ثلاثين
زنية في الاسلام
1 - الآيتان 278، 279 من سورة البقرة
- الآيتان 275، 276 من سورة البقرة (1/207)
صفحة 208
الآثار
وبلغنا في الرواية أن الأرض عجت وضجت لمن سفك دما حراما
نطفة واغتسل من حرام.
وبلغنا أنه ما يقطر على الأرض قطرة أثقل من نطفة حرام أو دم حرام. وقال: ما يوافي عبد يوم القيامة بذنب أعظم من شتم عرض مسلم فاجتنبوا شتم أعراض المسلمين
حراما.
وعن ابن عباس: من دخل دعوة بغير دعاء فقد دخل فاسقا وأكل
جابر بن عبدالله، قال النبي صلى الله عليه وسلم: نزعت البركة من ثلاثة أشياء؛ من
الغال والحرام والجابي»
وقال عبدالله بن عمر: لو صليتم حتى تكونوا كالحنايا أو صمتم حتى
تكونوا كالآثار لم يتقبل ذلك منكم إلا بورع.
وقال بعض أهل العلم: أف للدنيا؛ حلالها حساب وحرامها عقاب ثم إن الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء ويقول: يا رب يا رب ومطعمه حرام وملبسه حرام فإنه يستجيب له بالسلامة في الدنيا والصحة، وأما الآخرة فلن يتقبل الله إلا من المتقين كما جاء في كتاب الله المنزل على لسان نبيه المرسل: (وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداعي إذا دعان) (1) فالمؤمن يستجاب له بالرحمة وجزاؤه الجنة والظالم يستجاب له باللعنة وجزاؤه النار.
وعن بشير؛ «إن الحلال بين والحرام بين وبين ذلك شبهات لا يعلمها
1 - الآية 186 من سورة البقرة
- 208 - (1/208)
صفحة 209
كثير من الناس، فمن اتقى الشبهات شرى دينه وعرضه ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام كالراعي حول الحمى يوشك أن يقع فيه، ألا وإن لكل ملك
وحمى
الله محارمه
عائشة وعن
- رضي الله عنها - قالت: كان لأبي بكر غلام يخرج له الخراج وكان أبو بكر يأكل من خراجه فجاء شيء فأكل منه أبو بكر فقال له الغلام: أتدري ما هذا؟ فقال أبو بكر: وما هذا؟ فقال: كنت تكهنت لانسان في الجاهلية وما أحسن الكهانة إلا أني خدعته فلقيني فأعطاني بذلك فهذا الذي أكلت منه. فأدخل أبو بكر يده فتقيأ كل شيء في بطنه
وعن زيد بن أسلم أن عمر بن الخطاب شرب لبنا فأعجبه، فقال للذي سقاه: فمن أين لك هذا اللبن؟ فأخبره أنه من نعم الصدقة، فأدخل عمر يده فتقياه.
وقال يوسف بن أسباط: اذا تعبد الشاب قال ابليس - لعنه الله -: انظروا من أين مطعمه فإن كان مطعمه مطعم سوء قال: دعوه لا تشتغلوا به دعوه يجتهد أو ينتصب فقد كفاكم نفسه
وعن حذيفة أنه نظر إلى الناس يتبادرون الصف الأول فقال: ينبغي أن يتبادروا الخبز الحلال
وعن الفضل بن عياض قال: سئل سفيان الثوري عن فضل الصف
الأول فقال: انظر كسرتك التي تأكلها وتصلي في الصف الأخير وعنه أيضا: انظر إلى درهمك من أين هو وصل في الصف الأخير. وقال ابن عباس: لا تقبل صلاة رجل في جوفه حرام.
وقيل: الشبع من الحلال مثل العلة مبدأ كل شر فكيف من الحرام. (1/209)
صفحة 210
الطاعة،
وقال يحيى بن معاذ الرازي: الطاعة مخزونة في خزائن الله - تعالى - ومفتاحها الدعاء، وأسنانه الحلال، وإذا لم يكن للمفتاح أسنان فلا ينفتح الباب، وإذا لم ينفتح باب الخزانة كيف يوصل إلى ما فيها من فاصف لقمتك، وأطب طعمتك حتى يتبين لك مبيض خيط صالح العمل من مسود خيط الأمل من فجر الأجل ثم أقم صيام الجوارح عن حرام طعام الأثام الى ليل القيام فتفطر على فوائد موائد كلوا واشربوا هنيئا بما أسلفتم في الأيام الخالية) (1) ومن لم يجتنب الحرام من الطعام أفطر بعد طول الصيام على مرارة حرارة شجرة الزقوم التي هي طعام الأثيم كالمهل يغلي في البطون كغلي الحميم) () ويسمع نداء خذوه فغلوه) (3) إلى سوء الجحيم ثم صبوا فوق رأسه من عذاب الحميم، فياله من طعام ما أطعم ضرره وأين لمن نظر أثره يفت الفؤاد ويقطع الأكباد ويمزق الأجساد ويورث الأنكاد في المعاد واعلم أن الحرام من الطعام نار تذيب شحمة الفكر وتذهب لذة حلاوة الذكر وتحرق يانع نبات إخلاص النيات، وحرام الطعام روح جسد المعاصي وحلاله روح جسد
الطعام.
(2)
ومن الحرام يتولد عمي البصيرة وظلام السريرة وفساد السيرة وهو حجاب العقل عن معقولات الحقائق وستر يستر عنه صفاء الدقائق وواصل بينه وبين مهاجرة الخلائق وقاطع بينه وبين مواصلة الخالق
واعلم أنه لا يمنع من الحرام الا من هو مشفق على لحمه ودمه فأما دينك لحمك ودمك فاكتسب حلالا وانفقه في قصد واجلس مع من كسبه من حلال وليكن أهل مشورتك من كسبه من حلال فإن الورع ملاك الدين وقوام العبادة واستكمال أمر الآخرة فاجتنب الحرام وأهله ما استطعت ولا تؤاكلهم ولا تجالسهم ولا تأكل طعام من كسبه من حرام ولا تدلن أحدا على الحرام
1 - الآية 24 من سورة الحاقة
2 - الآيات 44، 45، 46 من سورة الدخان
- الآية 30 من سورة الحاقة (1/210)
صفحة 211
فيأخذه ولا تعينه فتكون شريكه فالعون على كل خبيث شريك
واعلم أن البركة لا تكون مع الخيانة وأن قليلا من الحرام يتلف كثيرا من الحلال وإنك إذا خنت في درهم خانك إبليس في سبعين درهما. وقيل لرسول الله: أيذهب الحلال يا رسول الله؟ قال: «نعم». قيل: والحرام؟ قال: «هو أهله»
•
فصل
وإياك والطمع مما في أيدي الناس فإن الطمع هلاك في الدين وفساد في القلب، وإياك والحرص على الدنيا فإن الحرص يفسد الناس في الدنيا ويهلك في الآخرة، وإن الحريص بدنه في تعب وقلبه في شغل، وكن طاهر الجسد من
الذنوب نقي اليدين من الظلم، سليم القلب من الغش والمكر والخيانة خالي البطن من الحرام؛ فإنه لا يدخل الجنة لحم نبت على السحت، ولا تسد جوعك إلا من حقك، ولا تستر عورتك إلا من الحلال. فقد بلغنا عن النبي أنه قال: من حشا بطنه وستر عورته من حرام لم يقبل له عمل حتى يؤديه
ولا دعاء له
عن
فإياك والحرام أن تناله بيديك أو ترفعه إلى أحد، وأدنى ما يكون الظالم أن ترضى عمله وان لم تصب منه شيئا، ولا تدخل في شيء من أمر الدنيا حتى تنظر في أمر دينك فإذا علمت أنك إن دخلت سلم لك دينك فادخل وإلا فرده نفسك؛ فإنه ليس لك عند الله عذر فإن الله لم يأمرك أن تضيع شيئا من أمر دينك في أمر معيشتك. يا أخي اتق الله وانظر إلى ما هو دونك في دنياك واحمد الله على ما فضلت عليه وانظر إلى ما هو فوقك في دينك واسأل الله أن يرزقك أن تكون فوقه واقتد بمن هو فوقك في أمر دينك يردك ثوابه وإن لم تعمل عمله واحمد الله على ما نلت في دنياك على من هو تحتك تكن راضيا بما قسم الله لك،
- 211 - (1/211)
صفحة 212
1
واعلم أن الذي ينظر إلى من هو فوقه في دنياه فيقتدي به وينظر إلى من هو دونه في دينه فيقتدي به فهو من سخط الله عليه. يا أخي لا تقتد بمن يبيع دينه بدنياه وإن كان يقال هو العالم فإنه هو الجاهل لأن معصية الله جهل فهذا جاهل وليس بعالم إنما العالم الزاهد في الدنيا الراغب في الآخرة.
يا أخي وإن طلبت حقا هو لك واجب ليس فيه باطل وكلفوك الخصومة فانظر إن وصل حقك بسلامة دينك فخذه وإن علمت أنه يحرم عليك دينك يقبض حقك فدع حقك لسلامة دينك فإنما دينك لحمك ودمك ولو أنه طلب فك خنصرك بمال عظيم ما كنت قاطعها فإن لم يسلم لك دينك لم يسلم لك جسدك ولا تكون مخاصما فتكون ظالما ولا تكون مماريا فتكون كاذبا.
(1)
يا أخي؛ الله الله في دينك فإن سلم دينك سلمت أخرجها معك إلى الآخرة ثم بعثت بين يدي الجبار فألقى عليك الضماء (2) فسئلتها بشربة ماء لكنت تعطيها وتفدي بها نفسك فدينك أسلم لك على كل حال فإنه ليس لك عند الله - عز وجل - عذر أن تأخذ شيئا من أمر الدنيا بذهاب دينك، وارمها إلى أهلها فإنها كلها شغل
لنفسك
يا أخي؛ لا تدع أيامك ولياليك وساعاتك تمر عليك باطلا وقدم من نفسك بمالك وبدنك ليوم العطش فإنك لا تروى القيامة يوم إلا برضا الرحمن، ولا تدرك رضوانه إلا بطاعته، وإياك والربا فإنه أخفى من دبيب الذر في الصفا في الليلة الظلماء وإن أدنى الربا كالذي يزني مع أمه والزنية أمه أعظم من سبعين زنية مع غيرها
فراغ وجد في الأصل
2 - هكذا بالأصل والصحيح أنها الظمأ
- 212 - (1/212)
صفحة 213
الباب السادس والعشرون
في فضل الكسب الحلال وكراهية السؤال
واعلم أن كسب الحلال فضيلة عظيمة وانما صارت فضيلة عظيمة لاجتهاد طلبه المجتهدين ودفع الحرام بكف الورع.
وقال أبو الحسن: طلب الحلال أشد من لقاء الزحف وما زال الأنبياء والصالحون يطلبون الحلال
وقال بعض الصالحين من المسلمين: ما أعلم الحلال اليوم إلا أن يجيئ الرجل إلى الدجلة فيشرب منها الماء بكفيه والطلب واجب. فقد كان آدم عليه السلام - حراثا ونوح نجارا وادريس خياطا وداود زرادا و ابراهيم زراعا وصالح تاجرا ولقمان خياطا وموسى وشعيب ومحمد ـ صلى الله عليهم وسلم
أجمعين - رعاة
وعن النبي أنه قال: «من - لعله ـ ما أكل منكم طعاما في الدنيا خير له من أن يأكل من عمل يده فإن نبي الله داود - عليه السلام - كان يأكل من عمل يده (1)
ابن مسعود عن النبي أنه قال: لا يكسب عبد مالا من حرام فيبارك له فيه فإن تصدق به فلا يقبل منه وإن تركه خلف ظهره كان زاده إلى النار لأن الله - عز وجل - لا يمحو السيء بالسيء ولكن يمحو السيء
1 - رواه البخاري
- 213 - (1/213)
صفحة 214
بالحسنى
لعله - بالحسن لأن الخبيث لا يمحو الخبيث
أنس بن مالك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ليس خيركم من ترك دنياه لآخرته ولا آخرته لدنياه ولكن خيركم من أخذ منهن جميعا ولم يكن كلا، أو قال: عالا
على الناس
وقيل: العامل بيده أفضل من التاجر، والتاجر أفضل من الجالس
وقال النفوسي:
أحب فتى ماضي العزيمة حاذقا لدنيا وأخرى عاملا بالتشمر وقال بعضهم: من لزم المسجد وليست له حرفة وهو يقبل ما يأتيه فقد
الحف في السؤال.
وقال مالك بن دينار: لأن يرد الرجل درهما حلالا خير له من أن يتصدق
بمائة ألف درهم حراما
مبرور
وقال - عليه السلام -: أفضل الكسب عمل الرجل بيده وكل بيع
وقوله - عز وجل -: (معيشة ضنكا) (1) الكسب الخبيث
وقوله: (فلنحيينه حياة طيبة) (2) قال: الرزق الحلال وقيل: إن ابراهيم - عليه السلام - كان يحرث الأرض. قال: قرأت يوم وهو في حرثه (3) حتى ذكر شغله بحرثه عن ربه فطرح المصحفة من يده ولام نفسه. فأوحى الله - تعالى - إليه: يا ابراهيم؛ إن عمل الحلال من
1 - الآية 124 من سورة طه
2 - الآية 97 من سورة النحل
3 - هكذا وردت العبارة في الأصل ولعله أراد أن إبراهيم أثناء حرثه تذكر قراءة المصحف
214 - (1/214)
صفحة 215
طاعتي
وقيل: العبادة عشرة أجزاء فتسعة منها في طلب الحلال والجزء العاشر في الصوم والصلاة ولا يجوز ذلك الجزء إلا بالتسعة.
قال أبو سليمان الداراني: صاحب العيال أعظم أجرا لأن ركعتين منه تعدل سبعين من الأعزب والمتفرغ يجد من لذة العبادة ما لا يجد صاحب العيال لأنه في شيء لا يشغله عنه شيء
وعنه: ما أنفق منفق ولا تصدق متصدق أفضل من كلام الحكمة
إذا تكلم به الحكيم.
عظيم
وقال بعض المفسرين: (وإنك لعلى خلق عظيم) (1) أي دين
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أبكروا في طلب الرزق فإن النجاح والبركة في
المباكرة.
وقال: من كثر عياله زيد في رزقه ومن عظمت مؤونته كثرت معونته
وذكر عنه أنه قال: من بات متعوبا من طلب القوت من حله بات مغفورا له وأصبح ومولاه عنه راض ومن طلب الدنيا مكاثرا مفاخرا مباهيا مرائيا لقي الله - تعالى - يوم القيامة وهو عليه ساخط غضبان
ويقال: (في التوراة مكتوب؛ يا ابن آدم حرك يدك أبسط لك رزقك وأطعني فيهما أمرتك به ولا تعلمني بما يصلح لك فإني أدبر لك أمرك).
وذكر عن عمر - رضي الله عنه ـ أنه قال: لا يقعد أحدكم عن طلب
الرزق ويقول: اللهم ارزقني وقد علمتم أن السماء لا تمطر ذهبا ولا فضة
1 - الآية 4 من سورة القلم
•
-
215 - (1/215)
صفحة 216
وقد قال الله - تعالى -: وآخرون يضربون في الأرض يبتغون من
(1)
فضل الله) (1)
وذكر عن لقمان أنه قال لابنه: يا بني استعن بالمال على الفقر فإنه ما افتقر أحد إلا أصابه ثلاث خصال: رقة في دينه، وضعف في عقله، وذهاب مروءته، وأعظم من هذه الثلاث؛ استخفاف الناس به، وحفظك لما في يدك أولى من طلب ما في يد غيرك، وخيار الناس الذين لم يدعوا الدنيا للآخرة ولا الآخرة للدنيا وأفضل ما أكل العبد من كسبه وان أتاه من كسبه فاتقوا الله واجملوا في الطلب ولا يحملنكم الشيطان إذا أبطأ عليكم شيء من الرزق أن تطلبوه بمعصية الله فإن ما عند الله لا ينال بالمعصية
ومن عرف من أين يأكل وماذا يأكل كتب عند الله صديقا. وما تزين
الناس بشيء أفضل من الصدق وطلب الحلال
وذكر عن عمر أنه كان يقول: يا معاشر الفقراء؛ اتجروا ولا تكونوا
عيالا على الناس
وذكر عن بعض الحكماء أنه قال: الأسواق موائد الله في أرضه فمن نزل فيها نال منها، ومن سعى على عياله ليكفيهم عن الناس فهو في سبيل الله، ومن كان في حوائج أهله ليكفيهم عن الناس فهو في سبيل الله
وقال عمر: مكسبة فيها بعض الدناءة خير من مسألة الناس
وقال بعض الحكماء: من وجد كفاية عن الأسباب فالله أغناه، والا فلا يجوز لأحد يقعد عن الاكتساب اتكالا على الناس وهو قادر على
الاكتساب
قتاده قال: ذكر لنا أن نبي الله كان يقول: إن الله يحب الحليـ
وعن
1 - الآية 20 من سورة المزمل
216 - (1/216)
صفحة 217
الحيي الضعيف ويبغض الفاحش البذيء السائل الملحفه
من طريق ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا تحل المسألة إلا من فقر مدقع
أو غرم مفطع أو دم موجع.
ويروى عنه أنه قال: «من سأل عن ظهر غنى جاءت مسألته القيامة خدوشا أو خموشا أو كدوحا في وجهه
الحافا»
يوم
وفي حديث آخر عنه أنه قال: من سأل الناس وعنده وقية فقد سأل
وبلغنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «المسألة في غير حق الله كالشين في الوجه
وهي نار فإن أعطي قليلا فقليل وإن أعطي كثيرا فكثير
وبلغنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا تصلح المسألة إلا لثلاثة: رجل حمل دينار في صلاح قومه حتى يؤديه لا يزاد عليه، ورجل أصابته جائحة في ماله فصار عليه الفضل فيسأل حتى يؤدي، ورجل شهد ذو الحجى من قومه أنه
دخل عليه وعلى أهل بيته فقر فيعطى حتى يجبر هو وعياله»
وعنه أنه قال: اطلبوا الحوائج عند حسان الوجوه.
وقال بعض الحكماء: الحاجات إلى الأحداث أسهل منها إلى المشايخ
وقيل: لا تطلب حاجة إلى أعمى ولا في ظلمة فإن الحياء في العينين وعن عبد الله بن مسعود أنه قال: طلب الرجل الحاجة إلى أخيه فتنة إن
أعطاه حمد غير الذي أعطاه، وإن منعه ذم الذي منعه
أبو سعيد الخدري: أعوزنا مرة أمر وأهلكنا جهد شديد فقال أهلي: لو أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فسألته. فانطلقت إليه فقال: أول شيء واجهني به أن قال: من استعف أعفه الله ومن استغنى أغناه ومن سألنا لم ندخر عنه شيئا
-
217 (1/217)
صفحة 218
وجدناه
أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: والذي نفسي بيده ليأخذ أحدكم حبلا فيحتطب على ظهره خير من أن يأتي رجلا آتاه الله من فضله فيسأله أعطاه أو منعه.
- YIA - (1/218)
صفحة 219
الباب السابع والعشرون
في كراهية جمع المال
والحجة على من احتج بمال الصحابة
اعلم أيها الانسان الراغب في الدنيا أن أعظم آفة دخلت على العباد من الجمع وحب المال وهي البلية الكبرى كما ذكر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لوكان لابن آدم واديان من ذهب أو فضة لا بتغى لهما واديا ثالثا ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب ويتوب الله على من تاب ثم قال لأصحابه: سيأتي من بعدكم قوم يحبون المال ويجمعونه مخافة الفقر فأولئك فاجتنبوا وحب المال والعلو والشرف ينبت في القلب النفاق كما ينبت الماء البقل.
وذكر في الخبر أن الله أوحى إلى موسى - عليه السلام -: (يا موسى؛ لا تركنن إلى حب الدنيا والجمع لها فلن تأتيني بكبيرة هي أشد عليك منها وأصل كل فتنة وبلاء يدخل على الانسان من حب التعظيم والعلو والشرف
والثناء والرفعة وحب المال حتى يتقلبوا في فنون الحرام والشبهات والآثام واستهانوا بكثير من أمر الله ونهيه، وبارزوا الله بالجرائم العظام وأصروا على الكبائر والآثام وضيعوا من الصلاة والزكاة والصيام وأتوا على أنفسهم وما يشعرون).
وقد جاء في الخبر عن النبي أنه حذر قومه من فتنة الدنيا ونهاهم عن حبها والجمع لها فقال لهم: إني ما أخاف عليكم الفقر ولكني أخاف عليكم الغنى فتبسط لكم الدنيا كما بسطت على من كان قبلكم فتنافسوا كما تنافسوا فتهلكوا كما هلكواه
- 219 - (1/219)
صفحة 220
وذكر عن بعض الحكماء أنه قال: من ازداد بالله علما وازداد للدنيا حبا ازداد من الله بعدا ويؤيد ذلك قصة بلعام لما مال إلى الدنيا بعد علمه بالله سلبه الله علمه فطرده عن بابه وأنزله منزلة الكلب، فقال الله - تعالى -:
فمثله كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث (1)
وذكر في الخبر أن الله - تعالى - أوحى إلى موسى - عليه السلام -:
يا. يا) موسى؛ لا تستشر في أمرك عالما أسكره حب الدنيا فيقطعك بسكره عن طريق الآخرة فأولئك قطاع الطريق، ألا فراقبوا الله عباد الله وانتبهوا من
،
غفلتكم واذكروا ما يراد بكم ولا يغرنكم الشيطان وأولياؤه من الانس بالحجج الداحضة عند الله حيث يطلبون لأنفسهم المعاذير والحجج ويقولون: نحن نجمع الأموال كما جمعها أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد كانت لهم الأموال فزين لهم الشيطان ذكر الصحابة ليعذرهم الناس على جمع المال، ولقد دعاهم الشيطان وهم لا يشعرون ويحتجون بعبد الرحمن بن عوف حين جمع المال وليس الأمر كما زعموا، بل ذكر الصحابة هاهنا مكيدة من الشيطان ليضل به الناس ويخرجهم عن الطريق وهم لا يشعرون
وبعد؛ فاعلم أيها الانسان الراغب في الدنيا أنك متى زعمت أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم جمعوا المال للتكاثر والعلو والتعظيم والثناء وخوف من الفقر فقد اغتبت السادة والقادة وأخيار الأمة ونسبتهم إلى أمر عظيم ومتى زعمت أن جمع المال الحلال المحض أفضل من تركه فلقد أذريت بالنبي صلى الله عليه وسلم الأنبياء والمرسلين والأولياء والصالحين ونسبتهم إلى الجهل حين لم يجمعوا المال كما جمعته، وزعمت أنك أعلم منهم بمعرفة فضلك، وزعمت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم ينصح لأمته حين نهاهم عن جمع المال فلقد كذبت أيها
وبجميع
المفتون المغرور
•
ولقد كان النبي لأمته ناصحا وعليهم مشفقا
وبهم
رحيما،، ومتى
1 - الآية 176 من سورة الأعراف
220 (1/220)
صفحة 221
زعمت أيها الانسان المفتون المغرور أن جمع المال الحلال المحض أفضل من تركه فلقد زعمت أن الله لم يعلم الفضل والخير الذي فيه فلذلك نهاهم عن جمعه وزعمت أنك أعلم بمكان الفضل فيه من الله - تعالى - فلذلك جمعته أنت ورغبت فيه وفي الاستكثار منه. فما أجهلك أيها المفتون المغرور.
ولقد أوعد الله - تعالى - على المال بالعذاب والخزي والنكال فقال الله - تعالى -: وكلا إنها لظى نزاعة للشوى تدعو من أدبر وتولى وجمع فأوعى) (1)
وقال - تعالى -: ويل لكل همزة لمزة الذي جمع مالا وعدده يحسب أن
ماله أخلده كلا لينبذن في الحطمة) (2)
وقال ـ تعالى ـ: أيحسبون أنما نمدهم به من مال وبنين نسارع لهم في
()).
الخيرات بل لا يشعرون) ()
وبعد هذه الجملة فقد روي في الخبر عن عبد الرحمن بن عوف أنه يود يوم القيامة أنه لم يؤت من الدنيا أكثر من القوت ليومه بدليل ما ذكر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ما من أحد من الناس غني ولا فقير إلا يود يوم القيامة أنه لم يؤت من الدنيا إلا قوت» (4) وذكر في الخبر عن عبد الرحمن بن عوف أنه قدمت عليه عير من اليمن فضحت المدينة لقدومها وقالت عائشة: ما هذا الضجيج الذي أسمع؟ فقيل لها: عير قدمت لعبد الرحمن بن عوف. فقالت: صدق الله وصدق رسوله فبلغ قولها لعبد الرحمن بن عوف فأتى اليها فقال لها: يا أم المؤمنين؛ ماذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقالت: سمعته يقول: رأيت الجنة ونعيمها فرأيت فقراء
1 - الآيات من 15 - 18 من سورة المعارج
-
2 - الآيات 1 من سورة الهمزة 3 - الآيتان 55، 56 من سورة المؤمنون
4 - هكذا في الأصل ولعله يريد قوت يومه كما جاء في حديث آخر
221 - (1/221)
صفحة 222
المسلمين يدخلون الجنة سعيا ولم أر أحدا من الأغنياء يدخل معهم إلا عبد الرحمن بن عوف رأيته يحبو في آثارهم حبوا» فقال عبدالرحمن بن عوف: أشهد الله ومن حضر أن العير وما عليها في سبيل الله لعلي أدخلها
معهم
سعيا
وذكر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لعبد الرحمن بن عوف: «إما أنك أول من يدخل الجنة من أغنياء أمتي وما كدت أن تدخلها إلا حبوا». فهذا عبدالرحمن بن عوف على فضله وتقواه وصنائعه المعروف وبذله الأموال في سبيل الله - تعالى - وصحبته لرسول الله صلى الله عليه وسلم وبشراه له بالجنة يوقف في عرصات يوم القيامة وأهوالها بسبب مال جمعه من حلال محض للتعفف ولصنائع المعروف، وأنفق منه قصدا وبذل الأموال في سبيل الله، منع من السعي إلى الجنة مع الفقراء والمساكين وصار يحبو في آثارهم، فما ظنك أيها المفتون المغرور بأمثالنا الغرقى في فتن الدنيا فالعجب كل العجب لكل مفتون يسرع في تخاليط السحت والسخط ويتكالب على الأوساخ ويتقمص في المكاسب من حيث ما أسرعت ومن حيث ما كانت ولا يبالي حلالا كانت أو حراما وانما همته الكسب وجمع المال للتكاثر والعلو والزينة والفخر، ويتقلب في فتن الدنيا، ويجمعه خوفا من الفقر، ويحتج بالحجج الداحضة، ويقول إن كنت جمعت المال فقد جمعته الصحابة، ونحن والله بعيدو الشبه بالقوم فهذا من قياس إبليس، فلقد روي أنه كان لبعض الصحابة أموال اكتسبوها من حلال محض والبذل في سبيل الله، ولصنائع المعروف للفقراء والمساكين،
للتعفف،
،
وأنفقوا منها قصدا، ولم يمنعوا منها حقا وجب الله عليهم فيها، ولم يبخلوا بها ولكنهم تصدقوا بأكثرها، وتصدق بعضهم بجميعها وكانوا في الشدة يؤثرون على أنفسهم، وكانوا إذا أقبلت عليهم الدنيا وسلك بهم سبيل الرخاء يحزنون ويقولون: إنا قد أذنبنا ذنبا وقد عجلت علينا العقوبة، وإنما هذا الرخاء هو الاستدراج لهلاكنا، وكانوا من أجل ذلك مشفقين وجلين خائفين على أنفسهم وإذا أقبل عليهم الفقر والغلاء والشدة والبلاء فرحوا واستبشروا
222 - (1/222)
صفحة 223
ويقولون: مرحبا بشعار الصالحين ونحن على غير هذه المنزلة. نحن نبغض الفقر ونأنف من المسكنة وذلك من شعار الصالحين وفخر المرسلين ونحن نجمع المال خوفا من الفقر وذلك من سوء الظن بالله وقلة الثقة بضمانه وكفى بذلك إنما ونحن نجمعه للتنعم في الدنيا وزينتها وشهواتها وقد ذكر عن النبي أنه قال: «شرار أمتي الذين غذوا بالنعيم ونبتت عليهم لحوم أجسامهم وأبغض الأجسام إلى الله - تعالى - الجسم الناعم الكثير اللحم الثمين وما ذلك إلا من كثرة أكل الشهوات واللذات
وذكر في الخبر أنه يجيئ يوم القيامة قوم إلى الحساب فيطلبون حسناتهم التي عملوها في الدنيا في كتبهم حتى يقرأها فيقال لهم: أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا واستمتعتم بها) (1)
وقال - تعالى -: سنستدرجهم من سنستدرجهم من حيث لا يعلمون وأملي لهم.
كيدي متين) (2) وقال - تعالى -: أيحسبون أنما نمدهم به من مال وبنين نسارع لهم في
(3)
الخيرات بل لا يشعرون) (فيالها حسرة عظمت فجائعها ونحن نجمع المال للتكاثر والعلو والفخر والزينة في الدنيا والرفعة على الناس ولقد ذكر في الخبر أن من طلب الدنيا ليكاثر بها أو ليفاخر بها أو يباهي بها
الناس وأصابها وهي حلال محض لقي الله - تعالى. القيامة وهو عليه
يوم
ساخط غضبان، فهذا حال من طلب الدنيا حلالا محضا للتكاثر، فكيف بمن يطلبها من الشبهات والحرام ويجمعها في المآثم وظلم الأرامل والضعفاء والأيتام ونحن أكثر هما وغما إذا فاتنا من الدنيا شيء ولم ننل منها فوق ما يكفينا ونتأسف على كل ما فاتنا من عرض الدنيا وحطامها وقد ذكر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه
1
الآية 20 من سورة الأحقاف
2 - الآيتان 44، 45 من سورة القلم
- الآيتان 55، 56 من سورة المؤمنون (1/223)
صفحة 224
قال: من تأسف على ما فاته تأسف على ما فاته من الدنيا وحطامها قرب من النار مسيرة سنة
ومن أحب الدنيا وسرته نزع خوف الآخرة من قلبه»
وبعد هذه الجملة فاعلم أن الحلال في دهرنا عسر منذ زمان ولقد ذكر لنا عن بعض الصحابة أنه قال: كنا نحتاط على أنفسنا في جمع المال فندع سبعين بابا من الحلال مخافة أن نقع في باب من الحرام.
وذكر عن بعض الناس انه قال: لأن تدع درهما واحدا مخافة الا يكون حلالا خير لك من ان تتصدق بألف دينار من شبهات لا تعرف أتحل لك ام لا، فإن كنت أيها الانسان غافلا فاستيقظ، وان كنت نائما فانتبه، وان كنت تزعم أن التقوى والخوف من الله فلا تتعرض للحساب
ولقد ذكر عن بعض الصحابة أنه قال: ما سرني ان اكسب كل يوم الف دينار من حلال وأنفقها كلها وأتصدق بها في سبيل الله ولم يشغلني كسبها عن صلاة الجماعة ولا عن ذكر الله فقيل له؛ ولم ذلك وقد جاء في الخبر ان الصدقة تطفئ غضب الرب سبحانه وتعالى وفيها فضل عظيم وأجر مضاعف كثير فقال لأني غني أن يقال لي يوم القيامة من أين اكتسبت وفي أي شيء انفقت فهؤلاء المتقون كانوا في اول الاسلام وكان الحلال لديهم موجودا حين أحل لهم الطيبات والغنائم قد تركوا جمع المال الحلال خوفا من المحاسبة مخافة ان لا يقوم خير المال بشره فكيف بنا ونحن من بقايا الأمم والحلال في زماننا معدوم مفقود منذ زمان لأن الأموال قد تغيرت بالفتن والمظالم وصار الحلال متشابها والمتشابه حراما نعوذ بالله من سخطه وأليم عقابه
،
ثم نحن نزعم أن كسبنا هو من حلال واين الحلال؟ ثم أين الحلال؟ فياليتها من الشبهات المشهورة ولكنها من التخاليط المكشوفة، كما ذكر عن ابن عباس انه قال: كسب الحلال عسير وما اعلم اليوم درهما من حلال ولو وجدناه لاستشفينا به مرضانا وداويناهم فإن صح هذا القول عن ابن عباس وهو في الصدر الأول من دين الاسلام وهو في زمن الصحابة فكيف بنا
224 - (1/224)
صفحة 225
في زماننا هذا
ولقد تغيرت الأموال بالفتن والنهب والنفاق والظلم فأين يوجد الحلال فتنبه أيها الانسان الراغب الغافل ولا تغتر بالدنيا فإنك عن قريب ستندم حين
لا ينفعك الندم.
وكما ذكر عن ابي ذر انه قال: خرجت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم نحو أحد فقال: يا أبا ذر فقلت لبيك يا رسول الله فقال: الأكثرون هو الأقلون إلا من قال هكذا وهكذا عن يمينه وعن شماله وقدامه وخلفه وقليل ما هم ثم قال لي يا أبا ذر ما يسرني ان يكون لي مثل أحد ذهبا وفضة فانفقه في سبيل الله أموت يوم أموت ما أترك خلفي منه قيراطين»
وذكر في الخبر ان بعض الصحابة كان يرث المال فيتركه مخافة أن يفسد قلبه ويغيره ويفتنه فانتبه أيها الانسان فإني لك ناصح وعليك مشفق واستيقظ من هذه الرقدة وانتبه من هذه الغفلة واقنع بالبلغة من الدنيا ولا تشتغل بجمع المال فيكون عليك وبالا ولا تعرض نفسك للمساءلة والمحاسبة كما ذكر عن النبي انه قال: من نوقش الحساب عذب وذكر في الخبر أنه اذا كان يوم القيامة يؤتى بالعبد وقد جمع مالا من حرام وأنفقه في حرام فيؤمر به الى النار ويؤتى بالعبد وقد جمع مالا من حلال وأنفقه في حرام فيؤمر به الى النار
•
ويؤتى بالعبد وقد جمع مالا من حلال وانفقه في حلال فيقال له: قف حتى تسأل عنه لعلك حين جمعت هذا المال فرطت في شيء مما فرض عليك من الصلاة ولم تصلها في وقتها أو فرطت في شيء من ركوعها أو سجودها أو تسبيحها أو قراءتها أو ضيعت شيئا من الغسل والوضوء ولم تكمل ذلك من أجل جمع المال فيقول لا. بل كسبته من حلال وانفقته في حلال ولم أضيع شيئا مما فرض الله على فيقال له: لعلك باهيت به أو جمعته خوفا من الفقر للتكاثر والزينة والرفعة والعلو على الناس فيقول: لا. بل كسبته من
225 - (1/225)
صفحة 226
حلال وانفقته في حلال ولم أضيع شيئا مما فرض عليَّ ولم اباه به ولم أختل، ولم ارد به التكاثر ولا الزينة ولا الرفعة ولا جمعته خوفا من الفقر وانما جمعته لصنائع المعروف وبذلته في سبيل الله
فيقال له: فلعلك منعت منه حق أحد من الناس أمرت ان تعطيه منه
من اقربائك واليتامى والضعفاء والفقراء والمساكين وأبناء السبيل وبخلت به فيقول: لا. بل كسبته من حلال وانفقته في حلال ولم اضيع شيئا مما فرض عليَّ ولم أباه به ولم أختل ولم أجمعه خوفا من الفقر ولا للتكاثر والزينة والرفعة والعلو ولا منعت حق احد من الناس أمرت ان اعطي منه فإن كان أوفى بما قال ولم اضيع شيء وكان ذلك كذلك
(1)
وقيل قليل من الناس من يوجد فيه هذا على التمام والكمال فيقال له حينئذ قف الآن حتى تؤدي شكر نعمة أنعمها الله عليك من أكلة أو شربة أو لذة أو كسوة فلا يزال يسأل عن ذلك كله وهو عاطش جائع حاف عريان جائيا على ركبتيه كما قال ربنا سبحانه وتعالى: (ثم لتسألن يومئذ عن النعيم) معنى النعيم ها هنا على قول اهل التفسير؛ هو بارد الشراب وظلال المساكن، ولذات النوم، فهذا حال من لم يضيع شيئا مما أمر به، مع حلال، ولم يبخل به، وانفقه في مرضاة الله، ولم يرد به شيئا من المحذورات، والمكروهات، والشهوات، فكيف يمن أنعم على نفسه في الدنيا، يأكل الشهوات واللذات من الحرام، والشبهات، وضيع اكثر المفروضات، ومنع منه حق الله تعالى، وبخل وأراد به الفخر والزينة، والعلو على الناس، والرفعة والتعظيم، كيف يكون حاله عند الله غدا
أنه جمعه من
وأما إن كان بخل به، ولم يعط لأحد شيئا مما أمر أن يعطيه من القرابة، واليتامى، والمساكين، وابن السبيل، والفقراء، والضعفاء، وأهل الحاجة، فإنهم يأتون إليه فيخاصمونه بين يدي الله عز وجل. فيقولون: يا ربنا هذا اعطيته فمنعنا فضل ماله ولم يعطنا شيئا مما أمرته به، فرب ليلة بات
1 - الآية 8 من سورة التكاثر
226 (1/226)
صفحة 227
فرحا مسرورا شابعا على رغد من العيش، وبتنا على شدة جوع وخصاصة
وكذلك إن ضيع شيئا من فرائض الله بسبب جمع المال، وجمعه للزينة والتكاثر والرفعة والعلو والمباهاة فيبقى في حسرة وندامة بين يدي الله عز
وجل
فما يتعرض لهذه المسألة والى هذه المحاسبة إلا كل مستدرج احمق لا عقل
له، ولو كان له عقل ما عرض نفسه لهذا الخطر العظيم، وما يطلب هذا إلا كل مجنون مغرور مفتون قد غلب عليه الجنون وغرته الدنيا بغرورها وأهلكته الى الأبد
الا ترى إلى حال هذا العبد الذي كسب من حلال وأنفق في حلال ولم يضيع شيئا ولم يمنع منه حقا وجب عليه فيه كيف حوسب بهذه المحاسبة الشديدة جاثيا على ركبتيه، وقد منع من الجنة حتى يأذن الله له فيها برحمته
فكيف تكون حال أمثالنا الغرقى في فتن الدنيا وشهواتها ولذاتها وتخاليطها مع التفريط فيها أمرنا به من تضييع صلاة ووضوء وغسل وزكاة وصيام وغير ذلك مما فرضه الله علينا من أجل جمع المال. ونحسب ان جمع المال علينا فرض اعظم من الصلاة والصيام والزكاة وغير ذلك من الفرائض
الشرعية
ثم ان اكثر جمعنا للمال إنما هو للتكاثر والعلو والرفعة على الناس والزينة
والمباهاة ومخافة الفقر
فيا لها من مصيبة ما أجلها نعوذ بالله من سخطه وأليم عقابه الذي لا
طاقة لنا به
وقد روي ان عمر بن الخطاب رضي الله عنه عطش يوما فطلب شربة
227 - (1/227)
صفحة 228
من ماء فأتى بشربة من ماء وعسل ممزوج به ماء وعسل ممزوج به فلما ذاقه وأخذ منه جرعة نـ نزعه من قمه ثم بكى ومسح الدموع من عينيه ليتكلم ثم عاد في البكاء واكثر فقيل له: ما هذا البكاء كله من اجل هذه الشربة؟ فقال نعم. إني كنت جالسا يوما عند النبي صلى الله عليه وسلم في بيته وما معه أحد غيري اذ رأيته يدفع بيديه عن نفسه ويقول: عني اليك عني فقلت له: يا رسول الله فداك أبي وأمي لا ارى بين يديك احدا تخاطبه وليس معك احد غيري فمن الذي تخاطب؟ فقال: هي الدنيا تطاولت على بعنقها ورأسها وتزخرفت إلي وقالت لي يا محمد خذني اليك احد فقلت ها: اليك عني فقالت لي: إن تنج أنت مني فلن ينجو مني بعدك فإني اخاف ان تكون الدنيا قد لحقتني فقطعتني عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
إليك
من
فهذا من أجل شربة خاف على نفسه مع فضائله وتقواه، وصحبته الرسول الله صلى الله عليه وسلم وبشراه له بالجنة فكيف بأمثالنا الغرقى نتقلب في النعيم والتفكه وأنواع الشهوات واللذات وتنغمس في المكاسب من الشبهات والحرام مع كثرة الذنوب والمعاصي ونحن آمنون على أنفسنا لا نخاف الانقطاع عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
فما أعظمها من مصيبة وما أجلها. فالله الله عباد الله في انفسكم فلا تغرنكم الحياة الدنيا ولا يغرنكم بالله الغرور
واعلموا علما يقينا أن من خالف سيرتهم فقد خولف به عن طريقتهم وقد ذكر عن بعض الصحابة أنه قال: لو أن رجلين أحدهما في حجره دراهم ينفقها في سبيل الدنيا ويتصدق والآخر يذكر الله تعالى لكان الذاكر افضل لأن الذي ينفق الدراهم يسأل عنها من اين اكتسبها وفيما انفقها، والآخر لا يسأل عن شيء لأنه لا شيء عنده
ولو أن رجلين أحدهما طلب الدنيا فأصابها محضا حلالا فوصل بها رحمه وأعان المسلمين وتصدق منها وقدم لنفسه، والرجل الآخر اجتنب الدنيا
228 - (1/228)
صفحة 229
وتركها ولم يطلبها، ولم ينل منها شيئا لكان بين الرجلين كما بين السماء
والأرض.
وفي موضع آخر قيل: في رجلين أحدهما يطلب الدنيا بحلاها فوصل منها رحمه وقدم منها لنفسه وجانب الآخر الدنيا قال الربيع: أحبهما إلي الذي جانب الدنيا فأعاد عليها مثلها
وذكر في الخبر ان جبريل عليه السلام نزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا محمد إن الله يقرئك السلام ويقول لك: هذه مفاتيح خزائن الأرض ويجعل لك جبال الأرض ذهبا وفضة تكون معك حيثما كنت وتسير معك حيثما سرت فأطرق النبي برأسه الى الأرض ساعة ثم رفع رأسه فقال: يا جبريل ان: الدنيا دار من لا دار له ومال من لا مال له ولها يجمع من لا عقل له فما بسط يده الى مفاتيحها ولا التفت اليها
وذكر في الخبر عنه أنه أتاه ضيف ولم يكن عنده طعام لضيفه يضيفه، فأرسل الى رجل من يهود خيبر وقال له: يقول لك محمد سلفه أو بعه دقيقا الى هلال رجب. فأبى اليهودي إلا برهن. فقال النبي عليه السلام: والله إني لأمين ولو باعني أو سلفني لأديت إليه ثم ارسل إليه درعه رهنا ولقد مات رسول الله صلى الله عليه وسلم ودرعه مرهونة عند اليهودي ولم يجد لها قضاء حتى افتكها من بعده عمر رضي الله عنه
وأعلم أيها الانسان الراغب في الدنيا أن الشر كله مجموع في الاستكثار من الدنيا والجمع لها وحطامها فتعوذ بالله من ذلك لا سيما في دهرنا هذا، لأن الحلال فيه معدوم مفقود منذ زمان متقدم حتى لا نعلم درهما حلالا محضا ويا ليتها شبهات مستورة ولكنها من التخاليط المكشوفة
فما لك أيها الانسان في جمع المال من حجة اكثر من طلب البلغة من
القوت يوما بيوم.
- 229 - (1/229)
صفحة 230
الطامة، وهي
فأما جمعه للاستكثار في هذا العصر فهو الداء العضال الكبرى، والداهية العظمى، وهي أعظم البلايا والآفة المهلكة
كما ذكر عن النبي انه قال: دعوا الدنيا لأهلها فمن أخذ منها فوق
ما يكفيه فقد أخذ منها حتفه وما يشعر إلا وأن شرار الناس من أخذ من الدنيا
،
فوق ما يكفيه. ثم قال: سيأتي من بعدي قوم يأكلون أطيب الطعام وينكحون اجمل النساء، ويلبسون الين الثياب، ويركبون فرهة (1) الدواب. بطونهم من القليل لا تشبع، وانفسهم بالقليل لا تقنع، قد اعتكفوا على حظوظهم من الدنيا وعملوا لها، وتركوا حظهم الأكبر من الآخرة فصارت همتهم جمع المال وزينة الدنيا لا يغدون واليها يروحون وعليها، قد اتخذوا المال زينة الدنيا آلهة من دون الله وربا من دون رب العزة فبعزيمة من محمد بن عبد الله لمن أدرك ذلك الزمان من عقب عقبهم لعله عقبكم ان لا يسلم عليهم ولا يعود مرضاهم، ولا يشيع جنائزهم، ولا يجالسهم ولا يوقر كبيرهم، ومن لم يفعل ذلك فقد أعان على هدم دين الاسلام
يعكفون
وذكر عنه أنه قال: «من أصبح آمنا في سربة معافى في بدنه وعنده قوت يومه فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها وما قل وكفى خير مما كثر وألهى» (؟)
(2)
ابن آدم عندك ما يكفيك وأنت تطلب ما يطغيك ويلهيك لا بالقليل تقنع ولا من كثير تشبع، فطوبى لمن هدي للاسلام وكان عيشه كفافا فدل هذا على ان جميع الشر مجموع في جمع المال
وذكر عن محمد بن واسع انه قال: لأن القى الله مؤمنا مهزولا خير لي
من ان القاه منافقا سمينا
ا - الجيد السير
2 - رواه مسلم عن ابن عباس
230 (1/230)
صفحة 231
وذكر عن ابي الدرداء انه قال: صاحب الدرهمين أطول حسابا من
صاحب الدرهم
فاتقوا الله عباد الله، ولا تغتروا بالدنيا، واتركوا الجمع لها واقنعوا منها بالبلغة وارضوا منها باليسير ولتكن كثرة عملكم وجملة طلبكم للآخرة ولا تتعرضوا للحساب وأليم العقاب واتقوا يوما ترجعون فيه الى الله ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون) (1)
واعلم ايها الانسان الغافل الراغب في الدنيا المقبل على دنياه المعرض عن اخراه ان جمع المال لا حاصل فيه غير تعب النفس بلا فائدة ولو أن الدنيا كلها ملك لك لم يكن لك منها إلا القوت وما سوى ذلك حساب عليك
كما ذكر في الخبر: أن الله تعالى أنزل في بعض الكتب المنزلة على انبيائه: يا ابن آدم لو كانت الدنيا كلها ملكا لك لم يكن لك منها الا القوت فإذا أنا اعطيتك منها القوت وجعلت حسابها على غيرك فأنا إليك محسن)
وتركت باقي الباب؛ لأن في بعض ما كتبته كفاية لمن من الله عليه
بالهداية وما التوفيق إلا بالله.
1 - الآية 281 من سورة البقرة
-
231 - (1/231)
صفحة 232
[صفحة فارغة] (1/232)
صفحة 233
الباب الثامن والعشرون
في الحكرة والأثرة وعلامة السعادة والشقاء
عبد الله العدوي قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم انه قال: «لا يحتكر الا
خاطيء».
ابن عمر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: من احتكر طعاما أربعين يوما فقد برئ
الله تعالى منه
(1)
وقيل: عنه عليه السلام أنه قال: الجالب مرزوق والمحتكر ملعون (2)، وانما أراد بالجالب الذي يشتري الطعام للبيع فيجلبه الى بلده فيبيعه فهو مرزوق ولأن الناس ينتفعون فينالون بركة دعاء المسلمين، والمحتكر الذي يشتري الطعام للمنع ويضر بالناس
وقال الفقيه: الحكرة ان يشترى الطعام في مصر ويحبسه عن البيع وللناس إليه حاجة في هذا الاحتكار الذي نهي عنه
واما الذي أدخل - لعله ادخر - الطعام من ضيعته أو جاء من مصر آخر فإنه لا يكون احتكار ولكن لو كان للناس حاجة فالأفضل ان يبيعه لأن امتناعه ذلك يكون اساءة مسيء وله شفقة بالمسلمين وله شفقة بالمسلمين، فينبغي ان يجبر المحتكر على بيع الطعام فإن امتنع من ذلك فإنه يعزر ويؤدب ولا يسعر عليه ويقال له
عن
بع
كما يبيع الناس
1 - (فقد برئ الله تعالى وبرئ منه هكذا ورد في الأصل والصحيح ما ثبت
أخرجه ابن ماجة والحاكم
- 233 - (1/233)
صفحة 234
وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم انه قال: «لا اسعر فإن الله هو المسعره
وذكر عن بعض الرهبان أنه كان في بيته وفر من حنطة فقحط الناس وباع ما عنده من الحنطة ثم جعل يشتري لحاجته. فقيل له: لو أمسكت ما عندك. فقال: اردت ان اشارك الناس في غمهم كما اشاركهم في فرحهم. وذكر في الخبر أن عابدا من عباد بني اسرائيل مر على كثيب من رمل
فتمنى في نفسه ان لو كان دقيقا فأشبع بها بني اسرائيل في مجاعة اصابتهم فأوحى الله تعالى إلى نبي فيهم ان قل لفلان: «ان الله تعالى قد اوجب لك من الأجر ما لو كان دقيقا وتصدقت به. يعني كما نوى نية حسنة اعطاه الله من الأجر بحسن نيته وشفقته على المسلمين ورحمته عليهم
فينبغي للمسلم ان يكون مشفقا رحيما على المسلمين. وروي أن رجلا جاء الى ابن عباس فقال له: اوصني. فقال له عبدالله بن عباس: أوصيك بستة أشياء: أولها يقين القلب بالأشياء التي تكفل الله تعالى بها لك والتفكر في
الآخرة
والثاني أداء الفرائض لوقتها
والثالث: بلسان رطب في ذكر الله تعالى
•
والرابع: لا توافق الشيطان فإنه حاسد الخلق
والخامس: لا تعمر الدنيا فإنها تخرب آخرتك
والسادس: كن ناصحا للمسلمين دائما
وذكر في الخبر أن آدم عليه السلام أوصى ابنه شيث بخمسة أشياء وأمره
ان يوصي
بها أولاده من بعده
•
اولها: قال له: قل لأولادك لا يطمئنوا الى الدنيا فإني قد اطمأننت
-
234 - (1/234)
صفحة 235
بالجنة الباقية فلم يرض الله عني واخرجني منها.
والثاني: قل لهم لا تعملوا بهوى نسائكم واني عملت بهوى امرأتي
فأكلت من الشجرة فألحقتني الندامة
والثالث: كل عمل تريدونه فانظروا عاقبته فإني لو نظرت عاقبة امري لم يصبني ما أصابني
والرابع: إذا اضطربت قلوبكم من شيء فاجتنبوه فإني حين أكلت من
الشجرة اضطرب قلبي فلم أرجع فلحقني الندم
أصابني
الله
والخامس: استشيروا في الأمور فإني لو شاورت الملائكة لم يصبني ما
أبو هريرة: جاء رجل الى النبي صلى الله عليه وسلم وقد اصابه الجهد فقال: يا رسول الله إني جائع فأطعمني، فبعث النبي صلى الله عليه وسلم إلى ازواجه هل عندكن شيء؟ فكلهن قلن: والذي بعثك بالحق نبيا ما عندنا إلا الماء. فقال رسول: «ما عند رسول الله ما يطعم هذه الليلة ثم قال: من يضيف هذا في هذه الليلة رحمه الله فقام رجل من الأنصار فقال: أنا يا رسول الله. فأتى منزله فقال لأهله: هذا ضيف رسول الله صلى الله عليه وسلم فاكرميه ولا تدخري عنه شيئا. فقالت: ما عندنا إلا قوت الصبية. قال: قومي فعللي لهم عن قوتهم حتى يناموا فلا يطعموا شيئا ثم اسرجي (1) وابرزي فإذا جاء الضيف ليأكل قومي كأنك تصلحين السراج فاطفئيه وتعالي نمضع السنتنا لضيف رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى يشبع ضيف رسول الله صلى الله عليه وسلم
فقامت الى الصبية فعللتهم حتى ناموا عن قوتهم ولم يطعموا شيئا ثم
ا - المقصود اضاءة المصباح وتقديم الطعام
2 - رواه البخاري ومسلم
235 - (1/235)
صفحة 236
قامت فأبرزت واسرجت. فلما اخذ الضيف ليأكل قامت كأنها تصلح السراج فأطفأته وجعلا يمضغان السنتهما الضيف رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى شبع ضيف رسول الله وباتا طاويين فلما اصبحوا غدوا الى رسول الله فلما نظر اليهما تبسم ثم قال: «لقد عجب الله من فلان وفلانة هذه الليلة» فأنزل الله تعالى: ويؤثرون على انفسهم ولو كان خصاصة) (1) بهم
وقال أنس بن مالك: اهدي لبعض الصحابة رأس شاة مشوي وكان مجهودا فوجه الى جار له فتداوله تسع ثم عاد الى الأول فأنزل الله تعالى: ويؤثرون على انفسهم ولو كان خصاصة) اي فاقة وحاجة بهم
فصل
وعلامة السعادة إحدى عشرة خصلة: احدها ان يكون زاهدا في الدنيا
راغبا في الآخرة.
والثاني ان يكون نهمته العبادة وتلاوة القرآن.
والثالث قلة القول فيما لا يحتاج اليه
والرابع ان يكون محافظا على الصلوات الخمس في الجماعة
والخامس ان يكون ورعا فيما قل أو كثر من الحرام والشبهات
والسادس ان تكون صحبته مع الصالحين
والسابع ان يكون متواضعا غير متكبر
•
والثامن ان يكون سخيا كريما.
•
1 - الآية 9 من سورة الحشر
- 236 - (1/236)
صفحة 237
والتاسع ان يكون رحيما بخلق الله.
والعاشر ان يكون نافعا للخلق
والحادي عشر ان يكون ذاكرا للموت كثيرا ليلا ونهارا.
وعلامة الشقاوة احدى عشرة خصلة:
احدهما ان يكون حريصا على جمع الأموال
والثاني ان تكون نهمته في الشهوات واللذات في الدنيا
والثالث ان يكون فاحشا في القول مكثارا
والرابع ان يكون متهاونا بالصلاة
والخامس ان تكون صحبته مع
الفجار
والسادس ان يكون
سيء
الخلق
والسابع ان يكون متكبرا مختالا فخورا
منفعته والثامن ان يمنع
عن الناس
والتاسع ان يكون قليل الرحمة للمسلمين
والعاشر ان يكون بخيلا
والحادي عشر ان يكون ناسيا للموت
واعلم ان عليك حقوقا كثيرة واجبة سوى الفريضة فلا تكن مسلما
منفعة فإن المسلم بغير منفعة مثله كمثل الشجرة الدفلى ورقه اخضر ونواره أحمر
237 - (1/237)
صفحة 238
يزين بنفسه وليس لأحد فيه منفعة فيعجب من رآه وان أكله أحد قتله
قال: لا خير في مسلم لا منفعة للمسلمين فيه.
وكان الله لي حبل الوفاء وأهله، وكان الذين يلونه من الناس خيارهم، وافضلهم عنده، واعمهم نصيحة، واعظمهم عنده منزلة، واحسنهم
،
مواساة، وقد وسع الناس بسطة فصار لهم أبا، سهل الخلق، لين الجانب ليس بفظ، ولا غليظ، ولا صخاب، ولا فحاش، ولا غياب، ولا مزاح، ولا غابش (1)، ولا غدار.
وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يتكلم إلا فيما يرجو ثوابه، وأنه لا ينطق عن الهوى، ولا يتكلم إلا في حاجة، طويل السكوت اذا تكلم تكلم بجوامع الكلم، لا فضول فيه ولا تقصير، واذا سكت. سكتب عن اربع خصال، على الحلم، والحذر، والتقدير، والتفكير.
أما تقديره ففي تسوية النظر والاستماع من بين الناس. واما تفكيره ففيما يبقى ويفنى، وجمع له الحلم في الصبر الله فكان لا يبغضه شيء ولا يستفزه، وجمع له في الحذر أربع، أخذه بالحسن ليقتدي به وتركه القبيح
لينتهي
والآخرة
عنه
واجتهاد الرأي فيما يصلح أمته، وحسن القيام لهم من أمر الدنيا
الغابش: غبش فلانا غبشا: غشه وخدعه، ويقال: غبشه عن حاجته؛ خدعه عنها فهو
غابش (مخادع).
-
1 (1/238)
صفحة 239
الباب التاسع والعشرون
في النصيحة
قال أبو سعيد: إنما الدين النصيحة والنصيحة لا تكون معي إلا بصدق النية وموافقة الأعمال الصالحة، وليس في الخلق تشف ولا مكايدة ولا محاسدة وإنما هو بالصدق ووضعه في موضعه ومواضع السنة فيه
قال عمر بن الخطاب - رحمه الله ـ رحم الله امرأ أهدى الينا عيوبنا والويل يوم يخافنا الناس فلا يأمروننا بالحق. فإياك أن تكره النصيحة ممن يؤديها اليك، ولتقل ذلك بوجه طليق، وسمع مصغي وشكر جزيل، وتعلم صدق ناصحك، وتنصف من نفسك، فإن المرء لا يدري عيوبه، ولعله ما كتمك عن مساوئك اكثر مما أبدى لك، فاجعل لنفسك مثالا من الناس فما استحسنته منهم فاعمل به وما استقبحته فاجتنبه. وذلك معنى قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: المؤمن مرآة اخيه المؤمن اي يرى فيه المحاسن فيعمل بها والمقابح فيجتنبها ولا يراها من نفسه بغلبة الهوى.
وروي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: لا تزيدوا في مهر النساء على اربعين أوقية ولو كانت ابنة ذي الفضة - يعني يزيد بن الحصين الحارثي فمن زاد القيت الزيادة في بيت المال فقامت إليه من بين النساء امرأة قسطا فقالت: ما ذاك لك يا أمير المؤمنين إن الله تعالى يقول: (وءاتيتم احداهن قنطارا فلا تأخذوا منه شيئا أتأخذونه بهتانا وانما مبينا) (1)
1 - الآية 20 من سورة النساء
- 239 - (1/239)
صفحة 240
وقال عمر - رضي الله عنه -: امرأة اصابت ورجل اخطأ
فتأمل رجوعهم الى الحق واعطاءهم النصفة من انفسهم وتركهم الألفة خوف الوقوع في المعصية بكراهية الحق، فتأسوا به رحمكم الله
- YE
- (1/240)
صفحة 241
الباب الثلاثون
في كتمان السر
اعلم أن كتمان السر من أقوى أسباب النجاح وأدوم وأقوم لأحوال الصلاح فقد روي عن النبي أنه قال: «استعينوا على حوائجكم بالكتمان فإن كل ذي نعمة محسود
وقال القرشي: سرك اسيرك فإن تكلمت به صرت اسيره
وقال بعض الادباء: من كتم سره كان الخيار اليه، ومن افشاه كان
الخيار عليه
وقال بعض الحكماء: سرك دمك فإن تكلمت به أرقته
واظهار الرجل سر غيره أقبح من اظهار سر نفسه؛ لأنه يبوء بإحدى وصمتين؛ اما الخيانة ان كان مؤتمنا والنميمة ان كان متبرعا. وأما الضرر فربما استويا فيه وتفاضلا وكلاهما مذموم وهو منهما ملوم.
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنما يتجالس المتجالسان بأمانة الله فلا يحل لأحد
ان يفشي على صاحبه ما يكره».
وقال: من سمع من رجل حديثا لا يشتهي أن يذكر فهو أمانة وان
لم يستكتمه
- YES - (1/241)
صفحة 242
وقال: اذا حدث الرجل حديثا فالتفت فهو أمانة
وقال عمر بن عبدالعزيز: القلوب أوعية السرائر والشفا أقفالها
والألسن مفاتيحها فليحفظ كل ذي سر مفتاح سره.
وقيل في الحكم: قلوب العقلاء حصون الأسرار
فلو قدرت على نسيان ما اشتملت مني الضلوع من الاسرار والخبر لكنت أول من ينسى سرائره إذا كنت من نشرها يوما على خطر
وقال بعض الحكماء: كلما كثرت خزان الأسرار ازدادات ضياعا
وقال غيره:
أخي رجالا لست أطلع سرهم على سر بعض غير اني جماعها يظلون شتى في البلاد وسرهم الى صخرة أعيى الرجال انصراعها (1)
وقال بعض الحكماء: من طلب لسره موضعا فقد أشاد به.
قال المهلب: ما رأيت صدور الناس تضيق على شيء كما تضيق عن
حمل الأسرار
وقال المأمون: قد يحتمل الملوك على ـ لعله - كل شيء إلا ثلاثة أشياء:
الطعن في الملوك، وافشاء السر، والتعرض للحرم
وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم: رأى - لعله - في المنام ان ولدا الحكم يتداولون
لعله انصداعها
242 - (1/242)
صفحة 243
منبرا وذلك بالمدينة كما يتداول الصبيان الكرة فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيته وهـ بيت عائشة فقص رؤياه على أبي بكر وعمر فلما تفرقوا سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم الحكم بن العاص يخبر برؤ ياه فاشتد ذلك عليه وأتهم عمر ان يكون أفشى سره وبرأ أبا بكر فقال لعمر: حدثتكم بحديث أظهرتموه فقال عمر ـ رحمه الله - ما فعلنا فقال: إنما كنت أنا وابا بكر وانت وأنا أشهد ان أبا بكر ما أفشاه فقال عمر: ولا أنا والله يا رسول الله فقال: فمن أخرج حديثي فقال عمر: يا رسول الله تعود إلى مجلسك حتى تتحدث كما كنت تتحدث فأنا آتيك بمن أفشى سرك فقعد حتى كاد ينسى ما قعد له ثم خرج عمر مبادرا فإذا الحكم كان يستمع إليهم فنفاه رسول الله صلى الله عليه وسلم وقوله: (والشجرة الملعونة في القرآن) (1) يعني الحكم في التفسير والله أعلم.
ابو عبيدة عن جابر قال بلغني عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من روع مسلما يوم القيامة ومن افشى سر اخيه ابدى الله سره يوم القيامة على
روعه الله
رؤوس الخلائق»
وقال: من آذى مؤمنا وروعه أطال الله روعته في جهنم»
جابر بن زيد عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من حقر مسلما فليس بمسلم وقيل: لا تصطنع من يكفر بربك ولا تستبطن من يظهر سرك ولا تصاحب من ينسى أياديك ويجهل معاديك
ا - الآية 60 من سورة الاسراء
- YET - (1/243)
صفحة 244
[صفحة فارغة] (1/244)
صفحة 245
الباب الحادي والثلاثون
في أسباب اقتراب الساعة وما جاء من الروايات
في الرواية عن النبي انه قال: من أسباب اقتراب الساعة ان يكون الملك من الأشرار والمكر في الكبار والمداهنة في الأخيار والعلم في الصغار
وقال ابو سعيد رحمه الله: فمعنى قوله: المداهنة في الأخيار قال: الأخيار ليس عندهم مداهنة ولكن هم خيار من أهل زمانهم لأن معهم من أشر منهم، قال: والمداهنة هي المصانعة يزين له افعاله من القبيح ويلقاه به ويلقاه بما حسن من أفعاله ويكنى عن القبيح من أفعال ولا يأمره بمعروف ولا ينهاه عن منكر وكل هذا من أمور الدنيا
قال: ويكون العلم في الصغار. قال: الصغير لا يسمع له قول.
واقل ما يكون يكف عنه ألا يضرب على قوله.
قال: والمكر في الكبار هو الخديعة والمكر بالباطل وهو المكر السيء قال الله تبارك وتعالى: وكذلك جعلنا في كل قرية اكابر مجرميها ليمكروا فيها وما يمكرون إلا بأنفسهم وما يشعرون) (1)
وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال: «بعثت أنا والساعة كهاتين وأشار
بأصبعيه الوسطى والمسبحة)
1 - الآية 123 من سورة الأنعام
(2)
2 - رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة
- 245 - (1/245)
صفحة 246
وفي خبر: بعثت أنا والساعة كفرسي رهان سبق رهان سبق أحدهما صاحبه
•
سئل عيسى بن مريم عليه السلام عن الساعة فقال: ما المسئول عنها
بأعلم من السائل ولكن لها أشراط قالوا: وما اشراطها؟ قال: إذا بعثت أمة محمد فهو كالحامل تضع في شهرها ولا تدري في اوله تضع أو وسطه أو آخره».
وفيه
الزبير: لم يزل النبي الله يسأل عن الساعة حتى نزلت عليه: فيهم صلى الله عليه وسلم
(1)
انت من ذكراها إلى ربك منتهاها))
ابن عباس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأهل مكة: «إن الساعة كائنة قالوا يا محمد متى هي؟ يقولون متى مجيئها فأنزل الله: إلى ربك منتهاها وقيامها
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: والذي نفسي بيده لتنفخن الساعة ولتقومن الساعة والرجل قد لاط حوضه فلا يسقى فيه والرجل قد انصرف بلبن ناقته من تحتها فلا يشربه والثوب بين الرجلين فلا يطويانه ولا يتبايعانه والرجل قد رفع لقمة الى فيه فلا يطعمها ثم تلا هذه الآية: وليأتينهم بغتة وهم لا يشعرون) (2)
أنس قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: من أشراط الساعة أن يقل العلم ويكثر الجهل ويفشو الزنا وتشرب الخمر ويقل الرجال حتى يكون على خمسين أمرأة قيم واحد
الله.
وقال: لا تقوم الساعة حتى يغضب الرجل على من يقول له: اتق
وفي الحديث: لا تقوم الساعة حتى تظهر التحوت يعني الذين كانوا
1 - الآيتان 43، 44 من سورة النازعات
2 - الآية 53 من سورة العنكبوت
246 - (1/246)
صفحة 247
تحت أقدام الناس لا يشعر بهم»
وعنه: من أشراط الساعة أن يتدافع أهل المسجد لا يجدون إماما يصلي بهم، ومن أشراطها ان تكثر الأهلة فتختلف» والله اعلم وعنه: «لا تقوم الساعة إلا على أشرار الخلق وحتى يظهر الزنا
والكذب ويخدم الشيخ الصبي ويسعى له في الحوائج».
واعلم ان في آخر الزمان يخرج قوم يكون معبودهم بطونهم، ودينهم لباسهم، وحليتهم كلامهم، إن رأوا الحق تركوه وان ظهر لهم الباطل اتبعوه، الشيخ منهم زان، والفقير منهم والفقير منهم مختال، بطونهم مثل الخوابي ملأى من الطعام والشراب، والأرض تضج إلى الله تعالى منهم، وفي ذلك الزمان تظهر الفواحش بين الناس وتقسو القلوب وتولع الأنفس بلذات الدنيا وحديث الغيبة، وينفرد كل أحد بالدعوة في العلم من غير عمل، ولا يفيد الوعظ والزجر، ويكثر فيه الذنب إذا قال الرجل لأخيه اتق الله قال له: عليك نفسك وفي ذلك الزمان يسلط الله جور السلطان على الرعية جزاء على ما قدمت أيديهم من الخطايا كما جاء في الخبر: كما تكونوا يولى عليكم وفي ذلك الزمان تطلب الدنيا بالدين فمن يشرق في قلبه نور اليقين لم يشاهد ما شاهده
الصالحون.
وعنه من طريق أنس: ان من أشراط الساعة أن يفشو الفالج
وموت الفجأة
ابو موسى الأشعري سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: إن يدي الساعة أياما يرفع فيها العلم وينزل فيها الجهل ويظهر فيها الهرج بلسان الحبش ـ لعله ـ
القتل
داود: لا تقوم الساعة حتى تكون الهيبة في السفهاء وتذهب من العلماء، وتذل الأخيار وترتفع الأذلة ويهجر فيه كتابي ويكثر فيه رزق
247 - (1/247)
صفحة 248
العاصي، وأقبل الدنيا على كل فاجر وامنعها من كل حبر فاضل واحبب إليهم الغنى واحرمهم الخلوة بي والقيام بأمري فإذا اجتمعت هذه الخصال فيهم سلطت عليهم سيف النقمة وجعلت الصغير لا يهاب الكبير، واغليت اسعارهم، واقللت المطر، وأوحيت الى نبات الأرض ان يقل زكوه وابتليتهم في ذلك بالقسوة والفجور جزاؤهم عندي لأنهم يكذبون بي وبرسلي لا يأمرون بالمعروف ولا ينهون عن المنكر»
ابن عمر: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: إن الاسلام بدأ غريبا ولا تقوم الساعة حتى يكون غريبا كما بدأ فطوبى للغرباء حين يفسد الناس ثم طوبى»
ثلاث مرات
قيل يا رسول الله من الغرباء؟ قال: الذين يصلحون اذا فسد الناس وقيل: يأتى على الناس زمان لا يكون للمؤمن فضل على عبده في دينه مما يموجون في باطلهم وتكون الأمة أعز من المؤمن
وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم: «سيأتي على أمتي زمان يكون طفلهم شاطرا (1) وشابهم مقامرا وكهلهم كافرا ويخزن العمل»
وعن حذيفة قال: قال علي بن ابي طالب: يأتي على الناس زمان لا يبقى من الاسلام إلا اسمه، ومن القرآن الا رسمه، مساجدهم عامرة وهي خراب من اهل الهدى علماؤ هم شر من تحت أديم السماء، من عندهم تخرج
الفتنة واليهم تعود وعنه أنه قال: يأتي ناس في آخر الزمان يأتون المساجد يقعدون
فيها حلقا ذكرهم الدنيا وحب الدنيا فلا تجالسوهم فليس لله
بهم
حاجة
أبو هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تأتي الساعة حتى يقبض الله
1 - أي لئيمها خبيثا
- YEA - (1/248)
صفحة 249
العلم وتأتي الزلازل ويتقارب الزمان وتظهر الفتن ويكثر الهرج» أبو هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: سيكون في آخر هذه الأمة قلوب اعاجم ولسان عذب يلقى الرجل أخاه فيخبره بغير ما في قلبه
ومن كتاب القناطر: عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «سيأتي بعدي قوم يأكلون اطايب الأطعمة وألوانها وينكحون اجمل النساء وألوانها ويلبسون لين الثياب ويركبون فره (1) الدواب، لهم بطون من القليل لا تشبع وانفس من الكثير لا تقنع عاكفين في الدنيا يغدون ويروحون إليها اتخذوها إلها دون إلههم وربا دون ربهم إلى امرها ينتهون وهواهم يتبعون فعزيمة من محمد بن عبدالله لمن أدرك ذلك الزمان من عقب عقبكم وخلف خلفكم ان لا يسلم عليهم ولا يعود مرضاهم ولا يتبع جنائزهم ولا يوقر كبيرهم ومن فعل ذلك فقد أعان على هدم
الاسلام. وكان عبد الله بن مسعود يقول: يا أيها الناس كيف انتم اذا غشيتكم الفتن، ويكثر فيها الغضب، ويهرم بها الكبير ويستعري فيها الأعمى، ويتخذ دينا. قالوا: متى ذلك يا عبد الرحمن؟ قال: اذا كثرت اموالكم وقلت أمانتكم، وتفقه في الدين لغير الدين، وطلب الدنيا بعمل الآخرة، وكان يقول: ستكون فتن كالليل المظلم يموت فيها قلب المؤمن يصبح الرجل مؤمنا
ويمسي كافرا ويبيع فيها قوائم دينهم ببعض الدنيا. وكان يقول: سيأتي
عليکم زمان تجتمعون في المساجد وتصلون جميعا وما منكم رجل مؤمن
وطاعته
•
وقيل: تقوم الساعة إذا غضب الناس على من يأمرهم بتقوى الله
وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: إذا فعلت أمتي خمس عشرة خصلة حل بها البلاء؛ إذا أكلوا الربا وارتكبوا الزنا وجعلوا الأموال دولا والزكاة مغرما
ا - الجيد السير من الدواب
- YES - (1/249)
صفحة 250
والأمانة مغنمها وأطاع الرجل زوجته وجفا أباه وأكرم الرجل من مخافته وكان زعيم القوم أرذلهم وساد القرى منافقوها وارتفعت الأصوات في المساجد بذكر الدنيا ولبس الحرير وشربت الخمور واتخذت المعازف والقيان ولعن آخر الأمة أولها فليتقوا خسفا وصرفا ومسخا إلا أن خسف هذه الأمة بالسنين وموتها
بالطاعون».
اشد
ويقال: مسخ هذه الأمة بقلوبها ومسخ الأمم الماضية بأبدانها وهذا
وعلامة مسخ القلوب أربعة أشياء؛ لا يجد حلاوة الطاعة، ولا يخاف
المعصية، ولا يعتبر بموت أحد، ويصير راغبا في الدنيا كل يوم. وقيل: هلاك هذه الأمة من سبعة نفر؛ من عالم فاجر، وعابد جاهل وزاهد راغب، وحاكم مرشي، ومؤذن كذاب، وقارئ خائن، وأمير
فاسق
والله - عز وجل - زين الدنيا بخمسة نفر؛ بعلم العلماء، وعدل الأمراء، وأمانة التجار، وغزو الغزاة، وزهد الزهاد. فجاء إبليس فخلط العلم بالحسد والعدل بالجور والأمانة بالخيانة والغزو بالطمع والزهد بالرغبة حتى ذهب نفع هذه الأشياء من المؤمنين
وقيل: ان في آخر الزمان يرفع الله من هذه الأمة أربعة أشياء؛ أولها الرحمة من قلوبهم، والثاني البركة من الأرض، والثالث الحياء من النساء، والرابع العدل من الأمراء. فتكون الأمراء ذلك الزمان على الجور، والعلماء على الطمع، والعباد على الرياء، والتجار على أكل الربا والنساء على زينة
الدنيا.
وقيل: في آخر الزمان لا يبالي المرء بما أخذ المال حلال أم حرام، ولا يبقى أحد إلا أكل الربا فإن لم يأكله وإلا أصابه ستاره.
- Yo (1/250)
صفحة 251
ابن عمر
قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: والذي نفسي بيده لا تقوم الساعة حتى يكون عليكم أمراء كذبة ووزراء فجرة وأعوان خونة وعرفاء ظلمة وفقراء فسقة سيماهم سيماء الرهبان وقلوبهم أنتن من الجيف أهواؤ هم مختلفة يفتح الله عليهم فتنة غبراء مظلمة فيتهوكون فيها تهوك اليهود والظلمة لتنفصمن للاسلام عروة حتى لا يقال لا إله إلا الله (1)
وقال ابن عمر: أول ما يرفع من هذه الأمة الألفة والشفقة
الزبير بن عدي قال: أتينا أنس بن مالك نشكو إليه الحجاج فقال: اصبروا فإنه لا يأتي عليكم يوم أو زمان إلا الذي بعده أشد منه حتى تلقوا ربكم. سمعته من نبيكم
وعنه قال: «خير أمتي القرن الذي بعثت فيه ثم القرن الذي يلونهم
ثم الذين يلونهم ثم الآخر أشر إلى يوم القيامة»
وعنه قال: خير أئمتكم الذين تحبونهم ويحبونكم وشر أئمتكم الذين تبغضونهم ويبغضونكم وتلعنوهم ويلعنونكم» (2)
وذكر جابر أن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه ـ قال: عمال الناس على قدر أعمالهم، إن صلحوا صلح عمالهم، وإن فسدوا فسد عمالهم وقيل: كان جابر يقول: إن السلطان الجائر عقوبة فإن قويت عليه فرده
إلى الحق، وإن خفت أن يذلك فعليك بالرضا والتضرع.
قال الناظر: الرضا بما حكم الله وقضى والتضرع إليه في البأساء والضراء، ليس الرضا هنا ما يفعله الجائر من الجور والله أعلم
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا بلغ العبد أربعين سنة ولم يغلب خيره شره
1 - رواه ابن ماجه عن أبي هريرة
2 - رواه مسلم والترمذي بطرق مختلفة
- 251 - (1/251)
صفحة 252
فليتجهز إلى النار
سلمان الفارسي عن النبي صلى الله عليه وسلم: يوشك أن يبذل الكلام ويخزن
العمل».
السبعين
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: لكل شيء حصاد وحصاد أمتي ما بين الستين إلى
عن
السريرة.
معاذ بن جبل قال: يكون في آخر الزمان قوام اخوان العلانية أعداء
قيل: كيف يكون ذلك؟ قال: برغبة بعضهم إلى بعض ورهبة بعضهم إلى بعض
قال ابن عباس: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «الكواكب أمان لأهل السماء فإذا طمست أتى ما يوعدون، وأنا أمان أصحابي، فإذا ذهبت أتاهم ما يوعدون، وأصحابي أمان أمتي فإذا ذهب أصحابي أتى أمتي ما يوعدون، والجبال أمان أهل الأرض فإذا نسفت أتى أهل الأرض ما يوعدون»
252 - (1/252)
صفحة 253
الباب الثاني والثلاثون
في الأمل
قال رسول الله لعبد الله بن عمر: إذا أصبحت فلا تحدث نفسك بالمساء (1)، وإذا أمسيت فلا تحدث نفسك بالصباح، وخذ من حياتك لموتك ومن صحتك لسقمك فإنك يا عبد الله لا تدري ما اسمك غدا
وروى علي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: ان أشد ما أخاف عليكم خصلتان؛ اتباع الهوى وطول الأمل، فأما اتباع الهوى فإنه يعدل عن الحق، وأما طول الأمل فإنه يحبب في الدنيا. ثم قال: لأن الله - تعالى - يعطي الدنيا من يحب ويبغض وإذا أحب الله عبدا أعطاه الايمان ألا إن للدين أبناء وللدنيا أبناء فكونوا من أبناء الدين ولا تكونوا من أبناء الدنيا. ألا إن الدنيا قد ارتحلت مولية، ألا إن الآخرة قد ارتحلت مقبلة، ألا وإنكم في يوم عمل ليس فيه حساب، ألا وإنكم توشكون أن تكونوا في يوم حساب ليس فيه عمل»
وقال ابن مسعود: هذا المرء وهذه الحتوف شوارع إليه والهرم وراء الحتوف والأمل وراء الهرم فهو يأمل وهذه الحتوف شوارع إليه فأيها مر به أخذه فإن أخطأ الحتوف قتله الهرم وهو ينظر إلى الأمل
1
•
وقال أنس: قال رسول الله (2): يهرم ابن آدم ويبقى معه اثنان؛
رواه البخاري عن ابن عمر 2 - رواه البيهقي عن ابن عمر
- Yor- (1/253)
صفحة 254
الحرص والأمل».
العمر
وفي رواية: ويشب معه اثنان؛ الحرص على المال والحرص على
وقال - عليه السلام -: نجا أول هذه الأمة باليقين والزهد ويهلك آخر
هذه الأمة بالبخل والأمل
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قلب الشيخ شاب في حب الدنيا وان التفت
تر قوتاه من الكبر إلا الذين اتقوا وقليل ما هم»
وقال ـ عليه السلام -: «نعمتان مغبون (1) فيهما كثير من الناس؛
الصحة والفراغ.
وقال بعض المفسرين في قوله - تعالى -: فتنتم أنفسكم) (2) قال: بالشهوات واللذات وتربصتم) قال: بالتوبة وارتبتم) قال: شككتم حتى جاء أمر الله، قال: الموت وغركم بالله الغرور) (3) قال: طول
الأمل.
العباء
•
وقال الثوري: الزهد في الدنيا قصر الأمل ليس بأكل الغليظ ولا لبس
وكتب رجل إلى أخ له: أما بعد؛ فإن الدنيا حلم والآخرة يقظة
والواسطة بينهما الموت ونحن في أضغاث أحلام والسلام.
اعلم أن طول الأمل له سببان؛ أحدهما الجهل والآخر حب الدنيا، أما حب الدنيا فهو إذا أنس بها وبشهواتها ولذاتها وعلائقها ثقل على قلبه مفارقتها
1 - رواه البخاري عن ابن عباس
2 - الآية 14 من سورة الحديد 3 - الآية 14 من سورة الحديد
254 - (1/254)
صفحة 255
فامتنع قلبه عن الفكر في الموت الذي هو سبب مفارقتها وكل من كره شيئا دفعه عن نفسه والانسان مشغوف بالأماني الباطلة فيمني نفسه أبدا بما يوافق مراده وانما يوافق مراده البقاء في الدنيا فلا يزال يتوهمه ويقدره في نفسه ويقدر توابع البقاء وما يحتاج إليه من أهل ومال ودار وأصدقاء ودواب وسائر أسباب الدنيا فيصير قلبه عاكفا على هذا الفكر موقوفا عليه فيلهو عن ذكر الموت ولا يقدر قربه فإن خطر له في بعض الأحوال أمر الموت والحاجة إلى الاستعداد سوف ووعد نفسه. وقال الأيام بين يدي فإلى أن يكبر ثم يتوب وإذا كبر فيقول إلى أن أصير شيخا فإذا صار شيخا قال: إلى أن أفرغ من بناء هذه الدار وعمارة هذه القرية أو يرجع من هذه السفرة أو يفرغ من تدبير هذا الولد وجهازه وتدبير مسكن ولا يخوض في شغل إلا ويتعلق بإتمام ذلك الشغل عشرة أشغال أخر هكذا على التدريج يؤخر يوما بعد يوم ويفضي به شغل إلى شغل بل إلى أشغال كثيرة إلى أن تختطفه المنية في وقت لا يحتسبه فتطول عند ذلك حسرته وأكثر أهل النار صياحهم، من سوف يقول: واحزناه من سوف والمسوف والمسكين لا يدري أن الذي يدعوه إلى التسويف اليوم هو معه غدا وانما تطول المدة قوة ورسوخا يظن أنه يتصور أن يكون للخائض في الدنيا والحافظ لها فراغ قط وهيهات ما فرغ منها إلا من طرحها.
وقال بعضهم:
فما قضى أحد منها لبانته
ولا
انتهى
أرب إلى أرب
وأصل هذه الأماني كلها حب الدنيا والأنس بها والغفلة عن معنى قوله
عليه السلام -: أحبب ما شئت فإنك مفارقه
•
وأما الجهل فهو أن الانسان يعول على شبابه فيستبعد قرب الموت مع الشباب وليس يتفكر المسكين أن مشايخ بلده لو عدوا لكانوا أقل من عُشر رجال البلد، وإنما قلوا لأن الموت في الشباب أكثر، فإلى أن يموت شيخ يموت صبي وشاب، وقد يستبعد الموت لصحته ويستبعد الموت فجأة ولا يدري
ألف صبي
- Yoo - (1/255)
صفحة 256
أن ذلك غير بعيد وإن كان ذلك بعيدا، فالمرض فجأة غير بعيد وكل مرض
فإنما يقع فجأة وإذا مرض لم يكن الموت بعيدا
ولو تفكر هذا الغافل أن الموت ليس له وقت مخصوص من شباب وشيب وكهولة ومن صيف وشتاء وربيع وخريف وليل ونهار لعظم استشعاره واشتغل هو بالاستعداد له ولكن الجهل بهذه الأمور وحب الدنيا دعاه إلى طول الأمل وإلى الغفلة عن تقدير الموت القريب فهو أبدا يظن أنه يشيع الجنائز ولا يقدر تشييع جنازته لأنه قد تكرر عليه وألفه وهو مشاهد موت غيره وأما موت نفسه فلم يألفه ولا يتصور أن يألفه وأنه لم يقع وإذا وقع لم يقع دفعة أخرى بعده فهو الأول وهو الآخر وسبيله أن يقيس نفسه بغيره ويعلم أنه لا بد وأن تحمل جنازته ويدفن في قبره فلعل اللبن الذي يغطي بها الحفار لحده قد ضرب وقد فرغ منه وهو لا يدري
فتسويفه جهل محض وإذا عرف أن سببه الجهل وحب الدنيا فعلاجه دفع سببه. أما الجهل فيدفع بالفكر الصافي من القلب الحاضر واستماع الحكمة البالغة من القلوب الطاهرة.
الداء
وأما حب الدنيا؛ فالعلاج في اخراجه من القلب شديد وهو العضال الذي أعيا الأولين والآخرين علاجه ولا علاج له إلا الايمان باليوم الآخر بما فيه من عظم العقاب وجزيل الثواب
ومهما حصل له اليقين بذلك ارتحل عن قلبه حب الدنيا فإن حب الخطير يمحو عن القلب حب الحقير، فإذا رأى حقارة الدنيا ونفاسة الآخرة استنكف أن ينظر أو يلتفت إلى الدنيا وإن أعطي ملك الأرض بأسرها من المشرق والمغرب فكيف وليس لكل عبد من الدنيا إلا قدر يسير مكدر فكيف يفرح به ويترسخ في القلب حبها مع الايمان بالآخرة فنسأل الله - تعالى - أن يرينا الدنيا كما أراها الصالحين من عباده
256 - (1/256)
صفحة 257
ولا علاج في تقريب الموت من القلب مثل النظر إلى من مات من الأقران
والأشكال وأنه كيف جاءهم الموت في وقت لم يحتسبوه.
أما
من كان مستعدا فقد فاز فوزا عظيما، وأما من كان بطول أمله مغرورا فقد خسر خسرانا مبينا ولينظر الانسان كل ساعة في أطرافه وأعضائه وليتدبر كيف تأكلها الديدان لا محالة، وكيف تتفتت عظامها وليتفكر أن الدود يبدأ بحدقته اليمنى أولا وباليسرى فما على بدنه شيء إلا وهو طعمة الدود وما له من نفسه إلا العلم والعمل الخالص لوجه الله ـ تعالى ـ
- YOV - (1/257)
صفحة 258
[صفحة فارغة] (1/258)
صفحة 259
الباب الثالث والثلاثون
في ذكر الموت
اعلم أن المنهمك في الدنيا المنكب على غرورها المحب لشهواتها يغفل
قلبه لا محالة عن ذكر الموت فلا يذكره وان ذكره كرهه ونفر منه أولئك الذين قال الله - تعالى - فيهم: قل إن الموت الذي تفرون منه فإنه ملاقيكم ثم تردون إلى عالم الغيب والشهادة فينبئكم بما كنتم تعملون) (1)
وروي عن حذيفة أنه لما حضرته الوفاة قال حبيب جاء على فانة لا أفلح من ندم، اللهم إن كنت تعلم أن الفقر أحب إلي من الغنى والسقم أحب إلي الصحة والموت أحب إلي من العيش فسهل علي الموت حتى
من
وقال: كفى بالموت واعظا»
ألقاك
واعلم أن الموت لازم لجميع الأحياء من جميع من له روح تتنفس ولا بد من ملاقاته والحازم اللبيب يستعد له قبل موافاته. قال الله - عز وجل -: كل نفس ذائقة الموت) (2)
وقال - تعالى -: قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم) (3)
(الآية).
1 - الآية من سورة الجمعة 2 - الآية 185 من سورة آل عمران
3 - الآية 11 من سورة السجدة
- Yog - (1/259)
صفحة 260
وقال - سبحانه -: أينما تكونوا يدرككم الموت ولو كنتم في بروج
مشيدة) (1)
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما من بيت في الدنيا من شعر ولا مدر إلا وملك الموت يقف على بابه في كل يوم وليلة خمس مرات فيعرف عدد أهله ويتصفح وجوههم فإذا وجد الانسان قد نفد أكله وانقضى أجله ألقى عليه غم الموت فغشيته كرباته وغمرته سكراته فمن أهل بيته الناشرة شعرها والصاكة خدها والصارخة بويلها فيقول لهم ملك الموت: ويلكم مم الفزع وفيم الجزع؟ والله ما أذهبت لواحد منكم رزقا ولا قربت له أجلا ولا آتيته حتى أمرت ولا قبضت روحه حتى استأمرت وإن لي فيكم لعودة ثم عودة حتى لا أبقي منكم أحدا». قال النبي صلى الله عليه وسلم: فوالذي نفس محمد بيده لو يرون مكانه ويسمعون مكانه لذهلوا عن ميتهم ولبكوا على أنفسهم حتى إذا حمل الميت على نعشه رفرفت روحه فوق النعش وهو ينادي: يا أهلي ويا أولادي لا تلعبن بكم الدنيا كما لعبت بي جمعت المال من حله وغير حله ثم ذهبت عنه وتركته لغيري فالهناء له والتبعة على فاحذروا مثل ما حل بي»
وقال: اكثروا ذكر هادم اللذات فإنكم ما ذكرتموه في ضيق إلا وسعه عليكم ورضيتم به فأجرتم وإن ذكرتموه في غنى بغضه عليكم فجدتم به فأثبتم، إن المنايا قاطعات الآمال والليالي مدنيات الآجال
وقال: «الكيس من دان (2) نفسه وعمل لما بعد الموت» وأبلغ ما وعظ به المرء نفسه وداوي به قلبه ذكر الموت
وقد عظم رسول الله صلى الله عليه وسلم ثواب ذكر الموت، قالت عائشة: يا رسول الله؛ هل يحشر أحد مع الشهداء؟ قال: «نعم؛ من يذكر الموت في اليوم
1 - الآية 78 من سورة النساء
2 - رواه الترمذي وقال حديث حسن (1/260)
صفحة 261
والليلة عشرين مرة
وكيف لا أعظم ذكر الموت وهو قاطع الآمال، وخاتم الأعمال، وهادم
اللذات، ومبغض الشهوات.
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما من ميت يموت إلا وله خوار يسمعه كل شيء
إلا الانسان فإنه لا يسمعه ولو سمعه لصعق».
قال الله - عز وجل -: ولو ترى إذ الظالمون في غمرات الموت) وهذا إخبار الرسول الله صلى الله عليه وسلم بحال الظالمين عند الموت أي ولو ترى يا محمد كيف يغمرهم بغمراته ويغشاهم بسكراته وملائكة رب العالمين باسطو أيديهم إليهم بالعذاب المهين اليوم تجزون عذاب الهون) (1)
وذلك أن الملائكة يقبضون روح الكافر ويعدونه النار ويشددون عليه ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة وتركتم ما خولناكم وراء ظهوركم) (2) أي وجدتموه فيها وتركتموه فيها ولم يصحبكم منها شيء
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: تركت فيكم واعظين؛ ناطقا وصامتا فالناطق القرآن والصامت الموت
سمينا
وقال: «لو تعلم البهائم ما علمتم من الموت ما أكلتم منها
وقربك من الله ومنزلتك عنده على قدر حبك الموت وذكرك له فإذا سكن ذكر الموت قلبك واستولى أنتج لك ذلك رفض الشهوات البهيمية. وقال: «يقول الله - تبارك وتعالى - إذا أحب عبدي لقائي أحببت
لقاءه وإذا كره لقائي كرهت لقاءه
1 - الآية 93 من سورة الأنعام 2 - الآية 94 من سورة الأنعام
- 261 - (1/261)
صفحة 262
وانظر كيف ذم الله أقواما كرهوا الموت فقال: ذلك بأنهم استحبوا الحياة الدنيا على الآخرة) (1)
وقال ـ سبحانه ـ ذاما لليهود: ولتجدنهم أحرص الناس على حياة
ومن الذين أشركوا يود أحدهم لو يعمر ألف سنة) (2)
وأحسبك لا تفهم من الموت إلا امتداد الجسم وانقطاع الحراك وهمود الأعضاء وانقطاع النفس والغسل والكفن وبكاء الأهل وبحزنهم وغير ذلك من الأمور المشاهدة بالحس فهيهات ما أبعدك من التحصيل وأحوجك من
التفضيل
واعلم أن الموت الذي عظم الشارع ذكره واستعظم المحققون العارفون شأنه وأمره على ثلاثة معان؛ المعنى الأول - وهو أيسرها وأخفها - ما يكابده الميت عند خروج روحه من الآلام والأهوال العظام والشدة ومرارة المذاق وتقلقل الروح في العذر - لعله الصدر - وخروجه وإليه الاشارة بقوله - تعالى -: ولو ترى إذ الظالمون في غمرات الموت) (2) وبقوله - تعالى -: فلولا إذا بلغت الحلقوم وأنتم حينئذ تنظرون) (4)
وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول حين حضرته الوفاة: يا جبريل؛ اشفع إلى ربك لعله يهون علي الموت ويمد يده ويقول: «إن للموت سكرات.
وقيل: الموت أشد من وقوع مائتي ضربة بالسيف الكليل
وقيل: كمن أدخل في جوف انسان الهراس (5) ثم أدير فيه حتى
1 - الآية 107 من سورة النحل
الآية 96 من سورة البقرة
- الآية 93 من سورة الأنعام
- الآيتان 83، 84 من سورة الواقعة
وردت في الأصل في جوف الهراس وهي زيادة تخل بالمعنى فحذفت
علقت
- 262 - (1/262)
صفحة 263
كل شوكة بعرق من عروقه ثم جذبه جذبا قويا
وقال عبد الله بن عمرو بن العاص حين حضرته الوفاة: يا أبت؛ كنت كثيرا ما أسمعك تقول إني لأعجب من رجل ينزل به الموت ومعه عقله كيف لا يصفه. فقال: يا بني؛ إن الموت أعظم من أن يوصف وسأصف لك منه شيئا، والله لكأن جبال رضوى على كتفي، ولكن روحي تخرج من سم ابرة، ولكان في جوفي الهراس، ولكأن السماء انطبقت على الأرض وأنا بينهما. ثم قال: اللهم انك أمرتني فتركت ونهيتني فركبت ولا تسعني إلا مغفرتك. ثم قال لولده: إذا أنا مت فلا تبكين علي باكية ولا تغالي في اكفاني، وشد علي الازار فإني مخاصم ولا تستر بدني بطوب ولا خشب ولا حجارة، فإذا واريتني فاجلس على قبري قليلا أستأنس بك، واكثر من زيارة قبري والاستغفار لي
المعنى الثاني هو أعظم من الأول وهو ما أنت عليه جار من سابقتك وصائر إليه من خاتمتك والخاتمة تابعة للسابقة والله أعلم السابق نافذ فيك وأنت لما خلقت له، ومع الموت ينكشف لك ذلك ويظهر
ميسر
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: رب مسرور مغبون ورب مغبون لا يشعر الويل
لمن له الويل يأكل ويشرب وهو في الكتاب من وقود النار»
وفي حديث عبدالله بن عمر قال: خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه كتابان وهو قابض على كفيه فقال: أتدرون ما هذان الكتابان؟ قلنا: لا يا رسول الله. فقال: «الذي في يمينه بسم الله الرحمن الرحيم هذا كتاب من رب العالمين بأسماء أهل الجنة وأسماء آبائهم وعشائرهم وعددهم قبل أن يستقروا نطفا في الأرحام إذ هم في الطينة مخلدون (1) فليس بزائد فيهم ولا ناقص منهم اجمال من الله - تعالى - عليهم إلى يوم القيامة. ثم قال الذي في يساره هذا كتاب من رب العالمين بأسماء أهل النار وأسماء آبائهم وعشائرهم
1 - وردت في الأصل (متخلدون)
263 - (1/263)
صفحة 264
وعددهم قبل أن يستقروا نطفا في الأرحام إذ هم في الطينة مخلدون فليس بزائد فيهم ولا ناقص منهم اجمال من الله - تعالى - عليهم إلى يوم القيامة». فقال عبدالله بن عمر: ففيم العمل إذاً يا رسول الله؟ فقال: اعملوا ولا تفتروا لما خلق له وسددوا وقاربوا فإن صاحب الجنة يختم له بعمل أهل
فكل ميسر
الجنة وإن عمل أي عمل».
وقال: «إذا وقعت النطفة في الرحم أوحى الله - تعالى - إلى ملك
الأرحام اكتبه سعيدا أو شقيا بعمله واكتب أجله وأثره وعمله
النطفة
ويقال: إنه يأخذ من التراب الذي قدر فيه دفنه وتربته فيخلطه بتلك
وفي حديث عليّ قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ببقيع العرقد فقعد وقعدنا فنکس رسول الله صلى الله عليه وسلم رأسه وجعل ينكت في الأرض فقال: «ما منكم من أحد وما من نفس منفوسة إلا وقد كتب مكانها من الجنة والنار وكتبت سعيدة أو شقية، فقال رجل: يا رسول الله أفلا نتكل على كتابنا إذاً وندع العمل إذاً فمن كان من أهل السعادة فسيصير إليها، ومن كان من أهل الشقاوة فسيصير إليها؟ فقال: «أما أهل السعادة فييسرون لعمل أهل السعادة، وأما أهل الشقاوة فييسرون لعمل أهل الشقاوة ثم تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم: فأما من أعطى واتقى وصدق بالحسنى فسنيسره لليسرى وأما من بخل واستغنى وكذب بالحسنى فسنيسره للعسري) (1) فقال صلى الله عليه وسلم: «لما خلق الله آدم ـ عليه السلام - أخرج ذريته من صلبه كالذر فأخذ مواثيقهم وأمرهم بالسجود فأبت طائفة وأجابت طائفة فمن أجاب يومئذ فهم المؤمنون وهم السعداء ومن أبى فهم
الكافرون
•
فهذه (2) الأحاديث كلها في ذكر السابقة ولهذا روي عن بعض الصالحين
1 - الآيات
،
،
،
،
من سورة الليل
2 - وردت في الأصل فهؤلاء) والصحيح ما أثبت
264 - (1/264)
صفحة 265
أنه قال: الناس يبكون على النهاية، وأنا أبكي على البداية فمعنى النهاية الخاتمة ومعنى البداية السابقة والسابقة قاضية على الخاتمة، فما يؤمنك أن تكون ممن سبق له في علم الله الشقاء، فيختم لك بعمل أهل النار وتسلب الايمان عند الموت، ولا يظهر لك ذلك إلا عند الموت. قال الله - تعالى -: إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة) (1)
وقال: البشرى في ثلاث مواضع، والبشرى بالخير والشر عند الموت،
وفي القبر، وعند النشر
تبعت؟
فإن قال قائل: فما فائدة العمل حيث سبقت السابقة والخاتمة بالضرورة
فاعلم ان ها هنا ثلاث مقامات يجب عليك تحصيلها بمعانيها وفوائدها هنالك تتضح لك فائدة العمل مع السابقة: أولها الربوبية ومعانيها، والثانية العبودية وفوائدها، والثالثة العلة وموجبها
فالرب معناه المالك الآمر الناهي
والعبد معناه المأمور المنهي، وفائدة العبودية التصرف في المربوب بالامر
والنهي والاثابة والعافية
وفائدة العبودية الامتثال والطاعة والمعصية والترك والعلة الموجبة لسعادتك وشقاوتك العلم القديم الذي لا يتأتى في المعلوم خلافه وموجب العلة هو العمل فالعلم باطن لك والعمل ظاهر لك وتعبد الله تعالى بالظاهر
الميسر لك، وخوفك بالباطن المغيب عنك.
فانظر هل ينظر المأمور المقهور ان يقول علم الله الأمر أني لا امتثل امره
فلا فائدة لأمري أو لا أنتهي فلا فائدة لنهي
1 - الآية 30 من سورة فصلت
- 265 - (1/265)
صفحة 266
والنهي
أولا في هذا تعطيل الربوبية ومعانيها، والعبودية وفوائدها والأمر
وفوائد الربوبية وبماذا علم الله السعيد سعيدا والشقي شقيا بلا طاعة ولا معصية ومحال ذلك وقد سبق العلم بالطاعة كما سبق بالمطيع، وسبق العلم بالمعصية كما سبق بالعاصي وان طلبت لهذا الشأن نظيرا من العلم فاطلبه في باب الرزق المقسوم مع الأمر بالكسب والأجل المضروب والعمر مع الأمر
بالتطبب
واعلم ان
جميع
طاعتك وأعمالك موقوفة على باب خاتمة عملك
وانقطاع اجلك
العمل.
قال الله عز وجل: وجاءت سكرة الموت بالحق) (1) اي بخاتمة
وقال: صاحب الجنة يختم له بعمل أهل الجنة، وصاحب النار يختم له بعمل أهل النار ولا يختم عملك إلا عند خروج روحك فإن ختم لك بالعمل الصالح فما يضرك ما أسلفت من المعاصي فإن ختم لك بسوء العمل والكرة الخاسرة، وسلبت الايمان عند الموت فما ينفعك عمل صالح قدمته
فتذكر وتدبر
•
وأعلم أنه أشبه شيء بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يتفكرون في الموت عشرين مرة في اليوم والليلة ومن هذا اشفاق عباد الله المخلصين، واخوف ما أخاف منه سلب الايمان عند الموت، يلقى العبد خاسرا خائبا ذلك هو الخسران المبين»
وروي عن ابي هريرة أنه بكى عند الموت فقيل له ما يبكيك؟ فقال: ما
1 - الآية 19 من سورة (ق)
266 - (1/266)
صفحة 267
أنا باك على دنياكم هذه ولكن إنما أبكي لبعد سفري وقلة زادي وأنا أمسيت في صعود مهبطة على جنة أو نار ولا أدري على أيهما يؤخذ بي
وروي عن بعض أنه بكى عند الموت فقيل له ما يبكيك؟ قال سمعت الله يقول: وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون وبدا لهم سيئات ما كسبوا) (1)، وهذا وقت يبدو إلي فيه عملي فليس أدري ما يبدو لي منه. وروي عن جابر بن زيد - رضي الله عنه - أنه لما حضرته الوفاة دخل عليه ثابت البناني فقال له: أي شيء تشتهي يا أبا الشعثاء فقال له: ملاقاة الحسن والحسين اذ ذاك مستخف من الحجاج فجاء ثابت فأخبره فقال الحسن: كيف بالوصول اليه فقال ثابت: اركب بغلي وأردفك من وراء سرجي، واغمرك بطيلساني وارجو ان لا يعرض لنا، ففعلا حتى دخلا عليه، فقال له الحسن:
يا أبا الشعثاء قل لا إله إلا الله فسكت جابر رضي الله عنه
فقال له الحسن: يا أبا الشعثاء قل لا إله إلا الله فسكت، فقال الحسن مرارا فقال له جابر: يا أبا سعيد أنا من أهلها في الدنيا وقد طال ما قلتها إن قبلت ولكن أعوذ بالله من غدو ورواح الى النار. يا أبا سعيد اخبرني عن آية خروج نفس المؤمن؟ فقال الحسن: برد يجده على قلبه ونفسه طامعة فقال جابر: اللهم اني اجد بردا على قلبي ونفسي طامعة في ثوابك لكرمك. اللهم فحقق رجاؤها وآمن محذورها وما أفاض بعدها بكلام
المعنى الثالث من معاني الموت، وهو ما أنت إليه صائر بعد خروج روحك من جسدك وصعود الملائكة بروحك إلى السماء ثم رجوعه بعد ذلك إلى جسدك، وهول المطلع، وضغطة القبر، وسؤال الملكين، وعذاب القبر قال
1 - الآيتان 47، 48 من سورة الزمر
- Y¶v - (1/267)
صفحة 268
الله عز وجل: حتى إذا جاء احدهم الموت توفته رسلنا وهم لا يفرطون) (1)
ويقال: ان لملك الموت عليه السلام أعوانا من الملائكة يقبضون
الأرواح بإذنه
وقيل: هو القابض وحده، ولكن الملائكة يأخذون من يده بعد القبض ملائكة الرحمة إذا كان من أهل الرحمة، وملائكة العذاب إذا كان من أهل
العذاب
وقيل: جعلت الأرض لملك الموت عليه السلام كالطاسة يتناول منها
حيث يشاء
وقيل: أن الأرض تزوي لملك الموت عليه السلام أي تضم اليه وقال الحسن: إذا احتضر المؤمن نزل لشهود جنازته خمسمائة ملك يقبضون روحه ويعرجون به
وقال ابن عباس: اذا احتضر المؤمن شهدته الملائكة وسلموا عليه، وبشروه بالجنة، وشهدوا غسله وكفنه، ومشوا مع جنازته، وصلوا عليه مع
الناس
وقال بعضهم إذا جاء ملك الموت يقبض روح المؤمن فيقول: السلام
عليك يا ولي الله، الله يقرئك السلام ويبشرك بالجنة
•
وروي عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه ـ الله عنه ـ أنه قال لعبد أنه قال لعبد الله يوم
-
طعن. ادع لي طبيبا فدعاه فقال: لا اراه ان يمسي فقال عمر: الله اكبر وايقن. بالموت فجعل من حوله يثنون عليه. فقال: المغرور والله من غررتموه، والله
1 - الآية 61 من سورة الأنعام
268 - (1/268)
صفحة 269
لو كان لي ما طلعت عليه الشمس وغربت لافتديت به من هول المطلع ووحشة
القبر وكان رأسه في حجر عبد الله ولده فقال له: ضع خدي في الأرض
فجعل يحك خده بالأرض ويقول: الويل لعمر وأم عمر ان لم يغفر الله له
6
وقال بعض العارفين أن ملك الموت عليه الصلاة والسلام إذا ظهر للعبد أعلمه انه قد بقي من عمرك ساعة وأنك لا تستأخر عنها طرفة عين فيبدو للعبد من الأسف والحسرات ما لو كانت الدنيا بحذافيرها لخرج منها على ان يضم إلى
تلك الساعة ساعة أخرى ليستعتب فيها ويتدارك تفريطه فلا يجد إليه سبيلا
واعلم ان شدة الألم في سكرات الموت لا يعرفها بالحقيقة إلا من ذاقها،
•
ومن لم يذقها فإنما يعرفها إما بالقياس إلى الآلام التي ادركها، وإما بالاستدلال بأحوال الناس في النزع على شدة ما هم فيه
فأما القياس الذي يشهد له هو ان كل عضو لا روح فيه فلا يحس بالألم فإذا كان فيه الروح فالمدرك للألم هي الروح فمهما أصاب العضو جرح او حريق يسري الأثر الى الروح فبقدر ما يسري الى الروح يتألم، والألم يتفرق على اللحم والدم وسائر الاجزاء ولا يصيب الروح إلا بعض الأثر فإن كان في الآلام ما يباشر نفس الروح ولا يلاقي غيره فما أعظم ذلك الألم وما أشده
والنزع عبارة عن مؤلم نزل بنفس الروح، ولا يلاقي غيره فاستغرق جميع اجزائه حتى لم يبق جزء من اجزاء الروح المنتشر في أعماق البدن إلا وقد حل به الألم فلو أصابته شوكة فالألم الذي يجده إنما يجري في جزء من الروح يلاقي ذلك الموضع الذي أصابه الشوك وإنما يعظم آثر الاحتراق لأن اجزاء النار تغوص في سائر اجزاء البدن فلا يبقى جزء من العضو المحترق ظاهرا أو باطنا إلا وتصيبه النار فتحسه الأجزاء الروحانية المنتشرة في سائر اجزاء
اللحم. وأما الجراحة فإنما تصيب الموضع الذي يمسه الحديد فقط فكان كذلك
- 269 - (1/269)
صفحة 270
ألم الجرح دون ألم النار، أو ألم النزع يهجم على نفس الروح ويستغرق جميع اجزائه فإنه المنزوع المجذوب من كل عرق من العروق وعصب من الأعصاب وجزء من الأجزاء ومفصل من المفاصل
وفي أصل كل شعرة وبشرة من القرن الى القدم فلا يسأل عن كربه وألمه حتى قالوا: إن الموت أشد من الضرب بالسيف ونشر بالمناشير وقرض بالمقاريض لأن قطع البدن بالسيف إنما يؤلمه لتعلقه بالروح فكيف إذا كان المتناول والمباشر نفس الروح وانما يستغيث المضروب لبقاء قوته في قلبه ولسانه، وإنما انقطع صوت الميت وصياحه مع شدة المه لأن الكرب قد بالغ فيه وتصاعد على قلبه وغلب على كل موضع فهد كل قوة وضعف كل جارحة فلم يترك له قوة للاستغاثة
وأما العقل فقد غشيه وشوشة، وأما اللسان فقد أبكمه وأما الأطراف فقد اضعفها، ويود لو انه قدر على الاستراحة بالأنين والصياح والاستغاثة ولكنه لا يقدر على ذلك فإن بقيت منه قوة سمعت له عند نزع الروح وجذبها خوارا وغرغرة من حلقه وصدره وقد تغير لونه وأزبد حتى كأنه ظهر منه التراب الذي هو أصل فطرته وجذب منه كل عرق على حياله فالآلم منتشر في داخله وخارجه ترفع الحدقتان الى أعالي جفونه، وتتقلص الشفتان، ويتقلص اللسان إلى أصله، ويرتفع الأنثيان الى اعالي موضعهما، وتحضر أنامله فلا بدن يجذب منه كل عرق من عروقه فلو كان المجذوب عرقا واحدا لكان المه عظيمها فكيف والمجذوب نفس الروح المؤتلم المتألم لا من عرق واحد بل من العروق ثم يموت كل عضو من اعضائه تدريجيا أولا قدماه ثم ساقاه ثم فخذاه ولكل عضو سكرة بعد سكرة وكربة بعد كربة حتى يبلغ بها الحلقوم فعند ذلك ينقطع نظره عن الدنيا وأهلها ويغلق دونه باب التوبة وتحيط به الحسرة
جميع
والندامة
عن
270 (1/270)
صفحة 271
الباب الرابع والثلاثون
في عذاب القبر نعوذ بالله منه
عن البراء بن عازب قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في جنازة رجل من الأنصار فانتهينا الى القبر ولم يلحد بعد فجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم وجلسنا وكأن على رؤوسنا الطير وفي يده عود ينكت به الأرض فرفع رأسه فقال: استعيذوا من عذاب القبر مرتين أو ثلاثا ثم قال: ان العبد المؤمن إذا كان في اقبال من الآخرة، وانقطاع من الدنيا نزلت إليه الملائكة بيض الوجوه كأن وجوههم الشمس المنيرة معهم كفن من اكفان الجنة وحنوط من حنوط الجنة فيجلسون معه مد البصر ثم يجيء ملك الموت فيجلس عند رأسه فيقول: أيتها النفس المطمئنة اخرجي الى مغفرة من الله ورضوان قال: فتخرج وتسيل كما تسيل القطرة من السقاء فيأخذها فلا يدعها في يده طرفة عين حتى يأخذوها فيجعلوها في ذلك الكفن والحنوط فتخرج منها رائحة كأطيب نفحة مسك وجدت على وجه الأرض فيصعدون بها فلا يمرون على ملأ من الملائكة إلا قالوا: ما هذه الروح الطيبة فيقولون فلان بن فلان بأحسن اسمائه حتى ينتهوا بها الى سماء الدنيا فيستفتحون لها فيفتح لهم فيشيعه من كل سماء مقربها الى السماء التي تليها حتى ينتهوا بها الى السماء السابعة فيقول الله عز وجل: «اكتبوا كتابه في عليين وأعيدوه الى الأرض منها خلقتهم وفيها اعيدهم ومنها أخرجهم تارة اخرى» (1)، فتعاد روحه في جسده ويأتيه ملكان فيقولان له من ربك
1 - حديث رواه الترمذي عن أبي سعيد الخدري
- 271 - (1/271)
صفحة 272
وما دينك فيقول: الله ربي فيقولان له: ما دينك؟ فيقول: ديني الاسلام. فيقولان له: ما تقول في هذا الرجل الذي بعث فيكم؟ فيقول رسول الله. فيقولان له: وما عملك؟ فيقول: قرأت كتاب الله وآمنت به وصدقت قال: فينادي مناد من السماء صدق عبدي فافرشوا له فراشا من الجنة، وألبسوه لباسا من الجنة، وافتحوا له بابا الى الجنة فيأتيه من ريحها وطيبها ويفسح له في قبره مد بصره ويأتيه رجل حسن الوجه طيب الريح فيقول: أبشر بالذي أبشرك هذا يومك الذي كنت توعد وهذا يومكم الذي
كنتم توعدون) (1) فيقول له: من انت؟ فيقول: أنا عملك الصالح
قال: وان العبد الكافر إذا كان في انقطاع من الدنيا واقبال إلى الاخرة
أنزل الله ملائكة من السماء سود الوجوه معهم المسوح فيجلسون معه مد البصر ثم يجيء ملك الموت حتى يجلس عند رأسه فيقول: أيتها النفس الخبيثة اخرجي الى سخط من الله وعذابه فينزعها كما ينزع السفود) من الصوف المبلول فتنقطع منها العروق والعصب فيأخذها فإذا اخرجها لم يدعها في يده طرفة عين حتى يأخذوها فيجعلوها في المسوح فتخرج منها أنتن ريح خبيثة فيصعدون بها على ملأ من الملائكة فيقولون ما هذه الروح الخبيثة؟ فيقولون هذا فلان بن فلان بأقبح أسمائه حتى ينتهوا بها الى السماء الدنيا فيستفتحون فلا يفتح لهم وقرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية: لا تفتح لهم أبواب السماء ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط وكذلك نجزي المجرمين)
ثم يقول الله تبارك وتعالى: اكتبوا كتابه في سجين ثم تطرح روحه طرحا ثم قرأ: ومن يشرك بالله فكأنما خر من السماء فتخطفه الطير أو تهوي به
الريح في مكان سحيق) (3)
الآية 103 من سورة الأنبياء الآية 40 من سورة الأعراف الآية 31 من سورة الحج
272 - (1/272)
صفحة 273
فتعاد روحه في جسده فيأتيه ملكان ويجلسان فيقولان له: من ربك؟
فيقول: هاه ما أدري. فيقولان له: ما تقول في هذا الرجل الذي بعث فيكم؟ فيقول: هاه لا أدري. فينادي مناد من السماء كذب عبدي فافرشوا له فراشا من نار وألبسوه لباسا من نار، وافتحوا له بابا من النار فيدخل عليه من حرها وسمومها فيضيق عليه قبره حتى تختلف فيه أضلاعه ويأتيه رجل قبيح الوجه قبيح المنظر فيقول له: أبشر هذا يومك الذي كنت توعد فيقول من انت؟ فيقول أنا عملك السيء فيقول: يا رب لا تقم الساعة يا رب لا تقم
الساعة.
فإن سئل عن عذاب القبر كيف هو؟ قيل له: قد تكلم العلماء فيه واختلفت فيه الروايات
الآثار
قال بعضهم: يجعل الروح في جسده الى صدره
وقال بعضهم تكون الروح بين جسده وكفنه وفي كل ذلك قد جاءت
والصحيح عند اهل - لعله - العلم ان يقول الانسان بعذاب القبر ولا
تشتغل بكيفيته ويقول الله اعلم وانما نعاين إذا صرنا إليه
فإن أنكر احد سؤال منكر ونكير فإن انكاره لا يخلو من أحد الوجهين إما ان يكون هذا لا يجوز من قبيل لعله من قبل العقل إذ هو قبل العقل إذ هو خلاف الطبيعة أو يقول يجوز ولكن لا يثبت فإن قال لا يجوز من طريق العقل فإن قوله يؤدي الى تعطيل الرسل وابطال معجزاتهم لأن الرسل كانوا من الآدميين وطبيعتهم مثل طبيعة غيرهم وقد شاهدوا الملائكة وانزل عليهم وانفلق البحر لموسى بن عمران عليه السلام، وصارت العصا ثعبانا فهذا كله خلاف الطبيعة فمن أنكر هذا خرج من الاسلام من حيث دخل، وان قالوا يجوز ولكن لم يثبت فقد روينا من الأخبار ما فيه مقنع لمن سمعها، وفي كتاب الله تعالى دليل على ذلك
273 - (1/273)
صفحة 274
قال الله تعالى: يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة (1)
قال ابو هريرة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «المؤمن في قبره في روضة خضراء ويرحب له في قبره سبعين ذراعا ويضيء حتى يكون كالقمر ليلة البدر هل تدرون فيما أنزلت: فإن له معيشة ضنكا؟، قالوا: الله ورسوله اعلم قال: عذاب الكفار في قبورهم يسلط عليهم تسعة وتسعين تنينا هل تدرون ما التنين؟
تسعة وتسعين حية لكل حية سبعة رؤوس يخدشونه ويلحسونه وينفخون في جسمه الى يوم القيامة
الآية 27 من سورة ابراهيم
الآية 124 من سورة طه
-
274 - (1/274)
صفحة 275
الباب الخامس والثلاثون
في صفة الحشر
ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم: ان الشمس لا تزال تجري إلى مغربها حتى يأتي الوقت الذي جعل الله لتوبة عباده فتستأذن من أين أطلع ويستأذن القمر من اين أطلع فلا يؤذن لهما فيحبسان مقدار ثلاث ليال للشمس وليلتين للقمر فلا يعرف مقدار حبسهما إلا قليل من الناس وهم بقية أهل الأرض وحملة القرآن فيقرأ كل واحد منهم ورده في تلك الليلة حتى إذا فرغ منه نظر واذا الليلة على حالها فلا يعرف طول تلك الليلة ثلاث ليال إلا حملة القرآن فينادي بعضهم بعضا فيخرجون من مساجدهم بالتضرع والبكاء بقية تلك الليلة ثم يرسل الله عز وجل جبريل عليه السلام الى الشمس والقمر فيقول إن الرب يأمركما ان ترجعا من مغربكما فتبكي الشمس والقمر من خوف يوم القيامة فيرجعان ويطلعان من مغاربهما فبينما الناس كذلك يبكون ويتضرعون الى الله عز وجل والغافلون في غفلتهم نادى مناد ألا إن باب التوبة قد أغلق والشمس والقمر قد طلعا من مغاربهما
قال: فينظر الناس فإذا بهما اسودين كالعلمين كلفا لا ضوء لهما ولا نور فذلك قوله تعالى: (وجمع الشمس والقمر) (1) فيرتفعان مثل البعيرين المقرونين، ينازع كل واحد صاحبه استباقا، ويتصايح اهل الدنيا، وتذهل
-
1
الآية 9 من سورة القيامة
275 - (1/275)
صفحة 276
الأمهات وتضع كل ذات حمل حملها
عبادة
فأما الصالحون والأبرار فإنهم ينفعهم بكاؤهم يومئذ ويكتب لهم
وأما الفاسقون والفجار فلا تقبل منهم توبتهم ولا ينفعهم بكاؤهم ويكتب عليهم عبرة. فإذا بلغت الشمس والقمر سرة السماء وهو نصفها جاءهما جبريل فأخذ بقرنهما فردهما الى المغرب ولا يغربهما في مغاربهما، ولكن يغربهما في باب التوبة. فقال عمر بن الخطاب - رحمه الله - للنبي صلى الله عليه وسلم: وما باب التوبة. قال: يا عمر خلق الله بابا للتوبة خلف المغرب وهو من ابواب الجنة له مصراعان من ذهب مكلل بالدرر والجواهر ما بين المصراع الى المصراع مسيرة اربعمائة عام للراكب المشروع (1) فذلك الباب مفتوح مذ خلق الله خلقه الى صبيحة تلك الليلة عند طلوع الشمس والقمر من مغاربهما فإذا اغلق باب التوبة لم يقبل لعبد بعد ذلك توبة ولم تنفعه حسنة يعملها إلا ما كان قبل ذلك قوله عز وجل: يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفسا ايمانها) (2) الآية، قال وهب: تقبل الساعة من قبل المغرب كأنها سحابة خضراء يعلوها سواد فإذا نظروا إليها ظنوا أنها رعد ومطر فيسرعون إليها على الخيل والسلاح فإذا انتهوا اليها ماتوا ويموت من بقي في مواضعهم. ويقال: إنه إذا نفخ في الصور النفخة الأولى لم يبق شيء من خلق الله إلا هلك كل منهم على مكانه في الدور والأسواق والطرق وشعاب الجبال وبطون الأودية والبحار ووجدت في قوله تعالى: (يوم يأتي بعض آيات ربك) (3) هو طلوع الشمس من مغربها فإذا طلعت الشمس من مغربها
-
هكذا في الأصل ولعله يقصد المسرع أو السريع
الآية 158 من سورة الأنعام
- الآية 158 من سورة الأنعام
-
- 276 - (1/276)
صفحة 277
اغلق باب التوبة
ويوم
القيامة هو اليوم الآخر وانما دعاه الناس بيوم القيامة واليوم الآخر يريد بذلك أن يقروا باليوم الأخر أما هو كما نقول أشهد أن محمدا رسول الله
وان محمدا هو نبي الله
ويوم القيامة هو من الآخرة وهو اليوم الآخر والدنيا لها طرف معلوم قد علمه الله تبارك وتعالى فإذا انقضت الدنيا وتناهت وبلغت غايتها جاءت
الآخرة.
والله تبارك وتعالى جعل انقضاء الدنيا بالنفخة الأولى فإذا نفخ في الصور النفخة الاولى فني اهل الدنيا ثم نفخ فيه الثانية فيبعث الناس
وكانت القيامة والله أعلم ما بين النفختين بينهما وقت أم لا والله تعالى يفني الدنيا، ويفني ارضها وسماءها وهوامها وحيوانها ومواتها، والموات هي الحجارة واشباهها الذي لا روح (1) فيه ثم يستقر الناس في الآخرة إذا بعثوا فحينئذ ذهب عنم، وصاروا في الخلود في الجنة والنار وكذلك الثقلين من الجن
والانس
وأما غيرهم فالله اعلم ما يفعل وانما علينا بما كلفنا الله تعالى بمعرفته بهم وما ستره عنا وعذرنا بجهله فليس علينا تكلفة من أمر الله عز وجل وقد يقال إن الناس اذا ماتوا فهم في برزخ الى يوم يبعثون
وعن ابن عباس ان بين النفخة الاولى والثانية اربعين سنة وأن في النفخة (2) ترد فيهم الارواح ويمطرون كَمني الرجال فينبتون ثم ينفخ في الثانية فتخرج الخلائق من قبورهم على الأرض
فأما المؤمنون فيسرعون إلى الداع، ويتثاقل المشركون والمنافقون فيبعث
1 - وجدت في الأصل (لا فيه روح) - أي في النفخة الثانية
- 277 - (1/277)
صفحة 278
الله عليهم دخانا يسوقهم الى المحشر عميا فذلك قوله عز وجل: ونحشر المجرمين يومئذ زرقا) (1)، وعن النبي صلى الله عليه وسلم: «بين النفختين أربعين ولم يزدهم على ذلك ولم يسأل اربعين ليلة أم اربعين شهرا.
•
وعن وهب والحسن: فأما بين النفختين لأ من الدنيا ولا من الآخرة،
ولا ينام اهل النار الا بين النفختين وذلك قوله تعالى: يا ويلنا من بعثنا من مرقدنا هذا) (2) الآية
وقال مقاتل: الصور هو القرن وذلك أن اسرافيل واضع فاه على القرن كهيئة البوق ودائرة رأس القرن كعرض السموات والأرض، وهو شاخص ببصره نحو العرش، فينظر حتى يؤمر، فينفخ النفخة الاولى، فإذا نفخ صعق من في السموات والأرض، أي مات كل حيوان من شدة الفزع الا من شاء الله، وهو جبريل وميكائيل ثم روح اسرافيل، ثم يؤمر ملك الموت فيموت، ثم يلبث الخلق بعد النفخة الأولى في البرزخ أربعين سنة، ثم يحيي الله تعالى اسرافيل فيأمره ان ينفخ الثانية؛ فذلك قوله تعالى: ثم نفخ فيه اخرى فاذا هم قيام (3) على ارجلهم ينظرون الى البعث
1 - الآية 102 من سورة طه
-
الآية 52 من سورة يس 3 - الآية 68 من سورة الزمر
-
YVA- (1/278)
صفحة 279
الباب السادس والثلاثون
في ذكر الحساب
وقيل: إذا أراد الله إعادة الخلق أحيا اسرافيل وأمره بالنفخة الثانية فنفخ فقيل انه يقول في نفخته الثانية: أيتها الأرواح الفانية، والأجساد البالية، والجلود المتمزقة، واللحوم المتناثرة، والعروق المتقطعة، والعظام النخرة، قوموا الى محاسبة الجبار
قيل: فتظهر القبور وتنشق الأرض عنهم ويقومون من قبورهم شعثا غبرا سعيا الى الصوت ولا أحد يتكلم.
ويقال: ربما وقعت عين الانسان على من يعرفه فيثبت معرفته، ولا
يتكلم أحد لصاحبه
ويقال: انهم إذا قاموا والجبال تنقلع فيقول قائلهم: قامت الساعة ورب السماء، ولا تسمع صوتا إلا صوت الصور إلا همسا كما قال الله تعالى: هو وطء الأقدام حتى ينتهي بهم الى العرصة (!)
ويقال: ان معنى قوله عز وجل: فلا تسمع إلا همسا) (2)، الا
ضجيج الأقدام على الأرض ولا أحد يتكلم
1
العرصة: المكان الواسع ليس به بناء
2 - الآية 108 من سورة طه
-
279 - (1/279)
صفحة 280
قال الخليل: خفق الأقدام على الأرض
وقال أبو عبيدة: إلا همسا إلا صوتا خفيا فإذا صاروا على عرصة يوم
القيامة وقفوا بين يدي الجبار برؤوس مقنعة، وأبصار خاضعة. قال رسول الله
: يبعث الناس حفاة عراة قد ألجمهم العرق وبلغ شحوم الآذان
•
قالت سودة زوج النبي صلى الله عليه وسلم: قلت: يا رسول الله؛ واسوأتاه ينظر بعضنا إلى بعض. قال: «شغل الناس عن ذلك لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه) (1) وقال: «يحشر الناس يوم القيامة حفاة عراة بهما» واحدها بهيم يعني
ليس فيهم امراض الدنيا يعني أنها أجساد مبهمة صحيحة. وقال: «يحشر الناس يوم القيامة على ارض بيضاء عفراء كعرض
التقى ليس فيها معلم لأحده
قال الراوي: العفرة بياض ليس بالناصع، والنقي هو النقي عن القشر والنخالة، ولا معلم أي لا بناء يستر ولا تفاوت يرد البصر قال الله تعالى: (يوم تبدل الأرض غير الأرض والسموات) (2)
قال ابن عباس: يزاد فيها وينقص وتذهب أشجارها وجبالها وأوديتها وما فيها وتمد مد الأديم العكاظي ارض بيضاء مثل الفضة لم يسفك عليها دم ولم تعمل عليها خطيئة والسماوات تذهب شمسها وقمرها ونجومها وقال كعب وقتادة: (يوم يقوم الناس لرب العالمين) (3)، قال
ثلاثمائة عام.
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لما سئل عن طول ذلك اليوم فقال: «والذي نفسي
1 - الآية 37 من سورة عبس
الآية 48 من سورة ابراهيم
3 - الآية 6 من سورة المطففين
-
YA.
- (1/280)
صفحة 281
بيده انه ليخفف عن المؤمن حتى يكون اهون عليه من الصلاة المكتوبة يصليها في الدنيا»
ويقال: ان أول من تنشق عنه الأرض رسول الله صلى الله عليه وسلم فيقوم فإذا هو بجبريل عليهما السلام فأول ما يسأل عنه جبريل أن يقول له: يا حبيبي جبريل ما فعل الله بأمتي؟ فيقول: يا محمد قد اعطاك الله في الجنة عطاء إذا رأيته يسرك فيقول: يا حبيبي جبريل ليس عن هذا سألتك أتركتهم في الأغلال فيقول يا محمد ما لفظت الأرض انسيا قبلك
وقال وهب: يدعو الرب تعالى بالشمس والقمر فيجاء بهما أسودين مكورين كالعلمين ترتعد فرائصهما من هول ذلك اليوم ومخافة الرحمن فإذا كانا حيال العرش خرا ساجدين فيقولان: إلهنا قد علمت طاعتنا لك ودؤ وبنا في طاعتك وسرعتنا للمضي في أمرك أيام الدنيا ولياليها فلا تعذبنا بعبادة المشركين لنا قد علمت أنا لم ندع إلى عبادتنا ولم نذهل عن عبادتك فيقول الرب تبارك وتعالى: صدقتها فإني قد قضيت على نفسي أبدئ واعيد واني أعيدكما الى ما بدأتكما منه فارجعا الى ما خلقتكما منه فيقولان: ربنا ومما خلقتنا؟ فيقول: خلقتكما من نور عرشي فارجعا إليه فيلمع كل واحد منهما برقه يكاد يخطف الأبصار نورا فيختلطا بنور العرش فذلك قوله تعالى: (يبدئ ويعيد) (1) ثم لا يكون بعد ذلك شمس ولا قمر وقيل: إن أول من يحاسب يوم القيامة اسرافيل يؤتى به حتى يوقف بين الله عز وجل وانه ليرتعد من خوف الحساب وما عصى الله طرفة عين قوله تعالى: فلنسألن الذين أرسل إليهم ولنسألن المرسلين) (2) وقال تعالى: (فوربك لنسألنهم أجمعين عما كانوا يعملون) (3)
يدي
1 - الآية 13 من سورة البروج
2 - الآية 6 من سورة الأعراف
- الآيتان 92، 93 من سورة الحجر
281 - (1/281)
صفحة 282
فيبدأ بالأنبياء (يوم يجمع الله الرسل فيقول ماذا اجبتم قالوا لا علم لنا
إلا ما علمتنا.
فيالشدة يوم تذهل فيه عقول الأنبياء، وتمحى علومهم من شدة الهيبة، إذا يقال لهم ماذا أجبتم وقد أرسلتم الى الخلائق وكان قد علموا فتدهش عقولهم فلا يدرون بماذا يجيبون فيقولون من شدة الهيبة لا علم لنا انك انت علام الغيوب، وهم في ذلك الوقت صادقون اذ طارت فيه العقول وانمحقت إلى ان يقويهم الله تعالى فيدعى بنوح عليه السلام فيقال له: هل بلغت؟ فيقول: نعم. فيقال لأمته هل بلغكم فيقولون ما أتانا من بشير ولا نذير ويؤتى بعيسى بن مريم فيقول الله تعالى: (أأنت قلت للناس اتخذوني
وامي الهين من دون الله) (2) فيبقى متشحطا تحت هيبة هذا السؤال فيا اعظم يوم يقام فيه على الانبياء بمثل هذا السؤال ثم تقبل الملائكة فينادون واحدا واحدا يا فلان بن فلانة هلم الى موقف العرض وعند ذلك ترتعد الفرائص وتضطرب الجوارح، وتبهت العقول، ويتمنى أقوام ان يذهب بهم الى النار ولا تعرض قبائح اعمالهم إلى الجبار، ولا يكشف سترهم علام الغيوب على ملأ من الخلق
قال مجاهد: لا تزول قدما عبد يوم القيامة بين يدي الله تعالى حتى يسأله عن اربع خصال، عن عمره فيها افناه، وعن علمه فيا عمل به، وعن جسمه فيها ابلاه، وعن ماله من اين اكتسبه وفيها أنفقه
وقيل ان العبد تنشر له سنته في الآخرة شهورا، وتبسط شهوره أياما وتفرش أيامه ساعات، وتكشف ساعاته انفاسا ثم يسأل عن كل نفس وينشر له بكل فعلة فعلها وان صغرت ثلاثة دواوين الديوان الأول لما فعلت وهذا
-
الآية 109 من سورة المائدة
الآية 116 من سورة المائدة
282 -
- (1/282)
صفحة 283
مكان الابتداء بالكلام فإن سلم له نشر له الديوان الثاني وهو كيف فعلت وهذا موضع المطالبة بصحة العمل فإن صح له هذا نشر له الديوان الثالث وهو لما فعلت وهو مكان المطالبة بالاخلاص فإن بكيف او بلم أو لم خيف عليه إلا ان يعطف الله عليه بحيث لا يحتسب فيستنقذه وقد قال الله تعالى: (وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا بها) (1)، أي احضرناها
ويقال: إن العبد تعرض له ساعاته في اليوم والليلة فيراها - لعله - خزائن موضوعة اربعا وعشرين خزانة فيرى في كل خزانة نعيما ولذة وعطاء وجزاء بما أودع خزائنه في الدنيا
•
فكل ساعة في الدنيا لم يذكر الله تعالى فيها رآها في الآخرة خزائن فارغة، ولا عطاء ولا جزاء عليها فيسوؤه ذلك فيتحسر كيف اذ لم يدخر فيها شيئا، لو لم يتحسر العبد إلا على فوت الفضائل والمندوب اليه من الخيرات
"
لكان في فوت المسابقة والمسارعة حسرات فكيف بمن فاته أوقاته بالسيئات وفرطت منه بالخسارات ولو لم يشتغل العبد في عمره الا بالحلال والمباحات لكان ذلك نقصانا له من الدرجات فكيف بمن شغل بالمحظورات فسبحان الله ما أعظم الخطر وأصعب الأمر
وروي عن كعب الأحبار أنه قال لعمر بن الخطاب - رضي الله عنه -: لو لقيت الله تعالى بعمل سبعين نبيا لخشيت أنك لا تنجو من اهوال يوم القيامة، ولو ان عبدا كان يجر على وجهه من اول الدنيا الى قيام الساعة في طاعة الله وعبادته لاحتقره يوم القيامة لما يرى من الزلازل.
ثم لا تغفل عن تطاير الكتب شمالا ويمينا (2) فإن الناس بعد السؤال
ثلاث فرق.
1 - الآية 47 من سورة الأنبياء
2 - وردت في الأصل الى الشمائل والايمان (1/283)
صفحة 284
فرقة ليس لهم حسنة فيخرج من النار عنق أسود فيلفظهم لفظ الطير الحبة، وينطوي عليهم ويلقيهم في النار فتبتلعهم النار فينادى عليهم بشقاوة
لا سعادة فعدها
وقسم آخر لا سيئة لهم فينادى مناد: ليقم الحامدون الله تعالى على كل حال فيقومون ويسرحون الى الجنة ثم يفعل ذلك بأهل قيام الليل بمن لم تشغله تجارة في الدنيا ولا بيع عن ذكر الله فينادى عليهم بسعادة لا شقاوة بعدها. قال: والقسم الثالث تركت ذكره لما بان لي في ضعفه لأن الله تبارك وتعالى قال: إما شاكرا وإما كفورا) (1) وقال: فريق في الجنة وفريق في السعير). (2)
وليس بين ذلك منزلة ثالثة والله اعلم:
قال الشيخ أحمد بن النظر:
ماذا تقول اذا وقفت محاسبا وسئلت عن لقلاقك الفتان اذ كل نفس عند ذاك رهينة يوم الحساب وكل وجه عان بجراءة بارزته متعرضا للقاء من يلقاك بالنيران لما تشققت السماء فاقبلت بدخانها فأتتك بالدخان إذا سدت الشفتان ثم استنطقت وتكلمت بذنوبك الرجلان فهناك لا وزر سوي ما قدمت عند الحساب يداك من قربان وهناك ليس سوى الذي قدمته عذرا من النقصان والرجحان في موقف عکفت به اهواله ضنك يشيب ذوائب الولدان وتطايرت فيه الصحائف كلها بشمائل الايدي وبالايمان
1 - الآية 3 من سورة الانسان 2 - الآية 7 من سورة الشورى
284 -
- (1/284)
صفحة 285
هذا كتابك يا شقي بكل ما أتيت من قبح ومن إحسان فيه الصغائر والكبائر احصيت ما غاب عن إحصائها الملكان اما تجر الى الجحيم مكبلا ومسر بلا بسرابل القطران فخسرت نفسك خالدا في قعرها هذا وحدك أخسر الخسران وان تزورك بالسلام ملائك تسليمهم بالروح والريحان في جنة الفردوس جار محمد ورفيق خازن بابها رضوان قال أبو الحسن - رحمه الله - أما الكتاب الذي يعطى ابن آدم فالله اعلم ما هو إلا أنه كتاب مرقوم أي محتوم كما قال الله تعالى يريهم فيه حسناتهم وسيئاتهم، فالمؤمن يرى حسناته مثبتة وسيئاته مكفرة فيسره ذلك
والكافر يرى حسناته محبطة وسيئاته مثبتة فيسوؤه ذلك قال: واقول إن هذا الكتاب يكون عند حفظته الذين كانوا يكتبون عليه حسناته وسيئاته وشهوده الذين يشهدون عليه كما قال الله تعالى: وجاءت كل نفس معها سائق وشهيد) (1) ويوجد في الآثار وفي بعض القول ان الحفظة يرفعون الأعمال الى حفظة آخرين وينسخون ذلك ويثبتونه في اللوح المحفوظ والله
اعلم بذلك
وحال المؤمنين يوم القيامة كما قال الله عز وجل: ولا يحزنهم الفزع
الأكبر) (2) الآية
وقوله: (يوم نحشر المتقين الى الرحمن وفدا) (3)، اي ركبانا
وقال عز وجل: لا يرهق وجوههم قتر ولا ذلة) (4)
1 - الآية 21 من سورة «ق» 2 - الآية 103 من سورة الأنبياء 3 - الآية 85 من سورة مريم 4 - الآية 26 من سورة يونس
•
-
285 - (1/285)
صفحة 286
وقال تعالى: (فوقاهم الله شر ذلك اليوم ولقاهم نضرة
وسرورا) (1)
1 - الآية 11 من سورة الانسان
286 - (1/286)
صفحة 287
الباب السابع والثلاثون
في ذكر الشفاعة والحوض
قال: أعطيت خمسا لم يعطهن أحد قبلي؛ نصرت بالرعب مسيرة شهر، وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد من قبلي، وجعلت لي الأرض مسجدا، وأعطيت الشفاعة، وبعث كل نبي إلى قومه وبعثت إلى الناس
عامة (1)
وقال: إذا كان يوم القيامة كنت إمام النبيين وخطيبهم وصاحب شفاعتهم غير فخر
وقال: «أنا سيد ولد آدم ولا فخر، وأنا أول من تنشق عنه الأرض وأنا
أول شافع ومشفع، وبيدي لواء الحمد تحته آدم فمن دونه (2)
وروى ابن عمر لما نزل قوله - تعالى -: إنا أعطيناك الكوثر) (3) قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هو نهر في الجنة حافتاه من ذهب شرابه أشد بياضا من اللبن وأحلى من العسل وأشد ريحا من المسك يجري على جنادل اللؤلؤ والمرجان
وعن أبي ذر قال: قلت: يا رسول الله؛ ما آنية الحوض؟ قال: والذي نفسي بيده لأنيته أكثر من عدد نجوم السماء وكواكبها في الليلة
1 - أخرجه أحمد والترمذي وابن ماجه
2 ـ أخرجه الترمذي عن ابن عباس 3 - الآية 1 من سورة الكوثر
- YAY - (1/287)
صفحة 288
المصحية (1) من من شرد شربة لم يظمأ
،
ويقال: إنه لا يزال واقفا في عرصة القيامة حتى ينطلق من باثنتي عشر زمرة بالأدلة بين أيديهم والأعلام المرفوعة.
أمته
وقيل: إنه يرى أقواما ما كان يعرفهم يرمى بهم إلى جهنم فيقول: هؤلاء كانوا عندي وهم من أمتي فيقال له: يا محمد؛ لم تدر ما أحدثوا بعدك؟ فيشير بيده شبه الأمر ويقول: «بعدا وسحقا ثم ينصرف إلى الجنة. الحقنا الله به وحشرنا في زمرته وعلى منهاجه
وروي عنه أنه قال: «إذا كان يوم القيامة واجتمع الناس في صعيد واحد نادى مناد: أين النبي العربي؟ فيقول الأنبياء: إن فينا عربا فأيهم تريد؟ بين بين. فيقول: أين النبي العربي المكي المدني محمد بن عبدالله؟ فأقوم فأقول: هأنذا فأنطلق حتى أخر ساجدا بين يدي العرش فيقول الله: يا محمد؛ ارفع رأسك واشفع تُشفّع، واسأل تعط. فأرفع رأسي فأقول: رب أمتي فيقول: ادع أمتك. فأنادي أمتي فأقول: ألا هلموا فقد دعيتم للحساب فأشفع إلى الله - تعالى - فأشفع فيهم فهو المقام المحمود الذي وعدنيه ربي قال: فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن ذلك المقام يرغب إلي فيه الخلق حتى إبراهيم الخليل - عليه السلام -)
قال أبو سعيد: وكذلك شرف الله نبينا محمدا في الموقف وترغب الأنبياء في الشرب من حوضه كما رغبوا إليه في المقام المحمود
ويقال والله أعلم: ان في القيامة عشرين ومائة صف فثمانون صفا منها
أمة محمد صلى الله عليه وسلم وأربعون صفا من سائر الأمم
قال أبو الدرداء: ليس لك إلا موضع قدم، ولا ظل إلا ظل العرش
1 - أي الليلة التي تكون فيها السماء صافية ونجومها ساطعة
288 -
- (1/288)
صفحة 289
وقال أبو الحسن - رحمه الله -: قد قيل إن مقدار القيامة خمسون ألف
سنة والله أعلم
إلا أني أقول إن يوم القيامة هو يوم - لعله - من أيام الآخرة وقيل: مقدار ذلك اليوم كألف سنة مما تعدون.
- 289 - (1/289)
صفحة 290
[صفحة فارغة] (1/290)
صفحة 291
الباب الثامن والثلاثون
في ذكر النار نعوذ بالله منها
أيها الغافل المغرور بما هو فيه من شواغل هذه الدنيا المشرفة على
،
الانقضاء؛ دع التفكر فيها أنت مرتحل عنه، واصرف الفكر إلى موردك. فإنك أخبرت أن النار مورد للجميع، قال الله - تعالى -: وإن منكم إلا واردها كان على ربك حتما مقضيا ثم ننجي الذين اتقوا ونذر الظالمين فيها جثيا) (1) فأنت من الورود على اليقين، ومن النجاة على شك، فاستشعر في قلبك هول ذلك الورود فعساك تستعد للنجاة بالتشمير لأعمالها وتأمل حال الخلائق وقد قاسوا من دواهي القيامة ما قاسوا، فبينما هم في كروبها وأهوالها واقفين ينظرون حقائق أبنائها، وتشفيع شفعائها إذ أحاطت بالمجرمين ظلمات ذات شعب، وأطلت عليهم نار ذات لهب، وسمعوا لها زفيرا وجرجرة تفصح عن شدة الغيظ والغضب فأيقن المجرمون بالعطب وجئت الأمم على الركب حتى أشفق البريء من سوء المنقلب وخرج المنادي من الزبانية أين فلان المسوف نفسه في الدنيا بطول الأمل، المضيع عمره في سوء العمل فيبادرونه بمقامع من حديد، ويستقبلونه بعظائم التهديد ويسوقه إلى عذاب الشديد وينكسونه في قعر الجحيم، ويقولون له ذق إنك أنت العزيز الكريم فأسكنوا دارا ضيقة الأرجاء مظلمة المسالك مبهمة المهالك يخلد فيها الأسير ويوقد فيها السعير فشرابهم فيها الحميم ومستقرهم الجحيم، الزبانية تقمعهم، والهاوية تجمعهم أمانيهم فيها الهلاك وما لهم منها فكاك، قد شدت أقدامهم
- الآيتان 71، 72 من سورة مريم
291 - - (1/291)
صفحة 292
إلى النواصي، واسودت وجوههم من ظلم المعاصي، ينادون من أكنافها ويضجون في أطرافها؛ يا مالك قد حق بنا الوعيد، يا مالك قد أثقلنا
الحديد، يا مالك قد نضجت منا الجلود، يا مالك أخرجنا منها فإنا لا نعود فيقول الزبانية: هيهات؛ لات حين مناص ولا أمان ولا خروج لكم من دار الهوان فاخسأوا فيها ولا تكلمون لو أخرجتكم لكنتم إلى ما نهيتم عنه عائدين فعند ذلك يقنطون وعلى ما فرطوا في جنب الله يتأسفون، ولا ينجيهم الندم ولا ينفعهم الأسف، بل يكبون على وجوههم مغلولين النار من فوقهم، والنار من تحتهم، والنار عن أيمانهم، والنار عن شمائلهم، فهم غرقى في النار طعامهم نار وشرابهم نار، ولباسهم نار، ومهادهم نار، فهم بين مقطعات النيران وسرابيل القطران، وضرب المقامع، وثقل السلاسل فهم يتجلجلون فيها وفي مضائقها ويتحطمون في دركاتها ويضطربون بين غواشيها تغلي بهم النار كغلي القدور ويهتفون بالويل والعويل، ومهما دعوا بالثبور صب من فوق رؤوسهم الحميم يصهر به ما في بطونهم والجلود ولهم مقامع من حديد) (1) تهشم جباههم فينفجر الصديد من أفواههم فتقطع من العطش أكبادهم، وتسيل على الخدود أحداقهم، وتسقط من الوجنات لحومها وتتمعط من الأطراف شعورها بل جلودها، وكلما نضجت جلودهم بدلوا جلودا غيرها، وعريت من اللحم عظامهم فبقيت الأرواح منوطة بالعروق و علائق العصب وهي تنشأ في لفح تلك النيران يتمنون الموت فلا يموتون فكيف بك لو نظرت إليهم، وقد اسودت وجوههم أشد سوادا من الحميم، وأعميت أبصارهم، وجدعت آذانهم، وأخرست السنتهم، وقصمت ظهورهم، وكسرت عظامهم، ومزقت جلودهم، وغلت أيديهم إلى أعناقهم وجمعت بين نواصيهم أقدامهم وهم يمشون على وجوههم في النار، ويطأون حسك الحديد بأحداقهم فلهب النار في بواطن أجزائهم، وحيات الهاوية وعقاربها متشبثة بظواهر أعضائهم، هذه جملة أحوالهم.
1 - الآيتان 20، 21 من سورة الحج
6
292 - (1/292)
صفحة 293
وانظر الآن في تفصيل أهوالهم، وتفكر أولا في أودية جهنم وشعابها فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن في جهنم سبعين ألف واد في كل واد سبعون ألف شعب في كل شعب سبعون ألف ثعبان وسبعون ألف عقرب لا ينتهي الكافر والمنافق حتى يواقع ذلك كله.
وقال علي: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «تعوذوا من جب الحزن أو وادي الحزن قيل: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ وما وادي الحزن، أو جب الحزن؟ قال:
وشهواتها
واد في جهنم تتعوذ منه جهنم كل يوم سبعين مرة، أعده الله للقراء المرائين فهذه سعة جهنم، والشعاب أوديتها، وهي بحسب عدد أودية الدنيا، وعدد أبوابها بعدد الأعضاء السبعة التي بها العبد يعصى الرب سبحانه وتعالى - بعضها فوق بعض، الأعلى جهنم ثم سقر ثم لظى ثم الحطمة ثم السعير ثم الجحيم ثم الهاوية، فانظر الآن إلى عمق الهاوية فإنه لا حد لعمقها كما لا حد لعمق شهوات الدنيا فكما لا ينتهي إرب من الدنيا إلى إرب أعظم منه فلا تنتهي هاوية من جهنم إلى هاوية أعمق منها، قال النبي: «إن أدنى أهل النار عذابا يوم القيامة من ينتعل بنعلين من نار يغلي دماغه من حرارة نعليه
وقال ـ عليه السلام -: أمر الله - تعالى - إلى النار ـ لعله بالنار ـ حتى أوقدت النار ألف سنة حتى احمرت ثم أوقد عليها ألف سنة حتى ابيضت ثم
أوقد عليها ألف سنة حتى اسودت فهي سوداء مظلمة
•
وقد قال بعض العلماء في قوله - تعالى -: تلفح وجوههم النار
(1) ,
أي لفحتهم لفحة واحدة فما أبقت لحما على عظم إلا ألقته على أعقابهم.
ثم انظر بعد هذا إلى أنتن الصديد الذي يسيل من أبدانهم حتى يغرقوا
فيه وهو الغساق
1
الآية 104 من سورة المؤمنون
- 293 - (1/293)
صفحة 294
قال أبو سعيد الخدري: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لو أن دلوا من غساق
جهنم ألقي في الدنيا لأنتن أهل الأرض. فهذا شرابهم إذا استغاثوا من العطش فيسقى أحدهم من ماء صديد يتجرعه ولا يكاد يسيغه ويأتيه الموت من كل مكان وما هو بميت وإن يستغيثوا يغاثوا بماء كالمهل يشوي الوجوه بئس الشراب وساءت مرتفقا) (1) ثم إلى طعامهم وهو الزقوم كما قال الله - تعالى -: ثم إنكم أيها الضالون المكذبون لأكلون من شجر من زقوم) (2) وقال: إنها شجرة تخرج في أصل الجحيم وقال - تعالى -: تصلى نارا حامية تسقى من عين آنية) (3). وقال: وطعاما ذا غصة) (4)
وقال ابن عباس: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لو أن قطرة من الزقوم قطرت في بحار الدنيا أفسدت على أهل الدنيا معاشهم فكيف من يكون طعامه في
ذلك
لا
وقال أبو الدرداء: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يلقى على أهل النار الجوع حتى يعدل ما هم فيه من العذاب فيستغيثون بالطعام فيغاثون طعام من ضريع يسمن ولا يغني من جوع، فيستغيثون بالطعام فيغاثون بطعام ذا غصة، فيذكرون أنهم كانوا يجيزون الغصص في الدنيا بالشراب، فيستغيثون بالشراب فيدفع إليهم الحميم بكلالب الحديد فإذا دنت من وجوههم فإذا دخل بطونهم قطع ما في بطونهم فيقولون ادعوا بخزنة جهنم أن: ادعوا ربكم يخفف عنا يوما من العذاب) (5) فيقولون: أو لم تك تأتيكم رسلكم بالبينات قالوا بلى قالوا فادعوا وما دعاء الكافرين إلا في
1
-
الآية 29 من سورة الكهف
الاية 52 من سورة الواقعة 3 - الآيتان 5، 6 من سورة الغاشية
4 - الآية 13 من سورة المزمل 5 - الآية 49 من سورة غافر
- Ya{- (1/294)
صفحة 295
ضلال) (1). قال: فيقولون ادعوا مالكا فيدعون يا مالك ليقض علينا
ربك) (2) قال: فيجيبهم إنكم ماكثون)
قال الأعمش: أنبئت أن بين دعائهم وبين إجابة مالك إياهم ألف عام قال: فيقولون ادعوا ربكم فلا أحد خير من ربكم. فيقولون: ربنا غلبت علينا شقوتنا وكنا قوما ضالين ربنا أخرجنا منها فإن عدنا فإنا ظالمون) (4) قال: فيجيبهم اخسئوا فيها ولا تكلمون) (5) قال: فعند ذلك ييأسوا من كل خير وعند ذلك أخذوا في الزفير والحسرة والويل.
قال أبو امامة: قال رسول الله في قوله - تعالى -: ويسقى من ماء صديد) (6) قال: يقرب إليه فيكرهه فإذا أدني منه شوي وجهه ووقعت فروة رأسه، وإذا شربه قطع أمعاءه حتى تخرج من دبره» يقول الله - تعالى -: وسقوا ماء حميها فقطع أمعاءهم) (7)
(7)
يقول الله - تعالى -: وإن يستغيثوا يغاثوا بماء كالمهل يشوي الوجوه) (8) فهذا طعامهم وشرابهم عند جوعهم وعطشهم فانظر الآن إلى حياة جهنم وعقاربها وإلى شدة سمومها وأعظم أشخاصها وفظاعة منظرها وقد سلطت على أهلها وأغريت بهم فهي لا تفتر عن النهش واللدغ ساعة واحدة
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ان في النار لحيات مثل أعناق الابل يلسعن اللسعة فيجد حموتها أربعين خريفا». وهذه العقارب والحيات إنما تسلط على
1
4
Y
الآية 50 من سورة غافر
2 - الآية 77 من سورة الزخرف
3 - الآية 77 من سورة الزخرف الآيتان 106، 107 من سورة المؤمنون
الآية 108 من سورة المؤمنون
الآية 16 من سورة ابراهيم
الآية 15 من سورة محمد - الآية 29 من سورة الكهف (1/295)
صفحة 296
من
تسلط عليه البخل في الدنيا وسوء الخلق وإيذاء الناس ومن وقي ذلك وقي
هذه الحيات فلم تمثل له
ثم تفكر بعد هذا كله في عظم أجسام أهل النار فإن الله يزيد في أجسامهم وأشخاصهم طولا وعرضا حتى يتزايد عقابهم بسببها فيحسون بلفح النار ولدغ العقارب والحيات من جميع أجزائهم دفعة واحدة على التوالي قال أبو هريرة: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ضرس الكافر في النار مثل أحد
وغلظ جلده مسيرة ثلاث فراسخ وأيام والله أعلم.
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: شفته السفلى ساقطة على صدره والعليا قالصة
قد غطت وجهه
وقال: إن الكافر ليجر لسانه في سجين الفرسخ والفرسخين يوم القيامة يتوطأه الناس وهم مع عظم الأجسام كذلك تحرقهم النار كرات فتجدد جلودهم ولحومهم»
قال الحسن: كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودا غيرها) (1) قال: تأكلهم النار كل يوم سبعين ألف مرة كلما أكلتهم قيل لهم عودوا فيعودون كما كانوا.
ثم تفكر الآن في بكاء أهل النار وشهيقهم ودعائهم بالويل والثبور فإن
ذلك يسلط عليهم في أول لقائهم النار
•
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يؤتى بجهنم لها سبعون ألف زمام مع كل زمام
سبعون ألف ملك
وقال أنس: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يرسل على أهل النار البكاء فيبكون
1 - الآية 56 من سورة النساء
- 296 - (1/296)
صفحة 297
حتى تنقطع الدموع ثم يبكون الدم حتى تبقى وجوههم كهيئة الأخدود لو
أرسلت فيها السفن الجرت
وما دام يؤذن لهم في البكاء والشهيق والزفير والدعوة بالويل والثبور فلهم فيه مستَرْوَح (1) ولكنهم يمنعون أيضا من ذلك
قال محمد بن كعب: لأهل النار خمس دعوات يجيبهم الله في أربعة فإذا كانت الخامسة لم يكلموا بعدها أبدا فيقولون: ربنا أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين فاعترفنا بذنوبنا فهل إلى خروج من سبيل) (2) فيقول الله ـ تعالى ـ مجيبا لهم ذلك: ذلك بأنه إذا دعي الله وحده كفرتم وان يشرك به تؤمنوا فالحكم الله العلي الكبير) (3) ثم يقولون: ربنا أبصرنا وسمعنا فارجعنا نعمل صالحا غير الذي كنا نعمل) (4) فيجيبهم الله - تعالى -: أو لم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر وجاءكم النذير) (5) (الآية) ثم يقولون: ربنا غلبت علينا شقوتنا) ((6) فيجيبهم الله - تعالى -: اخسئوا فيها ولا تكلمون) (7) فلا يتكلمون بعدها أبدا وذلك غاية شدة العذاب
لعله
وقال عيسى - عليه السلام -: كم من وجه صحيح صبيح.
وجسد صحيح ولسان فصيح غدا بين أطباق النار يصيح
واعلم أن النار خلقها الله - تعالى - بأهوالها وخلق لها أهلا ولا يزيدون ولا ينقصون وأن هذا أمر قد قضي وفرغ منه. قال الله - تعالى -: وانذرهم
يوم الحسرة إذ قضي الأمر وهم في غفلة) (8)
-
-
-
-
يجدون في ذلك راحة
الآية 11 من سورة غافر
الآية 12 من سورة غافر الآية 12 من سورة السجدة
الآية 37 من سورة فاطر 6 - الآية 106 من سورة المؤمنون 7 - الآية 108 من سورة المؤمنون
- الآية 39 من سورة مريم
-
297 - (1/297)
صفحة 298
ولعمري الاشارة إلى يوم القيامة ولكن ما قضي الأمر يوم القيامة بل
أزل الأزل ولكن أظهر يوم القيامة ما سبق به القضاء
الله
قال الناسخ: فما أجل الأمر وأعظم الخطر فطوبى لمن سبقت له من الحسنى فسلك سبيل التقوى وزحزح من النار في العقبي وكان من أهل النعيم في جوار النبي الكريم الرؤوف بالمؤمنين الرحيم
298 - (1/298)
صفحة 299
الباب التاسع والثلاثون
في الجنة وأصناف نعيمها
اعلم أن الدار التي عرفت غمومها وشرورها تقابلها دار أخرى، فتأمل
نعيمها وسرورها، وأن من بعد من إحداهما استقر لا محالة في الأخرى. فاستثر الخوف من قلبك بطول الفكر في أهوال الجحيم، واستثر الرجاء بطول الفكر في النعيم المقيم الموعود لأهل الجنان، وسق نفسك بصوت الخوف وقدها بزمام الرجاء إلى الصراط المستقيم فبذلك تنال الملك العظيم، وتسلم من العذاب الأليم فتفكر في أهل الجنة وفي وجوههم نضرة النعيم يسقون من رحيق مختوم) (1) جالسين على منابر من الياقوت الأحمر في خيام من اللؤلؤ الرطب الأبيض فيها بسط من العبقري الأخضر متكئين على الأرائك منصوبة على أنهار مطردة بالخمر والعسل محفوفة بالغلمان والولدان مزينة بالحور العين من الخيرات الحسان كأنهن الياقوت والمرجان، لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جان) (3) يمشين في درجات الجنان إذا اختالت إحداهن في مشيتها حمل أعطافها سبعون من الولدان عليها من طرائف الحرير الأبيض ما يتحير فيه الأبصار مكللات بالتيجان المرصعة باللؤلؤ والمرجان شكلات عطرات آمنات من الهرم والبؤس مقصورات في قصور من الياقوت يبنين في روضات الجنان قاصرات الطرف عين، ثم يطاف عليهم وعليهن بأكواب
1 - الآية 25 من سورة المطففين
-
الآية 58 من سورة الرحمن 3 - الآية 74 من سورة الرحمن
(2)
غنجات
- 299 - (1/299)
صفحة 300
وأباريق وكأس من معين بيضاء لذة للشاربين ويطوف عليهم خدام وولدان كأمثال اللؤلؤ المكنون جزاء بما كانوا يعملون في مقام أمين في جنات وعيون ونهر في مقعد صدق عند مليك مقتدر، وقد أشرقت في وجوههم نضرة النعيم، لا يرهقهم قتر ولا ذلة بل عباد مكرمون وبأنواع التحف من ربهم
يتعاهدون فهم فيما اشتهت أنفسهم خالدون ولا يخافون فيها ولا يحزنون وهم عن ريب المنون آمنون فهم فيها يتمتعون ويتنعمون، ويأكلون من أطعمتها ويشربون من أنهارها لبنا وخمرا وعسلا في أنهار أرضها من فضة، وحصاؤها مرجان، وعلى أرض ترابها مسك أزفر ونباتها زعفران ويمطرون فيها من سحاب فيها من ماء النسيم على كثبان الكافور، ويؤتون بأكواب وأي أكواب، أكواب من فضة مرصعة بالدر والياقوت والمرجان كوب فيه من الرحيق المختوم ممزوج به السلسبيل العذب كوب يشرق من نور من صفاء جوهرة يبدو الشراب من ورائه مرقته وحمرته لم يصنعه آدمي فيقصر في تسوية صنعته وتحسين صناعته في كف خادم يحكي ضياء وجهه الشمس في اشراقها، ولكن من أين للشمس مثل حلاوة صورته وحسن أصداغه أصداغه، وملاحة أحداقه، فياعجبا لمن لم يؤمن بدار هذه صفتها، ويوقن أنه لا يموت أهلها كيف يأنس بدار قد أذن الله - تعالى - في خرابها، ويتهنى بعيش دونها والله لولم يكن فيها إلا سلامة الأبدان مع الأمن من الموت والعطش والجوع وسائر أصناف الحدثان لكان جديرا أن يهجر الدنيا بسببها وأن لا يؤثر عليها ما التصرم والتنغص من ضرورته، كيف وأهلها ملوك آمنون، وفي أنواع السرور مجتمعون متمتعون لهم فيها ما يشتهون وهم على الدوام بين أصناف هذه النعم يترددون وهم من زوالها آمنون.
قال أبو هريرة: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ينادي مناد أن لكم أن تصحوا فلا تسقموا أبدا وأن لكم أن تحيوا فلا تموتوا أبدا وأن لكم أن تشبوا فلا تهرموا أبدا وأن لكم أن تنعموا فلا تيأسوا أبداء فذلك قوله - تعالى -: (ونودوا أن (1/300)
صفحة 301
تلكم الجنة أورثتموها بما كنتم تعملون) (1) ومهما أردت أن تعرف صفة الجنة فاقرأ القرآن فليس بعد بيان الله بيان فاقرأ قوله - تعالى -: ولمن خاف مقام ر به جنتان (2) إلى آخر سورة الرحمن، واقرأ سورة الواقعة وغيرها من السور، وإن أردت أن تعرف تفصيل صفاتها من الأخبار فتأمل الآن تفصيلها بعد أن اطلعت على جملتها، وتأمل أولا عدد الجنان قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله - تعالى -: ولمن خاف مقام ربه قال: «جنتان من فضة آنيتهما وما فيهما، وجنتان من ذهب آنيتهما وما فيهما، ثم انظر إلى أبواب الجنة فإنها كثيرة بحسب أصول الطاعة كما أن
جنتان)
أبواب النار بحسب أصول المعاصي
•
قال أبو هريرة: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من أنفق زوجين من ماله في
سبيل الله دعي من أبواب الجنة
وللجنة ثمانية أبواب فمن كان من أهل الصلاة دعي من باب الصلاة، كان من أهل الصيام دعي من باب الريان، ومن كان من أهل الصدقة دعي من باب الصدقة، ومن كان من أهل الجهاد دعي من باب الجهاد.
ومن
عن علي قال: وسيق الذين اتقوا ربهم إلى الجنة زمرا) (3) حتى إذا انتهوا إلى باب من أبوابها وجدوا عنده شجرة تخرج من تحت ساقيها عينان تجريان فعمدوا إلى إحداهما كأنما أمروا به فشربوا منها فأذهبت ما في بطونهم من أذى وبأس ثم عمدوا إلى الأخرى فتطهروا منها فجرت عليهم نضرة النعيم فلم تغير شعورهم (4) بعدها ولا تتشعث رؤوسهم كأنما دهنوا بالدهان ثم انتهوا
(°)
إلى الجنة فقالوا سلام عليكم طبتم فادخلوها خالدين) (5) ثم يلقاهم
1 - الآية 43 من سورة الأعراف
-
الآية 46 من سورة الرحمن
3 - الآية 73 من سورة الزمر
- وردت في الأصل أسعارهم) والصحيح ما أثبت
5 - الآية 73 من سورة الزمر (1/301)
صفحة 302
الولدان يطوفون بهم كما يطوف ولدان الدنيا بالحميم يقدم عليهم من غيبة يقولون له أبشر يا عبد الله بما أعد الله لك من الكرامة ثم قال: فينطلق غلام من أولئك الولدان إلى بعض أزواجه من الحور العين فيقول: قد جاء فلان باسمه الذي يدعا به في الدنيا قالت: أنت رأيته؟ فيقول أنا رأيته وهو يأتي فيستخفها الفرح حتى تقوم إلى اسفكت بابها فإذا انتهى إلى منزله نظر إلى أساس بنيانه فإذا جندل اللؤلؤ فوقه صرح أخضر وأحمر وأصفر من كل لون ثم يرفع رأسه فينظر إلى سقفه فإذا مثل البرق ولولا أن الله قدره لألم أن يذهب بصره ثم طأطأ رأسه فإذا أزواجه وأكواب موضوعة ونمارق مصفوفة وزرابي اتكأوا فقالوا: الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا
مبثوثة))
(1) ,
أن هدانا الله) (2)
ثم ينادي مناد: تحيون ولا تموتون أبدا، وتقيمون ولا تطعنون أبدا، وتصحون ولا تمرضون أبدا.
•
وقال: «آتي يوم القيامة باب الجنة فأستفتح فيقول الخازن من أنت؟ فأقول محمد فيقول: بك أمرت أن لا أفتح لأحد قبلك ثم تأمل الآن في غرف الجنة واختلاف درجات العلو فيها، وأن الآخرة أكبر درجات وأكبر تفضيلا كما أن بين الناس في الطاعات الظاهرة والأخلاق الباطنة المحمودة تفاوتا ظاهرا فكذلك فيما يجازون به تفاوت ظاهر فإن كنت أعلى الدرجات فاجتهد أن لا يسبقك أحد بطاعة الله فقد أمر الله بالمسابقة والمنافسة وفيها قال الله - تعالى -: (سابقوا إلى مغفرة من ربكم وجنة .. ) (3) (الآية)
-
1
•
وقال - تعالى -: وفي ذلك فليتنافس المتنافسون) (4)
الآيات 14، 15، 16 من سورة الغاشية
الآية 43 من سورة الأعراف
- الآية 133 من سورة آل عمران
4 - الآية 26 من سورة المطففين (1/302)
صفحة 303
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن أهل الجنة ليتراءون أهل الغرف فوقهم كما يتراءون الكوكب الذي زي - لعله الذري - في الأفق من المشرق والمغرب لتفاضل ما بينهما
•
وقال أيضا: إن أهل الدرجات العلى ليراهم من تحتهم كما يرون النجم الطالع في أفق من آفاق السماء وأن أبا بكر وعمر منهم
وقال جابر: قال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: ألا أحدثكم بغرف الجنة؟ قال: قلت بلى يا رسول الله بأبينا أنت وأمنا قال: «ان في الجنة غرفا من أصناف الجوهر كله يرى ظاهرها من باطنها، وباطنها من ظاهرها، وفيها النعيم واللذات والسرور، وما لا عين رأت ولا أذن سمعت قال: قلت يا رسول الله لمن هذه الغرف؟ قال: لمن أفشى السلام وأطعم الطعام وداوم الصيام وصلى بالليل والناس نيام»
•
وسئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قوله - تعالى -: ومساكن طيبة في جنات عدن) (1) قال: قصور من لؤلؤ في كل قصر سبعون دارا من ياقوتة حمراء في کل دار سبعون بيتا من زمرد أخضر في كل بيت سرير على كل سرير سبعون فراشا من كل لون على كل فراش زوجة من الحور العين في كل بيت سبعون مائدة على كل مائدة سبعون لونا من الطعام في كل بيت سبعون وصيفة ويعطى المؤمن كل غداة من القوة ما يأتي على ذلك كله أجمع».
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن حائط الجنة لبنة من ذهب ولبنة من فضة ترابها زعفران وطينها مسك
وسئل عن تربة الجنة فقال: درمكة بيضاء مسك خالص
قال أبو هريرة: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من سره أن يسقيه الله - تعالى 1 - الآية 72 من سورة التوبة (1/303)
صفحة 304
الخمر في الآخرة فليتركها في الدنيا ومن سره أن يكسوه الله الحرير في الآخرة
فليتركه في الدنيا
•
قال رسول الله: إن في الجنة شجرة يسير الراكب في ظلها مائة عام لا يقطعها فاقرأوا إن شئتم: وظل ممدود) (1)
أقبل أعرابي فقال: يا رسول الله؛ قد ذكر الله - تعالى - في القرآن شجرة مؤذية وما كنت أرى في الجنة شجرة مؤذية تؤذي صاحبها، فقال عليه السلام -: «ما هي: قال: هي السدر فإن له شوكا فقال: قال الله - تعالى -: وسدر مخضود) يحصد الله شوكه فيجعل مكان كل شوكة ثمرة ثم يتفتق الثمر منها عن اثنين وسبعين لونا من طعام ما منها لون يشبه
الآخر
وقال أبو هريرة: قال ـ عليه السلام -: أول زمرة تلج الجنة صورتهم على صورة القمر ليلة البدر لا يبصقون ولا يتمخطون ولا يتغوطون، آنيتهم وأمشاطهم من الذهب والفضة ورشحهم المسك، ولكل واحد منهم زوجتان يرى مخ ساقيها من وراء اللحم من الحسن لا اختلاف بينهم ولا تباغض قلوبهم على قلب واحد يسبحون الله بكرة وعشيا وفي رواية أنه على كل زوجة
سبعين حلة.
وقال ـ عليه السلام - في قوله - تعالى -: يحلون فيها من أساور من
ذهب) (2)
والمغرب
ويقال: ان عليهم التيجان إن أدنى لؤلؤة منها تضيء ما بين المشرق
1
الآية 30 من سورة الواقعة
2 - الآية 31 من سورة الكهف (1/304)
صفحة 305
وقال - عليه السلام -: «الخيمة درة مجوفة طولها في السماء ستون ميلا في كل زاوية منها للمؤمن أهل لا يراه الآخرون رواه البخاري في الصحيح.
قال ابن عباس: الخيمة درة محفوفة طولها فرسخ ولها أربعة آلاف مصراع من ذهب
وقال أبو سعيد: قال - عليه الصلاة والسلام - في قوله - تعالى -: وفرش مرفوعة) (1) قال: ما بين كل - لعله فراش - كما بين السماء والأرض».
قال الله - تعالى -: كلما رزقوا منها من ثمرة رزقا قالوا هذا الذي رزقنا من قبل وأتوا به متشابها) (2)
وذكر الله - تعالى - ثواب (3) في مواضع كثيرة
وقال زيد بن أرقم: جاء رجل من اليهود إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: يا أبا القاسم؛ ألست تزعم أن أهل الجنة يأكلون ويشربون؟ وقال لأصحابه: إن أقر لي خصمته. فقال: والذي نفسي بيده إن أحدهم يعطى قوة مائة رجل في المطعم والمشرب والجماع. فقال اليهودي: إن الذي يأكل ويشرب تكون له الحاجة. فقال - عليه السلام -: عرق يفيض من جلودهم مثل المسك فإذا البطن قد ضمره
وقال ابن مسعود: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنك تنظر إلى الطير في الجنة
فتشتهيه فيخر بين يديك مشويا
1
وقال حذيفة: قال ـ عليه السلام -: إن في الجنة طيرا كأمثال النجابي
الآية 34 من سورة الواقعة
الآية 25 من سورة البقرة
- هكذا وردت بالأصل ولعله يقصد أنواع نعيم الجنة
305 - (1/305)
صفحة 306
فقال أبو بكر: إنها لناعمة يا رسول الله فقال ـ عليه السلام -: «أنعم منها
الذي يأكلها وأنت ممن يأكلها يا أبا بكره
وقال عبد الله بن عمر في قوله - تعالى -: يطاف عليهم بصحاف من ذهب) (1) قال: يطاف عليهم بسبعين صحيفة من ذهب في كل صحيفة فيها لون ليس في الأخرى
وقال أبو الدرداء في قوله - تعالى -: ختامه مسك) (2) قال: هو
شراب أبيض مثل الفضة يجتمعون به في آخر شرابهم لو أن رجلا من أهل الدنيا أدخل يده فيه ثم أخرجها لم يبق ذو روح إلا وجد ريح طيبها
وروى أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «غدوة في سبيل الله أو روحة خير من الدنيا وما فيها ولقاب قوس أحدكم أو موضع قدمه من الجنة ـ لعله ـ خير من الدنيا وما فيها ولو أن امرأة من أهل الجنة اطلعت إلى الأرض لأضاءت ولملأت ما بينهما رائحة ولنصيفها على رأسها خير من الدنيا وما فيها - يعني
الخمار -
قال أبو سعيد الخدري: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله - تعالى -: كأنهن الياقوت والمرجان) (3) قال: «تنظر إلى وجهها في خدها أصفى من المرآة وإن أدنى لؤلؤة عليها لتضيئ ما بين المشرق والمغرب وإنه يكون عليها سبعون ثوبا ينفذها بصره حتى يرى مخ ساقيها من وراء ذلك».
وقال مجاهد: في قوله - تعالى -: وأزواج مطهرة) (4) يعني من الحيض والغائط والبول والبصاق والنخامة والنجاسة والمني والولد
الآية 71 من سورة الزخرف
الآية 26 من سورة المطففين
3 - الآية 58 من سورة الرحمن 4 - الآية 15 من سورة آل عمران
- 306 - (1/306)
صفحة 307
وقال رجل: يا رسول الله؛ أيباضع أهل الجنة؟ فقال: «يعطى
الرجل منهم من القوة في اليوم الواحد أفضل من سبعين منكم»
قال عبد الله بن عمر: إن أدنى أهل الجنة من يسعى معه ألف خادم كل خادم على عمل ليس عليه صاحبه
وقال عليه الصلاة والسلام: إن الرجل من أهل الجنة ليتزوج خمسمائة حوراء، وأربعة آلاف بكر، وثمانية آلاف ثيب يعانق كل واحدة مقدار عمره
في الدنيا
قال أنس: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الحور في الجنة يغنين يقلن نحن
الحور الحسان جئنا لأزواج كرام».
وقال أبو امامة الباهلي: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما من عبد يدخل الجنة إلا ويجلس عند رأسه وعند رجليه ثنتان من الحور العين تغنيانه بأحسن صوت
يسمعه الانس والجن وليس بمزمار الشيطان، ولكن بتحميد الله وتقديسه (1/307)
صفحة 308
[صفحة فارغة] (1/308)
صفحة 309
تم بحمد الله وعونه نسخ وتحقيق الجزء الأول من كتاب الأخبار والآثار للعلامة المحقق الشيخ سالم بن عبدالله بن راشد آل بوسعيدي العقري النزوي وهو في فضيلة العلم وتحريم كتمانه و بيان علامات علماء الدنيا والآخرة وفي العقل وفضائل الايمان، وصفات المؤمنين، والجاهل والمنافق، وأخبار أهل التقى، وفي النية والتوبة والتفكر والرضى بالقدر والعدل في الرعايا وفي كسب الحلال والحرام، وكراهية جمع المال، وفي الاحتكار والايثار، والنصيحة وكتمان السر واقتراب الساعة، وفي الأمل وذكر الموت، وذكر عذاب القبر والحساب وصفة المشرك وذكر النار، والجنة ونعيمها.
يليه بإذن الله وعونه الجزء الثاني وهو في المواعظ والقلب وآفاته، والنظر وتهذيب النفس، وحب الدنيا، والزهد والصبر على البلاء، وفي التواضع والقناعة، وحسن الخلق والعزلة والصمت والحلم والرفق والمروءة والسخاء والايثار والغضب والحسد والكبر، وفي المزاح والضحك والعجب والرياء والغيبة والنميمة وفيما ورد في النساء ومعاشرتهن وفي ذكر أدوية وأغذية وفي
الأدب والحكمة
•
وكان الفراغ من نسخ وتحقيق هذا الجزء الخميس الأول من محرم الموافق السابع والعشرين من ديسمبر 1984 م.
هـ،
المحقق (1/309)
صفحة 310
[صفحة فارغة] (1/310)
صفحة 311
الفهرست
رقم الصفحة
الباب الأول:
في فضيلة العلم
الباب الثاني:
الباب الثالث:
في فضيلة العلم وتحريم الكتمان
في آفات العلم وبيان علامات علماء الآخرة وعلماء الدنيا
الباب الرابع:
في العقل
الباب الخامس:
في فضائل الايمان وفوائد الذكر
الباب السادس:
في صفة المؤمنين
الباب السابع:
صفة الجاهل والمنافق
الباب الثامن:
في العهد والوعد (1/311)
صفحة 312
الباب التاسع:
في اخاء أهل التقى الباب العاشر:
ما جاء في حامل القرآن
الباب الحادي عشر:
في وجوب النية
الباب الثاني عشر: في التوبة
الباب الثالث عشر: في التفكير
الباب الرابع عشر:
في الرضى بقضاء الله وقدره
الباب الخامس عشر:
في الخوف والرجاء
الباب السادس عشر:
صفة المتقين السالكين طريق الآخرة
الباب السابع عشر:
في لزوم التقوى
الباب الثامن عشر:
ذكر خوف سوء الخاتمة
الباب التاسع عشر:
في القيام بالقسط
رقم الصفحة (1/312)
صفحة 313
الباب العشرون:
في العدل في الرعايا
الباب الحادي والعشرون:
في المشورة
الباب الثاني والعشرون:
في ذكر القضاة والأمراء وأهل الظلم منهم
الباب الثالث والعشرون:
رقم الصفحة
في الظلم
الباب الرابع والعشرون:
في حق الجار والصاحب والوالد والولد والمماليك
الباب الخامس والعشرون:
في أكل الحرام
الباب السادس والعشرون:
في فضل الكسب الحلال وكراهية السؤال
الباب السابع والعشرون:
الباب الثامن والعشرون:
في كراهية جمع المال والحجة على من احتج بمال الصحابة
في الحكرة والأثرة وعلامة السعادة والشقاء
الباب التاسع والعشرون:
في النصيحة
الباب الثلاثون:
في كتمان السر
- 313 - (1/313)
صفحة 314
الباب الحادي والثلاثون:
في أسباب اقتراب الساعة وما جاء من الروايات
رقم الصفحة
الباب الثاني والثلاثون:
في الأمل
الباب الثالث والثلاثون:
في ذكر الموت
الباب الرابع والثلاثون:
في عذاب القبر نعوذ بالله منه الباب الخامس والثلاثون: في صفة الحشر
الباب السادس والثلاثون: في ذكر الحساب
الباب السابع والثلاثون:
في ذكر الشفاعة والحوض
الباب الثامن والثلاثون:
في ذكر النار نعوذ بالله منها
الباب التاسع والثلاثون: في الجنة وأصناف نعيمها
- PIE - (1/314)
صفحة 315
[صفحة فارغة] (1/315)
صفحة 316
طبع بمطابع
دار جريدة عمان للصحافة والنشر
روي - ص. ب (6002)
سلطنة عُمان
1985 (1/316)
صفحة 317
سلطنة عمان
وزارة التراث القومي والثقافة
الأخبار والآثار
تأليف
العلامة المحقق الشيخ سالم بن عبد الله بن راشد آل بوسعيدي العقري النزوي
تحقيق
محمد علي الصليبي
الجزء الثاني
1405 ه - 1985 م (2/1)
صفحة 318
سلطنة عمان
وزارة التراث القومي والثقافة
الأخبار والأَثَار
تأليف
العلامة المحقق الشيخ سالم بن عبد الله بن راشد آل بوسعيدي العقري النزوي
تحقيق
محمد على الصابي
الجزء الثاني
1405 هـ - 1985 م (2/2)
صفحة 319
با ولا باختر
مسفل
ولك مباهاة للمصنفين ولا ذكر الى الآخرين وانما اردت ذلك نصرة لضعيف مستر شد معونة لطالب محمد، وعلى العابد محتمل وسيا لنيل الثواب وذريعة ليوم الحساب اَن اَوَدَعْتُ ما اسمحنت من ذلك كتابا والحقت کل معنے منھا بانا ليأخذها على التوالي درسًا وحفظاً ويستشرفها معنا و لفظا ويستمطر غرائبها ويستك عجائبها ويجعلها املا ويمتثلها عملاً ليحصل له نفعها ويتم له فضلها لانها دليل الخير سبيل وما التوفيقات بابته ناسخه و مولفه العبد الحقة ترون في ذلك بالتقصير سالم عبداله باشد سعيد والتروى وطنا و العقرى تسكنا وذل 2 عام ثلاث وسبعين من والف هتة قبل المرسل الجميل صلى وعلى اله وسلم تسليماً كبيرا
احدى صفحات مخطوطة الآثار وهي بخط مؤلف الكتاب (2/3)
صفحة 320
[صفحة فارغة] (2/4)
صفحة 321
كتاب الاخبار والآثار تأليف العلامة سالم بن عبد الدين راشد
ال بوسعياري المصري التزوي
نيف وسبعين والف سنه
ونات
ود
رة النعمان
الصفحة الثانية من مخطوطة كتاب الآثار والأخبار (2/5)
صفحة 322
[صفحة فارغة] (2/6)
صفحة 323
هَدَ أَكْنَانَ الأخبار والاثار مشاكل المملوك ميلكا لملوك صالح عيسى بن صالح السكرى انا تعلم العبدال الكنانية العلم فرمال المسكرى الانج
في الاباضي الجليل محمدم تة
انها، فيا أنها النارى هذا الكنات
عر انواتُ حَلك
فادار انت الخط
ستره
ترکي گفت
والزك
والغفلة التوفيق
ارم
ولا عالم مرهمى
راي
الرياك والنقصا ان
الصفحة الثالثة من مخطوطة كتاب الآثار والأخبار
- V- (2/7)
صفحة 324
[صفحة فارغة] (2/8)
صفحة 325
مقدمة الكتاب
بسم
الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الهادي الى الصراط المستقيم، ونشهد أن لا إله إلا الله
صاحب الشرع القويم، ونصلي ونسلم على رسوله الأمي الأمين قدوة الهداة
المهتدين، وصفوة الأمة، وخاتم الأنبياء والمرسلين.
وبعد؛
فهذا هو الجزء الثاني من كتاب الأخبار والآثار لمؤلفه فضيلة الفقيه الورع والعالم الجليل الشيخ سالم بن عبدالله بن راشد آل بوسعيدي العقري النزوي طيب الله ثراه
وهو كتاب في الوعظ والارشاد وقد اشتمل هذا الجزء على كل ما يتصل بالفضائل وآفات الأعضاء والأخلاقيات والآداب والحكمة كالحلم والقناعة والحياء والتواضع وحسن الخلق والصدق وآفات السمع والبصر والقلب وحب الدنيا والزهد والورع وأخبار النساء وآداب الأقوال والأفعال والمزاح والعجب والرياء وغير ذلك
ولعل من المفيد أن نشير هنا إلى أن الجزء الأول من كتاب «الأخبار والآثار والذي صدر عن وزارة التراث القومي والثقافة كان قد اشتمل بالاضافة الى مقدمة الكتاب على ما يتصل بالعقيدة والعبادة مثل العلم وفضيلته وتحريم كتمانه والايمان والذكر وصفة المؤمنين وصفة الجاهل والمنافق (2/9)
صفحة 326
والعهد والوعد والتوبة والرضا بالقضاء والقدر ولزوم التقوى وخوف. الخاتمة والقيام بالقسط والعدل والمشورة والظلم وحقوق الجار والصاحب والوالد والولد والنصيحة وكتمان السر وغير ذلك مما فيه صلاح الدين
والدنيا
والله نسأل أن ينفع به المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها
المحقق
- 10 (2/10)
صفحة 327
الباب الأول
في المواعظ والأخبار
ذكر ان الله تعالى أوحى الى داود عليه السلام: يا معشر الأدميين إذا نزلت بكم الأمراض دعوتموني فإذا كشفت عنكم نسيتموني كأنكم من رزق غيري تأكلون، ما لابن آدم اذا نزلت به النكبة دعاني راغبا إلي فإذا كشفتها عنه كأن النكبة لم تحل به قط، اولا يتفكر ان الذي أزاح النكبة هو قادر على ردها، ولكن سوف ينكشف الغطاء وتظهر الأمور، غرتكم الدنيا ووضعت كل كلها عليكم كأنكم لا تصيرون الى الحي القيوم فيبطش بكم بطشة جبار لا ترام بطشته، فداووا أنفسكم بالاستغفار والاقلاع، وابكوا على ذنوبكم حق
البكاء
واعلموا ان خير بضاعتكم الصلاة فاعملوا فيها ولا تنظروا الى اصحاب الكبائر، وما أدراك ما هم الذين لا يأمرون بالمعروف ولا ينهون عن المنكر فليس المخلص من كثر ثناء الناس عليه ولكن المخلص من نظرت الى قلبه فرأيته مستويا هيهات هيهات تكسون عوراتكم وتشبعون بطونكم، وتتركون فرضي، ليس من سبق الى الصلاة بالاسحار السابق، إنما السابق من أجللته برضاي، وصمت عن الرفث، واذا تكلم بكلام كان عليه مني هيبة ترحب به
الملائكة وتفرح به قطرات الأرض.
اذا نزل بأهل بلاء كان حصنا لهم
-11 - (2/11)
صفحة 328
من الزم نفسه التقوى ذهبت عنه عداوة المخلوقين، ومن ترك أداء فرائضي غيرت وجهه، ومن اكثر الزنا محق رزقه وعمره فلا تنظر الى من استوت لهم الدنيا واستقامت لهم ولكن انظروا الى عاقبة أمرهم، ولا تنظروا الى صلاة العبد وصيامه ولكن انظروا الى السرائر التي بيني وبينه
يا داود أسبلت عليك ستر الدنيا، والستر الذي بيني وبينك مهتوك اذا فرغتم من المعاصي رجعتم الي احسبتم اني خلقتكم عبثا، إنما خلقت الدنيا رديف الآخرة فسددوا وقاربوا واذكروا أصوات الزبانية، وضيق القلق في
،
النار، وغم أبواب جهنم، وبرد الزمهرير، فازجروا انفسكم حق الزجر وارضوا باليسير من الدنيا ارضى منكم باليسير من العمل، تضحكون ولا تدرون أن الموت في طلبكم لو تنظرون الى أعوان الموت كيف يجذبون المفاصل، ويفكون الأعضاء حتى يسمع - لعله ـ للموت صرير وأجنحة الأعوان تجول في جسمه، فهذه عبرة لكم لو تعتبرون وتعقلون، لو شاك أحدكم شوكة لتأذى بها ووجد ألمها، كل هذا لتعتبروا وتتفكروا في
الموت.
اسنانه
ايها الناس؛ دار البقاء أوفق لكم فعليكم بطلبه، واسألوني العفو،
اعطاكم اعمالا زاكية وطلب الثواب
بالمخادعة يورث الحرمان، وحسن العمل والنية يقرب مني. يا داود؛ انف النوم عن عينك، واذا حدثتك نفسك بنوم فاذكر مصارع أهل النار في النار فإنك ان فعلت ذلك فقد نفي النوم عن عينك
ثوب الستر عليك واضح وأنت عندي عريان
معاشر الآدميين تعاهدوني ان لا تعصوني ثم تعصوني كأنكم في غرور وبعقوبتي فرحين متلاعبين، إنما أحب من عبادي من كان مجتهدا في طاعتي، مبغضا لأمور الدنيا، محبا لكل ما يقربه مني
12 (2/12)
صفحة 329
أيها الناس؛ نهيتم عن الغيبات والمكر والخديعات ولكن نقوا قلوبكم وطهروها فإذا اصلحت صلحت الأعمال ومن اكثر الاستغفار كثر له الرزق والأموال والأولاد ونشرت عليه الرحمة
ومن تعجب ـ لعله ـ اعجب فهو من عيني ساقط
ومن تكبر فهو يضدني في ملكي وأن له بذلك
فيا أيها الانسان ما غرك بي، كنت محلولا في الأصلاب ألقى ابوك نزعة وامك نزعة فدبرت من أجزاء أبيك الأعضاء والعصب والعروق ودبرت من اجزاء أمك اللحم والجلد والدم وجمعت بين النطفتين فاجمدتهما بعد الانحلال وجعلتهما دما بعد ان كانت محلولة فصارت نطفة اربعين يوما وعلقة اربعين يوما ومضغة أربعين يوما ثم أرسلت إليها ملكا فشق السمع والبصر وكتب الرزق والأجل والسعادة والشقاء ونفخت فيه الروح وغذيتها بالألطاف وحفظتها من الآفات فلما استطلقتم واستوثقتم في الكبر جعلتم مكافأة ذلك الاقتحام على المعاصي ونسيتم تلك الألطاف كلها، أكان ذلك جزاء من صور فأتقن وخلق ورزق، واذا وقعتم في مصرع لجأتم إلى فكفيته عنكم، واذا عدتم إلى صحتكم سعيتم في الأرض فسادا فما اجراك علي أيها الانسان
قد رزقتك سمعا تسمع به، وبصرا تبصر به، وقدما تسعى بها، ويدا تبطش بها ثم لم تشكر
يا داود؛ لا تجالس السفهاء فمن جالس سفيها نسب إليه، وعليك بصحبة العقلاء واتباع أمرهم
يا داود؛ طوبى لمن عمر قلبه بذكرى وأخر به من ذكر الدنيا
يا ابن آدم ما أجرأك علي وأشد تمردك، إذا وقعت في البلوى دعوتني وإذا كشفت عنك نسيتني
- Ir. (2/13)
صفحة 330
يا دواد؛ قل للذين يتوكلون علي بأعمالهم أباعمالكم تنالون خزانة رحمتي أم برحمتي تنالون ملاذ صدا ذلك كله فإن استندتم إلي بأموركم وفوضتموها إلي كنت عند ظنكم
يا داود؛ كن عند ظنك بي تجدني مليا بما تظن بي من الخير وصفني لخلقي بالكرم وأنا القوي العزيز.
يا داود مر بني اسرائيل لا يتحالفون باسمي كاذبين ولا صادقين، وليقوموا إلي مقام الخائف المستجير من سخطي.
يا داود: من حلف باسمي كاذبا فرقت بين جلده وعظمه في النار. يا بني آدم: انكم تعصوني بالليل والنهار، وأنا أغفر الذنوب جميعا فاستغفروني أغفر لكم، ولو أن أولكم وآخركم وجنكم وانسكم اجتمعوا في صعيد واحد وسألني كل واحد مسألة ما نقص ذلك من ملكي شيئا فمن
تاجرني فهو اربح الرابحين ومن صرعته الدنيا فهو أخسر الخاسرين. يا داود: اتل عليهم نبأ قوم غرتهم بهجة الدنيا ونضارتها فواثبوا على المعاصي ولم يتفكروا في عواقب الآخرة حتى غشيهم الموت، ما لكم لا تعقلون وانتم غافلون، والأقلام جارية لا تغفل عن اعمالكم، الستم بعيني وبين
يدي وأنا أعلم متقلبكم ومثواكم أين المؤملون غيري، والقاصدون سواي
•
أين الواقفون بأبواب ملوك يزول ملكهم ويذهب نعيمهم وأنا الملك
الذي لا يزول ملكي ولا ينقص سلطاني ولا يتغير شأني ولا ينفذ احساني وأنا الملك الذي أوتي الملك من أشاء، وانزعه ممن أشاء، وأعز من أشاء، وأذل من أشاء بيدي الخبر وانا على كل شيء قدير، وأنا الملك الذي إذا اردت شيئا أن اقول له كن فيكون، وعزتي وجلالي لأقطعن أمل من آمل غيري، ولأخيبن رجاء من يرجو سواي ولأكسونه في يوم القيامة على رؤوس الأشهاد ثوب مذلتي، ولأطردنه من جواري، ولأحرمنه رضاي، ولا منعنه عفوي يوم
- 18 - (2/14)
صفحة 331
أعفو عن المذنبين والخاطئين
يا أيها الناس لا تغفلوا عن الآخرة، ولا تغرنكم بهجة الدنيا ونضارتها لو فكرتم في منقلبكم ومعادكم وذكرتم يوم القيامة وما أعددت فيه للعاصين لقل ضحككم، وكثر بكاؤكم، ولكنكم غفلتم عن الموت ونسيتم عهدي، واستخففتم بحقي كأنكم لستم بميتين ولا بمحاسبين كم تقولوا ما لا تفعلون وكم توعدون فتخلفون، وكم تعاهدون فتنقضون، لو تفكرتم في خشونة الثرى ووحشة القبر وظلمته لقل كلامكم، وكثر ذكركم، واشتغلتم بي، ماذا عليكم با بني آدم لو جعلتم مكان كل نعمة شكرا، أو اكثرتم الثناء علي، ولم تجاوزوا نعمتي بالبذخ والكفر، واكثرتم ذكري فإن الذكر للقلب حياة والوقيعة في الناس تزيد القلب عمى وظلمة
•
يا عجبا لمن أيقن بالموت كيف يضحك ويلهو ويلتذ بعيش وتطيب له الحياة وهو يعلم أن له في القيامة روعات ووقفات وفزعات وسؤالات لا ينجيه منها إلا رحمتي في يوم تظهر فيه الفضائح، وتشهد الجوارح، وليس هناك حجة تنفع، ولا عذر يسمع، ولا حق يبطل، ولا مظلوم يحجب عبدي من اكرم عندي منك إذا خفتني فإن كنت تقول اني غفور فلا تتقيني
•
يا داود صفني لخلقي بجودي وكرمي وصفني بالعفو والغفران
والاحسان.
يا داود: من لقيني من عبادي وهو يخاف عذابي لم أعذبه بعذابي
عبدي لعلك تضحك بالغداة وتموت بالعشي، أو تضحك بالعشي وتموت
بالغداة
ما أشد جهلك وأشد غرتك
طوبى لمن اعطى القصاص من نفسه، ورد التبعات إلى اهلها إبكوا
10. (2/15)
صفحة 332
المآثم الدماء، ثم القبح على ذنوبكم.
يرجو
لكشف
عبدي كيف ترجو لكشف الشدائد غيري ومفاتيح الأمور كلها بيدي، أم كيف تقرع باب سواي وهذا بابي مفتوح لمن دعاني فمن كان شدائده وضره غيري فقد جعل معي إلها آخر، أنا الذي لا اقطع رجاء من رجاني، ولا أخيب من دعاني، ولا اسلم من توكل علي أبخيل أنا يا عبدي فتسأل غيري أم قلت ذات يدي فهل تجد إلها غيري يعطيك إن أنا منعتك وهل تجد الها غيري يمنعك إن أنا اعطيتك، فإنما المنع والعطاء بيدي، وخزائن السموات والأرض كلها بيدي وفي قبضتي، ولو ان جميع أهل السموات والأرض من ملائكتها وانسها وجنها وقفوا ببابي وسألني كل واحد منهم مثل ما يسألني الجميع لأعطيته ذلك، ولا ينقص ذلك من خزائني قدر جناح بعوضة، وكيف ينقص ملك وأنا أقيمه أو كيف ينفد نعيم وأنا أديمه، فيا بؤس القانطين من رحمتي ويا شقوة من عصاني، ويا ذل من ركب محارمي أين يفر مني أم كيف يخرج من تحت سمائي
عبدي عصيتني ولم تستح مني، وخالفت عهدي وكذبت وعدي وخلوت بمعصيتي واستترت بها عن عبادي، يا عبدي لم اكشف عنك ثوب ستري ولم أسلب عنك نعمتي الم ترني أجود على المذنبين، واستر على العاصين، واتوب على المذنبين، واغفر للخاطئين، وأحب التوابين وأنا أرحم الراحمين
وذكر عن النبي أنه قال: تركت فيكم واعظين صامتا وناطقا: فالصامت الموت والناطق القرآن. فالسعيد من وعظ بغيره، والشقي من شقي في بطن امه.
وذكر في الخبر: ان جبريل عليه السلام قال للنبي عليه السلام عش ما شئت فإنك تموت، واحبب ما شئت فإنك مفارقه واعمل ما شئت فإنك تجزى
-17 - (2/16)
صفحة 333
وذكر في الخبر عن النبي أنه قال الرجل وهو يعظه اغتنم خمسا قبل خمس، شبابك قبل هرمك، وغناك قبل فقرك، وفراغك قبل شغلك وحياتك قبل موتك، وصحتك قبل سقمك
وقد جمع النبي من هذه الخمس علما كثيرا لأن الانسان يقدر على الأعمال في حال شبابه ما لا يقدر في حال هرمه، فينبغي للانسان ان يجتهد في هذه الخمس ويغتنم أيام الصحة ووقت الفراغ مادام حيا.
من
واعلم ان الموقى يتندمون على تفريط أيام الحياة لأنه كان منهم من كان أهل الجنة ورأى ما أعطي العاملون يندم حين لم يعمل، ومن منهم من
اهل النار يندم على معصية الله التي عملوها، وهذا مواقف لما ذكر عن
النبي صلى الله عليه وسلم انه قال: خصلتان مغبون فيهما كثير من الناس الصحة والفراغ
•
فمن اشتاق الى الجنة سارع الى الخيرات، ومن اشفق عن النار لهي عن
الشهوات، ومن ترقب الموت لهي عن اللذات، ومن زهد في الدنيا هانت
عليه المصائب
•
وذكر في الخبر عن الحسن أنه قال: يا ابن آدم أنت تطأ الأرض بقدمك، وهي عن قريب قبرك، وأنت لم تزل في هدم عمرك منذ سقطت من بطن أمك، فالويل لمن كانت الدنيا اكثر همه، وطال امله، وساء عمله، وهو مع ذلك عظيم البطنة، قليل الفطنة، عالم بدنياه، جاهل بأخراه والعجب كل العجب لمن يرى الدنيا مولية عنه، والأخرى مقبلة عليه
فكيف يشتغل بالمولية ويعرض عن المقبلة
ولقد احسن من قال شعرا:
إنا لنفرح بالأيام نقطعها وكل يوم مضى نقص من الأجل
- IY- (2/17)
صفحة 334
فاعمل لنفسك قبل الموت مجتهدا فإنما الربح والخسران في العمل
وذكر عن لقمان قال لابنه: يا بني زاحم العلماء بركبتك ولا تجادلهم فيمقتوك، وخذ من الدنيا ما يبلغك المحل وانفق فضل كسبك لآخرتك، ولا ترفض الدنيا كل الرفض فتبقى عيالا وعلى أعناق الناس كلا، وصم صوما يکسر شهوتك، ولا تصم صوما يضر بصلاتك فإن الصلاة أفضل من الصوم، ولا تجالس السفيه، ولا تخالط ذا الوجهين ولا تضحك من غير عجب فإن الضحك يميت القلب ولا تمش من غير أرب، ولا تسأل عما لا يعنيك، ولا تضيع مالك وتصلح مال غيرك فإن مالك ما قدمت لنفسك ومال غيرك ما تركت خلفك، وإياك والناس وعليك بالناس فإن الناس هم الناس. وليس كل الناس ناس، وقد ذهب الناس وبقي النسناس. وما أراهم بالناس ومن ابصر عيبه اشتغل عن عيوب غيره، ومن تعرى عن لباس التقوى لم يستره شيء من الثياب، ومن رضي برزق الله لم يحزن على شيء فاته
من الدنيا ولا على شيء في يد غيره
ومن سل سيف البغي قتل به
ومن احتفر حفرة لأخيه وقع فيها
ومن هتك حجاب غيره فأنكشفت عورته هتك الله حجاب ستره
ومن نسي ذلة نفسه استعظم ذلة غيره
ومن كابد الأمور عطب
ومن خاطر بنفسه هلك
ومن استغنى بنفسه عن مشاورة غيره زل
ومن تكبر على الناس ذل، ومن سفه على الناس شتم، ومن صاحب
1 A- (2/18)
صفحة 335
الأراذل حقر، ومن جالس العلماء وقر، ومن دخل مداخل السوء اتهم، ومن تهاون بالدين ارتطم، ومن اغتنم أموال الناس افتقر ومن جهل موضع قدمه مشت في ندامة، ومن خشي الله فاز يوم القيامة، ومن لم يحرس الأمور مزع، ومن صارع الحق صرع، ومن احتمل ما لا يطيق عجز، ومن عرف أجله قصر أمله، ومن ترك الجهل لزم طريق العدل
واعلم بالحقيقة أنه إذا صلح القلب كفاه قليل من الموعظة، واذا فسد لم
يزدد مع الموعظة الا قسوة. شعرا: لا ينفع الوعظ قلبا قاسيا ابدا والحبل في الحجر القاسي له أثر اذا قسا القلب لم تنفعه موعظة كالأرض إن سبخت لم يحيها المطر
ومن اعرض عن الموعظة فقد رضي بالنار، وأصل ذلك العلم والمعرفة والتقوى، فكما لا يستضيء الأعمى بضوء النهار فكذلك لا ينور العلم إلا أهل التقى وكما أن الميت لا ينفعه الدواء فكذلك لا ينفع الأدب في أهل
الدعوى.
وكما ان الوابل لا تنبت على الصفا فكذلك الحكمة لا تثمر في قلب محب خالف قوله عمله فقد كثر جهله لأن من لا ينفعه دواء كيف
الدنيا، ومن يعالج به غيره.
كما ذكر في الخبر أن العبد اذا وعظ الناس يناديه الملكان الموكلان به: يا واعظ الناس عظ نفسك قبل ان تعظ الناس، واستح من مولاك، وفي هذا المعنى ما ذكر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: من وعظ الناس ولم يتعظ وزجر ولم يزجر ونهي ولم ينته فهو عند الله من الخائنين
شعرا:
•
يا واعظ الناس وعظا ليس يفعله تنهى سواك وعاد القلب في لبس كغاسل لثياب الناس يلحها وثوبه غرق في النتن والنجس
- 14 - (2/19)
صفحة 336
ما بال دينك ترضى ان تدنسه وثوبك الدهر مغسول من الدنس ترجو النجاة ولم تسلك مسالكها ان السفينة لا تجري على اليبس
فيجب على كل انسان ان يعظ نفسه قبل ان يعظ الناس، وينهى
نفسه
قبل ان ينهي غيره، ولا يكون ممن يأمر بالحق، ولا يفعله ويجب ان يوبخ نفسه في السر والعلانية، ويجاهدها كل المجاهدة، ويردها عن هواها. وما تذهب إليه من طريق الرفعة والعلو والمنزلة الرفيعة والمدحة عند الناس ويترك الاعجاب، ويخوف نفسه بالموت، ويمثل لنفسه موقف الحساب وسوء المنقلب، ويتفكر في الخبر المروي عن النبي عليه الصلاة والسلام حيث قال: ما من خطيب ولا واعظ إلا يوقف يوم القيامة بين يدي الله عز وجل وتعرض عليه خطيئته ووعظه ويسأل عنها حرفا حرفا وماذا أراد بقوله فإن كان اراد به وجه الله تعالى ووافق قوله عمله فاز ونجا، وان كان اراد بقوله عرض الدنيا والثناء والمدحة عند الناس هلك وخسر خسرانا مبينا، نعوذ بالله من سخطه وأليم عقابه الذي لا طاقة لنا به فانظر لنفسك يا أخي بأي بدن تقف بين يدي الله وبأي لسان تجيبه، وماذا تقول إذا سألك عن القليل والكثير فأعد للسؤال جوابا، وللجواب صوابا، واعلم انه قد آلى على نفسه ان لا يترك عبدا قد أمره ونهاه حتى يسأله عن عمله دقيقه وجليله، سره وعلانيته، فأي أي مصيبة تجيء من هذا أو أي محنة بعد هذا الا أن يتكرم الكريم بفضله وكرمه ورحمته
قال الله تعالى: (فوربك لنسألنهم اجمعين عما كانوا يعملون) (1)
فانظر لنفسك أيها الانسان واجتهد في طاعة ربك وإياك والتسويف فإن الموت بأتي بغتة، وإياك والاغترار بطول الأمر وحب الدنيا فإنك لن تلقى الله بكبيرة أصعب عليك من طول الأمل والحرص على البقاء وحب الدنيا
•
1 - الآيتان 92، 93 من سورة الحجر
- (2/20)
صفحة 337
الباب الثاني
ذكر القلب وآفته
وأما القلب فعليك أيها الانسان بإصلاحه، واحسن النظر فيه وأبذل
المجهود فيه، فإنه أعظم الأعضاء خطرا وأدقها أمرا وأشقها إصلاحا
واعلم ان القلب هو موضع نظر الرب سبحانه وتعالى. فيا عجبا لمن يهتم بوجهه الذي هو منظر الخلق فيغسله وينظفه من جميع الأقذار والأوساخ والأدناس، ويزينه بما امكنه لئلا يطلع مخلوق على عيب فيه، ولا يهتم لموضع نظر رب العالمين وهو القلب فيظهره ويزينه، وينظفه من جميع الأقذار والأوساخ والأدناس لكي لا يطلع الرب سبحانه وتعالى على دنس فيه وشين وأفة، بل يهمله بفضائح وقبائح وأقذار، ولو اطلع الخلائق على واحدة منها لهربوا عنه وهجروه وتبرؤ وا منه
•
واعلم ان القلب ملك مطاع، ورئيس متبع، والأعضاء كلها تبع له فإذا صلح المتبوع صلح التبع، واذا استقام الملك استقامت الرعية.
فإذا كان
كما ذكر عن النبي عليه السلام أنه قال: إن الجسد مضغة اذا صلحت صلح الجسد كله، واذا فسدت فسد الجسد الا القلب (1) صلاح الكل في ذلك وجب صرف العناية إليه
1
وهي
رواه النعمان بن بشير وهو متفق عليه وروي من طرق مختلفة
- YI- (2/21)
صفحة 338
واعلم ان القلب خزانة كل جوهر نفيس، ومعدن كل معنى خطير. أولها العقل ومعرفة الله تعالى التي هي سبب السعادة في الدارين جميعا، والنية الخالصة في الطاعات ثم انواع العلوم وسائر الأخلاق الشريفة.
وحق لمثل هذه الخزانة أن تحفظ وتصان عن الآفات والأدناس والأقذار، وتحرس من جميع الأعداء والسراق والقطاع، وتكرم بأنواع الكرامات لئلا يلحق تلك الجواهر النفيسة دنس ولا قذار، ولا قوة إلا بالله والله المستعان.
واعلم ان حقيقة الايمان والحياء والمعرفة والنية والمراقبة والتقوى والخشية
انما تقع في القلب
كما ذكر عن ابي بكر الوراق أنه قال: ان الله بعث نبيه عليه السلام ليدعو الخلق إليه وأن يعلمهم بما أمرهم مولاهم وماذا طلب منهم.
فأما ما أمرهم به فبأن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا
وما ما طلب منهم فأربعة اشياء وهي: القلب واللسان والجوارح والخلق، ثم طلب من كل واحد من هذه الأربعة شيئين على الدوام.
فأما القلب فطلب منه تعظيم اموره الله تعالى والشفقة على جميع خلقه
وأما اللسان فطلب منه ذكر الله تعالى ومداراة الخلق
وأما الجوارح فطلب منها عبادة الله تعالى وعون عباده
•
وأما الخلق. فطلب منه الرضى بالقضاء وحسن المعاشرة مع جميع
الخلق واحتمال الأذى من جميع الناس
•
وذكر عن بعض الحكماء أنه قال: يقول الله تعالى: أيما عبد اطلعت (2/22)
صفحة 339
على قلبه فرأيت الغالب عليه التمسك بذكري، توليت سياسته، وكنت جليسه، ومحادثه وانيسه
وذكر عن علي أنه قال: أن الله عز وجل في ارضه آنية، وان من آنيته فيها القلوب، لأنها أوعية وخيرها أوعاها وخير الناس من كان له قلب واع للخير، واتقى الله في السر والعلانية، فإن الله لا يقبل الا ما صفا ورق وصلب الله ورسوله والمؤمنين والدين.
فأما صفاؤه الله عز وجل فاتباع أمره ونهيه، ومشاهدة الصدق،
والاشفاق على جميع الخلق
ونية
والنهي
الخلق
وأما صفاؤه للرسول عليه السلام فبقبول ما أتى به ودعا اليه قولا وعملا
وأما صفاؤه للمسلمين فكف الأذى عنهم، وايصال النفع لهم وأما صلابته في الدين فمعناه ان يكون قويا في جميع حدود الله في الأمر
وأما رقته فالبكاء والتضرع والخشوع الله والرأفة والرحمة والشفقة لجميع
وذكر عن سهل بن عبد الله أنه قال: ما من ساعة إلا والرب سبحانه مطلع علي قلوب عباده فمن رأى في قلبه خيرا تولى سياسته، ومن رأى فيه فترة وغفله سلط عليه الشيطان فاجتهد يا أخي في اصلاح القلب إذ هو أصل كل شيء، وهو القطب الذي تدور عليه جميع الجوارح، وهو المعدن ومنه يتفرع الخير والشر
كما ذكر عن سهل بن عبد الله أنه قال: أودع الله الانسان خزانة،
- 23 - (2/23)
صفحة 340
وجعلها عنده أمانة وهي القلب، وأودع فيها أربع جواهر، وهي العقل والمعرفة والايمان واليقين ووكل بالقلب أربعة أعداء: ابليس والدنيا والنفس
والهوى ومرادهم ان يسلبوا تلك الجواهر
واعلموا انه اذا صلح القلب صلح الدين، واذا فسد القلب فسد الدين كما ذكر عن النبي أنه قال: إن في الجسد مضغة اذا صلحت صلح الجسد كله، واذا فسدت فسد الجسد كله وهي القلب
ومعنى الجسد ها هنا الدين، لأن بالدين صلاح الجسد وأصل فساد القلب ترك المحاسبة للنفس، والاغترار بطول الأمل فإذا أردت اصلاح قلبك الارادة عند الخواطر فخذ ما كان الله، ودع ما كان لغير الله
فقف
وقد ورد في معنى القلب أخبار كثيرة.
فللقلب شهوة واقبال و ادبار فالزموها عند شهواتها واقبالها، وذروها عند فتراتها وادبارها
وذكر عن ابن المبارك أنه قال: القلب مثل المرآة اذا طال مكثها في الندى صدأت، أو كالدابة اذا غفل عنها صاحبها عدلت عن الطريق
•
من
هذه
وذكر عن بعض الحكماء أنه قال: مثل القلب كمثل البيت له ستة أبواب، ثم قيل لصاحب البيت: احذر ان يدخل عليك أحد الأبواب بشيء فيفسد عليك البيت فالبيت هو القلب، والأبواب الستة هي: هذه العين والأذن واللسان والفرج واليدان والرجلان. فمتى انفتح من الأبواب شيء بغير علم ضاع البيت
وذكر عن أبي سليمان الداراني انه قال: القلب بمنزلة القبة المضروبة القائمة المنصوبة، وعلى القبة أبواب مغلقة وفي داخل القبة جواهر نفيسة: وهي العقل والدين والايمان والحياء والمعرفة واليقين والاخلاص وجميع أنواع
-
24 - (2/24)
صفحة 341
الخير قد جمعت في داخل القبة، وهي تضيء بتلك الجواهر التي فيها ووكل
بالقبة جميع أنواع الشر وجميع الاعداء
أولها ابليس والنفس والهوى وحب الدنيا والحرص وجميع الشهوات وغيرها من انواع الشر فإن نور الله القلب أضاءت تلك القبة، وغلب ضياؤها ونورها على ما حولها من أنواع الشر وهرب عنها كل من أرادها من الاعداء، وارتفع شعاع نورها حتى يصل الى عنان السماء، واذا أراد الله أن يطفئها اسودت تلك الجواهر، وغلب عليها السواد والران حتى يطفئ نور تلك الجواهر النفيسة، فتغلب عليه الأعداء وأنواع الشر فتكسرت أبواب القبة ودخل عليها جميع انواع الشر، وتمكنت منه الأعداء ودخلته الوسوسة والغفلة
والشهوات، فصار أسيرا في يد الشيطان، فقاده الى الكبائر والآثام.
موضعا
وذكر عن بعض الصالحين أنه قال: سواد القلب من الذنوب وعلامة سواد القلب ان لا يجد العبد للذنوب مفزعا ولا للطاعة موقعا، ولا للموعظة، وبعد هذه الجملة فاعلم ان العدو قاصد الى القلب، وملازم له، لأن الشيطان جائم على قلب ابن آدم بالوسوسة، وقد تعلق بالقلب الهوى. فالقلب هو معترك وجميع العوارض والخواطر والشهوات فيه لاتزال تقع فيه كالمطر ليلا ونهارا لا ينقطع، ولا يقدر العبد على منعها، وليس القلب بمنزلة العين التي هي بين جفنين، فيقدر الانسان ان يغمض عينيه أو يكون في موضع خال بعيد من الخلق حتى لا ينظر شيئا ولا هو بمنزلة اللسان الذي هو الحجابين، وهي الأسنان والشفتان، ويقدر الانسان على تسكينه ومنعه من الكلام اذ هو قادر على الصمت، ولا هو بمنزلة الأذن لأن الانسان يقدر على أن يغلق اذنيه حتى لا يسمع شيئا بل القلب هو المعدن للخواطر والعوارض وموضع الأفات ولا يقدر احد على منعها، ولا يقوى عليها بحال لأنها ليست تحت يده ولا يملكها ثم ان النفس مسارعة الى اتباعها واعلم أن الامتناع من ذلك بمجهود الطاعة - لعله - الطاقة أمر صعب شديد، ومحنة عظيمة،
خلف (2/25)
صفحة 342
وعلاجه عسير إذ هو مغيب على الانسان، ولا يكاد يشعر حتى تدخل فيه آفة او يحدث فيه حادث، ولا يقدر ان يمتنع من ذلك فيحتاج الانسان ان يبحث عن ذلك بأشد البحث، وقوة العزم، ودقيق النظر، وكثرة الرياضة
واعلم بالحقيقة ان من القلب تكون جميع انواع الخير وانواع الشر كالنية والاخلاص والعجب والرياء والبخل والطمع والتوكل واليقين والحرص والأمل والكبر والفخر وحب الدنيا والتوبة وحسن الظن والخوف والرجاء وما أشبه ذلك من أنواع الخير وأنواع الشر، إذ القلب هو معدتها لكونها فيه ومنها فخوف الفقر وسخط المقدور والغل والحقد والحسد والغش وطلب العلو وحب الثناء وحب طول البقاء في الدنيا للتمتع والكبر والرياء والغضب والآنفة والعداوة والبغضاء والطمع والبخل والرغبة والبذخ والأشر والبطر وتعظيم الأغنياء والاستهانة بالفقراء والفخر والخيلاء والتنافس والمباهاة، والاستكبار عن الحق، والخوض فيما لا يعني وحب كثرة الكلام، والصلف والتزيين للخلق، والمداهنة والعجب، والاشتغال عن عيوب النفس بعيوب الناس وزوال الحزن من القلب، وخروج الخشية من القلب وشدة الانتصار للنفس، إذا نالها ذل، وضعف الانتصار للحق، واتخاذ اخوان العلانية على عدوان السر، والأمن من مكر الله في سلب ما أعطي، والاتكال على الطاعة، والمكر والخيانة والمخادعة، وطول الأمل والقسوة، والفظاظة، والفرح بالدنيا، والأسف على فواتها، والأنس بالمخلوقين، والوحشة بفراقهم والجفاء والطيش والعجلة وقلة الحياء وقلة الرحمة وهذه أمثالها صفات القلب. مغارس الفواحش ومنابت الأعمال المحظورة.
من
ثم اعلم ان جميع الآفات المهلكات قد تعلقت بالقلب وسارعت إليه، وهو بالانقلاب أقرب، وإنما سمي القلب قلبا لتقلبه
•
وقد ذكر ان النبي صلى الله عليه وسلم يقول: يا مقلب القلوب ثبت قلبي
- 26 - (2/26)
صفحة 343
وقال الله تعالى: (ونقلب أفئدتهم وأبصارهم) (1)
فإن زل القلب فزلته عظيمة، ووقوعه صعب شديد وادنى ذلك قسوة، ومنتهاه استكبار وكفر كما قال الله عز وجل: إلا ابليس ابي واستكبر وكان من الكافرين (2)
القلب
وذلك ان الكبر كان بقلبه فحمله على ذلك الاباء والكفر بظاهر أمره،، فكان
وكذلك قوله تعالى: ولكنه أخلد الى الأرض واتبع هواه) (3) الميل واتباع الهوى بقلبه فحمله ذلك على الذنب المشئوم حتى كفر بالله وأصل كل فتنة وبلاء يدخل على القلب من الأمل والاستعجال والحسد والكبر، فيجب على الانسان أن يتعلم أضدادها، وهي قصر الأمل، والتأني في الأمور، والنصيحة لجميع الخلق، والتواضع
وهذه الخصال التي ذكرناها هي التي تسود القلب وتصلحه وهي التي
عليها المدار
فيجب على كل انسان ان يبذل المجهود في التحذر من هذه الآفات المفسدة المهلكة، والتحصيل لهذه المناقب الأخرى التي هي المصلحة لكي يلحق بالأمن، ويظفر بالمراد، فحسبك في القلب أنه الأصل وعليه المدار وهو القلب الذي لا تدور جميع الجوارح إلا عليه فإن فسد فسد الكل، وان صلح صلح الكل.
وإذا القلب (4)
هو
الشجرة، وسائر الأعضاء والجوارح هي الأغصان (0) الملك المطاع المتبوع، وسائر
ومن الشجرة تشرب جميع الأغصان، وهو
1 - الآية 110 من سورة الأنعام
2 - الآية 74 من سورة (ص) 3 - الآية 176 من سورة الأعراف
4 - هكذا وردت في الأصل ولعله أراد أن القلب مثل الشجرة. - هكذا في الأصل ولعله يريد أن القلب هو الملك المطاع
- 27 - (2/27)
صفحة 344
الأعضاء والجوارح تبع له، فإذا صلح الملك صلحت الرعية، واذا فسد الملك
فسدت الرعية
وصلاح العين واللسان والبطن دليل على صلاح القلب وعمارته
فإذا رأيت في الجوارح خللا وفسادا فاعلم ان ذلك من خلل القلب وفساد وقع فيه، ثم ان الفساد أسرع الى القلب من كل شيء إذ هو القطب وعليه المدار، فاصرف عنايتك أيها الانسان إليه
•
واعلم أن أمر القلب دقيق عسير، اذ هو مبني على الخواطر، وهي
ليست بحكم أحد، ولا يقدر عليها أحد، ولذلك صار اصلاح القلب عسيرا البصائر والاجتهاد والاهتمام
فأمر القلب اكبر وأكبر مما يصفه الواصفون، فحسبك في القلب ما
ذكرت لك فيه كفاية وبلاغة وما يتذكر إلا أولي الألباب
- YA - (2/28)
صفحة 345
الباب الثالث
في آفة النظر
قال الله تعالى: (قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم ذلك أزكى لهم إن الله خبير بما يصنعون وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن
ويحفظن فروجهن)
(1)
فالنظر بالعيون زنا العيون وهو القادح في القلب جمرة الحب فمن غض طرفه أراح قلبه. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من لم يغمض بصره عن المحارم كحل بصره يوم القيامة بميل من نار جهنم.
ان
وقال: «النظر الى محاسن المرأة سهم مسموم من سهام ابليس فمن غض بصره أذاقه الله تعالى عبادة يجد حلاوتها في قلبه. وقال صلى الله عليه وسلم لعلي: «إياك تتبع النظر فإن الأولى لك والثانية عليك واعلم أن اللحظ بازان من قيد الجفن صاد قلبك بمخالف الشغف والقاه على قاذورات العشق فيقع في شرك الهلاك فيتعسر خلاصه منها
أطلقته
وأعلم أيضا أن النظر بمنزلة النَّهْشَة في بعض الجسد يسري سمها في جميعه، والنظر نصل يصل سهمه الغرض ثم يرجع الى صدر راميه فيقتله
نصله.
- الآيتان 30، 31 من سورة النور
- 29 - (2/29)
صفحة 346
فكم من نظرة كانت مقبرة فلا تجرد سيف لحظك عن جفنه في جلبة
الشهوة فإن جراحه في هذه الحالة لا يتعداك
•
والنظر أيضا معول الشيطان يحفر به راسخات جبال الأديان وينقب به أسوار حصون القلوب فيشغلهم بالفكر والألم عن علام الغيوب، والنظر أيضا نبال نصالها وبال الا نظرة اورثت فكرة أو نظرة اثارت عبرة، والناظر بمنزلة الزند، والنظر بمنزلة الحجر، والمنظور اليه بمنزلة القادح والميل الى النظر بمنزلة
6
الشرر، والقلب بمنزلة الحراق والفكر بمنزلة الكبريت، والذكر بمنزلة الفتيل والشغف بمنزلة الحطب، والهوى بمنزلة النافخ، والجسد بمنزلة الملقي في النار، فمتى اتصلت هذه الأشياء بعضها ببعض أذابت الجسد، واحرقت الكبد، وأورثت الكمد، واعدمت الحس وأماتت النفس، واتلفت الخاطر، واعمت القلب والناظر فلا يرى صاحب هذا المقام أحدا من الأنام، الا الذي أورثه الذهول والسقام فغض الطرف عن النظر فالطرف جواد إن أطلقت عنانه مرح بك في ميدان الشهوات
صن
شفاف جوهر نظرك عن اكدار النظر لئلا يستولى عليه صدا
الفتنة، ويذهب رونقه حزب الاستحسان، فرب نظرة اورثت حسرة، ورب
لمحة اورثت لفحة.
فالنظر داء سهل قبل ان يستحكم وهو غض الطرف، فإذا استحكم عسر دواؤه إلا من رحم الله فامتثل أيها الانسان ما أمرك الله به، ولا تخالف أمره فيها أمرك به، فإن خالفته وعصيت أمره، ولم تغض بصرك، وأرخيت عنانه بالنظر الى ما لا يعنيك، فقد وقعت في امر كبير وبحر عظيم، وذلك لا يخلو من أحد أمرين، إما ان تقع عينك على حرام او تقع على مباح، فإن وقعت على حرام وتعدت فذنب كبير وربما يتعلق قلبك بذلك فتهلك، إلا ان الله تعالى كما ذكر ان العبد لينظر النظرة ينتغل بها قلبه كما ينتغل
يرحم (2/30)
صفحة 347
الجلد في الدباغ فلا ينتفع به ابدا
•
وان وقعت عينك على مباح فربما يشتغل قلبك به فجاءك الوسواس والخواطر بسببها
ولعلك لا تصل إليه فتبقى مشغول القلب منقطعا عن الخير. فإذا لم تنظر الى شيء من ذلك كان بصرك محبوسا عندك وكنت سالما الآفات للنفس عن
واعلم ان من امتنع عن النظر الى ما لا يعنيه، وجد للعبادة لذة
وحلاوة، ووجد للقلب صفوة.
فإذا اكثر النظر الى ما لا يعنيه لم يجد للعبادة لذة ولا صفوة ولا حلاوة
ودخله الوسواس
فينبغي للانسان ان يغض بصره عن المحارم وعما حجب عنه وستر كما ذكر عن أبي الدرداء أنه قال: من غض بصره عن النظر إلى ما حرم الله عليه من الحور العين حيث أحب ومن اطلع فوق بيوت الناس فيما حم
زوجه الله
عنه وستر، حشره الله يوم القيامة أعمى
وذكر عن داود الطائي انه قال لرجل قد حد النظر الى من ينظر اليه يا هذا رد نظرك إليك فإنه بلغني ان الانسان يسأل عن فضول نظره كما يسأل عن
فضول ماله وكلامه وعمله
ويقال: النظرة الأولى لك ما لم تتعمد، والنظرة الثانية فما فوقها ليست
لك، وكل ما استمد به الانسان النظر بمعقول الفهم فهو مأخوذ به ومسئول
عنه
وذكر عن حذيفة رضي الله عنه أنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم (2/31)
صفحة 348
يقول: النظر سهم مسموم من سهام ابليس فمن غض بصره من خوف الله
تعالى والتماس ثوابه أعطاه الله إيمانا يجد حلاوته في قلبه
وذكر عن الفضيل أنه قال: يقول ابليس لعنه الله: النظرة الى المرأة
سهمي وقوسي اللذين لا أخطئ بهما.
وذكر في الخبر: ان الله عز وجل أوحى الى داود عليه السلام (يا داود، مر بني اسرائيل ألا يكثروا الالتفات الى حرم المسلمين ولا يفشون الزنا فأسلط
على حريمهم من يزني بهن، يا داود، من زنى بالبنات زني منه بالبنات، ومن
،
زنى بالأخوات زني منه بالاخوات، ومن زنى بالزوجات زني منه بالزوجات ومن زنى بالامهات زني منه بالامهات، ومن كاد او نظر أو التفت فعل منه بحرمته مثل ذلك، ومن لم تكن له حرمة استوفى منه بالنكال والعذاب في دار الخزي والهوان) وذكر عن الحسن أنه قال: لا تخلون بامرأة إلا وأنت تملك فرجها فإن ثالثكما
الشيطان
والنساء أصل كل بلية وفتنة كانت على وجه الأرض وتكون الى يوم القيامة، والسلامة منهن هي السلامة العظمى الجامعة لكل خير
شعر:
وأصل ذلك كله النظر. وقيل: ما حفظ احد بصره الا حفظ قلبه
وانت إذا أرسلت طرفك زائدا لقلبك يوما أتعبتك المناظر رأيت الذي لا كله أنت قادر عليه ولا عن بعضه أنت صابر (2/32)
صفحة 349
الباب الرابع
في آفة السمع
اعلم وفقك الله أن سماع ما لا يحل سماعه ضار بالدين ومهدم للحسنات، فلا يستعمله في سماع الملاهي والبهتان والكذب والغيبة، فسماع ذلك لا يحصل منه خير، بل تجتني من ثمرات غرس سماعك في الآخرة هوانا وذلا، فإن المستمع شريك القائل فيما يقوله من خير وشر فصن سمعك عما لا ينفعه سماعه، فإن كل ما لا ينفع يذل ويهين وإياك والاصغاء الى ما لا يعني فتبع جواهر عمرك بفساد امرك ففضول الكلام مفسدة للدين، مضيعة للدنيا متلفة للعمر، مورثة للتباغض
•
وفضول السمع كفضول الغذاء، لا يتولد منه إلا داء وضعف قوة
والانصات لأشرار الاغيار كالتعرض لملاقاة الأسود في القفار.
والسماع وعاء إذا أوعيت فيه خيرا وجدته، أو شرا اصبته، فانظر ماذا أوعيت، والسمع زجاجة، وفضول الكلام أحجار صائبة فمتى حميتها من الحجارة نفعت، ومتى أصابتها الحجارة انصدعت
والسمع غرض، وفضول الكلام نبال، والمنصت لها كالمستهدف
لرشق السهام. (2/33)
صفحة 350
وحصول الكلام في السمع كإصابة السهم للغرض يمزق قرطاسه وان
اخرج جلاسه حركن بالحقائق عن سماع الغني في غنى فضول الكلام في الاستماع مثل شرب الخمر تشتهي وتفسد خلافا، واصلح ما كانت فعلا أفسد ما كانت عقلا. وأحى ما كانت نفسا أقتل ما كانت حسا، وبقدر تمتعك بلذتها تجني ثمار غائلتها، وكن لسماع ما ينفعك أشغل لسمعك من سماع ما يضرك، ولا تضيع عزيزا لست قادرا على رده في سماع ما غيره انفع
منه
ولا تضيع جواهر أوقات عزيزة في اكتساب رذائل كلمات حقيرة، فحصول الكلمة الطيبة كفلق الصبح في الجو كلما دام في الأفق نوره. وحصول الكلمة الخبيثة في السمع كالغسق في الجو كلما دام إذْهُم
ظلامه
والتعرض لسماع الفضول كتعرض صفاء شفاف جوهر المرآة للهواء إن لم يكسه حربا أبدا غطى على رونقه الضياء، فعليك بصيانة أذنك عن كل شيء من الفضول
واعلم ان المستمع أشر من المتكلم، إذ لأنك إذا سمعت القبيح والمنكر
ورضيت بذلك كنت شريكا لقائله في الاثم.
عما كتم
وفضول السمع تبع للكلام والنظر، فكل ما لا يحل لك الكلام به، ولا النظر اليه، فكذلك لا يحل لك استماعه ولا التلذذ به، وإياك والبحث عنك من سر فذلك تجسس وقد نهى الله عنه في كتابه فقال: ولا وإياك وسماع اللهو والغناء والنوح وغيبة المؤمنين. وذلك كله حرام كالميتة والدم ولحم الخنزير، وقد ذكر عن النبي أنه قال: «من استمع الى حديث قوم وهم له كارهون صب في أذنيه الآنك (2) ومن استمع
تجسسوا)
(1)
1 - الآية 12 من سورة الحجرات
2 - الزيت المغلي
- T{- (2/34)
صفحة 351
إلى ما لا يباح له من القول فقد أخذ بحظه من السرقة وهو لا يشعر وسئل القاسم بن محمد عن سماع الغناء فقال للسائل: إذا ميز الله القيامة بين الحق والباطل فأين يكون الغناء مع الحق أو مع الباطل؟
تعالى يوم
فقال له السائل مع الباطل
فقال له: لا يحل لك استماعه وهو حرام.
وذكر عن عبد الله بن عمر أنه قال: نهينا عن الغيبة وعن الاستماع لها
وذكر عن ابن مسعود أنه قال: سماع الغناء ينبت في القلب النفاق، وليس على الانسان شيء بعد لسانه أشر عليه من سماعه لأنه اسرع رسول الى القلب، وابلغ وقوعا في الفتنة، فكفى بهذا بيانا لمن كان له قلب أو القى
السمع وهو شهيد
- 35 - (2/35)
صفحة 352
[صفحة فارغة] (2/36)
صفحة 353
الباب الخامس
في تهذيب النفس ورعايتها وتوبيخها
همتك
أما بعد. فابدأ بإصلاح قلبك فإنه اذا صلح القلب صلح به الجسد واذا فسد القلب فسد به الجسد، وإذا فسد الجسد فسد العمل. فليكن من تفقد نفسك ورعايتها في جميع امورك
واحذر الشياطين على دينك ووساوسهم وشرهم وشر الجن والانس اجمعين، وعليك بالمواظبة على طاعة الله تعالى، والزم لسانك الصمت ولا تتكلم إلا بالحق، واتق الكذب واليمين والمزاح والضحك وكلام اللهو والأباطيل والفضول والغضب والجدال والمراء واللجاجة والمنازعة والخصومة ونقض العهد وخلف الميعاد والتهمة ومدح الناس والثناء عليهم والغيبة وشهادة الزور، وقذف المحصنات، وشتم المؤمنين وأذاهم والاستهزاء بخلق الله، وكلام الفحش، وتشديق الكلام وكثرة الطيرة، والغناء والحسد وسوء الظن والحرص والكسل والرياء والمكر والخديعة والنفاق والعجب وكثرة الأكل وكثرة النعاس والكبر والاستطالة والتعظيم والفظاظة وسوء النية والعلو وحب الزينة، واتباع الشهوات التي لا تحل، والاستطالة على الناس، والحقرة (1) لهم وتضييع طلب المعيشة، والاعجاب بالرأي، ومتابعة الهوى، وقلة الصبر يقصد الاحتقار لهم
- rv. (2/37)
صفحة 354
والجزع عند الشدائد ونزول النوائب، والغضب على الناس بغير حق، والحمية والافراط في حب أو بغض، والتزيين للناس والمباهاة السمعة، والضجر في البلاء، والبخل والأشر، والاستماع الى الباطل والى ما لا يجوز، ومجالسة السفهاء، ونسيان الآخرة، والمشي في غير حاجة وصحبة الفاسق والسفيه، وتسويف العمل الصالح، والنظر في غير حق وفيما لا يجوز ومجالسة الأغنياء والتواضع لهم، والغفلة والجهل والشك ومخادعة النفس، وحب المركب والملبس، وجمع المال، والوقوع في الحرام، والاصرار على المعاصي، والتزكية والبحث عن عيوب الناس، وافشاء السر، ومعاداة الناس، والجرأة على الله والتملق للناس لطلب ما عندهم
وإياك وشرب الخمر، وأكل الحرام، والزنا، والمقام على الذنب، والعمل بالخطأ، والسرور والاستبشار بما تؤتى من الدنيا، واجتنب الفجور والاثم والغش والسخط وطلب الشرف في الدنيا وحب الباطل، ومنع حقوق الله فاتق هذه كلها، وارغب ان يصرفها عنك، فإن سلمت منها فاحدث الله شكرا، واجتهد في طلب رضى الله تعالى، وجاهد نفسك، وواظب على فعل الطاعات حتى يأتي أجلك، ولا تكن مرة هكذا ومرة هكذا، واعمل الله تعالى بكل ما أمرك واتق معاصيه تصلح لك الدنيا والآخرة، وارح نفسك من هموم الدنيا وأشغالها واجعل همك كله في طاعة الله، ووطن نفسك على الصبر في كل شيء تكرهه منها، واكثر الشكر الله فيما أنعم عليك، وارض بقضاء الله ودافع يوما بيوم حتى يأتي أجلك، ودع عنك الدنيا وهم الناس ورضاهم وسخطهم وذكرهم وذكر ما لا تنتفع به عند نزول الموت، واذكر ذنوبك، وتفكر في عيوبك، واشتغل باصلاحك قبل ان يحال بينك وبين ذلك ثم لا تنفعك الندامة ولا لك كرة ولا رجعة الى الدنيا، وعليك بالطاعة الله في الشدة والرخاء، وان ابتليت فلا يحملنك البلاء على ترك الطاعة، فإن ذلك كفر وتمسك بالقرآن واعمل بما فيه، وعلمه أولادك، واعتبر ما بقي من الدنيا بما مضى منها ولا تكتم شهادة عندك وبما قدرت على نفقة مالك فقدمه من
هم
- YA- (2/38)
صفحة 355
قطعك
لنفسك واجعل ذلك الله، واعف عمن ظلمك، واعط من منعك، وصل من واكثر تلاوة القرآن واعمل بما فيه، وارحم المساكين، وابن السبيل، ووطن نفسك على الصبر وصل القرابة واعطف عليهم واحفظ فيهم
وصية الله
ولا تحدث الناس بكل شيء سمعته من أحاديث الدنيا وادفع السيئة بالتي هي أحسن، واكظم الغيظ، واحلم عند الغضب، وتجاوز عند
المقدرة
ولتحسن خلقك في كل أمر هو الله، وألن للسائل كلامك وواسهم من معروفك، واذا أنعم الله عليك فأشكر الله، واجبهم الى ما ملكت يمينك، وألن لهم الكلام، واشبع بطونهم، واكس جلودهم، ولا تكلفهم ما لا يطيقون من العمل، وعلمهم وأدبهم فإنك مسئول عنهم واعلم ان الدنيا دار بلاء ومصائب وفجائع فوطن نفسك على الصبر عند كل بلاء ومصيبة، واسترجع في ذلك وعند فجأة المصيبة واحذر فيه لعله فتنة الشيطان، وتزود من الدنيا بما ينفعك يوم الحسرة والفاقة والحاجة
وجالس الفقهاء والعلماء، واحذر مجالسة السفهاء وأهل الغفلة وامر بالمعروف وانه عن المنكر، وقل إذا قلت خيرا أو اصمت، واجعل قلبك سليما لأخوانك، وإياك والزيارات إلا ما كان في طاعة الله تعالى، واغضض بصرك إذا خرجت من بيتك، وانظر الى من فضلت عليه واحمد ربك، ولا تنظر إلى من هو فوقك فيما أوتي من الدنيا
•
ولا تتثاءب في الصلاة، ولا تقرأ القرآن بغير وضوء ولا تنم بين المغرب والعشاء الآخرة، وطهر قلبك ولسانك بذكر الله وقل إذا خرجت من بيتك:
بسم
الله واذكر الله - تعالى - وإذا دخلت بيتك فسلم على أهلك، ولا تجادلن
من
عن خائن ولا مريب ولا ظالم، ولا تعينن أحدا منهم بظلم وبما رزقك الله ولد فارض به، وأكثر الدعاء بالخير له وأحسن أدبه، وعلمه الخير، وسمه (2/39)
صفحة 356
بأحسن اسم، وعلمه القرآن وإذا بلغ فزوجه، وامر أهلك وولدك بطاعة الله - تعالى -.
وإياك ومسألة الناس وطلب الحاجات إليهم فإن ذلك فقر وذلة، واحفظ ما استطعت من وداعة وعارية حتى تردها إلى أهلها، واحذر الشهوات، واحذر النساء وطاعتهن، ولا تضع سرك عندهن، واحبس امرأتك في بيتك وامنعها من الخروج إلا ما لا بد لها منه، وامنع دخول العجائز عليها وجيران السوء ولا من لا تثق به ولا تأذن لها بالقعود عند غير ذي محرم منها، وامرها بخفض الصوت، ولا تجرئها على نفسك، ولا تعمل بهواها واعلم أن المرأة إذا خرجت تشوق الشيطان لها وربما تعرضت لها الفتنة
ولا تغتر بصحة شبابك، وإياك والسعي بين الناس بالفساد
ولا تشبع بطنك، واذكر الله في الخلوة، واندم على الذنب
•
،
واعلم أن طاعة الله واجبة عليك في العسر واليسر والسر والعلانية، واحذر أن يبطل عملك بمعصية الله واستغفر لذنبك، وتعوّذ من الشيطان الرجيم، وأحسن إلى ما كان عندك من البهائم ولا تجوعها ولا تعطشها ولا تحمل عليها ما لا تطيق
•
واحذر الدين وأموال الناس، وانصف من نفسك واعدل بجهدك
ولا تخن من هو فوقك ولا تظلم من هو تحتك
وعجل التوبة من الذنوب، واحمد الله - تعالى - على كل حال فيهما تحب
أو تكره.
واحذر عثرات لسانك، ولا تكن ذا وجهين ولا لسانين وإياك أن ترضي الناس وتسخط ربك، واوف الكيل والميزان واحفظ غيبة صاحبك وجارك، وإذا وليت مال اليتيم فاحفظه ولا تضر بن مملوكا إلا بحق، واعمل (2/40)
صفحة 357
في دار العمل قبل انقطاعها واعمل لدار الجزاء قبل أن تصير إليها، فإن الدنيا دار العمل والآخرة دار الجزاء، وأنت كما تزرع تحصد، وكما تعمل تجازي. (2/41)
صفحة 358
[صفحة فارغة] (2/42)
صفحة 359
الباب السادس
في ذكر محاسبة النفس وذكر عيوبها
روى شداد بن أوس عن النبي (1) أنه قال: «الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والأحمق من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله دان نفسه أي حاسب نفسه
ويوم الدين: هو يوم الحساب، قال - تعالى -: (إنا لمدينون) (2) أي
إنا لمحاسبون
وسئل بعضهم عن قوله - تعالى -: (رضي الله عنهم ورضوا عنه ذلك لمن خشي ربه) (3) فقال: معناه؛ ذلك لمن راقب ربه ـ تعالى ـ حاسب نفسه
وتزود المعاده
وقال عمر - رضي الله عنه -: حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوها قبل أن توزنوا، وتهيأوا للعرض الأكبر، وان المؤمنين قوم أوثقهم الله بالقرآن فحال بينهم وبين شهواتهم - أو قال بين هلكتهم - وان المؤمن أسير في الدنيا يسعى في فكاك رقبته ولا يأمن شيئا حتى يلقى الله يعلم أنه مأخوذ عليه
في سمعه وبصره وجوارحه
1 - رواه الترمذي وقال حديث حسن 2 - الآية 53 من سورة الصافات - الآية 8 من سورة البيئة (2/43)
صفحة 360
وقيل: من لم ينظر في العقاب لم يفرق، ومن لم يتفكر في الثواب لم يصدق ومن لم يذكر الموت لم يتزود، ومن لم يذكر الحساب لم يشتغل، ومن لم
يخف قبيح فعله لم يخف تبعته، ومن لم يخف لم يتق الله ربه
وقال حكيم: إذا أردت أن يكون العقل غالبا للهوى فلا تعجل بقضاء الشهوة حتى تنظر العاقبة فإن مكث الندامة في القلب أكثر من مكث خفي
الشهوة.
وقال لقمان: المؤمن من إذا أبصر العاقبة أمن الندامة
وقال: ثلاث من كن فيه استكمل الايمان؛ أن لا يخاف في الله لومة لائم، ولا يرائي بشيء من عمله، وإذا عرض له أمران أحدهما للدنيا
والآخر للآخرة آثر الآخرة على الدنيا» (1)
وروى عبادة بن الصامت أن النبي صلى الله عليه وسلم قال الرجل كان يسأله أن يوصيه ويعظه: «إذا أردت أمرا فتدبر عاقبته فإن كان رشدا فامضه وإن كان غيا فانته
عنه
وروي في بعض الكتب أن الله - تعالى - قال للملائكة: (أنتم موكلون
بالظواهر وأنا رقيب على البواطن)
•
وقال سهل: لم يتزين القلب بشيء أفضل من علم العبد بأن الله
- تعالى - شاهده حيث كان
وقال - عليه السلام -: إن الله يحب البصير النافذ عند ورود الشبهات، والعاقل الكامل عند هجوم الشهوات فمن لم يتوقف عند الاشتباه فإنه يكون متبعا لهواه معجبا برأيه، وكان ممن وصفه رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إذا
1 - رواه الترمذي
- {{- (2/44)
صفحة 361
رأيت شحا مطاعا وهو متبع واعجاب كل ذي رأي برأيه فعليك بخاصة
نفسك
فكل من خاض في شبهة بغير تحقيق فقد خالف قول الله - تعالى -: ولا تقف ما ليس لك به علم) (1)
وقال الحسن: المؤمن قوام على نفسه يحاسبها الله ـ تعالى ـ، وإنما خف الحساب على قوم حاسبوا أنفسهم في الدنيا، وإنما شق الحساب يوم القيامة على قوم أخذوا هذا الأمر من غير محاسبة.
وقال ـ عليه الصلاة والسلام -: رحم الله أقواما يحسبهم الناس
مرضى وما هم بمرضى.
وقال الحسن: أجهدتهم العبادة
•
ذلك
وقال - تعالى -: والذين يؤتون ما ءاتوا وقلوبهم وجلة) (2) قال الحسرة، يعملون ما عملوا من أعمال البر، ويخافون أن لا ينجيهم عذاب الله - تعالى -.
من
أوحى الله إلى عيسى - عليه السلام -: يا ابن مريم؛ عظ نفسك فإذا
اتعظت فعظ الناس وإلا فاستح مني)
أبو ذر عنه ـ عليه الصلاة والسلام -: لا يكون المرء ظاعنا إلا في
ثلاث؛ تزود المعاد، أو مرمة لمعاش، أو لذة في غير محرم».
وما روي في معناه: على العاقل أن يكون له أربع ساعات؛ ساعة يناجي فيها ربه، وساعة يحاسب فيها نفسه، وساعة يتفكر في صنع الله
Y
1 - الآية 36 من سورة الاسراء - الآية 60 من سورة المؤمنون»
- 45 - (2/45)
صفحة 362
تعالى
-، وساعة للمطعم والمشرب
وقيل: من أجاب النفس ذهب منه الورع، ومن أجاب الهوى ذهب منه العقل، ومن أجاب الدنيا ذهبت عنه الآخرة، قوله - تعالى -: فأما من طفى وآثر الحياة الدنيا فإن الجحيم هي المأوى وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى فإن الجنة هي المأوى) (1) قوله طغى أي تكبر وعتا وآثر الحياة الدنيا يعني اختيار نعيم الدنيا على نعيم الآخرة فإن الجحيم هي المأوى فإن النار مأوى من كان هكذا. وأما من خاف مقام ربه) يعني عند المعصية خاف مقامه بين يدي الله وسؤاله وحسابه، ونهى النفس عن الهوى منع النفس عن معاصي الله خوفا من عقاب الله فإن الجنة هي المأوى) مأوى من كانت صفته هكذا
فحكم الله للخائف بالجنان في العقبى والأمان في الدنيا
وقيل: إن العيب على المرء أن لا يلزم داره.، وهو إذا لزم داره تمكن
من فكره في خلواته فحاسب نفسه وتدبر أمسه، وخاف من الله عقوبته،
وأسال من خشية الله دمعته، وبكى آناء الليل وأطراف النهار على خطيئته
قال الضحاك: قال رجل: يا رسول الله؛ من أزهد الناس؟ قال:
•
من لم ينس المقابر والبلى، وترك فضل زينة الدنيا، وآثر ما يبقى على ما يفنى، ولم يعد غدا من أيامه، وعد نفسه وعد نفسه من أهل القبور»
وقال أبو بكر الوراق: من نسي الموت أسرته الدنيا، ومن نسي
الحسنات أسرته الشهوات، ومن نسي عيوب نفسه أسره ذكر عيوب الناس
وعيوب النفس تمني المغفرة من غير أن يتوب من الذنوب والفترة (2) في
1 - الآيات 37، 38، 39، 40 من سورة النازعات
2 - يريد الاهمال وعدم الاهتمام
- {9 - (2/46)
صفحة 363
القيام بالحقوق، وأكبر منه عيبا من لا يهتم بتقصيره وفترته ثم أكبر منه عيبا من
يظن أنه متوقر لفضيلة والفضل مع فترته وتقصيره
ومن عيوبها أنها تطيع ولا تجد للطاعة لذة، وذلك لثبوت ـ لعله. لشوب - الطاعة برياء وقلة اخلاص أو ترك سنة. ومنها أنها تألف الخواطر الردية فتتولد منها المخالفات والغفلة والتواني والاصرار والتسويف وتقريب الأمل وتبعيد الأجل، والاشتغال بما لا يعنيها من اللهو واللعب وذكر كلمات وحكايات وأحوال لا طائل تحتها، ومداواتها أن تتيقن في ذلك تضييع العمر الذي هو أنفس الأعلاق وهو رأس مال المؤمن في تجارة الآخرة، ومن خسر رأس ماله فأنى له الربح.
ويجب أن يتأمل قوله - عليه السلام -: من حسن اسلام المرء تركه
ما لا يعنيه (1)
وفي بعض الآثار: من اشتغل بما لا يعنيه فاته ما يعنيه
وقال بعض السلف: عليك نفسك إن لم تشغلها شغلتك
ومن عيوبها الغضب في غير موضعه والكذب والنميمة وقبولهما من غير بينة والبخل والشح وطول الأمل والاغترار بالمدائح الباطلة الكاذبة والحرص والحسد وترك الكسب الحلال تكلفا في اظهار التوكل ثم طمعا فيها عند
الناس
ومنها استعظام ما يعطى والمن والأذى واظهار الفقر مع الكفاف والكفالة لعله والكفاية -، والأخذ بالرخص، وترك الغرائم، وتعظيم الأغنياء، وتحقير الفقراء، والكسل وهو ميراث الشبع، وإن النفس إذا شبعت قويت
1 - رواه الترمذي عن أبي هريرة
-
{V - (2/47)
صفحة 364
وجاعت إلى الشهوات
و مداواتها التجويع فإنها إذا جاعت ضعفت عن اتباع الشهوات ولذلك
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما ملا آدمي وعاء شرا من بطنه
ومنها طلب الرياسة بالعلم والتكبر والافتخار على أبناء جنسه وفي الحديث: من طلب العلم ليباهي به العلماء وليماري به السفهاء أو يصرف به وجوه الناس إليه دخل النار
ومداواتها تصحيح النية في أن يحصل العلم لاصلاح الدين وحفظه وتقويته لابتغاء وجه الله - تعالى -، وأن يرى منة الله عليه في أن خلقه أهلا للعلم والحكمة، ووفقه للطلب والتحصيل وذلك من فضل الله ورحمته، قال الله - تعالى -: ولولا فضل الله عليكم ورحمته ما زكى منكم من أحد أبدا) (1)
وقال - تعالى -: وعلمك ما لم تكن تعلم وكان فضل الله عليك عظيما) (2) ومنها الاشتغال بتزين الظاهر، والتخشع من غير خشوع، والتعبد من غير حضور القلب، وأن يظهر من تواضعه ما يسقط صيانته ويبدي بظهر خفته، أو يظهر من صيانة وقاره ما يمسك عليه كبره
ومنها أن يطمع من الجاهل في العلم، ومن الأحمق في العقل ومن الفاجر في السر، ومن الضعيف في القوة، ومن الطائش في الوقار، ومن كل انسان فوق قدره وطاقته وتحقيقه الظن، وحكمه بالشك من غير يقين، والاستهزاء واللجاجة والاستخفاف ولا سيما بالعلماء والأشراف والمشايخ والعباد والضعفاء وأصحاب السلطان
ومنها تطاوله على من يفيده ويعلمه وارتفاعه بقلبه ولطفه بلسانه وظاهر
1 - الآية 21 من سورة النور الآية 13 من سورة النساء
- {A_ (2/48)
صفحة 365
افعاله ليغر به.
يصير
كأنه
وإظهار الفرح بما يصيب فيما يحب أو بما يصنع إذا وقع محكما مستقيما لأن يمدح نفسه، وأن ينبسط إلى من لم يعرفه ولم يجربه، وأن يتكلم بجواهر العلم والحكمة والدقائق والحقائق عند من ليس لها بأهل، واطلاع الناس على خفياته وأسراره وحكايته لهم عن نفسه بالمعاصي وسرعة الهرب واظهار الجزع عند أدنى مكروه يصيبه بقلة صبره، وسرعته إلى ما يشتهيه ويستحليه من غير تأمل في العواقب، وكثرة عناية الأهل والولد والاخوان والاستقصاء عليهم في زلاتهم، والاعراض عن طلب العذر، وأن يلبس من اللباس ويظهر من الزي فوق قدره ومنزلته واستحقاقه من الدون والمرتفع. ومنها أن يتقدم بالسؤال والمصافحة والمعانقة على من فوقه ولا ينظر في
ذلك وأن يظهر له مقدار ما ينزله الكبير من نفسه
ومنها أن يشير على من لا يستشيره، ويتأمر على من لا يؤامره ويتملك على من لم يستسلم له، وأن يزين المنكر ممن يعجبه، ويهجن المعروف ممن
لا يعجبه
ومنها أن يطلب الأمر من غير معدنه، والحاجة من غير أهلها كطلب الفقه من غير فقيه، والحكمة من غير حكيم، وحفظ الأمانة والوفاء من خائن، ومعرفة الحقوق من لئيم، وافراطه في الحب والبغض والقرب والبعد
واللطف والجفاء.
ومنها إذا رضيت عن انسان مدحته فوق الحد، وإذا غضبت على انسان
ذممته وتجاوزت عن المقدار
ولعل المرضي عنه والمعضوب عليه لا يستحقان جميع ذلك ومداواتها رياضة النفس على الحق وتوطينها على الصدق وأن يتأمل قوله - تعالى -:
- 24 - (2/49)
صفحة 366
اتقوا الله وكونوا مع الصادقين) (1)
ومنها الطمع ومداواتها أن يعلم أن طمعه يفوته حلاوة العبادة ويصيره
عبدا للعبيد بعد أن خلقه الله حرا كما قال:
يا خادم النفس كم تشقى بخدمتها لتطلب الربح مما فيه خسران احرص على النفس تستكمل فضائلها فأنت بالنفس لا بالجسم انسان وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: اللهم اني أعوذ بك من طمع يهدي إلى طمع، ومن طمع في غير مطمع، ومن طمع حيث لا طمع الطبع أنكي
ذل.
وفي الحديث عن بعض السلف: الطمع الفقر الحاضر، والغني الطامع
فقير، والفقير المتعفف غني.
والطمع من أسباب المذلة، شعرا:
لا خير في طمع يهدي إلى طبع وعفة من قوام العيش تكفين ومنها أن يقوم يخوض قوم في أمر بغيهم ومعهم من لا يعنيه ذلك فيخوض معهم غير ناظر في النفع والدفع ولا ناو فيه خيرا وأن يسأل شيئا من غير حاجة، وذكر مناقبه ومصالحه وخصاله الحسنة، وأن يجيب بأكثر من حاجة السائل وأن يظهر من بره وكرامته للخاصة فوق الأحسن وللعامة فوق الوحشة، وللعدو فوق ما يدفع به شره.
ومنها سؤاله عالما مسألة عن عويصة يحفظها هو ولا يحفظها العالم يريد يحير العالم حتى يخجله بها ويرى أنه أعلم منه وانبساطه إلى من يهاب منه كالسلطان والأمراء والأئمة والكبار، وخضوعه عند الحاجة، وشموخه عند
1
الآية 119 من سورة التوبة (2/50)
صفحة 367
الغنى، واتكاله على العلم دون العمل، وعلى القول دون الفعل، وعلى الظاهر دون الباطن، وعلى الرواية دون الرعاية، وأن يكون قوله أكثر من فعله، واظهاره أكثر من اضماره، وذكره أكثر من اختياره، ومؤونته أكثر من معونته، وتملقه أكثر من محبته، وعدته أكثر من عطيته، وأطماعه أكثر من مواساته، ودعواه أكبر من منزلته ومن ذلك قطعه الكلام على العالم الحكيم المتكلم وطمأنينته وسكوته وفرحه بحسن حاله
•
ولا يتأمل تغير الحال عليه، ولا ينظر في عاقبة أمره ولا يسأل الله العفو والعافية، وان رأى سوء حال يضجر ولا يشكر أحواله السالفة التي كان فيها في نعمة ورخاء ورغد ومن ذلك استثقاله مجالسة من يخبره بعيوبه وينصحه واعراضه عنه وهربه منه، واستحسانه مجالسة من يمدحه ويتواضع له واقباله عليه كأنه يكره الارشاد ويحب التلبيس والمداهنة، ولا ينظر في عاقبة كل واحد منها، ومن ذلك تسارعه إلى الرئاسة دون احكام أمر نفسه واحتناك سنه، ولا يتفقد الأخطاء والآفات، ومن ذلك أن يكون عند ذكر الله وقراءة القرآن ومذاكرة العلم والحكمة والثواب والعقاب في غفلة وتهاون وانبساط وضحك وعدم خشوع وهيبة ووجل
ومن ذلك أن يكون مشغولا بفضائل غيره فارغا من فرائضه تاركا فهو في ذلك يقدم أمر المخلوق، ويؤخر أمر الخالق، ومن ذلك إذا بلغه نمام عن طاعن فيه وغائب إياه نيمة أو بهتانا تسارعه في شتمه وإرسال لسانه في عرضه وإظهار الحدة والخفة من نفسه
وترك حلمه ووقاره وتأمله وترك التثبيت فيه. قال الله - تعالى -:
(يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا) (1) وفي قراءة
(فتثبتوا)
1 - الآية 6 من سورة الحجرات
- 01 - (2/51)
صفحة 368
فهذه وأشباهها جملة من العيوب يجب على المؤمن أن يتحرز منها وإن
كانت فيه وأن يتطهر منها والله الموفق للصواب
- 52 - (2/52)
صفحة 369
الباب السابع
في حب الدنيا وبيان ذم الغرور بها
اعلم أن رأس هذه الخبائث كلها وجلها ومعظمها وأصلها حب الدنيا
-
6
فحبها يوجب الحرص على الجمع والطمع، وقلة القناعة وطول الأمل وتعطيل الفرائض، والغفلة عن ذكر الله - تعالى - والأمن من الحوادث، وتسويف التوبة، وبغض الآخرة وكراهية الموت ولقاء الله - تعالى حبها تتشعب جميع المهلكات وذلك يوجب الرين على القلب والبعد من الله كما قال الله - تعالى -: فأعرض عمن تولى عن ذكرنا ولم يرد إلا الحياة الدنيا) (1)
فمن أعرض الله عنه كيف ترجو له فلاحا، ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه، وقد حذرك الله - تعالى - ذلك بالكتاب والسنة وأغلظ الله - سبحانه - القول في حب الدنيا ونسب حبها إلى الكفار، وجعل ذلك سببا يستحقون به العذاب مع كفرهم وقال - عز وجل -: ولكن من شرح بالكفر صدرا فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم ذلك بأنهم استحبوا الحياة الدنيا على الآخرة وان الله لا يهدي القوم الكافرين أولئك الذين طبع الله على قلوبهم وسمعهم وأبصارهم وأولئك هم الغافلون لا جرم أنهم في الآخرة هم
الخاسرون) (2)
1 - الآية 29 من سورة النجم
2 - الآيات 106، 107، 108، 109 من سورة النحل
- or- (2/53)
صفحة 370
وقال - تعالى -: أولئك الذين اشتروا الحياة الدنيا بالآخرة فلا يخفف
عنهم العذاب ولا هم ينصرون) (1)
وقال - تعالى -: من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوف إليهم
أعمالهم فيها وهم فيها لا يبخسون) (2)
وقال - تعالى -: من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه ومن كان
يريد حرث الدنيا نؤته منها وما له في الآخرة من نصيب) (3)
وقال ـ عز وجل -: من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد ثم جعلنا له جهنم يصلاها مذموما مدحورا ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن فأولئك كان سعيهم مشكورا كلا نمد هؤلاء وهؤلاء من
عطاء ربك وما كان عطاء ربك محظورا) (4)
وقال - عز من قائل -: اعلموا أنما الحياة الدنيا لعب ولهو وزينة وتفاخر بينكم وتكاثر في الأموال والأولاد كمثل غيث أعجب الكفار نباته ثم
الله
يهيج فتراه مصفرا ثم يكون حطاما وفي الآخرة عذاب شديد ومغفرة من ورضوان وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور سابقوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها كعرض السماء والأرض أعدت للذين آمنوا بالله ورسله ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم) (5).
•
فقد أمركم - جل وعلا - برفض الدنيا وترك الحرص عليها والقناعة منها بما خف وأخذ ما طف مما لا بد منه والمسابقة إلى دار نعيمها لا يبلى وملكها
لا يفنى فبادروا رحمكم الله
1 - الآية 86 من سورة البقرة
2 - الآية 15 من سورة هود
3 - الآية 20 من سورة الشورى
- الآيات 18، 19، 20 من سورة الاسراء
- الآيتان 20
21
من سورة الحديد (2/54)
صفحة 371
وقال - سبحانه -: (فلا تغرنكم الحياة الدنيا ولا يغرنكم بالله الغرور) (1) والغرور هو الشيطان
وقال الله - عز وجل -: فأما من طغى وآثر الحياة الدنيا فإن الجحيم المأوى وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى فإن الجنة المأوى) (2) والآي في ذلك كثير.
هي
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حب الدنيا رأس كل خطيئة»
وقال: «ما من شيء أبغض إلى الله - تعالى - بعد الشرك بالله من حب الدنيا
وقال يوما لأصحابه: والله ما الفقر أخشى عليكم ولكن أخشى أن تسلط عليكم الدنيا فتنافسوا فيها كما تنافس من قبلكم فتهلككم كما
أهلكتهم.
وجل».
وقال: «من أصبح حزينا على الدنيا أصبح ساخطا على الرب عز
وقال: «من أصبح والدنيا أكثر همه فليس من الله في شيء وألزم الله - تعالى - قلبه أربع خصال؛ هما لا ينقطع أبدا، وشغلا لا يتفرغ منه أبدا وفقرا لا يبلغ غناه أبدا، وأملا لا يبلغ منتهاه أبداء
•
وقال: من أصبح وهمه الدنيا شتت الله عليه أمره وفرق عليه ضيعته وجعل فقره بين عينيه ولم يأته من الدنيا إلا ما كتب له ومن أصبح وهمه الآخرة جمع الله له همه وحفظ عليه ضيعته وجعل غناه في قلبه وأتته الدنيا وهي
راغمة
•
الآية 33 من سورة لقمان
2 - الآيات 37، 38، 39، 40، 41 من سورة النازعات (2/55)
صفحة 372
وقال: ليجيئن أقوام يوم القيامة وأعمالهم كجبال تهامة فيؤمر بهم
إلى النار. قالوا: يا رسول الله؛ أيصلون هم؟ قال: نعم يصلون ويصومون ويأخذون هنيئة من الليل فإذا عرض لهم شيء من الدنيا وثبوا
عليه
وقال أبو هريرة: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يا أبا هريرة؛ ألا أريك الدنيا جميعا؟ قلت: نعم يا رسول الله. فأخذ بيدي إلى مزبلة فيها رؤوس أناس وغدرات وخرق وعظام فقال: يا أبا هريرة؛ هذه الرؤوس كانت تحرص كحرصكم وتأمل كامالكم ثم هي اليوم عظام بلا جلد ثم كأنك بها صارت رفاتا وهذه الغدرات ألوان أطعمتهم فأصبحت والناس يتحامونها وهذه الخرق البالية كانت رياشهم ولباسهم فأصبحت والرياح تصفقها، وهذه العظام عظام دوابهم التي كانوا ينتجعون عليها أطراف البلاد فمن كان باكيا على الدنيا
فليبك
وقال: «إنما الدنيا كظل شجرة استظل الرجل بها ثم زال عنها
وتركها (1).
وقال: «الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر
وقال: «من أحب دنياه أضر بآخرته ومن أحب آخرته أضر بدنياه فآثروا ما يبقى على ما يفنى
الغرور
وقال: «يا عجبا كل العجب للمصدق بدار الخلود وهو يسعى لدار
وقال: «ان الدنيا حلوة خضرة وان الله مستخلفكم فيها فناظر كيف تعملون إن بني اسرائيل لما بسطت لهم الدنيا ومهدت تباهوا في الحلية والنساء
1 - رواه الترمذي عن ابن مسعود وقال حسن صحيح
- 56 - (2/56)
صفحة 373
والطيب والثياب
وقال: لتأتينكم بعدي دنيا تأكل إيمانكم كما تأكل النار الحطب
ومر موسى - عليه السلام - برجل وهو يبكي ورجع وهو يبكي فقال موسى: يا رب؛ عبدك يبكي من مخافتك فقال: يا ابن عمران؛ لو نزل دماغه مع دموع عينيه ورفع يديه حتى تسقطا لم أغفر له وهو يحب الدنيا
وأوحى الله - تعالى - إلى موسى - عليه السلام -: يا موسى؛ لا تركن
إلى حب الدنيا فلن تأتيني بكبيرة هي أشد عليك منها)
:
وقال عيسى - عليه السلام -: لا يستقم حب الدنيا والآخرة في قلب مؤمن كما لا يستقيم الماء والنار في إناء واحد
وقال عيسى - عليه السلام -: ويل لصاحب الدنيا كيف يموت ويتركها، ويأمنها وتغره، ويثق بها وتخدعه، وويل للمغترين لمن الدنيا والخطايا عمله كيف يفتضح عند الله - تعالى -.
وقال: لا يعالج الدنيا إلا شقي ولا يتركها إلا تقي
وقال عيسى - عليه السلام -: من الذي يبني على موج البحر دارا تلكم
الدنيا فلا تتخذوها قرارا
•
وعنه أنه قال: حب الدنيا رأس كل خطيئة
وقال أيضا: حب الدنيا من كبائر الذنوب.
وأما من طلبها استعفافا عن المسألة وصيانة لنفسه جاء يوم القيامة
ووجهه كالقمر ليلة البدر
وإذا كان طلبك للتفاخر والتكاثر وإقامة الجاه والمباهاة فهي الدنيا
- 57 - (2/57)
صفحة 374
المذمومة
وإن كان طلبك لها من طريق المباح مما لا بد لك منه فيما فيه الفضل وصيانة الدين فهو من الدنيا المحمودة لا من الدنيا المذمومة
والدنيا المذمومة التي أمرت بالرغبة عنها هو كل شيء دنا من هواك، ووافق رضاك، وخالف رضى الله وأمره فمتى ما آثرته على رضى الله وأمره وأثرت الحياة الدنيا على الآخرة، فحينئذ تصير بذلك مذموما، وتستوجب ما قال الله: (فأما من طغى) (الآية)
(1)
•
ويقال: الدنيا ثلاثة أشياء؛ حلال وحرام وشبهة. فالحرام يوجب العذاب، والشبهة توجب العتاب، والحلال يوجب الحساب. كما قال:
وحلالها حساب وحرامها عقاب
ويروى أن عيسى ـ عليه السلام - اشتد به المطر والرعد والبرق فجعل يطلب شيئا يلجأ إليه فرفعت له خيمة من بعيد فأتاها فإذا فيها امرأة فحاد عنها، فإذا هو بكهف في جبل فأتاه فإذا فيه أسد فوضع يده عليه وقال: إلهي؛ جعلت لكل شيء مأوى ولم تجعل لي مأوى فأوحى الله إليه: مأواك في مستقر من رحمتي لأزوجنك يوم القيامة مائة حوراء خلقتها بيدي، ولأطعمن في عرسك أربعة آلاف عام - يوم لعله ـ كل يوم منها كعمر الدنيا ولأمرن مناديا ينادي أين الزهاد في الدنيا، زوروا عرس الزاهد عيسى بن مريم ـ عليه
السلام -.
وقال عمار بن ياسر: مر عيسى بن مريم - عليه السلام - بقرية فإذا أهلها موتى في الأفنية والطرق فقال: يا معاشر الحواريين؛ إن هؤلاء ماتوا عن سخطه، ولو ماتوا عن غير ذلك لتدافنوا. فقالوا: يا روح الله وددنا أنا علمنا فسأل ربه - عز وجل - فأوحى الله - تعالى - إليه: إذا كان الليل
خبرهم
•
1 - الآية 37 من سورة النازعات (2/58)
صفحة 375
نادهم يجيبوك. فلما كان الليل أشرف على نشز (1) ثم نادى: يا أهل القرية فأجابه مجيب: لبيك يا روح. فقال: ما حالكم وما قصتكم؟ فقالوا: بتنا في العافية وأصبحنا في الهاوية. قال: وكيف ذلك؟ فقالوا: بحبنا الدنيا وطاعتنا أهل المعاصي. قال: وكيف كان حبكم للدنيا؟ قال: حب الصبي لأمه. إذا أقبلت فرحنا، وإذا أدبرت حزنا. قال: فما بال أصحابك لم
•
يجيبوني؟ قال: لأنهم ملجمون بلجم من نار بأيدي ملائكة غلاظ شداد قال: وكيف أجبتني من بينهم؟ قال: لأني كنت فيهم ولم أكن منهم فلما نزل العذاب أصابني معهم وأنا معلق على شفير جهنم لا أدري أنجو منها أم
بهم
أكبكب فيها
وقال المسيح للحواريين: أكل خبز الشعير بالملح الجريش ولبس المسوح، والنوم على المزابل كثير مع عافية الدنيا والآخرة
وفيها يروى أنه - عز وجل - أوحى إلى داود - عليه السلام -: يا داود؛ حذر وأنذر أصحابك أكل الشهوات فإن القلوب المتعلقة بشهوات الدنيا عقولها محجوبة
وقال وهب بن منبه: لما بعث الله - عز وجل - موسى وهارون إلى فرعون قال: لا يروعنكما لباسه الذي لبس من الدنيا فإن ناصيته بيدي ليس ينطق ولا يطرف ولا يتنفس إلا بإذني، ولا يعجبكما ما متع به منها فإنما هي زهرة الحياة الدنيا وزينة المترفين فلو شئت أن أزينكما بزينة من الدنيا يعرف فرعون حين يراها أن مقدرته تعجز عما أوتيتما لفعلت ولكن أرغب بكما عن ذلك فأزوي ذلك عنكما ولذلك أفعل بأوليائي إني لأذودهم عن نعيم الدنيا كما يذود الراعي غنمه عن مواقع الهلكة واني لأجنبنهم سكونها كما يجنب الراعي الشفيق إبله عن مبارك العرة وما ذلك لهوانهم علي ولكن ليستكملوا نصيبهم
1 - النشز المكان المرتفع من الأرض (2/59)
صفحة 376
من كرامتي سالما موفرا إنما يتزين لي أوليائي بالذل والخشوع والخوف والتقوى تثبت في قلوبهم فتظهر على أجسادهم، فهي ثيابهم التي يلبسون، ودثارهم الذي يظهرون، وضميرهم الذي يستشعرون، ونجاتهم التي بها يعرفون، فإذا لقيتهم فاخفض لهم جناحك وذلل لهم قلبك ولسانك
واعلم أنه من أخاف لي وليا فقد بارزني بالمحاربة ثم ـ لعله ـ أنا الثائر
لهم يوم القيامة
-
قال الغزالي: وقد عرفت فيهما سبق في بيان الدنيا ومن سيرة الأنبياء والأولياء أن حد الدنيا كل ما أظلته الخضراء، وأقلته الغبراء إلا ما كان الله من
ذلك.
وضد الدنيا الآخرة وهي: كل ما أريد به الله مما يؤخذ بقدر الضرورة
من الدنيا لأجل قوة طاعة الله، وذلك ليس من الدنيا
وقال: «أنزل الله - تبارك وتعالى - إلي جبريل - عليه السلام - بأحسن ما كان يأتيني صورة فقال: إن السلام يقرئك السلام ويقول لك: إني أوحيت إلى الدنيا أن تمردي وتكبري وتنكري وتضيقي وتشددي على أوليائي حتى يحبوا لقائي، وتسهلي وتوسعي وتطيبي لأعدائي حتى يكرهوا لقائي» وقال: «إذا زهد العبد في الدنيا ورثه الله - تعالى - ثلاث خصال؛
عزا من غير عشيرة، وغنى من غير مال، وعلما من غير تعلم
•
وكتب عمر - رضي الله عنه - إلى أمراء الأجناد: احفظوا من المطيعين
ما يقولون فإنه تتجلى لهم أمور صادقة
وقال بعضهم: إذا زهد العبد في الدنيا وكل الله - تعالى - به ملكا حكيما يغرس من أنواع الحكمة في قلبه كما يغرس أحدكم من أطراف الأشجار في
بستانه (2/60)
صفحة 377
وقال عيسى - عليه السلام -: الدنيا قنطرة فاعبروها ولا تعمروها
وقال أيضا: مثل صاحب الدنيا كمثل شارب ماء البحر كلما ازداد شربا ازداد عطشا حتى يقتله
وأوحى الله - تعالى - إلى داود: (فإن كنت كذلك تزعم أنك تحبني فاخرج حب الدنيا من قلبك فإن حب الدنيا وحبي قلبك فإن حب الدنيا وحبي لا يجتمعان في قلب واحد) وفي التوراة مكتوب: يا ابن آدم أنت في هدم عمرك منذ سقطت من بطن
أمك)
وفي المناجاة أن الله - تعالى - قال: يا ابن آدم إذا أفنيت عمرك في طلب الدنيا فمتى تطلب الجنة. يا موسى الصبر على طاعتي أهون من الصبر على
ناري)
وقال لقمان لابنه: يا بني إن دارا لا يأتي عليك يوم من الدهر ليلة
إلا ظننت أنك مفارقها، ولا منفعة فيها فانظر لنفسك ما تزود منها
وقال بعض الصالحين: الناس في الدنيا على ثلاثة أنواع؛ فالمؤمن فيها
يتزود، والحريص فيها يتزيد - لعله يتزين -، والكافر فيها يتنعم وقال لقمان لابنه: يا بني إن الدنيا بحر عميق قد هلك فيها عالم كثير، فاجعل سفينتك فيها الايمان بالله - عز وجل -، والدنيا جسرك الذي تعبر عليه، والأعمال الصالحة بضاعتك التي تحشو فيها، وحرصك عليها ريحك التي تسيرها، والأيام موجك الذي يدحرجها والتوكل على الله - عز وجل ـ دليلها الذي يهديها، ورد النفس عن الهوى حبالها التي ترسيها، والموت ساحلها الذي هو منتهاها، والقيامة أرض المتجر التي تبتغي الربح فيها، والله - عز وجل - ملكها الذي عليها
•
واجعل زادك تقوى الله - تعالى -، فإن نجوت فبرحمته، وإن هلكت
-11 - (2/61)
صفحة 378
فيذنوبك
وقال بعض الحكماء: ليس شيء أنفع للرجل من أن لا يركن إلى حاله من الدنيا ولا يطمئن إليها.
وقال: من كرمت عليه نفسه صغرت الدنيا وأهلها في عينه. ومن
هانت عليه نفسه كبرت الدنيا وأهلها في عينه
غائب
وقال عيسى - عليه السلام -: طوبى لمن ترك شهوة حاضرة لموعود
وكتب حكيم الحكيم: أما بعد؛ فإن الله - تعالى ـ قد حف الدنيا
بالشهوات وملأها بالآفات، ومزج حلالها بالمؤونات، وحرامها بالتبعات
وقال أحد الحكماء: الدنيا غنيمة الأكياس، وحسرة الحمقى
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: دعوا الدنيا لأهلها فمن أخذ من الدنيا فوق ما يكفيه
أخذ حتفه وما يشعر»
وقال أبو حازم: يسير الدنيا يشغل عن كثير الآخرة.
وقال مالك بن دينار: بقدر ما تحزن من الدنيا يخرج هم الآخرة مـ قلبك، وبقدر ما تحزن للآخرة يخرج هم الدنيا من قلبك
وقيل: قدم عمر - رضي الله عنه - الشام فاستقبله أبو عبيدة بن الجراح على ناقة مخطومة بحبل فسلم عليه وسأله النزول عنده، ثم أتى منزله فلم ير فيه إلا سيفه وترسه ورحله. فقال له عمر: لو اتخذت متاعا فقال: يا أمير المؤمنين؛ إن هذا يبلغنا المقيل
وقال الحسن: لا تخرج نفس ابن آدم من الدنيا إلا بحسرات ثلاث؛ أنه لم يشبع بما جمع، ولم يدرك بما أمل، ولم يحسن الزاد لما قدم عليه (2/62)
صفحة 379
وقال أبو سليمان: لا يصبر عن شهوات الدنيا إلا ما كان في
ما يشغله بالآخرة
وقال أبو أمامة الباهلي: لما بعث محمد أنت إبليس جنوده فقالوا: قد بعث نبي وأخرجت أمة قال: يحبون الدنيا؟ قالوا: نعم. قال: لئن كانوا يحبونها ما أبالي أن لا يعبدوا الأوثان، وأنا أغدو عليهم وأروح بثلاث؛ أخذ المال من غير حقه، وانفاقه في غير حقه، وامساكه عن حقه، والشر كله
لهذا تبع
وقال رجل لعلي: صف لنا الدنيا. فقال: ما أصف لك من دار أولها عناء، وآخرها فناء، من صح فيها سقم، ومن أمن فيها ندم، ومن افتقر فيها حزن، ومن استغنى فيها فتن، ومن ساعاها (1) فاتته، ومن قعد عنها وانته، ومن أبصر بها بصرته، ومن نظر إليها أعمته، في حلالها الحساب وفي حرامها العقاب
وقال أبو سليمان: إذا كانت الآخرة في القلب جاءت الدنيا تزحمها وإذا كانت الدنيا في القلب لم تزحمها الآخرة لأن الآخرة كريمة والدنيا لثيمة.
عن عبدالله بن عمر قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: تكون أمتي في الدنيا على ثلاثة أطباق؛ أما الطبق الأول فلا يرغبون في جمع المال وادخاره، ولا يسعون في اقتنائه واحتكاره، وانما رضاهم من الدنيا سد جوعة وستر عورة، وغناهم فيها ما بلغ الآخرة، فأولئك الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، وأما الطبق الثاني فيحبون جمع المال من أطيب سبله، وصرفه في أحسن وجوهه يصلون به أرحامهم، ويؤثرون به اخوانهم، ويواسون به فقراءهم، ولعض أحدهم على الرضف أسهل عليه أن يكتسب درهما من غير حله وأن يضعه في غير حله، وأن يمنعه من حقه، وأن يكون
1 - هكذا في الأصل ولعله يقصد من سعى اليها (2/63)
صفحة 380
خازنا له إلى حين موته، فأولئك الذين إن نوقشوا عذبوا وإن عفي عنهم سلموا، وأما الطبق الثالث فيجمعون المال ما حل وحرم، ومنعه مما افترض أو وجب، إن أنفقوه أنفقوه اسرافا وبدارا، وإن أمسكوه أمسكوه بخلا واحتكارا، فأولئك الذين ملكت الدنيا أزمة قلوبهم حتى أوردتهم النار
بذنوبهم.
وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إياكم وفضول المطعم فإن فضول المطعم تسم القلب بالقسوة، وتبطئ بالجوارح عن الطاعة، وتضمر الهمم عن استماع الموعظة، وإياكم وفضول النظر فإنه يبذر الهوى، ويولد الغفلة، وإياكم واستشعار الطمع فإنه يشرب القلب بشدة الحرص ويختم على القلوب بطابع حب الدنيا، فهو مفتاح كل سيئة وسبب احباط كل
حسنة.
عن عبد الله بن عمر قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «انما هو خير يرجى، وشر يتقى، وباطل عرف فاجتنب وحق تيقن فطلب، وآخرة أطل اقبالها فسعي إليها، ودنيا أزف فناؤها فأعرض عنها
وكيف يعمل للآخرة من لا تنقطع عن الدنيا رغبته، ولا تنقضي فيها شهوته، إن العجب كل العجب لمن صدق بدار البقاء وهو يسعى لدار الفناء، وعرف أن رضى الله في طاعته وهو يسعى في مخالفته
وعن أبي ذر الغفاري - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لرجل وهو يوصيه: اقلل من الشهوات يسهل عليك الفقر، واقلل من الذنوب يسهل عليك الموت، وقدم مالك أمامك يسرك اللحاق به، واقنع بما أوتيته يخف عليك الحساب، ولا تتشاغل عما فرض عليك بما قد ضمن لك، إنه ليس بفائتك ما قسم لك، ولست بلاحق ما زوى عنك، ولا تكن جاهلا فيهما نافدا واسع لملك لا زوال له في منزل لا انتقال عنه
يصبح (2/64)
صفحة 381
وقال عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -: إذا سمعت كلمة تؤذيك
فطأطيء لها تخطيك
وقال بعض العلماء: من أمضى يومه في غير حق قضاه، أو فرض أداه، أو مجد أثله، أو حمد حصله، أو خير أسسه، أو علم اقتبسه فقد غبن يوما وظلم نفسه
وقال لقمان لابنه: يا بني إذا أردت أن تؤاخي أحدا فاغضبه فإن
أنصفك وهو مغضب فآخه وإلا فاحذره.
وقال أيضا: يا بني لا تدخل الدنيا دخولا يضر بآخرتك ولا تتركها تكن
كلا على الناس
ومما أوحى الله - تعالى - إلى موسى: يا موسى؛ إذا رأيت الغنى مقبلا فقل ذنب عجلت عقوبته، وإذا رأيت الفقر مقبلا فقل مرحبا بشعار الصالحين. يا موسى؛ إنك لن تتقرب إلي بعمل من أعمال البر خير لك من الرضى بقضائي، ولن تأتي بعمل أحبط الحسناتك من البطر، وإياك والتضرع لأبناء الدنيا إذا أعرض، وإياك أن تجور بدينك لدنياهم إذا من أبواب رحمتي أن تغلق دونك، قرب الفقراء وادن مجلسهم منك، ولا تركنن إلى حب الدنيا
فإنك لن تلقاني بكبيرة من الكبائر أضر عليك من الركون إلى الدنيا
يا موسى؛ قل للمذنبين أبشروا، وقل للعاملين المعجبين إخسأوا واعلم أنه ما تزين العباد بزينة هي أبلغ من الزهد في الدنيا فإنها زينة المتقين عليهم منها لباس يعرفون به من السكينة والخشوع سيماهم في وجوههم من أثر السجود) (1) أولئك أوليائي حقا حقا، فإذا لقيتهم فاخفض لهم جناحك، وذلل لهم قلبك ولسانك، واعلم أنه من أهان لي وليا أو أخافه فقد بارزني بالمحاربة وعرض نفسه ودعاني إليها وأنا أسرع شيء إلى نصرة
1 - الآية 29 من سورة الفتح (2/65)
صفحة 382
أوليائي، أفيظن الذي يحاربني أن يقوم بي أو يظن الذي يضادني أن يعجزني، أم يظن الذي يبارزني أن يسبقني أو يفوتني، وأنا الثائر لهم في الدنيا والآخرة
لا أكل نصرتهم إلى غيري
وقيل: متى رأيتم العقل يؤثر الفاني على الباقي فاعلموا أنه قد مسخ ومن ركب ظهر التفريط نزل به منزلة الندم.
وفي المناجاة أن الله - تعالى - يقول: يا ابن آدم؛ أحباؤك ثلاثة؛ أهل ومال وعمل، فمالك يفارقك عند قبض روحك وأهلك يفارقونك عند دخول قبرك، ولا يبقى معك إلا عملك فعملك باق معك ملازم أبدا وقال أبو الدرداء: الناس على ما ماتوا عليه يبعثون؛ يبعث العالم
عالما، والجاهل جاهلا
الحمقى
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا»
واعلم أن من اطمأن إلى الدنيا وهو يتيقن أنه راحل عنها فهو من جملة
وقال سهل بن عبدالله التستري: علامة حب الله؛ حب القرآن وعلامة حب الله وحب القرآن؛ حب النبي صلى الله عليه وسلم، وعلامة حب النبي صلى الله عليه وسلم حب السنة، وعلامة حب السنة حب الآخرة، وعلامة حب الآخرة بغض وعلامة بغض الدنيا أن لا يدخر منها شيئا إلا زادا أو بلغة إلى
الدنيا
الآخرة.
وقال الحواريون لعيسى - عليه السلام -: يا روح الله؛ من أولياء الله الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون؟ فقال: هم الذين نظروا إلى باطن الدنيا، حين نظر الناس إلى ظاهرها، ونظروا إلى أجل الدنيا حين نظر الناس إلى عاجلها، وأماتوا منها ما خافوا أن يميتهم، وتركوا منها ما خافوا أن (2/66)
صفحة 383
، فصار استكثارهم منها استقلالا، وطلبهم لما أدركوا منها قوتا
6
سيتركهم وفرحهم لما أصابوا منها حزنا، فما عارضهم من نائلها رفضوه، وما عارضهم من رفعتها بغير الحق وضعوه، خَلقت عندهم الدنيا فلم يجددوها، وخربت فلم يعمروها، وماتت في صدورهم فلم يحيوها، فهم يبنون بها آخرتهم، ويبيعون دنياهم فيشترون ما يبقى لهم
بهم
رفضوها فكانوا برفضها فرحين، ونظروا إلى أهلها غرقى قد حلت المثلات، فأحيوا ذكر الموت، وأماتوا ذكر الدنيا، يحبون الله - تعالى - ويحبون ذكره، ويستضيئون بنوره، لهم خبر عجيب وعندهم أعجب الخبر، بهم قام الكتاب وبه قاموا، وبهم نطق الكتاب و به نطقوا، وبهم عُلِمَ الكتاب وبه عُلِمُوا، ليس يرون نائلا مع ما نالوا، ولا أمانا دون ما يرجو، ولا خوفا دون
ما يجدوا
•
وبكى لقمان عند وفاته فقال له ابنه: ما يبكيك؟ قال: يا بني ليس على الدنيا ولا على نعيمها، إنما أبكي على ما أمامي، ما آمن من شقة بعيدة، ومفازة سحيقة، وعقبة كؤود، وزاد قليل، وحمل ثقيل، فما أدري أيحط ذلك الحمل عني حتى أبلغ الغاية، أو يبقى علي فأساق إلى جهنم. وقيل: إن الدنيا خمرة الشيطان فمن سكر منها لم يفق من سكرته إلا في
عساكر الموتى نادما بين الخاسرين
وذكر عن
•
لقمان أنه قال لابنه: يا بني بع دنياك بأخراك تربحهما جميعا،
ولا تبع آخرتك بدنياك فتخسرهما جميعا؛ لأن القلب إذا دخل فيه حب الدنيا لم
ينتفع بموعظة ما دام حب الدنيا في قلبه
وذكر عن ابن عباس أنه قال: إن الله قد جعل الدنيا ثلاثة أجزاء؛ جزء
للمؤمن، وجزء للمنافق، وجزء للكافر؛ فالمؤمن يتزود منها، والمنافق
يتزين بها، والكافر يتمتع فيها
67 - (2/67)
صفحة 384
الكلاب
والدنيا جيفة منتنة، فمن أراد أن ينال منها شيئا فليصبر على معاشرة
وذكر عن علي أنه قال: من جمع ست خصال لم يترك للجنة مطلبا ولا عن النار مهربا؛ من عرف الله فأطاعه، وعرف الشيطان فعصاه، وعرف الحق فاتبعه، وعرف الباطل فتركه، وعرف الدنيا فرفضها، وعرف الآخرة
فطلبها
فصل
يا ابن آدم إن كنت تريد من الدنيا ما يكفيك فالقليل منها يكفيك، وإن كنت تريد منها فوق ما يكفيك فجميع الدنيا بأسرها لا تكفيك. فلا تهلكوا أنفسكم بطلب الدنيا، واغلبوا أنفسكم عليها بترك ما فيها، فعراة دخلتموها وعراة تخرجون منها، فاسألوا الله رزق يوم بيوم، واعلموا أن الله قد جعل الدنيا قليلا وما بقي منها قليل من قليل قد شرب صفوه وبقي كدره. واعلموا أن الدنيا دار عقوبة وغرور فكونوا فيها كرجل يداوي جرحه يصبر على شدة الدواء لما يرجو من الشفاء وعاقبة الداء، فلا يغرنكم شاهد الدنيا على غائب الآخرة
وذكر عن النبي - عليه السلام - أنه قال: إن الله يحمي عبده المؤمن من الدنيا وربما يكون محبا فيها، كما يحمي أحدكم المريض الطعام والشراب
مخافة عليه
•
وذكر أن عابدا من العباد اشتهى خبزا حارا بزيت فلما اشتراه وهم بأكله بعث الله إليه ملكا وأمره بإهراق الزيت حتى لا ينال شهوة مما أحب، فلما صعد الملك التقى بملك آخر وهو نازل فقال له: إلى أين تذهب؟ فقال له:
- TA- (2/68)
صفحة 385
إن فلانا اليهودي اشتهى سمكة فما وجدت فأمرني ربي أن آتي إلى البحر فأزعج له منه سمكة حتى ينال شهوته مما أحب
فإياك يا أخي إذا أنعم الله عليك بنعمة في الدين أن تلتفت إلى الدنيا وحطامها فإن ذلك لا يكون منك إلا بضرب من التهاون، أما سمعت قول الله - تعالى - لسيد المرسلين: ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم زهرة الحياة الدنيا لنفتنهم فيه) (1) معناه أن من أوتي القرآن العظيم يجب عليه أن لا ينظر إلى الدنيا الحقيرة نظرة واحدة فضلا عن أن تكون له رغبة فيها بل يجب عليه أن يلتزم الشكر على ذلك إذ جعله الله من أوليائه وهذه نعمة
عظيمة
وأما نصيب الدنيا فإنه يصبه على كل كافر وملحد وفرعون وزنديق وفاسق وجاهل وأشباههم الذين هم أهون خلقه عليه حتى يغرقوا في البلايا، ويصرفه عن كل ولي وصفي ونبي وصديق وعالم و عابد وزاهد إذ هم أعز خلقه عليه ثم إنهم لا يكادون يصيبون خرقة ولا كسوة وتزوى الدنيا وكذلك يفعل بأوليائه وأصفيائه من خلقه، ويذودهم عن نعيم الدنيا كما يذود الراعي إبله عن كل ضر وآفة، وليس ذلك لهوانهم عليه، ولكن ليستكملوا حظهم وافرا من كرامته كما ذكر في الخبر أن الله - تعالى - أوحى إلى داود ـ عليه السلام ـ: يا ابن آدم لم أعطك الدنيا بقوتك وغلبتك إنما أعطيتكها خسارة لك وعقوبة إنما الدنيا فرس جموح من ركبها صرعته، وقل من ينجو منها، فيا عجبا لمن قرت عينه في الدنيا وأنا أسأله عن الفتيل والنقير والقطمير
فالله الله يا أخي أن تذهب بك الدنيا وزهرتها وتستجرك شهواتها إليها فتغرق في بحار فتنتها فتبقى في ندامة حيث لا ينفعك الندم وانظر أين المقتدرون عليها، والمطمئنون بها، والمتنافسون فيها، والمتحاربون عليها،
- -
الآية 131 من سورة طه
1 (2/69)
صفحة 386
والمتباغضون عليها، والمغترون بزينتها حين أمكنهم من شهواتها ولذاتها حتى اطمأنوا بها فأهلكتهم فهل ترى لهم من باقية، فكيف السرور لمن لا يدوم سروره أم كيف الأمن بمن لا يؤمن محذوره، فكم من مستكثر من الدنيا قد أعجبه أمله حتى كثرت أمنيته واستعجله عن ذلك أجله فعند ذلك رشح للموت جبينه، وصار من بعد اللذات إلى غمرات السكرات، فعند ذلك رنت الباكيات وصرخت عليه الناعيات وانعقد لسانه وناداه جبينه وهو مطرق لا يجيبه ثم أصبح خاويا جسده، واستثقله أهله وولده واستعجلوا رحلته من رحب الديار إلى ضيق القرار.
ومن المنزل المتسع المبيض الى المنزل المضيق المظلم والوطن المقلق فاسلموه الى ما أسلف وانصرفوا عنه إلى نهب ما خلف فجرد البلى ثوب بهجته وغير التواحش نضرته، فبلي جديده وسال صديده وذهبت صفاته وامتزج بالتراب رفاته
فنعم المنزل إن أعقبه الثواب، وبئس الوطن ان تلاه العقاب
والعذاب
واعلموا ثم اعلموا أن الدنيا سريعة الزوال، متقلبة بأهلها حالا بعد حال، صحتها سقم، وشبابها هرم، وصفوها كدر، ولذتها غرر، وايثارها غبين، وغناها فقر، فارفعوا رغبتكم عنها وتزودوا بأفضل زاد منها، فإنها جعلت بلغة للعباد ليتزودوا منها خير زاد للمعاد، فمن قدم خيرا وجده وهنيئا له، ومن قدم شرا وجده وويل له، فلا تهتكوا استاركم عند من لا يخفى عليه
أخباركم واسراركم، فإذا جاء الأجل انقطع العمل، وذهبت وجوه الحيل وحيل بينهم وبين ما يشتهون، واذكروا نعمة الله عليكم اذ تفضل عليكم وجعلكم مسلمين، وانعم عليكم قبل ان تعرفوه وبسط لكم رزقه قبل ان تسألوه وعرفكم نفسه قبل ان تعرفوه وان تعدوا نعمة الله لا تحصوها ولو كلفكم مكافأة ذلك لم تبلغوها فرضي منكم بالحمد والشكر وأوجب لكم أجرا.
- V (2/70)
صفحة 387
فاعملوا عباد الله في مهل مادامت الأقلام جارية، والتوبة مبسوطة والأعمال مقبولة قبل جفاف الأقلام وانقطاع الأيام وطي الصحف
واياكم والغفلة والتفريط وطول الأمل والتسويف فلا تغرنكم الحياة
الدنيا ولا يغرنكم بالله الغرور
- VI. (2/71)
صفحة 388
[صفحة فارغة] (2/72)
صفحة 389
الباب الثامن
في الزهد والورع
اعلم ان الزهد ثلاثة أحرف. زا وها ودال، فمعنى الزا ان يترك زينة الحياة الدنيا ومعنى الهاء ان يترك هواها ومعنى الدال ان يترك الدنيا بأسرها،
وهكذا صفة الزاهدين
والزهد في الدنيا على وجهين. فرض ونقل ففي الحرام فرض وفي الحلال نفل، ومنزلة الحرام عند أهل الاستقامة والتقى بمنزلة النار لا يكادون يقربون منه بحال ولا يخطر ببالهم ولا يمكن ان يأكل جمرة من نار.
ومنزلة الحلال عندهم بمنزلة الميتة لا يتناولون منها شيئا إلا عند الحاجة الشديدة والضرورة إليها والورع اشارة الى التوفيق في كل شيء. وترك الاقدام عليه إلا بإذن الشرع فإن وجد للشرع فيه فعلا ولينا وله فيه مساغا والا
ترکه.
والورع ملاك الأمور كلها، والورع ثلاث درجات
ورع العوام وهو ورع عن الحرام والشبهة
وورع الخواص. وهو ورع عن كل ما للنفس فيه شهوة
وورع خواص الخواص. وهو عن كل ما لهم فيه ارادة وروية
73 - (2/73)
صفحة 390
والورع ورعان: ظاهر وهو ان لا يتحرك إلا الله. وباطن وهو ان لا يدخل قلبك سوى الله تعالى، ومن لم ينظر في دقائق الورع لم يحصل له نفائس
العطاء
والورع في المنطق أشد. وقيل أول الورع ملاك الدين ولا دين لمن لا
ورع له.
وقيل: الورع ان تدع ما يريبك وما حاك في صدرك فدعه وخير دينكم
الورع، والورع الوقوف عند الشبهة
فمن دين الله؛ الورع من محارمه والوفاء بعهده ولزوم فرائضه واستكمال دينه ويكون خائفا وجلا ويستغفر ربه ويتوب إلى الله تعالى فعسى أن يرحمه ويدخله الجنة برحمته
والزهد في الرئاسة أصعب، والزهد أول الورع ولا يتم الورع إلا ان
يرى عشر خصال فريضة على نفسه:
أولها: حفظ اللسان عن الغيبة لقول الله تعالى: ولا يغتب بعضكم
بعضا) (1).
والثاني: اجتناب سوء الظن لقول الله تعالى: (اجتنبوا كثيرا من الظن إن بعض الظن اثم) (2)، ولقول النبي صلى الله عليه وسلم: اياكم والظن فإنه اكذب
الحديث
الآية.
والثالثة. اجتناب السخرية لقول الله تعالى: لا يسخر قوم من قوم
1 - الآية 12 من سورة الحجرات
-
الآية 12 من سورة الحجرات 3 - الآية 11 من سورة الحجرات
(3)
- VE- (2/74)
صفحة 391
والرابعة: غض البصر عن المحارم لقول الله تعالى: (قل للمؤمنين
يغضوا من أبصارهم) (1)
والخامسة: صدق اللسان لقول الله تعالى: (واذا قلتم
فاعدلوا) (2)، اي فاصدقوا
والسادسة: منة الله تعالى عليه لئلا يعجب بنفسه لقول الله تعالى:
بل الله يمن عليكم أن هداكم للايمان) (3)
والسابعة: ان ينفق ماله في الحق ولا ينفقه في الباطل لقول الله تعالى: والذين اذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا) (4)، يعني لم ينفقوه ولم يمنعوه من
الطاعة.
والثامنة: ان لا يطلب لنفسه العلو والكبر لقول الله تعالى: (تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا في الارض ولا فسادا)
(0)
والتاسعة: المحافظة على الصلوات الخمس في مواقيتها بركوعها وسجودها لقول الله تعالى: (حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وقوموا الله قانتين) (6)
والعاشرة: الاستقامة على الكتاب والسنة لقول الله تعالى: (وأن
هذا صراطي مستقيمها فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله) (7)،
والسبل الأهواء الضالة
الآية 30 من سورة النور 2 - الآية 152 من سورة الأنعام
3 - الآية 17 من سورة الحجرات الآية 67 من سورة الفرقان
-
الآية 83 من سورة القصص
الآية 238 من سورة البقرة - الآية 153 من سورة الأنعام
Vo (2/75)
صفحة 392
وقيل: من ترك الورع اسود قلبه بالشبهات والتخليطات
وقال حكيم: النزاهة اشرف من سرور الفائدة.
وأول الزهد ان لا تريد سوى الله، وان تقطع وان تقطع طمعك من المخلوقين، ثم تمسك لسانك وجوارحك ان لا تغتاب احدا ولا تقول إلا خيرا، ثم تعلم أنه ما كان لك لن يخطئك، وما لم يقدر لك فلا حيلة لك فيه، ولا تجزع على ما مات - لعله - فات، ولا تجزع من الذل، ولا تحب إلا الله وخفه أشد المخافة فإنك موقوف بين يديه
وسأل رجل رسول الله عن الزهد ما هو فقال: «مثل الآخرة في صلى الله عليه وسلم قلبك، والموت نصب عينيك، وكن من الدنيا على وجل وأد فرائض الله، واكفف عن محارمه ونابذ هواك، واعتزل الشك والشبهة والطمع والحرص، واستعمل التواضع والفقه وحسن الخلق ولين الكلام واقنع بقبول الحق من حيث ورد عليك، واجتنب الكبر والبخل والفخر والرياء ومشية الخيلاء، ولا تستصغرن نعم الله عليك وان قلت وجاورها بالشكر.
واذكر الله في كل وقت واحمده على كل حال، واعف عمن ظلمك وصل من قطعك واعط من حرمك، وليكن صمتك فكرا وكلامك ذكرا ونظرك اعتبارا، واعمل الفكرة في المعاد، واجعل شوقك إلى الجنة، واستعذ بالله من النار، وعاشر الناس بخلق حسن. واصبر على النازلة، واستهن المصيبة وامر بالمعروف وانه عن المنكر ولا تأخذك في الله لومة لائم، وخذ من الحلال ما شئت اذا مكنك، وجانب الجمع والمنع، واعتصم بالاخلاص والتوكل وابن على أساس التقوى
وكن مع الحق حيثما كان، وميز ما اشتبه عليك بعقلك فإنه حجة الله عليك ووديعته فيك وبرهانه عندك وذلك اعلام الزهد ومنهاجه والعاقبة
للمتقين.
•
- 76 - (2/76)
صفحة 393
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «الزاهدون في الدنيا الراغبون في الآخرة هم الأمنون
يوم القيامة
وقال خبرا عن الله تعالى: ما تقرب إلي عبدي المؤمن بمثل الزهد
في الدنيا
الى ربه
وقال يحيى بن معاذ: الزهد حبل الله تعالى في الأرض من تعلق به صار
•
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: نعمت الدار الدنيا لمن تزود منها لآخرته حتى يرضي ربه، وبئست الدنيا لمن صرفته عن آخرته وقصرت به في رضى ربه» وسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم جبريل عليه السلام عن الزهد فقال: ان الزهد خالقك، وتتحرج من
ان تحب ما يحب خالقك، وتبغض ما يبغض خالقك، الدنيا كما تتحرج من حرامها
حلال
وقيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم ما الزهد في الدنيا؟ فقال: «أما أنه ما هو بتحريم الحلال ولا إضاعة المال ولكن ان تكون بما في يد الله أغنى منك مما في يدك وقال: «إذا رأيتم العبد قد أعطى صمتا وزهدا في الدنيا فاقتربوا منه فإنه يلقي الحكمة»
ولما سئل رسول الله له عن معنى الشرح في قوله تعالى: (فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للاسلام) (1)، فقيل ما هو الشرح؟ فقال: «ان النور اذا دخل في القلب انشرح له الصدر وانفسح فقيل له يا رسول الله هل من علامة؟ قال: نعم. التجافي عن دار الغرور والانابة الى دار
لذلك
الخلود والاستعداد للموت قبل نزوله.
1 - الآية 125 من سورة الأنعام
VV (2/77)
صفحة 394
وروى ابن المسيب عن ابي ذر عن رسول الله انه قال: «من زهد في الدنيا أدخل الله الحكمة في قلبه فأنطق بها لسانه وعرفه داء الدنيا ودواءها فأخرجه منها سالما إلى دار السلام
وروى مسروق عن عائشة رضي الله عنها قالت: قلت يا رسول الله الا تستطعم الله فيطعمك؟ قالت وبكيت لما رأيت به من جوع فقال: يا عائشة والذي نفسي بيده لو سألت ربي ان يجري معي جبال الأرض ذهبا لأجراها حيث شئت من الأرض ولكني اخترت جوع الدنيا على شبعها، وفقر الدنيا على غناها، وحزن الدنيا على فرحها، يا عائشة لا تبتغي الدنيا لمحمد ولا لآل محمد، يا عائشة إن الله لم يرض لأولي العزم من الرسل الا الصبر على مكروه الدنيا، والصبر عن محبوبها ثم لم يرض لي إلا ان يكلفني ما كلفهم قال: فاصبر كما صبر أولو العزم من الرسل) (1) والله مالي بدمن طاعته واني والله لأصبر كما صبروا بجهدي ولا قوة إلا بالله
وروي ان الله عز وجل أوحى الى موسى عليه السلام أنه ما يتصنع المتصنعون الي بشيء مثل الزهد في الدنيا باتباع ما أمرت، ولا يتقرب المتقربون إلي بشيء في الدنيا مثل الورع أما الزهد في الدنيا فأفتح لهم الجنة في الآخرة يتبوأ منها حيث يشاء
وبلغنا عن عائشة أم المؤمنين قالت لقد كنا ننتظر ثلاثة أهلة ما توقد في بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم نار وما كنا نرى الدخان إلا من مكان بعيد فقيل لعائشة ما کنتم تعيشون قالت: الاسودين؛ الماء والتمر
وبلغنا والله اعلم ان النبي وابا بكر وعمر كانوا يأكلون الشعير غير
منخول
1 - الآية 35 من سورة الأحقاف
78 - (2/78)
صفحة 395
وقيل والله أعلم ان عائشة قالت: ما شبع رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثة أيام
متتابعة من خبز بر حتى فارق الدنيا ولو شئنا لشبعنا ولكن نؤثر على انفسنا
•
وعن ابي هريرة: ما عاب رسول الله صلى الله عليه وسلم طعاما قط إن اشتهاه اكله وان
کرهه ترکه
كانت
وعن ابن عباس قال: لما ورد موسى عليه السلام عليه السلام ماء مدين خضرة البقل ترى من بطنه من الهزال فهذا ما كان قد اختاره أنبياء الله ورسله وهم اعرف خلق الله بالله وبطريق الفوز في الآخرة وقال ابو بكر الصديق - رضي الله عنه -: إنا لندع سبعين بابا من الحلال خشية أن نقع في باب من
الحرام
•
وقال عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -: كنا ندع تسعة أعشار الحلال مخافة ان نقع في الحرام
وروي
ان عمر بن الخطاب - رضي الله عنه ـ أنه دخل على ابنه عاصم وهو يأكل لحما فقال له عمر: ما هذا؟ قال: قد قدمنا والله إليه فقال له عمر: أو كلما قدمت الى شيء اكلته والله انه لاشتهي الشيء مما يساوي (1) دانقين فلا أكله سنة كراهية ان اتعجل النعيم في الدنيا ثم قال: كفى بالمرء سرفا أن
يأكل كل ما اشتهى
•
وروي انه دخل على ابنه عبد الله وهو يأكل لحما وسمنا مأدوما فعلاه بالدرة فقال: لا ام لك كُلّ يوما خبزا ولبنا وكل يوما خبزا وكل يوما خبزا
وملحا وكل يوما خبزا قفارا
وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم: مازال العبد متماسكا ما لم يشته على أهله
صنائع الأطعمة فإذا احس ذلك من نفسه فهو من الهالكين
1
1 - وردت في الأصل (يسوى) والصحيح ما أثبت (2/79)
صفحة 396
وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سئل عن رجل فاثنوا عليه خيرا فقال كيف
ذكره للموت؟ قالوا ما سمعناه يكثر ذكره قال: «كيف تركه لما يشتهي
قالوا: انه يصيب من اطايب الأطعمة قال: «ليس صاحبكم هناك
ويروى عن النبي صلى الله عليه وسلم: من لا يبالي من أين اكتسب فلا يبالي الله من
أي باب أدخله النار.
وقال: «إذا اراد الله بعبد خيرا زهده في الدنيا ورغبه في الآخرة
وبصره بعيوب نفسه
وقال: من اراد أن يؤتيه الله علما بغير تعلم وهدى بغير هداية فليزهد في
الدنيا
وقال: من اشتاق الى الجنة سارع الى الخيرات، ومن خاف من النار لها عن الشهوات، ومن ترقب الموت ترك اللذات ومن زهد في الدنيا هانت عليه المصائب.
وقال علي العطار: مررت في البصرة في بعض الشوارع فإذا مشايخ قعود والصبيان يلعبون فقلت للصبيان أما تستحيون من هؤلاء المشايخ فقال صبي من بينهم هؤلاء المشايخ قل ورعهم
فقلت هيبتهم
وقال عمر - رضي الله عنه -: الزهادة في الدنيا راحة القلب والجسد
وقال يحيى بن معاذ الرازي: الزاهد الصادق قوته ما وجد، ولباسه ما ستر، ومسكنه حيث أدرك، الدنيا سجنه، والقبر مضجعه والخلوة مجلسه، والاعتبار فكرته، والقرآن حديثه، والرب انيسه، والذكر رفيقه، والزهد قرينه، والحزن شأنه، والحياء شعاره، والجوع ادامه، والحكمة كلامه، والتراب فراشه، والتقوى زاده، والصبر غنيمته، والصمت معتمده، والتوكل حسبه، والعقل دليله، والعبادة حرفته، والجنة مبلغه إن شاء الله
- A (2/80)
صفحة 397
وعن جابر قال: دخل رسول الله على فاطمة وهي تطحن بالرحاء وعليها كساء من اجلة الأبل فلما نظر إليها بكى فقال: يا فاطمة تجرعي مرارة الدنيا لنعيم الأبد فأنزل عليه: ولسوف يعطيك ربك فترضى) (1). وأوصى رسول الله صلى الله عليه وسلم عائشة رضي الله عنها خاصة وقال لها: «ان اردت اللحوق بي فإياك ومجالسة الأغنياء ولا تنزعي ثوبا حتى ترقعيه. وعد على قميص عمر - رضي الله عنه - اثنتا عشرة رقعة بعضها
من أدم.
وفي الخبر: «البذاذة من الايمان» وفي الخبر: من ترك ثوب جمال وهو يقدر عليه تواضعا لله وابتغاء لوجهه كان حقا على الله ان يدخر له من عبقرى الجنة في تخوت الياقوت
•
وأوحى الله الى بعض انبيائه: قل لأوليائي لا يلبسوا ملابس اعدائي
ولا يدخلوا مداخل اعدائي فتكونوا كما هم أعدائي)
•
وقال علي: إن الله عز وجل أخذ على الأئمة ان يكونوا في مثل أدنى أحوال الناس ليقتدى بهم الغني ولا يزري بالفقير فقره.
وقال علي لعمر - رضي الله عنه - إن اردت ان تلحق بصاحبيك فأرقع
القميص، ونكس الاذار، واخصف النعل، وكل دون الشبع وقال عمر: اخلو لقوا واخشوشنوا واياكم وزي العجم
کسري وقيصر
وقال: «ان من شرار أمتي الذين غذوا بالنعيم يطلبون الوان الطعام وألوان الثياب ويتشدقون في الكلام وكل ما يراد للضرورة من الدنيا ولا ينبغي
1 - الآية 5 من سورة الضحى
- ^ I - (2/81)
صفحة 398
ان يجاوز حد الضرورة وقدر الضرورة من الدنيا آلة الدين ووسيلته وما جاوز ذلك فهو مضاد للدين
فالغرض من المسكن دفع المطر والبرد ودفع الأعين والأيدي، وأقل
الدرجات فيه معلوم ومازاد عليه فهو من الفضول، والفضول كله وطالب الفضول والساعي له بعيد من الزهد جدا
من الدنيا
وقد قيل أول شيء ظهر من طول الأمل بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم التدريز والتشييد - يعني التدريز كف دروز الثياب فإنها كانت تشل شلا، والتشييد هو البنيان بالجص والآجر وانما كانوا يبنون بالسعف والجريد.
وقد جاء في الحديث: يأتي على الناس زمان يوشون بنيانهم كما
توشى البرود اليمانية
قصبة.
برد.
•
وقال الحسن: مات رسول الله ولم يضع لبنة على لبنة ولا قصبة على
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: اذا أراد الله بعبد شرا أذهب ماله في الماء والطين
وقال: من بنى فوق ما يكفيه كلفه الله حمله يوم القيامة
وفي الخبر: كل نفقة العبد يؤجر عليها إلا ما أنفقه في الماء والطين
•
وقال: كل بناء وبال على صاحبه يوم القيامة إلا ما أكنه من حر أو
ونظر عمر رضي الله عنه في طريق الشام الى حصن قد بني بجص وآجر
فكبر وقال: ما كنت اظن أن يكون هذا في هذه الأمة.
من بنى بنيان (1) هامان لفرعون هو أول من بنى بالجص والآجر وأول
1 - وردت هكذا بالأصل ولعله أراد أن هامان أول من بنى بالجص لفرعون
- AY- (2/82)
صفحة 399
من عمله هامان ثم أتبعهما الجبابرة.
وهذا هو الزخرف.
•
وقال ابن مسعود: يأتي قوم يرفعون الطين ويضعون الدين ويستعملون البرازين، ويصلون الى قبلتكم، ويموتون على غير ملتكم، وروي ان عمر ابن الخطاب - رضي الله عنه ـ دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو نائم على سرير مرمول بشريط فجلس فرأى أثر الشريط في جنبه فدمعت عينا عمر - رضي الله عنه - فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ما الذي ابكاك يا عمر بن الخطاب؟ فقال: ذكرت كسرى وقيصر وما هما فيه من الملك، وذكرتك وأنت رسول الله وحبيبه وصفيه نائم على سرير مرمول بالشريط فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أما ترضى يا عمر ان تكون لهم الدنيا ولنا الآخرة؟ قال: بلى يا رسول الله قال: فذلك
كذلك.
وكان ينام وتحت رأسه وسادة محشوة بالليف، ولما قبض رسول الله أخرجت عائشة - رضي الله عنها - كساء وازارا غليظا وقالت: قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذين
وذكر عن عيسى عليه السلام أنه كان يلبس الشعر، ويأكل من الشجر ولم يكن له بيت يأوي إليه، ولا كان يدخر طعاما إلى غد، وكان اينها ادركه
الليل نام.
وذكر عنه أنه كان يمشي في يوم صائف شديد الحر فأصابه حر الشمس وأصابه العطش وهو صائم فجلس في ظل خيمة لرجل فقال له: يا هذا قم من ظل خيمتنا فأقامه. فقال له عيسى عليه السلام: ما أنت اقمتني وانما أقامني الذي لم يُرِدْ ان أصيب من الدنيا شيئا
وذكر في الخبر ان رسول الله مات ودرعه مرهون عند يهودي من يهود
- AY - (2/83)
صفحة 400
خيبر حتى افتكها من بعده عمر - رضي الله عنه -
وكان بعض السلف إذا اقبلت عليهم الدنيا يهربون منها وهي
تهرب منا فاتبعناها
الآن
وذكر ان رجلا دخل على ابي ذر في بيته فجعل ذلك الرجل يقلب نظره في بيت أبي ذر يمينا وشمالا فقال له: يا أبا ذر ما أرى في بيتك متاعا ولا شيئا من الأثاث فقال له: إن لنا بيتا آخر ونحن نريد ان نرتحل إليه لأنه موضع مقامنا وقرارنا فنحن نوجه اليه صالح متاعنا فقال له ذلك الرجل: فإنه لا بد لك من متاع مادمتها هنا فقال له: ان صاحب البيت قد أذن لنا بالرحيل والا يتركنا
في هذا الحال
وذكر عنه عليه السلام أنه قال: الرغبة في الدنيا تكثر الهم والحزن
والزهد في الدنيا يريح القلب والبدن
- 84 - (2/84)
صفحة 401
الباب التاسع
ذكر الصبر على البلاء
قال الله تعالى: (إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب) (1)
وقال تعالى: وجزاهم بما صبروا جنة وحريرا) (2).
اعلم ايها الانسان الغافل النائم غير مستيقظ أن الدار دار محنة وبلاء
فمن كان في الدنيا فلا بد له من الابتلاء بالشدائد والمحن والمصائب والرزايا
•
وينقسم ذلك على أقسام: فمنها مصيبة تكون في الأهل والولد والآباء
والأمهات والأخوة والقرابات والأصحاب بالموت والفرقة.
ومنها مصيبة تكون في الأجسام بأنواع الأمراض والأسقام والبلاء ومنها مصيبة تكون في العرض بأفعال الناس إليه بالمذمة له والأزدراء بالغيبة فيه والنميمة عليه
•
ومنها مصيبة بالمال بالتلف والنهب والسرق والغصب والغرق والذهاب. ولكل واحدة من هذه الآفات لوعة عظيمة وحرقة شديدة فيحتاج الانسان عند ذلك الى الصبر عليها ويرجع في أمره الى مولاه ومتى لم يصبر ولم يرد أمره الى الله تعالى فقد هلك وضاع امره ومتى الزم قلبه الفزع والجزع والتلهف على ما أصابه فإن ذلك يمنعه من التفرغ الى العبادة والطاعة لمولاه لأن
1 - الآية 10 من سورة الزمر
-
الآية 12 من سورة الانسان
- Ao - (2/85)
صفحة 402
قلبه مشغول وان عمل شيئا من الطاعات فبكد الاخلاص فيه لأن قلبه مملوء من الفكرة فيها اصابه، وليس له عمل خالص الله إذ ليس له إلا قلب واحد وقد ملأه بالهموم والفكرة والأحزان.
واعلم بالحقيقة ان من قصد الى طريق الآخرة وأراد العبادة والطاعة فهو
أشد ابتلاء واكثر محنة من غيره.
ومن كان الله اقرب فمصائب الدنيا له اكثر والبلاء عليه أشد
كما ذكر عن النبي لو أنه قال: «أشد الناس بلاء الأنبياء ثم الأولياء ثم الأمثل فالأمثل يبتلى الانسان على حسب دينه فإن كان في دينه صلابة زيد في بلائه، وان كان في دينه رقة خفف الله عنه البلاء ولا يزال البلاء بالعبد حتى يمشي على الأرض وما له ذنب ولا خطيئة).
وما كرم عبد على الله الا ازداد البلاء عليه شدة فمن تجرد لطريق الآخرة وطريق الخير استقبلته جميع المحن والشدائد فإن لم يصبر على ذلك فلا يصل الى ما يريد من القربة ولا من المقصود، ولا تستقيم له طريق ولا عبادة بل يشتغل عن العبادة والطاعة بما اصابه من الهم والغم والحزن، ويتفرغ قلبه من خوف الله وعظمته ويملأه بالهم والغم والحزن والفكرة وهذا الخسران المبين واعلم أن الصبر على ثلاثة أوجه: فصبر على المصيبة، وصبر على
الطاعة، وصبر، وصبر على المعصية
فمن صبر على المصيبة حتى يردها بحسن عزاء كتب الله له ثلاثمائة درجة، ما بين الدرجة الى الدرجة كما بين السماء إلى الأرض ومن صبر على الطاعة كتب الله له ستمائة درجة، ما بين الدرجة الى الدرجة كما بين السماء الدنيا الى العرش.
ومن صبر على المعصية كتب الله له تسعمائة درجة ما بين الدرجة الى
- AT- (2/86)
صفحة 403
الدرجة كما بين تخوم الأرض السابعة السفلى الى العرش.
وقال ابن عباس: الصبر في القرآن على ثلاثة أوجه:
صبر على اداء فرائض الله فله ثلاثمائة درجة
وصبر عن محارم الله وله ستمائة درجة.
وصبر في المصيبة عند الصدمة الأولى فله تسعمائة درجة
الآيات
وقد وصف الله تعالى الصابرين بأوصاف وذكر الصبر في القرآن في نيف وسبعين موضعا وأضاف اكثر الخير والدرجات الى الصبر وجعلها ثمرة له فقال عز ذكره: (وجعلنا منهم ائمة يهدون بأمرنا لما صبروا) (1) وقال تعالى: وتمت كلمة ربك الحسنى على بني اسرائيل بما
صبروا) (2).
وقال تعالى: ولنجزين الذين صبروا أجرهم بأحسن ما كانوا
(3)
يعملون) وقال الله تعالى: اولئك يؤتون اجرهم مرتين بما صبروا) (4) وقال تعالى: (انما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب) (ه) فما من قربة إلا وأجرها بتقدير وحساب إلا الصبر ووعد الصابرين بأنه فقال تعالى: واصبروا إن الله مع الصابرين) (1)
1 - الآية 24 من سورة السجدة الآية 137 من سورة الأعراف الآية 96 من سورة النحل الآية 54 من سورة القصص الآية 10 من سورة الزمر الآية 46 من سورة الأنفال
4
-
- AY - (2/87)
صفحة 404
وعلق النصرة على الصبر فقال تعالى: بلى ان تصبروا وتتقوا ويأتوكم
(1)
من فورهم هذا يمددكم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة مسومين) للصابرين بين أمور لم يجمعها لغيرهم فقال: أولئك عليهم
وجمع
صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون فالهدى والصلوات والرحمة مجموعة للصابرين، واستقصاء جميع الآيات في مقام الصبر يطول.
من
الاخبار
قال عليه السلام: الصبر كنز من كنوز الجنة»
وقال عليه السلام: أفضل الأعمال ما أكرهت عليه النفوس. وقال: من أقل ما أوتيتم اليقين وعزيمة الصبر ومن اعطي حظه منهما لم يبال بما فاته من قيام الليل وصيام النهار ولأن تصبروا على ما أنتم عليه أحب إلي أن يوافيني كل امرئ منكم بمثل عمل جميعكم ولكني أخاف ان تفتح عليكم الدنيا بعدي فينكر بعضهم - لعله - بعضكم بعضا وينكركم أهل السماء عند ذلك فمن صبر واحتسب ظفر بكمال ثوابه ثم قرأ قوله تعالى: وما عندكم ينفد وما عند الله باق ولنجزين الذين صبروا أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون) (3)
وقال: «المهاجر من هجر السوء والمجاهد من جاهد هواه
وقال عليه السلام: «في الصبر على ما تكره خير كثير
وقال المسيح عليه السلام: انكم لا تدركون ما تحبون الا بصبركم على
1 - الآية 125 من سورة آل عمران
2 - الآية 157 من سورة البقرة 3 - الآية 96 من سورة النحل
- ^^ - (2/88)
صفحة 405
ما تكرهون»
وقال عليه السلام: «من كنوز البر كتمان الأوجاع والمصائب والصدقة وقيل في قوله تعالى: واصبر صبرا جميلا) (1)، الصبر الجميل ان (
يكون صاحب المصيبة في القوم لا يدرى من هو.
وقال: «انتظار الفرج بالصبر عبادة»
وقال عليه السلام: يقول الله عز وجل: اذا ابتليت عبدي ببلاء فصبر ولم يشكني الى عواده أبدلته لحما خيرا من لحمه ودما خيرا من دمه فإن ابرأته أبرأته ولا ذنب له وان توفيته فإلى رحمتي».
وقال نبينا: من اجلال الله تعالى ان لا تشكو وجعك ولا تذكر
مصيبتك
•
وقال داود عليه السلام: يا رب ما جزاء الحزين الذي يصبر على النوائب ابتغاء مرضاتك فقال الله سبحانه: جزاؤه أن ألبسه لباس الايمان فلا
أنزعه عنه ابدا وقال النبي صلى الله عليه وسلم: سيأتي على الناس زمان لا ينال الملك فيه الا بالقتل
والتجبر، ولا الغنى الا بالغضب والبخل، ولا المحبة الا باستخراج الدين
6
واتباع الهوى فمن ادرك ذلك الزمان فصبر على الفقر وهو يقدر على الغنى وصبر على البغضة وهو يقدر على المحبة، وصبر على الذل وهو يقدر على العز آتاه الله ثواب خمسين صديقا ممن آمن بي.
وقال: ان النصر مع الصبر وان الفرج مع الكرب
معاذ بن جبل قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ((2): «ثلاث خصال من كن
1 - الآية. من سورة المعارج
2 - رواه منهج الطالبين عن معاذ كما رواه أحمد في مسنده عن عبادة بن الصامت والطبراني
- A 4 - (2/89)
صفحة 406
فيه فهو من الأبدال الذين هم قوام الدنيا وأهلها: الرضى بقضاء الله والصبر
عن محارم الله والغضب في ذات الله
وقال: لو كان الصبر رجلا لكان كريما والله يحب الصابرين
والأخبار في هذا ما لا تحصى
شهيد
الأثار
وقيل: من ابتلي من المؤمنين ببلاء فصبر عليه كان له مثل أجر الف
وقيل: رأس طاعة الله: الصبر والرضى عن الله فيما أحب العبد أو كره، ولا يرضى عبد عن الله فيما أحب أو كره إلا كان خيرا له فيما أحب أو
کره.
دينه
وقال منصور بن عمار: من جزع من مصائب الدنيا تحولت مصيبته في
وقيل: الجنة محفوفة بالمكاره والصبر فمن صبر على المكاره في الدنيا دخل الجنة، وجهنم محفوفة باللذات والشهوات فمن اعطى نفسه لذتها دخل
النار
قال الناسخ: وذلك يتوجه عندي اذا اعطاها لذتها في الحرام لأن الوعيد يتوجه على من ارتكب الحرام والآثام غير تائب ولا نازع والله اعلم
وقال السري: اصبر الناس من صبر على الحق
وقال ابراهيم الخواص: الصبر الثبات على أحكام الكتاب والسنة
•
- 4.- (2/90)
صفحة 407
الآخرة
بالصبر
والعدل
وقال ابن المبارك: الصبر حصن من حصون الصدق منه يرحل الى
وقال القرشي: الصبر مطية لا تكبو
واعلم ان الصبر ملاك الايمان وذلك بأن التقوى أفضل البر والتقوى
وقال علي: بني الايمان على أربع دعائم: اليقين. والصبر: والجهاد
وقال بعض العارفين: أهل الصبر على ثلاث مقامات:
أولها: ترك الشهوة وهذه درجة التائبين
•
والثانية: الرضى بالمقدور وهي درجة الزاهدين
والثالثة: المحبة لما يصنع به مولاه وهذه درجة الصديقين
وقال بعض الملوك لبعض الزهاد: هل من حاجة؟ فقال: كيف اطلب منك حاجة وملكي اعظم من ملكك. قال: كيف؟ فقال: من انت عبده فهو عبد لي فقال: كيف ذلك؟ قال: انت عبد شهوتك وغضبك وفرجك وبطنك وقد ملكت هؤلاء كلهم فهم عبيد لي، فهذا إذن هو الملك في الدنيا وهو الذي يسوق الى الملك في الآخرة
والمنخدعون بغرور الشيطان خسروا الدنيا والآخرة جميعا.
وقال: إنه أوحى الله إلى موسى عليه السلام: (اني اذا احببت عبدا ابتليته ببلايات لا تقوم بها الجبال لأنظر كيف صدقه، فإن وجدته صابرا اتخذته
وليا وحبيبا، وان وجدته جزوعا يشكوني الى خلقي خذلته ولم أبال).
-41 - (2/91)
صفحة 408
وذكر في الخبر: ان أيوب عليه السلام مكث ملقى في كوم مزبلة سبعة أعوام فلا يمر عليه أحدا الا وضع يده على أنفه من شدة نتنه، حتى ذكر انه مر عليه رجلان من اكرم اصحابه عليه اذ كان في صحته فقال احدهما للآخر ما تقول في هذا؟
فقال الآخر: لو كان الله بهذا حاجة أو كان كريما على ربه ما بلغ به من البلاء ما بلغ، فلما سمع أيوب مقالته نادى ربه فقال: رب اني مسني الضر وانت ارحم الراحمين (1)
وانما اراد خير الكلام الذي سمع من الرجل والله اعلم
وذكر عن لقمان أنه قال لابنه: يا بني إن الذهب يجرب
(2)
2) بالنار
،
وان العبد الصالح يجرب بالبلاء، فإذا احب الله عبدا ابتلاه فمن رضي فله الرضى ومن سخط فعليه السخط
وذكر في الخبر: انه كان في بني اسرائيل ملك جبار طاغ يدعو الناس الى اكل لحم الخنزير، فأتى بامرأة يقال لها سارة وكان لها سبعة اولاد وكانوا من المجتهدين في عبادة الله وطاعته، فدعا باكبر اولادها ليأكل لحم الخنزير فقال له: ما كنت آكل شيئا مما حرم الله علي، فأمر به فقطعت يداه ورجلاه وجميع اعضائه عضوا عضوا وأمه واخوته ينظرون اليه والى فعله ولم يزل يعذبه حتى مات ثم دعا بالذي يليه من تحته فقال له: كل شيئا من لحم الخنزير فقال له: ما كنت لأكل شيئا مما حرم الله على فأمر بعذابه فأتوه بقدر كبير من نحاس فملأه زيتا ثم امر ان توقد تحته النار حتى غلي، ثم اخذه ورمى به في القدر فتناثر لحمه من عظمه، ثم دعا بالذي يليه من تحته فقال له: كل من لحم الخنزير، فقال له: ما كنت لأكل شيئا مما حرم الله علي وانت اهون عندي واحقر من ذلك فاصنع ما شئت ما شئت، فقال لمن حوله اتدرون ما أراد هذا بقوله؟
1 - الآية 83 من سورة الأنبياء
2 - وجد في الأصل ان الذهب بالنار) والصحيح ما أثبت
- AY- (2/92)
صفحة 409
إنما اراد ان يغضبني حتى أعجل بقتله فأمر به فسلخ جلده وهو حي حتى مات ثم دعا بالذي تحته فقال له كل شيئا من لحم الخنزير فقال له: ما كنت آكل شيئا مما حرم الله علي فاصنع ما شئت يا عدو الله، فأمر ان تحفر في الأرض حفرة ثم ملئت حطبا وأوقد فيها بالنار حتى صارت جحيما ثم رمي فيها فلم يزل يقتل كل واحد منهم بقتلة لم يقتل بها أخاه، وكان يتخير لكل واحد منهم نوعا من العذاب حتى لم يبق منهم إلا الصغير فالتفت اليه والى امه فقال لها لعلك ان تخلي بابنك هذا وتأمريه ان يأكل لقمة واحدة من لحم الخنزير ويعيش لك وأنعم عليه وعليك. فقالت نعم فمرت به حتى دخلت في موضع منفرد وخلت (1) به فقالت له: يا بني اعلم ان كل واحد من اخوانك كان لي عليه حق ولي عليك أنت حقان، وذلك أني ارضعت كل واحد من اخوانك حولين حولين وارضعتك انت اربعة احوال، وذلك أن أباك مات وأنا حامل بك فأدركني عليك الاشفاق ليتمك فأرضعتك اربعة احوال
فأسألك بحق الله وحقي عليك الا ما صبرت على القتل ساعة واحدة ولا تأكل شيئا مما حرم الله عليك، فإذا صبرت فأنت تلقى اخوتك في دار الكرامة وتلحق بهم يوم القيامة وتظفر معهم في الدرجات العلا عند الله تعالى غدا، فبكى الطفل بكاء شديدا ثم قال الحمد لله يا أماه الذي اسمعني منك هذا القول، وانما كنت أخاف ان تأمريني بأكله وكنت لا أفعل ذلك، وأما الآن فقد طابت نفسي للموت. فاتت به الى الملك وقالت له دونك واياه فقد عزمت عليه فأبى ان يأكل من لحم الخنزير شيئا فأخذه وقتله والحقه بإخوته ثم قال لها: كلي انت من لحم الخنزير لقمة واحدة واصنع معك الخير وافعل لك ما تريدين. فقالت له: ما كنت لأكل شيئا مما حرم الله علي فيجتمع علي همان: ثكل اولادي ومعصية ربي، فاصنع ما شئت واقض ما تريد، فقتلها والحقها ببنيها. فتدبر ايها الانسان هذا الخبر العجيب الفظيع ذكره، وانظر
1 - وجدت في الأصل ودخلت) به والصحيح ما أثبت (2/93)
صفحة 410
الى هؤلاء كيف صبروا على شدة العذاب ولم يصرفهم ذلك عن دينهم، بل صبروا واحتسبوا اجورهم على الله فأعقبهم الفوز والراحة في دار الكرامة فعليك أيها الانسان بالصبر في جميع الامور ولا تجزع فقد جرى عليك
القلم بالقضاء السابق عليك وتكون مأثوما (2/94)
صفحة 411
الباب العاشر في فضائل الفقر
اعلم أن الفقر أفضل من الغنى لأن النبي يا عرضت عليه خزائر الأرض فاختار تركها وصبر على الفقر، ومحال ان يختار ادنى الحالين، بل اختار افضلهما، ومن فضل الفقر على الغنى أن بالصبر على الفقر الثواب، ولا ثواب بالصبر على الغنى وايضا فلو لم يكن في الفقر فضيلة سوى أنه حرفة رسول الله واقتداء به لكان عظيما
وفي صحف عليه السلام التي أنزلها الله عليه أن من عبادي لو
موسي
سألني الجنة بحذافيرها لأعطيته ولو سألني من الدنيا علاقة سوط ما أعطيته ليس ذلك من هوانه علي ولكن اريد ان ادخر له من كرامتي أحميه من الدنيا كما
يحمي الراعي غنمه من مواقع السوء.
يا موسى إني لم الجيء الفقراء الى الأغنياء لأن خزائني ضاقت أو رحمتي لم تسعهم، ولكني فرضت للفقراء في اموال الأغنياء ما يسعهم من صدقات أموالهم، فأردت ان أبلو الاغنياء كيف مسارعتهم في دفع ما فرضت للفقراء عليهم في اموالهم فإن فعلوا خلفت عليهم في الدنيا الواحدة عشر أمثالها، وادخرت لهم في الآخرة حسن الثواب، وان يذكر أهل النعمة أهل البؤس وأهل السعة أهل الضعف - لعله - الضيق، واهل العافية اهل البلاء والآفات وأوحيت لهم رضواني في الجنة ونعيم ثواب الصابرين (2/95)
صفحة 412
يا موسى: قل للأغنياء ادفعوا عنكم البلايا بالدعاء والاخلاص وداووا مرضاكم بالصدقة ولا تحقر الفقير لفقره، ولا تنهروا المسكين، ولا تقهروا
اليتامى، ولا تؤذوا الأرملة وواسوا الفقير، وداووا العلة،
،
الغريب، وفكوا رهن المحتاج.
واووا
وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: ليس شيء أحب إلى الله من خلقه الا واحب خلقه إليه الأنبياء وابتلاهم بالفقر
وكان من دعاء النبي له لمن أحبه ورضي عمله: «اللهم ارزقه كفافا» ولمن وجد عليه: اللهم اكثر ماله وولده وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ان من كان قبلكم من الأنبياء لمن كان يبتلى بالعري حتى لم يجد شيئا يواري به عورته إلا العباءة يدرعها، وأن منهم من كان يسلط عليه القمل حتى يقتله، وانهم ليسرون بذلك كما تسرون بالعطاء والعافية
وكان يقول: ما حبس الله الدنيا عن محمد واصحابه لهوانهم عليه، ولا بسطها لكم لكرامتكم عليه، حبسها عنهم اختيارا، وبسطها لكم
اغترارا
وكان السائل يأتي اهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم فيقال له: ما أمسى في بيت آل
(1)
محمد صاع من طعام وهي يومئذ تسعة بيوت ولقد كان يمر بأهل بيت النبي هلال بعد هلال ما توقد في بيت من بيوتهم نار لطبخ ولا الخبز وانما كانوا يعيشون بالأسودين: الماء والتمر
وقال حذيفة بن اليماني إن أقر أيامي لعيني يوم أتى اهل فيشكون الحاجة، والذي نفسي بيده لقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «ان الله تعاهد عبده المؤمن بالبلاء كما يتعاهد الوالد ولده بالخير فكفى بهذا شرفا للفقراء، إذا كان الفقر حرفة الانبياء والمرسلين وهم خيرة الله وأمناؤه على
1 - وردت في الأصل (أبيات) (2/96)
صفحة 413
وحيه وأحباؤه وأصفياؤه من خلقه وحرفة الأولياء الصالحين
وكفى بلاء وآفة للأغنياء ما أوردناه في جمع المال، وما يتعلق فيه من
المؤن في الدنيا والحساب والسؤال في الآخرة
من
فانظر لنفسك يا أخي ما استطعته واترك الرغبة في الدنيا تكن من
الفائزين في الآخرة
وسنورد من الأخبار والاحاديث في فضائل الفقر ما فيه شفاء لمن تأملها وامتثلها إن شاء الله. قال الله تعالى: للفقراء الذين احصروا في سبيل الله لا يستطيعون ضربا في الارض)
(1) الآية
ساق الكلام في معرض المدح ثم قدم وصفهم بالفقراء على وصفهم بالهجرة والاحصار، وفيه دلالة واضحة على مدح الفقر
وروي عن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه: اي الناس خير؟ فقالوا: موسى يعطي حق الله من نفسه وماله. فقال: نعم الرجل هذا وليس به (2). قالوا: فمن خير الناس يا رسول الله؟ فقال: فقير يعطي جهده».
وبلغنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إن الله تبارك وتعالى يقول: ان احب عبادي إلي الفقراء الذين يطيعون أمري ويحفظون وصيتي وان من كرامتهم علي ان لا اعطيهم مالا يشتغلون به عن طاعتي».
ويقال: ما من بار ولا فاجر الا ود يوم القيامة أن لو كان فقيرا في الدنيا
لكي يكون أهون للحساب عليه
1 - الآية 273 من سورة البقرة
2 - أي ليس هو خير الناس
- AV- (2/97)
صفحة 414
جئت
وقال: من أحسن صلاته وقل ماله وكثر عياله ولم يغتب الناس
أنا وهو كهاتين، وأشار الى المسبحة والوسطى
وقال أبو ذر: ذو الدرهمين اشد حسابا من ذي الدرهم
عن ابي ذر الغفاري أن النبي الله قال: المكثرون هم الاسفلون الا من قال بالمال هكذا وهكذا أربع مرات. يعني يتصدق عن يمينه وعن يساره وعن
خلفه ومن بين يديه وقليل ما هم.
قال الفقيه: معنى قوله: المكثرون) هم الاسفلون)، يعني اذا كان الغني من أهل الجنة فهو أسفل درجة من الفقير، وان كان من أهل النار فهو من أسفل درك من النار، إلا من قال بالمال هكذا يتصدق عن يمينه وعن شماله وعن خلفه ومن بين يديه وقليل ما هم. قل ما يوجد هذا في الأغنياء لأن
الشيطان يزين لهم أموالهم في الدنيا
يعني
وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ان الفقر مشقة في الدنيا مسرة في
الآخرة، وان الغنى مسرة في الدنيا مشقة في الآخرة
وقال بعض الحكماء: اربع من كن فيه فهو محروم من الخير كله: من تطاول على من تحته، والعاق لوالديه. ومن يحقر القريب. ومن يعير المساكين بمسكنتهم
وروي عن النبي ما أوحى الله تعالى إلي ان أجمع المال واكون من التاجرين ولكن أوحى الله تعالى الي ان نسبح بحمد ربك وكن من الساجدين واعبد ربك حتى يأتيك اليقين) (1).
عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - أنه قال: أوتي بغنائم من غنائم
1 - الآيتان 98، 99 من سورة الحجر
- 4^- (2/98)
صفحة 415
القادسية فجعل يتصفحها وينظر إليها وهو يبكي فقال له عبدالرحمن بن عوف الفرح والسرور يا أمير المؤمنين
هذا
يوم
قال: اجل ولكن ما أوتي هذا بقوم الا وقع بينهم العداوة والبغضاء، فالواجب على الفقير ان يعرف منة الله تعالى، ويعلم أنه قد صرف عنه الدنيا لكرامته عليه واكرمه بما اكرم به الأنبياء صلوات الله عليهم والأولياء ويحمد الله تعالى، ولا يجزع في ذلك ولا يشكو امره الى احد ويصبر على نفسه من ضيق العيش، ويستعف ويعلم أن ما وعد به في الآخرة خير له مما صرف عنه في
الدنيا
وقد روي ان الله عز وجل قال في بعض الكتب السالفة المنزلة يا ابن آدم لو كانت الدنيا كلها لك لم يكن لك منها الا القوت فإذا اعطيتك منها قوتا وجعلت حسابها الى غيرك فأنا إليك (محسن)
وروي ان النبي صلى الله عليه وسلم كان متواضعا من غير ذل، جوادا من غير سرف رحيما بكل ذي قريب. ومسلم رقيق القلب لم يبشم قط من شبع، ولم يمد يده الى طمع، ولم يبث إلى أحد شكوى، ولم يمتلئ قط شبعا، وانه كان القوت والفاقة احب اليه من اليسر والغنى وان كان جائعا يلتوي من شدة الجوع ليله حتى يصبح فما يمنعه ذلك من صيام يومه. ولو شاء لسأل الله فيؤتى من كنوز الأرض وثمارها ورغد عيشها من مشارقها ومغاربها
وقال: «ان الله يحب الفقير المتعفف أبا العيال وقال ايضا: خير هذه الأمة فقراؤها وأسرعها نجعا الى الجنة ضعفاؤها
وروي
أن جبريل عليه السلام نزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا محمد ان الله يقرئك السلام ويقول: أتحب ان اجعل هذه الجبال ذهبا تكون معك حيثما كنت فأطرق رسول الله ثم قال: يا جبريل ان الدنيا دار من لا دار له ومال من لا مال له ولها يجمع من لا عقل له فقال جبريل: يا محمد ثبتك الله (2/99)
صفحة 416
بالقول الثابت
وعن أبي رافع انه قال: ورد على رسول الله صلى الله عليه وسلم ضيف فلم يجد ما يصلحه فأرسلني الى رجل من يهود خيبر فقال: قل له يقول لك محمد اسلفني
أو بعني دقيقا الى هلال رجب قال: فأتيت اليهودي فقال: لا والله الا برهن فاخبرت رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك. فقال: أما والله اني لأمين في اهل السماء أمين في أهل الأرض ولو باعني او سلفني لأديت اليه اذهب بدرعي هذا اليه فارهنه فلما خرجت نزلت هذه الآية: (ولا تمدن عينيك الى ما متعنا به) (1) الآية تعزية له عن الدنيا
وقال عمران بن الحصين: كانت لي من رسول الله صلى الله عليه وسلم منزلة وجاه فقال: يا عمران ان لك عندنا منزلة وجاها فهل لك في عيادة فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: نعم بأبي وأمي انت يا رسول الله وقمت معه حتى وقف بباب فاطمة وقال: السلام عليكم. ادخل؟ فقالت: ادخل بأبي وأمي يا رسول الله قال: «انا ومن معي؟ قالت ومن معك يا رسول الله؟ قال: «عمران». قالت فاطمة: والذي بعثك بالحق نبيا ما علي إلا عباءة قال: اصنعي بها هكذا وهكذا وأشار بيديه. فقالت: هذا جسدي قد واريته فكيف برأسي فألقى إليها ملاءة كانت عنده فقال: شدي بها على رأسك، ثم اذنت له فدخل فقال: السلام عليك يا بنتاه كيف اصبحت؟» فقالت: أصبحت والله وجيعة وزادني الوجع وجعا على ما بي أني لست اقدر على طعام آكله فقد اضربي الجوع فبكى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: «لا تجزعي با بنتاه فوالله ما ذقت طعاما منذ ثلاث واني لأكرم على الله منك ولو سألت ربي لاطعمني ولكن آثرت الآخرة على الدنيا ثم ضرب بيده على منكبها وقال لها: ابشري والله إنك لسيدة نساء أهل الجنة فقالت: أين آسيا امرأة فرعون ابنة عمران: قال: آسيا سيدة نساء عالمها متروك، وانت سيدة نساء
ومريم
1 - الآية 131 من سورة طه (2/100)
صفحة 417
عالمك انكن في بيوت من قصب لا اذى فيهن ولا صخب ولا نصب.
وقال: «من اصبح منكم آمنا في سربه (1) معافى في جسده وعنده
قوت يومه فكأنما
بآخر فقال:
بسم
حيزت له الدنيا بحذافيرها.
وقال عطاء الخراساني: مرنبي من الأنبياء بساحل البحر فإذا هو برجل يصطاد حيتانا. فقال: بسم الله والقى الشبكة فلم يخرج فيها شيء ثم مر الشيطان والقى شبكته فخرج منها ما كان يتقاعس من. قال النبي يا رب ما هذا؟ وقد علمت ان ذلك بيدك. فقال تعالى للملائكة اكشفوا لعبدي منزلتيهما. فلما رأى ما أعد الله لهذا من الكرامة ولذاك من الهوان. فقال قد رضيت يا رب
كثرتها
وقال نبينا: اطلعت في الجنة فرأيت أكثر أهلها الفقراء واطلعت في
النار فرأيت أكثر أهلها الأغنياء
•
وفي لفظ آخر: فقلت أين الأغنياء؟ قال: حبسهم
الحد
وفي حديث آخر قال: رأيت أكثر أهلها النساء فقلت: ما شأنهن؟ فقيل: شغلهن الأحمران: الذهب والزعفران
وفي خبر: «آخر الأنبياء دخولا الجنة سليمان بن داود لمكان ملكه وآخر أصحابي دخولا الجنة عبدالرحمن بن عوف لأجل غناه
وقال: ألا أخبركم بملوك أهل الجنة؟ فقالوا: بلى يا رسول الله. فقال: لكل ضعيف مستضعف أغبر أشعث ذي طمرين لا يؤ به له لو
أقسم على الله لأبره».
وقال ـ عليه السلام -: أكثروا معرفة الفقراء واتخذوا عندهم
1 - رواه الترمذي عن عبيدالله بن محصن
الأيادي
-1·1 - (2/101)
صفحة 418
فإن لهم دولة فقالوا: يا رسول الله وما دولتهم؟ قال: «إذا كان القيامة يوم قيل لهم: انظروا من أطعمكم كسرة أو سقاكم شربة وكساكم ثوبا فخذوا بيده وافضوا به إلى الجنة
ولما قال سادة (1) العرب وأغنياؤهم للنبي صلى الله عليه وسلم: اجعل لنا يوما ولهم يوما يجيئون إليك ولا نجيبئ (2) (يعنون بذلك الفقراء مثل بلال وسلمان وصهيب وأبي ذر وخباب بن الأرت وعمار بن ياسر وأبي هريرة أصحاب الصفة من الفقراء. فأجابهم النبي صلى الله عليه وسلم إلى ذلك لأنهم شكوا إليه التأذي برائحتهم، وكان لباس القوم الصوف في شدة الحر فإذا عرقوا فاحت الروائح من ثيابهم فاشتد على الأغنياء ذلك منهم الأقرع بن حابس التميمي وعتبة بن بدر الفزاري وعباس بن مرداس السلمي وغيرهم، فأجابهم رسول الله ألا يجمعهم وإياهم في مجلس. فنزل قوله - تعالى -: واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ولا تعد عيناك عنهم). - يعني الفقراء - تريد زينة الحياة الدنيا - يعني الأغنياء - ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه) - يعني الأغنياء - (وقل الحق من ربكم)
- مع الفقراء - فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر) (3) (الآية).
ولما استأذن ابن أم مكتوم على النبي وعنده رجال من أشراف قريش شق ذلك على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله: عبس وتولى أن جاءه الأعمى وما يدريك لعله يزكي أو يذكر فتنفعه الذكرى) (4) يعني ابن أم مكتوم أما من استغنى فأنت له تصدى) يعني الشريف
فانظر يا أخي أي فضل وشرف للفقراء أعظم من هذا، وانظر كيف
1 - وجدت في الأصل السادات العرب) والصحيح ما أثبت 2 - تكررت العبارة فحذف المكرر حيث لا داعي له
- الآيتان 28، 29 من سورة الكهف
4 - الآيات 1
،
•
، 6 من سورة عبس (2/102)
صفحة 419
عاتب الله نبيه على ذلك وأمره بأن يصبر نفسه مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي في معنى الرواية هم المعنيون بذلك فكفى به شرفا وفضلا مبينا
وقال أيضا ـ عليه السلام -: لا أجد أفضل من الفقير إذا كان
راضيا.
وقال: «يقول الله - تعالى - يوم القيامة: أين صفوتي من خلقي؟ فتقول الملائكة: من هم يا ربنا؟ فيقول: فقراء المسلمين القانعين بعطائي الراضين بقدري أدخلوهم الجنة فيدخلونها ويأكلون ويشربون والناس في الحساب يتردون فهذا في القانع والراضي
وقال بعض أهل التحقيق: كفى للفقراء فخرا أن مقدمهم عيسى بن
مريم، وكفى للأغنياء مهانة أن رأسهم قارون خسف به الأرض وروي عن النبي أنه قال: أحب العباد إلى الله - تعالى - الفقير القانع برزقه الراضي عن الله
•
وأوحى الله إلى اسماعيل - عليه السلام -: اطلبني عند المنكسرة قلوبهم. قال: ومن هم؟ قال: الفقراء الصادقون)
عن أنس بن مالك قال: بعث الفقراء رسولا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إني رسول الفقراء إليك. قال: مرحبا بك وبمن جئت من عندهم، جئت من عند قوم أحبهم الله قال: قالوا يا رسول الله إن الأغنياء ذهبوا بالخير يحجون ولا نقدر عليه ويعتمرون ولا نقدر عليه وإذا مرضوا بعثوا بفضل أموالهم ذخيرة لهم عند ربهم. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: بلغ عني الفقراء أن لمن صبر واحتسب منكم ثلاث خصال ليست في الأغنياء؛ أما خصلة (1) واحدة فإن في الجنة غرفا ينظر إليها أهل الجنة كما ينظر أهل الأرض إلى نجوم السماء
1 - هكذا في الأصل والمعنى؛ الخصلة الأولى
- 10 - (2/103)
صفحة 420
لا يدخلها إلا نبي فقير أو شهيد فقير أو مؤ من فقير. والثانية؛ يدخل الفقراء الجنة قبل الأغنياء بنصف يوم وهو خمسمائة عام. والثالثة؛ إذا قال الغني سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر وقال الفقير مثل ذلك لم يلحق الغني بالفقير، وإن أنفق معها عشرة آلاف درهم وكذلك أعمال البر كلها فرجع إليهم فأخبرهم بما قال ـ عليه السلام - فقالوا: رضينا
واعلم أنه يجب على من ابتلي بالفقر أن يلتزم الصبر والعفة والشكر الله على ما ابتلاه به من الفقر، وأن لا يجزع ولا يسخط على ربه فيحبط أجره فيه فإن أشقى الأشقياء من اجتمع عليه فقر الدنيا وعذاب الآخرة كما جاء في الخبر عن النبي أنه قال: إن أشد الناس عذابا يوم القيامة من اجتمع عليه فقر في الدنيا وعذاب في الآخرة» وفي خبر آخر: «أشقى الأشقياء من اجتمع عليه الفقر في الدنيا والعذاب في الآخرة قيل: يعني فقر القلب وأن يلجأ في فاقته وحاجته إلى الله - تعالى -، ولا يكشف حاله إلى المخلوقين، ويسأل الله من فضله فإن الله يأتي برزقه من حيث لا يحتسب وهو العليم بحاله
وقد قال: يا معاشر الفقراء اعطوا الله الرضى من قلوبكم تظفروا
بثواب فقركم.
واعلم أن للفقير على الغني خمس كرامات؛ أحدها أن ثواب عمل الفقير أكثر من ثواب عمل الغني في الصلاة والصوم والصدقة وغير ذلك
والثانية: إذا اشتهى الفقير شيئا فلم يجد لما يشتريه ولا قدر عليه يكتب
له الأجر في ذلك
والثالثة: أن الفقراء يسبقون الأغنياء إلى الجنة
•
والرابعة: أن حساب الفقير في الآخرة أقل من حساب الغني
والخامسة: أن ندامة الفقير يوم القيامة أقل لأن الأغنياء يتمنون يوم
-
104 - (2/104)
صفحة 421
القيامة أن لو كانوا فقراء، ولا يتمنى الفقراء أن لو كانوا أغنياء
•
وقال عيسى - عليه السلام -: لا تنظروا إلى أموال الأغنياء فإن بريق
أموالهم يذهب بنور إيمانكم
به
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: طوبى لمن هدي للاسلام وكان عيشه كفافا وقنع
وقال ابن مسعود: ما من يوم إلا وملك ينادي من تحت العرش: يا ابن
آدم قليل يكفيك خير من كثير يطغيك ويلهيك
وقال عمر: إن الطمع فقر واليأس غنى وأنه من ييأس عما في أيدي
الناس وقنع استغنى عنهم
وقيل لبعض الحكماء: ما الغنى؟ قال: قلة تمنيك ورضاك
بما يكفيك
•
وفي الخبر: لكل أمة عجل وعجل هذه الأمة الدينار والدرهم.
وفي الحديث: أوحى الله إلى داود - عليه السلام ـ أن من عبادي عبادا كان صلاح إيمانهم في فقرهم ولو أغنيتهم لكفروا»
•
وقال بعض الحكماء: مسكين ابن آدم ولو يخاف من النار كما يخاف من الفقر لنجا منهما جميعا، ولو يرغب في الجنة كما يرغب في الدنيا لفاز بهما جميعا، ولو يخاف الله في الباطن كما يخاف خلقه في الظاهر لسعد في الدارين جميعا وروي عن علي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إذا أبغض الناس فقراءهم وأظهروا عمارة الدنيا وتكالبوا على جمع الدراهم رماهم الله بأربع خصال؛ بالقحط من الزمان، والجور من السلطان، والخيانة من ولاة الأحكام، والشوكة من الأعداء (2/105)
صفحة 422
وقيل: تقتير المرء على نفسه توفير منه على غيره.
وقيل: ما جمع في تقتير إلا وأنفق في تبذير
•
شعرا:
أهله
خير من المال ومن أهله علم يرد المرء عن جهله لم ينتفع بالمال يوما إذا اجلز بالزلات عن فعله ود امرؤ يوما لو يفتدى بالمال والأولاد لو يفتدى الكافر من ذهب ملء السموات ومن مثله يقبل الرحمن منه الفدا بل سقر في وجهه تصله
وقال بعض: ستر الفقير من كنوز البر
مع (2/106)
صفحة 423
الباب الحادي عشر
في الحياء
قيل ان داود - عليه السلام - ما رفع رأسه إلى السماء استحياء من الله - تعالى - إلى أن مات
وكان يقال: احيوا الحياء بمجالسة من تستحيون منه.
وقيل: كفى بالحياء على الخير دالا وعلى السلامة مخبرا
•
وقيل: خصلتان يحبهما الله - تعالى -؛ الحلم والعلم والحياء
لأصحابه: استحيوا من
الله حق
وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ذات يوم الحياء قالوا: إنا نستحي والحمد لله. قال: ليس ذلك بالحياء ولكن من يستحي من الله فليحفظ الرأس وما حوى والجوف وما حوى والبطن وما حوى والنظر وما وعى وليذكر الموت والبلى ومن أراد الآخرة ترك زينة الدنيا ومن فعل ذلك فقد استحى من الله حق الحياء معنى الرأس وما حوى يريد ما فيه من السمع والبصر واللسان أن لا يستعملهن إلا في خلة. قال الناسخ: ومعنى الحاجة. والجوف وما حوى أراد بالجوف البطن والفرج كما جاء في الحديث إن أخوف ما أخاف عليكم الأجوفان: الفرج والبطن. ومنه حديث جندب: من استطاع منكم أن لا يجعل في بطنه إلا حلالا طيبا فإن أول
الخلة
هي
- 107 - (2/107)
صفحة 424
ما يفتن الانسان من بطنه. ومعنى النظر وما وعى يعني القلب وما وعى من معرفة الله - تعالى - والعلم بحلاله وحرامه، وأن لا يضيع ذلك ويريد بالرأس
وما حوى؛ الدماغ وانما خص القلب لأنه مجمع العقل
•
وقال مهلب: من فعل في السر ما يستحي منه في العلانية فليس لنفسه
عنده قدرة سليمان
أول ما ينزع الله من ابن آدم: الحياء فيكون ممقوتا، ثم ينزع منه الأمانة
فيكون خائنا مخونا، ثم ينزع منه الرحمة فيكون فظا غليظا
وقال بعض الحكماء: من كساه الحياء ثوبه لم ير الناس عيبه
وقال صالح بن عبدالقدوس:
إذا قل ماء الوجه قل حياؤه ولا خير في وجه إذا قل ماؤه حياؤك فاحفظه عليك فإنما يدل على وجه الكريم حياؤه
وقيل: حياء الانسان على ثلاثة أوجه؛ حياؤه من الله - تعالى - والثاني
حياؤه من الناس
،
والثالث حياؤه من نفسه
فحياؤه من الله - تعالى - بامتثال أوامره والكف عن زواجره
وأما حياؤه من الناس؛ فكف الأذى وترك المجاهرة بالقبيح
وأما حياؤه من نفسه؛ فبالعفة وصيانة الخلوات
وقيل: إن أبا بكر - رضي الله عنه ـ يتمثل بهذا الشعر:
•
وحاجة دون الأخرى قد سنحت لها جعلتها للذي أخفيت عنوانا وانني لأرى من لا حياء له ولا أمانة بين الناس عريانا
-1. A- (2/108)
صفحة 425
وقال غيره:
وإني ليثنيني عن الجهل والخنا وعن شتم ذي القربى خلائق أربع حياء واسلام وتقوى وانني كريم ومثلي قد يضر وينفع
وقال آخر:
وسري كإعلاني وتلك خليقتي وظلمة ليلي مثل ضوء نهاري وقيل: إن رجلا مر بقبر رجل كان يجله في حياته فأطرق في الأرض حياء منه واجلالا ثم قال:
وإني لأستحييه والترب دونه كما أستحييه وهو يراني
شعر:
وهذا غاية في الوفاء والكرم وحسن الخلق
وروي عن النبي أنه قال: من اتقى الله اتقى الناس
•
وقال: من ألقى جلباب الحياء فلا غيبة له وقد قيل في ذلك
إذا لم تخش عاقبة الليالي ولم تستح فافعل ما تشاء فلا والله ما في العيش خير ولا الدنيا إذا ذهب الحياء
وقال آخر:
ورب قبيحة ما حال بيني وبين ركوبها إلا الحياء إذا رزق الفتى وجها وقاحا تقلب في الأمور كما يشاء ودعا قوم رجلا وكان يألفهم ويألف عشيرتهم فلم يجبهم وقال: إني
دخلت البارحة في الأربعين واني استحي من سني
-1.4 - (2/109)
صفحة 426
وقال ابن أحمر:
المقادة إذ فاتني بصري
قد كنت أهدي ولا أهدى فأورثني حسن لولا الحياء وباقي الدين عبتكم ببعض ما فيكما إذ عبتها عوري
وقال بعض: يا رسول الله؛ عوراتنا ما نأتي منها وما نذر؟ قال:
احفظ عورتك إلا من زوجتك وما ملكت يمينك
قال: يا رسول الله؛ إذا كان القوم بعضهم عن بعض خاليا؟ قال:
الله أحق أن تستحي منه من الناس
جابر بن زيد عن رسول الله قال: «الحياء من الايمان والايمان في الجنة والبذاء من الجفاء والجفاء في النار)
(1).
وقال جابر بن زيد - رحمه الله -: ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إن الله اختار لكم دينا فأكرموه بالحياء وحسن الخلق فلا يكون إلا بهما»
•
حكي أن الربيع بن حكيم كان يداوم على غض البصر حتى إن النساء كن يقلن: ما أجمل هذا إلا أنه أعمى
•
وسئل حكيم عن الفاسق قال: من لم يغض بصره عن أبواب الناس
وذكر في الخبر أن الله - تعالى - أوحى إلى داود ـ عليه السلام -: يا داود؛ الحياء ركن من أركان الدين فمن ذهب حياؤه ذهب وفاؤه، ومن ذهب وفاؤه ذهب عقله، ومن ذهب عقله ذهب دينه، ومن ذهب دينه ذهب
خلقه إلى الانحطاط
•
وكان النبي - عليه السلام ـ أشد حياء من العذراء في خدرها
•
1 - رواه الحاكم
- 11. (2/110)
صفحة 427
وقيل: لكل شيء كرم، وكرم القلب الحياء، ولكل شيء زينة وزينة
الحياء ترك الذنوب، ولكل شيء ثمرة وثمرة الحياء اكتساب الخير.
وكذلك لا يثبت لأحد دين إلا بالعقل والحياء، ومنزلة الحياء من الايمان بمنزلة الرأس في الجسد، فإذا عدم الجسد الرأس لم يكن له قيمة، وإذا عدم الدين الحياء فليس بإيمان، لأن العبد إذا استحى من الله اجتنب معاصيه، وإذا لم يستح من الله يقع في المعاصي حتى يقع في الكفر فينبغي لكل مسلم أن يستحي من الله ويغض بصره عما لا يحل له من محاسن الرجال والنساء والصبيان وعن النظر إلى الدنيا بعين الرغبة فيها ويجتنب النظر إلى اللهو واللعب وجميع المنكرات
ويجب عليه أن يحفظ عورته عن كل ما حرم الله ويستر عورته حتى لا تقع عين أحد من الناس على عورته
والغائط
كذلك يجب عليه أن يتعاهد نفسه عند قضاء حاجة الانسان من البول، وعند الاستنجاء للوضوء يستر نفسه ويحفظ عورته جهده لئلا ينظر
أحد إلى عورته
وأصل الحياء تقوى الله، وكان النبي - عليه السلام ـ إذا أراد حاجة الانسان لا يرفع ثوبه حتى يدنو من الأرض
-111 - (2/111)
صفحة 428
[صفحة فارغة] (2/112)
صفحة 429
الباب الثاني عشر
في التواضع
اعلم أن التواضع من أخلاق المؤمنين والأنبياء والصالحين.
وقد مدح الله عباده المؤمنين بالتواضع فقال الله - تعالى -: (وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا
سلاما)) (1)
وقال - تعالى - لنبيه - عليه السلام -: واخفض جناحك للمؤمنين) (2)
وكان ـ عليه السلام - من خلقه التواضع حتى ذكر عنه ـ عليه السلام - أنه قال: أوتيت خزائن الأرض وخيرت أن أكون نبيا عبدا وأن أكون نبيا ملكا فأوما إلي جبريل - عليه السلام - أن تواضع فاخترت أن أكون عبدا نبيا فأثابني ربي على هذا أني أول من تنشق عنه الأرض وأول شافع وأول من يدخل
الجنة
وذكر عنه أنه قال: من سره أن يتمثل الناس إليه قياما، ويعجبه
إذا قام الناس إليه قياما يعظمونه بذلك فليتبوأ مقعدا من النار
1 - الآية 63 من سورة الفرقان
2 - الآية 88 من سورة الحجر
•
- 113 - (2/113)
صفحة 430
ولم يكن أحد أحب إلى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم منه، وكانوا إذا أقبل عليهم النبي صلى الله عليه وسلم وهم قعود لا يقوم أحد منهم إليه لما يعلمون من كراهيته
لذلك
وذكر في الخبر: ان النجاشي ملك الحبشة أرسل إلى جعفر وأصحابه حين هاجروا من مكة إلى أرض الحبشة لما كثر إيذاء الكفار لهم فدخلوا على النجاشي فوجدوه جالسا على الأرض وليس تحته شيء يحجبه عن التراب وعليه ثياب خلقة فأشفقوا من حاله وملبسه حين رأوه على تلك الحالة، وأنكروا ذلك من فعله لما كانوا يعرفون قبل ذلك من حاله وملبسه فلما رأى التغيير في وجوههم قال لهم: إني أبشركم بما يسركم وأخبركم أن الله - تعالى - قد نصر نبيكم، وإني قد جاءني من نحو أرضكم عير لي فأخبرني أن الله قد نصر نبيه وأهلك عدوه وقد أسر فلان، وقتل فلان وفلان، والتقوا بواد يقال له بدر. فقال له جعفر: أيها الملك؛ أراك جالسا على التراب وليس تحتك شيء يحجبك عن التراب، وأرى عليك هيئة الثياب الخلقة. فقال له النجاشي: إنا نجد في كتاب الله الانجيل المنزل على عبده عيسى ـ عليه السلام - ان حقا على عباد الله أن يحدثوا الله تواضعا عند كل ما أحدث لهم من نعمة، فلما نصر الله نبيه، وأهلك عدوه أحدثت هذا التواضع. فأعجبهم
ذلك من قوله
ولقد كان عمر بن عبدالعزيز قبل أن يلي الخلافة تشترى له الحلة بألف دينار فيقول: ما أحسن هذا الثوب لولا خشونة فيه فلما ولي الخلافة كان يشترى له الثوب بخمسة دراهم فيقول: ما أحسنه لولا ليونة فيه. فقيل له: أين ملبسك ومركبك قبل هذا؟ قال: خير الناس من تواضع الله
وكان عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - يلبس ثوبا فيه اثنتا عشرة رقعة ليس فيها رقعة تشبه الأخرى، أحدها من أدم. ولما أراد السفر إلى الشام حمل بينه وبين غلامه ناقة واحدة يتعاقبان عليها، كان عمر يركب الناقة ويأخذ
- 118 - (2/114)
صفحة 431
الغلام بزمامها ويسير مقدار فرسخ، ثم ينزل عمر ويركب الغلام، ويأخذ
عمر بزمامها مقدار فرسخ ثم ينزل الغلام ويركب عمر وكان دأبها كذلك
•
فلما قرب من الشام كانت نوبة الغلام في الركوب فركب الغلام الناقة
وأخذ عمر بزمامها فاستقبله الماء والطين في الطريق فكان عمر يأخذ نعله في يده و زمام الناقة في يده الأخرى وهو يخوض في الماء والطين إلى نصف ساقيه، فخرج إليه أبو عبيدة بن الجراح وكان يومئذ أميرا على الشام فقال له: يا أمير المؤمنين؛ إن كبراء أهل الشام وعظماءها يخرجون إليك ليلقوك وأنا أكره أن يلقوك وأنت على مثل هذه الحالة فقال له عمر: إنا قوم أعزنا الله بالاسلام فما نطلب العز من غيره ولا نبالي من مقالة الناس. فلما تلقاه عظماء الشام وكبراؤها قيل له: اركب هذا البرذون لكي يراك الناس. فقال لهم: إنكم ترون هاهنا والأمر من هاهنا وأشار بأصبعه إلى السماء
ويروى عن ربيع بن زياد الحارثي قال: كنت عاملا لأبي موسى الأشعري على البحرين فكتب إليه عمر بن الخطاب - رضي الله عنه ـ يأمره بالقدوم عليه هو وعماله وأن يستخلفوا من ثقاتهم حتى يرجعوا، فلما قدمت أتيت برقا فقلت يا برق بن سبيل تسترشد أي الهيئات أحب إلى أمير المؤمنين؟ فأوما إلي بالخشونة، فاتخذت خفين مطارفين، ولبست جبة صوف، ولثت رأسي بعمامة دكناء ثم دخلنا على عمر ـ رضي الله عنه ـ فصفنا بين يديه وصعد فينا وصوب فلم تأخذ عينه أحدا غيري فدعاني فقال: من أنت؟ فقلت: الربيع بن زياد الحارثي قال: وما تتولى من أعمالنا؟ قلت: البحرين. قال: فكم ترزق؟ قلت خمسة دراهم في كل يوم. قال: كثير فما تصنع به؟ فقلت: أتقوت منه شيئا وأعود بباقيه على أقارب لي فما فضل منهم فعلى فقراء المسلمين قال: فلا بأس، ارجع إلى موضعك، فرجعت إلى موضعي من الصف. ثم صعد فينا وصوب فلم تقع عينه إلا علي فقال: كم سنك؟ فقلت: ثلاث وأربعون سنة. قال: الآن استحكمت، ثم دعا
- 110 - (2/115)
صفحة 432
بالطعام وأصحابي حديثو عهد بلين العيش وكنت قد تجوعت له فأتى بخبز يابس واكسار فجعل أصحابي يعافون ذلك وجعلت آكل فأجيد، فجعلت أنظر وهو يلحظني من بينهم ثم سبقت مني كلمة تمنيت أني سخت في الأرض ولم الفظ بها، فقلت: يا أمير المؤمنين؛ إن الناس يحتاجون إلى صلاحك فلو عمدت إلى طعام هو ألين من هذا. فزجرني وقال لي: كيف قلت؟ قال: قلت أقول: لو نظرت يا أمير المؤمنين إلى قوتك من الطحين فيخبز لك قبل
•
إرادتك بيوم، ويطبخ اللحم كذلك، وتؤتى بالخبز لينا واللحم غريضا فسكن غربة وقال: يا ربيع؛ لو شئنا ملأنا هذه الرحاب من صلائق وسبايك ولكني رأيت الله - تعالى - نعي على قوم شهواتهم فقال: أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا واستمتعتم بها ثم أمر أبا موسى أن يقررني ويستبدل بأصحابي. فرجعت إلى موضعي واستبدل بالآخرين غيرهم
? (1)
فانظر كيف انتفع هذا بتواضعه الظاهر بين يدي عمر ـ رضي الله عنه ـ حين أظهر له التواضع في اللباس والكلام والأكل فنفعه ذلك وكان سبب بقائه على العمل دون أصحابه الذين لم يظهروا منهم ذلك فكيف لا تنتفع أنت أيها المسكين بتواضعك الباطن بين يدي رب العالمين رب العزة عالم السريرة وله الكبرياء في السموات والأرض وهو العزيز الحكيم
الأخبار
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما زاد الله عبدا يعفو إلا عزا وما تواضع أحد لله إلا رفعه وما من أحد إلا ومعه ملكان وعليه حكمة يمسكانه فإن هو رفع نفسه جبذاها (2) ثم قالا: اللهم ضعه وإن وضع نفسه قالا: اللهم ارفعه
1
الآية 20 من سورة الأحقاف
2 - هكذا في الأصل والصحيح (جذباها)
-117 - (2/116)
صفحة 433
وقال: طوبى لمن تواضع في غير مسكنة وأنفق مالا جمعه من غير معصية ورحم أهل الضعف وخالط أهل الفقه والحكمة (1)
وقال: خيرني ربي بين أمرين أن أكون عبدا رسولا أو ملكا نبيا فلم ادر أيهما أختار وكان صفي من الملائكة جبريل فرفعت رأسي فقال: تواضع لربك فقلت: عبدا رسولا).
وأوحى الله - تعالى - إلى موسى - عليه السلام -: (إنما أقبل صلاة من تواضع لعظمتي ولم يتعظم على خلقي وألزم قلبه خوفي وقطع النهار بذكري وكف نفسه عن الشهوات من أجلي)
وقال: «الكرم التقوى والشرف التواضع واليقين الغنى
•
وقال عيسى - عليه السلام -: طوبى للمتواضعين في الدنيا هم أصحاب المنابر يوم القيامة، طوبى للمصلحين بين الناس في الدنيا هم الذين يرثون الفردوس يوم القيامة، طوبى للمطهرة قلوبهم في الدنيا هم يرفعهم الله في أعلى الدرجات يوم القيامة
الذين
وقال: أربع لا يعطيهن الله إلا من أحب؛ الصمت وهو أول العبادة، والتوكل على الله، والتواضع، والزهد في الدنيا
الله.
•
وقال: إذا تواضع العبد رفعه الله إلى السماء السابعة
وقال: إن التواضع لا يزيد العبد إلا رفعة فتواضعوا رحمكم
وقال: اذا رأيتم المتواضعين في امتي فتواضعوا لهم، واذا رأيتم
المتكبرين فتكبروا عليهم فإن ذلك مذلة وصغاره
1 - رواه البخاري
- 117 - (2/117)
صفحة 434
وفي خبر قال: «التواضع للمتواضعين تواضع لله والتكبر على المتكبرين
تواضع الله
الآثار
قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه: وجدنا الكرم في التقوى، والغنى
في اليقين، والشرف في التواضع
سبي
وقال الفضيل: التواضع هو ان تخضع للحق وتنقاد له ولو سمعته من
قبلته، ولو سمعته من اجهل الناس قبلته
•
وينتهي
عن
قال الناسخ: المتواضع عندي هو الذي يأتمر بأوامر الله نواهيه، ولا يرفع نفسه عن ادنى منازل الدين، واذا قيل له اتق لم تأخذه العزة بالآثم، ولا يقيم على كبار المعاصي ولا صغارها طرفة عين والله اعلم ويقال: لا عز الا لمن تذلل لله، ولا رفعة إلا لمن تواضع الله، ولا أمن
الا لمن خاف الله، ولا ورع الا لمن ابتاع نفسه من الله وقيل لعبد الملك بن مروان اي الرجال أفضل؟ قال: من تواضع عن قدرة وزهد عن قدرة، وترك المضرة عن قدرة
•
وقال أبو سليمان: لا يتواضع العبد حتى يعرف نفسه
ويقال: من رأى لنفسه قيمة فليس له من التواضع نصيب، وتواضع کل انسان على قدر معرفته بربه ومعرفته بنفسه
وقال ابويزيد مادام العبد يظن ان في الخلق من هو أشر منه فهو متكبر. وقال يوسف بن أسباط يجزى قليل الورع من كثير العمل، ويجزي قليل
-11 A- (2/118)
صفحة 435
التواضع من كثير الاجتهاد
وقيل: أوحى الله الى عيسى عليه السلام: اذا انعمت عليك بنعمة فاستقبلها بالاستكانة اتمها عليك
وقال مجاهد: لما أغرق الله قوم نوع عليه السلام شمخت الجبال، وتواضع الجودي، فجعله الله تعالى قرارا لسفينة نوح عليه السلام. وقال قتادة: من اعطى مالا أو جمالا أو ثيابا أو علما ثم لم يتواضع فيه كان عليه وبالا يوم القيامة
وقال الفضيل: من احب الرياسة لم يفلح ابدا
وقال: قراء الرحمن أصحاب خشوع وتواضع، وقراء الأمراء اصحاب
عجب وتكبر.
وقال يحيى بن معاذ: التكبر على ذي التكبر عليك بماله تواضعا
•
وقال التكبر في الخلق كلهم قبيح، وفي الفقراء اقبح، والتواضع في الخلق كلهم حسن، وفي الأغنياء احسن
وقال ابن المبارك: التكبر على الاغنياء والتواضع للفقراء من
التواضع
وقال يحيى بن معاذ البرمكي: الشريف اذا تنسك تواضع والسفيه اذا
تنسك تعاظم.
- 114 - (2/119)
صفحة 436
[صفحة فارغة] (2/120)
صفحة 437
الباب الثالث عشر في القناعة
قال الله تعالى: (من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة قال كثير من اهل التفسير: الحياة الطيبة في الدنيا القناعة
(1).
(2)
وقيل في قوله تعالى: (الأعذبنه عذابا شديدا) القناعة ولأبلونه بالطمع، يعني أسأل الله ان يفعل به ذلك
، يعني لأسلبنه
من بعدي)
(4)
وفي قوله تعالى: وهب لي ملكا لا ينبغي لأحد اي مقاما في القناعة انفرد به من بين أشكالي وأكون فيه راضيا بقضائك.
القناعة
وفي قوله تعالى: ليرزقنهم الله رزقا حسنا)
(4)
قيل: هي
وفي قوله تعالى: تعز من تشاء وتذل من تشاء) (5) قيل: تعزه
بالقناعة وتذله بالطمع
1 - الآية 97 من سورة النحل
الآية 21 من سورة النمل
الآية 35 من سورة (ص)
الآية 58 من سورة الحج ه - الآية 26 من سورة آل عمران
- 121 - (2/121)
صفحة 438
البيت)
وفي قوله تعالى: (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل
(1)
يعني البخل والطمع ويطهركم تطهيرا) بالسخاء والايثار
الأخبار
روي أن العباس بن عبد المطلب جاء الى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله ولني فقال رسول الله: «يا عباس يا عم النبي قليل يكفيك خير من كثير يرديك
يا عباس يا عم النبي نفس تنجيها خير من امارة لا تحصيها
يا عباس يا عم النبي الامارة أولها ندامة وأوسطها ملامة واخرها خزي
يوم القيامة
وقال: «القناعة كنز لا يفنى
وقال لابي هريرة: كن ورعا تكن أعبد الناس وكن قنعا تكن أشكر الناس وأحب للناس ما تحب لنفسك تكن مؤمنا وأحسن مجاورة من جاورك تكن مسلما وأقل الضحك فإن كثرة الضحك تميت القلب
وقال صلى الله عليه وسلم: طوبى لمن هدي للاسلام وكان عيشه كفافا وقنع به.
وقال: ليس الغنى عن كثرة العرض ولكن الغنى غنى النفس"
ونهى عن شدة الحرص والمبالغة في الطلب فقال: الا أيها الناس اجملوا في الطلب فإنه ليس لعبد الا ما كتب له ولن يذهب أحد من الدنيا حتى
1 - الآية 33 من سورة الأحزاب 2 - رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة
- ITY- (2/122)
صفحة 439
•
يأتيه ما كتب له في الدنيا وهي راغمة
وقال: لو كان لابن آدم واديان من ذهب لا بتغى وراءهما ثالثا ولا
يملأ جوف ابن أدم إلا التراب ويتوب الله على من تاب
وروي أن
موسى
سال عليه السلام ربه عز وجل فقال: اي عبادك
أغنى؟ فقال: اقنعهم بما أعطيته. قال: فأيهم أعدل؟ قال: من انصف من
نفسه
أبو أيوب الأنصاري: أن اعرابيا اتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله عظني وأوجز قال: اذا صليت فصل صلاة مودع، ولا تحدثن بحديث تعتذر منه غدا، واجمع اليأس مما في أيدي الناس
الآثار
قال عمر - رضي الله عنه -: ان الطمع فقر وان اليأس غنى، وان من يئس مما في ايدي الناس استغنى عنهم ولبعضهم شعرا: ولا تغضبن على امرئ في ماله وعلى كرائم صلب مالك فاغضب واذا تصبك خصاصة فارج الغنى والى الذي يعطي الرغائب فارغب وقال آخر:
من عاش عاين ما يسوء من الأمور وما يضر ولرب حتف فوقه ذهب وياقوت ودر فاقنع بعيشك ترضه واملك هواك وانت حر
وقال آخر:
لي في الله حسن ظن جميل ان تجافى عن الخليل الخليل
- 123 - (2/123)
صفحة 440
لي رزق لابد منه وعمـ ينقضي والكثير منه قليل ما قضاه الاله لا بد منه وعلى ما هذا العريض الطويل رب أمر يضيق ذرعك منه لك فيه الى النجاة سبيل وقد علمنا وما انتفعنا بعلم أنه قد دنا وأن الرحيل إنما هذه الحياة غرور قد خدعنا بها فأين العقول نذكر الموت حين تدبر عنا واذا أقبلت فنحن ذهول نعرف الحق ثم نعرض عنه ونراه ونحن عنه نميل لو قنعنا من المحال استرحنا وكفانا من الكثير القليل نحن مستعملون فيما خلقنا ما لنا في نفوسنا ما تقول
ليت شعري عواقب الأمر فينا وإلى ما المآل فينا يؤول ان الله في العباد مرادا وسوى ما أراده مستحيل وقال آخر:
قنع النفس بالقليل والا طلبت منك فوق ما يكفيها انما هذه الحياة متاع والسفيه الجهول من يصطفيها
وقال آخر:
لذل السؤال وهول الممات وكلا وجدنا طبعا وبيلا فإن كان لابد احديهما مشينا الى الموت مشيا جميلا
وقال آخر:
اسأل العرق إن سألت كريما لم يزل يعرف الغنى واليسارا فقليل الشريف يكسب حمدا وكثير الوضيع يكسب عارا فإذا لم يكن من الذل بد فالق بالذل ان لقيت الكبارا ليس اجلالك الكبير بذل إنما الذل أن تجل الصغارا
-
ITE- (2/124)
صفحة 441
وقال آخر:
إن المسائل للرجال مذلة تفنى منافعها ويخلد عارها وقيل لبعض الحكماء: ما الغنى؟ قال: قلت تمنيك ورضاك بما
يكفيك
الرزق
وقيل: الفقراء أموات إلا من أحياه الله القناعة بعز
وفي الزبور: القانع غني وان كان جائعا
وقال محمد بن علي الترمذي: القناعة رضى النفس بما قسم الله لها من
ويقال: القناعة الاكتفاء بالموجود، وزوال الطمع فيها ليس بحاصل. وقيل: وضع الله خمسة أشياء في خمسة مواضع، العز في الطاعة، والذل في المعصية، والهيبة في قيام الليل، والحكمة في البطن الخالي، والغنى في القناعة
وقيل: من تبعت عيناه ما في ايدي الناس طال حزنه
وقيل: من لم يقنع باليسير لم يكتف بالكثير.
وقيل: انت عزيز ما التحفت بالقناعة
•
وقيل: من قنع استراح من الشغل، واستطال على الكل
وقال حكيم لأبنه: يا بني العبد حر اذا قنع، والحر عبد اذا طمع
وعن علي: تفضل على من شئت فأنت أميره، واحتج الى من شئت
فأنت اسيره، واستغن عمن شئت فأنت نظيره
- 125 - (2/125)
صفحة 442
وقال بعض في ذلك:
تفضل فمن اوليته منك نعمة فمد لها كفا فأنت اميره ومن كنت محتاجا اليه فإنه اميرك في الدنيا وأنت اسيره ومن كنت عنه في غنى وهو مالك ازمة قطب الأرض انت نظيره
وعن الحسن أنه مكتوب في التوارة اربع كلمات: الغنى في القناعة، والسلامة في العزلة، والحرية في رفض الشهوات، والمحبة في ترك الرغبة.
وقيل: أوحى الله الى موسى عليه السلام: «يا موسى إني وضعت خمسة أشياء في خمسة مواضع. وضعت الحكمة في الجوع، وهم يطلبونها من الشبع فمتى يجدون، ووضعت الغنى في القناعة، وهم يطلبونه في المال فمتى يجدون، ووضعت العز في طاعتي، وهم يطلبونه في خدمة المخلوقين فمتى يجدون، ووضعت الكرم في التقوى وهم يطلبونه في ركوب الهوى فمتى يجدون، ووضعت الراحة في الجنة وهم يطلبونها في الدنيا فمتى يجدون وقال زيد بن ثابت: ثلاث من مناقب الأبرار: الاستعداد للموت،
والرضى بالكفاف، والتفويض إلى الله في حالات الدنيا
وقيل: من غلب علمه هواه فذلك العلم النافع، ومن جعل شهوته تحت قدميه فر الشيطان من ظله، ومن فرح قلبه بشيء من غرض الدنيا فقد
أخطأ الحكمة.
وسئل حكيم عن الغنى فقال: ثلاثة أشياء. قلب عالم يستعين به لدينه، وبدن صابر في طاعة ربه يتزود ليوم فقره، والقناعة بما رزق مع
الاياس من الناس.
وقال ابن مسعود: ما من يوم إلا وملك ينادي: يا ابن آدم قليل يكفيك
خير من كثير يطغيك
126 - (2/126)
صفحة 443
ويروى ان الله عز وجل قال: يا ابن آدم لو كانت الدنيا كلها لك لم
يكن لك منها الا القوت، فإذا أنا اعطيتك منها القوت وجعلت حسابها على
غيرك فأنا إليك محسن)
وقيل لعبد الله بن سلام: ما يذهب العلم من قلوب العلماء بعد إذ وعوه وعقلوه؟ قال: الطمع وشره النفس وطلب الحوائج.
- 127 - (2/127)
صفحة 444
[صفحة فارغة] (2/128)
صفحة 445
الباب الرابع عشر
في فضيلة الجوع
(1)، ثم
قال الله تعالى: (ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع) قال في آخر الآية: وبشر الصابرين) (2)، فبشرهم بجميل الثواب على الصبر على مقاساة الجوع وقال تعالى: ويؤثرون على انفسهم ولو كان
خصاصة) (3)
بهم
الأخبار
قال: لا يدخل ملكوت السماء من ملأ بطنه
وقال: افضلكم منزلة عند الله أطولكم جوعا وتفكرا وأبغضكم
عند الله كل نؤوم أكول شروب
وقال: إن الله يباهي الملائكة بمن قل طعمه في الدنيا يقول: انظروا الى عبدي ابتليته بالطعام والشراب في الدنيا فتركها اشهدوا يا ملائكتي ما من اكلة يدعها الا أبدلته بها درجا في الجنة
-
الآية 155 من سورة البقرة
الآية 155 من سورة البقرة
3 - الآية 9 من سورة الحشر
- 129 - (2/129)
صفحة 446
وقال: لا تميتوا القلوب بكثرة الطعام والشراب فإن القلب
كالزرع يموت إذا كثر عليه الماء
وقال: «اهل الجوع في الدنيا هم أهل الشبع في الآخرة وأن أبغض الناس إلى الله المتخمون الملأ (1) وما ترك عبد أكلة يشتهيها إلا كانت له
درجة.
وقال: «المؤمن يأكل في معى واحد والمنافق يأكل في سبعة أمعاء أي يأكل سبعة أضعاف أكل المؤمن أو تكون شهوته سبعة أمثال شهوة المؤمن ويكون المعا (2) كناية عن الشهوة لأن الشهوة هي التي تقبل الطعام وتأخذه كما يأخذه المعا وليس المعنى زيادة عدد معا المنافق على معا المؤمن
وفي التوراة مكتوب أن الله يبغض الحبر السمين لأن السمين يدل على الغفلة وكثرة الأكل وذلك قبيح خصوصا بالحبر ولأجله
قال ابن مسعود: ان الله يبغض القارئ السمين
وفي الخبر: أن الأكل على الشبع يورث البرص.
وفي خبر مرسل: ان الشيطان ليجري من ابن آدم مجرى الدم فضيقوا
مجاريه بالجوع والعطش
•
وقال: أحب العفاف إلى الله عفاف البطن والفرج».
الآثار
عن عبد الواحد بن زيد انه قال: من ضبط بطنه فقد ضبط دينه، وما
1 - أي الذين امتلات بطونهم وأجسامهم
المعدة يعني (2/130)
صفحة 447
كانت بلية ابيكم آدم إلا اكله وهي بليتكم إلى يوم القيامة وقال عمر - رضي الله عنه -: إياك والبطنة فإنها ثقل في الحياة نتن في
الممات
وقال لقمان لابنه: يا بني إذا امتلأت المعدة نامت الفكرة، وخرست
الحكمة، وقعدت الأعضاء عن العبادة
وقال ذو النون المصري: لا تسكن الحكمة معدة ملئت من الطعام. وقال الداراني: لكل شيء صدا، وصدأ العقل شبع البطن وقال الوراق: من أرضى الجوارح بالشهوات غرس في قلبه شجر
الندامات
وقال محمد بن داود: المعدة موضع يجمع الأطعمة، فإذا طرحت فيه الحلال صدرت الأعضاء بالأعمال الصالحة، واذا طرحت فيها الشبهات اشتبه عليك الطريق إلى الله تعالى، واذا طرحت فيه الحرام كان بينك وبين الله
حجاب
وفي التوراة: اتق الله تعالى واذا شبعت فاذكر الجائع)
•
وقال مسهل التشترى: وضعت الحكمة والعلم في الجوع، وجعلت المعصية والجهل في الشبع
الشبع
وقال: ما عبد الله تعالى بشيء أفضل من مخالفة الهوى في ترك الحلال. وقال: رأس كل بر بين السماء والأرض الجوع، ورأس كل فجور بينهما
وسئل حكيم بأي قيد أقيد النفس؟ قال: بالجوع والعطش، وذللها
- 131 - (2/131)
صفحة 448
بإخمال الذكر وترك العز، وصغرها بوضعها تحت ارجل الدنيا، واكسرها بترك زي القراء عن ظاهرها، وانج من آفاتها بدوام سوء عليها، واصحبها بخلاف
هواها.
- 132 - (2/132)
صفحة 449
الباب الخامس عشر
في حسن الخلق
(1)
قال الله تعالى: وانك لعلى خلق عظيم)، اي دين عظيم.
قال أبو علي: ان الله تعالى خص نبيه بما خصه به ثم لم يثني عليه بشيء من خصاله بمثل ما أثنى عليه بخلقه فقال عز من قائل: وانك لعلى
خلق عظيم)
وقال الواسطي: وصفه بالخلق العظيم لأنه جاد بالكونين واكتفى
بالله.
الأخبار
وقال: انكم لم تسعوا الناس بأموالكم فسعوهم ببسط الوجه
وحسن الخلق (2)
وقال: «إنما بعثت لأتمم محاسن الأخلاق
1 - الآية 4 من سورة القلم
2 - رواه الترمذي وابن ماجة
- 133 - (2/133)
صفحة 450
وقال: ما حسن الله خلق امرئ ولا خلقه فيطعمه الناره
وقال: من سعادة المرء حسن الخلق.
وقال: «ان العبد ليبلغ بحسن خلقه عظيم درجات الآخرة وشرف المنازل وأن - لعله - وأنه لضعيف العبادة وأنه ليبلغ بسوء خلقه اسفل
درك جهنم».
وقال: هذه الأخلاق منائح من الله عز وجل فمن اراد الله به خيرا
جعل خلقه حسنا وان أراد به شرا منه - لعله ـ منحه خلق سوء».
•
وقال: حسن الخلق وحسن الجوار يعمران الدنيا - لعله - الديار ويزيدان في الأعمار.
وقال: ألا أخبركم بأحبكم إلي أحسنكم اخلاقا الموطئون اكنافا
الذين يألفون ويؤلفون
•
وقال: «ان الله استخلص هذا الدين لنفسه ولا يصلح لدينكم الا السخاء وحسن الخلق ألا فزينوا دينكم بهما، وقيل يا رسول الله ما الشؤم؟
قال: «سوء الخلق»
•
الآثار
قالت عائشة رضي الله عنها: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم: «خلقه القرآن» قوله عز وجل: (خذ العفو وامر بالعرف واعرض عن الجاهلين) (1)). وقال الواسطي: إنما الخلق العظيم ان لا يخاصم ولا يخاصم من شدة
1 - الآية 199 من سورة الأعراف
- ITE - (2/134)
صفحة 451
معرفته بالله تعالى
وقال يحيى بن معاذ: سوء الخلق سيئة لا ينفع معها كثير من الحسنات، وحسن الخلق حسنة لا يضر معها كثير من السيئات
وقال ايضا في سعة الاخلاق كنوز الأرزاق.
وقال الحسن البصري: حسن الخلق بسط الوجه، وكف الأذى
•
وبذل الندى وقال حكيم: علامة حسن الخلق؛ ان لا يظلم، ولا يمنع، ولا يجفو أحدا، فإن ظُلم غفر، وان منع شكر، وان ابتلي صبر
ولا قلق
وقيل: حسن الخلق ان يكون من الناس قريبا، وفيما بينهم غريبا وقيل: الخلق قبول ما يرد عليك من جفاء الخلق وقضاء الحق بلا ضجر
•
وقيل: حسن الخلق أن يكون سهل العريكة، لين الجانب، طلق الوجه، قليل النفور، طيب الكلمة
وقد بين رسول الله هذه الأوصاف فقال: اهل الجنة كل هين لين
سهل طلق
•
وأوحى الله تعالى الى موسى: ان اردت ان لا تدعوني في أيام حياتك إلا أجبتك، ولا تسألني في القيامة إلا قلت لك نعم عليك بحسن الخلق) وفي قوله تعالى: (وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة) (1) الظاهرة تسوية الخلق،
والباطنة تسوية الخلق
- الآية 20 من سورة لقمان
135 - (2/135)
صفحة 452
وقال الفضيل: لأن يصحبني فاجرا حسن الخلق أحب إلي من ان
يصحبني
عابد سيء الخلق
•
وقيل: من سوء خلقك وقوع بصرك على سوء خلق غيرك
وقال القرشي: من كثر همه سقم بدنه، ومن ساء خلقه عذب نفسه، ومن لاحى الرجال سقطت مروءته، ومن كثر ضحكه قلت هيبته، ومن قل روعه مات قلبه
وسئل ما حسن الخلق؟ فقال: موافقة الناس ما لم تكن معصية
وقال الأحنف: ألا أخبركم بأدواء الداء قالوا: بلى قال: الخلق الدنيء، واللسان البذيء، وخير الرجال من كرمت خلائقه في اليسر والعسر، ولم يبطره الغني، ولم يذله الفقر، ولم يغره لاخوانه تغير الدهر
وقال ابن لقمان الحكيم لأبيه: يا أبت أي الخصال من الانسان خير؟ قال: الدين قال: فإذا كانت اثنتين؟ قال: الدين والمال. فإذا كانت ثلاث؟ قال: المال والدين والحياء قال: فإذا كانت اربعا؟ قال: الدين والمال والحياء وحسن الخلق. قال: فإذا كانت خمسا؟ قال: الدين والمال والحياء وحسن الخلق والسخاء قال: فإذا كانت ستا؟ قال با بني إذا اجتمعت في هذه الخصال الخمس فهو تقي الله تعالى ومن الشيطان برئ.
وقال الجنيد: اربع ترفع العبد إلى اعلا الدرجات وإن قل علمه وعمله. الحلم والتواضع والسخاء وحسن الخلق وهو كمال الايمان وقال عمر: خالطوا الناس بحسن الاخلاق وباينوهم بالاعمال. وسئل ابن عباس ما الكرم؟ قال: ما بين الله في كتابه إن اكرمكم عند الله أتقاكم) (1) وقيل له لعله ما الحسب؟ قال: احسنكم اخلاقا
1 - الآية 13 من سورة الحجرات
- 136 - (2/136)
صفحة 453
افضلكم حسبا.
وقيل: لكل بنيان أساس، وأساس الاسلام حسن الخلق
وقال ابن عطاء: ما ارتفع من ارتفع الا بحسن الخلق، ولم ينله إلا
المصطفى أقرب الخلق إلى الله تعالى السالكون آثاره بحسن الخلق
•
وقال علي: حسن الخلق في ثلاث: اجتناب المحارم، وطلب
الحلال، والتوسعة على العيال
وقال الناسخ: حسن الخلق في اربع: قضاء اللوازم، وترك المآثم، وطلب الحلال في طاعة ذو الجلال، والتوسعة على العيال.
137 - (2/137)
صفحة 454
[صفحة فارغة] (2/138)
صفحة 455
الباب السادس عشر
في الصدق
قال الله - تعالى -: من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله
عليه) (1)
الأخبار
قال النبي - صلوات الله عليه -: الصدق يهدي إلى البر والبر يهدي إلى الجنة وأن الرجل ليصدق حتى يكتب عند الله صديقا، وان الكذب يهدي إلى الفجور والفجور يهدي إلى النار وأن الرجل ليكذب حتى يكتب عند الله
كذابا
وقال: إذا رأيت من أخيك ثلاث خصال فارجه؛ الحياء والأمانة
والصدق وإذا لم تره فلا ترجه
•
وذكر جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال الجبريل - عليه السلام ـ: كيف يعرف
1 - الآية 23 من سورة الأحزاب
- 139 - (2/139)
صفحة 456
الصادق من الكاذب؟ قال: يعرف الصادقون بإمساكهم عن الأعمال التي أوعد الله عليها النار، ويعرف الكاذبون بانتهاكهم الأعمال التي أوعد الله
عليها النار
•
وروى ابن عباس أن النبي سئل عن الكمال فقال: قول الحق
والعمل بالصدق.
قال ابن عباس: أربع من كن فيه فقد ربح؛ الصدق، والحياء وحسن الخلق، والشكر.
6
وقال الثوري في قوله - تعالى -: ويوم القيامة ترى الذين كذبوا على الله وجوههم مسودة) (1) قال هم الذين ادعوا محبة الله - تعالى - ولم يكونوا
فيها
وأوحى الله ـ سبحانه - إلى داود: من صدقني في سريرته صدقته عند
المخلوقين في علانيته)
وقال بعضهم: أجمع العلماء والفقهاء على ثلاث خصال أنها إذا صحت ففيها النجاة ولا يتم بعضها إلا ببعض؛ الاسلام الخالص من البدعة والهوى، والصدق الله - تعالى - في الأعمال، وطيب المطعم
وقال وهب بن منبه: وجدت على حاشية التوراة اثنين وعشرين حرفا كان صلحاء بني اسرائيل يجتمعون فيقرأونها ويتدارسونها وهي: لا كنز أنفع من العلم، ولا مال أربح من الحلم، ولا حسب أوضع من الغضب، ولا قرين أزين من العمل، ولا رفيق أشين من الجهل، ولا شرف أعز من التقوى، ولا كرم أوفر من ترك الهوى، ولا عمل أفضل من الفكر، ولا حسنة أعلى من الصبر، ولا سيئة أخرى من الكبر، ولا دواء ألين من
1 - الآية 60 من سورة الزمر (2/140)
صفحة 457
الرفق، ولا داء أوجع من الخرق، ولا رسول أعدل من الحق، ولا دليل أوضح من الصدق، ولا فقر أذل من الطمع، ولا غنى أشقى من الجمع ولا حياة أطيب من الصحة، ولا معيشة أهنا من العفة، ولا عبادة أحسن من الخشوع، ولا زهد خير من القناعة، ولا حارس أحفظ من الصمت، ولا غائب أقرب من الموت.
النار.
وقال بشير بن الحارث: من عامل الله - تعالى - بالصدق استوحش من
وقال رجل الحكيم: ما رأيت صادقا. فقال: لو كنت صادقا لعرفت
الصادقين
وعن محمد بن علي الكناني قال: وجدنا دين الله - تعالى - مبنيا على ثلاثة أركان؛ على الحق والصدق والعدل، فالحق على الجوارح، فالحق على الجوارح، والعدل على القلوب، والصدق على العقول.
وقال أهل المعرفة: الصدق موافقة الحق في السر والعلانية
•
وقال سهل بن عبدالله: الصدق محافظة اللسان عما لا يعنيه وحراسة
سائر الجوارح عن مخالفة أمر الله
•
وقال: من تكلم بما لا يعنيه حرم الصدق، ومن شغل جوارحه بغير ما أمر الله حرم الورع.
وقال بعض المتكلمين: الصدق القول بالحق في مواطن الهلكة وقال إبراهيم الخواص: الصادق لا تراه إلا في فرض يؤديه، أو فضل
يعمل فيه
•
قال ذو النون: الصدق سيف الله ما وضع على شيء إلا قطعه
181 - (2/141)
صفحة 458
وسئل الحارث المحاسبي عن علامة الصدق فقال: الصادق هو الذي لا يبالي لو خرج على كل قدر له في قلوب الخلق من أجل اصلاح قلبه، ولا يجب اطلاع الناس على مثاقيل الذر من عمله، ولا يكره أن يطلع الناس على السيء من عمله فإن كراهية ذلك تدل على أنه يحب الزيادة عندهم وليس
هذا
من أخلاق الصديقين
وقال بعضهم: من لم يؤد الفرض الدائم لا يقبل منه الفرض المؤقت.
قيل: وما الفرض الدائم؟ قال: الصدق
•
وقال: إذا طلبت الله بالصدق أعطاك مرآة صافية تبصر بها في كل شيء
من عجائب الدنيا والآخرة.
وقيل: عليك بالصدق حيث تخاف أن يضرك فإنه ينفعك ودع الكذب
حيث تراه ينفعك فإنه يضرك
وقال جعفر بن محمد: من أحب أن يشارك أهل النعيم في نعيمهم وأهل
الأموال في أموالهم فعليه بالصدق.
الحديث: إني امتحنت خصال الانسان فوجدت أشرفها صدق اللسان ومن عدم الصدق منطقه فجع بأكرم أخلاقه وما من مضغة أحب إلى الله من اللسان إذا كان صدوقا وما من مضغة أبغض إلى الله - لعله منه - إذا كان
كذوبا.
ومن
كان الصدق سبيله كان الرضى من الله جائزته.
وقيل: عليك بالصمت وصحبة من تذكرك الله رؤيته وتقع هيبته على
قلبك يعظك بلسان فعله لا بلسان قوله
- 142 - (2/142)
صفحة 459
الباب السابع عشر
في الكذب واليمين
الأخبار
قال: إن الكذب باب من أبواب النفاق
وقال: كبرت خيانة أن تحدث أخاك حديثا هو لك به مصدقا وأنت
به کاذب.
وقال: لا يزال العبد يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله
کذابا» (1)
وقال: «التجار هم الفجار فقيل: يا رسول الله؛ قد أحل الله البيع قال: «نعم؛ ولكنهم يحلفون فيأثمون، ويحدثون فيكذبون. وقال: «ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا ينظر إليهم؛ المان
بعطيته، والمنفق سلعته بالحلف الفاجر، والمسبل إزاره
وقال: ما حلف حالف فأدخل فيها مثل جناح بعوضة إلا كانت في
قلبه يوم القيامة
1 - رواه مسلم عن عبدالله بن مسعود
- 143 - (2/143)
صفحة 460
له.
وقال: «ويل للذي يحدث فيكذب ليضحك به القوم ويل له ويل
وقال وكان متكئا: ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؛ الاشراك بالله،
وعقوق الوالدين. ثم قعد وقال: ألا وقول الزور» (1)
وقال: ان العبد ليكذب الكذبة فيتباعد عنه الملك مسيرة ميل من
نتن ما جاء به
وقال: «تكفلوا إلي بست أتكفل لكم بالجنة قالوا: وما هي؟ قال: إذا حدث أحدكم فلا يكذب، وإذا وعد فلا يخلف، وإذا إئتمن فلا يخون، وغضوا أبصاركم، وكفوا أيديكم، واحفظوا فروجكم». وقال: إن للشيطان كحلا ولعوقا ونشوقا؛ فأما لعوقه الكذب
وأما نشوقه فالغضب، وأما كحله فالنوم
وقال: من حلف يمين بإثم ليقطع بها مال امريء مسلم بغير حق
لقي الله - تعالى - يوم القيامة وهو عليه غضبان
وروي
أنه رد شهادة رجل في كذبة كذبها. وقال صلى الله عليه وسلم: «كل خصلة
يطبع أو يطوى عليها المؤمن إلا الخيانة والكذب
•
الآثار
قالت عائشة: ما كان من خلق أشد عند أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم من
1 - رواه البخاري ومسلم عن أبي بكر رضي الله عنه
- \ {{- (2/144)
صفحة 461
الكذب فما ينحل من صدره حتى يعلم أنه قد أحدث الله - عز وجل - منها
توبة.
وقال موسى - عليه السلام -: يا رب؛ أي عبادك خير عملا؟ قال:
من لا يكذب لسانه، ولا يفجر قلبه، ولا يزني فرجه
وقال لقمان: يا بني؛ إياك والكذب فإنه شهي كلحم العصفور عما
قليل يقليه صاحبه.
يوم
•
وقال علي: أعظم الخطايا عند الله لسان الكذوب، وشر الندامة ندامة
القيامة
صاحبه
وقال مالك: الصدق والكذب يعتركان في القلب حتى يخرج أحدهما
وقال مالك بن دينار: قرأت في بعض الكتب ما من خطيب إلا عرضت خطبته على عمله، فإن كان صادقا صدق، وإن كان كاذبا قرضت شفتاه
بمقرضين من نار كلما قرض نبت
- 180 (2/145)
صفحة 462
[صفحة فارغة] (2/146)
صفحة 463
الباب الثامن عشر
في العزلة وفضيلة الخمول
الأخبار
ذلك
عن ابن مسعود - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ليأتين على الناس زمان لا يسلم لذي دين دينه إلا من فر من قرية إلى قرية، ومن شاهق إلى شاهق، ومن جحر إلى جحر كالثعلب يروغ، قالوا: ومتى يا رسول الله؟ قال: «إذا لم تنل المعيشة إلا بمعاصي الله فإن كان ذلك الزمان حلت العزوبة، قالوا: وكيف ذلك يا رسول الله؛ وقد أمرتنا بالتزويج؟ قال: إنه إذا كان ذلك الزمان كان هلاك الرجل على يد أبويه، فإن لم يكن له أبوان فعلى يدي زوجته وولده، فإن لم يكن له زوجة ولا ولد فعلى يدي قرابته قالوا: فكيف ذلك يا رسول الله؟ قال: «يعيرونه بضيق المعيشة فيتكلف ما لا يطيق حتى يوردوه موارد الهلكة
وعن جعفر بن محمد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «خص البلاء بمن عرف
الناس وعاش فيهم من لم يعرفوه
•
وقال ـ عليه السلام -: خيار المؤمنين القانع، وشرارهم الطامع
- (2/147)
صفحة 464
وروي
أن الله - تعالى - أوحى إلى عيسى - عليه السلام ـ: كن في العزلة عن الناس كالهامة في الطير، وبالحلم كالأرض تحت العبادة، وبالسخاء كالماء الجاري، وبالرحمة كالشمس تطلع على البار والفاجر فإذا
الزمت هذه الأربع أعطيتك جناحين تطير مع الملائكة في الجنة
عملا
•
عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم: اعلموا أن أغبط الناس عندي القيامة الخفيف الحال وعظيم حظ يوم الصلاة لله اليقين والشكر مع من وذكر الله كثيرا في السر والعلانية وكان مع الناس على قصد لا يشار إليه في الدين ولا في الدنيا بالأصابع وكان عيشه كفافا
وفي خبر آخر: ان أهل الجنة كل أشعث أغبر ذي طمرين لا يؤبه له الذين إذا استأذنوا على الأمراء لم يؤذن لهم وإذا خطبوا النساء لم ينكحوا، وإذا قالوا لم ينصت لهم، حوائج أحدهم تتجلجل في صدره لو قسم نوره يوم القيامة على الناس لوسعهم
وفي خبر آخر: إن أغبط أولياء الله عبد مؤمن، خفيف الحال، ذو حظ من صلاة، أحسن عبادة ربه في السر، وكان غامضا في الناس لا يشار إليه بالأصابع فمن صبر على ذلك قيل: ثم بعد يا رسول الله قال: عجلت منيته، وقل تراثه، وقلت بواكيه
للغرباء
يفقدوا
وقال: استأنسوا بالوحدة عن جلساء السوء
وقال: إن الاسلام بدأ غريبا ولا تقوم الساعة حتى يعود غريبا فطور
•
وقال: خيركم الأتقياء الذين إذا حضروا لم يعرفوا وإذا غابوا لم
وقال: ألا أدلكم على أهل الجنة؛ كل ضعيف متضعف لو أقسم على
- 1? A - (2/148)
صفحة 465
الله لأبره، وأهل النار كل مستکبر خواص
وعنه أنه قال: إن الله يحب الأتقياء الأخفياء الشعثة رؤوسهم الخميصة بطونهم الذين إذا استأذنوا على الأمراء لم يؤذن لهم وإذا خطبوا الغنيات لم يزوجوا وإن غابوا لم يفقدوا وإن شهدوا لم يشر إليهم
أهل الدنيا في دنياهم اما أنه الكريم على ربه لو أقسم عليه لأبر قسمه
وإن ماتوا لم يشهدوا.
ويحك أن هؤلاء خبرهم وذكرهم في الأرض فاتر، وفي السماء ظاهر كانوا في الدنيا شعثة رؤوسهم، وغداً رؤوسهم زاهرة ناضرة في رحمة الله كانوا في الدنيا خماص البطون، وغدا شباع في الجنة مما يشتهون ويتمنون، كانوا إذا استأذنوا على الأمراء في الدنيا لم يؤذن لهم، وغداً يقرعون أبواب الجنة فيقول
لهم رضوان: مرحبا بأولياء الرحمن ادخلوا إلى قصوركم ودوركم وسرركم خطبوا في دار الدنيا فلم يزوجوا وغداً حور العين لهم مباحة في جنة الله وكرامته الحوراء من حالها كذا وكذا، وإن غابوا في الدنيا لم يفقدوا، أسماؤهم مع الملائكة تحول أجنحة في قلوبهم، وإن ماتوا لم يشهد جنائزهم أهل الدنيا والملائكة تشهد جنائزهم وتشيعهم وتوسدهم في قبورهم وتبشرهم برحمة الله
صبروا في الدنيا قليلا، ونعموا في الآخرة طويلا
الآثار
وقيل: إذا أراد الله أن ينقل العبد من المعصية إلى عز المعصية إلى عز الطاعة آنسه بالوحدة، وأغناه بالقناعة، وبصره عيوب نفسه، فمن أعطى ذلك فقد
أعطي خير الدنيا والآخرة
•
- 189. (2/149)
صفحة 466
عمر - رضي الله عنه - قال: خذوا بحظكم من العزلة
وقال: في العزلة راحة من خليط السوء
•
وقال مكحول: إن كان في مخالطة الناس خير فإن في العزلة السلامة
وقال وهب بن الورد: وكان يقال: العافية عشرة أجزاء؛ تسعة منها في الصمت، والعاشر في الهرب من الناس.
وقال أبو الدرداء: اتقوا الحاجة واحذروا الناس، فإنهم ما ركبوا ظهر بعير إلا أدبروه، ولا ظهر جواد إلا عقروه، ولا قلب مؤمن إلا ضربوه
وقال سهل: لا تصح الخلوة إلا بأكل الحلال، ولا يصح أكل الحلال
إلا بأداء حق الله - سبحانه وتعالى -.
وقال لقمان لابنه: استعذ بالله من شر الناس
وقال أبو الدرداء: نعم صومعة الرجل بيته يكف فرجه وبصره ونفسه
وإياكم ومجالس السوء فإنها تلغي
وقال الفضيل: هذا زمان احفظ لسانك، واخف مكانك، وعالج قلبك، وخذ ما تعرف، ودع ما تنكر.
•
وقال الامام: ينبغي لمن أراد العزلة أن ينوي بعزلته كف شره عن الناس، وطلب سلامته من الأشرار، والفرار بدينه من الفتن، والخلاص من آفة القصور عن القيام بقضاء الحقوق، والتجرد لعبادة الله ـ تعالى ـ، وأن يكون في خلوته مواظبا على العلم والعمل حتى يجتني من شجرة العزلة ثمارا تقر
بها عيناه في دنياه وأخراه
•
-
وقال ابن عباس - رضي الله عنه -: لولا مخافة الوسواس لرحلت إلى
بلاد لا أنيس بها، وهل يفسد الناس إلا الناس
-10 - (2/150)
صفحة 467
الناس
قال: وليقنع باليسير من المطعم والملبس والمسكن وإلا ألجأه التوسع إلى
وكان الجنيد يقول: مكابدة العزلة أيسر من مداراة الخلطة، والصبر عن الشهوات أحسن على قلوب الأبرار من طلبها
ولبعضهم شعرا:
كن لقعر البيت جلسا وارض
بالخلوة
أنسا
أما
لست بالواجد حسرا أو ترد اليوم
وقال الآخر:
الزم الوحدة
ان
الناس ود
واترك
الأصحاب
ــجو
ن بقي في الناس خلة
امسي لنفاق
لعلة أو
إلا
صاحبا يصحبك لله
وقال الفتح بن خاقان: دخلت يوما على المتوكل أمير المؤمنين فرأيته مطرقا متفكرا. فقلت: ما هذا الفكر يا أمير المؤمنين؟ فوالله ما على الأرض
أحد أطيب منك عيشا ولا أنعم بالا
فقال: يا فتح أطيب مني عيشا رجل له دار واسعة، وزوجة صالحة ومعيشة حاضرة، لا يعرفنا ولا نعرفه فنؤذيه، ولا يحتاج إلينا فنزدريه.
وفي موضع غير هذا على هذا المعنى؛ فإن عرفنا وعرفناه أفسدنا عليه أمر
آخرته ودنياه
وعن الناشيء أنه قال: الاستكثار من الاخوان وسيلة الهجران، يريد أنهم إذا كثروا كثرت حقوقهم ولم يسعهم بره، وقصر في قضاء حقوقهم أدى ذلك إلى الهجران.
- 101 - (2/151)
صفحة 468
وعن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - أنه قال: احترسوا من الناس
بسوء الظن
وقال بعض السلف: الطريقة المثلى في هذا الباب، وان لا تمتنع من حق لزمك للناس وإن لم يطالبوك به، وان لا تنهمك لهم في باطل ولو دعوك إليه. وكن مع الناس في الخير، وكن بمعزل عنهم في الشر
الله
وقيل لبعض المنقطعين عن الخلق: دلني على عمل أجد فيه قلبي مع على الدوام. قال: لا تنظر إلى الخلق فإن النظر إليهم ظلمة. قلت: لا بد لي. قال: لا تسمع كلامهم فإن كلامهم قسوة. قلت: لا بد لي من ذلك قال: لا تعاملهم لأن معاملتهم وحشة. قلت: أنا بين أظهرهم لا بد لي من معاملتهم. قال: فلا تسكن إليهم فإن السكون إليهم هلكة
قلت: هذا لعلة. قال: يا هذا أتنظر إلى الغافلين، وتسمع كلام الجاهلين، وتعامل البطالين، وتريد أن تجد قلبك مع الله - تعالى - على الدوام
هذا ما لا يكون
152 - (2/152)
صفحة 469
الباب التاسع عشر
في الصمت
الأخبار
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه
ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت (1)
وقال: لا تكثر الكلام بغير ذكر الله فإن كثرة الكلام بغير ذكر الله
قسوة للقلب
وقال: كل كلام ابن آدم عليه لا له إلا أمرا بمعروف أو نهيا عن منكر أو ذكرا لله - تعالى -).
ما يقول
وقال: إن الله عند لسان كل ناطق فليتق الله امرؤ علم
•
وقال: من كثر كلامه كثر سقطه، ومن كثر سقطه کثرت ذنوبه
ومن كثرت ذنوبه فالنار أولى به
1 - رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة
153 - (2/153)
صفحة 470
وقال: رحم الله عبدا قال خيرا فغنم أو سكت عن شر فسلم وقال: «الصمت زين للعالم وستر للجاهل».
وقال: «الصمت حكم وقليل فاعله أي هو حكمة وحزم.
وقال: من تكفل لي بما بين لحييه ورجليه أتكفل له بالجنة
وقال: «من وقي شر قبقبه وذبذبه ولقلقه فقد وقى» القبقب البطن، والذبذب الفرج واللقلق اللسان.
6
وسئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أكثر ما يدخل الناس النار، فقال: الأجوفان؛ الفم والفرج.
وقال معاذ: قلت يا رسول الله؛ أنؤاخذ بما نقول؟ قال: ثكلتك أمك يا معاذ وهل يكب الناس على مناخرهم إلا حصائد السنتهم. وقال: لا يستقيم إيمان عبد حتى يستقيم قلبه، ولا يستقيم قلبه
حتى يستقيم لسانه، ولا يدخل الجنة رجل لا يأمن جاره بوائقه وقال: من كف لسانه ستر الله عورته ومن ملك غضبه وقاه الله
عذابه ومن اعتذر إلى الله قبل عذره وقال: «إذا رأيتم المؤمن صموتا وقورا فادنوا منه فإنه يلقي
الحكمة.
وقال: الناس ثلاثة؛ غانم وسالم وشاحب؛ فالغانم الذي يذكر الله، والسالم الساكت، والشاحب الذي يخوض في الباطل
الثريا
وقال: «ان الرجل ليتكلم الكلمة يضحك بها يهوي بها أبعد من
•
154 - (2/154)
صفحة 471
وقال: طوبى لمن أمسك الفضل من لسانه، وانفق الفضل من ماله
وقال: من حسن اسلام المرء تركه ما لا يعنيه»
(1)
وقال: «ان لسان المؤمن من وراء قلبه فإذا أراد ان يتكلم بشيء تدبره بقلبه ثم امضاه، وان لسان المنافق أمام قلبه فإذا وان لسان المنافق أمام قلبه فإذا هم بالشيء أمضاه
بلسانه ولم يتدبره بقلبه
•
أبو هريرة عن النبي أنه قال: اكثر الناس ذنوبا يوم القيامة اكثرهم
كلاما فيها لا يعنيه
وقال أعرابي: يا رسول الله دلني على عمل يدخلني الجنة قال: «أطعم الجائع، واسق الظمآن، وامر بالمعروف، وانه عن المنكر، فإن لم تطق فكف
لسانك إلا من خير
ذهب.
وقال سليمان عليه السلام: إن كان الكلام من فضة فالسكوت من
وقال عيسى عليه السلام: العبادة عشرة أجزاء تسعة منها في الصمت
وجزء في الفرار من الناس
الآثار
وقال حكيم: حظي من الصمت لي ونفعه مقصور علي، وحظي من
الكلام لغيري ووباله راجع علي.
وقال حكيم: سبع كلمات في الصمت، كل كلمة منها بألف:
1 - رواه الترمذي عن أبي هريرة
- 100 - (2/155)
صفحة 472
احداها: ان الصمت عبادة من غير عناء، وزينة من غير حلي، وهيبة من غير سلطان، واستغناء عن الاعتذار إلى كل أحد، وحصن من غير حائط، وراحة الكرام الكاتبين، وستر لجميع الذنوب
وقيل: لسان الجاهل مفتاح حتفه
ويقال: مقتل الرجل بين فكيه
ويقال: أربع كلمات صدرت عن أربعة من الملوك كأنما رميت عن
قوس واحدة.
ملكتها
قال كسرى: لم أندم على ما لم أقل، وقد ندمت مرارا على ما قلت وقال ملك الصين: اذا تكلمت بالكلمة ملكتني واذا لم اتكلم بها
وقال ملك الهند: عجبت لمن يتكلم بالكلمة إن رفعت ضرته وان لم ترفع لم تنفعه
•
وقال قيصر: أنا على قول ما لم أقل اقدر مني على رد ما قلت. وقيل: علامة العاقل اربع خصال: الصمت، والاعتزال عن
الناس، واخلاص العمل، وقطع الطمع مما في أيدي الناس
الائم
جمرا
وقيل: الصمت عند العالم زيادة في العقل، وفي الجاهل ستر من
وقال لقمان لابنه: يا بني رب لفظة سهلة تقولها لغوا وهي توطئك
وقال: ان من يرحم يُرْحَم، ومن يصمت يسلم، ومن يفعل الخير
- 156 - (2/156)
صفحة 473
•
يغنم، ومن يقل الشر يأثم، ومن لا يملك لسانه يندم
وقال: يا بني عليك بالصمت إلا في ذكر الله واعلم أنك إن صَمَتْ سلمت، فعود لسانك الصمت عن كثير من الكلام فإن فيه مع ذلك علما ووقارا، فإذا اكثرت الصمت قل الكذب واعلم ان اللسان باب القلب فإذا ضيعت الباب دخل من لا تريد ان يدخل وخرج من لا تريد أن يخرج، واذا حفظت الخزانة كلها فاستوثق من لسانك بتلاوة القرآن واشغله بالحكمة عن قول الزور والرفث والبهتان
يا بني: من يحفظ لسانه يكرم، ومن يحفظ لسانه فقد اكرم نفسه، ومن سلط لسانه فقد أضاع نفسه، ومن كف لسانه ويده عن الناس فقد أصاب
حظ نفسه
وقيل للقمان الحكيم: ما حكمتك؟ قال: لا أسأل عما كفيت ولا
اتكلف ما لا يعنيني
وقال آخر: أوثق الأمور ترك الخوض في الفضول، وقلة السقط في الكلام، ولزوم الصواب في الأقوال والأفعال
وقال ابن مسعود: والله الذي لا إله إلا هو ما من شيء أحوج من طول لسان السجن من
وقال وهب بن منبه في حكمة آل داود: حق على العاقل ان يكون عارفا بزمانه حافظا للسانه مقبلا على شأنه. وقال الحسن: ما عقل دينه من لم يحفظ
لسانه
وقال عمر - رضي الله عنه -: لا تتعرض لما لا يعنيك، واعتزل عدوك، واحذر صديقك من القوم إلا الأمين ولا أمين إلا من يخشى الله، ولا تصحب الفاجر لتتعلم من فجوره ولا تطلعه على سرك، واستشر في امرك
الذين يخشون الله تعالى
- lov - (2/157)
صفحة 474
[صفحة فارغة] (2/158)
صفحة 475
الباب العشرون في الحلم
قال الله تعالى: (والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس)
القائم.
الأخبار
(1)
قال النبي صلى الله عليه وسلم: ان الرجل ليدرك بالحلم درجة الصائم
وقال: إن الله يحب الحيي المتعفف
وقال: «إنما العلم بالتعلم والحلم بالتحلم، ومن يتجر الخير يعطه ومن يتوق الشر يوقه
وقال: «ابتغوا الرفعة عند الله. قالوا: ما هي يا رسول الله؟ فقال: تصل من قطعك، وتعطي من حرمك، وتحلم عمن جهل عليك» وقال: «خمس من سنن المرسلين: الحياء والحلم والحجامة
والسواك والتعطر
1 - الآية 134 من سورة آل عمران
- 109 - (2/159)
صفحة 476
وقال: ثلاثة من لم تكن فيه واحدة منهن فلا يعتدن بشيء عمله. تقوى تحجره عن معاصي الله، وحلم يكف به السفيه، وخلق يعيش
به في الناس
وقال: اذا اجتمع الخلائق نادى مناد أين أهل الفضل فيقوم أهل الحلم فيقال لهم ما كان فضلكم قالوا: كنا إذا ظلمنا صبرنا، واذا أسيئ الينا غفرنا، وإذا جهل علينا حلمنا. فيقال لهم: ادخلوا الجنة فنعم أجر
العاملين
•
الآثار
قال علي: ليس الخير أن يكثر مالك وولدك، ولكن الخير ان يكثر
علمك ويعظم حلمك
وقال اكثم: دعامة العقل الحلم، ودعامة الأمر الصبر
وقال معاوية: لا يبلغ الرجل مبلغ الرأي حتى يغلب حلمه جهله وصبره شهوته، ولا يبلغ ذلك إلا بقوة العلم
وقال أهل الحكمة: الحلم اطفاء ثائرة (1) الغضب عند نزول النصب
وحلول التعب. والحلم حجاب الآفات
وقال بعض الحكماء: حلم ساعة يرد سبعين آفة.
وقال بعض العلماء: الحلم أجل من العقل لأن الله وصف به نفسه
وكان يقال: حسب الحليم أن الناس أنصاره
1 - في الأصل (ناثرة) والصحيح ما أثبت (2/160)
صفحة 477
واعلم أن حد الحلم ضبط النفس عند هيجان الغضب
وقال عالم: الحلم شاهد حسن الخلق، وقائد قول الصدق
وقيل: الحلم رؤية البلاء من المبلى عطاء
وقال بعض الأدباء: غضب الجاهل في قوله، وغضب العاقل في فعله. وقال بعض الحكماء: إذا سكت عن الجاهل فقد أوسعته جوابا، وقد
أوجعته عقابا
وقال بعض الحكماء: ثلاثة لا يعرفون إلا في ثلاثة مواطن: لا يعرف الجواد إلا في العسر، والشجاع الا في الحرب، والحليم إلا في الغضب
وقال معاوية العرابة بن أوس: بما سدت قومك يا عرابة؟
فقال: كنت أحلم عن جاهلهم، واعطي سائلهم، وأسعى في حوائجهم فمن فعل فعلي فهو مثلي، ومن جاوزني فهو أفضل مني، ومن قصر
عني
فأنا
خير منه
وقيل شعرا:
سألزم نفسي الصفح عن كل مذنب وان عظمت منه على الجرائم وما الناس إلا واحد من ثلاثة شريف ومشروف ومثل مقاوم فأما الذي فوقي فأعرف قدره واتبع فيه الحق والحق لازم وأما الذي دوني فإن قال صنت عن اجابته عرضي وان لام لاثمي وأما الذي مثلي فإن زل أو هفا تفضلت ان الحر بالفضل حاكم
-171 - (2/161)
صفحة 478
[صفحة فارغة] (2/162)
صفحة 479
الباب الحادي والعشرون
في العفو
قال الله تعالى: (خذ العفو وامر بالعرف واعرض عن
الجاهلين) (1)
وقال تعالى: (وأن تعفوا أقرب للتقوى) (2)
وقال تعالى: (والذين يجتنبون كبائر الاثم والفواحش واذا ما غضبوا هم يغفرون) (3)
وقال تعالى: (والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب
المحسنين) (4)
الأخبار
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ثلاث والذي نفسي بيده ان كنت لحالفا
1 - الآية 199 من سورة الأعراف
2 - الآية 237 من سورة البقرة 3 - الآية 37 من سورة الشورى 4 - الآية 134 من سورة آل عمران
- lir. (2/163)
صفحة 480
عليهن: ما نقصت صدقة من مال فتصدقوا، ولا عفا رجل عن مظلمة يبتغي بها وجه الله تعالى إلا زاده الله بها عزا يوم القيامة، ولا فتح رجل باب مسألة إلا فتح الله عليه باب فقر
وقال: قال موسى عليه السلام يا رب أي عبادك أعز عليك؟ قال
الذي إذا قدر عفاء
•
وقال:
أفضل الناس للناس أفضلهم عفوا واسلمهم لهم صدرا».
وقال: من كظم غيظا ولو شاء ان يمضيه أمضاه ملأ الله تعالى قلبه يوم القيامة أمنا وايمانا (1)
وقال صلى الله عليه وسلم؛ ما من جرعة أحب الى الله من جرعة غيظ كظمها عبد وما
ملكها عبد إلا ملأ الله قلبه امنا وايمانا
وقال: اربع خصال مفسدة للقلب: مجازاة الأحمق إن جازيته كنت مثله وان سكت عنه سلمت، والخلوة بالنساء والعمل برأيهن ومجالسة الموتى قيل ومن الموتى يا رسول الله؟ قال: «كل غني أبطره غناه
وقال: لا ينبغي لولي أمر أن يؤتى بحد إلا أقامه والله عفو يحب العفو» ثم قرأ: وليعفوا وليصفحوا الا تحبون أن يغفر الله لكم والله غفور
رحيم) (2)
وقالت عائشة رضي الله عنها: ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم منتصرا من مظلمة ظلمها قط ما لم تنتهك من محارم الله فإذا انتهك من محارم الله شيء كان
أشدهم في ذلك غضبا وما خير بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثما
1 - رواه أبو داود والترمذي وابن ماجة عن معاذ
-
الآية 22 من سورة النور
- 178 - (2/164)
صفحة 481
وقال: «إذا وقف العباد نادى مناد ليقم من أجره على الله فليدخل الجنة. قيل من الذي أجره على الله؟ قال: العافي عن الناس فقام كذا كذا الفا فدخلوها بغير حساب
وروي ان النبي صلى الله عليه وسلم: ان جبريل عليه السلام نزل فقال: يا محمد أتيتك بمكارم الاخلاق كلها في الدنيا والآخرة خذ العفو وامر بالمعروف واعرض عن الجاهلين، وهو يا محمد ان تصل من قطعك وتعفو عمن
ظلمك، وتعطي من حرمك
الآثار
قال الشيخ: اعلم أن العفو أجمل لباس يتزيى به الرجل
وقال جعفر بن محمد: لأن أندم على العفو أحب إلي من ان اندم على
العقوبة. وكان يقال: العفو خير الأمور عاقبة وخير العفو ما كان عن قدرة
وكان يقال: العزيز يزيد بالعفو عزا، والذليل يزيد بالعقوبة ذلا
وقال لقمان: كذب من قال إن الشر بالشر يدفع فإن كان صادقا فليوقد نارين ولينظر هل تطفئ احداهما الأخرى وانما يطفأ الشر بالخير كما تطفأ النار
بالماء.
وقال معاوية: عليكم والاحتمال حتى تمكنكم الفرصة فإذا أمكنتكم
فعليكم بالصفح والافضال
وقيل: ليس الحليم من ظلم حلم حتى إذا قدر انتقم، ولكن من ظلم
- 190 -
فحلم ثم قدر فعفا (2/165)
صفحة 482
[صفحة فارغة] (2/166)
صفحة 483
الباب الثاني والعشرون في الرفق
قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الله أمرني بمداراة الناس كما امرني بإقامة القرآن
وقال: اذا أحب الله أهل بيت ادخل عليهم الرفق
وقال: «يا عائشة أرفقي فإن الله إذا أراد بأهل بيت كرامة ادخل عليهم
الرفق.
الرفق
وقال: يا عائشة ارفقي فإن الله إذا اراد بأهل بيت كرامة دلهم على باب
وقيل: من يحرم الرفق يحرم الخير كله».
وقال: «أيما وال ولي فرفق ولان ورفق رُفق به يوم القيامة».
وقال: «تدرون من يحرم على النار. كل هين لين سهل قريب
وقال: الرفق يمن والخرق شؤم
وقال: «التأني من الله والعجلة من الشيطان
•
وقال: يا عائشة إن من أعطي حظه من الرفق أعطي حظه
من
- ITV. (2/167)
صفحة 484
الدنيا والآخرة، ومن حرم
حظه
حظه
من خير الدنيا من الرفق حرم
والآخرة
وقال النبي: ان الله يحب الرفق وما جعل الله الرفق في شيء إلا زانه وما نزعه من شيء إلا شانه واذا أراد الله بقوم خيرا أدخل عليهم الرفق (1)
وقال: الرفق بركة وزيادة، من يحرم الرفق يحرم الخير.
الآثار
قال حكيم: الرفق روح الايمان فكل عمل لا روح فيه فهو معطل
قال عالم: صاحب الرفق ملك القلوب
وقال عالم: الرفق مفتاح الرزق ومطمح الصدق
وقال أهل الأدب: الرفق في الامور كالمسك في العطور
وقال حكيم: ان الله بعث الرسل بثلاثة أشياء: بالقلب واللسان والبدن. فاراد من اللسان ذكر الله وبر الخلق، واراد من القلب تعظيم امر الله، والشفقة على خلق الله، واراد من البدن اقامة امر الحق، واحتمال أذى الخلق، وذلك كمال الرفق
وقال وهب بن منبه: الرفق ثني الحلم
وفي الخبر موقوفا ومرفوعا: العلم خليل المؤمن، والحلم وزيره والعقل دليله، والعمل قيمه، والرفق والده، واللين أخوه، والصبر أمير
جنوده
1 - رواه مسلم عن عائشة
- ITA- (2/168)
صفحة 485
وقيل: ما أحسن الايمان يزينه العلم، واما أحسن العلم يزينه العمل، وما أحسنه العمل يزينه الرفق، وما أضيف شيء إلى شيء مثل حلم
إلى علم
وبلغ عمر - رضي الله عنه ـ أن جماعة اشتكوا من عماله فأمرهم أن يوافوه فلما قدموا عليه قام فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أيتها الرعية إن لنا عليكم حقا النصيحة بالغيب، والمعاونة على الخير ايتها الرعاة إن للرعية عليكم حقا واعلموا انه لا حلم احب الى الله، ولا أعم من حلم إمام ورفقه. وليس جهل أبغض الى الله ولا أعم من جهل إمام وخرقه، واعلموا أنه من يأخذ بالعافية فيمن بين يديه يرزق العافية فيما دونه
6
- 169 - (2/169)
صفحة 486
[صفحة فارغة] (2/170)
صفحة 487
الباب الثالث والعشرون
في المروءة
اعلم ان من شواهد الفضل ودلائل الكرم المروءة التي هي حلية النفوس وزينة الهمم، والمروءة؛ هي مراعاة الأحوال التي تكون على افضلها حتى لا يظهر منها قبيح ولا يتوجه إليها ذم باستحقاق
وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال: من عامل الناس فلم يظلمهم وحدثهم فلم يكذبهم ووعدهم فلم يخلفهم فهو كمن كملت مروءته ووجبت أخوته وحرمت غيبته (1)
وقال بعض البلغاء: من شرائط المروءة ان يتعفف عن الحرام، ويجتنب ما يعقب الآثام، وينصف في الحكم، ويكف عن الظلم، ولا يطمع فيها لا يستحق، ولا يعين قويا على ضعيف، ولا يؤثر دنيئا على شريف، ولا يرتكب ما يعقبه الوزر والاثم، ولا يفعل ما يقبح الذكر والاسم. وسئل بعض الحكماء؛ عن الفرق بين العقل والمروءة فقال: العقل ما يأمرك بالأنفع والمروءة ما تأمرك بالأجمل
•
وقيل: المروءة تقوى الله وصلة الرحم، وقيل: المروءة الصبر على
البلوى والشكر على النعمة والعفو عند القدرة
1 - رواه الترمذي عن أبي سعيد
- 171 - (2/171)
صفحة 488
وقال انوشروان لابنه هرمز الكامل: المروءة من حصن دينه ووصل
رحمه وأكرم اخوانه.
وسئل علي بن محمد الباقر عن المروءة فقال: ان لا تعمل في السر عملا
تستحي منه في العلانية
المقدرة.
وقيل: المروءة ان يصون الرجل عرضه بماله
وقيل: المروءة شرف الكريم وتغافله عن اللثيم
وقال بعض الأدباء: أوسع ما يكون مغفرة اذا ضاقت بالذنب المعذرة وقال بعض الادباء: رأس المروءة طلاقة الوجه والتودد الى الناس وقيل للأحنف: ما المروءة؟ فقال: الحلم عند الغضب والعفو عند
وقال بعض الحكماء: البس من الثياب ما لا يزدريك فيه العظماء ولا
يعيبه عليك العلماء.
ومن شروط المروءة المؤازرة وهي نوعان، احدهما الاسعاد بالجاه والثاني: الاسعاف بالنوائب.
6
وقد روي عن النبي أنه قال: الخلق كلهم عيال الله فأحبهم إليه
أحسنهم صنيعا إلى عياله
•
وقال بعض الحكماء: اصنع الخير عند امكانه يبقى لك حمده عند زوال أيامه، وأحسن والدولة لك يحسن إليك والدولة عليك، واجعل زمان عافيتك عدة لزمان بلائك
وسئل الأحنف بن قيس عن المروءة فقال: صدق اللسان ومواساة
- IVY - (2/172)
صفحة 489
الاخوان وذكر الله في كل مكان
وقال يزيد بن معاوية: المروءة اذا اعطيت شكرت واذا ابتليت صبرت
واذا قدرت غفرت واذا وعدت أنجزت واذا سئلت بذلت
•
وقال حكيم: المروءة طعام موضوع ولسان معسول ونائل مبذول وعفاف معروف وأذى مكفوف وقال الحسن: مروءة الرجل صدق لسانه واحتمال عثرات اخوانه وبذل المعروف لأهل زمانه وكف الأذى عن أباعده وجيرانه
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كرم المرء دينه ومروءته عقله وحسبه خلقه.
وقيل لأبي هلال ما المروءة؟ فقال: ورع يحجر عن المحارم وتسارع الى
المكارم وصفح عن الزلات وصبر في الملمات
173 - (2/173)
صفحة 490
[صفحة فارغة] (2/174)
صفحة 491
الباب الرابع والعشرون
في السخاء والايثار
قال الله تعالى: (ويؤثرون على انفسهم ولو كان
خصاصة) (1
الأخبار
وقال: السخي قريب من الله، قريب من الناس، قريب من الجنة، بعيد من النار، والبخيل بعيد من الله، بعيد من الناس، بعيد من
الجنة، قريب من النار
والجاهل السخي أحب الى الله من العابد البخيل.
وعن عائشة - رضي الله عنها - قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما جبل
الله وليا له إلا على السخاء وحسن الخلق
(2)
وقال: «السخاء شجرة في الجنة فمن كان سخيا أخذ بغصن منها فلم يتركه ذلك الغصن حتى يدخله الجنة والشح شجرة في النار فمن كان
1 - الآية 9 من سورة الحشر رواه ابن ماجة عن ابن عمر
-
- IVO - (2/175)
صفحة 492
شحيحا أخذ بغصن من أغصانها فلم يتركه ذلك الغصن حتى يدخله النار وقال: «يقول الله تعالى: اطلبوا الفضل من الرحماء من عبادي تعيشوا في اكنافهم فإني جعلت فيهم رحمتي، ولا تطلبوه إلى القاسية قلوبهم فإني جعلت فيهم سخطي
•
وقال: إن الله عبادا اختصهم بالنعم لمنافع العباد فمن بخل بتلك المنافع عن العباد نقلها الله عنه وحولها الى غيره
وقال: من عظمت نعمة الله عليه عظمت مؤونة الناس إليه فمن لم يحمل تلك المؤونة عرض تلك النعمة للزوال). (1)
وقال: طعام الجواد دواء وطعام البخيل داء
وقال عيسى عليه السلام: استكثروا من شيء لا تأكله النار قيل وما
هو؟ قال: المعروف
وقال: «الجنة دار الأسخياء»
وقال: «بذلاء امتي لم يدخلوا الجنة بصلاة أو صيام ولكن دخلوها
بسخاء الأنفس وسلامة الصدور والنصح للمسلمين
•
وقال: إن الله جعل للمعروف وجوها من خلقه حبب إليهم المعروف وحبب إليهم فعاله ووجه طلاب المعروف إليهم ويسر عليهم أعطاهم كما يسير الغيث إلى البلدة الجدبة فيحييها ويحيي به أهلها
وقال: کل معروف صدقة وكلما أنفق الرجل على نفسه وأهله كتب له صدقة، وما وقى الرجل عرضه فهو له صدقة، وما أنفق الرجل نفقة
فعلى الله خلفها
1 - رواه مسلم عن أبي هريرة
-
176 - (2/176)
صفحة 493
وقال صلى الله عليه وسلم: کل معروف صدقة والدال على الخير كفاعله والله
يحب اغاثة اللهفان
وقال: كل معروف فعلته الى غني أو فقير صدقة
وقال: «خلقان يحبهما الله حسن الخلق والسخاء، وخلقان يبغضهما الله سوء الخلق والبخل واذا أراد الله بعبد خيرا استعمله على قضاء حوائج الناس».
وقال: «ان الله جواد يحب الجواد ويحب معالي الأخلاق ويكره
سفاسفها
وقال جابر: عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: قال جبريل عليه السلام قال الله عز وجل: ان هذا الدين ارتضيته لنفسي ولن يصلحه إلا السخاء وحسن الخلق فاكرموه بهما ما استطعتم
وفي رواية: «فاكرموه بهما ما صحبتموه
وقال: «تجافوا عن ذنب السخي فإن الله أخذ بيده كلما عثره.
الآثار
وقيل للحسن البصري: ما السخاء؟ فقال: ان تجود بمالك في الله عز وجل قيل: فما الحزم؟ قال: ان تمنع مالك فيه. قيل: فما الاسراف؟
قال: الانفاق لحب الرئاسة.
وقال جعفر الصادق: لا مال أعود من العقل، ولا معصية اعظم من
1 - رواه الطبراني والبيهقي بطرق مختلفة
- 177 - (2/177)
صفحة 494
الجهل، ولا مظاهرة كالمشورة الا وان الله يقول: (اني جواد كريم لا يجاورني لثيم) واللؤم من الكفر وأهل الكفر في النار، والجود والكرم من الايمان وأهل الايمان في الجنة
وقيل: خير المال ما وقى العرض.
وقيل لسفيان بن عيينة: ما السخاء؟ فقال: السخاء البر بالاخوان
والجود بالمال
الاتقياء
وقال بعض الحكماء: الجود غاية الزهد والزهد غاية الجود.
وقال آخر: الجود أشرف الأخلاق، وأنفس الأعلاق
وقال ابن المعتز: الجود حارس العرض من الذنب
وقال أيضا: " الأسخياء يقيدون المال، والبخلاء يقيدهم المال
ويقال: من جاد ساد، ومن بخل ذل
وقال علي بن عبد الله: الاسخياء سادة الناس في الدنيا، وفي الآخرة
- 178 - (2/178)
صفحة 495
الباب الخامس والعشرون في الغضب
قال الله تعالى: (اذ جعل الذين كفروا في قلوبهم الحمية حمية الجاهلية فأنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين) (1) فذم الكفار بما تظاهروا به من الحمية الصادرة عن الغضب بالباطل، ومدح المؤمنين بما انعم عليهم من
السكينة
وعن عكرمة. في قوله تعالى: وسيدا وحصورا) (2)، قال: السيد الذي لا يغلبه الغضب.
الأخبار
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الغضب جمرة في قلب ابن آدم، الا ترون حمرة عينه، وانتفاخ أوداجه فمن وجد من ذلك شيئا فليلصق خده بالأرض فإذا غضب أحد فليقل أعوذ بالله من الشيطان الرجيم فإن سكن والا
فليجلس إن كان قائما ويضطجع إن كان قاعدا
1 - الآية 26 من سورة الفتح
2 - الآية 39 من سورة آل عمران
-
رواه البخاري ومسلم عن أبي سعيد الخدري
(3)
- 1 V 4. (2/179)
صفحة 496
وقال: من كف غضبه ستر الله عورته
وقال سليمان بن داود: يا بني إياك وكثرة الغضب، فإن كثرة الغضب تستخف فؤاد الرجل الحليم.
وقال: ما غضب احد الا شفا على جهنم
وقال رجل: يا رسول الله أي شيء أشد؟ قال: «غضب الله تعالى قال: فما يباعدني من غضب الله قال: لا تغضب»
الآثار
واعلم ان الغضب سبب مفارقة العقل، ويعمي عن الحق، ويحمل على الظلم والبغي والجور والفساد والكذب والبهتان والبطش واتلاف النفوس، لا سيما من ذي القدرة، وهو ضد الحلم الذي موضعه في الدين عظيم، وهو أصل لجميع الفضائل.
والغضب شعلة من نار.
•
وكسر حدة الغضب من المهمات
وقال أحد الحكماء: الغضب يصد العقل حتى لا يرى صاحبه حسنا
فيفعله، ولا قبيحا فيجتنبه
وقيل: من أطاع شهوته وغضبه قاداه الى النار.
وقيل: الغضب عدو العقل
•
وقال بعضهم: إياك والغضب فإنه يصيرك الى ذل الاعتذار.
-
1 A- (2/180)
صفحة 497
وقال جعفر بن محمد: الغضب مفتاح كل شر
وقال ابن مسعود: انظر إلى حلم الرجل عند غضبه، وأمانته عند طمعه، وما علمك بحلمه إذا لم يغضب، وما علمك بأمانته إذا لم يطمع.
والطمع
وقال وهب بن منبه: الكفر أربعة أركان: الغضب والشهوة والخرق
وقال عمر - رضي الله عنه - من اتقى الله لم يشف غيظه، ومن خاف
الله لم يفعل ما يريد ولولا يوم القيامة لكان غير ما ترون
وقال لقمان لابنه: يا بني لا تذهب ماء وجهك بالمساءلة، ولا تشف
غيظك فتعظم فضيحتك، واعرف قدرك تنفعك معيشتك
الطمع
وقال أيوب: حلم ساعة يدفع شرا كثيرا.
واجمعوا على ان افضل الاعمال الحلم عند الغضب، والصبر عند
وقال محمد بن كعب: ثلاث من كن فيه فقد استكمل الايمان بالله تعالى؛ من اذا رضي لم يدخله رضاه في الباطل، واذا غضب لم يخرجه غضبه عن الحق، واذا قدر لم يتناول ما ليس له
ثلاثة
من كن فيه فقد اكتمل إيمانه: من كظم غيظه، ومن أنصف في
حالتي رضاه وغضبه، ومن عفا عن ذي المقدرة، وويل لمن غضب وينسى غضب الله تعالى، وان لجهنم بابا لا يدخله الا من اتبع إلا بخلاف الشرع، وان في جهنم بابا يقال له الشفا لا يدخله إلا من يشفي غضبه من أخيه
المسلم
وقال عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - لا تعتمد على خلق رجل حتى
- 181 - (2/181)
صفحة 498
تجربه عند الغيظ فإن لم يغضب فهو حليم عاقل، وإن غضب فهو جاهل
احمق
قال الناسخ: الغضب كله مذموم الا في ذات الله
- MAY- (2/182)
صفحة 499
الباب السادس والعشرون
في الحسد
قال الله تعالى: {وما تفرقوا إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم) (1) فأنزل الله العلم ليجمعهم ويؤلف بينهم على طاعته، فأمرهم أن يتألفوا بالعلم، فتحاسدوا واختلفوا إذ أراد كل واحد أن ينفرد بالرئاسة وقبول القول فرد بعضهم على بعض
وقال ابن عباس: كانت اليهود قبل ان يبعث النبي إذا قاتلوا قوما قالوا نسألك بالنبي الذي أن ترسله وبالكتاب الذي تنزله الا ما نصرتنا فكانوا ينصرون. فلما جاء النبي عليه السلام من ولد اسماعيل عرفوه وكفروا به بعد معرفتهم إياه فقال تعالى: (وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به فلعنة الله على الكافرين بنسما اشتروا به أنفسهم أن يكفروا بما أنزل الله بغيا) (2)، أي حسدا
وقال تعالى: كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه. وما اختلف فيه الا الذين أوتوه من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم) (3)، قيل في
التفسير: حسدا.
1 - الآية 14 من سورة الشورى
- الآيتان 89، 90 من سورة البقرة
- الآية 213 من سورة البقرة
- 183 - (2/183)
صفحة 500
ويقتتلوا
الأخبار
قال: «اخوف ما أخاف على امتي ان يكثر لهم المال فيتحاسدوا
وقال: ستة يدخلون النار بستة: الأمراء بالجور، والعرب بالعصبية، والدهاقين بالتكبر، والتجار بالخيانة، وأهل الرساتيق بالجهالة، والعلماء بالحسد
وقال: انه سيصيب امتي داء الأمم الأشر والبطر والتكاثر والتنافس في الدنيا والتباعد والتحاسد حتى يكون البغي ثم يكون الهرج.
وقال: «المؤمن يغبط والمنافق يحسد
•
وقال: «الحسد يأكل الحسنات (1) كما تأكل النار الحطب
وقال في النهي عن الحسد وأسبابه وثمراته: لا تحاسدوا ولا
تقاطعوا (2) ولا تدابروا ولا تباغضوا وكونوا عباد الله اخوانا
•
الآثار
وقيل: الحاسد لا ينال من المجلس إلا مذمة وذلا، ولا ينال من
الملائكة الا لعنا وبغضا، ولا ينال من الخلق إلا جزعا وعناء، ولا ينال عند
النزع إلا شدة وهولا، ولا ينال عند الموقف إلا فضيحة ونكالا
1 - رواه أبو داود عن أبي هريرة
2 - رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة
184 (2/184)
صفحة 501
وقال بعض الحكماء: الحسد جرح لا يندمل إلا بهلاك الحاسد
والمحسود
واللثيم
وقال بعض المتكلمين: الاذلاء اربعة الحسود والنمام والكذوب
وعن بعض الحكماء أنه قال: لا راحة للطامع، ولا لذة للحاسد
وقال الأحنف بن قيس: لا راحة للحسود، ولا مروءة للكذوب، ولا صديق للملول، ولا حياة للبخيل، ولا سؤدد للسيء الخلق
وقال حكيم: الحسد داء دوي لا دواء له الا الموت وقال أهل الاشارة: الحسد كالنار تأكل نفسها إذا لم تجد ما تأكله
وفي بعض الكتب: الحاسد عدو نعمتي.
وقال معاوية: كل انسان أقدر على أن ارضيه إلا الحاسد لا يرضيه إلا زوال النعمة. وقال: ليس في خلال الشر خلة اعدل من الحسد؛ يقتل
الحاسد غما قبل المحسود.
وقال عمر بن عبدالعزيز: ما رأيت ظالما أشبه بالمظلوم من
دائم ونفس متتابع
الحاسد غم
وقيل: من علامات الحاسد، يتملق إذا شهد، ويغتاب إذا غاب،
ويشمت بالمصيبة إذا نزلت
•
وقيل: الحاسد اذا رأى نعمة بهت وإذا رأى عثرة شمت
وقيل: الحاسد مغتاظ على من لا ذنب له، بخيل بما لا يملكه
وقيل: إياك أن تتعنى في مودة من يحسدك، فإنه لا يقبل احسانك
1 A 0 - (2/185)
صفحة 502
وقيل: إذا اراد الله أن يسلط على عبده عدوا لا يرحمه سلط عليه
حاسدا.
وقال بعض الحكماء: من رضي بقضاء الله تعالى رضي الله عنه ولم يسخطه أحد، ومن قنع بعطائه لم يدخله حسد
•
وقال بعض الحكماء: يكفيك من الحسود انه يغتم في وقت سرورك.
وقيل في منثورة الحكم: عقوبة الحاسد نفسه من
وقال الغزالي في كتابه: من اشتد حرصه على الجاه وحب الصيت في
جميع اطراف العالم بما هو فيه فإنه يحسد كل من هو في العالم، وان بعد ممن يساهمه في الخصلة التي يتفاخر بها، ومن شاء ذلك جميع الدنيا فإن الدنيا تضيق عن المتزاحمين، وأما الآخرة فلا ضيق فيها وانما مثال الآخرة نعمة العلم فلا جرم من يحب معرفة الله تعالى ومعرفة صفاته وملائكته وأنبيائه وملكوت أرضه وسمائه لم يحسد غيره إذا عرف ذلك لأن معرفة الله لا تضيق عن العارفين بل المعلوم الواحد يعرفه الف الف واحد ويفرح بمعرفته، ويلتذ به، ولا ينقص لذة واحدة بسبب غيره بل تحصل بكثرة العارفين زيادة الأنس وثمرة الافادة والاستفادة فلذلك لا يكون بين علماء الدين محاسدة لأن مقصدهم معرفة الله تعالى، وغرضهم المنزلة عند الله، ولا ضيق فيهما عند الله تعالى ومن الحاشية. قال الناسخ: الذي بان لي ان المعلوم الواحد معنا شيء
الواحد والله اعلم.
واذا قصد العلماء بالعلم المال والجاه تحاسدوا لأن المال أعيان وأجسام إذا وقعت في يد واحد خلت عنها يد الآخر ومعنى الجاه. ملك القلوب، ومهما
- IAT - (2/186)
صفحة 503
امتلأ قلب شخص بتعظيم عالم انصرف عن تعظيم آخر ونقص منه لا محالة
فيكون ذلك سببا للمحاسدة
MAY - (2/187)
صفحة 504
[صفحة فارغة] (2/188)
صفحة 505
الباب السابع والعشرون في الكبر
قد ذم الله الكبر في مواضع من كتابه وذم كل جبار عنيد فقال:
سأصرف عن آياتي الذين يتكبرون في الارض بغير الحق) (1)
وقال تعالى: (ومن يستنكف عن عبادته ويستكبر فسيحشرهم إليه
جميعا) (2).
وقال تعالى: اليوم تجزون عذاب الهون بما كنتم تقولون على الله غير
الحق وكنتم عن آياته تستكبرون) (3)
وقال تعالى: فبئس مثوى المتكبرين) (4)
وقال تعالى: (كذلك يطبع الله على كل قلب متكبر جبار) (ه)
الأخبار
قال: «يحشر المتكبرون يوم القيامة امثال الذر في صور الرجال
1 - الآية 146 من سورة الأعراف
-
4
الآية 172 من سورة النساء - الآية 93 من سورة الأنعام
الآية 72 من سورة الزمر الآية 35 من سورة غافر
- 149 - (2/189)
صفحة 506
يعلوهم كل شيء من الصغار ثم يساقون الى سجن في جهنم يقال له يولس تعلوهم نار الأنيار يسقون من طينة الخبال عصارة أهل الناره
وقال: «يحشر الجبارون المتكبرون يوم القيامة في صورة الذر يطأهم الناس لهوانهم على الله
وقال: «ان في النار قصرا يجعل فيه المتكبرون ويطبق عليهم.
وقال: اللهم اني اعوذ بك من نفخة الكبر»
وقال: «من فارق روحه جسده وهو برئ من ثلاث دخل الجنة: الكبر والدين والغلول
•
وقال: «لا ينظر الله الى رجل يجر ثوبه بطرا».
وقال: من تعظم في نفسه (1) واختال في مشيته لقي الله وهو
عليه غضبان.
وقال: لا يزال الرجل يذهب بنفسه حتى يكتب في الجبارين فيصيبه ما أصابهم من العذاب
وقال: يخرج من النار عنق له أذنان تسمعان وعينان تبصران ولسان ينطق يقول وكلت بثلاثة بكل جبار عنيد، وبكل من دعا مع الله إلها آخر، - لعله ـ وبالمصورين.
وقال: لا يدخل الجنة جبار، ولا بخيل، ولا
سيء
الملكة
وقال: بئس العبد تجبر واعتدى ونسي الجبار الأعلى، بئس العبد
تجبر واختال ونسي الكبير المتعال، بئس العبد عبد سها ولها ونسي المقابر
1 - رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة
-14.
- (2/190)
صفحة 507
والبلاء، بئس العبد عبد أغني وبغى ونسي المبدأ والمنتهى»
وقال: «تحاجت الجنة والنار. فقالت النار: أوثرت بالمتكبرين والمتجبرين. وقالت الجنة: مالي لا يدخلني الا ضعفاء الناس وسقطهم فقال الله تعالى للجنة: (انما انت رحمتي ارحم بك من أشاء من
وعجزهم
عبادي)، وقال للنار: إنما انت عذابي اعذب بك من أشاء ولكل واحدة
ملؤها.
الآثار
قال أبو بكر الصديق - رضي الله عنه - لا يحقرن أحد أحدا من المسلمين
فإن صغير المسلمين عند الله كبير.
وقال النعمان بن بشير على المنبر: ان للشيطان مصائد وفخوخا وان مصائده وفخوخه (1) البطر بأنعم الله، والفخر بما اعطى الله، والكبر على
عباد الله، واتباع الهوى في غير ذات.
وقال محمد بن الحسين بن علي: ما دخل قلب امرئ شيء من الكبر قط الا نقص من عقله بقدر ما دخل من ذلك قل أو كثر
وقال عالم: التكبر عقوبة لا ترحم
وقال بعض الحكماء: المتكبر الذي يرى نفسه خيرا من غيره وذلك من
غاية لوث باطنه. واعلم ان الكبر هو الاعجاب وهو يخفي المحاسن، ويظهر المساوئ، ويكسب المذام، ويصد عن الفضائل
وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم: أن العجب ليأكل الحسنات كما تأكل النار
1 - جمع فخ وهو ما ينصب لاصطياد الفريسة
- 141 - (2/191)
صفحة 508
الحطب.
وقال القرشي: الاعجاب ضد الصواب، وآفة الألباب
وقال بعض الحكماء: من برئ من ثلاث نال ثلاثا: من برئ من الشره نال العز، ومن برئ من البخل نال الشرف، ومن برئ من الكبر نال
الكرامة.
وقال الفضل بن سهل: من كانت ولايته فوق قدره تكبر لها، ومن
كانت ولايته دون قدره تواضع لها.
وقال إبليس - لعنه الله -: إذا ظفرت من ابن آدم بثلاث لم أبال أن لا أطالبه بغيرهن إذا نسي ذنوبه، واستكثر أعماله، وأعجب بنفسه وقد قيل: مما أنزل الله تعالى في الكتب السالفة: عجبت لمن قيل فيه الخير وليس فيه كيف يفرح، وعجبت لمن قيل فيه الشر وهو فيه كيف
يغضب
وقال أشعياء عليه السلام لبني اسرائيل: ان الدابة تزداد مع كثرة الرياضة لينا، وقلوبكم لا تزيد على كثرة الموعظة إلا قسوة وان الجسد إذا صلح كفاه القليل من الطعام، وان القلب اذا صلح كفاه القليل من الحكمة. كم من سراج قد أطفأته الريح وكم من عابد قد أفسده العجب
يا بني اسرائيل اسمعوا قولي فإن قائل الحكمة وسامعها شريكان. وأولاهم من حققها بعلمه
6
وقال مجاهد في قوله تعالى: ثم ذهب الى اهله يتمطى) (1) أي
يتبختر
1 - الآية (33) من سورة القيامة
192 - (2/192)
صفحة 509
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا مشت أمتي المطيطا وخدمتهم فارس والروم سلط
بعضهم على بعض
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: ثلاث مهلكات: شح مطاع، وهوى متبع
و اعجاب المرء بنفسه. (2/193)
صفحة 510
[صفحة فارغة] (2/194)
صفحة 511
الباب الثامن والعشرون
في المزاح والعجب والضحك
روي عن النبي صلى الله عليه وسلم في غريب الحديث أنه قال: لا مزح ولا أقول إلا حقا وذلك مثل قوله: اذهبوا بنا إلى فلان البصير نعوده لرجل مكفوف
البصر أي بصير القلب
الجنة
ومثل قوله ـ عليه السلام - للعجوز التي قالت: ادع الله أن يدخلني. فقال: إن الجنة لا تدخلها العجوز كأنه ـ عليه السلام ـ أراد قول الله: (إنا أنشأنا هن إنشاء فجعلناهن أبكارا عربا أترابا) (1) فإذا صارت إلى الجنة فليست بعجوز حينئذ
وقوله: لابن أبي طلحة وكان له بعير فمات فجعل يقول: «ما فعل
البعير يا أبا عمير فهذا ومثله من المباح وهو حق كله
وأتته امرأة في حاجة لزوجها فقال: ومن زوجك؟ قالت: فلان فقال: «الذي في عينيه بياض؟ قالت: لا قال: «بلي» فانصرفت عجلى إلى زوجها وجعلت تتأمل عينيه فقال: ما شأنك؟ قالت: أخبرني رسول الله الله أن في عينيك بياضا فقال لها: صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم أما ترين بياض عيني أكثر
من سوادهما
•
1 - الآية 36 من سورة الواقعة
- 140 - (2/195)
صفحة 512
الهوى
وكان يمزح في سفره مع أصحابه ولا يقول إلا حقا
وعن النبي صلى الله عليه وسلم قال: المزاح استدراج من الشيطان واجماع من
وكتب عمر بن عبد العزيز إلى بعض عماله: امنعوا الناس من المزاح
فإنه يذهب المروءة ويوغر الصدور
ولبعضهم شعر:
إذا صاحبا صرم بحبل تجاذبا فلم يلبثا بالصرم أن يقطعا الحبلا إذا طال عمر المرء في غير آفة أفادت له الأيام في كرها عقلا فإياك إياك المزاح فإنه يجرئ عليك الطفل والدنس النذلا ويذهب ماء الوجه بعد مهابة ويورثه من بعد عزته ذلا واعلم أن المزاح إزاحة الحقوق، ويخرج إلى القطيعة والعقوق، ويصم المازح، ويؤذي الممازح فأما وصمه المازح أنه يذهب عنه الهيبة والبهاء ويجرئ عليه السفهاء وأما أذيه الممازح فإنه معقوق إن أمسك عنه أحزن قلبه وإن قابل عنه انتهك عرضه
وقيل: إنما سمي المزاح مزاحا؛ لأنه يزيح عن الحق.
وقيل: المزاح يأكل الهيبة كما تأكل النار الحطب
وقيل: من مزح مزحة مج من عقله مجة
وقيل: قلة المزاح من الفتى تدعو إلى الفلاح
وقيل: المزاح سباب الحمقى وهو السباب الأصغر.
وقيل: المزاح يذهب الهيبة ويورث الضغينة.
-147 - (2/196)
صفحة 513
وقيل: من قل عقله كثر هزله
وقيل: لكل شيء بذر وبذر العداوة المزاح
وقيل: المزاح أوله فرح وآخره ترح
وقيل: لو كان المزاح فحلا لم ينتج إلا شرا.
وقيل: المزاح مسلبة للمهابة مقطعة للصداقة
وقيل: المزاح والسخرية والاستهزاء بالناس يريق ماء الوجه ويسقط المهابة ويستجر الوحشة ويؤذي القلوب، وهو مبدأ اللجاج والغضب والتصارم ويغرس الحقد في القلوب، ويذهب بحلاوة الود ويشين فقه الفقيه ويجرئ السفيه ويميت القلب ويورث الذلة ويباعد عن الرب وبه تكثر العيوب فإياك أن تمازح لبيبا أو غير لبيب فإن اللبيب يحقد عليك والسفيه يجترى عليك، وإن مازحك غيرك فلا تجب واعرض عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره، وكن من الذين إذا مروا باللغو مروا كراما.
علمك
وعن النبي صلى الله عليه وسلم: «إياكم والمزاح فإن خيره لا ينال وشره لا يقال
وقال أبو نصر: في الضحك ثماني آفات:
احداها: يذمك العلماء والعقلاء
والثانية: يجترئ عليك السفهاء والجهلاء.
والثالث: إذا كنت جاهلا ازداد جهلك، وإن كنت عالما نقص
والرابعة: أن فيه نسيان الذنوب الماضية
-19 V- (2/197)
صفحة 514
والخامسة: أن فيه جرأة على الذنوب في المستقبل؛ لأنك إذا ضحكت
قسا قلبك
والسادسة: أن فيه نسيان الموت وما بعده من أمر الآخرة.
والسابعة: أن عليك وزر من يضحك بضحكك
والثامنة: أنه يعقب في الدنيا بكاء طويلا وحزنا في الآخرة كثيرا
وقيل: ثلاثة أشياء تقسي القلب: كثرة الضحك من غير عجب، والأكل من غير جوع، والكلام من غير حاجة
وقيل: ثلاثة تخلق العقل: سرعة الجواب، وطول التمني والاستغراق في الضحك
فصل
وقيل: إنه رد على إبراهيم بعض دعائه لعجب دخله. جاء عنه ـ عليه السلام ـ أنه أحيى ليلة، فلما أصبح أعجب بقيام ليله فقال: نعم الرب رب إبراهيم ونعم العبد إبراهيم فلما كان غداؤه لم يجد أحدا يأكل معه وكان ـ عليه السلام - يحب أن يأكل معه غيره فأخرج طعامه إلى الطريق ليمر به مار ليأكل معه وجاء الحديث أنه نزل ملكان من السماء فأقبلا نحوه فدعاهما إبراهيم - صلوات الله عليه - إلى الغداء فأجاباه فمال إليهما فقال لهما: تقدما إلى هذه الروضة فإن فيها عينا فنتغدى عليها. فتقدما إلى العين فإذا ماء العين قد غار وليس فيها ماء فاشتد على إبراهيم فاستحى إذ رأى غير ما قال فقالا له: ادع ربك يا إبراهيم وسله أن يعيد الماء إلى العين. فدعا الله فلم ير شيئا فاشتد عليه، قال لهما: ادعوا الله فدعا الله أحدهما فرجع نصف الماء إلى العين ثم
- 198 - (2/198)
صفحة 515
دعا الآخر فامتلأت العين فأخبراه أنهما ملكان وان اعجابه بقيام ليله من أجله رُدَّ دعاؤه فلم يُسْتَجَبْ
فاحذروا - رحمنا الله وإياكم - الاعجاب فإنه من الكبر وتواضعوا فإنه إذا تكبر العبد قصمه الله ورد عمله وليس مع الكبر عمل ولا يقبل مع الكبر عمل، وكلما خضع العبد الله وتواضع وذل كان أزكى لعمله وأشرف له وأقرب
من
الله - عز وجل -.
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «ما وضع عبد نفسه إلا رفعه الله وما رفع نفسه
إلا وضعه الله
وقيل: إن الذي يختال في ثوبه لا تقبل صلاته
وقيل: إن قارون اختال فخسف به الأرض
وقيل: ما رفع الناس أبصارهم إلى شيء إلا وضعه الله
وقيل: إذا أقبل الرجل على الرجل بالثناء فقد أقبل عليه بالشقاء الأكبر
وإن تعجيل العقوبات حب القلوب للمدح
•
وقيل: إن العجب يحرق الأعمال ويأكل الحسنات كما تأكل النار
الحطب. وكفى بالمرء جهلا أن يعجب بنفسه
وأصل الهلاك في اثنين: القنوط والعجب، وأن المعجب بنفسه مخذول
محجوب عن التوفيق ممنوع عن التأييد
وذكر في الخبر عن النبي أنه قال: ثلاث مهلكات؛ شح مطاع،
وهوى متبع، واعجاب المرء بنفسه.
وعن عيسى - عليه السلام - أنه قال: كم من سراج قد أطفأته الريح، وكم من عابد قد أفسده العجب، وحقيقة العجب استعظام العمل فمن أراد
- 199 - (2/199)
صفحة 516
الله
أن يزيل العجب عن نفسه فعليه بأربعة أشياء: أولها أن يرى التوفيق من - تعالى - فيشتغل بالشكر ولا يعجب بنفسه وينظر في نعم الله ـ تعالى ـ التي أنعم بها عليه ويستشعر المخافة من الله - تعالى - في رد عمله فيشتغل بذلك عن العجب فإنه لا يعرف ما يخرج له يوم القيامة في كتابه أشقي في نار حامية أم سعيد في جنة عالية. فإذا فعل ذلك فقد كسر العجب عن نفسه
وان أقل طاعة إذا سلمت من العجب والرياء يكون لها عند الله - تعالى - من المنزلة والقيمة ما لا نهاية له، وإن أعظم طاعة إذا أصابتها هاتان الأفتان العجب والرياء فلا قيمة لها ولا يثاب عليها عاملها
واعلم أن أعظم آفة تدخل على العبادة من قبل العجب لأنه ربما يجتهد في عبادة ربه وطاعته سنين عدة وهو غافل عن عيوب نفسه وعن كل آفة تدخل عليه في عبادته وربما لا يكون شيء من أعماله مقبولا وربما يتعب أعواما فيفسد عليه عمله من أجل ساعة واحدة فهذا من أعظم الخسران وأعظم الخطر وأعظم البلاء
نعوذ بالله من شرور أنفسنا ونسأله العصمة والتوفيق بفضله وكرمه وأن
يميتنا مسلمين إنه هو أرحم الراحمين (2/200)
صفحة 517
الباب التاسع والعشرون في الرياء والاعجاب
اعلم ان الرياء محبط لجميع الأعمال وهو الشرك الأصغر قال الله عز وجل: فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه
أحدا (1)، أراد به الاخلاص
وقال تعالى: (فويل للمصلين الذين هم عن صلاتهم ساهون الذين
هم يراءون ويمنعون الماعون) (2)
وقال تعالى: إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاء ولا
شکورا)
(3)
الأخبار
•
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر قيل: وما هو يا رسول الله؟ قال: هو الرياء يقول الله - عز وجل - يوم القيامة
إذا جاء العباد بأعمالهم - اذهبوا الى الذين كنتم تراءون لهم فانظروا هل
-
•
الآية 110 من سورة الكهف الآيات 4،، 7،6 من سورة الماعون
3 - الآية 9 من سورة الانسان (2/201)
صفحة 518
تجدون.
وقال في حديث طويل يقال للغازي والعالم والمنفق إذا قال فعلت كذا يقال له: كنت اردت ان يقال فلان عالم أو شجاع أو جواد فيذهب به الى
النار
وروي ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ان المرائي يدعى يوم القيامة بأربعة اسماء يا کافر يا فاجر يا غادر يا خاسر. ضل سعيك وبطل أجرك فلا خلاق لك التمس الأجر ممن كنت تعمل له يا مخادع
وروي عنه أنه قال: «ان الجنة تكلمت فقالت: أنا حرام على كل
بخيل ومراء»
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي ذر: يا أبا ذر جدد السفينة فإن البحر عميق، واكثر الزاد فإن الطريق بعيد، واخلص العمل فإن الناقد بصيره. وقال: للمرائي ثلاث علامات، يكسل اذا كان وحده عن الصلاة، وينشط إليها إذا كان يرى الناس، ويحب الثناء في جميع أموره»
وقال: «من أسر سريرة البسه الله رداءها إن كان خيرا فخير، وان
كان شرا فشر
القيامة
وقال: من رأى رأى الله به ومن سمع سمع الله
عن عبد الله بن عمر: من سمع الناس بعمله
به
الله سمع به سامع يوم
وعنه: ان الرجل ليصل في بيته خاليا فيرد عليه قيل: ومن يرد عليه؟ قال: أن يعلم بمكانه فلو أن رجلا عمل عملا فأسره وكتمه ثم أحب أن يعلم الناس بمكانه أنه ممن يكتم أعمال البر ويستره فقد أحب أن يرى عمله ويذکر به وكان ذلك حظه من عمله علموا به أو لم يعلموا. والرجل لا يفطن
- (2/202)
صفحة 519
لوسواس الشيطان وذلك أمكن لعدوه من قلبه
وعنه قال: «من عمل عملا صالحا فأظهره كي يقتدي به الناس كان كالداعي إلى الله - تعالى - ما لم يحب مع ذلك الحظوة والمنزلة عندهم والقيمة في قلوبهم والمعرفة لفضله، فإن أحب شيئا من
كان ذلك كله رياء
ذلك من
هذه المعاني
الآثار
وعن ابن عباس قال: إن من عمل العلانية ما يضاعف على عمل السر سبعين ضعفا. قيل: وكيف ذلك؟ قال: إذا عمل العمل ليتأسى به غيره فإن قوي قلبه عند إظهار عمله أن يدفع ما يسوس إليه العدد من حمد الناس إياه، كان من الرياء سالما
واعلم أن العبد لا يقوى على اظهار عمل بره حتى يكون مادحه وذامه في أعمال بره يجريان في قلبه مجرى واحدا، وينزلان بمنزلة واحدة فإذا أردت السلامة من أعمال البر دون التماس لثناء، ولا محمدة، ولا مكرمة، ولا ذكر ولا حظوة، ولا محبة، ولا رفعة، ولا رياسة، فإذا ذكرت شيئا من ذلك فلا يسرنك ولا يكونن في ضميرك فإن نفيته فقد سلمت منه وإن قلته فقد أشركت في عملك. والرياء خفي وهو داخل على العبد في كل شيء حتى في لحظه إذا الحظ وتماوت في المنطق، وفي المشي يترفق في مشيه ولا يحرك يدا ليقال ما أحسن مشيته وهديه
وفي اللباس يترك لباسا تشتهيه نفسه وتحتاج إليه وهو يقدر عليه كراهية ليس هذا من لباس الصالحين، ولا من زيهم حتى في تنحنحه يحب أن يعلم
بمكانه (2/203)
صفحة 520
ولا يسلم من الرياء إلا من سلمه الله.
وإياك أن تترك من العمل الذي نويت أن تعمله شيئا لأجل الناس، ولا تزد فيه لأجل الناس، وعد نفسك كراعي غنم أو إبل يفعل أمامه ما يريد
لا يبالي بهم.
واقصد في أعمالك كلها وجه الله، واحمل نفسك في جميع أمورك على أوسط الأمور وهو الصراط المستقيم وفيه النجاة ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: خير الأمور أوسطها»
فاحمل نفسك عليها في مأكلك ومشربك وملبسك ومشيك وكلامك ومناظرتك وقعودك بين إخوانك، ولا تلبس الاطمار لتمتاز بها عن الغافلين من الفجار ليشار إليك بالأصابع وترى السكينة في مشيتك وأنت تقصد ما يسوؤك فتكون ملكا في ظاهرك، شيطانا في باطنك، صديقا في علانيتك، لصا في سريرتك، شاة في ظاهرك، ذئبا في باطنك، فتسلك في الظاهر خير المسالك، وفي الباطن يصطلى بنارك فاجعل جميع من يراك كأنهم موتى فإنهم كذلك لا يضرونك، ولا ينفعونك ولا تفرق بين وجودهم وعدمهم وعلمهم بها وغفلتهم عنها، واقنع في ذلك بعلم الله - تعالى - وحده واطلب الأجر منه فإنه لا يقبل إلا الاخلاص وقدر أيضا أن ذمهم لن يضرك إذا كنت محمودا عند الله - تعالى -، ولا تتعرض لمقت الله وذمه خوفا من ذم
الخلق، وقدر أن الناس لو علموا ما في باطنك من قصد الرياء لمقتوك ويأبى الله إلا أن يكشف سرك حتى يعلم نفاقك فيمقتك الناس بعد أن يمقتك الله ـ عز وجل -، فلا تطلب رضاء الناس بسخط الله - تعالى - فيسخط الله عليك ويسخط عليك الناس بسخط الله - تعالى -.
قال معاذ: قلت يا رسول الله؛ أنت رسول الله وأنا معاذ. قال: «اقتد بي وإن كان في عملك نقص، يا معاذ؛ حافظ على لسانك من الوقيعة في
- Y+ {- (2/204)
صفحة 521
إخوانك من حملة القرآن واحمل ذنوبك عليها ولا تحملها عليهم ولا تزك نفسك بذمهم ولا ترفع نفسك عليهم ولا تدخل عمل الدنيا في عمل الآخرة ولا تتكبر في مجلسك كي يحذرك الناس من سوء خلقك ولا تناج رجلا وعندك آخر ولا تتعظم على الناس فينقطع عنك خير الدنيا ولا تمزق الناس بلسانك فتمزقك كلاب النار يوم القيامة في النار. قال الله - تعالى -: والناشطات نشطا) (1)) (أتدري ما هي يا معاذ؟ قلت: ما يا معاذ؟ قلت: ما هي بأبي أنت وأمي؟ قال:
كلاب في النار تنشط اللحم والعظم قلت: بأبي أنت وأمي فمن يطيق هذه
الخصال وينجو منها؟ قال: «يا معاذ إنه ليسير على من يسره الله ـ تعالى ـ»
•
1 - الآية (2) من سورة النازعات (2/205)
صفحة 522
[صفحة فارغة] (2/206)
صفحة 523
الباب الثلاثون
في الغيبة
قال الله - تعالى -: ولا يغتب بعضكم بعضا أيجب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا فكرهتموه واتقوا الله إن الله تواب رحيم)
الأخبار
(1)
قال النبي صلى الله عليه وسلم: كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه (2)
وقال: لا تحاسدوا ولا تباغضوا وكونوا عباد الله إخوانا.
وقال البراء: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أسمع العوائق في بيوتها فقال: يا معاشر من آمن بلسانه ولم يؤمن بقلبه لا تغتابوا المسلمين، ولا تتبعوا عوراتهم فإنه من يتبع عورة أخيه المسلم يتبع الله عورته، ومن يتبع الله عورته يفضحه الله ولو في جوف بيته.
وأوحى الله - تعالى - إلى موسى - عليه السلام -: (من مات تائبا من
1 - الآية 12 من سورة الحجرات 2 - رواه مسلم عن أبي هريرة
- 207 - (2/207)
صفحة 524
الغيبة فهو آخر من يدخل الجنة، ومن مات مصرا على الغيبة فهو أول من يدخل النار
وقال أنس: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر الربا وعظم شأنه وقال: «إن الدرهم يصيبه الرجل من الربا أعظم عند الله في الخطيئة من ست وثلاثين زنية يزنيها الرجل وأربى الربا عرض الرجل المسلم
وقال: مررت ليلة أسري بي على قوم يخمشون وجوههم بأظافيرهم فقلت: يا جبريل من هؤلاء؟ قال: هؤلاء الذين يغتابون الناس
ويقعون في أعراضهم»
وقال: «ما النار في اليبس بأسرع من الغيبة في حسنات الرجل
وقال رجل: يا رسول الله علمني خيرا ينفعني الله به. فقال: لا تحقرن من المعروف شيئا ولو أن تصب دلوا في إناء المستقي، وأن تلقى أخاك ببشر حسن، وإذا أدبر فلا تغتبه».
وقال مجاهد: في قوله - تعالى -: ويل لكل همزة لمزة) (1) الهمزة طعان في الناس، واللمزة الذي يأكل لحوم الناس
وقال معاذ: ذكر رجل عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: ما أعجزه فقال: اغتبتم صاحبكم قالوا: يا رسول الله؛ قلنا ما فيه. قال: «إن قلتم ما
ليس فيه فقد بهتموه
وفي موضع آخر قال له رجل: يا رسول الله؛ فلان ما أعجزه لا يرحل حتى يرحل له أو شبها من هذا. فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «غزوت الروم؟» قال: لا. قال: «غزوت كذا؟ قال: لا. فقال له: «كل هؤلاء يسلمون
1 - الآية 1 من سورة الهمزة
208 - (2/208)
صفحة 525
منك ولم يسلم منك أخوك المسلم، فأنكر عليه
وروي عنه قال: «هل تدرون ما الغيبة؟ قال: الله ورسوله أعلم. قال: ذكرك أخاك بما يكره قلت: أرأيت إن كان في أخي ما أقول
قال: إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه فقد بهته.
وعن عائشة - رضي النبي صلى الله عليه وسلم: «اغتبتها»
النار
أذله الله
الله عنها - أنها ذكرت امرأة فقالت إنها قصيرة فقال
وقال: من رد عن أخيه بالغيبة كان حقا على الله أن يعتقه من
وقال: «من أذل عنده مؤمن وهو يقدر على أن ينصره فلم ينصره
يوم
القيامة على رؤوس الخلائق
وقال: من القى جلباب الحياء عن وجهه فلا غيبة له
وقال: «أترعوون عن ذكر الفاجر حتى يعرفه الناس اذكروه بما فيه
يحذره الناس
الآثار
عن أبي بكر أحمد بن محمد بن صالح عن الشيخ أبي عبدالله محمد بن ابراهيم الكندي - رحمه الله - أنه كان يقول: ما أرجو الجنة لأحد من أهل هذا الزمان إلا الصبيان فذكر له في ذلك فقال: لأن الغيبة محرمة بالكتاب والسنة
والاجماع ولا أرى أحدا يتورع عنها
وروي لي أيضا عنه عن أبي بكر أنه كان يقول: إني لأعجب ممن يتورع
- Y.A- (2/209)
صفحة 526
من تبنة من جدار وهو يتكلم في اغتياب المسلمين بكلام يدخل به النار وكان أبو بكر - رحمه الله - لا يغتاب في مجلسه أحدا ويقول: إن ذكرتم
الله أعناكم، وإن ذكرتم غيره قمنا وتركناكم
وكان ميمون لا يغتاب ولا يدع عنده أحدا يغتاب وينهاه فإن انتهى وإلا
قام وخلاه
وقال الحسن: والله للغيبة أسرع في دين المؤمن من الأكلة في جسده. وقال بعضهم: أدركنا السلف وهم لا يرون العبادة في الصوم ولا في الصلاة ولكن في الكف عن أعراض الناس
•
وقال ابن عباس: إذا أردت أن تذكر عيوب صاحبك فاذكر عيوبك
وقال عمر: عليكم بذكر الله، وإياكم وذكر الناس فإنه داء
•
ومر عيسى - عليه السلام - والحواريون على جيفة كلب فقال الحواريون: ما أنتن ريح هذا. فقال عيسى: ما أشد بياض أسنانه كأنه ينهاهم عن غيبة الكلب، وينهاهم على أنه لا يذكر شيء من خلق الله - تعالى -
إلا أحسنه
وقال الغزالي في كتابه: حد الغيبة أن تذكر أخاك بما يكرهه ولو بلغه سواء ذكرت نقصا في بدنه أو في خُلُقه أو في نسبه أو في خلقه أو في فعله أو في قوله أو في دينه أو في دنياه وحتى ثوبه وفي داره وفي دابته
وقال: المستمع لا يخرج من اثم الغيبة إلا أن ينكر بلسانه فإن عجز فبقلبه، أو قدر على قطع القيام أو قطع الكلام بكلام غيره ولم يفعل لزمه وإن قال بلسانه: اسكت وهو مشته لذلك بقلبه فذلك نفاق لا يخرجه عن الاثم ما لم يكره بقلبه، ولا يكفي أن يشير باليد أي اسكت أو يشير بحاجبه
- 210 (2/210)
صفحة 527
وجبينه فذلك استخفاف للمذكور بل ينبغي أن يعظمه فيذب عنه صريحا
وقال الصلت بن طريف للحسن: الرجل الفاجر المعلن لفجوره ذكري
له بما فيه غيبة له. قال: لا ولا كرامة
بفسقه
وكانوا يقولون: ثلاثة لا غيبة لهم؛ الامام الجائر، والمبتدع، والمجاهر
وقال عمر: ليس للفاجر حرمة.
- 211 - (2/211)
صفحة 528
[صفحة فارغة] (2/212)
صفحة 529
الباب الحادي والثلاثون
في النميمة
قال الله - تعالى -: هماز مشاء بنميم مناع للخير معتد أثيم) (1)
وقال - تعالى -: ويل لكل همزة لمزة) (2) قيل: الهمزة النمام
وقال الله - تعالى -: حمالة الحطب) (3) لأنها كانت نمامة حمالة
للحديث في قول بعضهم.
وقال: فخانتاهما فلم يغنيا عنهما من
الله شيئا)
(4)
مجنون
قيل: كانت امرأة لوط تخبر بالضيفان، وامرأة نوح كانت تخبر أنه
وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: لا يدخل الجنة النمام.
وفي حديث آخر: لا يدخل الجنة قتات والقتات هو النمام.
الآيتان 11، 12 من سورة القلم
2 - الآية 1 من سورة الهمزة
الآية 4 من سورة المسد 4 - الآية 10 من سورة التحريم
- 213 - (2/213)
صفحة 530
الأخبار
قال: «أحبكم إلى الله أحسنكم أخلاقا فالموطئون أكنافا الذين يألفون ويؤلفون وأبغضكم المشاءون بالنميمة المفرقون بين الاخوان الملتمسون
للبريء (1) العثرات
وفي خبر: ألا أخبركم بشراركم؟ المشاءون بالنميمة المفسدون بين الأحبة الباغون للبريئين العيب
النار
وقال: من أشاع على مسلم كلمة ليشينه بها بغير حق شانه الله في.
يوم القيامة
وفي موضع آخر: أيما رجل أشاع على رجل كلمة ليشينه بها كان حقا على الله أن يذيبه بها يوم القيامة في الناره
النار
•
وقال: من شهد على مسلم بشهادة ليس لها بأهل فليتبوأ مقعده من
وقال: من مشى بين اثنين بالنميمة سلط الله في قبره نارا تحرقه إلى
يوم القيامة
وقال: إن من ألقى بين اثنين عداوة فليتبوأ مقعده من النار، ومن أصلح بين اثنين وجبت له على الله الجنة
•
وقال: إن الله - تعالى - لما خلق الجنة قال لها: تكلمي. قالت: سعد من دخلني. قال الجبار - جل جلاله -: وعزتي وجلالي لا يسكن فيك ثمانية نفر من الناس: مدمن خمر، ولا مصر على الزنا، ولا قتات - وهو ـ
- وردت في الأصل (للبراء) والصحيح ما أثبت
- TIE- (2/214)
صفحة 531
النمام -، ولا ديوث. قال الناسخ: الذي حفظته أن الديوث الذي يجمع
بين الرجال والنساء على الحرام والله أعلم. (رجع).
ولا الشَّرطِي، ولا المخنث، ولا قاطع الرحم، ولا الذي يقول
على عهد الله أن أفعل كذا وكذا ثم لم يف به
الآثار
وروى كعب الأحبار أنه أصاب بني اسرائيل قحط في زمن موسى - عليه السلام - فاستسقى مرات فما أجيب وأوحى الله - تعالى -: اني لا أستجيب لك ولمن معك وفيكم من قد أصر على النميمة فقال موسى - عليه السلام ـ: من هو حتى نخرجه من بيننا؟ قال: يا موسى إني أبغض النميمة فأكون (نماما فتابوا بأجمعهم فسقوا.
ويقال: إن ثلث عذاب القبر من النميمة
وروي أن حكيما من الحكماء زاره بعض إخوانه وأخبره بخبر عن غيره فقال الحكيم: قد أبطأت في الزيارة، وأتيتني ثلاثة؛ خيانة بغضت إلي أخي، وشغلت قلبي الفارغ، واتهمت نفسك الأمينة
وقال الحسن: من نم إليك نم عنك
وقال بعض الحكماء: من تجرأ لك تجرأ عليك
وقال بعض الحكماء: النميمة تهدي إلى القلوب البغضة
وقيل: الساعي كاذب لمن سعى له، وخائن لمن سعي به.
215 - (2/215)
صفحة 532
وقيل: من قال في الناس قالوا فيه
وقال بعضهم: لو صح ما نقله النمام إليك لكان هو المجازى بالشتم عليك والمتقول عنه أولى بحلمك لأنه لم يقابلك بشتمك
لم.
وقال بعضهم: النميمة مبنية على الكذب والحسد والنفاق وهي أثافي الذل
وقال لقمان لابنه: يا بني؛ إني موصيك بخصال إن تمسكت بهن لم تزل سيدا؛ أبسط خلقك للقريب والبعيد، وامسك جهلك عن الكريم واللئيم واحفظ اخوانك، وصل أقاربك، وأمنهم من قبول ساع أو سماع باغ يريد خداعك، وليكن أخدانك (1) من إذا فارقته وفارقك لم تعبه ولم
فسادك
يعبك
أمنحك
ويروم
وقال الأصمعي: شهدت أعرابية توصي ابنها وهي تقول: أبني؛ وصيتي وبالله توفيقك، إياك والنمائم فإنها تزرع الضغائن، وتفرق بين المتحابين، وإياك والتعرض للعيوب فتصير لها غرضا، وخليق أن لا يلبث الغرض على كثرة السهام، وإياك والجود بدينك، والبخل بمالك، ومثل لنفسك مثالا من غيرك - لعله من غيرها - فما استحسنته من الناس فاعمل به، وما استقبحته منهم فاجتنبه فإن المرء لا يرى عيب نفسه. ثم أمسكت فقلت: بالله يا أعرابية ألا زدتيه. قالت: يا أعرابي؛ أعجبك كلام العرب؟ فقلت: أي والله فزيديه. قالت: والغدر فإنه أقبح ما تعامل الناس به، واجمع بين السخاء والحلم والتواضع والحياء واستودعك الله وعليك السلام. وقيل: النميمة تفسد الدين والدنيا، وتغير القلوب، وتورث
البغضاء، وتسفك الدماء وتتلف النفوس.
•
جمع
خدن وهو الصديق
- YIT- (2/216)
صفحة 533
وقال مصعب بن الزبير: نحن نرى قبول السعاية شرا من السعاية لأن السعاية دلالة والقبول اجازة وليس على من دل على شيء فأحزنهم وردهم كمن
قبله وأجازه
وقال ابن مسعود: لا يكونن أحدكم إمعة قالوا: وما الامعة؟ قال: يجري مع كل ريح.
وقال: أبغض خليقة الله إليه يوم القيامة الكذابون، والمستكبرون، والذين يكثرون البغضاء لاخوانهم في صدورهم فإذا لقوا حلفوا لهم، والذين إذا دعوا إلى الله ورسوله كانوا أبطاء، وإذا دعوا إلى الشيطان وأمره كانوا سراعاه
وقال: تجدون من شر عباد الله
يوم
هؤلاء بحديث هؤلاء وهؤلاء بحديث هؤلاء»
القيامة ذا الوجهين الذي يأتي
•
وقال: «شر من كان له وجهان في الدنيا كان له لسانان من نار يوم
القيامة).
وقال: إن الله يغضب إذا مدح الفاسق
وقال خالد بن
•
معد: ان من مدح إماما واحدا بما ليس فيه على رؤوس
الأشهاد بعثه الله يوم القيامة يتعثر بلسانه
وعن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا مدح الفاسق اهتز لذلك العرش
وغضب لذلك الرب - عز وجل -
وقيل: إن العرش كالمرآة في أحوال أهل الدنيا يرى فيه صور كل من كان في الدنيا فيها من صغير وكبير وحقير وخطير وعبد وأمير على صفاتهم وأعمالهم وأحوالهم يراهم الروحانيون الذين يطوفون على العرش لا تخفى
- 217 - (2/217)
صفحة 534
عليهم أحوال أهل الدنيا.
وقال: «إذا مدحت أخاك في وجهه فكأنما أمررت على حلقه موسى
رميضة (1)
وقال عمر - رضي الله عنه -: المدح الذبح
وقيل: إياك والتمادح (2) فإنه ذبح
وقال زياد بن مسلم: ليس لأحد يسمع ثناء عليه أو مدحه إلا تراءى له
الشيطان ولكن المؤمن يراجع.
وروي أن رجلا مدح رجلا عند النبي صلى الله عليه وسلم فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «قطعت
عنق صاحبك لو سمعه ما ما أفلح
وعن ابن عباس قال: لا أزكي أحدا بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم وهذا شيء قد استحسنه الناس واستجازوه فيما بينهم، ولم يخافوا الله ولا استوحشوا منها بما يشاهدونه من التزكية بينهم مما ليس فيهم ولا عندهم، وإنما ذلك لدنيا ينالونها ويحامون عليها، ولا يزيد ذلك فيما رزقوا ولا ينقص مما حذروا، وقد ساء ظنهم بالله مع تعرضهم لسخطه وطمعهم في الله عما خالط القلوب، ودب في العروق من التزكية
وفي موضع آخر قال: ومالك لا تكون كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أتاه ابن حمامة السلمي من حاجة للمسلمين فقال: اني أثنيت على ربي وامتدحتك قال: «أما ما أثنبت به على ربك فهاته وأما ما امتدحتني به فدعه
ورسول الله صلى الله عليه وسلم لم تكن تضره المدحة ولا تغره ولو سره لكان ذلك جائزا له لأن الله - تعالى - قد مدحه وغفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر.
1 - . سكين سريعة القطع
2 - في الأصل (التمازح) والصحيح ما أثبت لأن سياق الكلام يمنعه
218 - (2/218)
صفحة 535
الباب الثاني والثلاثون
في أخبار واردة في النساء
عن أسامة بن زيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما تركت بعدي فتنة أخضر على رجال أمتي من النساء (1)
عن الحسن قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لكل زمان رجال فخيرهم من يرجى خيره ولا يخاف شره وان لكل زمان نساء فخيرهن الحراسات العفيفات المتعففات وشرهن البرانيات السوقيات المتبرجات المائلات المميلات على كأسنمة الابل العجاف لا يدخلن الجنة ولا يشممن ريحها حتى يلج
رؤوسهن
الجمل في سم الخياط»
عن الحسن عن رسول الله أنه قال: «خير النساء التي إذا أعطيت شكرت وإذا ابتليت صبرت.
وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: مثل الرافلة في غير أهلها كالظلمة
القيامة لا نور لها قيل: هي المتبرجة بالزينة لغير زوجها
•
يوم
وفي الحديث: «المختالات المتبرجات لا يدخل الجنة منهن إلا مثل
الغراب الأعصم، وهو الأبيض اليدين
رواه البخاري ومسلم عن أسامة بن زيد
- 219 - (2/219)
صفحة 536
تنتف
وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لعن الله النامصة والمتنمصة والواشرة والمستوشرة والواصلة والمستوصلة والواشمة والمستوشمة النامصة التي الشعر من الوجه، والمتنمصة التي تفعل بها ذلك، والواشرة التي تشر أسنانها أي تفلجها وتحددها حتى تكون اشرا والاشر تحدد ورقة في أطراف الأسنان، والواصلة التي تصل الشعر بشعر آخر، والمستوصلة التي تطلب ذلك، والوشم تغريز يد أو معصم ثم حشوه بالكحل أو نورة فيخضر
عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - أنه قال: النساء ثلاثة؛ فهينة لينة عفيفة مسلمة تعين أهلها على العيش ولا تعين العيش على أهلها، والأخرى: وعاء للولد، والأخرى: غل قمل يضعه الله في عنق من يشاء ويفكه عمن يشاء. وقوله: (غل (قمل أراد به السيئة الخلق الغالية المهر وعن مجاهد: إذا أقبلت المرأة جلس الشيطان على رأسها فزينها لمن ينظر
إليها
عن أنس بن مالك: جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله؛ إن لي زوجة إذا ما دخلت بيتي جاءتني بالوضوء فإذا توضأت قربت إلي طعامي فإذا أكلت وشربت فإن رأتني حزينا قالت لي: إن كان اهتمامك لأمر آخرتك فزادك الله اهتماما وإن كان لأمر دنياك فلا تهتم فقد تكفل الله برزقك ورزق كل دابة. قال: فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: «هذه من عمال الله في الأرض ولها مثل أجر المجاهد في سبيل الله».
عن عبدالله بن عمر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «الدنيا متاع وخير
متاعها المرأة الصالحة
عن يحيى قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما أفاد امرؤ بعد الاسلام فائدة
مسند الربيع عن عبدالله بن عباس (2/220)
صفحة 537
خيرا من زوجة مؤمنة تسره إذا نظر إليها وتطيعه إذا أمرها وتحفظ عليه نفسها
وماله إذا غاب عنها
•
قال عمر بن الخطاب - رضي الله عنه ـ ما أوتي عبد بعد إيمان بالله خيرا من امرأة حسنة الخلق ودود ولود ولا أوتي شرا بعد شرك بالله من امرأة سيئة الخلق حديدة اللسان
عن معاذ - رضي الله عنه - أنه قال: انكم ابتليتم بفتنة الضراء فصبرتم وستبلون بفتنة السراء، واني أخوف ما أخاف عليكم فتنة النساء إذا تسورن الذهب ولبسن رباط الشام وعصب اليمن وأتعبن الغني وكلفن الفقير.
وما نجد عن عبد الله بن عمر قال: «إذا أسن الرجل اجتمع رأيه وحسن
خلقه، وإذا أسنت المرأة يعقم رحمها ويحد لسانها ويسوء خلقها عن عمر - رضي الله عنه - أنه قال: النساء عورة فاستروا عورتهن
بالبيوت وداووا ضعفهن بالسكون
عن مجاهد: لا ينبغي لامرأة إذا أدركت أن تجلس عند رجل من الناس ليس بذي محرم في أقل من أربعة أثواب: جلباب ودرع وإزار وخمار. وعن عطاء ومجاهد: أنهما كانا يكرهان أن ينظر العبد إلى شعر امرأة
تملكه
ابن عباس - رضي الله عنه ـ أن الرجل خلق من الأرض فهمته في الأرض، وأن المرأة خلقت من الرجل فهمتها في الرجل فاحبسوا نساءكم. أو قال: أحصنوا نساءكم.
عن عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - أنه كان يقول: المرأة عورة وأقرب ما تكون من وجه ربها إذا كانت في قعر بيتها وإذا خرجت استشرفها
الشيطان.
- 221 - (2/221)
صفحة 538
عن إبراهيم: إذا تطيبت المرأة ثم خرجت فإن طيبها شنار فيه نار
وعن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه ـ أنه وجد رائحة رأس امرأة في يوم عيد فقال: من هذه؟ أين هي؟ لو اني أعلم بمكانها. فما زال يذكر حتى ذكر بعض النساء أنها قالت: قال عمر: إنما تطيب المرأة لزوجها فإذا خرجت فلتخرج في طمرها (1) أو طمر خادمها
وعن الحارث بن مطرق قال: قال عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -: استعينوا على النساء بالعري فإن إحداهن إذا كثرت ثيابهن وحسنت زينتها
أعجبها الخروج
عن أخت حذيفة - رضي الله عنه - قالت (2): خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: «يا معاشر النساء؛ أما لكن في الفضة ما تحلين اما إنه ليس من امرأة تحلى ذهبا تظهره إلا عذبت به
عن أم المضاء أنها دخلت على عائشة - رضي الله عنها - فقالت: يا المؤمنين؛ ما تقولين في الخضاب والقناع والنماص والقرطين والخلخال والثياب الرقاق؟ فقالت عائشة: يا معاشر النساء؛ قصتكن كلها قصة امرأة واحدة أحل الله لكن الزينة غير متبرجات لمن لا يحل لكن أن يروا منكن
محرما.
حكي أن امرأة زوجت ابنة لها فلما كانت ليلة زفافها إلى زوجها، قالت لها: يا بنية؛ إنك تفارقين الجو الذي فيه درجت، والعش الذي منه نهضت إلى وكر لم تعرفيه وقرين لم تألفيه، فكوني له امة يكن لك عبدا، واحفظي مني خصالا عشرا يكن لك دركا وذخرا: أما الأولى والثانية؛ فالصحبة له بالقناعة، والمعاشرة له بالسمع والطاعة، وأما الثالثة والرابعة؛ فالتعهد
1 - الثوب الخلق القديم 2 - في الأصل (قال)
- 222 - (2/222)
صفحة 539
لموضع عينه وأنفه، أن لا تقع عينه منك على قبيح ولا يشم أنفه منك إلا
ريع
وأما الخامسة والسادسة؛ فالتعهد لوقت طعامه، والهدوء عند منامه فإن حرارة الجوع ملهبة، وان تنغيص النوم مغضبة. وأما السابعة والثامنة؛ فلا تفشين له سرا، ولا تعصين له أمرا، فإنك إذا أفشيت سره لم تأمني مكره، وإن عصيت أمره أكربت صدره
وأما التاسعة والعاشرة؛ فالاحتفاظ لبيته وماله والارعاء على حشمه وعياله، واعلمي أنك لا تنالين ما تأملين حتى تؤثري هواه على هواك ورضاه على رضاك والله يصنع بك ويوفقك ولا يضيع أجر المحسنين ولا يصلح عمل
المفسدين
عن ابراهيم أن رجلا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم خرج غازيا وخلف امرأته، فجاءها انسان فأخبرها أن أباها مريض. قالت: أسأل الله أن يشفيه وأن يصبرني فإن زوجي لم يأذن لي في الخروج.
ثم جاءها: ان أباك بالموت فقالت: أسأل الله أن يهون عليه
ويصبرني فإن زوجي لم يأذن لي بالخروج
ثم جاءها: ان أباك قد مات. فقالت: اللهم اغفر له وصبرني فإن زوجي لم يأذن لي بالخروج. فأوحى الله - تعالى - إلى النبي صلى الله عليه وسلم: (اني قد غفرت لها ولأبيها ولزوجها وأدخلهم الجنة بحسن طاعتها
- 223 - (2/223)
صفحة 540
[صفحة فارغة] (2/224)
صفحة 541
الباب الثالث والثلاثون
في معاشرة النساء وما ينبغي للرجل مع امرأته وذكر امرأة السوء
قال أبو بكر محمد بن عمر الوراق: يراد للرجل مع امرأته عشرة أشياء؛ تزويج بسنة، ونفقة بحسبة، وسخاوة بالمال، وأدب في رفق، ولطف في هيبة، وصبر عند المكروه، وشكر عند المحبوب، وستر العورة، ومعونة عند الحاجة، ولطف بقرابة المرأة، ثم يراد له ترك ثلاثة أشياء؛ ترك التملق، وترك التهاون، وترك الحدة. فأما التملق فأن يتبصبص إلى المرأة أي يتواضع لها ويثعلب عندها وينزل على حكمها، ويكون على افراط في محبته إياها، ويستأذنها في كل أمر، وينتهي إلى أمرها ونهيها
وطائفة من الناس هلكوا بذلك، والتملق يصير الرجل عبدا لامرأته.
وأما التهاون فإنه إذا تهاون بها وبأمرها وطوى بشره عنها وبسط لها الجفاء فإنه يجعل للمرأة لسانا على نفسه وحجة في الذم والشكاية إذا لم ينظر في مصالحها ومرافقها. وطائفة من الناس فسدت أمورهم بهذه العلة
المبرم
وأما الحدة فتجرئ المرأة على الرجل، وتهيج الحرب، وتنقض، وتفسد الصالح، وتشتت الأمر، وتغير الألفة، وتورث العداوة،
- YYO - (2/225)
صفحة 542
و تخرب الدين والدنيا
وطائفة هلكوا بذلك فينبغي للرجل أن يكون مع المرأة وقورا مجانب الخفة ومعينا يحذر الاضاعة وحليما يتنكب الحدة حتى يصلح الأمر بينهما بإذن
الله - عز وجل -.
•
ثم عاملها بعد ذلك بأربعة؛ أخلاق احتمل عنها اثنتين وأمسك عنها واحدة، وقدر لها واحدة؛ فأما اللتان تحتاج إلى احتمالهما عنها ففيما ترى من المكروه في نفسها وخلقها وما تؤذيك بلسانها فاحتمل عنها هاتين واعزم على
ذلك
وأما التي تحتاج أن تقدر لها فاللطف لا تظهر لها كل ما تجد في نفسك من المحبة فتجترى عليك وتأسرك بذلك وتذهب عنها هيبتك ولا تكف عنها اللطف رأسا فتهينها بذلك ولكن قدر لها بين ذلك
فهي
وأما الواحدة التي تحتاج إلى الامساك عنها فأمسك عنها الخرق (1) رأسا
الحدة.
قال: ويجب أن ينزلها منزلة القدر التي يطبخ فيها الطعام، فيجب أن يكون ذلك برفق فيوقد تحتها نارا بقدر ما ينضج به الطعام ولا يزيد لئلا تفور القدر فينصب الطعام ويضيع. ويجب أن يصبر على الحر والدخان في ذلك إلى أن يتم المراد. وهذا مثال لك في معاملتك المرأة. قال الحسن: من أخلاق المؤمن قلة المثاقفة للنساء
المجالسة -.
قلة - يعني
وقال بعض الحكماء: لا تطلب الخلوة مع النساء فتملهن ويمللنك
وقال بعضهم: مجالسة النساء تورث الشهوة والغفلة وسوء الخلق
- أي منع الرفق واللين واستعمل الشدة
226 - (2/226)
صفحة 543
وعسى
وقيل: لا ينبغي أن يوثق بعقل من يطيل الخلوة بالنساء
وقال حكيم: ثناء الرجل على امرأته على ملأ من الأشهاد مما يستقبح أن يكون فيهم من يعلم خلافا لما يقوله
وقيل: أفضل النساء أكثر من موافقة لأزواجهن.
وأبهى الجمال ما فيه حلاوة وملاحة
وسئل حكيم: أي شيء أسرع زوالا؟ قال: ظل السحاب، ومواصلة الأشرار، وخلة النساء
وقال بعض الحكماء: إياكم ومشاورة النساء فإن رأيهن إلى الضعف وعزمهن إلى الوهن.
وقال آخر: أكفف عنهن من أبصارهن بحجبك إياهن فإن شدة الحجاب خير من الارتياب، وليس خروجهن بأيسر من دخول من لا يوثق به عليهن، وان استطعت أن لا تعرف المرأة رجلا غيرك فافعل، ولا تملك المرأة من الأمور ما جاوز نفسها؛ فإن ذلك أنعم لحالها وأرضى لبالها وأدوم لجمالها. فإن المرأة ريحانة فليست بقهرمانة، ولا تطل الخلوة النساء فيمللنك وتملهن، وإياك والغيرة في غير موضع غَيْرَة. فإن ذلك يدعو الصحيحة منهن إلى السقم ولكن أحسن تأديبهن ولا تتجاوز في كرامة المرأة نفسها ولا تطمعها في أن تشفع لغيرها
وقال لقمان لابنه: يا بني كلام العلماء ولقاء الأصدقاء ومرور الأيام والمرأة الصالحة ينقص بهن الحزن.
وقال بعض الحكماء: عاملوا النساء بثلاث خصال؛ الزموهن البيوت ولا تعقدوا على حديثهن واطووا دونهن الأسرار.
- 227 - (2/227)
صفحة 544
وعلامة المرأة السوء وما يلقى منها زوجها. قال لقمان الحكيم لابنه:
من علاماتها أنها إن تغيبت خانت، وإن حضرت صخبت ـ أي ترفع صوتها -، وإن وعظت غضبت وإن صَمَتْ عنها سفهت، وإن أكرمت
تعسفت، وإن أهينت بكت، وإن أعطيت أفسدت، وإن حرمت شكت وإن أسر إليها أفشت، وإن تركت عزت، وإن زجرت لجت، وإن لم تزجر
استحمقت، وإن علمت نسيت، وإن لم تعلم عميت، وإن لين بها تعدت وإن شدد عليها جهلت، وإن قالت أخطأت، وإن أوجعت تبرمت، وإن أغنيت طغت، وإن افتقرت قنطت، وإن قدرت أساءت، وإن قدر عليها وهنت، وإن طمعت تعدت، وإن طمع إليها بخلت، وإن كان لها الفضل وإن كان عليها جحدت، وإن قومت أبت، وإن تركت اعوجت،
وإن فرحت مرحت، وإن حزنت فتنت، وإن ذكرت أنكرت، وإن تركت ضلت، وإن سئلت أمسكت، وإن سألت الحفت، وإن استخدمت ضعفت، وإن خدمت أفحشت، وإن صفح عنها بلدت، وإن غفل عنها أفسدت، وإن أقبل عليها طاشت - الطيش: خفة العقل -، وإن أمرت بالحق أبطأت، وإن أمرت بالباطل أسرعت، وإن نهيت عن التبرج تقبحت، وإن أمرت بالتجمل تبرجت، وإن شدد عليها صاحت، وإن
رضي لها اعتدت، وإن كانت في رخاء أترفت، وإن كانت في بلاء تكشفت وإن شبعت بطرت، وإن جاعت فضحت، وإن اتبع هواها هلكت، وإن أخبر أنه يحبها أو علمت ذلك استكبرت، وإن أبدى لها سره لم تكتمه، وإن لم يبد لها آذته فهي جب لا يدرك قعره، وسيف قاطع لا يكل، وسبع لا يصاد، وذئب لا يدرك، وبلاء لا ينقطع، وحزن لا ينفد، وكرب
لا يفرج.
وهي فرس جموح وجمل شرود، حددت أسنانها، وبسطت لسانها،
وأفسد سوء خلقها جيرانها.
- YYA- (2/228)
صفحة 545
فلان تجاور أسدا أو تنينا خير لك
من أن تجاور امرأة سوء.
المتغلم
يا بني؛ إن المرأة السوء كالكلبة، والبغلة الحرون، والجمل وهي تسود وجه بعلها مع ما يرى من سوء فعلها فهي شر
(1)
لا ينقطع، وبلاء لا يرتفع، وقرين عنيد، وعدو عتيد، وشيطان مريد، عبوس ضروس، شؤول أكول شؤول أكول، مبذرة مسرفة متلفة ناهسة ناكهة، حقود
حسود، علة لا شفاء لها، وحية لا رقية لها، وكربة لا فرج لها وظلمة لا نور لها، ونار لا مطفأ لها
6
يا بني؛ إن المرأة السوء إذا غبت لم تفتقدك، وإن شهدت لم تكرمك وإن أغضبتك لم ترضك، وإذا أغضبت لم تعاتبك، ولا تبالي إن غضبت، ولا تفرح إن رضيت، هي ضارة غير نافعة، ناقصة غير زائدة، مفرقة غير مجمعة، مفسدة غير مصلحة، مخطئة غير مصيبة، مخالفة غير موافقة، لها لسان طويل، وإلى كل شر دليل، لا تمل، ولا تغفل عن شرها، ولا تكل
ولا تنتهي
بني؛ إن المرأة السوء إذا استغنت لم تشكر، وإن افتقرت لم تصبر
أنت في جنبها كالأسير أو كالمريض الضرير أو كالعبد الحقير.
يا بني؛ إن مثل امرأة السوء كمثل الحية الصماء في جبل ليس فيه ماء، إن لدغتك قتلتك وإلا أقرعتك. أنت في جنبها يائس ومن خيرها آيس
لك
يا بني؛ إن المرأة السوء ضارة مضرة تغيب عنك الذي لها وتأكل الذي
يا بني؛ إن المرأة السوء خفيفة الرجل عظيمة السلطان مفرقة بين الاخوان مشعلة الشر بين الجيران، شديد مكرها، عال صوتها، حديدة 1 - الجمل الثائر الهائج
229 - (2/229)
صفحة 546
عينها، ذرب لسانها، خبيث بطنها وفرجها، كثير شرها، ذليل بعلها قد غلبت كل انسان، واستحوذ عليها الشيطان، والله المستعان (2/230)
صفحة 547
الباب الرابع والثلاثون في ذكر أدوية وأغذية
أبو هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (المعدة حوض البدن
والعروق إليها واردة فإذا صحت المعدة صدرت العروق بالصحة واذا سقمت
المعدة صدرت العروق بالسقم
•
علي بن أبي طالب قال: من بدأ غذاءه بالملح أذهب الله عنه سبعين بابا من السوء، ومن أكل كل يوم إحدى وعشرين زبيبة حمراء لم ير في جسده شيئا يكرهه، ومن أكل سبع تمرات عجوة عند منامه قتل الديدان في بطنه، والبقر لحمها داء ولبنها شفاء وسمنها دواء، والسمك يذيب الجسد، وقراءة القرآن والسواك يذهب البلغم، واللحم ينبت اللحم، والشحم يخرج من الداء مثليه، ولم تستشف النفساء بشيء أفضل من الرطب والثريد طعام العرب، ومن أراد البقاء ولا بقاء فليباكر بالغداء، وليخفف الرداء، وليقل غشيان النساء، قيل: وما خفة الرداء في البقاء؟ قال قلة الدين
من
ضمرة بن حبيب قال: اجتمع رجال من أهل الطب عند ملك الملوك فسألهم .. ما رأس دواء المعدة؟ فقال كل رجل منهم قولا وفيهم رجل ساكت فسأله الملك. فقال:
ملاك ذلك كله ثلاثة أشياء: لا تأكل طعاما أبدا إلا وأنت تشتهيه، ولا
تأكل لحما حتي ينعم أي يتم نضاجه، ولا تبتلع لقمة حتى تمضغها مضغا (2/231)
صفحة 548
شديدا على أنه لا يكون على المعدة منها مؤونة
علي بن ابي طالب: انه رأى في يد ابنه الحسن كتابا فقال: ما هذا؟ قال: كتاب الطب. قال بلى قال: لا تجلس على طعام إلا وأنت جائع ولا تقومن إلا وأنت تشتهيه، واذا اكلت فجود المضغ، ولا تنامن إلا على الخلاء. فإذا استعملت هذه استغنيت عن الطب
ابن عمران: فضل الطعام الذي يبقى في الاسنان يوهن الاضراس
روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لكل داء دواء إلا السأم والهرم
فعليكم بألبان البقر فإنها ترم من كل شحر وفي رواية فإنها ترم من كل شجر
•
وقال ابن عباس - رضي الله عنه -: ثلاث يجلين البصر، الكحل عند
النوم، والنظر إلى الخضرة، والنظر الى الوجه الحسن
•
وعنه أيضا قال: لا تكسروا الرمانة من رأسها، فإن فيها دودة يعترى
منها الجذام
ضمرة بن حبيب قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن السواك بعود الريحان
والرمان وقال: «يحرك الجذام».
يزيد عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال: «إن هذه الحبة السوداء التي تكون
في الملح دواء من كل داء إلا الموت».
علي بن أبي طالب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: عليكم بالرمان فكلوه بشحمه فإنه دباغ المعدة وما من حبة تقع في جوف رجل إلا أنارت وحرست شيطان الوسوسة يوما.
عن عبد الله الشيباني قال: من ترك العشاء لم ترجع قوته اربعين يوما
-
232 - (2/232)
صفحة 549
وفي الحديث: «ترك العشاء مهرمة»
وفي الحديث: تعشوا ولو بكف من حشف من
وروي
تمر
أن واحدا من أبناء الصحابة انجم فقال له أبوه: لو مت من
هذا ما صليت عليك
وعن أبي الدرداء قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «سيد طعام أهل الدنيا وأهل الجنة اللحم وقال: ما دعي رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى لحم إلا أجاب ولا
أهدي له لحم إلا قبله
•
وعن أبي عثمان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «كلوا العنب حبة حبة فإنه
أهنا وامرأه
أبو هريرة: من اكل سبع زبيبات على الريق منزوع العجم لم يضره
سم ولا سحر يومه ذلك إن شاء الله عز وجل
موسى بن جعفر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: عليكم بالزبيب على الريق فإنه ينشف البلغم ويذهب بالمرة ويشد العصب ويذهب بالنصب ويحسن
الخلق
•
عن ابن عباس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من اشتكى ضرسه فليضع أصبعه عليه وليقرأ هذه الآية: (قل هو الذي أنشأكم وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة قليلا ما تشكرون) (!)
أبو هريرة قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الدواء الخبيث
عبد الرحمن بن عثمان الأنصاري: ان طبيبا سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن ضفدع
- 233 -
الآية 23 من سورة الملك
1 (2/233)
صفحة 550
•
يجعلها في دواء. فنهاه النبي صلى الله عليه وسلم عن قتلها
سويد بن طارق أنه سأل النبي عن الخمر فنهاه. ثم سأله فنهاه فقال
له: يا نبي الله إنها دواء. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لا ولكنها داء»
وفي موضع آخر: ما جعل الله شفاء أمتي في حرام
•
عن ابن عباس - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «البسوا
من ثيابكم البياض (1) فإنها من خير ثبابكم وكفنوا فيها موتاكم وان خير كحالكم الاثمد يجلو البصر وينبت الشعره.
ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ربيع امتي العنب والبطيخ.
وعن ابن عباس قال: في البطيخ عشر خصال: هو طعام، وهو شراب، وهو انشان وهو إربان. وهو يغسل المثانة، وهو ينفع الانثيين، وهو يزيد ماء الصلب، وهو يزيد الباءة، وهو يزيد في ماء الظهر، وهو
يسمن
علي بن ابي طالب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اكرموا عمتكم النخلة فإنها خلقت من الطين الذي خلق منه آدم صلوات الله عليه وليس من الشجر يلقح غيرها واطعموا نساءكم الرطب فإن لم يكن رطب فتمر وليس شيء اكرم على الله عز وجل من النخلة نزلت تحتها مريم بنت عمران رضوان الله عليها
ابن عمر أن رجلا شكا الى النبي قلة النسل فأمره بأكل البيض
عن مطر: أن نبيا من الأنبياء شكا الى الله تعالى الضعف في الصوم
فأمره أن يأكل اللحم باللبن.
ا - رواه أبو داود والترمذي
- 234 - (2/234)
صفحة 551
وعن عائشة - رضى الله عنها - قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الشعر في الأنف أمنة من الجذام
جعفر قال: كان ابن عباس - رضي الله عنه ـ يرى الحبة من الرمان فيأخذها ويأكلها ويقول: ليست رمانة الا وهي تلقح بحبة من رمان الجنة فأرجو ان تكون هي
وعن علي بن أبي طالب: تلقوا البرد في ابتدائه وتوقوه في انتهائه سفيان: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا تقطعوا اللحم بالسكين فإنه من صنيع الأعاجم وانهشوه نهشا فإنه أهنا وأمرأه.
وعن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: ثلاث يفرح بهن الجسد ويربو: الرائحة الطيبة وشرب اللبن وشرب
العسل
أبو هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من أكل ما يسقط من المائدة عاش في سعة وعوفي من الحمق في ولده وولد ولده (1)
وعن رسول الله أنه قال: اكرموا الخبز ولا تضيعوه فإنه ما ضيعه
قوم إلا ابتلاهم الله بالجوع.
جابر بن عبد الله قال: كان رسول الله يعجبه أن يفطر على الرطب مادام الرطب وعلى التمر إذا لم يكن رطب ويختم بهن ويجعلهن وترا ثلاثا أو
خمسا أو سبعا
أنس
بن مالك؛ اهدي الى رسول الله رطب فجعل يأكل بيمينه
ويتناول النوى بشماله
1 - رواه مسلم عن أنس
•
235 - (2/235)
صفحة 552
وعن علي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لو كان الأرز رجلا لكان رجلا حكيما» وقيل: لو كان رجلا لكان مؤمنا ولو كان مؤمنا لكان عالما ولو كان عالما لكان
زاهدا.
قال أبو صوارة: الأرز الأبيض بالسمن السلاء بالسكر الابيض ليس هو من طعام أهل الدنيا
علي بن ابي طالب: كلوا خل العنب فإنه يقتل الديدان في البطن عن الحارث بن كلدة انه قال وكان طبيب العرب: أكره الشمس
لثلاث: تنقل الريح وتبلي الثوب وتخرج الداء الدفين
مصحة
ابن عباس قال: قال رسول الله (1):: استنجوا بالماء البارد فإنه صلى الله عليه وسلم
من البواسير
•
عن نافع قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من ادهن ولم يسم ادهن معه سبعون شيطانا
جعفر: ان النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن أطيب اللحم لحم الظهر
عقبة بن نافع قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (2): عليكم بدهن الزيت فكلوا وادهنوا فإنه ينفع من الناسور
•
عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان إذا أكل الدسم أقل من شرب الماء قيل يا رسول الله. لم تفعل ذلك؟ قال: لأن الشرب على الدسم داء في البطن وقيل: مكتوب على باب الصين خير الاطعمة سمن البقر، وشر الأطعمة لحم
1 - رواه البخاري ومسلم عن ابن عمر 2 - رواه البيهقي وابن ماجة عن أبي هريرة
236 - (2/236)
صفحة 553
السمك، ومن ضمن لي بقلة الأكل ضمنت له بصحة البدن
عبد الله بن مسعود ـ رضي الله عنه - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ان الله تبارك وتعالى لم ينزل داء إلا أنزل له شفاء علمه من علمه وجهله من
جهله
وقيل: ينبغي للانسان أن يتعاهد من نفسه ثلاثا لا يدعهن الأكل والمشي والمواقعة، فإنه إذا ترك الأكل تضيق أمعاؤه واذا ترك المشي اعتاد الكسل، واذا احتاج الى المشي ربما لم يقدر عليه والمواقعة فإن البئر إذا لم ينزح ماؤها غار.
أبو هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من احتجم يوم السبت أو يوم الاربعاء فأصابه وضح فلا يلومن إلا نفسه
أبو هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من احتجم لسبع عشرة وتسع
عشرة واحدى وعشرين كان شفاء من كل داء
سمرة بن جندب قال: دخل أعرابي من بني قرارة على رسول الله واذا حجام يحجمه بمحاجم من قرون ويشرطه بشفرة فقال: ما هذا يا رسول الله؟ لم تدع هذا يقطع عليك جلدك. قال: هذا الحجم وهو خير ما
تداويتم به
•
ابن عباس - رضي الله عنه - عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من احتجم يوم الأربعاء والسبت فأصابه داء واضح فلا يلومن إلا نفسه ومن توضأ بالماء المشمس فأصابه وضح فلا يلومن إلا نفسه ومن بال في مستنقع وضوئه فأصابه وسواس فلا يلومن الا نفسه ومن تعرى في غيركن فخسف به فلا يلومن إلا
نفسه ومن نام وفي يده غمر الطعام - أي دسم - فلا يلزمن إلا نفسه
237 - (2/237)
صفحة 554
ومن نام بعد العصر فأصابه فاختلس (1) عقله فلا يلومن إلا نفسه ومن شبك في صلاته فأصابه زاجر - اي شيء من الجنون - فلا يلومن الا نفسه.
السنة.
معقل بن سيار. عن النبي صلى الله عليه وسلم: «ان الحجامة
أنس بن
يوم
الثلاثاء دواء
مالك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: ولا تكرهوا اربعا فإنها
لأربع: لا تكرهوا الرمد فإنه يقطع عروق العمى ولا تكرهوا الزكام فإنه يقطع عروق الجذام ولا تكرهوا السعال فإنه يقطع عروق الفالج ولا تكرهوا الدماميل فإنها تقطع عروق البرص
هكذا وجد في الأصل والمعنى سلب عقله
238 - (2/238)
صفحة 555
الباب الخامس والثلاثون في الحكمة
قال سقراط الحكيم: بلين الكلمة تدوم المودة. الكلام اللين يلين القلوب التي أقسى من الصخر فتخضع وتذوب. والكلام الخشن يخشن القلوب التي هي أنعم من الحرير، وبخفض الجناح يتم الأمور، وبسعة الأخلاق يطيب العيش ويكمل السرور، وبحسن الصمت تكون الهيبة، بإصابة المنطق يعظم القدر، ومن لانت كلمته وجبت محبته، من حلم ساد ساد استفاد، ومن لا يملك غضبه لم يملك عقله، من غلب هواه على عقله افتضح، من غض طرفه أراح قلبه، من أرسل ناظره اشتغل خاطره، من لزم الوفاء نال الرضى
ومن
من قل وفاؤه كثرت اعداؤه. من صان لسانه كثرت أعوانه، من كثر كلامه كثر ملامه. من طول الحديث مله السامع. من حسنت أخلاقه كثرت محبته وأرزاقه. من ساء خلقه كثر مقاته وعذب نفسه. من عجل عثر ومن
تفكر سلم.
من ودك لأمر زال بزواله. من احتجت اليه هنت عليه، ومن احتاج اليك كانت طاعته لك بمقدار حاجته إليك. من كرمت عليه نفسه صغرت
الدنيا في عينه.
239 - (2/239)
صفحة 556
من عمر دنياه ضيع أعماله ومن حفظ آخرته بلغ آماله. الدنيا حلم
•
والاغترار بها سقم. من أنزل نفسه منزلة العاقل انزله الناس منزلة الجاهل من تعلم يزدد علما. خير العلم ما نفع وخير المواضع ما ردع، ومن لم يكن له من نفسه واعظ لم تنفعه المواعظ. من قلب المال قلبه فليس بعالم. زينة العلم الصدق، وزينة الكرم البشر وزينة الشجاعة العفو عند المقدرة. من قنع باليسير من الرزق استغنى عن الخلق. من رضي بالمقدور قنع بالميسور.
من رضي بالقضاء صبر على البلاء. من حاسب نفسه سلم، ومن حفظ دينه غنم. اليأس يعز الفقير والطمع يذل الأمير.
من يؤمن يزدد يقينا. من يستيقن يعمل جاهدا. من يحرص على عمل
يزدد فيه قوة. من يكسل فيه يزدد فيه فترة.
من كان الطمع له مركبا كان الفقر له صاحبا. من ليس له علم فليس له عز في الدنيا ولا في الآخرة. من ليس له صبر فماله سلامة في دينه. من كان جاهلا لم ينفعه عمله. ومن لا تقوى له فما عند الله له كرامة. من لا سخاء له من ماله نصيب. من أطلق يده بالسخاء أشرق وجهه بالضياء. من لا ينصف من نفسه لم يخلص من حزنه
فماله
القناعة عز المعسر، والصدقة كنز الموسر. من صبر نال المنى ومن شكر الله زاده. من سالم الناس سلم، ومن قدم الخير غنم. من أطاع هواه باع دينه بدنياه. قل ما شئت وافعل ما هويت فكل يحصد ما زرع ويجزى بما صنع. لنا في كل ميت عظة بحاله وعبرة بماله. لا تغرنك صحة نفسك وسلامة جسمك. مدة العمر قليلة وصحة الجسم مستحيلة. قوة اليقين من الدين. الرضى بالكفاف يؤدي الى العفاف فدرهم ينفع خير من دينار يصرع. السعيد من اعتبر بأمسه، واستظهر لنفسه، والشقي من جمع لغيره وبخل على نفسه بخيره. من أطال امله ساء عمله. من قصر أمله
صحة
حسن
240 (2/240)
صفحة 557
عمله. من لا نصيحة له فماله عند الله حجة. من خدم السلطان بغير أدب فقد خرج من السلامة الى العطب. من كان الناس عنده سواء لم يكن له
اصدقاء
من عاشر الناس بالمكر كافأوه بالغدر. من سل سيف الغدر قتل به. من بغى بغي عليه. من لم يعرف الخير من الشر الحقه بالبهائم. بالتفكير يدرك الرأي العازب. من مدح رجلا بما ليس فيه فقد هجاه. من ملك سره خفي على الناس امره. من كتم سره كانت الخيرة في يده. من كتم سره بلغ
مراده وصان عرضه، وكتمان سر غيرك اذا استكتمك واجب عليك والمشكور من كتم سر من لم يستكتمه. من ابتلي فصبر كان كمن عوفي فشكر. لن تنال ما تحب حتى تصبر على ما تكره، ولن تنجو مما تخاف إلا أن تصبر على كثير مما لا تحب فإن الصبر يفني كل شيء. الجزع عند مصائب الاخوان اجمل الصبر،، وصبره على مصيبة نفسه اجمل من جزعه
من
•
وقال أفلاطون: بالعقول تفاضل العلم لا بالوصول، والحكمة رأس العلوم وبها تفاضلت العقول، والأدب نتائج الأذهان. بالأدب ينال الأرب. بالفكر يدرك الرأي العازب. بالتأني تسهل المطالب. بالانصاف يكون التواصل. بالتواضع تكثر المحبة. بالعفاف تزكوا الأعمال. بالرجاء تجمل
الأمال. بحسن الاعتبار تضرب الأمثال. بالزكاة والصدقة تزكوا الأموال
بالأفضال يكون السؤدد. وبالعدل يقهر العدو. بالحلم تكثر الانصار ولا
•
يدعى الحكيم حكيما حتى يغلب عقله على هواه. بالرفق تستخدم القلوب بالايثار يستحق اسم الجود. بالانعام يستحق اسم الاكرام. الكريم من يهب ولا يذكر انه وهب. بالمن يكفر الاحسان. بجحد الأنعام يجب الحرمان. بالاحسان يستعبد الانسان. أحسن إذا احببت ان يحسن إليك. تواضع مع امساك خير من جود مع تكبر. أغنى الغنى القناعة والرضى. صديق ملول
سريعا يزول. لا صحبة من طماع ولا وفاء من خسيس الأصل
241 - (2/241)
صفحة 558
من صادق من ليس بأهل فقد جلب الذل الى نفسه. الصديق الجاهل
عدو مبين. عدو عاقل خير من صديق جاهل يريد ان ينفعك وهو يضرك ولا يدري لجهله. الصديق الأصيل أوثق، والصاحب القديم أشفق. من عاب استعاب، ومن ترك العيب استخراج (1). . العتاب الظاهر خير من الحقد
الباطن. بالوفاء يدون الاخاء. بالمطل يقبح العطاء. بالصدق يتم الفضل البخيل ذليل وان كاغنيا. الجواد عزيز وان كان مقلا. المسيئ ميت وان كان حيا. المحسن حي وان كان ميتا. الطمع فقر حاضر. الأياس غنى ظاهر التمني سبب الحسرة. العجلة سبب العثرة. سرعة الجواب تورث العثار أفهم الجواب قبل الخطاب. اعرف المخرج قبل المدخل. الحق منهج واضح، والكذب لأهله فاضح
اذا كذب الأمير بطل التدبير وانفصمت عرى الأمور. الصبر ثمرة الفرج. العقول مواهب والآداب مكاسب، فالعلم افضل المواهب والحكمة اكمل المكاسب. الأدب يغني عن الحسب. الفرح يجلب الترح. رب ضرب آل الى حرب. كل راج طالب، وكل خائف هارب. شر المكاسب الربا والخيانة. شر المال مال اليتيم، والسحت يعني الرشوة على الحكم. مريض يشتهي خير من صحيح تكثر شهواته
سکت
ان فاتك الأدب فالزم الصمت. الاقامة على الظلم تزيل النعم. لو لا من يعلم لسقط الاختلاف، وكما يستدل على الصواب بالخطأ فكذلك لا تعرف المنزل الجيد حتى تنزل المنزل الردئ، ولا تعرف الثوب اللين حتى تلبس الخشن، واعلم ان المفروح به هو المحزون عليه. نقل المسرور عن سروره آيس - لعله - ايسر من نقل المحزون عن حزنه. إن السبب الذي يدرك به العاجز حاجته هو الذي يقعد بالحازم عن طلبته، والأمر
هكذا وجدت في الأصل
- YEY- (2/242)
صفحة 559
الذي بين الرزق وبين العقل هو الذي يمنحه الجاهل. اذا كانت بقسمة تجري
الأمور فالاجتهاد محظور وتاركه مشكور
•
من
النعيم طيب النفس. الغنى صحة الجسد. عداوة الأقارب أشد لسع العقارب. الشيب عنوان الكبر. الشباب رضيع الجنون. الشيب قرين التوفيق. تزود طاهر الزاد ولا تخف من الأضداد. رب مغبوط بمسرة وهي داؤه، ورب مرحوم من سقم وهو شفاؤه. اجل الأشياء العلم وأشرفها العقل وأفضلها العلم وأحسنها الأدب، فالعلم دليل والعقل حياة والجهل موت ولا ضر أضر منه مثل الدنيا وأهلها كصور في صحيفة كلما طوي بعضها نشر بعضها. أيام البلوى طويلة، وأيام السرور قصيرة
اذا لم يمش معك الزمان كما تريد فامش معه كما يريد. الانسان عبد الزمان، والزمان عدو الانسان، وكل نفس يتنفسه الانسان فبقدره يبعد عن الحياه ويتقرب من الممات. النوم موت خفيف، والموت نوم ثقيل فإن أقرب الأشياء الأجل وأبعدها الأمل. احذر من الزمان فإنه أخبث عدو يحذر منه ولك النجاة مع الحذر ولا ينفع حذر من قدر. إذا نزل القدر صم السمع وعمي البصر. الزمان يحذر بنفسه، ويخبر بسوء غوائله. ما صفا الزمان لمن
•
به
مضى فكيف يصفو لمن بقى. الزمان موكل بتكدير الصفو وتشتيت الشمل الزمان مغتال لا يفطن بغوائله يأخذ من الأمن ويكدر من الصفو، الثقة غرور والطمأنينة إليه جهل، ولا يغر به إلا من جهله، وإنه واعظ لمن بقي بمن ذهب ففيه هلاك قوم وغبطة آخرين. من كانت الأيام به سائرة، لا شك أن اعضاءه بالية ومهجته راحلة ومقلته سائلة. اتق الله واطلب رضاه، وانتظر قضاءه، واصبر على بلائه تظفر بالنجاة
•
قال الأحنف بن قيس: شيئان لا يتم معهما حيلة: اذا اقبل الأمر فليس
للادبار فيه حيلة، واذا ادبر فليس للاقبال فيه حيلة
2430 (2/243)
صفحة 560
وقال لقمان الحكيم لابنه: يا بني شيئان إذا حفظتهما لا تبالي بما ضيعت بعدهما. در همك لمعاشك، ودينك لمعادك، وشيئان غريبان في هذا الزمان: الدين والفقر
•
يا بني: شيئان يجلبان الحزن الى القلب. الطمع في جود البخلاء والمزاح
6
مع الوضعاء، وثلاث تذهب الهم عن القلب: صحبة العالم، وقضاء الدين، ومشاهدة الحبيب. الحزن مرض الروح كما ان المرض وجع الجسد والفرح غذاء الروح كما ان الطعام غذاء الجسد
وقال ذو النون المصري: علامة السعادة ثلاث: متى زيد في عمره نقص من حرصه، ومتى زيد في ماله زيد في سخائه، ومتى زيد في قدره زيد في
تواضعه
وعلامة الشقاء ثلاث: متى زيد في عمره زيد في حرصه، ومتى ما زيد
في ماله زيد في بخله، ومتى ما زيد في قدره زيد في تكبره، واظلم الناس لنفسه ثلاث: من يتقرب الى من يبعده، ويتواضع لمن لا يكرمه ويفتخر بمدح من مدحه، ويقبل مدح من لا يعرفه
وقال لقمان: يا بني إني خدمت أربعمائة نبي من الأنبياء واخترت من كلامهم أربع كلمات وهي: إذا كنت في الصلاة فأحضر قلبك، واذا كنت
على المائدة فلا تنظر خلفك. وان كنت في بيت غيرك فاحفظ لسانك
يا بني. اني حملت الحديد والصخر فلم ار شيئا اثقل من الدين. وفي لفظ آخر اثقل من منن الرجال، وعانقت الملاح وأكلت الطيبات ولبست ثياب الجمال فلم أر شيئا اجمل من العافية. ثلاث يؤدين الى البر والفاجر: الرحم توصل كانت برة او فاجرة، والامانة ترد الى البر والفاجر، والعهد يوفى به الى البر والفاجر
- YEE - (2/244)
صفحة 561
أربع يصح بها الجسم فأكل الطعام في وقته وحفظ مقادير الاشياء ومجانبة
الأعمال المشقة، وترك الحزن
•
اربع تكسر البدن دائما: سلوك الطريق الصعب، وركوب الفرس الحرون، والمشي على التعب، ومجامعة العجائز، واربع تحيي القلب: العقل النافع، والاستاذ العالم، والشريك الأمين والصديق المساعد، والزوجة الموافقة، واربع تميت القلب: برد الزمهرير، وحر السموم، والدخان الكريه، واربع تلين القلب وتخشعه. بطن جائع، وصاحب صالح، وحفظ الذنب القديم، وقصر الامل، واربع تقسي القلب. بطن مليئ، وصحبة جاهل، ونسيان الذنب الماضي، وطول الأمل، وفي الحديث: «اربع مفسدة القلوب: الخلوة بالنساء، والاستماع منهن، والأخذ برأيهن، ومجالسة الموتى. قيل: ومن الموتى يا رسول الله؟ فقال: الموتى هو كل عادل عن الايمان جائر عن الأحكام.
وأربعة اشياء من عظيم البلاء: كثرة العيال مع قلة المال، وجار السوء الخؤون، والمرأة التي لا ثقة لها ولا وقار.
وعن عمار بن ياسر يرفعه. ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الايمان في قلبه: الانفاق في الاقتار، وبذل السلام للعالم. وانصاف الناس من
نفسه
ثلاث من كن فيه نشر الله عليه كرمه وأحله الجنة برحمته: رفق بالضعيف وشفقة على الوالدين والعلماء والاحسان الى المملوك. ثلاث من كن فيه أظله الله تحت ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله: الوضوء في المكاره، والمشي الى المساجد في العالم، واطعام الجائع
•
عن ابن عباس يرفعه وثلاث من لم تكن فيه واحدة منهن فلا يعبأ الله
بشيء من عمله: من لم يكن له ورع يحجره عن معصية الله إذا خلا أو حلم
- 245 - (2/245)
صفحة 562
يكف به السفيه إذا تكلم، وخلق يعيش به في الناس. وثلاث من كان واحدة منهن فيه زوجه الله من الحور العين ما شاء: رجل أؤتمن على امانة خفية شهية فأداها من مخافة الله عز وجل ورجل عفا عن قاتله، ورجل قرأ: قل هو الله أحد» في دبر كل صلاة.
وثلاثة انا خصمهم يوم القيامة ومن اكون خصمه خصمته: رجل استأجر أجيرا فظلمه ولم يوفه أجره. ورجل حلف بالله وغدر. ورجل باع حرا فأكل ثمنه.
واربعة اشياء مذمومة يعملها الناس فيجازون بها في الدنيا والآخرة:
احدها الغيبة فإنها فارس يلحق سريعا
الثاني: احتقار العلماء؛ لأنه من حقر عالما عاد حقيرا
الثالث: كفران نعم الله تعالى أو نعمة خليلك
الرابع: قتل نفس بغير حق فإن كل قاتل مقتول ولو بعد حين. وأصحاب الغم والحزن في الدنيا ثلاثة: محب فارقه حبيبه، وغني عاد فقيرا، ووالد شفيق ضل عنه ولده
وانظر الى ثلاثة بعين الرحمة: انظر الى الفقراء بعين التواضع لا بعين التكبر، وانظر الى الأغنياء بعين النصح لا بعين الحسد، وانظر الى النساء بعين الشفقة لا بعين الشهوة
وقال: بلاء الخلق من ثلاثة: العلماء المغفلين، والقراء البلهاء
والعوام الحاسدين، وثلاثة تجب مداراتهم: الملك المسلط، والمرأة التي لا بد منها، والمريض المدنف، وثلاثة تكدر العيش: السلطان الجائر، وجار السوء، والمرأة المناقرة وانعم الناس عيشا ثلاثة: المقتصد،
والراضي
،
والصبور.
246 - (2/246)
صفحة 563
ويحسن بالرجل ثلاثة: غناء النفس فإن من قنع بما في يده لم يتأسف على
ما في يد غيره، وصيانة عرضه، وكتمان سره بانتظار الفرج، ومروءة المسافر في ثلاثة: بذل الزاد، وقلة العناد، وخدمة الأصحاب، وثلاث من طبائع الجهال: الغضب من غير غضب، والاعطاء من غير حق، ومن لا يعرف صديقه من عدوه
وثلاثة أشياء فيهن الرشد: مشاورة ناصح، ومداراة حاسد، والتحبب الى الناس، وكمال العقل في ثلاثة: إذا غضب لم يخرجه غضبه عن الحق، واذا رضي لم يدخله رضاه في باطل، واذا قدر عفا
ومن كمل دينه صبر على ثلاث: يقطع رجاءه مما في أيدي الناس،
ويصبر على أذى الناس، ويحب للناس ما يحب لنفسه
ثلاث احذرهم كل الحذر: احذر الخصائم فإنها تمرض القلب، وتذهب بالحياء، وتجسر عليك من كان يهابك، واحذر الحسد، فإنه يفسد الدين ويضعف اليقين، ويعقب الندم، واحذر معاداة الرجال، فإنه لا يعدمك مكر حليم ومفاجأة لثيم فربما صغر العدو في عينك، وكبر فعله في الشر.
وأبغض الناس ثلاثة: فقير متكبر، وغني كذاب، وشيخ جاهل
•
وثلاثة أشياء لا تجتمع مع ثلاثة: أكل الحلال مع اتباع الشهوات، والشفقة مع ارتكاب الغضب، وصدق المقال كثرة الكلام، وفتنة الدنيا من ثلاثة: قابل الاخبار، وطالب استماع الاخبار، وملقن الاخبار. فهؤلاء الثلاثة لا يخلصون من الملامة.
تنشأ
وثلاثة أصلها من ثلاثة: أصل الزعامة العطف، واصل الذنب
247 -
•
العجلة، وأصل الذل البخل (2/247)
صفحة 564
وقال وهب بن منبه: ثلاثة مكتوبة في التوارة: كل عالم لم يكن متورعا فهو كاللص، وكل رجل خلا من العقل فهو والبهيمة سواء، وكل عمل لم يكن الله خالصا فهو كالهباء. وثلاثة يورثن السل: رسول بطئ، وسراج لا يضيء، وطعام انتظر عليه من يجيء متى يجيء
وثلاثة تقسي القلب: الضحك من غير عجب، والأكل من غير
جوع، والكلام فيما لا يعنيك
وعن ثوبان يرفعه: ثلاث معلقات بالعرش: الرحم تقول: اللهم اني بك فلا أقطع والأمانة تقول: اللهم إني بك فلا أخان والنعم تقول: اللهم اني
بك فلا اكفر
•
وثمانية أشياء تجلب الذل على أصحابها: وهي جلوس الرجل على مائدة لم يدع اليها، ومن تأمر على صاحب البيت، والطامع في الاحسان من اعدائه، والمصغي الى حديث اثنين لم يدخلاه بينهما، ومحتقر السلطان، ومن جلس فوق مرتبته، ومن صادق من ليس بأهل. والعجلة من الشيطان إلا في سبع: اطعام الضيف اذا نزل، وتجهيز الميت اذا حضر، وتزويج البكر اذا ادركت، وقضاء الدين اذا وجب، والتوبة من الذنب إذا فرط، والصلاة إذا وجبت، ونصرة الضعيف اذا قدرت
وخمسة إياك ان تصحبهم فإن صحبتهم ندامة، ومجاورتهم ملامة، لا تصحين كذابا فإن صحبته ككلامه بمنزلة السراب يبعد منك القريب ويقرب منك البعيد، ولا تصحبن احمق يعني جاهلا فإنه يريد ان ينفعك وهو يضرك، ولا تصحبن حريصا طماعا فإنه يبيعك بفلس أو اكلة أو شربة، ولا تصحبن بخيلا فإنه يخذلك حيثما كنت أحوج اليه، ولا تصحبن جبانا أي ذليلا فإنه يسلمك ويسلم والديه ولا يبالي. وخمس من دواء القلب وجلاؤه: مجالسة
العلماء الصالحين، وقراءة القرآن، والفكر في الموت والقبر، وقيام الليل والتضرع عند السحر، قبيل الصبح
248 - (2/248)
صفحة 565
وخمس من علامات الشقاوة: قسوة القلب، وجمود العين، وقلة
الحياء، والرغبة في الدنيا، وطول الأمل
•
وعن أبي ذر يرفعه: خمس من قواصم الظهر. عقوق الوالدين، وأمرأة يأمنها زوجها وتخونه، ورجل وعد خيرا فاخلفه، وامام يطيعه الناس ويعصي الله، ووقيعة المرء في أنساب الناس وكلهم لآدم وحواء
من كتاب يعرف بكتاب حاوان: حرد أعمال البر اربع شعب
العلم، والعمل، والزهد، وسلامة الصدر بإماتة الحسد
•
جماع أمر العبادة في أربع: العلم، والحلم، والعفاف، والعدل؛ فالعلم بالخير للاكتساب، وبالشر للاجتناب، والحلم في الدين للاصلاح وفي الدنيا للكرم والعفاف، وفي الشهوة للرزانة، وفي الحاجة للصيانة، وفي العدل للرضى، والسخط للقسط والاستقامة
العلم على أربعة أوجه: أن تعلم أصل الحق الذي لا يقوم إلا به، وفرعه الذي لا بد منه، وقصده الذي لا يقع إلا فيه، وضده الذي لا يفسده
إلا هو
بصاحبه
•
العلم والعمل قرينان كمقارنة الروح للجسد، لا ينفع أحدهما الا
أربعة أشياء يقوى بها على العمل: الصحة والغنى والعزم والتوفيق. طريق النجاة في ثلاث: سبيل الهدى، وكمال التقى، وطيب الغذاء - يعني
الحلال -
العلم روح والعمل بدن، والعلم والد والعمل مولود.
وكان العمل لمكان العلم ولم يكن العلم لمكان العمل.
- YEA- (2/249)
صفحة 566
الغنى الأكبر في ثلاثة أشياء: قلب عالم تستعين به على دينك، وبدن صابر في طاعة ربك تتزود به ليوم فقرك، والقناعة بما رزق الله مع اليأس به من
الناس
اخرج الطمع من قلبك تحل القيد من رجلك، وتريح بدنك
الظالم مذموم نادم وان مدحه الناس، والمظلوم سالم وان ذمه الناس
القانع غني وان جاغ وعري، والحريص فقير وان ملك الدنيا
حد السماحة سعة الصدور، والاقدام على الأمور المتلفة
•
وحد الصبر احتمال المكاره المؤلمة، وحد السخاء سماحة النفس ببذل الرغائب الجليلة، وحد الحلم ترك الانتقام مع امكان القدرة، وحد الحزم انتهاز الفرصة
أيها الملك إن الدنيا دار عمل والآخرة دار ثواب، واعلم ان زمام العافية بيد البلاء ورأس السلامة تحت جناح العطب، وباب الأمن مستور بالخوف ولا تكونن في حال من هذه الثلاثة غير متوقع لأضدادها، ولا تجعل نفسك غرضا للسهام المهلكة، وان الزمان عدو ابن آدم فاحترز من عدوك بغاية الاستعداد، واذا فكرت في نفسك وعدوها استغنيت بالوعظ
•
أجل قريب في يد غيرك، وسوق حثيث من الليل والنهار، واذا انتهت
المدة حيل بينك وبين العدة، واحتل قبل المنع، واكرم أجلك بحسن صحبة
السابقين
•
وإذا انستك السلامة فاستوحش من العطب، واذا فرحت للعافية
فاحزن للبلاء فإليه تكون الرجعة، واذا ابسطك الأمل فاقبض نفسك بحية الأجل فهو الموعد وإليه المورد (2/250)
صفحة 567
الحيلة خير من الشدة، والتأني أفضل من العجلة والجهل في الحرب خير
من العقل، والتفكر في العاقبة مادة الجزع.
ثلاث لا يصلح فسادهن بشيء من الحيل: العداوة بين الأقارب
وتحاسد الأكفاء، والركاكة في الملوك
المربوب
ثلاث لا يشبع منهن: الحياة، والمال، والعافية
اذا كان الداء من السماء بطل الدواء، واذا قدر الرب بطل حذر
ثلاث
سرور الدنيا، وثلاث غمها: فأما السرور فالرضى بالقسم والعمل بالطاعة في النعم، ونفي الاهتمام لرزق غد
وأما الغم، فحرص مسرف، وسؤال ملحف، وتمني ما يلهف
الدنيا أربعة: البناء والنساء والطلاء والغنى.
•
اربعة من جهد البلاء: كثرة العيال، وقلة المال، وجار السوء،
وزوجة خائنة.
شدائد الدنيا في أربعة: الشيخوخة مع الوحدة، والمرض في الغربة،
وكثرة الدين مع القلة، وبعد الشقة مع الرحلة
المرأة الصالحة عماد الدين، وعمارة البيت، وعون على الطاعة
ثلاث ليس للعاقل ان ينساها: فناء الدنيا، وتصرف احوالها
6
والآفات التي لا أمان منها، وثلاث لا تدرك بثلاث: الغنى بالمني، والشباب
بالخضاب، والصحة بالأدوية
اربع خلال إذا اعطيتهن فلا يضرك ما فاتك من الدنيا: عفاف
- 251 - (2/251)
صفحة 568
طبيعة، وحسن خليقة، وصدق حديث، وحفظ أمانة
ستة أشياء تعدل الدنيا: الطعام المرئ، والولد السرئ،
والزوجة الصالحة الموافقة، والسيد الرؤوف والكلام المحكم
ثلاثة أشياء حسنة في ثلاثة مواضع: السماحة في الجوع، والصدق في السخط، والعفو في الغضب
الريب
ثلاث ليس معهن غربة: حسن الأدب، وكف الغضب، واجتناب
من ظلم من الملوك فقد خرج من كرم الملك والحرية، وصار الى دناءة الشر والمعصية، وتشبه بالعبيد والرعية.
إذا ذهب الوفاء نزل البلاء، واذا مات الاعتصام عاش الانتقام، واذا ظهرت الخيانات استخفت البركات. الهزل آفة الجد، والكذب عدو الصدق، والجور مفسد العدل، واذا استعمل الملك الكذب ذهبت هيبته، واذا استصحب الكذب استخف به، واذا أظهر الجور فسد سلطانه، واذا كان الرأي عند من لا يقبل منه، والسلاح عند من لا يستعمله، والمال عند من لا ينفقه ضاعت الامور. على الملك ان يعمل بخصال ثلاث: تأخير العقوبة في السلطان، وتعجيل المكافأة بالاحسان، والأناة فيما يحدث؛ فإن في تأخير العقوبة امكان العفو، وفي تعجيل المكافأة بالاحسان المسارعة بالطاعة في الرعية، وفي الأناة انفساح الرأي واتضاح الصواب
•
استظهر على من دونك بالفضل، وعلى نظرائك بالانصاف، وعلى من
فوقك بالاجلال تأخذ بوثائق أزمة التدبير
يجب على العاقل من حق الله التعظيم والشكر، ومن حق السلطان الطاعة والنصيحة، ومن حقه على نفسه الاجتهاد في الخيرات، واجتناب
- YOY - (2/252)
صفحة 569
الذنوب
ومن حق الخلطاء؛ الوفاء بالود، والبذل للمعونة
ومن حق العامة، كف الأذى، وحسن المعاشرة، من لم يبطره الغنى
ولم يشك في الفاقة ولم يأمن الدوائر ولم ينس العواقب فذلك الكامل
•
الكمال في ثلاث: الفقه في الدين والصبر على النوائب وحسن التقدير
في المعيشة
يستدل على تقوى الرجل لثلاث: حسن التوكل فيما لم ينل، وحسن
الرضى فيها قد نال، وحسن الصبر على ما قد فات ذروة الايمان أربع خصال: الصبر للحكم، والرضى بالقضاء وبالقدر، والاخلاص للتوكل، والاستسلام للرب
ليس للدين عوض، ولا للأيام بدل، ولا للنفس خلف، ومن مطيته الليل والنهار سارا به وان لم يسر.
كانت
اربعة اشياء القليل منها كثير: الوجع، والفقر، والنار، والعداوة. من جهل قدر نفسه فهو بقدر غيره أجهل، ومن أنف من عمل نفسه اضطر الى عمل غيره
إذا لم يكن العدل غالبا على الجور لم تزل تحدث الوان البلاء والآفات التي لا أمان منها، وليس شيء لتغيير نعمة، وتعجيل نقمة أقرب من الاقامة على
الظلم
الأمل قاطع من كل خير، والطمع مانع من كل خوف، والصبر صائر
الى كل ظفر، والنفس داعية الى كل شر
- Yor- (2/253)
صفحة 570
باستصلاح المعاش يصلح أمر العباد، ويصدق التوكل يستحق
الرزق، وبالأخلاص يستحق الجزاء، وبسلامة الصدر تورث المودة في القلب، وبالكف عن المحارم ينال رضى الرب، وبالحكمة يكشف غطاء العلم، ومع الرضى بالقضاء يصيب العيش.
بالعقول تنال ذروة الأمور، وعند نزول البلاء تظهر فضائل الانسان، وعند طول الغيبة تظهر مواساة الاخوان، وعند الخبرة تكشف عقول الرجال، وبالاسفار تختبر الأخلاق ومع الضيف يبدو السخاء، وبالغضب يعرف صدق الرجل، وبالايثار على النفس تملك الرقاب، وبالأدب يفهم العلم، وبترك الخطأ يسلم المرء من التخليط، وبالزهد تفهم الحكمة، وبالتوفيق تحرز الأعمال، وعند الغايات تظهر قوائم العزائم، وبصاحب الصدق تتقوى الأمور، وبالملاقاة ازدياد المودات ومع الزهد في الدنيا تثبت المؤاخاة في الله، ومن الوفاء دوام المواصلة، ومن الغرر ركوب البحر، ومن قبول رشد العالم ركوب مطية العلم، ومن استقامة النية اختيار صحبة الابرار، ومن عز النفس لزوم القناعة، ومن سلطان اليقين التجلد على من يطمع في دمك
ومن الدخول في الصدق الوقوف على ما لا تعرفه العامة، ومن حب الجنة الانقطاع عن الشهوات، ومن خوف النار الانصراف عن السيئات ومن طلب الفضول الوقوع في البلاء
وسئل حاتم الأصم، لأي سبب لا نجد ما يجده الأولون؟
فقال: لأنكم فاتكم خمسة أشياء: المعلم الناصح والصاحب الموافق والاجتهاد الدائم، والكسب الحلال، والزمان المساعد
•
وستة تساوي الدنيا: الطعام النافع، والولد السليم الأعضاء والصاحب الموافق، والأمير المشفق، والكلام الصحيح النظام، والعقل
YOU - (2/254)
صفحة 571
الكامل التام خير من الدنيا وما فيها
فصل من منثور الحكم
روي عن النبي صلى الله عليه وسلم: بئس العبد عبد خلق من نطفة ثم يصير الى جيفة كيف يفتخر من عرف اصله كيف يفخر؟ من يعمل الخبيث كيف لا يندم؟ من يكثر ذكر الموت كيف ينعم؟ من يؤثر الدنيا كيف يظفر؟ من اشترى الآخرة كيف يخسر؟ من اشند حرصه لم تسترح نفسه. من كثر ضحكه مات قلبه. من قل صبره يغتم. من لم يحاسب نفسه يندم. من قارن المفسدين لم يصلح. من عاند أهل الدين لم يفلح. من قرأ القرآن من غير خشية لم يربح. من جالس السفهاء لم يحلم. من لم يملك لسانه يندم. من يدخل مداخل السوء يتهم. من يكثر المراء يغتم. من يسيء يساء إليه. من مازح السفهاء اجترؤ وا عليه. من لم يتوقر استخف به. من لم يوقر نفسه لم يوقره غيره. من اكثر الحرص والهم قسا قلبه. من اكثر الكلام كثر ذنبه. من اعتاد الفصاحة قل لينه. من يشتم الناس قل حياؤه قبح فعله. من لم يحلم عن أهل الجهل قل عقله. من قلت أمانته ظهرت خيانته. من امتنع بالناس لم يمنعوه. من اتكل على الناس لم ينفعوه. من عود لسانه الفحش لم ينسب الى الدين. من تكلم بالخنا تعرض للشين. من لم يستح لم يستحى منه. من كذب الناس كذبوه. من أخلف الناس أخلفوه. من قال الحق ولو على نفسه عظمت في صدور الناس محبته، وفي صدور الفجار مهابته. من صان عقله صانه الناس عليه من جالس اهل السفه فإن اهل العقل يسفهوه. من قارن غير أهل الدين فإن اهل الدين يحقروه، من لم ينظر لنفسه فلا يلومن من لا ينظر اليه، ومن لم يداري الاخوان لم تصلح أخوته، ومن لم يغمض عن بعض العيوب لم تصف مودته. من لم يحتمل الجهل طال حزنه ولم يشف غيظه، ومن حسد الناس لم يبرأ من الغيظ قلبه، ومن قل كلامه فيما لا
255 - (2/255)
صفحة 572
يعنيه قل سقطه. من كثر ماله كثر حسابه. من كثر بيعه كثرت شياطينه ومن ترك الحق حياء من الناس ركن الى الباطل. ومن صدق نمائم الناس كثر عدوه، ومن أحب في الله قوي إيمانه، ومن آخى في الله قل اليوم اخوانه ومن ترك الله اعانه.
فصل
وقيل: اوحى الله تعالى الى نبي من بني اسرائيل: قل لبني اسرائيل
ينتهوا عما هم عليه والا ابتليتهم بالاسفار فإنها تخلق الأبدان وتذهب الاديان
•
وقيل: من تهاون بأمر ربه رانت الذنوب على قلبه، ومن كثر اغتمامه
بالدنيا فقد ذهنه، ومن اعتزل الشر اعتزله ومن فاكهه - لعله فاكه الناس - هزؤ وا به، ومن لم تكن منه توبة لم يأمن العقوبة.
256 - (2/256)
صفحة 573
الباب السادس والثلاثون
في آداب الحكماء
الآثار
قالت الحكماء: الأدب أكرم الجواهر طبيعة، وأنفسها قيمة، يرفع الأحساب الوضيعة، ويفيد الرغائب الجليلة، ويعز من غير عشيرة، ويكثر الأنصار من غير رزية، فالبسوه حلة، واقتنوه حلية، يؤنسكم في الوحشة ويجمع لكم القلوب المختلفة
وقال شبيب بن شيبة: اطلبوا الأدب، فإنه مادة العقل ودليل على
المروءة، وصاحب في الغربة، ومؤنس في الوحشة، وصلة في المجالس
وقال عبد الملك لبنيه: عليكم بالأدب فإنه إن احتجتم إليه كان لكم
مالا، وإن استغنيتم عنه كان لكم جمالا
وقال بعض العلماء: اعلم أن جاهك بالمال إنما يصحبك ما صحبك
المال وجاهك بالأدب غير زائل عنك
•
وقال آخر: إذا أكرمك الناس لمال أو سلطان فلا يعجبك ذلك فإن الكرامة تزول بزوالهما، ولكن ليعجبك أن يكرمك الناس لدين أو أدب
257 - (2/257)
صفحة 574
وقال الأحنف بن قيس: رأس الأدب المنطق، ولا خير في قول إلا يفعل، ولا في مال إلا بجود، ولا في صدق إلا بوفاء، ولا في رفعة
إلا بورع، ولا في صدق إلا بنية
وقال بزرجمهر: ما ورثت الآباء أبناءهم خيرا من الأدب؛ لأن بالأدب
يكسبون المال، وبالجهل يتلفونه
•
وقال الفضيل بن عياض: رأس الأدب معرفة المرء قدره
وقال أيضا: من عرف نفسه لم يضره ما قال الناس فيه
وقال ابن قتيبة: إذا أردت أن تكون عالما فاطلب فنا واحدا، وإذا أردت أن تكون أديبا فتفنن في العلوم.
وقال الحكماء: إذا كان الفتى طاهر الأثواب كثير الآداب حسن
المذاهب، تأدب بأدبه وصلح بصلاحه جميع أهله وولده
وقالت الأدباء: من أدب ولده صغيرا سره كبيرا
وقيل: من أدب ولده غم حاسده
•
وقال ابن عباس: من لم يجلس في الصغر حيث يكره لم يجلس في الكبر حيث يحب، وقال: ما أشد فطام الكبير وأعسر رياضة الهرم
نفسك؛ لأن
وقال عمر بن عتبة المعلم ولده: ليكن أول صلاحك لولدي إصلاحك عيوبهم معلقة بعيبك، فالحسن عندهم ما صنعت، والقبيح ما تركت، علمهم كتاب الله، ولا تملهم منه فيتركوه، ولا تتركهم منه فيهجروه، وروهم من الحديث أشرفه، ومن الشعر أعفه، ولا تنقلهم من علم إلى علم حتى يحكموه فإن ازدحام الكلام في السمع مشغلة للفهم، وعلمهم سير الحكماء، وجنبهم محادثة النساء، ولا تتكل على عذري لك
- YOA - (2/258)
صفحة 575
فقد اتكلت على كفاءتك
وقالت الحكماء: كفى بالتجارب تأديبا، وبتقلب الأيام عظة، وبالدهر
مؤدبا، وبالعقل مرشدا
وقال عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -: اجتهد أن لا تكون دنيء الهمة فإني ما رأيت شيئا أسقط لقدر الانسان من تداني همته.
وقال عمرو بن العاص: المرء حيث وضع نفسه. يريد إن عز نفسه علا أمره، وإذا أذلها ذل قدره، ومعنى الهمة أن يرفع نفسه، ولا يرفع أحد قدر أحد حتى يكون هو الرافع لقدر نفسه، واعزاز المرء نفسه أن لا يختلط بالأراذل، ولا يسرع في عمل ما لا يجوز لمثله أن يعمله
وقال بعض الحكماء: اجلال الأكابر من أحسن الأدب، واحتقار الناس من لؤم الأصل، وقبح الخلال
وقال: «ما نحل والد ولد نحلة أفضل من أدب حسن»
وقال ابن عباس - رضي الله عنهما -: حق الولد على الوالد أن يحسن اسمه ويحسن أدبه.
وقيل لزيد بن وصاف: ما أدب النفس؟ قال: أن تعرف حق الله فتؤديه، وتتفرغ لحقوق الاخوان فتقضيها، وتكف لسانك عن الشر، ولا تسأم فعل الخير، وتتوقى البخل، وتدلها على الكرم
وقال قتادة: إذا أحكمت متشابهات دينك، ولم تسخط ربك فيها أمرك
ونهاك فأنت الأديب
وقال سعيد بن المسيب: من لم يعرف ما الله عليه في نفسه ودينه، ولم
يتأدب بأمره ونهيه كان من الأدب في عزله.
259 - (2/259)
صفحة 576
وقيل لحكيم: ما أدب النفس؟ قال: أن تعرفها الخير وتحثها عليه، وتعرفها الشر وتزجرها عنه، وكان يقال: من قعد به حسبه نهض به أدبه
يوم ويوم عليك،
وقال بعض الحكماء لابنه: يا بني عز السلطان لك وعز المال وشيك ذهابه وسريع انقطاعه، وعز الحسب إلى خمول ودثور وعز الأدب راتب واصب لا يزول بزوال المال ولا يحول بحول السلطان.
وقيل: أهل الأدب هم الأكثرون وإن قلوا، ومحل الأنس حيث حلوا وقال خالد بن صفوان لبنيه: يا بني؛ الأدب بهاء الملوك ورياش
السوقة، والناس بين هذين فتعلموه تجدوه حيث تحبون.
وقيل: ترك الأدب موجب يوجب الطرد فمن أساء الأدب على البساط رد إلى الباب، ومن أساء الأدب على الباب رد إلى سياسة الدواب وروي عن ابن المبارك أنه قال: نحن إلى قليل من الأدب أحوج منا إلى
كثير من العلم.
•
وقال أبو نصر: الناس في الأدب على ثلاث طبقات؛ فأما أهل الدنيا فأكثر آدابهم في الفصاحة والبلاغة وحفظ العلوم، واشمار الملوك، واشعار العرب. وأما أهل الدين فأكثر آدابهم رياضة النفوس، وتأديب الجوارح وحفظ الحدود، وترك الشهوات. وأما أهل الخصوص فأكثر آدابهم في طهارة القلوب، ومراعاة الأسرار، والوفاء بالعهود، وحفظ الوقت، وقلة الالتفات إلى الخواطر، وحسن الأدب في مواقف الطلب وأوقات الحضور في مقامات
القرب
وقال سهل بن عبدالله: من قهر نفسه بالأدب فهو يعبد الله
260 - (2/260)
صفحة 577
بالاخلاص
وقال أبو علي: في قوله - تعالى -: وأيوب إذ نادى ربه أني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين) (1) قال: لم يقل ارحمني لأنه حفظ آداب
الخطاب
وكذلك عيسى - عليه السلام - قال: إن تعذبهم فإنهم عبادك) (2)، وقال: إن كنت قلته فقد علمته) (3) ولم يقل لم أقل رعاية لآداب الحضرة.
وقال محمد بن سهل: من الزم نفسه آداب السنة نور الله قلبه بنور المعرفة، ولا مقام أشرف من المتابعة للرسول في أوامره وأخلاقه وأفعاله وسئل عبد الله الرازي: ما بال الناس يعرفون عيوبهم ولا يرجعون إلى الصواب؟ فقال: لأنهم اشتغلوا بالمباهاة بالعلم ولم يشتغلوا باستعماله. واشتغلوا بالظواهر ولم يشتغلوا بآداب البواطن، فأعمى الله قلوبهم، وقيد جوارحهم عن العبادات.
وقيل: اجتمع الحكماء فقال قائل منهم: ما أفضل ما يؤتى المرء ويولد معه؟ قالوا: علم أو عقل. قال: فإن حرم العلم والعقل؟ قالوا: فأدب يعيش به. قال: فإن حرم العلم والعقل والأدب؟ قالوا: فمال يتحبب به إلى الناس. قال: فإن لم يكن؟ قالوا: فإخوان يسترون عورته. قال: فإن لم يكن؟ قالوا: فعي الصامت. قال: فإن لم يكن؟ قالوا: فموت جارف
وقال في ذلك:
1 - الآية 83 من سورة الأنبياء الآية 118 من سورة المائدة
-
3 - الآية 116 من سورة المائدة
261 - (2/261)
صفحة 578
إذا لم يكن علم يزين به الفتى وإلا فمال ساتر لمعائبه فإن لم يكن هذا ولا ذا فليته قضى نحبه من قبل تبدو معائبه
وقال رجل الحكيم: عظني. قال: لا تغضب فتندم. قال: زدني. قال: خالف هواك تسلم. قال: زدني. قال: اعمل بما تعلم. قال: زدني. قال: اعمل لنفسك قبل أن تهرم. قال: زدني. قال: الزم الطريق الأقوم. قال: زدني. قال: زن الكلام قبل أن تتكلم. قال: زدني. قال: قدم زادك قبل أن تتقدم. قال: زدني. قال: زدني. قال: احفظ صحتك قبل أن تسقم. قال: زدني. قال: اخرج من قلبك حب الدرهم.
وأما آداب الصحبة مع الله - تعالى -؛ فإطراق الرأس، وجمع الهم ودوام الصمت، وسكون الجوارح، ومبادرة الأمر، واجتناب النهي، وقلة الاعتراض على القدر، ودوام الذكر وملازمة الفكر، وإيثار الحق على الباطل، واليأس من الخلق، والخضوع تحت الهيبة، والانكسار تحت الحياء، والسكون عن حيل الكسب، ثقة بالضمان، والتوكل على فضل الله - تعالى - معرفة بحسن الاختيار.
وهذا ينبغي أن يكون شعارك في جميع ليلك ونهارك، فإنه أدب الصحبة
مع صاحب لا يفارقك والخلق كلهم يفارقونك
وأما أدب العالم: سعة الاحتمال، ولزوم الحلم، والجلوس بالهيبة على سمة الوقار مع إطراق الرأس، وترك التكبر على جميع العباد إلا على الظلمة زجرا لهم عن الظلم. وإيثار التواضع في المجالس والمحافل، وترك الهزل والدعابة، والرفق بالمتعلم، والتأني بالمتعجرف، واصلاح البلد بحسن الارشاد وترك الحرد عليهم، وترك الأنفة من قول لا أدري وصرف الهمة إلى السائل وتفهم سؤاله، وقبول الحجة والانقياد للحق بالرجوع إليه عن الهفوة، ومنع المتعلم من علم يضره، وزجره عن أن يريد بالعلم النافع غير
262 - (2/262)
صفحة 579
وجه الله ـ تعالى ـ، وصد المتعلم من أن يشتغل بفرض الكفاية قبل الفراغ من فرض العين
وفرض عينه اصلاح ظاهره وباطنه بالتقوى، ومؤاخذته أولا لنفسه
بالتقوى ليقتدي المتعلم أولا بأعماله ويستفيد ثانيا من أقواله وأدب المتعلم مع المعلم؛ أن يبدأه بالتحية والسلام، وأن يقل بين يديه الكلام، ولا يتكلم ما لم يسأله أستاذه، ولا يسأل ما لم يستأذن أولا، ولا يقول في معارضة قوله قال فلان خلاف ما قلت، ولا يشير عليه بخلاف رأيه فيرى أنه أعلم بالصواب من أستاذه
ولا يسار جليسه في مجلسه، ولا يلتفت إلى الجوانب بل يجلس مطرقا ساكتا متأدبا كأنه في الصلاة، ولا يكثر عليه عند ملالته، وإذا قام قام له. ولا يتبعه بكلامه وسؤاله في طريقه إلى أن يبلغ إلى منزله، ولا يسئ يسيء الظن به في أفعال ظاهرها منكرة عنده فهو أعلم بأسراره وليتذكر عند ذلك قول موسى للخضر - عليهما السلام -: أخرقتها لتغرق أهلها لقد جئت شيئا (1) وكونه مخطئا في إنكاره اعتمادا على الظاهر.
إمرام
ومن الأدب أن لا تغالب أحدا على حكمه، وإذا سأل غيرك فلا تجب، وإذا حدثك بحديث قد علمته فلا تنازعه إياه، ولا تتقحم عليه فيه، ولا ترِهِ أنك تعلمه، وإذا كلمت صاحبك فأخذته حجتك فسهل حرج ذلك عليه، ولا تظهر الظفر به وتعلم حسن الاستماع كما تتعلم حسن
الحديث
وقد قيل: من لم يكن فيه خير لنفسه لم يكن فيه خير لغيره؛ لأن نفسه أولى الأنفس كلها فإذا ضيعها فهو لما سواها أضيع، ومن أحب نفسه حاطها وأبقى عليها وجنبها كل ما يعيبها ويسقطها
1 - الآية 71 من سورة الكهف
- 263 - (2/263)
صفحة 580
ومن وصية أبي زكريا لأولاده قال لهم: إذا قمتم من جماعة فلا تفتحوا أطراف ثيابكم فلعل فيكم رائحة خبيثة، وإذا أردتم أن تسألوا عالمكم فلا تدنوا منه فلعل فيكم رائحة خبيثة. واسألوا عالمكم في أول سؤالكم بالسهلة لا بالشكلة
وقيل إن أراد أن يسأل عالمه فإنه يستأذنه، فإن أذن له سأل، وإلا فلا، فإن جاء سائل ثان وأراد أن يسأل فإن كان الأول أذن له العالم وكان الكلام بينهما فلا يحتاج الثاني إلى الاذن، فإن لم يأذن للأول منهما فإنه يستأذن السائل الممنوع، فإن أذن له سأل العالم وإلا فلا، فإذا حرد المسئول فلا ينبغي أن يسأل ولا أن يراجع بعد الحرد، فإن أراد أن يسأل حاجة فإنه يقعد عن يمينه، وإن كان كاتبا فليقعد عن يساره، وإن كان طالب علم فليقعد مقابلة وجهه ويجعل عينه مقابلة صدره، وإنما يسأل في حال نشاطه وارتياح قلبه كما قيل شعرا:
وارصد خواطر ساعات النشاط له إذا أردت لبعض القول تكرارا
وأدب الجواب تسعة أوجه؛ رد العلم إلى نهايته، والتفهم في السؤال، والترسل في الجواب، والجواب بالود، وحسن الرأفة والانصاف، وترك الاغفال، واختيار مسالك العلم، وأدب الولد مع الوالدين أن يستمع كلامهما، ويقوم لقيامهما، ويمتثل أمرهما، ولا يمشي أمامهما، ولا يرفع صوته فوق صوتهما ويخفض لهما جناح الذل، ولا يمتن عليهما بالبر لهما، ولا بالقيام بأمرهما، ولا ينظر إليهما شذرا، ولا يقطب وجهه في وجههما، ولا يسافر إلا برأيهما.
وقيل: طلب الأدب أولى من طلب الذهب
•
وقيل: أدب السؤال سبعة؛ خفض - لعله غض ـ البصر، وخفض
- YTE - (2/264)
صفحة 581
الصوت، وترك الالتفات، وعظم الصبر، وشدة الحرص، ولطف
السؤال، وحسن النية
وقيل: من الأدب مع العظماء أن لا تقرع أبوابهم، ولا ينادوا في ديارهم، ويرتقب خروجهم، أو يستأذن عليهم
وقيل: الفضل بالعقل والأدب بالأصل
•
265 - (2/265)
صفحة 582
[صفحة فارغة] (2/266)
صفحة 583
الباب السابع والثلاثون
في الآداب
قتادة في قول الله - عز وجل -: الذي أحسن كل شيء خلقه) (1)
قال: خلق السماء فزينها بالكواكب، وخلق الأرض فزينها بالنبات، وخلق
ابن آدم فزينه بالأدب
فوجب ستر العورة وهو أول الأدب
وقال: يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباسا يواري سوءاتكم)
(2)
وقال عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -: إياكم ولبستين؛ لبسة مشهورة ولبسة محقورة، وكانت العرب تقول: العري الفادح خير من الزي
الفاضح
وقيل في ذلك شعر:
إن العيون رمتك إذ فاجأتها وعليك من شهر الثياب لباس أما الطعام فكل لنفسك ما تشاء واجعل لباسك ما اشتهاه الناس
1 - الآية 7 من سورة السجدة 2 - الآية 26 من سورة الأعراف
- 267 - (2/267)
صفحة 584
وقيل: من الأدب، إذا دخلت مع الرجل منزله أن تدخل بعده، خرجت خرجت قبله
وإذا
ومن الأدب أن يدل الرجل ضيفه موضع الخلاء، ومن الأدب أن يمشي معه إلى الباب، ومن الجفاء أكل رب البيت مع الضيف إلا أن يكون الضيف من الملوك والرؤساء ولا تناول بعض أضيافك دون بعض، ولا تناج بعضهم دون بعض، ولا تناول أحدا شيئا على مائدة غيرك، ولا تكثر السكوت عند
أضيافك فتدخلهم وحشة، ولا تستخدم الضيف فليس من المروءة.
ونهى رسول الله صلى الله عليه وسلم في الأكل عن ثلاثة أوجه؛ عن التقشير والترميل والتنقيب. فالقشار الذي يأكل من كل ناحية ويقشر وجه الطعام، والمرمل الذي لا يرفع إلى فيه ما لا يسع، والنقاب الذي يحفر في الطعام خبه ويرجع
إليه الادام
ونهى النبي عن قصع الرطبة، وهو أن يخرجها من قشرها، ويكره لمن أكل التمر أن يلقي النوى من فمه حتى يعرقه. وكان ـ عليه السلام - إذا أكل التمر ألقى النوى على ظهر كفه ـ يقذفه -
وكان يأمر مؤ اكليه بحسن الأدب في الأكل. وقال: «البركة تنزل وسط الطعام فكلوا من حافتيه ولا تأكلوا من وسطه
وكان من آداب أصحابه إذا وضع الطعام لا يضعون أيديهم حتى يضع
يده قبلهم
وكان إذا سقى أصحابه بدأهم قبل نفسه، وكان إذا شرب أعطى من عن يمينه، وإذا كان مفضولا ربما استأذنه لكون الحق له فإن أذن له وإلا أعطاه، وكان يشتد إليه أن توجد رائحة كريهة فلم يأكل ثوما ولا بصلا ولا كراثا إلا مطبوخا، وكان إذا دعي إلى طعام في عدد معين فيتبعهم غيرهم
268 - (2/268)
صفحة 585
استأذن لهم، وكل الأدب قولا وفعلا مأخوذ عنه، وكيف لا يكون كذلك وجبريل - صلى الله عليهما - مؤدبه عن ربه - جل وعلا - فطوبى لمن تأدب بأدبه واقتدى به في كل أحواله
وقيل: في الأكل أربع فرائض، وأربع سنن، وأربع مكرمة، فأما الفرائض فالحمد والشكر والتسمية ومعرفة ما أطعمك الله - تعالى -، وأما السنة فاتكاؤك على فخذك الأيسر والأخذ للطعام بثلاث أصابع وشدة المضغ ولعق الأصابع، وأما المكرمة فغسل اليدين والأكل مما يليك وتصغير اللقمة وأن تقل النظر إلى جليسك، وهذا كان من فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم
ويقال: غسل اليدين في افتتاح الطعام ينفي الفقر واللمم
وقيل: غسل اليدين قبل الأكل بركة، وبعده مغفرة.
وقيل: إذا دام أهل البيت على ذلك نفى الله عنهم الفقر وعاشوا في سعة، وإذا حضرت المائدة فليس يحسن بالرجل الأكل نائما ولا قائما ولا ذلك أفعال المسلمين، ويؤمر أن يسمي ويأكل قاعدا، ولا يحرم عليه أن يأكل قائها أو نائما من عذر، فأما ما يجوز من ذلك فمثل من تناول رطبة أو نبقة وهو نائم وما يكون مثل هذا فلا بأس به
من
ويكره الأكل بالشمال للخبر الوارد فيه ولا أعلم عليه شيئا
وقيل: لكل شيء فضيحة، وفضيحة القرى اتساع البطون
وقال رجل لبعض اخوانه: كل كل. فقال: عليك بتقريب الطعام وعلينا تأديب الأجسام.
وقيل: إن فقيها دعي إلى طعام فقال: أجبتك بثلاثة شروط أن لا تتكلف ما ليس عندك أو تضن بما عندك أو تحرم عيالك وتقري ضيفك
- 269 - (2/269)
صفحة 586
ويروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: للضيف حق واجب على كل مسلم
فمن أصبح بفنائه فهو أحق به إن شاء أخذ وإن شاء ترك»
وقال: الضيف ينزل برزقه ويرتحل بذنوب أهل البيت
•
وقال: الضيافة ثلاثة أيام وجائزتها يوم وليلة ولا يحل لرجل مسلم يقيم
عند أخيه حتى يؤثمه قالوا: يا رسول الله وكيف ذلك؟ قال: يقيم عنده ولا شيء عنده يقوته به
•
وقال: «نفقة المؤمن على ضيفه الواحدة عشرة أضعاف وعلى ولد ولده سبعين ضعفا وعلى صومه سبعمائة ضعف وعلى ذي قرابته من أبيه وأمه ألف ضعف بأنه إنما وصل بذلك والديه ونفقته في سبيل الله سبعين ضعفاء
وروي عن أبي بكر الصديق - رضي الله عنه ـ أن الله - تعالى - يبغض
أهل بيت ينفقون قوت أيام في يوم واحد
الموت
ويقال: يوشك من أنفق سرفا أن يموت أسفا
•
ابن عمر: لو أن رجلا مات بشاما ما صليت عليه
ويقال: الشبع داعية البشم، والبشم داعية السقم، والسقم داعية
وقيل: لا تسلم على من يأكل وليس هو من الأدب
وقال أكثم بن صيفي: كنوز العلماء الحكم، وكنوز الجهال الأموال ومن أحب الأدب تواضع له، ومن أبغضه تكبر عنه
وقيل في ذلك:
،
لا خير في حر بلا أدب لا خير فيه ولو يمشي على الذهب
270
- (2/270)
صفحة 587
وقال آخر:
أدب المرء كلحم ودم ما حواه جسد إلا صلح لو وزنتم باديب واحد ألف ألف من ذوي الجهل رجح
ومن الأدب؛ الاقبال على الجليس كان محدثا ومحدثا، والاعراض على
المحدث من سوء الأدب
والاقبال على المعرض ليس من الأدب
•
قال سعيد بن المسيب: الجليسي على ثلاث خصال؛ إذا أتى قربته،
وإذا حدث أقبلت عليه
وكان ابن عباس يقول: أكرم الناس علي جليسي.
ومن الأدب أن يساوي الرجل بين جلسائه في إقباله وحديثه وتقريبه وإكرامه، ولا يخص بعضهم بشيء دون بعض اقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم، فقد روي
أنه كان يقسم لحظاته بين جلسائه
وقيل: ثمانية إن أهينوا فلا يلوموا إلا أنفسهم: الجالس على مائدة لم يدع إليها، والمتآمر على رب البيت، وطالب الخير من أعدائه، وطالب الفضل من اللثام، والداخل بين اثنين في حديثهما من غير أن يدخلاه فيه، والمستخف بالسلطان، والجالس بمجلس ليس له بأهل، والمقبل بحديثه على من ليس يسمعه
ومن الأدب: إذا لقيت أحدا فلا تسأله من أين جئت لعله لا يريد أن تعلم، وإذا رأيت رجلين في حديث فلا تقم عندهما ولا تدخل بينهما، وإن كنتم ثلاثة فلا تناجين واحدا دون الثاني، وإن كنتم أربعة فلا تناجين اثنين دون الثالث فإنه جفاء، وإن قمت من عند رجل فدعاك فلا تمشين وهو يدعوك
271 - (2/271)
صفحة 588
فإنه استخفاف بدعائه، ولكن قف حتى يفرغ من دعائه وأجبه بمثله، فإذا قرعت الباب فتمهل وليكن بين كل ضربتين ما يفرغ المتوضئ من وضوئه والمصلي من صلاته ركعتين، والأكل من أكله واللامس من حاجته، وإذا دخلت على رجل فاجلس حيث يأمرك بالجلوس؛ فإن المرء يعرف بعوار
داره.
وحكي أن رجلا استأذن على أبي حنيفة وكانت عنده بطيخة فسترها بثوب وأشار أبو حنيفة بالجلوس إلى موضع آخر، فأبى وجلس على البطيخة وكسرها. فمخالفة رب البيت في جلوسه جاهلا مخالفا مقبحا ضامنا فاعلا ما ليس يحسن مخالفا لأدب رسول الله صلى الله عليه وسلم
ومن الأدب إذا حضر قوم أن يتكلم الأكبر منهم وبذلك أمر النبي صلى الله عليه وسلم
ومن الأدب اجتناب النعاس عند الناس فإنه من سوء الأدب، وفيه ثلاث خصال؛ إما أن يكون من صاحبه حدث أو كلمة نافعة تمر فتفوته أو يكون تاركا الحرمة الجلساء، وإذا حدثت رجلا فتهاون بحديثك فكف عنه فإنه
قيل: من حدث من لم يستمع لحديثه كان كمن قدم طعاما إلى أهل القبور
ومن كان في مجلس ثم قام منه ثم رجع فهو أحق بذلك
•
ويكره أن يبزق الرجل عن يمينه، وقيل إن أبا بكر بزق عن يمينه في
مرضه الذي مات فيه ثم قال: ما فعلها قبل اليوم
وليكن لنفسه مصلحا مهذبا وناصحا مؤدبا، فقد قال بعض الحكماء:
أصلح نفسك يكون الناس تبعا لك
وأن يؤدب خدمه وغلمانه فإن الخادم دليل على المخدوم
•
ويكره في الأدب إعادة الحديث
272 - (2/272)
صفحة 589
وقال الزهري: إعادة الحديث أشد من نقل الحديد
وقيل: إنه ما مد رجليه عند جليس قط
عائشة - رضي الله عنها - قالت: يا معاشر الرجال؛ استتروا من نسائكم، لا تكونوا كأمثال الدواب؛ فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا رأيت له شيئا
ولا رأى لي شيئا
وقد قيل إن أبا بكر لما حضرته الوفاة - رحمه الله - قال لزوجته: هل رأيت لي سوأة قط؟ فقالت: اللهم لا. قال: الله أكبر ما كنت أظن أن أحدا
رآها سواك.
وقيل: زر غبا تزدد حبا. وقيل هذا قاله النبي صلى الله عليه وسلم لأبي هريرة فسمعته عائشة - رضي الله عنها - وكان فيهما قيل قريبا لها، فشق ذلك عليها. فقالت: أكثرت من زوره (1) فملك، ودمت في ذلك فاستقلك، لو كنت ممن يزور غبا
آثر في قلبه محلك. فقال: «ما مللناه ولا قليناه ولكن أدبناه
•
والأدب أيضا أدبان؛ أدب نفس وأدب درس، فأدب النفس أفضل والانسان إليه أحوج، وهو به أحسن، وله أزين، وقال بعض الحكماء: الأدب أدبان: أدب شريعة، وأدب سياسة؛ فأدب الشريعة ما أدى الفرض، وأدب السياسة ما عمر الأرض، وكلاهما راجعان إلى العدل، وليعتبر الناس في سائر أموره. فقد قيل: من كثر اعتباره قل عثاره، وليتصفح أحوال غيره ليتبع أحسنها، ويدع أقبحها، لما قد قيل: ان السعيد من وعظ بغيره والشقي من وعظ غيره به
قال الشاعر:
1 - هكذا وجدت في الأصل ولعله يقصد زيارته
273 - (2/273)
صفحة 590
إن السعيد له من غيره عظة ففي التجارب تحكيم ومعتبر
وقال: ينبغي للأديب أن يأخذ من جميع الآداب أجودها، كما أن
النحل تأخذ من كل زهر أجوده
ومن الأدب ترك الاعجاب، فإنه آفة الألباب وضد الصواب
•
وقال أفلاطون: لا ينبغي للأديب أن يخاطب من لا أدب له كما لا ينبغي للصاحي أن يخاطب السكران
وينبغي للأديب أن يجتنب كل عيب، فعنده المانع، وهو الأدب الذي آتاه الله - تعالى - من حالة الجاهل، وليأت الذي هو أشبه في كل حال
بالأدب
ومن الأدب أن لا تقضى الذمم في مجالس الملوك إلا لصاحب المجلس
لا لغيره.
وقال بعض الحكماء: الأدب صورة العقل، فصور عقلك كيف
وقيل: من حق النفس على الانسان أن يأخذها بالآداب الجزيلة والأفعال الجميلة، فهي أوجب الحقوق إليه، وأليق الأشياء إليه
وقال أبو الفتح البستي:
يا خادم النفس كم تشقى بخدمتها لتطلب الربح مما فيه خسران أقبل على النفس واستكمل فضائلها فأنت بالنفس لا بالجسم انسان
وعليه أن يهذبها في كل أحواله، ويؤدبها في سائر أفعاله
•
وحكي أن فتى من بني هاشم تخطى رقاب الناس عند أبي داود، فقال
274 - (2/274)
صفحة 591
له: يا بني إن الأدب ميراث الأشراف، وليس أرى عندك من ذلك شيئا
ومن الأدب ترك هجر القول وأمثال السقاط
وقال الصنوري:
وللسقاط أمثال فمنها تمثلهم لدى الشيء المريب إذا ما كنت ذا بول صحيح الا فاضرب به وجه الطبيب
وقال زدشير: من غذاه الأدب كان ينبوعا للحكمة
ومن الأدب أن لا يرفع الانسان صوته منزعجا؛ فإن بعض الطيش من
فضل البلاغة.
قال الله - تعالى -: إن أنكر الأصوات لصوت الحمير)
قيل: العطسة المرتفعة القبيحة
(1)
قيل: وكان المشركون يتفاخرون برفع الأصوات، ومن كان أشد صوتا
كان عزيزا.
فقال الله ذلك، أي لو كان شيء يثاب على شدة صوته أثيب الحمار. ويكره الأطباء والحكماء الأكل بين يدي السباع يخافون نفوسها وأعينها للشره الذي فيها ولما ينحل عند ذلك من البخار من أجوافها من البخار الرديء وينفصل من عيونها من الأمور المفسدة التي إذا خالطت طباع الانسان
نغصته
وكانوا يقولون: في السنور والكلب: إما أن تطرده قبل أن يراك تأكل
1 - الآية 19 من سورة لقمان
- YVO - (2/275)
صفحة 592
وإما أن تشغله بشيء يأكله ولو بعظم.
فقال النبي: من أكل من غير جوع ونام من غير سهر وضحك من غير عجب ومشي من غير أرب مقته الله
وقال: إن الله لم يخلق وعاء ملئ شرا من بطن فإن كان لا بد فاجعلوا
ثلثا للطعام وثلثا للشراب وثلثا للنفس (1)
وقال
وقال: «بيت ليس فيه تمر جياع أهله»
وقال: ما افتقر بيت فيه خل»
•
ويقال: لكل شيء صدأ وصدأ نور القلب شبع البطن.
وقال بعضهم: لا تسكن الحكمة معدة ملئت طعاما.
وعليك بالكسب الحلال فإن الذي يكون طامه من الحرام إذا وضع يده الله قال الشيطان أنا كنت معك من حيث كسبته لا أفارقك أنا
بسم
شريكك فيه
ولا تبدأ بالأكل حتى يبدأ من هو أكبر منك في السن والعلم، فإذا بدأت فقل بسم الله وارفع بها صوتك إذنا لمن معك، وكل مما يليك وافتح طعامك بالملح واختمه به فإن فيه دواء من سبعين داء
وكان النبي صلى الله عليه وسلم يفعله، وكل ما سقط المائدة
من
فإنه بلغنا أنه يصرف عن فاعله الجذام والجنون وعن ولده وولد ولده
المائدة،
فإنه من السنة، فإذا رفعت المائدة
فإذا أكلت فلا تقم حتى ترفع وتوضأت فاستأذن في الخروج، وادع لهم بالخلف، وان كنت صائما فلا تقعد
1 - أخرجه أحمد والترمذي والنسائي عن المقداد بن معد يكرب
276 - (2/276)
صفحة 593
مع من يأكل فيستحيون منك
وروي أنه أخذ كسرة من خبز الشعير فوضع عليها تمرة وقال: «هذا
إدام هذا.
ذلك
وروي عنه عليه السلام. أنه كان يأكل القثاء بالرطب والدباء بالتمر
وعنه: «كلوا الوغم ولا تأكلوا الغغم فالوغم ما يتساقط ويتناثر من
الطعام عند الأكل، والغغم ما يخرج من الأضراس من الطعام عند التخلل واذا تخللت فلا ترم بالخلالة بين الناس، ولا تتنخع ولا تبزق بين الناس فإن من الجفاء والجفاء ليس من أخلاق المسلمين ولا تأكل في الظلمة فإن الشيطان يأكل في الظلمة، واذا أكلت لحما فابدأ قبل بثلاث لقم خبز تسد الخلال، واذا أكلت لحما فانهشه نهشا، واذا شربت فاشرب في ثلاثة انفاس الأول شكرا لربك. والثاني مهضمة لطعامك. والثالث مطردة للشيطان أبو هريرة ان النبي صلى الله عليه وسلم قال: اذا صنع لأحدكم خادمه طعاما ثم جاء به وقد ولى حره ودخانه فليقعد معه فليأكل وان كان الطعام مشففا - يعني قليلا - والشفافة البقية القليلة، فليضع في يده منه أكلة أو اكلتين
وعنه أنه قال: حرام على الرجل ان يحقر ما في منزله أن يقدمه إلى
قوم وحرام على الرجل ان يحقر ما قدم إليه
عائشة عنه عليه السلام: اكرم الخبز فإن من اكرامه ان لا ينتظر به
الأدم إذا حضر مع الملح وسيد أدامكم الملح.
أبو هريرة عنه عليه السلام أنه قال: اذا وضع الطيب بين يدي احدكم فليصب منه ولا يرده
أنس بن مالك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: اذا وضع الطعام فاخلعوا
277 - (2/277)
صفحة 594
نعالكم فإنه لا روح لأقدامكم».
وقال عمر - رحمه الله - إياكم والبطنة، فإنها مفسدة للدين مورثة للسقم، مكملة عن العبادة، وعليكم بالقصد في قوتكم
وعن النبي صلى الله عليه وسلم: لا تجعلوا بطونكم أوعية فتصير أودية وفي الحديث الرعب شؤم ورجل نهيم ومنهوم وهو الذي يمتلئ بطنه ولا تشبع نفسه. أبو عبيدة عن جابر قال: بلغني عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا تغبوا الماء غبا فإن من ذلك يتولد البهر ولكن مصوه مصا
وقيل إن الجري من أفعال الحمقى لما يدرك إذا مشى، وان كان يخاف فوت ذلك جرى إليه وذلك إذا خاف على نفسه العطب، أو على غيره من قبل حرق أو غرق، او اكل دابة أو أشباه ذلك فجرى لم يكن ذلك من الجفاء بل من
الاحسان
- YYA - (2/278)
صفحة 595
الباب الثامن والثلاثون
في الآداب في الأقوال والأفعال
وفي الحديث: «ان الله يحب معالي الأمور ويكره سفاسفها السفساف من كل شيء لعله أرذله، ويقال: فضل القول على الفعل لؤم، وفضل الفعل على القول كرم
وينبغي للانسان ان يستر إحسانه كما يستر معصيته.
وقال: (من ألح عليه الفقر فليكثر من قول: لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم ويستفتح الانسان ليله ونهاره بذكر الله تعالى فإنه العبادة الكبرى، فإذا دخل منزله فليقل: السلام علينا من ربنا والحمد لله رب العالمين كما أمر الله تعالى. ويستحب لمن قعد عند من يقرأ السورة أن لا يقوم حتى يقوم القارئ أو يسكت
عن عائشة - رضي الله عنها - أنها كانت إذا قرأت: أليس الله بأحكم الحاكمين) (1) قالت ثلاثا، وأنا على ذلك من الشاهدين. وينبغي لمن مر على حائط مائل أو شيء مخوف أن يسرع المشي اقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم أنه مر بحائط مائل فأسرع. فقيل له: يا رسول الله أسرعت. فقال: أخاف موت
1 - الآية 8 من سورة التين
- 279 - (2/279)
صفحة 596
الفواق أي موت الفجأة.
واذا أردت أن تنام فنم على جنبك الأيمن وقل: بسم الله وفي سبيل الله الحمد لله الذي أواني والحمد لله الذي هداني والحمد لله الذي من علي
بالاسلام.
وعليك بذكر الله حتى يذهب بك النوم فتكتب من الذاكرين حتى تصبح ثم قل: اللهم وضعت جنبي إليك ولجأت بظهري إليك وأسلمت نفسي إليك فاحفظني بما حفظت به المؤمنين.
وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أخذ مضجعه قال: «اللهم آمن روعتي واستر عورتي واقصد ديني وقني عذابك يوم تبعث عبادك وكان يقول اذا قام من فراشه: سبحانك ربنا وبحمدك نستغفرك ونتوب إليك فتب علينا إنك أنت التواب الرحيم.
فإذا أصبحت فقل: الحمد لله الذي أحياني بعد ما أماتني وإليه
النشور، ومن بات طاهرا وكل الله به ملائكته يحفظونه ويستغفرون له، ويؤذن لروحه بالسجود، وإن مات كان شهيدا، واذا صليت الغداة فقل بعد الصلاة: الحمد لله وسبحان الله ولا إله إلا الله والله اكبر له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو حي لا يموت بيده الخير وهو على كل شيء قدير لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير أحاط بكل شيء علما وأحصى كل شيء عددا. اللهم أني اسألك بركة هذا اليوم وخير ما قبله وخير ما بعده يا أرحم الراحمين.
واذا لبست ثوبا فالبسه ممن ميامنك وقل: بسم الله الحمد لله الذي كساني ما أواري به عورتي واتجمل به بين الناس، واذا نزعته فانزعه من مياسرك إقتداء بما روي عن النبي بدأ بميامنه في لبسه وانتعاله وادهانه واكتحاله وفي جميع أحواله. فإذا انتعلت فابدأ باليمين، وذا خلعت فابدأ
YA. (2/280)
صفحة 597
باليسرى اقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم، واذا انقطع شسع نعلك فقل: انا لله وانا إليه راجعون لما روي عن سعد بن عبادة كان اذا انقطع شسع نعل رسول الله قال: وانا لله وانا إليه راجعون فقالوا: يا رسول الله أمصيبة قال: نعم اذا انقطع شسع نعل أحدكم فليسترجع فإنها مصيبة فإذا انقطع ولم
يحضره سير فليجعل حبلا أو خوصة فإنه أشبه بالنعل من الخيط.
هي
واذا ادهنت فابدأ بالرأس قبل اللحية، والحاجب قبل الشارب
•
فقد قيل: كان يفعل ذلك النبي. وقال: «من شم طيبا أول النهار لم يفقد عقله إلى آخر النهار واذا نظرت في المرآة فقل: الحمد لله الذي خلقني فأحسن خلقي وصورني فأحسن صورتي وزين ما شان من غيري وهداني للاسلام. اللهم فكما احسنت خلقي فحسن خلقي وحببني الى جميع
خلقك
أنس قال: قال النبي: ما أنعم الله على عبد نعمة في أهل أو مال أو ولد فرآها فأعجبته فقال: اذا رأى ذلك ما شاء الله لا قوة الا بالله، ويستحب الصلاة على النبي عند النظر الى الشيء المعجب لأن ذلك يطرد العين عنه، وهذا من خصائصه فيما قيل، والله اعلم ..
وكان يأمر من أصابه حزن أو سقم أو غم أو لأواء أو أزل وهو الجوع ان يقول: والله لا أشرك به شيئا ثلاث مرات ربي
عمر - رحمه الله - قال: قال النبي: من رأى مبتلى فقال الحمد لله الذي عفاني مما ابتلاك به وفضلني على كثير ممن خلق تفضيلا إلا عافاه من
ذلك البلاء
ويقال: عند شروق الشمس. الله اكبر الله اكبر الله اكبر لا إله إلا الله
والله اكبر ولله الحمد اللهم اشرقها علي بالتوبة والرحمة والعصمة والعفو
281 - (2/281)
صفحة 598
•
والانابة
ويقال أيضا: طلعت الشمس بقدرة الله وانتشر خلق الله ولا إله إلا الله ربنا رب السموات والأرض لن ندعوا من دونه إلها لقد قلنا إذا شططا. وإذا أتيت قرية أو بلدا تريد دخولها فقل: اللهم ارزقنا خيرها واصرف
عنا وباءها.
واذا أردت دخول السوق فقل: اللهم اني أعوذ بك من الكفر والفسوق: وأسألك ما في السوق. اللهم اني لا أجد الا ما اعطيت ولا أتقي إلا ما وقيت. اللهم قني كل يمين كاذبة وكل صفقة خاسرة. فإنه بلغنا أن ابن مسعود - رحمه الله - كان يقول ذلك
سلمان - رحمه الله - لا تكونن أول داخل للسوق ولا أخر خارج منه فإنه
مركز الشيطان ومركز رايته
ويستحب تجنب الشمس ويؤمر بالتباعد عنها. فقد روي عن علي: رأى رجلا في الشمس قال: فمر عنها فإنها مبخرة مجفرة تنتن الريح وتبلي الثوب وتظهر الداء الدفين. - قوله مجفرة تذهب شهوة النساء - وقد قيل: من سبق العاطس بالحمد عوفي من وجع الخاصرة ولم ير في حياته مكروها حتى يخرج من الدنيا.
•
وأوحى الله إلى موسى عليه السلام: يا ابن عمران؛ اذا سمعت عاطسا فاحمدني ولو من وراء البحر»
ابن عباس قال: العطاس من الله والتثاؤب من الشيطان فإذا تثاءبت فضع ظهر اصابعك على فيك تسكينا للتثاؤب
وأول من عطس آدم، فقال الحمد لله الهاما من
الله عز
282 - (2/282)
صفحة 599
وجل فقال له ربه: «يرحمك الله فسبقت رحمته غضبه فصارت سنة للتشميت. وقيل: كان سبب عطسة آدم، ان الروح جرت في جسده فتنفس فصارت عطسة
وقيل: ان النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول اذا سافر: «اللهم إني اعوذ بك من وعث السفر وكآبة المنقلب ومن الحور بعد الكور ودعوة المظلوم وسوء المنظر في الأهل والمال والولد. اللهم اطو لنا الأرض وهون علينا
السفر.
وعنه: «أمان لأمتي من الغرق اذا ركبوا في الفلك ان يقولوا: الملك الرحمن وما قدروا الله حق) (1)، إلى مطويات بيمينه)
الآية
الله بسم
(2)
بسم الله مجرايها ومرسنها إن ربي لغفور رحيم) (3)، ويستحب في
دخول السفينة أن لا يدخلها على يمينه كما يركب الدابة على يمينه
وعن النبي أنه قال: على ظهر كل بعير شيطان فإذا ركبتموها فاذكروا اسم الله عليها ثم امتهنوها
ويستحب لمن أكل أو شرب أو قعد أو قام أو أخذ شيئا أو نام أو أراد زوجته أو جاريته أو ما فعل من شيء أن يذكر اسم الله - عز وجل ـ في كل ذلك
بلا حد محدود.
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: لا تنزلوا النساء الغرف ولا تعلموهن الكتاب
وعلموهن المغزل وسورة النور
1 - الآية (67) من سورة الزمر
2 - الآية (67) من سورة الزمر
3 - الآية (41) من سورة هود.
283 - (2/283)
صفحة 600
وقال: «إذا قامت المرأة فلا يجلس الرجل مجلسها حتى يبرد مكانها
وروي عن النبي أنه يبغض كثرة النوم وكثرة الراحة.
وعنه
أنه قال: أريحوا القلوب فإنها تعي الحكمة»
وينبغي للمرء أن يعلم أن عليه لنفسه حقا فلا يمنعها حقها، وحقها إذا
أسهرها في الليل أن يريحها بالنهار، وإن أصابته مصيبة فلا يمنعها الطعام
والشراب فتضعف عما افترضه الله عليها وليكن صابرا لأمر الله - تعالى
•
-
قيل: نظر ابن عباس إلى بعض أولاده قد نام نومة الضحى فركله برجله وقال: قم لا أنام الله عينيك، تنام في الساعة التي يسير ـ لعله ينتشر ـ فيها عباد الله يبتغون من فضل الله أو ما علمت ما قالت العرب في النومة؟
قال: وما قالت فيها يا أبتي؟ قال: قالت إنها مكسلة منجرة منساة للحاجة يا بني؛ أو ما علمت أن النوم على ثلاثة أوجه؛ فنومة خرق ونومة خلق ونومة حمق؛ فأما نومة الخرق فنومة الضحى، وأما نومة الخلق فنومة الهاجرة، وهي التي قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قيلوا فإن الشياطين لا تقيل، وأما نومة الحمق فبين العصر والمغرب لا ينام إلا سكران أو مجنون. قال: فقام الغلام يعرك عينيه فما عاد إلى نومة الضحى
وقيل في ذلك شعرا:
الا إن نومات الضحى تورث الفتى سقاما ونومات العشي (العصر) جنون وقال: لا تنام الصبيان عند الأبواب ولا يتخطى الرجل الرجل
وهو نائم، ولا ينام الرجل على بطنه ولا المرأة على قفاها
وقال: «إذا رأيتم الرجل نائما على ظهر المحجة فأنبهوه وإذا رأيتم الرجل
نائها على بطنه فلا تدعوه
284 - (2/284)
صفحة 601
ومن نبه نائما الصلاة أو لطهارة أو لطعام أو الجماعة أو لبيع أو لشراء أمره
بذلك أو لم يأمره فجائز
•
وكان النبي ينام على يمينه ويضع يده اليمنى تحت خده الأيمن ثم يقول: اللهم قني عذابك يوم تبعث عبادك وإذا استيقظ من نومه قال: «الحمد لله الذي أحياني بعد إذ توفاني وإليه النشور
•
وقيل: جعل الله - عز وجل - النوم دليلا على الموت وجعل القيام من
النوم دليلا على البعث
وفي الحديث: كلما تغاررت ذكرت الله والتغارر: هو السهر والتقلب بالليل في الفراش. وأفضل ما ينام الرجل على يمينه فيذكر الله ـ تعالى ـ ما بدا له ثم ينام على شماله
•
وقال ابن عباس: النوم أربعة؛ فالأنبياء - عليهم السلام - ينامون على ظهورهم وتنام أعينهم ولا تنام قلوبهم متوقعون لوحي ربهم.
والمؤمن ينام على يمينه مستقبلا قبلته والملوك تنام على شمالها ليستمرئوا ما أكلوا من طعامهم، وإبليس وأعوانه وكل ذي عاهة أو مجنون ينام على وجهه، ويستحب أن لا ينام الرجل حتى يقرأ عشر آيات من البقرة؛ أربع آيات من أولها وآية الكرسي وآيتين بعدها وثلاث آيات من آخرها من آمن الرسول) عن عبدالله من قرأهن لم يضره الشيطان تلك الليلة في أهل ولا مال، ولا تقرأ على مجنون إلا برئ
والنوم أخو الموت، وقد روي عن الأعمش أن سائلا سأل النبي صلى الله عليه وسلم: هل ينام أهل الجنة؟ قال: لا؛ لأن النوم أخو الموت
ونهى النبي صلى الله عليه وسلم أن يدخل بيت مظلم إلا بضياء.
285 - (2/285)
صفحة 602
أبو هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يمشين أحدكم في نعل واحدة وليخلعها جميعا
أبو عبيدة عن جابر بن زيد قال: سمعت جابر بن عبدالله يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اغلقوا الأبواب واوكوا السقاء وغطوا الاناء واطفئوا المصباح فإن الشيطان لا يفتح غلقا ولا يحل وكاء ولا يكشف إناء وإن الفويسقة تضرم على أهل البيت نار بيوتهم
قال الربيع: الفويسقة؛ الفأرة، تضرم؛ تحرق البيوت تأخذ الفتيلة وتضعها في السقف
وعن النبي صلى الله عليه وسلم: تغطية الرأس بالنهار فقه وبالليل زينة.
الأصمعي قال: لقيني أبو عمرو بن العلاء في المربد بالبصرة فقال: يا أصمعي؛ مالي أراك حاسرا الزم العمامة ترد الأمة وتقي الهامة وتزيد في
القامة
وقال: «العمائم عز الرجال وفي خبر: تيجان الرجال» وفي خبر: «إذا نزعوها ذهب عزهم». وفي خبر: «فإذا وضعوها ذلوا» وفي خبر: عليكم بالعمائم فإنها تيجان العرب ووقار المؤمن وعند ذهاب عزهم يضعون العمائم والألوية
عزان روى عن النبي: أمرت بالعمامة والنقليز والخاتم وأنه أمر عمر بالخاتم فاتخذ خاتما من ذهب فنهاه عنه. ثم اتخذ خاتما من حديد فقال له: «ولا هذا، فاتخذ خاتما من
فضة.
وفي الحديث: ادهن غبا يقول يوما ويوما لا واكتحل وترا واحد
YAT-
•
وثلاثة (2/286)
صفحة 603
•
وروي أنه ربما اكتحل اثنين
وخذ الميل بيدك اليمنى واجعله في المكحلة وقل بسم الله فإذا جعلت الميل في عينك فقل: اللهم نور بصري واجعل لي نورا أبصر به حكمتك
ونهى عن الافاه. ففسروه الادهان كل يوم.
وعن النبي صلى الله عليه وسلم: ادهنوا يذهب عنكم البؤس والبسوا تظهر نعمة الله
عليكم.
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: اجتنبوا الجلوس على الطرقات إلا أن تضمنوا أربعا: رد السلام وغض الأبصار وارشاد الضال، وفي موضع آخر كان لعله مكان غض الأبصار تشييع الجنائز
وقيل: يكون نظره إذا مشى موضع قدمه ويدع الالتفات فإنه عيب،
وهو من علامات الحمق
وسطه
•
ومن كان راجلا فليمش في جانبي الطريق، وإن كان راكبا ففي
وقيل: هذا في العمران فأما في الفضاء فإن وسط الطريق للراجل
والراكب. وفي الحكمة إياك واللجاجة والمشي في غير حاجة
الأصمعي قال: لقيني أبو عمر بن المعلا في المربد بالبصرة فقال: مالي أراك مستعجلا؟ قلت: أتوجه إلى صديق لي. وقال: لا تمض إلا لاحدى
ثلاث: فائدة أو عائدة أو مائدة
•
YAY - (2/287)
صفحة 604
[صفحة فارغة] (2/288)
صفحة 605
الباب التاسع عشر
في الثلاثي والعشاري
عن أبي بكر الصديق - رضي الله عنه -: عز الدنيا بالمال، وعز الآخرة بالأعمال الصالحة، ومن دخل القبر بلا زاد فكأنما ركب البحر بلا سفينة
وعن عثمان: هم الدنيا ظلمة في القلب، وهم الآخرة نور في القلب.
وعن عليّ: من كان في طلب العلم كانت الدنيا في طلبه ومن كان في
طلب المعصية كانت النار في طلبه
وعن يحيى بن معاذ: ما
عصى
الله كريم، وما آثر الدنيا على الآخرة
حليم
وعن الأعمش: من كان رأس ماله التقوى كلت الألسن عن وصف ربحه، ومن كان رأس ماله الدنيا كلت الألسن عن وصف خسران دينه وقال بعض الزهاد: ولا تحقروا الذنوب الصغار فإنها شعب الذنوب
الكبار.
بالله
وقال بعض الحكماء: من توهم أن له وليا أولى من الله قلت معرفته، ومن توهم أن له عدوا أعدى من نفسه قلت معرفته بنفسه (2/289)
صفحة 606
وعن أبي بكر - رضي الله عنه - أنه قال: ان الشهوة تصير الملوك عبيدا، والصبر يصير العبيد ملوكا، ألا ترى في قصة يوسف وزليخة وقال: من ترك الحرام رق قلبه ومن ترك المباح صفا فكره. وقال: من كمال العقل اتباع رضوان الله واجتناب سخط الله. وقال: لا غربة للفاضل ولا وطن للجاهل
وقال: «أصل جميع الخطايا حب الدنيا وأصل جميع الفتن منع
العشر والزكاة
وقال بعض الحكماء: ثلاث تذهب الغصص، ذكر الله - تعالى -، ولقاء الأولياء، وكلام الحكماء
وروي: ان رجلا من بني اسرائيل خرج إلى طلب العلم فبلغ ذلك نبيه، فبعث إليه فأتاه وقال له: يا فتى إني أعلمك ثلاث خصال فيها علم الأولين والآخرين؛ اتق الله في السر والعلانية، وامسك لسانك عن الخلق لا تذكرهم الا بخير، وانظر خبزك الذي تأكله حتى يكون من الحلال. فامتنع
الفتى عن الخروج
وروي
أن رجلا من بني اسرائيل جمع ثمانين تابوتا من العلم ولم ينتفع بعلمه فأوحى الله إلى نبيه أن قل لهذا الجامع لو جمعت كثيرا لن ينفعك إلا أن تعمل بثلاثة أشياء: لا تحب الدنيا فليست دار المؤمنين، ولا تصاحب السلطان فليس برفيق المؤمنين، ولا تؤذ أحدا فليس بحرفة المؤمنين
ابراهيم النخعي: إنما هلك من هلك قبلكم بثلاثة أشياء: بفضول
الكلام، وفضول الطعام وفضول الطعام، وفضول المنام.
اليد
وقيل: أفضل الناس منزلة قلب عالم، وبدن صابر، وقناعة بما في
290 (2/290)
صفحة 607
وعن يحيى بن معاذ: طوبى لمن ترك الدنيا قبل أن تتركه، وبنى قبره قبل
أن يدخله، وأرضى ربه قبل أن يلقاه
•
وقال علي: من لم تكن عنده سنة الله وسنة رسوله وسنة أوليائه فليس في يده شيء قيل له: ما سنة الله؟ قال: كتمان السر، وسنة النبي المداراة، قيل: وما سنة أوليائه؟ قال: احتمال الأذى
•
وعن علي: تفضل على من شئت فأنت أميره، واحتج إلى من شئت
فأنت أسيره، واستغن عمن شئت فأنت نظيره. كما قال:
تفضل فمن أوليته منك نعمة فمد لها كفا فأنت أميره ومن كنت محتاجا إليه فإنه أميرك لا شك وأنت أسيره كنت عنه في غنى وهو مالك أزمة قطب الأرض أنت نظيره
ومن
وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: حبب إلي من دنياكم ثلاث؛ الطيب
والنساء وجعل قرة عيني في الصلاة
وكان أصحابه منهم عمر فقال عمر - رضي الله عنه -: صدق رسول الله وحبب إلي من دنياكم ثلاث؛ الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر والثوب الخلق
وقال أبو بكر - رضي الله عنه -: وحبب إلي من دنياكم ثلاث؛ النظر إلى وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتكون ابنتي تحت رسول الله صلى الله عليه وسلم
وقال عثمان: وحبب إلي من الدنيا ثلاث؛ اشباع الجيعان، وتلاوة
القرآن، وكسوة العريان.
فقال علي: وحبب إلي من الدنيا ثلاث؛ الخدمة للضيف، والضرب بالسيف، والصوم في الصيف (2/291)
صفحة 608
كذلك إذ نزل جبريل - عليه السلام -: أنا أحب من دنياكم فبينما هم ثلاثا؛ إرشاد المضلين، ومواساة الغرباء الفانتين، ومعاونة أهل العيال المعسرين، ويحب رب العزة من عباده ثلاثا؛ بذل الاستطاعة، والبكاء عند الندامة، والصبر على الفاقة
وعن بعض الحكماء: من اعتصم بعقله ضل، ومن استغنى بماله قل
ومن عز بمخلوق ذل
وعن وهب بن منبه: أنه مكتوب في التوراة: الحريص فقير وإن كان ملكه ملك الدنيا، والمطيع مطاع وإن كان مملوكا، والقانع غني وإن كان
جائعا
وعن بعض الحكماء: من عرف الله لم تكن له مع الخلق لذة، ومن عرف الدنيا لم تكن له فيها رغبة، ومن عرف الله لم يتقدم إليه في الخصماء وعن أبي سليمان الداراني: أصل كل خير في الدنيا والآخرة الخوف من
الله، ومفتاح الدنيا الشبع، ومفتاح الآخرة الجوع.
وقال النبي لأبي ذر - رضي الله عنه -: جدد السفينة فإن البحر عميق، وخذ الزاد كاملا فإن السفر بعيد وخفف الحمل فإن العقبة كؤود
واخلص العمل فإن الناقد بصير (1)
والنفس بحر الشهوات، والموت بحر
•
وعن عمر - رضي الله عنه -: البحور أربعة؛ الهوى بحر الذنوب،
الأعمال، والقبر بحر
الندامات
وعن عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه -: أربعة من ظلمة القلب؛ بطن يشبع من غير مبالاة، وصحبة الطالحين، ومفارقة الصالحين، ونسيان الذنوب الماضية، وطول الأمل. وأربعة من نور القلب؛ بطن جائع.
1 - رواه الحاكم عن معاذ (2/292)
صفحة 609
وصحبة الصالحين، وحفظ الذنوب الماضية، وقصر الأمل
وعن حاتم: من ادعى أربعا بلا أربع فدعواه كذب؛ من ادعى الله ولم ينته عن محارم الله فدعواه كذب، ومن ادعى حب الجنة ولم يتصدق فدعواه كذب، ومن ادعى حب النبي وكره الفقراء والمساكين فدعواه كذب، ومن ادعى خوف الله ولم ينته عن الذنوب فدعواه كذب
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: الأمهات أربع؛ أم الأدوية، وأم الآداب، وأم العبادة، وأم الأماني. فأم جميع الأدوية قلة الأكل، وأم جميع الآداب قلة
الكلام، وأم جميع العبادة قلة الذنوب، وأم جميع الأماني الصبر»
وقال: أربعة جواهر في الجسم ببني آدم تزيلها أربعة أشياء، أما الجواهر؛ فالعقل والدين والحياء والعمل الصالح. فالغضب يزيل العقل، والحسد يزيل الدين، والطمع يزيل الحياء، والغيبة تزيل العمل الصالح. وقال: أربعة في الجنة خير من نفس الجنة؛ الخلود في الجنة خير من الجنة، ورضى الله في الجنة خير من الجنة، وحرمة الملائكة في الجنة خير من الجنة، وجوار الأنبياء في الجنة خير من الجنة. وأربع في النار شر من النار؛ الخلود في النار شر من النار، وتوبيخ الملائكة في النار شر من النار
وسخط الرب في النار شر من النار، وجوار الشيطان في النار شر من النار
•
وأربعة لا يعرف الواصفون وصفهن: عظمة الرب، وعداوة إبليس،
ونعيم الجنة، وعذاب جهنم
وعن بعض الحكماء أنه قال حين سئل: أنا مع المولى مع الموافقة، ومع النفس على المخالفة، ومع الخلق على النصيحة، ومع الدنيا على الضرورة.
واختار الحكماء من أربعة كتب أربع كلمات: من التوراة؛ من رضي (2/293)
صفحة 610
أعطاه الله استراح في الدنيا والآخرة ومن الانجيل؛ من هدم الشهوات عز في الدنيا والآخرة. ومن الزبور؛ من تفرد عن الناس نجا في الدنيا والآخرة ومن الفرقان؛ من حفظ لسانه سلم في الدنيا والآخرة.
وعن عمر - رضي الله عنه -: ما ابتليت ببلية إلا كان الله علي فيها أربع نعم؛ أولها إذا لم تكن في الدين. والثاني إذا لم تكن أعظم منها. والثالث إذا لم أكن أحرم الرضا بها. والرابع إني أرجو الثواب عليها
•
وقال علي: لا يزال الدين والدنيا قائمين ما دام أربعة أشياء؛ ما دام الأغنياء لم يبخلوا بما خولوا، وما دام العلماء يعملون بما علموا، وما دام الجهال لا يستكبرون عما جهلوا، وما دام الفقراء لا يبيعون آخرتهم
بدنياهم.
وقال حاتم: من صرف أربع إلى أربع وجد الجنة؛ النوم إلى القبر والفخر إلى الميزان، والراحة إلى الحساب والشهوات إلى الجنة
6
وقال حامد اللفاف: أربعة طلبناها في أربعة فأخطأنا طرقها فوجدناها في أربعة أخرى. طلبنا الغنى في المال فوجدناه في القناعة، وطلبنا الجاه في الحسب فوجدناه في التقوى، وطلبنا الراحة في الثروة فوجدناها في قلة المال، وطلبنا النعمة في اللباس والطعام فوجدناها في البدن الصحيح.
وقال حاتم: أربعة أشياء لا يعرف قدرها إلا بأربعة؛ الشباب لا يعرف قدره إلا في الشيوخ، والعافية لا يعرف قدرها إلا أهل البلاء، والصحة لا يعرف قدرها إلا المرضى، والحياة لا يعرف قدرها إلا الموتى
وعن بعض الحكماء: من اشتغل بالشهوات فلا بد له من السيئات، ومن اشتغل بجمع المال فلا بد له من الحرام، ومن اشتغل بمنافع الناس من المداراة، ومن اشتغل بالعبادات فلا بد له من العلم.
فلا
بد له
- YAE- (2/294)
صفحة 611
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «من أهان خمسة خسر خمسة؛ أولها من
بالعلماء خسر الدين، ومن استخف بالأمراء خسر الدنيا
، ومن
استخف
استخف
بالجيران خسر المنافع، ومن استخف بالأقرباء خسر المروءة، ومن استخف
؟؟؟؟؟؟ خسر طيب العيش
وقال أبو بكر - رضي الله عنه -: الظلمات خمس والسراج لها خمس:
حب الدنيا ظلمة والسراج التقوى، والذنب ظلمة والسراج التوبة، والقبر ظلمة والسراج لا إله إلا الله، والآخرة ظلمة والسراج لها العمل الصالح والصراط ظلمة والسراج اليقين
وقال عمر - رضي الله عنه - مرفوعا عن النبي صلى الله عليه وسلم: لولا ادعاء الغيب لشهدت لخمسة نفر أنهم من أهل الجنة؛ أحدهم صاحب العيال، والمرأة الراضي عنها زوجها، والمتصدقة على زوجها، والواهبة مهرها على زوجها، والتائب من الذنب، والراضي عنه أبواه، والفقير صاحب العيال.
قال الناظر: وذلك لمن كان مستقيما في أمر دينه
•
وقال عثمان: خمس من علامات اليقين؛ أولها أن لا يجالس إلا من يصلح معه الدين والدنيا، ويغلب الفرج واللسان، وإذا أصابه شيء قليل منها اغتنم ذلك، ولا يملأ بطنه من الحلال خوفا أن يخالطه الحرام ويرى الناس قد نجوا ويرى نفسه قد هلك
وقال علي بن أبي طالب: لولا خمس خصال لصار الناس صالحين؛ أولها القناعة بالجهل، والحرص على الدنيا، والشح بالفضل، والرياء في العمل، والاعجاب بالرأي
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: وإن من جمع المال خمسة أشياء؛ العناء في جمعه،
والشغل عن ذكر الله بإصلاحه، والخوف في مسألته، والسراقة واحتمال اسم
295 - (2/295)
صفحة 612
البخل لنفسه، ومفارقة الصالحين من أجله. وفي تفريقه خمسة أشياء؛ راحة النفس في طلبه، والفراغ لذكر الله من حفظه، والأمن من مسألته وسارقه واكتساب اسم الكريم بنفسه، ومصاحبة الصالحين لفراقه
وعن سفيان الثوري: لا يجتمع في هذه الدنيا لأحد مال إلا وعنده خمس خصال؛ طول الأمل، وحرص غالب، وشح شديد، وقلة الورع، ونسيان الآخرة. كما قال:
حرص شديد وشح مثله أمل نسيان آخرة مع قلة الورع وقال عمر - رضي الله عنه -: رأيت جميع الأخلاء ولم أر خليلا أفضل من حفظ اللسان، ورأيت جميع اللباس ولم أر لباسا أفضل من الورع، ورأيت جميع البر ولم أر برا أفضل من الرحمة، ورأيت جميع الأموال فلم أر مالا أفضل القناعة، وذقت جميع الأطعمة فلم أر طعاما ألذ من الصبر
من
•
وروي عن رسول الله عن جبريل - عليه السلام ـ عن الله - تبارك وتعالى ـ أنه قال: يا موسى؛ خمس كلمات ختمت بهن التوراة فإن عملت علم التوراة، وإن لم تعمل بهن لم ينفعك علم التوراة؛ أولهن كن
نفعك بهن واثقا برزقي المضمون لك ما لم تر خزائني نفدت، الثانية يا موسى لا تخافن سلطان الأرض ما لم تر سلطاني زائلا. الثالث لا تتجسس عن عيب أحد ما لم تخل من العيوب. الرابعة لا تدعن محاربة الشيطان ما دام روحك في جسدك. الخامسة يا موسى لا تأمنن عقابي حتى ترى نفسك في الجنة)
وعن بعض الصالحين أنه قال في المناجاة: إلهي طول الأمل غرني، وحب الدنيا أهلكني، والشيطان أضلني، والنفس الأمارة بالسوء من الحق منعتني، وقرين السوء على المعصية أعانني. فأغثني يا غياث المستغيثين فإن لم ترحمني فمن الذي يرحمني فإنه لا راحم لي غيرك
296 - (2/296)
صفحة 613
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: ستة أشياء من غريبة في ستة مواطن؛ المسجد غريب فيما بين قوم لا يصلّون (1) فيه، والمصحف غريب في منزل قوم لا يقرأون منه، والقرآن غريب في جوف فاسق، والمرأة المسلمة الصالحة في يد رجل ظالم سيء الخلق، والرجل مسلم صالح في يد امرأة بذيئة سيئة الخلق، والعالم غريب في قوم لا يسمعون القول منه. ثم قال ـ عليه أفضل الصلوات وأكمل التحيات -: «فإن الله لا ينظر إليهم يوم القيامة
وقال أبو بكر - رضي الله عنه -: ان ابليس قائم من أمامك، والنفس
6
والأعضاء عن
عن يمينك، والهوى عن يسارك والهوى عن يسارك، والدنيا عن خلفك حولك، والجبار عن فوقك. فإبليس يدعوك إلى ترك الدين، والنفس تدعوك إلى المعصية، والهوى يدعوك إلى الشهوات، والدنيا تدعوك إلى اختيارها على الآخرة، والأعضاء تدعوك إلى الذنوب، والرب يدعوك إلى الجنة والمغفرة. فمن أجاب إبليس ذهب عنه المولى، ومن أجاب النفس ذهب عنه الدين، ومن أجاب الهوى ذهب عنه العقل، ومن أجاب الدنيا ذهبت عنه الآخرة، ومن أجاب الأعضاء ذهبت عنه الجنة، ومن أجاب الله - تعالى - ذهب عنه جميع الشر ونال جميع الخير.
وقال عمر: - رضي الله عنه - إن الله كتم ستة في ستة: كتم الرضا في الطاعة، وكتم الغضب في المعصية، وكتم الاسم الأعظم في القرآن، وكتم ليلة القدر في شهر رمضان، وكتم الصلاة الوسطى في الصلوات الخمس، وكتم أولياءه فيما بين الخلق، وكتم الموت في العمر
وقال عثمان: المؤمن في ستة أنواع من الخوف؛ أحدها من قبل الله تعالى - أن يأخذه بالايمان بغتة، والثاني من قبل الحفظة أن يكتبوا عليه ما يفتضح به يوم القيامة، والثالث من قبل الشيطان أن يحبط عمله، والرابع
1 - في الأصل لا يصلي فيه والصحيح ما أثبت
- 297 - (2/297)
صفحة 614
من قبل الموت أن يأخذه في غفلة بغتة، والخامس من قبل الدنيا يغتر بها فتشغله عن الآخرة، والسادس من قبل الأهل والعيال أن يشتغل بهم فيشغلوه عن ذكر الله
•
وقال علي: من جمع ست خصال لم يدع الجنة طلبا ولا للنار هربا؛ أولها عرف الله فأطاعه، وعرف الشيطان فعصاه، وعرف الآخرة فطلبها، وعرف الدنيا فرفضها، وعرف الحق فاتبعه، وعرف الباطل فاتقاه
وعن بعض الحكماء: من لم يخش الله لم ينج من الطمع، ومن لم يكن حافظا زلة اللسان لم ينج من الكذب، ومن لم يخش قدومه على الله لم ينج قلبه من الحرام والشبهة، ومن لم يكن عن الخلق آيسا لم ينج من الطمع، ومن لم يکن حافظا عمله لم ينج من الرياء، ومن لم يستعن بالله على احتراس قلبه لم ينج من الحسد
•
وعن الحسين: إن فساد القلوب في ستة أشياء؛ يذنبون رجاء التوبة، ويتعلمون ولا يعملون، وإذا عملوا لا يخلصون، ويأكلون ولا يشكرون، لا يرضون بقسمة الله، ويدفنون موتاهم ولا يعتبرون
وقال: من أراد الدنيا واختارها على الآخرة عاقبه الله بست عقوبات، ثلاث في الدنيا وثلاث في الآخرة. فأما الثلاث اللاتي في الدنيا فأمل ليس له منتهى وحرص وحرص غالب ليس له قناعة، وأخذ منه حلاوة العبادة. وأما الثلاث اللاتي في الآخرة؛ فهول يوم القيامة، والحساب الشديد، والحسرة
الطويلة
وفي المناجاة أن الله - تعالى - أوحى إلى موسى - عليه السلام -: ستة في ناري وغضبي؛ أولهم من طال عمره وساء عمله، وغني سارق، وعالم فاسق، ومن أتاني على غير توبة، ومن لقيني بدم مؤمن متعمدا، ومن منع حقي وأكله
•
298 - (2/298)
صفحة 615
عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم: سبعة يظلهم الله تحت عرشه يوم القيامة يوم لا ظل إلا ظله؛ أولهم إمام عادل، وشاب نشأ في طاعة الله، ورجل ذكر الله خاليا ففاضت عيناه من خشية الله، ورجلان تحابا في الله
ورجل دعته امرأة ذات جمال إلى نفسها فقال إني أخاف الله رب العالمين
(!)
وقال أبو بكر - رضي الله عنه -: لا يخلو البخيل من احدى سبع؛ إما
أن يموت ويرثه من يحذره وينفقه في طاعة الله، أو يسلط الله عليه جائرا فيأخذه بغير اختيار نفسه، أو تهيج له شهوة نفسه فتذهب عليه ماله، أو يبدوله في بناء دار أو عمارة خراب فيذهب فيه ماله، أو تصيبه نكبة من نكبات الدنيا من حرق أو غرق أو سرقة أو ما شابه ذلك، أو تصيبه فيه علة دائمة فينفق ماله في الأدوية أو يدفنه في موضع من المواضع فينساه فلا يجده
وقال عمر - رحمه الله -: من كثر ضحكه قلت هيبته، ومن كثر مزاحه استخف به، ومن أكثر من شيء عرف به، ومن كثر كلامه كثر سقطه، ومن كثر سقطه قل حياؤه وقل ورعه، ومن قل ورعه مات قلبه، ومن مات قلبه غرق في آفات الدنيا
وقال عثمان في تفسير قول الله - تعالى -: (وكان تحته كنز لها) (2) والكنز لوح من ذهب فيه سبعة أسطر مكتوب في احداها: عجبت لمن أيقن بالموت كيف يضحك، وعجبت لمن عرف الدنيا فانية وهو يرغب فيها، وعجبت لمن عرف الأمور بالأقدار وهو يغتم بالفائت، وعجبت لمن عرف الحساب وهو يجمع المال، وعجبت لمن عرف النار وهو يذنب، وعجبت لمن عرف الجنة يقينا وهو يستريح، وعجبت لمن عرف الله يقينا وهو يذكر غيره.
وسئل علي: ما أثقل من السماء؟ وما أوسع من الأرض؟ وما أشد من
رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة
- جزء من الآية 82 من سورة الكهف
- 144 - (2/299)
صفحة 616
الحجر؟ وما أغنى من البحر؟ وما أبرد من الزمهرير؟ وما أمر من السم؟ وما أحر من النار؟ فقال: البهتان على البريء أثقل من السماء، والحق أوسع من الأرض، وقلب المنافق أشد من الحجر، وقلب القانع أغنى من البحر، والسلطان الجائر أحر من النار، والحاجة إلى اللثيم أبرد من الزمهرير، والصبر
أمر من السم.
حق
وعن جابر بن عبدالله الأنصاري عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه يجعل له وارثا، وما زال يوصيني بالنساء ظننت أنه سيحرم طلاقهن، وما زال يوصيني بالسواك حتى ظننت أنه من فرائضه، وما زال يوصيني بالعبيد حتى ظننت أنه يجعل لهم وقتا يعتقون فيه، وما زال يوصيني بصلاة الجماعة حتى ظننت أنه لا تقبل الصلاة إلا في الجماعة، وما زال يوصيني بقيام الليل حتى ظننت أنه لا نوم بالليل، وما زال يوصيني بذكر الله حتى ظننت أنه لا ينفع عمل إلا به (!)
وقال: «سبعة لا ينظر الخالق إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ويدخلهم النار؛ الفاعل والمفعول به، والناكح يده، والناكح البهيمة، والناكح المرأة في دبرها، والجامع بين المرأة وابنتها، والزاني بحليلة جاره، والمؤذي جاره حتى يلعنه
وعن ابن عباس - رضي الله عنه -: حقا على العاقل أن يختار سبعا على والجوع
سبع؛ الفقر على الغنى، والذل على العز، والتواضع على الكبر، على الشبع، والغم على السرور، والدون على المرتفع، والموت على الحياة
وقال بعض العلماء: ترك فضول الكلام يثمر النطق بالحكمة، وترك فضول النظر يثمر الخشوع والخشية، وترك فضول الطعام يثمر حلاوة
- متفق عليه ورواه ابن عمر وعائشة
- (2/300)
صفحة 617
العبادة، وترك الضحك يثمر الهيبة، وترك التجسس يثمر صلاح العيوب، وترك الرغبة والحرص يثمر الجنة كما أنهما أخرجا آدم ـ عليه السلام ـ منها، وترك التوهم في الله ينفي الشك والنفاق.
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: ثمانية أشياء لا تشبع من ثمانية؛ العين من النظر، والأرض من المطر، والأنثى من الذكر، والعالم من العلم، والسائل من المسألة، والحريص من الجمع، والبحر من الماء، والنار من الحطب».
وقال أبو بكر: - رضي الله عنه -: ثمانية أشياء من زينة ثمانية؛ العفاف زين الفقر، والشكر زين الغنى، والصبر زين البلاء، والتواضع زين الحسب، والحلم زين العلم، والتذلل زين المتعلم، وكثرة البكاء زين الخوف، وترك المن زين الاحسان، والخشوع زين الصلاة.
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: عليكم بالسواك فإن فيه عشر خصال؛ يطهر الفم، ويرضي الرب، ويشد اللثة، ويقطع البلغم، ويسخط الشيطان، ويطيب النكهة، ويطفئ المرة، ويجلو البصر، ويذهب الحفرة، وهو من السنة ثم قال: والصلاة بالسواك أفضل من سبعين صلاة بغير سواك (!)
وقال أبو بكر - رضي الله عنه -: ما من عبد رزقه الله ـ تعالى ـ عشر
خصال إلا نجا من العاهات والآفات كلها، وصار في درجة المقربين
أولها: صدق دائم مع قلب قانع
والثانية: صبر كامل مع شكر دائم.
•
والثالثة: فقر دائم مع زهد حاضر.
والرابعة: ذكر دائم مع بطن جائع.
1 - رواه مسلم عن عائشة وابن خزيمة بأسانيد صحيحة
- r. - (2/301)
صفحة 618
والخامسة: خوف دائم مع حزن متصل
والسادسة: حمد دائم مع بدن متواضع.
والسابعة: رفق دائم مع حياء حاضر
والثامنة: اخلاص دائم مع يقين كامل
والتاسعة: علم نافع مع حلم دائم.
والعاشرة: إيمان دائم مع قلب ثابت
وقال عمر - رضي الله عنه -: عشرة لا تصلح إلا بعشرة؛ لا يصلح العقل بغير ورع، ولا العمل بغير علم، ولا الفوز بغير احسان بالله، ولا القوة بغير خشية، ولا السلطان بغير رحمة، ولا الحسب بغير أدب، ولا السرور بغير أمن، ولا الغنى بغير جود، ولا الفقر بغير قناعة، ولا الرهبة بغير تواضع، ولا الجهاد بغير توفيق
وعلم
وقال عثمان: أضيع الأشياء عشرة؛ عالم لا يسأل عنه، لا يعمل به، ورأي صواب لا يقبل، وسلاح لا يستعمل، ومسجد لا يصلى فيه، وخيل لا تركب، وعلم وزهاده في بطن من يريد الدنيا، وعمر طويل
لا يتزود منه لسفره
•
وقال علي: العلم خير ميراث، والأدب خير حرفة، والتقوى خير زاد، والعبادة أربح بضاعة، والعمل الصالح خير قائد، وحسن الخلق خير قائد، والعلم خير وزير، والقناعة أفضل غنى، والتوفيق خير عون، والموت
خير مؤدب
وقال: عشرة من هذه الأمة كفار بالله العظيم والظن انهم (2/302)
صفحة 619
مؤمنون؛ القاتل بغير حق، والساحر، والديوث، ومانع الزكاة، ومدمن
الخمر
، ومن وجد سبيلا إلى الحج فلم يحج، والساعي في الفتن، وبائع السلاح على أهل الحرب، وناكح المرأة في دبرها، وناكح البهيمة، وناكح ذات رحم محرم).
وقال: لا يكون العبد في السماء ولا في الأرض مؤمنا حتى يكون عالما، ولا يكون عالما حتى يكون عاملا، ولا يكون بالعلم عاملا حتى يكون زاهدا، ولا يكون زاهدا حتى يكون ورعا، ولا يكون ورعا حتى يكون متواضعا، ولا يكون متواضعا حتى يكون عارفا بنفسه، ولا يكون عارفا بنفسه حتى يكون عاقلاه.
أنفس
وقال بعض الحكماء: عشر خصال يبغضها الله - تعالى - على عشرة؛ البخل على الأغنياء، والطمع على العلماء، وقلة الحياء على النساء، وحب الدنيا على الشيوخ، والكسل على الشبان، والجور على السلطان، والحسد على الفقراء، والجبن على الغزاة، والعجب على الزهاد، والرياء على
العباد
وقال بعض الحكماء: ينبغي للعاقل إذا تاب عشرة أشياء؛ استغفار باللسان، وندم في القلب، واقلاع البدن، والعزم أن لا يعود أبدا، وحب الآخرة، وبغض الدنيا، وقلة الأكل والشرب، وقلة الكلام حتى ينفع للعلم، وقلة النوم. قال الله - تعالى -: وبالأسحار هم
والعبادة
يستغفرون)
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: عشرة نفر لن يقبل الله صلاتهم؛ رجل يصلي وحيدا
•
بغير قراءة، ورجل صلى ولا يؤدي الزكاة، ورجل أم بقوم وهم له كارهون ورجل مملوك أبق، ورجل شارب خمر مدمن، وامرأة باتت وزوجها ساخط عليها - قال الناظر: وذلك إذا كان على حق يجب له عليها وهي قادرة عليه
- r.r_ (2/303)
صفحة 620
-
والله أعلم -، وامرأة حرة وتصلي بغير خمار، وآكل الربا، والامام الجائر ورجل لا تنهاه صلاته عن الفحشاء والمنكر لا يزداد من الله إلا بعدا. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: ينبغي للداخل إلى المسجد عشر خصال؛ أولها أن يتعاهد خفيه أو نعليه، وأن يبدأ برجله اليمنى، وأن يقول إذا دخل: بسم الله والسلام على رسول الله وعلى ملائكة الله اللهم افتح لنا أبواب رحمتك إنك أنت الوهاب، وأن يسلم على أهل المسجد، وأن يقول إذا لم يكن فيه أحد السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، وأن لا يمر بين يدي الناس، وأن لا يدخل إلا بوضوء، وأن لا يعمل بعمل الدنيا، وأن لا يخرج حتى يصلي ركعتين، وأن يقول إذا قام: سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا الله وحدك لا شريك لك واستغفرك وأتوب إليك
وقال عمر - رضي الله عنه -: إن ذرية إبليس تسعة؛ زليتون، ووثين، وأعوان، وهفاف، ومرة، ولاقيس، ومسوط، وداسم،
وولهان
فأما زليتون فهو صاحب الأسواق ينصب فيها رايته. وأما وثين فهو صاحب المصائب، وأما أعوان فهو صاحب السلطان، وأما هفاف فهو صاحب الشراب، وأما مرة فهو صاحب المزامير، وأما لاقيس فهو صاحب المجوس، وأما المسوط فهو صاحب الأخبار يلقيها في أفواه الناس، ولا يجدون لها أصلا، وأما داسم فهو صاحب البيوت إذا دخل الرجل المنزل ولم يذكر اسم الله وقعت فيها المنازعة حتى يقع الطلاق والخلع والضرب، وأما ولهان فهو يوسوس (1) في الوضوء والصلاة والعبادات
1 - وردت في الأصل (يسوس) والصحيح ما أثبت (2/304)
صفحة 621
تم بحمد الله وعونه الجزء الثاني من كتاب الآثار والأخبار لمؤلفه العلامة المحقق الشيخ سالم بن عبدالله بن راشد آل بوسعيدي العقري النزوي وهو يبحث في المواعظ والقلب وآفاته ومحاسبة النفس، وفي الزهد والورع والتواضع والقناعة والعفو والرفق والصدق وحسن الخلق والسخاء والايثار والكبر والمزاح والعجب والرياء والغيبة والنميمة وما ذكر في مجالس النساء، وفي الأدوية والأغذية والحكمة والأدب والثلاثي والعشاري، وكان الفراغ من نسخه وتحقيقه غرة محرم عام 1405 للهجرة النبوية الشريفة الموافق السابع والعشرين من شهر سبتمبر 1984 م،، وقد تم التحقيق على نسخة مخطوطة من ملاك وزارة التراث القومي والثقافة
المحقق (2/305)
صفحة 622
[صفحة فارغة] (2/306)
صفحة 623
رقم
الصفحة
ـت
الفهرس
الباب الأول:
في المواعظ والأخبار
الباب الثاني:
ذكر القلب وآفاته الباب الثالث:
في افة النظر
الباب الرابع:
في آفة السمع
الباب الخامس:
في تهذيب النفس ورعايتها وتوبيخها
الباب السادس:
في ذكر محاسبة النفس وذكر عيوبها
الباب السابع:
في حب الدنيا وبيان ذم الغرور بها
الباب الثامن:
في الزهد والورع
الباب التاسع:
ذكر الصبر على البلاء
- 307 - (2/307)
صفحة 624
الباب العاشر: في فضائل الفقر
الباب الحادي عشر: في الحياء
الباب الثاني عشر: في التواضع
الباب الثالث عشر: في القناعة
الباب الرابع عشر:
في فضيلة الجوع
الباب الخامس عشر:
في حسن الخلق
الباب السادس عشر:
في الصدق الباب السابع عشر: في الكذب واليمين
الباب الثامن عشر:
في العزلة وفضيلة الخمول
الباب التاسع عشر:
في الصمت
الباب العشرون:
في الحلم
رقم الصفحة (2/308)
صفحة 625
الباب الحادي والعشرون: في العفو
الباب الثاني والعشرون: في الرفق
الباب الثالث والعشرون: في المروءة
الباب الرابع والعشرون:
في السخاء والايثار
الباب الخامس والعشرون: في الغضب
الباب السادس والعشرون: في الحسد
الباب السابع والعشرون:
في الكبر
•
الباب الثامن والعشرون:
في المزاح والعجب والضحك الباب التاسع والعشرون: في الرياء والاعجاب
الباب الثلاثون: في الغيبة
الباب الحادي والثلاثون: في النميمة
رقم الصفحة (2/309)
صفحة 626
رقم الصفحة
الباب الثاني والثلاثون: في أخبار واردة في النساء
الباب الثالث والثلاثون:
في معاشرة النساء وما ينبغي للرجل مع امرأته وذكر امرأة
السوء
الباب الرابع والثلاثون:
في ذكر أدوية وأغذية
الباب الخامس والثلاثون: في الحكمة
الباب السادس والثلاثون: في آداب الحكماء الباب السابع والثلاثون: في الآداب
الباب الثامن والثلاثون:
في الآداب في الأقوال والأفعال
الباب التاسع والثلاثون: في الثلاثي والعشاري (2/310)
صفحة 627
[صفحة فارغة] (2/311)
صفحة 628
طبع بمطابع
دار جريدة عمان للصحافة والنشر
روي ص. ب 6002
سلطنة عمان
1985 (2/312)