صفحة 1
المجال: المطبوعات، كتب
المادة: الأخلاق والرقاق والأذكار
------------------------------------------
العنوان: الأمم الأخلاق برنامج إذاعي حواري
المؤلف: أحمد بن سعود السيابي
إعداد وتقديم: هلال بن عبد الله الخروصي
الناشر: د.ن
مكان النشر: د.م
تاريخ النشر: [2021م]
الطبعة: د.ط
------------------------------------------
مصدر النسخة المصورة للكتاب (PDF) من موقع المكتبة السعيدية:
https://alsaidia.com/node/411
ملاحظة: قامت المكتبة السعيدية باستغلال تقنية التعرف الضوئي على الحروف في اللغة العربية (OCR) في إنشاء هذه النسخة المصورة (PDF)، لذلك فإنه يمكن البحث فيها للوصول إلى المعلومة بسهولة.
تنبيه: قام فريق مشروع المكتبة الشاملة الإباضية باستغلال تلك التقنية لتوفير النص المرقون، وذلك بالتحويل الآلي لصور صفحات الكتاب إلى نص، لذا فالنص الناتج ليس صحيحا 100%، لذا يمكن استخدام ذلك النص لنسخ جمل وفقرات من هذا النص الناتج، مع ضرورة مراجعته ومقارنته بنسخة (PDF) المرفقة، وتعديله وفقا لذلك قبل اعتماده.
ترقيم الصفحات: موافق للمطبوع
تاريخ النشر الرسمي بالشاملة الإباضية: 11 شعبان 1446ه/ 10 - شهر 02 - 2025م. الأمم الأخلاق
برنامج إذاعي حواري
مع سعادة الشيخ: أحمد بن سعود السيابي
إعداد وتقديم: هلال بن عبد الله الخروصي (1/1)
صفحة 2
2 (1/2)
صفحة 3
المقدمة
3 (1/3)
صفحة 4
بسم الله الرحمن الرحيم
الحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ، جَعَلَ الخَيْرَ فِي التَّحَلّي بِالفَضائلِ والتَّخَلِّي عَنِ الرَّذَائِلِ، والبُعْدِ عَنْ سَفَاسِفِ الأُمُورِ، وجَعَلَ لِلأَخْلاقِ الإِسلاميَّةِ خَصَائِصَ و مُميّزَاتٍ، لِيَصِلَ بِمَا المُؤمِنُ إِلَى أَرقَى الدَّرَجَاتِ وأَفْضَلِ الغَايَاتِ، وَأَشْهَدُ أَنَّ سَيِّدَنا وَنَبِيَّنَا مُحَمَّداً عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ، كَانَ القُرآنُ الكَرِيمُ بِسُوَرِهِ وَآيَاتِهِ مَنْهَلَ أَخْلَاقِهِ ومَصْدَرَ صِفَاتِهِ؛ فَلاَ عَجَبَ أَنْ بَلَغَ فِي السَّمَائِلِ أَفَضَلَهَا، وفِي الفَضَائِلِ أَعْظَمَها وأَنْبَلَهَا، وَعَلَى آلِهِ وَأَصَحَابهِ أَجْمَعِينَ، وَالتَّابِعِينَ لَهُمْ بِإِحْسَانٍ
إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.
أما بعد
الأخلاق في الإسلام ليست قضية ترفيهية ولا تكميلية بقدر ما هي جزء راسخ من تعاليم
الدين الاسلامي الحنيف، ولهذا حظيت الأخلاق بأعلى المراتب وأسمى الدرجات. ولقد بعث النبي عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم متمما لمكارم الاخلاق التي كانت عند العرب، ولما اثنى الله على نبيه وصفه قائلا: {وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمِ} [القلم: 4] هذا وعندما سئلت السيدة عائشة عن أخلاق النبي ا ا، قالت: «كان خلقه القرآن» كان يدعو النبي عليه الصلاة والسلام بهذا الخلق اللهم اهدني لأحسن الأخلاق لا
ومع
يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عني سيئها لا يصرف عني سيئها إلا أنت». والمتأمل الى الهدف الأسمى والمقصد الأعظم من بعثة الحبيب المصطفى عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم هو تزكية القلوب وتطهير من دنس الأمراض القلبية من حسد وغل وكراهية وبغضاء ليكون مجتمعا راقيا منتجا نافعا فاعلا قال الله تعالى: {هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا
مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ ءَايَتِهِ، وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَبَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ [الجمعة: 2]، وحقيقة الأخلاق بأنها جوهر الإيمان بالله عز وجل وكمال السعادة في الحياة (1/4)
صفحة 5
والفلاح في الآخرة فلا يكتمل إيمان المرء بدون أخلاق حسنة قال الله تعالى: {لَيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ ءَامَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَيْكَةِ والْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَعَالَى الْمَالَ عَلَى حُبّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَنى وَالْمَسَكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّابِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلوةَ وَ الَّى الزَّكَوةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَهَدُوا وَالصَّبِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وحِينَ الْبَأْسُ أُولَبِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُوْلَبِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ} [البقرة: 177]
وقال النبي عليه الصلاة والسلام: «البر حسن الخلق» ولقد ربي نبينا أصحابه ليكونوا نموذجا مشرقا لمن يأتي بعدهم في الخلق والإحسان.
والأخلاق هي الثمرة الحقيقية لعبادتنا وشعائرنا من صلاة وصوم وحج وزكاه وإنما كل الشعائر كانت تحمل مقاصد أخلاقية عليا تجعل للعبادة روحا وتمنحه السعادة والطمأنينة وتضبط علاقاته بمن حوله ولهذا عبادتنا ليست طقوسا جوفاء يؤديها الإنسان في أوقات معدودة وبكيفية معلومة ولكنها تربية أخلاقية تنظم الحياة للإنسان وتزكي نفسه وتتطهر قلبه، والفقه الاسلامي ليس مجرد أحكام شرعية من حلال وحرام وتفصيل للجزيئات وبيان للكيفيات وانما هناك ربط واضح بين الفقة والاخلاق. والعالم اليوم يشغل باله قضية السلوك والقيم والفساد الأخلاقي ولذلك ما أعيد الحديث عن الموضوع مجرد عرض كلاسيكي يعرض الأدلة والأقوال مجردة دون ربطها بالواقع المعيش وإسقاطها على حياة الناس.
والأخلاق منجاة للبشرية وحل لمشكلات العالم اليوم في مناحي الحياة الاقتصادية والسياسية والتعليمية فالإسلام حرم الفساد بمعناه العميق فلا تخريب ولا تدمير للطبيعية بل حفاظ كامل للممتلكات والخيرات وصيانتها واستغلالها أفضل استغلال لتكون موارد تعود للبلاد
والعباد بالنفع والفائدة قال الله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ} [القصص: 77] الأخلاق هي حسن التعامل ولين الجانب وطيب القول لذلك قيل: «لا إيمان بلا أخلاق» لأن الأخلاق الحسنة والسلوكيات الجميلة هي التطبيق العملي لما يختزن في القلب من إيمان. والأخلاق هي الجسر الموصل إلى المجد والنجاح في الدنيا وهي المسلك الأنقى لسعادة
5 (1/5)
صفحة 6
البشرية والإجابة على كل الأسئلة المحيرة لأنظمة الحياة وقوانين الكون.
والأخلاق هي القضية التي تعلم المسؤولية والعدل والإنصاف وتعلم الزوجين المودة والرحمة وتربي الأبناء على احترام الآخرين وبر الوالدين وتبصرنا كيف نختار أصدق الحياة. والأخلاق تدخل في بيعنا وشراءنا وجميع تعاملاتنا قال النبي: «من غشنا فليس منا»، ووصف معاملة صاحب الخلق قائلا: «سهل إذا باع سهل إذا اشترى .. » والأخلاق الحسنة من اسمها يشتق الحسن والرحمة لكل بني البشر فلا فرق بين عربي ولا أعجمي إلا بالتقوى.
وتشمل الاخلاق الرفق والإحسان بالناس، {وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ}
[آل عمران: 159]، والعفو والتسامح مع الخصوم والأعداء وتتوسع إلى الرحمة بالحيوان. ما أعظم الحديث عن الاخلاق وجمالها ورقيها فإن الحديث فيها ذو شجون ومن هذا كله جاءت فكرة برنامج "الأمم الاخلاق".
فكرة الكتاب:
هذا الكتاب الذي بين أيديكم كان يوما من الأيام برنامجا إذاعيا حواريا مع الضيف العالم والمؤرخ والمفكر سعادة الشيخ أحمد بن سعود السيابي الأمين العام بمكتب الافتاء، وبث عبر إذاعة القرآن الكريم يوميا خلال شهر رمضان المبارك من عام 1440 هـ / 2019 م، وبعد النجاح الذي حققه البرنامج بتوفيق من رب السموات والأرضين، اقترح بعض المحبين نقل البرنامج إلى كتاب ولاقت الفكرة استحسانا من قبل الضيف وتم الشروع في تفريغ الكتاب بهذا الصورة الجميلة وبهذا الترتيب ليكون مرجعا للقراء الكرام.
ليخرج
فلسفة الكتاب:
الحلقات
الكتاب يقوم على مناقشة مجموعة من القضايا الأخلاقية بأسلوب حواري يناقش المحاور مع ضيفه مجموعة من الأسئلة والقضايا حول العناوين المرتبطة بالفلسفة الأخلاقية، ويعرض الضيف عصارة علمه وخلاصة فكرة وأبحاثه العلمية وآراءه الشخصية.
ويستمد الكتاب محتواه من مجموعة مصادر متعددة وأولها كتاب الله عز وجل باعتباره المورد
6 (1/6)
صفحة 7
العذب والنبع الصافي ويأتي بعده المصدر الثاني هو السنة النبوية الصحيحة على صاحبها أفضل الصلاة وأزكى التسليم والمصدر الثالث هو التطبيق العلمي من خلال شواهد السيرة النبوية وسيلاحظ القارئ مناقشات علمية وقراءات فردية ودررا نادرة لبعض أحداث السيرة النبوية وبيان صحتها من ضعفها وكما توج الكتاب بالكثير من الإشراقات الأدبية والبلاغية التي زينت المحتوى رونقا ولربما هناك جانب مميز يضاف أيضا في المصادر التي يستقي منها
أحمد سعادة الشيخ بن سعود السيابي وهي الإرث التاريخي العماني، وهو متمكن في هذا المجال وله عشرات المؤلف والأبحاث حول التاريخ العماني لذلك لم يبخل علينا بتسليط الضوء على صور أخلاقية مشرقة من كنوز تاريخ سلفنا الصالح، والتي تعد نماذج نفتخر بها ومناهج علمية للأجيال اللاحقة، كما عطر الكتاب بتجاربه الشخصية التي أراها شخصيا توثيقا تاريخيا نادرا، وتلحظون ذلك جليا عند الحديث عن أخلاق المسلم في الحج والقصص التي حصلت للعمانيين ولم تسطر وتتداول على الألسنة ومع الأيام تذهب أدراج الرياح وكذلك التطورات الهيلكية والإدارية والنوادر التاريخية التي تسهل للباحثين الاطلاع عليها بحكم توليه رئاسة بعثة الحج العمانية لسنوات عدة فهو خير شاهد عيان لتلك
الحقبة، فكانت فرصة سانحة لتوثيقها ليسهل للقارئ العودة إليها في أي وقت شاء. وحقيقة الأمر أن مضمون الكتاب علمي بلغة سهلة يفهما العالم وطلاب العلم وبمنهجية تجعل التنظير مع التطبيق وإسقاط موضوع الأخلاق على واقع حياة الناس التي يعايشونها حتى لا يكون مجرد تنظير منعزل عن الواقع، وكانت مواضيع متعددة، بدءا بتعريف الأخلاق، مرورا بالبعد الأخلاقي في العبادات كالصلاة والزكاة والحج، والمعاملات اليومية
وإلى غير ذلك.
وفي الختام أصل بكم أعزائي القراء إلى الشكر الخاص لكل من أحمد بن مهنا الكندي مدير إذاعة القران الكريم والذي كان صاحب فكرة برنامج الأمم الأخلاق والذي كان داعما
كبيرا لنجاحه.
كما أثنى بالشكر إلى الأستاذ خالد بن درويش أولاد ثاني والذي أبدع في إخراج البرنامج
7 (1/7)
صفحة 8
بحلته البهية.
ولا أنسى شكر مجد الدين بن فرحات بوستة الذي عمل جاهدا على تفريغ الحلقات، ليكون الكتاب ورقيا بين أيدينا.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب
العالمين.
8
هلال بن عبد الله الخروصي (1/8)
صفحة 9
الحلقة الأولى «أخلاق المسلم»
9 (1/9)
صفحة 10
الحمد لله رب
بسم الله الرحمن الرحيم
العالمين والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا، أعزائي المتابعين أهلا وسهلا ومرحبا بكم في برنامجكم الأمم الأخلاق، وأقول لكم: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
باسمي وباسمكم يسرني ويسعدني أن أرحب بضيف البرنامج الشيخ أحمد بن سعود السيابي الأمين العام بمكتب الإفتاء، فأهلا وسهلا بك فضيلة الشيخ.
الشيخ أحمد: أهلا وسهلا بكم ومرحبا على هذا اللقاء الذي هو فاتحة اللقاءات المقبلة إن شاء الله، مع قدوم شهر، رمضان الشهر الذي تقبل فيه الحسنات وتقضى فيه على السيئات إن شاء الله تعالى بإقبال الإنسان المسلم على صيام هذا الشهر وقيامه، فلذلك أتوجه بالتهنئة إلى المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها وإلى المستمعين خصوصا، وإلى كافة المواطنين العمانيين، بقدوم هذا الشهر الكريم. وأسأل الله أن يتممه لهم وأن يتقبله منا وأن يتسلّمه منا متقبلا بإذنه تعالى، وأهلا وسهلا بكم.
ومنهم
س: حياك الله سعادة الشيخ، وأعرج بالترحيب بكم أعزائي المتابعين على أمل أن تقضوا معنا أجمل الأوقات واللحظات. إن من أعظم الأعمال والقربات إلى الله سبحانه وتعالى حسن الخلق ولهذا قال النبي صلى
الله عليه وسلم: «إن المؤمن ليدرك بحسن خلقه درجة الصائم القائم». ولهذا فإن عنوان هذه الحلقة هو أخلاق المسلم، سوف نتكلم عن أهمية الأخلاق وماهي مقوماتها وماهي معاييرها وكيف يصل الإنسان إلى هذه المحاسن وكيف يصل إلى مكارم
الأخلاق؟
في بداية هذه الحلقة الشيخ أحمد نريد منك تعريفا أو توضيحا لمفهوم الأخلاق. ج: بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه
ومن والاه.
10 (1/10)
صفحة 11
الأخلاق هي: جمع خلق والخلق هي عادة، الإرادة الإنسان عندما يتعوّد شيئا تصير تلك
العادة خلقا له هذا من حيث التعريف.
مي
وقال عنها البعض هي: حال للنفس داعية لها إلى أفعالها من غير فكر ولا روية، يعني سلوك فطري طبيعي في الإنسان، ولذلك اختلف فيها الفلاسفة: هل الأخلاق تحتاج إلى علم بحيث يكتسبها الإنسان عن علم أم هي حاجة فطرية فيه؟ هذا خلاف بين الفلاسفة، لأنّ الأخلاق يتنازعها علمان هما علم الشرع وعلم الفلسفة، الأخلاق الإسلامية هي التي يثبتها علم الشرع وتنبني عليه والأخلاق الفلسفية تنبني على
العقل.
س: الشيخ أحمد عندما نتكلم عن علم الشرع، ما هي مصادر علم الشرع في الأخلاق؟ ج: لا شك أنها القرآن بدرجة أولى ثم السنّة بدرجة ثانية والإجماع إن وجد يكون مصدرا ثالثا، هذه هي المصادر الأصلية، وأما التبعية فهي معروفة مثل الاستحسان والمصالح المرسلة والقياس وغير ذلك، وما تكوّن عن هذه الأطر كتفسير للنصوص المتقدمة يدخل في علم الشرع حقيقة وهكذا تكون الأخلاق الإسلامية، أما العقل فيكون الأخلاق الفلسفية، ولذلك فالأخلاق كما قلت يتنازعها علم الشرع وعلم الفلسفة، وعلم الشرع ينبني على النص، وعلم الفلسفة على العقل، وعندما يقرأ الإنسان الأخلاق جهة الفلسفة
ينبني
من
فإنه سيجدها غير منافية للأخلاق من جهة الشرع، وكما قال بعض العلماء: بأنّ العقل
والشرع من الله فلا يمكن أن يختلفا.
س: هل الأخلاق مكتسبة أم فطرية؟
وكيف نوفق بين قول الله تعالى: {فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَفوَنَهَا [الشمس: 8]، وبين حديث النبي صلى الله عليه وسلم: «يولد المولود على الفطرة»، فهل يكتسب الإنسان الأخلاق سيئة كانت أم جيدة؟ وكيف نوفق بين الآية والحديث؟
ج
الأخلاق هي السلوكيات سواء كانت حسنة أم سيئة فالفطرة تأتي بالأخلاق الجيدة،
وأما السيئة فتكتسب، وللثقافة والبيئة دور في ذلك، فالعقل نوعان طبيعي وثقافي، كما قال
11 (1/11)
صفحة 12
الشاعر:
رأيت العقل عقلين
***
فمطبوع ومسموع
***
ولا ينفع مسموع إذا لم يك مطبوع
***
كما لا تنفع الشمس وضوء العين ممنوع.
فلا بد من التكامل، فهذا يكون بيانا للحديث وأما الآية فتدور حول موضوع القضاء والقدر، فتدل على رأي من يقول أن الإنسان مجبور على قدره، وهناك آية تدل على
1.-9
الاختيار وهو قوله تعالى: هو قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّنَهَا وَقَدْ خَابَ مَن دَسَهَا} [الشمس: 9 - 10]
، والجمع بينها يكون بأنّ خلق الفعل من الله وكسبه من العبد فلا منافاة بين الآيات وبين خلق الإنسان على الفطرة، لأنّ الدين هو الفطرة، قال تعالى: {فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عليها لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ الله ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ [الروم: 30]
س: النبي الله يقول: «إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق»، فما صورة هذا الإتمام الذي جاء
به النبي؟
ج: إن معظم الأخلاق والعادات الحسنة قد ورثها العرب من أبينا ابراهيم ومن إبنه إسماعيل عليهما السلام كونهم ورثوا دين الحنيفية منهما، وقد وقع التحريف بعد ذلك، ومن صور هذا التحريف الشرك بالله تعالى، وقد أنكر الله عليهم ذلك، ولكن بقيت بقايا من دين أبينا إبراهيم فيهم كالصدق والوفاء وإكرام الضيف وحسن الجوار، يقول عنترة بن
شداد
في مسألة حسن الجوار:
***
وأغض طرفي إن بدت لي جارتي حتى يواري جارتي مأواها
وبقي عندهم تعظيم الكعبة، والختان، وغسل الجنابة، ولا شك أن العقيدة اختلت الشرك الذي وقع في نفوسهم، وكان عندهم أصنام مشهورة كهبل واللات.
بسبب
12 (1/12)
صفحة 13
ومن أحسن ما قيل في الأخلاق ما قاله أحمد شوقي: وإنما الأمم الأخلاق ما بقيت *** فإن هم ذهبت أخلاقهم ذهبوا ويقول أيضا:
***
وإذا أصيب القوم في أخلاقهم فأقم عليهم مأتما وعويلا
وقال:
***
صلاح أمرك للأخلاق مرجعه فقوم النفس بالأخلاق تستقم
والأخلاق هي
مبدأ تكوّن الحضارة في أي أمة فإن رأيت مثلا انتظام الطوابير فاعلم أن
هذا الشيء البسيط دليل على الرقي والتحضر.
س:
: ما علاقة الأخلاق بالشعائر وقبولها عند الله تعالى؟ فقد ذكر في كتب السنة أن امرأة
كانت تكثر القيام والصيام إلا أنها كانت تؤذي جيرانها فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «هي في النار». الطاعة والمعصية لا يجتمعان فسيئاتها قد أحبطت حسناتها فلا بد أن يتطهر الإنسان من المعصية، وكما يقول المتصوفة: التخلية قبل التحلية».
ج
س: جاء في الحديث: آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف وإذا اؤتمن خان» فما صورة النفاق في هذه الأخلاقيات؟
المقصود
ج النفاق نوعان: عقدي كالذي يُظهر الإسلام ويُبطن الشرك كالمنافقين الذين كانوا في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، ونفاق عملي يكون صاحبه مسلما ويقوم بأشياء شائنة وهذا هو بالحديث، والمنافقون في النار كما قال تعالى: {إِنَّ الْمُنَفِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَن تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا} [النساء: 145]. س: من الناس من يكون مصليا ولكن لا يظهر ذلك في واقعه المهني والعملي فإلى ماذا يرجع ذلك؟
ج أرجع ذلك إلى أمرين الأول: عدم توفيق الله عز وجل، وثانيا: عدم الإخلاص، فالله
13 (1/13)
صفحة 14
تعالى يقول: {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ: البينة: 5]، وفي الحديث: «إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى .. »، وأيضا فيما يروى: «الإيمان ما وقر في القلب وصدقه العمل فلا بد من وجود الإخلاص في أي عمل فإن انتفى الإخلاص فلا ثمرة لأي
عمل.
س: جاء في الحديث: «أفشوا السلام بينكم فما أهمية السلام في واقعنا المعاصر؟ ج السلام هو: إعطاء الأمان، ومنه قيل لعهود الحرب السلام، وهو تحية أهل الجنّة كما جاء في الأحاديث، وهو سنة من سنن الإسلام بل إن أهل العلم قالوا بأن إلقاء السلام سنة والرد على متلقي السلام، واجب والسّلام هو ما ينشده العالم أجمع.
س: بعد دخولكم فضيلة الشيخ إلى عالم الإنترنت ووسائل التواصل، نجد أن ظاهرة المراء والجدال قد كثرت و نرى أيضا وقوع السباب والشتائم أثناء الجدال على مواقع التوصل فما تعليقكم على هذا؟
ج السب والشتم ليسا من خلق الإسلام، والله أمرنا أن نتعامل بالحسنى، فقال تعالى: وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسنا كم [البقرة: 83]، وقال النبي المعاذ بن جبل حين أوصاه: «وخالق الناس بخلق حسن»، فالسب والشتم بعيدان عن الخلق الاسلامي وعلى المرء أن يتجنّب ذلك سواء كان ذلك في وسائل التواصل أو في الواقع.
ج
س: في نهاية الحلقة ما هي الرسالة التي تحب أن توجهها فضيلة الشيخ؟
الأخلاق نعمة من
الله على الإنسان، وهي من توفيق الله له، فعلى جميع الناس أن يلتزموا بالأخلاق الحسنة، سواء أتت من طريق الشرع الإلهي أو من طريق العقل، ولا ننسى وصية النبي المعاذ بن جبل حين قال له: وخالق الناس بخلق حسن» والحمد لله رب
العالمين.
14 (1/14)
صفحة 15
الحلقة الثانية
«خلق النبي»
15 (1/15)
صفحة 16
م الله الرحمن الرحيم
س: لما سئلت السيدة عائشة عن خلق النبي الله أجابت بجواب عظيم: «كان خلقه القرآن».
ج: بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه، بالنسبة إلى حديث السيدة عائشة، وهي الصديقة بنت الصديق، زوج النبي
صفات، فلذلك
ومحبوبته سألها أحد الصحابة وهو سعد بن هشام: «كيف كان خلق النبي الناس تسأل، لأن النبي الله قدوة لهم، قال تعالى: ولقد كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَن كَانَ يَرْجُوا اللهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذكر الله كثيرا اي که [الأحزاب: 21]، فالنبي أسوة لكل مسلم، سواء كان معاصرا له أو جاء بعده بمئات أو آلاف السنين، والكل يريد أن يقتدي به ويسأل عن الخبر الصحيح في ذلك ليبين له ما كان عليه سأل سعد بن هشام عائشة عن النبي، ما هي أخلاقه؟ ما هي صفاته؟ فقالت له: «ألم تقرأ القرآن؟»، لأن هذا في القرآن مذكور وموصوف، وقد وصف الله نبيه بوصف لم يصف به نبيا من أنبيائه قبله، والأنبياء هم أعظم البشر منزلة عند الله، والأنبياء هم المعصومون وما سواهم غير معصوم، وهم أكمل البشر والنبي و لا أكملهم، فوصفه في قوله تعالى: {وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيم} [القلم: 4]، ردا على أولئك الذين قالوا عنه أنه مجنون في قوله تعالى: ونَّ وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ مَا أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونِ وَإِنَّ لَكَ لَأَجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ * وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمِ} [القلم: 1 - 4].
وكأن الله تعالى يطمئنه ويسليه ويقول له: إنك بهذا القول الذي يفتري به المشركون عليك لك فيه أجر، ولست بمجنون بنعمة ربك أنت العاقل كل العقل، وأنت المستقيم، وأنت الذي لا تنتقم، وأنت الذي تكرم النّاس، وأنت الذي تهديهم، وإنك لعلى خلق عظيم، هذا الخلق العظيم الذي اصطفيتك به وأعطيتك إياه، خلق لا يساويه خلق في الدنيا، هذا معنى قول عائشة فيه، أي أنه كان ترجمة للقرآن كان قرآنا يمشي على الأرض، وهذا
16 (1/16)
صفحة 17
القرآن المتلو المكتوب متجسد في النبي الا الله وكأن القرآن يمشي على الأرض بمشيه، في كل مناحي الحياة، لأنه مصدر الكمالات الإنسانية ومنبعها، ولأنه مسدّد بالوحي، ومسدّد بتوفيق الله تعالى قبل أن ينزل عليه الوحي، فقد عاش في بيئة شرك في مكة المكرمة، في بيئة صعبة بما فيها من فسوق وعبادة للأصنام إلى غير ذلك، ولكن الله تعالى عصم نبيه، قبل أن يوحي إليه، وحتى بعد النبوة له أقوال وأفعال ليست بوحي، ولكنها تأتي من منظومة
الوحي. س: حينما نتأمل خلوة النبي الله في غار حراء، وابتعاده عن الناس، يتبادر إلى الذهن سؤال: هل للخلوات دور في تهذيب شخصية الإنسان؟
ج طبعا الإنسان عندما لا يجد البيئة المناسبة له يلجأ إلى العزلة، وهذا يحدث في أي زمان، وكثير من الصالحين والعلماء عندما يرون البيئة غير مهيئة لوجودهم وتحركاتهم تجدهم يبتعدون ويلجؤون إلى العزلة، لما فيها من تفكر وصفاء للنفس وابتعاد عن أسباب الإثم، وهذا ما جعل النبي الهلال الهلال يلجأ إلى غار حراء، ويتحنف أي يأخذ بالحنيفية ويجلس فيه الأيام والليالي يتعبّد ويتحنّث ويشكر الله، ولعله كان عنده شيء من بقايا دين إبراهيم عليه السلام في هذا الجانب، وفي قريش كان هناك عدة أشخاص على دين إبراهيم كورقة بن نوفل وسعيد بن زيد وغيرهما، فالنبي الله بلا شك وجد الراحة النفسية هناك، وكان الله تعالى يهيئه لنزول الوحي وهو في تلك الحالة من صفاء الذهن وصفاء القريحة لاستيعاب عظمة الوحي، ولعله إذا نزل عليه الوحي وهو في مكة ولم يجرّب العزلة لا يستوعب، لعدم استعداده ذهنيا ولكن وجوده في ذلك الغار أياما وليالي مكنه من استيعاب الوحي بثقله، تقول عائشة في: «ولقد رأيته ينزل عليه الوحي في اليوم الشديد البرد فيفصم عنه وإن جبينه ليتفصد عرقا»، أي يتصبب عرقا، ليس بالسهل، لأنه شيء ثقيل يحتاج إلى تهيئة نفسية، ولذلك عندما سُئل كيف يأتيك الوحي يا رسول الله؟ قال: «أحيانا يأتيني مثل أشده صلصلة الجرس وهو علي، فيفصم عني وقد وعيت ما قال، وأحيانا يتمثل لي الملك رجلا فيكلمني فأعي ما يقول»، فقد كان في صفاء من الذهن وصفاء من القريحة واستعداد
17 (1/17)
صفحة 18
نفسي لاستيعاب ثقل القرآن قال تعالى: {إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قولا ثقيلا} [المزمل:]. س: في قوله تعالى: فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ
الله
حولك الله [آل عمران: 159]، يقول بعض المفسرين أنّ هذه الآية نزلت في مخاطبة النبي صلى الناس؟
ج:
عليه وسلم، ما دور الرحمة والتعامل الطيب في حياة الدعاة والمربين وجميع لا شك أن الرحمة عظيمة، وميزانها عظيم عند الله تعالى لأنها كما قيل اشتقت من الرحم والله تعالى وصف نفسه بوصفين الرحمن الرحيم، والخلق الحسن الذي يتعامل به الناس فيما بينهم رحمة عظيمة، ونرى تجلياتها عندما الكبير الصغير ويرحم القوي
يرحم
الضعيف، فكل شيء داخل في الرحمة والبشر يتفاضلون بمقدار رحمتهم، والنبي صلى الله عليه وسلم هو القمة في الرحمة، وُجوده رحمة ورسالته للناس رحمة، قال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} [الأنباء: 107]، هو رحمة لكل شيء، إنسانا كان أو حيوانا، مؤمنا أو كافرا، موافقا له أو مخالفا، وكأنّ الله تعالى قال له: ما التفّ الصحابة حولك إلا لكونك رحيما، لأنّ الشديد والفضّ ينفض الناس عنه، لأنه إن سيطر عليهم فقد سيطر عليهم بالخوف، ولا يحبّونه ولكن عندما يسيطر القائد على أتباعه باللين والرحمة يلتف حوله أتباعه ويعطونه المحبة من قلوبهم، فهم يلتفّون ليس طمعا في شيء ولا خوفا من آخر، وإنما لمحبتهم له، وفي المقابل فالشخص المستبد الجبار، العنيف، وإن كان له أتباع، فإنهم لا يتبعونه عن محبة ولكن عن خوف ووجل، ولذلك بعد أن يتعرض لكارثة تقضي عليه تجدهم يتخلون. عنه، ويظهرون الفرح، لأنهم تخلصوا من عبئ ثقيل عليهم، لانه
كان بعبعا في حياتهم. وكأنه تعالى قال له: فرحمة من الله أن جعلك لينا لأصحابك، ولولا ذلك لانفضوا من حولك ولبقيت وحيدا فمن لك؟ وأنت صاحب الرسالة بحاجة إلى أتباع لإقامة دولة والمحاربة الشرك والمشركين، ولولا التراحم بين الناس لفني الناس، ولولا التراحم بين مكونات هذا الوجود لفني الوجود، والرحمة هى أساس التعامل بين الموجودات، من بشر وحيوانات وجماد وكل شيء على وجه البسيطة.
18 (1/18)
صفحة 19
س: يقودنا الكلام السابق لحديث النبي: مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم
النبي
كمثل الجسد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر»، لماذا وصف الناس بالجسد في أفراحهم وآلامهم ومتاعبهم في ما يسرهم وما يضرهم؟ ج طبعا هذا إذا توادّوا وتعاطفوا، لأنّ الحديث قال: في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم، لذلك ما يعبّر عنه بالجسم العضوي قد يطلق على كل مجموعة بشرية، على الأسرة، على القبيلة، على الشعب، وعلى الأمة، وكل فرد في هذا الجسم إن أصابه ألم أو وجع يتأثر كل الجسم بذلك، وهكذا يكون المؤمنون، لأنّ الإيمان جمعهم وصيّرهم كالجسد الواحد، فيكون بينهم التواد والتراحم ولذلك قال الله تعالى في الزوجين: {وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةٌ [الروم: 21]، فالمؤمنون وجب عليهم التواد، والتعاطف وهو فيما عرف فيما بعد بالولاية. س: هل يفهم من الحديث أن يصبح المجتمع أو الأسرة أو البيت جسدا واحدا إذا توفرت فيه الشروط الثلاثة: التعاطف والتراحم والتواد؟ ج: طبعا، بلا شك، كالعلة، لأنّ العلة إذا تكونت من أجزاء وسقط أحدها سقطت العلة كلها كما يقول علماء أصول الفقه، فالعلّة من تكوّن الجسد الواحد هو توفّر التعاطف والتراحم والتواد.
س: بما أنّك ذكرت الحياة الزوجية التي تحقق الغاية العظمى وهي المودة والرحمة ما رأيكم بالزوج الذي يدعي أنه يحب زوجته ويكرمها ويعطيها وفي أدنى موقف بسيط يضربها ويعتدي عليها؟ وهل تحقق هذه الأسرة معنى الحديث؟ ج طبعا لا الزوج مخطئ ولذلك قلت مرة في تغريدة، ولم تعجب كثيرا من الناس أن الحياة الزوجية السعيدة لابد أن تقوم على الطاعة المطلقة من الزوجة لزوجها، وقد قال الله تعالى آية صريحة في ذلك: {فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا [النساء: 34]، فلابد أن تطيع المرأة زوجها طاعة مطلقة ولكن لابد في مقابل هذه الطاعة الاحترام الكامل من الزوج لزوجته، يشمل احترام أسرتها وأقاربها، وألا يؤذيها بشيء من القول والفعل، وأن يكرمها تمام
الإكرام.
19 (1/19)
صفحة 20
ولابد من هذه الثنائية - أي الطاعة المطلقة من الزوجة والاحترام الكامل من الزوج في كل عائلة إذا أرادت أن تحقق الحياة السعيدة، وإذا غاب هذا أو ذاك، ربما تستمر الحياة الزوجية لكنها لا تكون سعيدة، بل تكون مليئة بالمنغصات والمشاكل، مما نسمع عنه كثيرا وخاصة في مكتب الإفتاء، فكثيير من المآسي منبثقة من عدم الطاعة أو من عدم الاحترام كما
تقدم.
الآخرين
س: النبيصلى الله عليه وسلم يقول في حديث: من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت»، هل نفهم من هذا الحديث أنّ الإنسان مطالب بالثناء وتشجيع وتحفيزهم و إن لم يجد ذلك الكلام يصمت.
فضة فالصمت
ج: وإن كان الصمت ممدوحا كما جاء في الأدبيات: «إذا كان الكلام من من ذهب»، إلا أن قول الخير مقدم عليه، وهذه مقامات على الإنسان أن يقدرها، وعليه أن يقول الخير بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأن يعظ الناس ويذكر لهم العلم النافع وأن يرشدهم إلى أمر دينهم، وما فيه الخير لهم من أمر دنياهم، وإذا لم يجد هذا الشي ليصمت والسكوت أحسن له وقول الخير هو المقدم، كالذي يتكلم في الدين عن علم يكون كلامه مقدما على صمته وذلك بإلقاء المواعظ والإرشادات الدينية والدنيوية الصحيحة القائمة على خدمة الدين، ولابد أن يتحدث الإنسان بالخير، لكن نحن العمانين خاصة للأسف، أخذنا الصمت، فتجد الواحد منا خاصة في الأجيال السابقة، لا يتحدث في المجالس ولا يغشى المجالس العامة لكي يعظهم ويرشدهم، وقضية الصمت والسكوت مشكلة وحالة نفسية صاحبتنا كثيرا، في أي مكان بالانزواء وعدم مشاركة الآخرين، وهذه كانت مشكلة عند الإنسان العماني، لكن الآن الحمد لله بالتعليم ومشاركة الآخر وبسبب الأسفار وحضور المؤتمرات والندوات والتحدث في وسائل الإعلام، كسر هذا الحاجز النفسي الذي كان موجودا عند الإنسان العماني في السابق.
س: ربما يقول بعضهم من باب التواضع: أنا أصمت وأتعلم»، كيف نفهم معنى التواضع في هذه المواقف؟
20
20 (1/20)
صفحة 21
ج التواضع ليس في هذا التواضع أن تخالط الناس بخلق حسن وأن لا تتعالى عليهم، لا أن
تتواضع في قول الخير وفي مشاركة الكلام في مجالس الناس.
زار أحد العلماء زنجبار في فترة وجود العمانين هنالك، فبعض الناس جمع بينه وبين أحد علماء الأزهر في وجبة وقت المساء، فأخذ العالم الأزهري كما هو معهود من الأزهريين من علم وحسن حديث وطلاقة لسان واستشهاد بالقرآن والحديث، والعالم العماني لم ينبس ببنت شفة، فقال بعض المشايخ العمانين ممن حضر: «ليت هذا اللقاء ما كان»، وهذا أمر سلبي، ما هكذا أمر النبي، لا بد للإنسان أن يقول الخير، ومشكلتنا نحن العمانين أننا كنا في السابق هكذا، إما أن نبتعد عن الآخر أو أن نلتزم الصمت عند اجتماعنا معه، ونقدم الصمت على قول الخير، وهذا في رأيي خطأ والصحيح تقديم قول الخير على
الصمت.
س: حتى يستوعب الكلام كل الناس باختلاف عقلياتهم وشرائحهم، «فليقل خيرا أو يصمت»، هل يدخل في هذا كتابة التغريدات والمنشورات في يومنا هذا؟ ج: طبعا هذا من أهم ما يكون، فكل ما يستفيد منه الناس من وسائل التواصل الاجتماعي أو الإعلام يدخل في هذا.
س: مع نهاية هذا اللقاء، حديث النبي: «والحياء شعبة من الإيمان»، لماذا خص النبي الحياء من بين كل هذه الأخلاق؟
ج: لأنّ الحياء هو رأس الأخلاق، ولأن الحياء هو الذي يمنع الانسان من إظهار المعصية، ما يمنع الإنسان من إيذاء الآخرين، والحياء باعث لكثير من أمور الخير، يستحيي من الله تعالى وليس من البشر فقط،
وهو
والإنسان عندما
لابد أن يستحيي،
فيجب عليه أن يبتعد عن المجاهرة بالمعصية، فكل عاص لا يستحيي من
الله عند معصيته
والمجاهرة بالمعصية هي أعلى مراتب عدم الاستحياء والحياء أيضا يجعل الإنسان يعامل الآخر معاملة مستقيمة وطيبة فالصغير يحترم الكبير ويستحيي منه، ولا يبدو من هكذا كانت المجالس عندنا في عمان كانت سابقا حياة العمانيين تدور
تجاه الكبير شي،
الصغير
21 (1/21)
صفحة 22
بين المساجد والمجالس، فالمسجد فيه الصلاة وقراءة القرآن وكتب الشرع، والمجلس فيه القضايا الاجتماعية، وفي المجلس الصغير يحترم الكبير حياء منه، حتى إنه يستحيي من الكلام في حضرة الكبار وهذه كلها آداب وتربية بين المسجد والسبلة (المجلس)، في المسجد تؤخذ علوم الدين وفي السبلة تؤخذ علوم الدنيا، والحياء خص هنا لأنه باعث على كثير من أمور الخير وفي ذلك يكون تماسك المجتمع، وأما أن يكون الرجل بذيء الكلام وأن تكون المرأة بذيئة اللسان فهذا ليس من الحياء، والحياء خلق عظيم له قيمة
كبرى في المنظومة الإسلامية.
س: هل الحياء هو صورة من صور العفة؟
ج: لا شك، العفة هي من الحياء، وكل سلوكيات الإنسان الطيبة هي من س: نريد منكم في ختام هذه الحلقة جملة مختصرة حول الأخلاق حتى نختم هذا الموضوع.
ج: أختصرها في بيت من الشعر.
يقول الشاعر:
هي
الأخلاق.
***
تنبت كالنبات إذا سقيت بماء المكرمات.
22
22 (1/22)
صفحة 23
الحلقة الثالثة «أخلاق الصلاة!»
23 (1/23)
صفحة 24
بسم الله الرحمن الرحيم
س: الصلاة الصلاة، وما أدراك ما الصلاة، إذا جئنا لقدرها فالقدر الجليل، وإذا جئنا إلى فضلها فالفضل العظيم، هي عمود الدين وقوامه وجنة المؤمن وحياته، وهي أول ما يسأل عنه العبد يوم القيامة، نتوجه في بداية هذه الحلقة إلى سعادة الشيخ بالسؤال: ماهو تعريف
الصلاة؟
ج: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد الله، ونصلي ونسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ومن والاه، الصلاة في حقيقتها هي صلة بين العبد وربه، وهي أوضح هذه الصلة وأجلاها وهي أفضل هذه الصلة بين الإنسان، وربه الصلاة شرعها الإسلام خمس مرات في اليوم والليلة، بمعنى ذلك أن هذا الإنسان يقف بين يدي ربه كل يوم وليلة خمس مرات يناجي فيها ربه، هذه أفضل صلة، تتجدد بها حياة الإنسان، ويجدد فيها علاقته مع ربه بهذا التواصل وبهذه الصلة ولذلك هي من حيث اللغة دعاء، لكن الصلاة جاءت بأفعال وأوصاف مخصوصة، والله تعالى هيأ لها أوقاتا، مخصوصة وجعل لكل صلاة وقتها الخاص، لكن في حقيقتها هي دعاء من الإنسان إلى خالقه عز وجل لكنه دعاء كيف بهذه الأفعال
والأزمنة المخصوصة. س: بأنكم ذكرتم الأزمنة المخصوصة، الله لما تكلم عن الصلاة وصفها بأنها كتاب موقوت، فالناس اليوم يتخلفون عن المواعيد ولا ينتظمون في أوقاتهم هل الصلاة تعلمنا إدارة الوقت
والمحافظة عليه؟
ج الصلاة في الحقيقة شرعها الله تعالى بأوقاتها لما فيها من الحكم والفوائد الكثيرة، ومن هذه الحكم الحفاظ على الوقت، والوقت من أهم ما يكون في حياة الإنسان لأنه ليس أنكى على الناس أو الأمة من خلف المواعيد، يعني أ أنت مثلا عندما يعدك إنسان في وقت معين ويرتب وقته على ذلك الموعد ويترك أشغاله وأعماله في انتظارك، وأنت لا تعطي بالا لهذا الأمر، فتتأخر نصف ساعة أو ساعة بلا مبالاة هذا أنكى ما يكون في الأمة، لأن
24 (1/24)
صفحة 25
فيه ضياع الأعمال والأموال والحياة، ولذلك فإنّ الانتظام على الوعد هو الأفضل في هذه الحياة، وهذه كانت من عاداتنا نحن العرب قبل الإسلام أي المحافظة على الوقت وعلى المواعيد، وإذا أعطى الإنسان وعدا أو عهدا لإنسان آخر يلتزم به ذلك الإنسان المعطي التزاما شديدا، ولو أدى إلى تلف حياته، هكذا كان العرب في الجاهلية، وجاء الإسلام وأكد هذا الأمر وجعله في هذه الصلاة المكتوبة، ولذلك الله تعالى قال لنا: «إِنَّ الصَّلوةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَبًا مَّوْقُوتًا} [النساء: 103]، كتابا يعني شيئا مكتوبا مفروضا، لأن كتب هنا بمعنى فرض، وموقوتا يعني مؤقتا بدقة، وكذلك من حكم الصلاة انتظام الصفوف، فالصف عندما ينتظم، الإمام يكون في الأمام في مقدمة الناس والمصلون صفوفا خلفه، هذا فيه انتظام دقيق جدا في الحياة، وهو نظام الصف ولذلك يقول الله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُم بُنْيَنٌ مَرْصُوص} [الصف: 4]، كل شيء بالصف يتحقق فيه النجاج، ولذلك النبي الله في معركة بدر وهي أولى المعارك التي خاض فيها الإسلام مع الشرك معركته الفاصلة التي سميت معركة، الفرقان، التي فرقت بين الحق والباطل وبين الإسلام، والشرك، رتب النبي له أصحابه صفوفا وهو ترتيب وتنظيم لا عهد للعرب به، فالعرب من عادرتهم أن تقوم الحرب على الكرّ والفرّ كرّ وفرّ من كل الجهات بلا انتظام والنبي الرتب أصحابه في بدر صفوفا بنظام جديد لم يكن من معهود العرب وهذا هو النظام المرصوص والمرصوص هو المحكم بالرصاص أي كأنهم أحكموا
صفوفهم بالرصاص والرصاص مادة قوية في تلاحم الأجزاء والأشياء، لذلك قال تعالى: كَأَنَّهُم بُنْيَنٌ مَرْصُوصٌ} [الصف:4]، أي رُص بعضه على بعض، وتكوين الصفوف في الصلاة من حكم الصلاة أيضا، ومن حكمها التعاون بين المصلين، والتعارف فيما بينهم كذلك، انظر مثلا أهل الاحياء في كثير من المناطق لا يلتقون إلا في المسجد، يتعارفون ويتناشدون فيه ويعرف بعضهم بعضا، ولذلك المسجد في القرية هو محور الحياة فيها، ولو لم يكن ثمة مسجد في قرية ما كيف يلقى الانسان جيرانه؟
ولولا الصلاة ووجود إطار لها وهو المسجد لما كنا نلتقي والانسان يفتقد في المسجد إذا
25 (1/25)
صفحة 26
كان مريضا، وإذا غاب ثلاثة أيام أو أقل من ذلك نسأل عن حاله، أبه مرض أو سفر أو
انشغال.
ويحس الإنسان بالراحة عندما يسأل الناس عنه ولولا الصلاة ما كان هذا ليكون، والصلاة فيها منافع وفوائد وحكم عظيمة لا تخفى على أحد. س: سعادة الشيخ ذكرت فوائد جليلة وجميلة وهذه الفوائد ربما دفعت بعض الناس إلى أن يكونوا حريصين أيما حرص على صلاة الجماعة، لكنه لوحظ على بعضهم أنه يستعجل في الذهاب إلى المسجد، وربما قاد سيارته بسرعة جنونية فربما تسبب بحادث، كيف نتفق بين هذا الحرص وبين السكينة والهدوء؟
من
من حرصه
ج: لاشك أن علينا أن نحسن الظن بالناس، ونقول لذلك الشخص الذي يأتي مسرعا إلى المسجد لكي يدرك الصلاة أولها، هذا لاشك، ولكن الإسلام دائما هذب سلوك الناس، ربما الإنسان يرى في سلوك معين أمرا جميلا كهذا الذي يستعجل في ذهابه إلى المسجد، ولا أحد يقول أن إسراعه شيء خاطئ، ولكن الإسلام هذب تصرفات الإنسان، فهذا المسرع ربما ألحق ضررا بنفسه وبالآخرين فلذلك النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا ثوب للصلاة فلا تأتوها وأنتم تسعون وأتوها وأنتم وعليكم السكينة والوقار، فما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فاقضوا»، ومعنى هذا الحديث أنه إذا أذن للصلاة لا تأتوها وأنتم تسعون، إذا كنت ماشيا لا تأتي راكضا، وإذا كنت في سيارة لا تسرع بسيارتك حتى لا تتسبب في حادث تؤذي فيه نفسك معك، وأتوها وأنتم عليكم السكينة والوقار، هذا بعد الأذان ومن وأما قبل الأذان فلا داعي للسرعة والسكينة والوقار أن تمشي هادئا متوازنا والذي تدركه الصلاة صل، وما فاتك منها فاقض، وقد يقع بالسرعة ما هو محظور وما لا يحمد عقباه، والإسلام كما أشرت آنفا يرشدنا إلى الأسلوب المناسب في التعامل مع كل شيء. س: وهنا تأتي أهمية العلم في هذا الموقف أليس كذلك؟ ج: لا شك، كل شي يُفعل بعلم، فالله لا يعبد بالجهل إنما يعبد بالعلم، والصلاة تحتاج إلى علم، وأكثر المسائل الفقهية جاءت في الصلاة منذ قديم الزمان، فقد جاء في بعض الكتب
من
26 (1/26)
صفحة 27
أن مسائل الصلاة تتكون من 12 ألف مسألة في ذلك الزمان، وقد استجدت مسائل أخرى، ولأن صلاة الإنسان فيها حركة كثيرة من قيام وركوع وغير ذلك فتعددت مسائلها أكثر من غيرها من العبادات.
س: سعادة الشيخ يقول النبي: «علموا أولادكم الصلاة لسبع واضربوهم عليها لعشر»، ما تعليقكم على هذا الحديث؟
ج:
غير
هذا حديث تربوي عظيم، لأن الصلاة أكثر أعمال المسلم اتصالا بالله، فهي تحتاج أن يعود الإنسان نفسه وذريته أن يأخذهم إلى المساجد وأن يعلمهم الصلاة وإذا بلغوا العشر وتركوا الصلاة بعد أن تعودوا عليها يضربون على ذلك، إذا رأى منهم تهاونا ضربهم ضربا مبرح ولا يلجأ إلى الضرب إلا كخيار أخير، أولا النصح والتفهيم وإذا استهتر وعصى والديه ولم يطعهما في هذه الأمور يضرب الضرب المناسب له، ولو ضربة واحدة خفيفة، إذا كان ذلك كافيا لتأديبه، ولا يضرب أحد ولده لأنه لم يصلّ وهو ابن عشر، إذا لم يعوده على الصلاة قبل ذلك وهو ابن سبع، لذلك فالصلاة أمر عظيم وهي كبيرة إلا على الخاشعين وهذا الحديث فيه معنى تربوي كبير جدا ولذلك يقول الشاعر:
وينشأ ناشئ الفتيان من
***
ـــــاكان عوده أبوه
وتعويد الوالد لولده أمر عظيم جدا، تعويده على الخير، تعويده على الصلاة، على الصيام،
على فعل المعروف، وعلى مكارم الاخلاق.
س: هل تقصد بالتعويد أيضا القدوة؟
ج: القدوة ضرورية طبعا، لأن الطفل بحاجة إلى قدوة، ولأن الطفل من الأساس بطبعه
يحاكي الأكبر منه، فتجده يحاكي والده وأخاه الاكبر.
القدوة ضرورية لما فيها من الخير، والأنبياء هم بلا شك القدوة والمثل الأعلى في هذه الحياة، والنبي هو خاتم النبيين، فهو القدوة العليا والمثل الأعلى بالنسبة للمسلم، ولابد من القدوة،
27 (1/27)
صفحة 28
وكما قال الشاعر:
إذا كان رب البيت بالدف مولعا *** فشيمة أهل البيت كلهم الرقص
فالقدوة ضرورية لأهل البيت، ولاشك قد يخرج بعض الأولاد عن اتباع تلك القدوة، ولكن هذا طبعا نادر، ولكن يبقى شيء من الخير في ذلك الولد إذا تعود على الخير في صغره، ولو خرج في فترة من الزمان يرجع بسرعة إلى ما تعوّد عليه وما نشأ عليه، ولو خرج فهو بغير استهتار من هذه العادات الحميدة.
س: «علموا»، ما هو الحد الأدنى من التعليم الذي يحتاج إليه الطفل في ذلك العمر؟ ج: تعليم الصلاة كما جاء في الحديث أي أحكام الصلاة من وضوء وأذان وإقامة وتوجيه وسنن الصلاة وفرائضها، ومندوباتها، وهذه كلّها يجب أن يتعلمها الطفل، ولكن على قدر الطاقة وبالتدريج شيئا فشيئا، وليس المقصود كل تفاصيل الصلاة، فهذه حتى كثير من الكبار لا يعرفونها. س: في الآية الكريمة يقول الله تعالى: هو يَنبَنِي ءَادَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ} [الأعراف: 31] ما هي الزينة المطلوبة عند الذهاب إلى المسجد؟ ج: الزينة هي المتعارف عليها من اللباس، الحسن، ومن الروائح الحسنة، والنظافة الحسنة، والإنسان عندما يتهيأ للصلاة لابد أن يهتم بها، ومن حكم الصلاة كذلك النظافة في البدن، وكذلك نظافة المكان الذي يصلي فيه وطهارته، وكذلك نظافة الملابس، فلا يصلي بالملابس النجسة والوسخة وإن كانت الوسخة لا تنقض الصلاة ما دامت غير نجسة ولكنه من غير اللائق أن يقف الإنسان بين يدي ربه وهو بملابس متسخة أو بملابس غير محترمة، ولذلك لابد أن يذهب للصلاة بكامل زينته حتى يقبل على ربه في أحسن
هيئة.
ونلاحظ للأسف من بعض الناس أنهم يأتون للصلاة بلباس النوم، فهو يؤذي جماعة المصلين بهذا اللباس ولو ذهب أحدنا ليقابل مسؤولا كبيرا من المسؤولين للبس أحسن ما
28 (1/28)
صفحة 29
عنده، ولتعطر بالعطور، الفواحة وبعضهم لهم ملابس خاصة لهذه المقابلات، فالإنسان يدعو الله أن يتقبل منه وأن يثيبه ثم يأتيه بتلك الحالة هذا غير مقبول! فلذا لا بد من
أخذ الزينة.
س: ألا يدل عدم اهتمام بعض الناس بموضوع اللباس الطيب والزينة الحسنة غياب فضائل الصلاة عنهم؟ ج: لا شك فالعلم له دور ولو كان ذلك الشخص عنده علم بأحكام الصلاة وبقول الله عز وجل: يَنبَنِي ءَادَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ} [الأعراف: 31]، لما فعل تلك الفعلة، الإشكالية هي إشكالية جهل بأحكام الصلاة، والجهل بأحكام الدين كما هو الشائع
للأسف.
و قد تجد إنسانا مثقفا جدا، وعنده شهادات عليا في التخصصات الدنيوية، وربما دكتوراه في تخصص ما، لكنّه إذا جئته في علم الشرع لا يعرف منه شيئا، وهذا ما نلاحظه في كثير من الناس إلا من رحم الله
والتخصصات الدنيوية أيضا تخدم الدين وكل ما يخدم الأمة يخدم الدين مهما كان هذا العلم وهذا التخصص، والعلوم كلها تتكامل، وكل ما يقوّي الأمة هو مطلوب في أمة الإسلام، لذلك أمر الله عباده المؤمنين في قوله: {وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِن قوة} [الأنفال: 60]، وكلمة «قوة» جاءت نكرة، بمعنى أي قوة تتقوى بها الأمة الإسلامية لأعدائها سواء كانت قوة علمية أو عسكرية أو تجارية أو اقتصادية في كل المجالات. فالجهل بالدين مشكلة كبرى، و كأن الدين قد خصص لفئة معينة من الناس على أن الطبيب والمهندس والتاجر لابد أن يعرفوا أحكام الشرع وهكذا أصحاب كل تخصص، ليعبدوا الله عن علم والإنسان غير معذور يجهله، ولو كان معذورا يجهله لكان الجهل أفضل من العلم. س في ختام هذه الحلقة نريد منكم كلمة أخيرة حول موضوع الصلاة. ج: أعظم ما قيل في الصلاة ما قاله تعالى:
و إِنَّ الصَّلوةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتبًا مَّوْقُوا) [النساء: 103]
29 (1/29)
صفحة 30
وقوله تعالى: وإِنَّ الصَّلوةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ} [العنكبوت: 45]، تتجلى قيمة الصلاة في هاتين الآيتين، أي انظباط الوقت والنهي عن الفحشاء والمنكر. س: أشكركم سعادة الشيخ على هذا العطاء الجميل وعلى هذه الإضافات الفقهية والعلمية والتي يحتاج إليها كل إنسان في حياته اليومية.
30 (1/30)
صفحة 31
الحلقة التابعة «أخلاق الحلاة 2»
31 (1/31)
صفحة 32
سم الله الرحمن الرحيم
س: قال تعالى: {إِنَّ الصَّلوةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكر) [العنكبوت: 4]، ماهي الأبعاد الأخلاقية والتربوية لهذه الأية؟
ج: بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله
وصحبه.
يقول الله تعالى: واتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَبِ وَأَقِمِ الصَّلوة إن الصلوة تنهى عن الْفَحْشَاء والمنكر ولذكر الله أكبر و الله يعلم ما تصنعون ام [العنكبوت: 45] تكمن أهمية الصلاة في أنها تنهى عن الفحشاء والمنكر، وليس شيء أسوء على الإنسان من الفحشاء والمنكر، وهي قمة السوء في هذه الحياة والفحشاء كل فاحشة كبيرة، والفحشاء يعبر بها عن الزنا، والفحشاء يعبر بها عن البخل أيضا، فلذلك الفاحشة أمرها عظيم عند الله سبحانه وتعالى من حيث إنها معصية وكبيرة من كبائر الذنوب وسميت فاحشة لفحشها، ودائما الفاحشة أو الفحش هو الشيء المقزز وغير الطيب، والمنكر هو ما تنكره العقول السليمة وما ينكره الشرع الشريف وما ينكره الطبع، والصلاة فلسفتها وثمرتها أنها تنهى عن الفحشاء والمنكر، وتجعل صاحبها مبتعدا عنهما قولا وفعلا، والمعروف هو أي عمل أوقول ترتضيه العقول السليمة ويرتضيه الشرع الشريف، فعندما يذهب الإنسان للصلاة، لابد له من الإخلاص، وهو أساس كل عمل في الإسلام، والنية هي الإخلاص للحديث: «إنما الأعمال بالنيات» والنية ضرورية وهي التي تؤدي إلي الإخلاص، قال تعالى: (وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ كم} [البينة: 5]، ويروى عن النبي صلي الله عليه وسلم أنه قال: «من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر لم يزدد بها من الله إلا بعدا»، أي لم يكن فيها إخلاص، وإذا صلى الإنسان صلاة ولم يقم أحكامها في سجودها ولا في ركوعها ولا في قراءتها ولا في كل شي منها، وفي نفس الوقت ليس مخلصا
32 (1/32)
صفحة 33
في
أدائها، وقد أخذها باب العادة من
ومن باب الرياء، ليقال أنه صلى، هذه الصلاة لا تزيد الإنسان إلا بعدا عن الله تعالى، فهو أساسا لم يقصد بها وجه الله تعالى ولا أحكمها في هيئتها كما ينبغي، ولذلك من رحمة الله تعالى علينا أن فلسفة هذه الصلاة أنها تنهى عن الفحشاء والمنكر، ووجود الفحشاء والمنكر دليل على وجود خلل في صلاة الإنسان، فهما جدا على
كارثة كبرى في دنيا الناس، ولو ابتعد الناس عنهما لكان في ذلك خير عظيم المجتمع وعلى الأمة بشكل عام.
س: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين»، ما علاقة الفقه بالصلاة؟ ومادور العلماء في هذا الباب؟
ج:
دور
الفقه لغة هو الفهم، بمعنى أن الفقه هو فهم النصّ الديني من القرآن والسنة، والفقيه يأتي ويفهم هذا النص، فمثلا عند قول الله تعالى: {وَأَقِيمُوا الصلوة} [البقرة: 43]، هنا يأتي الفقه في فهم النص الديني، فيوضح معنى إقامة الصلاة، أي: أداءها بكل هيئتها، بفرائضها بسننها بمندوباتها، فالنص الديني أي، القرآن أمرنا بالصلاة أمرا مجملا والسنة بينتها لنا بالتفصيل، ويأتي الفقه ليوضح معاني ما ورد في فهم القرآن والسنة، ولذلك يكون الفقه في الدين أمرا عظيما، ومن أراد الله به خيرا فقهه في الدين، فالفقه ضروري لكل إنسان مسلم، ولابد لكل شريحة من الناس مهما كان تخصصهم أن يتعلموا أمر دينهم، فالطبيب لابد له من فقه في الدين والمهندس كذلك، والتاجر، والعسكري، والسياسي، وكل صنف من أصناف المجتمع من كل التخصصات لابد أن يواكبه فقه في الدين، أي فهم للنص الديني، ومنه الصلاة، فالإنسان لا يحكم صلاته إلا إذا فقه أحكام الصلاة، ولا يمكنه أن يصوم الصوم الصحيح إلا أن يكون لديه فقه في الدين، وكذلك الشأن في الزكاة والحج والمعاملات المالية، ولهذا جعل الرسول الخيرة في من تفقه في الدين، لعظم هذه المنزلة.
س: سعادة الشيخ هناك ظاهرة لمستها في بعض المساجد، حيث إن بعض الناس عند دخولهم المسجد يؤثرون البقاء في آخر الصف، في الجدار الأخير أو في بعض الأماكن،
33 (1/33)
صفحة 34
يتوارون عن الصفوف الأولى، ما تعليقكم على هذه الظاهرة؟
هذا ج في الحقيقة مما ابتلي به بعض العمانيين للأسف، وهذا الذي نلاحظه في بعض المساجد، وهذه الظاهرة غير موجودة إلا في عمان، فالنبي صلى الله عليه وسلم أمر المسلم أن يكون في الصف الأول، وهناك أحاديث صحيحة بهذا الشأن منها قوله صلى الله عليه وسلم: «لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا عليه» استهموا عليه أي اقترعوا عليه، لما فيه من فضل، وقال أيضا: «ليلني منكم أولوا الأحلام والنهي، ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم»، ويفهم من هذه الأحاديث أن التسابق إلى الصفوف الأولى أمر به الشرع، ولكن نلاحظ أن كثيرا من الإخوة يبقون في آخر المسجد وفي زواياه، ويأتي غير أهل العلم وغير أهل الفهم وغير أهل الفضل فيتسابقون إلي الصفوف
الأولى.
س: بل وقد يتعازمون على الصف الأول، ويقولون هذا من باب الكرم. ج: يقول أحد المشايخ من المفارقات عند العمانيين من قديم الزمان أنك تجدهم إذا جاؤوا إلى السبلة (المجلس) وتحضر القهوة فيسألون تقهويت؟ هل شربت القهوة؟) ولكن عندما يأتون للمسجد ويجدون الجماعة قد صلّوا لا يسألون هل صليتم.
س: الخشوع، هذا الخلق العظيم، الذي قال فيه سبحانه وتعالى: {قَدْ أَفَلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَشِعُونَ} [المؤمنون: 1 - 2]، ما أهمية خُلق الخشوع في حياة
الإنسان؟
-
من
الصفات
ج: الخشوع بشكل عام هو التواضع، وسكون النفس والتذلل لله عز وجل والتواضع له، وهو أمر محمود طبعا، والخشوع تجاه الناس من أهل الفضل وأهل العلم أيضا المحمودة، والخشوع في الصلاة ذو أهمية كبيرة جدا، لأنه كما عنه عبر النبي صلى الله عليه وسلم في حديث: «لكل شئ عمود، وعمود الدين الصلاة، وعمود الصلاة الخشوع». وكل شيء لابد له من عمود يعتمد عليه كالبناء، فلذلك أنا في كتابي "المدخل إلى الفقه
34 (1/34)
صفحة 35
الإباضي"، تكلمت. عن التأصيل التاريخي، والتأصيل العقدي وعندما جئت إلي قسم الفقه
عبرت عنه بالبناء الفقهي، لأن الفقه كالبناء.
س: ما السبب؟
ج: لأنه كما جاء في الحديث لكل شيئ عمود، يعني لابد من عمود يعتمد عليه، والعمود الذي يرتكز عليه هذا الدين هو الصلاة، ومن أهميتها أنه لم يذكر شيء في القرآن أكثر منها، وعمودها الخشوع والخشوع هو خشوع القلب بحيث لايشتغل الإنسان بشيء في الصلاة، ولذالك هنالك رائعة لأسلافنا صور من العلماء، وكيفية خشوعهم في الصلاة، فعندما يدخلون في الصلاة ينسون كل شيء، ولا يهتمون بأي شيء إلا بالصلاة، فينسون ما يحدث حولهم، فلا يشتغل بشيء إلا بالصلاة، ولذالك كما عبر عنها أبو فتح الملوشائي النفوسي في رائيته في الصلاة:
***
مقام شريف ليس يعرف قدره سوى من تخلى عن علائقه الخشر.
العلائق هي أحوال الدنيا ومشاغلها، والصلاة مقام لا يحسن فيه القيام إلا ممن تخلى عن مشاغل الحياة، فالإنسان الذي يفكر في تجارته وفي ربحه وخسارته، هنالك خلل في صلاته، وفي بعض الروايات عن الرسول صلى الله عليه وسلم: «ليس للإنسان من صلاته إلا ما عقل»، فالإنسان عندما يدخل الصلاة ويحدث نفسه بأحاديث الدنيا، فهذا ليس لصلاته من نصيب إلا ما عقل منها.
س: هل هنالك معاناة حتى يصل الإنسان إلى هذا الخلق العظيم؟ ج: طبعا الإنسان لا يستطيع أن يتخلى عن ذلك بالمرة، وفي نفس الوقت عليه ألا يوغل في التفكير، ويحاول أن يتذكر الصلاة بسرعة ويترك ذلك التفكير ويعود إلى الخشوع في الصلاة، ويسأل الله التوفيق والقبول فالتوفيق من الله، وحده قال تعالى: وَالَّذِينَ جَهَدُوا فينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَ) [العنكبوت: (69]، أي أن الذين جاهدوا في سبيل الله سيهديهم الله سبله، ويوفقهم إلى الخير والحق، فالإنسان ما عليه إلا أن يتوكل على الله عز وجل، حتى
35 (1/35)
صفحة 36
يوفقه إلى الخشوع في الصلاة.
س: النبي صلى الله عليه وسلم قال لبلال: «أرحنا بها يا بلال»، الناس اليوم يعانون من والتوتر وضغوطات الحياة، كيف نجعل من الصلاة راحة لبالنا؟
الاكتئاب
ج: لا شك أن في الصلاة راحة، والإنسان لا سمح الله إذا أصيب بمصيبة ثم جاء إلى الصلاة يجد فيها راحة نفسية وينسى مصيبته، ولذالك قال: «أرحنا بها يا بلال» ولم يقل أرحنا منها يا بلال، لأن في الصلاة راحة، والرسول صلى الله عليه وسلم إذا حزبه أمر لجأ إلى الصلاة، ولا شك أن الصلاة محل الراحة والطمأنينة، فقد قال سبحانه وتعالى: {فَإِذَا أَطْمَأْنَنتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلوة} [النساء: 103].
فالصلاة تحتاج اطمئنانا من الإنسان والاطمئنان يقوده إلى الخشوع، وفي نفس الوقت هو يجد فيها راحته ويعظم أمرها عنده، ولذلك قال تعال وَإِنَّهَا لَكَيرَةُ إِلَّا عَلَى الْخَشِعِينَ} [البقرة: 45]. والمنافقون إذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى، بعكس الإنسان المطمئن فهو يأتي إلى الصلاة مرتاحا ونشيطا. س: النبي صلى الله عليه وسلم حث وواضب على صلاة العيد، بل أتى في بعض الروايات أن النبي صلى الله عليه وسلم حث النساء ذوات الأعذار الشرعية بالمشاركة في صلاة العيد ماهي مكانة صلاة العيد؟ وما الذي نتعلمه خلالها من أخلاق في حياتنا؟
يعود
ج: الإسلام ربط كل شيء بالعبادة، والعيد معروف أنه فيه بهجة، وسمي عيدا لأنه على الناس في كل سنة، وجعل الله تعالى فيه فرحة وبهجة للمسلمين، حتى أن الصيام فيه محرم، وذلك لأهمية العيد، والإسلام عني بإدخال البهجة والسرور على نفوس الناس، لأن الأنفس مهما كانت مقبلة على الله عز وجل ومتلبسة بهذا الدين العظيم، فهي تحتاج كذلك إلى فترة راحة واستجمام، ولكن هذه الفرحة يجب أن لا تخرج عن العبادة، ولهذا شرعت صلاة العيد في هذه الفرحة ولذلك أمر النبي أن تختلط جميع نساء ذوات الأعذار يخرجن للبهجة وللفرحة، بدل أن يبقى الإنسان في بيته فيجد السعادة مع إخوانه المرأة مع أخواتها من النساء، والرجل مع إخوانه من الرجال، ويتوجهون إلى صلاة
حتى من
36 (1/36)
صفحة 37
العيد شكرا الله عز وجل على هذه الفرحة، ثم إن المسلم يشعر بالتماسك عندما يلجأ إلى الصلاة، فهذه طبعا معاني صلاة العيد، وهي معان عظيمة، وقد اختلف في صلاة العيد،
هل هي سنة أم هي فريضة والراجح عند علمائنا أنها سنة مؤكدة.
س: بما أننا تكلمنا عن صلاة العيد، نريد أن نتطرق إلى صلاة الجمعة. ما هو قولكم في كثرة انتشار الجوامع التي تقام فيها صلاة الجمعة؟ وعلى ماذا يدل هذا؟ ج: لا شك أن صلاة الجمعة فريضة من الله تعالى، قال تعالى: {يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا إِذَا نُودِيَ للصلوة من يوم الجمعةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُر خَيْرٌ لَكُم إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ:
[الجمعة: 9].
وقد عاب الله تعالى على أولئك القوم الذين تركوا الخطيب يخطب وخرجوا للتجارة، في قوله: {وَإِذَا رَأَوْا تِجَرَةً أَوْ لَهَوا أَنفَضُوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَابِمَال [الجمعة: 11].
لأنه كان في السابق تقدّم الصلاة على الخطبة، فصلى النبي ركعتي الجمعة، ثم قام يخطب، فجاءت قافلة فيها تجارة، فخرج الصحابة إلى تلك القافلة، ثم بعد ذلك جعلت الصلاة بعد الخطبة.
وفي صلاة الجمعة تربية للنفوس وهي فرحة وعيد للمسلمين، لكنه ليس كبقية الأعياد ولكنه عيد تكثر فيه العبادة وتكثر فيه الصلاة، وإذا امتلأت المساجد فلا مانع من إنشاء مسجد آخر لأن صلاة الجمعة لها وضع خاص، لأن كل من في البيت يخرج لأجلها وخاصة الرجال، وكذلك بعض النساء إذا وجدت في المساجد أماكن مخصصة لهن، وبعض الرجال قد يأخذ أولاده كلهم إلى صلاة الجمعة ولو كانوا عشرة، فتمتلئ المساجد، ولا تجد مسجدا تقام فيه صلاة الجمعة إلا وامتلأ بالمصلين بعكس صلاة الجماعة يكون فيها صف واحد أو نصف صف في بعض الأحيان، والناس يتفرغون لصلاة الجمعة بعكس صلاة الجماعة، وأرى أنه لا مانع من أن تقام الجمعة في المساجد القريبة من بعضها لأن المساجد
تمتلئ.
س: يشتكي بعض الخطباء، من أن بعض الناس يأتون إلى صلاة الجمعة لأجل الصلاة ولا
37 (1/37)
صفحة 38
يحضرون الخطبة، ظنا أن الخطبة ليست من صلاة الجمعة، ما رأيكم حول هذا
الموضوع؟
منهم
ج لاشك أن للخطبة أحكامها وللصلاة أحكامها أيضا والخطبة مكملة للصلاة، ولابد من الاستماع إلى الخطبة أو جزء منها، وإذا كان له عذر منعه من القدوم إلى الخطبة فذلك مجزئ له، وبعض العلماء يقولون أن الخطبة تقوم مقام ركعتي الظهر، فإن كانت كذلك
فيشترط استماعها.
38 (1/38)
صفحة 39
الحلقة الخامسة
«خُلق الصيام ا»
39 (1/39)
صفحة 40
بسم الله الرحمن الرحيم
س: ما هو تعريف الصيام لغة وفي الاصطلاح الشرعي؟
ج: الصيام لغة هو الإمساك عن الشيء، فلذلك حكى الله تعالى عن السيدة مريم العذراء عليها السلام بقولها: هو إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلَّمَ الْيَوْمَ إنيسيا [مريم: 26]، أي إن
صومها كان بالإمساك عن الكلام.
وقد جاءت فيه شواهد كثيرة من الشعر، كقول الشاعر:
خيل صيام وخيل غير صائمة
وكقول امرئ القيس:
***
تحت العجاج وأخرى تعلك اللجما
****
فدعها وسل الهم عنك بجسرة ذمول إذا صام النهار وهجرا
وأما في الاصطلاح الشرعي:
فهو إمساك مخصوص في أوقات مخصوصة عن الطعام والشراب وعن الاتصال الجنسي وغير
ذلك مما يخل بالصيام.
س: الله سبحانه وتعالى لما تحدث عن الصيام قال: وتنأَيّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ
الصيامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة: 183].
كيف يتحقق خُلق التقوى من خلال الصيام؟ ج: تدل الآية على أن الصيام فرض كُتب عليكم أي فرض عليكم"، "وعلى الذين من قبلكم" أي أن الصيام مفروض حتى في الديانات السابقة، وإنما تختلف كيفيته، وتختلف أيامه، وفي رأيي أن هذا فيه تطمين للمؤمنين حتى لا يظنوا أنهم أفردوا أو ميزوا دون غيرهم
40 (1/40)
صفحة 41
بخاصية الصيام، لأن الصيام بلا شك فيه مشقة على النفس، ودائما كل شيء فيه منع للنفس تكون فيه مشقة، فمثلا عندما يقول لك شخص لا تأكل لمدة ساعة أو لا تتصل جنسيا أو لا تشرب أو إلى غير ذلك من الأمور المحببة إلى النفس، يكون في هذا المنع شيء من التكليف والمشقة، والله تعالى يطمئننا كمسلمين بأنكم لستم وحدكم الذين كلفتم بهذا الصيام وإنما كذلك الأمم الذين من قبلكم، فهذه تهيئة نفسية للمسلمين، والإسلام لم يدع تشريعا أو أمرا من أمور الدين إلا ويهيئ له النفسية، فالله تعالى يعلم كيف خلقنا وما ركبه لنا من أمور نفسية، {أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ ()} [الملك: 14]، فكل أوامر الشرع تتقدمها توطئات نفسية ومنها الصيام، ونحن أولى من الأمم السابقة بهذا التكليف، لأن النبي هو خاتم الأنبياء والمرسلين وهو رسول من الله إلى الإنسانية جمعاء، وأما قوله تعالى: {لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ، "لعل" هنا للتعليل أي لتتقوا فالتقوى معناها أن الصيام يحتاج إلى تقوى والتقوى هو اتقاء النار أو اتقاء كل ما يؤدّي إليها، فلما يقول: اتقوا الله أي: اتقوا وتجنبوا ما يسخط الله تعالى، وليس كما يفهم من منطوق الآية "تجنبوا الله تعالى" بل تجنبوا ما يسخطه عند صيامكم والتزامكم بمقررات الصيام من أوامر ونواه، ولذلك يكون الصيام تاما بكامل شروطه وفرائضه وسننه ومستحباته. س: يفهم بعض الناس أن التقوى تكون في النهار فقط، وما إن يحين أذان المغرب ويفطرون إلا ويعودون إلى مشاهدة المحرمات وقول الزور.
ج: لا شك أن هذه الأفعال محرمة في رمضان وفي غير رمضان والذي يحرم في نهار رمضان يباح له في الليل كالأكل والشرب والاتصال الجنسي، ولكن المحرمات لا تجوز في رمضان ولا
في غيره، والله تعالى يشعرنا بأن هذا الصيام يعطينا قوة إيمانية تمنعنا عن تلك المحرمات.
س: نلاحظ في مساجدنا ولله الحمد في بداية شهر رمضان يكثر المصلون ويكثر إقبال الناس على قراءة القرآن الكريم، ولكنهم بعد أسبوع ربما أو عشرة أيام يتراجعون عن الذكر والقراءة، ويبدأ عددهم في التناقص، ما تحليلكم لهذا السلوك؟
41 (1/41)
صفحة 42
ج: طبعا، بلا شك كما يقول المثل العربي: «لكل جديد لذة»، ورمضان قد مضى عليه أح. عشر شهرا إلى أن يأتي رمضان القادم فالنفوس مشتاقة إليه، وتجد الناس يقبلون على الصلوات، وخاصة صلاة التراويح، فتمتلئ المساجد ثم يبدأ عددهم بالتناقص شيئا فشيئا. بسبب المشاغل التي تظهر عندهم، وطبعا هذا ليس مبررا لهم بأن يقوموا بهذا التقلص، ولكن بلا شك أن هذه المشاغل تطفوا على السطح في آخر، رمضان، كشراء لوازم الأعياد، وأخذ الأهل للتسوق استعدادا للعيد، ولكن في الحقيقة هذه الظاهرة بدأت تتقلص، فكان في السابق نذكرها تقريبا بعد العشر الأول من رمضان تجد المساجد يقل فيها المصلون بشكل كبير جدا، أما الآن فصاروا يتناقصون بنسبة خمس وعشرين في المائة ربما، فالحال صار أفضل، بسبب التوعية الدينية وتجد الاعتكاف، وهذا طبعا يدفع الناس إلى الحضور، وصلاة التراويح سنة مستحبة ولكن فيها فضل الحضورها، وهي مظهر جميل من مظاهر شهر رمضان، مظهر فيه الاجتماع واللقاء. وكثير من الناس ينسحبون ولا يكملون صلاة التروايح لأنهم يؤخرون الأكل بعد التراويح فيسرعون للأكل، على عكس من يأكل في الإفطار فيكون مرتاح البال، ولا يصلي التراويح كاملا وإن أطال الإمام، وهذه الأمور في تحسن ولله الحمد. س: كيف يتجلى شكر الله في آخر شهر الصيام؟
هي
ج: لا شك أن ختامه يحتاج إلى شكر، لأن الله تعالى وفقنا إلى الصيام واجتزناه والحمد الله بصحة طيبة وبقوة إيمانية قوية، وها نحن الآن نحضر صلاة العيد ونخرج إليها بكامل الزينة، والتهليل والتكبير وذكر الله عز وجل ولقاء أهل المدينة كلهم في العيد رجالا ونساء، النساء يلتقين بالنساء والرجال يلتقون بالرجال، طبعا هذا يحتاج إلى شكر هذه كلها عوامل تحتاج إلى
شكر.
س: بعض الناس عندهم تذمر دائم ولا يشعرون بطعم اللقمة والشراب والأمن والأمان، ألا
42 (1/42)
صفحة 43
يذكرنا أيضا خلال أيام الصيام بهذه النعمة؟
ج: الصيام يذكرنا
بنعم
كثيرة
ومن هذه النعم نعمة الصحة، هناك حديث عن الرسول
: «صوموا تصحوا»، هذا معروف مقرر في الطب أن الصيام فيه صحة، وأن المعدة تمتنع
من
عن التخمة لمدة ثلاثين يوما هذه نعمة عظيمة وهنا تكمن الصحة، لأن كما يقال المعدة بيت الداء هذا تعبير طبي يعني الداء كله يكمن المعدة ومن تخمة المعدة، والثاني أن الصيام يذكرنا بالفقير، إذا الإنسان فتح عليه الله سبحانه وتعالى أبواب الرزق وفتح عليه النعمة، فعليه أن يتذكر أن هناك أناسا محتاجون إلى بعض هذا الطعام، فلذلك عندما سئل النبي يوسف عليه السلام: «مالك تجوع وأنت على خزائن الأرض»؟، فالنبي يوسف كان عزيز مصر ووزير المؤونة كلها، أي بمثابة وزير المالية أو وزير الاقتصاد، يعني أعطي مسؤولية المال ومسؤولية المؤونة، لأنه قال: (اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم»، وهذه فيها نكتة بأن الإنسان المستشعر لقدرته على المسؤولية لا مانع من أن يسألها إذا كان يشعر بأن لديه الاستعداد والقوة لطلب المسؤولية، لأن يوسف عليه السلام هكذا فعل، والله تعالى ذكرها عنه في كلامه العزيز: {قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَايِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمُ ان الله [يوسف: .. ]، فهذا إظهار للاستعداد "إني حفيظ عليم" أي: "أحفظ هذه الأموال وهذه الأرزاق وأنا أمين عليها، ولكنه مع ذلك لم يرفه نفسه ولم يطمع أن يأخذ شيئا وصبر على الجوع، فقيل له ذلك، وهو في تلك المكانة من الرزق وكل شيء تحت يده، فقيل له مالك تجوع وأنت على خزائن الأرض؟ أجاب بقول عظيم إلى الآن يعتبر مقياسا لنزاهة المسؤول ولأمانته وبأن المسؤول قبل غيره يجب أن يتبع السلوك الذي يرتضيه الله أولا ثم ما يرتضيه المجتمع، فقال: «أخاف أن أشبع» بمعنى إذا شبع ينسى الجائعين، لكن إذا جاع يعرف أن
هناك
من هو جائع مثله. س: سعادة الشيخ أنت معروف بالسبق التاريخي والأبحاث التي كتبتها في التاريخ العماني وتاريخ الأمم، ولكم مشاركات تلفزيونية وإذاعية وصحفية حول هذه المواضيع التاريخية، يروى
43 (1/43)
صفحة 44
أن الإمام جابرا بن زيد الله عاد من سفره في نهار رمضان وكان مفطرا ولما وصل منزله وجد
امرأته قد طهرت من حيضها ذلك النهار، فواقعها، فماذا تقولون عن هذه الرواية؟
هذه الرواية صحيحة، وقد انبنت عليها مسائل فقهية، لأن المسافر في رمضان إذا كان قد ج تعدى حوزة الوطن، من حقه أن يفطر وعليه أن يبيت الإفطار من الليل طبعا، وكذلك المرأة التي تأتيها عوارض الإفطار من الحيض والنفاس وغير ذلك من الأعذار، وحدث أن الإمام جابرا بن زيد كان في سفر وكان مفطرا وكانت زوجته في حيض وقد طهرت في وقت النهار في ذلك اليوم، وهنالك خلاف فقهي، هل الذي كان مسافرا مفطرا عندما يدخل الوطن عليه أن يمسك بقية يومه أم إنه يكمل يومه مفطرا؟ وكذلك المرأة التي تخرج من العذر الذي دعاها إلى الإفطار بعد انتهاء ذلك العذر هل عليها أن تمسك بقية يومها أم إنها تعتبر مفطرة؟ وبالتالي أنها ما عليها الإمساك، والظاهر أن الإمام جابرا بن زيد يرى أن الإنسان طالما قد أفطر ذلك قد ضاع سواء كان رجلا أو امرأة فلا بد له من قضاء ذلك اليوم باتفاق، فهذا الأثر دليل فقهي على أن الإنسان من حقه أن يكمل صومه بالإفطار الذي كان مفطرا فيه.
يعني
فإن يومه
س: الله سبحانه وتعالى تكلم أيضا في معرض آيات الصيام عن موضوع الدعاء، كيف نستفيد الدعاء في شهر رمضان وكيف نتعلم شروط الدعاء المستجاب؟ ولماذا يستجاب؟ وهل
من
يفهم من هذه الآيات أن الدعاء مستجاب في رمضان أكثر من غيره من الشهور الأخرى؟
ج: لا شك أن شهر رمضان فيه فضل عظيم وأشياء جميلة بالنسبة للصائم، ولذلك جعله الله تعالى مظنة لاستجابة الدعاء وفي الآية القرآنية الكريمة في قوله تعالى: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ [البقرة: 186]، فالرشد يكمن في هذا، لذلك جعل الله سبحانه وتعالى هذه الآية متوسطة آيات الصيام بمعنى أن شهر رمضان هو شهر الصيام، وهو مظنة لاستجابة الدعاء لأن فيه الصيام والقيام وقراءة القرآن وفيه الصلاة، ولا شك أن الله تعالى اصطفى
44 (1/44)
صفحة 45
من بين
الأشهر شهر الصيام وجعل فيه عددا من الفضائل واصطفى من الناس الرسل ومن الأماكن الكعبة المشرفة والحرم فالله تعالى يصطفي ما يشاء من هذه الأمكنة والأزمنة والناس. وشهر رمضان تضاعف فيه الحسنات وتضاعف فيه السيئات، فلذلك عندما يصوم الإنسان شهر رمضان وقد التزم بما قرره الله تعالى عليه من أسباب التقوى فيه، فالدعاء يكون مستجابا حينئذ فالله تعالى يستجيب من الإنسان عندما يكون قريبا منه.
45 (1/45)
صفحة 46
الحلقة القادسة
«خُلق الضياء 2»
46
40 (1/46)
صفحة 47
بسم الله الرحمن الرحيم
ج:
س: في قول الله سبحانه وتعالى: {يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ الله (البقرة: 18]، بعض الناس اليوم بمجرد أن يشعر بصداع بسيط أو بإرهاق يترخص لنفسه بالإفطار هل هناك معيار معين لهذه الآية الكريمة؟
لا شك أن العسر هو ما كان فيه مشقة على الناس واليسر ما كان فيه سهولة على الناس، يختلف الشعور بالعسر واليسر بين الأشخاص بحسب قوتهم الجسمية والعقلية وحتى الإيمانية، والله يريد اليسر بنا ولا يريد بنا العسر، وهذا لطف وكرم منه تعالى لأنه خلقنا ويعلم ضعفنا، والإنسان وإن كان من أضعف المخلوقات جسما فهو أقواها على الإطلاق عقلا، فالمشقة إذا كانت لا تطاق فهي عسر، وأما إذا كانت تطاق فالإنسان يجب ألا يلجأ إلى الإفطار بسببها، فالصداع البسيط لا يدعو إلى الإفطار اللهم إلا إذا خشي هلاك نفسه واحتاج إلى استعمال الدواء فهذا شيء طبيعي، وقد نقل عن بعض العلماء التابعين أنه شعر ببعض الوجع وأفطر، ولكن كما يقال استفتي قلبك كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «وإن أفتوك وأفتوك» لكن الضابط أن المشقة هي التي لا تحتمل أما المشقة اليسيرة أو المرض اليسير الذي يحتمل
فهذا ليس من العسر.
س: هل يفهم من كلامك أن شهر رمضان يعلمنا بهذه الطريقة خلق الصبر والإرادة؟ ج: طبعا، وقد قيل عن شهر الصيام أنه شهر الصبر، لأن النفس تصبر بالإمساك عن المحببات من الأكل والشرب ومن الاتصال الجنسي ومن الأشياء الأخرى.
س: بعض العلماء يصفون الصيام بصفة خاصة من العبادات التي يظهر فيها خلق الإخلاص بشكل واضح، فهل يمكنك أن توضح لنا هذا الموضوع؟
ج: لا شك أن النفس تمتلئ طمأنينة وإيمانا يعني دائما نفس الصائم تمتلئ بهذه الطمأنينة لأنه في الحديث المروي عن النبي الا الله أنه قال: «من صام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه»، فشهر رمضان يعطي هذه الطمأنينة الإيمانية المعبر عنها بالروحانية وأنا لا
47 (1/47)
صفحة 48
أستسيغ التعبير بالروحانية لأنه تعبير مسيحي كنسي، والأفضل أن نعبر عنها بالإيمان أو السكينة، وعليكم السكينة والوقار" السكينة الإيمانية أو الطمأنينة، ومن ذلك قوله تعالى: {الَّذِينَ ءَامَنُوا وَتَطْمَينُ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَينُ الْقُلُوبُ} [الرعد: 28]، فهي
إذن طمأنينة، والصيام بشكل عام حتى لو في غير شهر رمضان يمنح هذه الطمأنينة للنفس والراحة النفسية وتمتلئ نفس الإنسان بها.
س: الناس اليوم بأمس الحاجة إلى موضوع الراحة النفسية.
ج: إن بسبب مشاغل الدنيا وكثرتها وتزاحم الأشغال أصبح مزاج الإنسان لا يحتمل كثرتها وضغطها، حتى أن بعض الأطباء يدعى أليكسس كارل في كتابه: "الإنسان ذلك المجهول" وهو طبيب فرنسي عاش في أمريكا خمسين سنة في النصف الأول من القرن العشرين الماضي، يقول: «إن الإنسان في هذا الزمان يحتاج إلى كثرة النوم، لأن هناك مشاغل ومتاعب كثيرة وأفكار متزاحمة والإنسان في زمان هذا الطبيب يحتاج إلى كثرة النوم فما بالك اليوم! فلذلك الطب الآن يقرر أن ست ساعات ما عادت تكفي للنوم، وإن كان سابقا على الأقل ساعات تكفي الإنسان لأنه يعيش في هدوء، وما هنالك تزاحم في الذهن وما هنالك ضغوطات كثيرة وكبيرة على الإنسان في حياته فبالتالي لعله يكتفي بنومه بعض الساعات وهي
ست
أقل. من ست ساعات، لكن الآن لابد أن ينام أكثر من ذلك والآن الطب يقرر هذا. س: سعادة الشيخ نريد أن نفهم موضوع النية، لأني سمعت من بعض الأشخاص أنهم يأخذون إجازة من الدوام خلال شهر رمضان، أو يتوقفون عن جميع الأنشطة التي تكون في بقية أشهر السنة ولا يمكن للإنسان أن يجعل من العمل نية للعبادة في شهر رمضان وهل يتعارض ذلك مع أن الإنسان يعمل في شهر رمضان وقد لا يجد وقتا في العبادة؟
ج: عدم الانشغال أو أخذ الإجازة إذا كانت لا تضر بالمصلحة العامة فنعم، وأما إذا كان يضر فلا، لكن في الغالب يقول: «أنا أريد أن أتفرغ للعبادة وبالتالي أخذي للإجازة ليس مضرا بالمصلحة العامة ولا مضرا بتقديم المعروف إلى الناس وهو يبتعد عن هذا حتى لا يظهر له ما يناقض الصيام فنيته في هذا حسنة، أنا أعرف بعض رجال الأعمال يأخذون إجازة في
48 (1/48)
صفحة 49
شهر رمضان من أعمالهم حتى لا تصدر منهم بعض الأخطاء في حق العمال أو في حق الموظفين، هذا نية حسنة في الحقيقة طالما أنه لا يمتنع بذلك عن تقديم المعروف وعن تقديم
الخير وفي الوقت نفسه لا يضر بالمصلحة العامة للناس.
س: والذي ينوي أنه يعمل في شهر رمضان بنية العبادة أيضا؟
ج: هذا جيد العبادة غير العمل، لكن نقول أن ما يتصل بهذا العمل، نتيجته، آثاره، إذا
كان العمل هذا خيرا وتقديما للمعروف فلا شك أن فيه أجرا، ومصالح العباد مهمة. سعادة الشيخ هناك ظاهرة ربما هي موجودة عند الشباب بصفة أكبر وهي السهر طوال
س:
الليل والنوم طوال النهار في شهر رمضان ماذا تقولون عن هذا الموضوع؟ هذا ج: أن الإنسان في النهار السلبيات التي ابتليت بها المجتمعات الشبابية حقيقة هي من يكون نائما ما يحس بشيء مما حوله ويسهر الليل الطويل إلى طلوع الفجر، الإنسان يجب عليه أن يأخذ قسطا من الراحة وأن يتناول السحور وأن يقوم الليل حسب إمكانه ولذلك النبي يقول: «لا تزال أمتي بخير ما عجّلوا الإفطار وأخروا السحور»، والسحور لا بد منه فهو بركة كما جاء في الحديث: تسحروا فإن في السحور بركة وفيه قوة جسمية، ثم أن هذا الذي ينام ما الذي يستفيد من هذا النوم؟ لا يستفيد شيئا. بل يعطل مصالح الناس ويعطل مصالحه الشخصية، والليل ليس فيه إنجاز، فلا بد للإنسان من الراحة، ثم القيام للسحور، فكلما تأخر السحور قبل أذان الفجر كان أفضل. س: سعادة الشيخ بالنسبة لغض البصر، فالبعض يضيع طوال الليل في متابعة بعض البرامج والمسلسلات التي لا تخلو من محظورات كالعري والاختلاط. ج: لا شك أن المحرم في نهار رمضان هو المحرم في ليل رمضان وهو المحرم في غير رمضان كما تقدم ذكره، ومشاهدة بعض المناظر المخلة بالأدب لا تجوز في نهار رمضان ولا في غيره فيجب على الإنسان أن يبتعد عنها لأنه في شهر التوقير وشهر غفران الذنوب وشهر تجاوز الله تعالى عن خطايا الناس عندما يلجؤون إليه بالصيام وبالتوبة والاستغفار وقراءة القرآن والصلاة إلى غير ذلك من الأمور المأمور بها.
49 (1/49)
صفحة 50
س: سعادة الشيخ رمضان شهر أنزل فيه القرآن أيهما أفضل للإنسان في هذا الشهر أن
ينهي
الختمات الختمة تلو الختمة في قراءة القرآن الكريم أم يقرأ القرآن قراءة تدبر؟ لا شك أن قراءة التدبر أفضل لأنها مذكورة في القرآن قال تعالى: {أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْءَانَ ج أَمْ عَلَى قُلُوبِ أَقْفَالُهَا [محمد: 24]، والصحابي الجليل العظيم العالم عبدالله بن مسعود يقول: «ما كنا نتجاوز الآية حتى نعلم معناها»، فيه تدبر وفيه معرفة معنى الآية، ولماذا أنزل علينا القرآن لنقرأه هذيانا هكذا؟ لا، وإنما نقرأه بالتدبر ونعرف معناه حتى يحملنا على العمل به في اتصالنا بالله عز وجل، لأن القرآن أساس العلم، فلذلك لابد من التدبر، أما القراءة السريعة كمن يقول أني ختمت القرآن في ثلاثة أيام أو يومين شيء طيب وجميل
لكن لا يكون الإسراع على حساب التدبر في ختم المصحف الشريف.
س: هل تنصح في آلية التدبر أن يستعين الإنسان بكتاب من كتب التفسير؟ ج: هذا شيء طبيعي، فالإنسان لابد أن يعرف معنى الآية من حيث اللغة، فيستعين بكتب التفسير لا شك في ذلك، فهي متوفرة الآن وفيها المختصر والمتوسط والمطول ولا سيما الكتب
س:
المختصرة تبين معنى الآية، حتى لا يُؤثر قراءة كتب التفسير على قراءة القرآن بشكل عام. سعادة الشيخ لقد ذكرت أنك تشجع على الإفطار الجماعي في المسجد وأنه يكون إفطارا بسيطا، أريد أن أسألك الآن عن موضوع الإسراف في الإفطار عند بعضهم من باب إكرام الضيوف في بعض الأحيان أو حتى في البيوت المائدة العادية التي تكون بينهم فيها موائد
كثيرة فيها إسراف، والأمر الثاني لماذا تشجع على هذا الإفطار الجماعي في المسجد؟ ج: إن الإفطار الجماعي في المسجد على بعض من التمرات وفنجان من القهوة وشرب الماء يتيح للإنسان أن يصلي الجماعة بسهولة ويسر، لكن الذي يفطر في بيته يأتي مسرعا قد يدرك الجماعة وقد لا يدركها وقد يأتي في وسطها وقد يكون في آخرها ويأتي مسرعا، هذا يتنافى كذلك مع أمر النبي أنه عندما ينادى للصلاة على الإنسان أن يسعى إليها وعليه السكينة والوقار، وحضور الإنسان في المسجد لتناول هذا الإفطار الخفيف هو شيء جيد وطيب في الحقيقة، أولا أن فيه التلاحم والتعارف والألفة وحضور صلاة الجماعة
من
أول
50 (1/50)
صفحة 51
الوقت الذي تقام فيه أنا أشاهد حقيقة بعض الناس الذين يفطرون في بيوتهم قد لا يتمكنون من الوصول إلى الصلاة في أول الوقت الذي تقام فيه ويضطرهم ذلك إلى الاستدراك في الصلاة، طبعا هذا لا داعي إليه، ولو حضر إلى المسجد وتناول بعض التمرات وبعض الحاجات المحضرة هناك، أفضل طبعا أنا ضد أن الذي يحضر الأكلات الأخرى في الإفطار في المسجد منهم يحضر السمبوسه ومنهم يحضر القطايف هذا لا داعي إليه، قبل الصلاة كلها دقائق بسيطة جدا، خمس دقائق أو سبع دقائق بين الأذان وإقامة الصلاة، الإنسان يتناول فيها الإفطار الخفيف الذي لا يشغله عن الصلاة حتى لا يفاجئ المعدة أيضا بكثرة الطعام، وما يقام الآن من موائد الإفطار الكثيرة هذا شيء جيد كذلك، والإسراف في الموائد لا يجوز لأن الله سبحانه وتعالى أمرنا بالصيام لنخفف في الطعام، ونحن نأتي ونستدرك على الله تعالى بأننا نكثف من الطعام، وكأننا نعوض عن فترة الصيام ونعوض بتكثير الطعام على المعدة، هذا نوع من الاستدراك على الله تعالى في أمرنا بالصيام والمقصود من الصيام هو تخفيف العبء عن المعدة كما قال بعض الأطباء المعدة بيت الداء»، وفي نفس الوقت الرسول صلى الله عليه وسلم قال: «صوموا تصحوا» نصح بالصيام ما نصح بالطعام وتكثير الطعام في الليل أكثر إضرارا في رمضان من غيره، لأن المعدة صائمة في النهار ويكثر عليها الطعام في المساء، وقد تحدث مشاكل صحية بسبب إكثار الطعام بعد الصيام، وأيضا فيه الكثير من الإسراف لأن الطعام يرمى، وقد أبتلينا بهذه العادة التي ضربت بجذورها في المجتمع، وعسى أن تخف وتقنن وتنظم في الأيام المقبلة إن شاء الله. س: أريد أن أعرف كيف كنتم تقضون أوقاتكم في مسجد الخور في طلب العلم خلال شهر
رمضان؟
ج: عندما كنا ندرس في مسجد الخور كنا نطبخ بأنفسنا لأن أهلنا في البلدان، السكن موجود ولكن نطبخ بأنفسنا ونحن طلاب صغار وفي رمضان تعرف عندما يكون الإنسان صغيرا يأخذه النوم لا شك أكثر مما عليه في الكبر وفعلا كنا نفطر جماعيا على مجموعات وفي السحور تصغر المجموعات كل أحد يطبخ في مجموعته، ونكون قد طبخنا السحور
51 (1/51)
صفحة 52
وجهزناه وأقبلنا إلى أكله، ولكن عندما يقام الأذان نكف أيدينا عن السحور بعد أن تعبنا في طبخه وتحضيره وإعداده، وانتهى الوقت ولم نأكل ذلك الطعام الذي أعددناه، وفي تلك الأيام لم تكن عندنا ثلاجات حتى نحفظه كانت الامكانيات بسيطة في تلك الأيام، هذه من ضمن الأشياء التي كنا نواجهها عندما كنا طلابا، ولما يأتي رمضان في الصيف نكون في الإجازة مع أهلنا.
ج
ما
س: سعادة الشيخ هناك ظاهرة جميلة اليوم بدأت تنتشر في وسط المجتمعات العمانية، وهي تسمى بإفطار المسافر، وأنت ذاهب في الطريق ترى خيمة معينة أو مكان معين، فترى كثيرا من اللوائح وقد كتب عليها هنا إفطار للصائم المسافر، هل هذه الظاهرة كانت موجودة عند العمانيين وهل من كلمة حول هذا الموضوع؟ هذه ظاهرة جديدة في عمان وغير عمان، بدأت في خارج عمان، وأتوقع أنها بدأت في جمهورية مصر العربية في القاهرة تقام هنالك موائد للإفطار من قبل الأغنياء، وانتشرت هذه الظاهرة، وهي ظاهرة جميلة في الحقيقة كانت في السابق موجودة ولكن ليست بهذه الكثرة وبهذا المستوى الذي عليه الآن فالرجل يكون ضيفا على شخص يعرفه أو على رجل معروف بكرمه أو باستقباله للناس فينزل ضيفا على ذلكم الشخص وبالتالي يأكل من أكله، أما الآن هذه الظاهرة تنتشر في العواصم طبعا لأن العواصم هي مجتمع لكل مواطني الدولة بمختلف فئاتهم، وأيضا هنالك أناس جاؤوا من خارج الدولة، مثلا نأتي إلى مسقط الآن مجمع لكثير من المواطنين، وبالتالي يجدون هذه الموائد الإفطارية، وفي الحقيقة حتى وزارة الأوقاف والشؤون الدينية تقيم هذه الموائد للصائمين، ويأتي إليها الناس الذين ليس لديهم عوائل هنا في من المواطنين أو من غير الدولة الذين جاؤوا للعمل أو للزيارة أو إلى غير ذلك من المهام، فهؤلاء يستفيدون من هذه الموائد وفي الحقيقة هذه ظاهرة عظيمة وظاهرة إيجابية جدا وندعو إلى الإكثار منها وإلى تشجيعها ونسأل الله لمن يقوم بها كل الخير والتوفيق والأجر
السلطنة،
والثواب.
هي
س: سعادة الشيخ في حديث عن النبي الله يقول فيه: «من لم يدع قول الزور والعمل به
52 (1/52)
صفحة 53
فليس لله حاجة في أن يدع
طعامه وشرابه» لماذا خص
النبي ترك سلوك قول الزور
والعمل به دون غيره؟
يبتعد عن
المعصية،
ج: لا شك أن الرسول له اخص ترك قول الزور والعمل به لأن فيه مضرة على الناس، عندما يقول الإنسان زورا أو كذبا في أشخاص هنالك مضرة على أولئك الأشخاص الذين قيل فيهم ذلك الزور أو الكذب، فنتيجة المضرة الحاصلة من قول الزور تخل بالصيام، ما قيمة هذا الإنسان الذي يمتنع عن الأكل وعن الشرب وعن كل ما كان حلالا له وفي نفس الوقت يقول في الناس زورا ويكذب عليهم زورا وبهتانا طبعا لا يجوز، وهذا من باب أن الطاعة والمعصية لا يجتمعان هناك صيام وهناك قول زور وقول الزور من الكبائر فلا تجتمع الطاعة والمعصية، فالإنسان إذا أراد الأجر والثواب من الطاعة عليه أن فهذه هي القضية، ولكن ليس قول فقك بل هنالك الكثير من الأمور الله سبحانه وتعالى حرمها كالغيبة والنميمة قال: «الغيبة والنميمة تفطران الصائم وتنقضان الوضوء»، حتى الغيبة تفطر الصائم والنميمة أيضا، والغيبة هي أن يغتاب الإنسان أخاه المسلم بما ليس فيه أو حتى فيه أو يذكره بسوء، هذه غيبة لا تجوز، اترك الناس وشأنهم، كذلك النميمة، فالذي يسعى بين الناس بالوشاية هذه، نميمة هاتان المعصيتان تفطران الصائم وتنقضان الصوم والوضوء، هناك عدة أشياء بجانب هذا الحديث فيها النهي عن أن يرتكبها الصائم. س: هذا الأمر يقودني لحديث آخر يقول النبي صلى الله عليه وسلم: فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يجهل فإن سبه أحد أو شاتمه فليقل إني صائم إني صائم»، ما فائدة تكرار إني صائم إني صائم؟
ج: هذا للتأكيد دائما التكرار يأتي للتأكيد، الأولى هي للتأسيس، والثانية هي للتأكيد، وهذا لأهمية هذا الأمر، دائما الإنسان ينفعل عندما يسبه شخص أو يشتمه، فهنا يحتاج إلى التأكيد في هذا القول عندما يقول: «إني صائم إني صائم»، يذكر لذلك الشخص أنه صائم ولا يجهل والجهل جهلان جهل ضد الحلم وجهل ضد العلم، هنا جهل ضد الحلم أي لا يعتدي، فلا يجهل عليه ألا يرفث وألا يفسق، فالرفت كلام بسوء، إذا كان ذلك
53 (1/53)
صفحة 54
الإنسان في نفسه خيرا يتذكر أننا كلنا في حالة صيام يجب أن نبتعد عن هذا السب وهذا تذكير لكلا الطرفين، فهذه الإيجابية في هذا الأمر، أنه نهي عن هذا المسبوب والمشتوم أن
يعامل ذلك الساب أو الشاتم بالمثل، وتذكير لذلك الشخص الذي يقوم بالسب أو الشتم.
54
54 (1/54)
صفحة 55
الحلقة السابعة «خلق الزكاة والصدقة ا»
55
55 (1/55)
صفحة 56
بسم الله الرحمن الرحيم
س: ما هي الزكاة في اللغة وفي الاصطلاح الشرعي؟
ج: الزكاة في اللغة النمو، يقال: زكا يزكو أي نما ينمو، والزكاة هي النمو بشكل عام، وتعني الزيادة أيضا، كلما أنفق الإنسان نفقة زاده الله تعالى تعويضا عن تلك النفقة وهذا كرم من الله عز وجل.
أما في الشرع فهي طبعا إخراج المال إذا توفر فيه النصاب واستقرار الملك واستكمال الحول و دوران الحول واستكمال النصاب هذه هي الزكاة في الشرع.
س: وهل هناك فرق بين الصدقة والزكاة؟ ج: الزكاة ما فرضها الله عز وجل على عباده الأغنياء في أموالهم للفقراء، قال تعالى: {خُذ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بها كم} [التوبة: 103]، الصدقة هنا بمعنى الزكاة، وفي الآيات الصدقة أعم من الزكاة الزكاة أخص، وهي في الإنفاق المفروض من الله عز وجل على الأغنياء تجاه الفقراء أو في المصارف الثمانية التي ذكرها الله تعالى في آية الصدقات بقوله عز وجل: هو إِنَّمَا الصَّدَقَتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَكِينِ وَالْعَمِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْفَرِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللهِ وَالله عَليمٌ حَكِيم [التوبة: 60]، إذن هذه الأصناف الثمانية تسمى بمصارف الزكاة هنا الصدقة المفروضة هي الزكاة وفيه صدقة غير الزكاة لقول الله عز وجل: {وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِسَابِلِ وَالْمَحْرُومِ} [الذاريات: 19]، أي من الزكاة وغير والزكاة والأحاديث طبعا وضحت هذا الأمر، أن في المال حقا سوى الزكاة، الصدقة. وهي س: لكن هل يفهم من هذا الكلام أن الصدقة في الجانب المادي المالي فقط؟ وماذا عن حديث الرسول: «تبسمك في وجه أخيك صدقة»؟
ج: الصدقة طبعا أعم وأشمل، تشمل المال، وتشمل تقديم العون للناس، وتشمل أيضا التبسم كما جاء في الحديث وكل ما فيه عون للآخر فهو صدقة، حتى أن هناك من قال بوجود
56 (1/56)
صفحة 57
يعين
زكاة للجاه، زكاة الجاه تعني أن الإنسان عندما تكون له مكانة ويقدر بتلك المكانة أن إنسانا ما، على قضاء حاجته من غير إضرار بالآخرين إنما يقضي له حاجته، هذه تسمى زكاة الجاه، فكل ما يعين الآخر ويفيده طبعا هو من الصدقة بلاشك. س: بما أننا ذكرنا تعريف الزكاة بأنها النمو والزيادة، يقول النبي: «ما نقص مال من صدقة»، ماذا يشير هذا الحديث حول كلمة (ما نقص)؟
ج: «ما نقص مال من صدقة، سواء كانت زكاة أو صدقة الإنسان حتى لو في غير الزكاة يتصدق على الناس لا ينقص ماله بالعكس يزيد الله تعالى يعوضه خيرا، الله تعالى يجعل مناديا ينادي في أول النهار: «اللهم أعط منفقا خلفا وأعط ممسكا تلفا»، الصدقة لا ينقص منها المال، صحيح أن الإنسان قد يحذر أنه لو تصدق وأعطى ماله أو شيئا من ماله لعل ذلك ينقص منه، فالرسول يطمئنه على أنه ما نقص مال من صدقة، وكل ما
تصدق به الإنسان عوضه الله تعالى خيرا منه، فلذلك المثل يقول: «يد الكريم موصولة». س: مازلت أركز على موضوع الصدقة ومفهومها الواسع، أن بعض الناس دائما عندما يقال له لماذا لا تشارك في عمل تطوعي أو خيري يقول: أنا ما عندي مال، نريد أن نفهم المعنى الشامل للصدقة، لأن الإنسان ربما لديه القوة الجسدية، وربما لديه علم، لكن ليس له مال، هل يمكن للإنسان أن يعطي جزءا من عمله؟ مثلا إذا كان طبيبا، يفتح ساعات مجانا للآخرين، أو معلما فيعطي ساعات مجانية للفقراء والمحتاجين هل هذا يدخل أيضا ضمن المفهوم الشامل؟
ج كل ما يتطوع به الإنسان في مساعدة الآخرين هو صدقة، حتى أن في بعض مؤتمرات الأوقاف التي حضرتها تؤكد على أن هناك وقفا من وقت الإنسان، يوقف شيئا من وقته يجعله وقفا، مثلا كأن يوقف ساعة من زمانه في كل يوم أو في كل أسبوع أو يوما من الأيام، يعتبرها، وقفا يكون لمساعدة الآخرين بغض النظر عن اختلاف الفقه في هذا. وهل يجوز وقف الوقت أو لا يجوز؟ لكن المهم ناقش هذه المسألة بعض مؤتمرات الأوقاف في خارج السلطنة، فكل ما يساعد في خدمة الناس هو صدقة، فالتطوع صدقة بشكل
57 (1/57)
صفحة 58
عام، سواء تطوعت بمالك، أو تطوعت بوقتك أو تطوعت بعملك أو تطوعت بأي شيء يفيد الآخرين، هو صدقة، ولاشك فالإنسان يؤجر على هذا الأعمال ويثاب من قبل الله طلب
عز وجل إن صاحبها الإخلاص وخلت من الرياء وخلت من طلب الشهرة ومن
السمعة.
س: إذن الفيصل في هذا الموضوع هو الإخلاص؟
هذا
ج: لا بد من النية في كل عمل، قال تعالى: {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الله البينة:]، فالأصل هي عبادة لكن لابد أولا أن يقصد المسلم بذلك الله وجه عز وجل، هو الإخلاص لا يقصد به سمعة ولا يقصد به شهرة يحب ألا يذكر بأنه قد تصدق أو قد عمل عملا يريد به الشهرة أو يريد به استغلال أمر معين لأن مشركي قريش قالوا: نحن نطعم الحاج ونعمر البيت ونصون الكعبة ونخدم ضيوف الرحمن إلى غير ذلك فرد الله تعالى عليهم: لو أَجَعَلْتُمْ سِقَايَة الحاج وعمارة المسجد الحرام كَمَنْ ءَامَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ
وَجَهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَوُونَ عِندَ اللهِ وَاللهُ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ الظَّلِمِينَ} [التوبة: 19]. س: إذن هنا تأكيد على مسألة النية والإخلاص سعادة الشيخ لاحظنا من بعض الناس المجتهدين أنهم يقومون بحملات تطوعية وعندهم جهود رائعة وجميلة ولكنهم –سبحان الله - يتسابقون في التصوير، يصورون أنهم تصدقوا لطفل صغير ولحي سكني معين ولأناس محتاجين، وسمعت من بعض الناس أنهم تأذوا من تلك الصور هل من نصيحة حول هذه
الظاهرة؟
الله
ج: طبعا كما قلت الصدقة يجب إخفاؤها، وكما جاء في حديث السبعة الذين يظلهم في ظله يوم لا ظل إلا ظله، ومن هؤلاء السبعة رجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما أنفقت يمينه بمعنى أنه لا أحد يعلمها جعل هذا كناية عن شدة الإخفاء، شمال الإنسان يده اليسرى لا تعلم بأن يده اليمنى قد تصدقت طبعا هذه مجاز كمبالغة على شدة الإخفاء وعدم الإظهار، ولا شك أن التصوير إذا كان فيه أذى للمعطى أو للمتصدق عليه، فهذا لا يجوز ولكن إذا كان برضا المتصدق عليه، وهذا المتصدق يصور ذلك المشهد
58 (1/58)
صفحة 59
لكي يحث الآخرين على أن يقتفوا ذلك الفعل ويتشجعوا وهذا يعود إلى النية أما إذا كان
طلبا للشهرة والسمعة ويتأذى ذلك المتصدق عليه طبعا فهذا لا يجوز، وهذا من مبطلات
الثواب والأجر.
س: متى تبدى الصدقات ومتى تظهر؟
ج: تظهر إذا كان فيها اقتفاء وفيها تشجيع للآخرين وعدم أذية للمتصدق عليه.
س: يرى بعض المفكرين أن الزكاة نظام اقتصادي فكيف يكون ذلك؟ ج: لا شك أن الزكاة هي نظام اقتصادي وهو وسط بين التيارات الاقتصادية كالاشتراكية والشيوعية والرأسمالية الشيوعية نظام عقدي واقتصادي والاشتراكية نظام اقتصادي ليس نظاما عقديا وهنالك الرأسمالية، الشيوعية أو الاشتراكية يقومان على سلب خصوصية الملكية الفردية، لا يوجد فرد يملك شيئا إنما يملكه القطاع العام أو تملكه الدولة وهي التي تعطي الفرد، والرأسمالية على عكس هذا الرأسمالية شجعت تملك الفرد لكل شيء بمعنى أن الشيوعية اعتنت بالمجتمع وسلبت خصائص الفرد والرأسمالية اعتنت بالفرد وسلبت خصائص المجموعة، والإسلام توسط في هذا، وحب التملك غريزة في الإنسان حب المال غريزة فيه كذلك، ولكن الله تعالى فرض الزكاة وحث على الصدقة من الآيات والأحاديث التي ذكرناها آنفا، ففرض في المال نسبة معينة من الزكاة سواء في النقود أو في الماشية أو في الثمار إلى غير ذلك، فهذا توسط بحيث أن هذا فيه تملك أشبع هذا الفرد غريزته في حب التملك وتملك أصولا ومنقولات في الاقتصاد ولكنه تذكر بأن الله تعالى أمره بأن يعطي من حوله من الفقراء، يعني أن يزكي هذه الأموال وأن يصرفها في المصارف الثمانية التي فرضها الله تعالى للفقراء والمساكين والعاملين على الزكاة وفي الرقاب الذين يفكون عنهم المكاتبة وفي سبيل الله وابن السبيل، في سبيل الله الآن كل ما يقوي الإسلام والأمة الإسلامية هو في سبيل الله حتى العلم الآن هو في سبيل الله، بعض العلماء كان في السابق يفسر " في سبيل الله" بالجهاد، والآن كل شيء يقوي الأمة هو
في سبيل الله والعلم في مقدمتها.
جهاد للأمة وما يقوي الأمة.
هو
س يرى بعض العلماء أن
من
المقاصد والأخلاقيات التي يتعلمها الإنسان من الزكاة
59 (1/59)
صفحة 60
والصدقة هي إذهاب الأحقاد والضغائن من نفوس الفقراء تجاه الأغنياء كيف يكون هذا
الأمر؟
ج الزكاة فعلا شرعت لهذا الأمر، وحث الإسلام على الصدقة لهذا الأمر، لأن هؤلاء الفقراء عندما يرون الأغنياء قد استحوذوا على الأرزاق والأملاك والأموال ولم يخرجوا لهم
شيئا من ذلك، هذا في الحقيقة هو الذي يجعلهم يحقدون على أولئك الأغنياء فتكون الفتن في المجتمع، وما كانت الحروب إلا هذا، حتى أن الفكر الشيوعي
بسبب
نشأ
بسبب
هذا الذي
الرأسمالية، وبسبب عدم التصدق وعدم الإنفاق من رجال المال إلى الفقراء، يعني أسس الفكر الشيوعي، وكارل ماركس كان ذاق ذرعا بجشع الرأسمالية فخرج بهذا النظام الشيوعي الذي يسلب الفرد ملكيته، وحتى كانت حروب تدار نتيجة حقد الفقراء على الأغنياء لأن هذا الفقير عندما يجوع لا يبالي أن يفعل ما يفعله، فشرعت الزكاة لإذهاب هذه السخائم والأحقاد من نفوس الفقراء، حتى أن الزكاة شرعت أن توزع في مكان المال المزكي مثلا إنسان من "العوابي" عنده مال في "نزوى"، الزكاة من ماله في نزوى يجب أن توزع على فقراء نزوى لأنهم أولى به هم الذين يشهدونه ويرونه وهو يجمع ذلك المال، فكل مال مزكى زكاته يجب أن تخرج في مكانه لأن المقصود بذلك ذهاب الأحقاد س: هذا يدفعني إلى أن أستفسر عن موضوع فقه الأولويات، فبعض الناس يساهمون ويشاركون في الأعمال الخيرية والصدقات لغيرهم، وفي المقابل ربما أهلهم أحوج إلى ذلك
المال؟
الله
من
الفقراء.
ج: لاشك أن الأقارب أولى، فهذه زوجة الصحابي عبد بن مسعود واسمها زينب سألت النبي صلى الله عليه وسلم فيمن تجعل صدقتها وهو يعلم أن زوجها عبدالله بن مسعود فقير فقال لها: «ضعيها في زوجك» لأنها تكون قربة وصدقة في آن واحد حتى الحديث «وابدأ بمن تعول» هذا في النفقة لكن حتى في الزكاة الإنسان يبدأ بالذي يعوله فلذلك القريب الزكاة فيه صدقة وصلة، أما في الغريب فهي صدقة وزكاة والقريب أولى في الحقيقة، وعندما يستكفي القريب من الزكاة تذهب إلى الغريب، فلذلك زكاة كل بلد في أهله لا ينتقل إلى البلاد
60 (1/60)
صفحة 61
الأخرى وإذا فاضت الزكاة من هذا البلد الذي تجب الزكاة في ماله تعطى للبلد المجاور، فدائما هنالك أولويات في الإسلام، الأولى أن تنفق الزكاة في بلد المال المزكي على فقرائها
وعلى مساكينها على كل من يستحق الزكاة لا أن تنقل الزكاة إلى الأماكن البعيدة، لأنها شرعت لإذهاب الأحقاد كما تقدم.
س: الله سبحانه وتعالى في القرآن الكريم يقول: لا وَأَما السَابِلَ فَلَا تَنْهر الله الضحى: 10، هذه القضية ربما تتبع موضوع الصدقة والزكاة البعض محتار هل هذا السائل في الشارع أعطيه أم لا؟ ربما يكون ميسورا إلا أنه تعوّد على التسول كيف نتعامل مع هذا الموضوع
بحكمة؟
ج: هذه ظاهرة في كثير من المجتمعات مع الأسف، قد يكونون فقراء، لكن عادة الفقير المحتاج لا يسأل بل يتعفف قال تعالى: {لَا يَسْتَلُونَ النَّاسَ الحافا [البقرة: 273]، ومعظم
من
ذلك
الذين تسمح لهم نفوسهم بالتسول غير محتاجين، ثم إنه من المفروض عندما يعطى ما يسد يومه تحرم عليه المسألة تجد ذلك المتسول يسأل فيأخذ هذا ومن ويجمع في اليوم الواحد الكثير من الأموال، وهذا لا يجوز، لكن للإنسان أن يعرف أولئك المحتاجين، وقد كثر المتسولون قد يكونون ينفقون هذه الأموال في غير وجهها المشروع، في غير الأمور الطيبة التي يرتضيها الإسلام، فقد ينفقونها في المعاصي، مثلا في التدخين وفي شراء الكحوليات وفي أمور غير مرضية من قبل الشرع.
س: إذن ما هو تعريف السائل في الآية؟
ج: السائل هنا هو
الإنسان المحتاج، حتى إن ردّه لا يردّه بنهر في القول، مثلا يأتيك شخص
تعرف بأنه غير محتاج لا تنهره بالرد وإنما قل له: «اعتذر لك أو ما عندي»، والدولة عندنا في السلطنة مانعة للتسول عندما يأتيني متسول ما أعرفه أقول له: «الدولة مانعة لهذا التسول، فإذا أنا أعطيتك شيئا كأنني عرضت نفسي للمساءلة القانونية، فنحن منعتنا الدولة ونحن أيضا مسؤولون في الدولة لا يمكن أن نبيح لأنفسنا اختراق هذه الأنظمة وهذا القانون، هنالك لجان مكونة لمكافحة التسول فما يمكن نحن نساعد على التسول» فأنا اعتذر لهم بهذا، فالاعتذار
61 (1/61)
صفحة 62
يكون بلطف لا يكون بنهر وإن أعطيته أو لم تعطه فلا تنهره إنما اعتذر له بلطف هذا هو
الآية.
المقصود من
س: أريد أن أسأل
أنظمة معينة في عصر
الزكاة؟
مسألة
عن نظام الزكاة أو نظام الصداقات هل في تاريخنا العماني شرعت وبعض الحكام كما نراه اليوم من تقنين بعض المؤسسات لموضوع
الأئمة
ج: لا شك أن الموجود الآن لم يمكن موجودا سابقا، من تنظيم وتقنين ومن وجود دولة مهيكلة، ودولة مؤسسات وكل مؤسسة تعنى باختصاصها أو كل مؤسسة في هيكلية الدولة كلفت باختصاص معين يخدم المجتمع، في السابق ما كان موجودا، كان في السابق الإمام يجمع الزكاة من المواطنين ثم يعطي للفقراء، ومنها ما يكون في إعزاز الدولة ومنها ما يكون للفقراء، هكذا كان سابقا، فولي الأمر هو الذي يقدّر كيف يأخذ من الزكاة ما يكون في إعزاز الدولة وكيف يعطي الفقراء والمساكين من هذه الزكاة، فولي الأمر له التقدير في القضية لكن نظام صناديق للزكاة وتوزيع وترتيب وتقنين لم يكن موجودا، لكن كان سابقا ولي الأمر هو من يجمع الزكاة من المواطنين بواسطة الجباة العاملين. س: نريد كلمة تشجيعية للأخوة الذين يعملون في موضوع تجميع وترتيب هذه الزكاة ومتابعة كشوفات الفقراء والناس المحتاجين.
هو
ج: هذه أمور منظمة من قبل الوزارة المعنية بالزكاة في السلطنة وفي حكومة السلطنة وهي وزارة الأوقاف والشؤون الدينية، هنالك دائرة للزكاة وهنالك صندوق للزكاة وهنالك صناديق أخرى للزكاة تحت إشراف هذه الوزارة وهي نظمت هذه الأشياء بتنظيمات في آليات ولوائح، وهذه من الأمور التنظيمية في الحقيقة، والحكومة أمينة على هذه الزكاة، وأنا أسأل هل يمكن أن نعطي الحكومة؟ قلت: نعم، أعطوها الحكومة فالحكومة أمينة في هذه الزكاة، الآن ليس كما في السابق عندما قالوا: لا نعطيها الحاكم الجبار خشية أن يتصرف فيها، الآن العدالة موجودة والمساواة موجودة ووزارة الأوقاف والشؤون الدينية وهي مسؤولة عن الزكاة عندها قوائم وتشترك معها مؤسسات أخرى في وضع هذه القوائم، وعندها لجان، وفي كل ولاية لجنة،
62 (1/62)
صفحة 63
فالأمر كله منظم، ونقول للأغنياء وأصحاب الأموال والذين يقدرون على تقديم الزكاة أن وزارة
الأوقاف والشؤون الدينية هي يد أمينة في حفظ هذه الزكاة وهي
تأخذ الزكاة من
حلها
وتضعها في محلها -إن شاء الله - ولا خوف على أموال الزكاة، الآن الأمور منظمة ومقننة
وحتى مراقبة من قبل جهات الرقابة.
63 (1/63)
صفحة 64
الحلقة الثامنة
«خلق الزكاة والصدقة 2»
64 (1/64)
صفحة 65
بسم الله الرحمن الرحب
س: يقول الله سبحانه وتعالى: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا} [التوبة: 103]، هل
يفهم من التطهير والتزكية إذهاب الشح والبخل من قلب الإنسان؟
ج: لا شك أن في قول الله عز وجل: تطهرهم وتزكيهم بها تطهرهم نفسيا وعقليا وذهنيا وتزكيهم أي تنميهم وتطهر الأموال المزكاة وتنمي الأموال المزكاة، المقصود من هذه الآية يشمل الزكاة وأرباب الأموال الذين يزكون بأنّ نفوسهم تطهر وقلوبهم تطهر وأذهانهم تطهر وأموالهم تطهر وتصفو، حتى لا تكون هذه الأموال مشيبة بشيء من الحرام، عندما يخرج حلالا صافية غير مشيبة بالحرام تزكيهم بها» أي تزكي هذه
الإنسان من الزكاة تصبح النفوس بحيث أنها تزكيهم عن الشح وعن البخل وتزكي هذه الأموال بالنماء. والأموال التي تخرج منها الزكاة تنمو وتزيد للمزكي، هذا المقصود من قول الله عز وجل والله
أعلم. س: النبي في حديث سئل عن مجموعة أخلاق من ضمنها أيكون المؤمن كذابا؟ فقال لا، ثم سئل أيكون المؤمن بخيلا؟ فقال: نعم، كيف نفهم مفهوم البخل هنا ومفهوم الكنز الذي ذكر في الآية الكريمة؟
النبي
ج البخل حاجة غريزة في الإنسان وهي قائمة على حب المال لا شك أن الله تعالى فرض إخراج الزكاة، ولو لم يكن هنالك حب للمال لم يشرط عليه الزكاة، الزكاة فرضت من قبل الله عز وجل في قوله: {وَأَقِيمُوا الصَّلوةَ وَءَاتُوا الزَّكَونَ} [البقرة: 43]، أكثر شيئين ذكرا في القران الصلاة والزكاة، فالزكاة قرينة الصلاة لماذا؟ لأن الله تعالى خلق الإنسان وجعل في نفسه أو في قلبه أو عقله حب تملك المال، فالبخل حاجة غريزية كالجبن كذلك سئل: أيكون جبانا؟ قال: نعم ولكن لا يكون كذابا، كما جاء في الحديث، بمعنى ذلك أن الله تعالى أمره بإخراج هذه الزكاة لصالح الإنسان لأن فيه حب التملك غريزة هكذا، ولذلك شدّد على من يكتنز هذه الأموال ويمنع الزكاة منها في قول الله عز وجل: وَالَّذِينَ
65 (1/65)
صفحة 66
يَكْبِرُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَةَ وَلَا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيهِ لا يَوْمَ يحمى عليها في نار جهنم فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لأنفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنتُمْ تَكْثِرُونَ) [التوبة: 34 - 35]، فالله تعالى شدد على التمسك بهذه الغريزة النفسية في حب المال وعدم إخراج الزكاة منها وعدم إخراج الصدقة للمحتاجين إليها، هنا فيه تشديد في الحقيقة، والإنسان فيه حب توريث هذا المال لمن يأتي بعده من أولاده حتى لا تتعبهم الحياة، طبعا هو في هذا الموضوع أي قضية التوريث، الإسلام وازن بين كيفية الوصية بهذا المال والذي يتركه لورثته يدخل في هذا الجانب، وهذا الأمر معروف من وصية سعد بن أبي وقاص عندما أراد أن يوصي بكل ماله لأنه ما كان عنده إلا بنت واحدة، فنهاه الرسول صلى الله عليه وسلم فقال له: لا، إنما الثلث، يكفيك الثلث، وقال له لإن تدع ورثتك أغنياء خير من أن تدعهم عالة يتكففون الناس يتكففون الناس أي يطلبون بالأكف، يعني دائما السائل يطلب غيره مادا كفه لأخذ العطاء، قال له أن تذر ورثتك لهم من أن تذرهم عالة يتكففون الناس أي يمدون أيديهم إلى الناس، فهنا فيه
أغنياء خير موازنة بين الوصية وهي صدقة في حد ذاتها للغير، وإنما قال له النبي اكتف بالثلث، والثلث كثير، فهذا هو الميزان في قضية أن الإنسان يتخلص من البخل ومن الشح، لكنه أيضا كما ذكرت أن حب المال، غريزة وحب توريث الأبناء غريزة، ولكن الإسلام هذب ذلك، ولذلك هناك أبيات جميلة لشاعر العلماء وعالم الشعراء الشيخ
السمائلي في قصيدته في الزكاة في كتابه الدعائم يقول فيها:
***
ما ها جني رسم ولا مربع. ولا شجاني طلل بلقع
***
ولا حمام الأيك راد الضحى على الأفانين إذ يسجع
***
لكن شجاني زمن فادح وحادث من خطبه أشنع
***
ومن زكاة فرضها واجب على أولي الأموال لم تمنع
***
يا جامع المال على أنه تتركه ويحك ما تصنع
أحمد
بن النظر
66 (1/66)
صفحة 67
***
جمعته ثمت خلفته لغافل لم يدر ما تجمع
***
فعاث فيما كنت عن أكله نفسك إن تاقت له تمنع
***
صار إليه وافرا كله وأنت من أوزاره تضلع
يعني أن الإمام ابن النظر يحذر هذا البخيل من الذي لا يريح نفسه بما أتاه الله من مال ولا يتصدق منه، ولا ينفق منه شيئا في سبيل أنه يخلفه لذلكم الوارث، وذلك الوارث لا يعلم لماذا هذا يجمع المال، يقول له جمعته ثم خلفته لغافل لم يدر ما تجمع، أنت تتعب فيه وهو لا يدري، فعاث في هذا المال لما ورثه، أنت أيها الجامع لهذا المال كنت تمنع نفسك من شيء تتوق له نفسك، يعني هذا البخيل حتى يمنع نفسه إن تاقت إلى شيء، يقول لا هذا غال هذا لا أحتاج إليه، يعني يشتهي أن يأكل شيئا لكن يمنعه البخل من أن يشتري ذلك الشيء، لكي يرفه به عن نفسه، لا لشيء يريد إلا أنه يخلفه لورثته، وذلك الوارث عاث في هذا المال، كم شاهدنا من أناس أغنياء كانوا بخلاء ورثوا أموالا لأولادهم فجاء الأولاد فتلاعبوا بتلكم الأموال وذهبت أدراج الرياح، وهناك قصص كثيرة في التاريخ العماني حتى في زماننا هذا كذلك، فالوارث قد يتلاعب بتلك الأموال وقد لا يتلاعب بها ولكن لا يستفيد منه ذلكم الشخص المانع للزكاة والمانع للصدقة والذي كان لا يساعد الفقير ولا يعطي المحتاج. س: يقول الله سبحانه وتعالى: {وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ خَدَت الضحى: 11]، قبل الفاصل تحدثنا عن الإنسان أنه ربما يبخل على نفسه ويحرم نفسه من الكثير من الأمور لأجل أبنائه، وذكرت تلك الأبيات الجميلة كيف نفهم إظهار النعمة في حياة الإنسان الذي أكرمه الله سبحانه وتعالى بالمال؟ ج: إظهار النعمة على الإنسان هي من شكرها، وأما بنعمة ربك فحدث"، فالتحديث بنعمة الله تعالى في إظهارها أمام الناس أن يلبس الملبس الحسن وأن يأكل المأكل الحسن
67 (1/67)
صفحة 68
وأن يركب المركوب الحسن من غير إسراف فلذلك الإنسان عليه أن يأكل ما شاء ويشرب ما شاء ويلبس ما شاء من غير إسراف ولا خيلاء، أما الذي يقتني هذه الأشياء ويظهر بهذه المظاهر من باب الخيلاء أمام الناس ومن باب الاستعلاء على الناس، هذا لا يجوز لكن على الإنسان أن يظهر نعمة الله تعالى إن وسع
س: ومتى يكون عند الإنسان الزهد والتصوف؟
الله عليه.
ج: أساسا الزهد في رأيي هو أن تجتنب الحرام، وليس معنى الزهد أن الإنسان يحرم نفسه، فما دامت الأموال متوفرة عنده فلا يحرم نفسه من المأكل الطيب ومن الملبس الطيب ومن التمتع بالملذات، وأن يعيش الحياة المسموح بها في حدود الشرع ومن غير خيلاء، وليس الزهد أن يلبس الإنسان اللبس المرقع أو يأكل الأكل اليابس وهو عنده الأموال، فهذا ليس
من
من
زهدا في الحقيقة، بل هذا في مقدمة البخل، فالزهد هو أن يترك الإنسان الحرام فقط. س: الناس عندما يرون عالما أو إنسانا جمع بين التدين والعلم والمال ويركب سيارة فاخرة وعنده قصر فاخر يقولون دائما هذه الكلمة: أين الزهد عند هذا العالم وعند هذا الشيخ؟ هذا ج مفهوم خاطئ في الحقيقة، فكثير من علمائنا وأسلافنا الأوائل عاشوا على قدر الغنى، فالشيخ الإمام ابن بركة العلامة الكبير في بهلا كان يتفقد أمواله على فرس، هل يعني ذلك أنه ليس زاهدا؟ لكنه كان متجنبا للحرام، ولم يجمع تلك الأموال من الحرام بل حلال، وينفقها في الحلال ويخرج منها الزكاة، ويستضيف الطلاب من داخل عمان ومن خارجها، فكان يأتيه الطلاب من بلاد المغرب يدرسون عنده، يقول الشيخ نور الدين السالمي أنه قد تخرج من عنده ثمانون عالما من المغاربة ثم أيضا الشيخ خميس بن سعيد الشقصي، فشخصيته تدل على أنه كان ذا، مال، والشيخ المحقق سعيد بن خلفان الخليلي كذلك، وأيضا الشيخ نور الدين السالمي لم يكن فقيرا كان عنده بيت يناسب عصره، وزرنا بيته في الظاهر وعنده أموال كان قد اشترك في تأسيس بلدة الظاهر من ولاية بدية من الشرقية، والإمام الخليلي كانت عنده أموال ورثها من آبائه ودائما الزهد في تجنب الحرام فقط، ليس معناه أن يكون الإنسان عنده أموال ويقول: "أنا أزهد في هذه الأموال ولا
68 (1/68)
صفحة 69
خير
يوصي
أريدها وأعطيها للناس"، فالنبي صلى الله عليه وسلم لم يسمح لسعد بن أبي وقاص بعد وفاته أن بأكثر من الثلث فقال له: والثلث كثير»، ولما نزل قوله تعالى: {لَن تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُوا مِمَّا تُحبون الله [آل عمران: 92]، جاء أبو طلحه الأنصاري وكان من أكثر الأنصار مالا وهو من صحابة النبي، وعنده حائط كما يسمونه في تلك الأيام أي بستان جميل وفيه بئر، وكان ماؤها عذبا، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يدخل في ذلك البستان ويشرب من ماء تلك البئر، فقال: «يا رسول الله إنّ أموالي بيرحاء، وإني أجعلها في سبيل الله»، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «بخ بخ ذلك مال رائح بصاحبه إلى الجنة، فإني آمرك أن تضعها في أقربائك»، فقسمها أبو طلحة بين أقربائه وهي ليست كل أموال أبي طلحة، وإنما كانت أحسن أمواله فتصدق بها استجابة لهذه الآية، هو لَن تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ، وهنالك طبعا الصحابة من كانت عندهم الأموال كالصحابي الجليل عبد الرحمن بن عوف الزهري القرشي، وسعد بن أبي وقاص الذي ذكرته كانت عنده أموال كثيرة لكن كانوا يجمعون تلك الأموال من الحلال وينفقونها فيما أمرهم الله تعالى، كالزكاة والصدقة، ولذلك عندما فسر المفسرون قوله تعالى: {وَالَّذِينَ يَكْرُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَةَ وَلَا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أليم} [التوبة: 34]، قالوا ما أنفقت زكاته فليس بكنز، وكل مال أخرجت زكاته فليس بكنز.
من
س: في الآية الكريمة: {لَن تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ، ربما الإنسان عنده سيارة جميلة يحبها وقد أتعب نفسه لشرائها ما المقصود بـ"مما تحبون"؟
ج: كما ذكرت الإنسان إذا كانت عنده أموال عديدة، لا ينفقها كلها، ولكن ينفق الشيء الجميل الذي هو يحبه وهذا ليس أمرا واجبا، إنما هذا من باب المستحب ومن باب المندوب، وهذا من باب الكمالات المشروعة في الإسلام. س في قول الله سبحانه وتعالى: {وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ [الحشر: 19، هل
الإيثار صورة من صور الصدقة والإنفاق؟
ج: لا شك أن الإيثار من باب الكرم والإيثار يعني أن تعطي الغير ما أنت محتاج إليه،
69 (1/69)
صفحة 70
وتؤثر به غيرك عندما ترى أنه أكثر حاجة منك، فالإيثار له صور عديدة في الحقيقة، والإيثار بالمال مكرمة، فلذلك كما قلت في كتابي السيرة النبوية، عندما جاء ذكر استقبال الأنصار للمهاجرين وأنهم وسعوا لهم في أموالهم هناك روايات وأقوال على أنهم أيضا تنازلوا لهم عن نسائهم، وهذا لا يليق بالأنصار، لأن هذا ليس من شيم العرب فضلا على أن يكون من شيم المسلمين، فأنا صححته في كتابي "السيرة النبوية"، وقلت: «بالعكس، الإيثار بالمال مكرمة، والإيثار بالعرض منقصة عند العرب، سواء قبل الإسلام وبعد الإسلام وحتى عند غير العرب»، ولكن هذه مع الأسف روايات وجدت لاستنقاص الأنصار، فتقبلها الرواة مع الأسف، ونعلم ممن صدرت هذه المقولات لأنهم غاضهم انتصار الإسلام على يد الأنصار، ثم إن ذلك الأنصاري عندما يتنازل عن امرأته لمهاجر، هل يكون ولي أمرها؟ ترجع الولاية إلى ولاة أمرها من أب وإخوة لا ترجع إلى ذلك الشخص المطلق المتنازل عن زوجته لذلكم المهاجر، وهذه الرواية فيها إهانة للمرأة من جهة وفيها استنقاص للأنصار من جهة أخرى.
س: في قوله تعالى: {قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرُ مَن صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ [البقرة: 263]، ما حد الأذى؟ هو ج: الأذى أن تمن على غيرك وتستعلي عليه، فهذا منّ وأذى، كما يحدث من بعض الناس عندما يعطي إنسانا يذكره به ويريد منه أشياء مقابل ذلك، هذا هو الأذى، كما يقول
الشاعر:
***
وإن أحد أهدى إلي صنيعة وذكرنيها مرة للئيم
وهذا اللؤم هو المن والأذى الاستعلاء والتذكير والتمنن وهذا لا يجوز، وفيه إذهاب للأجر، وكأن الله يقول لنا: «إذا ما قدرتم أن تعطوا الصدقة الخالية من الأذى على الأقل
قولوا قولا معروفا»، كما قال المتنبي:
***
لا خيل عندك تهديها ولا مال فليسعد النطق إن لم يسعد الحال
70
20 (1/70)
صفحة 71
الحلقة التاسعة «أخلاقيات الحج ا»
71 (1/71)
صفحة 72
س: ما هو مفهوم الحج؟
بسم الله الرحمن الرحيم
ج الحج في اللغة: القصد إلى الشيء، وشاهده قول الشاعر:
أشاهد
***
من عوف حلولا كثيرة يحجون سب الزبرقان المزعفرا
يحجون هنا يعني: يقصدون، والسب يقصد به العمامة والزبرقان هو الزبرقان بن بدر الفزاري وهو من شرفاء العرب وعظمائهم، والمزعفر لأنه كان الكثير من العرب يلبسون العمائم الصفراء، ومنهم الأنصار، فقد كانت عمائمهم صفراء، وهناك رواية حول صلاة العصر آخرها عندما تكون الشمس على رؤوس الجبال كعمائم الأنصار، فهم يتجهون إلى الزبرقان بن بدر الذي عليه العمامة الصفراء وهو وصف للزبرقان، وهنا الحج بمعنى وبعضهم يعرفه بأنه القصد إلى معظم، يعني أن تقصد إلى شيء تعظمه، ولا شك أن القصد إلى الكعبة هو قصد إلى معظم، وأصبح الآن كحقيقة عُرفية، هو الذهاب لأداء فريضة الحج أو الذهاب إلى مكة المكرمة.
س: ما هي مكانة الحج في التشريع الإسلامي؟
القصد.
ج: الحج لا شك أولا أنه أحد الأركان الخمسة التي يقوم عليها الإسلام، وأركان الإسلام خمسة، وهي: شهادة أن لا إله إلا الله وأنّ أن محمدا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج بيت الله لمن استطاع إليه سبيلا ولا بد للإسلام منها، والثاني أنه يجمع بين كونه عبادة بدنية وعبادة مالية وبهذا يقول الإمام جابر بن زيد: «نظرت في العبادات فوجدت الزكاة عبادة مالية ونظرت في الصوم والصلاة فوجدتهما عبادتين بدنيتين، ورأيت الحج بأنه يجمع بين كونه عبادة بدنية وعبادة مالية»، فالحج يحتاج إلى نفقة ويحتاج إلى جهد بدني وهو السفر وإلى غير ذلك، وهذه ميزة الحج وفضيلته من بين أعمال
الإسلام.
س: بما أن الحج تميز أنه يجمع بين كونه عبادة بدنية وعبادة مالية، نلاحظ على بعض
72 (1/72)
صفحة 73
الناس أنهم يسافرون في كل عام إلى كل دول العالم وهم ميسورون كذلك الجسدية والبدنية إلا أنهم جعلوا الحج آخر المشاريع في حياتهم؟
ج:
الصحة وعندهم
نستمتع
هذا المفهوم كان منتشرا في السابق للأسف، بمعنى كأنهم يقولون نريد أن بالحياة، وعندما أحج فإن ذلك الحج يمنعني من الاستمتاع بالحياة، ولعله يقصدون بذلك الاستمتاع غير المشروع والحج يجعلونه كالخاتمة وهذه نظرية خاطئة في الإسلام، وأعمال الإسلام كلها يجب على الإنسان أن يبادر بها، يعني لا يقول أريد أن أؤخر هذا لأنني أريد أن أفعل حاجة معينة وبالعكس فالإسلام يحث على المبادرة، فالرسول صلى الله عليه وسلم يقول: «حجوا قبل ألا تحجّوا»، وهناك أحاديث تدعو إلى المبادرة، والانسان لا يمهل نفسه ويعطيها الأمل في فعل المعاصي أو الاستمتاع بغير المشروع، ومنذ القديم عند العمانيين لا يذهب إلى الحج إلا من كان كبيرا في السن بمعنى أن يكون الحج هو آخر المطاف في حياته، وبالطبع هذه النظرية خاطئة فأعمال الإسلام كلها يجب أن تعمل والانسان لا يؤمل نفسه بالمعاصي ولا يؤمل نفسه بعمل غير مشروع، أما الآن والحمد لله بدأت تتلاشى هذه النظرية وأصبح الآن والحمد لله الكثير من الشباب يذهبون إلى الحج في سن مبكرة، لكن الملاحظ أيضا كذلك تكرار الحج، وهذا ربما يؤدي على حساب المشروع الآخر في الإسلام، كالإنفاق على الفقير واليتيم والإنفاق على المحتاج، فالإنسان تجده يتكلف في الذهاب إلى الحج، ثم إنه يسبب زحاما هناك في الأماكن المقدسة، ومن ذلك قول الإمام جابر بن زيد: «لئن أنفق درهما في سبيل الله خير لي من حجة النافلة»، بمعنى: لئن أنفق درهما على يتيم أو مسكين فهو أفضل من حجة النفل بعد حجة الإسلام.
س: الإمام جابر بن زيد ما كان يحج سنويا؟
ج: الإمام جابر كان يحج سنويا لكن ليس لأجل الحج فقط كما يقول الشيخ خلفان بن
جميل السيابي:
يعني
كان
***
كان يحج جابر كل سنة وعامل البصرة عاما سجنه
يحج لأجل أن يلتقي بأهل دعوته الذين يأتون من اليمن ومن عمان ومن العراق
73 (1/73)
صفحة 74
ومن
الحجاز
الأوضاع
خراسان ومن بلاد المغرب، فكان يلتقي بهم ويناقش معهم ومن ويفتيهم في المشاكل التي تعترضهم أثناء موسم الحج، فكان يذهب لهذا الغرض، لأجل العلم والدعوة، وليس فقط لأجل حجة النافلة، وكانت عنده منافع أخرى وصارت هذه سنة عند
الإباضية، وهذا الذي يفهم من الحج أنه مؤتمر عالمي وإقليمي على جميع الأصعدة. س: كما علمنا سعادة الشيخ أنك كنت رئيسا للبعثة العمانية عدة مرات، فهل هذا الاجتماع بين العلماء موجود اليوم؟
ج: نعم حقيقة يحصل فيه اجتماع بين رؤساء بعثات الدول الأخرى، لا سيما من دول مجلس تعاون الخليج وبعض الدول الأخرى في لقاءات فردية ولقاءات بين العلماء، ويأتي إلى مجلس البعثة العمانية بعض العلماء من المملكة العربية السعودية، أعني هو موجود لكن ليس بالنطاق الكبير أو الواسع.
س: ماهي المواقف الغريبة التي شاهدتها بكونك رئيس البعثة العمانية؟ ج: هو لا شك أن الحج في أيام محصورة، وهناك كثافة من الحجاج، من العمانيين وغيرهم، فتحدث بعض الارتباكات، لكن نحن والحمد لله أمورنا في غاية الجودة ما شاء الله- لأنه حقيقة نحن نلقى تجاوبا من الجهات المختصة في المملكة العربية السعودية، وكان تجاوبا كبيرا، لا نكاد نطلب شيئا من الجهات إلا ويوفر لنا حقيقة، سواء كان للحجاج العمانيين أو ما يتعلق بأعمال البعثة نفسها، أو ما يتعلق بالمخيمات في منى وفي عرفة، ونتوجه بكلمة شكر إلى الجهات المختصة في المملكة العربية السعودية على ذلكم التعاون والمبادرات الجميلة، والبعثة العمانية رئيسا وأعضاء لا بد أن يتسلحوا باتساع الخلق وأن يتسلحوا باتساع الصدر مع الناس، لأن الناس طبعا مطالبهم كثيرة وأنماط متعددة، فلا بد من استعمال الخلق، أذكر أنني كنت في سنة من السنوات وكان المخيم بالطريقة السابقة وليس بالطريقة الحالية وكانت المخيمات نقيمها نحن بأنفسنا سواء كان من البعثة أو من مقاولي فكان هناك فاصل بين مخيم ومخيم وهو حاجز حديدي، وكان الحج في الصيف والشمس في منى شمس صحراوية وعند الظهيرة تشتد، الحرارة، فكانت بعض مخيمات
الحجاج،
74 (1/74)
صفحة 75
الحجاج في الجانب الشرقي من ذلك الحاجز الحديدي، فجاء رجل يشكو من حرارة الشمس التي تضربهم من ذلك الحاجز الحديدي، وقد جاء منفعلا ولا يمكن أنت كرئيس بعثة أن تواجهه بانفعال أو تعارضه فقلت لشخصين من الأشخاص اذهبا معه وانظرا في القضية وحلا المشكلة فذهبا معه ولا يوجد حل للمشكلة لأن المخيم موجود، والحاجز موجود، والناس قد توزعوا وسكنوا في مخيماتهم، لكن لابد من احتواء وامتصاص ذلكم الانفعال وأنت في موسم الحج وأنت في منى، وهكذا كنا نحل المشاكل بمثل هذه الأمور، فهذه من ضمن المواقف.
ومن المواقف الطريفة أنه في سنة من السنوات احترق مخيم البعثة العمانية ومخيمات أخرى لكن ليس حريقا عاما على منى، كان في المخيم العماني ومخيمات أخرى، وكنا نحن طبعا في عرفة يعني في يوم عرفة، وتلك الأيام ما كانت وسائل الاتصال متوفرة مثل الآن، وهذا حدث في سنة 1990 م، طبعا الدفاع المدني السعودي جزاهم الله خيرا جاءوا بسرعة، لكن احترقت أغراض الحجاج وأغراض البعثة والمخيم كله احترق بما في ذلك مخيم البعثة ومخيم الحجاج، لأن فيه مخيمين مخيم تقيمه البعثة للحجاج الذين لا يكونون عند مقاولين، وهناك أرض أخرى توزع على المقاولين الذين عندهم حجاج، يعني يقيمون مخيماتهم بأنفسهم تحت إشراف البعثة، فالمخيم الذي احترق هو مخيم البعثة والمخيم الذي أقامته البعثة للحجاج العمانيين، والدفاع المدني جاءوا ومسحوا المخلفات التي حدثت بسبب الحريق، والمقاول الذي عينته البعثة أقام المخيم في نفس اليوم يعني رجع المخيم في نفس اليوم في الليل، وبذلك كانت الحلول سريعة والحجاج في عرفات ثم باتوا في مزدلفة، ولما جاءوا اليوم العاشر إلى المخيم في منى وجدوا المخيمات موجودة كأن شيئا لم يكن، لكن أغراضهم غير موجودة فأحد الحجاج أذكر جاء يطالب، وما صدّق أن المخيم متغير وفقد أشياءه فجاء يطالب بها، فقلنا لهم أن المخيم احترق وهذا الآن مخيم جديد وما كانوا يصدقون فما استوعبوا الفكرة، فكان هذا من ضمن المواقف.
أما الحريق الكبير الثاني الذي احترقت فيه منى كان في 1997 م كان احتراقا كبيرا، احترقت
75 (1/75)
صفحة 76
منى بأكملها، ونفس الشيء المقاول ما شاء الله أعاد المخيمات كما هي في نفس الليلة، لكن الحريق كان في اليوم الثامن وهو يوم التروية، والحجاج كانوا واصلين في منى وشب الحريق وكانت الريح شديدة والناس التجأوا إلى الجبال، وحقيقة كان الموقف يشبه يوم القيامة وترى الناس رجالا ونساء وأطفالا يذهبون إلى الجبال، ولكن الحمد لله المخيم العماني المقاول أعاده في نفس تلك الليلة، وفي نفس تلك الليلة من الحجاج من اتجه إلى عرفة ومنهم من بات في العراء، ويوم التاسع وليلة العاشر أعاد المقاول المخيم العماني بكامله، ولما رجع الحجاج العمانيون من المزدلفة وعرفة في اليوم العاشر من ذي الحجة وجدوا المخيم جاهزا وكاملا، فأقام الحجاج العمانيون في مخيمهم لكن لم يكن هناك كهرباء
بسبب تأثر المكان بالحريق، وما كانت الكهرباء مفتوحة لكن الطقس كان مناسبا وجميلا. ونتيجة ذلك الحريق الكبير عمدت حكومة المملكة العربية السعودية إلى إنشاء المخيمات الحالية والتي هي ضد الحريق، وهي مزودة بالكهرباء وبالتكييف وبدورات المياه فأصبحت المخيمات الآن في غاية الرقي، وهذه من ضمن الفروقات بين الحج السابق والحاضر، فكان في الماضي صعوبة فالحاج العماني ربما يأخذ ستة أشهر من خروجه وحتى عودته إلى عمان، منطقة وكما حدثنا آباؤنا بأنهم من قبل كانوا يذهبون عن طريق البر ويخرجون بالجمال من إلى منطقة حتى يصلوا إلى المدينة ثم ينتقلون إلى مكة المكرمة، وكان سابقا الحاج كأنه ذاهب ولن يرجع فتجد الوداع وداعا مؤثرا وفعلا يوجد كثير من الناس ذهبوا إلى الحج ولم يعودوا لصعوبة الطريق ومشقته وصعوبة الحياة في الديار المقدسة، فلذلك عندما يذهب الحاج في قديم الزمان فكأنما. ذاهب ولن يرجع، وهذه الحالة في الحقيقة أجمل من صورها هو الإمام النضر في الدعائم في قصيدته التي أنشأها عن الحج وصدرها بمقدمة وفعلا تصوّر بن ذلك الموقف أجمل التصوير لا يجد الانسان مثله، فدائما طبعا الشاعر والشعر والأدب من الفنون، وما أجمل الشعر والأدب عندما يعرض الفقه بعرض أدبي، فقال في مقدمة قصيدته عن الحج:
أحمد
هو
***
عزم الحج فاستعد الجمال ثم عالا على الجمال الرحالا
76 (1/76)
صفحة 77
17
77
يعني
وأجاب الندا واعتزل الأهل *** وخل الأولاد والأموالا وعصى عاذليه في الله لما *** عاذلوه وفارق العذالا
***
فبكى حين ودعوه وأبكى الأهل حزنا وداعه والعيالا
***
ومضى صامدا إلى الله في البيد مشيحا تخاله رئبالا
***
ذكر القبر فاستراح إلى القفر وأنساه هوله الأهوالا
ملاته مخافة الله
***
***
وحشاه رجاءه بلبالا
فبكى نفسه وناح عليها حين ناح المتيم الأطلالا
هذا التصوير الجميل هو الذي صوّر الحالة التي كانت تؤطر الراغب في المسير إلى
الحج، والذين يودعونه من أهله وإخوانه وأصحابه وكل الناس وهذا وصف جميل جدا، لا تجد وصفا مثله لتلك الحالة، كما وصفه الإمام أحمد بن النضر السمائلي شاعر العلماء
وعالم الشعراء رحمه الله. (1/77)
صفحة 78
الحلقة العاشرة «أخلاقيات الحج 2»
78 (1/78)
صفحة 79
بسم الله الرحمن الرحيم
س: تكلمنا في اللقاء الماضي عن مجموعة مفاهيم وأخلاقيات وتوثيق لبعض الأحداث التاريخية والقصص الواقعية التي حصلت في الأزمنة الماضية بالنسبة للحج والحجاج اليوم نستمر في الكلام عن أخلاق الحج. في بداية هذه الحلقة سعادة الشيخ يثار قبل فترة في مواقع التواصل الاجتماعي أن بعض الأئمة والحكام امتنعوا عن الذهاب إلى الحج، ما هو السر الأخلاقي من هذا الامتناع؟ ج: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه، لا شك أن الحج كما يقال يحتاج إلى الزاد وإلى الراحلة وإلى الصحة ويحتاج كذلك إلى أمن الطريق أمن الطريق أيضا من صنوف الاستطاعة لأداء فريضة الحج، ولاشك أن الحاكم سواء كان إماما أو ملكا أو سلطانا يحتاج إلى أمن من وقت خروجه إلى حين عودته، ولذلك الأئمة أو الحكام بشكل عام ما كانوا يحجون، وإذا حج حاكم من الحكام في زمن من الأزمان يسبب مضايقة على الحجاج الآخرين بما يفرض عليه من حراسة أمنية مشددة، وكان في السابق هم الذين يأتون بحراستهم الأمنية، عكس الآن لو حج حاكم من الحكام الآن بلا شك ستتكفل المملكة العربية السعودية بحكومتها وأجهزتها الأمنية بهذا الأمر، ولذلك كان الحكام سابقا يحتاجون حراسة كبيرة لأمن الطريق ولم يكن ذلك ممكنا في العصور السابقة، فلذلك ما كانوا يذهبون إلى الحج وكانوا يؤجرون من يحج عنهم، والإمام الخليلي وهو الإمام محمد بن عبد الله الخليلي رأى أن ذهابه إلى الحج بنفسه فيه من الخطورة ما فيه، وأيضا فيه ترك لمصالح المسلمين هنا، ولذلك كلّف أحد الفضلاء الأخيار وهو الشيخ سليمان بن سعيد الكندي أن يحج عنه، وقبله ذكر عن الإمام عبد الوهاب بن عبد الرحمن الفارسي الرستمي لما أراد أن يحج خرج من تيهرت، وهي عاصمة الدولة الرستمية، وعندما وصل إلى جبل نفوسة اعترضه من أهل نفوسة العلماء، وقالوا له أن
79 (1/79)
صفحة 80
الطريق غير آمن فلا يمكن أن ترمي بنفسك في أمر خطير والأمة بحاجة إليك في دولتك، ورعاياك بحاجة إليك وإلى علمك فبقي في جبل نفوسة، وأرسل سؤالين إلى عالمين من علماء المذهب آنذلك أفتاه أحدهما بأن الحج ساقط عنه، والثاني حثه على أن يرسل من
يحج عنه، فأخذ بهذا القول، بأن يحج أحد نيابة عنه، وبقي هناك في جبل نفوسة يدرّس العلم حتى رجع إلى تيهرت، ولم يذكر عن أحد من الحكام العمانين أنه إلا السلطان
حج
برغش بن سعيد، سلطان زنجبار، ومن ذلك العام لم يحجوا، ولذلك تركوا الحج لأسباب قوية وليس امتناعا عن الحج وعدم رغبة فيه، حاشاهم عن ذلك، و لكن للأسباب السابق
ذكرها.
س: ذكرت سعادة الشيخ أن من الزاد أمن الطريق وغير ذلك، ما ينبغي أن يتحلى بها الحاج قبل أن يذهب إلى ذلك المقصد العظيم؟
هي
الأخلاقيات التي
ج طبعا يجب أن يتحلى بالأخلاق قبل ذهابه إلى الحج، بأن يعتذر إلى محبيه وأقاربه وأصدقائه، وأن يحلوه مما كان منه تجاههم، إن كان هناك شيء أو لم يكن هناك شيء، هكذا جرت عليه العادة، وهذا من الأخلاق طبعا أن يعتذر الأنسان لذويه ولأقاربه ويتخلص من كل التبعات التي عليه، إذا كان عليه دين لإنسان يقضيه، وإذا أساء لأي
شخص يعتذر منه.
س: هل كتابة الوصية قبل الذهاب إلى الحج من الأخلاق؟ ج: نعم وكذلك كتابة الوصية لأن فيها حقوق الناس وحقوق الاقربين أيضا، لأن وصية الأقربين من الوصايا الواجبة لمن عنده شيء ففي حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يحل لامرئ عنده شيء يبيت ليلة أو ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عند رأسه»، ووصية الأقربين واجبة، قال تعالى: {إِن تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ} [البقرة: 180]، فلذلك من الأخلاق ومن المأمور به أن يكتب الإنسان وصيته قبل الذهاب إلى الحج، لأنه لا يعرف أنه يرجع أو أما بالنسبة في الطريق وفي موسم الحج لابد من الأخلاق ومما قيل أنه من كثر زاده
لا
يرجع،
اتسع خُلقه، وبذلك على الإنسان أن يكثر
من
زاده، لأنه
سيتسع
خلقه بقضاء حوائج
80 (1/80)
صفحة 81
الناس من ماء وأكل ونقود.
ومن باب الخلق أن يساعد المحتاج مهما كانت حاجته، ومن قل زاده كيف له أن يعطي المحتاج ويطعم الجائع، وإذا كان الزاد واسعا ووفيرا يعطي صاحبه سعة في الخلق، فيصير رحب الصدر واسع القلب سخيّا، سواء في طريقه أو عند وصوله إلى الديار المقدسة. س: بماذا تنصح الحجاج بالنسبة لاختيار الحملة؟
ج: لابد للإنسان أن يختار الشخص المناسب والرفقة المناسبة، وكل شخص يجد راحته مع أناس معينين، والحج أصبح منظما ولله الحمد، وأصبحت حملات الحج ذات إمكانيات أكثر من السابق، وبإمكان الحاج أن يختار الحملة التي تناسبه ويختار الرفقة التي يكون معها، وكل امرئ ينجذب إلى من هو على شاكلته وخُلقه، وطبعه، فتتكون بذلك الرفقة والصحبة الصالحة.
س: سعادة الشيخ في مرة من المرات كنا في الحج وسمعنا من البعثة العمانية نداء في يوم عرفة، بأن إنسانا أصم وأعمى قد فُقد، ثم اتضح لنا أنه جاء مستأجرا، هل المشكلة هنا في الشخص الذي أجره أم في هذا الشخص غير القادر على الحج أنه ذهب مستأجرا؟
ج: في الحقيقة العيب فيهما معا، المؤجّر من المفروض أنه لا يؤجر إلا من يستطيع أداء الأمانة، والإنابة بالأجرة هي نفسها لا أقول غير مشروعة ولكن غير مرحب بها، وصارت تجارة عند بعضهم وهذه كارثة أخرى، وأيضا جعلت الناس يؤخرون الحج بأنفسهم ويوصون بالحج وإن كانوا قادرين في حياتهم، وبعد موتهم يوصون بالحج فيأتي الورثة ويؤجرون من يحج لمورثهم، ويبحثون عن رخيص الثمن، والمستأجر في الحج يجب أن يكون على فقه وعلى دراية بمناسك الحج ومطلعا على كيفية أداء المناسك وذا قدرة بدنية كما أن الحاج المأمور بالحج لابد أن تكون عنده قدرة بدنية وعلمية وأن يكون غير جاهل، والملاحظ أن كثيرا من المستأجرين هم أقل الناس علما، وهنا تكمن المشكلة، ولذلك لا يكون أداء الأمانة كما فعل هذا مع ذلك المستأجر الأعمى، كيف له أن يؤدّي شعيرة الحج عن ذلك المؤجر عنه، يجب أن يكون النائب كالمنيب لأن الحج الواحد ليُؤجر به ثلاثة، كما جاء في
81 (1/81)
صفحة 82
الحديث عن النبي لا أنه قال: «يؤجر بالحجة الواحدة ثلاثة: المؤجر والمستأجر والوصي»، أي الوصي عن الميت، يجب أن يكون المستأجر والمؤجر على مستوى من استطاعة القيام بالحج، في سنة من السنوات أذكر أن شخصا استأجر ثلاث حجات، يتاجر بالحج وهذا غير جائز، الإنابة في الحج بالأجرة يجب أن تتقلص في الحقيقة، وأن يكون هنالك توعية بمخاطرها، لا شك أن فيها تسهيلا على الناس أحيانا، فقد يكون هناك عاجز لا يستطيع القيام بالحج، أو الورثة لا يستطيعون الذهاب للحج عن موروثهم فيأجرون، لكن يجب أن يكون الاختيار مناسبا.
س: سعادة الشيخ أخبرني أحد الإخوة قبل فترة، أن أمه ذهبت إلى العمرة أو الحج وهي صحيحة وتسير وتذهب ولكنّها عادت بالكرسي المتحرك، وذلك أن صاحب الحملة رجع مسرعا وكان يقود طوال الليل حتى غلبه النوم وانقلبت الحافلة فمنهم من مات ومنهم من تأثر ومنهم من صارت عنده إصابات دائمة، ماذا نقول لهؤلاء الناس؟ ج طبعا في الحقيقة بعض أصحاب الحملات يكونون في غاية الاستعجال، وذلك الاستعجال يجعل الحجاج غير مستوفين لمناسك الحج، وأذكر أن أصحاب الحملات يجعلون سيارتاهم في مكة محملة بالأغراض من اليوم السابع قبل أن يذهبوا إلى منى في يوم التروية، ثم عرفة ثم مزدلفة ثم منى مرة أخرى، والمفروض أنهم لا يخرجون من منى إلا بعد زوال الشمس، ولكنهم يرمون قبل طلوع الشمس ويخرجون من مكة قبل الزوال، ويدخلون عمان في سير واحد دون توقف ولا يقفون إلا للصلاة حتى الأكل يأكلون في الحافلة، وهذا فيه خطورة وتعب، ولابد من شي من السعة، فليخرج الإنسان من منى بعد زوال الشمس ثم يأتي إلى مكة ويطوف طواف الوداع ثم يخرج وقد ارتاح لأن الناس يكونون منهكين في موسم الحج.
يوم الثامن كانوا في منى يوم التروية، ثم في يوم التاسع ذهبوا إلى عرفة وهناك الوقوف، ثم يبيتون في مزدلفة، ثم في العاشر يخرجون من مزدلفة إلى منى قبل طلوع الشمس، ثم في النحر والرمي وهنالك طواف الإفاضة والحلق وهي كلها أعمال متعبة ومزدحمة، وفي اليوم
82 (1/82)
صفحة 83
الثاني عشر يكون الحاج قد أنهكت قواه وكثير من الحوادث تحدث نتيجة هذا السلوك الخاطئ، وأنا أوجّه إلى هؤلاء الناس من خلال هذا اللقاء أن يكون هناك شيء من التريث والراحة حفاظا على أرواح الناس، وأن يخرجوا في اليوم الثالث عشر بعد إكمال كل شيء في تريث، حتى يصلوا إلى ديارهم سالمين غانمين. س: نسمع من عوام الناس أنهم يقولون أن مكان وقوف العمانين في عرفة هو المكان الذي وقف فيه النبي ما صحة هذا القول؟
ج: هذا القول موجود في المصادر العمانية وحسب ما يقال فإن النبي صلى الله عليه وسلم وقف بناقته القصواء عند الحصيات، وهي حصى صخرية قوية تقع في الجهة الشرقية من جبل الرحمة ولعلها الله يخاطب هناك وانتقل إلى جبل الرحمة، المهم أن الحجّاج العمانين اتخذوا من ذلك المكان موقفا من قديم الزمان حتى أن أحد العلماء الإباضية المغاربة كتب إلى الإمام ناصر بن مرشد يقول له في ذلك: أنتم معاشر أهل عمان وقفتم حيث وقف النبي صلى الله عليه وسلم في عرفة، ولذلك الشيخ السالمي في الجوهر يقول: «إنّ الحصات للعمانيين»، ولا شك أن حكومة السعودية والجهات المختصة فيها حقيقة أبقت الحجاج العمانين في ذلك المكان ومهدته لهم، وأنا بنفسي عملت عدة أعمال في مكان وقوف الحجاج العمانين في عرفة، وطلبت من الجهات المختصة في السعودية - وجزاهم الله خيرا - استجابوا وبادروا بإيصال الماء للمخيمات وإيجاد دورات المياه وتوسعة المخيم وغير ذلك من المبادرات الثمينة، التي تشكر عليها الجهات المختصة في المملكة العربية السعودية، وهذا من أيام ناصر بن مرشد، أي 300 سنة، وهذا الأمر استقر قبل رسالة ذلك الإمام المغاربي إلى الإمام ناصر بن
ذلك
أكثر
مرشد.
من.
س: اختار الفقهاء مصطلح الوقوف بعرفة إلى ماذا يشير هذا المصطلح الوقوف؟ ج: اختاروا مصطلح الوقوف لأن العبادة تؤدّى بحيث يكون الخطيب واقفا، والناس يكونون واقفين للدعاء، وهي الحج الأكبر من حيث أعمال الحج، لأن اأكان الحج ثلاثة: الإحرام، الوقوف بعرفة، وطواف الإفاضة، هذه أركان الحج، إذا فسد أو بطل واحد منها بطل الحج.
83 (1/83)
صفحة 84
س: نلاحظ أنّ بعض الناس يستعجلون الخروج يوم عرفة.
ج يجب أن يكون الخروج من عرفة بعد غروب الشمس، أن تغرب الشمس والحاج في الذي يجعل حجّ الانسان كاملا غير منقوص أو غير مشيب بشائبة من
عرفة، هذا
هو
البطلان أو الفساد، وعرفة تتجسد فيها أعمال الحج بحيث يكون الناس في موقف واحد متساوين في وقوفهم يوما كاملا متوجهين إلى الله عز وجل بالتوبة والإنابة، وهنالك الخطبة
وصلاتي الظهر والعصر، وهنالك الدعاء، وهذه كلها قيل عنها "موقف عرفة".
س: ما صحة ما يقال عن مقام سيدنا إبراهيم أن فيه أثر رجليه عليه السلام، نلاحظ كثيرا من الناس يزدحمون حول ذلك المكان، ويحصل ازدحام في الطواف وربّما حصلت إشكالات
أخلاقية.
ج: ليس من شرط الطواف أن يقف الطائف هنالك، ولكن الناس طبعا تقتدي بالأنبياء والصالحين وإبراهيم أبو الأنبياء، وأعمال الحج جاءت إلينا من شريعته، والإسلام صحح بعضا منها مما شوهه المشركون، وإلا فقد جاءت من شريعة إبراهيم، والمسلم عندما تكون عنده معلومة أنّ إبراهيم عليه السلام وقف هنالك، فتجد الرغبة تدعو ذلك الحاج أن يتلمس شيئا من آثار النبي إبراهيم وإلا فهو ليس شرطا للطواف، وكثير منهم يضايقون
الناس في الطواف.
84 (1/84)
صفحة 85
الحلقة الحادية عشرة «اخلاقيات الحج 3»
85
55 (1/85)
صفحة 86
أن
بسم الله الرحمن الرحي
س: يظن بعض الناس أن الحج يكون أكثر قبولا، والأجر يكون أكثر عندما يطوفون حول الكعبة، وكأن الأجر في تلك التوسعة أقل ما رأيك حول هذا الكلام؟
ج: الحج دائما يحتاج إلى فقه إما أن الإنسان بنفسه يكون فقيها ويعرف مناسك الحج، وإما يرجع إلى فقيه يعلّمه تلك المناسك، والطواف هو الطواف حول الكعبة سواء كنت قريبا منها أو بعيدا عنها، المهم أنك تطوف سبعة أشواط، طبعا الخلاف في العلو، مثلا كالذين يطوفون فوق السطح على سبيل المثال فوق سطح المسجد الحرام، هل هو طواف حول الكعبة أم هو طواف بعيد عن الكعبة؟ فيه خلاف بعض المشايخ يرى أن الطواف على سطح المسجد يعتبر طوافا حول الكعبة أو كالطواف حول الكعبة، وبعض المشايخ يرون أن ذلك الطواف لا يكون طوافا حول الكعبة.
أما الطواف في المساحة الأرضية فهذا لا خلاف فيه سواء كان قريبا من الكعبة المشرفة حرسها الله تعالى أو ابتعد قليلا في تلك الساحة، لا شك أن الإنسان يتبع الأفضل والأريح له، إذا كان الأريح له أن يكون بالقرب من الكعبة فيطوف لأنه يعتبر أسرع، والذي يطوف بعيدا عن عين الكعبة المشرفة نفسها يأخذ منه مسافة طويلة، وفي كل خير إن شاء الله.
س: بما أنك ذكرت العلم وأهمية المعرفة والسؤال بعض الناس اليوم يتصدرون للفتوى وإجابة الناس دون علم، يقول لفلان حجك باطل أو حجك غير مقبول، ماذا تنصح هؤلاء الناس؟
ج: التسرع في الحكم بالبطلان أو عدم القبول هو تسرع ينبغي ألا يكون، هذه مسألة فقهية يجب أن يعرف ذلك الفقيه ممكن أنه يلاطف ذلك الشخص الذي وقع في المحظور، يعني يسأله ويناقشه ويعطيه الرأي الصحيح بدعوة حسنة، لأن هذا من الدعوة والدعوة الحسنة مطلوبة، يقول الله تعالى: {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَدِلْهُم
86 (1/86)
صفحة 87
بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} [النحل: 125]، هذه دعوة إلى سبيل الله عز وجل بالحكمة والموعظة الحسنة، فالموعظة الحسنة والحكمة تقتضي استعمال اللطف وعدم التسرع في الحكم بالبطلان أو بالفساد أو عدم القبول إلى غير ذلك. ويناقش لعله ارتكب محظورا لا يفضي إلى البطلان ولا يفضي إلى عدم القبول، وهناك اليوم لجنة تابعة للبعثة العمانية، وهناك قسم كبير للإفتاء، والبعثة الآن تطورت وتوسعت وأصبح عدد أعضائها كبيرا وفيهم قسم كبير للإفتاء والوعظ والإرشاد بجانب الوفود الأخرى هنالك وفد مستقل للوعظ والإفتاء، والإرشاد، وهو يضم عددا كبيرا من أهل العلم وأهل الإرشاد الديني والإفتاء، فيجب على الذي ارتكب محظورا الرجوع إليهم، لكن ذلك لا يمنع أن يبادر الإنسان للشخص الذي يراه مخطئا في أداء مناسكه بالتي هي أحسن ويخبره بالصحيح، وهذا هو المأمور به.
س: ما هو الجدل الممنوع في الحج؟
ج: طبعا الجدل الذي هو المماراة، هذا
منهي
عنه
الحج للعبادة والتعارف والالتقاء والشعور
بالراحة والطمأنينة، الإيمانية، أما الجدل والخصومات فهذا منهي عنه في الحج، لا يصح على الإنسان أن يجادل الآخر جدالا هكذا ويماريه حتى في الحج الإنسان منهي أن يماكس في الكرى، مثلا: أن يماكس في أجرة النقل أو أن يجادل البائع في السلعة، لكن اختلفت المفاهيم الآن فهناك جشع التجار الذي قيمته مائة ريال سعودي يقول التاجر هذا قيمته ألف ريال سعودي، استغلالا لفترة الحج، فلا بد من المجادلة، لكن الجدال والمماراة التي تفضي إلى الخصومة لا تجوز، أما المجادلة في البيع والشراء ربما تكون لابد منها، لأن تلك الأمانة التي كانت سابقا عند التجار ما عادت، موجودة فالجدال مهم والجدال المنهي عنه هو الجدال المفضي إلى الخصومة والمماراة المنهي عنها هي التي تفضي إلى الخصومة، لأن الحج هو محل التقاء المشاعر ومحل التعارف ومحل إذهاب الأحقاد والسخائم والخصومات ومحل التآلف، هذا
87 (1/87)
صفحة 88
هو الحج.
س: فلا رفث ولا فسوق، كيف يتجلى هذا الأمر في الحج؟
ج: طبعا لا شك أن الرفث قيل بأنه المباشرة الجنسية، وقيل بأنه الكلام البذيء ويشملهما جميعا، فالنهي متوجه إلى الكلام البذيء وإلى المباشرة، والفسوق طبعا المعاصي، والإنسان يجب أن يتجنب المعاصي سواء كان في الحج أو في غير الحج، ولكن كما قيل هذا لا مفهوم له وهذا للتأكيد، ويذكر لمزيد التأكيد.
س: يوم العيد هو اليوم العاشر، بعض الناس خاصة عند الحجاج كأنه ينسي أنه كان في حج
ويصبح
هذا اليوم فيه غيبة ونميمة، كيف يكون أثر الحج في ذلك اليوم بهذه الطريقة؟
ج الأصل أن أخلاق الإسلام يلتزم بها المسلم سواء في الحج أو في غير الحج، ولكنها تتأكد في الحج لمزيد من التأكيد في النهي عن المعاصي أو ما يسبب المعاصي، فالحج لا شك بأنه مكان عبادة، ذهب الإنسان وأنفق ماله وجهده البدني لكي يغفر الله له ذنوبه، لأن الحج كما يقال محل غفران الذنوب، فمن حج ولم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه»، كما جاء في الحديث، أي خال من الذنوب، فالإنسان عندما يولد من بطن أمه لا ذنوب له، لأنه لم يكسب شيئا في هذه الحياة وهكذا الذي يأتي. من الحج، يجب أن يكون كالذي ولد من بطن أمه في ذلك اليوم، فالإنسان في الحج يجب عليه ألا يقوم بشيء يخل بمفهوم هذه العبادة، يجب على الإنسان أن يكون لسانه عامرا بذكر الله عز وجل، وأن يكون قلبه عامرا بذكر الله عز وجل، وأن يكون فكره صادقا الله عز وجل، وأن تكون كل جوارحه مع مع الله عز وجل.
في قوله تعالى: {وَاذْكُرُوا اللهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتِ} [البقرة: 203]، تعني أياما معدودة جدا، فلا بد أن يكون فيها فقط ذكر الله عز وجل، أو ما كان فيه أمر بالمعروف أو نهي عن
المنكر.
88 (1/88)
صفحة 89
س: حول قصة بناء الكعبة العرب امتنعوا عن بناء الكعبة كما بناها سيدنا إبراهيم عليه السلام حتى يكون الإنفاق من مال حلال ولم يكن هذا الأمر متوفرا عندهم، ماذا نستفيد
من هذه القصة أخلاقيا حول موضوع الكسب الحلال في الحج وفي غيره؟
ج: لا شك أن العرب مهما كانوا على شركهم لما أرادوا أن يعيدوا بناء الكعبة لأنها قد هدمت وقد أصابها بعض التلف وأرادوا أن يعيدوا بناءها، ولكن قريشا لم يدعوا أحدا يشاركهم، لأن الكعبة هم جيرانها وهي فخر لهم وهم يفتخرون بذلك، فما كانوا يريدون أحدا أن يشاركهم في هذا المجد العظيم، فلما جاؤوا يبنونها اتفقوا على أن يكون من المال الحلال الذي هو غير مشيب بالحرام، فكان مفهوم الحلال والحرام موجودا عندهم فهم كانوا على شيء من بقايا دين إبراهيم عليه السلام، أما الإسلام فهو المفهوم الوحيد الموجود عند المسلمين، هناك حلال وهناك حرام قال تعالى: {وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتَكُم الْكَذِبَ هذا حلال وهذا حرام لتفتَرُوا عَلَى اللهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ [النحل: 116]، فقريش كانوا يتعاملون بالربا وهم كانوا يدركون هذا الأمر وقالوا لا نبنيها النبي
المال الحرام، فلما جاؤوا يبنونها قصرت النفقة فتركوا ذلك المكان الذي يعرف بحجر إسماعيل عليه السلام لأنه في بعض الروايات النبي إسماعيل عليه السلام دفن هنالك إن صحت طبعا هذه الرواية طبعا النبي صلى عليه وسلم كان صغيرا وقد اشترك في البناء مع
أجداده
أعمامه ومع من قريش، وقد ذكر لزوجته السيدة عائشة في ذكر قصة بناء الكعبة فقال: «لولا أن قومك حديثوا عهد بالإسلام لهدمتها ولرددتها إلى قواعد إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام هذا ما قاله لزوجته السيدة عائشة الالي، ويفهم من هذا الحديث أن الداعية يراعي واقع الحال وكل إنسان يمسك بمسؤوليته في الأمة عليه أن يراعي الأحوال لا أن يطبق ما يخطر في باله أو ما يراه أنه هو الحق، فالنبي راعى فيهم حداثة العهد بالإسلام، لأنه لو عمد إلى هذا الأمر لأنكروا عليه ولقاموا ضده، فقالوا كيف قد بناها آباؤنا وهم قد اشتركوا في البناء في ذلك الوقت فيحدث هنالك ارتباك، النبي صلى الله عليه
89 (1/89)
صفحة 90
وسلم راعى هذا الجانب، وهكذا يكون الداعية، وهكذا يجب أن يكون العالم، أن يراعي أحوال الناس فيما ليس فيه تصادم مع الدين، فالنبي صلى الله عليه وسلم كان أن بوسعه يهدم الكعبة ويعيد بناءها أو أن يبقيها فراعى الإبقاء، ولكنه كان يفضل أن يعيد بناءها على ما كانت عليه على عهد قواعد إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام كما قال الله تعالى: {وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) [البقرة: 127]، فالنبي كان يهوى ذلك ولكن منعه من ذلك مراعاة قومه، فهي حدثت بهذا الحديث ابن أختها عبد الله بن الزبير، ولما استولى على الحجاز عبد الله بن الزبير هدم الكعبة وأعادها إلى ما كانت عليه على عهد قواعد أبينا إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام، ولما انتصر عبد الملك عن طريق الحجاج بن يوسف على ابن الزبير ورجع حكم الحجاز بما فيه مكة المكرمة إلى حضيرة الدولة الأموية أمر عبد الملك بهدمها وقال: «دعونا من ألاعيب ابن الزبير»، فبنوها
في بناء الكعبة هي
هكذا القصة على ما كانت عليه أيام قريش، وهي على وضعها الحالي، الآن على ما أعادها الحجاج بن يوسف والي العراق والحجاز من قبل عبد
المشرفة، وهي
الملك بن مروان الذي هو أحد خلفاء بني أمية.
س:
: ماذا عن الحجر الأسود، الذي يقال أنه كان أبيضا إلا أنه اسود بمعاصي العباد؟
عليه
ج: هذه الرواية موجودة أنه نزل جوهرة بيضاء من الجنة، ولكن في رأيي إن صحت الرواية بأنه جوهرة بيضاء نزلت من الجنة ووضع هنالك وكان أبيضا وإنما صار أسودا هي من الملامسة، لأن الذي ذهب إلى الحج هنالك ذهب بإيمانه سواء في عهد النبي إبراهيم السلام أو بعد النبي إبراهيم عليه السلام حتى لو كان بعد عهد النبي إبراهيم لكن كان مصدقا بشريعة النبي إبراهيم صحيح أنه اختلت عنده العقيدة واختلت عنده الكثير من المفاهيم لكنه صار مؤمنا بقضاء الحج، مؤمنا بالكعبة، مؤمنا بالحجر الأسود، فإن صحت الرواية وتحول من البياض إلى السواد أنه نتيجة ملامسة أيدي الكثير من الناس، وطوال هذه المسافة التاريخية
الطويلة.
90
90 (1/90)
صفحة 91
أن
س: هنالك موضوع مهم وهو أن المرأة تشترك مع الرجل في جميع الشروط التي ينبغي يشترط بها الحاج عند الذهاب إلى ذلك المكان إلا في أمر معين، أنه لا للمرأة أن تسافر يصح
إلى الحج إلا مع محرم أو زوج وإن لم تجد ذلك فلا بد من صحبة صالحة، ألا يدل هذا على تكريم المرأة في الإسلام
هي
ج: أساسا المرأة عرضة لما يلحق بها من أذى الإسلام بشكل عام نهى أن تسافر المرأة إلا مع ذي محرم منها، وجاءت الأحاديث في النهي عن سفر المرأة المفردها، وهناك لا شك استثناءات فقهية، وهنالك طبعا مراعاة أيضا لسفر المرأة، والسفر الآن يختلف من الناحية الأمنية، لأن ما العلة في النهي على أن تسافر المرأة لوحدها؟ قالوا خوفا من أن تتعرض للأذى، وطبعا الأحكام معللة العبادات كما قالوا معللة على الجملة والأحكام معللة بالتفصيل، التفصيل هو خوف الأذى، إذا كانت المرأة تسافر وهنالك الأمن الكامل كما يحدث الآن السفر بالطائرات وفي المطارات وقوة الأمن طبعا الأمر يختلف عن السفر عن طريق البر مثلا، لا شك أن السفر بالسيارة أهون من السفر على الجمال وعلى الحمير ولا شك أن السفر بالطائرة أفضل من السفر بدون طائرة من حيث الأمان لأن المطارات مراقبة أمنيا بالكاميرات وبأدوات المراقبة والطائرة كذلك، مراقبة وإذا كان أيضا المستقبل لتلك المرأة من الأقرباء في المكان الذي سارت إليه يودعها هنا محارمها ويستقبلها هناك زوجها أو محارمها في ذلك المكان الذي تسافر إليه، فهنا يجب أن يكون حكم آخر في الموضوع، فالحج أيضا بنفس الطريقة، فهنالك مراعاة استثنائية للظروف يجب ألا تسافر المرأة لأنها معرضة للأذى ولأنها لا تقدر أن تدافع عن نفسها بشكل كاف كما الرجل، لأن القوة العضلية الموجودة عند الرجل لا تتوفر عند المرأة وهذا تكوين جسمي، فالله تعالى خلق الرجل والمرأة ولكن الرجل مهما كان هو أقوى من حيث العضلات من المرأة الرجل يقدر أن يدافع عن نفسه أكثر مما تقدر المرأة على الدفاع عن نفسها، فلذلك الإسلام راعاها هنا طبعا وكرمها حتى لا تعرض نفسها، لكن إذا كانت هي لم تحج، وهذه حجة الفريضة فهي التي يقال عنها إذا كانت صرورة، الصرورة هي التي لم تحج وخافت أن تفوتها الفريضة، قد أباح لها الفقه أن تحج على أن تحج مع رفقة صالحة، طبعا
91 (1/91)
صفحة 92
إذا كانت الرفقة فيها رجال ونساء تكون أفضل، لكن حتى إذا لم تتوفر أجاز لها الفقهاء ذلك إذا كان الرجال رفقة صالحين يجوز أن تحج معهم، هذا إذا كانت حجة فريضة ليست حجة نفل، حجة النفل لا يجوز لها لأنها أدت ما عليها إلا إن توفر المحرم، والحمد لله الحملات هذه رفقة صالحة لأن فيها الرجال وفيها النساء والمرأة تذهب إلى العمرة مع الرفقة الصالحة فالمرأة مع النساء والرجل مع الرجال الرجال في حالهم حتى في وسائل النقل تجد الرجال في حالهم والنساء في حالهن والحمد لله الآن الأمور متيسرة لكن كما قلت المرأة التي عليها حجة الفريضة وعمرة الفريضة هي الواجبة.
س: بخصوص ملابس الإحرام ممنوعات الإحرام هل فيها أسرار أخلاقية أم هي مجرد لباس
هكذا؟
ج: هناك تتجلى أخلاقيات الحج، أي في المساواة هذه أهم ما يكون في الحج، لأنه عندما يكون الناس كلهم على لباس واحد لا تعرف من هو الحاكم ولا تعرف من هو المحكوم، لا تعرف من هو العربي ولا تعرف من هو الأعجمي، لا تعرف من الرجل الأوروبي ولا تعرف من هو الرجل غير الأوروبي، متساوون في لباسهم لباسا واحدا عبر ملايين من الحجاج في كل الأخلاق العظيمة هي المساواة وهي طبعا روح الإسلام الاجتماعية والدينية والفكرية والسياسية والمساواة تتجلى تمام التجلي في لباس الإحرام.
موسم،
هذه
هي
س: بالنسبة لموضوع النظافة، يلاحظ من بعض الحجاج وهم يتحركون من مكان إلى مكان آخر أنهم يرمون حاجاتهم وما تبقى من طعامهم في الشوارع والأماكن، والنظافة هل لها علاقة
بالأخلاق؟
ج:
النظافة لها علاقة بالإسلام بشكل عام، فالإسلام دين نظافة، والإسلام يدعو إلى
النظافة، والإسلام جاء بشيء
أكبر
النظافة وهو
الطهارة، التعبير بالطهارة أعمق من
من
التعبير بالنظافة، لأن النظافة تتعلق بالنظافة الحسية، والطهارة هي النظافة الحسية والمعنوية،
يعني الإنسان داخله وخارجه يكون نظيفا، نظيف القلب والجسد والملابس، ومنه قوله
92 (1/92)
صفحة 93
تعالى: {وَثِيَابَكَ فَطَهَر} [المدثر: 4، وأيضا الطهارة تتجلى في الحج أكثر، لأن الحج يعلّم الآداب والأخلاق ومن الأخلاق أن يكون الرجل نظيفا وأن يكون المكان نظيفا وأن يكون حيثما يحل نظيفا في لباسه وفي مأكله وفي جسمه وفي قلبه، أن تتحقق فيه الطهارة
هي
فعلا أعمق من النظافة، والإسلام بشكل عام جاء يشجعنا على النظافة وعلى
التي.
الطهارة لأنه النظافة دين
ودين الطهارة.
س: ما
هي
هذه القصة؟
المعاني الأخلاقية لقصة سيدنا إسماعيل مع رؤية أبيه إبراهيم؟ وماذا نستفيد من
ج: نستفيد أولا أنه ابتلاء للأنبياء، لأن النبي إبراهيم من أولي العزم وهم أصحاب الرسالات الكبرى الذين تعرضوا لعظيم المشاكل والبلايا، فصبروا بعزمهم ذلك الصبر الذي حدث منهم هو العزم، كما يقول الشاعر:
***
أولو العزم نوح والخليل كلاهما وموسى وعيسى والنبي محمد
هؤلاء هم أصحاب الرسالات الخمس الكبرى، بعدهم الأنبياء يحكمون برسالاتهم، مثلا النبي نوح كل الأنبياء الذين كانوا بعده كانوا بشريعة النبي نوح حتى جاء النبي إبراهيم بالشريعة، ومن النبي إبراهيم إلى النبي موسى كلهم يحكمون بشريعة النبي إبراهيم ويتعبدون بها ويدينون بها، إلى أن جاء النبي موسى ثم كل من جاء من النبي موسى إلى النبي عيسى كانوا أيضا متعبدين بشريعة النبي موسى إلى أن جاء النبي عيسى، والنبي عيسى جاء أيضا امتداد لشريعة النبي موسى وإلى أن جاء محمد وهو خاتم الأنبياء والمرسلين كما قال الله تعالى: لو ما كان محمد أبا أَحَدٍ من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبك به [الأحزاب: 40]، فشريعة النبي محمد جمعت تلك الشرائع السابقة واستوعبتها وانصهرت تلك الديانات السابقة والرسالات السابقة في رسالة نبينا محمد.
بشريعة هي
فالنبي إبراهيم ابتلاه الله تعالى ليختبره أن يذبح ابنه إسماعيل، فاستجاب الأب واستجاب الابن، أما الأب في قوله تعالى: هو قَالَ يَبْقَى إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ
93 (1/93)
صفحة 94
يَتأَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِن شَاءَ اللهُ مِنَ الصَّبِرِينَ الله} [الصافات: 102]، فعلا هي الله تعالى فلذلك كافأهم الله تعالى بأنها بقيت سنة من بعدهم إلى يوم القيامة،
اختبار من
آخر من
الذبح والنحر في يوم العاشر من ذي الحجة إحياء لتلك السنة وإكراما للنبي إبراهيم وابنه النبي إسماعيل عليهما الصلاة والسلام، هنا يأتي أولا ابتلاء من الله عز وجل أراد أن يختبر إبراهيم وإسماعيل في آن واحد، وهنالك استجابة من النبي إبراهيم لم يقل يا الله إن هذا إبني ولا يهون علي وهذا ولدي فلذة كبدي وعاطفة الأبوة والأمومة تجاه ولدهما عاطفة قوية، ويلاحظ أن الأب والأم يتحملان من طفلهما ما لا يتحمله شخص ذلك الطفل، فهم يتحملانه، لكن، الشخص الآخر ينتقد تلك التصرفات يتضايق من تلك التصرفات من طفل غير طفله، هذا واقع وهذا ما عشناه في الزمن السابق فتجد الواحد يلاطف ابنه فتجد الآخرين ينتقدونه وفي الوقت نفسه ذلك الشخص الذي ينتقد هذا الأمر عندما يكون له طفل يكون أشد في التدليل من ذلك الشخص، فالنبي إبراهيم استجاب استجابة كاملة الله عز وجل لا نظير لها ولم يعارض أمر الله، وهذا طبعا من أعظم الابتلاءات أن الإنسان يؤمر أن يذبح ابنه ثم إن النبي إسماعيل استجاب بقوله "يا أبتي افعل ما تؤمر" لأنه عرف أن هذا أمر عند أبيه، عرف أن ذلك أمر إلهي ما الله تعالى لا من قال له افعل فقط، بل قال افعل ما تؤمر عرف أن ذلك أمر رباني أمر الله من عز وجل، فالله تعالى كافأهم على ذلكم الابتلاء وعلى ذلك الصبر بأن جعلها سنة خالدة إلى يوم القيامة في الأمة، وهنالك قول عند اليهود هو أن الذبيح هو النبي إسحاق أبو اليهود لكن في الحقيقة هو النبي إسماعيل لأن الحادثة في الديار المقدسة في مكة المكرمة، فالإشارة في القرآن تعبر على أنه النبي إسماعيل هو الذبيح وليس النبي إسحاق وكلاهما عندنا معشر المسلمين نبيان ونحن نجل النبي إسماعيل والنبي إسحاق ليس كاليهود فهم يسبون النبي إسماعيل باعتباره ليس أبا لهم ويقدسون النبي إسحاق باعتباره أبا لهم، ونحن نجل جميع
الأنبياء.
من
س: نريد أن تعطينا المعنى الأخلاقي من مقولة أم سيدنا إسماعيل عليه السلام عندما سألت
94 (1/94)
صفحة 95
سيدنا إبراهيم: «الله أمرك بذلك؟»، قال: نعم، قالت: «إذن لن يضيعنا الله» ماذا نتعلم من
هذه القصة؟
ج: نتعلم الشيء الكثير، التوكل على الله عز وجل، وأنه لن يضيع من عمل بأمره واستجاب لأمره وانتهى بنهيه فالله تعالى لن يضيعه والله لا يضيع عمل عامل من ذكر أو أنثى، فالتوكل على الله تعالى هذا شيء أساسي في حياة المسلم والتسليم بقضاء الله عز وجل، هذه من أمور الإيمان ولابد منها.
56
95 (1/95)
صفحة 96
الحلقة الثانية عشرة «اخلاقيات الزواج ا»
96
96 (1/96)
صفحة 97
بسم الله الرحمن الرحي
جماد من
س: بسم اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا، أما بعد: ستكون هذه الحلقة بعنوان «أخلاقيات الزواج والطلاق»، وفي بداية هذه الحلقة سعادة الشيخ نريد منك أن تكلمنا عن أهمية الزواج في الاسلام. ج: بسم الله الرحمن الرحي الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد، من المعلوم أن الزواج له أهمية كبرى، لأن الله تعالى خلق في هذا الوجود كل شئ من زوجين اثنين، ابتداء من نواة الذرة، وهي فيها السالب والموجب، وكل شئ في هذا الوجود. وشجر وحيوان وإنسان يتكون من زوجين اثنين وبالنسبة لزواج الإنسان ففيه استمرار للعنصر البشري، ولولا الزواج بين الرجل والمرأة ما كان هناك استمرار، ولا شك أن الزواج فيه تنظيم للعلاقة بين الرجل والمرأة، ولو لم يكن هذا الاقتران بينهما لكانت الحياة فوضى، مليئة بالحروب والمشاكل ولكن الزواج وفق ما شرعه الله تعالى سواء كان ذلك في الديانات السابقة أو في الاسلام، ثمة تنظيم للعلاقة بين الرجل والمرأة لتكون العلاقة علاقة شرعية بغض النظر عن مصدرها الشرعي، فالزواج فيه أهمية كبيرة جدا، وفيه استقرار للحياة البشرية وفيه استمرار الوجود البشري.
س: ماهي صورة الفوضى التي ذكرتها في المقدمة؟ ج: تحدث الفوضى لأن المرأة عرض للرجل، والأعراض تستفز الإنسان، فالإنسان قد يتسامح في ماله ولكنه لا يتسامح أبدا في عرضه، ولذلك إذا لم تنظم علاقة الرجل بالمرأة في صورة الزواج فسيتسبب ذلك في مشاكل واقتتال وأما إذا نُظمت العلاقة بدين ما، بالإسلام أو بغيره فهذا طبعا يجعل الأمر طيبا ومقبولا وعندما تكون العلاقة منظمة في إطارها الشرعي أو الوضعي تكون هناك احتفاءت من كلا الجانيبين، من قبل أقارب الرجل
97 (1/97)
صفحة 98
ومن قبل أقارب المرأة، ويكون الجميع راضيا، على عكس ما سيحدث لوكان من غير تنظيم، ولكن تخيل لو جاء رجل وأخذ امرأة هكذا عنوة، من دون تنظيم، ستكون فوضى كبيرة جدا وسيكون هناك أبناء غير شرعيين ولاتكون العلاقة في النسل بعدم الانتماء. س: الله سبحانه وتعالى وصف الزواج بقوله: {وَمِنْ ءَايَتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} [الروم: 21]، وصف الله سبحانه وتعالى الزواج بأنه آية وذكر فيه ثلاثة أمور رئيسة، وهي: السكن
والمودة والرحمة؟
ج: هذه الأخلاق الإسلامية تتجلى في الزواج، فجعله الله آية. وعلم سبحانه وتعالى أن العلاقة بين الرجل والمرأة علاقة وحدة متكاملة، وهو قادر على أن يخلق المرأة بدون، رجل، ولكن كما قيل أن حواء خلقت من جسم النبي آدم عليه السلام، وهذا دليل من الله سبحانه وتعالى أنه يريد من عنصر الإنسان أن يكون جسما واحدا، من حيث التكامل ومن حيث المسؤولية ومن حيث التزاوج ومن حيث استمرار وجود الجنس البشري، والله تعالى قادر كما خلق آدم، قادر أن يخلق حواء مستقلة، كما أنه قادر على كل شيئ، ولكن هذه حكمة من الله سبحانه وتعالى عندما خلق أمنا حواء من جسم أبينا آدم للتكامل بين الرجل والمرأة.
والسكن عبارة جميلة تعنى قوة الاطمئنان والله تعالى عبّر بالسكن أي سكون النفس وركونها واطمئنانها إلي الشيئ وأيضا فيه إيذان ببقاء العلاقة الزوجية لأن السكن لا يمكن ان يزيله شيئ، وطبعا هذا يكون ضد الطلاق لأن الطلاق أمر عارض، وهذا أيضا فيه إيذان بعدم تفضيل الطلاق لأن فيه سكن النفس وسكن القلب، وهذا يجلب المودة والرحمة، وهما أعلى قمة الأخلاق ومن غير أخلاق بين الزوجين لا تستمر الحياة الزوجية، وإذا استمرت لا تكون هناك حياة زوجية سعيدة وتحدث السعادة عندما توجد الأخلاق في الحياة الزوجية عبر سكن النفس والجوارح والمودة وقال الله: {وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةٌ} [الروم: 21]، ولم يقل واجعلوا بينكم مودة.
98 (1/98)
صفحة 99
س: الآن عندما يقدم الشاب على الحياة الزوجية يقول له بعض الناس: قد دخلت القفص الذهبي، كأنه تقييد للحرية، ويقول بعض الشباب بعد الزواج بسنة أو سنتين أنا لم أجد
المودة والرحمة، هل هذه الأشياء أرزاق أم أنها تأتي بعد الصبر والمسؤوليات؟ ج: التعبير عن الزواج بالقفص هو تعبير جاهلي في الحقيقة، لأن الإسلام لم يقل بأن الزواج قفص، والقفص هو الذي يحجز الإنسان، أما إذا كان يقصد من التعبير أن الانسان كان في حرية مطلقة يفعل بعض الفواحش فممكن وإلا فالزواج في الإسلام ليس قفصا، الزواج رحمة ومودة يحجزه عن ذلك الأمر، ويحجزه عن طريق النار، وطريق الشيطان، ويأتي به إلى الطريق الصحيح، وينطلق فيه الانسان لبناء الحياة، والتعبير عن الزواج بالقفص عبارة
غير جيدة.
صحيح،
صح
هذا
س: يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «تنكح المرأة لأربع لجمالها ولمالها ولحسبها ولدينها، فاظفر بذات الدين تربت يداك»، هل هذا الحديث يحصر لنا الأوصاف الأربعة التي ذكرت؟ ومامعنى كلمة «الدين» هنا؟ هل تعني الشعائر أم الاخلاق؟ ج: في الحقيقة، المرأة قبل الزواج لا تخرج عن واحدة من هذه الصفات الأربع، يعني ليس بالضرورة أن تكون هذه الصفات الاربع مكتملة في المرأة، ولا تخرج عن هذه الصفات، ولكن هذا الحديث في معناه لأنه قد تنكح المرأة لغير جمالها، وإذا الحديث فإنه ليس فيه أمر، بل فيه واقع عن حياة الناس، والناس عندما يتزوجون يريدون أن تكون إحدى هذه الصفات موجودة والجمال أساسا نسبي، فقد يرى رجل في امرأة جمالا ولا يراه فيها الشخص الآخر، ولذلك فهو نسبي متفاوت وليس مضطردا، وبغض النظر عن صحة الحديث سندا، فالنبي صلى الله عليه وسلم إن صح الحديث كأنه يقول إن الغالب في الزواج يتم بإحدي هذه الصفات، ولا شك أن الاسلام يرجح ذات الدين والإسلام دين في حد ذاته والذي يأمرنا بهذا نبينا الكريم الله لي ولوالدين لا شك أوجهه وأكمله، لأن الدين فيه أخلاق، فيه معرفة الحقوق بين الرجل والمرأة، وتربت يداك الأصل فيه دعاء بالفقر، الإنسان عندما يكون فقيرا يكون ملصقا بالتراب وهنا فيه حث بمعنى أنك إذا لم تظفر بذات الدين تربت
99 (1/99)
صفحة 100
يداك، أي إن لم تظفر بذات الدين فسوف تلصق يدك بالتراب من الفقر، وإذا وجدت ذات الدين لا تتركها لكن كما أخبرتك الحديث ليس قويا من حيث المتن والسند. س: نسمع في بعض الأحيان عن حدوث مشكلات زوجية ويقول الناس للأسف لم نسأل عن هذا الرجل سؤالا جيدا، كيف يجب أن يسأل الناس عن الرجل؟ وكيف يسألون عن المرأة؟ وماهي الطريقة الأفضل والأحسن في ذلك لتجنب المشاكل الكثيرة التي قد تحصل؟ ج: يجب أن يكون السؤال عن أمرين، الأمر الأول: الكفاءة، وأكثر المذاهب يأخذون بها، والمقصود بها الكفاءة في النسب، وأما الآن فقد توسعت الكفاءات في هذا الزمان، فهناك كفاءة علمية واجتماعية بشكل عام وإذا لم يكن هناك تكافؤ لا تكون الحياة الزوجية مستقرة، وكذلك كفاءة الأخلاق عند الرجل، فهو عندما يتقدم أساسا يكون قد سأل عنها، ويسأل ولي أمر المرأة عن كفاءته العلمية والأخلاقية والسؤال عادة يكون عن طريق معارف ذلك الشخص فإذا ثبتت الكفاءة فيتم الزواج وإذا لم تكن هنالك كفاءة يرفضه ويعتذر إليه بعذر مقبول ومؤدب، لا كما حدث مع هرم بن سنان المري مع أوس الطائي وهرم من زعماء العرب الذي قال لأحد مستشاريه: «لو خطبت أحدا أيردني وأنا بهذه المنزلة وبهذا الشرف»؟ قال له: «أظن لو أنك خطبت على أوس بن حجر الطائي يردك»، فقال له: «فلنرحل إليه»، فرحل إليه فخطب إليه ابنته فرد عليه أوس: «لست هناك»، أي أنك لست بهذه المنزلة، وهذه القصة في الجاهلية، والكفاءة كنت موجودة عندهم، ولما رحل هرم بن سنان غاضبا، دخل أوس على أمه وكانت من أعقل النساء، فسألته وقالت له: «كيف الضيف؟ فأخبرها بالقصة، فقالت له: «ابعث له وزوجه فإنّ الرجل كريم من كرماء العرب»، فبعث إلى هرم بن سنان فزوجه ابنته وهذا الذي قام به أوس في البداية رفض قاس وليس اعتذارا مهذبا ولكنه تدارك ذلك بفضل أمه، ولا يحدث استقرار أسري إذا انعدمت الكفاءة، وإذا توفرت الكفاءة تكون الحياة الزوجية موفقة في الغالب، ولقد علمنا الله تعالى أن الكفاءة تكون سببا للاستقرار من خلال قصة السيدة زينب بنت جحش وهي بنت عمة النبي و وقد زوجها النبي من مولاه زيد بن حارثة حب رسول الله، فزيد
100 (1/100)
صفحة 101
هذا اختطف وهو صغير وبيع حتى وصل إلى السيدة خديجة لي فأهدته لسيدنا محمد فصار مولى لرسول الله صلى الله عليه وسلم مولكون زينب من قريش وحفيدة عبد المطلب سيد قريش أخذت تترفع عن زيد بن حارثة المولى، فكان يشكو ترفعها عنه إلى النبي صلى الله عليه وسلم حتى نزل أمر الله عز وجل، بتزويجها للنبي صلى الله عليه وسلم قال تعالى: {فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوجنگها} [الأحزاب: 37]، فلذلك كانت تفتخر على ضرائرها من زوجات النبي الا الله بأن الله هو الذي زوجها بمحمد هذا، أنه لم يحدث استقرار لأن الكفاءة لم تتساوى. من
والعبرة
س: هل نعتبر هذا الأمر من المشاكل أمرا عاديا لأنه كان يحدث حتى في زمن النبي
صلي
الله عليه وسلم؟ ج: طبعا لأن أكثر المشاكل في الأمور العائلية وهي مستجدة، فالحياة بين الزوج والزوجة احتكاك، ولذلك تحتاج إلى أخلاق وتحمّل وعدم انفعال ليتميز الناجحون في العلاقة
الزوجية من غيرهم.
101 (1/101)
صفحة 102
الحلقة الثالثة عشرة «اخلاقيات الزواج 2»
102 (1/102)
صفحة 103
بسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
س: الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا، أما بعد فهذا الجزء الثاني من أخلاقيات الزواج، وكان ضمن الحلقة السابقة قصة زواج زيد بن حارثة بزينب بنت جحش، وذكرنا أهمية الكفاءة من خلال هذه القصة إلا أن هناك رواية تروى أن النبي الله الله فتن بالسيدة زينب عندما ذهب لزيارة مولاه زيد بن حارثة وصادفها كاشفة عن شعرها فما صحة هذه الرواية؟ ج: رواية أن النبي صلى الله عليه وسلم فتن بالسيدة زينب عندما زار زيد بن حارثة ورآها كاشفة عن شعرها غفلة هي من المسلمين أو من المؤرخين الذين ذكروا هذه الحادثة فالنبي أشرف من هذا، أولا لأنّ المرأة بنت عمته فكان يراها ويعرفها فلا داعي إلى أن يفتتن بها في تلك اللحظة عندما رآها كاشفة شعرها وهو يعرفها منذ صغرها ومنذ طفولتها، ولأن الحياة في مكة كانت مفتوحة وبسيطة، والأطفال يتعايشون ويلعبون مع بعضهم، والبيوت كانت بسيطة وليست بالصورة المعقدة حاليا، فلا داعي لأن يذهب النبي صلي الله عليه وسلم إلى بيت زيد بن حارثة حتى يرى شكلها ويفتتن بها، فقد رآها منذ صغره، وحاشاه صلى الله عليه وسلم عن ذلك، والأمر الثاني: لو كان هكذا لما أمر الله تعالى أن يتزوجها بتلك الحالة لو افتتن بها، طبعا هذه غفلة من المؤرخين والمفسرين في الإسلام، فدوّنوها وتلقاها المستشرقون فدندنوا عليها وهي قصة ردّها العلماء المتبحرون المدققون، لأنها لا تستقيم مع أخلاق النبي، بل ولا تستقيم مع الإسلام بشكل عام. س: سعادة الشيخ لك كتاب حول السيرة النبوية، ماهو السبب في أخذ بعض المؤرخين والمؤلفين الروايات دون تمحيص وتدقيق؟
ج: في السابق كان التحليل غير موجود وكانوا يتناقلون الروايات من شيخ لآخر، أما الآن تطور العلم وتطورت المناهج من تحليل وتعليل واستعمال للقرائن لمعرفة القصة، وفي التراث
103 (1/103)
صفحة 104
الإسلامي الكثير من المطبات، بعكس الآن حيث أصبح التحليل هو المنهج في قبول الرواية ومع استعمال القرائن المحيطة بها.
س: هناك سؤال يثار في مواقع التواصل الاجتماعي، يصدر اليوم من باب الحرية ومن باب كرامة الزوجة، أن المرأة غير مطالبة بأعمال البيت وليس من حق الزوج الشرعي، ماذا تقول حول هذا الرأي؟
ج: المرأة غير مكلفة بأعمال البيت من ناحية الشرع، وهذا ما جاء في بعض كتب الفقه،
عز
لكن لو جئنا إلى التعاون فهو مطلوب بين الرجل والمرأة، حتى تستقيم الحياة، لقول الله وجل: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِ وَالتَّقْوَى} [المائدة: 2] والتعاون على البر والتقوى يكون بعمل المرأة في بيتها إذا كان الرجل يعمل خارج البيت، وهذا ما أمر به النبي صهره وابن عمه علي بن أبي طالب وابنته المصونة فاطمة الزهراء، عندما حدث خلاف بينهما فرفعا أمرهما إلى النبي الله فقال لعلي بما معناه: عليك العمل خارج المنزل وعلى فاطمة عليك العمل داخله، وهذا في الحقيقة إن صحت الرواية نص في الموضوع، بأن المرأة عليها أن تعمل العمل الذي تطيقه طبعا، والفقه فيه مسائل خلافية كثيرة، وقال بعضهم إذا كانت المرأة مخدومة في بيت أبيها فيجب أن تخدم في بيت زوجها وإذا كانت غير مخدومة في بيت أبيها فلا تخدم في
بيت زوجها.
س: وإذا كانت تعمل موظفة؟
ج: إذا كانت تعمل موظفة فعليها أن تجلب خادمة، وأنا في بعض أبحاثي عن المرأة قلت: «إن كانت المرأة موظفة ووظيفتها تخلّ بعملها في البيت عليها أن تأتي بخادمة تنوب عنها في عملها في البيت، ويكون راتب الخادمة عليها هي». س: لكن تظهر لنا مشكلة آخرى سعادة الشيخ مشكلة أن بعض الزوجات تعمل موظفة وتعود للبيت في ساعات متأخرة فتكون تربية الأبناء على الخادمة وربما تأثروا بأخلاقها وبدينها، فهنا تكمن الإشكالية في الموضوع.
ج: لا شك إن استطاعت المرأة أن لا تترك أولادها وخدمة أبنائها فذلك هو الأفضل لها،
104 (1/104)
صفحة 105
وأنا في "كتابي" المرأة المسلمة" ذكرت أن هناك ثلاثة أقوال في عمل المرأة خارج المنزل، فهناك من رفض مطلقا، وهناك من لم يعترض تماما على عمل المرأة خارج المنزل، وهناك من أجاز عمل المرأة الذي يجب أن تقوم به في مجتمعها إذا استلزمت الحياة ذلك، ولكن عليها أن تتدارك تربية أولادها وعمل المرأة أصبح مظهر العصر، ولا حرج في ذلك إذا لم يكن منافيا
للشرع.
س: سعادة الشيخ بالنسبة لما يروى أن السيدة خديجة التي عرضت نفسها على الرسول صلى الله عليه وسلم، هل هذا خاص بالرسول صلى الله عليه وسلم أم أنه يمكن للمرأة ان تعرض نفسها على الرجل بالزواج؟ ج: طبعا لا يمنع ذلك، ولا تعرض نفسها للزواج إلا المرأة العفيفة، فالمرأة إذا رأت في الرجل الكفاءة جاز لها أن تعرض نفسها عليه وفي زماننا أصبح من المعيب أن تعرض المرأة نفسها على الرجل، لأنه يمكن أن يرفضها وتعرض نفسها على الأخر فيرفضها كذلك، وهذا يدل أن المرأة بها عيب ما فيصبح الأمر غير مناسب لأهلها، وهذا من حيث العادات غير محبذ، الناحية الشرعية فلا بأس في ذلك.
أما من
س وبالنسبة للرجل هل يمكن أن يعرض ابنته للزواج؟
ج: طبعا، وقد عرض كثير من العلماء بناتهم على أناس صالحين متعلمين، وهذا حدث كثيرا في التاريخ وهذا مردّه إلى الأعراف والعادات.
س: الآن كثير من الباحثين ينكرون زواج النبي له بالسيدة عائشة وهي صغيرة في هذا العمر، بما أنك باحث في هذا المجال ما تعليقكم على هذا الموضوع؟
ج: هذا في الحقيقة راجع إلي خلاف في الزواج بالصغيرات هل الزواج بالصغيرة يتم؟ فمن قال بأنه يتم استشهد بقصة زواج النبي صلى الله عليه وسلم من السيدة عائشة وهي صغيرة، والرواية صحيحة، ولما طلب منها النبي أن تنتقل إلى بيته كانت تلعب مع أترابها من البنات، ولكن اختلف في زواج النبي صلى الله عليه وسلم من السيدة عائشة وهي صغيرة هل هو من خصوصياته الله عليه وسلم أم لا، فالذي قال هو من خصوصياته لم يبح زواج الصغيرة، ومن قال أنه ليس من خصوصياته أباح الزواج بالصغيرات، وعلى الرأي الأول الإمام جابر بن زيد،
صلي
105 (1/105)
صفحة 106
وأنا ذكرت هذا في بحثي الذي قدّمته إلى مجمع الفقه الإسلامي الدولي، وأخذت فيه برأي الإمام جابر بن زيد فالزواج لاسيما في هذا العصر يجب أن يكون بامرأة بلغت مرحلة الزواج وأن تكون قادرة جنسيا، وقادرة على الحياة الزوجية بكل ما فيها والذين يرون جواز الزواج بالصغيرة أيضا غير مخطئين.
س: بالنسبة للنظرة الشرعية ماهي حدودها؟ وكيف تكون آلية هذه النظرة؟ اليوم صار هناك تجاوز في هذا الموضوع، وربما تُرسل الصور دون علم الأهل، كيف يمكن أن تهذب هذا الأمر وفق الأخلاق الإسلامية؟
ج: النظرة الشرعية مأمور بها، لأن النبي الله أمر المغيرة بن شعبة بأن ينظر إليها وتنظر إليه، وعلل ذلك النبي الله أنه أحرى أن يودم بينكما، والإيدام مأخود من الدوام أي أن تكون الحياة الزوجية سعيدة، دائمة وغير منقطعة، وفي الغالب إذا تزوج الرجل امرأة لم يرها ولم ير جمالها وخلقها وتصرفتها لا يكون بينهما تفاهم ولا دوام في الحياة الزواجية، بعكس الذي ينظر للمرأة النظرة الشرعية فيعرف محاسنها الخلقية والخلقية ولكن يجب أن تتم هذه النظرة بصورة مهذبة ومؤدبة، ويكون اللقاء عند أهل المرأة وأهل الخاطب ولا تكون بينهما خلوة، لأن الخلوة غير شرعية في تلك اللحظة.
س: لما ذهب النبي الله الزيارة الإمام علي بن أبي طالب فلم يجده في البيت سأل فاطمة عنه، فقالت: «حدث بيني وبينه شيء أغضبني فخرج»، واليوم أبسط الأمور قد تؤدي إلي إفشاء الأسرار والتعبير عنها سواء بالتصريح أو بالتعريض ماهي أهمية المحافظة على أسرار
البيت؟
ما
المحافظة على أسرار البيت من الأمور الضرورية جدا، فالزوج يجب عليه أن لا ج يفشي دار بينه وبين زوجته، وكذلك الزوجة، لا سيما في الأمور الخاصة، أما الأمور العامة كأن تمدح زوجها مثلا فلا بأس في ذلك، وأما الأمور الخاصة، كأن يفضي الرجل إلي زوجته ثم يتحدث بذلك أمام الناس، فهذه ليست الأخلاق ألبتة، وهذه من الأفعال المذمومة من والمنكرة، والسيدة فاطمة لم تخبر النبي عما حدث بينها وبين زوجها، مع أنه أبوها، وهذا
106 (1/106)
صفحة 107
شيئ يحدث عادة بين الزوج والزوجة، وعلى الزوج أن يترفع إذا وجد هذا، وعن البيت لتخفيف الأمر بدل المشادات الكلامية، فهي سبب في المشاكل. ولذلك الشيخ نور الدين السالمي يقول:
***
وإنني يعجبني أن يصبرا على أذى زوجته كي يأجر
***
فالمبتلى أيوب لما صبرا نال من الله ماما أكبرا
***
ردّ إليه أهله وزادا ونال. من رضوانه المرادا
والمقصود أن النبي أيوب عليه السلام ابتلاه الله بمرض جعل جنده يتساقص، طبعا هذ بحسب الروايات وهي كثيرة جدا، ولكنه غضب على زوجته فحلف أن يضربد، فيمته تعالى قال: {وَاذْكُر عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبِ وَعَذَب [ص: 1. ثم حكى الله تعالى أن يرد إليه أهله بأن يأخذ أعوادا من الحشائش فيضربها حتى لا يحنث نحيفه. هذا أن الرجل على أذى زوجته كما. يصبر
فالعبرة من
صبر
النبي أيوب على زوجته.
107 (1/107)
صفحة 108
الحلقة الرابعة عشرة «اخلاقيات الزواج 3»
108 (1/108)
صفحة 109
بسمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
س: تحدثنا في الحلقة الماضية عن أخلاقيات الزواج، ما هي الأخلاقيات المطلوبة في الزواج من خلال قول النبي لعبد الرحمن بن عوف: «أولم ولو بشاة»؟
ج: تطرقنا في الحلقتين الماضيتين لبيان الأخلاق التي ينبغي أن يكون عليها الزوجان أثناء الزواج، وقد كان حديثا شيقا ورائعا ومهما لأنه يمس حياة الإنسان، والواقع يحتاج أن نسقط عليه الأدلة الشرعية من القرآن والسنة، وخصوصا في هذا الموضوع.
وعبد الرحمن بن عوف تزوج امرأة من الأنصار وجاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فرأى عليه أثر صفرة، بسبب الطيب، فسأله النبي عن سر ذلك، فأخبره بزواجه، فسأله النبي صلى الله عليه وسلم: هل أولمت»؟ ثم قال له: «أولم ولو بشاة» ومعنى أولم: أي اجمع الناس ومن السنة أن يشهر الإنسان زواجه؛ لكي يعرف الناس أن فلانا وفلانة قد تزوجا.
س: متى يكون الإشهار؟ يوم عقد القران أو يوم العرس (النقلة)، لأن الناس يخلطون في هذا. ج ممكن أن يكون في كليهما، والعادة في أيامنا وفي المعروف بين الناس أن الإشهار بين الرجال يكون في يوم عقد القران المعروف بـ (الملكة)، والإشهار بين النساء يكون يوم العرس (النقلة)، وينبغي الابتعاد عن الإسراف العقد يوم ويوم العرس، وهذا كله يكون على كاهل الزوج، مما يؤدي إلى تراكم الديون عليه، وبالتالي تتنغص الحياة الزوجية وتحدث المشاكل بين الأزواج، وقد نجحت الحكومة ولله الحمد بتوجيه الناس للتخفيف من المهور، فالمهور الآن ليس فيها مغالاة، وقد أصبح متوسط المهر في العاصمة وما حولها من المناطق حوالي (5000) ريال لكن الإسراف يكثر في إعداد ولائم الرجال، وفي تحمل تكاليف باهظة في أعراس النساء، فيجب التخفيف من هذه التكاليف؛ لكي يسعد الأزواج في حياتهم ولا
109 (1/109)
صفحة 110
تتنغص عليهم بسبب تراكم الديون جرّاء التكاليف الباهضة.
س: هناك من يريد التسهيل في الزواج، فيطلب مثلا مائة ريال، مهرا فيؤدي هذا لحرمان الفتاة من شراء ما تريده لتجهيز لنفسها، فما رأي فضيلتكم في هذا الأمر؟
ج: هذا الأمر حاصل وواقع، ولكن تخفيف ولي الفتاة من المهر يوجب على الزوج أن يتحمل كل تكاليف تجهيز الفتاة من الملابس والذهب وغير ذلك، وأن يتحمل أيضا تكاليف يوم عقد القران وتكاليف عرس النساء، وينبغي في هذه الحالة أيضا الاقتصاد وعدم المبالغة في
التكاليف.
س: هناك ظاهرة جميلة في هذه الأيام، وهي ظاهرة الأعراس الجماعية، والرائع في هذه الأعراس، مساهمة رجال الأعمال في دفع تكاليفها، ويقومون أيضا بإعطاء الشباب هدايا
فاخرة وثمينة، فنريد منك فضيلة الشيخ كلمة شكر للراعين لهذه الأعراس الجماعية.
ج: حضرت بعض حفلات الزواج الجماعي، وهذا أمر جيد ورائع من رجال الاعمال الذين يقومون برعاية هذه الاحتفالات؛ لأنها سهلت طريق الزواج أمام الكثير من الشباب، وأسأل الله التوفيق للمتزوجين والمنفقين على هذه الاحتفالات وأنا أشجع على مثل هذه الأمور التي تعمم الفرح والبهجة في كثير من الأماكن.
س: ما هي صفات السكن المطلوب للمرأة؟ خصوصا مع مطالبة بعض الناس بسكن مستقل
لابنتهم، ويترافق هذا مع كون الزوج هو المتحمّل لتكاليف الزواج كاملة.
ج توفير السكن حق للزوجة؛ تجنبا للمشاكل بين الضرات أو مع أم الزوج أو مع أخواته فيكون الحل لتجنب هذه المشاكل وجود مدخل خاص للزوجة، سواء كان ملحقا ببيت أهله أهله. أو كان بعيدا عن
110 (1/110)
صفحة 111
س: ما هي أغرب المشاكل بين الازواج التي مرّت على فضيلتكم أثناء عملكم في مكتب الإفتاء أو أثناء مخالطتكم للناس؟
ج: بصراحة مرت علي قصص كثيرة، ولكن لا يحضرني شيء منها الآن، لكن بالنسبة للطلاق مثلا، فإن الكثير من حوادث الطلاق تقع بسبب الغضب وعدم التروي، بل إن هناك من يكون لديه عشرة أولاد ويطلق زوجته وكل ذلك بسبب الغضب والانفعال وعدم التروي عند
وقوع المشاكل بين الزوجين.
111 (1/111)
صفحة 112
الحلقة الخامسة عشرة «أخلاقيات الزواج 4»
112 (1/112)
صفحة 113
بسم الله الرحمن الرحيم
س: نواصل اليوم الحديث عن أخلاقيات الزواج، وهذه هي الحلقة الرابعة والأخيرة في هذا الموضوع، ونبدأ الحديث بسؤال حول قول الله تعالى: {فَابْعَثُوا حَكَمًا مِّنْ أَهْلِهِ، وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا} [النساء: 35]، إذ إنّ بعض الناس يسارعون للذهاب إلى المحاكم عند حدوث أي
مشكلة في البيت، متناسين التدرّج الذي نص عليه القرآن لحل المشكلات الأسرية. ج: مقصود الآية هو الحيلولة دون حصول الطلاق، وقد ذكرت في الحلقة السابقة أن كثيرا من حالات الطلاق تقع بسبب الغضب، فالبنسبة للمرأة الناشز يكون الوعظ لتذكيرها بحق زوجها عليها، فإن لم يجد الوعظ، لجأ الزوج للهجر، وهو عقوبة نفسية، أما الضرب فلا يكون إلا في آخر المراحل، ويكون غير مبرح، ويكون كل هذا لتفادي الطلاق، فحصول الضرب غير المبرح أفضل من وقوع الطلاق، فإن تعمّق الشقاق والنزاع بعد هذا يتم يبعث الحكمين من طرف أهل الزوج وأهل الزوجة بقصد الإصلاح، وكل هذا لأجل تفادي الطلاق، لأنّ الطلاق هو أبغض الحلال كما جاء في الحديث وإن كان الحديث ضعيفا إلا أن معناه
صحيح،
يسبب انهيار الأسر وضياع الأولاد، ولأجل ذلك كان التدرج القرآني لمنع الطلاق
عبر
فالطلاق
س: نسمع عن الابتزاز الجنسي الانترنت سواء من العاملين في قطاع التنمية الاجتماعية أو في المدارس، ويكون في كثير من الأحوال من قبل من حصل لهم طلاق بين آباءهم وأمهاتهم. ج: هذا أمر طبيعي، فهؤلاء لم يجدوا من يوجههم وينصحهم، وهذا يضر المجتمع والدولة، فمن يتجه للابتزاز والمخدرات يعمم الضرر على نفسه، وغيره ومهما كان الأب فاسدا فإنه لا يرغب بصيرورة أبنائه إلى نفس حاله وهذا من مميزات الأبوة، فكثير من الرجال لا يكونون محافظين على الصلاة، لكنهم يأمرون أبناءهم بالصلاة وبالالتزام الديني.
س: في إحدى الدول قام رجل بقتل زوجته بعد أن شك بها، ولما تبين له خطؤه قتل أبناءه،
113 (1/113)
صفحة 114
فكيف نوفق بين الغيرة وبين التفسير السيء للأحداث؟
ج:
الشك لا يجوز في الإسلام؛ لأن الإسلام قائم على الأخذ بظاهر الأحداث، وللزوج أن
يمنع زوجته عن العمل إذا شك بها، تجنبا لحصول المفسدة، فإن تبين له صدق ما شك به لا يحل له قتلها، لأن القتل في الإسلام يكون مباحا في حدود ضيقة، والقتل أمره عظيم عند الله، فحصول الشك من قبل الزوج يكون بسبب وساوس الشيطان وانحراف مزاج هذا الانسان، وهذا لا يجوز في الإسلام لأنه مظنة حصول الضرر والمفاسد.
س: هناك لغط كثير حول موضوع تعدد الزوجات، فمن النساء من تعتبر زوجها مذنبا وخائنا امرأة غيرها، وكذلك يقوم بعض الأزواج بمفاجأة زوجاتهم بهذا الأمر مما يفاقم
عندما
يتزوج
غضب النساء.
ج الشرع سمح للرجل أن يتزوج أربعا من النساء بنص القرآن، لكن بشرط العدل، فإن خاف عدم العدل اقتصر على واحدة، وتعدد الزوجات مباح وليس مأمورا به أمرا وجوبيا، والإنسان مخير في فعل المباح أو تركه، وهناك من النساء من تشجع على تعدد الزوجات لأنه يخفف من العنوسة لكن بشرط العدل بين الزوجات، ويذكر عن الإمام جابر أنه كان يعد القبل بين زوجتيه فيقبل كل واحدة نفس عدد القبل، ولا يصح أن يخفي الزوج عن زوجته زواجه من أخرى، ولا يصح له ترك إحدى نسائه كالمعلّقة بسبب جوره وعدم عدله معها، فلا بد من الانضباط بضوابط الشريعة عند تعدد الزوجات، ولا يجوز للمرأة السعي في طلاق ضرتها بسبب دافع الغيرة لقول النبي: «لا تسألن إحداكن طلاق أختها لتستفرغ صحفتها فإن لها ما قدر لها»، وإن كان مقصرا معها فإما أن تصبر وإما أن تطلب طلاق نفسها، لا أن تطلب طلاق ضرتها، وطلب طلاقها نفسها أيضا غير جائز من غير عذر
س: وماذا عن ميل الزوج قلبيا لإحدى زوجاته أكثر من الأخرى مع عدله بينهما؟
114 (1/114)
صفحة 115
ج: الميل القلبي لا يؤاخذ عليه الزوج، فالنبي الله اشترى شيئا وقسمه بين زوجاته ثم قال: هذا «اللهم قسمي فيما أملك فلا تؤاخذني فيما تملك ولا أملك»، والميل القلبي لا يستطيع الإنسان التحكم به، ولكن عليه المحاولة للتحكم به، فإن غلبه الأمر فلا مؤاخذة عليه، ولكن عليه أن يكون عادلا في الأمور المادية.
س: يقول الله تعالى: الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ} [النساء: 34]، ما هو مفهوم القوامة في هذه الآية؟
ج القرآن وضح ذلك في نفس الآية حيث قال: الرّجالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ} [النساء: (34)، فالقوامة معناها الإنفاق، إذ إن بنية الرجل الجسدية أقوى من بنية المرأة، فهو قادر على الكدّ وتحمّل العمل الشاق، وقوامة الرجل هي التي تنظم الأسرة، قال النبي: «كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته». والقوامة هنا تعني القيادة، فكل مجموعة لابد لها من قائد، وقيادة الزوج للأسرة شيء إيجابي س: نريد منكم في الختام كلمة حول حديث النبي صلى الله عليه وسلم: «خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم
لأهلي».
ج النبي هو
القدوة والمشرع، وقد حض أمته على الزواج ورغبهم فيه، وقد تزوج تسع نساء لكي ينقلن لنا حياته الأسرية لا كما يقول المستشرقون أنه شهواني أو مزواج، والنبي ل خير الناس لأهله، فلم يضرب زوجة من زوجاته، ولم يعنفّهن أبدا، وأقول في ختام الحلقة أن الزواج يحتاج إلى الأخلاق سواء من الرجل أو المرأة فعليهما أن يحترما بعضهما وأن يراعيا
مشاعر بعضهما.
115 (1/115)
صفحة 116
الحلقة السادسة عشرة «أخلاقيات الطلاق ا»
116 (1/116)
صفحة 117
بسم الله الرحمن الرحيم
س: تحدثنا في الحلقات السابقة عن أخلاقيات الزواج، ومن متعلقات هذا الموضوع مواضيع
الطلاق والعدة، والحضانة ونبدأ بالسؤال عن الطلاق فما
هي
مقاصد الإسلام الأخلاقية في
الطلاق؟
ج الطلاق جعله الله فرجة للزوجين عند ضيق الحياة بينهما، والطلاق غير مرحب به في الإسلام، لحديث: «أبغض الحلال إلى الله الطلاق»، فهو حلال لكنه بغيض عند الله، والإسلام حمى الزواج بسياج عظيم لئلا يحدث الطلاق، وكما يقال: آخر العلاج الكي، فالطلاق شيء مستكره لكن لا بد منه عند ضيق الحياة بين الزوجين كأن يكون أحدهما سيء السيرة، فيطلب كل منهما الطلاق لأن فيه متنفسا، وفي بعض الديانات لا يشرع فتكون الحياة حالكة بين الزوجين، ولذلك ظهرت الدعوة للزواج المدني لأن فيه طلاقا، والذين الكاثوليك من المسيحيين حتى يقال إنه زواج كاثوليكي
يضرب بهم المثل في منع الطلاق
هم
الطلاق
أي: لا طلاق فيه، فتكون الحياة هذا مع الزواج حالكة ومظلمة وفي هذا صعوبة على الزوج
والزوجة، لذلك طبق في كثير من الدول الزواج المدني لأن فيه طلاقا.
س: ذكرت فضيلة الشيخ أن الحكمة الطلاق من
بينهما، لكن من الناحية الواقعية، هناك من
هو التنفيس عن الزوجين عندما تضيق الحياة
النساء من تصبر على أذى الزوج فلا تطلب
الطلاق ويصبر بعض الازواج لأجل تربية الأولاد ولتجنب كلام الناس، وكأن نظرة الناس في هذه الأيام للرجل المطلق أو المرأة المطلقة صارت نظرة معيبة.
ج: الصبر من الصفات المحمودة والله تعالى أثنى على النبي أيوب لمّا صبر على امرأته فقال تعالى: {وَوَهَبْنَا لَهُ وَ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُم مَّعَهُمْ رَحْمَةً مِنَا وَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَبِ وَخُذْ بِيَدِكَ ضِعْنَا فَأَضْرِب يَهِ
117 (1/117)
صفحة 118
من الله بأنه صابر
وَلَا تَحْسَثُ إِنَّا وَجَدْنَهُ صَابِرًا يَعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَابٌ [ص: 43 - 44]، فهذا ثناء وأواب، أي يرجع إلى الله ويؤوب إليه، وفي هذا يقول الإمام السالمي في الجوهر:
***
وإنني يعجبني أن يصبرا على أذى زوجته كي يؤجرا
***
فالمبتلى أيوب لما صبرا نال من الله جزاء أكبرا
***
رد إليه أهله وزادا ونال من رضوانه المرادا
فالصبر هو الرجل، والمرأة تؤجر على صبرها بخلاف الرجل فإن الطلاق بيده وليس مجبورا على الصبر
الأفضل في الحياة الزوجية، وخصوصا للمرأة، لأن الطلاق ليس بيدها وإنما بيد
بخلاف المرأة فإنها مجبورة على الصبر.
س: وهل يكون الصبر عند التقصير في الحقوق من أحد الزوجين؟
ج: نعم، فلا بد من الصبر عند وقوع التقصير مع التأكيد بأن الإسلام لا يرغب في الطلاق، ويكون الصبر بحسب المقدرة، ولا يلجأ إليه إلا عند ضيق الحياة بين الزوجين، وعدم القدرة على متابعتها، فهو آخر العلاج، والحقيقة أن حصول المشاكل ووقوع المنغصات في الحياة أمر طبيعي، فلا بد من التعقل وعدم التسرع في الطلاق وبخاصة من الرجل، لأن عقدة النكاح وهي الطلاق بيده والله ختم آيات الزواج والطلاق في سورة البقرة بقوله: الله كذلك يُبَيِّنُ الله لَكُمْ ءَايَتِهِ، لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} [البقرة: 242]، لأن أمور الزواج والطلاق تحتاج إلى التعقل ولا تحتاج إلى الغضب والانفعال، والمتتبع لآيات النكاح والطلاق يجد أن الله يعقب الحكم في نفس الآية أو في آية بعدها بالوعيد الذي فيه التغليظ والتشديد في الإنذار، كقوله تعالى: {تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا} [البقرة: 229]، وكقوله تعالى: {وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [البقرة: 216]، وهذا موجود في كثير من الآيات، لأن
118 (1/118)
صفحة 119
الإسلام جاء لمعالجة التلاعب الذي كان موجودا عند العرب في الحياة الزوجية ولذلك
ختمت الآيات المتعلقة بالزواج والطلاق بهذه الإنذارات الشديدة.
س: من خلال تتبع سورة الطلاق نجد أن التقوى ذكرت عدة مرات في السورة.
ج: هذا أمر طبيعي؛ لأن التقوى هي التي تردع الإنسان عن تجاوز حدود الله، قال تعالى: لا وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ ولا [الطلاق: 1]، والحدود معناها الأحكام، فالذي يتعداها يكون ظالما لنفسه.
س: بعض الناس ينظرون للرجل المطلّق أو المرأة المطلقة نظرة معيبة فماذا نقول هؤلاء الناس؟ ج: هذا يحدث بحكم الظروف، وإلا ففي السابق لم تكن هذه النظرة موجودة، ونظرة المجتمع للرجل غير المطلق والمرأة غير المطلقة أفضل، فالناس مثلا تعتبر الرجل المطلق قد تعدى وضم المرأة وكان الأولى به الصبر على أذى المرأة إن كانت مؤذية والمجتمع ينظر للمرأة نفس النظرة يقول: «لو لم تكن هذه المرأة تستحق الطلاق لما وقع عليها الطلاق»، وقد يقع
فتجد
من
عليها التقريع من أقربائها ومن أهل بيتها ولعلها تلام وتؤذى وتجرح.
فلأجل هذا حرص الإسلام على عدم وقوع الطلاق، فهناك الكفارات وهناك التدرج مع المرأة التي يخاف نشوزها كما في قوله تعالى: {وَالَّتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا} [النساء: 34]. وقال تعالى: {وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمَا مِنْ أَهْلِهِ، وَحَكَمَا مِنْ أَهْلِهَا إِن يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَام [النساء: 35]، فوضعت هذه السياجات للحفاظ على الزواج ولئلا يقع الطلاق.
س: في هذا السياق نحتاج للتوضيح حول العلاجات المذكورة في الآية الكريمة فكيف تكون الموعظة؟ وكيف يكون الهجر؟ وكيف يكون الضرب غير المبرح؟ إذ الناس لا يزالون غير واعين
119 (1/119)
صفحة 120
في هذا الباب فيتعجلون الضرب والطلاق والذهاب للمحاكم.
ج الموعظة هي الأساس، فينصح الرجل زوجته ويذكرها بالله تعالى ويذكرها بواجباتها إن لم يكن مقصرا وكانت هي المقصرة ويذكرها بأبعاد الطلاق وأضراره، وأما الهجر فليس معناه ترك البيت وإنما معناه ترك المباشرة الجنسية، فهذه عقوبة نفسية إذ إن بعض النساء قد تكون مغرورة بجمالها ومالها فهجرها يكون عقوبة نفسية لها، وأما الضرب فهو غير المبرح وغير المؤذي فلا يقصد منه الاعتداء والإضرار بالمرأة، فالمقصد منه العقوبة النفسية والتأديب والله أمر النبي أيوب بقوله: {وَخُذْ بِيَدِكَ ضِعْنَا فَأَضْرِب يَهِ، وَلَا تَحنَتْ [ص: 44]؛ فالنبي أيوب كان قد أقسم أن يضرب زوجته عندما عصته وتقززت منه عندما مرض، فأمره الله أن يضربها بالضغث وهو عبارة عن أعواد من الحشائش غير القوية وضربها به ضربة واحدة، وقد أثنى الله على النبي أيوب لأنه لم يطلق زوجته، وهذا درس رائع من قصة النبي أيوب، ونبينا محمد لم يضرب زوجاته قط، وكان يساعد أهله في أعمال المنزل ولنا في رسول الله قدوة كما قال الله تعالى: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ الله [الأحزاب: 21].
س: تكلمنا قبل الفاصل عن العقوبات النفسية، فنريد من فضيلتكم كلمة حول فكرة قسم التوفيق والمصالحة والتي جاءت بمرسوم سلطاني، فنريد من فضيلتكم كلمة شكر للمسؤولين عن
هذه الفكرة ودعوة الناس للذهاب إلى هذا القسم عند وقوع المشاكل.
ج:
هذه اللجان رائعة، وقد سمعت أحد المسؤولين من خارج السلطنة يثني على هذه اللجان وقد غردت في تويتر بهذا الخصوص وأثنيت على هذا الأمر، لأن الصلح سيد الأحكام إلا صلحا أحل حراما أو حرم حلالا كما جاء في الحديث، والصلح سيد الأحكام لأن فيه تراضيا إذ إن الحكم فيه قطيعة لك أو عليك، أما الصلح ففيه تقريب لوجهات النظر، فيخرج الطرفان راضيين، فتكون أهمية هذه اللجان في كونها تجعل الأطراف راضين، وكان هذا يمارس في عمان سابقا لكن ليس بمثل التنظيم الموجود هذه الأيام، فعندما كان المتشاكيان يأتيان إلى القاضي كان الوجهاء يقومون بنصح المتشاكيين والتوفيق بينهما، وهذا الأمر الآن مؤطر قانونيا بل وربما
120 (1/120)
صفحة 121
قضائيا، لأن هذا الأمر كان سابقا عادة جميلة وحميدة، فإنشاء هذه اللجان كان
عن عادة موجودة في المجتمع العماني.
س: دعاة تحرير المرأة يتساءلون لماذا جعل الطلاق بيد الرجل وليس للمرأة طلاق؟
بسبب
تطور
ج: لأن الرجل لا يتأثر بالعواطف كالمرأة أما المرأة فهي عاطفية أكثر فلو جعل الطلاق بيد المرأة لكانت أسرع في إخراج نفسها من نطاق الزوجية، والرجل أيضا دفع مالا فهو يحسب ألف حساب قبل أن يقدم على الطلاق، أما المرأة فلم تدفع شيئا فيسهل عليها الإسراع إلى
الطلاق.
س: لكن في بعض الأحيان عندما تغضب المرأة فإنها تخرج من بيتها إلى بيت أهلها، وتقوم بإثارة عواطفهم ضد زوجها وربما يغضبون على الزوج من دون استماع للزوج، فنريد توضيح موضوع التثبت من الطرفين.
ج: هذا خطأ من
الأهل والمفروض عليهم أن يرجعوها إلى زوجها ففي السابق عندما كانت
تأتي المرأة منفعلة وشاكية من زوجها كان أولياؤها يرجعونها إلى بيت الزوجية، وينصحونها
بالصبر، وبخروجها هذا تعتبر ناشزا.
س: ما هو تعريف النشوز؟
ج: الخروج من المنزل دون رضا الزوج وعلى أهل الزوجة عدم مساعدة المرأة على نشوزها، لأن تحريض الأهل لابنتهم على النشوز يساعد على الطلاق.
س نريد ملخصا في نهاية الحلقة حول أنواع الطلاق، حتى نبني عليه الأسئلة في الحلقة
القادمة.
121 (1/121)
صفحة 122
امرأته
من
ج: الطلاق أنواع، فهناك الطلاق الرجعي، وهناك الطلاق البائن بينونة صغرى، وهناك الطلاق البائن بينونة كبرى، والخلع، الذي يحكم القاضي فيه بالطلاق يعتبر طلاقا بائنا بينونة صغرى، وفي الطلاق البائن بينونة صغرى لا يحق للزوج أن يرجع زوجته إلا بزواج جديد قائم على العقد والشهود والولي وهناك قول بأن رضا المرأة كاف في البينونة الصغرى لرجعتها والصحيح أنه لا بد من زواج جديد، وأما في الطلاق الرجعي فيصح للرجل إرجاع غير زواج؛ لأنها تكون في العدة، ولا بد من شاهدين عند إرجاع الرجل زوجته لقوله تعالى: {وَأَشْهِدُوا ذَوَى عَدْلٍ مِنكُمْ} [الطلاق: 2]، وبعض المذاهب لا تشترط الشاهدين وقت الرجعة وإنما تشترط الشاهدين حال إيقاع الطلاق، والجمهور على اشتراط الشاهدين في حال إرجاع المرأة في الطلاق الرجعي، فيقول: أشهدكم على أني أرجعت زوجتي فلانة لها على بقي طلاق وصداق -إن بقي لها الصداق -»، أو يرجعها بحضور شيء من الشاهدين وحضورها أو بوجود أكثر من شاهدين إذا كانوا ذوي عدل وأما شهود الشهرة فلا بد من كونهم ثلاثة فصاعدا وشهود الشهرة هم مستورو الحال وأما إن اقتصر الرجل على شاهدين فلا بد من أن يكونا ذوي عدل؛ لقوله تعالى: {وَأَشْهِدُوا ذَوَى عَدْلِ مِنكُمْ.
من
122 (1/122)
صفحة 123
الحلقة السابعة عشرة «أخلاقيات الطلاق 2»
123 (1/123)
صفحة 124
بسمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحيم
س: بدأنا في
الحلقة السابقة في أخلاقيات الطلاق وتطرقنا لعدة مواضيع وختمناها ببيان أنواع
الطلاق، فهل عند فضيلتكم تكملة للموضوع السابق أم ندخل في الأسئلة؟
ج: الذي أقوله إن الزواج والطلاق هما الذين تظهر فيهما الأخلاق؛ لكثرة المشاكل وكثرة الاحتكاك الحياتي بين الزوج وزوجته.
س: في القرآن يقول تعالى عن الطلاق الرجعي: {لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ} [الطلاق: 1]، ما الحكمة الأخلاقية من بقاء المطلقة الرجعية في بيتها؟ ج: الأصل في الطلاق الرجعي بقاء المرأة في البيت، لأنها زوجة، إلا أنه لا يصح للرجل مباشرتها، ونفقة هذه المرأة على زوجها ويتوارثان إن مات أحدهما، فالحياة الزوجية مستمرة لكن يمتنع عن مباشرتها، نتيجة لما حصل من طلاق رجعي، فتبقى المرأة في البيت وتتزين لزوجها لعله يعجب بها فيردها، لكن الذي يحصل في هذه الأيام أن المرأة عندما كلمة تسمع الطلاق تحزم حقائبها إلى بيت أهلها وتجد هناك الحضن الدافئ من أهلها بل هناك من يعتبر جلوس المطلقة في بيت زوجها عيبا، وهذا مخالف لهدي الإسلام، فالإسلام يأمر المرأة بالبقاء في بيتها ولا يجوز للرجل إخراج المرأة من بيتها وينبغي على الأهل رد المرأة لبيت زوجها في حالة الطلاق الرجعي، إذ إن الحياة الزوجية مستمرة كما ذكرت ولكن في الواقع المعاصر وفي العادات العمانية اعتبار بقاء المطلقة طلاقا رجعيا في بيت زوجها عيبا، حتى قال لي أحد المشايخ الصالحين أنه طلق امرأته طلاقا رجعيا، ولم يخبرها به حتى تبقى في البيت فأخبرها بعد انتهاء عدة الطلاق الرجعي وفي الحكم الشرعي أن الرجل إن طلق امرأته سواء علمت بالطلاق أو لم تعلم فإنها تطلق منه، ويقول: أردت من ذلك إحياء السنة.
124 (1/124)
صفحة 125
الناس من
يقول لزوجته: إن فعلت الشيء الفلاني فاذهبي إلى بيت أهلك أنت
س: هناك من
طالق.
هذا ج:
من أنواع الطلاق
عنه، والله تعالى بالطلاق المعلق، وينبغي للإنسان الترفع ويسمى
ختم آيات الطلاق بقوله: وكذلك يبين الله لكم ءَايَتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ [البقرة: 242]، فالتعقل عند حصول المشاكل الزوجية مطلوب، لأن المشاكل الزوجية كثيرة والتعامل معها بلا تعقل مصيبة، فلا بد من استعمال العقل وبالذات من قبل الرجل؛ لأنه هو الذي يملك عقدة النكاح، والمرأة قد تغضب أو تنفعل بسبب ظروف معينة فعلى الرجل أن يتحملها، وهناك متعة التطليق وقليل استعمالها الآن ومتعة التطليق تكون للمرأة التي يتزوجها الإنسان ويطلقها ولم يفرض لها صداقا ولم يمسها، فالرجل إن فرض للمرأة صداقا ولم يمسها فلها نصف الصداق ولكن إن لم يفرض لها صداقا ولم يمسها وطلقها فالمتعة واجبة؛ لقوله تعالى: {فَمَتَّعُوهُنَّ وَسَرِحُوهن سراحا جميلا ان کي کيا [الأحزاب: 49]، والتمتيع حق على المحسنين لكن فيه وجوب، ولا يتبادر إلى ذهن أحد أن لفظ الإحسان يقتضي الندب؛ وذلك لجبر خاطر المرأة إذ إن في الطلاق، وحشة، وبالنسبة للمطلقة المدخول بها أو التي فرض لها الصداق، فإن التمتيع في حقها مستحب لأن الله جعل ذلك حقا على المتقين؛ لأن التقوى تدفع الإنسان لأن يعطي المطلقة متعة جبرا لخاطرها، وللتذكير بالحياة الزوجية، ولكن بحسب ما أعلم فإن قليلا من الناس من يستعمل التمتيع في أيامنا هذه. س: هناك قصة لرجل تعرض للابتزاز الالكتروني وتم نشر صوره بطريقة غير لائقة، فلم تصبر زوجته وطلبت الطلاق، وتذكرت ما قلته فضيلة الشيخ في الحلقة الماضية عن أن المرأة تؤجر على صبرها، لكن في هذه الحالة ومع تعلق الأمر بالشرف والعرض هل تصبر المرأة أم تطالب
بالطلاق؟
ج: الحقيقة أن الصبر أفضل؛ لأن الطلاق كارثة على الأسرة بشكل عام، وهي تدمر حياتها صحيح أن الغيرة قوية والمرأة التي لا تغار لا تلج الجنة كما جاء في بعض الأحاديث
بهذا،
125 (1/125)
صفحة 126
وسماها النبي بالمرأة الركاضة، والركاضة التي لا تغار على زوجها، ولكن ينبغي أن تكون الغيرة محدودة غير مؤدية إلى الطلاق، وكما جاء في بعض الروايات «الغيرة مفتاح الطلاق»، والغيرة التي تكون مفتاحا للطلاق هي الغيرة الزائدة، وعلى المرأة الصبر على زوجها، وعليها أن تنصحه بالتوبة لعله يتوب؛ لأن الشيء المحرم هو مشاهدة المرأة لزوجها مشاهدة حية وهو يقع في الفاحشة، أما في بقية الأمور فلها أن تكذب الواقع وعليها أن تنصح زوجها وتعاتبه، واستمرار الحياة الزوجية في هذه الحالة أفضل للمرأة، حتى قيل لو أن الرجل اعترف أمام زوجته زنى فلها أن تكذب الخبر ولا تصدقه وما قيل هذا إلا للحفاظ على استمرار الحياة الزوجية، أما إن رأت المرأة زوجها وهو يمارس الفاحشة مشاهدة حية، فلا مجال للعذر.
أنه
س: هناك حالة أخرى لرجل يريد أن يطلق زوجته؛ لأنه خدع فقد تزوجها على أساس أنها من
وأخبر بعمر هو
مواليد عام 1980 م ثم تبين له أنها من مواليد عام 1970 م، فهل يصبر ويحتسب الأجر. ج: إن لم يقم هذا الرجل بالسؤال عن عمرها فهو يتحمل تبعة ذلك، ولكن إن سأل عنها خلاف عمرها الحقيقي، فله العدول عن الزواج، والصبر أفضل وفيه الأجر والذي حصل ليس بالشيء الكبير، فإن استطاع الصبر وتحمل المسؤولية والتكيف مع الواقع فهذا فيه أجر وثواب ومروءة وشهامة من الرجل، والذين خدعوه فيهم نقص مروءة وكرامة، فعلى الولي إن سئل عن موليته أن لا يكتم شيئا وإذا لم يسأل فلا يجب عليه الإخبار، فإن سأل الرجل أهل المرأة عنها فعليهم أن يخبروه إن كان بها عيب، فإن سألهم ولم يخبروه ثم ظهر عيب في تلك المرأة فللرجل العدول عن الزواج.
س: في حلقات الزواج ذكرت فضيلة الشيخ الكفاءة ومن صورها الكفاءة النسبية، فلو اكتشف الرجل أن المرأة لا تكافئه نسبا فهل أيضا في هذه الحالة يجعل المودة والرحمة مقدمة
على الانفصال؟
126 (1/126)
صفحة 127
ج: لا شك في ذلك، فالكفاءة حق للزوج والزوجة ويجوز التنازل عن هذا الحق، فلو تقدم رجل لامرأة لا يكافئها ولم يخبرها ثم علمت فيما بعد فيحق لها التغيير، وإن لم ترد التغيير فهي بهذا قد تنازلت عن حق لها فجزاها الله خيرا، وكذلك لو علمت بذلك وعلم أولياؤها ووافقت هي وأولياؤها على التزويج وهكذا بالنسبة للزوج إذ إن القاعدة أن الكفاءة حق يجوز التنازل عنه فهذا جائز وليس فرضا ونعني بالجائز الذي يجوز فعله ويجوز عدم فعله أما الواجب فلا بد من فعله وغير الجائز لا يمكن فعله فالجائز وسط بين الوجوب وبين عدم الجواز.
س: في الآية الكريمة يقول الله عز وجل: فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ، بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ} [البقرة: 102] نسمع اليوم عن حالات وعندما يسأل المطلق عن السبب يقول لست أنا السبب وإنما مس أو سحر أو حجاب أو مشعوذ كيف نتعامل مع هذا الموضوع أي موضوع السحر والحسد؟ ج: قضية السحر هي في فترة معينة والله تعالى أنزل هاروت وماروت ابتلاء لبعض القوم الذين كانوا في زمانهم، أما الآن فهذا ليس عذرا فهذا عذر واه والآن قضايا السحر والمس من وجهة نظري غير موجودة، والسحر موجود سابقا وكان متفشيا في بني إسرائيل وفي الإسلام غير موجود، فلا يمكن لإنسان أن يضر إنسانا إلا ضررا ماديا مباشرا، كأن يقتله أو يضربه أو غير ذلك، وقضية أن يدخل الجني في جسم إنسان فغير صحيح فلا يمكن لجسم أن يدخل في
جسم.
س: ألا ينسحب هذا الموضوع على بيت لا ذكر فيه ولا قرآن" ألا ينتهي في النهاية إلى هذه
المشكلات؟
ج طبعا لا شك في ذلك ولكن ليس بهذه الطريقة، وإنما يكون بعدم توفيق الله تعالى، وخذلان الله تعالى لذلك البيت والبيت الذي ليس فيه ذكر الله ولا يقرأ فيه القرآن بيت خرب، نعم تتغير الحالة النفسية وعندما يقرأ الإنسان القرآن يطمئن نفسيا وعندما يبتعد
127 (1/127)
صفحة 128
يعني ذلك وسوسة
الإنسان عن القرآن ويقع في المعاصي تحدث له أمور نفسية، لكن لا الشياطين والسحر، وما قيل من أن النبي صلى الله عليه وسلم سحر، غير صحيح، ولا يثبت، فالنبي معصوم لقوله عز وجل: الله وَالله يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ [المائدة: 67]، فهذا خطأ في حق النبي وحق
الإسلام. س: بما أنك ذكرت أن هناك أسبابا وضغوطات نفسية بسبب ضغوطات الحياة فهل تشجع فضيلة الشيخ أو تدعو لأن تكون هناك محاضرات ودورات عن الثقافة الزوجية؟
ج: هذا كله جميل بأن تكون محاضرة عن الثقافة الزوجية وعن الحياة الزوجية بل حتى في الأمور النفسية؛ لأنه تكون هناك أحيانا ضغوطات في الحياة وإحباطات وعندما يأتي المرشد النفسي أو الطبيب النفسي ويلقي هذه الدورات فإن هذه الدورات تكون بمثابة العلاج؛ لأن هذه الأمور النفسية يصاب الإنسان بها، ولذلك أنا دائما أدعو إلى زيارة المختصين نفسيا في هذه الأمور، ويأتي إلي الناس فيقول أحدهم مثلا أن قريبه أو قريبته تصاب بالمس أو الجنون وإنها تأتي إلى دورة المياه وتحمل المرحاض وتحطمه وهي غير واعية بما تفعله وعندما تفيق تقول لا أعرف ما الذي حصل وأن فيها جنا وقد أنفقوا أمولا كثيرة في الذهاب إلى المشعوذين، فأرشدهم إلى الذهاب إلى الأطباء النفسيين وفعلا عندما يذهبون إلى الأطباء النفسيين تتحسن حالتهم، وأخبرني أحد الأخوة أنه أنفق على قريبته الكثير من الأموال في هذا الشأن، فنصحته بالذهاب إلى الطبيب النفسي، فتحسنت الحال، والذين يستحيون أن يذهبوا إلى المستشفيات المحلية أنصحهم بالذهاب إلى مستشفيات خارج السلطنة كالهند أو مصر، ومن المستشفيات
الراقية في السلطنة مستشفى ابن سينا (المسرة (حاليا) فهذا أسلم وأوفر للجهد والمال.
128 (1/128)
صفحة 129
الحلقة الثامنة عشرة «أخلاقيات الطلاق 3»
129 (1/129)
صفحة 130
س:
بسم الله الرحمن الرح
تحدثنا في الحلقات الماضية عن أخلاقيات الطلاق، وطرحنا عدة مواضيع، ولما رأينا أن
جزء
الموضوع يحتاج المزيد الحلقات ارتأينا أن يكون هناك جزء ثالث وربما سيكون هناك من رابع أيضا، ونبدأ هذه الحلقة بقوله تعالى: {فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ
عز
الله فيه خيرا كثيرا له لكم [النساء: 19]، ما هي هذه الخيرية التي ذكرت في هذه الآية؟ ج: لا شك أن الخير فيما يختاره الله تعالى للإنسان، فقد يكره الإنسان أمرا معينا، ولكن الله يجعل في ذلك الأمر خيرا كثيرا، وقد يحب الإنسان أمرا معينا ويجعل الله في ذلك الأمر عسرا أو شرا، فلذلك يجب على الإنسان أن يعتقد بأن الخير فيما اختاره الله وجل، والإنسان يلتمس هداية الله تعالى وتوفيقه له في حياته، وفي مسائل الطلاق يأمر الله تعالى بالمعاشرة بالمعروف، فإن وجدنا في المعاشرة بالمعروف مشقة وصعوبة وكرهت نفوسنا ذلك فعسى أن يكون في ذلك خير كثير؛ لأن في ذلك استمرارا للحياة الزوجية، سواء كان ذلك من الأهل الذين نهوا عن عضل المرأة بقوله تعالى: {فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَن يَنكِحْنَ أَزْوَجَهُنَّ إِذَا تراضوْا بَيْنَهُم بِالْمَعْرُوفِ} [البقرة: (232] فنهى الأولياء عن عضل المرأة لكي تستمر المرأة في حياتها الزوجية؛ ولوجود المعاشرة بالمعروف من قبل الزوج، وهنا تكون الخيرية. س: هذا الأمر يقودنا لآية أخرى، يقول الله عز وجل: {وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرحُوهُنَّ بِمَعْرُوف} [البقرة: (231]، حيث نلاحظ تكرار كلمة المعروف في هذه الآية.
ج: لأن المعروف هو عنوان الأخلاق، وهو الذي يجب أن يتعامل به الناس وهناك مقولة عن عمر بن الخطاب أنه قال: «إنما يتعامل الناس فيما بينهم بالمعروف»، فإذا ما كان المعروف هو وسيلة التعامل بين الناس كلهم، بين الزوج وزوجته، وبين الرجل وأخيه وبين كل الناس فهنا تكون الخيرية، ففي حالة الطلاق يكون هناك المعروف ومن المعروف في التسريح أن يكون في غاية الاحترام، فتكون هناك المتعة بالمال سواء كانت المتعة الواجبة أو
130 (1/130)
صفحة 131
المتعة المستحبة التي فيها تطييب للخاطر كما تحدثنا في الحلقة السابقة، فهذا هو التعامل بالمعروف، فإن أراد الأزواج إمساك زوجاتهم فيمسكون بالمعروف وإن أرادوا التسريح سرحوا بالمعروف، فيظهر من خلال هذا أن المعروف هو الوسيلة المثلى للعلاقة بين الناس، وإن لم يحصل الإمساك أو الفراق بالمعروف فإن علاقة الود تبقى متصلة، لقوله تعالى: {وَلَا تَنسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُم [البقرة: 237]، فالفضل هو المعروف، ويقول الحطيئة:
***
من يفعل الخير لا يعدم جوازيه. لا يذهب العرف بين الله والناس
فالعرف هنا المعروف.
ويقول الشاعر:
فلم أر كالمعروف أما مذاقه *** فحلو وأما طعمه فجميل
فالمعروف هو الذي تتجلى فيه الأخلاق الإسلامية، فإذا تعامل الناس بالمعروف فيما بينهم في كل شؤون الحياة فهناك يكون الخير واستمرار المودة واستمرار الصحبة، بل واستمرار العلاقة الزوجية بعد الإنفصال من حيث استمرار بعض مفرادتها.
س: في الآية الكريمة: {وَلَا تَنسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُن فهل من صور الفضل حفظ الأسرار والستر؟ ج: لا يصح للرجل أو المرأة إظهار سر من أسرار الحياة الخاصة لأن الله تعالى أراد لهذه الأمور السرية، فتلك علاقة خاصة بين الزوج وزوجته فلا يمكن أن تظهر للعلن.
س: نسمع من البعض قولهم: إن بعض النساء عند الغضب تفضح زوجها أمام الناس وتتكلم عن العلاقة الحميمية بينها وبين زوجها.
ج: جاء في الحديث: «ويكفرن العشير»، أي ينكرن العشرة والحياة السعيدة، والمرأة منهية عن
131 (1/131)
صفحة 132
ذلك كما أن الرجل منهي عن ذلك، فعلى المرأة أن تحتفظ بأسرار الحياة الزوجية، وإن كان عند الرجل أولاد من المرأة فهو أبو أولادها، ولو حصل الطلاق يبقى أبا لأولادها، وأولاده يحملون اسمه ونسبه وصفاته، فعلى المرأة أن لا تبدي كل شيء في لحظة غضب لأن ذلك ليس في صالحها ولا في صالح أولادها، ولذلك قال تعالى: {وَلَا تَنسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُم أي ما تقدم من فضل ومعروف بينكم ينبغي ألا تنسوه أبدا.
س: المتأمل في هذه الآيات يجد أن الإسلام جاء في صالح الإنسان وسعادته.
ج طبعا لصالح الإنسان، ولصالح الحياة، ولذلك فالإسلام ركز على موضوع الزواج والطلاق لما يصحبه من مشاكل وعداوات، ولذلك فإن الله تعالى يختم آيات الطلاق بشيء من الإنذار الشديد وبشيء من التقريع الشديد والتنبيه الشديد.
س: نسمع بعض القصص في هذه الأيام عن قيام المرأة باستفزاز زوجها، فيرد بشكل سلبي، وربما يضربها ويصل الأمر للطلاق، والتي تفعل هذا الأمر تفعله لأنها على علاقة برجل آخر، فإذا ما انتهت المرأة من العدة تزوجت ذلك الشخص فيقهر الزوج الأول فما رأيكم بهذا
السلوك؟
أن يخطب على خطبة أخيه الإنسان، فكيف هذا السلوك غير جائز، فالإنسان منهي ج: إن أقام علاقة مع امرأة متزوجة لكي يطلقها زوجها ثم يتزوجها، فهذا الزواج فيه إثم وذنب كبير، وفي الحديث لا يسوم أحدكم على سوم أخيه ولا يخطب على خطبة أخيه»، بل حتى إن التعريض بالخطبة للمطلقة طلاقا رجعيا لا يجوز؛ لأنها لا زالت في الحياة الزوجية السابقة، وأما المطلقة طلاقا بائنا فيكره أن يعرض الإنسان لها بالخطبة، ويجوز التعريض للمعتدة عدة الوفاة، فيكون تعريضا لا تصريحا؛ لقوله تعالى: {وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُم بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ أَوْ أَكْنَنتُمْ فِي أَنفُسِكُمْ عَلِمَ اللهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلَكِن لَّا توَاعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلَّا أَن تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفًا [البقرة: 235]، فقوله لا تواعدوهن سرا: قيل السر
132 (1/132)
صفحة 133
معناه النكاح لما يقتضيه النكاح من السر، وهذا دليل على كتمان الحياة الزوجية، فالزوج والزوجة ارتكبا إثما كبيرا، فإن كان التعريض كما ذكرت لا يصح بالنسبة للمطلقة طلاقا رجعيا، مع الكراهة في الطلاق البائن بينونة كبرى، والجواز في عدة الوفاة، لكن التعريض وليس التصريح بالخطبة كأن يقول للمرأة المعتدة عدة الوفاة: سوف يفتح الله عليك، أو سوف يسعدك الله في حياتك، ونحو هذا الكلام.
س: بالنسبة للمرأة من حيث طلبها للخلع، هل في ذلك شروط؟
ج: طبعا إذا استحالت الحياة بينهما، أما إذا لم يقصر الزوج في حق زوجته، فلا يجوز للمرأة أن تطلب الطلاق ولا يجوز لها أن تختلع، وجاء في بعض الروايات: «إن المختلعات هن المنافقات»، أما إذا استحالت الحياة الزوجية بينهما، وأبغضت المرأة زوجها بغضا شديدا بسبب تصرفاته، أو بسبب بعض أحواله فيجوز للمرأة أن تفتدي من زوجها بما أعطاها، ولا يجوز للرجل أن يلجئ زوجته لتطلب الطلاق؛ لقوله تعالى: {وَإِنْ أَرَدتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مكَانَ زَوْجٍ وَءَاتَيْتُمْ إِحْدَتهُنَّ قِطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَنَا وَإِثْمًا مُبِينًا وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ، وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنكُم مِّيتَقًا غَلِيظًا: [النساء: 20 – 21]، فالقنطار معناه المبلغ الكبير من المال، والمعنى: أيها الأزواج إذا أردتم أن تستبدلوا زوجاتكم لا تلجئوا زوجاتكم لإعطائكم الأموال التي دفعتموها لهن، وقد أفضى بعضكم إلى بعض، ومعنى وقد أفضى بعضكم إلى بعض" دليل على ما حدث بين الزوجين من المعاشرة الجنسية القائمة على السر والحفظ والصون، وكذلك لا يجوز للمتزوج الذي يريد الزواج بامرأة أخرى ولا يستطيع ذلك أن يقوم بمضايقة زوجته الأولى، حتى يرهقها وتمل منه وتطلب منه الطلاق، ويطلب منها أن تعيد له الأموال التي دفعها، والله تعالى نبهنا حيث قال: {وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنكُم ميتقًا غَلِيظًا، فعقد الزواج ميثاق غليظ لا يمكن أن ينقض هكذا، فإن أراد الإنسان أن أو يطلق لا يلجئ المرأة لترد له، أمواله، أما إن كرهت المرأة زوجها لأحواله وهو غير راغب في تطليقها ففي هذه الحالة فإنها ترد له ماله الذي أخذته منه، وهذا حدث في حياة
يتزوج
133 (1/133)
صفحة 134
النبي كما جاء في الرواية أن جميلة بنت عبد الله وقيل أم جميلة بنت عبد الله بن أبي
زعيم
الشماس
بن سلول أبوها المنافقين زوج ابنته جميلة أو أم جميلة من ثابت بن قيس بن فكرهته وكانت تذهب إلى والدها عبد الله بن أبي بن سلول وهذا الرجل كان زعيم الخزرج ثم صار زعيم المنافقين فكان أبوها يردها لزوجها ويقول لها: يا ابنتي اصبري على زوجك فردها مرتين أو ثلاثا، فجاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: «ما أنكر عليه شيئا من التقصير ولكني أن يدخلني النار وفي رواية خفت الكفر بعد «الإسلام والكفر هنا كفران العشير أو كفر النعمة؛ لأنها تبغض زوجها فتكون مقصرة فتبغض زوجها وبغض الزوج لا يجوز، فيكون سببا لدخولها النار أو كفرها النعمة أو كفران العشير - كفر الزوج – فاستدعى النبي
خفت
-
زوجها قيس بن ثابت بن الشماس فقال له ما بينك وبين أهلك؟ فقال يا رسول الله والله ما أحد أحب إلي في هذه الدنيا منها غيرك – يعني ليس أحب في هذه منها غيرك يا رسول الله فقالت صدق يا رسول الله ولكنني خفت أن يدخلني النار أو خفت الكفر بعد الإسلام فقال النبي: أتردين عليه ما أعطاك؟» فقالت: نعم، فقال النبي: «ما تقول يا ثابت؟»، فقال قد أصدقتها حائطا. يعني بستانا من النخيل – ونحن نسميه في عمان مقصورة أو ضاحية فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أتردين عليه حائطه؟» فقالت نعم فردت له حائطه فكان هذا كما قال ابن عباس أول خلع في الإسلام، فالخلع في هذه الصورة يجوز، لكن الرجل يحمل زوجته على أن تختلع منه ويضايقها ويعاندها ويضر بها على أساس أن ترد له ما أعطاها إياه من صداق وبعض الأزواج قد يطلبون أكثر مما دفعوه، وبعض العلماء لا يجيز ذلك وبعض العلماء يجيز طالما أنها تريد الإنفصال من الحياة الزوجية.
س: في الآية الكريمة: {أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَنَا وَإِثْمًا مُّبِينًا، فهذه عبارات قوية.
ج بالطبع عبارات قوية؛ لأن الرجل حينما يحمل امرأته على ذلك يضر بها، فالرجل إن أراد التزوج من أخرى ولم يكن لديه مال وضغط على زوجته الأولى لكي تختلع منه فهذا لا يجوز،
134 (1/134)
صفحة 135
وكذلك لا يجوز للمرأة طلب الخلع إلا إن كان هناك أسباب واضحة ككونها تبغض زوجها
بسبب
أحواله أو تصرفاته؛ للخوف على نفسها من أن تدخل النار.
س: والزواج قد وصف في الآية بالميثاق الغليظ.
ج
:: لأن عقد الزوجية ميثاق غليظ بين الزوج وزوجته.
س: هناك حالة لامرأة تزوجت ولم تكن هناك مشاكل كثيرة بينها وبين زوجها، ولكنها ما إن توظفت وأصبح لديها المال ولديها الحقوق قالت: لست مرتاحة لهذا الزوج وأريد أن أمارس حق الخلع وهذا بدون سبب مقنع.
ج: لا يجوز لها ذلك، وعليها أن تساعد زوجها بهذه الوظيفة، تساعده في حياته وفي أولاده، لا أن تنفصل عنه وأن تختلع منه على أساس أنها أصيبت بالغرور من وظيفتها ومن دخلها من الوظيفة، بل على العكس يجب أن تضع يدها بيد زوجها، وأن يكون هناك تعاون بينهما في الحياة كما قال تعالى: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ} [المائدة: 2]، وحصول هذا الغرور في رأيي يرجع إلى سوء التربية وأحيانا إلى سوء الطبع، وعلى الأهالي في هذه الحالة أن يساعدوا على استمرار الحياة الزوجية لا على الانفصال، وفي رأيي لو وجدت هذه المرأة من أهلها شهامة ورغبة في عدم زوجها ووجدت عدم القبول منهم لهذا التصرف منها لعل ذلك يثنيها عن طلب الخلع من
زوجها.
انفصالها
عن
س بعض الآباء لا يكونون ناصحين أمناء لبناتهم بل يساعدونهن على الطلاق وعلى
الانفصال.
ج: الكثير من الأسر لا يكونون مساعدين على استمرار الحياة الزوجية، ويكونون حاضنين لنشوز ابنتهم، ولا يكونون دافعين لها، ويتحاملون على الزوج ويساعدونها في التحامل على الزوج، وأخبرني أحد الناس أن امرأة في أحد الدول خارج السلطنة غضبت من زوجها وقد
135 (1/135)
صفحة 136
تكلم على زوجته بكلام غير لائق وذهبت إلى بيت والدها وكان والدها على منصب ديني كبير وجاء الزوج مع مجموعة من أهله للاعتذار من أب الزوجة وقال أن ما حصل كان في لحظة غضب فنفى أبو البنت علمه بهذا، ولما حضرت وسألها والدها عما حصل بينها وبين زوجها أخبرته بالذي حصل فأمر الأب ابنته بالرجوع، وقال للزوج: لا تأخذ زوجتك حتى تتلفظ أمامي بالكلمة التي قلتها في غيابي، فهذا الأب من الذين يحبون استمرار حياة بناتهم الزوجية، بخلاف الذين يشجعون بناتهم على النشوز ويثيرون المرأة على زوجها فهذا أمر غير
محمود وغير جيد.
س: من المواضيع المهمة التي ذكرت موضوع اللعان وهو انعدام الثقة واتهام الزوجة، فلماذا تشدد الإسلام فيمن يتهم زوجته بهذه الفاحشة؟
من
ج: لأن حسن الظن يجب أن يكون موجودا، وألا يكون هناك سوء ظن من قبل الزوج تجاه زوجته، ولذلك وضع الله تعالى هذه المراحل في اللعان لأن اللعان يكون في الأمر الكبير كأن يجد الرجل أن امرأته جاءت له بولد من غيره فهنا يكون اللعان والذي حدث في حياة النبي هذا القبيل، ولكن يجب على الزوج أن يتحمل وألا يسيء الظن بزوجته وإساءة الظن تحمل على هذا التشدد، فالمرأة تشهد أربع مرات أنه من الكاذبين والخامسة أن عليها لعنة الله الصادقين، كما جاء في القرآن فهذه عبارات غليظة تقشعر لها الأبدان وتتهيبها من النفوس فليس هذا بالأمر الهين، واللعان مأخوذ من اللعنة وهي الإبعاد الشديد ولا يتراجعان، كما قال الإمام جابر بن زيد، وليجعلا بينهما البحر الأخضر كناية عن طول الفرقة وعدم الرجعة وهذه العبارات الغليظة من باب الحفاظ على الحياة الزوجية؛ لأن الظن يسري في الإنسان ويسري في الزوج والزوجة، فشدد الإسلام في العقوبة وغلظ في العبارات للردع عن
إن كان
سوء
الظن.
136 (1/136)
صفحة 137
الحلقة التاسعة عشرة «اخلاقيات الطلاق 4»
137 (1/137)
صفحة 138
بسم الله الرحمن الرحيم
أخلاق
س: تكلمنا في الحلقة الماضية عن أخلاقيات الطلاق وفي هذا اللقاء سنتكلم عن العدد والحضانة ومشكلة تربية الأبناء بعد الطلاق، في البداية نتوجه إليكم بالسؤال: ما الحكمة التشريعية و لأخلاقية من العدة في الاسلام؟
وصحبه
ج: بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله العدة مأخوذة من العدّ وهو الحساب، أنت لو نظرت إلى كل عدة على حدة لو وجدتها قائمة بعدد سواء بالشهور أو الأيام وهي فترة فيها تريث لما سيؤول إليه الأمر بعد العدة
والعدد أنواع: عدة الوفاة: وهي أربعة أشهر وعشر، قال تعالى: {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا} [البقرة: 234]. عدة الطلاق الرجعي: وهي في قوله تعالى: {يَأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا
العدد [الطلاق: 1]
عدة الطلاق البائن بينونة صغرى كعدة المنخلعة والعدة التي تعقب إنهاء عدة المطلقة رجعيا. والبينونة الكبرى وكل عدة لها أحكامها.
من الحكم التريث واستكشاف ما في الرحم من حمل وبعض العدد ربما هناك أمل في رجوع الحياة الزوجية، وكثير من الأمور تترتب على هذه الفترة من التريث ويحصل هدوء بين الطرفين ربما، قد يكون الطلاق ناشئا عن غضب فهناك حكمة من الله ليبقى الود بين الناس فكل واحدة من العدد لها أحكامها ومدتها.
س: ما رأيكم في بعض القضاة جزاهم الله خيرا يحاولون بكل ما يملكون توسعة فترة جلسات المحكمة حتى يعود الزوجان إلى بعضهم البعض، وربما يقومون بالتأكيد على الأدلة ما رأيك بهذا التصرف؟
138 (1/138)
صفحة 139
ج: لاشك أن كل عمل يعمل لأجل استقرار الحياة الزوجية هو عمل نبيل و شريف ولعل هذا لا يقوم به إلا القضاة المتمرسون والمحنكون الذين يفهمون الواقع الاجتماعي و هذا
شيء جميل.
يصدر
س: تظهر مشكلة أخرى بعد الطلاق وهي مشكلة كبيرة جدا وهي مسألة النفقة على الأولاد والحضانة، وربما تضطر بعض النساء لتذهب إلى التنفيذ إلى المحكمة بعد أن الحكم ولا ينفق عليها كأن الزوج هنا يمارس الإذلال والإهانة للطرف الآخر؟ ج: لا شك أن المسالة من الأزواج تحصل كثيرا، وأنا سمعت عن كثير من هذه الحالات بل إن أغلب الحالات يكون فيها عدم التزام المطلقين أو الأزواج بالنفقة تجاه أولادهم. عندما تكون الحضانة من نصيب الأم تكون هناك نفقة من والد الأطفال، والأم ليس لها قدرة مالية على الإنقاق على أولادها فتحدث المماطلة من الزوج، وطبعا كل ذلك من الابتعاد عن منهج الإسلام، والإسلام يأمر بالوفاء بالعقود، قال تعالى: {يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ} [المائدة: 1]، الوفاء بالعقود في كل شيء وهو من أخلاق الإسلام، والمماطلة لا تجوز لذلك هناك حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم: «مطل الغني ظلم». هذا الغني عندما يماطل الذي له حق عنده فهذا ظلم كبير، وهذا تحذير منه، والمطلق يجب أن يلتزم بما حكم به القضاء في النفقة أو بما اتفق عليه مطلقته مع من النفقة، ولا يحتاج إلى حكم القضاء إذا كان رجلا مستجيبا واعيا يعرف حق أولاده وحق الصحبة التي
كانت بينه وبين زوجته.
والأصل أن يكون كريما من ذاته وإذا حدث عكس ذلك فهو من سوء العشرة أما الشهم والكريم عليه أن يبادر ويزيد في النفقة ويكرم مطلقته كما قال تعالى: {وَلَا تَنسَوُا الْفَضْلَ بينكم
س بعض الآباء يأخذون أولادهم بعد الطلاق وعندهم مدرسة فيضيع عليه دراسته. ج كل ذلك من عدم الأخلاق، فالأخلاق في الإسلام تقتضي أن يتبع الإنسان منهج
139 (1/139)
صفحة 140
الإسلام، وما عليه اتفقا من الضروري الالتزام كل منهما بما اتفقا عليه كزيارة الأبناء لأبيهم
أو أمهم لا بد من أن يلتقي الأب بأولاده أو الأم بأولادها.
س: بعضهم بعد الطلاق إذا خاصم فجر، لا يهتم بتربية الأبناء ولا متابعتهم دراسيا وتأتي شکاوى كثيرة من المعلمين أن الطلاب الذين لديهم تدن دراسي يكون ذلك من أثر
الطلاق في الأغلب.
ج: طبعا هذا
ولا
من
التشتت، قد تكون الأم غير موجودة، أو لمشاغل الأب وقد تكون الأم
ليست في مستوى من يربي الأولاد تربية تعليمية ودينية حتى، أو أن الرجل تزوج امرأة أخرى يهتم بأولاده من الزوجة الأولى يحدث من هذا القبيل، قد يكون بعض الزوجات سيئات الطبع مع أبناء زوجها وهذا يحدث كثيرا في الأسر وتحدث مضايقات كبيرة، و هذا راجع إلى عدم التقيد بأخلاق الإسلام وإلا فالمعاملة الحسنة تكون في كل شيء، لابد من التعامل بالمعروف والتعاون بالبر والتقوى كما نص الله تعالى في آيات كثيرة.
س: ما الحكمة في قوله تعالى في الإرجاع وأشهدوا ذوي عدل منكم}؟ ج: لأن الأساس في ذلك هو أن الزواج حدث بشهود، كذلك الرجعة تحتاج إلى شهود لأن الزواج والرجعة يكونان بالكلام وليس بالفعل فلابد من الشهود ومن ذوي العدالة وإذا كانوا ثلاثة فصاعدا يكفي فيهم أن يكونوا مستوري الحال دون مرتبة العدالة.
س: ولماذا لا يكون في الطلاق شهود؟ ج: لأن الطلاق يملكه الزوج، ولا تملكه الزوجة فهو صاحب الحق، ولا يحتاج إلى إشهاد، كالإقرار لا يحتاج إلى شهود الإقرار حجة قاصرة على المقر. س: هناك الكثير من الجهل حول هذا الموضوع وليس جهلا عاديا وهو كما ذكرتم مخالفات شرعية، يذكر القرآن الكريم عدة للطلاق من ضمن تلك الصور التحليل والإيلاء
والظهار، كيف يكون التحليل؟
صور
ج: التحليل طبعا هو المحلل الذي يحلل زواج الرجل من مطلقته طلاقا بائنا بينونة كبرى، لأن الله تعالى قال: هو فَإِن طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ فَإِن طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ
140 (1/140)
صفحة 141
عَلَيْهِمَا أَن يَتَرَاجَعَا إِن ظَنَّا أَن يُقِيمَا حُدُودَ اللهِ} [البقرة: 230]، وهذا الزواج الثاني يجب أن يكون من غير طواطئ من الزوج الثاني والزوج الأول، أن يتزوجها تزوجا صحيحا ثم يباشرها جنسيا مباشرة كاملة لأنه حدث أن امرأة تزوجها رجل ولكنه لم يستطع مباشرتها، فالنبي صلى الله عليه وسلم قال لها: «لا، حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك»، وعسيلة هنا تشبيه بالعسل أي أن لذة الزواج كلذة العسل التي هي أحلى اللذات في المطعومات والنبي شبه المباشرة الجنشية بلذة العسل، أما ما يستعمل في بعض الأزمان من أن يأتي المحلل وينسق بين المطلق والمرأة على أن يقوم بتزوجها لكي يحللها للزوج الأول ثم يطلقها، هذا المحلل الذي استدعى اللعنة من النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: «لعن الله المحلل والمحلل له»، أي لعن الله الزوج الثاني الزوج الأول، والتحليل هو الذي يتزوج بقصد تحليل الزوجة لمطلقها وهذا لا يجوز ومحرم شرعا. س: لو أردنا أن نلخص هذا الموضوع أول شيء أن لا يكون هناك تنسيق والثاني أن يكون زواجا صحيحا مع المباشرة الجنسية، أما دون ذلك فلا
ج: نعم، دون ذلك لا يصح أن ترجع للزوج الأول.
س: والإيلاء؟
مرور
يتم
هذا الأمر؟
ج: الإيلاء أن يحلف الرجل أنه لا يباشر زوجته مباشرة جنسية، فإذا رجع إلى ذلك قبل أربعة أشهر يكفر لأنها يمين مرسلة إما بعتق رقبة وهذا غير موجود الآن أو بإطعام عشرة مساكين أو صيام ثلاثة أيام هذه كفارة اليمين المرسلة، فإذا كفر ورجع إلى زوجه بقيت له زوجته وإن بقي أربعة أشهر دون أن يكفر فتطلق منه، لأن الله تعالى قال: {لِلَّذِينَ يُولُونَ مِن نِّسَآبِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِن فَاءُ و فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ، وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [البقرة: 226 - 227] معنى ذلك: إذا ما أفاؤوا خلال أربعة أشهر فيعني أنهم عزموا الطلاق أو هذا هو الإيلاء أي الحلف الحلف بألا يباشر زوجته مباشرة جنسية. س: والظهار؟
ج
كان العرب يستعملون الظهار بأن يشبه الرجل زوجته أو جسم زوجته بجسم أمه أو امرأة تحرم عليه، كأن يقول لزوجته أنت علي كجسم أمي أنت علي كظهر أمي، وقيل
141 (1/141)
صفحة 142
ظهار لأن أكثر ما يستعمل هو "كظهر أمي"، و جاء القرآن بذلك في قوله تعالى: {وَالَّذِينَ يُظهرُونَ مِن نِّسَابهم الى المجادلة: 3، وهنا كذلك فيه كفارة مغلظة بأن يعتق رقبة أو يصوم شهرين متتابعين أو يطعم ستين مسكينا، أو أيضا يكون له فترة أربعة أشهر قاسوها على الإيلاء، فالذي يرجع ويكفر الكفارة المغلظة ترجع إليه زوجته وإن مرت أربعة أشهر ولم يكفر تحرم عليه زوجته وتنفصل عنه بالحرمة.
س: في كل هذه الحالات ألا نرى غياب الميثاق الغليظ؟
ج: لا شك أن هذا من التلاعب العرب كانوا في ذلك الزمان يفعلون ذلك، أما الإيلاء يستعمل والظهار كان كذلك والتحليل كان يستعمل في حالات نادرة، وكل راجع إلى الجهل، والمرأة مسكينة لا تعرف شيئا.
س: ما رأيك من يستعمل الطلاق كوسيلة ضغط ليضبط زوجته، فيقول لها: إذا ذهبت إلى المكان الفلاني فأنت طالق وإذا فعلت كذا فأنت طالق.
ج: هذا من الطلاق المعلّق، طبعا إذا ذهبت تطلق منه، وله حق الرجعة إذا طلقها واحدة يرجعها بما بقي لها من طلقات لكن تطلق طلاقا رجعيا ويقع هذا الطلاق.
س: والذي يفعل ذلك بالمزاح؟
ج: لا يوجد مزاح، ثلاث هزلهن جد وجدهن جد:
الطلاق والنكاح والعتاق حتى لا يحصل التلاعب وهذا ليس بشيء بسيط، ولو ادعى أنه لم ينو ذلك، لأن الطلاق الصريح لا يحتاج إلى نية، الذي يحتاج إلى النية هو طلاق الكناية، كأن يقول لزوجته اذهبي إلى بيت أهلك إن كان نيته الطلاق فتطلق وإن كان لا فلا. س: أليس من الأفضل أن يبعد الرجل عن لسانه كلمة "طالق"؟ ج: طبعا هذا هو الأفضل، بعض الناس يحلفون بالطلاق بعض العلماء يوقعونه وبعضهم يعتبرونه يمينا فهو آثم وعليه الكفارة، وكثير منهم يتكلم كلمتين ويقول: علي الطلاق كذا، وبطلاق زوجتي كذا وهذه مبالغات ونتيجة الجهل الشديد بأخلاق الإسلام وبميثاق
الزوجية، والآيات القرآنية شديدة في هذا الموضوع بالتنبيه الشديد.
142 (1/142)
صفحة 143
س: في الآية الكريمة: {وَإِن يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللهُ كُلا من سَعَتِهِ} [النساء: 130]، هذا الأمر يكون
بعد الإصلاح؟
ج: طبعا هذا بعد الإصلاح عندما تتعذر الحياة الزوجية وفيه غنى لكل واحد، ويغني
كلا
من سعته.
س: في الغالب تحصل المشاكل بعد الطلاق، فكيف يكون الغنى؟
الله
ج الغنى بالزواج وليس المقصود بالغنى المالي، هو يجد زوجة بديلة وهي تجد زوجا بديلا. س: بعض النساء يتساءلن: أنا الآن شابة هل أضحي لأجل أولادي، عندي ولدين أو ثلاثة، أم أصبر لأجلهم حتى يكبروا ويتعلموا، أي التصرفين أصح؟
ج: الصبر طبعا للحفاظ على الحياة الزوجية، دائما الصبر في كل شيء هو الأفضل، والصبر في الحياة الزوجية أفضل من الطلاق، والإسلام سيج الزواج بسياجات عديدة، فجعل الكفارات، وجعل كل سبل الحفاظ على العلاقة الزوجية، والمرأة التي تصبر لها أجر، وكذلك الرجل الذي يصبر على أذى زوجته كما حكى الله عن النبي أيوب، والصبر بمثابة المصب لأخلاق الإسلام، قال تعالى: {وَمَا يُلَقَّهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَهَا إِلَّا ذُو حَظِّ عظيم [فصلت: 35] ليس فقط الجنة، وإلا فكل شيء جميل لا ينال إلا بالصبر، والصبر يحتاج إلى صدر واسع وإلى تحمل كبير وإلى عقل راق. س: ذكرتم كلمة رائعة جدا أتمنى أن تكون شعارا لكل المتزوجين والمقبلين على الحياة الزوجية، أن في الزواج تظهر أخلاق الإسلام وبهذا القدر نكتفي بهذا اللقاء، ونريد منكم
كلمة.
ج: بما أننا كنا في حديث عن الصبر نختم هذا اللقاء بسورة العصر التي حثت على وهي صورة تختتم بها المجالس.
الصبر،
وَالْعَصْرِ إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ إِلَّا الَّذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُوا الصَّلِحَتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا
بالصبر وام
143 (1/143)
صفحة 144
الحلقة العشرون «أخلاقيات البيع والشراء ا»
144 (1/144)
صفحة 145
بسمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
س: ما هي مكانة المال في الإسلام؟ ج المال في الإسلام هو قوام الحياة، والإسلام نظر إلى المال بأنه أمانة في يد الإنسان، لأن الله تعالى قال: {وَأَنفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ} [الحديد: 7]، أي الإنسان مستخلف من الله عز وجل في هذا المال فيصرفه على ما يرضي الله ورسوله المال لا شك أنه أفضل وسيلة في البيع والشراء والمعاملات المالية في الإسلام هي التي تقوم عليها الحياة، ولذلك قال العلماء: «البيع والنكاح عقدان بهما قوام الحياة أو بهما قوام العالم»، لأن الإنسان في هذه الحياة لابد له من الزواج لاستمرار النسل ولبقاء النوع الإنساني، كما أنه محتاج إلى التغذية، ومحتاج إلى التبادل بأمور التغذية، فإن البيع والشراء هما الوسيلة لتبادل هذه المنافع لذلك المال في الإسلام له قيمة كبيرة على الإنسان أن يتحرى جمعه وصرفه فيما فيه رضا الله عز وجل ورضا رسوله. س: بما أن المال له مكانة عظيمة في الإسلام قد يسأل سائل: هل كان النبي غنيا أم فقيرا؟ وما هي نظرة الإسلام إلى الغنى؟
بعد هجرته من
ج الرسول كان غنيا، ولكنه ماكان يعطي المال أهمية، وذلك لمنصبه العالي (منصب النبوة)، ولأنه كان رئيسا للدولة الإسلامية التي أنشأها بوحي الله عز وجل، وهنا نعرج إلى القول بأن الرسول كونه رئيس دولة أنشأها هو التي قوامها المجتمع والمكان والحكم، لاسيما مكة إلى المدينة المنورة، فرئيس الدولة من عفته أن يترفع عن طلب المال وإنما يوزعه على أصحابه، فكان يعطي ما يتجمع لديه من بيت المال لهم ولكل محتاج، فلا نستطيع أن نقول أنه كان فقيرا بعد الهجرة، نعم حتى عندما كان في مكة كان ينتمي إلى أشرف الأسر، لأن بني هاشم يعدون الذؤابة في قريش أي أرفع مكانة فيهم فلا يمكن أن يكون هو على فقر، وماكان فيه من فقر هو فقر إلى الله عز وجل لا معنى أن الفقر الذي يدعوه إلى
145 (1/145)
صفحة 146
تكفف الناس أبدا، ولكن كما ذكرت لك أن غنى النبي مضبوط بالوحي وبضبط مقام النبوة
له.
س: هل كان ضبط النبي ل للمال تورعا كونه رئيس الدولة، أم كان
على أموال الناس؟
ج: نعم الأمران معا، فهو من باب الأمانة؛ لأنه يأخذ المال
جهة، ومن باب الترفع حتى لا يجعل أصحابه ما يهمهم. إلا المال.
من
حله
باب الأمانة والحفاظ
من ويضعه في محله، من
س: إذا فمن خلال هذا الكلام نفهم أن الإسلام ليس ضد الغنى وأن يكون الإنسان غنيا. ج: الإسلام ليس ضد الغنى، فقد أمر بالإنفاق وأمر بالزكاة، فمن أين ينفق ويخرج الزكاة إذا لم يكن عنده مال؟ المهم والضابط أن المال يؤخذ من حله ويوضع في محله، وهذا هو الزهد، وليس الزهد أن يجمع الإنسان المال ويحرم نفسه وأهله منه.
س: هناك إشكالية لدى الشباب في البحث عن العمل، وهناك عبارة قالها عبد الرحمن بن عوف لما هاجر إلى المدينة المنورة: «دلوني على سوق المدينة»، فما هي الدلالة الأخلاقية التي يستفيدها كل إنسان سواء كان باحثا عن عمل أو عن مصدر دخل؟ س: في الأساس فإن المهاجرين هم من قريش من مكة وأهل مكة هم أهل تجارة، وأهل المدينة أهل زراعة، ولما وصل عبد الرحمن بن عوف وغيره من المهاجرين إلى المدينة عرض الأنصار عليهم الإيثار بالأموال؛ حتى تستقيم حياتهم، ولكن عبد الرحمن بن عوف قال: دلوني على السوق وهذا فقط مثال فهناك آخرون قالوا: دلونا على السوق؛ لأن كثيرا من قريش أصبحوا أغنياء نتيجة البيع والشراء فبدل أن يكون عبد الرحمن عبئا على غيره من الأنصار قال لهم دلوني على السوق، وأصبح على مستوى عال من الغنى س: من كان يتحكم بالاقتصاد في المدينة؟
ج: قبل مجيء الإسلام كان اليهود هم المتحكمون بالتجارة؛ لأن اليهود بطبيعتهم أهل تجارة
فحيثما يحلون تكون التجارة معهم، وهم الذين كانوا مسؤولين على التجارة في المدينة. س: إذا نفهم من كلامك فضيلة الشيخ أن عبد الرحمن وغيره من الصحابة لم يكن عندهم
146 (1/146)
صفحة 147
أموال وإنما بدؤوا من الصفر، فهذه دعوة للشباب أن يبدأوا من الصفر.
أحمد
ج: نعم، جميع الصحابة حتى سعد بن أبي وقاص كان أيضا على غنى وغيره من الصحابة بدؤوا من الصفر؛ لأنهم لما خرجوا من مكة لم يسمح لهم المشركون بأخذ أموالهم، وقد عيّر بن جحش أخو عبد الله أبا سفيان بقوله: «دار ابن عمك بعتها تنفي بها عنك الغرامة»، وأحمد بن جحش قريب لأبي سفيان، ولما هاجروا استولى أبو سفيان على بيوتهم وباعها فكتب له قصيدة يؤنبه فيها، وصهيب الرومي كان حدادا يعمل في الحدادة وصنع السيوف فخيروه أنه إذا أراد أن يخرج من مكة فعليه أن يترك أمواله فتركها.
س: ما صحة قول أن كل الأنبياء مارسوا التجارة؟
ج
هذا القول يحتاج إلى تحقيق.
س: لكل شيء أركان، فالصلاة لها أركان والحج له أركان، فما هي أركان البيع؟ ج الأركان هي: البائع والمشتري والعقد والقبول والإيجاب.
س: يذكر العلماء من شروط البيع الرشد، ماذا تعني كلمة الرشد؟ ج: الرشد هو حسن التصرف في المال بل حسن التصرف في كل شيء في الحياة، والبلوغ
وحده لا يكفي.
س: إذا فالرشد غير مرتبط بمعنى البلوغ؟
ج: قد يقترن بالبلوغ وقد يتأخر عنه،، لكن إذا تقدم الرشد عن البلوغ يبقى الانسان ناقص
الأهلية.
س والسفه الوارد في قوله تعالى: {وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاء أَمْوَلَكُمْ} [النساء: 5]؟
ج: السفيه هو الذي لا يحسن التصرف في ماله.
س: نريد التكلم عن موضوع التراضي في البيع، ففي بعض الأحيان يقوم بعض الباعة بإحراج الذي يدخل إلى المحل لكي ينظر إلى البضاعة فالبائع يحرجه أن يشتري وهو غير راغب في
شراء تلك البضاعة.
ج: البيع على ما يتراضيان كما قال تعالى: {إِلَّا أَن تَكُونَ تِجَرَةٌ عَن تَرَاضِ مِنكُمْرة
147 (1/147)
صفحة 148
،
[النساء: 29] وهذه سلوكيات لا تبنى عليها أحكام، وإنما من باب الأخلاق والمروءات ودخول الزبون للمحل هو الوقت المناسب لكي يصور التاجر بضاعته ونحن نقع في هذا وخصوصا في خارج السلطنة، وفي النهاية هذا ليس إكراها وليس إحراجا، ولكن هذا حسن تسويق من التاجر
س: ما رأي فضيلتكم بقضية التدليس ففي بعض الأحيان هناك من يعرض سيارة ويزينها ويظهرها بمظهر جميل ولكن يكون بها عطل كبير، ربما تكون الماكينة غير صالحة للإستعمال. هذا ج من الغش في التجارة وفي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم: «من غشنا فليس منا»، فالغش لا يجوز، أما إذا كان لإزالة القبح من البضاعة لإظهار البضاعة على حقيقتها كإزالة الغبار المتراكم على سيارة جميلة وصحيحة من الداخل فهذا شيء جيد وليس من التدليس، وإنما التدليس أن يكون العيب خفيا ولا يوضحه البائع للمشتري فهذا غش يرد به البيع، والذي تقوم به الآن هيئة حماية المستهلك هو عمل جبّار في هذا الأمر، إذ أن هناك كثيرا من البضاعة المغشوشة ونكاد نقرأ في كل أسبوع عن عدد من البيوع التي ردتها وأرجعت المبالغ إلى أهلها، فهذا عمل جبار ونحن نثني على العمل الطيب لحماية المستهلك س: أحد الإخوة اشترى إطارات لسيارته وتم إخفاء عيبها وأنها قديمة، وكادت أن تردي بأهله في حادث خطير، إذ أن الإطارات انفجرت في الطريق، فالغش وإخفاء العيب مشكلة. ج: هذا لا يجوز فكل مبيع فيه عيب يرد به البيع إلا إذا أخبر البائع المشتري ورضي المشتري بالشراء فلا بد من الصدق والصراحة وفي الحديث: «التاجر الصدوق في الجنة» س: من شروط البيع أن يشاهد المشتري السلعة، لكن يوجد في هذه الأيام البيوع الإنترنت فهل المشاهدة يقصد بها المشاهدة بالعين أو أن مشاهدة صورة السلعة تكفي؟ البيع بالوصف فإن جاء المبيع على الصفة التي شاهدها المشتري فيكفي
هذا ج:
الوصف.
يسمى
•
س: لأن بعض الناس تضرروا من هذا الموضوع إذ أن السلعة كانت بخلاف ما رأوه.
عبر
هذا مما يرد البيع به لأن الشروط موجودة للمبيع فإن جاءت البضاعة مخالفة لتلك ج
148 (1/148)
صفحة 149
الشروط فمن حق المشتري أن يرد المبيع، فكل شيء جاء على خلاف الوصف يرد به المبيع. س: نريد أيضا التحدث عن قضية إخلاف المواعيد وبالذات مع شكوى بعض الناس من
مماطلة المقاولين. ج: هناك ما
يسمى
بالشرط الجزائي وهو العقوبة بالمال، وفي السابق كانت بعض المذاهب
تجيزه وبعض المذاهب لا تجيزه أما الآن فهي جائزة بسبب ما يحصل في عمل المقاولين، والشرط الجزائي أن يوضع على المقاول مبلغ من المال نظير كل يوم أو كل شهر تأخير، ويكون المقاول ملزما بذلك طالما أن هذا منصوص عليه بالعقد بأن هذه المقاولة مثلا تنتهي في تاريخ معين، وإن تأخر فعليه أن يدفع لصاحب المنزل مبلغا من المال، وقد يكون في الشرط الجزائي أحيانا إجحاف بحق المقاول كأن يكون إيجار البيت 300 ريال في الشهر فيفرض صاحب المنزل على المقاول شرطا جزائيا مقداره 100 ريال في اليوم فهنا يتم تقييم الضرر من قبل
القضاء.
س ولكن أليس الأصل في الإنسان أن يكون عنده ضمير؟
ج: أحيانا قد يضطر المقاول وأحيانا قد يكون التأخير من صاحب البيت كأن يكون في العقد أن على صاحب المنزل إحضار بعض المواد ويتأخر في إحضارها فهذا يسبب الضرر، وبعض الناس يقومون بهذا ويطالبون المقاول بدفع الشرط الجزائي المتفق عليه فهذا لا يجوز، وعلى صاحب العمل أن ينظر لحال المقاول فان لم يكن قد تسبب تسببا مباشرا في تأخير العمل فلا أن يأخذ منه شيئا، أما إن كان المقاول مستهترا وغير مهتم بالعمل فتقرير العقوبة المالية
يجوز
شيء طبيعي.
س: هل موضوع الاقتصاد الاسلامي كان مطروحا عند علماء السلف وهل هناك مؤلفات كتبت في هذا الموضوع أم أن هذا العلم يعتبر علما جديد؟
ج مفهوم الاقتصاد الاسلامي مفهوم حديث وإلا فهو مرادف لمفهوم المعاملات المالية من بيع وشراء وتجارة وإجارة وصناعة والاقتصاد الاسلامي دخلت فيه التجارة والصناعة، فكلها صارت بمفهوم إسلامي، أي وفق ما شرع الله تعالى من حلّية البيع أو حرمة البيع وأعطي الآن
149 (1/149)
صفحة 150
لقب الاقتصاد الاسلامي لكن هو في الحقيقة المعاملات التي كان يعبر عنها بفقه البيوع. س: البعض يتساءل عن البيع والشراء للضرورة وقت صلاة الجمعة بعد النداء، وفي قوله تعالى: {وَذَرُوا البيع [الجمعة: (9] هل هنا للتحريم أم أن فيه استثناء أم للكراهة؟ ج: الأصل أن هذا للتحريم، لأن "ذروا" أمر بترك البيع فهنا للتحريم، فعندما يؤذن للصلاة لا
لنه أم
يجوز البيع في تلك الحالة ولكن هناك قاعدة فقهية "هل النهي يدل على فساد المنهي عنه لايدل على فساد المنهي عنه، بعض العلماء توسط فقال أن النهي يدل على فساد المنهي
عنه في العبادات، وأما في المعاملات فلا يدل على فساد المنهي عنه، وانما يؤثم من يرتكبه فعلى هذه القاعدة لو حدث البيع فالعقد قائم لكن هناك إثم وهذه القاعدة ممتازة لأن هناك تفريقا بين العبادات والمعاملات،
س: هناك قاعدة في المعاملات تقول: "العبرة في العقود بالمقاصد والمعاني لا بالألفاظ والمباني"،
ما معنى
هذه القاعدة؟
ج: أي أن اللفظ لا يحسنه كل أحد، لكن العبرة بالمقصود من التعامل بين البائع والمشتري. س: ما رأيكم ببعض التجار الذين يبيعون بعض الأمور المحرمة وعندما تحاورهم فيها يقول: هذا الأمر مختلف فيه.
ج بالننسبة للشيء المختلف فيه يرجع الإنسان لمذهبه طالما أن هناك قولا فلا نريد أن نتشدد ونحكم قولا واحدا، لكن نقول إنه على كل صاحب مذهب أن يتبع مذهبه إذا لم يستبن له الدليل الذي يحرّم هذا الشيء، وقد ورد لعمان ثلاثة اشياء ورد إليها القهوة – البنّ – في بداية عهد اليعاربة وورد إليها التبغ وورد إليها شرب الشيشة حيث وردت هذه الأشياء متزامنة إلى عمان، فوقف العلماء العمانيون منها موقف التحريم حتى القهوة، ولكن اقتضى نظر العلماء أن القهوة غير محرمة لأنها منبهة وليست مسكرة وأما التبغ فهو محرم عندهم، وكذلك الشيشة والسيجارة تقاس على التبغ لأن أصل مكوناتهما من التبغ، وأول من قال بحلية شرب القهوة العلامة الكبير سعيد بن بشير الصبحي، حتى إنه تعرض إلى السجن في شبابه حسب ما قرأت ولكن ثبت فيما بعد أن رأيه هو الصحيح، وشرب القهوة مستعمل
150 (1/150)
صفحة 151
عند
العمانيين بشكل كبير، وصار العمانيون يتفننون في صنعها ويضيفون لها بعض النكهات.
151 (1/151)
صفحة 152
الحلقة الحادية والعشرون «أخلاقيات البيع والشراء 2»
152 (1/152)
صفحة 153
س:
هو
هذه هي
بسم الله الرحمن الرحيم
الحلقة الثانية من أخلاقيات البيع والشراء نريد في البداية التعريفات، فما هو
البيع؟ وما هو الشراء؟ ج: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله وصلى الله على سيدنا محمد
وعلى آله وصحبه.
لا
هنالك عدة تعريفات للبيع وأجمع هذه التعريفات وأشملها هو: إخراج الشيء من الملك (أي ملك البائع) إلى المشتري على بدل له قيمة يتعوض به، أي انتقال الشيء من ملك البائع إلى ملك المشري على ثمن يتفقان عليه، وهذا البيع يقع في الشيء غير الحرام، فالحرام يقع فيه ملك للبائع أساسا فلذلك لا يقال فيه بيع، أن يكون المبيع مباحا حلالا مملوكا شرعيا، هذا الذي ينتقل فيه المبيع من ملك البائع إلى ملك المشتري. وقيل له "بيع" لأنه مأخوذ من مد الباع، أي كأن البائع عندما يسلم البضاعة إلى المشتري يمد باعه أي يده، ولذلك قيل له بيع، والبيع يطلق أيضا على البيع والشراء، فإذا قيل فلان الشيء فهو من البيع، وإذا قيل ابتاع هذا الشيء فهو بمعنى الشراء، ولذلك يقول
هذا باع
الشاعر:
****
إن الشباب لرابح من باعه والشيب ليس لبيعه تجار.
س: في الآية الكريمة: {وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخَير} [يوسف: (20)، هل هنا بمعنى اشترى أيضا؟ ج: هنا بمعنى البيع، شروه أي باعوه، باعه إخوته للسيارة الذين أخذوه من البئر. س: لا تخلو كتب الاقتصاد سواء الاسلامي أو غيره عن موضوع الرأسمالية والاشتراكية، ما هو موقف الإسلام تجاه هذه النظريات؟ ج: ظهرت في العصر الحديث فنون في المعاملات التجارية، وتيارات اقتصادية حملت أشياء فكرية، فهنالك الرأسمالية والتي ركزت على المصلحة الشخصية وأنه لابد أن تكون هناك
153 (1/153)
صفحة 154
مشاحة ومنافسة وحرية هذه الركائز الثلاثة التي تقوم عليها الرأسمالية، والمصلحة الشخصية بحسب الرؤية الرأسمالية إذا لم تتوفر في المعاملة المالية لا يجتهد الإنسان فيها ولا يبالي، ولكن إذا عرف أن له مصلحة شخصية تدفعه تلك المصلحة إلى الاستنفاع فلذلك يجتهد في التسويق والبحث، وفي توفير السلعة لأن له مصلحة تحفزه على ذلك.
وأما المشاحة فهي تشجع كل أحد أن يبذل جهده لكي يكسب.
وأما الحرية، فيقصدون بها الحرية المطلقة، من غير أي قيد.
والاشتراكية قامت على نقيض الرأسمالية ودعت إلى محو الملكية، ولا بد أن يكون هناك توزيع للسلع الاستهلاكية ولابد من وضع منهج لإنتاج في حدود حاجة المجتمع فقط، لأنها احتجت على الثلاثي الرأسمالي، واعتبرت وجود المصلحة الشخصية يعني تجمع الثروات عند أشخاص معدودين، وعندما تكون هناك مشاحة يكون هناك ارتباك وعدم استقرار، وعندما تكون هناك حرية مطلقة تكون هناك فوضى، وضبط هذه الأشياء يكون بمحو الملكية بحيث تكون كلها عند الدولة، وبعد ذلك يكون هناك توزيع في المواد الاستهلاكية، ويضبط الانتاج بحسب حاجة المجتمع.
وجاء الإسلام فتوسط بين الرأسمالية والاشتراكية، فأباح الملكية الفردية ولكنه جعل شروطا في ذلك، منها الزكاة مثلا، تبدأ من 2،5% وتنتهي ب 10%. 2،5% في النقود والتجارة، و 0% في المزروعات المسقية بالآلات، و 10% في المزروعات المسقية بغير عناء، وجعل الإنفاق العام فحث على الصدقة واعتبر الفقير كالشريك في هذه الأموال، وأنه يدفع له ما أوجبه الشرع، والزكاة هي حق للفقير في مال الغني، وليس منة من الغني على الفقير حتى أنهم قالوا: يجب على الغني أن يذهب بها إلى الفقير، لا أن يأتي الفقير فيسألها من الغني، هذا لا يجوز، حتى أن بعض الفقهاء تشدد في هذا وقالوا بمنع الفقير الزكاة إذا جاء يسألها، وإنما أوجبوا على الغني أن يذهب بها إلى الفقير، وكأن الغني هو المحتاج إلى أن يعطي زكاته، وهذا من الكرامة والعزة الإنسانية، قال تعالى: {وَلَقَدْ كرمنا بني عادم الله [الإسراء: 70]، هذا هو التكريم، حتى لا يكون هناك إهانة للإنسانية، فبدل
154 (1/154)
صفحة 155
أن يذهب الفقير ويتكفف فيكون فيه مهانة له، لكن بالعكس، الغني الذي منّ الله عليه بالمال، عليه أن يشكر الله تعالى ويذهب هو بزكاته إلى ذلك الفقير، ولذلك جاء الإسلام متوسطا بين الرأسمالية الجشعة التي قامت فقط على تعظيم الفرد، وبين الاشتراكية التي لم تهتم بالفرد إطلاقا وإنما اهتمت بالمجموع.
س: ذكرتم أن الاصل في البيع أن يكون المبيع حلالا ما رأيكم في الإنسان الذي يبيع مباحا، ولكنه يعلم أن هذا المباح سوف يستعمل لأمر محرم، كمن يبيع سلاحا ويعلم أنه سيضر به فئة من المسلمين، أو يبيع بعض الفواكه المباحة التي ستكون خمرا، هل التاجر مسؤول أن يعرف أين تذهب الأشياء التي يبيعها، أم أنه غير مسؤول؟ ج: ليس له أن يسأل ولا أن يعلم، وإنما إذا علم بالأمر لا يجوز له بيع ذلك الشيء، فمثلا الإنسان مشروع له أن يبيع العنب أو التمر لكن إذا تيقن أن المشتري سيصنع منه خمرا، فلا يجوز، الله تعالى يقول: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ} [المائدة: 2]، وهذا فيه إثم وعدوان، وكذلك السلاح، فالنبي الله يقول: من حمل علينا السلاح فليس منا سواء أخذه منا ليحاربنا أو أن يبيعه لمن يحاربنا، وهذا حديث صحيح، ولكن إذا لم يعلم التاجر أين يتجه المبيع، ما عليه إثم، ولكن إذا علم، يحرم عليه ذلك. س: بالنسبة للمشتري هل له أن يتأكد من مصدر المبيع وأنه حلال، وخاصة بما يتعلق باللحوم والذبائح؟ ج بالنسبة للأغذية بشكل عام، إذا كان اللحم أو الدجاج قد جاء من بلد مسلم ليس له أن يسأل، إلا إذا تبين له أنه ذبح على غير الطريقة الإسلامية، وأما إذا جاء من بلد غير إسلامي، فلا يأكله إلا إذا تبين له أنه ذبح على الطريقة الإسلامية. والدول الآن التي تصدر اللحوم والدجاج فيها مراكز إسلامية تشرف على هذه الذبائح، وهكذا الأغذية الأخرى تقاس على هذا الأساس بالحل والحرمة.
س: ما الحكمة من منع البيع والشراء في المساجد؟
ج لتطهير المساجد، كما جاء في الحديث: طهرت المساجد من ثلاث: «من أن ينشد
155 (1/155)
صفحة 156
فيها بالضوال، أو يتخذ فيها طريق، أو يكون فيها سوق»، لأن المسجد مكان عبادة ولو جاز البيع فيه لشغل الناس عن العبادة، وبالتالي يخرج المسجد عن رسالته، ورسالته أنه إطار تعبدي طاهر، حتى الحدود الشرعية لا تقام في المساجد، لكن لو وقع البيع والشراء في المسجد يتم البيع لكنه يكون فيه إثم.
س: نريد نصيحة، خاصة فيما يتعلق بالغذاء، هناك بعض من المطاعم والمقاهي اكتشفت جماعة حماية المستهلك أنهم يبيعون بعض الأطعمة منتهية الصلاحية والفاسدة، مما تسبب في تسمم بعض الناس.
أن
ج أنصحهم بتقوى الله عز وجل البيع والشراء فيه إغراء للبائع، وقد يكون فيه إغراء للمشتري بالرخص، وإذا بذلك الرخص إنما هو بسبب الفساد أو انتهاء الصلاحية، فلا بد للبائع يتقي الله عز وجل، والمشتري عليه أن يتأكد من تاريخ الصلاحية، وأن يختار البضاعة التي بها تاريخ صلاحية طويلة وكذلك الشأن في الأدوية والعقاقير. س: ذكرت في كلامك بعض النقاط المهمة، النقطة الأولى التقوى التي تردع التاجر دون تدخل جماعة حماية المستهلك أو بعض القوانين لتضبط الأمر، والنقطة الثانية: الأدوية والعقاقير، حيث نشاهد اليوم محلات للأدوية والأعشاب الطبيعية، ويدعي كثير منهم أنهم يعالجون كل الأمراض، وقد يتسببون في وفاة البعض، أو في تضرر البعض الآخر تضررا أكبر، وقد يكون بعض أصحاب هذه المحلات غير متخصص في الطب، ما رأيكم في هذه التجارة التي لا تقوم على العلم؟
ج: هذا ما يسمى بالطب البديل، أي بديل للطب المتعارف عليه الآن، وإذا كان الشخص متقنا له وعارفا بخصائص الأدوية، ولا يغش فيها ولا يدلس، فهذا شيء جائز شرعا، وأما إذا كان فيه تدليس، ووصف للدواء بأكثر مما هو عليه الدواء لغش الناس فهذا لا يجوز، وحماية المستهلك تعتبر جهة قضائية لأنها عندها الضبط القضائي، وحكم القانون، والشرع يؤيد ذلك، ودائما القضاء لا يتدخل إلا إذا ارتفع إليه الخصوم، ولو لم يكن هناك دعوى من الخصم لما كان هناك تدخل قضائي إلا من باب حماية المجتمع وهذا من باب المصالح
156 (1/156)
صفحة 157
المرسلة، إن ولي الأمر يحق له أن يتدخل وينظم حياة الناس بما يتفق مع أحكام الشرع، هذا من باب المصلحة المرسلة، وفي الأصل القضاء لا يتدخل إذا كان الضمير حيا، وفق ما شرعه الله عز وجل.
س: الله سبحانه وتعالى يقول: {إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَنُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاء فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنتُم مُنتَهُونَ) له [المائدة: 91]،
ما علاقة شرب الخمر وبيعها والقمار والميسر بالصلاة والذكر؟ لأن هذه الأمور كانت مستعملة عند العرب وكانت تلهيهم عن الصلاة، فإذا اشتغلوا
ج:
بالقمار لا يذكرون الله، وإذا شربوا الخمر لا ينتبهون للصلاة. قال تعالى: {لَا تَقْرَبُوا الصَّلَوَةَ وَأَنتُمْ سُكَرَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ} [النساء: 43]، هذا فيه تدرج في تحريم الخمر، والآن يقاس على هذه الآية كل شيء يشغل عن الصلاة، ولذلك قال الله تعالى: {فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ، يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ رِجَالٌ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَرَةٌ وَلَا بَيْعُ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَوةِ} [النور: 36 - 37]، حتى التجارة التي تلهي عن ذكر الله غير جائزة ليس لعدم جواز التجارة وإنما لأنها تلهي عن الصلاة وعن الذكر، والخمر والميسر حرمتهما في ذاتهما ولأنهما بالتأكيد يصدان ويصرفان عن ذكر الله.
س: هل الميسر هو المراهنة بأمر معين؟
ج: طبعا.
س: هناك ظاهرة بين الشباب اليوم وهي المراهنة على فوز فريق أو لاعب، فيعطي الخاسر
مبلغا للرابح.
ج: لا بد أن تكون الجوائز التشجيعية من طرف ثالث، لا من أحد الطرفين المتباريين، فهذا
لا يجوز. س: ماهو ضابط كلمة الربا؟
ج: الربا مأخوذة من قول الله عز وجل: {يَمْحَقُ الله الرّبوا وَيُرْبِي الصَّدَقَتِ [البقرة: 2106] فالربا في الأصل الزيادة، كما جاء في هذه الآية، والله تعالى يقول أيضا: وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ
157 (1/157)
صفحة 158
صنف
وَحَرَّمَ الرِّبوا فَمَن جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِّن زَيْهِ، فَانتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَبِكَ أَصْحَبُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ الله} [البقرة: (275]، والله سبحانه وتعالى شدد في الربا، لأنه أكبر وسيلة لجشع الغني على الفقير ولأخذ ماله من غير تعب، بمجرد أن يقرضه ومع أي من أصناف الزيادة، يكون ذلك استغلالا للفقير، ولذلك شدد الاسلام في الربا، يقول الله تعالى: {يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبوا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ اللَّهِ، فَإِن لَّمْ تَفْعَلُوا فَأَذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ الله له [البقرة: 278 - 279]، هذا تهديد وإعلان من الله تعالى بالحرب على أكل الربا
وموكله.
س: ما معنى الحرب هنا في الآية؟
ج الحرب هنا بمعنى الانتقام والعقوبة والعذاب والله تعالى يقول أيضا: {يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَوْا أَضْعَفَا مُضَعَفَةٌ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [آل عمران: 130]، والربا هو ربا النسيئة، ولا بد أن تتوفر في الربا ثلاثة أشياء: أولا: اتحاد الجنس، أما إذا اختلف الجنسان فبيعوا كيف شئتم كما جاء في الحديث ولابد من أن يكون الشيئان المتبادلان مختلفين في الجنس.
س: هل يمكن أن تعطينا مثالا على هذا الشرط؟
ج: مثلا، إذا باع الإنسان حيوانا بنقود هذا بيع اختلف الجنسان فيه، ويمكن أن يكون على التأخير، فيمكن مثلا أن أبيعك الحيوان اليوم، وتعطيني الثمن بعد فترة، مادام الجنسان قد اختلفا، فهو بيع جائز، إما على التأخير أو التعجيل.
وثانيا: حصول الأجل، أو وجود الأجل، أي أن يُتبادل شيئان من صنف واحد، ولكن
بأجل، وهذا لا يجوز.
فمثلا
بيع الذهب بالذهب لا يجوز إلا في الحال ولا يجوز في التأخير.
وثالثا: وجود الزيادة.
وإذا اجتمعت هذه الشروط الثلاثة صار ربا.
158 (1/158)
صفحة 159
وأما إذا اختل أحد هذه الشروط لم يعد هذا البيع ربا، وهذا هو الضابط.
س: في الآية الكريمة: ولا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ)
ج: هذا في حالة تسديد الربا، لأن فيه ظلم، وإذا ما حدثت هذه الأشياء لم يحدث ظلم. س: ربما البعض لما يتحدث عن الربا دائما يتحدث عن البنوك، وفيها فوائد أخرى كالإيداع والرواتب والشيكات كلها تأتي من البنوك، فهل تنسف أهمية البنوك نهائيا. ج بالطبع لا أساسا الحل والحرمة في المعاملة التي بين الطرفين فقط، والراتب إذا كان يأتيني من جهة حلال، لا أسأل عن مصدره والصحابة كانوا يتبايعون مع الفرس والروم وأولئك القوم يتعاملون بالربا، المهم أن هذا الريال العماني كيف دخل إلى ملكك، أما أصله من أين أجاء من ربا أو غير ذلك، لا تسأل، لا علاقة لك به، ما دمت اشتغلت في عمل
حلال، وجاءك المبلغ من ذلك الكسب الحلال.
159 (1/159)
صفحة 160
الحلقة الثانية والعشرون «أخلاقيات التعامل مع الآخرين»
160 (1/160)
صفحة 161
بسم الله الرحمن الرحيم
س: عنوان هذه الحلقة: أخلاقيات التعامل مع الآخرين باختلاف أصنافهم ومذاهبهم وأشكالهم ودياناتهم، ولعلني سأبدأ بقول الله سبحانه وتعالى واصفا نبيه: {وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ القلم: 4] ما قيمة الاخلاق في حياة الانسان؟
ج: بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى
آله وصحبه.
الإسلام شرعه الله تعالى دين رحمة وفي الحقيقة كل الديانات الربانية هي رحمة للناس، وأنا
لا أعبّر بالسماوية لأن الله تعالى ليس في السماء فقط، بل هو في كل جزء من هذا العالم بقدرته، لأن الأنبياء كلهم على منهج، واحد الاختلاف فقط في بعض أحكام الشرائع، أما في العقيدة والأخلاق فكلهم على منظومة واحدة وكما قيل إن تلك الديانات خرجت من مشكاة واحدة والرسول الله جعله الله ذا خلق، بحيث اتسع خلقة لكل من عايشه ومن اتصل به ومن تزامن معه ومع من لم يحاربه هو نفسه لم يرفع السيف في وجه أحد ومن حاربه يدفع عن نفسه والإسلام دين دفاع وليس دين، هجوم، إلا إذا وقف في وجهه من أجل دعوته ومن أجل وجوده، ولذلك شرع الجهاد لدفع الضر عن الإسلام وعن المسلمين، وأما النبي فهو رحمة، و وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظيم رام الله، لأنه رحيم بالناس، قال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ) [الأنبياء: 107]. و {العالمون} جمع عالم، وكل طيف من أطياف الوجود هو عالم، هناك عالم الجن وعالم الإنس وعالم الحيوان وعالم النبات، كل هؤلاء، عالمون، و بعث إليهم رحمة، فلذلك رحمته وسعت هذا الوجود كله.
س: إذا أردنا أن تكلم عن أخلاق الداعية، والداعية إلى الله يسير على منهج الأنبياء، ويتعامل مع المسلم وغير المسلم، هل يمكن جعل الصفة الأولى من صفات الداعية: "الأخلاق والرحمة"؟
161 (1/161)
صفحة 162
ج: طبعا، هذه الأخلاق جاءت بها الآيات للداعية أن يقوم على الرفق والتسهيل والملاطفة مع المدعو، ودائما الداعية إذا أراد النجاح لدعوته أن يجعل نفسه هو المحتاج إلى المدعو، المدعو في جهالة وغير ملم وليس بحاجة إلى الداعية الداعية هو الذي يتلطف بالمدعو ويذهب إليه والداعية هو المحتاج لإبلاغ دعوته للمدعو. س: في الآية الكريمة يقول الله تعالى لموسى وهارون: اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى) فَقُولَا لَهُ قولا لينا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى} [طه: 43 - 44].
ج: القول اللين هو القول الذي فيه عدم إثارة وعدم استفزاز وعدم تجريح وعدم تجهيل، لأن بعض الدعاة يجهلون السائل ويقولون له: «أنت جاهل وأحمق»، وهذا سلوك غير طيب وهذا احتقار وأسلوب منفّر للسائل، وهذا الأسلوب لا يستساغ، ولذلك جاء واعظ لأحد الملوك فاستعمل معه أسلوبا خشنا واحتج بما أمر به الله تعالى موسى وهارون إلى فرعون رغم طغيانه العظيم الذي لم يشهد الزمان مثله، ومع ذلك أمره بالقول اللين لعله يتذكر أو يخشى، لكن لو كان بالأسلوب ما كان ليتذكر ولا ليخشى.
س:
تعلم
الله سبحانه أمرنا بالحوار وبالمجادلة بالتي هي أحسن، ولكم كتاب في تجديد الخطاب الديني، ذكرت فيه التعامل مع اليهود والنصارى، نحن كجيل نريد أن هذا الموضوع. ج: هذه الديانات في الحقيقة إذا لم تصادم الإسلام ولم تعارضه ولم تحاربه، علينا أن نعاملهم بالرفق والحوار وبالوصول إلى الهدف كما أمرنا الله ورسوله بذلك، قال تعالى: {قُلْ يَأَهْلَ الْكِتَبِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بعضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ فَإِن تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَا مُسْلِمُونَ} [آل عمران: 64]، هذا ما أمر الله به المسلمين أن يقولو لأهل الكتاب وهكذا لكل أصحاب الديانات حتى الوضعية، يجب التعامل معها هكذا لأن الديانات الوضعية أيضا من غير أهل الكتاب تطبق عليهم أحكام اليهود والنصارى والإسلام تشدد مع مشركي العرب وأنه لابد أن يدخلو في الإسلام أو يقاتلوا، لأن الله اختارهم من بين الأمم واختار منهم نبيه، وأنزل القرآن، بلغتهم، فاختارهم لحمل رسالة الإسلام من بين سائر الأمم، و التالي فلو تخلوا هم
162 (1/162)
صفحة 163
عن حمل رسالة الإسلام فكيف يتبناه غيرهم، ولذلك قال الله لنبيه: {وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ الله الله [الشعراء: 21]، أي أن يبدأ بهم، لأنه لو ما أنذر عشيرته الأقربين ما كان الآخرون يجرأون على اعتناق الإسلام وأنت تلاحظ أن قبائل العرب في الجزيرة امتنعت عن الدخول في الإسلام حتى أسلمت قريش بعد فتح مكة ودخلت قريش في الإسلام راغبة أو كارهة ودخلت قبائل العرب، أما قبل ذلك فكان دخول العرب في الإسلام بشكل فردي، يذهبون إلى النبي ويعلنون إسلامهم كما فعل الصحابي العماني "مازن بن غضوبة" لي ذهب إلى النبي وأعلن إسلامه، وذلك قبل فتح مكة، ولكن بعد الفتح أرسل عمرو بن العاص إلى أهل عمان فسألوه عن قريش ماذا فعلت؟ فقال: «دخلوا في الإسلام»، إما راغب أو مقهور بالسيف دخلوا في الإسلام بعد هذا السؤال والجواب.
فأنذر النبي لا لا لاهله وعشيرته الأقرين ثم من بعدهم في مكة والقبائل التي حولها، قال تعالى: لتُنذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا} [الشورى: 7].
وتشدد الاسلام مع مشركي العرب لهذا الغرض، لأن الآخرين لا يمكن أن يقبلوا الاسلام وأنتم معشر العرب الذين نزل القرآن بلغتهم ونبيه منكم، ثم تدفعون دراهم كجزية ولا تدخلون في الإسلام هذا لا يمكن، إما الدخول في الإسلام أو السيف، وأما بقية غير المسلمين من أهل الكتاب وغيرهم إذا أعطوا الجزية أو ما في حكمها واستسلموا ولم يواجهوا الإسلام بحرب فلا يقاتلون ولهم أحكامهم الخاصة. س: قد يسأل البعض عن قصة أبي بكر الصديق في حروب الردة ومقاتلة المرتدين، أين
الرحمة هنا؟
ج: هذا فيه رحمة، لأن فعلهم ذلك ينقض عرى الدولة، لأن الزكاة ركن من أركان الاسلام، هم ما أنكرو الإسلام كليا، معظم أهل العرب لم ينكروا الإسلام، ولكن البعض منهم أنكر الزكاة، وبعض منهم لعلهم رجعوا إلى شركهم، ولكن في غالبهم امتنعوا عن أداء الزكاة، لأنهم اعتبروها كأتاوة، كتحكم قريش بهم.
163 (1/163)
صفحة 164
الإشكالية أن أصحاب الردة كانوا من المتأخرين في دخول الإسلام، كقبائل نجد، وأما العمانيون أيضا تأخر إسلامهم، لكن لم يرتدوا وبقي الإسلام راسخا في قلوبهم، ولم تشهد عمان الردة إلا ردة بسيطة في أهل "دبا" وهي جزء من عمان وحُلت بسهولة، وأما مكة والمدينة والطائف لم ترتد وأكثر الردة كانت في البادية في الصحراء، مع الأعراب، فهناك حدثت الردة، لأنهم ما كانوا يعرفون الزكاة، وشبهوها بالأتاوة التي كانت تُفرض من قبل القوي على الضعيف، عندما يستولي ملك من ملوك العرب على مكان الماء يفرض على أهله الأتاوة، أو ما يسمى بضريبة الرأس.
وكما قال شاعرهم:
فهي
***
أطعنا رسول الله إذ كان بيننا فيا لعباد الله ما لأبي بكر
***
أيورثها بكرا إذا قام بعده وتلك لعمرو الله قاصمة الظهر
قضية عدم فهم للإسلام واعتبروها تسلطا من قريش عليهم، فامتنعوا عن الزكاة، وامتناعهم فيه تأثير على الدولة الإسلامية، ويكون فيه قضاء على الدولة الإسلامية لأنه في النهاية كل القبائل العربية ستنتقض، حتى أنها قد ترجع إلى عقيدة الشرك وتنسحب من الإسلام، وموقف أبي بكر لي كان موقفا موفقا لحماية الدولة والمجتمع الإسلامي، والإسلام نفسه، لأن الزكاة ركن من الأركان الخمسة، وهو من المعلوم من الدين بالضرورة. س: أود أن أستفسر عن حادثة ذهاب النبي إلى الطائف، ولما عاد حسب ما تذكر كتب السيرة النبوية أنه جاءه ملك، وقال له: لو شئت لأطبقن عليهم الأخشبين»، ما
صحة هذه الرواية؟
ج هذه الرواية إن صحت فذلك دليل على رحمة النبي صلى الله عليه وسلم بالناس، فالنبي لم ينتقم على الإطلاق، وإنما يرجوا الهداية لهم دائما، لعل الله أن يخرج من أصلابهم من يؤمن بالله ولا يشرك به شيئا، فالنبي صلى الله عليه وسلم كان رحيما دائما، لا يريد أحدا من الناس ولو كان غير مسلم أن يلحقه انتقام مادام هناك مجال لعدم الانتقام والنبي لم ينتقم لشخصه على الإطلاق،
164 (1/164)
صفحة 165
رغم أنه أوذي في جسده، وحتى لا يقال إن ذلك انتقام منه لأهل الطائف، هذا لو صحت الرواية، وإن لم تصح سندا فهي في عمومها ومجملها صحيحة المعنى ومع سياق السيرة
النبوية.
س: لو حللنا الموقف ليس من السهل أن يطرد من مكة إلى الطائف مشيا.
قدماه، بالحجارة ودميت رمي
فقد ج: نعم، وهو موقف غاية في الإذلال والإهانة ولا تجوز في حقه، ولكن دائما الشرك والعصبية القبلية تلعب دورها، وثقيف تعتبر هي أخت قريش في المكانة كما يقال لقرب الطائف من مكة، كما تقول الآية على لسان المشركين: و وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْءَانُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيم له الزخرف: 31]، أي من مكة أو
الطائف.
س: وماذا عما قبلها أنه يروي
حوصر
ثلاث سنوات؟
ج: هذه الرواية غير صحيحة في الحقيقة أنا فندتها في كتابي "السيرة النبوية"، لا يوجد حصار، لأنه أساسا لو قلنا أنه حوصر في شعب هاشم، وعمه أبو طالب عنده جمال وسكن في ذلك الشعب، وبعد ذلك سمي شعب عامر، وكانت في السابق بعثة الحج العمانية تقيم فيه أثناء موسم الحج، ومسافته غير بعيدة من الحرم، وأبو طالب كان عنده جمال وكان يسكن في ذلك الشعب، وقيل إن النبي صلى الله عليه وسلم وبني هاشم في مجملهم حوصروا هنالك، وهذا غير صحيح، لأنه أين سكن العباس بن عبد المطلب وهو تاجر كبير؟ هل حوصر معهم؟ أين سكنت خديجة زوج النبي؟ هل انتقلت من بيتها إلى شعب عامر؟ هذه الروايات في رأيي شجع على وضعها الأمويون نكاية في بني هاشم، وفي قريش هناك صراع بين بني هاشم وبني أمية، فلما صار الملك للأمويين شجعوا على الروايات التي تستنقص من بني هاشم، لأنه لو حللنا هذه الرواية فهي لا تنسجم مع الواقع، هل خديجة كانت محاصرة وهي الغنية؟ هل النبي صلى الله عليه وسلم كان محاصرا ثم يذهب إلى الكعبة يصلي هنالك؟ أين حمزة بن عبد المطلب الشجاع القوي؟ هل كان محاصرا هنالك أيضا؟ ثم كيف يحاصرون ولا يبايعون ولا يزوجون؟ هذا غير معقول، أما إذا تنادى بعض أفراد قريش
زوج
النبي
165 (1/165)
صفحة 166
بعدم تزويج بني هاشم فهذا وارد وقد يحدث، لكن يحاصرون دون بيع وشراء وكما تذكر الروايات أن الصحابة لم يجدوا ما يأكلون، وسعد بن أبي وقاص ذهب ليبول في الليل فوقع بوله على جلد بعير فأكله هذه فيها مبالغات وقد فندتها في كتابي.
س: تذكر كتب السيرة أن النبي صلى عليه وسلم لما هاجر إلى المدينة وصار حاكما للدولة كانت هناك وثيقة مع اليهود مذا نستفيد من تلك الوثيقة؟
ج: نستفيد أولا أن التعامل مع الآخر هو الأساس في الاسلام، طالما أن هذا الآخر غير مصادم للاسلام والمسلمين وغير معترض عليهم، فالتعامل معه شيء طيب، لأن فيه استقرارا للمجتمع، والنبي الله الله صاغ وثيقة المدينة أو كما تعرف في تلك الأيام بصحيفة المدينة، وفيها دليل على أهمية المواطنة، لأنه اعتبر أهل المدينة كلهم مع جميع أصنافهم القبلية والدينية أهل وطن واحد بينهم لحمة واحدة يناصر بعضهم بعضا، ولا يعادون بعضهم بعضا، وفيها حرية التملك وحرية ممارسة العبادة دون اعتراض من النبي، ولكن اليهود هم الذين نقضوا تلك الوثيقة عروة عروة، بغدرهم بالنبي والمسلمين والأصل في اليهود الغدر والتاريخ خير شاهد على ذلك، والإسلام شرع التعامل مع الآخر، لكن الآخر عليه أن يفي للمسلمين وعليه أن لا يظاهر وهناك آية تقول: و لا ينهَنكُهُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَتِلُوكُمْ فِي الدِّين وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَرَكُمْ أَن تَبَرُوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ} [الممتحنة: 8]، ولذلك استنتج الإمام ابن بركة أن تشميت العاطس منهم وبدأهم بالسلام جائز، وأن نوسع لهم في الطريق كذلك، وثيقة المدينة فيها كل هذه المعاني وقد وفى بها النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمون معه، وقد نقضها اليهود من بني قينقاع ثم بني النظير ثم بني قريضة.
س:
عندما قلت إن الأصل في اليهود الغدر هل هذا تعميم؟
ج: الظاهر هكذا، لأنهم ينظرون الى المسلمين أنهم أغيار، والتلمود الذي وضعه أحبارهم أجازو لهم فيه أن يفعلوا بالاغيار كل شيء، وهم يعبرون عن المخالف لهم وخاصة المسلمين بالأغيار، وأباحوا لهم فعل كل شيء من قتل وسلب وإخراج من البيوت وأخذ الاموال هكذا جاء في تلمودهم.
166 (1/166)
صفحة 167
الشباب
س: نحن عندنا مشكلة للأسف في مواقع التواصل الاجتماعي، وهي حماسة بعض وغيرتهم على دينهم وإسلامهم، فتجدهم يدافعون عن الإسلام و يأتون بعبارات التفسيق
والتبديع والتكفير، كيف نجمع بين أن يكون الإنسان ذا أخلاق حسنة وكلام طيب وبين
أن
يدافع عن الاسلام؟
ج: الدفاع عن الاسلام يكون وفق مقررات الاسلام. التفسيق والتبديع والتكفير له أصل في الدين لكن مع ضوابط أيضا، لكن على المسلم أن
يضع هذه الألفاظ في مواضعها، لا أن
يعمم
وينزل الآيات القرآنية في إخوانه وأصحابه
وأهل دينه، ويجب على المسلم أن يعرف هذا الشيء.
س: كيف نوفق بين مفهوم الولاء والبراء والتعامل بإنسانية؟
ج: الولاء والبراء عقيدة قلبية، لأن الولاية والبراءة فيها عصمة للدين، لأن أهل كل دين بولايتهم فيما بينهم عصموا كيانهم وتطبيقها له طرق وضعها العلماء ويجب على الإنسان ألا يستعجل، وكما قال بعض العلماء إن البراءة كحد السيف، والأصل أن هناك ولاية الجملة وبراءة الجملة بأن يتولى الإنسان جميع المسلمين ويبرأ من جميع الكافرين، وولاية الأشخاص وبراءة الأشخاص فيهما طرق أخرى كالإقرار ومشاهدة المعصية الموجبة للبراءة.
167 (1/167)
صفحة 168
الحلقة الثالثة والعشرون
«أخلاقيات الحلم»
168 (1/168)
صفحة 169
بسم الله الرحمن الرحيم
س: عنوان هذه الحلقة بإذن الله تعالى "أخلاقيات "الحلم" وهي مرتبة عظيمة يصل إليها المؤمن، وحتى يفهم السامع موضوع وخلق الحلم لا بد أن نعرف الأمر في البداية.
ج: بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله وصلى اللهم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
الحلم
هو
ضد الجهل والجهل جهلان جهل ضد العلم، وجهل ضد الحلم الذي هو اعتداء، فيكون عالما وجاهلا والعالم هو العارف والجاهل هو الذي لا يعرف.
والجهل بالعلم: جهلان جهل مركب وجهل بسيط الجهل المركب هو أن يكون الإنسان جاهلا ولا يدري أنه جاهل، كقول الشاعر:
جب الأيام أنك لا تدري ومن
***
وأنك لا تردي بأنك لا تدري
وجهل بسيط، وهو أن يعرف الإنسان من نفسه أنه جاهل ولا يعرف الشيء ولا يخوض فيه،
أما الجهل الذي هو بمعنى الاعتداء، هو الذي يعنيه الشاعر ابن كلثوم:
****
ألا لا يجهل أحد علينا فنجهل فوق جهل الجاهلينا
معنى ذلك: لا يعتدي علينا أحد لكيلا نعتدي نحن عليه بأشد مما يعتدي هو علينا، ألا
يجهل أحد علينا فنجهل فوق جهل الجاهلينا.
والحلم من أشرف الأخلاق في الإسلام، وهناك رواية عن النبي صلى الله عليه وسلم: «لكل دين خلق، وخلق
الإسلام الحياء» والحياء هو أيضا يقود إلى الحلم.
هذا
هو
تعريف الحلم، بمعنى أنه ضد العلم وأنه بمعنى الاعتداء.
169 (1/169)
صفحة 170
س: في الآية الكريمة يقول الله تعالى: {وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَهِلُونَ قَالُوا سَلَمَا) [الفرقان: 63]،
من خلال تعريفكم هل يفهم هنا "الجاهلون" هم الناس الذي لا يتحلون بالحلم؟
ج: هنا بمعنى المعتدون الجهل بمعنى الاعتداء، يعني أن يعتدي عليه بالقول أو التجريح، فيترفع
ذلك الشخص ويقول سلاما، هذا
هو
الحلم.
س: ونحن في حياتنا هذا الأمر سنتعرض له كثيرا.
ج: كثيرا جدا عندما الواحد منا لا يملك أعصابه لا يملك قلبه لا يملك عقله، فربما أنه يطايش ذلك الشخص وهذا طبعا غير محمود الإنسان عليه أن يضبط أعصابه ويضبط قلبه عندما يتعرض لموقف استفزازي كهذا.
س هناك أيضا آية أخرى تتحدث عن الحلم يقول الله تعالى: {وَلَا تَسْتَوَى الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيُّ حَمِيرٌ} [فصلت: 34] الشيخ أحمد نريد أن نقف عند هذه الآية، كيف يكون دفع الأمر السيء بالأمر الحسن؟ ج: بالأمر الحسن أنه يترفع عن السباب، كما يقول الشاعر:
***
أحب مكارم الأخلاق جهدي وأكره أن أعيب وأن أعابا
***
وأصفح عن سباب الناس حلمًا وشر الناس من يهوى السبابا
يقول أنا أحب مكارم الأخلاق وأكره أن أعيب وأكره كذلك أن أُعاب ولكن إذا حدث سباب لي من قِبَلِ الناس أنا أترفع عن ذلك السباب حلمٌ مني، أي إني ضد الاعتداء، ما أعتدي على ذلك الشخص الذي يسبني، "شر الناس من يهوى السبابا" فبما أنه يهوى السباب فهو شر الناس فأنا أترفع
عنه.
فهذا المقصود بـ"ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم" فالدفع أحسن يجعل ذلك العدو من الناس كأنه ولي لك صديق حميم لك لأن دائما الترفع
بالتي هي
170 (1/170)
صفحة 171
عن السباب وعن الشتائم وعن هذه الأمور تجعل الإنسان المعتدي يرجع عن ذلك السباب
وعن ذلك الاعتداء إلى ما أفضل.
س: ولكن هناك بعض المربين يربون أبناءهم " إذا أحد من الناس قال لك كلمة سيئة فرد عليه بعشر كلمات" للأسف هذا نسمعه ونلاحظه بعض الأحيان.
ج طبعا هذه التربية من الإنسان الجاهل، لأن هكذا هي التربية الجاهلية، فحتى الذين يذهبون إلى الحج ويكون الحجيج في تدافع يوصيه هؤلاء بالقوة والشدة، فيكون الزحام في تلك المناسك بذلك الأسلوب في الطواف والسعي، وسابقا عندما يتزاحمون في شرب ماء زمزم تكون هناك معارك جسدية عضلية، فكل ذلك نتيجة توجيهات من أقوامهم وفي بلدانهم ويضربون لهم قصصا عن الحجاج السابقين كيف تعرضوا وكيف مارسوا من.
هذا
القبيل.
فهذا طبعا شغل الجاهل، فالإنسان المسلم عندما يذهب إلى الحج ويرى الازدحام يتجـ
عمر
عبد الله بن. حتى لا يزاحم الناس وهذا من نصيحة والده عمر بن الخطاب.
عندما يرى الازدحام على الحجر الأسود كان لا يأتي لتقبيله أو إلى لمسه
س: حتى أيضًا من ضمن النماذج على هذا الموضوع بعض الناس عندما يُظلم من شخص أن تُجرح مشاعره أو يُسخر منه يقول في داخله أن أنتظر اليوم الذي أنتقم فيه من فلان، سمعنا أشخاصا يتكلمون بهذه اللغة.
ج طبعا هذا ليس من أوامر الإسلام، فأوامر الإسلام الصفح، قال تعالى: {خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَهلِينَ} [الأعراف: 199]، هذه مكارم الأخلاق عندما النبي استفهم من جبريل عليه السلام عن هذه الآية قال له حتى آتيك بالجواب، فجاءه الله بالجواب من عز وجل فقال له: صل من قطعك وأعط من حرمك واعف عن من ظلمك" هذه هي مكارم الأخلاق، فلذلك قيل أن هذه الآية جمعت مكارم الأخلاق بما لا
171 (1/171)
صفحة 172
يوجد في آية غيرها و خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَهلِينَ الله الله، أما الانتقام والتوعد
بالشر أو الانتصار للذات فهذا لا يجوز.
فنحن عندنا الكثير من الأمثال وأروع القصص من العلماء والأئمة كانوا يترفعون عن الانتقام
الشخصي.
س: لا تجد عندهم ردات أفعال.
ج: نعم نعم
س: ماذا نستفيد من قول الله تعالى: وإِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا الله [فاطر: 41]، ارتباط الحلم
بالمغفرة؟
ج: المغفرة هي العفو، وهذا حقيقة في حق الله تعالى مجاز في خلقه، ودائما الحلم يترتب عليه أن ذلك الشخص يغفر الزلة يعني على المستوى المجازي أن الحليم من الناس يغفر زلات الآخرين ضده، لأن الله تعالى على حقيقته حليم غفور لعباده.
س: هل الحلم أيضًا ينطبق على الإنسان، الإنسان بطبيعته يخطئ على نفسه، فهل الإنسان يسامح نفسه ويتجاوز الماضي؟ هل الحلم فقط يتعلق بالآخرين؟
ج: الحلم يتعلق بالآخر، فالإنسان لا يمكن أن يحلم عن نفسه، فإذا حلم عن غيره حلم عن نفسه أو رتب الحلم في نفسه، لكن هذا بخطاب مع الآخر يجب أن يكون حليما مع الآخر، لا يكون شديدا، لا يكون منتقما لا أن يكون حريصًا على الانتقام، لا أن يكافئ السيئة بالسيئة إنما يكافئ بالحسنة "وخالق الناس بخلق حسن كما جاء في حديث معاذ "وأتبع الحسنة السيئة تمحها وخالق الناس بخلق "حسن" فالسيئة الانسان لا يتبعها بالسيئة يتبعها بالحسنة، والأمثلة كثير من السلف.
172 (1/172)
صفحة 173
ج
س: لو ذهبنا إلى قول الله عز وجل: {وَلَا تَنسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَ [البقرة: 237]، نلاحظ بعض الأحيان أن الرجل في لحظة غضب معينة يهدد زوجته بالطلاق أو بعدما يحصل الطلاق
يبدأ كل منها يفشي أسرار الآخر، كيف توظف الحلم في مثل هذه الحالات؟ هذا بعيد عن الحلم هذا جهل في الحقيقة وهذا جهل بمعنى الاعتداء، هذا بعيد عن الحلم لا يجوز هذا على الإطلاق، هناك آيات قرآنية وروايات حديثية جاءت بهذا الشأن أن هذا لا يجوز على الإطلاق، بل حتى قالوا إن شر الناس من يأتي إلى زوجته ويفضي إليها ثم يتحدث بما يدور بينهما، هذا طبعًا من شر الناس كما جاءت الرواية فهذا أمر لا يجوز على الإطلاق. س: نريد أن نستوضح موقف سيدنا أبي بكر الصديق مما حصل مع بعض الناس من الذين كان يُحسن إليهم وقد أخطأوا في حق ابنته.
عائدا
ج: تلك طبعا قصة الإفك، قصة ارتجفت من أجلها المدينة المنورة وذلك أنه عندما كان من غزوة بني المصطلق تأخرت السيدة عائشة ورحل عنها لله ورحل أصحابه، وفي وضح النهار وقد كان أخذها النوم حينها- النبي من عادته يكلف أحدا من أصحابه أن يتأخر عن القوم ليرى مخلفات القوم، قد يكون نسوا شيئا من الأغراض أو غير ذلك، وهذه قاعدة قيادية، فرأى هذا الصحابي امرأة متغطية مستحيية فقال هذه زوجة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجاء بالبعير فأناخه قربها فركبت فرجف بها المنافقون في المدينة، وهي ما كانت تعلم شيئا فعلم النبي صلى الله عليه وسلم فجاء إلى المسجد فخطب فقال:" ما بال أُناس يقدحون في عرضى وفي أهلي وأنا ما علمتُ منهم إلا خيرا، ففهم بعض الناس أن النبي صلى الله عليه وسلم يقصد بذلك المرجفين
بزوجته السيدة عائشة
بعد ذلك طبعا هي ذهبت إلى زيارة أبويها وانتشرت القصة، وكان من بين المتحدثين أحد أقارب أبي بكر اسمه مصطح بن أثاثة، قيل إنه ابن خالته، وقيل أنه قد رباه في حجره وكان بتيما وكان يحسن إليه وشخص آخره معه لكن المشهور مصطح، قاموا يتحدثون بذلك على
173 (1/173)
صفحة 174
سذاجة من الأمر، وهناك آخرون كحسان بن ثابت وآمنة بنت جحش التي
مي
أخت زينب
من الله عز وجل
بنت جحش قاموا يتحدثون بهذا الأمر، فلما نزلت براءة السيدة عائشة وبأن هذا إفك وبأنه لا تحسبونه شرا لكم ولكن خير لكم لكل امرئ ما اكتسب من الإثم،
والذي تولى كبره
منهم.
له عذاب أليم، الذي تولى كبره هو عبد الله بن أبي رئيس المنافقين، لأنه
هو الذي كان مصدر هذه الإشاعة.
فهم أبو بكر أن يقطع عن مصطح النفقة، والإعانة التي كان يعطيها له، فنزل قول الله عزوجل: {وَلَا يَأْتَلِ أُولُوا الْفَضْلِ مِنكُمْ وَالسَّعَةِ أَن يُؤْتُوا أُولى الْقُرْبَى وَالْمَسَكِينَ وَالْمُهَجِرِينَ فِي سَبِيلِ الله وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيم) [النور: 22)، ولا يأتل - أي لا يحلف فقال أبو بكر: أحب مغفرة الله عزوجل، وأعاد إليهم ما كان يعطيهم من ومن مؤونة كأن شيئًا لم يكن.
مساعدة
س: الأمر كان يتعلق بالسمعة والشرف، فلم يكن بالسهل.
ج: كانت قصة كبيرة ارتجفت منها المدينة، ولم تقعد حتى نزلت براءة عائشة الله من
وجل.
س: سبحان الله وهذا تكريم لها وكأنه درس للأمة كلها.
عز
ج: نعم، و وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مبينا) [الأحزاب: 58].
س: لكن بعض الناس عندهم حساسية من أي كلام من الآخرين، نريد أن نتعرف كيف للإنسان أن يتصرف مع أقوال الناس وأراجيفهم، فما أن يكلمهم شخص أن فلانا تكلم في شخصك أو في أهلك أو في أبناءك إلا تثور ثائرته دون أن يتثبت أو يتأكد، تحصل كثير من المشكلات في هذا الموضوع، فما تعليقكم حول هذا الأمر؟
174 (1/174)
صفحة 175
ج: يجب على الإنسان أن يتأدب بآداب القرآن ويتأدب بآداب الأنبياء ويتأدب بآداب الصالحين ويتأدب بآداب المتقين النبي هود ماذا قال له قومه: هو إِنَّا لَنَرَنكَ فِي سَفَاهَةٍ وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكَذِبِين دا که [الأعراف: 66]، اسمعوا كيف هذا اللغط وانظروا إلى رده عليه السلام: قَالَ يَقَوْمِ لَيْسَ فِي سَفَاهَةٌ وَلَكِنِي رَسُولٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ (3) أَبْلِمُكُمْ رِسَلَتِ رَبِّي وَأَنَا لكُمْ نَاصِحُ أَمِينُ} [الأعراف: 67 - 68]
س حاورهم بالتي هي أحسن
مع
بهم
هي
الأنبياء الأوائل
ج: بالتي هي أحسن دائما الأخلاق تُؤخد من الأنبياء، النبي هود هو من وهو أخو عاد، و واذكر أَخَا عَادٍ إِذْ أَنذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْفَافِ} [الأحقاف: 21)، إذ قالوا له سفيه وكذاب ولكن هذا لطف هكذا دائما أخلاق الأنبياء. فلا يجلس الإنسان منفعلا ويقول أنا لا أتحمل فعلا بعض الناس لا يتحملون، يقال أن الأحنف بن قيس ماشاه أحد الأشخاص وأخذ يسب في الأحنف بن قيس والأحنف ساكت، والأحنف معروف أنه من أحلم العرب، فأخذ الرجل يسب إلى أن وصل إلى باب بيته، فقال له إن كان لك كلام آخر فقله هنا قبل أن ندخل البيت، لأني أخشى أن يسمع أحد أقاربي فيعتدون عليك.
انظر إلى الحلم الذي يتحلى به الأحنف بن قيس، لذلك قيل أنه من أحلم العرب، قال المولى عز وجل: ولَكِن كُونُوا رَبَّنِينَ بِمَا كُنتُمْ تُعَلَّمُونَ الْكِتَبَ وَبِمَا كُنتُمْ بالان عمران: 79]، أي كونوا علماء حلماء كما قال بعض المفسرين في (ربانيين) فلذلك الحلم هو صفة عظيمة جدا، لذلك قيل من أشرف الأخلاق في الإسلام الحلم، أما الذي ينتقم ويصول ويهيج فهذا بعيد عن أخلاق الإسلام.
س ووصل الأمر ببعضهم إلى الانتقام بالقتل في بعض الأحيان.
ج هذا الجهلهم المستحكم فيهم.
175 (1/175)
صفحة 176
س: وفي الحديث الشريف: «وإذا خاصم فجر».
ج: وهذه من صفات المنافقين "وإذا خاصم فجر"، الإنسان عنما يخاصم، يخاصم بعقل، فدائما يُقال: "عداوة العاقل خير من صداقة الجاهل"، فالعاقل ولو عاداك فإنما يعاديك بعقل، أما الجاهل فلو كان صديقك فلا تعرف في أي لحظة يشتمك وفي أي لحظة ينقلب عليك وفي أي لحظة لا يذكر معروفك.
س: بعض الناس ابتلوا بلقب معين على أسرتهم، فيأتي أناس، ويعيرونهم، كيف يتعامل الإنسان مع هذا الموقف؟
ج: يحاول أن يتجنب ويوضح بشكل عام في الموقف، وبعض العرب كانوا أذكياء فعندما يقدح فيهم إنسان يكرمونهم، مثل ما يقال عن أوس بن حجر الطائي، فقد طلب بعض
-
أعداءه من الحطيئة وهو معروف بالهجاء أن يهجوه وهو جرول بن قيس العبسي أن
أوس بن حجر وهو زعيم من زعماء العرب الكبار، هذا قبل الإسلام طبعا، فقال لهم:
***
كيف الهجاء وما تنفك صالحة من آل لأم بظهر الغيب تأتيني
يقول كيف أهجوا شخصا وأنا كل ما عندي من أمور الصلاح وما أصلح به معيشتي آل لأم، لأنه هو أوس بن قيس بن لأم الطائي.
يهجو
يهرب مع
ثم استأجروا شخصًا آخر فهجاه، فهدر أوس بن حجر دم ذلك الشخص، فأخذ العرب فما أحد يجيره من أوس بن حجر فعلمت أمه سُعدى بذلك، فقالت لابنها أوس ماذا فعلت قال: هذا هجاني وقال في فقالت ادعه وأكرمه وأعطه، فكانت هي من العاقلات الذكيات الحليمات فأمنه أوس بن حجر ودعاه وأكرمه وأعطاه فأخذ يمدحه مدحًا
لا نظير له.
النساء
176 (1/176)
صفحة 177
ومثل ذلك كان يُقال لقوم أبناء أنف الناقة، وهذا كان فيه سباب، فأكرموا جريرا، الشاعر
المعروف، فقال فيهم قولا صاروا مفخرة في العرب:
***
قوم هم الأنف والأذناب غيرهم. فمن ذا يسوي بأنف الناقة الذنبا
فصار مدحًا بعد أن كان سبا، فأصبح أولادهم يفتخرون فيقولون نحن أبناء أنف الناقة، يعد أن كانوا يستحيون من الناس بهذا، فدائما لا شي أفضل من الإكرام والشخص الهاجي على الإنسان أن يكرمه وأن يعطيه وهذا الذي ثبت في التاريخ.
س:: هذه مواقف قوية جدا، قلبت المفهوم من دون إلى علوّ.
الله سبحانه وتعالى يقول: {وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ) [لقمان: 17]، هل الحلم والصبر يحتاج إلى عزيمة وإلى إرادة وتربية وتهذيب؟
ج: لا شك هذا شيء عظيم جدا، هذه هي كلها مبادئ الإسلام، التي شرعها الإسلام والتي هي من دين أبينا إبراهيم، في الحقيقة كل الأخلاقيات الإيجابية العظيمة التي كانت عند العرب هي من بقايا دين النبي إبراهيم، وعندما جاء الإسلام أكدها، سواءا كانت في القرآن أم على لسان نبينا، فدائما مكارم الأخلاق تحتاج إلى نفوس كريمة، كما قال الشاعر: أحب مكارم الأخلاق جهدي *** وأكره أن أعيب وأن أعابا
أن الإهانة غير
ولكن الحلم يجب أن يكون من الإنسان في ما لا يستهان فيه، صحيح محمودة، ولكن البوادر التي تحمي هذا الحلم هي مطلوبة، وكما يقول النابغة الجعدي:
***
ولا خير في حلم إذا لم يكن له بوادر تحمى صفوه أن يكدرا
***
ولا خير في كهل إذا لم يكن له حليم إذا ما أورد الأمر أصدرا
معه
فإذا لم ينفع الإكرام يستخدم معه الموقف المناسب وهذا المقصود بقوله: ولا خير في حلم
177 (1/177)
صفحة 178
إذا لم يكن له بوادر تحمي صفوه أن يكدرا.
س: لأن البعض يستمر على الخطأ.
ج: وهناك يعامل بار فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَأَعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا أَعْتَدَى عَلَيْكُم [البقرة: 194]، وهو ما يُعرف الآن بالمعاملة بالمثل، سواءً بالقول أو الفعل الإسلام لا يقر الزيادة، والتقوى هي
التي تحكم الأمور.
س: نريد أن نتكلم في النهاية عن مسألة التنازل عن الحقوق إنسان استقرض من شخص آخر طالبه بأكثر من مرة لإرجاع ذلك الحق، إلا أنه لم يُرجع الحق، هل مطالبة الإنسان بالحق يُرجعه عن حلمه؟
ج المطالبة بالمعرف لا والله تعالى قال: {فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ} [البقرة: 280]، إذا كان ذلك المطالب ذلك الغريم وذلك المدين هو معسر، {وَأَن تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَّكُمْ} [البقرة: 280]، هنا
قمة المروءة.
س: وإن رفع أمره إلى القضاء مطالبًا بحقه؟
ج: هذا حقه.
س: الناس يخلطون في هذا الموضوع.
ج: وهناك لا شك، آداب يأتي أولا الإنظار والثانية يأتي بعدها التصدق، ولكن إذا طالب بحقه من غير فحش في القول فهذا حقه، وهي نقيض المرؤءة لا شك فالمرؤءة تكون الإنظار، وقمة المرؤءة هو التصدق بذلك القرض، {وَأَن تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَّكُمْ، وهناك أولويات في
الإسلام.
س: هناك منهجية لإنهاء الموضوع، حتى نحافظ على وحدة المجتمع وتماسكه.
ج: نعم طبعا.
178 (1/178)
صفحة 179
الحلقة الرابعة والعشرون
«خلق الحياء»
179 (1/179)
صفحة 180
س: ما هو تعريف خلق الحياء؟
بسم الله الرحمن الرحيم
ج: هو انقباض في النفس عن كل ما يلام عنه الإنسان أو عن كل ما يشين الإنسان، وهو نفساني وديني، النفساني هو الذي ينشأ من حاجة فطرية للإنسان أنه يستحي من الأشياء التي يعاب عليها، أما الديني فهو عن كل معصية نهى الشارع عنها، هذا من الناحية الدينية، أما من الناحية النفسية فهذا موجود على أساس فطري في الإنسان وهو من أشرف أخلاق الإسلام، كما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم: «كل دين خلق وخلق الإسلام الحياء».
س: في الحديث: الإيمان بضع وسبعون شعبة أعلاها لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق صدقة والحياء شعبة من شعب الإيمان»، فالنبي الله في هذا الحديث العظيم بين مفهوم الإيمان ومراتب الإيمان وخص من بين القيم والأخلاق خلق الحياء، ما أهمية هذا التخصيص؟
ج: الحديث ورد بصيغ مختلفة أو على مراتب مختلفة، قيل بضع وستون شعبة، وقيل بضع وسبعون شبعة، وقيل مئة شعبة والحديث يدل على أن الإسلام قول وعمل، لأن أعلاها كلمة لا إله إلا الله وهذا عقيدة، وقول وأدناها إماطة الأذى عن الطريق وهذا عمل، يستدل على هذا الحديث بأن الإسلام قول وعمل كل مجموعة واحدة أو منظومة واحدة من الإسلام القول أو العقيدة والعمل.
من
والحياء له ميزة خاصة، هو رديف الحلم أو أنه أساس الحلم الحلم في الإنسان تحدثنا عنه في
الحقيقة أساسه الحياء، لأن الإنسان
يستحيي
أن يخاصم يستحيي أن يفعل المعاصي يستحيي
180 (1/180)
صفحة 181
أن يفعل الأشياء المعيبة والإسلام حث كثيرا على الحياء، ولذلك وصف الصحابي الجليل أبو سعيد الخدري وصف رسول الله صلى عليه وسلم بأنه كان أشد حياء من العذراء في خدرها، وكان إذا كره شيئا عرفناه في وجهه، يعرف النبي الا الله من تغيره من أمر ما غير طيب يعرف بتغير وجهه، ولكنه لا ينطق فحشا ولا ينطق سبابا ولا ينهر ويكتم غيظه، فهذا الذي يصف به الصحابي الجليل أبو سعيد الخدري رسول الله الله بأنه كان أشد حياء من العذراء في
خدرها.
س: هل يمكن القول من خلال هذا الكلام الجميل أن الحياء هو الطريق
إلى الكرامة طريق إلى الأخلاق العالية كمنبت الأخلاق الحسنة؟
يستحيي
ج: الحياء هو أساس هذا كله لأن الذي لا يستحيي أن يستعمل القول في الفحش لا أن يستعمل اللؤم في الفعل لا يستحيي أن يفعل ما يعاب، وأما الذي يستحيي فهو يستحيي من الله أولا، ثم من الإنسان نفسه، فلذلك قالوا بأن الحياء ثلاثة أنواع ليستحيي الإنسان من ربه بأنه لا يفعل المعاصي لا يفعل ما يغضب الله عز وجل لا يفعل كل شيء نهى عنه الإسلام، ويستحيي من الناس بأنه يراعي أذواق الناس بحيث لا يزعج الآخرين أو يستنقصهم أو يستحقرهم، إلى غير ذلك، وأن يستحيي من نفسه أن يكرم نفسه بأن لا يهينها ويترفع عن رذائل الأمور فهذا هو الحياء.
س: مسألة غض البصر عن المحرمات، فالله سبحانه وتعالى يقول: {قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أبصر هم} [النور: 30]، وفي الآية الأخرى يقول: {وَقُل لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَرِهِنَّ هِ [النور: 31] ما أهمية غض البصر؟ وما علاقته بالحياء؟
ج: من الضروري غض البصر من الطرفين تجاه الآخر، هما جنسان من جنس واحد وبينهما سرعة انجذاب، فالرجل ينجذب للمرأة والمرأة تنجذب للرجل، وهذا أمر فطري والله تعالى
181 (1/181)
صفحة 182
سريع
خلقنا هكذا، فهما جنسان ولكنهما في الأصل جنس واحد الرجل والمرأة، فالانجذاب بينهما جدا، كما يقال الشيء ينجذب إلى نفسه، فلذلك غض البصر أمر ضروري وقد أمر به القرآن، حتى لا يحدث شيء مما حرّمه الله تعالى فلذلك الزواج هو العاصم من هذا الانجذاب، فالإنسان عندما يمعن نظره أو كل طرف يمعن نظره في الطرف الآخر ربما يحدث ما تخشى عواقبه، ويقول الشاعر:
***
وكنت إذا أرسلت طرفك رائدا لقلبك يوما أتعبتك المناظر
***
رأيت الذي لا كله أنت قادر عليه ولا عن بعضه أنت صابر
فالإنسان الذي يرسل نظره إلى غيره من الجنس الآخر فهذا تكون فيه خطورة، فيبقى الإنسان يتبع نظره وهذا فيه تعب للإنسان وتعب لفكر الإنسان وتعب لقلب الإنسان.
س: ويندرج تحت هذا الموضوع الصور الغير اللائقة والمقاطع الخليعة؟
ج: هذا من باب أولى لا يجوز لأنه تعمد والنظر للمرأة قد يكون مفاجأة يعني مسموح به كالنظرة الأولى، ولكن الإنسان يبقى مسترسلا في النظرة هذا الذي يقال له النظرة الثانية، كلما يطيل الإنسان نظره إلى الطرف الآخر بشهوة هنا يكون المحذور، لأن أساسا النظر المحرم هو النظر بشهوة، ولأن طول النظر هو مظنة الشهوة، أما النظرة الأولى المفاجئة فليس فيها مظنة الشهوة.
س وهذا الموضوع فيه تكملة للآيتين: {وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ} [النور: 31]، وقوله: {وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ} [النور: 30]؟
ج طبعا حفظ النظر يقود لهذه الفضائل، والله تعالى مدح الحياء عندما جاءت بنت شعيب إلى النبي موسى عليه السلام هو فَجَاءَتْهُ إِحْدَتْهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاء} [القصص: 25] لأنها تربية عظيمة تربية إيمانية ودينية في بيت النبوة عند النبي شعيب، فلذلك جاءته
182 (1/182)
صفحة 183
إحداهما تمشي على استحياء، يعني جاءت إليه وهي مستحيية أن تكلمه، كم نحتاج إلى
هذا الخلق.
س: هل هناك علاقة بين الحشمة والعفة والحياء في الآية: {وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ منها [النور: 31]؟
ج: لا شك أن هناك ارتباطا بالحياء الإنسان يعف في مجال النظر، هذا. الأخلاق، هنالك من أيضا عفة عن المال وأمور عديدة في الحياة الدنيا والاحتشام مطلوب وهذا نتيجته الحياء والاحترام والعفة.
س: أين يتمثل الحياء في الحياة الأسرية؟ وكيف يطبق الزوجان الحياء؟
ج: يتمثل الحياء بالتربية والتعليم في حاجة فطرية كما ذكرنا في التعريف السابق، لكن هذه الأمور والسلوكيات تحتاج إلى تربية تحتاج إلى تعليم عندما يعرف الزوج والزوجة كيف يستحيي كل منهما من الآخر، وبين الزوج والزوجة كما يقول العلماء: «العلاقة قائمة على الخفة»، لكن إذا خرجوا من إطار الخلوة التي تكون بينهما هنالك لكل منهما يستعمل الحياء، بحيث لا ينشر كل منهما ما كان بينهما من تلاق ومن مداعبة ومن مباشرة، لا يجوز لأحد منهما أن ينشر ذلك فهذه من الخصوصيات، لأن العلاقة بين الزوج والزوجة قائمة على الخفة، لأن الخفة هي التي فيها المرح وفيها المداعبة وهي التي تجذب كل منها إلى الآخر، على عكس العلاقة مع الأم فهي قائمة على الاحترام.
س: قد ذكرت التعامل مع الأم باحترام، حول الأبناء مع الأم اعتراضهم لبعض آراء الأم، هل هذا يخرجهم عن الحياء والاحترام؟
ج: الاعتراض لمجرد الاعتراض لا يجوز، لكن إذا كان هناك حوار بين الأم وأبنائها من ذكور وإناث، ويكون هنالك تداول في الرأي بحيث يتفق الجميع هذا شيء طيب في الحقيقة، وهذا
183 (1/183)
صفحة 184
في الأمور العامة لكن إذا كانت الأم تريد خدمة أبنائها لا بد أن يستجيب الأبناء، أما إذا من كان هنالك رأي عائلي أو رأي مالي عليهم أن يعتبروا رأي الأم وعليها هي كذلك أن تستمع لرأي الأبناء لأن هذا قرار عائلي.
س: مثلا الابن يرغب في تخصص معين والأم تريد أن يدخل كلية معينة؟
هذا يجب أن يعرفه الوالدان الأم والأب لأن هذه الرغبة ضرورة الآن، لأن لكل إنسان ج ميول لكل طالب، ميول فميول الطالب للهندسة صعب أن يدرس الشريعة أو يدرس في الطب وهكذا بالعكس، فهنا يجب التقدير من كلا الجانبين يقدر كل منهما الآخر، على
الوالدين ألا يلجئوا أبناءهما على العقوق، كما أنه على الأبناء ألا يعقوا والديهم.
س: ذكرت كلاما مهما على الآباء ألا يلجئوا أبناءهم إلى عقوقهم وكذلك العكس، نريد توضيحا أكثر في هذا الموضوع؟
ج كما ذكرنا سابقا إذا كان الابن يريد أن يتخصص في أمر ما وميوله في ذلك التخصص لا يمكن أن يأتي الأب أو الأم ويجبراه على أن يتخصص فيما هم يريدانه، لأن الولد لا يقدر أن يفهم، كما لو طلب الوالدان من الابن فعل المعصية لا سمح الله إلى غير ذلك، فيعصيهما، فهم في ذلك يلجئانه إلى العقوق، وفي الآية هذه: و رَبِّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ إن تَكُونُوا صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا} [الإسراء: 25]، هذه الآية فيها إشارة إلى عدم إلجاء الوالدين أبناءهم إلى العقوق، وحتى في الزواج يجب أن يكون هناك فيه تفاهم في خطوط عريضة يتفاهم عليها الوالدان مع الأبناء، أيضا على الأبناء ألا يعصوا والديهم في الزواج، لأن الزواج مسألة عائلية قد تغيب على الولد أو على البنت، ولكن الوالدين يفهمان هذا الأمر، لأن المسألة فيها كفاءة والكفاءة فيها، استقرار، وتعرضنا لهذا سابقا، مثل الكفاءة العلمية والنسب والفكر وفي كل شيء، يجب أن تكون متوفرة بين الزوجين حتى تستقر الحياة الزوجية وتستمر على سعادة بين الزوجين.
184 (1/184)
صفحة 185
س: خلق الحياء بالنسبة لطالب الدراسة الجامعية طبعا هذه الدراسة فيها اختلاط بين الطلاب والطالبات، فالطالب قد يحتاج بأن يستعين بالطالبة والعكس، أو في بعض الأحيان يبعث
الطلاب في بعثات خارجية، فيتمثل خلق الحياء بالنسبة لطالب العلم؟
ج: خلق الحياء هنا ضروري جدا بين الطلاب ذكورا وإناثا بحيث ألا يطمع كل منهما بعرض الآخر، وألا تكون هنالك خلوة بين طالب وطالبة على انفراد من ضوابط الخلوة: أن يجتمع الرجل والمرأة في مكان لا يراهما فيه أحد، هذه الخلوة وهذا فيه نهي، نهى الإسلام عن الخلوة بين الرجل والمرأة منفردين في مكان لا يراهما فيه أحد، أما إذا كلم طالب طالبة في محضر من الطلبة والطالبات أو أنه يتفهم معها في بعض المسائل العلمية فهذا ليس من الخلوة، وبالنسبة للذين يذهبون إلى البعثات الخارجية يجب أن تظهر هنالك العفة، فالعفة يجب أن تظهر في كل منهما تجاه الآخر.
س: في نطاق العمل الإسلام لم يمنع المرأة من المشاركة في بناء الحضارة وفي بناء الوطن أخلاقيات الحياء التي يمكن أن نجسدها في العمل؟
كذلك، ما هي
ج كما ذكرت لك، العلاقة يجب أن تكون قائمة على الاحترام والحياء، والحياء يظهر عند الرجل الكريم، كما يقول الشاعر:
***
إذا قل ماء الوجه قل حياءه فلا. في وجه إذا قل ماؤه
***
حياؤك فاحفظه عليك وإنما يدل على فعل الكريم حياؤه
الحياء فعل الكرام، فعل الإنسان أن يستعمل الحياء الحياء هو الذي يعطي الاحترام بين الطرفين في مجال العمل أو في مجال الدراسة وهذا من الضرورة بمكان، وإذا كنا تحدث عن عمل المرأة فالفقهاء المسلمون اختلفوا فيه على ثلاثة أقوال: قول أباح للمرأة العمل مطلقا والخروج من المنزل للعمل مطلقا،، وقول منع ذلك على المرأة مطلقا، وقوم توسطوا فقالوا إذا
185 (1/185)
صفحة 186
كانت المرأة تؤدي عملا ضروريا كالنفقة على أسرتها وعلى احتياجاتها أو أنها تعمل عملا لا بد فيه من عمل المرأة فهذا جائز لها، وقد ناقشت هذه الأقوال في كتابي الذي هو بعنوان: "المرأة المسلمة حقوق وواجبات، وأنا أميل إلى رأي التوسط.
س: تساءلت هند في تلك البيعة أو تزني الحرة، هل هذا الأمر عند العرب شيء أصيل ومتمكن وإن المرأة كانت غير مسلمة أو متعلمة هذا الشيء ليس من صفاتها؟
تزني
ج: الزنى لم يكن شيئا معروفا عند نساء العرب كانوا يستعملون الزنى في الإماء، وليس عند الحرة ولذلك جاء في القرآن الكريم قوله تعالى: له ولا تكرهوا فَتَيَتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنَا لتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا [النور: 33]، كان بعض زعماء العرب يتخذون إماءهم ويجبرونهن على الزنى ليكسبوا من ورائهن أموالا، أما بالنسبة للحرة كان من أكبر العيوب عليها أن فلذلك هي تساءلت لما الرسول يبايع النساء في مكة بعد فتح مكة فجاءته هند بنت عتبة زوجة أبي سفيان بن حرب وهي من هي مكانة ونسبا وعقلا وخلقا في جاهليتها وإسلامها قال: ولا، تزنين تعجبت: وقالت: أو تزني الحرة؟ ما كان هذا الشيء عند نساء العرب لكن الإسلام ذكره كمبدأ، في تلك اللحظة وما بعدها من اللحظات إلى أن تقوم الساعة، هو تشريع ولا تزنين لكن هي تعجبت من هذا في ذلك الأوان، لأنه ما كان يستعمل الزنى عند النساء الحرائر، ما كان مستعملا مألوفا عند العرب. س: كيف نوفق بين موضوع الورع في التعامل مع المال وبين أن الإنسان عنده استحياء في التعامل مع المال العام في الوظيفة مع هذه الجوانب؟
ج: لا شك أن الاستحياء هذا من الخوف، حتى لا يفعل ما يلام الإنسان عليه وحتى لا يعني إن اتهم باختلاس الأموال، لأن هذا فيه شيء من العار عليه، فالحياء يعير عليه
يفعل ما
يدفعه إلى ألا يفعل ذلك.
س: الحياء هل هو خلق مكتسب أو فطري في الإنسان؟
186 (1/186)
صفحة 187
ج: هو فطري ومكتسب في آن واحد، لذلك قالوا إن الحياء ينقسم إلى قسمين، نفساني وهو ذلك الفطري، والمكتسب وهو الديني الذي يأتي به الشرع وهو يأمر بشيء وينهى عن شيء.
س: ما المقصود بحديث: «إذا لم تستحي فاصنع ما تشاء»؟
ج: الحياء هو الذي يمنع الإنسان أن يفعل كل شيء، ولذلك جاء الحديث: «إذا لم تستحي
فاصنع ما تشاء»، ويقول الشاعر:
إذا لم تخشى عاقبة الليالي *** ولم تستحي فاصنع ما تشاء
فما
***
والله ما في العيش خير ولا الدنيا إذا ذهب الحياء
***
يعيش المرء ما استحيي بخير ويبقى العود ما بقى اللحاء
يعني ما بقي الحياء فالناس عايشون بخير والمرء مقصود به مطلق الإنسان، إذا كان الحياء بين الناس فهم يعيشون على خير، كما أن العود إذا بقي فيه اللحاء، ألا وهو القشرة، يبقى حيا كذلك المجتمع الذي يكون فيه الحياء فهم يكونون في خير.
س: الإنسان المربي هل عليه أن يلزم بناته في سن الرشد والبلوغ إذا خرجن إلى مركز تجاري أو مكان معين أن يلزمهن بلباس محتشم أم عليه أن
يوجه فقط؟
ج: يأتي أولا الإرشاد والتوجيه ثم الإلزام، هذا من الأمر بالمعروف حتى لو أن الإنسان في أسرته هو من الأمر بالمعروف، فالأمر بالمعروف درجات أولا بالقول ثم باللسان، لا يمكن أن يسمح
لبناته أو لعائلته أن يرتكبن ما يخالف شرع الله
الإسلام.
عز
وجل، هذا من واجباته وهذا ما قرره
187 (1/187)
صفحة 188
الحلقة الخامسة والعشرون
«خلق الأمانة.
188 (1/188)
صفحة 189
عد س:
بسم الله الرحمن الرحيم
بعض العلماء الأمانة رأس مال المجتمع الإنساني هو السبب في شد أواصر المجتمع وتقوية الروابط بين الناس في نظامهم الاجتماعي وحياتهم الدنيوية والأخروية.
ماهو تعريف الأمانة؟
ج:
الأمانة
هي نقيض الخيانة في تعريفها العام، إذا لم تكن الأمانة تكن خيانة، ولكن في الحقيقة تعرفيها العام هو وضع الشيء في موضعه، وعندما نقول وضع الشيء في موضعه فيه شعور بالمسؤولية، هذا تعريف الأمانة الحديث الرسول صلى الله عليه وسلم: كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته» و كل أحد مسؤول فيما هو مسترعى فيه.
س: ما الذي جعل العرب يصفون النبي صلى الله عليه وسلم بالصادق الآمين؟
ما الأمور التي كان يفعلها؟
ج: لأنه اشتهر فيما بينهم بالصدق في القول والصدق في الفعل وبالأمانة، وكانوا يضعون عنده أماناتهم، فدائما الرجل الأمين والرجل الصادق يكون محل ثقة عند جميع الناس، ونحن عندنا في عمان سابقا لم تكن هناك بنوك وكان الناس يضعون أموالهم سواء كانت أصولا أو منقولات أو نقودا عند أناس يثقون فيهم ويسافرون سنوات عديدة لأنهم عرفوا صدقهم وحرصهم على الأمانات فلذلك كانوا محل ثقة بين الناس لاشتهارهم بالصدق والأمانة. س حتى هذا الأمر نلاحظه في بعض القرى أن الناس يرجعون إلى شخص معين يعطونه أسرارهم و يخبرونه بمشاكلهم وهمومهم.
ج: وهذا من الأمانة لأن الإنسان يكون أمينا على من يأتيه ليعطيه سره، وحتى حفظ السر
أمانة.
س: كيف تثمثل الأمانة في الوظيفة؟
فالله سبحانه يقول: هو يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لَا تَخَونُوا اللهَ وَالرَّسُولَ وَتَكُونُوا أَمَنَتِكُمْ وَنَتُمْ تَعْمَونَ
189 (1/189)
صفحة 190
[الأنفال (27]، وكيف يكون الإنسان موظفا أمينا؟
ج: كل شي يحتاج إلى أمانة والوظيفة أمانة والعمل أمانة وأداؤها أمانة، فالإنسان عندما لا يؤدي هذا العمل على الوجه المطلوب منه فهو خيانة للأمانة وإن لم يقم الإنسان بواجبه وبما كلف به من عمل فهو من خيانة الأمانة طبعا والحامل على نقض الأمانة دائما يأتي من العائلة في الحقيقة، انظر إلى الآية التي بعدها يقول: {وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَدُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِندَهُ أَجْرُ عَظِيمٌ الله الله الأنفال: 28] فيترتب على هذا أن الخيانة يكون سببها الأولاد أو الزوجات أحيانا، فالكثير من زعماء العالم تحملهم زوجاتهم على فعل أشياء تضر بالمصالح العامة وتضر بالشعب وهنا مصداق الآية. ودائما الذين يحملون المسؤوليات الكبيرة تأتي فتنتهم في نقض الأمانة من قبل أولادهم
وأقاربهم.
س: هل هذا الأمر يعلمنا أن الإنسان لابد أن يستشير إنسانا أمينا وأن يحاط بأصدقاء
أمناء؟
ج: البطانة الصالحة ضرورية خاصة بالنسبة للمسؤول، والمستشرون الذين يعطونه الرأي، يجب أن يعطوه الرأي الصادق.
س: هل البطانة هم أهل الحل والعقد؟ لا، ج:
هم مستشارون قريبون من المسؤول يعتمد عليهم المسؤول، وأهل الحل والعقد
موضوعهم أكبر من ذلك.
س: في الآية الكريمة قال تعالى: {إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا} [الأحزاب: 72]، هل الأمانة هنا بمعنى التوحيد أم الأمانة بصورة عامة؟
ج:
الأمانة هنا عامة، وهناك من قال أن الأمانة هي العقل، لكن الأصل أن الأمانة مطلقة في كل شيء، في الوظيفة في الحياة في العلاقات الزوجية، في العلاقة مع الأبناء وفي علاقة الإنسان بربه وفي استجابته للدين، وهذه كلها أمانة عرضها الله على السموات والأرض
190 (1/190)
صفحة 191
والجبال ولكن لعظمها ولحجمها أبين أن يحملنها ليس فقط أبين بل أشفقن منها، والشفقة هنا الخوف، لانها شيء عظيم جدا، والآية تدلنا على عظم الأمانة وخطورتها و أنه ليس كل إنسان قادر على حملها ولا يحملها إلا الإنسان البعيد عن الظلم والجهل لأنهما سبب في عدم أداء هذه الأمانة والله تعالى قرن الأمانة بالعدل حيث قال: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الْأَمَنتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ [النساء: 5]، أنظر كيف ربط بين
أطياف هذا الوجود،
العدل والأمانة والعدل في الدنيا، هو الميزان في العلاقة بين جميع العدل يكون مع الإنسان والحيوان والعدل شيء عظيم، كما أن الأمانة شيء عظيم وقرن الله بينهما كما في الآية السابقة والتى نزلت عندما أراد العباس بن عبد المطلب عم النبي أن يعطيهم الحجابة وهي مفتاح الكعبة، وهذه كانت شرفا لهم لأن قبائل قريش تقاسمت المسؤولية على الكعبة، منهم من يسقي الحجيج ومنهم من يطعم الطعام ومنهم من البيت، فجاء مفتاح البيت في يد شيبة بن طلحة فامتنع أن يسلّم المفتاح، فطالبه بعد فتح مكة أن يسلمهم المفتاح لكي يدخل النبي داخل الكعبة فأبى شيبة أن يسلمهم المفتاح فقال له: لو كنت اعلم أنك رسول الله لسلمتك المفتاح»، وذهب إلى سطح الكعبة لكي يمتنع عن تسليم المفتاح فذهب إليه علي بن أبي طالب فأخذه من يده وكان علي رجلا قويا قيل أنه لا يصارع أحدا إلا غلبه فأخذ منه المفتاح بالقوة ففتح النبي ودخل وصلى فيها وقال له العباس بن عبد المطلب: «يا رسول الله اجمع لنا الحجابة والرفادة»، فنزلت الآية: {إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات .. }، فدعى شيبة بن طلحة وقال له: خذها خالدة تالدة فيك وفي أبنائك»، وإلى اليوم حجبة الكعبة من بني شيبة، وحينئذ قال: «الآن علمت أنك رسول الله»، وأسلم، ولأن الآية نزلت من قبل الله بأن الأمانة واعتبر المفتاح كالأمانة. س: الله سبحانه وتعالى يقول: {وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَنتِهِمْ وَعَهْدِهِم رَاعُونَ: ان المؤمنون: 8، ما رأيك بالأب أو الأم أو المربي الذي طوال اليوم مشغول في عمله ويترك أولاده هكذا لا يدري عنهم شيئا؟
يرجع
191 (1/191)
صفحة 192
ج: هنا يأتي الخلل وهنا يأتي تسيب الأبناء وتغيبهم عن الدراسة فلابد للإنسان أن يعطي كل شي، وقته لا شك أن البحث عن الرزق مأمور به ومطلوب سواء من الأب أو الأم ولكن يجب أن يكون هناك وقت لمتابعة الأبناء في مدارسهم حتى أ أنه لا بد من الذهاب إلى المدرسة للتأكد من مواضبة أبنائهم في الحضور ومن مستواهم الدراسي، فالمتابعة جد ضرورية من قبل الآباء والأمهات وعلى الإنسان أن يقسم وقته ويجعل بعضه لأعماله وبعضه للبيت وبعضه لمتابعة الأبناء و هكذا.
س: يشتكي كثير من المعلمين أن بعض الأولياء تمر سنة كاملة ولا يعرف شيئا عن أبنائه ج: يحدث الكثير هذا إلا من رحم الله هناك أبناء ما عندهم أهل على علم أو تربية
من
ولكن الله وفقهم وأعطاهم التوفيق وحسن الاجتهاد، فإذا هم يتقدمون وهذا على خلاف القاعدة، والأصل أن يكون هناك متابعة من قبل الوالدين.
س: لابد أن نتحدث عن الأمانة في التعامل مع الجسد، هناك من الناس من يشرب المحرمات أو يأكل الأطعمة المسمومة أو لا يمارس الرياضة، لا يهتمون بجسدهم أليس الجسد أمانة استودعها الله تعالى؟
ج: لكل شيء، أمانة جسد الإنسان أمانة عنده فعليه أن يحافظ عليه بالصحة والغذاء والراحة، حتى الإرهاق لا يجوز، النبي الله يقول: «إنّ لنفسك عليك حقا».
ولما سأل أولئك النفر الثلاثة عن عبادة النبي، وتقالوها، فقال أولهم أما أنا فأصوم الدهر كله ولا أفطر، وقال الثاني أما أنا فأصلي ولا أفتر وقال الثالث أما أنا فلا أتزوج النساء، فسمع النبي الله بقولهم فجاء إليهم وقال: «أما والله إني لأتقاكم لله وأخشاكم له ولكني أصوم وأفطر وأصلي وأرقد وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني»، أي كيف تريدون أن تتبعوني وتخالفوننى فيما أنا فيه من سلوك وتوجه إلى الله لأني أخشاكم لله وأنا من جاءكم بالإسلام، فالإنسان حتى في نفسه عليه حق، فلا يرهق نفسه طوال الليل ولا ينام إلا سويعات بل لابد من أخذ القسط الكافي من النوم، والطب صار متقدما اليوم وكثيرا ما يركز وينبه أن لابد للإنسان من الراحة، وأنه يحتاج إلى النوم من سبع ساعات إلى
192 (1/192)
صفحة 193
ثمان ساعات بدل ما كان يقال في السابق بأنه يحتاج إلى ست ساعات فقط، واليوم لا تكفي مع ضغوطات الحياة اليوم.
هناك طبيب نفسي فرنسي يقال له "ألكسيس كاريل" هو فرنسي ولكنه عاش في الولايات المتحدة الأمريكية خمسين سنة وذلك في النصف الأول من القرن العشرين، قال إن الإنسان في هذا الزمان يحتاج إلى مزيد من النوم، يقصد أن ضغوطات الحياة اليوم أصبحت كثيرة، هناك فرق بين من يكون في قرية هادئة أو جزيرة وليس عنده ضغوطات وبين إنسان مشغول بالوضيفة سواء في القطاع العام أو الخاص، وهناك الأبناء ودراستهم ومسؤوليات أخرى كثيرة وصخب الحياة، ووسائل التواصل زادت من اشتغال الإنسان و صار مشتت الذهن والفكر، فلذلك المزيد من النوم هو أمر ضروري للإنسان، وهذه الجلطات الدماغية والسكتات القلبية التي تحدث نتيجة تلك الإرهاقات، وكثير منهم يهمل التداوي والفحوصات الطبية حتى تتراكم عليه الأمراض ثم إذا اكتشفها يكون ذلك المرض قد استفحل في جسمه وهذا من عدم الأمانة بالجسد.
س: عند عرض هذا الموضوع كثير يظنون أن هذا نوع من الترف العلمي وفي الحقيقة أن الامانة؟ الدين جعله صورة من صور
ج طبعا، إن لنفسك عليك حقا يدخل في هذا ويحاسب الإنسان عليه. قال تعالى: {وَلَا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيما) [النساء: 29]، هذه الآية نزلت عامة ولكن استشهد بها عمرو بن العاص عندما ذهب في سرية فأصابته جنابة من الليل فتيمم ولم يغتسل لأن الجو كان باردا فصلى بهم على تيمم، وعندما رجع هو وأصحابه إلى النبي، شكوا إليه أمره فنادى النبي عمرو بن العاص وقال له: «لم فعلت ما فعلت؟»، فذكر عمرو الآية فتبسم النبي صلى الله عليه وسلم رضا وإقرارا على فعله. وذلك الشخص الذي أصيب بالجدري فأجنب ذات ليلة فأمره أصحابه بالاغتسال، وكان الجو باردا فكز عليه الجدري فمات، فلما سمع بهم النبي و لا قال: «قتلوه قاتلهم الله»، النبي لم يعجبه ذلك منهم وكأنه يقول: عليهم أن يأمروه بالتيمم.
193 (1/193)
صفحة 194
س: هناك موضوع خطير وحساس، واليوم صار له قانون ما بالملكية الفكرية، هناك يسمى يأخذ مقالا كاملا لكاتب آخر وينسبه إلى نفسه أو ما يسمى اليوم بالانتحال، أو
من
باحث يسرق بحثا كاملا أو يقتطع معلومات كاملة ولا يحيل إلى الأصل. ج: هذه خيانة وهذا غير الأمانة من بركة العلم أن ينسب القول إلى قائله كما قال العلماء، وهذا يحدث كثيرا، أن تنتحل مقالات لناس آخرين ويأتي رجل ويكتبها باسمه وينقل معلومات ولا يوثقها، وهناك من انتحل كتابا كاملا وهناك في دولة من الدول، كتب كتبت من عمانيين انتحلت ونسبها منتحلوها إليهم، وأصحابها الأصليون هنا في عمان، وفي الحقيقة هذا أمر خطير جدا، لابد من أن تكون هناك مكافحة له وقوانين صارمة لحماية الملكية وجهة رقابية.
أنا في الحقيقة أقترح ان يكون هنالك تواصل بين الجهات الرقابية على الملكية الفكرية بين الدول العربية في إطار جامعة الدول العربية وبين الدول الإسلامية في إطار منظمة التعاون الإسلامي، وإذا كان بين دول العالم يكون في إطار منظمة اليونسكو المنظمة العالمية للتربية والثقافة والعلوم، لأنه من الضروري أن تكون هناك قوانين صارمة لحماية الملكية الفكرية. س: ومن ضمن الأمور التي لوحظت في الأمور العلمية أن يكتب الكاتب أو يتحدث المتحدث قائلا: " وأثبتت الدراسات، فلما يبحث في الموضوع يتبين أن الدراسات وهمية وتنسب الجامعات وهمية، وكذلك الشهادات الوهمية أيضا، وهذا إهدار للعلم. ج: طبعا، خاصة الشهادات الوهمية التي أصبحت الآن حديث الساعة خاصة في بلدان الخليج العربي، يأخذون شهادات وهمية أو قريبة منها بأن تكون أطروحات الشهادات قد كتبت لهم، أيضا هذا ليس من الأمانة العلمية، وإن كانت شهاداتهم هذه من جامعات عالمية معترف بها، وهناك أشخاص متخصصون في كتابة رسائل الماجستير والدكتوراة مقابل أجرة مدفوعة، وهذا يحدث كثيرا وتظهر خطورة هذا الموضوع خاصة إذا كان تخصصا علميا كالمهندس المعماري، والطبيب خاصة فهو موكل بحياة الناس، ولذلك الشهادات الوهمية فيها خطورة كبيرة جدا وذلك بإسناد المسؤوليات إلى غير أهلها.
194 (1/194)
صفحة 195
س: نريد أن نتكلم عن إسناد المناصب لغير أهلها أو للشخص غير الكفء، أو دخول العاطفة في بعض الأحيان أو الشفاعة أو القربى في بعض الأحيان، وكما تعلمون تولية المنصب لها تبعات وقرارات وقد يظلم أحد و يرفع آخر، نريد توضيحا لهذا الموضوع، وكيف تتمثل الأمانة في موضوع القيادات والمناصب والمسؤوليات؟
ج: هنا تكمن أهميتها، وخطورة عدم وجودها، في هذه المسالة لأنها أولا يجب أن تكون قياما بالمسؤولية، فهذا أبو ذر وهو صحابي جليل القدر سأل النبي صلى الله عليه وسلم أن يسند إليه مسؤولية من المسؤوليات، ولكن النبي لاحظ في أبي ذر مع فضله وزهده وعلمه أنه ضعيف عن القيام بأداء الوظيفة، فقال له يا أبا ذر: «إنها لأمانة وإنك لضعيف»، لذا يجب أن تسند المسؤولية إلى الكفء. يبتعد المسؤول عن قضية القرابة في إسناد العمل أن يكون القريب وغيره سواء، ولذلك لما ولى أبو بكر الصديق يزيد بن أبي سفيان على الشام قال له: «إن لك في الشام قرابة وأخشى أن تؤثرهم على غيرهم.
ويجب أن
فلذلك المسؤولية أمانة كبيرة لانها تقوم عليها مصالح الناس فوضعها في مكانها هو الذي أمر به الإسلام، وتعيين الأقارب يكون فيه محاباة وعدم محاسبة على التقصير إلى غير ذلك مما يترتب عليه من المفاسد. س: هناك ما تسمى بالمجالس البرلمانية أو البلدية أو بالشورى والإنسان ربما يعرض نفسه مستشهدا بقول الله على لسان سيدنا يوسف عليه السلام: {قَالَ أَجْعَلْنِي عَلَى خَزَابِنِ الْأَرْضِ إنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ} [يوسف: 5]، فينزل سيرته الذاتية وأنه كفء وسيفعل وسيفعل، هل هذا أمر عادي أم أنه تزكية للنفس؟
ج: في هذه الحال ليست تزكية للنفس، لأن هذا الزمن يتطلب ذلك نتيجة زخم الحياة وتوسعها، لأن الناس لا يعرفون شيئا عن الشخص.
حتى البضائع، ففي السابق كانت البضائع لا يعرضها التجار فضلا عن مدحها، هذا ما كان في الفقه في السابق.
195 (1/195)
صفحة 196
لكن الآن مع توسع الدنيا وتوسع التصنيع والتجارة فلا يصبح التاجر معروفا إلا إذا أعلن عن نفسه وأعلن عن بضاعته، لكن يجب عليه أن لا يتجاوز ما عليه البضاعة، وأن يصف البضاعة بما هي عليه كذلك الإنسان الذي يعرض نفسه أن يعرف نفسه بما عنده من مقدرة لا أن يعد الناس ويعطي نفسه أوصافا فوق ما عنده من ملكات وما عنده من قدرة فيدلس ريما على الناس ويضللهم بمدحه لنفسه.
196 (1/196)
صفحة 197
الحلقة السادسة والعشرون
«خلق الصدق»
197 (1/197)
صفحة 198
بسم الله الرحمن الرحيم
س: عنوان هذه الحلقة خلق الصدق، هذا الخلق العظيم الذي نحتاج إليه وهو من أشرف الفضائل النفسية والمزايا الخلقية لخصائصه الجليلة ولما له من آثار هامة في حياة الفرد والمجتمع بل عده بعض أهل العلم أساس الإيمان ورمز الإستقامة كالعادة نبدأ بتعريف الخلق الذي سنتحدث عنه، فما هو تعريف الصدق؟
ج: الصدق قالوا عنه بأنه نقيض الكذب، والصدق هو الإخبار عن الشيء بما هو عليه، من حيث التعريف.
هذا
س: ما الذي جعل النبي الله يصف صاحبه أبا بكر بالصديق؟
ج: لأنه كان صادقا معه، وهي رتبة عظيمة جدا، فالصديق هي مبالغة في الصدق، لأن أبا بكر صدق في وقوفه مع النبي الله، ومن هنالك لقبه بالصديق، ولما وقعت حادثة الإسراء والمعراج وصف النبيل بعض المشاهد بين مكة والقدس، أخذ الناس يشككون وأبو بكر يقول له: صدقت.
وكأنه يقول له: لقد صدقتك فيما جاءك من ربك من وحي أفلا أصدقك فيما تحدثني به، ولذلك سمي بالصديق، لتصديقه بالنبي الله و و و علي بن أبي طالب استشهد بهذه الآية في فضل أبي بكر ومنزلته، قال تعالى: {وَالَّذِى جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَتَبِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ
[الزمر: 33].
س: يقول الله سبحانه وتعالى في القرآن الكريم: لو هَذَا يَوْمُ يَنفَعُ الصَّدِقِينَ صِدْقُهُمْ} [المائدة: 11]، في ماذا ينفع الصدق الإنسان والمجتمع والوطن؟
ج
الصدق هو في الحقيقة التصديق بالإيمان، وهو صدق في القول وفي كل أمور الحياة، فالصدق منزلته عظيمة والإنسان ربما يميل شيئا قليلا عن قول الصدق وعن قول الحق، والصدق يشمل كثيرا من أنواع السلوك، والصدق مما ورثه العرب من ديانة أبيهم إبراهيم عليه السلام، وهو من مكارم الأخلاق التي ورثها العرب منه، وجاء الإسلام و أكدها،
198 (1/198)
صفحة 199
فالصدق
من محامد العرب وكان العربي لا يكذب وكان إذا قال قولا وفى به وإذا أعطى
وعدا وفى به، وجاء الإسلام وكرّس هذه المفاهيم العظيمة في السلوك.
س: هل هناك فرق بين الكذب والإفتراء؟
ج الافتراء أعظم من الكذب الافتراء فيه مضرة على الآخرين أكثر لأنه يفتري عليهم بقصد الفتنة، والكذب كذلك كبيرة لكن الافتراء أعظم.
س بعض الناس يتساهلون بالقول على الله ويتجرؤون على الفتوى ويقولون هذا حلال وهذا حرام؟
ج: نهانا الله تعالى عن ذلك في قوله: {وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتَكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَا وهذا حرام لتفترُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبُ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ: الشحن: 116 والكذب على الله هو افتراء عظيم، وكذلك الكذب على رسوله، ولذلك قال
6:
: «من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار». س: الكذب على الرسول، والوضع في الحديث النبوي متى بدأ في التاريخ الإسلامي؟ ج: بدأت فيما بعد في الحقيقة، ابتدأ بها أصحاب التيارات الفكرية وكل منهم يمدح فريقه، وقد يصل به الأمر لوضع الأحاديث، ثم تواصل وضع الأحاديث، حتى صرح بعضهم وضع أربعة آلاف حديث، وهذا رقم كبير.
س: ما رأيك بالإنسان الذي يأتي بالكلام والنكت ليضحك الناس وكله كذب لا أساس له
الصحة؟ من
ج: طبعا هذا لا يجوز.
س: إذن كيف يكون الإنسان مرحا وذا دعابة؟
ج المرح بالصدق، النبي صلى الله عليه وسلم كان يمزح وما كان يقول إلا حقا، فمرة جاءته امرأة عجوز فقال لا تدخل الجنة عجوز، فخافت تلك المرأة، ولكنه أوضح لها أن الجنة لا يكون فيها عجائز فكلهن أتراب وأبكار، كما قال تعالى: {عُرُبًا أَتَرابا: [الواقعة: 37، ومثل هذا المزاح جائز، والصدق فيه مزاح، ولكن المزاح المعقول الذي لا يجرح مشاعر الآخرين.
199 (1/199)
صفحة 200
س: ظهر الآن ما
يسمى
بالمقالب التي ربما أدت إلى وفاة بعض الناس، وأحيانا يقال
لأحدهم مات فلان، والخبر غير صحيح، وبعد أن يفجعهم يقول لهم أن الخبر غير صحيح
وأردت أن أمزح معكم.
ج
هذا فيه ضمان على الشخص الذي أودى بحياة شخص آخر أو بإصابته، وهذا لا يجوز على الإطلاق، كما هو الآن في كذبة إبريل على سبيل المثال هذه جاءتنا من الغرب، فأصبح الناس يكذبون أكاذيب عظيمة في اليوم الأول من شهر إبريل حتى عرفت بكذبة إبريل، هذه لا تجوز.
س: ربما يقول البعض أنا لا أقصد شيئا، قصدي أن أمزح فقط.
ج: لا يجوز المزاح هكذا، كل شخص مأخوذ بقوله.
س: نريد منكم كلاما ولو بسيطا عن عدم الصدق في البيع والشراء.
ج: عدم الصدق فيه غرر، لا يجوز الغرر في البيع.
س: ماهو الغرر؟
ج: الغرر هو ما بيع على غير وصفه أو بأكثر من قيمته، هذا غرر.
»:
س: في الحديث الشريف، يقول النبي: (ألا أنبئكم بأكبر الكبائر»، وذكر في نهاية
الحديث: ألا وقول الزور ألا وشهادة الزور»، ماذا يعني بشهادة الزور وقول الزور؟ ج شهادة الزور هي الشهادة على غير الحقيقة زورا وبهتانا أن يشهد إنسان بالظلم على شخص لصالح شخص آخر، وهذا لا يجوز، وقول الزور كذلك، هو قول الكذب، فالافتراء والكذب والزور والبهتان كلها معان متقاربة ودرجاتها متفاوتة. س موضوع التثبت من الشائعات هل هذا الأمر مطالب به السامع أم أيضا على المتحدث أن يحذر من هذا الأمر؟
ج
المتحدث والمستمع أن يحذرا من هذا الأمر، فالشائعات قد تهزم بها جيوش، وهذا أمر إذا كان بقصد الحرب النفسية في حال الحرب، ربما يباح من باب الخديعة في الحرب، فهي جائزة بمقدار ما يتحقق به الحق، أما الشائعات في المجتمع وخاصة إشاعة الفاحشة فهي
200 (1/200)
صفحة 201
ج:
محرمة، في قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ ءَامَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللهُ يَعْلَمُ وَأَنتُم لا تعلمون ا لكم [النور: (19]، وفيه إيذاء كبير كذلك. س: هل الصدق مرتبط بالصديق، لأنه فيما يؤثر: «الصديق من صدقك لا صدقك». من هذه كلها معان، مرتبطة هنالك الصدق، وهنالك الصديق، وهنالك الصدقة، وأنا حسب رأيي حتى صداق المرأة مرتبط بهذا، لأن الصداق يعطيه الإنسان كمهر للزوجة نتيجة صدقه في ذلك الزواج، صحيح أن الصداق يُجمع على صدقات ولكن هذا اللفظ فيه نفس الاشتقاق، والصدقة كذلك، فالمتصدق يعطي صدقته عن صدق، وهو صادق في تقديمها، وهكذا بالنسبة للصديق لأن كل من الصديقين يصدق أحدهما الآخر في علاقته فلذلك قيل أن الصديق من صدقك لا من صدقك، بمعنى أن الصديق من صدقك في القول لا من صدقك في كل شيء تقول به يعني ذلك الذي يعطيك رأيه في ما تقول
به
به
قد يأتي إنسان ويقول لآخر خبرا فيصدقه لكي يورط هذا المتحدث، هذا ليس بصديق،
فالصديق من يصدقك ويقول هذا وهذا غير صحيح)
هذا
صحيح، هو الصديق. وهذه طبعا
صحيح
تنطبق على المسؤولين، فالمسؤول الذي يقول كل كلمة فيصدقه من معه ويقولون له في كل قوله، ولكن الصديق الحقيقي هو من يكون صادقا ويقول هذا صحيح وهذا غير
صحيح.
س:
هناك من يساير في كل شيء، يقول أنا لا أريد أن أخسر فلانا، فيكون معه حتى في
الباطل.
هذا الذي يصدق ولا يصدق. ج:
س:
هذه قضية اليوم، وهي عدم معرفة الاختيار الصحيح للصديق، أوقع الكثيرين من
الناس في مشاكل كثيرة.
ج:
هذا غياب الأمانة، الخيانة، أن يخون الإنسان صديقه، عليه أن
من
ومن (1/201)
صفحة 202
يقول الحق، وأن يرشده إلى الصواب، هذه أمانة.
ينصحه وأن
س: موقف عمر بن الخطاب لما أثني على رجل فقال له: هل جاورته؟ هل سافرت معه؟
201 (1/202)
صفحة 203
هل تعاملت معه بالدرهم والدينار؟ في بناء العلاقات مع الآخر حتى نكتشف أن هذا الصديق صادق معنا، هل نحتاج إلى أن نختبره؟
ج: طبعا هذا معنى ما قاله عمر، فمعرفة الإنسان لأخيه الإنسان وصدقه تتجلى في السفر وتتجلى في المعاملة، وفي التجارة، وتتجلى في المجاورة، وهناك يعرف صلاح الإنسان ويعرف صدقه، في هذه الأمور، لا بمجرد أن يرى الإنسان في المسجد، فلذلك قال أحد علماء الصوفية وأظنه الجنيد: "لئن يصحبني فاجر حسن الخلق أحب إلي من أن
سيء
يصحبني متدين
خلقه
الخلق". لأن ذلك الفاجر يصلحني بحسن خلقه وذلك المتدين يفسدني بسوء فالصلاح من الصدق والصدق يعرف في هذه المواطن. س: نتكلم حول موضوع الإخلاص، عندما يخلص الإنسان عمله الله عز وجل، وهذا يعود إلى النية، كيف نحقق الصدق في نياتنا وفي علاقتنا الله ج: النية هي أساس العمل في الإسلام، بل إن النية تحوّل العادة إلى عبادة، ولأن كل شيء مبني على النية في الإسلام وأحكام الإسلام كما هو معروف خمسة:
الواجب: وهو الذي يجب فعله ولا يجوز تركه.
والمحرم: وهو الذي يجب تركه ولا يجوز فعله.
مع سبحانه وتعالى؟
والمندوب: وهو الذي يثاب على فعله ولا يعاقب على تركه.
والمكروه: وهو الذي يثاب على تركه ولا يعاقب على فعله.
والمباح: وهو الأوسع، ويعود إلى النية التي تحول هذا المباح إلى أمر مثاب عليه أو معاقب عليه، فمثلا الإنسان إذا نام لوجه الله عز وجل يثاب على ذلك، وكذلك الأكل والشرب وغير ذلك، ولذلك قيل عن النية أنها تحول العادة إلى عبادة، فالنية هي التي يتحقق بها الإخلاص، قال الله تعالى: {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ} [البينة: 5] فالإخلاص في العمل يقوم على النية الصادقة، ولا شك أن ثوابه عند الله عظيم. س: جاء في الحديث: «فمن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه».
202 (1/203)
صفحة 204
ج: فهجرته إلى ما هاجر إليه، لأن كل شيء بالنية، وقول الصدق شأنه عظيم، ولذلك
يقول الشاعر:
عود لسانك قول الصدق تحظ
***
به إن اللسان لما عوّدت معتاد.
***
موكل يتقاضى ما سننت له في الخير والشر فانظر كيف ترتاد.
فالصدق شيء عظيم في هذه الحياة، وهو الرابط الأقوى بين الناس، أعظم وسيلة يترابط بها
أفراد المجتمع، والكذب ضده في كل شيء، وكما يقول الشاعر:
وما شيء إذا فكرت فيه *** بأذهب للمروءة والجمال من الكذب الذي لا خير فيه *** وأبعد بالبهاء من الرجال
والكذب يذهب المروءة والجمال من وجه الرجال والكذوب وجهه ممزق وغير صادق، ولذلك الناس يردون عنه صدقه، ولذلك قيل أن من عقوبة الكذاب أن يرد إليه صدقه، لأن الناس اعتادوا كذبه فلا يثقون به وإن صدق، لأن الثقة سحبت منه، وحبل الكذب
قصير.
س: بعض المربين ينصحون أبناءهم بالصلاة وهم لا يحافظون عليها والأبناء يشاهدون ويميزون، ماذا تقولون لهؤلاء الناس؟
ج: لا شك أن الإنسان عليه أن يكون قدوة في أهله وفي بيته، والكبير عليه أن يكون قدوة للصغير، والأب عليه أن يكون قدوة للابن والأم عليها أن تكون قدوة لأبنائها، والمسؤول عليه أن يكون قدوة في المجتمع، قال النبي لا لا لا له: «كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته»، فالقدوة لابد منها وما ذكرته، ملاحظ، فالأب وإن كان غير مستقيم، يريد أن يكون ابنه أفضل. منه، ولذلك يغضب الإنسان إذا قيل له إن فلانا خير منك، لا يعجبه هذا، بعكس ما لو قيل له إن ابنك خير منك يفرحه ذلك، ومهما كان الإنسان بعيدا عن الدين أو
203 (1/204)
صفحة 205
يتناول المحرمات كالخمر والعياذ بالله إلا أنه يدفع أبناءه إلى تعلم القرآن وإلى الصلاة وإلى مجالسة الصالحين ليربيهم على الصلاح، وهذا واقع اجتماعي، ومع هذا على الآباء والأمهات أن يكونوا قدوة صالحة لأبنائهم.
الله
يوم
س: نريد أن نتكلم عن الحلف، وقول النبي صلى الله عليه وسلم عن الثلاثة الذين لا يكلمهم القيامة: ورجل حلف بعد العصر يمينا فاجرة ليقتطع بها مال امرئ مسلم." نلاحظ أن كثيرا من الناس يتساهلون خاصة في جلسات المحاكم والقضاء حتى يدفعون عن أنفسهم العقوبة فيحلفون كذبا.
يعني
من
ج: إذا كان يدفع عن نفسه حقا، بشيء لا يظلم فيه أحدا هذا ليس فيه تشديد، وأما إذا كان يضر غيره فطبعا هذا لا يجوز والكذب فيه معاريض، وهناك حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم: «إن في المعاريض لمندوحة عن الكذب»، المعاريض أن تأتي بكلام يوهم، بمعنى يقرب من الصدق كما قال النبي الله لذلك الرجل قبل غزوة بدر، وقد سأله عن قريش وقال له من أين أنتم؟ قال له النبي: «نحن مكان ماء»، فظن أنه من من أماكن العرب، وإنما قصد قول الله تعالى: مِن مَّاءٍ مهين} [المرسلات: 20]، وأيضا كمن حلف بينه وبين الآخرين وجاء بالتورية وهناك كتاب ألفه ابن دريد وعنوانه «الملاحن»، ذكر بأنه يمكن للإنسان أن يحلف وهو يعني معنى آخر كأن يُسأل أحد: هل رأيت فلانا؟ فيقول: والله ما رأيته ويفهم السامع أن "ما رأيته أنه ما شاهده، وإنما قصد الحالف أنه ما أصاب رئته، وابن دريد عالم لغوي عماني معروف، وهو أبو بكر محمد کتاب مستقل في هذا الموضوع، ولأننا في الحياة بحاجة كبيرة لهذا الجانب، والكذب يجوز إذا كان للإصلاح بين الناس، ويكذب بما فيه صلاحهم، وفيما يقرب بينهم، فهو لا يضر هؤلاء ولا هؤلاء، وكذلك الرجل مع زوجته، إذا غضبت منه وأراد أن يطيب خاطرها يكلمها كلمات مناسبة وإن كانت كاذبة لأن فيها إصلاحها.
"1
بن
الحسن
بن دريد، له
س: إذن الحلف الكاذب إذا لم يكن فيه ضرر للآخر ومافيه تجنب للعقوبة ففيه استثناء. ج: نعم فيه استثناء في حالة الضرورة كإصلاح ذات البين ولجبر الخواطر في الحياة الزوجية.
204 (1/205)
صفحة 206
س: هناك موضوع بما أننا تكلمنا عن الأسرة، بعض الآباء يريدون أن يحفزوا أبناءهم، فيقولون لهم: إذا حصلت على الدرجة العالية أشتري لك الجهاز الفلاني أو اللعبة الفلانية"، وربما كان الأب غير ميسور الحال والابن ينصدم في آخر العام بعد أن حصل على الدرجات العالية، والأب لم يستطع أن يوفر له ذلك.
ج:
هذا لايجوز، هناك حديث، أن النبي سمع امرأة تعد ابنها بشيء، فأعطته، فقال لها: «لو أنك ما أعطيته كنت قد كذبت عليه، فهذا لا يجوز، فالأم أو الأب إذا وعد ابنه لابد أن يفي بوعده له، وإلا سيفقد الابن ثقته في والديه، ولذلك فلا يعد بما لا مقدور له عليه من البداية، ولكنه يستعمل أساليب أخرى للتشجيع.
س بالنسبة للوظيفة الموظف قبل أن يدخل أي وظيفة لابد أن يوقع في ورقة أنه يعمل كذا وكذا، ولكن في الحقيقة الوظيفة لا تستدعي أن يقوم بكل تلك الأعمال، هل يعتبر
غير صادق في عمله؟
ج: لا، عليه أن يقوم بما كلف به من عمل وربما تلك كانت في الاستمارة اشتراطات احتياطية وإضافية، وربما يأتي وقت ويكلف بشيء منها، وأن يقوم بما يستطيع. س: وأيضا في موضوع العمل، يأتي المراجعون إلى الموظف، فالموظف يمنيهم، فيقول سأتابع الموضوع، سأفعل، راجعني .. وهو لا يراجع شيئا. ج: هذا لا يجوز، هذا كذب، وآية المنافق ثلاث، ومنها إذا وعد أخلف، والخلف عدم الصدق، وهو من الكذب، والنبي صلى الله عليه وسلم سئل أيكون المؤمن بخيلا قال نعم، أيكون المؤمن جبانا قال: نعم، وعندما قيل أيكون كذابا قال لا"، فالكذب فيه مضرة بالآخرين. س: في الحديث: «إن الرجل ليتحرى الصدق .. والصدق يهدي إلى البر ... »، أشعر أن الكلام فيه دقة ووصف عميق للصدق. ج: لا شك، لأن هذا منطق النبوة، فالصدق يهدي إلى البر، والبر بدوره يهدي إلى الجنة، وهكذا عكسه الكذاب ولا يزال الرجل يكذب حتى يكتب عند الله كذابا، فهذا كتب عند الله صديقا فنجا، وذلك كتب عند الله كذابا فهلك هذا حث على أن يتبع الإنسان
205 (1/206)
صفحة 207
الصدق. منهج س: في الآية الكريمة: {يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّدِقِينَ} [التوبة: 119] ج: الصادقون هم الذين ينجون وينجون غيرهم، وهنا تكمن القدوة، ليقتدي بهم، لأن الإنسان إذا كان مع الصادقين يكون صادقا ويتأثر بهم، لأن الإنسان يتأثر بالقدوة، قال تعالى: هو أَولَتَبِكَ الَّذِينَ هَدَى الله فيه لهم اقتدة على الأنعام: 90، أمر للنبي صلى الله عليه وسلم لكي يقتدي
بالأنبياء الذين قبله. س: ألا
يوجد ارتباط قوي بين الصدق والأمانة؟
ج: طبعا، كل أخلاق الإسلام مترابطة في حقيقتها، والنبي صلى الله عليه وسلم كان يعرف قبل البعثة ب" الصادق الأمين".
س: في الحياة الزوجية، ربما يعد الزوج زوجته أنهما سيسافران ويقضيان الإجازة في مكان
ما، ثم تحدث له بعض الظروف، أليس مطالبا بالمراعاة في هذه الحالة؟
ج: يجب المراعاة من الجانبين في الحقيقة، إذا تأمل ذلك يقول إن شاء الله عند توفر الإمكانيات سوف نسافر وإذا حدثت ظروف على الزوجة أن تقدر ذلك، وأن يكون بينهما تفاهم لأن هذه ليست من أسباب الفرقة والتوتر، بالعكس يجب على كل منهما أن يقدر ظرف الآخر.
س: أليس الموضوع يحتاج إلى شيء من العزم، لأنه في بعض الأحيان الإنسان لديه مغريات كثيرة ومؤثرات وقد تغلبه المصلحة الشخصية، هل يحتاج إلى شيء من العزم والصدق؟ ج: الصدق يحتاج إلى صبر والصبر هو أساس كل هذه الأشياء، لأنه غير بسيط، أن يكون الإنسان صادقا في قوله وفعله وسلوكه وفي حياته بشكل عام، صادقا نفسه، مع أولاده مع زوجته مع الناس وأهم من ذلك أن يكون صادقا مع الله سبحانه وتعالى، حتى يكتب عند الله صديقا، كما جاء في الحديث.
مع
206 (1/207)
صفحة 208
الحلقة السابعة والعشرون «أخلاقيات التعامل مع البيئة»
207 (1/208)
صفحة 209
بسم الله الرحمن الرحيم
س: ما هو تعريف البيئة لغة وفي الاصطلاح الشرعي والقرآني؟
ج: البيئة من حيث اللغة هي مكان الإقامة المرجع أو السكن، فالله تعالى يقول: {وَلَقَدْ بَوَأْنَا بَنِي إِسْرَ يلَ مُبَوَّاً صِدْقٍ} [يونس: 93]، معناه أسكناهم.
والبيئة هي من الباءة، أي الرجوع إلى الله، وآب إلى فلان أي رجع إليه، وآب إلى المنزل أي رجع إليه، والتعريفات كثيرة.
أما التعريف العلمي للبيئة فهو كل ما يحيط بالإنسان من مقومات مختلفة، وهناك منظومات البيئة الطبيعية، ومنظومات البيئة الاجتماعية وهناك منظومة البيئة المكانية وهناك منظومة البيئة الثقافية، أي كل ما هو موجود في الوجود والمجتمع كمنظومة هو بيئة، لأن عناصر ذلك
الموضوع تعود إلى تلك البيئة، فلذك أجمع تعريف للبيئة هو كل ما يحيط بالإنسان. أما في الاصطلاح فهناك تعريفات علمية، أشملها ما اتفق عليه في مؤتمر البيئة في ستوكهولم عاصمة السويد سنة 1972 م، جاء في تعريف المؤتمر أن البيئة كل ما يحيط بالإنسان، والبيئة في الحقيقة هي منظومات منظومة اقتصادية ومنظومة اجتماعية ومنظومة مكانية ومنظومة ثقافية، كلها بيئات لأن عناصر تلك المنظومات أو تلك المجموعات تعود إلى تلك البيئة هذا هو التعريف اللغوي.
س: الله تعالى في القرآن الكريم يقول: ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ) [الروم: 41]، هل ما يحصل اليوم في العالم من تلوث وثقب الأوزون وفساد الماء والإضرار بالأسماك في البحار هل السبب هو الإنسان؟ ج: هذه الآية فيها تفسيران هناك تفسير ديني وتفسير علمي، وبالتأكيد أن التفسير العلمي داخل في التفسير الديني أي أن الأمور مترابطة العلم مرتبط بالدين، والآية التي ذكرتها تقول أن هنالك ثلاثة عناصر لفساد البيئة ما هذه العناصر؟ قال هناك تغير في هذه البيئة، و ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِى النَّاس، أي أن الإنسان هو
هي
208 (1/209)
صفحة 210
مصدر هذا التغيير ليذيقهم بعض الذي عملوا الإضرار بالكائنات من قبل هذا التغيير، لعلهم يرجعون إلى الله تعالى بالإصلاح من الإفساد هذا التفسير العلمي، لأن فيه معصية والمعصية هي التي يعاقب الله سبحانه وتعالى بها بظهور ذلك الفساد سببها الإنسان ولكن لكونه أنّه لوّث هذه البيئة التي جعلها إطارا مكانيا، والإنسان سبب بتلويثها وهو معاقب على ذلك التلويث، فكما قال تعالى: {وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهَاكَ الْخَرْنَ وَالنَّسَلَّ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ)) [البقرة: 205]، وكان سابقا في التعبير الإسلامي يعبر عن التلوث بالفساد، وهذا في رأيي ينسجم مع المقاصد الضرورية الشرعية الخمس التي ينبني عليها فقه المقاصد وهي: حفظ النفس وحفظ العقل وحفظ الدين وحفظ المال وحفظ النسل أو النسب، وهذه المقاصد تتعلق بقضية البيئة وإصلاح البيئة وفسادها لأن فساد البيئة يفسد بموجبها مقتضى هذه القواعد الخمس.
س: ألا ترى وجود المصانع في المدن والحارات صورة من صور الإفساد؟
ج: طبعا، هذا فيه تلويث، فهو مضر بصحة الإنسان، خاصة إن وجدت بالقرب من الناس، فذاك الغبار المتطاير يفسد الزرع والشجر والإنسان ويدمّر البيئة الصالحة، فيجب أن يكون لكل شيء مكان خاص به، ولذي يحدث الآن من ثقوب في طبقة الأوزون نتيجة لهذا التصنيع الهائل للإنسان، فالآن آلاف الأقمار الصناعية التي تجوب الفضاء، وتخترق طبقات الأوزون، منها أقمار صناعية للتجسس ومنها أقمار صناعية للفضاء، كذلك الصواريخ المدمرة العابرة للقارات وغير ذلك، هذه كلها أنواع لتلويث البيئة.
س: حديث النبي: النظافه من الإيمان»، وفي حديث آخر قال: «إماطة الأذى عن الطريق صدقة»، نلحظ اليوم أن الله سبحانه وتعالى حبانا في هذا الوطن بشواطئ كثيرة، يذهب الناس إليها في نزهة لتغيير الجو مع أولادهم ولكن يتركون بقايا الطعام في مكانهم ولا ينظفون، ماذا نقول عن هذا التصرف؟ ج: طبعا هذا تصرف غير سليم، ويجب أن يكون هناك معاقبة ومسائلة، فقانون حماية البيئة العماني أظن أنه تطرق إلى هذا الأمر، ولكن هذا القانون بحاجة إلى التطبيق في الحقيقة،
209 (1/210)
صفحة 211
أطنان
من
لأن هذا التلويث يلوث البر ويلوث البحر، حيث أصبحت الآن خطورة البلاستيك في البحار، ويوجد فرق تطوعية تنظف البحر من البلاستيك واكتشفت أنه يوجد في البحر البلاستيك، وهذه الأطنان خطورتها أنها تدخل في أجواف السمك، وهذا مضر كثيرا بصحة الإنسان، لذلك يجب على الإنسان أن يكون نظيفا في مكانه، نظيفا في ملبسه ونظيفا في مأكله حيث ينظف المكان الذي يعيش فيه، فقد وضعت سلات للقمامة عليهم أن يأخذوا تلك الفضلات والمخلفات إلى تلك السلات ثم تأتي البلدية التي وظفت أناسا لينظفوا تلك السلال من القمامة، فالنظافة هذه مطلوبة لأن الوطن هو بيت الانسان، فكما يجب عليك أن تنظف بيتك، كذلك يجب عليك أن تنظف أرض وطنك، فهذة هي الوطنية الحقيقية، فالوطنية تعني الغيرة على الوطن، ولكي نحافظ كذلك على الصحة من خلال المحافظة على النظافة، وهذا ما أمر به الله تعالى فقد قال في الآية الكريمة: وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ} [البقرة: 195]، فكل ما يدعو إلى الهلاك يجب على الإنسان تجنبه، وترك المخلفات والفضلات فيه مضرة للحيوان والإنسان والشجر، وعلى البيئة كلها من بر وبحر، فيجب على الإنسان أن يكون لائقا ومحافظا تجاه وطنه، فكما له الحق أن يجلس في ذلك المكان كذلك لغيره الحق أن يجلس في ذلك المكان، فذلك الشخص له الحق أن يجد ذلك المكان نظيفا.
وهذه الظاهرة لمست في المواقع السياحية، كأنها تعكس واقعا غير أخلاقي حيث إنهم يتركون
بقاياهم.
إن السلوك الحضاري، مطلوب، والنظافة هي من السلوك الحضاري في الإنسان. س: انتشرت صور عديدة في رمضان الماضي لتجمع بعض الأسر للإفطار خارج منازلهم وهم في عبادة، ولكن يتركون وراءهم الفضلات، فكيف نوفق بين العبادة وبين هذا التصرف؟ هذه ج المشكلة، ازدواجية وتناقض، فهم ذهبوا للعبادة، ذهبوا ليفطروا وقبل ذلك صاموا والصيام فيه أجر عظيم وهو من أركان الدين فهم صاموا وأفطروا بناء على أمر الله وتقربا له وإكراما لهم كما جاء في الحديث الشريف، قال النبي الله: (للصائم فرحتان» وفرحة الافطار
هي
210 (1/211)
صفحة 212
يجب ألا تكدّر بترك المخلفات وترك الفضلات لأن ثمرة الصيام في السلوك، فالصيام أساسا هو مقوم للسلوك، ثم الصيام أمرنا رسول الله به النصح في قوله: «صوموا تصحوا»، ونحن نشاهد هذه الفضلات التي هي من أكبر أسباب التلوث.
ثم إن حياة الانسان معتمدة على الهواء الذي نتنفسه، فكما يقال إن عناصر البيئة أربعة وهي: الهواء والماء والتربة والغذاء هذه هي عناصر البيئة، وحين تكون إحدى هذه العناصر ملوثة تتلوث البيئة وتضيع، وبضياعها تضيع أيضا حياة الانسان، وصار الإنسان يستنشق هواء ملوثا ويجلس على تربة ملوثة ويأكل أكلا ملوثا ويشرب ماء ملوثا.
س: في نفس السياق، هناك بعض الناس يتركون حيوانات سائبة في الطريق، أحيانا إذا تعرضوا للسيارات ينتج عن ذلك أحيانا وفاة الناس الموجودين في هذه السيارات، فماذا تقول عن هذا
الموقف؟
ج: هذا لايجوز، فإذا عرف المتسبب الذي تسبب في ذلك الفعل عليه الضمان، يضمن حقوق أولئك المتضررين لو طبق قانون حماية البيئة العماني، لأنه كل من تسبب في ضرر
للآخر جرحا أو وفاة هو
ضامن
لذلك.
س: هناك أيضا في ما يخص موضوع البيئة، هناك مسألة الأفلاج والعيون والأودية، هناك بعض الناس يستغلونها استغلالا سيئا بل ويتركون فيها أوساخا تؤدي إلى نجاسة الماء في ذلك المكان، وربما قد يؤدي إلى تسمم الأشجار على مر الأيام.
ج: إن الماء أكثر شيء يستهلكه الإنسان، فقد جعله الله تعالى في متناول الإنسان، فالماء والهواء تقوم عليهما الحياة، كذلك الأفلاج هذه حضارة عمانية، ويجب الحفاظ عليها، الناس تتمنى وجود جدول ماء في بلدانهم هذه نعمة في عمان، فوجود الأفلاج ميزة توجد فقط في المناطق العمانية، لذلك تعتبر هذه الافلاج قيمة حضارية لابد من الحفاظ عليها، وفي أغلب الأحيان يقوم الشباب بتنظيف هذه الأفلاج.
س: ومن مظاهر الإضرار بالبيئة، نجد بعض الشباب الذين يضيفون بعض الزوائد لسياراتهم مما
يؤدي إلى تصاعد الدخان فتسبب عوادم مضرة للصحة والبيئة.
211 (1/212)
صفحة 213
ج
هذا أيضا جانب من الملوثات فأنواع الملوثات تختلف نجد ملوثات للسمع وملوثات للبصر، فالإزعاج بالأصوات كالصوت القوي للسيارات هو من مظاهر التلوث السمعي، فهي أيضا لا تجوز لأنها تسبب إزعاجا للآخرين. س: في إطار آخر، يقوم البعض بدعوى الحرية، بالتدخين في أماكن عمومية، كالحدائق، في وجود أشخاص آخرين مما يسبب إزعاجا لهم وانتهاك لحرمة المكان.
ج من المعروف أن التدخين مضر بالصحة وهو مضر للإنسان الذي يجالس المدخنين أكثر من المدخن نفسه، لذلك العديد من الدول اليوم سنت قوانين وألزمت المدخنين بالتدخين في أماكن مخصصة لهم فقط، كما منعت التدخين في بعض الأماكن العمومية لما فيه من مضرة للآخرين، وهذا ما أكدته منظمة الصحة العالمية أيضا كما هو الحال في المطارات، والتدخين
ممنوع لما يسببه من ضرر، لذلك يجب على الإنسان الالتزام على الأقل بهذه القوانين. س: يقوم اليوم بعض المزارعين بتسميد النباتات بالمواد الكيماوية، فتوضع في الماء وتوضع بعد ذلك في التربة، ويأكل الناس مما نبت من تلك التربة الملوثة بالمواد الكيماوية. الأسف هذا ما يعانيه بعض الناس، حيث إن بعض الأشخاص يسلمون مزارعهم لبعض المزارعين الوافدين مقابل أجر سنوي أو شهري ولكن الوافدين يريدون الربح السريع و ليسوا مبالين، لذلك يقذفون تلك الأسمدة الكيماوية على التربة لكي تنمو النباتات بسرعة.
ج مع
212 (1/213)
صفحة 214
الحلقة الثامنة والعشرون
«خُلق الرحمة»
213 (1/214)
صفحة 215
وتعالى، وعم
بسم الله الرحمن الرحيم
تعني
الرحمة؟
س: اليوم سنتكلم عن موضوع يتعلق بالإنسانية وبالعاطفة وبالرفق وهذا ما دعا إليه الإسلام، وهي كلها صفات جاءت بها النبوات، ولهذا كانت الدعوة إلى الله سبحانه هذا الأمر مع الإنسان والحيوان والطبيعة إنه خلق الرحمة، فماذا ج: الرحمة هي تعني كل معنى إنساني من الإنسان تجاه بني جنسه، يتجلى معناها في اللطف والرقة و الإحساس الطيب، ومنها عطف الكبير على الصغير، وعطف القوي على الضعيف، وعطف الغني على الفقير، وهذه كلها من معاني الرحمة، والدين الإسلامي رحمة لأنه تعالى وصف نبيه الله بقوله: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} [الأنبياء: 107]، رحمة لكل الوجود، فالرسول كان رحيما ليس مع الإنسان فقط بل مع الحيوان والحجر والشجر وكل المخلوقات.
كله
س: بعد هذا التعريف الجميل، ما رأيك في تربية القرآن الكريم للنبي صلى الله عليه وسلم في قصة الصحابي الجليل ابن أم مكتوم. ج: كان النبي يحادث نفرا من زعماء قريش قصد هدايتهم إلى الإسلام، وكان طامعا في إسلامهم، وهكذا هو الداعية في الحقيقة، دائما عنده طمع في المدعو، يريد أن يوصل رسالته إلى ذلك المدعو على أمل أن يستجيب له فيهتدي. وجاءه عبد الله ابن أم مكتوم وهو من قريش وكان أعمى، فأعرض عنه النبي الله بالحديث إلى أولئك القوم، فلعل ذلك الإعراض كان فيه نوع من الجفوة تجاه عبد الله ابن أم مكتوم فنزل في ذلك القرآن مؤنبا للرسول على إعراضه عن ذلك الإنسان الضعيف الفقير، وإقباله على زعماء قريش، فنزل قوله تعالى: {عَبَسَ وَتَوَلَّى أَن جَاءَهُ الْأَعْمَى [عبس: 1 – 2]، فكان النبي صلى الله عليه وسلم عندما يقابل هذا الرجل يقول له: أهلا بمن عاتبني فيه ربي» وهو تواضع منه وامتثال لأوامر الله وعتابه. س: إلى جانب كون الرسول صلى الله عليه وسلم قائدا سياسيا فهو أيضا أب فمشاعر الأبوة والرحمة
-
214 (1/215)
صفحة 216
ج
والإنسانية تجلت عندما مات ابنه إبراهيم ولعل بعض كتب السير تذكر أن الصحابة استنكروا دمعات الرسول الله فأجابهم: (إن العين لتدمع، وإنّ القلب ليحزن، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا، وإنا يا إبراهيم عليك لمحزونون ماذا تعلمنا هذه القصة؟ ما فعله النبي صلى الله عليه وسلم كان رحمة ورأفة بالأولاد، وهذا ما فعله الإمام الجلندى بن مسعود عندما أُعدم اثنان من أقاربه كانا عاملين للدولة العباسية وكانا ضد دولة الإمامة، فحكم القضاء بإعدامهما وهما محمد بن زايدة وراشد بن النظر، فعندما كانا يعدمان دمعت عين الإمام، فعاتبه قومه وأصحابه فقالوا له: كأنك لم يعجبك الأمر، فقال: «لا، بل إنها الرحمة» ليست فقط إلا الرحمة لمصيرهما، كان يريد أن يكونا في صلاح، فهذه الرحمة هي رقة القلب، تدفع العين إلى الدمع، وهذا كله من مظاهر الرحمة، فقد عطف النبي صلى الله عليه وسلم على ابنه إبراهيم، وكان آخر من بقي له من الأولاد، لأن أبناءه من خديجة كلهم قد توفوا، وابنه إبراهيم كان الجارية مارية القبطية فكان يضعه في حجره يطببه ويمرضه ولما توفي دمعت عينا النبي من الكريمتان وقال تلك الكلمات الجميلة والمعبرة والتي تقال الآن في كل مفقود محبوب «ولا نقول إلا ما يرضي ربنا»، لأن الفحش في القول عند الفقد غير جائز، كما يفعل بعض الجهال في حضور الجنازة أو الدفن صراخا وعويلا. س: عند حديثنا عن الرحمة والأسرة يدفعنا هذا الأمر إلى استغراب الأقرع بن حابس عندما رأى النبي صلى الله لا يقبل الحسن والحسين، فقال له النبي: «وما أملك لك إذ نزع الله من قلبك الرحمة».
ج: الأقرع بن حابس من زعماء العرب من تميم وهو أعرابي جلف، وكان عنده الزعامة القبلية، و تقبيل الأبناء سلوك ديني وحضاري في الحقيقة وما فعله الأقرع سلوك لا يوجد إلا عند من لديهم الجلافة في الدين، وعند من نزعت الرحمة من قلوبهم، ولذلك استغرب من تقبيل النبي للحسن والحسين ومداعبتهما، وهذا لا يتوافق مع توجيهات الإسلام. س: أيضا غياب مثل هذا السلوك الرحيم في الأسرة، قد يدفع بعض الأبناء إلى الإنحراف. ج: طبعا، وقد نجد أحيانا أنّ الأم لديها بعض القسوة، وكذلك بعض الآباء وهذا يدعو
215 (1/216)
صفحة 217
بعض الأولاد إلى النفور والهروب من المنزل، وبالتالي يتعرضون للانحراف، فيصبحون فريسة
سهلة، تحتضنهم محاضن أخرى.
س خاصة وأن المؤثرات أصبحت كثيرة في وقتنا ويسهل الوصول إليها، والذي يؤكد على
هذا الموضوع أن النبي القصر الصلاة بسماعه لبكاء طفل.
ج: نعم وهذا فيه رحمة بالمصلين أيضا، وقد قال: «من صلى بالناس فليخفف لأن فيهم الكبير والضعيف والمريض وذا الحاجة، و إذا صلى لنفسه فليطل كما يشاء» وهذا فيه توجيه نبوي فيه مراعاة للمصلين.
س: هل هذه المراعاة بالنسبة لأئمة المساجد تكون أيضا في صلاة الفرائض؟
ج: طبعا هذا لازم.
س: حتى في السنن وصلاة التراويح وغيرها؟
فيهم
ج: نعم في كل الصلوات كل ما كان خلف الإمام مصلون فمراعاتهم واجبة، لأن الضعيف والكبير وذا الحاجة. س: نريد أن نتحدث عن الرحمة في الحروب والمعارك والأخلاقيات التي جاء بها الإسلام في ذلك، وهناك حادثة ربما يشكك البعض فيها وهي هجوم المسلمين على قافلة قريش قبل معركة بدر أين تكمن الرحمة في هذا الموقف؟
ج:
هذه الحادثة أساسا هي من باب المعاملة بالمثل، لأن المسلمين سلبت أموالهم في مكة، وأيضا تلك القافلة فيها اقتصاد، قريش هذا من باب الحصار الاقتصادي لأن هذه حالة حرب، فالمسلمون كانوا في حرب مع قريش وما من أحد في مكة إلا ووضع فيها ماله، فمحاصرة النبي الله لهذه القافلة تؤثر على اقتصاد قريش بالكامل، هذا السبب الحربي الأول، أما السبب الثاني فإن المسلمين قد سلبت أموالهم عندما هاجروا إلى مكة، سلبها منهم المشركون، واستحوذوا عليها، وتملكوها، لكن لم يكن الظفر في ذلك الهجوم لأن أبا سفيان نجا بها، وأوصلها إلى قريش، وعندما وصل إلى مكة، صاح قائلا: «اللطيمة، اللطيمة» ثم تهيّؤوا للهجوم على المسلمين، وحصلت الملاقاة بينهم في معركة بدر، وهذه
216 (1/217)
صفحة 218
المعركة كانت الفارقة بين الاسلام والشرك وبين الحق والباطل، ففي الأصل هذه الحرب هي حرب مشروعة، لأن النبي وأصحابه قد أخرجوا من ديارهم وسلبت أموالهم، ولذلك فالاستحواذ على هذه القافلة كان في الأصل ضربة اقتصادية ضد قريش. س: من المواقف العجيبة في السيرة النبوية التي ربما عرضتموها في كتابكم السير النبوية، موقف وحشي، قاتل حمزة ابن عبد المطلب عم النبي الا لما جاء معلنا إسلامه بعد فتح مكة، وبعد أن ضاقت به الأرض بما رحبت، سأله النبي الا عن قصة قتل حمزة، فقصها عليه، وما لبث النبي صلى الله عليه وسلم ان جاشت به العاطفة، وانبعثت منه الرقة، ولكن مع هذا لم تأخذ منه ثورة الغضب أو لذة الانتقام ليرفض إسلام وحشي أو يبطش به، واكتفى بأن قال له: ويحك غيب عني وجهك فلا أرينك» قال وحشي وقد كنت اتنكب رسول الله صلى الله عليه وسلم لولا يراني حتى قبضه الله، فسؤالي هنا حين قال الرسول ل ويحل، غيب عني وجهك، أي لا أريد رؤيتك، فما رأيك في هذا؟
ج: قبل كل شيء الرسول صلى الله عليه وسلم هو بشر. فقد قال تعالى: {قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَى [الكهف: 110]، فالرسول هو بشر في حقيقته وقد امتلك في تلك اللحظة أعصابه وعواطفه، لأن حمزة ابن عبد المطلب عمه، وقد أعز الله به الدين، كما أن قتله عن طريق وحشي كان بطريقة وحشية وبشعة إذ استل كبده لأكلته هند بنت عتبه من. حقدها على المسلمين وعلى حمزة ابن عبد المطلب بالذات. فالرسول عفا عن وحشي نتيجة إسلامه، ولكنه قال: «غيب عني وجهك حتى لا أراك كي لا تثير في تلك الذكرى لعلي لا امتلك أعصابي، ففي النهاية النبي صلى الله عليه وسلم هو بشر لكنه معصوم بالوحي، وهذا أمر فيه رحمة لعمه حمزة ابن عبد المطلب وتذكر لمقتله ووفاء له كما فيه حلم لوحشي، فالنبي صلى الله عليه وسلم حلم به بأن لا يقتله أو أن يقتص لعمه وهذا موقف ليس بالسهل. وهنا تظهر عظمة النبي.
س: من المواقف الجميلة للنبي الله عندما تشفعت به بنته زينب لزوجها بقلادة أهدتها فها أمها خديجة، فرق قلب النبي صلى الله عليه وسلم لذلك.
217 (1/218)
صفحة 219
ج:
كان النبي صلى الله عليه وسلم يذكر خديجة في كل موقف وقد عاتبته السيدة عائشة على ذلك لغيرتها واكانت أكثر نسائه غيرة وذات مرة سمعته يذكرها فقالت له: ما تذكر من عجوز حمراء الشدقين، أبدلك الله خيرا منها وهي تعني نفسها، قال: لا، والله ما أبدلني الله خيرا منها، فهي صدقتني حين كذبني الناس وآمنت بي حين كفر بي الناس، وواستني بمالها حين حرمني الناس، فذلك ذكري لمحاسنها». س: الإنسان بطبيعته يقع في الخطأ، فكما قال النبي صلى الله عليه وسلم: كل بني آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون ألاحظ من بعض الناس ربما بحسن نية وغيرة على الدين، أنهم يعنفون
المخطئين، ماذا نقول لهم؟
ج
هذا أمر غير مشروع كما قال تعالى: {أَدْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كانه وليُّ حَميرٌ) [فصلت: (34]، كما نذكر ما أمر الله به موسى وهارون، في قوله تعالى: {فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَّيْنَا لَعَلَهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخشَى} [طه: (44]، وهو طاغية ومع ذلك أمر الله
موسى وهارون عليهما السلام بأن يقولا له قولا لينا. س: هناك أيضا موقف يدل على رحمة النبي صلى الله عليه وسلم وهو لما أسر عمه العباس بن عبد المطلب مع أسرى المشركين إثر معركة بدر، فالنبي كما يروى لم يستطع النوم. ما هي دلائل الإنسانية من هذه القصة؟
ج: الإنسانية ضرورية لأن العباس وقف مع النبي صلى الله عليه وسلم عندما كان في مكة، بغض النظر عن أن العباس كان يخفي إسلامه أو أنه في حال الشرك ولكنه كانت تجمعهم القرابة وقد رافقه في بيعة العقبة وهو الذي استوثق من الأنصار لكي يحموا النبي ليلا، وما حضر معه إلا عمه العباس بن عبد المطلب.
س: وموقف النبي مع سمية وزوجها وهما يعذبان، فكان الرسول يقول لهما: صبرا
يا آل ياسر.
ج: كان النبي الله مستضعفا في مكة، فلم تكن عنده القدرة ليدافع عنهما، حيث إن ذلك كان في بداية اإسلام وقد آمنا به، وكان أبو جهل يعذبهما عذابا مفرطا، فهذا الذي جعله
218 (1/219)
صفحة 220
يتذكر تلك المواقف، وهذا في حد ذاته رحمه فهو لم يتركهم، وإنما يواسيهم.
س: أنا أتعجب أيضا من موقف النبي صلى الله عليه وسلم لما رأى أخا أنس مالك بن
ويسمى
مصعبا وكان
عمير ما بال النغير؟».
عنده عصفور فسأله النبي صلى الله عليه وسلم عندما رأى العصفور: يا أبا ج: النغير هو عبارة عن عصفور صغير، وكان النبي يداعب الأطفال ويلاطفهم فعندما تظهر أول ثمرة في المدينة كان يدعو بالبركة للمدينة ثم يعطي الثمرة لأول طفل يلقاه، ولم
يكن يأكلها بنفسه أو يعطيها للكبار، وكان عندما يمر بصبيان يلعبون يلاعبهم، و من ذلك مصعب بن مالك فقال يا عمير ما بال النغير، فكان كل هذا من باب ملاطفة
الأطفال، ومن باب الرحمة بهم، ومن باب استجلابهم حتى لا ينفرون. س: إن الرحمة الإنسانية للنبي شملت حتى الحيوانات، فنهى عن إيذائها، وحدث عن امرأة دخلت النار بسبب هرة. ج طبعا، حدثهم أن امرأة دخلت النار في هرة، قالوا لم يا رسول الله؟ قال: «لم تطعمها ولم تسقها ولم تتركها تأكل من خشاش الأرض»، فماتت الهرة. فدخلت المرأة النار لأنها تسببت في قتل دابة من دون أي ذنب.
س:
: ألا تعلمنا رحمة الحيوان مسألة آداب الذبح وطريقتها؟
ج: نعم، هناك حديث عن الرسول صلى الله عليه وسلم يقول: «إذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة، وإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وليحد أحدكم شفرته، وليرح ذبيحته»، وهنالك شروط للذبح، منها أن تكون السكين حادة، وذلك فيه إراحة للذبيحة كما جاء في حديث آخر: نهى الرسول عن أربعة أوجه في الذبح نهى عن الخزل وعن الوخز وعن النخع وعن الترداد، فهذه أربعة أوجه نهى عنها النبي والخزل هو أن يدخل رأس الحديدة بين اللحم والجلد ويدخله كأنه ينقف ذلك الشيء وأما الوخز فيعني أن يضرب رأس السكين في الرقبة حتى تسرع في الموت وأما النخع فيعني كسر الرقبة خاصة في الطيور والدجاج، وأما الترداد فيأتي بسكين غير حادة فيردد بها في المذبح وهو فيه إيذاء شديد. فكل هذه الآداب مظاهر الرحمة بالحيوان حتى لا يتعذب الحيوان.
هي
من
219 (1/220)
صفحة 221
س: نختم برواية عن عائشة الالي، عن النبي له لما أتى نعي جعفر عرفنا في وجهه صلى الله عليه وسلم حزنا وقال لا تغفلوا عن أهل جعفر بأن تصنعوا لهم طعاما فقد شغلوا بأمر صاحبهم. ماذا تعلمنا هذه الرواية؟
بن
ج هذه رحمة بأولاد جعفر الأيتام، فعندما قال الرسول: آتوني بابن عبد الله جعفر» فجعل يمسح على رأسه ودمعت عينه وهذا أيضا من باب الرحمة، فحزن النبي على مقتل ابن عمه جعفر الملقب بذي الجناحين.
فمن خلال كل هذه القصص نلتمس أن النبي الله كان مهتما بأحوال الناس ولم يترفع
عنهم.
220 (1/221)
صفحة 222
الحلقة التاسعة والعشرون «أخلاقيات التعامل مع الجار»
221 (1/222)
صفحة 223
بسم الله الرحمن الرحيم
س: سنتكلم اليوم عن أخلاقيات التعامل مع الجار، وهذا الموضوع مهم جدا، وربما مشاغل الحياة قد أخذت الناس اليوم، بدخول المدنية وكثرة الأعمال، فأصبح الجيران لا يلتقون ولا يعرفون بعضهم البعض ولا يعرفون أحوالهم وظروفهم، وأزماتهم ونسمع كثيرا من القصص المؤسفة حول هذا الموضوع، ولكن نحن بخير إن شاء الله، ومتفائلون، وكالعادة نبدأ بالتعريف، فماهو تعريف الجار؟
ج: بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه، الجار هو الملاصق لك في السكن، وهذا هو الجار في الأصل، أي الملاصق في السكنى، واختلف في المسافة بين البيوت، فقيل إذا كان بينك وبينه عشرة بيوت فهو جار، وقيل من كان بينك من ذلك فهو جار أيضا إلى حد أربعين بيتا والضبط الكامل لمفهوم الجار هو
وبينه
أكثر
من جاورك في السكنى والجيران كما يقال ثلاثة: جار قريب لك في النسب، فله ثلاثة حقوق، حق الجوار وحق الإسلام وحق القرابة وجار، مسلم فله حق الجوار وحق الإسلام، وجار غير مسلم ولا قريب فله حق الجوار، فكل من جاورك سواء كان مسلما أو غير
مسلم فله عليك حقوق.
س: ماهي حقوق الجار؟
ج: حق الجار كبير جدا، والرسول صلى الله عليه وسلم يقول: «مازال حبيبي جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه»، أنظر الأهمية والعظمة مازال أي كثيرا ما يوصيه، وفيه استمرارية، وكان جبريل عليه السلام يكرر تلك الوصية على النبي الله مازال حبيبي جبريل يوصيني بالجار)، كأنه كان يقول له: اهتم بالجار، عليك بالجار، لا تقصر في حق الجار، (حتى ظننت أنه سيورثه أي ظننت أنه سيجعله قريبا في النسب يرثني وأرثه، وهذه أهمية الجوار. وكلمة (يوصيني) فيها دلالات كبيرة، أن هذا الأمر، ملزم مثل قوله تعالى: {يُوصِيكُمُ اللهُ في أولدكم [النساء: 11]، وكذلك الوصايا العشر التي ذكرها الله في أواخر سورة الأنعام،
222 (1/223)
صفحة 224
ووصايا الله تعالى ملزمة لأنها أمر منه سبحانه وتعالى. س: في الآية الكريمة: {وَالْجَارِ ذِي الْقُرْقَ وَالْجَارِ الْجُنُبِ) [النساء: 36]، ما الفرق بينهما؟ ج: ذكر الله في هذه الآية: الجار ذي القربى والجار الجنب والصاحب بالجنب، الجار ذي
القربي هو الجار القريب منك نسبا، والجار الجنب هو الجار البعيد عنك في النسب، والصاحب بالجنب هو رفيق السفر، وقد حدثني الدكتور كامل الشريف وزير الأوقاف بالأردن أنه زار زامبيا فوجدهم يطلقون على الصاحب (جنبو) فسألهم عن ذلك، فقالوا:
هذه جاءتنا من زنجبار في عهد السلطان برغش، وقد أخذوها من الآية القرآنية: {وَالصَاحِبِ بالجنب) [النساء: 36].
س: نريد أن نتحدث عن موضوع حق الشفعة، إنسان ربما يريد أن يبيع بيته هل يستأذن الناس؟ هل لهم حق الشفعة؟ نريد توضيحا في هذا الموضوع.
ج: هذا مختلف فيه حقيقة، منهم من يقول أن الشفعة بالجوار ومنهم من يقول أن الشفعة بالشركة والمشهور هو الشفعة بالشراكة والشفعة بالجوار فيها خلاف، وهناك حديث عن النبي: «لا شفعة إلا لشريك».
س: بالنسبة للتزاور بين الجيران هل هو أمر مستحب أم من حق للجار؟ ج: التزاور يعتبر من حقوق الجار في الحقيقة السؤال عنه وعن أخباره، وإعطاؤه الهدايا، حتى قالوا إذا كان الإنسان يطبخ شيئا عليه أن يرسل إلى جاره لأنه يشم ريحه، وفيه من الواجبات وفيه من المستحبات والإنسان عليه أن يراعي جاره وألا يؤذيه على الإطلاق، وأهم شيء في الجوار أن تكون الأعراض مصونة، أن يكون الإنسان صائنا لعرض جاره، والعرب منذ القديم كانوا يصونون أعراض جيرانهم، ولذلك قال الشاعر عنترة بن شداد
العبسي:
***
وأغض طرفي إن بدت لي جارتي حتى يواري جارتي مأواها
والإنسان يجب ألا يطلق بصره ونظره على جيرانه وخاصة بنات جاره أو نسائه، والجوار
223 (1/224)
صفحة 225
عند العرب له قيمة كبيرة جدا، وهو مما ورثه العرب من دين أبيهم إبراهيم عليه السلام، ومن القصص التي يذكرها العرب أنه كان هنالك رجل طائي وقد جاء الجراد حول بيته وأحاط به فشاهد أناسا جاؤوا لصيد ذلك الجراد فقال لهم لماذا جئتم؟ فقالوا: جئنا نصطاد جارك، فقال: أما إنكم قد سميتموه جاري فلا تصل أيديكم إليه، فأخذه فرسه ورمحه وقوسه ووقف يحرس ذلك الجراد حتى رحل عن محيط بيته، فانظر دقة العرب في حفظ الجوار، لأن التقصير في حق الجار يعتبر خسة عندهم، ولذلك اعتبر الإسلام حق الجار حقا عظيما. س: الإنسان قد يبتلى بجار مؤذ وعنده تصرفات غربية ويسهر الليل وربما يقع في بعض الأمور، ماذا نقول لهذا الإنسان؟
هذا ج: الرجل ليس فيه مروءة، وليس فيه أخلاق، وإذا لم يرتدع على القضاء أن يعاقبه، لأن إيذاء الجار ذنب عظيم، لا يجوز على الإطلاق، وأين هذا الرجل من توجيهات الإسلام في حفظ الجار، وكما أثر عن النبي عيسى عليه السلام أنه يستعيذ بالله من الجار الذي إذا رأى حسنة أخفاها وإذا رأى سيئة أبداها، وهنالك حديث عن النبي: والله لا يؤمن والله لا يؤمن والله لا يؤمن قيل من يا رسول الله قال من لا يأمن جاره بوائقه»، المصائب والموبقات، ومن لا يأمن جاره مشاكله ومضايقته، فهو لا يعتبر في
والبوائق
هي
عداد المؤمنين.
س: هل على الإنسان عند البحث عن السكنى أن يسأل عن الجيران؟
هذا ج
ورد في الأمثال العربية: الجار قبل الدار، والرفيق قبل الطريق، لأنه ما قيمة المكان الذي تسكنه مهما كان جميلا واستراتيجيا وهناك جار ينغص عليك ويطعن في كرامتك وعرضك ويتصيد بنظره أعراضك، ما قيمة هذا المنزل؟
س: سمعنا عن بعض الأشخاص أنهم بنوا بيوتا كبيرة وبأموال طائلة
هجروها.
الجيران وبسبب
ج: طبعا، لأن فيه إيذاء، والإنسان له كرامة، وعرض ويغار على عرضه، الحيوانات تغار على أعراضها فما بالك بالإنسان، فما قيمة هذا المنزل الذي يقيم فيه الإنسان وهو مهان
224 (1/225)
صفحة 226
فيه مهما كان جمال هذا المنزل.
س: البعض يعاني من تدخل الجيران في خصوصياتهم والفضول في حياتهم الخاصة. ج: لا بد للإنسان أن يتهذب ويتخلق، لأن معاملة الجار معاملة طيبة سلوك حضاري وإنساني، والإسلام قرره وأكده بالآيات والأحاديث.
س: نسمع عن بعض البيوت أنهم لا يتكلمون مع بعضهم لسنوات طويلة بسبب أمر بسيط وهم جيران.
ج: هذا يحدث، ولذلك عمر بن الخطاب الله أمر الأقارب أن يتزاوروا ولا يتجاوروا، وخاصة إذا كان الجيران من الأقارب دائما تحدث بينهم مشاكل ونزاعات وخاصة بين النساء، وخاصة في السابق عندما كانت السكنى في الحارات، كان كثيرا ما تحدث المشاكل، ولذلك أمر الأقارب بالتزاور وعدم التجاور، لأن زيارة الأقارب واجبة، وفسقهم لا
عمر
يقطع عنهم حقهم كالوالدين لا يحل عقوقهم مهما كان، والأقارب لا يسقط عنهم حق القرابة، ولذلك كانت رؤية عمر رؤية عظيمة، لأنهم لو تجاوروا ستحدث بينهم خصومات، ولو كان الجيران من الأباعد كان أضمن لعدم التدخل في الخصوصيات، على عكس ما لو كانوا من الأقارب، الذي ربما تسبب في النزاعات بسبب التدخل في الخصوصيات.: كثرة اللقاءات التي يعم فيها الغيبة والنميمة أدت إلى تفرق الجيران وحدوث مشاكل
س:
كبيرة بينهم.
ج: الغيبة والنميمة لا تجوز على الإطلاق في الإسلام بنهي القرآن والسنة، وقد شدد الله في ذلك، قال تعالى: {أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ} [الحجرات: 12]، هذا مما يتقزز منه الإنسان، وكذلك الغيبة، كأنه يأكل لحم أخيه ميتا، وجاء القرآن بأسلوب التنفير من الغيبة، وكذلك النميمة، وهي أشد، لأنها تفرق بين المحبين، واستعمال هذا الأسلوب غير جائز وقد حذر منه الشرع.
س: قد يقول أحد الناس أنا لا أحب أن أرد دعوة أحد في هذه اللقاءات، ولكن إذا كان فيه هذه اللقاءات غيبة ونميمة ماذا يفعل؟
225 (1/226)
صفحة 227
ج: عليه أن
هي
ينصحهم، لا أن يتغيب عنهم، ولا أن ينعزل عنهم، ولكن ينصحهم بالتي أحسن، وإذا ما كفوا عن ذلك يخرج عنهم، قال تعالى: {وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي ءَايَتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْروه} [الأنعام: 68]، ولكن أولا ينصحهم أفضل. س: جاء في الحديث الشريف أن النبي قيل له إن فلانة تصوم النهار وتقوم الليل وتؤذي جيرانها، قال: «هي في النار».
ج طبعا، لأنه دائما المعاصي تذهب بالطاعات ولا تجتمع طاعة ومعصية، ولا يمكن للإنسان أن يقدم طاعة ومعصية في آن واحد، فلذلك على الإنسان ألا يحبط حسناته بفعل المعاصي، وإيذاء الجار من أشد المعاصي، وهي من كبائر الذنوب، فما قيمة الصلاة والصيام هذه المرأة أتعبت نفسها وأحبطت أعمالها بإيذاء جيرانها. س: في الحديث الشريف يقول النبي: «لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث ليال يلتقيان»، هل الجار يدخل في الأخ هنا؟
ج
هذا ينطبق على جميع المسلمين، سواء كان جارا أو قريبا في النسب أو صاحبا، أي إنسان، لا يمكن أن تقطعه بنية القطيعة، ولكن ألا يزوره بسبب ظرف ما كالانشغال ببعض الأعمال هذا شيء آخر، وإذا لم يزره عليه أن يلتمس منه العذر. س: ما رأيك في بعض التجمعات السكانية التي تقوم بدرس أسبوعي أو إفطار جماعي وغيرها من الأفكار الجميلة.
ج طبعا هذه أفكار جميلة، وأيضا من هذه الأفكار الجميلة وجود المجالس العامة، والتي تطلق عليها في السابق (السبل)، في الحارات والمخططات السكنية، لها دور كبير في التعارف بين السكان وفي التقريب بينهم، وفي اللقاءات والمناسبات وكذلك الدروس والإفطار كما أشرتَ وهذه في الحقيقة مما يأمر به الإسلام بشكل عام، من التزاور بين المسلمين، وهذا أمر طيب جدا، يقوي اللُّحمة، ويقوي الوحدة، ويشعر بالألفة، وهذا ما
الجماعي
نحتاج إليه.
س: جاء في الحديث الشريف: «ولا تحاسدوا ولا تباغضوا ولا تناجشوا» .. ماذا نستفيد من
226 (1/227)
صفحة 228
هذا الحديث في بناء العلاقات مع الجيران.
ج: المناجشة والتحاسد والتباغض والتجسس هي من المفرّقات والمنفرات بين الناس، والناس إنما يتعاملون فيما بينهم بالمعروف، وهذه الأشياء ضد المعروف، والمعروف هو ما تعارف عليه الناس بأنه شيء جميل، فالذي يتجسس شيء طبيعي أن ينفر منه الناس ولا يثقون فيه، وهكذا التحاسد فهو أمر مذموم وهو من أمراض القلوب، وهذه الصفات ضد الأمر بالمعروف.
س: وكذلك السباب والشتام والتنابز بالألقاب.
ج: هذا جاء فيه النهي بنص القرآن.
س: نلاحظ بعض الناس أنه قد يغضب من جاره فيهجر جماعة المسجد ويذهب للصلاة في مسجد آخر.
ج: لا يجوز للإنسان أن يتخطى المسجد القريب منه إلى مسجد آخر، إلا إذا كان هناك ظرف معين يصلي في المسجد الآخر، لا يعني هذا أن صلاته في المسجد الآخر غير تامة ولكن لايجوز له من حيث الإثم، ثم أن ترك المسجد وجماعة المسجد قطيعة وقد نهى الإسلام عن هذه القطيعة، وهذا الفعل يعمق البغضاء والشحناء بين المسلمين. س: وإذا كان جار الإنسان والده أو والدته هل تتضاعف الحقوق في هذه الحالة؟ هذا أمر طبيعي، ليس عليه الزيارة فقط، بل لابد من بر الوالدين برا كاملا. س: لماذا الله سبحانه يذكر بر الوالدين دائما التوحيد وعقوق الوالدين مع الشرك؟ لأنه أمر عظيم، وكأن الآيات تقول: إذا كان توحيد الإنسان خالصا الله تعالى فلابد أن يبر والديه، كما أنك أحسنت بإيمانك بالله عز وجل أحسن لوالديك الذين تسببا في مجيئك إلى هذا الوجود.
ج
ج
س: وفي الآية الكريمة: {فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُنِ} [الإسراء: 23]، هل أف هنا خاصة أم المقصود أي كلام مشابه لها؟
ج أي تذمر ولو كان غير لفظي، وهذه العبارة هي أصغر كلمة في التذمر، وهي مكونة
227 (1/228)
صفحة 229
من حرفين فقط (أف)، فما بالك بكلام فوق ذلك، وهنا نهي عن التضجر مطلقا الوالدين لا بالفعل ولا بالقول.
من
س: وفي الآية الكريمة: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِ وَالتَّقْوَى} [المائدة: (2] هل التعاون هنا المقصود عندما يطلب منك شخص ما المساعدة أم أن تبادر إلى التعاون وإن لم يطلب منك أحد ذلك، خاصة مع الجيران؟
ج كل شيء له قيمة إذا جاءه هذا الشخص فبره بإعطائه، هذا فيه قيمة، وإذا هو بادر من نفسه فهذا أحسن، وهذا هو الفرق بين الكريم والجواد الكريم هو الذي يعطي من استضافه، والجواد هو الذي يبادر من نفسه فلا شك أن المبادر أفضل
يسأله ويضيف من وأكثر أجرا، وفي كل خير.
س: أريد رأيك في قضية السخرية من الجيران قد يكون أحد الجيران أقل وضعا اجتماعيا أو دراسيا أو من حيث النسب، فيُسخر منه.
ج: السخرية لا تجوز، هذا نص قرآني، قال تعالى: {لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوم} [الحجرات: 11]، إذا كانت لا تجوز السخرية بصفة عامة بين قوم وقوم آخرين بعيدين، فكيف بالجيران؟ لا يجوز على الإطلاق لكلّ، كرامته ولكل مكانته والجار له حق كما ذكرت سابقا، ولا ينقض هذا الحق بالاستهزاء أو السخرية أو الاستعلاء. س من ضمن الظواهر التي لوحظت خاصة أيام الأعياد والمناسبات، مسألة الذبائح، يذبح بعض الناس ويترك الذبيحة أمام بيت جاره مما يتسبب في آثار جانبية كالروائح وتلوث المكان وغير ذلك.
ج: هذا من الإيذاء بل من أشد الإيذاء أن يترك الإنسان مخلفات الأكل وفضلاته، ويجعلها أمام بيت جاره بدل وضعها في السلة التي وضعت لهذا الغرض، لأنها ستنبعث منها روائح مضرة بالصحة، ومكدرة للحياة.
س يذكر العلماء عن حقوق الجار مسألة إطالة البناء، أليست هذه حرية شخصية
للإنسان؟
228 (1/229)
صفحة 230
هذه تنظمها القوانين إذا كانت القوانين تسمح بذلك فلا بأس، والقوانين بنيت على ج
حرج.
العرف، وأن هناك مسافات بين المباني والقوانين راعت هذه الأمور، فما في ذلك س: شكرا لكم سعادة الشيخ في نهاية هذه الحلقة وفي نهاية هذا البرنامج على ما تفضلتم به من معان جميلة ورسائل فيها تصحيح للأفكار، وإصلاح للمجتمعات والأسر، ونفع للأجيال وللوطن، ولذلك لك جزيل الشكر والامتنان وبارك الله لك في مالك وأهلك وعلمك وفتح عليك، وجعل هذا العمل في ميزان حسناتك، ونلتقي -إن شاء الله في مناسبات أخرى، أستودعكم الله، شكرا لكم أعزائي المتابعين على الإصغاء والاستماع، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
ج: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، وهذه خاتمة الحلقات، وأنا حقيقة أشكر الإذاعة العمانية، وأشكر هذا البرنامج، وأشكر الأخ هلال الخروصي والأخ خالد أولاد ثاني على هذه اللقاءات وهذه الأيام، وهذه الساعات التي قضيناها معا في الحضور العلمي والفكري والأخلاقي، وهذا أمر طيب - إن شاء الله-، نستفيد منه جميعا، وأقول وداعا وإلى لقاء آخر - إن شاء الله-.
229 (1/230)
صفحة 231
المقدمة.
الحلقة الأولى.
الحلقة الثانية.
الحلقة الثالثة.
الحلقة الرابعة
الحلقة الخامسة ..
الحلقة السادسة.
الحلقة السابعة ..
الحلقة الثامنة.
الحلقة التاسعة.
الحلقة العاشرة.
الحلقة الحادية عشرة ..
الحلقة الثانية عشرة.
الحلقة الثالثة عشرة ..
الحلقة الرابعة عشرة ..
الحلقة الخامسة عشرة ..
الحلقة السادسة عشرة.
الحلقة السابعة عشرة.
فهرس المحتويات (1/231)
صفحة 232
الحلقة الثامنة عشرة.
الحلقة التاسعة عشرة
الحلقة العشرون.
الحلقة الحادية والعشرون.
الحلقة الثانية والعشرون.
الحلقة الثالثة والعشرون
الحلقة الرابعة والعشرون.
الحلقة الخامسة والعشرون.
الحلقة السادسة والعشرون.
الحلقة السابعة والعشرون ....
الحلقة الثامنة والعشرون
الحلقة التاسعة والعشرون. (1/232)