صفحة 1
المجال: المطبوعات، كتب
المادة: الأخلاق والرقاق والأذكار
------------------------------------------
العنوان: الترف .. مفهومه وأسبابه وعواقبه
المؤلف: سعيد بن مطر المسقري
الناشر: مكتبة وتسجيلات الهلال الإسلامية
مكان النشر: ولاية الرستاق - سلطنة عمان
تاريخ النشر: د.ت
الطبعة: 2
------------------------------------------
مصدر النسخة المصورة للكتاب (PDF) من موقع المكتبة السعيدية:
https://alsaidia.com/node/804
ملاحظة: قامت المكتبة السعيدية باستغلال تقنية التعرف الضوئي على الحروف في اللغة العربية (OCR) في إنشاء هذه النسخة المصورة (PDF)، لذلك فإنه يمكن البحث فيها للوصول إلى المعلومة بسهولة.
تنبيه: قام فريق مشروع المكتبة الشاملة الإباضية باستغلال تلك التقنية لتوفير النص المرقون، وذلك بالتحويل الآلي لصور صفحات الكتاب إلى نص، لذا فالنص الناتج ليس صحيحا 100%، لذا يمكن استخدام ذلك النص لنسخ جمل وفقرات من هذا النص الناتج، مع ضرورة مراجعته ومقارنته بنسخة (PDF) المرفقة، وتعديله وفقا لذلك قبل اعتماده.
------------------------------------------
أعَدَّه للشاملة الإباضية: روائع الآثار، للخدمات العِلمية الإباضية الخيرية.
https://t.me/slitame
https://wa.me/213696784241
ترقيم الصفحات: موافق للمطبوع
تاريخ النشر الرسمي بالشاملة الإباضية: 14 جمادى الآخرة 1446ه/ 16 - شهر 12 - 2024م. الترف
مفهومه وأسبابه وعواقبه
إعداد الأستاذ: سعيد بن مطر المسقري أبو معاذ
الطبعة الثانية
مكتبة وتسجيلات الهلال الإسلامية (1/1)
صفحة 2
التَّرَفْ
مفهومه وأسبابه وعواقبه (1/2)
صفحة 3
التَّرَفُ
مفهومه وأسبابه وعواقبه
تأليف الأستاذ:
سعيد بن مطر بن سعيد المسقري
مكتبة وتسجيلات الهلال الإسلامية
سلطنة عمان - ولاية الرستاق - 26875222
الطبعة الثانية (1/3)
صفحة 4
بسم الله الرحمن الرحيم (1/5)
صفحة 5
الْمُقَدِّمَة
الحَمْدُ للهِ الَّذي أَمَرَنَا بِإِيثَارِ الدَّارِ البَاقِيَةِ، وَحَذَرَنَا مِنَ الاغْتِرَارِ بِهَذِهِ الْحَيَاةِ وَشَهَوَاتِهَا الفَانِيَةِ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيّدِ الْمُرْسَلِينَ، وَآلِهِ أَجْمَعِينَ، أَمَّا
بعد:
فَهَذِهِ رِسَالَةٌ تُحَدِّرُكَ أَخِي العَزِيزُ - مِنَ التَّرَفِ الَّذِي هُوَ التَّلَفُ، التَّرَفُ وَمَا أَدْرَاكَ مَا التَّرَفُ؟ وَهَلْ أَفْسَدَ عَلَى النَّاسِ دَيْنَهُم وَدُنْيَاهُم إِلَّا التَّرَفُ؟ وَهَلْ أَهْلَكَ الأُمَمَ، وَالشُّعُوبَ، وَالأَفْرَادَ الْمَاضِيَةَ، وَالحَاضِرَةَ، إِلَّا التَّرَفُ؟ وَهَلْ أَذَلَّ الأُمَّةَ الإِسْلَامِيَّةَ الْمُعَاصِرَةَ بَعْدَ عِزَّتِهَا إِلَّا الْانْعِمَاسُ فِي الْمَعَاصِي وَالتَّرَفُ اسْأَلِ التَّارِيْحَ يُخْبِرُكَ مَاذَا فَعَلَ التَّرَفُ؟ وَهَلْ أَبْعَدَ النَّاسَ عَنْ رَبِهِم إِلَّا التَّرَفُ أَلَا تَرَى الآيَاتِ القُرْآنِيَةَ العَظِيمَةَ تَذُمُّ التَّرَفَ؟ وَإِذَا كَانَ التَّرَفُ بِهَذِهِ الخُطُورَةِ، فَمَا حَقِيْقَتُهُ؟ (1/7)
صفحة 6
مُقَدِّمَةُ الطَّبْعَةِ الثَّانِيَة
الحَمْدُ اللهِ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ مُحَمَّدٍ أَفْضَلِ خَلْقِ اللَّهِ، وَآلِهِ وَمَنِ اتَّبَعَ هُدَاهُ أَمَّا بَعْدُ: فَهَذَا هُوَ كِتَابُ التَّرَفِ فِي طَبْعَتِهِ الثَّانِيَةِ. التَّرَفُ وَمَا أَدْرَاكَ مَا التَّرَفُ؟ إِنَّهُ هُوَ التَّلَفُ. أَخِي الْمُتْرَفُ أَمَا رَأَيْتَ مَا فَعَلَ التَّرَفُ بِالْمُتْرَفِيْنَ قَبْلَكَ؟ أَمَا تَرَاهُم فِي قُبُورِهِم صَرْعَى وَيَتَمَنَّونَ قَلِيْلَا مِنَ الرَّاحَةِ؟ أَمَا تَرَى نَدَمَهُم وَعَذَابَهُم لَيْسَ لَهُ نِهَايَةٌ؟ إِنْ كُنْتَ لَا يُقْنِعُكَ هَذَا فَإِنِّي أُذَكِّرُكَ بِقَولِ اللهِ تَعَالَى: {وَضَرَبَ اللهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ عَامِنَةً مُّطْمَبِنَةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ (112) النحل: 112 تَأَمَّلْ كَيْفَ كَانُوا وَكَيْفَ صَارُوا وَنَحْنُ نَرَى هَذِهِ)
العُقُوبَةَ تَتَكَرَّرُ وَفِي زَمَانِنَا أَكْثَرَ وَأَكْثَرَ أَيُّهَا الْمُتْرَفُونَ أَمَا تَرَونَ الْمُتْرَفِينَ فِي زَمَانِنَا كَيْفَ صَارُوا أَمْ تَنْتَظِرُونَ أَنْ نَصِيْرَ مِثْلَهُم؟ أَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى أَنْ يُفَرِّجَ كَرْبَهُم وَيَهْدِيَهُم.
أَيُّهَا الْمُتْرَفُونَ تَأَمَّلُوا قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى: {لَقَدْ كَانَ لِسَبَةٍ فِي مَسْكَنِهِمْ ءَايَةٌ جَنَّتَانِ
عن يمين وَشِمَالِ كُلُوا مِن رِزْقِ رَبِّكُمْ وَأَشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيْبَةٌ وَرَبُّ غَفُورٌ فَأَعْرَضُوا (1/8)
صفحة 7
فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَذَلْتَهُم بِجَنَتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَ أُكُلٍ خَمْطِ وَأَثْلِ وَشَيْ ءٍ مِّن سِدْرِ قَلِيلِ ذَلِكَ جَزَيْنَهُم بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ تُجْرِي إِلَّا الْكَفُورَ (سبأ: 15 - 17.
أَيُّهَا الْمُتْرَفونَ لَا تَقُولُوا إِنَّ هَؤُلَاءِ الكُفَّارَ غَارِقُونَ فِي التَّرَفِ وَلَمْ يُصِبْهُم شَيْءٌ فَإِنَّ أُولَئِكَ لَا أَمَلَ فِي رُجُوعِهِم إِلَى رَبِّهِمْ، أَمَّا نَحْنُ الْمُسْلِمِينَ فَإِنَّنَا فِي العِنَايَةِ المُرَكَّزَةِ، فَإِنَّ اللهَ جَلَّ جَلالُه - يُعَالجُنَا بِالمُصَائِبِ، لَعَلَّنَا نَرْجِعُ إِلَى رَبَّنَا وَمَنْ لَمْ يَنْتَبِهِ بِوَكْزِهِ فَسَوفَ يَنْتَبِهُ بِسَحْبِهِ إِلَى القَبْرِ. أَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى أَنْ يَهْدِيَ بِهَذَا الكِتَابِ عِبَادَهُ وَيُعَرِّفَهُم حُطُورَةَ التَّرَفِ.
إعداد: سعيد بن مطر بن سعيد المشقري
(أبو معاذ) (1/9)
صفحة 8
حقيقة الترف
التَّرَفُ: التَّوَسُّعُ فِي النِّعْمَةِ. يَقُولُ الرَّاغِبُ الأَصْفَهَانِيُّ: التَّرْفَةُ (التَّرَفُ): التَّوَسُّعُ فِي النِّعْمَةِ. (1)، وَهَكَذَا قَالَ القُطْبُ في تيسير التفسير (2)، هَذَا هُوَ التَّرَفُ، فَالتَّوَسُّعُ فِي النِّعَمِ هُوَ التَّرَفُ. وَالأَصْلُ أَنَّ جَمِيْعَ النِّعَمِ قَد أَعْطَانَا اللَّهُ تَعَالَى إِيَّاهَا؛ لِكَي نَسْتَعْمِلَهَا فِي طَاعَتِهِ، فَهِي كُلُهَا وَسَائِلُ أَعْطَاكَ اللَّهُ إِيَّاهَا؛ لِتَتَقَرَّبَ بِمَا إِلَيْهِ، لَا لِتَشْتَغِلَ بِمَا عَنْ طَاعَتِهِ. يَقُولُ أَحَدُ العُلَمَاءِ: "أَعْطَى اللَّهُ تَعَالَى النَّاسَ النِّعَمَ؛ لِيَتَقَرَّبُوا بِمَا إِلَيْهِ، فَاشْتَغَلُوا بِمَا عَنْهُ".
مِثَالٌ: لَو أَرْسَلَ إِلَيْكَ السُّلْطَانُ سَيَّارَةً؛ لِتَرْحَلَ بِهَا إِلَيْهِ، فَهُوَ يُرِيْدُ أَنْ يُكْرِمَكَ طُولَ حَيَاتِكَ، وَلَكِنَّكَ لَم تَذْهَبْ إِلَيْهِ، وَهُوَ يَنْتَظِرُكَ، وَأَنْتَ كُلَ يوم - تُلَمِّعُ السَّيَّارَةَ، وَتَمْشِي مُفْتَخِراً بِهَا، وَكَأَنَّكَ تَقُولُ لِلنَّاسِ: "انْظُرُوا إِلَيَّ، وانْظُرُوا إِلَى سَيَّارَتي "، وَانْتَهَتِ الحَيَاةُ، وَلَم تَذْهَبْ إِلَى السُّلْطَانِ، فَهَلْ نِلْتَ كَرَامَتَهُ؟ هَكَذَا الْمُتْرَف، بَلْ أَشَدُّ؛ فَأَنْتَ شَغَلَتْكَ سَيَّارَةٌ وَاحِدَةٌ، وَحَرَمَتْكَ
(1) مفردات ألفاظ القرآن ص 166.
(2) تيسير التفسير، ج 7، ص 55. (1/10)
صفحة 9
خَيْراً عَظِيماً، أَمَّا الْمُتْرَف فَإِنَّ جَمِيعَ النِّعَمِ حُجُبْ تَحْجُبُهُ عن اللهِ، تَخَيَّلُ كَم حِجَاباً عَلَى قَلْبِهِ؟ وَمَعَ هَذِهِ الحُجُبِ كَيْفَ يَتَنَوَّرُ قَلْبُهُ بِطَاعَةِ اللَّهِ تَعَالَى؟!
إِنَّ الْمُتْرَف وَلَو أَدَى الصَّلَاةَ فَمَا أَثْقَلَهَا عَلَيْهِ! وَمَا أَسْرَعَهُ فِيْهَا وَتَحِدُ الْمُتْرَف حَرِيصاً عَلَى تَنْوِيعِ الْمَأَكُولَاتِ وَالْمَشْرُوبَاتِ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ فِي سَرَفٍ
وَاضِحٍ، وَمَا هَكَذَا كَانَ النَّبِيُّ الله، وَلَا السَّلَفُ الصَّالِحُونَ. وَتَحِدُهُ حَرِيصاً عَلَى كَثْرَةِ الْمَلَابِسِ، وَتَخْزِينِهَا وَبِأَغْلَى الأَثْمَانِ دُونَ حَاجَةٍ، وَتَحِدُهُ حَرِيصاً عَلَى وَسَائِلِ النَّقْلِ البَاهِظَةِ الثَّمَنِ، وَحَرِيصاً عَلَى تَغْيِيرِ مَلَابِسِهِ، وَجَمِيعِ حَاجَاتِهِ، وَاقْتِنَاءِ الْجَدِيدِ دُونَ حَاجَةٍ.
إِنَّ الْمُتْرَفَ لَا يَقْنَعُ بِمَا يَكْفِيهِ، بَل تَرَاهُ يُحَاوِلُ أَنْ يَتَوَسَّعَ، وَيَزِيدَ عَن الكِفَايَةِ فِي كُلِّ نِعْمَةٍ فِي الْمَأَكُولَاتِ والْمَشْرُوبَاتِ، وَالْمَسَاكِنِ، وَالْمُقْتَنَيَاتِ، وَجَمِيعِ الوَسَائِلِ الحَدِيثَةِ، وَتَحِدُهُ حَرِيصاً عَلَى الرَّحَلَاتِ الَّتِي لَا فَائِدَةَ مِنْهَا إِلَّا ضَيَاعُ الوَقْتِ، وَالْمَالِ، وَحَرِيصاً عَلَى كَثْرَةِ الأَصْدِقَاءِ مِنَ الْمُتْرَفِينَ، وَحَرِيصاً عَلَى كَثْرَةِ الكَلَامِ، وَالثَّرْثَرَةِ. (1/11)
صفحة 10
أَخْبَرَنِي أَحَدُ الْآبَاءِ قَالَ: "إِنَّ لَدَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ أَوْلَادِي تَقْرِيباً
عِشْرِينَ دِشْدَاشَةَ وَكُلُّ وَاحِدَةٍ قِيمَتُهَا (30) رِيَالاً! وَمَا أَسْرَعَهُم فِي رَمْيِهَا فِي
القُمَامَةِ! عَلَى رَغْمِ تَعَبِهِم فِي تَفْصِيلِهَا مِنْ خَارِجِ الوِلَايَةِ!.
هَذِهِ الْمَلَابِسُ، وَقِسْ عَلَيْهَا غَيْرَهَا مِنَ الرَّرَفِ، وَالتَّفَاهَاتِ، فَكَيْفَ يُعِزُّ اللهُ أُمَّةً هَذَا حَالُ شَبَابِهَا؟ إِنَّ أُمَّةً لَيْسَ لَهَا هِمَّةٌ إِلَّا أَنْ تَغْرَقَ فِي الشَّهَوَاتِ مَصِيرُهَا الهَلَالُ وَالدَّمَارُ كَمَا كَانَ مَنْ قَبْلَهَا، وَعَلَى أَهْلِ العِلْمِ أَنْ يُقَدِّمُوا نُصْحَهُم لِلنَّاسِ، وَأَنْ يَكُونُوا قُدْوَةً لَهُم وَإِلَّا فَلَا أَحَدَ يَسْتَمِعُ إِلَيْهِم وَلَكِنْ مِمَّا يُؤْسِفُ كُلَّ غَيُورٍ عَلَى دِينِهِ أَنَّ بَعْضَ أَهْلِ العِلْمِ غَارِقِينَ فِي التَّرَفِ وَحُبّ العَاجِلَةِ وَقَدْ آثَرُوهَا عَلَى الْآخِرَةِ.
أَيُّهَا الْمُتَعَلَّمُونَ هَلْ تُرِيدُونَ أَنْ يَكُونَ عِلْمُكُم حُجَّةً عَلَيْكُم؟ بِمَاذَا أُذَكِّرُكُمْ وَقَد عَلِمْتُمْ مَا لَم أَعْلَمْ؟ كَيْفَ تَدعُونَ النَّاسَ إِلَى تَرْكِ التَّرَفِ وَأَنْتُمْ غَارِقُونَ فِيهِ؟ بِمَاذَا تُحِيبُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِذَا سُئِلْتُمْ عِنِ الآيَاتِ الَّتِي تُطَالِبُكُمْ بِالدَّعْوَةِ إِلَى اللهِ؟ هَلْ أُذَكِّرُكُمْ بِمَا وَأَنْتُم تَتَرَكُونَ بِمَا لَيْلاً وَنَهَاراً؟ إِنَّ هَذِهِ الشَّهَوَاتِ وَالتَّرَفَ سَوْفَ تَرْحَلُونَ عَنْهُ قَرِيباً، لَو جَاءَكُم كِتَابٌ مِنَ الحَاكِمِ يَأْمُرُكُم وَيَنْهَاكُم وَيَعِدُكُم وَيَتَوَعَّدُكُم فَهَلْ تَكْتَفُونَ بِقِرَاءَتِهِ. يَا أَهْلَ العِلْمِ إِنَّكُم (1/12)
صفحة 11
إِذَا غَرِقْتُم فَسَوْفَ يَغْرَقُ مَعَكُم خَلْقٌ كَثِيرُونَ فَتَأَهَّبُوا لِيَوْمِ الْمَعَادِ، إِخْوَتِي الْمُقَصِّرِينَ فِي الدَّعْوَةِ مِثْلِي لِي فِيْكُم أَمَل كَبِيرٌ فَلَا تَشْغَلْكُمُ الدُّنْيَا الفَانِيَةُ.
يَا رِجَالَ الدِّيْنِ يَا مِلْحَ البَلَدْ مَنْ يُصْلِحُ المَلحَ إِذا الملحُ فَسَد
إِنَّ كُلَّ مَا زَادَ عَنْ حَاجَةِ الإِنْسَانِ فَهُوَ عَلَى حِسَابٍ دِيْنِهِ بِلَا شَكٍ، فَإِنَّ هَذِهِ النُّقُوْدَ الَّتِي يَصْرِفُهَا فِي التَّرْفِ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَشْتَرِيَ بِمَا بَسَاتِيْنَ وَقُصُوْراً تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ، وَلَيْسَ البَلاعَاتُ، يَسْتَطِيعُ أَنْ يُحَوِّلَهَا مِنَ الحَيَاةِ الفَانِيَةِ إِلَى الحَيَاةِ البَاقِيَةِ، وَلَكِنَّهُ أَرَادَ أَنْ يَحْرِمَ نَفْسَهُ بِاخْتِيَارِهِ إِلَّا إِذَا تَابَ؛ فَانْتَبِهِ يَا أَخِي؛ فَإِنَّكَ بِقَدْرِ مَا تَغْرَقُ فِي التَّرَفِ تَبْتَعِدُ عَنْ رَبِّكَ، وَاعْلَمْ أَنَّ الإِسْلَامَ لَا يُحَرِّمُ عَلَيْكَ أَنْ تَمْلِكَ أَمْوَالاً حَلالاً وَلَو مَلَايِينَ، وَلَكِنْ كُنْ وَسَطاً فِي الإِنْفَاقِ عَلَى بَيْتِكَ، وَقَدِمْ كَثِيراً مِنْ مَالِكَ لِيَوْمٍ فَقْرِكَ؛ فَأَنْتَ تُرِيْدُ الرَّاحَةَ وَالسَّعَادَةَ فِي الآخِرَةِ كَمَا تُرِيْدُهَا فِي الدُّنْيَا. لِمَاذَا أَرَاكَ تَتْعَبُ كُلِّ يَوْمٍ مِنْ أَجْلِ أَنْ تَرْتَاحَ في الدَّنْيَا؟ كَانَ الأَوْلَى لَكَ أَنْ تَتْعَبَ أَكْثَرَ لِلحَيَاةِ البَاقِيَة، أَلَيْسَ كَذَلِكَ؟ هَيَّا
يا أَخِي، اجْعَل الجَنَّةَ وَالنَّارَ بَيْنَ عَيْنَيْكَ فَإِنَّكَ إِذَا أَيْقَنْتَ أَنَّ الْآخِرَةَ خَيْرٌ وَأَبْقَى، فَسَوْفَ تَتْرُكُ التَّرَفَ، وَتَذَكَّرِ الْمُتْرَفِيْنَ الَّذِيْنَ مَاتُوا؛ فَقَد فَاتَتْهُمُ الدُّنْيَا (1/13)
صفحة 12
وَالآخِرَةُ، وَإِذَا كَانَ التَّرَفُ هَكَذَا يُدَمِّرُ أَهْلَهُ، فَلَا تَسْتَغْرِبْ إِذَا وَجَدتَهُ لَمْ يُذْكَرْ
فِي القُرْآنِ إِلَّا مَذْمُوماً. (1/14)
صفحة 13
التَّرَفُ فِي القُرْآنِ الكَرِيمِ
1 - بَيْنَ اللهُ تَعَالَى أَنَّ عَذَابَ الاسْتِنْصَالِ لِلأُمَمِ لَهُ سَبَبَانِ:
أ عَدَمُ النَّهْيِ عِن الفَسَادِ فِي الْأَرْضِ.
وُجُوْدُ التَّرفِ.
يَعْني أَن تَكُونَ الأُمَّةُ لَيْسَ لما همة إلا أن تَغْرَقَ فِي التَّرْفِ وَالشَّهَوَاتِ وَلَو عَلَى حِسَابِ دِيْنِهَا؛ تُرِيْدُ بِذَلِكَ أَنْ تَتَنَعَّمَ، وَنَسِيَتْ أَو تَنَاسَتْ أَنَّ النَّعِيْمَ البَاقِيَ خَيْرٌ مِنَ الفَانِي. يَقُولُ اللهُ تَعَالَى: {فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِن قَبْلِكُمْ أُوْلُوا بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ إِلَّا قَلِيلًا مِّمَّنْ أَنجَيْنَا مِنْهُم وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وَكَانُوا مُجْرِمِينَ}:هود: 116، أَلَمْ تَرَ أَنَّ هَذَيْنِ السَّبَبَيْنِ مَوْجُودَانِ الآنَ فِي كُلِ أَنْحَاءِ العَالَمِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي؟ أَيْنَ البِلادُ الَّتِي تَأْمُرُ
بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَى عَنِ الْمُنْكَرِ؟ وَأَيْنَ البِلادُ الَّتِي لَم تَغْرَقُ فِي التَّرْفِ الآنَ؟ فَيَسُ فَتِّش
فِي جَمِيعِ أَنْحَاءِ العَالَمَ، وَأَعِدِ النَّظَرَ مَرَاتٍ، وَكَرَّاتٍ. إِنَّ كَثِيراً مِنَ البُلْدَانِ الآنَ تَأْمُرُ بِالْمُنْكَرِ، وَتَنْهَى عَنِ الْمَعْرُوفِ. (1/15)
صفحة 14
وَإِذَا كَانَ بَنُو إِسْرَائِيلَ قَد حَلَّتْ عَلَيْهِم لَعْنَةُ اللَّهِ تَعَالى - لَأَنَّهُم كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ يَقُولُ اللهُ تَعَالَى: {لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُ وا مِنْ بَنِي إِسْرَاءِيلَ
عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْن مَرْيَةً ذَلِكَ بِمَا عَصَوا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ كَانُوا لَا
يَتَنَاهَوْنَ عَن مُنكَرِ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ) المائدة: 78 - 79؛
إِذَا كَانَ بَنُو إِسْرَائِيلَ أَصَابَتْهُم لَعْنَةُ اللهِ بِهَذَا السَّبَبِ، أَفَلَا يَكُونُ هَذَا مُنْذِراً لِلأُمَّةِ الْمُحَمَّدِيَّةِ؟ وَقَد عَمِلَتِ السَّبَبَ نَفْسَهُ؟ بَلْ زَادَتْ إِذْ أَمَرَتْ بِالْمُنْكَرِ، وَهَتْ عَنِ الْمَعْرُوفِ.
وَأَنَا لَا أُعَمِّمُ، وَلَكِنَّ هَذَا مَوْجُوْدٌ فِي عَصْرِنَا فِي أُمَّةِ الإِسْلَامِ، لَا يُنْكِرُهُ إِلَّا أَعْمَى فَيَا أُمَّةَ الإِسْلَامِ مَهْلاً، فَقَد أَعَزَّكِ اللَّهُ بِالإِسْلَامِ رَدْحاً مِنَ الزَّمَنِ، وَمَكَّنَ لَكِ فِي الْأَرْضِ، وَأَرْغَمَ لَكِ أُنُوفاً تَكَبَّرَتْ عَنِ السُّجُودِ لِلوَاحِدِ الدَّيَّانِ، وَجَعَلَكِ سَيِّدَةَ العَالَمِ بِلَا مُنَازِعٍ، وَأَسْقَطَ لَكِ عُرُوشَاً كَانَتْ مَغْرُورَةً بِهَذِهِ الْحَيَاةِ القَصِيرَةِ، أَفَلَا نَسْأَلُ أَنْفُسَنَا لِمَاذَا أَعَزَّ اللَّهُ تَعَالى أَسْلَافَنَا هَكَذَا وَلِمَاذَا أَذَلَّنَا؟ أَفَلَا نَسْأَلُ أَنْفُسَنَا مَا سَبَبُ ذِلَّتِنَا؟ أَفَلَا تَرَى - يَا أَخِي - أَنَّ دِمَاءَ الْمُسْلِمِيْنَ أَصْبَحَتْ أَرْخَصَ مِنْ دِمَاءِ الكِلابِ؟ أَفَلَا تَرَى الْمُهَجَّرِينَ مِنَ الدِّيَارِ (1/16)
صفحة 15
الْمُحَمَّدِيَّةِ قَد ضَاقَتْ عَلَيْهِم الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ؟ أَفَلَا تَرَاهُم يَمُوتُونَ فِي الْبَحْرِ،
وَقَد هَرَبُوا مِنْ طَوَاغِيْتِهِم؟
وَاللهِ - يَا إِخْوَتِي - إِنْ لَمْ نَرْجِعْ إِلَى رَبِّنَا وَمَصْدَرِ عِزَّتِنَا فَعَلَيْنَا أَنْ نَرْتَقِبَ الأَسْوَءَ؛ فَقَد أَهَنَّا أَنْفُسَنَا بِالغَرَقِ فِي التَّرَفِ، وَالمَعَاصِي، فَأَهَانَنَا اللَّهُ وَمَن يُهِنِ اللهُ فَمَا لَهُ مِن مُكْرِمْ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ الحج: 18، إِنَّ أُمَّةً غَرِقَتْ هَكَذَا له كَيْفَ تَنْتَظِرُ النَّصْرَ وَالعِزَّةُ؟ أَخِي لَا تَقُلْ: مَاذَا أَفْعَلُ بِهَذَا السَّيْلِ الجَارِفِ؟ إِبْدَأْ بِتَطْبِيقَ الإِسْلَامِ فِي نَفْسِكَ وَعِيَالِكَ، وَحِيْنَ تَقْرَأُ أَيَّ آيَةٍ مِنَ القُرْآنِ العَظِيْمِ فَاعْلَمْ أَنَّهَا تَعْنِيكَ، نَعَمْ تَعْنِيكَ، وَتَدْعُوكَ إِلَى أَنْ تُطَبّقَهَا. إِنَّ آيَاتِ القُرْآنِ هِيَ رَسَائِلُ مِنَ اللهِ تَعَالَى المَرَادُ العَمَلُ بِهَا، فَمَا فَائِدَةُ أَنْ نَتَرَّيَّمَ بِقِرَاءَاتِهِ وَنَحْنُ تُخَالِفُهُ.
طَبّقْهُ يَا أَخِي وَبَلِّغْهُ لِلنَّاسِ قَدْرَ اسْتِطَاعَتِكَ، وَتَذَكَّرْ أَنَّ تَبْلِيْغَ دِيْنِ الإِسْلَامِ لِلنَّاسِ فَرْضُ عَيْنٍ، وَلَا تَقُلْ إِنَّ التَّبْلِيْغَ وَاجِبٌ عَلَى العُلَمَاءِ فَقَط، لَا، فَإِنَّ شُرُوطَ النَّجَاةِ مِنَ الخُسْرِ أَرْبَعَةٌ، وَمَنْ أَنْقَصَ وَاحِداً مِنْهَا فَهُوَ خَاسِرٌ، رَاجِعْهَا تَحِدْهَا فِي سُورَةِ. (العَصْرِ). وَلَو لَمَّ تَعْرِفْ إِلَّا آيَةً وَاحِدَةً فَبَلِّغْهَا لِلنَّاسِ، وَبَلِّغْ جَمِيْعَ مَا تَعَلَّمْتَهُ، وَعَرَفْتَهُ يَقِيْناً مِنْ دِيْنِ اللَّهِ، بَلِّغْ أَوَّلَا أَهْلَكَ وَأَوْلَادَكَ قَالَ (1/17)
صفحة 16
اللهُ تَعَالَى: {وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ} الشعراء: 214 تَعْرِفُ سُوْرَةً قَصِيرَةً أَوْ آيَةً بَلِّغْهَا قَالَ رَسُولُ اللهِ: بَلِّغُوا عَنِّي وَلَو آيَةً) رَوَاهُ البُخَارِيُّ.
أَخِي تَذَكَّرْ أَنَّهُ يُكْتَبُ لَكَ حَسَنَاتٌ عَلَى مِقْدَارِ مَنِ اهْتَدَى عَلَى يَدَيْكَ،
فَكُلْ مَنْ عَلَّمْتَهُ، أَو أَرْشَدْتَهُ، أَو أَمَرْتَهُ بِطَاعَةِ اللَّهِ، أَو كَهَيْتَهُ عَنْ مُنْكَرٍ، فَكُلَّمَا عَمِلَ الْمُهْتَدِي عَلَى يَدَيْكَ - خَيْراً يُكْتَبُ لَكَ مِثْلُ ثَوَابِهِ طُوْلَ حَيَاتِهِ، حَتَّى لو أَنْتَ تَحْتَ التُّرَابِ. قَالَ رَسُولُ اللهِ: مَنْ دَلُّ عَلَى خَيْرٍ فَلَهُ مِثلُ أَجْرٍ (فَاعِلِهِ رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَقَالَ رَسُولُ اللهِ: مَنْ دَعَا إِلَى هُدًى كَانَ لَهُ مِنَ الْأَجْرِ مِثْلَ أُجُورِ مَنْ تَبِعَهُ لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئًا، وَمَنْ دَعَا إِلَى ضَلَالَةٍ كَانَ عَلَيهِ مِنَ الْإِثْمِ مِثْلَ آثَامِ مَنْ تَبِعَهُ لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ آثَامِهِمْ شَيْئًا) رَوَاهُ مُسْلِمٌ. فَأَنْتَ لَوْ عَلَّمْتَ إِنْسَانًا سُورَةَ الْفَاتِحَةِ مَثَلًا، فَكُلَّمَا قَرَأَ ذَلِكَ الْإِنْسَانُ الْفَاتِحَةَ يُكْتَبُ لَكَ مِثْلُ أَجْرِهِ، فَكَيْفَ لَوْ عَلَّمْتَهُ الْقُرْآنَ كَامِلًا؟ وَكَيْفَ لَوْ عَلَّمْتَهُ شَيْئًا مِنْ أُمُورِ دِينِهِ؟ وَكَيْفَ لَوْ عَلَّمْتَ أَلْفَ إِنْسَانٍ ? إِنَّهُمْ يَشْتَغِلُونَ لَكَ، فَأَنْتَ عَلّمِ النَّاسِ الشَّيْءَ الَّذِي تَعْرِفُهُ - يَقِينًا تَفْرَحْ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَاللهُ يُعِينُكَ. (1/18)
صفحة 17
2 - الْمُترَفُونَ يُكَذِّبُونَ الرُّسُلَ:
قَالَ اللهُ تَعَالَى: {وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِن نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا الة ننَا عَلَى أُمَّهُ وَإِنَّا عَلَى اثرهم مُقْتَدُونَ به الزخرف: 23، وَقَالَ اللهُ تَعَالَى: {وَقَالَ الْمَلَأُ مِن قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَبُوا بلقاء الآخرة وأثرتهم في الحيوة الدُّنْيَا مَا هَذَا إِلَّا بَشَر مثلكم يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ} المؤمنون: 33، وَهَكَذَا جَمِيعُ الرُّسُلِ، أَوَّلُ مَنْ يُكَذِّهُم الْمُتْرَفُونَ، ثُمَّ يَتْبَعُهُم الْعَامَّةُ؛ لِأَنَّهُمْ أَصْحَابُ التَّرَاءِ، وَالْجَاهِ، وَالْمَنَاصِبِ، وَلَكِنْ مَنْ يَنْصُرُهُمْ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ؟ وَأَيْنَ الْمَهْرَبُ؟
3 - الْمُتَرَفُونَ يُحَاوِلُونَ الْهَرَبَ:
قَالَ اللهُ تَعَالَى: {وَقَالَ الْمَلَأُ مِن قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِلِقَاءِ الْآخِرَةِ وَأَتْرَفْنَهُمْ فِي الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مَثَلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ} المؤمنون: 33، إِنَّهُمْ يَرْكُضُونَ خَوْفًا مِنَ الْمَوْتِ فَيُقَالُ لَهُمْ (لَا تَرْكُضُوا)، وَارْجِعُوا إِلَى تَرَفكُمْ وَرَاحَتِكُمْ، وَبُيُوتِكُمْ. هَذَا حَالُ الْمُتْرَفِينَ، إِنَّهُمْ لَا يَتَحَمَّلُونَ أَقَلَّ أَلَم، فَكَيْفَ يَتَحَمَّلُونَ عُقُوبَةَ اللَّهِ الْمُدَمِّرَةَ فَلَا حِيلَةَ لَهُمْ إِلَّا الصُّرَاحُ، فَانْتَبِهْ أَخِي! وَاحْذَرْ مِنَ التَّرْفِ وَلَا تَغْتَرَ بِغَيْرِكَ، فَإِنَّكَ لَوْ فَكَّرْتَ قَلِيلًا فِي حَالِ الْمُتْرَفِينَ لَعَلِمْتَ أَنَّهُمُ اسْتَبْدَلُوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ، وَلَا حِيلَةَ لَهُمْ إِلَّا الْبُكَاءُ، وَالصُّرَاحُ. (1/19)
صفحة 18
4 - الْمُتَرَفُونَ يَصْرُخُونَ:
قَالَ الله تَعَالَى: {حَى إِذَا أَخَذْنَا مُتر فيهم بِالْعَذَابِ إِذَا هُمْ يَجْمَرُونَ لا تَحرُوا اليوم إنكم
مِنَّا لَا تُنصَرُونَ المؤمنون: 64 - 65، المؤمنون: 64 - (65، (يَجْأَرُونَ): يَصْرُحُونَ (1)، إِنَّهُمْ يَصْرُحُونَ لَعَلَّهُمْ يَجِدُونَ مَنْ يُغِيتُهُمْ، وَيَنْصُرُهُمْ، وَيَحْمِيهِمْ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ وَلَكِنْ هَيْهَاتَ.
الترفُ مِنْ أَسْبَابِ دُخُولِ النَّارِ:
فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى - بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ أَهْلَ النَّارِ قَالَ: {إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ
الواقعة: 45، (مُتْرَفِينَ): مُنَعَمِينَ، يَعْنِي أَنَّهُمْ كَانُوا فِي الدُّنْيَا مُنَعَّمِينَ غَارِقِينَ فِي الشَّهَوَاتِ، فَهُمْ لَا يَتَحَمَّلُونَ التَّعَبَ فِي طَاعَةِ رَبِّهِمْ، فَكَانَ هَذَا جَزَاءَهُمْ. وَهَكَذَا، مَا ذَكَرَ اللهُ تَعَالَى التَرَفَ فِي الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ إِلَّا مَذْمُومًا، فَهَلْ تَرْجُو مِنْهُ خَيْرًا؟ وَسَوْفَ تَحِدُ أَخِي الْعَزِيزُ - فِي الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ آيَاتٍ تُحَدِّرُ مِنَ الِاغْتِرَارِ بِالدُّنْيَا، وَآيَاتٍ تُخْبِرُكَ أَنَّ مَتَاعَ الدُّنْيَا قَلِيلٌ، وَآيَاتٍ تُزَرِّدُكَ فِي الدُّنْيَا، وَتُرَغْبُكَ فِي الْآخِرَةِ آيَاتٌ كَثِيرَةٌ، وَكَلُهَا تَصُبُّ فِي إِيثَارِ الْآخِرَةِ، وَأَنْ تَكُونَ الْآخِرَةُ هِي شُغْلَكَ الشَّاغِلَ فِي جَمِيعِ حَرَكَاتِكَ وَسَكَنَاتِكَ، وَمَنْ كَانَ هَذَا حَالُهُ
(1) (تَيْسِيرُ التَّفْسِيرِ ج 10، ص 38 الشَّيْخُ الْعَلَّامَةُ مُحَمَّدُ بْنُ يُوسَفَ الْقُطْبُ. (1/20)
صفحة 19
فَلَا شَكَ أَنَّهُ بَعِيدٌ عَنِ الثَّرَفِ. وَكَنْتُ أُرِيدُ أَنْ أُلْحِقَ تِلْكَ الْآيَاتِ بِمَوْضُوعِ التّرفِ، وَلَكِنْ رَأَيْتُ أَنْ الْكِتَابَ سَوْفَ يَطُولُ، وَإِذَا كَانَ التَّرَفُ هَكَذَا في
الْقُرْآنِ الْمَجِيدِ، فَكَيْفَ هُوَ فِي السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ الْمُطَهَّرَةِ عَلَى صَاحِبِهَا أَفْضَلُ
الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ؟ (1/21)
صفحة 20
الترفُ فِي السُّنَّةِ
هَذِهِ الْأَحَادِيثُ النَّبَوِيَّةُ التَّالِيَةُ كُلُّهَا تَحثُ عَلَى الزُّهْدِ فِي الدُّنْيَا، وَالتَّقَلُّلِ مِنْ مَتَاعِهَا الْفَانِي، وَالتَّقَلُّلِ مِنْ حُظُوظ النَّفْسِ، وَشَهَوَاتِهَا الَّتِي تَشْغَلُكَ عَنْ طَاعَةِ رَبِّكَ، وَتَحُثُ عَلَى الْقَنَاعَةِ وَالْاقْتِصَادِ فِي الْمَعِيشَةِ، وَكُلُّ هَذَا ضِدُّ التَّرَفِ وَبَطَرِ النِّعْمَةِ، فَإِيَّاكَ أَنْ تَشْغَلَكَ زَهْرَةُ الدُّنْيَا الْفَانِيَةِ عَنْ الْحَيَاةِ السَّعِيدَةِ الْبَاقِيَةِ؛
فَتَنْدَمَ نَدَمَا مُؤَيَّدًا.
1 - زَهْرَةُ الدُّنْيَا
قَالَ رَسُولُ اللهِ: إِنَّ مِمَّا أَخَافُ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِي مَا يُفْتَحُ عَلَيْكُمْ مِنْ زَهْرَةِ الدُّنْيَا وَزِينَتِهَا) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَهَا قَدْ حَدَثَ مَا كَانَ يَخَافُهُ عَلَيْنَا سَيِّدُنَا رَسُولُ اللهِ، هَا هِيَ الدُّنْيَا، مَا أَظُنُّ أَنَّهَا تَزَيَّنَتْ مِنْ قَبْلُ مِثْلَ زِينَتِهَا الْآنَ، وَمَا هُمْ الْمَفْتُونُونَ بِالزِّينَةِ أَفْتُهُمْ عَنْ آخِرَتِهِمْ.
رَأَيْتُ النَّاسَ قَدْ جَنَحُوا جَمِيعًا إلى الدُّنْيَا وَمَنْظَرها الحلوب
تَزَيَّنَ ظَاهِرٌ مِنْهَا فَغَطَّى عَلَيْهِمْ بَاطِنَّا جَمَّ الْعُيُوبِ (1/22)
صفحة 21
وَأَشْرَقَ مَنْظَرْ فَصَبَتْ إِلَيْهِ عُيُونُ كَمَهَتْ نَظَرَ الْقُلُوبِ
وَأَوْضَعَ رَاكِبُ الشُّعَرَاءِ سَيْرًا إِلَيْهَا بِالْعَزِيمَةِ وَالدَّؤُوبِ
فَمِلْتُ عَزِيمَتِي عَنْهَا وَشِعْرِي وَقُلْتُ لِنَاقَتِي يَا نَاقُ جُوبِي
وَلَا تَرْعَيْ بِمَنْزِلِهَا اغْتِرَارًا فَمَنْزِلُكِ الضَّرِيحُ مِنَ الْقَلِيبِ
فَمَا بَعْدَ الْمَشِيبِ يَكُونُ إِلَّا مُقَاسَاةُ الْفَجَانِعِ وَالْكُرُوبِ (1)
وَالْإِنْسَانُ مَأْمُورٌ أَنْ لَا يُبَالِغَ فِي اسْتِحْسَانِ زِينَةِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا، وَزَهْرَتِهَا، وَزَخَارِفِهَا الْفَانِيَةِ؛ لِأَنَّ هَذَا تَشْجِيعٌ لِأَهْلِ الدُّنْيَا الْمَفْتُونِينَ بِزِينَتِهَا، وَلِأَنَّ هَذَا النَّظَرَ يُلْهِيهِ عَنِ الِاسْتِعْدَادِ لِلدَّارِ الْآخِرَةِ الْبَاقِيَةِ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: {وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَعْنَابِهِ أَزْوَجَا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَوةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَ طه: 131، وَفِي مَعْنَى هَذِهِ الْآيَةِ يَقُولُ الشَّيْخُ الْعَلَّامَةُ خَلْفَانُ بْنُ جُمَيلِ السَّيَابِيُّ - رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى -:
يَا آيَةً قَدْ نَزَلَتْ فِي طَهَ كَفَى بِهَا زَجْرًا لِمَنْ تَلَاهَا
ولا تمدَّنَّ يَقُولُ الْبَاري عَيْنَيْكَ فَافْهُمْ سِرَّهَا يَا قَارِي
(1) الشَّيْخُ أَحْمَدُ بْنُ النَّضْرِ: كِتَابُ الدَّعَائِم، ص 156. (1/23)
صفحة 22
أَنْتَ الَّذِي خُوطِبْتَ يَا خَلِيلِي إِذَا عَقَلْتَ حِكْمَةَ الْجَلِيلِ
فَلَا تَظُنَّ الزَّجْرَ وَالْوَعِيدَا لِلْمُصْطَفَى أُرِيدَ وَالتَّهْدِيدَا
فَالْمُصْطَفَى أَكْمَلُ مَنْ تَأَدَّبَا بِأَدَبِ اللهِ وَكَانَ الْمُجْتَيَ
طَهَّرَهُ مِنْ حِينِ مَا اصْطَفَاهُ وَإِنَّمَا يَعْنِي بِمَا سِوَاهُ
وَلَمْ يَكُنْ طَرْفَةَ عَيْنٍ رَكَنَا قَطُّ إِلَى زَهْرَةِ هَذِهِ الدُّنَا
سَرِيرُهُ مُرَّمَّلْ بِاللَّيفِ أَنَّرَ فِي بَدَنِهِ الشَّرِيفِ (1)
وَقَالَ الله تَعَالَى فِي هَذَا الْمَعْى: (وَأَصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بالعدوة والعشتي يُرِيدُونَ وَجْهَةٌ، وَلَا تَعدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَة الحيوة الدُّنْيَا) الكهف: 28. وَأَنْتَ إِذَا نَظَرْتَ فِي سِيرَةِ سَيِّدِنَا رَسُولِ اللهِ وَفِي سِيرَةِ جَمِيعِ الرُّسُلِ، وَالْأَنْبِياءِ، وَالصَّالِحِينَ، وَجَدْتَهُمْ قَدْ عَاشُوا عِيشَةً مُتَوَاضِعَةً مِنْ غَيْرِ تَرَفٍ، وَمِنْ غَيْرِ حِرْصِ عَلَى زَخَارِفِ الدُّنْيَا، وَتَنْويع مَأْكُولَاتِهَا، وَمَشْرُوبَاتِهَا، وَمَلَابِسِهَا، فَهُمْ لَمْ يُنْهِهِمُ التَّكَاثُرُ عَنْ طَلَبِ السَّعَادَةِ الْبَاقِيَةِ، فَاقْتَدِ بِهِمْ، وَدَعْ عَنْكَ كُلَّ
(1) سلك الدرر ج 2، ص 497. (1/24)
صفحة 23
مَفْتُونِ بِالدُّنْيَا وَزَهْرَتِهَا، وَلَوْ كَانَ مِنَ الْمُتَعَلِّمِينَ، لَا تَنْخَدِعْ بِعَظْهَرِهِمْ، اللَّهُ
يُعِينُكَ، وَيُعِينُنِي.
قِصَّةُ
"خَرَجَ أَحَدُ الْمُتْرَفِينَ الْمُغْتَرِينَ بِهَذِهِ الْحَيَاةِ الْحَقِيرَةِ فِي مَوْكِبٍ يَلْفِتُ الْأَنْظَارَ، فَقَالَتِ امْرَأَةٌ: مَنْ هَذَا؟ فَقِيلَ لَهَا: إِنَّهُ فُلَانٌ الْأَمِيرُ، فَقَالَتْ: هَذَا
عَبْدٌ سَقَطَ مِنْ عَيْنِ اللَّهِ "!؛ فَلَا تَكْتَفِ بِحَلَاوَةٍ فَانِيَةٍ.
2 - الدُّنْيَا حُلْوَةٌ.
قَالَ رَسُولُ اللهِ: إِنَّ الدُّنْيَا حُلْوَةٌ خَضِرَةٌ، وَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى مُسْتَخْلِفُكُمْ فِيهَا، فَيَنظُرُ كَيْفَ تَعْمَلُونَ، فَاتَّقُوْا الدُّنْيَا وَاتَّقُوا النِّسَاءَ رَوَاهُ مُسْلِمٌ. أَخِي: إِذَا كَانَتِ الدُّنْيَا حُلْوَةً فَإِنَّ الْجَنَّةَ أَحْلَى، وَإِذَا كَانْتِ الدُّنْيَا فَانِيَةً فَإِنَّ الْجَنَّةَ خَيْرٌ وَأَبْقَى؛ فَلَا يَشْغَلُكَ اللُّهَاتُ عَلَى طَلَبِ الدُّنْيَا عَنِ الِاسْتِعْدَادِ لِلسَّعَادَةِ
الدَّائِمَةِ.
مِثَالٌ: مَا رَأَيْكَ فِي إِنْسَانٍ فَقِيرٍ يَكْدَحُ كُلَّ يَوْمٍ، وَيَتْعَبُ مِنْ أَجْلِ لُقْمَةِ الْعَيْشِ، ثُمَّ أَرْسَلَ لَهُ الْحَاكِمُ يَقُولُ لَهُ: تَعَالَ عِنْدِي وَسَوْفَ أَكْرِمُكَ، وَأُرِيحُكَ (1/25)
صفحة 24
بِمَالٍ حَلَالٍ مِنْ غَيْرِ تَعَبٍ، وَلَكِنَّهُ رَفَضَ، هَلْ يُعَدُّ هَذَا عَاقِلًا فِي نَظَرِ النَّاسِ؟ هَكَذَا أَنْتَ - يَا أَخِي يَدْعُوكَ رَبُّكَ إِلَى الْحَيَاةِ الطَّيِّبَةِ الْأَبَدِيَّةِ، حَيَاةٍ بِلَا مَرَضِ، وَلَا مَوْتٍ، وَلَا مُشْكِلَاتٍ، وَلَا شَيْبٍ، وَلَا حَوَادِثِ سَيَّارَاتٍ، لَكَ فِيهَا كُلُّ مَا تَشْتَهِي وَتَشَاءُ، فَلَا تَشْغَلُكَ حَلَاوَةُ الدُّنْيَا الْفَانِيَةِ عَنْ حَلَاوَةِ الْجَنَّةِ الْبَاقِيَةِ، فَإِنَّكَ سَوْفَ تَتْرُكَ كُلَّ شَيْءٍ، وَلَنْ يَدْخُلَ مَعَكَ فِي الْقَبْرِ إِلَّا عَمَلُكَ فَاجْعَلْهُ خَيْرَ أَنِيسٍ، وَفَقَنِي اللهُ وَإِيَّاكَ.
-3 - يَتْبَعُ الْمَيِّتَ ثَلَاثَةٌ.
قَالَ رَسُولُ اللهِ الله: (يَتْبَعُ الْمَيِّتَ ثَلاثَةٌ: أَهْلُهُ، وَمَالُهُ، وَعَمَلُهُ، فَيَرْجِعُ اثْنَانِ وَيَبْقَى وَاحِدٌ، يَرْجِعُ أَهْلُهُ، وَمَالُهُ، وَيَبْقَى عَمَلُهُ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. إِذَنْ عَمَلُنَا هُوَ الَّذِي يَبْقَى مَعَنَا فِي الْقَبْرِ، وَلِهَذَا يَنْبَغِي أَنْ نَكُونَ حَرِيصِينَ عَلَى الْعَمَلِ الَّذِي يُؤْنِسُنَا فِي الْقَبْرِ، وَفي الدَّارِ الْآخِرَةِ، وَلَا تَشْغَلَنَا عَنْهُ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا، وَتَرَفُهَا، وَزُخْرُفُهَا؛ فَإِنَّهَا إِلَى زَوَالٍ.
تَخَيَّل أَنَّ عِنْدَكَ ثَلَاثَةَ أَصْدِقَاءَ، أَحَدُهُمْ لَا يَنْفَعُكَ، بَلْ يُضَيِّعُ أَوْقَاتَهُ، وَأَوْقَاتَكَ، وَالثَّانِي يَنْفَعُكَ فِي وَقْتِ الرَّخَاءِ، وَالثَّالِثُ تَرَاهُ سَبَّاقًا لِمُسَاعَدَتِكَ فِي (1/26)
صفحة 25
وَقْتِ الضّيقِ، وَالشَّدَّةِ، مَنِ الَّذِي تُفَضِلُهُ وَقَتُمُ بِهِ مِنْ هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَةِ؟ أَرَاكَ تَقُولُ: الثَّالِثُ. نَعَمْ، الثَّالِثُ الَّذِي يَنْفَعُكَ وَقْتَ الضَّيقِ. وَهَكَذَا الْعَمَلُ الصَّالِحُ، تَرَاهُ عِنْدَكَ وَقْتَ الضّيقِ، حِينَ تُسَدُّ عَلَيْكَ مَنَافِذُ الْقَبْرِ، وَتَرَاهُ مُظْلِمًا، إِلَّا إِذَا نَوَّرْتَهُ بِطَاعَةِ رَبِّكَ، فَاجْعَلْهُ شُغْلَكَ الشَّاغِلَ. قَالَ أَحَدُ الْعُبَّادِ: رَأَيْتُ كُلَّ إِنْسَانٍ يُفَارِقُهُ مَحْبُوبُهُ، فَطَلَبْتُ مَحْبُوبًا لَا يُفَارِقُنِي، فَلَمْ أَجِدْ إِلَّا الْعَمَلَ الصَّالِحَ، فَأَنَا مَشْغُولٌ بِهِ، فَاجْعَلْ مَحْبُوبَكَ الْعَمَلَ الصَّالِحَ، فَإِنَّ الْإِنْسَانَ إِذَا دَخَلَ النَّارَ نَسِيَ كُلَّ لَذَّةٍ وَتَرَفٍ كَانَ فِي الدُّنْيَا مِنْ شِدَّةِ الْعَذَابِ.
4 - نَسِيَ كُلَّ شَيْءٍ.
قَالَ رَسُولُ اللهِ الله: (يُؤْتَى بِأَنْعَمِ أَهْلِ الدُّنْيَا مِنْ أَهْلِ النَّارِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيُصْبَغُ فِي النَّارِ صِبْغَةً، ثُمَّ يُقَالُ: يَا ابْنَ آدَمَ هَلْ رَأَيْتَ خَيْرًا قَطُّ، هَلْ مَرَّ بِكَ نَعِيمٌ قَطُّ؟ فَيَقُولُ: لا وَاللهِ يا ربّ! وَيُؤْتَى بِأَشَدِ النَّاسِ بُؤْساً فِي الدُّنْيَا مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ، فَيُصْبَعُ فِي الجَنَّةِ فُيُقَالُ لَهُ: يَا ابْنَ آدَمَ هَلْ رَأَيْتَ بُؤْساً قَطُّ، هَلْ مَرَّ بِكَ شِدَّةٌ قَطُّ؟ فَيَقُولُ: لا وَاللَّهِ مَا مَرَّ بِي بُوسٌ قَطُّ، وَلَا رَأَيْتُ شِدَّةً قَطُّ). رَوَاهُ مُسْلِمٌ. تَأَمَّلْ هَذَا الْحَدِيثَ الشَّرِيفَ، فَهُوَ يُخْبِرُنَا بِأَنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ تَرَفَّا وَمَالًا وَجَاهَا فِي الدُّنْيَا حِينَ يُغْمَسُ فِي النَّارِ يَنْسَى كُلَّ رَاحَةٍ وَلَذَّةٍ وَتَرَفٍ كَانَ (1/27)
صفحة 26
في الدُّنْيَا، وَيَقُولُ حِينَ يُسْأَلُ: "مَا رَأَيْتُ نَعِيمًا قَطُّ يَعْنِي فِي الدُّنْيَا. أَمَّا مَنْ عَاشَ – في الدُّنْيَا فِي بُؤْسٍ، وَتَعَبٍ، وَفَقْرٍ، وَهُوَ مُطِيعٌ لِلهِ تَعَالَى، يَنْسَى جَمِيعَ الْمَصَائِبِ الَّتِي أَصَابَتْهُ فِي الدُّنْيَا، فَحِينَ يُغْمَسُ فِي الْجَنَّةِ يَقُولُ: "مَا رَأَيْتُ بُؤْسًا قَطُّ، نَسِيَ مَا أَصَابَهُ فِي الدُّنْيَا، نَسِيَ مَصَائِبَ الدُّنْيَا، وَحُقَّ لَهُ أَنْ يَنْسَى مَعَ ذَلِكَ النَّعِيمِ الْمُؤَيَّدِ.
تَغَنَّ حَمَامُ الْأَيْكِ صُبْحًا وَغَرَّدَا فَهَيَّجَ مَحْزُونَا مِنَ الشَّوْقِ مُكْمَدَا لِرَجْرَاجَةٍ بِكْرِ مِنَ الحَورِ كَاعِبِ تَحِلُّ مِنَ الْفِرْدَوْسِ أَرْفَعَ مِصْعَدَا زَهَتْ بِغَضَارَاتِ الشَّبَابِ فَمَا رَأَتْ عِنَاقَا وَلَا طَمْنًا وَحَمْلًا وَمَوْلِدَا وَلَا هَرَمًا تَلْقَى وَجُوعًا وَلَا ظَمًا وَسُقْمًا وَلَا مَوْتًا وَعَيْشَا مُنَكَدَا وَلَيْسَ عَلَيْهَا ثُمَّ فَرْضُ عِبَادَةٍ فَتَعْيَ وَلَا تَخْشَى وَعِيدًا وَمَوْعِدَا إِذَا قَعَدَتْ فَهْيَ الْمَيُودُ وَمَشْيُهَا تَعَاظَمَ فِيهِ بَهْجَةً وَتَأَيُّا زَهَا الْمُلْكُ لَمَّا قِيلَ لِلْمُلْكِ إِنَّهَا حَيَاةٌ وَتَاهَ الْحُسْنُ فِيهَا تَنَبُّدَا خَرُودٌ مَيُودٌ غَضَةٌ بَضَةٌ تَرَى لِمَاءِ الْحَيَا فِي الْوَجْهِ مِنْهَا تَرَدُّدَا كَلُؤْلُوَةٍ مَكْنُونَةٍ ذَاتِ جَوْهَرِ تَبَلَّحَ مِنْ رَيِّ النَّعِيمِ تَوَفَّدَا وَلَوْ غَلَةٌ دَبَّتْ عَلَى الْحَدِ أَنَّرَتْ وَلَوْ رُمْتَ لَحَظَ الْمَثْنِ مِنْ سَاقِهَا بَدَا (1/28)
صفحة 27
وَلَوْ شَابَ شَهْدٌ زَنْجَبِيلًا لَشَابَهَا بِرِيقَتِهَا فَهْيَ الشَّفَاءُ مِنَ الصَّدَا هِيَ الطَّيبُ وَالأَطْيَابُ مِنْ طِيبِ نَشْرِهَا يَطِيبُ فَيَا طُوبَى لِمَنْ طَابَ وَاهْتَدَى وَطَوَّفَ وِلْدَانٌ عَلَيْهَا وَأَسْلَمُوا إِلَيْهَا قَوَارِيرًا بِلُطْفٍ تَوَدُّدَا مِنَ الْمَاءِ وَالْأَلْبَانِ وَالْخَمْرِ لَذَّةَ إِلَى الْعَسَلِ الصَّافِي لَذِيذَا مُبَرَّدَا وَبَيْنَ يَدَيْهَا مَا تَلَدُّ بِعَيْنِهَا وَمَا تَشْتَهِيهِ مُسْتَقِيمًا مُخَلَّدَا تَرَى نَحْوَهَا زَوْجَيْنِ مِنْ كُلِ فَاكِهِ وَمِنْ لَحْمِ طَيْرٍ لَا يَزَالُ مُؤَبَّدَا بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ مَحْضَةٍ وَمِنْ صِحَافٍ مِنَ الْعِقْيَانِ خُلِقْنَ لِلْجَدَا إِذَا مَا اشْتَهَتْ أَكْلًا هَذَا وَذَا دَعَتْ بِسُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ رَبِّي تَمَجُدَا فَيَحْضُرُ مَصْنُوعًا شَهِيَّا وَمَا رَأَتْ لَهُ مِرْجَلًا يَغْلِي وَنَارًا وَمَوْقِا مَعَ الرَّوْحِ وَالرَّيْحَانِ وَالنُّورِ وَالْبَهَا تَرَغَدَ فِي رَوْضِ الْحِنَانِ تَرَغْدَا وَلَدَّتُها تَزْدَادُ فِي كُلِّ سَاعَةٍ وَرَغْبَتُهَا فِيمَا تُرِيدُ تَجَدُّدَا فَوَيْقَ سَرِيرٍ لَمْ تَصُغَهُ أَنَامِلٌ عَلَى عَبْقَرِ خُضْرٍ تَرَاهُ مُمَهَّدَا وَفِي غُرُفَاتٍ مَا رَأَتْهَا نَوَاظِرْ وَلَمْ يَبْنِهَا بَانِ تَلَوحُ زَبَرْجَدَا وَمْنَ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ تَجْرِي كَأَنَّهَا رُعُودُ سَحَابِ دَائِمَ الرَّعْدِ أَرْعَدَا تَفِيضُ فَتَسْقِي الرَّوْضَ وَالرُّوْضُ زَاهِرٌ وَنَخْلًا وَرُمَّانَا وَطَلْحًا مُنَضَدَا فَإِنَّ مَلِيكَ الْمُلْكِ وَالْعِزِ جَارُهَا وَإِنَّ هَا فِي مَقْعَدِ الصِّدْقِ مَقْعَدَا (1/29)
صفحة 28
فَتِلْكَ الْمُنَى وَالنَّفْسُ فِيهَا وَدُونَهَا عَزَائِمُ هِمَاتٍ تَفُلُ الْمُهَنَّدَا فَلَا تَعْذُلِينِي إِنْ عَبَرْتُ لِمِثْلِهَا بِحَارًا وَأَنْجَادًا وَبِيدًا وَفَدْفَدَا وَلَا إِنْ هَجَرْتُ الدَّارَ لِلَّهِ مُرْضِيَّا وَآثَرْتُ مَا أَرْجُوهُ مِنْ فَضْلِهِ غَدَا إِلَى أَنْ أَرَى لِلْمُرْمِلِ الْعَفِ رَاحَةً وَلِلدِّينِ عِنَّا مَا بَقِيتُ إِلَى الْمَدَى فَمَا وَجَلِي إِنْ مِتُ مُسْتَشْهِدًا وَإِنْ حَلَلْتُ بُطُونَ الطَّيْرِ أَوْ كُنْتُ مُلْحَدَا أَذَلِكَ خَيْرٌ أَمْ فَتَى حَانَ حَيْنُهُ فَوَافَاهُ فِي يَوْمِ إِلَى الْأَرْضِ مُخْلِدَا (1) فَلَا تَغْتَرَ بِبَرِيقِ الدُّنْيَا، وَتَرَفِهَا، وَزَخَارِفِهَا؛ فَإِنَّهَا لَا تُسَاوِي شَيْئًا مَعَ الْخُلُودِ
في السَّعَادَةِ الدَّائِمَةِ.
5 - مَا أَحْقَرَ الدُّنْيَا!
قَالَ رَسُولُ اللهِ: (مَا الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا مِثْلُ مَا يَجْعَلُ أَحَدُكُمْ أُصْبُعَهُ فِي الْيَمِّ، فَلْيَنظُرُ بِمَ يَرْجِعُ). رَوَاهُ مُسْلِمٌ. يَعْنِي: لَوْ غَمَسْتَ أُصْبُعَكَ فِي الْبَحْرِ، ثُمَّ أَخْرَجْتَهَا مِنْهُ، انْظُرْ مَاذَا أَخَذْتَ مِنَ الْبَحْرِ؟ هَذَا مِقْدَارُ الدُّنْيَا بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْآخِرَةِ، وَمَعَ هَذَا فَقَدْ أَعْمَتْ قُلُوبَنَا عَنْ طَلَبِ الْحَيَاةِ الْحَقِيقِيَّةِ الدَّائِمَةِ، فَاحْذَرْ
(1) من ديوان السيف النقاد من نظم الإمام المقدام إبراهيم بن قيس الحضرمي ص 51 - 530 الإمام إبراهيم بن قيس إباضي من أرض حضرموت من اليمن المبارك. (1/30)
صفحة 29
- يَا أَخِي قَبْلَ أَنْ تَنْدَمَ، وَأَنْفِقْ مَا زَادَ عَنْ حَاجَتِكَ مِنْ مَالِكَ، وَلَوْ كَانَ مَلَايِينَ، فَإِنَّكَ - إِنْ لَمْ تُنْفِقْهُ - تَرَكْتَهُ، شِئْتَ أَمْ أَبَيْتَ، وَلَيْتَكَ تَسْلَمُ مِنَ الْعَذَابِ لِأَجَلِ مَالِكَ، يَأْكُلُهُ غَيْرُكَ وَتُعَذِّبُ أَنْتَ عَلَيْهِ، فَمَنْ تَلُومُ؟ أَلَيْسَ هَذَا
تَدْبِيرك؟
6 - أَنْفِقْ وَلَا تُبَالِ.
قَالَ رَسُولُ اللهِ: لَوْ كَانَ لِي مِثْلُ أُحُدٍ ذَهَباً لَسَرَّنِي أَنْ لَا تَمرُّ عَلَيَّ ثَلَاثُ لَيَالٍ وَعِنْدِي مِنْهُ شَيْءٌ إِلَّا شَيْئًا أَرْصُدُهُ لِدَيْنِ). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. هَذَا قَوْلُ سَيِّدِنَا رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَهُوَ لَا يُرِيدُ أَنْ يُبْقِيَ شَيْئًا مِنَ الْمَالِ يَزِيدُ عَنْ حَاجَتِهِ إِلَّا مَا كَانَ يُبْقِيهِ لِوَفَاءِ دَيْنٍ لِوَفَاءِ دَيْنٍ لَا لِبِنَاءِ قَصْرٍ، وَلَا لِأَنْوَاعِ الْأَطْعِمَةِ، وَالْمَلَابِسِ، وَوَسَائِلِ النَّقْلِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ، فَاقْتَدِ بِنَبِيِّكَ عَافَاكَ اللَّهُ وَهَدَاكَ - وَلَا تُفَكِّرْ فِي أَمْوَالِ الْأَغْنِيَاءِ الْمُتْرَفِينَ؛ فَإِنَّ ذَلِكَ يُحْزِنُكَ، وَيُقْرِضُ قَلْبَكَ.
-7 أَرِحْ قَلْبَكَ.
قَالَ رَسُولُ الله الله: انْظُرُوا إِلَى مَنْ هُوَ أَسْفَلَ مِنْكُمْ، وَلَا تَنْظُرُوا إِلَى مَنْ هُوَ فَوْقَكُمْ؛ فَهُوَ أَجْدَرُ أَلَّا تَزْدَرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. يَعْنِي: لَا تَنْظُرُ (1/31)
صفحة 30
إِلَى مَنْ نَالَ أَكْثَرَ مِنْكَ مِنْ زِينَةِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا، وَمَتَاعِهَا الزَّائِلِ، وَعَاشَ مُتْرَفًا مُنَعَّمَّا؛ فَإِنَّكَ قَدْ تَحْتَقِرُ نِعْمَةَ اللهِ تَعَالَى عَلَيْكَ، وَتَقُولُ: فُلَانٌ أَعْطَاهُ اللَّهُ أَكْثَرَ مِنِي. فَتَجْلِبُ إِنْ فَعَلْتَ ذَلِكَ لِقَلْبِكَ الهُمَّ، وَالْغَمَّ، وَالْحِقْدَ، وَالْحَسَدَ، وَمَا يُدْرِيكَ أَنَّ كَثْرَةَ الْمَالِ وَالْأَوْلَادِ خَيْرٌ لَكَ؟ فَكَمْ رَأَيْنَا أُنَاسًا يَتَعَذَّبُونَ بِأَمْوَالِهِمْ، وَعَاشُوا حُرَّاسًا لِتِلْكَ الْأَمْوَالِ، حَتَّى فَاجَأَهُمُ الْمَوْتُ فَتَرَكُوا كُلَّ شَيْءٍ. وَالْمَالُ إِذَا لَمْ يُسْتَعْمَلْ فِي طَاعَةِ اللهِ تَعَالَى فَهُوَ نِقْمَةُ، وَلَيْسَ نِعْمَةً.
قِصَّةُ
طَالِبَانِ كَانَا يَدْرُسَانِ مَعًا، وَبَعْدَ الدِّرَاسَةِ تَوَظَّفَ أَحَدُهُمَا فِي مَنْصِبٍ عَالٍ هَكَذَا يُقَالُ - وَالثَّانِي اشْتَغَلَ بِالْعِبَادَةِ، وَكَانَتْ عِيشَةٌ مُتَوَاضِعَةً، وَكَانَ سَعِيدًا رَاضِيَّا بِمَا قَسَمَ اللهُ لَهُ، يَرَى أَنَّ الْفَوْزَ أَنْ يَعِيشَ عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ تَعَالَى، فَمَرَّ عَلَيْهِ زَمِيلُهُ السَّابِقُ فِي الدِّرَاسَةِ، وعَلَى الْمَارِ عَلَامَاتُ الْعُجْبِ، فَرَآهُ جَالِسًا الشَّمْسِ، وَكَانَ الْبَرْدُ شَدِيدًا، فَوَقَفَ يُكَلِّمُهُ، فَحَجَبَ عَنْهُ الشَّمْسَ، وَقَالَ لَهُ: هَلْ تُرِيدُ أَنْ أُسَاعِدَكَ بِشِيْءٍ؟ فَقَالَ: نَعَمْ، أُرِيدُ أَنْ تَغْرُبَ عَنْ شَمْسِي. فَانْظُرْ - أَخِي إِلَى مَنْ هُوَ أَفْقَرُ مِنْكَ تُرِحْ قَلْبَكَ، وَاجْعَلْ نَفْسَكَ عَبْدًا لِلَّهِ
وَحْدَهُ قَلْبًا وَقَالَبًا. (1/32)
صفحة 31
عَبْدُ الدِّينَارِ.
قَالَ رَسُولُ اللهِ: تَعِسَ عَبْدُ الدّينَارِ، وَالدِّرْهَم وَالْقَطِيفَةِ وَالْخَمِيصَةِ، إِنْ أُعْطِيَ رَضِيَ، وَإِنْ لَمْ يُعْطَ لَمْ يَرْضَ). رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
الْعِبَادَةُ لَيْسَتْ هِيَ الصَّلَاةَ، وَالصَّوْمَ فَقَط بَلِ الْعِبَادَةُ هِيَ الطَّاعَةُ، طَاعَةُ اللَّهِ، تَعَالَى فِي أَوَامِرِهِ وَنَوَاهِيهِ، وَعِبَادَةُ الشَّيْطَانِ طَاعَتُهُ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَبَنِي ءَادَمَ أَن لَّا تَعْبُدُوا الشَّيْطَنَّ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ} يس: 60
فَكُلُّ مَنْ أَطَعْتَهُ فِي مَعْصِيَةِ اللهِ تَعَالَى فَقَدْ عَبَدْتَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ، وَهَكَذَا كُلُّ شَيْءٍ عَصَيْتَ اللهَ مِنْ أَجْلِهِ فَقَدْ عَبَدْتَهُ، وَمِنْ ذَلِكَ هَذِهِ الْأَشْيَاءُ الْمَذْكُورَةُ الْحَدِيثِ. تَأَمَّلْ قَوْلَ الرَّسُولِ: تَعِسَ عَبْدُ الدِّينَارِ) فَقَدْ سَمَّاهُ عَبْدُ الدِّينَارِ، وَلَا يَعْنِي هَذَا أَنَّهُ سَجَدَ لِلدِّينَارِ، أَوِ الدِّرْهَمِ، وَإِنَّما عَصَى رَبَّهُ مِنْ أَجْلِ الْحُصُولِ عَلَيْهِ، وَهَكَذَا كُلُّ شَيْءٍ عَصَيْتَ اللَّهَ مِنْ أَجْلِهِ فَقَدْ عَبَدْتَهُ؛ فَكُنْ عَبْدًا لِلَّهِ وَحْدَهُ، وَاصْبِرْ عَلَى طَاعَةِ رَبِّكَ مَا دُمْتَ فِي الدُّنْيَا، فَأَنْتَ هُنَا
في الدُّنْيَا فِي سِجْنٍ، وَالرَّاحَةُ أَمَامَكَ، اسْلُكْ الطَّرِيقَ الَّتِي تُوصِلُكَ إِلَيْهَا. (1/33)
صفحة 32
9 - السِّجْنُ الْمُؤَقَتُ.
قَالَ رَسُولُ اللهِ: الدُّنْيَا سِجْنُ الْمُؤْمِن وَجَنَّةُ الْكَافِرِ). رَوَاهُ مُسْلِمٌ. الْمُؤْمِنُ مَسْجُونٌ فِي الدُّنْيَا؛ لِأَنَّهُ يَمْنَعُ نَفْسَهُ عَمَّا تَشْتَهِيهِ مِنَ الْمُحَرَّمَاتِ، وَيَنْعُهَا عَنْ كَثِيرٍ مِنَ الْمُبَاحَاتِ الشَّاغِلَةِ عَنْ طَاعَةِ اللَّهِ تَعَالَى، يَقُولُ الْإِمَامُ نُورُ الدِّينِ
السَّالِمِيُّ:
بَلْ جُعِلَتْ لِلْمُؤْمِنِينَ سِجْنَا وَجَنَّةً لِلْكَافِرِينَ تَفْى
يَا وَيْلَ مَنْ جَنَّتُهُ الدُّنْيَا وَمَا لَهُ مِنَ الْأُخْرَى نَصِيبٌ قُسِما (1)
فَكُلُّ مَنْ عَاشَ يَتَمَتَّعُ بِلَذَّاتِ الدُّنْيَا وَتَرَفِهَا وَشَهَوَاتِهَا، وَلَا يَهُمُّهُ حَلَالٌ أَوْ حَرَامٌ، فَإِنَّ الدُّنْيَا جَنَّتُهُ الْمُؤَقَتَةُ، وَإِذَا لَمْ يَتُبْ فَسَوْفَ يَخْرُجُ مِنَ الدُّنْيَا إِلَى سِجْنٍ رَهِيبٍ، وَاللَّهِ لَا يَخْرُجُ مِنْ ذَلِكَ السِّجْنِ أَبَدًا. أَمَّا الْمُؤْمِنُ فَإِنْ مَاتَ عَلَى طَاعَةِ اللهِ تَعَالَى فَقَدْ خَرَجَ مِنَ السِّجْنِ إِلَى جَنَّاتِ الْخُلُودِ،
فَانْتَبِهْ قَبْلَ فَوَاتِ الْحَيَاةِ، وَقَبْلَ أَنْ تَقُولَ: يَقُولُ يَلَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي
الفجر: 24، وَاصْبِرْ مَا دُمْتَ غَرِيبًا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَى بَلَدِ الْإِقَامَةِ الدَّائِمَةِ.
(1) (جوهر النظام). (1/34)
صفحة 33
10 - الْغَرِيبُ.
قَالَ رَسُولُ اللهِ: (كُنْ فِي الدُّنْيَا كَأَنَّكَ غَرِيبٌ أَوْ عَابِرُ سَبِيلٍ). رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. هَمُّ الْغَرِيبِ أَنْ يَجْمَعَ مَا يَنْفَعُهُ فِي بِلَادِهِ حِينَ يَرْجِعُ إِلَيْهَا، هَلْ رَأَيْتَ غَرِيبًا هِمَّتُهُ أَنْ يَتَزَيَّنَ وَيُفَاخِرَ أَهْلَ الْبِلَادِ؟ كَذَلِكَ أَنْتَ، مَأْمُورٌ أَنْ تَكُونَ مِثْلَ الْغَرِيبِ، هِمَّتُكَ مَا يَنْفَعُكَ فِي الدَّارِ الْبَاقِيَةِ وَمَنْ كَانَ هَذَا حَالُهُ فَإِنَّهُ يَجْعَلُ جَمِيعَ النِّعَمِ وَسَائِلَ تُقَرِّبُهُ إِلَى اللهِ، وَلَا يَلْتَفِتُ إِلَى تَرَفٍ وَزِينَةٍ، فَهُوَ يُرِيدُ زِينَةً لَا تَزُولُ. احْرِصْ عَلَى هَذَا عَافَاكَ اللهُ، وَاقْنَعْ بِمَا آتَاكَ اللَّهُ مِنْ مَالٍ، وَاقْتَصِدْ فِي الْإِنْفَاقِ عَلَى بَيْتِكَ؛ فَبِهَذَا تَسْتَطِيعُ أَنْ تَتَصَدَّقَ.
11 - الْقَنَاعَةُ.
عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: تُوُقِّ رَسُولُ اللهِ وَمَا فِي بَيْتِي مِنْ شَيْءٍ يَأْكُلُهُ صلى الله عليه وسلم ذُوْ كَبِدٍ إِلَّا شَطْرُ شَعِيرٍ فِي رَبِّ لِي، فَأَكَلْتُ مِنْهُ حَتَّى طَالَ عَلَيَّ، فَكِلْتُهُ فَفَنِي). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (شَطْرُ شَعِيرٍ): شَيْءٌ مِنْ شَعِيرٍ، أَيُّهَا الْمُتْرَفُونَ: هَكَذَا كَانَ عَيْشُ نَبِيِّكُمْ، فَإِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِهِ فَاتَّبِعُوهُ، لَا أَقُولُ: جَوّعُوا بُطُونَكُمْ؛ فَإِنَّ الْمُتْرَفِينَ لَا يُطِيقُونَ ذَلِكَ، وَلَكِنْ قَلِلُوا مِنْ تَنْوِيعِ الْأَطْعِمَةِ، وَالْأَشْرِبَةِ، وَالْمَلَابِسِ، وَتَصَدَّقُوا بِمَا زَادَ عَنْ حَاجَتِكُمْ تَحِدُوهُ يَوْمَ فَقْرِكُمْ، أَقْرِضُوا اللَّهَ مِنْ (1/35)
صفحة 34
هَذِهِ النِّعَمِ الْفَانِيَةِ يَرُدَّهَا لَكُمْ خَالِدَةً، وَتَأَكَّدُوا أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَا يَظْلِمُكُمْ. انْظُرْ
مَاذَا تَرَكَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بَعْدَ مَوْتِهِ؟
12 - تَرَكَةُ رَسُولِ اللهِ
عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ أَخِي جُوَيْرِيَةَ بِنْتِ الْحَارِثِ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ قَالَ: (مَا تَرَكَ رَسُولُ اللهِ عِنْدَ مَوْتِهِ دِينَاراً، وَلَا دِرْهَماً، وَلَا عَبْداً، وَلَا أَمَةً، وَلَا شَيْئاً، إِلَّا بَغْلَتَهُ الْبَيْضَاءَ التِي كَانَ يَرْكَبُهَا، وَسِلَاحَهُ، وَأَرْضاً جَعَلَهَا لِابْنِ السَّبِيلِ صَدَقَةٌ). رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. وَتَذَكَّرْ أَنَّ نَصِيبَكَ مِنْ مَالِكَ مَا أَنْفَقْتَهُ أَوْ أَكَلْتَهُ أَوْ
لَبِسْتَهُ.
13 - نَصِيبُكَ مِنَ الْمَالِ.
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الشَّخِيرِ - بِكَسْرِ الشّينِ وَالْخَاءِ الْمُشَدَّدَتَيْنِ الْمُعْجَمَتَيْنِ الله أَنَّهُ قَالَ: (أَتَيْتُ النَّبِيَّ وَهُوَ يَقْرَأُ أَلْهَلَكُمُ التَّكَاثُرُ، قَالَ: (يَقُولُ ابْنُ آدَمَ: صلى الله عليه وسلم مَالِي مَالِي! وَهَلْ لَكَ يَا ابْنَ آدَمَ مِنْ مَالِكَ إِلَّا مَا أَكَلْتَ فَأَفْنَيْتَ، أَوْ لَبِسْتَ فَأَبْلَيْتَ، أَوْ تَصَدَّقْتَ فَأَمْضَيْتَ!). رَوَاهُ مُسْلِمٌ. أَمْضَيْتَ: أَنْفَذْتَ. (1/36)
صفحة 35
هَذَا هُوَ نَصِيبُكَ مِنْ مَالِكَ مَا أَكَلْتَهُ أَوْ لَبِسْتَهُ مِنْ غَيْرِ إِسْرَافٍ، أَوْ
تَرَفٍ، وَكَذَلِكَ مَا تَصَدَّقْتَ بِهِ، فَاحْرِصْ عَلَى إِنْفَاقِ الْمَالِ طَلَبًا لِرِضَا رَبِّكَ
وَرَحْمَتِهِ، فَإِنَّ مَا أَكَلْتَهُ، أَوْ شَرِبْتَهُ، أَوْ لَبِسْتَهُ فَنِيَ وَانْتَهَى، أَمَّا مَا تَصَدَّقْتَ به
فَإِنَّكَ حَوَّلْتَهُ مِنْ فَانٍ إِلَى بَاقٍ يَسُرُّكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ.
مَا أَكَلْتَهُ أَوْ لَبِسْتَهُ أَوْ تَصَدَّقْتَ بِهِ هُوَ لَكَ، وَمَا عَدَا ذَلِكَ فَهُوَ لِغَيْرِكَ تَتْرُكُهُ وَرَاءَ ظَهْرِكَ، وَتَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَقِيرًا، وَلَوْ كُنْتَ فِي الدُّنْيَا تَمْلِكُ الْمَلَابِينَ، وَالْمُصِيبَةُ الْكُبْرَى أَنَّكَ تُحَاسَبُ عَلَيْهَ، وَقَدْ تُعَذِّبُ عَلَيْهِ، يَقُولُ الْحَكِيمُ يَحْيَ بْنُ مُعَاذٍ الرَّازِيُّ: "تَحَلُ بِالْإِنْسَانِ عِنْدَ مَوْتِهِ فِي مَالِهِ مُصِيبَتَانِ مَا سَمِعَ الْأَوَّلُونَ وَالْآخِرُونَ بِمِثْلِهِمَا: يَفُوتُهُ كُلُّهُ وَيُسْأَلُ عَنْهُ كُلَّهُ". (يُسْأَلُ): يُحَاسَبُ. وَاعْلَمْ أَنَّ
أكثر أهل الجنَّةِ الْفُقَرَاء.
14 - أَكْثَرُ أَهْلِ الْجَنَّةِ.
قَالَ رَسُولُ اللهِ: اطَّلَعْتُ فِي الْجَنَّةِ فَرَأَيْتُ أَكْثَرَ أَهْلِهَا الْفُقَرَاءَ، وَاطَّلَعْتُ فِي النَّارِ فَرَأَيْتُ أَكْثَرَ أَهْلِهَا النِّسَاءَ). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. يَعْنِي أَنَّ أَكْثَرَ أَهْلِ الْجَنَّةِ الْفُقَرَاءُ الْمُتَّقُونَ، وَلَمْ يَقُلْ: الْمُتْرَفُونَ الْمُنَعَمُونَ الْغَارِقُونَ فِي الشَّهَوَاتِ الَّذِينَ (1/37)
صفحة 36
هَمُّهُمْ بُطُوكُهُمْ وَفُرُوجُهُمْ. هَذَا الْحَدِيثُ رِسَالَةٌ إِلَى الْمُتْرَفِينَ، أَسْأَلُ اللَّهَ أَنْ يَهْدِيَنَا وَإِيَّاهُمْ، وَفِيهِ رِسَالَةٌ ثَانِيَةٌ لِلنِّسَاءِ، فَإِنَّهُنَّ غَارِقَاتٌ فِي حُبِّ الزِّينَةِ إِلَى حَدِ الْإِسْرَافِ وَالتَّبْذِيرِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي، وَالشَّاهِدُ مَا تَرَى كُلَّ يَوْمٍ، انْظُرْ لِمَاذَا الخيَّاطُونَ لِلنِّسَاءِ أَكْثَرُ مِنَ الخَيَّاطِينَ لِلرِّجَالِ؟ هَلْ عَدَدُهُنَّ أَكْثَرُ؟
وَكَثِيرٌ مِنَ النِّسَاءِ رَضِيَتْ أَنْ تَظْهَرَ شِبْهَ عَارِيَةٍ فِي الْقَنَوَاتِ الْفَاسِدَةِ الْفَضَائِيَّةِ، وَتَظُنُّ الْمِسْكِينَةُ أَنَّ هَذَا تَقَدُّمٌ وَرُقِيٌّ! فَعَلَى الْمَرْأَةِ أَنْ تَتَّقِيَ اللَّهَ تَعَالَى؛ فَإِنَّ أَنْفَاسَهَا مَعْدُودَةٌ، وَإِذَا لَفَظَتْ آخِرَ نَفَسٍ وَلَمْ تَتُبْ فَيَا وَيْلَهَا مِنْ سِجْنِ مُؤَبَّدٍ، وَأَحْزَانٍ لَا تَنْتَهِي. إِنَّ كُلَّ حُلْوِ مِنْ مَعْصِيةِ اللَّهِ تَعَالَى يَعُودُ مُرَّا، وَكُلُّ فَرَحٍ بِمَا يَعُودُ حُزْنًا وَاللَّهِ. وَلَا تَظُنَّ أَنْ الْإِسْلَامَ يَأْمُرُكَ أَنْ تَعِيشَ فَقِيرًا؛ لا، امْلِكُ مِئَاتِ الْمَلَايِين إِنِ اسْتَطَعْتَ - وَكَانَتْ حَلَالًا وَلَكِنْ لَا تَنْسَ رُقْيَةَ الْمَالِ، وَهِيَ أَنْ تَأْخُذَهُ مِنْ حَلَالٍ، وَتُسَخِرَهُ فِي طَاعَةِ اللَّهِ تَعَالَى.
أَنْفِقْ مِنْهُ فِي طَلَبِ رَحْمَةِ اللهِ، وَلَا تَخْشَ الْفَقْرَ، فَإِذَا عَمِلْتَ لِلْمَالِ هَذِهِ الرَّقْيَةَ لَا يَضُرُّكَ بَلْ يُعِزُّكَ، وَإِلَّا فَسَوْفَ يَلْدَغُكَ لَدْغَةٌ مَا سَمِعَ الْأَوَّلُونَ وَلَا الْآخِرُونَ بِمِثْلِهَا، وَيَبْقَى سُمُّ هَذِهِ الْأَفْعَى أَبَدًا مُؤَيَّدًا، وَالْعِيَاذُ بِاللَّهِ، وَحِينَئِذٍ (1/38)
صفحة 37
اصْرُحْ كَمَا تُرِيدُ، وَسَوْفَ يَزِيدُكَ لَدَغَاتٍ وَلَدَغَاتٍ فَمَنْ تَلُومُ أَلَيْسَ هَذَا
اخْتَيَارَكَ؟
وَبَعْضُ النِّسَاءِ تَذْهَبُ إِلَى الْخَيَّاطِ لِتَفْصِيلِ الرِّيَابِ وَتَتْرَكُهُ يَقِيسُ لَهَا، وَيَلْمَسُهَا كَمَا يُرِيدُ أَخْبَرَنِي أَحَدُ الْإِخْوَةِ قَالَ: دَخَلْتُ مَحَلَّ خَيَّاطٍ فَوَجَدْتُ امْرَأَةً قَدْ أَتَتْ بِبَنَاتِهَا لِلتَّفْصِيلِ، وَهُنَّ عَرَائِسُ، وَجَعَلَ الْخَيَّاطُ يَقِيسُ فَهُنَّ وَاحِدَةً وَاحِدَةً، وَالْأُمُّ تَنْظُرُ مَسْرُورَةً، هَكَذَا لَا حَيَاءَ وَلَا إِيمَانَ وَلَا غَيْرَةَ! لِمَاذَا - يَا فَتَاةَ الْإِسْلَامِ وَصَلْتِ إِلَى هَذَا الدَّرْكِ؟ أَلَمْ تَعْلَمِي أَنَّ أَنْفَاسَكِ مَعْدُودَةٌ؟ لِمَاذَا اخْتَرْتِ الحَيَاةَ الْفَانِيَةَ عَلَى الْحَيَاةِ الطَّيِّبَةِ الْبَاقِيَةِ؟
يَا أَخِي أَلَمْ تَسْمَعْ بِمَنْ حَبَسَهُ مَالُهُ؟
15 - أَصْحَابُ الْغِنَى مَحْبُوسُونَ.
قَالَ رَسُولُ اللهِ: قُمْتُ عَلَى بَابِ الْجَنَّةِ، فَكَانَ عَامَّةُ مَنْ دَخَلَهَا الْمَسَاكِينُ، وَأَصْحَابُ الْجَدِ مَحْبُوسُونَ، غَيْرَ أَنَّ أَصْحَابَ النَّارِ قَدْ أُمِرَ بِهِم إِلَى النَّارِ). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. تَأَمَّلِ الْحَدِيثَ، فَأَصْحَابُ الْجَةِ (الْحُظُوظ الدُّنْيَوِيَّةِ) مَحْبُوسُونَ، فَالْمَسَاكِينُ سَبَقُوا إلى الجنَّةِ والأغنياء في الحبس، وَالإِسْلَامُ لَا يُحرم (1/39)
صفحة 38
عَلَيْكَ أَنْ تَمْلِكَ أَمْوَالًا مِنْ حَلَالٍ، وَلَكِنَّ الْمُصِيبَةَ الْكُبْرَى أَنْ يَكُونَ الْمَالُ سَبَبًا في عَذَابِ النَّارِ الدَّائِمِ. يَا أَخِي: امْلِكُ مَلَابِينَ مِنْ حَلَالِكَ، وَاجْعَلْهُ
طَرِيقًا إِلَى الْجَنَّةِ، وَإِلَّا فَهُوَ نِقْمَةٌ، وَلَيْسَ نِعْمَةً، أَلَا تَقْتَدِي بِنَبِيِّكَ
16 - عَيْشُ رَسُول الله
عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: مَا شَبعَ آلُ مُحَمَّدٍ الله مِنْ حُجْرٍ شَعِيرٍ يَوْمَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ حَتى قُبِضَ). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. قُبِضَ: تُوُفِّيَ. وَلَوْ كَانَ التَّرَفُ خَيْرًا لَأَعْطَى اللَّهُ رَسُولَهُ أَحْسَنَ أَنْوَاعِ التَّرْفِ وَأَكْثَرَهُ، وَلَوْ كَانَ التَّرَفُ خَيْرًا لَمَا أَعْطَاهُ اللَّهُ أَعْدَاءَهُ الْكَافِرِينَ، وَلَمَا عَاشَ كَثِيرٌ مِنَ الرُّسُلِ فُقَرَاءَ، وَلَوْ كَانَ التَّرَفُ خَيْرًا لَكَانَ أَكْثَرَ النَّاسِ تَرَفًا الْأَنْبِيَاءُ، وَلَكِنَّ اللهَ تَعَالَى يُرِيدُ لَهُمْ حَيَاةً بَاقِيَةً، تَأَمَّلْ ثِيَابَ رَسُولِ
17 - كِسَاء رَسُولَ اللهِ
عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ قَالَ: أَخْرَجَتْ لَنَا عَائِشَةُ كِسَاءً وَإِزَارًا غَلِيظًا، قَالَتْ: قُبِضَ رَسُولُ اللهِ فِي هَذَيْنِ). قُبِضَ: تُؤْفِي. (1/40)
صفحة 39
18 - بَذْلُ الْفَضْل.
قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: (يَا ابْنَ آدَمَ، إِنَّكَ أَنْ تَبْزُلَ الفَضْلَ خَيْرٌ لَكَ، وَأَنْ تُمْسِكَهُ شَرٌّ لَكَ، وَلَا تُلامُ عَلَى كَفَافٍ، وَابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ الْفَضْلُ: الزَّائِدُ عَنِ الِاقْتِصَادِ، وَالْكَفَافُ مِنَ الرِّزْقِ: الْقُوتُ، وَهُوَ مَا كَفَّ عَنِ النَّاسِ أَيْ: أَغْنَى هَنَا يَأْمُرُنَا سَيِّدُنَا رَسُولُ اللهِ الا الله أَنْ نَبْزُلَ مَا زَادَ عَنْ حَاجَتِنَا، يَعْنِي نُنْفِقُهُ فِي سَبِيلِ اللهِ. وَأَنْتَ إِذَا اتَّبَعْتَ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَرَفَهَا وَزُخْرُفَهَا فَلَنْ يَبْقَى عِنْدَكَ شَيْءٌ تَتَصَدَّقُ بِهِ، وَتُقَدِّمُهُ لِيَوْمٍ فَقْرِكَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، لَنْ يَبْقَى أَبَدًا حَتَّى لَوْ كَانَ رَاتِبُكَ شَهْرِيًّا عَشْرَةَ آلَافِ رِيَالٍ، وَالشَّاهِدُ مَا تُشَاهِدُ، وَلَكِنِ اقْتَصِدْ وَدَعْ عَنْكَ التَّرَفَ وَالْإِسْرَافَ اشْتَرِ مَا أَنْتَ مُحْتَاجُ إِلَيْهِ بِأَقَلِ ثَمَنِ، أَوْ كُنْ وَسَطًا، وَاتْرُكُ كُلَّ مَا أَنْتَ مُسْتَغْنِ عَنْهُ، وَوَفِّرْ ذَاكَ
الْمَبْلَغَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ. يَقُولُ الْإِمَامُ نُورُ الدِّينِ السَّالِمِيُّ رِحِمَهُ اللهُ:
وَكُلُّ مَا اسْتَغْنَيْتَ عَنْ شَيْءٍ دَع وَلَا تُحَاوِلُهُ وَلَوْ لَمْ يُمنع
وَلْيَكُنْ شِعَارُكَ: دَعْ مَا اسْتَغْنَيْتَ عَنْهُ، وَتَذَكَّرْ أَنَّ سَيِّدَنَا رَسُولَ اللَّهِ حِينَ طَلَبَتْ زَوْجَاتُهُ زِيَادَةً فِي النَّفَقَةِ لِمْ يَقُلْ لَهُ رَبُّهُ: أَعْطِهِنَّ مَا طَلَبْنَ، بَلْ أَمَرَهُ أَنْ يُخَيَّرُهُنَّ بَيْنَ الْبَقَاءِ عِنْدَهُ عَلَى تِلْكَ الْعِيشَةِ الْمُتَوَاضِعَةِ وَبَيْنَ الطَّلَاقِ، قَالَ اللهُ (1/41)
صفحة 40
تَعَالَى: {يَتأَيُّها النَّى قُل لِأَزْوَجكَ إِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَوَةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعَكُنَّ وَأُسَرِحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا وَإِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ, وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ
اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَتِ مِنكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا) الأحزاب: 28 – 29 هَكَذَا قُلْ
لِزَوْجَتِكَ إِذَا أَرَادَتِ التَّرَفَ، أَعْطِ كُلَّ ذِي حَقٍ حَقَّهُ، مِنْ غَيْرِ إِسْرَافٍ، وَقَدِمْ مَا زَادَ عَنْ حَاجَتِكَ لِيَوْمٍ فَقْرِكَ تَفْرَحْ حَينَ تَرَى كِتَابَ أَعْمَالِكَ مَلِينًا
بِالْحَسَنَاتِ.
19 - الْغِنَى الْحَقِيقِي.
قَالَ رَسُولُ اللهِ: لَيْسَ الْغِنَى عَنْ كَفْرَةِ الْعَرَضِ، وَلَكِنَّ الْغِنَى غِنَى النَّفْس). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ الْعَرَضُ يفتح الْعَيْنِ وَالرَّاءِ: الْمَالُ. (1/42)
صفحة 41
مِنْ أَسْبَابِ التَّرَّفِ
1 ضَعْفُ الْإِيمَانِ التَّصْدِيقِ بِالْجَنَّةِ وَالنَّارِ، فَإِنَّ الْإِنْسَانَ لَوْ رَأَى الْجَنَّةَ بَعَيْنَيْهِ هَلْ يَشْغَلُهُ التَّرَفُ عَنْ طَلَبِهَا؟ لَوْ رَآهَا لَآثَرَهَا؛ لِأَنَّهُ صَارَ عِنْدَهُ يَقِينُ بِوُجُودِهَا؛ لِأَنَّهُ رَآهَا، وَأَيْقَنَ أَنَّ الدُّنْيَا لَوْ كَانَتْ خَالِدَةً لَا تُسَاوِي
شَيْئًا مَعَ الْجَنَّةِ، وَلَكِنَّ ضَعْفَ التَّصْدِيقِ أَوْقَعَهُ فِي التَّرَفِ.
2 طُولُ الْأَمَلِ الطَّمَعُ فِي طُولِ الحَيَاةِ) فَحِينَ يَطْمَعُ الْإِنْسَانُ فِي طُولِ الْحَيَاةِ سَوْفَ يَرَى الْمَوْتَ بَعِيدًا؛ فَيَغْرَقُ فِي التَّرَفِ.
عَدَمُ أَخْذِ الْعِبْرَةِ مِنَ الْمُتْرَفِينَ الَّذِينَ فَاجَأَهُمُ الْمَوْتُ، وَلَيْسَ مَعَهُمْ زَادٌ، وَمَا أَكْثَرَ هَؤُلَاءِ الْمُتْرَفِينَ الَّذِينَ خَنَقَهُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ وَهُمْ لَا يُبَالُونَ
بِدينِهِمْ!
4 صُحْبَةُ الْمُتْرَفِينَ.
الْجَهْلُ بِمَصَارِعِ الْمُتْرَفِينَ؛ فَإِنَّهُ لَوْ عَلِمَ حَاهُمْ، وَمَا صَارُوا إِلَيْهِ مِنَ النَّكَالِ لَكَانَ حَذِرًا مِنْ ذَاكَ الْمَصِيرِ الْمُحْزِنِ. (1/43)
صفحة 42
عَاقِبَةُ الْمُتْرَفِينَ
هَؤُلَاءِ الْمُتْرَفُونَ كَانَتْ عَاقِبَتُهُمْ مَرَّةً فِي الدُّنْيَا قَبْلَ الْآخِرَةِ، سَوَاءً كَانُوا
مُشْرِكِينَ أَوْ يَدَّعُونَ الْإِسْلَامَ.
كَانَ الصَّحَابَةُ - بَعْدَ مَعْرَكَةٍ مِنَ الْمَعَارِكِ - فَرِحِينَ بِنَصْرِ اللَّهِ تَعَالَى لَهُمْ وَانْعَزَلَ أَحَدُهُمْ يَبْكِي، إِنَّهُ أَبُو الدَّرْدَاءِ، فَسَأَلُهُ جُبَيْرُ بْنُ نُفَيْرٍ: "لَمَاذَا تَبْكِي يَا أَبَا الدَّرْدَاءِ فِي يَوْمٍ أَعَزَّ اللَّهُ فِيهِ الْمُسْلِمِينَ"؟ فَقَالَ: "وَيْحَكَ يَا جُبَيْرُ، مَا أَهْوَنَ الْخَلْقَ عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ إِذَا تَرَكُوا أَمْرَهُ بَيْنَمَا هِيَ أُمَّةٌ قَاهِرَةٌ ظَاهِرَةٌ هُمُ الْمُلْكُ تَرَكُوا أَمْرَ اللهِ تَعَالَى فَرَأَيْتَهُمْ كَمَا تَرَى ". (1) فَالْإِنْسَانُ - إِذَا عَاشَ غَارِقًا في حُبّ الدُّنْيَا وَزِينَتِهَا نَاسِيًا اللهَ تَعَالَى وَالْيَوْمَ الْآخِرَ فَلَيْسَ لَهُ قِيمَةٌ عِنْدَ اللهِ تَعَالَى، إِنَّهُ هَيِّنٌ عَلَى اللهِ، وَمَنْ يُهِنْهُ اللهُ تَعَالَى فَمَنْ يَسْتَطِيعُ إِكْرَامَهُ؟ وَأَنْتَ - إِنْ شِئْتَ أَنْ تَعْرِفَ مَصِيرَ الْمُتْرَفِينَ اقْرَأْ سِيرَكُمْ كَيْفَ عَاشُوا وَكَيْفَ نِهَايَتُهُمْ؟ اقْرَأْ تَأْرِيحَ الْأَنْدَلُسِ، وَكَيْفَ غَرَقُوا فِي التَّرَفِ؟ وَكَيْفَ سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ أَعْدَاءَهُمْ؟ وَلِمَاذَا نَبْعُدُ بَعِيدًا؟ انْظُرْ هَذِهِ الْحُرُوبَ الدَّامِيَةَ فِي بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ
(1) (صفة الصفوة ج 1 ص 265، ابن الجوزي). (1/44)
صفحة 43
حَتَّى صَارَ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدًا، وَمَا عَلَى أَعْدَائِهِمْ إِلَّا أَنْ يَخْلُقُوا بَيْنَهُمُ الْمُشْكِلَاتِ وَهُمْ يَسْتَجِيبُونَ مِثْلَ الْأَطْفَالِ، وَأَعْدَاؤُنَا يَضْحَكُونَ مِنْ ضَعْفِ عُقُولِنَا، إِنَّهُمْ يُنَاطِحُونَ بَيْنَنَا مِثْلَ التِّيرَانِ بَلْ إِنَّ أَعْدَاءَنَا صَارُوا يَقْتُلُونَ بَعْضَنَا عَلَى حِسَابِ بَعْضِنَا الْآخَرَ! أَلَيْسَ هَذَا وَاقِعَنَا؟ قَارِنْ بَيْنَ ذِلَّةِ الْمُسْلِمِينَ الْيَوْمَ، وَبَيْنَ عِزَّتِهِمْ حِينَ كَانَ قَائِدُهُمْ كِتَابَ اللهِ تَعَالَى وَأَنْتَ إِذَا عَرَفْتَ كَيْفَ غَرِقَ الْمُسْلِمُونَ فِي التَّرْفِ وَالْمَعَاصِي لَمْ وَلَنْ تَسْتَغْرِبَ مَا أَصَابَهُمْ مِنَ الْهَوَانِ
وَالتَّقْتِيلِ. (1/45)
صفحة 44
الْحَادِي
تَقَضَى ثَمِينُ الْعُمْرِ فِي نَشْوَةِ الْهَوَى وَحَشْوُ مَزَادِي بَاطِلٌ وَغُرُورُ أَأَهُو وَقَدْ نَادَى الْمُنَادِي لِمُنْتَهَى إِلَيْهِ وَإِنْ طَالَ الْمَطَالُ أَصِيرُ وَصُبْحَانِ مِنْ عَقْلٍ وَشَيْبِ تَنَفَّسَا فَذَا مُسْفِرٌ هَادٍ وَذَاكَ سَفِيرُ وَإِنِّي وَإِنْ سَوَّمْتُ نَفْسِي بِمَسْرَحِ مَرَاعِيهِ سُمٌ نَافِعٌ وَشُرُورُ يُطَوّرُ لِي الشَّيْطَانُ أَطْوَارَ كَيْدِهِ وَنَفْسِي لَهُ فِيمَا يَشَاءُ نَصِيرُ فَلَسْتُ بِمَتْرُوكِ سُدَى دُونَ مَوْقِفِي عَلَى الْغَيِّ عُقْيَ أَشْرَفَتْ وَمَصِيرُ سَيُوقِفُنِي مِنْ رَقْدَةِ اللَّهْوِ نَاعِبٌ يَحُطُّ بِمَحْتُوم الرَّدَى وَيَطِيرُ تَقَضَى بِيَ الْمَحْيَا وَجَهْلِي مَطِيَّتِي وَقَائِدُهَا دُنْيَايَ وَهْيَ غَدُورُ أَمَانٍ وَأَوْهَامٌ وَزُخْرُفُ بَاطِلٍ سَرَابٌ بِقِيعَانِ الْفَلَاةِ يَمُورُ مُحَصِلُهَا بِالْكَدِ وَالْكَدْحُ رَاقِبٌ لِقَوْتِ وَتَفْرِيقِ إِلَيْهِ تَكُورُ فَلَيْسَ سَدِيدًا جَمْعُ هَمَ لِجَمْعِهَا وَدَائِرَةُ التَّفْرِيقِ سَوْفَ تَدُورُ (1/46)
صفحة 45
سَنَتَرَكُهَا بِالرَّغْمِ وَهْيَ حَبِيبَةُ في حَبِيبَةٌ وَرُبَّ حَبِيبٍ لِلنُّفُوسِ مُبِيرُ وَمِنْ عَجَبٍ مَيْلُ النُّفُوسِ لِعَاجِلِ يَحُولُ عَلَى أَكْدَارِهِ وَيَبُورُ وَإِسْرَاعُهَا فِي الْغَيِّ إِسْرَاعَ آمِنِ وَنَاقِدُ أَعْمَالِ الْعِبَاد بَصِيرُ مَتَى أَقْلَعَتْ عَنَّا الْمَنُونُ وَهَلْ لَنَا بِغَيْرِ طَرِيقِ الْغَابِرِينَ عُبُورُ أَمِ الْأَمَلُ الْمُلْهِي بَرَاءَةُ غَافِلٍ مِنْ الْمَوْتِ أَمْ يَوْمُ الْمَعَادِ يَسِيرُ أَتَفْرَحُ إِنْ شَاهَدْتَ نَعْشًا لِهَالِكِ إِلَيْكَ أَكُفُ الْحَامِلِينَ تُشِيرُ سَتَرَكَبُ ذَاكَ الْمَرْكَبَ الْوَعْرَ سَاعَةً إِلَى حَيْثُ سَارَ الْأَوَّلُونُ تَسِيرُ نَقِي مِنْ عُبَارِ الْأَرْضِ بِيضَ ثِيَابِنَا وَتِلْكَ رُفَاتُ الْهَالِكِينَ تَطِيرُ لِي الْوَيْلُ هَلَّا أَرْعَوِي عَنْ مَهَالِكِي أَمَا فِي الْمَنَايَا وَاعِظٌ وَنَذِيرُ أَمَا فِي عَوِيلِ النَّائِحَاتِ مُذَكِّرٌ أَمِ النَّوْحُ حَوْلِي وَالْبُكَاءُ صَفِيرُ أَمِ الْغَارَةُ الشَّعْوَاءُ مِنْ أُمّ قَشْعَمِ يَشُنُّ أَصِيلٌ هَوْلَهَا وَبُكُورُ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ غَيْرَ نَفْسِيَ رُزْؤُهَا وَيَمْنَعُنِي مِنْهَا حِمَى وَسُورُ بَلَى سَوْفَ تَغْشَانِي مَتَى حَانَ حَيْنُهَا فَيَعْجَرُ عَنْهَا نَاصِرٌ وَعَشِيرٌ (1/47)
صفحة 46
وَتَفْجَأَنِي يَوْمًا وَزَادِي خَطِيئَةٌ وَإِثْمٌ وَحُوبٌ فِي الْكِتَـ وَحُوبٌ فِي الْكِتَابِ كَبِيرُ أَرَى الْخَطْبَ صَعْبًا وَالنُّفُوسَ شَحِيحَةً عَلَى زُخْرُفَ فَانٍ مَدَاهُ قَصِيرُ وَتِلْكَ ثِمَارُ الْجَهْلِ وَالْجَهْلُ مَرْتَعٌ وَخِيمٌ وَدَاءٌ لِلنُّفُوسِ عَقُورُ وَلَوْ حَاوَلَتْ نَفْسٌ عَنْ الشَّرِ نَزْعَةً تَنَازَعَهَا طَبْعٌ هُنَاكَ خَؤُورُ فَزَجَّتْ بِمَا الْآمَالُ فِي غَمَرَاتِهَا إِلَى أَنْ دَهَاهَا مُنْرٌ وَنَكِيرُ فَتَبَّطَهَا تَسْوِيفُهَا وَهُوَ قَارِضٌ لِرِمَةِ آجَالِ النُّفُوسِ هَصُورُ وَدَأْبُ النُّفُوسِ السُّوءُ مِنْ حَيثُ طَبْعِهَا إِذَا لَمْ يَصُنْهَا لِلْبَصَائِرِ نُورُ تَدَارَكْ وَصَايَا الْحَقِّ وَالصَّبْرِ إِنَّمَا يَفُوزُ مُحِقِّ بِالْفَلَاحِ صَبُورُ وَخُذْ بِكِتَابِ اللهِ حَسْبُكَ إِنَّهُ دَلِيلٌ مُبِينٌ لِلطَّرِيقِ خَفِيرُ فَمَا ضَلَّ مَنْ كَانَ الْقُرَانُ دَلِيلَهُ وَمَا خَابَ مَنْ سَيْرَ الْقُرَانِ يَسِيرُ تَمَسَّكْ بِهِ فِي حَالَةِ السُّخْطِ وَالرّضَا وَطَهَرْ بِهِ الْآفَاتِ فَهْوَ طَهُورُ وَحَارِبْ بِهِ الشَّيْطَانَ وَالنَّفْسَ تَنْتَصِرْ فَكَافِيكَ مِنْهُ عَاصِمٌ وَنَصِيرُ دُعِيتَ لِأَمْرِ لَيْسَ بِالسَّهْلِ فَاجْتَهِدْ وَسَدِّدْ وَقَارِبُ وَالطَّرِيقُ مُنِيرُ (1/48)
صفحة 47
وَأَسِن عَلَى تَقْوَى مِنَ اللهِ تَوْبَةً نَصُوحًا عَلَى قُطْبِ الْكَمَالِ تَدُورُ
وَزِنْ صَالِحَ الْأَعْمَالِ بِالْخَوْفِ وَالرَّجَا هُمَا جُنَّةٌ لِلصَّالِحَاتِ وَسُورُ وَبِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ قُمْ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَبَادِرْ فَالْمَعَاشُ قَصِيرُ وَرَاقِبْ وَصَايَا اللهِ سِرًّا وَجَهْرَةً فَفِي كُلِ نَفْسٍ غَفْلَةٌ وَفُتُورُ وَجَرِّدْ عَلَى الْإِخْلَاصِ جِدَّكَ فِي التَّقَى فَفَوْقَكَ بِالشِرْكِ الْخَفِي خَبِيرُ وَثَابِرْ عَلَى الْمَعْرُوفِ كَيْفَ اسْتَطَعْتَهُ وَدَعْ مُنْكَرَاتِ الْأَمْرِ فَهْيَ تُبُورُ وَمِلْ حَيْثُ مَالَ الْحَقُّ وَالصِّدْقُ وَاسْتَبِقْ مَلِيًّا إِلَى الْخَيْرَاتِ حَيْثُ تَصِيرُ
وَأَخْلِصْ مَعَ الْحِدِ الْيَقِينَ فَإِنَّهُ بِهِ تَنْصُرُ الْأَعْمَالُ وَهْيَ بُذُورُ وَبِالرُّتْبَةِ الْقُصْوَى مِنَ الْوَرَعِ الْتَبِسْ فَلِلْوَرَعِ الدِّينُ الخَنِيفُ يَحُورُ وَكُنْ فِي طَرِيقِ الْإِسْتِقَامَةِ حَاذِرًا كَمِينَ الْأَعَادِي فَالشُّجَاعُ حَذُورُ يَجُوزُ طَرِيقَ الْإِسْتِقَامَةِ حَازِمٌ عَلَى حَرْبِ قُطَّاعِ الطَّرِيقِ قَدِيرُ مَرَاصِدُهَا شَتَّى وَفِي كُلِ مَرْصَدٍ لِخَصْمِكَ حَرْبٌ بِالْبَوَارِ تَفُورُ فَلَا تَخْشَ إِرْهَاقًا وَسَاوِرٌ لُيُوثَهَا بِعَزْمٍ يَفُضُ الْخَطْبَ وَهُوَ حَسِيرُ (1/49)
صفحة 48
وَرَافِقٌ دَلِيلَ الْعِلْمِ يَهْدِكَ إِنَّهُ طَرِيق يَخَارُ الْعَقْلُ فِيهِ وَعِيرُ وَفِعْلُكَ حَدَّ الْمُسْتَطَاعِ مِنَ التَّقَى عَلَى غَيْرِ عِلْمٍ ضَيْعَةٌ وَغُرُورُ فَمَا زَكَتِ الطَّاعَاتُ إِلَّا لِمُبْصِرٍ عَلَى نُورٍ عِلْمٍ فِي الطَّرِيقِ يَسِيرُ أَتَدَّخِرُ الْأَعْمَالَ جَهْلًا بِوَجْهِهَا وَأَنْتَ إِلَى عِلْمٍ هُنَاكَ فَقِيرُ فَيَا طَالِبَ اللهِ الَّتِهِ مَنَ طَرِيقِهِ وَإِلَّا فَبِالحِرْمَانِ أَنْتَ جَدِيرُ فَلَسْتَ إِذَا لَمْ تَقْتُدِ الدَّرْبَ وَاصِلاً قَبِيلُكَ فِي جَهْلِ السُّلُوكِ دَبِيرُ وَمَا الْعِلْمُ إِلَّا مَا أَرَدْتَ بِهِ التَّقَى وَإِلَّا فَخِطةٌ مَا حَمَلْتَ كَبِيرُ فَكُمْ حَامِلٍ عِلْمًا وَفِي الْجَهْلِ لَوْ دَرَى سَلَامَتُهُ مِمَّا إِلَيْهِ يَصِيرُ وَمَا أَنْتَ بِالْعِلْمِ الْغَزِيرِ بِمُفْلِحِ وَمَالَكَ جَدُّ فِي التَّقَاةِ غَرِيرُ وَحَسْبُكَ عِلْمًا نَافِعًا فَرْدُ حِكْمَةٍ بِمَا السِّرُّ حَيٌّ وَالجَوَارِحُ نُورُ تَعَلَّمْ لِوَجْهِ اللهِ وَاعْمَلْ لِوَجْهِهِ وَثِقَ مِنْهُ بِالْمَوْعُودِ فَهْوَ جَدِيرُ تَعَرَّضُ لِتَوْفِيقِ الْإِلَهِ بِحُبِّهِ وَدَعْ مَا سِوَاهُ فَالْجَمِيعُ قُشُورُ هُوَ الشَّأْنُ بِالتَّوْفِيقِ تَزْكُو ثَمارُهُ وَمَتْجَرُهُ وَاللَّهِ لَيْسَ يَبُورُ (1/50)
صفحة 49
كَأَيِّ رَأَيْنَا عَالِمًا ضَلَّ سَعْيُهُ وَضَلَّ بِـ ضَلَّ سَعْيُهُ وَضَلَّ بِهِ جَمٌ هُنَاكَ غَفِيرُ
مَعَارِفُهُ بَحْرٌ وَيَصْرِفُ وَجْهَهُ إِلَى الْبَاطِلِ الْخَذْلَانِ وَهْوَ بَصِيرُ وَأَفْلَحَ بِالتَّوْفِيقِ قَوْمٌ نَصِيبُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ فِي رَأَيِ الْعُيُونِ حَقِير (1)
(1) انتهى ملخصا من ديوان الشيخ العلامة ناصر بن سالم بن عديم الرواحي العماني
24 - 026 (1/51)
صفحة 50
مَوَاعِظُ
يَا ابْنَ الْإِسْلَامِ الْعَزِيزِ تَذَكَّرُ مَا يَلِي:
1 - التَّوْبَةَ التَّوْبَةَ، قَبْلَ أَنْ تَصِلَ إِلَيْكَ النَّوْبَةُ.
2 - الصَّلَاةَ، الصَّلَاةَ، قَبْلَ أَنْ تُقْطَعَ بَيْنَكَ وَبَيْنَ رَبِّكَ الصَّلَاتُ.
3 - السباق السبَاقَ إِلَى طَاعَةِ الْمَلِكِ الخَلاقِ، قَبْلَ أَنْ يَلْتَفَّ السَّاقُ
بِالسَّاقِ.
التَّقْوَى التَّقْوَى، قَبْلَ أَنْ يُقَالَ لَكَ: قُلْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ فَلَا تَقْوَى.
الْبِدَارَ الْبِدَارَ إِلَى طَاعَةِ اللهِ تَعَالَى قَبْلَ أَنْ يُسْدَلَ عَلَيْكَ السّتَارَ.
6 - تَصَدَّقْ قَبْلَ أَنْ تَقُولَ: «رَبِّ لَوْلَا أَخَرَتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ المنافقون:
7 - الْحَيَاةَ الْحَيَاةَ بِالْقُرْآنِ الْعَظِيمِ قَبْلَ أَنْ تُفَارِقَ الْحَيَاةَ.
8 - الصَّبْرَ الصَّبْرَ عَلَى طَاعَةِ اللهِ قَبْلَ أَنْ لَا تَسْتَطِيعَ الصَّبْرَ.
9 - الشُّكْرَ الشُّكْرَ قَبْلَ أَنْ تَفْقِدَ الْوَفْرَ (الْمَالَ). (1/52)
صفحة 51
10 - تَذَكَّرْ أَنَّ عُمُرَ الْإِنْسَانِ هُوَ الْوَقْتُ الْحَاضِرِ إِذَا كَانَ فِي طَاعَةِ اللَّهِ لِأَنَّ
الْمَاضِيَ قَدْ مَاتَ وَالْمُسْتَقْبَلَ غَيْبٌ لَا نَدْرِي هَلْ نَصِلُهُ أَمْ لَا، فَعَلَيْكَ بِالْوَقْتِ الحَالِي اغْتَنِمْهُ فِي طَاعَةِ رَبِّكَ، لَا تَدَعْهُ يَفُوتُ كَمَا فَاتَ مَا مَضَى مِنَ الْعُمُرِ فِي غَيْرِ طَاعَةِ اللَّهِ جَلَّ جَلَالُهُ. يَقُولُ الشَّيْخُ الْعَلَامَةُ خَلْفَانُ بْنُ جُمَلِ السَّيَابِيُّ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى:
يَا نَفْسُ مَا أَمْسِ مِنْ أَيَّامٍ عُمْرِكِ إِذْ خَلَتْ فَلَا تَحْسِي مَا كَانَ عَنْكِ خَلَا
يَا نَفْسُ إِنَّ غَدًا لَا تَعْلَمِينَ بِهِ لِمَنْ يَكُونُ لَعَلَّ الْخَبْلَ مَا وَصَلَا
يَا نَفْسُ مَا هُوَ إِلَّا الْيَوْمَ فَاجْتَهِدِي قَبْلَ الْغُرُوبِ وَإِلَّا فَاتَ وَارْتَحَلَا
11 - اعْمَلْ فِي طَلَبِ الرِّزْقِ الْحَلَالِ وَاحْذَرْ أَنْ يَشْغَلَكَ عَنْ طَلَبِ الْجَنَّةِ، تَذَكَّرْ يَوْمَ النُّشُورِ مِنَ الْقُبُورِ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: {هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا
في مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِزْقِهِ، وَإِلَيْهِ النُّشُورُ: الملك: 15، نَعَمْ، أَعْمَلْ وَاشْتَغِلْ
وَلَكِنْ لَا تَنْسَ يَوْمَ النُّشُورِ.
12 - تَذَكَّرْ قَبْلَ كُلَّ عِبَادَةٍ أَنَّكَ تُرِيدُ بِمَا ثَوَابَ اللَّهِ، تُرِيدُ بِمَا رِضَاءَ اللَّهِ، تُرِيدُ بِمَا الْجَنَّةَ، وَلَا تُرِيدُ مِدَحًا مِنْ أَحَدٍ وَلَا جَاهًا وَلَا شُهْرَةً. (1/53)
صفحة 52
13 - تَذَكَّرْ أَنَّ كُلَّ عِبَادَةٍ لَا تَقْصِدُ بِمَا رِضَاءَ اللَّهِ فَلَا أَجْرَ فِيهَا، تَخَيَّلُ، قَدْ يَعِيشُ الْإِنْسَانُ سَبْعِينَ سَنَةً أَوْ أَكْثَرَ وَهُوَ يُصَلِّي وَيُؤَدِّي جَمِيعَ الْعِبَادَاتِ،
وَكُلُّ تَعَبِهِ هَبَاءُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَقْصِد رِضَاءَ اللَّهِ، فَضَبّطِ النِّيَّةَ يَا أَخِي قَبْلَ كُلِّ
عِبَادَةٍ.
14 - تَذَكَّرْ أَنَّ كُلَّ دَقِيقَةٍ تَمرُّ تُقَرَّبُكَ مِنَ الْآخِرَةِ فَلَا تَغْفُلْ مَعَ الْغَافِلِينَ الْمَفْتُونِينَ بِزِينَةِ الدُّنْيَا الْفَانِيَةِ، أَسْأَلُ اللهَ الْعَظِيمَ لِي وَلَكَ الْبِدَايَةَ وَالتَّيْسَيرَ. (1/54)
صفحة 53
مَرَاجِعُ مُهِمَّةٌ فِي الْمَوْضُوعِ
مِنَ الْكُتُبِ الَّتِي تُعَدُّ مَرْجِعًا فِي التَّحْذِيرِ مِنَ التَّرْفِ، وَعِلَاجِهِ، وَأَسْبَابِهِ:
جَوْهَرُ النِّظَامِ الْجُزْءُ الرَّابِعُ، وَخَاصَّةً بَابُ الزُّهْدِ، لِلْإِمَامِ نُورِ الدِّينِ
السَّالِمِي. سِلْكُ الدُّرَرِ الْمُجَلَّدُ الثَّانِي، لِلشَّيْخِ خَلْفَانِ بْنِ جُمَيلِ السَّيَابِيِّ. الدَّلَائِلُ، لِلشَّيْخِ دَرْوِيش بْنِ جُمْعَةَ الْمَحْرُوقِيِّ، بَلْ كُلُّ كُتُبِ هَذَا
الشَّيْخِ.
جَمِيعُ الْكُتُبِ الَّتِي تُحَدِّرُ مِنَ الاغْتِرَارِ بِالدُّنْيَا، وَهَوِهَا، وَتَحُثُ عَلَى الزُّهْدِ، وَالتَّقَلُّلِ مِنْ مَتَاعِ الدُّنْيَا الْفَانِي، وَهِيَ كَثِيرَةٌ جِدًا لَا أُحْصِيهَا،
وَكُلُّهَا تَدْفَعُكَ إِلَى إِيثَارِ الْآخِرَةِ عَلَى الْحَيَاةِ الدُّنْيَا. (1/55)
صفحة 54
الْخَاتِمَةُ
وَخِتَامًا أَسْأَلُ اللهَ الْعَلِيَّ الْقَدِيرَ أَنْ يُبْعِدَنَا عَنِ التَّرَفِ وَأَسْبَابِهِ، وَأَنْ يَرْزُقَنَا إِيثَارَ الْآخِرَةِ، وَأَنْ يَجْعَلَ قُلُوبَنَا وَقَوَالِبَنَا لَا تُفَارِقُ بَابَهُ، وَأَنْ يُبْعِدَنَا عَنْ كُلِّ مَا يُلْهِينَا عَنْ طَاعَتِهِ وَطَلَبِ جَنَّاتِهِ، وَأَنْ يَنْفَعَ بِهَذَا الْكِتَابِ، وَيُؤْجِرَ وَيُبَارِكَ فِي مَنْ أَسْهَمَ فِي إِعْدَادِهِ، أَوْ طِبَاعَتِهِ، أَوْ تَوْزِيعِهِ، أَوْ إِهْدَائِهِ؛ طَلَبًا لِرِضَا مَوْلَاهُ، وَأَسْأَلُهُ تَعَالَى أَنْ يُبَارِكَ فِي أَوْقَاتِهِمْ، وَأَمْوَالِهِمْ، وَأَوْلَادِهِمْ، وَأَعْمَالِهِمْ.
آمين.
إِعْدَادُ: سَعِيدِ بْنِ مَطْرِ بْنِ سَعِيدٍ الْمَسْقَرِيَّ. (1/56)
صفحة 55
الْمَصَادِرُ وَالْمَرَاجِعُ
1 القرآن الكريم.
صَحِيحُ الْبُخَارِي.
صَحِيحُ مُسْلِمٍ.
سُنَن الترمذي.
رِيَاضُ الصَّالِحِينَ، لِلنَّوَوِيِّ.
السَّيْفُ النَّقَادُ، لِلْإِمَامِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ قَيْسٍ الْحَضْرَمِي.
دِيوَانُ الْبَهْلَاتِي.
جَوْهَرُ النِّظَامِ، لِلْإِمَامِ السَّالِمِي.
الدَّعَائِمُ لِلشَّيْخِ ابْنِ النَّضْرِ.
سِلْكُ الدُّرَرِ لِلشَّيْحَ خَلْفَانِ بْنِ جُمَيلِ السَّيَابِيِّ.
11. مُفْرَدَاتُ أَلْفَاظِ الْقُرْآنِ لِلرَّاغِبِ الْأَصْفَهَانِي.
12 تَيْسِيرُ التَّفْسِيرِ لِلشَّيْخِ مُحَمَّدِ بْنِ يُوسُفَ اطْفَيش. (1/57)
صفحة 56
الْفَهْرَسُ
الْمُقَدِّمَة
مُقَدِّمَةُ الطَّبْعَةِ الثَّانِيَةِ
حقيقة الترف
التَّرَفُ فِي القُرْآنِ الكَرِيمِ
1 - بَيَّنَ اللهُ تَعَالَى أَنَّ عَذَابَ الاسْتِنْصَالِ لِلأُمَمِ لَهُ سَبَبَانِ:
2 - الْمُتْرَفُونَ يُكَذِّبُونَ الرُّسُلَ:
3 - الْمُتْرَفُونَ يُحَاوِلُونَ الْهَرَبَ:
4 - الْمُتْرَفُونَ يَصْرُحُونَ:
ه - التَرَفُ مِنْ أَسْبَابِ دُخُولِ النَّارِ:
التَّرَفُ فِي السُّنَّةِ
1 - زَهْرَةُ الدُّنْيَا
قِصَّةٌ
2 - الدُّنْيَا حُلْوَةٌ.
3 - يَتْبَعُ الْمَيِّتَ ثَلَاثَةٌ.
4 - نَسِيَ كُلَّ شَيْءٍ.
ه - مَا أَحْقَرَ الدُّنْيَا!
6 - أَنْفِقْ وَلَا تُبَالِ.
أرخ قلبك (1/58)
صفحة 57
قصةٌ
- عَبْدُ الدِّينَارِ.
9 - السِّجْنُ الْمُؤَقَّتُ.
10 - الْغَرِيبُ.
11 - الْقَنَاعَةُ.
12 - تَرَكَةُ رَسُولِ اللهِ.
13 - نَصِيبُكَ مِنَ الْمَالِ.
14 - أَكْثَرُ أَهْلِ الْجَنَّةِ.
15 - أَصْحَابُ الْغِنَى مَحْبُوسُونَ.
16 - عَيْشُ رَسُولِ اللهِ.
17 - كِسَاءُ رَسُولِ اللهِ.
18 - بَذْلُ الْفَضْلِ.
19 - الْغِنَى الْحَقِيقِي.
مِنْ أَسْبَابِ التَّرَفِ
عَاقِبَةُ الْمُتْرَفِينَ
الْحَادِي
مَوَاعِظُ
مَرَاجِعُ مُهِمَّةٌ فِي الْمَوْضُوع
الخاتمة
الْمَصَادِرُ وَالْمَرَاجِعُ (1/59)
صفحة 58
تم بحمد الله (1/60)
صفحة 59
فالإنسان – إذا عاش غارقا في حب الدنيا وزينتها ناسيا الله تعالى،
واليوم الآخر فليس له قيمة عند الله تعالى؛ إنه هين على الله، ومن يهنه الله تعالى فمن يستطيع إكرامه؟ وأنت إن شئت أن تعرف مصير المترفين اقرأ سيرتهم كيف عاشوا؟ وكيف نهايتهم؟ اقرأ تأريخ الأندلس، وكيف غرقوا في الترف؟ وكيف سلط الله عليهم أعداءهم؟ ولماذا نبعد بعيدا؟ انظر هذه الحروب الدامية في بلاد المسلمين
حتى صار بأسهم بينهم شديدا ..
مكتبة وتسجيلات الهلال الإسلامية
سلطنة عمان ولاية الرستاق
26875222:4
هاتف وراسله.
ص ب: 94 الرمز البريدي: 318
البريد الإلكتروني: alhilal 222@yahoo.com (1/62)