صفحة 1
المجال: المطبوعات، كتب
المادة: أصول الدين - إسلاميات - الأخلاق والرقاق والأذكار
------------------------------------------
العنوان: التصوف في عمان مدارسة مع فضيلة الشيخ أحمد بن سعود السيابي
المؤلف: خميس بن راشد العدوي
الناشر: مكتبة الغبيراء
مكان النشر: بهلا - سلطنة عمان
تاريخ النشر: 1437ه/ 2016م
الطبعة: 1
ردمك: 978-99969-1-295-5
الإيداع القانوني: 2014/615
الملاحظات: مجلة الفلق الإلكترونية
مصدر البيانات من برنامج الرستمي بموقع المنهاج:
https://www.elminhaj.org/catalogue_rech_notis.php?id_liv=5671&id_ty=1
------------------------------------------
مصدر النسخة المصورة للكتاب (PDF) من موقع المكتبة السعيدية:
https://alsaidia.com/node/383
ملاحظة: قامت المكتبة السعيدية باستغلال تقنية التعرف الضوئي على الحروف في اللغة العربية (OCR) في إنشاء هذه النسخة المصورة (PDF)، لذلك فإنه يمكن البحث فيها للوصول إلى المعلومة بسهولة.
تنبيه: قام فريق مشروع المكتبة الشاملة الإباضية باستغلال تلك التقنية لتوفير النص المرقون، وذلك بالتحويل الآلي لصور صفحات الكتاب إلى نص، لذا فالنص الناتج ليس صحيحا 100%، لذا يمكن استخدام ذلك النص لنسخ جمل وفقرات من هذا النص الناتج، مع ضرورة مراجعته ومقارنته بنسخة (PDF) المرفقة، وتعديله وفقا لذلك قبل اعتماده.
ترقيم الصفحات: موافق للمطبوع
تاريخ النشر الرسمي بالشاملة الإباضية: 15 رجب 1446ه/ 15 - شهر 01 - 2025م. التصوف في عمان
مُدَارَسَة مع فضيلة الشيخ أَحْمَدُ بن سعُود السيابي
أجراها: خميس بن راشد العدوي
مجلة الفلق الالكترونية
مكتبة الغبيراء (1/1)
صفحة 2
تصميم القلاف
ناصر بن راشد العدوي
جميع الحقوق محفوظة
الطبعة الأولى 1437 هـ / 2016 م
قم الإيداع: 615/ 2014
ISBN: 978 - 99969 - 1 - 295 - 5
مكتبة الغبيراء
صورة الفلاف
الفوتوغرافي محمد بن سلمان الحضرمي
سلطنة عُمان - ولاية بهلا - هاتف: 25419426 - صَرَب: 115 - الرمز البريدي: 612
الفلق مجلة الفان هر يكترونية
ALFALQ
www.alfalq.com - E-mail: articles@alfalq.com - Twitter: @alfalqcom (1/2)
صفحة 3
التصوف في عُمان
مدارسة مع فضيلة الشيخ أَحْمَدُ برُسُعُود السيابي أجراها: ضميت اس ابن تاشر العدوي
تحرير
خميس بن راشد العدوي
مجلة الفاكن اللالكترونية
مكتبة الغبيراء (1/3)
صفحة 4
بسم الله الرحمن الرحيم (1/4)
صفحة 5
مقدمة
الأفكار والآراء الدينيَّة كانت تمثل مذاهب يُتقرب بها
إلى الله تعالى، وكانت أمرًا مستعصيّا على الاختراق بالتحليل وإعادة القراءة وكلُّ ما في الأمر أنها متداولة بين الأنصار والخصوم، هذا يؤكد قداستها، وذاك يحط من قدرها، حتّى جاءت المناهج الحديثة، فخرجت بهذه الآراء والأفكار من تلك الدوامة الضيّقة إلى رحابة التحليل والمقارنة، دون أن تغطّيها بهالات التقديس أو تستر ذلها بالتنقيص والتعنيف وإِنَّما عملت على فهمها، وفهم الظروف التي نشأت فيها، وتقدير تأثيرها، ومدى صلاحيتها.
التصوُّف هو أحد مكونات تفكيرنا الديني، الذي طاله الجدل قرونا طويلة، بين من يجعله طريق خلاص الأمة في الدنيا ونجاة الإنسان في العقبى وبين من يصمه بالانحراف ويضعه في خانة العقائد الضالة التي عُزت تفكير الأمَّة لتحطيمها من الداخل، بيد أنَّه كان الأسبق تقريبًا من سائر الأفكار الدينية (1/5)
صفحة 6
التي لحقها التحليل والدراسة التي تبغي الوصول إلى إدراك حقيقتها، وذلك لعناية المستشرقين في الاهتمام به باكرًا، ثمَّ لحقهم المسلمون في ذلك.
وإذا كان التصوف لدى عموم المسلمين؛ لا سيما مدارس أهل السنة بكونها الحاضن الأول للتصوف، قد لقي العناية؛ تحقيقا لمخطوطاته وكتبه، ودراسة لأفكاره ومفاهيمه وتحليلا لخلواته وأماكن انتشاره، فإنَّه لدى العُمانيين؛ بمختلف مذاهبهم لم يكشف عنه بعد، ولم يحظ بما حظي به التصوُّف عموما، ولذلك بنظري من الأهمية التوجه إلى دراسته والكشف عن مضامينه.
وإذ كنت هنا أدعو إلى دراسة التصرُّف في عُمان عند كلّ أتباع المدارس الإسلاميَّة، فإنَّني في هذه المدارسة الحوارية مع فضيلة الشيخ أحمد بن سعود السيابي أطرق باب التصوف الإباضي، مستجليا - بكونه أحد مفكّري عُمان وفقهائها - رأيه حول ذلك، متتبعا معه نشأة التصوف في عُمان، كيف ابتدأ؟ وما ظروف نشأته؟ وهل المجتمع العُماني لا يزال بحاجة إليه؟ طارقًا من خلال هذه المدارسة أهم رموزه الإباضية في عُمان، وهل كان يشكل مدرسة فيها؟ وما مدى التزامه بالمصطلحات (1/6)
صفحة 7
الصوفية، وولوجه طرقها، وتعانقه مع شطحاتها، وقبل ذلك هل تأثر التصوف العُماني بالخرافة والأسطرة؟
كلُّ هذا طرقته مع السيابي، راجيا أن أقدم رؤيته بما
يكشف صفحة من صفحات التفكير العُماني، كانت ولا تزال إلى حد كبير معماة عنا.
في الأصل أقمت هذه المدارسة معه لصالح مجلة الفلق الإلكترونيَّة في صيف 2010 م، وقد بدأت الفكرة في أمسية من أماسي القاهرة بمصر، عندما كنا فيها لحضور أحد اجتماعات اللجنة المشتركة بين وزارة الأوقاف والشؤون الدينيَّة العُمانية والأزهر الشريف، حيث تذاكرنا محاولة بعث التصرُّف في تلك الفترة قبل الاحتجاجات والثورات العربيَّة)، عندما كانت بعض الحكومات العربية تشجعه في مواجهة التيار السلفي المتصاعد في المنطقة، وقد انعكست بعض هذه الممارسات عند بعض الشباب العُماني الذي يحاول الرجوع إلى دينه بحسبما انطبع في فهمه من التدين، فكانت الفكرة أن أجري معه مدارسة حول التصوف في عُمان، وبالفعل كان ما أردناه، فنشرته حينها في مجلة الفلق، ثم ارتأى الإخوة القائمون عليها أن أنشره في كتاب، وكان في نيَّتي أن (1/7)
صفحة 8
أضع لهذه المدارسة مقدمة طويلة عن التصوف في عُمان، متتبعا له من خلال المراجع والكتب، وكنت أمني نفسي من وقت إلى آخر القيام بذلك، ولكنَّ الدنيا كانت تقيدني بحبال مشاغلها، التي لم أستطع فكاكًا من أسرها، حتّى طال الزمان، وشارف على مجاوزة العامين، وكثرت مطالبة الإخوة الأعزّة بإخراجها، فاكتفيت بوضع هذه المقدمة، متمثلا ما قيل: ما لا يُدرك جله لا يُترك كلّه. فعملت على إخراجها، راجيا الله أن يؤتي الناس فائدة هذا العمل.
قبل أن أترك المدارسة بين يدي القارئ، يحلو لي أن أبين بأنَّ في بعض الأحيان تكون لدي رؤية مخالفة للسيابي، ولكن آثرت عدم إبدائها لتصل فكرته إلى القراء كما أرادها، كما أنَّني أحيانًا أجرد من نفسي محاورًا منتصرًا لفكرة من أفكار التصرُّف، بيد أني في الحقيقة على خلافها، وما ذلك إلا لكي أثير مكامن الأفكار لدى أستاذنا السيابي، ولأفتح له أكثر من مدخل للمناقشة والطرح.
يتوجب عليَّ هنا شكر الشيخ أحمد بن سعود السيابي على ما تفضّل به من طرح أضاء به بعض ملامح التصوف في عُمان، وأشكر كذلك الإخوة القائمين على مجلة الفلق الإلكترونية (1/8)
صفحة 9
على مساهماتهم الفاعلة في الساحة الثقافية العُمانية، ونشرهم هذا العمل على صفحات موقع مجلتهم، ثم بتبني طباعته في
كتاب ونشره.
خميس بن راشد لعدوي
مسقط 21 مايو 2012 م (1/9)
صفحة 10
مفهوم النَّصَرُّف
العددي: ما هو التصوف؟
السيابي: التصوف له عدة تعاريف، أما المتصوفة أنفسهم فيقولون: إنَّه اشتقاق لغوي من الصفاء، فصوفي مأخوذ من صفاء الضمير والوجدان والتصور والسلوك. هذا تعريف الصوفية بأنفسهم.
منهم من يسند ذلك ويرفعه – وهو أيضًا اشتقاق لغوي - إلى أنَّ أصله هو أهل الصفة، وهم جماعة من الصحابة كانوا فقراء يقيمون في صفة بالمسجد النبوي على عهد النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم، وكانوا يأكلون من بيت النبي ومن عنده. عنده. فهذا أيضًا تعريف صوفي للتصرُّف. بعض العلماء يرى أنَّ لقب الصوفية أُخذ من لباس الصوف، أي أنّهم كانوا يلبسون الصوف.
وهذا تعريف عدد من العلماء من خارج نطاق الصوفية، ولكنّهم متصلون بالتصوف فقط. (1/10)
صفحة 11
العددي: أي أنَّهم دارسون للتصوف؟
النيابي: دراسة، أو تجليا؛ إن صح التعبير الصوفي هنا. هناك تعريف استشراقي للتصوُّف، وهو أنَّ كلمة صوفي
مأخوذة من كلمة يونانية هي «سوفست»، أطلقها اليونانيون على زهّاد الهند وعبادهم، وهم مجموعة من الزهّاد الذين كان لديهم التأمل والخلوة والانعزال وممارسة عبادات معينة وفقا لدياناتهم.
العددي: هل نستطيع أن نقول: إنَّ هذا المصطلح في مقابلة مصطلح «فلسفي»، وهو التأمل العقلي لدى اليونان
أنفسهم؟
النيابي: هو لقب يوناني أطلقوه على أولئك الهنود الذين
لاحظوا منهم ذلك السلوك، وأنا أميل إلى هذا الرأي، لأنَّ هذه الأمور جاءت من خارج الدائرة الإسلاميَّة، فهذه الممارسات كانت موجودة عند غير المسلمين؛ أعني السلوك التعبدي والتأملي عند الهنود والمسيحيين، وعند الديانات السابقة؛ سواء
كانت ديانات ربَّانيّة في أصلها أو ديانات وضعيّة. (1/11)
صفحة 12
وهنا أعبر عن قصد بالديانات الربانية وليس بالديانات السماوية، لأنَّ الديانات ربَّانيَّة، والله تعالى ليس هو في السماء فقط، وإنَّما هو أينما كنا فهو معنا، فأنا دائما أعبر بالديانات الربَّانيّة بدلا من الأديان السماوية.
فالذي أميل إليه هو التعريف اليوناني للتصوف وهو التعريف الأقرب، لأننا لو جئنا إلى الاشتقاق اللغوي نجده لا ينطبق على ما ذكرنا من تعاريف سابقة، فمثلًا لا ينطبق التصوُّف على الصفاء، فالصفاء لا يمكن أن يشتق منه كلمة التصرُّف.
وإذا قلنا إنَّه نسبة إلى أهل الصفة فكذلك سيكون ? ? الاشتقاق صفيين، والمفرد صفوي.
ثمَّ إنَّ لباس الصوف ليس ميزة أصلا لأنَّ هناك الكثيرين يلبسون الصوف والصوف في فترة من الفترات ليس لباس الناس العاديين، وإنَّما لباس أهل الغنى واليسر، وليس بالضرورة لباس الفقراء، فالآن على سبيل المثال
يُعتبر الصوف أرقى لباس للدفء.
فيبقى التعريف الاستشراقي هو الذي أراه وأميل إليه. (1/12)
صفحة 13
مَشْرُوعِيَّة النَّصَوف
العددي: إذا خرجنا من تعريف المصطلح، وأردنا أن ندخل إلى
التصوُّف بكونه ممارسة عمليّة أو منهجًا متَبعًا، يحاول
المسلمون المشتغلون بالتصوف أو حتّى المتصوفة
أنفسهم أن يُرجعه إلى ممارسة نبوية قبل أن يكون ممارسة عند بقيَّة الناس، فمثلا موسى عليه السلام عندما ذهب أربعين يوما إلى ميقات ربه، ومحمد عليه السلام كما يُرفع عنه في التاريخ والسير كان يتحنَّث الليالي ذوات العدد، فهذا الانقطاع والتبتل يراه البعض أنه هو مصدر المشروعيَّة لهم، وليس التأثر
من خارج الحقل الإسلامي، فما هو رأيكم؟
النيابي: قلت سابقا إنَّ هذا جاء من ديانات سابقة، وهي إما ديانات ربَّانيَّة المصدر وإما وضعيّة، وما فعله
موسي
عليه السلام لعله ممَّا شُرع في دينه، ولم يُشرع للمسلمين، وأما ما فعله النبي محمد صلى الله عليه (1/13)
صفحة 14
وسلم فهذا ليس فيه مشروعية على الإطلاق، لأنه فعله قبل البعثة، أما بعد البعثة - وهنا تكون المشروعية - لم يمارس النبي عليه السلام الخلوة والانعزال والتحنُّث.
العددي ولا أوصى به أصحابه؟
التن يابي: ولا أوصى به أصحابه، ولم يمارسوه، وهنا يتبين
عدم المشروعية.
وعندما كان يفعله النبي عليه السلام - وأعني الانعزال عن المجتمع - فلأن المجتمع مختلف، لعله كان يتأمل بحسب الديانات السابقة كالديانة الإبراهيمية التي وجد بعض ملامحها عند قومه قريش في مكة.
وبعد أن أكرمه الله تعالى بالنبوة لم يمارس التحبُّث ولا الخلوة ولا الانعزال، وبالعكس شن حملة على الانعزال عن الحياة ونهى عن الرهبانية قائلا: «لا رهبانية في الإسلام».
التدري: هل نستطيع القول إنَّ هذا نسخ؟ (1/14)
صفحة 15
الت يا بي: بل هو أكثر من نسخ، هو قطع كامل وفصل تام بين عهد ما قبل الرسالة الإسلامية وعهد ما بعد الرسالة الإسلامية، فقبل الرسالة لم يُوحَ إليه بشيء من قِبَل الله تعالى في الأمور الدينية، إنَّما كان ذلك بمحض إرادته، وذهب يتحنَّث مفارقًا مجتمعه في مكة؛ مجتمعه الصاخب في الكفر والفجور والوثنية، ولكن بعد أن بعث لم نره يختلي ويتحنَّث، ولم نره يذهب إلى الكهوف والجبال، ولم نره يذهب بعيدا، بل على العكس بنى حياة أخرى بالإسلام، حياة الجد والعمل والعبادة، وكلّ ما كان من معنى الاشتراك في الحياة، وفي المقابل نهى أمته عن الرهبنة، والرهبنة هي الانعزال عن الحياة، إذن نبينا قال: لا رهبانية في الإسلام». طالما أنَّكم مسلمون لا يمكنكم أن تكونوا منعزلين عن الحياة والناس، فلا رهبانية في الإسلام، صحيح أنَّه بصيغة الخبر، إلَّا أنَّه في معنى النهي. (1/15)
صفحة 16
التدري: لكن؛ أليس الإسلام ذاته جاء بالملامح التي يمكن أن يسلكها المتصوّف كالزهد في الحياة، واعتبار الدنيا لعبا ولهوًا، والحثّ على فعل الخير، وهضم الذات، وكلّ ما ينبغي أن يناله الإنسان فعليه أن يناله في الآخرة وليس في الدنيا، كلُّ هذه من مؤشّرات التعلُّق بالله تعالى، والانسلاخ من الحياة الدنيا، والانعتاق من البشر، لا ضارّ ولا نافع إلَّا الله، وكلُّ الربط بالله تعالى وليس بالأسباب، أليس هذا الطرح هو الذي جاء به الإسلام؟
النيابي: هناك أمور مشتركة بلا شك، أولا أن التصوف الإسلامي رجاله، مسلمون، فالمتصوف المسلم هو قبل كل شيء مسلم، فهنالك مشتركات بين
الخطوط العامة للإسلام وبين ما قاله المتصوفة وإنَّما المبالغة من المتصوفة عندما حصروا هذه المفردات السامية في التصوف، فأنا المسلم غير الملتزم بالتصوُّف ألتقي مع المتصوّف في الالتزام بتوجيهات الإسلام السامية، ولكن مع بعض التهذيب في بعض هذه التوجيهات، فالإسلام عندما (1/16)
صفحة 17
قال لي: إنَّ الحياة لعب ولهو، لم يقل لي بأن أتخلى عنها، وإنَّما قال لي ذلك حتّى لا أجعلها كلّ شيء
العدوي: ليست مقصودة لذاتها.
النيابي: نعم، إنَّما أعتبرها وسيلة، ولكن أمرنا بعمارتها، وأن نعيش فيها، ونضرب في الأرض، هذا كله سعي في الحياة، لكن يجب أن لا يكون على حساب الآخرة، وإِنَّما يجب أن يكون موصلا إلى الآخرة، وهنا تكمن الفلسفة في الفرق، طالما أكسب هذا الرزق من الحلال ومن الطريق الذي شرعه الله تعالى، مبتعدا عن الظلم والجشع وعن كل ما يخالف المنهج الإسلامي، فهذا الذي أمرني الله به، المهم أنَّ هنالك أمورًا مشتركة بين الإسلام والتصوف وهذه الأمور تجدها عند المسلم المتّقي عموما؛
سواء كان متصوّفًا أو غير متصوّف.
ولكن الصوفية نجدهم يحصرون هذه المعاني في التصوُّف، وهنا الخطأ يكمن، هذه أمور مشتركة
وهي مبادئ إسلامية. (1/17)
صفحة 18
التصوُّف الذي نتحدَّث عنه هو تلك الممارسات الطقوسيّة والانعزال عن الحياة، واستعمال بعض التعابير ممَّا طرأ على التصوُّف من الاتحاد والحلول مع الله تعالى، والقول بوحدة الوجود، مثلما قال بعض المتصوفة، هذه الأمور هي ما تميّز بها التصوُّف، وإن كان ينكرها كثير من الصوفية على غيرهم من المتصوفة الذين يقولون بتلك الآراء. فكأنَّ التصرُّف أصبح يتوجه إلى ذلك التوجه، وزاد على المعاني الإسلامية الصحيحة زيادات قد لا
يقرها الإسلام
العدي: إن صحت العبارة تمَّ تسييسها لأجل منظومة التصرُّف.
الشرياني: ليس تسييسا وإنَّما هو تأطير، لأنهم لم يشتغلوا
بالسياسة.
العروي: لا أقصد السياسة المعروفة، وإنَّما حمل المعاني الإسلامية باتجاه منظومة التصوف.
الشيابي: أحب أن أعبر بالتأطير، تم تأطيرها لصالح المتصوفة. (1/18)
صفحة 19
العروي: أو أدلجتها.
النيابي: من باب الدعاية للتصوُّف وكسب الناس أخذوا تلك المعاني الإسلامية فنسبوها للتصرُّف، وكأنهم حصروها فيه، وكأنَّ غير المتصوّف لا يطبق تلك المعاني، وهذا خطأ كبير. (1/19)
صفحة 20
النَّصَرُّف والتهد
العددي: دعني أقول لك نقطة أخرى في الموضوع، وهي أنَّ الإنسان عندما يخالط الحياة – شاء أم أبى – سيقع في أخطاء، وقد تتطوّر إلى انحرافات أو اعتداءات، وهذا
شيء طبيعي وملحوظ، فجاء البديل الصوفي لينتشل الإنسان من هذه الانحرافات، ومن هذه الحياة عموما ليكون نقياً، فليكن أنَّني لا أتمتع بهذه الحياة ولا أخدمها ففي الأخير سأموت وأدخل الجنَّة، وهناك أجد المتعة الآخرة، أمَّا الدنيا فهي - بحسب الطرح الصوفي - هي دار فساد وانحراف، فالأصل أنك تنتشل منها نفسك حتّى تصل الجنَّة، وهذه هي الغاية التي يريدها الإنسان، فلماذا لا نترك الدنيا ونكون متصوفين؟ لماذا لا يعيش المتدين منا حياة الزهد والتقشف، وما عليه
من الآخرين شيء، إذا اهتدوا إلى ما اهتدى هو إليه
فهذا المطلوب، وإن لم يهتدوا فما عليه منهم. (1/20)
صفحة 21
النيابي: الإسلام يختلف في منظومته عن هذا الطرح الإسلام جاء لعمارة الحياة والكون، وجاء ليحارب الانعزالية والرهبنة، الإسلام أمرنا بالإنفاق؛ فمن أين ننفق إذا لم يكن عندنا قوة مادية؟ وأمرنا بالزكاة؛ فمن أين نزكَّى إن لم يكن لدينا أموال نزكِّيها؟ والرسول صلى الله عليه وسلم يقول: «اليد العليا خير وأحبُّ إلى الله من اليد السفلى». قالوا: ما هي؟ قال: «العليا هي المنفقة والسفلى هي المستجدية والآخذة». فكيف تكون هذه اليد العليا قويَّة إذا كان المسلم يبقى منعزلاً في الكهوف والجبال، ويلبس
ذلك،
خَلق الثياب، ويأكل القوت اليسير، إلى غير والإسلام يقول المؤمن القوي خير وأحبُّ إلى الله من المؤمن الضعيف. المؤمن القوي بقوَّته الماديَّة والجسمية وقوته في الحياة.
هذه كلُّها تختلف عن التوجه التصوفي حسبما ذكرت الآن، فأنا من وجهة نظري أنَّ الطرح الإسلامي يختلف، لذلك الإسلام لا بد له من قيادة الحياة، ودعامته الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهذا (1/21)
صفحة 22
لا يمكن أن يقوم به الإنسان المنعزل عن هموم
الناس ومشاغلهم ومجتمعهم.
المهم الزهد في الحياة هو أن يبتعد الإنسان عن الحرام، ليس معنى الزهد أن يجوع الإنسان نفسه، ويلبس شرَّ الثياب، وليس من الزهد أن يقتل الإنسان نفسه أو يمرضها، الزهد هو أن يبتعد الإنسان عن الحرام، ويستعمل الحلال ويأكل الحلال ويلبس الحلال، هذا هو الزهد الحقيقي في الإسلام.
القردي: سيقول البعض: إنَّ الزهد هو مفردة من مفردات
منظومة التصوف
السيابي: لكن تختلف معانيه الزهد مثلما أخبرتك هو الابتعاد عن الحرام، والسعي في كسب الحلال، أما التصوف فيطرح الحياة ويتخلّى عنها تماما، لكي يصل إلى الجنة.
كلمة الزهد موجودة، لكن أنا أُؤَوّلها بما ذكرتُ، والمتصوفة يُؤَوِّلونها بما ذكرت، إذا هنا هو الخلاف، الزهد بكونه مفردة في الخطاب الإسلامي موجود ومطلوب، لكن كيف نطبق هذا الزهد؟ (1/22)
صفحة 23
رُوحانية المتصوف
التدري: الملاحظ - على الأقل حسب رؤية المتصوفة - أنَّ الإنسان عندما يسلك مسلك التصرُّف تزداد عـ الروحانية واتصاله بالله، وتزداد حساسيته ضد
الانحرافات الموجودة، تأتيه في الحياة فيوضات وإمدادات لا تأتي الإنسان الذي تذكره أنت، وتنكشف له أمور في الحياة لا تنكشف لغيره، وتنفعل له الأسباب والمسببات ما لا تنفعل للآخر.
دست يابي: قد يكون مع من يجرب هذا الأمر، ولكن وجهة نظري في هذا الأمر تختلف عن الكثيرين حتّى من غير المتصوفة، لذا فأنا أتحدث عن رأيي الشخصي أقول: إن لم يكن جميع تلك الأحاسيس والشعور والوجدانيات أوهاما، وإلا فالكثير منها، فالإنسان عندما يتّجه إلى أمر ما يحس بهذه الأحاسيس، عندما يتجه إلى التأقليَّات يحس أن لديه كشوفات وصفاء نفس، وعندما يتجه إلى أمور أخرى يحس أن لديه (1/23)
صفحة 24
نجاحات معيَّنة فيما يتجه إليه، المهم في ذلك رغبة الشخص نفسه؛ سواء كان متصوّفًا أو غير متصوّف، إذا اتَّجه إلى ذلك التوجه فيحس بهذه الإحساسات شعورًا نفسيا لا أكثر ولا أقل، لأنَّ علوم الشريعة واضحة، فعندنا القرآن الكريم والسنة النبوية، وعندنا الثروة الفقهية التي استنتجت منهما، وكل هذا قاض بالعمل في هذه الحياة وبتأطيرها إسلاميا، لكنَّ الإنسان عندما يتجه ذلك التوجه فربَّما يحس بشيء مما تقول.
طبعا قد يكون الذين يدخلون في هذا التصرُّف يحسون بتلك الأحاسيس، لكن في الحقيقة أعتبرها أشياء وجدانية، والوجدانيات دائما تفرز أوهاما أو تتلقفها
الأوهام.
مسائل الدين والعبادة والاتصال بالله ومسائل الإيمان بالغيب كلُّها تثبت من العلوم الشرعية، وهي علوم منقولة، لا علاقة لها بهذه الفيوضات والوجدانيات لكن طالما الإنسان يمارس شيئًا ما يحش في نفسه وكأنه حقق نجاحًا فيما يقصده، ويبقى أمرًا نفسيا يفسره الإنسان وفق ما يتوهمه. (1/24)
صفحة 25
النَّصَوفَ وَالمَدَارِي الإسلامية
العروي: هل التصوف في نظرك تيار عام يضرب الإنسانية ولا يتعلَّق بدين ربما حتّى الماديون الذين لا يؤمنون بالله التصوف عندهم عميق، مثلا البوذية لا تؤمن بالله، ولكن بعض البوذيين أساتذة في التصوف، بمعنى لا علاقة للتصرُّف بالدين، وإنما هو شعور وجداني يفيضه الإنسان بنفسه على نفسه وعلى الآخرين بشعوره في التعامل مع الحياة.
أو التصوُّف، مدرسة، فعندنا نحن المسلمين مدرسة اشتغلت على التصرُّف، وهي جزء من مدرسة أهل السنَّة، وبقيَّة المدارس إنَّما اعترفت منها، وبالتالي هي
تلتزم بدلائل شرعيَّة ودينية ومسلكية.
أو أنَّه - مثلما تفضَّلت - لا علاقة له بتيَّار وإنَّما هو شعور فردي، يعني كلّ متصوّف هو مدرسة للتصوُّف؛ ما لها مسالك محددة تلتقي عندها. (1/25)
صفحة 26
برأيك أين تضع التصوف؟ تيَّارا، مدرسة، سلوكًا
فرديًا، أو ممارسة فرديَّة.
اشن يا بي: التصوف مرَّ بمراحل في تكونه، بدايته كان سلوكًا فرديًا.
العددي: نتكلم عن التصوف في المنظومة الإسلامية. النيابي: نعم بدايته في الإسلام كان سلوكًا فرديًا، وإنما كان في الديانات قبل الإسلام سلوكًا تدينيا.
العروي: نابع من الدين؟
النيابي: نعم، لذا أنا لا أعتبره تيَّارًا، وإنَّما أعتبره سلوكًا جماعيا عند الآخرين بالنسبة للإسلام كان سلوكًا فرديَّا، لكن لمَّا نشأت الطرق الصوفية، وبدايتها كان في القرن السادس الهجري، حيث بدأ التصوف يتأطَّر في شكل طرق تصوفيّة تمارس فيه طقوس معيَّنة، بدأت من
عبد القادر الجيلاني في القرن السادس الهجري. أشرتَ إلى أنَّ التصوُّف سنّي، وبالفعل التصوف سنّي، نشأ عند أهل السنّة، ثم ذهب إلى الشيعة في عهد نصير الدين الطوسي حوالي القرن السادس الهجري، إلَّا أنَّه (1/26)
صفحة 27
متأخر باعتبار أنَّ الطوسي تأثر بابن سينا، وأخذ من كتبه
وعلّق عليها، فدخل التصوف إلى المذهب الشيعي.
العددي: لكن دخل إلى المذهب الشيعي متقدما مقارنة بغيره.
السيابي: هنالك أهل السنة والشيعة والإباضية، الإباضية هم من جاءهم في وقت متأخّر، التصوف بدأ سنيا سواء كان في سلوكه الفردي أو في سلوكه الجماعي الطرقي، ثم دخل إلى مذهب التشيع، أما عند الإباضية فقد جاء في بداية القرن العاشر الهجري.
الظاهر عند الشيعة أنَّه مرَّ بمراحل أيضًا، يظهر فيها ويقوى حسب التوجه لدى الشيعة، لكن بداية دخوله المذهب الشيعي من نصير الدين الطوسي تقريبا.
العددي: إذا قسمنا المدرسة السنية - والأمر يرجع إليك بعد التقسيم - إلى مدرسة روائية حديثيَّة سلفية ومدرسة صوفية، كانت المدرستان تتغالبان، كلُّ مدرسة تحاول أن توهن الجانب الآخر، لكن ألا ترى بعد ذلك أنَّ كثيرًا من منظوماتهما أصبحت متصالحة؟ (1/27)
صفحة 28
بمعنى أوجدت المدرسة السنيّة ما يُسمَّى بالتصوف السنّي الذي يمتح من سنَّة النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم
بحسب رؤيتهم، وبالتالي خرجت المدرستان بصورة
تصالحية.
النيابي: أتوقع أنَّه كان في البداية تصالح بين المدرسة الروائية
الحديثيَّة وبين التصوُّف، ثمَّ في الفترة الأخيرة حدث
شيء من التضاد بينها، وهذا في المرحلة الوهابية حيث حدث التصادم والتضاد بعد مجيء الشيخ محمد بن عبد الوهاب، وصارت الحركة الوهابية وريثة المدرسة الحديثية أو الروائية.
العروي: فالانفصال جاء متأخرًا وليس متقدمًا.
السيابي: نعم. (1/28)
صفحة 29
النَّصَوفَ عِندَ الإباضية
القروي: دعنا من الشكل العام، وهو أمر مهم للتوطئة والمقدمة لما نريد أن ندخل إليه وهو التصرُّف في عُمان، هل فعلا يوجد مدرسة متصوفة في عُمان؟ لعلّ هي الأخرى مرَّت أيضًا بمراحل مثلما مرَّ بها التفكير الإسلامي، ولكن دعني أبدأ من النقطة الآتية، وهي لماذا وصلنا التصوف متأخرا، حيث وصل في القرن الثاني عشر الهجري؟ لماذا لم يكن في القرن الثامن أو القرن التاسع مقارنة بنشوئه عند المدارس السنية في القرن السادس ومروقه إلى المدرسة الشيعية مثلما تفضّلت، ولماذا وصلنا أصلا في عُمان؟ وهل وصوله
عندنا أيضًا كما هو وصوله عند إباضية المغاربة؟
السرياني: سؤالك من ثلاث شعب، المحور الأول، هل هناك تصوف عند الإباضية؟
أقول لك: إنَّ الإباضية لم يمارسوا التصوُّف؛ لا سيما (1/29)
صفحة 30
التصوُّف الطرقي، كما ذكرتُ أن هنالك معاني عامة هي مبادئ إسلاميَّة، وإنَّما المتصوفة أخذوها وحصروها في التصوف، وهذا غير مسلّم لهم، تلك المعاني الإسلامية القائمة على الزهد والترفع عن الحياة، والقائمة على الكسب الحلال، وغير ذلك.
العروي: الأقرب إلى مبادئ إنسانية.
النيابي: الإباضية لم ينعزلوا عن الحياة، ولم يمارسوا الانعزال أو طقوسيَّات معيَّنة، مع ما قيل فيها من فيوضات
ووجدانيات.
لماذا الإباضية لم يكن فيهم متصوفة أو لم تصلهم
الصوفية؟
في رأيي أولا أنَّ الإباضية رأوا أنَّ هذا الفكر التصوفي هو خصيصة لأهل السنة والجماعة، وأنا هنا أتكلم عن التصوف الوجداني؛ سواء كان في سلوكه الفردي أو في أُطره الجماعية المتمثل في الطرق، فبالتالي لا يعنيهم هذا الأمر كونهم إباضية لهم معالمهم الفكرية. الناحية الثانية أنَّ الإباضية مارسوا الحياة بصفة أكثر، (1/30)
صفحة 31
لا سيّما قضية الانصهار في الحكم، سواء كان الحكم تحت مسمى الإمامة، أو تحت مسمى الحكام الآخرين؛ الملوك والأمراء والسلاطين، فهذا الانخراط في بناء الدولة؛ سواء كانت الدولة إمامية - وكما هو معروف أنَّ الدولة الإمامية هي دولة دينية - أو دولة مدنية التي هي دولة ملكية أو سلطانية، إلى غير ذلك، انخراطهم في الدولة وبنائها جعلهم بعيدين عن التصرُّف. وأنا عندما أقول إباضية أعني علماء الإباضية، فمثلما تعلم الإباضية فيهم علماء وعامة، والعلماء هم الذين
ينبني عليهم الفكر، فالإباضية على مستوى
انخرطوا في بناء الدولة.
لهذين السببين لم يتعلَّقوا بالتصرُّف.
العلماء (1/31)
صفحة 32
التَّصَوفَ بَيْنَ العَقيدَة والإحباط
العروي: إذا أردنا أن نضيف سببًا ثالثا، البعض يقول: إنَّ الصوفية لم تدخل إلى الإباضية لأن الصوفية لا تضيف شيئاً
إلى الفكر الإباضي، على اعتبار أن الإباضية يشدّدون
على قضيَّة تلازم القول والعمل والمعتقد، بمعنى أنَّ
الإباضي بحكم تشدده في مبدأ: أنَّ مرتكب المعصية إذا لم يتب يدخل النار يجعله حساسًا ويحمل روح الزهد ومفارقة بهرج الحياة، حتّى وهو يعيش ويتفاعل مع الحياة، هل يمكننا اعتبار هذا السبب، على أنَّه بعد عقائدي أبعد من كونه بُعدًا اجتماعيا وسياسيا؟
دست يابي: لا نرقى به إلى سبب، لأنَّه حتّى المتصوفة هذه هي أيضًا أطروحاتهم.
التدري: بعض المدارس تقول: إنَّ مرتكب المعصية لا يخلد في النار، هذا إذا دخل النار أصلا. (1/32)
صفحة 33
النيابي: لا أتوقع أن يكون هذا هو الفاصل بين عدم التواصل الإباضي والصوفية، وإنما هذا جزء من عقيدة، لكن نظروا إليها على أنها خصيصة سنية تنبني على فكر
أهل السنّة،
وهي في الحقيقة نشأت من الإحباط، من
المعروف أن التصوف نشأ نتيجة إحباط في المجتمع
المسلم.
العروي: ماذا يعني الإحباط؟
النيابي: الإحباط بسبب التهميش في الحياة في الدولة
الأموية؛ وهي بداية الوجود الصوفي، ثم الدولة
العباسية، استولى على الناس مجموعة قليلة،
والآخرون همشوا في الحياة. ولو فكرت حتى في عُمان تجد التصوف نتيجة إحباط في الحياة، يجد الإنسان أنَّه على وضع فكري أو علمي جيد، لكنَّه مهمش في الحياة، ليست لديه مسؤولية ومشاركة، وليست لديه القدرة على أن يكون فاعلا في الحياة، فبالتالي ينعزل ويُرضي نفسه وطموحاته النفسية بأوراد وتلاوات، وبخلوة وانعزال. (1/33)
صفحة 34
العروي: رجاء أن يكون له موقعه بعد هذه الممارسة الصوفية؟
دست يابي: نعم موقعه في الممارسة، فليس له موقع آخر.
العروي: تعويض ...
اشتيابي: نعم، لكن لا أتوقع أنَّ الناحية العقدية بالذات، إن
شاء الله كل المسلمين يريدون الوصول إلى الجنَّة؛
من بينهم من يمارسون الفواحش والمعاصي، بغض النظر عن الاختلاف اللفظي.
القدري: البعض يفترض العكس، أنَّ هذا العامل العقدي؛ وهو القول بخلود العاصي في النار. هو الذي يجلب إليهم
التصرُّف، لأنَّ الإباضي كما قلتُ مُرهف تجاه هذه
القضية.
النيابي لا هم نظروا إليها على أنَّها خصيصة سنيَّة، وأَنَّها
ممارسات فيها انعزال عن الحياة، وبالتالي لا يتفق مع الإنسان الإباضي والعالم الإباضي الذي يريد أن يكون فاعلا في الحياة، ومشاركًا في بناء الدولة والمجتمع، فبالتالي لا يتيح له أن ينعزل عن الحياة، لأنه مكلف (1/34)
صفحة 35
بالمسؤوليَّة، فكيف له أن ينعزل عن الحياة؟ لا يقدر أن يمارس طقوس التصوف لأنها تأخذ منه وقتا، وهو يريد وقته في بناء الدولة، وفي القضاء وقيادة الجيش والجهاد، وفي الاقتصاد والتجارة والعمل، وبالتالي ليس عنده وقت لينعزل عن هذه القضايا ويتجه إلى ممارسات طقوسية. (1/35)
صفحة 36
دخول النَّصَوفَ إِلى عُمان
القدري: بحسب المحاور التي قسمتها ندخل إلى المحور الثاني: لماذا وصل التصوف متأخرا إلى عُمان؟ النيابي: الظاهر أنَّ التصوف وصل إلى عُمان أولا في شكل كتابة أوفاق وطلاسم هذا ما وصل إلى العُمانيين من
التصوف.
العددي: في أي فترة؟
السيابي: تقريبا في بداية القرن العاشر الهجري.
القردي: في المرحلة النبهانية؟
النيابي: النبهانية المتأخرة، وهي مرحلة أُسميها مرحلة أمراء
القبائل، نحن لا نسميهم أمراء الطوائف، لأنه ليست لدينا طوائف، وإنَّما نسميهم أمراء القبائل، كلُّ أمير قبيلة متسلط على إقليم معين، ومتحكم فيه وفي (1/36)
صفحة 37
قبيلته، ويُؤطَر تاريخيًا بأنَّه عصر النباهنة المتأخرين،
أي قبل قيام دولة اليعاربة.
وصل التصرُّف إلى العُمانيين في هذا الوقت في شكل كتابة أوفاق وطلسمات، لأنَّ خفوت الناحية العلمية والجمود المعرفي والركود الفكري كان في ذلك الوقت، ودائمًا لا تبدأ مثل هذه الأمور مع العلماء الكبار، بل تجدها مع الناس، لذلك لا تجد عالمًا كبيرًا اشتهر بهذا في السابق، وإنَّما تجده مع من يتزيُّون بزي أهل الفضل، وعندهم شيء قليل من العلم، ولعل هذا ناتج أيضًا من الإحباط، لأنَّ عصر أمراء القبائل في عُمان كان عصرًا صعبًا على العُمانيين، وكما يقول المؤرخون: لزم العلماء بيوتهم، وبقوا فيها نتيجة الوضع القائم الجائر، مثلما وصف صاحب كشف الغمة الشيخ سرحان بن
عمر بن سعيد السرحني، فكانت مرحلة إحباطية.
ظهر التصوف بداية في الأدب، فمثلا الشاعر الخروصي اللواح جاءت عنده تعابير تصوفيَّة، مثلا كان يسمِّي الكعبة ليلى، لأنَّ المتصوفة أخذوا من اسم ليلى - وهي معشوقة مجنون ليلى قيس بن الملوح (1/37)
صفحة 38
العامري - رمزا للحب الإلهى، فأخذوا يتغزّلون عن الذات الإلهيَّة بليلى، هذا في شعر المتصوفة، اللواح لم يصل إلى هذا الحد، وإنما كان يطلق اسم ليلى على الكعبة الشريفة عندما يحنُّ إلى رؤيتها، والشاعر اللواح توفّي في بداية القرن العاشر الهجري، إذا في
عُمان
تلك الفترة بدأت تصل إلى الفكر الإباضي في علامات التصوف في شعرهم وأدبهم، وفي كتابة
الأوفاق والطلسمات.
العددي: هل الابتهالات التي وُجدت لدى الشاعر الفقيه محمد بن مداد تدخل أيضًا في جانب التصوف؟
النيابي: أتوقع أنه ممكن، لعل شيئًا من هذا القبيل يحدث لكنَّها إن كانت ابتهالات يُقصد بها الدعاء والتوسل إلى الله تعالى فتبقى مفهوما إسلامياً عاما، إلا إن خالطتها مفردات، صوفيَّة، مثلا كالقطبية والغوث ونحوها؛ وإن كانت هذه أيضا كالغوث أي غياث المستغيثين مفاهيم إسلامية عامة، لكنَّ استعمالها لدى المتصوفة أكثر من غيرهم. (1/38)
صفحة 39
وقتها كان وصول التصوُّف بصورة خافتة، واقتنع من اقتنع بذلك التصرُّف البسيط على أساس ما كان يشعر به من إحباط في ذلك الوقت؛ نتيجة سيطرة أمراء القبائل على الوضع في عُمان، وهم بطبيعتهم ليسوا
بأهل علم، وإنَّما هم أقرب إلى الجهل والجور.
ومن خلال استقرائي أنَّ دولة اليعاربة خففت من ذاك، أو أنَّها توجهت توجها آخر.
القروي: توجه بناء الحياة.
الشرياني: نعم، اشتغلوا بالجهاد وبالفتوحات الكبيرة والبعيدة.
العروي: والمعمار.
النيابي: اشتغلوا بالعمارة، وبناء الأفلاج وشق الطرق، فخفت
التوجه الصوفي في الدولة اليعربية، قد يكون وُجد لدى بعض الناس، لكنه لم يشكل ظاهرة، فلذلك؛
بدايةً من وصول التصوُّف إلى عُمان بداية القرن العاشر الهجري إلى نهاية عهد اليعاربة، أعتبره محاولات لا ترقى - في وجهة نظري - أن تكون تجربة صوفية (1/39)
صفحة 40
هي محاولات عند الشاعر اللواح، وربَّما عند الشاعر الفقيه ابن مداد في شعره، وحتّى تلك المحاولات البسيطة في الدولة اليعربيَّة خف وميضها، بطبيعتها كانت ضعيفة قبل اليعاربة، ولكنَّ الدولة اليعربيَّة؛ إما
أنَّها أوقفت نموّه، وإما أنَّها حجمته على الأقل. (1/40)
صفحة 41
النصوفَ عِند إباضية المغرب
العددي: هل وُجد التصوف عند إباضية المغرب في الشمال الإفريقي مثلما وُجد عند إباضيَّة المشارقة؟ وكيف
كانت طبيعته؟
النيابي: أمَّا عند المغاربة، فلم يظهر عندي أنه وجد عندهم شيء من التصوُّف، صحيح أنَّهم كتبوا في الزهد، وقبسوا - مثل قناطر الخيرات) - من (إحياء علوم الدين) لأبي حامد الغزالي، لكنَّهم أخذوه بالمفهوم الإسلامي العام، كترقيق القلوب، فالشيخ الجيطالي نفسه الذي ألَّف قناطر الخيرات كان تاجرا، وهو يكاد يكون الكتاب الإباضي المغربي الأوّل به مسحة تصوفيَّة.
العددي: زمانًا وموقعا؟
النيابي: نعم؛ زمانًا وموقعا الشيخ أبو طاهر إسماعيل بن
موسى الجيطالي من علماء القرن الثامن الهجري، (1/41)
صفحة 42
واستفاد كثيرًا من كتاب إحياء علوم الدين للإمام الغزالي، وكان هو نفسه تاجرا، لم يكن منعزلاً ومنزويا في الحياة، وإنَّما ألف كتابه هذا للتلطيف، ربَّما لأنَّه رأى أبناء عصره يمارسون الحياة نسبيا بشكل أوسع مما ينبغي، فألف كتابه (قناطر الخيرات) لكي يوضّح هذا المفهوم، بأنَّه يجب الجمع بين الدنيا والآخرة، ويجب أن يعمل الإنسان في الدنيا على أساس أنَّها
موصلة للآخرة، وليس على حساب الآخرة. (1/42)
صفحة 43
التصوف والخرافة
العددي: الذي أفهمه منك أنَّ الانزواء عن الحياة والاشتغال ببعض مظاهر التصوُّف كالطلسمات والأسرار، جاء نتيجة إحباط الواقع الاجتماعي، ومعنى ذلك أنَّه متعارض مع البناء الحضاري الذي يأمله المسلم من
جعل كلمة الله هي العليا.
السيابي: فعلا نتيجة إحباط، وهذا يتعارض مع التوجه الحضاري والعمراني الذي أراده الله سبحانه وتعالى من الإنسان في هذه الحياة، وبأن جعله خليفة في هذه الأرض، وإلا ما الفائدة أساسًا من وجود الإنسان في هذه
الحياة واستخلاف الله له لعمارتها وبنائها وحضارتها، ومن حكمة الله تعالى أن خلق التدافع في هذه الحياة، أنَّه يدفع أقوامًا بأقوام آخرين، لكي يتوجه الجميع إلى بناء الحياة، وكما ذكرت أن الإسلام والشرائع الربانية وضحت ما هو المقصود من وجود الإنسان، بأن يكون (1/43)
صفحة 44
وجوده في الدنيا موصلا إلى الآخرة، وأن يعمل فيما
شرعه الله له؛ سواء في مجال العمل أو مجال العبادة،
إلى غير ذلك.
العددي: أنت الآن تركّز على أسباب مادية بحتة، وتنسى الطاقة الروحيّة التي تفعل الأسرار، أيضًا هي بنت الحياة، وفي أزمنة دحرت جيوسا، وأقامت ممالكا، عندنا في عُمان قلاع وأفلاج بُنيت بعلم الأسرار، وعندنا جوعى أطعموا بتحول الرمل إلى أرز، إلى غير ذلك،
هذه أيضًا جوانب حضاريّة وإنسانية استعملت الطاقة
الروحية فيها.
السيابي مقاطعًا: لا، لا.
التدري: الطاقة الروحية ليست إحباطا، وإنما هي مساهمة حضارية في بناء الحياة.
النيابي: هذه خرافات الإسلام بريء منها كل البراءة، الإسلام جاء لبناء الحياة، والحمد لله كما أنَّ الفقهاء أطروا الأدلة الشرعيَّة في خمسة أحكام الواجب (1/44)
صفحة 45
الذي يجب اتِّباعه، والمحرَّم الذي يجب اجتنابه، والمندوب الَّذي يُؤْمر الإنسان أن يفعله، وإن لم يفعله كان موسعا له، والمكروه الَّذِي يُؤْمر الإنسان أن يجتنبه، وإن لم يجتنبه لأمر ما فلا بأس به، والمباح؛ وهو الدائرة الأوسع من دوائر التشريع الإسلامي، وهذا المباح كلما عمله الإنسان يكون مأجورًا ويثاب عليه الإنسان يأكل إذا كان لطاعة الله فله الأجر، وإذا كان لمعصية فعليه الوزر والإثم، كثير من أمور الحياة ترجع إلى مقصد الإنسان ونيَّته، إذا كانت نيته الله تعالى فله في ذلك الأجر، وإذا كانت نيته إلى غير ذلك فستكون معصية وعليها عقاب من الله، هذه هي المفاهيم الإسلامية، والإسلام نفسه روحانية؛ إن صح التعبير بالروحانية، وأنا أيضًا لا أحبُّ أن أعبر بالروحانية، فهو تعبير مسيحي كَنَسي، الإسلام عبر
عن الإيمان بالسكينة والطمأنينة.
العروي: كلام جيد. (1/45)
صفحة 46
مدرسة النَّصَوفَ فِي عُمَان
العددي: بحسب رأيك أنَّ التصوُّف بالمعنى الطرقي لم يكن موجودًا في عُمان، وإنَّما وجد بعض ملامحه، والأقرب منها الجانب السلوكي العام، مع وجود
جوانب لا نستطيع أن ننكرها مثل: استعمال الحروف والأسرار، إلَّا أنَّها في الحقبتين النبهانية واليعربية كانت ممارسات فردية أقرب إلى العوام منها إلى العلماء الذين اشتغلوا بالحياة.
لكن مع مجيء الشيخ جاعد بن خميس الخروصي تغيّر لدينا توصيف حال الواقع، هناك فعلا مؤلّفات صُنفت وقصائد كُتبت، وبعد ذلك في زمن ابنه الشيخ ناصر الذي شرح بعض قصائد أبيه، وهنالك أيضًا المطوّلات الشعريَّة التي قالها الشيخ سعيد بن خلفان الخليلي المحقق، ثمَّ الشيخ أبو مسلم ناصر بن سالم الرواحي الذي فتق التصوف أدبيا وفتح مصراعيه، هل
ما زلت ترى أن هذه الحقبة لم تكن حقبة صوفية؟ (1/46)
صفحة 47
النيابي: هذا صحيح، أنا أعتبر مجيء التصوف إلى عُمان مع قيام الدولة البوسعيدية على يد الإمام أحمد بن سعيد في القرن الثاني عشر الهجري، فعلا أخذ التصرُّف في عُمان يشكّل تجربة صوفية، ولكن يجب أن نتساءل:
لماذا؟
كان التيار التصوفي في العالم تيَّارًا كبيرًا ..
العددي: يعني؛ يكاد يكون منهج حياة؟
النيابي: نعم، صار التصوف في العالم الإسلامي تيَّارًا كبيرًا عند السنة والشيعة، بقي الإباضية وحدهم في الساحة، فاستطاعوا أولا أن يقاوموه كليا إلى بداية القرن العاشر الهجري، ثم بدأوا يأخذون منه بعض الملامح والسمات في التعبير، وكتابة الأوفاق والطلاسم وليس كممارسات سلوكية، إلى عهد الشيخ أبي نبهان جاعد بن خميس في القرن الثاني عشر الهجري، وكان في هذا القرن فعلا التصوف تيَّارًا كبيرًا يجتاح جميع المذاهب وبلدان العالم الإسلامي، صحيح أن التصرُّف نشأ وتكون كطرق (1/47)
صفحة 48
صوفية منذ القرن السادس والسابع الهجريين، لكن لعله مرَّ بمراحل فيها شيء من التعثر، إِلَّا أَنَّه في القرن الثاني عشر الهجري مرَّ بدورة نشطة كبيرة، انبعث من
مصر ثمَّ اجتاح الأقاليم، ويكاد يصبح كلُّ مسلم سنّي
أو شيعي داخلا في التصرُّف.
العددي: التصوف بمنهجيته وطرقيته؟
السيابي: بمنهجيته وطرقيَّته، وبممارساته الطقوسية، فبقي الإباضيَّة وحدهم في الساحة، ولا سيما أَنَّ عُمان
عُمان من
في عهد اليعاربة جاء إليها أناس من خارج غير العُمانيين، فجاء إليها الفُرْس في عهد سيف بن
سلطان الثاني ..
العروي: وبلعرب بن حمير.
الشيابي: لنقل في آخر عهد دولة اليعاربة، ثمَّ لمَّا جاء أحمد بن
سعيد، جند الكثيرين من غير العُمانيين، جاء بهم
جنودًا من النوبة؛ وهم ما بين السودان ومصر،
وهنالك الطرق الصوفية ضاربة أطنابها، وأتى بأناس (1/48)
صفحة 49
من بلوشستان، وأيضًا هناك الطرق الصوفية كثيرة، والناس متشبثون ومتمسكون بها، ولا بد أن يكون لذلك تأثير في المجتمع العُماني، فالشيخ أبو نبهان جاعد بن خميس وهو قمة علميَّة عظيمة، ورأس العلماء في عُمان، وكما يقول الشيخ ناصر ابنه: إنَّ عُمان لم تشهد منذ عصر أبي سعيد الكدمي إلى عهد والده عالما في حجم والده. بغض النظر عن دقة هذا التوصيف، لكون عُمان ظهر فيها أيضًا علماء كبار، لكن بالفعل الشيخ أبا نبهان قمة علمية عالية ورجل معترف بعلاميَّته ومسموع الكلمة، فتبنّى الفكر التصرُّفي، إلَّا أنَّه لم يتبنّاه بشكله الطرقي، وإنَّما بشكله الفكري، وأصبح يستعمله في عباراته الأدبيَّة؛ في أشعاره ومناجاته الله تعالى، فأخذ التعابير الصوفية وألّف بها قصائده، ولكن بقي للشيخ أبي نبهان رحمة الله عليه طريق عقدي وفقهي لا يظهر فيه التصوُّف، كُتُبه في الفقه والعقيدة لا توجد فيها أيُّ مفاهيم تصوفيَّة، وإنَّما ألَّف في التصرُّف .. (1/49)
صفحة 50
العروي: في أدبيات التصوف ذاتها.
ان يابي: جعل التصوف أمرًا أدبياً، قال في ذلك أشعارا، وكتب
في هذا الموضوع.
المهم؛ أنَّ في عصر الشيخ أبي نبهان كان التصوف فعلا تجربة فكرية، وهنا أعود مرة أخرى؛ بأني لا أستبعد أن يكون هذا أيضًا نتيجة إحباط، فالشيخ أبو نبهان بمكانته العلمية والاجتماعية، أولا أنَّه من نسل الأئمة: الصلت بن مالك والخليل بن شاذان والخليل بن
عبد الله وعمر بن الخطاب الخروصي، والثاني أنَّه
ينتمي إلى قبيلة معظم أئمة عُمان ينتمون إليها، وهي قبيلة بني خروص، ففي عهد دولة البوسعيد، كانت دولة مدنيَّة؛ إن صح التعبير، لكن في عهد الإمام أحمد بن سعيد كانت دولة إمامة، يغلب عليها الطابع الإمامي والحكم الديني، ولكن تجد الشيخ أبا نبهان يشعر بنوع من الإحباط وأنا أستنتج هذا من بيت له في القصيدة التي نظمها هو ورفيقه الشيخ سعيد بن محمد الغشري الخروصي، قالا قصيدة؛ الشطر الأول من كل بيت يقوله الشيخ أبو نبهان والشطر الثاني يتمه (1/50)
صفحة 51
الشاعر سعيد الغشري، ففي آخر القصيدة لما ذكر أئمة
بني خروص والتي مطلعها:
أئمتنا لهم كل الفضائل
وأن لهم على الناس الطوائل
قالا بيتا في آخر القصيدة:
فصيَّرنا الزمان ولا عتاب
رعايا بعدما قدنا الجحافل
هذا إحساس منه بالتهميش في الحياة، فأنا أربط دائما التصوُّف سواء كان في سلوكه الفكري أو في ممارساته الطقوسية بالإحباط في الحياة، فالشيخ أبو نبهان رضي الله عنه تبنّى التصوف فكرًا وليس ممارسة طقوسيَّة، فوضع في ذلك كُتُبه.
ثمَّ لمَّا جاء الشيخ ناصر بن أبي نبهان، وقد كان نفس الجو الفكري في العالم الإسلامي وتأثرت به عُمان، فأوغل الشيخ ناصر في ذلك، وأتوقع أنَّ الَّذي جعله يوغل أكثر هو بعد ذهابه إلى شرق إفريقيا، فقد كان له في عُمان معارضة للحكم السائد بها، ولما استقطبه السيد سعيد بن سلطان وأخذه (1/51)
صفحة 52
من الجو العُماني إلى الجو الإفريقي، وهنالك في إفريقيا تأثر أكثر بالتصوف، وفي نفس الوقت التقى هناك بأناس من غير العُمانيين يمارسون التصوف الطرقي، فلعل الشيخ هناك تفرغ وتعمق أكثر في التصوُّف، ولكنَّه أيضًا فكري، إلَّا أنَّ الشيخ ناصر أعطى التصرُّف البعد الفلسفي، فربط التصوف بالفلسفة والعقل، فقد كان يأخذ بالفلسفة، ويحترم الفلسفة والفلاسفة وينقل عن الفلاسفة، وربط
ذلك بالعقل ..
العددي: حاول أن يعقلن التصوف
الشرياني: يعقلن التصوف ويفلسفه، كان عند الآخرين هو حاجة وجدانية وتعبيرًا، رمزيا، أحاسيس وعواطف الشيخ ناصر بن أبي نبهان رحمة الله عليه ربطه بالفلسفة، فممكن أن نقول إنَّ التفلسف التصوفي وجد عند الشيخ ناصر بن أبي نبهان، وتعمق في ذلك وشرح تائيتي ابن الفارض، وألف كتابه (إيضاح نظم السلوك إلى حضرة ملك الملوك) وغيره من الكتب (1/52)
صفحة 53
التي طرح فيها المفاهيم والعبارات التصوفية والفكر
الصوفي.
العروي: قبل أن ننتقل إلى الشيخ سعيد بن خلفان، عندي وقفة في موضوع الشيخ ناصر بن أبي نبهان على اعتبار
أني درست موضوعه بشكل خاص، ووجدت من خلال خارطته التأليفيَّة أنَّ كُتُب الأسرار والحروف والطلسمات التي ينشد بها الخلاص - إن صحت العبارة – كانت في نزوى، بعد أن رحل من العليا وذهب إلى نزوى، والتي آل به الأمر فيها - وهذا ربما
يؤيد نظريتك في قضيَّة الإحباط - أن يكون رجلا فقيرًا
غذاءه القاشع والماء.
النيابي: نعم كان الشيخ ناصر قد قال بيتين من الشعر في
ذلك:
معيشتنا خبز الغالب قوتنا
وماء وليمون وملح وقاشع
فإن حصلت مع صحة الجسم
والتقى فيا حبَّذا هذا بما هو قانع (1/53)
صفحة 54
العروي: وخاصَّة حصلت بينه وبين الدولة القائمة حينذاك
جفوة، لكن عندما جاء إلى مسقط بدأ مرحلة عقلنة
التصرُّف في هذه الفترة، خاصة عندما دخل في
كنف السلطان سعيد بن سلطان وانتقل إلى زنجبار، تغيّرت نظرته من التصرُّف البسيط الذي ينشد به الخلاص من خلال الطلسمات والأسرار ونحوها، إلى محاولة فلسفة وعقلنة الفكر التصوفي، ما
رأيك في هذا؟
وشن بابي: هذا سليم، ونحن متفقون على الرأي الذي طرحته فهي مراحل مرَّ بها الشيخ ناصر بن أبي نبهان في التصوُّف، وأقول: إنَّ له فضلا على الفكر
التصرُّفي، فقد جعله فكرًا فلسفيا، ربطه بالفلسفة
والعقل.
القرودي: ما نظرتك إلى المحقق الخليلي في تجربته
الصوفية؟
السيابي: يأتي الشيخ سعيد بن خلفان في نفس السلسلة التي ذكرتُها سابقا، وقد مر أيضًا بمرحلة إحباطية، (1/54)
صفحة 55
لمَّا كان في شباب العمر ذهب هو ومن معه إلى الرستاق، وكانت تحت حكم السيد حمود بن عزان بن قيس بن الإمام أحمد بن سعيد فسلمهم المنطقة لكي يأمروا بالمعروف وينهوا عن المنكر، وحتَّى أنَّه سمح لهم بأن ينصبوا إماما، فحاول الشيخ سعيد بن خلفان أن ينصب إمامًا إِلَّا أنَّ الناس تعذَّروا عن قبول منصب الإمام، وبقوا يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، ويقيمون الأحكام وفق الفقه الإسلامي، ولكن بعد عام قلب عليهم حمود بن عزان بن قيس ظهر المجن وأخرجهم من الرستاق، وعاد ليمسك بزمام الأمر وحده، فرجع الشيخ سعيد بن خلفان إلى بلده، وكان يسكن بلدة بوشر؛ وهي في العاصمة حاليا، واشتغل - كما يقول الإمام السالمي - بعلم الأسرار والأوفاق، فكما قلت لك: إنَّ الإحباط له دور في توجه الإنسان إلى التصرُّف.
ثمَّ لمَّا تهيَّأ للشيخ سعيد بن خلفان بحكم فكره المذهبي وأطروحاته السياسية في المذهب بأن (1/55)
صفحة 56
يقوم مرَّة ثانية بأمر الإمامة؛ شغل بإنشاء دولة الإمام
عزان بن قيس البوسعيدي.
العروي: يُعد أبو مسلم ناصر بن سالم بن عديم البهلاني شاعر التصوف العُماني وخاتمته.
النيابي: الشيخ أبو مسلم البهلاني تربى على مدرسة الشيخ
لأنَّ الشيخ
أحمد بن
سعيد بن خلفان الخليلي، سعيد بن خلفان الخليلي والشيخ أبا مسلم عاشا عُمان
زميلين وصديقين معا في وادي محرم من فقد صار فكر الشيخ أبي نبهان وفكر الشيخ ناصر بن أبي نبهان وفكر الشيخ سعيد بن خلفان، ومفاهيم التصوُّفيَّة التي ربطوها بالسلوك وليس بالممارسة الطقوسيَّة، هي الفكر المهيمن في عُمان، فأصبح الجميع يتحدث بمفاهيم تصوفيَّة، فالأشعار والأدبيات جاءت في هذا الإطار، والعلماء كانوا يتحدثون بهذا المنطق، وكثرت الخلوات.
حتّى الخلوات الرياضية لطلب العلم جاءت في تلك الفترة، أنا أعتبر مساجد العباد في نزوى، والخلوة (1/56)
صفحة 57
والابتعاد عن الحياة في بهلا والداخلية جاءت فى هذه الفترة (1)، لأنا لم نكن نسمع قبل ذلك عن
عابد يذهب ليعبد الله تعالى في جبل، وفي هذه الفترة ظهر الانعزال حتّى أنَّ أحد السادة وهو السيد سيف بن محمد البوسعيدي المعروف بالزاهد انعزل عن الحياة، وأخذ يعيش منفردًا بين الجبال يعبد الله
تعالى وحده.
كل هذه المفاهيم جاءت في هذه الفترة إلى عُمان، فما من عالم إلا ومارس الخلوة الرياضية؛ حتّى يتحقق له كسب العلم لكي يكون عالمًا وحافظا، فمعظم العلماء من عهد الشيخ أبي نبهان إلى عهد الشيخ السالمي كان الجو المسيطر عليهم هو الجو الفكري التصوُّفي؛ نتيجة آراء الشيخ أبي نبهان وابنه ناصر
(1) هذا رأي الشيخ السيابي، وأضعه كما هو، والذي وجدته أنَّ مساجد االعباد أقدم من هذه الفترة، فقد نشأت في بهلا منذ الدولة النبهانية، حيث جاء ذكرها في الوثائق التي سبقت الدولة اليعربية كـ (منهاج العدل) لعمر بن سعيد المعدي البهلوي، وقد حققت في هذه المسألة في أكثر من موضع، منها: (النصوص المتحفيَّة) للمتحف الوطني العُماني، وبحثَي (المكانة العلمية والاجتماعية) للشيخة عائشة بنت راشد الريامي. (1/57)
صفحة 58
والشيخ سعيد بن خلفان وعلماء كبار كانوا ممسكين برئاسة العلم في عهدهم، فالشيخ أبو نبهان كان المرجع الديني والعلمي الأعلى في عُمان في عهده، ثمَّ الشيخ ناصر بن أبي نبهان حل في هذه المنزلة بعد والده، ثمَّ الشيخ سعيد بن خلفان حلَّ هذه المنزلة بعد الشيخ ناصر، فهؤلاء كانوا مراجع علميَّة ودينية ضخمة، والناس تتبعهم وتسمع لقولهم وكلامهم وتتبع مراشدهم وعلومهم، وتتناقل معارفهم، فصار فعلا الجو جو تصرُّف فكري. (1/58)
صفحة 59
السالمي والانقلاب عَلَى النَّصَوف
الذي
العروي: الإمام نور الدين عبد الله بن حميد السالمي عاش في ذلك التيار الصوفي؛ شكل منعطفا في حركة التصوُّف في عُمان، حتّى يمكنني القول إنَّه انقلب عليه، ما أسباب ذلك برأيك؟
الشابي: الشيخ السالمي الذي أنكر لاحقا هذا الأمر، وقلب عليه ظهر المجن، نعم كان في بداية عمره متأثرًا بهذا الجو، لأنَّه كان يعيش مع الشيخ راشد بن سيف اللمكي في الرستاق وذهب إلى الشيخ محمد بن سيف السيفي في نزوى لكي يمارس الخلوة الانعزالية
الرياضية ليكون عالمًا، فكان متأثرًا بنفس الجو. إلَّا أنَّ الشيخ السالمي لاحقا عندما اطلع على المعارف والعلوم رأى أنَّ هذه كلها أوهام في أوهام، وأنَّ علوم الشريعة لا يمكن أن تؤخذ بمثل هذه
الممارسات. (1/59)
صفحة 60
العددي: ولا الحياة تُبنى بهذه الطريقة.
الست يابي: نعم؛ ولا الحياة تُبنى بهذه الطلاسم ونحوها، فبالفعل قلب ظهر المجن، وأنكر كل ذلك، لذلك فالمدرسة السالمية فعلا قلبت الوضع، وتكاد قد قضت على التصوُّف في عُمان، أو حجّمته على الأقل، وبقي بعض الممارسات الاجتماعية البسيطة، ولكن كتصوف فكري وحتّى كتصوُّف سلوكي فعلا المدرسة السالمية قضت عليه، إذا أقول إنَّ هؤلاء الأقطاب الثلاثة، هم الذين بنوا الحياة الفكرية الصوفية في عُمان من منظورها السلوكي. (1/60)
صفحة 61
ختتاما
العدوي: شكرًا لك على هذه المدارسة المثرية، بماذا تريد أن تختم كلامك حول التصوف؟
النيابي: الخُص كلامي أنَّ الكثير من المفاهيم الصوفية وجدت في هذه الفترة؛ كالانعزال عن الحياة ومن عُرف بالسائحين والعباد والزهاد، وكذلك ما عُرف بمساجد العباد؛ مساجد صغيرة على رؤوس الجبال وفي أماكن
منعزلة بنيت في هذه الفترة.
العروي: حتّى أنَّ حركة نسائية قد قامت؛ كعابدات الفرفارة وعابدات الحجريين.
النيابي: نعم كلّهم وجدوا في هذه الفترة، لكن يبقى أن نقول: إنَّ الإباضيَّة في عُمان لم يأخذوا بالتصوف كطرق وممارسة طرقيَّة، إنَّما أخذوا به في جانب التأمل، وفي الجانب التعبُّدي نسبيّاً، وهو ما يعبر عنه بالسلوك، وظهر أكثر ذلك في أدبياتهم. (1/61)
صفحة 62
الفهرست
الموضوع الصفحة
خدمة
مفهوم النَّصَرُّف.
مَشرُوعِيَّة النَّصَوف
التَّصَوُّف والتهد ..
روحانية المتصوف
التَّصَوُّف والمدارس الإسلامية
النَّصَوفَ عِندَ الإباضية ...
التَّصَوُّف بَيْنَ العقيدة والإحباط.
دخول النَّصَوفَ إِلى عُمان
التصوف عِند إباضيّة المغرب.
التصوف والخرافة (1/63)
صفحة 63
الموضوع الصفحة
مدرسة النَّصَوُف فِي عُمان. 46 ....
السالمي والانقلاب عَلَى النَّصَوف 09 .....
ختتاما 61
الفهرس 63 (1/64)