صفحة 1
الكتاب: التقوى لأحمد الخليلي
[ترقيم الصفحات آلي غير موافق للمطبوع]
تاريخ النشر بالشاملة الإباضية: الإصدار الأوّل (437 عنوان): جمادى الأولى 1430هـ / أفريل (أبريل) 2009م (قرص مضغوط) التقوى
لسماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي
المفتي العام للسلطنة
بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة
الحمد لله رب العالمين ،والعاقبة للمتقين ،ولا عدوان إلا على الظالمين، أحمده تعالى بما هو له أهل من الحمد واشكره ،وأتوب إليه من جميع الذنوب واستغفره وأؤمن به ولا أكفره وأعادي من يكفره، وأشهد أن لا اله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدا عبده ورسوله( صلى الله عليه وسلم) وعلى آله وصحبه أجمعين ،وعلى تابعيهم بإحسان الى يوم الدين.
أما بعد:
فالسلام عليكم ورحمه الله وبركاته، أحييكم بهذه التحية المباركة في هذا المسجد الشريف الذي تناجي فيه الأرواح بارئها ،وتتصل فيها القلوب بخالقها، ويلتئم فيه شمل طلبة العلم حول أفضل المشائخ ؛لينالوا منهم قبسا من العلم النافع ؛ليفيدوا ويستفيدوا ويستنيروا وينيروا، فجزاء الله الذين ينفقون من بضاعة العلم هنا خيرا، ووفق الله طلبة العلم لكل خير.
المتقون هم المستفيدون من القران الكريم (1/1)
صفحة 2
وبما أننا في هذا المكان الطيب ،وفي هذه البقعة المباركة، فإن أفضل ما نستلهم منه حديثنا في مثل هذا المكان كتاب الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وأرى أن نستلهم حديثنا من آية من كتاب الله هذه الآية المباركة تكفي لأن تكون دليلا للمؤمن في حياته لأجل ربط العمل بالجزاء والمسير بالمصير والدنيا بالآخرة، حتى لا تتغلب على الإنسان شهواته العارمة ونزعاته المتعددة، وإنما يضبط بسنه الله تبارك وتعالى كل خلجة من خلجاته ،وكل حركه من حركاته، وفقا لأوامر الله عز وجل التي تجمع كل خير للعباد، هذه الآية قول الله تعالى : {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ }الحشر18في هذه الآية الكريمة ينادي الله سبحانه وتعالى عباده المؤمنين الذين هم أجدر وأولى بأن ينتفعوا بما أنزل الله سبحانه وتعالى ؛ لأنهم هم الذين لامس الإيمان شغاف قلوبهم ونور بصائرهم وفتح أذهانهم وهداهم الى الله عز وجل، وهم الذين بمكانهم أن يستفيدوا مما أنزل الله تبارك وتعالى، والكتاب كله إنما هو رحمة للمحسنين ،وهدى وبشرى للمؤمنين، فالذين يستفيدون بما أنزل الله تبارك وتعالى من وعظ وارشاد وتوجيه، هم المؤمنون، وقد عبر الله سبحانه وتعالى عنهم بعبارات حسنه في مواضع متعددة، تارة عبر عنهم بالمؤمنين، وتارة عبر عنهم بالمحسنين ،وتارة عبر عنهم بالمتقين، يقول تبارك وتعالى في وصف هذا الكتاب العزيز {ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ }البقرة2 وقال فيه {هُدًى وَرَحْمَةً لِّلْمُحْسِنِينَ }لقمان3 وإن كان ذكرا للعالمين إلا إن الذين يستفيدون منه هم المؤمنون والمحسنون والمتقون، فجدير إذا بأي مؤمن تقرع مسامعه هذه الايه الكريمة وأمثالها إن يصيغ إليها سمعه، فإنه نداء العلي الأعلى لعباده ؛لأجل أن يبصرهم بما يأتون وما (1/2)
صفحة 3
يذرون.
والله سبحانه وتعالى بعد حفزهم عباده الصالحين بندائهم بأحسن الألقاب ،وهو نداء الذين أمنوا في الأيه الكريمة، وجه إليهم أمره عندما قال لهم: { وَاتَّقُوا اللَّهَ }12 الحجرات وكلمه اتقوا الله تجمع كل خير من خيري الدنيا والآخرة، فإن بدون تقوى الله سبحانه وتعالى تكون حياة الإنسان في دنياه حياه ضائعة متلاشية ،وأشبه بحياة السباع في غابها، إذ لا يمكن للإنسان أن يضبط نزعاته المختلفة إلا بتقوى من الله سبحانه، على أن تكوين الانسان تكوين عجيب، فإنه بطبعه متكون كما شاء الله سبحانه وتعالى من جسم وروح وعقل وقلب وضمير وغرائز ،وهذه الأشياء كلها مطالب مختلفة، فالإنسان بسببها وقع بين تدافع وتجاذب ؛فلذلك لابد أن يكون عنده ميزان حتى يضع كل شيء موضعه وينسق ما بين هذه الجوانب المتباينة في حياته؛ لتكون حياته كلها حياه منسجمة .
التقوى تضبط منافع ومصالح الأمة (1/3)
صفحة 4
ثم بجانب ذلك أيضا الانسان كائن مدني ،فكل فرد من أفراد المجتمع البشري بحاجه إلى جميع الأفراد، من أجل ذلك جعل الله سبحانه وتعالى مصالح الناس متشابكة ،ومنافعهم متداخلة، وبسبب ذلك لابد من أن يكون بين الناس تجاذب وتدافع ،ولكن تقوى الله سبحانه وتعالى هي التي تضبط حياة أفرادهم فيعمل الجميع ؛لأجل مصلحه الجميع، بحيث يكون الفرد متحركا في اطار المجتمع وآلامه، فكل حركه من حركاته ليست لصالح نفسه، وإنما هي لصالح أمته ومجتمعه، هذا بجانب كون الإنسان ليست حياته هذه كل شيء فرحله الحياة هذه إنما هي مرحله اختبار وامتحان تليها مرحله الجزاء في الدار الاخره هذا الجزاء إنما هو يحسب ما يقدم الإنسان هنا في حياته هذه، وقطار الحياة يسير سيراً سريعاً لا يتوقف على أي حال من الأحوال سواءً كان هذا الإنسان في ذكر أو غفلة، وسواء كان في نوم أو يقظة ،وسواء كان في سلم أو حرب، إنما قطار الحياة يسير سيرا سريعا لا يهدا بأي حال من الأحوال، فكل نفس يتنفسه الانسان إنما هو على حساب العمر نوكل لحظه تمر به إنما تقربه إلى سبحانه وتعالى ،فإذا ما أجدر هذا الإنسان أن يتزود زاد التقوى ؛لأجل أن ينقلب الى حسن العقبى في الدار الآخرة .
مدلول التقوى (1/4)
صفحة 5
وتقوى الله تبارك وتعالى كلمه ذات مدلول واسع ،فإنها من حيث الدلالة اللغوية تدل على معنى التخلي ،ولكنها من حيث الدلالة الشرعية تدل على معنى التخلي والتحلي معا أما دلالتها اللغوية على التخلي فمن حيث إن كلمة التقوى تفيد التجنب ،والابتعاد، يقال اتقى بمعنى تجنب إذ هذا الفعل الذي هو اتقى إنما هو مطاوع لوق يقال وقيته أقيه فاتقى فإذا هذه المطاوعة للفعل الذي هو وقي تدل على التجنب والابتعاد والشواهد التي جاءت في نصوص الكتاب العزيز وفي نصوص كلام العرب هي دالة على ذلك فإن كلام العرب يدل على أن اتقى بمعنى تجنب وابتعد عن الشيء فالعرب تقول اتقى هذا الأمر بمعنى تجنبه ولا تقترب منه فمن ذلك قول الشاعر :
سقط النصيف ولم ترد إسقاطه ... فتناولته واتقتنا باليد (1/5)
صفحة 6
أي تجنبت رؤيتنا إياها باليد. وتقوى الله تبارك وتعالى كلمة مجازية إذ لا يمكن أن يتجنب الإنسان ذات الله فإن الحق سبحانه وتعالى لا يوصف بالاتصال بمخلوقاته ،ولا يوصف بانفصال عنها ؛لأنه كان قبل خلق هذه المخلوقات ،فهو قد كان قبل خلق ألاين وقبل خلق الزمان والمكان وهو الآن على ما عليه كان، لا يطلب بأين ولا يدرك بعين، ليس كمثله شيء وهو السميع البصير، فإذا تقوى الله تبارك وتعالى ليس بمعنى تجنب الله وإنما تقواه بمعنى تجنب سخطه عز وجل ومثل ذلك قوله سبحانه: {وَاتَّقُواْ يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ }البقرة281 فإن اتقاء ذلك اليوم بمعنى تجنب المصير إليه أمر متعذر فكل احد من الناس موعود بأن ينقلب إلى ذلك اليوم ويصير إليه فإذا ليس من المعقول أن يقوى أحد على تجنب ذلك اليوم وإنما هو تجنب ما يرديه في ذلك اليوم من المهلكات ،ولئن كان المراد بتقوى الله سبحانه وتعالى اتقاء سخطه ،فإذا اتقاء سخط الله يكون بفعل المأمورات وتجنب المنهيات، وبهذا تكون كلمة التقوى في المدلول الشرعي دالة على الفعل والترك ،أو كما يقال دالة على التخلي والتحلي ،فهي دالة على التخلي عن كل المرديات التي تؤدي إلى سخط الله وعلى التحلي بكل الأمور الحسنه التي تؤدي إلى رضوان الله سبحانه وتعالى ،فما من شيء يقرب إلى الله من الأعمال الصالحه إلا وفعله بعد اتقاء الله تبارك وتعالى لأنه اتقاء لسخطه عز وجل، وكذلك ما من أمر يؤدي إلى سخط الله عز وجل إلا وتجنبه من تقوى الله لأن تجنبه يؤدي إلى نيل رضوان الله تبارك وتعالى فبهذا يكون الإنسان بفعله المأمورات واجتنابه المنهيات متقيا الله .
موقف القرآن الكريم من التقوى (1/6)
صفحة 7
ولأهمية التقوى جاء الأمر في الكتاب العزيز بالتقوى في مواضع كثيرة، إذ لم يؤمر الإنسان بشيء في الكتاب كما أمر بالتقوى ،فقد تكرر الأمر بالتقوى في مواضع كثيرة من كتاب الله سواء كان في معرض موضع التشريع ،أو كان في معرض الوعد والوعيد ،أو كان في معرض الامتنان من الله سبحانه وتعالى على عباده فنجد إن الله تبارك وتعالى يقول: {واتَّقُواْ اللّهَ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ }البقرة196فالله تعالى في هذه الآيه يأمر عباده بأن يتقوه ويذكرهم بأنه شديد العقاب ويقول الله عز وجل : {وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِيَ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ }المائدة96ويقول تعالى : {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ }الحشر18ويقول في معرض التخويف: { يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ{1} يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُم بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ{2} الحج ويقول سبحانه وتعالى في معرض الامتنان: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً }النساء1 ارتباط التقوى بحياة الإنسان (1/7)
صفحة 8
ونجد في الأوامر والنواهي الأمر بالتقوى وتبشير المتقين ،فالله سبحانه وتعالى عندما يأمر بشيء يؤكد على ذلك الأمر بالأمر بالتقوى فعندما ذكر إحكام الدين قال: { َاتَّقُواْ اللّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللّهُ وَاللّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ }البقرة282وكذلك عندما ذكر الأحكام الزوجية في كتابه ‘ حتى عندما ذكر معاشره الأزواج أمر سبحانه وتعالى بالتقوى في كل ذلك لأن على الإنسان أن يتقي الله على كل حال فالإنسان ليس مطالب بتقوى الله فترة من فترات حياته في ساعة من ساعات يومه، بل هو مطالب بأن يتقى الله في يقظته ونومه وفي بيعة وشراه وفي سلمه وحربه، ترون أن الآيات القرآنية عندما تحدثت عن أحكام الحرب مع أعداء الله، وحضت عباد الله عز وجل على الجهاد في سبيل الله ،من أجل إعلاء كلمه الله أمر الله سبحانه وتعالى بالتقوى في معرض هذا الأمر ،فقد قال سبحانه بعد ذكر طائفة من أحكام الجهاد وتحريض عباد الله المؤمنين عليه { وَاتَّقُواْ اللّهَ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ }البقرة194 فإذا ما من حالة من الحالات التي يكون عليها الإنسان إلا وهو مطالب بأن يتقي الله تبارك وتعالى، ووصف الله عز وجل في معرض الأمر بالتقوى وفي معرض حث المؤمنين على الاستمساك بأوامره والازدجار عن نواهيه بما وصف به تعالى في كتابه العزيز إنما يدل على أن الأمر بالتقوى في كتاب الله سبحانه وتعالى إنما جاء لأن الله سبحانه وتعالى هو أهل التقوى.
لماذا التقوى ؟ (1/8)
صفحة 9
فهو جدير أن يتقى على كل حال لأن العبد لا يمكن أن يستغني عنه في أن لحظه من اللحظات فهو الذي خلقنا من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما الرجال والنساء في هذه الأرض ،وكل ذلك مما تتوقف عليه حياة البشر ،ويستمر عليه الوجود الإنساني على ظهر هذه الأرض، فإذا هو جدير بأن نتقيه بسبب ذلك فهو وحده سبحانه وتعالى الذي وفر لنا الأرزاق، وهيا لنا الأسباب ،واتانا ما أتانا من نعمه التي لو وقفنا حياتنا كلها من أولها إلى أخرها من أجل شكر أقل نعمه من هذه النعم لما وفينا بأي شيء تستحقه من الشكر، فإذن الله تبارك وتعالى جدير بالتقوى، وهو أيضا جدير بأن يتقى بسبب بطشه وعذابه فإن عذابه لا يشبه عذاب وهو جدير بأن يتقي ولئن كان الإنسان مطالب بتقوى الله تبارك وتعالى على أي حال فإذن هذه هي حقيقة التقوى الشرعية .
التقوى في الاصطلاح الشرعي
ومدلول التقوى في الشرع يشمل الإيمان ،وجميع أعمال البر التي هي ثمرات للإيمان ودلائل عليه ،وهي من مقتضياته إذ لا يمكن أن يستوفي الإنسان الإيمان بدونهما وجميع أعمال البر داخله في ضمن التقوى سواء كانت هذه الأعمال إعمالا بدنيه أو كانت إعمالا قلبيه ،وسواء كانت بدنيه باللسان أو كانت بسائر الجوارح فالأقوال والأعمال كلها داخله في ضمن التقوى إذا كانت وفق أمر الله عز وجل كذلك تجنب الانسان لسخط الله تبارك وتعالى بازدجاره عن مناهيه سبحانه أيضا ذلك داخل في مدلول التقوى والأدلة على ذلك كثيرة في كتاب الله فنجد أن الله عز وجل في فواتح سورة البقرة وصف المتقين بقوله : {الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ{3} والَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَبِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ{4}
أساس التقوى (1/9)
صفحة 10
فإذا التقوى لابد أن تكون قائمه على أساس الايمان وبدون الإيمان لا يمكن أن يستوفي الإنسان معنى التقوى إذ لا يمكن أبدا أن يكون متقيا لربه وهو لم يؤمن به سبحانه ،ولم يؤمن بما يجب أن يؤمن به مما فرض الله تعالى به، فالإيمان إذا هو الأساس الأول لتقوى الله وبدونه لا يمكن أن يكون الإنسان من المتقين، ووصف الله المتقين هنا بإقام الصلاة ،وإنهم مما رزقناهم ينفقون ،وإنهم يؤمنون بما أنزل إلى النبي (صلى الله عليه وسلم) وما أنزل على من قبله من الأنبياء ويقول تبارك وتعالى أيضا في سورة البقرة في( آية البر): {لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلآئِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّآئِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُواْ وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاء والضَّرَّاء وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ }البقرة177 فقد وصف الله تعالى هؤلاء الذين استجمعوا هذه الصفات جميعا بأنهم الذين صدقوا ،وأنهم هم المتقون، هؤلاء جمعوا بين الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر ،وبين إيتاء المال ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين وفي الرقاب، وبجانب ذلك أيضا هم يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويوفون بعهودهم إذا عاهدوا ويصبرون في البأساء والضراء وحين البأس هؤلاء هم الذين صدقوا وهم المتقون حقا فإذا التقوى تشتمل على هذه الحقائق التي ذكرت في الآية الكريمة بأسرها ويقول الله تعالى أيضا مبينا صفات المتقين: { قُلْ أَؤُنَبِّئُكُم بِخَيْرٍ مِّن ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِندَ رَبِّهِمْ (1/10)
صفحة 11
جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللّهِ وَاللّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ{15} الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ{16} الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالأَسْحَارِ{17} آل عمران بما ذا وعد الله المتقين ؟
فهؤلاء هم المتقون الذين وعدهم الله تعالى هذا الوعد العظيم ،وما أدراكم ما هذا الوعد الذي وعد الله تعالى به المتقين، أنه جنه عرضها السموات الأرض فيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين وقد بين الله تعالى أيضا صفات المتقين في معرض هذا الوعد في سورة آل عمران عندما قال :{ وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ{133} الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاء وَالضَّرَّاء وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ{134} وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُواْ أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُواْ اللّهَ فَاسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللّهُ وَلَمْ يُصِرُّواْ عَلَى مَا فَعَلُواْ وَهُمْ يَعْلَمُونَ{135} آل عمران فالله تعالى وصف هؤلاء المتقين هنا بما وصفهم به في معرض هذا الوعد العظيم الذي وعدهم إياه وهو الجنة عرضها السموات والأرض وصفهم بأنهم ينفقون في السراء والضراء ويكظمون الغيظ ويعفون عن الناس ،وأنهم لا يصرون على معصية فلان بدرت من أحد منهم هفوة تدارك نفسه فغسلها تغسيلا بطهور التوبة إلى الله عز وجل وقوى صلته بالله سبحانه ،وأناب إلى الله مستغفرا خائفا وجلا راجيا ثواب الله مطمئنا إلى وعد الله عز وجل هذه صفات المتقين .
موقف السنة من التقوى (1/11)
صفحة 12
ومما يدل على شمول التقوى لأعمال القلب بجانب أعمال الجوارح أن النبي عليه أفضل الصلاة والسلام قال: التقوى هاهنا التقوى هاهنا التقوى هاهنا ثلاث مرات وهو يشير الى قلبهولا يعني ذلك أن الأعمال البدنية لا تدخل في مدلول التقوى ،ولكن ذلك إن صلاح باطن الناس هو سبب لصلاح الظاهر ،وأن من لا يصلح الباطن لم يصلح الظاهر فالله تعالى لا ينظر إلى الأشكال الظاهرة وإنما ينظر عز وجل إلى الحقائق الباطنة، وبقدر ما يصلح قلب الإنسان تصلح أعماله وتستقيم أحواله كيف والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: ( ألا وأن في الجسد لمضغة إن صلحت صلح الجسد كله وإن فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب ) فبقدر ما يصلح هذا القلب ،ويكون سليما من الرياء والعجب والكبر والحسد والأشر والبطر وجميع ما يكدر صفوه ويغير اتجاهه عن أن يكون إلى سبيل الحق يكون هذا القلب نقيا موصولا بالله ولابد من أن يترتب على صلاح هذا الباطن صلاح الظاهر.
شمولية التقوى (1/12)
صفحة 13
هذا، وتقوى الله عز وجل هي ثمرة للعبادات التي فرضها الله عز وجل فان هذه العبادات المشروعة بأسرها إنما تؤدي إلى تقوى الله فكل عبادة شرعها الله سبحانه تؤدي في هذه الحياة الدنيا إلى تقوى الله كما إنها تؤدي في الآخرة الى رضوان الله، إذ جميع العبادات إنما هي وقود للنفس ،والذي يملأ حياة الانسان كلها نور وضياء ،فالله عز وجل ربط ما بين العبادة ،والتقوى في كتابه العزيز فقد قال تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ }البقرة21وليست لعل ها هنا للترجي إذ الترجي مستحيل على الله عز وجل فإنه القادر على كل شيء ،والعليم بكل شيء لا يكون شأنه الترجي، أن الله تبارك وتعالى يعلم كل ما سيقع ،ويعلم كل ما لا يقع ولا يقع أي شيء في الكون إلا بإرادته سبحانه وتعالى، وكل ما لا يريده لا يمكن أن يقع قط ،وكل ما يريده لابد من أن يكون ،فالله تعالى على كل شيء قدير ،فإذا يستحيل عليه الرجاء ،وانما لعل هاهنا للتعليل ،أي اعبدوا الله الذي خلقكم ،والذين من قبلكم لتتقوه ،أي لتجعلوا هذه العبادة وسيلة إلى تقوى الله سبحانه وتعالى ،وكما أن الله عز وجل ذكر العبادة هنا مجملة مربوطة بالتقوى ذكرها تعالى أيضا مفصله مربوطة بالتقوى ،فقد بين سبحانه وتعالى أن كلا من الصلاة والزكاة والصيام والحج يؤديان إلى تقوى الله فقد قال تعالى في الصلاة: { وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ }العنكبوت45 هذه هي حقيقة التقوى ،فإن تجنب الفحشاء وتجنب المنكر بجانب فعل أوامر الله هي حقيقة التقوى ،ويقول الله تعالى في الزكاة:( {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاَتَكَ سَكَنٌ لَّهُمْ وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (1/13)
صفحة 14
}التوبة103أي تنقيهم وتصفيهم من جميع أدران المعاصي ،بحيث يكونون موصلين بالله عاملين من أجل إرضائه سبحانه ،ويقول الله في الصيام:( {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ }البقرة183وعندما ذكر الحج ذكره مقرونا بالتقوى في آيات متعددة ،فقد قال الله تعالى:( {وَأَتِمُّواْ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلّهِ }البقرة196إلى أن قال في خاتمة الآية :( { وَاتَّقُواْ اللّهَ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ }البقرة196وقال بعد ذلك{وَأَتِمُّواْ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلاَ تَحْلِقُواْ رُؤُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضاً أَوْ بِهِ أَذًى مِّن رَّأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ فَإِذَا أَمِنتُمْ فَمَن تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَن لَّمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَاتَّقُواْ اللّهَ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ ى شَدِيدُ الْعِقَابِ }البقرة196ثم قال تعالى أيضاً في آيات الحج في نفس السورة{وَاذْكُرُواْ اللّهَ فِي أَيَّامٍ مَّعْدُودَاتٍ فَمَن تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَن تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى وَاتَّقُواْ اللّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ }البقرة203) وقال أيضا في سورة الحج في معرض ذكر أحكام الحج: {ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ }الحج32
ما الهدف من العبادة ؟ (1/14)
صفحة 15
فإذا الغاية من العبادات التي فرضها الله ،وصول الإنسان إلى ساحة التقوى, فكل عبادة من هذه العبادات تبعث عزيمة النفس على التقوى ،وتنهيه النفس عن الوقوع في معاصي الله، وكما أن تقوى الله سبحانه وتعالى سبب لوصول الإنسان إلى سعادة العقبى ،فإنها سبب لنيل الخير العظيم في هذه الدنيا ،فالله تعالى بين أن رزقه الطيب الحلال يهبه عباده المتقين، وينفس لهم الكربات ،ويدفع عنهم الشدائد، ويوصلهم إلى الغاية المطلوبة ،فقد قال عز من قائل: { وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً{2} وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً{3} الطلاق وقال أيضا سبحانه وتعالى مبيناً أن عاقبة الدنيا والآخرة للمتقين: { ِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ }الأعراف128ويقول : {تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَاداً وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ }القصص83 فالعاقبة في الدنيا في بالانتصار والاستخلاف ،إنما هي للمتقين والعاقبة في الآخرة ؛لتتبوأ الدرجات العلى في جنة عرضها السماوات والأرض بجوار الله سبحانه وتعالى وجوار رسله.
الأرض يرثها الصالحون (1/15)
صفحة 16
وفي قول الله تعالى : {وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ }الأنبياء105 اختلف الناس هل المراد بالأرض هنا أرض الدنيا أو ارض الآخرة منهم من قال بأن المراد أرض الدنيا ،فإن الله عز وجل وعد عبادة المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن يستخلفهم فيها كما استخلف الذين من قبلهم ،وقد أنجز الله هذا الوعد للمتقدمين ،وسوف ينجزه للمتأخرين، فإن وعد الله لا يتبدل ،وقيل بأن هذه الأرض هي أرض الجنة وعدها الله عبادة المتقين {وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ }الأنبياء105
اختلف في الذكر هل هو التوراة ،أو الكتب التي هي سابقة على الزبور ،أو هي ما أنزلها الله تبارك وتعالى على رسله من غير الكتب، وعلى كل حال ،فهذا الوعد لابد من أن ينجزه الله، أرض الآخرة يورثها عبادة الصالحين ،وكذلك أرض الدنيا عندما يقومون بما أمرهم الله تعالى به ويوفون بوعده ويستمسكون بحبله، ويأخذون الأشياء بأسبابها والله تعالى يدفع عن عباده المتقين شرور هذه الدنيا كما يدفع عنهم شرور دار الآخرة ،فقد جاء فيما روى عن النبي صلى الله عليه وسلم ( من اتقى الله كفاه مئونة الناس ومن اتقى الناس ولم يتق الله سلط الله عليه الناس وخذله ) فالذي يتقي ربه سبحانه وتعالى يكفيه مؤنه الناس ،ويهيئ له من أمره رشدا، أما الذي يعمل عكس ذلك بحيث يتقي عباد الله ولا يتقي الله فإن العاقبة تكون عكس ما يأمل بحيث يسلط الله عليه أولئك الذين يتقيهم ويخذله بحيث لا يتمكن من التخلص مما يأتيه من قبلهم من الشر.
وصية أمير المؤمنين للجند (1/16)
صفحة 17
ولذلك كان السلف الصالح يحرصون كل الحرص على التواصي بالتقوى على أي حال من الأحوال ،وخصوصا عندما تواجههم الشدائد، فكما تعلمون عندما جند أمير المؤمنين عمر (رضي الله تعالى عنه) الأجناد لمواجهة إمبراطورية فارس التي كانت تعد الإمبراطورية الأولى في العالم ذلك الوقت زودهم نصيحته بالتقوى حيث قال لقائد الجند: ( أوصيك ومن معك من الأجناد بتقوى الله على كل حال ،فإن تقوى الله أفضل العدة في الحرب، وأقوى المكيدة على العدو ،وأوصيك ومن معك من الأجناد بأن تكونوا أشد احتراسا عن المعاصي منكم من عدوكم ،فإن ذنوب الجند أخوف عليكم من عدوهم ،وإنما ينصر المسلمون بمعصية عدوهم لله، فإن عددنا ليس كعددهم ،ولا عدتنا كعدتهم ،فإن استوينا في المعصية كان لهم الفضل علينا في القوة ،وألا ننتصر عليهم بفضلنا لم نغلبهم بقوتنا، واعلموا أن في سيركم عليكم من الله حفظة يعلمون ما تفعلون ،فاستحيوا منهم، ولا تعملوا بمعاصي الله وأنتم في سبيله، ولا تقولوا أن عدونا شر منا، فلم يسلط علينا فرب قوم سلط عليهم من هو شر منهم ،كما سلط على بني إسرائيل إذ عملوا بمعاصي الله كفار المجرمين فجاسوا خلال الديار، وكان وعدا مفعولا ،فاسألوا الله العون على أنفسكم كما تسألونه النصر على عدوكم أسأل الله ذلك لي ولكم ) وهذه الوصية من الخليفة الراشد عمر (رضي الله عنه) كانت هي القوة التي لا تقهر، فقد تضاءلت جميع القوى أمام هذه القوة .
إمبراطور الصين يعترف أساس النصر هو تقوى الله تعالى (1/17)
صفحة 18
وتمكن المسلمون من دحر أعدائهم ،حتى أن (يزدجر) الإمبراطور الفارسي أرسل رسولا إلى الصين يطلب نصره من إمبراطور الصين، وكتب إليه كتاب يؤكد فيه ما زود به رسوله من الرسالة ،وعندما مثل الرسول بين يدي إمبراطور الصين ،وسأله عن مسائل متعددة ،وكان فيما سأله عنه: هل أولئك القوم الذين خرجوا عليكم هم أكثر عددا ؟ قال: بل هم أقل عددا، قال له: هل هم أكثر عدة أو أقل عدة ؟ قال: بل هم أقل عدة قال له: أخبرني عن حالهم ؟ قال له:هم رهبان بالليل، وفرسان بالنهار، قال له أخبرني عن طعامهم ؟ قال له: يأكلون بقدر ما يعيشون، فقال له: أخبرني عن لباسهم ؟ قال له: يلبسون بقدر ما يستترون ،ويقولون ولباس التقوى ذلك خير قال له: أخبرني عن حالتهم فيما بينهم؟ قال له: قلوبهم كقلب رجل واحد، فقال له: لم ينتصروا عليكم مع قلتهم وكثرتكم إلا بما ذكرته من صفاتهم، ثم كتب رسالة كتابية إلى إمبراطور فارس يقول له فيها: قد وصلني كتابك وفهمت ما عند رسولك ولا يمنعني من إرسال جيش أوله بمرو وآخره بالصين إلا أولئك القوم الذين خرجوا عليكم لا يقاومهم شيء، ولو وقفت في وجوههم الجبال لدكوها، ولو أرادوني لأزالوني من مكاني هذا ،فهكذا كانت النصرة لعباد الله المتقين ؛بسبب الاستمساك بحب التقوى ،فإذا هذا الوعد إنما هو للمتقين.
ما هي حقيقة التقوى ؟ (1/18)
صفحة 19
... وليس من التقوى في شيء أن يدعي الإنسان تقوى الله بلسانه ،وهو يغدو ويروح على أكل الحرام ،وليس من تقوى الله في شيء أن يدعي الإنسان أنه من المتقين ،وأنه منتظم في سلكهم ،وملتحف بزمرتهم ،ولكنه مع ذلك يغدو ويروح ،وهو لا يبالي بما يأتيه من معاصي الله عز وجل ،بحيث يلغ لسانه في أعراض الناس ،ويقع في حرمات الله ولا يبالي بما ينهج من فرائض الله، فإن ذلك كله مما ينافي تقوى الله سبحانه على إن بعض علماء السلف قال: ( إن الإنسان لا يصل إلى درجة التقوى ،ولا يستحق الاتصاف بأنه من المتقين حتى يكون ما في سريرته لو أخرج ووضع في طبق وطيف به في الأسواق على الناس لما استحي منه) ،ومعنى ذلك: أن تكون سريرته كعلانيته لا أن يظهر العلانية الحسنة ،ويظهر السريرة السيئة ،وإنما تقوى الله قبل كل شيء في القلب بحيث تكون السريرة صالحة، ويكون الإنسان خائفا من ربه وراجيا منه معتمدا عليه ومنيبا إليه ومتكلا عليه ومفوضا كل أمره إليه ومخلصا له في كل ما يأتيه وما يذره .
الحياة الدنيا قنطرة عبور للدار الآخرة (1/19)
صفحة 20
والله تبارك وتعالى عندما أمر عباده في هذا الآية بالتقوى ({يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ }الحشر18اتبع ذلك قوله: { وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ }الحشر18فإن هذا الدنيا ليست هي كل حياة الإنسان، وإنما هذه الحياة جزء لا يمكن أن يقاس بالحياة الأبدية الدائمة في الدار الآخرة ،فإذا عليه أن يفكر فيما بعد، في الغد عندما يقف أمام رب عزيز مقتدر قاهر يعلم ما في طوايا الضمائر، وما بين الحنايا فما من شيء تنطوي عليه سريرة الإنسان إلا وهو معلوم لله تبارك وتعالى، فإذا عليه أن يفكر في قدومه على ربه ولئن كان الإنسان يشعر بأنه يحاسب من قبل مسئول أقوى من البشر في حياته الدنيا فليحسب حسابه لتلك المحاسبة بحيث يعد لكل سؤال جوابا حتى يتبين منه أنه لم يخنه في شيء ،ولم يخالفه في أمر ،فكيف إذا كان القدوم على الله تبارك وتعالى ،وكيف إذا كان المحاسب هو السميع البصير الذي لا تخفى عليه خافيه في الأرض ولا في السماء .على أنه سبحانه وتعالى وعد وأوعد ولا تبديل لكلمات الله ووعد الله تبارك وتعالى وعد عظيم ووعيد أليم، فإذا على الإنسان وهو يدري أنه سينقلب إلى ذلك اليوم ،ولكنه لا يدري متى ساعة الانتقال حينها يفاجأ ريب المنون أن يكون في كل لحظه من لحظاته متزودا بزاد التقوى ،مستعدا بلقاء متهيئ لهذه الرحلة تلك الدار الخالدة.
لمن أعدة الجنة ؟ (1/20)
صفحة 21
وهكذا السلف الصالح الذين تشبعوا بالإيمان والذين تزودوا زاد التقوى نوأولئك هم الذين وعدهم الله تبارك وتعالى الفوز ؛لأنهم أولياؤه الذين جمعوا بين الإيمان والتقوى ،فقد بين تعالى في كتابه العزيز أن ولاية الله تعالى لعباده إنما هي لمن جمع بين الإيمان والتقوى إذ قال: { أَلا إِنَّ أَوْلِيَاء اللّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ{62} الَّذِينَ آمَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ{63} لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَياةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ لاَ تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ{64} يونس هؤلاء هم المبشرون في الحياة الدنيا الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا ،ولذلك تتنزل عليهم الملائكة ،وعندما تحذرهم المنية وتستقبلهم عندما يبعثون من قبورهم ({إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ }فصلت30
الله عالم الغيب والشهادة (1/21)
صفحة 22
ثم لأجل أهمية الموضوع أكد الله تبارك وتعالى الأمر بالتقوى مرة أخرى إذ قال سبحانه { وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ }الحشر18حتى لا تكون هناك غفلة من الإنسان بل استمرار لمراقبة الله تعالى في كل ما يأتيه وما يذره فإن كان وراء الستر فعليه أن يشعر بأن الله تعالى مطلع على أمره كيف والله يعلم ما يختلج في قلبه ،وما تنطوي عليه حنايا ضميره أن تبارك وتعالى لا تخفي عليه خافيه، فهو يعلم الغيب كما يعلم الشهادة، ويعلم كل ما في هذا الكون من دقيقه وجليلة ،وما خطرة تخطر ببال الإنسان إلا وهي معلومة الله عز وجل على أن الآمر ليس كذلك فحسب بل لأجل إقامة الحجة على الإنسان أعد الله تعالى ملائكة كرام كاتبين يسجلون كل دقيقة وجليلة مما يأتيه الانسان ويذره {كَلَّا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ{9} وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ{10} كِرَاماً كَاتِبِينَ{11} يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ{12} الانفطار وقد قال تعالى: {مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ }ق18 {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ }ق16
الاستعداد ليوم الرحيل (1/22)
صفحة 23
فإذا ما أجدر بهذا الإنسان أن يعد العدة لذلك اليوم وهو يعلم أن قطار الحياة يسير سيرا سريعا لا يفتأ ولا يتفر في أي حال من الأحوال في الليل والنهار وفي السفر والحضر وفي اليقظة والنوم في الحركة والسكون ،وفي شتى الأمور التي ينقلب فيها الإنسان فقطار الزمن يسير ولا يفتأ وكل واحد من الناس – ركاب هذا القطار- ينتهي أجله يخر من القطار من غير أن يتوقف به السير، وما مثل الناس وهم في هذه الدنيا إلا كمثل السجناء الذين حكم عليهم جميعا بالإعدام ،ولكن لا يدري أحدهم ساعة تنفيذ الحكم فيه ،فإذا على كل واحد أن يكون متهيئاً لتنفيذ هذا الحكم فإنه حكم من لا تبديل لكلماته وقد قال عز من قائل لخير خلقه: {إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ }الزمر30 وقال سبحانه وتعالى: {كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَما الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ الْغُرُورِ }آل عمران185 والله تبارك تعالى كما أخبر بنفسه ،وهو عليم بكل شيء ،فإذا يجب أن تكون المراقبة دقيقة ويكون الزاد هو التقوى { وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ }البقرة197 فمطلوب من الإنسان أن يتزود هذا الزاد في جميع أحواله، وفي كل لحظاته، بل مطلوب من الإنسان أن يكون في كل لحظة تمر به رصيده من التقوى أكثر مما هو في اللحظة التي سبقت ؛لأن كل لحظة إنما تدنيه من لقاء ربه.
الخاتمة
... فأسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا جميعا من عباده المتقين، ومن جنده الغالبين، ومن أتباع حزبه المخلصين الذين يتقونه في السريرة والعلانية، ويعملون بأمره ويزدجرون عن نهيه ويقفون عند حدوده ،إنه تعالى على كل شيء قدير ،وبالإجابة جدير، نعم المولى ونعم النصير ،وصلى الله على سيدنا محمد ،وعلى آله وصحبه أجمعين. (1/23)
صفحة 24
السلام عليكم ورحمه الله وبركاته. (1/24)