صفحة 1
الكتاب: الحسد الداء والدواء لمهنا السعدي
[ترقيم الصفحات آلي غير موافق للمطبوع] الحسد الداء والدواء
بقلم
مهنا بن راشد بن حمد السعدي
1423/1424هـ - 2002/2003م
abujaifar@hotmail.com
بسم الله الرحمن الرحيم
(( الحسد الداء والدواء ))
الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على النبي الأمين وعلى آله وصحبه أجمعين ، إن الحسد داء عظيم أبتلي به الكثير ، ويحتاج إلى قوة إيمان للتخلص منه ، ولخطر هذا الداء كتبت هذه الكلمات عسى أن تجد فيها أخي القارئ الفائدة .
تعريف الحسد :
1- الحسد لغة :
جاء في المعجم الوجيز : حسده حسدا : تمنى أن تزول نعمته عنه . وقال : حسده النعمة وحسده عليها فهو حاسد ، وجمعه : حُسَّاد ، وحَسَدَةٌ .
تحاسدا : حسد كل منهما صاحبه . وفي الحديث : " لا تحاسدوا ولا تباغضوا ولا تدابروا ، وكونوا عباد الله إخوانا .
الحسود : من طبعه الحسد ، ذكرا كان أو أنثى ، وجمعه : حُسُدٌ .
المحسدة : ما يحسد عليه الإنسان من مال أو جاه ونحوهما . ( أنظر المعجم الوجيز ص149-150 بتصرف ) .
2- الحسد اصطلاحا :
الحسد هو : حد كراهة النعمة وحب زوالها عن المنعم عليه .
أخوتي في الله إن الحسد داء عضال ومرض خطير إذا ابتلى به الإنسان فإنه يفقد كل مقدرة على التفكير السليم والحكم الصائب .
ذم الحسد في القرآن الكريم :
لقد ذم الله تعالى الحسد في آيات عديدة من كتابه الكريم من ذلك قوله تعالى : {وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّن بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً حَسَدًا مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُواْ وَاصْفَحُواْ حَتَّى يَأْتِيَ اللّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } البقرة : 109 . (1/1)
صفحة 2
قال السيد محمد رشيد رضا في تفسير هذه الآية : " يبين الله تعالى في الآية الأولى من هاتين الآيتين ـ يقصد الآية 109 و 110 من سورة البقرة ـ أن أهل الكتاب المتعصبين لدينهم من حيث هو جنسية لهم تقوم بها منافع جنسهم لم يكتفوا بكفرهم بالنبي صلى الله عليه وسلم والكيد له ونقض ما عاهدهم عليه حسدا له ولقومه على نعمة النبوة بل هم يزيدون على ذلك ما قصه تعالى بقوله : { وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّن بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً حَسَدًا مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم } فهو بيان لما يضمرونه وما تكنه صدورهم للمسلمين من الحسد على نعمة الإسلام التي عرفوا أنها الحق وأن وراءها السعادة في الدارين ، ولكنهم شق عليهم أن يتبعوهم فتمنوا أن يحرموا هذه النعمة ويرجعوا كفارا كما كانوا ، وذلك شأن الحاسد يتمنى أن يسلب محسوده النعمة ولو لم تكن ضارة به ، فكيف إذا كان يعلم أن تلك النعمة إذا تمت وثبتت يكون من أثرها سيادة المحسود عليه وإدخاله تحت سلطانه ، كما كان يتوقع علماء يهود في عصر التنزيل ، وقد جاء هذا التنبيه تتمة لقوله تعالى قبل آيات { مَّا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلاَ الْمُشْرِكِينَ أَن يُنَزَّلَ عَلَيْكُم مِّنْ خَيْرٍ مِّن رَّبِّكُمْ } البقرة : 105 ، وقد بين الله لنا ما كان من محاولة أهل الكتاب وتحيلهم على تشكيك المسلمين في دينهم كقول بعضهم لبعض بأن يؤمنوا أول النهار ويكفروا آخره لعل ضعفاء الإيمان يرجعون عن الإسلام اقتداء بهم ... وفي هذه الآية وما بعدها إشارة إلى أن لذلك بعض الأثر في نفوس بعض المسلمين . (1/2)
صفحة 3
وفائدة هذا التنبيه أو التنبيهات أن يعلم المسلمون أن ما يبدوا ومن أهل الكتاب أحيانا من إلقاء الشبه على الإسلام وتشكيك المسلمين فيه إنما هو مكر السوء يبعث عليه الحسد لا النصح الذي يبعث عليه الاعتقاد . وقال : { حَسَدًا مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم } ليبين أن حسدهم لم يكن عن شبهة دينية أو غيرة على حق يعتقدونه ، وإنما هو خبث النفوس وفساد الأخلاق والجمود على الباطل وإن ظهر لصاحبه الحق ، ولذلك قفاه بقوله : { مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ } أي بالآيات التي جاء بها النبي صلى الله عليه وسلم وبانطباق ما يحفظون من بشارات كتبهم بنبي آخر الزمان عليه .
ثم أمر الله تعالى المؤمنين بأن يقابلوا هذا الحسد وما ينبعث عنه بما يليق بهم من محاسن الأخلاق فقال : { فَاعْفُواْ وَاصْفَحُواْ } ولم يقل فاعفوا واصفحوا عنهم لإرادة العموم ، أي عاملوا جميع الناس بالصفح والعفو ، فإن هذا هو اللائق بشأن المؤمنين المتقين { الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا } الفرقان : 63 " إهـ ( السيد محمد رشيد رضا ، تفسير المنار ، 1/341- 342 ) .
وقال تعالى : { وَدُّواْ لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُواْ فَتَكُونُونَ سَوَاء } النساء : 89 .
فأخبر تعالى أن حبهم زوال نعمة الإيمان حسد ( الغزالي ، إحياء علوم الدين ، 3/202 ) .
وذكر الله تعالى حسد اخوة يوسف عليه السلام وعبر عما في قلوبهم بقوله تعالى : { إِذْ قَالُواْ لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ اقْتُلُواْ يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ } يوسف : 8- 9 . فلما كرهوا حب أبيهم له وساءهم ذلك وأحبوا زواله عنه غيبوه عنه ( الغزالي ، إحياء علوم الدين ، 3/202 ) . (1/3)
صفحة 4
وقال تعالى : { أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِه } النساء : 54 .
ففي هذه الآية إنكار من الله تعالى على اليهود لحسدهم النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه على الفضل الذي خص به النبي صلى الله عليه وسلم من النبوة والكتابة والإعزاز ، بل وحسدوا النبي صلى الله عليه وسلم حينما خصه الله تعالى بالزواج بتسع نسوة ، قال قطب الأئمة في تفسير هذه الآية : " ( أَمْ يَحْسُدُونَ ) بل أيحسدون ( النَّاسَ ) رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه والعرب والناس ، لأن ما أوتي من النبوة وتوابعها لهم كلهم ، إلا من أبى ، أو الناس محمد صلى الله عليه وسلم وقد حسدوه على تسع نسوة ، وقالوا : لو كان نبيا لما كان له تنعم بالتسع وعموا عما أوتي داود من النساء ومن الملك وكذا سليمان ( عَلَى مَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِه ) من النبوة والكتابة والإعزاز ، وقد جمعوا الجهل المانع من الملك على الباطن والبخل والحسد المانعين من الملك على الظاهر ، لأن الناس لا ينقادون للبخيل لعدم نفعه ، أو الحسود لعدم نفعه ، ولأنه ينتزع منهم ما عندهم فهو أقبح من البخيل ... " إهـ ( القطب ، تيسير التفسير ، 2/340 ) . (1/4)
صفحة 5
وكذلك فإن الحسد كان السبب وراء قتل ابن آدم الشرير غير الصالح لأخيه التقي الصالح حين تقبل الله تعالى قربان أخيه الصالح ولم يتقبل قربانه ، قال تعالى : { وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِن أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ لَئِن بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَاْ بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لَأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ إِنِّي أُرِيدُ أَن تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاء الظَّالِمِينَ فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ } المائدة : 27- 30 .
قال سعيد بن جبير وغيره : فلما تقبل قربان هابيل لأنه كان مؤمنا قال له قابيل حسدا لأنه كان كافرا : أتمشي علي الأرض يراك الناس أفضل مني { لَأَقْتُلَنَّكَ } ( القرطبي ، الجامع لأحكام القرآن ، 3/88 ) .
وقد جاء الله تعالى بقصة قتل قابيل لهابيل في معرض التنبيه على أن ظلم اليهود ، ونقضهم المواثيق والعهود كظلم ابن آدم لأخيه ، ضاربا الله تعالى بهما المثل في إبانة حسد اليهود ( أنظر القرطبي ، الجامع لأحكام القرآن ، 3/88 ) . (1/5)
صفحة 6
قال السيد محمد رشيد رضا : " ومعنى الجملة ـ يقصد قوله تعالى : { وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ } ـ واتل أيها الرسول على أهل الكتاب وسائر الناس ذلك النبأ العظيم ـ نبأ ابني آدم ـ تلاوة متلبسة بالحق مظهرة له ، بأن تذكره كما وقع ، مبينا ما فيه من الحكمة والكشف عن غريزة البشر . وهو ما جبلوا عليه من التباين والاختلاف الذي يفضي إلى التحاسد والغي والقتل ، ليعلموا حكمة الله فيما شرعه في الدنيا من عقاب الباغين من الأفراد والجماعات والشعوب والقبائل ، وكون هذا البغي من اليهود على رسول الله والمؤمنين ليس من أمر دينهم ، وإنما هو من حسدهم وبغيهم ، فهم في هذا كابني آدم إذا حسد شرهما خيرهما فبغى عليه وقتله ، وكانت عاقبة ذلك ما بينته الآيات " إهـ ( السيد محمد رشيد رضا ، تفسير المنار ، 6/282 ) .
وقال تعالى : { إِن تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِن تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُواْ بِهَا } آل عمران : 120 .
وهذا الفرح شماتة والفرح والشماتة يتلازمان ( الغزالي ، إحياء علوم الدين ، 3/202 ) .
وقد أثنى الله تعالى على من لا يتصف بهذه الصفة الذميمه ألا وهي صفة الحسد فقال : { وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ } الحشر : 9 .
وهناك آيات أخرى ذم الله تعالى فيه الحسد والحساد .
ذم الحسد في السنة النبوية :
جاءت أحاديث كثيرة في ذم الحسد من ذلك : (1/6)
صفحة 7
1- عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " إياكم والظن ، فإن الظن أكذب الحديث ، ولا تحسسوا ، ولا تجسسوا ، ولا تنافسوا ، ولا تحاسدوا ، ولا تباغضوا ، ولا تدابروا ، وكونوا عباد الله إخوانا كما أمركم ، المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله ولا يحقره ، التقوى هاهنا التقوى هاهنا التقوى هاهنا ، وأشار إلى صدره ، بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم ، كل المسلم على المسلم حرام دمه وعرضه وماله " رواه مالك والبخاري ومسلم وأبو داود والترمذي .
2- وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " لا يجتمع في جوف عبد مؤمن غبار في سبيل الله ، وفيح جهنم ، ولا يجتمع في جوف عبد الإيمان والحسد " رواه ابن حبان في صحيحه ، ومن طريقه البيهقي .
3- وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " إياكم والحسد فإن الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب ، أو قال : العشب " رواه أبو داود والبيهقي .
4- وعن ضمرة بن ثعلبة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لا يزال الناس بخير ما لم يتحاسدوا " رواه الطبراني .
5- وروي عن عبد الله بن بسر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " ليس مني ذو حسد ، ولا نميمة ، ولا كهانة ، ولا أنا منه ، ثم تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم : { وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا } الأحزاب : 58 . رواه الطبراني .
6- وجاء عنه صلى الله عليه وسلم : " لا أخاف على أمتى إلا ثلاث خلال أن يكثر لهم من الدنيا فيتحاسدوا " ( أنظر المنذري ، الترغيب والترهيب ، 3/347 ) . (1/7)
صفحة 8
7- وعن الزبير رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " دب إليكم داء الأمم قبلكم : الحسد والبغضاء ، والبغضاء هي الحالقة : أما إني لا أقول تحلق الشعر ، ولكن تحلق الدين " رواه البزار والبيهقي .
8- وكذلك ما جاء عن ذلكم الصحابي الذي بشره النبي صلى الله عليه وسلم بالجنة ، فقام عبد الله بن عمرو بالمبيت عنده لمدة ثلاث ليال ، ليرى عمله الذي استحق عليه تلك البشارة ، فلم ير عمله كبير عمل ، وعدما سأله عن ذلك ، قال الرجل : ما هو إلا ما رأيت غير أني لا أجد في نفسي لأحد من المسلمين غشا ولا أحسد أحدا على خير أعطاه الله إياه ، فقال عبد الله : هذه التي بلغت بك .
والحديث طويل رواه البخاري ومسلم والنسائي من طريق أنس بن مالك رضي الله عنه .
وهناك أحاديث أخرى كثيرة جاءت في ذم الحسد يمكن الرجوع إليها في محلها من كتب الصحاح والسنن ، ومن لم يفده قليل الحكمة ضره كثيرها .
الآثار الواردة في ذم الحسد :
1- قال علي بن أبي طالب : " لا راحة لحسود ، ولا إخاء لملول ، ولا محب لسيء الخلق " ( ابن عبد ربه ، العقد الفريد ، 2/170 ) .
2- قال الحسن : " ما رأيت ظالما أشبه بمظلوم من حاسد : نفس دائم ، وحزن لازم ، وغم لا ينفذ " وقال : " أصول الشر وفروعه ستة : فالأصول الثلاثة : الحسد ، والحرص ، وحب الدنيا ، والفروع كذلك : حب الرياسة ، وحب الثناء ، وحب الفخر " ( المصدر السابق ، 2/170، 173 ) .
3- قال عبد الله بن مسعود : " لا تعادوا نعم الله ، قيل له : ومن يعادي نعم الله ؟ قال : الذين يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله " ( المصدر السابق ، 2/170 ) .
4- قال بعض الحكماء : " ألزم الناس كآبة أربعة : رجل حديد ، ورجل حسود ، وخليط الأدباء وهو غير أديب ، وحكيم محقر لدى قومه " ( المصدر السابق ، 2/170 ) .
5- وقيل : " الحسد يضعف اليقين ، ويسهر العين ، ويكثر الهم " ( المصدر السابق ، 2/171 ) . (1/8)
صفحة 9
6- ويقال : " لا يوجد الحر حريصا ، ولا الكريم حسودا " ( المصدر السابق ، 2/172) .
7- وقال عبد الملك بن مروان للحجاج : إنه ليس من أحد إلا ويعرف عيب نفسه ، فصف لي عيبك ، قال الحجاج : أعفني يا أمير المؤمنين ، قال : لست أفعل ، فقال الحجاج : أنا لحوح ، لدود ، حقود ، حسود ، فقال عبد الملك : ما في إبليس شر من هذا ( المصدر السابق ، 2/174 ) .
8- يقال : " الحسود ساخط على ربه في إنفاذ أقداره " إذ ليس يرى قضاء الله عدلا ولا لنعمة من الناس أهلا ، وقد أضيف إلى هذا أنك غاش لرجل من المسلمين ، تارك لنصيحته ، مفارق لأولياء الله في حبهم الخير لعباده ، مشارك لإبليس والكفار في محبتهم البلاء للمسلمين وزوال النعم عنهم . وهذه خبائث في القلب تأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب " .
وأما كونه ضررا في الدنيا فهو يتألم بحسرات الحسد ، وينحل من أجلها الجسد ، ثم لا يجد لحسراته انتهاء ، ولا يرجو لسقام جسده شفاء .( الجيطالي ، قناطر الخيرات ، 3/89 )
9- قال ابن المعتز : " الحسد سقام الجسد ثم تنحط رتبته وتنخفض منزلته لنفور الناس عنه " ، وقال : " الحاسد مغتاظ على من لا ذنب له ، بخيل بما لا يملكه ، طالبا ما لا يجده . فما أعجب من العاقل أن يتعرض لسخط الله تعالى وعذابه من غير نفع يناله ، مع ضرر يتحمله ، وغم يلازمه ، فيهلك دينه ودنياه من غير جدوى ولا فائدة " .
قال الشيخ الجيطالي : " وأما أنه لا ضرر على المحسود في دينه ودنياه فواضح لأن النعمة لا تزول عنه بحسدك ، فلا بد من دوامها إلى أجل محدود " ( المصدر السابق ، 3/89 ) .
10- وقيل : الحسود لا يسود مع ما يظهر منه من الخلاق الذميمة " ( المصدر السابق ، 3/89 ) .
11- قال بعض العلماء : " للحاسد ثلاث علامات : يتملق إذا حضر ، ويغتاب إذا غاب ، ويشمت بالمصيبة " ( المصدر السابق ، 3/89 ) . (1/9)
صفحة 10
12- قال بعض العلماء : " المحسود من الهم كساقي السم فإذا سرى سمه سرى عنه همه " ( المصدر السابق ، 3/90 ) .
13- ويروى عن عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه أنه قال لرجل : " كن عالما فإن لم تستطع فكن متعلما فإن لم تستطع فأحبهم وإن لم تستطع فلا تبغضهم ، فقال : سبحان الله لقد جعل الله مخرجا " ( المصدر السابق ، 3/91 ) .
الحسد في الشعر العربي :
قيل :
اصبر على حسد الحسود /// فإن صبرك قاتله
كالنار تأكل بعضها /// إن لم تجد ما تأكله
وقيل :
إني نشأت وحسادي ذوو عدد /// يا ذا المعارج لا تنقص لهم عددا
إن تحسدوني على حسن البلاء بهم /// فمثل حسن بلائي جر لي حسدا
وقال آخر :
إن يحسدوني فإني غير لائمهم /// قبلي من الناس أهل الفضل قد حسدوا
فدام لي ولهم ما بي وما بهم /// ومات أكثرنا غيظا بما يجد
وقيل :
إن الغراب وكان يمشي مشية /// فيما مضى من سالف الأحوال
حسد القطاة فرام يمشي مشيها /// فأصابه ضرب من العُقَّال
فأضلّ مشيته وأخطأ مشيها /// فلذلك كنَّوه أبا مِرْقال
وقال آخر :
وإذا أراد الله نشر فضيلة /// طُويت أتاح لها لسان حسود
لولا اشتعال النار فيما جاورت /// ما كان يُعْرفُ طِيبُ عَرْفِ العُود
لولا التخوف للعواقب لم تزل /// للحاسد النعما على المحسود
وقيل :
لا مات أعداؤك بل خُلدوا /// حتى يروا منك الذي يكمد
لا زلت محسودا على نعمة /// فإنما الكامل من يحسد
وقيل :
إن الحسود الظلوم في كُرَبٍ /// يخاله من يراه مظلوما
ذا نفس دائم على نفس /// يظهر منها ما كان مكتوما
وقال آخر :
أعطيتُ كل الناس من نفسي الرضا /// إلا الحسود فإنه أعياني
ما إنّ لي ذنبا إليه علمته /// إلا تظاهر نعمة الرحمن
وأبى فما يرتضيه إلا ذلتي /// وذهاب أموالي وقطع لساني
وقيل :
يا حاسدا دونك ماء العلقم /// فاشرب به تبرد الحسرات
أو صخرة أو جندلا أو جبلا /// فانطح به في كل يوم آت
( (1/10)
صفحة 11
أنظر : ابن عبد ربه ، العقد الفريد ، 2/170-178 ـ الغزالي ، إحياء علوم الدين ، 3/198-213 ـ الجيطالي ، قناطر الخيرات ، 3/90 ـ الماوردي ، أدب الدنيا والدين ، ص231-236 ) .
الفرق بين الحسد والمنافسة :
اعلم أخي رحمك الله أن هناك فرقا بين الحسد والمنافسة ، فالمنافسة هي طلب التشبه بالأفاضل من غير إدخال ضرر عليهم ، وأما الحسد فهو مصروف إلى الضرر ، فالحسد هو شدة الأسى على الخيرات تكون للناس الأفاضل ، فغاية الحسد هي أن يعدم الأفاضل من فضلهم ، من غير أن يصير الفضل له ، فإذا أنعم الله على الإنسان نعمة فأحب عبد زوالها عنه لتكون له أو زوالها عنه فقط فهو حاسد ، وحالته تسمى حسدا ، فإذا لم يحب زوالها ولكنه تمنى لنفسه مثلها فهو غابط وحالته تسمى غبطة ، وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " المؤمن يغبط ، والمنافق يحسد " .
قال تعالى : { وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ } المطففين : 26 .
فهذا هو الفرق بين المنافسة والحسد .
فالمنافسة إذا فضيلة محمودة لأنها داعية إلى اكتساب الفضائل ، والاقتداء بأخيار الأفاضل ( أنظر : الجيطالي ، القناطر ، 3/80 ـ الماوردي ، أدب الدنيا والدين ، ص232 ) .
حكم الحسد :
الحسد حرام بكل حال ، إلا نعمة أصابها كافر فاجر أو كافر فهو يستعين بها على تهييج الفتنة وإفساد ذات البين ، وإيذاء الخلق فلا يضرك كراهته لها ومحبتك لزوالها فإنك لا تحب زوالها من حيث هي نعمة بل من حيث هي آلة الفساد ، ولو أمنت فسادها لم يغمك تنعمه بها .
ويدل على تحريم الحسد الآيات والأحاديث المتقدمة ، وأن هذه الكراهة تسقط لقضاء الله تعالى في تفضيل بعض عباده على بعض ، وذلك لا عذر فيه ولا رخصة ، وأي معصية تزيد على كراهيتك نعمة مسلم من غير أن تكون لك فيه مضرة ( أنظر : الغزالي ، إحياء علوم الدين ، 3/201-202 ـ الجيطالي ، القناطر ، 3/81 ) .
محل الحسد وأحواله : (1/11)
صفحة 12
القلب دون الجوارح ، وكل محب مساءة المسلمين فهو حاسد ، وللحسد ثلاثة أحوال :
1- أن تحب مساءتهم بطبعك وتكره حبك لذلك وميل قلبك إليه بعقلك وتمقت نفسك عليه وتود أن لو كانت لك حيلة في إزالة ذلك الميل منك وهذا معفو عنه قطعا .
2- أن تحب ذلك بقلبك وتظهر الفرح بمساءته إما بلسانك أو بجوارحك فهو الحسد المحظور قطعا .
3- وهي بين الطرفين أن تحسد بقلبك من غير مقتك نفسك على حسدك ، ولا إنكار منك ولكن تحفظ جوارحك عن طاعة الحسد في مقتضاها ، وهذا محل الخلاف وإلا ظهر أن لا يخلو عن إثم بقدر قوة ذلك وضعفه (أنظر : الغزالي ، إحياء علوم الدين ، 3/212 ـ الجيطالي ، القناطر ، 3/92 ) .
مراتب الحسد :
للحسد أربعة مراتب :
1- أن يحب زوال النعمة عنه وإن كان ذلك لا ينتقل إليه وهذا غاية الخبث في الحسد .
2- أن يحب زوال النعمة إليه لرغبته فيها ، مثل رغبته في دار حسنة ، أو امرأة جميلة ، أو منصب معين ، فهو يحب أن تكون له ومطلوبه تلك النعمة لا زوالها ، ومكروهه فقد النعم لتنعم غيره بها فهذا هو الحسد المذموم .
3- أن لا يشتهي عين النعمة بل يشتهي لنفسه مثلها فإن عجز عن مثلها أحب زوالها ، كي لا يظهر التفاوت بينهما ، فهذه فيها مذموم وغير مذموم ، وتسميتها حسدا توسعا ومجازا .
قال تعالى : { وَلاَ تَتَمَنَّوْاْ مَا فَضَّلَ اللّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبُواْ وَلِلنِّسَاء نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبْنَ وَاسْأَلُواْ اللّهَ مِن فَضْلِهِ إِنَّ اللّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا } النساء : 32 .
فتمنيه مثل ذلك غير مذموم وإنما المذموم تمنيه عينه .
4- أن يشتهي لنفسه مثلها فإن لم يصل إليه لا يحب زوالها ، وهذا الأخير هو المعفو عنه إن كان في الدنيا ، والمندوب إليه إن كان في الدين . ( أنظر : الغزالي ، إحياء علوم الدين ، 3/204 ـ الجيطالي ، القناطر ، 3/83 ) .
أسباب الحسد والمنافسة : (1/12)
صفحة 13
أما المنافسة فسببها حب ما فيه المنافسة ، فإن كان أمرا دينيا فسببه حب الله وطاعته ، وإن كان أمرا دنيويا فسببه حب مباحات الدنيا والتنعم فيها .
وأما الحسد فإن أسبابه تنحصر في سبعة أشياء وهي :
1- العداوة والغضاء : وهو أشد أسباب الحسد ، فإن من أذاه إنسان بسبب أبغضه قلبه ورسخ في نفسه الحقد ، والحقد يقتضي التشفي والانتقام ، فإن عجز أن يتشفى بنفسه أحب أن يتشفى منه الزمان ، فإذا أصابت عدوه بلية فرح ، وإذا أصابته نعمة ساءه ذلك .
2- التعزز : وهو أن يثقل عليه أن يرتفع عليه غيره ، فإذا أصاب بعض أمثاله ولاية أو علما أو مالا خاف أن يتكبر عليه بذلك وهو لا يطيق تفاخره عليه .
3- الكبر : أن يكون في طبعه أن يتكبر على غيره ويستخدمهم ، فإذا نال أحدهم دونه نعمة خاف أن لا يتحمل تكبره ولا ينقاد لخدمته ، وربما يترفع عليه ، فيعود متكبرا بعد أن كان متكبرا عليه .
ومن التكبر والتعزز كان حسد اكثر الكفار للنبي صلى الله عليه وسلم ذلكم اليتيم {وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِّنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيم ٍ } الزخرف : 31 . أي كان لا يثقل علينا أن نتواضع له ونتبعه .
4- التعجب : كما اخبر الله تعالى عن الأمم الماضية إذ قالوا : { مَا أَنتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا } يس : 15 ، { فَقَالُوا أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَابِدُونَ } المؤمنون : 47 .
فتعجبوا أن يفوز برتبة الرياسة والقرب والوحي من الله تعالى وهم بشر مثلهم وأحبوا زوال نعمة النبوة عنهم ، فقالوا متعجبين : { أَبَعَثَ اللّهُ بَشَرًا رَّسُولاً } الإسراء : 94 ، وقالوا : { لَوْلَا أُنزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَائِكَةُ } الفرقان : 21 ، وقال تعالى : { أَوَعَجِبْتُمْ أَن جَاءكُمْ ذِكْرٌ مِّن رَّبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ } الأعراف : 63 . (1/13)
صفحة 14
5- الخوف من فوات المقاصد المحبوبة : وذلك يختص بمتزاحمين على مقصود واحد كتحاسد الضرائر في التزاحم على مقصود الزوجية ، وتزاحم الأخوة على نيل المنزلة في قلب الأبوين ، وتزاحم التلاميذ على أستاذهم ... الخ .
6- حب الرياسة : كرجل يريد أن يكون عديم النظير في بعض الفنون إذا غلب عليه حب الثناء أنه فريد العصر في فنه ، وأنه لا نظير له فإذا سمع بنظير له ساءه ذلك وأحب موته أو زوال النعمة التي شاركه فيها من شجاعة أو علم أو عبادة أو صناعة أو جمال أو ثروة ... الخ .
7- خبث النفس وشحها بالخير لعباد الله : فإنك تجد من لا يشتغل برياسة ولا مال ، إذا وصف له حسن حال عبد من عباد الله فيما انعم به عليه شق عليه ذلك ، وإذا وصف له اضطراب أمور الناس وتنغص عيشهم فرح به ، فهو أبدا يحب الإدبار لغيره ويبخل بنعم الله على عباده كأن ذلك يؤخذ من خزائنه ، ويقال : " البخيل من يبخل بمال نفسه ، والشحيح هو الذي يبخل بمال غيره " .
5- فهذا يبخل بنعمة الله على عباده لا بسبب عداوة ولا رابطة بينهم وبينه ، وليس له سبب ظاهر إلا خبث في النفس ورذالة في الطبع ، ومعالجته شديدة ، فهذا خبث في الجبلة لا عن سبب عارض فتعسر إزالته ، فزواله مستحيل في العادة ( أنظر : الغزالي ، إحياء علوم الدين ، 3/204-206 ـ الجيطالي ، القناطر ، 3/84-86 ) .
علاج داء الحسد :
اعلم أن الحسد من الأمراض العظيمة للقلوب ، ولا تداوى أمراض القلوب إلا بالعلم والعمل ، أما العلم النافع لمرض الحسد فهو أن تعلم حقيقا أن الحسد ضرر عليك في الدنيا والدين ، وأنه لا ضرر به على المحسود في الدنيا والدين ، بل ينتفع به في الدنيا والدين .
أما كونه ضررا عليك في الدين فهو انك بالحسد ساخط لقضاء الله تعالى غير راض بقسمته ، وهذه جناية على حدقة التوحيد وقذى في عين الإيمان وناهيك بها جناية في الدين . (1/14)
صفحة 15
وأما كونه ضررا في الدنيا فالحاسد يتألم بحسرات الحسد ، وينحل من أجلها الجسد ثم لا يجد لحسراته انتهاء ولا يرجو لسقام جسده شفاء .
وأما أنه لا ضرر على المحسود في دينه ودنياه فواضح لأن النعمة لا تزول عنه بحسدك ، فلا بد من دوامها إلى أجل محدود يعلمه الله تعالى .
وأما نفع المحسود بحسدك في الدنيا والدين فهو واضح ، فمنفعته في الدنيا أنه مظلوم من جهتك لا سيما إذا أخرجت الحسد إلى القول والفعل باللعنة والشتم ، وذكر مساوئه ، فأنت بذلك تهديه حسناتك ، فأردت زوال النعمة عنه ، فبدلا من ذلك أضفت إليه نعمة حسناتك ونعمته لا تزال باقية عنده ، وأضفت إلى نفسك شقاوة غم الحسد وشقاوة الخيبة من الحسنات .
وأما منفعته في الدنيا فهو أن أهم أغراض الخلق مساءة الأعداء وأن يكونوا معذبين مغمومين ، ولا عذاب ولا غم أعظم مما أنت فيه من ألم الحسد فقد فعلت بنفسك ما هو مراد أعدائك .
هذه هي أدوية الحسد ، فغن تفكر الحاسد فيها واتبع الدين والعقل في اجتناب الحسد وأكله الحسنات وما يستقبحه العقل من نتائج الحسد التي هي أذم المذمومات ، ورضي بالقضاء دعاه ذلك إلى ترك الحسد ، وشارك الأولياء في المحبة للمسلمين ، فقهر حينئذ نفسه على مذموم خلقها بالرياضة والتهذيب فيتظاهر بالتخلق حتى يصير بالمواظبة والعادة كالخلق .
قال أبو تمام :
فلم أجد الأخلاف إلا تخلقا /// ولم أجد الأفضال إلا تفضلا
( أنظر : الغزالي ، إحياء علوم الدين ، 3/208-212 ـ الجيطالي ، القناطر ، 3/89-91 ) .
وقد أعجبني كلام لعائض القرني في كتابه " لا تحزن " تحت عنوان : كيف تواجه النقد الآثم ، أنقله لكم بنصه :
(( (1/15)
صفحة 16
الرقعاء السخفاء سبوا الخالق الرازق جل في علاه ، وشتموا الواحد الأحد لا إله إلا هو ، فماذا أتوقع أنا وأنت ونحن أهل الحيف والخطأ ، إنك سوف تواجه في حياتك حربا ضروسا لا هوادة فيها من النقد الآثم المر ، ومن التحطيم المدروس المقصود ، ومن الإهانة المتعمدة مادام أنك تعطي وتبني وتؤثر وتسطع وتلمع ، ولن يسكت هؤلاء عنك حتى تتخذ نفقا في الأرض أو سلما في السماء فتفر من هؤلاء ، أما وأنت بين أظهرهم فانتظر منهم ما يسوؤك ويبكي عينك ، ويدمي مقلتك ، ويقض مضجعك .
إن الجالس على الأرض لا يسقط ، والناس لا يرفسون كلبا ميتا ، لكنهم يغضبون عليك لأنك فقتهم صلاحا ، أو علما ، أو أدبا ، أو مالا ، فأنت عندهم مذنب لا توبة لك حتى تترك مواهبك ونعم الله عليك ، وتنخلع مكن كل صفات الحمد ، وتنسلخ من كل معاني النبل ، وتبقى بليدا غبيا ، صفرا محطما ، مكدودا ، هذا ما يريدون بالضبط .
إذا فاصمد لكلام هؤلاء ونقدهم وتشويههم وتحقيرهم (( أثبت أحد )) وكنت كالصخرة الصامتة المهيبة تتكسر عليها حبات البرد لتثبت وجودها وقدرتها على البقاء . إنك إن أصغيت لكلام هؤلاء وتفاعلت به حققت أمنيتهم الغالية في تعكير حياتك وتكدير عمرك ، ألا فاصفح الصفح الجميل ، ألا فأعرض عنهم ولاتك في ضيق مما يمكرون . إن نقدهم السخيف ترجمة محترمة لك ، وبقدر وزنك يكون النقد الآثم المفتعل .
إنك لن تستطيع أن تغلق أفواه هؤلاء ولن تستطيع أن تعتقل ألسنتهم لكنك تستطيع أن تدفن نقدهم وتجنيهم بتجافيك لهم ، وإهمالك لشأنهم ، واطراحك لأقوالهم { قُلْ مُوتُواْ بِغَيْظِكُمْ } .
بل تستطيع أن تصب في أفواههم الخردل بزيادة فضائلك وتربية محاسنك وتقويم اعوجاجك .
إن كنت تريد أن تكون مقبولا عند الجميع ، محبوبا لدى الكل ، سليما من العيوب عند العالم ، فقد طلبت مستحيلا وأملت أملا بعيدا )) إهـ ( عائض القرني ، لا تحزن ، ص19) . (1/16)
صفحة 17
إخوتي في الله إن هذه الكلمات عميقة في معناها نفيسة في محتواها راقية في مبناها ، جدير بنا أن نتأملها بكل صدق وتجرد ، ونستفيد منها في حياتنا اليومية ، وفي تعاملاتنا مع الآخرين .
قال تعالى : { إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لَّأُوْلِي الأَبْصَارِ } آل عمران : 13 .
هذا والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على النبي الأمين وعلى آله وأصحابه أجمعين ، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم .
كاتب المقال : مهنا بن راشد بن حمد السعدي
1423/1424هـ - 2002/2003م
العنوان :
سلطنة عمان - ولاية السويق
ص.ب : 389 - الرمز : 315
abujaifar@hotmail.com (1/17)