صفحة 1
الكتاب: الصبر لأحمد الخليلي الصبر
محاضرة لسماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي حفظه الله ورعاه
المفتي العام لسلطنة عمان
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي له الخلق وله الأمر، وله الحكم وله القهر، سبحانه خلق فسوى وقدر فهدى وله الآخرة والأولى، يوفي الصابرين أجورهم بغير حساب، ويرفع لهم يوم القيامة الدرجات في دار الثواب، أحمده تعالى بما هو له أهل من الحمد وأشكره وأتوب إليه من جميع الذنوب وأستغفره وأومن له ولا أكفره، وأعادي من يكفره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدا عبده ورسوله أرسله إلى خلقه بشيرا ونذيرا وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا، فبلغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح الأمة وكشف الله به الغمة، صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وصحبه أجمعين وعلى تابعيهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد، فالسلام عليكم أيها المشائخ والأخوة والأبناء ورحمة الله وبركاته. أحييكم بهذه التحية الطيبة المباركة وأسأل الله سبحانه وتعالى أن يبارك في جمعنا هذا وأن يجعله جمعا مرحوما وأن يجعل تفرقنا من بعده تفرقا معصوما وأن يعيننا جميعا على ذكره وشكره وحسن عبادته وأن يوفقنا لطاعته ويهدينا لمرضاته إنه تعالى على كل شيء قدير وبالإجابة جدير نعم المولى ونعم النصير. (1/1)
صفحة 2
هذا، ولم يكن في بالي أن أجلس في هذا المجلس وأتحدث إليكم، فإنني قبل كل شيء أشكو من وعكة وقد كنت أتمنى أن يكون المتحدث غيري. ثم بجانب هذا شرفنا في هذه الجلسة شيخنا الفاضل حمود بن حميد الصوافي وكان هو الجدير بأن يتحدث، ولكن مع إلحاح الجميع بأن أتحدث بقدر المستطاع فإنني سأحاول أن أستلهم مما سمعته من الإمام الذي صلى بنا العشاء فيما تلاه علينا من كتاب الله سبحانه وتعالى مما يدور حول موضوع مهم طالما ركزعليه القرآن في أكثر من ستين موضعا في ثنايا آياته العظام وهو موضوع الصبر بعد أن كنت حائرا فيما أتحدث عنه. وهو ولا ريب موضوع جدير بالعناية وذلك لأن الدين يدور عليه ، فإن الدين بلا صبر ومصابرة لا يمكن أن يبقى، ولذلك عندما ذكر الله سبحانه وتعالى أن الجنس البشري خاسر، واستثنى من بين هذا الجنس الخاسر طائفة من الناس سلمت من الخسران كان من بين صفاتها التواصي بالصبر وذلك في قوله سبحانه : " والعصر * إن الإنسان لفي خسر * إلا الذين ءامنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر * "، فكل جزئية من جزئيات الدين هي بحاجة إلى الصبر، ولذلك كان الصبر ملاك الدين وكان من أركاته العظام، وكان من أسباب وصول الإنسان إلى النجاة من الخسران. (1/2)
صفحة 3
والله سبحانه وتعالى فيما سمعناه من الآيات الكريمة أمر نبيه صلى الله عليه وسلم أن يبشر الصابرين " وبشر الصابرين الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون * أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون * "، أمر الله سبحانه وتعالى نبيه صلى الله عليه وسلم هنا أن يبشر الصابرين ولم يذكر المبشر به وذلك لعظم الأمر المبشر به، فإن الصابرين يفوزون بخير الدنيا والآخرة؛ ومن أولئك الصابرون؟ إنهم الذين لا يتضجرون ولا يتأففون عندما تنزل بهم نازلة أو تحل بهم مصيبة أو تقع عليهم كارثة، ذلك لأنهم يعلمون أن الخلق لله سبحانه فلذلك يوقظون الضمير النائم في أعماق نفوسهم بقولهم: ( إنا لله وإنا إليه راجعون )، فما نحن إلا ملك لله سبحانه وتعالى لأننا عباد لله، والله هو خالقنا وهو رازقنا وهو المنعم علينا، فعندما يسترد منا شيئا فإنما يسترد ملكه ليس لنا من الأمر شيء، ونحن وإن وصل إلينا ما وصل من خير من مال وبنين وغير ذلك فإنما تلك عارية مستردة، وعلينا أن نوطن أنفسنا لحالة استردادها وأن نشعر أنفسنا بعظم المنة من الله سبحانه وتعالى علينا عندما وهبنا إياها، وأن نشعر أنفسنا بأنه سبحانه وتعالى جدير بأن يسترد عاريته التي أعارنا إياها في أي وقت من الأوقات من غير أن نشعر بضجر ومن غير أن نشعر بحسرة، ومن غير أن نشعر بملل، فنحن جميعا ملك الله ورجوعنا إلى الله سبحانه وتعالى، فمنه المبدأ وإليه الرجعى لا راد لحكمه ولا معقب لقضائه ولا تبديل لكلماته " إن الحكم إلا لله أمر ألا تعبدوا إلا إياه ".
وهذه الجملة وهي ( إنا لله وإنا إليه راجعون ) مما اختص الله سبحانه وتعالى به هذه الأمة كما رُوي ذلك في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم، فإن يعقوب عليه السلام لو كان أوتي ( إنا لله وإنا إليه راجعون ) لما تأسف على يوسف وتحسر عليه ولكن لم يمنح هذه الجملة لأن الله عز وجل جعلها من اختصاص هذه الأمة. (1/3)
صفحة 4
والقرآن الكريم يحض حضا عظيما على الصبر، ففي أكثر من ستين موضعا من آياته العظام جاء ذكر الصبر والصابرين وبيان فضل الصابرين وبيان فضل الصبر وبيان عاقبة الصبر. وقد أمر الله سبحانه وتعالى نبيه صلى الله عليه وسلم أن يصبر على ما كان يلقاه من عنت من قومه الذين كانوا يتنكرون لدعوته ويقفون في سبيلها ويتآمرون عليها من أجل القضاء عليها ومن أجل عرقلة سيرها، فقد قال الله تعالى له: " فاصبر وما صبرك إلا بالله ولا تحزن عليهم ولا تك في ضيق مما يمكرون * إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون * ". هذا درس يجب علينا أن نتأمله جميعا، ويجب علينا أن نتكيف وفق مقتضاه جميعا، ويجب علينا أن نتحمل تبعاته جميعا، فإنه وإن وُجه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فخيره يشمل الجميع، والرسول صلى الله عليه وسلم وُجه ما وجه إليه لا باعتبار شخصه فحسب ولكن لأنه رسول إلى هذه الأمة، والأمة مطالبة بأن تقتدي به فإن لها فيه أسوة حسنة لمن كان منها يرجوا الله واليوم الآخر.
والصبر هو من حيث معناه اللغوي هو بمعنى الحبس، يقال صبرته بمعنى حبسته، ومن أجل ذلك كانوا يقولون ( قُتل فلان صبرا ) أي قُتل وهو في محبسه بحيث كان ممنوعا من الفرار غير متمكن منه. ومن ذلك قول عنترة:
فصبرت عارفة لذلك حرة ...................... ترسوا إلى نفس الجبان تطلّع
أي حبست عارفة بذلك حرة، يعني بذلك نفسه أنه حبسها في مواطن القتال بحيث لم يعطها الفرصة للفرار عن مواجهة من ينازلونها بل حبسها في ذلك المكان. (1/4)
صفحة 5
والصبر الشرعي هو حبس هذه النفس الإنسانية حتى لا تتهرب عن تحمل مسؤولياتها ومواجهة ما يأتي من قبل الله سبحانه وتعالى برضى وقبول ورحابة. هذا هو الصبر الشرعي. والصبر يدخل في كل عنصر من عناصر العبادات، فكل عبادة من العبادات هي بحاجة إلى صبر، فالصلاة التي يمارسها الإنسان في اليوم والليلة خمس مرات هي بحاجة إلى صبر، كيف وهذه الصلاة هي انقطاع عن هذه الدنيا وقطع من المرء لعلائقه بها وتوجه بكليته إلى الله سبحانه وتعالى ! فهو بحاجة إلى أن يصبر نفسه أي يحبسها فيما هي متوجهة إليه بحيث تكون في كل كلمة تأتي بها مستشعرة لمدلول تلك الكلمة وشاعرة بجانب ذلك أنها بين يدي الله سبحانه تتوجه بالخطاب إليه عز وجل فعليها أن تكون مستيقظة وأن لا تكون مشغولة بأي شيء مما يصرفها عن هذا الاتجاه. ومن شأن الإنسان أن يكون دائما مشغولا بعلاقاته الدنيوية وأن يكون متطلعا إلى المزيد المزيد مما يناله من مكاسب هذه الحياة الدنيا، وأن يكون منصرفا بذهنه وعقله وفكره إلى ما يجري في هذه الحياة مما يتوجه إليه بالخير أو الشر، والنفع أو الضر، ولكنه في صلاته يجب عليه أن يقطع علائقه بذلك كله وأن ينصرف بكليته إلى الله سبحانه وتعالى، وهذا أمر يحتاج إلى صبر. وقد يكون أيضا يشعر بما يدعوه إلى الحركة الخارجة عن حركات الصلاة وهو في صلاته من حك لجسمه أو إزالة لأذى يقع عليه ولكنه مع ذلك كله يصبر ويتوجه إلى الله سبحانه وتعالى فلا يشغله ما يقع عليه أو ما يحل به من أذى عما هو متوجه إليه، هذه العبادة هي بحاجة إلى صبر. (1/5)
صفحة 6
والصيام هو بحاجة أيضا إلى صبر، لأن الصيام هو فطمٌ لهذه النفس عن ملذاتها، الطعام والشراب والوطؤ الجنسي كل هذه الأمور تدعو إليها فطرة الإنسان، ولكنه عندما يكون في عبادة الصيام يمنع النفس منها. وقد يكون في خلوة بحيث لا يطلع عليه أحد من الناس، قد يكون مرخيا على نفسه الستر فلا يطلع أحد من الناس على أمره ومع ذلك بين يديه لذيذ الطعام وبارد الشراب وهو في النهار القائظ وفي الجوع الشديد فيتحمل أذى الجوع ويتحمل مشقة الظمأ من أجل أن يصبر حتى يؤدي هذه الفريضة على النحو الذي أوجبها الله تبارك وتعالى عليه محتسبا أجره عند الله سبحانه وتعالى. (1/6)
صفحة 7
ومع هذا كله فإن الصيام أيضا لا يعني الكف عن الأكل والشرب فحسب بل هو فطم للنفس عن شهواتها وملذاتها جميعا. شهوة الجنس كما تعلمون أيضا هي داخلة في ضمن المفطرات الكبرى، والصائم يمنع نفسه من ذلك، وقد يكون في خلوة مع أهله وكل منهما في ميعة الشباب وفي زهرة العمر وكل منهما تدعوه الرغبة إلى الآخر ولكن يمنع كل منهما عن الآخر حاجز التقوى الذي يفصل بينه وبينها. وبجانب كل ذلك فإن الصيام ضبط لهذه النفس عن كل معاصي الله سبحانه وتعالى بحيث يمنع الإنسان جوارح جسمه كلها عن معاصي الله، ولكل جارحة من الجوارح رغبة، فالعين رغبتها النظر والأذن رغبتها السماع والأنف رغبته الشم وهكذا، ولكن الإنسان في صيامه عليه أن يمنع نفسه من ذلك كله عندما تكون هذه الرغية فيما لا يجوز له شرعا، فعليه أن يمنع عينه من الامتداد إلى كل ما يتنافى مع قدسية الصيام من المنذورات، فعليه أن لا ينظر بها إلا إلى مباح، عليه أن يحبس عينه من النظر إلى محاسن النساء وإلى كل ما يشغل هذه النفس عما هي متوجهة إليه وما هي مشغولة به؛ وعليه أن يمنع أذنه من الإصاخة إلى ما حرم الله من قول الزور الصادر من الغير، وعليه أيضا أن يمنع أذنه من سماع الأصوات الشيطانية المهلية عن ذكر الله من غناء وزمر وغير ذلك؛ وعليه بجانب ذلك أن يضبط لسانه، واللسان شهوته الحديث، وقد يتعدى الإنسان حدود الجائز عندما يكون غير متكيف وفق أمر الله سبحانه وتعالى في مخاطباته ، قد يتعدى حدود الجائز فيقع في عرض هذا ويتناول ذاك بالذم والقدح ويسيء إلى ذلك، ويشير إلى ذلك في كلامه إشارة لمز ونبز، ولكن هو في صيامه يمتنع من ذلك كله ليتكيف وفق أمر الله سبحانه وتعالى، وهذا يدعو الإنسان إلى أن يتزود هذا الزاد من التقوى في سائر العام وأن يصبر على ضبط هذه النفس ومنعها من الوقوع في محارم الله تعالى في أي حال من الأحوال فإن المسلم مطالب بأن يمنع لسانه من قول الزور وأن يمنع أذنه من سماع (1/7)
صفحة 8
الزور، وأن يمنع عينه من الامتداد إلى محارم الله سبحانه وتعالى وأن يمنع كل جارحة من جوارح جسمه عن مواقعة شيء من معاصي الله في أي حال من الأحوال، ولكن مدرسة الصيام هي التي تمكن الإنسان من ذلك ولذلك نيط الصيام بالتقوى وجُعلت التقوى هي الغاية منه فالله تعالى يقول: " يا أيها الذين ءامنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون "، وبعد أن ذكر الله سبحانه وتعالى أحكام الصيام في كتابه العزيز أتبع ذلك ما يدل على ارتباط الصيام بالتقوى وذلك في اختتام آيات الصوم في قوله سبحانه: " كذلك يبين الله آياته للناس لعلهم يتقون "، فتقوى الله تبارك وتعالى هي الغاية من هذه العبادة المقدسة والإنسان مطالب بأن يكون حريصا على تقوى الله في سره وجهره، وبدخوله هذه المدرسة يتكيف وفق أوامر الله.
كذلك عبادة الحج تقتضي الصبر فإن الحج يحتاج إلى صبر وإلى جهد جهيد وإلى توطين النفس على مفارقة شهواتها ومباينة عاداتها وذلك أمر يستدعي الصبر والمصابرة. (1/8)
صفحة 9
والإنسان يتحمل مسؤوليات كثيرة، فهو كما تعلمون خليفة في هذه الأرض، والخلافة في الأرض تعني تكييف الإنسان منهجه وفق أمر الله وذلك أمر يقتضي الصبر والمصابرة. فالله سبحانه وتعالى فرض فرائض وحد حدودا وحرم محارم وألزم النفس تحمل هذه الأمانة، وهذه الأمانة أمانة ثقيلة كما سمعتم من تلاوة الإمام لقول الله تبارك وتعالى: " إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا " فالإنسان مسؤول عن هذه الأمانة الكبيرة ومطالب بأن يتحملها بجدارة، وأن يقوم بواجباتها وتكاليفها بصبر، وهذا أمر يقتضي حبس النفس على مكارهها، كما هو معلوم أن الصبر هو الحبس، فهذا يقتضي أن تُحبس هذه النفس على مكارهها. النفس كما علمنا تدعوها دواع عديدة إلى شهواتها وتدفعها دوافع متعددة إلى نزواتها، النفس البشرية واقعة بين تجاذب وتدافع، ما بين الغرائز الملتهبة والضرورات المختلفة والحاجات المتنوعة، والإنسان مع سلوكه مسلك هذه الحياة لا بد له من أن يتدرع بالصبر وهو يواجه لأواء الحياة ويواجه مشاق هذه التكاليف ويواجه عنت المواجهات المختلفة. (1/9)
صفحة 10
ومن أجل أن الإنسان خليفة في هذه الأرض فهو مطالب بأن يصلح، والإصلاح يقتضي الصبر، فإن الجنس البشري جنس متداخل متشابك في مصالحه ومنافعه والإصلاح يقتضي أن لا يقتصر الإنسان صلاحه على نفسه بل عليه أن يحرص على إصلاح غيره، وإصلاح الغير يؤدي إلى الكثير الكثير من المشاق فلذلك كان الإنسان بحاجة إلى أن يصبر، وهذا واضح من أمر الله سبحانه وتعالى رسوله صلى الله عليه وسلم أن يصبر على عنت قومه وعلى منابذتهم له وعلى اعتراضهم عليه وعلى تأمرهم على دعوته، وهذا الأمر لم يكن في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم فحسب بل هو في عهود النبيين وعهود المصلحين من قبلن فتجدون في وصية لقمان لابنه أنه عندما أمره بأن يأمر بالمعروف وينهوا عن المنكر أمره بأن يصبر على ما أصابه " وأمر بالمعروف وانه عن المنكر واصبر على ما أصابك إن ذلك من عزم الأمور ". وقد قص الله سبحانه وتعالى على نبيه صلى الله عليه وسلم أنباء الرسل وأخبار الأمم من قبل حتى يصبر الرسول صلى الله عليه وسلم على الأذى الذي يصيبه بسبب ما يلقاه من أنباء من تقدمه من المرسلين وما تعرضوا له من مشاق وواجهوه من تحديات، يقول الله تعالى: " وكلا نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك "، ذلك لأن هذه الدعوة كما هو معلوم تفتقر إلى الصبر وتحتاج إلى الجهد، وترون أن الله سبحانه وتعالى أنبأنا بأن المرسلين الذين كانوا أشد الناس صبرا وأقواهم عزيمة وأشدهم شكيمة كانوا يصلون إلى مشارفة اليأس من شدة الهول الذي يلقونه كما ذكر الله تعالى ذلك في موضع أمره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يعلن للناس سبيله وسبيل أتباعه، فقد قال الله وتعالى : " قل هذه سبيلي أدعو إلى الله أنا على بصيرة أنا ومن اتبعن وسبحان الله وما أنا من المشركين "، ثم أتبع الله سبحانه وتعالى ذلك قوله: " و ما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم من أهل القرى أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم (1/10)
صفحة 11
ولدار الآخرة خير للذين اتقوا أفلا تعقلون * حتى إذا استيأس الرسل وظنوا أنهم قد كُذبوا جاءهم نصرنا فنُجي من نشاء ولا يرد بأسنا عن القوم المجرمين * لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب ما كان حديثا يفترى ولكن تصديق الذي بين يديه وتفصيل كل شيء وهدى ورحمة لقوم يؤمنون * "، فالمرسلون مع قوة جلدهم وشدة عزيمتهم يصل بهم الأمر مع ذلك كله ومع قوة يقينهم وصلتهم بالله إلى مشارفة اليأس من هول ما كانوا يلقون من قومهم وإعراضهم عن دعوتهم وتنكرهم لها؛ فالله سبحانه وتعالى ما أنبأنا بهذه الأنباء إلا من أجل أن يوطن نفوسنا في معرض الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى لكل هذه التحديات ولكل هذه المصاعب وأن نلقى ذلك كله بنفوس مؤمنة وقلوب رحبة. (1/11)
صفحة 12
وجاء في الحديث عن الرسول صلى الله عليه وسلم في ذكر أحوال الأمم السابقة أن أحدهم كان ينشر بالمناشير من رأسه إلى أسفله وهو مع ذلك صابر، وصل الأمر بالمتقدمين الذين كانوا يواجهون أعداء الله سبحانه وتعالى بصبرهم وجلدهم وإيمانهم وثباتهم أن أحدهم كان ينشر بالمناشر ولكن مع ذلك كله لا يمنعه ذلك من مواصلة طريقه حتى يلقى الله سبحانه وتعالى على ما هو عليه من الإيمان واليقين والصبر والاحتساب. والقرآن الكريم يدل على ذلك، والله سبحانه وتعالى حكى عن فرعون أنه قال لسحرته بعد إيمانهم بموسى وهارون وإله موسى وهارون : " لأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف ولأصلبنكم في جذوع النخل ولتعلمن أينا أشد عذابا وأبقى "، فماذا كان جوابهم؟؟ كان جوابهم " لن نؤثرك على ما جاءنا من البينات والذي فطرنا فاقض ما أنت قاض إنما تقضي هذه الحياة الدنيا ". وذكر لنا الله سبحانه وتعالى قصة أصحاب الأخدود في سورة البروج : " والسماء ذات البروج * واليوم الموعود * وشاهد ومشهود * قتل أصحاب الأخدود * النار ذات الوقود * إذ هم عليها قعود * وهم على ما يفعلون بالمؤمنين شهود * "، كان ذلك الحاكم المتغطرس الذي تسلط على أولئك المؤمنين أمر بأن تخدد أخاديد في الأرض وأن يُجمع فيها الوقود وأن تُضرم في الوقود النيران وأن يُلقى بأولئك المؤمنين أحياء فيها ومع ذلك صبروا وصابروا لأ ن العقيدة تحتاج إلى صبر وتحتاج إلى ثبات. وهكذا مضى المؤمنون على هذا الطريق صبروا وصابروا على ما لاقوا من أذى وما واجهوا من صعاب وما وقف في سبيلهم من عقبات حتى ذلل الله سبحانه وتعالى لهم الصعاب، والرسل كما ذكرنا عندما يشارفون اليأس لهول ما يلقونه تتنزل رحمات الله سبحانه وتعالى ويتداركهم لطفه وهنالك تغمرهم عناية الله سبحانه وتعالى فيأتي النصر من قبله سبحانه " حتى إذا استياس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا جاءهم نصرنا فنجي من نشاء ولا يرد بأسنا عن القوم المجرمين ". هذا أمر لم (1/12)
صفحة 13
يُحكى من أجل التسلي ومن أجل أن يكون متعة للنفس وإنما حكي من أجل العبرة " لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب ما كان حديثا يفترى ولكن تصديق الذي بين يديه وتفصيل كل شيء وهدى ورحمة لقوم يؤمنون ".
وفيما دُون من تراجم السلف الصالح ما يدل على ما كانوا يلقونه من أذى وما كانوا يواجهونه من تحديات وما كانوا يتعرضون له من شدائد، ولكنهم مع ذلك صبروا. في عهد الحجاج أخذ أبا عبيدة مسلم بن أبي كريمة وضمامة بن السائب رحمهما الله وأودعهما السجن وأطال سجنهما حتى كانا يجزان شاربهما بأسنانهما، ومع ذلك كله كانا صابرين، ومن أجل التفنن في الأذى إستشار الحجاج مجوسيا في إطعامهما طعاما يعذبهما ولا يقضي على حياتهما فأشار إليه بأن يطعمهما الزيت والكرّاث، وبقي ذلك طعامهما، وهو وإن كان طعاما مفيدا للجسم والمجوسي لم يسئ إليهما في هذه الإشارة إلا أنه طعام غير مألوف ومن عادة النفس ألا تميل إلى ما لا يؤلف من الطعام، ثم بجانب ذلك هو طعام واحد لا يتبدل، والطعام المألوف عندما يكون طعاما واحدا ويطول عليه أمد الإنسان فإنه ينفر منه بطبعه ويتمنى الانتقال عنه إلى غيره، فكيف بما لم يكن مألوفا ! ومع هذا كله ظلا صابرين وربما ضاق ضمام في بعض الأحوال ذرعا من هذه المعاملة القاسية وهذه الشدة الجائرة، فكان أبو عبيدة يقول له: على من تضيق يا ضمام؟! تذكيرا له بأن ذلك إنما هو من ابتلاء الله سبحانه وعلى الإنسان أن يصبر على ما ابتلاه الله تبارك وتعالى به. وكان من بين أئمة أهل الحق من عُذب في حياته ثم دُفن حيا وهو مع ذلك صابر مصطبر ومحتسب أجره عند الله تبارك وتعالى غير لاو على شيء من ذلك في سبيل الطريق التي رسمها لنفسه وهي الطريق المؤدية إلى إبلاغ دعوة الله تعالى في هذه الدنيا وإلى الوصول إلى الفوز في الدار الآخرة. (1/13)
صفحة 14
ذلك كله يدعو الإنسان إلى أن يصبر ويصابر، فكما ترون أن الله سبحانه وتعالى بشر الصابرين ولم يذكر المُبشر به لأن المبشر به خير عظيم، فهو خير يشمل خير الدنيا ويشمل خير الآخرة، والله سبحانه وتعالى بين أن الصابرين يوفون أجورهم بغير حساب " إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب "، فكل حسنة من الحسنات لها أجور محددة حسب ما جاء في القرآن، والله سبحانه وتعالى بين أن الحسنة بعشر أمثالها وأن النفقة تضاعف إلى سبعمائة ضعف عندما تكون في سبيل الله وعندما تكون خالصة لوجه الله ، ولكن الصبر لا يقف عند حساب ولا يقف عند حد، فالصبر يُوفى الإنسان أجره من غير أن يكون هنالك مقدار يُرجع إليه هذا الأجر في الحسبان، وإنما الله تبارك وتعالى وحده هو العليم بمقادير الأجور العظيمة التي يوفيها عباده الصابرين. (1/14)
صفحة 15
وفي مقام التسلية لعبد الله ورسوله صلى الله عليه وسلم قال له : " وما صبرك إلا بالله "، أنت تصبر ولكن هذا الصبر إنما هو بالله لأنك منيب إليه ومتوكل عليه ولأنك سالك طريقه الذي أمرك بسلوكه فصبرك به سبحانه وتعالى. ثم مع ذلك أمره أن لا يحزن " ولا تحزن عليهم ولا تك في ضيق مما يمكرون * إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون ". على أن التعرض للأذى ولو كانوا يبدو بادئ ذي بدء أذى يسيرا إلا أنه له وخز في النفس ومع هذا أُمر الإنسان أن يصبر، الله تبارك وتعالى يقول: " ولا تستوي الحسنة ولا السيئة إدفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم * وما يلقاها إلا الذين صبروا وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم "، هكذا يبين لنا الله سبحانه وتعالى بأن الحسنة والسيئة لا يستويان، فمقابلة الإساءة بالحسنة مما يدعو العدو اللدود إلى أن ينقلب أحيانا إلى صديق حميم، فعندما يدفع الإنسان بالتي هي أحسن ويقابل الإساءة بالحسنة كثيرا ما تنقلب الموازين رأسا على عقب ويتحول الخصوم اللد إلى أصدقاء حميمين، ولكن هذا لمن؟ إنما هذه منزلة لا يصل إليها الإنسان إلا بالصبر " وما يلقاها إلا الذين صبروا "، هذه المنزلة لا يلقاها إلا الصابرون، عندما يصبر الإنسان على ما يجده من أذى وما يكابده من مشاق وما يتعرض له من وخز وطعن من قبل الآخرين الذين ينصحهم ويأمرهم بالخير وينهاهم عن الشر فإن ذلك قد يحول مجرى حياة أولئك فتتحول معاملتهم من السوء إلى الحسن ومن الشر إلى الخير ومن النفور إلى الألفة، كل ذلك إنما هو ناتج عن الصبر الذي يصبره الإنسان في سبيل الله تعالى.
وهكذا كل المعاملات تحتاج إلى صبر، وكل شؤون هذه الحياة تحتاج إلى صبر، والحياة كلها جبلت على الأكدار فهي تحتاج إلى صبر كما يقول الشاعر التهامي في وصف طبيعة هذه الحياة، يقول:
حكم المنية في البرية جاري............ ما هذه الدنيا بدار قرار (1/15)
صفحة 16
بينا يرى الإنسان فيها مخبرا............حتى يرى خبرا من الأخبار
جبلت على كدر وأنت تريدها............ صفوا من الأقذار والأكدار
ومكلف الأيام ضد طباعها..........متطلب في الماء جذوة نار
وإذا رجوت المستحيل فإنما.........تبني الرجاء على شفير هار
فهكذا يصف هذه الحياة بأنها جبلت على الأكدار، لا تصفو للإنسان بأي حال من الأحوال لأنها حياة موقوتة ولأن كل خير من خيرها مشوب بشر، وكل صفاء منها مشوب بكدر وكل ما عسى أن يستمتع بها الإنسان من ملذاتها يلقى من بعدها الإنسان التعب ويلقى العنت، فلذلك كان الإنسان جديرا بأن يصبر على أذى هذه الحياة.
فهكذا أثر الصبر هو أثر عظيم " إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب "، وكل حياة الإنسان وكل معاملاته فيما بينه وبين ربه وفيما بينه وبين نفسه وفيما بينه وبين أهله وفيما بينه وبين مجتمعه وفيما بينه وبين أمته وفيما بينه وبين الناس جميعا كل من ذلك هو بحاجة إلى الصبر، والله سبحانه وتعالى يهيئ الخير للصابرين. نسأل الله عز وجل أن يلهمنا رشدنا وأن يوفقنا لطاعته وأن يهدينا لمرضاته وأن يعيننا على الصبر على ما يحب الصبر منا في مواجهته، إنه تعالى على كل شيء قدير وبالإجابة جدير نعم المولى ونعم النصير ، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، " سبحان ربك رب العزة عما يصفون * وسلام على المرسلين * والحمد لله رب العالمين * " والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. (1/16)