صفحة 1
المجال: المطبوعات، كتب
المادة: إسلاميات - الأخلاق والرقاق والأذكار
------------------------------------------
العنوان: جلاء البصائر في الزهد والمواعظ والروايات
المؤلف: موسى بن محمد بن عبد الله الكندي السمدي
تقديم: محمد بن أحمد بن سعود آلبوسعيدي
الناشر: مكتب المستشار الخاص لجلالة السلطان للشؤون الدينية والتاريخية
مكان النشر: د.م
تاريخ النشر: 1424ه/ 2003م
الطبعة: 1
الإيداع القانوني: 2003/326
مصدر البيانات من برنامج الرستمي بموقع المنهاج:
https://www.elminhaj.org/catalogue_rech_notis.php?id_liv=1830&id_ty=1
------------------------------------------
مصدر النسخة المصورة للكتاب (PDF) من موقع المكتبة السعيدية:
https://alsaidia.com/node/489
ملاحظة: قامت المكتبة السعيدية باستغلال تقنية التعرف الضوئي على الحروف في اللغة العربية (OCR) في إنشاء هذه النسخة المصورة (PDF)، لذلك فإنه يمكن البحث فيها للوصول إلى المعلومة بسهولة.
تنبيه: قام فريق مشروع المكتبة الشاملة الإباضية باستغلال تلك التقنية لتوفير النص المرقون، وذلك بالتحويل الآلي لصور صفحات الكتاب إلى نص، لذا فالنص الناتج ليس صحيحا 100%، لذا يمكن استخدام ذلك النص لنسخ جمل وفقرات من هذا النص الناتج، مع ضرورة مراجعته ومقارنته بنسخة (PDF) المرفقة، وتعديله وفقا لذلك قبل اعتماده.
ترقيم الصفحات: موافق للمطبوع
تاريخ النشر الرسمي بالشاملة الإباضية: 08 رمضان 1446ه/ 08 - شهر 03 - 2025م. جلاء البصائر
في الزهد والمواعظ والروايات
تأليف الشيخ الفقيه العلامة
موسى بن محمد بن عبد الله الكندي السمدي رحمه الله تعالى
الطبعة الأولى
1424 ه/ 2003 م (1/1)
صفحة 2
الناشر
مكتب المستشار الخاص لجلالة السلطان للشؤون الدينية والتاريخية (1/2)
صفحة 3
رشد
ندان (1/3)
صفحة 4
[صفحة فارغة] (1/4)
صفحة 5
فسبحانه
بسم الله الرحمن الرحيم ويد تعين الحمدين الذي حمل الارض مهاد او اعمال او با راه و بنا شعا شد ادام خلق الخلق بلامعين وصور آدم من طين ف فعال نسله فشال الة من ماء مهين لا اله الاهو واحد لا ووجل ان يرى بالعين شريك له في ملكه تقدس عن الأدناس) الاله الخلق والأمر
تبارك الله احسن الخالقين رب الاولين والآخرين وله الشكر على ما جعلنا من المهتدين وصلى الله على محمد خاتم النبيين صلى الله عليه وعلى آله الطاهر بن وسلم عليه و عليهم اجمعين اما بعد فقد ألف هذا الكتا
ايورك بالحواس
المعتصم بالله العزيز الوها المتبع لطاعة الله الأبدي موسي بن محمد عبد الله بر احمد بن محمد بن على الكندي السمدي هذا ما سبق
السلف اليه اليه فردوى العلوم والادلب والشر كل احد منهم سلك ونقلها لف طريقة ابتدعها فمنهم فركف المسائل مع وكتاب إلى
كتاب وجعل كل مقالة فينا ليلحق كل طالب وبناء بعينه بمتعة مشرعها وعد زيادة من مؤلفه ولا مرغ با او حكاية اخترعها التعلويده على اشكاله ويطول بذلك على نظيراني وامثاله فمنهم من ألف ومنهم من كتب بغير حكاية من فهمه ولانالي تعتى نشره ونظمه واقتصر كل واحد منهم على انتم الكنا ليبقى ركب في ذكرا ولي الألباب. ليلا تعمى ابصارهـ
صورة الصفحة الأولى من المخطوط (1/5)
صفحة 6
امـ
مند فوتي ها ريا تركتا ب جلاء البصارة الزهد والمواقع والروايات تاليف الشيخ الفقيد العالم العربية محمد عبد الله احمد محمد على الكندي السماح الاكر رحمة الله تعالى عليه وعلى جميع المسلم المؤمن وصلى الله على سيدنا محمد والدوار وكان) واعد عصر الاشكر ثمار البال بقيادة مراح
الاقل لله عنك الراجي عفر ومحمد عاد سعيد لف
مسعود الفرع بيك
بين ونحن وعزيز وولنا الصح الاحد الولي وعبد الرحمان وديب العصر والاوان سفر محمدد عبد الله محمد ابوسعيدي باعد الله وفقه لمرضا و مهمه معاني بيان مقشا به آيا نر و لطف ابنا واياه والمسلم المؤمنين ورزقه) انتقد حفظ هذا الكتار والعمل برم
ثم وصلى اللهم احمد والد وصحة
ولا حول ولا قو الإيابية العلم في الحظ
صورة الصفحة الأخيرة من المخطوط
-1 - (1/6)
صفحة 7
تقديم
- Y- (1/7)
صفحة 8
[صفحة فارغة] (1/8)
صفحة 9
كتاب: " جلاء البصائر "؛ مخطوط بمكتبتنا، برقم:
) 943)، مُؤلّفه الشيخ مُوسى بن محمد بن عبد الله بن
، (
أحمد بن محمد بن علي الكندي السمدي، أي: من سمد
نزوى.
ترجم له الشيخ سيف بن حمود بن حامد البطاشي (رحمه الله، وذكر أن وفاة الشيخ موسى، في النصف
الأخير من القرن التاسع الهجري.
وقد اطلعنا على بعض التراجم للشيخ مُوسَى؛ جاء فيها: أنه ألف كتاب: " الكفاية "؛ وآخرون قالوا:
كتاب: " التاج ".
وقيل: أنه ابن عمّ صاحب كتاب: " المُصنف "
وقد تصدى الشيخ سيف لهذه الأقوال؛ ومن أراد الإطلاع على ما قاله الشيخ سيف، فليطالع الجزء الثاني (1/9)
صفحة 10
من كتاب: " إتحاف الأعيان في تاريخ بعض علماء
عُمان " - المطبوع. .
وبما أن الأقوال كثرت عن ترجمة الشيخ موسى صاحب كتاب: " جلاء البصائر "، لتشابه الأسماء
والقبيلة.
فقد عهدنا إلى الدكتور / سعيد بن محمد بن سعيد الهاشمي. - أستاذ التاريخ الحديث والمعاصر المساعد - وَهُوَ مُساعد عميد كلية الآداب والعلوم الإجتماعية للدراسات العليا، بجامعة السلطان قابوس، فأجاب
مشكورا.
لذلك - أحببنا نشر ما كتبه وبه الكفاية.
والله ولي التوفيق،،،
محمد بن أحمد بن سعود آلبوسعيدي
-1 - (1/10)
صفحة 11
مُقدمة
-11 - (1/11)
صفحة 12
[صفحة فارغة] (1/12)
صفحة 13
مُؤلّف كِتاب: الكفاية "، هُوَ: العلامة محمد و
مُوسى بن سليمان بن محمد بن عبد الله بن المقداد الكندي؛ من
علماء القرن السادس الهجري.
وكان في عصر ابن عمه العلامة محمد بن إبراهيم بن سليمان بن محمد بن عبد الله بن المقداد الكندي، صاحب كتاب:
بيان الشرع "، والمتوفي في: (508 هـ / 1114 م).
ومُعاصراً - أيضاً - لابن أخيه أحمد بن عبد الله بن مُوسَى بن سليمان بن محمد بن عبد الله بن المقداد الكندي، صاحب كتاب: " المصنف "، والمتوفي في عام: (557 هـ / 1162 م).
والجدول التالي، يُوضح العلاقة بين هؤلاء العلماء
الثلاثة (1):
(1) لزيادة المعلومات، انظر المصادر التالية:
- مخطوطة: " كشف الغمة "، للإزكوي، ورقة: 448.
-
" سيرة ابن مداد "، للعلامة محمد بن عبد الله بن مداد: " باب العلماء ".
" الصحيفة القحطانية "، لابن رزيق؛ ص: 507
- IT- (1/13)
صفحة 14
عبد الله
سليمان بن محمد بن عبد الله بن المقداد الكندي
مُوسَـ
إبراهـ
""
مُؤلَّف كِتاب: " الكفاية مُؤلّف كِتاب: " بيان الشرع "
مؤلف كتاب: " المصنف "
ومن الغريب: أن العلامة خميس بن سعيد الشقصي، لم يذكره في كتابه: " منهج الطالبين "، وأعتقد أنه حدث سقط في النقل، حيث سها الناقل من: " سيرة ابن مداد "، سطرين، حيث أن عبارة الشقصي مبتورة، (انظر: " المنهج "، ج 1، ص: 626، السطر: 12).
وتابعه في ذلك، صاحب كتاب: " فواكه العلوم في طاعة
11
الحي القيوم، (ج 1، ص: 245، السطر: 18). .
وتجاهله - أيضاً - العلامة السعدي، في كتابه: " القاموس (ج 8، ص: 363، السطر: 2).
"
-16 - (1/14)
صفحة 15
ولكن تنبه صاحب كِتاب: " كشف الغمّة "، فنقل عن ابن
مداد العبارة كاملة؛ وتلاه ابن رزيق، في صحيفته؛ واستدركه
" اللمعة المرضية العلامة نور الدين، في كتابه:
إليه مُصنفاً آخر، هُوَ كِتاب: " جلاء البصائر "
"
"
لكنه نسب
ونقل عن السالمي، الشيخ سالم الحارثي، في كتابه: العقود الفضية "؛ فقال: وكتاب: " الكفاية "، لمحمد بن مُوسَى الكندي، في واحد وخمسين جزءاً؛ وله كتاب: " جلاء البصائر "، (العقود الفضية، ص: 277).
ونسب - أيضاً - الشيخ مهنا بن خلفان بن عثمان الخروصي، كتاب: " جلاء البصائر "، للشيخ محمد بن موسى الكندي.
والحقيقة خلاف ذلك تماماً، ولتوضيح ذلك، يمكن الرجوع إلى كتاب: " إتحاف الأعيان في تاريخ بعض علماء عُمان ") الجزء الثاني، ص: 103).،
حيث أن مُؤلّف كِتاب: " جلاء البصائر "، هُوَ العلامة مُوسى بن محمد بن عبد الله بن أحمد بن محمد بن علي الكندي، من علماء النصف الثاني من القرن التاسع الهجري، وهناك فارق زمني كبير بين: محمد بن موسى بن سليمان الكندي،
-10
- (1/15)
صفحة 16
وموسى بن محمد بن عبد الله الكندي
فالأول: - نرجح أنه - من علماء النصف الأول من القرن السادس الهجري، حيث أن ابن أخيه أحمد بن عبد الله بن " مُوسَى، صاحب كتاب: المصنف "، متوفي في عام:
557 هـ
والثاني: مُوسَى بن محمد، من عُلماء النصف الثاني من القرن التاسع الهجري، حيث كان من مُعاصري الشيخ محمد بن مداد بن محمد بن مداد بن فضالة الناعبي، الذي كان حيا في عام: 874 هـ؛ وأن أخاه عبد الله بن مداد بن محمد بن مداد الناعبي، قد صادق على حكم تغريق أموال بني نبهان، في زمن إمامة الإمام عُمر بن الخطاب الخروصي (885 هـ ـ 893 هـ)، وقد كانت مصادقته على ذلك الحُكم، في يوم السبت: 13 صفر
887 هـ
يُضاف إلى ذلك: أن في كتاب: " جلاء البصائر "، شواهد كثيرة، من شعر العلامة محمد بن مداد، وقد نقل الشيخ سيف بن حمود بن حامد البطاشي، جانباً كبيراً من شعر الشيخين، للتدليل على المعاصرة (إتحاف الأعيان، ج 2، ص: 103 - 111).
-17 - (1/16)
صفحة 17
"
والخلاصة: أن كتاب: " الكفاية هُوَ للعلامة محمد بن
مُوسَى بن سليمان الكندي، الذي هو من عُلماء القرن السادس
الهجري.
أما كتاب: " جلاء البصائر "، فهو للعلامة مُوسَى بن محمد بن عبد الله الكندي، من عُلماء القرن التاسع الهجري، ولا توجد رابطة بين العالمين، إلا علاقة نسب القبيلة؛ فلا نعرف بعد: عليّ "، من نسب: مُوسَى؛ ولا يوجد في وقتنا الحالي، من ينسب نفسه إلى عوائل في القرن السادس الهجري، إلا قليلاً جداً، أو ربما نادراً.
والله أسأله العون والتوفيق
666
الدكتور / سعيد بن محمد بن سعيد الهاشمي
000
-1 V- (1/17)
صفحة 18
[صفحة فارغة] (1/18)
صفحة 19
مهيد
-19 - (1/19)
صفحة 20
[صفحة فارغة] (1/20)
صفحة 21
الحَمدُ لله الذي جعل الأرض مهادا، والجبال أوتادا،
وبنا سبعاً شدادا، وخلق الخلق بلا مُعين، وصور آدم من طين، وجعل نسله من سلالة من ماء مهين، فسبحانه لا
إله إلا هو واحد لا شريك له في ملكه، تقدس عن الأدناس وجل أن يُرى بالأعين، ويُدرك بالحواس، {الآلة الخلق وَالأمرُ تَبَارَكَ الله رَبِّ العَالَمِينَ} ()، رب الأولين والآخرين، وله الشكر على ما جعلنا من المهتدين، وصلى الله على محمد، خاتم النبين، صلى الله عليه، وعلى آله
الطاهرين، وسلم عليه وعليهم أجمعين ... أما بعد.
فقد ألف هذا الكِتاب، المُعتصم بالله العزيز الوهاب، المتبع لطاعة الله الأبدي، مُوسى بن محمد بن عبد الله بن أحمد بن محمد بن علي الكندي السمدي؛ هذا ما سبق السلف إليه، من ذوي العُلوم والأداب، إذ كل أحد منهم
(1) سورة الأعراف: 54.
- Y- (1/21)
صفحة 22
سلك طريقة ابتدعها؛ فمنهم من ألف المسائل ونقلها من كتاب إلى كتاب، وجعل كل مقالة في باب، ليلحق كل طالب طلبته، وينال بغيته من غير زيادة من مُؤلّفه، ولا من بديعة شرعها، أو حكاية إخترعها، لتعلو يده على أشكاله، ويطول بذلك على نظرائه وأمثاله.
فهمه
فمنهم من ألف، ومنهم من كتب، بغير حكاية من
، ولا زيادة عن نثره ونظمه، واقتصر كل واحد منهم على إنتحال كتاب ليبقى ذكره في ذكر أولي الألباب، لئلا تعمى أبصارهم، ولا تندرس أخبارهم، وحاجة الناس إلى ما سطروه، فهم على بصيرة من أمرهم.
ونظرت مع قلة فهمي، والناقص من بصيرتي وعلمي، فاعتمدت على تأليف هذا الكتاب، وبوبته جملة أبواب، وجمعت فيه الروايات، وعددت كل رواية بأبيات، لينشط فيه القاريء، ويتذاكره المدلج والساري، رجاء الخير من الله، وطلب ثوابه
فربما أيقظ قاسي القلب مع إستماعه، وولجت
- YY- (1/22)
صفحة 23
الموعظة في أسماعه، كما إنعطف به قلب الظلوم، وارتدع به المُنافق والغشوم؛ وألفت هذه الروايات النادره عن النبي (صلى الله عليه وسلم)، وتابعيه العلماء البرره، وسميت كتابي
هذا
بـ:
جلاء البصائر في الزهد والمواعظ والروايات | وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب
- (1/23)
صفحة 24
[صفحة فارغة] (1/24)
صفحة 25
الباب الأول: في فضل العلم
عن النبي)، أنه قال أنه قال: " أشد عذاباً يوم القيامة عالم لا
يُنتفع بعلمه "؛ وأقول في ذلك شعراً:
إذا كان لي علم وليس بنافعي فذاك عذابي يوم ألقى به ربي ولا خير في علم إذا أنت لم تكن به عاملا حتى تورطت في الذنب ولم يُرضي ربي غير علم وأن يكن به عاملاً حقاً بما جاء في الكتب
وعن أبي هريرة، عن النبي (): " أن في بعض الكتب، أوحى الله تعالى إلى بعض أوليائه: قل للذين يتفقهون في الدين لغير العمل، ويطلبون الدنيا بعمل الأخرة، يلبسون للناس مسوك (1) الكباش، وقلوبهم قلوب الذئاب، وكلامهم أحلى من النحل، وقلوبهم مملؤة من الحقد والغل "؛ وأقول في ذلك
شعراً:
أتلبس يا فقيه لنا ثياباً تريناها من الوبر الثخين
(1) المسوك: الجلود، وهي عبارة عن لباس الصوفية الملبدة بالصوف، شعارا لهم. (1/25)
صفحة 26
وقلبك في القساوة قلب ذئب ولفظك ويك من عسل معين تريد بذاك أن تحوي وتلوي على الدنيا من الرجل الغبين
وعن جندب بن عبد الله، قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): " مثل الذي يطلب العلم ولا يعمل به، مثل آلة السراج تضيء للناس ويحرق نفسه "؛ وأقول في ذلك شعراً:
بالعلم فاعمل تنل من كل مطلب وليس يعمل خيراً من بغى أبدا مثل الذبالة في المصباح صاحبها تلقى العذاب وتلقي نورها الرشدا وعن أنس بن مالك، قال، قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): " رَبِّ أعوذ بك من علم لا ينفع، وعمل لا يُرفع، وعين لا تدمع، وقلب
لا يخشع، ودعاء لا يُسمع "؛ وفي ذلك أقول شعرا:
أعوذ بالله من علم بلا عمل لا يُرفعان فقد مرا بخسران والقلب قاس فلا يخشع لخالقه ومقلة لم تفض من خوف نيران اعملوا ما شيئتم أن تعملوا، فإن الله لا ينفعكم بالعلم حتى تعملوا به؛ وفي خبر: أن العلماء همتهم الرعاية، والسفهاء همتهم الرواية.
وعن ابن مسعود، عن أبيه، عن جده، قال: قال عبد الله:
26 (1/26)
صفحة 27
كونوا للعلم رُعاه، ولا تكونوا رواه؛ وأقول في ذلك:
لقد قال عبد الله كونوا لعلمكم رعاة وإلا كنتم كرواة
وعن هاشم، عن الحسن، قال: قال: أن الرجل ليعلم الرجل باباً من العلم، فيعلمه ويعمل به، إلا كان له خيراً من الدنيا وما فيها؛ وأقول في ذلك
ولقد سمعت بأن أقواماً مضوا عملوا بما علموا فنالوا إلا سعدا حازوا ثراثاً خير من دنياكم وحباهم فحووا بذاك الأسعدا
قال: قرأ رسول الله (): {إِنَّمَا يَحْشَى اللَّهُ مِن عِبَادِهِ العُلماء} (1)، قال: هُم العُقلاء الذين عقلوا من محابه واجتنبوا مكارهه؛ وأقول في ذلك
{
:
كُن عَالِما مُحتسباً لله إياك لا تك في العبادة ساهي واحفظ أمور الله واتل كتابه بالحق فيه وما تكون بساهي قال: قال رسول الله): " إن الله خواصا من خلقه يسكنون العُلا من الجنان، لأنهم كانوا أكثر حزنا في الدنيا، وذكرا للموت، وإقبالاً لربهم فيما يُرضيه، فهانت عليهم الدنيا
(1) سورة فاطر: 28.
- YY- (1/27)
صفحة 28
وعملوا للأخرة، وصبروا قليلاً، فاستراحوا طويلاً "؛ وفي ذلك أقول شعراً:
من كان همته الرضا لإلهه فليسم في الدنيا ويعل بجاهه هانت عليه بصبره ورجائه أخرى لراحته وحسن معاشه
قال الأصمعي: سمعت يقول: إذا دخلت الموعظة أذن الجاهل
مرقت من الأذن إلى الأذن الأخرى.
وقال: قال الحسن: لا ينتفع بموعظة من مرت على أذنيه صفحا؛ وفي ذلك أقول شعراً:
إن المواعظ للإنسان نافعة كالزرع يحيى إذا ما جاده المطر وإن قسى القلب لم تنفعه موعظة عن الرسول ولو وافا بها عُمر تمر صفحاً على من لا خلاق له لا السمع يفهمها منه ولا البصر
يُروى عن سليمان، عن النبي ()، أنه قال: " يُوشك أن يُبذل الكلام ويُخزن العمل "؛ وأقول في ذلك
:
القول كالكتب في حفظ خزانتها وعلمنا ضلة في الأهل والخول وإنما الأمر من أطراف السننا وحشوا أكبادنا البغضاء كالشعل
وفي بعض الأخبار: أن العلم إذا لم يعمل به، زلت موعظته
YA- (1/28)
صفحة 29
عن القلوب كما يزل القطر عن الصفا؛ وفي ذلك أقول شعرا:
اعمل فليس العلم منك بنافع حتى تكون بما علمت فعولا واعلم بأن العلم منك كمثلما ماء يمر على الصفاء عجولا
وقال النبي (صلى الله عليه وسلم): " من إزداد بالله علما، ثم إزداد بالدنيا
حبا، إلا إزداد الله عليه غضبا "؛ وأقول في ذلك
إذا ازددت بالرحمن علما وزدت في محبة دنيا زادك الله بالغضب
قال الحسن: من أحب الدنيا وسرته، ذهب خوف الآخرة من قلبه؛ وفي ذلك أقول:
حبك للدنيا ولذاتها ينسيك ما تخشاه في الآخرة عن ابن مسعود قال: قال رسول الله (): " لا يزول قدم ابن أدم يوم القيامة حتى يُسأل عن خمس خصال: عن شبابه فيما أبلاه، وعن عُمره فيما أفناه، وعن ماله من أين اكتسبه، وفيما أنفقه، وماذا عمل فيما علم "؛ وأقول في ذلك شعراً:
قدمي لن تزول حتى القيامة كيف لي كيف لي بنيل السلامة وشبابي مضى على غير صون وزماني مضى حليف الندامة والذي حزته من المال شيء زايل في الحياة فيه كرامه
- Ya- (1/29)
صفحة 30
فمضى ضائعاً وعُمري ولى والذي قد علمت داعي الندامة
عن عبد الرحمن بن غانم، قال: حدثني رجل من أصحاب رسول الله)، قال: كنا نتدارس من العلم في مسجد رسول الله)، إذ خرج علينا رسول الله ()، فقال: " تعلموا ما شئتم من العلم، فلن يأجركم الله حتى تعملوا "؛ وفي ذلك أقول:
الأجر في علم يُقابل بالعمل قبل الممات وقبل إتيان الأجل وإذا عملت بما علمت نجوت من غضب المليك بما عدلت عن الزلل
وعن عيسى (ال)، أنه قال: ليس بنافعك العِلم دون أن
تعمل، إن كثرة العلم لا يزيد إلا جهلاً؛ وفي ذلك أقول:
إذا أنت لم تعمل بعلمك لم تكن مع الناس إلا ظالماً وجهولا وكثرة حمل العلم جهل وربما تحملت منه شرة وفضولا كتب رجل إلى أخ له: أما بعد، عظ الناس بفعلك، ولا تعظهم بقولك، وأنت مصر على عظتك، واستحيي من الله بقدر قربه منك، وخف الله بقدر قدرته عليك؛ وفي ذلك أقول:
عظ الناس بالفعل الجميل ومن يعظ مقالاً بلا فعل ينحى عن الأجر وكن حييا من خالق قد عرفته وخف قدرة الباري عليك من الوزر
- (1/30)
صفحة 31
وعن علقمة بن عبد الله، قال: ما استغنى أحد بالله، إلا إحتاج الناس إليه، وما عمل أحد بما علم، إلا إحتاج الناس إلى ما عنده؛ وأقول في ذلك:
استغن بالله يا خليلي عن قصدك الناس في القليل واعمل بما جاء عن نبي وعن كتاب وعن رسول يسألك الناس كل خير بقدرة الخالق الجليل
قال عيسي بن مريم (العلا) للحوارين: إنما اعلمكم لتعملوا ليست الحكمة بالقول، إنما الحكمة قول وعمل؛ وفي ذلك أقول: ليست الحكمة قول لنا إنما الحكمة قول وعمل وعن أنس قال: قال النبي (): " العلم علمان، علم اللسان، وعلم الجنان، فأما العلم الذي باللسان، فحجة الله على ابن أدم، وأما العلم الذي بالقلب، فهو العلم النافع "؛ وفي ذلك
أقول:
العلم في القلب نور يُستضاء به من العماء وفي الأبرار برهان وفي اللسان على الإنسان حجة من براه خلقا قواماً وهو إنسان
وعن الربيع بن يحيى، قال: حدثنا مالك بن معول في قول
- T 1 - (1/31)
صفحة 32
الله تعالى: {فتبَدُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِم} (1)، أي: تركوا العلم.
":
وعن ابن عباس (رضي الله عنهما)، قال: قال رسول الله علماء هذه الأمة رجُلان، رجل أتاه الله علما، فطلب به وجه الله والدار الآخرة، وبذله للناس، ولم يأخذ عليه طمعاً، ولم يشتر به ثمناً قليلاً، فذلك تستغفر له حيتان البحر، ودواب البر، والطير في جو السماء، ويقدم على الله سيداً شريفاً، حتى يرافق المرسلين؛ ورجل أتاه الله علما، فبخل به عن عباد الله، وأخذ ثمنا عليه، واشترى به ثمنا، فذلك يلجم يوم القيامة بلجام من نار، ويُنادي مناد: هذا الذي أتاه الله علما، فبخل به عن عباد الله، وأخذ عليه طمعاً، واشترى به ثمناً، وكذلك حتى يفرغ من الحساب "؛ وأقول في ذلك شعراً:
من حاز علماً ولم يطلب به ثمناً إلا ابتغاء الرضى الله والناس ولم يكن يبتغي يوما به ثمناً إلا الثواب الذي ينجي من الباس فذاك يستغفر الحيتان أجمعها له وطير الهوى من كل أجناس وآخر حاز علما لا خلاق له قادته أطماعه من خوف أفلاس فباعه واشترى شيئاً يدنسه فبينس ما اعتاض من رجس وأدناس
وعن الحسن، قال: أشد الناس حسرة يوم القيامة، رجل
(1) سورة آل عمران: 187 (1/32)
صفحة 33
نظر إلى ماله في ميزان غيره، يسعد به، ويشقى هو؛ وأقول في ذلك:
يا من رأى ماله في يوم محشره بين الموازين في ميزان إخوان به سعيداً ويلقى ذاك حسرته في ماله وهو في وكس وخسران
وعن أنس، قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): " رأيت ليلة أسري بي إلى السماء، رجالاً تقرض شفاههم بمقارض من نار، فقلت: يا جبريل من هؤلاء؟ قال: خُطباء أمتك، يأمرون الناس بالبر وينسون أنفسهم "؛ وأقول في ذلك:
أيأمرنا خطيب أولي البصائر بإصلاح العلاين والسراير ويأمن من تخوفنا لقاه أليس الكل تجمعنا المقابر وتأتينا القيامة وهي حق بلا شك إليها الكل صاير سمعت سفيان الثوري يقول: العَالِم طبيب هذه الأمة، والمال الداء، فإذا كان الطبيب يجر الداء إلى نفسه، فكيف يعالج غيره؟ وأقول في ذلك:
إشف بعلمك من أتاك بدائه والعلم فيه شفاء هذه الأمة والمال داء فاجتنبه فإنه من أجله يأتيك داء الشقوة
--- (1/33)
صفحة 34
قال عُمر بن الخطاب (ه): إذا رأيتم العَالِم يأتي باب السلطان فهو فاسق، وإذا رأيتم القاريء يغشي باب الأغنياء فهو
ذيب
وكان رسول الله () يقول: " اللهم إني أعوذ بك من) الحُزن "، قالوا: يا رسول الله، وما الحُزن؟ قال: " واد في جهنم للمرائين بأعمالهم، وإن أبغض الخلق إلى الله، القاريء الذي يأتي باب السلطان ليأكل من عنده بقراءته، وما إزداد من السلطان قرباً إلا إزداد من الله بُعداً "؛ وأقول في ذلك:
وإذا العلماء بالأمراء حلوا فقد باءوا بمنقصة وفسق كذاك الأغنياء إذا أتاهم فتى يقرأ بمعرفة وثطق ليأخذ ما يحاوله برفق
فذا كالذيب جاءهم ويسعى
- TE - (1/34)
صفحة 35
الباب الثاني في الزهد في الدنيا
نهى النبي (عن الركون إليها، والإغترار بها؛ وقد بدأت بما في كِتاب الله تعالى: {إِنَّ وَعْدَ اللهُ حَقٌّ فَلَا تَغرَّنَّكُمُ
الحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغْرَّنَّكُم بِالله الغرُورُ} ().
وعن مجاهد، عن ابن عُمر، قال: قال رسول الله): " كُن في الدُّنيا كأنك غريب أو عابر سبيل "؛ وأقول في ذلك:
هي الدنيا ومن فيها غريب ورحلة من ترى فيها قريب فإن تخطي المنية في صباحي أتاني في الرواح بها المغيب أمر بها كمجتاز سبيلا يُباري بالنجيبة والنجيب وعن الحسن، أنه كان يقول: إنما المؤمن في الدُّنيا كالغريب لا يجزع من ذلها، ولا يُنافس أهلها في عزها، أن كل ما فاته منها غنيمة باردة؛ وأقول في ذلك:
لا يجزع المؤمن المأمون سيرته ذل الحياة وما يأتي من الحقب
(1) سورة لقمان: 33.
_ TO_ (1/35)
صفحة 36
ولا ينافس في الدُّنيا وعزتها كلا ولا حظه منها سوى الهرب يرى النعيم إذا ما فات مغنمة وراحة النفس من سعي ومن طلب
وعن أنس بن مالك، قال: مَرَّ النبي () بمجلس الأنصار، وهم يمرحون ويضحكون، فقال: " أكثروا من ذكر هاذم اللذات، يعني: الموت، فإنه إن كنتم في غنى كدره عليكم، وإن كنتم في ضيق وسعه عليكم، إذا مات أحدكم يرى ماله من خير وشر "؛ وأقول في ذلك
:
أكثروا من ذكر هادم اللذات واقصروا عن مطلب الشهوات اذكروا الموت يذهب الفقر عنكم وفي الغنى ذكره من المصيبات كل من مات قد يرى ما يُلاقي من سرور وموقف الحسرات
وعن معاوية بن حيدة القشيري، قال: أتيت رسول الله فقلت له: ما يكفيني من الدنيا؟ قال: " ما سد جوعتك وستر عورتك، فإن كان لك بيت، وإمرأة، وخادم، فهو
()
ملك ":
إذا نلت من دنياي ما سد جوعتي وثوبا يواري عورتي فهو ما أهوى كذاك رسول الله قال بأنه كفاية عبد لا يميل إلى الشكوى وإن كان بيتاً يستظل بظله وعرساً ومملوكاً حوى غاية القصوى
- 36 - (1/36)
صفحة 37
قال: سمعت الحسن يقول: إن سليمان مرض مرضه الذي مات فيه، فأتاه سعد يعوده، وقال: كيف تجدك يا عبد الله؟ فبكي، فقال: ما يُبكيك؟ فقال: والله ما أبكي أسفاً على الدنيا، ولا حباً لها، ولكني سمعت رسول الله ()، عهد إلينا عهداً فقال: " ليكن بلاغ أحدكم في الدُّنيا كزاد الراكب "، وعسى أن لا يكون قد جاوزنا أمره؛ وأقول في ذلك
:
بلاغ الفتى في دهره يكتفي به كما يكتفي في سيره زاد راكب كذاك سليمان بكى عند موته حذار التعدي عن مقال المخاطب وعن ابن عُمر، قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): " من جعل الهمين هماً واحداً، كفاه الله أمر دنياه وآخرته، ومن تشعبت عليه الهموم، لم يُبال الله في أي أودية الدُّنيا هلك "؛ وأقول في
ذلك:
إن الهموم إذا إعترت قلب إمري؟ وتشعبت في أمر دنيا فانيه لم تبق إلا قسمة من ربه نصباً وتعساً بالمذلة عاتيه والخير من يك همه لمعاده سبباً إلى نيل القطوف الدانيه في جنة الفردوس فوق أرائك يُسقى الرحيق من العيون الجاريه
وعن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): " من (1/37)
صفحة 38
كانت الآخرة همه وطلبه، كف الله ضيعته، وجعل غناه في قلبه وأتته الدنيا وهي راغمة؛ ومن كانت الدنيا همه وطلبه، أفنى الله عليه ضيعته، وجعل فقره بين عينيه، ولم يأته من الدنيا إلا ما كتب له "؛ وفي ذلك أقول:
من كانت الدُّنيا له همه ليس له في غيرها همه فذاك داء ووبال له من حوله مع ذاك بالنقمه
وعن الحسن: أن رسول الله ()، كان يقول: " مالي وللدنيا، مالي ولها، إنما مثلي ومثل الدنيا، كراكب مَرَّ بشجرة، فاستظل بظلها ساعة، ثم تركها "؛ وأقول في ذلك
:
مالي للدنيا ومالي لها لو أنها عني في معزل كأنني قد قلت في ظلة من شجر الشام أو الموصل في ساعة ثم تجاوزتها بالسير معجالاً على أرجل وعن ابن عُمر: أن النبي ()، قال لأبي ذر: " يا أبا ذر، إنما الدنيا سجن المؤمن، والقبر أمنه، والجنة مصيره، والمؤمن يتزود، والكافر يتمتع "؛ وقد قال الله تعالى: {وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوِيِّ لَهُم} (1)؛
(1) سورة محمد: 12.
- TA - (1/38)
صفحة 39
وفي ذلك أقول: للمؤمنين من الدنيا قساوتها لا صفو فيها لهم بل سجنهم فيها والأمن للمؤمنين القبر عُدَّ لهم وجنة الخلد مأواهم أعاليها تزودوا ودعوها عنكم فلكم جنات عدن تحلوا في مغانيها والكافرون أعدت من جنانهم والنار من بعدها مثوى لهم فيها تمتعوا قرناء السوء ويحكم دنياكم لكم طابت مراعيها قال: وكان الحسن يقول: يا ابن أدم، عف عن محارم الله
تكن عابداً، وارض بما قسم الله تكن غنيا؛ وفي ذلك أقول:
ارض بما أوتيت من قسمة فمرتضي القسمة يؤتي الغنى وعُف عن ما جاء تحريمه تلق من المعبود نيل المنى وكان الحسن يقول: إنه كان بين أيديكم أقوام يجمعون عتيداً سديداً، ويأملون بعيداً، أصبح جمعهم بُوراً، وعملهم غروراً، ومساكنهم قبوراً؛ وفي ذلك أقول:
كم جامع وقرأ وبان منزلاً ومؤمل أملاً فخان الأمل أمسى وأصبح جمعه متبدداً عنه وحل به البلاء النازل منعته أسباب المنون وحل في قبر يواريه حصى وجنادل
- 79_ (1/39)
صفحة 40
وعن أبي هريرة، قال: سمعت رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، يقول:
الزهد في الدُّنيا يريح القلب والبدن "؛ وفي ذلك أقول:
الزهد في الدُّنيا لقلبك راحة وسكون قلبك عن طلاب الفايت فازهد عن الدنيا بجسمك واجتهد أن لا تطالب حاجة من شامت والله فاسأل أن ينالك فضله وعطاً يكون من الثبات الثابت قال: أتى النبي () رجل، فقال: حدثني بحديث، واجعله موجزاً، فقال له النبي (): " صل صلاة مودع، واعبد الله كأنك تراه، فإن لا تكن تراه فإنه يراك، وأينس مما في أيدي الناس تعش غنياً، وإياك وما يعتذر منه "
ودع إذا صليت فرضك قالا واجعل حمامك للعيون مثالا إن لم تراه فإنه سيراك عن قرب وأنت مغفل إغفالا وعليك بالياس الجميل عن الورى تحوي غنى وقناعة وجلالا ومقالة تحتاج أن تأتي لها عذراً كأنك قد أتيت محالا
قال: قال رسول الله): " من أصبح أمنا في سربه مُعافاً في جسمه، عنده قوت يومه، كأنما حيزت له الدنيا وأقول في ذلك: (1/40)
صفحة 41
من نال عافية وأصبح أمناً في داره مع قوت يوم واحد فكأنما بلغ المأرب كلها فعليه فيها شكر ربي الواحد
قلت لأبي حنيفة: ما الزهد من كِتاب الله؟ قال: سألت أبا جعفر محمد بن علي عن ذلك، فقال: {لَّكَيلَا تَأْسَوا عَلَى مَا فَاتَكُم وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا أَتَاكُم} ()، فمن كان هكذا، فهو الزاهد حقاً؛ وأقول في ذلك:
{
لا تأس يوما على ما فات وارض بما أتيته فالرضى أمن من الحزن ولا تكن قط مفراحا بفائدة أتتك في حدة الأيام والزمن فكل شيء من الدُّنيا وزخرفها فان فكن أنت فيها من ذوي الفطن ونفس كل إمرء رهن بما كسبت فإن تكن حسناً أفضى إلى حسن
وعن أبي سلمة، قال: قال سعد بن أبي وقاص: ما كان عُمر بأولنا إسلاماً، ولا أقدمنا هجرة، فقال: فبأي شيء فضلكم؟ قال: إنه كان زاهداً في الدنيا؛ وأقول في ذلك
:
فضلاً وعزاً ورفعة دعوا عنكم الدنيا وخلوا سبيلها كما لم يُبالي عُمر قبلكم بها وزحزح عنه كثرها وقليلها
قال: قال عبد الله بن مسعود: وكفى بخشية الله علما، وكفى
(1) سورة الحديد: 23. (1/41)
صفحة 42
:
بالإغترار به جهلاً؛ وأقول في ذلك
لا تغترر بالواحد القهار تصلى الجحيم مُخلداً في النار واخش الإله كخشية السلف الأولى كانوا من الأخيار والأبرار
وقال محمد بن مداد: كفى بخشية الله علماً، وبتلاوة القرآن فهما، وقد كفى بالإغترار شؤماً.
وعن علي، قال: قال رسول الله (): من إشتاق إلى الجنة، سارع إلى الخيرات، ومن أشفق من النار، سلا عن الشهوات، ومن زهد في الدُّنيا، هانت عليه المصائب "؛ وأقول
في ذلك:
من إشتاق يوماً إلى الجنة أقام على الخير والسنة عن الشهوات التي لم تزل دواعي العذاب بلا منة فكم ساعة أحدثت شهوه بها الحُزن طال مع الحسرة
ولي مثله: والحديث ذو شجون، والكلام ذو فنون؛ فقلت
:
أما من مشوق إلى الجنة يقيم على الفرض والسنة ويلهى عن الشهوات التي سيحضى بها من ذوي الخيبة وكم شهوة أورثت حسرة وكم نظرة لك عن فتنة
42 - (1/42)
صفحة 43
وعن الحسن، أنه كان يقول: يا ابن أدم، إنك لفي هدم
عُمرك مذ خرجت من بطن أمك؛ وأقول في ذلك:
إنما الدنيا كماء باردٍ شرب الظمآن منه واكتفى وبقايا الماء هم كله وسبيل الحق خير يُقتفا
ولي في ذلك:
إنما الدُّنيا كماء يكتفي الإنسان منه
بقاياه
بلاء
بارد عذب المذاق
بقليل كانتشاق
موم كالخناق
وعن الحسن، عن أنس، قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): ليجنن أقوام يوم القيامة، ولهم من الحسنات مثل جبال تهامة، فيُؤمر بهم إلى النار "، فقلت: هل كانوا يُصلون؟ قال: " كانوا يُصلون، ويأخذون هينا من الدُّنيا، فإذا رأوا شيئا من الدنيا وثبوا عليه "؛ وأقول في ذلك
إن قوماً لهم من الحسنات مثل ثقل الجبال من عرفات نسكوا في عبادة واجتهاد ولهم وقفة لدى الصلوات وإلى النار يُسحبون لماذا ولجوا في مسالك الشهوات ذاك لما رأوا لدنيا سبيلاً خالسوا أخذها مع الخلوات
- E† _ (1/43)
صفحة 44
وعن عُمر، قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): " أشد ما أخاف
على أمتي، زلة العالم، أو جدل منافق بالقرآن واقف ".
زلة العَالِمِ مُغضاة البصر وهي داء ووبال في البشر يحفظ الأفك ولا يمقته ليس ذو عدل ولا يقفوا الآثر
وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): " من طلب الآخرة أضر بالدُّنيا، ومن طلب الدُّنيا أضر بالآخرة، فأضروا بالفاني على الباقي "؛ وفي ذلك أقول:
هما ضرتان بلا مرية فصادق إن شئت إحداهما فإن شئت فاني فدنياك خذ فلن يُسعدا قط كلتيهما
وقال محمد بن مداد، في معنى قوله:
هما ضرتان أضرا بنا وفي جمعهن علينا ضرر فاضرر بفان كظل السحاب لباق مُقيم فكن ذا بصر وعن أبي هريرة، عن النبي ()، قال: " كلمة الحكمة ضالة المؤمن، كل حكيم مُؤمن، فإذا وجدها فهو أحق بها ".
وعن النبي (صلى الله عليه وسلم)، أنه قال: " ما ينتظر أحدكم بالدنيا إلا غني مضيعاً، أو فقراً منسياً، أو هَرماً مُفسداً، أو موتاً مفنداً،
{{_ (1/44)
صفحة 45
ولا رجاء للدنيا، والموت أقرب غايب، {وَالسَّاعَة أدهَى وَأَمَرْ} () "؛ وفي ذلك أقول:
إنتظاري مع الحياة عيائي في صباحي وبكرتي ومسائي وكذا الفقر أتى كيف حالي إن أتى الداء كيف لي بالدواء هرم أرتجي وغايب سوء لا رعي الله غايب الأسواء
كان أبو سعيد الخدري، يقول: سمعت رسول الله () إن أشقى الأشقياء من إجتمع عليه فقر الدنيا وعذاب
يقول:
"
الآخرة "؛ وفي ذلك أقول
إن أشقى الأنام من حالف الفقر ومن بعده العذاب الأليما وكذا قال صادق الناس قولاً خاتم الأنبياء كان عليما
قال: دخلت عائشة على أبي بكر رضي الله عنهما، وهو
يعالج ما يعالج الميت، فلما رأت نفسه في صدره، تمثلت
:
أمأوى ما يُغني الثراء عن الفتى إذا حشرجت يوماً وضاق بها الصدر
فنظر إليها أبو بكر، كهيئة الغضبان، وقال: ليس هكذا ولكن قولي: {وَجَاءَتِ سَكرَهُ المَوتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنتَ مِنْهُ
(1) سورة القمر: 46
45 (1/45)
صفحة 46
تحيد} ().
{
وعن كعب، قال: قال عيسى العليا) لأصحابه: يا أصحابي، الشمس في الشتاء صلاني، والقمر سراجي، وبقول البرية فاكهتي وطعامي، وشعر الغنم لباسي، أبيت حيث يُدركني الليل، ليس لي ولد يموت، ولا بيت يخرب، وأنا كببت الدنيا على وجهها:
الشمس في أيام الشتاء صلائي وسراجي القمر المنير مسائي ولباسي الشعر الثخين وعيشي بقل الفلاة ولذتي وغذائي وأبيت حيث يجنني ليل الدُّجى في الوعر والفلوات والبطحاء لا ولد لي يموت ولا لي منزل ينقض أو شيء من الأشياء وعن عُمر بن الخطاب (ه)، أنه إطلع على أبي بكر الصديق (ه)، وهو يمد لسانه، فقال: ما تفعل يا خليفة رسول الله)؟ قال: هذه أوردتني الموارد، سمعت رسول الله يقول: " ليس هناك عضو من الجسد إلا وهو يشكوا من
: J()
اللسان "؛ وأقول في ذلك:
كل عضو يشكوا إليَّ لساني أنها حملت عليَّ هواني
(1) سورة ق: 19. (1/46)
صفحة 47
من وقى شرها كفى كل شر ووفى فرحة مضى بأمان
قال عُمر بن الخطاب (ه): متى أشفي غيضتي حين أقدر،
فيُقال: لو غفرت، أو حين أعجز، فيُقال: لو صبرت.
متى أشف غيضتي حين أقدر أن أشفي بل العفو أولى بي من الغشم والعسف فإن كنت ذا عجز صبرت على الأذى بحلمي ولم أنسب إلى خطة الخسف قال: كان عُمر بن الخطاب (ه)، كثيراً مما يتمثل بهذا
البيت: كلا لها حسرة تقضي إلى ندم وفي المحارم منها السم مدرور وعن عليّ بن أبي طالب، عن النبي (صلى الله عليه وسلم)، قال: " إنما الخوف إتباع الهوى، وطول الأمل، والحُب للدُّنيا، والله يُعطي الدُّنيا من يُحب ويُبغض، ولا يعطي الآخرة إلا من يُحب، فإذا أحب الله عبداً أعطاه الإيمان "؛ وأقول في ذلك
:
لا تتبعن الهوى واعرض عن الأمل واصحب زمانك والحسنى من العمل وحب دنياك دعه فهي فانية يعطي البغيض وأهل الحب للخول والله يمنح أخراه لمن وجبت له الولاية والإيمان بالرسل
- {V_ (1/47)
صفحة 48
وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله (): " لا تغترروا بالله، فإن الله لو أغفل شيئاً، لأغفل هذه الذرة، والبعوضة، والخردلة "؛ وأقول في ذلك
إياك لا تغترر بالله إن له فيما تراه من الأشياء أمثالا لم يغفل الله عن ذر وخردلة وفي البعوضة قال الله ما قالا
قال: سمعت الحسن يقول: لو لم يكن لنا ذنوب إلا حُبنا الدُّنيا، لخشينا أن يُعذبنا الله؛ وقلت في ذلك:
ذنوبي كالقطر إن عددت وأمرى إلى الله ما شاء فعل ولو لم يكن لي ذنب سوى محبة دنياي وادي الوحل لخفت العذاب على حبها وكدحي فيها بطول الأمل
قال الربيع لأبي العتاهية: كيف أصبحت؟ قال: أصبحت والله في مضيق، هل من سبيل إلى الطريق، أف لدنيا تلاعبت بي تلاعب الموج بالغريق؛ وقلت في ذلك:
أصبحت وقفاً لكل ضيق أشرق من غصتي بريق تعساً لدنيا سقطت فيها فجزت فيها على الطريق
وقلت في ذلك:
- (1/48)
صفحة 49
سقطت إلى الدنيا وعاشرت أهلها فما حازها إلا ظلوم وجاهل وأهل التقى ما نافسوا في تراثها إلا أنها كالظل والظل زائل
قال: قال رسول الله (): يا جرير أسلم تسلم، إني أحذرك الدُّنيا، حلاوة درها، ومرارة فطامها
من كان في الدُّنيا فضيف بها وما له من عارية ترتجع تنزع منه روحه كارها وما له من كَفَّه ينتزع
ولي مثله، وعلى وزنه وشكله:
الناس في الدنيا ضيوف بها والضيف من ساعته يُرتحل وما لهم عارية عندها تذهب منهم في بلوغ الأجل
وعن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله): " من لم يتعزز بعز الله تعالى، تقطعت نفسه حسرات، ومن لم ير أن الله نعمة إلا في مطعم أو شرب، فذلك الذي قل علمه وكثر جهله ومن نظر إلى ما في يدي الناس طال حُزنه "، وأقول في ذلك: إذا لم ير الإنسان الله نعمة عليه أتت إلا على الأكل والشرب فذاك الذي قد قل في الناس علمه وتاه به جهل وال إلى الذنب ومن أبصر الأشياء في كف غيره تعاظمه الحُزن المُنغص بالكرب
- 29 - (1/49)
صفحة 50
وعن أنس، قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): " أيها الناس لا تخالفوا الله في أمره، فإن من الخلاف على الله، أن تسعوا في عمار دار قضى الله فيها الخراب "؛ وأقول في ذلك
:
مُخالفة الله أشد شيء وأقبح من مخالفة العباد اتسعوا في عمارة دار دنيا قضى الباري عليها بالنفاد
وقد قال علي بن أبي طالب، وأجاد:
ومن يصحب الدنيا يكن مثل قابض على الماء خانته فروج الأصابع قال: قال لي أنس بن أبي شيخ: أن الله جعل الدنيا دار بلوى، والآخرة دار عُقبى، فجعل الدنيا لثواب الآخرة سبباً وثواب الآخرة من بلوى الدُّنيا عرضاً، فيأخذ ليعطي، ويبتلي ليجزي، وأنشدنا محمد بن ثابت الكلبي، شعراً:
الدار دار نوايب ومصايب وفجيعة بأحبة وحبايب ما ينقضي نهل بفرقة صاحب حتى أعل بفرقة من صاحب وإذا مضى الألافُ عنك لطبعهم والمؤنسون فأنت أول ذاهب قال الحسن بن أبي عليّ بن أدم: لا يضرك ما أصابك من شدايد الدنيا، إذا بقي لك خير الآخرة، وماذا ينفعك إذا أصبت من (1/50)
صفحة 51
الدُّنيا، إذا حُجب عنك خير الآخرة؛ وأقول في ذلك:
ماذا يضرك من دنيا وشدتها إذا بقي لك خير بعدها باقي وأي نفع لدنيا نلت أفضلها وقد حرمت ثواباً للشفاء واقي
قال: قال الحسن في بعض قوله: لو تكاشفتم ما تدافنتم: تهاديتهم الأطباق، ولم تتهادوا النصائح؛ قال الشيخ محمد بن
مداد:
تهاديتم الأطباق فيها فواكه ولم تتهادوا بينكم بالنصائح نصائح فيها للبيب مواعظ وواقية من مخزيات الفضائح
وقال أمير المؤمنين عُمر بن الخطاب (ه): رحم الله من أهدى إلينا مساوينا؛ وأقول في ذلك
:
نهدي إلى الأحباب في أطباقهم ما يشتهون من الفواكه والنعم ولو أننا نهدي النصايح دونها هدينا ولم تنزل على أحد نقم وهدي المساوي للنصيحة خير ما يُهدى فتلك هدية تعلو الهمم
ويُروى في كتاب: رحم الله رجلاً خلا بكتاب الله، فأعرض نفسه عليه، فإن وافقه، حمد الله وسأله الزيادة من فضله، وإن
خالفه، أعتب وأناب؛ وأقول في ذلك:
1011 (1/51)
صفحة 52
رحم الله من خلا بكِتاب فيه آيات ربه المحكمات عرض النفس بالذي هو فيه وتلا ما رأى من البينات إن يكن وافق الطريقة فيه حمد الله ما بقي في الحياة أو يكن خالف الشريعة فيه تاب من حينه عن الشبهات
وعن الحسن، قال: ضحك المُؤمن غفلة؛ وقال: هذا الموت
كدر الدُّنيا، فلم يدع لذي لب فرحا؛ وأقول في ذلك:
كثرة الضحك غفلة في القلوب وسبيل إلى إرتكاب الذنوب كدر الموت دار دنيا وأبقى حزنا من حذار ما في الغيوب
ولقد أجاد عدي بن زيد، في وصف الموت فأحسن، حيث
يقول:
لا أرى الموت يسبق الموت شيء نقص الموت للغني والفقير يدرك الآبد الغرور ويُردي الطير في النيق سنين الوكور
وعن أعوذ بن عبد الله، في قول الله (ع): {وَلَا تَنسَ
نصيبكَ مِنَ الدُّنْيَا} (1)، أي: تعمل فيها بطاعة الله.
{
قال: لا تنس صحتك وقوتك، وفراغك، وشبابك وغناك، أن
(1) سورة القصص: 77.
• (1/52)
صفحة 53
تطلب به الآخرة؛ وأقول في ذلك
:
لا تنس حظك من دنيا خلقت لها واعمل بطاعة من أنشأك إنسانا في صحة وشباب تستقيم به وقوة وغنا يعطيك إمكانا
وعن سفيان الثوري: أنه كان يقول من دعاء السلف: اللهم أزهدنا في الدُّنيا، ووسع علينا فيها، ولا تزوها عنا، ولا ترغبنا فيها؛ وأقول في ذلك
إلهي فزهدني عن الحب للدُّنيا برزق وفضل واسع طيلة المحيا ولا تزوها عني بغفلة عيشة وترغبني فيها فتفتنني الدنيا
وعن الحسن، عن زيد، عن أبيه، قال: من عظمت الدنيا في عينه، وكثر موقعها عنده، آثرها على الله؛ ولقد كان رسول الله)، يجوع في خاصته، وقد زواها عنه، فلينظر ناظر بعقله، أكرم الله محمداً بذلك، أم أهانه، فإن أكرمه، فيعلم أن الله قد أهان غيره، حيث يسقطها عليه، وزواها عن محمد إختياراً، وبسطها لغيره إعتباراً؛ وأقول في ذلك:
إن للفقر والمجاعة فضلاً خص ربي بذلك الأنبياء وحوى بالغنى أناساً فطالوا واستطالوا وقربوا الأشياء فعلى منهج الغرور استمروا والذي اختار لازم الأولياء (1/53)
صفحة 54
ومنه ما جاء في نكد الدنيا وهوانها على الله
وعن جابر، عن النبي ()، أنه مر بجدي أسس ميت أسك، فقال: أيكم يشتري هذا بدرهم؟ فقالوا: لو كان هذا حيا لكان، هذا السكك عيبا فيه؛ فقال النبي (صلى الله عليه وسلم): " الدنيا أهون على الله من هذا "
أسس: ذو الرائحة الكريهة؛ أسك: جانبي الفرج، وهما غدتاه وطرفاه؛ وأقول في ذلك:
جاوز المصطفى بجدي أسك ميت ما يلم فكأ بفكِ قال هذا درهم فاشتروه قيل ميت وليس فيه بسكِ لو يرى في الحياة وهو أسك لم أبالي به أو عملت أنكي قال دنياكم على الله هانت مثل هذا فضلت حيران أبكي
حدثنا عبد الله، حدثنا أبو كامل فضيل بن الحسين الجحدري، حدثنا أبو إسماعيل القتاد، حدثنا قتاده، عن أنس: أن رسول الله، مر هو وأصحابه بسخلة ميته، فقال لهم: " هل ترون هذه، هانت على أهلها "، قالوا: نعم يا رسول الله، فقال رسول الله): " والذي نفس محمد بيده، للدنيا أهون على الله (ع) من هذه على أهلها حين ألقوها ". (1/54)
صفحة 55
وعن أبي كعب، قال: قال رسول الله): " إن الله
يضرب ما يخرج من ابن أدم مثلاً للدنيا "؛ واقول في ذلك:
الله قد ضرب الدُّنيا لنا مثلاً بذاك قال رسول الله في الخبر كمثل ما يُخرج الإنسان قيمتها من المناسم من بول ومن وضر وعن الضحاك بن سفيان، قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): " يا ضحاك بن سفيان، ما طعامك؟، قال: الملح واللبن، قال: بم تصير إليَّ ماداً؟ قال: إلي ما عملت، قال: فإنما ذلك مثل ضربه الله للدُّنيا، قال: أذهب فيما يزول، واعتمد لنفسك ما وأقول في ذلك:
يدوم
دع ما يزول وما يدوم فلازم كي لا يكون غداً بأول نادم قال: قال الحسن: أن المُؤمن لعبد كيس، تفكر فاعتبر واعتبر فأبصر، عمد إلى دنياه فهدمها، فبنا آخرته، ولم يهدم آخرته لدنياه، فكانت تلك وثيقة من لقى الله ورضي عنه الله؛ وأقول في ذلك:
المؤمنون تفكروا فأطالوا وتحملوا نصباً بذاك فنالوا ما يشتهون بترك دنيا أهملوا عمروا سواها للمُقيل فقالوا في جنة الفردوس فهي جزاؤهم إذ عاينوا سبل الضلال فألوا
186 (1/55)
صفحة 56
قال عيسى (العلا: يا عبيد الدُّنيا، إن مثل الدنيا كمثل بيت له بابان، يدخل من أحدهما، ويخرج من الآخر، كذلك هي، فأخربوها ولا تعمروها؛ وفي ذلك أقول:
إنما الدنيا كدار شيدت ولها بابان باب يدخل فإذا مر بها والجها جاوز الثاني فأين الأول قيل لبعض الزهاد: أخبرنا عن الدُّنيا؟ قال: جمة المصايب،
رَيّقة المشارب، لا تمنع صاحبها من صاحب
ومن عادة الأيام أن صروفها إذا سر منها جانب ساء جانب
وأنشدنا أبو زيد بن دريد، فقال:
إذا سأني دهر تذكرت ما مضى يسيء بنا حيناً وحينا يُسامح
ضرب الله لكم الدنيا مثلاً، فهي الزرع، والآخرة الحصاد لما يُزرع، زرعه فيها الخير والشر، ومن يكن المر زرعه لا يحصد
حلواً، ومن يكن الحلو زرعه فلا ينبت مراً؛ وفي ذلك أقول:
إزرع الخير تحصد الحلو منه ثم بعد الحصاد تلق المستره ودع المُرَّ فهو أخبث شيء تجتني في الحصاد منه أمره وفي مثله، أقول: (1/56)
صفحة 57
إزرع الخير منك في دار دنيا تلق من ربك الغنا والمزيدا ودع الشر ليس في الشر خير إن في زرعه عذابا شديدا
وعن زيد بن علي بن الحسن، في بعض قوله في وصف
الدُّنيا: جديدها خلق، وخيرها تكدّ، وما فات منها حسرة، وما أصيب منه قلة، إلا من ناله من الله عصمة، فلا تكن ممن رضى بها، واطمأن إليها، فإن من إطمان إليها خذلته، ومن وثق بها خانته؛ وأقول في ذلك
من إطمأن إلى الدنيا ولازمها على الوثيقة خانته بخذلان ما فات منها فلا تحزن لفائته وما أصبت ففيء فارغ فاني
وعن الحسن، في قول الله تبارك وتعالى: {لقد خلقنا الإِنسَانَ فِي كَبَدٍ} (1)، قال: أعظم خليفة يُكابد من الأمر، ما يُكابد الإنسان، فقال له أبو سعيد: يُكابد شدايد الدنيا، ومضايق الآخرة؛ وقال محمد بن مداد:
أفي نكد خلق الإنسان أم كبد وفي بلاء بدنيا ليس للأبد وعاش في طلب الدنيا يكابدها وثم لا يأتلي عن جهد مجتهد وليس يدري لعقبي أمره سعة أم شر بؤس له قد سيق أم رغد
- OV-
:
(1) سورة البلـ (1/57)
صفحة 58
وعن النبي (): أنه تلا قول الله (ال): {وَأَنذِرهُم يَومَ: الحَسرَةِ إذ قضي الأمرُ وَهُم فِي غفلةٍ وَهُم لَا يُؤْمِنُونَ} ().
وقال محمد بن مداد، في ذلك:
عجبا مني ومن غفلتي وا حسرتا من موقف الحسرة إذ لست أدري أإلى جاحم أساق أم أنعم في جنة وإنني من ذاك في رقدة أو غفلة من أعظم الغفلة كأنني قد قيل أنعم بها فأنت في أمن من الشدة
وقد قال الله تعالى: {اقتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُم وَهُم فِي غَفْلَةٍ معرضُونَ} (2)؛ قال الحسن: أهل الدنيا في غفلة، فإذا ماتوا
إنتبهوا.
{
نحن في غفلة من الغفلات كل يوم وساعة الخلوات قد أتت في كتاب ربك نذرّ حسرة الموت عند لقيا الممات
ولي في مثله:
يا لقومي من حسرة الحسرات من رقادي وكثرة الغفلات من رقادي والموت لا شك آت ورقادي كرقدة الأموات
(1) سورة مريم: 39.:
(2) سورة الأنبياء: 1. (1/58)
صفحة 59
لست أدري إن مت ماذا ألاقي في حسابي يا غفلتي يا سباتي أأرى في جاحم تتلظ مبلسا أم مُقابل الخيرات أين دمعي وأين عزمة نفسي لطالبي أطايب الجنات أألتهي بالرقاد أم أنا ساه بسرور من أطيب اللذات إن أرمها على الهدى تتمادى وتداعى باللهو والشهوات أنا منها في شدة وجهاد في مقاساتها على الخيرات رب أشكو إليك من ظلم نفسي فاعف عني يا خالقي فلتاتي فاعف عني من جورها وبلاها إنها لي أشد أعدى العدات
قال: قيل لمحمد بن علي بن الحسين: من أعظم الناس قدراً عند خالقه؟ قال: من لم يبال بالدنيا في يد من كانت عنده؛ وأقول في ذلك:
من لم يُبال بما في الأرض من مال ومن حواها بأكناز وأقلال فذاك أعظم قدراً عند خالقه يعيش ما عاش في عز وإجلال
وعن ميسرة، قال: ما لنا لا يأتينا زمان إلا بكينا منه، ولا تولى إلا بكينا عليه؛ وأقول في ذلك:
ما عشت في زمن إلا وقلت له ما أحسن الزمن الماضي من الزمن حتى إذا إنصرف اللاي بكيت على ما فات مني بطول الهم والحزن (1/59)
صفحة 60
ولي في مثله:
مالي أوكل بالماضي من الزمن أقول يا زمن قد جئت من زمن أدم ما أنا فيه ثم أمدح ما قد غاب عني ولا يجدى سوى الزمن
قال عيسى (العلل: من ذا يبني على موج تلكم الدُّنيا، لا تتخذوها قراراً؛ وأقول في ذلك:
من يستطيع بناء فوق أمواج ترسي له بأساطين وأبراج فتلك دنياي يوما لا قرار لها كيف الخلاص إذا جاوزت منهاجي وعن جابر، عن النبي (صلى الله عليه وسلم)، قال: " الدنيا ملعونة ملعون ما فيها، إلا ذكر الله، أو عَالِم، أو متعلم "؛ وأقول في
ذلك:
دنياك ملعونة طرأ ومن فيها إلا الصلاة وذكر الله باريها أو عَالِم بكتاب الله يقرؤه ومقتفي العلم للآيات قاريها
وعن أبي عتبة، قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): " إذا أحب الله عبداً إبتلاه "
وعن حذيفة، قال: والذي نفسي بيده، لقد سمعت رسول الله)، يقول: " إن الله ليتعاهد عبده المؤمن في نفسه وماله،
- 1.- (1/60)
صفحة 61
كما يتعاهد الوالد ولده بالخير "؛ وأقول في ذلك:
كم يأتي من البلوى في المال والنفس وما تهوى فالأجر يعظم بالبلوى حمل عبد وهو لا يقوى فالحُب من ربك أن تبلى وتمسك النفس عن الشكوى
وعن مسروق، قال: قال رسول الله): " لا تسبوا (الدنيا، فنعم مطية المُؤمن، عليها يبلغ الخير، وبها ينجوا من الشر "؛ وأقول في ذلك:
نعم المطية دنيانا إذا اعتبرت تنجي من الشر والخيرات يرجوها إذا أبتغيها رضى الرحمن كان لنا ثوابه لخطايا النفس يمحوها
وقال محمد بن مداد، في مثله، ونعم الأبيات الحاثه على
الخيرات:
دع سب دنياك إن الله جاعلها مرقات خير إلى الخيرات مرقاها وذم نفسك إن قارفت معصية فلا تذمنها والله براها نعم المطية دنيانا إذا إمتطيت لصالحات مع الأخرى ترجاها ما يفعل العبد من خير وسينةٍ من وزن خردلة إلا سيلقاها فمن بناها بخير طاب مدخله ومن بناها بشر ذم عقباها فراقب الله وافعل ما تسر به ووال نفسك خيرات تولاها
-11 - (1/61)
صفحة 62
يُغنيك ربك فيما أنت فاعله م الخير والشر خف في فعلك الله
والله الذي لا إله إلا هُوَ، أن الجار ليأتي يوم القيامة متعلقاً بجاره، فيقول: يا رب سل هذا، لِمَ بات شبعاناً، وبت جوعانا إلى جنبه؛ وفي ذلك أقول:
جبريل أوصى رسول الله بالجار أن لا يرى طاوياً في جانب الدار وأنت شبعان لاه عن تفقده وجارك البر في نقص وإقتار القيامة يأتي الجار منتصفاً يقول جاري لما لم يقض أوطاري أبيت طاوي وجاري بات في سعة شبعان لم يتوق سمعة الجار
يوم
قال مكحول: العُزلة هي الغنا لابن أدم، لولا مخافة الوسواس لاعتزلت الناس؛ ويقول الله تعالى لابن أدم: أطعني فيما أمرتك فأنا أعلم بنفعك؛ وفي ذلك أقول:
أبنـ
أدم لا تطـ
أطع الله ما استطعت ابن أدم فهو في نفع أنفس الخلق أعلم سوى الله الذي سواك وأحكم إن الذي أنشأ العظام ولحماً هو من نفعه لنفسك أعلم
ــع
ما سوى الجنان لكم دار قرار فاطع ربك العظيم لتسلم
لا تعملن لغير دار أبيك مختاراً
الله قد وصى
فتنـ
ــدم
فلا تعص أباك أدم
- TY- (1/62)
صفحة 63
صلى الإلـ ـــه عليه أضعافاً مضاعفة وسلم فرجاً يأتي تائباً أو يأتيه من خير مكرم
قال مالك للربيع بن راشد: ألا تجلس فتحدث الناس، قال إن ذكر الموت إذا فارق قلبي ساعة، فسد عليَّ قلبي؛ وأقول في
ذلك:
إن ذكر الموت شخص بين عيني وفؤادي أبعد ألف سنة مني ونفي
إن يخل عني وقتاً
لحزني
ى رقادي
ــــــــــادي
قال عيسى (العلة): اعمل اليوم كأنك مُخلداً أبداً، ما الدُّنيا إلا كيوم مضى وليلة مضت، مضى أمس بما فيه، لا أستطيع أن أزداد فيه حسنة، ولا أنقص عنه سيئة، وكذلك أمس لا يُدرك غداً ولا يُدركني، كأن أمس لم يكن، وكأن اليوم قد ذهب؛ يا معاشر بني أدم: يومك جديد، وأنا عليك شهيد:
دنياك دنياك كيوم مضى وليلة ولت ولم تأتي أمس بما فيه مضى فايتاً وفي غدٍ لا تدري بما يأتي ويومك الجمعة لا تحتسب هما لما تحتاج في السبت
وعن مساور بن غسان: وقفت على زاهد ذكر لي، ما يُكلم
- 63 - (1/63)
صفحة 64
مذ أربعين سنة، وفي بعض كلامه سأله: مُذ كم أنت في هذه الصومعة؟ قال: مُذ يوم واحد، قلت: فكيف ذلك؟ قال: سمعت الناس يقولون: اليوم وغداً وبعد غد، ونظرت في أمري، فإذا أمس قد فاتني، واليوم هو لي، وغداً لا أدري أدركني أم لا، ثم أدخل رأسه في الصومعة، وفي ذلك أقول:
اليوم لي وغدّ وبعد غدٍ والأمس فات بما تقدم من غد أما غد لا أدري أدرك نيله وكذاك بعد غد يأتي وبعد غدِ
قال: وكتب سلمان الفارسي إلى أبي الدرداء: ... أما بعد فإنك لا تنال ما تريد، إلا بترك ما تشتهي، ولن تبلغ ما تؤمل، إلا بالصبر على ما تكره، فليكن كلامك تذكراً، وضميرك تفكراً، ونظرك إعتباراً؛ وفي ذلك أقول:
تنال الإرادة في ترك ما تشتهي النفوس بأمالها وتلزم الكره والصبر خيراً لتسعد من بعد أجالها
واعلم: أن أعجز الناس من اتبع نفسه هواها، فالكيس من أدان نفسه في العمل لما بعد الموت؛ واعلم: أن هذه الأمور على ثلاث خصال: أمر بان لك رشده فاتبعه، وأمر بان لك غيه
فاجتنبه، وأمر خفي عليك فكله إلى الله؛ وأقول في ذلك:
-7 E- (1/64)
صفحة 65
تجري الأمور على ثلاث خصال أمر تبين رشده في الحال فاتبعه والثاني تبين غيه فتركته لم أتبعه ببال والأمر ثالثه إذا هو قد خفي فاتركه للباري بغير مقالي وروي عن أويس القرني، أنه قال لهرم بن حيان: يا هرم، توسد الموت إذا نمت، واجعله أمامك إذا قمت؛ يا هرم، لا تنظر إلى صغر ذنبك، ولكن انظر إلى من عصيته؛ وفي ذلك أقول: توسد الموت إذا نمتا
لا تحتقر ذنبك إن قمتا
وانظر إلى عصيانك الله وما قلتا
ويُروى عن أبي هريرة، أنه قال: من زَهد في الدُّنيا، أسكن الحكمة في قلبه، وأطلق بها لسانه وبصره، وعرفته دائها ودوائها، وأخرجته من الدنيا سالماً إلى دار السلام؛ وأقول في
ذلك:
:
للحكمة فكراً
إذا راؤها ذات عيب أهملوا الدُّنيا وساروا
في قلوب المؤمنينا
نبذوها تاركين
بسلام
أمنين
ما شبهت ما يُميز من الدنيا إلا بالغيث، شرب صفوه، وبقي (1/65)
صفحة 66
كدره، ولايزال أحدكم بخير ما إتقى الله، وإذا جاش أحدكم في صدره شيء، أتى إلى رجل فشفي منه، وأيم الله ليوشك أن لا يجدوه؛ وفي ذلك أقول:
ما اتقى المرؤ ربه نال خيراً فإذا حل صدره الريب ضلا فإذا ما التقى رشيداً ليشكي آلم الذنب فاستكان وذلا قال تب توبة إلى الله نصحاً تلتقي من لدنه صفحاً وفضلا قال: كان الحسن يقول: يا ابن أدم، أنت في الدنيا على ثلاث: إما بلية نازلة، وإما نعمة زائلة، وإما منية قاضية، لقد كدرت عليك المعيشة، فيا من هو من النعيم على إنتظار زوال، واحذر زوال النعمة بقلة الشكر؛ وأقول في ذلك:
ألا يا ابن آدم أنت الذي تلاقي ثلاثاً على كل حال بلاء يحل ونعمى تزول وموت يعالج بالإنتقال
قال الحسن: ضرب الله ابن أدم بالمرض، والموت. والحاجة، وهو مع ذلك وثاب؛ وأقول في ذلك
:
نصب يتاح وفاقة وحمام يأتي بذاك جميعه الأيام واعمل لنفسك يا ابن أدم قبل أن تجري عليك بذلك الأحكام
-77 - (1/66)
صفحة 67
(1)
وفي قوله تعالى: {إِنَّ الإِنسَانَ لِرَبِّهِ لكثودٌ} (1)، هو ستر
النعمة، وشكوى البليه
قال: سمعت محمد بن عبد الوهاب، يعني: الشكري، يقول: لو لم يكن من نكد الدنيا إلا أن أهليلجه أنفع من لوزنجه؛ وأنشدنا ابن عمار:
كن موسراً إن شئت أو معدما لابد في الدنيا من الغم وكل ما زادك من ثروة زاد الذي زادك في الهم
وقد عارضته بمثله، فقلت
يا صاحب الوفر ويا مُعدما خلقتما للغم والهم دنياكُمُو وقف لمر القضاء ساعاتها تطرق بالغم
وأنشدنا أبو العباس بن عمار، لأبي العتاهية، شعراً:
لا تحزنن على الدنيا وما فيها واحزن على صالح لم يُكتسب فيها واذكر ذنوباً عظاماً منك قد سلفت نسيت أكثرها والله مُحصيها وفي كلام لعليّ بن أبي طالب: الدُّنيا ذمها رجال يوم الندامة، ومدحها أخرون، حدثتهم فصدقوا، وذكرتهم فذكروا، يا أيها
(1) سورة العاديات: 6. (1/67)
صفحة 68
الذام للدُّنيا، المُغتر بها وبغرورها، متى استدامت لك؟ بل متى عزتك بمصارع أبائك من البلا؟ أم بمصارع أمهاتك تحت الثرى؟ كم عللت بيدك، وكم مرضت بكفك، تلتمس له الشفاء،
وتستوصف له الأطباء، لم تنتفع بشفاعتك، ولم تستعن بطلبتك مثلت بك الدنيا بمضجع مضجعك، وبمصرع مصرعك حتى، متى يعني بكاؤك، ولا ينتفع به أحباؤك، ثم التفت إلى الحسن، فقال: إن الناس يذمون الدنيا، وهي راحلتهم إلى الآخرة؛ وأقول في
ذلك:
يذمون دنيا وهي راحلة الأخرى لكيلا ينالوا بعد فرقتها أخرى
وقال محمد بن مداد، في ذلك:
مالي أذم دنيا وهي راحلتي وحسن حظي فيها حين انقلب
-74 - (1/68)
صفحة 69
الباب الثالث
في زوال النعم الى جبابرة الملونة غير العادلين
قال الله (ع): {كَم تَرَكُوا مِن جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * وَزَرُوع وَمَقامٍ كَريم * وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ * كَذلِكَ وَأُورَتْنَاهَا قوما أخرينَ * فَمَا بَكَت عَليهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ وَمَا كَانُوا منظرينَ} (1)، أي: والله وجدوا ما عملوا، وانكشفوا منها غير حامدين، عاقبة أمرهم، غرتهم بغرورها، وفتنتهم بأمانيها، واخدعتهم بأباطيلها، وألهتهم بزخرفها، وعاصهم الموت عاجلاً، ونسوا حظاً أجلاً، وقاموا في حفاير الأرماس إلى يوم يبعث الناس، واحتوشتهم الخطايا، وعمتهم البلايا، فهم رهائن القبور إلى يوم البعث والنشور، ملئوا بطونهم من أموال الناس، وظهورهم من الأوزار والأدناس، وانقلبوا منها خاسرين، لا يملكون فتيلاً، ولا يهتدون سبيلاً، فيا ويلهم ما أشقاهم، فلا كلاهم الله، ولا رعاهم، إسترعاهم أمر العباد، فما استرعوا، ونبههم فما إنتبهوا، ولا وعوا، حتى صاروا رميماً، ولاقوا ناراً جحيماً، فيا ويلهم، ثم ويلهم إذا واجه الناس أمراً عظيماً، يشيب
(1) سورة الدخان: 25 - 29.
-79 - (1/69)
صفحة 70
له الطفل من هوله، ويلقى الحوامل عنه المشيما.
قال: قال علي بن أبي طالب، عن شيخ بن تميم، ذكر الملوك، فقال: ما أسرع إنقلابهم عن نعيمهم، وما هم فيه، ثم بكى، وقال: أن عُمراً قصيراً إستوجب صاحبه النار، فهو العُمر مشؤم على صاحبه؛ وفي ذلك أقول:
عُمر قصير إذا ما كان صاحبه يستوجب النار فيه فهو مخروم لم يحظ من عُمره إلا بسيئة يجري القضاء عليه فهو محروم
وأقول في ذلك
:
إن عُمراً يستوجب النار فيه بالمعاصي لعُمر مشؤم ومن الناس من يكون قصيراً عُمره وهو هالك محروم
وعن أبي عبيدة، قال: وعظ رجل من العرب ملكاً من ملوكهم، فقال: أيها الملك، إن مع كل شربة شرق، ومع كل أكلة غصص، ولا تنال نعمة إلا بزوال أخرى، ولا يستقبل أمرو يوما من عُمره، إلا بإنفاذ ما قبله، ولا يجيء أثر إلا ومات له أثر؛ وأقول في ذلك
:
من ينل نعمة تفت عنه أخرى ومع الشرب تشرق النفس قسرا
- Y (1/70)
صفحة 71
كل عيش أكلته غص حلقي ذاك إني أكلت عُمري فمرا حي شيء ومات عني شيء وأمامي أرى حماماً وقبرا
وقال محمد بن مداد، في مثله
:
نكد الدهر طيب عيشي فمُراً ثم ذقت المعاش حلوا ومرا ما أتتني من نعمة الدهر إلا بفراق من نعمة لي أخرا ذاك أني أكلت طيب شبابي فتولى مثل السحاب إستمرا كل يوم يموت مني شيئ لست أدري نفاد عُمري قهرا وأرى الموت من ورائي سريعاً وأمامي يمر بالعُمر مرا لست أدري بمره إذ يفاجي أصباحاً يمر أم هو عصرا فإذا بي في حفرة ذات ضيق نفس الله ضيق ذلك قبرا
وعن مجاهد، قال: أيا دار أين أهلك؟ قال: فناديت، فقالت
أبو عمر ذهبت أجسادهم وبقيت أعمالهم؛ وأقول في ذلك:
أين أهل الديار بالله قل لي أين مروا وأين أهل الخرابه تركوها هنية ثم مروا مثل مر الرياح تزجي السحابه ذهبوا كلهم وأبقوا صنيعاً من يكافي به سيصلى عذابه
قال: حدثنا محمد بن الحسن بن عُبيد، قال: قرأت في قصر
-11 - (1/71)
صفحة 72
في أعالي الحجاز، قد خرب وباد أهله شعراً:
بالله ربك كم قصر مررت به قد كان يعمر باللذات والطرب طارت عقاب المنايا في سقايفه فصار من بعدهم للويل والخرب
فقلت، وقد عارضته شعراً:
بالله كم منزل في جانبي حلب للهو كان وللذات والطرب مرت به نكبات الدهر فاخترمت سكانه وبقي للهلك والعطب وعن قتادة، في قوله تعالى: {وَبنرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقصر مشيد} (1)، البئر المعطلة: الغاير ماؤها، قال: وكانت لهم القصور المشيدة المحصنة، فما بقي أهلها حتى قضى الله عليهم، وأنزل عليهم بأسه؛ وأقول في ذلك:
وبير ماؤها قد غار فيها معطلة مع القصر المشيد فما منع القصور حمام قوم أتيح لهم من البأس الشديد قال عيسى (العلل: يا دار تخربين ويفني ساكنك، ويا نفس إعملي ترزقي، وجسداً أهيني تستريحي، ويا جسم أنصب
تسترح؛ وفيه أقول
(1) سورة الحج: 45.
- VY- (1/72)
صفحة 73
اعملي ترزقي وجسما أهيني تستريحي من العذاب المهين كل نفس تموت والدار تفنى جاء في مُحكم الكِتاب المُبين
وعن عبد الملك بن عُمير، قال: رأيت رأس الحسين بن عليّ بين يدي عبد الله بن زياد، ورأيت رأس عبد الله بن زياد بين يدي المُختار بن عُبيد، ورأيت رأس المختار بن عُبيد بين يدي مصعب بن الزبير، ورأيت رأس مُصعب بن الزبير بين يدي عبد الملك بن مروان.
قال سفيان: قلت له: كم بين أول الرؤوس إلى آخرها؟ قال: إثنتا عشرة سنة، إن الدُّنيا دار زوال، وإنها لا تدوم على حال، تنتقل بأهلها إنتقالاً، وتعقبهم بعد حال حالاً، وليس من قوم عنوا بخيره إلا والدهر مُعقبهم بغيره؛ فقال سعد: قاتل الله عُديَّ بن زيد، كأنه ينظر إليها، حيث يقول:
إن للدهر صولة فاحذرنها لا تبيتن قد آمنت الدهورا قد ينام الصحيح حياً فيردى ولقد بات آمناً مسرورا
ولقد عارضته، وقلت في ذلك:
صولة الدهر فاحذرنها بجد لا تنم آمنا وتنسي السرورا فالفتى يبيت في خفض عيش ربما مات آمناً مسرورا
- VY- (1/73)
صفحة 74
قال الحسن بن حصين: أخبرني رجل من أهل بغداد، عن أبي
هاشم المذكور، قال: أردت البصرة، فجئت إلى البصرة في سفينة إكتريتها، وفيها رجل من السلاطين ومعه جارية، فقال الحسن: ها هنا موضع؟ فسألته الجارية أن يحملني، ففعل، فلما سرنا دعا الرجل بالغداء، ثم قال: أنزلوا بذلك المسكين يتغدى، فأنزلت على أني مسكين، ثم قال: هات شرابا، فشرب وأمرها أن تسقيني، فقلت لها: رحمك الله إن للضعيف حق، وهذا يؤذيني فترك، فلما دب النبيذ فيه، قال: يا جارية غني. فجاءت بعود فغنت، وقالت شعراً:
وكنا كغصني بانة ليس واحد يزول على الحالات عن رأي واحد تبدل بي خلا فخاللت غيره وخليته لما أراد تباعدي ألا قبح الرحمن كل مماذق يكون أخا في الخفظ لا في الشدايد ثم التفت إليَّ فقال: أتحسن مثل هذا؟ فقلت: بل أحسن خيراً منه، فقال: هات، فقرأت: {إذا الشمس كورت * وإذا النجوم انكدرت * وإذا الجبال سيرت * وإذا العشار عطلت * وإذا الوحوش حشرت * وإذا البحار سجرت * وإذا النفوس زوجت * وإذا المؤدة سئلت * بأي ذنب قتلت} (1)، فجعل يبكي، فلما
(1) سورة التكوير: 1 - 9.
- VE- (1/74)
صفحة 75
إنتهيت إلى قوله تعالى: {وإذا الصحف نشرت} (1)، قال: يا جارية إذهبي فأنت حرة لوجه الله، وألقى ما معه من الشراب، وكسر العود، ثم دنا إليَّ فعانقني، وقال: يا أخي، أترى يقبل الله توبتي؟ قلت: {إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين} (2)، فؤاخيته بعد ذلك أربعين سنة، ومات قبلي، فرأيته في المنام، فقلت له: إلى ماذا صرت؟ فقال: إلى الجنة، قلت: بماذا؟ قال:
بقراءتك عليَّ: {وإذا الصحف نشرت} (1)؛ وأقول في ذلك:
إذا صحفي يوم القيامة نشرت وثقل ميزاني بلغت المآربا وإن خف ميزاني فويلي وحسرتي وسوء مقالي إذ فقدت المطالبا قال الأصمعي: قال: جاءني رسول الرشيد أمامه، وقد ذهب من الليل شطره، فقال: أجب، فأتيت فإذا هو قاعد في أقصى مجلسيه، وبين يديه دواة وقرطاسة، وهو يبكي، فقلت: السلام عليك يا أمير المؤمنين، قال: وعليكم السلام، قال: اجلس فجلست، فقال: أبكاني هذا البيت فأسهر ليلي، فقلت: لا أبكى الله عينيك، أي بيت هو؟ فقال: بيت ابن سلام عند موته، فقال
شعراً:
(1) سورة التكوير: 10.
(2) سورة البقرة: 222
•·
- 75 - (1/75)
صفحة 76
لم أحتقب غير أبراد يمزقها ريب المنون بطول العهد والقدم
فقلت: يا أمير المؤمنين، لقد صدق، وهذا سبيل الناس
جميعاً، وطوبى للمؤمنين؛ وعارضته، وقلت شعراً:
لم أدع غير سربال يلازمني مع البلا في مضيق القبر والظلم
قال: ويحك يا أصمعي، ذهب ضياء الخير أين ما كان، إذا جالسه المُسرفون على أنفسهم، وعظتهم صورته، وذكرتهم هيبته، وبلغت بهم المبالغ.
قال إبراهيم بن عبد الله: قرأت على قبر شعراً:
عجبت لأرض على ظهرها قصور وفي البطن منها قبور أمير على منبر فاخر وكأس المنايا عليه تدور وقد عارضته، فقلت
على ظهرها قد تسامت قصور وفي الأرض منها حوتهم قبور على منبر ملك تزف عليه المنايا بكأس تدور
قال: حدثنا ابن وسيد الكاتب، قال: حدثنا الشيخ - شيخ لنا - قال: رأيت في النوم يحيى بن خالد البرمكي، وهو قائم على
- 76 - (1/76)
صفحة 77
الجانب الغربي من بغداد، ورجل ينشد في الجانب الشرقي هذا
البيت:
كأن لم يكن بين الحجون إلى الصفا أنيس ولم يسمر بمكة سامر
فأجابه يحيى بن خالد
:
بلى نحن كنا أهلها فأبادنا صروف الليالي والسنون الغوابر وأقول في ذلك:
كأن لم يكن بين العقيق ويثرب مدارس آيات بها و دفاتر يلاقي ثراها خير من وطي الثرا إلى قبره كل البرية زاير
قال: حدثنا إسحق بن إبراهيم، قال: حضرت معاوية الوفاة،
رفع بيده وهو يجود بنفسه، ويتمثل بهذا البيت:
هو الموت لا ملجأ من الموت والذي أحاذر بعد الموت أدهى وأفظع
وفي ذلك أقول:
لعمرك أن الموت أت وليس لي سلوك سواه لا ولا عنه مرجع وما هذه أدهى مذاقاً وشدة ولكنني في عفو ربي أطمع
- VY - (1/77)
صفحة 78
بسم
أذِنَّ عبد الملك بن مروان للناس إذنا عاما، فدخل عليه شيخ رث الهيئة، ولم يأبه له الحرس، وقد مثل بين يدي عبد الملك، وفي يده صحيفة، فألقاها بين يديه، فجلس ولم يؤمر، فإذا فيها: الله الرحمن الرحيم: يا أيها الناس، إن الله قد جعلك بينه وبين عباده: {فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله إن الذين يضلون عن سبيل الله لهم عذاب شديد بما نسوا يوم الحساب} (1)، {ألا يظن أولئك أنهم مبعوثون * ليوم عظيم * يوم يقوم الناس لرب العالمين} (2)، {ذلك يوم مجموع له الناس وذلك يوم مشهود * وما نؤخره إلا لأجل معدود} (3)، إن الذي أنت فيه، لو بقي لغيرك لم يصل إليك، {فتلك بيوتهم خاوية بما ظلموا} (4)، فتغير وجه الملك، ودخل دار حرمه، ولم
{
تزل الكأبة في وجهه، وعاش بعد ذلك ومات؛ وفي ذلك أقول:
ولو كان ما في كفك اليوم باقياً بقبضة كف الغير ما نيل بالكف مات هذا وحل هذا لهذا وكذا ما ترى على الألف يلفى كم بيوت رأيتها خاويات وطوتها عواصف بعد قصف
(1) سـ ـــــــورة ص: 26
(2) سورة المطففين: 4 - 6. (3) سورة هود: 103 - 104.
(4) سورة النمل: 52.
- YA- (1/78)
صفحة 79
وعن سعيد بن عبد الرحمن بن حسان بن ثابت، قال: عاش حسان بن ثابت: مائة سنة وأربع سنين؛ وعاش أبوه ثابت: مائة سنة وأربع سنين؛ وعاش حزام جده: مائة سنة؛ وكان عبد الرحمن إذا حدثنا بحديث، أشرت لهما وأثنى يده علي مثلها ومات وهو ابن ثمان وأربعين سنة
وعن ابن قتيبة بن ذويب، قال: كنا نسمع بداعية من وراء الحجر: يا أهل النعم، لا تستقلوا شيئاً من النعم مع العافية؛ وأقول في ذلك
:
من كان ذا نعمة وعافية فليتق الله لا يقللها
وعن هشام بن عبد الملك: ذات يوم في خلوة، ونعمة. ونشاط، إذ دخل عليه رجل مهيب، أميلُ لشخص هشام، متعجباً من هيبته حتى دنا منه، فألقى صحيفة ثم ذهب، فلم يُرَ وإذا فيها: بئس الزاد للمعاد، العدوان على العباد، فدعا بالحجاب فسألهم عن الرجل، فقالوا: ما رأينا أحداً، فيكرر عليه، وعاش بعد ذلك شهراً حتى مات؛ وفي ذلك أقول:
بنس زاد الفتى إرتكاب الذنوب والتعدي على العباد بحوب
- 79 – (1/79)
صفحة 80
قال: لبس سليمان بن عبد الملك يوما ثياباً، فأعجب بنفسه، ومعه جارية حظيه قائمة على رأسه، فقال: تزين هذه الهيئة؛ فقالت شعراً:
أنت خير المتاع لو كنت تبقى غير أن لا بقاء للإنسان أنت خلو من العيوب ومما يكره الناس غير إنك فان وأقول في ذلك:
صدقت في المقال دون المعاني حين قالت لي بأنك فان كل شيء يروق عينك يفنى والبقاء للمهيمن المنان
وقال: كنت مع مولاي جرير بن سليمان، وهو يسير مع علي بن أبي طالب إلى الشام، فلما انتهى إلى مدائن كسرى، وقف ثم تمثل، فقال:
جرت الرياح على محل ديارهم وكأنهم كانوا على ميعاد وأرى النعيم وكل ما يلهي به يوماً يصير إلى بلا ومعاد
وقلت في ذلك معارضاً له:
والطير والأمطار داعية البلا لمنازل وشوامخ الأطواد ونعيم من سكن المنازل راحل عنهم ويرحل مسرعاً بنفاد (1/80)
صفحة 81
6
وعن النبي (صلى الله عليه وسلم)، قال فيما قال: وصيتي إليكم بالله (ع)
أن لا تشركوا به شيئاً، ومحمد () لا تضيعوا له سُنة واتبعوا سُنة هاذين العُمرين؛ وأقول في ذلك:
ربي وربكم لا تشركون به وسنة المصطفى كونوا لها تبعا
قال الأصمعي: كان ملك من ملوك غسان، لا يبلغه عن أمرأة جمال إلا أخذها، فأخذ إبنة يزيد بن الصعق الكلابي، فوفد إليه وحده مُبتدياً، وكان إذا ابتدا لا يحجب عنه أحد، فوقف بين يديه،
حيث قال:
يا أيها الملك المقيت أما ترى ما هذه الأكوان ما ذا الشان هل تستطيع الشمس أن تأتي بها ليلاً وهل لك بالمليك مكان واعلم وأيقن أن ملكك زايل واعلم بأن كما تدين تدان فأجابه الملك، فقال:
6
إن الذي سكنت فؤادك خطة مرفوضه آلان يا ابن کلاب فارجع لحاجتك التي طالبتها والحق بقومك في هضاب أراب
وقلت على معارضته ومثله:
قل للذي ملك البلاد بسيفه هل يستطيع لألفه الملوان
-^1 - (1/81)
صفحة 82
وهل تطيق الشمس أو بدر الدجى في الليل أو في الصبح يا سمعان فالمال منتقل وكل زايل فكما تدين على الهوان تدان
وعن عُبيد بن عبد الله: أن ملكاً قال: والله ما أجد أعز مني، فبعث الله عليه أضعف خلقه وهي بعوضة، فدخلت في أنفه، فقال: إصرفوها عني، فضربوا رأسه بالقوس، حتى كسر رأسه القوس حتى هلك؛ وأقول في ذلك:
ملك الوفر واستطال وقالا أنا في عزة قهرت الرجالا فأتى ربه بأضعف خلق جاز في أنفه فنال منالا قال إصرفوه يذهب عني قرعوا رأسه فلاقي الوبالا وروي عن المأمون: أنه خطب في بعض الجماعات، فجاءت ذبابة فوقعت على مآقي عينه، فطردها، فعادت حتى قطعت عليه الخطبة، فلما فرغ من الصلاة، بعث ابن الهذيل فأحضره،، فقال لِمَّ خلق الله تعالى الذباب؟ قال: ليذل به الجبابرة، قال: صدقت؛ وفيه أقول:
آيات ربي في الكتاب الظاهرة أمثاله بين البرية شاهرة خلق الذباب لكي يذل بوقعه سم الأنوف من الملوك القاهرة
- AY- (1/82)
صفحة 83
وعن النبي (): السعيد من وعظ بغيره، وأن أبا الدرداء
كان يقف بالشام، فيقول: يا أيها الناس، إن عاداً أعطيت أنعاماً وماشية، وبسط لها ما بين صنعا إلى الشام، فمن يشتري مني؟ ما خلفت عاد بربع درهم يا أمير المؤمنين؛ وأقول في ذلك
:
بالربع من درهم من يشتري ما خلفت عاد وما أبقت كانت لها الشام وصنعا معا أتت عليها الكل بالصعقة
وفي البرامكة وزوال ملكهم ونعمتهم، قال: حدثنا محمد بن عباد، قال: حدثنا أبو القاسم الأعمى، قال: أي والله تلك الليلة التي قتل فيها جعفر بن يحيى البرمكي، كنت مع جعفر أضرب عليه، وهو يُغني ويقول:
فلا تبعد فكل فتى سيأتي عليه الموت يطرق أو يغادي وكل ذخيرة لابد يوماً وإن بقيت تصير إلى نفاد فلو فديت من حدب المنايا فديتك بالطريف وبالتلادي فقلت: يا سيدي، ومن أحدث هذا الغنا؟ فقال: من أحسن الناس شعراً، من حكيم الوادي، قال: ثم جاءنا مسرور الخادم
من قبل هارون الرشيد، فأخذ برأسه؛ فقلت في ذلك:
- AY- (1/83)
صفحة 84
حمام لا يحول عن العباد يراوح فيهم وغدا يغادي وكل ذخيرة تبلى وتفنى سوى ذخر ذخرت من الرشادي ولو تفدى الملوك من المنايا لقدّي المصطفى بدم الفؤادي
قال: لما حضرت المأمون الوفاة، تمثل بهذين البيتين:
الآن يا دنيا عرفتك فاذهبي يا دار كل تشتت وزوال من يطمئن إليك يعمى قلبه ويزول عنك بحسرة ووبال
قال: لما أراد أبو جعفر المنصور الخروج إلى مكة في الحجة التي لم يرجع فيها، نام ثم إنتبه مذعوراً، فقال: يا ربيع أتاني أت في منامي، فأنشأ يقول:
كأني بهذا القصر قد باد أهله ولم يبق إلا رسمه ومخايله ولم يبق إلا ذكره وحديثه تنادي بليل معولات حلايله ثم قال المنصور: فما أحسبني إلا قد قرب أجلي، فعزم وتهيأ للحج، فلما نزل الكوفة، نزل النجف، فلما أمر بالرحيل وارتحل الناس، فقال لي: أتيني بفحمة، فكتب على الحائط:
المرء يأمل أن يعيش
وطول عيش قد يضره
تبلى بشاشته وتبقى وتضره الأيام حتى
بعد حلو العيش مُره لا يرى شيئا يسره
- At- (1/84)
صفحة 85
كم شامت أن هللت بي
وقايل
الله
دره
3
قال: فلما كان بذات عرق، مرت به إبل من نعم عامر بن ربيعه، فقال: يا ربيع اجعل غذائنا من هذه الإبل، فابتعت له منها فصيلاً، فأكل، فأصابه درب فمات
قال: حدثنا محمد بن الحسين، قال: قال الحسن بن أدم: أين
ملوك الدنيا وأربابها، الذين عمروا خرابها، وحفروا أبارها وغرسوا أشجارها، ومدنوا مدنها، هيهات هيهات، فارقوها والله وهم كارهون، وهم عما قليل بالماضين لاحقون؛ ابن أدم: إذكر يوم أتي عليك فيه سرور، هل تجد لشيء منه بعد إنقطاعه لذة؟ أوليس كأنك إذا حزنت لم تفرح ساعة قط؟ فإذا خفت فكأنك لم تأمن ساعة قط، وإذا مرضت فكأنك لم تصح، فإنها الدنيا وما فيها من سرور وحزن، الساعة التي أنت فيها؛ وأقول في
ذلك:
إذا سأل المرء عن حاله تجده مع الحالة الواحدة وأنسى الذي كان في أمسه من الخير والفضل والفائدة
ابن أدم: فرغ قلبك وبدنك لعبادة ربك، فإنما جعل لك سمعاً لتسمع به مواعظه، وبصراً لتبصر به آياته، ولساناً لتتلوا به كتابه، وقلباً لتعرفه، وتحفظ به وصيته، فإياك أن تصرف ذلك
1101 (1/85)
صفحة 86
إلى معاصيه، فتستوجب نقمته، وأكثر ذكر الموت، فإنه يوم تزل فيه الأقدام، وتشخص فيه الأبصار، وتبلغ فيه القلوب الحناجر، وتبيض وجوه، وتسود وجوه، وتبدوا السرائر، وتوضع الموازين القسط، فما ينتظرون؛ يا ابن آدم: يومئذ إلا عفو الله أو النار؛ وأقول في ذلك
جعل الله لابن أدم سمعاً وفؤاداً وناظراً ولسانا حجة الله وهو أعلم بالعبد وما شاء المُهيمن كانا ومن يكن عنده شقيا سيصلي ناره والسعيد يأوى الجنانا وعن الحسن، أنه قال: ابن آدم، أذكر من ذهبوا كيف كانوا، وأين هم اليوم، فلعلك تبلغ ما بلغوا، وإن بلغته فإن عاقبته الموت، فتصير إلى ما صاروا إليه؛ يا ابن آدم، ما تعلم أنك خرجت إلى الدنيا من ظهر أمم خرجوا، هلكوا حتى صرت إلى زمانك الذي أنت فيه، ثم لا تدري إلى أي المنزلتين تصير، إما
إلى خير ونعيم، وإما إلى عذاب أليم؛ وأقول في ذلك:
أخذ الأوائل قبلنا أعمارهم فتصرموا فطوتهم الأيام وعفت منازلهم ليال قد عفت فكأنها وكأنهم أحلام لا أدر أين مصيرهم في جنة سعدوا بها أم في الجحيم أقاموا
_ AT_ (1/86)
صفحة 87
وعن الأصمعي، قال: سمعت فضل الرقاشي يُعبر عن دار
البلا بأحسن عبارة، وذلك أني رأيته واقفا على مقبرة، وهو يقول: يا أهل الدار الموحشة، والدار المقفرة، التي نطق بالخراب فناؤها، وشيد في التراب بناءها، فمحلها مقترب، وساكنها مُغترب، لا يتواصلون تواصل الإخوان، ولا يتزاورون تزاور الجيران، قد طحنتهم بكلكل البلا، وأكلهم الجندل والثرى، فعليهم منا الترحم والسلام، ومن ورائهم المغفرة والإكرام؛ وأقول في ذلك:
المقفرات الموحشات ديارهم نطق الخراب بها فغاب فناءها قد شيدوا في الترب بنيان البلا سكنوا بها فعليهم أفناءها لا وصل بينهم بأطباق الثرى همدت جسومهم فطال ثواءها فعليهم منا الترحم والبكا وعلى الغمايم أن يجود سماؤها وقلت هذين البيتين:
نظرت إلى الدنيا بعين ونظرةٍ فلم أرها إلا مسيء ومُحسن وإحسانها منها مشوب بشرها تسر لمن فيها الردى ثم تعلن
- ^ V - (1/87)
صفحة 88
[صفحة فارغة] (1/88)
صفحة 89
الباب الرابع
في التخويف والترهيب
قال الله تعالى: {ونخوفهم فما يزيدهم إلا طغياناً كبيراً} (1)؛ وقال: {ويل لكل أفاك أثيم * يسمع آيات الله تتلى عليه ثم يصر مستكبراً كان لم يسمعها} (2)؛ وقال (ل): {كان في اذنيه وقرأ فبشره بعذاب أليم} (3).
وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): " مهلاً عن الله مهلاً، فإن الله شديد العقاب، لولا صبيان رضع، وبهائم رتع، ورجال خشع ركع، لصب عليكم العذاب صبا ".
وفي موضع آخر: عن أبي الدرداء، قال: سمعت رسول الله)، يقول: " أروني الضعفاء فإنما ترزقون وتنصرون
بضعفائكم "
وقال النبي (): " إنما تنصر هذه الأمة بضعفائها بدعوتهم وصلاتهم وإخلاصهم "؛ وأقول في ذلك
(1) سورة الإسراء: 60.
•
(2) سورة الجاثية: 7 - 8.
(3) سورة لقمان: 7.
-19 - (1/89)
صفحة 90
مهلاً عن الله مهلاً تصلى عذاباً شديداً سراير الناس تبدوا
هايم الأرض ترعى برحمة صب فيكم
لا تحملوا النفس جهلا وفي القيامة تبلا مع القبايح لولا
وشيخكم حيث صلا
عذابه وتولا
وعن أبي هريرة، قال: قال النبي ()، حين أنزل عليه: {وأنذر عشيرتك الأقربين} ()، قال النبي (): " إشتروا أنفسكم من الله تعالى، لا أغني عنكم من الله شيئاً، ويا صفية عمة رسول الله ()، و يا فاطمة بنت محمد، سلي ما شئت، لا أغني عنك من الله شيئا "؛ وأقول في ذلك
:
ما أغني عنكم من الباري وقدرته شيئاً فكونوا من الباري على حذر وفكروا في الذي قال النبي به عن ربه وتلا في محكم السور وعن أبي هريرة: أن النبي (صلى الله عليه وسلم)، قال لقومه: " ليجيء الناس بأعمالهم يوم القيامة، ويجينون بالدنيا محمولة على أعناقهم، فيقولون: يا محمد، يا محمد، فيقول - هكذا يمينا وشمالاً بوجهه -: إن أوليائي منكم المُتقون "؛ وأقول في ذلك:
(1) سورة الشعراء: 214.
-9.- (1/90)
صفحة 91
ليأتي الناس بأعمالهم يوم التقى الجمعان في الحشر فجئتم أنتم بأعمالكم محمولة بالظلم والوزر نبي الهدى وجهه مُشرق كالبدر
قال وليي منكم المُتقي ومن حباه الله بالبر
قال أبو بكر (ه): كنت مع النبي ()، فنزلت هذه الآية: {فمن يعمل مثقال ذرةٍ خيراً يره * ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره} ()، فقال: يا نبي الله، فإني لأرى ما عملت من مثقال ذرة من شر، فقال: " يا أبا بكر، فما رأيت في الدنيا مما تكره فمثاقيل الذر الشر، ويدخر مثاقيل الخير حتى يوفيكم الله يوم القيامة "؛ وأقول في ذلك:
إن مثقال ذرة لك ذخراً تلتقيها صبيحة الميعاد يوم تطوى السماء كالطرس طيا ويكون المهاد غير المهاد وعن صعصعة، أنه قدم على النبي (صلى الله عليه وسلم)، فلما سمع بهذه الآية: {فمن يعمل مثقال ذرةٍ خيرا يره * ومن يعمل مثقال ذرةٍ شراً يره} (1)، قال: حسبي الله، لا أسمع من القرآن غيره.
وعن عوف بن حارثة الطفيلي، أن ثمامة أخبره، أن النبي
(1) سورة الزلزلة: 7 - 8
•
-91 - (1/91)
صفحة 92
، قال: " يا عائشة، إياك ومحقرات الذنوب، فإن لها من
الله طالباً "؛ وأقول في ذلك
فلمحقرات ذنوبنا طلاب جمعت وضم جميعهن كتاب فعلى الذنوب حقيرها وكبيرها يوم القيامة للحساب حساب
"
:
حدثنا الرقاشي، عن أنس، قال: قال رسول الله إبكوا، فإن لم تجدوا بالبكاء فتباكوا، فو الله، إن أهل النار ليبكون الدموع ثم الدما حتى تنقطع، ثم تصير جداول، فلو أن السفن أجريت لجرت "؛ وأقول في ذلك:
إبكوا وإلا تباكوا خيفة النار فإن ساكنها في الذل والعار دموعهم من دماء لا فواق لها مثل الجداول تجري جري أنهار لو السفين بها تجري لقلت جرت سفن البحار ثرى أو كوكب سار
وعن عبد الله بن عُمر، في قوله تعالى: {ونادوا يا مالك ليقض علينا ربك} (1)، قال: أهل جهنم ينادون مالك أربعين عاماً
فلا يُجابون، ثم يقول: {إنكم ماكثون} (1)، فيدعهم مثل الدنيا فيقولون مثل الدُّنيا: {ربنا أخرجنا منها فإن عدنا فإنا ظالمون * قال أخسئوا فيها ولا تكلمون} ()، فبئس القوم بعدها، إذ كان إلا
(1) سورة الزخرف: 77
•
(2) سورة المؤمنون: 107 - 108.
- AY- (1/92)
صفحة 93
الزفير والشهيق؛ وفي ذلك أقول:
ينادون مالك يا مالك ليقض علينا القضاء ربكا فيدعونه برهة هكذا فقال امكثوا ليس يغني البكاء
وعن ابن عباس، أنه قال: كان في الحجر ومعه محجن، فيضرب به الحجر ويقبله، فقال: قال النبي (صلى الله عليه وسلم): " {يا أيها الذين أمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون} ()، لو أن قطرة من الزقوم قطرت على الأرض، لأمرت على أهل الأرض معيشتهم، فكيف بمن هو طعامه وشرابه، أما سمعت "؛ وأقول في ذلك
:
فلو قطرة الزقوم مرت لمررت معيشة أهل الأرض طرأ جميعها وعن أبي الدرداء، قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): " يلقى على أهل النار الجوع، حتى يعدل ما هم فيه من العذاب، فيستغيثون بالطعام، فيغاثون بطعام من ضريع، لا يُسمن ولا يُغني من جوع، فيستغيثون بالطعام، فيغاثون بطعام ذا غصة، فيذكرون أنهم كانوا يزيلون الغصص في الدُّنيا بالشراب، فيُغاثون الحميم، فإذا أذيب أذابت جسومهم، فإذا دخلت بطونهم قطعت
(1) سورة آل عمران: 102.
-97 - (1/93)
صفحة 94
أمعاءهم، فيقولون: {لخزنة جهنم ادعوا ربكم يخفف عنا يوماً من العذاب} () "؛ وفي ذلك أقول:
قال أهل الجحيم للخزان هل دعوتم لنا بحق المثاني ربكم أن يُخفف عنا عذاباً لازما في شقاوة وهوان
قالوا أولم تك تأتيكم رسلكم بالبينات قالوا بلى قالوا فادعوا
وما دعاء الكافرين إلا في ضلال} (2)، فيقولوا: ادعوا ربكم، فلا
{
أحد خير من ربكم، {قالوا ربنا غلبت علينا شقوتنا وكنا قوما
ضالين} (3)؛ وفي ذلك أقول:
{
إن أهل الضلال في النار حلوا مالهم من ورودها من محيص إخسأوا في الجحيم لا ظل فيها لا ولا عن خلودها من خلوص
قال: فيجيبهم {إخسئوا فيها ولا تكلمون} ()، قال: فعند ذلك ينسوا من كل خير، وعند ذلك يأخذون في الزفير والحسرة والويل؛ وأقول في ذلك:
تلقى على أهل الجحيم مجاعة هي والعذاب جميعهن سواء
(1) سورة غاف
(2) سورة غاف
(3) سورة المؤمنون: 106. (4) سورة المؤمنون: 108.
-96 - (1/94)
صفحة 95
فإذا إستغاثوا بالطعام أتاهم عيش الضريع وكل ذاك عناء ثم استغاثوا بالشراب أتاهم ماء الحميم وليس فيه نجاء
وقال محمد بن مداد بن محمد بن مداد، في مثله، في صفة أهل النار - أعاذنا الله منها، وزحزحنا وجميع المسلمين عنها -:
يا ويل أهل النار يا ويلهم شقوا فيا بؤساً لمن يشقى تلقى عليهم جوعة يا لها والجوع من أعظم ما يلقى يسعر في أجوافهم حره سود الوجوه جوعة زرقا فيستغيثون إلى ربـ هيء لنا يا ربنا رزقا
فيُطعمون من ضريع بها ينتق أمعائهم نتقـ فتخرج الأمعاء من أدبارهم سائلة محروقة حرقا فيستغيثون فيُؤتون بالغصة تشجي الفم والحلقا يلقى مزيداً هائلاً طعمه الصاب والزقوم والحرقا فيستغيثون إلى شربهم من الحميم مشرباً رنقا يا ويل أهل النار يا ويلهم أدمعهم كالسيل لا ترقى أعاذنا الله وإياكم من جاحم ساكنها يشقى
وعن عُمران الجوني، قال: ليس ما بين الجنة والنار طريق ثالث، ولا منزل، ولا فناء، ولا منزل لأحد، من أعطي الجنة
_90. (1/95)
صفحة 96
دخل الجنة، ومن لم يعط الجنة دخل النار؛ وأقول في ذلك:
طريقان لابد من واحد يجوز ويهجر إحداهما
وأما إلى النار يصلى بها
مسيء ويحرم
أهناهما وأما الجنان فيحيا بها وليّ ويمنح أزكاهما
ولي في مثله:
يا لهما دارين ما أولاهما أن تسفح العينين من حراهما فما هالك ثالث إلا هما لأبد لمخلوق أن يلقاهما ثم يصير بعد إحداهما أشقاهما من حل في أشقاهما ولن يلاقي أحد كلتاهما فما هما من منزلين ما هما
وقال محمد بن مداد: العرب إذا إستكثرت شيئا، قالت
:
ما
هو، وما هي؛ قال الله تعالى: {وما أدراك ما هيه * نار
حامية} (1).
{
بإسناد عن قتادة، قال: في قوله تعالى: {إذ القلوب لدى
(2)
الحناجر كاظمين ما للظالمين من حميم ولا شفيع يطاع} (2)؛
قال: شخصت من صدورهم فنشبت في حلوقهم.
(1) سورة القارعة: 10 - 11.
(2) سورة غافر: 18
-97 - (1/96)
صفحة 97
قال: قال الحسن: اعلم يا ابن آدم، لو جعلت ما بين الجنة والنار، ونظرت إليهما، لهربت من النار أشد الهرب، ولعمدت إلى الجنة، قاصداً إليها، حريصاً عليها أشد الطلب، ولكرهت كل شيء يحبسك عنها، من أهل، ومال، وولد، أو صديق، فأنزل نفسك - يا ابن أدم - تلك المنزلة، فقد أتاك اليقين منها، حتى كأنك تنظر إليها؛ واعلم أنه لابد من المصير إلى إحداهما، وليس هنالك منزل ثالث، فاطلب الجنة حق الطلب، واهرب من النار كل الهرب؛ وأقول في ذلك:
لو اطلعت على النيران واللهب لكنت ملتجيا منها إلى الهرب ولو رأيت جنان الخلد كنت لها ما دمت جهدك في سعي وفي طلب ولا يعوقك أهل تستعد بهم ولا صديق ولا شيء من النسب وليس للمرء بُد أن يحل غدا في جنة أو لدى النيران والنصب
وعن سفيان بن حسين، قال: كان أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وسلم) إذا التقوا، يقول أحدهما للآخر: هل أتاك إنك وارد النار؟ قال: نعم، فيقول: هل أتاك إنك خارج منها؟ فيقول: لا، ففيم الضحك يا وارد النار؛ وأقول في ذلك:
يا وارد النار هل جاءتك معذرة عن الورود وهل بشرت بالصدر
-9 V- - 97 - (1/97)
صفحة 98
فقال والله ما بشرت عن صدر كلا ولم ألقه في الآي والسور
وقال محمد بن مداد، مُحاكياً له:
يا وارد النار قد أمعنت في ضحك ولست آمنها يا وارد النار فهل أتاك بشارات السرور بأن تحل جنة مأوى خير ما دار فكن من الضحك في خوف وفي وجل واطلب من الله سكنى دار أبرار لا تأمنن لمكر الله يا فرحاً فالله أوعد من يعصيه بالنار ولا تكن قانطاً من فضل رحمته فالله يقرض قنطاراً بدينار لا يظلم الله عبداً وزن خردلة لكن يُضاعفة أجراً بإكثار أعد تسعا وتسعينا فرحمته لم يحرمنها سوى طاغ وكفار فرحمة وسعت كل الخلائق قد عمت وتمت لنا في هذه الدار وعن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): " ويل للأغنياء من الفقراء يوم القيامة، فيقولون: ربنا ظلمونا حقوقنا التي إفترضتها لنا في أموالهم، فيقول الله (ع): لأقربنكم ولا بعدنهم، وتلا رسول الله): {والذين في أموالهم حق صلى الله عليه وسلم معلوم * للسائل والمحروم} () "؛ وأقول في ذلك:
من كان في ماله حق لسايله ومن عن الرزق مصروف ومحروم
(1) سورة المعارج: 24 - 25.
-94 - (1/98)
صفحة 99
قد قال ذو العرش في الآيات أن لهم حقا يؤدى إليهم وهو معلوم من لم يؤد إليهم حق واجبهم فظلمهم بعدهم زور وزقوم
وعن أسماء الخثعمية، قالت: سمعت رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يقول: " بنس العبد، عبداً تجبر واعتدى ونسي الملك الجبار الأعلا؛ بنس العبد، عبداً تجبر واختال ونسي الكبير المتعال؛ بئس العبد، عبداً سها ولها ونسي المقابر والبلا؛ بئس العبد، عبداً بخيل بالدُّنيا والدين؛ بنس العبد، عبداً يخلط الدين بالشبهات "؛ وأقول في ذلك:
بئس العبد عبداً نسى أو تجبر واعتدى ثم قال ذاك وزور ثم بنس العبد عبدأ تولى ونسى القبر وهو يزعم يقبر ولبنس العبد من ركب البغى وسامي بجهله وتنمر ثم يا بنس من ببخل تبغى أخذ الدنيا بدينه فهو أعور
حدثنا علي بن المفضل بإسناد، قال: حدثنا أبي، قال: أعطى أبو الدرداء عبد الملك كتابا، ذكر أنه عن أبيه، عن النبي)، أنه قال: " أن أشرف الحديث كتاب الله، وأبقى العز
كلمة التقوى، وخير الأمور عواقبها، وملاك الأجر خواتمه "؛ وأقول في ذلك:
_99_ (1/99)
صفحة 100
أزكى الحديث كتاب الله جاء به وخير خاتمة الأعمال عقباها والفضل في كلم التقوى لقائلها إذا اهتدت نفسه طوعاً لتقواها
حدثنا حماد بن محمد، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي)، أنه قال: البر لا يبلى، والذنب لا يُنسى، والديان لا يموت، فكر كيف شئت، كما تدين تدان "؛ وقد أخذ في هذا بعض الشعراء، فقال لبعض الملوك:
واعلم وأيقن أن ملكك زائل واعلم بأن كما تدين تدان
وقال آخر:
الذنب لا يُبلى وما قد قدمت كفاك من ذنب فلا تنسى والله حي دايم سرمد والعبد يلقى السعد والنحسا يفعل ما يشاء فلا يُدان يلقاه مع تلقائه طرسا حدثنا عبد الرحمن بن داوود بإسناد، عن أبي جعفر محمد بن عليّ، عن أبيه، عن عليّ بن أبي طالب، قال؛ قال رسول الله): " ما من عبد ولا أمة، ندب بنفقة ينفقها فيما يرضى الله، إلا أنفق أضعافها فيما يسخط الله، وما من عبد يدع معونة أخيه المسلم، والسعي معه في حاجة قضيت له، أو لم تقض، إلا بلي بمعونة من يأثم فيه، ولا يؤجر عليه، وما من عبد يدع (1/100)
صفحة 101
الحج، وهو يجد السبيل إليه من حوائج الدنيا، إلا نظر إلى المخلوقين قبل إنقضاء حاجته؛ وفي ذلك أقول:
إسعى لمعونة المسلم في حاجة سعي المُحب المُكرم إلا بليت بعون من لا يبقي كرها وحلت عن الطريق الأقوم والحج من أيسار كفك فاغتنم سيراً إليه تنال فضل المغنم كي لا يقوم به سواك وينقضي ما تشتهي بفراغ كف معدم إسع في حاجة أخيك المسلم يقضي حاجاتك رب الحرم واحجج البيت مع اليسر له قبل أن تبلى بكف مُعدم
حدثنا ابن أبي داوود بإسناد، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): " خمس بخمس، قالوا: يا رسول الله، ما خمس بخمس؟ قال: ما نقض قوم عهدهم، إلا سلط عليهم عدوهم، وما جار قوم في حكمهم، إلا كثر القتل فيهم، وما منع قوم الزكاة، إلا منعوا القطر، ولا ظهرت فيهم الفاحشة، إلا ظهر فيهم الموت (1)، وما بخس قوم المكيال والميزان، إلا أخذوا بالسنين (2) "
حدثنا الجوهري بإسناد، عن عبد الله بن عُمر، قال: قال
(1) أي: الطاعون القاتل
(2) السنين: القحط.
-1.1 - (1/101)
صفحة 102
حبس
رسول الله): يا معشر المهاجرين والأنصار، خمس خصال أعيذكم بالله منها أن تركبوها: إنه لم تظهر الفاحشة في قوم قط حتى عملوها، إلا يُسلط الله عليهم الطاعون والأوجاع التي لم تكن في قبلهم من الأمم، ولم يمنعوا الزكاة،، إلا الله عليهم القطر، ولولا البهائم لم يمطروا، ولا نقصوا المكيال، إلا أخذهم الله بالسنين، ولم يحكموا بالجور، إلا سلط الله عليهم عدوا من غيرهم، ولا نقضوا العهد، إلا جعل الله بأسهم بينهم "؛ وأقول في ذلك:
ومهاجرونا كلهم قال النبي لهم خمس خصال إن الفواحش ما تحل بمعشر إلا رموا بمذلة ووبال والمانعون زكاتهم منعوا الحيا والوكس في الميزان والمكيال فبهم قضى الله السنين عليهم تعساً لمن يعصي المليك العالي فبذاك حل الناس فيما بينهم وقضى بذاك تقارب الآجال
وقال النبي (صلى الله عليه وسلم): " البلا موكل بالمنطق "؛ وفي ذلك
أقول: أنا من منطقي وشر لساني مُستجير بخالقي المنان هي كالحية الظلوم إذا ما وقدوني بكيدهم إخواني
-1. Y- (1/102)
صفحة 103
قال: قال رسول الله (): " من إنقطع إلى الله تعالى.
كفاه الله كل مؤنة، ورزقه من حيث لا يحتسب، ومن إنقطع إلى الدُّنيا، وكله الله (ع) إليها "؛ وأقول في ذلك
:
بتقوى الإله نجا من نجا وفاز وصار إلى ما رجا ومن يتق الله يجعل له كما قال من أمره مخرجا
وعن عائشة، أن النبي ()، قال: " من طلب محامد الناس بمعاصي الله، عاد حامده عليه ذاما "
حدثنا بإسناد، عن عُمر بن شعيب، عن جده، عن النبي)، أنه قال: " من أحسن ما بينه وبين الله، كفاه الله ما بينه وبين الناس، ومن أصلح سريرته، أصلح الله علانيته، ومن عمل لآخرته، كفاه الله أمر دنياه "؛ وأقول في ذلك
:
إعمل لآخرة تنال كفاية من أمر دنيا أنصفت خدامها واصلح طويتك التي إن أصلحت عند الإله غداً تنل إكرامها وكذا السريرة إن ترم إصلاحها فالخير عندك خلفها وأمامها
حدثنا ابن الشيخ بن أبي زرعة بإسناد، عن محمد بن عبد الله الثقفي، قال: كان أهل الخير إذا التقوا، يوصي بعضهم بعضاً فإذا غابوا، كتب بعضهم إلى بعض بثلاث: من عمل لآخرته،
- 1.- (1/103)
صفحة 104
كفاه الله أمر دنياه، ومن أصلح سريرته، أصلح الله علانيته،
ومن أصلح الذي بينه وبين الله، كفاه الله الناس.
حدثنا الثعمان بن أحمد بإسناد، عن معاذ بن جبل، قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): " ما عظمت نعمة على عبد، إلا عظمت مؤنة الناس عليه، فمن لم يحتمل تلك المؤنة، فقد عرض تلك النعمة للزوال "؛ وأقول في ذلك
ما عظمت نعمة على أحد إلا وعاش الأنام في نعمه فإن رضى كان شاكراً يثيب مواهب الله وهي من قسمه وإن يك مانعاً لنعمته عادت كما عاد من إرمه
وعن ابن عُمر، قال: قال رسول الله): " أن الله أقواماً يخصهم بالنعم لمنافع العباد، يقرهم فيها ما بذلوها، فإذا منعوها نزعها الله منهم، وحولها إلى غيرهم "
حدثنا
عبد الله بن محمد بن جعفر بإسناد، عن أبي ذر، قال: سمعت خليلي أبا القاسم - أعني: رسول الله (صلى الله عليه وسلم) - يقول: " لا يجتني من الشوك العنب، ولا ينزل الفجار منازل الأبرار، وهما طريقان، فأيهما أردتم أخذتم إليه "؛ وأقول في ذلك:
لا يجتني المرء من شوك جني العنب ولا الهوينا بها تعلوا على الرتب
-1.2_ (1/104)
صفحة 105
وليس ينزل عاصي الله منزلة يحلها من أطاع الله في الحقب
تركت حديثاً وأخذت بعضه، قال: دخل أمير المؤمنين عمر بن الخطاب (ه)، في شأن بني مؤمل من بني نصر بن معاوية، أعجب من هكذا كله، وكيف شأنه؟ قال: كان رجل من بني نصر بن معاوية، قد إستولى على أموال بطن من بني المؤمل، وكان بنوا أبيه قد هلكوا، فألجأ نفسه إليهم وماله ليمنعوه، وكانوا يظلمونه، ويضطهدونه، ويأخذون أمواله بغير حق، فكلمهم، فقال: يا بني مؤمل، إني قد إخترتكم على من سواكم: واضفت إليكم نفسي لتمنعوني، فتظلموني، وقطعتم رحمي، وأكلتم مالي، وأسأتم جواري، وأذكركم الله والرحم والجوار، إلا ما كففتم عني، فقال رجل منهم يُسمى: رباحاً من بني المؤمل: قد والله صدق أن عمكم، فاتقوا الله، فإن له رحماً، فلم يمنعهم ذلك منه، فأمهلهم حتى دخل الشهر الحرام، فخرجوا عُماراً ورفع يده إلى الله في أثارهم وأدبارهم؛ وأقول في ذلك:
ردهم عني بني المؤمل وارم علي آثارهم بمكيل بصخرة أو عرض جيش جحفل إلا رباحاً إنه لم يفعل
قال: فبينما هم نزول في بعض طريقهم، أرسل الله عليهم
11.01 (1/105)
صفحة 106
صخرة من الجبل، دكتهم دكة واحدة، إلا رباحاً وأهل خباية.
قال عُمر: سبحان الله، إن هذا لعجب، ترون أن هذا كان يكون؟ قالوا: يا أمير المؤمنين، أعلم، فقال: أما إني قد علمت أنه كان في أناس من الجاهلية، لا يرجون الجنة ولا النار، ولا يعرفون بعثاً، ولا حساباً، ولا قيامة، وكان الله يستجيب للمظلوم منهم على الظالم، ليدفع بعضهم عن بعض، فلما علم الله العباد معا، هداهم، وعرفوا الجنة والنار، والبعث والقيامة، قال: {بل الساعة موعدهم والساعة أدهى وأمر} ()، وكانت النظرة والمدة والتأخير إلى ذلك اليوم.
قال: أخبرنا أبو زياد بن عبيدان بإسناد، عن أبي سليمان قال: كان رجل من بني إسرائيل يعمل بالمسحاة، وكانت له إمرأة من أجمل بني إسرائيل، وكان إذا أراح عن عمله، قدمت له فطور وهو صايم، وبردت له شرابه، وفرشت له فراشه، فبلغ ذلك جباراً من جبابرة بني إسرائيل جمالها، فأرسل إليها عجوزاً أن قولي لها: أترضين لمثلك أن يكون لها الذي يعمل بالمسحاة، فلو كنت عندي لحليتك الذهب، ولكسوتك الحرير، وأخدمنك الخدم، فلما ألقت ذلك إليها، وراح هو من عمله، لم تقدم له
(1) سورة القمر: 46.
-1.7 - (1/106)
صفحة 107
فطوره، ولم تبرد له شرابه، ولم تفرش له فراشه، فقال: يا هناه، يا هذه، ما هذا الخلق الذي لم أعرفه منك؟ فقالت: هو ما ترى، ففعلت به ذلك مراراً، فطلقها، فتزوجها جبار بني
إسرائيل، فلما أدخلت عليه وأرخيت الستور، عمي وعميت فأهوى يده إليها فجفت، فأهوت بيدها إليه تلتمسه فجفت يدها، فصما وخرسا، وثزعت منهما الشهوة، فلما أصبحوا أساء بهم الحجاب الظن، فرفعوا الستور، فإذا هم بكم عُمي خُرس، فرفع خبرهما إلى نبي بني إسرائيل، فرفع خبرهما إلى الله (ع) فأوحى الله إليه: إني لست أغفر لهما أبداً، ظنا أن ليس يغضبني في صاحب المسحاه
000
-1. V- (1/107)
صفحة 108
[صفحة فارغة] (1/108)
صفحة 109
الباب الخامس
في قوله (ك) إلى التعالى يومنذ عن النعيم}
عن محمد بن علي بن الحسين بن مُسلم: في قوله (ل):
(1)
{ثم لتسألن يومئذ عن النعيم} (1)، قال: الأمن، والصحة. والعافية، والظل
وعن رسول الله ()، قال: " الرطب، والماء البارد ".
حدثنا عمر بن الخطاب (ه)، قال: حدثنا عبد الله بن العامري، قال: حدثنا الأشعث بن نزار الجهيمي، عن الحسن، قال: لما نزلت: {ثم لتسألن يومئذ عن النعيم} ()، قالوا: يا رسول الله)، أي نعيم تسأل عنه؟ وسيوفنا على عواتقنا، والأرض كلها لنا حرب، يُصبح أحدنا بغير غداء، ويُمسي بغير عشاء، قال): " أعني بذلك أقواماً غيركم، أنتم خير منهم، تغدي عليهم بجفنة، ويراح عليهم بأخرى، ويغدون في محلة، ويروحون بأخرى، يسترون بيوتهم، كما تستر الكعبة، ويغشون فيهم السمين "، لعله يكون: معونة؛ قال الصحابة: يا رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، أي نعيم نحن فيه؟ قال: " أليس تجدون
(1) سورة التكاثر: 8.
-1.9 - (1/109)
صفحة 110
النعال، وتشربون الماء البارد، فهو من النعيم "
قال: ففي قول الله (ع)، لمُوسى (العلا): {وذكرهم
بأيام الله} (1)؛ قال: بنعيم الله.
وعن مجاهد، قال: النعيم: كل شيء من لذة الدنيا؛ وأقول
في ذلك:
من أتى ربه بقلب سليم شاكراً حامداً لرب رحيم قال إن النعيم يُسأل عنه فاذكروا الله عند كل نعيم صحة الجسم والمعاش من البر وماء الفرات غير الحميم والنعيم الأمان مع رطب النخل ونوم الظلال لا في السموم قال دنيا وما بها من لذيذ فنعيم بحمد ربي الكريم من أطاع الإله قابل بالشكر الأيادي من العزيز الحكيم والكنود الكفور يصلى حميماً وله الويل من عذاب أليم
وقال محمد بن مداد، على وزنه وضربه:
من أتى الله بالفؤاد السليم عائذاً بالمهيمن القيوم حامداً للإله في شربة الماء النقاح الزلال غير الحميم إن هذا النعيم يُسأل عنه عند حشر الورى بيوم عظيم
(1) سورة إبراهيم: 5.
-11 - (1/110)
صفحة 111
يوم يلق الورى سكارى حيارى ويكون الحميم غير الحميم كل شيء تلتذه من طعام وشراب وصحة في الجسوم وأمان الطريق والنوم في الظل ولبس الكتان فوق الحزوم فهو من جملة النعيم فاذكر شكرك الله عند كل نعيم يكفيك الله شر ذلك اليوم فاذكر شكر العزيز الرحيم لا تكن يا أخي حسودا كنوداً ناسياً شكره كثير الهموم
وقال الحسن: اذكر - يا ابن أدم - ما عليك من النعيم، عند كل طرفة عين، وكلمة، وخطوة، وعمل، ونفس، وصحة، ومشرب، ومطعم، وقد قال الله تعالى: {وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها} (1)؛ وأقول في ذلك
:
في طرفة العين وفي النظرة أيضا وفي النوم وفي اليقظة ومشرب الماء ولذيذ الغذا وما حبا الباري من القسمة وكلمة تنطقها نعمة وصنعة تعمل بالصحة
وقال محمد بن مداد، في مثله:
اذكروا الله في طرفة العين وابتداءً في يقظة ومنام لكلام تعده عند لفظ ولأعمال تزكو لكل الأنام
(1) سورة إبراهيم: 34
-111 - (1/111)
صفحة 112
وكذا ذكره عند شربك للماء أو الطعام في صحة وسقام يؤتك الله فوق ذكرك عشراً من مزيد له ومن أنعام
قال الله تعالى: {الم تروا أن الله سخر لكم ما في السماوات وما في الأرض وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة} ()؛ وأقول في ذلك:
اذكروا نعمة الله عليكم واذكروا فضله تنالوا المزيدا إن من شكر الصنيعة تلقى بعد كفرانه العذاب الشديدا
وقال محمد بن مداد:
الحمدُ لله وشكراً لـ للنعمة الباطنة الظاهرة فهو ولي وولي الورى في هذه الدنيا وفي الآخرة أحمده ما دمت حياً وفي قبري وفي حشري إلى الساهرة فحمده يدفع عني أذى الشيطان دارت فوقه الدائرة ولعنة الله عليه إلى أن يرجع الناس إلى الحافرة
قال الحسن: يا ابن أدم، لا تنكر نعمة الله عليك بعد معرفتها: ألا تشكر الله عليها، وأحدث الله شكراً عند كل نعمة يحدثها لك، فإنه ليس يأتي عليك ساعة من ليل ولا نهار، إلا والله عليك فيها
(1) سورة لقمان: 20.
- 112 - (1/112)
صفحة 113
نعم متظاهرة؛ وأقول في ذلك أحدث لما يأتيك من نعمة
فكل ساعاتك موصولة
وقال محمد بن مداد، في مثله:
لله في ساعاته شكرا بنعمة جارية تترى
أحدث لما أولاك من نعمة ربك في إحيائها شكرا يحدث لك الله بها نعمة ونعماً تعقبها أخرى فكل ما ازددت له شكراً زادك من أنعمه عشرا واعلم بأن الشكر إلهامة إياك أن تحمده شكرا
وعن الحسن، قال: يا ابن آدم، بما تمتعت من الدنيا، وأنت متيقن أن الله سائلك عن نعيمها؛ يا ابن أدم، أذكر كم من ناعم في الدنيا يتمنى غداً عند الحساب، لو أنه كان عائلاً فقيراً في الدُّنيا، لا يجد قوت ليله؛ وأقول في ذلك:
كم ناعم يتمنى عند نعمته لو أنه كان في الدنيا من الفقرا عيلان فيها بلا مال ولا وطن ولا يرى بعده الباقي له أثرا
قال: دخل فرقد على الحسن، وهو يأكل خبيصا، فقال: هلم فكل، فقال: يا أبا سعيد، أخاف أن لا أؤدي شكره، فقال: يا
- 113 - (1/113)
صفحة 114
لكع، أتؤدي شكر الماء البارد؛ وأقول في ذلك:
إن هذا الخبيص تعجز نفسي عن أدا شكره فكيف إحتيالي وقال من قال كيف أسطيع شكراً من شراب الفرات مثل الزلال
حدثنا أبو هريرة، عن النبي (صلى الله عليه وسلم)، أنه قال، أنه قال: " أول ما يُحاسب الله العبد يوم القيامه: ألم أصح جسمك؟ وألم أروك من الماء البارد؟ "؛ وأقول في ذلك
:
يُحاسبني ربي على صحة البدن وشربي عذب الماء ريا بلا ثمن
قال: قال سفيان بن عيينه: ليس أحد من عباد الله، إلا والله عليه الحجة، إما في ذنب، وإما في نعمة، أو تقصير في شكر؛ وأقول في ذلك:
حجة الله في ابن آدم إما كان بالذنب أو بتقصير عما خصه الله في نعيم وشكر ذلك يزداد في القيامة غما
-11 - (1/114)
صفحة 115
البات الباوس
في ما حذر النبي من من الخلف والقذف)
قال الله (جال): {فكلا أخذنا بذنبه فمنهم من أرسلنا عليه حاصبا ومنهم من أخذته الصيحة ومنهم من خسفنا به الأرض ومنهم من أغرقنا وما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم
(1)
يظلمون} (1).
يكون
وعن عُمر بن الحصين، قال: قال رسول الله (): في أمتي خسف وقذف، قالوا: متى ذلك يا رسول الله (صلى الله عليه وسلم).
قال: إذا ظهرت المعازف والقينات وشربت الخمور "
وعن عطا بن عبادة بن الصامت، عن رسول الله له قال: " والذي نفسي بيده، ليبيتن أناس من أمتي على أشر، وبطر، ولهو، ولعب، ويصبحون قردة وخنازير، باستحلالهم المحارم، وشربهم الخمور، واتخاذهم القيان، وأكلهم الربا. ولبسهم الحرير "؛ وأقول في ذلك:
بشرب الخمور وأكل الربا ولبس الحرير دواعي الوبا
(1) سورة العنكبوت: 40.
6
-1101 (1/115)
صفحة 116
وخسف البلاد وهلك العباد ركوب الفساد بعيد الصبا
وعن جرير، أنه نزل قطر، بل قالوا: دجيل من دجلة، قال: فهل قالوا: دجيل؟ وهو ها هنا أسفل نهر يُقال له: الفرات، فقال: سمعت رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، يقول: ما بين مدينة، نهر يُقال له: دجلة، ودجيل، ونهر يُقال له: الفرات، يجتمع فيه ملوك الأرض، فيخسف بها "؛ وأقول في ذلك
ما بين دجلة والدجيل مدينة قال النبي يعمها الخسف وبدار قوم ثمود كانوا قبلنا هلكوا وحل عليهم الرجف
وكان سفيان الثوري، ينهانا عن المقام عند بغداد؛ وروي عن سفيان بن عاصم - أيضاً -
نهى الثوري عن بغداد الاً يُقام بها محاذرة الخسوف و عاصم قال كفوا لا تقيموا بها واستعملوا غير الوقوف
-117 - (1/116)
صفحة 117
الباب السابع
في فكر الزلازل والصواعي
قال الله تبارك وتعالى: {وما نرسل بالآيات إلا تخويفا} (1)
6
وقال تعالى: {وما نريهم من آية إلا هي أكبر من أختها وأخذناهم بالعذاب لعلهم يرجعون} (2).
وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله): " لا تأتي) الساعة حتى يقبض الله العلم، وتأتي الزلازل، وتقارب الزمان، وتظهر الفتن، ويكثر الهرج ".
وعن عُمر: إذا جار الحاكم قل المطر، فإذا أعذر الذمة ظفر
العدو، وإذا ظهرت الفاحشة كانت الرجفة؛ وأقول في ذلك
إذا جارت الحكام ينقطع القطر ويقوى العدا إن ذمة خانها الغدر وفي الرجف أن تؤتى الفواحش جهرة تحيق بقوم عم جمعهم الكفر قال: جاءنا كِتاب عُمر بن عبد العزيز، في رجف كان في ولايته: أما بعد، فإنه بلغني أن هذا الرجف، يُعاتب الله به خلقه،
(1) سورة الإسراء: 59. (2) سورة الزخرف: 48.
-11 Y- (1/117)
صفحة 118
فقد كتبت إلي الأجناد، أن يخرجوا ليلة الإثنين، لعدة من الشهر قد سماها، فيتوبون إلى الله من ذنوبهم وخطاياهم، فمن إستطاع أن يخرج ويقدم بين يديه صدقة فليفعل، فإن الله (ل) يقول: {قد أفلح من تزكى * وذكر إسم ربه فصلى} (1)؛ وقوله (): كما قال آدم (العلم وحواء: {ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين} (2)؛ وكما قال نوح (الله): رب إني أعوذ بك أن أسألك ما ليس لي به علم وإلا تغفر لي وترحمني أكن من الخاسرين} (3).
زلزلت الأرض على عهد عبد الله بن مسعود، فقال: كنا نري
الآيات مع رسول الله) تزكيات، وأنتم ترونها تخويفاً. قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): " في قوله (ع): {يوم ترجف الراجفة * تتبعها الرادفة} (4)، قال: جاء الموت بما
فيه ".
(1) سورة الأعلى: 14 - 15 (2) سورة الأعراف: 23.
(3) سورة هود: 47 (4) سورة النازعات: 6 - 7.
-11 A- (1/118)
صفحة 119
البات الثامن
في ما جاء في الأمل والأجمل
قال الله (ع): {ذرهم يأكلوا ويتمتعوا ويلههم الأمل فسوف
يعلمون} (1).
وعن أنس، قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): " مثل الإنسان والأجل والآمل، فمثل الأجل خلفه، والآمل أمامه، فبينما هو يأمله أمامه، إذا أتاه الأجل فاختلجه
""
قال: سمعت الحسن يقول: يا ابن أدم لو رأيت الأجل
ومسيره، لنسيت الآمل وغروره؛ وفي ذلك أقول:
لو رأى العبد سرعة الآجال ما تصدى لكاذب الآمال وكذا لو رأى الحمام الموافي ما إهتدى أن يرده بإحتيال وعن أبي سعيد الخدري، قال: إشترى أسامة بن زيد بن ثابت، وليدة بمائة درهم إلى شهر، فسمعت رسول الله () يقول: " ألا تعجبون من أسامة المشتري إلى شهر، إن أسامة لطويل الأمل، والذي نفسي بيده، ما طرفت عيني فظننت أن
(1) سورة الحجر: 3.
-119 - (1/119)
صفحة 120
تقر، حتى يقبض الله روحي، ولا لقمت لقمة، فظننت أني
لأسيغها حتى أغص بها من الموت "؛ وأقول في ذلك
:
نبي الله تعجب من أسامة شرى شيئاً على شهر علامه أليس الموت يطرق كل حين فهذا ساق مأمولاً أمامه فكم من آمل لغد صنيعاً لقي من قبل عن فعل حمامه وعن أنس، قال: كنا مع رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، فوضع رداءه تحت رأسه ونام، فهبت ريح، فقام فزعاً وترك رداءه، فتبعته فقلت: مالك يا رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، قال: " ظننت أن الساعة قد قامت "؛ وأقول في ذلك
وضع النبي ردائه لوساده حتى يلذ بنومه ومهاده بينا تراه بنومه هبت به ريح فقام مفارقاً لرقاده فزعا ففارق نومه من خشية أن القيامة قد أتت في ناده
وعن أبي هريرة، عن النبي (، قال: " لايزال قلب
الكبير شاقاً مُشتاقاً في حب المال وطول الأمل
قال: حضر عُمر بن الخطاب (ه)، جنازة رجل حتى دفنه
ثم تمثل ببيت، فقال:
ضي
-14 - (1/120)
صفحة 121
وبالغ أمر كان يأمل دونه ومخترم دون الذي كان أملا
وفي ذلك أقول:
وما آمل أمرا ببالغ أمره إذا كان دون الأمر للموتِ مُدخلا
وقال محمد بن مداد بن محمد بن مداد، في مسلكه ومثله:
وكم آمل أمراً فقصر دونه ومقصر قد نال الذي كان آملا وما الموت إلا خبط عشواء من يُصب يُمته ومن يُخطي يُعمر فيُمهلا وما الناس إلا هالك ظل باكياً على هالك ذاق المنية أولا ولو علم الباكي لعز بُكاؤه على عُمره إذ ضاع منه سبهللا وعن الأصمعي: سمعت أعرابيا يقول: إن الآمال قطعت أعناق الرجال، كالسراب غرّ من رأه، وأخلف من رجاه؛ وأقول
في ذلك:
آمل المرء كالسراب غرور من رءاه فمخلف من رجاه
وفي ذلك أقول:
إنما الآمال مثل السراب يعجب الإنسان سوغ الشراب غر من خال كبرق خلب ضاحك السن سريع الإنقلاب
- 121 - (1/121)
صفحة 122
وعن الوليد بن مسلم، قال: لما أمر الوليد بن عبد الملك،
ببناء مسجد دمشق، وكان أخوه سليمان بن عبد الملك، القيم عليه، فوجدوا في حائط المسجد القبلي لوحاً من حجر، فأتوا به الوليد، فبعث به إلى الروم، فلم يستخرجوه، فدل على وهب بن منبه، فأعلمه بمكان اللوح، فلما نظر إليه وهب، قرأه: بسم الله
الرحمن الرحيم، يا ابن أدم، لو علمت يسير ما بقي من أجلك لزهدت فيما ترجوا من طول آملك، فإنما تلقي بدمك إن لو قد زلت قدمك، وأسلمك أهلك وجسمك، وانصرف عنك الحبيب، وودعك القريب، ثم صرت تدعا فلا تجيب، فلا أنت إلى أهلك عائد، ولا في عملك زايد، فاعمل لنفسك قبل يوم القيامة؛ وأقول
في ذلك
:
ثووا وسط القبور وعن قريب بلا شك تصير بحيث صاروا
وقال محمد بن مداد، في ذلك:
لو علمنا بقيت الآجال لرغبنا في صالح الأعمال وبكينا لها أشد بُكاء وقصرنا في طائل الآمال ما حصلنا منها على طائل لكن أطلنا الآمال فوق الجبال آمل طال فوق عُمر قصير وانقطاع الآمال بالآجال
- 122 - (1/122)
صفحة 123
بينما المرؤ كاملاً وسويا إذ هو الميت بين أيدي الرجال لهف نفسي ولهف نفسي على عُمر نبذناه مثل نبذ الخلال لو نظرنا بفكر قلب صحيح لوجلنا أشدما أوجال غير أنا نقول قول عبيد وعبيد قد كان غير مذال ليس شيء من المنون بخال لا عديم ولا مُثمر لمال
وأقول في ذلك:
لا تأسفن من الدُّنيا على آمل فليس باقيه إلا مثل ماضيه وافرح إذا لم تنل شيئاً بسيئة واحزن إذا لم تكن الله ترضيه
وأنشدنا ابن عمار:
أنا محزون بذنبي مشتغل أعذل النفس وما يغني العذل قد مضى أكثر أيامي ولم أرض ما قدمت فيه من عمل كيف تصفو لذة العيش لمن صار وقفاً بين ذنب وأجل كل ما أصلح منه جانبا خوفه أفسده طول الأمل
وقلت في مثله:
ذهب الدهر بعمر ذاهب ما إنقضى إلا بمحبوط العمل كيف أهني سعة العيش وقد صرت رهناً بين ذنب وأجل
- 123 - (1/123)
صفحة 124
أجبر النفس على إصلاحها وفساد العيش مع طول الأمل
قال: وأنشدنا ابن مهرويه:
يمد المنا للمرء آمال نفسه وسهم الردى من لحظ عينيه أسرع لمن يجمع المال البخيل وقد رأى مصاريع من قد كان بالأمس يجمع بسطن الأماني للنفوس سبيلها وأمالها من دونها الموت أسرع لقد جمع المال البخيل بجهده ولم يعتبر من مقتر كان يجمع وقال عُمر بن الخطاب (ه): ما أعجب ما قال هذا الشاعر:
والمرء ساع لأمر ليس يُدركه والعيش شح وإشفاق وتأميل وضارعته، فقلت
إسعى واطلب شيئاً عَزَّ مطلبه والعُمر يبعد والأيام تأميل
وقال عُمر بن أحمد، في قضيته ومثله:
اسعى واطلب شيئاً عَزَّ مطلبه إلا رجاءً فما يدري أيدركه أم يستمر فيأتي دونه أجل لا يدرك الأمل المأمول تاركه وعن نافع، عن ابن عُمر، عن النبي (صلى الله عليه وسلم)، قال: " أعمار أمتي في أعمار من مضى، إلا كما بين العصر ومغيب
- ITE- (1/124)
صفحة 125
الشمس "
وعن حذيفة، قال: قلت: يا رسول الله، ما مصارع أمتك؟ قال: " ما بين الخمسين إلى الستين "، قال: فقلت: يا رسول الله، فأبناء السبعين وأبناء الثمانين؟ قال: " قل لمن يبلغها منهم: رحم الله أبناء السبعين، رحم الله أبناء الثمانين "
وفي قول الله (ع): {ومن نعمره ننكسه في الخلق أفلا
يعقلون} (1)
•
وعن أنس، عن النبي (صلى الله عليه وسلم)، قال: " لكل شيء حصاد، وحصاد أمتي ما بين الستين إلى السعبين "؛ وقلت في ذلك:
إن الزروع حصادها في حينها فحصاد أمة أحمد ستينا ولعل ما بلغ الحياة معمر ستينه ومجاوز سبعينا وعن ابن عثمان الضبعاني، قال: سمعت وهب بن منبه، يقول: في قول الله تعالى: {وقد بلغت من الكبر عتيا} (2)، قال: هذه المقالة هو: ابن ستين سنة، أو خمس وستين أو سبعين.
وعن وهب بن منبه قال: ينادى منادي كل ليلة أبناء الستين:
(1) سورة يس: 68.
•
- 125 -
•
(2) سورة مريم: 8 (1/125)
صفحة 126
ماذا قدمتم ماذا أخرتم؟ وأقول في ذلك:
كفى واعظاً بالشيب أن كل ليلة ينادي منادي أين من بلغ العُمرا وابن بنوا الستين هلا تذاكروا سنينا وأعواما مررن بهم مرا أتاهم نذير الموت شيب رؤوسهم وذاك عن الباري أبان لهم عذرا
قال: في قوله (ال): {أولم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر
وجاءكم النذير} (1)؛ قال: أدناه ستون سنة؛ وأقول في ذلك:
أعدد الزاد للرحيل فإنا في أوان الرحيل والكل راحل كل من عاش فوق ستين عاماً ليس يدري وقد أتى الموت نازل
وهذان البيتان يتقدمان الأولين، وقال بعض السلف، وهو:
أبو العتاهية:
تزود من الدنيا فإنك راحل وبادر فإن الموت لا شك نازل وإن إمرء قد عاش ستين حجة ولم يتزود للمعاد لجاهل قال: حدثنا الزبير بن بكار، قال: حدثت أن رجلاً من المدينة دُعيَّ إلى اللهو، وكان يجتمع عليه قوم، فأبى، وقال: قد دخلت البارحة في الأربعين، فما عندي فيما تقدم من الجهل مساعد، ثم
(1) سورة فاطر: 37.
- 126 - (1/126)
صفحة 127
أنشأ يقول: إذا ما الأربعون عليَّ مرت ولم أسلك طريقا في الحلال ولم ألحق بسالف من تولى ملكت برق أرسان الضلال
وقال: وأنشدني ابن الأعرابي:
إذا المرء وافي الأربعين ولم يكن له دون ما يأتي حياء ولا ستر فدعه ولا يأسف عليه الذي رني وأن جر أسباب الحياة له الدهر
وأقول في ذلك:
إذا ما مضى للمرء خمسون حجة ولم يرعوي عن غيه فأته الأجر فدعه من الغي المبرح أنه سيندم حياً إن تمادى به العُمر
حدثنا محمد بن موسى، قال: سمعت عائشة تقول: خرج عيسى بن مريم (العلا على قومه وهم يضحكون، فقال لهم: لا يضحك من يخاف الله، فقالوا: يا روح الله، مرحبا مرحبا، قال: لا يمزح من تم عقله؛ وأقول في ذلك:
من خاف خالقه لم يله بالضحك وكيف يضحك من في قبضة الملك يا روح خالقه مزح جري ولنا في المزح ما ننتهي من حادث الفلك
- ITV- (1/127)
صفحة 128
وعن أبي هريرة، قال: قالت عائشة: يا رسول الله:
{والذين يؤتون ما أتوا وقلوبهم وجلة أنهم إلى ربهم راجعون} ()، الرجل يذنب وهو وجل؟ قال: " لا، ولكن يُصلي ويصوم وهو وجل "؛ وأقول في ذلك
:
إن الذي عبد الإله وقلبه وجل فذاك هو اللبيب العاقل لا كالذي إرتكب الذنوب وقلبه وجل فذاك هو الظلوم الجاهل
قال عيسى بن عاصم: وفدت مع الجماعة من بني تميم، إلى النبي (صلى الله عليه وسلم)، فدخلت عليه، وعنده الصلصال بن الدهلمس، فقلت: يا نبي الله، عظنا عظة ننتفع بها، فإنا قوم بعيد في البرية، فقال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): " إن مع العز ذلاً، وإن مع الحياة موتاً، وإن مع الدُّنيا آخرة، وإن لكل شيء حسيباً، وعلى
كل شيء رقيبا، وإن لكل حسنة ثواباً، وإن لكل سيئة عقاباً وإن لكل أجل كتاباً، وإن لابد لك يا قيس من قرين يُدفن معك وهو حي، وتدفن معه وأنت ميت، وإن كنت كريما أكرمك، وإن كنت لنيماً أسلمك، ثم لا يُحشر إلا معك، ولا تبعث إلا معه، ولا تسأل إلا عنه، ولا تجعله إلا صالحا، فإنه إن صلح أنست به، وإن
فسد لم تستوحش إلا منه، وهو فعلك "
(1) سورة المؤمنون: 60.
- IYA- (1/128)
صفحة 129
وقال رسول الله (: " أحب أن يكون هذا الكلام في أبيات من الشعر، نفتخر به على من غلبنا من العرب فندحره "، فأمر رسول الله () من يأتيه بحسان بن ثابت، فقلت: يا رسول الله)، قد حضرني أبيات توافق ما تريد، فقلت شعراً:
تخير قرينا من فعالك أنما قرين الفتى في القبر ما كان يفعل ولا بد بعد الموت من أن تعده ليوم يُنادى المرء فيه فيقبل فإن كان مشغولاً بشيء فلا تكن بغير الذي يرضى به الله تشغل ولا يصحب الإنسان من بعد موته ومن قبله إلا الذي كان يعمل ألا إنما الإنسان ضيف لأهله يُقيم قليلاً عندهم ثم يرحل
وعارضته في ذلك
:
تنظر خليلا فاضلا تستعده قرينك في القبر الذي أنت نازله فإن كان بعد الموت لا بد للفتى غداة التنادي يلق ما هو فاعله فإن يك خيراً فاز بالخير أمناً وشراً فيا ويل لمن هو حامله وما المرء إلا الضيف ينزل ساعة ويرحل مرغوماً وتبلى منازله
وعن قتادة، عن أنس بن مالك، قال رسول الله (): " لكل إنسان ثلاثة أخلاء، أما أحدهم: فيقول أحدهم: ما قدمت فلك، وما أخرت فليس لك، وأما الآخر فيقول: أنا معك حيث ما
- 129 - (1/129)
صفحة 130
نزلت لا أفارقك، وأما الآخر فيقول: أنا معك حتى إذا أتيت باب الملك رجعت وتركتك، فأما الأول: فماله، فما قدم فله، وما ترك فلورثته لا يحمدوه عليه، وأما الثاني: فأهله وعشيرته إذا رمسوه في التراب إنقلبوا وتركوه، وأما الآخر: فعمله، قال: فيقول: والله لأنا كنت أهون الثلاثة عليك "؛ وأقول في ذلك
عند موتي ثلاثة يتبعوني عملي مع قرابتي ثم مالي رجع المال والقرابة عني وقريني خطيتي وضلالي خير مالي الذي تقدم قبلى ذاك ذخري وزينتي وجمالي رب لا تجعل الخطايا لباسي ولحافي غداة سير الجبال
وأنشدنا أبو الحسن بن البرا:
أبعد الأربعين وقد تداعي تداعيك التكهل والقتير يروعك أن ترى حياً وميتاً وأنت غدا على جدث تصير فإن منتك نفسك عُمر نوح فنوح كان مكثته يسير أليس الموت غايتنا جميعاً وبعد الموت غايتنا النشور
لعله، وقال محمد بن مداد:
أبعد الأربعين أتا النذير ولاح بشعر ناصيتي القتير
-17 - (1/130)
صفحة 131
تروعني القبور إذا بدت لي حفائرها وتحويني القبور فلو نفسي تمنت عُمر نوح لفاهت أنه عُمر قصير وغاية كل مخلوق فناه وموعدنا القيامة والنشور
قال: حدثنا الحسن بن عبد الرحمن، قال: قال بعض الحكماء: العُمر قصير، والسفر بعيد، فاشغل بعض أيامك بصلاح سفرك، وتمتع أنها الهايم بالمكاسب بما جمعت قبل صحة الإنزعاج عنه مما أقرب ما ينتظر، وأقل المكث فيما يزول
قال: سمعت عبد العزيز يقول: ذهب عُمري سهواً، والهول الشديد أمامي
وقد قال بعض الحكماء في نحو ذلك: جدتي بطاعة نفسي وذكرت طاعة الله بطوا؛ وأقول في ذلك:
سجيري
(1)
فقد فاتني سهوا فمر ولم أدر عنائي كان حزنا على عُمري مضت حقبا ستون عاماً صحبتها فها أنا من خوف المنية في وعر أخاف عذاب الله إن لم يمدني بعفو فويلي ثم ويلي من إصر
(1) ومنه: ساجرته مساجره، وهي: المخالة والمخالطة؛ وَهُو: سجيري؛ وهم: سجرائي؛ لأن كل واحد منهما يسجر إلى صاحبه: يحن؛ ومنه: ماء أسجر، وهو: الذي خالطته كدره وحمره من ماء السماء؛ يُقال: إن فيه لسجرة؛ وإنه: لأسجر؛ وقطره: سجراء؛ انظر، کتاب: " أساس البلاغة "، للزمخشري، صفحة 286، (بتصرف)؛ ومنه: الإصطلاح العُماني: سجر النخل؛ والنخل مسجر؛ وتسجير النخل.
- 131 - (1/131)
صفحة 132
قال الحسن: لقد وقدتني كلمة سمعتها من الحجاج، فقلت: وإن كلام الحجاج ليقدك؟ قال: نعم، سمعته يقول: إن إمرء ذهب من عُمره في غير ما خلق له، لحري أن تطول عليها حسرته؛ وأقول في ذلك:
عدي مع الساعات خيراً يُرتجى لا تذهبي يا نفس بالحسرات
وقال شعراً:
وضللت حلمي والتفت إلى الصبا سفها وقد جزت السهى مترحلا قارنت شيبي والتفت إلى الصبا إذ فات عني ثم يصبح راحلا سمعت أبا الحسن قرارويه، يقول: كان أبو علي بن
عبد العزيز، كثيراً ما يقول مما ينشد بيت لسليمان بن زيد:
إن عشت تفجع بالأحبة كلهم وفناء نفسك لا أبا لك أفجع
قال: وكثير مما كنت أسمعه ينشد:
إذا كانت الستون عُمرك لم يكن لدائك إلا أن تموت طبيب وإن إمرءا قد جاز ستين حجة إلى منهل من ورده لقريب إذا ذهب الجيل الذي أنت فيهم وغودرت في جيل فأنت غريب (1/132)
صفحة 133
وأقول في ذلك:
إذا الستون أبلغها أريب ولم يرجع إلى التقوى الأريب وظن بان مدته مليا يعيش بها وقد هلك الطبيب وما الستون إلا منتهانا وموعد حشرنا منها قريب إذ الأتراب أهلكهم منون فأنت مع الذي يبقى غريب
وأقول في ذلك:
إذا إفتقرت إلى الذخاير لم تجد ذخراً يُقاس كصالح الأعمال وأقول في ذم الحياة:
وعم الورى طول الحياة ومن يعش مليا فما يقتات غير وبال وخير ادخار المرء ما هو صالح يكون لنا ذخرا ليوم مآل
قال: حدثنا العوام بن حوشب، عن عكرمة، قال الله تعالى: لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم} (1)، قال: الشباب؛ {ثم رددناه أسفل سافلين} ()، قال: الهرم؛ قال الله (ل):
{واشتعل الرأس شيبا} (3)
(1) سورة التين: 4.
(2) سورة التين: 5.
(3) سورة مريم: 4.
•
{
- (1/133)
صفحة 134
قال: حدثنا الأصمعي، قال: حدثت أن قبيصه بن جابر الأسدي، تكلم بين يدي عُمر بن الخطاب (ه)، فقال له عمر: إنك فينق اللسان، فسيح الصدر، فاتق عثرات الشباب، وفلتات الغضب، ونوادر الكلام؛ وقلت في ذلك:
إتق عثرات الشباب وجانب فلتات الخطاب إذا ما غضبتا تأني إذا بدرت قول لا ولا تك إن قلت قولاً لحنتا
وعن عطا، قال: لما رأى إبراهيم الشيب، قال: مرحبا
بالعلم والحلم، الحمد لله الذي أخرجني من الشباب سالماً
قال: قال أبو موسى: طوبى لمن وقي شر شبابه، طوبي لمن وعظ بغيره؛ وأقول في ذلك:
طوبى لمن ذهبت منه شبيبته وقد وقي شرها لم يقترف لمما والشيب صون لمن يهديه خالقه وجنة يلتقيها في غد أمما
وقال محمد بن مداد:
مرحباً بالمشيب إذ شمل الرأس وتعساً لأمهات الشباب قد حمدنا المشيب حين أتانا واضحاً لونه كلون السحاب فيه للمتقي وقار ونور و جمال وزينة للثواب
- ITE- (1/134)
صفحة 135
هو يحكي الكافور لونا وعرفا طيبا لونه كلون المذاب وهو فوق الجهال صوفة كبش وضروها (1) متى تشب بخضاب
وأنشدنا أبو المُسيب، لعلي بن عباس الرومي:
من كان يُبكي الشباب من أسف فلست أبكي عليه من أسف وأقول في ذلك:
يا عين لا تسفحي ولا لا تكفي عن شباب مضى ولم يقف يا عين سيباً لمنهل تراه بها كضوء شمس يحل في دجى السدف
وقال محمد بن مداد، مجاوباً له:
وا لهفي للشباب وا لهفي ما لي بشرخ الشباب من خلف فقدت فيه جميع ما يلتذه الإنسان من تحفة ومن طرف ما إن ذكرت المشيب من طرف إلا بكيت الشباب من طرف
أبكيه للواجبات أعملها بقوة والقيام في السدف لا أشتكي الضعف فيه من ركبي ولا نسآني علي ذي نكف (2)
وقال أبو عليّ المُعتصم بالله أحمد بن عبد الله الكندي السمدي
(1) الوضر: القذى، والأذى الملوث للشعر، والجسم، والثوب
•
(2) نكف: جمع مُستنكفات، أي: مستعصيات
- 135 - (1/135)
صفحة 136
طاب ثراه): [ومالي بعين قلا أراه]:
دع لذكرك أيام التصابي وهمك في مُلازمة الخضاب وشيبك في الحياة قرين خير وعندك بعد موتك في التراب ألم تعلم بأن الجهل داء وخضب الرأس من كفن الشباب فأنت كمن أقام على شفا يحاذر من وقوع في العذاب تأهب للرحيل وعن قريب سيعلو الرحل منك على الركاب وما لي في إنتظارك قد حسبنا وقد أزف الترحل باقتراب
وقال محمد بن مداد، مجاوباً له:
تبدلت الخضاب من الشباب فيا أسفاً على عهد الشباب وكنت من الشباب على سواد يُحاكي لونه لون الغراب فعوضني المشيب بياض لون كلون الفجر أو قطع السحاب جزاك الله خيراً من أخ لي يُزاولني على سنن الصواب صدقت فإننا فيها وأنتم كمحتط برحل في الركاب نزلنا ساعة في ظل سدر فمرتحل وآخر في وثاب وما الدُّنيا سوى فلتات عيش تؤلُ إلى رحيل وانقلاب إلى دار لها فوجان فوج أولوا نعم وفوج في عذاب
- 136 - (1/136)
صفحة 137
قال: قال رسول الله): " الشيب نور المُؤمن، فمن
أراد أن يُطفيه فليطفه بالحنا "
وعن عُمر بن الخطاب (ه)، عن النبي (صلى الله عليه وسلم)، أنه قال: " خير شبانكم من تشبه بكهولكم، وشر كهولكم من تشبه بشبانكم الفاسقين "؛ وأنشدنا ابن أبي الدنيا:
وما ستر الخضاب عوار شيبي ولكن زاد في عدد العيوب كذي سقم أراد له شفاءاً وكان هلاكه بيد الطبيب
وأنشدنا ابن الإبياري، وقال: أنشدني أبي:
تولى الجهل وانقطع العتاب وجاء الشيب فافتضح الشباب ولو أبغضت نفسي في مشيبي فكيف تحبني الخود الكعاب
وقلت معارضاً له:
تولى الغشم إذ ولى الشباب وجاء الشيب يصحبه الصواب به إنصرمت حبايل كل خود بلا هجر وقد قطع العتاب فتعسي قد نسيت غداة شيبي وملتني عميرة والرباب
وعن مالك بن دينار، عن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله): يقول الله (ع): " وعزتي وجلالي، وفاقة خلقي
-1 TY- (1/137)
صفحة 138
إليَّ، أني لأستحي من عبدي وأمتي، يشيبان في الإسلام، أن
أعذبهما
"؛ فبكا رسول الله ()، فقلنا: ما يُبكيك يا رسول
الله؟ قال: " ممن يستحي الله منه، ولا يستحي من الله "
قيل لأبي محمد اليزيدي: باد شبابك، قال: هذه عادته فيمن
عاش، وانقشاع الشباب أسرع من انقشاع السحاب.
قال بعض الحكماء: من أخطأته سهام المنية، قيدته الليالي
والسنون
وعن مطلوب بن عبد الله، عن أبيه، عن النبي (صلى الله عليه وسلم)، قال: خلق ابن أدم وإلى جنبه تسعة وتسعون منية، إن أخطأته وقع في الهرم حتى يموت
""
وأنشدنا الجوهري، لمحمود الوراق، شعراً:
يحب الفتى طول البقاء فإنه على ثقة أن البقاء فناء إذا ما طوى يوما طوى اليوم بعضه ويطويه إن جَدَّ المَساءَ مساءً زيادته في الجسم نقص حياته وليس على نقص الحياة نماء جديدان لا يبقى الجديد عليهما وليس لهم بعد الجديد بقاء
وأقول في ذلك:
- ITA- (1/138)
صفحة 139
لنفسي طول العمر أهوى وربما تصيدني في بعض ذاك فناء فما مر بي يوم يسوء ويسعدن أخا حذر أن لا يُحَمَّ قضاء وما العُمر إلا ساعة تقتضي بها هوى وإرتياح شقوة وعناء فمن عقل الدُّنيا ومات فإنه كنوح ولقمان فذاك سواء
قال ابن عُمر بن العلا: ما بكت العرب على شيء، مثل ما
بكت على الشباب، وما بلغت به ما يستحق
وقال أبو عبيدة: النحوي بأنماط الشعر المراثي والبكاء على
الشباب.
•
وعن عائشة، عن أبيها، قال: ما منهم من أحد يبكـ
الشباب للدُّنيا، إنما بكوا عليه للدنيا، وللذة وفتوه.
وعن أبي هريرة، عن النبي (، قال: قال موسى ال: يا رب لا مرض يُصيبني، ولا صحة تنسيني، ولكن
بين ذلك
وعن ابن مسعود، قال: كُنا مع رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، حيث قال: " عجبت لمؤمن وجزعه من السقم، ولو علم ما في السقم. لأحب أن يكون سقيما حتى يلقى الله (ع) "؛ وأقول في ذلك:
- 139 - (1/139)
صفحة 140
لا تجزعن من الأسقام وارض بها فالصبر عقباه محمود ومقبول فإن جزعت بحكم الله فيك جرى وفي غد أنت عما قلت مسئول
وقال مالك بن معول، عن ابن الصقر، قال: مرض أبو بكر (ه)، فعادوه، فقالوا: ألا ندعوا لك الطبيب؟ قال: إن الطبيب أمرضني، قالوا: فأي شيء تشكوا؟ قال: ذنبي، ثم قال: ربي فعّال لما يريد؛ وفي ذلك أقول:
طبيبي أبلاني ولو شا أصحني ويفعل بي ما شاءه ويزيد له في الورى صنع وفي كل ما يرى بقدرته يبدأهم ويُعيد وعن أبي هلال الراسبي، عن أبي مره، قال: مرض أبو الدرداء، فاعادوه، فقالوا له: أي شيء تشكوا؟ قال: ذنبي، فقالوا: أي شيء تشتهي؟ قال: الجنة، قالوا: ألا ندعوا لك الطبيب؟ قال: هو أضجعني؛ وأقول في ذلك
أشتكي الذنوب لا أوصابي وهو دائي أخاف منه عذابي فقيل ما تشتكي فقال هواء جنة الخلد يا أخى طلابي
قيل: دخل الفرزدق على طبيب يعوده، فما كلمه إلا بهاذين
البيتين، وكان يطلب طبيبا؛ وأقول في ذلك:
-1 E- (1/140)
صفحة 141
يا طالب الطب عن داء بأدواء إن الطبيب الذي أبلاك بالداء الطبيب الذي يُرجى لعافية كيما يروق لك الترياق بالماء
هو
قال غيره:
التمس الطبيب من البرايا ليرقي أو يُعالج بالدواء ويترك من يطب الخلق طراً أليس الله يُنجي بالدعاء وقال: قال الحسن: إمتحن الله صبر العباد بالعلة، وشكرهم للعافية؛ وقال محمد بن مداد:
قد إمتحن الله صبر العباد ولم يخف عن علمه خافيه ليبلوا عن صبرهم في البلا ويبلوا شكرهم للعافيه قال: مر أعرابي بقوم يعجبون من صحة لرجل مات، فقال:
ما من في عُنقه الموت بصحيح؛ وأقول في ذلك:
كيف بي صحة وموتي عندي في قيامي ملازمي وقعودي وهو أت بغير شك وشيكا وضع القرن فوق حبل الوريدي وعن منصور بن عامر، في صفة الموت: كأنني بك أيها الممتلي شباباً، والمتعوض صحة ونشاطاً، وقد قيل: تثاوب وتمطى، وامتنع البارحة من العشاء، فأهول أهله أمره، فقعدوا
- 1 {\ - (1/141)
صفحة 142
على عيادته، فوجدوه صريع عثرته، فقالوا: ما هي إلا عين أصابتك، وإنا لنجس العافية في محاسنك، وتفرق الألم في ضربات عروقك، ولا نرى بك من داء، فاستراح إلى قولهم. وركن إلى غرورهم، فتعوذوا واسترقوا، فلم يزداد إلا قلقاً وأنشدنا يا حداة المرض وأضراره، واستغاث بمن يغمز أوتاره واغتم بمن يكفله وتبرم بعواده، وضجر من أهله وأولاده، وأغلق بابه، وأرخى ستره وحجابه، واستراح إلى حديث نفسه، حتى إذا إستكملت أموره، عاف الطعام ولم يقربه، ووجد الماء العذب مُراً حين يشربه، وشكا أنه لم يجد طعم عذوبته ولا بُرودته، وانقضت أسباب قوى قوته، وأتته عند ذلك رسل ربه، وتبينت أعلام الموت في صدره، وعلت غبرة الموت وجهه، وانقطع رجاء مؤمليه وقرابته؛ يا أخا الغفلة والإغترار، ويا كثير الويل والعثار، إعلم أنه يُستعجل في توزيع مالك قرابتك فتقدم بوصيتك، في طهواني مهلتك، ولا تضع هذه المدة التي
تهملها
وعن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): " إن نبي الله أيوب، إشتد بلاؤه ثمانية عشر سنة "؛ قال الله تبارك وتعالى: {حم * تنزيل الكتاب من الله العزيز العليم * غافر الذنب
-1 EY- (1/142)
صفحة 143
وقابل التوب شديد العقاب} ()؛ وقال): {وهو الذي
يقبل التوبة عن عباده ويعفوا عن السيئات} (2).
وعن النبي (، قال: " يا أيها الناس، توبوا قبل أن تموتوا، وبادروا بالأعمال الصالحات قبل أن تشتغلوا "؛ وأقول
في ذلك: يا أيها الناس توبوا قبل موتكم وبادروا صالح الأعمال أدوها وضمنوها أساطير محبرة يوم المعاد مع الأملاك تبدوها
وعن نافع بن عُمر، قال: إذا كنا معاً، لنعد لرسول الله)، في المجلس الواحد، مائة مغفرة، بقوله: " رب اغفر لي، وتب عليَّ، إنك أنت التواب الرحيم ".
وعن هاشم، عن أبيه، عن عائشة رضي الله عنها، قالت
جاء الحبيب بن حارث، إلى النبي ()، فقال: إني رجل
معراض للذنوب، فقال: " تب إلى الله من الذنوب يا حبيب
:
6
قال: يا نبي الله، إني أتوب إذا بكثر ذنوبي، قال: " عفو الله
أكبر من ذنوبك "؛ وأقول في ذلك
(1) سورة غافر: 1 - 3 (2) سورة الشورى: 25.
-1 E 7 - (1/143)
صفحة 144
حبيب أتى نحو النبي يسأله عن الذنب قل لي ما الذي هو حامله فقال إذا أذنبت تب توبة الرضى تجد عند باري الخلق ما أنت عامله فإن عدت في ذنب فقابل بتوبة فإن متاب المرء فيه وسائله
وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله): " إن الله يقبل توبة العبد ما لم يُغرغر بالموت "
وعن الحسن، عن أبي هريرة، قال: قال النبي (صلى الله عليه وسلم): التوبة مقبولة ما لم تطلع الشمس من مغربها "
وقال: عن رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، أنه قال: " قال الله (ع): إن إبليس - لعنه الله - حين أهبط إلى الأرض، قال: وعزتك وجلالك، لا أفارق ابن أدم، ما دامت الروح في جسده؛ قال الرب
: وعزتي وجلالي لا أمنعه التوبة ما لم يغرغر بنفسه
"
قال عُمر بن الخطاب (ه): جالسوا التوابين، فإنهم أرق:
أفئدة؛ وفيه أقول:
يرق فؤاد المرء حين يتوب ويقسوا ويعمى إن عرته ذنوب فإن تاب منها قارن البر والتقى وإن لم يتب جرت عليه ذنوب
وعن الحسن، قال: يا ابن آدم، لا تتمنى المغفرة من غير
-1 EE- (1/144)
صفحة 145
توبة، ولا التوب من غير العمل، ولا تغتر بالله، فإن الغرور بالله، إن تتمادا في سخطه، وتترك العمل فيما يرضيه، وتتمنا عليه في ذلك المغفرة، فتغرك الأماني حتى ينزل بك أمره، أما سمعته يقول (ج): {وغرتكم الأماني حتى جاء أمر الله وغركم بالله الغرور} (1)، إعلم أن مغفرة الله لمن أطاعه، واجتنب سخطه، وتاب إلى الله من الخطايا؛ أما سمعته يقول (ل): {وإني لغفار لمن تاب وأمن وعمل صالحا ثم اهتدى} (2)، والله السبيل الأقوم، فاتبع آثار المُسلمين، واسلك سبيل الصالحين:
ولا تتمنوا على ربكم بغير الإنابة دار النعيم وتوبوا إلى الله مولاكم يُنجيكم من عذاب أليم قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): " ما من عبد أذنب ذنباً، فقام فتوضأ، فأحسن الوضوء، وصلى، واستغفر الله لذنبه، إلا كان حقا على الله أن يغفر له، لأنه يقول (ل): {ومن يعمل سوءاً
أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفوراً رحيماً} (3) "
وعن الحسن، قال: قال رسول الله): " إن العبد ليذنب الذنب، فيدخله الله الجنة، قالوا: يا نبي الله، كيف يُدخله الجنة؟
(1) سورة الحديد: 14.
(2) سورة طه: 82
•
(3) سورة النساء: 110. (1/145)
صفحة 146
قال: يكون نصب عينيه تائباً مُستغفراً، حتى يُدخله الجنة "؛
وأقول في ذلك:
كم مُذنب ذنبا فمن أجله
لأنه صور في نفسه
يدخله الرحمن في الجنه
فاستغفر الله من الظنه
وعن عليّ بن أبي طالب، قال: لا خير في الدنيا إلا لإحدى رجلين: مُحسن يزداد إحساناً كل يوم، ومسيء يتداركه بالتوبة
قال النبي (صلى الله عليه وسلم): " إذا أذنب العبد ذنباً، كانت نقطة سوداء في قلبه، إن تاب ونزع واستغفر، صفي قلبه، وإن لم يتب، كان الذنب على الذنب، حتى يعمى القلب، فيموت "؛ وأقول في
ذلك:
إذا أذنب العبد ذنباً بدا له نقطة في سواد الفؤاد فإن تاب منه صفي قلبه وإن زاد ذنبا عمى بالسواد قال الله تعالى: {ولنذيقنهم من العذاب الأدنى دون العذاب الأكبر لعلهم يرجعون} ()، قال المصيبات: لعلهم يتوبون.
قال المعتمر بن سليمان بن عبد الرحمن بن زيد بن معاوية،
(1) سورة السجدة: 21.
-1 E 7 - (1/146)
صفحة 147
وكان ذا عقل وصلاح، قال لعبد الملك بن مروان: هل أنت على حال مستعداً فيها للموت؟ قال: لا، قال: فهل أنت مجمع على هذا التحول عن هذه الخصال التي لا يرضاها الله؟ قال: تاقت نفسي إلى ذلك، قال: فهل بعد الموت دار لمُستعتب؟ قال: لا، قال: فهل تأمن الموت أن يأتيك على حين غرة؟ قال: لا، قال: أرأيت مثل هذه الخصال يرضا بها عاقل؟.
وعن زيد بن الأصم: أن عُمر بن الخطاب (ه)، قال: إذا رأيتم أخاكم ذا زلة، فقوموه وسددوه، وادعوا إلى الله تعالى: أن يراجع التوبة، فيتوب إليه، ولا تكونوا أعوانا للشيطان على
أخيكم.
وعن الحسن، أنه قال: كانت الكلمات التي تلقاها أدم (العلم): {ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين} (1)؛ وأنشدنا أبو الدباسي:
مضى أمسك الماضي شهيداً معدلاً وأعقبه يوم عليك شهيد وإن كنت بالأمس إقترفت إساءة فبادر بإحسان وأنت حميد ولا ترج فعل الصالحات إلى غد لعل غدا يأتي وأنت فقيد
(1) سورة الأعراف: 23.
-1 EV- (1/147)
صفحة 148
وأقول في ذلك
مضى الزمن الحالي شهيداً معدلاً وأصبحت في دهر علي شهيد فإن كنت في دهر الصبا نلت زلة فعصر مشيبي يا أخي حميد سأصحب يومي بالصلاح وفي غدٍ إلى الله فيها ما يشا ويريد
وعن عبد الله بن مسعود، عن النبي (صلى الله عليه وسلم)، قال: " الندم
توبة "
و عن النبي ()، أنه قال: " من أخطى خطيئة، أو أذنب
ذنباً، ثم ندم، فهو كفارته "؛ وأقول في ذلك:
كفارة العبد من ذنب يلم به ندامة القلب فيما قال أو فعلا إحدى الشرايط قال المصطفى لكم ندامة تركت قلب الفتى وجلا وشرايط التوبة، من كتاب الله تعالى (ل): {إلا الذين تابوا وأصلحوا وبينوا فأولئك أتوب عليهم وأنا التواب الرحيم} ().
قال الحسن: التوبة على أربع دعايم: إستغفار باللسان،
وندم بالقلب، وترك الجوارح، وإضمار أن لا يعود
وعن عبد الله بن عُمر، عن النبي (صلى الله عليه وسلم)، أنه قال على
(1) سورة البقرة: 160.
-1 EA- (1/148)
صفحة 149
منبره: " إرحموا ترحموا، واغفروا يُغفر لكم، ويل للمصرين
الذين يصرون على ما فعلوا وهم يعلمون "؛ وأقول في ذلك:
ويل للمصرين على الذنب إذا لم يتوبوا منه للرب من لم يكن يرحم مسترحماً ويغفر الذلة للصحـ للصحب
إن تاب زال الذنب عن حده وإن عفى عوفي بلا كذب
وعن أنس بن مالك، قال: كنا مع رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، فجاء رجل، فقال له: يا نبي الله، مات فلان آنفاً، فقال النبي (صلى الله عليه وسلم): " أليس كان آنفاً عندنا؟ قالوا: نعم، قال: كأنها أخذة على غضب "؛ وفي ذلك أقول:
يا راقداً رقدة بلا وصب فاتك ما كنت فيه من لعب أرداك عن غفلة بمأخذة كأنها أخذة على غضب
قال: سمعت الفضل بن العباس، يقول: لا تجعل الرجال أوصيائك، كيف تلومهم إن ضيعوا وصيتك، وقد ضيعتها في
حياتك، وأنت بعد هذا تعيش إلى بيت الوحشة، وبيت الظلمة وبيت الدود، وزائرك فيه نكير ومنكر، قبرك فيه روضة من رياض الجنة، أو حفرة من حفر النار، ثم بكا، وقال: أعاذنا الله
وإياكم من النار؛ وقال أبو العتاهية:
- 1 ? 9 - (1/149)
صفحة 150
وصي
نفسك
إذا ما كنت متخذاً وصياً فكن فيما ملكت ستحصد ما زرعت غداً وتجني إذا وضع الحساب ثمار غرسك أخي أراك ذا وهن مضيقاً شقيت بما جمعت لروح غرسك وقال محمد بن مداد:
أتجعل ذئب راعية وصيا وأنت مع الحياة وصي نفسك ولا تقعد كمأسور عليه وحاسب فيه نفسك قبل رمسك فحظك منه ما قدمت عفواً وما أخرته ميراث حسبك فهذا لي ولا أعني سواي لنفسي لا بما من دون نفسك
وعن النبي ()، والتابعين من الإستعداد له، قال الله
تبارك وتعالى، يخاطب نبيه (): {وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد أفإن مت فهم الخالدون} ()؛ وقال (ل): {حتى إذا جاء أحدهم الموت قال رب أرجعون * لعلي أعمل صالحا فيما تركت كلا إنها كلمة هو قائلها ومن ورائهم برزخ إلى يوم يبعثون} (). وعن أنس، قال: قال النبي (): " أتدرون أي الناس أكيس؟ قال: أكثرهم للموت ذكراً واستعداداً، قالوا: يا نبي الله، هل لذلك من علم؟ قال: نعم، التجافي عن دار الغرور، والإنابة
(1) سورة الأنبياء: 34.
(2) سورة المؤمنون: 99 - 100. (1/150)
صفحة 151
إلى دار الخلود "؛ وأقول في ذلك:
تجافيك عن دار الغرور إنابة وحسبك ما قدمته لمعاد
وقال محمد بن مداد:
تزود لأعمال الصلاح فإنه لآخراك زاد وهو أفضل زاد وكُن ذاكرا لله في كل ساعة تجد عند ذكر الله كل مُراد ولا تنس ما تلقى من الموت والبلى ففي النشر هول كائن وتناد
وقال الشيخ محمد بن مداد:
قدم لنفسك يا سجيري (1) وكُن لربك ذاكراً تلق الذي قدمته
وتجاف عن دار الغرور بالليل أو حين البكور بين الصحايف والسطور
عند الكرام الكاتبين
يكون ذخراً في النشور
لا شيء أحمد عندهم في الخلق من رجل ذكور
تلقي به حوراً كواعب
وأسرة وذخائراً
هل من مشوق نحوهن
كالشموس وكالبدور
وقصايراً بين القصور
مؤانسا بين الحرير
(1) انظر الهامش رقم: (1)، الصفحة رقم: (131)، من هذا الكتاب
- 151 - (1/151)
صفحة 152
يخطون في مشي القطا نفسي بهن كدارة
قدم لنفسك يا سجيري
في التبر والدر النظير
الدنيا مع العيش الحقير
وتجاف عن دار الغرور
وعن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): أكثروا ذكر الموت، وإنكم إن كنتم في غنى، كدره عليكم، وإن كنتم ذكرتموه في ضيق، وسعة عليكم، والموت القيامة، إذا مات أحدكم قامت قيامته، ويرى ما له من خير وشر "؛ وقال محمد بن
مداد:
أكثروا ذكر هادم اللذات فهو أقصى نصائح النائبات
وأنشدنا عمر بن الحكم:
ماذا تقول وليس عندك حجة لو قد أتاك منغص اللذات ماذا تقول إذا حللت محله ليس الثقات بأهلها بثقات ماذا تقول إذا سئلت ولم تجب وإذا دعيت وأنت في غمرات وأقول في ذلك
إني لمعترف بما أسلفته من سيء في ساعة السهوات وإذا أتاني من ينغص عيشتي ويسوقني في جملة الأموات
1101_ (1/152)
صفحة 153
لم أدخر للقاه غير إنابتي وطلاب عفو الله لا حسنات وعن عائشة رضي الله عنها، قالت: رأيت رسول الله) في الموت، وعنده قدح من ماء، يدخل يده في القدح ويمسح وجهه، وهو يقول: " اللهم أعني على سكرات الموت ". وعن أنس، قال: دخل رجل، فقال: يا رسول الله (صلى الله عليه وسلم) علمني غرايب العلم، فقال له: " أعلمك رأس العلم خير لك، تعرف الله حق معرفته، وتستعد للموت قبل نزوله عليك، قال: زدني يا رسول الله، قال: حسبك إذا عرفت الله حق معرفته لم تعصه "؛ وأقول في ذلك:
من عرف الله حق معرفته وصدق الأنبياء بصفته واعتد للموت قبل موقعه على جميع الورى بمنزلته وعن عُمر، قال: سمعت رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، يوصي رجلاً، فقال: " أقلل من الدين تعيش حُراً، وأقلل من الذنوب يهن عليك الموت "؛ وأقول في ذلك:
أقلل من الدين تعيش حُراً واجتنب الذنب تنال يُسرا ويسهل الموت وما بعده لتلقى من بعده أجرا
- 153 - (1/153)
صفحة 154
وقال محمد بن مداد:
قد أحسن الكندي في قوله أقلل من الدين تعش حُرا فليس من عُسر ولا فاقة إلا وتلقى بعدها يُسرا من ذكر الموت وما بعده لم يكن الموت له أمرا
أخبرنا أبو علي، قال: وجدت ورقة تحت فراش بعض الحكماء فيها: بسم الله الرحمن الرحيم، ذهبتم بهمتكم إلى الدنيا، وتناسيتم حلول المنايا، أما والله، لينزلن بكم من الموت مظلم، يُنسيكم طول المعاش أهل النعمة، وتندمون حيث لا
يوم
تنفعكم الندامة، فالجد الجد، الحذر الحذر، قبل بغتات المنايا ومجاورة أهل البلا.
وعن أبي حازم، قال: انظر العمل الذي يسرك أن يأتيك
الموت وأنت عليه، فخذه الساعة؛ وأقول في ذلك:
،
انظر إلى عمل يسرك أنه تلقى الممات به وأنت مُلازم واعمل بذلك كل خير دائبا فإذا فعلت فأنت أنت الحازم قال الله تبارك وتعالى: {حتى إذا جاء أحدهم الموت قال رب أرجعون * لعلي أعمل صالحا فيما تركت كلا إنها كلمة هو قائلها
-10%- (1/154)
صفحة 155
{
ومن ورائهم برزخ إلى يوم يبعثون} (1)؛ وقال (ل): {فلولا
إذا بلغت الحلقوم * وأنتم حينئذ تنظرون * ونحن أقرب إليه منكم
(2)
ولكن لا تبصرون} (2)
وعن قتادة، عن قسامة بن زهير، عن أبي هريرة، قال: إن
شدة القيامة لا تصيب الجايع، إذا إحتسب في دار الدنيا
حدثنا عبد العزيز بن يحيى بإسناد، عن مكحول، قال: أخذ عيسى بن مريم العلا)، يد رجل، فقال: يا ابن آدم الضعيف، اتق الله ربك حيث ما كنت، وكل كسرتك من حلال، وارض بالمساجد بيتاً، وكن في الدنيا ضعيفاً، وعود عينيك البكاء، وقلبك التفكر، وجسدك الصبر، ولا تحزن لفقد رزق، فإنها خطيئة تكتب عليك؛ وأقول في ذلك:
اتق الله حيث كنت مقيماً وارض ما عشت منزلاً بالمساجد وابك قبل البكا والصبر فالزم تلق رشداً وأنت الله عابد خامر الفكر للفؤاد لكيما تنج عند الإله من كل فاسد
قال
: حدثنا محمد، وأبو بكر محمد بن أحمد بن محمد بن
مقدويه، بإسناد، قال: كان يُقال: أن من العصمة أن لا تقدم
(1) سورة المؤمنون: 99 - 100.
(2) سورة الواقعة: 83 - 85.
-100. (1/155)
صفحة 156
على ما تريده؛ وأنشدنا نصر بن عليّ:
لا يشربن قلبك حب الغنا إن من العصمة أن لا تجد كم مُدمن خمراً وعاد على سماع لهو وغناء غرد لو لم يجد خمراً ولا مسمعاً يرد الماء عليل الكبد
حدثنا أبو القاسم بن منبع، عن ابن عباس، قال: كان رسول الله)، يبيت طاوياً، ما له ولا لأهله عيشاً، وكان عامة) طعامه الشعير
وعن أنس بن مالك: أن فاطمة (عليها السلام)، جاءت بكسرة من خُبز للنبي (صلى الله عليه وسلم)، فقال: " أما أنه أول طعام دخل فم أبيك منذ ثلاثة أيام
وقال علي بن أبي طالب: أتانا النبي (صلى الله عليه وسلم)، فمكث عندنا
ثلاثاً، لا يقدر على طعام؛ وأقول في ذلك
علي أتاه المصطفى زائراً ثلاثة أيام بغير طعام يبيتون غرثى في هجور وإنهم إذا أصبحوا ألفيتهم بصيام
حدثنا أبو اللبيب الفرايضي بإسناد، عن مسروق، عن عائشة: ما شاء أن أبكي من الطعام لأبكيت، وذلك أن رسول الله
- 156 - (1/156)
صفحة 157
)، لم يشبع من خُبز بر مرتين، حتى فارق الدنيا.
وحدثنا يونس، عن الحسن: أنه كان إذا ذكر رسول الله)، قال: أكرم ولد أدم على الله، وأعظم الأنبياء منزلة عند الله، بُشر بمفاتيح الدنيا، فاختار ما عند الله، كان يقعد على الأرض، ويأكل على الأرض، ويقول: " إنما أنا عبد،، أكل كما يأكل العبيد، وأجلس كما يجلس العبيد "، وكان يلبس المرقوع والصوف، ويركب الحمار، ويردف خلفه، ويأكل الخشن من
الطعام، ما شبع من خبز بر مرتين متواليتين حتى لحق بالله ومن دعاه لباه، ومن صافحه لم يدع يده، حتى يكون هو الذي يدعها، ويعود المريض، ويُشيع الجنائز، ويُجالس الفقراء، أعظم الناس مخافة من الله، وأتعبهم الله بدنا، وأحذرهم في أمر الله، لا تأخذه في الله لومة لائم، وقد غفر الله ما تقدم من ذنبه وما تأخر، أما والله ما كان يغلق دونه الأبواب، ولا كان دونه
حجاب،
حدثنا ابن منبع، عن أنس بن مالك، قال: كان رجل من أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، وكان يُقال له: جندب، وكان في وجهه دمامة، فعرض النبي () التزويج عليه، فقال: إذا
-10 V - (1/157)
صفحة 158
تجدني يا رسول الله) كاسداً، فقال: " إنك عند الله ليس
بكاسد "
وعن أبي هريرة، عن النبي (صلى الله عليه وسلم)، قال: " إن الله لا ينظر إلى صوركم، ولا إلى أموالكم، ولكن إنما ينظر الله إلى قلوبكم
وأعمالكم ".
- 158 - (1/158)
صفحة 159
الباب التاسع في ذكر التواضع
عن أبي هريرة، قال: أتى النبي (صلى الله عليه وسلم) بطعام، فقال: ضعوه في الحضيض، فقال: لا تفرش حصيراً، فقال: " إنما أنا عبد، أجلس كما يجلس العبيد "
وحدثنا أحمد بن يحيى، بإسناد، عن ابن مسعود، قال: أتى النبي () رجل فكلمه، فأخذته رعدة، فقال النبي (): " هون عليك، فإني لست بملك، إنما أنا ابن إمرأة من قريش، كانت تأكل القديد، كما تأكل "
قيل: أن عبد الله بن سلام، مر في السوق وعليه حزمة من حطب، فقيل له: أليس قد أغناك الله من هذا؟ قال: بلا، ولكن أردت أن أقمع به الكبر
حدثني أبي بإسناد، قال: قال الحسن: يا ابن أدم، تواضع الله يرفعك، إن تواضع النفس أفضل من تواضع المكتسي، والمركب، والمطعم، واعلم أن من التواضع، أن لا تعجب
-109_ (1/159)
صفحة 160
بنفسك، ولا بعملك، وكيف تعجب بشيء من عملك؟ وأنت بين خطيئة قد أيقنت بركوبها، ولا تدري تنجوا منها غداً أم لا؟ وكيف تعجب بأمر قبل أن تخبره، وتعلم علمه، قل لنفسك عندما يدخلها العجب: يا نفس إن عند الموت يأتيك اليقين، لتدفعها بذلك عند رفع رأسها، وعند أرشها، ومدخلها، ونظرها؛ وأقول
في ذلك:
لا تعجبن بنفس لا ولا عمل وكيف تعجب في نفس وفي عمل وأنت بين الخطايا وقد أتيت بها تخف إن تك منها ويك في وجل لا تدري أنك تنجوا من عقوبتها لأن ذا الذنب في دنياه في مهل فإن تكن حسنات منك قد سلفت فأنت بين الرجا والخوف في شغل وكيف تعجب بالأمر البهيم ولم تفهمه معتبراً أتنجوا من الزلل فقل لنفسك هذا الغم فاحتسبي حتى اليقين سيأتي النفس عن عجل
ومما يُنسب إلى عليّ بن أبي طالب، وهو لغيره:
الناس من جهة الأنساب أكفاء أبوهم أدم والأم حواء فإن يكن لهم في سرهم نسب يُفاخرون به فالطين والماء ما الفخر إلا لأهل العلم أنهم على الهدى لمن إستهدى أدلاء وضد كل أمرء ما كان يحسنه والجاهلون لأهل العلم أعداء
-17.- (1/160)
صفحة 161
وفي ذلك أقول:
الناس من بطن أم كلهم جاءوا أبوهم أدم والأم حواء فإن تفاخر قوم منهم بأب والأصل مُعترف والطين والماء ما الفخر إلا لمن أوحى الإله له كتابه ثم آواه الأعزاء تضادد الناس في الأسباب فاعترفوا أهل البصائر إن الجهل هو الداء ومن قفى المصطفى فهو الإمام لنا والتابعون له فينا أدلاء
ON
-171 - (1/161)
صفحة 162
[صفحة فارغة] (1/162)
صفحة 163
الباب العاشر ية فذكر الموت
عن قتادة، عن قسامة، عن زهير، عن أبي هريرة، عن النبي)، قال: " أن المؤمن إذا إحتضر، جاءت ملائكة الرحمة بحريرة بيضاء، فيقولون: راضية مرضيا عنك، إلى روح الله وريحانه، فزت غير غضبان، كأطيب رائحة مسك، حتى أنه ليناله بعضهم بعضاً، حتى يأتوا إلى باب السماء، فيقولون: ما أطيب هذه الرائحة التي جاءتكم من الأرض، فكل ما أتو باب سماء، قالوا لهم مثل ذلك، حتى يأتوا به أرواح المؤمنين، فهم أفرح به من أحدكم بغائبة إذا قدم، فيقولون: ما فعل فلان؟ فيقول: إدعوه حتى يستريح، إنه كان في غم الدنيا؛ وأما الكافر، فإن ملائكة الغضب تأتيه بمسح من نار،، فيقولون أخرجي ساخطة مسخوطة عليك، إلى عذاب الله وسخطه، فتخرج كانتن جيفة "
:
وعن أم سلمة، قالت: دخل رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، على أبي سلمة وقد شق بصره، فأغمضه، ثم قال: " إن الرُّوحَ إِذا قبض تبعه البصر "، فضج ناس من أهله، فقال: " لا تدعُوا على
-177 - (1/163)
صفحة 164
أنفسكم إلا بخير، فإن الملائكة يُؤمِنُون على ما تقولون "، ثم قال: " اللهم اغفر لأبي سلمة، وارفع درجته في المهديين، واخلفه في عَقِبهِ في الغابرين، واغفر لنا وله يا رب العالمين، وافسح له في قبره، ونور له فيه
وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): " ألم تروا الإنسان إذا مات شخص بَصَرَهُ؟ "، قالوا: بلى، قال: " فذلك حين يتبع بَصَرَهُ نفسه "؛ وأقول في ذلك
:
ألم تر أن المرء يشخص طرفه إذا الموت وافي سار والموت أجمعا ولم يبق إلا الجسم في باطن الثرى قرين البلا رهن بما جازا ووعا
وعن ابن عباس، عن النبي ()، قال: " المُؤمن فزع، فإذا بلغ أحدكم موت أخيه، فليقل: {إنا لله وإنا إليه راجعون} ()، {وإنا إلى ربنا لمنقلبون} (2)، اللهم اكتبه عندك من المحسنين، واجعله في عقبه الآخرين، واجعل كتابه في عليين، ولا تحرمنا أجره، ولا تفتنا بعده "
قال: ثعل ابن فاطمة (عليها السلام)، فبعث إلى رسول الله) يدعوه، فقال (): ارجع، فإن له ما أخذ وما بقي،
(1) سورة البقرة: 156. (2) سورة الزخرف: 14.
-172 - (1/164)
صفحة 165
وكل أجل معدود، فلما احتضر، بعثت إليه، وقام فقال: قوموا، فلما جلس جعل يقرأ: {فلولا إذا بلغت الحلقوم * وأنتم حينئذ تنظرون} (1)، فلما قبض دمعت عينا رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، فقالت:
تبكي وتنهانا عن البكاء، فقال: " إنما هي رحمة، وإنما يرحم الله من رحم "؛ وفي ذلك أقول:
بكي المصطفى رحما على ابن ابنته فقالوا له قد كنت تنهى عن البكا فقال بكاي رحمة فارحموا الورى سيرحم أهل الرحم قال وقد حكا وعن أبي موسى، قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): " ما من بيت يكون، إلا وملك الموت يقف على بابه كل يوم خمس مرات، فإذا وجد الإنسان، قد فني أجله، وانقطع رزقه، ألقى عليه غم الموت "؛ وفي ذلك أقول:
كل دار ببابها ملك الموت على الباب واقفا كل يوم خمس مرات تقتضي أجل الخلق ويبلون بعده بالهموم
وعن أنس، قال: لما وجد النبي (صلى الله عليه وسلم) من كرب الموت ما وجد، قالت فاطمة: وا كربتاه لكربتك يا أبتاه، فقال النبي: " لا كرب على أبيك بعد الموت، إنه قد نزل بأبيك ما
(1) سورة الواقعة: 83 - 84.
- 165 - (1/165)
صفحة 166
ليس بتارك أحداً "؛ وفي ذلك أقول:
لقول إبنة المختار أعني إبنة النبي ووالدها من سكرة الموت والنحب تقول وا كربتاه قد نال والدي فقال لها ما بعد ذا الكرب من كرب وما الكرب إلا للمصرين والذي تحمل ذنبا والذي باء بالذنب
قال: قلنا لعليّ: حدثنا عن وفاة النبي (صلى الله عليه وسلم)، فدمعت عيناه، فقال: لما إنصرف من الطائف، وحج حجة الوداع، أنزل الله عليه هذه الآية: {إنك ميت وإنهم ميتون} (1)، فشق ذلك عليه،
{
فنزلت: {كل من عليها فان * ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام} ()، ثم أنزل الله (ع): {إذا جاء نصر الله والفتح} (3)، فعلم النبي (3)، فعلم النبي (صلى الله عليه وسلم)، أنه قد تقارب أجله، ونعيت إليه نفسه، فتغير لون النبي))، وخنقته العبرة.
قال: لما كان قبل وفاة النبي (صلى الله عليه وسلم)، هبط جبريل (العلا) فقال: السلام عليكم يا محمد، إن الله أرسلني لك، إكراماً لك، وتفضيلاً لك، وخاصة لك، يسأل عما هو به أعلم منك، يقول لك: كيف تجدك؟ فقال: أجدني يا جبريل مهموما، وأجدني
(1) سورة الزمر: 30.
(2) سورة الرحمن: 26 - 27.
(3) سورة النصر: 1.
-177 - (1/166)
صفحة 167
مكروبا، فذكر في حديث وفاة النبي ()
وقال في آخره: فقال جبريل (العلا): السلام عليك يا أحمد، ذهبت وطائتي من الأرض، أنت كنت حاجتي من الدنيا، فقبض رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، فسمعنا قائلاً يقول: {كل نفس ذائقة الموت وإنما توفون أجوركم يوم القيامة} ()، في الله عزاء من كل مُصيبة، وخلف من كل فايت، ودرك بما فات، فبالله فثقوا، وبالله فارحموا، فإن المصيبات من حرم الثواب؛ وقال محمد بن مداد، في ذلك:
وإذا أصبت بنكبة أو هالك فذكر ما أصابك بالنبي محمد كان النبي أمانة في أرضه رفعت من الدنيا ورب المسجد جبريل قال اليوم آخر وطنتي في الأرض إنك حاجتي في مقصدي والله ما حملت بواسطة كورها عيس أبر من النبي محمد صلى عليه الله جل جلاله ما أم زائره بقيع الفرقد صلى عليه الله من متوسد ذاك الحما نور لذاك المسجد واها لطيب تراب ذياك الحما واها لروح الزائر المتودد
اللهم صلي على محمد وآله وسلم، أعظم صلاة، ورحمة،
(1) سورة آل عمران: 185.
-1 TY- (1/167)
صفحة 168
وبركة، أنزلها في العالمين، وسلم تسليماً كبيراً إلى يوم الدِّين.
وعن عليّ بن أبي طالب، أنه سئل عن قوله تعالى: {إنما
نعد لهم عدا} (1)، قال: الأنفاس من كل نفس له في الدنيا. قال، قال عليّ بن أبي طالب: أن ملك الموت (العليا) يعد أنفاسك، ويتبع أثرك، فلو قد فني أجلك، وانقطعت من الدنيا مدتك، نزل بك ملك الموت، فلا يقبل بديلاً، ولا يأخذ كفيلاً، ولا يدع صغيراً ولا كبيراً.
قال: لما حضرت عمرو بن العاص الوفاة، قال شعراً:
ليتني كنت قبل ما بدا لي في قلال الجبال أرعى الوعولا ليس تنجوا الوعول من ملك الموت ولا من رعى برضوى الوعالا
قال: لما حضرت عمرو بن العاص الوفاة، قال له إبنه: يا أبتاه، إن كنت تقول: ليتني ألقى رجلاً عاقلاً عند الموت به، حتى يصف لي ما يجد، وأنت ذلك الرجل، فأصف إليَّ الموت، قال: والله يا بني، لكأن جنبي في تخت، وكأني أتنفس من سم إبره، وكأن غصن شوك يجر به من فوقي إلى قدمي؛ وأقول في
(1) سورة مريم: 84
-17 A- (1/168)
صفحة 169
ذلك:
كان جنبي في تخت ولي نفس في سم إبرة يجري وسطه نسمي وغصن شوك على جسمي يسربله يجر من هامتي سحباً إلى قدمي
وعن علي بن الحسين، قال: كان فيما أوصى به النبي
): " يا عليّ، إن من اليقين، لا ترضي أحدا أسخط الله ولا تحمد أحداً على ما أتاك الله، ولا تذمن أحداً على ما لم يأتك الله، فإن الرزق لا يجره حرص حريص، ولا يصرفه كراهية من كرهه؛ يا علي، لا فقر أشد من الجهل، ولا وحشة أشد من العجب "؛ وأقول في ذلك
:
لا ترض من أسخط الباري وتحمده على الذي ساقه الباري من النعم ولا تذمن من لا يؤت من سعة فليس رزق الفتى ينقاد بالهمم ولا بحرص ينال الفضل من قسم ولا على الكره بل ما خط بالقلم لا فقر أصعب من جهل لصاحبه والعجب وحشتة في العرب والعجم
وعن الضحاك، في قوله تعالى: {بلى من كسب سيئة
وأحاطت به خطيئته} (1)، قال: هو الذي يموت قبل أن يتوب؛
{
وأنشدنا علي بن مرزويه:
(1) سورة البقرة: 81.
-179 - (1/169)
صفحة 170
لله در فتى يدبر أمره فغدا وراح مبادراً للقوت والمرء يهلكه لعل وليتني وهلاكه بلعلني وبليتي قيل: أن معاوية بن أبي وقاص، تمنى الموت، والنبي (الله) يسمع، فقال: " لا تتمنى الموت، فإن كنت من أهل الجنة
فالبقاء خير لك، وإن كنت من أهل النار، فلم يعجلك إليها ".
قال: كان عُمر بن الخطاب (ه)، بين أصحاب النبي))، يحضرون جنازة، فقال أبو الدرداء: المؤمن تحت التراب، وقد واجه الحساب وأمن العقاب، واستحق الثواب؛ قال
عُمر: ليجهد البلغا، ليزيدوا فيها حرفاً؛ وأقول في ذلك:
اغبط الناس من ثوى في التراب مؤمن آمن من أليم العذاب مُستريح من العذاب موفي أجره من جزيل فضل الثواب
عن أبي الزياد، عن أبيه، قال شعراً:
ثراغ لذكر الموت ساعة ذكره ويحدث نسيانا ولم يأتنا أمن وإنا ولا كفران الله ربنا لك البدن لا ندري متى يؤمها البدن
وأقول في ذلك:
سترجع من ذكر المنون قلوبنا ونلهو أوان عنت تعاظمنا الحزن
114 - (1/170)
صفحة 171
وما نحن إلا مثل بدن سوايم بمرتعها لم تدر ما تلتقي البدن
وأنشدنا أبو عبد الله نفطويه، لصالح بن عبد القدوس:
ثراعُ إذا الجنايز قابلتنا ونلهوا حين تذهب مدبرات كروعة قلة لمغار ذيب فلما غاب عادت راتعات
وأقول في ذلك:
تذكرنا الجنائز ما نلاقي كما لقين من صعب الممات تروعنا إذا أقبلن قلنا هي الدنيا تروع للشتات
وعن النبي (صلى الله عليه وسلم)، أنه قال: " أعلمني جبريل (الله): أحبب ما شئت فإنك مُفارقه، واعمل ما شئت فإنك مُلاقيه، وعِش ما شئت فإنك ميت "
وأنشدنا أبو عليّ الحسن بن محمد، قال: أنشدنا الفيام:
يا موت ما أقساك من نازل تنزل بالمرء على رغمه تستخرج العذرا من خدرها وتأخذ الواحد عن أمه
وأقول في ذلك، مُعارضاً له:
الموت قاسي القلب من شأنه ينزع روح الطفل من أمه
-171 - (1/171)
صفحة 172
لا يرحم المسكين في حاله ويهلك المولى على رغمه
قال: سمعت الحسن يقول: حقيق على من كان الموت موعده، والقبر مورده، والوقوف والحساب عند الله مشهده، أن يطول بكاءه وحزنه.
قال: سمعت يحيى بن هاني السلمي، يقول:
إن عيشاً يكون آخره الموت لعيش معجل التنغيص
وعن يونس، آخر ما قاله ذو الرمه:
يا مُخرج النفس من حرمي إذا إحتضرت وغافر الذنب زحزحني عن النار
ولما إحتضر الحسن، قال: {إنا لله وإنا إليه راجعون} ()،
هذه منزلة صبر واستسلام.
وعن أنس قال: قالت أم سلمه: يا رسول الله، خويدمك أنس ادع له، فإنه كيس وهو عار، فلو كسوته ذرقية يستتر بها، فقال: " يا أم سلمه، الكيس من عمل لما بعد الموت، والعاري، العاري من الدين، اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة، فارحم الأنصار والمهاجرين "؛ وأنشدنا ابن بشير:
- IVY-
•
(1) سورة البقرة: 156 (1/172)
صفحة 173
كنت ما مر بي على أهل دار كنت ما بينهم كثير المرور
قيل من ذا على سرير المنايا قيل هذا محمد بن بشير
وأقول في ذلك:
أف بالدار وهي دار الغرور قد حوى أهلها بطون القبور رب دار دخلتها بين قوم كنت ما بينهم كثير المرور فإذا مت كنت فوق سرير قيل يا قوم من فويق السرير قيل موسى على سرير المنايا راح يقفوا محمد بن بشير وقال محمد بن مداد:
رب موسى أوسع على قبر موسى حيث مسعى محمد بن بشير لو لبثنا في عُمرنا ألف عام لرأيناه مثل شيء يسير يا لدنيا محشوة بالأماني فتنتا بلهوها والغرور أم زفر قتالة لبنيها تخالط السم في شهاد الدبور بينما المرء مُستمر عليها إذ هو الموت في سواء الحفير فتنتنا بلهوها وهدتنا لطريق العمى ورب الطور كل شيء فيها يُغادر عنها وكل شر منها إلى مستطير كل صفو فيها يعقبه كدر وإلى الله ملجني ومصيري رب فارحم نفسي إذ صرت فرداً تحت ريح الصبا وتحت الدبور
- 173 - (1/173)
صفحة 174
حدثنا يزيد بن مسلم الخزاعي، عن أبيه، عن جده، قال:
أنشدت رسول الله ()، قول سويد بن عامر المصطلقي:
لا تأمنن وإن أمسيت في حرم إن المنايا لتخني كل إنسان واسلك طريقاً بشيء غير مختشع حتى ثلاقي كما تمنى لك الماني وكل ذي صاحب يوما مفارقه وكل زاد وإن أبقيته فان والخير والشر مقرونان في قرن بكل ذلك يلقاك الجديدان
قال النبي (صلى الله عليه وسلم): " لو أدركني هذا لأسلم ".
احذر زمانك لا تغررك بهجته إن المنية تفني كل إنسان واعمل لنفسك ما ترجوا عواقبه خيراً يكون به في خير إمكان وكل خل وإن عاشرت منقضب وكل وفر وإن وفرته فان
قال: مات ابن الأعرابي، فقلق عليه أخوه، فلما أدخله في قبره، أنشأ يقول:
لما مَلاً أعينا كانت تؤمله وشد ركني واشتدت به عضدي وقلت عوني على ما كان من زمني ألبسته مكرها أكفانه بيدي وقلت ادخل في غبراء مُظلمة يا حُزن منفرد يبكي لمنفرد
حديث عن سليمان الفارسي، أنه كان يقول: أضحكني ثلاث،
-1 VE- (1/174)
صفحة 175
وأبكاني ثلاث؛ أضحكني: عاقل وليس بمغفول عنه، ومؤمل الدنيا والموت يطلبه، وضاحك ملأ فيه ولا يدري متى يومه؛ وأبكاني ثلاث: فراق الأحبة محمد وحزبه، وهول المطلع، والوقوف بين يدي الله، لا أدري ساخطاً أم راض.
قال: قال رجل: يا نبي الله ()، ما لي أكره الموت؟ قال: " هل من مال؟ قال: نعم، قال: قدمه، فإن المرء مع ماله "؛ وأقول في ذلك
:
إذا شئت أن لا تلتقي الموت كارها فمالك قدمه أمامك في الحشر تنل منه عند الله أكرم زلفة وجنة عدن تحتها نهر يجري
قال: أنشدنا أحمد بن يحيى:
إذا المنايا أخطأتك وصادفت حميمك فاعلم أنها ستعود وإن إمرئ ينجوا من النار بعد ما تزود من أعمالها لسعيد
وحدثنا أحمد بن يحيى، قال: لما مات حميد الطوسي في شجن ليوم الجمعة، وقد كان أولاد الخلفاء عنده في أول الليل، وخرجوا يخبرون بعافيته، فمات في سحر تلك الليلة، قال أبو العتاهية:
-170_ (1/175)
صفحة 176
يا راقد الليل مسروراً بأوله إن الحوادث قد يطرقن أسحارا صارت ترابا أكف الملهيات وقد كانت تحرك عيداناً وأوتارا
وعن أبي سعيد، عن النبي (صلى الله عليه وسلم)، قال: " عودوا المرضى، وامشوا مع الجنائز، تذكركم الآخرة "
حدثنا محمد بن الحسن، قال: قال الحسن ذات يوم لإخوانه، وكانوا عنده: إنما يتوقع الصحيح داء يُصيبه، والشباب هرماً يُفنيه، والشيخ موت يأتيه، إخواني، لئن غداً يُفارق الروح الجسد، فيكون هو والمسلمون وماله وولده الله.
وعن عُمر بن دينار، عن النبي ()، أنه مر بقوم يدفنون ميتاً، فقال: " أصبح قد خلا من الدُّنيا وتركها لأهلها، فإن كان رضاً لم يسر أن يرجع إلى الدُّنيا، كما لا يسر أحدكم أن يرجع إلى بطن أمه "
يا تارك الدنيا لأربابها قد انقضت عنك بأسبابها وإن كنت ممن قد رضى لم يرد عودا إلى الدنيا وأربابها كالمرء لا يهوى رجوعاً إلى بطن أمه في حال طلابها
قال: سمعت أبا قتادة يُحدث: أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) مر عليه
-1 Y 7 - (1/176)
صفحة 177
بجنازة، فقال: " مستريح أو مُستراح منه؟ قال: المستريح: العبد المؤمن يستريح من تعب الدُّنيا وأذاها إلى رحمة الله تعالى؛
والمستراح منه: العبد الفاجر تستريح منه العباد والبلاد والشجر والدواب "؛ وأقول في ذلك:
كم ميت مستريح وسط حفرته وآخر في الثرى رهن لزلته والمستراح الذي منه العباد هدت وكان يغشاهم الدنيا بصولته والنار مثواه فيها خالداً أبدأ والمستريح سيعلو فوق جنته قال: حدثنا محمد بن مجلد بإسناد، عن النبي (صلى الله عليه وسلم)، قال: " لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال حبة من كبر "؛ وأقول
في ذلك
لا يدخل الجنة من كان في فؤاده الحبة من كبر كلا ولا يسلك طريق الهدى ما عاش في الدُّنيا من العُمر وعن ابن عباس، عن النبي (، قال: " يقول الله (ع): العظمة إزاري، والكبرياء ردائي، فمن نازعني في واحد منهما، ألقيته ناري ولا أبالي ".
وعن أبي هريرة، عن النبي (صلى الله عليه وسلم)، قال: " أخنع الأسماء
-1 VV- (1/177)
صفحة 178
عند الله من يقال: ملك له أملاك، وروي أنجع الأسماء، معناه أذل الأسماء، والنجاعة: الذل؛ ومن رواه: أخنع، فهو: أذل من الذل؛ ومن رواه: أنجع، أراد قبل نجعه قتله "
نفسه
"
قال: قال معاوية: ما تكبر رجل قط، إلا من ذلة يجدها في
حدثنا ابن منبع بإسناد، عن أنس بن مالك: أن النبي) بعث رجلاً إلى رجل من فراعنة العرب، فقال: أدعه لي، قال: يا رسول الله، إنه أعتى على الله من ذلك؟ قال: فاذهب فادعه، فاذهب إليه، فقال له: يدعوك رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، فقال للرسول: وما الله؟ أمن ذهب هو، أم من فضة، أم من نحاس؟ فرجع الرجل إلى النبي (صلى الله عليه وسلم)، فقال: قد أخبرتك أنه أعتى على الله من
ذلك، فرجع إليه الثانية، فقال مثلها، فرجع إلى النبي (صلى الله عليه وسلم)
فرجع إليه الثالثة، فأعاد هذا الكلام، فبينما هو يراجعه ذلك القول، إذ بعث الله إليه سحابة حيال رأسه، فوقعت منها صاعقة، فأصابت قحف رأسه، فأنزل الله: {ويرسل الصواعق فيصيب
بها من يشاء وهم يجادلون في الله وهو شديد المحال} (1).
- 178 -
•
(1) سورة الرعد: 13 (1/178)
صفحة 179
حدثنا محمد بن أحمد العسيري بإسناد، قال: قال علي بن أبي طالب - في كلام له -: يا ابن آدم، وما ابن أدم؟ وإنما أوله نطفه، وآخره جيفة، لا يرزق نفسه، ولا يدفع حتفه؛ وقال أبو
العتاهية:
عجبت لإنسان في فخره وهو غداً في قبره يقبر ما بال من أوله نطفة وآخره جيفة يفخر أصبح لا يملك تقديم ما يرجوا ولا تأخير ما يحذر وأصبح الأمر إلى غيره في كل ما يقضي وما يقدر
قال: جلس الأحنف بن قيس، مع مصعب بن الزبير، على السرير، ومد مُصعب بن الزبير رجله، فنحاه الأحنف، ثم قال:
العجب من يتعاظم، وقد خرج من مخرج البول مرتين
وعن عُقبة بن عامر، قال: قال النبي (صلى الله عليه وسلم): " الناس لأدم وحواء، كعطف الصاع، إن الله لا يسأل عن أحسابكم، ولا يسألكم إلا عن أعمالكم، إن أكرمكم عند الله أتقاكم
•
حدثنا ابن منبع بإسناد، عن ثابت البناني، قال: إلتفت رجل من أعظم العرب، إلى رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، فقال: جئتك من عند سيد العرب، يُطعم الطعام، ويضرب الهام، فسكت عنه ():
- 179 - (1/179)
صفحة 180
قال: فمر رجل من ضعفاء المهاجرين، يحمل قربة، فقال له
رسول الله): " هذا خير من صاحبك " ()
قال: بينما عُمر (ه) يمشي، ورجل يخطر بين يديه، ويقول: أنا ابن كذا، وأنا ابن كذا، فوقف عليه عُمر، وقال: إن لم يكن لك دين، فلك كرم، وإن لم يكن لك عقل، فلك مروة، وإن لم يكن لك مال، فلك شرف، وإلا فأنت والحمار سواء؛ وأقول في ذلك
كرم الفتى في دينه إن صانه والعقل فيه مروة الإنسان والمال أشرف ما حوى في دهره فإذا خلا من أول أو ثاني فهو الحمار إذا خلا فيما حكى شبه له في ذلة وهوان حدثنا ابن منبع، عن أنس بن مالك، قال: كان رجل من أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، يقال له: جندب، وكان في وجهه ذمامة، فعرض عليه)) التزويج، فقال: إذا تجدني يا رسول الله كاسداً، قال له: " إنك عند الله تعالى ليس بكاسد "
وعن أبي هريرة، عن النبي (صلى الله عليه وسلم)، قال: " أن الله لا ينظر إلى صوركم، ولا إلى أموالكم، ولكن إنما ينظر إلى قلوبكم
وأعمالكم ".
-14 - (1/180)
صفحة 181
قال الله (ع): {فلما أنجاهم إذا هم يبغون في الأرض بغير الحق يا أيها الناس إنما بغيكم على أنفسكم متاع الحياة الدنيا ثم إلينا مرجعكم} (1).
وعن ابن منبع بإسناد، عن النبي ()، قال: " ما من ذنب أحرى أن يعجل الله على صاحبه العقوبة في الدنيا، مع ما
يدخر الله له في الآخرة، من البغي وقطيعة الرحم ".
قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): " كاد الفقر يكون كفراً، وكاد الحسد أن يغلب القدر "
وعن جعفر، قال: قال وهب بن منبه: يا بني إحذر الحسد والبغي على الناس في معايشتهم ودينهم، واعلم أن الحاسد
يطعن في قضاء ربه الذي قضى بينهم.
حدثنا إسماعيل بن يعقوب بإسناد، عن أبي يحيى، قال:
يقول الله (ع): الحاسد عدو نعمة، متسخط لفعلي، غير راض
بقسمتي التي قسمت بين عبادي
•
بإسناد، عن الحسن: أن النبي ()، قال: " لا تنافس
(1) سورة يونس: 23.
-141 - (1/181)
صفحة 182
بينكم، ولا تحاسد بينكم، إلا في إثنين: رجل أتاه الله القرآن، فهو يقوم به أناء الليل والنهار، ويتبع ما فيه، فيقول رجل: لو أن الله أعطاني مثل ما أعطى فلاناً، فعلت كما فعل؛ ورجل أتاه الله مالاً، فسلطه على هلكته في الحق، فيقول رجل: لو أن الله أعطاني مثل ما أعطى فلانا فأتصدق "
وعن أبي هريرة، عن النبي ()، قال: "، قال: " انظروا إلى من هو أسفل منكم، ولا تنظروا إلى من هو فوقكم، فإن ذلك أجدر أن
لا تردوا نعمة الله عليكم "؛ وأقول في ذلك:
ما تنظرون إلى قوم ذوي حول أهل الممالك والأموال والدول تصل في حسرة لا تنقضي أبدأ عن ناظريك وقلب منك في شغل وانظر إلى نصراء أنت ضدهم أو دونهم تعرف النعما بلا جدل وفي القناعة عز لا نفاد له وفي المطامع نفس المرء في حيل حدثنا، عن ابن الحسن، بإسناد، عن محمد بن كعب، قال: ثلاث لا ينجوا صاحبها من الدنيا، نكث العهد، والمكر السيء، والبغي، ثم قرأ: {يا أيها الناس إنما بغيكم على أنفسكم متاع الحياة الدنيا} (1)، {فمن نكث فإنما ينكث على نفسه} ()، {ولا
(1) سورة يونس: 23 (2) سورة الفتح: 10.
- MAY- (1/182)
صفحة 183
يحيق المكر السيء إلا بأهله} (1)
بإسناد، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله):
:"ما
من عمل عصى الله فيه، أعجل إلى عقوبة الله، من البغي
واليمين الفاجرة، تدع الديار بلا قع "؛ وقال محمد بن مداد في
ذلك
:
إن
اليمين
فجورها
تدع الديار بلا قعا
وكذاك بغي
المرء يُكسبه عذابا واقعا
فخف الإله وكن لما يرضى إلهك طائعا أدي الفرائض والزكاة وكُن لربك سامعا
واجعل بضاعتك التقى أكرم بتلك بضايعا
لا يذهبن العُمر منك
مع البطالة
واجعل ببيتك في الصلاة نوافلاً
ضائعا
ونصايعا
تجدن إذا حشر الورى من تلك نوراً ساطعا
(1) سورة فاطر: 43.
600
- 183 - (1/183)
صفحة 184
[صفحة فارغة] (1/184)
صفحة 185
الباب الحادي عشر في ذكر فضيلة الزكاة
قال الله (ال): {ورحمتي وسعت كل شيء فسأكتبها للذين يتقون ويؤتون الزكاة} (1)؛ وقال): {وما أتيتم من زكاة تريدون وجه الله فأولئك هم المضعفون} ()؛ وقال (حالة): وويل للمشركين * الذين لا يؤتون الزكاة} (3)
حدثنا محمد بن علي، بإسناد، عن الحسين، قال: قال رسول الله): " حصنوا أموالكم بالصدقة، واستقبلوا أنواع البلايا بالدعاء "؛ وأقول في ذلك
:
حصنوا المال بالزكاة وداووا سقيم مرضاكم بهذه الصدقات واستقبلوا بالدعاء تلك البلايا وسلوا صرفها لدى الصلوات
قال محمد بن مداد:
حصنوا أموالكم بالصدقات واستقبلوا ربكم بالدعوات
(1) سورة الأعراف: 156.
(2) سورة الروم: 39. (3) سورة فصلت: 6 - 7.
-1^0 - (1/185)
صفحة 186
فمخادع السماء أدعية وسلاح الدعاء للنائبات وخصوصا في دجى الليل إذا ما سدى وعقيب الصلوات
وعن عائشة، قالت: قال رسول الله (): " ما خالطت الزكاة مالاً إلا أهلكته "
"
بإسناد:، عن أنس بن مالك: أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، قال: ويل للأغنياء من الفقراء يوم القيامة، يقولون: ربنا بخلوا علينا بالزكاة التي فرضت لنا في أموالهم، فيقول الله (ع): الأقربنكم ولأبعدنهم "، وتلى قول الله تعالى: {والذين في
أموالهم حق معلوم * للسائل والمحروم} (1)؛ وأقول في ذلك:
ويل للغني من الفقير غداً إذ لا يُؤدي حقه من ماله يوم القيامة ينصف الباري الورى ويسأل كلا منهم عن حاله حدثنا عبد الرحمن بن سعيد، بإسناد، عن علي، قال: قلت للعباس: سل النبي (صلى الله عليه وسلم)، يستعملك على الصدقة، فسأله،
فقال: " ما كنت أستعملك على غسالة ذنوب الناس "
حدثنا عبد الرحمن بن كسبه، فقال: سمعت النبي ()
(1) سورة المعارج: 24 - 25
-147 - (1/186)
صفحة 187
يقول: " لا ينقص مال من صدقة، فتصدقوا، ولا عفا رجل عن مثله، إلا زاده الله عفواً، فاعفوا يزدكم الله العزة، ولا فتح رجل على نفسه باب صدقة يسأل الناس، إلا فتح الله عليه باب فقر لأن العفة خير "
حدثنا محمد بن علي، بإسناد، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله): " من كان عنده ما يُزكي فلم يُزك، ومن كان عنده ما يحج فلم يحج، سأل الرجعة عند الموت "؛ فقال رجل: يا ابن عباس، ما يسألون عن هذه الآية: {قال رب ارجعون} (1)، إلا الكفار، قال: نعم؛ وأقول في ذلك
من لم يحج ولم يؤد زكاته لم يلق نجحاً بالنعيم الدايم وبلي بنار حرها لا ينطفي ويقول هل من رجعة للظالم حدثنا ابن عُبيدان، بإسناد، قال: سئل النبي (صلى الله عليه وسلم): أي الصدقة أفضل؟ قال: " أن تعطي، وأنت صحيح شحيح تؤمل البقاء، وتخشى الفقر، ولا تهمل حتى إذا بلغت الحلقوم "؛ قلت: لفلان كذا كذا، ولفلان كذا
حدثنا محمد بن عبد الكريم، بإسناد، عن الحسن، أنه قال:
- 187 -
•
(1) سورة المؤمنون: 99 (1/187)
صفحة 188
يا ابن أدم، صلي الصلاة لوقتها، فأتم ركوعها وسجودها، بإسباغ الطهور، فإن الطهور أول وقت أمر الصلاة ومفتاحها ولا تفرطن في فتح صلاتك بمعصية الله؛ يا ابن آدم، أخرج زكاة مالك كما أمرك الله، طيبة بها نفسك، ترجوا بها ما عند الله، وتخاف أن يعذبك الله على تركها؛ يا ابن آدم، حافظ على صيام شهر رمضان، وأحسن صُحبة الشهر بالإجتهاد في العبادة، وترك الغيبة، والكذب، واللغوا، والباطل، وعليك فيه بلزوم السكينة والوقار، وطول الصمت، إلا من ذكر الله؛ قال الله تعالى: {ولا تنسوا الفضل بينكم} ()، وقال الله تعالى: {الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل ويكتمون ما أتاهم الله من فضله} (2).
(1) سورة البقرة: 237.
(2) سورة النساء: 37 (1/188)
صفحة 189
الباب الثاني عشر
في ذكر القناعة وطلب الرزق
قال الله تبارك وتعالى: {الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء والله يعدكم مغفرة منه وفضلا والله واسع عليم} (1)؛ وقال (ع): {ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم
زهرة الحياة الدنيا لنفتنهم فيه ورزق ربك خير وأبقى} (2).
{
حدثنا أحمد بن جعفر الأشعري، بإسناد، عن عبد الله، قال: قال رسول الله (): " ليس شيء يقربكم إلى الجنة، ويبعدكم من النار، إلا وقد أمرتكم به، وليس شيء يُقربكم إلى النار ويبعدكم من الجنة، إلا وقد نهيتكم عنه "
قال: قيل: يا رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، ما الغنى؟ قال: اليأس عن
ما في أيدي الناس، وإياكم والطمع، فإنه الفقر الحاضر "
حدثنا الحسن بن أحمد، بإسناد، عن الحسن بن كعب، قال: إن جبريل (العليا)، أتى النبي آدم (ال)، فقال: إن الله يقول
(1) سورة البقرة: 268
(2) سورة طـ ه: 131
- 149 - (1/189)
صفحة 190
لك: إنهي ولدك عن الشهوات، فإن القلوب المعلقة بشهوات الدنيا محجوبة عني؛ قال آدم: فما أقول يا روح القدس؟ قال: قل: اللهم ألبسني العافية لإهنائي المعيشة، ثم قال: فما أقول؟
قال: قل: اللهم اختم لي بالمغفرة، فقالها آدم (العلا)، فقال جبريل: وجبت؛ وأقول في ذلك
يا ربنا نسألك العافية
:
فإنها للنعمة الكافية
يا طيبها يا حُسنها نعمة
نسألك الشكر على العافية
وعن الحسن، عن أنس: أن النبي (صلى الله عليه وسلم) قال: " إن من
الشره أن تأكل ما إشتهيت "
قال: سألت الحسن: عن ما بسط أيدينا فيه من الطعام؟ فقال عمر: كفى به شرها، إذا اشتهيت شيئاً أكلته، وقال: أن كان عُمر ليشتهي الشيء، فيدافعه سنة؛ وفي ذلك أقول:
إياك أن تأكل ما تشتهي في كل حين ذاك فعل الشره كان الفتى الخطاب في دهره إذا إشتهى شيئا كإن لم يره يتركه عاما دفاعاً وقد عاين ما يهوى وقد أبصره
حدثنا عبد الله بن محمود بن الفرج، بإسناد، عن البراء، قال رسول الله (): " من قضى من نعمة الدنيا، حيل بينه
-19.- (1/190)
صفحة 191
وبين شهوته في الآخرة، ومن مد عينيه إلى زينة المترفين، كان مقيتاً في ملكوت السماوات، ومن صبر على القوت صبراً شديداً،
أسكنه الله من الفردوس، من حيث يشاء "؛ وأقول في ذلك:
الصابرون على الإقتار منزلة ما حلها قبلهم خلق ولا بشر جنات عدن من الفردوس زينها سمك القصور ويجري تحتها نهر
عن عمران بن مسلم، قال: كان شريد بن علقمة إذا قيل له: ولي فلان، قال: حسبي كسرتي وملحي.
قال: أنشدني ابن أبي الأسود:
لو كان في صخرة في الأرض راسية صما ململمة ملسا نواحيها رزق لنفس براها الله لإنقلبت حتى تؤدي إليه كل ما فيها حتى ينال الذي في اللوح خط له إن ما أتته وإلا سوف يأتيها
وقلت في ذلك مُعارضاً:
ما حم للنفس من رزق سيأتيها إذا أتته وإلا سوف يعنيها لو كان رزق الفتى في الأرض سيق له أو الصخور التي إشتدت رواسيها لسلمت كل رزق خطه قلم قبل اليقين الذي تبدي مساويها
حدثنا الحسن بن عفير، بإسناد، عن الزبير بن عُدي، قال:
-191 - (1/191)
صفحة 192
كان علي بن أبي طالب، يقول: طلب المال والمنزلة، أسرع في خراب دين الرجل، من ذئبين ضاريين، باتا في حظيرة غنم، مازالا فيها حتى أصبحا.
قال: قال رسول الله (): " إن الرزق ليطلب الرجل، كما يطلبه أجله "؛ وأقول في ذلك:
الرزق يأتي كما يأتيني الأجل إذا إنقضى الرزق وافا عنده الأجل والمال ما عشت مهموما ببغيته أجرى من البيت إذا ما حله الجمل
حدثنا الحسن بن محمد بن شعبه، بإسناد، عن طارق بن شهاب، قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): " من نزلت به فاقة فأنزلها بالناس، لم تسد حاجته، وإن أنزلها بالله، أوشك الله له برزق عاجل وبمال أجل "؛ وأقول في ذلك
وإن حاجة عالجت خلقاً فأنزلها بالناس لم يلق إلا البؤس والنصبا وإن لجأها إلى باريه عالجها ما يشتهي وأرى فيه الذي طلبا وعن عبد الله بن محمد بن سعيد الخصاص، بإسناد، عن عبد الله، قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): " ليس أحد بأكيس من أحد، قد كتب الله النصيب والأجل، وقسم المعيشة والعمل،
فالناس يحرثون فيه إلى منتهى "؛ وأقول في ذلك:
- 192 - (1/192)
صفحة 193
رَّبِّ الذي ما شاء فعل فالكل موفي قطه
قسم المعيشة والعمل
حين يوافيه الأجل
قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): " الرزق مقسوم، وهو يأتي ابن آدم على سيرة سارها، ليس تقوى تقي بزائدة، ولا فجور فاجر بناقصة، وبينه وبينه سترة، وهو في طلبه "، قيل: يا رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، ما الغنى؟ قال: " اليأس مما في أيدي الناس ".
وكان يُقال: العبد حُراً إذا قنع، والحُر عبداً إذا طمع؛
وأنشدنا أبو بكر:
مازلت أسمع أن العقول
مصاريعها بين أيدي الطمع
وخير الرجال بأعمالها
إذا أدرع المرء ثوب الورع
وخير لباسك لبس التقى
فنعم ذلك من مُدرع
حدثنا ابن أبي الدنيا، عن الحسن بن عبد الرحمن، قال: حدثنا أبي، قال: سمعت سالم بن عُمر يقول: كتب إلي أبو العتاهية شعراً:
نعى نفسي إليَّ من الليالي تقلبهن حالا بعد حال فمالي لست مشغولاً بنفسي ومالي لا أخاف الموت مالي (1/193)
صفحة 194
لقد أيقنت أني غير باق ولكني أراني لا أبالي تعالى الله يا سالم ابن عمرو أذل الحرص أعناق الرجال
هب الدُّنيا تساق إليك عنوا أليس مصير ذاك إلى زوال فما نرجوا بشيء ليس يبقى وشيكاً ما يصير إلى إنتقال فمالي غيره في ذكر قوم تفانوا كل ما خطروا ببال كان مرضي قد قام يسعى بنفسي بين أربعة عجال وخلفي نسوة يبكين شجواً كأن قلوبهن على المقال سأقنع ما حييت بقوت يوم ولا أبغي مُكاثرة بمال
وأقول في ذلك:
لمالي لست أذري الدمع مالي تقضي العُمر مع مَرَّ الليالي تصرفها أياد في أمور من الأشياء حالاً بعد حال عمى قلبي وصم بدار دنيا أكابدها بجهد واحتيال ومالي غير قوت في حياتي أسد به المجاعة بين آل فسبحان الذي أغنى وأقنى أليس الذل مسألة الرجال وقد أيقنت أني غير باقي وليس على المنون من إحتيال لو الدنيا ملكت وما حوته لآلت وآل ذاك إلى زوال وما عرض الحياة علي باق ولن تبقى العظام بقا الجبال رضيت بقوت يوم في زماني يُساق إليَّ من فضلات مالي
-19%- (1/194)
صفحة 195
قال سالم: وكتبت إلى أبي العتاهية:
أقبح التزهيد من واعظ يزهد الناس ولا يزهد لو كان في تزهيده صادقا أمسي وأصبح بيته المسجد ولو رفض الدُّنيا فلم تلقه يسأل من كان ويسترفد يخاف أن تنفد أرزاقه والرزق عند الله لا ينفد الرزق مقسوم على من برى يناله الأبيض والأسود أخبرني الجوهري، قال: حدثنا محمد بن علي النوفلي، قال: سمعت أبي يقول: وفد عروة بن أذينه، على هشام بن عبدالملك، فلما دخل عليه، شكا خلة وديناً، فقال: ألست القائل:
لقد علمت وما الإسراف من خلقي إن الذي هو رزقي سوف يأتيني أسعى له فيعيني تطلبه ولو قعدت ببيتي كان يأتيني
قال: وجئت تضرب من الحجاز إلى الشام في طلب الرزق؟ فقال: وعظت يا أمير المؤمنين فأبلغت، فأسرج إلى راحلته، ثم نضها نحو الحجاز راجعاً، فمكث هشام يومه، فلما كان من الليل وجد مكتوباً بغراء على فراشه، فذكر ابن أذينه، فقال رجل من قريش حكمه: قال: وقد أتى فحبيته ورددته عن حاجته، وهو مع هذا شاعر، لا أأمن ما يقول، فلما أصبح دعا مولى له،
-190 - (1/195)
صفحة 196
وأعطاه ألفي دينار، وقال له: إلحق ابن أذينه فأعطه إياها، قال المولى: فصرت إلى المدينة، فقرعت عليه الباب، فخرج وأعطيته المال، فقال: أبلغ أمير المؤمنين قولي: سعيت فأكذبت، فرجعت إلى منزلي فأتاني منه رزقي.
6
وعن ابن عباس، قال: كنت رديف رسول الله): فالتفت إليَّ، وقال: " يا غلام، احفظ الله يحفظك، واطلب الله تجده أمامك، وتعرف إلى الله في الرخاء، يعرفك في الشدة، واعلم أن الخلائق لو اجتمعوا أن يعطوك أمراً، منعك الله إياه، لم يقدروا على ذلك، واعلم أن النصر مع الصبر، وأن الفرج مع الكرب، فإذا سألت فسأل الله، وإذا إستعنت فاستعن بالله {إن مع العسر يسرا} (1) ".
قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): " لو كان العسر في جحر،
لدخل عليه اليسر، ثم قرأ: {إن مع العسر يسرا} () "؛ وأقول
في ذلك:
{
تعرف إلى بارئك في ساعة الرخاء تجده قريباً منك في ساعة العُسر وأيقن بأن الخلق لو منعوك ما أراد لك الباري لجاء على قدر
(1) سورة الشرح: 6.
-197 - (1/196)
صفحة 197
حدثنا عُمر بن محمد بن شعيب، بإسناد، قال: سمعت بشير بن الحارث، يقول: خرج فتى في طلب الرزق، فبينما هو يمشي، إذ أعيا، فأوى إلى خراب يستريح، فبينما هو يدير بصره، إذ نظرت عيناه إلى بناء مكتوب فيه:
لما رأيتك جالساً مُستقبلي أيقنت إنك للهموم قرين هون عليك وكن بربك واثقاً فأخى التوكل شأنه التهوين طرح الأذى عن نفسه في رزقه لما تيقن أنه مضمون
حدثنا محمد بن عُمر، بإسناد، عن الحسن: أن عامر بن عبد القيس، قال: ما أبالي ما فاتني من الدنيا، بعد آيات من كِتاب الله))، {وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها ويعلم مستقرها ومستودعها كل في كتاب مبين} ()؛ {ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها وما يمسك فلا مرسل له من بعده} (2)؛ {وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو وإن يمسسك بخير فهو على كل شيء قدير} (3)
•
وعن عُمر بن الخطاب (ه)، إنه قال: تعلموا أن الطمع
فقر، والإياس غنى، وإن المرء إذا أيس من شيء إستغنى عنه
(1) سورة هـ ود: 6.
(2) سورة فاط (3) سورة الأنعـ
2
-19 V- (1/197)
صفحة 198
حدثنا علي بن الحسين، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله): " لو يعلم صاحب المسألة ما له فيها، لم يسأل
أحداً "
وحدثنا ابن شريك الأدمي، بإسناد، عن أبي هريرة، قال: أن النبي (صلى الله عليه وسلم)، قال: " والذي نفس محمد بيده، لأن يأخذ أحدكم حبلاً، فيحتطب على ظهره فيبيعه، فيأخذ منه خيرا، من أن يأتي رجلاً، أعطاه الله من فضله، فسأله أعطاه، أو منعه "؛ وأقول في ذلك:
قم فاحتطب واحتمل ما كان من حطب وبع ما شئت من صفر ومن ذهب فإن مسألة الأقوام داعية إلى المذلة بين العجم والعرب
حدثنا علي بن الحسين، بإسناد، عن أنس بن مالك: أن رجلاً من الأنصار أصابته حاجة وفاقة، فأتى النبي (صلى الله عليه وسلم) فأخبره بذلك، فقال (): " إذهب وأتني بما في منزلك، ولا تحقرن شيئا "؛ قال: فأتى بحلس وقدح إلى النبي (صلى الله عليه وسلم)، قال: " من يشتري منه هذا "، فقال رجل: هما عليَّ بدرهم، فقال: " هما لك، ثم قال: من يزيد على درهم؟ " فقال رجل: علي بدرهمين، فقال: " هما لك، ثم أخذ الدرهمين فدفعهما إليه، ثم قال: ابتع بأحدهما طعاماً لأهلك، وابتع بالآخر فأسا فأتني به "، فذهب
-194 - (1/198)
صفحة 199
فأتاه بالفأس، فقال النبي (صلى الله عليه وسلم): " من عنده نصاب لهذه الفأس "، فقال أبو بكر (ه): عندي، فأتا به النبي (صلى الله عليه وسلم) فأثبته بيده، ثم دفعها إليه، قال: " اذهب واحتطب، ولا تحقرن شوكاً، ولا رطباً، ولا يابساً، خمس عشرة ليلة "، قال: فأتاه بعد ذلك، وقد حسنت حالته، فقال النبي (): هذه أخير لك، من أن تجيء يوم القيامة وفي وجهك كلح الصدقة "
حدثنا ابن صاعر، بإسناد، عن نافع بن عامر: أن النبي)، قال وهو على المنبر، وهو يذكر الصدقة والتعفف عن المسألة، وقال: " اليد العليا خير من اليد السفلى، ثم قال: ما أعطى أحد خيراً من الصبر
قال: قال رسول الله (): " إن هذه المسائل، كد يكديها الرجل وجهه، إلا أن يسأل رجلاً ذا سلطان، لأمر لابد له منه ".
قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) " مسألة الغني ينبز في وجهه يوم
القيامة "
وعن أبي بكر الصديق (ه): أن النبي (صلى الله عليه وسلم)، كثيراً ما كان يقول: " اللهم إغنني بحلالك عن حرامك، واغنني بالنوال عن من سواك ".
-199 - (1/199)
صفحة 200
حدثنا أبو بكر بن عبد الله، بإسناد، قال: سُئل أبو حنيفة: عن الغني والفقير؟ فقال: هل طغى من خلق الله إلا بالغنى، ثم تلا: {كلا إن الإنسان ليطغى * أن رأه إستغنى} (1)
ثم قال: حدثنا بإسناد، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة: أن النبي)، قال: " ليدخل الجنة فقراء أمتى قبل الأغنياء بنصف يوم "، فقيل لأبي حنيفة: أغنياؤنا من هذه الأمة؟ وهذا صحيح في القياس، لأن أغنياء هذه الأمة، مثل: عثمان، والزبير، وعبد الرحمن بن عوف، وقد شهد لهم النبي (صلى الله عليه وسلم)
بالحُسنة، وفقراء هذه الأمة أفضل من أغنياء غير هذه الأمة
ثم حدث عن النبي (): " أن الجنة محرمة على الأمم:، حتى تدخلها أمة محمد)، وعلى الأنبياء، حتى يدخلها محمد ()
قال مضر: فسألت عن ذلك، عبد الواحد بن زيد، قال: لا تسأل أبا حنيفة عن هذه المسائل، فقال: إنما يُسأل عن هذه المسائل وأشباهها الحسن، وأسأل أبا حنيفة عن المدبر
والمكاتب، ونحو ذلك، والكوفيون لا يحسنون هذا.
(1) سورة العلق: 6 - 7. (1/200)
صفحة 201
حدثنا صاعد، بإسناد، عن عوف بن مالك، قال: بايعنا رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، وكنا تسعة أو ثمانية، فقال قائل: على ما
نبايعك؟ فقال: على أن تعبدوا الله، ولا تشركوا به شيئا،
والصلوات الخمس، وتسمعوا له وتطيعوا، وأسر كلمة خفية ولا تسألوا الناس شيئاً "
6
قال: وكان بعض أولئك الفرد سقط سوطه، ولا يسأل أحداً يناوله إياه، قيل: يا رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، ما عني الله؟ قال: " غذاء يوم، أو عشاء ليلة "
وأنشدنا الهدابي، قال: أنشدنا أبو حاتم:
اضرع إلى الله ولا تضرع إلى أحد واقنع بيأس فإن العز في اليأس الرزق عن قدر يجري إلى أجل على ضمان فلا ساه ولا ناسي وكيف اتباع فقراً حاضراً بغنى أم كيف أجعل حاجاتي إلى الناس وأقول في ذلك
اليأس أولى لمن يبلى بإفلاس عن السؤال وعن ما في أيدي الناس والرزق في يد رب لا شريك له وهو الكفيل فلا ساه ولا ناس
وأنشدنا الجوهري:
- Y.1 - (1/201)
صفحة 202
إذا ما سألت الناس ما في أكفهم جفيت وأنكرت الذي كنت تعرف وهنت على من كنت تكرم عنده وأفضال من قد كان يدني ويلطف واسأل ربي فضله ونواله أحق لأن الله يعطي وينصف وأما سؤالي غيره من عباده فإن كثيراً للمواعيد يخلف رأيت الذي من بينهم وكأنني غريب أتى في معشر ليس يعرف
حدثنا نصر، بإسناد، عن زياد بن الربيع، قال: سمعت قتادة
يقول:
لا تحسبن الموت موت البلي فإنما الموت سؤال الرجال كلاهما ذل ولكن ذا أشد من ذاك لذل السؤال
وأنشدنا الجوهري:
أقلل سؤالك ما استطعت فإنما سبب الملالة كثرة التسئال فالناس طبعهم إذا ما أظهروا وجه العطاء صيانة الأموال
- Y. Y- (1/202)
صفحة 203
الباب الثالث عشر
ية فى النهمة والقره والتجزي بالقون
حدثنا علي بن الحسين، بإسناد، عن عائشة: أن رسول أراد أن يشتري غلاما، فألقى بين يديه طعاماً فأكثر، فقال): " أن كثرة الأكل شؤم فرده "
قال: حدثنا محمد بن علي بن عمران، بإسناد، عن حبيب المدني: أنه سمع مولى النبي ()، يقول: " أخاف على أمتي من بعدي ثلاثاً: ضلالة الأهواء؛ واتباع الشهوات: البطون والفروج؛ والغفلة بعد المعرفة "؛ وأقول في ذلك:
يخاف النبي على أمته ثلاثاً تعوذ في دعوته ضلال الهوى واتباع المنى تقود الغلام إلى شهوته وشهوة فرج وغفلة قلب وبطن تنافس في أكلته
حدثنا عبد الناقد، بإسناد، عن عُمر (ه)، قال: قال رسول الله (): " كلوا جميعاً ولا تفرقوا، فإن البركة في الجماعة "
- YIT- (1/203)
صفحة 204
بإسناد عن حذيفة، قال: قال رسول الله (): " من قل طعامه: صح بدنه وصفي قلبه؛ ومن كثر طعامه: سقم بدنه وقسى قلبه "
قال: قال الحجاج لسالم بن قتيبة: مالي أراك صارم الجسم؟ فقيل: أنه يكثر الطعام، قال: لا تفعل فرب أكلة منعت أكلات؛ وأنشدنا الحاتم:
وإنك مهما تعط بطنك شهوة وفرجك نالا منتهى الذم أجمعا
حدثنا ابن الأعرابي، قال: قال عمرو بن العاص يوم الحكمين لمعاوية: أكثروا لهم من الطعام، فإنه والله ما بطن قوم إلا فقدوا بعض عقولهم، وما مضت عزمة رجل بات بطنا، فلما وجد معاوية ما قاله صحيحاً، قال: إن البطنة تأفن الفطنة
حدثنا الحسين بن إسماعيل القاضي، بإسناد، عن جعفر بن سعيد، قال: لما دخل الشهر - يعني: شهر رمضان - كان
علي بن أبي طالب، يفطر ليلة عند الحسن، وليلة عند الحسين وليلة عند عبد الله بن جعفر، ولا يزيد على اللقمتين أو ثلاث، وقال: إنما هي أيام قلائل يأتي أمر الله وأنا خميص البطن؛ قال:
فقتل من ليلته.
204 - - Y.E- (1/204)
صفحة 205
قال: حدثنا محمد بن علي، بإسناد، عن أبي هريرة، قال: دخلت على النبي (صلى الله عليه وسلم) وهو يصلي جالسا، فقلت: يا رسول الله ()، تصلي جالسا ما أصابك؟ قال: الجوع، فبكيت، فقال: " لا تبك، فإن شدة القيامة لا تصيب الجائع إذا إحتسب في دار الدنيا "
قال: حدثنا عُمر: ما إجتمع مع النبي (صلى الله عليه وسلم) إدامان، إلا أكل أحدهما وتصدق بالآخر
وعن عائشة رضي الله عنها: ما كان يجتمع لونان في لقمة في فم رسول الله ()، إن كان لحما، لم يكن خبزاً، وإن كان خبزاً، لم يكن لحما
قالت عائشة رضي الله عنها: توفي رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، وما ترك ديناراً ولا درهما، ولا عبداً ولا أمة، وترك درعه الذي كان يُقاتل فيها، مرهونة رهنا بثلاثين قفيراً من الشعير
•
قال ابن عباس: لقد كان يأتي على آل محمد ليال، لا يجدون
فيها عيشاً
قال: لقد كان للنبي () درع مرهونة مع يهودي، فما وجد
_ Y.O_ (1/205)
صفحة 206
ما يفكها حتى لحق بالله.
وحدثنا ابن الحجاج، بإسناد، عن مسروق، عن عائشة (رضي الله عنها)، قالت: لقد مات رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، ودرعه مرهونة، حتى أنه لم يجد ما يفكها، حتى إفتكها أبو بكر (ه) بعد وفاته ()
قال مسروق: دخلت على عائشة وهي تبكي، فقالت: ما أشأ أن أبكي إلا بكيت، مات رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، ولم يشبع من خبز
البر في يومه مرتين قط، ثم أنها زوت عليه الدنيا
حدثنا الحسن بن علي بن إسحاق، قال: نزل برسول الله
() ضيف، فبعثني إلى يهودي، فقال: قل له: أن النبـ) يقول لك: بعنا أو أسلفنا إلى وقت؛ قال: فقلت له؛ فقال: والله لا أبعنه ولا أسلفنه إلا برهن، فرجعت إلى رسول الله)، فقال: والله لو باعني أو أسلفني لأعطيته أو لقضيته، إني لأمين في السماء، أمين في الأرض، إذهب بدرعي الحديد فارهنها، فرهنتها، فنزلت هذه الآية: {ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به
أزواجا منهم زهرة الحياة الدنيا} (1).
(1) سورة طه: 131.
- Y.- (1/206)
صفحة 207
حدثنا أحمد بن يحيى بن زهير، بإسناد، عن الأسود، عن عائشة، قالت: ما شبع آل محمد من خُبز بر، حتى قبضه الله
إليه.
حدثنا ابن أخ أبي زرعه، بإسناد، عن أبي طلحة، قال: شكونا إلى رسول الله ()، الجوع، فرفعنا عن بطوننا حجراً حجرا، فرفع رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، عن بطنه حجرين
وعن أبي هريرة، قال: قال أبو زيد القرشي، بإسناد، عن عبد الله بن معقل: أن رجلاً أتى رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، فقال الرجل: والله إني لأحبك في الله، فقال رسول الله (): " إن كنت صادقاً، فابشر بالفقر حقاً، فالفقر إلى من يحبني أسرع من السيل إلى منتهاه "
حدثنا بإسناد، عن عُمر بن مالك الأنصاري، قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): " أبشروا بما يسركم الله، فو الله ما الفقر أخاف عليكم، ولكن إذا بسطت عليكم الدنيا، فتنافستم فيها، كما تنافسها الذين من قبلكم، فتهلككم كما أهلكتهم "
قال: سمعت أبا سعيد الخدري، يقول: سمعت رسول الله)، يقول: " اللهم توفني إليك فقيراً مُسلما، ولا توفني
- Y.V- (1/207)
صفحة 208
غنياً، واحشرني في زمرة المساكين يوم القيامة، وأن أشقى الأشقياء، من إجتمع عليه فقر الدنيا وعذاب الآخرة ".
حدثنا الحسن بن عليّ بن خلف، بإسناد، عن أبي أمامة: أن النبي (صلى الله عليه وسلم)، قال: " عرض عليَّ ربي، أن يجعل لي الصفا ذهباً، فقلت: لا، ولكن أجوع يوماً، وأشبع يوماً، فإذا جعت تضرعت إليك وذكرتك، وإذا شبعت حمدتك وشكرتك "
قال: كان من دعاء النبي) رزقتني، وبارك لي فيه "
اللهم قنعني بما
حدثنا ابن منبع، بإسناد، عن أنس، قال: أتينا الخندق، ورسول الله () يحفر معنا، ويثني الغبار عن وجهه وعكنه، ونحن من الجهد فيما يعلم الله، فأتينا بخبز شعير، فجعلنا نأكل ويأكل معنا، فقال (): " النعيم نعيم الآخرة "؛ وأقول في
ذلك:
نفسي الفدا لمن عليه غبار وهو النبي محمد المختار والأوس تحفر خندقاً عن حوله نلجأ إليه وحوله الأنصار والكل من جهد المجاعة ساغب حتى أتى خبزاً عليه غبار وكذاك مع خُبز الشعير فإنه نعم المعاش إذا رضي الجبار
- 208 - (1/208)
صفحة 209
قال النعيم مؤخراً يأتي غداً بعد الحساب يناله الأبرار وعن أنس بن مالك، قال: كان النبي (صلى الله عليه وسلم) إذا أكل، قال: " الحمد لله الذي أطعمنا وأسقانا، وأشبعنا وأروانا، وكفانا وأوانا ".
وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله): " اللهم إجعل (رزق آل محمد كفافاً "
وعن الحسن، قال: دُعيَّ رسول الله (صلى الله عليه وسلم) إلى مائدة، قال: يا عليّ، مُر بنا نأكل كسرات، نكسر بها كلب الجوع عنا،
لنحسن مواكلتنا مع الناس، أو مع رجل من بني إسرائيل
"
قال: قالت عائشة: جاءت ابنة رسول الله (صلى الله عليه وسلم) لزيارتنا وأهدى إلينا أبو بكر شاة، فأقبلت أخذ منها في الظلمة، ورسول الله) يمسك علينا، قلت: فأين المصباح؟ قال: لو كان عندنا مصباح لأكلنا، إن كنا لنلبث الشهر - وأحسبه قال: أربعين ليلة - لا نخبز فيه ولا نطبخ
حدثنا أحمد بن محمد بن المحلس بن أبي بكر خالد، عن حكيم بن جابر بن طارق، قال: كان أهلها يصفون القرع، قال ابن جابر بن طارق: رأيت هذا مع رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، قلت: يا
،
- Y.9 - (1/209)
صفحة 210
رسول الله، ما هذا؟ قال: " شيء نكثر به طعامنا "
حدثنا الجوهري، بإسناد، عن جابر: أن النبي () أقام ثلاثاً لم يُطعم شيئا، وطاف في منازل جميع أزواجه، فلم يصب عندهم شيئا، فأتى فاطمة (رضي الله عنها، فقال: با بنية، هل عندك شيء أكله، فإني جائع؟ فقالت: لا والله، فلما خرج، بعثت جارة لها برغيفين وبقطعة لحم، فأخذتها ووضعتها في جفنة وغطتها، وقالت: والله لأؤثرن بها رسول الله (صلى الله عليه وسلم) عليَّ ومن عندي، وكانوا جميعاً مُحتاجين إلى شبعة من طعام، فبعثت حسنا إلى النبي (صلى الله عليه وسلم)، فرجع إليها، فقالت: بأبي وأمي، قد أتانا الله بشيء فخبأته لك، فقال: هلمي يا بنية، فكشفت عن
الجفنة، فإذا هي مملؤة خبزاً ولحماً، فقدمته إلى النبي): من أين لك هذا؟ فقالت: {هو من عند الله إن الله يرزق
فقال من يشاء بغير حساب} (1)، فقال (): الحمد لله الذي جعلك - يا بنية - سيدة نساء أهل الجنة، فإن سيدة نساء بني إسرائيل، كانت إذا رزقت شيئا فسألت عنه، {قالت هو من عند الله إن الله يرزق من يشاء بغير حساب} (1)، فبعث إلى عليّ، ثم أكل النبي () وأهل بيته حتى شبعوا، وجعل الله فيه بركة وخيراً كثيراً.
(1) سورة آل عمران: 37.
- 210 - (1/210)
صفحة 211
حدثنا عفير بإسناده، عن عبادة بن الصامت، قال: خرج علينا رسول الله)، وعليه جبة من صوف صفيقة، فصلى بنا، ليس عليه غيرها،
حدثنا ابن منبع، بإسناده، عن أبي درة، قال: دخلنا على عائشة، فأخرجت لنا إزاراً غليظاً، مما يُصنع باليمن، من هذه التي تسمى: المليده، فقالت: قبض رسول الله (صلى الله عليه وسلم) في هذين
الثوبين.
(2)
وعن أنس، قال: رأيت النبي (صلى الله عليه وسلم) يشم (1) الغنم في أذانها ورأيته متزر بكساة.
حدثنا ابن صاعد، بإسناد، عن سهل بن سعد، قال: أحيكت للنبي (صلى الله عليه وسلم) جبة من صوف، وجعل حاشيتها سواداً، فلما لبسها، قال: انظروا ما أحسنها، وما ألينها، فقام أعرابي، فقال: هبها لي يا رسول الله، وكان النبي (صلى الله عليه وسلم) إذا سئل شيئا لم يبخل به، قال: فدفعها إليه وهي في المحاكة، وأمر أن يُحاك له واحدة أخرى،).
حدثنا ابن عبيدان، بإسناد، عن أنس، قال: دخلت على
(2) يشم، أي: يضع علامه.
- Y 11 - (1/211)
صفحة 212
النبي () وفي عباة له، يهنا بعيراً له
وعن الواقدي، قال: أن طول رداء النبي () كان ستة: أذرع في عرض ثلاثة، وطول إزاره أربعة أذرع وشبرين، لا
ذراعين وشبر، وإنه كان يلبسهما في الجمعة والعيدين
وعن هاشم بن عروة، قال: كان ضباع رسول الله () من أدم، وحشوة ليف
حدثنا الحضرمي، بإسناد، عن عليّ، قال: أهديت إلى فاطمة بنت رسول الله ()، فما كان فراشنا إلا مسك الكبش.
حدثنا الجوهري، بإسناد، عن أبي هريرة، قال: خطبنا
رسول الله (صلى الله عليه وسلم) على المنبر مرقاتين، وكان عليه عباة شاميه.
•
حدثنا أبو الليث، بإسناد، عن عبد الرحمن بن عايش بن ربيعه، قال: دخلت على عائشة، فقلت: يا أم المؤمنين، أنهى النبي (عن لحوم الأضاحي بعد ثلاث؟ فقالت: تعلم أصاب الناس شدة، وأحب النبي () أن يُطعم الغني الفقير، لقد رأيت آل محمد يأكلون الكراع بعد خمس عشرة ليلة، فقلت ذلك؟
مم
ثم ضحكت، فقالت: ما شبع آل محمد من خبز مأدوم حتى لحق
بالله. (1/212)
صفحة 213
حدثنا أحمد بن يحيى، عن أبي أمامة الثعلبي، قال: جاء ثعلبه بن حاطب، إلى النبي (صلى الله عليه وسلم)، قال: ادع الله أن يرزقني فو الله الذي بعثك بالحق نبياً، لأن أتاني الله مالاً، لأعطين كل ذي حق حقه، فقال): ويحك يا ثعلبه، قليل تطيق شكره، خير من كثير لا تؤدي شكره - أو قال: لا تطيقه - قال: يا رسول الله، ادع الله أن يرزقني مالاً، فدعا له رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، فرزقه الله المال، فأتخذ غنماً، فبورك له فيها، ثم نمت حتى ضاقت بها المدينة فتنحى بها، وكان يشهد مع رسول الله (صلى الله عليه وسلم) الصلاة بالنهار، ولا يشهد الصلاة بالليل، ثم نمت وكان يشهد الجمعة إلى الجمعة، ثم نمت فتنحى بها، وكان لا يشهد جمعة ولا جماعة، وعندما نزلت آيات الزكاة، رفض إعطاءها، فقال النبي): قبح ثعلبه بن حاطب، فقد أنزل الله في ثعلبة: {ومنهم من عاهد الله لئن أتانا من فضله لنصدقن ولنكونن من الصالحين * فلما أتاهم من فضله بخلوا به وتولوا وهم معرضون * فأعقبهم نفاقا في قلوبهم إلى يوم يلقونه بما أخلفوا الله ما وعدوه وبما كانوا يكذبون} (1)، فبلغ ذلك ثعلبه، فقدم على النبي (فقال: هذه صدقة مالي، فقال له: قد منعني الله أن أقبل منك،
(1) سورة التوبة: 75 - 77.
- 213 - (1/213)
صفحة 214
فجعل يبكي، ويحثوا التراب على رأسه، فقال النبي): هذا عملك بنفسك، أمرتك فلم تطعني، ولم تقبل مني، ثم أنا أبا بكر الصديق (ه) بصدقته، فلم يقبلها منه، ثم أتا بها عُمر بن الخطاب (ه)، فلم يقبلها منه، ثم هلك في زمان عثمان بن عفان؛ وأقول في ذلك:
أثعلبه بن حاطب حيث يسعى وقد صادفت من فقر هوانا توسل بالرسول ومنك عهد وميثاق وتلتزم الضمانا وتعطي أنت حق الله مما أفاء عليك فضلاً وامتنانا فقال له النبي طلبت جما ونحن يسير قوت قد كفانا تحاول ما تطيق له بشكر يزيدك نايلاً رب يرانا فقام المصطفى فدعا برزق وماشية ملا منها قرآنا أثعلبة بن حاطب حاز رزقاً بدعوة من به الباري هدانا فلما حاز ماشية ورزقاً نفى ميثاقه والعهد خانا يظن بما حوا وإنحاز عمن له حق وأعرض واستكانا
وعن النبي (صلى الله عليه وسلم)، أنه قال: " ما قل وكفى، خير مما كثر
وألهى "
وعن أبي الدرداء، عن النبي ()، أنه قال: " ما طلعت
- TIE- (1/214)
صفحة 215
شمس، إلا ويكتنفها ملكان يُناديان - يسمعهما كل من على الأرض إلا الثقلان -: يا أيها الناس، هلموا إلى ربكم، إنما قل وكفى، خير مما كثر وألهى، ولا غربت إلا ويكتنفها ملكان يناديان: اللهم عجل لمنفق خلفاً، وعجل لمُمسك تلفا "
حدثنا الحسن بن علي بن عاصم، بإسناد، عن أنس، قال قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): " لا تدخروا شيئاً لغد "؛ وأقول في ذلك:
لست بخابئ لغدٍ طعاماً حذار غدٍ لكل غدٍ طعام
:
حدثنا ابن عبيدان، بإسناد، عن ابن عباس، قال: قال
رسول الله): " ما غال مُقتصد "؛ وأقول في ذلك:
ما غال مقتصد على إنفاقه كلا ولا فقد الغناء المحامد فالشكر قيد للنعيم وربما نفر النعيم إذا إزدراه الجاحد حدثنا ابن ضبع، بإسناد، عن أنس بن مالك، قال: ما صلى بنا رسول الله)، صلاة مكتوبة، إلا وأقبل علينا بوجهه الكريم، ثم قال: " اللهم إني أعوذ بك من عمل يُخزيني، وأعوذ بك من صاحب يُرديني، وأعوذ بك من عمل يلهيني، وأعوذ بك
من فقر ينسيني، وأعوذ بك من غنى يُطغيني ".
1410_ (1/215)
صفحة 216
حدثنا إسماعيل بن يعقوب، بإسناد، عن ابن عباس، قال: حدثني عُمر، قال: دخلت على رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، وهو منضجع على حصير، فجلست، فإذا هو عليه إزار، وليس عليه غيره، وإذا الحصير قد أثر على جنبه، قال: فصرفت بنظري إلى خزانة النبي)، فإذا قبضة من شعير نحو الصاع، ومثلها قرط في () ناحية الغرفة، وإذا كوز مُعلق، فابتدرت بعيناي، فقال: ما يُبكيك يا ابن الخطاب، فقلت: يا نبي الله، ما لي لا أبكي، وهذه الحصير قد أثر في جنبك، وهذه خزانتك لا أرى إلا ما أرى، وكسرى وقيصر يملكون القصور، تلتف من حولها حدائق الثمار، وتجري من تحتها الأنهار؛ فقال: ما يكفيك يا ابن الخطاب، إن لهم الدنيا ولنا الآخرة.
وعن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): " ليس
الغنى من كثرة العرض، ولكن الغنى غنى النفس في القلب "
قال النبي): يا أبا ذر، اترى كثرة المال هو الغني؟ قال: نعم، ثم قال: أترى قلة المال هو الفقر؟ قال: نعم، فقال الغنى غنى النفس في القلب، والفقر فقر القلب "؛
وأقول في ذلك:
- YIT- (1/216)
صفحة 217
الفقر في القلب لا من رقة الحال والنفس منها الغنى مع قلة المال
حدثنا إسماعيل بن يعقوب، بإسناد، عن عبد الله بن عُمر، قال: أن النبي ()، قال: " قد أفلح من أسلم كفافا، وقنع بما أتاه الله "؛ وقد قال الله تعالى: {ما عندكم ينفد وما عند الله
(1)
باق} (1).
وقال النبي (: " القناعة مال لا ينفد "؛ وفي قول الله تعالى: {فلنحيينه حياة طيبة} (2)، قال: القناعة.
" {
قال: كان ابن مسعود يقول: حسن عقلك بالحلم، ومروتك بالعفاف، وتحديك بمجانبة البلا، وجهدك بالأعمال في الطلب
حدثنا أحمد بن بكر بن أحمد بن سعدويه، عن الأعمس قال: قال عبد الله: الشباب شعبة من الجنون، والنساء حبايل الشيطان، ويكفي النفس ما قنعت به؛ وفيه أقول:
إن الجنون مع الشباب مُلازم وهوى النساء حبايل الشيطان والنفس يكفيها القناعة بالرضى عما تحاول من يد الإخوان
وأنشدنا ابن أبي الدنيا:
(1) سورة النحل: 96
(2) سورة النحل: 97.
•
- TIV- (1/217)
صفحة 218
فكم قد رأينا من فتى متجمل يظل ويمسي ليس يملك درهما يبيت يراعي الليل من جوع بطنه ويصبح يلقى ضاحكا متبسما
وقلت في ذلك
:
وكم قد رأينا من تطول بالغناء ولم يحمد الباري فأصبح مُعدما وكم من فقير مُعدم بات ليلة على الشكر ثاو ما رأى قط درهما يُقاسي الطوى طول الليالي وربما تبسم كيما لا يُقال تبرما ولم يسأل المعروف قوما ذوي غنى ولكنه يلجأ إلى خالق السما قال: إجتمع جماعة من الشعراء عند عبد الصمد بن مُوسَى، فتذاكروا الكفاف وغنى النفس، فقال لهم: قولوا في هذا شيئا قالوا: ما نحسن شيئاً مع هذا الشيخ - يعنون: أبا العتاهية -؛ وقال أبو العتاهية:
من أحب الدُّنيا تجبر فيها واكتسى عقله إلتباساً وتيها ربما أتعبت بنيها على ذاك فدعها وخلها لبنيها قنع النفس بالكفاف وإلا طلبت منك فوق ما يكتفيها قد ترى الليل والنهار جميعاً ينعيان الدنا إلى ساكنيها ما لما قد مضى ولا للذي لم يأت من لذة يجتليها إنما أنت طول عمرك لو فكرت في الساعة التي أنت فيها
- YIA- (1/218)
صفحة 219
وقلت في ذلك:
من صغى قلبه ومال إليها دار دنيا تعق من كان فيها أتعبت أهلها الذين نعوها ومشوا عندها ضلالاً وتيها إنما نحن يا أخي ضيوف قد حللنا بها فما ندعيها إنما الدهر غفلة ينقضي ما أرى غير ساعة أنت فيها
حدثنا إبراهيم بن محمد، بإسناد، عن محمد بن عبد الملك، قال: مر سليمان بن داوود (عليهما السلام)، ببلبل ساقط على شجرة، وهو يميل بدنه، قال: أتدرون ما يقول هذا؟ أكلت نصف ثمرة، وشربت شربة من ماء، فعلى الدنيا العفى.
حدثنا عبد العزيز بن يحيى، بإسناد، عن أبي مسهر، قال: قال عيسى (الله): يا معاشر الحواريين، النوم على المزابل، وأكل خبز الشعير، في طلب الفردوس غير كثير
حدثنا عبد العزيز، بإسناد، عن أبي العالية، قال: ما ترك عيسى (العلل حين رفع، إلا مدرعة من صوف، وخفي راع وحذافة يحذف بها الطير
قال: قال عيسى بن مريم (ال): الدُّنيا قنطرة فاعبروها
ولا تعمروها
- 219 - (1/219)
صفحة 220
حدثنا الهدافي، بإسناد، عن صالح بن الصقر، قال: أمسى عُمر بن عبد العزيز صايما، فاشترى رغيفا بدانقين، فأكل هو وامرأته فاطمة بنت عبد الملك بن مروان، فقال: يا فاطمة، قد كان يأتي أهلي وأهلك من هذا أوقار البغال، فلم يكن لنا إلا ما لنا من هذين الدانقين
بإسناد عن الأصمعي، قال: قال عمارة بن حمزة: يُخبز في بيتي كل يوم ألف رغيف، كلهم يأكلوا حلالاً غيري؛ ويقول: رَبِّ
الدار إنما هو كلب الدار
حدثني أبي، بإسناد، عن الأسود وعلقمة، قال: دخلنا على علي وبين يديه طبق من خوص، وعليه قرص أو قرصين من خبز الشعير، وإن إسطان النخالة ليبين في الخبز، وهو يكسره على ركبته ويأكله بملح جرش، فقلنا لجارية له سوداء - يُقال لها: فضة -: ألا نخلتي هذا الشعير الدقيق؟ فقالت: هو المنهي، ويكون الوزر في عُنقي، فتبسم وقال: أمرتها أن لا تنخله، قلنا: فلم يا أمير المؤمنين؟ قال: هو أجدر أن يذل النفس، ويفتدي المُؤمن، والحق بأصحابي.
حدثنا أبو محمد بن الحجاج، بإسناد، عن مجاهد، عن (1/220)
صفحة 221
عليّ، قال: كان رسول الله (صلى الله عليه وسلم) إذا لم يكن عندنا شيء، بعث إلينا بما كان عنده، فلم يكن عندنا ما نبعث إليه، ولم يكن عنده ما يبعث إلينا، فخرجت إلى حائط المدينة، فناديت: من يُواجر، فدعتني إمرأة، فقالت: إستق في حوضي، كل دلو بتمرة، فاستقيت لها ما أرادت، ثلاثين أو أربعين دلوا، فأخذنا منها التمر، فبعثنا إلى النبي () ببعض، وأكلنا بعضاً.
حدثنا علي بن الحسين، بإسناد، عن الحسين، قال: كان عليّ يكسح بيت المال في كل جمعة، ويقول: حُطام، غري به
غيري.
حدثنا الهدافي، بإسناد، عن ثمامة، قال: قال علي لإبن عمي: ألا أحدثك عني وعن فاطمة بنت النبي (صلى الله عليه وسلم)، وكانت أحب أهلها إليه، وجاءت عندي، فجرت الرحا حتى أثرت في يدها، واستقت القربة حتى دكنت ثيابها، وأثرت في نحرها، وقمشت البيت حتى إغبرت ثيابها، وأوقدت النار حتى دكنت ثيابها، فأصابها من ذلك ضر، فسمعنا أن رقيقاً أتي بهم إلى النبي ()، فقلت لها: لو أتيت أباك فسألتيه خادما، وذكر
الحديث
- (1/221)
صفحة 222
حدثنا الحسين بن أحمد المُحتسب، بإسناد، عن جابر، قال: دخل النبي (صلى الله عليه وسلم)، على فاطمة (عليها السلام)، وهي تبكي وتطحن بالرحا، وعليها كساة من جلد الإبل، فلما رأها بكا، وقال لها: لا تجزعي يا فاطمة، مرارة الدنيا لنعيم الآخرة غداً، فأنزل الله تعالى: {ولسوف يعطيك ربك فترضى} ()
حدثنا أبو زيد، بإسناد، عن هاشم، قال: سمعت الحسن يقول: ما كان في هذه الأمة أعبد من فاطمة (عليها السلام)، كانت تقوم حتى تورم قدماها.
حدثنا إسماعيل بن يعقوب، بإسناد، عن أنس بن مالك، قال: بينما النبي (صلى الله عليه وسلم) وقريش والأنصار ينتظرون بلالاً إلى أن يأتي فيُؤذن، فاحتبس عليهم، ثم جاء، فقال النبي (صلى الله عليه وسلم): ما حبسك يا بلال عن الأذان؟ فقال: خرجت متوجها إليك، لكني مررت على باب فاطمة (عليها السلام) وهي تطحن، واضعة إبنها الحسن عند الرحا، وهي تبكي، فقلت لها: أي ما أحب إليك، إن شئت كفيتك إبنك، وإن شئت كفيتك الرحا، فقالت: أنا أرفق بإبني، فأخذت الرحا فطحنت، فذلك الذي حبسني، فقال النبي (): رحمتها رحمك الله.
(1) سورة الضحى
222 - (1/222)
صفحة 223
حدثنا عبد الله بن محمد، بإسناد، عن عكرمة: أن النبي) دخل على علي وفاطمة (عليها السلام) وهما يطحنان، فقال أبو هريرة: لأيهما أعتقب؛ فقال النبي (صلى الله عليه وسلم): أعقب فاطمة، فأنها عُييت، فقامت فاطمة، وطحن أبو هريرة مع
عليّ.
وعن أنس بن مالك، قال: أتت إمرأة للنبي (صلى الله عليه وسلم)، فسألته خادماً، فقال: ألا أدلك على أمر هو خير لك، تهللين الله عند منامك ثلاثاً وثلاثين، وتكبرين ثلاثا وثلاثين، وتحمدين أربعاً وثلاثين، فذلك مائة، خير لك من الدنيا وما فيها
"
حدثنا أبو القاسم، بإسناد، عن عبد الله بن عُمر: أن فاطمة (عليها السلام)، أتت النبي () تسأله خادما، فقال: " والله لا أعطيكم خادماً وأدع أهل الصفة تنظوي بطونهم من الجوع "؛ قال الشيخ: ثم أن النبي ((وهب لهم بعد ذلك غلاماً
حدثنا عبد الله بن محمد البغوي، بإسناد، عن أنس،، قال جاءت فاطمة إلى النبي () تشكوا ما حل بيدها من الطحين، فاتاها النبي () بغلام، وعليها ثوب فأهبت تغطي رأسها فخرجت رجلاها، فأهبت تغطي رجليها فخرج رأسها، فقال النبي (1/223)
صفحة 224
): إنما هو أبوك وغلامك
حدثنا ابن منبع، بإسناد، عن أبي سعيد، قال: أرسلني أهلي إلى النبي ((أسأله طعاماً لهم، فجئت والنبي (يخطب، فسمعته يقول في خطبته: " من يصبر يصبره الله، ومن يستعفف يعفه الله، ومن يستغنى يُغنه الله، وما رزق عبد رزقاً أوسع من الصبر "
حدثنا ابن منبع، بإسناد، عن زيد بن وهب، قال: رأيت عُمر بن الخطاب (ه) وعليه إزار فيه إثنتا عشرة رقعة، أحد هن من أدم، وعليه عمامة، وبيده الدرة.
حدثنا إبراهيم بن عروة، بإسناد، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، قال: ثم قميص عليّ، لا يتجاوز أصابعه، يقول: أليس للكمين على اليدين فضل.
حدثنا إبراهيم بن عبد الله، بإسناد، عن سعيد بن أبي وقاص: لقد رأيتني وأنا سابع سبعة مع رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، ما لنا طعام غير ورق الحلبة أو الحلبة، حتى أن أحدنا ليضغ كما تضغ الشاة، ثم أصبحت بنوا أسد يعزوني على الإسلام، إذن خسرت وبطل عملي.
- 224 - (1/224)
صفحة 225
قال: سمعت محمد بن سيرين يقول: كان أصحاب النبي) يخبرك أحدهم بالحلبة، وإذا لم يجد شيئاً، أدار صلبة بخمسه، أو حجر موثقة على صلبه
•
حدثنا أبو عبيد بن ذكوان، بإسناد، عن عبد الرحمن بن أزهر، قال: سمعت أبا عُبيدة بن الجراح، قال: كنت حفاراً أحفر القبور بمكة، ولا مال لي، فأسلمت، وأنا أكتسب طعام يومي، وكنت حين أسلمت، إذا حفرت قبراً صنعت طعاماً، فجئت به إلى النبي)، وكان لا يُفارقه عمار بن ياسر، وخباب بن الأرت، وكنا يومئذ إنما بضعة عشر رجلاً، وإني حفرت يوما قبراً بدرهمين، فابتعت شمله، وكنت قد عريت، فلما وقعت في يدي
شمله، ندمت أن لا أكون صنعت به طعاما لرسول الله (صلى الله عليه وسلم)
فإنها لمعي، إذ مر رجل فساومني بها، فبعته إياها بأربعة، فلما وصلت إلى بيتي، إبتعت شملة خيراً منها بدرهمين، وابتعت بدرهمين خبزاً ولحماً، فجئت به إلى رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، فأرسل
6
وجمع إليه أصحابه، فأكلنا، ثم قال: اللهم إنا قليل فكثرنا ومقلون فكثر لنا "، فقلت: يا رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، ألا ترى هذه الشملة عليَّ، فأخبرك خبرها، فقصصت عليه خبرها، فضحك، ثم قال: " أما إنه لو حدثتكم بما فتح الله عليكم لسركم، ولو
- 225 - (1/225)
صفحة 226
أخبرتكم كيف تكونون لساءكم "، فقلنا: يا نبي الله، فلا حاجة لنا بالدنيا، فقال: يأبى الله، فقلنا: أنهلك وأنت بين أظهرنا؟ فقال: لا، بل تصلحون إذا بقيت، وتهلكون إذا هلكت، إلا قليلاً. فقلنا: وكيف ذلك؟ قال: " تفتح فارس، فتأكلون طعامهم، وتلبسون ثيابهم، وليس من قبل ذلك تهلكون، ولكنكم تنعمون،
وتنسون، وتوسرون، فتطغون، وتفتح الروم، فيكون كذلك " قلنا: يا رسول الله، أوصنا، فقال: " إن الدنيا قضت لكم، فما أصبتم فلا تأخذوا إلا طيباً، وما لبستم فلا تلبسوا مشهورا، يُرفع إليه النظر، وإن وليتم ملوكاً، فاقضوا عدلاً، وامشوا قصداً، ولا تتخذوا مجالس الرفعة، فإنها وضيعة، وسوف ألقاكم غداً، فمن قبض على طريقتي، فأولئك هم السالمون، فأقول: أين فلان بن فلان؟ فيقال: ربكم أعلم، فيقول: ربي أعلم "
حدثنا أبو بكر بن دريد، قال: حدثنا عمي الحسن بن دريد، عن عبد الله بن محمد، عن عائشة، قالت: وقف سائل على علي بن أبي طالب، فقال للحسن أو للحسين: إذهب إلى أمك، فقل لها: تركت عندك ستة دراهم للدقيق، فهاتي منها درهما للسائل، قال: فذهبت ثم رجع، فقال: إنما تركت ستة دراهم، قال: لا يصدق إيمان عبد حتى يكون بما عند الله أوثق منه بما
- 226 - (1/226)
صفحة 227
في يده، قال: إبعثي بالستة دراهم، فبعثت بها فدفعتها إلى السائل، فما حل على حبوته، حتى مر به رجل معه جمل يبيعه، فقال عليّ: بكم الجمل؟ فقال: بمائة وأربعين درهما، فقال عليّ: إن تؤخرك بثمنه، فعقله الرجل ثم مضى، وأقبل رجل آخر، وقال: لمن هذا البعير؟ فقال علي: إبتعته، فأخذ البعير وأعطاه مائتين درهما، فأخذا الرجل الذي أراد أن يُؤخره المائة والأربعين درهما، وجاء بالستين درهما إلى فاطمة، فقالت: ما هذا؟ قال: ما وعد الله (ع)، على لسان نبيه محمد (): {من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها} ()؛ وأقول في ذلك:
يا طالباً يطلب من طايب الندا إلى عليّ بن أبي طالب يا طالباً يطلب من طالب من ذا الذي يطلب من طالب ذاك الذي إن قال قولاً وفا وإن سطا كالأسد الغالب كان يمين المصطفى لم يزل على الفدا كالكوكب الثاقب قال لمن يسأله مرحبا أتيتنا في طلب الواجب يا ولدي اذهب إلى فاطم أمسك لا تلوي على صاحب فقل لها تدفع لي ستة دراهما في البيت من جانب مودعة في البيت مرفوعة عجل بها للسائل الطالب
(1) سورة الأنعام: 160.
- YYY- (1/227)
صفحة 228
فجاء بالستة يسعى بها مُبتدراً يرفل كالراكب فقال خذها يا أبي فاغتنم ثوابها من معدم ساحب سلمها حيدر من كفه مُحتسب الحسنى من الواهب يعطي بما يعرض أضعافه ليس بممنوع ولا عايب فبينما إذ هُوَ في مجلس فجاءه الجمال كالراهب فابتاع منه جملاً جلعداً يصلح للراكب والحاطب تسعين مع خمسين في عقدة واجبة باللازم اللازب قال عليّ للذي باعه إعقله بالتأخير يا صاحب أعقله البايع ثم إنثنى وجاء مُبتاع إلى الغالب فباع بالتسعين مع مثلها أيضاً مع العشرين للحاسب فافتصل الستين محببة عن وعد رب ليس بالكاذب قال علي هاك يا فاطم ستين عن ستة بل حاسب الله قد أوحى إلى عبده تحية عشراً مع الكاتب قد جاء بالستين عن ستة من عند من يغفر للتايب
قسمت الدراهم على قسمين؛ در همين: إبتاع بأحدهما طعاماً وبالآخر خوصاً، فاعمل الخوص، إلا أن ينفد طعامي،، وقد عملت الخوص فبعته بدرهمين، فابتاع بأحدهما خوصاً، وبالآخر
طعاماً.
- YYA- (1/228)
صفحة 229
حدثنا ابن بصيام، بإسناد، عن أبي هريرة، قال: نزلت أنا
وصاحب لي على سلمان، فقرب إلينا خُبزاً وملحا، فقال: إن رسول الله () أنهانا أن نتكلف للضيف، فما نتكلف بكم، فقال صاحبي: لو كان ملحنا هذا فيه شعير؟ فبعث سلمان بمطهرة من صفر إلى البقال فرهنها، ثم جاء بالشعير فألقاه إلى الملح، فلما فرغنا، فقال صاحبي: الحمد لله الذي أقنعنا بما رزقنا، قال سلمان: لو قنعت بما رزقت، لم تكن مطهرتي مرهونة.
بإسناد عن سعيد، عن سعدانه، قال: كنا نفرح بيوم الجمعة، قلت: ولم ذلك؟ قال: كانت لنا عجوز ترسل لي بضاعة، فتأخذ من أصول السلف، وتثني عليه حبات من الشعير فتطرحه، فكنا نأتها إذا صلينا، فنسلم عليها، فتقدمه إلينا، فكنا
نفرح بيوم الجمعة، من أجل ذلك
- 229 - (1/229)
صفحة 230
[صفحة فارغة] (1/230)
صفحة 231
الباب الرابع عشر في أخبار لقمان ووصاياه للإبنه
قال الله تعالى: {ولقد أتينا لقمان الحكمة أن اشكر الله} (1)؛ يُقال: كان لقمان عبداً حبشيا نجاراً؛ وقيل: كان عبدا حبشيا: فجعل كلامه قرآنا
قال: كان لقمان رجلاً صالحاً وليس بنبي؛ وقيل: كان لقمان الحكيم أسوداً من سودان مصر، فيُقال: لم يكن نبياً، ولكن كان رجلاً حكيماً.
وعن أبي المسيب، قال: كان لقمان خياطاً.
وعن أبي هريرة، عن النبي (صلى الله عليه وسلم)، قال: كان زكريا نجاراً؛ وعن عكرمة: أن طالوت كان ساقياً يبيع الماء
وعن ابن العزيز: أن أبي داوود قال للقمان: أليس أنت عبداً لفلان؟ فقال: بلا، قال: ما بلغ بك ما ترى؟ قال: صدق
الحديث، وأداء الأمانة، وترك ما لا يعنيني
(1) سورة لقمان: 12. (1/231)
صفحة 232
حدثنا محمد بن داوود، بإسناد، عن مجاهد، قال: {ولقد
أتينا لقمان الحكمة} ()، قال: العقل، والفهم، والإصابة في القول غير النبوة، ولقد أوتي لقمان العلم والفقه والعقل والدين.
بإسناد، عن عبد الله، قال: لما نزلت {الذين أمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم} ()، شق ذلك على رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وأهله، فقالوا: من لم يظلم نفسه؟ فقال النبي (صلى الله عليه وسلم): " ليس كما تظنون إنما هو قول لقمان لإبنه: {يا بني لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم} (3).
(3)
قال: قال لقمان لإبنه: يا بني، إذا إستشهدت فاشهد، وإذا إستعنت فأعن، وإذا إستشرت فلا تعجل، فإن العقل يبصر بعين قلبه ما لا يبصر بعينه
قال النبي (): " الصمت حكم، وقليل فاعله "؛ وقال: " من كثر كلامه فيما لا يعنيه، كثرت خطاياه "؛ وأقول
في ذلك:
من أكثر فيما ليس يعنيه أبدى الخطأ عما ضل يرويه
(1) سورة لقمان: 12. (2) سورة الأنعام: 82. (3) سورة لقمان: 13 (1/232)
صفحة 233
ومما روي من وصايا لقمان لإبنه، وحكمته، وكلامه، قيل: قال لقمان: ما حكمتك؟ قال: لا أسألك عما كفيت، ولا أتكلف ما لا يعنيني؛ قال لقمان لإبنه: يا بني، إعتزل الشر، فيما لا يعتزلك؛ قال النبي (): " إلا شرار الخلق ".
وعن ابن واسع، قال: قال لقمان لإبنه: يا بني، إتق الله ألا تري الناس إنك تخاف الله فيكرموك، وقلبك فاجر؛ وأقول في
ذلك:
بني إتق الله الذي أنت أهله ولا تتقي عبداً ليكرمك العبد فإن تقى الرحمن للعبد جنة عن النار والعاصي يخون به السعد فكم فاجر في الناس يظهر خشية ويعروه في أسراره الكيد والحقد حدثنا ابن صاعد، بإسناد، عن عبد الله بن عبيده، قال: قال لقمان لإبنه: يا بني، من لم يملك لسانه يندم، ومن يكثر المراء يشتم، ومن يدخل مداخل السوء يتهم، ومن يُصاحب صاحب السوء لا يسلم، ومن يُصاحب صاحب الصلاح يغنم.
وعن عثمان بن زايد، قال: قال لقمان لابنه: يا بني، لا
تؤخر التوبة، فإن الموت يأتي بغتة (1/233)
صفحة 234
وعن عبد الوهاب بن يحيى المكي، قال: قال لقمان لإبنه: بني، جالس العلماء، وزاحمهم بركبتك، فإن الله (ع) يحيي القلوب بنور الحكمة، كما يحيي الأرض الميتة بوابل السماء؛ وأقول في ذلك:
بني زاحم ذوي الأبصار إنهم مع الزحام لهم تحيى القلوب معا كميت الأرض تحيى عند وابلها إذ الغمام عليها قطره وقعا حدثنا علي بن الحسين، بإسناد، عن زيد بن أسلم: أن
لقمان قال لإبنه: يا بني، إني دحرجت الحجارة، وقطعت الصخر، فلم أرى شيئا من كلمة السوء، ترسخ في القلب كما يرسخ الحديد في الماء؛ يا بني، إني قد أكلت الحنظل، وذقت الصبر، فلم أرى شيئاً أمر من الفقر، فإن إفتقرت فلا تحدث به الناس، كيلا ينتقصوك، ولكن سل الله، فمن ذا الذي سأل الله فلم يعطه، ودعاه فلم يجبه، أو تضرع إليه فلم يكشف ما به؛ يا بني، كذب من قال: أن الشر يطفي الشر، فإن كان صادقاً،
فليوقد ناراً عند نار، فلينظر هل تطفي أحدهما الأخرى؛ يا بني الخير يطفي الشر، كما يطفي الماء البارد النار؛ يا بني، لا تشمت بالموت، ولا تضجر بالمُبتلي، وليكن أول ما تكسبه بعد إيمان الله خلاً صالحاً، ولا تقطعن خليلاً من الشيء الصغير، ولا
- YTE- (1/234)
صفحة 235
الكبير، إن سألك فاعطه، وإن إستعان بك فأعنه
وعن بكر بن عبد الله المزني، قال: بلغنا أن لقمان قال لإبنه: يا بني، لو كان الكلام من فضة، لكان الصمت من ذهب؛ وأقول في ذلك:
بني لو قيل لي أن الكلام ترى من فضة قلت أن الصمت من ذهب وعن الغني: قال لقمان لإبنه: يا بني، لا تقبل بحديثك إلى من لا يسمعه، فإن نقل الصخور من رؤس الجبال، أيسر من مُحادثة من لا يسمع؛ وأقول في ذلك:
أشد من نقل صخرين على جبل أهدى حديثي على من ليس يستمع
حدثنا عبد العزيز بن يحيى، بإسناد، عن الحسن، قال: قال لقمان لإبنه: يا بني، لا تبعث رسولك جاهلاً، فإن لم تجد حكيماً فكن رسول نفسك، فإني قد ذقت المرارة كلها، فلم أرى شيئاً أمر من الفقر؛ وأقول في ذلك:
لا تبعثن رسولاً جاهلاً أبداً إن لم تجد صادقا في القول ذا حكم وذقت ما كان من مر فلم أره أمر عندي مذاقاً من لقا العدم فكن بنفسك عن من كنت ترسله ولا محالة أن تعطي إلى ندم
LYTO_ (1/235)
صفحة 236
حدثنا يحيى بن جعفر، بإسناد، عن أبي روح: أن لقمان الحكيم قال لإبنه: يا بني، لا تأمنن إمرأة على سر، ولا تطمئن خادما تريده للخدمة، ولا تسأل عن مسكين قد استغنى.
وعن عكرمة، قال: قال لقمان لإبنه: يا بني، لا تطل الجلوس على الخلا، فإنه يُورث البواسير؛ قال: وكتبت حكمته على باب الخلا
حدثنا عبد الرحمن، بإسناد، عن مكحول، قال: قال لقمان لإبنه: يا بني، الصبر عند المكاره، من حُسن اليقين، ولكل عمل كمال، وكمال العبادة الورع واليقين، وغاية الشرف والسؤدد، حسن العقل، فمن حسن عقله، غطى عيوبه، وأصلح مساويه، ورضي عنه مولاه
وعن عبد الله المزني، قال: سمعت أبي يقول: كان لقمان
يقول: ضرب الوالد لولده مثل السماد للزرع.
قال: سمعت مالك بن دينار يقول: بلغني أن لقمان قال لإبنه:
يا بني، إنك حين سقطت من بطن أمك، إستدبرت الدنيا واستقبلت الآخرة، فأنت لما إستقلبت، أقرب منك لما إستدبرت.
وعن مالك بن دينار، قال: قال لقمان لإبنه: يا بني، إتخذ
- 236 - (1/236)
صفحة 237
طاعة الله تجارة، تأتيك الأرباح من غير بضاعة؛ وأقول في
ذلك
:
من يبتغي بتراث المال فائدة يفيد طوراً وطوراً ينفد المال وطاعة الله فيها كل فائدة الربح منها ومنها يصلح الحال وعن عبد الرحمن بن زيد بن سلمه، عن أبيه: أن لقمان قال لإبنه: يا بني، إذا أخطأت خطيئة، فأعد صدقة تطفيها؛ قال: أعدد لكل خطيئة صدقة؛ رواية في الحديث: منفعة.
قال: قال لقمان لإبنه: يا بني، ابتغ العِلم صغيراً، فإن ابتغاء العلم على الكبير مشقة؛ وقال محمد بن مداد:
طلـ
ـب الكبير تعسف لا خير في طلب الكبير ما علم من كلت مسامعه وخان
به البصير
قال لقمان لإبنه: يا بني، إن الموعظة تشق على السفيه كما يشق الصعود الوعر على الشيخ؛ وقال محمد بن مداد:
إن شئت تعرف عيب السفيه فاعرض على سمعه الموعظه تجدها عليه كثقل الجبال وشقشقة بالخنا لافظه
قال: كان من مواعظ لقمان لإبنه: يا بني، لا تشهد
- YYY- (1/237)
صفحة 238
العرسات، فإنها ترغبك في الدنيا، وتنسيك الآخرة، واشهد الجنائز، فإنها ترغبك في الآخرة، وتزهدك في الدُّنيا؛ وأقول في
ذلك
بني دع الأعراس لا تشهدنها تزيدك حبا للذي أنت شاهده وكن شاهداً حمل الجنائز تعتبر بمشهدها والله كن أنت حامده قال لقمان لإبنه: يا بني، إذا أردت أن تقطع أمراً، فلا تقطعه حتى تستشير مُرشداً؛ يا بني، لا تعادي السلطان إذا غضب، ولا البحر إذا مد.
وعن الحسن، قال: قال لقمان لإبنه: يا بني، لإن يضربك الحليم ضربة تؤذيك، خير لك من أن يدهنك الجاهل بدهن طيب؛ وعن الحسن: بلغني أن لقمان قال لإبنه: يا بني، حملت الجندل والحديد، فلم أرى أثقل من جار السوء، إن رأى حسنة كتمها، وإن رأى سيئة أذاعها؛ وأنشدني غير واحد:
إلا من يشتري دار ابن حصن كراهة بعض جيران تباع يفر الجار منه ولا تراه بأفسح بقعة فيها الضياع أحب إليه أن يمسي ويضحى ويلحقه من الجار الصداع
قال لقمان لإبنه: يا بني، إستعن بالله من شر النساء، وكن
- YTA- (1/238)
صفحة 239
من خيارهن على حذر.
وعن إسحاق بن إبراهيم، قال: بلغني أن لقمان قال لابنه: يا بني، لا ترث ممن ظلمك، ولكن إرث لنفسك من سوء عملك، وترفع لها من أمرك، وإذا دعتك القدرة إلى ظلم الناس، فاذكر قدرة الله (ع) على عقوبتك، وإنتقام الله منك، وذهاب ما أتيت إليهم عنهم، وبقاء ما أتيت إليهم عليك
قال: قيل للقمان: أي الناس أعز؟ قال: المُؤمن، الغني العَالِم، قيل: الغني من المال؟ قال: لا، ولكن هو الذي إن يحتج
إليه كفي
وعن سفيان، قال: قال لقمان لإبنه: يا بني، إن الدنيا بحر عميق، يغرق ويهلك فيه أناس كثير، ولتكن سفينتك فيها: تقوى الله، وحشوها وشراعها: التوكل على الله، لعلك تنجوا منها، وما أراك بناج؛ وأقول في ذلك:
غريق البحر أهون من غريق بدنيا من يدوم على صديق فعد لها سفينا تنج فيه هو التقوى السفين إلى الطريق وحشو شراعها الإيمان أولى به ينجوا الفتى من كل ضيق
وعن معاوية بن صالح: أن لقمان الحكيم قال لابنه: يا بني،
- 239 - (1/239)
صفحة 240
تعلم من العلم ما جهلت، وعلم الناس ما علمت؛ يا بني، أعرض المجالس على عينيك، فأيما رأيت قوما يذكرون الله، فاجلس
معهم
ومن كتاب أبي قلابه: أن لقمان قيل له: أي الناس أعلم؟ قال: من أزداد من علم الناس إلى علمه؛ قيل: فأي الناس أغنى؟ قال: من يرض بما أوتي؛ قيل: فأي الناس خير؟ قال: المُؤمن الغني، فقال القوم: من المال؟ قال: العِلم، فإن إحتاج الناس وجدوا عنده علماً، وإن لم يحتج الناس إليه أغنى نفسه
•
وعن أبي مسلم: أنه دخل أبي الدرداء في اليوم الذي قبض فيه، فجعل أبو مسلم يكبر، فقال أبو الدرداء: أجل هكذا، فقالوا:
فإن الله إذا قضى بقضاء، وجب أن يرضى به.
حدثنا محمد بن عمر، بإسناد، عن علقمة: {ومن يؤمن بالله يهد قلبه} (1)، قال: هي المُصيبة، تصيب الرجل، فيعلم
أنها من عند الله، فيسلم لها ويرضى.
قال: قيل للقمان: من أشر الناس؟ قال: من لم يبال أن تراه العباد يكسب ذنباً، قال: من لم يبال من أن تراه مسينا؛ وأقول
في ذلك:
(1) سورة التغابن: 11.
- 240 ـ (1/240)
صفحة 241
إن شر العباد من لا يبالي أن تراه العباد يكسب ذنبا قال: قال عُمر: ما أبالي على أي حال أصبحت، على ما
أحب، أم على ما أكره، لأني لا أدري الخير في أيهما.
وعن محمد بن كعب، قال: قال موسى (العلم): يا رب أي خلقك أعظم ذنباً؟ قال: الذي يتهمني، قال موسى (ال): يا رب، وهل يتهمك أحد؟ قال: الذي يستجير بي، ثم لا يرضى بقضائي؛ يقول الله (علّ): من لم يُؤمن بقدرتي، ولم يرض
بقضائي، فليخرج من تحت سمائي، وليلتمس إلها سواي.
وعن زيد بن خالد الجهني، عن النبي (صلى الله عليه وسلم)، أنه قال: " أشرف الحديث ذكر الله، وأحسن القصص هذا القرآن، وشر الأمور محدثاتها، وأحسن الهدي هدي الأنبياء، وأشرف الموت الشهادة، وأعمى الضلالة من ابتلى بضلالة بعد الهدى، وخير العلم ما نفع، وشر العمى عمى القلب، وشر المعذرة عند الموت، وشر الندامة ندامة يوم القيامة، والخمر داعي الإثم،
وشر المكاسب مكاسب الربا، وشر المأكل أكل مال اليتيم وأفضل الأعمال الإيمان بالله، وجهاد في سبيله، وفي الصمت سلامة من الندامة، وتلافيك ما فرطت من صمتك أيسر، وإدراكك
- YE 1 - (1/241)
صفحة 242
ما فات من منطقك أفضل، ولا تحدثن إلا عن ثقة، ولا تكن كذاباً،
فإن الكذب ذل "؛ وأقول في ذلك
:
وفي الصمت السلامة يا خليلي فإن تك ناطقاً فاحذر لسانك خطبة صامت لا ذنب فيها وإن حدثت بالفحشاء شانك وعن ثقة فحدث كل قول وعن هفواته فاثني عنانك فإن تك كاذبا تشنا وتقلى على كذب به تلقى هوانك
وربما كان الداء الدواء، وربما كان نصيحاً غير الناصح؛ وأقول في ذلك:
ربما كان داء زيد دواءً وأتى النصح غيرُ من هُوَ ناصح
العقل حفظ للتجارب، وخير ما حدثت ما وعظ، وخير الزاد
التقوى، ومن الفساد إضاعة الزاد؛ وأقول في ذلك:
إن أنت فرطت في زاد ندمت فن واحفظ لزادك إن الزاد محمود وخير زاد هو التقوى لصاحبه وشر زاد على الإنسان مردود
ورُدَّ الشَّرَ بما يضر، ولكل أمر عاقبه؛ وأقول في ذلك:
الشر عقباه عُقبى السوء كافية وخيرة المرء في التقوى وعقباها
- YEY- (1/242)
صفحة 243
من حلم سادَ، ومن تفقه زاد؛ وأقول في ذلك:،
إذا حلم الفتي ساد البرايا وإن لزم التفقه زاد حلما وإن قارفت سيئة فعجل بتوبة من برا لحماً وعظما
وأقول في ذلك:
عجل متابك إن قارفت سيئة فخير ما عجل الإنسان بتوبته
أحب للناس ما تحب لنفسك، وأكره لهم ما تكره لنفسك؛
وأقول في ذلك:
أحب للناس ما تحب يحبوك وصنهم كما يصونك حبك والزم النفس كره ما كرهوه مثل ما تكره القبيحة عربك
وقال محمد بن مداد:
حب للناس ما تحب لنفسك ثم صنهم كما تصون لفلسك واصطنعهم واكره ما يكرهوه بالمداراة دَعَهُمُ أمن ليسك
ليس كل طالب يصيب، ولا كل غايب يؤوب؛ ومن أكرم صلة الرحم، نمي بره، وطال عمره؛ ذك قلبك بالأدب، كما تُذكي النار
بالحطب؛ وقال محمد بن مداد:
- YET_ (1/243)
صفحة 244
ذك الطبيعة بالأدب
كصلاح نارك بالحطب
فذكاؤها وصلاحهـ
بالعلم ليست باللعب
ولا تكن كحاطب الليل، وغثاء السيل؛ وقال محمد بن مداد:
لا تكونن في الكلام عجولاً والزم الصمت لا تكن مهذارا
بادر الفرصة، قبل أن يكون غصة؛ وقال محمد بن مداد:
إذا ما أردت قضاء حاجة فبادر لها عند إمكانها ولا تطلبنها إذا أدبرت ودعها إلى حين إتيانها
والصدود آية المقت والإنقباض، تجلب العداوة، ولا تتخذن
عدو صديقك صديقاً، فتعادي صديقك؛ وأقول في ذلك
:
عدوك من عادا صديقك فاتخذ عداوته لا تتخذه صديقا وإياك إن صادقته صرت مثله عدوا خووناً ما رأيت رفيقا
وأقول:
صديقك من يُصافي من تصافي ويخصم عنك إن حضر الخصام وأما من يُصافي من تعادي ويضحك حين ترشقك السهام فذاك هو العدو بغير شك صداقته وصحبته حرام
- YEE- (1/244)
صفحة 245
إذا صافى صديقك من تعادي فقد عاداك وانقطع الكلام
ساعد أخاك الثقة على كل حال، ومل معه في الحق حيث مال؛ وأقول في ذلك:
ساعد أخاك إذا ما كان ذا ثقة في كل حال ومل من حيث ما مالا
ما أقبح القطيعة بعد الصلة، والجفا بعد الأخا، والعداوة بعد المودة؛ وأقول في ذلك
:
إن القطيعة في الإخوان فاحشة بعد الصلات تجيء بالعتب والغضب كذاك بعد الإخاء أن ترى مللا وجفوة نشبت من سيء الأدب وفي عداوة أهل الود مثلبة تمر بين الورى في العجم والعرب قطيعة الجاهل مصلحة، وصلحه تفسد ما صلح، فمن ظن بك خيراً فصدق ظنه، ولا تضيعن حق أخيك إتكالاً على ما بينك وبينه، فإنه ليس لك بأخ من أضعت حقه؛ وقال محمد بن مداد:
لا تضع إمرأ وامسك بحبل محبك مع الضرورة أظهر بينهم حبك لا ترغبن إلى من كان يزهد في وصل الأحبة لا تبذل له لبك
وقال محمد بن مداد:
- 245 - (1/245)
صفحة 246
لاتك من الأبعدين
وتجفو إذا أقربك
وصل محروماً ما لديك
ولو كان أشقى من الناس بك
وأقول في ذلك مُعارضاً له
لا ترغبن إلى من لايزال له كفوا ويزهد في لقياك في الزمن ولا يكن بك أشقى الناس منزلة أهليك ترميهم بالويل والفتن
ما أقبح الخضوع عند الحاجة، وأقبح الفقر بعد الغنى، أعرف الحق لمن عرفه لك، كان رفيعاً أو وضيعاً
وقال محمد بن مداد - نثراً -: لا تكرمن من أهانك، واستغن بالله عنه، والزم الصبر شأنك، لا يكبرن عليك ظلم من ظلمك، فإنه إنما يسعى في مضرته ونفعك.
وقال محمد بن مداد شعراً:
إذا ما ظلمت فكن صابراً فقد نال ما يشتهي من صبر سعى في مضرتك الظالمون ومن ظلم الناس يلقى سقر
الشح يجلب الملامة، والصديق من صدق غيبه، والهوى
شريك العمى، ومن التوفيق الوقوف عند الحيرة، ونعم طارد
الهم اليقين، لا خير في لذة تعقب ندما؛ وأقول في ذلك
:
- 246 - (1/246)
صفحة 247
لا خير في لذة طول الحياة إذا كانت على كل حال تعقب الندما
والعاقل من حنكته التجارب؛ رُبَ باحث عن حتفه بظلفه؛
رب هزل عاد جداً؛ من أمن الدهر خانه، ومن يعظم عليه أهانه؛ والزمان يومان: فيوم لك، ويوم عليك، فما كان لك فهو يصلك، وما كان عليك فلا تقدر على دفعه عنك بقدرتك؛ وأقول في ذلك:
الدهر يومان يوم لي يساعدني مع السعادة يأتي النصر والظفر ما ليس لي لم يغنني حذر من الأمور التي يجري بها القدر
ويوم
وأحسن لمماليكك الأدب، فإنهم من حرم حرمك في النسب، وأحسن العفو معهم، فإن العفو مع العدل، أشقى من الضرب والذل، ومن كان له قلب، أقلّ الغضب، ولا تكثرن العتاب من غير ذنب؛ وأقول في ذلك:
عتابك دعه والقلا
لا تكثرن
العتب
ك والغضـ
من غير ما سبب
6
الدعاء مفاتيح الرحمة، واسأل عن الرفيق قبل الطريق وعن الجار قبل الدار، أجمل من أدَّلَ عليك، واقبل عذر من اعتذر إليك، أطع أخاك ولو عصاك، إنما لك من دنياك ما أصلحت به
مثواك، وانفق حتى لا تكن خازناً لغيرك؛ وأقول في ذلك:
- YEV- (1/247)
صفحة 248
أصلح الدنيا لمثواك غداً إن من أصلح دنياه نجا وأنفق المال وبدد شمله لا تكن خازن من لا يُرتجا
الكلمة مربوبة ما لم تنجم، فإذا نجمت سَبُع، فَحَرْبٌ أو نار تلهب؛ وأقول في ذلك:
ملكت كلامي قبل أن فاض من فمي وكان أسيري أمنا من بلائه وما كلمي إلا هو السبع محرباً أو النار شبت فاستعذ من صعابه ولن يُعدم المرء المشاور مرشداً ومن يستبد لا يرتقي في صوابه ولن يعدم المُشاور مرشداً، والمُستبد برأيه موقوف على من
اقتحم الزلل، ومصارع الألباب تحت ظلال الطمع، وعلى الإعتبار طريق الرشاد، ورأى النصيح دليل لا يخون، من صبر على ما يكره يدرك ما يحب، وإذا أراد أحدكم أن يأمر بمعروف، أو ينهي عن منكر، فليوطن نفسه الصبر على الأذى، وليثق بالثواب من الله تعالى، على ما يجد من الأذى؛ وأقول في ذلك:
أصبر على أي شيء أنت تكرهه بالصبر تدرك ما حاولت من أدب ووطن النفس واصبر للأذى فعسى في الأمر والنهي أن تنجو من العتب
وعن مورق العجلي، قال: لما حضرت عبد الله بن شداد بن
- YEA- (1/248)
صفحة 249
از هر السعدي الوفاة - وكان مُهاجراً - دعا إبنا له في مرضه فقال: يا بني، أرى داعي الموت لا يقلع، ومن مضى لا يرجع، ومن بقي فإليه ينزع، وإني موصيك وصية فاحفظها، عليك بتقوى الله، وليكن أولي الأمر بك الشكر لله، وحسن النية في السر والعلانية، واعلم أن الشكر والتقوى خير زاد، وكُن كما قال
الخطيئة:
ولست أرى السعادة جمع مال ولكن التقـ هو السعيد وتقوى الله خير الزاد ذخراً وعند الله للأتقى مزيد وما لابد منه سوف يأتي ولكن الذي يمضي بعيد
وأقول في ذلك مُعارضاً له:
إذ أسعد الفتى موفور مال وأدى الحق منه هو السعيد وتقوى الله خير الزاد ذخراً وعند الله للأتقى مزيد وإن لبس التقى وازداد شكراً فعُقبا ذاك نعماً لا تبيد وما لابد منه فغير وان وما قد فات مطلبه بعيد
وعن عمارة بن ربيعة، قال: قال علي بن أبي طالب: لا تؤاخي الرجل الفاجر، ولا الأحمق، ولا الكذاب؛ فإن الفاجر يزين لك فعله، ويحب لو إنك مثله، ولا يعينك على أمر دينك
- YER- (1/249)
صفحة 250
ولا على أمر معادك؛ والأحمق لا يطيع مُرشداً، ولا يهتدي لصرف السوء عنك، ولو أجهد نفسه لك، وربما أراد أن ينفعك فيضرك، فسكوته خير من منطقه، وبعده خير من قربه، وموته خير من حياته؛ والكذاب لا ينفعك معه عيش، وينقل أحاديث الناس، من بعضهم إلى بعض، يُنبت السخايم في الصدور، ويُنشب العداوة بين الإخوان؛ وأقول في ذلك:
ودع الثلاثة لا تعنى بصحبتهم كانوا من العجم أو كانوا من العرب الفاجر المتحلي غير حليته مزين كل ما يأتيه من سبب يود أن يك شكلاً في خلايقه أعمى عن الرشد منقاد إلى العطب والأحمق المايق المعمي بصيرته يضر إن شاء نفعاً وهو في نصب كذلك الرجل الكذاب عادته نقل الحديث بقول الزور والكذب
وعن عليّ، قال: ليس الخير أن يكثر مالك وولدك، ولكن الخير أن يكثر عملك، ويعظم حلمك، وأن يتباهى الناس بعبادة ربك، فإن أحسنت حمدت الله، وإن أسأت إستغفرت الله، فلا خير في الدُّنيا لرجل أذنب ذنباً، فهو يتذكره بتوبة، ورجل سارع إلى الخيرات، لا تقلل عملاً مع تقوى الله، وكيف يقل ما يتقبل؛ وقال محمد بن مداد في ذلك (1/250)
صفحة 251
لا تقل الأعمال فيها تقى الله وكيف إستقلال ما يتقبل فقليل الأعمال فيها تقى الله خير من الكثير المغربل
ركعتا عَالِم يدوم عليها هي خير من سيئ يتسفل
ما
بلغ علي بن أبي طالب، موت رجل من أصحابه، ثم جاء الخبر أنه لم يَمُت، فكتب إليه: بسم الله الرحمن الرحيم، أما بعد، فإنه قد أتانا خبر إرتاع له إخوانك، ثم جاء تكذيب ذلك الخبر الأول، فأنعم ذلك وسرنا، وأن السرور وشيك الإنقطاع مبلغه، وعن قريب تصديق الخبر الأول، فها أنت كرجل قد ذاق وعاين ما بعده، فسأل الرجعة فأشغف بطلبته فهو متأهب قادم آيب، ينقل يسره من مأله إلى دار قراره، ولا يرى له مالاً غيره، واعلم أن الليل والنهار لم يزالا دائبين في نقص الأعمار، وإنفاد الأموال، ووطيء الأجال، هيهات هيهات، قد أفنى عادا وثموداً وقرونا بين ذلك كثيراً، فأصبحوا قد وردوا على ربهم، وقدموا على أعمالهم، والليل والنهار عقبان جديدان، لم يبلهما من مُريد، مُستعدان لمن بقي بمثل ما أصابه ممن مضى، واعلم إنما أنت نظير إخوانك وأشباهك، مثلك كمثل الجسد، قد نزعت قوته، ولم تبق إلا حشاشة نفسه، وينتظر الداعي، فنعوذ بالله مما نعظ به، ثم نقصر عنه
- 251 - (1/251)
صفحة 252
وعن أبي زيد الهمداني، قال: كنت من أصحاب إخوانه
يعظهم، ويذكرهم، ويشوقهم إلى الجنة، ويحذرهم النار: أوصيكم بتقوى الله فيما أنتم فيه مسؤلون، والذي إليه تصيرون
قال الله تبارك وتعالى: {كل نفس بما كسبت رهينة} (1)؛ وقال
{
(ع): {ويحذركم الله نفسه وإلى الله المصير} (2)، واعلموا أن من أعمالكم، الصغير منها والكبير، فإن يعذب فبحق، وإن يغفر فهو أرحم الراحمين، واعلموا أن المُؤمن يعمل ابتغاء الثواب، وأن الله يثيبه بعمله في الدُّنيا والآخرة، يقول الله تعالى في إبراهيم (العلم): {وأتيناه أجره في الدنيا وإنه في الآخرة لمن الصالحين} (3)، ثم قال (ع): {يا عبادي الذين أمنوا اتقوا ربكم للذين أحسنوا في هذه الدنيا حسنة} ()، فما أعطاهم في الآخرة، لأن الله () يقول: {للذين أحسنوا الحسنى وزيادة} ()، والحُسنى: الجنة، واحذروا الموت وزفراته وسكراته، وأعدوا له عدة، فإنه ليس أحد تفارق روحه جسده، حتى يعلم أي المنزلتين يصير، إلى خير لا شر معه، أو إلى شر
(1) سورة المدثر: 38
(2) سورة آل عمران: 28. (3) سورة العنكبوت: 27. (4) سورة الزمر: 10. (5) سورة يونس: 26
•
- 252 - (1/252)
صفحة 253
لا خير معه أبداً، واعلموا إنكم طرداً للموت، إن قمتم أخذكم، وإن فررتم منه أدرككم، وهو ألزم بكم من ظلكم، فأكثروا من ذكر الموت، عندما ينزع إليكم أنفسكم، فإنه كفى بالموت واعظاً، وقد قال رسول الله (): " أكثروا من ذكر هادم اللذات، واعلموا إنما بعد الموت، لمن لا يغفر الله له، أشد من الموت، القبر وضيقه، وضنكه، وظلمته، وغربته، وإنما هو روضة من رياض الجنة، أو حفرة من حفر جهنم
وعن عُقبة بن عاب، عن رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، إنه قال: " إذا رأيت الله يعطي العبد ما يحب، وهو مقيم على معاصيه، فإنما ذلك من إستدراج لم يرع بهذه الآية: {فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون * فقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين} () "؛ وأقول في ذلك
وإذا الله أعطى عبده ما يحبه وكان على عصيانه العبد ثابتا فمستدرج يا ويحه العبد إن عصى وانس الهدى لو كان بالأمس قانتا حباه إله العرش طولاً ونعمة وخوله مالاً وإن كان عنه فايتا
(1) سورة الأنعام: 44 - 45.
- 253 - (1/253)
صفحة 254
قال النبي (: " رأس الحكمة مخافة الله، وخير التقى في القلب اليقين، وفي العُزلة راحة من خلطة السؤ "
وعن عليّ بن إبراهيم الخراساني، قال: كتب رجل إلى إبنه
بوصية، قال فيها: يا بني، إستعد لسفرك، وتأهب لرحلتك وحول متاعك إلى المنزل الذي أنت فيه مُقيم، ولا تغتر بما إغتر به المبطلون من طول الأمل، فقصروا عن أمر معادهم، فندموا عند الموت أشد الندامة، وأسفوا على تضييع العُمر أشد الأسف، فلا الندامة نفعتهم ولا الأسف عند التقصير أنقذهم، من شر ما وافي به المُغترون بطول الأمل؛ وأقول في ذلك:
تأهب واستعد بني وارحل برحلك حيث تنزل بالمقام ولا تغتر فالأيام غرت بأمال بني سام وحام فكم ندم وكم أسف غراهم من التفريط عن دار السلام أبادهم الحمام فهم حطام أبيد ونحن زرع من حطام وما تغني الندامة من عذاب أبيح لمن أبيح على إنتقام
وعن مطرق، قال: كان خوف النار يحول بيني وبين أن أسأل ربي الجنة، أتى رسول الله ()، فقال: من المجاهد؟ قال: " من جاهد نفسه الله "
- 254 - (1/254)
صفحة 255
وعن عائشة، قالت: قال رسول الله): " إياكم وخشوع النفاق "، قلت: يا رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، وما خشوع النفاق؟ قال: " يخشع البدن، ولا يخشع القلب "؛ وأقول في
ذلك:
إذا كان في قلبي خشوع لخالقي فسائر جسمي تابع لخشوعي وإن كان جسمي خاشعاً وطويتي بغير خشوع قد كذبن دموعي قال: سألت صالحاً - أبا الخليل - في قوله (ل): {إنما يخشى الله من عباده العلماء} ()، أعلمهم بالله أشد خشية؛ قال لقمان الحكيم: حقيقة المخافة الطاعه، وحقيقة البصيرة الهدى. مر النبي (صلى الله عليه وسلم) برجل مُصاب، فقال له رجل: هذا مجنون، فقال النبي): أقلت مجنون، إنما المجنون المقيم على المعاصي، إنما هذا مصاب؛ وفيه أقول:
مصاب العقل ليس به جنون مصاب والجنون مع المعاصي فذاك هو الجنون إذا تمادى ولج ولم يحاول في الخلاص وعن عائشة، قالت: قال رسول الله): " لا يدخل بيتك إلا الأتقياء، ولا تول معروفك إلا مؤمنا "؛ وأقول في ذلك:
(1) سورة فاطر: 28.
1 YOO- (1/255)
صفحة 256
بيتك لا يدخله إلا فتى أصلحه الله بدين التقا كذاك معروفك سامح به مؤتمنا يحذر طرق الشقا
وعن أنس بن مالك، قال: كان رجل من الأنصار مريضاً، فجاء النبي (يعوده، فوافاه في السوق، فسلم عليه النبي))، فقال له: كيف أنت يا فلان؟ قال: أرجوا الله، وأخاف ذنوبي، فقال النبي (صلى الله عليه وسلم): " لا يجتمعان في عبد،، إلا وقد
أعطاه الله ما يرجوا، وآمنه مما يخاف "؛ وأقول في ذلك:
قل للذي خاف على نفسه من ذنبه وهو كثير الوجل ويرتجي الله وغفرانه ونعم من يُرجى بمحو الزلل لا يجمع الله على عبده رجا وخوفاً وهو يعطي النفل وعن معاذ بن جبل، قال: قال أبو بكر الصديق (ه) يوماً: ليتني كنت شجرة، يأكل منها الصادر والوارد، وأكون بصحراء محل، فقال النبي (): ولم يا أبا بكر؟ قال: لما انتهكت مما نهى الله عنه، ولم أقض من حقه ما نزل الله فيه: {ولمن خاف
مقام ربه جنتان} (1)؛ وأقول في ذلك
:
- 256 -
•
(1) سورة الرحمن: 46 (1/256)
صفحة 257
ليتني أنشئت في القفر شيحه اجتنى في المساء وكل صبيحه وإذا مر بي الرفاقة حلوا في ظلالي وقيل هذا مليحه لماذا فقلت إني غلام لي ذنوب أخاف منها الفضيحه وقال محمد بن مداد (رحمه الله):
ليتني كنت طائراً فوق غصن يطلب الرزق بكرة ومساءا لم يكن محسنا فيُجزى مع الإحسان حسناً ولا يُقال أساءا
فصل في فضيلة الخشوع
وعن مجاهد، في قوله (ل): {سيماهم في وجوههم من أثر السجود} (1)، قال: الخشوع، إنما هو المؤمن فيما بينه وبين ربه (ل)، إذا أرخى ستره، وأغلق بابه، فليرى الله منه خيراً، ثم قال: يا أعمش، لعلك ترى أن خشوع المؤمن، أن يأكل خشناً من الطعام، أو يلبس خشناً من الثياب، أو يُطاطي
رأسه.
وعن سفيان، قال: بلغني عن الحسن، في قول الله (ل)
{وكانوا لنا خاشعين} (2)، قال: الخوف الدائم في القلب.
(1) سورة الفتح: 29
(2) سورة الأنبياء: 90.
- YOV- (1/257)
صفحة 258
وعن يزيد بن حوشب، قال: ما رأيت رجلين أخوف من
الحسن وعُمر بن عبد العزيز، كأن النار لم تخلق إلا لهما
قال: كان رجل البصرة جابر بن زيد، فلما ظهر الحسن، قال: هذا رجل كأنما كان في الآخرة، فهو يخبر عما رأي
وعاين.
وقال عُمر بن عُبيد، قال: ما رأيت الحسن يبتسم أو يضحك إلا وأتبعها عبره؛ وأقول في ذلك:
تبسم مما جاء في فكرة الحسن من الخوف والإشفاق تبكي مع الحزن تخاف عذاب الله وهي مُطيعة لعصيانه والجسم والعين والبدن فما أفتر يوما ضاحكا متعجباً إلا ورأيت الدمع من عينه هتن
وعن ابن مسعود، قال: إن العلم ليس براوية الحديث، ولكن العلم الخشية.
قال: حدثنا علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، عن أنس، عن النبي (صلى الله عليه وسلم)، قال: " ثلاث مهلكات، وثلاث منجيات، فأما الثلاث المهلكات: فشح مُطاع، وهوى متبع، وإعجاب المرء بنفسه؛ والثلاث المنجيات: خشية الله في السر والعلانية،
_ YOU_ (1/258)
صفحة 259
والقصد في الغنى والفقر، والعدل في الرضى والغضب وأقول في ذلك:
مُهلكات ثلاثة يا ذا الورع شح مُطاع وهوى مُتبع والثالث العجب بنفس الفتى بنس لحاف السؤ ما أنت مدرع قال: سمعت الحسن يقول: صحبت أقواماً كإنما ينظرون إلى الآخرة، يحسبهم الجاهل مرضى وهم أصحاء، داخل الخوف قلوبهم، كانوا يقولون: ليس لنا في الدنيا حاجة، ليس لها خلقنا، ولا بها أمرنا، فطلبوا الجنة بغدوهم ورواحهم، وأنفقوا
أموالهم، وهرقوا دماؤهم، فأفلحوا وأنجحوا، وكذلك كانوا. وعن الفضل بن العباس، قال: سمعت رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وهو يُسأل عن العُصبة؟ فقال: " الذي يعين قومه على الظلم "؛ وأقول في ذلك
تعصب لمن أحببت في الحق واجتنب مظالم حق الله عند التعصب وعن جبير بن مطعم، قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): " ليس
منا من دعى إلى عصبية "
وعن الحسن بن صالح، في قوله (ل): {وكنتم على شفا
- 259 - (1/259)
صفحة 260
حفرة من النار فأنقذكم منها} (1)، قال: العصبية، ومن أعان
{
على خصومة، وهو لا يدري أحق أم باطل، فهو في وسط غضب
الله.
(1) سورة آل عمران: 103. (1/260)
صفحة 261
الباب الخامس عشر في ذكر الرياء والنفاق
قال الله (ع): {فويل للمصلين * الذين هم عن صلاتهم
ساهون * الذين هم يراؤون * ويمنعون الماعون} (1)؛ وقد قال الله: {والذين ينفقون أموالهم رناء الناس ولا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر} ()؛ وقال (ل): {إن تبدوا الصدقات
فنعما هي وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم} (3)
وعن أبي هريرة، عن النبي (صلى الله عليه وسلم)، قال: يقول الله (ع):
أنا أغنى البشر
•
وعن عبد الواحد بن زيد، قال: قلت للحسن: الرياء شرك؟ قال: أوما تقرأ قرآنا؟ قلت: وأين هو يا أبا سعيد، قال: قال الله تعالى: {فمن كان يرجوا لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا} (4)
وعن معاذ بن جبل، قال: مر به عُمر وهو يبكي، فقال: وما
(1) سورة الماعون: 4 - 7. (2) سورة النساء: 38. (3) سورة البقرة: 271 (4) سورة الكهف: 110.
- 261 - (1/261)
صفحة 262
يبكيك يا معاذ، أعلى حلتك؟ قال: أبكي على حديث حدثتنيه في هذا المجلس، فقال: يسير الرياء شرك، وإن أحب عباد الله الأتقياء الأخفياء، الذين إذا شهدوا لم يعرفوا، وإن غابوا لم يفقدوا، أولئك مصابيح الدجى.
وعن الحسن: رأيت عُثمان بن مضعون الجمحي، وسمعته يقول: أن أخوف ما أخاف عليكم، الرياء، والشهوة الخفية على ما فات؛ وأقول في ذلك شعراً:
وشر المكاسب كسب الرياء وشر المأكل أكل مال اليتيم وأفضل الأعمال، الإيمان بالله، وملائكته، وجهاد في سبيله، وفي الصمت سلامة من الندامة، ما فرطت من صمتك أيسر من كل ما فات من منطقك، ولا تحدثن إلا عن ثقة، ولا تكن كذاباً، فإن الكذب ذل؛ وأقول في ذلك:
وشر المكاسب كسب الرياء شهوة السر والرياء نفاق
خاف هاذين خاتم الأنبياء، واحذروا ذلك وهو شيء عظيم، من أتاه فليس من أوليائي.
وعن عبد الله بن زيد، عن أبيه، حدثنا عن رسول الله
- 262 - (1/262)
صفحة 263
، أنه مر برجل يقرأ، فقال: بل هو عبد مؤمن، فمشى ساعة، فسمع رجلاً يدعوا، ويقول: إني أسألك بإنك أنت الله الذي لا إله إلا أنت، الواحد الأحد، الفرد الصمد، {لم يلد ولم يولد * ولم يكن له كفوا أحد} (1)، أن تغفر لي، فقال النبي: " والذي نفسي بيده، لقد دعا بإسمه الأعظم
: (1)
يوم
وعن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): " يجيء القيامة بصحف مختومة فتنصب، فيقول الله (ع) للملائكة: اقبلوا هذا، وألقوا هذا، فيقول الملأ: وعزتك وجلالك، ما رأيت إلا خيراً، فيقول: نعم، ولكن هذا لغيري، ولا أقبل إلا ما أبتغى
به وجهي، متفق من خوف، فليحذر في الآخرة.
وعن عليّ، قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): " نعوذ بالله من جب الحزن "، قيل: وما جب الحزن؟ قال: " واد في جهنم، إذا فتحت أبوابه، إستغاثت منه جنهم سبعين مرة، أعده الله للقراء المرائين بأعمالهم، وإن من شرار حرها يزور الأمراء ".
قال: قال رسول الله (): " من تزين للناس بما يحب الله،
وبادر الله بما يكره، لقي الله وهو عليه غضبان "
(1) سورة الإخلاص: 3 - 4.
- 263 - (1/263)
صفحة 264
وعن عقبة بن عامر، قال: سمعت رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، يقول:
" أكثر منافقي هذه الأمة قرأوها "؛ وأقول في ذلك:
إن النفاق مع القراء معترف واحذر نفاقهم تسلم من الغدر قد قال ذاك رسول الله أنهم منافقوا أمتي القراء للسور
وعن ابن عُمر، قال: قال رسول الله): " والذي نفسي بيده، لا تقوم الساعة، حتى يكون عليكم أمراء كذبة، ووزراء فجرة، وأعوان خونة، وعرفاء ظلمة، وقراء فسقه، سيماهم سيماء الرهبان، وقلوبهم أنتن من الجيف، أهواءهم مختلفة، يفتح الله عليهم فتنة غبراء مُظلمة، فيتهوكون فيها تهوك اليهود والظلمة، لينتقض للإسلام عروته، حتى لا يُقال لا إله إلا الله "
وعن عبد الله، قال: قال رسول الله (ع): " من أحسن صلاته حيث يراه الناس، وأساءها في الخلوة، فتلك إستهانة يستهين بها ربه "؛ وأقول في ذلك:
أحسن صلاتك في السر والعلن تنال فائدة في الفرض والسنن فإن أتيت بها بين الورى كملاً وبين نفسك تجريها بلا رسن فتلك تعروك منها شر عاقبة فقد الثواب وتضحى ويك في غبن
- 264 - (1/264)
صفحة 265
وعن إسحاق بن راشد، قال: قال عُمر بن الخطاب (ه):
كفى بالمرء عيباً، أن يستبين له من الناس، ما يخفى عليه من
نفسه
وعن أبي هريره، قال: قال رسول الله): " سيكون في آخر هذه الأمة، قلوب أعاجم وألسنة أعراب، يلقى الرجل أخاه، فيخبره بغير ما في قلبه "؛ وفيه أقول:
قلوب أعاجم ولسان عرب يعبر لي مقالاً غير عذب عن القلب المريض أخوك يروي مقالاً وهو ممزوج بكذب وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): " رب صائم ليس له من صيامه إلا الجوع والعطش، ورب قائم ليس له من قيامه إلا السهر "؛ وأقول في ذلك:
كم صائم لم ينل من صومه عوضاً إلا المجاعة يبديها مع البشر ورب قائم ليل وهو في نصب وطول جهد ولم يبلغ سوى السهر وعن عليّ، قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): " ألا أنبئكم بالفقيه، كل الفقيه من لا يُقنط الناس من رحمة الله، ولا ييأسهم من روح الله، ولا يُؤمنهم من مكر الله، ولا يدع القرآن رغبة عنه إلى ما
- 265 - (1/265)
صفحة 266
سواه، ألاً لا خير في عبادة ليس معها تفقه، ولا علم ليس معه
تفهم، ولا قراءة ليس معها تدبر "
وعن عليّ: أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، قال: " الفقهاء أمناء
الرسل، ما لم يدخلوا في الدُّنيا، ويتبعوا السلطان "
وعن أنس: أن النبي ()، قال: " إذا مدح الفاسق، إهتز لذلك العرش، وغضب لذلك الرب (ل)
"
وعن أنس بن مالك، عن النبي (صلى الله عليه وسلم)، قال: " إذا كان يوم القيامة، إفترقت أمتي على ثلاث فرق: فرقة يعبدون الله للدنيا؛ وفرقة يعبدون رياء وسمعة؛ وفرقة واحدة يعبدونه لوجهه ولداره "؛ وأقول في ذلك:
يقول رسول الله يا قوم أمتي إذا اجتمعت يوم القيامة للعرض فهم فرق عندي ثلاث لعدها عبادة قوم للرياء فهي في دحض ومنهم فريق يعبد الله حيلة لدنياهم والجور والعقد والنقض ومنهم فريق يعبد الله خشية ودانوا لباريهم بما كان من فرض
وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): " بينما يوم القيامة بالعظيم الطويل، الأكول الشروب، ولا يرون له جناح
- 266 - (1/266)
صفحة 267
بعوضة، ثم قال: {أولئك الذين كفروا بآيات ربهم ولقائه فحبطت
أعمالهم فلا نقيم لهم يوم القيامة وزنا} () "
وقد بلغنا عن عيسى بن مريم (العَلاً)، كان يقول فيما يقول: ويل لكل عُلماء السوء، إنما مثلكم مثل الدفلي (2)، تعجب مراءها، ورقة من نظر إليها، ويقتل شجرها من أكله، قولكم هراء، وأعمالكم داء لا يقبل الشفاء، جعلتم العلم فوق رؤوسكم، والعمل تحت أقدامكم
وعن وهب بن منبه، قال: قال عيسى (ال): يكون في آخر الزمان، قوم يشرون الثياب، ويطلبون الصلاة بالمساجد لكي يُبدون بالسلام، تفتح لهم المجالس، فيوقفون بين يدي الملك الجبار يوم القيامة، فيقول: يا عبيد الشهوات، خذوا أجوركم ممن عملتم لهم.
وعن سهل بن محمد الأصمعي، قال: كان أبو بكر (ه) إذا مدح، قال: اللهم أنت أعلم بي من نفسي، وأنا أعلم بنفسي منهم، إجعلني خيراً مما يحسبون، واغفر لي ما لا يعلمون، ولا
تؤاخذني بما يقولون.
(1) سورة الكهف: 105
باللهجة
(2) الدفلي: شجرة الحبن) باللهجة العُمانية)، يُزرع للزينة، وهم سم قاتل للحيوان
- 267 - (1/267)
صفحة 268
وعن الحسن، قال: إن العبد إذا مات، قالت الملائكة: ما قدم؟ وقال أهل الدُّنيا: ما خلف لمن بعده؟ وذلك لفضل الملائكة
على علم البشر، بما صار إليه العبد حين قدم إلى ربه.
قال: كان الحسن يقول: يا ابن آدم، لا تعمل من الخير رياءً، ولا تتركه حياء؛ ابن آدم، إنك لا تستحق حقيقة الإيمان، حتى لا تعيب الناس بعيب فيك، حتى تبدأ بإصلاح ذلك العيب من نفسك، فتصلحه، فإذا فعلت ذلك، فإنه شغلك في خاصة نفسك، وأحب للعباد من كان كذلك؛ وقال المتوكل الليثي:
لا تنه عن خلق وتأتي مثله عار عليك إذا فعلت عظيم فابدأ بنفسك فانهها عن غيها فإذا إنتهت عنه فأنت حكيم قال: قال عيسى (الله): إذا أعطي أحدكم فليعط بيمينه
ولتخف من شماله، فإن الله يقسم الثنا كما يقسم الأجل.
وعن الحسن، أنه قال: يا ابن آدم، لا تكن نيتك نية السفيه، وأنت تزعم إنك حليم، ولا يكن هديك هدي الجاهل، وأنت تزعم
إنك عالم:
إياك تضمر ما ينوي السفيه لمن تلقي وتزعم أن الجهل من شيمك كذاك فاحلم ودع هدي الجهول إذا ما كنت تزعم أن الهدي من شيمك
- 268 - (1/268)
صفحة 269
قال المدائني: ذم الحسن البصري رجلاً، فقال: يسأل
المغفرة، ويعمل بالمغفرة فيخشع، يحسب أن عنده أمانة، وإنما يتصنع للخيانه، ينهي ولا ينتهي، ويأمر ولا يأتي، إن أعطى قتر، وإن منع لم يُعذر، وإن صح أمن، وإن مرض ندم، وإن إفتقر حزن، وإن إستغنى فتن، يرجو النجاة ولا يعمل، ويخاف العذاب ولا يحذر، ويريد الزيادة ولا يشكر، يخف عليه الشعر، ويثقل عليه الذكر، يعجل النوم ويؤخر الصوم.
وعن شعيب: إذا كمل فجور الإنسان ملك عينيه، فإذا شاء أن يبكي بكى؛ وأقول في ذلك:
إذا كمل الفجور بقلب عبد فمع من قد رأى تجري الدموع
قال: نظر يحيى بن زكريا، إلى عيسى بن مريم (عليهما السلام)، وهو يضحك، فقال: يا روح الله، تضحك كأنك قد أمنت؟ قال: فتعبث كأنك قد نسيت، فأوحى الله تعالى إليهما: أحبكما إليَّ أطلقكما وجها - وفي الرواية: الطلق البسام -.
قال: سمعت فاضل بن عطاء، يقول: داء العلماء حُب الدنيا، وأفة النساك الجهل، وكل يصد عن الله.
وعن عبد الله بن عُمر، قال: يأتي على الناس زمان، يفتح
- Y 79 - (1/269)
صفحة 270
فيه القول، ويخرب فيه العمل
حدثنا محمد بن عبد الله بن الفرح، قال: حدثنا أبي، قال:
سمعت أبا حفص يقول: قال ابن المبارك شعراً:
أيها القاري إنما يصلح الطبايع بالعلم كإصلاح ناظر بالسواد فيُحلوا بحلية الزهد أعني عيشة الصياد والقراءات فأتِ منها بطرق ربما إستحسنت على الإسناد ربما أظهر الفتى ما يُشته ووقى الله صالح الإعتقاد
أخبرنا محمد بن يحيى، بإسناد، قال: لما لبس أبو العتاهية
الصوف، كتب إليه إبراهيم بن المهدي شعراً:
إن المنية أمهلتك عنا والموت لا يسهوا وقلبك ساهي يا ويح ذا الشر الضعيف أما له عن غيه قبل الممات تناهي العيش حلوا والمنون مريرة والدار دار تفاخر وتباهي واجعل لنفسك دونها شغلا ولا ترجو المقرَّ بها فإنك لاهي لا يعجبنك أن يُقال مُفوَّهٌ حَسَنُ البلاغة أو عريض الجاه فأصلح فساداً من سريرتك التي تخلوا بها واذكر مقام الله وارع المقالة غير صالحة ولو أظهرت سيما الصالح الأواه
إن كان لبس الصوف حجتك التي ترجوا النجاة فأنني لك ناه
- YV- (1/270)
صفحة 271
ما في يديك من اللباس إذا عرت منك السريرة غير حبل واه
وقال أبو العتاهية:
أنا عيي بجواب مثلما ليس عندي غير ما كان يحب
وعن أبي هريرة، قال: أدركت سبعين من أهل الصفة، من أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، ليس منهم إنسان عليه رداء، إلا ثوب كساء أو بردة، وإن أحدهم ليعقد ثوبه بيده، مخافة أن
تنكشف عورته.
قال: سمعت سعيد الغزال، يقول: لإن يدخل بيتي شيطان، أحب إليَّ من أن يدخل بيتي صوفي.
وعن صالح المدني، قال: كنا عند الحسن يوماً، فجاء رجل يسعى، فقال: يا أبا سعيد، إني رسول ابن معمر، يقول لك:
:
زرني بنفسك، واحضر ختان إبني، فقال: ارجع إليه فقل له وحدي أو أنا وأهل حلقتي؟ فذهب، فإذا أربعة وتسعون، فقالوا: نقول لك: وجلساؤك، فقام وقمنا معه نحو من أربعين، فدخلنا مجالسنا وقد مجدت سقوفها وحيطانها، فما نكر ذلك الحسن، فلما رأي ذلك فرقد السخي إعتزل ناحية، فقال الحسن: ما له صايم؟ قالوا: لا ولكنه يكره هذا الإسراف، فقال له الحسن: يا
- YVI- (1/271)
صفحة 272
فرقد إدنه لعلك ترى أن لك فضلاً بكسانك هذين، أما علمت أن عامة أهل النار أصحاب الأكسية المُراؤون بأعمالهم، فدنا فأكل، فلما فرغنا غسل الحسن يده، ثم ألقى له كرسي من عاج، فما عابه، ثم جاءت جارية بإناء من فضة فيه طيب، فأمكنها الحسن من لحيته، ثم دعا بالبركة، ودعونا وخرج.
قال: سمعت أبا سليمان بن أبي، يقول: إذا رأيت الصوفي
يتبوق في صوفه، فليس بصوفي
قال ابن أبي الحواري: صوفي القلب قبطي الثياب
وعن علي بن الحسين، قال: سمعت ابن المبارك يقول: لا نفع بين الناس بشيء، كالجهاد في سبيل الله، والسعي على
العيال؛ وأقول في ذلك
:
أسعى على العيلة بالجهد بفكرتي والجسم في كَدِّ إن كان لي أجر وإلا فيا حسرة نفسي إن نعت سعدي
وعن أنس، قال: قال رسول الله ()
هو الذي يهتم للآخرة ودنياه "
: " أفضل المؤمنين
قال سفيان: مكتوب في التوراة: إذا كان في البيت بر فتعبد
- 272 - (1/272)
صفحة 273
وإذا لم يكن فالتمس؛ أحرث لدنياك كأنك تعيش أبداً، واعمل
لآخرتك كأنك تموت غداً؛ وقال محمد بن مداد:
أحرث لدنياك يا أخي كان جسمك فيها مُعمراً أبدا واعمل لأخراك جاهداً لغد تلق الذي قدمت يداك غدا وكن على الصالحات من عمل الخيرات فيما إستطعت مجتهدا
قال: سمعت مشايخنا، يقولون: كنا تصلي زماناً، فلا نرى بين أعيننا شيئاً، ويرى أحداثاً يصلون، فيرى بين أعينهم مثل ركبة البعير، فما ندري أثقلت الرؤوس، أم خشنت الأرض؛ وأقول في ذلك:
أرى ما أرى ما بين عينيه شاره كركبة عير شائن الوجه للعبد فقل لي أهذا منه ثقل برأسه أم الأرض خشن قد أصابته في الجلد
وأنشدنا أحمد بن جعفر، قال: أنشدنا أحمد بن الطيب:
نعم مصادُ المرء للشهادة اللحية الضخمة والسجاده
وأنشدني حمزة بن نبض، في رجل أودع رجلاً شاطراً مالاً فوفي به، وأودع رجل ناسكا ذا سجادة ما لا دونه، فذهب به،
فقال حمزة: (1/273)
صفحة 274
ألا لا يغرك ذا سجدة يضل بها دائماً يخدع وما للتقى لزمت وجهه ولكن ليأتي مستودع ثلاثون ألفاً حواها السجود فليست إلى ربها ترجع وراح إلى الكأس ما عنده وما كنت في ردها أطمع وأقول في ذلك:
رأيت ذا السجدة أعضاؤه بين الورى دائماً تخشع يطلب دنيا عنه ممنوعة بالمطلب السهل لها يخدع وربما عارض مستودعاً لماله وهو له يطمع حتى إذا إستودعه حازه عمن له وهو له أضيع وشارب الخمر إن هبته هو لما إستودعته أودع مالك محفوظ على حاله خذه مني ما شيئت لا تمنع قال عيسى بن مريم (ال): الناس رجلان مُعافى ومُبتلاً
فارحموا أهل البلاء، واحمدوا الله على العافية:
وإذا ما رأيت المبتلى فابك رحمة له واحمد الباري على صحة البدن فإن كان بلواه مُحيطاً بذنبه فذاك لعمري ما بقي الدهر في الحزن
وعن الفضيل بن عياض، قال: لإن أأكل الدنيا بطبل ومزمار،
- YVE. (1/274)
صفحة 275
أحب إليَّ من أن أأكلها بزنار (1)؛ وأقول في ذلك:
أكل الدنيا بطبل ومزمار أولى بمن بدل دينا بدينار
وعن ابن عباس، قال: ما يأتي على الناس زمان، إلا أماتوا فيه سنة، وأحيوا فيه بدعة، حتى تموت السنن وتحيى البدع.
قال: سمعت الفضل يقول: لم تهلك أمة قط، إلا من طريق علماء السوء، جلسوا على طريق الآخرة، فقطعوا العبادة عن الله؛ وأقول في ذلك:
يا عُلماء السوء لا تقطعوا بشومكم والجهل رزق العباد قعدتم للناس في مقعد الحق وشبتم علمكم بالفساد
وعن الحسن: أن المنافق يُعطيك من لسانه، ويمنعك من قلبه؛ وأقول في ذلك
:
إن المنافق يعطي من بشاشته لين الحديث وما في القلب يخزنه لا خير فيه ولا فيما يفوه به ما قاله من قبيح ليس يحزنه
وعن سفيان، قال عبد الله: كيف أنتم إذا لبستكم فتنة، تربي الصغير، ويهرم فيها الكبير، فاتخذها الناس سنة، إذا غير منها
(1) الزنار: شعار المسيحية، والمعنى: تغيير الدِّين وتركه بطلب الدنيا
- YYO_ (1/275)
صفحة 276
شيء، قيل: غيرت السنة، وقيل: متى ذلك؟ قال: إذا كثرت
أمراؤكم، وقلت فقهاؤكم، والتمست الدنيا بعمل الآخرة.
بإسناد عن أبي العالية، في قوله (ل): {اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله} (1)، قال: كانت الربوبية أنهم وجدوا في كتاب الله تعالى ما أمروا به وما نهوا عنه، فاستصحبوا الرجال ونبذوا كتاب الله وراء ظهورهم، الناس تبع لعلمائهم كالصبيان، إن أمروهم أنتمروا، وإن نهوهم إنتهوا؛ وأقول في ذلك
:
مثل المأدب عنده صبيانه ما قاله سمعوا له وأطاعوا وعن الفريقي، كان يُقال: لكل شيء آفة، وآفة العلم النسيان، وآفة العقل العجب، وآفة الجور الفحش، وآفة الفضل الشح، وآفة الرياء الكبر، وآفة الجود التبذير، وآفة السخاء
المن.
وعن الأصمعي، قال: بلغني أن رجلاً من الحكماء قال لإبنه: يا بني، أظهروا النسك، فإذا رأى أحدكم بخيلاً، قالوا: مقتصد لا يحب الصرف، وإن رأوه غبيا، قالوا: يكره أن يتكلم بما لا
(1) سورة التوبة: 31.
276 - (1/276)
صفحة 277
يعنيه، وإن رأوه جباناً، قالوا: لا يقدم على الشبهات؛ وأقول
في ذلك:
أوصى الحكيم بنيه أن لا يسكنوا بين الورى حذراً من الإقتار فإذا بخلتم قال قوم إنكم لم تسرفوا والقصد للأبرار وإذا جبنتم عن قتال عدوكم قالوا خشيتم ثقلة الأوزار وعن مُصعب بن سعد، عن أبيه، في قول الله تعالى: {نحن نقص عليك أحسن القصص} (1)، قال: كان على عهد رسول الله، فتلا عليهم زماناً، فقالوا: يا رسول الله، لو قصصت علينا، فأنزل الله: {نحن نقص عليك أحسن القصص} (1)، فقالوا: يا رسول الله، لو حدثتنا حديثاً، فأنزل الله (ع): {الله نزل أحسن الحديث كتابا متشابها مثاني تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله} ()، كل ذلك يُؤمرون بالقرآن.
وعن ابن مسعود (رحمه الله)، أنه قال: أبتدروا رياض الجنة، أما أنها ليست بمجالس القصاص، ولكن مجالس
العلماء؛ وأقول في ذلك:
(1) سورة يوسف: 3. (2) سورة الزمر: 23
- YYY- (1/277)
صفحة 278
يقول ابن مسعود لمن حل حوله ألا ارعوا رياضاً للجنان عجولا وما هي إلا مجلس العلم فأنزلوا ومن قص أبدى للأنام ضلالا وحدثنا الحسن بن عبد الكريم، عن إبراهيم النخعي، قال: بلغ عُمر بن الخطاب (ه)، أن رجلاً يكتب حديث ذا بال، وكتب عُمر إلى أمير الكوفة، فأمره أن يركب إليه، فقال الرجل: فركبت فما أدري، فلما قدمت أخذ بيدي، فقرأ أول سورة يوسف، حتى إذا بلغ: {نحن نقص عليك أحسن القصص بما أوحينا إليك هذا القرآن} (1)، ويقول: بالدرة على يدي، أقصص أحسن من كتاب
الله؟ فقلت: يا أمير المؤمنين، لأمحونه والله لأمحونه.
وعن أبي البحتري: أن علي بن أبي طالب، دخل مسجد الكوفة فرأى قاضياً يَقْص، فقال: ما هذا؟ قالوا: رجلاً يحدث، قال: هذا رجل يقول: اعرفوني أنا فلان بن فلان، فسألوه: هل تعرف الناسخ والمنسوخ؟ فسألوه، فقال: لا، فقال علي: لا تحدث، قال: ما ينتظر القصاص إلا المقت من الله
الموت بالقصاص أولى به من ربه للعمل الصالح لو كان هذا رجل صالح حل محل الرجل الصالح
(1) سورة يوسف: 3
•
- YVA- (1/278)
صفحة 279
وعن أبي سلمه، عن أبيه: أن عُمر مر بقاص ومعه قوم يتحدثون رفعوا أيديهم، فقال: اللهم إقطع هذي الأيدي، ويلكم ربكم أقرب مما ترفعون إليه أيديكم، هو أقرب إليكم من حبل
الوريد.
•
أنشدني إسحاق بن سويد، قال: كان عندنا قاص يكثر رفع يديه، فقلت فيه:
إني ومن خلق السماوات الطباق ومن تر أدعوا وما تومي يدي لما دعوت ولا بناني
وأقول في ذلك:
رب الذي خلق السماوات العلى سبحانه من نطفة أنشاني أدعوه سراً وهو يعلم دعوتي لا باليدين ولا بنطق لساني إلا بما أنويه في قلبي له الله مُحصيه بلا نسيان يعطي ويمنح وهو حسبي وعده وإذا إتكلت على الإله كفاني
وعن أبي قلابه، قال: ما أمات العلم إلا القصاص، يجلس الرجل إلى القصاص سنة، ولا يتعلم منه شيئا، ويجلس إلى
العالم، فلا يقوم إلا وقد تعلم منه شيء.
- YYA- (1/279)
صفحة 280
قال: حدثنا أبو عُمر القرشي: لما قص منصور بن عمار
مجلس البعوضه؛ قال أبو العتاهية: إنما سرق هذا الكلام من رجل كوفي، فبلغ قوله منصور، فقال منصور: أبو العتاهية زنديق، أما ترونه لا يذكر الجنة ولا النار، إنما يذكر الموت فقط، فبلغ أبو العتاهية قوله، فقال:
يا واعظ الناس قد أصبحت متهما إدعيت منهم أموراً أنت تأتيها كالملبس الناس من عرى وعورته للناس بادية ما أن يواريها وأعظم الإثم فيما أنت تعلمه من كل نفس عماها من مساويها عرفانها بذنوب الناس تبصرها منهم ولا يُبصر العيب الذي فيها
ومما جاء في قصد القصص عن النبي (صلى الله عليه وسلم)؛ فعن أنس أنه قال: قال رسول الله): " إذا مررتم برياض الجنة فارتعوا فيها "، قالوا: يا رسول الله، وما رياض الجنة؟ قال: " مجالس الذكر "
مجالس الذكر إذ شنتم فحلوا بها يا جميع البشر مجالس علم بها الذكر يُتلى عن المصطفى وقراه السور
وعن هارون بن عنتره، عن أبيه، قال: سألت العباس، أي
- YA- (1/280)
صفحة 281
الأعمال أفضل؟ فقال: {ولذكر الله أكبر} (1)، ما جلس قوم في بيت من بيوت الله، يتعاطون كتاب الله ويتدارسونه، إلا كانوا أضياف الله (ع)، فظللتهم الملائكة بأجنحتها ما داموا فيها، لا يخوضون في حديث غيره، وما سلك عبد طريقا يلتمس به علما، إلا سهل الله له طريقاً إلى الجنة
وعن جابر، قال: خرج علينا رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، فقال: " يا أيها الناس، إن الله سراير من ملائكته تقف على مجالس الذكر، فاغدوا وروحوا في ذكر الله، من كان يحب أن يعلم كيف منزلته عند الله؟ فلينظر كيف منزلة الله عنده، فإن الله ينزل العبد حيث أنزله من نفسه "؛ وأقول في ذلك:
إذا شئت من بارئك حبا وزلفة فقلبك قل لي كيف يعتقد الحبا فإن يعتقد في الله حبا فإنه يكافئك للحسنى ويغتفر الذنبا وعن أنس، قال: قال رسول الله (: " لأن أقعد مع قوم يذكرون الله تعالى بعد صلاة الفجر إلى أن تطلع الشمس، أحب إليَّ من أن أعتق رقبة من ولد إسماعيل، ولإن أقعد مع قوم يذكرون الله بعد صلاة العصر إلى أن تغرب الشمس، أحب إليَّ
من أن أعتق رقبة من ولد إسماعيل "؛ وأقول في ذلك:
(1) سورة العنكبوت: 45.
- YAY- (1/281)
صفحة 282
قعودي بعد الفجر للذكر خير لي مع الله من عتق به أتقرب إليه وبعد العصر إن كنت ذاكراً مع الذاكرين الله لست أخيب
وعن حذيفة، قال: قال رسول الله): " من إعتزل من الغير سقط في الخير "؛ وأقول في ذلك
:
ارفض الشر وجانبه عسى يسقط الخير على رغم العدى ما عداك الشر لا تعبأ به صد عنه واجتنب شر الردى
وقال محمد بن مداد في ذلك:
إن في العزلة خير من جليس رأيه غير السداد فجليس السوء سقم للفؤاد وجليس الخير داع للرشاد
وعن ابن عباس: أن النبي ((خرج عليهم فقال: " ألاً أخبركم بخير الناس منزلة، رجل مُمسك بعنان فرسه في سبيل الله حتى يموت أو يقتل، ألا وأخبركم بالذي يليه أمراً، رجل معتزل في شعب - يُقيم الصلاة ويُؤدي الزكاة، ويعتزل شرور الناس، ألا أخبركم بشر الناس منزلة؟ " فقالوا: نعم يا رسول الله، قال: " من يسأل بالله فلا يُعطى
وعن ابن عباس، قال: قال النبي (): " سيكون أقوام
- YAY- (1/282)
صفحة 283
من أمتي، يقرأون القرآن، ويتفقهون في الدين، فيأتيهم الشيطان، فيقول: لو أتيتم السلطان، لأحببتم من دنياكم واعتزلتموهم بدينكم، ولا يكون ذلك، لا يجتني من القتاد إلا الشوك "؛ وأقول في ذلك:
ما في القتادة إلا الشوك يؤذيني مثل الذي يبتغي دنياه بالدين مثل السلاطين يعدوا كل صابحة يرتاد نيلهم بالبر واللين وعن عقبة بن عامر، قال: سُئل رسول الله (صلى الله عليه وسلم): ما النجاة؟ قال " أملك عليك لسانك، وليسعك بيتك، وابك على خطيئتك "؛ وأقول في ذلك
:
اخفي مكانك لا يدري به أحد واحذر لسانك لا يأتي به الكذبا وابك خطاياك تنجوا من عواقبها والزم فؤادك منها الخوف والرهبا
وقال محمد بن مداد:
أملك لسانك أن تقول فتبتلى واقعد ببيتك لا يحيط بك البلى وابك الذنوب وكن عليها نادماً ندم المسيء تروح تبكي هكذا
وعن معاذ بن جبل، قال: يكون في آخر الزمان قوم إخوان العلانية، أعداء السريرة، قيل: كيف يكون ذلك؟ قال: برغبة
- YAT- (1/283)
صفحة 284
بعضهم إلى بعض، ورهبة بعضهم من بعض؛ وأقول في ذلك:
إخوان العلانية انصفونا بحق البيت لا لا تكذبونا كلمتم كبدنا ومنحتمونا علانية فكم ذا تخدعونا تعادوا بالسريرة فهي أخفى خداعاً فاحذروا لا تظلمونا وعن أبي الدرداء، قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): " نعم صومعة المُؤمن بيته، يكن فيه: سمعه، وبصره، ولسانه،
وقلبه
، ويده، وإياكم والجلوس في هذه الأسواق، ثقل
وتلهي "
وعن عُمر: كان النبي (صلى الله عليه وسلم)، قليل الخطوات في الأسواق وكان يقول إذا خطا فيها: " اللهم إني أعوذ بك من شر السوق، وأعوذ بك من الفسوق، وأعوذ بك من كل صفقة خاسرة، ويمين
كاذبة "
وقال أبو الدرداء: ما أصبحت من ليلة لم ير مني الناس فيها
تعظيمه، إلا عددتها من نعم الله عليَّ.
وقال: سمعت أبا الحسن المدايني، يقول: قال حسان بيت شعر ليلاً، فصعد على أطم من آطام المدينة، فنادى بأعلى
- YAE_ (1/284)
صفحة 285
صوته: يا صباحاً، فاجتمعت الخزرج، فقالوا: ما عندك؟ قال: بيت شعر، فأحببت أن تسمعوه، قالوا: هات ما عندك، فقال:
وإن إمرءا يُمسي ويصبح سالماً من الناس إلا ما جنى لسعيد
وأقول في ذلك
:
إذا ما مضى يوم وسالمني الورى ولم أرى سوء فيه فهو حميد
وعن أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): " يُوشك أن يكون خير مال المسلم شآء يتبع بها صاحبها، شعب الجبال، ومواضع القطر، يفر بدينه من الفتن "؛ وأقول في
ذلك
:
خير مال يقتنيه مسلم غنما يأوي بها شعب الجبل موضع القطر سواءً منزلاً فر بالدين ومن خوف الحيل وعن عبد الله بن عُمر، قال: ليس أحدكم أحب إلى الله من الغربا، قيل: وما الغربا؟ قال: الفارون بدينهم، يجتمعون إلى عيسى بن مريم (السا) يوم القيامة
وعن كرار الخزاعي، قال: سأل رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، أعرابي. فقال: هل لهذا الإسلام من منتهى؟ فقال: " من يُرد الله به
- YAO- (1/285)
صفحة 286
خيراً من عرب أو عجم، أدخله الله فيه "، قال: ثم ماذا؟ قال: " تقع فتن كالظلل "، قال: كلا يا نبي الله، قال: " والذي نفسي بيده، ليعودن فيها أساود، يصوب بعضهم رقاب بعض، وخير الناس يومئذ، معتزل يتقي ربه، ويدرأ الناس من شره ".
وعن الحسن، أنه قال له رجل: يا أبا سعيد، أما رويت عن النبي)؟ قال: قال رسول الله (): " لا يزداد الأمر إلا (صلى الله عليه وسلم) شدة، ولا الدتيا إلا إدباراً، ولا الناس إلا شحا، ولا تقوم الساعة
إلا على شرار الناس، ولا مهدي إلا عيسى بن مريم (العليا) قالوا: بلا، قال: " فما بالي "؛ وعن عُمر بن عبد العزيز، قال: لا بد للناس تنفس
وعن سلمة بن هيكل، قال: لقيني أبو حنيفة، قال لي: يا سلمة، ما بقي مما كتب، أعرف هذه الصلاوات الخمس، وما من نفس تسرني أن تقدمني من الموت ولو نفس ذبابه، ثم بكي. وعن الحسن: أن عُمر كان يقول: يا أيها الناس، من يتق
الله يُوقه، ومن يتبع الخير يُؤته؛ وأقول في ذلك
من يتق الله يوقى ما يحاذره ومن بغي الخير يلقى ما يحاوله
وعن عليّ، أنه قال: كنا مع النبي (صلى الله عليه وسلم)، حين جاءه أهل
- YAT- (1/286)
صفحة 287
الذمة، فقالوا: أكتب لنا كتاباً فيه من بعدك، فقال: نعم، أكتب لكم ما شئتم، إلا صعرة الجيش، وسُوقة الغوغاء، فإنهم قتلة
الأنبياء.
قال أبو عثمان: بلغني عن الوهب بن الورد - ولم أسمعه - أنه قال: خالطت الناس من سبعين سنة، فما وجدت إلا رجلاً ركب هواه، حتى إذا خطيء لا يحب أن يخطيء الناس معه، ولئن
يضرب ظهري بالسياط، أحب إليَّ من أن يذنب رجل مسلم.
حدثنا محمد بن الحسن، بإسناد، قال: قال وهب بن الورد:
ما أخاف على دمي إلا من الفقهاء والعلماء؛ وأقول في ذلك
أخاف على روحي وأخشى على دمي من المتحلي بالتفقه والعلم فكم بدعة من عالم مستفيضة ولم يتعدى خوف عاقبة الظلم
وأقول:
وكم من مبهم على العرب والعجم وكم من جهول ضر بالجهل نفسه وعن الحسن: أن النبي (صلى الله عليه وسلم)، قال: "، قال: " اللهم، لا تجعل للفاجر، ولا الفاسق، عندي يداً ولا ذمة، إني وجدت فيما أوحيته: {لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من
- YAY- (1/287)
صفحة 288
حاد الله ورسوله} () ".
وعن سفيان، يقولون: أنها نزلت فيما يخالط السلطان، فكانت له منه منزلة، فلزم بيته ورفضهم، فكلمه بنوه وأهله وقالوا له: لو تركت حظك من السلطان، ومنزلتك منه، فلم يلتفت إليهم، فقالوا: والله، لئن دُمت على هذا لتموتن هزلاً، فقال: والله، لئن أموت هزلاً، أحب إليَّ من أن أعيش فاسقاً سمينا، فقال الحسن: علم والله أن النار تأكل الشحم، ولا تأكل الإيمان؛ وأقول في ذلك:
أموت هزيلاً مؤمنا خير أن أرى سميناً وأصلى بعد موتي جهنما فما لي يا رحمن بالنار طاقة أجرني فقد أصبحت يا رب مسلما
وعن محمد بن حبيب الوراق، قال: كنت عند بشير بن الحارث، قال: قذف رجل النار، فخرج، ثم رجع مستفيضاً يسترجع ويستغفر، فقلت: ما قصتك يا أبا نصر؟ فقال: رحم الله عبد الله بن داوود، ثم أنشد، وأحسبه ترحم عليه، ينشده هذه الأبيات، فقال:
إني أداجيء عدوي عند رويته لأدفع الشر عني بالتحيات
(1) سورة المجادلة: 22.
- YAA - (1/288)
صفحة 289
وأحسن البشر بالإنسان أبغضه كأنه قد ملأ قلبي محبات لو لم يكن غير جيراني اذيت بهم فكيف بالظلم من أهل المودات الناس داء وشر الناس قربهم وفي الجفا لهم قطع المروات لابد لي منهم تبدوا إليَّ لهم ولي إليهم حياتي كل حاجاتي فجاهل الناس جمعاً ما اطلعت وكن أصم أبكم أعمى ذا تحيات
وعن الحسن، قال: قال عامر بن عبد القيس: لقيت ناساً من أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، فأخبرني: " أن أخلص الناس إيماناً يوم القيامة، أشدهم زهداً في الدنيا، وأن أشد الناس فرحا يوم القيامة، أشدهم حزنا في الدُّنيا، وأن أشد الناس ضحكا يوم القيامة، أشدهم بُكاء في الدُّنيا "
قال: كان الأوزاعي يقول: إن كان في الجماعة فضل، ففي العُزلة السلامة؛ وأقول في ذلك
:
قالوا الجماعة فيها الفضل قلت لهم أن السلامة يلقاها من إعتزلا
وعن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله (): " أمتي على خمس طبقات، كل طبقة خمسين عاما؛ أما طبقتي وطبقة أصحابي: فعملوا بذلك؛ وأما الطبقة الثانية: فأهل بر وتقوى؛ وأما الطبقة الثالثة: فأهل تواصل وتراحم؛ وأما الطبقة الرابعة:
- YA- (1/289)
صفحة 290
فأهل تقاطع وتدابر؛ و الطبقة الخامسة: فأهل الحرب الحرب والهرب الهرب ".
وعن خالد بن يوسف، قال: بلغني أن عبد الله بن عبد العزيز العمري، كان يُرى مُلازماً للمقابر ومعه شاب لا يُفارقه، فقيل له في ذلك، فقال: ما شيء أوعظ من قبر، ولا أنس من كتاب الله، ولا أسلم من الوحدة؛ وأقول في ذلك:
لا شيء أوعظ من قبر تمر به وفي الكتاب لمن يقرأه تأنيس وفي السلامة للإنسان عُزلته عن ما يجاوزه الإنسان محروس
وقال عُثمان بن العاص: لولا صلاة الجماعة، ما خرجت من بيتي إلا إلى القبر
•
وقال: قلت لداوود الطاي: أخبرني عن عزلته؟ قال: فر من الناس فرارك من الأسد، من غير أن يكون مفارقاً لجماعتهم.
وعن الحسن، قال: البيوت صوامع الأبرار، وحمى لهم من مجمع الفجار، فاجعل أنيسك فيه عوض، فاقرأ ما جمعت من العلماء والأبرار.
قال: سمعت سفيان يقول: كنت أشتهي أن أمرض، وأما (1/290)
صفحة 291
اليوم فأشتهي أن أموت فجأة.
حدثنا محمد بن يحيى، قال: كنت عند أبي الخليفة الفضل بن حيان الجمحمي يوما، فأبلغه إنسان عن جار له شيئاً يكرهه، فتمثل وقال: لله در الطفيل، حيث قال:
إهرب بنفسك واستأنس بوحدتها تلق السعود إذا ما كنت منفردا ليت الكلاب لنا كانت مُجاورة وإننا لا نرى ممن نرى أحدا إن الكلاب لتهدأ في مرابضها والناس ليس بهاد شرهم أبدا
وقال:
لا تأنسن بخلق لا خلاق لهم وكن بنفسك طول الدهر منفردا إن السعادة للإنسان مسعدة إذا تفرد حتى لا يرى أحدا جاور إذا شئت وحش البيد منفرداً عن معشر شرهم لا ينقضي أبدا أفضل العبادة التفكر والورع؛ قال مالك بن دينار: إحتط عن كل أخ، وجليس، وصاحب، لا تستفيد منه في أمور دينك خيراً ففر منه؛ وأقول في ذلك:
جليسك إن واجهت منه إفادة لدينك أولى فاطرحه مجانبا لعلك تنجوا من أذاه وربما لقيت غداً من تشتهي من يُصاحبا
- Y 91 - (1/291)
صفحة 292
وعن مالك بن سليمان، قص مالك بن دينار، فكان له مُصحف فسرق، فلما كان في المجلس الثاني، فقص، فقال: كلهم يبكون، فمن سرق المصحف؟
وعن جعفر بن سليمان، قال: رأيت مع مالك بن دينار كلبا فقلت: ما هذا يا أبا يحيى؟ قال: هذا خير من جليس السوء؛ وأقول في ذلك:
جليس السوء كلب أقتنيه أحب إليَّ منه في حياتي قال: قال عياض لسفيان الثوري: دلني على رجل أجلس
إليه، فقال: تلك صلاة الوحدة.
قيل لبعض الحكماء: من أبعد الناس سفراً؟ قال: من سفره في ابتغاء الأخ الصالح؛ فقال، لا شيء أوحش من الوحدة، والوحدة أنس من شرار الإخوان.
وعن شل بن عروة، قال قتادة إلى أنس بن مالك: ونحن صبيان سمعته سئل، فقال: كان رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يقول: " مثل الجليس الصالح مثل العطار، إن لم يصبك طيبه، عبق بك ريحه، ومثل الجليس السوء مثل الكير، إن لم يحرق ثيابك
أنتن ريحك "؛ وأقول في ذلك:
- 292 - (1/292)
صفحة 293
جليس الخير كالعطار إن لم يصبك بطيبه عبقت رياحه وقيل جليس سوء مثل كير يجالس وهو معدوم صلاحه
وعن ابن عباس، قال: مُجالسة العلماء عبادة.
قال: سمعت أبا خلف يقول: سمعت أنس بن مالك يُحدث عن النبي ()، حيث قال: " أمتي لا تجتمع على ضلالة، فعليكم بالسواد الأعظم، كلمة الحق، ولو كان رجلاً واحداً، فخذ دينك عن من تثق به، ويوصى به "
قال النبي (): " ليس الجماعة بكثرة الناس، من كان معه بحور الحق فهو الجماعة، ولو كان رجلاً واحداً، والفرقة ما فارق الجماعة، والبدعة ما فارقها، أعني: الجماعة، والفرقة: مُجامعة أهل الباطل، والجماعة ما وافق طاعة الله ولو كان رجلاً واحداً ". (1/293)
صفحة 294
[صفحة فارغة] (1/294)
صفحة 295
الباب السادس عشر
في فضل صلاة الجماعة والسعى إلى المساجد
وعن ابن أسامة، عن زيد بن حارثة، قال: قال رسول الله
): " بشر المشائين إلى المساجد في الظلم، بنور ساطع "؛ وأقول في ذلك
:
لك البشارة في من كان ليلته إلى المساجد يمشي في دُجا الظلم بالنور يصحبه يوم الحساب غدا بين الملأ أمنا من روعة الندم
وعن أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): " إذا رأيتم الرجل يعتاد المساجد، فاشهدوا له بالإيمان "؛ قال الله (ل): {إنما يعمر مساجد الله من أمن بالله واليوم الأخر وأقام الصلاة وأتى الزكاة ولم يخش إلا الله فعسى أولئك أن يكونوا من المهتدين} (1).
قال: قال عبد الله بن سلام: كان لهذا المسجد أوتاداً، كانوا إذا فقدوا الرجل سألوا عنه، فإن كان مريضاً أعادوه، وإن كان به حاجة أعانوه.
(1) سورة التوبة: 18.
- 295 - (1/295)
صفحة 296
وعن الحسن بن عليّ، قال: سمعت جدي، يقول: من أدمن الإختلاف إلى المساجد، أصاب أخا مُستفاداً، أو رحمة منتظرة، أو كلمة تدله على الهدى، وأخرى تصرفه عن الردى، أو علماً مستطرفا، ويترك الذنوب، إما حياءً، وإما خشية؛ وأقول في
ذلك:
إن المساجد من أتاها مدمناً يلقى الشقيق يقتفي سُبل الهدى أو ناطق بالبر يسمع قوله خيراً وينهي الناس عن فعل الردى يدع الذنوب مع إستماع مقاله أيضا ويرجوا رحمة تأتي غدا
قال: قال ربيعة الرازي: المروة ستة خصال: ثلاث في الحضر، وثلاث في السفر؛ فأما اللواتي في الحضر: فتلاوة القرآن، وعمارة مساجد الله، واتخاذ الإخوان في الله، واللواتي في السفر: فبذل الزاد، وحُسن الخلق، وكثرة المزاح من غير معصية الله.
وعن عائشة، قالت: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): " أحب البلاد إلى الله المساجد، وأبغض البلاد أسواقها، محبوة منه
بالبغض
وعن حذيفة، قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): رهبانية أمتي
296 - (1/296)
صفحة 297
الجلوس في المساجد، والمساجد هي بيوت الله في أرضه وزوارها هم زواره ".
وعن حذيفة، قال: قال علي بن أبي طالب: يأتي على الناس زمان، لا يبقى من الإسلام إلا إسمه، ومن القرآن إلا رسمه، مساجدهم عامرة وهي خراب من الهدى، عُلماؤهم شر من تحت أديم السماء، من عندهم تخرج الفتنة، وإليهم تعود
وعن مُعاذ بن جبل، قال: قال رسول الله (): " جنبوا مساجدكم صبيانكم، ومجانينكم، وخصومتكم، ورفع أصواتكم، وسؤالكم، وسل سيوفكم، وحدودكم، وبيعكم، وشرائكم، وجمرُوها يوم الجمعة، واجعلوا على أبوابها مطاهركم ".
وعن جابر، قال: قلنا: يا رسول الله، فما مهور العين؟
قال: " إخراج القذا من المسجد "
وقال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): " أعطوا المساجد حقها "، قالوا: وما حقها يا رسول الله؟ قال: " ركعتان قبل أن تجلس "؛
وأقول في ذلك:
امط القذا عن بيت ربك إنه مهر لحور العين في الجنات
- Yay- (1/297)
صفحة 298
واعطوا المساجد حقهن بسبحة شفعاً إذا ما زرت في الأوقات
المساجد نجعة الملائكة فجمروها، أي: تحروها.
عن ابن عباس، قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): " من أخرج قذاة من المسجد، أخرجه الله من أعظم خطاياه "؛ وأقول في
ذلك
من أخرج القذا من الزوايا أخرجه الله من الخطايا وكان مهر العين والصفايا ألا إسمعوا ما قلته الآيا مخلوقة صادقة الآيا
- YSA- (1/298)
صفحة 299
الباب السابع عشر في فضيلة الصلاة
عن أنس بن مالك: أن النبي (صلى الله عليه وسلم) قال: " حببت إليَّ من دنياكم الصلاة، كما حُبب إلى الجائع الطعام، وإلى الظمآن الشراب، الجائع يشبع، والظمآن يروى، ولا يُشبع من
الصلاة "
(
وقال النبي): " مفتاح الجنة الصلاة، ومفتاح الصلاة الوصول "؛ وقال محمد بن مداد:
صلاة المرء مفتاح الجنان فأكثر من صلاتك غير وان وأكثر من دعائك إن ربي يقول أجيب دعوة من دعاني وكان النبي (صلى الله عليه وسلم)، إذا نزل بأهله ضيق أو هم، أمرهم بالصلاة، ثم تلا: {وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها} (1).
وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): " يا عائشة، إهجري المعاصي، وحافظي على الصلاة، فإنها
الجهاد "؛ وأقول في ذلك:
- 299 -
: 132
(1) سورة طـ (1/299)
صفحة 300
اهجر معاصيك وحافظ على صلاتك الخمس بكل الجهاد فهي عمود الدين واعمل بها واطرح الجهل وفعل الفساد
وقال الشيخ العالم محمد بن مداد:
حافظ على صلاتك الخمس خمس رماها الله بالرغس (1) خلف الإمام إذا بدا فلق الأصباح أو عقيب ما يمسى واهجر معاصيك التي جعلت أهل المعاصي ويك في لبس فالصالحات إذا أتيت بها دمست شبابك أيما دمس (2) إن الصلاة عليك نور ساطع في الليل أو في ظلمة الرمس وهي العمود إذا عمدت لها جليت وسط حضيرة القدس
وعن أم فروه، عن النبي ()، قال: " أحب الأعمال إلى الله الصلاة في ميقاتها "، قلت: ثم ماذا؟ قال: " أن يسلم الناس من لسانك "؛ قال الله تعالى: {والذين هم على صلاتهم
يحافظون} (2)، الصلاة على مواقيتها
{
•
قال ابن عباس (رضي الله عنهما: خرج علينا رسول الله)، فقال: " طوبى لأهل الولاية، أهل الجنة يحملونها، ثم
(1) الرغس: النعمة والخير والبركة والنماء.
(2) دمس: أصلح.
(3) سورة المعارج: 34. (1/300)
صفحة 301
يوم القيامة "، قلنا: من هؤلاء؟ قال: قلنا: من هؤلاء؟ قال: " السابقون إلى الصلاة
في أول الأوقات
""
وعن كعب، قال: قال رسول الله): " يا كعب، إن له الصلاة لقربان، والصوم جنة، والصدقة تطفيء الخطيئة، كما يُطفيء الماء النار "؛ وأقول في ذلك:
إن الصلاة لقربان إلى الله والصوم جنة عبد ليس كالساهي وإن تصدق أطفأ من خطيئته كالنار يُطفئها دفعات أمواه
وعن عبد الله، في قوله تعالى: {إن الحسنات يذهبن
السيئات} (1)، قال: الصلاة الخمس
{
•
وعن أبي سعيد، قال: سمعت رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، يقول وهو على المنبر: " إن الله تعالى لم يفرض على الملائكة شيئا سوى التوحيد والصلاة، منهم راكع وساجد، ولو علم شيئا أفضل من الصلاة لافترضه على الملائكة "
وقال ابن عباس، قال رسول الله): " يقول الله (ل): الصوم لي وأنا أجزي به، والمنفق يقرضني، والمُصلي
يُناجيني
(1) سورة هود: 114. (1/301)
صفحة 302
الصوم لي وأنا أجازيكم به والمنفق المعروف يقرض ربه والقائمون على الصلاة جميعهم كل يُناجي الله يغفر ذنبه
وعن الحُسين بن علي، عن أبيه، عن جده، قال: قال رسول الله): " من لم تنهه الصلاة عن الفحشاء والمنكر، لم يزدد بها من الله إلا بعداً، ولم يزدد من الله إلا مقتاً "
وعن أنس بن مالك، عن النبي ()، قال: " اللهم إني أعوذ بك من صلاة لا تنفع، ونفس لا تشبع، ودعاء لا يُسمع، وقلب لا يخشع ".
وعن عبد الله، قال: سمعت رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، يقول: " من صلى صلاة حيث يراه الناس فأتمها، فإذا صلى وحده لم يتمها، فذلك إستهانة يستهين بها ربه (ل)، ثم قرأ: {يستخفون من الناس ولا يستخفون من الله وهو معهم} (1)؛ قال عطا: يكره كل شيء كان من العبث في الصلاة
وعن أبي هريرة، عن النبي ()، قال: " أن العبد إذا قام إلى الصلاة، فإنه بين يدي الرحمن، فإذا إلتفت، قال له الرب:
يا ابن آدم، أقبل إليَّ، فأنا خير لك مما تلتفت إليه "
(1) سورة النساء: 108.
- T.Y- (1/302)
صفحة 303
وعن الزهري، في قوله تعالى: {الذين هم في صلاتهم خاشعون} (1)، قال: سكون المرء في صلاته؛ وقال الحسن:
خائفون.
وعن جابر، قال: سُئل النبي (): أي الصلاة أفضل؟ قال: " طول القنوت، قال الله (ع): {أمن هو قانت أناء الليل ساجدا وقائما يحذر الأخرة ويرجوا رحمة ربه} (2) "؛ والقنوت على لغة العرب يتصرف على وجوه، فمنها: القنوت: القيام والطاعة، قال الله تعالى: {وقوموا لله قانتين} (3)، أي: مطيعين، والقنوت: الإمساك عن الكلام؛ والقنوت: الصلاة؛ والقانت: المصلى؛ وأقول في ذلك
:
وَكُن قانتا لله في صلواته تلق السعادة في عُلا جناته من كان يعبد ربه ويطيعه كافأه بالحسنى على حسناته
(1) سورة المؤمنون: 2. (2) سورة الزمر: 9. (3) سورة البقرة: 238. (1/303)
صفحة 304
[صفحة فارغة] (1/304)
صفحة 305
الباب الثامن عشر في التعبد وقيام الليل
قال الله (ع): {كانوا قليلا من الليل ما يهجعون *
{
وبالأسحار هم يستغفرون} (1)؛ وقال): {تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفا وطمعا} ()؛ وقال (ع): أمن هو قانت أناء الليل ساجدا وقائما يحذر الأخرة ويرجوا
رحمة ربه} (3).
وعن أبي سلمه، عن عائشة، قالت: كنت أجعل للنبي (صلى الله عليه وسلم) حصيراً يُصلي عليه، فتسامع الناس بصلاته، فأجمعوا إليه، فكره ذلك، وكان بهم رحيما، وخشي أن يكتب عليهم قيام الليل، فقال: " يا أيها الناس، إن الله لا يمل من الثواب، حتى تملوا، وإن خير العمل أدومه "
وعن عبد الله بن قيس، أنه سمع عائشة، وكان ذكر عندها: أن قوما يزعمون أنهم، إذا أدوا الفرائض، لا يُبالون إن لم
(1) سورة الذاريات: 17 - 18.
(2) سورة السجدة: 16
(3) سورة الزمر: 9.
- 305 - (1/305)
صفحة 306
يزيدوا، فقالت: لعمري، لا يسألهم الله إلا عن ما إفترض عليهم.
وعن أسماء بنت يزيد، عن النبي ()، أنه قال: " إذا جمع الله الأولين والآخرين، جاء منادي ينادي: سيعلم أهل الجمع من أولي الكرم، ثم يقول: نعم، الذين {تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفا وطمعا} ()، وهم قليل، ثم يُحاسب الله الناس "؛ وأقول في ذلك:
عن المضاجع أقواما جنوبهم كانت لهم تتجافى طاعة الباري يدعون ربهم خوفا ومطمعة أناء ليل بأغلال وأسواري " ثم يرجع فيُنادي: أين الذين لا تلههم تجارة ولا بيع عن ذكر الله؟ فيقومون وهم قليل، ثم يرجع فينادي: أين الذين كانوا يحمدون الله في السراء والضراء؟ فيقومون وهم قليل، ثم يُحاسب الناس "؛ وأقول في ذلك
:
قوم مضوا لم يكن تلهي تجارتهم ذكر بارئهم سراً وإعلانا ولا مع البيع تنساه قلوبهم كلا ولا ارتكبوا إثماً وبهتانا ومعشر حمدوا الرحمن خالقهم سبحانه وتلوا مع ذاك برهانا
وعن أبي هريرة، قال: سأل رجل رسول الله): أي
(1) سورة السجدة: 16.
-7.7 - (1/306)
صفحة 307
الصلاة أفضل بعد الصلاة المكتوبة؟ قال: " الصلاة في جوف
الليل "؛ وقال محمد بن مداد:
بعد الفريضة إن أردت فضيلة تحظى بها في جنح ليل أسود صل لربك ما استطعت وناجه تلق السعادة من إله سيد
وعن إسماعيل بن مسلم، قال: قلت للحسن: ما بال المتهجدين أحسن الناس وجوها؟ قال: لأنهم تجلوا للرحمن
فألبسهم نوراً من نور
•
وعن جابر، عن النبي (صلى الله عليه وسلم)، قال: " من كثرت صلاته
بالليل، أحسن وجهه بالنهار
"
:
حسن الوجه بالنهار إذا ما كان بالليل قانتا أوابا يعبد الله ما استطاع بسر وبإعلانه أذاع المتابا وعن جابر، قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): " قالت أم سليمان بن داود (عليهما السلام): يا نبي الله، لا تكثر النوم، فإن صاحب النوم يجيء مفلسا "؛ وقال محمد بن مداد:
أقول لنفسي لا أعاتب غيرها ونفسي خؤون تكره اللوم والأسا لا تكثرن النوم فالنوم ربه يجيء به يوم القيامة مفلسا
- 307 -
- (1/307)
صفحة 308
إذا ما أحست بالقيام تناعساً ولن يجتلي نور الهدى من تنعسا
وعن جندب بن سفيان، قال: كان النبي (صلى الله عليه وسلم)، يحب التهجد آخر الليل؛ وأقول في ذلك:
تهجد فإن الفضل عند التهجد إذا كنت ممن تقتفي سبل أحمدا لقد نال فضلاً وافراً من تهجدا وحاكي به خير الأنام محمدا لقد قام هذا الليل حتى تورمت أخماصه من طول ما قد تهجدا كابد ليلاً مكفهراً سواده عليه صلاة ما بدا الليل أسودا وعن عبد الله، قال: ذكر رجل عند رسول الله): أن رجلاً نام عن وتر حتى أصبح، قال: " بال الشيطان في أذنيه "؛ وأقول في ذلك:
قل للذي نام عن الوتر من غسق الليل إلى الفجر شيطانه قد بال في أذنه وأصبح المسكين لا يدري وعن ابن عباس، عن النبي (صلى الله عليه وسلم)، قال: " كان داوود
العل)، يصوم نصف الدهر، ويقوم نصف الليل "
وعن جابر، عن النبي (صلى الله عليه وسلم)، قال: " أن في الليل ساعة لا يوافقها عبد مسلم، سأل الله أمراً لآخرته، إلا أعطاه الله إياه
- 308 - (1/308)
صفحة 309
ذلك، في تلك الليلة "؛ وأقول في ذلك
إن لله ساعة في الليالي هي موقوفة لأجل السؤال فاسألوا الله مُسلمي الأرض فيها بدعا صادق وحسن إبتهال فلكم ما سألتموه وحيا مُرجى غير وان حُيِّيتم بنوال وقال محمد بن مداد:
إن الله ساعة في الزوال من نهار وعقب ليل طوال ما دعى العبد فيها وتوخى ذاك إلا أجيب في الإبتهال يقبل الله فيهما دعوة الداعي إذا كان قوته من حلال وينادي عليهما ملك هل من سؤال يعطي عباده المتعال وعن ابن عُمر، قال: كنا قعوداً عند النبي (صلى الله عليه وسلم)، فقال: " يدخل عليكم رجل من أهل الجنة "، فليس منا أحد إلا تمنى أنه من أهل بيته، فإذا سعد بن أبي وقاص، فقال رجل: بأي شيء سبقنا إلى الجنة؟ هاجرنا مثل ما هاجر، وجاهدنا مثل ما جاهد، وإن له لعملاً، فقلت له: أستضيفك الليلة، فدخلت معه، فجاء فنام على فراشه، حتى سمعت غطيطه فانتبه من خوف بيته، فقال: لا إله إلا الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم (ثلاث مرات، ثم نام، ثم إنتبه، فقال مثل ذلك، ثم نام، ثم إنتبه،
-7.4 - (1/309)
صفحة 310
فقال مثل ذلك، ثم نام، ثم إنتبه، وقد جاء الصبح، فقال لي: قم فتوضأ، حتى تصل ركعتين، ثم تدرك الصلاة مع النبي (صلى الله عليه وسلم)،
فقلت
: ما ضيعت شيئا، فلزمته ثلاث ليال، لا يزيد على هذا فقلت له: سمعت النبي () يقول: كذا وكذا، فطلعت أنت فبأي شيء سبقتنا؟ أردت أعلم عملك، فقال: يا ابن أخي، هل رأيتني غافلاً؟
وعن أبي أمامة، أن النبي (صلى الله عليه وسلم)، قال: " عليكم بقيام الليل، فإنه دأبة (1) الأمم قبلكم، وقربة لكم إلى ربكم، ويكفر السيئات، وينهي عن الإثم "؛ وأقول في ذلك:
شيمة الأولين في الليل كانوا في دجى الليل قائمين قياما واقتفوا سُنن الأوائل لله بذكر يزيل عنكم أثاما وقال محمد بن مداد:
قم مع الليل يا أخي قياماً تكس نوراً يجلوا عليك الظلاما واتبع سنة النبي ودع عنك عذولاً وغافلاً نواما وإذا ما كسلت عنه فأكثر ذكرك الله حين تغشى المناما لا تكن غافلاً كنيباً حزيناً ساهيا لاهيا تحب الحطاما (1) الدابة: العادة.
- T 1 - (1/310)
صفحة 311
فوض الأمر للمليك ورح واغد مع الناس ضاحكا بساما
وعن معمر بن بشير، قال: أتيت باب عبد الله بن المبارك بعد العِشاء الآخرة، فوجدته يُصلي، وهو يقرأ: {إذا السماء انفطرت * وإذا الكواكب انتثرت * وإذا البحار فجرت * وإذا القبور بعثرت * علمت نفس ما قدمت وأخرت * يا أيها الإنسان ما غرك بربك الكريم} (1)، ثم وقف، فأقبل يرددها حتى ذهب هدو من الليل، فرجعت إلى منزلي، فجلست فيه، ثم رجعت إلى الباب، فإذا هو يقول: {ما غرك بربك الكريم} (2)، فلم يزل يرددها حتى طلع الفجر، فلما طلع الفجر، سمعته يقول: حلمك وجهلي، حلمك وجهلي، فانصرفت عنه وتركته؛ وفي ذلك
أقول:
يا أيها الإنسان ما غركا بربك الأكرم ما غركا غرك جهل ضل سبل الهدى فلو أطعت الله ما ضركا
قال: دخل عبد الله بن عُمر، ومحمد بن عُمر، على عائشة، فقال عمر: حدثيهم بأعجب ما رأيتي من رسول الله () فقالت: نام عندي ليلة، حتى لصق جلده بجلدي، فقال: يا
(1) سورة الإنفطار: 1 - 6
(2) سورة الإنفطار: 6.
-711 - (1/311)
صفحة 312
عائشة، أتأذنين لي أن أتعبد لربي هذه الليلة؟ فقلت: والله إني أحب قربك، ولكني أؤثر هواك، فقام فتوضأ، ثم قام إلى الصلاة ويقرأ ويبكي، حتى بل الدمع مما يلي الأرض منه، فأتاه بلال، فقال: بأبي وأمي أنت يا رسول الله، ألم يغفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تآخر؟ قال: يا بلال، أفلا أكون عبداً شكوراً، وما أدري ما أنزل إليه في هذه الليلة: {إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب * الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السماوات والأرض ربنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك فقنا عذاب النار} ()، يا بلال، ويل لمن قرأ هذه الآية، ثم لم يتفكر فيها؛
(1)
وأقول في ذلك
:
أتأذنين إبنة الصديق في طلبي عبادة الله وسط الليل من ربي فقلت والله قرب منك يعجبني لكن هواك فقم فيه بلا عتب فقام يبكي لدى التسبيح فيه لما قد جآنه في كتاب الله من أدب تفكر بين آياتٍ مُبينة للناس قد أنزلت في أكرم الكتب وعن أبي سعيد الخدري: أن النبي (صلى الله عليه وسلم) قال: " الشتاء ربيع المؤمن، قصر نهاره فصامه، وطال ليله فقامه "؛ وأقول (1) سورة آل عمران: 190 - 191
- 312 - (1/312)
صفحة 313
في ذلك: قصر النهار فصامه الأبرار والليل طال فقامه الأخيار
وعن أبي هريرة، عن أبيه، عن جده، قال: قال رسول الله): " من سره أن يقوم في أي ساعة يشاء من الليل، فليقل إذا أخذ مضجعه: اللهم إبعثني من مضجعي هذا لذكرك، وشكرك،
وصلواتك، واستغفارك، وتلاوة كتابك، وحسن عبادتك "
وعن عبد الله، عن رسول الله (، أنه قال: " فضل صلاة الليل على صلاة النهار، كفضل صدقة السر على صدقة
العلانية "
وعن سليمان بن مزيد، عن أبيه، قال: بينما النبي () في مسير له، إذ أتى على رجل يتقلب في الرمضاء ظهراً لبطن وهو يقول: نوم بالليل ونوم بالنهار، وترجين أن تدخلي الجنة،
فلما قضى ذات نفسه، أقبل علينا، فقال: دونكم أخاكم، فقلت ادع لنا يرحمك الله، فقال: اللهم اجعل التقوى زادهم، فقلنا: زدنا، فقال النبي (): زدهم، فقال: اللهم اجعل الجنة مأواهم، قال النبي (صلى الله عليه وسلم): " إذا أصبحت كل يوم في عافية، فقل: سبحان الله وبحمده) تسعين مرة)، يغفر الله لك ذنوب
: (1/313)
صفحة 314
:
تسعين سنة "، ففرح أصحابه، فقال () ا هنا ما هو أخف من هذا، قل: أشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، يُحيي ويُميت، وهو حي دائم لا يموت، بيده الخير، وهو على كل شيء قدير، يشهد له شعره وبشره،
وضمنت على الله الجنة
"
- 314 - (1/314)
صفحة 315
البات التاسع افتر
في فضل القرآن والتعبر بتلاوته
قال الله (ال): {وأوحى إليَّ هذا القرآن لأنذركم به ومن
بلغ} ().
وعن النعمان بن بشير، عن النبي (، أنه قال: " أفضل) العبادة القرآن، وأفضل عبادة أمتي بعد القرآن الذكر "؛ وأقول
في ذلك
:
فضل العبادة في القرآن تنميه وفي دعا الله إحسان لداعيه وعن ابن عُمر، قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): " إن هذه القلوب تصدأ، كما يصدأ الحديد "، قيل: فما جلاؤها؟ قال: تلاوة القرآن "
إن القلوب لتصدأ كالحديد إذا رأيته صادياً أغمى من التعب وليس يجلوا صدى قلب سوى سورة تتلى عليه من الآيات والكتب
وعن ابن عباس، قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): " أشراف
(1) سورة الأنعام: 19.
- 315 - (1/315)
صفحة 316
أمتي حملة القرآن، وأصحاب الليل "؛ وقال محمد بن مداد: إن أهل القرآن هم أشراف وهم الراسخون في الأعراف وكذا الراكعون في ظلم الليل هم أهل سورة الإيلاف
قال: قال رسول الله (): " من بلغه هذا القرآن، أو شيء منه، فكأنما شاهد نبيه "؛ قال الله (ع): {لانذركم به ومن بلغ} (1)، وفي ذلك أقول:
من بلغ القرآن أسماعه فكأنما قد شاهد المصطفى فليتبع آثاره عاملاً ينجوا من النار إذا ما نجا
وعن سكينة بنت الحسين، عن أبيها، عن النبي (صلى الله عليه وسلم)، قال: " حملة القرآن، عرفاء أهل الجنة يوم القيامة
"
وعن أبي سعيد، قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): " ما آمن بالقرآن من إستحل محارمه، ومن قرأ حرفاً من القرآن، كتب له
حسنه " - وفي الآثر: أربعين حسنة. .
وعن أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): " شر الناس رجلٌ يقرأ القرآن، ولا يرعوى عن شيء منه "
(1) سورة الأنعام: 19.
- 316 - (1/316)
صفحة 317
ذاك والله به مُستهزيء ثم لا يمنعه عن محرم ذاك والله به مُستهزيء يقرأ الذكر لكسب الدرهم
وعن الحسن، قال: أن عُمر بن الخطاب (ه)، كان يقول: لقد أتى عليَّ زمان، وأنا أحسب أن من يقرأ القرآن، فإنما يُريد به الله وما عنده، فقد خيل لي، أن أقواما يُريدون به الناس وما عندهم، ألا فأريدوا الله بقراءتكم وأعمالكم، ألا وإنما كنا نعرفكم إذ النبي () بين أظهرنا، وإذا الوحي ينزل عليه، وإذ ينبئنا الله من أخباركم، ألا فقد قبض رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، ورفع الوحي، والآن فما أعرفكم بما أقول لكم، ألا ومن أظهر منكم خيراً، ظننا به خيرا وأحببناه عليه، ومن أظهر منكم شراً، ظننا به شراً
وأبغضناه عليه، سرائركم بينكم وبين ربكم؛ وأقول في ذلك:
من أظهر الخير أولانا محبته وصاحب الشر مبغوض إلى الناس وما يسرون من بر وفاحشة فعلم ذاك إلى من ليس بالناسي الله يعلم ما تخفي صدوركم وما تكنون من خير ومن بأس وقال محمد بن مداد:
أظهر الخير تكسب الخير منه ودع الشر إن فيه سماجه صاحب الخير يُحرص الناس فيه ما لهم عن حامل الشر حاجه
- IV- (1/317)
صفحة 318
واحبب الله يا أخي تحبب إلى الناس والقبوح لجاجه وأرى حبه إجتناب المعاصي فاتبع الحق قافيا أدراجه
وعن عقبة بن عامر، قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): " لو كان
هذا القرآن آهاب، لم تأكله النار "؛ قال الشيخ: إختلف العلماء في معنى هذا الحديث؛ وقال الأصمعي: يُريد من عَلَمَهُ الله القرآن من المسلمين، ثم ألقي في النار لم تحرقه، فكني: بالآهاب. عن الشخص والجسم، واحتج على تأويله، بقوله): " إن الله لا يُعذب من دعا بالقرآن "؛ وأقول في ذلك
يا داعي القرآن قال النبي أقليك لا تحرق بالنار فاعمل بما فيه لرب العُلا يُنجيك من نار ومن عار وقال في الحديث - تأويل- آخر وهو: أنه لو جعل القرآن في آهاب، ثم ألقي في النار ما إحترق القرآن، وكان النار تحرق الجلد والمداد ولا تحرق القرآن، لأن الله (ل) ينسخه ويرفعه في الجلد صيانة له، وإن أحرقه فإنها لا تبطله ولا تدرسه، إذا كان قد ضمنته قلوب الأخيار من عباده، فهم يقومون به آناء الليل والنهار، وإنما لا تبطله ولا تدرسه، إذا كانت القلوب تعيه
وتحفظه
- TIA- (1/318)
صفحة 319
وفي التوراة: يا محمد، إني منزل عليك نورا، تفتح به أعينا عميا، وآذانا صما، وقلوبا غلفا
وعن أنس، قال: قال رسول الله): " تعلموا القرآن (وعلموه الناس، وتعلموا الفرائض وعلموها الناس، فإني أمرء مقبوض، وإن العلم سيُقبض ويُرفع، وتظهر الفتن حين يختلف الإثنان في فريضة، فلا يجدان من يفصل بينهما "
قال: سمعت جعفر بن محمد، يقول في قوله (ل): {الذين أتيناهم الكتاب يتلونه حق تلاوته} (1)، قال: ليعملون به حق
عمله
وعن أبي رجا، قال: قلت للحسن: ما تقول في رجل حفظ القرآن على ظهر قلبه، ولا يتلوه، ولا يقوم به؟ فقال: يتوسد القرآن، لعن الله ذلك
قال الله) للعبد الصالح: {وإنه لذو علم لما علمناه} (2). دعا النبي (صلى الله عليه وسلم) عليا ومعاذا، فقال: إنطلقا، ويسرا ولا تعسرا، فإني قد أنزل عليَّ: {يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهداً
(1) سورة البقرة: 121. (2) سورة يوسف: 68.
- TI- (1/319)
صفحة 320
ومُبشراً ونذيراً * وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً} ()، قال: {شاهداً} على أمتك، {ومبشراً} بالجنة، {ونذيراً} من النار، {وداعيا إلى الله} شهادة أن لا إله إلا الله، {وسراجاً منيراً}، قال: القرآن.
وعن الحسن، قال: قام رجل إلى النبي (صلى الله عليه وسلم)، فقال: عظني؟ فقال (): " تعلم القرآن، واحذر يوم التلاق، أهل السماوات وأهل الأرض "
وعن الحسن، أنه قال: يا ابن آدم، إذا وسوس لك الشيطان بخطيئة، أو حدثت بها نفسك، فاذكر عند ذلك ما حملك الله في كتابه، مما لو حملته الجبال الراسيات الخاشعات، لخشعت وانصدعت، أما سمعته يقول في كتابه: {لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعاً متصدعا من خشية الله وتلك الأمثال نضربها للناس لعلهم يتفكرون} (2)، وإنما ضرب الله لك الأمثال لتتفكر فيها، وتعتبر بها، وتزدجر بها عن معاصي الله، وأنت إذا أحق أن تخشع لذكر الله، وما حملك من كتابه، وأتاك من حكمه، لأن عليك الحساب، ولك الجنة أو النار؛ واعلم - يا ابن
(1) سورة الأحزاب: 45 - 46
(2) سورة الحشر: 21. (1/320)
صفحة 321
آدم - أنه لا يدخل الجنة إلا من أحبها، ولن يحبها أحد إلا أحب عملها، حتى يعمل به أو بما إستطاع، إن الله قسم الدُّنيا للبلا: والآخرة بالجزا، وأن الله أعطى الدنيا بالقسم، وأعطى الآخرة بالعمل، فإن سبيل الله سبيل واحد، جماعه الهدى ومصيره الجنة، وأن سُبل الشيطان سُبل متفرقة، جماعها الضلال ومصيرها النار، وأن المؤمن لم يأخذ دينه عن رأيه، ولكن أتاه من الله فأخذ عنه، وأن هذا الإيمان ليس والله بالتجلي ولا بالتمني، ولكن ما فكر في القلب، فصدقته الأعمال، ظهر الخفا، وقلت العلماء، وتركت السنة، لقد صحبت أقواماً كانت صحبتهم قرة أعين لكل مؤمن، فو الله ما بقي اليوم أحد يأخذ برائه، ذهب الحياء، وانطمس الفكر، وذهبت المعرفة، وبقي مترف صاحب دنيا، لها يغضب، ولها يرضى، وعليها يُقاتل، ذهب الصالحون أسلافا، وبقي خثارة كخثارة الشعير، لا يُبالي الله بهم؛ وأقول
في ذلك
:
ذهب الخيار وقد بقي الأشرار جعلوا الفداء لسالف الأخيار كم قدسوا أهل الفجور ذو الغنى وذو الفجور مصيرهم في النار
وقال الشيخ محمد بن مداد: (1/321)
صفحة 322
ذهب الصالحون أسلافاً وأوجفوا للقبور إيجافا وقد بقينا في معشر خلف - لم يألفوا الصالحات إيلافا قد ذهب العلم منهم فبقوا صفراً مع الصالحين أخلافا فالعين تبكي لفقد ضدِهُمُ سحا على فقدهم توكافا
وعن عبد الله: أن النبي ()، قال، قال: " ما أصاب مسلماً قط، هم ولا حزن، فقال: اللهم إني عبدك، ابن عبدك، ابن أمتك، ناصيتي بيدك، ماض في حكمك، عدل في قضائك، أسألك بكل إسم هو لك، سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحداً من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك، أو دعاك به ملك مُقرب، أو نبي مرسل، أن تجعل القرآن الكريم ربيع قلبي، ونور بصري، وجلاء حزني، وذهاب همي وغمي، إلا أذهب الله (ل) همه، وأبدله مكان حزنه فرحا "، فقالوا: يا رسول الله، ألا نتعلم هذه الكلمات؟ قال: " ينبغي لمن سمعهن أن يتعلمهن ".
وعن عبد الله، قال: قال النبي (: " القرآن شافع: ومشفع، وما حل مُصدّق، من جعله أمامه قاده إلى الجنة، ومن جعله خلفه ساقه إلى النار " (1/322)
صفحة 323
قال: سمعت الحسن يحدث: أن رجلاً من المسلمين حضرته الوفاة، فقال له أهله: أوصي يا فلان؟ فقال: انظروا في خاتمة سورة النحل، فاستوصوا بها: {إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون} (1)
{
وعن ابن عباس بن جندب: أن النبي (صلى الله عليه وسلم)، قال: " من قال: أن في القرآن برأيه فأصاب، فقد أخطأ "
وعن ابن عمران، قال: نوروا قلوبكم بالقرآن، واجعلوا لبيوتكم نصيبا من القرآن، فالبيت الذي يُقرأ فيه القرآن، أنس على أهله، وكثر فيه خيره، والبيت الذي لم يُقرأ فيه القرآن، وحش على أهله، وقل فيه خيره؛ وأقول في ذلك
:
إذا قريء القرآن في وسط منزل نمى الخير فيه واشتدت سحايبه وأنس من فيه وعاش بخيره فطوبى لمن نالت يداه مطالبه وإن لم يكن يُقرأ بدار ومنزل توحش فيه رسمه وملاعبه ويفقد كل الخير منه فربما دعته مع الأيام فيه عجايبه وعن ابن عباس، عن النبي ()، قال: " أن الرجل الذي ليس في جوفه شيء من القرآن، كالبيت الخرب "؛ وأقول في
ذلك:
(1) سورة النحل: 128.
323
- (1/323)
صفحة 324
إذا كان جوف المرء من وحي ربه خليا من القرآن قد ضل في العجب وَمَا هُوَ إِلَّا مثل بيت يروقني بظاهره والشر من والج وجب
وعن الحسن، أنه قال: إذا قرأ القرآن: {وإنه لكتاب
عزيز * لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد} (1)، قال: حفظه الله من الشيطان، فلا يزيد فيه باطل، ولا ينقص منه حق، وتلا قوله (ل): {إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون} (2)
(2)
وعن أبي موسى الأشعري: أن النبي (صلى الله عليه وسلم)، قال: " مثل المؤمن الذي يقرأ القرآن، مثل الأترجه، طيب طعمها وريحها، ومثل المُؤمن الذي لا يقرأ القرآن، مثل التمرة، طعمها طيب ولا ريح لها، ومثل الفاجر الذي يقرأ القرآن، مثل الريحانة، طعمها مُر وريحها طيب ".
قال: سمعت الشعبي يقول في قوله (ال): {فنبذوه وراء ظهورهم} (3)، قال: تركهم العمل به؛ وأنشدنا عبد الله بن
محمد بن سفيان:
(1) سورة فصلت: 41 - 42.
(2) سورة الحجر: 9. (3) سورة آل عمران: 187
- 324 - (1/324)
صفحة 325
يا أيها الناس مهر الحور مفترض طول التهجد أوفتك بجبار
لا كنت إن لم أصم عن كل عائبة حتى يكون بريق الحور إفطاري
وأقول في ذلك:
من يبتغي الحور فليعمل بطاعته رضى الإله لكي ينجوا من النار ما المهر إلا بإخلاص القلوب إذا تهجد العبد في ليل وأسحار وجاهد المشركين الفضل كان له وزاد في فضله فتك بجبار وصام طوعاً عن الفحشاء مدته بالحور إفطاره ما بين أبرار
وأنشدني لأبي بلال البشاري:
إذا ما الليل أسفر كابدوه فيسفر عنهم وهم سجود أطال لخوف أمنهم فقاموا وأهل الأمن في الدُّنيا هجود
وقال محمد بن مداد
:
ألا الله قوم أي قوم تولى ليلهم وهم سجود وكانوا في دُجا الظلمات نوراً بقاع الأرض مثلهم تريد فقاموا ليلهم وهم قليل على ضعف وليس لهم عديد وأهل الأرض غيرهم كثير هموداً جُل ليلهم رقود دعوا الله دعوة مستجيب وأعينهم بأدمعها تجود
- 325 - (1/325)
صفحة 326
دعاهم للتضرع فاستجابوا ويُنثر فوقهم كرم وجود
وعن أبي هريرة، قال: قال النبي (): " ألا أخبركم من
أكسل الناس؟ وأسرق الناس؟ وأبخل الناس؟ وأجفى الناس؟ " قالوا: بلى يا رسول الله، فقال: " أما أكسل الناس: فعبد نام على فراشه، صحيح الظهر والبطن، لا يذكر الله بشفة ولا لسان، وأما أسرق الناس: فالذي يسرق صلاته، تُلف كما يُلف الثوب الخلق، فيُضرب بها وجهه، وأما أبخل الناس: فالرجل يمر بالجماعة من المُسلمين، فلا يسلم عليهم، وأما أجفا الناس:
فرجل ذكرت بين يديه، فلم يُصل عليَّ ".
- 326 - (1/326)
صفحة 327
الباب العشرون في الدعاء
قال: سمعت رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، يقول: " أفضل الذكر: لا
إله إلا الله، وأفضل الدعاء: الحمد لله "؛ وقال محمد بن مداد:
أفضل الذكر جميعا
لا
ثقلت في كل وزن
الـ
إلا الله
إلـ
إلا الله
قال: أتى النبي () رجل، فقال: يا نبي الله، أي الدعاء أفضل؟ فقال: " سل ربك العفو والعافية فرد عليه ثلاثا) "؛
وأقول في ذلك
:
إذا قدر الله لي عفوه وأمنا وفضلاً مع العافية عليَّ فقد نلت ما أشتهي وقرت به العين في الوافية وقال محمد بن مداد:
يا رب يا ذا النعمة الشافية أسألك العفو مع العافية مثل هاتين لنا نعمة في هذه الدنيا وفي الوافية
- TYY. (1/327)
صفحة 328
وعن أبي هريرة، عن النبي ()، فيما يرويه عن ربه
(ع)، قال: من لم يكن يدعني أغضب عليه
•
الله يغضب إن تركت سؤاله وبني آدم حين يسأل يغضب اجعل سؤالك للإله فإننا في فضل نعمة ربنا نتقلب
وفي ذلك قال أبو العتاهية:
العبد يغضب حين يسأل نائلاً والله أن تسأله شيئا يرغب وإذا سألت سواه يغضب فاجتنب غضب الإله وناده بالمطلب
وأقول في ذلك:
لا تسأموا من دعاء الخير وابتهلوا إلى الإله بإدمان والحاح فالله يرضى إذا ما كنت سائله والعبد يبدل أفراحاً بأتراح
وعن أبي هريرة، قال: قال النبي (): " آخر ما تكلم به) إبراهيم (العلا)، حين ألقي في النار، قال: حسبي الله ونعم
الوكيل "
حين ألقي الخليل في النار نادى حسبي الله ونعم الوكيل وعن عُمر بن الحصين، قال: ثلاث يدرك بهن العبد رغائب
- TYA- (1/328)
صفحة 329
الدنيا والآخرة: الصبر عند البلاء، والرضى بالقدر، والدعاء في الرخاء.
رغايب العبد تلقاها موفرة في الصبر منه وفي التسليم للقدر وفي الرّخاءِ الدُّعا فالزمه مُحتسباً ما قلته لك يروى ذاك عن عُمر وعن أبي هريرة: أن النبي (صلى الله عليه وسلم)، قال، قال: " ادعوا الله وأنتم
موقنون بالإجابة، واعلموا أن الله لا يستجيب دعاء قلب لام "
وعن أبي هريرة، عن النبي)، قال: " يقول الله (ع): أين الذي دعاني فلم أجبه، وسألني فلم أعطه واستغفرني فلم أغفر له، وأنا أرحم الراحمين ".
وعن النبي) يقول: " أربع من كن فيه، بنا الله له بيتا في الجنة؛ من كان عصمته: لا إله إلا الله، فإذا أعطي شيئاً قال: الحمد لله، وإذا أصابته مُصيبة، قال: {إنا لله وإنا إليه راجعون} (1)، وإذا أذنب ذنباً، قال: أستغفر الله "
{
وعن عبد الرحمن بن أبي بكر، عن أبيه، قال: سمعت النبي () يقول: " دعوات الفرج والكروب: اللهم رحمتك
(1) سورة البقرة: 156. (1/329)
صفحة 330
أرجو، فلا تكلني إلى نفسي طرفة عين، وأصلح شأني كله، لا إله إلا أنت ".
وعن ابن عباس، قال: قال النبي (: " من قال: اللهم إني أصبحت في نعمة منك، وعافية، وستر، فأتمم علي سترك في الدنيا والآخرة [ثلاث مرات إذا أصبح وإذا أمسى]، كان حقاً على الله أن يتم عليه ".
وعن علي بن أبي طالب، قال: علمني رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، إذا نزل بي كرب، أن أقول: لا إله إلا أنت الحليم الكريم، سبحان الله
وتبارك الله رب العرش العظيم، والحمد لله رب العالمين
وعن عبد الله، قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): " ألا أعلمكم الكلمات التي تكلم بهن مُوسى (ال)، حين جاوز البحر ببني إسرائيل؟ " قلنا: بلى يا رسول الله، قال: " قولوا: اللهم لك الحمد، وإليك المشتكى، وأنت المستعان، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم "؛ وعن عبد الله، قال: فما تركتهن مذ سمعتهن من رسول الله (صلى الله عليه وسلم)؛ وقال: وزد فيهن: ونستعين بك على فساد (1) ديننا، ونسألك صلاح أمرنا كله
(1) لعله: إستقامة ديننا، إذ لا معنى لذلك يدل، والله أعلم، من الناسخ بيده، وإني غير فهيم
330 (1/330)
صفحة 331
قال: سمعت أبا جعفر محمد بن عليّ، يقول: العبد يسأل الحاجة، فتكون قضاؤها إلى أجل قريب، فيذنب العبد، فيقول الله تعالى: ألا حرمته إياها، فإنه تعرض لسخطي، فاستوجب الحرمان؛ قال أبو حنيفه: صدق، فلا ينال ما عند الله إلا بطاعته؛ وأقول في ذلك
بطاعة الله تنال الذي تطلبه يأتيك في العاجل فاجتنب العصيان تحضى بما تسأل في العاجل والآجل قال: أوحي الله (ع) إلى داوود (الله): قل للظلمة: لا يذكرونني، فإن حقا عليَّ أن أذكر من ذكرني، وأن ذكري لهم أن
العنهم.
من ذكر الله فلابد أن يذكره الله بما يذكر إن ذكر الله بمعرفته فهو له في ذكره يستنكر أعطاه ما استوجب من شكره أضعافه فهو له منكر ولعنة الله على ظالم يذكره وهو له منكر
قال: سمعت النبي ()، يقول دبر كل صلاة: " اللهم لا
مانع لما أعطيت، ولا معط لما منعت "؛ وأقول في ذلك: (1/331)
صفحة 332
لا مانع يمنع ما أعطى وليس مُعط للذي يمنع وليس ذو المجد بمجدٍ له إذا أبى الله فلا ينفع
قال: قال النبي (صلى الله عليه وسلم): " عباد الله، إن العبد إذا قال: سبحان الله، كتب له بها عشراً، ومن عشر إلى مائة إلى ألف، ومن إزداد، زاد الله له، ومن إستغفر، غفر الله له "
وعن أنس بن مالك: أن النبي (، كان يقول: " اللهم إني أعوذ بك من العجز والكسل، والجبن والبخل، والهرم والفسق، والغفلة والغيلة، والفقر، والذلة والمسكنة، والكفر، والرياء والسمعة، والشقاق والنفاق، والصمم والبكم، والجنون والجذام والبرص، وأعوذ بك من شر الأسقام ".
وعن زيد بن حارثه: أن النبي ()، كان يقول إذا أصبح:) " اللهم إني أعوذ بك أن يدعوا علي رحم قطعتها، أو نفس ظلمتها، وأسألك غنى النفس "
وعن قتادة، قال: قال النبي (صلى الله عليه وسلم): " كم نعمة الله في عرق
ساكن "؛ وأقول في ذلك:
كم نعمة الله قد كونت في نابض العرق وفي الساكن (1/332)
صفحة 333
وقال:
كم نعمة الله عددتها في ظاهر الأمر وفي الباطن وعن عائشة رضي الله عنها، قالت: كان النبي () يقول: " اللهم إني أعوذ بك من شر فتنة الغنى، وشر الفقر، وأعوذ بك من البخل، والمغرم، والمأثم "
وعن الحسن، قال: قال رسول الله (): " إن من جهد: البلاء، جار السوء، معك في دار مقام، إن رأى حسنة دفنها، وإن رأى سيئة أذاعها وأفشاها، وأمير عليك سلطان، إن أطعته أكفرك، وإن عصيته قتلك، وإمرأة سوء، إن أمرتها لم تطعك
وإن غبت عنها لم تحفظك "؛ وأقول في ذلك
جهد البلاء جار سوء لا إنفكاك له إذا رأى حسنات منك يخفيها وإن رأك وقد قارفت سيئة بين الملأ لا يبالي حين يفشيها كذاك سلطان سوء إن أطعت له أو لم تطع أمره فالروح يُرديها وحرمة السوء إن أمراً أتيت به عصتك فيه ولم تحمد مساعيها
وعن عليّ: أن النبي (صلى الله عليه وسلم)، قال: " اللهم إني أعوذ بك من شر ما يلج في الليل، ومن شر ما تهب به الرياح، ومن شر
- (1/333)
صفحة 334
بوائق الدهر "؛ وأقول في ذلك:
أعذني إله العرش من شر والج مع الليل حتى ينقضي بصباح ومن شر دهر يعتري ببوائق وشر نسيم من هبوب رياح
وعن عبد الله بن مسعود: أن النبي (صلى الله عليه وسلم)، قال: " من بخل منكم بالمال أن ينفقه، وهاب العدو أن يجاهده، والليل أن يكابده، فليكثر من هذه الكلمات: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، والله الحمد، لا يضرك بأيهن بدأت "
وعن أبي ذر (ه)، قال: قلت: يا رسول الله، أي الكلام أحب إلى الله؟ قال: " ما إصطفاه الملائكة: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله [يقولها ثلاثا] ".
حدثنا بكر بن عبد الله المُحتسب، بإسناد، قال: سئل أبو حنيفة عن الغني والفقير؟ فقال: وهل الغني إلا من طغى من
خلق الله ولا طغيان للفقير؛ وأقول في ذلك:
إن الغني ليطغى عند نعمته وليس يطغى فقير ما بقي أبدا وكل ذلك رجعاه إلى ملك لم يتخذ زوجة يوماً ولا ولدا وعن أبي هريرة، قال: مررت على النبي (صلى الله عليه وسلم)، ومعي
- 334 - (1/334)
صفحة 335
أغراس، فقال: " ألا أدلك على أغراس أفضل من هذا: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، وليس كلمة منها
تقولها، إلا غرس الله لك بها شجرة "؛ وأقول في ذلك:
الباقيات الصالحات هي التي من قالها سلك الطريق الأقوما والجاحدون لها أعد لهم غداً يوم القيامة مقصداً لجهنما
وعن ابن عُمر، قال: إشتكا فقراء المسلمين إلى النبي)، ما فضل به أغنياءهم عليهم، قالوا: يا رسول الله إخواننا أمنوا إيماننا، وصدقوا تصديقنا، ويصومون صيامنا، ويصلون صلاتنا، ونحن مساكين، لا نقدر على شيء من ذلك،
قال: " أفلا أخبركم بشيء إذا فعلتموه أدركتم مثل فعلهم تقولون في دبر كل صلاة: الله أكبر الله أكبر [إحدى عشر مرة]، وسبحان الله [إحدى عشر مرة]، والحمد لله [إحدى عشر مرة]، تدركوا مثل فعلهم، ففعلوا ما أمرهم به، فبلغ ذلك الأغنياء، فقالوا مثل ما أمرهم به النبي (صلى الله عليه وسلم)، فرجع الفقراء إليه فأخبروه بذلك، فقال النبي): {ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم} ()، أبشركم فقراء المسلمين،
تدخلون قبل الأغنياء بنصف يوم، وذلك خمسمائة عام "
(1) سورة الحديد: 21
- 335 - (1/335)
صفحة 336
وعن عبد الله بن أبي أوفي، قال: خرج علينا النبي ()
فقال: " من كانت له حاجة إلى الله عز ذكره)، أو إلى أحد من خلقه، من بني آدم، فليتوضأ وليحسن وضوءه، وليُصلي ركعتين، وليثني على الله، وليُصلي على نبيه ()، ثم ليقل: لا إله إلا الله الحليم، سبحان الله رب العرش العظيم، الحمد لله رب العالمين، اللهم إني أسألك موجبات رحمتك، وعزائم مغفرتك، والعصمة من كل شر، والسلامة من كل ذنب، لا تدع لي ذنباً إلا غفرته، ولا هما إلا فرجته، ولا حاجة لك فيها رضا، ولي فيها صلاح، إلا قضيتها يا أرحم الراحمين، اللهم إني أسألك الجنة، وما يُقرب إليها من قول أو عمل، وأعوذ بك من النار وما يُقرب إليها من قول أو عمل "
وعن ابن عباس: أن النبي (صلى الله عليه وسلم)، قال للعباس: " يا عماه، ألا أعطيك، ألا أمنحك، بعشر خصال، إذا أنت فعلت ذلك، غفر الله لك: أن تصلي أربع ركعات، تقرأ في كل ركعة فاتحة الكتاب وسورة، فإذا فرغت من القرآن أول ركعة، قلت وأنت قائم: سُبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر [خمس عشر مرة]، ثم تقول وأنت راكع عشراً، ثم ترفع رأسك وتقولها عشراً، فذلك خمس وثلاثون مرة، فتقول ذلك في أربع ركعات
- 336 - (1/336)
صفحة 337
إن إستطعت أن تصليها في كل يوم مرة، فإن لم تفعل ففي كل جمعة مرة، فإن لم تفعل ففي كل شهر مرة، فإن لم تفعل ففي عُمرك مرة.
جاء رجل شيخ من بني فلان إلى النبي (صلى الله عليه وسلم)، وشكى الضعف، وسأله دعوة تنفعه، فقال: يا رسول الله، زدني دعوة تنفعني في الدنيا والآخرة، ولا تطل فإني شيخ نساء، فقال: " أما لدنياك، فقل في دبر كل صلاة: سُبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، والله الحمد، فقلها ثلاث مرات، فقد آمنك الله من أربع: من العمى، والجذام، والبرص، والفالج؛ وأما لآخرتك، فقل: اللهم أنقذني من عذابك، وافض عليَّ من فضلك، واستر عليَّ برحمتك، وأنزل علي من بركاتك، فقبض أصابعه الأربع وهو يبكي، فقال لأصحابه: ما أشد ما قبض على أصابعه الأربع، فقال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): " والذي نفسي بيده، إلا وافى الله بها غداً يوم القيامة، لم يدعها لتفتتح له أبواب الجنة الثمانية، يدخلها من حيث شاء "
وعن أبي أيوب الأنصاري: أن النبي (صلى الله عليه وسلم)، قال: " أن ليلة أسري بي، مررت على إبراهيم (الله)، فقال: أمر أمتك أن
- TV- (1/337)
صفحة 338
تكثر من غرس الجنة، فإن أرضها واسعة، وتربتها طيبة قلت: وما غرس الجنة؟ قال: لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، من قال: سبحان الله وبحمده [عشراً]، غرست له نخلة في الجنة ".
وعن ابن عمران الحوبي، قال: مر سليمان بن داوود عليهما السلام، والطير تظله، والريح تنقله، والجن والإنس عن يمينه وشماله، قال: فمروا بعابد من عباد بني إسرائيل، فقال: والله - يا ابن داوود - لقد أتاك الله مُلكاً عظيماً، قال: فسمع كلامه، فقال: تسبيحة في صحيفة مُسلم، خير مما أعطي داوود، وما أعطي يذهب والصحيفة تبقى
تسبيحة في صحيفة كُتبت لمُسلم خير من ملك ابن داوود ملك ابن داوود يفني والتي كتبت تسبيحة فضلها في يوم معدود وعن عبد الله بن عُمر: أن النبي (صلى الله عليه وسلم)، قال: " الخير كثير، ومن يعمل به قليل، ومن يُحافظ عليه يدخل الجنة "؛ قلنا: ما هو؟ قال: " تسبيح الله دبر كل صلاة عشراً، ويحمده عشراً، ويكبره عشراً، فذلك مائة وخمسون باللسان، وألف وخمسمائة في الميزان، وإذا أوى أحدكم فراشه: يسبح الله
_ TTA- (1/338)
صفحة 339
[ثلاثا وثلاثين]، ويحمده [ثلاثا وثلاثين]، ويكبره [أربعاً وثلاثين]، فتلك مائة باللسان وألف بالميزان "؛ قالوا: فلا نطيق ذلك؟ قال: بلا، يأتي الشيطان أحدكم في دبر صلاته، فيذكره حاجته، حتى يقوم ولا يقولها - لعله أراد: إذا أوى إلى فراشه فيشغله حتى ينام، ولا يقولهن. .
قال الله (ع): فخرج على قومه من المحراب فأوحى إليهم أن سبحوا بكرة وعشيا} (1)، والسبحة: الصلاة؛ قال الله (ع): {فاصبر على ما يقولون وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل غروبها ومن أناء الليل فسبح وأطراف النهار لعلك ترضى} (2)؛ وقال (): {ومن الليل فسبحه وإدبار النجوم} (3)؛ وقال الله (ع): {الصابرين والصادقين والقانتين والمنفقين والمستغفرين بالأسحار} ()؛ وقال الله (ع): {والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب إلا الله ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون} ()؛ وقال (: {ولو أنهم إذ ظلموا
(1) سورة. سورة مريـ
(2) سورة طـ (3) سورة الطـ
(4) سورة آل عمران: 17 (5) سورة آل عمران: 135
- 339 - (1/339)
صفحة 340
أنفسهم جاءوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله توابا رحيما} (1)؛ وقال): {وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون} (2)
قال علي بن أبي طالب: عجبت لمن يعطب ومعه النجاة،
قيل: وما هي يا أمير المؤمنين؟ قال: الإستغفار.
قال النبي (صلى الله عليه وسلم): " إني ليران على قلبي، فاستغفروا الله تعالى كل يوم مائة مرة
وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): " من ألبسته نعمة، فليكثر من الحمد، ومن كثرت همومه، فليستغفر الله، ومن أبطيء عليه رزقه، فليكثر من قول: لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم "؛ وأقول في ذلك:
إذا استغفر الله من ذنبه وتاب إلى الله من كسبه عفى الله عنه عذاب الجحيم وكان من الله في حزبه وتستغفر الله من جُرمه ينال السعادة من ربه
وقال محمد بن مداد:
(1) سورة النساء: 64
(2) سورة الأنفال: 33.
- TE. - (1/340)
صفحة 341
إذا أحدث الله لي نعمة حمدت إلهي لتلك النعم وإن كثر الهم في خاطري لجأت إلى غافر لم ينم ولا حول عندي ولا قوة بغير الإله به اعتصم
وقال الكندي (عفى الله عنه ولجميع المسلمين):
إذا الله البسني نعمة شكرت وإني له حام واستغفر الله من كل ما أهم ودهري له ساجد ولا حول عندي ولا قوة بغير الإله هو الواحد وعن أبي هريرة، عن النبي ()، أنه قال: " ألا أدلكم على كلمة من تحت العرش من كنز الجنة، يقول: لا حول ولا قوة إلا بالله، يقول الله (ع): أسلم عبدي واستسلم، ثم تلا: {ولولا إذ دخلت جنتك قلت ما شاء الله لا قوة إلا بالله} (1) "؛ وقال محمد بن مداد:
من قال لا حول ولا قوة إلا لربي القاهر إستسلما وإنقاد الله بتسليمه وصار عبداً مذعنا مسلما
وعن أنس، عن النبي ()، أنه قال: " أن القلوب لتصدأ
كالنحاس، وجلاؤها الإستغفار "؛ وأقول في ذلك:
(1) سورة الكهف: 39.
- TE 1 - (1/341)
صفحة 342
إن القلوب لتصدأ كالنحاس ولا يجلوا صدأها سوى إستغفارك الله
وقال محمد بن مداد:
إن القلوب لتصدأ والجلاء لها إستغفارك الله واستغفر من الحوب يغفر الله ذنبا أنت كاسبه والذنب أسوء شيء كان مكسوب (1)
قال الله (ع): {الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السماوات والأرض ربنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك فقنا عذاب النار} (2).
(2)
وعن جابر، قال: سمعت رسول الله)، يقول: " أفضل صلى الله عليه وسلم الذكر: لا إله إلا الله، وأفضل الدعاء: الحمد لله "
وعن معاذ بن جبل، قال: أن آخر ما فارقت النبي () قلت: يا رسول الله، أي الأعمال خير وأقرب إلى الله؟ قال: " أن تموت ولسانك رطب من ذكر الله "؛
وأقول في ذلك
خير ما تلقى الإله إذا ما كُنت عند الإله رطب اللسان
(1) مكسوب: مجرور، صفة لشيء؛ وكان: زايده، لا عمل عليها.
(2) سورة آل عمران: 191.
- TEY_ (1/342)
صفحة 343
شاكراً ذاكراً إلها عظيماً جل مولاي أن يُرى بالعيان واحد سرمد يُميت ويُحيي وهو باق وما سوى الله فان وقال محمد بن مداد:
إن خير الأعمال أن تذكر الله وأنت المدعو للزولان وبذكر الله قد تيقنت أن الموت آت وأن جسمك فان فتزور الأموات بعد فراق الأهل حلوا وأنت رطب اللسان فبذكر الله والملائك تدعوا لك جهد الدعاء بالغفران
وعن عُمر بن الخطاب (ه)، قال: قال رسول الله (): " قال الله (ع): إذا رأيت عبدا يكثر ذكري، فأنا أذنت له في ذلك، وأنا أحبه؛ وإذا رأيت العبد لا يهتم بذكري، فأنا حجبته من ذلك، وأنا أبغضه "؛ وأقول في ذلك:
إذا الرب ود فتى لم يزل بذكر الإله كثير المقال وإن حجب العبد عن ذكره فذاك بغيض إلى ذي الجلال
وأقول في ذلك:
إذكروا الله أيها اللاهونا مثل ذكر الأباء إذ يذكرونا ذاكر الله في السماء حبيب والمبغضون له هُمُ الساهونا (1/343)
صفحة 344
أغلقت عنهم مجالس للذكر عليها الأملاك هم عاكفونا إن للذاكرين حضرة قدس يا لها الشاكرون والذاكرونا والأولى حجبوا يقولون طوبى لكم ملبسا به تزدهونا فاذكروا الله أيها الناس يعلم الله إنكم تحبرونا تاجروا تربحوا ودعوا عنكم محبة أهل الدُّنيا وما يعملونا
-344 - (1/344)
صفحة 345
الباب الحادي والعشروه في كلا الزهاد وحكمتهم بعد العشرة
كلام الزهاد وحكمتهم بعد العشرة، منهم: مُعاذ بن جبل، وأبو الدرداء، وعبد الله بن مسعود، وعبد الله بن عُمر، وشداد بن أوس، وحذيفة بن اليمان، وسعيد بن عامر بن حديم، وأنا أذكر هذا عن التابعين، ومن بعدهم
وعن أحمد بن عبد العزيز، قال: سمعت أشياخنا يقولون: الزهد إنتهى إلى ثلاثة من التابعين، ومن بعدهم: عامر بن عبد قيس، وهرم بن حيان، والحسن بن أبي الحسن البصري، وأبو مسلم الخولاني، وأويس القرني، والربيع بن حبيب البصري، ومسروق الأجذع، والأسود بن يزيد، وكان يُقال: زهاد البصرة، وفقهاء الكوفة.
حدثنا الجوهري، بإسناد، قال: قال لإبن سبرمه: أنتم أفقه أم أهل البصرة؟ قال: نحن أطلب لأحاديث القضاء، وهم أطلب الأحاديث البكاء.
سمعت سفيان الثوري، يقول: عُباد البصرة المنقطعون
_ TEO_ (1/345)
صفحة 346
أربعة: مُصعب الشيباني، ويزيد بن معاوية النخعي، وعُمر بن عتيبه، وأويس القرني - إذ كان -؛ وَعُباد الكوفة أربعة: عامر بن عبد قيس، وصفوان بن محرز، وصله بن أشيم، وهرم بن حيان
سمعت سفيان الثوري، يقول: ذهب الصالحون بشرف الدنيا والآخرة؛ وقال: مُجالسة الصالحين داعية الصلاح، وأدب العلماء زيادة في العقل؛ وقال محمد بن مداد:
مجلس الصالحين داعي الصلاح وانتباه من غفلة وتلاح وعُلوم الأعلام أزيد للعقل من الماء في الأراضي السحاح
وقال علي بن الحسين: سادة الناس في الدنيا الأسخياء،
وفي الآخرة الأتقياء؛ وقال محمد بن مداد في ذلك
:
هذه الدُّنيا سادتها الأسخياء ذهبوا ما لهم بها ما أساءوا ومع الحشر سادتها الأتقياء هُم بها خلة وهم أولياء عبدوا ربهم بصحة عقل هم دواء وسائر الناس داءُ
وقيل: صدقة السر تطفي غضب الرب
وعن محمد بن عليّ، قال: كان علي بن الحسين، إذا هم
- 346 - (1/346)
صفحة 347
بحج أو عُمرة، أو شراء أو بيع، تطهر وصلى ركعتين الإستخارة، وقرأ سورة الرحمن، وسورة الحشر، فإذا فرغ منهما إستخار الله مرة، ثم قرأ: {قل هو الله أحد} ()، والمعوذتين، ثم قال: اللهم إني أهممت بأمر قد علمته، فإن كنت تعلم أنه شر لي، في ديني، ودنياي، وآخرتي، فاصرفه عني، ربي أعزم عليَّ رشدي وإن أحببتُ، ولك ما في نفسي: الله الرحمن الرحيم.
بسم
قال: توفي عليّ بن الحسين، وهو ابن ثمان وسبعين سنة ودفن في البقيع، في قبة العباس
وعن زيد بن عليّ، عن أبيه، أنه قال: يقول الله (ع): لئن عصاني من يعرفني، سلطت عليه من لا يعرفني.
:
وعن ابن المُبارك، قال: قال علي بن الحسين: أن قوما عبدوا الله شكراً ورهبة، فتلك عبادة العبيد، وإن قوما عبدوا الله
شكراً، فتلك عبادة الأحرار؛ وأقول في ذلك
لا تعبدوا الله على رهبة فإنها من خلق الرق واعبده حُراً شاكراً ذاكراً في طاعة الله على رفق
(1) سورة الإخلاص: 1.
- 347 - (1/347)
صفحة 348
وقال علي بن الحسين: أن عدوي ليأتيني في الحاجة، فأبادر
في قضائها، خوفا أن أرده فيستغنى عني؛ وأقول في ذلك:
إذا أتاني عدوي في حوائجه سارعت فيها لأقضيها على عجل وخوف إن يك يستغنى فيذهبني فضلي عليه فيضحى القلب في وجل
وعن العيني، قال: قال علي بن الحسين لإبنه: يا بني، إن الله رضيني لك، وحذرني فتنتك، ولم يرضك لي وأوصاني؛ يا بني - أن خير الأباء من لم يدعه البر إلى الإفراط، وخير الأبناء من لم يدعه البغض إلى العقوق.
قال علي بن الحسين لصديق له: أترضى الحال الذي أنت عليها مُقيم؟ قال: لا، قال: فهل جمعت على التحول منها إلى غيرها؟ قال: لا، قال: أفتأمنن يدركك الموت وأنت عليها مقيم؟ قال: لا، قال: فهل رأيت عاقلاً يرضى لنفسه بهذا وليست دار العمل غير هذه الدار.
قال علي بن الحسين: أبلغ شيعتنا، أننا لا نغني من الله
شيئا، وإن ولايتنا لا تنال إلا بالورع؛ وقال محمد بن مداد
:
صدق ابن الحسين إذ قال فيما قال في صاحب له ذو وداد
- TEA- (1/348)
صفحة 349
لست أغني عنه من الله شيئاً فاصحب البر تلقه في التناد أعملي واستصحبي البر رفيقاً وجاهدي في جهاد لا يجي الأقصون بالبر والتقوى وتأتون بالخنا والفساد لست أغني عنكم من الله شيئاً يا ذوو عترتي ويا أولادي
علامة الزاهد: أن يقنع ببعض القوت، وأن يكثر الإستعداد للموت؛ وأقول في ذلك:
إمارة الزاهد أن يقتنع ببعض قوت في مدى عُمره وكثرة إستعداده دائماً ليوم موت أو بذي حشره
قال: كان عليّ بن الحسين، يقول: الدُّنيا سبات، والآخرة يقضه، ونحن بينهما أضغاث؛ وأقول في ذلك:
نحن ما بين يقظة وسبات مثل أحلام نائم في السبات ينقضي العُمر غفلة ثم يأتي يأتي ليوم يكون فيه مماتي
كان علي بن الحسين، يقول: التوبة ليست بالكلام، ولكنها بالرجوع عن الأمر؛ وأقول في ذلك:
توبة النصح بالرجوع عن الغي وليست التوبة بالكلام ندم القلب توبة والتوقي عن معاصي الإله رب الأنام
- 349 - (1/349)
صفحة 350
وعن جعفر، عن أبيه، أنه قال: من كف عن أعراض المُسلمين، أقال الله عثرته يوم القيامة، وإياكم والغيبة، فإنها
أدام كلاب الناس
إياك والغيبة في مُسلم فإنها أدام كلاب البشر وكف عن أعراضهم تغتنم إقالة العثرة في المُنتظر
وقال علي بن الحسين: أقرب ما يكون العبد من غضب الله،
إذا غضب
إذا ما غضبت فكن موقنا من الله يا ذا بقرب الغضب وعند الرضى أنت في أمنه فمن الإله ينال الطلب وكل أمرئ يجتني غرسه وكل رهين بما قد كسب وعن عبد الله بن كثير بن جعفر: أن الحجاج بن يوسف الثقفي، صلى مرة إلى جنب سعيد بن المسيب، فجعل يرفع قبل الإمام، ويضع قبله، فلما سلم الإمام، أخذ سعيد بن المسيب بثوب الحجاج، قال: وسعيد في شيء من الذكر، كان يقول بعد
ما يصلي، قال: فجعل الحجاج يُجاذبه ثوبه ليقوم فينصرف وسعيد يجذبه فأجلسه حتى فرغ سعيد، ثم جمع سعيد بن المسيب بين نعليه، فرفعهما على الحجاج، وقال: يا خاين، يا سارق،
- 350 - (1/350)
صفحة 351
تصلي هذه الصلاة، لقد هممت أن أضرب بها وجهك، ثم مضى الحجاج، وكان حاجا ففرغ من حجه، ورجع إلى الشام، ثم أتى
واليا على المدينة، فلما دخل مضى كما هو، قاصداً إلى المسجد قاصداً إلى مجلس سعيد بن المسيب، فقيل: ما جاء إلا لينتقم منه، قال: فجاء فجلس بين يدي سعيد بن المسيب، وقال: أنت صاحب الكلمات؟ قال: نعم أنا صاحبها، فقال له الحجاج: جزاك الله من مُعلم خيراً، ما صليت بعدك صلاة إلا وأنا ذاكر قولك، ثم قام فمضى، فقال سعيد بن المسيب: ما أكرمت العباد نفسها بمثل طاعة الله، وأهلكت نفسها بمثل معصية الله، وكفى بالمؤمن نظرة من الله، أن يرى عدوه يعمل بمعصية الله؛ وأقول في
ذلك
:
من كان يكرم نفسه ويبرهـ فبطاعة الرحمن تصلح أمرها وهلاكها عصيانها إن لم تتب مما جنت خسرت هنالك أجرها وكفى التقي بنظرة من ربه إن العدو لنفسه قد ضرها يعصي الإله ولا يخاف عقابه يا ويح نفساً عنده ما غرها
وعن سعيد بن المسيب، قال: ما استغنى أحد بالله إلا إحتاج
الناس إليه؛ وأقول في ذلك:
- 351 - (1/351)
صفحة 352
إذا إستغنى الفتى بالله كانت حوائج خلقه طراً إليه ومن يعص الإله يمت مهاناً ويلقى لعنة الباري عليه
وعن قتادة، قال: كان سعيد بن المسيب، يقول: أصلح قلبك والبس ما شئت؛ وأقول في ذلك
:
إذا أصلحت قلبك لا تبالي لتلبس ما تشا في كل حال وخير لباسك التقوى واهنا بعيشك ما يكون من الحلال
وأقول في ذلك:
ألا فاعمل بطاعة ذي الجلالي وتلبس ما وجدت لكل حال ولا يغررك معهم لبس صوف وقلبك من تقى الرحمن خال وخير لبساك التقوى واهنا معاشك ما إكتسبت من الحلال إذا أصلحت قلبك لا تبالي بقول الزايغين ذوي الضلال وعن سعيد بن المسيب، قال: لما نزلت هذه الآية: {وإن ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم وإن ربك لشديد العقاب} ()، قال رسول الله (): " لولا عفو الله وتجاوزه، ما بقي أحد،
ولولا وعده وعقابه، لإتكل كل أحد "
(1) سورة الرعد: 6.
_ TOY_ (1/352)
صفحة 353
حدثنا الحسين بن محمد، بإسناد، قال: ذكر ميمون بن
مهران، قال: دخلت على عُمر بن عبد العزيز، فألقى ثوبه على وجهه، ثم كشف وجهه، ثم ألقاه، حتى ظننت أنه قد رقد، فإذا هو يبكي من تحت الثوب، ثم قال: عبد بطين، يتمنى على الله منازل الصالحين؛ وقال محمد بن مداد:
بكى عُمر يوماً وعاتب نفسه وقال بطين يكره الصوم والجهدا تمنى على الرحمن مقعد صائم طوى ومضى ليلاً بطاعته قصدا قال: ذكر أنه كان في بني إسرائيل ملكان أخوان، وكان أحدهما صالحاً والآخر مقصراً، فكتب إلى أخيه وعظم كتابه أمر الملوك، فأجابه الآخر: أما ما عظمت من أمر الملوك، فقد عظمت صغيراً، أو عظمت وليس عظيماً، من أوله نطفه، وقد رأيت من قذر النطفة ومهانتها، ثم يصير غداً جيفة، تفر منه الأهل، وتقذره السباع والدواب، وكيف يكون ملكا من ليس لنفسه بمالك، ولا هو على ما أراد فيها بقادر، وقد يُريد أن لا ينسي الشيء فينساه، ويُريد أن لا ينساه فيذكره، ثم كيف يكون ملكا من يتقلب في أقدار الذي يملكه، فلا يقدر أن يحبس منها، مفارقاً لها، أو مقيماً عليها، أم كيف يكون ملكا من تصرعه
_ TOT_ (1/353)
صفحة 354
الأمراض والأوجاع، حتى تدعه مهانا، خاشعا ذليلاً، يتقلب فيها مُهاناً مضطراً، لا يملك عقله، وسمعه، وبصره، ولسانه، حتى يعيش وبه من الزمانة والبلاء، ما قد رأى بمثله من الناس، أم كيف يكون ملكاً من لا يأمن طعامه، ولا شرابه، ولا لذاته، ولا عيشه الذي فيه تكون منيته قتلاً، أو وجعاً قاضياً عليه، كما قال
الأول:
من يأمن الدهر والأيام تطلبه كيف في الدهر أحياناً وفي العمل أم كيف يكون ملكاً، من لا يأمن جنوده، وخدمه، وعدوه، أن يكونوا ذلك عليه، كما قد كان ذلك في مثله، فلا تجعل ـ يا أخي وابن أمي - الصغير عظيماً، والعبد رباً، والمملوك ملكا فإن الملك الذي لا يبلى ولا يفنى
كان عُمر بن عبد العزيز يقول في خطبة على المنبر: لكل سفر زاداً لا محالة، فتزودوا لسفركم من الدنيا إلى الآخرة، وكونوا كمن عاين عند الله ثوابه وعقابه، فترغبوا وترهبوا، ويطول لكم الأمل، فتقسوا قلوبكم؛ وأقول في ذلك:
تزود لتقوى الله ما عشت سالماً فإن غداً فيه ستبلى السرائر وكل الذي يخفي الفتى في ضميره ستبديه يوم البعث تلك الضماير
- TOE_ (1/354)
صفحة 355
قال: خرج عُمر بن عبد العزيز يوماً ومعه أصحابه، فمر بمقبرة، فقال لأصحابه: قفوا حتى أتي قبور الأحبة أسلم عليهم، فوقفوا حتى دخل المقبرة فسلم، فلم يردوا جواباً، ودعا ولم يجيبوا، فانصرف باكيا، فقال لإصحابه: لا تسألوني إذا قلت، ثم قال: مررت بقبور الأحبة، فسلمت فلم يردوا، ودعوت فلم يجيبوا، فبينما أنا كذلك، إذ دنوت من تلقاء القبور: يا عُمر أتعرفني، أنا الذي غيرت محاسن وجوههم، ومزقت الأكفان عن جلودهم، وأبنتُ أكفهم عن سواعدهم، ثم قال عمر: كفاني هذا
مو
وعظة يومي وشهري وسنتي؛ وقال محمد بن مداد
رأى عُمر أهل المقابر مرة ففكر فيهم فكرة المتأمل وسلم لما مرَّ عمداً عليهم فلم يستجبه غير رمل وجندل فآب حزين القلب عنهم كأنما رمى بالقبور الدارسات بأفكل ففكر أن الموت غير منهم محاسن مثل العارض المتهلل فقال كفاني عبرة ما لقيته ليومي وشهري ما عمرت بمنزل
وعن علي بن يزيد، قال: شهدت عُمر بن عبد العزيز، يقول في خطبة، سمعته يقول: أفضل العبادة: أداء الفرائض، واجتناب المحارم؛ وأقول في ذلك
:
_ TOOL (1/355)
صفحة 356
إن العبادة أصلها وقوامها أداء الفرائض واجتناب المحارم فاعمل بذلك واتخذه سجية تنجوا وتسلم من ركوب المآثم
قال وهب بن منبه: إتخذ اليد عند المساكين، فإن لهم يوم القيامة دولة؛ وأقول في ذلك
إن المساكين لهم دولة إذا التقى الجمعان في الحشر وقدموا ويحكم عندهم يداً لتسقون من الكوثر
قال وهب بن منبه: إن للعِلم طغياناً، كطغيان المال؛ وأقول
في ذلك:
العلم يطغى كما يطغى الغنى أشراً فاحذر بجهدك أن يُطغيك هاذان والعلم يذهب والأموال فانية وكل ذلك يمحوه الجديدان
وعن وهب بن منبه، قال: إذا مدحك الرجل بما ليس فيك
فلا تأمن أن يذمك بما ليس فيك
وعن محمد بن قدامه، قال: قيل لأبي حازم: أما تخاف الفقر؟ قال: أأخاف الفقر، ولمولاي: {ما في السماوات وما في
الأرض وما بينهما وما تحت الثرى} (1).
- 356 -
•
(1) سورة طه: 6 (1/356)
صفحة 357
وعن أبي حازم، قال: من عرض الحكمة على من لا يريدها، كمثل المغني على رأس الميت؛ قال سليمان: يا حازم، كيف القدوم على الله؟ فقال: أما المُحسن: فكالغائب يقدم على
أهله مسروراً، وأما المسيء: فكالعبد الآبق يظفر به مولاه؛ وأقول في ذلك
:
قدوم على الله في طاعة كغايب قوم أتى من سفر سرورهم بينهم سرعة وذو سؤهم مبتلي بالفكر وعبد عصاه أتى قادماً عليه وقد كان قدما نفر فذلك رهن بما قدمت يداه ويصلي بحر سقر
وعن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله (): " إن أشر الناس عند الله منزلة، عبد ذهب آخرته بدنياه
وشر منزلة عند الإله غداً من باع أخراه بالدنيا أسا ومضى عليه ذلك أحكام تمر به ساه فيقبلها عن طاعة ورضى
حدثنا ابن عبيدان، عن أبي حازم، عن أبيه، قال: أرسل سليمان بن هشام حين قدم أميرا على الحج، فدخلت عليه، وكان أول ما سألني عنه، أن قال: ما ينجينا مما نتخوفه؟ قلت: لا تمنع شيئاً مما أمرت به، ولا تطلب مما نهيت عنه، فقال: ومن
- 357 - (1/357)
صفحة 358
يكون هكذا؟ فقلت: من طلب الجنة، وهرب من النار
قال: فقال ابن شهاب: أرأيت شيئاً بلغني عنك، إنك تذكر العلم والعلماء، فجاء بكلام لم يريد، فقلت: عرفت أي شيء تريد، قلت: أن العلماء فيما مضى من الدُّنيا، بلغوا بعلمهم ما لم يبلغوا أهل الدنيا بدنياهم، وأهل الدنيا تبع لأهل العلم، وعلى أهل العلم، جاء أهل هذا الزمان تبع لأهل العلم على علمهم، الدنيا على دنياهم، فزهدوا العلم عند إضاعة هؤلاء له
قال: قال رجل منهم لعبد الملك بن مروان: أقبح القبيح البخل في الغنى، والكذب في الحسيب، والفسوق في الشيوخ والحرص في العالم، فقال عبد الملك: صدقت
قال: كتب أبو حازم إلى عُمر بن عبد العزيز: إتق الله، ولا تك للظالمين وليا، وإياك أن تلقى محمد (صلى الله عليه وسلم) بتبليغ ما أمرك به مصدقاً وهو عليك بسوء الخلافة في أمته شهيداً.
وعن ابن المنكدر، أنه سئل: أي الأعمال أحب إليك؟ قال: إدخال السرور على المؤمن، فقيل: ما بقي مما تستلذ به؟ فقال: الأفضال على الإخوان؛ وأقول في ذلك:
- 358 - (1/358)
صفحة 359
إذا صادفت في الدنيا سروراً فخص به جميع المؤمنينا وللإخوان حق فاحتسبهم بفضلك تلتقي حبا ولينا
وعن عبد الصمد، قال: قال عبد الله بن وهب بن منبه: جاء في التوراة: كل مال لم يصل منه رحماً، ولم يؤد منه زكاة، فهو وبال
ثم قال الحسن: أنه عنك - أيها الوارث - فلا يجد عن كما جدع صويحبك بالأمس، أتاك الله هذا المال حلالاً، فإياك أن يكون عليك وبال، لم يعرق لك فيه جبين، ولم تكدح لك فيه يمين، أراك جموعاً منوعاً، من باطل جمعه وعدده، وكثره ووفره
ثم قال الحسن: إحذروا يوم القيامة، فإنه يوم حسرات وندامه، أتدرون كيف ذلك، رجل أتاه الله مالاً، فبخل أن يُنفقه في سبيل الله، فورثه هذا الوارث، وأنفقه في حقوق الله، فإذا مال هذا في ميزان هذا، فيا لها عثرة لا تقال، وتوبة لا تنال، وحسرة لا تزال؛ وأقول في ذلك
:
يا ذا الذي ضن بما عنده وحاط بما يحويه من وفر ولم يؤد الحق من ساقه إليه عن بر وعن شكر وقال مالي إنما عدتي الروعة الأزمان في العسر
- 359 - (1/359)
صفحة 360
وعن جفا السلطان أن سائني وا عثرتي إن جهلوا قدري فقلت شيطانك يا مُبتلى مستحوذ عقلك بالعذر وإرثك المسعود يحوي الذي يحويه من وفر مدى العُمر ويُؤت حق الله عن طيبة من نفسه في طلب الذكر حتى إذا كان غدا الملتقا رأيت ميزانك في خسر وما حوى حقك في كفه يُنفقه في عمل البر لوارث لم يدخر ماله لصولة السلطان والدهر فابك بعينيك دما حسرة على الذي فات من الأجر
وعن مالك بن دينار، قال: كان رجل من ربيعه، ممن يظن
به الخير، ويُشار إليه بالصلاح، يلزم حلق الذكر، فقده الحسن، فسأله، قيل: أن الحجاج إستخلفه على القضاء بكورة سولاف، فقال الحسن: نعوذ بالله من خشوع النفاق من الناس، ممن يتصنع للناس، ويكمن للفرصة منها، كما يكمن الأسد لفريسته، فإذا تمكن منها وثب عليها، يوشك أن يثب الله عليه وثبة، فيظلم فيها دنياه وآخرته، ثم يوقعه منها في نار جهنم، فلم تمض إلا أيام يسيرة، حتى مات ذاك الرجل، فذكر ذلك للحسن، فقال: للناس عمل أياماً ولا بُدَّ، فلما يحض من دنياه بطايل، وثم له دِّينه؛ ثم قال: إذا أراد الله بعبد شراً، ختم له عمله بشر عمله، (1/360)
صفحة 361
ثم توفاه عليه؛ وأقول في ذلك
إذا ما أراد الله شراً بعبده فخاتمة الأعمال للعبد بالشر
وعن عُمر بن خالد الضبي، قال: كان الحسن كثيراً يتمثل غدوة بكرة وعشية، بهذه الأبيات:
إن الدنيا تجهز لإنطلاق مشمرة على قدم وساق فما الدنيا بباقية لحي ولا حي على الدنيا بباق تروق زماننا الأنفاس سهواً ودنيانا ونحن على محاق
وأقول في ذلك:
وشيب الرأس ينذر من عراه بأن يد المنية في الخناق قيل: مكتوب في التوراة: أربعة أسطر ليس بينهن شيء: الأول: من قرأ كتاب الله فظن أن لن يغفر الله له، فذلك من
المُستهزئين بآيات الله؛ والثاني: من شكا مصيبته فهو معصية فإنما يشكوا ربه (ع)؛ والثالث: من حزن على ما في يدي غيره، فقد أتهم قضاء ربه (ل)؛ والرابع: من تواضع لغني، ذهب ثلثا دينه
- 361 - (1/361)
صفحة 362
حدثنا عبد الرحمن بن سمره، قال: قال رسول الله):
" ما من عبد إسترعاه الله رعية، فلم يحفظها بالنصيحة، إلا الله عليه الجنة "؛ وأقول في ذلك:
حرم
إذا ما إسترعاك ربك في رعية فحطها لا يحل لك البليه فذاك عليه جنته حرام فيا الله من تلك القضيه
وعن الحسن، قال: نعم الله أكثر من أن يشكرها ابن آدم، إلا من أنعم الله عليه، وذنوب ابن آدم أكثر من أن يسلم منها، إلا ما على الله عنها؛ وأقول في ذلك:
أعني على أداء شكرك يا ربي وهب لي عفواً منك أمحوا به ذنبي فلا شكر إلا منك إن كنت قائلاً ولا عفو إلا منك عن سيء
الكسب
حدثنا محمد بن حمدان، عن الحُسين الكرخي، بإسناد، قال: قال عُمر بن عبيد: كان يُجالسنا عند الحسن رجل من الأعراب، فلا يسأله عن شيء، فلما طال على الحسن سكوت الرجل، قال له يوماً: ألا تسأل عن أمر دينك وأحسبك تفهم شيئاً، فأطرق الرجل، ثم أنشأ يقول شعراً:
مهما جهلت فقد علمت بأنني عبـ
ـــوت
-
362 - (1/362)
صفحة 363
والناس من طلب الغنى وغناؤهم من ذاك قوت سادوا لغيرهم فبادوا والقبور هي البيوت
وكان من العباد رجل يُكنى بـ: أسهل، وكان في زمان الحسن فتاة يُقال لها: بريرة بكر، وكانت أعدت سربا تبكي فيه، فجاء أهلها إلى الحسن، فاستأذن عليها، فأذنت له، فقال لها: إن لعينيك عليك حقاً، فاتق الله، فقالت: يا أبا سعيد، إن أكن من أهل النار فأبعد الله بصري، وإن أكن من أهل الجنة أبدلني الله بهما بصراً خيراً منهما، فبكي الحسن حتى سالت دموعه على لحيته تسيل؛ قال أبو سهل: دخل عليها يوعظها فوعظته
وعن أنس، قال: أقبل رجل، فقالوا: هذا خير الناس إنساناً، وأشر الناس لساناً، فلما ولي الرجل، قال النبي (): " إن شر الناس عند الله يوم القيامة، من يُخاف شره، أو يُخاف لسانه "؛ وأقول في ذلك:
عند المهيمن شر الناس كلهم يوم القيامة من يخشاه مخلوق يخاف من غشمه أو من شر منطقه تعسا له وبنار الله محروق
حدثنا علي، بإسناد، عن أبي بكر الهذلي، قال: سمعت حين مات خالد بن صفوان، وعبد الله بن الأهيم، قال: قد كان دعاه
- 363 - (1/363)
صفحة 364
في مرضه شراً، فلما مات قال: بمصركم هذا والله رجل تعمر منه أبواب السلاطين، وتخرب منه بيوت الذكر، نزل به من أمر الله، فقال لغانية: ما ترى يا فلان في مائة ألف في هذا الصندوق؟ فإذا بصندوق في ناحية البيت، لم يصل منه رحماً، ولم يُؤد منه زكاة؛ قال الحسن: آه عنك أيها الوارث فلا تخدع، قال له عايده: فلم كنت تجمعها؟ قال: كنت والله أعدها لنوايب الدهر، وروعة الزمان، وجفاء السلطان، ومكايدة العشرة؛ قال: وضرب بيده على الأخرى، وقال: {إنا لله وإنا إليه راجعون} (1)، أرى سلطانه يحذره روعة، لم يصل منه رحماً، ولم يؤد منه زكاة.
(1)
قال الحسن: آه عنك أيها الوارث، فلا يخدع كما يخدع صويحبك بالأمس، أتاك الله مالاً، فإياك أن يكون عليك وبالاً، لم يعرق لك منه جبين، ولم يكدح لك فيه يمين، أراك ممن كان جموعاً منوعاً، من باطل جمعه ووفره، وعدده وكثره.
ثم قال الحسن: احذروا يوم القيامة، فإنه يوم حسرات وندامة، تدرون كيف ذلك؟ رجل أتاه الله مالاً، فبخل به أن ينفقه في سبيل الله، فورثه هذا الوارث، وأنفقه في حقوق الله، فإذا
(1) سورة البقرة: 156.
- 364 - (1/364)
صفحة 365
مال هذا في ميزان هذا، فيا لها عثرة لا تقال، وتوبة لا تنال وحسرة لاتزال؛ وأقول في ذلك:
ذا الذي ضن بما عنده وحاط بما يحويه من وفر ولم يؤد حق من ساقه إليه عن بر وعن شكر وقال مالي إنه عدتي لروعة الأزمان في العسر وعن جفا السلطان أن ساءني وا عثرتي إن جهلوا قدر (1)
وعن مُبارك بن فضاله، قال: جالست الحسن سنينا، فما سمعته أنشد شعراً، إلا هذا البيت:
لا يغرنك عشي ساكن قد توافي بالمنيات السحر رب من بات بليل أمنا لاح صبح وهو في بطن الحفر
وعن الحسن: أنه كان يتمثل بهذه الأبيات، إذا أصبح
وأمسى:
يسر الفتى ما كان قدم من تقى إذا عرف الداء الذي هو قاتله
وأقول في ذلك مُعارضاً له:
(1) وقد تقدم في هذا الجزء، هذه الأبيات والأسانيد، وما أظن ذلك إلا سهوا من الكاتب، ولم
- 365 -
يرى إعادة ذلك (1/365)
صفحة 366
وما الداء إلا الذنب لا شيء غيره سيصلي بنار الله من هو فاعله إذا صنت ديني وأتبعت فريضتي وقدمت إحساني فربي قابله
وعن صالح المزني، قال: ما سمعت الحسن يتمثل ببيت، إلا في هذا البيت:
ليس من مات فاستراح بموت إنما الميت ميت الأحياء إنما الميت من يعيش كنيباً كاسفاً لونه قليل الرجاء
وأقول في ذلك مُعارضاً له:
راحة المؤمنين في الموت حقاً وهو باب العذاب للأشقياء رحم الله مُؤمنين توفوا أمنوا بالإله والأنبياء
وعن الحسن: في قول الله (ع): {لا أقسم بيوم القيامة * ولا أقسم بالنفس اللوامة} (1)، قال: إن المؤمن لا تراه إلا يُعاتب نفسه: ما أردت بكلامي، ما أردت بأكلي، ما أردت بحب
نفسي، والفاجر لا يُعاتب نفسه، ولا يلومها؛ وأقول في ذلك:
أعاتب نفسي على غيها وأعذلها وأطيل العذل لعل الإله سيغفر لي يمحص ذنبي ويمحوا الزلل
(1) سورة القيامة: 1 - 2.
- 366 - (1/366)
صفحة 367
وعن عُمر بن شيبة، قال: مما يُروى من كلام الحسن، رواية يحيى بن عتيق، قال: نظر الحسن يوما إلى الناس يلعبون، فقال: إن الله قد جعل اليوم مضماراً لخلقه، يستبقون
إلى رضوانه، فسبق قوم ففازوا، وقصر آخرون فجابوا
فالعجب للضاحك اللاعب، في اليوم الذي يفوز فيه المحسنون ويخيب فيه الخائبون، والله لو كشف الغطا لشغل المحسن بإحسانه، والمسيء بإسائته، عن تجديد قوت، أو ترطيل شعر.
وعن الأشهب، عن الحسن، أنه قال: يا ابن آدم، تبصر القذا في عين غيرك، وتدع الحبل معترضاً في عينك؛ قال الحسن بن عبد الله، فأخذ هذا الكلام بعض الشعراء، فقال شعراً:
6
أحملت نفسك في هواك ولمتني لو كنت تنصف لمت نفسك دوني ما بال عينك لا ترى أقذارها وترى الخفي من القذا بعيوني
وأقول في ذلك:
الله يعلم أن نفسك عندها عند المعابة فيك ويحك دوني تخفي معابك والذي بي مظهر وعمى بعينك والقذا بجفوني
وتلا الحسن قوله (ل): {ومن أحسن قولا ممن دعا إلى
- 367 - (1/367)
صفحة 368
الله وعمل صالحا وقال إنني من المسلمين} (1)، قال: هذا ولي الله، هذا حبيب الله، هذا صفوة الله، هذا خيرة الله، هذا أحب الخلق إلى الله، أجاب الله دعوته، وعمل صالحا في إجابته، {وقال إنني من المُسلمين} (1)
وعن محمد، قال: قال الحسن: يا ابن آدم، الحسنة أثقل ما يكون حين تبتدي بها، فإذا ذهبت مؤنتها بقيت منفعتها؛ وأقول
في ذلك:
حسناك أثقل ما يكون إذا ابتدت فإذا تمر ففضلها مع مرها يجزيك في الدُّنيا ثواباً وافراً ومع القيامة تتقيك لحرها والسيئات أخفها في حينها لذاتها تفنى ويُؤت بوزرها
قال: قال رسول الله): " إن المؤمن لسانه وراء قلبه
(
فإذا أراد أن ينظر، فكر ونظر، فإن رأى موضع نطق، نطق وإلا أمسك "؛ وأقول في ذلك:
لساني وراء قلبي إن شئت نطقها تفكرت قبلاً ثم جئتك بالنطق فإن كان شراً أمسكت عن مقالها وإن كان خيراً فهي تنطق بالصدق
وقال رسول الله (): " ولسان الفاجر أمام قلبه، فهو
(1) سورة فصلت: 33.
6
- 368 - (1/368)
صفحة 369
يهمز ويلمز، ولا يتفكر "؛ وأقول في ذلك:
ولسان الفجور فهي للذكر ألغت فهي تلغي لما أتى من مقال
وعن الحسن، قال: يقول: أن المؤمن قوام على نفسه، يُحاسب نفسه الله (ع)، قبل يوم القيامة، وإنما هان الحساب القيامة، على من حاسب نفسه في الدنيا، وإنما شق الحساب يوم القيامة، على قوم ركبوا الأعمال على غير محاسبه؛ وأقول في ذلك:
يوم
يهون الحساب على مُؤمن يُحاسب في دهره نفسه ومن ركب الأمر من غير ما يُحاسب قبلاً رأي نحسه
وكان يقول: للحسنة ثواب في الدنيا، وثواب في الآخرة؛ ثواب الحسنة في الدُّنيا: البصر في الدِّين، والنور في القلب، والقوة في البدن، مع صحة حسنة جميلة؛ وثوابها في الآخرة: رضوان الله والجنة؛ وإن ثواب السيئة في الدنيا: العمى في الدين، والظلمة في القلب، والوهن في البدن، مع عقوبات ونقمات؛ وجزائها في الآخرة: سخط الله والنار
وعن أيوب: أن المؤمن أخذ عن الله أدبا حسنا، إذا وسع
عليه وسع، وإذا أمسك عليه أمسك
- 369 - (1/369)
صفحة 370
وعن العوام بن حويرثة: أربع من كن فيه، عصمه الله (ع) من الشيطان، وحرمه على النار: من ملك نفسه عند
الرغبة، والرهبة، والشهوة، والغضب؛ وأقول في ذلك: من حوى أربعاً خصالاً حمته من عذاب الإله والشيطان ملك نفسه إذا اشتهت أو عراها غضب من تجانف الإخوان أو بدت رهبة ورغبة نفس لضلال يؤول للخسران
قال: وسمعت مُعاذ بن جندل، يقول: وكأن أحد الزهاد يقول: ما فاتك من الدنيا فهو غنيمة، قال: فكيف أغتنم مالاً أسأل عنه في الآخرة؟ وأقول في ذلك:
غنمت الذي قد فات من عرض الدنيا فما فاتني منها فذلك من سعدي لكي لا يسلني الله عنه وإنني سأسئل حقاً عن طريفي وتالدي
وعن إبراهيم بن حماد، عن الحسن، قال: كم من مُستدرج بالإحسان، وكم مفتون بالثناء عليه، وكم مغرور بالستر عليه؛ وأقول في ذلك:
مستدرج الإحسان كم من فتى وبالثناء تفتن أقوام وكم فتى قد غره ستره تجلته مع ذاك أثام
- TV. (1/370)
صفحة 371
وقال محمد بن مداد:
كم فتى مستدرج بالإحسان وبالثنا عن عمد إنسان وجر بالستر إليه الطغيان أستغفر الله ولي الغفران
من ظلم نفسي واكتساب العصيان
وعن قتادة، قال: كان يُقال: ما خلت الأرض قط من سبعة رهط، بهم يُسقون، وبهم يُرفع عنكم البلاء؛ وقال قتادة: وإني لأرجوا أن الحسن أحد السبعة.
وعن خالد بن عطية: أن مُسلمة بن عبد الملك، قال لخالد بن صفوان: أخبرني عن الحسن؟ قال: أشبه الناس سريرة بعلانية، وعلانية بسريرة، أخذ الناس بما يأمرهم، وأتركهم لما ينهي عنه، وأعظمهم على نفسه سلطاناً، لم يقم بقوم إماره، ولم يعرف سوقاً للتجارة، فاستغنى عما في أيديهم، فاحتاجوا إليه، لما عنده من أمر دينهم؛ فقال مُسلمة: كيف هلك قوم والحسن بين أظهرهم؟
فقال الحسن: أخبرني عن الأحنف بن قيس؟ قال: إن شئت أخبرتك عنه في ثلاثة، وإن شئت في إثنتين، قال: يُؤتي الخير، ويُوقي الشر، قال: فالواحدة؟ قال: هي أعظم الناس سلطانا على نفسه
- 371 - (1/371)
صفحة 372
قال محمد بن يحيى: بلغني أن محمد بن سلمة، قال: دخلت
على عبد الملك بن مروان، قال: من سيد الناس بالبصرة؟ فقلت: الحسن، فقال: الحسن، مولى أم عربي؟ قلت: مولي، يا أمير المؤمنين، فقال: ثكلتك أمك، مولى ساد العرب؟ قلت: نعم، قال: بماذا؟ قلت: إستغنى عما في أيدي الناس، فافتقر الناس إلى ما عنده من العِلم، قال: صفه لي؟ قلت: أأخذ الناس بما أمر، وأترك الناس عما نهي عنه، قال: حسبك
وعن سالم، قال: سمعت الحسن يقول: يا ابن آدم، كل ما عصيت تبت، ويُوشك إن تبت الله أن لا تقع في النار؛ وأقول في
ذلك:
أعوذ بالله من غيظ ومن غضب أخاف من سطوتي أن أسلك النارا وعن صالح المزني، قال: سمعت من يقول: أيها المتصدق
على المساكين، رحمة إرحم من ظلمت
حدثنا إبراهيم بن حميد، بإسناد، قال: إلتقا زاهدان مرة، فقال أحدهما لصاحبه: إني أحبك في الله، قال: لو علمت سريرتي، لأبغضتني في الله، من حيث أحببتني له، فقال: والله، لو زهدت أعرف ذلك، لكان لي شغلاً في نفسي.
- 372 (1/372)
صفحة 373
وعن الحسن، قال: إن صُحبة الأشرار تورث سوء ظن
بالأخيار.
وعن عُثمان السحام، قال للحسن: ما تقول في الرقي؟ قال: فادن رأسك مني، فقال: أما والله ما كان أحد يحدثه بهذا، أن الحسن كان يقول من هذه الرقي، وتعليق التمائم: شرك بالله فاجتنبوها.
قال: سمعت الحسن يقول: النساء وادي الأفاعي، لا ينجوا منه ناج؛ وأقول في ذلك
:
وادي الأفاعي النساء فاحذر غوايلها فقل من هو من كيد النسا ناجي
وأقول في ذلك
:
إن هذي النسا وادي الأفاعي ليس ينجوا من كيدهن حليم ألم تسمع مقالة من أنشأ رفات العظام وهي رميم إنه من كيدكن وثني مرةٍ إن كيدكن عظيم
قال: كان الحسن يقول: المُؤمن بين أربعة: منافق يبغضه، ومؤمن يحسده، وشيطان يمنيه، وعدو يُجاهده؛ وأقول في
ذلك:
- 373 - (1/373)
صفحة 374
من كان يُؤمن بالباري فإن له في الأرض أربعة يرمونه بأذى مُنافق يُبد بغضاء وحاسده من مثله وعدواً خيره نبذا وسره غير مأمون بوايقه وشر شيطان كذا وكذا
قال: وكان الحسن يقول: لست أعجب ممن هلك كيف هلك،
ولكني أعجب ممن نجا كيف نجا؛ وأقول في ذلك:
ولست أعجب من حل في سفر لكن قل نجا منها فكيف نجا
وعن ربيعة بن كلثوم، قال: دخلت على الحسن وهو يشكو رأسه، فرأيته قد وضع يده على رأسه، وهو يقول: {أني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين} (1).
قال: كان محمد بن سيرين، إذا أراد أن يمدح رجلاً، قال:
هو كما شاء الله، وإذا أراد أن يذمه، قال: هو كما علم الله.
وعن المدايني، قال: ورد عامر بن قيس إلى المدينة، على عهد عُثمان بن عفان، وكان في المسجد، فمر به عُثمان وهو لا يعرفه، فقال: أين ربك يا أعرابي؟ فقال: بالمرصاد؛ وأقول في
ذلك
(1) سورة الأنبياء: 83
- TVE_ (1/374)
صفحة 375
عثمان قال لعامر في المسجد بالله قل لي أين ربك يلحق قال بالمرصاد قال لعبده يعطي ويمنع ما يشاء ويطلق
قال أبي هلال، لعامر بن عبد قيس: ألا تتزوج؟ فقال: والله ما عندي نشاط، ولا مال لي، فكيف أغر إمرأة مسلمة؛ وأقول في ذلك:
قالوا تزوج قلت إني لم أجد عندي نشاطاً كيف أخدع مسلمة النفس أعذر لي بما هو عندها ولما يحاولن الغواني مُعدمة
وعن زيد بن ربيعة، قال: قلت لعامر بن قيس: إنك تسأل من قد عجز عن نفسه، ولكن إضرع إلى الله تعالى، وادعه يستجب لك؛ وأقول في ذلك:
إضرع إلى الله لا تضرع إلى أحد لا تضر عن لغير الواحد الصمد قال: لقيت أناساً من أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، فأخبروني: أن أحسن الناس إيماناً يوم القيامة، أشدهم حزنا في الدُّنيا، وأن أشد الناس ضحكاً في الدُّنيا، أكثرهم بُكاء في الآخرة؛ وأقول في
ذلك
:
خلص الناس في القيامة قوم أمنوا ثم صدقوا بالكتاب
- 375 - (1/375)
صفحة 376
حزنوا قبل موتهم ثم ماتوا فغدوا ضاحكين يوم الحساب
قال: إن الله تعالى فرض فروضاً، وسن سننا، وحد حدوداً، فمن عمل بفرائض الله، وسُننه، واجتنب حدوده،، أدخله الله الجنة بغير حساب، ومن عمل بفرائض الله، وسننه، وارتكب حدوده ثم تاب، إستقبل أهوال القيامة، وشدائدها، وزلازلها، ثم يُدخله الله الجنة
وعن أبي الدرداء، قال: سمعت رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يقول: " يدخل الجنة بشفاعة رجل من أمتي، من الناس أكثر من مذ
حج من بني آدم، ثم أكثر من ربيعة ومضر "
- 376 - (1/376)
صفحة 377
الباب الثانى والعشرون من كتاب الأولويات
قال الشيخ: من أهل المدينة، من طلب مرضاة الإخوان بلا
شيء، فليصادق أصحاب القبور، ومن لم تنفعك صداقته، لم
تضرك عداوته
•
قال أبو حازم: إذا كان لك أخ في الله، فلا تعامله في أمر دنياك؛ وقيل لميمون بن مهران: مالك لا تفارق صديقا لك عن عقل؟ قال: لأني إذا عرفت ما أكره إجتنبته، وإذا عرفت ما أحب أتيته؛ وأقول في ذلك:
صديقي لا يُفارقني لأني إذا أجانب ما يُجانبه صديقي وما يهواه خلي أبتغيه له ولو ابتغى بيض الأنوق
وقال يحيى بن معاذ: بئس الصديق صديقا، يحتاج فيه إلى المداراة، وبئس الصديق صديقاً، يلجنك إلى المداراة.
إن بئس الصديق من أصطفيه بعذر من المدارات والكلام اللطيف ثم بنس الصديق من يبتليني بإعتذار من الكلام العنيف
- 377 - (1/377)
صفحة 378
وقال بعض الحكماء: لا يُوجد العجول محموداً، ولا الحريص
غنياً، ولا الغضوب مسروراً، ولا الحُر بخيلاً، ولا الكريم حسوداً، ولا الملول ذا إخوان
وسئل الحسن بن عليّ: ما الجبن؟ قال: الجرأة على
الصديق، والنكول عن العدو؛ وقال محمد بن مداد:
إن الجبان له أخيرا دائما أبداً على شر الصديق الناصح فإذا العدو بدا تغير وجهه فرقاً وكاع عن العدو الكاشح
قيل: فما السفه؟ قال: إتباع الغواه، ومصاحبة الدناة.
قال بعض الحكماء: يحب الرجل في الله، وتمنعه منافع الدنيا ليكون صادقاً في حبه، قال: صادق في حبه، مقصر في حقه قال ابن دينار: وجدت أخوة زماننا مثل مرق الطباخ، طيبة الريح، لا طعم له.
قال: من لم يزرك، ويعدك، ولم يتحفك، فهو من إخوان
الطريق؛ وأقول في ذلك:
من لم يزرك ولم يعدك فعُدّه كأخ رأك على الطريق الواضح
- VA - (1/378)
صفحة 379
وقال عيسى بن مريم (ال): إستكثروا من شيء لا تأكله
النار، قيل: ما هو؟ قال: المعروف؛ وأقول في ذلك:
قال عيسى بن مريم خير قول إنما العرف شيمة الأحرار أكثروا منه فهو أبقى وأتقى ليس يفنيه حر وقد ونار
وقال محمد بن مداد، ولعله: عن غيره:
ولم أر كالمعروف أما لقاؤه فحلو وأما وجهه فجميل
قال ابن السماك: عجبت من لا يشتري الأحرار بمعروفه؛
وقال محمد بن مداد (رحمه الله):
لا يملك الحُر سوى المعروف لا يُملك الأحرار بالتعنيف والأخذ بالقهر ولا التكليف
قال ابن عباس: ما رأيت رجُلاً لي عنده معروف، إلا أضاء ما بيني وبينه، ولا رجُلاً له حق عندي، إلا أظلم ما بيني وبينه؛ وأقول في ذلك:
ما رأيت فتى مقبلاً وعندي له نعمة طايلة تضيء المجالس ما بيننا وأعين ما حولها حافلة
- rv- (1/379)
صفحة 380
ويظلم بيني وبين الذي حقوقي عليه ترى عاجلة
من صحب الزمان لقي الكرامة والهوان.
قال: " أن الله عباداً، يستريح الناس إليهم في حوائجهم،
وإدخال السرور عليهم، أولئك هم الأمنون من عذاب يوم
القيامة "؛ وأقول في ذلك:
إن الله عبـ
ـاداً
خلقوا للناس رحمة
جعل الله إليهم كل حاجات ملمة
ذاك فضل وسرور
فلهذا فضلوا الناس
ساقه الباري ونعمة
لإعطاء وقسمة
قال حكيم بن حزام: ما أصبحت ذا صباح، فرأيت على بابي طالب حاجة، ومستعينا على أمر، إلا أعددته من النعم التي أحمد الله عليها؛ وما أصبحت ذا صباح، فلم أرى ببابي طالب حاجة، ولا مُستعينا على أمر، إلا أعددته من المصايب التي أسأل الله
الأجر عليها.
•
قال النبي (صلى الله عليه وسلم): " إذا أجرى الله على يدي عبده فرجا لمسلم، فرج الله عنه كرب الدنيا والآخره "؛ وأقول في ذلك:
- TA- (1/380)
صفحة 381
والذي يكشف الكروب لعبد مسلم لا يخاف يوم القيامة وإذا كنت بحاجب لك حاجة لا يكن سؤلك فيه السامة وقال أكثم بن صيفي:
الحُر حُر وإن مسه الضر والعبد عبد وإن ألبسته الدر قال الربيع بن أبي شل: لو فارق ذكر الموت قلبي ساعة،
لخشيت أن يُفسد علي قلبي؛ وأقول في ذلك:
لو أن ذكر الموت فارق خاطري لعمى الفؤاد عن إهتداه بنوره وبذكر هذا الموت يصلح خاطري ويميط عن قلبي ضلال فجوره
قال النبي (): " إذا نزل الضيف بقوم، نزل برزقه، وإذا إرتحل، إرتحل بذنوبهم
وقال عبد الله بن الحارث بن عرب الزبيدي: من لم يكرم ضيفه، فليس من محمد ولا إبراهيم (عليهما السلام)؛ وأقول في
ذلك:
إذا الضيف لم أكرمه أنقصت حقه فلست من إبراهيم يوماً ولا النبي وسئل الأوزاعي: ما كرامة الضيف؟ قال: طلاقة الوجه.
- 381 - (1/381)
صفحة 382
قال شفيق بن أبي إبراهيم: ليس شيء أحب إليَّ من الدنيا من الضيف، لأن مؤنته على الله، والأجر إليَّ.
وقال الثوري: ما وضع رجل يده في قصعة رجل، إلا ذل له. وقال عُمر بن الخطاب (ه): اللهم اجعل الفضل عند خيارنا، لعلهم يعودون على أولي الحاجة منا.
وقال ابن أبي داوود: كان يُقال ثلاثة من كنوز الجنة: كتمان الصدقة، وكتمان المُصيبة، وكتمان المرض.
وقال يحيى بن معاذ: ما أعرف حبة تزن جبال الدُّنيا، إلا الحبة من الصدقة؛ وأقول في ذلك
:
تصدق على المسكين نحو ثوابه فإن لك الحسنى بما تتصدق بثقل جبال الأرض تؤتى بجنة به عوضاً عما يمينك تنفق
قال لقمان لإبنه: يا بني، إذا أخطأت خطيئة فاعط صدقه.
وقال أبو هريرة: يتزوج الرجل فلانه بنت فلان بالمال الكثير، ويدع الحور العين باللقمة، والحبة، والتمرة، والكسرة؛ وأقول في ذلك: (1/382)
صفحة 383
يتزوج الإنسان بإبنة عمه
ما يحوي من الأموال بجميع
وبلقمة وبتمرة للحور مهر في يدي السؤال
وقال عيسى (الله): من رد سائلاً خائبا من بيته، لم تدخل الملائكة ذلك البيت سبعة أيام.
وكان الثوري يقول: إذا جاء السؤال، جاء الغسالون الذين
يغسلون ذنوبنا؛ وأقول في ذلك
:
ومن رد ذا فاقة عما يحاوله لم يغش منزله أهل السماوات
وكان الفضل يقول: نعم القوم أهل السؤال، يحملون أوزارنا إلى الآخرة.
قال: ودخل سالم بن عبد الله مع هاشم بن عبد الملك البيت الحرام، فقال له هاشم: سل حوائجك؟ قال: أكره أن أسأل غير الله في بيت الله
قال: وقام أعرابي يسأل قوماً، فقام له رجل من الرجل، فقال: إليك اللهم عفواً، ممن لا يضرك جهله، ولا تنفعك
معرفته، إن ذل الإكتساب يمنع من عز الإنتساب.
- (1/383)
صفحة 384
قال القاسم بن محمد: قد جعل الله في الصدقة حق المقبل،
عوضاً من القريب المدبر
قال: وكان سفيان الثوري يسأل عن أبي معاذ كل من قدم عليه من ناحية بلخ، ويقول: كم في أبي مُعاذ كعافية؛ فيقول في ذلك أبو العتاهية:
إذا أهل الكرامة أكرموني فلا أخشى الهوان من اللئام لأن هوانهم ما إن هوان ولكن الهوان من الكرام
وأقول في ذلك مُعارضاً له:
جزاء أهل الكرامة كل حين وحل السوء بالقوم اللئام ولا سقي اللئام سوى سموم ويُسقى الأكرمون من الغمام وقال العباس بن عبد المطلب: خير المال ما أفاد أجراً،
وأورث ذكراً؛ وقال الشاعر:
خير مال أفاد ذخرا وذكراً وأقنى مالكوه شكراً وأجرا
قال النبي (): " ما توادا رجُلان في السلام، فتفرق
بينهما، إلا من ذنب يحدثه أحدهما؛ وقال الشاعر:
- TAE - (1/384)
صفحة 385
حسب الخليلين إن الأرض تحتهما هذا عليها وهذا تحتها بال فمن على الأرض ساه طول مدته فؤاده عن دفين في الثرى خال
وأقول في ذلك معارضاً له:
عن خلة بخليل بعده بدلاً وبالمعيشة يضحي ناعم البال
- 385 - (1/385)
صفحة 386
[صفحة فارغة] (1/386)
صفحة 387
الباب الثالث والعشروه بية ذكر العزلة
قال: كان شرحبيل بن السمط معتزلاً عن الناس، إنما هو الدهر وحده، فقيل له: ما حملك على أن تعتزل من الناس؟
قال: أخشى أسلب ديني ولا أشعر؛ وأقول في ذلك:
بعدي عن الناس وتركي لهم أخشى على ديني أن يُستلب مني على علم على غفلة أشفقت منهم فلزمت الهرب قال: لما وقع الإختلاف بالمدينة، خرج عروة بن الزبير، فبنا بالعقيق بناء واعتزلهم، فخرج عليه أخوته يُعاتبونه، فقال: إني رأيت ألسنتكم لاغية، وأسماعكم صاغية، وقلوبكم لاهية وأذانكم واهية، فخفت أن تلحقني معكم الداهية.
قال حاتم الأصم: أنزل الناس عندك منزلة النار، لا تدنوا منها إلا وقت الحاجة إليها، إذا دنوت مقتبسا، فعلى حذر من
بعيد
•
الناس كالنار فاحذر أن تلم بهم إلا إذا شئت أن تهدي لها قبسا
- YAV - (1/387)
صفحة 388
قال أبو الدرداء: إتقوا الله واحذروا الناس، فإنهم ما ركبوا ظهر بعير إلا أدبروه، ولا ظهر جواد إلا عقروه، ولا قلب مؤمن إلا أخربوه.
ورأى هرم بن حيان، أويس القرني، فقال له هرم: يا أويس، صلنا بالزيارة، فقال له أويس: قد وصلتك بما هو أنفع لك منها، وهو عن ظهر الغيب بالدعاء، لإن الزيارة واللقاء يظهر فيها التزين والرياء.
وقال عبد الواحد بن زياد: طوبى لمن في الدُّنيا، وعاش في الآخرة، فقيل له: كيف ذلك؟ قال: يُناجي الله في الدنيا ليجاوره في الآخرة؛ وأقول في ذلك:
طوبى لمن كان في الدنيا لباريه يسعى له وبذكراه يناجيه وبعدها في جوار الله منزلة في جنة الخلد أجرى عن مساعيه
وقيل لداوود الطائي: أما تعلم ما في الإعتكاف من الشرف؟ قال: أما تعلمون ما في ترك الدنيا من الشرف، المعتكف من حفظ جميع جوارحه، وإنما يصح الإعتكاف إذا لم يهتموا للدنيا.
قال ابن السماك: كان الناس دواء يُستشفى بهم، فهم اليوم
- TAA- (1/388)
صفحة 389
داء لا دواء له، فاجعل الله مُؤنساً، وكِتابه محدثاً؛ وأقول في
ذلك:
الناس كانوا دواء للشفا خلقوا واليوم داءٌ هُمُ فاحذر وبالهم واجعل أنيسك من أنشاك تحمده واتل الكتاب ودع ذكراك حالهم وقيل لابن المبارك: لا تستوحش في ترك مجالسة أصحابك فقال: إني أجالس وأحادث في البيت من هو خير منهم، وأكثر نفعاً، قيل: وما هو؟ قال: النبي (صلى الله عليه وسلم)، وأبا بكر، وعُمر قيل: وكيف تحادثهم؟ قال: أدرس الكِتاب، وانظر إلى أفعالهم وأقوالهم، وكأني جالستهم
وقال حماد بن وافد: أتيت مالك بن دينار، فإذا كلب مُلاصق ركبته، فقلت له: لو نحيت الكلب، فقال: هذا خير من جليس
السوء.
وقال أبو سفيان الثوري: وجدنا كل عداوة أطباع المعروف
إلى اللئام.
إن العداوة معروف تجود به على اللئام فكن منهم على حذر
وقال طبيب بن صالح: إستوحيت محمد بن مقاتل، فقال لي:
- 389 - (1/389)
صفحة 390
إحذر شر من أحسنت إليه.
قال بعض الحكماء: إذا كانت الموجده (1) من علة، كان الرضى موجوداً؛ وإن كانت الموجده من غير علة، كان الرضى
مفقوداً.
وقال علي بن أبي طالب: أربعة أشياء القليل منها كثير: الوجع، والنار، والفقر، والعداوة.
وقال: كتب النبي (صلى الله عليه وسلم)، إلى قيصر: أما بعد، {تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئاً ولا يتخذ بعضنا بعضاً أرباباً من دون الله فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون} (1).
قال: وكتب رجل إلى عُمر بن عبد العزيز: كأن الدنيا لم تكن، وكأن الآخرة لم تزل؛ فكتب إليه عُمر: أما بعد، وكان آخر
من كتب عليه الموت قد مات، والسلام.
وكتب الحسن بن عبد العزيز: أما بعد، فاعلم ـ يا أمير المؤمنين - أن الأهوال العظام ومفظعات الأمور أمامك، فلا والله
(1) الموجده: هي الحقد والوغر بالصدر
(2) سورة آل عمران: 64. (1/390)
صفحة 391
ما قطعت منها شيئاً، ولا بد من مشاهدة ذلك، فأما بالنجاة، وإما
بالعطب.
قال: وكتب عُمر بن عبد العزيز إلى بعض إخوانه: أما بعد فإنك إذا إستشعرت ذكر الموت نغص عليك، ثم وجب لك كل باق، والسلام.
قال: وكتب المتوكل إلى عبد العزيز، وكان في كتابه: إعتصم بالله يا عُمر، إعتصام الغريق بما ينجيه من الغرق، وليكن دعاؤك دعاء المُضطرين، المُشرف على الهلاك، فإنه قد أصبحت عظيم الحاجة، شديد الإشراف على المعاطب
وكتب الأنطاكي إلى رجل يُعزيه، ويثبت لرجل عقل: وهو يفرح بما ضره، ويحزن على ما نفعه، وسره في العاقبة، وقد تعلم أن الرزية في مالك، وبدنك، وولدك، يحط الذنوب التي تستوجب بها العقوبة، فيوجب بها رضوان الله، وأنت تتعوذ بالله منه، وتظهر منه الحزن، وتكثر منه الشكاية، وتقل منه الرضا، ولا لخايف أن يكون، إنما كرهت وحزنت على ما ينفعك، ويسرك في العاقبة، إنك لا توقن بالعاقبة، ولا تستكمل عند حقيقة
الإيمان، حتى تعد البلوى نعمة.
- T 1 - (1/391)
صفحة 392
قال: وكتب أحمد بن حرب إلى بعض إخوانه كتاباً، فكان
فيه: اعلم - يا أخي - إنك من ميتة أهل الموتى، وأهل البلوى، وأهل السجون، وأهل القبور، وأهل النشور، وأهل الجنان، وأهل النار، قد أطال الله مناهم كلهم، فاغتنم يومك وبقية عُمرك، فمن أحب شيئاً طلبه، ومن طلب شيئاً وجده، ومن خاف من شيء هرب منه، ومن أراد سفراً إهتم له، ومن أحب اللحوق بقوم إقتدى بأفعالهم، وسلك سبيلهم، ومن فضل قوماً بالعلم، أحب أن يفضلهم بالعلم، فيكون الغالب من همومك، هم المعاد، والتزود له، والغالب من كلامك، ذكر الموت، والإستعداد له، وهو أشد شيء حتى نزل بك قط، وأهون شيء مما بعده، ويُقال: بعد الموت سبعون هولاً، أشد من الموت، ولابد من
مشاهدته ذلك، والسلام.
گا (1/392)
صفحة 393
الباب الرابع والعشرون في ذكر التواضع
قال سعيد بن عبد العزيز: من إكتسب عزاً بغير حق، ورث الله ذلاً بحق، ومن أساء، فلا يذكر الجزاء؛ وقال محمد بن
مداد:
من نال عزاً بغير حق أورثه الله منه ذلا وقال - أيضاً -:
من نال عزا بغير حق لم يجن من ذاك غير محق وقد يسعد الله بإتباع الحق قوماً وبهم ليس يشقى أبصروا بالهوى أناساً فصدوا عنهم وهم شر خلق
قال النبي (): " رأيتم سُليمان وما أعطي من الملك، فإنه لا يرفع رأسه إلى السماء تخشعاً، حتى قبضه الله "؛؛ وأقول
في ذلك
سليمان أعطي الملك من عند ربه فما زاده إلا خشوعاً بقلبه (1/393)
صفحة 394
[صفحة فارغة] (1/394)
صفحة 395
الباب الخامس والعشرون في ذكر البكاء
لما حضرت أبا عُمر الحولي الوفاة بكا، فقيل له: ما يُبكيك؟
قال: ذكرت سوء تفريطي؛ وأقول في ذلك:
ولست بباك خيفة الموت والبلى ولكن لتفريطي وما كنت أكتسب وحزني لأوزاري وما في صحيفتي من الله ما لم أرتجيه وأحتسب
قال: لما بلغ عبد الله بن المبارك الموت، وبلغ النزع، فتح عينيه إلى السماء فضحك، وقال: {لمثل هذا فليعمل العاملون} (1).
وكان مكحول الشامي لا يوجد إلا باكيا، فدخل عليه في مرضه الذي مات فيه وهو يضحك، فقيل له في ذلك، فقال: ولم لا أضحك، وقد دنا فراق ما كنت أحذر، وسرعة القدوم على ما
كنت أرجوا وأأمله.
(1) سورة الصافات: 61
•
1790_ (1/395)
صفحة 396
قال: ولما حضر يعقوب الموت {قال لبنيه ما تعبدون من
(1)
بعدي قالوا نعبد إلهك وإله أبائك} (1)، ففرح يعقوب، وقال: يا بني، احفظوا عني خصلتين: ما انتصرت من ظالمي بقول ولا فعل، ولا رأيت من أحد حسنة إلا أفشيتها، ولا سيئة إلا كتمتها؛ وأقول في ذلك:
قال يعقوب موصيا لبنيه ما تعبدون من بعدي فاستجابوا له إذا نعبد الله الذي يمسك السماء بأيدي
قال أبو سعيد الزاراني: دخلت على عابد قد إحتضر وهو يبكي، فقلت
فقلت: ما يُبكيك رحمك الله؟ فأنشأ يقول:
وحق لمثلي بالبكا عند موته وما لي لا أبكي وعُمري قد إقترب ولي عند ربي في الصحيفة كلما عملت به محصي عليَّ ومكتتب ولي عمل في اللوح أحصاه خالقي لئن لم يجد بالعفو صرت إلى العطب وقال محمد بن مداد:
سأبكي قبيل الموت من دمع مقلتي دما دون دمع إن روحي سكسلب وما لي مجير غير ربي وعفوه إلى الله من ذنبي ومن ناره الهرب
(1) سورة البقرة: 133.
- 396 - (1/396)
صفحة 397
قال النبي (صلى الله عليه وسلم)، إلى أبي أيوب الأنصاري: " ألا أدلك
بصدقة يحبها الله ورسوله، تصلح بين الناس إذا تفاسدوا، وتقرب منهم إذا تباعدوا "؛ وللشيخ محمد بن مداد (رحمه الله):
قال النبي لأبي أيوب تحية من عالم الغيوب هدية المحب للحبيب يضحك للبعيد والقريب والصلح من تفاسد القلوب يحبه الله أبا أيوب قال أبو هريرة: سمعت رسول الله) يقول: " من مرض ليلة، فصبر ورضى عن الله، خرج من ذنوبه كيوم ولدته
أمه "
قال الربيع بن جشم: لا يقول أحدكم: أستغفر الله وأتوب إليه، فيكون ذنباً، ويكون كذباً، ولكن ليقل: اللهم اغفر لي وتب
عليَّ.
قيل ليحيى بن معاذ: من قال: نكس الشباب على رأسه والدنيا رأس الشيطان، ولزوم الفطام حتى أتاه الحمام، من أدبه الله أرغم أنف عدوه، من أكبر الذنوب أن يُقال للعبد: اتق الله، فليقل: عليك بنفسك (1/397)
صفحة 398
قال المسيح (العلل: يا معشر الحواريين، كم سراج أطفاه
الريح، وكم عابد أفسده العجب؛ وأقول في ذلك
رب ريح تميت أي سراج وكذا العجب يفسد العبادا
قال المدايني: ينبغي للعبد أن يكون في الدنيا كالمريض، الذي لابد له من القوت، ولا يُوافقه كل الطعام، فهو في مداراة وحمية؛ وأقول في ذلك
:
إرحم نفساً على إرتكاب الذنوب وتجافي قبيح فعل الذنوب كم مدا الدهر كالمريض يجافي ما نهى عن مقال الطبيب
وقال: إذا أعرض الرجل عن الموعظة، فقد رضي بالنار؛ وأقول في ذلك:
إذا أعرض المرء عن وعظه فبالنار يرضى على نفسه كان معاوية يقول: الأسود ينادي على باب طرسوس: من كانت الدنيا أكثر همه، طال غداً يوم القيامة همه، ومن خاف الوعيد لهي عما يُريد، ومن رجا بين يديه جاد بما في يديه، ومن أراد من الله الجزيل، فلا ينم الليل ولا يُقل إلا قليل، ولا تهم الأرزاق من تخلف، فليس أرزاقهم تكلف، وقدم إلى الحشر
- 398 - (1/398)
صفحة 399
زادك، فإن فيه معادك، ولا تهتم لرزق أردته أم أرادك، إزدد من الخير تحمد مع المراد إزديادك، واذكر إلهك ذكرا متى تزدد فيه زادك؛ وكان يُقال: إعطاء الفاجر معونة على الفجور، ومسألة منه إهانة للعرض، والتعليم من الجاهل زيادة في الجهل، وتعليم الأبله إبطال للعُمر، والصنع عند الكفور إضاعة للنعمة.
قال عجلان الطهاري: دخلنا على مُغيرة الخزان نعوده في مرضه، قلنا: كيف تجدك؟ قال: أجدني مُقيداً بالأنام، قلنا: فما الذي تشكوا؟ قال: الحسرة على الغفلة، وقال له رجل: فما تشتهي؟ قال: الإنابة إلى ما عند الله، والنقلة مما يكره الله فبكي القوم والله جميعاً؛ وأقول في ذلك:
دخلت على المغيرة في سقام فقلت له وما يشكو المُغيره فقال شكوت في حسرات نفسي على الغفلات من عمل الذخيره قلت له فماذا تشتهيه فقال إنابة تحيي السريره إلى الباري وتركي ما نهاني لعل بذاك تغتفر الكبيره وعن ابن مسعود، قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): " أيكم مال وارثه أحب إليه؟ " قلنا: ما منا أحد إلا وماله أحب إليه من مال وارثه، قال النبي (): " ليس منكم أحد إلا ومال وارثه أحب
-799 - (1/399)
صفحة 400
إليه من ماله، مالك ما قدمته، ومال وارثك ما أخرته ".
مالك ما قدمته فاحتسب ثوابه لا شك تلقـ
تلقاه
لا خير في المال وتوفيره لوارث من تك تهواه لا ينفع المال إذا ما الفتى من حبه عذبه الله
وقال الحسن: لا يغرنك ما حولك من هذه السباع العادية: إبنك، وحليلتك، وكلالتك، وخادمك؛ أما إبنك: فمثل الأسد ينازعك ما في يدك، وأما حليلتك: فمثل الكلبة في الهرير البصبصه، وأما كلالتك: والله لدرهم يصل إليهم بعد موتك أحب إليهم من أن لو كنت أعتقت رقبة، وأما خادمك: فمثل الثعلب، وإنما لك منهم أيام قلائل، فإذا وضعوك في بيت أربعة أذرع، ثم إنصرفوا، صفروا الثياب، وضربوا الطبول، وضحكوا بالقهقة وأنت تحاسب بما في أيديهم؛ وأقول في ذلك
لا تغترر بسباع أنت بينهم بنيك والعرس والعَلاتُ (1) والعصبه والإبن كالأسد الضرغام يسلب ما في قبض كفك لا تأمن له طلبه
قال محمد بن يوسف: وذكر الإخوان، قال: قلت مثل الأخ الصالح، قال: أهلك يقتسمون مالك، وهو يدعوا لك وأنت بين
(1) العَلاتُ
: الأخوة من الأب؛ وفي العموم: مُطلق الأخوه. (1/400)
صفحة 401
أطباق الثرى.
يقسمون الأهل مالي والأخ الصالح يدعُوا آه إن أسكنت لحدي عفوك اللهم عفواً أنت أولى بي من أم
خذ بغفران ذنوبي
أنت مولاي وحسبي
من حرام وحلال بعد موتي وانتقالي يا عقواً عن ضلالي دايماً يا ذا الجلال ثم
خال
وقني سُوء فعالي
أنت مولى كل وال
قدم ما تقدم، فإنك قادم عليه، وآخر ما تؤخر، فإنك غير
راجع إليه
لنفسك ما تقدمه
ورم
فأنت عليه قادم
لا تفعلن لتذهبن كما
فعلت بأنفسها البهايم
مهما تؤخره تفارقه
وأنفك فيه راغم
وكذاك لا خير ولا
شر على أحد بدايم
وقال الكندي [مُصنف الكِتاب]:
قدم لنفسك ما تقدم واحتسب إن القدوم على المقدم كائن
- E.)- (1/401)
صفحة 402
وجميع ما أخرت ليس براجع أبدأ إليه ولا أراه الباين
وقال يحيى: خوفنا من فضيحة الدنيا وفقرها، أوقعنا في
فضيحة الآخرة وفقرها؛ وأقول في ذلك:
خوفي الفضيحة في الدنيا من العدم خزي الفضيحة في الآخرى مع العدم
قال المدايني: ما ورث الأباء الأبناء أفضل من الأدب، لإنه إذا ورث الأداب، إكتسب بالأداب الأموال، والجاه في الدين والدنيا؛ وإذا ورث الأموال، أتلفها وفقد الدِّين والدنيا
•
قال: دخل مسلمه بن عبد الملك، على عُمر بن عبد العزيز عند موته، فقال: يا أمير المؤمنين، صنعت صنيعاً لم يصنعه أحد قبلك، تركت ولدك وليس عندهم دينار ولا درهم، وعنده ثلاثة عشر من ولده، فقال عُمر: أقعدوني، فأقعدوه، فقال: أما قولك: لم أدع لهم ديناراً ولا درهما، فإني لم أمنعهم حقاً لهم، ولم أعطهم حقاً لغيرهم، وإنما ولدي أحد رجلين، إما مطيع الله، فالله كافيه، وهو يتولى الصالحين؛ وأما عاص الله، فلا أبالي على ما وقع.
قال: وبعث أصحاب بلخ إلى أهله أنواع الأطعمة والتوابل، (1/402)
صفحة 403
فأكلوها كلها مع الخدم والولد، فلما أمسى التاجر إلى منزله، فدعا بعشاء وذخيرة، فظن أنهم قد ذخروا له، فقالوا: إننا نسيناك ولم يبق من الطعام شيئا، قال: فعمد التاجر على صندوقه ففتحه، وتصدق بعشرة آلاف، فقال: نسيتموني حياً، فكيف
تذكروني ميتاً.
- E.T_ (1/403)
صفحة 404
[صفحة فارغة] (1/404)
صفحة 405
الباب السادس والعشرون في ذكر القبور
قال النبي (): " إن القبر أول منازل الآخرة، فإن نجا منه، فما بعده أيسر منه؛ وإن لم ينج منه، فما بعده أشدَّ منه "؛ وأقول في ذلك:
القبر أول باب أنت تدخله إلى المقام فكن منه على حذر وإن نجوت ولم تلق العذاب به نجوت من حر نار عد في سقر
وقال مالك بن دينار: نحن رهائن الموتى، وهم علينا محبوسون، حتى نرد عليهم الرهاين، فيحشرون جميعاً؛ وأقول
في ذلك:
نحن الرهائن في الدنيا لموتانا وهم ببطن الثرى وقف للقيانا يفوز من فاز بالتقوى ومن خسنت أعماله باءَ بالخسران حيرانا
وقال يحيى بن معاذ: يا ابن آدم، دعاك الله إلى دار السلام فانظر من أين تجيبه؟ فإن أجبته من دنياك دخلتها، وإن أجبته من قبر منعتها؛ وأقول في ذلك:
12.0_ (1/405)
صفحة 406
دعاك إلى دار السلام بلطفه إلهك فانظر حيث شنت تجيب فإن كنت في الدنيا أجبت دخلتها وإن كان في قبر فأنت تخيب
قال يحيى بن أبي بكر: قال النبي (): " إن الله كره منكم أربعاً: العبث في الصلاة، واللهو عند القرآن، والرفث عند الصيام، والضحك عند المقبرة ".
بيته
قالت عائشة: أن المُؤمن ليُؤذيه في قبره، ما يُؤذيه في
وقال الحسن: إن شر الناس للميت أهله، يبكون عليه، ولا يقضون دينه؛ وأقول في ذلك:
بكيتم على ميت لغيبة شخصه ولم يقض عنه دينه فلِمَ البُكا فلو كان محبوبا إليكم مكرماً دفعتم إلى ذي الدين ما قال أو حكا أما روحه بالدين مرهونة به فلو يستطع شكوى لتخليصه شكا
وقال محمد بن مداد:
عجبا لكم يا أهل ميت
بالمقابر تدفنونه
يبكون ميتهم بأرنان
ولا
يقضون دينه
الدين حل وكل نفس
بما كسبت رهينه
- E.T_ (1/406)
صفحة 407
قال ابن عباس: أرحم ما يكون الرب بعبده، إذا دخل قبره،
وتفرق عنه أهله؛ وقال محمد بن مداد:
الله أرحم ما يكون بعبده إن حل بطن القبر فيه فريدا وتفرق الأهلون عنه كأنه ما كان عند قصوره موجودا
قال: فمر فارسي بغلام، فقال: يا غلام، أين العُمران؟ قال: إصعد الشرف، فصعد، فشرف على مقبرة، فقال: إن الغلام جاهل أو حليم، فرجع، فقال: سألتك عن العُمران، فدللتني على المقبرة، قال: رأيت أهل هذه الدار ينقلون إلى تلك، ولم أرى أحداً منهم ينتقلون إلى هذه، وإنما ينتقل من الخراب إلى
العُمران.
قال محمد بن علي: لا يكون الصديق صديقاً، حتى يحفظ
صديقه في غيبته، وعند نكبته، وعند وفاته
قال: ودعا أعرابي بالموقف: اللهم قد عجت إليك الأصوات بصنوف اللغات، يسألونك الحاجات، وحاجتي أن تذكرني برحمتك، في طول لبثي في الثرى، إذا نيسني أهل الدنيا؛ وأقول في ذلك:
_ t.V_ (1/407)
صفحة 408
يا رب من حاجتي إن مت تذكرني في جوف قبري إذا ما صرت أرماما وزارني الأهل حيناً ثم ملوني وطال بي العهد أعواماً وأعواما
قال ابن السماك: مررت بالمقابر، فإذا على قبر مكتوب:
يمر أقاربي جنبات قبري كأن أقاربي لم يعرفوني وذوا الميراث يقتسمون مالي ولا يألون ما جحدوا ديوني وقد أخذوا سهامهم وعاشوا فيا الله أسرع ما نسوني
وقلت معارضاً له:
إذ أووريت في قبري وحيداً يمر أقاربي قربي ودوني فالحظ بالسلام إن إستطاعوا وإلا فالقرابة قد نسوني وقالوا ليس يُعرف ما عليه من التبعات بل لا يعرفوني وعن نافع، عن أبيه، قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): " كفارة المجلس لا يقوم منه حتى يقول: سُبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، تب عليَّ، واغفر لي) يقولها ثلاث مرات)، فإن كان المجلس مجلس ذكر، كان طاعة، وإن كان مجلس لغو، كان كفارته "
وقال الفضيل: ذكر الناس داء، وذكر الله شفاء؛ وأقول في
14.^_ (1/408)
صفحة 409
ذلك:
ذكر البرية داء ليس أذكره وذكر ربي شفاء لي من العلل
وقال محمد بن مداد:
إن ذكر الله للقلب نور وشفاء واغتياب الناس داء وبلاء
قال كعب: إن الله يقول: من شغله ذكري عن مسألتي: أعطيته ما يُعطى السائلون.
وقال النبي (): " لكل شيء صقاله، وصقالة القلب ذكر الله "؛ وأقول في ذلك:
ذكر الله صقالة لقلوبنا وعمى القلوب إذا سهى عن ذكره
وقال مُعاذ بن جبل: ليس يتحسر أهل الجنة يوم القيامة، إلا
على ساعة مرت فلم يذكروا الله فيها.
•
وقال النبي (صلى الله عليه وسلم): " ما من حافظين يرفعان إلى الله ما حفظا، ويرى الله أول الصحيفة خيراً، إلا قال الله لملائكته:
اشهدوا أني قد غفرت لعبدي ما بين الصحيفة '
وقال وهب بن منبه: أرى الناس يعظمون وفاة الأجساد
-?.9_ 409 (1/409)
صفحة 410
وممات القلوب أشد من ذلك؛ وأقول في ذلك
تأسى على الأجساد عند مماتها وممات قلب المرء ويحك أعظم
وكان عبد الله بن مروان العابد، يقول: أورثتنا تلك الأكلة السُّوَى حُزنا طويلاً، ثم يبكي، يعني: أكلة آدم (العليا)؛ وأقول
في ذلك:
لقد أورثتنا أكلة السوء شقوة بطول بلاها والبلاء طويل
وقال النبي (): " ثلاثة أعين لا تمسها النار: عين فقئت في سبيل الله، وعين دمعت من خشية الله، وعين باتت تحرس في سبيل الله "
وقال ابن عُمر لأبيه: يا أبت، ما بال المتكلمين يتكلمون، فلا يبكي أحد، فإذا تكلمت سمعت البكاء من ها هنا وها هنا؟ فقال: يا بني، ليست النائحة الثكلا، كالنائحة المُستأجرة؛ وأقول في
ذلك:
النائحات أجورهن محرم والغادة الثكلى الثواب أجورها والنائحات أجورهن دراهم يأخذنها ويغرهن غرورها (1/410)
صفحة 411
قال: وقال أبو بكر بن أبي مريم: رأيت ورقة بن بشر - فيما يرى النائم - فقلت: ما فعل الله بك يا ورقة؟ قال: نجوت بعد كل جهد، قلت: فأي الأعمال وجدتموها أفضل؟ قال: البُكاء من خشية الله؛ وأقول في ذلك:
إذا ما بكي الإنسان من خشية الرب محى الله عنه كل ما كان من ذنب إذا كان قاسي القلب أعمى من الهدى فويل له من سوء عاقبة الكسب
وقال مسلمة بن عبد الملك: بكي عُمر بن عبد العزيز، وبكي مسلم بن عبد العزيز، وبكت فاطمة، وبكى أهل الدار، لا يدري هؤلاء ما أبكى هؤلاء، فلما تجلى عنهم الغين (1)، قلت: يا أمير المؤمنين، مما بكيت؟ قال: ذكرت منصرف القوم من بين يدي الله (ع): {فريق في الجنة وفريق في السعير} (2)، ثم صرخ وغشي عليه؛ وأقول في ذلك
بكا عُمر وفاطمة بكاء على الوجنات دمعاً كالغدير فقلت علام يا عُمر بكاكما فقال جزعت من يوم عسير إذا انصرف الخلائق واستقروا بجنات وقوم بالسعير
قال مسروق بن الأجدع: قال تميم الداري: ليلة حتى أصبح
(1) الغين: الكدر
•
(2) سورة الشورى: 7.
-211 - (1/411)
صفحة 412
يقرأ آية من كتاب الله ويبكي: {أم حسب الذين إجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين أمنوا وعملوا الصالحات سواء محياهم ومماتهم ساء ما يحكمون} (1).
(1)
وقال أبو الدرداء: ليس لك يوم القيامة موضع ولا ظل إلا ظل
العرش، فإن ظللت فنعما أنت، وإن ضحوت هلكت
وقال الشعبي: لقي جبريل (الله) عيسى بن مريم (الله)، فقال: يا جبريل، متى الساعة؟ فانتفض في أجنحته، فقال: وما المسئول عنها بأعلم من السائل، {لا يجليها لوقتها إلا هو} ().
تبعث
قال لقمان لإبنه: يا بني، كما تنام تموت، وكما توقظ كذلك
وقال أبو أمامه: يُقسم النور بينكم يوم القيامة، ولا يستضيء المنافق بنور المُؤمن، كما لا يستضيء الأعمى بنور
البصير
قيل ليونس بن عُبيد: أرأيت رجلاً يعمل عمل الحسن؟ قال:
ما رأيت رجلاً يقول قوله، فكيف يعمل عمله
(1) سورة الجاثية: 21 (2) سورة الأعراف: 187 (1/412)
صفحة 413
وقال يحيى بن معاذ: إن أهل الجمع يقولون: مَنَّ الله، حتى
لا ينساه أهل الجنة في الجنة، ولا أهل النار في النار أبداً.
وعن ابن عباس، قال: قال النبي (): " لما خلق الله جنة عدن، خلق الله فيها، ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، ثم قال لها: تكلمي، فقالت: {قد أفلح المؤمنون} (1) - ثلاثاً ـ ثم قالت: أنا حرام على كل بخيل ومرائي؛ وقال محمد بن مداد:
أفلح المؤمنون بالله حقا إذ لهم في الجنان ظل ظليل والمراؤون لا يرون نعيماً لا ولا يدخل الجنان بخيل
قال: وكان الفضل إذا قرأ: {والله يعلم أعمالكم * ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين ونبلوا أخباركم} (2)، قال: إنك إن بلوتنا فضحتنا، وهتكت أستارنا.
وعن ابن مسعود، قال: النجاة في إثنتين: النية والحياء
والهلكة في إثنتين: الفرط والإعجاب.
•
قال الفضيل: إن الله يسأل الصادقين عن صدقهم، منهم
(1) سورة المؤمنون: 1
(2) سورة محمد: 30 – 31.
-17 - (1/413)
صفحة 414
عيسى بن مريم (العلل، فكيف بالمساكين والكاذبين، فبكي؛ وقال: ما رحم نفسه من عصي ربه؛ وأقول في ذلك:
أهلكت نفسك بالمعاصي يا فتى إذ أنت مرتهن بفعل معاص إن الذي يعصي أضر بنفسه لم يجتهد إبدالها بخلاصي
وقال يحيى بن معاذ: شهوات النفس نيرانها، ولذات الدنيا حطبها، وماؤها التوبة الذي يطفئها؛ وقيل ليحيى: متى يكون الرجل زاهداً في الدنيا؟ قال: إذا بلغ حرصه في تركها، كحرصه في طلبها؛ وأقول في ذلك
:
لا يزهد المرء في الدنيا وهمته مصروفة في ابتغاء المال والنسب لكن إذا قدر الباري هدايته يفوق حرصاً على أخراه بالطلب
قال يحيى بن معاذ: من كانت إستعانته بالناس، لم يزل مخذولاً، ومن كانت شهوته في الطعام، لم يزل جائعاً، ومن كان غناه بالمال، لم يزل فقيراً، ومن كانت حوائجه إلى المخلوقين، لم يزل محروما؛ وأقول في ذلك:
من كان شهوته الطعام فإنه طار مدا الأيام والأعوام وأرى الذي يقنيه مهتما به أبدأ عليه ملابس الإعدام
- 414 - (1/414)
صفحة 415
وكذا الذي جعل الحوائج طلبة كالمُستظل برايح وغمام والمستغيث بمعشر خذلانه أبداً يحل به مدا الأيام
قال أبو المعتمر: الناس ثلاثة أصناف: فقير، وغني، وأوسطهما؛ الفقراء موتي إلا من أحياه الله؛ والأغنياء سُكارى إلا من عصمه الله؛ وأكثر الخير مع الأوساط؛ وأكثر الشر مع الفقراء والأغنياء
وقال داوود الطائي: من خاف من الوعيد قرب عليه البعيد ومن طال أمله ساء عمله
وقال محمد بن الحسين: أمسك مذموم، وعدوك غير
مأمون، ويومك غير محمود،، فاغتنمه
وقال ابن عُمر: أول ما يُرفع من هذه الأمة: الألفة والشفقة
قال مطرق بن عبد الله: وجدنا أرحم العباد لعباد الله الملائكة، لقوله تعالى: {ويستغفرن لمن في الأرض} ()، {ويستغفرون للذين أمنوا} ()، ووجدنا أغش العباد لعباد الله
الشياطين
(1) سورة الشورى: 5 (2) سورة غافر: 7
•
12101 (1/415)
صفحة 416
وقال ابن السماك: رضي الله في مكروه النفس، وفي خلاف النفس رشدها، وقد قرنت المكارم كلها مع ما تكرهه النفس، لا ينجى المرء من دنس المازحين.
وقال معاوية: دخلت على هارون الرشيد، فحادثته حتى ذهب هزيع من الليل، فقال: ما حاجتك يا معاوية؟ قلت: سلام بن سلام محبوس، فاستوى جالساً، وعرفت الغضب فيه، فقال: ويحك إنه يجلس مجالس الحرام، ويقول: لو شئت لضربت أمير المؤمنين بمائة ألف سيف، وليس هذا برأيك، ولا رأي أصحابك، ثم سكن، فحادثته حتى ذهب هزيع من الليل، ثم قال: ما حاجتك؟ فقلت: إن سلام لا يقدر على القيام من القيود، فقال يسألهم: كم على سلام من القيود؟ قلت: قيدته بإثني عشر قيداً، فقال: فك ثمانية ودع أربعة، قال: فأرسل إليَّ بعد ذلك، فقال: جزاك الله من أخ خيراً، قد قمت إلى الصلاة وتوضأت، قال: فذهب بعض إهتمامي له
وقال الحسن: قال رسول الله): " إن أمتي لا يدخلون الجنة بكثرة صيام ولا صلاة، ولكن يدخلونها برحمة الله،
وسلامة الصدور، وسخاوة الرحمة لجميع المسلمين "
-217 - (1/416)
صفحة 417
وقال أبو مالك الأشعري: ليس عدوك الذي إذا لقيته فقتلت وأجرك الله على قتله، ولكن أعدا عدو لك نفسك التي بين جنبيك، وامرأتك التي تضاجعك، وولدك الذي من صلبك، وهو أعدا عدو لك؛ وأقول في ذلك:
ليس العدو عدوا لي أحاربه بالسيف أو بالقنا الخطي والأسل لكن نفسي أعدا من عداوة من يُريد قتلي بأشياء من الحيل كذاك عرسي وأولادي عداوتهم ما دمت حيا إلى أن ينقضي أجلي
وقال سفيان الثوري: ما عالجت شيئاً أشد علي من نفسي، مرة لي ومرة علي؛
وقال مالك بن دينار: فطام الكبير شديد؛ وأقول في ذلك:
أترى صون نفسك بعد ما هرمت ومن العناء رياضة الهرم
وأقول في ذلك:
ما بال نفسي يوماً حين أقحمها كالجامح السابح الآبي على اللجم أعيت علي على أعلا شبيبتها وهكذا هي أعيتني على الهرم
أعداء الإنسان ثلاثة: شيطانه، ونفسه، ودنياه؛ وأقول في
- {1 V- (1/417)
صفحة 418
:
ذلك
أخشى عداوة نفسي ثم شيطاني هما العدوان والدنيا وسلطاني
***
_ {1^- (1/418)
صفحة 419
الباب السابع والعشرون في ذكر الظلم
قال: سمعت النبي () يقول: " أخشى على أمتي من بعدي ثلاثة "، قالوا: وما هُن يا رسول الله؟ قال: " زلة عَالِم،
وحكم جائر، وهوى مُتبع "؛ وأقول في ذلك
أخاف ثلاثة يأتي وأخشى على نفسي مواجهة الثلاثة ضلالة عَالِم وهوى مُطَاع وحكم الجور مع شين الحراسه قال: وذكر الظالم في مجلس ابن عباس، قال كعب بن أبي: أجد في كتاب الله (ع): {فتلك بيوتهم خاوية بما ظلموا} (1). وقال محمد بن كعب: ركب سليمان العلا) مركباً عظيماً، فسمع قائلاً يقول: إن سُليمان أعطى ما لم يعطه غيره، فقال سليمان: نعم، أعطيت ما لم يُعط الناس، ولكن أربع من كن فيه، فهو أفضل مما أعطي ابن داوود: خشية الله في السر والعلانية، والعدل في الرضى والغضب، والقصد في الغنى
والفقر، وحمداً لله على كل حال.
(1) سورة النمل: 52
-219 - (1/419)
صفحة 420
قال وهب بن منبه: إذا هَمَّ الوالي بالجور، أدخل الله النقص
في أهل مملكته، حتى في الأسواق، والأزقاق، والضروع، والزروع، وكل شيء؛ وإذا هَمَّ بالخير، وعمل به، وعدل بينهم، أدخل الله البركة على أهل مملكته كذلك
وقيل لطاوس: ما أجلسك في بيتك؟ قال: خوف الأئمة، وفساد الرعية.
سئل الأنطاكي: ما أفضل ما يُتقرب به إلى الله (ل)؟ قال: ترك المعاصي الباطنة، وقيل: فما بال الباطنة أولى من الظاهرة؟ قال: إذا اجتنبت الباطنة، بطلت الباطنة والظاهرة؛
وأقول في ذلك:
إذا ما أطعت الله في باطن الأمر زكى منك أعمال السريرة والجهر وإن أنت خنت الله فيما تكنه تحملت من خزي المعرة بالوزر قال ميمون بن ميمون: علانية بغير سريرة كنيف مُخصص،
ومن إفتخر بما لم يصبه، يقول الكيس كذبت
وقيل لضاحك بن مزاحم: ما الذي ينبغي لنا أن نحبهم؟ قال: الذين إذا سمعوا الأذان، خرجوا من الأرقة يجيبونه؛ وأقول في
- EY. (1/420)
صفحة 421
ذلك:
ب
أحب أناسا أجابوا الآذان وحق لطائعه أن يجـ إذا سمعوه أجابوا سراعاً سراعاً سراعاً بجد الطلب
قال الحسن: مُصارمة الفاجر قربان إلى الله.
قال أبو الدرداء: ما من مؤمن ولا كافر، إلا والموت أخير له، ومن لم يصدقني فإن الله (ع) يقول: {وما عند الله خير وأبقى} ()، وقال): {إنما نملي لهم ليزدادوا إثما ولهم عذاب مهين} (2).
قال الداراني: قلت لأم هارون: أتحبين الموت؟ قالت: لا، قلت: لم؟ قالت: لو عصيت أدميا، لما إشتهيت لقاءه، فكيف أحب لقاءه وقد عصيته
•
قال الأنطاكي: واعلم أن الخير والشر كله أمامك، وإنك لن ترى من الخير والشر إلا الدلالة، لأن الله تعالى جعل الخير بحذافيره في الجنة، وجعل الشر بحذافيره في النار؛ وأقول في
ذلك
•
(1) سورة القصص: 60 (2) سورة آل عمران: 178.
- 421 - (1/421)
صفحة 422
الخير والشر أمام الورى يلقى إذا بعثر من في الثرى الخير في الجنة لا غيرها والشر في النار بغير المرا
قال رجل ليزيد بن مزيد: ما لي أرى عينيك لا يجفان؟ قال: وما مسئلتك عن ذلك؟ قال: عسى أن ينفعني به، قال: يا يحيى، لو أن الله لم يُعذبني إن أنا عصيته، أن يسجنني في النار؛ قال الله (ع): {ونرى فرعون وهامان وجنودهما منهم ما كانوا يحذرون} ().
قال ثابت البناني: ضحك المؤمن غفلة؛ قال ابن عباس: من
أذنب وهو يضحك، دخل النار وهو يبكي؛ وأقول في ذلك
من كان يذنب وهو يضحك أنه سيكون يبكي في دخول النار النار أخشاها ولولا عصمتي بالله ربي الواحد القهار
قال ابن مسعود: عجبت من ضاحك ومن ورائه النار،
ومسرور ومن ورائه الموت؛ وأقول في ذلك
يا ذا الذي يضحك من غفلة ومن ورائه النار للظالم ورب مسرور أتاه الردى في سرعة كالغائب القادم
(1) سورة القصص: 6.
- 422 - (1/422)
صفحة 423
وقال محمد بن مداد:
يا ضاحكاً فرحا والموت يطلبه والله أوعد من يعصيه بالنار ولن يطيق قليلاً من أقلهما فكيف يضحك بين الموت والنار
قال: ومر الحسن بشاب وهو يضحك، فقال له: يا فتى، هل مررت بالصراط؟ قال: لا، قال: فهل تدري إلى الجنة تصير أم إلى النار؟ قال: لا، قال: فما هذا الضحك؟ قال: فما رئي الفتى
ضاحكاً قط
•
وقال يحيى: خصال أربعة لم يتركن للمؤمن ضحكاً ولا فرحاً: هم المعاد، وشغل المعاش، وغم الذنوب، وآلم المصيبات؛ وأقول في ذلك:
هَمَّ المعاد وشغل المعاش وغم الذنوب وهم الوجع تركن الفؤاد كليما سقيماً قليل الرقاد كثير الهلع وهول مقام يشيب الوليد وينسى المراجع فيه الفزع وقال الأوزاعي في قوله (ل): {لا يُغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها} (1)، قال: الصغيرة: التبسم، والكبيرة: القهقهة
(1) سورة الكهف: 49.
- ETT- (1/423)
صفحة 424
قال: ودخل داوود (الله) غاراً من غيران بيت المقدس،
فإذا هو برجل بين يديه عظام مجموعة، فقال: ما هذه العظام؟ قال: كنا ثلاثة، وأنا أحدهم، وهذا الثالث، في ذلك الغار، فإذا شئت أن تدخل فادخل، فدخل، فإذا هو بسرير ميت، وعند رأسه كتاب مكتوب فيه: أنا فلان بن فلان الملك، ملكت ألف عام، وتزوجت ألف إمرأة عذراء، وبنيت ألف مدينة، وهزمت ألف
جيش، وهذا مصرعي، فاعتبروا بي يا أهل الدُّنيا
وقال الأوزاعي: خرج الناس للإستسقاء، وكان فيهم هلال بن سعيد، فحمد الله تعالى وأثنى عليه، وقال: يا معاشر من حضر، ألستم مقرون بالأساءات؟ فقالوا: اللهم نعم، فقال: اللهم إنا سمعناك تقول: {ما على المحسنين من سبيل} (1)، وقد أقررنا بالإساءة، فهل تكون مغفرتك إلا لمثلنا، اللهم إرحمنا اللهم إغفر لنا، وارحمنا، واسقنا، قال: فرفع يده ورفعوا،
فسقوا.
وقال محمد بن جعفر: لئن أندم على العفو، أحب إليَّ من أن أندم على العقوبة؛ وأقول في ذلك شعراً:
(1) سورة التوبة: 91
_ EYE_ (1/424)
صفحة 425
ندم على عفو أحب إليَّ من ندم على عقبي العقوبة في الشرر والصفح عند الله يُرجى أجره وثوابه يُؤتى لعبدٍ قد شكر
وقال يحيى بن معاذ: من دعى على ظالمه، فقد أحزن محمد
)، والأنبياء والصالحين، وسر إبليس اللعين، والكفرة والشياطين، ومن عفى عن ظالمه، فقد أحزن إبليس اللعين، والكفرة والشياطين، وأسر محمداً (، والأنبياء والصالحين
قال النبي (صلى الله عليه وسلم): " يُنادي منادي يوم القيامة: أين الذين كانت أجورهم على الله؟ فيقوم العافون عن الناس، فيدخلون الجنة "؛ وأقول في ذلك
:
ومن خفي أجره على الله حقا وينادي غداة يوم القيامة أين الذي أجره على الله يأتي مسرعاً سالكاً طريق السلامة داخلاً جنة بغير حساب آمن القلب لا يسر الندامة وقال محمد بن مداد:
يُنادي المنادي في القيامة أين من عفى فيوفى أجره غير ناقص قال النبي (: " يُنادي منادي يوم القيامة: يا أمة محمد، أما ما كان لي قبلكم، فقد وهبناه وبقي التبعات فتواهبوها،
- 425 - (1/425)
صفحة 426
وأدخلوا الجنة برحمتي ".
قال عتيبة: كيف يفرح إنسان، يسره ما يضره؛ وفيه أقول
شعراً:
متى يفرح الإنسان فيما يسره إذا كان فيه يلتقي ما يضره وقال يحيى بن محمد: إن أحببت أن لا تسيء إلى من تحب فافعل، قال: وهل يُسيء أحداً إلى من يحبه؟ قال: نعم، نفسك أحب الأنفس إليك، وأعزها عليك، فإذا عصيت فقد أسأت إليها.
وقال يونس بن عُبيد: الذل في طاعة الله أقرب من التعزز في معصية الله؛ وقال محمد بن مداد:
إني لأعجب من نفسي وغفلتها تحب أشياء تلقي هونها فيها وذل نفسي في مرضات خالقها خير لها من مساو عزها فيها وعن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): " من سأل الله الجنة [ثلاث مرات]، قالت الجنة: اللهم ادخله الجنة، ومن إستجار من النار [ثلاث مرات]، قالت النار: اللهم أجره من النار "
وعن ثابت البناني: بلغني أنه ما من قوم يجلسون فيقومون،
- EYT- (1/426)
صفحة 427
:
قبل أن يسألوا الله الجنة، ويتعوذوا من النار، إلا قالت الملائكة أغفلوا العظيمين.
وقال يحيى بن معاذ: في إكتساب الدُّنيا ذل النفوس، وفي إكتساب الجنة عن النفوس، فوا عجباً لمن يختار المذلة في طلب
ما يفنى، على العز في طلب ما يبقى؛ وأقول في ذلك:
رأيتك ذنباً لنفسي مذلة فها أنا منها في مكايدة الذل على طلب الفاني ولو كنت أبتغي لنفسي عزا تبت عن عمل الجهل وقال محمد بن مداد:
إن ذل النفوس في طلب الدنيا وعز النفوس في الجنات لا يغرنك عز فان بباق أبدأ فادخر له الصالحات
قال: مكتوب في الإنجيل: الرشوة تعمي عين الحكيم؛ وأقول
في ذلك:
إن هذى الرشا فيها عمى القلب فإياك وأكل الرشا وقال حذيفة: من إقتراب الساعة، أن يكون أمراء فجرة، ووزراء كذبة، وأمناء خونة، وعُلماء فسقة، وعُرفاء ظلمة، من حكم بين إثنين فجار، فقد ظلم نفسه، {ألا لعنة الله على
- EYV- (1/427)
صفحة 428
(1)
الظالمين}
الله.
قال الفضيل: الجنف (2) في الوصية، لا يتوب منه حتى يلقى
قال: ودخل يزيد الرقاشي إلى عُمر بن عبد العزيز، فقال: عظني يا يزيد، فقال: يا أمير المؤمنين: ليس بينك وبين آدم إلا أب ميت، فبكى، ثم قال: يا يزيد، زدني، قال: إعلم إنك أول خليفة تموت، قال: يا يزيد، زدني، قال: ما بين الجنة والنار منزلة، فوقع مغشيا عليه؛ وأقول في ذلك:
كيف أبقى وآدم قد مات قبلاً وبنوه تتابعوا بالممات والنبي مات والخلائق جمعاً والذين جهلتم على الخلوات والبقا للإله جل تعالى إن يُرى بالعيون أو بالصفات
(3)
قال ميمون بن ميمون: لما نزلت هذه الآية: {وإن جهنم لموعدهم أجمعين} (3)، صاح سلمان الفارسي، ومضى ثلاثة أيام لا يقدر عليه.
قال: ودخل محمد بن واسع، على قتيبة بن مسلم، وعليه
(1) سورة هود: 18
(2) الجنف: وهو الحيف
(3) سورة الحجر: 43.
•
•
- ETA_ (1/428)
صفحة 429
جبة صوف، فقال له قتيبة: ما دعاك إلى مدرعة الصوف فسكت، فقال: أكلمك ولا تجيبني؟ قال: أكره أن أقول: زهداً، فازكي نفسي، أو أقول: فقرأ: فأشكو ربي
وقال عُمر للمنصور: يا أمير المؤمنين، أعطاك الله الدُّنيا
بأسرها، فاشتر منها نفسك ببعضها؛ وأقول في ذلك
أعطاك دنياك يا هذا بأجمعها قم فاشتر النفس من بعض لتفديها من العذاب ومن سوء المقام غداً إذا سمحت بها فالله ينجيها
قال المسيب بن واضح: كنت مع ابن المبارك في الروم، فقال: يا مسيب، ما فساد العامة إلا من الخاصة، قلت: فلم يا أبا عبد الرحمن؟ قال: قال رسول الله (): " الناس خمس طبقات: العلماء، والقراء، والولاة، والزهاد، والتجار "
•
قال يحيى بن معاذ: ما رأيت الحراص على الدنيا يتكلمون
بالزهد ويدعونه، فاعلم أنه من سحرة الشياطين.
*** (1/429)
صفحة 430
[صفحة فارغة] (1/430)
صفحة 431
الباب الناس والعشرون في ذكر النساء والزواج
قال ليث بن سعيد: وجدت في بعض كتب الأنبياء: إن أحسنت هذه الأمة، فكلها خمسمائة سنة، وإن أساءت فأربعمائة
سنة
قال أبو مردود المدني: كانت إمرأة شاطرة (1) بمكة، قالت: لا أستريح حتى أفتن طاووساً، وكان رجلاً جميلاً، فعرضت نفسها عليه مراراً، حتى أراها أن ذلك يعجبه منها، فقالت: متى؟ قال: هذه الليلة، فجاءته، فانطلق يمشي حتى بلغ المقام، فقال: ها هنا فاضطجعي، قالت: سبحان الله ألا يرانا الناس؟ فقال لها: أو ليس الله يرانا في كل مكان، فتابت وتركت ما كانت فيه من شطرها وفتنتها
قال أبو عبد الرحمن: في بعض الليالي المظلمة، فإذا أنا بجارية كأنها علم، فأردتها، فقالت: ويلك ما لك زاجر من عقل، ألم يكن أحد يرانا، فقلت: أي هذه، والله لا ترانا إلا الكواكب،
(1) شاطرة: أي: عاهرة.
- ET- (1/431)
صفحة 432
فقالت: وأين مكوكبها؟ وأقول في ذلك:
خرجت في الليل والظلماء عاكفة صادفت فيه فتاة تشبة العلما أردتها ثم قالت لي محذرة هل زاجر العقل حتى تورث الندما فقلت ما إن أرى إلا كواكبها قالت مكوكبها محصي لنا الكلما
قال الأصمعي: إن فتى جميلاً خرج في سفر له، فوقع في فلاة من الأرض، فصاحبته إمرأة فعشقته، فقالت: أيها الفتى، هل تحسن شيئاً من الشعر؟ قال: نعم؛ قال الشاعر:
ولست من النساء ولسن مني ولا أبغي الفجور إلى الممات فلا تك تطمعي فيما لدينا ولو سرنا سنيناً في الفلات فإن الله ينظر فوق عرش ويغضب للأمور الممهنات قالت: دعنا من شعرك هذا، هل تقرأ شيئاً من القرآن؟ قال: نعم، قال الله (ل): {الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة} (1)، قالت: دعنا من قرآنك، فرجعت وهي خائبة.
قال ابن عباس: قال النبي (): " الكواكب أمان لأهل السماء، فإذا طمست، أتى ما توعدون، وإنها أمان أصحابي، فإذا ذهبت، أتاهم ما يوعدون، وأصحابي أمان أمتي، فإذا ذهب
(1) سورة النور: 2. (1/432)
صفحة 433
أصحابي، أتى أمتي ما يوعدون، والجبال أمان لأهل الأرض
فإذا إنشقت، أتى أهل الأرض ما يوعدون "
وقالت عائشة رضي الله عنها: النكاح رق، فلينظر أحداً أين يضع عتيقه؛ وأقول في ذلك:
لا تنكح الخود إلا عند مؤتمن في السر والجهر تلقى عنده الكرما فإنها الرق فاحذر إن تملكها من ليس يرعا لها حقاً ولا ذمما قال النبي (): " من زوج كريمته من فاسق، قطع
رحمها "
وقال معاذ بن يعقوب: الشقي من تزوج الغنية، كان له خمس: مُغلات من الصداق، وتشريف البنا، ورفعة النفقة وقوة الخدمة، وإذا أراد أن يُطلقها، لم يقدر عليه لذهاب المال، والفقيرة معها خمسة أشياء: قلة الصداق، وسرعة البنا، وحق النفقة، وتكون خادمة، فإذا أراد فراقها هان عليه
قال طلحه بن عبد الله: الإحسان إلى الخادم، يكبت العدو؛ وأقول في ذلك:
كبت العدو بأن يرى لك خادماً يُجزي عليه بذلك الحُسنا
- 433 - (1/433)
صفحة 434
قال: واستضيف ميمون بن مهران، فاستعجل جاريته بالعشاء، فجاءت مُسرعة مع قصعة مملؤة، فعثرت، فأهرقت ما فيها على رأسه، فقال: يا جارية، أحرقتيني؟ فقالت: يا معلم الخير، ومُؤدب الناس، أرجع إلى ما قال الله، قال: وما قال؟ قالت: قال الله تعالى: {والكاظمين الغيظ} (1)، قال: كظمت الغيظ، قالت: {والعافين عن الناس} (1)، قال: قد عفوت عنك، قالت: {والله يُحبُّ المُحسنين} (1)، قال: فأنت حُرة لوجه الله
قال وهب بن الورد: ربما يركب ابن آدم الفرس، والحمار، والبعير، فهو فوقها ويعثر، وهو تحته يُسبح؛ وأقول في ذلك
يكون الفتى فوق المطي ويعثر عليه ومن تحت المطي يسبح وقالت جارية لأبي الدرداء: إني سممتك مذ سنة، ولم يعمل فيك السم شيئاً، فقال لها: لم فعلت ذلك؟ فقالت: أردت الراحة لنفسي منك، قال: فاذهبي فأنت حُرة لوجه الله.
وقيل للأحنف بن قيس: ممن تعلمت الحلم؟ قال: من قيس بن عاصم، قيل: فما بلغ من حلمه؟ قال: بينما هو جالس
(1) سورة آل عمران: 134.
_ ETE - (1/434)
صفحة 435
في داره، إذ أتاه خادم أو جارية له، عليها شوا، فسقطت الشوا من يدها على ابن له في داره، فحرقه فمات، فدهشت الجارية، فقال: لا يُسكن روع هذه الجارية إلا العتق، أنت حرة، لا بأس
عليك
قال ميمون: لا تعاقب المملوك في كل ذنب، وليكن أجمع وأولى ما يُعص الله، فعاقبه على معصية الله، وذكره بالملك والذنوب؛ وأقول في ذلك:
إذا ما عصى المملوك دعه وعقله وعاقب إذا ما كان الله عاصيا وذكره مع تأديبه سوء فعله لكي يعرف الذنب الذي كان ناسيا
قال حاتم الأصم: كل دار وُضعت الجنازة على بابها، وحمل عليها ربها، وقسم بينهم ميراثه، لم يعتبر به أهله، لم ينفعهم علم ولا حكمة؛ وأقول في ذلك
أي دار لا يحمل الميت منها ثم ألقى لمن لقي المال قسما
وقال محمد بن مداد:
لم يكن أهله له في إعتبار ليس أغناهم عن الحكم علما
وقال آخر:
- ETO_ (1/435)
صفحة 436
كفى بالموت موعظة لواع وبالموت الذي أنباه ناعي إذا ما المرء لم يفزعه هذا فلا يُنهى بوعظ واستماعي
وقال يحيى بن معاذ: عجبت لمن شكر الرسول، ويدع المُعطي؛ وعجبت لمن يطيع العدو، ويعصي الولي؛ وعجبت لمن يسأل الفقير، ويدع الغني؛ وعجبت من يستحي من الملوك، ومن المالك لا يستحي؛ وعجبت من لا يستخفي من الخالق، ومن المخلوق يستخفي
وقال الحسن: جهد البلاء أربعة: كثرة العيال، وقلة
الشيء، وجار السوء، وزوجة تخونك؛ وأقول في ذلك
:
إن من جهد البلا فعل الأذى زوجة خانت حليلاً ذا ثقى ثم جار السوء يعرو من هدى وعيال أكثروا فيك العنا
قال ابن عباس: كان في بني إسرائيل إمرأة، قربت لزوجها العِشاء، وقامت على رأسه بالسراج، وإذا سمكة مشوية على الخوان، فقالت: هتك الله ستر إمرأة هتكت ستر زوجها، فاضطربت السمكة على الخوان، قال: فترك الخوان وذهب إلى بعض علماء بني إسرائيل فسأله، فقال: إن هذه إمرأة تخون زوجها، وبعض خيانتها في بيتها، قال: فرجع الرجل ففتش
- 436 - (1/436)
صفحة 437
فوجد في بيته رجلاً خاينا
وقال حاتم الأصم: المرأة الصالحة عماد الدين، وعمارة
البيت، وعون على الطاعة؛ وأقول في ذلك:
زوجة الخير للديار عمار وهي عون على صروف الزمان ولدين الفتى عماد ويخشى كل ما قد أتى من القرآن
وقال يحيى بن معاذ: في سعة الأخلاق وكنوز الأرزاق
قال حاتم: إني في البيت كالدابة المربوطة، إن قدم إليها
شيء أكلت، وإلا سكنت
وقال النبي (
:
من صبر على سوء خلق إمرأته:
أعطاه الله من الأجر مثل أيوب (الله) على بلائه؛ ومن صبرت منهن على سوء خلق زوجها، أعطاها مثل ما أعطيت آسية بنت
مزاحم ".
- {TV_ (1/437)
صفحة 438
[صفحة فارغة] (1/438)
صفحة 439
الباب التاسع والعشروه في ذكر الرياسة والإمارة
ذلك
قال أيوب السجستاني: لما مات ابن أذينه ذكر أبو قلابه للقضاء، فهرب حتى أتى الشام، فوافق عزل قضاتها، فذكر للقضاء، حتى - لعله - أتى اليمامة، قال أيوب: فلقيته بعد فقلت له: ما كان عليك لو تدخل القضاء؟ فقال: ما وجدت مثل القاضي العَالِم الأمثل، رجل سابح في بحركم، عسى أن يسبح
حتى يغرق
قال: من عشق الرياسة لم يفلح أبدأ؛ وأقول في ذلك:
قل للذي عشق الرياسة أنه لا يفلح الإنسان حين ينالها
وقال الأنطاكي: طلب الرياسة حُب الدُّنيا، ومعشوق النفس، وقرة عين الشيطان.
وقال ثابت البناني: أن شاباً على عهد رسول الله () كان يلبس ويتهيأ، فلما مات رسول الله)، قصر وشمر في العبادة، فقيل له: لو كان يا هذا، لو فعلت هذا ورسول الله
- (1/439)
صفحة 440
حي، لقرت عينه، فقال: لي إمامان، مات أحدهما وبقي الآخر، قال الله (ع): {وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم
وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون} (1)، فلا أزال أجتهد
قال: وكان عيسى بن مريم (ال)، إذا مرَّ بالشباب، قال: كم من زرع لم يدرك الحصاد؛ وإذا مرَّ على الشيوخ، قال: ما ينتظر بالزرع إذا أدرك إلا الحصاد؛ وأقول في ذلك:
كم زروع رأيتها خاويات قبل إدراكها لوقت الحصاد وزروع رأيتها مُدركات يتمادى بها حذار الفساد
وقال النبي (): " إذا بلغ العبد أربعين سنة، ولم يغلب خيره شره، فليتجهز إلى النار؛ وأقول في ذلك
:
إذا المرء جاوزنه الأربعون ولم يأت خيراً فلا خير فيه فإن غلب الشر فالنار مثوى لكل غشوم ظلوم سفيه وقال محمد بن مداد:
إذا المرؤ وافى الأربعين ولم يكن له في الذي يبدو حياء ولا ستر فدعه ولا تأسف عليه الذي أتا ولو جر أسباب الحياة له الدهر
(1) سورة الأنفال: 33
44 ـ (1/440)
صفحة 441
قال: وكان رجل من الأنصار دخلته خشية النار، فكان يبكي
عند ذكرها، حتى حبسته ذلك في البيت، فجاءه النبي ()
فقال: " جهزوا صاحبكم، فإن الخوف من النار قد فلق كبده "؛ وأقول في ذلك
لله در فتى الأنصار من رجل يخشى الإله ويبكي خشية النار لما أتاه رسول الله عانقه حبا ومات على نسك وإظهار
وقيل لفرقد السخي: أخبرنا عن شيء بلغك عن بني إسرائيل، قال: بلغني أنه دخل بيت المقدس خمسمائة عذراء، لباسهن الصوف والمسوح، فذكرن ثواب الله وعقابه، فمتن جميعا في مجلس واحد
(1)
وقال تخليد البصري: كنت أقرأ هذه الآية: {كل نفس ذائقة الموت} (1)، إلى آخرها، فجعلت أرددها، فإذا أنا بهاتف يهتف: كم ردد هذه الآية، قد قتلت أربعة من الجن، لم يرفعوا رؤوسهم إلى الله، مذ خلقوا.
وقال ابن مسعود: من آتاك بحق فاقبله، وإن كان بغيضاً بعيداً، وإن أتاك بباطل فرده، وإن كان حبيبا قريبا؛ وأقول في
(1) سورة آل عمران: 185.
6
- {El- (1/441)
صفحة 442
ذلك:
من أتاك بالحق فاقبل ما أتاك به ولو أتاك عدو مُبغض قالي ومن أتاك بأمر بان باطله فرد ذاك ولو في العم والخال
وسئل عُمر بن عبد العزيز عن أصحاب صفين، قال: تلك
دماء طهر الله منها أيدينا، فما نلطخ بها ألسنتنا
وقال الثوري: من أنفق الحرام في طاعة الله، فهو كمن طهر الثوب بالبول، ولا يطهره إلا الماء، كذلك الذنب لا يطهره إلا الحلال؛ وقال محمد بن مداد:
يا من تصدق بالحرام ترجوا الطهارة من الأنام أصبحت مثل مُطهر ثوبيه من بول الغلام
ذلك:
وقال النبي (صلى الله عليه وسلم): " ما أملق تاجر صدوق "؛ وأقول في
أتنفق في سبيل الله مالاً حراما ليس يطهر من حلال كمثل الثوب تغسله فيبقى ببول القرد أو بول الرجال كذاك الذنب لا ينق ولكن بالمتاب عن الضلال
وقيل لبعض الحكماء: ما بالنا لا ننتفع بالموعظة؟ قال: لعل
- EEY - (1/442)
صفحة 443
القائل خصيّ، والمُستمع عقيم، وصارت الأطباء خونة، يعطون مكان الترياق سما؛ وأقول في ذلك:
فما لمواعظي لا تقبلوها كأن الوعظ من فك الخصي وسامعها عقيم فاستمرت كريح هب في وقت العشي وخان طبيب هذا الدهر حتى رأيت دواؤه كالداء يُؤذي
وقال بعض الحكماء: إن لم يكن ملح يصلح، لم يكن الذبان؛ وأقول في ذلك:
إذا لم يكن ملح لإصلاح عيشنا فلا يكن الذبان يفسده عمدا
وعن ابن عباس، قال: إن الله (جل إسمه) أمر إبليس أن
يأتي محمداً () في صورة إنسان ويخبره، ثم يجتمع ما سأل فجاء إلى مسجد النبي () في صورة شيخ كبير، عليه لباس صوف، وبيده عكازة، فنظر النبي ()، وقال: من أنت؟ قال: أنا إبليس، قال (): لم جنت؟ قال: إن الله (جل إسمه) أمرني أن أجيبك عن كل ما تسأل.
فقال النبي (): يا ملعون، أخبرني من عدوك من أمتي؟ قال: خمس عشر صنفاً: أنت أولهم وآخرهم، ثم إمام عادل، ثم
- 443 - (1/443)
صفحة 444
غني متواضع، ثم تاجر صدوق، ثم عالم مُتخشع، ثم مُؤمن ناصح، ثم تائب مُستقيم، ثم مُؤمن رحيم القلب، ثم مُؤمن سخي يتورع عن المحارم، ثم مُؤمن مداوم على الطهارة، ثم مُؤدي الحق من ماله، ثم مُؤمن سخي يُؤدي الحق من نفسه، ويكون كثير الصدقة، ثم حامل القرآن، ثم المهدي لله.
ثم قال النبي (): يا معلون، كم رفقاؤك؟ قال: عشرة أصناف: سلطان جائر، ثم غني مُستكبر، ثم تاجر فاجر، ثم شارب الخمر، ثم أكل الربا، ثم القتات، ثم أكل أموال اليتامي، ثم مانع الزكاة، ثم طويل الأمل، هؤلاء إخواني، وأولادي،
وقومي.
ثم قال النبي): فكيف مواقع صلاة أمتي عندك؟ قال:: تأخذني الحمى.
فقال النبي (): فكيف مواقع صيامهم؟ قال: أذوب كما يذوب الرصاص
فقال النبي (): فكيف مواقع القرآن؟ قال: أصير أصما.
فقال النبي (): فالحج؟ قال: يتحطم ظهري:
فقال النبي): فالجهاد؟ قال: تغل يدي.
- 444 -
- (1/444)
صفحة 445
فقال النبي (): فالصدقة؟ قال: كأن منشاراً على رأسي فأقطع نصفين، نصف بالمشرق، ونصف بالمغرب
فقال النبي (): لم ذلك؟ قال: لأن في الصدقة ثلاث خصال، الأولى: تدفع عن العبد البلاء، والثانية: توصل إلى
الجنة، والثالثة: يعتصم مني أربعين سنة.
فقال النبي (): أي الخلق أبغض إليك؟ قال: العالم
الناصح لنفسه ولأئمة المسلمين
•
فقال النبي (صلى الله عليه وسلم): فأيهم أحب إليك؟ قال: العالم البخيل،
المساك في رزقه
فقال النبي (: فكم لك من الأعوان؟ قال: أكثر من قطر
المطر، وورق الشجر، وعدد الرمل.
فقال النبي (): " اللهم إعصم أمتى منه، فولى هاربا ".
- 445 - (1/445)
صفحة 446
[صفحة فارغة] (1/446)
صفحة 447
الخاتمة
تم كتاب: " جلاء البصائر في الزهد والمواعظ والروايات "، تأليف الشيخ الفقيه، العالم النزيه / موسى بن محمد بن عبد الله بن أحمد بن محمد بن علي الكندي السمدي (رحمة الله تعالى عليه، وعلى جميع المسلمين المؤمنين)، وصلى اللهم على سيدنا محمد وآله وسلم.
•
وكان فراغه، عصر الإثنين، لثمان ليال بقين من شهر شعبان، من شهور سنة 1264 هـ، على يدي الأقل لله، عبده الراجي عفوه ورحمته / عامر بن سعيد بن خلفان بن مسعود الفرعي، بيده، نسخه لسيده، وفخره، وعزيزه، ووليه، الرضي، الزاهد، الولي، وحيد الزمان، وفريد العصر والأوان / سيف بن محمد بن عبد الله بن محمد البوسعيدي، ساعده الله، ووفقه لمرضاته، وفهمه معاني بيان متشابه آياته، ولطف بنا، والمُسلمين المؤمنين، ورزقه الله حفظ هذا الكتاب،
وإياه
والعمل به، إنه كريم رحيم، وَصَلِّ اللهم على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
000
- 447 - (1/447)
صفحة 448
[صفحة فارغة] (1/448)
صفحة 449
الشواهد
تضمن كتاب: " جلاء البصائر في الزهد والمواعظ والروايات "، شواهد في الكثير من موضوعاته، منها نظم المُؤلَّف بنفسه، ومنها لغيره؛ ورأينا أن أكثر الشواهد وأفصحها، هي التي قالها الشيخ محمد بن مداد، لأنها أشد إرتباطا بالمعنى مع أسلوب بياني ولغوي، من أرقى الأساليب؛ لذلك رأينا جمعها وإثباتها في آخر الكتاب
هما ضرتان أضرا بنا وفي جمعهن علينا ضرر فاضرر بفان كظل السحاب لباق مُقيم فكن ذا
بصر
تهاديتم الأطباق فيها فواكه ولم تتهادوا بينكم بالنصائح نصائح فيها للبيب مواعظ وواقية من مخزيات الفضائح
أفي نكد خلق الإنسان أم كبد وفي بلاء بدنيا ليس للأبد وعاش في طلب الدنيا يكابدها وثم لا يأتلي عن جهد مجتهد وليس يدري لعقبى أمره سعة أم شر بؤس له قد سيق أم رغد
- {{9 - (1/449)
صفحة 450
يا عجباً مني ومن غفلتي وا حسرتا من موقف الحسرة إذ لست أدري أإلى جاحم أساق أم أنعم في جنة وإنني من ذاك في رقدة أو غفلة من أعظم الغفلة كأنني قد قيل أنعم بها فأنت في أمن من الشدة
000
دع سب دنياك إن الله جاعلها مرقات خير إلى الخيرات مرقاها وذم نفسك إن قارفت معصية فلا تذمنها والله براها نعم المطية دنيانا إذا إمتطيت لصالحات مع الأخرى ترجاها ما يفعل العبد من خير وسيئة من وزن خردلة إلا سيلقاها فمن بناها بخير طاب مدخله ومن بناها بشر ذم عقباها فراقب الله وافعل ما تسر به ووال نفسك خيرات تولاها يُغنيك ربك فيما أنت فاعله م الخير والشر خف في فعله الله
000
ما لي أذم دنيا وهي راحلتي وحسن حظي فيها حين أنقلب
000
نكد الدهر طيب عيشي فمُراً ثم ذقت المعاش حلوا ومرا
_ to._ (1/450)
صفحة 451
ما أتتني من نعمة الدهر إلا بفراق من نعمة لي أخرا ذاك أني أكلت طيب شبابي فتولى مثل السحاب إستمرا كل يوم يموت مني شيئ لست أدري نفاد عُمري قهرا وأرى الموت من ورائي سريعاً وأمامي يمر بالعُمر مرا لست أدري بمُره إذ يُفاجي أصباحاً يمر أم هو عصرا فإذا بي في حفرة ذات ضيق نفس الله ضيق ذلك قبرا
يا ويل أهل النار يا ويلهم شقوا فيا بؤساً لمن يشقى تلقى عليهم جوعة يا لها والجوع من أعظم ما يلقى يسعر في أجوافهم حره سود الوجوه جوعة زرقا فيستغيثون إلى ربهم هيء لنا يا ربنا رزقا
فيُطعمون من ضريع بها ينتق أمعائهم نتقـ فتخرج الأمعاء من أدبارهم سائلة محروقة حرقا فيستغيثون فيُؤتون بالغصة تشجي الفم والحلقا يلقى مزيداً هائلاً طعمه الصاب والزقوم والحرقا فيستغيثون إلى شربهم من الحميم مشرباً رنقا يا ويل أهل النار يا ويلهم أدمعهم كالسيل لا ترقى
_ {01 - (1/451)
صفحة 452
أعاذنا الله وإياك
من جاحم ساكنها يشقى
000
يا وارد النار قد أمعنت في ضحك ولست آمنها يا وارد النار فهل أتاك بشارات السرور بأن تحل جنة مأوى خيرما دار فكن من الضحك في خوف وفي وجل واطلب من الله سكنى دار أبرار لا تأمنن لمكر الله يا فرحاً فالله أوعد من يعصيه بالنار ولا تكن قانطاً من فضل رحمته فالله يقرض قنطاراً بدينار لا يظلم الله عبداً وزن خردلة لكن يُضاعفه أجراً بإكثار أعد تسعاً وتسعيناً فرحمته لم يحرمنها سوى طاغ وكفار فرحمة وسعت كل الخلائق قد عمت وتمت لنا في هذه الدار
000
من أتى الله بالفؤاد السليم عائذاً بالمهيمن القيوم حامداً للإله في شربة الماء النقاح الزلال غير الحميم إن هذا النعيم يُسأل عنه عند حشر الورى بيوم عظيم يوم يلق الورى سكارى حيارى ويكون الحميم غير الحميم كل شيء تلتذه من طعام وشراب وصحة في الجسوم وأمان الطريق والنوم في الظل ولبس الكتان فوق الحزوم
- 452 - (1/452)
صفحة 453
فهو من جملة النعيم فاذكر شكرك الله عند كل نعيم يكفك الله شر ذلك اليوم فاذكر شكر العزيز الرحيم لا تكن يا أخي حسوداً كنوداً ناسياً شكره كثير الهموم
000
اذكروا الله في طرفة العين وابتداءً في يقظة ومنام لكلام تعده عند لفظ ولأعمال تزكو لكل الأنام وكذا ذكره عند شربك للماء أو الطعام في صحة وسقام يؤتك الله فوق ذكرك عشرا من مزيد له ومن أنعام
الحمد لله وشكراً له للنعمة الباطنة الظاهرة فهو ولي وولي الورى في هذه الدنيا وفي الآخرة أحمده ما دمت حيا وفي قبري وفي حشري إلى الساهرة فحمده يدفع عني أذى الشيطان دارت فوقه الدائرة ولعنة الله عليه إلى أن يرجع الناس إلى الحافرة
000
أحدث لما أولاك من نعمة ربك في إحيائها شكرا
_ tor_ (1/453)
صفحة 454
يحدث لك الله بها نعمة ونعماً تعقبها أخرى فكل ما ازددت له شاكراً زادك من أنعمه عشرا واعلم بأن الشكر إلهامه إياك أن تحمده شكرا
وكم آمل أمراً فقصر دونه و مقصر نال الذي كان آملا وما الموت إلا خبط عشواء من يُصب يُمته ومن يُخطي يُعمر فيمهلا وما الناس إلا هالك ظل باكياً على هالك ذاق المنية أولا ولو علم الباكي لعز بكاؤه على عُمره إذ ضاع منه سبهللا
000
لو علمنا بقيت الآجال لرغبنا في صالح الأعمال وبكينا لها أشد بُكاء وقصرنا في طائل الآمال ما حصلنا منها على طائل لكن أطلنا الآمال فوق الجبال آمل طال فوق عُمر قصير وانقطاع الآمال بالآجال بينما المرؤ كاملاً وسويا إذ هو الميت بين أيدي الرجال لهف نفسي ولهف نفسي على عُمر نبذناه مثل نبذ الخلال لو نظرنا بفكر قلب صحيح لوجلنا أشدما أوجال غير أنا نقول قول عبيد وعبيد قد كان غير مذال
-
454 -
- (1/454)
صفحة 455
ليس شيء من المنون بخال لا عديم ولا مُثمر لمال
000
أبعد الأربعين أتا النذير ولاح بشعر ناصيتي القتير تروعني القبور إذا بدت لي حفائرها وتحويني القبور فلو نفسي تمنت عُمر نوح لفاهت أنه عُمر قصير وغاية كل مخلوق فناه وموعدنا القيامة والنشور
000
مرحباً بالمشيب إذ شمل الرأس وتعساً لأمهات الشباب قد حمدنا المشيب حين أتانا واضحاً لونه كلون السحاب فيه للمتقي وقار ونور و جمال وزينة للثواب هو يحكي الكافور لونا وعرفا طيباً لونه كلون المذاب وهو فوق الجهال صوفة كبش وضروها متى تشب بخضاب
وا لهفي للشباب وا لهفي مالي بشرخ الشباب من خلف فقدت فيه جميع ما يلتذه الإنسان من تحفة ومن طرف ما إن ذكرت المشيب من طرف إلا بكيت الشباب من طرف أبكيه للواجبات أعملها بقوة والقيام في السدف
1200_ (1/455)
صفحة 456
لا أشتكي الضعف فيه من ركبي ولا نسآني عليَّ ذي نكف
تبدلت الخضاب من الشباب فيا أسفاً على عهد الشباب وكنت من الشباب على سواد يُحاكي لونه لون الغراب فعوضني المشيب بياض لون كلون الفجر أو قطع السحاب جزاك الله خيراً من أخ لي يُزاولني على سنن الصواب صدقت فإننا فيها وأنتم كمحتط برحل في الركاب نزلنا ساعة في ظل سدر فمُرتحل وآخر في وثاب وما الدُّنيا سوى فلتات عيش تؤل إلى رحيل وانقلاب إلى دار لها فوجان فوج أولوا نعم وفوج في عذاب
قد إمتحن الله صبر العباد ولم يخف من علمه خافيه ليبلوا صبرهم في البلا ويبلوا شكرهم للعافيه
000
أتجعل ذئب راعية وصياً وأنت مع الحياة وصي نفسك ولا تقعد كمأسور عليه وحاسب فيه نفسك قبل رمسك فحظك منه ما قدمت عفواً وما أخرته ميراث حسبك
- 456 - (1/456)
صفحة 457
فهذا لي ولا أعني سواي لنفسي لا بما من دون نفسك
000
تزود لأعمال الصلاح فإنه لآخراك زاد وهو أفضل زاد وكن ذاكراً لله في كل ساعة تجد عند ذكر الله كل مُراد ولا تنس ما تلقى من الموت والبلى ففي النشر هول كائن وتناد
000
قدم لنفسك يا سجيري وتجاف عن دار الغرور وكن لربك ذاكراً بالليل أو حين البكور تلق الذي قدمته بين الصحايف والسطور عند الكرام الكرام الكاتبين يكون ذخراً في النشور لا شيء أحمد عندهـ في الخلق من رجل ذكور تلقي به حوراً كواعب كالشموس وكالبدور وأسرة وذخائراً وقصايراً بين القصور هل من مشوق نحوهن مُؤانسا بين الحرير يخطون في مشي القطا في التبر والدر النظير نفسي بهن كدارة الدنيا مع العيش الحقير قدم لنفسك يا سجيري وتجاف عن دار الغرور
000
- 457 - (1/457)
صفحة 458
أكثروا ذكر هادم اللذات فهو أقصى نصائح النائبات
000
قد أحسن الكندي في قوله أقلل من الدين تعش حُرا فليس من عُسر ولا فاقة إلا وتلقى بعدها يُسرا من ذكر الموت وما بعده لم يكن الموت له أمرا
000
وإذا أصبت بنكبة أو هالك فذكر ما أصابك بالنبي محمد كان النبي أمانة في أرضه رفعت من الدنيا ورب المسجد جبريل قال اليوم آخر وطنتي في الأرض إنك حاجتي في مقصدي والله ما حملت بواسطة كورها عيس أبر من النبي محمد صلى عليه الله جل جلاله ما أم زائره بقيع الفرقد صلى عليه الله من متوسد ذاك الحما نور لذاك المسجد واها لطيب تراب ذياك الحما واها لروح الزائر المتودد
000
رب مُوسَى أوسع على قبر مُوسَى حيث مسعى محمد بن بشير لو لبثنا في عُمرنا ألف عام لرأيناه مثل شيء يسير
- 458 - (1/458)
صفحة 459
يا لدنيا محشوة بالأماني فتنتا بلهوها والغرور أم زفر قتالة لبنيها تخلط السم في شهاد الدبور بينما المرء مُستمر عليها إذ هو الموت في سواء الحفير فتنتنا بلهوها وهدتنا لطريق العمى ورب الطور كل شيء فيها يغادر عنها وكل شر منها إلى مستطير كل صفو فيها يعقبه كدر وإلى الله ملجني ومصيري ب فارحم نفسي إذ صرت فرداً تحت ريح الصبا وتحت الدبور
000
إن اليمين فجورها تدع الديار بلا قعا وكذاك بغي المرء يُكسبه عذاباً واقعا فخف الإله وكن لما يرضى إلهك طائعا أدي الفرائض والزكاة وكن لربك سامعا واجعل بضاعتك التقـ أكرم بتلك بضايعا لا يذهبن العُمر منك مع البطالة ضائعا واجعل ببيتك في الصلاة نوافلاً تجدن إذا حشر الورى من تلك نوراً ساطعا
ونصايعا
000
- {09 - (1/459)
صفحة 460
حصنوا أموالكم بالصدقات واستقبلوا ربكم بالدعوات فمخادع السماء أدعية وسلاح الدُّعاء للنائباتِ
وخصوصاً في دجى الليل إذا ما سدى وعقيب الصلوات
000
طلب الكبير تعسف لا خير في طلب الكبير ما علم من كلت مسامعه وخان به البصير
إن شئت تعرف عيب السفيه فاعرض على سمعه الموعظه تجدها عليه كثقل الجبال وشقشقة بالخنا لافظه
000
حب للناس ما تحب لنفسك ثم صنهم كما تصون لفلسك واصطنعهم وأكره ما يكرهوه بالمداراة دعهم أمن لبسك
ذك الطبيعة بالأدب كصلاح نارك بالحطب (1/460)
صفحة 461
فذكاؤها وصلاحها بالعلم ليست باللعب
000
لا تكونن في الكلام عجولاً والزم الصمت لا تكن مهذارا
إذا ما أردت قضاء حاجة فبادر لها عند إمكانها ولا تطلبنها إذا أدبرت ودعها إلى حين إتيانها
000
لا تضع إمرأ وامسك بحبل محبك مع الضرورة أظهر بينهم حبك لا ترغبن إلى من كان يزهد في وصل الأحبة لا تبذل له لبك
000
لاتك من الأبعدين وتجفو إذا أقربك وصل محروماً ما لديك ولو كان أشقى من الناس بك
إذا ما ظلمت فكن صابراً فقد نال ما يشتهي من صبر
-271 - (1/461)
صفحة 462
سعى في مضرتك الظالمون ومن ظلم الناس يلقى سقر
لا تقل الأعمال فيها تقى الله وكيف إستقلال ما يتقبل فقليل الأعمال فيها تقى الله خير من الكثير المغربل ركعتا عالم يدوم عليها هي خير من سيئ يتسفل
000
ليتني كنت طائراً فوق غصن يطلب الرزق بكرة ومساءا لم يكن محسنا فيجزي مع الإحسان حسناً ولا يُقال أساءا
000
أحرث لدنياك يا أخي كان جسمك فيها مُعمراً أبدا واعمل لأخراك جاهداً لغد تلق الذي قدمت يداك غدا وكُن على الصالحات من عمل الخيرات فيما إستطعت مجتهدا
000
إن في العُزلة خير من جليس رأيه غير السديد
- ETY_ (1/462)
صفحة 463
فجليس السوء سقم للفؤاد وجليس الخير داع للرشاد
000
أملك لسانك أن تقول فتبتلى واقعد ببيتك لا يحيط بك البلى وابك الذنوب وكُن عليها نادماً ندم المسيء تروح تبكي هكذا
000
صلاة المرء مفتاح الجنان فأكثر من صلاتك غير وان وأكثر من دعائك إن ربي يقول أجيب دعوة من دعاني
حافظ على صلاتك الخمس خمس رماها الله بالرغس (1) خلف الإمام إذا بدا فلق الأصباح أو عقيب ما يمسى واهجر معاصيك التي جعلت أهل المعاصي ويك في لبس فالصالحات إذا أتيت بها دمست شبابك أيما دمس (2)
(1) الرغس: النعمة والخير والبركة والنماء.
(2) دمس: أصلح.
- (1/463)
صفحة 464
إن الصلاة عليك نور ساطع في الليل أو في ظلمة الرمس وهي العمود إذا عمدت لها جليت وسط حضيرة القدس
بعد الفريضة إن أردت فضيلة تحظى بها في جنح ليل أسود صل لربك ما استطعت وناجه تلق السعادة من إله سيد
أقول لنفسي لا أعاتب غيرها ونفسي خؤون تكره اللوم والأسا لا تكثرن النوم فالنوم ربه يجيء به يوم القيامة مفلسا إذا ما أحست بالقيام تناعساً ولن يجتلي نور الهدى من تنعسا
000
إن لله ساعة في الزوال من نهار وعقب ليل طوال ما دعى العبد فيها وتوخى ذاك إلا أجيب في الإبتهال يقبل الله فيهما دعوة الداعي إذا كان قوته من حلال وينادي عليهما ملك هل من سؤال يعطي عباده المتعال
000
قم مع الليل يا أخي قياماً تكس نوراً يجلوا عليك الظلاما
- E 7 E- (1/464)
صفحة 465
واتبع سنة النبي ودع عنك عذولاً وغافلاً نواما وإذا ما كسلت عنه فأكثر ذكرك الله حين تغشى المناما لا تكن غافلاً كنيباً حزيناً ساهيا لاهيا تحب الحطاما فوض الأمر للمليك ورح واغد مع الناس ضاحكاً بساما
000
إن أهل القرآن هم أشراف وهم الراسخون في الأعراف أهل سورة الإيلاف
وكذا الراكعون في ظلم الليل
000
أظهر الخير تكسب الخير منه ودع الشر إن فيه سماجه صاحب الخير يُحرص الناس فيه ما لهم عن حامل الشر حاجه واحبب الله يا أخي تحبب إلى الناس والقبوح لجاجه وأرى حبه إجتناب المعاصي فاتبع الحق قافيا أدراجه
000
ذهب الصالحون أسلافا وأوجفوا للقبور إيجافا وقد بقينا في معشر خلف يألفوا الصالحات إيلافا قد ذهب العلم منهم فبقوا صفراً مع الصالحين أخلافا
12901 (1/465)
صفحة 466
فالعين تبكي لفقد ضدهم سحاً على فقدهم توكافا
ألا الله قوم أي قوم تولى ليلهم وهم سجود وكانوا في دُجا الظلمات نوراً بقاع الأرض مثلهم تريد فقاموا ليلهم وهم قليل على ضعف وليس لهم عديد وأهل الأرض غيرهم كثير هموداً جُل ليلهم رقود دعوا الله دعوة مستجيب وأعينهم بأدمعها تجود دعاهم للتضرع فاستجابوا ويُنثر فوقهم كرم وجود
000
أفضل الذكر جميعاً
لا
إله إلا
الله
ثقلت في كل وزن
إلا الله
000
يا رب يا ذا النعمة الشافية أسألك العفو مع العافية مثل هاتين لنا نعمة في هذه الدنيا وفي الوافية
-277 - (1/466)
صفحة 467
إذا أحدث الله لي نعمة حمدت إلهي لتلك النعم وإن كثر الهم في خاطري لجات إلى غافر لم ينم ولا حول عندي ولا قوة بغير الإله به أعتصم
000
من قال لا حول ولا قوة إلا لربي القاهر إستسلما وإنقاد الله بتسليمه وصار عبداً مُذعنا مُسلما
000
إن القلوب لتصدأ والجلاء لها إستغفارك الله واستغفر من الحوب يغفر الله ذنباً أنت كاسبه والذنب أسوء شيء كان مكسوب (1)
000
إن خير الإعمال أن تذكر الله وأنت المدعو للزولان وبذكر الله قد تيقنت أن الموت آت وأن جسمك فان فتزور الأموات بعد فراق الأهل حلواً وأنت رطب اللسان فبذكر الله والملائك تدعوا لك جهد الدعاء بالغفران
000
(1) كان: زائدة، لا عمل عليها؛ ومكسوب: صفة لشيء وهو مجرور.
- 467 - (1/467)
صفحة 468
مجلس الصالحين داعي الصلاح وانتباه من غفلة وتلاح وعلوم الأعلام أزيد للعقل من الماء في الأراضي السحاح
هذه الدنيا سادتها الأسخياء ذهبوا ما لهم بها ما أساءوا ومع الحشر سادتها الأتقياء هم بها حلة وهم أولياء عبدوا ربهم بصحة عقل هم دواء وسائر الناس داء
صدق ابن الحسين إذ قال فيما قال في صاحب له ذو وداد لست أغني عنه من الله شيئاً فاصحب البر تلقه في التناد اعملي واستصحبي البر رفيقاً وجاهدي في جهاد لا يجي الأقصون بالبر والتقوى وتأتون بالخنا والفساد لست أغني عنكم من الله شيئاً يا ذوو عترتي ويا أولادي
بكى عُمر يوماً وعاتب نفسه وقال بطين يكره الصوم والجهدا تمنى على الرحمن مقعد صائم طوى ومضى ليلاً بطاعته قصدا
000
- 468 - (1/468)
صفحة 469
رأى عُمر أهل المقابر مرة ففكر فيهم فكرة المتأمل وسلم لما مر عمداً عليهم فلم يستجبه غير رمل وجندل فآب حزين القلب عنهم كأنما رمى بالقبور الدارسات بأفكل ففكر أن الموت غير منهم محاسن مثل العارض المتهلل فقال كفاني عبرة ما لقيته ليومي وشهري ما عمرت بمنزل
كم فتى مُستدرج بالإحسان وبالثنا عن عمد إنسان وجر بالستر إليه الطغيان استغفر الله ولي الغفران من ظلم نفسي واكتساب العصيان
000
إن الجبان له أخيراً دائماً أبدأ على شر الصديق الناصح فإذا العدو بدا تغير وجهه فرقاً وكاع عن العدو الكاشح
000
لا يملك الحُر سوى المعروف لا يملك الأحرار بالتعنيف والأخذ بالقهر ولا التكليف
-279 - (1/469)
صفحة 470
ولم أر كالمعروف أما لقاؤه فحلو وأما وجهه فجميل
من نال عزاً بغير حق أورثه الله منه ذلا
من نال عزاً بغير حق لم يجن من ذاك غير محق وقد يسعد الله بإتباع الحق قوماً وبهم ليس يشقى أبصروا بالهوى أناساً فصدوا عنهم وهم شر خلق
000
سأبكي قبل الموت من دمع مقلتي دماً دون دمع إن روحي ستسلب وما لي مُجير غير ربي وعفوه إلى الله من ذنبي ومن ناره الهرب
000
قال النبي لأبي أيوب تحية من عالم الغيوب هدية المحب للحبيب يضحك للبعيد والقريب والصلح من تفاسد القلوب يحبه الله أبا أيوب
000
- EV. - (1/470)
صفحة 471
عجبا لكم يا أهل ميت بالمقابر تدفنون
يبكون ميتهم بأرنان ولا يقضون
الدين حل وكل نفس بما كسبت
دينـ
رهينه
الله أرحم ما يكون بعبده إن حل بطن القبر فيه فريدا وتفرق الأهلون عنه كأنه ما كان عند قصوره موجودا
000
إن ذكر الله للقلب نور وشفاء واغتياب الناس داء وبلاء
000
أفلح المؤمنون بالله حقا إذ لهم في الجنان ظل ظليل والمراؤون لا يرون نعيماً لا ولا يدخل الجنان بخيل
000
يا ضاحكا فرحا والموت يطلبه والله أوعد من يعصيه بالنار ولن يطيق قليلاً من أقلهما فكيف يضحك بين الموت والنار
000
_ {VI - (1/471)
صفحة 472
يُنادي المنادي في القيامة أين من عفى فيوفى أجره غير ناقص
إني لأعجب من نفسي وغفلتها تحب أشياء تلقى هونها فيها
وذل نفسي في مرضات خالقها خير لها من مساو عزها فيها
000
إن ذل النفوس في طلب الدنيا وعز النفوس في الجنات لا يغرنك عز فان بباق أبداً فادخر له
الصالحات
000
لم يكن أهله في إعتبار ليس أغناهم عن الحكم علما
000
إذا المرؤ وافي الأربعين ولم يكن له في الذي يبدو حياء ولا ستر فدعه ولا تأسف عليه الذي أتا ولو جر أسباب الحياة له الدهر
يا من تصدق بالحرام ترجوا الطهارة من الأنام
- EVY_ (1/472)
صفحة 473
أصبحت مثل مُطهر ثوبيه من بُول الغلام
000
- 473 - (1/473)
صفحة 474
[صفحة فارغة] (1/474)
صفحة 475
الفهرس
الموضوع
تقديم لمعالي السيد محمد بن أحمد بن سعود آلبوسعيدي مقدمة للدكتور / سعيد بن محمد بن سعيد الهاشمي
تمهييد
الباب الأول: في فضل العلم
الباب الثاني: في الزهد في الدُّنيا
الباب الثالث: في زوال النعم عن جبابرة الملوك
غير العادلين
الباب الرابع: في التخويف والترهيب
الصفحة
الباب الخامس: في قوله تعالى: {ثم لتسألن يومئذ عن النعيم}
الباب السادس: في ما حذر النبي () منه من
الخسف والقذف
الباب السابع: في ذكر الزلازل والصواعق
الباب الثامن: في ما جاء في الأمل والأجل
الباب التاسع: في ذكر التواضع
الباب العاشر: في ذكر الموت (1/475)
صفحة 476
الصفحة
الموضوع
الباب الحادي عشر: في ذكر فضيلة الزكاة
الباب الثاني عشر: في ذكر القناعة وطلب الرزق
الباب الثالث عشر: في ذم النهمة والشره والتجزي
بالقوت
الباب الرابع عشر: في أخبار لقمان ووصاياه لإبنه
فصل: في فضيلة الخشوع
الباب الخامس عشر: في ذكر الرياء والنفاق
الباب السادس عشر: في فضل صلاة الجماعة
والسعي إلى المساجد
الباب السابع عشر: في فضيلة الصلاة
الباب الثامن عشر: في التعبد وقيام الليل
الباب التاسع عشر: في فضل القرآن والتعبد بتلاوته
الباب العشرون: في الدعاء الباب الحادي والعشرون: في كلام الزهاد وحكمتهم بعد العشرة
الباب الثاني والعشرون: من كتاب اللؤلؤيات
الباب الثالث والعشرون: في ذكر العُزله (1/476)
صفحة 477
الصفحة
الموضوع
الباب الرابع والعشرون: في ذكر التواضع الباب الخامس والعشرون: في ذكر البكاء
الباب السادس والعشرون: في ذكر القبور
الباب السابع والعشرون: في ذكر الظلم
الباب الثامن والعشرون: في ذكر النساء والزواج
الباب التاسع والعشرون: في ذكر الرياسة والإمارة
الخاتمة
الشواهد
الفهرس (1/477)
صفحة 478
تم بحمد الله (1/478)
صفحة 479
رقم الإيداع: 2003/ 326 م
- 479 - (1/479)