جدول المحتويات
العلامات المرجعية
البحث في الكتاب
اكتب شيئاً لبدء البحث...
الصفحة السابقة...
الصفحة التالية...
سفينة النجاة
سعيد بن مطر المسقري
الصفحة 1 / 93
مشاركة النص المحدد
تم النسخ

سفينة النجاة

سعيد بن مطر المسقري

صفحة 1

المجال: المطبوعات، كتب

المادة: التزكية والأخلاق

------------------------------------------

العنوان: سفينة النجاة

المؤلف: سعيد بن مطر المسقري

الناشر: مكتبة الهلال

مكان النشر: الرستاق - سلطنة عمان

تاريخ النشر: 1442ه/ 2021م

الطبعة: 2

------------------------------------------

مصدر النسخة المصورة للكتاب (PDF) من موقع المكتبة السعيدية:

https://alsaidia.com/node/812

ملاحظة: قامت المكتبة السعيدية باستغلال تقنية التعرف الضوئي على الحروف في اللغة العربية (OCR) في إنشاء هذه النسخة المصورة (PDF)، لذلك فإنه يمكن البحث فيها للوصول إلى المعلومة بسهولة.

تنبيه: قام فريق مشروع المكتبة الشاملة الإباضية باستغلال تلك التقنية لتوفير النص المرقون، وذلك بالتحويل الآلي لصور صفحات الكتاب إلى نص، لذا فالنص الناتج ليس صحيحا 100%، لذا يمكن استخدام ذلك النص لنسخ جمل وفقرات من هذا النص الناتج، مع ضرورة مراجعته ومقارنته بنسخة (PDF) المرفقة، وتعديله وفقا لذلك قبل اعتماده.

------------------------------------------

أعَدَّه للشاملة الإباضية: روائع الآثار، للخدمات العِلمية الإباضية الخيرية.

https://t.me/slitame

https://wa.me/213696784241

ترقيم الصفحات: موافق للمطبوع، لكن عند تهميش الصفحات يُعتمَد على ترقيم النسخة المصورة (PDF)

تاريخ النشر الرسمي بالشاملة الإباضية: 23 رمضان 1446ه/ 23 - شهر 03 - 2025م. مكتبة الهلال

الطبعة الثانية

سفينة النجاة

إعداد الأستاذ:

سعيد بن مطر المسقري (1/1)

صفحة 2

سَفِينَةُ النَّجَاةَ

إعداد الأستاذ: سعيد بن مطر المسقري

مكتبة الهلال

سلطنة عمان - ولاية الرستاق

97117414

-

الطبعة الثانية: 1442 هـ 2021 م (1/2)

صفحة 3

سفينة النجاة (1/3)

صفحة 4

w

m

m

هـ (1/4)

صفحة 5

[صفحة فارغة] (1/5)

صفحة 6

فهرس المحتويات (1/6)

صفحة 7

المُقَدِّمَة

ا أَرْكَانُ السَّفِينَة صَانِعُ السَّفِينَة

تَأَمَّلْ

حَاسِبْ نَفْسَكَ

ه الرُّكْنَانَ الْمُهْمَلَان

6 مَعْنَى الدَّعْوَةِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى

أَطَعْ رَبَّكَ

مِنْ فَوَائِدِ الدَّعْوَةِ

9 إِلَى اللهِ تَعَالَى

10. طرُقُ الدَّعْوَةِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى

11. الرِّفْقُ فِي الدَّعْوَةِ

12 خَاطِبِ النَّاسَ عَلَى قَدْرِ عُقُولِهِمْ

13. لَا تَيْأَسْ

14. كُنْ قُدْوَةً

15. ابْدَأْ بِالْأَقْرَبِينَ

16. الْإِخْلَاص

17. مِنْ عَلَامَاتِ الْإِخْلَاصِ

18 اجْعَلْ الدَّعْوَةَ أَكْبَرَ هَمِّكَ

19. ادْعُ كَمَا تَسْتَطِيعُ (1/7)

صفحة 8

20 لَا نَجَاةَ إِلَّا بِالدَّعْوَةِ

21. أَنْتَ عِنْدَكَ وَقْتْ

22. أَنْتَ عَلَيْكَ الْبَلَاغُ

23. شِعَارُ الدَّاعِيَةِ

24. الْحَادِي الأَوَّلِ 25. أَفِق

26. الْحَادِي الثَّانِي

الْخَاتِمَةُ

المراجع (1/8)

صفحة 9

المُقَدِّمَة (1/9)

صفحة 10

الْحَمْدُ للهِ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى رَسُول اللَّهِ، وَعَلَى آلِهِ وَكُلِّ مَنِ اتَّبَعَ هُدَاهُ، أَمَّا بَعْدُ أَخِي الْعَزِيزُ بِالتَّقْوَى مَا أَشْبَهَ الدُّنْيَا بِالْبَحْرِ وَمَا أَشْبَهَ الْمُؤْمِنِينِ فِيهَا بِرُكَابِ السَّفِينَةِ وَمَا أَحْرَى التَّقَوَى أَنْ تُسَمَّى سَفِينَةَ النَّجَاةِ وَمَا أَعْجَبَ هَذِهِ السَّفِينَةَ فَهِيَ وَحْدَهَا فِي الْبَحْرِ، وَإِنَّهَا لَتَتَّسِعُ لِكُلِّ مَنْ أَرَادَ الرُّكُوبَ فِيهَا، وَلَوْ جَمِيعَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ مُنْذُ أَنْ خَلَقَ اللهُ الدُّنْيَا إِلَى قِيَامِ السَّاعَةِ، وَمَا أَقَلَّ عَقُولُ الْمُتَخَلَّفِينَ عَنِ الصُّعُودِ فَيهَا وَهَذَا الدَّاعِي يَدْعُوهُمْ، إِنَّهُ الْقُرَآنُ، وَهُمْ يَتَسَاقَطُونَ فِي الْبَحْرِ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ. أَخِي العَزِيزُ، سَارِعُ إِلَى رُكُوبِ السَّفِينَةِ وَلَا تُسَوِّفٌ؛ فَلَا تَدْرِي أَيْنَ أَنْتَ غَدًا، سَارِعُ فَإِنَّهَا تُوصِلُكَ إِلَى السَّعَادَةِ الدَّائِمَةِ، وَالرَّاحَةِ التَّامَّةِ، الْتَحِقُ بِأُولَئِكَ الَّذِينَ قَالَ فِيهِمُ الشَّاعِرُ:

إِنَّ للهِ عِبَادًا فَطَنَا طَلَّقُوا الدُّنْيَا وَخَافُوا الْفِتَنَا نَظَرُوا فِيهَا فَلَمَّا عَلِمُوا أَنَّهَا لَيْسَتْ لِحَيِّ وَطَنَا جَعَلُوهَا لُجَّةٌ وَاتَّخَذُوا صَالِحَ الْأَعْمَالِ فِيهَا سُفْنَا

ع (1/10)

صفحة 11

أَخِي الْعَزِيزُ: أَنَا لَا أَقُولُ لَكَ: اتْرُكْ أَعْمَالَ الدُّنْيَا،

الْآخِرَةِ،

وَلَكِنِ احْذَرْ أَنْ تَشْغَلَكَ وَتُلْهِيَكَ عَنْ طَلَبِ وَالِاسْتِعْدَادِ لَهَا فَأَنْتَ كَمَا تُرِيدُ أَنْ تَرْتَاحَ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا كَذَلِكَ تُرِيدُ رَاحَةَ الْآخِرَةِ، بَلْ إِنَّ الْآخِرَةَ أَوْلَى أَنْ تَكُونَ شُغْلَكَ الشَّاغِلَ طُولَ حَيَاتِكَ، لأَنَّ رَاحَةَ الدُّنْيَا وَأَمْوَالَها وَجَاهَهَا وَكُلَّ مَا فِيهَا سَوْفَ يَزُولُ عَنْكَ، أَوْ تَزُولُ عَنْهُ شِئْتَ أَمْ أَبَيْتَ، وَكُلُّ مَا تَفْرَحُ بِهِ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا سَوْفَ تَحْزَنُ عَلَى فِرَاقِهِ، وَلَا بُدَّ مِنْ فِرَاقِهِ. إِذَنْ عَلَيْنَا أَنْ نَبْحَثُ عَنْ رَاحَةٍ لَا تَزُولُ، وَسُرُورٍ دَائِمٍ، وَشَبَابٍ لَا يَتَغَيَّرُ، وَعَلَيْنَا أَنْ نَحْذَرَ أَنْ تُلْهِيَنَا الدُّنْيَا عَنْ الْآخِرَةِ فَقَدْ حَذَّرَنَا اللَّهُ تَعَالَى مِنْهَا، قَالَ اللهُ تَعَالَى: {يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَلُكُمْ وَلَا أَوْلَدُكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَيكَ هُمُ الْخَسِرُونَ} [سورة المنافقون: 9]. وَإِذَا كَانَ كُلُّ النَّاسِ غَرْقَى إِلَّا مَنْ رَكِبَ هَذِهِ السَّفِينَةَ فَلَا بُدَّ مِنْ رُكُوبِهَا اللهُ يُعِينُكَ وَيُعِينُنِي، وَهَذِهِ السَّفِينَةُ لَا تَنْفَعُ إِلَّا بِكَمَالِ أَرْكَانِهَا. (1/11)

صفحة 12

أَرْكَانُ السَّفِينَة (1/12)

صفحة 13

هَذِهِ السَّفَينَةُ تَتَأَلَّفُ مِنْ أَرْبَعَةِ أَرْكَانٍ إِذَا نَقَصَ رُكْنٌ لَمْ

تُغْنِ الثَّلَاثَةُ، وَهِيَ: ا الْإِيمَانُ: يَعْنِي التَّصْدِيقَ بِكُلِّ مَا أَخْبَرَ بِهِ اللَّهُ تَعَالَى أَوْ رَسُولُهُ، مِثْلُ: أَرْكَانِ الْإِيمَانِ السِّنَّةِ، وَأَرْكَانِ الْإِسْلَامِ الْخَمْسَةِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ. وَتَذَكَّرْ أَنَّ مَنْ أَنْكَرَ أَوْ شَكٍّ فِي شَيْءٍ مِمَّا أَخْبَرَ بِهِ اللَّهُ أَوْ رَسُولُهُ فَهُوَ كَافِرٌ مُشْرِكٌ. أَعَاذَنَا اللَّهُ تَعَالَى وَإِيَّاكَ.

الْعَمَلُ الصَّالِحُ: وَهُوَ أَنْ تُطِيعَ اللَّهَ تَعَالَى فِي كُلِّ مَا تَسْتَطِيعُ مِنْ أَوَامِرِهِ وَأَوَامِر رَسُولِهِ، وَتَتْرُكَ كُلَّ مَا نَهَى عَنْهُ اللهُ تَعَالَى أَوْ رَسُولُهُ، تَفْعَلْ ذَلِكَ للهِ، يَعْنِي لَا تُرِيدُ بِهِ مَدْحًا مِنَ النَّاسِ أَوْ جَاهَا أَوْ مَالًا، وَيَكُونُ عَمَلُكَ مُوَافِقًا لِلسُّنَّةِ، هَذَا هُوَ الْعَمَلُ الصَّالِحُ، وَهُوَ الرُّكْنُ الثَّانِي مِنْ أَرْكَانِ السَّفِينَةِ.

التَّوَاصِي بِالْحَقِّ يَعْنِي أَنْ تُوصِيَ غَيْرَكَ بِالتَّمَسُّكِ بدِينِ اللهِ تَعَالَى، وَأَنْ تُبَلِّغَ دِينَ اللَّهِ تَعَالَى لِلنَّاسِ، فَتُعَلَّمَ الْجَاهِلَ، وَتُذكِّرَ الْغَافِلَ، وَتَأْمُرَ بِالْمَعْرُوفِ وَهُوَ: كُلُّ شَيْءٍ أَمَرَ بِهِ اللهُ تَعَالَى أَوْ رَسُولُهُ، وَتَنْصَحَ

V (1/13)

صفحة 14

النَّاسَ كَمَا تَسْتَطِيعُ، وَتُحِبَّ لِلنَّاسِ مَا تُحِبُّ لِنَفْسِكَ، هَذَا هُوَ التَّوَاصِي بِالْحَقِّ، وَضَابِطهُ تَبْلِيغُ دِينِ اللَّهِ للنَّاسِ بِأَيِّ وَسِيلَةٍ، وَهُوَ الرُّنُ الثَّالِثُ مِنْ أَرْكَان

السَّفِينَةِ.

التَّوَاصِي بِالصَّبْرِ: يَعْنِي أَنْ تُوصِيَ غَيْرَكَ بِالصَّبْرِ عَلَى أَدَاءِ أَوَامِرِ اللهِ تَعَالَى وَالصَّبْرِ عَمَّا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ، وَالصَّبْرِ عَلَى مَا قَدَّرَ اللهُ تَعَالَى مِنْ مَصَائِبَ، فَإِنَّ

لِأَنَّهُ

الثَّبَاتَ عَلَى دِينِ اللهِ تَعَالَى يَحْتَاجُ إِلَى صَبْرٍ؛ مُخَالِفٌ لِهَوَى النَّفْسِ، فَالنَّفْسُ تُرِيدُ اللَّذَّةَ الْحَاضِرَةَ وَلَوْ كَانَ عَاقِبَتُهَا الدَّمَارَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَلَا تَنْسَ أَنْ تُوصِيَ غَيْرَكَ بِالصَّبْرِ؛ فَإِنَّ التَّوَاصِي عِبَادَةٌ تَنْفَعُكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَتَذَكَّرْ أَنَّ مَنْ أَعَزَّهُمُ اللَّهُ تَعَالَى بِالِاسْتِقَامَةِ مُنْذُ آدَمَ إِلَى آخِرِ إِنْسَانٍ فِي الدُّنْيَا مَا نَالُوا ذَلِكَ إِلَّا بِالصَّبْرِ، وَلَوِ اتَّبَعُوا هَوَى النَّفْس لَفَشِلُوا هَلْ عَرَفْتَ أَرْكَانَ السَّفِينَةِ؟ هَلْ عَلِمْتَ خُطُورَةَ التَّخَلُّفِ عَن الرُّكُوبِ فِيهَا؟ إِلَى أَيْنَ تُوصِلُّكَ هَذِهِ السَّفِينَةُ؟ هَلْ يَكْفِي الْعَمَلُ بِبَعْضٍ أَرْكَانِهَا؟ مَنِ الَّذِي صَنَعَ هَذِهِ

السَّفِينَةَ؟ (1/14)

صفحة 15

صَانِعُ السَّفِينَة (1/15)

صفحة 16

هَذِهِ السَّفِينَةُ لَيْسَتْ مِنْ صُنْعِ الْمَخْلُوقِينَ، وَإِنَّما هِيَ مِنْ صُنْعِ اللَّهِ تَعَالَى صَنَعَهَا وَأَقْسَمَ أَنْ لَا نَجَاةَ مِنَ الْخُسْرِ إِلَّا لِمَنْ رَكِبَ فِيهَا وَمَاتَ عَلَى ذَلِكَ، وَمَنْ عَدَاهُمْ فَهُمْ فِي خُسْرٍ دُنْيَا وَأُخْرَى، قَالَ اللهُ تَعَالَى: {وَالْعَصْرِ إِنَّ الْإِنسَنَ لَفِي

ختر إِلَّا الَّذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُوا الصَّلِحَتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ سورة العصر: 1 - 3]. فَسَارِعُ إِلَى رُكُوبِ السَّفِينَةِ قَبْلَ أَنْ يَفُوتَكَ قِطَارُ الْحَيَاةِ فَإِنَّهُ لَا يَقِفُ، فَكَمْ مِنْ مُصْبِحٍ أَمْسَى فِي التُّرَابِ، وَكَمْ مِنْ مُمْسِ أَصْبَحَ فِي التُّرَابِ، أَطَالَ اللَّهُ عُمْرَكَ فِي طَاعَتِهِ. هَلْ تَعْرِفُ عَظَمَةَ مَنْ أَقْسَمَ فِي هَذِهِ

السُّورَةِ؟

1. (1/16)

صفحة 17

??? (1/17)

صفحة 18

تَأَمَّلْ هَذِهِ السُّورَةَ الْكَرِيمَةَ، فَقَدْ أَقْسَمَ اللَّهُ تَعَالَى بِالْعَصْرِ يَعْنِي الزَّمَنَ، أَقْسَمَ عَلَى أَنَّ كُلَّ النَّاسِ خَاسِرُونَ أَوْقَاتَهُمُ الَّتِي أَمْضَوْهَا فِي مَعْصِيَةٍ أَوْ فِي إِهْمَالٍ، أَوْ فِي غَيْرِ فَائِدَةٍ، فَكُلُّ سَاعَةٍ لَمْ تُؤَدِّ فِيهَا عِبَادَةً أَوْ مَا يُعِينُ عَلَى الْعِبَادَةِ مِنَ الْمُبَاحَاتِ فَقَدْ خَسِرْتَهَا، وَكُلٌّ قَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ أَوِ اعْتِقَادٍ مُخَالِف لِدِينِ اللهِ تَعَالَى فَهُوَ خُسْرَانٌ إِذَنْ كُلُّ النَّاسِ غَرْقَى وَفِي خُسْرٍ دُنْيَا وَأُخْرَى إِلَّا مَنْ أَكْمَلَ أَرْكَانَ النَّجَاةِ الْأَرْبَعَةِ اثْنَانِ لِإِصْلَاح نَفْسِهِ، وَاثْنَانِ لِإِصْلَاحِ غَيْرِهِ، فَالرُّكْنَانِ السَّابِقَانِ لِإِصْلَاحِ نَفْسِهِ، أَمَّا النَّوَاصِي بِالْحَقِّ وَالتَّوَاصِي بِالصَّبْرِ فَلِإِصْلَاح غَيْرِهِ، وَلَا نَجَاةَ مِنَ الْخُسْرِ إِلَّا لِمَنْ أَكْمَلَ الْأَرْكَانَ الْأَرْبَعَةَ، وَإِنَّها لَسْهَلَةٌ عَلَى مَنْ أَخْلَصَ للهِ تَعَالَى وَلَدَيْهِ يَقِينٌ بِالْآخَرَةِ فَانْتَبِهْ وَاكْشِفْ غِطَاءَ الْغَفْلَةِ عَنْ قَلْبِكَ اخْتِيَارًا قَبْلَ أَنْ يَنْكَشِفَ اضْطِرَارًا؛ فَحِينَئِذٍ لَا يُفِيدُكَ كَشْفُهُ، بَلْ سَوْفَ تَنْدَمُ وَلَا يَنْفَعُ النَّدَمُ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: {لَقَدْ كُنتَ فِي غَفْلَةٍ مِّنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ

الْيَوْمَ حَدِيدٌ} [سورة ق: 22]. عَلَى مَاذَا أَقْسَمَ اللهُ تَعَالَى فِي

12 (1/18)

صفحة 19

سُورَةِ الْعَصْرِ؟ مَنِ الَّذِينَ اسْتَثْنَاهُمُ اللَّهُ تَعَالَى مِنَ الْخُسْرِ؟ وَبِمُحَاسَبَةِ نَفْسِكَ تَعْرِفُ الْخَلَلَ فِي دِينِكَ.

13 (1/19)

صفحة 20

حَاسِبْ نَفْسَكَ (1/20)

صفحة 21

أَيُّهَا الْمُؤْمِنُ، حَاسِبْ نَفْسَكَ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَكَ

بِذَلِكَ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: {يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} [سورة الحشر:18]. حَاسِبْ نَفْسَكَ لِأَنَّكَ تَاجِرٌ مِنْ تُجَّارِ الْآخِرَةِ، وَالتَّاجِرُ إِذَا لَمْ يَحْسِبْ لِلرِّبْحِ وَالْخَسَارَةِ فَشِلَتْ تِجَارَتُهُ، حَاسِبْ نَفْسَكَ كُلَّ يَوْمٍ تَعْرِفِ الْخَلَلَ فِى دِينِكَ، فَكِّرْ قَلِيلًا، هَلْ أَكْمَلَتَ هَذِهِ الْأَرْكَانَ الْأَرْبَعَةَ الْمَذْكُورَةَ فِي سُورَةِ الْعَصْرِ؟ فَإِنْ كُنْتَ أَكْمَلْتَهَا فَهَنِيئًا لَكَ وَاثْبُتْ عَلَيْهَا طُولَ حَيَاتِكَ، وَاحْذَرْ أَنْ يَكُونَ فِيهَا نَقْصُ أَوْ خَلَلٌ وَإِنْ كُنْتَ قَدْ أَهْمَلْتَ شَيْئًا مِنْهَا فَسَارِعُ إِلَى إِكْمَالِهَا قَبْلَ أَنْ تَذْهَبَ إِلَى الدَّارِ الْآخِرَةِ، فَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكَ الْخُسْرَانَ كَمَا أَخَافُ عَلَى نَفْسِي الْمُتَمَرِّدَةِ

الْعَاصِيَة.

فَلَا تَخْدَعْ نَفْسَكَ وَتُغْمِضْ عَيْنَيْكَ عَلَى تَقْصِيرِكَ فَإِنَّهُ الْخُسْرَانُ وَالشَّقَاءِ الدَّائِمُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَاعْلَمْ أَنَّكَ إِذَا صَدَقْتَ الْعَزْمَ وَالْإِخْلَاصَ للهِ تَعَالَى عَلَى إِكْمَالِهَا وَاجْتَهَدْتَ - فَإِنَّكَ سَوْفَ تَجِدُ التَّوْفِيقَ وَالتَّيْسِيرَ مِنَ اللَّطِيفِ الْخَبِيرِ الْعَلِيمِ بِأَحْوَالِكَ وَنِيَّتِكَ، الْقَدِيرِ عَلَى إِعَانَتِكَ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: {وَالَّذِينَ جَهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ

10 (1/21)

صفحة 22

اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ} [سورة العنكبوت:69]. وَإِذَا كَانَ مَعَكَ اللَّهُ اللَّطِيفُ الْهَادِي فَأَبْشِرْ بِالتَّيْسِيرِ فَهُوَ الْعَلِيمُ بِأَحْوَالِكَ وَمَا يَدُورُ فِي قَلْبِكَ، وَهُوَ الْقَدِيرُ عَلَى عَوْنِكَ، فَسَارِعُ إِلَى رُكُوبِ السَّفِينَةِ وَادْعُ رَبَّكَ أَنْ يُوَفِّقَكَ وَيُيَسِّرَ أَمُورَكَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَمَنْ عَرَفَ مَا يَطْلُبُ هَانَ عَلَيْهِ مَا يَبْذُلُ. هَلْ أَنْتَ

مِمَّنْ يُحَاسِبُونَ أَنْفَسَهُمْ؟

?? (1/22)

صفحة 23

الرُّكْنَانِ الْمُهْمَلَان (1/23)

صفحة 24

أخِي الْعَزِيزُ بِالتَّقَوَى: كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ يُطَبِّقُونَ الرُّكْنَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ مِنْ أَرْكَانِ النَّجَاةِ، فَتَرَاهُمْ يُصَدِّقُونَ يَقِينًا

بِكُلِّ

مَا أَخْبَرَ بهِ اللهُ تَعَالَى أَوْ رَسُولُهُ، وَتَرَاهُمْ يُطِيعُونَ اللهَ تَعَالَى فِيمَا هُوَ خَاصٌ بِأَنْفُسِهِمْ مِنَ الْعِبَادَاتِ، مِثْلَ: الصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ، وَلَكِنَّهُمْ يُهْمِلُونَ الرُّكْنَيْنِ الْآخَرَيْنِ: التَّوَاصِيَ بِالْحَقِّ وَالتَّوَاصِيَ بِالصَّبْرِ، مَعَ أَنَّهُمْ يَعْرِفُونَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ أَقْسَمَ بِأَنَّ كُلَّ إِنْسَانٍ خَاسِرٌ إِلَّا مَنْ أَكْمَلَ أَرْكَانَ النَّجَاةِ الْأَرْبَعَةَ، وَقَدْ يَكُونُ مِنْ هَؤُلَاءِ مُتَعَلِّمُونَ، أَسْأَلُ اللهَ تَعَالَى أَنْ يَهْدِيَنَا وَإِيَّاهُمْ.

أَلا فَلْيَعْلَمْ كُلُّ مَنْ أَهْمَلَ تَبْلِيغَ دِينِ اللَّهِ تَعَالَى لِلنَّاسِ كَمَا يَسْتَطِيعُ أَنَّ سَفِينَتَهُ عَرْجَاءَ لَا بُدَّ أَنْ تَغْرَقَ، فَلْيَتَدَارَكْ نَفْسَهُ، وَلَا يَكْفِيهِ أَنَّهُ مِنْ أَهْلِ الِاسْتِقَامَةِ، هَذَا اللَّقَبُ لَا يَكْفِي مِنْ غَيْرِ تَطْبِيقِ لِدِينِ اللَّهِ، فَلْيَحَذَرْ قَبْلَ الرَّحِيلِ إِلَى الدَّارِ الْآخِرَةِ قَبْلَ أَنْ يَقُولَ: {وَأَنفِقُوا مِن مَّا رَزَقْنَكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَرْتَيَ إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مِّنَ الصَّلِحِينَ} [سورة المنافقون: 10]. يُهْمِلُ النَّاسُ

رُكْنَيْنِ، مَا هُمَا؟ هَلْ أَنْتَ مِمَّنْ يُهْمِلُ؟

18 (1/24)

صفحة 25

مَعْنَى الدَّعْوَةِ إِلَى اللهِ تَعَالَى (1/25)

صفحة 26

الدَّعْوَةُ إِلَى اللهِ تَعَالَى أَهَمُّ عَمَلٍ يُقَرِّبُكَ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، فَمَا أَرَسُلَ اللهُ تَعَالَى الرُّسُلَ وَلَا أَنْزَلَ الْكُتُبَ إِلَّا مِنْ أَجْلِ الدَّعْوَةِ إِلَى اللهِ تَعَالَى هَلْ تَخَيَّلْتَ عَظَمَةَ الدَّعْوَةِ؟ وَمَعْنَى الدَّعْوَةِ: أَنْ تُبَلِّغَ دِينَ اللهِ تَعَالَى لِلنَّاسِ حَسْبَ اسْتِطَاعَتِكَ، فَأَنْتَ يَا مَنْ عَرَفْتَ الْقُرْآنَ الْعَظِيمَ بَلِّغْهُ لِلنَّاسِ، عَلّمْهُ غَيْرَكَ، وَابْدَأُ بِأَهْلِكَ وَأَوْلَادِكَ. وَأَنْتَ يَا مَنْ عَرَفْتَ أُمُورَ دِينِكَ عَلِّمِ النَّاسَ الشَّيْءَ الَّذِي تَعْرِفُهُ يَقِينًا.

وَأَنْتَ أَيُّهَا الْإِمَامُ يَا مَنْ يُصَلِّي بِالنَّاسِ تَذَكَّرْ أَنَّ مَسْؤُولِيَّتَكَ أَعْظَمُ، لِأَنَّكَ قَدْ دَرَسْتَ وَتَعَلَّمْتَ أُمُورَ الدِّينِ أَكْثَرَ مِنْ غَيْرِكَ، وَعِنْدَكَ فَرَاعٌ لَا يُوجَدُ عِنْدَ غَيْرِكَ، فَدَعْ عَنْكَ اللَّهَاتَ فِي أَعْمَالِ الدُّنْيَا، فَرِّغْ نَفْسَكَ لِتَعْلِيمِ النَّاسِ كِبَارًا أَوْ صِغَارًا، لَا تَجْعَلْ سَفِينَتَكَ عَرْجَاءَ فَإِنَّكَ غَيْرُ مَعْذُورٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، تَذَكَّرْ شُرُوطَ النَّجَاةِ فِي سُورَةِ الْعَصْرِ اسْأَلِ اللَّهَ تَعَالَى أَنْ يَرْزُقَكَ إِيثَارَ الْآخِرَةِ.

وَأَنْتَ أَيُّهَا الْمُعَلِّمُ أَنْتَ أَقْدَرُ مِنْ غَيْرِكَ عَلَى التَّأْثِيرِ

فِي النَّاسِ بِالْكَلِمَةِ الطَّيِّبَةِ انْصُرْ دِينَ اللَّهِ تَعَالَى بِامْتِثَالِ أَوَامِرِهِ، وَمِنْهَا تَبْلِيغُ دِينِهِ لِلنَّاسِ، وَانْصُرِ اللَّهَ بِاجْتِنَابِ

20 (1/26)

صفحة 27

نَوَاهِيهِ، يَنْصُرْكَ اللهُ عَلَى أَعْدَائِكَ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: {يَأَيُّهَا

الَّذِينَ ءَامَنُوا إِن تَنصُرُوا اللهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ} [سورة محمد: 7]. انْصُرِ

فَإِنَّ نَفْعَ ذَلِكَ عَائِدٌ إِلَيْكَ لَا إِلَى اللَّهِ.

الله

أَتَرْضَى أَيُّهَا الْمُعَلِّمُ - أَنْ تَعِيشَ غَارِقًا فِي الشَّهَوَاتِ وَأَعْدَاءُ اللَّهِ يَصُولُونَ وَيَجُولُونَ لِتَدْمِيرِ الْإِسْلَامِ؟ اجْعَلْ وَقْتًا لِتَعْلِيمِ النَّاسِ دِينَهُمْ وَلَوْ يَوْمًا وَاحِدًا فِي كُلِّ أُسْبُوعِ، وَلْيَكُنْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ أَوِ السَّبْتِ تَخَيَّرِ الْوَقْتَ الْمَنَاسِبَ لَكَ وَلِلْحُضُورِ وَلَوْ سَاعَةً وَلَا تَقُلْ لَا تَكْفِي سَاعَةٌ فَإِنَّ غَيْرَكَ طَبَّقَ هَذَا فَظَهَرَتْ فَائِدَتْهُ اللهُ يُعِينُكَ. أَيُّهَا الْمُعَلِّمُ لَا تَقُلْ أَنَا لَسْتُ مُتَخَصِّصًا فِي الشَّرِيعَةِ، فَإِنَّ هَذَا الْعُذْرَ لَا يَنْفَعُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَاحْذَرْ مِنَ الْخُسْرَانِ يَوْمَ النُّشُورِ مِنَ الْقُبُورِ، فَإِنَّكَ هُنَاكَ تَكُونُ قَدْ فَارَقْتَ السَّفِينَةَ.

هَيَّا يَا أَخِي عَلَّمْ مَنْ تَرَاهُ جَاهِلًا، انْصَحْ مَنْ تَرَاهُ عَاصِيَّا، ذَكِّرْ مَنْ تَرَاهُ غَافِلًا، اعْمَلْ كُلَّ هَذَا لِلهِ وَحْدَهُ طَلَبًا لِرِضَاءِ اللَّهِ لَا رِيَاءً وَلَا سُمْعَةً، وَتَذَكَّرْ أَنَّكَ أَنْتَ الْمُسْتَفِيدُ أَكْثَرَ مِنَ النَّاسِ الَّذِينَ تُعَلِّمُهُمْ وَتُرْشِدُهُمْ. وَأَنْتِ أَيَّتُهَا الْمُعَلِّمَةُ بَلّفِي دِينَ اللهِ عَلِّمِي النِّسَاءَ وَالْفَتَيَاتِ، أَنْتِ

21 (1/27)

صفحة 28

أَمَامَكِ كَثِيرٌ مِنَ النِّسَاءِ جَاهِلَاتٌ بِالدِّينِ، فَمَا عُذْرُكِ يَوْمَ القيامةِ؟ أَلَمْ تَعْلَمِي أَنَّ سُورَةَ الْعَصْرِ لَمْ تَتْرُكْ عُذْرًا لِأَحَدٍ وَلَا حُجَّةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ أَلَمْ تَعْلِمِي أَنَّهُ لَا نَجَاةَ مِنَ الْخُسْرِ إِلَّا لِمَنْ أَكْمَلَ أَرْكَانَ النَّجَاةِ؟ إِذَنْ سَارِعِي قَبْلَ أَنْ تَقُولِي:

يَقُولُ يَلَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي} [سورة الفجر: 24].

أَسْأَلُ اللهَ تَعَالَى لَكِ التَّوْفِيقَ، وَأَنْ يَرْزَقَكِ إِيثَارَ الْآخِرَةِ وَالْيَقِينَ بِأَنَّ لَكِ مِثْلَ أَجْرِ كُلِّ مَنِ اهْتَدَى عَلَى

يَدَيْكِ وَلَوْ كَانُوا آلَافًا أَوْ أَكْثَرَ.

22 (1/28)

صفحة 29

أَطَعْ رَبَّكَ (1/29)

صفحة 30

أَخِي تَذَكَّرْ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ أَمَرَنَا أَنْ نَدْعَوَ النَّاسَ إِلَى طَاعَتِهِ، فَأَطِعْهُ تَفُزْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى:

أدْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ} [سورة النحل: 125].

وَيَقُولُ اللهُ تَعَالَى: {قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا

وَمَنِ اتَّبَعَنِ} [سورة يوسف:108]. فَإِنْ كُنْتَ مُتَّبِعًا لِرَسُولِ اللَّهِ

دش

فَلَا بُدَّ أَنْ تَدْعَوَ النَّاسَ إِلَى دِينِ اللَّهِ تَعَالَى، تُعَلِّمُ الْجَاهِلَ، وَتُذَكَّرُ الْغَافِلَ، وَتَأْمُرُ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَى عَنِ الْمُنْكَرِ، وَتُبَلِّغُ دِينَ اللهِ تَعَالَى قَدْرَ اسْتِطَاعَتِكَ وَفِي حُدُودِ مَعْرِفَتِكَ.

وَلَعَلَّ قَائِلًا يَقُولُ: مِنْ شَرْطِ الدَّعْوَةِ أَنْ تَكُونَ بِالْحِكْمَةِ وَعَلَى بَصِيرَةٍ، وَالْجَوَابُ هُوَ: يَا مَنْ عَرَفْتَ الْقُرَآنَ الْعَظِيمَ أَنْتَ عَلَى بَصِيرَةٍ فِيهِ فَبَلِّغْهُ لِلنَّاسِ، وَهَكَذَا غَيْرُ الْقُرَآنِ، أَنْتَ مَأْمُورٌ أَنْ تُبَلِّغَ الشَّيْءَ الَّذِي تَعْرِفُهُ فَقَط، وَإِذَا رَأَيْتَ أَحَدًا يَفْعَلُ مُحَرَّمًا انْصَحْهُ بِالْكَلِمَةِ الطَّيِّبَةِ إِذَا لَمْ تَقْدِرْ عَلَى مَنْعِهِ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: {كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ} [سـ ورة آل عمران: 110]. إِذَنْ مَادَامَ الْآمِرُ هُوَ اللهُ تَعَالَى فَلَا بُدَّ مِنْ طَاعَتِهِ، وَلَيْسَ لِلْإِنْسَانِ اخْتِيَارُ فِي أَنْ يُطِيعَ رَبَّهُ أَوْ يَتَّبِعَ هَوَاهُ، قَالَ

24 (1/30)

صفحة 31

اللهُ تَعَالَى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ

الخيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِ} [سورة الأحزاب: 36].

لِمَاذَا كَثِيرٌ مِنَ الْمُتَعَلِّمِينَ يَعِيشُونَ حَوْلَ ذَوَاتِهِمْ وَشَهَوَاتِهِمْ وَيَتْرُكُونَ تَعْلِيمَ النَّاسِ دِينَهُمْ؟ لِأَنَّهُ نَسِيَ أَوْ تَنَاسَى مَا يَفُوتُهُ مِنْ خَيْرٍ عَظِيمٍ بِتَرْكِ التَّعْلِيمِ وَالدَّعْوَةِ إِلَى اللهِ، وَنَسِيَ أَنَّهُ خَاسِرٌ بِتَرْكِ ذَلِكَ مِثَالُ: أَنْتَ لَوْ أَعْطَاكَ إِنْسَانٌ ظَرْفًا مُغْلَقًا فِيهِ نِصْفُ مَلْيُونِ رِيَالٍ وَلَمْ تَعْرِفْ مَا دَاخِلَ الظُّرْفِ، فَقَدْ لَا تَكُونُ حَرِيصًا عَلَيْهِ، لِمَاذَا؟ لِأَنَّكَ لَمْ تَعْرِفُ مَا فِيهِ، وَلَكِنْ لَوْ عَرَفْتَ مَا فِيهِ فَسَوْفَ تَحْرِصُ عَلَيْهِ، كَذَلِكَ الدَّعْوَةُ إِلَى اللهِ، كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ لَا يَعْرِفُونَ فَائِدَتَهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ، بَلْ وَفِي الدُّنْيَا، وَمَاذَا يَسَاوِي نِصْفُ

مَلْيُونِ رِيَالٍ مَعَ الثَّوَابِ الْعَظِيمِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ.

25 (1/31)

صفحة 32

مِنْ فَوَائِدِ الدَّعْوَةِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى (1/32)

صفحة 33

تَذَكَّرُ أَيُّهَا الْمُسْلِمُ - أَنَّهُ يُكْتَبُ لَكَ مِثْلُ ثَوَابِ مَن

اهْتَدَى عَلَى يَدَيْكَ، هَلْ فَهِمْتَ هَذِهِ الْفَائِدَةَ الْعَظِيمَةَ؟ يَعْنِي يُكْتَبُ لَكَ مِثْلُ أَجْرِ مَنْ عَلَّمْتَهُ، يُكْتَبُ لَكَ مِثْلُ أَجْرٍ مَنْ أَمَرْتَهُ بِالْمَعْرُوفِ أَوْ نَهَيْتَهُ عَنْ مُنْكَرٍ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ شَيْءٌ مِنْ ثَوَابِهِمْ، أَلَيْسَتْ هَذِهِ غَنِيمَةً مِنْ غَيْرِ تَعَبِ قَالَ اللهُ تَعَالَى: {إِنَّا نَحْنُ فُي الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَاثَرَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَهُ فِي إِمَامٍ مُّبِينٍ} [سورة يس: 12]. وَقَالَ رَسُولُ اللهِ: مَنْ) دَلَّ عَلَى خَيْرٍ فَلَهُ مِثْلُ أَجْرِ فَاعِلِهِ)) (1)، وَقَالَ رَسُولُ اللهِ: ((مَنْ دَعَا إِلَى هُدًى كَانَ لَهُ مِنَ الْأَجْرِ مِثْلُ أُجُورِ مَنْ تَبِعَهُ لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئًا، وَمَنْ دَعَا إِلَى ضَلَالَةٍ كَانَ عَلَيْهِ مِنَ الْإِثْمِ مِثْلُ آثَامِ مَنْ تَبِعَهُ لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ آثَامِهِمْ شَيْئًا)) (2) تَأَمَّلِ النُّصُوصَ السَّابِقَةَ هَذِهِ تَعْرِفُ أَنَّ لَكَ مَثْلَ أَجْرِ مَنِ

اهْتَدَى عَلَى يَدَيْكَ.

(1) رَوَاهُ مُسْلِمٌ. (2) رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

PV (1/33)

صفحة 34

فَأَنْتَ إِذَا عَلَّمْتَ إِنْسَانًا سُورَةَ الْفَاتِحَةِ مَثَلًا- كُتِبَ لَكَ ثَوَابٌ كُلَّمَا قَرَأَ ذَلِكَ الْإِنْسَانُ الْفَاتِحَةَ طُولَ حَيَاتِهِ حَتَى

لَوْ أَنْتَ فِى التُّرَاب يُكْتَبُ لَكَ مِثْلُ أَجْرِهِ بِكُلِّ حَرْفٍ عَشْرُ حَسَنَاتٍ هَذَا إِذَا عَلَّمْتَهُ الْفَاتِحَةَ فَقَطْ فَكَيْفَ إِذَا عَلَّمْتَهُ الْقُرْآنَ الْعَظِيمَ كَامِلا؟ هَذَا إِذَا عَلَّمْتَ إِنْسَانًا وَاحِدًا، فَكَيْفَ لَوْ عَلَّمْتَ مِئَةَ إِنْسَانِ الْقُرْآنَ وَعُلُومَ الدِّينِ للهِ لَا تُرِيدُ مَدْحًا وَلَا مَالًا مِنَ النَّاسِ، وَكَيْفَ لَوْ عَلَّمْتَ أَلْفًا أَوْ آلَافًا؟ هَلْ عَرَفْتَ هَذَا الْخَيْرَ الْعَظِيمَ بِسَبَبِ تَعْلِيمِ النَّاسِ وَدَعْوَتِهِمْ إِلَى الْخَيْرِ؟

إِنَّ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ اسْتَفَادُوا مِنْكَ عِلْمًا أَوْ نُصْحًا كُلُّهُمْ يَجْلِبُونَ لَكَ الْحَسَنَاتِ وَأَنْتَ غَافِلٌ، إِنَّهُمْ يَشْتَغِلُونَ لَكَ سَوَاءٌ كُنْتَ حَيًّا أَوْ مَيّتًا، فَأَصْبَحَ عَمَلُكَ الْخَاصُّ بِكَ لَا يُسَاوِي شَيْئًا مَعَ مَا يَأْتِيكَ مِنَ الْأَجْرِ بِسَبَبِهِمْ. كَذَلِكَ لَوْ رَأَيْتَ إِنْسَانًا لَا يُصَلِّي وَذَكَرْتَهُ وَأَمَرْتَهُ بِالصَّلَاةِ، فَكَلَّمَا صَلَى يُكْتَبُ لَكَ مِثْلُ أَجْرِهِ، هَذَا إِذَا كَانَ وَاحِدًا، فَكَيْفَ إِذَا كَانُوا أَلْفًا ? كَذَلِكَ لَوْ رَأَيْتَ أَحَدًا يَفْعَلُ شَيْئًا مِنَ الْحَرَامِ وَنَهَيْتَهُ عَنْ ذَلِكَ فَلَكَ مِثْلُ ثَوَابِهِ. وَهَكَذَا أَنْتَ لَكَ ثَوَابٌ عَلَى

28 (1/34)

صفحة 35

مِقْدَارِ عَدَدِ الَّذِينَ كُنْتَ سَبَبًا فِي هِدَايَتِهِمْ، وَعَلَى مِقْدَارِ أَعْمَالِهِمْ، فَهَلْ يَتْرُكُ هَذَا الْأَجْرَ الْعَظِيمَ عَاقِلٌ؟!

إِنَّهُ أَجْرٌ يَأْتِيكَ مِنْ غَيْرِ تَعَبٍ، أَظُنُّكَ عَلِمْتَ الثَّوَابَ الْعَظِيمَ الَّذِي تَجْلِبُهُ لَكَ الدَّعْوَةُ إِلَى اللَّهِ، فَرْقٌ وَاللَّهِ بَيْنَ

أَنْ تَأْتِيَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِسَفِينَةٍ عَرْجَاءَ، وَبَيْنَ أَنْ يُضَافَ إِلَى عَمَلِكَ مِثْلَ عَمَلٍ مِئَاتِ النَّاسِ، تَصَوَّرُ أَنَّكَ فِي يَوْمِ الْقِيَامَة وَوَجَدْتَ فِي صَحِيفَتِكَ مِثْلَ أَجْرِ أَلْفِ إِنْسَانٍ، أَلَا تَشْعُرُ بِالسَّعَادَةِ تَغْمُرُ قَلْبَكَ؟ أَلَيْسَ عَمَلُكَ لَا يُسَاوِي شَيْئًا مَعَ أَعْمَالِهِمْ؟ أَلَا تَتَمَنَّى ذَلِكَ الْيَوْمَ أَنَّكَ عَلَّمْتَ وَأَرْشَدْتَ

وَنَصَحْتَ مَلَابِينَ النَّاسِ؟

إِذَنْ هَيَّا أَنْتَ الْآنَ فِي فُسْحَةِ الْعُمُرِ، هَيَّا قَبْلَ أَنْ تَبْلُغَ الرُّوحُ الْحُلْقُومَ، وَتَتْرُكَ كُلَّ شَيْءٍ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا، اعْمَلْ فِي الدَّعْوَةِ إِلَى اللهِ تَفْرَحْ حِينَ يَحْزَنُ وَيَنْدَمُ الَّذِينَ تَعَلَّمُوا وَعَاشُوا يَدُورُونَ حَوْلَ شَهَوَاتِهِمْ، وَلَا يَهُمُّهُمْ إِصَلَاحُ غَيْرِهِمْ، إِذَنْ سَارِعُ إِلَى نَيْلِ هَذَا الْخَيْرِ الْعَظِيمِ قَبْلَ أَنْ يَلْتَفَّ السَّاقُ بِالسَّاقِ، قَبْلَ أَنْ تَغْرُبَ شَمْسُ الْعُمُرِ، قَبْلَ أَنْ تَطْلُبَ الرُّجُوعَ إِلَى الدُّنْيَا، وَهَيْهَاتَ قَبْلَ مَجِيء

29 (1/35)

صفحة 36

السَّكَرَاتِ، قَبْلَ أَنْ يُقَالَ: فُلَانٌ قَدْ مَاتَ، قَبْلَ أَنْ تُطْوَى صَحِيفَتُكَ، وَلَا تَغْتَرَّ بِكَثْرَةِ الْغَافِلِينَ، وَقِلَّةِ السَّالِكِينَ، أَسْأَلُ اللهَ تَعَالَى أَنْ يُطِيلَ عُمُرَكَ فِي الْخَيْرِ الَّذِي يُقَرِّبُكَ إِلَى الْجَنَّةِ. مَاذَا تَسْتَفِيدُ مِنَ الدَّعْوَةِ إِلَى اللَّهِ؟ (1/36)

صفحة 37

طرُقُ الدَّعْوَةِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى (1/37)

صفحة 38

الدَّعْوَةُ إِلَى اللهِ تَعَالَى لَهَا طُرُقٌ كَثِيرَةٌ مِنْهَا:

اجْعَلْ وَقْتًا لَتَعْلِيمِ أَهْلِكَ وَأَوْلَادِكَ، تُعَلِّمُهُمُ الشَّيْءَ الَّذِي تَعْرِفُهُ وَلَوِ الْقُرَآنَ الْعَظِيمَ فَقَطْ.

-2 إِنْ كُنْتَ مِنَ الْمُتَعَلِّمِينَ فَاجْعَلْ وَقْتًا تُعَلِّمُ النَّاسَ فِي 2 - الْمَسْجِدِ أُمُورَ دِينِهِمْ وَلَوْ يَوْمًا فِي الْأَسْبُوعِ

تُرْسِلُ رَسَائِلَ نَافِعَةً فِي هَاتِفِكَ تُذَكَّرُ النَّاسَ بِمَا يَنْفَعُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِمَّا مَوْعِظَةٌ، أَوْ حِكْمَةٌ، أَوْ قِصَّةٌ

نَافِعَةٌ، أَوْ مَسْأَلَةٌ مِنْ إِعْجَازِ الْقَرْآنِ، أَوْ شَيْئًا مِنْ صِفَةِ الْجَنَّةِ أَوِ النَّارِ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأُمُورِ الْمُفِيدَةِ، وَلَا تُرسِلْ إِلَّا الشَّيْءَ الَّذِي تَعْرِفُ مَعْنَاهُ وَفَائِدَتَهُ اللهُ

يُعِينُكَ.

-4 - انْصَحْ مَنْ تَرَاهُ عَلَى مَعْصِيَةٍ، وَلَكِنْ لَيْسَ أَمَامَ النَّاسِ، انْصَحْهُ حَتَّى فِي الْهَاتِفِ.

حَبَّذَا لَوْ قَدَّمْتَ هَدِيَّةً أَوْ صَدَقَةً وَلَوْ قَلِيلَةً لِمَنْ تُرِيدُ نُصْحَهُ أَوْ تَعْلِيمَهُ، فَإِنَّ الْهَدِيَةَ أَوِ الصَّدَقَةَ تَفْتَحُ لَكَ

32 (1/38)

صفحة 39

قَلْبَهُ، وَقَدْ رَأَيْتُ كَثِيرًا مِنَ الدُّعَاةِ إِلَى اللهِ تَعَالَى

يُقَدِّمُونَ الْعَطَايَا لِلنَّاسِ.

6 - إِذَا رَأَيْتَ كِتَابًا نَافِعًا فَلَا تَشْتَرِ نُسْخَةً وَاحِدَةً لَكَ فَقَطْ، وَلَكِنْ خُذْ مَجْمُوعَةَ نُسَخِ عَلَى قَدْرِ اسْتِطَاعَتِكَ الْمَالِيَةِ وَأَنْفِقْ هَذِهِ الْكُتُبَ لِمَنْ كَانَ عِنْدَهُ هِمَّةٌ لِلْقِرَاءَةِ مِنَ الطُّلابِ أَوْ غَيْرِ الطُّلابِ، وَلَكِنَّ الطُّلَابَ أَوْلَى وَأَحَقُّ مِنْ غَيْرِهِمْ، وَلَا تَوَزّعْهَا عَشْوَائِيًّا، بَلْ أَعْطِهَا مَنْ يَسْتَفِيدُ مِنْهَا، فَإِنَّ بَعْضَ النَّاسِ يَضِيعُ عَنْدَهُ الْكِتَابُ، وَكُلَّمَا أَكْثَرْتَ مِنْ إِنْفَاقِ الْكُتُبِ كَانَ خَيْرًا لَكَ؛ فَإِنَّهَا صَدَقَةٌ جَارِيَةٌ، قَدْ يَبْقَى الْكِتَابُ خَمْسِينَ سَنَةً أَوْ أَكْثَرَ يَأْتِيكَ بِالْحَسَنَاتِ، فَكَلَّمَا اسْتَفَادَ مِنْهُ إِنْسَانٌ كُتِبَ لَكَ أَجْرٌ حَتَّى وَأَنْتَ تَحْتَ التُّرَابِ.

وَيُؤْسِفْنِي كَلَّامُ بَعْضِ الْمُتَعَلِّمِينَ حِينَ يَسْمَعُكَ تَحْثُ عَلَى تَوْزِيعِ الْكُتُبِ وَإِنْفَاقِهَا، يَقُولُ مُتَبِطًا فِي هَذَا الزَّمَانِ ظَهَرَتْ وَسَائِلُ حَدِيثَةٌ مُفِيدَةٌ لِلتَّعْلِيمِ أَكْثَرُ مِنَ الْكِتَابِ، مِثْلُ الإِنْتَرْنِتْ وَغَيْرِهِ. وَجَوَابُ هَذَا الْمُثَبَّطِ الْمُتَعَامِي عَنْ فَائِدَةِ الْكِتَابِ أَنْ يُقَالَ لَهُ: إِنَّ

33 (1/39)

صفحة 40

الْغَرْبِيِّينَ أَكْثَرُ قِرَاءَةً لِلْكِتَابِ مِنَ الْعَرَبِ، فَهَلْ هَذِهِ الْوَسَائِلُ الْحَدِيثَةُ غَيْرُ مَوْجُودَةٍ عِنْدَهُمْ إِنَّ قِرَاءَةَ الْعَرَبِ لِلْكِتَابِ لَا تُسَاوِي شَيْئًا مَعَ قِرَاءَةِ الْغَرْبِيِّينَ يَقُولُ أَحَدُ الدُّعَاةِ إِلَى اللهِ تَعَالَى: إِنَّهُ زَارَ مَكْتَبَةً فِي

فَرَنْسَا فِيهَا أَرْبَعَةُ مَلَابِينَ كِتَابِ قَنَاةُ الِاسْتِقَامَةِ. فَاحْرِصْ عَلَى هَذَا فَإِنَّ سُوقَ الدُّنْيَا سَوْفَ يَنْفَضُّ

قَرِيبًا وَلَا بُدَّ أَنْ نَتْرُكَ هَذِهِ الْأَمْوَالَ إِذَا لَمْ تُنْفِقْهَا وَنَتَصَدَّقْ مِنْهَا، فَقَدِّمْ مِنَ الْحَيَاةِ الْفَانِيَةِ حَتَّى تَصِلَ إِلَى الْحَيَاةِ السَّعِيدَةِ الْبَاقِيَةِ، إِنَّ مَا أَنْفَقْتَهُ للهِ حَوَّلْتَهُ مِنْ فَانٍ إِلَى بَاقِ، فَحَوِّلْ إِلَى الْوَطَنِ الْمَحْبُوبِ الدَّائِمِ فِي جَنَّاتِ الْخُلُودِ إِنَّهَا حَيَاةٌ بِلَا مُكَدِّرٍ، فَلَيْسَ هُنَالِكَ مَوْتٌ، وَلَا مَرَضٌ وَلَا شَيْبٌ وَلَا هَمْ، وَلَا غَقٌّ، وَلَا حَقٌّ، وَلَا بَرْدٌ يُؤْذِي وَلَا تَعَبٌ، وَلَا تَسْمَعُ إِلَّا الْكَلَّامَ الطَّيِّبَ الَّذِي يَسُرُّكَ، وَلَا تَرَى إِلَّا مَا يُفْرِحُكَ، تِلْكَ الْحَيَاةُ

تَسْتَحِقُ أَنْ نَتْعَبَ مِنْ أَجْلِهَا. أَلَيْسَ كَذَلِكَ؟

إِذَا رَأَيْتَ أَيَّ وَسِيلَةٍ تَعْلِيمِيَّةٍ نَافِعَةٍ فَاشْتَرِهَا وَقَدِّمْهَا لِطَالِبٍ مِنْ طَلَّابِ الْعِلْمِ تَفْرَحْ بِهَا يَوْمَ فَقْرِكَ.

34 (1/40)

صفحة 41

- كُلَّمَا وَجَدْتَ فُرْصَةُ لِنَصِيحَةِ إِنْسَانٍ فَلَا تُفَوِّتْهَا، سَوَاءً كُنْتَ فِي الْبَيْتِ أَوْ فِي السَّيَّارَةِ أَوْ فِي الْمَسْجِدِ أَوْ فِي السُّوقِ أَوْ فِي الشَّارِعِ أَوْ فِي الطَّائِرَةِ انْصَحْ وَلَكِنْ لَيْسَ أَمَامَ النَّاسِ، وَيُمْكِنُ أَنْ تَكُونَ النَّصِيحَةُ فِي

الْهَاتِفِ.

9 - شَارِكْ فِي أَيِّ مَشْرُوعٍ خَيْرِيٌّ إِنْ كُنْتَ قَادِرًا، شَارِكْ قَبْلَ أَنْ تَتْرُكَ مَالَكَ وَرَاءَ ظَهْرِكَ وَتَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَقِيرًا مِنَ الْحَسَنَاتِ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: {وَلَقَدْ جِعْتُمُونَا فَرَدَى كَمَا خَلَقْنَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُم مَّا خَوَلْتَكُمْ وَرَاة ظهوركم) اسورة

الأنعام: 94].

10 كُلُّ مَنْ رَكِبَ عِنْدَكَ فِي السَّيَّارَةِ فَأَسْمِعْهُ شَيْئًا نَافِعًا مِنْ أُمُورِ الدِّينِ يَسُرَّكَ غَدًا، وَيُصْبِحْ سَيْرُكَ فِي السَّيَّارَةِ عِبَادَةً تُؤْجَرْ عَلَيْهِ، نَعَمْ، تَسْتِطِيعُ أَنْ تَجْعَلَ سَيْرَكَ فِي السَّيَّارَةِ عِبَادَةً وَلَيْسَ عَادَةً، فَإِنْ كُنْتَ مِنَ الْمُتَعَلِّمِينَ ذَكَّرِ النَّاسَ بِلِسَانِكَ، وَإِلَّا فَأَسْمِعْهُمْ شَيْئًا يَنْفَعُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، إِمَّا مَوْعِظَةٌ أَوْ غَيْرُ ذَلِكَ، أَوْ أَنْ تُسْمِعَهُمُ الْقُرَآنَ الْعَظِيمَ بِشَرْطِ الْإِنْصَاتِ.

35 (1/41)

صفحة 42

-11 لَا تَتْرُكْ مُنْكَرًا إِلَّا غَيَّرْتَهُ بِيَدِكَ، يَعْنِي: تَمْنَعُهُ، فَإِنْ عَجَزْتَ عَنْ مَنْعِهِ فَغَيّرْهُ بِلِسَانِكَ، يَعْنِي: انْصَحْ صَاحِبَ الْمُنْكَرِ، فَإِنْ عَجَزْتَ عَنِ النُّصْحِ فَغَيِّرْهُ بِقَلْبِكَ، قَالَ رَسُولُ اللهِ: مَنْ) رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ وَذَلِكَ أَضْعَفُ الْإِيمَانِ)) (1)، وَالتَّغْبِيرُ بِالْقَلْبِ

يَعْنِي: بُغْضَ الْعَاصِي وَالْمَعْصِيَةِ، وَهَذَا لَا يَعْجَزْ عَنْهُ أَحَدٌ؛ لِأَنَّ مَا فِي الْقَلْبِ لَا يَعْلَمُهُ إِلَّا اللَّهُ تَعَالَى، وَلَا يُعْذَرُ عَنِ التَّغْيِيرِ بِالْقَلْبِ أَحَدٌ، وَمَنْ كَانَ قَادِرًا عَلَى مَنْعِ الْمُنْكَرِ فَلَا يَكْفِي أَنْ يَنْصَحَ بِاللِّسَانِ، وَمَنْ كَانَ قَادِرًا عَلَى التَّغْيِيرِ بِاللَّسَانِ فَلَا يَكْفِي أَنْ يُغَيِّرَ بِالْقَلْبِ.

فَالْإِنْسَانُ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَمْنَعَ أَيَّ شَيْءٍ مُحَرَّمٍ فِي بَيْتِهِ، فَمَا عُذْرُ أُولَئِكَ الَّذِينَ يَتْرُكُونَ أَوْلَادَهُمْ لَا يُصَلُّونَ؟ وَالْإِنْسَانُ فِي دُكَّانِهِ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَمْنَعَ الْمُنْكَرَ فَلَا يَكْفِي أَنْ يَنْصَحَ بِاللِّسَانِ، وَالْإِنْسَانُ فِي سَيَّارَتِهِ كَذَلِكَ. فَلَا يَكْفِي النُّصْحُ إِذَا كُنْتَ قَادِرًا عَلَى مَنْعِ

(1) رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

?? (1/42)

صفحة 43

الْمُنْكَرِ كَمَا رَأَيْتَ الْحَدِيثَ النَّبَوِيَّ الشَّرِيفَ، أَسْأَلُ اللهَ

تَعَالَى لِي وَلَكَ التَّوْفِيقَ.

12 - ادْعُ إِلَى اللهِ تَعَالَى بِمَالِكَ، وَالدَّعْوَةُ بِالْمَالِ تُنَاسِبُ حَتَّى الْجَاهِلَ، وَالدَّعْوَةُ بِالْمَالِ لَا تَقِلُّ أَهَمِّيَّةً عَنِ الدَّعْوَةِ بِالْعِلْمِ، فَإِذَا كَانَ الْعَالِمُ عِنْدَهُ لِسَانٌ يَدْعُو بِهَا إِلَى اللهِ تَعَالَى فَإِنَّ صَاحِبَ الْمَالِ عِنْدَهُ أَلْسُنَّ شَارِكْ بِمَالِكَ فِي أَيِّ عَمَلٍ فِيهِ فَائِدَةٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تَفْرَحْ بِهِ حِينَ يَحْزَنُ الْبُخَلَاءُ، وَتَذَكَّرْ أَنَّ اللهَ تَعَالَى يُعَوِّضُكَ عَمَّا أَنْفَقْتَ طَلَبًا لِرِضَاهُ، يُعَوِّضُكَ أَضْعَافًا كَثِيرَةً، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {مَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةِ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} [سورة البقرة: 261]، تَأَمَّلْ هَذِهِ الْآيَةَ، فَكَمَا أَنَّ الْحَبَّةَ الْوَاحِدَةَ مِنَ الْقَمْحِ أَثْمَرَتْ سَبْعَ مِئَةٍ حَبَّةٍ فَكَذَلِكَ الرِّيَالُ الْوَاحِدُ إِذَا أَنْفَقْتَهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ طَلَبًا لِرِضَاهُ يُثْمِرُ لَكَ سَبْعَ مِئَةِ رِيَالٍ أَوْ أَكْثَرَ.

هَلْ تَعْلَمُ تِجَارَةً فِي الدُّنْيَا هَكَذَا؟ وَفَرْقٌ بَيْنَ تِجَارَةِ الدُّنْيَا وَتِجَارَةِ الْآخِرَةِ، فَتِجَارَةُ الدُّنْيَا وَجَمِيعِ لَذَّاتِهَا إِمَّا

37 (1/43)

صفحة 44

أَنْ تَذْهَبَ عَنْكَ، وَإِمَّا أَنْ تَذْهَبَ أَنْتَ عَنْهَا إِلَى الدَّارِ الْآخِرَةِ. أَمَّا تِجَارَةُ الْآخِرَةِ فَتَأْتِي خَالِدَةً هَنَاكَ، كَمَا أَنَّكَ أَنْتَ خَالِدٌ فِي الرَّاحَةِ الدَّائِمَةِ، فَكُنْ عَلَى يَقِينٍ بَقَوْلِ اللهِ تَعَالَى وَأَنْفِقْ مَادَامَ مَالُكَ فِي يَدِكَ، أَنْفِقْ قَبْلَ أَنْ تُرْمَى فِي حُفْرَةٍ غَيْرَ مَأْسُوفٍ عَلَيْكَ، أَطَالَ اللهُ عُمُرَكَ

في

طَاعَتِهِ.

شد

هَذِهِ بَعْضُ الطَّرْقِ فِي الدَّعْوَةِ إِلَى اللَّهِ، وَقَدْ تَجِدُ أَنْتَ طُرُقًا وَأَسَالِيبَ وَوَسَائِلَ لِتَبْلِيغِ دِينِ اللَّهِ إِلَى النَّاسِ غَيْرَ الْمَذْكُورَةِ فِي هَذَا الْكِتَابِ، فَفَتِّش عَنْهَا وَفَكَّرْ فِي تَنْوِيعِهَا فَإِنَّكَ تَاجِرٌ مِنْ تُجَّارِ الْآخِرَةِ، وَالتَّاجِرُ - دَائِمًا يَبْحَثُ عَن الْوَسِيلَةِ الَّتِي تُرَوِّجُ تِجَارَتَهُ، وَيَخْتَارُ الزَّمَنَ الْمُنَاسِبَ وَالْمَكَانَ الْمُنَاسِبَ، وَهَكَذَا أَنْتَ فِي الدَّعْوَةِ إِلَى اللَّهِ، هَلْ

عَرَفْتَ طُرُقَ الدَّعْوَةِ إِلَى اللَّهِ؟

38 (1/44)

صفحة 45

الرّفْقُ فِي الدَّعْوَةِ (1/45)

صفحة 46

إِذَا دَعَوْتَ إِنْسَانَا إِلَى طَاعَةِ اللَّهِ تَعَالَى فَاسْتَعْمِلِ

الرِّفْقَ، وَالْكَلَّمَةَ الطَّيِّبَةَ غَيْرَ الْمُنَفِّرَةِ، وَبَشِّرْهُ بِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقْبَلُ تَوْبَةَ التَّائِبِ إِذَنْ لَا بُدَّ مِنَ الرِّفِقِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَّيْنَا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى} [سورة طه: 43 - 44]. فَإِذَا كَانَ اللهُ تَعَالَى يَأْمُرُ بِالْقَوْلِ اللَّيِّنِ فِي

مُخَاطَبَةِ فِرْعَوْنَ، فَكَيْفَ غَيْرُهُ؟

40 (1/46)

صفحة 47

خَاطِب النَّاسَ عَلَى قَدْر عُقُولِهِمْ (1/47)

صفحة 48

إِذَا دَعَوْتَ إِلَى اللهِ تَعَالَى فَخَاطِبِ النَّاسَ عَلَى قَدْرِ

عُقُولِهِمْ، يَعْنِي: كَلِّمْهُمْ بِمَا يَفْهَمُونَهُ عَلَى قَدْرِ مَعْرِفَتِهِمْ، وَإِلَّا فَمَا الْفَائِدَةُ أَنْ تَشْرَحَ عِلْمَ الْبَلَاغَةِ لِمَنْ لَا يُفَرِّقُ بَيْنَ الْفَاعِلِ وَالْفِعْلِ؟ وَإِذَا دَعَوْتَ إِنْسَانًا إِلَى اللَّهِ فَذَكِّرْهُ بِبَعْضِ صِفَاتِ الْخَيْرِ فِيهِ، وَسَوْفَ تَجِدُ لَهُ بَعْضَ الصِّفَاتِ. قِصَّةً: كَانَ أَحَدُ الدُّعَاةِ إِلَى اللهِ تَعَالَى فِي الْمَسْجِدِ، فَرَأَى أَحَدًا لَا يُحْسِنُ الصَّلَاةَ، وَحِينَ فَرَغَ نَادَاهُ الدَّاعِيَةُ وَقَالَ لَهُ: أَنْتَ مِنْ أَهْلِ الْخَيْرِ، وَدُخُولُكَ الْمَسْجِدَ يَدُلُّ عَلَى إِيمَانِكَ، ثُمَّ أَخْبَرَهُ

بِخَطَئِهِ فِي الصَّلَاةِ.

42 (1/48)

صفحة 49

لَا تَيْأَسْ (1/49)

صفحة 50

إِذَا دَعَوْتَ إِلَى اللهِ تَعَالَى وَقَابَلَكَ الْمَدْعُو بِالرَّفْضِ فَلَا تَغْضَبْ وَلَا تَيْأَسْ وَحَاوِلْ أَنْ تُنَوِّعَ أَسَالِيبَكَ فِي الدَّعَوْةِ، فَهَذَا نَبِيُّ اللَّهِ تَعَالَى نُوحٌ عَليهِ السَّلَامُ كَانَ يَسْتَعْمِلُ أَيَّ أَسْلُوبِ يَرَى أَنَّهُ يُقْنِعُ قَوْمَهُ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَادِى إِلَّا فِرَارًا وَإنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَبْعَهُمْ فِي ءَاذَانِهِمْ وَأَسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُوا وَاسْتَكْبَرُوا استكبارا * ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَارًا ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُم إسرارًا} [سورة نوح: 5 - 9].

انْظُرْ عِنَادَهُمْ حَتَّى أَنَّهُمْ يَسُدُّونَ آذَانَهُمْ بِأَصَابِعِهِمْ؛ لِئَلَّا يَسْمَعُوا نَبِيَّهُمْ عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَمَعَ هَذَا لَمْ يَيْأَسُ، بَل اسْتَمَرَّ يَدْعُوهُمْ تِسْعَ مِئَةٍ وَخَمْسِينَ عَامًا، وَهَكَذَا كَانَ غَيْرُهُ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ وَالْمُصْلِحِينَ، حَتَّى لَوْ لَمْ يَسْتَجِبْ لَكَ أَحَدٌ فَإِنَّ جُهْدَكَ غَيْرَ ضَائِعٍ، فَأَنْتَ أَدَّيْتَ عِبَادَةً.

وَإِذَا أَرَدْتَ أَنْ لَا تَيْأَسَ وَأَنْ تَسْتَمِرٌ فِي تَعْلِيمِ النَّاسِ وَدَعْوَتِهِمْ للهِ، فَتَذَكَّرْ أَنَّ كُلَّ مَنْ عَلَّمْتَهُ أَوْ نَصَحْتَهُ أَوْ أَمَرْتَهُ بِمَعْرُوفٍ أَوْ نَهَيْتَهُ عَنْ مُنْكَرٍ، وَكُلَّ مَنِ اهْتَدَى عَلَى يَدَيْكَ

44 (1/50)

صفحة 51

كُلَّ هَؤُلَاءِ يُكْتَبُ لَكَ مِثْلُ حَسَنَاتِهِمْ طُولَ حَيَاتِهِمْ حَتَّى لَوْ رَحَلْتَ إِلَى الدَّارِ الْآخِرَةِ، وَهَنَاكَ تَفْرَحُ بِمَا جَلَبُوهُ لَكَ مِنْ

خَيْرٍ

45 (1/51)

صفحة 52

كُنْ قُدْوَةً (1/52)

صفحة 53

إِذَا دَعَوْتَ إِلَى خَيْرٍ فَكُنْ أَوَّلَ عَامِلٍ بِهِ، وَإِلَّا فَاحْذَرْ أَنْ

تَكُونَ مِمَّنْ قَالَ اللهُ تَعَالَى فِيهِمْ: {أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَبَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ} [سورة البقرة: 44] فَاحْذَرْ أَنْ تَصِفَ لِلنَّاسِ طَرِيقَ الْجِنَّةِ وَتَسْلُكَ طَرِيقَ النَّارِ - أَعَاذَنَا اللَّهُ وَإِيَّاكَ مِنْهَا، وَهَذَا لَا يَعْنِي أَنْ نَتْرُكَ الدَّعْوَةَ إِلَى اللهِ لِأَنَّنَا مُقَصِّرُونَ. وَيُؤْسِفْنِي مَا رَأَيْتُ، مَنْ ظَهَرَ فِي إِحْدَى الْقَنَوَاتِ الْفَضَائِيَّةِ ذُو عِمَامَةٍ، يُسَبِّحُ بِحَمْدِ غَيْرِ اللَّهِ، وَعَلَى جَانِبِهِ عِمَامَةٌ أُخْرَى تَهُزُّ رَأْسَهَا إِعْجَابًا وَهِيَ تَبْتَسِمُ، وَكَمْ رَأَيْنَا غَيْرَهُمْ هَكَذَا.

هَؤُلَاءِ وَأَمْثَالُهُمْ لَا كَثَّرَ اللهُ أَمْثَالَهُمْ شَرُّهُمْ خَطِيرٌ تَخَيَّلْ جَاهِلًا يَرَى عِمَامَةً هَكَذَا، أَلَا يَنْخَدِعُ وَيَغْتَرُّ بِهِمْ؟ فَكَمْ أَضَلَّ هَؤُلَاءِ مِنَ الْجُهَّالِ الْمَسَاكِينِ

?? (1/53)

صفحة 54

ابْدَأْ بِالْأَقْرَبِينَ

?? (1/54)

صفحة 55

يد

أَحَقُّ النَّاسِ أَنْ تَبْدَأَ بِدَعْوَتِهِمْ هُمْ أَقْرِبَاؤُكَ، أَرْشِدْهُمْ، عَلَّمْهُمْ انْصَحْهُمْ امْنَعْهُمْ مِنَ الْمُحَرَّمَاتِ، وَلْيَكُنْ أَوَّلُ مَا تُعَلِّمُهُمُ الْقُرَآنَ الْعَظِيمَ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: {وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ} [سورة الشعراء: 214]، وَتَذَكَّرْ أَنَّكَ خَاسِرٌ إِذَا لَمْ تُبَلِّغْ دِينَ اللَّهِ تَعَالَى لِلنَّاسِ كَمَا جَاءَ فِي سُورَةِ الْعَصْرِ.

49 (1/55)

صفحة 56

الْإِخْلَاصُ (1/56)

صفحة 57

قَالَ اللهُ تَعَالَى: {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ: [سورة البينة: 5]، إِذَا عَلَّمْتَ أَيَّ إِنْسَانٍ أَوْ نَصَحْتَهُ أَوْ أَمَرْتَهُ بِمَعْرُوفٍ أَوْ نَهَيْتَهُ عَنْ مُنْكَرٍ، أَوْ أَعْطَيْتَهُ شَيْئًا فَتَذَكَّرْ أَنَّكَ

تُرِيدُ بِهَذَا الْعَمَلِ رِضَاءَ اللهِ تَعَالَى، تَرِيدُ رَحْمَةَ اللَّهِ، تُرِيدُ السَّعَادَةَ فِي الدَّارِ الْآخِرَةِ، لا تُرِيدُ مَدْحًا مِنَ النَّاسِ وَلَا شُهْرَةً وَلَا أَمْوَالًا، هَذَا هُوَ الْإِخْلَاصُ وَلَيْسَ هَذَا خَاصَّا بِالدَّعْوَةِ إِلَى اللهِ تَعَالَى بَلْ فِي كُلِّ عَمَلٍ تَعْمَلُهُ، تَذَكَّرُ أَنَّكَ تُرِيدُ بِهِ رِضَاءَ رَبِّكَ، سَوَاءٌ كَانَ صَلَاةً أَوْ صِيَامًا أَوْ ذِكْرًا للهِ أَوْ أَيَّ شَيْءٍ، وَتَذَكَّرْ أَنَّكَ إِذَا لَمْ تَقْصِدْ رِضَاءَ رَبِّكَ مَا لَكَ ثَوَابٌ

فِي الْآخِرَةِ، تَخَيَّلْ أَيَّ مُصِيبَةٍ هَذِهِ؟

51 (1/57)

صفحة 58

مِنْ عَلَامَاتِ الْإِخْلَاصِ

52 (1/58)

صفحة 59

1 أَنْ يَكُونَ الْبَاعِثُ لِطَاعَةِ اللهِ تَعَالَى رِضَاءَ اللَّهِ، يَعْنِي: انْظُرْ مَا الَّذِي بَعَثَكَ لِعَمَلِ الْخَيْرِ، فَإِذَا كَانَ تُرِيدُ بِهِ

رضَاءَ اللَّهِ فَأَنْتَ مُخْلِص.

2 - أَنْ يَكُونَ عَمَلُكَ فِي السِّرِّ وَمَعَ النَّاسِ سَوَاءً. إِذَا السِّرُّ وَالْإِعْلَانُ فِي الْمُؤْمِنِ اسْتَوَى

فَقَدْ عَزَّ فِي الدَّارَيْنِ وَاسْتَوْجَبَ الثَنَا

أَنْ يَسْتَوِيَ عِنْدَكَ الْمَدْحُ وَالذَّمُّ، يَعْنِي: لَا يَزِيدُ عَمَلُكَ إِذَا مَدَحَكَ النَّاسُ، وَلَا يَنْقُصُ إِذَا ذَمُّوكَ؛ لِأَنَّكَ لَا تُرِيدُ

مِنْهُمْ ثَوَابًا.

4 - الْمُسَارَعَةُ فِي عَمَلِ الْخَيْرِ؛ خَوْفًا مِنَ التَّفْوِيتِ. ه احْتِسَابُ الْأَجْرِ، يَعْنِي: تَذَكَّرْ قَبْلَ كُلِّ عِبَادَةٍ أَنَّكَ

مَأْجُورٌ.

6 - الصَّبْرُ، فَإِنَّ مَنْ عَرَفَ مَا يَطْلُبُهُ صَبَرَ فِي سَبِيلِ تَحْصِيلِهِ، وَهَانَ عَلَيْهِ مَا يَبْذُلُ فِي هَذَا السَّبِيلِ.

-7 - مِنْ عَلَامَاتِ الْإِخْلَاصِ إِثْقَانُ الْعَمَلِ.

- الْإِكْثَارُ مِنْ عَمَلِ السِّرِّ.

الْحِرْصُ عَلَى عِمَارَةِ وَقْتِهِ بِطَاعَةِ اللَّهِ تَعَالَى.

53 (1/59)

صفحة 60

اجْعَلْ الدَّعْوَةَ أَكْبَرَ هَمِّكَ (1/60)

صفحة 61

إِذَا تَذَكَّرْتَ أَنَّ كُلَّ يَوْمٍ يَمُرُّ عَلَيْكَ فَإِنَّهُ يُقَرِّبُكَ إِلَى

الدَّارِ الْآخِرَةِ، وَأَنَّ هَذِهِ الْأَيَّامَ خُطُوَاتٍ إِمَّا إِلَى خَيْرٍ دَائِمٍ، وَإِمَّا إِلَى شَقَاءٍ دَائِمٍ، وَأَنَّ كُلَّ مَا تَفْرَحُ بِهِ فِي الدُّنْيَا سَوْفَ تَحْزَنُ عَلَى فِرَاقِهِ وَلَا بُدَّ مِنْ فِرَاقِهِ، وَأَنَّ مَنِ اهْتَدَى عَلَى يَدَيْكَ يُكْتَبُ لَكَ مِثْلُ أَجْرِهِ طُولَ حَيَاتِهِ، وَأَنَّهُ كُلَّمَا زَادَ الْمُهْتَدُونَ عَلَى يَدَيْكَ زَادَ رَصِيدُكَ مِنَ الْحَسَنَاتِ، إِذَا تَذَكَّرْتَ كُلَّ هَذَا فَسَوْفَ تَكُونُ الدَّعْوَةُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى

شُغْلَكَ الشَاغِلَ، سَوْفَ تُؤْثِرُهَا عَلَى رَغَبَاتِ النَّفْسِ.

قصة:

كَانَ أَحَدُ الدُّعَاةِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى كُلُّ هَمِّهِ أَنْ يَدْعَوَ النَّاسَ إِلَى اللهِ، أَنْ يُعَلِّمَ النَّاسَ أَنْ يَنْصَحَهُمْ حَتَّى أَنَّهُ لَمْ يَبْقَ لَدَيْهِ وَقْت يَرْتَاحُ فِيهِ، فَفَكَّرَ بَعْضُ أَصْدِقَائِهِ أَنْ يُعْطُوهُ إِجَازَةً إِجْبَارِيَّةً، فَقَالُوا لَهُ وَهُوَ لَا يَعْلَمُ عَنْ مَقْصِدِهِمْ: مَا رَأَيْكَ يَا فُلَانٌ أَنْ نُسَافِرَ إِلَى مَكَانِ كَذَا؟ فَوَافَقَ، وَسَافَرُوا، وَهَنَاكَ قَالُوا لَه نَحْنُ سَوْفَ نَرْجِعُ إِلَى الْبِلَادِ وَنَعُودُ لَكَ بَعْدَ مُدَّةٍ قَصِيرَةٍ، فَقَالَ: اذْهَبُوا وَحِينَ رَجَعُوا إِلَيْهِ وَجَدُوهُ

55 (1/61)

صفحة 62

قَدْ كَوَّنَ جَمْعِيَّةً خَيْرِيَّةً عَاوَنَهُ عَلَى ذَلِكَ بَعْضُ الْعُمَّالِ الْمُسْلِمِينَ الَّذِينَ كَانُوا لَا يَهْتَمُونَ بِدِينِهِمْ، وَقَدْ أَشَسُوا مَسْجِدًا، وَصَارَ هَذَا الْمَسْجِدُ مِنْبَرًا لِلدَّعْوَةِ إِلَى اللهِ فِيمَا بَعْدُ. انْتَهَتْ. (1)

تَأَمَّلْ هُمْ يُرِيدُونَ رَاحَتَهُ فَهَلْ رَكَنَ إِلَى الرَّاحَةِ؟ وَأَنْتَ يَا أَخِي

اجْعَلْ تَعْلِيمَ النَّاسِ وَإِرْشَادَهُمْ وَنُصْحَهُمْ وَتَذْكِيرَهُمْ بِاللهِ اجْعَلْ كُلَّ هَذَا شُغْلَكَ الشَّاغِلَ، فَإِنَّ عَمَلَكَ الْفَرْدِيَّ لَا يُسَاوِي شَيْئًا مَعَ الدَّعْوَةِ إِلَى اللَّهِ، بَلْ قَدْ يَكُونُ عَمَلٌ وَاحِدٌ مِمَّنْ عَلَّمْتَهُ يَجْلِبُ لَكَ ثَوَابًا أَكْثَرَ مِنْ عَمَلِكَ الْخَاصِّ بِكَ، عَلّمِ النَّاسَ وَادْعُهُمْ أَفْرَادًا أَوْ جَمَاعَاتٍ، وَلَا تَكُنْ مِثْلَ مَنِ اغْتَرَ بِأَنَّهُ مِنْ أَهْلِ الِاسْتِقَامَةِ وَكَفَى.

(1) موسوعة الأخلاق والزهد والرقائق - ياسر عبد الرحمن.

07 (1/62)

صفحة 63

ادْعُ كَمَا تَسْتَطِيعُ (1/63)

صفحة 64

بَعْضُ النَّاسَ يَقُولُ: أَنَا لَا أَعْرِفُ الْعُلُومَ الدِّينِيَّةَ أَوْ قَوَاعِدَ اللَّغَةِ الْعَرَبِيَّةَ، فَكَيْفَ أُعَلِّمُ غَيْرِي؟ وَكَيْفَ أَدْعُوهُمْ إِلَى الْخَيْرِ؟ يَا أَخِي مَنْ قَالَ لَكَ تَكَلَّمْ فِيمَا لَا تَعْلَمُ؟ أَنْتَ عَلِّمِ النَّاسِ الشَّيْءَ الَّذِي تَعْرِفُهُ فَقَطْ حَتَّى لَوْ عَرَفْتَ آيَةً وَاحِدَةً، فَإِنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَأْمُرُكَ بِتَبْلِيغِهَا لِلنَّاسِ قَالَ رَسُولُ اللهِ: بَلِّغُوا عَنِّي وَلَوْ آيَةً)). (1) فَأَنْتَ عَلّمِ النَّاسَ الشَّيْءَ الَّذِي تَعْرِفُهُ، أَنْتَ تَعْرِفُ أَنَّ تَرْكَ الصَّلَاةِ مِنْ أَعْظَمِ الذُّنُوبِ انْصَحْ مَنْ تَرَاهُ مُقَصِّرًا فِيهَا، وَهَكَذَا غَيْرُ الصَّلَاةِ، فَأَنْتَ مُكَلَّفْ أَنْ تُبَلِّغَ الشَّيْءَ الَّذِي تَعْرِفُهُ فَقَط، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَلَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} [سورة البقرة: 286].

فَأَنْتَ غَيْرُ مَعْذُورٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِذَا لَمْ تُبَلِّغْ دِينَ اللَّهِ تَعَالَى كَمَا تَعْرِفُ، وَبِهَذَا يَتَبَيَّنُ أَنَّ الدَّعْوَةَ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى لَيْسَتْ خَاصَّةً بِالْعُلَمَاءِ، بَلْ كُلٌّ فِي حُدُودِ مَا يَعْرِفُ، وَسَوْفَ تَرَى شَبَابًا مُتَعَلِّمِينَ هَمُّهُمْ دُنْيَاهُمْ وَشَهَوَاتُهُمْ وَيَكْفِي

و

(1) رواه البخاري.

58 (1/64)

صفحة 65

أَنَّهُمْ مِنْ أَهْلِ الِاسْتِقَامَةِ وَمُلْتَحِينَ وَثَوْبُهُمْ قَصِيرٌ، وَهَذَا يَكْفِيهِمْ فِي نَظَرِهِمْ احْذَرْ أَنْ تَكُونَ مِثْلَهُمْ، وَلَا تَغْتَر بِهِمْ؟

لَا يَغُرَّنَكَ مِنَ الْمَرْءِ قَمِيصُ رَقَعَهُ

أَوْ إِزَارٌ فَوْقَ عَظْمِ السَّاقِ مِنْهُ رَفَعَهُ

أَوْ جَبِينٌ لَاحَ فِيهِ أَثَرٌ قَدْ خَلَقَهُ

أَرِهِ الدِّرْهَمَ تَعْرِفُ حُبَّهُ أَوْ وَرَعَهُ

فَاحْذَرْ مِنْ هَؤُلَاءِ فَإِنَّهُمْ كَثِيرٌ.

59 (1/65)

صفحة 66

لَا نَجَاةَ إِلَّا بِالدَّعْوَةِ (1/66)

صفحة 67

إِذَا رَجَعْتَ إِلَى سُورَةِ الْعَصْرِ عَرَفْتَ أَنْ لَا نَجَاةَ مِنَ الْخُسْرِ إِلَّا لِمَنْ أَكْمَلَ أَرْكَانَ النَّجَاةِ الْمَذْكُورَةِ فِي السُّورَةِ، وَهِيَ أَرْبَعَةُ أَرْكَانٍ مِنْهَا التَّوَاصِي بِالْحَقِّ، يَعْنِي: الدَّعْوَةَ إِلَى اللهِ، وَمَنْ أَعْمَلَ شَيْئًا مِنْ هَذِهِ الْأَرْكَانِ كَانَ خَاسِرًا، فَقَدْ أَقْسَمَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى خُسْرَانِ مَنْ لَمْ يُكْمِلْهَا، وَأَيْضًا قَالَ اللهُ تَعَالَى: {فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ) [سورة الأعراف: 165]، وَالنِّسْيَانُ هُنَا يَعْنِي النَّرْكَ، وَلَيْسَ النِّسْيَانُ الْمَعْذُورُ صَاحِبُهُ فَانْتَبِهُ. تَأَمَّلَ الْآيَةَ، الَّذِينَ نَجَوْا مِنْ عُقُوبَةِ اللهِ تَعَالَى؟ هُمُ الَّذِينَ كَانُوا يَنْهَوْنَ عَن السُّوءِ، وَقَالَ تَعَالَى: {وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمِ وَأَهْلُهَا

مُصْلِحُونَ} [سورة هود: 117]. مُصْلِحُونَ لِغَيْرِهِمْ.

مَنِ

? (1/67)

صفحة 68

أَنْتَ عِنْدَكَ وَقْتٌ (1/68)

صفحة 69

بَعْضُ النَّاسِ يَقُولُ: أَنَا مَا عِنْدِي فَرَاخٌ، فَمَتَى أَدْعُو إِلَى اللهِ؟ وَالْحَقِيقَةُ أَنَّهُ لَدَيْهِ فَرَاخٌ، وَلَوْ فَكَّرَ قَلِيلًا فِي أَوْقَاتِهِ أ

لَوَجَدَ الْكَثِيرَ مِنْهَا يَقْضِيهِ فِيمَا لَا يُفِيدُ مِنْ فُضُولِ الْكَلَامِ وَالْأَفْعَالِ، فَعَلَيْهِ أَنْ يُقَلّلَ مِنَ الْفُضُولِ وَسَوْفَ يَجِدُ كَثِيرًا مِنَ الْوَقْتِ، وَلَوْ فَكَرَ فِيمَا يَفُوتُهُ مِنَ الْخَيْرِ بِسَبَبٍ تَرْكِ الدَّعْوَةِ إِلَى اللهِ تَعَالَى لَوَجَدَ الْوَقْتَ الْكَافِي، مِثَالٌ: لَوْ صَدَرَ مَرْسُومٌ سُلْطَانِيٌّ أَنَّ مَنْ فَرَّغَ نَفْسَهُ لِتَعْلِيمِ النَّاسِ فَإِنَّ السُّلْطَانَ سَوْفَ يُعْطِيهِ جَائِزَةً نِصْفَ مِلْيُونِ رِيَالٍ، فَهَلْ سَوْفَ يَقُولُ: مَا عِنْدِي فَرَاخٌ إِنَّ مِلْيُونَ رِيَالٍ لَا يُسَاوِي شَيْئًا مَعَ الثَّوَابِ الَّذِي يَفُوتُهُ بِتَرْكِ الدَّعْوَةِ وَتَعْلِيمِ النَّاسِ أُمُورَ دِينِهِمْ، لَا يُسَاوِي حَتَّى ثَوَابَ مَنْ عَلَّمْتَهُ الْبَسْمَلَةَ، فَاحْرِصْ عَلَى تَبْلِيغِ دِينِ اللهِ لِلنَّاسِ، وَفْقَكَ اللَّهُ تَعَالَى.

?? (1/69)

صفحة 70

أَنْتَ عَلَيْكَ الْبَلَاغُ (1/70)

صفحة 71

قَدْ يَقُولُ قَائِلٌ: النَّاسُ لَا يَتَقَبَّلُونَ النَّصِيحَةَ، وَلَا يُطِيعُونَ مَنْ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ أَوْ يَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ، فَكَيْفَ أَعْمَلَ؟ وَالْجَوَابُ هُوَ: أَنَّكَ مَأْمُورٌ أَنْ تُبَلِّغَ دِينَ اللَّهِ لِلنَّاسِ وَلَوْ لَمْ يَسْتَجِبْ لَكَ أَحَدٌ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: {فَإِن أَعْرَضُوا فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظٌا ? إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَغ} [سورة الشورى:48].، فَأَنْتَ حَتَّى لَوْ لَمْ يَسْتَجِبْ لَكَ أَحَدٌ فَقَدْ أَدَّيْتَ عِبَادَةً تُؤْجَرُ عَلَيْهَا، وَلَكِنْ حَاوِلْ بِأَسْلُوبِكَ الطَّيِّبِ أَنْ تُقْنِعَ النَّاسَ فَيَسْتَجِيبُوا لَكَ لِأَنَّكَ تُرِيدُ مَنْفَعَتَهُمْ، أَنْتَ لَا تُسْأَلُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لِمَاذَا لَمْ يَهْتَدِ النَّاسُ عَلَى يَدَيْكَ؟ وَلَكِنَّكَ تُسْأَلُ لِمَاذَا لَمْ تُعَلِّمْهُمْ مَا تَعْرِفُ مِنَ الْعِلْمِ وَأَنْتَ قَادِرٌ؟ لِمَاذَا لَمْ تَنْصَحْهُمْ لِمَاذَا لَمْ تُرْشِدْهُمْ؟ وَإِذَا كَانَ الْكَثِيرُ مِنَ الرُّسُلِ

لَمْ يَسْتَجِبْ لَهُمْ إِلَّا الْقَلِيلُ، فَكَيْفَ أَنَا وَأَنْتَ يَا أَخِي؟

10 (1/71)

صفحة 72

شِعَارُ الدَّاعِيَة (1/72)

صفحة 73

إِذَا أَمَرْتَ إِنْسَانًا بِطَاعَةِ اللهِ تَعَالَى أَوْ عَلَّمْتَهُ فَتَذَكَّرْ أَنَّ أَجْرَكَ عِنْدَ اللهِ عَظِيمٌ، وَأَنَّكَ لَا تُرِيدُ مِنَ النَّاسِ مَدْحًا أَوْ مَالًا أَوْ شُهْرَةً، بَلِ احْرِصْ عَلَى أَنْ تَكُونَ لَكَ مَنْزِلَةٌ عِنْدَ رَبِّكَ فَقَطْ وَإِلَّا فَإِنَّكَ تَتْعَبُ مِنْ غَيْرِ فَائِدَةٍ، فَلْيَكُنْ شِعَارُكَ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللهِ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: {وَمَا أَسْتَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَلَمِينَ} [سورة الشعراء:109].، وَهَذَا شِعَارُ جَمِيعِ الْأَنْبِيَاءِ وَالْمُرْسَلِينَ وَالْمُصْلِحِينَ الْمُخْلَصِينَ، وَإِذَا تَذَكَّرْتَ أَنَّكَ تُعْطَى أَجْرًا مِنَ اللهِ تَعَالَى عَلَى عَدَدِ الَّذِينَ كُنْتَ سَبَبًا فِي هِدَايَتِهِمْ وَتَعْلِيمِهِمْ صَبَرْتَ عَلَى تَعَبِ الدَّعْوَةِ، بَلْ صَارَتْ لَذِيذَةً لَدَيْكَ، وَآثَرْتَهَا عَلَى رَغَبَاتِ

نَفْسِكَ.

أَنْتَ حِينَ تُعَلِّمُ النَّاسَ الْخَيْرَ لَا تُرِيدُ مِنْهُمْ مَالًا أَوْ مَدْحًا أَوْ شُهْرَةً أَوْ جَاهَا، أَنْتَ لَسْتَ مِمَّنْ يَعْمَلُ وَلِسَانُ حَالِهِ يَقُولُ: "شوفوني"، أَنْتَ تُرِيدُ رِضَاءَ رَبِّكَ فَقَطْ حَتَّى لَوْ غَضِبَ مِنْكَ بَعْضُ النَّاسِ وَآذَوْكَ، وَإِذَا رَضِيَ عَنْكَ اللَّهُ فُرْتَ فِي الدَّارِيْنِ وَنِلْتَ السَّعَادَتَيْنِ، وَرِضَاءُ النَّاسِ لَا

يُسْمِنُ وَلَا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ

TV (1/73)

صفحة 74

وَيْحَكَ مَا يَنْفَعُكَ الْخَلْقُ وَمَا

يُجْدِيكَ لَوْ قَدْ رَفَعُوكَ فِي السَّمَا

وَمَا يَضُرُّكَ الْخُمُولُ وَالْخَفَا

إِنْ رَضِيَ الرَّحْمَنُ عَنْكَ وَعَفَا (1)

(1) سلك الدرر الشيخ خلفان بن جميل السيابي.

?

68 (1/74)

صفحة 75

الْحَادِي الأَوَّلِ (1/75)

صفحة 76

01 أَفِقْ قَبْلَ التَّأَوُّهِ وَالْفُهَاقِ

وَقَبْلَ نُشوب رُوحِكَ فِي التَّرَاقِي

02 وَقَبْلَ صَبِيحَةٍ مَا مِنْ مَسَاءٍ

لطل

عَتِهَا عَلَيْكَ وَلَا فَوَاقِ

03 وَقَبْلَ وَدَاعِ أَهْلِكَ بِافْتِرَاقٍ

وَشَحْ

طٍ لَا يَؤُولُ إِلَى تَلَاقِ

04 إِذَا اعْتَجَمَ النِّسَانُ فَلَمْ تُجِبْ مَنْ

دَعَاكَ وَلَسْتَ بِالْعِيِّ الطَّبَاقِ

وَقَالُوا فِي الرِّيَاقِ تَرَاهُ أَمْسَى

وَهُمْ لَوْ يَعْلَمُونَ فَفِي السِّيَاقِ

06 وَقَدْ مَلَّتْ عِيَادَتَكَ الْأَدَانِي

07

وَأَعْيَيْتَ الطَّـ بِيبَ وَكُلَّ رَاقِ

07 إِذَا بَرِقَ الْحِداقُ مِنَ الْمَنَايَا

وَقَلَّصَتِ الْجُفُونَ عَنِ الْحِدَاقِ

08 وَسَالَتْ دَمْعَةٌ مِنْهُ فَدَلَّتْ

عَلَى نَدَمٍ وَلَهْفٍ وَاحْ

تراق

V. (1/76)

صفحة 77

09 هَنَالِكَ لَا تُطِيقُ عَلَى مَزِيدٍ

وَلَا نَقْصِ مِنَ الْعَمَلِ الْمُطَاقِ

10 إِذَا اعْتَوَرَتْكَ عِنْدَ الْقَبْرِ أَيْدِ

رِفَاقٍ بَعْ دَهَا أَيْدٍ رِفَاقِ

11 يُهيلُونَ التُّرَابَ وَلَسْتَ تَدْرِي

بِجُشْبٍ وَشَدُوكَ وَلَا دِقَاقِ

12 وَقِيتَ عَنِ التُّرَابِ الثَّوْبَ حَيًّا

فَهَلْ لَكَ تَحْتَ هَذَا النُّرْبِ وَاقِ

13 فَأَمَّا مَا تَرَكْتَ فَغَيْرُ بَاقٍ

عَلَى أَحَدٍ وَلَا أَحَـ دٌ بِبَاقِ

14 وَمَا مُتَخَلَّفْ إِلَّا حَثِيتٌ

عَلَى أَثَرِ الْمُـ قَدَّمِ فِي الرِّحَاقِ

VI (1/77)

صفحة 78

160; (1/78)

صفحة 79

أخِي يَا مَنْ غَفَلْتَ عَنِ الدَّارِ الْآخِرَةِ، يَا مَنْ شَغَلَتْكَ الدَّارُ الْفَانِيَةُ عَنِ الدَّارِ الْبَاقِيَةِ، أَنْتَ يَا مَنْ تَجْرِي وَرَاءَ اللَّذَّاتِ نَاسِيًّا الْمَمَاتَ يَا مَنْ كُلُّ تَفْكِيرِهِ وَحَرَكَاتِهِ مِنْ أَجْلِ الشَّهَوَاتِ، تَرْضَى وَتَغْضَبْ تَبْكِي وَتَضْحَكُ، تُوَالِي وَتُعَادِي حَتَّى الْأَرْحَامَ مِنْ أَجْلِهَا، تَخَيَّلْ حُضُورَ هَادِمِ اللَّذَّاتِ، تَخَيَّلْ حُضُورَ مَلَكِ الْمَوْتِ وَلَا مَفَرَّ وَلَا حِيلَةَ، تَخَيَّلْ حِينَ تَنَامُ عَلَى فِرَاشِ الْمَوْتِ تَنْتَظِرُ إِحَدَى الْبِشَارَتَيْنِ، تَخَيَّلْ كَيْفَ يَكُونُ فَلَقُكَ قَبْلَ الْبُشْرَى، تَخَيَّلْ حِينَ تَصْعَدُ الرُّوحُ إِلَى أَعْلَى الْجَسَدِ حَتَّى تَبْلُغَ التَّرَاقِي.

تَذَكَّرْ ذَلِكَ الصُّبْحَ الَّذِي لَيْسَ لَهُ مَسَاءٌ، أَوِ الْمَسَاءَ الَّذِي لَا يَلِيهِ صُبْحٌ، تَذَكَّرْ قَبْلَ أَنْ تُوَدِّعَ أَهْلَكَ إِلَى سَفَرٍ بِلَا رَجُوعٍ، تَذَكَّرْ بُعْدَكَ عَنْ أَهْلِكَ وَجِسْمُكَ قَرِيبٌ مِنْهُمْ، تَذَكَّرُ حِينَ يُنَادِيكَ النَّاسُ وَأَنْتَ تَسْمَعُهُمْ عَاجِزًا عَنِ الْجَوَابِ، وَقَدْ كُنْتَ فَصِيحًا، وَقَدْ تَكُونُ خَطِيبًا، وَلَكِنْ حِيلَ بَيْنَكَ وَبَيْنَ إِجَابَتِهِمْ، تَذَكَّرُ حِينَ تَسْمَعُ النَّاسَ يَقُولُونَ: فُلَانٌ فِي الرِّيَاقِ سِيَاقِ الرُّوحِ، تَسْمَعُهُمْ وَلَا تُجِيبُ، وَهُمْ لو اسْتَيْقَظُوا مِنْ غَفْلَتِهِمْ لَعَلِمُوا أَنَّهُمْ فِي السِّيَاقِ، تَذَكَّرُ

73 (1/79)

صفحة 80

حِينَ يَحَارُ الطَّبِيبُ فِي أَمْرِكَ، وَيَقُولُ لَا فَائِدَةَ عَجَزَتْ كُلٌّ الْعِلَاجَاتِ، وَأَرَى هَذَا أَوَانَ الرَّحِيلِ مِنَ الدُّنْيَا، تَذَكَّرْ حِينَ تَسِيلُ مِنْكَ دَمْعَةٌ تَدْلُّ عَلَى نَدَمٍ عَلَى الْمَعَاصِي، وَلَكِنْ هَيْهَاتَ طُويَتْ الصَّحِيفَةُ فَلَا مَزِيدَ مِنَ الْعَمَلِ الصَّالِحِ، وَلَا نَقْصَ مِنَ الذُّنُوبِ، تَذَكَّرْ حِينَ يَرْجِعُ الْحَبِيبَانِ الْأَهْلُ وَالْمَالُ، وَيَبْقَى مَعَكَ الْعَمَلُ الَّذِي عَمِلْتَهُ، تَذَكَّرْ حِينَ تَكُونُ فِي حُفْرَةٍ مُغْلَقَةٍ، وَلَيْسَ لَهَا فِرَاضٌ إِنَّمَا فِي التُّرَابِ مُبَاشَرَةً، وَقَدْ كُنْتَ لا تُطِيقُ التُّرَابَ عَلَى ثَوْبِكَ، أَخِي يَا مَنْ زَخْرَفْتَ بَيْتَكَ الْفَانِي لَا تَنْسَ بَيْتَكَ الْبَاقِي، فَهُوَ أَوْلَى بالزَّخْرَفَةِ إِنْ كُنْتَ عَاقِلًا، وَيَا مَنْ عَاشَ يَنَامُ عَلَى الْفِرَاشِ اللَّيِّنِ حِينَ الرَّقْدَةِ الصُّغْرَى، لَا تَنْسَ فِرَاشَ الرَّقْدَةِ الْكُبْرَى

يَا بَانِيَ الدَّارِ الْمُعِدُّ لَهَا

وَمُمَهَ

مَاذَا عَمِلْتَ لِدَارِكَ الْأُخْرَ

ـدَ الْفُ رْشِ الْوَثِيرَةِ لَا

(1) أبو العتاهية.

تُغْفِلْ فِرَاشَ الرَّقْدَةِ الْكُبْرَى (1)

?? (1/80)

صفحة 81

أَخِي الْعَزِيزُ لَسْتَ وَحْدَكَ مَنْ يَنْتَظِرُ هَذَا الْمَصِيرَ الْمَجْهُولَ، بَلْ كُلُّنَا، وَكُلُّنَا عَلَيْهِ أَنْ لَا يَنْسَى رَحِيلَهُ مِنَ الدُّنْيَا فَإِنَّ النَّاسِي لَا يَعْمَلُ، فَاجْعَلْ هَدَاكَ اللَّهُ وَأَطَالَ عُمْرَكَ فِي طَاعَتِهِ الْمَوْتَ لَا يَغِيبُ عَنْ بَالِكَ؛ فَعَلَى قَدْرِ تَذَكَّرِهِ يَسْتَعِدُّ الْإِنْسَانُ.

Vo (1/81)

صفحة 82

الْحَادِي الثَّانِي (1/82)

صفحة 83

أَخِي الْعَزِيزُ بِالتَّقْوَى، تَخَيَّلُ أَنَّكَ الْآنَ فِي الْجَنَّةِ تَمْشِي فِي تِلْكَ الْأَرْضِ الطَّيِّبَةِ، أَنْتَ الْآنَ قَدْ زَالَتْ عَنْكَ كُلُّ الْهُمُومِ وَالْأَحْزَانِ أَنْتَ الْآنَ فِي حَيَاةٍ طَيِّبَةٍ تَجِدُ فِيهَا كُلَّ مَا تَشْتَهِي وَتَشَاءُ كُلُّ مَا تَرِيدُهُ هُنَاكَ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ولَهُم مَّا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزيدٌ} [سورة ق: 35]، أَنْتَ تَجِدُ فِي الْجَنَّةِ كُلَّ مَا تَشْتَهِي وَتَطْلُبُ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: {نَحْنُ

أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَوةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ} [سورة فصلت: 31]، فَمَنْ قَالَ لَكَ هَلْ يُوجَدُ فِي الْجَنَّةِ كَذَا وَكَذَا؟ فَقُلْ لَهُ: إِنَّ اللَّهَ جَلَّ جَلَالُهُ أَخْبَرَنَا بِأَنَّ فِيهَا كُلَّ مَا نَرِيدُ وَنَشْتَهِي تَذَكَّرْ كُلَّ شَيْءٍ تُرِيدُهُ هُنَاكَ مَوْجُودٌ، تَخَيَّلْ أَنَّكَ الْآنَ تَمْشِي بَيْنَ قُصُورِ الْجَنَّةِ وَأَنْهَارِهَا وَأَشْجَارِهَا أَنْتَ الْآنَ فِي قِمَّةِ السَّعَادَةِ وَالسُّرُورِ

وَالْفَرَحِ.

انْظُرْ إِلَى قُصُورِكَ الَّتِي تَسْكُنُهَا إِنَّهَا تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَلَيْسَ الْمَجَارِي، إِنَّ أَنْهَارَهَا لَيْسَ كَأَنْهَارِ الدُّنْيَا، قَالَ اللهُ تَعَالَى وَاصِفًا أَنْهَارَ الْجَنَّةِ: مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَرٌ مَن مَّاءٍ غَيْرِهَاسِنٍ وَأَنْهَرٌ مَن لَّبَنِ لَّمْ يَتَغَيَّرَ طَعْمُهُ، وَأَنْهَرٌ مِنْ خَمْرِ لَذَّةٍ

VV (1/83)

صفحة 84

لِلشَّرِينَ وَأَنْهَرُ مِنْ عَسَلٍ مُّصَفَى وَلَهُمْ فِيهَا مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَمَغْفِرَةٌ مِّن رَّبِّهِمْ سورة محمد:15]، تَخَيَّلْ وَأَنْتَ تُمَتِّعُ نَاظِرَيْكَ بِتِلْكَ الْأَنْهَارِ، أَنْهَارِ الْمَاءِ، وَأَنْهَارِ اللَّبَنِ، وَأَنْهَارِ الْخَمْرِ، وَأَنْهَارِ الْعَسَلِ، تَخَيَّلْ أَنْتَ الْآنَ مَا أَسْعَدَكَ وَقَارِنْ بَيْنَ مَاءِ الدُّنْيَا وَلَبَنِهَا وَخَمْرِهَا وَعَسَلِهَا، وَبَيْنَ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ فِي الْجَنَّةِ.

تَخَيَّلْ نَفْسَكَ وَأَنْتَ تَخْتَارُ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ، وَقَارِنْ بَيْنَ ثَمَرَاتِ الْجَنَّةِ وَثَمَرَاتِ الدُّنْيَا، أَنْتَ هُنَاكَ لَا تَحْتَاجُ إِلَى ثَلاجَةٍ فَلَا يُوجَدُ شَيْءٌ خَرَابٌ، أَنْتَ هُنَاكَ تَجِدُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُهُ عَلَى مَا تُرِيدُ لَيْسَ حَارًّا وَلَا شَدِيدَ الْبُرُودَةِ، تَخَيَّلْ أَنْتَ الْآنَ تَمْشِي فِي أَرْضِ الْجَنَّةِ، تُرَابُهَا الْمِسْكُ وَحَشِيشُهَا الزَّعْفَرَانُ، تَخَيَّلْ أَنْتَ الْآنَ مَعَ زَوْجَاتِكَ مِنَ الْحُورِ الْعِينِ، وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحُورُ الْعِينِ إِنَّ الْوَاصِفِينَ لِلْحُورِ الْعِينِ وَجَمَالِهَا مَهْمَا بَالَغُوا فِي الْوَصَفِ فَلَنْ يَبْلُغُوا إِلَّا الْحَدَّ الْأَدْنَى مِنْ جَمَالِهَا، فَأَعْلَى وَصْفِهِمْ لَهَا أَدْنَى حَقِيقَتِهَا، يَقُولُ الْإِمَامُ إِبْرَاهِيمُ بْنُ قَيْسِ الْحَضْرَمِيُّ:

أَنْهَى صِفَاتِي فِيكِ أَدْنَى وَصْفِكِ

عَجْزًا وَوَصْفُ الْحُورِ مَا لَمْ يُدْرَكِ

VA (1/84)

صفحة 85

وَكَذَلِكَ زَوْجَاتِكَ مِنْ بَنَاتِ حَوَّاءَ، إِنَّهَا فِي قِمَّةِ الْجَمَالِ، هُنَاكَ الْحَيَاةُ الزَّوْجِيَّةُ بِلا مَشَاكِلٌّ وَلَا كَرَاهِيَةَ وَلَا فِرَاقَ، تَخَيَّلْ وَأَنْتَ الْآنَ تَمْشِي بَيْنَ بَسَاتِينِكَ الَّتِي لَا تَحْتَاجُ إِلَى شُغْلٍ وَتَعَبٍ، وَقَارِنْ بَيْنَهَا وَبَيْنَ بَسَاتِينِ الدُّنْيَا، تَخَيَّلْ أَصْدِقَاءَكَ، أَنْتَ الْآنَ مَعَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ، وَقَارِنْ بَيْنَ هَؤُلَاءِ وَبَيْنَ أَصْدَقَاءِ الدُّنْيَا، وَأَنْتَ هُنَاكَ فِي شِبَابِ لَا يَتَغَيَّرُ، وَقَارِنْ بَيْنَ شَبَابِكَ هُنَا وَشَبَابِكَ هُنَاكَ، تَخَيَّلْ نَظَافَةَ جَسْمِكَ أَنْتَ هُنَاكَ لَا تَحْتَاجُ إِلَى صَابُونِ، تَخَيَّلْ وَأَنْتَ هُنَاكَ تَأْكُلُّ وَتَشْرَبُ وَلَا تَحْتَاجُ إِلَى إِخْرَاجِ الْفَضَلَاتِ مِنْ بَطْنِكَ.

انْظُرْ إِلَى مَلَابِسِكَ مَا أَجْمَلَهَا وَمَا أَنْظَفَهَا إِنَّهَا لَا تَحْتَاجُ إِلَى أَنْ تَغْسِلَهَا، أَنْتَ هُنَاكَ لَا تَحْتَاجُ إِلَى غَسَّالَةٍ، انْظُرْ إِلَى بَيْتِكَ مَا أَجْمَلَهُ وَمَا أَنْظَفَهُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنَ الْإِسْمَنْتِ وَالْحَدِيدِ إِنَّ قُصُورَكَ مَبْنِيَّةٌ بِالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، إِنَّهَا دَائِمًا جَمِيلَةٌ وَنَظِيفَةٌ لَا تَحْتَاجُ إِلَى مِكْنَسَةٍ، انْظُرْ ذَلِكَ الْجَوَّ الْمُعْتَدِلَ الْجَمِيلَ، لَا حَرَّ يُتْعِبُ وَلَا بَرْدَ يُؤْذِي، أَنْتَ هُنَاكَ لا تَحْتَاجُ إِلَى مُكَيِّفَاتٍ إِنَّ هُنَالِكَ كُلَّ الثَّمَارِ مِنَ

79 (1/85)

صفحة 86

جَمِيعِ الْأَنْوَاعِ وَالْأَلْوَانِ مَوْجُودَةٌ فِي بَسَاتِينِكَ، أَنْتَ هُنَاكَ

لَا تَشْتَرِي حَاجَاتِكَ مِنَ السُّوقِ، أَنْتَ هُنَاكَ فِي قِمَّةِ الْجَمَالِ وَالنَّطَافَةِ وَالسَّعَادَةِ، أَنْتَ هُنَاكَ لَا تُعَانِي مِنَ الْهُمُومِ وَالْأَحْزَانِ، بَلْ سُرُورُ دَائِمٌ. هَذِهِ قَطْرَةٌ مِنْ بَحْرِ حَيَاةِ الْمُسْلِمِ فِي الْجَنَّةِ، إِنَّهُ فِي قِمَّةِ السَّعَادَةِ، وَأَعْظَمُ السَّعَادَةِ حِينَ تَعْلَمُ أَنَّ رَبَّكَ رَاضِ عَنْكَ.

يَا بْنَ الْإِسْلَامِ الْعَزِيزُ: إِنَّ الْحَيَاةَ فِي الْجَنَّةِ تَسْتَحِقُّ أَنْ نَتْعَبَ مِنْ أَجْلِهَا وَنَصْبِرَ، أَلَيْسَ كَذَلِكَ؟ إِذَنْ هَيًّا ابْحَثْ عَنِ الطَّرِيقِ الَّتِي تُوصِلُّكَ إِلَيْهَا، هَلْ هِيَ طَرِيقُ الْعَوَابِي؟ أَمْ طَرِيقُ وَادِي بَنِي غَافِرِ؟ أَمْ طَرِيقُ الْمُصِنْعَةِ ابْحَتْ عَنِ الطَّرِيقِ وَاحْذَرْ أَنْ تَفَارِقَهَا، وَإِذَا غَلَبَتْكَ نَفْسُكَ فَفَارَقْتَ الطَّرِيقَ فَارْجِعْ إِلَيْهَا فَوْرًا، وَلَوْ تَكَرَّرَ ذَلِكَ، اجْعَلْ نَفْسَكَ مِثْلَ سَيَّارَتِكَ، كُلَّمَا خَرَجَتْ عَنِ الطَّرِيقِ يَمْنَةً أَوْ يَسْرَةً أَرْجَعْتَهَا، إِنِّي أَرَاكَ لَا تَتَرَدَّدُ فِي إِرْجَاعِ سَيَّارَتِكَ إِلَى مَقْصِدِكَ، فَهَلْ مَقْصِدُكَ الدُّنْيَوِيُّ أَغْلَى فِي قَلْبِكَ مِنَ

الْجَنَّة؟

80 (1/86)

صفحة 87

هَيَّا جُدَّ السَّيْرَ إِلَى اللهِ تَعَالَى، وَلَا تَسْتَوْحِشْ مِنْ قِلَّةِ السَّالِكِينَ وَكَثْرَةِ الْهَالِكِينَ، وَاعْلَمْ أَنَّ تَذَكَّرَكَ الْحَيَاةَ السَّعِيدَةَ فِي الْجَنَّةِ يَجْعَلُكَ لَا تُفَارِقُ الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ، فَهُوَ الَّذِي يُوصِلُكَ إِلَى هُنَاكَ أَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى لَكَ وَلِي وَلِكُلِّ إِنْسَانٍ الْهِدَايَةَ وَالثَّبَاتَ حَتَّى الْمَمَاتِ أَخِي، اجْعَلْ قَلْبَكَ وَقَالَبَكَ للهِ وَحْدَهُ، لَا تُسْكِنْ فِي قَلْبِكَ غَيْرُ اللهِ، اجْعَلْ دَائِمًا تَفْكِيرَكَ فِيمَا يُقَرِّبُكَ إِلَى رَبِّكَ؛ فَإِنَّ اللَّهَ جَلَّ

جَلَالُهُ لِذَلِكَ خَلَقَكَ

أَرَدْنَاكُمْ صِرْفًا فَلَمَّا مَزَجْتُمُ

بَعُدْتُمْ بِمِقْدَارِ الْتِفَاتِكُمْ عَنَّـ

وَقَلْنَا لَكُمْ لَا تُسْكِنُوا الْقَلْبَ غَيْرَنَا

فَأَسْكَنْتُمُ الْأَغْيَارَ مَا أَنْتُمُ مِنَّا

?? (1/87)

صفحة 88

الْخَاتِمَةُ (1/88)

صفحة 89

الْحَمْدُ للهِ الَّذِي أَعَانَنِي عَلَى إِثْمَامِ هَذَا الْكِتَابِ الَّذِي أَسْمَيْتُهُ (سَفِينَةُ النَّجَاةِ، وَأَسْأَلُ اللهَ تَعَالَى أَنْ يُؤْجِرَ قَارِئَهُ وَسَامِعَهُ وَنَاشِرَهُ، وَكُلَّ مَنْ أَسْهَمَ فِي إِعْدَادِهِ وَنَشْرِهِ وَتَوْزِيعِهِ وَطِبَاعَتِهِ وَإِهْدَائِهِ، أَسْأَلُ اللهَ تَعَالَى أَنْ يُثِيبَهُمْ

وَيَبَارِكَ فِي أَعْمَالِهِمْ.

اعْدَادُ

سَعِيدُ بْنُ مَطَرٍ بْنِ سَعِيدٍ الْمَسْقَرِيُّ.

83 (1/89)

صفحة 90

المَرَاجِع (1/90)

صفحة 91

0

7

V

مدرسة الدعاة، عبد الله ناصح علوان.

الدعوة إلى الله عبد الرحمن حبنكة الميداني.

تذكرة الدعاة، الدكتور محمد البهي.

عدة الصابرين، ابن قيم الجوزية.

قواعد الدعوة إلى الله، الدكتور همام سعيد.

موسوعة الأخلاق والزهد والرقائق، ياسر عبد

الرحمن، مؤسسة اقرأ.

يا صاحب الرسالة الدكتور خالد أبو شادي.

وغير هذه سوف تجد كتبا كثيرة تتكلّم عن الدعوة

إلى الله تعالى فابحث عنها.

?? (1/91)

صفحة 92

[صفحة فارغة] (1/92)

صفحة 93

فَسَارِعُ إِلَى رُكُوبِ السَّفِينَةِ قَبْلَ أَنْ يَفُوتَكَ قِطَارُ الْحَيَاةِ فَإِنَّهُ لَا يَقِفُ، فَكَمْ مِنْ مُصْبِحٍ أَمْسَى فِي الترابِ، وَكَمْ مِنْ مُمْسِ أَصْبَحَ فِي التِّرَابِ، أَطَالَ اللهُ

عُمُرَكَ فِي طاعته

//

مكتبة الهلال

سلطنة عمان - ولاية الرستاق

هات

ف وراسله: 97117414

ص ب: 94 الرمز البريدي: 318

البريد الإلكتروني: alhilal 222@yahoo.com (1/93)