صفحة 1
الكتاب: شفاء القلوب من داء الكروب
المؤلف: خميس بن راشد بن سعيد العبري شفاء القلوب من داء الكروب
للشيخ خميس بن راشد بن سعيد العبري
الجزء الأول
مكتبة السيد محمد بن أحمدالبوسعيدي
بالتعاون مع مكتبة وقف الحمراء الأهلية
المقدمة
بقلم معالي السيد محمد بن أحمد البوسعيدي
نبذة تعريفية عن المؤلف والكتاب
... ... بقلم الدكتور/ سعيد بن عبدالله بن محمد العبري
أستاذ الفقه وأصوله المساعد بجامعة السلطان قابوس
أولا : ترجمة الشيخ خميس بن راشد العبري
نسبه ولقبه
هو الشيخ خميس بن راشد بن سعيد بن مسعود بن راشد بن خميس بن عمر بن عيسى بن عمران بن راشد بن عمر بن عيسى بن عمران العبري، ولقّب نفسه بذي الغبراء، وتلقيب نفسه بذي الغبراء وضحه الشيخ ابراهيم بن سعيد العبري في كتاب تبصرة المعتبرين حيث قال: "هو الشّيخ العالم الزاهد الرّضي الولي خميس بن راشد ....العبري الحمراوي، الملقب نفسه بذي الغبراء تواضعاً وقناعة أو منتسباً إلى عمان على أنها تسمى الغبراء أو الغبيراء".
ولقد اشتهر بلقبه هذا وكان يكتبه في مخاطباته فذكر ذلك في الذكر التاسع والخمسين من كتابه هذا الذي سماه شفاء القلوب من داء الكروب فقال: (من محبكم ذي الغبراء الذي سكن الحمراء وانتسب من بني عبرا وكتبه في الجمعة الزهراء في أول يوم من العشر الأخرى من جمادى الأول وخمس وخمسين ومائتين وألف من الهجرة).
مولده
... ولد رحمه الله في وطنه بلد الحمراء يقول الشيخ ابراهيم بن سعيد العبري (ولم أقف على تاريخ ولادته، وعلى ما اتحراه على ما بلغه من السن في عشر الثمانين أو في ما بينها وبين التسعين بعد المائة والألف) من الهجرة النبيوية. (1/1)
صفحة 2
توفي والده الشيخ راشد بن خميس في مكة المشّرفة خارجاً لقضاء فرض الحج حيث ذكر ذلك عن والده وجده في الذكر الخامس عشر فقال: (وقد حكي لي أن جدي قصد الحج فنزلت به هذه العلة فاغتلق عليه الموسم والناس رجعوا من حجهم بسرعة في ستة أشهر، وجدي مكث ستة أشهر وسنة فذهب ما في يده وقل ما عنده وبقي كلاً على الناس وعليه الديون، وكذلك أبي لزمه فرض الحج فلما وصل البقعة المباركة نزل به الجدري فتركوه أصحابه وقصدوا إلى عرفة، ومات أبي يوم الحج في مكة فذهب جميع ما كان في يده من الأموال ولا حضر أحد من أصحابه ليوصيه بحجة ولكن لعله سالم عند الله، لأني وجدت في الأثر من لزمه الحج وقصد لتأديته ومات في طريقه قبل أن يؤدي فريضة الحج فقيل إنه ينحط عنه الفرض على نيته وقصده).
نشأته
نشأ الشيخ خميس نشأة طيبة مباركة، وجدّ واجتهد في طلب العلم، وما أظنه ادرك احداً من أهل العلم في بلده إلا أن يكون أدرك الشّيخ سليمان بن عدي بن محمد في أيام صباه وكان ميالاً إلى علم الفلك، وكان زميله فيه الشّيخ علي بن ناصر بن محمّد بن حمير النّبهاني.
حياته الاجتماعية
سكن في أثناء عمره بلد الشّريجة في جبل بني ريام وتزوج منهم وولد له هناك أولاد ثم ماتوا بها ودفنوا في مقبرة الصقرين، فحزن عليهم كثيراً ورثاهم، ورثاهم له إخوانه من الأفاضل كالشّيخ علي بن ناصر، وقد ذكر المراثي في كتابه، وأكثر مكثه كان في بلده الحمراء، ومن أولاده في بلد الحمراء الشيخ ماجد الذي يعد من أكابر علماء عمان.
تولى بعض المهام في بلده الحمراء فقد تولى وكالة فلج الحمراء حيث ذكر ذلك في الذكر التاسع والخمسين فقال: (وقلتم اختاروه لوكالة الفلج من قبل أمانته). (1/2)
صفحة 3
عاصر العلامة الشيخ المحقق سعيد بن خلفان الخليلي رضي الله عنه، وطلبه للحضور معه ومع من اجتمع لديه من علماء المسلمين وفضلائهم ببلد الرّستاق، كما عاصر الشيخ ناصر ابن أبي نبهان والشيخ جاعد بن خميس الخروصي والشيخ عامر بن علي العبادي.
رحلاته وشيوخه
كان يهاجر في طلب العلم إلى نزوى ليأخذ من علمائها كالشّيخ عامر بن علي العبّادي ومن كان في عصره من العلماء، وإلى الشّيخ العلاّمة الجليل أبي نبهان جاعد بن خميس بن مبارك الخروصي رضي اللّه عنه ببلد العلياء من وادي بني خروص، وقد أخذ عنه وعن ولده الشّيخ العالم ناصر بن أبي نبهان رحمه اللّه عليه.
صلته بالشيخ ناصر بن جاعد الخروصي
توثقت صلته بالشيخ العلامة الرباني ناصر وأدى فريضة الحجّ في صحبته وكان له معه صحبة حسنة كما كانت له مع والده العلامة ابي نبهان وتدل المخاطبات بينه وبين الشيخ ناصر الواردة في الذكر العاشر من كتابه شفاء القلوب على قوة هذه الصحبة بينهما.
عبادته
كان له من العبادة والأوراد الحظ الأوفر يقول الشيخ ابراهيم بن سعيد عنه:"حدثني ولده العلامة الشيخ ماجد انه كان لا يفتر عن الذكر وتلاوة القرآن، وأنه كان يرى في وقت السّحر فوق سطح عالي فيرفع صوته بالذكر والوعظ ويأمر الناس أن يستيقظوا للصّلاة يفعل ذلك في رمضان وغيره، وإذا كان وقت برد شديد جعل على ظهره بساطاً من شعر.
وفاته
توفي عند زوال الشمس يوم ثلاثة وعشرين ربيع الأول عام ألف ومائتين وواحد وسبعين رحمه اللّه ورضي عنه وأسكنه الجنّة مع أوليائه الأبرار، آمين.
ثانيا : التعريف بالكتاب( شفاء القلوب من داء الكروب) (1/3)
صفحة 4
... النسخة التي طبعت هي عبارة عن مخطوط يقع في 511 صفحة، وهي نسخة بها نقص كبير حيث لا يوجد فيها الأذكار الثامن والخمسون، والستون، والثاني والستون، والثالث والستون، كما أن هناك نقص في صفحات هذه النسخة والأسطر في هوامشها غير كاملة، وربما تكون إحدى النسخ الثلاث التي استنسخها وليست الأخيرة، وتوجد صورة من هذه النسخة بمكتبة معالي السيد محمد بن أحمد البوسعيدي المستشار التاريخي والديني لجلالة السلطان، وصورة أخرى بمكتبة وقف الحمراء الأهلية بولاية الحمراء، بينما يوجد أصلها بمكتبة ورثة الشيخ القاضي مالك بن محمد العبري، ولا يتأتي إكمالها وتحقيقها إلا بمقارنتها مع بقية النسخ عند ظهورها، لذا خرجت الآيات القرآنية في هذه النسخة ووضحت بعض الكلمات الدارجة كما أنه ما كان بين قوسين فهو من زيادة الطابع سواء في العناوين أو في النص.
قضايا الكتاب
جمع فيه من مختاراته في الفقة والنحو والصرف والطب والفلك والسلوك والقصص والحكم والنوادر، ومن مختار الشعر والسير والتاريخ وغير ذلك فكان كتاباً واسعاً مفيداً أسماه (شفاء القلوب من داء الكروب).
الهدف من تأليفه للكتاب (1/4)
صفحة 5
ذكر الشيخ خميس سبب تأليفه للكتاب فقال في بداية الذكر الأول" اعلموا أيها الإخوان، أني قد نظرت أهل هذا الزمان ، إن قرىء القرآن في مجالسهم نفروا عنه إلى مساكنهم ، وإن ذكروا (1) العلماء الأثر بالإجهار ، غلبوا عليهم بالحديث في الحرث والأسفار، وإن نطقوا أهل النحو واللغة والصرف والبديع فقالوا هذا كلام الطير والحمار ، وإن سجعوا معهم بالأشعار ، أعجبتهم الأصوات فأسرعوا الناس من الصغار والكبار ، فحار في قلبي الفكر من قلة حفظي بالأثر ، ولم أجد في الوطن مساعداً إلي من أهل العلم والبصر ، ثم جمعت كلاماً أقرأه كالسور ، وألفت فيه لكل نفس بما تشتهي من الكلام ، وفتح الله لي بسبب تلاوة أسماء ربي ذي الجلال والإكرام ، وقصدت إلى بيضة الإسلام ....)
فيبدو أن سبب التأليف كان لأجل تشويق الناس لقراءة الكتاب والاستفادة من مختلف فنونه بحيث لا يملوا منه.
طريقته في التأليف
__________
(1) - هذه طريقة المؤلف في معظم الكتاب يورد الفعل الذي حقه الإفراد بالجمع على لغة تسمى عند النحويين بلغة ( أكلوهم البراغيث) (1/5)
صفحة 6
ألفه على نمط (الكشكول) و (المخلاة) ولكنه أوسع وأنفع منهما بكثير، وقد رتّبه ترتيباً حسناً وجعل له فهارس مفيدة للمطالع جداً، وقد استحسنه واستنسخه ثلاث مرات وكانت كلّ نسخة أوسع مما قبلها وصرف عليه دراهم كثيرة، وقد أخذ منه نور الدين السّالمي رحمه اللّه في الجزء الثاني من تحفة ا لأعيان شيئاً كثيراً، ولما أرسلت إليه النّسخة الأخيرة من نزوى بعد التّجليد أخذها الأعراب من الجنبة مع ما أخذوه نهباً من متاع حاملها من الطريق عند الموضع المسمّى العبلية عند رأس فلج دارس، فخزن الشيخ خميس على ذهابها لأنها هي قصارى ما اختار جمعه في ذلك التأليف فذهب إلى تنوف، فطلب من الشّيخ سيف بن سليمان النبهاني امير بني ريام أن يشفع له في ردها من يد أولئك النّاهبين فأرسل الأمير النّبهاني إلى شيوخ الجبنة مطالباً إياهم برد كتاب الشيخ فردّ إليه سالماً فضلاً من اللّه وإحساناً من الأمير سيف، فرجع عنه شاكراً مسروراً بردّ ضالته المنشودة ونسخته المفقودة.
أسلوبه في التأليف
كان أسلوبه تشويقا فينتقل من فن إلى فن ويستخدم السجع أحيانا في أسلوبه ، كما كان يستخدم بعض الألفاظ العامية ليفهم العوام الكلام ، بل إنه يستخدم اللغة الدارجة في بلاده الحمراء وهي لغة أكلوهم البراغيث، حيث يورد الفعل والضمير الدال على الفاعل مع الاسم الظاهر للفاعل وقد ذكر سبب ذلك في كتابه في الذكر التاسع عشر فقال : (ثم قال: وما هذا المعلاق الذي حملته على ظهرك؟، قلت له: هذا معمول من اللبن جعلوه أهل الرفاهية لشواء اللحم في ليالي العيد فلما أخذوا منه اللحم أفلتوه في الخرابات، فقلت هذا مثل اللقطة التي لا يرجع إليها صاحبها فأخذته وجعلت فيه هذه القراطيس التي فيها تسلية القلب وأكلم بها العرب على قدر لغتهم في زمانهم لا على فصاحة السابقون من أسلافهم). (1/6)
صفحة 7
وكان يكتب قصصا وحكايات واقعية أحيانا للعبرة والعظة، وخيالية أحيانا للتربية والإرشاد والتعليم وما أشبهها بالقصة القصيرة أو الرواية، وكان أسلوبه في كتابه لغة الحوار بينه وبين صاحب يتخيله حيث قال في الذكرالأول: (رجعنا في الحديث إلى تسلية قلب الشيخ ناصر في طريقه، فقمت أكلمه بحديث مما وجدته وسمعته ونظرته وجعلت فيه حشواً، فلما سمعه أمرني بتأليفه، قلت له : فكثير مما سمعته مني اخترعته بنفسي، يجوز أن أكتبه؟ قال: نعم جائز، وقد نطق به القرآن، والحشو جائز مما يوافق الحق والصواب، فجعلت أفكر في وقت الأسحار، وأسأل الله الواحد القهار أن يعينني على جمعه تأليفه وبما رويته من الأخبار وفيما سألت فيه العلماء الأبرار وأجعل فيه من الأثر والأشعار ومن علم الأبدان والفلك الدوار، ومما نظرت في زماني من تدبير الأخيار والأشرار، ثم أجعله سبيكة حتى تظهر فائدته للمستمعين وظاهره قصة تمر عليهم مثل المتحدثين لأنها تجلب النساء والبنين، وباطنه علم عن العلماء الأولين والآخرين، وسميت الكتاب شفاء القلوب من داء الكروب، صالح للطالب والمطلوب، أذكاره واستماعه محرك لشهوات المحبوب، وجعلته لاستخراج الكلام في صورة صاحب يساعدني في المسألة والجواب).
هذا، والكتاب ممتع لمن قرأه يجد كل طالب ضالته فيه، وهو كتاب وائم فيه ليقرأه العامي والمتعلم، يطوف بك فيه من فن إلى فن في كافة العلوم، نسأل الله أن ينفعنا به والله الموفق.
فهرس الموضوعات
1- ذكر مسائل من الشرع، وحديث لتسلية القلب، و في الفلك والطب لاشتقاق الرجلين، ودواء للبواسير وللقروح والجروح، ولخروج المقعدة، وللحكة والجرب والسلاق، ولما يقتل دود البطن، ودواء لخروج حصاة المثانة، ودواء لأكل التراب، ولعلة الصدر، وثلاث مسائل في الرؤيا.
2- ذكر في العلم والعلماء والمتعلمين، والحث على طلبه، وفيه للحفظ من الأدوية والقراءة والكتابة.
3- ذكر العقل وخدمه وأصحابه، وإبليس وأعوانه ومكره . (1/7)
صفحة 8
4- ذكر جواب الشيخ ناصر بن في الرد على من يدعي نزول الوحي عليه بعد رسول الله.
5- ذكر خلق الإنسان، وحق الوالدين، والتزويج، والجماع والمقويات له، والكتابة له، والأعمال في خدمته وآدابه، والصبر للمتزوجين.
6- ذكر دخول البغض والكره في القلب من الأنثى وغيرها، وأخلاق الجنين وتقلبه، وما يجب للنساء لهن وعليهن، وفي شهواتهن والأدوية لتحريكها، وأخلاقهن الحسنة والسيئة وأجورهن ووزرهن ودائهن ودوائهن، والحمل والتي لا تحمل ودواءها، وذكر الحيض وقطعه، وسقط الجنين وإثباته، والأدب الواجب منهن لأزواجهن.
7- ذكر في الطب، والاحتقان، والإحتصار، وصلاح الأجسام، وذكر الشجعان والصالحين، وقصيدة للشيخ عامر، وفيه صلاة الجمعة، والشهداء، وناكح الدواب والنساء، وسلامة الحد، والعقل، والجهاد، ومدح المسلمين من قول الشيخ محمد بن محبوب.
8- ذكر الفرح والحزن، ومكيدة النساء، ودواء لكسر العظم، ولوجع الخادع، والصمم، ودرح الماء، ولحرق النار، واللثة والأضراس، ودواء لقوة القلب والصوت، ومما يسمن الإنسان، و نفقة النساء، وأحكام لطرح الحمل، ولقوة الباه، وتضييق الرحم، وتمام حديث الرجل والمرأة.
9- ذكر أخبار أهل الجهل، وأهل العقل ، وفيه أدوية للجراح، وضرب السياط.
10- ذكر العالم المتعنت، وجوابات الشيخ ناصر للنصارى وهن سبع مسائل.
11- ذكر السفر ومنازله، و الغائب والمفقود، و الوضوء والتيمم والصلاة، وفي أحكام الصبية، ونظم فيه الصحابة، ورسالة أبي نبهان، وجوابات من المسلمين، وفيه للحفظ، ومسائل من الشرع مجموعة، والدماء والفروج، والباه وعلله وأدويته، وعلة الجذام وأدويته ووسمه.
12- ذكر في توبيخ النفس ومحاسبتها، والحلال والحرام، والصيام والقيام، وطب لصلاح الأجسام، وكفاف الشهوة عن الحرام، وذكر النكاح من الفلك، وليلة القدر، وتبليغ المراد، وذكر الجنة والحور العين. (1/8)
صفحة 9
13- ذكر في الفزع الأصغر، و العجلة، وفي الوعظ والزجر، و الفزع الأكبر، وذكر الموت والنار.
14- ذكر في أدب الأكل والشرب، و تفسير آية مماثلة بين الأنس وبين من لا يعقل من ذوات الأرواح، وسبع حكايات في الخدعة والسرقة والسارق ولونه ومكانهما، والرجوع والتلف.
15- ذكر في لزوم الحج، وتوبيخ لذي الغبراء، وقصة من الشرع، والطب، والثانية فلكية وشرعية، وحسن تدبير الملوك والمتقربين إليهم، وفضائل الحج، والثواب، والدعاء وآخره قصة.
16- ذكر طالب الملك الذي بلغه، وقصة عن الملوك، وتحكيم الخصمين، والخدائع والاعتبار، والأمناء والخونة، وفيه قصص، ومسائل في الرؤيا.
17- ذكر في الطب، والعلل، والطبائع، وأدوية مشهورة ومستورة، وقطع الحديد، وقطع الطبوعات من الثياب، وأدوية الذي تهرب منه الهوام، وعمل المداد، ومسائل في الشرع جامعة في الطلاق وغير ذلك.
18- ذكر أخبار ومسائل في الطب، والأديان والأحكام، وبما جرى علينا في الزمان في السيوح والبلدان، ونثر ونظم من فصحاء عمان في ذكر الشيخ محسن بن زهران.
19- ذكر صاحب ذي الغبراء، وما ذكروه هو وأولاده الفصحاء.
20- ذكر تدبير الأمراء وضعفهم وانحطاط منازلهم من الدرجة العليا إلى السفلى.
21- ذكر من الفلك لابتداء الأعمال، وأخبار لها، ومسائل تجانسها، وأخبار المبتلى بالنساء، والأمراء، والأموال، وفيه من الوعظ والزجر.
22- ذكر في الوعظ ، والتوبيخ، والزهد، والطالب لذلك.
22- ذكر الشهادة في النسب، وما جرى على زيد في زمانه.
24- ذكر ما جرى في الزمان على أحمد من المسائل والأخبار وغير ذلك.
25- ذكر نصيحة الأخوان، والتدريج للتقريب، وترخيص أهل القبلة، وحسن التدبير للناس وللملوك، وذكر النساء، ومسائل في الميراث.
26- ذكر الكرم، وعمل الأطعمة، والإشارات، وما يستحب.
27- ذكر في ابتداء أخلاق الإنسان وماله من الأحكام، والميراث، والرزق، والبركة. (1/9)
صفحة 10
28- ذكر الزلزلة، والمريض، وصلاة الميت، وأوقات الصلوات، وفضائلها والقدم.
29- ذكر البصور والحروز، وما يجوز للكاتب، وقصتان من رؤيا أهل الاستقامة في الدين.
30- ذكر من الفلك لإمام الأمة، وحدود مكة، وأدلة لعقد الأئمة، والسمعة.
31- ذكر في المسافر، والسياسة، والجار والأرحام، وانتقال الناس من المواطن إلى البلدان.
32- ذكر في الملوك المضلين، والشجعان، والملوك المحسنين.
33- ذكر حسن الظن، وتدبير الأخيار والأشرار، والعزاء، وقصة الملك وصديقه وحديثه.
34- ذكر سلامة الأنفس، وفيه من الآداب، والمسائل من الشرع.
35- ذكر شيطان الإنس، ونصيح الإنس، وما جرى منهما من الأخبار.
36- ذكر بهلا وخصالها وأصحابها، وقصة للمسافرين، وعزيمة للصرع .
37- ذكر أبناء الدنيا، وأبناء الآخرة، وقصة للرجل الطالب للمرأة الصالحة فبلغها.
38- ذكر علم الحرب، وكتمان السر لبلوغ المنى مع الأعداء والأمراء.
39- ذكر فضائل الإناث، وفيه من الدلالات والأحاديث لتسهيل الأمور.
40- ذكر الملوك وأولادهم، وعداوتهم والتوفيق لهم في ملكهم.
41- ذكر الأمناء والوكلاء وقصصهم، وفيه من الموافقة بين الزوجين والخصمين في الحساب.
42- ذكر في أصول الشرع، والطب في الأدوية، وفي الفلك، وقصة عجيبة جامعة في رجل.
43- ذكر القتال والفئة القليلة الغالبة للفئة الكثيرة، والدخول في الرياضات.
44- ذكر نصيحة الفلكي للعابد، وذكر المصائب، والأخبار والمسائل له.
45- ذكر التجارة والمسائل، والقصص وحشوها في أولها وآخرها.
46- ذكر قصة ابن الملك المعتدي على حليمة سيدة النساء المتأخرين.
47- ذكر الرجل المبتلى بالعيلة في شبابه، وأراحه الله في اكتهاله، وله قصص وأدعية.
48- ذكر الأدب لقارئ القرآن، والأثر، والشعر، والخطب في اجتماع الناس.
49- ذكر العلماء والأئمة، واستهلاك أموال الملوك، وتحريم بيع الخيار. (1/10)
صفحة 11
50 - في العقل وزواله ودوائه، وذكر كلام في الرمل والفلك والدعاء وسر الأسماء، وآخره في النحو من نظم الشيخ العالم الفقيه ناصر بن أبي نبهان الخروصي، ومسألة في الشرع.
51- ذكر علامات للمريض، وصفة البثور لظهورها في البدن، وفي معرفة الغائب والمسافر أنه في الحياة أم في الممات.
52- ذكر وصية رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لأصحابه عند وفاته، وفيه وصية الإمام ناصر بن مرشد لسلطان بن سيف، وفيه صفة صورة أخلاق النبي محمد - صلى الله عليه وسلم - .
53- ذكر قصص، ومنافع للناس، وفي الأقربين، والمواريث، وبحور الشعر.
54- ذكر فيه شيء من الفلك، والقصص، والفالج، والتزويج، وفي حج النساء، وقصيدة في اللغة.
55- ذكر الساعة، ومعرفة الطالع، و الماء، وميزان الأرض لخدمة الأفلاج، وقصة.
56- ذكر إقبال الدنيا وإدبارها، و اليمين، والمعاجين، والنية للجهاد، والملكة، وقصص متتابعة.
57-ذكر رسالة، ونجم بوذنب، وفراسة، وخسوف القمر، و أهلة الشهر، والبرق والرعد، والسيل، والسحاب، وقوس قزح، ونجوم الشهب، والوجبة، والشمس والقمر ونجوم الخسوف، والكسوف، والسماوات والأرض، والجنة والنار والرياح، ودليل الحروف، والأوفاق، وعزيمة الزورة، وتحويرة للذهيبة، والسرقة.
58-ذكر رسالة، وابتداء المريض، وشجرة العشرق ومنافعها، و دواء علل البطن والعين والضربان، والقشور، وعن لدغ الأفاعي، وقصتين، وفي الرؤيا، والعقل، وذكر الأرض والكواكب والبروج، والرياح، وقلع الشوكة والسهم، وقصتين، و دم الحيض والإستحاضة والنفاس، والعدة والإنفاق، والتباغض، وذكر الفروج، والمتعة والمحبة من الفلك، وفي السرقة ولزوم الضمان ومسألة في النكاح والميراث، والذي طلب الدنيا والذي طلب الآخرة.( غير موجود في المخطوط).
59- ذكر اعتبار لخطبة النساء، ونسب عبرة ونصر ابني زهران، وفي سبب علة الجذام وعلاجها.
60- ذكر جامع في الطب والاختلاجات.
61- ذكر نظم في الفلك، و طب ، وشرع. (1/11)
صفحة 12
62- ذكر قصص، وتفسير في الأحلام، وشرع، ومدح الرسول بالنظم.
63 – ذكر الأئمة، والعلماء، ومدح خاتم الأنبياء.(غير موجود في هذا المخطوط).
الذكر الأول
مبتدأ الكتاب، وفيه مسائل من الشرع ثم يقفوها كلام مما يسلي القلوب، ومن بعده مسألة في الفلك، وفيه من الطب لاشتقاق الرجلين، ودواء للبواسير وللقروح وللخروج ولخروج المقعدة وللحكة والجرب والسلاق ولقتل الدود ولعلة الصدر، وفيه ثلاث مسائل لرؤيا المنام (1) .
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله حمداً يوافي نعمه، ويكافئ مزيده، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً - صلى الله عليه وسلم - عبده ورسوله، أرسله ربه إلى كافة الثقلين، ونصره بخمسة آلاف من الملائكة المسومين، وأعز به الدين حتى أتاه اليقين، ثم أحيوا سنته الأنصار والمهاجرون والخلفاء والصالحون والعلماء المحقون، فطوبى لهم ولمن اهتدى بهداهم، لأن الجنة مأواهم، والمخالفون لهم فالنار مثواهم، ألا فاتقوا الله عباد الله، (وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ* الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) (2) ، وأقول:
هو الله مولانا له الخلق والأمر بقدرته تجري المقادير والدهر
(سبب تأليف الكتاب)
__________
(1) _ بعد هذه الكلمة يوجد في الأصل : ( وعلامة مسائل الأثر بالحمرة والحكاية الصفرة والفلك بالخضرة والطب بالسواد والرؤيا بمدادات مشتركة حتى تكون سهلة للمطالعة لهذا الكتاب ) . وحيث أن لم يتم تلوين كل قسم بلونه في هذه الطبعة فقد جعلنا ذلك الكلام هنا في الحاشية .
(2) 2 – آل عمران : 114 (1/12)
صفحة 13
اعلموا أيها الإخوان، أني قد نظرت أهل هذا الزمان، إن قرىء القرآن في مجالسهم نفروا عنه إلى مساكنهم، وإن ذكروا (1) العلماء الأثر بالإجهار، غلبوا عليهم بالحديث في الحرث والأسفار، وإن نطقوا أهل النحو واللغة والصرف والبديع فقالوا هذا كلام الطير والحمار، وإن سجعوا معهم بالأشعار، أعجبتهم الأصوات فأسرعوا الناس من الصغار والكبار ، فحار في قلبي الفكر من قلة حفظي بالأثر، ولم أجد في الوطن مساعداً إلي من أهل العلم والبصر ، ثم جمعت كلاماً أقرأه كالسور، وألفت فيه لكل نفس بما تشتهي من الكلام ، وفتح الله لي بسبب تلاوة أسماء ربي ذي الجلال والإكرام ، وقصدت إلى بيضة الإسلام، وموطن الأئمة والعلماء الكرام، التي وصفها أشياخنا بالنثر والنظم.
وهذا من قول الشيخ ناصر بن جاعد:
بسوني وعليا والهجير وفي نزوى سكنت وفي نزوى وجدت الذي أهوى
ترى العلم والتدريس فيها وأهلها أهيل الحجى والعلم والحلم والتقوى
وهذا مما قاله الشيخ علي بن ناصر:
إذا شئت أن تلقى بعمرك ما تهوى فيّمم وخل كل دار إلى نزوى
ونزوى لها في المكرمات شوامخ لها شرف ينحط عن سمكها رضوى
بها ما اشتهت نفس ولذت عيونها من الدين والأخلاق حقا ولا دعوى
ونزوى على ما قيل من نفس مصرنا هي البطن بالإجماع في صحة التقوى
ثم نزلت في مقامات أشياخنا وهما أئمتنا في ديننا، وعلماؤنا في عصرنا، عامر بن علي بن مسعود العبادي ، وناصر بن أبي نبهان الخروصي، وقد أباح لهم قائدهم محمد بن ناصر الجبري في الأمر والنهي، ومن النفع من الماء والنخيل والعوابي، فسرني أمرهم ولاح في قلبي أنتقل إلى قربهم فأجابني أحدهم وقال: لا تغرك هذه الرحمة، لأن السلطان لا تثبت من عنده نعمة، أما تسمع إلى الرواية (الفتن على أبواب الجبابرة كمبارك الإبل)
وقال الشاعر:
__________
(1) - هذه طريقة المؤلف في معظم الكتاب يورد الفعل الذي حقه الإفراد بالجمع على لغة تسمى عند النحويين بلغة ( أكلوني البراغيث) (1/13)
صفحة 14
إن الملوك بلاء أينما حلوا فلا يكن لك في أكنافهم ظل
لا تقعدن على أبوابهم طمعاً إن الوقوف على أبوابهم ذل
ثم قال: النازح عنهم سالم، وإلى عبادة ربه قائم، وفي سؤله فارغ القلب مع العالم، لا كالمتدرع الآرم، ولا كالعسكر الحارس النائم، ثم أقلنا عند ما يلقى اليشكر، وفي مجلسهما لاح الذكر في الأثر، وفي حكم السواقي والشجر، ولا حفظت شيئاً إلا في مصاص السكر، قالا: يجوز رميه في أموال الناس، وأنه يصير سماداً ونفعه للأرض صلاحا، وكذلك أجازا أخذ التراب من الأموال لما يحتاج إليه الإنسان، لما عرفوا عن أصحابها مرادهم نزولها لأنها شائلة عن الماء، وهذا على العادة والخبرة لأن الناس المواطنين أعلم بدارهم. (1/14)
صفحة 15
قال ذو الغبراء: وأما الأموال النازلة عن الماء إذا لم تصح الإباحة من المالكين لها فلا يجوز للإنسان أن يأخذ منها ترابا، ولا يجوز الدخول في الأموال المحصونة بالجدر والحضران إلا بإذن من مالكها، وكذلك لا يجوز أخذ الماء للطهارة والوضوء من الزاجرة إلا بإذن الزاجر، وكذلك شرب الماء من المساجد لا يجوز حتى يسأل جماعة المسجد عنه، فإن أخبروه أنه جعل لمن أراد شرب الماء، جعل وقفاً لذلك فحينئذ يجوز له أن يشرب منه، وعلى الإنسان لازم أن يحترز عما كان عليه محاسب ومعاقب ، فقلت لهما : سأخبركما بقصة جمعتها من الأخبار والآثار وكررتها بالقراءة في الليل والنهار، حتى حفظتها وأقرأها إليكما بالإجهار ، فلما سمعا ما قرأته عليهما، وعرفا بما فيها من المعاني أمراني أن أكتبها في القرطاس ثم وادعتهما، ورجعت إلى الوطن، وسمعت بعد رجوعي عنهما أقبلت عليهم الفتن، ولاحت لهم من محمد بن ناصر الجبري الإحن، وأصابتهما الأهوال والأفزاع والنكال، وخافا على أنفسهما من القتل بسبب رجل أخذ على الجبري حصوناً وأموالاً لبيت مال المسلمين، ثم عرفهما بمسائل يريد جوابها لإصلاح دينه ودنياه، فأجاباه على إثر مسائله بما أنزله الله في كتابه المبين، ومن سنن نبيه الأمين، فعلم الجبري بالمكاتيب والجوابات فخاف منهما على ملكه، وحضر أكابر رعيته ، وأخذ منهم عهداً أن لا يخونوا عليه ، وأمر سراً بقتل العالم ناصر بن أبي نبهان ، وبطرد العالم عامر بن علي من داره ووطنه ، فضاق عليهما ذلك، واختفى شيخنا ناصر في بيت مظلم مغلقة أبوابه عليه بالليل المدلهم فلا نظرت إليه العيون، فمنهم قال قتيل، ومنهم قال مسجون، فصار حكمه مع المسلمين من المغيبين، ثم وصلوا إلى بلدنا مع أميرنا بنو خروص، وسألوه عن الشيخ ناصر فاجتهد في البحث والسؤال وبعد العلاج الكثير أظهره رجل أمي، وأتى به خفية عن البدوي والحضري، وأمّنه أميرنا من شر الجبري والأعوان، وأراد الشيخ الرجوع إلى الأوطان (1/15)
صفحة 16
فشيعناه إلى طرق الأمان ، فأخبرنا أنه سيموت السلطان إلى مدة انقضاء شهر زمان، فعلى قوله ومات ودفنوه سكان حارة النزار بقرية إزكي من عمان ، وصحبناه إلى بلد المسفاة، وسألناه عن الماء الذي جعله الواصي به في صرح المسجد للقائمين والمارين، ونقله رجل آخر في غير الصرح، قلنا له: هل يجوز إذا كان في غير موضعه أن يشرب من ذلك الماء ؟، فقال: جائز ذلك، وشرب منه بمحضرنا، وقال: هذا من الصلاح انتقاله للمسجد، ثم رأى ماء البلد فاضلاً عن شربها، فأشار أن أرباب الفضلات لو عمروا بها أروضاً زيادة للبلد أو باعها منهم ممن يملك أمره بما عنده من الفضلة، ولم يشاركه فيها غائب ولا وقف ولا ممن لم يملك أمره ن لكان ذلك من صلاح البلد ولا يخلو من أن يكون له أجر إذا أخلص النية لله، فقلنا له: يجوز ذلك؟ قال: نعم على هذه الشروط، وكيف لا يجوز فيما يؤجر عليه، والفضلة هي لمن له آخر السقي إذا كان ذلك ثابتاً أنه هو الآخر.
ثم صعدنا به إلى الجبل وسألته عن الجمع لأنه ليس له علامة في تلك الطريق ، وفي طريق أخرى له علامة، قال: اسأل أهل الجبل، وهم المصدقون، قلت له: أهم حجة إذا كانوا غير ثقات؟ فقال: هم أخبر بالطرق وقربها وبعدها.
فلما أصبح علينا النهار قصدنا إلى صعود الجبل، فرأيت شيخنا تعيباً من وعوثة الجبل، وشكى إليّ عدواة الجيران وقال: الله المستعان، اللهم اخضع لي قلوب السادة حمود بن عزان، وسعيد بن سلطان، فقلت لشيخنا: لعلي أسلي قلبك بالحكايات المزيلة للهموم والغموم، وقد سمعت عن والدك العالم الذي ذكروه أهل الفقه بالعلم، وأصحاب الشعر بالنظم، وهذا القول فيه من قصيدة للشيخ راشد بن سعيد الرواحي شعراً :
صنع الخروصي الصلاح ووصفه بصوابه لم يحصه إحصاء
عن علمه وعلاه أعني جاعداً عالي العناصر تعرب العلماء
فيه الفصاحة والظرافة والوفا والفقه والمعروف والفتياء
أيضاً من قول الشيخ علي بن ناصر التنوفي: (1/16)
صفحة 17
أبا نبهان قاموس العباد وقابوس الحقيقة والرشاد
كشفت دجى الشكوك بنور علم يقين من صراط وهو هاد
وسمعت الشيخ سالم بن مسعود يروي عن الشيخ العالم سعيد بن أحمد الكندي يقول: إن مات العلماء من عمان، وبقي من بعدهم فيها أبو نبهان لم يذهب العلم، وعين لم تدمع على الشيخ جاعد لن (1) يرحمها الله يوم القيامة.
والشيخ جاعد يقول في زمانه : أتولى الشيخ سعيد بن أحمد.
... وكان الشيخ جاعد إذا ضاق قلبه سلاّه من كان حاضر في مجلسه بشيء من الحكايات فطاب قلبه، وبلغ منه السائل مطلوبه.
فأخبرني عنه أحد أصحابه أنها وقعت فتنة بين أصحاب الشيخ وجيرانهم، وصح القتل بين الفريقين فحزن الشيخ على رجل من أصحابه، ويذكر أن قاتله أحد من الخدم، وصح الصلح بينهما، ولم يزل الشيخ على غضبه على الخادم فسمع بذلك أحد الإخوان وقال له : يا شيخ هل عرضت في الليل بالطريق أنت ورجلان في صحبتك ؟ قال : ولم ذلك ؟ قال له : الخادم وأصحابه على الطريق وأرادوا أصحابه قتلك بالقصاص الذي لهم فخصمهم الخادم وقال لهم : لا أرضى بقتل نور عمان ، والقبيلة كثيرة . فغلب رأيه عن رأيهم ، وسلمك الله من بلائهم . فلما سمع الشيخ كلام صاحبه بش قلبه ودارت للخادم مودته .
__________
(1) 2 – في الأصل : لم (1/17)
صفحة 18
وفي قصة أخرى: وصلوا قرية الرستاق قوم أولوا بأس شديد، وفيهم عداوة في الدين، تلعن وتشتم إمام المذهب الشيخ جاعد، إلا أنها تأمر بقيام الصلوات، وتنهى عن بعض المناكر والفواحش، ويجلدون شارب التتن ، وفي سيرتهم أناس يعملونه ، فضاق عليهم ذلك ، فقام منهم رجل فاسق تارك الصلاة والصيام شرّاب للتتن، ويأكل السحت فجذب سيفه ونادى بأعلى صوته يا أيها الناس اعلموا أن من شتم الشيخ جاعد منكم لعنه الله والملائكة والناس أجمعين ، فيا أيها الضالون والظالمون والمتمردون ويلكم من غضب الله، ودخولكم النار أجمعين، فنهض القوم مجردين السلاح، وكان الرجل في صحبته له رهط كثير فحضروا بين يديه متأهبين للقتال، فأقبل أمير الجيش وأمرهم بالوقوف عن الفتنة في تلك الساعة، وفي قلبه غيظ على الرجل، فسمع الشيخ جاعد عن الرجل وأراد لقاه فوصل عنده وكرمه وسره ذلك القول. (1/18)
صفحة 19
وفي قصة أخرى: رجل فقير أصحابه ظلموا وقتلوا وطردوا من دارهم فقصد الفقير يريد النصر من السلطان، فلما وصل عنده وأخبره عن أصحابه، فلم يلتفت إليه ولم ينظره ولم يكلمه كلمة بشفتيه ، ففكر الفقير في أمر أصحابه وقال: اللهم افتح لي باباً لأسدّ به خلتي وأصحابي، ثم وصل عند التجار وقال لهم: هل عليكم بيع سلعة بالمصابرة ؟ قالوا له : أأنت المشتري ؟ قال : نعم . (1/19)
صفحة 20
فأخذ من عندهم التمر والزانة والبر والأدهان والأدوية للجراح ، وكتب لهم حقهم مع القاضي بحضر الشاهدين ، ثم كتب لأصحابه على لسان السلطان ( بسم الله الرحمن الرحيم، من الأمير المكرم، والسلطان المعظم، والأسد الغشمشم فلان بن السلطان فلان: إلى جناب المحبين العزاز كافة رجال آل فلان وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته وبعد: وصل عندي صاحبكم فلان، وأخبرني بما أصابكم من الضر والطرد والقتل من أعدائكم، فلا يدخل في قلبكم الجزع، واصبروا إن الله مع الصابرين، وأنا إن شاء الله مسعد إليكم بالمال والرجال، وواصلكم بيد صاحبكم الأرز والتمر والزانة (1) والأدهان والأدوية لمن ابتلاه الله بالجراح، وانظروا في قتال عدوكم أن يكون القمر في البروج النارية وفوق الأرض لا في الأرض، وأن يكون رب الطالع تنظر إليه السعود، وأن يكون المريخ في الطالع أو ينظر إلى الطالع أو يتصل برب الطالع، والحذر الحذر أن يكون المريخ في السابع أو يكون رب السابع مع المريخ أو ينظر إليه إذا اتفق الطالع برج الأسد والشمس تنظر إليه والقمر ينظر إليه، الشمس من السعود، وفي يوم الثلاثاء وفي ساعة المريخ، والمشتري ينظر إلى الطالع، فإن وفقكم الله على هذا ظفرتم بعدوكم ونحن من ورائكم وعصمنا مولاكم، وقال الله تعالى (إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ) (2) واذكروا الله عند القتال ، ودوموا سالمين آمنين).
__________
(1) 1 – الزانة : أي الذخيرة وتطلق على رصاص البندقية وهي لهجة عمانية
(2) 2 – النمل : 34 (1/20)
صفحة 21
فرجع الرجل مع أصحابه وبشرهم بقول سلطانه وأعطاهم المكتوب والمذكور، فدخل في قلوبهم الفرح والسرور، ونظروا إلى الفلك فوفق لهم الأمر الرب الغفور، وتأهبوا لقتال عدوهم، فأعزهم الله ونصرهم وأخذل عدوهم، وكتبوا لسلطانهم بالظفر فأوله:(بسم الله الرحمن الرحيم إلى سيدنا ومولانا وكبير الفضل علينا السلطان ابن السلطان فلان ابن فلان سلمك الله من الآفات ، وجازاك الله بأحسن الدرجات وبعد : وصل كتابك الكريم إلينا مع المذكور بيد خادمك فلان فأتمرنا بأمرك وظفرنا مولانا على عدونا وعدوك نسأل الله السلامة لنا ولك ، وبعد هذا فكافة أعلامنا على لسان خادمك وبه ألف كفاية , والسلام من خدامك آل فلان . ومهما بدت لك عازة (1) فإنّا منتظرون).
فقصد الرجل مع الملك ودخل عليه في يوم الاثنين، وأعطاه المكتوب ورأى فيه ما لم يعلم به، فاستبرأ الملك وسأل الرجل عن القصة والوقعة فقال له : أتأذن لي بالحديث من أوله إلى آخره ؟ قال له : نعم . فأخبره بجميع ما جرى عليه، فلما تم كلامه ، عرف السلطان منزلة الرجل ، وجعله والياً في أعز حصونه ، وسلّم السلطان حق التجار وجعل الهدايا لأصحاب الرجل وأرسلها إليهم.
فمثل هذه الحيل التي تصلح للمسلمين، وعلى المسلم أن يصلح التدبير مخافة أن يقع على قومه من التدمير، وأما مثل الأمور الذي صحت ببلد بهلا ليس هو من نظر أهل الرأي، فقد نزلت عليهم كالسيل الشديد، كل يطلب من الله السلامة ، وأن يرفع الخبث عنهم، وأما هدم حارة الضرح كالذي آذته ضروسه فصبر على زوالها للسلامة من الأذى، وضعف عن الأكل والنطق وليس له حيلة في ردها على حالها حتى يرفعه الله من الدنيا.
__________
(1) 3 – أي حاجة (1/21)
صفحة 22
رجعنا في الحديث إلى تسلية قلب الشيخ ناصر في طريقه، فقمت أكلمه بحديث مما وجدته وسمعته ونظرته وجعلت فيه حشواً، فلما سمعه أمرني بتأليفه، قلت له : فكثير مما سمعته مني اخترعته بنفسي ، يجوز أن أكتبه ؟ قال : نعم جائز ، وقد نطق به القرآن ، والحشو جائز مما يوافق الحق والصواب . فجعلت أفكر في وقت الأسحار ، وأسأل الله الواحد القهار أن يعينني على جمعه تأليفه وبما رويته من الأخبار وفيما سألت فيه العلماء الأبرار وأجعل فيه من الأثر والأشعار ومن علم الأبدان والفلك الدوار، ومما نظرت في زماني من تدبير الأخيار والأشرار ، ثم أجعله سبيكة حتى تظهر فائدته للمستمعين وظاهره قصة تمر عليهم مثل المتحدثين لأنها تجلب النساء والبنين، وباطنه علم عن العلماء الأولين والآخرين . وسميت الكتاب شفاء القلوب من داء الكروب ، صالح للطالب والمطلوب ، أذكاره واستماعه محرك لشهوات المحبوب . وجعلته لاستخراج الكلام في صورة صاحب يساعدني في المسألة والجواب ، مثاله مررت بقوم اختصموا عند رجل قد مات رجل وعليه دين وجعل في وصيته لما يحتاج إليه لعطره وكفنه وحنوطه وجهازه ولحفر قبره وبأكلة من تمر أو رطب ليأكلوه الناس بعد رجوعهم من دفنه ، وبعشرين محمدية فضة لمن يقيم به في مرضه ، والرجل سبب موته سقط من نخلة ومات بعد ثلاثة أيام، فأخذ الوصي مع (من) التاجر ما يحتاج إليه الميت وللقائم والتمر، وأراد الوصي أن يوفي التاجر من مال الهالك فحضر أصحاب الدين وخصموه، فقال الوصي: ما نقدت شيئاً إلا بما أوصى به الهالك لما لا بد له منه أخذت تسعة أذرع لأستر به عورته وجسمه، فقالوا له : الميت يستره الخوص المجموع . (1/22)
صفحة 23
فقال الوصي : أنا رجل فقير وبما جعلته للميت أخذته من عند التاجر، فحضر التاجر وشكى مع الرجل من المشتري ، والمشتري هو الوصي مفلس وعليه عيلة وحقوقاً قد لزمته للناس وكان حاضراً في مجلسهم رجل موسر فرحم الوصي وقال: هذه الدراهم وفاءً للتاجر من زكاة لزمتني فداءً عن الهالك، فقبض التاجر الدراهم، فقال الرجل المصلح بينهم: لا تجوز الزكاة أن تدفع للكفن، ولكن أنت التاجر ارجع الدراهم إلى الموسر، وأنت أيها الموسر انفد زكاتك للوصي المفلس وأنت أيها المفلس إن قبضت الدراهم انفد بها لما عليك فامتثلوا الأمر فلما نظرت هذا الرجل وتدبيره قلت (1) في نفسي: هذا صاحبي في زماني لتأليف الكلام فقربت منه وقلت له أسألك أيها الرجل عن منزلتك أنت موسر أم مقل ؟ قال اترك سبيلي ولا تكشف خلتي، قلت له: أريد الصحبة منك في زمانك، قال: أنا من الفقراء، وأكنى من أبناء الغبراء، وموطني الغبيراء، فقلت له: أنا أخوك، وأنتسب من بني عبرا، والحمد الله الذي ألّف بيننا، وجمع شملنا وكلامنا. فقلت له: صف لنا أبناء الغبراء حتى أعرف صفاتهم وأفعالهم، قال: هم أكثر الناس عددا والسبب لذلك جعل الله دليلاً فمن الفلك اثنا عشر برجاً ولها أرباباً تدور فيها، والبروج دورانها رحوياً وقيل دولابيا، فأول برج يطلع من المشرق وهو للسائل ولكل مولود دليل له وتحل السعود والنحوس فيها، والثاني لماله فإذا كان البرج الثاني من الطالع منحوساً أو كان ربه منحوسا بالاحتراق أو في الهبوط والوبال أو كان منفصلاً بالنحوس وفي البروج السواقط من الطالع فلهذا يكون المولود قليل المال لأن السعد كون اتفاقه قليل ومن هكذا أهل اليبس قليلون، قال: وإن أردت البحث في هذا العلم فعليك بالتعليم فيه فإن الله يكشف لك سر الأرض وما فيها.
(الطب)
__________
(1) 1 – في الأصل ( فقلت ) (1/23)
صفحة 24
... قلت: أخبرني عن مسائل في علم الأبدان مما ينفع لاشتقاق اليدين والرجلين؟، قال: لعله يكون السبب من برد الأطراف وجمود الدم، ومما ينفع لذلك طبيخ تبن الحنطة إذا لطخ به القدمين مشى بهما الإنسان فوق الثلج، والثلج يقطع دم البواسير ولتضييق الرحم، وإن أخذت الثلج ولففته بالحشيش وقف على حاله أياماً وشهورا.
قلت له: وما دواء الجروح والقروح؟ قال: قشور الرمان المحرق من أعظم الأدوية وأنفعها وأبلغها، وقشور الرمان إذا طبخ بقي ماء وصفي وجعل عليه يسير سليط -وهو الحل- وشرب من مقدار رطل قتل الدود والرطل قد استعملوه أهل الأمصار الآن على أوزان مختلفة والأصليّ هو اثنا عشر أوقية وذلك مائة وعشرون درهماً بالدراهم و بالمثاقيل قيل كل عشرة دراهم هن سبعة مثاقيل، وقيل الدرهم ثلثا مثقال . والمثقال مختلف مع الناس في وزنه عماني أخف وزناً ومصري أرجح وزنا، وذلك أن سبعة المثاقيل العمانيات ستة بالمصري، والصحيح منهما أن المثقال الأصلي ستة وثلاثون حبة بالقيراط الهندي المتوسط لا بغيره مثل السواحلي وغيره.
وشوكة القنفذ إذا بخر به صاحب الحصى تحت إحليله أخرج جميع الحصى.
... وأما بوخويط (1) .... (2) وجع في الذكر عند إراقة البول يؤخذ له الخليلقا خضراء وتسحق جيداً ويضاف إليها ماء بارداً بقدر الشربة ويجعل عليهما بزر قطونا المدقوق واخلطه جميعا في غناء ويشربه العليل ثلاثة أيام.
__________
(1) 1 – هو المرض الجنسي المعروف بالسيلان
(2) 2 – كلمة لم أتبينها (1/24)
صفحة 25
... وقيل أن مائة وثمانون علة في المقعدة وأضعفها الأبنة أجار الله كل مسلم من بلائها والمبتلون بها كثيرون وهي تحدث في عرق وهذا العرق لا يخلو أحداً من بني آدم منه إلا أنه يظهر في أناس كالجذام وما شاكله مثله ، وهذه العلة قد بلغت الغاية في تشيين أهلها، ويخرج الله الحي من الميت ويخرج الميت من الحي وعلمت تأويل ذلك مما شاهدته لأني رأيت أناساً قد ابتلوا بها ورأيت ذرية طيبة أخرجت من صلبهم، وكذلك الظالم والجائر يخرج منهم ذرية من الصالحين والعامرين في أرض الله.
قلت له: وتراب الأرض هو حلال أم حرام أكل؟ قال ليس هو بحرام على كل حال وهذا من علة تنزل على أناس، ودواءه أن يأخذ الزبيب الأسود ويجعله في الماء ويمرسه، ثم يأخذ ماءه المصلول ويجعل عليه قرنفل المسحوق الناعم ويداوم على شربه فإنه ينفعه.
قلت له: وبالذي يرمي من صدره شيئاً كثيراً منتناً شديداً ولا يخشع (1) من ذلك وصار على صدره كالجبل، قال: يستعمل الحليب الغنم من ساعة يحلب ويطرح فيه أحجاراً محمية من حين خروجه من الضرع ثم يترك فيه قليل لباناً مدقوقاً مع قليل صعتر ويشربه مادام حاراً يدمن عليه أربعين يوماً فإنه يخرج القيح الفاسد من الرئة ويغسلها والله الشافي.
ومما يذهب الحمى في الحال والوقت ولا تعود يسقى المحموم قدر مثقال ونصف آس يلاث بماء بارد فإنها تذهب والله أعلم.
وسمعت الشيخ ناصر يقول: إن في الجبل الأخضر شجرة يسمونها العنيس، وهي شجرة لا تعدو نصف القامة لها أعواد ضخمة وتفرق أعواداً دقاق لطيفة لينة من غير ورق، وإذا شق ذلك العود اللطيف بظفر وجد داخله شيئاً شبيهاً بالزباد إلا أنه أحمر إن كان ناضجاً وأخضر إن كان غير ناضج وله رائحة طيبة باردة لطيفة فإذا دقت هذه الشجرة وطبخت ومرست وصب من الماء على المحموم أسرعت في ذهاب الحمى بخاصية عجيبة في ذلك لغالب الحميات وقال: ينبغي أن تجرب لأم الصبيان في الصبيان فإني أظنها تكون بالغة في شفائهم منها.
__________
(1) -يتوقف (1/25)
صفحة 26
قلت له: ما تقول في الخطأ في الماء والفروج يلزمه الإنسان الضمان؟ قال: يلزمه، قلت: وفي العمد؟ قال: عليه الضمان والإثم، قلت له: وناكح الدواب ما يجب عليه؟ قال: إن أقر على نفسه بذلك وصحت عليه الشهادة الجائزة مع الإمام فعليه الرجم أو الهدف من الجبل، وعليه الغرم لصاحب الدابة، وقيل أنها تذبح وتدفن، وقول تجعل في الفلاة، وقول لا غرم على الفاعل إذا لم يصح حكم عليه، ومع عدم الإمام والحكم فعلى المسلمين أن ينظروا في أدبه ويزجروه عن فعله.
(مسألة شرعية: هل يجوز الزواج بالتي زنى بها وهو صبي أو مشرك؟)
قلت له: والذين زنوا في الصبا من المسلمين أو البالغين من المشركين ثم أسلموا والصبيان بلغوا هل يجوز للرجل أن يتزوج بالذي زنى بها في حال الصبا أو الشرك؟ قال: فيه أقوال للمسلمين بجواز ذلك.
(في الرؤيا)
قلت له: ما تقول في رجل رأى في نومه رجلاً يبني بيتاً ، وثار من داخله دخاناً في غير بلده ؟ قال : أما الذي يبني بيتاً فإنه يبني كلاماً بين قوم ، وتقع فتنة على يديه بسبب الدخان .
قلت له: والذي رأى في نومه يبنى له بيتاً في غير بلده ؟ قال: يبنى له أمراً وهو لا يدري به.
قلت له: ما تقول فيمن رأى بين اليقظة والنوم تأتي إليه امرأة مجهولة لغير شهوة، وهي امرأة ذات جمال وحسن وكمال وقد واعتدال لا تماثلها النساء وعليها الحلي والحلل، وهي تجلس في حجره وتخاطبه بكلام لطيف تريد أن يتزوج بها، وتأتيه مراراً في نوم الليل والنهار؟ قال: أما المرأة فهي الدنيا، وعلى قدرها يكون من البهاء والضعف والصغر والكبر، ولها دلائل في الحلال والحرام. (1/26)
صفحة 27
بيان : ذكرت في هذا الفصل أني أورد هذا الكتاب في صورة رجل أسائله، وأتيت هذا الفصل مثالاً مبيناً فيه اسم الذي أجعله كالرجل الذي أسائله وهو الذي قلت له من اسمك فقال أنا ذو الغبراء وليس ذلك في الحقيقة إلا صورة، وكذلك أورد في بعض القصص سؤالات لأحد غير معين من هو فقد يكون في بعض المواضع صورة، وجعلته مما يصح للعارف بين الحقيقي والصورة من معان الكلام وبالله التوفيق.
الذكر الثاني
في العلم، وفضائل العلماء والمتعلمين، وفي الحث على طلبه، وفيه مسائل من الطب للحفظ، وبما يحتاجه للقراءة والكتابة، ومسألة لاختيار التعليم من الفلك.
(فضل العلم والعلماء وآداب المتعلم)
قال الفقير لله خميس بن راشد سألت صاحبي ذا الغبراء: ما يلزم العبد من تعليم العلم؟ قال: معرفة الله تعالى، ولا يدرك العلم إلا من العلماء، وقيل أن العالم من ذهب ، والمتعلم من فضة، والثالث نحاس.
وقال الشاعر:
عن العلم فاسلك أينما سلك العلم وعنه فسائل كل من عنده فهم
وقيل من لم يتعلم لم يعلم، ومن لم يعلم لم يتق، ومن لم يتق هلك لأن تعليم العلم فريضة في كتاب الله تعالى قال الله عز وجل (وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ) (1) الآية.
والعلم الذي هو فريضة على كل امرىء مما نزلت به بلية التعبد بعلمه لأداء ما لزمه مما لا يصح أداء ه إلا بعلمه وأما ما هو لازم في الأصل فقبل أن تنزل به بلية التعبد فهو فرض على الكفاية في حقهم إذا قام بتعليمه البعض سقط عن الباقين.
__________
(1) 1 – التوبة : 122 (1/27)
صفحة 28
وقيل العلم فحل ولا تحبه إلا فحول الرجال، والواجب على المرء أن يطلب العلم ولو بالصين، حتى لو اتكأ الإنسان على عصا من حديد وانتعل في رجليه بنعل من حديد وفنيا لما بلغ الإنسان من العلم إلا قليلا، والجاهل صغير في العيون وإن كان شريفا، والعالم كبير وإن كان أصله وضيعا، وقال في هذا المعنى شعراً:
تعلم فليس المرء يولد عالما وليس أخو علم كمن هو جاهل
وإن كبير القوم لا علم عنده ... صغير إذا التفت عليه المحافل
فعليك بالجد فيه ولو لبست ثوب المذلة، والحرص ولو تزملت بلحاف القلة، لأن المذلة فيه عز وإجلال، والقلة فيه ثروة ومال، واعلم أن من قرأ درى، ومن تعلم علم، ومن عاش متعلماً مات عالماً، قال الشاعر في هذا المعنى:
ألا إن هذا العلم ليس بمدرك براحة نفس قد يصان ويودع
وطالب هذا العلم يحتمل الأذى ويشرب بالكوز الذي فيه ضفدع
فلا تستصعب التعليم، ولا تستضعف نفسك عن التفهم، فإن الهيبة تورث الخيب. قال الشاعر:
لا تكونن للأمور هيوبا فإلى خيبة يصير الهيوب
وقيل من لم يحتمل ذل التعليم ساعة بقي في ذل الجهل إلى قيام الساعة، فاجتهد يا أخي في تعليم العلم، ولو لم تأخذ منه إلا قليلا، فإن قليل العلم كثير، وصغيره كبير، واترك العجز والضجر، وقال علي بن أبي طالب شعرا:
لا تعجزن ولا تدخلك مضجرة فالنجح يهلك بين العجز الضجر
ومن طلب العلم ونبذ ثلاث خصال فأنا كفيله ببلوغ الآمال: وهو الضجر والملال والحياء عند السؤال، لأنه قد قيل من رق وجهه عند السؤال، رق علمه عند الرجال، لأنه قيل سل سؤال الحمقى واحفظ حفظ الكيسى، ولعمري إن كل من ينل منزلة حسد عليها، وقد قال الشاعر:
حسدوا الفتى إذ لم ينالوا سعيه فالقوم أعداء له وخصوم
كضرائر الحسناء قلن لوجهها حسداً وبغضاً إنه لدميم
وكل من لم يعرف شيئاً ذمه وعابه وازدراه، وقل ما يكون محنة فاضل إلا من ناقص، وبلوى عالم إلا من جاهل، كما قال المتنبي:
وإذا أتتك مذمتي من ناقص فهي الشهادة لي بأني فاضل (1/28)
صفحة 29
وسمع أبو نبهان رجلاً يذم الكيمياء ومن يعملها، فقال في هذا المعنى شعراً:
الجهل داء في الفؤاد نحيس ... ... ودواءه التعليم والتدريس
جنح النكير لكل حق صادر ... ... من ليل جهل طبعه التخسيس
أو ما ترى العربيد ينكر سرنا ... ... ويقول إن الكيميا تهويس
ضل الأصول وقال هذا باطل ... ... أنت الجهول وطبعك التخليس
بالجهل أنكرت الصحيح عماية ... ... لما جهلت وعاقك التحتيس
كالشمس بارزة ولكن دونها ... ... ستر الرموز ولبسها النلبيس
فالنص فيها في الكتاب مسطر ... ... عن قول من هو حكمه التلبيس
من بعد ما قد كان من قوم الفتى ... ... موسى وهو العالم النطيس
والمصطفى وكذا علي بعده ... ... فاها بها رمزاً له الترميس
فالأصل فيها أنها عن آدم ... ... عمن له التفريد والتقديس
وكذاك شيث نصها عن آدم ... ... تنبىء بها الألواح والتطريس
حتى تلقف هرمس لعلومها ... ... وهو الحكيم ودأبه التحديس
مرقوربوسٍ ثم دو بقراطهم ... ... مع ريئسوس زانه التنفيس
قالوا ومارية حكت في نصها ... ... وهي الحكيمة طبعها التحويس
وكذاك خالد الحكيم وجابر ... ... فهو المقدم دأبه التأسيس
هذا وكم من حكيم غيرهم ... ... فيها تفرس والهدى التفريس
أيضاً وكم فيها كتاب راسخ ... ... قد قيل ألف جلهن شموس
والتجربات فشاهدان أنها ... ... حق مبين مابه تدليس
لكنها حجبت برمز معجز ... ... في بحر لغز حوله التدليس
قد شاكلت شمس الضحى لكنها ... ... من فورها التمويل والتفليس
خفيت عليك وظلت تجحدها إذاً ... ... لما عميت وقلك التجسيس
ما ضرها إنكار عين عاقها ... ... في نورها التغميس والتطميس
لو حل كشف السر لي يا جاحداً ... ... أنكست رأسك والصلي النكيس
قد قلت قول الحق غير مصرح ... ... إن الصناعة أصلها التكليس
بدر وشمس زيبق كبريته ... ... مس وطلق بوصها التطويس
من كل ركن طبعه تركيبه ... ... في بوط بربوط به التبريس
سبعين عاماً دعه في اصالة ... ... حتى يموت ويجبه التخريس
يفتر عن ذهب عجيب خالص ... ... ما فيه غش لا ولا تدنيس
هذا هو السر المصون وإنه ... ... تحت القياس وسره التقبيس (1/29)
صفحة 30
... ويقال الجهل داء والعلم دواء، والجهل عورة تستر، والعلم زينة تظهر، والجهل أقبح ما في الإنسان، والعلم أملح ما في الإنسان، وقال أبو المؤثر: بالعلم يطاع الله، وبالجهل يعصى الله، وكفى بالعلم شرفاً أن كل أحد يدعيه وإن لم يكن من أهله، وكفى بالجهل ذماً أن كل أحد يتبرأ منه وإن كان معروفا.
وفي الخبر: لا تتعلموا العلم لتباهوا به العلماء، ولا لتماروا به السفهاء، ولا لتخبروا به في المجالس، فمن فعل ذلك فالنار النار، ولا ينبغي لعاقل أن يترك علماً يتزوده لمعاده، ولكن يكفيك من العلم ما تنتفع به، وقيل مثل العالم الذي يعلم الناس ما يلزمهم في دينهم يريد به وجه الله كمثل الشمس تضيء للناس ولا ينقص منها شيء، ويروى عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال:(تعلموا العلم فإن تعليمه لله خشية، ومدارسته تسبيح، وطلبه عبادة، والبحث عنه جهاد، وتعليمه لمن لا يعلمه صدقة، وبذله لأهله قربة، وهو منار سبيل أهل الجنة، والأنيس في الوحدة، والصاحب في الغربة، يرفع الله به أقواماً ويجعلهم في الخير قادة تقتفى آثارهم، وترفع أعمالهم، وترغب الملائكة في خلتهم، وبأجنحتها تمسحهم، وكل رطب ويابس يستغفر لهم، حتى حيتان البحر وهوامه، وسباع البر وأنعامه، والسماء ونجومها، النظر فيه يعدل بالصيام، ومذاكرته تعدل بالقيام، بالعلم يعرف الله ويوحد، وبه يطاع وعبد، وهو إمام والعمل تابعه، يلهمه الله السعداء، ويحرمه الأشقياء, فالعلماء ورثة الأنبياء، وملح الأرض، ومصابيح الدنيا، وهم الأدلاء عن العماء، والمشهورون في الأرض والسماء، لأنهم الأئمة ورباني الأمة، والعلماء بالله والسنة، وقواد الناس إلى الجنة) (1) .
... وقال بعض الصالحين في هذا المعنى شعراً:
الناس من جهة التمثيل أكفاء ... ... أبوهم آدم والأم حواء
نفس كنفس وأرواح مشاكلة ... ... وأعظم خلقت فيهم وأعضاء
__________
(1) 1 - ذكره المنذري مع اختلاف في الألفاظ في الترغيب والترهيب ج1 ، ص52 ، الحديث رقم 102 (1/30)
صفحة 31
فإن يكن لهم في أصلهم شرف ... ... تفاخرون به فالطين والماء
لا فخر إلا لأهل العلم إنهم ... ... على الهدى لمن استهدى أدلاء
الناس موتى وأهل العلم أحياء ... ... الناس مرضى وهم فيهم أطباء
الناس أرض وأهل العلم فوقهم ... ... سناً ونوراً وما في النور ظلماء
ووزن كل امرىء ما كان يحسنه ... ... والجاهلون لأهل العلم أعداء
وضد كل امرىء ما كان يجهله ... ... وللرجال على الأفعال أسماء
ثم قال: العالم يعرف الجاهل لأنه كان جاهلاً، الجاهل لم يعرف العالم لأنه لم يكن عالما، فكل من جهل شيئاً عاداه، وذلك قوله سبحانه وتعالى: {بَلْ كَذَّبُواْ بِمَا لَمْ يُحِيطُواْ بِعِلْمِهِ} (1) ، وقال تعالى: {وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هَذَا إِفْكٌ قَدِيمٌ} (2) .
اعلم أن العلماء لهم فضائل، ويجوز أن تقول فلان أفضل من فلان، ولا يقال فلان أتقى، ولا أصدق فلان من فلان إذا كانوا كلهم أهل تقى وورع.
__________
(1) 1 – يونس : 39
(2) 2 – الأحقاف : 11 (1/31)
صفحة 32
... قال ذو الغبراء: وعليك يا أخي بمجالسة العلماء لما روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: جلوس ساعة عند العلماء أحب إلى الله من عبادة ألف سنة لا يعصى الله فيها طرفة عين، والنظر إلى العلم أحب إلى الله من اعتكاف سنة في بيت الله الحرام، وزيارة العلماء أحب إلى الله من سبعين حجة مقبولة، ويكتب له ما دام جالساً عند العالم بكل حرف سبعين حجة وعمرة، ورفع له درجة، وأنزل الله عليه الرحمة، ووجبت له الجنة يوم القيامة) (1) ، فإن يسر الله لك ذلك فطلبت العلم وعرفت بعضه بفضل الله عليك فاشكر الله عزوجل على ما بلغك وأعطاك وعلمك وهداك، واعلم أنك لا تقوم بشكره حقيقة ولو بذلت عمرك جميعاً في طاعته، لكنك الزم التواضع للناس، واعمل برواية الرسول - صلى الله عليه وسلم - يقول:( صل من قطعك، وأعط من حرمك، واعف عمن ظلمك ) (2) ، فهذه الرواية تدل لمن عمل بها على حسن الخلق، ثم افت بما علمته يقينا، وحفظته ضبطا، غير مسارع إلى الفتوى ما وجدت أحداً قائماً بحوائج الناس، ولا تأنف أن تقول فيما لا تعلم لا أعلم فإنه ليس ينقص فيك شيئاً ولا عار عليك، وقد اعتذر من هو خير منك، وإياك ثم إياك أن تشتغل بعلم غيرك بل أن تعلم ما أنت مسئول عنه يوم القيامة مثل الإيمان والصلاة والصيام والزكاة والحج والعمرة ومظالم العباد في أبدانهم وأموالهم وفروجهم وأعراضهم، فإذا سلم العبد منها أو من الإصرار عليها إن جرت منه فمرجو من الله عز وجل أن يدخله الجنة برحمته الواسعة، ولا تقوم جميع الفرائض إلا بالعلم ولا يصح العلم إلا بالتعليم والانقطاع فيه ليلاً ونهارا كما قال الشاعر:
__________
(1) 1 – الذي وجدته في كتاب الفردوس بمأثور الخطاب ج2 ، ص108 ( جلوس ساعة عند مذاكرة العلم أحب إلى الله عزوجل من أن يتصدق عشرة ألف دينار )
(2) 2 - شعب الإيمان ج6 ، ص216 ، مسند أحمد ج4 ، ص158 ، وعون المعبود ج5 ، ص79 وقال فيه (( قال المنذري : وأخرجه البخاري والترمذي )) . (1/32)
صفحة 33
العلم صيد والدراسة قيده فاحفظ صيودك بالقيود الواثقة
وقال آخر:
يا طالب العلم باشر الورعا وجانب النوم واحذر الشبعا
وواظب على الدرس لا تفارقه العلم بالدرس قام وارتفعا
(ما يعين على الحفظ)
... ولقليل الحفظ أن يعمل بما يقويه للفهم مثل ماء ورد العجمي والسكر الأبيض البلوج يشرب، ومثل اللوز والسكر يأكل، ويجتنب أكل الملوحات والحموضات والمحرقات، وكل ما كان أكله يفسد الدماغ فيجتنبه.
للحفظ(أيضا): يؤخذ سكر الأبيض النقي من الحمرة مثل البلوج والبنجالة وأشبه ذلك ويطبخ بمثله من حليب الغنم حتى ينعقد كالسكر ثم يطبخ بماء ورد عجمي ويؤكل بمثله لوزاً مسحوقاً ويروى ذلك عن النبي - صلى الله عليه وسلم - .
... وينبغي للمتعلم مكان وإخوان وأعوان في الزمان، وأن يعمل الروائح الطيبة الباطنة لجسده والبخورات لثيابه.
ومما ينبغي للمتعلم يتعلم الخط كما قال علي بن أبي طالب الخط الحسن يزيد الحق وضوحا، وقال لرجل رآه قبيح الخط أطل حلقة قلمك وأسمتها وحرف قطتك وأيمنها وأعدل أقسامك وأقم ألفك ولامك، فهذه الوصية تضمنت أصول لكتابة.
... ومما سمعت الشيخ ناصر بن أبي نبهان إن كان المتعلم صاحب نسيان فليكتب بالزعفران ويشربه ستة عشر يوماً يداوم عليه كل يوم، وإن قرأه بعد قيامه للصبح دائماً فإنه يجد من الحفظ في نفسه ما لم يجده من قبل وهذا هو المذكور: (1/33)
صفحة 34
بسم الله الرحمن الرحيم، الرحمن علم القرآن خلق الإنسان علمه البيان، اقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم علم الإنسان ما لم يعلم، سنقرئك فلا تنسى، سنقرنك فلا تنسى، سنقرئك فلا تنسى، سنقرئك فلا تنسى ، سلام قولاً من رب رحيم، سلام قولاً من رب رحيم، سلام قولاً من رب رحيم، سلام قولاً من رب رحيم، ربنا أتمم لنا نورنا، ربنا أتمم لنا نورنا، ربنا أتمم لنا نورنا، ربنا أتمم لنا نورنا، يؤتي الحكمة من يشاء ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيراً كثيرا، يؤتي الحكمة من يشاء ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيراً كثيرا، يؤتي الحكمة من يشاء ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيراً كثيرا، يؤتي الحكمة من يشاء ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيراً كثيرا، الله نور السموات والأرض مثل نوره كمشكاة فيها مصباح المصباح في زجاجة الزجاجة كأنها كوكب دري يوقد من شجرة مباركة زيتونة لا شرقية ولا غربية يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار نور على نو، اللهم اجعل نوراً على نور، وحفظاً وفهماً وبرهاناً وضياءً وحكمةً وعلماً وسلطاناً وإسلاماً وإحساناً وإيماناً في عقل وقلب ونفس وروح وسمع وبصر وأعضاء فلان بن فلانة واجعل له قوة حفظ وقوة فهم وقوة ذكاء، ففهمناها سليمان وكلا آتينا حكماً وعلما، ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم، يا الله يا عليم يا حكيم يا خبير يا مبين يا شهيد يا سميع يا بصير يا حي يا قيوم يا وهاب إنك على كل شيء قدير، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم ، وصل اللهم على سيدنا محمد النبي وعلى آله وصحبه وسلم.
الذكر الثالث
في العقل، ولخدمة البصر والسمع والشم والذوق واللمس، وفيه ذكر الأعداء إبليس والدنيا والهوى، ثم ضدهما بالعقل والزهد والتقوى فصح بين الفريقين الخصام والقتال فظفر الله المحقين.
في العقل وأهميته للجسم والروح (1/34)
صفحة 35
قال ذو الغبراء: سألت عن العقل ما السبب لصلاحه وفساده؟ فقيل لي في الجواب عن العبد الفقير لله تعالى راشد بن عميرة بن ثاني بن خلف بن محمد بن عبدالله بن هاشم بن عبدالله بن هاشم بن خنبش بن يزيد بن عميرة بن قيس بن مالك بن عمر بن وديعة بن لكبر ابن أقصى بن عبد القيس بن أقصى بن دعمي بن حديلة بن ربيعة بن معد بن عدنان قال: ولقد جرى في قلبي ووقع في خاطري ذكر بعض ما خلق الله تعالى في الإنسان من الأعضاء الرئيسة التي لا بد من ذكرها ومعرفتها إذ الحاجة في ذكرها ضرورية، وهي التي فضل به الإنسان على جميع المخلوقات وبها تكون العقل وبها يتوصل الإنسان إلى معرفة خالقه وبه ينال الدرجات العلا، وجعلت نظماً فقلت:
نظمت مقالاً يبهج العين منظرا بما قد حوى دراً ولفظاً مسطرا
النظم ضد النثر، ونصب مقالاً على المفعولية، و يجوز أن يكون المصدر أي قلت قولاً ومقالاً، والمبهج الحسن الذي يروق العين والقلب.
يفوح شذاه حين ينشد في الملا على أولياء الفهم مسكاً وعنبرا
يفوح يثور وفاحت الرائحة أي ثارت، والشذا أيضاً النشر والرائحة، والإنشاد مأخوذ من إنشاد الضالة إذا سألت عنها، وأنشدتها إنشاداً إذا عرفها، ومنه إنشاد الشعر، والملا اجتماع الخلق.
يزيد ذوي الألباب علماً وحكمةً ومعرفة للخالق البر إذ برى
الزيادة النمو، وذوي الألباب أهل العقول، والخالق والبر هما (1) اسمان من أسماء الله تعالى.
لأجسامنا وهو المدبر صنعها على ما يشا مما أراد وقدرا
المدبر المصرف والتدبير التصريف ، والصنع ما اصطنعه من خير وشر.
وأنزل فيها القلب والعقل نوره يكون اتصالاً بالدماغ كما جرى
__________
(1) 1 – في الأصل : هو (1/35)
صفحة 36
يقول وجعل في هذه الأجسام القلب العقل وهو أفضل شيء في الجسد قال النبي - صلى الله عليه وسلم - :(إن في الجسد مضغة فإن صلحت صلح الجسد كله وإن فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب ألا وهي العقل) (1) ، والعقل هو نور متصل منه إلى الدماغ إذ خلق الله تعالى الدماغ ثلاثة بطون وجعل في القلب ثلاث تجويفات، وجعل العقل يتوصل في جميع ذلك، وجعل الأرواح تنقسم إلى ثلاثة أقسام الروح النفساني الذي في الدماغ ، وتولد هذا الروح من الروح الحيواني الذي هو مسلكه القلب وتولد هذا الروح من الروح الطبيعي التي هي مسكنها الكبد ، وهذه صفة تولد الأرواح الثلاث على مراتبها.
__________
(1) 1 – حديث متفق عليه رواه البخاري ومسلم وغيرهم رووه جميعاً بدون الزيادة التي أوردها المؤلف في آخره وهي ( ألا وهي العقل ) (1/36)
صفحة 37
اعلم أن الكبد إذا طبخت الغذاء ارتقى منه بخار فعمدت الطبيعة فجذبت ذلك البخار إليها فجعلته الروح الطبيعي، وانجذاب الدم الحاصل فيها قسط هو أصفاه وألطفه إلى القلب فيتغذى القلب منه وتولد من ألطفه في التجويف الأيسر من تجويفه لأن الأيمن مشغول يجذب الدم من الكبد جسماً لطيفاً بخارياً يسمى اللطقة روحاً حيوانياً وتفيض من النفس الناطقة عليه قوة تسمى القوة الحيوانية ولولاها لعفن البدن وعرض له ما يعرض للبدن الميت من الفساد ثم تفيض على الروح الحيواني أيضاً قوتان أخرتان أحدهما القوة الطبيعية والأخرى النفسانية وينجذب قسط آخر إلى الكبد وينضح فيه نضحاً جديداً ويسمى روحاً طبيعياً حينئذ ويظهر آثار القوة الطبيعية هذا على رأي الحكماء، وأما الأطباء فمنهم من وافق الحكماء فيما ذكرنا إلا في أمر واحد وهو أنهم قالوا القوة النفسانية تفيض على القسط المنجذب إلى الكبد في الكبد ومنهم من خالف الحكماء فيه وقال الروح النفساني لا تنجذب من القلب بل تتكون في الدماغ من الدم الحاصل الوارد من الكبد والروح الطبيعي لا تنجذب من القلب بل تتكون في الكبد من الدم الحاصل فيه ولا محالة تكون القوتان قابضتين عليهما في الدماغ والكبد وهذا المذهب يخالف مذهب الحكماء كثيرا، والذي قبله قليلا. (1/37)
صفحة 38
فإذا عرفت هذا فنقول (1) الأعضاء الرئيسة هي القلب والكبد والدماغ والأنثيان، فأما الأنثيان فليس هنا موضع ذكرهما، وقد جعل الله سبحانه وتعالى لهذه الأعضاء خداماً، أما القلب تخدمه الشرايين لأنها تحمل الروح الحيواني منه وتنفذه إلى سائر البدن، وأما الكبد فتخدمه الأوردة لأنها تنفذ الروح الطبيعي والدم إلى سائر البدن من الكبد، وأما الدماغ فتخدمه العصب فإنه ينفذ الروح النفساني إلى سائر البدن منه ومنها الأرواح ولا يعنى بها النفس كما يراد بها في الكتب الإلهية بل يعنى بها جسماً لطيفاً محارياً يتكون من لطافته الأخلاط وبخاريتها كتكون الأعضاء من كثافتها والأرواح هي الحاملة للقوى فكذلك أصنافها كأصنافها، ولفظ الأرواح يطلق على شيئين أحدهما النفس الناطقة كما يراد بها في الكتب الإلهية كالقرآن العزيز وغيره، والثاني جسم لطيف بخاري يتكون من لطافته الأخلاط وبخاريتها كتكون الأعضاء من كثافتها وهو الذي تعنيه الأطباء هي الروح هي الحاملة للقوى الناقلة لها من معادنها إلى مقاصدها فتكون أصنافها كأصناف القوى فهذا ذكر الأرواح الثلاث، أولها أفعال وتصاريف تختلف يطول بشرحها الكتاب وبهذه الأرواح يتصل الروح الناظر وسنذكر إن شاء الله تولده ومعرفة جميع بطون الدماغ.
ومنها بطون للدماغ ثلاثة والقلب في تجويفه مثلها ترى
يقول ثم إن للدماغ ثلاثة بطون وللقلب ثلاث تجويفات وتجميعها يكون العقل وبه معرفة الأشياء. فأما بطون الدماغ فالبطن الأول فيه التخيل وهو المقدم، وهو يعين على الاستنشاق، وعلى نفض العضل بالعطاس ، وهو على توزيع الروح الحساس والبطن المتوسط كدهليز بينهما يقود جميع الأشباح المذكورة ، والبطن المؤخر هو المبتدأ النخاع وهو يوزع أكثر الروح المتحرك وهناك أفعال القوة الحافظة. ...
__________
(1) 1 – في الأصل : فتقول (1/38)
صفحة 39
وللدماغ أيضاً أوعية تعرف الدماغ وعاءان في مقدمة ووعاءان في مؤخرة ووعاء بين الوعائين المقدمين، فالوعاء المؤخر من الأوعية هو الروح النفساني الذي به تكون الأفعال، وتنحدر من بطون الدماغ أغشية تتولد منها طبقات العين وتنحدر من جوانب الدماغ لكل عين عصبتان يكون فوقهما هذه الأغشية المذكورة فيكون من ذلك الروح الناظر وعند التقاء العصبتين آلة الشم.
فأول بطن صار فيه تخيل وثان لها قد صار للفكر محمرا
قد ذكرنا في تفسير البيت الأول أنه مقدم بطون الدماغ فيه التخليل والثاني فيه الفكر والثالث فيه الذكر.
وآخرها قد صار للذكر منزلا ألا فاستمع ما قلته وذر المرا
... وقد تقدم أيضاً أن الذكر في البطن المؤخر من بطون الدماغ.
وأما تجاويف الفؤاد فإنما يكون بما علاه نوراً منورا
... يقول: ثم إن للقلب في تجاويفه وهي في أعلاه فيما غلظ منه نور يسطع وهو أعلى اللسان ومعاني الحروف هناك مشكلة وهي محل القوة في اللسان والقوة المدبرة لإرادة المعاني المنبعثة من النفس وله عين نورانية ينظر بها الأسرار المحسوسات وأطوار المركبات وحقائق الحروف وأسرارها وعظم ما أودع الله فيها من أسرار أسمائه وحقائقه ومعارفه فيما كان ودها لعظم معرفة الله تعالى لمعرفتها أنعم الله عليها من أسرار المحسوسات وتلك البصائر كلها إلا انهم متباينون باختلاف الاطوار ، وقد تقدم في مواقيت البصائر ولطائف السرائر أن أرواح الوحي في كتاب الله ثلاثة روح الأمين وروح القدس وروح الأمر. فالوحي من روح الأمين نزل على التجويفة الأولى لأنها البرزخية التي هي بين النطق واللسان وهي أول مراتب الوحي والتنزيل وربما قسم له إلهام الله تعالى على القلوب.
وفي وسطه تجويفة ثم قد حوت محل سكينات له والتفكرا (1/39)
صفحة 40
يقول وأما تجويفه الثانية وهي الوسط وهي محل التفكر والتذكر وهو نور ساطع، وهو محل السكينة، وهو محل الخيال فيما يلقيه ولهذا التجويف عين نورانية بها يدرك الطلب، ومنها ينبعث في الجد في الطلب والشغف إلى الشيء المطلوب وهو أسرع تعلقاً بالاشخاص للطافتها وبها يكشف عالم الملك وما حواه صنع الملك تعالى، وبها يكون يقع الإحسان للمستحسنات.
وثالثها تجويفة وهي آخر يطول بها الإنسان علماً ومخبرا
... ثم إن للتجويفة الأخرى وهي أرقه وألطفه ويعبر عنها بالفؤاد وهو محل العقل والإيمان ولطائف الحكم، وهو محل الحب ومحل الحياة الطبيعية من الحرارة اللطيفة ولهذا قيل للفؤاد عين نورانية بها يدرك حقائق الملكوت وأسرار العلويات الجبروتيات وموازين الحقائق، وهي محل الأنوار الوهبيات وأسرار العلويات. وتلك البصيرة التي تبصر بها قال الله تعالى: {فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ} (1) وهي محل النور الأقدس وهي محل السمع أيضا، وهو محل العقل قال الله تعالى لنبيه: {فَإِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاء إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ} (2) لم يرد به موتى الحس وإنما موت الكفر والعصيان، ولم يرد به الصم الآذان لأن حاسة السمع فيهم موجودة، وإنما أراد به هذا السمع الذي هو عالم الفؤاد ومحل العقل وهو محل عين روح الأمر الذي يشير إلى التمكين وحقيقته الجمع ما اختص به التنزيل إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وقد شرحنا أدوية القلب وخزانتها.
بها يهتدي الإنسان طاعة ربه وصنعته مما ذراه وما برا
بها يكمل العقل المكون فيهم فسبحان من ندعوه أول آخرا
يقول: ثم إن الله تعالى جعل كمال العقل وتمامه لجميع الآلة ولو عدم العقل آلة من هذه الآلات لم يقسم حاله وكان كأحد البهائم ولم يهتدي إلى درجات العلى.
__________
(1) 1 – الحج : 46
(2) 2 – الروم : 52 (1/40)
صفحة 41
وقد جعل الله المهيمن ربنا له خدماً يأتونه بالذي جرى
يقول: وقد خلق الله للعقل أعواناً وخدماً يؤدون إليه جميع ما يشاهدونه ويرونه، وهؤلاء الخدم هي الحواس الخمس وهي البصر والسمع والشم والذوق واللمس، فلولا أن الله تعالى لم يخلق البصر لما اطلع القلب على جميع الأشياء المرئية ولا عرف العقل مصنوعات خالقه وقوة البصر موضعها تقاطع الطليتين بين العصبتين الآتيتين إلى العينين الآتي ذكرهما من شأنهما إدراك الألوان والأصوات والأشكال وحاسة السمع تؤدي إليه معرفة المسموع من الشيء الناطق المصوت فيهتدي القلب إلى معرفة ذلك ويعرف صوت المصوت من الناس والحيوان ولو عدم الإنسان معاينة الشخص الناطق ولو كان ذاهب البصر، وقوة السمع موضعها العصبة المفروشة في الصماخ من شأنها إدراك الأصوات وحاسة الشم المشموم فلو كان الإنسان ذاهب السمع والبصر لعرف الرائحة ولاهتدى القلب إلى معرفة الشيء المشموم ، وقوة موضعها اللحمتان (1) الزائدتان الشبيهتان بلحمتي الثدي من شأنهما إدراك الرائحة المتصعدة من الهواء، وحاسة الذوق موضعها العصب الذي في حرم اللسان من شأنها إدراك معرفة الطعوم، فلو عدم الإنسان آلة البصر والسمع والشم وذاق شيئاً لأهتدى إلى معرفة القلب، وحاسة اللمس فلو عدم الإنسان جميع الحواس وقرب إليه شيء ولمسه بطرف أنامله لعرف الشيء الملموس ولاهتدى القلب إلى معرفة ذلك، وقوة اللمس موضعها الجلد الذي على طرف الأنملة . وقال بعض أن الحواس ثمان ما باطنة تركت ذكرها.
فأربعة قد صار في الرأس جمعهم وخامسهم قد صار في اليد مشهرا
... يقول وجميع هذه الحواس منها أربعة في الرأس وهي التي ذكرناها في البيت الماضي.
وقد جعل الله اللسان بأسره له ترجماناً من أكن وأظهرا
__________
(1) 2 – في الأصل : اللحمتا (1/41)
صفحة 42
... يقول إن الله سبحانه وتعالى من لطفه جعل العقل ترجماناً يخبر عنه بإظهار ما أراد إظهاره، وإضمار ما أراد إضماره، بعد أن أدت إليه جميع هذه الحواس إلى معرفة الشيء.
فلولاهم ما فضل الله آدماً على خلقه والله ذو العرش قد يرى
ولولاهم ما كان إلا كمثلنا سفائن منها الحتروان تكسرا
... يقول فلولا العقل والآلة المذكورة لم يفضل الله آدماً وجميع ذريته على جميع المخلوقات، ولكان كإحدى البهائم ، ولكانوا كمثل السفائن في البحر تكسر منها الحتروان والسكان الذي هو مقودها وزمامها . فإذا عدمت ذلك لم يهتدي بها، ولن تخلص راكبها من البحر، فكذلك إذا عدم الإنسان العقل، ألم تر كيف خوطب الإنسان إلا والعقل عنده، ولم يخاطب النائم ولا المجنون ولا الطفل، ولا يعرف الإنسان ربه ومصنوعاته إلا به. (1/42)
صفحة 43
... وقد مثل الشيخ العالم فخرالدين أحمد بن مهدي الحلي مثلاً في العقل وأتباعه فقال: إني فكرت في المؤمن واحتراسه من عدوه في سلوك منهج التقوى، ومخالفة أمر الهوى، واقتدائه محمد المصطفى، أن الله إذا اختص المؤمن بولايته أكرمه بمحبته، وأيده بنور هدايته، فارتدع عن معصيته، وسارع إلى القيام بخدمته، وقهر النفس بمعرفته، وطلب معرفة ربه وعصمته، ورجا عفوه ورحمته، فيعجز عنه الشيطان عن التطرق إليه بدقائق جبلته ومكره وخديعته، فدلتني الفكرة فيما اعتمدته مني صفته أن مثل المؤمن في الدنيا كمثل مدينة وحولها سور أحاط بها، وقلبه في تلك المدينة كالقصر للملك، والإيمان في قلبه كمثل الملك في ذلك القصر، وللملك سرير وهو التوحيد، وله تاج وهو المحبة، وله وزير وهو العقل، وله صاحب وهو التقوى، وله صاحب سر وهو العلم، وله نديم وهو الزهد، وله صاحب سرور وهو الذكر، وله علم وهو الألسن (1) ، وله سراج وهو الحكمة ، وله سيف وهو الحق، وله درع وهو التوكل، وله رسول وهو الصدق، وله منادٍ وهو الإقرار، وله سجن وهو الخوف، وله دليل وهو الفراسة، وله ثواب (2) وهو المراقبة، وغلق على الباب للمدينة وهو الصبر وتحته حصان وهو الشكر وله جنود ينصحونه، وله أصحاب لا يخالفونه فبينما هو في قصره معتكف على نهيه وأمره إذ أقبل بعض جماعته المشفقين على مملكته وقال: أيها الملك الكريم إن الشيطان الرجيم إذ أقبل بوجهه إليك في جيش عظيم، فاحترس في قصرك واستعد في مدينتك، فأنا أظنه غداة غد واصل إلى مدينتك نازل، وعن حربك غير ناكل، فنادى الملك في جماعته، وأهل النصح من خاصته، وأعاد عليهم الخطاب ، وطالبهم بالرأي والجواب ، ثم التفت إلى الوزير وهو العقل ، وقال بماذا تشير؟ فقال: نحفر حول مدينتنا خندقاً من الزهد، فإنه لبأس عدونا يصد ولكيده يرد فسارعوا في حفره بمعاول القلق (3) ،
__________
(1) 1 – هكذا بالأصل والظاهر الأنس
(2) 2 – هكذا بالأصل والظاهر بوّاب
(3) 1 _ في الأصل : الفلق (1/43)
صفحة 44
وأطلقوا في مجاريه بدموع الأرق، فلما أحاط الخندق بالمدينة أنشأ في الحال يقول شعراً:
فلما أحاطت بي جنود وسواسي حفرت لزهدي حول قلبي خندقا
حفرناه في أرض التودد والرضى وأجريت فيه دمع عيني مدفقا
وصابرت وجدي واعتصمت بخالقي فأصبحت من كيد المكاره مطلقا
فبينما هو كذلك إذ عنت غبرة الباطل، وأقبل العدو بين فارس وراجل، وكانت جنوده عشرة وهي الحسد والكبر والعجب والتجبر والغل والمكر والمحالة والحقد والغدر والوسوسة في الصدر.
ونزلت النفس من شمالي المدينة وكانت جنودها عشرة وهي الحرص والشهوة والرغبة والقسوة والزيغ والشح والبخل والطمع والأمل والكسل.
ونزل حب الدنيا أمام المدينة وجنوده عشرة وهي الزنا والتفاخر والتكاثر والنظر واللهو واللعب والزور والكذب والغش والخديعة والتفريط.
ونزل إبليس اللعين وراء المدينة وكان جنوده عشرة وهي الظلم والخيانة وترك الأمانة والكفر والنفاق والإفك والشقاق والعداوة بين الأهل والجيران وحب الزينة والمال ومعصية ذي الجلال، فهال الملك ما أبصر وارتاع وتحير، وأنشأ في الحال يقول شعراً:
إني ابتليت بأربع لم يخلقوا إلا لعظم بليتي وعنائي
إبليس والدنيا ونفسي والهوى كيف الخلاص وكلهم أعدائي
فأجابه وزيره العقل وأنشأ يقول شعراً:
لا تجزعن لما أبصرت حل بنا ... ... فحول بلدتنا القرآن يحرسنا
ونحن في ستره من كل ناحية ... ... فنسأل الله إذ للخير وفقنا
فمذ عرفناه صافانا مودته ... ... لكن ينكرنا من ليس يعرفنا
ومن يكن ناسياً إبليس نائبه ... ... ... ونحن نذكره فالله نائبنا (1/44)
صفحة 45
قال: ثم إن الملك نادى ياغياث المستغيثين، ويا أمان الخائفين، ويا صريخ المكروبين ، ويا دليل المتحيرين، ويا منقذ الهالكين ، ويا إله العالمين ، فثبت الله جنانه ، وشد أزره (1) وأركانه، وقال للوزير وهو العقل: كن أنت في مقابلة الهوى، واطلب النصر من المولى، وقد سلمت يمين مدينتي إليك، واعتمدت في حفظها بعد الله عليك، فقال: أحب أن تندب إليّ إخواناً ليكونوا على العدو أعوانا، فضم إليه من جنوده عشرة وهي محبة الخالق والتواضع وحسن الخلق والتيقظ والإيثار والنصيحة والوفاء والثبات والتحبب إلى الخلق والذكر، قال: وسلم الجانب الثاني إلى حاجبه وهو التقوى، وقال له: كن أنت في مقابلة النفس، وسلم إليه من جنوده عشرة وهي التوكل والعفاف والصفاء والمبادرة إلى الطاعة والحياء والبذل وغض الطرف عن المأثم وذكر الموت والسكينة والقناعة، قال وسلم (2) الجانب الثالث إلى نديمه وهو الزهد، وقال له: كن أنت في مقابلة الدنيا، وضم إليه من جنوده عشرة وهو الإخلاص وطلب الحلال والاقتصاد والشكر والخوف من عذاب الله تعالى والتوبة والصدق ونصيحة الخلق والأدب والوفاء ورفض هذه الدار، قال وسلم (3) الجانب الرابع إلى صاحب سره وهو الذكر، وقال له: كن أنت في مقابلة الشيطان، وضم إليه من جنوده عشرة وهو العدل والأمانة والديانة والإيمان والإحسان والحلم والتواضع والاستغفار وترك الإصرار واللهجة بالأسحار، وحفظ الملك باب المدينة، واستعان بحول الله وقوته، فلما استتم بالملك قراره، فإذا بإبليس و أصحابه ورجاله فنصب على المدينة منجنيقات البهتان ورايات (4) الجحود والطغيان، فقابلوها بمنجنيقات التوحيد ورايات التحميد، وزحف
__________
(1) 1 _ في الأصل : إزاره
(2) 2 _ في الأصل بعد كلمة وسلم ( إلى ) فحذفناها ليستقيم اللفظ
(3) 3 _ أيضاً في الأصل بعد كلمة وسلم كلمة ( إلى ) فحذفناها
(4) 4 – في الأصل غرارات ولعله يريد رايات ليتناسق الكلام ويتقابل مع كلمة رايات في الشطر الثاني (1/45)
صفحة 46
العدو إلى الخيام، ورشق جنود الملك بالسهام، فخرج إليهم من جهة الظلام، وأشعلوا مشاعل الحكمة بالأحكام، وأقاموا على أبراج المدينة حراس الزهد ، وقاموا إليها بآية التوبة ، فلما بدأ ضوء الصباح، وارتفع سناه ولاح، وعلا بينهم الصياح، فانتضوا الصفاح، وهزوا الرماح، وتدانوا الكفاح ، فبعد ذلك رفع الملك يده إلى السماء، وابتهل إلى الله في الدعاء، وقال شعراً:
قد بلغ الأمر منتهاه ... ... وحل بي مثل ما تراه
من لم يكن لي سواه ... ... فكيف أسلو إلى سواه
يا لائمي في هوى هواه ... ... لذ بالمقام الذي تراه
ما بال سقمي أزال جسمي ... ... شوقي وجسمي كما تراه
ثم قال لجنوده: ابرزوا إليه فإن الله ناصركم عليهم ، فما أنتم أقل منهم عدداً ولا أضعف منهم مددا، وفتحت أبواب المدينة، وبادر كل قرين قرينه فأيدهم الله بالنصر والسكينة، وألقى في قلوب الأعداء الرعب والهلع والخوف والجزع فولوا مدبرين، ومما أملوه خائبين، وسرت جنود الملك في إثرهم مجدين، ولهلاكهم طالبين، فمنهم من قتلوه، ومنهم من أسروه، فالتجأت النفس إلى حصن بالمدينة فأحاطوا بها ونازلوها وحاصروها وضايقوها وأنشدوا في هذا المعنى شعراً:
أتى القتل في جيش عظيم عرمرم ... ... يوافق من أهل الهوى كل مجرم
ونادى حياض العسكرين كلاهما ... ... ألا سالمي يا أيها النفس تسلمي
فما سلمت خوفاً عليها ولا لها ... ... فقال التقي يا ويك توبي وسلمي
... فعند ذلك دخلت في الطاعة والتسليم، ونزلت على الرغم في حكم العزيز الحكيم قال:
ولولاهم لم يدخل الناس جنة ولا شربوا من مائها النهر كوثرا
ولولاهم ما سيق للنار عالم ولا عاينوا منها سعيراً مسعرا (1/46)
صفحة 47
يقول فلولا تمام العقل لجميع الآلة وحواسه المؤدية إليه جميع ما ذكرنا من حقيقته ما حلل الله وحرم من المحللات والمحرمات لما خوطب العبد على ذلك، ولا أدخل جنة ولا ناراً، ولا استحق ثواباً ولا عقابا، ولكن لما أتم الله فيه العقل أوجب عليه السؤال عن جميع المكتسبات، وهو أول ما يسأل عن العبد يوم القيامة فقال:(أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ * وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ * وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ) (1) أي الطريقين، وهؤلاء عبارة عن العقل.
سألتك يا رباه كن لي موفقا إلى صنع ما ترضاه عوناً ميسرا
وصلِ على خير الأنام محمد أبي القاسم المبعوث للناس منذرا
الذكر الرابع
جواب الشيخ ناصر في الرد لمن يدعي نزول الوحي عليه ، ويأتي إليه بقرآن من العلي الأعلى ويقرئه بالسلام ويخصه بالتحية والإكرام.
__________
(1) 1 – البلد : 8-10 (1/47)
صفحة 48
قال مؤلف الكتاب: وجدت ذا الغبراء يهلل ويكبر ويقول لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، فقلت له: كيف خبرك، وما نزل في قلبك؟ قال: سمعت أنها أنزلت سورا وسميت قرآناً بعد القرآن العظيم، هل سمعت أنت بذلك؟ قلت له: نعم شاهدت ذلك بنفسي، فهذا رجل متعلم يسمى عمير بن محمد بن سليمان الغلابي، ومسكنه بلد سيت من جبل رضوى، وهاجر سنة في بلد القرية التي هي لبني صبح، ويأتيه الوحي ويتكلم على لسانه وكثيرا ما يوافق الحق، ويقول أنه من آمن به وبما أنزل عليه فله الجنة، ومن لم يؤمن فمأواه النار وبئس المصير، فكتب إلى القرى بالإيمان به، وأنه نصيح مهدي ليس هو برسول ولا نبي، وذلك في زمن الشيخ العالم جاعد بن خميس الخروصي، فوصل عمير عند الشيخ وأراه فأراه بما يأتيه، ولم يعرف هو بنفسه حقيقته، فاستشار الشيخ في ذلك، فأمره أن يكتبه ولكن يقول يأتيني آت ويتكلم على لساني ولم أقدر على رده وسمعناه يقول إنه لينصره الله بسبعين ألفاً من الملائكة المسومين، وأن أهل الأمر لو كانت لهم حصوناً من حديد من تخوم الأرض حتى طاولت السماء لخرجوا منها إلى طاعته صاغرين ذليلين فقوله أعجبنا ولم ندر بما خفي علينا (1) ،
__________
(1) 1 – هذا الادعاء حصل من عمير حقيقة، وكتب ذلك في كتاب أطلق عليه العوام قرآن عمير، لا زال بعض أهل ولاية الحمراء يحتفظ بأوراق منه.. (1/48)
صفحة 49
ثم اعتبرته بمسألة قلت له: إن والدتي مريضة كيف دواؤها؟ فسأل مولاه وقال له: السلام عليكم العلي الأعلى يقرئك السلام ويخصك بالتحية والإكرام وقل لصاحبك الأمر بي وبك الذي سألك عن والدته فقل صدفها جني، وكأنها تنازع أحد أولادها فأخذها على الضيم، وقل له يكتب لها شيئاً من المحو لتشربه فإن الله يشفيها، فرابني أمره، والوالدة بخير مع السؤال، فقلت: استغفر الله العظيم من كل قول قلته وتائب إليه من كل ما كان سيئه عند الله مكروها، ثم كتبت للشيخ ناصر بن أبي نبهان وأقسمت عليه بالله العظيم أن لا يخفيني الحق في أمر عمير وما يدعيه ، فهذا جوابه: (1/49)
صفحة 50
... بسم الله الرحمن الرحيم هذه رسالة وجواب من عبد الرحمن ناصر بن أبي نبهان إلى بعض الإخوان، وصلني كتابك أيها الولد العبري، وهذا عني جوابك، أقول فيما أراه ما خفي عليك فيما أراك على ما أنت فيه وعليه أن يطول ندمك وتزل قدمك بعد ثبوتها عن الصراط المستقيم إلى اتباع الهوى السقيم، أراك كأنك لم تدر أنك قادم إلى أمر عظيم، بين يدي رب كريم، لا ينفع معه مال ولا بنون ولا نديم، إلا من أتى الله البر الرحيم بقلب سليم، ودين مستقيم، فأنى يصح أن يقدم على هذا عليه غيره بعمل لا يعلمه تحقيقا في هذه الحياة حلال هو عنده أم محجورا، أو باعتقاد شيء فيه أو له تصديقا، لا يدريه حقا أم زورا، أم هل يصح غير الصحيح في هذه الحياة قبل الممات، أم ترغب أن تكون سريع الفرار عن المقصود بك من ربك إلى الإدبار، كشجرة اجتثت من فوق الأرض مالها من قرار، أولا ترغب أن تكون كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء، فلا تميلها أجل عواصف رياح الهوى والافتتان، ولا تسقط بأقوى زعزعات نزغات الشيطان، وفي كتابك تشهد لنفسك، بقلة فهمها، وأنت تقلدها فكرها فتميل إلى ما مالت به إليه، فتقبل عليه كأنك قد وثقت بقوة صحة علمها، وتركت مابه أمرك الذي صورك من سؤال أهل الذكر فيما لا تعلمه في حقه إن كنت من غير أهل العلم والفكر، وأرسلت إلي بكتابك بعدما ملت إلى ما ملت إليه فيما يدل عليك ما نسبته فيه عنك، قبل أن تأخذ العلم ممن هو في زمانك أعلم مني ومنك، تخبرني فيه عن تحيرك لضعف صفاء فكرك، وعن دخول الشك والريب في قلبك الذي بصدرك، لقلة ضياء بصر عين بصيرتك، التي بسريرتك عن التدقيق في العلم الشرعي، بالنظر القوي إلى الدقيق منه بالتحقيق، بوقوفك بين الإنكار والتصديق، فيما يدعيه من يدعي الوحي من الله المولى عليه بتنزيل جبرائيل عليه السلام به عليه بكتاب من عند الله جل وعلا، وبالأمر والنهي منه لعباده المكلفين عبادته سبحانه وتعالى، وأنه ليس برسول ولا نبي بل هو (1/50)
صفحة 51
المهدي الذي اعتقد بخروجه في آخر الزمان بعض الضعفاء في العلم من قومنا دون أهل الإقامة على الاستقامة من أصحابنا أهل العلم والإيمان، وأنا أخبرك بما معي في ذلك، وأقسمت عليّ بالملك الرحمن أن لا أكتمك، وأنه لا كتمان بين الأصفياء من الإخوان، فإن اقتصرت بالإقامة على دين أهل الإستقامة فنعم أنت الخل من الأخدان، ولك منا محض ود الجنان، وإلا فدعني فلست مني فإليك إليك عني، وهاك النصيحة الصريحة الصبيحة المبيحة لك محض القريحة الصحيحة ما يلوح للناظر ضياءها ونورها، وتشرق للمبصرين شموسها وبدورها، اعلم أن في اعتقادنا الذي ندين به لله ربنا، ولا نخاف أن نقدم به إليه أن لا رسول ولا نبي بعد نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - ، كذلك جاء به نص الذكر الحكيم من الله الكريم فقال تعالى في حقه تكريماً له وتعظيما (مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا) (1) ومن هنا ينكشف الحق فنقول أنه لا يجوز على الله جل جلاله بعد إخبارنا بهذا أن يبعث أحداً من البشر يوحي عليه بتنزيل جبرائيل عليه السلام به إليه بكتاب وأمر ونهي إلى المكلفين عبادته من عباده سبحانه وتعالى يهديهم به وبما يأتيهم به عنه ويجعله مهدياً ويقول أنه ليس برسول منهم إليهم ولا نبي لهم ولا له جل جلاله، وهو مع ذلك تعالى يأمرهم أن ينبأهم بما جاءهم به من الوحي عن المولى ويلزمهم الإيمان به والطاعة له، والإيمان بكتابه وبما جاء به إلى خلقه من ربه لأنه من التناقض في كلامه وأخباره المفضي (2)
__________
(1) 1 – الأحزاب : 40
(2) 2 – في الأصل المقتضي ولعله المفضي كما أثبتناه.. (1/51)
صفحة 52
إلى اللعب الداعي إلى الكذب تعالى من ذلك جل وعلا بذلك فهو يرسل لا محالة عليهم وينبئه يوحي به عليه ليبعثه إليهم فإني على هذا لا يكون لله العلي لا برسول ولا نبي، وهل الرسالة والنبوة من الله لمن يشاء غير هذا، وهل يصح من القول في ذلك إلا لا؟ وما لم يجز على الله فأنى يصح لأحد أن يدعيه عليه سبحانه وتعالى! فثبتت له دعواه كلا لا! فإنه من المحال فهو من الضلال الذي لا يصح على حال، ولا يصح أن تكون له حجة على إمكان صحة دعواه بحجة ولو حج من حاجه للإدحاض على ما يدعيه بأوضح المحجة، فإنما هو مغالب ومكابر لا غالب، لأنها تكون حجة على الله لا لله، وقد قال المولى جل وعلا (وَكَانَ الإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلا) (1) ولو أتى بآيات تخمد بها النيران، وتمشي بها على الماء، ويملك بها الحصون والأرض بحذافيرها بغير جند نراها، أو يطبق بها الأرض بالسماء لما جاز أن تكون حجة وشهادة على إمكان ثبوت دعوى تقتضي إلى ثبوت التناقض في كلام الله سبحانه، وكلام من يرسله إلى خلقه جل شأنه، وإلى ثبوت الخلاف والإخلاف فيما أخبرنا به في كتابه في حق نبيه محمد - صلى الله عليه وسلم - أنه خاتم النبيين بوحيه وخطابه، فيكون غيره جل وعلا ما أعظم شأنه لأنه بذلك يفضي إلى إمكان الخلف والإخلاف في جميع أخباره أن لو صح ولن يصح، ونقض جميع توحيده تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً، والحمد لله حمداً كثيرا، فلا يصح على هذا وحي من الله لأحد من الأنام بعد نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - ، إلا وحي الإلهام كما أوحى الله إلى مريم وإلى النحل وما أشبهه، وإلى العلماء الأعلام بالتفهيم لهم إلى ما خفي عليهم من الحق، أو الرؤيا الصادقة في المنام ، سبحانه الملك العلام، وأما الوحي من رب العالمين على من شاء من عباده المصطفين إلى المتعبدين بتنزيل جبريل بالأمر والنهي لهم فإنما هو على العموم للأنبياء والمرسلين، وبالكتب على الخصوص للرسل
__________
(1) 1 – الكهف : 54 (1/52)
صفحة 53
المقربين، لا على كل الرسل ولا على كل النبيين، ومن العجب ممن يوحي على هذا ويزعم انه جبرائيل عليه السلام ينزل بالوحي عن الله في زعمه متى أراد الذي يوحي عليه لكل من أراد أن يريه، ولم يكن كذلك نزوله من قبل ولا كذلك نزول الملائكة المنزلين مع من مضى من النبيين، حتى في حق سيد المرسلين لم تكن الملائكة تأتيه في كل حين، فيما أخبر عنهم إله العالمين في كتابه المبين، بل ينزلهم إليه في شدة البأس مع قرب الإياس من الصحب، وما النصر إلا من عند الله المبين، وفي نفسي أن هذا كان منه في الإبتداء على سبيل الرياضة فأسرعت إليه الشياطين فهي تأتيه بالباطل، وتمنيه بالغرور لتقويه فيزعم بما يبديه فيما يدعيه بما إليه تلقيه، أن الله يمده بالنصر على ما ادعاه بسبعين ألفاً من الملائكة مسومين، ولا يمده بأحد ممن خلق من الماء والطين، وقد أيد الله الرسول الأعظم المصطفى الأمين - صلى الله عليه وسلم - بالنصر تكريماً له وتعظيماً بخمسة آلاف من الملائكة مسومين في الشدة لا في كل حين، كرامة خص بها دون سائر النبيين، وهو مع ذلك لم يكتف بذلك عن الإعانة من البشر في دفع كل ضرر ، بل استعان بالأعوان والأصحاب والإخوان، والحرب والطعن والضرب ، وتخندق البلاد ، والتشمير للقتال لمن يرجوه منه من العناد، وفر عن أسىً من داره إلى من يؤمله أن يكون من أنصاره ، فكان هذا أعظم كرامة ، فهو أعلا وأجل منه درجة، إنا لله وإنا إليه راجعون، فهو وأتباعه لا شك إن ماتوا على ذلك أنهم هالكون، وقد زين الشيطان له فأضله وأضل من اتبعه فأضله ضلالاً كبيرا، إن الشياطين لا تأمر فيما توحي به بالعدل والإحسان والطاعة للرحمن، وإنما تأمر وتوحي بما أخبر المولى عنهم في كتابه بقوله:(يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا) (1) ، وتأمر بالفحشاء والمنكر وما كان محجورا، وهذا في زعمه أنه يأمر فيما يوحى إليه بإخلاص الإرادة في العبادة
__________
(1) 2 – الأنعام : 112 (1/53)
صفحة 54
لعالم الغيب والشهادة، فلو لم تكن الشياطين وإبليس بئس الجليس ذو حيل ومكر وخدع بالتلبيس والتدليس للتدنيس تدق وتخفى عن جل العلماء، لما كان لأهل القوة في العلم فضلاً عن الضعفاء، ومن أظلم ممن قال أوحي إلي ولم يوح إليه شيء، أو ليس على هذا فيما ادعاه على مولاه هذا الرجل ونسبه إليه تعالى من اللعب الذميم بالوحي إليه أنه من الكذب والظلم العظيم، والفحشاء والزور والعناد والفساد والغرور والمنكر والفجور، الداعي إلى شرف متالف الردى، (تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا) (1) أم في ذلك شك يا ذا النهى والعرفان، على ما أتينا فيه من البيان، فأي عبادة لله تبقى منه معه له بهذا في عباده، والله يقول:(أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ) (2) من عباده، وهل أعطى الشيطان منه بعض سؤله وهل بلغ منه بعض مأموله في انقياده، وهل هو المهدي -على من فساده- قبل الرجوع إلى ربه من عظم حوبه، بالتوبة النصوح من ذنوبه، كلا إنما الهادون من يخشى الله من عباده العلماء، فهم شموس الأرض والسماء، وقد زين له الشيطان أنه المهدي المبعوث في آخر الزمان، كما زين لمن كان قبله من ضعفاء العلم من القوم، فأجابوه أتباع الهوى، وأنه هو محمد بن علي بن أبي طالب، وهو ابن الحنفية، وأنه حي مخفي بجبل حزوي لا يموت حتى يقوم الجيش الذي صوروه بزعمهم يقدمهم لهداية الخلق، إلى الملك الحق بالتقوى، ففضح الشيطان لعنه الله الرحمن نفسه بدعائه لهذا المدعي على الله وهو غير الذي زينه أولا، فزخرف به إلى هذه الدعوى، وعسى أن يكون إبليس لعنه الله قد تمكن من أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - في اتباعه بإتيان جميع أنواع المعاصي لله المنان إلا بدعوى الرسالة والنبوة ودعوى الربوبية، إذ لم يبق له شيء منها غيرهما يدعوهم إليه إضلالا، ورجا أن يجد لإظهار أحدهما الآن محالا، بهذا الذي دعاه
__________
(1) 3 – مريم :90
(2) 1 – الزمر : 3 (1/54)
صفحة 55
إليها، فأجابه عليها، فإن تمكن منها تشمر أخرى بالدعاء إلى الحالة الأخرى، من يجده بها أحرى, فطوبى لمن غيّرها ودمر ضررها، والويل لمن أجابها ولمن أتى بها، فعلى كل من قدر على إنكارها وتغييرها بفعل أو قول أو نية فعليه تدميرها على قدر ما يقدر عليه من ذلك فيما جعل فيه لمنعه وزجره وردعه من أنواع الأدب للمنع، ومن علم ضلالة من ادعى بمثل هذا فلا يحل له الشك في العلم بعد اليقين، فإنه من الظلم، ومن جهل أحكامها وأحكام من ارتكبها، ووقف حد البيان وقال بلسانه: قولي فيه قول المسلمين، واعتقد ذلك بالجنان، ولم يتعد إلى ما وراء ذلك مما ليس له، فهو سالم في قول بعض أهل العلم لا آثم، كما روي عن سيدنا جابر بن زيد رحمه الله أنه يسع الناس جهل ما دانوا بتحريمه ما لم يركبوه أو يتولوا راكبه أو يبرؤوا من العلماء إذا برؤوا من راكبه برأي أو بدين أو يبرؤ من الضعفاء إذا برؤوا من راكبه، فهذا الذي معي أيها الولد الشفيق فيما عرفتني به على التحقيق، وأنا من نصحي لك أن تكون إلى أن تلقى الله العظيم الملك الكريم منكسر القلب من خوف الرب، والهاً إليه، مقبلاً عليه، مقتصراً على الإقامة بدين أهل الإستقامة، بغير خلل في القول والنية، والعمل في المعاملة له جل جلاله، وفي التجريد لتقديس النفس والمحبة لله المجيد بالشريعة والحقيقة، ناهضاً بالعلم الإلهي، والصبر القوي على الإخلاص بأركان الشكر لله العلي، مستقيماً على الخوف والرجاء، والقبض والبسط في الشدة والرخاء، راكباً جواد الاجتهاد للتجريد لله المجيد لإزالة ما بنفسك من سواد الفساد، وظلمة العناد، وصعوبة الانقياد، حتى تذل إلى ربها فتخضع، وتقشعر من خوف فتخشع، وتنتصح فتسمع، وتنقاد فتتبع، متحذراً في كل حين من الذي يراك أن يراك فيما نهاك، وأن يفقدك من حيث أمرك، مشمراً عن ساق لتقديس نفسك بخروجك منك بك عنك إليه، حتى عن حسك إن استطعت، وعن أبناء جنسك، مبادراً لجلاء رين بالك من فساد خيالك، (1/55)
صفحة 56
وسواد صفات حالك، حتى تطهر من ذنوبك، وظلمة حوبك، وتستنير بأنوار ربك إلى ما أراد بك، فينجلي صدأ مرآتك، وتنجلي من صفاتك، وتتحلى بصفات من صور حقيقة ذاتك، فتحسن أحوال جوارحك بالطاعة الكاملة بحسن معاملتك لمصورك، وتشف فتصفو بالتجريد إلى الله مشكاة صدرك، وتستنير بإدامة الصقل بمحبة الله زجاجة قلبك وفكرك، فيستضيء بأنوار حكمته ، وضياء معرفته مصباح عقلك وسرك، فيستمد من زيت زيتونة شجرة العلم الإلهي الحقيقي الذي هو الدين القويم، والصراط المستقيم بالإيمان التحقيقي في إسلامك وإحسانك وبرك، فتشرق عين بصير بصيرتك التي بسريرتك فتسبح في فسيح قدسه بحضرة أنسه، فيفنى شهودك بجوده عن شهود وجودك بشهود وجوده، فتنجذب إليه بمجامع قلبك ولبك، وتسلب نحبك لربك، فترقى إلى أعلى مقامات اليقين ، حتى تكون من أهل التمكين بعد التلوين، فتغيب عن الأخبار بحضرة قدسه، وتستوحش من الإنس بأنسه بالاستئناس بأنسه، وتفنى في عين الجمع بحسه وتوحيده، فتظمأ بكثرة الشرب من كأسه، فتبقى في شهوده وتسبيحه وتوحيده على مقاعد شكره، ومعاهد ذكره، ويكاشفك بالعلم اللدني فتفنى حتى عن ناسه، فيكون بقاؤك في فنائك، وحضرتك في غيبتك، وظمؤك في شربك، وشوقك في قربك، وكشفك في خفاك، وهداك في عماك، وإثباتك في محوك، وسكرك في صحوك، وتقك في فتقك، وجمعك في فرقك، وغناك في فقرك، وعزك في ذلك، وحياتك في مماتك، وطاعتك في عصيانك وسيرك في وقوفك، لأنك على الضد من صفاتك مع الخلق ومع الملك الحق، فتكون أنت الأحرى في التسمية بالقلب، فيزلفك إليه بأعظم القرب، فتعظم في الورى بتلألؤ أنوار الابتهاج بالقرب من الرب، فيسري يسرك إلى الملك والملكوت، فترمي به إلى الجبروت، فترى حق الحق وحقيقة الخلق، وحقائق الحق من الله الملك الحق، فيصح حينئذ نظرك إلى العلوم الشرعية، وأعوانها فيما يراه منها فكرك وترتفع مع الله ورسله وأنبيائه وملائكته وأوليائه قدرك، وأنا بيديه نفسي بهذا من نفسي أولى (1/56)
صفحة 57
أولاً وأنت ثانياً، ومن اتبعني ثالثاً، والحمد لله رب العالمين، وصل اللهم على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم ، ولا يؤخذ منه إلا ما وافق الحق، وطابق الصدق، كتبه ناصر بن جاعد يوم 20 من شهر القعدة سنة 1229.
... قال الشيخ العالم عامر بن علي العبادي: هذا جواب كتبه إليّ الشيخ نبهان عن والده مهدي الأمة، وكاشف الغمة، عين الزمان أبي نبهان رحمه الله عقب سؤالي له عن هذا المعنى، فكلامه لي بعد تجديد السلام (ومن قبل عمير الغلابي فأنا لا علم لي بما يقوله لكم فيدعوكم إليه والحق لا يجوز رده، كما أن الباطل لا يسع قبوله، وما يدعيه من نزول الوحي بلسان جبرائيل أمين رب العالمين، فمن الواجب عليكم أن تنظروا فيه قبل أن تعملوا به، فإنه لا نبي بعد محمد - صلى الله عليه وسلم - والسلام من والدك جاعد بن خميس بن مبارك الخروصي.
قال المؤلف: وجدت عن أبي بكر الصديق بيتين:
فقدنا الوحي مذ وليت عنا ... وودعنا من الله الكلام
سوى ما قد تركت لنا رهينا ... تضمنه القراطيس الكرام
ولو نزل وحي على الأرض بعد محمد لنزل على أبي بكر مما شهد له الرسول بفضله رحمه الله.
الذكر الخامس
فيه ابتداء خلق الإنسان، وفيه حق الوالدين، وفيه في الحث لطلب التزويج، وما يستحب من ذلك، وفي آداب المجامع، وفيه من الأدهان والأكل للمقويات، وفي الكتابة للمحبة، وفيما يجوز العمل للرجال والنساء عن العنت، وآداب الزوجان والصبر.
في ابتداء خلق الإنسان (1/57)
صفحة 58
قلت لذي الغبراء: هل عندك قصة تسلينا بها في ليلتنا، وتحرك بسمعها شهواتنا لنسائنا ونكسرها طلباً للولد ولمرضاة الواحد الأحد، قال ذو الغبراء: ما سمعت أحداً بما ذكرته، ولكن أعهد عندي أحد من الإخوان وهو في حال السقم الآن، فلعلنا نصل عنده، قال: فقصدنا إلى باب بيته، وسمعنا أنينه ويقول لولده: أوصيك يا ولدي ونفسي بتقوى الله والانقطاع إليه ، والانتهاء عن معاصيه، وعليك بالتفكر في كتابه وآياته (1) ، انظر في خلقك، قال الله تعالى:(وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ) (2) والصلصال هو التراب، ومن ماء مهين وقال:(ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آَخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ) (3) ، فإذا واقع الرجل زوجته، وأنزل ماءه من صلبه في رحمها، فتح القرار المكين فاه، واحتسى ماء الرجل وماء المرأة، فإذا نزل الرجل ماءه قبل المرأة صار الولد شبيهاً بلون أبيه، وإذا أنزلت المرأة ماءها قبل ماء زوجها صار الجنين شيبهاً بلون أمه وأخواله.
... اعلم أن كوكب الجنين هو رب ساعته عند نزول ماء أبيه في القرار المكين في رحم أمه فيكون طبع الجنين على طبع رب ساعته التي خلقه الله فيها، وينزل الجنين من بطن أمه على ظهر الدنيا إذا دارت ساعته التي خلقه الله فيها،وقيل لا ينقضي أجله إلا إذا دارت ساعة ولادته . وسيرة هذا المولود وخلقه على طبع رب ساعته التي خلقه الله فيها ، وأنا أقول على البرج الطالع وربه.
__________
(1) 1 – بعد كلمة وآياته جاء ( وأن تودي ) ولا أدرى ما معناه ولا مناسبتها فحذفتها بالأصل ونبهت عليها هنا في الحاشية .
(2) 3 – الحجر : 26
(3) 4 – المؤمنون : 14 (1/58)
صفحة 59
قال: وإذا كان مدبر ساعته الزهرة، وكانت الزهرة تتصل بعطارد، أو في بيوته فينزل بدماغ المولود علة الأنبة، فتسري إلى عينيه ثم إلى رقبته ثم إلى كتفيه ثم إلى خاصرته، وتنزل تسري إلى رجليه، فإذا راهق أو بلغ الحلم امتدت إلى قلبه ثم نزلت إلى دبره أعاذ الله كل مسلم من شرها، فهذا مرض يعتري لمن قد اعتاد مجامعة الرجال، ويكون منيه كثير قليل الحركة، وقلبه ضعيف، ونفسه ساقطة وانتشاره قليلا، فمنهم من يتمكن بذلك أن يجامع غيره فيلتذ لذة القدرة، ومنهم من ينزل منيه فيلتذ لذة الإنزال، ومنهم من لا يحصل له واحد منهما لكنه يلتذ بحصول الجماع خصوصاً في نفسه ويكون هذا المرض لحركة الأمعاء لا تزول إلا بالمني كما يعرض للنساء في فم الرحم، العلاج الضرب والحبس والاستهانة وإيقاعه في هموم وغموم ومحاكمات، ودواؤه قلب الديك، أو قلب الحمام يمنع من هذا المرض، وقضيب الأسد إذا أكل منه وزن درهم قطع هذه العلة، وكذلك أكل الثوم إن أكله قطع هذه الشهوة، وإن تحمل بالصابون نفعه، أو يتحمل عروق شجرة الخطمي تنفعه وهو المقرقاع.
حق الوالدين (1/59)
صفحة 60
ثم قال لولده : انظر فيما خلقك الله وأنشأك، من ظلمة الرحم إلى حسن شبابك، فاشكر مولاك، وقال ربك:(أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ) (1) فانظر حق الوالدين قارن شكره بشكرهما، فلا تغفل عنهما، وخاصة والدتك، كم قاست من التعب في حملك وتربيتك والقيام بك في زمن رضاعتك وتسكيتك في صياحك في مبيتك ورواحك ومقيلك وصباحك وصحتك وأمراضك، وكم سهرت في ليلها من أجلك، وكم لحقها من قذرك من بولك وغائطك ومخاطك، وكم قاست بتطهيرك وتنظيفك، وكم شغلتها بخروجك عنها ولو في بيوت جيرانك، وكم تلذذت بنظرك وعافيتك، وكم بذلت مالها ونفسها لك، واذكر ما لقيت من سخطك عليها وتحتمل ذلك من أجلك ولا تكترث ولا تشكو ولا تتألم ولا تفعل ذلك طمعاً فيك ولا رجاء ثواب، بل محبة جعلها الله في قلبها لك فمن أين تؤدي شكرها، والحب إنما جعلها الله في قلبها لك لتربيتك بحلاوة لا بملل ولا بطمع، فاذكر ذلك وانصف من نفسك، وقال الله تعالى:(وَوَصَّيْنَا الإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا) (2) ، فكان الواجب عليك الإحسان إليهما ولو لم يوصيك الله بهما فكيف وقد أوصاك الله بهما ونهاك أن تقول لهما أف لقوله تعالى:(فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلا كَرِيمًا * وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا) (3) ، فأشفق بالوالدة جهدك، وأبدها بالمساء والصباح وبالرفق واللطف ولين الجانب إليها.
الحث على الزواج
__________
(1) 1 – لقمان : 14
(2) 2 – العنكبوت : 8
(3) 3 – الإسراء : 23-24 (1/60)
صفحة 61
وإن أنشأك ربك وقاربت البلوغ فلا تقرب الزنا، وقد سماه الله فاحشة، وقال:(وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلا) (1) ، فأوجب على من فعل ذلك وهو بالغ الحلم والعقل التعزير والحد والرجم، وهذا عذاب الأدنى دون العذاب الأكبر، فهذا جزاء من فعل وكسر شهوته في ساعة واحدة، وعليك أيها الولد بما أمرك به الرب، فاجتهد في الطلب للحلال الطيب، والنكاح من ألذ نعمة أنعمها الله على عباده، قال تعالى:(زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ) (2) فقدم ذكر النساء قبل كل لذة، والله أعلم وأرأف بعباده، وقال تعالى:(فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ) (3) ، وحث على النكاح سيد المرسلين وحبيب رب العالمين فقال: تناكحوا تناسلوا فإني مباه بكم الأمم يوم القيامة) (4) ، وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لرجل: ( ألك زوجة؟ ، فقال: لا، قال له: وأنت صحيح البدن؟ قال: نعم، فقال له: إنك إذاً من إخوان الشياطين، إن شراركم عزابكم، إن أرذل موتاكم عزابكم، إن المتزوجين هم المبرؤون من الخنا، والذي نفسي بيده ما للشيطان أبلغ في العالمين من الرجال والنساء من ترك النكاح) (5) ، وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - :(حبب إلي من دنياكم ثلاث النساء والطيب وجعلت قرة عيني في الصلاة ) (6) ، وقال عبدالله بن العباس لرجل: ألك امرأة؟ قلت: لا، قال: تزوج فإن خير هذه الأمة أكثرها نساء، وقال خالد بن صفوان: إنما
__________
(1) 4 – الإسراء : 32
(2) 1 – آل عمران : 14
(3) 2 – النساء : 3
(4) 3 – مصنف عبدالرزاق ج6، 10391 ، عون المعبود ج6 ، ص28
(5) 4 – ورد باختلاف يسير في مجمع الزوائدج4 ، ص250 ، ومسند أحمد 21488 / 5 ، ومسن الشاميين 1/ 381 ، ومسند أبي يعلى ج12 ، ص261
(6) 5 – مسند أحمد 3/ 14069 ، مسند أبي يعلى6/ 3530 (1/61)
صفحة 62
الدنيا متاع، وليس في متاعها أفضل من زوجة صالحة.
اعلم ولدي أن الجماع لا صبر عنه لمن ابتلي به، وأخبر الله في كتابه بهذا لقوله تعالى:(وَخُلِقَ الإِنْسَانُ ضَعِيفًا) (1) ؛ أي لا يصبر عن الجماع, وقال تعالى:(وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً) (2) يعني الجماع ورحمة يعني الولد، وقوله تعالى:(وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ) (3) أي شدة الشهوة، وقوله تعالى:(الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى) (4) قال ابن عباس رحمه الله: الجماع، وكان أبو الدرداء يقول في دعائه: أعوذ بك من كل غلمة لم تكن لها عدة، والغلمة الشهوة، والنعظ انتشار الماء عند الرجل، وقال الشاعر:
إذا عرف المهقوع بالمرء انعظت حليلته وابتل منها إزارها
وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - :( استوصوا بالنساء خيرا فإنهن عوان عندكم ) (5) ، وروى عمر بن الخطاب رضي الله عنه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال :(أوصيكم بالنساء خيرا، لهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف، ولكم عليهن درجة يوالين فرشكم ولا يعصينكم في معروف فأثبت لهن ما أثبت عليهن بالمعروف ) (6) ، وقال الشاعر: لمن أمسى خالياً من زوجة:
إذا المرء أمسى خالياً من حليلة فعيشته من طائر في المخالب
ومن لم يحصن بالنكاح تعرضت له فتنة الشيطان من كل جانب
معايير اختيار الزوجة
__________
(1) 6 – النساء : 28
(2) 7 – الروم : 21
(3) 1 – البقرة : 286
(4) 2 – طه : 50 بدون كلمة ( وأعطى )
(5) 3 – في الأصل منهن أعوان عليكم ، والحديث رواه ابن ماجة 11/ 1851
(6) 4 – رواه مسلم ج2 ، ص890 ، والترمذي واحمد وغيرهم بألفاظ متقاربة (1/62)
صفحة 63
ثم قال: إن أردت أن تتزوج فعليك بالأبكار إن قدرت ووجدت لهن سبيلا للرواية عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:( تزوجوا الأبكار فإنهن أعذب أفواهاً، وأنتق أرحاما، واقنع بالبضع اليسير) (1) ، وقد تزوج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عائشة بنت أبي بكر وهي ابنة ست سنين ودخل عليها وهي ابنة ثمان سنين وأحبها كثيرا لما قيل له من أحب الناس إليك ؟ قال: عائشة، قالوا: نعني في الرجال، قال: أبوها.
وسئل رجل لم تزوجت بكرا ً فأجابه ببيتين شعرا:
قالوا عشقت صغيرة فأجبتهم ... أشهى المطي إلي ما لم تركب
كم بين حبة لؤلؤ مثقوبة ... نظمت وحبة لؤلؤ لم تثقب
... ثم قال لولده: فإن لم تجد بكراً فتزوج الشابة التي قد امتلأ شبابها، وكملت محاسنها، وتناهت لهجتها، وأعجبت بنفسها، ولا زالت تتفقد جسمها ونهودها، إذا خلت بنفسها، وتخاف أن يذهب شبابها إدمانها على ذكر الجماع ومناجاة نفسها به، وهي أقرب إلى العشق وتتسامح لبعلها في كشف محاسنها، ويعجبها أن تعجبه، فهذه أحسن ما تكون لبعلها، شعر:
إن أقبلت قتلت وإن أدبرت سلبت بحسن أعطافها والخصر والكفل
لها ثمان سنين عشرها ولها خمس وقد كملت بالطول والعقل
ثم قال لولده: وإن لم تجد لمثل هذه المرأة فعليك بالمرأة المتوسطة في عمرها التي لم يكثر فيها الشيب، ولم يشنها الكبر فهي التي استحكم عقلها ورزانة مجلسها ودماثة أخلاقها، وسلاسة قيادها، تمهد الفراش، وتطيب المعاش، ولها من الشهوة القسم الأوفر، والحظ الأكبر، وقد جربت الأمور وهي أكثرهن طيباً وأحسنهن تحبباً، قيل شعرا:
لقد أعطيت خلقاً وخلقاً ونجدة وقداً كغصن البان في ورق خضر
لقد فاز من يحظى بها من حليلة يروح ويغدو في سرور وفي نصر
لا تغنيها (2) مثل هذه المرأة بتزويجها الرجال، واستمع لمادحها:
إن المطية لا يطيب ركوبها حتى تذلل بالزمام وتركبا
__________
(1) 5 – المعجم الكبير10/ 10244 ، ولفظ مقارب في مسند أبي شيبة4/ 17694
(2) 1 – الكلمة غير واضحة بالأصل (1/63)
صفحة 64
والدر ليس بنافع أربابه حتى يؤلف بالنظام ويثقبا
... وإن تعسر عليك أيها الولد مثل هذه المذكورة فعليك بالعجوز المسنة التي قد اشتعل شيبها، واسترخى جلدها، وذهب شحم ثدييها، وانقطع حيضها، وضمر حرها، ولا خير في ضمها ولا تقبيلها إلا أن تكون سمينة ضخمة الثديين، كثيرة اللحم فهذه تكون أشد غلمة، وأقوى شهوة، ولا تلتفت أيها الولد لمقالة القيل والقال في العجائز، وأحصن فرجك ودينك لكسر شهوتك وكسوتك وعيشك، فالحاجة ألجأتك واصبر واركب الهزيل حتى تجد السمين، ولا يغرك قول الشاعر في حال عجزك عن المستحسن حيث قال:
لا تنكحن عجوزاً إن أتوك بها ولو حبوك على تزويجها الذهبا
فإن أتوك بها قالوا لها نصف فقل لهم أطيب النصفين قد ذهبا
وفي هذا المعنى قال غيره:
متى تلق بنت العشر قد بان ثديها ... كلؤلؤة الغواص يهتز عودها
وأما ابنة العشرين لا شيء مثلها فتلك التي تلهو بها وتريدها
وبنت الثلاثين الشفا في حديثها هي العيس لم تهزل ولم ينس عودها
وإن تلق بنت الأربعين فغبطة ... خيار النسا طوبى لمن يستفيدها
وأما ابنة الخمسين لله درها ... بعقل وتدبير تربي وليدها
وأما ابنة الستين قد رق جلدها ... وفيها بقايا والحريص يريدها
وأما ابنة السبعين لا ضر ضرها ... لقد بان ما فيها وباتت خلودها
وبنت الثمانين السقام بعينها ... علاها الشقا وراح عنها سعودها
وأما ابنة التسعين تعش رأسها ... من الليل مهذاراً قليل رقودها
وإن زادت العشر اللواتي فليتها ... تغرق في بحر وحوت يقودها (1/64)
صفحة 65
ومما رفع لي عن الشيخ سليمان بن أحمد بن سالم الطبيب الريامي عرضت عليه عجوز حيزبون تمشي على عكازة، فقالت: يا شيخ هل من دواء تراه لأني عجزت عن المشي لكبر سني ؟ فقال لها: ممتزحا: تزوجي، فتزوجت صبياً أحوجه الفقر إليها، وكانت ذات يسار، فتمتعت به، وتمتع بها حتى صارت تمشي ولا عكازة معها، فقال الشيخ لها: أكلت الرجل، قد ضعفت قوائمه، واصفّر جنانه، وذهبت عليه مادته، فإني أرى مخ ساقه استكملك، فما زالت تغذيه بحليب البقر والزبد والقند، وأمر الصبي أن يقف عنها زماناً خوف الهلكة، لأن نكاح العجائز شديد المضرة، وأما العجوز أقنع باليسير، وأصبر على تقلب الدهور، وأقل مشاغلة، وأحسن محادثة، تؤثر العيال، وتصبر على الإقلال، وتغلب على الزيادة في العيال، إذا اتسع رزق بعلها صانت ماله، وإن ضاق سترت حاله، لا تسبق إليها الظنون، وأنبتت منها القرون، ألوف عروف غير عزوف ولا عيوف، فالحاجة إليها داعية، ولأولاده راعية، فانظر ولدي في ذلك، وإن لم تجد مسنة فخذ بالرخصة واتبع الرفضة، وقال ربك (وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ) (1) فخذ من الإماء والجواري، وقد مدح الشاعر:
الأم في سوداء قبلتها والعذر في ذاك لا يجحد
جل حجار البيت بيض وما قبل إلا الحجر الأسود
__________
(1) 1 – النساء : 25 (1/65)
صفحة 66
... فإن دعتك الحاجة إلى شراء الجواري والإماء، فانظر (1) أولاً عند الشراء إلى علامات تذكر دالة على أعضاء مستورة ومعينة أربع: الظفر والفرج والثدي وظهر الكف، وحلوة أربع الكلام والريق من رأس اللسان والماء من جانب الشهوة والرضاب من بين الأسنان، ورخضه أربع العنق والكفان والبطن والقدمان، وبسيطة أربع العنق والساقان والفخذان والصدر، فالأول أن تكون مع ذلك متناسبة مقادير الأعضاء والرأس والوجه متساويان متشاكلان، والقد معتدل المفرط والعبالة المفرطة، واللحم معتدل من الصلابة والرسولة والأرداف رطبة والشعر طويل، فإنه إحدى الحسنيين، طرفها أدعج، وحاجبها أزج، وثغرها أفلج، وكفلها مرت ، رخيمة الكلام، غائبة العروق والعظام، فإن ملكت أمة وأردت أن تتسراها فلازم عليك استبراؤها إن كانت ممن تحيض فبحيضتين متفقتين، وإن كانت ممن لا تحيض بسبب، أو من كبر أو صغر فبخمسة وأربعين يوما، اعقد بلسانك بحضرة الشهود، فهذا ما بينته لك أيها الولد الودود فعجل في التزويج لتحصن نفسك، وخذ من النساء من تكن نفسك بها راغبة، وإن وجدت سبيلا فخذ المرأة العاقلة العفيفة المصونة المساعدة المتواضعة لك ولمن تريده المحافظة على ما فرض الله عليها، المطيعة لبعلها، المتنزهة عن قبض ما لا يجوز لها قبضه، وعن أكل ما لا يجوز لها أكله، القانعة بما يسر الله لها من مأكول وملبوس، اللازمة لقعر بيتها ليلا ونهارا، ولا تخرج منه إلا لما لابد لها منه، المعاونة لبعلها بيدها ومالها، فإذا ظفرت بمثل هذه فتزوجها وتوكل على الله، إلا أن تجد مثل هذه ثم لا تهواها أنت أبدا فلا تأخذ ما لا تهواه فإني أخاف عليك أن تعصي الله فيها، فإن حصل لك تزويج في بلدك ووطنك فلا تتعرض للتزويج من الغربة، وكثير من الناس من مدح التزويج من الغربة وانه أحب وأشفق لزوجها، إلا أنني أحب لك الرفق والخفة عليك، ولأجل علمك بجيرانك تأخذ من بناتهم على بصيرة، وجهلك بالنازح
__________
(1) 2 – في الأصل : فتنظر (1/66)
صفحة 67
عنك، وهذه عورات وسترها في أرضك خير من غير ذلك، فإذا أعجبتك امرأة وكان لها أولاد من غيرك فإذا لم تجد مطلوبها منك وإلا أخذت ما في بيتك لأولادها وخاصة لبناتها تسوق عطرها وكسوتها وأدمها وأنت لم تدر بذلك ولكن إن استقر قلبك بها وعزمت على التزويج فلا تأخذها إلا برضاها، وبإذن أوليائها، فإن أخبروك بمهرها فقل لهم يأمروا واحداً من المسلمين ليعقدوا بينكما النكاح، واجعل شهوداً عدولاً، أو شهرة تكون مقبولة مسموعة في البلد، ثم اجعل لهم أكلة إن قدرت، فإن تزوجت فاعتمد على الشروط والإحسان، ورفع الإساءة وأداء الواجب إليها فالمسلمون على شروطهم، وإن لم توف بالشروط ولم تؤد اللوازم فما عذرك عند الله، وإن وفيت بعهدك فهيء للمرأة من الطعام الحلال، والمسكن الرافق، فانقلها إلى بيتك في ليلة سعيدة، واجعل وليمة لجيرانك وإخوانك وذويك طعاماً طيباً بالمعروف من غير إسراف، فإذا زفت إليك المرأة وخلوت بها، فاذكر الله واشكره على تيسيره لك المهر والمرأة لتحصن بها دينك عن فتنة الشيطان.
آداب الجماع (1/67)
صفحة 68
فإذا أردت منها قضاء حاجة الجماع فتأدب و لا تكن كالبهيمة فآنسها بلطف الكلام لأنه روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال:(خير الرجال من تلطف بأهله لطف الوالدة بولدها، ويكتب له في كل يوم أجر مائة شهيد قتلوا في سبيل الله صابرين محتسبين) (1) ، وعليك أيها الولد بالتأدب والتزين لها كما تزينت هي لك، وقال ابن عباس رحمه الله: إني (2) لأحب أن أتزين للمرأة كما تتزين لي، وما أحب أن أستعطف جميع ما خفي عليها لأن الله يقول (وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ) (3) ويروى عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه كان يتفقد أحواله ويأخذ منظرة لينظر بها وجهه ويأخذ مشطاً يمسح به لحيته فينبغي الاقتداء برسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فإذا آنستها بالكلام فمد يديك إلى مس الجسد والغمز وتقبيل الفم والضم إليها إلى أن تذهب عنها الوحشة وتشتهي الجماع، ومما تحب المرأة أيضاً شدة الضم عند الجماع لا سيما عند الإنزال منها أو منه وجذبها إليه بشعرها دون الإيلام، وأحسن الضم أن ينضجع الرجل على يساره والمرأة على يمينها ثم يدخل يده اليسرى من تحت كتفها ويجعل يدها اليمنى تحت رقبته ممدودة، وإن شاء يوسدها متنه ثم يجعل يده اليمنى تحت عضدها أوخاصرتها ويدها اليسرى من فوق عضده أو على رقبته ثم يثني بيده اليسرى على ظهرها ويكون أكثر ضماً إليه بهذا، هذا إذا كانت دقيقة أو صغيرة أو مفرطة الدق يمكن ضمها بالعضدين، وإذا كانت سمينة ضخمة مال يساره على رقبتها وشغل كفه بلزوم شعرها من خلفها وقبض عليه بعض القبض وكان أكثر ضمه لها باليمين، ويعتمد أن يكون فمه وفمها متقابلين، فإن رأيتها اشتهت الجماع وانحطت أعضائها فجامعها واجعل بين العجزين خرقة، وانو فقل: بسم الله العظيم، كسر للنفس، وطلب للولد، اللهم اجعلها ذرية طيبة إن قدّرت أن تخرج من صلبي نسمة، اللهم جنبني
__________
(1) 1 _ لم أجده على كثرة البحث
(2) 2 – غير موجودة بالأصل
(3) 3 – البقرة 278 (1/68)
صفحة 69
الشيطان وجنبه(مارزقتني)، وقال تعالى:(وَقَدِّمُوا لأَنْفُسِكُمْ) (1) يعني التسمية، فعلى هذا لتحصل لكما فائدتان اللذة بالجماع ولقاء المحبوب، وثواب الله تعالى، ومباح لك جماع زوجتك متى شئت في ليل أو نهار في حضر أو سفر فوق دابة كانت المرأة قائمة أو قاعدة أو نائمة أو مستلقية أو على جنب أو من قفا ظهرها إذا كان الجماع كله في القبل لا في الدبر لأن الجماع في الدبر حرام، وجاء النهي عن الوطء في الحيض والنفاس والإيلاء والظهار وفي الإحرام والصيام وفي الصلاة، ومع جمع من الناس لئلا ينظروا عوراتهم، والمستحب للجماع أن تكون المرأة مستلقية على قفاها ويعلوها الرجل، والجماع له صفات كثيرة موجودة في الكتب، ولكن ينبغي للرجل أن يتفقد أحوال امرأته على أية حال مطلوبها في النكاح لأن النساء على أجناس مختلفة، فمنهن من تكون سريعة الإنزال، ومنهن من تكون بطيئة الإنزال ومنهن تماد زوجها في الجماع وتكون شهوتها متتابعة مازال يجامعها زوجها، وهذا الأمر كله بيد الرجل لا بيد المرأة، وإن رأيت المرأة تتململ عند الجماع وتريد إخراج إحليلك لا تحب الإطالة ولا إدخاله كله فعجل في إخراج شهوتك لأنها قد أنزلت قبلك، وإن رأيتها مساعدة لك في الجماع فإنها تمادك بالشهوة، وإن رأيتها تضبط إحليلك فمرادها إطالة الجماع أو المعاودة إليه، فاجتهد أنت، ومتى صح منك قرب خروج الشهوة فضم المرأة إلى صدرك لأنها تحب الضم ورحمها في تلك الحال له لهيب ولا يطفيه إلا قوة الضم مع شدة نزول النطفة كالظمآن لا يطفيه إلا الماء البارد، وإن خرج منيك فاعتمد على يمينك وخذ خرقة لتزيل بها الأذى من إحليلك، وعليك بالتفقد في جسمك إن كنت مبتلى بمذي أو ودي أو خنة أو صنان إبطين فهذا مما تنكره المرأة، فاعمد إلى السفوف مثل سكر الأبلوج والزنجبيل والفلفل، اجمعه واسحقه واجعله سفوفاً، إلا أن البلوج سهمان، والزنجبيل والفلفل سهم سهم، وهذه العلل تنفر منها
__________
(1) 1 – البقرة : 223 (1/69)
صفحة 70
الشهوة، وتطرد اللذة، وتبغض المحبوب، ويزهد المطلوب، ولا ينبغي للرجل أن يغفل عن تعاهد نفسه وعيوبه ويزيل أذاه، ويعلم أنها تريد منه كما يريد منها من الصلاح والروائح، وتكره المرأة سرعة إنزال الرجل قبل إنزالها وخاصة إذا استحكمت شهوتها وقرب إنزالها، وفترت أعضاؤها فبهذا يترك نار غلمتها مشتعلة، وجوارحها بالتهاب اللذة مشتغلة، والنساء أيضاً مختلفات الأحوال والشهوات متباينات المواد لا يكاد ينجو منهن إلا من خلا بهن، ولا يظفر بلذته منهن إلا البصير بدقائق أخلاقهن، الخبير بحقائق أحوالهن الذي قد سبح في لجج بحورهن، ورسخ في علم أمورهن، فإذا كان الرجل خميص البطن خفيف العجز، مجدول الخلق، غير مسترخي اللحم مع وجود الباه فهو الجواد الذي لا يكبو والصارم الذي لا ينبو، وهو الذي تكون فيه الشهوة الحمارية وهي الممدوحة في الإنسان لأنها لا تكون إلا في معتدل الطبيعة، وسميت حمارية لأن الحمار لا تقوم قوته لعشق شيء من الحمر دون الذي لم يكن حسناً منها، وأما الشهوة التي تسمى العشقية فهي التي لا يقوم بها عوده إلا إذا عشق شيئاً من النساء فيقومه حسن ذلك المعشوق في نفسه فهذه دون الأولى في القوة، ومما ينبغي للمجامع إذا كان متمكناً في القوة أن يحرك في الجماع أولاً ثم إن رآها ساكنة هو دليل على أن شهوتها غير حاضرة فيقف قليلاً حتى تزعزع المرأة فيستدل به على حضور شهوتها ولا يزال كذلك حتى يوافق اندفاقه حضور شهوتها، وكان رجل يسير يستمع أحاديث النساء في خلواتهن ومجالسهن سراً حتى يكون خبيراً بلذتهن، وأما المرأة الحامل فجماعها أن يضعها على إحدى جنبيها ويضع إحدى فخذيها على الأخرى وترفع إلى ما دون بطنها دون الإلصاق ويجلس مقرفصاً خلف عجزها مقابلاً باحليله حرها، فإذا أراد التمكن من إدخال إحليله كله فليضع قدمه التي يلي رجلها بين فخذيها ولا يمتنع هذا الوجه في جماع غير الحبلى أسلم لذوات الأحمال، وأفضل النكاح ما بين اللذة والعناق (1/70)
صفحة 71
والقبل فإنه مما خص به بنو آدم دون الحيوان، وإذا أكثر الرجل الجماع قلت لذته به و لا يجامع الإنسان بعد الإمتلاء من الطعام والشراب والحر والبرد الشديد ولا بعد الفصد والقيء والإسهال والتعب ويحذر من استكثاره من كان يصيبه بعده رعدة وذبول نفس وخفقان وسقوط شهوة فإنه أعيى الناس عنه، والصرع والوسواس من السوداوي لا سيما في العجوز والصغيرة جداً والحائض والتي لم تجامع مدة طويلة والمريضة والقبيحة المنظر والبكر، وأردأ أشكال الجماع أن تعلو المرأة الرجل وهو مستلق على قفاه لأنه مما يعيق خروج المني، وربما بقي في الذكر منه بقية، فيصير سدة وربما سال إلى الذكر رطوبات من الفرج فيحصل منها أمراض، وأفضل أشكال الجماع أن يعلو الرجل المرأة رافعاً فخذيها بعد الملاعبة التامة، ودغدغة الثدي، ودلك الفرج بالذكر، فإذا تغيرت هيئة عينيها، وعظم نفسها وطلبت التزام الرجل أولج الرجل في صب المني ليتعاضد المنيان وذلك هو المحبذ، ومما يعين على الجماع رؤية أفعال الحيوانات، وقراءة الكتب المصنفة في الباه، وحكاية أقوال المجامعين، واستماع الرقيق من أصوات النساء، وحلق العانة تهيج الشهوة، وإطالة العهد بالباه تنساه النفس، والاستمناء باليد يوجب الأنبة والغم ويضعف الانتشار والشهوة.
اتخاذ الأسباب التي تعين على المحبة (1/71)
صفحة 72
ومن الخواص من أخذ مرارة التيس وطلى بها تحت قدميه رأى في نفسه من الإنعاظ وزيادة الباه العجب، ومن أخذ دم تيس من المعز أو الضباء وخلطه بعسل ثم طلى بها ذكره وجامع زوجته وجد لذة عجيبة وأحبته المرأة، وإن رأيت المرأة في ضدك ولم تطاوعك فيما تريد فاقرأ عند تقبيلك في فمها سراً بدوح بدوح سبع مرات فإنها تحبك، ومرارة الدجاجة إن طلى بها ذكره وجامع استلذ وأحبته المرأة، وإن أخذ ماء وقرأ عليه:(وقالت نسوة في المدينة امرأة العزيز تراود فتاها عن نفسه قد شغفها حبا اللهم عشق قلب فلانة بنت فلانة على قلب فلان بن فلانة كما عشقت قلب امرأة العزيز على يوسف بن يعقوب عليهما السلام فإنك على ذلك وذلك عليك يسير، واسقه المرأة أو أنك تجعله في شيء من الأطعمة، وإن أردت للمحبة التامة فاقرأ آية الكرسي ثلاثمائة وثلاثة عشر مرة وتقرأ في سجودك دعاء السجدة ثم تقول اللهم اعطف قلب فلانة بنت فلانة ولينها لي وألق المحبة والطاعة في قلبها حتى تكون تحت طاعتي بكل ما احتاجه منها بحولك وقوتك إنك على كل شيء قدير ثم في خمسين آية تقرأ هذا الدعاء يا عليم يا حليم يا حي يا قيوم يا ذا الجلال والإكرام برحمتك أستغيث يا من يستغاث به لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين، وصلي اللهم على سيدنا محمد النبي وآله وصحبه وسلم ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
آداب الزوجين (1/72)
صفحة 73
... وإذا سكنت الزوجة وتواطت فليشكر الإنسان ربه ويدخل عليها بالتسليم والبشر، ويعلمها بما هي جاهلة فيه من أمر دينها ودنياها، ولا يعزل عنها طعامه عند الأكل عنها بل يأكل هو وإياها جميعا، ولا يحقر الإنسان أهله من أكل الفاكهة واللحم وما يتطرفون به إذا قدر على ذلك، ولا يستخف بأهله ولا يتكبر عليهم بل يذكر فضل الله عليهم بما خصه به وجعله ذكراً مالكاً أمر نفسه وأمر أهله متى أراد منهم قضاء حاجة من جماع أو غيره، ولا يذكر حقارتهم، ولا يجفوهم بنفسه، ولا يبخل عليهم بماله، وجائز للرجل قضاء شهوته من زوجته في سائر جسدها إذا كانت المرأة حائضاً أو نفساء. (1/73)
صفحة 74
قال ذو الغبراء: سألت أشياخنا أهل العلم في زماننا فيما يجوز للزوجين من الملاعبة في الصحة والأسقام، وفي إكسار شهوتهما لبعضهما بعضا؟ قالوا: يجوز لهما أن يكسرا شهوتهما في أجساد بعضهما بعضا ما خلا الفرج والقبل في الحيض والنفاس، قلت لهم: وإن استمنى في يديها أو إبطيها أو أذنيها أو في أنفها أو في فمها؟ قالوا: جائز لك إلا في فمها فنكره أن يكون مجرى النجاسة والطعام واحداً، قلت لهم : وإذا كان الرجل سقيماً أو عنيناً هل يجوز للمرأة تسوك بفرجها في جسد زوجها أو يدخل الرجل اصبعه في قبلها حتى تشتهي؟ قالوا: يجوز لها ذلك ما يجوز للرجل، قلت لهم: وإذا لم يكن للرجل زوجة ولم يقدر على التزويج من عجز أو كان في سفر أو حضر وخاف على نفسه العنت هل يجوز له أن يستمني بيديه؟ قالوا: قد كرهوا الفقهاء ذلك ونحن نقول بجوازه وفي كفه قد جاء التشديد فيه أكثر إلا أن يحول بينهما بشيء يجعله في راحة كفه ورقاً من الأشجار وأشباه ذلك وهو كما قلناه في الترخيص، قلت لهم: والمرأة مثل الرجل أم هي اشد إذا أدخلت أصبعها أو حطبة بيدها في قبلها لتخرج شهوتها ؟ قالوا: يجوز لها كما جاز للرجل، وليس هي بأشد، قلت لهم: والذي قال: لا يجوز، أيهلك عندهم من فعل هذا؟ قال: هذا من مسائل الرأي، ويجوز فيها ما يجوز مسائل الرأي، والشهوة إذا اشتدت ولم تخرج تقع عليه ضرورة في جسده فإذا خرب الجسد، ضعف عن العبادة، فانظر في ذلك، ثم قال: قل لزوجتك إن كنت حائضاً أو نفساء تترك الصلاة والصيام، وقل لها: لا تقرأ قرآناً، ولا تحمل مصحفاً، ولا تدخل مسجداً حتى تطهر، وأما ذكر أسماء الله والتهليل والتكبير والاستغفار فجائز لها وللجنب مثلها، والمرأة مصدقة إذا طلب منها زوجها الجماع وقالت له إنها حائض أو بها نفاس إلا إذا كانت عودته بالكذب، ومهما طهرت طهراً بيناً إذا رأت كدورة صافية كالفضة، واغتسلت بالماء مع وجوده أو بالتيمم مع عدمه جاز للزوج جماعها. (1/74)
صفحة 75
فقال الوالد لولده: فإن عاشرت امرأتك مدة ورأيتها موافقة لك فاشكر نعمة ربك بما أعطاك من فضله، وخصك به من كرمه الواسع، وإن كانت لك رغبة ولهجة في النساء وكنت في سعة ولم تكتف بواحدة فتزوج إلى تمام الأربع، وخذ من السراري بما تريد ليس لك حد في ذلك، وقد مدح الله عباده المتزوجين قال:(وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ) (1) ، (وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ) (2) . وإن دخلت البيت فاعمد إلى ملاعبة امرأتك فلا عبث في هذا، وقد روي لنا عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال:(يجوز للرجل أن يلاعب عرسه وفرسه) ولا تغفل عن إشمامها كما قالت بعض النساء شعراً في هذا المعنى:
إن النساء رياحين خلقن لكم فكلكم تشتهوا شم الرياحين
وذلك رد على عمر بن الخطاب حين سمعته يقول:
إن النساء شياطين خلقن لنا أعوذ بالله من شر الشياطين
... ثم قال له: لا تحقر أهلك من اللباس والطيب من الدهان والبخورات حتى تجتمع لكما لذتان، وقال رجل لما أعجبته جاريته شعراً:
راقت محاسنها ورق أديمها فتكاد تبصر باطناً من ظاهر
يندي بماء الورد سائل شعرها كالطل يسقط من جناح الطائر
اعلم يا ولدي أن ربك زين السماء بالكواكب، والأرض بالنبات ، والنساء بالطيبات من اللباس والحلى والحلل والروائح لأنها تزداد بهاء وجمالاً للناظر، فكيف إذا اجتمع لها هذا المذكور وهي حسنة المنظر، شعراً:
كما اشتهت خلقت من ماء لؤلؤة في كل جارحة من حسنها قمر
كأنها خلقت حتى إذا اعتدلت في قالب الحسن لا طول ولا قصر
... غيره:
وغضة كمات بالحسن مع مافي الرياض ولا الشجار من طلح
قد وخد واختضاب يدكا الطلع والورد والجمار والطلح
...
قال الحضرمي:
كأنما إعجازها إذ ترتمي أكتاف كثبان الرمال الركم
__________
(1) 1 – المؤمنون : 5-6
(2) 2 – الفرقان : 74 (1/75)
صفحة 76
... ثم انظر إلى صدرها، ومس بيديك نهودها ومص مائهما أو حليبهما، فإن في ذلك لذة للمتعاشقين وذلك مما يزيد الشهوة إذا كان لونهما مثل العاج، كما قال الشاعر:
والثدي مثل مبلج العاج صفرته والصدر فهو كلون الشمس يشتعل
... ثم انظر إلى رأسها واقبض بيديك وشمه بأنفك فكيف إذا كان فيه من رائحة الطيب كما قال أبو الطيب شعراً:
ذات فرع كأنما ضرب العنبر فيه بماء ورد وعود
قال النبهاني:
بفرع لها عامر راجح طويل أثيث كجنح الظلام
قال الحضرمي:
وجدك لو لم تلبسي الحلي واللآلئ لغطاك حتى لا يراك حسود
... ثم اعتمد على عناقها بتمهل ومحبة ورأفة ورحمة كما قال الشاعر :
فوالله لولا الله والخوف والحيا لعانقتها بين الحطيم وزمزم
أغار على أعضائها من ثيابها إذا وضعتها فوق جسم منعم
أغار عليها من أبيها وأمها ومن لوحة المسواك إذ لاح في الفم
... ثم قال له: وعليك بالتقبيل ومص الوجنتين والشفتين وإشمام الأنف، وأحسن القبلة وألذها ما كان ترشفاً من ثلمك الشفة ومصها واستخراج الرضاب وهو الرقيق العذب البارد من اللسان خاصة واستخراجه بأن يعض على لسان الذي يقبله عضة خفيفة بإيهام الإيلام له فينبع منه عند ذلك ريق عذب في رقة الماء لم يخلطه ريق الفم، وهو الذي يجد له العاشق بردا يدب في الجسم وفتوراً ويشبهونها بالسكر من دبيب الخمر في جسم شاربها، وقال بعضهم في هذا المعنى شعراً:
إذا قبلتها عركت بفيها كروع العسجد في الغدير
فتأخذ في العناق وبرد فيها بموت في العظام من الفتور
... ولا بد في القبل من صوت دقيق طويل يخرج من بين اللسان وطرف الحنك يرطب ذلك الموضع بالرقيق، ثم إلى داخل الفم واللسان موضعه من طرف الحنك فيحدث منه ذلك الصوت من اجتذاب الريق، فطوبى لمن كانت له امرأة موافقة ومساعدة لتقبيلها. (1/76)
صفحة 77
ثم قال الوالد لولده : وعليك بالبشر والبشاشة لها وكف عنها أذاك من لسانك ويدك، ولا تقل لها كلاماً لا يجو ، ولو عصتك هي فارض أنت عنها، واتق الله فيها فإنها أمانة عندك أسيرة تسأل عنها يوم القيامة، فاحذر أن يراك الله ظالماً لها، وإن هي ظلمتك فاعف عنها وكلها إلى الله وعاشرها بالمعروف، وأما إذا كان عندك أكثر من زوجة فاعدل بين الأزواج، ولا تميل إلى إحداهن إلى هوى نفسك ولو أحببت واحدة أكثر من واحدة فلا تمل إليها، واتق الله وخف أن يراك الله مضيعاً غير عادل بينهن في النفقة والكسوة والمبيت بالليل والجماع إن قدرت على العدل، ثم الحذر الحذر إن تزوجت امرأة فكرهتها أن تضارها لتفتدي منك بمالها فاتق الله تعالى ولا تأكل الحرام، ولا تكن كقاطع الطريق على الناس أن يأخذ أموالهم فإن ذلك غير طيب، ولا تمكن الطمع من نفسك حتى يحملك لتأكل الحرام الذي يوردك النار، فالصبر عنه أيسر عندي من الصبر على أخذه لأنك تزوجت المرأة على عدل كتاب الله تعالى بحق وجب عليك لها فاستبحتها بسبب ذلك، ولم تكن الكراهية منها فما عذرك في ذلك عند الله تعالى وعند المسلمين, أما تشهد على نفسك بالجور عليها بذلك الظلم أو ما تعلم بما أعد الله للجائر والظالم، أتطمع في مثل هذا حتى أنه ربما ولد عليك ذهاب البركة في مالك، فاتركه ولا تتعرض له أبدا إلا إن علمت يقيناً منها أنها كارهة لك مبغضة وأنت محسن إليها جهدك ثم عرضت عليك ما سقته لها بلا زيادة لأنه لا يجوز لك أن تزيد ولو بذلت هي لك فإذا طلبت منك الهرب وبذلت لك ما سقته إليها، فإن أردت الدرجة العليا للآخرة والدنيا فطلقها واعف عنها وعما في يدها، وإن لم تسمح نفسك بذلك فجائز لك وحلال أخذ ما سقته إليها من المهر إذا لم يكن هنالك تقصير منك لها عن أداء واجب عليك لها، فطلقها بحضورها وبحضور أوليائها وشاهدين من غيرهم، ولا تضارها في الطلاق فلا فائدة لك فيه في تأجيل عدتها، وهذا أمرني بتدبيره الشيخ ناصر (1/77)
صفحة 78
بن جاعد، ومع الخلع بينكما لا ميراث لأحد إن مات أحدكما فتدبر ما أخبرتك به، وإن كنت ذا مال يكفيك ويكفي من تعوله فاشكر الله عز وجل وانفق من مالك على عيالك، وأحسن إليهم ما قدرت واستطعت ولا تهمل أمر دينك فإنه المهم جدا، وإن لم تكن ذا مال فلا بد من أن تتعلق بسبب لتعود به على عيالك من حرفة من صناعة أو حراثة أو نجارة أو ما كان من حرف الآدميين التي تراهم يتسابقون عليها، والكد على العيال مما يتمتع به الناس به فخذ نفسك برفق ولا تجعل عمرك كله للدنيا فلا تنس الله في كل حين، ولا تهمل دينك يا رهين واعلم أن الطلب سبب، والرزق على الله رب العالمين، والاهتمام بالعيال لما يحتاجون إليه من طاعة الله وحرفة النبيين، ولو حصل لك رزق كل يوم بيوم فاشكر الله ولا تكن من القانطين، فإذا أكلت رزق يومك فغداً يأتيك الله به في كل حين، فلا تهمل ذكره وشكره والقيام بالفرض المبين، وعليك بالصمت وإن نطقت فانطق بحكمة كما قال الشاعر:
إن كان ينطق ناطق من فضة فالصمت در زانه ياقوت
... ثم قال له: أوصيك ونفسي بتقوى الله واتبع الحق ممن جاء به ولو كان ذو الغبراء وصاحبه الواقفان على الباب السامعان المسألة والجواب.
قال ذو الغبراء: فلما مضى نصف ليلتنا رجعنا إلى بيوتنا مسرورين، ولأهلنا مشتاقين ومعانقين ومجامعين ومتطهرين، وقلنا الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد المصطفى الأمين.
الذكر السادس (1/78)
صفحة 79
ذكر لما يدخل على القلب من البغض والكره، وفيه تفضيل الأنثى، وتكوين الجنين في بطن أمه، وفيه ما يلزم المرأة من الاعتقاد، وفيه ذكر ما يسقط عنها من الفروض، وفيه ذكر شهواتهن والصبية التي تطيق الجماع، وفي ثبوت غيرها وما يجب لها و عليها، وفيه ذكر الأدوية لتحريك شهواتهن، وذكر السحاقة والسحق، وفيه دلائل المرأة الصالحة وما يعمله عند الجماع، وبما يجب على المرأة من قول الرسول - صلى الله عليه وسلم - والصحابة، وفيه ذكر أقذارهن ودائهن ودوائهن، وفيه ذكر الحمل، والتي لا تحمل، ودواء ذلك، وفيه ذكر إدرار الحيض وقطعه، وفيه لسقط الجنين وإثباته، وآخره ما يستحب لها من الأدب في حق الزوج.
مايدخل على القلب من البغض والكره
قال الفقير لله: سألت ذا الغبراء عن نزول المحبة والكره في القلب؟ قال ذو الغبراء: هذا على وجوه كثيرة، ولكن لعلنا نصل مع صاحبنا السقيم ونسأله عن ذلك، قلت له: نحب ذلك، قال: فقصدنا عنده بعد صلاة العتمة ووقفنا على باب داره فسمعناه يكلم ابنته بذكر المحبة والكره وقال لها: هذا له وجهان فمنه جائز ومنه لا يجوز أن يحب الإنسان، وكذلك منه الكره لا يجوز وشيء ينزل على القلب بشدة عظيمة فيعقبه أفراح كثيرة كرجل صحب أناس في سفره فذهب حمله فمشى عنه أصحابه فصادفهم العدو وأخذوا ما عندهم، وهذا الرجل لما وجد بعيره أقفاهم فوصل الدار سالما. (1/79)
صفحة 80
... ثم قال الوالد لابنته: لا تخافي من يخدموني فإني أخبرك بآيات وروايات ودلالات والله يقول:(خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا) (1) أي حواء أم البشر خلقت من آدم عليه السلام، وقال الله:(يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلاثٍ) (2) ، وقال:(وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا) (3) فمنهم الذكر ومنهم الأنثى، وإذا بشر الرجل بالأنثى دخل في قلبه ولا يدري المرء الخيرة له في أيهما (أَمْ لِلإِنْسَانِ مَا تَمَنَّى * فَلِلَّهِ الآَخِرَةُ وَالأُولَى) (4) ، فكم من الذكور كان سبباً لهلاك أبيه وأمه، وفي هذا يدخل قصة الغلام الذي قتله صاحب موسى عليه السلام عبرة لمن اعتبر، قال الله عز وجل في كتابه (حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلامًا فَقَتَلَهُ قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا) (5) ثم قال في آية أخرى (وَأَمَّا الْغُلامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا * فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا) (6) ، قال الكلبي: أبدل الله لهما جارية فتزوجها نبي من الأنبياء فولدت له نبياً فهدى الله على يديه أمة من الأمم، وقيل ولدت هذه الجارية سبعين نبيا، وإن ولدت المرأة أنثى فلا لوم عليها، وإنما تدبير النسل ليس هو إليها ولا الزوج بالخيرة فاختيار الله هو العدل، وربما إن جاء الولد ذكراً كان فتنة ومحنة لعشيرته، ويوجد أنه في آخر الزمان خير أولادكم البنات، فالأجر من الله أوفر لمن نسله البنات لحقارتهن وكراهتهن من النفس، ولو رد الله تعالى الأمر إليهم في الأولاد إلى الخلق لكانت الدنيا ربما لم تبق إلى هذا الزمان لاختيار
__________
(1) 1 – الزمر : 6
(2) 2 – الزمر : 6
(3) 3 – نوح : 14
(4) 1 – النجم : 24-25
(5) 2 – الكهف : 74
(6) 3 – الكهف :80 - 81 (1/80)
صفحة 81
الناس الذكور وميلهم إليهم، فإذا لم تلد النساء إلا الذكور فمن أين يأتي النسل، ومن أين يتزوج الرجال، فهذه حكمة من الله تعالى بالغة وقدرة باهرة لأنه أراد أن يخلق طوراً بعد طور، وأمة بعد أمة ولو شاء لجعلهم دفعة واحدة لكن عسى في حكمه وعلمه جعل ذلك ليتدبر هؤلاء المخلوقون ويعرفوا قدرته، فليأخذ العاقل حذره مساءً وصباحا.
ابتداء خلق الجنين في بطن أمه
وإني سأخبرك يا ولدي (1) بابتداء خلق الجنين وإن شاء كوّنه إذا أراد الله ذلك وهو إذا واقع الرجل زوجته ونزل ماءه من صلبه في رحمها فإن ذلك الماء يقع في موضع من فرجها يسمى القرار المكين وهو كالحق مستدير معتدل مستقيم له فم، فإذا أنزل الرجل ماءه بفرج زوجته وفتح القرار المكين فاه فاحتسى ماء الرجل فيجتمع ماء الرجل وماء المرأة ودم الحيض في القرار المكين ويتكون الجنين وينشأ الله خلقته من ماء أبيه لا من ماء أمه (2) ، ويصير ماء الرجل راسباً غائصاً وسط دم الحيض، وماء المرأة مثال ذلك ماء الرجل كالجوهرة ودم الحيض كاللحمة الملتفة بالجوهرة وماء المرأة كالصدفة الملتفة باللحم والجوهرة، ويخلق الله الجنين وينشئه من الأربع طبائع طبيعة الماء وطبيعة النار وطبيعة الهواء وطبيعة التراب.
__________
(1) 4 – لعل الأولى أن يقول ( يا ابنتي ) لأنه يخاطب ابنته كما سبق في بداية الحديث وإن كان كلمة الولد تطلق على الذكر والانثى
(2) 2 – هذه نظرية مشهورة في القديم وهي بخلاف ما ثبت بالشرع وأثبته العلم الحديث. (1/81)
صفحة 82
اعلمي يا ولدي أن النطفة أول ما يخلق الله تعالى منها العلقة فتصير شما (1) سوداء يصعد بخارها من القرار المكين إلى قلب المرأة وكبدها، فتصير المرأة تقذف من فيها الماء والطعوم وترغب في بعض الأغذية دون بعض فهذا هو غثيان ويسمونه وحام، فيمكث أربعين يوماً ثم تنقلب العلقة إلى مضغة أربعين يوماً ثم تمكث أربعين يوماً عظاماً ويكسو العظام اللحم وينشئه الله إلى خلق آخر فتبارك الله أحسن الخالقين، فإذا خرج الولد من بطن أمه يحزم صراره بخيط من شعر بقدر أربع أصابع، ثم يقطع بالموسى، ويجعل عليه زيتاً أي حلاً أو سمناً، ومما ينبغي بعد ذلك أن تأخذ القابلة ملحاً وتجعله في الماء وتدهن بذلك الماء جسد الطفل ليجفف اليهاب (2) سوى مناسمه ومع خروج أضراسه تفرك بشحم الديك أو الزبدة وإذا مزج بدماغ الأرنب عمور (3) الصبيان أسرع نبات الأسنان وسهل خروجها بلا وجع وذلك لخاصية فيه ومع نطقه بالحديث يفرك تحت لسانه بعسل النحل والملح ويدهن رأسه ورقبته بالحل، ثم يسمى ابن سبعة أيام ويذبح له مع التسمية شاتان وللأنثى شاة، وأما المرأة إذا خرج ولدها صارت نفساء تترك الصلاة والصيام وقراءة القرآن، ومما ينبغي أن تأكل شربة من عسل النحل وسكر الأبيض والسمن ثم في كل يوم تشرب السمنة لإنزال الدر وتأكل اللحم والعيش الطيب وتجتنب عن المحرقات والحموضات والملوحات والبقولات؛ لأن هذا أكله يفسد اللبن ويغش الولد، وتجتهد المرأة في إصلاح ولدها؛ لأن كل والدة تعطف على ولدها من جميع الحيوانات.
ما يلزم المرأة من الاعتقاد
__________
(1) 2 - بياض بالأصل
(2) 3 _ أي الجلد
(3) 4 _ أي اللثة (1/82)
صفحة 83
وأما ما يجب على المرأة فيجب عليها أن تؤمن بالله وبرسوله وتقول أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمداً عبده ورسوله، وأن ما جاء به محمد بن عبدالله من عند الله فهو الحق المبين مجملاً ومفصلاً على ما جاء به من عند الله، وأنه صادق فيما قاله مما أمر به أو نهى عنه - صلى الله عليه وسلم - تسليماً، وتشهد أن الموت حق، وأن البعث حق، وأن الحساب حق، وأن الجنة حق، وأن النار حق، وأن وعد الله حق، وجميع أقواله حق، وأفعاله حق، وأنه حق، ووعده حق، ووعيده حق، وأن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن الله يبعث من في القبور، وأن تتولى من تولاه الله ورسوله والمسلمون، وأن تبرأ ممن برأ منه الله ورسوله والمسلمون، فعلى هذه الشهادة تحيى وعليها تموت وعليها تبعث إن شاء الله تعالى، وتستغفر ربها مع كل ذنب، وقد خفف الله عن النساء فروضاً وأنقصهن في العقول، فالمرأتان عن شاهد واحد، وعن ميراث ذكر، وعن دية رجل، وليس عليها جهاد، ولا صلاة جمعة ولا جماعة، ولهن الفريضة والصداق من أزواجهن، ولها النفقة مع والدها إذا لم يكن لها زوج.
ذكر شهوات النساء (1/83)
صفحة 84
ثم قال: اعلمي أن الابنة ما زالت طفلة مكروهة في قلوب الرجال، وإذا انتهت ست سنين دخلت محبتهن في قلوب الرجال مثل ما تزوج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عائشة، قيل له صغيرة في السن، قال: هذه للشمام (1) ، وإذا تبين في المرأة شيء من علامات البلوغ مثل النهد وإنبات الشعر والماء والحيض تذكر قلبها بالرجال والجماع، لأن الجماع له في قلوب النساء موقع كريم وقدر، فهو وسواس صدورهن، وريحان قلوبهن، وحديث نفوسهن، وقوام جسومهن، وإن كان الرجل يشاركهن في الشهوة، ويقاسمهن في اللذة، فإنما لهم القسم اليسير والسهم الحقير، وعظيم الشهوة وسلطانها للنساء دون الرجال، ويروى عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال:(للنساء تسعة أسهم وللرجل سهم واحد ولكن الغالب عليهن الحياء) (2) ، وقيل إن عمر بن الخطاب رضي الله عنه خرج ليلة يطوف بالمدينة فإذا به يسمع امرأة تنشد شعراً:
تطاول هذا الليل واخضل جانبه ... وأرقني إلا خليل ألاعبه
فوالله لولا الله لا رب غيره ... لزلزل من هذا السرير جوانبه
مخافة ربي والحياء يصدني ... وأكرم بعلي أن تنال مراكبه
ليعلم من بالشام أن وراءه ... عدو له أعد ويحاربه
... فسأل عنها رضي الله عنه وأخبر أن زوجها بعث في غزاة.
__________
(1) 1 – لم أجد هذا الحديث على كثرة البحث
(2) 2 _ لم أجد هذا الحديث أيضاً (1/84)
صفحة 85
وقيل إن رجلاً إذا غضبت عليه زوجته دخل عليها ورفع رجليها وجامعها فقالت له يوما: وقد فرغ منها: قاتلك الله كلما اشتد غضبي جئتني بشفيع لا أستطيع رده، وذلك لموقع عظم النكاح في قلبها، وإنكار المحبة منهن طبعاً وعادة، فإن أنكرن وقلن لكم أنكم (1) أشد شهوة وأحرص على النكاح منا بدليل مطالبتكم لنا به وإكراهكم إيانا عليه قيل ليس مطالبة الرجل للمرأة النكاح لأنه أشد منها شهوة له وإنما هو بمعنى الفحولية التي فيه، والعادة الجارية بقوة نفس الذكر على الأنثى في جميع الأشياء، لأنها تبع له وليس هو تبع لها في مرادها، وهي واثقة منه بمطالبتها، وأما إذا آيست من طمعها منه وخاب رجاؤها فيه لعجز منه عن حلال، أو عفة من فجور، أظهرت حينئذ ما كانت تسره وأقرت بما كانت تنكره كامرأة العزيز مع يوسف عليه السلام إذ قالت:(الآَنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ) (2) لهتك المرأة عند امتناع الرجل أعظم من هتكه عند امتناعها عليه.
... وحد الصبية في طاقتها النكاح اختلاف عن العلماء إذا كانت ستة أشبار وقال من قال خمسة أشبار هذا في الآثار ، وأما في كتاب البيطرة قال: إذا كانت أربعة أشبار حملت شبرا.
قال الفقير لله: وهذا على معنى النظر منهن الطويلة ومنهن القصيرة، ووجدت في الكتب عن بعض القضاة أنه زوج صبية فبكت، فقال لهم: أتوني بدمعها فأتوا منه إليه، فقال: دمع السرور حلو ودمع الحزن مالح، فلا عمل لبكائها لأنا نرى الصبية البكر إذا زفت إلى زوجها لا زالت نافرة عنه مستوحشة منه لا يؤنسها كثرة الرغائب، ولا يستعطفها له جزيل المواهب حتى يفتضها، فتأنس حينئذ من وحشتها وتميل إليه بكليتها ليس لذلك سبب غير الجماع.
وهذه الصبية إن جامعها زوجها فعليها الغسل على أكثر القول.
__________
(1) 1 _ في الأصل ( أن )
(2) 1 – يوسف : 51 (1/85)
صفحة 86
والبكر رضاها سكوتها، والثيب تنطق وإذا سكتت ومكنت زوجها فهي راضية، وأما إن سكتت وغيرت مع الدخول فهي على حال الإنكار، وأما إن تزوجها على ما اتفقا عليه من الصداق فيأمر على ما اتفقا عليه، وإن اختلفا فحقها الوسط من حق عماتها، وإن عجز عن التسليم فيؤجل في كل مائة محمدية إلى ستة مائة محمدية بستة أشهر ولا زيادة في الأخذ بعد هذا، وأما الصبية إن زوجت ودخل عليها زوجها ورضيت بعد بلوغها تم نكاحها وإن غيّرت من حين بلوغها وقد امتنعت عن الدخول عليه اختياراً من حين بلغت فلها الغيَر إن كانت يتيمة، وأما الذي زوّجها أبوها فقيل فلا غيَر عليها، وأما أبو نبهان وفحول أهل العلم قالوا لها الغيَر ولها الصداق كاملا بدخول الرجل عليها، وإن كان ليس داخلا عليها فلا صداق ولا ميراث لها إن صح غيَرها أو جبنت عن اليمين من بعد موته، وإن رضيت بعد الغيَر أن يردّها، فعلى قول لا يجوز له، وعلى قول يجوز له أن يتزوجها بنكاح جديد وبصداق ثانٍ .
قال الشيخ ناصر بن أبي نبهان: إذا لم ترض من حين بلوغها بالتزويج ودامت على ذلك مدة ثم رضيت، فلا يحتاج إلى تزويج جديد ما لم تنقض عدتها إذا كان قد دخل بها وإن كان لم يدخل بها فتجوز لهما ما لم تتزوج بغيره أو يحكم بتفريقهما حاكم عدل.
ما يحرك الشهوات (1/86)
صفحة 87
... ثم قال: اعلمي أيتها الابنة فكثرة حديث النفس بالنكاح يهيج شهوة المرأة ويكثر حملها لا سيما إذا كانت في تمكين من خلوة وأمن من رقيب، ولبس الحرير للنساء يزيد في غلمة الرجل ويضعف نكاح الرجل، والنساء تغتلم في الصيف والرجال في الشتاء، وقراءة سورة يوسف تحرك شهوة النساء ومثله التبخر بالعود، وإن أخذت المرأة من ماء البصل المصفى مثقالين وجعلت عليه صفرة البيض وحركته على النار حتى ينضج وأكلته حرك شهوتها، وهذا الدواء يعمل للمرأة التي لا تريد الأزواج فمهما أكلته أرادت الزوج من يومها، والمرأة التي ليس لها زوج كالبيت الذي ليس له باب يشد ويفتح، أو كالشجرة التي ليست لها ثمرة، فلا فائدة في سكون البيت ولا مانع يمنعه من الدخول، فأعوذ بالله من كل غلمة ليس لها عدة، والويل لمن منع النساء عن الأزواج فقد لبس العار وما جوابه مع سؤال الجبار إلا دخول النار، أعوذ بالله من النار والعار ومن عداوة الأهل والجار وغضب الجبار.
ثم قال لها: حكي لي عن امرأة ذات حسن وجمال ومال فتعززت بالمهر على الرجال، فذهب شبابها وتزوجت في كهولتها، فلما دخل عليها زوجها وذاقت عسيلته قالت: وآأسفاه على الشباب ذهب نصف عمري ليتني أمهرت نفسي وكنت روحي ومالي لبعلي، فتباً لكل امرأة لم تتزوج في شبابها، وذهبت ثمرة بطنها ثم قالت شعراً:
في لحظات الأعين النعس ... أن مايل النفس إلى النفس
والقبلة العذبة في ضمها ... رسائل الأير إلى الكس
... قال الفقير لله: لا يجوز للمرأة أن تعطي رجلاً مالها ليتزوجها به ولكن يجوز أن يكتب صدقها ويكون ديناً عليه، ويجوز أن ترخص نفسها إليه بأقل الصداق في قول أربعة دراهم. (1/87)
صفحة 88
ثم قال الوالد لابنته: ينبغي للمرأة أن تسرع في التزويج مهما صح لها في ساعتها ولا تنتظر إلى كثرة الخطاب ولا إلى بلوغ الأطفال، إنها عورة وسترها ولباسها بعلها فكل من نظر إليها افتتن بها، فإن سمحت للحرام نفسها فبئس بأفعالها ذهب الصلاح منها وظهر قبحها وقد ركبت فاحشة الذي نهى عنها ربها، وإن قهرت نفسها عن الزنا وخافت العار بإظهار الولد فتصل معها امرأة وتزين لها السحق لأنه يكسر الشهوة النفس وفيه ستر عن رجال الإنس، فإن سمحت لها نفسها وكفت عورتها إلى من لا يحل لها فقد باءت بغضب من الله، وقد سماه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - زنا، فكيف بامرأة حملت غلمة عدمت شافيها وإفراط شهوة لم تجد كافيها، فيحملها ذلك على الاستعجال، وحك الأشفار بالأشفار، وتستمني بذلك وتشتفي بهذا وقد لزمت نفسها عن الزنا لسبب الحبل وأنفت العار، وطلبت السحق لكسر شهوتها أعوذ بالله من مكرها.
فإن سلمها مما ذكرناه فتأخذ المرأة حذرها طول عمرها من اللواطة والقيادة، لأن القيادة تؤلف بين القلوب وتمازج بين النفوس وتجمع بين الأجناس، تولد العشق بين الاثنين من قبل رأي العين بما تلقيه في المسامع من سحر الكلام، فهي كالشيطان تأتي كل نفس بما تعلم أنها تميل إليه، وخص بهذا العجائز فإن كانت العجوز قد زنت في شبابها فهي الداهية التي لا تبقى، والحية التي لا ترقى، وكثير من العجائز تقود على ابنتها ومن وليت أمرها من أهلها، إما لرغب الاكتساب الخبيث، وإما لغلبة الفساد الطبيعي، وقد يفسدهن على الأزواج ويكرههن على الفساد من غير احتياج، لا سيما إذا كانت ذات جمال فتحب العجوز أن تباهي بها نظائرها من المتبرجات للفساد، فالواجب على الرجل والمرأة الاحتراز عنهن لمن كان في العلم بأمرهن بصير. (1/88)
صفحة 89
... ومما ينبغي للمرأة أن تكون في أحسن أخلاقها كما حكي أن بنتاً تزوجت برجل فلما أخذها عن أهلها وشيعتها أمها وخرجوا من الدار فحين أرادت أن ترجع عنها أمها قالت لها: اعلمي يا ابنتي أنك قد خرجت من العش الذي درجت فيه، وسرت إلى فراش لم تعرفيه، وإلى قرين لم تألفيه، فكوني له أمة يكن لكم عبدا، وكوني له مهادا يكن لك عمادا، وكوني له أرضا يكن لك سماءا، ولا تلحفي به فيقلاك، ولا تنأي عنه فينساك، فإن دنا فاقربي منه، وإن نأى فابعدي عنه، واحفظي سمعه وبصره وشمه فلا يسمع منك إلا جميلا، ولا ينظر إلا حسنا، ولا يشم إلا طيبا، فإن أبوك القائل لأمك ليلة الدخول عليه:
خذي العفو مني تستديمي مودتي ... فإنك لا تدرين أين المغيب
ولا تنقريني نقرة الدف مرة ... ولا تنطقي في سورتي حين أغضب
فإني رأيت الحب في القلب والأذى ... إذا اجتمعا لم يلبث الحب يذهب
وقد بالغت في النصيحة.
دلائل المرأة الصالحة (1/89)
صفحة 90
ثم قال الوالد لابنته: سأخبرك هذه الليلة بدلائل المرأة الصالحة وذلك حسنها وجمالها؛ خوف الله وصلاتها بالليل وثقتها بالله على ما رزقها الله، وبفعلها بأمر الله وهجرها المعاصي، وعداوتها الشيطان، وطاعتها بعلها، ويكون بيتها طاهراً، وتيئس من المخلوقين في الضر والنفع، وتستعد للموت، وتكون ناظرة في عيبها، مفكرة في دينها، خفي صوتها، كثير صمتها، عفيفة طاهرة من الدنس والعبث، ورعة عن الخنا متكرمة عن الأذى، واسعة الصدر، كثيرة الشكر، نقية الجيب، طاهرة من الدنس والعيب، حليمة كريمة، قليلة النزق، سهلة الخلق، بريئة من الكذب، بعيدة من العجب، قليلة الجهل، وثيقة رحيمة بالأهل، رقيقة للبعل، لا تسيء إليه، ولا تغتاظ عليه، وتكون حيث يكد، ولا تكلفه مالا يجد، تصفي له خدها، وتخلص له ودها، ولا ترفع إليه طرفها، ولا ترفع صوتها عليه، تلطفه بغاية الحب، وتؤثره على الأم والأب، ولا تجفوه في سره، ولا تقلاه في عسره، تلقى غيظه بحلم وصبر، وتعاشره بود وشكر، وتؤثر على هواها هواه، وعلى رضاها رضاه، إن أساء إليها غفرت، وإن آثر عليها صبرت، تحب ولد زوجها ولو لم يكن منها، لا تكلفه ما لا يطيق، فهي في البيت كالاسطوانة المذهبة، أو كصومعة الراهب، طوبى لمن رزقه الله مثل هذه المرأة.
وقيل لعائشة رضي الله عنها: أي النساء أفضل؟ قالت: التي لا تعرف عيب المقال، ولا تهتدي لمكر الرجال، فارغة القلب إلا من الزينة لبعلها، والتغافي الصبابة عن أهلها.
آداب معاشرة الزوج (1/90)
صفحة 91
ويروى عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: إن أبرك النساء أحسنهن وجوها، وأرخصهن مهرا، والمستحب من المرأة تهيج شهوتها إذا هيجت، وتسكن إذا سكنت، وقال علي بن أبي طالب: العفيفة في فرجها، المغتلمة لزوجها، ويستحب للمرأة خفة أعضائها عند الجماع ورشاقة، كأنها بأدنى إشارة من الرجل حتى لا يكون عليه مؤونة في تقلبها كيف شاء على ما يحب عند الجماع ما لم تكن بلادتها طبعا، والمرأة أيضاً تستخرج الرجل الغمر، وتهذب حركاتها، والنساء والرجال عند الجماع كالخيل والفرسان فمنهن الفارهة تحت الفارس الجيد بغير مشقة على أحدهما حتى إن الرجل إذا جامع أهله على إحدى جنبيه وأراد الانقلاب على الجنب الآخر أمكنهما الانقلاب جميعا وهما على حالهما من غير أن يخرج الإحليل من حر المرأة ولا يزول صدره عن صدرها ولا فمه عن فمها، ومن دقيق هذه الصنعة أن يكون عجز المرأة ورهز الرجل متطابقين كإيقاع الغنا ولا يخرج أحدهما عن الآخر، وينبغي للمرأة أن تتغنج لبعلها عند الجماع وصفة الغنج هو الترقق والذبول وتغرق العيون وتمريض الجفون وإرخاء المفاصل من غير حركة، والتململ من غير انزعاج، والتوجع من غير ألم، وترخم الكلام عند مخاطبة الرجل لما يحب، وتارة تتألم منه، وتارة تستزيده بشجي صوتها، ورقيق نغمتها، كما قال الشاعر:
ويعجبني منك عند الجماع حياة الكلام وموت النظر
والإحليل في ذلك بخبر دقيق وتنهد رقيق، وعضة في إثر قبلة، أو قبلة في إثر عضة منه أو منها، فإن ذلك كله مما يقوي شهوة الرجل ويحثه على المعاودة لا سيما إن اطرحت الحيا، واستعملت الخلاعة، وذلك المعدود من صفاتهن المستحسنة, قد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:(خير نسائكم التي إذا خلعت ثوبها خلعت معه الحياء، وإذا لبسته لبست معه الحياء) يعني مع زوجها. (1/91)
صفحة 92
قال الوالد لابنته: ويستحب فصاحة اللسان، وحسن النغمة، ورخاوة الصوت، فحسن الكلام وعذوبته من أقوى دواعي العشق، وأسلب لقلب المستمع، ورب قبيحة عشقت لحسن كلامها، ومليحة تركت لرداءته، وربما سبق حسن النعمة إذا سمع فعشق قبل الرؤية، ولقد أحسن بشار في قوله:
يا قوم أذني لبعض الحي عاشقة والأذن تعشق قبل العين أحيانا
ولغيره:
وكأن تحت لسانها هاروت ينفث منه سحرا
... قال: ويستحب أن يكون في المرأة سواد أربعة، وبياض أربعة، وحمرة أربعة، وتدوير أربعة وطول أربعة، ووسع أربعة، وضيق أربعة، وصغر أربعة، وطيب أربعة: فأما السواد فسواد شعرها وسواد عينيها وسواد حاجبيها وسواد ناظريها، وأما البياض فبياض لونها وبياض عينها وبياض أسنانها وبياض إبطيها، وأما الحمرة فحمرة لسانها وحمرة شفتيها وحمرة وجنتيها وحمرة لثتها، وأما التدوير فتدوير الوجه وتدوير العينين وتدوير الكعبين وتدوير الكفين، وأما الطول فطول العنق وطول الشعر وطول الحاجبين وطول الأصابع، وأما الواسع فوسع الجبهة ووسع العينين ووسع الصدر ووسع الوركين، وأما الضيق فضيق المنخر وضيق الأذنين وضيق السرة وضيق الفرج، وأما الصغر فصغر الفم وصغر الثديين وصغر الكعبين وصغر القدمين، وأما الطيب فطيب الأنف وطيب الفم وطيب الإبط وطيب الفرج، والناس في اختيار الألوان مختلفون فمن الناس من تختار البياض بصفرة وهذا هو الأحسن كما قال الشاعر:
كبكر المقانات البياض بصفرة ... غذاها نمير الماء غير مخلل
تضيء الظلام بالعشاء كأنها ... منارة ممسى راهب متبتل
إلى مثلها يرقى الحليم صبابة ... إذا ما اسبكرت بين درع ومجول (1/92)
صفحة 93
وقال بعضهم إن البياض بالحمرة في الرجال أحسن والبياض بالصفرة للنساء أحسن، ومنهم من يختار البياض المشوب بحمرة وهو أحسنها وأبهرها للعين، وحسن اللون مع نعومة الجسم من اعظم دواعي الشهوة لمضاجعة المرأة واعتناقها إذا كان مشرباً بالحمرة، ومنهم من يختار السحم وهو السواد ويفضلهن ويمدحهن، وليس المختار منهن الحمرة والإجماع على كراهتهن، وهو لون أشد حمرة من الشقرة تعلوه كدره ولا يكاد البياض يظهر فيه، وأقبح منه البياض الذي لا يخالطه حمرة ولا نور له يشبه بياض الجص ويكون شعر صاحبه شبيهاً بالرما. ويستحب البضة الناعمة، الرقيقة البشر، الدقيقة العظام، الناعمة اللينة العصب، الممتلئة الجسم الطويلة الخلق، معتدلة القدمين بين الطول والقصر، اللطيفة القدمين ونعومة ظاهرهما، وقد كثر الوصف من الناس وتقاصرت عن الإطالة لضيق الكتاب. (1/93)
صفحة 94
ثم قال الوالد لابنته: اعلمي بأني أخبرك عن روايات الرسول - صلى الله عليه وسلم - وصحابته وزوجاته في ذكر النساء والرجال فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - :(يتزوج الرجل لثلاث للمال والجمال والدين فعليكم بذات الدين)، ويروى عن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها قالت: عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال:(أيما رجل أخذ بيد امرأته يريد منها شيئاً إلا كتب الله له عشر حسنات فإن عانقها كتب الله له عشرين حسنة فإن قبلها كتب الله له مائة وعشرين حسنة فإن قضى منها حاجة ومضى في غسله لم يمس من شعر جسده إلا كتب الله له بكل شعرة حسنة وتمحى عنه بكل شعرة سيئة ، ويقول الله تبارك وتعالى انظروا إلى عبدي قام هذه الليلة الغراء إلى ربه اشهدوا أني قد غفرت له)، ويروى عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:(خير النساء من أمتي خيرهن لأهلهن يرفع الله لكل امرأة منهن كل يوم وليلة أجر ألف شهيد قتلوا في سبيل الله صابرين محتسبين، ولفضل إحداهن على الحور كفضل محمد - صلى الله عليه وسلم - على أدنى رجل منكم، وخير النساء من أمتي من تأتي مسرة زوجها في كل شيء يهواه ما خلا المعصية لله، وخير الرجال من أمتي من يلطف بأهله لطف الوالدة بولدها يكتب لكل رجل منهم في كل يوم وليلة أجر مائة شهيد قتلوا في سبيل الله صابرين محتسبين، فقال عمر رضي الله عنه: يا رسول الله كيف يكون للمرأة أجر ألف شهيد وللرجل أجر مائة شهيد؟ قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : أو ما علمت أن المرأة أعظم أجراً من الرجل وأفضل وأن الله يرفع الرجل درجات برضى زوجته في الدنيا ودعائها له، أو ما علمت أن أعظم وزر بعد الشرك بالله المرأة إذا عصت زوجها)، وإنما أراد بهذا على معنى المبالغة في الترغيب لا على معنى الحكم، وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - :(إذا صلت المرأة خمسها، وصامت شهرها، وأحصنت فرجها، وأطاعت زوجها فلتدخل الجنة من أي باب شاءت)، قال سفيان: أن امرأة (1/94)
صفحة 95
أتت النبي - صلى الله عليه وسلم - فقالت: أنا وافدة النساء إليك وليس عليك، وإن الله تعالى خصكم معاشر الرجال بالجماعات والجمعة وتشييع الجنائز وعيادة المريض وأفضل من ذلك حج البيت والجهاد في سبيل الله، وجعلنا محظورات مقصورات، وجعلنا نقبض شهواتكم وقواعد بيوتكم حمالات أولادكم، فإذا خرج منكم خارج أو غازي أو معتمر أو مرابط حملنا لكم طعامكم، وحفظنا لكم أموالكم، وربينا لكم أولادكم وغزلنا لكم ثيابكم أفما نشارككم يا رسول الله في أجوركم؟ قال: فالتفت النبي - صلى الله عليه وسلم - وقال: ما ظننت أن امرأة تبلغ هذا، ثم أقبل عليها فقال: اسمعي أيتها المرأة وابلغي من خلفك من النساء أن حسن تبعل إحداكن لزوجها واتباعها موافقته وطلبها مسرته يعدل ذلك كله، قال: فانصرفت تهلل وتكبر استبشاراً بما قال لها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، ويروى عن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها قالت: إذا تفاخرت الحور العين قلن نحن أفخر منكن نحن الموحدات ونحن المتطهرات وأنتن لا تطهرتن، ونحن المتوضيات وأنتن لا توضيتن ونحن المصليات وأنتن لا صليتن ونحن الصايمات وأنتن لا صمتن ونحن المتزوجات وأنتن لا تزوجتن، قال : فغلبن النساء الحور العين . (1/95)
صفحة 96
وقد مدحهن مولاهن وقال (مُسْلِمَاتٍ مُؤْمِنَاتٍ قَانِتَاتٍ تَائِبَاتٍ عَابِدَاتٍ سَائِحَاتٍ ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَارًا) (1) وقال في آية أخرى (ِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا) (2) ، وينبغي للمرأة أن تتعلم سورة النور، وهي سورة أنزلناها، لتعرف بما يجب عليها في أمر دينه ، وما عليها من الحق لزوجها، وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - :(لو أمرت أحدا أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها لعظم حقه عليها)، قالت ربيعة العطار: حج نسوة منا فلقيتهن عائشة أم المؤمنين فسألتهن وقالت: ألكن أزواج؟ فقلن: نعم، فقالت: لو تعلمن بحق أزواجكن عليكن لجعلت المرأة تمسح الغبار من قدم زوجها ولو بحر وجهها، ويجب على المرأة طاعة زوجها في جميع ما يأمرها به ما لم يكن معصية، ولا يجوز عصيانه، ولا تخرج من بيته إلا من عذر، ويروى عن زيد بن ثابت قال أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لابنته:(إني لأبغض المرأة تشكو زوجها)، ابن عمر يقول كان يقول لا ينظر الله إلى امرأة يوم القيامة التي تشكو زوجها ولا تستغني عنه تقول ما تشكر ما يواليها من المعروف، ولا تستغني عن ذلك بالمعروف ثم قال الله تعالى: (وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ) (3) ، قال: كعب كان يقول أول ما تسأل عنه المرأة يوم القيامة عن صلاتها وصيامها ثم عن حق زوجها، وروي أن امرأة جاءت إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقالت: يا
__________
(1) 1 – التحريم : 5
(2) 2 – الأحزاب : 35
(3) 3 – البقرة : 228 (1/96)
صفحة 97
رسول الله إني امرأة كثيرة الخطاب، وقد رغب في الرجال وقد جئتك أسألك عن حق الزوج على الزوجة، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : فإذا دعاك فأجيبيه في أول دعوة فإن أخرتيه حتى يدعوك ثانية أحبط الله عنك أجر سبعين صلاة، فقالت: يا رسول الله فهل غير هذا؟ فقال: نعم أيما امرأة تعمل عملاً بغير أمره فتقسمه لزوجها فلم تبر قسمه لم يؤذن لها عند الله يوم القيامة مثقال ذرة، قالت: يا رسول الله فهل غير هذا؟ قال: ما من امرأة تخرج من بيت زوجها بغير إذن زوجها إلا كتب الله لها بعدد الذر والشجر وكل خطوة تخطوها سيئات وتمحى عنها حسنات بعدد ذلك، قالت: يا رسول الله فهل غير هذا؟ قال: نعم ما من امرأة تسيء النظر إلى زوجها إلا بعثت يوم القيامة ممسوخة الرأس، قالت: يا رسول الله فهل غير هذا؟ قال: نعم ما من امرأة تؤذي زوجها بلسانها إلا جعل الله لسانها يوم القيامة طول سبعين ذراعاً ثم تعقد في عنقها ويتوقد يوم القيامة ناراً تحرق وجهها، قال: يا رسول الله فهل غير هذا، قال: نعم ما من امرأة تصدقت من بيت زوجها من غير نظره إلا كتب الله أجر تلك الصدقة لزوجها وكتب عليها وزرا ).
(وروي أن امرأة أتت النبي - صلى الله عليه وسلم - فقالت : يا رسول الله إن زوجي يمنعني أن أزور والدي . فقال رسول الله : لا تزوريه إلا برأيه . ثم أتت فقالت : يا رسول الله إن والدي مريض فمنعني أن أعوده . فقال رسول الله : لا تعوديه إلا برأيه . ثم أتته ثالثة فقالت : يا رسول الله إن والدي هلك ولم يدعني أن أشيع جنازته . فقال رسول الله : لا تشيعي جنازته إلا برأيه). (1/97)
صفحة 98
ويروى عن الصحابة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - :(أيما امرأة عصت زوجها طرفة عين فهي في سخط الله إلا أن تتوب وترجع)، وعن شريح بن يونس قال: حدثنا علي بن ثابت عن جعفر بن ميسرة عن أبيه عن ابن عمر قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - :(لعن الله المسوفات، قيل: وما المسوفات؟ قال: الرجل يدعو امراته إلى فراشه فتقول سوف وسوف حتى تغلبه عيناه فينام).
قيل: وينبغي للمرأة أن تعرض نفسها على زوجها، قيل: وكيف تعرض المرأة نفسها؟ قال: إذا نزعت ثيابها ودخلت في فراشه تلزق جلدها بجلده.
والمرأة إذا احتملت برجل ينبغي لها أن تصبر لعيوب الرجال لأن القليل من الناس من لا عيب فيه، فإن تزوجت صبياً أو كهلاً أو شيخاً أو أميراً أو غنياً أو فقيراً أو سقيماً أو كان معه نساء أو أولاد أو كان حراً أو عبداً فلتصبر على البلاء ولها الأجر على صبرها وما شدة إلا لها فرج، ولا تدري بالثاني أنه أضعف منزلة، وقد رأيت كثيراً من الناس مع التبديل يصح عليهم الذل والنكال من النساء والرجال، فاختيار الخيار أحسن من اختيار الأبرار والأشرار لأنه يحكى عن امرأة كانت عند رجل موسر ضعيف الباه كثير الجاه وتشكو المرأة منه مع الحاضرين والبداة، فلما علم الرجل بأمرها طلقها فأخذها رجل قوي الباه فسرها لما هيج غلمتها وكسر لها شهوتها، فبعد ذلك نزلت في بلدهم المصائب وذهبت عليهم الأموال، وجعل زوجها في الأنكال والأغلال، وبقيت المرأة في أسوأ حال، ثم أقبلت إلى مطلقها تسأله لستر عورتها ثياباً وطعاماً لإحياء جسمها، فانظروا أن الصبر أولى عن مطاوعة النفس والهوى. (1/98)
صفحة 99
... ومما يكره من المرأة التي تعلو صوتها بالنخير والشهيق تطبعاً من غير طبع وتصنعاً من غير صنعة وتكلفاً من غير استحسان؛ فهي تقلب القلب وتنفر الشهوة فهم ناكحها بالمفارقة لها والخلاص منها، وكثير من النساء من تستعمل السكوت عند الجماع لكن مع رشاقة الحركة وإظهار القبول للجماع، وضم الرجل إليها وتقبيله مرة بعد مرة، ومساعدته بالجماع فهذه صفة غير مكروهة ولا سيما للمتعاشقين، ومن يخشى الرقيب، ويكره المتمنعة على الرجل عند مطالبته إياها بالنكاح، وكثير منهن من تفعل ذلك تعمداً وقصداً أنه يزيدها حظوة عند الرجل وتقوي شهوته لها؛ وذلك من فساد عقلها لأن المرأة متى فعلت ذلك مع الرجل نفرت شهوته منها، ولا تنبسط نفسه إليها، وربما ورّث ذلك التهاجر والبغضاء بينهما ولا سيما إن كان ذلك دائما، وتكره المرأة المستغلمة التي لا تشبع من الجماع ولا تنتظر وقته، فأحسن أحواله أن تصادف من به داء الانتصاب فلا فرق بينهما إلا موت أحدهما، ويكره منهن نتن الفروج ورطوبتها وبرودتها وخشونة مداخلها ووسع مسالكها وصغر حجمها واندخاسها إلى داخل الفخذين، ويكره إن أبطأ شعر العانة عن الحلق والإبطين، وينبغي لها أن تنتفه أو تحلق بالنورة إلى عشرين يوماً، وصفة الحلق يؤخذ أربعة أسهم نورة، وسهم زرنيخ يدق ناعماً ثم يجعل عليه ماءً ويجعل على النار حتى يغلظ أو في الشمس في قوة الحر ثم يجعل فوق الشعر ويصبر قليلاً وينظره إلى قلع الشعر ثم يفركه بيده قريباً من الماء ومخافة أن تأكله النورة ثم يغسله بالماء هذا عمله للنساء والرجال.
ما يكره من المرأة ودواء ذلك
ويكره من المرأة نتن الفم والأنف والإبطين وإدرار اللبن من الثديين وانحدارهما.
ومما ينفع عن انحدار الثدي دم الضفدع إذا طلي به ثدي المرأة البكر حفظ قوته ونفع من السقوط، وإذا سحق بنت الذهب وخلط به ورد وطلي به ثدي المرأة قطع اللبن منه، وإذا سحق الشب بالخل وطلي به الإبطين ذهب نتن الصنان منهما. (1/99)
صفحة 100
ولنتن الأنف يؤخذ قسط وفلفل وبذر الحرمل أجزاء سواء يدق وينخل وينفخ في الأنف، ولنتن الأنف يؤخذ مر وقافياطيا وحماما من كل واحد درهم يسحق ويخلط بعسل النحل قد غلي، ويؤمر صاحب العلة أن يلصق شيئاً بحجاب الأنف الذي في وسطه، نافع إن شاء الله تعالى وقد جربناه فحمدناه ووجدناه جيدا.
... ولنتن الفم يؤخذ الثوم والقرنفل يسحقان ناعما ويعجنان بعسل ويستعملان قبل أن يأكل الطعام بالصبح وعند النوم، ويداوم على ذلك فإنه يقطع البخر ويقلب الرائحة، صحيح مجرب.
ولقطع الرطوبات السائلة من الرحم قشور الكندر وهو اللبان وقشور الرمان وكمون وهو القزح أجزاء سواء يدق وينخل ويعجن بماء الآس وهو الياس وهو من الروائح ويضمد به الظهر والعانة.
ولتضييق الرحم يؤخذ من قشور شجرة الصنوبر وهو الزام مدقوقا أربعة أجزاء وآساً مدقوقا جزئين وسعد مدقوق جزئين يدق ويسحق كله ناعما ويصب عليه مطبوخ عفص طيب الرائحة، وتبل فيه خرقة كتان وترفعها في إناء زجاج، وعند الحاجة إليه تأمر تمسك واحدة قبل الجماع بساعة ثم تطرحها عند الجماع وكذلك الثلج كذلك وجدته في كتب الطب وكل ما ذكرته في الكتاب فإني وجدته في كتب أهل العلم.
وللرحم إذا كان منتناً ويصير الواسعة ضيقة ، وإن كان رطبة أو باردة يؤخذ جير غير مثقوب أربعة دراهم وسكا وقفاح الأذخر( هي اللوبيا ) وسنبل وهي قضيمة النجارة من كل واحد وزن درهم يدق ويعجن بماء الآس أو يشرب وينخل فإنه جيد.
الأدوية التي تعالج بها المرأة التي لا تحمل
وإن كانت المرأة لم تحمل وأرادت أن تحبل فلتأخذ على بركة الله تعالى جاورش وجوز وعاقرقرحا يعمل بالسوية ويدق ناعما وينخل ويخلط بدهن الزئبق ويطلى على الذكر ويجامع المرأة ومن بعد المجامعة بثلاثة أيام أو بسبعة أيام تحبل بإذن الله تعالى. (1/100)
صفحة 101
أيضاً إذا كانت المرأة لم تحبل يكون من برودة رحمها خصوصا إذا كانت المرأة كبيرة يؤخذ لها هذه الأدوية وتأكل منها ترجع شابة، وإن أكل من هذه الأدوية رجل كبير يرجع شاباً في القوة، وهذه صفتها: يؤخذ حليب البقر خمسة أرطال ورطل فوم ويطرح الفوم بعد تقشيره في الحليب ويغلى على النار غلياً جيداً حتى تدخل خاصية الثوم في الحليب ويتهرى ثم ينزل ويصفى ثم يؤخذ الحليب المصفى ويطرح في المقدار ويضاف إليه سمن البقر وزن من وعسل النحل وزن من وبذور الفجل والشونيز(الحبة السوداء) وبذر الكراث وبذر الجزر من كل واحد عشرين درهما تدق جميع الأدوية وتطرح في تلك القدر التي فيها الحليب المصفى ويخلط على النار، ويكون الوقيد قليلاً قليلاً حتى ينضج ويصير مثل الحلوى، وينزل من القدر عن النار ويبرد ويجعل جميع الأدوية في قارورة ويؤكل في الصباح بمقدار الجوزاء وفي المساء كذلك، نافع.
وفي صفة أخرى للتي لا تحمل يؤخذ ورق عنب الأخضر ويعصر ماءه قدر نصف أوقية، ثم يؤخذ سمن بقر خالص قدر أوقية وعسل النحل قدر ثلاث أواق للشابة وللكبيرة أربع أواق، ثم يغلى حتى يفور، ثم يوضع فيه العسل، ثم ماء العنب وتشربه المرأة على الريق ، ويمسح لها من تحت السرة ومن فوق السرة ثم تشرب الدواء بعد غسلها من الحيض ثلاثة أيام ثم يجامعها زوجها تحمل بإذن الله تعالى.
... وفي نزف الدم على الحمل يؤخذ قشور الرمان والحبر والطراثيث من كل واحد جزء يدق ويعجن بماء الآس ويتخذ في صوفة وتحمله المرأة ينفعها ذلك.
الأدوية التي تعالج بها لإسقاط الجنين وإدرار الحيض وقطعه
وإذا عسر على المرأة الولد وكان ميت يؤخذ لها روث البقر ويدخن به تحتها، وإذا مات الولد في بطن أمه يؤخذ له بذر جزر الدبسي ويدخن به المرأة فيسقط الولد الميت من بطن أمه بإذن الله تعالى. (1/101)
صفحة 102
ولتسهيل الولادة يمرخ أسفل البطن والظهر بالحل، وإن شربت كيسين سمن وكياس سكر سهل عليها ولادتها، وإن أخذ وزن ثلاثة دراهم خيلاً ودرهم ونصف فلفلاً ويوضع الجميع في ماء حار وتشربه المرأة، ومن مسهلات الولادة تكتب الفاتحة وإذا السماء انشقت إلى قوله وتخلت، ويعلق على فخدها الأيسر ويفك عند الوضع.
وإذا كثر على المرأة دم الحيض تسقى من ماء شجرة الطرفاء أوقيتين وتسقى من ماء ورق العوسج وثمره وهو القصد، فإنه جيد، وإن شربت من ماء النيل فإنه يقطعه، وإن أخذت المرأة الآصف والرامك والحبر ومن أطراف الآس الرطب يدق ويعصر ماءه وتبل فيه صوفة ثم تحملها المرأة تفعل ذلك كل يوم مرتين وعند النوم.
وإذا كانت المرأة لا تحيض يؤخذ لها ماء الخثف وزن درهمين ودهن اللوز كياس يؤخذ الجميع ويخلط على النار حتى يحمى ويؤكل في كل ساعة، فإن الحيض ينطلق ، فإن لم يكن دهن اللوز فبدهن الزيت.
أحكام الحيض وحقوق الزوج
وصفة الحيض أن يكون الدم سائلاً أو فائضاً من الفرج ويكون غليظاً أسوداً أو أحمراً منتن الرائحة، فإذا خرج من فرج المرأة الدم على هذه الصفة وأقام بها ثلاثة أيام فصاعداً فهو حيض، وتمنع زوجها عن جماعها مهما رأته لأن جماع الحائض على العمد حرام، وفي الخطأ فلا تحرم، ومهما علم أو بان له نزع من ساعته عن جماعها. (1/102)
صفحة 103
وصفة الطهر منه خروج شيء أبيض مثل الماء الغليظ، أو انقطع عنها انقطاعاً لا يبقى له أثر، فإذا طهرت المرأة فتغتسل بالماء والخطمي وتدخل أصبعها في قبلها إلا البكر فقد جاء فيه الاختلاف عند المسلمين، فإذا اغتسلت وحضرت الصلاة أو كان لزمها الصيام فإنها تصلي وتصوم، وإن نزل بها الدم في وقت صلاة ولم تصلها هي فتبدلها إذا طهرت، وإن طهرت في وقت صلاة وتأنت عن الطهر أو كأنها تغتسل وفات وقتها فتبدلها وكذلك صيامها عليها بدل اليوم الذي بها واليوم الذي طهرت فيها، وجائز لزوجها جماعها بعد الطهر إذا لم تكن لها عادة ثابتة، أو كانت صائمة فرض أو بدل فرض أو كفارة لزمتها أو بإذنه صامت نفلاً فهذا لا يجوز أن تجبرها إلى الجماع، وكذلك النفساء لا يقربها زوجها دون الأربعين مخافة أن يراجعها الدم إلا إذا كانت لها عادة سبقت في طهرها أقل من أربعين يوماً، وجامعها في طهرها فلا بأس عليه، ولو راجعها الدم قبل أن تمضي أربعين يوماً فلا تحرم عليه، ولكن في القابل لا يجامعها إن راجعها الدم حتى تمضي عليها أربعين يوما، والمستحاضة جائز جماعها بعد الاتضاح له، وكذلك لا تترك الصلاة ولا الصيام ولا القيام. (1/103)
صفحة 104
ولا يجوز للمرأة أن تخرج من بيت زوجها إذا منعها لا لعيادة مريض ولا تعزية أناس في ميت لهم ولا لزيارة أرحام ولا لقدوم مسافر ولا تطعم أحداً من ماله ولا تعصيه في نفسها إلا من عذر تأتيه إليه، ومن حسن الأخلاق لها أن تتعرض له باللباس والطيب والحلي ولطف الكلام وتبدأه بالمساء والصباح (1) ، وتكف عنه أذاها بلسانها وأن لا تكافئه بما فعل فيها إن كان أساء إليها بشيء تصبر على ذلك لتلحق أجر الصابرين عند الله تعالى، وأن تعاشره بالرفق، ولا تكلفه ما لا يقدر عليه، وتخدمه إن قدرت على خدمة أبويه ولو لم يجب عليها، وأن تخدم ما كان في البيت من طحن الحب والخبز وسقي الدواب وعمل جميع الأطعمة لها وله ولمن دخل عليهما من صديق أو رحم أو ضيف، وكذلك غزل الكسوة له إن جاءها بقطن من عنده، وكذلك تقريب الطعام والشراب إليه، وحط الفراش عند النوم، وأن لا تنام إلا في فراشه إلا أن يرضى هو لها وتجعل نفسها له كالطعام المهيء له متى ما أراد أكل منه وإن لم يرد ذلك فلا تكليف عليه، وتفضله على نفسها، وتتابع محابه في كل شيء من معاشرتها إذا كان فاضلاً إلا ما كان من محابه خارجاً من طاعة الله فلا تطعه في ذلك فإنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، وفي وصية لبعض الأعراب لابنته عند زفافها إلى زوجها قال: يا بنيتي ليكن أكثر طيبك الماء، يريد كثرة الاغتسال، ولبعض الأجسام رائحة أطيب من الطيب، وبعضها لا طيب فيه، والتبخر بالعود الرطب يزيد في غلمة الرجال دون سائر الأطياب، وفي بعض كتب الطب وتطيب المرأة لا يتطيب الرجل فإن الطيب مقطعة من النكاح، وطيب النساء ما ظهر لونه وطيب الرجال ما خفي، إلا إذا كان بان لهم ضرر في أجسامهم فحسن ما طهر لونه، والاغتسال بالماء البارد يقوي الجماع ويحبس الشيب والماء الحار يعجله، ولا يجوز للرجل أن يجبر المرأة على أن تنتقل معه حيث أراد من البلدان إلا في موضع يلزمها ذلك ولا
__________
(1) 1 – أي تبتدأه بالتحية في المساء والصباح (1/104)
صفحة 105
يلزمها إلا أن يكون عدلاً أو يكون البلد فيها فاضل قائم بالعدل مالك لأمرها فعلى هذا يلزمها.
وقال الوالد لابنته : وعليك السؤال بما يلزمك في أمر دينك وبما لك وبما عليك من اللازم لبعلك، ولا يدخلك الخجل مع أهل العلم فكل سائل مجتهد سالم، واستمعي لقول الشيخ عبدالله بن عمر بن زياد الشقصي البهلوي العماني قال:
خود أتت منزلي والعين تنهمل ... سحاً على وجنتيها الدمع منهطل
كأنه من خلال المزن مندرج ... أو أنه برد أو لؤلؤ خضل
عنقاء لفاء مصقول عوارضها ... كأن أخمصها بالشوك منتعل
في نسوة أقبلت مع ذاك تؤنسها ... يمشينها وعليها الحلي والحلل
تميس ميساً على حسن الشباب لها ... وجه كبدر الدجى بالنور مشتعل
في لحظها فتر في عينها حور ... هيفا مخلخلة في مشيها مهل
من غير ما كسل تمشي على مهل ... لكن أعجزها من خلفها كفل
...
حتى دنت أقبلت يوماً لتسألني ... أعاقها جزع مع ذاك والخجل
فقلت يا هذه لا تخجلي وسلي ... عما بداك لا خوف ولا وجل
قالت هديت كفاك الله كل أذى ... أتيت شاكية يا أيها الرجل
عندي بعل غني ليس يعدمه ... شيء من المال لكن مسه بخل
لحز وكز ليئم في معاشرتي ... عن كسوتي ومعاشي فهو منبتل
عمداً ولا عدم فيه كي لأعذره ... لكنه مكس قد ضاقه فشل
ماذاك يلزمه في الحكم يا أملي ... قل لي كفيت الردى حتى به أصل
لآخذن منه حقي كله كملا ... ولو تعّصى به أو مسه خبل
فالحكم يردعه عن كل سيئة ... لو كان ذا نخوة أو رأسه جبل
لانهد خوفاً لأمر الحق متبعا ... فالحق عضب حسام باتر صقل
فقلت في كل عام ستة وجبت ... أثواب لا سمل فيها ولا بلل
درعان ثم لحاف واسع معه ... إزار واثنان جلبابان قد عملوا
كتان أو من حرير قال بعضهم ... والصبغ يلزمه فيما به عملوا
من درع ومن إزار مع جلاببها ... من السواد كذا قد قالت الأول
وقيل من بقم إن كان ذا يسر ... وللفقير فصبغ النيل يا رجل
...
عن قول بعض وبعض ليس يلزمه ... شيئاً من الصبغ قد قالوا وقد نقلوا
...
عن ابن محبوب عن موسى لم يريا ... ... شيئاً من الصبغ لو كانت له حيل (1/105)
صفحة 106
أما الحرير مع الكتان للكبرا ... والأغنياء إذا ما طولبوا بذلوا
...
على كسا مثلها أخت وعمتها ... وأمها وفويق الرأس ينسدل
...
وليس يلزمه في سحب أذيلها ... على التراب فما في قولنا خلل
وبعضهم قال هي أولى بما كسبت ... من نسوة فقر البيت لها خول
...
يقدرها زائل عن كل عائلة ... ليست بذي سفه ما أن لها نصل
وخادم فلها في البيت يخدمها ... أنثى إذا كان أهلوها بذا امتثلوا
وفي الطعام لها قالوا وقد فرضوا ... كشاري لإمام العدل قد فضل
...
فربع الصاع لكل يوم من ذرة ... والربع في وقته قد طابه الأكل
وإن يكن أكلها للبر فهو لها ... إن كان أهلوها بذا عملوا
أو نفسها قبل زوج كان يأخذها ... فليس عن ذاك قالوا قيل تنتقل
ومن تمر وأيضاً درهمان لها ... لكل شهر لأدام لها جعلوا
ودرهم زائد قد قال بعضهم ... إن كان ذا يسر أمواله فضل
فالدهن قيل كياس يوم جمعتها ... طول الليالي والأيام متصل
وإن يكن شعرها جماً فقيل لها ... زيادة عن كياس هكذا نقلوا
لكل شهر فثلث المن قال به ... ابن المفرج ذاك العالم الفضل
وذلك قول ابن مداد بان لها ... وابن برك فعبدالله قد نقل
لها وآنية فيما تعالجه ... من الطعام وشرب الماء تعتل
مع الفراش وفي قر الشتاء دثرا ... من اللحاف ثخين ما به خول
وليس تلزمها من خدمة أبدا ... إلا بطيبة نفس بحسن العمل
حتى تعاشره مع ذاك في لطف ... بلا ضرار يكن في ذاك يحتمل
بلا ضرار يكن في ذاك يحتمل ... زيارة ثم تسليماً إذا وصلوا
في بيتها لم يكن في خلوة لهما ... بلا قعود كثير ثم ينتقل
كذلك الجار لا يمنع دخولهم ... فالجار موصى به للأجر يحتمل
وليتق الله فيها طول مدته ... فإنها من ضعاف الخلق يا رجل
أوصى بذاك رسول الله في خبر ... فبالضعيفين عبد زوجة نقلوا
في ذاك عند وفاة المصطفى فلقد ... أوصى الرسول بما أوصت به الرسل
ومسكن رافق قد قيل يلزمه ... في الحر والقر لا خوف ولا وهل
وليس تمنعه من وطئها أبداً ... ولو على قتب يسري بها جمل
إلا بعذر كحيض أو تكن نفسا ... إلى انقضاء طهرها يوماً وتغتسل
فعند ذلك قد حل الحلال له ... إن لم يكن مرض في جسمها تعل (1/106)
صفحة 107
وواجب في قرار البيت مقعدها ... بلا خروج إلى الطرقات ترتحل
ولا تزور أهاليها ولو مرضوا ... إلا ليأمرها في ذلك البعل
قد جاءت امرأة نحو الرسول تقل ... بأن والدها بالسقم منثقل
تريد تزواره يوماً فقال لها ... لا لا تزوريه حتى يأذن الرجل
ولا تشيع له يوماً جنازته ... إلا بأمر له في ذلك قد نقلوا
رواية رويت عنه وقد ثبتت ... لا خلف فيها ولا قول ولا جدل
فطاعة الزوج فرض لازم أبداً ... مادام عقد نكاح ليس منبتل
أو لى من الأبوين الكل قال به ... محمد المصطفى تمت به الرسل
وليس يلزمه ورس ولا عطر ... لوجهها أو لجسم زانه الخضل
إلا بطيبة نفس البعل قال به ... أصحابنا حكموا في ذاك وامتثلوا
وإن يطلقها في القول واحدة ... فطعمها واجب أو ينقضي الأجل
في البيت ينفقها إذ ليس يخرجها ... إلا بفاحشة منها له تصل
وليس يلزمه يوماً إذا خرجت ... من بيته هكذا قد قيل يا رجل
ولا يطلقها في القول واحدة ... فطعمها واجب أو ينقض الأجل
وإن يكن بثلاث كان طلقها ... وكان في البطن منها الحمل يرتكل
فعيشها واجب في طول مدتها ... ما عاش في بطنها لا يقطع الأكل
ولا أدام لها قد قال بعضهم ... وقال بعض لها فافعل بما فعلوا
حتى إذا وضعته بعد مدته ... فليس يلزمه إذ قد مضى الحبل
لكن لها أجرة يوماً لترضعه ... لشهرها درهمان قالت الفضل
ودرهم زائد إن كان ذا سعة ... أمواله بسقت تعلو وتنجزل
في قول أكثر أهل العلم قد ذكروا ... فخذ بما قلته فيما به عملوا
إلى الفصال رضاع ثم قيل له ... ثلث الفريض لا زيغ ولا بدل
حتى يصير خماسياً يكون له ... نصف الفريضة لا عنها بدا حول
حتى يصير سداسياً فتم له ... ثلث وثلث إلى أن يبلغ الرجل
وليس يلزمها للولد تربية ... قوت الرضاع ولكن يأتي البعل
لمن تربيه أو تغسل اظامره ... من النجاسات والأوساخ يغتسل
...
وليس يلزمه بعد البلوغ له ... شيء ولو عينه بالدمع تنهمل
إن كان ذا صحة ما إن به مرض ... وإن يكن مرضا ضاقت به الحيل
فواجب قوته من مال والده ... مادام حياً إلى أن ينقضي الأجل
وإن كن عنده مال يقوت به ... من كده أو يكن أوصى له رجل (1/107)
صفحة 108
فلا على والد إلا إذا عدمت ... أمواله كلها فالأمر معتدل
فيما وصفنا له من مال والده ... وكسوة لتواريه بذا عملوا
أما الإناث لهن القوت متصل ... ولو بلغن محيضاً ليس ينفصل
في بيت والدها حتى يزوجها ... زوجاً ويكفلها عنه وتنتقل
وأمة زوجها حر فيلزمه ... في الليل كسوتها والطعم والأكل
وفي النهار على المولى لتخدمه ... من أول الفجر حتى تنقضي الأصل
وليس تلزمها في الليل خدمته ... لكنّ يتركها للزوج ترتحل
وليس للزوج بعد الفجر عشرتها ... لأنها في قيود الرق تختبل
وكسوة الزوج درع والإزار معا ... بلا قناع وجلباب لها جعلوا
إذ ليس يلزمها للرأس تغطية ... مفلفل لونه إذ ليس منسدل
وقد علاها أبو حفص بدرته ... كيلا تشبه بالحرات تمتثل
يوماً فقال لها اكشفي عنك القناع فلا ... شيء عليك ولا وزر ولا وجل
ذاك الأمير الذي شاعت فضائله ... مؤدب ناصح للثقل محتمل
فرحمة الله تغشاه وتلبسه ... ما سار نجم السما من فوقه زحل
فهاكها درة كالشمس طالعة ... قد بت أرقبها والليل مكتهل
...
غرفتها من بسيط الشعر مبتدئاً ... حتى أتت كلها ما أن بها خلل
تنبيك عن نفقات كلها كلا ... جاءت على عجل ما أن لها مثل
فخذ بما قلته فيها وكن فهما ... واسأل ذوي العلم عنها إنهم قبلوا
في شهر شعبان كان القول فيه وقد ... ... مضت ثلاث سنين كلها كمل
بعد الثمانين عاماً ثم تسعما مذ ... هاجر المصطفى الهادي النبي البطل
صلى عليه وحياه وكرمه ... رب رحيم كريم آخر أول
... ...
وسمعت الشيخ ناصر بن أبي نبهان أنه لا يعمل بقول من يقول بتحديد الحلاء والدهن للطعام بالدراهم لأن ذلك يزيد بالغلاء والرخص وعليه لها في ذلك مقدار ما يستعملونه أهلها أو بنفسها قبل التزويج على قياد قولهم في الكسوة والنفقة.
الذكر السابع (1/108)
صفحة 109
أوله في علم الأبدان في ذكر الاحتقان والاحتصار، ودلائل مما يصلح الأجسام، وفيه من أحاديث الشجعان، وفي صفة أخلاق الصالحين وقصيدة من قول الشيخ عامر بن علي لما يرجوه من الصلاح بذكر فيها وأوردت أنا من قول العلماء من الأثر على معاني المذكور في الشعر، وفيه صلاة الجمعة، والشهداء، وناكح الدواب والنساء، ومايدرء عنه الحد على المكروه، وذكر في العقل والجهاد، وفيه مدح المسلمين من قول الشيخ محمد بن محبوب رحمه الله.
دواء الاحتقان والاحتصار
... قال الفقير لله: صحبت أخي ذا الغبراء إلى زيارة العلماء الأبرار الأتقياء الأخيار فوجدنا أحدهما في البندر المجتمع من أهل السفر من البر والبحر ثم أقمنا مع الشيخ العالم ناصر بن أبي نبهان الذي أخذت عنه مذهبي بطول الزمان فسلم عليه رجل وسأله عن احتباس البول والغائط فقال الشيخ: أما احتباس الغائط إذا لم يستطع عليه بحيلة إلا بالحقنة يؤخذ له محقنة فيها بلولة بقدر الأصبع إن كانت المحقنة من نحاس أو من خزف هي معمولة لذلك ويدهن البلولة بزبدة ثم يؤخذ الخدف وإن حصل شيء من الحنظل وغير ذلك من أدوية الحقنة، ثم تدق وتطبخ بالماء إلى أن يخرج الخاصية في الماء، ثم يلقى عليه الحل ويطبخ حتى يسخن ويؤخذ المحقنة وتخل بلولتها في الدبر ويكون الدبر مقابل السماء ورأس الإنسان مع أرجله في الأرض، ويكب الدواء في المحقنة وهو متوسط في الحرارة، فإذا دخل يقف ساعة كذلك ويزال عنه ويقف ساعة حتى يجد بطنه قد انحل فإنه يخرج، مجرب وهو أسلم من التحليل عن غيره.
قال الشيخ عامر بن علي: إن لم يجد الحقنة فليأخذ حطبة دقيقة ويجعل عليها قطناً، ثم يغمسها في العسل والسمن والملح ويحتقن به مرة بعد مرة فهو صحيح مجرب.
... غيره: في الحقنة يؤخذ ما تقبض عليه اليد من الحرمل ويرض ويغلى بسدسين ماء وملء اليد ملح ثم يغلى حتى يطلق مزجه ثم يصل ويستعمل حقنة. (1/109)
صفحة 110
أخرى: يؤخذ ماء الحرمل مكوك ومثله مريس التمر الجيد ومثله ماء ورق الملويا يغلى الجميع ويصل ويوضع كياس سليط أربع كيسان ويضرب ضرباً جيداً ويستعمل -هذا عن الطبيب راشد بن عميرة- فإذا برد يحتقن به صاحب العلة ويدلك بطنه دلكاً جيداً يفعل ذلك ثلاث مرات أو أربع مرات ويهجر في القولنج الإمتلاء ويبادر إلى التنقية وليس بصواب أن يبادر إلى سقي المسهلات من فوق فربما كانت السدة قوية وكانت أخلاط وبنادق كثيرة، فإذا توجه المسهل إليها ولم يجد منفذاً أدى التدبير إلى خطر عظيم.
رجع لقول الشيخ عامر:
... وقال: لحصر البول يؤخذ حل العرش إن وجد (1) وإلا فثمرة العرش تؤخذ وترض ثم يعصر ماءه ويأخذ الماء ويلقى عليه خيار شنبر ثم يجعل على النار حتى يدخل بعضه في بعض ثم يدهن به الإليتين والإحليل وما حولهما إلى السرة، نافع مجرب.
... قال الشيخ عامر: وإن أخذت الشورة والحلبة والهيل ودقهن ناعماً ثم يلخه في العانة والذكر ويشربه.
... وعن ناصر: يؤخذ السكر والشورة ويشربه وبعد ذلك يؤخذ الصرم الذي ناقضة (2) بنواة من النخل ويأخذ من طرف الأخير ويكسر منه الحجبة الهشة والباقي من حيث البياض يدهن بزبدة ويدخل في الإحليل فإنه يدر البول.
وفي معالجة وجع القضيب وحبس البول منه يؤخذ سكر الأقلام ينقع في ماء الجح ويلقى عليه قليل ماء ورد ويشربه سبعة أيام، وأما الاغتسال فيطبخ الفرفار ومقابلة الشمس والسفسف بماء فإذا ثار ترك حتى يفتر ثم يجلس فيه ، فإنه يدر البول من ساعته ، والله المعافي.
... ومن كتب أهل العلم: وإن كان البول احتباسه من صدمة أو جراح فإنه يسقى وزن ستة دراهم بذر البطيخ المقشر مع كياس سكر بماء حار أو يسقى منقش البطيخ اليابس المدقوق وزن مثقالين بماء حار وسكر ويجلس في ماء حار شديد الحرارة ويسقى من قشر البيض المسحوق مثل الكحل وزن درهم بماء حار وسكر وإن جعل في الدبر شيئاً من الملح أدر البول.
__________
(1) 1 - في الأصل : وإن لم يوجد
(2) 2_ ناقضة أي نامية (1/110)
صفحة 111
وأما سلس البول وتقطيره إن كان من حرارة أو برودة يؤخذ فلفل أربعة دراهم وزرنيخ درهم زكمون درهمين وأفيون ربع درهم وزعفران نصف درهم وسنبل درهم يدق الجميع ويعجن بعسل، والشربة منه وزن درهم ونصف بماء حار، مجرب.
ولمن يبول في الفراش يؤخذ وزن ثلاثة دراهم سعد مع مثله قشر رمان مسحوقاً في ماء ورد فإنه مجرب ، أو يضرب لبان ومقل من كل واحد وزن ثلاثة دراهم مع عسل نافع يفعل ذلك عشرة أيام.
ما يعين على إصلاح الجسم
... وسأل بعض الملوك الأطباء مما يعين على إصلاح الجسم فاجتمعوا على أن يأكل الإنسان من الطعام بقدر ثلث جازته والثلث الثاني للماء والثلث الثالث لنسخه، ثم قال بعض الشعراء ما أنعم الله على عبده بنعمة أوفى من العافية، ثم قالوا الأطباء من عمل بهذه الأبيات وجد العافية:
اسمع بني وصيتي وأعمل بها ... فالطب معقود بنص كلامي
لا تشربن على طعام عاجلاً ... فتقود نفسك للردى بزمام
واجعل طعامك كل يوم أكلة ... واحذر طعاماً قبل هضم طعام
والقيء لا تهجره واهجر كل ما ... في أكله سبب من الأسقام
وإذا الطبيعة منك نقت باطناً ... فنقاء ما في الجسم بالحمام
واقلل نكاحك ما استطعت فإنه ... ماء الحياة يراق في الأرحام
وقال غيره :
توق إذا استطعمت إدخال مطعم ... على مطعم من قبل الهواضم
وكل طعام يعجز السن مضغه ... فلا تقربنه وهو شر المطاعم
ولا تك في وطىء الكواعب مسرفاً ... فإسرافه للعمر أقوى الهوادم
وإياك إياك العجوز ووطئها ... فما هي إلا مثل سم الأراقم
ولا تحبس الفضلات عند نزولها ... ولو كنت بين المرهفات الصوارم
ولا سيما عند المنام فأقضها ... إذا ما أردت النوم ألزم لازم
ولا تتعرض للدواء وشربه ... مدى العمر إلا عند إحدى العظائم
...
ووفر على الجسم الماء فإنها ... بصحة أبدان أجل الدعائم
وفي كل أسبوع عليك بقيئة ... ففيها أمان من شرور البلاغم
وكن مستحماً كل يومين مرة ... وحافظ على هذي الخلال وداوم
بذلك أوصاني الحكيم بنادق ... أخو العدل أنوشروان ملك الأعاجم
... ...
... وقال غيره: (1/111)
صفحة 112
لا تحبس الريح إذا حضرت ... وخلها تهيج إن ما صدرت
فإن أدوى الداء في إيلاجها ... والروح والراحة في إخراجها
صفات الشجعان والصالحين
ثم قال لي ذو الغبراء: أتيت زائرا أم مقيما عند الشيخ ؟ قلت له: بل زائرا، فقال: أوصيك إذا جاوزت البلدان، وقصدت الفيافي والقفار فألهم نفسك الحزم، ولا تبعها بالبخس، واصبر لمن اعتدى عليك، فكم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة.
وحدثني الشيخ عامر بن علي عن ثلاثة رجال مسافرين فظهر لقتالهم ثمانين رجلاً فقتلوا من القوم عشرين واستكان الباقون إلى الثلاثة، ورجلان مسافران وفي صحبتهما امرأتان فعارضهم للقتال عشرين رجلا ً فقتلوا منهم خمسة رجال بتفق، وسلم الله من شرهم الرجلين والمرأتين، ورجلان عليهما السلاح اعترضا لرحل ليس معه أسلحة، فأخذ السلاح على أحدهما وقصد به إلى بلده بارك الله فيه ظفّره على عدوه، فقد حاز الشرف، وأدى الفرض كالذين سبقوه من السلف، وقال:
ليس من يقطع طرقاً بطلا إنما من يتق الله البطل
وأمير معه خادم، فأمره أن يصرع رجلاً فلم يطق لصرعه، فعمد الرجل على الخادم وأدخل أصبعه في نطاق الخادم، ورفعه وطاف به في الطرق، وكل عين تنظره، ثم رمى به في مجلس الأمير، ومن قوة هذا الرجل أتوا إليه بحمارة لم يقدر صاحبها على أدبها وقال صاحبها للرجل: لعلك تؤدب لي هذه الحمارة، قال: أتبرى منها؟ قال له: في الحل والبرآن، فركب الرجل على الحمارة، وأدخل ركبتيه في دففها فخرج ما في بطنها وماتت، ثم تعرضت له ضبع في طريقه ورفع عليها بضربة بعصاه فكسر رأسها.
وفي زماننا رأى رجل في منامه جبرائيل عليه السلام في جامع السوق (1) وفي يده خشبة كأنها دقل المركب ويضرب بها الناس والبيوت ويقول بكلام فيه غضب فلم يمض شهر إلا وجاءهم سيل والتقى وادي كلبوه ووادي الأبيض في ذات حويس، ودار بالعقر، وقشع (2) بروجاً من جانب سعال، وهدم حوائر الوادي والسوق كله.
__________
(1) 1 _ لعله يقصد جامع نزوى
(2) 2 _ أي هدم (1/112)
صفحة 113
قال ذو الغبراء: رأيت في المنام كأن الإمام الميت سيف بن طالب جالس على المنبر والناس من حوله يخطب فيهم بالجامع الذي هو في قلب القرى من عمان، ما تفسير ذلك؟ قلت له: لعل واحداً من ذريته يجمع شمل المسلمين. وأخبرت بهذ الرؤيا الشيخ عامر فقال: هذه الرؤيا تدل على أن الصلاح للمسلمين.
وهذه من الأخلاق الحسنة في صفة الرجال يكون مثل لون بشرته أبيضاً مشرباً بالحمرة، والبدن منه ممتلئا، وصوته يكون بين العالي والخفي المنخفض، ورأسه مناسبة لبدنه، وأم الرأس منه وافرة ناهدة إلى العلو يسيراً، والجبهة علية نقية من نبات الشعر عريضة طويلة باعتدال، والآذان حسنتي الوضع متوسطتان بين الكبيرة والصغيرة والرقة والغلظ، ويكون الحاجب خفيف الشعر، وتكون العين وضعها مناسبة للوجه حسنة المركب سمينة الأجفان إذا انفتحت كان بياضها نقياً، وسوادها جوهرياً، والجبين مزهر، والوجنة ظاهرة اللون منه بالحمرة، واعتدال اللحم والأنف حسن الوضع والتخطيط لا كبير الأرنبة ولا دقيقها ولا صغيرها ولا واسع المنخرين ولا ضيقها ولا اقرارها ولا عقدة كالكرسي فيه، والفم حسناً في وضعه متوسطاً بين السعة والضيق صبغ الشفتين، ولحم الإنسان صبغاً حسنا التنضيد، واللسان لطيفاً صبغاً، أسيل الخدين والعنق منه إلى الغلظ والاعتدال والسبوطة والصدر، وما بين الكتفين واسعان، والكفان منه ناعمان رطبان، مفرجاً الأصابع طوالهما، والبطن منه معتدل، السرة مخفقة، معتدل الإليتين، ممتليء الفخذين والعجزين، سبط الساقين، حسن القدمين لطيفهما، أخمص القدم، نقي الأظفار دمي اللون والبشرة، فوجدته من كانت هذه صورته فهو الكامل الأوصاف في خلقه وما أحسنه إذا تكاملت في أخلاقه من العلم والحلم والحكمة والمعرفة والنفع للناس والغنى بالمال والنوال والتصريف من نوعه بالأمر والنهي، فلما عرفت من الكتب هذه الخلق والأخلاق فقلت: اللهم إني أسألك لبلادك عمان وغيرها من الأمصار والبلدان أن تظهر فيها (1/113)
صفحة 114
دعوة المسلمين وسنة نبيك الأمين، وأقم فيها أحكام العدل، وقو فيها أهل الورع والفضل، وطهرها من الفساد والجهل، وأعل فيها كلمة أهل الصدق، الداعين إلى الحق، واخترلها إماماً مرضياَ حسن الخلق والأخلاق عدلاً صالحاً تقياً نزيهاً عن الطمع، ولياً يعمل بقول المسلمين، ويعادي المردة المجرمين.
فقال الشيخ عامر بن علي: سمعت عن هذه الخصال المحمودة اجتمعت في الإمام ناصر بن مرشد رحمه الله.
وسمعت عن الشيخ أحمد بن سليمان الريامي الفلكي دخل على الإمام ناصر بن مرشد يوماً وقال: السلام عليك أيتها الرفقة النبوية، والسيرة المحمدية الذي لا يوجد منها أبداً إلا بعد ثلاثمائة سنة (1) .
قصيدة تحفة الأصاغر للشيخ عامر بن علي العبادي وتعليق عليها
وقال الشيخ عامر بن علي: رأيت رؤيا المبشرات بالخير، ودلتني فكرتي وقياس عقلي بأن يكون صلاح المسلمين من نسل عشيرة الإمام ناصر بن مرشد، ثم قلت هذه القصيدة المسماة (تحفة أصغر الأصاغر للسادة الأكابر الجامعة للنذر والزواجر ، ومالها من الدلالات البواطن والظواهر، والبشارات بدلائل الإشارات التي ظهرت بالنبت المستقيم على حر الجحيم الساعر، بحلقة المرجل المغلي فيه عصير المعاصر) عونك يا كريم، وعدد أبياتها عشرة أبيات ومائة بيت، فقلت شعراً:
أهل بحامية الحمى بسيوفها ... وحرابها وسهامها المترامية
قوم إذا قاموا استقاموا على الوفا ... بعهودهم وعقودهم متوالية
باعوا نفوسهم لمن سواهم ... بشراً فما طلبوا الإقالة ثانية
في كل حادثة تسر وإن أست ... ما فرقة بعد اجتماع النائية
تحت الكتائب والعلامات التي ... نهضت بدين المصطفىلا الخاطية
بحياة من قتل الطغاة من الدنا ... من سيرة الخلفاء فيها جارية
نصبت لمن أم الغبيرة بالرضا ... من أهلها غير الغلاة الباغية
وخروجه من منبت أعناقه ... رقت السموات العلا متعالية
دانت بطاعته البرايا واستوى ... في عرشه فوق الرؤؤس العاتية
__________
(1) 1 _ يمكن أن تكون إمامة الإمام سالم بن راشد الخروصي (1/114)
صفحة 115
من غير سقط في حساب حروفه ... كحساب صير فاصبروا أصحابيه
حتى يكون ولازموا لبيوتكم ... تحت الخبايا فاختفوا بزمانيه
زمن به يرعى السبيتي آمنا ... في كل روض من رياض الراضية
وبكل قصر من قصور أولي القضا ... بالعدل ما عن بأسه من ناجية
إن قلتم ما الرأي في طلب النجا ... ومن السلامة ترتجي والحامية
قلنا لكم أن كنتم أهلاً لما ... تمنحكم أهل الصدور الصافية
لا رأي إلا في امتثال نصائحي ... فهي الصحائح للنفوس الراجية
إن رمتم منها ارتقاءً للذي ... ترقى إليه الأكرمون الماضية
...
أهل القوى والقهر عن ميل الهوى ... عمروا الهدى فسعوا برجل ماشية
فعساكم بالصبر أيضاً تظفروا ... بمناكم من الدواهي الداهية
تجدوا السلامة في بقايا عصركم ... فهي الغنيمة عندنا والوافية
كمثالهم إذ سلموا بظهورهم ... فيكم لحكم إلهنا في الدانية
...
إن كانت الكرهاء كروا نحوها ... متوجهين لوجهها كالذارية
فوق الصواهل والنياق كأنهم ... أعلام في ظلم الدياجي الداجية
شم الأنوف وللأنوف مداعس ... تسقى الأنوف صروف حتف راوية
لم تنتبه أعدائهم إلا وقد ... علموا هموا هلكى بقطع الصامية
في كل سابلة لهم أو مرصد ... أو خارجين لهدم دور الباغية
لم يلبثوا أبداً بدون مرادهم ... عنهم بإحدى الحسنيين الوافية
إن قتلوا أو قتلوا فغنيمة ... هذا وذلك للنفوس البارية
من كل شائبة تشوب قلوبهم ... كفر النفاق ومن شقاق الهاوية
...
هذا لهم في هذه رأي فما ... عن شربه لهم عقول آبية
أو كانت السراء ساقوا عيسهم ... نحو المدارس والبيوت العالية
جمعوا بها الأعلام للفتوى ومن ... يأوي إليهم بالعقول الزاكية
يتقلبون بها على أرض الرضا ... بالراضيات المرضيات الباقية
مستقبلين بها مقامات القضا ... بالعدل والإنصاف بين العامية
والمبصرات من الورى أبصارهم ... لا فرق بينهم لفصل القاضية
هذا لهم دأب إذا ظهر الضيا ... حتى العشا ما أن لهم من لاهية
...
وإذا تشابكت النجوم وعسعست ... ظلمات ليل بالسجوف الراخية
وتراخت الغفال فوق أسرة ... سرحوا سمواً للمراقي السامية (1/115)
صفحة 116
أجسامهم بين المحاريب استوت ... وقلوبهم في العرض حقاً راقية
فلها مجال واسع من حوله ... ولها مقامات به متناهية
فهم الكرام السادة النبل الذي ... بوجوههم جاد الزمان فماليه
وجه لكتمان الذي دخل الحجى ... من نوره سبحانه رحمانية
فالصدق أفضل ما يكون من الفتى ... وبه النجاة من السعير اللاظية
فأما الذي أتى به كمثالهم ... في مصرهم وبعصرهم في الآتية
طابت عمان بهم وطاب زمانهم ... ياليت نفسي فيه كانت باقية
لكن كوني قبلهم فتصرمت ... بيني وبينهم حبال العافية
...
فسترت دونهم بأستار البلا ... وخلا زماني كالقرون الخالية
فأنا هنا الموجود في عصر غدت ... عنه العدول مع الأناس الناسية
حتى البداية والنهاية لم تزل ... تبدي معاصي المبتدي هي عادية
لم تبق قائمة يقام به على ... قصد السبيل المرتضى بزمانيه
حسبي إلهي في مقامي بينهم ... حياً ونفسي من عماهم عارية
فكأنهم هم مالكون جوارحي ... كالغاسلين لها عقيب مماتيه
...
وبها أنا متقلب متردد ... في فسحة الحق المبين الناقية
والقلب مني بالرواسي شاهق ... بالعروة الوثقى فررت ومابيه
من قربهم غير احتساء تصابري ... حتى أرى ربي بيوم الغاشية
يكفي الكلام هنا لكشف ستورنا ... ستّرته بالملغزات الماضية
من كان ذا عقل صحيح كاشف ... عنه ضياء الحق عشو القاسية
لكنه المعدوم بل فعسى عسى ... يأتي عقيبي أو يكن بحياتيه
وترى العجائب والغرائب عندما ... تكن البداية والرزايا الرازية
وبما يكون قبيل من فلق الدجى ... وبه التجارب والدموع الهامية
من شدة البأس الذي قد ذاقه ... كل امرىْ في ذاته والمالية
فلأنهم هم يحدثون عقيب من ... يغشى البلاد ببطشه في البادية
يقتادهم بزمان سطوته بهم ... من حوله هم كالوحوش الصادية
وبهم خراب العامرات من القرى ... وسباة ربات الخدور الغانية
كم بضة دعجاء جاذبة الحجى ... ببهائها وجمالها متعالية
قد ساقها للسوق علج مارد ... فتباع جهراً والمدامع جارية
وسقوط هامات على حر التقى ... من كل صف بالحروب الوارية
والنار تشعل في الجواري وبالشذا ... ... تلقى المراسي لا محالة خالية (1/116)
صفحة 117
هذا افتتاح الباب للأمر الذي ... لا زال فيه تأملي ورجاءيه
...
فبذا قضت تلك الزواجر عندنا ... سفلا وعليا والنجوم الجارية
ومن المصابيح التي قد خالها ... كل امرىء شهبانها متهادية
كل الجهات معاً وفي كبد السماء ... سحرأ إلى وقت الضحى متلاظية
أهل النهى لا تأخذوا قولي هنا ... هزواً ولا لهواً بحسن القافية
كلا ولا بهوى بدت ميلولة ... مني لمن وقرته هيهاتيه
لكن بنور واضح قد ساق لي ... برهانه ذو البينات الهادية
أودعته للمبصرين بهذه ... والعين من خوف العواقب باكية
...
والقلب مني بالتطامع والرجا ... باق فلم يبق عليه أياسيه
متألياًً قبس البراهين التي ... أنوارها مثل اللألي الباهية
ما وجهة وجهتها إلا وقد ... لعجت إليّ بروقها كالحامية
فالجد كل الجد في طلب الهدى ... فالشمس شارقة الضيا للهادية
يضطر كل المبصرين شعاعها ... حتى يروا أجرامها متلالية
فاسعوا بها نحو اليمين ويمموا ... بركابكم رحب الأحبة قاصية
فلعلكم تجنوا ثمارهم التي ... قد أينعت بغصونها متدالية
ودعوا التخاذل صفوتي عن نيلها ... فلكم بها خير المعيشة راضية
يوماً بها الفساق سيقوا سرعاً ... نحو السعير وكبكبوا في الهاوية
وبه البشارة بالخلود لمن له ... من ربه الحسنى بدار عالية
...
هاكم بحاراً قد طغت أمواجها ... متلاطمات زاخرات صافية
فادلوا دلاءكم اغترافاً في دلاء ... أهل الدلالة والدراية دالية
من كل بحر ما تصل أحبالكم ... وذروا الغزير من البحار المالية
فالكل مغترف ذنوباً غير ما ... غرفت به أصحابه إخوانيه
ولكل منتصب حذاها منصب ... ما فات مجتهد منال الكافية
لو شربة منقوصة عن حق من ... ملأ الكاسات الكبار الراوية
ولكم وكم من فرقة غرقت بما ... لا يستطيع الآخرون مثاليه
ثم ارجعوا بالعلم في هذا وفي ... كل الخليقة في الحقيقة لاليه
أبداً ولا غير العليم بعالم ... فيما يكون وما مضى في الماضية
إن كنتم عقداً لكم عقدتم ... فينا وفي كل البرية فارية
ما حل إلا أن تحل عقائد ... عقدت على وجه المعاني العارية
من كل لبس من لباس أولي التقى ... ... طول البقا حتى اللقا في الداهية (1/117)
صفحة 118
لو أنه يرعى الأدلة مثل ما ... يرعى الجبال الشاهقات الراسية
...
فالحجر ماض حكمه عن قطعه ... حزماً كذلك طرحه في الهاوية
لبقاء وجه القول منا أنه ... سيكون أول في القضايا الخافية
لكن كما دلت أدلة ما مضى ... مشهودة لأولي العلا الراقية
درج الدراري في البروج وما جرت ... حركاتها فيها تطيع السارية
وإذا تبدل حكمها فعسى القضا ... ماض بتقدير الفنا للدانية
بالنفخة الأولى لأن شروطها ... تمت ولم تبق لها من باقية
لكنها في الحق حق أنها ... تأتي ولكن في الحقيقة نافية
عن علمنا بالوقت آيات أتت ... من ربنا بكتابه كلاهية
مخفية عنا وجوه ورودها ... وإذا أتت تأتي حثيثاً ساعية
فاحقنا في الحق مسك لساننا ... أن لا تكون بكل مرمي رامية
فعسى السلامة ترتمي بوجوهنا ... وترى الرماة من الهوى مترامية
قال الفقير لله: سرني نظم الشيخ لما أملاه على وكتبته ثم وادعته ومات بعد النظم بأربعة أشهر، وأخبرت ذا الغبراء لما وصلت الوطن قال ذو الغبراء: عرضت هذه القصيدة الفصيحة على أناس من الفصحاء والعلماء فلم يعجبهم قوله، قلت لهم: فهل وقفتم على شيء من كتب العلماء والفصحاء الذين رأوها سالمة من العلل والعيوب، قالوا لم نعلم بكتاب ليس فيه رد، قلت لهم: إذا كان علي بن أبي طالب وعبدالله بن عباس أفصح من أبي بكر وعمر وأبو ذر أيترك قول الذي ليس بفصيح أم يؤثر ما قالوه؟ قالوا: يؤخذ عنهم ويؤثر، قلت لهم: جل من الناس من يكمل العلم معه.
فقال لي ذو الغبراء: لعلك تؤلف من الكتب مما يناسب كلام الشيخ من النثر، ثم كشفت الكتب وقلت لذي الغبراء: فإن وفقك الله في زمانك على رجل صالح للإمامة فقل له: احذر أن تريد علواً في الأرض، فالزم الخمول، وإن أعلى الله كلمتك فما أعلى إلا الحق، وإن رزقك الرفعة في قلوب الخلق فذلك إليه تعالى، والذي عليك التواضع والذلة والإنكسار؛ فإنك إنما أنشأك الله من الأرض فلا تعل عليها، فإنها أمك، ومن تكبر على أمه فقد عقها، وعقوق الوالدين حرام. (1/118)
صفحة 119
وقل له يتفقد إخوانه وأعوانه ونوابه من أهل بيته إلى آخر مملكته من الحكام والولاة والعمال والجباة، ويجعل عليهم العيون، وعلى العيون عيونا، وليكن ليله ونهاره كراكب البحر الذي هو رئيس السفينة لا يغفل عنها ساعة خوف الغرق عليه وعلى أصحابه ، ولا يحسب انه في الحقيقة في نعمة بل هو في محنة، فإنه لم يزد على الناس إلا بثقل الحمل، وحامل الثقل أتعب الناس معاشا إن درى وعرف ذلك، ولا يقع له إلا بلزوم التقوى ومخالف الهوى ومعاناة ما هو فيه بالجد والاجتهاد إلى أن يصير إلى الثرى ويرحمه الله بدخول جنة المأوى.
وقل له: إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إذا جاء به أهل القدرة ونفاذ الأمر فيقع نفعه بلا مشقة، ويحصل نصر الدين، ودفع ضرر المفسدين، ويقطع كيد إبليس اللعين، وقيل أن الإمام والوالي والسلطان كالسوق ما نفق فيه حمل إليه، فإن نفق عنده الحق وقبله وعرف به جاءه أهل الحق وحملوه إليه من كل ناحية وجالسه وصاحبه أهل الدين من العلماء والعباد المتقين، وإن نفق عنده الباطل وقبله وعرف به جاءه أهل الباطل وحملوه إليه من كل ناحية، وصحبه أهل الباطل الضالون والجهلة الفاسقون، وكان معهم من إخوان الشياطين المتمردين.
وقل له: إن الوالي لرعيته كالوالد لولده يجب عليه في الرعاية وحسن النظر والنصيحة والشفقة على الرعية مثل ما يجب على الوالد لولده من حسن التربية وبذل الإرشاد والتعليم لما ينفعهم في دنياهم ودينهم وزجرهم وكفهم عن تعاطي سوء الأدب وملابسة المناهي في القول والفعل لأن الإمام به صلاح الدنيا والدين. (1/119)
صفحة 120
وقل له: عليك بالرحمة والإتباع، وإياك والابتداع لأن من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة، ومن سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة، فعليك بالقدرة والمتابعة والمصابة عليها، وإياك ثم إياك أن تعمل بحظك وهواك، وإياك وقبول النمائم من العامة والقبول من بعضهم على بعض إلا بواضح شهادة الشهود العادلة، واتق الله في نفسك ينصرك بجنوده الغيبية التي لا تراها، فمن انتصر بكثرته وعبيده وهو عاص لمالكه وسيده أذله وخذله ولم يكن له من دون الله ولياً ولا نصيرا.
بعض أحكام صلاة الجمعة والشهداء والجنايات
فقال ذو الغبراء لمن حضر مجلسه: أيها الناس إن رأيتم في زمانكم رجلاً صالحاً كما ذكرنا في أخلاقه فأدرجوه في مجالس العلماء الكرام وبايعوه على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والقيام بحدود الله والجهاد لأعداء الله ولإحياء سنة رسول الله، وأقل البيعة له رجلان عالمان بعلم الولاية والبراءة فإن بايعاه اثنان فقد بايعوه جميع من أحب ذلك كان حاضراً أو كان غائباً لأنه قيل عن بيعة الرضوان وبيعة أبي بكر وعمر وجميع الأئمة المحقين، فالمبايعون (1) لهم الحاضرون واللاحقون (2) والمتابعون إلى يوم الدين فهم داخلون في بيعتهم ولهم نياتهم وأجرهم، وعدل يوم تعدل عن عبادة ستين، ثم تلزم الإمام صلاة الجمعة في الأمصار السبعة التي مصرها أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه، والسنة فيها ثلاث خصال: الغسل ومس الطيب والبكور والإنصات في الخطبة، ولا تلزم السفار ولا النساء ولا الصبيان ولا العبيد.
__________
(1) 1 _ في الأصل : فالبايعون
(2) 2 _ في الأصل : والأحقون (1/120)
صفحة 121
والشهيد إذا أصيب في المعركة لا يغسل ويدفن في كساه وينزع خفه، وأما إذا كان فيه رمق وحمل ومات فإنه يغسل والشهداء كثيرون، وأما الذي تقتله اللصوص في السبيل فهو شهيد ولكن يغسل ويصلى عليه ولو كان متقطع الأعضاء فيدفن الميت في كل الأوقات والصلاة عليه جائزة إلا إذا طلع قرن من الشمس أو غرب قرن منها وفي الحر الشديد إذا كانت الشمس في كبد السماء.
ومن رأى رجلاً يجامع دابة له، ورفع عليه فإنه يقول لحال الحد إن هذا فعل بدابتي فعلاً حرمت علي به، فإن أنكر فاليمين عليه أنه ما عليه حق من قبل ما يدعي أنه فعل بدابته فعلاً حرمت من أجله عليه ولزمه له بضمانها وثمنها، وإن رد إليه اليمين حلف الطالب لقد فعل هذا بدابتي فعلاً حرمها علي بذلك وجب عليه ثمنها.
وكذلك إن ادعت امرأة أن رجلاً اقتسرها حتى وطأها، فإنها تدعي أن هذا الرجل كابرني وغلبني على نفسي حتى وجب عليه عقري، فان أنكر ولم تكن صحة حلف ما عليه لها حق ولا صداق من قبل هذه الدعوى الذي تدعي إليه، قال: فإن رد اليمين إليها حلفت لقد غلبها على نفسها، وكان منه إليها ما وجب عليه صداقها.
وكل رجل زنى بامرأة كرهاً وهو صحيح العقل بالغ الحلم فعليه صداقها ولو كانت تطاوعة من قبل هو وغيره فعليه الصداق لها والتعزير، وأما الحدود فتدرأ في الشبهات، وعلى الإمام والحاكم النظر في ذلك، وأما أهل التهم والمنكر واللصوص إذا لم تصح شهادة عادلة عليهم فلينظر القائم بأمر المسلمين بأدبهم وبما يردعهم عن فعلهم.
وأما الذي وطيء أمة قوم طوعاً أو كرها فالبكر عليه عشر ثمنها، والثيب نصف عشر ثمنها.
وكل من أقر على نفسه بالزنا فعليه الحد إلا إذا كذّب نفسه قبل أن يقام عليه الحد عليه، وعلى الإنسان الستر لنفسه من القاذورات ولا يجوز الإقرار بالزنا مع الزوجين ، فإن أقر أحدهما ولم يكذب نفسه فلا تقيم المرأة معه ولا هو يقيم معها إن أقرت. (1/121)
صفحة 122
وأما الذي زنت بأبي زوجها أو جده أو ابنه لا يحل لها المقام مع زوجها ولتهرب وتفتدي بكل شيء تقدر عليه، وليس عليها أن تعلن ما ستره الله عليها، وتعلمه فيما بينها وبينه وما وقعت فيه من البلاء فإن لم يقبل فلتهرب منه من حيث لا يراها، وهذه المسألة نقلتها من الجزء الثامن والأربعين في الباب السابع والثلاثين في المسألة الثالثة والعشرين.
شرف العقل ومنزلة العقلاء
ومن الأثر ينبغي للسلطان أن يكون عقله موازناً لعقل جميع من يشتمله ولايته ويدخل في طاعته، فقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال:( لكل شيء دعامة، ودعامة المرءعقله، فبقدر عقله تكون عبادته لربه )، قال الله عزوجل حكاية عن الكافرين:(لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ) (1) .
وقال ابراهيم بن حسان شعرا:
وأفضل قسم الله للمرء عقله ... فليس من الأشياء شيئاً يقاربه
إذا أكمل الرحمن للمرء عقل ... فقد كملت أخلاقه ومآربه
... وقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال:(أفضل الناس أعقل الناس)، وكل شيء إذا كثر رخص إلا العقل فإنه إذا كثر غلا، وقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال:(شر ما أعطي العبد شح هالع ، وجبن خالع)، فسبحان من دبرنا بلطف حكمته.
وقال بعض الشعراء في هذا المعنى:
جسمك قد أفنيته بالحما ... دهراً من البارد والحار
وكان أولى بك أن تحتمي ... من المعاصي حذار النار
__________
(1) 1 – الملك : 10 (1/122)
صفحة 123
... وينبغي للإمام أن تكون أخلاقه شريفة، وهمته بعيدة، وأفعاله حسنة، ومذاهبه جميلة، وشيمته كريمة، متزيناً بالديانة والصيانة، والنسك والتواضع والعبادة، والوقار والحلم والعدل والوفاء بالعهد ورقة القلب، وسعة الصدر، والعفو والسماحة، والتغافل عمن أساء، وبسط اليد بالنوال والإفضال والجود والإنعام، وأن يجعل من أخلاقه التأني والرفق والجلالة واليسر وقلة المحاسبة والمنافسة، والبعد من الحسد، وأن يكون قلبه واسعاً، ونفسه أبية، طويل الفكر فيما يصلح الرعية، كريم الطبع، حسن السيرة، وجود السريرة، إن قال صدق، وإن عاهد وفّى، وإن وعد أنجز، وأن يكون من أخلاقه النجدة والشجاعة والعلم بتدبير الحروب، وقوانين السياسة، وهو مع ذلك مصرف الهمة إلى تقويم رعيته، وصلاح ثغورها، وكيد عدوها، وإقامة مواسمها، وأمن سبلها، والقيام بحق الله تعالى فيها، وتفقد أمور صغيرها وكبيرها، وإلزامها بإقامة فرائض الله عليها، وسنن نبيه - صلى الله عليه وسلم - فيها.
وينبغي للإمام أن تكون له سبعة أشياء: وزير يثق به ويفضي إليه بسره، وحصن يلجأ إليه عند الحاجة، وفرس إذا فزع إليه نجا به، وسيف إذا بارز به الأقران لم ينبو، وذخيرة خفيفة الحمل إذا نابته نائبة وجدها، وحظية إذا دخل إليها أذهبت همه، وطباخ إذا اشتهى الطعام صنع له ما يشتهيه. (1/123)
صفحة 124
وينبغي للإمام أن يتخلق بسبع قواعد أحدها حفظ الدين من تبديل فيه، والحث على العمل به في غير إهمال له، والثاني: حراسته الأمة والذب عن الرعية من عدو في دين الله، والثالث: عمارة البلدان باعتماد مصالحها وتهذيب سبلها ومسالكها، والرابع: تقدير من يتولاه من الأمناء للرعية وحفظ أموالها من غير حيف في أخذها وعطائها، والخامس: معاناة المظالم والأحكام بالتسوية بين أهلها واعتماد النصفة في فصلها، والسادس: إقامة الحدود في مستحقها من غير تجاوز فيها ولا تقصير عنها، والسابع: اختيار خلفائه في الأمور أن يكونوا من أهل الكفاية فيها والأمانة عليها، فإذا فعل ذلك من أفضى إليه سلطان الأمة كان مؤدياً لحق الله تعالى مستوجباً لطاعة الأمة ومناصحتهم مستوجبة لصدق محبتهم له وإيثار طاعته، فإن قصّر الإمام أو السلطان عن هذه الخلال كان بها مؤاخذا، وعليها معاقبا، وحكي عن الرشيد حبس أبا العتاهية فكتب على حائط الباب شعراً:
أما والله إن الظلم لؤم ... وما زال المسيء هو الظلوم
إلى ديان يوم الدين نمضي ... وعند الله تجتمع الخصوم
فأخبر الرشيد فبكى بكاءً شديداً وأحضر أبا العتاهية فاستحله ووهب له ألف دينار وأطلقه.
اعلم أن العدل ميزان الله الذي وضعه للخلق ، ونصبه للحق ، وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - :(إنما يرحم الله من عباده الرحماء)، وقال عليه السلام:(إن الله أمرني بمداراة الناس، كما أمرني بإقامة الفرائض).
واعلم أن خير الإخوان ثلاثة: من يغفر الزلة، ويقيل العثرة، ويقبل التوبة.
... وينبغي للعاقل أن يكتسب ببعض ماله الحمد، ويصون ببعضه نفسه عن المسألة . (1/124)
صفحة 125
وينبغي للإمام أن يكون ثابت الجأش شديد الرأي، طويل الفكر، شديد التحرز، حسن النظر، صادق الهمة، عارفاً بطرق الخديعة، ناصباً نفسه للحيل، مفكراً ليله نهاره في وضع مناصب الخدع والمكر، فقد قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - :( الحرب خدعة )، وقال علي بن أبي طالب وقد خوفوه بكثرة من ورد عليهم من أهل الشام من العدد والعدة فقال: أبالموت تخوفونني، والله ما أبالي أسقطت على الموت أم سقط الموت عليّ، ومن أحسن الناس تشبيهاً في الحرب مسلم بن الوليد الأنصاري في قوله ليزيد بن يزيد شعراً:
يلقى المنية في أمثال عدتها ... كالسيل يقذف جلموداً بجلمود
يجود بالنفس إن ضن الجواد بها ... والجود بالنفس أقصى غاية الجود
وقال السموأل بن عاديا :
وما مات منا سيد حتف أنفه ... ولا ظل منا حيث مات قتيل
تسيل على حد الضباة نفوسنا ... وليس على غير السيوف تسيل
... وقال غيره :
نجود بالنفس إن ضن الجواد بها وما بعد جود الفتى بالنفس من جود
... وقيل من حرض رجلاً على الجهاد في سبيل الله كان له مثل أجره، وآتاه الله مثل ثواب من بلغ رسالات ربه، فإن الله عز اسمه قد تفضل على عباده برحمته، وامتن عليهم بلطفه ورحمته، وأسبغ عليهم نعمه، وأجزل لديهم قسمه، وخص قوماً بالحكمة، وغوامض الفطنة، فألقى في قلوبهم نور الاقتباس، وفضلهم على كثير من الناس، فأبصروا الحق، ونطقوا بالصدق، فأذهب الله ما في قلوبهم من الحمية والكبر، وبغض إليهم أهل الجاهلية والكفر، صنيعاً منه إليهم، وفضلاً تفضل به عليهم، ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم، وأقاموا سبيله ودعوته، وأوضحوا براهينه وأدلته، وجاهدوا في سبيل الله، ودعوا إلى سنة نبيه وخليله، وشدخوا يافوخ الكفر والنفاق، وقصموا شوكة أهل الظلم والشقاق، بقلوب صابرة، وعيون ساهرة، ومهج نائقة، وأنفس شائقة، فأعلى الله كلمتهم، وأظهر حجتهم، ألا إن كلمة الله هي العليا وكلمة الذين كفروا هي السفلى والله عزيز حكيم. (1/125)
صفحة 126
ومما ينبغي لمن أراد الفضائل، وطلب الوسائل، ورغب في الفضل والجهاد، وكسر شوكة أهل الظلم والعناد، أن يخلص نفسه ونيته، ويصلح سريرته وعلانيته، ويجاهد في الله حق جهاده، قال الله تعالى:(يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ) (1) .
... بيت عن الإمام راشد بن سعيد :
متى يكسب المعروف من كان همه غداء يغذي أو فتاة تقاربه
... أيها الناس إن رأيتم رجلاً وقدرتم على نصره فنصبوه، (وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ) (2) ،( وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) (3) ، وقال الله:(أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ) (4) ، وقال:(إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ) (5) .
مدح المسلمين في حضرموت للشيخ محمد بن مجبوب
__________
(1) 1 – التوبة : 73
(2) 1 – الحج : 40
(3) 2 – آل عمران : 139
(4) 3 – البقرة : 214
(5) 4 – آل عمران : 175 (1/126)
صفحة 127
ومن كلام الشيخ محمد بن محبوب رحمه الله من أمر سيرته إلى حضرموت (أعز الله كلمتكم، وقوى دينكم، ورد إليكم نعمتكم، وأفلح حجتكم، وأثرى أموالكم، وكثر على الحق رجالكم، وصدق مقالكم، وشكر أعمالكم، ورضي آمالكم، ورتق الله بكم الفتوق، وأعطاكم الحقوق، وأحيا بكم سنة الصادق المصدوق، وأخمد بكم ذوي الفتنة والمروق، كان الله معكم وجعلكم معه، وكان لكم وجعلكم له، ودفع الله بكم الأعداء، وداوى بكم الأدواء، ووضح بكم سبل الهدى، أدام الله ستركم، وأعز نصركم، وقوى قلوبكم، وطهر عيوبكم، ومكن بكم الإسلام، ووصل لكم الأرحام، وجلّى بكم الظلام، شد الله أزركم، ووضع وزركم، أنار الله بكم الشر، وأطفأ بكم البدع، سكن الله بكم الروعات، وأذهب بكم الفزعات، حقن الله بكم الدماء، وجل بكم العماء، لا أراكم الله سوءا ، ولا شمت بكم عدواً، حمد الله أمركم، ورفع قدركم، وقوى صبركم، وشكر شكركم، وأعاذكم جوار المسالك، ومحل المهالك، وأحلنا وإياكم دار السلام، ومع الحور في تلك الخيام، مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا، في مقعد صدق عند مليك مقتدر، ذلك الفضل من الله وكفى بالله عليما، وفعل ذلك لنا ولكم وجميع المسلمين أين كانوا آمين آمين رب العالمين، مكر الله بأعدائكم وكادهم بكيده المتين، وأتى قواعدهم من حيث لا يشعرون، وفعل ذلك بأعدائنا وأعدائكم وأعداء المسلمين حيث كانوا إن ربنا سميع قريب مجيب، نسأل الله أن يبلغنا وإياكم إلى جزيل الثواب، وحسن المآب، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الذكر الثامن (1/127)
صفحة 128
في الفرح والحزن، والسلوك الحسن، ومكائد النساء، وشيء من الأدوية لكسر العظام ودواء لوجع الخادع الذي عرق بين الأذن والعين، ودواء لصمم الأذنين، ولدرح الماء في العين، ولحرق النار في الفم، ولوجع اللثة، وبخورات الفم، وأدوية لوجع الأسنان، وأدوية مما تقوي القلب، ولحسن الصوت، ومما يسمن الإنسان، ونفقة النساء، ولشرب الدواء لطرح الحمل، وأحكام لذلك، وأدوية التي تقوي الباه، ولتضييق الرحم، ومما يعين على طرحه، مع تمام قصة المرأة التي واقعت بعلها.
الفرح والحزن والسلوك الحسن (1/128)
صفحة 129
... قال الفقير لله: سألت أخي ذا الغبراء عن الفرح والغم، وما الغالب منهما؟، فرأيته وقف ساعة يفكر في الجواب مخافة عن الخطأ، فقال ذو الغبراء: أما الفرح والغم فلهما تفسير كثير، فإذا انتهيا إلى غايتهما قتلا بذلك صاحبهما، مثلاً إذا ولد مولود أعمى العيون ثم أراه الله الدنيا في شبابه فإنه مما يخاف عليه أن يموت من الفرح في ساعته، وكذلك الغم إن أخبر عن شيء مما كان يحبه كثيراً أنه ذاهب عليه فإنه يخاف عليه أن يموت من غمه، والفرح يحدث عقب الحزن في كل يوم، وفي كل ساعة وفي كل لحظة ما زالت الروح في الجسد، لكن منه دقيق خفي، ومنه ظاهر بهي لا يحتاج إلى شرحه الإنسان لأن كل من فكر في شيء بعقله فإنه ينظره الفرح والحزن مقرونان، وأنا آتي لك بقصة أخبرني بها أحد الإخوان في الفرح والحزن والسلوك الحسن قال: هذا رجل من أعوان السلطان كان يحوط (1) على الناس في المنازل والبلدان، وكان له قدر عظيم يذكروه الناس في مجالسهم بكل لسان، ولا شك بأن الأمراء يرفعون كل إنسان لمن أراد أن يكون مسموع اللسان، وهنا تكفيك إن نظرت الخلق عن الإشارة والبيان، ثم أقبل هذا الرجل وقعد في حلقة العلماء الأبرار، فلا كلمه أحد من الأتقياء الأخيار، فاستحقر نفسه لما نظر إلى الملوك تأتي وتخضع لتلك البدور المنيرة، والشموس المضيئة، وقال في قلبه: من مشى على جرف هار فانهار به في نار جهنم، ثم سمع قراءة العالم من الأثر، وقال الذي يذكرهم: أيها الناس إن الفتن على أبواب الجبابرة كمبارك الإبل أو كقطع الليل المظلم، فكن مجتهداً مجتنباً بهديك عند مقالك وأفعالك، إن تزلق في بعض المهالك التي يهلك بها عند الله وليس لأحد أن يركب معصية الله، ولا تقوم الساعة حتى يبعث الله أمراء ظلمة، ووزراء كذبة، وعرفاء فجرة، وأمناء خونة، وقراء فسقة، يتفقهون ويتهوكون تهوك اليهود الظلمة، سيماهم سيما الأحبار، وقلوبهم قلوب الذئاب الضواري، وكان جابر يذكر أن
__________
(1) 1 _ أي يمشي للنزهة (1/129)
صفحة 130
النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:(يحشر الظلمة وأعوانهم ومن أعانهم ببري القلم أو على ظلمهم بمدة دواة إلى النار)، وقال الله تعالى في شيء من كتبه: إني أنا الله لا إله إلا أنا أنتقم من الظالم بالظالم ثم انتقم منهما جميعاً بعده.
مكائد النساء
وحكي لنا عن رجل جبره الجبار إلى دلالة قرية فدله بدلالة ممن فيها من ما يصنعه بها الرجل فأهلكها الجبار فهذا الدال ضامن لجميع أهل تلك القرية من الأموال والأنفس، ولا تجوز الإعانة للجبابرة، ولا يكثرهم بنفسه، ولا يجوز لأحد أن يركب على الدواب الذي جبروها لركوبهم في سيرتهم، ولا يأخذها للخدمة بأمر الجبابرة، ولا يأكل الإنسان من الطعام الذي جعل الظلمة من تحظيرهم على البلدان ليأكلوا أموال الناس وهذا من السحت، والسحت حرام إلا إن تصح معه طيبة نفسهم بذلك، وأما الذي يأكل من الطعام الذي يخرج من بيوت الجبابرة فجائز على قول بعض المسلمين وتنزه عنه آخرون، فلما سمع الرجل هذا الكلام خشع قلبه، وسأل أهل المعرفة عن أمر دينه وما كسبه بيده وقوله وفعله لإعانة الجبابرة، فأوجبوا عليه اللزوم والإثم والقود، فلام نفسه وازورت عليه الدنيا، فأخذ حديدة ليقتل بها نفسه من اللوم، فقبضوه فقيل له: إن من قتل نفسه بحديدة أو بسم أو بسبب فمأواه جهنم وبئس المصير، ثم قال لهم: ما الرأي الذي فيه السلامة لديني ودنياي؟ فقيل له: أنت في يسر أم في عسر؟ قال لهم: في عسر، قيل له: فالتوبة إلى الله بجميع شروطها، وأداء ما وجب عليه فيما بينه وبين الله وما بينه وبين العباد، وما عجز عن ذلك وكان مما لا يسعه إلا أداءه فيوصي به بالوجه العدل، ودين الله يسر ليس بعسر، قال: فزال الهم من قلبه، ودخل الفرح برحمة ربه، واجتهد في السؤال والعبادة ومواصلة الإخوان، حتى دخل يوماً مع رجل ورآه ألّف كتباً في كيد النساء وكيد الرجال، فسمعت عن تأليفه امرأة السلطان، ودعته إلى مقامها من الحصن، فلما وصل به الداعي أمره بأكل الطعام (1/130)
صفحة 131
فمد يده إلى الطعام وأخذ لقمة ورفعها في فمه فصاحت امرأة السلطان عليه وهي عارية من اللباس، فأقبلوا إليه الخدم والعسكر ليقتلوه فنادتهم من وراء حجاب وقالت لهم: مهلاً رأيته قد أساغ عظماً في حلقه فطبق وخفت عليه من الموت في بيتنا، فأمرتهم بالرجوع وقالت له: كل من الطعام فلم يطق أن يجرع اللقمة التي في حلقه ولا قدر أن يخرجها من الخوف والفزع، ثم قالت له: هل في كتابك مثل هذه القصة التي شاهدتها؟، قال: ليس معي ولا سمعت أحداً، ثم أمرته بتمزيق كتبه التي ألفها في كيد النساء ومكرهن، وقالت له: لو عشت في الدنيا مثل نوح عليه السلام وألفت في كيد النساء لما بلغت شيئا، وشاهد بذلك كتاب الله: (إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ) (1) ، (إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا) (2) ، فلما سمع قولها استأذنها بالخروج فرجع إليّ مسرعاً ورأيته مزق الكتب، وسألته عن خبره فقص عليّ ما جرى عليه، فهذا من أمرهن قتلته في لحظة وأحيته في لحظة ثانية.
دواء الكسر
__________
(1) 1 – يوسف : 28
(2) 2 – النساء : 76 (1/131)
صفحة 132
ثم قال: عمدت أن أسافر إلى بعض القرى فصحبت القوافل ونظرت إلى البداة كسبوا امرأة فهموا أن يفجروا بها فنادت بالاستغاثة بالله وبالمسلمين فلزمت نفسي، وجذبت سيفي، وقصدت إليهم مسرعا، وكان لي حظ ومعرفة من عندهم بسبب رأوني في مقاربة السلطان فكرموني بها وخلوا سبيلها، فصحبتني المرأة، وأقلنا مع الناس في انتصاف النهار تحت ظلال الأشجار، فطلعت المرأة تحني من ثمارها لقوتها فطاحت بها علية من الشجرة في بئر مغتزرة، فقلت: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، فعمدت إلى البئر وقبضت المرأة عن الغرق وناديت أصحاب القافلة فوصلوا عندنا مسرعين ووثبوا علينا بالحبال لتطليعها أجمعين فلما خلصتها من البئر رأيتها منكسرة الأضلاع لا تطيق أن تحمل فوق الركاب، فقلت لها: هل لك بعل؟، قالت: ليس معي رجل، فقلت لها: أنت الساعة في ضرورة، ولا يجوز لنا أن يظهر جسمك علينا، ولكن لعلك تأمري أحد الصحاب ليزوجني بك لحال ضرورتك، وحقك يكون على أقل جواز التزويج لأني لا أطيق أحمّل نفسي الدين، وهذا جائز مع المسلمين، فسمحت وأمرت لطلب سلامتها في الدين والحاجة داعية، فقعدوا على عقدة النكاح، وجمعت أضلاعها بأيدي فرددتها على ما كانت، وجعلت لها خموداً، وأخذت الأشنان ودهنت به الأضلاع وما كان من حولهما، ثم سقيتها من تراب صيبد وهو يباع مع العطارين وأصله يؤتى به من جبل صيبد من أرض الشام. (1/132)
صفحة 133
وللكسر يؤخذ المومياي ويجعله في سمن ثم يجعله على النار حتى يذوب المومياي في السمن ويشربه بعدما يفتر، ومنهم من يستعمل المومياي لأنه لطيف محلل ينفع من الأورام البلغمية والخلع والكسر والسقطة والضربة والفالج واللقوة شرباً ومزجاً، وينفع من الصداع والشقيقة البار والصرع والدوار، ويسعط منه بماء المرزنجوش ويشرب منه قيراطاً لثقل اللسان بطبيخ الشعير الفارسي، وينفع نفث الدم من الرئة، وينفع من الخناق ووجع الحلق وزن قيراط منه بسكنجين ورب التوت وينفع لطوخ للسعال بماء العناب وماء الشعير، وقيراط منه ينفع من الخفقان بماء الكمون، وحبة منه ينفع من الفواق بطبيخ بزر الكرفس، وقيراط منه بلبن حليب ينفع من قروح المثانة، ووزن حبتين منه أو قيراط ينفع من لسع العقرب بشراب صرف أو مثلث ويجعل مثله على موضع اللسعة بسمن وهو حار يابس في الدرجة الثالثة وهو معدن في قوة الزفت.
دواء لوجع الخادع (1/133)
صفحة 134
قال الرجل: لما نظرت محاسن المرأة ازددت سروراً بذلك فضربت الرمل من قبلها فحكم الخامس عشر بالمكائد العظيمة ثم ولدت من الأول والسابع شكلاً فخرج الشكل ممتزجاً ، ثم ولدت منه هو والشكل الخامس عشر شكلاً فخرج الشكل سعداً، فتفاءلت بالخير بعد الشدة بالأفراح، ثم رأيت بها نزل ألم في العرق الذي على الخادع (1) من أعلى الأذن إلى العين فأخذت لها الأفيون والصندلين وماء الورد وماء تمر الصبار صافي مصلول من غير مرس ومرست الفيون ثم عجنت به الصندلين وجعلته على الألم فأبرأها الله من ذلك ، ثم نزل بها صمم من بسبب وجع الرأس مع طياحها في البئر فعملت لها حلوى البيض الكاملة وصفة عملها سهم سكر البلوج وسهم صفرة البيض وسهم سمن المنقص وصفة تنقيصه في هذا الوصف يؤخذ جرو قرع صغير ويلخ عليه من خارجه عجين طحين الشعير، ثم يجعل في التنور بقدر نضاجه، ثم يفسخ منه العجين ويعصر ماء الجرو والقرع بأجمعه ويصفى ويصل بثوب، ثم ماء القرع ينقص به السمن فإذا ذهب الماء منه ارم عليه البيض والسكر ونصف سهم من لب اللوز المسحوق الناعم، ثم حركه بمحراك على نار خفيفة ثم اجعل عليه ماء ورد وهيل واجعله فيه حتى ينضج ومن علامة نضاجه إذا رأيته طلق قليلاً من الوعاء احدره وأنزله من ساعته في وعاء لا يشف.
قال: فلما أطعمتها هذه الحلوى رد الله إليها سمعها ولكن كثر أكلها من مرق الدجاج فنزل بعينها درح الماء.
دواء لدرح الماء في العين
__________
(1) 1 _ أي الخد (1/134)
صفحة 135
صفة: إن حدث في العين بياضاً أو غشاوة أو ماء فيؤخذ ثلاثة مثاقيل توتيان ويغلى بماء ليمون سبع مرات كلما يبس أعيد عليه ماءً آخر مما يغمره حتى يتفق له سبعة أمواه ثم يضاف إليه مثقال رصاص أسود ومرارة الغراب ومثقال راسخ ومثقال زعفران وثلاثة مثاقيل أهليليج أصفر ومثقال صبر اسقطري ووزن حبتين فلفل أبيض ووزن حبتين ملح عريشي ومثقال مر يدق الجميع بماء المثيبة دقاً ناعماً ويكتحل منه زماناً فإنه يذهب البياض من العين وينفع الدمعة ويحد البصر ويقوي جوهر العين ويكمه الماء الحادث في العين بإذن الله تعالى .
وهاك معرفة نزوله: فإنها تنحدر من الرأس رطوبة غليظة بين الطبقة العينية وبين الحجاب القرني فيجمد في وجه الحدقة فيتحجر الجليد به وبين الأبصار بالنور الخارج فيمتنع البصر ولا ينبغي علاجه في البداية بالقدح لكن إذا استحكم، وله علامات فمنه ما يعرض لمن أصلبه ذلك شبه السحاب، ومنه ما يعرض مثل البق والذباب، ومنه ما يعرض مثل الشعر، وبعضهم يرى مثل شعاع الكواكب إذا انقضت وهو إحدى عشر نوعاً فإذا رأى ذلك ولم تعمى العين إلى ستة أشهر قد يكون من يبس لا من درح الماء وأبدأ بذلك فاوسم العرقان وهما عروق في مقدم الرأس يلتقيان عليهما وهما أعلى الجبهة بقدر ثلاث أصابع فإذا أخذ الإنسان حبلاً ولزمه في رقبته ظهرت العروق أعلى الجبهة في كل قرن ومع اجتماعهما يوسمهما في ذلك المكان وسماً شافياً حتى ينقطعا، ثم للكحل يؤخذ مرارة الغراب وحل الزيت وماء المثيبة وماء البصل وسكر مصر وصمغ العتم والزعفران ثم تجمع الأدوية ويكتحل منها ويقف بعد الكحل بقدر ثلاث ساعات لأنه يجد لذع وحرقة كثيرة.
قال لنا هذا الرجل : صنعت هذا الدواء للمرأة فرجع بصرها عليها ولكن قال: منعتها عن أكل الحموضات والملوحات. (1/135)
صفحة 136
قال: وجدت في عينها عرق الظفرة وأخذت لها مرارة تيس أسود حالك وهي حارة بعد ما ذبح فأملات عينها منها فانقطع لأن هذه المرارة تقطع عرق الضفرة بلا حديد وهذا قيل في الكتب أنه مجرب.
أدوية لأمراض الفم واللثة والأسنان
ثم نزل بفمها حرق النار وهو شبه السلاق فأمرتها أن تغرغر بالخل مراراً.
ثم فاح من فمها بخورات منتنة وسبب ذلك رطوبة فاسدة عفنة فأخذت لها الثوم والقرنفل وسحقتهما سحقاً ناعماً وجعلت عليهما عسل النحل وأكلته قبل الطعام ثلاثة أيام.
ولكن بعد هذا عفنت ضروسها ولثتها فأخذت موساً وجعلت أشطب به اللثة وعمور الأضراس ظاهرها وباطنها ثم أخذت حلاً وملحاً وجعلته على النار وحركته قليلاً حتى فار وأخذت حطبة وجعلت فيها قطنة وغمستها في الحل وكمدت به اللثة وعاودت إليها الدواء مرة بعد مرة حتى تبيض العمور.
قيل من ابتلى بخرج من عمور فمه دماً فيأخذ الخوخ ويتسوك به فإنه يقطع الدم ويقتل الدود من الأضراس.
ولوجع الأضراس يؤكل التبعل مراراً إلى سبعة أيام فإنه يبرى.
ولوجع الأضراس الخليلقا إذا مضغت نفعت، والجوز واللوز شديد النفع، والملح مثله، والتنكار ينفع من كل الأسنان ويسكن ضربانها، ويقتل الدود الكامن فيها، والخردل جيد لوجع الضرس الكائن من البرودة والرطوبة، والفلفل مثله، والثوم طبيخه ومشويه مسكن لوجع الأسنان العارضة البرودة والرطوبة، والحبر إذا سحق في الخل ووضع في الموضع المتآكل من الضرس سكن وجعها، والحجامة أعلى الأذنين على الخادع تنفع من وجع الأسنان.
الأدوية التي تقوي القلب وتسمّن
... ووجدت أن القرنفل يقوي القلب جداً، والحبة السوداء(الشونيز) تصفي الصوت وتلينه وتحلل الرياح الباردة في المعدة وتزيل القرقرة العارضة فيها المتولدة من الرطوبة الغليظة والأطعمة العسيرة الانهضام. (1/136)
صفحة 137
قال الرجل: رأيت في المرأة هزالاً من كثرة العلل التي عارضتها فأخذت لها أنفحة الأرنب والسمن وسقيتها فأسمنها فرد الله قوتها فكتبت صداقها وأخذت هي أوراقها وأردت الدخول عليها فأبت وتأنت لما رأت في جسمي علائم الشيب قد ظهرت فجئتها بالملاطفة وإظهار المودة فأظهرت إلي البغض والعداوة فلا خليت لها عذر ، ودخلت عليها فرأتني ضعيف الباه قريب الإنزال ولا قدرت على المراجعة في الجماع فقالت: ويلك أشعلت نار رحمي وألهبت شهوتي وعذبت مهجتي واستدررت غلمتي وأنقصت مهري وأبعدتني عن أهلي فقالت شعراً:
تحرك مني ساكناً وهو ساكن وتوقظ مني نائماً وهو نائم
ثم قالت: ما أقبح صورتك وأضعف نعمتك، فقلت: الله الله يرحمك الله، ولك مني العطاء الجزيل، وأظهرت لها بمعاني الكلام كما جاء في الخبر عن عبدالله بن رواحة الأنصاري حين اتهمته امرأته بجاريته فأنكر أمرها فقالت له إن لم تكن فعلت ولا جامعت جاريتك فاقرأ القرآن فإن الجنب لا يقرأ فقال شعراً:
شهدت بأن وعد الله حق وأن النار مثوى الكافرينا
وأن الماء تحت العرش طاف وفوق العرش رب العالمينا
وله غيره:
وفينا رسول الله يتلو كتابه كما انشق معروق من الصبح ساطع
يبيت يجافي جنبه عن فراشه إذا استقبلت بالمشركين المضاجع
في نفقة النساء (1/137)
صفحة 138
... قال: فلما سمعت كلامه، قالت: آمنت بالله وكذبت بصري، فصدقته امرأته، وأما المرأة التي معي لم تأخذ كلامي صدقا، ولم يدخل في قلبها طمعا، ثم سارت إلى المعلم وأمرته أن يكتب إلى أهلها تعريفاً خفية فجاءوا إليها عندها وأخذوها من بيتي وقصدوا بها إلى دارهم، وشكوا مني عند أمرائهم وحكامهم، فوصل معي تعريف حاكمهم أنك صل إلى أمر الشرع الشريف الذي ساوى بين القوي والضعيف، فوصلت معهم وبقلبي رجيف ولهيف، فأقبل إلي الحاكم وقال لي: لا تخف يا غرير فإن الحق غزير، فوصلت امرأتك تشكو منك التقصير من قبل صداقها قد قلت لها في سقمها بأنك فقير فسمحت لك لحال الإضرار، والآن أوليائها بمحضرنا ويفصلوا صداقها على صداق عماتها إن قدرت وإلا فخلي سبيلها، ولا يكلف الله نفساً إلا وسعها، قال: فأخبرته بعذري وفقري، فقال الحاكم: أما التزويج فهو ثابت، ولكن لا بد من الصداق النفقة لازمة عليك، قال: فباع الرجل سيفه وأعطاه الحاكم ثمنه، وفرض لها الحاكم فريضة لشه ، وأمرها الحاكم أن ترجع لبلدي وبيتي، فقالت: ليس أحد في بلده ينصف بيننا في الشهر المقبل، قال له الحاكم: إن عجزت عن نفقتها في الشهر المقبل فهي طالق من رقبتك زوجتك، قال: نعم إن لم ترض هي علي في الشهر المقبل فهي طالق، ثم قصدت المرأة إلى بيت أوليائها.
عقوبة الإجهاض وأدوية لطرح الحمل (1/138)
صفحة 139
... ثم جاء رجل مع الحاكم وشكى من زوجته بأنها شربت دواء وهي حبلى فطرحت ما في بطنها فلا شيء عليها في ذلك، وإن شربت دواء ليس بمعروف مع الناس فعليها الدية والخطأ على عاقلتها، وكذلك إن سقت ابنها دواء فعلى هذا أيضا، وإن شربت دواء تريد طرح ولدها فالدية عليها، وإذا كان ذلك الدواء مما يعرف أنه للشفاء فهو على العاقلة، وإن كان مما لايعرف وأرادت بذلك طرح ولدها فهو عليها في مالها دون العاقلة، وإن شربت دواءً لا يعرف إلا أنها إنما أرادت الشفاء وهي لا تعلم أنها حامل فألقت فلا شيء عليها، وإن كانت شربت دواءً لا يعرف تريد بذلك الشفاء فألقت فهو خطأ على عاقلتها إذا كانت قد علمت بحملها، وإن صحت الدية وكان حياً ثم مات فديته لورثته ولا شيء لها معه، وإن خرج ميتاً فغرة عبد أو أمة، وهذا مني فتوى لا حكم؛ لأنه لا صح عندي من الشهود بمعرفة الدواء ولا صحت معي شهادة صحيحة مما ألقته المرأة الحمل.
قال الرجل: لما سمعت هذا الكلام قلت له: أيها الحاكم من أين هذه المسائل حفظتها؟، قال: من بيان الشرع تجدها فاطلبها. (1/139)
صفحة 140
قلت له: وما الأدوية التي تلقي به المرأة حملها؟، قال: الأدوية كثيرة أولها الريحان إن تحملت به المرأة ورقه مسحوقاً قتل الأجنة وأدر الدم، وكذلك سلخ الحية إن بخر به المرأة مات ولدها وأخرج سريعاً، وإن شربت المرأة وزن درهمين زعفراناً خالصاً من الغش ولدت من ساعتها ولكن الزعفران لا يستعمل لها إلا مع الإياس منها، والمرأة إذا شربت منه وزن قيراطين قتل الديدان من البطن، ويسقط الجنين، ويلين فم الرحم المندمل ويفتح السدد، وإذا احتملته المرأة مع عصارة الشذاب أدر الطمث وأخرج الجنين بسرعة، وإذا سحق المر وعجن بماء الآس واحتملته المرأة التي يفوح من فرجها رائحة نتنة زال عنها، وإذا أذيب المر في خل خمر وقطر في الأذن نقاها ونفع من الضربان فيها ونفع من سددها، وإذا عجن المر بزيت قلسطين وطلى به إبهام الرجل اليمنى فإنه يجامع ما شاء مادام ذلك على إبهامه، وإذا طبخ ماء الجزر مع العسل وأكل منه ثوّر شهوة عظيمة وزاد في المني وقوى الظهر، والجزر المشوي له منفعة في الباه كثيرة، وكذلك إن سحق حب الخردل وديف بالدهن وطلي به الإحليل ونواحيه هيج الباه.
ثم رأيته نهض من مجلس الحاكم فبقيت أنا حيران وقلت في نفسي إن هذه البلدة لا تخلو من الأجواد لما سمعت هذا الكلام يفوح من الحاكم فكم من مستمع من قوله ولذيذ خطابه يفرح به كرب الغريب المهموم والله تعالى لا يخيب أعمال العباد في الدنيا ولا في الآخرة وكيف محنتي في هذه المرأة وجعلته لله ولستر الجسم عن العنت. (1/140)
صفحة 141
ثم سمعوا عني سكان البلد بوصولي إلى الحكم وإحساني إلى المرأة إلا أنهم قصروا في حالي لما رأوني خالية يدي من الأموال، وجسمي به الضعف والهزال، فقلت لمن حضر: أيها الناس ما الرأي في الإشتغال بالقوت الحلال حتى أنفق به على العيال، وأحيي به جسمي عن مسألة الرجال، فلا صح منهم جواب، ورأيتهم يتغامزوا بعيونهم وولوا عني بوجوههم، وبقيت وحيداً لا يكلمني منهم مكلم، ولا أطعموني بطعم، فذكرت من قول الشاعر هذين البيتين:
ألا ذهب التكرم والوفاء وباد رجاله وبقى الغثاء
وأسلمني الزمان إلى أناس كأمثال الذئاب لها عواء
الأدوية التي تقوي الجنس(الباه) (1/141)
صفحة 142
... فقمت أكرر اسم الجلال حتى وصل معي إنسان وسلم عليّ، فأجبته برد السلام، قلت له: كيف اسمك يا غلام؟، قال: ربيع، وقد دعتك امرأة عفيفة لتصحبني إلى بيتها فكن ربيعا ياغرير لربيع، فقلت له: اقصد بنا ياربيع، قد جئت في شهر ربيع، وفي فصل الربيع، فعسى أن يكون الفرج قريب سريع، من هذا الحمل الفشيع (1) ، ثم نظرت المرأة التي دعتني في أحسن البقيع، وأنزلتني في منزل شريف رفيع، وقالت: لا تخف فإنه يصل إليك الشفيع والنفيع، ولكن يحتاج بلوغ المطلوب إلى ثلاثة أسابيع، حتى أبرهن لك العاصي والمطيع، بقدرة العليم السميع، ثم قال لي: هل عندك شيء من الخيل؟، قلت لها: لأي شيء أردتي ؟، قالت: لأسوكه بالماء وأجعل فيه العسل وحب البر يوماً وليلة، ثم ألقيه لطير العصافير، ثم أجعلها على أبواب نحل الزنابير ومن بعد هذا اجعل عليها الأبازير، والهيل والمسامير (2) ، قلت لها: فما الحيلة في قبضها ؟ فقالت: مهما أكلته غشي عليها وبأيدي أقبضها، ثم أسقيها اللبن والسمن حتى تفيق من غشيتها لأذبحها، فإن أكلت منها فإنك تجد في نفسك ريحها، قلت لها: هذا معدوم الساعة عليّ فقالت: أنفع من ذلك الزرنيخ الأصفر إذا سحق وطبخ به حب البر إلى أن يتفرغ وينضج الحب ثم ابذره للطير فكل طير أكل منه حبة لم يقدر يطير أبدا وتأخذه باليد، وإن أخذ عدساً واطبخه بزرنيخ ونورة فإذا أكله الطير لم يقدر يطير فقال لها لم أجد الزرنيخ في البلد فقالت: لا بأس الأدوية أجناس في القياس، قال : فرأيتها أخذت من دقيق البر وجعلته في خل الخمرة ثم ألقته تحت أشجار السدر فأكلته طيور الغبر، وقت صلاة الظهر لأن المرأة بها حيض عن الطهر، وقالت: عند ذبحها للطير باسم الله أحمد وأشكر، ثم ألقتها هي والأبازير في القدر لا في أوعية الصفر، وجعلت تقليهن بنار خفيفة قليلة اللهب كثيرة الجمر، ثم جعلت فيهن حليب البقر والأرز المفلفل، وأتت بالعشاء قبل صلاة
__________
(1) _ أي الثقيل
(2) - هو احد البهارات وهو القرنفل (1/142)
صفحة 143
العشاء، ونهتني عن شرب الماء بعد أكل الدواء، ثم أقبلت إلي بالغداء من الأخباز المخمورة من الحنطة المجردة من القش النقية مع حلوى العسلية وأعطتني عن الماء اللبن الخالص السايغ مع السكر الأبيض المصفى، فقلت: اللهم صل على محمد النبي المصطفى، فهذا الدواء الذي يخصب البدن، وتحبه الأنفس، فقلت: الحمد لله إن اليوم أفضل من الأمس، فلما أكلت الطعام سرت قوته إلى الجوارح بالحس، فقلت للمرأة: أحب أن تكون زوجتي بقربي للمس، ثم قلت (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ * مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ * وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ * وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ * وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ *) (1) ،
__________
(1) 1 – سورة الفلق .. (1/143)
صفحة 144
قالت المرأة: يا غريب اقرأ ألم نشرح لك إلى آخرها لأن الله يقول (فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا * فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ * وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ) (1) ، فارغب إلى مولاك بالدعاء والتضرع، وقال ربك: (ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ) (2) فقمت أدعو الله تعالى بآياته وأسمائه ثم قصدت صاحبة البيت مع زوجتي بخفية، فلما وصلت معها في بيت أهلها سلمت عليها وقالت لها: إن لي بك حاجة خفيفة جائزة شرعية، فأعجبها قولها، وجاءت بها إلى بيتها، فلما رأتني قالت لها: هذا بعلك قد أصلح الله حاله، واستعدي إلى سؤاله ومباشرته في مباله فإن لك الفائدة والفوز لك بالسعادة، وقد نجاك من الظلمة في السيوح المقطعة، ومن كل أذية وبلية، والمشيم يعرف صاحبه ومحبه في السقم والشدة لا في الرخاء والصحة وقولي: ( أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ( بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ *قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ * مَلِكِ النَّاسِ * إِلَهِ النَّاسِ * مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ * الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ * مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ ) (3)
__________
(1) 2 - الشرح : 5-8
(2) 3 – غافر : 60
(3) 3 – سورة الناس .. (1/144)
صفحة 145
ولا تسمعي إلى قول الوشاة، وخلي عنك الطمع والعز والجاه، والبسي لباسك، واستعدي لبعلك، والآن له قوة في جماعك، فراغ قلبها، ولا صح منها لامتثالها، ولا سمعت الخطاب، ولا ردت عليها بالجواب، كأن في آذانها وقرا، ثم فتحت الباب فقالت صاحبة البيت: لا مخرج لك إلا بمعزل الرقاب، وسدلت الحجاب عليهما، قال الرجل: فأقبلت إلى زوجتي طالباً الأجر والثوا ، ونهضت عليها كقهرة الأسد الوثاب، وقلت لها: بحق من أنزل الكتاب، وسخر السحاب وذلل الصعاب إن لم تكوني من ذوي الألباب وإلا لتجدي أشد العذاب، ثم قالت له: اصنع ما شئت ، فاتفق لها مرادها وأصبحت بعد الطهر متعطرة وإلى وجهي بالفرح مستبشرة كالأرض من الغيث أصبحت مخضرة، قال: فولتني نفسها ومالها ونكثت على أهلها وأمرتني بالرحيل عن وجوه أوليائها، ورأيتها في كل يوم كأنها بكر في جماعها إلا أني رأيتها تأخذ قطناً وتغمسه في مرارة الثور وتحملت به ثم بعدها أخذت مرارة تيس من الظباء وطلت به فرجها فحملت بولد ذكر فقالت: هذه المرائر كلها من أخذ منها ودهن بها إحليله وما حوله صلّبه وشده وقوّاه، قال الرجل: فرجعنا إلى دارنا وموطننا مسرورين، وأقمنا في عبادة ربنا آمنين ومؤتلفين، وقلنا الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد النبي المصطفى الأمين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وعلى التابعين وتابع التابعين من أول يوم إلى يوم الدين، آمين.
الذكر التاسع
فيه شيء من أخبار الجهلاء، وشيء من أخبار العقلاء، وشيء من الأدوية للجراح وللضرب.
من أخبار الجهلاء (1/145)
صفحة 146
... قال ذو الغبراء: جلست يوماً أفكر في أحوال الزمان، إذ أقبل عندي رجل كهل من الإخوان، سلّم عليّ باللسان، فرأيته مظلم الوجه نحيل الجسم، ويكلمني بعبرة، وأخبرني بقصة عن أمرائهم وظلمهم لرعيتهم، فقلت له: أخبرني عن أغنيائكم يسلمون زكاتهم لفقرائهم أم لا؟، فقال: ما صح معي خبر لأدلك، قلت له: وفقراؤكم هل صبروا على فقرهم؟، قال: هم تركوا عبادة ربهم، قلت له: ونساؤكم هل فيهن الحياء؟، قال: يظهر منهن الشقاء والبلاء، وسأخبرك بقصة من إحدى خصالهن فيما ظهر إليّ من امرأة رجعت نفسها وتابت إلى مولاها وسألت المسلمين عن أمر دينها، وبما وقع عليها في قوة شبابها فذكرت لهم أنها أوطأت نفسها رجلاً، وقد تزوج بها ابنه ونسلت منه فأمروها المسلمون أن تستر فعلها عن الخلق وتخبر الرجل بنكاح أبيه إليها، وأنها حرام عليه لاتحل له، وأن تفتدي بحقها منه، وإن لم يقبل وإلا تفتدي بجميع مالها إن قبل منها، وإن لم يقبل وإلا فتمنعه نفسها، وإن لم يمتنع منها وإلا فتهرب عن بيته، ولا يجوز لها قتله لأن السبب منها للفساد، ثم امتثلت المرأة إلى قول المسلمين، وأخبرت بعلها وسلمت إليه ما ساقه لها، وخرجت من بيته، فسأله والده عن قصتها فأخبره أنه صحيح أمرها، ثم أخبرت بهذه الأمور كل نسوة رجلها بعلة مما يخرجها عن زوجها، وقالت النساء: لا نعلم بنسوة حلال لزوجها، ولو أخبرت بنفسها وعيوبها، فوصل الخبر مع أميرهم بقول النساء فغضب الأمير على الرجل والمرأة التي خرجت بالحرمة عن زوجها وراجع بينهما على الفساد، وأقاما على فسادهما حتى مات أحدهما فورث الحي من الميت. (1/146)
صفحة 147
وأما الرجال فأخبرك بقصة أحدهم الذي هو في ظاهر الأمر من أهل العقل، رأى في منامه كأنه جالس في يوم القيامة، وأعطي كتابه بشماله فقرأه، فلم يجد فيه حسنة مقبولة، فغلغل بالسلاسل وسحبوه الزبانية إلى جهنم، فرموه في قعرها، فنهض من نومه مرعوباً، وتاب إلى الله تعالى، وأقر بأن جميع ما عنده من الأموال هي حرام، وسبب ذلك رشاه إياه رجل لينكحه، ثم تزوج معه ابنته فنمّى المال والأولاد، وعمّر البيوت والمساجد، وأقام المدارس، وأكرم الضيف وابن السبيل، ثم سأل العلماء عن أمر دينه، فأوجبوا عليه رد ما أخذه وما نمّى، والمرأة التي هي ابنة المنكوح هي حرام عليه لا تحل له، فقصد التائب إلى المتهم ليعطيه المال، فقال له: طب نفساً، وقر عيناً، والمال هو حلال لك، لا تسمع قول البلساء، ورؤياك هي أضغاث أحلام، ولا تخرج زوجتك من بيتك، ولا تيتم أولادك، ثم ضحك التائب، ومد الرجل يده إلى إحليل التائب فتحرك وفعل به كما يفعل به سابقاً، وأقام على جهله، وقيامه لضيفه، وعبادة ربه في مسجده، ثم أرسل الله إلى تلك البلدة سيلاً شديداً قمات من مات، وبقي من بقي، وبعد ذلك جاء إلى تلك القرية أمير ظالم غشوم فأخذ الرجل وسجنه وأخذ أمواله ومات في السجن وبكوا أصحابه ورثوه الشعراء بالنظم، فقال رجل: أما علمتم بقصة الرجل الذي أخبركم برؤياه وتاب إلى مولاه ثم كفر بعد ذلك بنعمة الله، أوما سمعتم قول الله تعالى قال: (سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ * وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ) (1) فقلت له: وبلدكم فيها اختلاف أم أمرهم شورى؟، قال: فيها الاضطلاف، ولا يرجى منهم ائتلاف، لأن الكبراء فيها تركوا الصلاة والصيام والأمر والنهي وعملوا بالهوى والخنا والفحشاء والمنكر وصنعوا أصوات المزمار في الأموال والقصور وتركوا عمارة المساجد فانهدمت وبعض منها سكنت وجعل فيها الدروس والأكانيف، وسلط الله أميراً أسوداً أفطس
__________
(1) 1 – الأعراف : 182 - 183 (1/147)
صفحة 148
الأنف تارك الفرائض جامع لنفسه الغلمان قد أخذ نساء الرجال بعمل المسكرات متمسك بشيء من مذاهب القوم فد حاز جميع أموال الموقوف فخلطها فذهبت صحتها على المسلمين.
وسألت عن هذه المسألة الشيخ عامر بن علي، قلت له: إن ذهب هذا الظالم وصار الأمر في أيدي المسلمين أيجوز هدم ما زادوه في المساجد؟ قال: يهدم وتترك على ما كانت، قلت له: وما الرأي في أموالهن إذا اشتركت ولم يقدر أحد على صحتها؟، قال: هي مثل الأموال المستهلكة والأمانات التي ذهبت عنها العلائم، والأموال التي لا يعرف لها رب وكذلك كسير البحر إن ذهبت العلائم عن أموالهم وذهب من ذهب من الناس فجميع ما ذكرته قد جرى فيه الاختلاف بين المسلمين والمعمول به عند أصحابنا من أقاويلهم إذا عدم الإمام في دارهم فللمسلمين أن يجعلوها في يد رجل من ثقاتهم ثم يفرقه على فقراء المسلمين، واللقطة الكثيرة بعد الإياس من معرفة صاحبها مثل ذلك وإن كان رجل من الفقراء في يده شيء مما ذكرناه واحتاج وأخذ منها لنفسه وعياله فلا يضيق عليه وإن أحد دفعها لأحد من المسلمين وأخبره بحاجته ليعطيه فهذا قول حسن إن رده إليه مما استحقه بسبب فقره. (1/148)
صفحة 149
رجعنا إلى تمام القصة، قلت له: أليس ترجون من أحد ليصرف عنكم البلاء؟، قال: كل من أراد أن يعمل عملاً لم يتفق له وذهبت أمواله وخربت مساكنه، قلت له: لعل أعمالهم كمثل أعمال الرجل الذي يعمل كما يعملوا الناس بلا معلم فما تم له عمل من أعماله في طول زمانه لأنه يعمل برأيه وقياسه وقد عمل سفينة في البر بعيدة عن البحر ونشل إليها شراعها فهبت الريح فلم تزعزعها فجبر الناس ليدرجوها إلى مسلك السيل في الوادي ليحملها فأنزل الله القطر وسالت الأودية فحملت السفينة وتكسرت، انظر إلى هذا الرجل ضرته أعماله وذهبت أمواله ولا يقع أحد بعمله من بعده، قلت له: وهل صاحبت أحد في زمانك من العقلاء؟ قال: رأيت أناساً يذكرون الله تعالى بالليل والنهار ويقومون بالليل فمنهم علماء ومنهم أتقياء ومنهم بدلاء قد تركوا الشهوات واللذات يصومون النهار ويقومون بالليل يرجون من ربهم رحمته ويخافون من نقمته يملكون النفس بزمامها بتركهم النعم فعمدوا على العزلة والصوم، وقد حكي لنا عن رجل معه أموال وأولاد وعيال فتزينت له الدنيا فأراد أن يفرقها فنهض عليه إخوانه وأعوانه مرادهم الوقوف على حاله، وأن يلتفق عنهم كل نائبة بمالهم وحالهم فأجابهم: أما قولكم هذا فهو من الصلاح في ظاهر الأمور وفي الباطن له تأثير في الأنفس بالعداوة والبغضاء وفيه مما يدل على هلاك المرء بذهاب دينه ودنياه ولكن اتركوا سبيلي فإن فيه السلامة لي ولكم فلا يدخل في قلبكم الجفا فهذه هي الصفاوة بين الأحباء والمجاورة والمداخلة للشيطان فيها مسالك لمن طلب أهوية النفوس وقد هلك كثير من الخلق بسبب المجاورة والمصاحبة، وقد وقف هذا الرجل عن الحلال خوف المعاصي والشبهة وإن أخذ الإنسان بالمشتبه أخاف عليه أن يقع في المحرمات من الدماء والفروج والأموال، ولا يجوز لأحدٍ أن يأخذ من أموال الناس إلا عند الضرورة مع الدينونة لصاحبها وأما بالذي صحت فيه الإباحة لبعضهم بعضا فجائز لمن دعته الحاجة إلى (1/149)
صفحة 150
ذلك، وكذلك في اللقطة الخفيفة مثل الثمرة والأنباة وحبة اللومي والعصي وأشباه ذلك إن رآه الإنسان في الطريق أو حملته الأودية والأنهار فكل ما ذكرناه للفقير جائز أخذه، وأما الغني فيجوز له ما صحت الإباحة بينهم وكل ما كان يشري (1) في العين فلا يجوز تركه في الطرق ولا في المساجد ولا في الآبار والأنهار، والذي يقع منه الضرر للمسلمين كالدواب والطير والروائح المنتنة فعلى صاحبها حفظها وأن يستر رائحتها، وكل من صنع شيئاً في ماله أو في بيته أو كان مباح له وكان جائز ذلك العمل وعارضه معارض في صنعته فعلى المسلمين واجب أن يردعوا المعارض الصانع، وإن لم يقدروا على ردعه وتعرض أحد للصانع الجائر في ماله ولم يرتدع بشئ وحارب فجائز محاربته إلى أن يرجع إلى الحق أو يموت حارباً، ولا على الفاعل حد، ولا قود وإن أعانه أحد على اعتدائه وأصر على معونته فهو من الهالكين، والواجب على الإنسان أن يحاسب نفسه في كل يوم وفي كل ساعة لطلب السلامة في الدنيا والآخرة.
من أخبار العقلاء
__________
(1) - أي يقذي (1/150)
صفحة 151
وقد حكي لنا عن رجل عنده امرأة ذات حسن وجمال فخرج الرجل إلى السوق في بيعه وشرائه ثم خنس الرجل إلى بيته فرأى خادمه يجامع امرأة مولاه وهو مولاه فقبض الرجل عبده قبضة شديدة وخوفه القتل إن تكلم مع أحدٍ بفعله للمرأة، وقال له: كن في المال والبيت على ما سبق من الإحسان ولك الإحسان التام، ثم أقبل الرجل إلى المرأة وقال لها: قد وقعت الحرمة بالنظر بيني وبينك والسبب أصله منك، فقالت له: طب نفساً وقر عيناً فإن جميع مالك الذي سقته إليّ فهو مرجوع إليك بحضرة أوليائي، فسارا إلى زيارة أهلها فلما وصلا وأقاما حق الزيارة ثلاثة أيام أراد الرجل الرجوع وأبت المرأة عن صحبته وافتدت منه بمحضر وليها، فمسألتهم في الإرث لا ميراث بينهما فرجع الرجل إلى داره وأخبر جيرانه بطلاق زوجته وفديتها منه، وكان له جار موسر فجعل الجار ينتظر لخلوص المرأة، فلما علم بخلوصها قصد مع وليها فوصل الولي يستشيرها فأمرتهم أن يزوجوها به فعقدوا عليه عقدة النكاح ونقلها من دارها إلى بيته فدخل عليها وأقبلت إليه بالإحسان فقال لها الرجل: إن مطلقك فيه غيرة لنا، فقالت له: إن أردت نقمة له في الحالين اشتر من عنده الخادم المحسن إليّ في السابق فقصد زوجها مع المطلق وسأله عن بيع الخادم فقال له: إن فيه عيوباً كثيرة، قال: لا بأس ثمن الخادم، فأخذه من عنده بالثمن الكثير ونقله إلى بيته ومكث أياماً وأراد الزوج أن يسافر فخرج للسفر ثم بدت له حاجة في بيته فرجع فوجد الخادم فوق المرأة متجردين ، ولكنه لا نظر الاهتزار فنسف برمحه إليهما فجرح الخادم وقتل المرأة فجاءوا أهل المرأة وشكوا من الزوج مع الأمير، فالأمير أمر بصلبه وضربه فأخذوه الخدم وصلبوا عليه وجلدوه فعرض عليه جاره المطلق المرأة أولاً وتبسم ضاحكاً فقال الذي في الصلاب شعر:
أمور تضحك السفهاء منها ويبكي من عواقبها الحليم
فأجابه على شعره:
أمور لم يدبرها مدبر وإلا سار صاحبها نديم (1/151)
صفحة 152
فعمد المطلق عند الملك وقال له: خذ منه الحق ولا تزد فوق ذلك، فامتثل الأمير وفلت له من الصلاب، فعمد الرجل المطلق إلى دواء جار بحق الجيرة فأخذ موساً وشرط به في جنب المضروب حتى خرج منه الدم ثم جعل عليه بنت الذهب المدقوقة فذرها على شطور الموسى وشرى له شيئاً من الغنم وذبحها وسلخ جلدها وألبسه إياه رطباً، ولبث في السجن وباع ماله وسلّم الدية والصداق ولو أنه نظر إلى الجماع لما ألزموه الدية ولا الصداق، فانظر الفرق بين ذلك، ثم رجع المطلق مع الخادم فوجده ذبيحاً، فسأل الطبيب عن الدواء له فأجابه من قول ابن هاشم شعراً:
وأما جروح الجسم فاقطع لدمها ... ... بأوراق جوزٍ بعدما كان أغبلا
فإن لم تجد فالشب والعفص مثله ... ... ومن ثمر الطرفا إذا كان قد سلا
وبالسمن كمّده وبالصقل بعده ... ... وبالنار حذره فإن هو انجلا
وإلا فخذ سمناً وشحماً تذيبه ... ... بدهن سليط ثم ضعه إذا علا
ومن ذرة فأعط له طيرأ مرققا ... ... وسمناً ولحم كبشٍ إن صار محولا
وكل غليظات وكل حوامض ... ... وكل حريقات فجنبه مسحلا
فشرى المطلق الدواء وقصد به مع الخادم فوجده ميتاً، وهذا الرجل العاقل الذي أحسن التدبير تزوج امرأة أخرى فآذته بلسانها فصبر عليها حتى رفعها الله، ثم تزوج الثالثة فرأى من الإحسان منها على ما تهوى النفس، فولدت له ذكوراً وعافاهم الله من البلاء، فنمت له الأموال وكثر الخير معه بسبب صبره.
والمرأة عورة وعلى الرجل سترها ولا يكشف لها عيوبها، قد أخذها بكلمة ويخرجها بكلمة! فكيف يخصم أوليائها بإظهار عيوبها حتى يلبس أوليائها العار.
ومن خصال العاقل كل من وصل عنده أحد ومراده الصلاح أعطاه مطلوبه، فولى عنه شاكرا. (1/152)
صفحة 153
ومن سيرة العاقل يعطي الناس ولا يسأل هو الخلق ويدين المسلمين ولا يعمد هو إلى الدين، أعني في الأموال والدموم هو يعفي من ذلك كما قال ربنا: (فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ) (1) ، ويصلح بين الخصمين ولا يخصم هو أحد فكلما بلاه أحد بشئ أعطاه إرادته ويتعلم ولا يحب أن يكون مفتياً ويصمت ولا يتكلم مع المتحدثين إلا إذا دعاه أحد أجابه بمهلة لا بعجلة، يصرف أمور المخادع من قبل أن يخدعه، ينظر بعقله لا بعينه من كثرة قياسه ويشاور في أكثر أموره ومهما رأى الصواب عمل به.
وقد حكي لنا عن أمير قوم ظهرت له عداوة وفتنة من خصمه فأرسل إليهم بالألفة والصلح عن زيادة الفتن فما زادهم قوله إلا نفورا، فجيّش إليهم وسأل المتبصرين بالحساب فأخبروه بسعده ونحوس خصمه فثوّر على خصمه وخشى (2) أموالهم وقتل رجالهم فاستكانوا له، وسلّمه الله هو وأصحابه والسلام.
الذكر العاشر
فيه ذكر العالم المتعنت الذي أسكره حب الدنيا، وفيه سبع مسائل للنصارى قد سألوا الشيخ العالم ناصر بن أبي نبهان فأجابهم فيها المسألة الأولى عن أهل عمان كلهم إباضيون أم لا؟، والثانية في المولود، والثالثة عن القهوة، والرابعة الفرق التي تقاربنا، والخامسة في الدين، والسادسة عن هاروت وماروت، والسابعة عن الصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وفي الغائب والمفقود، وفي الوضوء والتيمم للصلاة، وفي طلاق الصبية ومعرفة بلوغها، وفي الحكم، وفي ذكر طاعن الصحاية والرد عليه، وفيه رسالة الشيخ أبي نبهان، وجوابات من المسلمين.
العالم المتعنت الذي أسكره حب الدنيا
__________
(1) 1 – الشورى : 40
(2) 2 – أي قطع وتطلق على النخيل خاصة (1/153)
صفحة 154
... قال ذو الغبراء: ابتلاني رجل بالاحتجاج، وهو قاعد بين الصفا والمروة لمعارضة الحجاج، وجامع الكتب من كل فج كالأمواج، حتى يغالب بها من كان في قلبه ارتجاج، فقبضني بين العلمين في الهرولة بالليل الداجي، مع ضوء السراج، فسألني عن اسمي ووطني وعشيرتي ومذهبي، قلت له: لا جدال ولا رفث للحاج، فقال: أما تسمع عني بأني ملأت نحري علماً وفهما، وخضعت إليّ الخلق طوعاً وكرها، وساقوا إلي من كنوزهم فصوصاً وذهبا، فقلت له: لعل مثلك الذي قال فيه الشاعر، قال، فما قال؟ قلت له: قال:
لا يغرك من المرء قميص رقعه وإزار فوق عظم الساق رفعه
أعطه الدرهم والد ينار وانظر فيه ورعه (1/154)
صفحة 155
... قلت له: دعني عنك، قال ل : سمعت عنك أنك ألفت كلاما، وفيه تذكر كواعباً وأترابا، وحدائق وأعنابا، وشرعاً وشعراً وفلكاً وطبا، وحديثا فيه زوراً وكذبا، أما خفت أغلالاً وناراً جزاءً لك حقبا، لكن لو فكر قلب، وسألت نفسك عن دينك ممن كان أفقه منك، ونظرت إلى كتبهم المصنفة لشهدت على نفسك بالعجز، ولا سوّلت لك نفسك تأليف حرف واحد، فقلت له: أنا نسخته لنفسي من قلة حفظي، وأخذته عن أئمة مذهبي، وجعلته لحاجتي، لمرضاة ربي، لا أباهي الناس بعلمي، فقال: اسمع الكلام، أنا أعلم منك بالحلال والحرام، وبعلم الفرائض والأديان والأحكام، وبعلم النحو واللغة والصرف والبديع والمنطق والمعاني وأشعار الإسلام، وأنا به أنبيك، وخذ من علمي ما يكفيك، قلت له: اشتبه عليّ أمرك، ولا يجوز لي أن أرفع من علمك لأنك دخلت نفسك في طمع الدنيا، ولا ذخرت منه للآخرة شيئا، فقال لي: أنا حرمي ونسبي قرشي ومذهبي إباضي حقيقي، قلت له: لا ينفع المذهب لمن ارتكب الذنب إلا بالإقلاع والرجوع إلى الله سراً وعلانية، وكل من تاب إلى الله من جميع الفرق فيرجى له رحمة ربه، وكل من خالف كتاب الله وسنة رسوله، وأصرّ على الصغائر وارتكب الكبائر فهو من الهالكين، قال العلماء: والموحدون هم سالمون، والمشركون هم الهالكون، وكل سائل ومجتهد فهو مصيب، قلت له: حاشا وكلاّ فأبلغ منك في العلم والفهم، ولم ينفعهم علمهم ولا اجتهادهم في السؤال وهم النصارى، حتى لم يبق علما ًمن العلوم ولا مذهباً من المذاهب إلا وتفننوا فيه، ولا علم مذهب من مذاهب الإسلام إلا وتطفلوا عليه، ومن ذلك سؤالهم للشيخ ناصر بن أبي نبهان كما ترى:
المسائل التي سُئل عنها الشيخ ناصر بن أبي نبهان:
بسم الله الرحمن الرحيم (1/155)
صفحة 156
الحمد لله الذي خلق الملائكة لمحض السعادة، وخلق الجن والإنس والشياطين للابتلاء والعبادة، وخلق سائر الأشياء للدلالة والشهادة، والصلاة والسلام على من له على جميع الكائنات بفضله مطلق السيادة، وعلى إله وأصحابه السادة القادة، أما بعد:
... فقد وصلني كتابك أيها الولد الكري ، وذكرت فيه أنك تريد جواباً لمسائل يسألوك عنها النصارى، وأرادوا جوابهن من أصحابك،
فالمسألة الأولى : عن أهل عمان كلهم إباضيون أم لا ؟، وما السبب في وجود غير الإباضيين فيها إن كانوا غير إباضيين كلهم ؟ ، وكم فرقة من المذاهب في عمان؟، وأين وجود المذهب الإباضي من مواضع إقليم الإسلام؟، وهل إباضية أهل عمان أو غيرهم هم فرقة واحدة أم لا ؟.
والمسألة الثانية: إذا ولد لنا مولود أو مات منا أحد ما المأمور أن يعمل به أو فيه أو لأجل ؟.
والمسألة الثالثة: عن القهوة هي حرام عندنا أم لا؟.
والمسألة الرابعة: أي فرقة تقاربن؟.
والمسألة الخامسة: بأي شيء تخالفنا من أمر الدين؟.
والمسألة السادسة: عن هاروت وماروت؟.
والسسألة السابعة: عن معنى الآية في الصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - ؟.
... وهاك عني إن شاء الله الجواب، والله الموضح للصواب في ألباب أولي الألباب، ولمثلهم يحسن الخطاب، لقوة فهمهم وصحة عقولهم وفاء فكرهم المخترق بخرق العادات كل حجاب، فيرون بميزان التمييز الأعدل والأصح من الأقاويل والأرجح والأفضل من غير شك وارتياب، جواباً يتضح للناظرين نوره، ويشرق للمبصرين شموسه وبدوره، وبعد فأقول وأنا عبد الرحمن ناصر بن أبي نبهان، بعد حمد الله الملك المنان.
المسألة الأولى: هل أهل عمان كلهم على مذهب الإباضية؟
فصل: وأما المسألة الأولى: بأن أهل عمان كلهم على مذهب الإباضية أم لا؟ (1/156)
صفحة 157
نعم، كانوا كذلك في قديم الزمان، إلا البنادر منها التي هي على سواحل البحر ففيها (1) الإباضية والسنية والشيعة والمعتزلة وهذه الأربعة وكل منهم على فرق كثيرة، و الإباضية في الزمن الأول كذلك على فرق كثيرة، وانقرضوا ولم تبق فرقة تسمى الإباضية من فرق الإسلام إلا فرقتنا نحن، وهي فرقة واحدة لا غير في جميع إقليم الإسلام من عمان وغيرها ولم تسكن عمان فرقة من تلك الفرق في حين وجودهن التي سميت بالإباضية وهم عندنا غير إباضيين بل هم فرق مبطلون ضالون، ثم نزل بعد ذلك بعض من أهل السنة ومن الشيع والمعتزلة في بلدان عمان، ولم تزل يزيدون بالانتقال إليها، والتوطن فيها، وبانقلاب أهل العمى من الإباضية إلى مذهب السنية، أما عالم من علمائنا أو متورع في أصل دينه ويقينه فلا نعلم أن أحداً انقلب البتة، ولما جاء مذهب عبد الوهاب النجدي تابعته كثير من الأعراب أهل الجهل الساكنين القفار دون أهل البلدان من أهل الفضل، وحين انقرضت دولة الوهابي من عمان انقلب المتوهب سنياً فكثرت السنية بهذا السبب، ومال إليهم أهل الغرب من ناحية عمان الغربيين من جنابهم، والإباضيون في عمان وفي بلدان من أرض المغرب منهن بلد تسمى نفوسا، وبلد تسمى جربا بالجيم والراء المهملة والباء الموحدة وآخرها ألف، وهما في ولاية سلطان الروم (2) ، وأما أحكام البلدين فهي تجري على أحكام الإباضية إلى الآن، وبلد أخرى بعيدة عن سلطان الروم يقال لها جبل مصعب هي في أرض سلطان المغرب ولكن لم يتول بلدهم ولم يستطع عليها بالحيلة ليدخلهم في ولايته لعدم الماء فيما بينه وبينهم من بعد المسافة ولله عاقبة الأمور.
قال صاحب ذو الغبراء: وبعض من الإباضية في السواحل.
رجع :
المسألة الثانية: في أحكام المولود:
فصل:
وأما المسألة الثانية: ما يجب ويستحب أن نعمل إذا ولد لنا ولدا أو مات منا أحد؟
__________
(1) 1 – ليست بالأصل
(2) 1 – لعله يقصد حينما احتلها الأوربيون من أسبان وغيرهم (1/157)
صفحة 158
... فأما الواجب فليس شيء غير التختن للعورة في محل وقته، وأما المستحب فقيل أنه يؤذن في أذنه اليمنى ويقيم إقامة الصلاة في أذنه اليسرى، ويولم بذبيحة لمعارفه ولمن يطلع عليه بذبيحته من جيرانه، ولكن لم نر الناس استعملوا ذلك وتركوه وترك ذلك جائز معنا، وإذا مات فلا يجب شيء غير أن يغسل ويصلي عليه أحد من المسلمين أو أكثر قياماً صلاة بلا ركوع فيها ولا سجود إلا أن يكون في حكم الظاهر من أهل الولاية لله تعالى فله أن يستغفر الله تعالى له وإن لم يفعل واكتفى بالسؤال لأهل المغفرة مجملاً كان كافياً، وأما ما يفعله الجهال يسيرون مع قريب (1) الميت ويعزونه ويأكلون طعامه بالإسراف فهذا من فعل أهل الجهل لا من صنيع أهل الفضل؛ لأنه بخلاف ما كان عليه النبي - صلى الله عليه وسلم - فإنه إذا مات أحد من أقاربه أمر أهله أن يصنعوا لأصحاب الميت طعاماً لما هم فيه من الشغل بالميت، وبالله الهداية والتوفيق.
المسألة الثالثة: حكم شرب القهوة:
فصل:
وأما المسألة الثالثة التي عن القهوة هي عندنا حرام أم لا؟.
__________
(1) 1ـ ليست بالأصل (1/158)
صفحة 159
فالقهوة في أصل اللغة اسم يطلق على الخمر وليس لشربة البن هذه التي تسمى بالقهوة اسم في أصل اللغة لأنها شربة أحدثها العالم الشاذلي زاهد تقي في مذهبه حنفي المذهب أراد أن يكون طول ليله في الصلاة والدعاء والعبادة لله تعالى فلم يطاوعه النوم وغلب عليه، واستعمل هذه الشربة، وسميت بالقهوة، وربما سماها أهل الجهل في الابتداء، واشتهرت بهذا الاسم فكان لها اسماً ثابتاً اصطلاحياً فليس في كتب علمائنا الأقلين لها ذكر البتة، وعسى بعض ضعفاء أهل العلم من أصحابنا المتأخرين لا من أساطين العلماء المتبصرين نظر إلى هذه الشربة ونظر أن القهوة حرام في كتب علمائنا الأقدمين، ومرادهم الخمر فظن أنهم أرادوا هذه فقال هذه القهوة حرام، واعتقد حرمتها كل من كان في عصره من أهل عمان من العوام ومضت كذلك لهم بعض الأعوام إلى أن جاء والدي العالم وبلغ في العلم مبلغاً لم يبلغه أحد من علماء الإباضية فيما تناهى إلينا من العلم فيهم وهو العالم الرباني أبو نبهان جاعد بن خميس الخليلي الخروصي من نسل الإمام العادل الخليل بن شاذان بن الإمام الفاضل الصلت بن مالك الخروصي، والصلت بن مالك هو الذي افترقت فيه أهل عمان بعد موته وموت من كان في عصره وموت من جاء بعدهم وموت من جاء بعد هؤلاء الذين جاءوا بعدهم وذلك في زمن الشيخ العالم مالك البهلوي فأخذ مذهبه الشيخ أبو عبدالله محمد بن بركة البهلوي، وخالف الشيخ مالك الشيخ محمد بن روح النزوي والشيخ أبو الحسن وأخذ مذهبهما الشيخ الكبير أبو سعيد محمد بن سعيد الكدمي الساكن كدم من بلدان عمان وتبرأ كل منهم من صاحبه وتابعتهما الناس، ومال الأكثر إلى مذهب الشيخ أبي سعيد وهو أعلم من جميع علماء الإباضية قديماً وحديثاً ولكنه في علم الشريعة فقط وأما والدي فقد تفنن في كل علم علا مقامه من العلوم الإلهية، وصنف الشيخ أبو سعيد كتاب الاستقامة في صحة مذهبه عن مذهب أبي عبدالله البهلوي ، وصنف كتاب المعتبر لجامع بن (1/159)
صفحة 160
جعفر شرح فيه كتاب جامع بن جعفر الإباضي فوافقه في أشياء وخالفه في الأكثر وفاقا على كل كتاب صنفه إباضي مطلقاً في الشريعة دون فصاحتهما إذ ليس له يد فيها ، وانقرض ذلك الشقاق والخلاف بين إباضية أهل عمان في ذلك وبقي الناس على مذهب أبي سعيد.
بيان: والافتراق بينهم في الإمام الصلت بن مالك وذلك أنه جعل وزيريه راشد بن النظر وليس هو ابن النظر المشهور بالدعائم في الشريعة بل هو غيره، وموسى بن الشيخ العالم موسى بن علي، ولما بلغ السن حتى صار إذا مشى يتوكأ على كل يد عصا قام بأمر الإمامة وزيراه ودخلوا بيت الإمارة وخرج الإمام منه إلى بيته، فاختلف الناس فيهم وفي الإمام فقال بعضهم أنهم غصبوا الإمامة عنه ظلماً وعقدوا الإمامة لراشد بن النظر وهم مخطئون، والإمام محق، وبعضهم قال بل هو سلخ نفسه بغير عذر وخان أمانته وأعطاهما إياها باطنا وهي الإمامة وهو مبطل، وقال بعضهم بل صار في حد العذر وهو محق، وهؤلاء عقدوها بحق، وقال بعضهم بل هم قاموا بأمر الإمامة على الحق وهو على إمامته وهؤلاء المختلفون كلهم يتولون بعضهم بعضا، ومضوا كذلك قرناً ثم قرناً آخر ثم قرناً ثالثاً وفي القرن الرابع أو الثالث وقعت الفرقة بالبراءة من بعضهم بعض فقال البهلوي: إن الإمام قد قامت الحجة على الناس بعدله فلا تصح تخطئته ولم نزل نتولاه ونبرأ من أولئك الذين نصبوا الإمامة عليه فنحن نبرأ منهم، وقال الكدمي: إننا لم نكن في زمانهم حتى تلزمنا ولايته أولاً، ثم لا يجوز لنا أن نبرأ منه حتى نعلم منه ما يحكم عليه به بالبراءة، وإنما كنا في زمان والناس مختلفون فيه، ولا ندري المحق منهم والصادق فيما يقولون، ولا الكاذب منهم فكيف نبرأ من أحد لا ندريه مبطل أم لا، أم كيف نتولى أحداً وجدنا الاختلاف فيه في آخر زمانه، فقال البهلوي: هل يجوز الشك في أخبار الصحابة من أحكامهم؟، قال الكدمي أبو سعيد: تلك أحداث وقع الإجماع من الأمة على صحيح وقوعها، واختلف أهل (1/160)
صفحة 161
المذاهب في أحكامها، وهذه أحداث اختلف العلماء في وقوعها فبعضهم نفى كونها، وبعضهم أثبتها، ولم يختلفوا في أحكامها فبين ذلك بون بعيد.
بيان : وقد خرج بنا الاطناب عن المقصود من بيان حكم القهوة معنا فنرجع إلى بيان ذلك أنه لما نظر إلى ذلك الاتفاق من أهل عمان على تحريمها ولم يجد علة تحرمها ، ولا قياساً على شيء من الأصول الدينية ولم يجد لهم حجة تدل على تحريمها والقول بتحريم المحللات كالقول بتحليل المحرمات فحللها وتابعه الناس لعلمهم بأنه أعلم من القائلين بتحريمها، وأنه أعلم من يعلمونه من علمائهم فهو كالشيخ أبي سعيد في الشريعة، ولما أوضح لهم من الدلائل على إبطال القول بتحريمها ولكنه من غير أن يخطّئ من قال بتحريمها إلا إذا دان بحرمتها فقد ضل وهلك. (1/161)
صفحة 162
بيان : وذلك في مذهبنا أن الشريعة على قسمين : قسم هو دين ولا يجوز فيه الاختلاف ، وقسم هو رأي يؤول أمره إلى نظر العلماء فيه وهو الذي يجوز فيه اختلاف، ولا يجوز أن يخطئ أحد فيه أحدا قال بخلاف قوله ما لم يدن به لأنه لا يجوز أن ندين بالرأي ولا أن يجيز الرأي في موضع الدين، والدين هو ما ألزمنا الله تعالى إياه فرضاً واجباً بنص الذكر الحكيم ولم يجعل لنا عذر في خلافه وتوعدنا بالعقاب في الآخرة على خلافه من ترك ٍ أو فعلٍ أو اعتقادٍ، وما ألزمنا إياه كذلك النبي فرضاً واجباً ولم يجز لنا فيه خلافه وما قامت على لزومه حجة العقل مثلاً إن الله تعالى أمرنا بالإحسان للوالدين، ونهانا عن أذاهما وإساءتهما فقال (فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلا كَرِيمًا) (1) فصح في حرمة ضربهما بالعصا أو عقهما بالحصى أشد حرمة لأنهما أكثر أذى وأشد إساءة وهذه الثلاثة هي أصول الدين الذي لا يجوز فيها الرأي أي القول بالاختلاف، والأصل الرابع إجماع العلماء المحقين إذا اجتمعوا على تحليل أو تحريم شيء هو شبيه بأصل من هذه الأصول الثلاثة وألحقوا حكمه بشبهه، ولا يجوز لهم أن يجمعوا على تحريم شيء هو أشبه بالأصل حلال من دين ولا على تحليل شيء هو أشبه بأصل محرم من دين فهذه الأربعة هي الدين وهي الأصول وكل قضية لم يأت القرآن حكمها ولا النبي، وأشبهت أصلين من أصول الدين أحدهما ما يدل على تحليله والآخر ما يدل على تحريمه جاز فيه الاختلاف وكان الحكم فيها من الرأي ، وكل قضية جاء القرآن ذكرها أو في سنة النبي - صلى الله عليه وسلم - ، ولكن دلت الأصول في قياس هذه القضية بها على تشابه أصلين مختلفين كذلك جاز اختلاف فيها، وكانت من الفروع، وكذلك كل آية احتملت التأويل على شيئين مختلفين من الأحكام رجع بهما إلى السنة فإن وجد لكل معنى من التأويل أصل يصححه من سنة النبي - صلى الله عليه وسلم - جاز الاختلاف
__________
(1) 1 – الإسراء : 23 (1/162)
صفحة 163
في تأويل تلك الآية، وكذلك قول النبي إذا وجد له معارض من قوله يشبه أحكامه جاز فيه الاختلاف ما لم يخص وجوبه كما روي أنه (نهى عن أكل كل ذي ناب من السباع أو مخلب من الطير)، وروي بعدما ثبت هذا النهي (أن أحداً صاد ضبعاً فحكم عليه بالجزاء بكبش أملح) فدل بهذا أنه نهي أدب لأنها تأكل المحرمات وإلا فهي من الصيد لأن الجزاء لا يكون إلا في الصيد ولا يسمى صيداً إلا الحلال من الحيوانات الوحشية، وقيل بالحرمة على ظاهر الرواية، وكل من قال بقوله لم يجز له أن يخطئ غيره لأن ذلك هو مثله ليس هو بنبي ولا يجوز له أن يحكم على من يقول فيما يراه عقله برأيه فيما جاز له الرأي بخلافه أنه مبطل ولو جاز لهذا جاز لذلك في هذا أيضاً، وعلى هذا في كل أمر أيضاً لم يكن له ذكر في الكتاب المنزل ولا في سنة النبي المرسل ولا في إجماع المحققين من أهل الاستقامة في الدين، ولا تقوم به الحجة من العقل جاز لكل عالم أن ينظر القول الأقرب إلى الحق بالقياس على الأصول الدينية أو على رأي صحيح ويكون ذلك قولاً، ويجوز لغيره إذا نظر خلافه أصح أن يخالف من غير أن يخطئه بدين فيعمل بخلافه.
بيان: ولما كانت هذه القهوة البنية لم يكن لها ذكر في الكتاب المنزل، ولا في سنة النبي المرسل، ولا في أحكام المسلمين على قياس حكم أصل محرم من دين الله ولا في حجة العقل ما يدل على تحريمها قياساً على محرم فلأجل ذلك جاز النظر فيها والقول بالرأي في أحكامها، وأصل المحرمات في الأكل والشرب في التحريم أربعة لا غير:
إما لذاته كالنجاسات والميتة وما أشبه ذلك وليس في المعادن ولا في النبات ما هو محرم لذاته. (1/163)
صفحة 164
وإما أن يكون لفعلها كالسم المهلك أو الخمر المسكر بعدما حرمه الله علينا وما أشبه الخمر من الأشياء في السكر لقول النبي: (كل مسكر حرام)، ولا يجوز هنا الاختلاف في مذهبنا في تحريم كل مسكر كما جاز في النهي عن أكل كل ذي ناب من السباع ومخلب من الطير لأن تحريم هذا بالشبه، فإن ما أشبه الشيء فهو مثله، وذلك لأجل أكل النجاسات غالباً، ولو حرم كل آكلٍ للنجاسات لحرم لحم الغنم ولحم الطير من الدجاج والحمام الأهلي، فكذلك هو الفرق بين ذلك.
وإما لحالٍ فيها كالنجاسات إذا حلّت في الطهارات وغلب حكمها عليها أو شيئاً محرماً اختلط بالحلال اختلاطاً يحرمه، ولا يصح تمييزه منه إذ الأمور لا على قانون واحد فيمكن في أشياء تمييز المختلط أو عوضه وما أشبه ذلك.
وإما لمفعولٍ بها كالغصب والسرقة والبيع والشراء على الوجه المحرم وما أشبه ذلك.
وهذه هي أصول التحريم في الأشياء المأكولة والمشروبة، وأما الأصلان الآخران اللذان هما بالحلول وبالمفعول به، فالمحلل حلال حتى يصح وقوع أحدهما في ذلك الحلال فيحرم، ولا يخص به شيئاً دون شيء، فأجزاء القهوة وغيرها من المحللات في ذلك سواء، وأما الأصلان الأولان الذاتي والفعلي لا وجود لهما في أجزاء القهوة مطلقاً ولعل بعضهم احتج أنها تصير فحماً أو أن الحب أشبه الأشياء بالخشب ن وكل ذلك لا يجوز تحريمها به لأن الفحم لو كان حراماً لما جاز أن يكتب بالمداد به من الآيات وتمحى بالماء ويشرب ، وكثير من أنواع الخشب يدخل في الأدوية المصلحة للبدن فيصح استعمالها على غير الضرورة، فكان القول بتحليلها معنا هو الأصح في النظر الصحيح بالعلم الصحيح.
المسألة الرابعة: المذاهب الأقرب إلى الأباضية:
فصل: (1/164)
صفحة 165
وأما المسألة الرابعة: أنه أي المذاهب أقرب إلينا؟، فكل فرقة تخالفنا في شيء فليس أحد يقاربنا بمذهبه ولا نقارب مذهبنا وكيف نقرب إلى مذهب أو يقاربنا ونحن نبرأ بشيء مما دان به من خلاف دين الله تعالى ونحكم به أنه هالك وأنه عدو لله جزاءه على ذلك غداً في نار جهنم خالداً فيها أبدا بلا نهاية في الخلود، ونحن من مات منا عاصياً لله تعالى مصراً على ذنبه بعصيانه لله جل وعلا، وهو كذلك يبرأون ويحكمون بهلاكنا ولكن هم لا يقولون بالخلود استعظاماً لعذاب الله لهم ونظروا إلى حقارة ذنبهم مع ذلك، ونحن ننظر إلى عظمة الذنب وأنه لا جزاء له إلا الخلود لأن الله تعالى عظيم، ولو صح قولهم لكان ذلك فائدة لنا ولهم، وما أحلاه من قول، وما أسلاه للعقل ولكن هيهات هيهات.
المسألة الخامسة: المسائل الفكرية التي وقع الخلاف فيها:
فصل: (1/165)
صفحة 166
وأما المسألة الخامسة؛ بأي شيء خالفناهم وخالفونا فيه؟، فاعلم أن الله تعالى قال: (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ) (1) ، ثم قال: (وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) (2) إشارة إلى الافتراق وأنه تبقى أمة منكم، ومن قد تكون للتبعيض، ومحلها هنا كذلك، وشاهد ذلك قول النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وعلى صحته أجمعت الأمة وقد صح بعده بالفعل (ستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة كلها هالكة إلا واحدة ناجية)، ولا نعلم أن في مذهب الفرق إنكار هذه الرواية، وشاهد العقل يدل على صحتها لأن الأمة قد افترقت كذلك، وصارت كل فرقة تدّعي أنها المحقة، وتحتج على تصحيح مذهبها آيات من القرآن وروايات من النبي لإقامة الحجة والدليل والبرهان، وما تخالفنا فيه وخالفناهم يستدعي بذكره وشرحه وإيضاحه إلى مجلدات كثيرة، وأنت ذكرت أن أبين لك بعض ما تخالفنا فيه نحن والسنية لا غير من الفرق بإيجاز من القول ولا أورد كثيراً من وجوه المخالفات خوف الإطالة فهاك بعض من ذلك.
__________
(1) 1 – آل عمران : 110
(2) 2 – آل عمران 104 ، وقد وردت الآية في الأصل هكذا ( ولتكن منكم أمة يهدون بالحق وبه يعدلون ) وليست آية في القرآن بهذا النص فوضعت هذه الاية بدلها لأنها أقرب للكلام . (1/166)
صفحة 167
بيان: ومن أعظم ما خالفناهم فيه وبيان ذلك في كتبهم أنهم دانوا في اعتقادهم أن النبي - صلى الله عليه وسلم - رأى ربه بنظر العين في الدنيا وأن ذلك في يوم أسري به إليه حتى صار قريباً منه فنظره وأن تلك كرامة خص بها في الدنيا، وأما في يوم القيامة فكلهم ينظرون ذات الله تعالى، وكذلك في الجنة، وأنه ينزل ويتجلى لهم في كل جمعة يدور في الجنة فيذهب جميع من في الجنة إلى النظر إليه، ولا أدري ..... (1) أنه في موضع معين منها أو كل يراه وهو في موضعه كالشمس للناس في الأرض وهي في السماء، وليت شعري هل معهم أنهم يرون جمالاً وحسناً أحسن من الزوجة التي لهم في الجنة أم ذلك الحسن أحسن؟، وهل يبقى المرء مشوق إلى أن تأتي الجمعة الأخرى؟، أم إذا اشتغل بالنظر إلى زوجته أنسته عن تصور ذلك الحسن في نفسه؟، أم يبقى تصوره دائماً؟، الله أكبر وتعالى الله عن ذلك علواً كبيرا، وهذا عندنا من أعظم الكفر بالله الرحمن وعلى النبي من أعظم البهتان، ولو قال بذلك نبي من الأنبياء لشهدنا أنه قد كفر بالله المنان وصار ملعوناً من إخوان الشياطين، ولكن حاشا أنبياء الله أن يضلوا، وقد قال تعالى: (اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ) (2) ونحن نشهد أن الله هو شيء وحق، وأن ذاته لا يرى ولا يراها مخلوق إذ ليس هو شيء يرى، ولا يمكن تكوين شيء يرى كما لا يمكن شيء يكون كمثله.
......
__________
(1) 1 _ في الأصل مكتوب فوق السطر كلمة ( بياض ) وهو إشارة إلى نقص في الكلام
(2) 1 – الأنعام : 124 (1/167)
صفحة 168
(1) ولكنه يرى بصفاته وأفعاله في مخلوقاته فقد ضلوا ضلالاً بعيدا، وتأولوا في ذلك قوله تعالى (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ) (2) ( بالضاد ) (إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ) (3) بالظاء، وقد علموا أن معنى ناضرة مستبهجة فرحة مسرورة لأجل أنها إلى رحمة ربها ناظرة لقوله: (وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا) (4) ، والله تعالى لا يوصف بالمجيء والمعنى جاء أمر ربك والملائكة صفوف حول الإنس والجن والشياطين ، وقال : (أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ) (5) والمعنى ألم تر إلى تدبير الله تعالى وإلى قدرة ربك كيف مدّ الظل، واحتجوا بقول موسى: (رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا ً) (6) فقالوا أأنتم أعلم من موسى نبي الله وقد سأله، ولكن استعجل الرؤية في الدنيا، والآية تدل على أنه لا يراه في الدنيا ولا في الآخرة لأنه قال: (فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي) (7) وسوف تستعمل للمستقبل، والمستقبل ما يكون بعد وقوع الأمر وما يكون في الآخرة ولم يخصص الله تعالى استحالة النظر إليه في الدنيا والآخرة فأي دليل يدل على تخصيصه في الدنيا فإن كان لأجل سؤاله في الدنيا وقع ذلك في الدنيا، قلنا لم يأت ما يدل على وجوده في الآخرة فلم يكن منها دليل لأنه قال: (سوف) قول هل مطلق على مستقبل لا يجد له نهاية فلا يكون نفس السؤال دليلاً على وجوده في الآخرة لأن موسى لو كان معه علم أنه في الآخرة ويراه ولم يعلم من نفسه أنه يراه في الدنيا أو لا وسأله لأجل ذلك كيف يجوز لموسى أن يسأل ربه
__________
(1) 1 – في الأصل كلمة بياض إشارة إلى النفص
(2) 2 – القيامة : 22
(3) 3 – القيامة : 23
(4) 4 – الفجر : 22
(5) 5 – الفرقان : 45
(6) 6 – الأعراف : 143
(7) 7 – الأعراف : 143 (1/168)
صفحة 169
أن يراه في الدنيا ولا يجوز لقومه حيث قالوا: (أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ) (1) وهو مثلهم لا يعلم أنه له حظ في الدنيا من الرؤية ولا شك أن هذا كفر قد حكم الله بتكفير من قال ذلك وقولهم فإن كان موسى يسأل قبل قومه أو بعدهم فحكم الله في جميع عباده واحد فقال الله تعالى في نبيه محمد - صلى الله عليه وسلم - : (وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ) (2) .
... بيان: والحق معنا أن النبي موسى لم يسألِِ الله تعالى أن يريه ذاته حاشاه عن ذلك ومن وصفه بذلك فقد وصفه بالكفر وكفر بالله تعالى الواصف له بذلك كفراً عظيما ولعنه الله وأخزاه إلى يوم الدين، وإنما سأل ربه أن يريه من قدرته الخارقة للعادة التي لم يؤالفها عقله فقال تعالى إن قدرتي لا نهاية لها وأنك لن تستطيع أن تنظر إلى ذلك إذ لا يحتمل عقلك ولكن أريك قدرتي في بعض الأشياء لتعرف ذلك فلما تجلى ربه أي فلما تجلى بتدبير ربه بقدرته للجبل جعله دكاً فلو كان مراد موسى من ربه تجلي الذات عليه وجاء الجواب من الله أنه لا يستطيع، والدليل على ذلك أن يتجلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراه، لوجب أن الله يتجلى بالذات أولاً على الجبل حتى يعرف موسى حقيقة العجز ويكون الجبل قد رأى ذات الله فيكون أشرف من موسى عليه السلام تعالى الله عن ذلك علواً كبيرا.
__________
(1) 1 – النساء : 153
(2) 2 – البقرة : 145 (1/169)
صفحة 170
... وإذا قيل أليس في خلق السموات والأرض ما يغني عن التجلي للجبل بصفات القدرة فنقول: نعم، ولكن هذه كرامة اختص بها وخارق للعادة التي ألِفَها، أما ترى إلى النبي إبراهيم عليه السلام قال: (رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي) (1) ، وإن كان معنى هذا غير ذلك، ولكن كذلك لله آيات ينظرها إبراهيم ما يدل على قدرة الله تعالى في إحياء الموتى، وبالجملة فإنهم تأولوا هذه الآيات في رؤية ذات الله بأعينهم، ونقلوا في ذلك روايات عن النبي - صلى الله عليه وسلم - حتى رسخ في عقولهم بثبوته ودانوا به، ومن كان هذا أمره فهل هو من أهل الأمانة على نقل دين الله عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وعن الصحابة؟، وهل يكونون حجة على فرقة من المسلمين؟، وهل يكون قولهم حجة وهم في اشد كفر بهذا وأعظم بهتان على رسول الله أنه قال: رأى ذات ربه بعينه في الدنيا، وأنه قال: سترون ربكم في الآخرة بأعينكم كما ترون القمر ليلة البدر؟، فلا والله وإن أكثروا من الدعاء والعبادة والزهد والتضرع والابتهال وكثرة النصب في بذل النفس لله تعالى فليس ذلك بنافع لهم، ولا يكونوا بذلك حجة مع كفرهم بالله تعالى بذلك ومع مخالفتهم لشيء من أحكامه التي ألزمهم أداؤها فلم يؤدوها بغير عذر أو أدوها على خلافه بغير عذر، مع أن المؤدي خلاف ما عليه ليس بمؤدٍ ما عليه، وهكذا جميع الفرق ولو كان المجتهد ينفعه اجتهاده في أمر يظنه أنه هو دين الله تعالى الذي يرضى به إذا عبده به لنفع المجوسي المنقطع بدينه في عبادة الله تعالى ليلاً ونهاراً وهو يبكي خشية من الله جل وعلا وخوفاً من سخطه عليه، ولصار الناس أمة واحدة، ولصار حكم فرق الإسلام فرقة واحدة، وما التوفيق إلا بالله تعالى.
__________
(1) 3 – البقرة : 260 (1/170)
صفحة 171
بيان: ومنها أن الأعمال توزن في الآخرة، وأن أعمال الحسنات كل حسنة بعشر أمثالها والسيئة بمثلها لا غير، وتوزن بميزان له كفتان، فإن خفت فله حكم، وإن رجحت فله حكم كما سنبينه، وتأولوا في ذلك قوله تعالى: (وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ) (1) ، وقوله تعالى: (فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ * فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ * وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ * فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ) (2) ، وقوله تعالى: (مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلا مِثْلَهَا) (3) ، ثم نقضوا ما أسسوه من الميزان والوزن بتأويل قوله تعالى: (قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا) (4) وقال تعالى : (إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ) (5) ، فتعارضت عليهم الاعتقادات بهذه الآيات، فتارة يقولون أن الأعمال توزن ويعذب كل مسلم على قدر ذنوبه.
وتارة يقولون إن وعد وفى وإن توعّد لفى أو عفى، أي لا يتم وعيده، وشبهوا وعيده بالإنسان الكريم إذا وعد وفّى وإذا توعد لفى، ومن يجازي بالسيئة سيئة مثلها فما لفى في وعيده لأنه جازى عليها.
وتارة يقولون بين النار وموقف الحساب جسر أعلاه أدق من الشعر وأحد من السيف يجوزون فيه إلى الجنة، وهو الذي سمّاه الله بالصراط المستقيم، وأن كل أحد يسقط في مروره عليه في النار على قدر عمله حتى يصل الجنة، وكل هذا معنى وتأويل الضلال، وإنما صراط الله تعالى هو طريق العبادة بالحق الذي أنزله الله بيانه لا غير.
__________
(1) 1 – الأنبياء : 47
(2) 2 – القارعة : 6- 9
(3) 3 – الأنعام : 160
(4) 4 – الزمر : 53
(5) 5 – النساء : 116 (1/171)
صفحة 172
وتارة يقولون من شهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله وأن ما جاء به من عند الله هو حق من عند الله دخل الجنة، ولو ترك جميع العبادات التي ألزمه الله تعالى إياها وعمل جميع المعاصي ما خلا الشرك بالله تعالى.
وتارة يرجعون إلى الوزن فيكون المعنى ومن صلى لله الفرض الذي تعبده به يومين بعشر صلوات له من الأجر مائة حسنة فإذا ترك بعد ذلك الصلوات الخمس عشرة أيام فهو بخمسين سيئة فيبقى لهم في الميزان خمسون حسنة، وإن شهد الزور في حق لرجل بمائة دينار وحكم له بشهادتهم وكسروا ديناراً وأخذ دراهم وفرّق كل منهم عشرين درهماً فيكون خاص لكل منهم مائة سيئة ويكون بالتفريق لكل منهم مئتا حسنة فالمائة بالمئة ويبقى لكل منهم مائة حسنة مع ما أخذوه من الدنانير، وهكذا قالوا وتأولوا قوله تعالى: (إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ) (1) مع ما أتينا من الآيات، وعلى هذه الصفة هل هم أمناء على نقل الأخبار عن النبي وعن أصحاب ؟، وهل هم حجة على أحد من المسلمين؟، وهل تصح شهادتهم وتقبل على غيرهم من أهل الحق في درهم واحد؟.
بيان :
... والحق معنا أن الميزان هو ميزان معنوي ، وتشبيه ومثال وتصوير وذلك أن كل ما ألزمه الله عنده بأدائه من فعل أو ترك أو اعتقاد فرضاً لازماً لم يعذره عن أدائه كأنه كفة وما أدّاه كأنه كفة فإن تم جميع ما عليه فقد وفىّ الوزن ورجح لأن له فيها أضعافاً مضاعفة من الأجر وإن نقص فرض لم يؤده وقد تركه بغير عذر فقد نقصت كفة عمله عن كفة ما عليه، وليس هنالك ميزان غير هذا، وقوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا) (2) بالتوبة الصحيحة، ومعنى قوله تعالى (إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ) (3) فالحسنات هنا التوبة، وتصديقها بالأعمال الصالحة، والإقلاع عن المعاصي.
__________
(1) 1 – هود : 114
(2) 1 – الزمر : 53
(3) 2 – هود : 114 (1/172)
صفحة 173
ومعنى قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ) (1) لا يريد به هنا غفران الذنوب بل المراد أن الله لا يغفر لمشركي العرب برفع السيف عنهم، ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء، فاستثنى من وجب عليه القتل من المسلمين فإنه لا يغفر له أي لا يحط عنه ذلك الفرض، ومعنى هذه الآية هو معنى قول النبي : - صلى الله عليه وسلم - (بعثت لأدعو الناس إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله وأن ما جئت به هو حق من عند الله فإن قالوها فقد حقنوا دماءهم وأموالهم إلا بحقها)، فاستثنى النبي بقوله (إلا بحقها) كما استثنى الله تعالى بقوله (لمن يشاء) ولو صح أن كل من قال هذه الكلمات دخل الجنة وإن لم يعمل لله فرضاً ولم يترك محرماً لم تكن الفرائض فرائضاً ولصارت كلها وسائل، وصارت الأمة كلها أمة واحدة، وصار نزول الأحكام في القرآن عبثاً (مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا) (2) .
__________
(1) 3 – النساء : 48
(2) 4 – الكهف : 17 (1/173)
صفحة 174
بيان: ومنها أنهم نفوا الخلود في النار، وتارة ينفونه عن أهل الشرك وعن أهل النفاق، وقالوا أن الله تعالى يضع قدمه في جهنم فتقول النار قط قط وتنطفئ النار وينبت فيها شجر الجرجير، وتارة يقولون أن المشركين هم فيها خالدون وأن المنافقين يعذبون على قدر ذنوبهم، وتارة يقولون أمة محمد على الخصوص كلهم لا يعذبون بل يشفع لهم النبي يوم القيامة وهم في ريبهم يترددون، وأن العذاب لا يكون إلا على قدر الأعمال ونحن نقول كذلك ولكن بالتخفيف والتشديد، وكلهم فيها خالدون بلا نهاية، وهم قسّموا معصية الله تعالى قسمين كفر وهو الشرك لا غير، والثاني فسق ونفاق ولا يسمون أهل الفسق والظلم من أهل الإسلام كفاراً، ونحن قسّمنا الكفر كفران كذلك ولكن تخالفنا في الأسماء فالمشركون معنا كفار جحود، وأهل النفاق هم أهل الضلال من الإسلام وكفرهم كفر نعمة وكفر نفاق، ولا يسمى المشرك معنا منافقاً لأن اسم المنافق مأخوذ من بيت اليربوع إذا دخل بيته من باب فقد جعل له باباً آخر إذا أراد أحد صيده خرج من الباب الآخر فيقال نافق إذا كان يتخذ بيته في نفق من الأرض، وكذلك المنافق قد دخل الإسلام من بابه الظاهر وخرج من بابه الباطن عند الله، ولا يسمى المنافق مشركاً واسم الكافر يطلق على الجميع لقوله تعالى: (إِنَّا خَلَقْنَا الإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا * إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا) (1) ، ولم يجعل هنا منزلة ثالثة، وقال في الخلود: (وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا) (2) فحكم عليهم بحكم واحد في منزلة واحدة، وقالوا في نظم لهم:
وأن لا يبقى في الجحيم موحد ولو قتل النفس الحرام تعمدا
__________
(1) 1 – الإنسان : 2-3
(2) 2 – التوبة : 68 (1/174)
صفحة 175
أي من شهد بالله وبرسوله وبما جاء به عن الله لا يخلد في النار ولو قتل النفس ظلماً متعمداً مجاهراً لله تعالى وقد ورد الحكم في كتابه تصريحاً بخلافه لقوله تعالى (وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا) (1) الآية.
بيان: وضلّلوا من تكلم في صحابة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بتخطئة المخطئ منهم ورووا ذلك عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، واعتقدوا أنهم كلهم محقون أهل ولاية وإن خالفوا الحق فيما أمرهم الله تعالى به وما أمرهم به رسوله لأنهم لم يقصدوا بذلك معصية الله تعالى، وإنما كان ذلك منهم عن اجتهاد في نفسه أن ذلك هو الحق عند الله فعملوا على تلك النية وعلى ذلك القصد بالرواية التي رووها عن النبي - صلى الله عليه وسلم - (كل مجتهد مصيب) وقد اتفقت الأمة على صحة ما وقع بينهم من الحرب والقتال، وكيف يجوز لهم أن يتقاتلوا ومعهم أن كل فريق هو المحق، وأنه يجوز له أن يعمل بما يراه في نفسه حقاً فيكون كل منهم يقاتل الآخر على ما هو عليه من فعل الحق، إنّ هذا لهو الضلال المبين.
.......
__________
(1) 3 – النساء : 93 (1/175)
صفحة 176
(1) وبالحق فلا بد وأن يكون من الصحابة فريق مبطلون على ذلك القتال مبطلون، لأن المحق إذا قاتل محقاً مثله كان مبطلاً ضالاً باغياً، أم الصحابة لا يعلمون أنّ كل واحد بما يراه في اجتهاده حقاً يجوز أن يعمل به ويكون محقاً ويحرم بذلك قتاله، وعلم هؤلاء السنيّة أنهم كانوا كذلك أحكامهم فيكونوا لا شك أنهم أعلم منهم لأنهم كلهم محقون بالاجتهاد ولكن لم يعلموا بهم يكونون محقين بالاجتهاد فيقاتلوا على الجهل بأحكام بعضهم بعض، أليس هذا من التناقض في الأحكام الواضح للأفهام حتى في أحكام أهل نحلة الحق من العوام؟، وإذا كان هذا باطلاً كان لا يمكن إلا أن يكون إحدى الفريقين مبطلاً والآخر محقاً، وإما أن يكونا مبطلين وهذا هو الصحيح من التقسيم فيهما، وإما أن يكون كلا الفريقين محقين في تخالفهما في قتالهما فهذا باطل لا يمكن صحته في يوم، فلما بطل بقي النظر في الوجهين الآخرين فإن كانا جميعاً مبطلين جاز إبطال المبطل وتخطيئته وإن كان أحد الفريقين محقاً والآخر مبطلاً، وحكم أهل الحق منهم بضلالة الضال وبغي الباغي وأجازوا قتاله ولزمنا اتباع المحق منهم جاز لنا القول بقوله وإبطال المبطل وتضليله، لأن علينا اتباعه والعمل بما معه من الحق، وما منع هؤلاء السنيّة عن نظر الحق في ذلك إلا اعتقادهم أن الذي كان من المقربين مع النبي - صلى الله عليه وسلم - لا يجوز أن يحكم عليه بالضلالة ولو أخطأ الحق في اجتهاده لطلبه، لأن النبي عالم بما سيكون منهم بعد موته، ولو كان عنده أنهم مخطئون بذلك لما قرّبهم في حياته، واعتبروا الأفضل بالقرب والقرابة وبكثرة العلم وأنه لا يضل بعد ذلك، وقد جرت الفتن من أقرب الناس إليه قربة وقرابة فجرت من عثمان وقاتلوه، وجرت من عائشة وقاتلوها وتابت إلى الله تعالى، فإن قال قائل أنك سلمت الأمر أن عائشة قد ضلت بذلك فهات دليلاً على صحة التوبة، فأقول أن صحتها بتواتر الخبر أنها فعلت وأنها
__________
(1) 1 – في الأصل كلمة بياض (1/176)
صفحة 177
تابت فإن كان تواتر الخبر أنها تابت ليس بحجة فكذلك تواتر الخبر أنها فعلت ليس بحجة، فإن قال تواتر الخبر أنها فعلت بإجماع الأمة وأما أنها تابت فليس بإجماع الأمة لأن الشيع كلهم منكرون توبتها، فنقول أن كل فرقة تدّعي أنها هي على الحق وما سواها باطل فعلى هذا القول من خالفنا ليس بحجة علينا، وإنما أخذنا بالخبر بأنها تابت من أصحابنا ومعنا أنهم على الحق وبتواتر أخبارهم جعلنا ذلك حجة بصحته لا بتواتر أخبار من اعتقدناه مبطلاً فتواتر أخبارهم معنا ليس بحجة، وتواتر الخبر من أصحابنا أنها تابت كان حجة على صحة الخبرين، ولا يمكن أن تقاتل المسلمون عائشة إلا وقد حكموا بتخطئتها في ذلك وضلالها، ولو قتلت على ذلك من غير توبة لحكمنا عليها بالبراءة بحكم الظاهر وباطن أمرها إلى الله تعالى، وهكذا جميع أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - وأقربائه على هذا الحال، وكيف لا يكون وهذا هو الحق والله يقول في حق نبيه - صلى الله عليه وسلم - :(وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ) (1) ، فإن قيل كذلك علي بن أبي طالب مع الشيعة وعلي وعثمان مع أهل السنيّة والمعتزلة فيما نقل أصحابهم من فضائلهم هو الحجة معهم إذ كانوا عند أنفسهم أنهم هم المحقون وهم الحجة، فنقول بين هذا وبين عائشة فرق لأنّ جميع فرق الإسلام أنّ عائشة فعلت ما فعلت وأنها تابت ولم تخالف غير الشيعة أنها لم تتب، ومن شهرة التوبة جائز العمل بها وكانت من أهل الحق أو من أهل الفسق لأن من تُوُلِيَ على ما شُهر منه من الفضل فهو جائز ولو كانت في الحقيقة غير ذلك.
__________
(1) 1 – البقرة : 145 (1/177)
صفحة 178
وأما علي بن أبي طالب فما فعله فهو أيضاً قد اتفقت الأمة على وقوعه منه ولم يشهر أنه تاب لأن جميع فرق أهل الإسلام اتفقت على ما فعله علي بن أبي طالب أنه كان على الحق فكيف يشهر أنه تاب من فعل فعله على العدل إلا مع الخوارج أنه كان ذلك في حكمهم على الباطل فلو شهر مع الفرق أنه تاب لم تجز البراءة منه مع من شهر معه أنه تاب وهو يتولاه فكذلك لا يجوز للشيعة إظهار البراءة من عائشة مع من يتولاها بشهرة التوبة وإصلاح العمل فصارت بعد ذلك من أهل الولاية في حكم الظاهر؛ لأن الحق معنا أنّ من برئ من وليك الذي توليته على ما جاز لك أن تتولاه فهو مبطل لأنه قاذف، والقاذف بغير الحق عاصٍ لله تعالى.
... فإن قيل علي بن أبي طالب كذلك توليته على ما شُهر من فضله فنقول كما قلنا أولاً أنك توليته على أمر فعله وبرئ منه معه أنه بذلك مبطل، وأنت تعلم بذلك الأمر الذي تبرأ منه، هذا وإن علي بن أبي طالب وقع منه ذلك وفي حكمه أن علي بن أبي طالب مبطل بحكم كتاب الله تعالى قوله (وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ ) (1) فلم يكن هذا المتبرئ مع هذا المتولي هالكاً ولا قاذفاً لأنه تبرأ منه على فعل كائن منه في ظاهر الحكم محجور عليه فعله كما أنه لو رأى رجلاً ولياً لرجلٍ يقتل رجلاً فتبرأ ذلك الرائي مع وليه بذلك الفعل ووليه كذلك قد شاهد ذلك الفعل لم يكن هالكاً هذا المتبرئ من ذلك القاتل مع وليه ولو بقي وليه يتولاه لموضع الاحتمال له انه يمكن أن يكون محقاً فإن هذا تبرأ منه بحكم الظاهر من فعله فكذلك هو الفرق من شهرة عائشة وشهرة علي بن أبي طالب في الفرق الإسلامية فاعرف ذلك.
__________
(1) 1 – النساء : 93 (1/178)
صفحة 179
بيان : ومعهم أن أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - كل من صحبه في حياته، ونحن كذلك نقول، ولكن كذلك في حكم التسمية بحكم الظاهر وإلا ففي الحقيقة معنا كل من خالفه بما لا يسع فيه خلافه ومات مصراً على ذلك فليس هو من أصحابنا به في الباطن الذي هو حكم الحقيقة عند الله تعالى والدليل على ذلك قوله تعالى لنبيه نوح (إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ) (1) فإذا كان الابن ليس من أهل أبيه الصالح إذا عمل عملاً غير صالح كيف لا يكون من أصحاب النبي ليس من أصحابه ولا من أهله ولا من آله ..... (2) وآل النبي معنا كل من كان على طاعة الله تعالى من أمة النبي إلى يوم القيامة وكل من رضي له بالبيعة فهو مبايع إذا كان على طاعة الله تعالى إلى يوم القيامة.
بيان: وزعمت الشيعة أنّ النبي - صلى الله عليه وسلم - سمّى في آية المباهلة أُناساً من أقربائه فأضافهم إلى نفسه هم آله، وجعلوا ذلك دليلاً على عصمتهم عن وجود الخطأ منهم والعمل بالضلالة بقوله تعالى (فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ) (3) ، ونحن نقول أنّ النبي - صلى الله عليه وسلم - أراد بأبناءنا أي أولادنا وأولاد جميع المسلمين الذين هم معه، وكذلك نساءنا نساء المسلمين الذين هم معه، وكذلك أنفسنا، وصحة قولنا واضحة لأن الذين باهلهم لا يرضون أن يأتوا بجميع أبنائهم وجميع نسائهم وجميع نفوسهم ويكتفون بقربائه دون المسلمين فيبقى الإسلام على حاله يقدمون هؤلاء هيهات ذلك، وليس في الآية دليل على ما قالوه، وما التوفيق إلا بالله تعالى.
__________
(1) 2 – هود : 46
(2) 2 _ في الأصل كلمة بياض
(3) 3 – آل عمران : 61 (1/179)
صفحة 180
وألزموا الناس طاعة أربعة من علمائهم وهم أئمتهم، فإن كان لزوم الطاعة في أصول الدين الذي لا يجوز خلافه فهم وغيرهم من جميع الخلق العلماء منهم والجهال سواء في لزوم الطاعة، لأن المرء إذا أخبر أحداً بما يلزمه من دين الله تعالى مثلاً أخبره بفرض صلاة كان غير عارف بها فلا يصح أن لا يلزم إلا من قول عالم فلا يصح تخصيص هؤلاء الأربعة دون غيرهم، وإن كان ذلك مما قالوه من الفروع التي يجوز فيها الاختلاف فبأي حجة لا يجوز أن ينظر المرء لنفسه ما هو الأقرب إلى الحق من غير هؤلاء الأربعة، وهل جاء عن هؤلاء الأئمة الأربعة أنّ الاجتهاد بالنظر إلى الأصح والأعدل من الفروع لا يجوز لغيرهم بعدهم ؟ فإن كانوا قالوا ذلك فلا شك أنهم مبطلون لأنهم خصّوا أنفسهم بذلك بغير حجة، وإن كانوا لم يقولوا ذلك وهؤلاء هم اعتقدوا هذا الاعتقاد فيهم فهم في الحقيقة غير تابعين أئمتهم لأنهم على خلافهم في ذلك، وكيف من يذهب بمذهب الشافعي وكان إذا نظر في الأصح من الأقاويل ونظر ما قاله الحنفي أصح وأقوى فيترك ما أراه الله أنه الأصح ويعمل بالأبعد من الحق، ثم لم يكفه بذلك حتى خطّأ من قال بما رآه هو من الحق، وأنه هو الرأي الأصح في عقله ولكن تركه تقليداً للشافعي فيخطّئ من عمل بذلك الحق من غير أهل مذهبه أو لا يخطئه إذا وافق أحد الأئمة وإن خالف رأيه الأئمة الأربعة، ولو رآه هو ذلك الذي على خلاف مذهبه أنه حق فلا يجوز له معه أن يعمل به بلا حجة معه أن يتركه ويعمل بما قاله أحد أولئك الأئمة، أليس هذا من الضلال البعيد؟، فإن كان في اعتقادهم أنهم أئمة أعلم منه فقد ثبت معهم أن أئمة الصحابة أربعة وهم أبو بكر وعمر وعلي وعثمان وعلي بن أبي طالب ، واتفقت جميع الأمة حتى من خالفوا علي بن أبي طالب أنه أعلم الأمة كلها إلى يوم القيامة علي بن أبي طالب، وكيف خالفوه في الميراث فعملوا بفرائض زيد بن ثابت فإن كان النبي - صلى الله عليه وسلم - قال (أفرضكم زيد) فكيف (1/180)
صفحة 181
جاز لعلي بن أبي طالب خلاف من مدحه النبي - صلى الله عليه وسلم - في ذلك؟، وكيف جاز لابن عباس أن يخالفهما جميعاً في الميراث؟، وابن عباس أخذ العلم عن الصحابة لأنه مات النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو صغير، ولم يوافق زيداً ولا علياً في الميراث مع قول النبي (إن أفرضكم زيد) ومع العلم بأن علي أعلم الأمة، وهل يجوز تخطئة علي وابن عباس في فرائض الميراث فيما خالفا فيه زيدا؟، فإذا كان اللازم اتباع إمام أو إمام علم فعلي بن أبي طالب إمام قد عقدت له الإمارة وإمام علم وأعلم من هؤلاء الأئمة الأربعة الذين خالفوا علياً في الميراث، فالأولى ترك ما قالوه الأئمة الأربعة والعمل بما قاله إمام المسلمين وإمام العلماء العارفين علي بن أبي طالب. (1/181)
صفحة 182
بيان: وقالوا كل مجتهد مصيب ورووا ذلك عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وتأولوا ذلك أن كل من قاتل على رأيه باجتهاده لإصابة الحق وأخطأ فقتل وهو على خلاف رأيه كلاهما مصيبان، وجعلوها رواية عمومية بقولهم كل مجتهد مصيب، ثم خص بعضهم أن النبي مراده بذلك أصحابه فخص جواز ذلك للصحابة وخصوا بها بعدهم أئمتهم الأربعة بغير حجة كل ذلك تناقض لمذهبهم، وأخرجوا الخوارج من الصحابة مع قولهم كل مجتهد مصيب، وجعلوا من قاتل الإمام علي بن أبي طالب محقاً، ومن قتله الإمام علي من الخوارج مبطلاً، ولا شك أن المقاتل للمحق أعظم خطاءً من المقتول الذي هو لم يتعرض إلى قتال من قاتله كل ذلك من تناقض الأحكام لأن الخوارج لم يقاتلوا علياً مبتدئين لقتاله وإنما كانوا جميعاً يقاتلون معاوية، ولا يجوز أن يقاتلوه –أي معاوية- إلا وهو باغٍ وأراد أن يصالحهم الإمام بترك القتال قبل أن يرجع ويفئ إلى حكم الله بالتسليم والرضى بعقد الإمامة لعلي بن أبي طالب فلم ترض الخوارج وقالوا: إن الله قد حكم في أهل البغي القتال وحده حتى يفئ إلى أمر الله وها نحن قاتلناه حتى نحن صرنا إلى أمره فلا نرضى بهذا ونقاتل عدونا حتى يفئ إلى أمر الله أو تفنى أرواحنا عملاً بحكم الله علينا فيهم ، فلم يرض علي ولم يرضوا هم بفعل علي بن أبي طالب.
... ومع الخوارج أنّ معنى الرواية كل مجتهد في طاعة الله بموافقة الحق غير مهمل ولا مرسل نفسه في الأعمال بغير نظر فيها أنه جائز له ذلك العمل فيعمله، أو غير جائز فيتركه فهو المصيب، وأما العقول التي تعمل بغير نظر ولا فكر فلا بد وأن يصيب تارة ويخطئ أخرى، فهذا هو التأويل الحق معهم ولذلك لم يعذروا علياً ولا غيره ممن خالف الحق وبالله التوفيق.
فصل:
في بيان خروج المحكّمة عن علي بن أبي طالب: (1/182)
صفحة 183
... وذلك أنه لمّا قتل عثمان بن عفان وذلك أول فتنة وقعت في الإسلام في بعضهم بعض افترق المسلمون إلى ثلاث فرق؛ منهم من صوّب عثمان بن عفان وخطّأ قاتليه، وفرقة وقفت عن ولاية من تولى عثمان وعن ولاية من رضي بقتله، وأصحابنا لم يعذروا الفرقة التي خطّأت قاتليه وخطّأت الراضي بقتله، ولم يعذروا الفرقة الواقفة عن ولاية المحقين منهم لأجل ما فعلوه، والحق بعدما لزمتهم ولايتهم، ولو أنهم وقفوا عن الدخول مع إحدى الفرقتين وتولوا المحق منهم لكانوا في السلامة، ولكن وقفوا عن ولايتهم، وفرقة قاتلته على حكم منهم فيه ببغيه، ومنهم من رضي بقتله ولم يقاتل فهم على ثلاث فرق، وعلي وأصحابنا ممن صوّب قاتليه، ثم قامت عائشة بخديعة من طلحة والزبير أنّ علي بن أبي طالب قاتل عثمان بن عفان وقتله ظلماً واغتصب الإمامة عدواناً، وكانت قد توبّته وسارت إلى الحج ونهضت لقتال علي وأصحابه، وأصحابنا صوبوا علي بن أبي طالب في ذلك وظهر لها الحق ورجعت وتابت كذلك مع جميع أهل المذاهب إلا مذاهب الشيع فهي غير تائبة ويحكمون بالبراءة منها، ونحن نتولاها بصحة توبتها معنا لأن شهرة توبتها كشهرة فعلها لا يجوز أن تكون هذه الشهرة مقبولة والأخرى لا تقبل وكلا الشهرتين واحدة في الحكم، ثم عقدوا الإمامة لعلي بن أبي طالب.
والإمامة معنا على وجهين؛ إما إمام دفاع يدفع عنهم عدو أحصرهم يعقدون عليه على شرط إلى أن يجدوا من هو أصلح للمسلمين فيخلوه ويقيموا الصلح، والإمام الثاني إمام مطلق بغير شرط عليه كذلك فهو إمام شاري بائع نفسه لله تعالى يقاتل حتى يقتل أو يبلغ المقصود ممن لزم قتالهم. (1/183)
صفحة 184
ولما بويع قام معاوية في طلب دم عثمان يحارب المسلمين ويحارب علي بن أبي طالب على إمامته غير راضٍ بها، فذهب إليه الإمام علي بن أبي طالب ومن معه من المسلمين ليقاتلوه ويعتزل معاقل المسلمين، ولو لم يكن في حكمهم أنه في قتالهم له باغياً عليهم لم يجز لهم حربه وتلزمهم المسالمة إلى ما طلبه منهم من أداء الواجب عليهم من قتل عثمان في حكمه فيهم وقاتلوه فلما غلب الظن على معاوية أنه مغلوب عمل خديعة لعلي بن أبي طالب وقال له: أنت اترك القتال والإمامة عن نفسك إلى مدة معلومة جعلوها بينهم واترك القتال ونحن نترك كذلك، فإذا انقضت المدة اجتمعنا نحن وأنت وبعثت أنت حكماً منك وبعثنا نحن حكماً منا، والذي يحكمان له بالإمامة نكن كلنا راضون بهما وصار عقد المسلمين على هذه الصفة له لاعمل عليه إنما أمر الله وعقد من أجاز الله أن يقاتل إذ كان في حكم الله باغياً هو العقد التام على المسلمين فجاء من جاء من المسلمين إلى علي بن أبي طالب وقالوا: لا نحكّم البغاة على أنفسنا ولا نأمنهم وقد خانوا الله تعالى، ولا يجوز لنا أن نرضى بعقدهم إماماً لنا، فلما لم يجبهم علي بن أبي طالب إلى ما طلبوه منه أولئك المسلمون خرجوا عنه واعتزلوه وحينئذٍ سموا باسم الخوارج، فلما انقضت المدة واجتمع قوم معاوية وقوم علي بن أبي طالب، بعث علي بن أبي طالب موسى الأشعري حكماً من قومه وبعث معاوية عمرو بن العاص حكماً من قومه وصعدا المنبر وخلعا علي بن أبي طالب ووّليا الأمر معاوية فلم يرض علي بن أبي طالب بذلك، فقالت الخوارج: إن كان عند علي بن أبي طالب من تحكيم الحكمين حقاً كيف لم يرض به، وإن كان باطلاً كيف فعله؟، وهل بين الحق والضلال مرتبة؟، والله تعالى يقول: (فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلا الضَّلالُ) (1) فرجع يقاتل معاوية الذي طالبه الخوارج أن يقاتلوه على الفعل الأول منه الذي قاتلوه عليه هو والخوارج، والخوارج في حين ترك علي بن أبي طالب
__________
(1) 1 – يونس : 32 (1/184)
صفحة 185
إمامته نصّبوا لأنفسهم إماماً يقيم الحق بهم ويقيمون الحق به فأرسل علي بن أبي طالب عمه عبدالله بن العباس يأمرهم بالدخول معه وأنه يرضيهم بما طلبوا منه من قتال عدو الجميع فقالوا: نقبل ذلك ولكنا أقمنا إماماً شارياً في وقت تركه إمامته فيدخل معنا نقيم به الحق فإذا قُتِل أقمنا علي بن أبي طالب بعده، فقال لهم: وما تنكرون عليه حتى جاز لكم أن تقيموا إماماً عليه ؟
بيان : في احتجاج المحكّمة (1/185)
صفحة 186
فقالوا: نناشدك الله يا ابن عبّاس ألا تشهد أن معاوية كان باغياً على المسلمين في مطالبته بدم عثمان ونقض بيعة الإمامة لعلي بن أبي طالب؟، قال: نعم، قالوا: ألا تشهد أن قتالنا له على الحق؟، قال: نعم، قالوا: ألا تدري في حكم الباغي قول الله تعالى: (فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ) (1) ؟، قال: نعم، قالوا: ألا تشهد أن معاوية لم يعط الانقياد إلى حكم كتاب الله فيه وعليه حتى فاء علي بن أبي طالب إلى ما أراده معاوية من الباطل في تحكيم الحكمين؟، قال لهم: أليس الله قال في المتزوج من أهل الكتاب (وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا) (2) ؟، قالوا له: ألا تعلم أن في القرآن الناسخ والمنسوخ، وهذا حكم قبل نزول أحكام الله في الزوجين وبعد أن نزلت الأحكام فيهما فقد نسخ، وبيان ذلك إذا تشاقّا ونزلا إلى الحكم وأحضر الحكمين على هذا وقد أنزل الله في قضيتهما حكماً، أليس الحكم على ما أنزل الله في القرآن بينهما وترك ما سواه؟، قال: نعم، قد قلتم الحق، قالوا له: ونناشدك الله أما تعلم أن الله حكم في جزاء الصيد حتى في صيد جرادة وقتلها أن يحكم في الجزاء عليه حكمان عدلان كما قال (يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ) (3) فكيف يجوز تحكيم فاسق على جميع أمور المسلمين؟، ونناشدك الله أما قال تعالى (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ) (4) وقد تولى الله بإيضاح أحكام الباغي من في قتاله وحدّه لنا وبيّن الحدّ فأين موضع النظر في خلافه؟، فقال : نعم إن الحق كما قلتم، فقالوا: ألم نقاتل عائشة نحن وإياه ولم نرجع عن قتالها حتى فاءت إلى أمر الله حكماً من الله تعالى علينا قد
__________
(1) 1 – الحجرات : 9
(2) 2 – النساء : 35
(3) 3 – المائدة : 95
(4) 4 – الأحزاب : 36 (1/186)
صفحة 187
اجتمعنا نحن وإياه عليه فيها، واجتمعنا وإياه في معاوية حكماً من الله تعالى فأين موضع النظر بخلافه؟، وهل فوّض الله أمره إلى أحد حتى إلى رسوله - صلى الله عليه وسلم - لم يفوض الأمر إليه فأنكر عليه فعله بالغي والأعمى في عبس وفي غير ذلك؟، فقال: نعم، فقالوا: إن كان علي محقاً في حكم الحكمين فلم لم يرض به وقد رضي به من قبل على جهل من الحكمين أنهما يحكمان له بالإمارة أم لغيره، وإن كان على علم فهو أعجب وإن كان باطلاً كيف رضي أولاً به وهو باطل؟، فلما حجّوه وعرف أن الحق معهم رجع إلى علي بن أبي طالب وقال له: إن القوم قد حجّوك، فلم يقبل منه ولا منهم ولم يرض بأن يكون مأموماً بعد أن كان إماماً، فقال له ابن عباس: إن لم أكن عليك فلا أكون معك، وإن أنكروا كون هذا من ابن عباس فلا بأس، فالحاصل أن هذا هو احتجاج الخوارج على علي بن أبي طالب، فعندهم أن علي بن أبي طالب لا مخرج له من حكم الضلالة فيما فعله على كل حالة لأنه لا يخلو معهم ما فعله هو ومعاوية وأصحابهما وأمر التحكيم إما حق وإما باطل، وليس هنالك منزلة ثالثة لقوله تعالى: (فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلا الضَّلالُ) (1) فإن كان ما فعلوه هو الحق فكيف لم يرض بالحق وقاتل من عمل بذلك الحق وهو منهم من جملة العاملين به والفاعلين له، ومن قتل مؤمناً على أمر هو فيه محق فلا شك في ضلاله بنص الذكر الحكيم قوله تعالى: (وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ) (2) وإما أن يكون فعله هو ومعاوية باطلاً فلا شك أن المحق فيه من خالفه لأن المبطل للباطل لا يمكن إلا أن يكون في إبطاله لذلك الباطل محقاً بإبطاله له فكيف من قتل من لم يرض بالباطل وهو المحق فإن كان لا من غير ذلك فلم يصح من قوله ولا من قول أحد من أصحابه فإن كان لعقدهم الإمامة لغيره فهو إن كان ذلك معه في زمان المدة الموقوتة للتحكيم محقاً يرضاه بذلك وهو لم
__________
(1) 1 – يونس : 32
(2) 2 – النساء : 93 (1/187)
صفحة 188
يخلع نفسه عن الإمامة على قياد قول من حاجّ في ذلك بذلك فنعم لا يجوز لهم معه أن لو صح ذلك كيف لم يرض به وهو الحق معه ؟ فمن هنالك قد ضل وجاز لهؤلاء أن يقيموا إماماً وقتلهم بعد ما هو قد ضلّ وجاز لهم عقد الإمامة لغيره وإن كان في حين رضاه بالباطل مبطلاً جاز لهؤلاء عقد إمامة لغيره في حين ضلاله معهم وقتلهم بعد ما رجع إلى مذهبهم بقلة رضاه بالحكومة، وكل هذا القتال لا يذكره أحد من فرق الإسلام وإنما اختلفت المذاهب في أحكامهم لا في كون وقوع هذا من الصحابة؛ فذهبت السنية أن كل مجتهد مصيب، ونقضوه بتخطئتهم للخوارج وهم من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - من المجتهدين، وكذلك المعتزلة، قالوا هم أعلم منا وقلدوهم الأمر، وقالوا أن علي بن أبي طالب هو أعلم من الخوارج والأعلم لا يضل وإنما يضل الأقل علماً، ونقضوه بولايتهم لمعاوية وأصحابه وهم أقل علماً من علي بن أبي طالب، وهذه ظنون فاسدة وأقاويل واعتقادات متناقضة ينقضونها بأحكامهم بها في الخوارج ومعاوية، ولقد ضل بلعام بن باعوراء في زمن موسى عليه السلام وهو أعلم أهل زمانه. (1/188)
صفحة 189
بيان: فإن قيل أن علي بن أبي طالب لم يقصد في نفسه بتحكيم الحكمين تاركاً لإمامته، ولا يرضى بغير الحكم الحق من الحكمين؛ والدليل على ذلك أنه لما حكما بغير الحق لم يرض به، وإنما كان ذلك منه على معنى الانتصار لأمر معاوية عسى يرجع إلى الحق، ونصّب الخوارج إماماً فوق إمامته وهو في نفسه أنه هو الإمام لا غيره، لذلك استحقوا معه القتل وقتلهم على ذلك، فنقول إن كان في نفسه أنه إن نصب إماماً غيره من أهل الحق يرضى به فقد خلع نفسه خلعاً أجاز فيه أن ينصب غيره، ونصب الخوارج إماماً في وقت هو جائز لهم، وإن كان في نفسه أنه لا يجوز لمعاوية ولا لأحد من المسلمين أن ينصب إماماً غيره ولا أن يرضى أحد إمامة إمام عن غيره، وأنه هو الإمام لا غير فكيف يرضى هو بترك إمامته وبخلع نفسه في حكم الظاهر، وكان يقاتل من أراد خلعه، وأن من أراد خلعه فحكمه باغٍ جائز قتاله فخلع نفسه؟، فإن كان جائز له أن يخلع نفسه في حكم الظاهر مع الناس جاز للناس مثله خلعه كما خلع نفسه، وجاز لهم أن ينصبوا إماماً غيره في حين ذلك، وإن كان لا يجوز له أن يخلع نفسه فهو مبطل إذا خلع نفسه وهو غير جائز له، وإن قيل أنه لم يخلع نفسه ولا ترك إمامته، قيل له فلأي معنى كان الأجل والتراضي والمكاتبات بينهم وأخذ العهود في الرضى في تحكيم الحكمين فيمن يحكمون له بالإمامة إن حكموا له أو لغيره بغير شريطة هنالك بينهما أنه لا يحكمان إلا بإمامة علي بن أبي طالب وإلا ليكون باغياً كما كان باغياً من قبل فالرضى بهذا مع ثبوته على إمامته هو أشدّ بطلاناً وأكثر ضلالاً. (1/189)
صفحة 190
ووجه آخر لا يخلو إما فعله علي بن أبي طالب ومعاوية من أمر التحكيم والرضى به بمن يحكمون به الحكمان إماماً وترك القيام بلازم الإمامة من قتال أهل البغي إما حق وإما باطل، فإن كان حقاً فهو الذي طلبه معاوية من علي بن أبي طالب ومن المسلمين أن يتركوا أمر الإمامة عن علي بن أبي طالب وهو الذي قاتلوه عليه وصار بعضهم في حكم الباغي في أول الأمر فلا شك أن علي بن أبي طالب ومن معه من المسلمين مبطلون بقتالهم لمعاوية لأن ما طلبه منهم هو جائز له ولهم، ومن طلب الجائز لم يجز قتاله، ومن قاتله فهو مبطل بحكم كتاب الله في قتل النفس بغير الحق ، وقتاله لمعاوية بعد تحكيم الحكمين كذلك ضلال وباطل لأنه لم يزل معاوية وعلي يتقاتلان إلى أن مات علي بن أبي طالب ويكون الخوارج كذلك ضالون مبطلون مثله لأنه لا يجوز قتال معاوية على هذا، وإما أن يكون ما فعله علي ومعاوية من أمر التحكيم والرضى به من علي بن أبي طالب ومطالبة معاوية من علي بن أبي طالب ومن معه من المسلمين باطلاً وقتالهم لمعاوية بحق فالباطل باطل ممن جاء به والمحق من لم يرض بالباطل واتّبع الحق، فيكون المحقون الخوارج دون علي بن أبي طالب ومعاوية، من أين توجهتَ لم تجد لعلي بن أبي طالب مخرجاً من الباطل؛ لأن ليس هنالك منزلة ثالثة هي لا حق ولا باطل، ولاهدى ولا ضلال، لقوله تعالى (فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلا الضَّلالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ) (1) .
ولم يكف هذا الضلال حتى قتل من الخوارج أربعة آلاف نفر بعدما رجع إلى مذهبهم في قتال معاوية.
وإن كانوا مبطلين فهو مبطل مثلهم لأنهم كانوا على طريقة واحدة في قتال عدوهم، وصار آخر أمره يقاتل الذين كانوا يقاتلونه هو وإياهم جميعاً على حالته الأولى ومطلبه الأول لا غير فهو في أول الأمر مبطل وفي آخر أمره مبطل بقتاله معاوية هو وهم جميعاً.
__________
(1) 1 – يونس : 32 (1/190)
صفحة 191
وإن كانوا في أول الأمر جميعاً محقين علي والخوارج في قتالهم لمعاوية، فقد بقي الخوارج على الحق في معاداة عدو الله، وعلي مبطل بقتله من هو باقٍ على الحق لا شك في ضلاله، وهلاكه إن لم يتب إلى الله تعالى ويأتي بشروط التوبة التي لا تصح التوبة في أحكام الله تعالى إلا بها، فالدين بما فعله وهو المستحل تكفيه التوبة بالندم والاستغفار إلى الله تعالى وإصلاح العمل بموافقة الحق والنية أن لا يعود إلى ذلك، وليس عليه غرم ما أتلفه، وقول إن ما بقي في يده بعينه عليه أن يرده إلى صاحبه إن عرفه، وقيل ليس عليه ذلك بعد التوبة ولا قود على نفس قتلها ولا إرش جراح في كل من كان في دينه أن ذلك جائز له وأن ذلك هو دين الله تعالى كما لا يلزم ذلك المشرك إذا أسلم وكان قد فعل ذلك، وأما إن كان في نفسه أن قتل هؤلاء المسلمين لا يجوز في دينه وارتكب الباطل عارفاً أنه باطل في دين الله فلا بد في التوبة من قود النفس إلى من أوجب شرع الله عليه أن يقودها إليهم بحكم شرع الله وغرم ما أتلفه من الأموال بغير الحق مع ما ذكرناها من الشروط، وهكذا حكم كل مرتكب لأمر قد حرمه الله عليه وفيه الغرم والقود لا يخلو إما أن يكون المرتكب مشركاً وأسلم أو مستحلاً وتاب فليس عليهما في التوبة غير ما ذكرناه، وإما أن يكون منتهكاً لما يدين بتحريمه فعليه جميع ما ذكرناه وعلي بن أبي طالب لا يخلو الحال فيه من إحدى وجهين في قتله الخوارج إما مستحلاً فيكفيه من التوبة ما ذكرناه، وإما أن يكون محرماً لما فعله في دينه فيما بينه وبين الله تعالى فعليه في توبته جميع ما ذكرناه ولكن قد يمكن يتوب المرء وهو في عجز عن أداء جميع ما عليه من قود وإرش وغرم من مرض أو غير ذلك من الموانع له، وفي نيته متى قدر ليؤدي جميع ذلك من نفسه في توبته وهو في حد تنفعه هذه النية وهذه التوبة ومات قبل أن يقدر أن يؤدي ما عليه فإن الله يتوب على من صدقت نيته في توبته قال تعالى (يَا أَيُّهَا (1/191)
صفحة 192
الَّذِينَ آَمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا) (1) فاعرف ذلك.
بيان: فالخوارج لم يقلدوا دينهم علي بن أبي طالب حيث كان معهم أعلم الأمة فلم يعتبروا المحق بكثرة العلم ولا بقرابة النبي - صلى الله عليه وسلم - ولا بقربته لأحد، وإنما اعتبروا المحق بموافقته لأحكام السنة والكتاب، وقد خالف علياً من الصحابة في الميراث زيد بن ثابت وعمر بن الخطاب وعبدالله بن مسعود ولم ينظروا إلى علم علي بن أبي طالب أنه أعلم منه حتى لا يجوز له أن يقول بخلاف قوله، وخالف علياً وزيداً وعمراً وعبدالله بن مسعود عبدالله بن العباس أيضاً في فرائض الميراث ولم ينظر إلى علي بن أبي طالب أنه أعلم منه حتى لا يجوز له أن يقول في ذلك بخلافه.
__________
(1) 1 – التحريم : 8 (1/192)
صفحة 193
وعمل السنية بفرائض زيد وهي على خلاف فرائض علي بن أبي طالب وكل ذلك مشهور في الأمة ولكن تخالف هؤلاء فيما لم يأت الله تعالى ولم يأت النبي - صلى الله عليه وسلم - بيانه من الميراث صريحاً، وأما خلاف علي بن أبي طالب للخوارج وخلاف الخوارج له من أمر قد حكم الله فيه وألزم عباده العمل به فعمل علي بن أبي طالب بخلافه من قتال أهل البغي حتى يفيئوا إلى أمر الله وتحكيم أهل البغي في أمور دين الله تعالى، ولم يجز الله لعباده تحكيم غير أهل العدل في كل أمر من أحكامه ولا أن يحكموا إلا بما أنزل الله عليهم من أحكامه إن كان في ذلك حكم أنزله الله تعالى فقال: (وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) (1) فكيف لا يجوز لأحد خلافه ممن هو دونه في العلم وقد خالفه زيد وابن عباس وعمر بن الخطاب وعبدالله بن مسعود والسنية جميعاً في الميراث فيما لم يأت الله تعالى فيه ولا رسوله بياناً، ولا يجوز خلافه فيما أتى الله بيانه صريحاً وعمل هو بخلافه مجاهرة صريحاً أليس هذا من الضلال المبين مع أهل العقول المنوّرة بنور العلم؟، والحق مع الخوارج أنه لو كان للنبي ولد أعلم الأمة جميعاً وأروع وأزهد الصحابة كلهم ولم يتبين منه خلاف إلا في حكم واحد ألزمه الله العمل به والحكم به فخالف الله تعالى بغير عذر إلا بكونه أنه هو الحق ودان به أو قاتل عليه وقتل على ذلك المحقين الذين لم يرضوا بذلك الحكم الباطل لحكموا له بالضلالة وأنه إن كان مات على ذلك مصراً غير تائب فهو من أهل النار خالداً فيها بلا نهاية فكيف بغيره من الناس لأن أحكام الله في خلقه سواء ما لم ينزل الله تعالى تخصيصاً في شيء من الأحكام وبالله التوفيق.
__________
(1) 1 – المائدة : 45 (1/193)
صفحة 194
بيان: ولما جيّش علي بن أبي طالب جيشاً لحرب معاوية ومرّ بالخوارج في مكان يقال له النهروان قاتلهم بجيش عظيم، وقتل منهم أربعة آلاف نفر، ومع السنية أن الخوارج في ذلك الوقت اثني عشر ألفاً وقتلهم جميعاً من غير أن يتعرضوا له بقتال؛ لأنه قتلهم في مكانهم حيث هم قائمون فيه.
بيان: في نسب المذهب الإباضي إلى عبدالله بن إباض
... ثم ظهر بعد ذلك رجل من التابعين يسمى عبدالله بن إباض نظر إلى هذه الأحداث التي ذكرناها الواقعة بين الصحابة، وصوّب الخوارج وشرح أمور الجميع وبيّن الفرقة المحقة من فرق فتنة عثمان وفتنة عائشة وفتنة علي ومعاوية والخوارج. (1/194)
صفحة 195
بيان : وأهل عمان في ذلك الوقت في معزل عن هؤلاء الفتن يحمدون الله تعالى لما أخذوه من العلم عن النبي في زمانه وعن الصحابة من بعده من أبي بكر الصديق وعمر بن الخطاب ولا يعرفون الخوارج ولا عبدالله بن إباض ولا غيرهم، ولم يأخذوا عن عبدالله بن إباض مسألة واحدة، فلما بلغهم علم هذه الأخبار وأخبار عبدالله بن إباض عرضوا أحكام جميع تلك الأحداث الواقعة على ما معهم من العلم السابق لهم فوجدوا الحق الموافق كما معهم من الحق ما قاله عبدالله بن إباض فنسبوا إليه بتصويبهم له لا بأخذ الشريعة عنه، وفي مذهبهم أن كل من نطق بالحق لأصول دين الله الذي لا يجوز خلافه فهو الحق وهو الذي لا يجوز خلافه كان قول عبدالله بن إباض أو من غيره من المسلمين من جميع الفرق أو من يهودي أو نصراني أو مجوسي فالحق حق ممن جاء به، واللازم العمل به لازم وما جاز فيه الاختلاف جاز لكل عارف أن ينظر لنفسه الأصح من العمل ولو كان على خلاف قول عبدالله بن إباض وجاز أن يعمل به من المسلمين ممن رآه منهم كما رآه الأول ولو قد رآه يهودي أو نصراني أو مجوسي أو مشرك أو مسلم أو إباضي وهو على خلاف عبدالله بن إباض؛ لأن دين الله في الخلق سواء وليس عبدالله بن إباض بنبي حتى لا يجوز خلافه فيما يجوز فيه الاختلاف وذلك هو معنا أننا لا نقلد ديننا أحداً من المسلمين، فالتقليد معنا في الدين على وجوه ومنها أن يتبع المرء مبتدعاً لا يسعه اتباعه فيه أو يدين برأي من قول أحدٍ من المسلمين مما يجوز فيه الرأي ويدين بخلافه فيما يجوز خلافه كما فعله المؤتمون بأئمتهم في الرأي. (1/195)
صفحة 196
بيان: وقد قلنا فيما سبق أن أصحابنا وهم الخوارج لم ينظروا ويعتبروا الحق بكثرة العلم ولا بقربه من النبي - صلى الله عليه وسلم - ولا بقرابته منه، ولو كان للنبي - صلى الله عليه وسلم - ولدُ بالغ وقد خالف الله تعالى على ما لا يجوز له خلافه في شيء واحد ومات على ذلك مصر لحكمنا له في الظاهر دون الباطن بحكم الضلالة والبراءة منه، وإن كان مات على ذلك في علم الله تعالى غير تائب فهو في النار ولم تنفعه قرابة النبي، والحق كذلك معنا وبعد ذلك حكم أنه لما كان العاصي يمكن أنه قد تاب ونحن لم نعلم به لم يحكم له بالحقيقة لأنها من علم الغيب ولا يجوز معنا الحكم بولاية الحقيقة في أحدٍ مخصوص ولا براءةٍ الحقيقة في أحدٍ مخصوص من أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - إلا من حكم الله تعالى بكفره في تنزيله وكذلك في ولاية الحقيقة إلا من أنزل الله في كتابه ولايته مخبراً عن أحدٍ مخصوص أنزل معناه صريحاً أنه ولي له وأنه من أهل الجنة، وإن تأول من تأول بآيات القرآن في أحدٍ فليس ذلك صريح، ويجوز من قول نبي أن فلاناً من أهل الجنة أو أنه من أولياء الله في الحقيقة ولكنه تجوز ولايته بالحقيقة لمن سمعه بأذنه من لسانه لا لمن بلغه عن غيره أنه سمع الرسول يشهد له أنه من أهل الجنة أو أنه من أولياء الله في علمه الباطن ولو شهد عليه ألف نفر من أولياء الله تعالى وأنهم سمعوا الرسول يشهد لهذا أنه من أهل الجنة لما جاز معنا لهذا الذي شهدوا معه هؤلاء أن يتولاه بالحقيقة بالدينونة أي يعتقد ولايته ديناً فرضاً لازماً عليه هالكاً إن لم يتولاه ولاية الحقيقة وإنما يتولاه بشهادتهم لقيام الحجة عليه بهم ولاية حكم الظاهر كما حكم القاضي بإثبات حق وقد شهدا به شاهدا عدل لرجل ادّعاه على آخران هذا الحق عليه لهذا ولا يحكم على المشهود عليه بحكم الحقيقة بصحة ذلك عليه ولا على صحة قول الشاهدين لأنه ممكن كذبهم جميعاً في علم الله تعالى، والحكم لا يكون بعلم (1/196)
صفحة 197
الباطن الخفي عن الخلق وإنما هو حكم الظاهر من أحكام الله تعالى، ومعنا أن هذه أصول هي كذلك في دين كل نبي على أمته، وهكذا لا فرق بين الولاية والبراءة بالحقيقة أو بحكم الظاهر، وقد ظن بعض أن معنى قول ابن النظر (ذاك علي في القرار الأسفل)، وقال في موضع آخر (والمخ يغلي كغلي المرجل) أن هذه براءة حقيقة منه؛ لأنه حكم أنه في النار بهذا اللفظ، وليس التفسير الصحيح كذلك، وإنما مراد ابن النظر (ذاك علي في القرار الأسفل) من أمر الفتنة الواقعة بينه وبين معاوية والخوارج، وأن مخه يغلي بها بتدابيره الصادرة عن فكر حواسه على غير الحكم الإلهي المنزل في كتابه سبحانه وتعالى، ولم يرد ذلك ابن النظر أنه في قرار جهنم وأن مخه يغلي بها فيها إلا أن يكون على حكم الظاهر لا أنه من أهل النار على الحقيقة، لأن هذا من أحكام علم الغيب فإن قيل إن قوله:
قد قتل الأخيار فيها وصلي بقتلهم حر الجحيم المشعل
ما يدل على خلاف قولك فنقول أن كل من فعل الفعل الذي يستحق به العقاب حكم بفاعله أنه من أهل النار في حكم الظاهر في الحقيقة إن لم يتب فكذلك، وذلك جائز ولم يأت بذكر الاستثناء إن لم يتب كما قال الله تعالى:(وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا) (1) ولم يستثن سبحانه وتعالى بأنه إذا لم يتب لأن ذلك من المفهوم أن المراد إن لم يتب ولا يشك عالم أن التائب مغفور له، وأنه إذا لم يعلم بتوبته ولا يعلم أنه مات تائباً عند الله تعالى أو غير تائب هذا من أحكام علم الغيب الذي لا يعلمه إلا الله تعالى أو بوحي إلهي أو بلسان نبي يسمعه السامع منه بأذنه لا غير وبالله التوفيق.
المسائل الخلافية بين الأباضية والشيعة
فصل:
في اختلافنا نحن والشيعة في هذه الأمور:
__________
(1) 1 – النساء : 93 (1/197)
صفحة 198
فأول ذلك أنهم دانوا بأن الإمام علي بن أبي طالب من أهل الجنة حقيقة ومن لم يدن به أنه ولي حقيقة وأنه من أهل الجنة هو كافر، وكذلك ولداه والأئمة من ولده الحسين، وقد قدمنا أن هذا لا يجوز معنا في كل مخلوق ولم ينزل فيه تنزيل إلهي من الله تعالى، وأن من قول النبي لا تجوز الدينونة كذلك إلا من سمعه من لسان النبي فقط وهكذا في حكم كل نبي في أمته لأن الحقيقة هي من علم الغيب، والوجه الثاني أنهم دانوا بأن علي ابن أبي طالب محكوم له بالعصمة بحكم الله تعالى الذي ألزم الله تعالى أمة نبيه أن يدينوا به عن الخطأ وعن العمل بالضلالة كالعصمة للنبي، وفي مذهبنا أن الله تعالى لم يخلق أحداً من أمة محمد وحكم علينا أن نلزم أنفسنا اعتقاد عصمة إلا النبي لا غير، ولو أخبر الله في كتابه أن فلاناً هو ولي لي في علم الغيب لم يكن ذلك الحكم يدل على أنه معصوم عن وجود الخطأ منه ولا عن العمل بالضلالة وإنما يدل ذلك على ولايته في علم الله تعالى في الحقيقة وأنه إن فعل ضلالة لا يموت منها حتى يتوب منها ويكون في حين عمله بالضلالة ضالاً بها حتى يخبرنا الله تعالى عنه أنه معصوم عن وجود الخطأ منه وعن العمل بالضلالة، فأما العصمة عن وجود الخطأ في القليل من كمالات الأمور فحتى النبي - صلى الله عليه وسلم - غير معصوم وإن كان معصوماً عن العمل بالضلالة كقوله تعالى:(عَبَسَ وَتَوَلَّى * أَنْ جَاءَهُ الأَعْمَى) (1) ، فلو علم الرأي الأكمل هنالك لما عمل بما هو أهزل في معاملته لله تعالى عزّ وجلّ ولكن الله لا يدعه كذلك بل يوحي إليه ويخبره بما هو أكمل وأفضل، وأما غيره فلا.
__________
(1) 1 – عبس : 1-2 (1/198)
صفحة 199
وأيضاً أنهم دانوا بأن الله تعالى أنزل على النبي - صلى الله عليه وسلم - حكماً ألزمه الله عباده أن الإمامة في علي بن أبي طالب ومن بعده في ولديه وفي الأئمة من ولده الحسين، وأنهم كلهم قد حكم الله لهم بالعصمة عن وجود الخطأ منهم وعن العمل بالضلالة، وأنهم هم أوصياء النبي بعده والقائمون مقامه، وأن ذلك كان من الله لأجل بقاء معرفة الحق بهم منهم إذا افترقت الأمة ولا تصح إلا كون ذلك، وأن كل نبي له أوصياء وهذا مثلهم وهؤلاء أوصياءه في الدين.
وافترقت الشيعة إلى فرق شتى ونقل عن الأئمة كل منهم ما يوافق مذهبه مما هو مخالف لنقل الآخر منهم عنهم كما اختلف نقل أهل الفرق عن النبي وعن الصحابة، وكل فرقة كان نقلها ما يوافق مذهبها ويخالف ما نقل غيرهم من الفرق فلم فائدة في عصمة هؤلاء لصحة الفرقة، وهذه دعاوى لا برهان لها وليست هي بحجة على أحد وإن كثرت الروايات معهم في العصمة وفي الإمامة فقد صح أن كل فرقة من المذاهب نقلت من الروايات ما يوافق مذهبها وهو على خلاف ما نقل أهل الفرق الأخرى، فكذلك نقل الروايات معهم في صحة ذلك لا تقوم بها الحجة على الناس في لزومها عليهم.
بيان: ومن هنا تبرأت الشيعة من أبي بكر وعمر وعثمان لأنهم أخذوا الإمامة وهي لغيرهم، فكان معهم أن ذلك ظلم وتعدي ولا ينفع عدلهم في المسلمين ولا في أنفسهم، وتبرأوا من جميع الصحابة من رضي ببيعة أبي بكر وعمر وعثمان ولم يتولوا إلا قليلاً من المسلمين ادّعوا أنهم لم يرضوا ببيعة أبي بكر وعمر ولم تقم الحجة بصحة ذلك لأن الأمة مجتمعة على أن هذه دعوى لا صحة لها، ولمّا لم يستطيعوا القول بأن علياً أنكر الإمامة لأبي بكر وعمر بن الخطاب، ولم يستطيعوا أن يقولوا أن علياً طالب في ذلك، فقالوا: أمسك عن ذلك تقية ودانوا بلزوم التقية. (1/199)
صفحة 200
ومعنا التقية أن التقية تجوز في موضع الحق وعلى النفس أو على ضياع الدين ولا تلزم على حال لأن من قدر أن يبذل نفسه لله ولو خاف القتل على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر جائز، أو من سكت في موضع العجز كان سكوته جائزاً والجائز اللازم بالجائز هو الذي فيه التخيير واللازم هو اللازم ولا تخيير فيه، وعلي بن أبي طالب لا يخاف من القتل إن أظهر الحجة للمسلمين وطالب بحقه إن كان له معهم، فإن وفّوه بحقه وإلا أمسك وكان له العذر، فلما لم يصح هذا من علي بن أبي طالب لم تقم الحجة على الناس ما ادّعاه الشيع ولو صح ذلك من الله ومن النبي لعلي ابن أبي طالب لما ترك علي بن أبي طالب المطالبة ولا استكان مع ما أعطاه الله من القوة. (1/200)
صفحة 201
وكثرة الجدال منهم في هذا غير مريد لإيضاح حجة بعد اتفاقنا نحن وإياهم وجميع الأمة أن علياً لم تظهر منه المطالبة فيما أوصي له به من الإمامة وما حكم له بها على دعواهم ولا صح من المسلمين بعدما ولي الأمر علي بن أبي طالب بيان في ذلك ولا قول ، ولو كان ذلك أمر كائن للزم علي بن أبي طالب استتابة كل من تولى أبي بكر وعمر وأظهر الحجة بالذين سمعوا النبي فلما لم يصح هذا فكل حجة يحتجون بها من المعاذير فليس بحجة لأن كل متدين بدين لا بد من أن يأتي بحجج وليست هي في أحكام الله بحجة وصح بذلك أن براءتهم من أبي بكر وعمر من كبائر الذنوب والمعاصي وقد أجمعت الأمة على عدلهما وحسن سيرتهما إلا الشيعة ومضى أمرهما قبل وقوع الفتن ولم يصح من علي بن أبي طالب حين ولي الأمر فيهما إنكار عليهما في شيء ولا إنكار أعني من تولاهما وصح بهذا خطأ وضلالة جميع الشيع بهذا البحث عليهم وببراءتهم من عائشة أم المؤمنين إذ قد أجمعت الأمة على توبتها ، ومن نظر من أحدٍ معصية وتبرأ منه ثم شهد عليه شاهدا عدل أنه قد تاب وصار بعد ذلك ولياً لله تعالى لزمه أن لا يبرأ منه فكيف من شهد عليه جميع الأمة بتوبته، فإن كان معهم أن شهادة جميع الفرق لا تقوم بهم الحجة معهم عليهم لأنهم على ضلال فنقول نعم في حكمهم أنهم معهم هم المحقون وغيرهم مبطل وشهادة المبطل لا تقبل ولكن معنا ومع جميع المذاهب أنهم هم المبطلون وقد صح بطلانهم ببراءتهم من أبي بكر وعمر بدعاوى لم يقيموا لها برهانا ولا يجدون من برهان إلى يوم القيامة ومن كان كذلك أمره في دينه فليس هو بحجة في نقل الروايات المخالفة للحق ولا على قيام حجة فيما لم يصح مع الناس وجوبه عليهم فيكون كذلك ما نقلوه عن عائشة ليس بحجة على أحد من المسلمين وكذلك من دان برؤية الباري وأن النبي محمد - صلى الله عليه وسلم - رآه في الدنيا بعينه فليس بحجة ما ينقله عن النبي ولا عن الصحابة مما لم يقم عليه صحته بالحجة على غيرهم (1/201)
صفحة 202
من الفرق لأن ذلك منهم والمبطل لا يكون حجة على أحد في شيء لم تقم عليه الحجة بصحة بذلك إلا من نقله هو إليه ، وإن قلنا نحن وقد أجمعت الأمة فلا يرون ذلك إثبات صحة إلا إذا كان معنا أنه هو الحق وبالله التوفيق.
المسائل الخلافية بين الأباضية والمعتزلة
بيان: وأما المعتزلة فهم مثلنا في رؤية الباري أنها لا تجوز وكذلك الشيعة لكنهم كالسُّنية فيه تصويب أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - في المحق منهم والمبطل ولا بأس لو لم ينصبوا هذا الاعتقاد ديناً وجعلوه من الرأي الذي يجوز فيه الاختلاف لأن الأمة لا تهلك بالرأي، ولكن نصّبوه ديناً وتبرءوا ممن لم يدن بذلك كذلك مثلهم كما نصبوه السنية ديناً ثم لم يصوبوا كذلك الجميع، بل خصوا التصويب من الفريقين المتقاتلين دون بعض وحكم الله سويّ، فإذا جاز أن يكون بعض المسلمين يتقاتلون وكلهم على الحق جاز في غير أولئك أن يكون كمثلهم ولكن هيهات يجوز أن يتقاتلوا وكلهم محقون لأن قتل المحق باطل، وقد اعترف الجميع بصحة أخبارهم بقتال بعضهم بعض واعتقدوا تصويبهم جميعاً في ذلك القتال فضلّوا بالدينونة ضلالاً بعيداً وكانوا على خلاف أحكام القرآن لأن من قتل مؤمناً متعمداً على أمر وذلك المقتول على ذلك الأمر هو محق لا شك في ضلال القاتل بنص القرآن، فإلى أين هم عنه ناكثون منكبون على وجوههم قال الله تعالى:(وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ) (1) ولا شك إن حكموا لهم جميعاً أنهم في قتال بعضهم بعض في أمرهم فيه كلهم محقون فلا شك أنهم قد حكموا بضلالهم جميعاً لأن المحق لا يجوز قتله على أمر هو فيه محق كما قلنا في السنية سابقاً بنص القرآن العظيم في هذه الآية التي أوردناها وفي غيرها من الآيات، فهذا بما خالفناهم فيه، وأن جميع أعمال الخلق ليست هي خلق من خلق الله تعالى وإنما هي خلق من العباد
__________
(1) 1 – النساء : 93 (1/202)
صفحة 203
واحتجوا بقوله تعالى:(وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا) (1) ودانوا بذلك وكفّروا من لم يقل ويعتقد مثلهم، وأجمعت الأمة أن أعمال العباد من الله خلق ومن العباد فعل فكل شيء لم يخلقه الله في نظير كون وجوده في الوجود فمن يستطيع أن يعلم من خلق الله حتى خلقه بنفسه ولو صح ذلك لصح أن الناس يعلمون الغيب ويقدرون على إيجاد شيء لم يعلمهم الله إياه، ومن أين علم صورة ذلك الفعل في الابتداء؟ فإن كان من نظره في غيره قلنا وذلك الغير إلى أن ينتهي في مبتدعه فمن علمه بذلك؟ ومن صّوره في عقله حتى يعرف بالإلهام من الله تعالى أن ليس في قلبه؟ ومن ألهمه الحكم الغريبة والأشياء الدقيقة الصعب علمها وصوّرها في نفسه أليس ذلك الإلهام وتصوير ذلك في عقله هو شيء قد خلقه الله وصوّره في عقله ففعله ؟، هذا ومع المباحثة ينظر أهل العقول أخطاءهم ويقال لهم التخييل هو شيء فلو لم يخلقه الله تعالى هو أيستطيع أحد أن يعمله وقد قال الله تعالى:(وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ) (2) ولكنهم لو قالوا هذا ولم يدينوا لله به ولم يخطئوا أهل الحق فيه لكان لهم بذلك عذر لأنهم قالوا بما رأوه في أنفسهم ولم ينصبوه واجباً عليهم من الله تعالى ولا كان وجوبه عن نبيه - صلى الله عليه وسلم - فرضاً عليه وجعلوه من الرأي لكانوا في السلامة، ولكن اعتقدوا أن الله هو ألزمهم أن يعتقدوا كذلك ورووا ذلك عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وتبرأوا ممن خالفهم وكان على الحق في ذلك وحكموا عليه وبالعقاب في الآخرة فضلوا بذلك ضلالاً بعيدا، ومن ضل وصار في الحكم مبطلاً لم يكن حجة فيما ينقله عن النبي - صلى الله عليه وسلم - .
مذهب محمد بن عبد الوهاب النجدي
__________
(1) 2 – العنكبوت : 17
(2) 3 – الصافات : 96 (1/203)
صفحة 204
... بيان: وأما الوهابي فهو مذهب محدث ليس بقديم قد اتخذه عبد الوهاب النجدي من بين المذهب الحنبلي والمذهب الأزرقي، وأجاز قتلهم سبي ذراريهم ونساءهم وغنيمة أموالهم، ولا نعلم أن أحداً من الإسلام أدّعى في قتال الصحابة لبعضهم بعض أجاز ذلك في بعضهم بعض، حتى عبد الوهاب ونافع بن الأزرق لم نعلم أنه ادّعى أن أحداً من الصحابة سبى ذرية أحدٍ من الصحابة ولا نساء من قاتله ولا غنم أمواله، وكذلك لم يجز في مشركي العرب سبي الذراري والنساء، وإنما جازت غنيمة أموالهم وأما المسلمون فلا نعلم أن أحداً ادّعى أن المسلمين سبوا أموال بعضهم بعض، وأما ما بقي من مذهبه فهو كالحنبلية، والحنبلي من السُّنية فيما لم نذكره فلأجل ذلك لم نفرد لهم فصلاً وبالله التوفيق.
بيان: فهذه أصول أسباب افتراق الأمة على ما هم فيه وعليه من المذاهب في أول ابتداء الافتراق لا جميع ما افترقوا فيه فإن إتيان جميع ذلك يستدعي مجلدات كثيرة، فالشيعة تبرأت من أبي بكر وعمر وعائشة وجميع الصحابة إلا قليلاً منهم، والسُّنية والمعتزلة تولت الجميع المحق منهم والمبطل وجعلوا محقين مع معرفتهم الجميع على الحق لأن المحق لا يجوز قتاله كما بيّناه وكررناه، ولا بأس فقد قيل في المثل أن التكرار يفقه الحمار، واختلفت المعتزلة في تفضيل أبي بكر على علي وتفضيل علي على أبي بكر وليس ذلك بضارّهِم شيئاً في دينهم ما لم يكن على سبيل الدينونة بذلك، ولو لم يكن فيهم غير هذا لكانوا في السلامة، ولكن خالفوا فيما ذكرناه واعتقدوه دينا. (1/204)
صفحة 205
وأما السُّنية فمنهم من جعل فضل الأئمة الأربعة سواء، ومنهم من يفضلهم على ترتيبهم فيفضل أبا بكر ومن بعده عمر ومن بعده عثمان ومن بعدهم علي بن أبي طالب، وأما نحن الإباضيون فنتولى أبا بكر وعمر من الأئمة الأربعة، ومن صحابة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كل من صح معنا أنه على طاعة الله تعالى في حكم الظاهر، ونبرأ ممن صح معنا أنه مات على خلاف دين الله تعالى بغير عذر له براءة بحكم الظاهر، وكذلك ولاية أبي بكر وعمر وزوجات النبي بحكم الظاهر، ونقف وقوف السلامة عن كل من لم نعرف أحواله وبالله التوفيق. (1/205)
صفحة 206
بيان: ثم لم يزل الخلاف يتكاثر باختلاف نقل الروايات بين المذاهب حتى صار في كل شيء من أمر الدين، والمراد بالخلاف في الدين هو الذي لا يجوز فيه الاختلاف، لأن الخلاف في الفرق من الرأي يجوز فيه الاختلاف كما ذكرنا لأن اختلاف المسلمين في الرأي رحمة أي توسع بالأعمال، واختلافهم في الدين نقمة لأن مخالفة الحق في مذهبنا لا يجوز بغير عذر على حال، ولعل كل فرقة تناقض نقلها الفرق الأخرى، وكل فرقة احتجت على غيرها من الفرق بما يظن أنه قد غلب بما أورده من الجج جميع الفرق الإسلامية، فإذا نظر ناظر إلى تلك الحجج رأى أنه هو الغالب وهو المحق ولكن لو نظر إلى تلك الحجج المحجوج بها أيضاً لاستطاع أن يأتي ما يتصور إلى نفس ذلك النظر إلى حججه أنه هو الغالب، ولا يزال كذلك الأمر بينهما إلى أن يعجز أحدهما فيقر بالعجز ولكن يعتقد أنه لو حاج علماؤه الأولين لأعجزوه أو يجادل مكابراً، ومثلاً لذلك أنه إذا نظر أحد من الفرق إلى ما قلته هنا استطاع أن يأتي بحجج في غير حضرتي ما يتخيل للناظر إليها أنه قد حجّني، ولكن لو نظرت حججه لاستطعت أن أنقض حججه حتى يتخيل للناظر إلى حججي أني قد غلبته ويدور الأمر كذلك بيننا، وكل أهل مذهب أتوا بالحجج على إدحاض مذهب وإبطاله فلا يرى تلك الحجج نوراً إلا أهل مذهبه، وأما أهل المذهب الذي هو يحتج عليه فلا يتصور في نفسه ذلك نور، وإنما يراه إثماً وظلمة وظلماً، وبكثرة الحجج التي يأتيها حتى يظن أن الصبي ينظر حقها، ونعم فإن من الصبيان من أهل مذهبه قد يتصور نور تلك الحجج، وأما أهل المذهب الذي يحاجه فلا يرى كثرتها إلا ظلمة يتراكم بعضها فوق بعض، وليس المراد رسم هذه السيرة الاحتجاج على المذاهب فيما يخالفنا فيه كما ذكرنا لإظهار الحق أنه معنا وإبطال ما عندهم من ذلك، ولذلك لم نأت بكثرة الحجج في بيان ما اختلفنا فيها، وإنما أوردنا مقدار ما يعرف هؤلاء السائلون الأمور التي اختلفنا فيها واكتفينا ببعض البعض (1/206)
صفحة 207
عن الكل، وبهذا كفاية وبالله التوفيق.
المسألة السادسة: مسألة هاروت وماروت
فصل:
... وأما المسألة السادسة التي عن هاروت وماروت وما ذكره القوم فيها من الأخبار أنهما كانا من الملائكة وأنزلهما الله ببابل وزنيا بامرأة تسمى الزهرة، فلو لم يكن من الخلاف لهم لدين الله إلا هذا الاعتقاد في هؤلاء الذين اعتقدوها أنهما من الملائكة لكان كافٍ لهم حتى يكونوا في حكم الكفار معنا، لأن الله تعالى حرم رمي المحصنات من المؤمنات والمؤمنين بالزنا حتى يأتوا بأربعة شهداء من أهل العدل يشهدون أنهم رأوا العورة تدخل في العورة، وإن لم يأتوا بالشهداء فأولئك هم الفاسقون أي في حكمه كاذبون ولو كانوا في علمه بهم صادقون، والمعنى تحريم ذلك عليهم وأنهم إن فعلوا فقد تعدوا حدوده، ومن يتعد حدود الله بفعل ما حرّمه عليه فأولئك هم الظالمون، وقال تعالى:(أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ) (1) فكيف يصح هذا في ملائكة الله تعالى إذا كانا من ملائكته تعالى، وإن كانا لا من الملائكة فكيف يجوز هذا من أهل زماننا اليوم بغير دليل من القرآن العظيم ولا صح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - بل قال الله تعالى:(اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلاً ) (2) ولم يقل وقد أرسلنا إليكم رسلاً من الملائكة، وآيات القرآن التي في ذكرهم كلها في ظاهر لفظها تصرح بالمدح لهما والثناء عليهما، والصحيح معنا في تأويل الآيات فيهما أنهما رجلان كانا كبيري بابل وأنزل الله عليهما علم العزائم من سحر محرم ومن مباح جائز، وعلم خواص الحروف والأسماء، وأمرهما الله أن يعلموا الناس ذلك ويبينوا لهم المحرم من الحلال لهم من ذلك، ومن الفعل بذلك ابتلاء من الله تعالى لهم كما ابتلى جميع من تعبده بعبادته من العباد، فقال تعالى:(نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ) (3) وقال حاكياً عنهما أنهما يأمران بالطاعة لله وينهيان عن الكفر
__________
(1) 1 – هود : 18
(2) 2-
(3) 3 – الأعراف : 163 (1/207)
صفحة 208
بالله، ولذلك جازت القراءة بكسر اللام من ملكين ليدل على أنهما من الإنس، وإنما جاءت بالفتح أيضاً دلالة عن الإخبار عنهما في أفعالهما بذلك العلم أفعال الروحانية وخرق العادات وإخبار عنهما بصفاء نفوسهما وطهارة قلوبهما فاكتفى بالدلالة على ذلك بتسميتهما ملكين باسم الملائكة، ولو كانا في الأصل من الملائكة لم تجز القراءة بكسر اللام، وقد اتفقت العلماء القراء على جواز ذلك ولا يصح لهم ذلك إلا أن يكونا معهم أنهما من الإنس، والدليل الثاني قوله تعالى :(وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ) (1) فلو كانا من الملائكة لقال وما نزل به الملكان لأنهما هما نزلا بذلك لا أنزل عليهما إنما قال أنزل عليهما دلّ على أنهما من الإنس وغير هذا غير صحيح، وما التوفيق إلا بالله.
المسألة السابعة: معنى الصلاة على الرسول صلى الله عليه وسلم
__________
(1) 1 – البقرة : 102 (1/208)
صفحة 209
وأما المسألة السابعة أنه ما معنى قوله تعالى:(إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) (1) والنبي عبد من عباد الله كيف يجوز أن يقال أن الله تعالى يصلي على النبي؟ فالجواب في ذلك أن الصلاة من المسلمين على النبي فهي الدعاء له من الله تعالى أن يصلي عليه وأن يسلم عليه، وكذلك صلاة الملائكة دعاء معهم له من الله تعالى كما يدعون للمؤمنين بالمغفرة فقال تعالى:(وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ) (2) من المؤمنين ممن كان على طاعة الله تعالى، وأما سلام الله الذي نسأله نحن أن يسلم به على النبي - صلى الله عليه وسلم - فهي تحيته، كما قال:(تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ) (3) وتحية الله لأوليائه ورسله وأنبيائه على معانٍ كثيرة يجمع معناها كرامته العظيمة تأتي على معانٍ شتى منها (سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ) (4) والمراد هنا على معنى التهنئة بسلامتهم من الله تعالى من كل عيب وسلمهم الله تعالى من كل ضر، وكان على صورة التحية ليدخل في الدار الإكرام له مقابلاً له عند الدخول بالتنعيم، ومنها نزول كرامته ورحمته عليهم وهو معنى الصلاة من الله أيضاً وهي صلة رحمته إليهم ونزولها عليهم، ولم يختص بذلك النبي - صلى الله عليه وسلم - عن غيره من المؤمنين لقوله تعالى:(هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ) (5) ومعنا هذا يجوز على هذا المعنى فجميع الأنبياء والأولياء قولنا اللهم صلِ على سيدنا محمد النبي وعلى آله وصحبه وعلى جميع أوليائك كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين.
__________
(1) 2 – الأحزاب : 56
(2) 3 – الشورى : 5
(3) 4 – النور: 61
(4) 5 – الزمر : 73
(5) 6 – الأحزاب : 43 (1/209)
صفحة 210
وإنما سميت الكرامة العظيمة من الله لعبده بالصلاة تعظيماً لشأنها وإظهاراً لعظمتها، حتى سميت بأعظم شيء في الدنيا وهي الصلاة، وإظهاراً لعظمة الصلاة حتى أخذ اسمها وهي على الخصوص من غيرها ليسمى بها أعظم كرامة من الله تعالى لعبده، ولمّا كانت كرامة الله لنبيه محمد أعظم كرامة أعطاها الله عباده خصت باسم الصلاة له، وجعل السلام للأنبياء والرسل والملائكة والأولياء تعريفاً لعظمتها وإلا فهو جائز لغيره، وكذلك يجوز السؤال لله تعالى أن يصلي وأن يسلم لغير النبي بل لكل وليّ قد عرفه أنه وليّ لله تعالى بالحقيقة بوحي إلهي أو سمعه بأذنه من لسان نبي، ولكل وليّ في حكم الظاهر، وأما بالقطع - صلى الله عليه وسلم - في أحدٍ لم يعرفه بالقطع على الحقيقة أنه وليّ في علم الله الخفي فلا يصح أن يقول فيه - صلى الله عليه وسلم - لأنه قد قطع على الحقيقة أنه وليّ لله قطعاً في علم الغيب، والحكم بالفتوى بالغيب عبث فاعرف ذلك.
وفي كلام العرب وغير العرب يجوز أن يسمى الشجاع بالأسد والجواد بالبحر والعالم بالشمس وغير ذلك ، وكما جاز أن تسمى كرامة الله تعالى لعبده إذا عظمت بالصلاة لعظمتها . وقد ظن قوم أن معنى الصلاة لنبيه هي الدعاء له لله تعالى وليس الأمر كذلك لأن الله هو المدعو المسئول فلا يصح هو أن يدعو له أيضاً لأنه يحتاج أن يدعو له غيره تعالى الله عن ذلك علواً كبيرا، فهذا ما أردته أيها الشيخ من البيان أن أرسمه لك فيما سألت عنه والحمد لله رب العالمين. (1/210)
صفحة 211
بيان: لعله ولمّا قرأت على من رأى نفسه أنه من العلماء أنكر علينا قولنا ما قرّرناه عن الشيخ العالم الكبير أبي سعيد رحمه الله أنه لولا الإجماع من أهل نحلة الحق على تنجيس البول - بول الأنعام - لمال إلى ما قالوه قومنا من طهارته فقال: ليس هنا محل الاجماع (1) ، وإنما اتفاق، ولله العجب من قول هذا القائل، ولم يدر أن المسألة إذا كانت من الرأي ومما يجوز فيها الرأي لو اتفقت على رأي من آرائها جميع أهل السموات والأرض على العمل به ورأى أحد أن غير ذلك أقوى وأقرب إلى الحق بما دلت عليه شيء من أصول الدين أو الرأي الصحيح دون الذي اتفقوا عليه لما جاز له أن يحكم إلا بما أراه الله أنه هو الأقرب إلى الحق، وعلى هذا بني أصول كتاب الاستقامة والمعتبر، فكيف لا يجوز له إلا أن يقول بقول أصحابه ويمنع نفسه من خلافهم فيما يجوز له خلافهم ويرى الحق في خلافهم، فأين ذهب عقل هذا الناكر علينا في ذلك؟ فلعمري لم يمنعه إلا الإجماع، وقد يكون الإجماع في شيء لم يتكلم فيه أحد بشيء، وقد يكون في شيء أجمع عليه العلماء استحساناً ولم يحرموا خلافه، وما لم يحرموا خلافه فهو اتفاق، وبالإجماع أن الاتفاق يجوز الاختلاف فيه إلا إذا كان فيما لا يجوز خلافه فيكون إجماعاً وإن كان قد قال أبو سعيد لولا الاتفاق فإنه يريد به لولا الإجماع بدليل ما يورده من أحكام الشريعة في ذلك ولكنه لم يحكم قانون أهل الفصاحة والبلاغة فينهج به في كلامه عليهما وإنما يحمل ما يورده من أحكام الشريعة.
__________
(1) 1 _ في الأصل : الاجتماع (1/211)
صفحة 212
بيان: ولعله أنكر علينا قولنا في المعتزلة قولهم أن أعمالهم لم يخلقها الله تعالى وإنما خلقوها لو قالوا ذلك ولم يبينوا بذلك لكانوا في السلامة فقال: ولو لم يدينوا لكانوا من الهالكين وإن هذا من الخطأ في القول الذي لا يجوز إلا خلافه، وهذا في العجب منه كإنكاره في القول الأول علينا وليس في معنى قولهم ذلك وصف نقض لكمال صفات الله وإنما وصفوا بذلك أنفسهم بضلال من التأويل ولا تبلغ بهم إلى هلاك لو لم يدينوا بذلك ولم يدينوا بتخطئة من قال بخلافهم من القوم والله أعلم، وقد أوردنا لبيان معنى قولهم هذا – أي المعتزلة – ولبيان وجوه الإجماع ووجوه الاتفاق والفرق بينهما في جواب آخر غير هذا طويلاً جداً وبالله التوفيق. هذا من الفقير إلى الله تعالى المصنف لهذا ناصر بن أبي نبهان.
الفرق بين الغائب والمفقود
... بيان: وله أيضاً قلت له ما الفرق بين الغائب والمفقود؟، قال: فالمفقود؛ مثاله أن ينظره غرق في البحر أو في ماء يقتله أو رآه أحاطوا به الأعداء أو أحاطت به السباع أو في حريق وما أشبه ذلك ولم يراه ميتاً بعد ذلك فهذا هو المفقود الذي يؤجل فيه أربع سنين، وأن يكون وارثاً في هذه المدة من مات ممن يرثه، وزوجته لا تطلق في هذه المدة، وبعد هذه المدة يطلقها القاضي أو جماعة المسلمين، وتعتد عدة المتوفى عنها زوجها إلا إذا صح موته قيل ذلك. (1/212)
صفحة 213
وأما الغائب؛ فمثاله أن يشاهد أنه سافر في البحر أو سائر في الدولة للحرب أو أنه سالك في طريق تنتهي إلى السباع؛ لأنه لم يعلم أنه أحاطت به أو لا ولا أنه أحاط به العدو أم لا ولا أنه غرق في البحر أم لا بل إنه جاءت فيه الأخبار أنه أصابه شيء من ذلك أو ما أشبه ذلك ولم تقم به الصحة التي يصح الشرع أن يحكم به أنه كذلك والصحة في ذلك شاهدان عدلان أو عدل ومرضيان أو شهرة ممن يطمئن بهم القلب وتسكن بهم النفس ولو لم يكونوا عدولاً وشهرة الموت يكفي فيها اطمئنانة النفس القلة والكثرة لأنه قد تطمئن النفس بالخمسة لأمانتهم في صدقهم وقد لا تطمئن إلا بالعشرة وذلك ممن شاهد موته تحقيقاً، وقد اتضح لهم أيضاً إذا استخبر كل واحد منهم على الانفراد في صفة موته فاتفقت صفاتهم فيه فعلى هذه الصفة تسكن النفس ويطمئن القلب إلى تصديقهم وعلى خلاف هذه الصفة فربما يكون التصديق أبعد والنظر هناك عن المخبرين موته وما أشبه ذلك أو أقل أو أكثر كما ذكرنا على سكون النفس واطمئنانة القلب وإذا لم تسكن النفس بمن شهر منه وكانت له زوجة وأولاد بالغون أو غير بالغين، فأما البالغون فلا شيء لهم وأما غير البالغين فلهم النفقة والكسوة ثلث النفقة في بدايتهم فإذا أخذوا حازتهم في الأكل فلهم ثلثي النفقة فإذا تم أكلهم كغيرهم من البالغين الشبان المراهقين فلهم النفقة تامة إلى أن يبلغوا الحلم فتقطع عنهم إلا الإناث فحتى يتزوجن إلا إذا كن لهن مال فيبدءوا بغلة أموالهن فيفرض عليه فيما قصّر عليهم إلى تمام السنة فكذا في كل سنة تدور، وأما الكسوة فكل على مقداره مثل كسوة مثلهم، وأما الزوجة فلها النفقة والكسوة والسكنى، وإن كانت من أهل الخدمة فيستأجر عليها ممن يخدمها، ومادام عنده مال يكفي لذلك لمن لزمه عوله وكسوته فلا يجوز تطليقها منه ما دام في التغييب وما أشبه ذلك نحو إذ سار عنها بلا حجة عدل و يجوز للقاضي إذا ذهبت معه تشتكي تريد النفقة والكسوة أو مع جماعة (1/213)
صفحة 214
المسلمين أن يكتبوا لها ذلك ويؤرخوه وينفق عليها من غلة ماله وإن لم يكف فيقضى من أصله إن شاء أن تباع وتقضى ذلك منه من الثمن وإن شاءت تصبر وتكف نفسها عن أخذ النفقة بعدما فرضت لها حتى تستغرق ثمن المال كله أو بعضه، وتقضي ذلك مالاً من أمواله فإذا استفرغ جميع المال في قضاء ما عليه لها من النفقة وما عليه لأولاده ولم يبق له شيء جاز حينئذٍ إذا اشتكت مع القاضي أو جماعة المسلمين إما الطلاق وإما النفقة أن يوكل القاضي أو جماعة المسلمين وكيلاً ينفق عليها من مال زوجها فإذا لم ينفق عليها جاز لها أن تشتكي من الوكيل مع القاضي أو جماعة المسلمين إما الكسوة والإنفاق وإما الطلاق، فإذا اشتكت ألزموا الوكيل إما ينفق عليها من مال زوجها أو يطلقها، فإذا قال لم أجد شيئاً انفق عليها منه دعي بالشهود على عدمه فإذا شهدوا أنه ليس له شيء مما ينفق عليها منه ألزموه في طلاقها، فإذا طلقها على هذه الصفة ثبت طلاقها ولا يثبت تطليق أحد زوجة غيره إلا بهذه الشروط، وإذا قصر شرط لم يثبت الطلاق، الشرط الأول: عدمه من المال، والشرط الثاني: شكايتها إما الطلاق وإلا النفقة، والشرط الثالث: شهود؛ لعدم جواز الطلاق إلا على هذه الشروط، وهكذا المجنون والمسافر الذي أطال السفر بغير عذر يصح له وفي الحكم إذا طوّل المدة لا يعذر حتى يصح له العذر.
مسائل فقهية في الطهارة والصلاة والمساجد (1/214)
صفحة 215
مسألة: وعنه ويصلي المرء بالوضوء لازم للفرض ولا يجوز إلا بالوضوء للسنن وأما التنفل فكذلك عند وجود الماء وله أن يتيمم عند وجود الماء، ومتى لم يمكنه الوضوء للفرض من عدم أو من مرض وهو قريب من الماء أو يخاف فوت الصلاة ولو كان الماء عنده، فإنه يتيمم ويصلي، مثاله؛ أراد الاغتسال من الجنابة فإن اغتسل فاته الوقت، فعليه أن يتوضأ إذا كان ليدرك الصلاة ويغسل بعض المواضع التي لا يخاف منها فوات الصلاة، وكذلك مثاله؛ ليس للماء ستر إلا مكان واحد وفيه أناس يتطهرون إذا وقف لهم ليتطهر فاته الوقت، فله أن يتوضأ ويغسل المواضع من الجنابة التي لا عورة فيها أو التي هي ليس بعورة ويتيمم لما بقي ويصلي بما أمكنه، وكذلك إذا كان ازدحام بين الناس على بئر أو مورد ولا ستر فيه فهو مثل ما مضى، وإن لم يقدر على الماء لوضوئه ولا لغيره من الناس أو من عدم الآلة فليتيمم، وإن كان عليه حدث من قبل بطن ولا يمكنه أن يصلي قبل أن يسير أن يقضي الحدث، وإن سار يقضي الحدث فاته الوقت ولا يمكنه الوضوء لفوات الوقت فإنه يتيمم ويصلي بالإيماء وهو يقضي الحدث كاشف عورته إذا لم يمكنه إلا كذلك فيما أراه، وقد جاء عن أهل العلم من الترخيص لرجل حرثته الصيد ولا حرثة له إلا هي وقد نصب شبكة في شجرة من تحتها النهر يجري وحضره الطير في وقت قرب فوات الصلاة وهو في الشجرة وقد علم بالوقت وذاكر قلبه، ولكنه إن نزل يصلي فاته الطير، ولا قوت له في ذلك اليوم إلا إذا صاد منه، وإن توقف يصيد فاته الوقت فإنه يتيمم ويضرب بيده في الجذع، وقيل أنه يومئ كأنه يتوضأ بالماء، هكذا جاء الاختلاف عند عدم الماء والتراب، ويصلي في الشجرة كما أمكنه هذا إذا خاف الضرر بذهاب الطير على نفسه وعلى من يعوله، وكذلك إذا انطلقت دابة عليه أو هو ماسك لها بالحبل ولكن غلبته وهي تجره ولا يمكنه الوضوء والماء عنده ولا يمكنه التيمم فإنه يومئ إلى التيمم إذا كان التراب تحته موجود، والصلاة لا تفوت (1/215)
صفحة 216
فإنه يصلي بالإيماء حيث كان وجهه إلا إحرامه فإنه يحيله إلى القبلة إن أمكنه وإلا فلا لوم عليه، وكذلك إذا سقط في بئر أحد وخاف أن يهلك فيها ونزل يطلعه منها ولا يمكنه يتوضأ ولا يتيمم ولا يومئ فإنه يومئ للذي يقدر عليهما ويصلي بالإيماء إن قدر يقرأ الصلاة وإلا فليصل بالتكبير إن لم يمكنه إلا كذلك، ويطلع صاحبه هذا إذا خاف فوات الوقت وإن أطلعه بعدما فات الوقت فلا بدل عليه، وقس على هذا في الخائف أو تحصّل في نخلة وأشباه ذلك، وكذلك صلاة المسايفة في القتال إذا لم يمكن الصلاة إلا بالتكبير صلوا بالتكبير وكذلك إذا كان يراغ (1) ولم يقدر يحفظ صلاته صلى بالتكبير، وبالجملة أنه يصلي الإنسان كما أمكنه على ما ذكرناه وإن صلّى على غير التمام على ما جاز له وفات الوقت وأمكنه التمام فلا بدل عليه، وإن أمكنه التمام والوقت بعده لم يفت فقيل فيه أن عليه أن يبدلها وقيل لا بدل عليه لأنه صلّى على ما جاز له، والمرأة إذا كان عندها طفل وعليه ضرر إذا لم تحمله في حين صلاتها جاز لها أن تصلي وهي حاملته، وإن بال في قميصها ولا يمكنها تتوضأ ثانية لفوات الوقت فعليها أن تنقض الصلاة وتتيمم، وإذا كانت إذا نقضت الصلاة واستأنفتها ثانية تفوتها فيصح أن تنقضها مادام الوقت فيه بقية وتستأنف التيمم وتصلي ثانية ما أدركت من الوقت فإن فات الوقت ولم تتم الصلاة أتمتها ولو فات الوقت، إلا في وقت لا يجوز فيه صلاة فتمسك حتى يأتي وقت يجوز تمامها فيه فتتمها فيه.
__________
(1) 1 _ أي يطارده أحد (1/216)
صفحة 217
مسألة: وعنه في ماء الندى إذا اجتمع هل يجوز الوضوء منه للصلاة مع وجود الماء المطلق؟ قال: أما عند أهل الشيعة فلا يجوز لأنه لا يجتزى به وذلك أنه مفارق عن صحة الماء المطلق بصفة أختصها دونه وهو أنه إذا جعل في قشرة بيضة سالمة من الكسر فارغة من ماء بياضها وصورتها وختم ثقبها مما يحكم سده بنحو القار واللك وما أشبه ذلك وجعلت في شمس الحر القوي الحرارة فمتى حرت يصعد بها الندى في الهواء عالياً حتى يذهب ما فيها من الندى وأما مع السنية وهو الحق فيما معي أنه يجوز لأن أصله من الماء ولم تدخل عليه علة مانعة تفسده عن الوضوء به وأما ما احتج به الشيعة ليس فيما أراه والله أعلم. (1/217)
صفحة 218
... وفي المصلي برداء على جنبه إذا لم يجعل على إبطيه من الثوب هل تفسد صلاته؟ قال: تفسد صلاته، قلت له: وإن جعل على إحدى إبطيه ولم يجعل على إبطه الآخر أيكفيه؟ قال: لا يكفيه ذلك، وإن صلى فصلاته فاسدة إذا كان يجد ثوباً وهو متعمد لذلك، قلت له: وإن بان كتفه في الصلاة أله أن يرجع ثوبه على كتفه؟ قال: له أن يرجع ثوبه في حال صلاته، وسألته فيمن صلى في بساط أو سمة وفيها نجاسة أتفسد صلاة المصلي أم لا؟، قال: فيمن سؤالك هذا يحتاج إلى تصريح فإن صلى المصلي ولحقته النجاسة من أي كانت فالصلاة فاسدة، وإن كانت النجاسة بين المصلي وسجوده فكذلك تفسد الصلاة، وإن كان المصلي يصلي في البساط أو السمة والخيوط والحبال ممتدة من المشرق إلى المغرب والمصلي في حد من حدود البساط أو كان في جهة من البساط فعلى هذا تفسد الصلاة كانت النجاسة قبلة المصلي أو وراءه أو في البساط على جهة اليمين أو الشمال إذا تصلبت الحبال أو النسل خوص السفة فالصلاة تنتقض، وأما إذا كانت النجاسة في جنب آخر من حدود النسل الذي لا تلحق المصلي ولو امتدت البسط في الطول من المشرق إلى المغرب فلا تفسد الصلاة، وكذلك إذا كانت البسط مفروشة من أعلى القبلة إلى أسفلها وصلى المصلي في حدود البساط الذي لم تكن فيه النجاسة فعلى هذا لا تفسد الصلاة، وأما إذا لحق جنبه أو ثيابه في الحد الذي فيه النجاسة فتفسد الصلاة بذلك ولو كان بعيداً عن يمينه أو كان في شماله، قلت له: بيّن لنا الفرق في مثل هذا؟، قال لي: إن النسل له حدود في البساط وهو منقطع بعضه عن بعض والخيوط معقودة بعضها في بعض وفي هذا فرق بين البسط وباقي الفرش وغيرها متداخلة فإن صلى المصلي في الفرش المتداخلة بالخيوط والحبال كانت الصلاة فاسدة حيث كانت النجاسة عن يمينه أو في شماله أوفي قبلته أو في مؤخره كانت قريبة النجاسة أو كانت بعيدة وهي في الفراش، وأما إذا كانت النجاسة في الأرض لا في الفرش ولم تكن النجاسة بين (1/218)
صفحة 219
المصلي وسجوده فلا تفسد الصلاة بذلك فافهم الفرق بين ما ذكرنا لك.
وسألته عن مسجد فيه شرب ماء للمسلمين وخاف الضرر على المسجد من أذى الشاربين، ألهم أن ينقلوه في غير المسجد؟، قال: لهم رفع الضرر عن المسجد ولهم أن ينقلوا الشرب حيث شاءوا، ويجوز أن يشربوا الناس من حيث نقلوه هذا في رأينا، وأما في رأي الذي قبلنا من العلماء فلا يجوز نقل الماء عن مكانه ولا تحويل الفطرة عن المسجد.
في أحكام الصبيّة
مسألة: ومن جواب الشيخ عامر بن علي للسيد محمد بن سليمان وعلي بن ناصر في عدة الصبية المراهقة التي ظهرت بها علامات البلوغ بشواهد الإنبات والإنهاد وما قاله كل عالم من المسلمين على ما يراه إلى الحق أقرب ومما يشبه الاتفاق من أصحابنا رحمهم الله على القول في مثل الذي ذكرتها لكما من الصفة أن عدتها من الطلاق ستة أشهر لريبة الحمل وثلاثة أشهر للعدة ولا أعلم من قولهم في مثل هذه اختلافاً. (1/219)
صفحة 220
قال أبوعبد الرحمن ناصر بن أبي نبهان: إذا كانت الصبية لم يبدو فيها علامات البلوغ أو صارت المرأة في حد الموئيسات من الكبر فعدتها ثلاثة أشهر، وأما إذا كانت من ذوت الحيض أو التي فيها علامات الصوم فعدتها مع بعض العلماء كما ذكره هذا الشيخ ومع بعض العلماء أن عدتها بثلاث حيض، وإن قال لا يعلم في ذلك اختلافاً فالاختلاف في ذلك موجود ولا معاب عليه في قوله ( ولا أعلم في ذلك اختلافاً ) ولو كان فيه اختلافاً إذا لم يعلمه هو، لما رأوه من الرأي والنظر تحرزاً منهم واحتياطاً في الفروج وحرمتها، ولا يعجبني الميل عن قولهم في ذلك، وإذا كان القول منهم ومنا في هذا هكذا، فإذا حاضت هذه الصبية المطلقة قبل انقضاء السنة بيوم أو ما دونه من الساعات فقد رجعت عدتها بالحيض وانقضاؤها بعدما تحيض ثلاث حيض متوالية متساوية غير مختلفة اختلافاً متفاوتاً عن أحكام الحيض إلى ما دونه مما قد قيل فيه إنه ليس بحيض ما دون ثلاثة الأيام، فإذا صح التفاوت عليها أو أنها منذ ابتدائها لم تحض إلا ما دون الثلاثة أيام فيعجبني أن تعتد ثلاثة أشهر بعد ما أتاها ذلك الدم ولو انقضت فلا تزوج قبل انقضاء ثلاث حيض أو ثلاثة أشهر على ما وصفته لكما من نقصان الأيام مما قال به عامة أهل العلم من أهل العدل ويوجد في ذلك من الاختلاف، وما لا يخفى عليكما وفي نفسي معنى يدل على بيان وجوه تتوجه لي من آرائهم الدالة على جواز القول بها لقربها من الحق، ولكني أولى بي وبمن استنصحني في ذات مولاه أن يجامع أهل العلم من أهل العدل ويذر ما يراه وإظهاره مع أهل الجهل والغشم، وقد قيل أن مطلقها لا يدركه ردها إذا انقضت ثلاثة أشهر منذ طلقها، وعلى رأي من يرى ذلك لأن هذا هو الأصل من كتاب الله لقوله (إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ) (1) وتلك الزيادة احتياطاً من المسلمين فقد اتفقوا عليه الذين قالوا بانقضاء عدة المطلقة الصبية قبل بلوغها وبعض لا
__________
(1) 1 – الطلاق : 4 (1/220)
صفحة 221
يرى انقضاؤها ولا جواز تزويجها قبل بلوغها وانقضاء عدتها بالمحيض إن بلغت به أو بثلاثة اشهر إن لم يأتها قط حتى تجاوزت محل الذي قالوا به فعلى رأي أربعة عشر سنة وذلك إذا استكملت علاماتها للبلوغ، وعلى رأي آخر خمسة عشر سنة، وقيل ستة عشر سنة، وقيل سبعة عشر سنة، وعلى رأي آخر ثمان عشر سنة، وقد عمل صغيركما الخادم بهذا الرأي في الحكم لغير الصبية وهو أوسط الآراء حتى أنه قال بعض أهل العدل إلى خمسة وعشرين سنة وهذا أكثر ما قيل في تمديدها حتى الذكور من الصبيان لا بد وأن يلحقهم مثل ما لحقها من الاختلاف، ولكن هذا القول الآخير يعجبنا العمل عليه في الحدود مع وجوبها وجواز إقامتها من الإمام العدل أو من يقوم مقامه وأين هو عنا في زماننا المدلهم فإنا لله وإنا إليه راجعون، وأما ما وصفتماه فإذا تزوجت الصبية قبل انقضاء السنة وكانت ممن بدا فيها هذا الدليل المدل على كونه في البوالغ فإذا لم يدخل بها فيعجبني توقيفه حتى تنقضي السنة أو تنقضي عدتها بالحيض إن أتاها قبل انقضاء السنة ومهما انقضت إحدى المدتين فيعجبني تجديد النكاح ثانية والأخذ في مثل هذا بالحزم والاحتياط أولى وأخف، وإذا وقع منه الدخول بها على الجهل منه ووليها برأي المسلمين فيها فلا أقول أنه واقع في محجور ولا مرتكب لحرام ولا أروم النهوض بالقول بالفراق بينهما ما لم يصح بها حمل لأنه في الأصل هذا جار من المسلمين على وجه الاحتياط فأحببت التوقف عنها ما لم يدخل بها موافقاً لاتفاقهم على القول منهم بذلك إلا من شاء الله منهم، وفي المعنى الآخر بالحكم لانقضاء الأمر منه بالدخول بها على وجه يصح القول به في بعض عدله ويرفض بما صح هو له وبطله، وأنا أستغفر الله وتائب إليه من جميع ما خالفت فيه وغيره الحق والصواب، والحمد لله حق حمده وصلى الله على رسوله وآله وصحبه وسلّم. (1/221)
صفحة 222
ومن جواب آخر من الشيخ عامر لهم في الصبية: أما ما ذكرتماه لصغيركما هنا من قبل صفة العلامات التي لوحتها سابقاً في الصبية من الإنبات والإنهاد وما أردتماه من الزيادة في إيضاحها بالتحديد واستباق بعضهما قبل صاحبه والاحتراز بظهور أحدهما قبل الآخر علماً أني لم أحفظ في ذلك أثراً منصوصاً فأقصه لكما خبراً مقصوصاً بعينه ولكن فعلى ما يتجه لي مما يدل عليه بالمعنى؛ أن هذا شيء غير خاف على من كان له قلب ثاقب من أن هذا شيء ظاهر مع من كان من أولئك، وفيما يعجبني خفاء الإنبات على الناظر فيها ممن يجوز له النظر لها من النساء فيما دون موضع الإنبات وذلك كونه مما يلي الفرج فرأينا المنع عنه من الرجال والنساء إلا الزوج أو للنساء حال الضرورة إلى ذلك وهذا الموضع ليس من الضرورات المبيحة إبداء الفروج بها، فلما أن صح معنا في رأينا الذي رأيناه المنع عن ذلك رأينا الاكتفاء بالمعنى الثاني إذ هو من أعظم القواعد والمباني مع من اعتبره بثاقب جنانه وهو الإنهاد وكفى به دليلاً على ظهور أمارات البلوغ ومقدماته، وإذا كان الأمر فيه كذلك فمتى ما بدا ارتفاعه ولو كبعرة البعير أو ما دونها من المطلقة أعجبني التربص في العدة عن التعرض لها بالتزويج قبل انقضاء السنة لعزمي على الأخذ بالوثيقة والحزم في أمر الفروج، فإن قال قائل: لا يحكم بعدتها سنة حتى يصح استكمالها بها واستيفاء الإنهاد منها حدوده فلا روم بي على الإخراج من الرأي وجوازه بصحته في معنى الأحكام لأنها على ما هي عليه من حكم الصبا حتى يصح البلوغ أو تأتي عليها حالة مما لا يشك فيها أنها من الحالات المدلات على البلوغ من العلامات الكاملات الذي لا يكون إلا في البوالغ من النساء أو أنها قد صح من عامة أترابها أنهن بوالغ فهذا الوجه فيما معي هو أقربها، والمدة له إذا بلغت أربعة عشر سنة فيعجبني في معنى المدة التنزه عنها وعن التعرض لتزويجها قبل انقضاء المدة الممددة المحددة وهي السنة (1/222)
صفحة 223
الكاملة فهذا ما يعجبني وأراه، وإذا كان هذا هكذا في معنى الجواب فلا فائدة في إظهار المعنى الذي بينتماه لي من كون قولها مخبرة عما بان لها من العلامات الخافية المحجورة عن الكشف لها مع من سواها وهو الإنبات لأن خفاه ونباته مع ظهور تؤمته سواء ومع من أجاز إبداء الفروج من النساء لمثلها عند الحكم عليها بالبلوغ بالمحيض أن حصتها معي يمتحن بها الحاكم من عبر أو غيره فعسى من قال أن يأمر الحاكم امرأة مأمونة أن تنظر إليها حال خروج الدم منها أن تجري حكمه عليها وفيها وبها في هذا في رأيه فقولها ليس معه بحجة في هذا ولا في دعواها البلوغ حال غيَرها من رجل،ومن حق أتاه أو بيع أو شراء أو قسم أو قياض أو ما أشبه ذلك إلا بالصحة أو قول المرأة المؤتمنة أو الاثنتين وفي هذا الموضوع هما حجة إذا كانتا عدلتين؛ لأنه موضع حجر على الرجال وعن الشهادة به، فافهما رحمكما الله ما بينته لكما وخذا منه الحق وارفضا الباطل لأني قليل العلم ركيك الفهم، وأنا استغفر الله من جميع ما خالفت فيه وغيره الحق والصواب، والحمد لله حق حمده وصلى الله على رسوله وآله وسلّم، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، والله أعلم والسلام من العبد الفقير إلى الله تعالى عامر بن علي.
رسالة الشيخ جاعد في أشد الفرق على المسلمين
قلت لذي الغبراء: سمعت أن أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - افترقت على ثلاث وسبعين فرقة، فأي الفرق أشد على المسلمين بالعداوة والظلم؟، قال: ستجد ذلك البيان في رسالة الشيخ الثقة العالم الفقيه خليفة الأنبياء والمرسلين أبو نبهان جاعد بن خميس الخروصي العليائي العماني.
بسم الله الرحمن الرحيم وبه نستعين، هذه رسالة من أبي نبهان رحمه الله: (1/223)
صفحة 224
يا من وصلني كتابه، فلم أدر من هو جزاه الله خيرا، هذا جوابه: إن أهل عمان لا يخفى على من بها ما قد ظهر على الغالب من أهلها، فشهر من الفساد والطغيان، وهذه نازلة أخرى زيادة على ما هم به من البغي والعدوان، وكأنها من أختها أكبر وأقبح وأضر لأنها داعية في دين الله إلى إطفاء نوره وإخماده، وإظهار ما لا شك في فساده، لعدم صوابه بدليل ما قد أنزله الله على رسوله في كتابه، وخوفي أن تعم البلدان، فتمحي خير الأديان، أو يبقى في كتمان، ألا فاتقوا الله بأداء ما أمر، والانتهاء عما عنه زجر، ولا تركنوا إلى من دعاكم إلى متالف الردى، تاركين لما كان عليه أئمة الهدى، فإنهم أقرأ منكم للتنزيل، وأعلم بالتأويل، وأدل بالطريقة المثلى، إلى منازل العلى، وقد ضربوا في منارها الصوى، فتبصروا من العمى وأمروا بالتقوى، ونهوا عن متابعة الهوى، وأوضحوا لكم في دين الله ما لا مزيد عليه من الهدى، ودلوكم على المحجة البيضاء، التي كان عليها سيد الأنبياء، فعرّفوكم ما تأتونه فرضاً ونفلا، وما تذرونه نية وقولاً وفعلا، وبيّنوا لكم ضلالة، من زاغ عنها من أهل الجهالة، فجادلوا أهل الزيغ بالتي هي أحسن لما بها من دلالة، على صحة ما هم به وعليه، وفساد ما عداه حتى ظهر الحق فبطل ما خالفه من دعوى العماة، فانى والشك فيما هم به فدعوا إليه، وقد زال الالتباس، فلا عذر لمن خالف إلى غيره من الناس، أولئك هم أولوا الألباب، الذين هداهم الله لدينه، الذي ارتضاه لعباده من فضله، فلم يغيّروه عن أصله، بل اتبعوا فيه أثر النبي عليه السلام، ومن بعده أبي بكر وعمر وغيرهما من الصحابة والتابعين صفوة الأنام، فجاهدوا عن أمر الله من كان من المشركين حتى يسلم أو يقتل على إصراره، أو يعطي الجزية عن يد لصغاره، إلا من لا يقبل منه إلا الدخول في الإسلام، أو القتل على حال، وقاتلوا من بقي من المنافقين في إقراره، حتى يفئ إلى أمر الله أو تفنى روحه في أوزاره، فبذلوا الأموال في (1/224)
صفحة 225
جهادهم، وجادوا بالأرواح لإزالة فسادهم، فلم يستحلوا في هؤلاء البغاة في قتالهم، سبي ذرية ولا غنيمة مال لحرامهما في أهل القبلة شرعا، وهذا ما لا يجوز أن يختلف في المنع من جوازه قطعا، وإنما أجازهما نافع بن الأزرق خلافاً في الدين لمن قبله، جزاه الله شرا، على ما ابتدعه ما أضله، حتى انتحل الهجرة وشرّك أهل القبلة، واستعرض الناس بالسيف على غير دعوة، فاستحل السبي والغنيمة في أهل الاقرار بالجملة، وأزل من اتبعه فصار مثله، فاحذروا من البدع، ولا تسمعوا لمن دعاكم إليها، وحثكم عليها، فلبّس عليكم خطأه، وزيّن لكم أمره من ذوي الخدع، تمسكوا لله في دينه بالذي شرع، فائتموا بالقرآن، واقتدوا بالسنة والاجماع، واعملوا على ما لزم أو جاز من الرأي في موضع جواز النزاع، وما لم تبصروه فاسألوا عنه أهل الذكر، وإياكم أن تأخذوا فيه بقول أحد من المبطلين، إلا ما لا يسع رده وإلا فلا تغتروا بتلبيس المضلين، ولا بتأويل المحرفين، بل كونوا بالسلف الصالح مقتدين، وبأنوارهم مهتدين، فإنهم الجماعة، لبقائهم على الطاعة، فتمسكوا بحبالهم، وتعلقوا بأذيالهم، فقوموا لله في الصلاة قانتين، وأرسلوا فيها أيديكم خاشعين، ولا ترفعوها إلى آذانكم، ولا تضموها إلى صدوركم عابثين، فإنهما لا من عمل الأولين، والرأي في فساد الصلاة بهما أو بكل واحد منهما مختلف بين المسلمين، فدعوا ما ليس له أصل في آية، ولا صحيح رواية، كلا ولا مجاز له في عدل النظر، عند أولي العلم والبصر، ولا تقولوا فيها آمين، فإنها لا تصح معها لأنها من كلام الآدميين، ليس لها موضع في الكتاب المبين، ولا تكونوا في الركوع بعد صلاة الفجر ناصبين، وإن روي في الحديث عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قد فعله في بدء أمره قبل تحريمه، ففي الخبر عنه أنه من بعد أن نزل عليه من ربه آية الخشوع تركه فأهمله، ولم يعد إليه، إلا فاتركوا المنسوخ غير مكذبين، وكونوا بالناسخ عاملين وهو القول على هذه (1/225)
صفحة 226
الثلاثة في مذهب من يأتيها في صلاته أنها لا من فرائضها التي لا تصح إلا بها وإنما هي من السنن لمن شاءها، في زعمه لفضلها، وفي قول الشيخ أبي سعيد رحمه الله وغيره من الفقهاء ما دلّ على ما لها من حكم، فلا تقتفوا ما ليس لكم به علم، فإنه من المسالك المودية بأهلهما إلى المهالك، وبلغني في هذا الزمان عمن ترك دينه فتوهب من أكابر أهل عمان أنهم يأمرون الناس أن يأتوا في صلاتهم بهذه الأعمال فيكرهون من قدروا عليه من النساء والرجال، وليس في مذهب من مالوا إليه فاختاروا مذهبه دينا، إكراه على شيء منها فكأنهم زادوا عليه زادهم الله شينا، ألا وإن الوهابية كأنها تزعم في مذهبها حنبلية وليس كذلك لأن لهم في تشريك أهل القبلة واستحلال قتالهم وسبي ذراريهم وغنيمة مالهم شوباً من الأزرقية، وفي هذا ما دلّ على أنهم لا من الحنابلة ولا الأزارقة بالكلية، فإن كان خلطوه من هذا وذلك فاتخذوه من بينهما مذهباً فعسى أن يكون كذلك، وأنا من نصحي لمن طلب السلامة أن يقتصر في الإقامة على ما دان به أهل الإستقامة، في هذا وغيره فإنه الدين القيم حقا، فلا تبغوا به بدلا، ولا عنه حولا، فقد بان سبيله الذي لا عوج له فاتبعوه ولا ما سواه فإنه الباطل صدقا، ودليله في قول ربكم، وسنة نبيكم، وكفى بهما هاديا، لمن اتبعهما في سلوكه إلى ربه بعد المعرفة منه بتأويلهما، فلا تغترّوا برأي من على غير مالهما من وجه يتأولهما، فإنهما مزلّة أقدام من قد فعله، بادي الرأي من فرق هذه الأمة، أو قبله في دينونة منه به، ألا وإن هذه الفتنة في إثارتها ممن قد انتحلوا مذهبه على ما هي به من خلافها لما في الكتاب والسنة وإجماع أهل الحق وغيرهم كأنها في أوصافها من نحو هذا في أصلها، لأني وجدته يحتج في دعواه لعدلها، بما أورده الذين من قبله من آي الفرقان، وليس هي في شيء من البرهان، لما ادّعاه من تشريك أهل الإقرار، كلا إن لها معنى غير ما رامه بها، فحاد عنه حتى وضعها جهلاً (1/226)
صفحة 227
في غير موضعها، وأعانه على ما أظهره من قبلها منه فدعا إليها في القرى والأمصار، وأكره عليها فأجابه عمي الأبصار، فهاهي في البوادي والبلدان، تسري ظاهرة للعيان، فيا بئسها من بلية قادحة ما أفضعها، ومن رزية فادحة ما أفجعها، ألا إنها في الآخرة على من أبدعها، أو عمل بها فاتبعها، أو تولى أو رضي بها عنهما، ويالها من نعمة لمن غيّرها، وامتنع منها فأنكرها، إن هي إلا فتنة ابن الأزرق في الأولين، أحياها محمد بن عبدالوهاب في الآخرين، فوازره على بثها من قد أظهرها، فدعا إليها وقاتل عليها، فهاهي ما أكبرها من غير ما شك عند من أبصرها، طوبى لمن اعترض عنها فاعتزلها، والويح لمن دخلها أو رضي عمن فعلها، أو قدر أن يمحي أثرها فتركها وضررها، إلا لما به يعذر لأنها من أنواع جنس الباطل في الإجماع لا جواز لها في دين، ولا رأي لأحد المسلمين، أولا تسمع بالذي بين الصحابة قد جرى يوم الدار ويوم الجمل ويوم صفين، وما بعدها من الوقائع حتى في التابعين، فإن فيه دليلاً لمن يرى على أنهم لا يشركون أهل قبلتهم، لأنهم لم يجاوزوا في قتالهم، لمن بغى في دينونة أو انتهاك لما دان بتحريمه ما قد أحل الله منهم، إلى ما زاد عليه في المشركين من سبي ذرية، ولا غنيمة مال، ولا قطع موارثة، ولا منع مناكحة، ولا تحريم ذبيحة، ولا إباحة ذات بعل، كلا بل اقتصروا على ما أذن لهم فيه مولاهم عزوجل فأمرهم به حتى يفيئوا إلى أمره تعالى لا غيره في موضع فرض ولا نفل، لبقاء مالهم من حكم الإقرار المقتضي في كونه لوجود بعدهم من الإنكار، الداعي إلى شرك الجحود، أو ما به يكون الشرك من أنواع الكنود ، لولا هذا لما استجازوا منهم ما لا يجوز له من المشركين، حال المحاربة في ما بينهم أو قبلها أو بعدها، ولا جاز لهم أن يبطلوا ما لغيرهم في الغنيمة من حق فيضيعوه، ألا وإن من حقهم أن يتحاشوا من هذا كله لعدم عدله، ومن العجب في هؤلاء المتوهبين أنهم من جهلهم يشرّكون الناس قبل (1/227)
صفحة 228
المعرفة بالذي هم عليه، وإذا جاز هذا لهم فأي مانع من جوازه لغيرهم، فهم قبل أن يصح معهم إسلامهم، فإن أبوه فهي المكابرة تحكماّ لعدم الفرق، أن لو جاز له ولكنه لا يجوز في الحق لأن من حكم في مثل هذا على الغيب في شيء فلا مخرج له من العيب على حال، في نفس ولا مال، أو ليس قد كان على عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - أناس من أهل المعاصي في نفاق أخبره الله بهم فلم يخرجهم له في شيء عن حكم المقرين، وإن لم تكن لهم ولاية في الجملة ولا عند من ظهر له فصح معه ما هم به بلي إلا ما خص به فيهم من النهي له أن يصلي على من مات منهم أو أن يقوم على قبره دون غيره من المسلمين، لأن لهم في الحقوق والحدود مثلهم، من غير ما فرق بينهم، ولو أنه بلغ بهم، إلى الشرك لأفردهم بما لأهله على الخصوص من حكم دين الإسلام، ولمنعهم النبي - صلى الله عليه وسلم - بعد عام تسعٍ من الهجرة، وعلى قول آخر سنة حجة الوداع من أن يقرب المسجد الحرام وكل هذا لم يكن على عهده، فأنى يجوز أن يصح جوازه من بعده، وإن كانوا في محل البراءة نازلين، أم جاز ونحن لا نعلمه أنه يأمره الله به فعلاً فتركه، أو أن يظهر قولاً فكتمه، قل هاتوا برهانكم معشر الوهابيين إن كنتم على ما تدّعونه من هذا صادقين، ألا وإن من عجائبكم يا هؤلاء أنكم على الخوارج تنكرون، وأنتم بدين المارقة منهم في هذا دائنون، وعلى الله في تحليله تفترون، إنهم على مروقهم لإخوانكم في الدين فلم لهم تكفّرون، وما لكم كيف تحكمون، لو شئنا أن نورد على ما به من قول الله تعالى تحتجون، لأتينا فيه بما يدل على أنكم في تأويله عن طريق الرشد ناكبون، إني لأراكم عن بصيرة قوماً تجهلون، بدليل ما بأقوالكم من بعد عن الصواب، في عين من له أدنى بصر نافذ أفلا تعقلون، فاتقوا الله أن تقولوا ما لا تعلمون، من ذا الذي أجاز هذا قبلكم، فاستدل على تجويزه خطأ بمثل ما به استدللتم غير ابن الأزرق فلم يوافقه على ما أحدثه في أيامه (1/228)
صفحة 229
أحد من الفرق لأنه في باطله أظهر، من أن يخفى على من له قلب يبصر، الحمد لله على ما هدى، وله الحمد على كل حال في الآخرة والأولى، هذا وإني من ورائه لأقول، فاسمعوا بآذان واعية لمن يناديكم، وعوا ما يقوله جهراً في ناديكم، بقلوب غير لاهية، يا قومنا مالي أراكم قد أظهرتم اللجاج، في دعاء الناس إلى هذا المنهاج، فأكثرتم من التلبيس على الضعفاء لما به من الحجاج، أفترونه صراطاً مستقيماً ونحن نراه ظاهر الاعوجاج، إذ قد شركتم من كان على غير ما به أنتم متأولين، من قول رب العالمين، ما لم تحيطوا به علماً، فسفكتم دماءهم عدواناً وظلما، وأكلتم بالباطل أموالهم غنما، واستحللتم سبي ذراريهم فاتخذتم ولدانهم عبيدا، ووطئتم فروج نسائهم سفاحا، فأتيتم منهم عظيما، وزعمتم أن الحق في أيديكم فأطلقتم محظورا وحجرتم مباحا، أما آن لكن أن ترجعوا إلى سماع من ينهاكم عن هذا الفساد، يريد بكم النجاة فيهديكم سبيل الرشاد، ويحثكم على الرجوع إلى ربكم خوفاً من عذابه الأليم في الجحيم، وطمعاً فيما عنده من النعيم المقيم، أو تظنون أنكم على شيء في هذا الجهاد، وما أنتم فيه من التعب في الاجتهاد، ولستم على شيء حتى تكونوا على الصواب في جميع الأمور، وإلا فالهلاك لمن خالف دينه حرفاً واحدا، فكيف بمن زاد عليه من أنواع الفجور، إلا من رجع فتاب إلى ربه، وتطهر من ذنبه، فبادروا الأوبة مسرعين، وعجّلوا التوبة في الحين، قبل أن يحال بينكم وبين ما تشتهون، ولا يصدنكم عنها تعاظم خطاياكم فإنه لا يهلك إلا المصرون هذا ما لا يجوز خلافه فاعتبروا يا أولي الأبصار، وإياكم والإياس من روح الله والأمن من مكره فتموتوا على الإصرار، وأن تنظروا إلى من أعطي سعة المال والخول، أو الغلبة فالأيام بين الناس دول، كم كانت للمجرمين الكفرة، من غلبة على المؤمنين البررة، وكم تقي في عسرة، وشقي في يسرة، فلا تغتروا بكثرة المال، ولا بالسواد الأعظم من الرجال، فالدين لا يعتبر بهما (1/229)
صفحة 230
على حال، ولكن بالموافقة للحق في القول والعمل، المقتضي في الظاهر لمعرفة المحق من المبطل، ولا غيره قل أو كثر فزاد الأتباع، لأن الناس أكثرهم همج رعاع يميلون مع كل ريح لا سيما على التحقيق من المال، رأوا الدنيا في إقبالها عليه، ولا يلجئون إلى ركن وثيق، وأنتم على الله بما تقدمونه من صالح الأقوال والنيات والأفعال، أو فاسدها والجزاء من جنس العمل، ومن المحال أن تصلوا إليه من طريق الضلال، أم ترجون أن تفوزوا بما أعده من الكرامة لأوليائه عن طريق أعدائه هيهات في هذا أن يكون في يوم لأن من سلكها خطأ أو عمداً لا يزال يزداد في كل طرقه من ربه بعداً إلا أن يرجع القهقرى قبل موته مسرعاً للورا، وإلا فلا أو ليس كذلك بلا، وإن ظنه من قد فتح للعاصي من موحدي هذه الأمة باب الخروج من النار فسهّل المعاصي لمن شاءها من الفجّار حين نفى عنهم الخلود والأمر فيه بالعكس، لعدم ما به من اللبس، وإنما ذلك من دعوى اليهود فلا تقبلوها، فإن الله قد أنكرها، على من قالها فأظهرها، ما هذا الذي تسوّل لكم به أنفسكم فترجونه من الوصول إلى ما تؤملونه، وقائدكم أعمى، وسائقكم إلى هوة الردى حادي الهوى، بدليل ما أقامه من الأدلة، في كشف شبهاته على طريقته المضلة، لأن له تأويلاً غير ما رامه بها ما أجهله بالفرق بين كفر المنعم وكفر النعمة، فسبحان من أعمى قلبه عن رؤية الحق حتى جعل الكفر في أنواعه، كلها شرك في نزاعه، فأضل جميع أتباعه، إذ لا يجوز فيهما إلا أن يوضع كل منهما في موضعه، الذي له، ما أوضح خطأه، الذي فضح به نفسه، فاعرفه يا هذا مجملا، فإنا لو زدنا في بيانه مع الرد عليه لاتسع الخطاب بذكره مفصّلا، ولكنا أعرضنا لأنه في هذا الموضع لا من غرضنا، فإن ترد الزيادة فارجع فيه إلى ما قد أودع الأثر مصرحاً به لمعنى الإفادة، وعرّفه من تقدر عليه من الوهابية فقل لهم لقد أضلكم هذا الرجل فألقاكم بقيعة جهلاء، وأراكم سراباً يحسبه الظمآن ماء حتى إذا (1/230)
صفحة 231
جاءه لم يجده شيئا فضلاً أن يكون الزلال شرابا، فأنت في فرطة فإن كان لكم إرادة صادقة في دار السعادة فبادروا بالخلاص، من هذه الورطة قبل أن لات حين مناص، فإنكم على شفا حفرة من النار، فإن ترجعوا عنها وإلا فلا بد لكم منها، ويا من صبا من العمانية إليها، ليت شعري ما الذي حملكم عليها ، أهو لشدة رهبة من أهليها ، فيعذر من اتقى إن أظهر ما جاز له في الإعلان ، فأسر في قلبه ما قد أضمره من الإيمان، ولم يأت ماليس له أن يفعله من الأركان، ويحوز الفضل من امتنع منها ظاهراً فابدى الله نكيرها، ولم يرض بها قليلها وكثيرها، أو كان هذا لرغبة منكم عن جهل بأوامها، أو علم بحرامها، أفلا تسألوا أهل الذكر عنها قبل مرامها، فإنهم القادة، لمن ألقى إليهم قياده، فلا تقبلوا من غيرهم قولاً ولا عملا، في عموم ولا خصوص إلا ما عرفتموه عدلا، فجاز لكم أو لزمكم أن تقولوه أو تعملوا به حينا، وإلا فلا يجوز لهم أن يتأسى بهم فيما يفعلونه، ولا أن يقبل ما يقولونه رأياً ولا دينا، لأن قبول غير الحق لا يجوز في توحيد ولا صلاة ولا زكاة ولا صوم ولا حج ولا جهاد ولا في شيء من الأشياء في موضع رأي ولا دين، وليس فيهم على ما يكون من نحو هذا بأمين، ونزل بساحتكم من هذه الفتنة العمياء والداهية الدهياء ما قد بان ضرره، فيمن دنا منه فأضاء به شرره، فلم أسرعتم الوثبة إليه، وهذا في الذي كنتم عليه، وبه النجاة ولا شك لأنه العروة الوثقى والحبل المتين من ربكم، فإن تكونوا في ريبة من إفك من القول على الله كذبا، فدان في أهل الإقرار بالشرك، فاقرأوا رسالة المهنا بن جيفر مع ما دونه خلف بن زياد في سيرته، وانظروا إلى ما أرسل به محبوب بن الرحيل إلى عمان في أمر هارون بن اليمان، حين زل وأبى أن يرجع فضل، وما لغيرهم من السير مثل أبي الحواري وأبي قحطان وأبي المؤثر، لعسى أن تجدوا ما قد ثبتوه في ثروة عن الأولين هداية لمن في زمانهم، ولمن يأتي من في الآخرين، فتعرفوا (1/231)
صفحة 232
ما كان عليه من عاصر النبي - صلى الله عليه وسلم - من أصحابه، من منافقي أهل زمانه أو من المشركين، من شيء أخذوه مشاهدة من أفعاله، أو بالسماع مشافهة من لسانه، فحملوه علما، وعملوا به فيمن صح عليه حكما، فتكونوا لهم تابعين، وعن قول أهل الغباوة معرضين، وبصالح سلفهم متمسكين، وإلا فلكم البشرى بالعذاب المهين، إن أقمتم على ما أنتم به حتى متم، والعياذ بالله من شر العمى، ومتابعة الهوى، ومن الضلالة بعد الهدى، وبلغني عن الواصلين إليكم أنهم يجبرون الناس بالعصي على الصلاة في الجماعة، ولا يعذرون من تفوته وإن أمكن في حقه أن يكون لعذر فينكلونه كمن عصى، إلا وربما يقوم إليها من جاء من الخلا، فيدخل فيها لا على طهارة خوفاً من الأذى، وليس هذا من فعال الصالحين في شيء، وأنتم ربما ألزمتموه على فواته غرما، وأئمتهم الأربعة مختلفة الرأي في أنها فرض عين أو على الكفاية، فهما وجهان لنا ولهم أيضا معنا وليس في أحدهما ما يدل على خروجه من الصواب جزما، ورأيهم في الجمعة متفق على لزومها في الأمصار، وفي القرى الخارجة عنها مفترق، وأنتم تجبرونهم على إتيانها قهرا فيما حولنا من الديار، من هذا الذي أجازه لكم من الأحبار، أم هو إلا رأي منكم رأيتموه وأنتم لا من ذوي الأبصار، بل لو كان في موضع يجوز أن يختلف في وجوبها فيه أو في جوازها أليس على كل منهم أن يعمل على ما رآه فيكون عليه ما لكم ولهذا تركتم ما دان به من قد بقي على الدين الإسلام، بالقطع إلى ما ليس له في الشرع أصل ولا فرع، أفاكفاكم ما أنتم به من الإحن، وما قد بليتم به من المحن، وزلازل الفتن، حتى وقعتم لليدين والفم، في هذه الموبقة لمن نزلها يوم الدين، ألم تعلموا أن الله ما سلّط عليكم أشراركم، إلا من بعد أن أقبلتم على الدنيا فنسيتم الآخرة، ونبذتم خياركم وراء ظهوركم، وملتم إلى من رأيتم الدنيا مقبلة عليه، طمعاً في الذي بين يديه، وضيّعتم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولم (1/232)
صفحة 233
تبالوا بترك اللوازم، ولا بانتهاك المحارم، وسودتم من الأمانة له ولا خير فيه، فعندها ظهر الجور فكثر العناد، وخفي العدل فعظم الفساد، حتى فشا في البلاد، فالطرق تقطع، والرجال تضرب فتقتل، والأموال تنهب فتؤكل، عقوبة من الله عاجلة، ومن ورائها أخرى آجلة، هي أشد منها وأبقى أو ليس هذا بالحق أم هي إلا دعوى كاذبة، لعدم مطابقتها للصدق، وقراؤكم كفرة وأمراؤكم جورة، وعوامكم أكثرهم فجرة، فأين أهل التقى ما لي لا أراهم فيكم إلا أن يكونوا في قلة، على ما هم به وعليه من ذلة، لعدم أنصارهم، وتباعد ما بين ديارهم، أو لغيره من أعذارهم، إن أحق ما بكم أن يقال فيكم ما قد قيل:
لقد أسمعت لو ناديت حياً ولكن لا حياة لمن تنادي (1/233)
صفحة 234
وكيف لا كذلك وآذانكم لا تصغي لنصيحة كأنها لا تسمع، وأعينكم لشدة ما بكم من قسوة لا تدمع، وقلوبكم لما بها من ظلمة أقسى من الحجر الأصم فلا تخشع، وأفئدتكم هواء فالموعظة فيها لا تنجع، تباً لكم ما أقبح أعمالكم، وأسوأ أحوالكم، ولا عهد ولا ورع، فلا أمانة ولا وعد، رضيتم من الله بالأدنى، فأعرضتم عما يقربكم إلى الله زلفى، ونأيتم عما دعاكم له من التقى، وقد أخبركم أن الآخرة خير وأبقى، كم قد أمركم بالذي يرضاه لكم، فيقربكم منه فلم تأتمروا، ونهاكم عما يكرهه إليكم ويبعدكم عنه فلم تنزجروا، فتارة يحذركم من نفسه، ويتوعدكم بعقابه إن عصيتموه فلم تحذروا، وتارة يعدكم ثوابه إن أطعتموه فلم تشكروا، وهو الذي خلقكم وصوركم فأحسن من فضله صوركم، وجعل لكم السمع والبصر والأفئدة فلم تتفكروا، وأسبغ عليكم نعمه الظاهرة والباطنة فلم تتذكروا، وناداكم أن هلموا إليّ لما لكم به من فائدة لحظ وافر فأبيتم إلا أن تنفروا، وهداكم النجدين فلم تبصروا، وعجّل لكم من نقمه ما به يعظكم فلم تعتبروا، إن أولى ما بكم أن يصلي عليكم من قد عرفكم من صالحي زمانكم أربع تكبيرات صلاة الموتى، فيقول في دعائه (وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) (1) فإنهم قد أصرّوا فلا يتوبون من ذنوبهم ولا هم يذّكرون، صم بكم عمي فهم لا يبصرون، وأن يقبل عليه بعد الفراغ فيعزيه من قد حضره أو يعزي نفسه من ناصري دين الله فإنهم قد صاروا في بطن الثرى، وبقي من لا دين له فالناس كما ترى، ليس فيهم إلا من تخلى من الورع، فتحلى بدل الطمع، وتلبّس بالمكر والخدع، فلا يفرق بين الحلال والحرام، ولا يبالي بمعونة أهل الجور على ما هم به من الضلال، يميل إلى أهوائهم، إن دعوه فأجابهم في الحال، فأطاعهم فيما يأمرونهم به من الظلم، غير ناظر لما فيه من الإثم، قد أسكره حب الدنيا أن أطمعوه بشيء من المال، نسي ماله من عاقبته في المآل، ما أجرأه على الله قد فتح فاه، واتبع
__________
(1) 1 – هود : 44 (1/234)
صفحة 235
هواه فأهمل أخراه، فلا باليسير يقنع وإن كفاه، ولا بالكثير يشبع من دنياه، يصبح ويمسي في عماه، إلا قليلاً منهم في أهل مواضع متفرقة، لا يقدرون على إقامة حق في الورى، ولا دفع باطل جرى من هؤلاء الأمراء، أو من يكون من أعوانهم، أو كان على مثالهم من أهل زمانهم، الذين قد أظهروا كفر النعم نفاقا، ولم يزالوا في محاربة المنعم شقاقا، وكل أعلم بقدرته وعجزه، فإن تقدر على إزالة شيء قد ظهر من مناكرهم على ما جاز من أفاعلك، وإلا فانه منك لهم عنه بلسان مقالك، وإن تعجز فلا بد أن تنكره ببالك، وكفى به عما زاد عليه في حالك، فارجع إلى نفسك فإنها أحد أعدائك، فاحذرها ولا تتبع في كل يوم أمرها، وعالج ما تجده به من داء بماله من دواء، حتى تصلح لأن تقوم بأمر ربها، وإياك أن تدعها مرسلة، أو أن ترضى عنها فتتركها مهملة، فإنها أمّارة بالسوء ميّالة إليه، تفر عن الخير إلا أن تكرهها عليه أولاً، فعسى أن تحبه آخراً فتكره ما سواه، لما به لها من الضرر، فالحذر كل الحذر أن تكون غافلاً عنها فيما تأتي أو تذر، وبعدها فالأمر والنهي لغيرها على قدر، فإن اتبع وإلا فلا ضرر، إلا على من أبى فاستكبر، وأمره إلى الله فيما قل أو كثر، وما ربك بغافل عما يعملون، تم الجواب. (1/235)
صفحة 236
بيان : وقال أبو نبهان في موضع آخر: وصلني كتابك أيها الشيخ محمد بن مقرن النجدي سلّمك الله تعالى وعافاك، وما أحسن ما ذكرته من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلا أن من حبي لكم ألا تكلّف الناس فعل ما وسعهم تركه، ولا ترك ما جاز لهم فعله في صلاة ولا زكاة ولا صوم ولا حج ولا جهاد ولا غيرها فإن ذلك مما لا وسع فيه لعدم ما به من سداد، وبلغني عن أناس أشرار من أهل عمان أنهم يجبرون على الجمعة في غير الأمصار، وقد اختلف الأئمة الأربعة فيمن يكون بالقرى الخارجة عنها هل تلزمه أم لا، وما جاز عليها الرأي فلا يجوز أن يؤخذوا به في غير موضع الأحكام قهراً، لأن على كل منهم أن يكون على ما رآه أقوم قيلا، وأهدى سبيلا وما خرج على وجه الفضيلة فهو لمن اختاره، وفي قول من نعلمه من هؤلاء في الكفت ورفع اليدين والقنوت في الصلاة وقول آمين ما دل على أنها لا من وظائفها التي لا تصح إلا بها، وبلغني عن الأمير سعود بن عبد العزيز في شيء من هذه الخصال أنه يأمر أن يكون كل في قوله وفعله على ما في مذهبه لا على غيره من أجله، ومن الواجب على أميركم هذا فيما يرد إليه من الأخبار على ألسنة الفسقة من أهل عمان أو غيرهم أن لا يبادر إلى قبوله قبل التبيان عملاً بما جاء عن الله في القرآن، وأنتم الواصلون وليس الخبر كالمعاينة إلا بما صح بالشهرة، فعسى أن يكون أصح من الخبرة، وكفى بما ظهر عما بطن، فلا تتبعوا ما استتر، ونحن ما عندنا من الاستغاثة بأهل القبور، ولا الذبح لغير الله شيء اللهم إلا أن يكون من جهة الرياء أو ما أريد به لمجرد عرض من الدنيا، لا لوجهه الكريم عز وجل وعلا، فربما، وكل في هذه الأمور أدرى بما أكنه في نفسه فأضمره، إلا أنه وإن كان فعسى أن لا يبلغ بالذبيحة إلى تحريمها على من فعله ولا على من أخبره أو صح معه بغيره من هذا ما قد أظهره، والغيب لمن له الأمر في الخلق لا لغيره في شيء والناس لهم في الظاهر حكم السلامة من نحو هذا في (1/236)
صفحة 237
الحق ما لم يصح على أحد منهم ما به يخرج منها إلى ما قد نزل إليه فيجوز أن يقضي به عليه، وإلا فلا جواز له، ألا وأنه قد يكون في كثرة لحياء مفرط أو تقية على دين او نفس أو عرض أو مال، ولا بأس على من فعله دفعاً لما قد نزل به من هذا الحال، وكأنها والعلم عند الله لا أثر لهما في المنع من حلها إلا على من أدخلهما عليه شيئاً منهما فأورثه الضرر، لكنه من العرض الممكن فيه بالقطع كون زواله مهما ارتفع موجبه مسارعة في حاله، والله أعلم، فينظر في ذلك، والسلام من العبد الفقير إلى الله جاعد بن خميس الخروصي.
رسائل من العلماء إلى المؤلف وغيره من المشائخ
بيان: وعنه أيضاً:
بسم الله الرحمن الرحيم إلى الشيخ المحب الصفي الولد الثقة الحفي سالم بن مسعود العبري سلّمه الله تعالى وبعد بلغني أنكم دخلتم بلد بهلا، والحمد لله لكن اجتهد في ردع القوم عن الفساد في البلاد والعباد غاية الاجتهاد، واجعل ذلك لله لا لغيره، وإن كان القوم أخذوا شيئاً فاجتهد في رده ولا تتركهم على سولهم والحق أولي ما اتبع، ومن المحال أن يقوم الحق بالباطل، فاجتهد فإن الدنيا دار زوال، وإن كان الشيخ المحب الولد محسن بن الشيخ علي بن ناصر التنوفي عندكم فأقرأه مني السلام، وقل له بمثل ما به عرّفتك، وهذه مني لكما نصيحة، وإذا بلغ إليك شيء من الأخبار عن الأخ سعيد بن هلال الرمحي فلا تلتفت إليه فليس كل خبر بصحيح، وعرّفنا ما أنتم عليه من الأحوال كما أمكن بلا مشقة وأنا الآن في بلد العوابي، وإنما وقفت فيها لأجل تسديدهم وتقوية عزمهم لأخذ حزمهم، وأعرّفك أن سمائل أخذت على سعيد الذي يسمي نفسه إمام المسلمين لتعلم ذلك والسلام، من المحب الفقير إلى الله جاعد بن خميس الخروصي.
غيره : وهذا خط الشيخ ناصر بن أبي نبهان : (1/237)
صفحة 238
بسم الله الرحمن الرحيم إلى الشيخ الأجل الأكمل الأعز الأشرف الأخ التقي النقي الصفي الوفي الكامل الفاضل الورع خميس بن راشد العبري السميدع أعزه الله ونصره وحماه ووفقه لما فيه رضاه، وبعد لم تزل القلوب مشوقة إلى لقائك كل يوم على زيادة ويا أخي ذكرت لك في مسكد أني رأيت في المنام رؤيا حسنة ببلوغ المطلوب من جماعتك العبريين ومن الشيخ محسن، وذكرت لك لعلك تدخل بينهم بصلح يصلح الجميع، والمبالغة في الجفا مخوفة معقوبة بالدوائر، ولكن أرى الصلح إن كان محسن مطلوب بعده كان لا بأس اصنع صلحاً يكون أهله وأولاده الذين يأمنون منهم أن يسامحوا بالطلوع والهبوط في أموالهم وحصادها والنظر إليها والذي لا يؤمنوه صحيحاً لا أننا لأنا منه لعدواة وبغض يكون في معزل، وفي نفسي وما أراه في الرؤيا في المنام أنهم الآن ما قصدهم الشر ولا الضر ولو لم أصنع لهم أمراً يقوم مقام الحساب لما عرفتك، وبنفسي عرفتك بما لا ضرر عليهم لا على هؤلاء ولا على هؤلاء، ويترك المطالبة والدغائل في ما بينهم فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول:(من صبر على أذى جاره ملّكه الله ولاية داره) ومن صبر ملك والدنيا دول، والله الله في الصلح في الصلح في حالهم على ما عرفتك إن قبل منك ابذل مجهودك، وإن عجزت فلك العذ ، والآن أراه لك عذراً ولكن قربة وكرامة إن تقبلت، ولو شقوا القلوب العبريون منا لما وجدوا فيها ساكناً وقاطناً إلا العبري، ويضيرنا أدنى ما يفرح به أعداؤهم لأننا صرنا حالنا واحد من دهر الشيخ راشد بن مالك بعهود ومواثيق، فالآن هم أحب الناس إلينا وأقربهم معنا، إن وجدونا كذلك في نفوسهم وإلا فهم في أنفسنا كذلك على كل حال، من محبكم وصغيركم ناصر بن جاعد. وعرّفّني بما يكون بعد بذل الجهد وعرفتك لا بعلم من هذا ولا من هذا الغريق إلا همة نفسي وذكر قلبي لم يزل فيكم ويذكركم ومتحير في إصلاح شأنكم والسلام.
بيان: وعن غيره: (1/238)
صفحة 239
بسم الله الرحمن الرحيم إلى الشيخ الأجل الصفي الوفي الأخ العزيز خميس بن راشد بن سعيد العبري الكدمي سلمه الله وعافاه مما ابتلى به كثير من خلقه، أحبائك وإخوانك بخير وعافية جعلك الله في خير إن شاء الله، وبعد كتابك الشريف إلينا وصل بعد برهة من الزمان حتى ظننا أن حبل الاتصال مسه انبتار وانفصال، والحمد لله على كل حال، وقد فهم صغيراك وإخوانك من كتابك ما قدر الله لهم فهمه من فحواه، على قصور بصائرهم عن الإحاطة بجميع ما احتواه، مما أوردت لهم فيه شرحاً ورمزاً وإطالةً ووجزاً، من معنى الفتنة الواقعة بإزائكم فذلك بقضاء الله وقدره الجاري على حكم مشيئته السابقة في عالم غيبه لا راد لقضائه ولا معقب لحكمه، يفعل بنا ما يشاء ويحكم فينا ما يريد، لا قدرة لأحدنا بنقص ولا مزيد، عما هو قد شاءه، فعله من الجاري على خلقه، ومن خلقه وفي خلقه، كلا ولا محيد، بل على المؤمن إن إذا نزلت بقربه الفتن ملازمة سربه وقهر نفسه بزمام قلبه، وتجانب التعاطي في مراعيه والتمطي في مساعيه، ويتق الله بملازمة طاعته، فمن كانت منه هذه الخمس الخصال وأخلص فيها لله فقد نجا، ومهما عارضه المعترض عليه في أي مكان وفي أي وقت كان حيث كان في المكان المباح له القيام به والمسعي فيه فعليه جهاده ما أمكنه وإلا فالمتاقاة له والمدافعة عن نفسه وماله بماله أو ما قدر عليه من احتياله الواسع له في دين خالقه بالدين، أو على رأي من آراء أهل الحق، وفيما ذكرته من الخطاب بمعنى المذاكرة والسؤال فنحن لم يحضرنا في وقتك هذا معنى يمكننا أن نقوله نظراً ولا بقي بالقلوب حفظاً عن أحد قد وجدناه أثراً، لأن الأعراض التي تألبت علينا قد أثّرت بالقلوب الأمراض، وذلك مما نرجوه أنه غير مخفي عليك كونه حتى نفسره لك وبالتلويح في هذا وغيره كفاية لمن منّ الله عليه بالهداية عن التصريح، وكن شيخنا وأخانا ومحبنا عاذراً مسامحاً عافياً صافحاً عن صغيراك وإخوانك ولا تأمل ذلك من ترك (1/239)
صفحة 240
الجواب الجفا بل هو من بلادة أثرت زهادة عن التخبط فيما لا علم لهم به وهو من محض الصفا لمن طلب الاصطفا، وعليك منا جزيل السلام، والتحية والإكرام، من الفقراء إلى الله تعالى إخوانك بشير بن محمد وعلي بن سليمان وخلفان بن محمد وناصر بن محمد وكافة الجماعة مع كاتب الأحرف عن الجميع الفقير الحقير الصغير عامر بن علي بن مسعود العبّادي.
للشيخ علي بن ناصر:
در القلائد من منظوم أشعار ... بها غنائي وتكريمي وأوطاري
وكم أسدّ بها أزري وأشركها ... بقرد أمري وأطفي جذوة النار
وكم خربت بحسناها أخا كرم ... تهمي يداه فنزري سيب أمطار
والعلم أفضل ما يعطى الفتى ومتى ... يختاره فتراه خير مختار
ومشترٍ منه حرفاً فهو باخسه ... لو كان ينقد فيه ألف قنطار
ماذا يعادل في الدنيا فضيلة من ... به ينال رضى الواحد الباري
وفي الدنا سلّم في نيل كل منى ... وقد يجرك من ذلٍ وإقتار
فبادروا واطلبوا التعليم ثم صلوا ... ليلاً بصبحٍ وآصالاً بأسحار
الذكر الحادي عشر
أوله ذكر منازل القمر السعيدة للسفر، وفيه دواء للحفظ، وفيه ما يجوز أخذه من ماء الآبار والأنهار، وفي التيمم والصلاة مع الشدة، وفيه في الدماء والفروج، وفيه ذكر العنّين و ضعيف الباه وسبب عللهم ودواؤهم، وفيه علة الجذام ودواؤها ووسمها أجارنا الله منها.
منازل القمر السعيدة للسفر
قال ذو الغبراء: قصدت يوماً إلى السفر، وشاورت الأهل ومن حضر، فقال لي صاحبي: انظر إلى منازل القمر التي هي سعيدة لسفر البر والبحر، فأولها الشرطين والهقعة والنثرة العوا والنعايم وسعد السعود وبطن الحوت الفرع المؤخر، فلما سمعت كلامه عمدت إلى (1) أخذ الزاد، وقلت أين الدليل والصاحب الذي هو من أهل الرشاد؟، قال رجل: أنا صاحبك إن كان سفرك لزيارة العبّاد والزهاد، ثم أقام إخواننا في تشييعنا ومن حضر في البلاد حتى خرجنا إلى الصحراء فوادعنا أصحابنا، وقلنا: اللهم أنت الصاحب في السفر والخليفة في الأهل والمال والولد.
__________
(1) - في الأصل : على (1/240)
صفحة 241
دواء للحفظ
قلت لذي الغبراء في طريقنا: إني بليت بالنسيان فهل معك شيء من الدواء للحفظ؟ فقال: خذ مرمكي وسعد هندي وفلفل أبيض ولبان وزعفران أجزاء بالسوية ثم يخلط بعسل النحل ويضرب على النار، ويؤكل منه كل يوم بقدر مثقال من قبل أن يأكل شيئاً ولا يأكل شيئاً بعده حتى تمضي عليه في معدته ساعة.
ما يجوز أخذه من مياه الآبار والأنهار
فقلت له: بيّن لنا يا ذا الغبراء مما يجوز لنا أخذه من الموارد والآبار والأنهار؟، فقال: أما الموارد المعروفة بالطرق فلا تسأل عن طهارتها ولا عن نجاستها وخذ منها ما أردت لحاجتك للطهارة والوضوء ولعمل الطعام، وكذلك الأنهار استق منها إلا إذا كانت مغتصبة، وأما الآبار فاستق منها بدلوك لما تريد، وأما بدلاء أرباب البير أو مما طلعوه بالزجر فلا يجوز إلا برأيهم أو بإذن الزاجر، وأما إذا كانت مغتصبة فلا تستقي منها، والتيمم أولى عن مائها إذا لم تجد غيرها، وكذلك إن وجدت ماءً نجساً أو كان منتناً ولو كان غزيراً أو كان الماء جارياً ولم تطقه الكبد حتى لو كان ماء البحر ولم تقبله النفس ولم يستطع على الوضوء منه فالصعيد جائز للتيمم مع وجود ذلك.
بعض أحكام التيمم والصلاة وآداب الألفة
قلت له: فإن أدركنا العدو وحضرت الصلاة ولم نقدر على الوضوء ولا على التيمم بالتراب كيف الرأي؟، قال: إن قدرت أن تومئ بكفك في الهواء وتنوي التيمم فذلك حسن، وإن لم تقدر فاقرأ (1) التيمم بقلبك وأحرم وأنت مقبل بوجهك إلى القبلة، واقرأ الصلاة إن قدرت وإلا فكبر خمس تكبيرات لحضور كل صلاة ولصلاة عشاء الآخرة والوتر عشر تكبيرات على القول المعمول به أكثر، لا فرق بين هذا والمريض، ولا عذر لك عن ذلك إن خفت يذهب عليك وقت الصلاة.
__________
(1) 1 – المقصود بالقراءة هنا النية أي ( فانو) (1/241)
صفحة 242
قلت له: وما الرأي إذا أراد الإنسان ألفة رجل وامتنع عن قربه ؟، قال: يقدم له العطية من الدراهم والأمتعة والكسوة له ولمن يعوله مرة بعد مرة قبل أن يسأل عن إرادته فإنه يلين له بعد اللقمة، أما ترى الطير والسباع والدواب تألفك باللقمة حتى تحل بها النقمة.
قلت له: كيف أرى الناس مختلفة ألوانهم وألسنتهم بالنطق، وما السبب لذلك؟، قال: شرح هذا يطول من الكتاب وأما في بعض الصفات التي تكون في عامة أهل البلد فقد يكون في بعضها من إئتلافهم على الشيء كالنطق في بعض الصفات من ذلك قد يكون بتغيير الأهوية والأروض بالطبائع الأربعة فانظر في هذا لعقلك وتفسير ذلك لا يستقصى.
مسائل في الدماء والديات والفروج (1/242)
صفحة 243
قلت له: هل حفظت شيئاً من المسائل في الدماء والفروج حاوية من الأخبار جامعة من الأحكام لتحدثنا بها في طريقنا؟، قال ذو الغبراء: أخبرني بمثل هذا أحد الأخوان عن رجل سافر هو وزوجته إلى بلد السلطان فلما وصل دار الملك أمر له ببيت في البلد ليسكنا فيه فأقاما فيها، ثم أقبلت قوم وهجمت على البلد ظلماً وصح بين الفريقين القتل والجراح، وخرج الرجل الغريب جاذباً سيفه ليقاتل مع أهل البلد المعتدين عليه فوجد رجلاً وحسبه من المعتدين فكر عليه بسيفه فلما رآه الرجل مقبلاً عليه نادى يا آل فلان اجنبوني لهذا الرجل المعتدي على فقتله حين استغاث بعشيرته ثم صح أنه من أهل البلد لا من المعتدين وكان الرجل الذي قتل معه ابن فرفع سيفه على قاتل أبيه فقطع حاجباه ، فصاح من حضر معهم: ضيف الأمير ضرب، فجاء الأمير وخدمه مسرعون فرأى ضيفه يسيل دمه على جنبه وحملوه وقبض ابن المقتول، وكان المقتول معه ابنة فسمعت بقتل أبيها فأسرعت إلى زوجة الغريب فقطعت ثديها اليمين وقطعت حلمة ثديها اليسار، وبركت في بطنها حتى طاح جنينها يصيح ومات الجنين في يومه، فسمع السلطان بما جرى على زوجة الغريب فحضر الناس وسألهم، فقالوا يحضر الحاكم والخصمين ويحكم بينهم فحضرهم السلطان في مجلسه وسأل الحاكم أولاد المقتول وسأل الحاضرون فشهدوا بما عندهم صدقاً لا زوراً، فقال الحاكم: اسمع أيها الأمير إن المقتول دمه هدر لأن النداء يا آل فلان في الاستعانة عند الثائرة لا يجوز ويهدر دم من قتل على ذلك، هكذا وجدناه في الأثر عن أهل العلم والبصر، وأما الغريب فله دية تامة بذهاب حاجبيه وأحكم بالدية تامة على ابنة المقتول للجنين الميت بعد الحياة وأحكم عليها بنصف دية امرأة لثدي المرأة وهي ربع دية الرجل، وأحكم بذهاب حلمة ثديها الثاني بعشر دية الرجل، ولو كانت ذاهبة حلمة ثدي الرجل لكان بنصف عشر الدية له خلافاً في هذه المسألة، ديات النساء أكثر عن دية الرجل، انظر في هذه القصة قد (1/243)
صفحة 244
ذهب مالهما وأبوهما في حكم واحد.
قال ذو الغبراء لصاحبه: لعلك تبين لنا صفة الديات والطرح من النطفة إلى تمام الولد؟، فقال: اسمع يا ذا الغبراء إن الديات كثيرة فأنبئك أولاً عن شعر الرأس إذا نتف أو حلق ولم ينبت فله دية كاملة، وكذلك الحاجبين إن ذهبا بلحمهما فلهما دية كاملة ومثلهما العينين دية، وذهاب الأذنين دية، وفي الشفتين دية، وفي اللسان دية، وفي ذهاب الكلام دية، وفي الأنف دية، وفي ذهاب الضروس كلها دية، وكذلك ذهاب شعر اللحية دية إذا نتفت أو قلعت ولم تنبت إلى سنة، وفي ذهاب الأصابع العشرين دية، وفي اليدين دية، وإن كسر الصلب وجبر منحنياً فله دية، وإن ذهب منه الجماع فله دية، وفي ثديان المرأة إن ذهب اللبن دية، وإن امتنع الحمل من المرأة، أن لو صح أنه من فعل فاعل بصحة يقوم فيها الحجة بشرع الله ولكني أرى صحة ذلك شبيهة بالمتعذر وجودها لأن ذلك من علم الغيب، وإن ذهب العقل فدية، وفي الجنين دية، وفي قطع الذكر دية، وفي قطع الحشفة دية، وفي البيضتين دية، وفي اختلاط القبل والدبر دية، وفي الرجلين دية، وإذا لم يملك بوله دية، وذلك إذا لم يقدر على الغائط دية، ومن وطئ زوجته وهي صبية فماتت فلها دية إذا كانت ممن لا تطيق الوطئ وكانت بحال ممن يقتلها الوطئ، وأما إن كانت بالغاً كانت ثيباً أو بكراً فعلى قول لا شيء لها، هذا المذكور في جامع ابن جعفر منقول. (1/244)
صفحة 245
وإن استرشده أحد في الطريق فلم يرشده أو استسقاه فلم يسقه أو أراد منه الإطعام فلم يطعمه وهو قادر ومات فعليه دية، أو كان سمع صبياً يصيح فوق شجرة أو هجم عليه شيء من الدواب وهو قادر على إعانته ولم ينقذه فعليه دية، ومن وجد رجلاً يطأ زوجته فله قتلهما جميعاً في كل مكان إذا رأى الجماع، وأما إذا رأى الرجل لازقاً في بطن زوجته ولم ينظر جماعاً فله قتل الرجل وأما المرأة فلا يجوز قتلها حتى يرى الجماع، والناكح للرجال والدواب يقتل، والمنكوح من الرجال يقتل أو يهدف من جبل، والمرأة إن أوطت نفسها الدواب إن كانت محصنة رجمت وإن كانت بكراً جلدت، ومن فزّع صبياً فخرج منه البول فله عشرة دراهم من فزعته منه إذا تبين أنه من قبل ذلك، وإن خرج منه الغائط فله عشرون درهماً، ومن ضرب امرأة أو أفزعها فألقت جنينها حياً ثم مات فعليه دية، وإن خرج ميتاً ففيه غرة، فإن كان ذكراً فستمائة درهم، وإن كانت أنثى فثلاثمائة درهم، فإن طرحت مضغة فتسعون درهماً، وإن طرحت علقة فمائة وثمانون درهماً، وإذا كان تام الخلقة ولم يستبن أنه ذكر أو أنثى فذلك أربعمائة وخمسون درهماً، فإذا استبان خلقه فللذكر ستمائة درهم وللأنثى ثلاثمائة درهم، وإن خرج حياً ثم مات فدية كاملة، وأما اللطمة إذا أثرت فلها بعير، وإن لم تؤثر فلها نصف بعير، والفقدة والكسعة للمؤثر عشرة دراهم، والوجية مثل ذلك، والوجه في هذا مضاعف عن سائر البدن، وأول الجروح الدامية والباضعة واللاحمة والسمحاق والموضحة والهاشمة والمأمومة، فللدامية بعير، وللباضعة بعيرين، وللاحمة ثلاثة أبعرة، وللهاشمة عشر من الإبل، وللمأمومة ثلاثة وثلاثون بعيراً وثلث بعير وهو ثلث الدية، وإن أردت توضيحه فاطلبه من الأثر.
وفصول الدية من الإبل مائة ومن البقر مائتان ومن الجعد ألفان ومن الدراهم اثني عشر ألف درهم، والمقتول دون ماله ولو على نعله فهو شهيد،
والخطأ أن يريد الرجل الشيء فيصيب غيره فهي دية على العشيرة. (1/245)
صفحة 246
وأما القسامة فقد عملت بها أئمة العدل، ومن ذلك أن يوجد الرجل قتيلاً بين القريتين وبين الحيين أو في القرية ولا يدرى من قتله، وأما القريتان والحيان فإنه يلزم ديته أقرب القريتين والحيين إليه، وينظر من أهل الصلاح منهم خمسون رجلاً فيحلفون بالله ما قتلنا ولا علمنا له قاتلاً فإذا حلفوا قسمت الدية على أهل القرية من حلف ومن لم يحلف كمن نكل عن اليمين أدى الدية كاملة، وليس لعبد قتل في قرية لا يدرى من قتله دية إلا أن يعرف من قتله فيؤخذ به، والله أعلم.
وذكرت لي تريد قصة في حكم الفروج؛ فقد حكي لي أن امرأة تزوجت صبياً فدخل عليها وبعد دخوله بتسعة أشهر ولدت المرأة، ثم مكثت سنتين وجاءت بولد آخر، ثم مات زوجها الصبي من قبل أن يبلغ الحلم، فتربصت المرأة أربعة أشهر وعشرا، فحازت المال جميعه لها ولأولادها، وأرادت أن تتزوج، وجاءت إلى الحاكم ليقسم المال بينها وبين أولادها وأرادت صداقها، فقال الحاكم: هل عندك أوراقاً؟، فقالت: حقي ألف درهم ولم يكن لي أوراقا لأن زوجي صبياً، ولم يكتب عليه أحد من الكتّاب، فقال لها: ومن أقرب عليه زوجك؟، فقالت: ليس له عصبات ولا أرحام ولا من ذوي السهام إلا أنا وأولادي، فقال لها: مال الهالك لبيت المال، وما أكلتيه فارجعيه إلى إمام المسلمين، وليس أرى للصبي أولاد لأن الأولاد من الماء الدافق والصبي ليس يخرج منه ماء، وأولادك ليس من الصبي، ويلزمك التعزير قد صنعت شيئاً فيه ريبة، فهذه القصة فرق بينها وبين القصة المرأة التي معها زوج، واغتصبها رجل على زوجها وأتت منه أولاداً، قيل ليس هم بأولاده، ولا على المرأة جزاء، ولا يرثوه، وقيل لأن الولد للفراش وللعاهر الحجر.
وكل من أقر بولد من امرأة ولها زوج حتى لو كان الزوج صبياً فلا يصح إقرار الزاني بالأولاد في هذا الموضع، وأما إذا لم يكن للمرأة زوج وأقر به إنسان أنه ولده من زنا، ففيه قولان أنه ولده ويرثه وقول لا، والله أعلم. (1/246)
صفحة 247
وأما الرجل المقطوع ذكره والذي لا يقدر على الجماع ودخل على المرأة وسافر ( هنا نقص...) وأتين بأولاد فأولادهن لأزواجهن المذكورين، وإن مات الزوج فلها الميراث والصداق وعليهن العدة، وكذلك الذي طلق زوجته وأتت بولد بعد الطلاق إلى سنتين فالولد ولده، وأما الرتقاء فإن مات زوجها فلها منه الميراث وليس لها الصداق، وإن أراد أن يطلقها فلا لها صداق ولو نظر ولمس، وأما الرتقاء إن تزوجت ولم يعلم بها الزوج فإنها تؤجل سنة لتصلح نفسها فإن لم تصلح فيطلقها زوجها ولا عليه صداق لها؛ لأن الأمر في الاعتضال منها، ومن كشفت عورتها لطبيب لينظر أمرها فجائز لها ذلك وهذه ضرورة، فإن كانت السدة من الالتصاق فيشق ذلك الالتصاق شقاً بالطول بالآلة التي يقطع بها البواسير والنواصير بموضع عريض فإن كانت عن لحم نابت فينبغي أن يعلق ذلك اللحم بصنارة في الوسط، وكذلك إن كان صفاقا فتقرب فيه الصنارة وتمد وتقطع بالمبضع، ثم يلقى على الجرح الأدوية القاطعة للدم والأدوية المخففة من غير لذع، ثم بالمراهم التي تلئم اللحم مثل الشحم والسمن والحل من كل واحد جزء ثم يذاب على النار فإنه مرهم جيد، وأما الذي يقطع الدم كورق الجوز المدقوق يذر على الجرح ومثل الشب والعفص وثمرة الطرفا مجموعة أو فرادى. (1/247)
صفحة 248
وأما العنين إذا أقر أنه لم ينكح امرأته وأنكرت هي فلا يصدق قوله، وإن أقرت هي أنه لم ينكحها وأنكر هو فلا تصدق عليه، وإن اشتكت مع الحاكم فيعطيه الحاكم أجل سنة فإن صلح نفسه وإلا أجبره على الطلاق وتسليم الصداق العاجل والآجل، فقد وجب عليه بالنظر والمس وجاء الأمر منه، وأما إن كانت مطلقة ثلاثاً وفارقها العنين أو المجبوب أو ماتا وورثتهما فلا تحل لمطلقها بذلك، وأما إذا أتت بأولاد منهما فإنها تحل له في حكم الظاهر، وفيما بينهما وبين الله فلا تحل له، حتى قيل أنها إذا تزوجت وتعاهدا هي والرجل على أن يطلقها حتى تحل لزوجها فإنها لا تحل للذي طلقها ولا للرجل الذي معها، وكذلك الذي أوعد امرأة ليأخذها وهي في رقبة رجل أو كانت في عدة من رجل وتعاهدا على العمد فإنها لا تحل له الذي عاهدها إلى يوم القيامة، هكذا وجدتها في آثار المسلمين وكذلك الذي خرجت منه بحرمة أو بسفاح فإنها لا تحل له أبداً.
وقد حكي لنا عن رجل من العباد تزوج امرأة وولدت له أولاداً فكشف العابد كتاباً وقرأ فيه أنه يحرم من الرضاع كما يحرم من النسب، فلما سمعت امرأته بهذه المسألة قالت له: ما تقول أنا عندي أم من الرضاعة وأسمها فلانة بنت فلان ولي إخوة وأخوات، ففكر الرجل في نفسه حتى تذكر في قلبه أنّه فجر في صباه بالمرأة التي أرضعت زوجته، ثم قال لها: فهل عندك صحة؟، فقالت: نعم، فحضرت له الشهادة المقبولة في الشرع فحرمت عليه امرأته سراً، وهذا لا يجوز أن يفيحه إلى الناس، فأخبر بقصته امرأته سراً ثم أحضر شهوداً فأصدقها عاجلها وآجلها إلا درهماً واحداً افتدت به، وطلقها ثلاثاً والناس قد ظنوا في المرأة ظناً ضعيفاً، فلما اعتدت من ثلاث حيض وحلت للأزواج قال المطلق لصديق: اخطب هذه المرأة وأنه لا عيب فيها وأخصك بها، فأخذها صديقه وسألها عن سبب طلاقها فأخبرته، وقال الزوج للمطلق: سألت زوجتي عن كذا وكذا أهو صحيح أم لا؟، قال: لعله يكون صحيح بالتلويح لا بالتصريح. (1/248)
صفحة 249
العنين وضعيف الباه وسبب عللهم ودواؤهم
وهاك قصة في تفسير العنين وذهاب الجماع وضعفه؛ مما حكى لي عن بعض الأطباء قد سأله رجل عن الإلجاج في الباه قال: هو من الحرارة الغريزية وبطبعها الاعتدال الطبيعية وخاصة الأبدان النحيفة والأمزاج اليابسة الذين عروقهم ضيقة ودماؤهم نزرة قليلة، وأما الذين عروقهم مع قلة اللحم واسعة ودماءهم غزيرة كانت المضرة لهم أقل.
وأما الأبدان الباردة اليابسة فلحومهم مائلة إلى البياض والخضرة، وجلودهم لينة، وعروقهم ضيقة، ودماءهم قليلة غليظة، ومنيهم قليل رقيق، ومطلبهم للجماع قليل، ودواؤهم خبز السميد وهو ما يتخذ من لباب الحنطة المنقى المغسولة ولحم الحملان والزلابية والعسل والسكر الفانيد.
وأما الأبدان الحارة اليابسة فألوانهم إلى السمرة والحمرة الواسعة العروق كثيرة الدم، والمفاصل الغليظة والأعصاب والأذناب الكثيرة الشعور، وشهوتهم للجماع كثيرة، ومنيهم قليل غليظ فدواءهم بالأغذية الرطبة والبقول والفواكه والبطيخ والسمك الطري واللبن الحليب والبيض وبأكل الرضعان والسكر الطبرزد والطعام المتخذ من اللبن والسكر والتمر المنقوع في الحليب.
وأما الأبدان الباردة الرطبة فأبدانهم سمينة شحيمة، وجلودهم ولحومهم لينة، ومفاصلهم خفية، وعروقهم قليلة الدم وألوانهم بيض عاجية أو جصية، ومنيهم كثير ورقيق وشهوتهم للجماع قليلة، فيأكل المربيات المسخنة مثل الزنجبيل والفلفل والسكر والمقويات لهذا العمل موجودة في الكتب.
وأما الأبدان الحارة الرطبة فألوانهم بيض مشوبة بحمرة خصيبة باللحم واسعة العروق كثيرة الدم ومنيهم غزير معتدل في الرقة والغلظ وأقواهم للجماع من كان في أسافل بدنه شعر كثير مما يلي العانة والفخذين فهذا ما أقل يضرهم الجماع ودواؤهم مما يقوي القلب والكبد من المعجونات مثل المفرح والإطريفل الكبير والدزاء المعمول بلسان الثور والكزبرة اليابسة والمصطكي. (1/249)
صفحة 250
وأما من برد بدنه بعد الجماع فليستحم في الماء الحار، ومن سخن والتهب ففي الماء البارد، ومن كان يابس المزاج فليتخذ الجماع في الزمان الحار، وصاحب المزاج الحار فليتخذ في الزمان البارد وليقلل الجماع في الصيف والخريف وفي أيام الوباء وفساد الهواء وفي الأمراض الباردة وجميع العلل التي تحل بالبدن إن لم يقلل من الجماع وإلا فزادت العلة، ولا يشرب بعد الجماع ماءً بارداً.
وأما العجز عن الجماع إما لضعف الانتشار وإما لقلة المني وإما لبرودة وجمودة وإما لوهم ورأي نفس، وأما ضعف الانتشار فظاهر بيّن، وأما قلة المني فالانتشار يكون قوياً والنطفة قليلة إذا خرجت، وإما برود المني وجموده فإن شهوة الجماع معها تبطل ويكون المني مع قلته غليظاً عسر الخروج، فإن كان مع قلته سهل الخروج فإنه يكون لشدة الحرارة، فإن كان القضيب مسترخياً عن الانتشار وذهب حسه وحركته مهزول فإن فيه علة من نوع الفالج، فإن كان ذلك مولوداً أو مزمناً جداً ودق القضيب وبهل فلا علاج له، وكثير من هؤلاء من يمني ولا ينعظ، وهو الذي تسميه الناس العنين، فأما ضعف الانتشار ولم يكن باطلاً ساقطاً ولكنه ينتشر في حال، فاعلم أن النفخ البخارية التي يكون انتشار القضيب قد قلت وقل المني.
ومما يصلح للمحرورين الترنجيبن الحلال الأبيض ويطبخ بالحليب حتى يصير مثل العسل ويأكل منه كل يوم بقدر كياس على الريق، ومما ينفع الأمزاج الباردة فمعجون الليمون وصفته لوز وبدنق ونارجيل ولب الصنوبر وفستق وحب الفلفل وحب الزلم والحبة الخضراء بالسوية وزنجيبيل ودار فلفل ونار مشك من كل واحد ثلث جزء فانيد شجري مقدار ما يعجن به والشربة منه مثل البيضة غدوة ومثله عشية.
ولقوة الباه شرب لبن الضأن مع سكر البلوج ومرق الفراريج والدجاج مع الأبازير الحارة وأكل الكزبرة والعسل عجيب وشم الأراييح الطيبة نحو العنبر والعود وماء الورد العجمي وحل الصندل والزباد كله هذا مما يحرك الشهوة للجماع. (1/250)
صفحة 251
داء الجذام وسببه ودواؤه
... وسألتني عن الجذام وماسببه ؟، فأقول على ما وجدته أن الجذام على أربعة وجوه ضبعي وكوفي وحزازي وجذام.
... فعلامة الضبعي يابس الحلق والعين، أبح الكلام، يابس الفرج، ثقيل الكلام والسمع، علاجه يحجم على أم رأسه سبع محاجم كلما قلعت محجمة طرحت أخرى حتى تستكمل السبعة، ويحجم العذارين محجمين والونثيين محجمين ودبل الساقين محجمين وباطن الفخذين محجمين، وبعد ذلك يأخذ ثلاثة أرغفة شعير وادهنهن بدهن الخروع واطلهن بعسل النحل وألقهن في الأرض حتى تقنص الذباب تلك الأرغفة وبعد فاهمسهن في بعضهن البعض وأطعمهن الوجيع وهو لا يدري ثلاثة أيام على الريق ولا يأكل طعاماً غيره، إلا أن يكون الحليب الطري ويبرد كل يوم في ماء جار مخشوف فيه ورق المركبة وورق الختف.
وأما الكوفي فهو يكف الأطراف ويسلب اللحم بين الأصابع ويضعف الشعر في الحال ويصفر اللون غير اللون ويضعف عن كل شيء، علاجه؛ أكل كل غداة أربعين لوماة صفراء ويشرب ماءها، وأربعين جزرة ويعرك بها جسده أربعين صباحاً ويجتنب كل حلاوة، ويشرب عند النوم بول ناقة صفراء لم تلد، وبعد ذلك يحتجم، ويشرب ما يسهل وينقي فإنه يبرأ بإذن الله تعالى، ومع أصحابنا لا يجوز شرب البول.
... وأما الحزازي فإنه يغير البشرة، ويظهر الحزاز والوكح، ولا ينقص من حاله شيء في العاجل، وأصله المعدة اليابسة، علاجه؛ يشرب السليط المغلاي فيه الصبر العراقي وأما سمن البقر والثوم ويغلى بالنار حتى يتهتك الثوم ويشرب منه القليل ويعرك بالباقي في جسده سبعة أيام، ولا يمتنع عن طعام إلا طعام على طعام، ويمتنع من لحم البقر، وأما إذا كان قليل في الجسد من الحزاز يحك جميعه بقطعة ملح حتى يرمي بالدم ثم يطلى برماد بعر الغنم المعجون بقطران، ويستعمل شرب الحليب والعسل والسمن المنقص ويجتنب ما عدا ذلك. (1/251)
صفحة 252
وأما الجذام فهي حمرة في الوجه، واتساع في العين، وبياض وكمودة وبحوحة في الحلق مع الغنة، وتآكل أطراف الأنف، ونحول لحم الأصابع، وظهور الحزاز، وانتفاخ في الوجه، ونتن الرائحة، وحمرة الأطراف ووجهه يكون منتفخاً شبه الزق المنفوخ، ورقة شعر الحاجبين، وحكة في الجسد وانتشار السواد فيه، ولا يجاوز منه إلى ستة أشهر ثم يصعب، فينبغي أن يستفرغ الخلط السوداوي وفصد الودجين والأكحل، ويفصد بين العينين وطرف الأنف وباطن العضدين، وبعد ذلك يحفر له حفيرة في الأرض ويوقد فيها ناراً ويطرح فيها قضبان العشرق بورقه ويفرش عليه ثوب من ثوب وينام عليه صاحب العلة يعمل هذا ثلاثة أيام، ثم تأخذ السليط وربع ثوم بالعطار ويغلى فيه السليط ويشرب منه ما يستطيع والباقي يعرك به جسده ثلاثة ايام، وجنّبه الحلاوات واسعطه مرارة الضبع واسقه بعدما يسهل وينقى وأطعمه العيش (1) الحار ثلاثة أيام، ويأكل اللحم ما سوى لحم البقر، أو بفصد ويؤخذ له عسل النحل منزوع الرغوة وسمن البقر المنقص وثوم مقشر وصبر أخضر طري يسحق الثوم والصبر بعد وزنهما سواء سحقاً ناعماً ثم تعجنهما بالسمن والعسل ويطلع الجميع على النار حتى يسخن وتنزله وتعجنه عجناً ناعماً وتستعمل أكله على الريق وعند النوم ما استطاع منه، والغداء لباب خمير الحنطة يعني النشاء ومرق الفراريج ولحمها والسمن والأرز المطبوخ بلحم الفراريج واللبن والسمن والعسل ويجتنب ما عدا ذلك فإنه يبرأ إن شاء الله تعالى، ويعاود المسهل كل أسبوع أو في الشهر مرتين أو مرة على قدر قوة الشخص وضعفه، وقيل إذا أخذ السمن المنقص وعسل منزوع الرغوة أجزاء سواء واطلعا على النار، ثم حلب عليهما حليب البقر وشرب من تحت الضرع ويجتنب كل شيء سواه فهذا يقطع كل علة سوداوية، وأما الجذام من الصفراء والدم المحترق؛ يؤخذ مصطكى أربعة دراهم وشحم الحنظل أربعة دراهم وصبر مقدار الحمصة، ثم يجفف في الظل والشربة منه وزن أربعة دراهم
__________
(1) 1 – أي الأرز (1/252)
صفحة 253
ولا يمضغ مضغاً بل يبلعه بلعاً، فإن ذلك ينفعه، والذي يصلح له من المأكولات المخالفة للطبيعة كالأرز المطبوخ بسمن البقر، وقيل من أخذ سنامكي مع عروقه وأغصانه وورقه ويدق جيداً ثم يؤخذ ماؤه مقدار الشربة ويطرح فيه وزن عشرة دراهم سكر، ويسقى منه سبعة أيام متواترة ويعد ذلك يأخذ عرق سنامكي وتدقه وتعجنه مع الخمر ويطلى به العليل.
فأما من استحكمت فيه هذه العلة فليعالج بلحوم الأفاعي وصفته؛ أن يؤخذ أفعاة جبلية مائلة إلى البياض من مكان لا يكون فيه سبخة ويكون بعيداً عن الماء، فإنها إن كانت في السبخة كان لحمها مالحاً وأورث عطشاً لا يروي منه الإنسان حتى يموت، وإن أخذتها فاقطع رأسها وذنبها ويطرح كل ما في جوفها، فإن لم يخرج منها عند الذبح دم ولم تضطرب فارم بها فلا خير فيها، فإن خرج فاسلخها وتغسلها بالماء والملح وتطرحها في قدر وتطرح معه ملح وشب وقليل خولنجان وتصب فيه ماء وزيت قليل وحمص فإن طرح معها قدح كان أخفى لطعمها ويطبخ حتى تتهرى، ويغرف على خبز سميدي، ويؤمر ليحتسي بذلك المرق ويأكل من ذلك اللحم، فإن سدر وسقط فقد كفي، وإلا أعيد عليه ذلك إلى أن يسقط ويسدر وينتفخ، وقد كفي حينئذٍ، ثم يتقشر بدنه كله عن لحم رخض وينسلخ من جلده كما تنسلخ الحية، فإن من شأن لحوم الأفاعي أن تخرج فضلات البدن في الجلد والمسام، ولذلك تولد القمل الكثير في الأبدان التي فيها كيموس رديء، وكذلك لا ينبغي أن يأكل منها المجذوم إلا بعد التنقية النقاء التام بالفصد والإسهال. (1/253)
صفحة 254
صفة البزرجلي النائب عن لحوم الأفاعي، أهليليج أسود وشيطرح من كل واحد عشرة دراهم دار فلفل خمسة دراهم بليش أبيض درهمين ونصف يدق ويلث بسمن البقر ويعجن بعسل والشربة مثقال إلى درهمين بعد تنقية البدن وينبغي أن يدهن الأنف والشفاه ثم تشد جميعاً شداً جيداً عند دق هذا الدواء لئلا يدخل من بخار البليش شيء فيها، قال جالينيوس: كل علة يحتاج فيها إلى قطع أو بط أو شرط أو كي أو غير ذلك مما يشبهه فيجب أن ينقى البدن من ذلك الخلط غاية التنقية ثم يستعمل ذلك، وذكر جالينيوس أن أفعى كانت ماتت في خمر وتهرأت فيه فشرب منه مجذوم من غير ما يعرفه فتورم جسده وسقطت جلدته الظاهرة وبرأ، فمن هنالك عرف هذا العلاج، قال أهرن: ينبغي أن ينقل المجذوم من البلد الذي هو به إلى بلد أسخن منه هواء من الجذام إنما يحدث في البلدان الباردة الفاسدة الهواء، وقال: إن كل شيء يفسد المجذوم حتى النطفة لأن ولد المجذوم لا يسلم من الجذام، وينقل المجذوم إلى هواء حار رطب كثير المياه والمنابع والآجام وينبغي أن يصبر على العلاج فإنه ربما ليس له نفع ثم يظهر دفعه نفع عظيم. (1/254)
صفحة 255
وأما القوباء في البدن؛ وهي خشونة مائلة إلى السواد وهي تجيء كالدرهم أو أصغر منه أو أكبر ومنه نوع فيه إلى الحمرة ومنه نوع فيه غيره مع بياض قليل وهو كالوكح وسبب ذلك سوداء أو بلغم مالح يغلب على الدم ودواءه يأخذ مثقالين عرق الرشا اليابس بعد دقه ناعماً وينخل بثوب رفيع وخذ مثقال ملح مدقوق يخلط الجميع ويشرب في ماء بارد فإنه يحل البلغم والسوداء وإذا حل مرتين أو ثلاث مرات فيشرب عليه سخون البر المطبوخ فيه لحم الدجاج وبعد هذه الشربة يأخذ ثلاثة مثاقيل إهليليج اسود بعد دقه ناعماً ويلقى في ماء الجبن عند عمله ويشرب الجميع يفعل ذلك سبعة أيام ويطلى بدنه بكبريت أصفر وزعفران بعد دقهما ناعماً وعجنهما بخل حاذق وقليل ماء ورد ويفعل ذلك مقدار أربعين يوماً ويكون طعامه عسل النحل منزوع الرغوة مع سمن البقر المنقص المحلوب عليه محض البقر بعد أن يسخنا على النار ويحلب عليه المحض ويشرب الجميع من بحر الضرع ويبقى منه قليلاً يجعل فيه خبز البر المخمور ولا يأكل غير ذلك من الأطعمة ويجتنب الجماع يدمن على ذلك مقدار أربعين يوماً يبرأ إن شاء الله تعالى، وبعض من القوباء يكفي أن تحك حتى تدمي وتطلى بعصارة الخليلقا فإن لم يكف طلي بصمغ الطلح نقع بخل فإن لم يكف طلي بالسنا وإن لم يكف طلي بالثوم فإن لم يكف طلي بدهن الحنطة فإن لم يكف ببذر الفجل مع الخل، نافع إن شاء الله تعالى. (1/255)
صفحة 256
قال محمد بن زكريا: إذا بدت الأعضاء لتسقط فلييأس من برئه، قال: وقد جربت الكي في الجذام فوجدته نافعاً يبرئه، وذلك أن يكشط جلد رأسه كشطة صلبية حتى ينتهي إلى العظم ثم يضع عليه مكاوي دقاقاً غير بليغة الحما على العظم نفسه ثلاث كيات بعضها على بعض ثم ضع عليه سمناً ولا تدعه يلتحم حتى يتقشر العظم عشر مرات قشرة بعد قشرة فإنه يبرأ، ولحم القنفذ نافع للجذام لأنه مقشر، وإن شرب كل يوم من الإهليلج الأسود أربعة دراهم مع ماء الجبن في الأسبوع ثلاث مرات ويطلى بدنه بماء القرع مع الخل، فإنه نافع.
ولكي الجذام يكوى المروري الذي لم يتقرح ولا انكسر أنفه من الجذام كية على أذنيه من كلا الحاجبين فوق الأذنين حيث لا ينبت الشعر ويكوى على عظم الوجنتين من كلا الشقين مما يلي العينين ويكوى على أطراف الأنف ويكوى على ظهر كل أصبع من اليدين والقدمين كية ويكوى فوق الحاجبين بإزائهما من الطرف إلى الطرف بمكوى رقيق الرأس يكون بين الكي والكي قدر أصبع وتتوقى إحراق العصب ويكوى على المرفقين والمنكبين وتحت الكعبين وعلى رأس المفاصل كلها وكلما أكثر لصاحب هذا الداء الكي كان أنفع له ولا تحد الكي فإنه يضره، ويكوى على النقرتين تحت يمين الرقبين وكيتين في كل رجل وكذلك من فوق الركبتين وكيتين فوق الثديين وفي البطن وكية في العنق عددها اثنان وأربعون كية بالقيراط خاصة صورته متربع ويداه على صدره وصورة الحديدة هكذا.
قال الفقير لله: لما سمعت هذه القصص قصرت علينا الطريق ووصلنا البلد التي قصدناها، فينبغي للصاحب أن يكون كمثل هذا الذي استفدنا منه لإصلاح ديننا ودنيانا، والصلاة والسلام على سيدنا محمد سيد الأنبياء وعلى آله وأصحابه الأصفياء.
الذكر الثاني عشر (1/256)
صفحة 257
أوله توبيخ والثاني في ذكر الحلال والحرام، وفيما ينقض الصيام وترغيب القيام، وفيه مما يعين من الطيب على صلاح الأجسام وكفاف شهوة النفس عن الحرام، وفيه دلائل من الفلك لمن طلب النكاح، وفي ليلة القدر، وفيه دلائل لبلوغ المراد، وآخره بذكر الجنة وما فيها والحور العين.
توبيخ النفس
... قال ذو الغبراء: خرجت يوماً من العمران، أنظر هلال شهر رمضان، ونظرت في شماريخ الجبل رجلاً متزي بزي الرهبان، قد فرضوا له درهماً أهل الأوطان، لينظر لهم هلال سيد الشهور والأزمان، فلما رآني اتحداني فقال: ادن عني، ولست أنت من أصحابي، لأن من أصر على الصغائر ارتكب الكبائر، ومن ظلم الفتيل حمل نفسه الكثير، ومن عصى الرحمن فقد أطاع الشيطان، ومن زاغ عن الإيمان فمثله كمن يعبد الأوثان، ومن تجبر على الأهل والأولاد والإخوان، فوزره كمن تجبر على أهل الأرض من جميع البلدان، ومن أعان معتدياً على ظلمه بكلمة أو بمدة فهو شريك له في الضمان، ومن أحب قوماً على ظلمهم فعليه الوزر كمثلهم، ولا يعرف من الناس الأمين إلا أن يكون للمسلمين عوين، فقلت له: مهلاً مهلاً أنا أخوك وأسر حالك وأطلب الصديق والشفيق، والرفيق في الطريق، والهادي إلى الرشد والتحقيق، فقال: الحمد لله الذي هدانا وجمع شملنا وجعلنا شهداء للناس لعيد فطرنا والأجرة لنظر الهلال المقيد بيننا حتى تتم بذلك شهادتنا، إن علمتني في الحلال والحرام، وفي ما ينقض الصيام، والفرض والقيام، ومما يعين على صلاح الأجسام، وعن كفاف شهوة النفس من الحرام، فهذا أريد إن تفضلت به علي، فأصاحبك في اليقظة والمنام، ثم نظر الهلال وقال لي: اتل اسم ربك ذي الجلال والإكرام، وقل: الله أكبر الله أكبر الله أكبر، ربي وربك الله، لا إله إلا هو خالق النور ومالك الأمور، فسبحان من فضّلك على الشهور، وأجرى عليك الدهو ، وجعلك آية للأنام، ومصباحاً للظلام، اللهم كما رزقتنا رؤيته فارزقنا بركته، وكما بلغتنا غرة هذا الشهر الجديد (1/257)
صفحة 258
فبلغنا النعماء والمزيد، اللهم لقّنا في مفتتحه سعداً، ولقنا في آخره خيراً، برحمتك يا أرحم الراحمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد المصطفى الأمين.
أحكام الصيام
قلت له: وإن لم ينظر الهلال أهل البلدان، ومن قبل غيم في السماء أو كان صحواً ما الأحسن لهم؟، قال: كل بلد وهلالها وقال بعض المسلمين في يوم الشك أن ينتظروا المسلمين إلى ضحوة النهار فإن لم تصل إليهم أخبار برؤية الهلال فالأحسن أن يأكلوا ذلك اليوم، ومتى صح لهم الخبر بالرؤية من قول الثقة أو من قول امرأتان عدلتان فالمأمور به أن يمسكوا عن الأكل، وكذلك المسافر إن رجع إلى وطنه في يومه فليمسك في بقية يومه، وكذلك إن طهرت الحائض والنفساء والتائب من الشرك والبالغ في اليوم والسقيم إن أفاق فعليهم ان يمسكوا ولا يعتدوا بذلك اليوم من أيام شهر رمضان بل عليهم بدلها، قلت له: ومن (1) الذي يجوز لهم الإفطار نهاراً في رمضان؟، قال: يجوز للمرأة إذا حاضت أو ولدت، وللسقيم والذي تنزل به علة العاسوف والحامل والمرضعة في الحر الشديد إن خافت أن تطرح ولدها أو كانت مرضعة وخافت عن ولدها يهلك والذي يصيبه العطش وخاف على النفس فله أن يشرب بقدر ما يحيي به جسمه عن الهلاك ثم يمسك، ويجوز الإفطار في يوم الثلاثين من رمضام إذا صح الخبر بقول العدول أن أهل الأمصار الذين يثقون بهم أنهم معيّدون، فلا يجوز الصيام في تلك اليوم إذا قامت عليهم الحجة، وكل بلد وهلالها إذا تكاثر النظر بالرؤية له وأما في يوم الثلاثين إذا جاء الخبر من قول العامة فلا يفطر الناس من قولهم إلا أن يأتوا الخبر العدول، ومن لم يقتف بسيرة المسلمين فقد ضل عن طريق المرسلين.
__________
(1) 1 – في الأصل : ما (1/258)
صفحة 259
ومن شرائع الإسلام وما فرض الله من الصيام وهو شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن وأكرم الله به أهل الإيمان، وجعله سبباً للغفران والرضوان، فأجزل فيه القسم، وفضل به أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - على جميع الأمم، فليله نور، ونهاره طهور، وصائمه مأجور، وله رحمة الله عند السحور، وقد رضي الله عند الفطور، وفيه تفتح الأبواب، ويضاعف الثواب، والدعاء فيه مجاب، فطوبى لمن كان له متأملا، وإلى إيمانه مستعجلا، وفيه إلى الله راغباً متوسلا، فأول ليلة منه تفتح أبواب الجنان، وتغلق أبواب النيران، وتغل مردة الشياطين، وقيل إن للصائم فرحتان فرحة عند إفطاره وفرحة يوم يلقى ربه.
دلائل من الفلك لمن طلب الزواج
ثم قال: وسألتني عن كفاف شهوتك عن الحرام فإنه يكفيك إن داومت الصيام فإطالته يكسر النفس وينحل الأجسام، وإن كنت تريد من النساء الحلال وكان في يدك شيء من الأموال فالتمس مع الناس المرأة البالغة الحلم الموافقة لك بالحساب والنجوم. (1/259)
صفحة 260
... اعلم إن أردت تسير للخطبة فاجعل رب الطالع والقمر ينظران إلى الزهرة في يوم سعيدة فإن وفق الله لك ورضيت بك هي وأولياؤها فقل لوليها يأمر أحد أن يزوجك بها يكون بصيراً عالماً فقيهاً فصيحاً فإذا أمر الولي أحد فأنصت إلى قول الخطيب واتل ما يتلوه عليك بلسانك وسلّم لها عاجلها بحضور أوليائها، ولكن الاختيار أن يكون في تلك الساعة الطالع الثور والقمر مسعود بالزهرة ورب الساعة الزهرة والساعة واليوم مسعودان لا فيهما مدخل من نحوس الشهر والاحتراق والهبوط والوبال والأوتاد قوية مسعودة ورب الطالع ورب السابع والزهرة ينظران إلى الطالع، والقمر حل في هذه المنازل كالهقعة والهنعة والعوا والغفر والقلب والنعائم وسعد السعود وبطن الحوت، فإذا حل القمر في هذه المنازل ولم يكن فيها نحس ولا اتصل بنحس ونظرت إليه السعود من مكان جيد من الفلك فإن حواله السلامة والراحة فيما بينه وبين زوجته لأن التزويج له ستة أوجه المتصل بصاحبه هو الراغب، وأما القوي منهما الذي دليله في وتد والثاني الكوكب الذي يصل نور أحدهما بالآخر فهذا تمامه على أيدي الرسل، والثالث إذا اتصل القمر برب الطالع في وتد، وأما االانتقاض قلة موافقة الأرباب وقلة النظر وأن لا يصل بينهما كوكب ولا بينهما قبول والقمر يتصل بكوكب ساقطاً أو منحوساً، وأما انتقاضه بعد تسيبه أن يكون الكوكب نحساً ومتصلاً بنحس فالناحس إذا كان في الثاني أو في الثامن فمن قبل المهر وفي السادس والثاني عشر فمن ضعف أصله وفي الرابع من قبل الآباء وفي الخامس من أولادهما وإن كان رب السادس ففيها مرض أو عيب وإذا كان الناحس موافقاً لأربابهما فإنه يتم التزويج بعد الانتقاض وكذلك الناحس إذا كان رب الثاني أو رب الثامن من أو باقي البيوت فعلى ما ذكرناه. (1/260)
صفحة 261
وإذا أراد الانسان الدخول على زوجته فليكتب لها آجلها ويرسله إليها أو إلى أوليائها ثم يجعل وليمة لمن حضر من الناس عنده ثم يقرأ أحدهم أي الحاضرون صفح النور (وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ) (1) إلى آخره ، وهذا يكون في ليلة سعيدة من الأيام والشهر والقمر قد حل في إحدى هذه المنازل كالثريا والهنعة والذراع والزبرة والعواء والغفر والقلب والنعائم وسعد السعود وفرع المقدم وبطن الحوت فإن رأيته في إحدى هذه المنازل ولم يكن معه نحس ولا متصل بنحس وتنظر إليه السعود أو متصلاً بها فليدخل الرجل على زوجته وليحمد الله تعالى.
كيفية معالجة بعض الأورام والأمراض
وذكرت تريد صفة لشفاء الأجسام من الآلام والأسقام وفي العلل المشطوبة بالمحاجم وبالأوسام اعلم أن هذا يحتاج علمه إلى (2) الطبيب الماهر الحاذق.
قلت له: أخبرني عن علة بعض العلل التي شفيت بدواء قد صح معك؟، قال: فمن ذلك علة ابتلوا بها الناس في زماننا وهي الورمة التي تظهر في الجسد فإذا رأيت الورمة تسير وتجيء تحت الجلد فهي من أنواع السلوع فتعالج بعلاج السلوع، وإن كانت دائرة متفرطجة في الغمز لينة جنوبها ورأسها معتزل عن الجسد فإنها من أنواع الخنازير فلا يكون علاجها إلا بعد النضج الكامل وإن أريد علاجها بالحديد فتبظ ويشرح كيسها فهو جيد.
وإن كانت دائرة منسطحة وجنوبها خشنة وتبكط طولاً مررها مع صلابة جنوبها فعسى أن تكون التي تسميها الناس طالعة الركاب فأقبل عليها بالتليين والتنضيج بالمنضجات والمرخيات حتى يصير في وسطها خضخضة فتبط أو تشفى بالنار بعد النضح وتعالج بعلاج القروح كنبت الذهب والخل واشباه ذلك.
__________
(1) 1 – النور : 31
(2) 2 – في الأصل ( مع ) (1/261)
صفحة 262
وإن كانت صلبة كمدة اللون وفي جنوبها عروق خضر إما أن تهرب عنها أو تلين فإن لانت فإنها تقبل العلاج وإن لم تكن فإنها لا تقبل العلاج وأما تليينها بكل حار رطب، وأما المسماة طالعة الركاب تعظم حتى تصير مثل البطيخة تزيد أو تنقص وهي تكون من أربعة أخلاط أصله من دم فإن خالطته الصفراء فهي التي تحدث بألم ولهيب كالنار وتهيج بحمى وحرارة الملمس، وأما الدموية فحجمها أكبر وأكثر حمرة وتمدداً وأكثر ضرباناً من الصفراء، وأما البلغمية فهي تكون بلا ألم ولا ضربان ويكون لونها في أول الأمر لون البدن بلا ألم وتكون رهلة الغمز، وأما السوداوية فلونها كمدة وهي صلبة جداً وإن غمزتها بالأصبع مثل العظم فالعلاج بالأدوية على قدر الخلط، وأما الكي للصفراوية والدموية فإنه علاج شافي، وأما البلغمية فمنهم من ينتفع بالكي ومنهم من لا ينتفع به، وأما السوداوية أفضل بالأدوية التي تحلل الصلابة مثل طحين الحلبة وطحين الحنطة، وإن أخذ لبن السوقم ودهنها به كل يوم مرتين أو ثلاث مرات ينفعها مجرب، وقيل يؤخذ ورق الحنظل يدق ويلخ عليها عند ابتدائها فإنه ينفعها.
ومن كتاب الأزرق للأورام ولأورام الدموية مثل الكافور والحنطة والصندل الأحمر والفوفل وماء الرجلة والأورام الصفراوية مثل الزعفران إذا خل في خل وطلي به على الحمرة في ابتدائها حللها والصبر إذا خل في خل وطلى به الورم الصفراوي نفعه، وللأورام السوداوية مثل الحلبة ومثل المر والشونيز هذه تحلل الأورام لطوخاً، وللأورام البلغمية خمير الحنطة نافع ودم التيس ودم الثور ودم الكبش إذا وضع حاراً على الأورام أنضجها ومثل المر والشبت إذا خلط بها ينفع الأورام، وكذلك حبة السوداء والصابون ومرارة الدجاج تحلل الأورام، ومن أخذ مقيبلة الشمس ودقها بورقها وعيدانها وجعل معها حل السمسم ثم إلى الجميع على النار ويلخه على الورمة في أي كانت من الجسد نفعها. (1/262)
صفحة 263
صفة للأورام التي تطلع في الجسد والبطن؛: يؤخذ عروق اللصافا وعروق القصد وعروق الشرنجبان وورق العرش وورق الرمان تدق العروق بين حصاتين ويرض أيضاً الورق ويغلى الجميع في ماء إلى أن يطلق مزجه ثم يصل الماء ويغلى جيداً إلى أن يصير مثل العسل ويضمد به الأورام فاتراً والله الشافي، ولأورام البطن ولوجع القولنجان يؤخذ بزر الكرفس ويغلى على النار ويسقى ماءه ينزل عنه الورم بإذن الله تعالى.
وأما المسمى بالشيصة فإنها تجيء تحت الأضلاع فإن جاءت في الجانب اليمين فهي أسلم إذا عالجها بالأدوية، وأما التي تجيء في الجانب اليسار فينفعها الكي فإن لم تعالج فهي من العلل المهلكة، وعلى دائرة السرار يكوى وإن توانى عن كيها قتلت الإنسان.
وأما ذات الجنب والشوصة سببه ورم يحدث في الحجاب والغشاء الذي على الأضلاع من داخل ويضيق النفس ويحس العليل بثقل الصدر وتكون النفس حاراً جداً وكذلك ذات الجنب لا يقدر ان ينام على ظهره وتكون الحمى هادئة.
اعلم أن النفث الأبيض جيد وغيره من الألوان رديء العلاج في أول الأمر فصل الباسليق بعد النظر في السن والوقت والقوة في كلاهما فإن كان الطبع يابساً فأسهله بشيء خفيف نحو شراب البنفسج والخيار شنبر أو بالبنفسج المزنا ثم يجعل الغداء حساء الشعير قد طبخ فيه سبسنان وأصل السوس وبنفسج ودهن اللوز وإن كان العطش شديداً والسعال فيسقى ماء البطيخ الأصفر مع سكر أبيض وماء الخيار فإن تعسر النفس جرع الماء الفاتر مع دهن اللوز ويطلى بالصندل والماء المعتصر من القرع أو الرجلة أيضاً لذات الجنب الثوم والملح الذكر والشونيز وحل الزيت واللبان المطيب ومر مكي وجوز بوا وجاوشيز. (1/263)
صفحة 264
ومما جربه المؤلف في كي الشوصة وهو الكي المذكور وليس ينبغي أن يكون بالحديد كما فعل قوم ولا يستعمل معه البط فإن ذلك مما لا يتخلص صاحبه من الموت فإن تخلص من الموت فإنه يؤول فيه الأمر إلى ناصور لا برء له لكن ينبغي أن يكوى بأصل الزراوند الطويل وذلك أنك تغمس الزراوند في الزيت وتحميه حمياً شديداً ثم تكوى به كية واحدة فيما بين اتصال عظم الترقوة بعد أن تمد الجلد ويكوى أيضاً كيتين صغيرتين دون الأوداج مائلاً قليلاً إلى ناحية اللحى ثم يكوى كيتين عظيمتين من فوق الثديين فيما بين الظلع الخامس والسداس مائلة إلى خلف قليلاً وكية في وسط الصدر وأخرى فوق المعدة وثلاث كيات من خلف واحدة بين الكتفين واثنتين من جانبي الصلب أسفل مما بين الكتفين وليس ينبغي أن تكون ظاهرة بل ينبغي بعد فراغك من العمل تستعمل في مواضع الكي الأدوية التي تنفع الكي الأدوية التي ينفع من ذلك بمنزلة مرهم الاسفيذاج ومرهم النورة وما شاء الله تعالى.
وأما ورم الخصى وريح الفتق فليدهن بدهن زئبق ويمسح صاعدا ويحط العليل رجليه مقلولتين في الجدار ويشرب السكر الأبيض مع الصمغ والسكر النبات وهو عشرة مثاقيل، وأما لوجع الصدر فيشرب له عشرة مثاقيل سكر مع مثله صمغ والله الشافي، وذكرت في الفصد والحجامة فالكي أسرع برءاً.
وأما ريح الشوكة فعلتها في الورك والثنة وسببها من برودة فإن تمادى بها افلتت الورك.
وأما عرق النسا فيشطب من الورك إلى القدم في الجانب الوحشي من الرجل اليسرى وأصله من برودة فهؤلاء دواءها مثل عسل النحل والسمن المنقص والحنطة ولية الكبش والحلوى وأشباه ذلك ، ويمتنع عن الحموضات والملوحات والبرودات والوسم للعرق مع قطعه ثم يجعل دهن له السمن فإنه شفاء لذلك .
وأما عرق الملخ الذي وجعه في الركبتين فالأحسن أن يحجم على الأسبوع ويأكل الحار اليابس المنشف وكذلك داء الفيل الذي يرم منه الصيم والساق ينتفخ فيكرر عليه المحاجم ويأكل الحار اليابس. (1/264)
صفحة 265
وأما الشكك في الجسد فيأخذ لها المقرقاع وبذره وطحين الشعير وطحين الحلبة من كل واحد جزء ويعجن الكل بماء المجاج ويلخ على الزوايد والشكك في كل يوم بقدر سبعة أيام والله الشافي فهذا ما نقلته ولا يتعرض الإنسان لشيء لا يعرفه فيقتل صاحبه.
وقال راشد بن خلف بن محمد بن عبدالله بن هاشم القري :
فذو الحكم إن أخطا فاللمال ضامن وذو الطب إن أخطا فللأرش حملا
وأما الذي يكون قليل الحفظ ركيك الفهم أخاف عليه من الخطأ في الفتوى، وقال أبو نبهان: من أفتى بغير علم ووافق الحق ففي بعض قول المسلمين أنه في أسفل سافلين وما أسفل سافلين إلا النار، أعوذ بالله من النار.
وكان أبو نبهان في زمانه وعرفته مع قوة علمه وفهمه إذا سئل لا يفتي إلا بقدر ثلاث مسائل مع حضور قلبه، ولا يبالي بالسادة، ولا أراد علمه للجاه والمباهاة، لا كمثل من أراد اللقم بحلول النقم تمدح بالعلم فأحرق به الجسم، فما أعظمها من مصيبة إنا لله وإنا إليه راجعون.
ليلة القدروعلاماتها
قال وسألته عن ليلة القدر التي هي خير من ألف شهر فقال: هي في شهر رمضان وخفيت في أي يوم منه إلا على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلا أنه كان يزيد في العبادة في العشر الأواخر منه وقيل أنه قال: التمسوها من العشر الأواخر (1) ، ومراده زيادة العبادة .... (2) في ليالي هذه الأيام وللمسلمين فيها أقاويل كثيرة.
وحكي لنا عن رجل تلا اسماً الذي عدده كأوسط أيام البيض، فقيل له بين اليقظة والنوم إن ليلة القدر في العشر الأواخر من الشهر، ثم قيل له في نومة أخرى إنها في الثلاث الأواخر، ثم قيل له في نومة أخرى إن ليلة القدر الأولى من الثلاث الأواخ.
__________
(1) 1 – البخاري 1917 / 2 ، ومسلم 1165 / 2 والترمذي وغيرهم .
(2) 2 – كلمة غير واضحة (1/265)
صفحة 266
وفي ليلة القدر ينزل علم في السماء جميع ما يكون في الأرض في السنة المقبلة إلى يومها من سنة أخرى، أو تعرفه الملائكة بما يكون في الأرض من علم الله في خلقه، وعلى الإنسان أن يجتهد في قيام هذا الشهر من اوله إلى آخره طاعة لربه لا يرائي الناس بعمله راجيا غفران ذنبه.
قلت له: وليلة القدر ألها علامة عن غيرها بأنوار ونجوم أم لا؟، قال: ليس لها علامة ولو كان فيها علامة لعرفها الناس أن هذه الليلة بتلك العلامات في كل سنة من قلة نومهم باشتغالهم في الأسفار وسقي الأمواه والحراس والمرضى والقائمون بهم والنساء لأولادها والعباد أهل الجهاد كل هؤلاء في يقظة لا في نوم ولا في سكرة، وفضلت العبادة فيها، والإجابة من الله فيها.
دلائل لبلوغ المراد
... قلت له: أخبرني بقصة؛ قال: حكي لي عن رجل رأى في نومه أقبلت عليه نساء ولم ينظر إلى وجوههن ولا عرف أسماؤهن فدخلن عليه في بيته وصافحنه حتى أقبلت إليه لتصافحه إحداهن وهي أوسطهن كأنها سيدتهن وعليها الحلي والحلل والروائح ثم أقبلت عنده للمصافحة والملاطفة بالرجل، فقال لها: بم استحققت هذا، فجرت من فمه كالمسواك وقالت له بهذا، قال فنهض الرجل من نومه ولم يزل حبها في بقلبه ولم يجد لها خبر ولا حسيسا، وجعل يقول هذا البيت:
فما أوحش الدنيا إذا لم أراكم وما أضيق الدنيا علي وانكدا (1/266)
صفحة 267
ثم قص رؤياه على أحد من إخوانه، فقال له: عسى ربك يبلغك امرأة طيبة سالمة من الدنس والعيوب، فقال الرائي: أنا رجل فقير مسكين لا قوة عندي للمهور ولا يقنعوا بي أولياء النساء في الأمور، قال المفسر: اجتهد في الطلب فكم من معسر إلى يسر انقلب فإن الأمر على الله هين اقصد إلى السؤال حتى لو كان مطلوبك في دار حلب، أما تنظر إلى البحر قاطع البرين فجعل فيه المراكب وكذلك الماء في الأرض ينابيع فوزنوه وأخرجوه وأحيوا به أروضاً أخرى، وكذلك الإنسان إذا اجتهد في طلب العلم صار فقيهاً، وكذلك آخرون اجتهدوا في طلب التجارة والمواشي والأموال فصاروا أغنياء، وآخرون طلبوا الأمر والنهي فبلغهم الله الملك، وكل من طلب الجائز ولم يبلغ مراده حتى قضى الله نحبه فله أجره، فقال الرجل الرائي للمفسر: أما بالذي ذكرته لا استقام إلا بالأموال الجزيلة مثل المراكب وحفر الأفلاج وإعلاء الحصون وإحداث البلدان والمساجد، أما تنظر إلى بنيان بيت المقدس وعمل بساط النبي سليمان بن داود قيل إنه من خشب فيه ألف ركن في كل ركن ألف بيت يحمل فيه الجن والإنس تحت كل ركن ألف شيطان يرفعون المركب فإذا رفعوه أتت ريح الرخاء فسارت بهم غدوها شهر ورواحها شهر، وأما الكرم فلا يحصل إلا بقوة المال والملك بقوة الرجال. (1/267)
صفحة 268
فقال: اعلم أن الحيل من الشيم انظر إلى صيد البحر يحصل بالقليل في عطائه والطير في جو السماء يحصل بحبة واحدة، والسبع تجلبه الرائحة إلى اللقمة، والجن لا ينظرون ويجلبون بالبخورات حتى تملك بذلك نفوسهم، والإنس ألفتهم بالمداد يكتب به الأوفاق، ولكن أوصيك عن كثير من الأعمال وإن قلت أن فيها الأجر والثواب فإن للشيطان معه مفاتيح يفتح بها غلق الأبواب، أنظر إلى برصيص هلكته معرفته، وبلعام ودعاؤه لموسى عليه السلام، والعابد الذي سألته المرأة منقاشاً ليخرج لها الشوك من أرجلها في السيوح الخالية فأهلكته، والطبيب الذي طبب المرأة فساقت إليه الهدايا حتى فعل بها، وقارئ القرآن أعطاه الله نغمة فعشقته النساء فلم يملك نفسه، والشاعر يحسن صوته حتى أهلكته النساء، والعالم تصل عنده النساء تسأله حتى اهلكنه، وصاحب النظر جعلوا له فريضة لرؤية الهلال ولقراءة الخطوط والدفاتر بالليل فوصلن عنده النساء للكتابة فغره الشيطان بسبب قوة نظره، وكذلك صاحب الشجاعة جعلوا له أهل الأمر فريضة معلومة لقيامه وقيام من يعوله فحضر معهم في القتال على غير الجواز فقتل وقتل بسبب شجاعته وفريضته، وكذلك من كانت له جائزة مع الملوك فأعطوه كثيرا مما أراد فغروه في واحدة وساعدهم بها فهلك، ولو أن هؤلاء المذكورين توقفوا عن هذه الدقائق والحيل التي اعتبرها بها لما وجدوا منهم سبيلا وما من نفس إلا مرادها هلاك صاحبها، وإذا رأى الإنسان العسر في أمر يطلبه فهو خير له ولم يدر بالباطن فليفوض أمره إلى الله تعالى ، ولكن الواجب على المرء أن ينوي في الصلاح جميعه أن يفعله بيده إن قدر، وإن لم يقدر فبلسانه وإن لم يقدر فبقلبه، وإن نوى الشر ولم يعمله ومنعه مانع عنه ثم تاب فلا عليه فيه عقاب. (1/268)
صفحة 269
رجعنا في القصة إلى الرائي فلم يزل يتلو الإسم المتقدم ذكره، فرأى ملكاً ميتاً ومعه قرطاساً وفيه ثلاث خطب ثم رأى في نومة أخرى كأنه في غرفة الملك الميت جالساً ورأى فيها نساء ثم رأى في نومه أخرى في الطريق الجائز امرأة وأحاطت بها نساء وعليهن جلباباً ولم ينظر من حسنها شيئاً حتى قيل له اتل الاسم فتلا الاسم فرأى منها ما يراه أحد ثم رآها في نومة أخرى دخلت هذه المرأة إلى بيته ودخلت في غرفته فضجت منها الأنوار قيل له اتل الاسم فتلاه فنظر إلى فمها وأنفها ووجنتيها وقبلها من غير شهوة، ثم قيل له اتل الاسم فتلاه فرأى في غرفة أخرى فسأل عنها قيل له إن هناك ملائكة الله الكرام فتنفس الرجل تنفس الصعداء، فقالوا له: بلوغك بالمرأة في هذه السنة، ثم رأى في نومة أخرى قصراً عالي البنيان، فقيل له: اتل الاسم فتلاه ففتح له الباب ودخل فأقبلت إليه المرأة الذي يراها وعليها الحجب، فقيل له: اتل الاسم فتلاه فرأى شعر المرأة قد كساها من أعلاها إلى أسفلها ورأى وجهها كأنه نور يتلألأ، فقال لهم: كيف اسمها؟، قالوا له: كما ذكرتها وهي الطاهرة المطهرة، فدخل في غرفة أكبر من الأولى، فقيل له: اتل الاسم فتلاه فأمروه أن يقبض المرأة من يدها ويجعلها في حجره، قال: فقبضها وتنفس من غير شهوة، وفي نومة أخرى رأى كأنه قد دخل القصر الذي رآه أولاً فرأى فيه الخضرة والأشجار وسأل عن المرأة، فقيل له: اتل الاسم فتلاه فأقبلت إليه المرأة وعليها جلباب فصافحته من قدمه إلى خده ورأى شعرها قد كساها ورأى جبهتها وحاجبيها وعينيها ما لم يكن أحد يشبهها، وقالت له: أنا الطاهرة. (1/269)
صفحة 270
وفي نومة أخرى رآها في بيته ومعها النساء ثم دخلت معه في مقامه إلى الغرفة وجلست في حجره، وفي نومة أخرى لم ينظرها فقيل له: اجلبها بالاسم الذي تتلوه فتلاه فأقبلت إليه مسرعة هي ومن معها من النساء فصافحته فسألها من قبل تأخيرها، فقالت: جلست ألبس هذه الحلي الذي على جسمي والتاج الذي على رأسي، قال: فأخذها من يدها ودخل بها إلى قصره، وفي نومة أخرى جلبها بالاسم فجاءت إليه وأخبرته بتانيها تلبس البرقع التي على وجهها والعجب من حسن ذلك البرقع ثم أخبرته بأعدائه، وقالت له: لا تخف إن الأمر كله مع الله هين يسير، قال: ثم رأيت في نومة أخرى غولاً في الأرض وأردت قتله مراراً فانقلب في يدي طيرة، وقال لي: إن المرأة التي طلبتها قد زوجناك بها وأحسن إلى أهلك ودم سالماً، فسرني قوله وقلت الحمد لله رب العالمين، ثم زوجوه أولياء المرأة من نساء أعقل أهل زمانه.
وصف الجنة وما فيها من الحور
رجعنا إلى الكلام السابق قلت له: هل سمعت بأحد من المسلمين رأى الجنة وما فيها والحور العين؟، قال: أخبرني بذلك الرائي بنفسه أنه رأى الجنة وما فيها والحور العين ، ثم نزلت به العلل وحل به السقم ومكث ثلاثة أشهر لا يقدر على الانقلاب من كثرة الطوالع التي نزلت به في جسمه حتى تهضهض ما فيهن ومات.
اعلم أن الجنات حفت بالمكاره ولا يدخلها داخل إلا هو صانع لمهرها، قال أبو نبهان رحمه الله: وقيل في الأطفال وما يصيبهم من التعب مع سكرات الموت قال بسبب ذلك التعب يدخلون الجنة. (1/270)
صفحة 271
رجع: قال: ولا تدخل الجنة بمنى بل بالاجتهاد في الأعمال وبذل النفوس تحت ظلال السيوف، قلت له: صف لي الجنة وما فيها وصفة أولياء الله والحور العين، قال: أصف لك على ما وجدته مؤثراً في الكتب وذكر درجة من جنات عدن يقال لها روضة الرضوان فيها قصور من ياقوت أحمر، وجنة عدن كلها من الياقوت الأحمر، وجنة الفردوس من اللؤلؤ، ودار الجلال من الزمرد الأخضر ، وجنة المأوى من الذهب الأحمر، وجنة النعيم من الفضة البيضاء، ودار السلام فضة من زمردة بيضاء، ولا قواعد من تحته له سبعون مقصورة، أما جنة الفردوس في وسط عدن كالتاج على رأس الملك وكالكرسي على السرير فيها درجة الوسيلة وهي أعلى الدرجات وهي لمحمد - صلى الله عليه وسلم - ، وأما جنة عدن ففي وسط الجنان وهي معلقة مذ جعلها الله تعالى حتى يسكنها الشهداء والنبيون والصالحون، ويروى عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه سئل عن قول الله تعالى (وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ) (1) ، فقال: قصر في الجنة في ذلك القصر سبعون داراً من ياقوتة حمراء في كل دار سبعون بيتاً من زمرد أخضر في كل بيت سبعون وصيفة وفي كل بيت سبعون مائدة (2) ، وقيل إن أدنى أهل الجنة ينظر إلى ملكه مسير ألف عام ينظر إلى أقصاه كما ينظر إلى أدناه ويقوم على رأسه ثمانون ألف غلام لو اطلع أحدهم على الشمس والقمر لانكسفا من حسن وجوههم وهي صفة اللؤلؤ المكنون، وقيل يا رسول الله: هذا الخادم فكيف المخدوم؟، قال: كما بين القمر والكواكب ليلة البدر.
__________
(1) 1 – التوبة : 72 ، الصف : 12
(2) 2 – ورد في مجمع الزوائد ج10، ص420 ، ومسند البزار 3563 / 9 ، والمعجم الكبير والأوسط . (1/271)
صفحة 272
وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: أهل الجنة جرد مرد مكحولون (1) محبرون مسورون منعمون يعطى كل واحد منهم قوة مائة رجل في الطعام والشراب والشهوة ويجد لذة شهوته بعد فراغه من انعامه لشهوته مقدار اربعين عاماً قد ألبس الله وجوههم النور وأجسادهم الحرير بيض الألوان صفر الحلي خضر الحلل في يد كل واحد عشرة خواتم من ذهب في كل اصبع خاتم، مزوجون بالحور العين متوجون بتيجان الذهب والجوهر على كل واحد منهم تاج من الجوهر ذلك التاج أخف من الريش له سبعون ذؤابة يساوي مال المشرق والمغرب وجبهته تطفئ نور الشمس فذلك قوله تعالى:(تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ) (2) ، وفي يد كل واحد منهم ثلاثة أسورة سوار من ذهب وسوار من لؤلؤ إما أصفر بين أبيضين وإما أبيض بين أصفرين وفي صدره وشاحان وطوق وفي رجليه خلخالان يعرف الرجل بالتيجان والنساء بالخمر، وعلى ولي الله سبعون طاقاً من سندس واستبرق مختلفة الألوان والخدم قيام على رأسه والملائكة قيام بين يديه إكراماً له وهو متكىء على سريره من تحته فراش من سندس وإستبرق وحشوه من رحمة الله مترفف على نضائد من نور حشوها من رضوان الله عز وجل وعلى باب قصره ألف أمرد في طاعته.
__________
(1) 3 – الحديث إلى هنا رواه الترمذي 2539 / 4 ، والدارمي 2589 / 2 وغيرهم .
(2) 4 – المطففين : 24 (1/272)
صفحة 273
وأما الحور قد وصفها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: خلقت من الزعفران وعجنتب بماء الحياة وألبست اللؤلؤ والمرجان شعرها مرصع باللؤلؤ وهي في بياض الدر وصفاء المرجان مطهرة من الطرق والأذى يرى مخ ساقيها من وراء ثيابها مهفهفة مرهفة متوجة مرودة عجة غنجة سلكة مكحلة مطيبة بهية شهبة لاعبة مخدرة منعمة راضية مرضية ضاحكة مضحكة خود خدلجة، إذا خطرت من دحداح قصرها مالت الأشجار إليها قال لها خالقها كوني فكانت وهي تنادي نحن الخالدات فلا نموت أبدا، ونحن الضاحكات فلا نحزن أبدا، ونحن الناعمات فلا نبأس أبدا طوبى لمن كنا له وكان لنا، يا ابن آدم حور العين لبسها الأرجوان، وقيابها المرجان، وخدامها الولدان، ومقامها الجنان في الأمان، وأمشاطها الذهب، ومجامرها الدر، ومداهنهن اللؤلؤ، وموائدهن الياقوت، ويروى عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: إذا تحلت الحور العين كأن الشمس والقمر يخرجان من جبينها وكأن حاجبيها الأهلة وكأن اشفار حواجبها أجنحة النسور ولها اثنا عشر ألف ذؤابة مرصع شعرها من أوله إلى آخره من الدر والجوهر تمشي في الجنة باثني عشر ألف مشية على عينها اثنا عشر ألف وصيفة بأيديهن ظفاير الريحان والمسك والزعفران، وعن شمائلها اثنا عشر ألف وصيفة بأيديهن الحلي والحلل كلما مشت تبدل لها حليها وحللها، فبينما جبرائيل عليه السلام ينظر إليها إذ تبسمت في وجهه فأضاءت جنة الفردوس من ثناياها، فخر جبرائيل ساجداً لله عز وجل وهو يقول سبحانك اللهم لا إله إلا أنت، ويروى عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : إن في الجنة قصراً ليس له علاقة تمسكه ولا دعامة تدعمه وفي ذلك القصر قبة من النور تحت القبة سرير من الكافور عليه فرش من الاستبرق وعلى السرير زوجة من الحور العين يقال لها عيناء إذا اشتهت أن تمشي في الجنة تأتي سبعون ألف حوراء من الجنة من الحور العين فيقمن عن يمينها وعن شمالها يحملن ذوائبها فتمشي في الجنة (1/273)
صفحة 274
تتبختر في مشيها فترفع إذيالها إلى عينيها، فيقول لها الحور العين: يا عيناء لو رآك ولي الله كيف كان يعمل في الدنيا ؟، قالت: كان يقتل نفسه في الدنيا، ثم تقول: أنا للصائمين أنا للراكعين أنا للساجدين أنا للآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر أنا لمن أطعم الطعام أنا لمن أفشى السلام أنا لمن صلى وصام والناس نيام، ويروى أن في الجنة حوراء يقال لها لعبة، خلقت من أربعة أشياء من الزعفران الرطب ومن المسك الأذفر والعنبر الأشهب والكافور الأبيض، وإن جميع أهل الجنة لها عشاق من حسنها وجمالها وظرفها وكمالها مكتوب على نحرها من أراد أن يكون له مثلي فليعمل بطاعة ربي، وحولها سبعون ألف وصيفة تقول: يا ويح المشتاقين إننا لو عاينونا لصبروا في الدنيا ولو نشروا بالمناشير وقرظوا بالمقاريظ حتى يصيروا إلينا ونصير إليهم، ويروى أن لولي الله في جنة الفردوس قصر من درة بيضاء في جوف ذلك القصر سبعة بيوت طول كل بيت ألف ذراع وعرضه مثل ذلك، البيت الأول من الفضة والثاني من الذهب والثالث من اللؤلؤ والرابع من الزمرد والخامس من الزبرجد والسادس من الدر والسابع من النور يتلألأ، وأبواب البيوت من العنبر وعلى كل باب ألف سرير من الزعفران في كل بيت سرير من الكافور الأبيض فوق كل سرير ألف فراش فوق كل فراش حورية خلقها الله من الطيب من لدن أصابع رجليها إلى ركبتيها من الزعفران الرطب، ومن لدن ركبتيها إلى ثدييها من المسك الأذفر، ومن لدن ثديها إلى عنقها من العنبر الأشهب، ومن لدن عنقها إلى مفرق رأسها من الكافور الأبيض، وعلى كل واحدة منهن قرطان من الذهب وشنفان من الياقوت الأحمر، إذا أقبلت إلى زوجها ترى الياقوتتين يضيئان من ورائهما كأنهما الشمس والقمر بهجة للناظرين ولكل واحد منهن ثلاثون ألف ذؤابة من المسك الأذفر تسحبه في تراب الجنة في وسط مسك وزعفران تحمل كل ذؤابة تسعون ألف وصيفة مكتوب على جباههن هذا ثواب الله لأوليائه جزاءً بما كانوا (1/274)
صفحة 275
يعملون، ويروى عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من طريق عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: القرآن ألف ألف حرف وسبعة وعشرون ألف حرف فمن قرأه صابراً محتسباً كان له بكل حرف زوجة من الحور العين، ويروى أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قرأ (إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ) (1) ، قال لأصحابه أتدرون ما شغل أصحاب الجنة؟، قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: افتضاض العذارى، منهم من يفتض ثمانية آلاف بكر، ومنهم من يفتض عشرة آلاف بكر على قدر اعمالهم في الدنيا.
وقال الشاعر يصف لعبة:
يا طالبي إن كنت لي طالبا ... لما تشاغلت بمن دوني
يا عاشقي لو كنت لي عاشقا ... ما كنت في الأحياء تجفوني
سبحان من صورها لعبة ... وجل من قال لها كوني
غيره، خلف بن سليمان بن محمد من قصيدة له:
وتزينت دار السلام لأهلها ... محفوفة بالروح والريحان
يا فوز أصحاب الجنان إذا هم ... جاؤا لخازن بابها رضوان
وأتتهم عند الدخول نجائب ... مسروجة ملجومة بعنان
حتى إذا فتحت لهم أبوابها ... دخلوا بها واستبشروا بأمان
يستبشرون بنعمة موفورة ... من كل فاكهة لهم زوجان
أنشأهم ربي وأحسن خلقهم ... لله من حسن ومن إحسان
وأحلهم رب العباد بلاده ... دار الإقامة ما لها من فان
أبداً ولا هرم ولا نصب ولا ... فيها لغوب يا أبا غسان
يبقى السرور بها ويبقى أهلها ... ببقاء ربهم على الإمكان
لا تنقضي أيامها أبداً ولا ... تفنى لياليها بطول زمان
...
فحليهم ذهب وخز لبسهم ... لإناثهم أيضاً وللذكران
من سندس خضر ومن إستبرق ... وأسرة موضونة الأركان
طوبى لساكنها له ما تشتهي ... فيه النفوس ولذة العينان
فيها لحوم الطير تأتيهم بها ... ... مشوية يا نعم من لحمان
أكلوا من اللحم اللذيذ وخلفوا ... منه العظام فسرن في طيران
وتفاخرت أطيارهم في أكلهم ... من لحمها أكلوا بلا أثمان
والسدر في خضد وفيها الطلح في ... نضد وفي ظل وفي إمكان
والنخل فيها باسقات طلعها ... ... طلع نضيد يانع للجان
فيها مقاصير لهم محفوفة ... بالتين والزيتون والرمان
__________
(1) 1 – يس : 55 (1/275)
صفحة 276
أعنابها مغروسة مع غيرها ... فيها جناء الجنتين دان
وبلؤلؤ مبنية وبجوهر ... وبعسجد وبفضة وجهان
... ... ... ...
فأين الطالب لهذا والراغب فيه وله عاشق وبه مستهام بدخول جنة الخلد خالداً فيها أبداً مسروراً بين حور وقصور وأنهار وخيام بنعيم مقيم ودخول الملائكة الكرام عليه بالتحية والسلام لقوله تعالى: (سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ * وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ) (1) .
أيها الناس: اذكروا الجنة والحور في الخطبة يوم الزينة والعيد، يوم اجتماع القريب والبعيد، يوم الندم والاستغفار، يوم التوبة والاعتذار يوم رجاء العفو والغفران واستيجاب الدرجات والرضوان، يوم ختم الله به شهر رمضان سيد الشهور والأزمان، يوم يقول الله فيه لملائكته أشهدكم أني جعلت حظهم من الصيام والقيام رضائي عنهم في الجنان، وما جزاء الإحسان إلا الإحسان، تبارك اسم ربك ذي الجلال والإكرام، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه الكرام، عليه وعليهم افضل الصلاة والسلام.
الذكر الثالث عشر
في الفزع الأصغر والحذر عن العجلة وفي الوعظ والزجر والفزع الأكبر، وفيه ذكر الموت والنار وما فيها أعاذنا الله منها.
الفزع الأصغر والحذر من العجلة في الأمور
__________
(1) 1 – الزمر : 73- 74 (1/276)
صفحة 277
... قال ذو الغبراء: بدت لي حاجة في شيء من الأموال وقصدت بين المغرب والعتمة فسمعت في الطريق هزهزة فرجف منها قلبي رجفة والشعر والجنب مقشعر فأخذت الحذر فإذا هو قد ظهر لي أحد من البشر فسكن قلبي مما كان فيه من الوجل والذعر، فأخبرت بهذا أهل البصر، فاجابني أحدهم على ما سمع من الخبر، فقال: حدثني أحد عن رجل يمشي في بلده بالنهار مار على النخيل والأشجار وعلى وجهه الزروع والأنهار فلاح في قلبه ذكر ملك الموت ثم رأى رجلاً مقبلا إليه وقد ألصق في لحيته صوفاً فقال هذا ملك الموت فخر مغشياً عليه فلما رآه الرجل قد طاح كلمه فلم يجبه، فقال: هذا إنس أم جني أم شيطان، فنزل بجنبيه الفزع وولى إلى بيته فنزلت الحمى النافضة بجنبه وأما ما كان من خبر الأول الذي أفاق من غشيته رجع إلى بيته وأخبر إخوته وأهله ومكث ثلاثة ايام لا يأكل ولا يشرب من الرعب الذي نزل عليه وهؤلاء الرجلان كل واحد منهم ابن عم صاحبه.
وأخرى؛ رجل مات بالليل وحملوه أصحابه، فنزل القطر من السماء فأدخلوه في مسجد، وساروا إلى بيوتهم، وأقبل رجل غريب ودخل في المسجد الذي فيه الميت ولم يعلم هو به، فرجم الأبواب من قوة الريح والسيل ولاحت له رائحة طيبة فرقد، وهدن المطر، فسمع أصواتاً في الصرح تجتمع، فقال من قال: ادخلوا الحملة، وقال من قال: حتى نجتمع ثم ندخل، فلما اجتمعوا قالوا: ادخلوا وشلوه، فإذا هم بالأبواب مقفلة وقالوا: هذه قصة نسمع نسخه (1) يطلع ويهبط! ولكنكم ادخلوا عليه، والرجل مرتاع، فجذب سيفه وفتح الباب وصاح عليهم صيحة الغضب، فولوا عنه مدبرين مرعوبين وفي ظنهم ميتهم الذي صاح عليهم، فجاءوا لينظروه وقت الصباح فرأوا ميتهم على حاله، وتكلم الرجل الذي صاح عليهم وحمل بسيفه عليهم ففاقت قلوبهم من الفزع.
__________
(1) 1 – أي تنفسه (1/277)
صفحة 278
وفي قصة أخرى؛ أخبرني رجل أنه كان نائما في حصن بهلا ورأى في نومه جنية بقربه وفزع في سكرته، فاستيقظ في ليله وقت سحره فنظر بقربه امرأة جالسة شعر رأسها منتشلاً على جسدها، فخاف منه،ا وقرأ آية الكرسي ويتفل بالبصاق في وجهها مرة بعد مرة حتى ابتلت ثيابها، فأخبرته حينئذ أن زوجها ضربها وجاءت تلتجئ بمولاها فسكن قلبه من الخوف والفزع تلك الساعة.
وآخرى قصة أحد من شجعان البداة جاء إلى حصن بهلا بالليل، فقرب إليه الماء والطعام فأكل ما طاب وأمره بالمبيت الوالي في غرفة الصباح، فلما وصل وأراد النوم رأى رجلاً نائماً وهو أكرف، فاستيقظ الأكرف وهو يمشي على سراكيع يديه ورجليه وخرج من الغرفة للبول ثم رجع إلى الغرفة، والبادي ينظر إليه فقال البادي - في قلبه-: ما هذا إلا ساحراً وقد جاء ليدل السحرة علي، فخرج البادي من الغرفة هابطا إلى الصباح، فقال الأكرف هذا الرجل من اللصوص وقد جاء ليسرقني فهبط في طلبه، فلما رأى البادي لاذ عنه وطلع إلى الغرفة مرة أخرى، فطلع الأكرف ودخل عليه في الغرفة، فصاح البادي بأعلى صوته الساحر الساحر ليأكلني، فجاءت العساكر والخدم والسيوف مسلولة بأيديهم، فقالوا: ما عندكم، قال البادي: السحرة في الغرفة، فقال الأكرف: الزموا اللص بين أيديكم قد جاء ليأخذني في الليل المدلهم، فتبين أمرهم للناس وقالوا لهما: أنتما خطار الملك فأفاقا.
وأخرى؛ رجل يسقي بمائه في نخيله بالليل المظلم، فأقبلت إليه رائحة النساء فاقشعر جنبه وقربت منه المرأة فكلمها فلم تجبه، وأخذ عصا وضربها وهي امرأة عجما وغتما. (1/278)
صفحة 279
... وقصة أخرى؛ رجل هبط إلى المال (1) في الليل والناس الذين يخرجون إلى المال تصيح عليهم امرأة تدّعي من أبناء الشياطين، فمنهم من يموت، ومنهم من يطيح في السقم، وهذا الرجل لما رأته جاءته وصاحت عليه وعفدت (2) على ظهره، فقبضها بأنامله وحك بظهرها ورأسها جذع نخلته والدم يسيل من جسدها على أرجله، وهي تصيح وتستجير به وتنادي بأعلى صوتها وتتسمى بإسمها وتنتمي إلى عشيرتها، فأقبلوا الناس إليهم مسرعين، وأخبرهم رجل أن هذه المرأة تصل عنده للفاحشة الكبرى، ومسكنها في بلدة أخرى، فهذا أمرها ردت الوزر وفارقت الدنيا إلى الأخرى.
وفي قصة على شبهها تتعرض للرجال إلا أن الذي قبضها وصاحت عليه فجر بها، وأخبر الناس بأمرها فقتلوها.
وفي قصة أخرى؛ امرأة لها زوج مسافر وهي محتصنة في بيتها وجعلت على أبوابه أقفالا خوفاً من اللصوص، فجاء رجل شجاع وأخذ سلماً وقرب من المرأة فأخبرها بأني أمير الجن ففزعت منه، وفجر بها، ومكث في بيتها سبعة أيام بلياليها.
وفي قصة أخرى؛ في غلام اعتل جسمه وهو ينحب كثيراً ولا يفهم لكلامه، فشرى الغلام من السوق لحماً وأرزاً وأخذ له قدراً ونزل في المقبرة يطبخه، فأقبل إليه رجل ينظره وسلم عليه، فنهض الغلام بالحديث والرجل لم يفهم لكلامه، وقال في نفسه هذا الغلام من أولاد الجن فولى مدبرا عنه، ولم يقدر على المشي من الخوف والرعب وطاح مغشياً، فحملوه الناس على أعناقهم، وأخبروه الناس أن هذا الغلام من الإنس وهو عليل، فلم ينفعه قولهم، ومكث الرجل أربعة أشهر لا يخرج من بيته ولا يقدر على القيام ولا القعود، ولعل هذا الرجل صح عليه خاطف من أهل الهواء مع فزعته والله أعلم بغيبه.
__________
(1) 1 _ أي المزارع
(2) 1 – أي قفزت (1/279)
صفحة 280
وفي قصة أخرى؛ رجلان مسافران قد ناما في المسجد بالليل، فأقبلت امرأة صماء وفتحت باب المسجد وبيدها عصا تضرب به الجدار والأرض، وتقول: أين القاضي، فأجابها ولم تسمع كلامه، فخافا منها خوفاً شديداً حتى كلمها القاضي بكلام موحش فأجابته بلسانها فعرفها وسكنت قلوبهما.
قال ذو الغبراء: الحذر الحذر في الأمور عن العجلة؛ لأنه قيل لي عن رجل به قوة وهو خائف فمشى بالليل مستطرقاً لقتل أعدائه فوجد رجلاً في الطريق ولم يسأله فقتله، فصح أنه والده.
... وفي قصة أخرى؛ أمير مر على رجل نائم وهو يقول الشعر وزوجة الأمير تستمع صوت الشاعر، فجذب الأمير سيفه وقتل به الشاعر الزاهد، وكذلك الرجل البادي حمل سيفه على ناقته وخطف على بواب الدار وخرج من عمران البلد فلم يجد سيفه على ناقته، فشكى البواب مع الأمير فلا أقر البواب بالسيف، فغضب الأمير وقتل البواب، ثم ظهر السيف في الماء الجاري بالوادي الخارج من البلد قد طاح من ناقته ولم يعلم به البادي، فذهب البواب.
وكرجل صاحبوه أصحابه لقتل أعدائه فقتل فيهم، ووقف راصداً لأعدائه، فجاء ابن عمه فقتله ثم مشى قاصدا إلى داره، فرأى قوماً فرمى عليهم بالحصى فضرب أميرهم، وصاحوا أصحابه فعرفهم فصح الضرب في أصحابه.
وكالرجل الذي جاء إلى بيته فرأى رجلاً في بيته فقتله، فصح أنه ابن عمه وهو مجنون.
وكرجل هوته ضبع فقبضها، ونادى أصحابه لقتلها فضربوه بسيوفهم.
وفي قصة أخرى؛ رجال يضربون رجلاً فمد منهم رجل يده ليأخذ بها دراهم من جسد المضروب فجزفت عليه يده.
وكرجلان سارا ليسقيا بالماء، أحدهما قصد بالماء والثاني يوثق الأجلة، فجاء رجل بينهما يضرب ضبعاً بسيفه والضبع له رعيع، ففزع الرجل، وصاح في أصحابه فأخبرهم أن صاحبه مقتولاً فوجدوا القتيل ضبعاً.
وعظ وزجر من الفزع الأكبر (1/280)
صفحة 281
أيها الناس: اتركوا الطمع ولا تخافوا من الهلع والفزع، فإن للموت سكرات وأسقام في العروق، في كل عرق ما فيه من الألم أشد من ألف ضربة بالسيف، وليوم القيامة أهوال، كل هول أشد من الموت بألف ضعف، وعذاب النار أعظم من الأهوال بألف ألف ضعف، ألا فازجروا نفوسكم، وخافوا موعد ربكم، واستمعوا لقول الشاعر:
بني آدم مهلاً فإن زمانكم ... قصير وإن عشتم مدى ما عاشت الشعرا
بني آدم مهلاً فإن احتيالكم ... ضعيف وإن ملكتم البطش والقهرا
بني آدم مهلاً فإن أكفكم خوال ... من الدنيا وإن كسبت ذخرا
بني آدم مهلاً فإن اتكالكم ... على الله أقوى حجة فاعرف الحذرا
بني آدم مهلاً رفقاً ورحمة ... بأنفسكم إن أنتم تبتغوا السترا
بني آدم فوق المطايا تحملت ... بأكثركم ام لا علمتم لها خبرا
بني آدم إن المنايا تزوركم ... وإن كنتم عن أمرها غفلاً غرا
بني آدم إن الجحيم تسعرت ... فإن توجلوا من حرها فخذوا حذرا
بني آدم إن الحسان تزينت ... بجنة عدن فاستعدوا لها مهرا
فمن كان ذا عقل يبادر بتوبة ... بصحة إخلاص عسى يبلغ الأجرا
...
... أيها الناس إن التشمير بالإدراك ضمين، كما أن التقصير بالهلاك قمين، فبادروا عباد الله للعمل الصالح قبل جمود الجوارح، وأدلجوا بالسير في أنفس المسالك قبل وورود المهالك، وطهروا السرائر من دنس التبعات، واعمروا الضمائر بذكر يوم الحسرات، واغسلوا درن الذنوب بفيض العبرات، فيامعشر من الموت سبيله، والقبر كفيله، وإلى الله تحويله، وإلى النار إن حرم الجنة مقيله، فما الانتظار يكون بعد الغفلة عما أنتم إليه ترجعون، وما الاعتذار إن وقع التعزير بما أنت له مقترفون، كلا لتعضن على التقصير أسفا، ولتهضن عما لاتجدون عنه منصرفا يوم عطش الأكباد وذبول الشفاه يوم نطق الجوارح وختم الأفواه يوم يعرف المجرمون بوسم الجباه، يوم لا تملك نفس لنفس شيئاً والأمر يومئذ لله جعلنا الله وإياكم ممن استمع الوعظ فوعاه، وقام بحقوق ربه في جميع ما استرعاه، وعمنا وإياكم ببركة دعاء من دعاه. (1/281)
صفحة 282
عباد الله: أحذركم الدنيا فإنها سخارة مكارة، ظاهرها سرور وباطنها غرور، واعملوا فإن العمل ينفع والاعتذار يسمع، فإنكم أموات أين أصحاب الخيول والعساكر، أين القضاة والحكام، أين العلماء والفقهاء المذكورون في البلدان، أين الآباء والأجداد أين النساء والأولاد، أين القرابة والجيران، أين الأحبة والاخوان قد أرملوا النسوان وأيتموا الولدان وأدرجوا في لفائف الأكفان، وأزعجوا إلى مراكب العيدان إلى بيوت الوحدة عن الأحباب، فهم فيها إلى النفخ في الصور وإلى البعث والنشور، فهنالك يجد المشركون رائحة النار من مسيرة خمسمائة عام وهي سوداء منتنة مظلمة مدلهمة ولها تغيظ ولهيب وصفير كأنها جمالات صفر، تزفر على الخلق خمس زفرات فيفتح مالك أبوابها، وإن جهنم لها سبعة أبواب ما بين البابين مسير سبعمائة عام، في كل باب من أبوابها سبعون ألف جبل من النار، في كل جبل سبعون ألف وادي من النار، في كل وادي سبعون ألف قصر من النار، في كل قصر سبعون ألف بيت من النار، في كل بيت سبعون ألف لون من عذاب النار والقيود والأنكال والسلاسل والأغلال والشدائد والأهوال ولدغ الأفاعي والحيات وأدنى عذاب اهل النار مخه يغلي كغلي المرجل.
قال بعض الشعراء في المعنى:
جسم على البرد ليس يقوى ... ... ولا على يسير الحرارة
فكيف يقوى على جحيم ... وقودها الناس والحجارة
قال غيره:
ويساق أهل النار نحو جهنم ... ومقال أهل البغي في بطلان
وعلى وجوههم هنالك سحبوا ... بسلاسل الأغلال والأرسان
فدماغهم يغلي كغلي مراجل ... غلياً وهي أشد في الغليان
وتقطعت أمعاءهم وتمزقت ... أكبادهم وسعى إلى الأبدان
...
فإذا هم شربوا الحميم تساقطت ... أنيابهم والبطن في صهران
فطعامهم فيها الضريع وشربهم ... يسقون فيها من حميم آن
فيبدل الله الجلود وكلما ... نضجت جلود جاء جلد ثاني
يرديهم خزانها بمقامع ... كالنجم منخر على شيطان
ويصيح وا ويلاه مما قدمت ... نفسي من التفريط والخسران
ويل لأهل النار بل ويل لهم ... من سوء أغلال وسوء مكان (1/282)
صفحة 283
يهوي بهم في قعرها وهمو بها ... لمخلدون خلود غير أوان
...
... فهذا هو الفزع الأكبر عند دخولهم سقر، وما أدراك ما سقر التي هي لواحة للبشر، فمن دخلها فما عنها من مفر، والصلاة والسلام على سيدنا محمد شفيع البشر.
الذكر الرابع عشر
ذكر الأدب في الأكل والشرب، وفيه تفسير آية مماثلة بين الإنس وبين من لا يعقل من ذوات الأرواح، وسبع حكايات في الخدعة والسرقة.
آداب الأكل والشرب وتفسير آية (1/283)
صفحة 284
قال ذو الغبراء: فقدت شيئاً من آلة السراج، ولم أدر إليها المحتاج، فجلست متحيراً في المسجد بالليل الداج، وأنا في الدعاء بالإلحاح لجاج، حتى سمعت قعقعة بالباب، فرأيت رجلاً مسلماً في حسن الشباب، وسمعته مع دخوله قال بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى أولياء الله السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين اللهم اغفر لي ذنوبي وافتح لي أبواب رحمتك وأعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك وسخر لي أحداً من خلقك ليطعمني حتى تقوى أعضائي لتأدية الفرض بشيء من تمر الفرض، ثم نظر يميناً وشمالا حتى رآني في أقصى المسجد فجاء معي وصافحني وسألني عن حالي، فأخبرته بسرقتي وواقف منتظر إلى عودة اللص، قلت له: فإن كان لك حيلة في ما ذكرته فأنت مأجور، فقال: لكل شيء سبب ولكن في هذه الساعة لم يحضرني علم من كثرة الجوع، فقلت له: أنا من ذوي الغبراء، قال: إن القرين مناسب لقرينه، قلت له: هذا الماء والتمر جعل وقفاً مؤبداً للمسجد ليأكلوه وليشربوه لمن شاء من الناس إلى يوم القيامة، فقال: بسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء في الأرض ولا في السماء وهو السميع العليم، اللهم إني أسألك من هذه الأكلة نفعها وتدفع عني ضرها وتقوي بها ما ضعف من جسمي من العروق والعصب والعظم وتحي بها ما فسد من جسدي من الجلد واللحم والدم إنك على كل شيء قدير، فأكل ما طاب له وحمد الله وأثنى عليه وصلى على النبي واستغفر لذنبه ثم قرب مع الماء، وقال: اللهم نيتي أشرب من هذا الماء النسم الأول مرضاة للرب، والنسم الثاني لهضم الطعام، والنسم الثالث مسخطة للشيطان، وفي كل نسم حمد الله ومص الماء مصاً، ثم قام قياماً يمشي في المسجد يريد الخروج، قلت له: قف قليلاً معي سؤالاً وأريد منك جواباً وقد ابتليت في هذا الوطن باللصوص وفي سبيل الله بقطعه الطريق، قال: هاك الجواب سهلاً فالبس في طريقك ثياباً ملبدة، وخذ لتتكئ به عصا فلا يطمع فيك لص أبدا، وأما اللصوص فلا (1/284)
صفحة 285
تعارضهم في مطلبهم فقد خصموا أصحاب الأموال والرفاهية وكذلك المريض لا تعارض فيه البصراء فتسلم من الجن والشياطين والسحرة، والسلامة أسلم في الجواب بقلة المعرفة، وهاك البيان من كلام الله تعالى (وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ) (1) .
__________
(1) 1 – الأنعام : 38 (1/285)
صفحة 286
قال الشيخ ناصر: أمثالكم خلقاً، فأثبت الله تعالى المماثلة بيننا وبين سائر البهائم، ومعلوم أنهم لايماثلوننا في خلقنا وأشكالنا ولا في عقولنا وسائر ما تدركه العين منهم ومنا فتبقى المماثلة في الأخلاق فلا مختلفة، فإذا رأيت من الإنسان خلقاً خارجاً عن الاعتدال فأبصر ما يماثل ذلك الخلق من خلق سائر الحيوانات فألحقه وعامله كما كنت تعامله فحينئذ تستريح من منازعتهم ويستريحون منك وتدوم الصحبة، فإذا رأيت الرجل الجاهل في خلائقه الغليظ في طباعه القوي في بدنه الذي لا يؤمن من طغيانه وإفراطه فألحقه بعالم النمر والعرب تقول أجهل من نمر وأنت إذا رأيت النمر بعدت عنه ولم تخاصمه ولا متسابيه فاسلك بالرجل كذلك، وإذا رأيت الرجل الغالب عليه السرقة خفية والنقب ليلاً على وجه الاستسرار قلنا هذا يماثل عالم الجراد فسد رحلك ثم أخبار حلك بما يصلح له، وإذا رأيت رجلاً هجاماً على أعراض الناس وثلبهم فقد ماثل عالم الكلاب فإن دأب الكلب أن يجفو من لا يجفوه ويبتدئ بالأذية من لا يؤذيه فعامله بما كنت تعامل به الكلب إذا نبحك ألست تذهب في شأنك ولا تخاصمه ولا تسبه فافعل بمن يهضم عرضك مثل ذلك، وإذا رأيت إنساناً قد جبل على الخلاف إن قلت لا قال نعم أو قلت نعم قال لا فالحقه بعالم الحمير فإن دأب الحمير إن أدنيته بعد وإن بعدته قرب وأنت تسمع بالحمار ولا تسننه ولا تفارقه، وإذا رايت رجلاً يطلب عثرات الرجال الناس واستعطائهم فمثله في الآدميين كمثل الذباب في عالم الطير فإن الذباب يقع على الجسد فيتحامى صحيحه ويطلب المواضع المعلة منه وذوات المادة والدم والنجاسة، وإذا بليت بسلطان يهجم على الأموال والأرواح فألحقه بعالم الأسود وخذ حذرك منه كما تأخذ حذرك من الأسد وليس إلا الهرب منه، كما قال النابغة: ولا فرار على زاره من الأسد، وإذا بليت بإنسان كثير الروغات والمفاخرة فألحقه بعالم الثعلب، وإذا بليت بمن يمشي بالنمائم ويفرق بين الأحبة فألحقه (1/286)
صفحة 287
بعالم الظربان وهي دويبة لا يطاق فسوها، تقول العرب عند تفرق الجماعة فسا بينهم الظربان فتفرقوا، وخاصة هذه الدويبة إذا حصلت بين جماعة يتفرقوا، كما أن الجماعة إذا أقبلت نحوهم هذه الدابة طردوها ومنعوها الدخول بينهم، كذلك ينبغي إخراج النمام من بين الجماعة فإن لم يفعلوا يوشك أن يفرق في ما بينهم ويفسد قلوب بعضهم على بعض، وإذا رأيت إنساناً لا يستمع العلم والحكمة وينفر من مجالس العلماء فألحقه بعالم الخنافس فإنه يعجبه أكل العذرات، ويألف روائح النجاسات، ولا تراه إلا ملابساً للأخلية والرحاضات وينفر من روائح المسك والورد، وإذا طرح عليه المسك والورد مات، وإذا رأيت إنساناً إنما دأبه حفظ الدنيا لا يستحي في الوثوب عليها فألحقه بعالم الأجدر به بأن تكف رحلك عنه، وإذا ابتليت بالرجل عليه الديانة والسكينة في ظاهر أمره دون باطنه، وقد نصب أشراكه لاقتناص الدنيا وأكل أموال الودائع والأمانات والأرامل واليتامى فألحقه بعالم الذئاب وهو كما قال القائل شعراً:
ذئب تراه مصلياً ... فإذا مررت به ركع
يدعو وجل دعائه ... ما للفراسة لا تقع
عجل بها ياذا العلى ... إن الفؤاد قد انصدع (1/287)
صفحة 288
واحترز عنه كما تحترز عن الذئب، فإذا بليت بصحبة إنسان كذاب فاعلم أن الإنسان الكذاب كالميت في الحكم لأنه لا يقبل له خبر كما لا خبر للميت، وكما لاتصحب الميت لا تصحب الكذاب، وكما قيل في المثل: كل شيء وصحبة الكذاب لا شيء، ويجوز أن يلحق بعالم النعام فإنه يدفن جميع بيضه تحت الرمل ويترك واحدة على وجه الرمل وأخرى تحت طاقة من الرمل وسائر بيضه في قعر الحفرة، فإذا أراد الغر يأخذ تلك البيضة وينصرف أو يكشف عن وجه الرمل فيجد الأخرى فيظن انه ليس شيء آخر، والخبير إذا رأى البيضة لا يزال يحفر حتى يصل إلى حاجته ولا يغتر بتلك البيضة، كذلك الكذاب إذا سمعت منه خبر لا تصدقه حتى تبلغ الغاية في الكشف عنه، وإذا رأيت إنساناً يصنع نفسه كما تصنع العروس لبعلها ينفض ثيابه ويعدل عمامته ويتقي أن يمسه شيء غيره وينظر في عطفيه ويطرح القذا عن ثوبيه وليس له همة عند الجلساء إلا نظره إلى نفسه وإصلاح ما اكتسى من ثيابه فألحقه بعالم الطواويس الذي هذه صفته؛ فإنه يتبختر في مشيه وينظر إلى نفسه ويفرش أرديته فيتخذ مع الملوك استحسانا له، وإذا بليت بإنسان حقود لا ينسى الهفوات ويجازي بعد المدة على السقطات فألحقه بعالم الجمال، والعرب تقول: أحقد من جمل، وتجنب قرب الجمل الحقود، وإذا بليت بإنسان منافق ينطق خلاف ما يظهر فألحقه بعالم اليربوع؛ وهو فأر يكون في البرية يتخذ جحراً تحت الأرض يقال لها النافقاء وله فوهتان يدخل من إحداهما ويخرج من الأخرى ومنه اشتق اسم المنافق، فإذا هم أخذه دخل جحره وخرج من الباب الآخر فيحفر الصياد خلفه فلا يظفر بشيء، كذلك حال المنافق ولا يصح منه شيء، وعلى هذا النمط كن في صحبة الناس تستريح وتريحهم منك، ولعمر الله ما استقامت لي صحبة الناس وسكنت نفسي واستراحت من مكايدة الأمر حيث سرت معهم إلا بهذه السيرة، وقال الرباحي: يا بني رباح؛ لا تحقروا صغيراً تأخذون عنه فإني أخذت من الثعلب روغاته، ومن القرد مكايده، ومن (1/288)
صفحة 289
السنور صرعه، ومن الكلب نصرته، ومن ابن آوى حذره، ومن الغراب بكوره، ومن النمر شدته، وقد تعلمت من القمر المشي بالليل، ومن الشمس الظهور الحين بعد الحين، وقال بعض الشعراء:
وفي الفؤاد أمور لا أبوح بها ... ما قرب النائي أيد الخيل والإبل
وإن أمت لقد أعذرت في طلب ... وإن عمرت فلم أصغ إلى العذل
حكايات هادفة
قال ذو الغبراء لصاحبه: لعلك تقعد في المجلس ونستفيد من عندك في هذه الليلة، قال: اعلم يا أخي أن معي عيلة ولزمتني فروضاً والمراد أن أسعى لرزقهم إلى تلك القرى النازحة، قلت له: لعل الله يرزقك من هذه البلدة وإن لي أرحام ينفعوني فعسى أن يمنوا علينا، قال: أخاف إن كنا اثنان يضيق عليهم ذلك، قلت له: ما تظن في الناس إلا الخير، قال: لعلك أنت غرير بالناس وإن سوء الظن في الناس من حسن الخلق، أما ترى الناس قد ضاعت أموالهم وأعمالهم بحسن ظنهم في أصحابهم وأهلهم، كما حكي لي عن رجل تزوج امرأة ولم يقدر على افتضاضها، فجاء مع الطبيب وأخبره بقصته، فقال له الطبيب: إذا أردت الدواء على عهد يكون منك بأن تزوجني أمك، فأحضر أمه عندهما ورضيت بذلك، فعاهده بها وأخذ له الشونيز المقلاي المدقوق وجعله في عسل النحل وأطعمه فروخ الدجاح بالحنطة النقية أربعين يوماً، وأعطاه لشربه الماء الذي أطفئ فيه الحديد، فلما بلغ مراده وجامع أهله في نهاره وليله جاء إلى الطبيب، وقال له: لا وجدت نفعاً من دوائك، فأخذ الطبيب مسكاً وكافوراً وقال للرجل: هذا الدهن فيه قوة للجماع وادهن به إحليلك، فعمد الرجل وجامع أهله، ونكث الرجل عهده، فأرادت أمه أن توفي بعهده فضربها ولدها ضرباً مؤثراً، ثم قال الطبيب لأرحام الرجل وجيرانه انصحوا صاحبكم حتى يتم عهده، فأخذوه بالنصيحة فلم يقبل منهم، فقال الطبيب لأم الرجل إن أراد ولدك شربة ماء فاجعلي في الماء السكر الأبيض والماء الورد والكافور الأبيض، قال: فامتثلت فسقته ولدها على ما قال لها فعطل ولدها عن الجماع البتة. (1/289)
صفحة 290
وفي قصة أخرى؛ خرج الطبيب إلى الصحراء يأخذ بعضاً من الأشجار فعرضت عليه امرأة حاملة ابنها قد ذهب لبنها من عوق (1) نزل بها، وتريد له مرضعة، فقال لها الطبيب: أنا أصنع لك دواء ثمنه مائة محمدية، فعاهدته بالمائة إن رجع لبنها مما يقيت ولدها، فأخذ صاعاً من الحلبة وطبخه بسبعة أمواه كلما ثار بماء أهرقه وجعل عليه ماء آخر، ثم جعلها في الشمس، وأخذ صاعين من الحنطة النقية فخشفها وأزال قشرها وجعلها في الشمس، ثم أخذ الحنطة والحلبة فجعلهما دقيقاً، ثم أخذ حليب البقر نصف صاع وجعل عليه السكر الأبيض وجعله على نار خفيفة، وجعل فيه قبضة من الدقيق ثم ساقاه بالسمن حتى نضج، فأسقاها إياه صباحاً ومساء، فرد الله عليها حليبها، وانتشى ولدها، فهذه الصفة المذكورة في الكتب نفعها لإدرار اللبن، ولداء السعال اليابس، ولحصر البول، ولوجع البطن إذا كان فيه زحير نافع لذلك، وأما من خبر المرأة فنكثت عهدها على الطبيب، فقال لها: لا بأس، فأعطاها من دقيق العدس وعجنه بالماء، وأمرها أن تدهن به ثدييها لتنشيف ماء اللبن، فصنعت وذهب اللبن كله.
وأما القصة الثالثة؛ جاءت مع الطبيب امرأة، وقالت له: هل عندك بصر في بقرة عصور تخفي لبنها مع حلابتها وأنا أعطيك نصف سمنها في هذه الثمرة فأعجبه الطبيب قولها لعازته (2) للدهن في شتائه، فقصد إلى الصحراء وأخذ طيخاً من الوادي من حيث لا يطأه قدم وقرأ عليه سورة الفاتحة، ونفخ به في مناخر البقرة، وأعطاها لطعامها من حشو الجزر، فدرت باللبن، ونكثت المرأة على الطبيب.
__________
(1) 1 – أي مرض
(2) 2 – أي لحاجته (1/290)
صفحة 291
وأما القصة الرابعة؛ رجل له زوجة نافرة عن بيته وقربه لم يزل، فقصد مع الطبيب وشكا له وعاهده بمائتي محمدية، فأخذ له زيتاً وقليل زرنيخاً وأعطاه المرأة في شيء من العيش، فبعد ما أكلته عشقت زوجها كثيراً، ومن دهن إحليله بهذا الدواء فإنه يجامع امرأته متى شاء وأراد، فنكث هذا الرجل على الطبيب، فقال له: لا بأس، فقرب له البقلة الحمقاء والخل والجلجلان فأكلا منه وشربا من الخل هو والطبيب، وقرأ الطبيب على الخل سورة القارعة، وقال: اللهم فرق شمل الناكث عهده علي، فأمره أن يعطيه أهل بيته ليأكلوه، فحمله وأعطاه أهل بيته ففرحوا به وأكلوه، ففرق الله شمله.
وأما القصة الخامسة؛ وصلوا جماعة عند رجل مظلومين ومقتولين وأرادوا منه النصرة لعدوهم، فمنوه بالأماني الكثيرة وبالمرأة الصالحة، فأعطاهم الطعام ودعا لهم بالنصر وإلاكرام فنصرهم الله على عدوهم، وطغوا من بعد في بلدهم ونكثوا على صاحبهم، فلما صح بينهم العتاب هموا إلى قتله، فسأل مولاه أن يفرق جمعهم ويشتت شملهم. (1/291)
صفحة 292
وأما القصة السادسة؛ رجل عشق امرأة وأرادها للنكاح فلم ترده، وتزوجت رجلاً غيره، ومات زوجها وحملت منه واعتدت أربعة أشهر وعشرا، فغسلت وأصابها ثور بقرونه فشق بطنها شقاً عظيماً بقرب السرة فخرجت جميع الأمعاء والثرب، حتى أنها كانت مستلقية على ظهرها وكانت الأمعاء والثرب منحدرة على الأرض، وكان بها حمل ثقيل، فأرسلت إلى الرجل الذي عشقها بالوصول، فلما وصل معها قالت له النفع اليوم الذي لا ينسى وانظر في حالي، قال العاشق للمرأة: أخذت لها دهن ورد وأضيفت إليه مومياي مدقوق فسحقتهما على النار وكمدت به جميع ما خرج، وأمرت رجلاً أن يرفعها برجليها منكسة لينحدر الرأس، ثم أدخلت ما خرج قليلاً قليلاً وخطته، وذررت عليه مرداسيج وصبر مسحوقين، ثم تركتها مستلقية على ظهرها، فلما أتى عليها سبعة أيام خرج حملها ميتاً وبرئت، فقصدت مع وليها للخطبة، فرأيت به قولنج عظيم فاحتبس به البول والغائط فلم يخرج من مخرجهما شيء أبدا، وكان إذا أكل وشرب أدخل شيئاً في حلقه وقاءه، وله سنتين على تلك الحالة، قال: فحقنته بماء الحرمل والملح المغلاي على النار المصلول، فخرج منه يابس لو دق بحجر لم يجبه، ثم حقنته في اليوم الثاني فبرئ، وكان ذاهب القوة واللحم، فأردت منه أن يزوجني المرأة، قال: النظر إليها، فوصلنا عندها فنفتنا ولا وجدنا منها سبيلاً، انظر في إحسان هذا الرجل لها ولوليها قد طلعهما من الموت ولا تذكرا الإحسان، ولكن قال الله تعالى (وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ) (1) .
وأما القصة السابعةح امرأة صحت عليها سرقة ثياب، وقالت لرجل: أريد بيان السرقة ولك العطاء الجزيل، فعمد الرجل بالدعاء على سارق المرأة وظهرت عليه وفي بيته كثير من متاع الناس الذي سرقه، فصلب عليه ومات، وذهبت أمواله لحقوق الناس، والذي تسبب بالدعاء على السارق لم يعط مثقال ذرة، وبقي في الحاجة.
__________
(1) 1 – الأنعام : 28 (1/292)
صفحة 293
الله الله أيها الواقف على كتابنا احذر نفسك ولسانك ما قدرت.
أنظر يا ذا الغبراء فيما حدثناك به فلا تطمع بالأماني، درهم في يدك خير من ألف درهم في يد غيرك، ومَنُّ (1) تمر في يدك لسفرك خير من ألف ألف جراب في بيتك، وشربة ماء في سعنّك (2) مع مشيك خير من ألف نهر في أوطانك، وصحبة رجل في حضرتك خير من ألف خادم في غيبتك، فكيف إذا كان الأمر في يد غيرك ويمنيك به فلا تطمع به، فقد نكث معاوية على سيده وولد نبيه الحسن بن علي بن أبي طالب، فكيف تطمع من الناس، وعليك بالإياس عما في أيدي الناس، وطب نفساً وقر عيناً، واترك الجدال واسمح لي بطول البال ولا تطل علي في السؤال والمقال، وعليك بالمداراة والاحتمال فيما ذهب عليك من القماش والأموال، لأن الدنيا دار زوال.
الذكر الخامس عشر
... أوله في الحث على طلب الحج وفي من لزمه ومن لا يلزمه، وفيه توبيخ لذي الغبراء فأجاب لمن وبخه في ذلك، وفيه قصة حاوية من مسائل الشرع والطب، وفيه قصة حسن سيرة بعض من الملوك للمتقرب معهم، وفيه فضائل الحج وما جعل للحاج من الثواب، وفيه دعاء وتضرع، وفيه قصة الرجل والمرأة وابنتهما الصالحين وما لها من الأمثال في طلب الحلال لسلامة الحال والمال.
الحث على الحج وبعض أحكامه
... قال ذو الغبراء: نزلت رحمة الله لعباده، وأخذت ورقة من الطلح فجعلتها على رأسي اتقاءً عن قطر السماء في جسمي وثيابي، ثم قصدت إلى الصلاة في المسجد الجامع وسمعت أخي يقرأ هذه الأبيات التي عن الشيخ محمد بن جعفر شعراً:
وفي عرفات يرحم الله تائباً ... يقر بفحش من عظيم المآثم
فإن كنت في الأحياء عند غروبها ... فعج بإلحاح على ذي المكارم
ولا حلق حتى يبلغ الهدي حله ... وبالذبح تبدأ قبل حلق اللمائم
وذلك من بعد الجمار ورميها ... بواحدة ترمي على قول عالم
ومن بعد هذا زر لذي العرش بيته ... وعد راجعاً في كرة غير نائم
__________
(1) 1 – المن : من المكاييل ويساوي أربعة كيلوجرام
(2) 2 – السعن : القربة الت يحمل فيها الماء (1/293)
صفحة 294
وكن بمنى وارم الجمار لوقتها ... إلى النفر من يوم الوفا والتمائم
وودع لبيت الله إن كنت راجعاً ... وعد بالجزا من عنده والغنائم
... ... ... ...
ثم قال ذو الغبراء: أيها الناس عليكم بطاعة الله والمحافظة على الصلوات الخمس وصيام شهر رمضان وأداء الزكاة وحج بيت الله الحرام لمن استطاع إليه سبيلا، والاستطاعة هو الزاد والراحلة وأمان الطريق والرفيق وصحة البدن، فإذا اتفق ما ذكرناه فقد لزمه الحج، وعليه أن يترك من ماله لمن يعوله مما يكفيهم لمؤنتهم وكسوتهم، ومن ترك الحج ولم يوص به وكان قادراً مات هالكاً من النساء والرجال، ألا فاجتهدوا في تأدية فريضة الحج وقد أمر الله بذلك فاقتفوا بالأنبياء والرسل والذين سبقوكم بالإيمان فقد حجوا واعتمروا وزاروا، وقيل أوعد الحج بمائة ألف حاج في كل سنة فإن قصروا الإنس نزلوا من السماء ملائكة الله لتمام ذلك.
والنفقة في الحج الدرهم بسبعمائة درهم، والخطوة بسبعمائة حسنة، والصلاة في مسجد الحرام تعدل مائة ألف صلاة، والصلاة في مسجد رسول الله عن ألف صلاة، وقيل من مات في الحرم مات شهيد. (1/294)
صفحة 295
ألا فشوقوا قلوبكم إلى نظر تلك البقاع والمساجد والمواقيت وما فيها، والنظر في اجتماع الخلق في الموقف يأتون من كل فج عميق، ولو لم يكن لازم عليكم فرض الوصول لعشقتم ما يذكروه لكم الواصلون الناظرون لأنه لا يصح البلوغ إلا بشق الأنفس، فإن قيل عن العلماء وأصحاب السيمياء والرياضات يحجون في كل عام في يوم عرفة ويرجعون في يومهم إلى بيوتهم فلا أقول شيئاً في الوصول، ولكن أقول لا يتم الحج إلا بالإحرام من المواقيت والوقوف بعرفة والمبيت بالمشعر الحرام ورمي الجمرة يوم النحر والذبح والحلق وزيارة البيت والسعي بين الصفا والمروة والرجوع إلى منى والوقوف بها لرمي الجمار في الأيام التي ذكرها الله تعالى قال:(فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ) (1) ، وقال:(لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلا مِنْ رَبِّكُمْ) الآية إلى ( أَشَدَّ ذِكْرًا) (2) ، ولا يتم الحج إلا بهذه الشروط إن كان الحج فرضاً أو نفلاً.
والمحرم لا يقتل الصيد ولا يأكل لحمه ولا يقلع الشجر لأن فيه الجزاء ويحكما به ذوا عدل منكم، وفي حكمه أكثره بدنة وأقله إطعام مسكين هذا في الصيد والشجر، ولا يحكم الإنسان على نفسه بشيء وإن عرفه، وإن لم يجد من أهل العلم ليحكما عليه وكان هو عالم به فإنه يخبر بذلك رجلين ثقتين فإن حكما عليه جاز حكمهما وإن لم يجد أحداً فعليه دين متى وجد سبيلاً لذلك، وأما الدموم فكثير مما تجب منها على المحرم إذا اعتمد على ارتكاب ما نهي عنه فيجب عليه دم والواجب على المرء أن يتعلم لجميع ما يعنيه.
__________
(1) 1 – البقرة : 203
(2) 2 – البقرة : 198- 200 (1/295)
صفحة 296
فقال الرجل الذي يقرأ الأبيات في المسجد : أيها الناس احذروا الأمور كالذي قصد فيها ذو الغبراء لما وجب عليه الحج تمادى في زمانه عن تأديته فقل ما في يده فسأل شيخه فقال له : لازم عليك أن توصي به وتشهد في وصيتك شاهدين ، ثم وجد الشيخ السبيل إلى الحج في صحبة سلطانه وأن يحمله من أول مسيره إلى رجوعه هو ومن أراده فأخذ الشيخ ذا الغبراء في صحبته لتأدية ما لزمه فأكل ذو الغبرا من جائزة السلطان وخالف شيخه مع الإحرام ولم يقتد به وجادله في طريقه وخالف قول ربه أنه لا جدال في الحج فرجع ذو الغبراء إلى داره وقصر في نفقة زوجته فازداد جهلاً.
ومن علامة الحج المبرور يزداد في دينه في كل يوم، لأن من حج انحطت عنه الذنوب وبقي لا عليه ذنب كمثل ما ولدته أمه، فإن رجع إلى داره وعصى ربه أعيدت له ذنوبه، وهذا ما وردت الأخبار عن أخيكم ذي الغبرا فانظروا يا أولي الأبصار. (1/296)
صفحة 297
فقال ذو الغبراء: إنا لله وإنا إليه راجعون مالك أيها الرفيق لا تذكر قول الله تعالى:(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ)، (1) فقال الرفيق: يا ذا الغبراء رفع لنا عنك ممن نثق به ولكن بيّن لنا الحجة حتى يتضح لنا الحق والبرهان ونأخذه منك شفاهاً باللسان، فقلت له: أما الحج فقد لزمني، حدث علي مال من إرث وبعته فدخلت عليّ أشهر الحج ولم أجد المعبر ولا مأمن في الطريق وذهبت الدراهم ثم وجدت المعبر بصحبة إمام المذهب (2) مع السلطان فصحبتهم لانحطاط الفرض اللازم، فزرنا قبر نبينا قبل أشهر الحج فأحرم الشيخ من الميقات المسمى أبيار علي، وسلطانه لم يحرم مراده القيام بجدة، وأنا علمت بأن مكة فيها أذية الجدري، فقلت إن البلا لا يعنا له والحج بعده شهرين، والشيخ ومن معه مجدورين، وخوفي مما سمعت ورأيت إن بليت بالعلة الجدري لا يصح لي قائم، والسلطان مالك أمره لا ينظر إلى من دونه.
وقد حكي لي أن جدي قصد الحج فنزلت به هذه العلة فاغتلق عليه الموسم والناس رجعوا من حجهم بسرعة في ستة أشهر، وجدي مكث ستة أشهر وسنة فذهب ما في يده وقل ما عنده وبقي كلاً على الناس وعليه الديون، وكذلك أبي لزمه فرض الحج فلما وصل البقعة المباركة نزل به الجدري فتركوه أصحابه وقصدوا إلى عرفة، ومات أبي يوم الحج في مكة فذهب جميع ما كان في يده من الأموال ولا حضر أحد من أصحابه ليوصيه بحجة ولكن لعله سالم عند الله، لأني وجدت في الأثر من لزمه الحج وقصد لتأديته ومات في طريقه قبل أن يؤدي فريضة الحج فقيل إنه ينحط عنه الفرض على نيته وقصده، ثم رأيت رجالاً أبلاهم الله بهذه العلة ولم يجدوا قائماً من أصحابهم وماتوا قبل الحج فلا حج أحد عنهم.
__________
(1) 1 – الحجرات : 6
(2) 1 – لعله يقصد الشيخ ناصر بن أبي نبهان (1/297)
صفحة 298
وأنا أخبرك قد أحرمنا من أحد المواقيت الأربعة وقصدنا مكة للعمرة، وأما ذكرك في الجدال بين منى ومكة فهذا بعد الحج والإحلال من الإحرام وتأدي اللوازم والجمال له أصحاب متأخرون وأراد مني توقيف الشيخ ومن معه يروض (1) أصحابه لصحبة الطريق فأخبرت أصحابي بعذر الجمال فلم يقبلوا مني كلاماً فهذا ما صح من الجدال . ومن قبل رجوعي إلى الوطن وتقصيري النفقة للزوجة اعلم أني خيرت المرأة من قلة ما في يدي أن أعطيها الصداق وأنطق لها بالطلاق وبين العذر من النفقة فاختارت أن تعذر ولكن قيل في الفقراء عيوبهم ظاهرة وأعمالهم قبيحة وأنت أيها الرفيق فالواجب منك تنطق لنا مما يسلي القلب حتى تكون لك قربة عند الرب فانظر إلى أمرنا وضعفنا مع الأغنياء ولا سخت نفوسهم لنا بشيء مما أغناهم الله من فضله وخصهم به دون خلقه فبقينا حيارى في عيدنا من قلة ما في أيدينا ولكن رضينا بما جعله الله بالتدريج لخلقه لا كما ذكرت دفعة واحدة.
__________
(1) 2 – أي ينتظر (1/298)
صفحة 299
فقال الرفيق: أما الرزق جعله بسبب وحركة من مزروع وملبوس وتجارة في سفر البر والبحر والمواشي شيء يتبعه شيء والفسل له ولد يتبعه ولد لايخرجون الأولاد دفعة واحدة، وكذلك الطير والدواب والوحوش لو أراد الله خلقهم في ساعة واحدة لأخرجهم في أمة واحدة، وكذلك الزرع والنخيل والأشجار لها أوقات معلومات في إدراك ثمارها، وكذلك بيعه منه يباع بالرخص ومنه بالغلاء فاعتبر في قصة الرجل والمرأة الصالحين لما دخل في قلبهما الغبن من فقرهما في محضر الناس يوم الزينة والعيد الذي افتتح به شهور حج بيته الحرام وأحل فيه الطعام وحرم فيه الصيام، فقد أوصى أحد من المسلمين بدراهم تفرق في تلك اليوم فأعطي الرجل والمرأة ستة دراهم فقالا الحمد لله الذي أنعم علينا اللهم بارك لنا في هذه الدراهم، فأخذ منها ثلاثة دراهم لعيدهما وتركا الباقي ليدبرا فيها أمرا فأخذ الرجل الدراهم وقصد إلى سوق المسلمين في غير بلده فأقبل عليه الليل فدخل المسجد وسمع الجماعة يذكرون رجلاً سقيماً من أشرافهم فسألهم عن بلائه فأخبروه بعلته، فقال لهم: أحب إلى نظر السقيم، فقصدوا به إلى البيت ودخلوا عليه فرآه منكباً على بطنه ومنكف ظهره وعصبه، فقال السقيم: هذه ساعة النفع إن كان لك حيلة يا غريب فإني أعوضك بكثير من الأموال وقد نذرت لله إن شفاني أن أسير الحج أنا وزوجتي حجة الإسلام ونزور قبر نبينا محمد عليه السلام الذي بالمدينة وفيها النسمة الطيبة والغرة المباركة والطلعة الميمونة والنفس النفيسة والروح المقدسة والقبر والمنبر وأبو بكر وعمر وناهيك بهذا شرفاً وفضلا ونيلاً فكل عمل يعمل فيها فهو بألف جزاؤه قال النبي:(ما بين قبري ومنبري روضة من رياض الجنة). (1/299)
صفحة 300
فتعجب الغريب من كلام السقيم فقال له زد نذراً إن ابراك الله أن تعطيني كما تقيم به حجك أنت وزوجتك، فقال السقيم: نذرت لله أن أعطيك أيها الغريب وأنت فقير ومن أبناء السبيل مثل ما نرزاه (1) في حجنا ونفقة من أعوله من أهلنا، فقال الغريب: عندي زوجة وأنا آتي بها إليك لتعمل الدواء، فقال له: ائتنا بها وعلينا كسوتكما ونفقتكما فوادعهما فأخذ من شجر الحنظل التي تثمر من اثنتين فصاعداً فأخذ أصفره ثم كشفه وأخذ منه بذره وجعله في كيس، ثم جعله في الماء الجاري عشرة أيام حتى يكون لا مرارة فيه وشرى بدرهم حنطة نقية وأخرج قشرها وأخذ من الحنطة سهمين ومن الحنظل سهماً، وقال لزوجته: اصنعي هذا دقيقا، ثم أخذ درهماً وشرى به عسل النحل المصفى وأخذ درهماً وشرى به سمن البقر ونقصه وقصد إلى الرجل هو وزوجته وعملا له الدواء صباحاً ومساء فأبرأه الله من علته، وقيل إنه عمل له شراب الجزر لأنه ينفع من وجع الظهر والكليتين ويزيد في الباه وصفة عمله؛ يؤخذ الجزر ويقطعه مثل الدراهم ويجعله في قدر ويصب على كل كيلة من الجزر ثلاث كيلات من الماء فإذا نضج أنزله وصفّاه ثم عاده إلى القدر وتطرح علي الكيلتين من ماء الجزر كيلة من العسل، ويوقد تحته ناراً حتى يصير له قوة، ثم يجعل فيه شيء من البسباس وجوز بوة وتتركه في الصيف سبعة أيام وفي الشتاء أربعة عشر يوماً وزعم بعض الأطباء أنه إذا داوم عليه الإنسان فلا يحتاج عنده إلى دواء، فقال الغريب: صنعت لك دواءً لبرؤك وفيه قوة لنكاحك فوجد منه الأمر كما قال له، فأراد الغريب المسير فكساهما هو وزوجته من أحسن لباس الناس وأعطاهما لزادهما من أطيب المعاش فشيعاهما، وأقبل إليهما عيد الأكبر والنور الأزهر الذي جعله الله خاتم الأيام المعلومات من العشر فاتخذوا أهل (2) الاسلام هذه اليوم عيداً لهم في جميع الأمصار والبلدان، وأنها ايام زهوة وزينة وأكل وشرب وبعال فخرجا مع الناس
__________
(1) 1 – أي تحتاجه
(2) 2 – ليست في الأصل (1/300)
صفحة 301
إلى الجبان ودخل في قلبهما الفرح وأزال الله عنهما الحزن.
رجعنا إلى نقص السقيم الذي أبرأه الله من علته؛ فعمد إلى السفر هو وزوجته ولم يصبر عن جماعها فلما وصلا أحد المواقيت الأربعة اغتسلا وتوضئا وأحرما وصليا ولبيا وامتنع عن وطئها وعن الرفث، ثم وقفا مع الناس بعرفة وباتا بالمشعر الحرام وأخذ كل واحد منهما سبعين حصاة واصطحبا بمنى ورميا جمرة العقبة كل واحد منهم بسبع حصيات المسماة الجمار من مسيل الوادي، ولا يجوز رميها من أعلاها، ثم حلقا وذبحا وحلا من إحرامهما وصليا بمسجد الخليل صلاة العيد فنكح الرجل زوجته، ثم قصد الرجل إلى زيارة البيت وهي زيارة الفريضة فلما زارا وسعيا بين الصفا والمروة سبعة أشواط رجعا إلى مبيت منى فباتا واصطحبا ورميا الجمار الثلاث أول رميهما بعد زوال الشمس الجمرة الشرقية بسبع حصيات ثم الجمرة الغربية بسبع حصيات ثم جمرة العقبة بسبع حصيات، وفي اليوم الثاني واليوم الثالث عملا في الرمي كالأولى، وسمعا أن من نكح قبل أن يزور فسد حجه، فسألا عن ذلك فأوجب عليهما إعادة الحج، واستحسنوا لهما أن لا يقاربها في الحج مقاربة يؤدي إلى نقض حجهما، فأقاما حتى يحجا في العام المقبل جزاء وعقوبة لهما على أكثر قول المسلمين في هذه المسألة، ثم وقفا مجاورين البيت حتى حال عليهما الحول وأحرما بالحج وعملا في حجهما بما قالوا لهم به المسلمون في جميع الأمور ثم رجعا إلى وطنهما وحسبا جميع ما غرما على أنفسهما وعلى من يعوله في هاتين السنتين فاجتمع الحساب أربعة آلاف درهم، وأوفى بعهده إلى صاحبه الذي صنع له الدواء فأعطاه أربعة آلاف درهم فأخذها من عنده، وأنزله الله في منازل الأغنياء، واتجر بها حتى نمت أضعافاً مضاعفة.
حُسن السيرة مع الملوك والأمراء (1/301)
صفحة 302
وأما كثرة العطاء من الأمراء والأغنياء ليس مبروكا ولا يبقى مع صاحبه، ولكن المنزلة الحسنة من نظرت إليه الملوك وقبلوا قوله كما حكي لنا عن رجل نظر إليه الملك مع جلسائه ولا نفعه بشيء من المال ثم نظرت إليه الناس، فكلما غضب الملك على أحد من الناس جاءوا أهله بهدية للمنظور إليه، وسعى له مع الملك في عفوه فعفى عنه، فاستقبلته الناس وكرموه وعظموه وأنزلوه في منزلة الأغنياء والوزراء، ولم يكن هو من أبناء الدنيا فعاش في زمانه في عزة ونعمة، ولا ساعد بظلم ولا جبر أحد لحكم، فطوبى لمن وفقه الله إلى حسن المنازل، وإلى عورات المسلمين ساتر، ولعثراتهم قائل، ولا يسمع قول القائل. (1/302)
صفحة 303
قال ذو الغبراء لصاحبه: أخبرنا عن فضائل الحج فقال لي: يروى عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال:(أيما رجل خرج من بيته جاحاً معتمراً فكلما رفع قدماً ووضع قدماً تناثرت الذنوب من بدنه كما يتناثر ورق الشجر، وإذا ورد المدينة وصافحني بالسلام صافحته الملائكة بالسلام، وإذا ورد ذا الحليفة واغتسل طهره الله من الذنوب، وإذا لبس ثوبين جديدين جدد الله له الحسنات، وإذا قال لبيك اللهم لبيك أجابه الرب لبيك وسعديك اسمع كلامك وانظر إليك، وإذا دخل مكة وطاف وسعى بين الصفا والمروة واصل الله له الخيرات، وإذا أتى عرفات وصاخت الأصوات بالحاجات باهى الله بهم ملائكة سبع سموات يقول يا ملائكتي وسكان سماواتي أما ترون عبادي أتوني من كل فج عميق وواد سحيق شعثاً غبراً قد أنفقوا الأموال وأتعبوا الأبدان فوعزتي وجلالي وكرمي لأهبن مسيئهم لمحسنهم ولأخرجنهم من الذنوب كيوم ولدتهم أمهاتهم، فإذا رموا الجمار وحلقوا الرؤؤس ورأوا البيت نادى منادي من تحت العرش ارجعوا مغفوراً لكم واستأنفوا العمل)، وقال عليه السلام:(من خرج من بيته حاجاً أو معتمراً أو مات أجرى له أجر الحاج والمعتمر إلى يوم القيامة، ومن مات في أحد الحرمين لم يعرض ولم يحاسب وقيل له ادخل الجنة وحجة مبرورة ليس لها جزاء إلا الجنة).
... وقال عليه السلام:(الحجة المبرورة خير من الدنيا وما فيها).
... وقال عليه السلام:(الحجاج والعمار وفد الله عز وجل وزواره إن سألوه أعطاهم وإن استغفروه غفر لهم وإن دعوه استجاب لهم وإن شفعوا شفعوا).
وقال - صلى الله عليه وسلم - :(اللهم اغفر للحاج ولمن استغفر له الحاج). (1/303)
صفحة 304
... ومن الأثر: ويحترز المسلم من الأعضاء الثمانية لكي ينجوا من الهاوية، ويفوز بالجنة العالية، وهي القلب واللسان واليدان والرجلان والبطن والفرج والعينان والأذنان، أما اللسان فهو العضو الذي يهلك الإنسان ويكب صاحبه على المنخر في النيران ويلقيه في التهالك والخسران ويبعده من الجنان والحور الحسان، وقد حذر منه نبي الهدى وأخبر انه سيف الردى ولم يخلق له الشفتان والأسنان سدى فمن هذه حالته فآفاته كثيرة وأهواله جليلة فيجب عليه أن يستعمله في ذكر الله تعالى والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وشكر النعمة وتلاوة القرآن فإن العمر يقصر عن القيام بهما والإتيان بعشر معشارهما ويحفظه عن الكذب والغيبة والنميمة وجميع الصفات المذمومة، وهذه الثلاثة هي أصل المهلكات، وأمهات الكبائر الموبقات، وكان الفقهاء الفارضون والورعون المتحاضون يحفظون ألسنتهم عن هذه الخصال المذمومة ويستعملونها في الخلال المحمودة فهذه علامتهم وسيماهم لكن قليل ما هم واتل إن شئت (لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ) (1) .
وأما القلب هو العضو الذي إذا صلح صلح الجسم كله وهو ملك الأعضاء وقهرمانها وحاكمها وزمامها فمهما مال مالت وإذا استقام استقامت وهو مع تسلطه على الأعضاء سريع التقلب كثير الشك والريب فمن هذه حالته ومنزلته فدواؤه عضال وجرحه ليس له اندمال لكن يجب على العاقل أن يستعمله في التفكر في المخلوقات ويجول به في ملكوت الأرض والسموات وينوي به فعل جميع العبادات ويخلص به سائر الطاعات ويستخدمه في الأعمال الصالحات ويخرج منه الرياء والشك والحسد والغش والخيانة والمكر والخديعة والكبر وجميع الصفات المذمومة.
وأما اليدان فيجب عليه أن يستعملها في طاعة الله وطلب مرضاته ولا يقتل بهما أحدا ولا يسرق ولا يستعين بهما على سائر المعاصي إذ ما معصية إلا ولها فيها سبب إما جلي وإما خفي وناهيك بقول صاحب القرآن(اليدان تزنيان).
__________
(1) 1 – النساء : 114 (1/304)
صفحة 305
وأما الرجلان فيجب عليه أن يستعملهما في طاعة الله وعبادته والمشي إلى المساجد وزيارة القربات والعلماء والمشاهد، وإن كان جهاداً فلا يفر بهما من الزحف ولا يمشي بهما في ضرر أحد ولا معصية ولا يضرب الأرض بهما تبختراً.
وأما البطن فهو العضو الذي أهلك الأوائل وأردى الأفاضل وأخرج آدم أبا البشر من المكان الفاضل فمن جهته يؤتى العاقل ، وبه يهلك الجاهل فيجب عليه إلا يدخل فيه الحرام ولا الشبهات ويعوده الجوع وقلة الأكل لكي ينتقل عن عالم البهائم ويرتقي درج المكارم إذا بطيبة المطعم يستجاب الدعاء وتدرك الدرجة العليا أمالك في حديث القبقب ما ينبيك أن البطن سبب العطب.
وأما الفرج قال إن جاء الحق وزهق الباطل فهو العضو المردي لأكثر الأنام والملحق الأفاضل الكرام بالرعاع والطغام فيجب عليه أن يحفظه إلا من زوجته وأمته ومن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون الذين هم من الله مبعدون وليحفظه عن أعين الناس ما استطاع كما جاء في التنزيل لأن بحفظه يحصل شطر الدين ويعد المرء من المسلمين.
وأما العينان فلا ينظر بهما إلى ما لايحل له ولا يشغلهما فيما لا يجمل ويستعملهما في قراءة كتاب الله وسنة رسوله وما يجب عليه من فروضه.
وأما الأذنان فلا يسمع بهما إلى اللغو واللهو والكذب وغير ذلك من جميع الصفات المذمومات وليستعملهما في الإصغاء إلى الذكر وقراءة القرآن واستماع إصوات المخلوقات إذا ما من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم. (1/305)
صفحة 306
فإذا حصلت للحاج وغيره هذه الثمانية بعد أداء فرائضه فليكن بعد ذلك اعتماده على رحمة الله لا على عمله وليعلم أنه لا ينجو أحد بعمله كما أخبر النبي عليه السلام به فإذا تهيأت له هذه الخصال فهو ممن قبل حجه ونجح سعيه وغفر ذنبه، فإن رجع من حجه وأقبل على الدنيا بوجهه واستعمل الأعضاء الثمانية في غير ما أمرناه به فهو من الخاسرين المبعدين المطرودين الذين حظه من سفرهم التعب والشقاء والعناء نعوذ بالله من الخذلان، لكن يجب عليه بعد هذا كله أن يستعمل ما أمرناه به أن لا ييئس من رحمة الله التي وسعت كل شيء، قال الله العظيم:(قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ) (1) الآية، وقال أيضاً:(إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ) (2) ، ربنا اغفر لنا ولإخواننا.... (3)
...................هنا نقص في الأصل
__________
(1) 1 – الزمر : 53
(2) 2 – النساء : 48
(3) 3 – نقص صفحة من المخطوط الموجود (1/306)
صفحة 307
... مراده أن ينظر نهودها مخافة منها عليه كما وقع على ابنة الملك لما رأت علامة لنهودها كشوب (1) النبق تذكر قلبها باللمس إليهما والملاعبة والضم لجسمها فحزنت حزناً شديداً ولا قدرت على تفيح بالذي في قلبها على آبائها فدخل الهم والحزن على والديها ثم دخلت عليها عمتها وأخذتها بالتدريج في كلامها لتكشف سرها فلا قدرت عليها ثم رفعت لها قميصها إلى رأسها فرأت علامة في نهودها فعرفت أمرها وكشفت لها سرها ثم أخبرت بذلك أخاها فزوجها والدها ابن عمها في ساعة فدخل عليها فأقبل غليها الفرح والبشاشة وزال ما بقلبها من الغشاشة وهذا الرجل الصالح حين رأى ابنته علامة نهديها أخذ فقيراً لها وأحضر شهوداً وزوجه بها في ساعة سعدها مخافة عن قصة الرجل الذي جاءه الرجل الثقة يسأله عن خلوص ابنته فسأل الوالد زوجته عن خلوص ابنته فأخبرته أنها بلغت مبلغ النساء وخلصت من ساعتها فزوجها الثقة برجل من أهل بلده فعلمت الابنة بتزويجها وقالت لأبيها لم يراجعها الدم بعد البلوغ فعزموا الأولياء والمتزوجون والعاقدون على تمام التزويج وأفتوهم أهل الراي أنها لا تحل له فأصروا وخالفوا الحق ولكن الحق يعلو ولا يعلى عليه فبطل التزويج بالسفاح لأنه لا يحل لها التزويج إلا أن تحيض ثلاث حيض بالبلوغ وهذا الرجل الصالح قال لزوج ابنته امنع زوجتك عن الخروج من بيتي وكن أنت قرير العين في منزلي خوفا عليها كالمرأة التي أقبلن إليها النساء مع أبيها ليحملنها إلى بيت زوجها فخرجن بها في الطريق ثم عمل رجل من الفسقة حيلة لأخذها فأرسل في صحبة النساء امرأتان أحدهن متزينة بالحلي والحلل مثل العروس والأخرى لتتعرض للمرأة المزفوفة فالتي تشبهت بالعروس درجت نفسها قدام المرأة المزفوفة والأخرى تجر المرأة المزفوفة عن النساء بيدها وجعلت تقودها فخرجت بها عن النساء بقرب بيت الفاسق وأدخلتها في بيته والسرج لاظية وقالت لها هذا زوجك ليس مراده كثرة النساء في
__________
(1) 1 – الشوب هي الثمرة (1/307)
صفحة 308
بيته ودخل عليها بليلته فأصبحت في بيت الفاسق والنساء لم يشعرن بها لأن عندهن المرأة المتزينة يحملنها إلى بيت المعرس فدخلن النساء البيت ودخل الرجل عليها فلما اصبح الصباح ذهبت المرأة عن بيته لئلا يعرفها، فرجع المعرس إلى بيته من المسجد فلم يجد المرأة فسأل عنها جيرانها فأخبروه أن زوجتك في بيت فلان الفاسق فقال في قلبه لعلها ذهلت البيت لأنها غريبة في الدار فقصد إلى بيت الفاسق وسأله عن المرأة، فقال الفاسق: رأيتها في البيت و لا أعرف قصتها فأقبل إليها زوجها وسلم عليها فردت عليه السلام من وراء حجاب، فقال لها: انهضي إلى بيتنا، فقالت له: لا حاجة لي معك وإني امرأة غريبة لا أعرف الرجال، فقال لها: أنا بعلك، فقالت له: استغفر مولاك إن كنت صحيح العقل، فقال: كيف استغفر من غير معصية ولا يحتاج إلى وقوف في بيت الرجال . فقالت له : مثلك لا يتكلم على نساء الرجال بهذا المقال . فقال لها : أنا زوجك وأخذتك من عند وليك ونكحتك الليلة، فقالت له: تباً وسحقاً لك لا تكن من المفترين الكذابين، فقال له الفاسق: اصحبي رجلك إلى بيته وما أنا إلا رجل محتال لذوق المنال، فخرجت من بيته وقصدت إلى دار وليها وأخبرته بما وقع عليها.
فمن قبل هذه القصة احترز هذا الرجل الصالح على ابنته وجعل لها زوجاً فقيراً مطيعاً فأمره أن يدخل عليها في بيته، وقال لابنته: هذا زوجك فكوني معه كالميت يقلبه الغاسل ولا له حركة، وما خلقت النساء إلا للنكاح وللنسل ولأعمال الأطعمة والكسوة وأخاف عليك من قلة المطاوعة مع الافتضاض من ضرر الموت لأن كثيراً من النساء مات مع الدخول بها وعرق نهر البدن في ذلك القرار المكين. (1/308)
صفحة 309
فهذا الصالح احترازه عن قصة الرجل الذي زوج ابنته رجلاً بالغاً فدخل عليها وماتت من افتضاضه بها فجاء الناس يخلفون إلى أبيها، فشكى والد الابنة الرجل، فقال الرجل ابنتك ثيب، وقال الوالد: ابنتي بكر، فقال الحاكم لأبي الابنة: هل زوجتها رجلاً قبل هذا ؟، فقال: زوجتها صبياً ولم يدخل عليها، فدعى الحاكم بالصبي، وقال الصبي: دخلت عليها فرجع والد الابنة ليس له شيء إلا نصف الصداق.
ثم قال الرجل الصالح لزوج ابنته لا تجعل صديقاً يدخل علينا في بيتنا مخافة كمثل الرجل الذي زوج عالم الأمة ابنته فأخذها العالم إلى بيته وسافر عنها وكان له خادم حارز لبيته فحملت المرأة من الخادم وولدت له ابنة زنجية.
وفي قصة أخرى؛ رجل عنده ابنة فجاء عندهم رجل ثقة شجاع أمير في عشيرته يريدها لابنه، فزوجوا ابنه فرحين مستبشرين مسرورين بقربته ولم يعلموا بابنه أنه تهيم يدخل عليه من أراد بالنهار والليل فعلمت المرأة بتهمته ورأت رجالاً يدخلون عليه، فمالت نفسها إليهم وتحلت بالزينة والحلي وخرجت إلى الزهوة، واستعطفت قلوب المتمردة، فإن كشفت للناس عيوبها طمعوا بها وظهر لهم قبحها.
ثم قال الرجل الصالح: لا تأخذ ابنتي إلا في صحبتك إلى زيارة أهلك وحذره عليها من المكري أن يفجر بها في الطريق، كالرجل الذي كارى حماراً على زوجته حين أرادت زيارة والدها فقصد بها في الفيافي والقفار ففعل بها. (1/309)
صفحة 310
ثم قال له: أحذرك عن قرب الخدم في البيت خوف أن يقع منه كالأمير الذي شرى خادماً آبقاً وقربه في بيته عن خدمه ففعل الخادم بامرأة من أرحام الأمير وأتت ولداً شبيها بالخادم، وأمير آخر وجد خادمه يجامع سرية الأمير فقتله، وأمير آخر وجد خادمه فوق أم الأمير فقتله، وأمير آخر وجد خادمه يفجر بابنه، وأمير آخر أخذ خادمه رشوة على حصن مولاه فدخلوا على مولاه فقتلوه، وعالم تزوج امرأة وعرف نفسه أنه لم يدخل عليها فولدت له غلاماً، وعالم آخر شرى جارية ولم يدخل عليها فجاءت بولد شبيه بها، وإن قلت إن الشراء جائز للخدم فأقول السلامة أولى من شرائهم وقربهم.
ثم حذره عن كلمة الطلاق والرد؛ لأنه يحتاج إلى علم، كما أن رجلاً طلق زوجته طلاقاً رجعياً ثم ردها بحضرتها وحضرة وليها ودخل عليها فحرمت عليه ووجب لها الصداق كاملاً لأنه لم يحضر لها شاهدين عدلين.
قال: فسكنت ابنة الصالح مع زوجها واستقرت وولدت له ولداً، فترعرع الولد وعلمه جده الآداب والأديان خائف منه عن قصة الرجل الذي زوج ابنته رجلاً فاسقاً لصاً منافقاً كذاباً فنسلت له زوجته أولاداً وأقبلوا إلى زيارة جدهم فسرقوه وشتموه بالكلام الضعيف، فعاش في زمانه من النادمين، والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد المصطفى الأمين وعلى آله وصحبه أجمعين.
الذكر السادس عشر
فيه ذكر الرجل الذي طلب الملك فبغى وغيّر ونزعه الله عنه، وفيه قصة لتدبير أمر الملوك والتحكيم بين الخصمين، وفيه قصة لخدائع الأمراء واعتبار دخول الوزراء الأمناء والخونة (1) ، وفيه قصة الذي تكلم في الأمر قبل وقوعه، وفيه من تفاسير الرؤيا.
__________
(1) 1 – في الأصل : الخوناء (1/310)
صفحة 311
قال ذو الغبراء: أخبرني صاحبي عن رجل طلب شيئاً من الملك في زمانه من ضعف أهل الملك والرأي في عصره، فصلح نفسه وعشيرته وجاره وخصمه فقدموه على أنفسهم طوعاً لا كرها، ثم خدم أفلاجاً وأحيا بها أروضاً قد أماتها الله سابقاً، فخوله الله من تلك النعم وأطعم منها الضيف وأصحاب العدم، فعظمه الله في عيون خلقه ووفق له مطلوبه على أعدائه فأعجب بنفسه ودخل فيه الرياء والإعجاب لما ملك الرقاب وخضعت له الرؤوس والأصحاب وخالف الكتاب ونفى أولو الألباب وظلم العباد وقرب أهل الفساد وقوى الظالم على المظلوم، وكان في زمانه رجل من الزهاد يعلم الصبيان وأهل الرشاد فعمد الأمير عليه بالشتم بمحضر العباد وغرمه بسبب امرأة متمردة محبتها الظلم والفساد والعناد، فتضرع الزاهد إلى الله تعالى بالدعاء وسمع هاتفاً بين اليقظة والمنام يقول الدعاء استجابه الله للمظلوم ولكن له وقت معلوم، ويدعون به الناس كلهم على هذا الملك الغشوم ثم نزل به البلاء والهموم في كل العموم، فبعد هذا رأى العابد في منامه جبلاً عظيماً انهد في دار الأمير كلها وكأنها لم تكن داراً خاوية من البيوت والأموال، فسأل العابد عن رؤياه، فقيل له إن الملك وداره سينزل غضب الله عليهم فظهر في قوم الملك الاختلاف وأرادوا من الملك أن يكون منصفاً بينهم، فمال قلبه عند الفسقة فتاهوا وتمردوا وطغوا وأعانهم الملك على فسادهم وظلمهم، فعزم الملك لظلم المحقّين فهدم بيوتهم ومساجدهم ودكم أفلاجهم وآبارهم وغيّر أرضهم ونخيلهم ونفاهم من البلاد، فاستعانوا عليه بقوم أولي بأس شديد فجاءوا بجيش عظيم فقتلوا أصحابه، ثم ولوا عن القتال مدبرين فظهر أمرهم بالضعف في أمصار السلاطين، ثم وصل رجل مع الملك المعظم فأرسل إليه الملك رجلاً يدعوه إليه، فقال الرجل: دخولي على الملك شروط أولها: أن يكون لي مفتحة الأبواب ولا يكون بيني وبينه حجاب وعند نطقي للخطاب لا ينظرإلى أحد من الأصحاب، فرجع الرسول بالكلام وأخبر (1/311)
صفحة 312
بذلك الملك فرجع إلى الرجل بالجواب، فدخل على الملك، فقام الملك ومشى إلى مصافحة الرجل وسأله عن الأخبار، فقال له: ارفع عن مجلسنا الأشرار إن كان مرادك الأسرار، فهذه قصة تنبيك عن أحد من الأجناد قد دخل على مالك الأمصار من جميع الأقطار، فقال له: اعلم أيها الملك أنت خلق من خلق الله تأكل كما يأكلون وتشرب مثل ما يشربون وتنام كما ينامون وعن قريب فتموت كما يموتون، مالي أراك لا تحكم بين الفريقين والمختصمين، أما تسمع لقول الله:(وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ) (1) ، فقال الملك: هذا يحتاج إلى أموال جزيلة وقوم كثيرة فما الفائدة في الدار التي لا نفع فيها، فقال الأخباري للملك: أراك تنفق أموالاً في غير محلها وهذه الدعوة التي جئت بها أفتح لك أقفالها حتى تدخل من أبوابها ويتضح لك برهانها ويظهر لك نفعها برفعك لضرها، فاكتب أولاً صكاً للذين وليتهم في المدائن والقرى أن يندبوا إليك جميع أمراء القبائل وكل أمير معه صاحب لا ثالث لهما فكتب الملك إلى ولاته وجاء إليه المذكورون مسرعين فاجتمع عددهم ألف أمير ومعهم ألف صاحب، ثم دبر الملك أصحاب الأمراء إلى الملك الظالم العاصي ليأتوا به إلى الحكم والشرع الشريف هو ومن أعانه على ظلمه وإن عصى عليهم ليخصموه أو ينفوه هو وأصحابه من أمصار الملك، ثم قال لهم مع تشييعه إليهم: فإن جبنتم عن أمري قتلت أمراءكم، فقالوا له: السمع والطاعة، وقصدوا في سيرهم عند إمام الظلمة حتى وصلوا داره فلم يأكلوا شيئاً من طعامه ولا شربوا ماء من أفلاجهم فأخبروه بقول الملك أنه أراده هو وأصحابه ليصلوا معه ولنأخذ خصماءكم في صحبتنا إن أطعتم أمرنا وإلا عزمنا على قتالكم؛ لأن الملك إن رجعنا عنكم بغير حجة يقتل أمراءنا، قال: فلما سمعوا
__________
(1) 1 – الحجرات : 9 (1/312)
صفحة 313
الظلمة الكلام جبنوا عن القتال فاجتمع رأيهم على طاعة الملك فصاحبوه وحضروا مع الملك فأرسل إلى العلماء والحكام والعساكر والخدام في جامعة الأيام من شهر الحرام، فقال لهم الملك: أحضرتكم لتشهدوا وأنت أيها القاضي أمرتك أن تحكم بين هؤلاء الفريقين الخصمين فاحكم بينهم بما يسعك مع الله، فقال الحاكم: سأحكم بما أنزل الله في كتابه على لسان نبيه، فأقبل بنظره إلى الخصمين، وقال لهم: من كان له حق يظهر لنا دعوته ويأتي لنا شهادته، فتكلم أحد من المظلومين وقال: اسمع أيها القاضي أشكو إليك من الأمير فلان بن فلان لما رأى بيننا تشاجر واختلاف وصح بيننا الصلح والائتلاف فهجم علينا في بيوتنا في غفلة الناس بالنوم فهدم بيوتنا ومساجدنا وخرب أموالنا وافلاجنا وآبارنا ونخيلنا وأروضنا ثم طردنا من دارنا، فقصدنا نريد العصبة من المسلمين فشايعونا من إحدى فرقهم وقصدنا إلى دارنا وكتبنا إليه كتاباً لا مرادنا شيئاً إلا الوصول إلى دارنا ونقيم بها، فلما وصل إليه الكتاب عض على أنامله وأقبل إلينا بجيشه ورمى إلينا بسهمه فعمدنا إلى القتال وصح بيننا وبينه الازدحام ثم ولوا مدبرين، وعلى بطونهم مكبوبين، والشهود عندنا بما تريدهم من الاثنين إلى المئتين إلى الألف وهم حاضرون عن يمينك وشمالك، فأقبل القاضي إلى الشهود وسألهم فشهدوا، فقال القاضي لأمير الظلمة: كيف هذه الجرأة منك على الله وعلى خلقه، فقال مجيباً له: هؤلاء قد ابتدأوا بالظلم والقتال وما أخذتهم إلا بسبب جرأتهم على الرجال والأموال، فقال له القاضي: وإن ابتدأوا أولاً وصح بينكم الصلح ونكثت في ذلك عهودا كما قال ربك: (فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ) (1) ، وقد حكمت عليك ومن تابعك ومن ساعدك بغرم جميع ما أذهبته عليهم من دقيق وجليل، فقال أمير الظلمة: ما تقول في
__________
(1) 1 – الحجرات : 9 (1/313)
صفحة 314
دمومنا ورجالنا الذي ذهبت ؟، فقال القاضي: لا لكم فيها سبيل وهي هدر وأنتم المبتدأون المعتدون الظالمون، ثم أمر القاضي رجلين ثقتين أن يقوما بما ذهب على المظلومين فبلغ في حسبهم مائتي ألف وعشرين ألفاً، فقال القاضي لأمير الظلمة: أعطوا خصماءكم حقوقهم فعجزوا عن الدراهم وبذلوا أموالهم وبيوتهم وسلاحهم وقماشهم فقوماه الثقتان بمائتي ألف وبقي عليهم عشرين ألفا فكتب عليهم الملك والعلماء، وسجل القاضي فأمر بحوزها وأمر الظلمة أن ينزلوا من البيوت ويجعلون بيوتاً من خيام، وحكم عليهم بالعشرين الألف ليخدموا كل يوم في نهارهم لطلابهم ولكن جعل لهم نفقة وكسوة بقدر ما يتقووا به على الخدمة ومن الكسوة ما يكسون به عوراتهم ونسائهم فمكثوا يخدمون الأفلاج والبلاد حتى استقامت كما كانت، فأحيى الله قوماً وأمات قوماً قال فنظر الملك إلى المخبر فكرمه وعظمه.
قلت لذي الغبراء: كيف حكم عليهم بعد الإفلاس بالخدمة، والله يقول: (وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ) (1) ؟، قال: هؤلاء ظلمة أصروا على الصغائر، وارتكبوا الكبائر، ولم يقبلوا الحق إلا بالقوة والقهر وهذا فرق بينهم وبين المديون أو الذي أحاطت به المصائب بذهاب الأموال في السفر أو في الحضر من غير تعمد منه لذهاب حقوق الناس والصدقات، وقد أمر الحاكم منادياً ينادي بإفلاسه فهذا بعد الافلاس لا يكلف على التسليم ما دام عاجزاً والمسألة الأولى أمرناهم أن ينظروا أحوالهم بالنفقة والكسوة ولما يحتاجون إليه أن يقيموهم وأخذناهم بالخدمة لهم حتى يستقيم أمر المظلومين وتعلو كلمتهم على الظالمين.
__________
(1) 2 – البقرة : 280 (1/314)
صفحة 315
قال رجع إلى قصة الخبر؛ فقال الرجل للملك: فاقتف أيها الملك بالملوك، وإن أردت القوة والعز فاجتهد واعمل بكتاب الله وسنة نبيه وعليك أن تراعي أصحابك وتنفعهم بمالك حتى يكونوا لك أعوانا فامتثل الملك الكلام وأعطاه من الهدايا والإطعام والكساء للأجسام فقال الرجل للملك أتحب أن أخبرك بقصة ؟، قال: نعم، فقال: اعلم أن أميراً خصمه أمير فلا قدر عليه بحيلة عن عداوته ثم أقبلت نكبات الأمير فخاف من الأمير الذي أثر فيه العداوة أن يساعد عليه فأرسل إليه أناساً للصلح ومناه بالأماني، فلان قلبه وسار شفّه (1) كشفّه، ثم أقبلت الجيوش إلى هلاك الأمير فأراد هذا ردعها واجتهد في أمرها فلا قدر عليها فدخل في قلبه الغيظ فأصاب الأمير وأصحابه الإنكسار فحزن هذا الأمير عليه، انظر في تقليب القلوب في طول زمانه يريد هلاكه، فلما حق عليه القول من رب السماء وسلط الله عليه جنوداً غيره هاله الأمر ثم كشف له الغطاء ورد على أصحاب الأمير فدل على مواشيهم وأخذ أموالهم فأصحاب هذا الأمير دخل في قلوبهم الغيظ وقصدوا بجيشهم إلى طلب عدوهم فسلطهم الله عليهم وهدموا دارهم وأعانوهم الهاجمون على الأميرالظالم سابقاً وأراد هذا الأمير يؤلف الظالم، فأقبل الظالم بأناس للصلح، فجعلوا بينهم أياماً معدودة، فدبّر أصحاب الأمير الظالم إلى أخذ حصن بيت المال ليغيظ به الناس، فأقبلوا إليه بجيوشهم فنصرهم الله عليه وأخرجوه من القصر، ومشوا إلى دياره، وقضى الله ما قضاه من خشْي الأموال ودكم الأفلاج وقتل للرجال وأحاطوا به القوم.
__________
(1) 2 – الشف أي الميل إليه ومحبته وتطلق عادة على العصبية لقوم أو لشخص (1/315)
صفحة 316
وهاك في قصة الاعتبار؛ رجل قرّبه السلطان وأراد أن يوليه على بعض حصونه وخزائنه، فقال الوزير للسلطان: لا تتعجل، الناس بالتجارب، فاعتبر هذا الرجل قبل أن تدخله في شيء من الأمور فأخذ الأمير شيئاً من الحروف، وقال للرجل: اصرف لنا هذه الحروف (1) فأخذها الرجل وخفى لنفسه عشرين حرفاً فصرفها وجاء بالدراهم إلى الملك، فقبّضه أياها، فدبّر الملك للصراف وقال له: كم صرف معك الرجل من الحروف، فقال له: كذا وكذا إلا عشرين حرفا، فسأل الملك الرجل عن العشرين حرفاً فأخفاها وقال: ما أدري ولعلها ذهبت من يدي فبانت خيانته بالتجربة.
وهاك قصة لمن طلب شيئاً وجعل مطلوبه في يده فأحال بينهما الأمر؛ فهذا رجل عمل الرياضة فحضروا الجن بين يديه وأراد منهم العهد فوقفوا بين يديه ليعاهدوه، ثم تشبه أحدهم بولده فأقبل عنده وقال له: أريد أن أدخل معك في إحاطتك خوفي من الجن يا أبتي لسلامتي، ففتح له الباب فذهب صاحب الرياضة من ساعته.
ورجل سافر إلى بلد حتى وصل بقربها قال له قلبه هذه دار السحرة فرجع إلى داره فذهبت ايامه لا فائدة فيها . وكالذي بنى بيتاً ليحتمي فيه عن عدوه فلما تم بنيانه قيل له لا ينفعك هذا البنيان للاحتصان وليس يظهر فيه ماء فهدمه ورحل عنه فذهبت أمواله.
ثم سمع الملك الأذان وخرج إلى الصلاة.
ومن طريق الرؤيا سمعت رجلاً يقول إنه مر عليه الماء في الوادي وخطف (2) ببلد الظالم وما فيها، وآخر رأى جبلها طاح فيها.
__________
(1) 1 – الحرف هو العملة المسكوكة بالذهب عادة
(2) 2 – أي مر (1/316)
صفحة 317
اعلم أنها لاتحل فتنة بقوم إلا وتأتيهم من الملك العلام أعلامها بالرؤيا في المنام أو بنصيحة من الأتقياء الكرام والرؤيا الصحيحة مع الجهلاء والعقلاء، ورأينا أناساً لا يعرفون شيئاً ويفسرون رؤياهم قبل وقوع الأمر فتفسر ولا يختلف عليهم، وأما حملة القرآن فرؤياهم منه كمثل رجل رأى (رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ) (1) ثم رأى في رؤيا أخرى (إِنَّا مُنْزِلُونَ عَلَى أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ) (2) فذهبت القرية وما فيها، وشيء من الرؤيا بالفأل كرجل رأى في منامه أقبل عليهم رجلاً يسمى خائفاً فأقبل على بلده الخوف حتى رأى رجل في منامه أقبل على بلدهم رجلاً يسمى سالماً فرفع الله عنهم الفتنة، وكرجل رأى في منامه تكلمه امرأة تسمى خائفة فوقع في تلك البلد الاختلاف والتنازع وليس القتال للنساء وعلى أيديهن المكائد، وكرجل رأى في منامه مقبلة عنده أغنام فأقبل عليه الخير، ومثله الذي يرى في الصلاة أو في العبادة أو في الوضوء والطهارة والدعاء والتسبيح والصعود في القصور والجبال فيدل على صلاح الأمر الذي يطلبه، وأما الذي رأى انتقضت صلاته أو وضوءه أو هبط من الدابة أو الجبل فإنه لا يتم الأمر الذي يزاوله، وإن رأى أناساً يصلون ويؤمهم رجل في حلقة مستديرة فإن كان الرائي معهم فمستقيم أمره كمثلهم لأن الصلاة عليها العمل وإن لم يكن في صفهم فقد ضل رأيه عن رأيهم، وإذا صلى الرجل على غير القبلة في رؤياه فالأمر الذي يطلبه لا يتم وإن كان مقبل بوجهه إلى القبلة فيتم أمره؛ لأن الاستقبال على أثر السنة والإدبار بخلاف عن الحقيقة، إلا أن فيها جواز للسقيم وللخائف ولراكب البحر إذا دارت به السفينة بعد تكبيرة الاحرام، ورجل رأى كأن إنساناً بنى بيتاً فانهدم عماره (3) وجدره الدواخل سوى المحيط بالبيت فهذا الباني البيت يدبر
__________
(1) 1 – البقرة : 59
(2) 2 – العنكبوت : 34
(3) 3 – أي سقفه (1/317)
صفحة 318
أمراً فحين تم تدبيره انهدم عليه لكن بقي مستتراً لسبب الحائط ليس متضعضع، وكرجل رأى انقطع الماء الذي يجري في بالوادي في بلد غير بلده وبقي صيده ميتاً فهذا يدل على موت عالم البلد وبقي أهل البلد أموات بعد وفاته، وكرجل رأى أحداً من الأموات يأكل شيئاً من الأطعمة فإنه يغلا(يرتفع ثمنه) الذي أكل منه الميت في تلك السنة، وكذلك إن رأى الميت يتلوه أحد من الأحياء فإنه يموت الذي قافي الميت وإن غضب الميت على أحد فالمغضوب عليه يبتلى ببلية فإن صافحك الميت أو ناطقك أو علمك أو أعطاك عطية أو رأيته في الصلاة والقراءة أو في تدبير الملك فذلك مما يدل على الصلاح، وإذا رأيت إنساناً مستقيماً في أمره ولباسه وجسمه على حاله فإنه يدل على رفعته وزيادة في حظه، وإن رأيت رؤيا مما يدل على ضعف جسمه ولباسه فإنها تحل به نكبة، وإن رأيت رؤيا مثل ماءٍ يسقى به أرضاً فيدل على صلاح تلك الأرض بالقطر من السماء، والرؤيا تختلف في الناس فمنهم من يرى رؤيا ولا يعرف تفسيرها ومنهم من يراها فتفسر كما يراها، والله أعلم، والصلاة والسلام على خير خلق الله محمد - صلى الله عليه وسلم - .
الذكر السابع عشر
... أوله في الطب عموماً، وفيه بيان العلل وفي طبائع الأدوية المشهورة والمستورة، وفيه قطع الحديد وقلع الطبوعات من الثياب، ومما يهرب منه الفأر والنمل والزنابير، وفيه ذكر عمل المداد، وفيه مسائل من الشرع في التزويج والدخول والطلاق والرد وفي حكم الطريق الجائز الجادة وغير الجادة وفي الوصية إذا كان الورثة أيتام أو أغياب ومسألة في الصلاة.
في الطب (1/318)
صفحة 319
قال ذو الغبراء: رأيت صاحبي فريداً في مجلسه، وهو واقف على باب مسجده فأخبرني عن مسائل مجموعة في الطب والشرع، قال: الكافور ينفع شمه خصوصاً إذا وضع على الرأس والجبهة معجوناً بماء الورد، قال: ولا يزال رأسك مغطى وفي رجليك خفيك وادهن إن استطعت أخمص قدميك في كل ليلة وإن اشتد بك وجع الضروس أو الأذنين فادهن خصيتك ومذاكيرك ودبرك واجلس على تنور ساكنة ناره ساعة تجد من ذلك راحة لأن عروق الأسنان والأذنين ما بينهن مع عروق المذاكير أما تنظر إلى المذاكير إذا خصيت أو جبت لم تنبت اللحية ويسنحت الجلد، ولا تأكل مع من تستقذره (1) وأكثر من شم الطيب فإنه يزيد في الحفظ، ولا تجلس في موضع يتاذى منه نتن فإنه يمرض المخ ويهيج منه المرض وإن وأخذت فلفلاً وضربته بالعسل ومسحت به الذكر فإنه يعظمه كثيراً، وإن أخذت من ماء البصل ومثله عسل النحل وجعلته على النار حتى يذهب الماء وحدرته وأكلت منه كل يوم بقدر مثقال تجد فيه قوة للباه ، وإن أخذت من المسك قليلاً وذفنه مع دهن حبر وطليت به رأس الاحليل أعان على كثرة الجماع وسرعة الإنزال، وإن أردت ضعفه فاسحق نصف مثقال كافور واجعله في ماء ثم اشربه وإن رش على رأس الذكر ماء ورد وكافور وشرب جرعة أضعفه ومن أخذ من فور الحناء وهي الفاغية ويجعله في الماء حتى يطلق منه ثم تشربه فإنه يضعف الباه، ومن داوم على ترياق الحلبة المطبوخة المهروسة بالسكر لا غير ذلك ذهب جميع الأورام من البطن، وإذا كان الوجع في الجوف ظهر في الوجه، وإذا كان في الكبد ظهر في اليدين والرجلين وورم ووجع الكبد البارد يظهر بياض الشفتين واللسان، وإذا كان في القلب ظهر في اللسان، وإذا كان في الرئة ظهر في الأنف، وإذا كان كان في الطحال ظهر في الشفتين، وإذا كان في الكلوتين ظهر في الأذنين، وإذا كان في المرارة ظهر في الحاجبين، وإذا كان في الاريتين ظهر في القيقعة والشوران وما كان في الذكر ظهر في الحنك
__________
(1) 1 – في الأصل : تقذره (1/319)
صفحة 320
والعارضين وما كان في الانثيين ظهر في الذقن والحنجرة.
صفة دواء للطحال يشرب الماء الذي يطفئ فيه الحديد نافع لذلك، وإن أخذ التين اليابس والختف ويغلى بخل الخمر فإن غلى يطلع التين والختف ويلخ على الطحال نافع إن شاء الله تعالى.
أسماء بعض العلل ودواؤها
وهاك بعض أسماء العلل الشوكة حمرة تعلو الوجه والشوصة وجع الصلب والعلوصة وجع البطن واللوصة وجع الخاصرة.
ولرياح الجوف وغيرها الكمون والفلفل يستف منه، والسعتر يحلل النفخ ويطرد الرياح ويدر البول وينزل الحيض وإن قطر ماءه في الأذن مع لبن المرأة يسكن وجعها، والحرمل إذا دهن به الرأس والبدن قتل القمل.
اعلم أن الحنطة والسمن المنقص ثقيلان حاران رطبان، وأما الحارة الرطبة الملينة الخفيفة الدنجو واللوز ولبن البقر من تحت الضرع ولبن الضأن ولحمها والزبد ولحم الدجاج والرطب والموز في الصيف والرمان الحلو والعسل منزوع الرغوة والشونيز وأما الصبر معتدل.
وأما الحار اليابس المعتدل الخفيف ماء اللوبيا والأرز والعسل والسمسم ولبن الإبل والسمن وقيل سمك المالح والثوم والتمر والعسل النخل برغوته وقول الشونيز والحبة الحمراء والفلفل والزنجبيل والسليط والكندر والقرنفل، والقابضان المصطكي وعجم الزبيب، والبارد اليابس الثقيل كالشعير والدخن والعدس واللوبيا والباقل والجبن ولحم البقر والإبل.
وأما البارد اليابس الخفيف لبن الإبل الحامض ولبن الرقيق والرمان الحامض والسفرجل و.... (1) والخل وملح الطعام وهليلج الأصفر والكابلي والأسود والعشرق.
وأما البارد الرطب الخفيف لبن الماعز ولحمها والسمك الطري والقثاء والبطيخ وبذر قطنة، والبارد الرطب الثقيل لبن البقر الممخوض إذا برد والروب وزلال البيض والفجل والموز في الشتاء.
__________
(1) 1 – كلمة غير واضحة في الأصل (1/320)
صفحة 321
وأما الأطعمة التي تطلق الطبيعة مثل خبز الخشكنان مطلق ملين والبطيخ والتين الرطب واليابس والعنب والحلو والخبز العتيق إذا أكل بالعسل سهل الحرارة والعسل إذا أكل منه من غير أن تنزع رغوته لين الطبيعة والشراب الحلو يعين على تليين الطبيعة والسكنجبين أيضاً محرك للطبيعة.
ومما يحبس الطبيعة العنب والرمان والتفاح إذا كانت قابضة وأكلت قبل الطعام حبست الطبيعة وكذلك البيض المسلوق والمشوي ولحم الأرانب إذا شوي ويشرب بالعفص، والمسخنة للطبيعة الحنطة وخبزها والحلبة والتمر والتفاح والزيت ومن البقول الجرجير والفجل والسلجم والخردل والجزر والبصل والكراث والثوم والخبز والعتيق.
... والأطعمة المضرة لصاحب الطحال يجتنب الأطعمة الغليظة مثل الهريسة والعصيدة والجبن واللاقط وأكل اللبنيات سوى السمن والزبدة ومن الشوى والكبابة والتمر والرطب والدبس والبصل الني والثوم والبقول الحريفة والحلوى والعنب الحلو الحار والأطعمة الحلوة ولحم البقر ولبن الغليظ وكثرة شرب الماء، وما يولد دماً غليظاً كالزبيب والبوت وما كان بطئ الانهضام ويجتنب مباشرة النساء.
وأما السفوف التي تقطع البلغم وتقوي المعدة وتقطع الرطوبات الفاسدة ويطرد الريح المتعقدة ويطيب النكهة ويحسن الصوت ويزيد في الحفظ ويذهب النسيان ويحرك الباه يؤخذ فلفل وزنجبيل أجزاء سواء يدق ناعماً ويضاف إليهما مثلهما سكر الأبلوج ويخلط الجميع بالسحق الناعم ويؤكل منه مع النوم مثقالين وقبل الغداء مثقالين.
قال: وعليك بالدسم والحلوى والحمام والطيب واجتنب الغبار والدخان والنتن وكان يقال راحة الجسم في قلة الطعام وراحة القلب في قلة الاهتمام وراحة اللسان في قلة الكلام وراحة الروح في قلة المنام. (1/321)
صفحة 322
وكان يقال من السموم كل شيء مغموم وكل لبن فاسد وكل سمك منتن وشرب الماء في ثلاثة مواطن مخوف وربما قتل فجأة شرب الماء في الحمام وشرب الماء بعد الجماع قبل أن يسكن الروع وشرب الماء عند اليقظة من النوم وإدمان شرب الماء في أوان الزجاج يورث الدق وطول المكث في الخلاء يورث البواسير وأكل البطيخ على الريق يورث أمراضاً صعبة وربما يورث موت الفجأة ومن أكل البصل وشرب الخمر فهو سم قاتل كثرة الجلوس وقلة الحركة يورث النقرس أكل السمك والبيض في يوم واحد يورث القولنج شرب الماء على البطيخ يورث البرص ومن أدهن سرته لم يخف من أدهن أسافل رجليه احتد بصره وعوفي من ضعف بصره.
ولحسن الصوت يؤخذ من العلك أوقية ومن العسل أوقية ومن الصمغ أوقيتين يطبخ العلك والعسل ويدق الصمغ ويخلط الجميع ويلعق منه بكرة وعند النوم، وأما الذي يمشي فراسخاً ويحصل عليه من ذلك تعب شديد وخمود في المفاصل فيؤمر أن يبل أظفاره بدهن فإنه يسكن وينفع أن يقوم الإنسان تاعب من المشي في الماء البارد إن كان صيفاً وفي الماء الحار إن كان شتاءً وليكن ذلك إلى ركبتيه ولا يصب منه على بدنه شيئاً.
ومما يضعف النظر أكل الملح المالح، وإدمان النظر إلى البغيض، والنظر إلى الجيف، والنظر إلى عين الشمس، وضوء البرق والنور والنار.
وإن أردت لا يصيبك ماء في عينك فأكثر من شم السفسف وادهن بدهن تسلم، ولا تأكل من السمين في فصل الربيع والصيف فإنه يهيج المر والدم وتأكل شيئاً تقذره النفس فإنه داء لا دواء له مثل الجذام وأشد منه.
وإذا أردت أن لا تثور بك مرة ويزيد عقلك فلا تخرج حتى تأكل على الريق اهليلجة سوداء كابلية مع شيء من سكر الطبرزد. (1/322)
صفحة 323
وإن أردت أن تسلم من السعال والسل فاحسو كل ليلة سبع حسوات ماءً ساخناً عند النوم ولا تأكل السمن والعسل بالسوية حتى يزيد أحدهما على الآخر، وكذلك العسل والماء الممزوج به ولا تأكل السمن من وعاء الصفر قد لبث فيه عشرة أيام فإنه سم قاتل واللحم إذا أتى عليه مدة ثلاثة أيام وهو نيء فإنه يضر ولا ينفع والعنب ما وجدته حديثاً فأكثر منه فإنه سيد الفاكهة وإذا عتق فلا خير فيه، وإذا أكلت الفجل فلا تأكل بعده العسل فإنه داء خبيث، وإذا أكلت السمك أو طير الماء أو طير البحر فلا تأكل بعده اللبن الرائب فإنه خبيث، وأكثر من الاغتسال في أيام الربيع إن استطعت وشرب الماء فإنها ايام شيطان (1) الدم ولا تطل الجلوس في الشمس، وإن أخذ الإنسان من كبود الغزلان وهي أولاد الظباء الصغار ثم تشرح وتجفف في الظل ويؤخذ كوزنها من اللوز المقشر ويسحقهما ناعماً ويضيف إليه من ورق البنفسج ويسحقه بدهن اللوز حتى لا يعود يشرب ثم جففه وارفعه لوقت الحاجة فمثقاله يقيم عليه الإسنان ثلاثة أسابيع لا يشتهي الطعام.
ومما يغني عن شرب الماء شهراً يؤخذ كمون المكرماني ودقه واعجنه بعسل منزوع الرغوة ويأكل منه بقدر الجوزة فإنه يغينك عن الماء شهراً فاكتمه عن السفهاء فإنه سر عظيم.
وإذا أردت أن لا تشرب الماء شهراً فخذ قلب غراب يجفف ويدق وينخل ويشربه الإنسان فإنه لا يشرب الماء شهراً لأن الغراب لا يشرب الماء شهر تموز وتموز بدرجة الأسد تنزل الشمس فيه وهو إحدى وثلاثون يوما.
__________
(1) 1 – أي فوران (1/323)
صفحة 324
وإذا أردت أن تقطع الحديد بالسكين وهو أن ينقع أي يخله بالماء يوماً قليل نوشاذر واغمس فيه السكين حامية وتسقى سيأتي في سقي السيوف كما ترى، قال بعض الحكماء ولسقي السيوف واستخراج فريدها وجوهرها يؤخذ كبريت أصفر رطلاً مسحوقاً ناعماً ويدعه ثم يصب عليه ثلاثة أرطال خل خمر وتجعله في الشمس سبعة أيام ثم يصفى الخل وتجعل أيضاً عليه رطل كبريت آخر مسحوقاً ناعماً وتدعه سبعة أيام آخر ثم يصفى ويجعل في إناء فإذا أردت تسقي السيوف وظهور فريدها وجوهرها فخذ من الاهليلج شيئاً جيداً فتدقه جيداً ناعماً وتدلك به السيف بقطعة جلد فإنه يخرج له جوهراً حسنا.
وإذا أردت قلع الصبوغات والآثار من الثياب يؤخذ حلتيت وخل وأشنان مصري وملح من كل واحد جزء يخلط الجميع ويغسل به موضع الطبوع مراراً فإنه يقلعه، وإن أردت دلك بالحامض والأترج أي طبع كان قلعه.
ولقلع الجير حماض الأترج يغسل وبعد ذلك بالأشنان والخل، ولقلع الجير يغسل بالتمر المحبرط ثم بالصابون، ولقلع المداد يغسل بالملح والحليب ثم بالصابون، ولقلع كل شيء يؤخذ خرا الحمار يفرك في داخل الماء ويغسل به الثوب ينقى.
ولقلع الاصباغ يدخن بالكبريت والثوب رطب ثم يغسل بالصابون فإنه أجود ما يكون وأي الأصباغ كانت في الثوب فإنها تذهب بالمرارة وبول الإنسان ويغسل بالصابون.
ولقلع السمن والودك وغيرها يؤخذ لبناً حامضاً ودقيق شعير وطين أحمر فاغسله بماء فإنه يذهب.
ولقلع جميع الفواكه والرياحين وقشر الرمان فخذ حرض وبورق وصمغ الطلح أو السلم فاغسله ثم بالصابون فإنه يذهب.
ولقلع الرمان الأحمر من الثوب يغسل بحب الرمان الأبيض والأبيض يغسل بالأحمر، وكذلك العنب الأسود ويغسل بالأبيض والأبيض يغسل بالأسود ويدخن بالكبريت، وكذلك الدم إذا إذا أصاب الثوب يغسل بدم فرخ يذبح عليه ويدلك به ساعة ثم يدلك بطحين وماء حار فإنه يذهب من ساعته. (1/324)
صفحة 325
ولقلع النطفة يطلى بالسكر الأبيض على المني ويجرى عليه الماء ويحكه به فإنه يقلعه ويقلع أيضاً بماء الباقلاء والصابون، وقلع النطفة يطلي فوق النطفة بسمن بقر ثم يغسل بالصابون فإنه ينقى والله أعلم.
وإن أخذت الجلد ورطبته بالماء وبخرته بالكبريت الأصفر يجيء لونه لون الذهب.
صفة صبغ الخوص اليابس القلب الأبيض يجعل فيه خثاء البقر الرطب سبعة أيام أو أكثر ثم يخرج ويغسل ويجفف في الشمس ويؤخذ الفوة مدقوقة ناعمة وتطبخ بالماء حتى يخرج منها فيه الصبغ ويلقى عليه شب وكاييا ويلقى فيه الخوص ويطبخ حتى يحمر.
وأما صبعه أسود يؤخذ له سح فرض ويمرس بماء فيكون مثل الشيء المربرب ويجعل في جحلة هو والخوص ويذر عليه فوقه خردة الحديد المسحوق واتركه عشرة أيام ويخرج ويغسل ويجفف في الشمس ويؤخذ حب الرمان ويدق ويطبخ حتى يخرج صبغه ويطبخ فيه الخوص حتى يسود، وصبغه أصفر فهو بالجزع كما ذكرناه في الفوة، والشيع يصبغون شعر لحاهم يأخذون الوسمة وهي ورق شجرة النيل يدقونه دقاً ناعماً ويجعلون عليه حماض اللومي القديم ويعجن بالماء ويحمر به كما يصنع بالحناء في الصبغ ويضمخ شعر اللحية به ويكون مستلقياً على قفاه بمقدار ساعتين ويغسله ويجففه ثم يلطخه كذلك بالحنا ساعتين ويغسله فإنه يسود سواداً لا يزول أبدا ولكن بعد شهر يظهر قليلاً عند منبته بالبياض فيعاودونه في كل شهر لأجل ذلك. (1/325)
صفحة 326
وإن سحق الشب بالخل وطلى به الأبطان أذهب نتن الصنان، وشجرة الحرص وشجرة المطاوعة وهي شجرة لزجة تنقيان الوسخ من الثوب والبدن، وتراب الأرز والطحين إن دلك به اليدين إذهب الدهن منهما، وإذا أخذ ورق الحنظل وسحقه ونثره في جحر الفار قتله أيضاً وكل حيوان تركه في جحره قتله وطرده ، ومن أخذ حنظلة ونثرها في بيته أمن من لدغ كل دابة مؤذية في بيته، وأما النمل تهرب من رائحة الكبريت والحليت والقطران ومرارة الثور، والزنابير وهو الذي تهرب من بخار الكبريت والثوم، والرمة تهرب من دخان ريش الهدهد وريش الكركي والكزبرة وتهرب من الحبن واللثب إذا وضع في جحرها أعني الرمّة، والريحان إذا بخر به البيت أو افترشه طرد الهوام وشرب ماءه ينفع من نهش الهوام، وإن شربه قبل اللسع لم تفعل فيه الدواب المسمومة شيئاً ولا يضره لدغها وإن ضمد به موضع اللسعة نفع ، وإن شرب ادر لدم الحيض وإذا قطر ماءه في الأذن سكن وجعها وبدله الصمغ العربي.
عنب الثعلب إذا أكل ورقه نافعاً للأورام الباطنة وإذا ضمد به الأورام الظاهرة نفعها وهو قاطع لكثرة دم الحيض إن شرب أو احتمل، والقسط إذا تدخنت به المرأة نزل دم الحيض وإذا شرب منه نفع من لدغ الأفاعي ، وإذا سحق ورق العصفر (الشوران) وشرب نفع من لسع العقارب وعرق السعد مثله. (1/326)
صفحة 327
وهاك صفات في عمل المداد يؤخذ عفص وقشر الرمان بالسوية يدق وينخل ويجعل عليه خل حامض ويعصر بخرقة، أو يؤخذ مثقال دخان وربع مثقال صمغ يدق ناعماً ويجعل عليه ماء ويكتب به، أو يؤخذ أربعة أسهم حبر وسهم سمد ويدق ناعماً ويجعل في فنجان واسكب عليه الماء حتى يعلوا فوقه بقدر راحة الصبع ثم اتركه ليلة وفي النهار خذ خرقة جيدة وصله بها واتركه في الدواة ثم اكتب به أو خذ من الحبر أربعة عشرمثقالاً ومن السمد خمسة مثاقيل ومن الماء اثني عشر مثقالاً يخلط الجميع من ساعته ويكون مسحوقاً ناعماً واكتب لكن سمعت الشيخ ناصر بن أبي نبهان يقول إن السمد يأكل القرطاس، ومداد ينوب عن الذهب زرنيخ أصفر وقليل زعفران فيسحقهما سحقاً ناعماً ويضاف إليه مثل الزرنيخ من الصمغ العربي ويخلط عليه قدر الكفاية من الماء ويكتب به، وإن سحق الزرنيخ الأحمر مع مثله من الصمغ وكتب به خرج في غاية الحسن، وإن سحق الجزع وألقي عليه من ماء القلي أتى في غاية الحمرة.
في عمل المداد هو أن تأخذ خلطاً ثم تسحقه فتنخله ثم تأخذ صمغاً كان طلحاً أو قرطاً فتنقعه بالماء إلى أن يصير كالعسل ثم تخلطهما جميعاً تخليطاً كلياً ولا تزال ساعة تفركه بيدك حتى يختلط كما ينبغي فإذا عرفت اختلاطه خذ ماء الجير المنقع أو ماء الحناء فاصببه عليه قدر ما هو يكون ليكون مناسباً في الكتابة ويخلطه به ثم يصله بخرقة نظيفة ويجعله على النار حتى يفور وتم ذلك، والصمغ لا قياس له على قدر كثرة الخلط وقلته، هذا كتبه الشيخ للناسخ عبدالله النخلي في بندر مسكد بمحضر سيدنا العالم ناصر بن أبي نبهان بمسجد الخور. (1/327)
صفحة 328
خضرة تنوب زرنيخ أصفر جيد يسحق ناعماً ويضاف إليه مثل عشره من النيل الهندي يطعم به في السحق شيء شيء حتى ترضيك خضرته ثم تضيف إليه مثل الجميع من الصمغ مسحوقاً منخولاً ويترك عليه قدر الكفاية من الماء العذب فإنه يأتي في غاية الحسن والخضرة، مداد ينوب عن الزنجفر يؤخذ من اللك الطيب ويسحق ناعما ثم يقطر عليه في السحق ماء الأشنان إلى أن يغمره ثم تضعه على نار لينة وتحركه بملعقة إلى أن تنمي حميم في ذلك الماء فإنه يأتي في غاية الحمرة.
مسائل في الزواج والطلاق والوصية
قال ذو الغبراء: سألني بعض الأخوان عن بعض من مسائل الأحكام في حكم الزوجين، فقلت له: لا علم معي في الدماء والفروج وهذا سؤالك أقصد به مع العلماء خليفة الأنبياء، قال: اكتب لهما سؤالاً فكتبت: ما تقول ايها الشيخ عامر بن علي في رجل قال لزوجته إن نلت هذه السكين أو أخذت هذه السكين صاش مفارقة أتطلق زوجته إن لم تأخذ السكين وهل تدخل عليه حروف الإيلاء أم لا؟، الجواب وبالله التوفيق: أما على فعلها هي فلا يدخل عليه الإيلاء ولا تطلق زوجته ما لم يقع منها ما حلف عليه وإن وقع منها فعلى لفظه هذا لها يجري الاختلاف قول تطلق بهذا اللفظ لأن الفراق اسم من أسماء الطلاق، وقول على نيته ثقة كان أو غير ثقة، وقول إن صدقته وقال لم ينو بطلاقها بها جاز لها المقام معه ثقة كان أو غير ثقة، وقول يسعها التصديق له إن لم ينو به الطلاق إن كان ثقة وإن لم يكن ثقة لم يجز لها تصديقه وأرجو أن لها استحلافه فإذا حلف جاز لها وإن نكل لم يجز لها المقام معه والله أعلم، والسلام عليكم شيخنا وذخرنا وأخانا الثقة خميس بن راشد العبري ورحمة الله وبركاته لا عدمناك ذخراً لنا مدة الحياة إن شاء الله نسأل الله أن يمتعنا ببقاك سالماً غانماً مسروراً من العبد الفقير إلى الله عامر بن علي سلّم لنا على كافة المشائخ والأخوة ومن لنا كافة ما ذكرت ومن يرد حاجة تقضى إن شاء الله. (1/328)
صفحة 329
مسألة أخرى: بسم الله الرحمن الرحيم إلى الشيخ المحب الثقة عامر بن علي ما تقول في رجل تزوج المرأة ونقلها إلى بيته ولا دخل عليها ثم طلقها بلسانه سراً ولا أخبرها ثم قصد مع وليها فزوجه بها تزويجاً جديداً فجاء الرجل بالليل ودخل على المرأة وجامعها والمرأة لا علم عندها بالطلاق ولا بالتزويج الثاني أتحل له على هذه الصفة أم هي حرام؟، وإن كان فيه اختلاف عرفنا بالرأي الذي يعجبك من قول المسلمين ومن لزوم الصداق؟، الجواب: وبالله التوفيق فعلى صفتك هذه إن طلاقه لها واقع بها وقد خرجت عنه ولا عدة عليها وعليه هو نصف ما فرض لها من عاجل صداقها وآجله وقد حلت للأزواج لأنها من حين ما جرى عليها طلاقه صارت أملك بنفسها أن لو علمت بطلاقه لها وبينونتها منه وتزويجه الثاني بها سراً بغير علم منها به ولا بخروجها منه بالطلاق وهي حرة بالغة الحلم فقد جاء عن اهل العلم ما يدل على منعه إلا إذا علمت بالخروج منه وبالتزويج بها ثانية على هذا فتزويجه بها باطل لا يجوز دخل بها على ما هي عليه من جهلها بالجاري منه وعلى أن معها دخوله بها على التزويج الأول فأشبه به معنى ما يدل على القول بفسادها عليه من غير قطع مني بذلك لأنه عسى به شيء من الاختلاف بالرأي وأنا لم يحضرني لكنه في النفس ما يدل عليه فانظر فيه وعساك تعرف الشيخ سيدنا الفقيه ناصر بن أبي نبهان عسى يرى في ذلك رأيه أو يحفظ فيه شيئا. (1/329)
صفحة 330
وهاك مسألة من جواب الشيخ سعيد بن بشير الصبحي رحمه الله: ومن تزوج امرأة ورضيت به وطلقها بلا علمها قبل دخوله بها وتزوجها ثانية ولم يعلمها بالطلاق والتزويج الثاني وهي تظن أنه دخل بها بالتزويج الأول ومضى على ذلك قليلاً أو كثيراً وهو يظن أن ذلك جائز أتحل له على هذه الصفة أم لا ؟، الجواب: إن هذا الرجل إذا طلقها ولو لم تعلم به وهو لم يدخل بها فقد انفسخت منه لأنه لا عدة عليها منه وحلت للأزواج وصار هو وغيره فيها سواء فإذا تزوجها ثانية بولي وشاهدين فلا يجوز تزويجها ولا تثبت عليها زوجته إلا برضاها بعد إخبارها ولا تكون له زوجة على هذه الصفة لأن شرط الرضى قد اختل هنا ولا يصح تزويج إلا برضى المرأة وهذه بعده طلاقه لم يصح له سبب فيها إذا خرجت منه وبانت ليس هذه كالمطلقة إذا لم يخبرها بالطلاق تجوز له أن يردها بلا علمها ولا إخبارها لأن هناك أسباب زوجية ثانية وهي وارثة كالزوجة وحكمها حكم الزوجة ألا ترى إلى قول أهل العلم في المختلعة والمبارءة لا يجوز ردها إلا برضاها وهي سبب العدة منه لأنها بائنة فكيف بهذه إذا لم يبق ثم سبب فهذا حرام حرام وهو تزويج مفرق بينهما ولا تحل له والله أعلم.
قال العبد الفقير إلى الله عامر بن علي: صحيح هذا الجواب الذي أجاب به الشيخ سعيد بن بشير وهو رأينا وعليه معتمدنا وإن قال قائل بخلاف ذلك واحتج هنالك بتزويج الصبيان لبعضهما بعض وبالإجازة من عامة من أهل العلم الدخول بينهما وتمكين البالغ لجماعه الصبية المزوج مع مراعاة شرط رضاها بعد بلوغها إلى غير ذلك من الحجج فلا نقول أنه أخطأ في الرأي وإن كنا لا نقول به ولا نعمل عليه حال حصول إقرار الزوج أنه لم يدخل دخولاً يوجب عليه حكم الداخل بزوجته في جميع أحكامه لعلل يراها داخلة على من قاسه بتزويج الصبية ومعاني يدل على افتراقهما والله أعلم اختصرت القول عن بسط العلل لضيق القرطاسة. (1/330)
صفحة 331
قال غيره: إذا لم ير العالم صحة رأي ورأى الأصح غيره فلا لوم عليه إذا لم يقل به بل عليه أن يقول ويعمل ويفتي بما رآه أنه هو الأقرب إلى الحق كما اعتمده هذا الشيخ، ولكن لا تدل عدم رؤية صحته هو على أن ذلك ليس برأي صحيح عند من رأى صحته ورأى ما احتج به أنها حجج تدل على صحته كما رأيناه نحن فقلنا ولا يكون قول عالم بصحة رأي دون غيره حجة على غيره ممن رأى الأصح ذلك الغير والعالم ينظر الأعدل والآراء كما ذكرناه ويعمل بذلك الأعدل ولا يبطل رأي غيره والله أعلم.
ثم عرفنا الشيخ العالم ناصر بن أبي نبهان ما تقول في رجل تزوج امرأة وأنقلها إلى بيته تدخل وتخرج وتأكل وتشرب من عند زوجها وتنام مع أمه وأولاده ثم طلق المرأة سراً في نفسه بلسانه ومكث بقدر شهري زمان ثم بدا له أن يتزوجها ثانية فحضر الولي والشهود وتزوج بها بمحضرهم وقصد إلى بيته وجامع المرأة ولم يعلمها أحد بما صنع الرجل من الطلاق والنكاح الثاني وهذا التزويج الثاني على أصله ؟، أم هو كالرد بين لنا ذلك هي حلال أم عليه حرام أم فيه شبهة لأنها في بيته فإن كان عليه حرام فما يجب عليه من الصداق؟. (1/331)
صفحة 332
الجواب: إن كان قد دخل بها كما ذكرت أنهما في بيت واحد مع أهل بيته وإن كان قد سترهما موضع من البيت عن أهل البيت واتفقا أن كانا هي وإياه في البيت وليس فيه أحد من أهل البيت معهما أو كانا في موضع ستر البيت أو غيره فهو في الحكم داخل بها وتلزمه أحكام الداخل بها وإن كان لم تمض عليهما وقفة في ستر هو وإياها لا غير ولو كانت في بيته مع أهل البيت فحكمه غير داخل بها وإن ادعت أنه دخل بها فلها الحجة عليه لأنها في بيته فالقول قولها مع يمينها إن طلب منها اليمين ، وكذلك لو ادعى هو أنه داخل عليها وأنكرت هي فالقول قوله لأنها في بيته بخلاف أن لو كانت في معزل عنه فالمدعي بالدخول منهما على صاحبه هو المدعي إلا بالصحة العادلة فافهم ، وإذا تقرر أحد هذين الحكمين فيهما فطلاقه لها في موضع يكون حكمه داخلاً عليها بطلاق يملك فيه ردها يجوز له أن يردها بشهود ممن يجوز لهم الرد رضيت بذلك أو كرهت في موضع ما يجوز له بغير رضاها ولا يجوز له إلا بشهود ولا يجوز إلا بمن يجوز له الرد بهم ولكن لا يجوز له نكاحها إلا أن يعلماها الشاهدان بالرد ولا اختلاف في هذا ولو كان قد وقع الطلاق بغير علمها وقد قيل غير هذا إذا كان بغير علمها إذا كان قد نطقت به لسانه وإن كان طلقها وهو في الحكم لم يدخل بها فقد بانت منه وليس له مراجعته لها بالرد وإنما له أن يراجعها بتزويج ثاني وفي الأثر أن يكون برضاها وولي وشهود وعقد وإن اختل ركن لم يجز التزويج وهذا هو الحق ولكن ليس فيه دليل ما يمنع من جوازه إن لم يصح منها رضى ولا كراهية إذا علمت التزويج ولم تغيره وطاوعت في الدخول إليها من الزوج ، وقد جاء في الأثر أن سكوت البكر رضاها ولو سكتت الثيب وعلمت بالتزويج ولم تغيره وطاوعته في الدخول لجازت له وجاز لها وكفى بإجازة دخول الزوج على الصبية المزوجة ونكاحه لها على قول من أجازه له منها وأنه لهو الأشهر والقول به وعلمها بالتزويج قبل الدخول وحين الدخول بها (1/332)
صفحة 333
سواء ورضاها به وغير رضاها به سواء فصح أن ركني الرضى أريد به أنه لا يجوز على كراهيتها وقله رضاها إن ظهر منها غير الرضى لا غير أو لو زوجت بغير علمها وأخبرت ولم تنكر ولم يصح منها رضى ولا كراهية ودخل عليها الزوج وجامعها لم تقل أنه تزويج فاسد إذا لم يصح رضاها فإن قلت إن مسالمتها ومطاوعتها هو رضاها قلنا إن كانت بالغة الحلم لم يصح رضاها عند العقد وإنما صح عند نكاحها وإن كانت صبية على قول من أجاز نكاحها فرضاها وقلة رضاها سواء لأنها غير مالكة أمرها فلما جاز هذا كله في الصبية وما ذكرناه في غير الصبية من البكر والثيب لم يبعد من إجازة هذا التزويج الثاني إذ قد صار بولي وشهود وعقد ولو ظنت أنه الأول ولم تعلم بالثاني ولكن الثاني قد صح بالعقد والشهود وصح أنه لم يدخل إليها إلا بتزويج وهي تعلم بالطلاق الأول فهو لها حلال إذ لم تقم الحجة عليها بما يحرمه عليها وهو له حلال لأنه أخذها بالتزويج ومتى علمت أنه طلقها وجدد التزويج وأتمته وإن نقضته فلها النقض إذا صح أنها لم تعلم به، فإن قيل إن هذا نقض لما أصّلته فنقول ليس الأمر كما ظننت لأن الصبية وإن دخل عليها المتزوج بها وجامعها فمتى بلغت فلها أن تتمه فإن أتمته تم وإن نقضته انتقض وإن سكنت من غير نقض ولا تتميم لم يلزمها أن تلفظ بإتمامه بل يكونا على ما كانا عليه من الزوجية وإن كان بين الصبية والبالغ فرق في الرضى في ظاهر الحكم ففي الباطن لا فرق لأن الصبية جائز تزويجها ونكاحها وعلمها قبل الدخول بها وعند الدخول بها سواء ولها الخيار متى بلغت الحلم والبالغ يجوز تزويجها بغير علمها ولا تعلم إلا عند الدخول بها ولها الخيار إن شاءت أتمته وإن شاءت نقضته وإن شاءت سكنت وسالمت للدخول بها وهذه علمت بالتزويج ولم تعلم بالطلاق وزوجت ثانية والتزويج صحيح فلم تعاشره وهي على أنها غير زوجة له بل عاشرته على حكم الزوجية التي صحت معها فبأي وجه يحرم عليها وهي متممة لذلك فهي (1/333)
صفحة 334
كالصبية في القياس على هذه الصفة فإن قلت إن الصبية علمت بالتزويج وهذه لم تعلم قلنا هذه علمت بالتزويج ولم تعلم بالطلاق فهي زوجته ومتى صح معها التزويج الثاني وأتمته تم لأنه تزويج صحيح وهي تدري أنه لم يتعرض إليها في يوم مشهود في العرس إلا بعقد تزويج بها منه ولو زوجت امرأة بغير علمها وسمعت من أهل بلدها أنها زوجت برجل ولم تدر بالتزويج إلا حين نقلها من بيت أهلها إلى بيت الزوج وهي لاتعرفه ونقلها أناس كثيرون من أهل البلد ولم يصح رضاها ولا سخطها ولم تعلم هي بالذي زوجت به وادخلوها بيت الزوج وأدخلوه هو معها على شهرة التزويج لبعضهما بعض وفي نفسها غير كارهة لذلك ولا تعرف الزوج من هو وجامعها على شهرة التزويج لبعضهما بعض جاز ذلك ولو لم يجز ذلك لم يجز لزوج أن يجامع امرأة كذلك أمرها حتى يصح معه بالصحة الشرعية ولا يجوز لها هي أن تمكنه من نفسها حتى يصح معها أنه هو الزوج الذي تزوجها بالصحة الشرعية ولعسر الأمر في هذا فاعرف ذلك ولها أن تتمه كما أنها لو زوجت بغير علمها ولم ترض به أولاً ثم رضيت به لم يلزم تجديد التزويج في أكثر قول المسلمين وليس على الصبية أن تتمه باللفظ وإن غيرت التزويج من زوجها في حين بلوغها ثم أتمته بعد ذلك لم يلزم تجديد النكاح لنقضها هي أولاً على هذه الحالة فهذا ما أراه، وإن قال أحد بخلاف قولي لم أخطيه وعسى أن يأتي بحجة يصحح قوله فيكون في النظر هو الأقرب إلى الحق فاعرضوها على أهل العلم من المسلمين عسى يحدث الله رأياً لعباده أحسن مما فتحه لي فيكون العمل بالأفضل أولى فليس المراد منا إلا وضوح الرأي الأفضل للمسلمين وبالله التوفيق. (1/334)
صفحة 335
قلت له: زد بياناً في صفة الدخول على بعضهما بعض الذي يكون في الحكم داخلاً به عليها إذا كانت هي في بيته من بعد ما تزوجها ولكنه لم يدخل بها في التسمية مع العامة لأن مع العامة لا يسمون داخلاً بها إلا أن يدخل عليها ليلة العرس التي تشتهر أنه قد دخل عليها فيها لا غير ذلك وأنت أشرت في جوابك أنهما إذا سترهما حجاب يكون في الحكم داخلاً عليها دون تلك الليلة المشهورة إذا كان هذا قد قبلها وبين لنا إن كانت هي في بيته مع أهله وفيه صغار غير بالغين وكبار بلغ مجتمعون فيه وهي معهم والزوج معهم في الليل والنهار وتارة البالغون يخرجون ويبقى الصبيان هل فرق في ذلك في الليل والنهار وفي اليقظة والنوم إذا غلق باب الحائط وأبواب الغرف مثله أم فرق بين الأبواب وإذا صح الدخول ووقع الطلاق منه لها ذلك ثم تزوجها ولم يخبرها الشاهدان ودخل عليها أتحرم عليه وإن حرمت فما الذي يجب لها من الصداق وفي أي وقت تلزمها العدة مع إعلامها بالحرمة أم قبل ذلك أو أحسن أن يلفظ بالطلاق لها عن الشبهة وإن مات أحدهما وهي في العدة هل بينهما ميراث أم لا ؟ فاشرح لنا الجواب وأنت مأجور إن شاء الله تعالى. (1/335)
صفحة 336
الجواب: الذي ظنته العوام الدخول ليلة العرس بها وهي الليلة المشهودة المعروفة بينهما هو دخول ومن وجوهه وما ظنوه كذلك فهو حق ولكن الخطأ من العوام أنهم لا يجعلون دخولاً عليها منه بغير هذه الليلة وبغير هذه الحالة مما هو ذلك والحق مع العلماء أنهما إذا سترهما حجاب فهو في الحكم داخل بها وإذا كانت هذه الابنة في بيت هذا الزوج قد نقلها إلى بيته وسكنت فيه هي وهو مع أهل البيت فإن كانت الابنة لم تأت عليها معه حالة يسترهما في البيت عن أهله البتة فهي بعد كأنها لم يدخل بها وأما قولك إن كان في البيت الصبي والبالغ فالصبي لا عمل عليه ومتى ضمهما البيت ولو كان فيه صبيان فحكمه داخل بها وكذلك الليل إن كان هو وهي في موضع يمكنه أن يواصلها وأهل البيت نائمون فحكمه داخل بها والليل بنفسه ستر فإذا نام الأهل وهي معهم في موضع غير مغلق باب عليهم عنه أو كلهم في قنت أو كلهم في دهليز وبالجملة فإذا كان الزوج في موضع والابنة في موضع يقدر أن يصل إليها فيه منه فالحكم في ذلك على هذا ولو لم يخرجوا منه وهي معهم لأنه يمكنه بعد نومهم اتصاله بها وأما فيما بينهما وبين الله تعالى فإذا كانا مع أنفسهما لم يدخلا على بعضهما بعض فهو غير داخل وفي الموضع الذي تحرم عليه فيه مما ذكرناه على رأي من رأى الحرمة في ذلك وحكم بتفريقهما بذلك أو رأيا بأنفسهما صحة هذا الرأي المفرق بينهما في الحق فتعتد من حين تعلم بحرمتهما على بعضهما بعض ولا يتوارثان في العدة لأنها خرجت منه بالتحريم بفساد النكاح فكيف ترثه في موضع يكون نكاحهما فاسدا فهي كأنها ليست بزوجته فلا يكون مثل هذا الطلاق والله أعلم . كتبه ناصر بن جاعد بيده . نقلته من خط يده. (1/336)
صفحة 337
قال ذو الغبراء: من تزوج امرأة ونوى الطلاق إليها بقلبه ولم يلفظ فيه بلسانه فلا يحسب هذا من الطلاق إن كان دخل بالمرأة أو لم يدخل بها، وأما إن لفظ بلسانه ولم يسمع به أحد فذلك طلاق وإن كان لم يدخل بالمرأة فقد بانت منه متى أعلمها وحلت للأزواج ولا يجوز له ردها إلا بتزويج صحيح وإن تزوجها وهي لم تعلم بالتزويج ولا بالطلاق ودخل عليها فقد تقدم فيها القول عن الأشياخ، وأما الذي طلق امرأته بغير علمها وردها بغير علمها بحضرة الشاهدين والشاهدين لا أعلماها لأنه ليس بلازم عليهما إعلامها ثم دخل عليها زوجها فهي حلال له إذا كان قبل الطلاق داخل عليها إو بإغلاق باب او إرخاء حجاب أو ستر أو صحت خلوة بينهما أو كان يدخل عليها سراً أو علانية وتقاررا بذلك فهذا دخول كله يحسب وليس كل الدخول بالجماع فالحائض لا يجوز جماعها وإن دخل عليها فهو دخول وكذلك التي خلصت من مطلقها بخروج ولدها فقد حلت للأزواج وجاز الدخول بها ولا يجوز جماعها في نفاسها وكذلك الذي اختلط قبلها ودبرها فجائز تزويجها ولا يجوز جماعها على قول والرتقاء جائز الدخول عليها والرجل لا يقدر على جماعها ومثل هذا كثير، وأما الذي طلقها بعلمها فلا يجوز ردها إلا بعلمها أو بمحضرها ومحضر شهود شهرة أو بمحضر شاهدين عدلين أو بمحضر شاهد وامرأتين ويعلمها بالرد قبل انقضاء عدتها وإن لم تعلم وخلصت فقد حلت للأزواج، وقول إن أرّخا الرد ولم تتزوج فإنه يدركها وأما الذي طلق زوجته بخلع وبرآن وافتدت منه بدرهم فلا يجوز ردها إلا برضاها وبمحضر الشاهدين العدلين ، وأما الذي طلقها ثلاثاً فلا يجوز ردها أبداً إلا أن تتزوج برجل ويدخل عليها وتذوق عسيلته فمات الزوج أو طلقها أو خرجت عنه بشيء من وجوه الطلاق فجائز لمطلقها الأول أن يتزوجها بعد خلوصها ، وأما الذي تزوجها عنين أو خصي أو مجبوب أو كان على شرط تحلة للمطلق فلا يجوز له على هذه الصفة إلا أن تتزوج برجل آخر وتذوق عسيلته فمات او (1/337)
صفحة 338
طلقها فجائز لمطلقها الأول أن يتزوجها وأما الذي طلقها بسبب حكم من فقر أو علة أو مات أحدهما وهي في العدة فلا يتوارثان وإن أيسر الرجل او صح من علته وكان باقي شيئاً من الطلاق بينهما وتراضيا فله أن يتزوجها، وأما الذي حكم بطلاقها من سبب فقد أو غيبة ثم رجع زوجها فهي زوجته إذا لم تتزوج وإن تزوجت فزوجها الأول لكن عليها الاستبراء بثلاث حيض وكذلك المغصوبة للجماع فعليها الاستبراء على قول وإن كانت حاملاً فحتى تضع حملها والزانية مثلها فيها الاختلاف في الاستبراء، وأما العدة للمطلقة إن كان بها حمل فمتى وضعت انقضت عدتها، وأما المطلقة الصبية والمؤيسة فلا فعدتهن ثلاثة أشهر وأما المراهقة قول حتى تبلغ وقول ثلاثة أشهر وتسعة أشهر لريبة الحمل وقول سنتان وثلاثة أشهر وإن بلغت قبل أن تنقضي عدتها فتعتد ثلاث حيض متتابعة، وأقل ما تصدق المرأة في انقضاء عدتها تسعة وعشرون يوما وأكثره في تصديقها إذا بلغ سنها ستين سنة والمطلقة ثبت الدم بها ثلاثة اشهر فقد انقضت عدتها على قول بعض المسلمين، وأما الإيلاء والظهار فتعتد بعدما تمضي أربعة أشهر إذا لم يكفر وكذلك امرأة المفقود والمفلس وذو العلل فأول عدتها مهما بلغها الخبر عن المسافر أو المجاهد أو صح حكم بالتفريق فعدتها متى صح في تلك الساعة، وأما المميتة فحيث رأت زوجها مات وعلمت به فتعتد أربعة أشهر وعشرة أيام فإذا اغتسلت وكان بها حمل فحتى تضع حملها كالمطلقة، والرجل تلزمه الوقوف حتى تنقضي عدة المطلقة إذا طلق الرابعة من زوجاته فلا يتزوج حتى تنقضي عدتها أو تموت بنفسها أو أحد من زوجاته الثلاث تموت فله أن يتزوج حتى لو أراد أخت المميتة فله أن يأخذها من ساعته، قال أبو سعيد رحمه الله: لا يغسل المميتة إذا تزوج أختها. (1/338)
صفحة 339
رجع: والذي أخطأ في الجماع في أخت امرأته فلا يجامع امرأته حتى تحيض أختها ثلاث حيض وإن كان بها حمل فحتى تضع حملها، ومن بيان الشرع: وقد جاء في الأثر الذي لا نعلم فيه اختلافاً بين أحد من فقهاء المسلمين أنه إذا طلق الرجل زوجته بغير علمها أجزاه لها الرد بغير علمها ولم يكن عليه أن يعلمها وإن طلقها بعلمها كان الرد بعلمها فإن طلقها بغير علمها وردها بغير علمها ثم أعلمها بذلك فقد عرفنا اختلاف من قول أهل النظر فقال من قال إن القول قوله في الطلاق والرد إذا لم يكن الطلاق بعلمها ولا الرد وأعلمها الزوج أنه طلقها وردها فالقول قوله في ذلك أنها لم تعرف ذلك إلا من تغييره ولم يكن عليه في الأصل أن يعلمها بالرد كما أنه قد جاء الأثر أنه إذا طلقها بغير علمها ثم ردها بغير علمها ثم لم يعلمها هو ولا الشاهدان حتى انقضت عدتها ولا وطئها في ذلك ثم صح معها الطلاق والرد بشاهدين فقالوا إذا جاء شاهد الرد وشاهد الطلاق معاً ولو كانت قد انقضت عدتها فإنه يدركها وقال من قال ولو أعلمها شاهد الرد بعد شاهدي الطلاق إلا أنه في مجلس واحد انه يدركها ولو كان الطلاق بعلمها ثم لم يطأها ولم يعلمها هو ولا أحد الشاهدين حتى انقضت عدتها ثم أعلمها بعد ذلك كانت في الإجماع فيما علمنا قد بانت منه ولا يدركها فافهم هذا الفصل فإن له في الحق أصلاً وعرفنا هذا من قول أبي الحواري فيما يوجد عنه، وقال من قال أنه إذا صدقته زوجته وسعها المقام معه وإن حاكمته كان عليه يحضر شاهدين بالرد كما قد أقرانه طلقها لأنه مقر بالطلاق ومدع للرد فعليه في ذلك البينة فإن أحضرها شاهدين بالرد وإلا حكم عليه بإقراره بالطلاق وعرفنا هذا من قول الشيخ أبي الحسن رحمه الله . وقال من قال أنه إذا أقر بالطلاق فقد وجب عليه أن يصح الرد ولا يجوز لها أن تقربه من نفسها ولا يسعها..... (1)
__________
(1) 1 – الكلام غير تام يبدو أنه يوجد نقص في المخطوط بمقدار صفحة . (1/339)
صفحة 340
بعدالة الشهود ومتى تقوم الحجة عليهم بعد التهم وهم أيتام حتى يبلغوا أو هم غياب حتى يحضروا وإنما يمكن أن تقوم الحجة بهم على البالغين الحاضرين وأما بحكم من الحاكم العدل بثبوتها أو لسفر العلماء مع عدم الحاكم العدل فيعمل الوصي بما يأمره العالم الفاضل ولا يأمر العالم الفاضل العارف الوصي بإنفاذها وهم أيتام أو غياب وإنما يأمر فيها بما يراه مخرجاً له من الحق لأن العالم لو عرف صحتها حروفاً وألفاظاً وشهوداً ولم يحكم فيها حاكم عدل يثبت حكمه في الأيتام والأغياب فلا تقوم الحجة عليهم بمعرفته هو وليس هو من الحكام وإنما يدل على طريق السلامة إلى أن يبلغ الأيتام ويحضروا الأغياب ، والله أعلم.
بعض أحكام الصلاة
مسألة لناصر بن أبي نبهان: وجاء في الأثر أن الصلاة لا تجوز في الثوب الذي يصف والذي يشف، أما الذي يصف مثاله الثوب اللطيف إذا كان رطباً بالماء فيلتصق بالجسد ويتصور الجسد منه فإذا كان يابساً ويتصور العورة فيه كذلك فلا تصح به الصلاة، وأما وصفه لبقية الجسد دون العورة من السرة إلى الركبة فمعي أنه لايمتنع من جواز الصلاة به.
وأما الذي يشف هو الذي ينظر جسد لابسه من وراء الثوب فهذا لا تجوز به الصلاة أصلاً وهو أشد من الذي يصف لأنه لو جعل للعورة ثوباً آخر تحته أو فوقه وبقي يشف بقية جسده فلا تجوز به الصلاة لأن عليه ستر جسده للصلاة بالثياب لقوله تعالى: (خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ) (1) والزينة هو اللباس الحسن الساتر لقوله تعالى: (يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى) (2) يعني يوم العيد وإن لم يكن بينه وبين العورة ثوب آخر ساتر للعورة فلا يجوز لبسه بين الناس حيث ينظرون جسد عورته من وراء الثوب كان في صلاته أو في غير صلاة والله أعلم، كتبه ناصر بن جاعد، وأنا كتبته من خط يده.
__________
(1) 1 – الأعراف : 31
(2) 2 – طه : 59 (1/340)
صفحة 341
قال ذو الغبراء: سمعت الشيخ ناصر يقول إذا صلى المصلي وفي ثيابه رقعة فيها نجاسة وقد لف عليها رقعة أو رقعتان طاهرتان ولفهما جميعاً وصلى بهن، قال: لا تنتقض صلاته قياساً كالسكين الذي فيها نجاسة وأدخلها في غمدها فلا تفسد من صلى بالسكين، قال الشيخ عامر بن علي: وفي نفسي إعادة الصلاة من صلى بتلك الرقع المذكورة.
وصلى بنا الشيخ ناصر جماعة في خسوف القمر وأطال القراءة في السور فلما سلًم قرأ الدعاء جهراً، قلت له: وما سبب خسوف القمر؟، قال: إن الشمس تغاورت على الأرض فانطمس نور القمر فإذا ظهرت اقتبس منها نوراً، قال: وأما الشمس لا زالت تطلع على قوم وتغرب عن قوم، والخسوف والكسوف ينظروه قوم دون قوم.
قال في من شرى مشرقية واستبرأها، قال: لا يجوز بيعها لأنها من العرب وسمع ذلك من أبيه جاعد، وأما الحبشة والنوبة ومن كان مثلهم يجوز بيعهن، والاستبراء تعبد من الله تعالى، ويقول فيه اختلاف.
الذكر الثامن عشر
... فيه سؤالات حشوها أخبار ومسائل في الطب، ولإخراج الشوك، وفي والأديان والأحكام فيما جرى في الزمان من فتن وأمان في السيوح والبلدان، وذلك في عصر الشيخ محسن بن زهران وفي ذكره بالنثر والنظم من فصحاء عمان.
مسائل في الطب والفقه (1/341)
صفحة 342
... قال ذو الغبراء: سرت إلى الخلا، واستقبلت الجهة السفلا، خوفي من احتقان الغائط والبول، فقلت أعوذ بالله من البلاء ، فلما نزل الأذى تطهرت بالماء وقصدت طالعا الجبلا، في مجمع الناس يوم العيد في المصلى، فنظرت أخي مقبلا، فسلم وعلى محمد صلى، فأجبته بالرد لازم لا نفلا، وقلت مرحباً بقدومك وأهلا، وأراك راكبا جملاً أقزلا، ومن أين اقبلت؟، قال: من بلد بهلا، التي يحدث بها البلا، فقلت: اجلس عندي متمهلا، وقد حضرت بيني وبينك المسئلا، ومضت عنا ساعة زحلا، فما خبرك عن الوالي والقاضي الذي في حكمه تولى؟ وكيف قصة الرجل المستشير في أولاده العقلا؟ وما قصة الرجل الذي أراد مطلقته له أن تحلا ؟ والعبد الذي على مواليه تعلى؟ وما أخبار السيوح والسبلا؟ وكيف مراتب أهل العسر واليسر وأبناء السبلا؟ وكيف صفة النصر بالسيف أم بالنبلا؟ وفسره لنا مفصلا، حتى أجمعه في القرطاس مجملا، فقال: اعلم أن الأمير نادى مناديه في الملا، قال أيها الناس أطيعوا ربكم الأعلى، واقتدوا بالأنبياء والرسلا، ولا تعملوا للمسلمين غشاً في الميزان والكيلا، ولا تبيعوا المحرم كالتتن والخمر المعمولا، وسمعت بأن نوراً يضيء للناس في السهل والجبلا، ويصلح اليتامى والرملا، وأرفعه لك عن العلماء وأهل الرملا، وعسى أن يكون عربيا ويعربيا مقتديا بالخلفاء والكتاب المنزلا (1) ،
__________
(1) 1 – تكلف المؤلف في السجع مما أدى به إلى اللحن ركاكة الألفلظ وأبقيته كما هو بلا تصحيح .. (1/342)
صفحة 343
وقد جئتك لأخبرك في يوم الجمعة، وقيل أنها عيد لهذه الأمة، والغسل فيها لإحياء السنة، وفيها الساعة الطيبة، والدعاء والخطبة، فإذا استقبل الناس القبلة، وأذن أحدهم فمنهي عن الكلام والمأمور به الاستماع لقول الخطيب بالذكر والقيامة والنار والجنة والمأمور أن يؤمهم أعلمهم وأفضلهم لأن النظر إلى وجه العالم عبادة والجلوس معه ساعة أفضل من عبادة سبعين سنة من النوافل لأن الأمر والنهي والجهاد لا يقوم إلا به، ومداد العلماء يوزن بدم الشهداء، وأما القاضي فرأيته يأمر الناس بالهدى فحكمه بالحق لا بالرشاء خائف ربه الأعلى، حكمه واحد للفقير وأهل الغنى ونظرته في رجل موسر طلق زوجته بثلاث تطليقات وسأله، قال له القاضي: لا تحل لك حتى تنكح زوجاً غيرك، فقال الرجل المطلق للمرأة: تزوجي بأجيري حتى تحلي لي، فلم تجبه فتزوج بها الأجير وجامعها فأعجبها ودخل الحب إليه في قلبها ولا وجد المطلق سبيلا، منها فقصد الرجل المطلق مع القاضي وأعطاه سبعين درهماً فأخبره عن المرأة التي طلقها أنه صح وعد له منها لتزويجها الأجير حتى أتزوجها وتحل لي عندك تزويجها، فقال القاضي: الحكم يكون بمحضر الجميع ، فأعطاه بروة بوصولهما، فأقبلوا إليه كلهم، وقال لهما: إن هذا الرجل يدعي عليكما وقد صح وعد في زواجكما هل هذا كان منكما؟ فقال الزوج: لا سمعت ولا علمت بهذا، فقالت المرأة: أيها القاضي استقبلت إلي السعود، وانطمست عني النحوس فبئس بالذي يدعي القبح والحق كفجر الصبح، فأمر القاضي بحبسه، وأعطاه دراهمه من خوف ربه.
وأما قصة الرجل المستشير فكلما أراد أمراً وشاور فيه وفقه الله عليه، ولم يدبر أمراً إلا بمشورة من أهل المعرفة ففاق أهل مصره راحة بذلك واتسع رزقه وأنفذ زكاته. (1/343)
صفحة 344
وأما قصة العبد الذي تولى على مواليه فطغى أهل زمانه فسلطه الله عليهم فسامهم سوء العذاب فاستغاثوا به للتخفيف فدخل في قلبه الرحم إليهم فسمع هاتفاً في المنام لا ترحم قومك، فجاءهم إن رجعتم إلى مولاكم فالله يخفف عنكم فلما سمعوا كلامه تناظروا لإصلاح نفوسهم وأموالهم وأهليهم وإصلاح وقوفاتهم فاجتمع رأيهم وعملوا بالأثر، فخرج الخادم من الحصن، وقال لهم: الخادم لا يكون والياً لمواليه، وهذه القصة سمعت عن الشيخ جاعد بن خميس يقول إنها واقعة ببلد بهلا.
وأما ذكرك في السيوح والسبل فمن قبل الناس فيها الأمان ولكن حدث فيها كلب الأكلب والغيلان فأكل في الهوش (1) والبشر وماتوا الأكثر ومنهم من لغث وعض من كثرة الضرر فالتمسنا الدواء للمبتلى فوجدنا في قصيدة ابن هاشم هذا كما ترى:
وإن كان كلب قد تكلب فاكو ما ... حوالي جرح قبل أن يتفحلا
وضمده شهداً ثم ثوماً وملحة ... وأبدل مكان الملح سمناً وعدلا
إذا ما إلى في النار واسقه فاتراً ... وخذ حنطة والسمن والشهد مجملا
وتغلى بمحض البقر واسق حساءه ... وإن كان جسم المرء بالسم بسلا
وإن كان ذا جر فبالليم داوه ... وتمر وصبار ثم للبطن بللا
بخرقة كتان وإن كان بارداً ... دواءه كمكلوب فعد وتأملا
وفي صفة من خرق ديك وشاذر ... يدفأ بماء ثم يشرب للبلا
ولاغية أيضاً وثوم مقشر ... وأوراق تين خذه وزناً معدلا
.... (2) ضأن ثم شاذر فخذ ... من الوزن ربعاً ثم بالشهد فابكلا
وإن كان من لدغ الأفاعي فمحجم ... ووسم وكن للوسم في الشق مدخلا
وضمد بثوم ثم ملح وغسله ... بخل وليم ثم إن عقرباً فلا
تداوى بغير الخل والسدر أخضرا ... وبزر قطونا من رأيت تنثلا
وأسرعه لخلاصه الربط والشريط والمص ويخرج منه الدم الكثير بالمحاجم من المواضع المعضوضة وإن مصه من غير المحاجم فليجعل في فمه زيتاً ويبزق بالسم.
__________
(1) 1 – أي الأغنام
(2) 2 – كلمة غير واضحة بالأصل (1/344)
صفحة 345
والبصاق دواء للسمومات والحزاز إذا كدرهما وقت الصباح قبل أن يدخل في فمه شيئاً ويزيد في الألف من جعله في مأكول أو مشروب من غير علمه ويقتل الحية إن جعل في فمها وكذلك إن جعل في ظهر العقرب فإنه يقتلها وهو سم لها وبصاق الصائم والذي به جوع أبلغ فإنه سم قاتل لهما، وإن أخذ الغول ورضه وجعل في اللدغة فإنه دواء له، وكذلك إن ذبح دجاجة وجعلت على اللدغة ثم تذبح أخرى وتجعل مثلها فيعاد التكرار مراراً، وكذلك الجلد والفرث من الأغنام نافع، وقيل شعر الإنسان إذا بلّ بخل وجعل على اللدغة أبرأه، والذكر من الغيلان أشد من الأنثى وله نابان والأنثى لها أربعة أنياب، وعرق النارنج (الأترج) ينفع عن الأورام من عضة السموم، وعرق ذكر الفشاع وهي الشجرة التي تلتوي على الغاف والسمر يطعم منها الملدوغ من الحيات والأفاعي وزن درهم وللديغ العقرب وزن دانق وإن أكل منها الانسان وزن درهم لم تضره الحية ولا العقرب، وهذه الصفة تدفع ضر سم الأفاعي والغيلان والحيات وإن تداوى بها بعد اللدغ نفعه وحيا أي في سرعة وهو أن يؤخذ من شجرة المخيسا ورقاً وعيداناً وهي الشجرة التي تحشي (1) في الأموال وورقها وصورتها وعودها مثل الجزر وهي عريضة الورق مثله لا فرق بينهما إلا أنها أغبر من ورق الجزر ويؤحذ الحنضل ورقاً وعيداناً من التي تثمر أكثر من واحدة وهي الأنثى وأما التي تثمر واحدة فهي سم قاتلة فاحذرها ويجفف في الشمس ويؤخذ من شجرة خايسة ويسمونها خرخاش العبيد تثمر قروناً طوالاً لها ورق كثير وكل ورقة تنقسم أوراقاً كثيرة وترتفع عن الأرض دون القامة ويجفف منها ورقاً وعيداناً في الشمس يدق كل شجرة من هذه الشجرات على حدة ويجمع الجميع بعد الدق بالميزان جزء من الحنظل وجزء من المخيسة وجزء من الخشخاش ويدق الجميع حتى يختلط فإذا أصطاب الانسان يفصد بين الأصبع الأبهيم والشاهد (2) من جانب
__________
(1) 1 – تحشي أي تنمو على وجه الأرض كشجرة البطيخ
(2) 2 – أي الإبهام والسبابة (1/345)
صفحة 346
العرش بقدر ما يدمي من رجليه ويديه ووضع فيه منه قليلاً قليلاً ويشرب منه مثقال فيه ماء ويشربه ينفعه سنيناً لم يضره نهشهن وإن شرب منه بعد اللدغ ووضع قليلاً منه في اللدغة برئ في الحال أخبرني بهذا الشيخ ناصر وكتبته عنه.
وأما لدغة العقرب فعرق اللومي يساك منه نافع والملح إذا دق وجعل فيه ماء قليلاً وجعل على لدغة العقرب نفعهاوكذلك الخل الساخن إذا جعل عليه ورق السدر المدقوق نافع.
وأما الزنبور فيدلك على اللدغة الذباب فإنه يبرئ وإن جعل على اللدغة خل وملح نفعه.
وأما أخبار السيول التي أذهبت الأموال والبيوت فقد حملت على البيوت والأموال من وادي بني غافر ووادي بني هني والحوقين وجانب الرستاق وجمة وبلد الأبيض وفلج بني خزير وغير ذلك من البلدان قد حل بها غضب وكثير بما وقع في عمان من التدمير والضرب والبلاء والطاعون مراراً إليها فذهبت الناس إلا قليل منهم من بقى ولا عليها بقاء.
وأما معرفة منازل الأغنياء والفقراء فالفرق بينهم كمثل الجنة والنار وفي الدنيا جميع الأعمال لا تصح إلا بالمال وكل الفقراء محتاجون يتكففون على أصحاب الأموال وهذا لا يحصيه الكتاب.
وصفة ابناء السبيل فكل من خرج من بيته إلى السفر فهو من أبناء السبيل.
وأما ما ذكرت عن السيوف القاطعة في القلوب الحاضرة فمثل المحذور قاطع الأسد نصفين بسيفه، وسالم بن مسعود ضرب رجلاً بسيفه فالتقاها بتفقه فقطع خشبته وحديدته، وراشد بن مالك ضرب بسيفه حماراً فجزفه نصفين، ورجل من الدروع قطع بسيفه رأس الحصان، والحجري الذي شهدت له الفرسان فصوّل (1) وقتل الراكب في الحصان، والخادم ظفير أقبلت إليه ضبعاً لتأكله فضربها بسيفه، وابن مطر الدرعي أعطى يده فم الضبع وقتلها بيده الأخرى بخنجر له.
__________
(1) 1 – أي صال (1/346)
صفحة 347
والذين انتصروا بغير سلاح فعشرة رجال من الشجعان أخذوهم سبعين رجلاً فستة رجعوا إلى دارهم وأخبروا بما وقع عليهم وأربعة منهم جاءوا إلى شيء من البلدان في الليل وهم عراة فأكلوا رطباً من نخيلها واستدانوا لأهلها وشربوا من مائها وتطهروا وتوضئوا وصلوا جماعة جلوساً والذي أمهم في أوساطهم لا متقدم عليهم ثم أخذوا من كربها وفتلوا حبالاً من عسقها (1) فعقد كل واحد منهم حزمة من الكرب وحملوها للحرب فمشوا إلى أعدائهم بالليل المظلم فسحبوها بقعقعة في حوال القوم وحملوا عليهم بالطعن والضرب وضربهم للقوم من الأسلحة التي معهم فصح فيهم القتل وأخذوا ما عندهم ورجعوا إلى دارهم مسرورين ورجعوا إلى أصحابهم الستة ما أخذ عليهم وما أصابهم شيئاً إلا الشوك في أرجلهم فلا قدروا عليها بالملاقيط (2) وصنعوا البصل المغلي بالسليط في ارجلهم فأخرج السلاء وبرءوا من ذلك وبعض منهم أخذ حب الحنضل وأحرقه وسحقه بخل وطلى بها الشوكة فأخرجها وبعض منهم أخذ ضفدعاً وسلخها ورمى برأسها ويديها ثم جعلها على الشوكة فنفعه والله الشافي.
وأما البداة فقدوا من أصحابهم أربعين رجلاً وعشرين رجلاً جرحى وعزموا الباقون ليقودوا نفوسهم إلى القبيلة الهاجمة عليهم فجاءوا معهم ودخلوا بأمان ولكنهم أخذوا منهم عهداً وشروطاً لا يسلكون إلى طرقهم إلا بمشورة منهم.
... وحكي عن سعيد بن حميد الهطالي طالعوه البداة في طريق بهلا وقد جعل سيحة (3) في رقبته فيها مما شراه من السوق ولا عليه سلاح فأرادوا نهبه فعفر على وجوههم وبوشهم الحصى فولوا عنه مدبرين مخذولين.
__________
(1) 2 – أي عراجين النخل
(2) 1 – في الأصل : المراقيط
(3) 2 – فراش يصنع من شعر الغنم (1/347)
صفحة 348
وهذا شاكل الرجل المشهور مع أصحابه فكلما بدت لأصحابه حاجة من بلد دبروه ليأتيها فإذا طالعه أحد لا قدر عليه، وعلموا أصحابه بقوم نزلوا على الطريق الجايز في السبيل وفي أيديهم الخيل والبوش فقالوا لصاحبهم ليأتي لهم شيئاً فعلم أنها مكيدة له وأنه لايطيق إلى القتال ولا للفرار فأخذ سماً وجعل فيه سمناً وتمراً وعصد بعضه بعضاً ثم صنعه بنادق وجعله تغاليفاً خفافاً فمشى قاصداً الدار فطالعوه البداة وأخذوه أسيراً وما عنده أكلوه فولى عنهم إلى داره وعلموا أصحابه بما وقع عليه فاستهزؤا به فصبر حتى وصلتهم الأعلام عن البداة بما وقع عليهم من الموت سبعين رجلاً فعرفوا أن هذه حيلة صنعها صاحبهم.
فقلت له: قد طال الوقوف وكثر الكلام، أصحبني إلى المقام حتى تأكل الطعام، لتقوى أجسمامنا على الفرض والركوع والسجود والقيام، وفي هذه الأيام ليس معي أدام، ولكني أنا ليس من الإعدام ، فعندي لك التمر والجزر المتبر من مال الأرحام، لا من مال النساء والأيتام، ولا عملوه بالاستسخار الخدام.
ذكر سيرة الشيخ محسن في شق ساقية الرس( الخصب) ودفاعه عنه (1/348)
صفحة 349
فأجابني وقال: يا ذا الغبراء بلدك فيها الظلمة واللئام، والغالب فيها الحرام، وسكانها يؤذون الغريب بما لا يرام من النبز والإلماز ، فكيف أدخل بلداً بها الفراعنة والأسقام، وسرت عنها الأخبار والأعلام، وتبدلت عنها سيرة الإسلام، وقد كانوا أمراؤها كراما، وفقهاؤها أحلاما، ونساؤها مسترات مخدرات في الخيام، والساعة افترشوهن بنو ساسان والخدام، وصاح بهذا المنادي في الليالي والأيام، وسمعت شيئاً من الكلام، بمقامات الأكابر يعمل فيها الفحشاء واللهو والتتن والخمر شربوه النساء والرجال بالازدحام، ومما قلته لك لا فيه زور ومشت به الركبان في دار الكفار والإسلام، ومن نصحي إليك يا ذا الغبراء إن كنت من الأخوان المستعان بهم لحوادث الزمان فارحل من دارك إلى دار ترى بها الأمن والأمان، فتلقى من ساكنيها الإحسان، وقد سمعت أن أهل بلدك يفيحون لك بالجنان ، ويدعون بالموت عليك في طول الزمان ، وفيما مضى سلمت منهم ومن كيد كل فتان، وأسأل الله السلامة لي ولك ولكافة الأعوان، وبعد هذا أعظم مما ارتكبوه أمراء عمان وخاصة الشيخ محسن بن زهران، قد وصلت الأخبار في الأوطان، بإطالة يده على أصحابه كالسلطان، واستخلف بسيرة بني النبهان، من الجبر والظلم والطغيان، ونادى مناديه لكل إنسان، أن يشق الأرض بكل بستان، وأمرهم بقطع عروق النخيل وأشجار الرمان، ومنع الفقراء الخدمة والسعي في الرزق للولدان، ولا قدروا على مشافهته باللسان، وأهل الأموال كنوا في قلوبهم عداوة له عن الامتحان، وبالله المستعان، ونسأله المغفرة والرضوان. (1/349)
صفحة 350
قال ذو الغبراء: اسودّت عليّ الدنيا من هذه الأخبار، وسالت دموعي بالنهار كبكائي بالأسحار، وسميت نفسي بالفقر حتى تركت الافتخار، وقلت أعوذ بالله من الساعي بخبر الأشرار، ومن قول الفسقة الفجار، فأين الذين يسبحون بالليل والنهار، أما سمعت عن إمام الأبرار، وشفيع الأمة مع الجبار، قد أنشأه الله مع عبّادة الأصنام والكفار، وكذلك أصحابه المهاجرون والأنصار، في أمصارهم منافقون والمؤلفة قلوبهم بالدرهم والدينار، وما عاينت العلماء والعباد والأبرار، مساكنهم في الصحاري أم في الديار التي أقام بها الجبار، وآزره الأشرار الذين لا يتقون النار والعار وما سمعت في حق الجار فقال جاور الجار بالحسنى ولو جار، وأما الأرض فحكمها طاهر إلا إذا عارضتها النجاسة والأقذار، وجميع ما في أيدي الناس حلال إلا ما شهد به العدلان الأخيار، والحكم في الإرث والماء والبيع والشراء واحد للأبرار والأشرار لا يؤخذون على الاثم والأوزا، والواجب على الانسان أن يتخلق بالأخلاق الحسنة للحاضر والبادي لا يخص به أهل الديار عن أهل الفيافي والقفار، وأما العاصون لله فأمرهم للواحد القهار، وهم أئمة أهل الضلال لا أهل الأبصار، وأعد الله لهم النار فبئس الدار، وبئس المثوى وبئس القرار، وأما إقامة الحدود عليهم فمع وجود الأئمة المالكين للأمصار إن كانوا من اليمن انتموا أو من النزار، وأما نحن في زماننا لا نقدر على إنكار المنكر إلا بالسر لا بالإجهار، وهذا من أقل الانكار، وأما الظلمة والأشرار فهم ذخر لنا لمصادمة الأعداء الذين ارادوا إهلاك النفوس وتخريب الأموال والعمار، وأما ما ذكرت من العلل فقد عم في الآفاق من البر والبحار، وقد أنزلها رحمة ونقمة ربنا الغفار، وقد سبق على الأمم التي خلت قبلنا في الأمصار، وأما ذهاب الأمراء وملكهم فكل له حد في الانتصار فهل رأيت شيئاً ثابتاً باستقرار، فانظر إلى الفلك الدوار، إن كان لك عبرة وفكرة كأهل الأبصار، وذكرت الخمر (1/350)
صفحة 351
والتتن والمزمار، فنحن أنكرناه ولا تحمل علينا تلك الاوزار، وأشرت إليّ للانتقال من هذه الدار فداري عزيزة عن كل الديار، وأما دعوة الناس عليّ بالموت ففي قلوبهم غير ما فاهوا به من الاظهار ، فانظر إلى الوالدة تدعو على ولدها بالعلة والموت والافتقار ، وإن سمت وطاب تمنت له ما في الأرض من الملك والأشعار، وجميع ما كان من أعمال الأحجار والأشجار، وهؤلاء مرادهم وقوفي عن المسالك والاختبار، ولا في قلوبهم عدواة ثابتة التي لا يرجى لها إزالة ولا انحدار، وصفة العداوة الثابتة لا تنجلي من صاحبها إلا بذهاب الأعمار، وما لها حد إلا أن يقول ربنا سبحانه وتعالى (لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ) (1) ، وذكرت لي في الأمراء وخاصة الشيخ محسن بن زهران، فالأحسن وصولك عنده حتى يبين لك البيان وينكشف لك البرهان وتشهد بالإحسان، لك ولكل إنسان، وتعرف أمره ونهيه وإكرام ضيفه بالمشاهدة والعيان، وذمك له مدح بذكر السادة بني نبهان، فلا زال ملكهم دائماً إلا من طلب النساء الحسان للزناء فهذا من الفسق والبهتان، ثم اقتفى بهم صاحب البرق سيف بن سلطان، ومن كان معه من الأعوان، أعجبتهم متابعة الشيطان، وأنا لا أرى في الأمراء مثله أحداً في هذا الزمان، ولكن في عصره وأيامه البلاء والامتحان، فأطال الله يداه، وعلمه بهداه، من مطالعته وحفظه للآثار، وسأخبرك بفعله وإحسانه مما صنعه من الصلاح في بلده لأصحابه لما رأى الضرر على الأموال والسبل وذهبت عليهم المنافع والغلل من كثرة الماء الجاري الذي نزل فأذهب تمرها واشجارها وأبّها فلا قدر عليه بحيلة إلا أن يجبر سكان البلد لخدمته في أموال الناس فمنهم راضياً ومنهم كارها، فنظرنا رأيه للحق موافقا لأنه يجوز جبر الناس على الحريق والغريق وعلى الذين يقتلون الناس من أهل دارهم في الطريق، وكل ما كان من ذهاب الأموال والأنفس ولا يقدرون عليه إلا بإجماع الجميع فجائز
__________
(1) 1 – غافر : 16 (1/351)
صفحة 352
جبرهم لسلامة المسلمين وقال رسول الله صلى الله عليه وسلّم : (لا ضرر ولا ضرار في الاسلام )، انظر إلى رأي المسلمين رفقوا المباح لأجل الصلاح عن قطع الاشجار ورعي الاغنام والبوش والحمير والذي صنعه الشيخ من نظر الصلاح لأهل البلد لما ينتفعون به من غللهم وطعامهم لدوابهم فقيرهم وغنيهم جعلوه مباحاً لهم، وإن قال قائل ليس هذا سالف علينا قلنا له فالواجب على كل مسلم أن يجتهد في زمانه لصلاح أصحابه فيما يقدر عليه وكثر من الناس من يحي ماله بماله كان في البر أو في البحر، وكل من نزلت به المصائب وأحاطت به النوائب فلا يد له من الخلاص انظر إلى الانسان يأمر حجاماً يخرج دمه ويأمر وساماً يشوي له جنبه ثم يعطيه أجرة لطلبه الشفاء، ويجوز الجبر لتطليع الفلج المدكوم وحفر الخنادق للبلد وقطع الطريق عن مسالك الخصيم، وكل من استغاث بالمسلمين في ليل أو نهار في بيوت أو سيوح فلا عذر للقادر حتى يجتهد إلى تفليته فإن كان المستغيث في بيت وفيه أقفال على الأبواب المركبة فيجوز كسرها وحرقها وكذلك إن دخل بيوت الناس الظلمة فيدخل عليهم إن لم يقدر عليهم إذا جاءوا فليجتهد والمسلمون بما قدروا عليه من التدمير في البيوت، وكذلك يجوز أن تسد الأودية عن ذهاب الحلة إذا لم يكن على أحد من المسلمين ضرر في ذلك، وكذلك جائز الجبر لدفن الأموات لأنهم عورة للأحياء في الحياة والممات إن لم تكن بهم علل مؤذية، وكذلك جائز جبرهم لقتل الدواب المؤذية للخلق إن هجمت على مساكنهم وبلدانهم لأن المسلم لازم عليه أن يعين أخيه المسلم وجاء في التقية أن يجبر الناس على التسليم إذا نزل بها العدو ورأو الهلاك منه وكذلك إن ركبوا الناس في السفينة وضاع (1) منها شيئاً جاز أن يجبر صاحبها على إصلاحها وكذلك البيت المشترك يجبرون على صلاحه أو بيعه وكذلك البيوت إذا تهدمت فوق الناس فلا بد من طلوعهم عسى أن يكون لأحدهم حياة وكل ما شاكل هذه
__________
(1) 1 – ضاع هنا بمعى فسد وأصابه العطب (1/352)
صفحة 353
الأمور فلا يتركها تارك والواجب على الغني يوسع على الفقير إن كان عليه حق من الزكاة أو الكفارات وإلا فمن الصدقات لأنه لازم عليهم إطعام الجائع والكسوة للعراة فتدبر بما أخبرتك به وقس بعقلك وخذ بما يوافق الحق وأعرض عن الباطل.
فانظر في هذا الأمر ومعي لك شهادات مما قلته فهاك البيان فالأول من قول الشيخ ناصر بن أبي نبهان: (1/353)
صفحة 354
بسم الله الرحمن الرحيم إلى المشايخ المحبين الكرام أهل النجدة والحمية والكرة القسورية الشيخ محسن بن زهران والمشايخ رجال الميايحة وبني غافر السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد بلغني أنكم كنتم في بلد صنما في ليلة أنا بت في المشايق قاصد أصلح بينهم ونسير إلى صنما ولما وصلوا معي مشايخ أهل صنما أخبروني بكم ولومتهم كثيراً حيث لم يصلوا إليّ لأوصل معكم في الليل وتحسرنا كثيراً وعرفتكم بخط أني واقف أحرصكم (1) في بلد السويق أعرف بما معكم أما موتوا غماً وذماً ولما شمروا عن ساق وأحيوا حياة ذكرها الله ملك الخلاق في كتابه العزيز فقال عز من قائل (وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ) (2) دل على أن من تقاعد على القصاص في ماله أنه من الأموات فإن وجدتم من السيد ما تريدون فهو المطلوب وأخاف أن يكون كالذي يتخطف الكيس فغمض عينه عنه، فالدنيا دعته إليها ليقيم بها عدل الله فرمحها برجله وولى بوجهه عنها و فوت نعمة آتاها إليه مولاه الذي خلقه فسواه إذا تقاعد عنها لأن كل أناس يدعونه إليهم بالنصرة حتى أن أهل الرستاق وجدناهم قد دبروا أناساً أنه يصل معنا ونعطيه عهد الله أنا نقبضه السيد طالب قبض اليدين وقالوا لا نسير مع السيد حمود بقول له بهذا لأننا ما عرفنا قوة الهمة ولعمري إن العلماء شرطوا أن يكون الإمام أكثر الناس همة ومن لم يجدوه صاحب همة ولو عدلاً ليعزلوه كما عقدوا الإمامة للحكم بن المعلا وهو بحري وما أنكروا عليه إلا قلة همته فعزلوه وأي خير في صفات يستحق بها الإمام العزل في حكم الله وحكم رسوله وحكم المسلمين ولعمري ليس الزهد والورع ترك سفك دماء أهل البغي والظلم إذا استحقوا ذلك ما ينصب المسلمون إلا لإقامة العدل ونفي الباطل بالسيف وسفك الدماء بالاستحقاق وسفك قطرة من دم باغ ظالم مستحق خير من عبادة سبعين سنة بالنوافل لأن الجنة تحت ظلال السيوف واسنة القنا وكفى بأهل النخيلة
__________
(1) 2 – أي أنتظركم
(2) 3 – البقرة : 179 (1/354)
صفحة 355
والمرداس بن حدير خرجوا يقاتلون المشركين أم أهل البغي من المسلمين، وكذلك عمار بن ياسر رضي الله عنه، كذلك خروج المسلمين لقتال عائشة حين خرجت عليهم على غير الحق ثم تابت، وكذلك الحضرمي قبل أن يتشمر كانوا أناساً يتسمون بالزهد والورع من أهل حضرموت ويريد أن يقوم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ويوقفوه ويقولون له ليقع بينكم قتال وسفك دماء ولا أعظم من مناكرهم فبلغ محمد بن محبوب أمرهم فعرفه أنك قم بما أردته ودع عنك من يوهيك فأولئك هم المنافقون الكاذبون المخادعون الله أهل النفاق والطمع واعزلهم عن نفسك فما هم أهل الدين والورع ومن ناصبك بالحرب عند أمرك له ونهيك له عن ظلمه وبغيه ناصبه بالحرب وسيرته موجودة في الكتب ويوم الوالد دخل العقر قاصداً ليقاتل من يستحق القتل حتى يقتل أو يظفر بالمطلوب وما عرفنا هذه الوهانة من السيد وأهل التقاعد لعله كفاه عن مولاه ما بلغهم إياه بمشتغل به ولا له حاجة فيما سواه فإن بلغتم منه ما ترجوه ورجوه منه المسلمون فنريد الجواب والذي تمهل لأجله أن يصل من سفره أم لا حتى به يقطع الذين يرجونه قد انكشف أمره لأن اهل السفر من تلك المواضع كلهم وصلوا وبه ينكشف أمر السيد حمود أنه على أي وجه لين العذر قد انقطع الذي يعتذر به فلا نبقي له حال ولا وجه أما التشمير لله تعالى وأما أنه كفاه ما تمنى وليس له لله بعد ذلك إرادة وينظر ما يبتلى به إذا لم يقم به لربه وعلامة ما كان لله أن لا يتقاعد ولا يستمع قول أهل التقاعد أولئك سماهم الله بأنهم(رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ وَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ) (1) وإن لم تجدوا منه المطلوب هلموا إلينا نتم ما تواعدنا به إذا كان السيد ما معنا فمن وادينا أقوى لنا ولكم غذ ليس بيننا وإياهم بلدان نجاوزها ونتركها خلفنا أعداء ولا يقدر عليكم فيه سلطان ولا شيطان واتركوا الذي لا يمكن تقويمه فإذا لم يكن للمرء من نفسه همة لا
__________
(1) 1 – التوبة : 87 (1/355)
صفحة 356
ينفعه تقويم غيره من لم يتبع إلا رأيه وما يصور له عقله فلا تمكن إصابته في كل شيء قال الله تعالى في أعظم الناس عقلاً (وَشَاوِرْهُمْ فِي الأمْرِ) (1) وقال في وصف امرأة (مَا كُنْتُ قَاطِعَةً أَمْرًا حَتَّى تَشْهَدُونِ) (2) وقال في رجل ظالم عنيد فرعون لعنه الله (فَمَاذَا تَأْمُرُونَ) (3) فلا نعلم أحداً من الملوك لا يناظر ولا يعمل إلا برأيه وما تصور له نفسه وقال لقمان ومن لم يشاور ندم ومن لم يجرب الأمور خدع وإذا شئتم تعرضوا هذا الخط للسيد حمود فالنفس طيبة وإن أحب اتباع من يشور عليه بالوهانة كالذي قربه قربه كثيراً فهو اسهل له نحن قد بلغتنا أمور الذي قربه وما عاهد به أنه ما دمت أنا معه لا يريد عليكم حرب شيء ونريد الجواب بما معكم أنفسكم وواقف أحرصكم ومخجل كثيراً بالوقوف الله الله بالجواب وسرعته، ومن محبكم ناصر بن جاعد بيده، ونقلته من خط يده.
وهذا مما قاله الشيخ علي بن ناصر بن محمد التنوفي في تمام الشهادة لكلامنا شعرا:
كتابك وافى محسن الفضل والحسنا ... يفوق نظام الدر منظومه الأسنى
وطاب أريجاً فاق مسكاً وعنبراً ... بأقصى بلاد جاءنا فيه والأدنى
وذلك أدنى ما نرجيه منك في ... زمان ولولا أنت كان هو الأشنى
وكان رضائي في الذي أنت ذاكر ... رضاك وحسبي رأيك الصالح الأغنى
فدم شيخنا في دولة مستقيمة ... معوذة من صولة الزمن الأخنى
ولا زلت للعهد القديم مجدداً ... خليفتنا عن سالف الدهر للأحنى
... وله أيضاً يمدحه من بحر الوافر:
على طلل عفي أسنى السلام ... وإن أظما فؤادي بالسلامي
بلاه واكف الأنوا بلائي ... بحبي والنوى شر السقام
وصرنا شبه طرس رقم عاد ... بلاه الدهر عاماً بعد عام
بما نيران وجدي أضرمتها ... نسيم تذكري طول الدوام
وما رعد الأنين علي بصوت ... وسح سحاب أجفاني الدوام
بمالي فيك من عهد وود ... جديد في أصيحاب قدام
بدروهم تقاربها شموس ... يفرق نورها شمل الظلام
__________
(1) 1 – آل عمران : 159
(2) 2 – النمل : 32
(3) 3 – الأعراف : 110 ، الشعراء : 35 (1/356)
صفحة 357
وغلان تغازلها ليوث ... على غابات آساد النخام
وأعين عينهم أضحت تباري ... سهام ليوثهم عند المرام
فكم خصم لديم أو مشوق ... قتيل بالحسام وبالخذام
وإن تلقى سليماً من ضياء ... بضة ضيائهم أردى السهام
محبهم وخصمهم كلاهم ... يذوقوا بينهم جرع الحمام
لهم نوب تنوب عن الليالي ... منابك محسن سلف الكدام
ولولاك الخليقة ما سعدنا ... وعشنا في قصور عن مرام
وحل بقومك البلوى وحال ... يفرق شملهم بعد التئام
فكنت نظام شملهم جميعاً ... وحامله وواسطة النظام
وما سلف بنا أسف عليه ... وأنت خليف الشم العظام
لك الحلم الذي لو رام رضوى ... يقوم به لا عجز بالقيام
لنا ولقومك البشرى بسعد ... بطلعتك الشريفة في الأنام
ودم في طاعة المولى بأمر ... ونهي قاهر عالٍ وسام
فعش في نعمة وصفاء عيش ... وعز لا يؤول إلى انصرام
وهاك نظام بحر وافر ... أغوص لدره والبحر طام
وله أيضاً:
يا محسن الفعل في نفسي كوالده ... ورافده من طريف وتالده
فهاك درية الألفاظ طاهرة ... الاغراض من صائغ أغلى قلائده
فاقبل إليها وقبلها فقبلك ما ... زفت لغيرك حسناً مع خرائده
وله أيضاً:
يا محسن الحسنى ومن حسناته ... صليت بها حسّادنا وعداته
وهو العفو إذا توعد من ... وينال فيه هباته وعداته
أمت إليك ركائبي بمطالبي ... يا من لغايات الثنا طلباته
وانظر إليها نظرة حائية ... ينجاب من حطي بها ظلماته
وعليك ما عشت السلام مجدداً ... نفحاته تأتي بها لمحاته
وله أيضاً يمدح أخيه محمد بن زهران من بحر الخفيف شعراً :
سل بالسلم سيوف العيون ... ورمى قوسه بنبل الجفون
فبرى مهجتي وأدمى فؤادي ... فأنا كالسقيم والمجنون
كل يوم أدعو فكاكاً غزالاً ... اللحظ والجيد بالوصال الثمين
وأنادي شمسية الوجه ليلاً ... الشعر صعد أقد بلين الغصون
هل لكم رحمة بها تتلافوا ... خير خل من العذاب المهين
فهو ما بالإياس ميت ولا ... حي يرجو الوصال من بعد بين
فأحيت والإياس أحيوا رجاه ... ما حيا للنوال بدر الجبين
معدن الفضل والفضائل بيت ... المجد والجود سلوة المحزون
صفوتي في الورى محمد خير ... خيرتي ذخري معيني معيني (1/357)
صفحة 358
باعث من مكارم الخلق والإ ... حسان والجود كل ميت دفين
فاق خلقاً وراق خلقاً وضاق ... الكتب حقاً لمدحه تضمين
فابق في مفخر علي بوجود ... المحسن الأحسن الكفيل الضمين
هو شمس لكم وأنتم بدور ... ونجوم على سماء هتون
ولنا من سعودكم برج سعد ... فهو يرمي حسادنا كل حين
وجناب يفل بالناب إن نا ... بت بنا نائبات دهر خؤون
لاعدمناكم ولا عدمتكم ... ذروات الإحسان والتمكين
هذه غادة لكم فطرتها ... فكرة الود من محب أمين
فاقت الغانيات حسناً وطيباً ... ولباساً وخير طبع ودين
زينتها قريحة بخلاخيل ... ثناكم وكل عقد ثمين
حملتها نوق الرجاء إليكم ... وبكم لا يضيع دهري ظنون
وله أيضاً يمدح خاله الشيخ سيف بن حمد:
عليك سلامي يا سمي المهند ... فتى حمد البر الصفي الممجد
يفوق شذاء المسك نشر عبيره ... وأضواءه تعلو أضياء كل فرقد
وأسماطه تزري نظام حروفها ... قلائد در من لجين وعسجد
يدوم مد الأيام ما لاح بارق ... بمزن سحاب هامل القطب مرعد
من الصادق البر الصديق ومن به ... لكم من شراب الود عذب مورد
ومن كم أتى يهوى لقاك حماكم ... وأبعده الجد المعيث بسؤدد
إذا زرت أرضاً قيل عنها ترحلت ... ركبابك حتى صرت في قلب موجد
فياليت شعري أي يوم به اللقا ... فيشفى عليلاً من لظى قلب مكمد
فيفرح مشتاق ويأنس موحش ... وبسعد منحوس بطالع مسعد
وها أنا بالحمراء صرت منجماً ... بذروة مجد في علاء ممجد
ففي كل يوم ثوب فخر مطرز ... بكف الكريم المحسن الباسط اليد
فحمداً لمن اعلى ذراه وساقني ... إليه وشكراً بعد شكر مخلد
وصلى إله العرش ما سار جلعد ... على المصطفى بالزائر إثر جلعد
وله أيضاً مرقومات بالخط:
فتى حمد يا ذا الوفاء المطهر ... ويا خير خل للأماجد أفخر
فهاك من البحر الطويل قلائد ... منظمة من خير در وجوهر
تضيئ دراريها بأفق سمائها ... ضياء الدراري بالسماء المنور
وله أيضاً:
حمد ابن صالح صالح الأحوال ... فشموس شخصك آذنت بزوال
أما زوال الشكر بالذكر الذي ... يفنى فذلك من أشد محال
كم مزنة هطلت بمنة جنة ... من راحتيك بجنة لنوال (1/358)
صفحة 359
ولكم لأرباب القرى نار القرى ... لاحت وأرباب السرى بليال
يا وحشة البلد التي فارقتها ... من بعد أنستها جميل الخال
لو لم ير خلفاك نجماً ثاقباً ... وشهاب رجم وهو شمس حلال
سيف الجواد ومحسن الحسنى ومن ... حسنت لديه مراتب الأفضال
ومن الذي بنواله نال الثرا ... راجيه واستغنى عن الأموال
وبنى بكف علائه بيتاً سما ... شرفاً لأهل العلم والأعمال
هذا هو الشرف الذي يدعى به ... بين الأنام هو الشريف العال
وهذا مما قاله الناظم حميد بن محمد بن رزيق:
أيا محسن كالاسم إنك محسن ... ومدحك من تفخيمه المدح أحسن
لك الشرف المحض الذي قد ترى الدجى ... به وهو باه باهر النور أعين
وفي كل ثغر مجملاً ومفصلاً ... مديحك تتلوه مع الشكر ألسن
وما قدر التبر الذي حل قدره ... ثميناً تراه والذي منه أثمن
تجود ور تنفك تثني على الذي ... تجود عليه وهو بالشكر معلن
أيا أسد لم يفر إلا بصارم ... به الليث في الجبان لا الغاب تسكن
لقد طال ما توج العدا يتهلل ... بملحمة آسادها تتلون
تكر بلا ثان على الألف في الوغى ... وشخصك آلاف لهم يتكون
وفي عينك الصعب الذي يفجع الورى ... بخطب يحيل الصبح كالجنح هين
سلالة زهران علوت بمحتد ... له في مكانات الكواكب موطن
رسيت بحلم دونه كل شاهق ... إذا ما به في كفة العقل يوزن
سرى في بلاد الله صيتك بالسنا ... وفي كل قلب كونه متمكن
فلا غرو أن يهدى لك المدح يوما ... يشف بإفرند وكفك معدن
وأما انا إذ أخرت عنك زيارتي ... سوى لمديح درة الحو تحزن
فجاء بحمد الله وهو كما ترى ... يسرك إيضاحاً وللخصم يحزن
وأحسب لو أني لغيرك رضته ... لألقى الرضا عن طاعتتي وهو محزن
ألا أنني لست امرىء بمنافق ... ولكنني خل بودك مذعن
ومدحك في ثغري يشف بجوهر ... به ظلت في أثمانه أتفنن
أنا الشاعر الدري لا شك دره ... وإنك أنت المشتري إذا يرهن
فخذ مدحتي فالحر ليس على أمر ... كريم إذا أهدى ثميناً يثمن
تمت ونسختها من خطه وتاريخ نظمها يوم 26 القعدة سنة 1252 من الهجرة.
الذكر التاسع عشر (1/359)
صفحة 360
فيه ذكر ما جرى على صاحب ذي الغبراء في زمانه وما نزل به من الحزن من مصيبات أولاده وقد ذكروها الأشياخ بالنظم.
قال ذو الغبراء: سألت أحد من الإخوان لأستعين به في حوادث الزمان قلت له فهل وجدت لي أحد في البلدان؟، قال: رأيت لك أخاً مما يسر القلب لكنه فض غليظ القلب وفي نفسي بما فيه من القساوة من كثرة جلوسه في الحجارة وفي الظلل الباردة من الجبال المرتفعة وتحت الأشجار المقفرة وشربه من المياه الراكدة ومأكله من الأطعمة المحرقة التي بخوراتها في الرأس صاعدة ولكنه رأيته في دينه محترم وعن أهل زمانه ملتزم، وإن سألته عن شيء من الأسباب فيأتيك بقصة مما توافق السنة والكتاب، وبالشهادة من لها من أولي الألباب، وهي تراها موافقة للحق والصواب، لا شك فيها للمرتاب، وإني شاهدته في حزنه على الأولاد الذين لا عليهم حساب ولا عقاب، ويقفون إبراهيم ابن الرسول في دخوله الجنة من الأبواب، ويتنعمون من اللذات والشراب، وينكحون القاصرات الطرف الأتراب، فاستحقوها من سكرة الموت وشدة الألم والعذاب، لا بتوحيد رب الأرباب، وإنما ثبت لهم الإيمان من آبائهم أو من آدم عليه السلام، لأنهم لا ينطقون إلا بالأنين وذكرهم الأم والأب، وإن أردت الوصول معه فسأله عن العلة والأسباب.
قال ذو الغبراء: قصدت إليه وسلمت عليه ونظرت كتابه بين يديه وهو قاعد في الكهوف والأحجار بقرب الماء الجاري والأشجار، فحين سمع الكلام نهض إلى القيام، ورد الجواب بالتحية والإكرام، وقال مرحباً بالقرين في الإسلام والخل في الأحلام وقال كما قال الشاعر:
إن القرين مناسب لقرينه فاختر لنفسك أحسن القرناء
وقال يعرف الأخ في الشدائد كما قال الشاعر:
أخوك الذي إن سرك الدهر سره وإن أساء فهو عليك حزين
وقال غيره:
وإذا صفا لك من زمانك واحد نعم الزمان ونعم ذاك الواحد
وقال غيره:
وما أكثر الأخوان حين تعدهم ولكنهم في النائبات قليل (1/360)
صفحة 361
ثم قلت له مالي أراك حزيناً كئيباً كأنك آيس من رحمة الله قال فهل ييأس من رحمة الله إلا القوم الكافرون، ثم أجابني فقال: كيف أراك مستبشراً كأنك آمن من عذاب الله، قلت له: لا يأمن من عذاب الله إلا القوم الخاسرون، ولكن أخبرك أنا من أصحاب ذي الغبراء ولم نزل في الجوع والعرا وترجي قلوبنا الغنا وفي الاخرة رحمة ربنا، فرأيته دمعت عينيه وسالت على خديه وأعطاني من كسوته وعيشه وقال شعراً:
جدد ثيابك ما استطعت فإنها ... زين الثياب بها تعز وتكرم
ورثاث ثوبك لا يزيدك قربة ... عند الإله وأنت عبد مجرم
وبهاء ثوبك لا يضرك بعدما ... تخشى الإله وتتقي ما يحرم (1/361)
صفحة 362
ثم قال: وما هذا المعلاق الذي حملته على ظهرك ؟، قلت له: هذا معمول من اللبن جعلوه أهل الرفاهية لشواء اللحم في ليالي العيد فلما أخذوا منه اللحم أفلتوه في الخرابات، فقلت هذا مثل اللقطة التي لا يرجع إليها صاحبها فأخذته وجعلت فيه هذه القراطيس التي فيها تسلية القلب وأكلم بها العرب على قدر لغتهم في زمانهم لا على فصاحة السابقين من أسلافهم، قال: كيف اخترت لنفسك الوحدة وخرجت عن جماعتك في العزلة؟، فقلت له: أسلي نفسي وأجلو همي وكربتي في خلوتي وقد فقدت أحبائي وآبائي وأجدادي وإخوتي واولادي، فقال: اكشف لنا سرك فأكون معيناً لك في زمانك ونجعلها قصة في كتابك فأعطينا دليلاً وإن لك في النهار سبحاً طويلا، قلت: سل ما شئت، قال: هل أصابك ما أصاب المسلمين من أهل زمانك من الغرق والحرق وتنكيل الضرب والكسب والظلم واستحلال الأموال وسبي الذراري وسفك الدم ومن العلل والأمراض والجذام والغل والقيد والنكال والسرقة وعداوة الجار والأرحام وتسخير الأمراء؟، وهل عارضك معارض في الصلوات والزكوات والكفارات والصدقات والتبعات وفي الحج والعمرة وزريارة الشفيع؟، قلت له: لا عارضني معارض فيما ذكرته لي بل إني وجدت اللطف والإحسان وأخبرك بما رأيته في الزمان نظرت أبي وجدي وعم أبي وعماته وخالاته وأخواله وكلهم في يسر ومدوا إلي بالكسوة والنعم ودارهم لا عوج فيها ولا أمتا.
وأنا من بلد الحمراء التي قال في ذكرها الشيخ عامر بن سليمان الريامي المصعبي الإزكوي شعرا:
حبذا الحمراء من أرض كدم ... وحبها كنز الغنى بعد العدم
ما غاب عنها قاطن إلا ندم ... يسح بالخدين وجداً دمع بدم
يقول في بكائه بل القدم ... ليتني قبل خروجي في الردم
يا حسرة القلب ووجدان الندم ... لو قيل عنها هاك نزوى وأدم
والله لا أرضى أميراً بالخدم (1)
وله أيضاً:
طوبى لمن سكن الحمراء أو قام بها ... في عزة يدرج للأوقات إدراجا
__________
(1) 1 – يبدو أن شطر هذا البيت قد سقط (1/362)
صفحة 363
فالله سورها بالراسيات وفي ... حافاتها شيدوا للمجد أبراجا
فيها قصور بها الأنهار جارية ... وروضها استبهجت بالنخل ابهاجا
تهوي إليهم وفود ذاك ملتجئ ... وذاك للرفد أفراداً وأزواجا
يارب فاسبل عليها الغيث منسجماً ... دانٍ سماكي هطالاً وثجاجا
بها المصاليت من عبرا بنو حكم ... الله يهديهم للحق منهاجا
فهم غيوث لضيف حل ساحتهم ... كم أسرفوا في العطا من جاء محتاجا
وهم ليوث إذا ما الروع حل بهم ... أسيافهم سفحت صدراً وأوداجا
وفيهم العلم والمعروف حليتهم ... حتى غدوا قبساً للناس وهاجا
وقال الشيخ علي بن ناصر يمدح فيها مقاماً:
إنما مسجد الحديث مقام ... ليس يحذوه في البلاد مقام
فاحتوته الحمراء وزادت جمالاً ... وجلالاً شهدت به الأحلام
هو بيت لله أعلى علاه ... وبناه الغضنفر الضرغام
سالم السؤدد المسود سعد ... المستليذين والسطا والحسام
واقتفى في بنيانه صالح الأسـ ... ـلاف بل زاد فيه المرام
ارفق الدار مر فقال شتاء ... فيه يؤذي ور سموم تشام
طوقته يمين بانيه نهراً ... عن يمين مما استهل الغمام
وحباه حديقة ذات نخل ... عن شمال تحفه لا تذام
وكسته من سندس الروض برداً ... طيبته الأزهار والأكمام
سارعوا فيه إخوتي وأقيموا ... بذكر الإله فهو القيام
بايعوا الله فاني العمر فيه ... بنعيم الأخرى وفيه الدوام
واصبروا ثم صابروا فهي أيا ... م قلال يغتالهن انصرام
إن مر الصبر الأمر فحلو ... حيث من شر به يزول السقام (1/363)
صفحة 364
قال: ثم رآني تغير لوني وحالي، وقال: مالي أراك تزعم أنك من بلد الحمراء وهذه البلاد طبعها اليبس وهواؤها محترق ولحم ساكنيها ونطقهم لا بهم فتازة في أجسامهم لا بها رخاوة وليس في هذا مجتمع في جسمك ونطقك ولا تخفي علي أمرك وإني أرى بجسمك رهلة ونطقك فيه ثقلة ومشيك بالجفوة كأنك تنقلها في الصخر والجبال المرتفعة وعسى أن يكون لك خولة في بلد جوة، فأجبته على كلامه وسمعته فارس في نطقه قلت له: صحيح ما قلته وشاهدت في تلك البلد أمي وأبيها وجدها ونسله سلم الله ساكنيها من عمي العيون والجنون خصوصاً دون غيرها وهواؤها طيب وطبعها معتدل وقد دخل فيها رجل ذاهب بصره من الجدري وسكن فيها فارتد بصره مما يعرف الشمس والقمر والنجوم والدواب والشجر وخط بالقلم ببركة البلد وهي في جبل رضوى من البلدان المنيعة الرفيعة التي لم تصل إليها الفرقة المارقة ولا أهل الأمر والعداوة وقال فيها الشيخ العالم ناصر بن جاعد بن خميس الخروصي شعراً:
أحلى مقاماً للإقامة موضع ... ربع برضوى للنواظر مرتع
في عقبة المسفاة أحلى بلدة ... من تحتها كدم جنوب أوضع
صرح لمسجد عند نهر عنده ... أحلى مقام فيه نفس ترتع
من كان فيه قاعداً تزوي لنا ... طره جميع الأرض إذ هو أرفع
قم في نهارك في المقام وفي الدجى ... في الصرح لله بقلب يخشع
فكأنه من جنة الخلد أتى ... لا نبي معجزة هنالك موضع
ونعيمه يدعو الفتى تذكاره ... روم السلوك إلى الإله وتسرع
ونسيمه يدعو إلى حضراته ... المولى ليسلكها بنور أسطع
وتقول نفسي ابن أبي نبهان نا ... صر قم ترى الآيات فيه فتطمع
لله كل الحمد صلي يا إلـ ... ـهي على النبي والذي يتبع
وهذا مما قاله الشاهد الثاني على بن ناصر بن محمد شعراً :
سقى الله داراً لا يغيرها المحل ... وثمر رباها لم يزل يحل
تمتع بالطود الأشم قرارها ... وعن كل هون في بقاع العلا نقل
فروضاتها طلح النضيد يزينها ... مع الكرم والرمان خويها النخل
وأنهارها تجري خلال رياضها ... وأبياتها والوقت معتدل كل (1/364)
صفحة 365
بفصل الشتا لا يلقى ثلجاً بأرضها ... ولا حر منه يسخن الماء والظل
وأكرم بها الله بيتاً مشيداً ... بأعلى ذراها لا يقاس له مثل
إذا كنت فيه خلت فوق سحابة ... على روضة يدني نعائمها البذل
بنته يد خير البنا ثم عوضت ... سني.............................
وقال عامر بن سليمان:
سقى الله الشريجة كل يوم ... هتوناً ليس يعقبه انقطاع
لقد ضمنتها أفلاذ كبدي ... فلا ترجى لغيبته ارتجاع
سألت الله في الأخرى لقاه ... بجنات لنا فيها اجتماع
فيا أسفى على ولدي سعيد ... حملت أسىً وما لا يستطاع
وقال الشيخ عامر بن علي:
علوت علي بالعلا ليت أنني ... تكون لي المخدوم في دارك العلا
سعدت سعيد يا لها من سعادة ... وفوز بجنات النعيم منزلا
صبيان قد متا بربي أمنتما ... وصرت رقيباً للحاق مؤملا
وخفت فراقي عنهما حيث أنني ... تحملت أوزاراً فلا زلت مثقلا
ولكن رجائي من إلهي لقاكما ... بدار بها ألقى النبي المفضلا
عليه سلام الله ما فاه ناطق ... وسبح طير بالغصون وهللا
وقال زاهر بن مسعود العوفي:
سعيد لقد أسعدت كل سعادة ... بدنيا وأخرى في سعود ممجد
قد اشتاقك المولى لتقدم عنده ... ليسكنك الجنات أفضل مقعد
وتكون جوار المصطفى سيد الورى ... بجنة عدن في جوار محمد
وذلك دار ليس يفنى نعيمها ... فطوبى لشخص في الجنان مخلد
وقال الشيخ علي بن ناصر بن محمد:
أجفان عيني بالدموع هوامع ... إن لاح برق بالشريجة لامع
وإذا أضاء على العيون وميضه ... يعلو بأحشائي لهيب ساطع
لا مدمعي يرقى بمضطرم الحشا ... كلا ولا تطفي الضرام مدامعي
سقياً لربعها وممرع روضها ... بمواطر من رحمة بتتابع
وسقى الحيا ماء الحياة بأرضها ... قبراً به أفلاذ كبدي واقع
حتى يمج ثراه سيل مدامعي ... والغاديات وما لذلك مانع
أكرم به قبراً تضمن لحده ... خلقاً وأخلاقاً وربي صانع
فيه سعيد الخير أسعد صبيتي ... وأبرهم وهو العصي الطائع
ألف المكارم والمحامد كلها ... طفلاً وكان هو المضر النافع
ما رمت إدراك الثنا إلا انثنى ... طرفي وكان هو الذليل الضالع
ما خفت شر ملمة وشديدة ... إلا وكان هو الجلي الشافع (1/365)
صفحة 366
هو صفوتي لا صفو عيش بعده ... هو سلوتي مما به أنا جارع
كنا كمثل الفرقدين لنا على ... وجه البلاد مشارق ومطالع
أو مثل غصني بانة فاجتثها ... للموت ريح عاصف وزعازع
تفديه لو يغني الفداء نفوسنا ... وبما احتوته راحة وأصابع
لهفي عليك سعيد غيبك الثرى ... عن مقلتي واستخطفتك بلاقع
سافرت من دار البلا دار البقا ... لا راجع منها إليها ناجع
وخرجت من شرك المهالك والشقى ... ما نابك الخطر العظيم الشانع
ويهون قلبي مصابك حيث لا ... خوفك عليك ولا يروعك رائع
بشراك فزت بجنة وبما اشتهت ... نفس ولذة أعين ومسامع
يا ليت شعري في لقائك هل يكن ... في يوم ربك للخلائق جامع
والله أسأله لقاك لأنه ... أهل الإجابة وهو معط مانع
وصلاة ربي والسلام على الذي ... شرعت به للعالمين شرائع
أهل الرسالة والنبوة والتقى ... والزهد لا تحصى ثناه بدائع
وكفاه مدحاً ما أتى من ربه ... بكتابه وله المديح الشائع
وصفاته الحسنى يفوق ضياؤها ... شمس الضحى لو لم يذعها ذائع
طوبى لعين من ضياء جبينه ... كحلت وفي قلبي لذاك مطامع
يا رب لا تحرم عيوني نظرة ... من وجهه فلك العطاء الواسع
وارزقني الدارين وجه جماله ... وبه الشفاعة إن تعذر شافع
وعلى صحابته الصلاة ومن له ... ولهم إلى يوم القيامة تابع
ورأيت رؤيا كأن معي في حجري ولد مغبر رأسه في فخذي اليمين و يقول لي لك السرور من قبلي هذه الرؤيا ليلة تاسع من شهر صفر وفي ليلة الثانية رأيته كأنه على طريق الربع مع رجل يسمى سليمان بن ناصر وجاء عندي وأعطيته من شخاخيل الأنبا (1) وقال لي سليمان بن ناصر: ولدك أكل من عندنا أنبا فتفسير هذه الرؤيا تزوجت ابنة سليمان وأتت لي بولد ذكر وسميته إبراهيم ولعل فخذ اليمين للعمومة والفخذ اليسار للخؤولة.
__________
(1) 2 – أي قطع ثمرة المانجو (1/366)
صفحة 367
وهذا ما قال فيه الشيخ ناصر من النثر بذلك ناظم القصيدة قال الشيخ الفصيح معجز البلغاء ومبهر الفصحاء الجهبذة المنطق المنطيق حميد ابن محمد بن رزيق في الأخ خميس بن راشد العبري حين مات له ولد ويسمى سعيد فأحدث الله له ولداً بعده سماه سالماً وقد رأى فيه وكان نائماً رؤيا أنه ليكون سعيداً غانماً وذلك قبل حدوثه له وإنما تدل على أنه ليكون عاملاً بنور الله تعالى وهادياً حكيماً عالماً وفي صيغة المقال كأنه من أبيه بلسان الحال فقال شعراً:
أيا سالب الأحزان يا واجب الحمد ... لك الشكر إذ جذيت لي سبب الوجد
فإنك مولى لا يحصر فضله ... بحر الثناء الجم فوه فم العبد
فكم ترحة مزقت عني بفرحة ... وأدملت وجدا غايل الوجي بالوجد
وإني امرؤ من صورة البشر لي نهى ... نباهة تنهاه عن سورة الفقد
وكيف أدير الفكر في فلك جرى ... بنحس ولي طرف يرى كوكب السعد
فلله نجم لم يذر لي بزوغه ... تذكر نجم آفل في ثرى المجد
ولما أراني الله صورة وجهه ... لبست الهنا إذ كان كالوشي والبرد
وقلت له أبها سليلي لقد نما ... ودادك غي الاحشا عن سائر الولد
ومن اسمه الرضوان سميت سالماً ... لفعل ترى صلحه أعين الرشد
وأي هجان لا ترى جنة ... جنانك إذ كالسيف لا الغمد للجند
فحمداً لمولى قد أراني بوحيه ... وجودك يامجدي ركاب الهنا مجد
ومن قبل أن أحضى بوجهك رؤية ... أراني خيالي بهجة نهجها قصد
وفسرها رشدي على انك الذي ... تقر به عيني ةتنمو به واد
ولا غرو أن ألقى خيالي مخايلا ... لانسان عيني منك صادقة الوجد
ولي محض ومض من محياك ... إلى طرق الإرشاد أنواه تهدي
ومالي لا أفتر بشرا وقد أرى ... إذا لحت في الولدان في جنة الخلد
فعش ولدي في نعمة مستشفة ... بجوهرها الزاكي على لؤلؤ العقد (1/367)
صفحة 368
قال ابن رزيق فلما بلغت الأبيات خميس بن راشد انسجمت سحب أيادي يديه بشاالنوال وربحته سجسج الثناء فتمايل طرباً بعذب زهور زهرة المقال ثم فاتحه ابن رزيق بسورة التفخيم والتعظيم لما كانت ذلك بذلك امراً ولا غرو أن قال في حقه الواجب الذي لا ينل إلى السالب شعراء وعدد هذا المقطوع الثاني بيتاً من بحر الطويل فقال:
فتى راشد لازلت مؤتلف الرشد ... وودك للأحباب معذوذب الورد
وما برحت تتلى عليك من الثنا ... بوارع آيات بفاتحة الحمد
ومن يدك البيضاء لم يش مترب ... ومن السنة الشهباء سالبة الوجد
وأي كفاح لا يرى منه مصدر ... ولم ترك الوارد كالأسد الود
وإنك قرم قد ترى الحب واجباً ... عليك لبيض الهند والصد عن هند
وما ارتاب غيم النقع تسجامك ... وصوتك والصمصام كالبرق والرعد
وقلبك للتقوى يلين وفي الوغى ... على فئة الأعداء كالحجر الصلد
ولم تجهل الأحبار أنك عالم ... صفي وفي صادق القول والوعد
ومجدك لا ينفك يزداد بهجة ... لأعين فهر الشم والسادة الأزد
ولا غرو أن أثني عليك وبالندى ... لأنا فنا ناديك ينصاع كالند
ولي روضة تزهو بزهر قريضها ... ومن وبلك المعروف عرف الثنا تهد
أيا غيث ويا ليث زهت وتناصلت ... بنو حكم بالبأس منه وبالزهد
وإن الذي سماك منهم لمنصف ... خميساً وقد تعزى خميس إلى الجند
وحسبك أحساب تضيء بأنجم ... تخال هي الأقمار في فلك السعد
وإني لذو علم بأنك آية ... مبرهنة بالجد والجد والمجد
فعش يا سليل الشم في فسحة العلا ... على رغم أنف الآنفين عن الود
قال الشيخ علي بن ناصر أيضاً تهنئة وثناء ودعاء صالحاً للولد سالم على لسان أبيه خميس بن راشد شعراً:
سميت سالم حيث أنك سالم ... مما يكدر خاطري ومسالم
وافيتنا فأتت أمامك نحونا ... منن الإله كثيرة ومغانم
وبشائر عنها سعود أفصحت ... يلقى ضياها جاهل والعالم
وقتلت أتراحي بأفراحبها ... كلي ثغور ابسمت ومباسم
أخليفتي عن سالفي بمكارم ... يا سلوتي دانت لهن مكارم
روضت عيني في أريض زاهر ... من روض وجهك وهو روض باسم (1/368)
صفحة 369
وحللت منك تحية فلي الهنا ... نلت المنى ولنا النعيم الدائم
هذا هو الفضل العظيم ومن أرى ... بالشكر معطيه فليس يقاوم
شكراً له ربي بإدراك المنى ... وأنا الغريق بفضله والعائم
والله يبقيه ويبقينا له ... في رغد عيش بالدوام منادم
ويقيمنا دار استقامة ديننا ... بخلاصة الاخلاص وهو الراحم
وصلاة ربي والسلام نبينا ... تغشاك ما جادت ثراك غمائم
وعلى صحابتك الكرام ومن لهم ... فضل على كل الورى وتعاظم
وله أيضاً:
خميس لك الخيرات هنيت بالبشرى ... وما ضمن الالهام فكرتي الشعرا
تفاؤلت بالخير الذي قارن الدعا ... وكنت بذا أولى وأنتم به أحرى
وقرضت في أحياكم الشعر مادحاً ... وأرثيت منكم راحلاً سكن القبرا
وكان على جيدي لكم طوق منة ... ولا منة يوماً عليكم ولا فخرا
ولي ولكم أدعوا الإله إعانة ... ورشاً وتوفيقاً يوصلنا الأجرا
وصل إله العرش في كل لحظة ... على المصطفى ما دام قرآنه يقرا
وأصحابه والتابعين سبيلهم ... بما مقتر من كثر دعوته أثرى
وله أيضاً:
يا ابن الكرام الأماجد ... أقصد خميس بن راشد
ذاك الذي فاق خلقاً ... وحاز كل المحامد
وأقريه مني سلاما ... وقل له لا تباعد
في زورة لمشوق ... لديه أعدل شاهد
وله أيضاً:
كتابك وافى أيها الخالص البر ... خميس الذي يسمو لإحسانه الشكر
تلأل إشراقاً وداداً وحكمة ... يكاد بأن يبيض من ثوره السطر
وفاح لنا ريحان حبك نعتلى ... على الروح والريحان يا حبذا البشر
فلا حرمت عيني محياك ساعة ... ولا فارقت عيني خلائقك الزهر
ولا عدمتك المسلمون أخا هدى ... وكهفاً إذا ما نابهم أبداً دهر
وبعد خطابي والدعاء مع الثنا ... فمنك وافى لا بمن لك الأجر
سألت لك المولى جزاء ورحمة ... ولا حل ربعاً أنت ساكنه الفقر
ومني اقتني أسنى السلام مجدداً ... بما طال في طول الزمان لك العمر
وله أيضاً:
سميت سالم حيث انك سالم ... من كل مهلكة وأنت الغانم
لله فضل بالإنام ورحمة ... بالمؤمنين ومنة تتعاظم
أضحت منيتك المنى فلك الهنا ... نلت الغنى بالفقر ليس يزاحم
نلت السعادة قبل نهج طريقها ... من جود مالكها بما هو عالم
..... (1/369)
صفحة 370
(1)
ولم يسعدني الجد فعساك أنت أقرب إلى مساعدة الجد بالوصول وهو المرجو والله ولي التوفيق، وعليك وكافة المشايخ والأخوة والجماعة من جزيل السلام تحية أخيك ومحبك الذاكر فضلك وإحسانك الفقير إلى الله عامر بن علي بن مسعود العبادي وإن بدت حاجة تقضى إن شاء الله 4 شعبان 1251.
ومات الشيخ عامر في 15 شعبان سنة 1253.
ثم قلت له: اعلم يا أخي لا بد للإنسان في هذه الدنيا من نزول الأمراض والمصائب وجميع ما في يدك من أولاد وأموال أمانة ولها مطالب ولعل المصيبة لذنب قد سبق قال ربك (وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ)2 وكلنا تضرع إلى الله بالدعاء وتوسل إليه بالنحيب والبكاء، وقل يا رب يا مولاي أنت الغني الكريم، وأنا الفقير المحتاج، وأنت الغفور الرحيم، وأنا العاصي المذنب المرتكب الاعوجاج، وأنت السميع العليم، وأنا المسيء الذميم، وأنت الملك القادر وأنا العاجز القاصر، وأنت الرب العلي، وأنا العبد الدني، وأنت القوي وأنا الضعيف، قد اعترفت بذنبي وأنت ربي وشهدت على نفسي بالعصيان، ولا أحد لي ملجأ ولا منجا منك ولا مفر عنك يا رحمن، فأدعوك يا مولاي يا منان بأن تغفر لي ذنوبي وتعفو عني عن جميع ما كان ولا تؤاخذني ما عصيتك به طول الزمان، فإنه لا قدرة لي على عذابك ولا طاقة لي بعقابك، فلا تردني خائبا وإني أدعوك من فضلك لا باستحقاقي فعفوك عني لا ينقص فضلك، وأنا لا أجد لحاجتي أحداً غيرك، فإن رددتني فإلى من التجي وبمن أتوسل وأين أذهب وأين المفر فيا مولاي يا أرحم الراحمين إلهي وسيدي إنك تعلم سريرتي وعلانيتي فاقبل معذرتي وتعلم حاجتي فأعطني سؤالي وتعلم ما في نفسي وقد التجأ بي أولادي فما جوابي وحيلتي إلا دعائي ربي ربي وشاهد على نفسي بموتي ولحوق أحبتي وأولادي وما قولي في حياتي إلا كمثل الذي قال من قبلي شعرا:
نروح ونغدوا كما غدوا ... فعما قليل لا نروح ولا نغدو
__________
(1) 1 – يوجد نقص صفحة كاملة
2- الشورى : 30 (1/370)
صفحة 371
وما نحن إلا مثلهم غير أننا ... أقمنا قليلاً بعدهم وتقدموا
فأجابني صاحبي بهذه البيتين قال:
ما لا يكون فلا يكون بحيلة ... أبداً وما هو كائن سيكون
سيكون ما هو كائن في وقته ... وأخو الجهالة متعب محزون
قال غيره:
لا دار للمرء بعد الموت يعمرها ... إلا التي كان قبل الموت يبنيها
فإن بناها بخير طاب مسكنه ... وإن بناها بشر خاب بانيها (1/371)
صفحة 372
اعلموا أيها الناس أن الدنيا دار غرور، ومكر وفجور، دار الفجائع والألم، دار المصائب والسقم، دار تقلب وأهوال، وأدوار وأحوال، دار أضغاث أحلام في طيب المنام، فإلى كم هذا الأمل الذي لا انتهاء له، والألم الذي لا شفاء له، والعمل الذي لا إخلاص فيه، والعلم الذي لا منفعة تليه، أإله غير العزيز الأكبر، أو دين غير دين النبي المطهر، أم جراءة على الحي القيوم، أم أمن من العذاب السموم، أم تحسبون أن الدنيا لكم تدوم، ألا أخبركم عن أمر تعاينوه، لا عن شيء تخبروا به وتسمعوه ، شيب وهرم، وصحة وسقم، ووجود وعدم، وعافية وألم، ونور وظلم، وحسرة وندم، حال المنون وأصله، وليس لها صارم، ويده حاسمة وليس لها حاسم، كم قطعت قبلكم من أمم، وأفرست بغصصها من ملك مكرم، أين ذو البؤس والنعم، وعاد وإرم، أين الملوك، أين أبناء الملوك والأقاصرة، والأكاسرة والجبابرة، أين أهل الوفاء والسداد، والذين لم يخلفوا الميعاد، أين الذين سولت لهم نفوسهم وأضلتهم عن طريق الرشاد، ولم يتخذوا من دنياكم هذه زاد، أين ثمود وعاد، ونمرود معدن الفساد، أين فرعون ذو الأوتاد، وبنو نبهان الذين استكبروا في البلاد، أين الذين عمروا جناتهم، وشيدوا بنيانهم، أين الذين حوزوا ذخائرهم، وملكوا عبيدهم وحرائرهم، أين الآباء والأجداد، أين النساء والأولاد، أين الأحبة والعباد، أين العلماء والزهاد، أين الذين ركبوا الجياد، قبضتهم المنون، وفقدتهم العيون، كأنهم ما كانوا أهل عز ورفعة، ولا أهل مملكة ومنعة، أمسوا تحت أطباق اللحود، حتى تمزقت منهم الجلود، وصاروا معاشاً للدود، حتى أصبحوا أجداثاً دارسات، وأمست منازلهم تسفي عليهم الرياح الذاريات، قد فارقوا الأخوان والأصحاب، وثووا تحت أطباق التراب، قد صار ذكرهم مؤثراً في الكتاب، وعبراً لأولي الألباب، ومواعظاً للعلماء والخطاب، فندموا هنالك من حيث لا تنفع الندامة والبكاء، ولا تغفر الزلل والخطاء، فأما فائز بنعيم مقيم، وأما رهين (1/372)
صفحة 373
في عذاب أليم، ذلك يوم يشيب فيه الطفل والوليد، ذلك (يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ * إِلا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ) (1) ، ذلك يوم القيامة، والعرق إلى الهامة، يوم الصاخة، يوم القارعة، يوم الطامة الكبرى، (يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الإِنْسَانُ مَا سَعَى * وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرَى * فَأَمَّا مَنْ طَغَى * وَآَثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى * وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى) (2) ، جعلنا الله وإياكم ممن ارتضى من صفوته، ومن الراجين جزيل الثواب من رحمته، إنه هو أرحم الراحمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد المصطفى الأمين، وعلى آله وصحبه أجمعين.
الذكر العشرون
في ضعف تدبير أهل الأمر وانحطاط منازلهم العليا إلى الدرجة السفلى بنزول البلاء عليهم (3) .
قال ذو الغبراء: وجدت في الأثر عن الحسن البصري مر عليه أمير البصرة وهو يمشي مشية الخيلاء والكبر في قلبه أعلى وأملى، فقال له الحسن: إن الله لا يرضى بمثل هذه المشية، فقال الملك: أما تعرفني يا حسن؟، قال له الحسن: أعرفك حق المعرفة أولك من نطفة مذرة، وآخرك جيفة قذرة، وبين ذلك حامل العذرة، فلما سمع الملك الكلام مشى عنه يرفل كابن آوى، فقال الحسن: مسكين ابن آدم يتكلم بلحم وينظر بشحم ويسمع بعظم أسير جوعه وصريع شبعه تؤذيه البقة وتنتنه العرقة وتقتله الشرقة فلا يملكون لأنفسهم ضراً ولا نفعاً ولا يملكون موتاً ولا حياة ولا نشورا.
__________
(1) 1 – الشعراء : 88 - 89
(2) 2 – النازعات 35 - 41
(3) 1 – في الأصل : بنزول عليهم البلاء (1/373)
صفحة 374
وفي حديث آخر سمعت عن رجل نصبوه الناس إماماً لهم فأعجبته نفسه وطغى وتجبر وعمد إلى الهوى والزنا وشرب الخمور وضرب الزمور فوازروه كثير من الناس فسلط الله عليه رجلاً من خصمائه من أفقر أهل زمانه فأخذ عليه الملك وما خوّل من الأموال هو وعشيرته وهذا الرجل طلب الإمامة وغصب المسلمين على نصبه فلانت الرعية لطاعته فنظر نفسه لا ثاني عليه فقتل الأكابر وسجن أمراء العشائر فخذله (1) الله وسلط عليه البلاء ومن لا يرحمه.
وآخر صنع كصنعته في فئة قليلة فأعزهم الله وقتلوه.
وآخر قتل ناساً من رعاياه على مطلب هواه فأضعفه مولاه ولم يجد مأواه فحازوا عليه الأموال والمياه.
وآخر من الولاة أرسل عسكره إلى قتل رجل من المسلمين فلما قتل الرجل عزل الوالي عن ولايته.
... وآخر أخذ حارة على جاره فذهبت قوته ونصرته.
وآخر عشق امرأة فأخرجها عن بعلها ومات قبل أن يأخذها.
وآخر خلف له والده ملكاً فضاقت عليه الأمور في أول شبابه فقواه الله في اكتهاله وبلغ مراده فأمر على أحد من وزرائه يقتل رجلاً من قضاته وحوز أمواله فحين قتل الرجل القاضي نزلت بالملك النكبات وظهر على ملكه رجل من أصحابه وأخذ عليه كثيراً من حصونه من غير قتال لأصحابه ثم جاء الملك بجيشه فولى خائباً عن ابن عمه ولا زال متحيراً يبذل أمواله في طول زمانه.
ومما أحسن للوزير أن يكون صاحب قريحة ثاقبة وأن يكون مميز في عقله مما يسر الملك أن يسلي به إذا غضب فيخفف غضبه على رعيته وكذلك الملك أحسن له أن يعتبر الناس لأن أكثر الناس يفيحون للملك بالكذب مما يسره في ساعته وبعض منهم إذا سألهم الملك عن مائة كلمة أعطوه واحدة مما تسره فأعجبه منهم ورآها أثبت من كلام الكذابين (2) .
رجع لإكمال الأول:
__________
(1) 2 – في الأصل : أخذله
(2) 1 – في الأصل : الكذاذيب (1/374)
صفحة 375
وهذا الرجل الذي طلع أمره على الملك أخذ أسارى فرأى فيهم رجلاً من غير عشيرته فقتله بنفسه في حصنه وقوة أصحابه وعفى عن أقاربه والذي ينتموا من صفه، فبعد هذا الأمر لم يجد الظفر أصاب رعيته السبي والقتل والاستحلال ثم كتب للمسلمين الذين هم على الحق مستقيمين يريد منهم النصرة فهذا جواب أحدهم له: بسم الله الرحمن الرحيم الحمد الله الذي جعل التمسك بالحق من أكبر نصرة المؤمنين، وقوى بالتوكل عليه وحسن الظن فيه قلوب المجاهدين، وابتلى أنبياءه وأولياءه ابتلاءً حسناً بأنواع الشدائد، وأعانهم على الصبر بعد تسليم أنفسهم في المجاهدة له بالنصر على فاسد وعاند، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادة القائم له بحقها، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله - صلى الله عليه وسلم - شهادة من علم بصدقها، وعلى آله وصحبه البررة الكرام، الذين شيّدوا أعلام الإسلام، وبذلوا أنفسهم وأموالهم في حق الملك العلام، ثم إني أخص بجزيل السلام وأسنى التحية والإكرام السيد المحب الأكرم فلان بن فلان الفلاني، سلمه الله من فوادح الليالي والأيام، وهداه إلى سلك طريق أولي التحقيق الآمنين من جزع يوم القيام، وبعد فقد وصل إليّ شريف كتابك، وفهم العبد الفقير إلى ربه لذيذ خطابك، وبنفسي حرج من رد جوابك، على ما نفسي من النصح الذي ترجى به المنفعة والسلامة الأبدية وسلوك سبيل المؤمنين المعروفة بالمحمدية، وخوفي أن يختلس الشيطان عقلك، فيريك غير ما أنا عنيت، ولك بذلك ابتغيت، لأن أكثر أهل زماننا المتورعين من العلماء والضعفاء المستضعفين، كأنهم يلجؤون إلى رخصة التقية، ويتكلمون فيما يمتحنون بكلام مجمل يحتاج إلى تأويل ذي فطنة نقية لما يرجون من قلة أتباعهم، وضعف نصرتهم على الحق وأتباعهم، وكان ذلك هو الأحسن والأسلم، عاقبة لهم من مضرة الدين والدنيا، وأما في حقك معي ومنزلتك العلية فما أقول ممن يكره الحق فيتقى، لما كنت أعهد فيك من النقا والاتقا، وقولي لك (1/375)
صفحة 376
هنا وغير هنا بحسن ظني فيك بقبول الحق، وتصديق الصدق، لا حقارة لقدرتك، ولا استخفافاً بسلطانك وأمرك، وعلى ذلك أقول، مما خطر من المنقول والمعقول، فاعلم أنك ممن أطال الله يداه، وأرغم له أعداه، ونقله من رتبة المساكين الضعفاء، إلى منزلة السلاطين الشرفاء، وإن كان مقامك في ذلك مقام ابتلاء، ولو كان في ظاهر الأمر مجد وعلا، ومثله كالمختبر الدينا في النار، ليظهر سره الذي علمه فيك، حتى يكون لك حجة معه أو عليك، ومع قلة معرفتك بالملك وعمد ابتلائك به سابقاً، تساهلت به أولا ولاحقا، فظهر لك معه ما لا تظنه ولا يخطر بجنانك، ولا سيما من أهل زمانك، وانبعثت عليك بواعث الامتحان، بعد السلامة من جميع ذلك فيما مضى من سابق زمان، ودخلت في مداخل كنت تكرهها في غيرك وسواك، ولا تقل أنك ممن يرد خلاف الحق بهواك، بل العذر في خلاف الحق يغوى ويعمى ، وابتلاك بالملك أهون ابتلاء، مما به غيرك ابتلى، خصوصاً في أول دخولك في هذا الأمر وحلولك، إذ تهيأ لك أقصى مرادك بأدنى اجتهادك، ولعلك كنت أشرف رتبة مع الله، ولنا في ذلك ظاهر دليل وأوضح سبيل، إنك كنت مسكيناً من أهل المساكين، وبتلك الحالة أقدرك الله حتى نازعت في ملكه أكبر السلاطين، ونزعت ما نويت من ملكه وهو على اقتداره، وقوته وآله وماله وأنصاره، وكان الذي تريد لا الذي يريد، وما كان ذلك ملك إلا كما قال الله: {وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللّهَ رَمَى} (1) وظاهرتك أعداؤك على هذا الأمر مظاهرة أوداك ، وفي بدو الأمر كل مسرور بذلك، ويدعو لك بالنصر، من كافة أهل العصر، والآن لم أعلم من أكثر أهل الزمان، من يشكرك إلا قليلا بجنان ولا لسان، وقد بينت لك هذا عساك تنتبه، إلى شيء من حكمة الله فيك، أو تعرف ما أنت جاهله مما أمامك أو وراءك ، لتتدبر أمرك، وتبادر بالرأي الرشيد، مجاهدة في هذا الأمر من دهاك، لأن المؤمن مرآة أخيه المؤمن، والتذكرة في حق الأخوة نصرة،
__________
(1) 1 – الأنفال : 17 (1/376)
صفحة 377
والمراد أن تفكر في علانيتك وسرك، فعسى ينصرك الله بنفعك وضرك، وتولي صالحي المسلمين جميع نهيك وأمرك، لأن هذا أمر عظيم، والخطر فيه جسيم، ويحتاج إلى معين ومشير وعشير، يقدم الجميع حكم كتاب الله وسنة رسوله، وإجماع أهل صواب، مع حسن سياسة وتدبير، ومالم يوطد الأمر والنهي بجماعة المسلمين الذين تقوم بهم الحجة في الدين، وإلا فأتت في فتنة مبصورة عمياء، وداهية دهياء، لا يرجى بها صلاح الدين ولا سلامة الدنيا، لأن أكثر أهل هذا الزمان، أرادوا الدنيا بدلاً عن الآخرة، وأرادوا بها مكابرة الحق والمباهاة والمفاخرة، قبض الله عنهم دنياهم، ولم يمتعهم فيها بهواهم، جزاءً لهم بترك العصمة الوثقى من عروة العدل والتقى، فيجعل الله ذلك حسرة في قلوبهم، بتفويت العاجلة، ومن ورائها خسران الآجلة، وذلك جزاء من عصى الله بعلم وهو العذاب المهين، والخسران المبين، والعاقل يكفيه ما يرى، من تغيير المعتاد من أهل عمان، من البلاء والحرمان، وأنت إن أردت السلامة، فعليك بالإقامة، والاتباع فيما آثروه أهل الاستقامة، ومتى رضيت بكتاب الله حكما، وبأهل العدل حكما، وسلمت الأمور كلها طرباً ورغبا، فأنا ومن معي ننصر كلمة الإسلام، ونجيب دعوتهم وننصر كلمتهم، والله الموفق، وهو على كل شيء قدير، وإليه المصير، ووصولي ووصول غيري على غير ترتيب يشد الازر ويحط الوزر فلا فائدة فيه إلا التعب والعناء، الذي لا يدرك به منى ولا غاية غنى، واعلم أنك مادمت على هذه الحالة، فأهل الدنيا لا يطمعون في دنياك ومن ذلك تجافيهم عنك وبعدهم إياك، وأهل الزهد والفقه يتباعدوا عنك خوف الفتنة، بدخول الفتنة، وأنت مع ذلك محتاج إلى عصائب بالمال والرجال لحدوث النوائب، ولا تقيم الحجة إلا من حجة، وفي النفس تكميل التصريح، لهذا التلويح، بل تركناه اختصارا من أحوال ما آثروه ساداتنا وفقهاؤنا في صالح النيات، وأفوض أمري إلى الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله، والله سبحانه يقول: { (1/377)
صفحة 378
وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ} (1) {وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الأَلْبَابِ} (2) واستغفر الله من جميع ما خالفت فيه الحق والصواب والسلام، من المحب الفقير لله علي بن ناصر، وتاريخ النقل من لسانه نهار 23 صفر من سنة 1253.
الذكر الحادي والعشرون
فيه دليل من الفلك لحفر الآبار والأنهار ولابتداء عمل البنيان، وفيه يماثله من الأخبار والمسائل في الحضر والسفر في البر والبحر، وفيه أخبار عن المبتلى بالنساء والأمراء والأموال، وآخره في الوعظ والزجر وما جاء في ذلك عن الأوائل.
__________
(1) 1 – الذاريات : 55
(2) 2 – البقرة : 269 ، آل عمران : 7 (1/378)
صفحة 379
... قال ذو الغبراء: سألت صاحبي عن حفر الآبار والأنهار والبنيان والعمارات الذي نراها لا يتم عملها وإن تم عملها خربت بالحال، ما صفة الذي تم وأقام فيها الطائع والعاصي لله ولرسوله، ما الفرق بينهما؟، قال: الفرق كثير وبيّن، فإن فكرت في كل شيء له أدلة، انظر إلى بني آدم منهم من خرج سقطاً من بطن أمه وقليل منهم يصل إلى منتهى حده، وكذلك الدواب والزروع والأشجار والثمار وما خلق الله من الحيوانات التي في البر والبحر فلا يخفى عليك وذكرت تريد بيان معرفة الفرق بين الاستقامة والهدامة فهاك بعض مننها ولا تمكن الإطالة في الكتاب فكل عمل يعمله الإنسان ينظر إلى السعود والنحوس فالأول يصلح الطالع والقمر ورب البرج الذي فيه القمر ورب بيت الحاجة ورب الطالع فإن نظرت هذه الأرباب إلى الطالع كان الأمر سهلاً منجحاً على أفضل ما تحبه النفس ويرضاه العقل ثم اجعل في ابتداء الأعمال القمر ورب البرج الذي فيه القمر يكونان في الأوتاد الأربعة فإن ذلك العمل يكون في أوله وآخره صالحاً مثبتاً، وأما إذا لم يكونا في الأوتاد فلا يثبت العمل وإن كان القمر في الأوتاد و ... ... (1) رب بيته في السواقط فإن العمل يكون في أوله مرتفعاً ثابتاً واضحاً وفي آخره يدل على الفساد والضعف لأن أول العمل يؤخذ من القمر وآخره من رب بيته، وأما إن كان رب بيت القمر في الأوتاد والقمر ساقط فإن أول العمل فيه مشقة وآخره فيه سهوله ومنفعة.
__________
(1) 1 – كلمات متقطعة غير واضحة (1/379)
صفحة 380
... ومن كتاب آخر إذا أردت أن تبتدأ بعمل وكان ذلك نهاراً فليكن الطالع من البروج الأنثى والقمر في برج ذكر، وإن كان ذلك ليلاً فليكن الطالع برجاً ذكراً والقمر في برج أنثى، وخير الطالع بالليل والنهار البروج المستقيمة الطلوع إذا كانت سليمة من مجامعة النحوس ولا نظر إليهما من التربيع والمقابلة، فإن لم تقدر على ذلك فليكن الطالع من البروج المعوجة والسعود مجامعة له أو ناظرة إليه من تسديس أو من تثليث، والبروج المعوجة الحوت والجدي والدلو والحمل والثور والجوزاء، والمستقيمة السرطان والأسد والقضيمة والميزان والعقرب والقوس، والبروج المتقلبة المسرعة والمجسدة لتوسط الأمر والثابتة لثبات الأمور، فانظر في أمرك وقس بعقلك، ولا يمكن الدخول في الاعمال إلا بدليل من العالم بذلك العلم وفنونه ودقائقه، وإن دخل فيها بغير علم فقد ذهبت أمواله وأموال الناس على يديه، كما حكي لنا عن أهل قرية أرادوا يحفرون فلجاً فاجتمعوا أهل البلد على خدمته فقال أحدهم: لا تدخلوا في المغرم الأيتام والوقف والأغياب خوف أن لا يتم عملكم وتذهب أموالهم ويلزمكم ضمانها، فأجابه أحد من أبناء الدنيا العامرين فيها فقال لهم: أنا الضامن للأيتام والوقوفات والأغياب ولكنكم أحضروا صاحب الفلك وارضوه، قال: فحضروه وسألوه، فقال: أريد منكم كل يوم مائة محمدية ما أقامت أجراءكم في الخدمة، فقال لهم صاحبهم: أعطوه ما أراد الفلكي وهو الدليل وينظر مسلك الماء كما أنتم تنظر الطريق، فقالوا أهل العلم بالشريعة: هذا من التبذير في العطاء الكثير وكل له قدر في عناية فجبنوا عن عطائه وهموا بأنفسهم في خدمته فخدموا وكلوا وملوا وغرموا أربعة آلاف محمدية ولا بان لهم تسهيلاً فرجعوا عن خدمته، فقال لهم الفلكي: أنا أخدم لكم نهراً يظهر لكم غيزين مسحاة ثابتاً في شدة المحل وأريد منكم بالمقاطعة عليه أربعة آلاف محمدية وإن لم يصح قولي فأرجع لكم دراهمكم ولكم الخلاص حتى يطلع إلى أروضكم (1/380)
صفحة 381
فسرهم قوله وقاطعوه فعمد في خدمته في ساعة القمر والطالع برج العقرب والشمس في وتد السماء والقمر في برج الدلو وهو وتد الأرض مراده إثبات الفلج لأن البروج الثوابت لإثبات جميع الأعمال ثم جعل الزهرة في برج الحوت مائي وهي تنظر إلى الطالع من تثليث ورب الطالع في الاوتاد ثم ذرع الأرض وجعل علائم للفرض ووقف لكل علامة أناساً ثم أمرهم بالخدمة جميعهم في تلك الساعة التي وقفها وكان الماء قريباً جداً لأن المشتري في الطالع ورب الطالع ينظر إلى الطالع فسهل الله خدمته وجرى الماء في بطنه ولا احتاج إلى حصى للظفر وسم فرضه عن الأودية وصح له من الغرم ألفين محمدية وأخذ الفائدة له ألفين. (1/381)
صفحة 382
فتدبر يا أخي القياس خوف الالتباس وانظر في قصة الأمير الذي دبر والياً لبعض القرى فأقام الوالي في تلك القرية مدة من السنين ثم سعت الوشاة عليه مع الأمير بقلة فعله في الأمر والنهي والظلم فدخل في قلب الأمير الغضب وأرسل إليه قاضيه الأكبر لينظر أفعال واليه فشحن له مركباً وأمره ليتحصل في المركب، فقال القاضي لأميره: أريد في صحبتي معلماً فأخذ في المركب من أعلام أهل البحر وجعل له فريضة معلومة فقال عالم البحر: أريد رباني لهذا البحر وبه جبال خفية، فقال الرباني: أريد فرضة في كل يوم مائة محمدية لقيام البحر فاستكثر الأمير فقال معلم البحر للأمير اعطيه الرباني ما قال وكل أخبر بعلمه وطرقه، وقد حكي لنا عن النصارى خطفوا (1) على هذا البحر وأخبروا بالبحر وأنه لا يسلم أحد في سلوكه إلا برباني فطلبوا الرباني وأراد الفريضة فجبنوا وخطفوا بأنفسهم فتكسرت مراكبهم في البحر وذهبت أموالهم ونفوسهم فلما سمع الأمير قصة النصارى بذل للرباني ما أراد لأنه دليل في سلامة الخشب (2) ، وقال المعلم: تأتي لنا الخشب الذي تريد السفر وتقطرها في مركبنا ورباني واحد كافل لنجعل على كل خشبة ما ينوبها فاجتمعوا كلهم وقطروا السفن في المركب عشرين خشبة، فناب لكل واحدة في كل يوم خمس محمديات وفي السابق لكل خشبة رباني، فقال الرباني للمعلم: إن بقربكم جبل المغناطيس الذي يجذب الحديد من الخشب، فأمر المعلم صاحب السكان (3) يحول مركبه فجاوز بهم عن ذلك الجبل حتى وصلوا إلى البندر المراد، فنزلوا من الخشب إلى الدار فحضر القاضي الوالي وأهل البلد فقال لهم القاضي: قد وصلت أعلامكم إلى الأمير أنكم تركتم الأمر والنهي وأخذتم أموال الناس ظلماً من كسيرة البحر ما لكم ما امتثلتم إلى كتاب الله وسنة رسوله وآثار المسلمين؟، فقالوا: اسمع أيها القاضي لا خالفنا مما ذكرته لنا حرفاً واحداً ولا أمرنا الأمير بإقامة
__________
(1) 1 – أي مروا
(2) 2 – أي السفن
(3) 3 – أي مقود السفينة (1/382)
صفحة 383
الحدود ولا بتغرير العاصي بالقيود ولا أتى إلينا قاضياً ليحكم على المسلمين في دمائهم وأموالهم وفروجهم فاجتمع رأينا على أن يكون كل أولى بما في يده مما يكون متمسك برأي من أقاويل المسلمين وزجرنا للذي يتعرض عليه برأي من أقاويل المسلمين خوف التنازع والخصام من عدم الأحكام والعلماء، فقال القاضي: هذا هو الحق المبين والصراط المستقيم فجلس القاضي يحكم بين الناس والرباني قصد يوماً في سكك المدينة يريد أن يشتري أثمداً لعينيه عند امرأة فشرى الأثمد وأراد الرجوع إلى مقامه فنادته المرأة مهلاً يا رباني أسألك في الطب مسألة لإدرار الحيض، فقال لها شرب اللبن يدر الحيض ومثله الزعفران شربه بالماء يدر الحيض ولكن ينبغي إلى المبتلى ليغرف قطعة ويقطعه الزنجبيل اليابس ودم الأخوين وزبد البحر وقشر بيض النعام تدق الأدوية دقاً ناعماً ثم يأخذ قطعة ويغمسها في الماء ثم في الدواء وتتحمل بها المرأة فإنه ينقطع الدم وهذا لكل دم سائل يقطعه، فقالت له: أعطيك دراهم واشر لي هذا الدواء، فقال لها: أنا رجل غريب لا أقارب النساء ولكن أحد من أقربائك أعطيه الدراهم ليشتري لك ويدخل عليك، فقالت له: أنا امرأة فقيرة وقطيعة لا معي أحد فيها من العصبات ولا من ذوي الأرحام إلا عمة أمي ومعها زوج وهو الذي طلقني طلاقا رجعيا بالسنة وأخرجني من بيته وهو في شدة المرض ولا سبيل إلى الوصول إليهما وأنا في عدة منه مذ سبع سنين، وما اتفقت أقرائي ثلاثاً ولا راجعني إلا مرة واحدة وبعدما طلقني أعطاني صداقي العاجل والآجل عشرين محمدية فتمتعت بها ستة أشهر، وكانت معي خالة موسرة تنفعني من زكاة مالها فأحال الله بيني وبينها وقضت نحبها وأخذت مالها عمتها التي هي عمة أمي والآن هي التي في رقبة مطلقي، والرباني له دلالة تعلم الفرائض، فقال لها: يا أيها المرأة أقبلت سعودك وانطمس عدوك فإن الله ينقذك من الشدة والبلاء ويغنيك بالأموال مع المرأة والرجلان وأنا الذي أخبرك من (1/383)
صفحة 384
أبناء السبلا، وكم تسلمي إن فتحت لك طريقاً مسهلا؟، فقالت له: معي لك ألف درهم مجملا، إن كان قولك من كتاب الله المنزلا، فقال لها: هذا أمرك مع الحاكم الذي في البلد قائم، وإنه لا يخاف في الله لومة لائم، وقالت له: كيف الدليل بعدالته؟، فقال لها: إن هذا الحاكم جعل له الأمير كل يوم مائة محمدية فريضة وأناساً جاء إلى الأمير من أعوانه في زمانه فسألوه في كثرة عطائه لقاضيه فصنع الأمير رأياً ونقل عن ماله طريقاً جائزاً فعارضه الحاكم ولا رجع الأمير فمنع القاضي الناس عن الصلاة خلف الأمير في صلاة الجمعة ودعا بالحاكم إلى مجلسه، ثم قال له: أنا الذي جعلتك قاضياً على المسلمين وقد فصلتك عن الحكم وأنصب للناس أحداً من المتعلمين فما جزاؤك علي كسرتني بمحضر الناس أجمعين، فقال القاضي: لأنك خالفت قول رب العالمين بتحويلك طريق المسلمين ونفسك أنزلتها في منازل فرعون اللعين، فأنت معه من اللاحقين في حكم مالك يوم الدين، فرجع الأمير مع المسلمين وقال الحق فقال لهم فحقيق بالعطاء ولو أراد جميع المدخول وهو أولى به عن الجميع وكن أيها القاضي في حكمك وأنا مما صنعته في الطريق جعلته لاختبارك حتى يظهر للناس جوهرك، وقوة رأيك وغرمك فهذه من إحدى الخصال وكم وكم ما فاح منه لإصلاح النساء والرجال وقومي في صحبتي معه للسؤال فإن الله يكشف الحق على يديه والغنى والفقر قد جعله الله على لسانه وأخبريه بالقصة والطلاق والخالة وعمة أمك، قال: فعمدت إلى المسير في صحبته وسألت الحاكم عن علتها وعدتها وكيف المدة في خلوصها من مطلقها؟، فقال لها الحاكم: وأين الرجل الذي طلقك فأخبرته بمرضه وأنه لا يخرج من بيته، فقال لها: الحكم لا يصح إلا بحضرة الخصمين ولكن على قولك هذا له عذر عن الوصول وأنا لأصحبك معه للحكم في بيته ولحق زيارة المريض، فقصد القاضي وأصحابه الوالي والرباني والمرأة ومن حضر في مجلسه فلما وصلوا بيته استأذنوه بالدخول فأذن لهم فنظروه مريضاً (1/384)
صفحة 385
فقال القاضي للمريض: أنت الذي طلقت هذه المرأة طلاق السنة الرجعي؟ قال: نعم أنا الذي طلقتها وكيف إرادتها؟، قال القاضي: تدعي أنها لم تنقضي عدتها وهي مصدقة في قولها وهي ترثك وعليك النفقة والكسوة حتى تنقضي عدتها لأنك أخرجتها من بيتك وهي كارهة للخروج وليس هذه كالتي خرجت بحرمة أو بثلاث تطليقات أو مختلعة بدرهم أو خرجت بلعان أو اختارت نفسها بأمة تزوجت فوقها أو كانت هي أمة فعتقت واختارت نفسها فهؤلاء لا ميراث لهن من المطلق ولا نفقة عليهن وإن كن في العدة وأما التي طلقها ضراراً في مرضه ومات فإنها ترثه إن كانت في العدة وتذكر هذه المرأة التي طلقتها أن المرأة التي معك هي تكون لها عمة أمها صحيح قولها هذا ؟، قال المريض: نعم صحيح وما الحجة فيها؟، قال له القاضي: هي حرام عليك ولها الصداق كاملاً بالدخول وقد جاء الأثر عن أبي سعيد رحمه الله حرام على الرجل عماته وخالاته وعمات أبيه وخالات أبيه وعمات جده وخالات جده وعمات أمه وخالات أمه وعمات وخالات أبيها وأمها وجدها ولا عمات وخالات أمها وأبيها وجدها وهذه المرأة التي تزوجت بها والمرأة التي هي طلقتها هي في عدتها فهذا تزويج فاسد مفرق بينكما كرها، فقال المريض: إن لي أولاداً منها، فقال القاضي: هم أولادك ويرثونك، فقال: أريد أن أوصي إليهم لأجل حقارتهم وصغرهم، فقال له: لا وصية لوارث إلا إذا كانت من ضمان مبين للوارثين، فقال المريض: بها حمل مني، فقال القاضي: لها النفقة من مالك حتى تضع حملها فإن وضعت حملها حياً فلها الربوة سنتان وبما يحتاج من الكسوة والحل والدهن والقوت ومن بعد الفطام يفرض له ثلث النفقة حتى يكون خماسياً ثم نصف النفقة حتى يكون سداسياً ثم ثلثي النفقة إلى بلوغه ثم النفقة التامة إن كان الولد مريضاً أو به شيء مما لا يقدر على المؤونة لنفسه، وأما الأنثى فلها النفقة الكبرى حتى تتزوج وإن هلك الوالد وكلن الرضيع له مال فينفق من ماله وإن لم يكن له مال (1/385)
صفحة 386
فالنفقة تجري على ورثائه، فقال الرباني للقاضي: أيصح قوله أن بالمرأة حمل منه؟، قال: نعم إذا ظهر وصح كما قال لأن النكاح الفاسد فرق بينه وبين ولد الزنا إن أقر به أنه ابنه من زنا فلا يصدق ولا يرث ولد الزنا فانظر في ذلك ثم أقبل الحاكم إلى المرأة، وقال لها: قلت أنك ابنة أخت الهالكة التي خلفت الأموال والأخرى هي عمة الهالكة كذا، قالت له هكذا، قال لأهل البلد: أتشهدون أنتم بما قالت النساء؟ قالوا: نعم نشهد بذلك، قال لهم: اعلموا أن الجماعة أو الوالي أو العالم فلهم أن يأمروا في المختلف فيه بالرأي من أقوال المسلمين إن يكن المال في يد من كان في يده ولو رأوا الحق والأصوب في قول آخر، وأما الحاكم فله أن يعدل بالأعدل بين الخصمين ولا ينتقل عن ذلك الرأي حتى يرى في نفسه قولاً غيره أقرب إلى الحق فينتقل ولا يعود إلى الرأي الأول وهذا المال فيه قول أن المال كله للعمة وقول أن لها الثلثان وقول لها النصف وقول ليس لها شيء والمال كله لابنة الأخت، وهذا القول الأخير أقرب إلى الحق وأنا أحكم بأن المال كله لابنة الأخت وهي أقرب بدرجة في ميراث الأرحام، ولا يجوز خلاف الحكم رأياً يدخل عليه ومن خالف فقد ضل عن السبيل، ثم هلك الزوج وعقدوا على المرأة عدة المتوفى عنها زوجها أربعة اشهر وعشرة أيام، وأخذت ثمن ماله فنزلت في منازل أهل الغنى وأعطت الرباني الألف الذي وعدته لإياه، فلما انقضت عدتها تزوجها الرباني ودخل عليها فحملت وجاءت بولد ذكراً، وقطع أسراره وضمه لسر فيه للأدوية، وربت الأم ولدها فنزلت بجسمه الحمى فصرعته ميتاً فأخذ الرباني وطعنه بالإبرة تحت أظفاره فردت إليه روحه، فأتى إليه بدهن الورد اليريهوا ودهنه به من بعد التبريد بالهواء فأبرأه الله وهذا العمل الذي يصنع به لموت السكتة كما كتبناه، رجع إلى القصة فدار الموسم وحمل الرباني امرأته في صحبته فركبوا في الفلك وسارت بهم تجري في موج كالجبال فأمرهم القاضي بقذف ما في (1/386)
صفحة 387
المركب لسلامة الأموال والأنفس فرموا بالثقيل من الأمتعة وسلمهم الله من الغرق، وثمن المركب وما بقى فيه وعلى الأنفس فجعل عليهم كل بقدره فنزلوا من المركب فقصد القاضي مع الأمير فسلم عليه وحياه بالتحية والإكرام فأخبره بأمر الوالي وأهل القرية أنهم على طريق الحق والعدل ولكنك اندب إليهم حاكماً واكتب لواليك كتاباً بالإقامة الحدود واللوازم والقبض والبسط وإنفاذ الأمر في محله فامتثل الأمير ودبر إليهم حاكماً وخطاً لواليه فحين وصل إليهم الحاكم والخط استطاعوا له فتدبر ما كتباه. (1/387)
صفحة 388
... قلت له: وما سبب ابتلاء الناس بالنساء وبالأموال وأهل الظلم؟ قال ذو الغبراء: سببه بالمقاربة والمجاورة والمداخلة فإن كف الإنسان نفسه عن ذلك سلم في دنياه وإن فتح لنفسه باباً فتح الشيطان له سبعين باباً، انظر في قصة الرجل الذي استكفى من المعيشة بالقليل ولا استضاف الناس في سفره بتجارته فقد ملك نفسه الجموح باللذات والمحارم ولكن بلاه الله بالسقم فوصل مع الطبيب ودله بأكل حلوى البيض ولحم الكبش الحولي الخصي المغلي (1) على النار بالأبازير مع خبز الجواري فعمله الرجل فبرئ جسمه وشاروا عليه أهل الرفاهية فدخل على بيوتهم وأكل ما طاب له فعمد إلى مداخلة الجار والأرحام والأمراء الكرام فحملوه الهدايا والعطايا فاعتادت نفسه على ذلك وأعجبته مجالسة النساء من أرحامه فعشقته ابنة أخته فجعلت تكرمه وتبخره وتغسل له ثيابه وهو ينظر إليها بالمودة وكل منهما أكن في قلبه مطلوب صاحبه ولا اتفقت لهم خلوة في البيوت، فأقبل عليهم عيد الأضحى وسار الرجل يسقي بمائه في ماله فتزينت ابنة أخته وحملت له طعاماً فأكل ما طاب له من العيش وفرحا بالخلوة فهم بها وجامعها، وترك الماء والناس ينظرون من أعلاهم مع صلاة العيد فأسرعوا في قربهما وأخذوه من جسمها وجعلوا لجسمه نيلاً ونورة وأتوا به (2) إلى القاضي وسألوه عن جوابه فقال القاضي: الفاعل بمحارمه يهدف من أعلى الجبل وكذلك ناكح الدواب والرجال وأما الذي زنا بغير محارمه وكان محصناً فإنه يرجم وإن كان غير محصن فإنه يجلد مائة جلدة، والعبد المملوك فعليه نصف الحد وأما الذي يلزم الضمان ففي رقبته وأما الصبي فلا عليه حد، وبعض جنايته على قول في ماله، وفي ما لا اختلاف في لزومه في ماله فبعضهما يكون على عاقلته والإمام يقيم الحد فإن عدم فالحاكم والجماعة منتظرون ولا يجوز لأحد أن ينافس في إخراجه من حبسه قبل أداء الواجب عليه والإنسان مخير في العفو عنه
__________
(1) 1 – في الأصل : المغلاي
(2) 1 – في الأصل : وأتوه (1/388)
صفحة 389
أوأخذ حقه، وكل من أقر بما يجب عليه الحد ثم أكذب نفسه فلا يقام عليه حداً ولا يؤخذ بإقراره في القيود، وكذلك الشهود إن رجعوا قبل أن يحد فلا عليهم حد وأما إن رجعوا بعد إقامة الحد فعليهم الحد ولا يبين لي في هذا الزمان يصح شهادة الزنا على أحد لأنه لا يجوز النظر لعورات المسلمين، وإن نظر أحد على غير اختيار فلا يجوز له أن يخبر المسلمين لينظروا وإن أخبرهم فلا يجوز لهم النظر ولا التجسس لعورات المسلمين وخاصة بالليل فلا تصح شهادة فيه إلا بحضور النار، ولا يجوز لأحد أن ينظر إلى الزاني متعمداً، ولا يجوز للمسلم أن يخوض مع الخائضين ولا يتجسس على عورات الناس، وأما إن قال على سبيل التحذير للمسلمين أن فلاناً متهماً بكذا وكذا من الخنا والزنا والسرقة واحذروا من قربه وخدائعه فهذا لا بأس أن يذكر بما فيه من غير تصريح . قال : وأحاطوا بالرجل الزاني في سكك المدينة وسحبوه بحبل قد عقد في رجليه فمات بالخاتمة الخبيثة، وقد كان مجتهداً في عبادة ربه فهذا أمر من تابع النفس في شهواتها فلا بد من البلاء وإن سلم في الأولى والثانية والثالثة والرابعة وفي المائة والألف فإن تكاثرت عليه الخطايا والزلل فينتهي ينهمك في الفاحش والكبائر، وإن ظهرت لك من أخيك سيئة في دينه فاعلم أن لها أخوات كثيرة باطنة وعلى الإنسان أن يراقب نفسه في كل ساعة فالماضية قد فاتته والمقبلة عليه لا يعلم أنه يدركها أم يتقاصر عنها فكثير مات بغرق أو حرق أو طاح من نخلة أو بيت أو انهدم عليه عمار أو فلج أو قتل في نومه أو كان يأكل طعاماً فيه سم أو كان عظماً أوشرب ماءً فتشرق ومات من جرعته أو ركب حصاناً أو دابة فطاح فمات بساعته، وعلى هذا القياس كثير في موت المفاجأة. (1/389)
صفحة 390
وحكي لي عن ملك جيّش جيشاً عظيماً وسرى به فلاقاه رجل وعليه ثياب رثاث وقهر (1) عليه لجام الفرس، فقال الملك: ما مثلك من يقهر لجام الملوك، فقال الرجل: إن لي جاحة وأردت أن أسرك بها، فحنى الملك رأسه قليلاً، فقال له: أنا ملك الموت أمرني ربك بقبض روحك، فقال الملك: أمهلني قليلاً حتى أفرق هذه الأموال والخزائن، فقال: لا لك إلا ما قدمت ولا أنا مؤخر عنك لمحة فقبض روحه، فسقط من حصانه ميتاً فصار من أهل النار، وتشتت الجيش ثم قصد ملك الموت إلى رجل من العباد فسلم عليه ورد العابد الجواب، وقال له : ما حاجتك أيها الرجل ؟ فقال: انا ملك الموت وأمرني ربك بقبض روحك على أي حالى أردت فأجابه في سجودي لله هذا فقبض روحه وصار من أهل الجنة، والموت مقبل على كل أحد من الإنس والجن، وعلى العاقل أن يتأهب كما قال الشاعر:
الموت لاشك آت فاستعد له ... إن اللبيب بذكر الموت مشغول
فكيف يلهو بعيش يستلذ به ... من التراب على عينيه مجعول
وقال غيره:
مشيناها خطىً كتبت علينا ... ومن كتبت عليه خطىً مشاها
ومن كتبت منيته بأرض ... فليس يموت في أرض سواها
وقال غيره:
لا دار للمرء بعد الموت يعمرها ... إلا التي كان قبل الموت يبنيها
فإن بناها بخير طاب مسكنه ... وإن بناها بشر خاب بانيها
__________
(1) 1 – قهر أي أمسك (1/390)
صفحة 391
اعلموا أيها الناس أن الدنيا دار غرور، ومكر وفجور، دار الفجائع والألم، دار المصائب والسقم، دار تقلب وأهوال، وأدوار وأحوال، دار أضغاث أحلام في طيب المنام، فإلى كم هذا الأمل الذي لا انتهاء له، والألم الذي لا شفاء له، والعمل الذي لا إخلاص فيه، والعلم الذي لا منفعة تليه، أإله غير العزيز الأكبر، أو دين غير دين النبي المطهر، أم جراءة على الحي القيوم، أم أمن من العذاب السموم، أم تحسبون أن الدنيا لكم تدوم، ألا أخبركم عن أمر تعاينوه، لا عن شيء تخبروا به وتسمعوه، شيب وهرم، وصحة وسقم، ووجود وعدم، وعافية وألم، ونور وظلم، وحسرة وندم، حال المنون واصلة وليس لها صارم، ويده حاسمة وليس لها حاسم، كم قطعت قبلكم من أمم، وأفرست بغصصها من ملك مكرم، أين ذو البؤس والنعم، وعاد وإرم، أين الملوك، أين أبناء الملوك والأقاصرة، والأكاسرة والجبابرة، أين أهل الوفاء والسداد، والذين لم يخلفوا الميعاد، أين الذين سولت لهم نفوسهم وأضلتهم عن طريق الرشاد، ولم يتخذوا من دنياكم هذه زاد، أين ثمود وعاد، ونمرود معدن الفساد، أين فرعون ذو الأوتاد، وبنو نبهان الذين استكبروا في البلاد، أين الذين عمروا جناتهم، وشيدوا بنيانهم، أين الذين حوزو ذخائرهم، وملكوا عبيدهم وحرائرهم، أين الآباء والأجداد، أين النساء والأولاد، أين الأحبة والعباد، أين العلماء والزهاد، أين الذين ركبوا الجياد، قبضتهم المنون، وفقدتهم العيون، كأنهم ما كانوا أهل عز ورفعة، ولا أهل مملكة ومنعة، أمسوا تحت أطباق اللحود، حتى تمزقت منهم الجلود، وصاروا معاشاً للدود، حتى أصبحوا أجداثاً دارسات، وأمست منازلهم تسفي عليهم الرياح الذاريات، قد فارقوا الأخوان والأصحاب، وثووا تحت أطباق التراب، قد صار ذكرهم مؤثراً في الكتاب، وعبراً لأولي الألباب، ومواعظاً للعلماء والخطاب، فندموا هنالك من حيث لا تنفع الندامة والبكاء، ولا تغفر الزلل والأخطاء، فأما فائز بنعيم مقيم، وأما رهين في (1/391)
صفحة 392
عذاب أليم، ذلك يوم يشيب فيه الطفل والوليد، ذلك {يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ. إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ} (1) ، ذلك يوم القيامة، والعرق إلى الهامة، يوم الصاخة، يوم القارعة، يوم الطامة الكبرى، {يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الْإِنسَانُ مَا سَعَى. وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَن يَرَى. فَأَمَّا مَن طَغَى. وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا. فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَىَ. وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى. فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى} (2) ، جعلنا الله وإياكم ممن ارتضى من صفوته، ومن الراجين جزيل الثواب من رحمته، إنه هو أرحم الراحمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد المصطفى الأمين، وعلى آله وصحبه أجمعين.
الذكر الثاني والعشرون
في المواعظ والزجر والتوبيخ، وصفة ابتداء الزهد
قال صاحب ذي الغبراء: كان لي أخ فسرت إلى زيارته فلما رآني نهض مسرعا، وبالطعام مكرما، فقال لي: لعلنا نسير مع أخينا الذي هو أكبر سناً وعقلا، وأفصح لساناً، والساعة في مجلسه قائماً يذّكر الناس وعظاً وأديانا وزهداً، قلت له: نخاف إن سألناه يردنا ويفضحنا، أو يقول لنا تلويحا كما قال الشاعر:
لا ينفع الوعظ قلباً قاسياً أبدا ... والحبل في الحجر القاسي له أثر
...
إذا قسا القلب لم تنفع موعظة ... كالأرض إن سبخت لم يحيها المطر
...
__________
(1) 1 – الشعراء : 88 - 89
(2) 2 – النازعات 35 - 41 (1/392)
صفحة 393
فقال ذو الغبراء: زيارة الأخوان إذا وجد الإنسان الإمكان فيها إعانة لأداء الفرائض في أوقات الزمان، وصلاح النفوس والأبدان، وحاشاهم عن أقوال الزور والبهتان، ولهم مخافة من ربهم المنان، قال: فقصدنا إليه ورأيناه جالساً والناس من حواليه، فسلمنا عليه، فرد جوابنا وهو قاعد على ركبتيه، ثم قال: لا يدخل قلبكما جفاء، فإنا لا نقوم من مجلسنا إلا لعلمائنا ووالدينا، وكيف الحاجة التي دعتكما إلى وصولكم إلينا؟، قلنا له: إرادتنا أن نشفي أجسامنا بحلاوة (1) الذكر، قال: سمعت بأن ملكاً ينادي كل يوم بالمشرق ليت الخلق لم يخلقوا، فيجيبه ملك بالمغرب ليتهم إذا خلقوا تفكروا وعقلوا، قال: ووجدت في الكتب أن لله ملكاً يقول يا أهل الدنيا مهلاً من الدنيا مهلا فإن لله سطوات ونقمات، فلولا رجال خشع وأطفال رضع وبهائم رتع لصببنا عليكم العذاب صباً صباً، ولرضضناكم في العذاب رضاً رضا، وقيل لبعض الرهبان لأي شيء قست قلوبنا وكثرت ذنوبنا ولا نتقرب إلى ربنا؟، فقال: لأنكم تركتم الآخرة، وعملتم أعمالاً خاسرة، وتركتم العلم، وظهر منكم الجهل والظلم، وضيعتم الأمانة، وأظهرتم الخيانة، ودخلكم الكبر والعجب، وضيعتم الصلوات، ومنعتم الزكوات، وقطعتم الصدقات، ومشيتم بالنميمات، وظلمتم الأيتام، وجرتم في الأحكام، وعصيتم الرحمن، وأطعتم الشيطان، وسايرتم النساء، وتعاملتم بالفجور، وشهدتم بالزور، وتواضعتم للأغنياء، وتكبرتم على الفقراء، وقست قلوبكم، وكثرت ذنوبكم، فلا واعظ زاجر، ولا خائف حاذر، كلامكم حلو، وفعلكم مر، وألسنتكم باشة، وقلوبكم غاشة، فلا من الله تستحيون، ولا إليه تتوبون، فعن قريب تموتون، ثم تبعثون فتسألون عما كنتم تعملون، فأين القرون الماضية، والأمم السالفة، ألم يخرجوا من القصور، وصاروا إلى القبور، فتغيرت وجوههم الحسان، وسالت أعينهم في الأكفان، وأكلت لحومهم الديدان، وصارت عظامهم رفاتا، ومنازلهم خرابا، فلا يسمعون
__________
(1) 1 – في الأصل : من حلاوة (1/393)
صفحة 394
من ناداهم، ولا يحسون من دعاهم، أبدانهم قد بليت، وأخبارهم قد نسيت، وآثارهم قد فنيت، فالله الله عباد الله في أنفسكم، فكأنما قد نزل بنا وبكم والسلام، واستمع لقول الشاعر:
يا أيها المغرور في سكرة الصبا ... أفق ويك إن الموت يجري على الأثر
فلا تغترر فالموت مر مذاقه ... تجرعه كالسم عن حل في الصدر (1/394)
صفحة 395
ومن التوبيخ: يا سفيه الرأي، أما تستحي من قلة الحياء، وطول الجفاء، بمن أجزل العطاء، وأحسن البلاء، وسئل اليسير فأعطى الكثير، ووعد الجزيل على العمل القليل، وستر العيوب، وغفر الذنوب، وصفح بحلمه، وجاد بكرمه، أما يراقب من لا يغيب عنه إذا استترت، ولا يخفى عليه ما عملت، وأحصى عليك ما قدمت وأخرت، وأسررت وأعلنت، واطلع على ما هممت ونويت، أما آن لك أن تتوب، أما آن لك أن تراجع وتنوب، أما آن لك أن تستحي وتنتهي، وتفطم نفسك عما تشتهي، وتقصر عن مساويك وترعوي، أما سأمت من الخطايا، وأنت عرض للمنايا، صرت في الدنيا وجيها حتى شغلت قلبك بذكرها، وركنت إليها كأنك مخلد فيها، فعظمت في صدرك، وأسرعت الإجابة إذا دعتك دواعيها، فلا تجد في الآخرة في قلبك مكانا، ولا لذكرها في صدرك قرارا، مالك يا مفتون بالدنيا التي ليست لك بدار، ولا لك فيها قرار، ما الدنيا إلا فيء زائل، أو حلم باطل، أو سراب لامع، أو برق ساطع، أليست كانت صاحبة أخيك وأبيك وأعمامك وذويك، هلا اعتبرت بما صنعت بهم فأبغضتها من أجلهم، ما أقل عبرك، وأعجز حفيظتك، وأسوأ نظرك لنفسك، يا عزيز الثمن لا تبع نفسك بالثمن الخسيس، وأعطيت فيها الثمن الربيح، أترضى بالنار عوضاً عن الجنة، ولا بالدنيا عوضاً من الآخرة، ولا بالخبيث عوضاً من الطيب، ولا بالزائل الفاني عوضاً من الدائم الباقي، ولا باليسير من الحقير عوضاً من النعيم الكثير، ضيعت أكثر عمرك، وقد طال ما أوقرت على ظهرك، فانتبه من رقدتك، واستيقظ من وسنتك، وافزع إلى التوبة قبل أن تؤخذ على الغرة، يا رهين الخطيئة، وأسير الهوى، وعرض الردى، وضجيع الأماني، مالك إن تذكر الموت فتفزع، وتذكر الحساب فتخشع، وتذكر النار فتصدع، حتى أنت في مؤنة الدنيا وعمارتها، وابتذال نفسك في صبابتها، لا بد لك من مال مجموع، وبناء مرفوع، وسرير موضوع، وملبس سَني، ومركب وطي، ومطعم شهي، ومنظر بهي، وفناء مشهور موفور، وشراب مروق، ووصف مقرطق، فتصدق (1/395)
صفحة 396
مقالتها، وتزكي شهادتها، وتفضح مبانيها، وتسر أجانيها، ألا وعظتها، ألا رحمتها، ألا زجرتها، ألا ذكرتها الموت، ألا خوفتها الفوت، ألا عرضتها على القرآن، وكامعتها إلى الإيمان، ألا حذرتها شفير القبر، وأريتها ما قدر لها من الذعر، وما عملت لها فيما مضى من العمر، ثم نظرت إلى جهازك الذي عملت به، وعملك الذي تقدم عليه، وإلى ما غرست فيه الضريع والزقوم، وأجريت فيه أنهار الصديد واليحموم، وأزرعت فيه الحسرة والندامة، والخيبة والكآبة، أترضى من دارك المعارة المرتجعة عن قريب، وقال شعراً:
تلين الجبال وقلبي حديد ... كأني على النار جلد جليد
فيا حسرتا عند وقت الحساب ... إذا قالت النار هل من مزيد
...
فقلنا له: بأي معرفة بلغك الله هذه الدرجة؟، فقال: بمجاهدة النفس والجوع والعطش وذكر الموت والحساب والعقاب والنار وما فيها من العذاب والأغلال والنكال، ثم ألهمت نفسي ذكر الجنة وما فيها من النعيم والحور العين فاجتهدت في الصيام بالنهار والقيام بالليل وأخذت العزلة وواليت أولياء الله ورسوله وعاديت أعداء الله ورسوله، ثم روضت نفسي ستة أشهر فلما تمت رياضتي أملكت نفسي بحول الله وقوته وهذا لكما بياناً إن أردتما الدخول في الزهد فروضوا قلوبكما فيه أربعين يوماً ثم انقلاه إلى الخوف أربعين يوماً ثم شوقا نفوسكما إلى الجنة أربعين يوما ثم الحب في الله أربعين يوماً فإن خلصت النية لله أخضع الله له الملائكة والإنس والجن أجمعين لأن الزهد والخوف كالكوكب المضيء على النجوم والشوق إلى الجنة كالبدر الطالع على النجوم والمحبة في الله كالشمس المضيئة ولا يكون الإنسان زاهداً حتى يكون عابداً ولا يكون عابداً حتى يكون ورعاً ولا يكون ورعاً حتى يكون عالماً ، وعليكما في الاجتهاد والانتباه كما قال الشاعر:
ألا فانتبه يا نائماً واهجر الكرى ... ألا فانتبه يا ساهياً وتذكرا
...
ألا فانتبه يا غافلاً وتفكرا ... فهل ترى حياً في الزمان معمرا (1/396)
صفحة 397
فحتى متى في روضة السهو راتع ... وحتى متى في خمرة اللهو جارع
وحتى متى للجهل خوداً مضاجع ... وتطلب يا ذا بالبواكر والسرى
فخذ بلغة تغنيك في كل غربة ... وخذ أهبة تشفيك من كل كربة
... ...
وخذ صاحباً منه ترى خير صحبة ... لرحلتك القصوى إلى شعر الثرى
وذلك تقوى الله خدن موافق ... لمن يصطفيه فهو خل موافق
أيا نعمة ذاك الصفي المشافق ... ... فلا السوء والمكروه صاحبه يرى
وأوصيك يا نفسي بتقوى إلهك ... ومسلكه لا شك خير المسالك
فإن أخا التقوى غدا غير هالك ... ويهلك من فيها عصى وتكبرا
فكم قائل في الليل وهو مصبح ... لتأتي غد منه الحوائج تنجح
وترجو رجاء ربما ليس يصبح ... وقبل انفجار الفجر في الترب صيرا
وقال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رحمه الله شعرا:
ألا ترى كل شيء تفنى بشاشته ... يبقى الإله ويثوي المال والولد
ولم تغن عن هرمز يوماً خزائنه ... والخلد قد حاولت عاد فما خلدوا
...
ولا سليمان إذ تجري الرياح له ... والجن والإنس فيما بينها ترد
وخص هنالك مورود بلا كدر ... فلا بد من ورده يوما ًكما وردوا
ثم قال لهما: أين الأولياء والصالحون والنساء والبنون، أين الأنبياء والمرسلون صلى الله عليهم أجمعين، آمين.
الذكر الثالث والعشرون
فيه ذكر إقامة شهادة النسب، ومنزلة الفقير وما لزمه وأصابه في زمانه وما جرى عليه من المسائل أكثرها ما يلزم فاعله بالخطأ.
قال ذو الغبراء: سمعت عن أحد من الفقراء يسمى زيد جاء إلى حلقة الذكر يسأل عن أمر دينه، ثم وصلوا رجال من بلد أخرى وسألوا عن رجل قتل ابنة عمه هل يرثها؟، قالوا: لا يرثها إن كان أحد لها من العصبات وإلا فرجوع المال كله لذوي السهام وإن أعدموا ذوي السهام والعصبات فعلى أكثر القول للأرحام وميراث الأرحام فيه اختلاف بين المسلمين بالرأي فمنهم من يعمل بالتنزيل ومنهم من يعمل للأقرب، ومنهم في مسائل بالتنزيل وشيء منها بالقرابة وعلى هذا الرأي العمل في زماننا. (1/397)
صفحة 398
قلت له: وإن مات ولم يصح له وارث بالنسب ولا بنكاح وادّعى رجل أنه هو يرثه ولم يأت صحة في نسبه مما يثبت له به الإرث وقد ترك هذا الميت مالاً لا ماء له يسقى به وقماشاً والرجل المدعى مسكنه بعيد عن البلد متى حاز هذا المال أن يبيعه فمن أولى بهذا المال ؟، قال الشيخ ناصر بن أبي نبهان: عسى الله يحدث بعد ذلك أمرا ويصح لمال هذا الميت وارث، فإذا كان هذا لا بد أن يبيعه فالأحسن أن يولى فقيراً، وإن وجد من عشيرة الهالك فأحسن أن يكون هو المتولي لذلك لأنه أقطع لطمع غيره عن التعرض للمال تعرضاً يأتي عليه تلافه ويكتب ورقة ويشهد فيها على نفسه أن هذا المال خلّفه فلان بن فلان متى صح له وارث يعطى إياه وذلك على نظر الصلاح لسقيه ما فيه من نخيل وأشجار وأما إن كان أروضاً خالية فأولى تركها حتى يقع الإياس فيصح أن يستنفع بزرعها الفقراء على بعض قول المسلمين دون بيعها، والقماش يترك حتى يقع الإياس فيجوز بعد ذلك أن يعطى فقيراً في قول بعض المسلمين وفي قول بعض المسلمين أن المعطي بكسر الطاء يوصي إن صح له رب يخير بين الأجر والغرم من مال هذا المعطي والله أعلم. (1/398)
صفحة 399
رجعنا إلى القصة: وشرحه فيه يطول الكتاب فقالوا أصحاب القاتل في صحبتنا رجل أعمى أكبر منا سناً وأوثق عقلاً فجاءوا به وسألوه أهل الحلقة عن شهادته للنسب لأنها تجوز شهادة الأعمى في النسب خاصة دون تالي الشهادات فشهد بمحضرهم بأحد من العصبات ولا صحت في الحكم لأنه مما ينبغي يقول الشاهد هذا محمد بن سعيد بن علي والهالك راشد بن ناصر بن علي وأن علياً الذي ذكرته أشهد به أنه أب ناصر أو سعيد لا يدخل في قلبي شك ولا ريب فإن صحت شهادة النسب شاهدين عدلين بمرتضى ومرتضيتين لأحد فالمال له والشهرة صحيحة تجوز، فقالوا السائلون: لا نعلم للهالك عصبات ولا أحد من ذوي السهام إلا زيد بن عميرة بنت عبدالله والهالكة موزة بنت عبدالله وعبدالله المذكور هو أب عميرة وموزة تكون لزيد خالته والذين شهدوا هم ثقات وسئلوا قبل أن يشهدوا فعلى هذه الشهادة قالوا أهل الذكر ثابتة والمال لزيد، فنهض زيد في صحبة أخواله وحاز المال كله وأعطوه الوصية فقرأها ورضي بها فنفذت الوصايا والضمانات وما بقي له مائة ألف درهم أو أزيد فشغلته الأموال عن التعليم والسؤال فأقبل عامل السلطان الجائر يريد الزكاة من الثمرات والمواشي والنقود، فقبض من زيد من زكاة النخيل ألف جراب ومن الحبوب ألف جراب ومن المواشي ثلاثون رأساً غنماً ومن النقود أربعمائة درهم فجاء إليه في كل حول وفي ظنه مؤدي زكاته ومكث زماناً لا يشتري من غلل ماله شيئاً ولا يطعم ضيفاً وعلى ما في يده حريصاً فلاح في قلبه أن يقصد إلى الحج بحجة خالته وأن يقيم في مكة إلى قابل حتى يحج عن نفسه فجهز زاده ووادع أهله وركب على حماره ولا صلى ركعتين في بيته ولا عقد نية في حجة خالته فجد في السير بالنهار في الفيافي والقفار فلاقى رجلاً في البرية قد أصابه جوعاً فخاف على نفسه من الموت وسأل زيداً طعاماً فلا سمحت نفس زيد فمات السائل في الطريق، ثم في اليوم الثاني زيد نظر رجلاً نائماً في الطريق، فقال النائم لزيد: قد (1/399)
صفحة 400
أجهدني العطش فلعلك تتصدق عليّ بشيء من الماء ولك الأجر، فقال زيد: مائي قليل، فقال الجهيد: احملني يا زيد على الحمار والماء قريب جدا، قال زيد: لا أقبل قولك، وساق حماره وضوى (1) مع الماء فانحدر عن حماره وسار يأتي حطبا وجلس للبول والغائط مستقبل بوجهه القبلة والريح فرشه البول في ثيابه، وجاء إلى التطهر من الماء الراكد القليل فتطهر منه وغسل ثيابه وتوضأ منه غير ساتر لعورته، ثم نهض ولبس ثيابه فجلس منتظراً إلى حضور الصلاة متكئاً بيده فغط وقام للصلاة فصلى ثم قام يصلي نافلة فأحرم وتلا في قراءة الحمد فسمع صبياً يستغيث به وبالمسلمين هاجم عليه جمل فقتله فلما تم زيد من صلاته قصد إلى الصبي فوجده ميتا والبعير عنه قائماً وفي اليوم الثالث زيد رأى الظلمة وفي أيديهم أسير فالتجأ الأسير بزيد فسألهم زيد بتفليت الأسير فقالوا لزيد أنت رجل يدك طائلة معنا ولكن نريد من عندك مائة درهم لتفليت الأسير فأبى زيد عن الفداء ورحل زيد عنهم فقتلوه الأسير، وفي اليوم الرابع لاقى قوماً من جنود الظلمة فسألوه عن الماء فأخبرهم به فوجد في صحبتهم عبداً مملوكاً وبادله بحماره جملا وزاده سبعين درهما فركب زيد على جمله ودخل به البلد فحمل الجمل من مقدمه على أهل البلد فهلكوا الصبيان ثم خرج به من البلد وأناخه تحت أشجار مثمرة ثم نظر صبياً ومعه عبد مملوكا فقال لهما: اوصلا عندي، وقال للعبد: اطلع الشجرة وهزها لنجني من ثمرتها فطلع العبد وطاح فوق الصبي فمات الصبي، والعبد تكسرت أضلاعه، ثم ركب جمله ومشى به على السيوح المقطعة والطريق المخوفة، فطالعوه عشرين رجلاً فارتفع عنهم بشاهق الجبل ومعه تفق فضربهم به وأثر فيهم القتل والجراح، فولوا عنه مدبرين وبرحوا رجلين مقتولين ومعهما رجلاً أسيرا أصابته ضربة رصاصة في صدره ومنها يخرج الدم، فاستجار الأسير بزيد ففلته من كفاته، وأخبره بقصته وجراحه ومات من ساعته، فنوى إليه لتغسيله بالتيمم
__________
(1) 1 – أي وصل (1/400)
صفحة 401
وصلى عليه ودفنه في مكانه، ثم قصد في طريقه فوجد جراب تمر فأخذه وأكله، وجاء صاحب الجراب وعنده شاهدين أن الجراب تركه في الطريق قد كلت عن حمله حمارته، ومراده ليرجع إليه ليحمله على حمارة أخرى فألزم زيد فيه، وقال في جوابه إني ظننت أنه من اللقطة التي لم يرجع إليها صاحبها، ثم قصد الطريق حتى وصل البندر، فاستقعد (1) بيتاً فقصد للصلاة إلى المسجد فوجد رجلين مختصمين يدّعي أحدهما دراهم على صاحبه قد وجبت عليه فأجّل بينهما زيد شهرا، فدخل في قلبه الخجل الذي له الحق من زيد وفي تلك الساعة قادر على أخذ حقه من صاحبه، فبعد أيام أفلس الذي عليه الحق وشكا من صاحبه فجاء صاحبه بزيد شاهد ومؤجل بينهما، فقال الحاكم الدراهم لازمة على زيد فألزمه فيها وسلّمها زيد في شهر رمضان، فهجم العدو بالنهار في رمضان فخرجوا أهل البلد للعدو وزيد في صحبتهم راكب جمله حامل عليه زاده وماءه، وتناظروا أهل البلد والعدو فأقبل العدو عليهم وصح بينهم القتال وأجهدهم العطش أصحاب البلد فسألوا زيداً عن الماء الذي على جمله، فقال: لا يجوز شرب الماء نهاراً في رمضان فمنعهم عنه ومات من مات، ورجع زيد والباقون إلى البلد، ثم ركب زيد في السفينة وأصابتهم دوقة فحضرت الصلاة وقام يصلي زيد بلا وضوء ولا تيمم ولا إيماء به، وأدبرت السفينة بالقبلة قبل أن يحرم فأحرم على غير القبلة، ثم دارت السفينة إلى القبلة لتمام صلاته فبدا له أن يسير إلى برج السفينة للبول فلكش (2) رجلاً في مشيه وطاح في البحر ومات، فرجعت السفينة إلى البندر ونزلوا إلى البر، فاشتبه عليهم هلال شهر الحج فوقف زيد بعرفة مع الناس ومشى من عرفة قبل مغرب الشمس، وجاوز وادي محسر بعدما طلعت الشمس، ورمى جمرة العقبة من أعلاها، وقصّر قبل الذبح، وطاف بالبيت للزيارة ولم يحفظ ما طاف من الأشواط، ورقد في مكة في أول الليل، وفي آخره رجع إلى منى وذبح وطعنها طعنة بأطراف
__________
(1) 1 – أي استأجر
(2) 2 – أي ضرب برجله (1/401)
صفحة 402
السكين، ثم أخذ حطباً وقلع شجرة صغيرة مخضرة وضرب الصيد في الحرم فأكله، وقصد إلى الطائف ونزل في شيء من بلدانه واستقعد بيتاً لأيتام ونظر في البيت امرأة مراهقة تطهر من البول فرأى قبلها ودبرها ومحاسنها فخطبها وتزوجها، ثم سمع امرأة تشتكي من بعلها فأعطاها دراهم لتفتدي من زوجها وعاهدها ليأخذها فافتدت من زوجها ورجعت معه فأخذها، ثم هلكت بسبب دخوله إليها أخلط قبلها بدبرها، ثم تزوج يتيمة ودخل عليها فلما بلغت غيرت منه وجامع امرأته الأولى في الطهر في أيام حيضها وراجعها بعد ذلك فسأل أهل المعرفة عن نسائه بما جرى عليه فأفتوه بالتحريم، فقال له أحدهم: أما سمعت يا زيد عن المرأة التي عرضت على الزاهد ودخل في قلبه حبها، وقال لها: إني أودك ولولا عندك زوج وإلا أخذتك فعرضت في طريقها على رجل آخر من الشبان الذي أعجبته نفسه فعمد إلى ارتكاب المحارم، فلما رآها الفاسق عشقها وبيده قهرها ليفجر بها فلم يقدر بحيلة عليها، ثم هلك زوجها واعتدّت منه وهؤلاء الرجلان قصدا معها إلى الخطبة مع أوليائها، فقالت لأوليائها أنا أريد الزاهد لأنه ذكر لي ودي وأنا مع زوجي وقال لولا عندك زوج وإلا أخذتك، والساعة ليس لي زوج وأنا أريده، والثاني الفاجر أراد بذل ماله ليفجر بي بالحرام فبغضته من معصيته الله ورسوله، والزاهد أراد بي لإحياء السنة، فقال لها القاضي: لا يحل لك الزاهد وهذه المسألة موجودة في الكتب كصراط الهداية والتبيان وبيان الشرع، والرجل الذي أرداك بالحرام فأنتِ له حلال فزوجه بها برضاها ورضاء وليها، فقال الزاهد للقاضي: لعله رشاك الفاجر وسايرته على الحرام، فقال القاضي: ما حكمت إلا بالحق وإنك تجد هذه المسألة في الأثر. (1/402)
صفحة 403
ومن نصحي لك لا تطعن في أهل المعرفة؛ انظر إلى قصة الرجل الذي وجد زوجته في حجر رجل متجردان فرجع عنهما، فقال له قائل: إنها حرام عليك وخرجت عنه وتزوجت برجل ووكلت الثاني ليخاصم لها بما في أوراقها من صداقها فشكاه مع حاكم البلد ولزمه في العاجل والآجل فأخذ مهلاً ثلاثة أيام فأخبر الرجل الشيخ ناصر، فقال الشيخ للرجل : وأنت نظرت الذكر في قبل المرأة ومع ذلك اهتزاز ورهزاً، قال الرجل: ما رأيت هذا، فأرسل الشيخ إلى المرأة فوصلت معه فقال الشيخ لفظ عليك هذا الرجل بالطلاق؟، قالت: لا طلق بلسانه ولكني خرجت عنه بحرمة وهو أقفر (1) بها، فقال الشيخ لها: أنت زوجة الأول لا زوجة الثاني فارجعي إلى بيته وأما أنك سلمي له الأوراق التي فيها الصداق وما سلمه لك من شرط الاتفاق، فعزمت المرأة للافتداء وأعطته ما قال لها الشيخ فطلقها فانظر على منافع العلماء.
__________
(1) 1 – أي أعلم . (1/403)
صفحة 404
رجعنا إلى القصة: فمشى زيد إلى السوق وشرى خادماً بثلاثين درهماً، وصاحبه الخادم إلى بيته وجاء الدلال يريد ثمن الخادم بين المغرب والعشاء الآخر، فأذن له زيد بالدخول فدخل الدلال البيت وطاح في الطوي وتكسر ولم يخبره زيد بالبئر، ثم ظهرت بالخادم علة في محارمه فوسمه (1) زيد بيده فبرئ ولكنه عطل الخادم عن الجماع فعتق بوسمه وخرج عنه، ثم زيد أخذا ناراً ووقف في الطريق يكلم رجلاً فهبت الريح وحملت بالنار فأحرقت الخيام والأموال والأنفس، ثم قصد زيد على المسجد فرأى رجلاً أعمى ذاهباً عن الطريق وقاده إلى المسجد وتكفر (2) الأعمى بدابة في الطريق فطاح وتكسر ولم يخبره زيد بها، ثم قصد زيد على حج بيت الله الحرام وإلى زيارة قبر النبي عليه السلام فحج وزار وسعى، ثم قصد مع البداة وشرى خادماً من عندهم وأخذ الخادم إلى بيته، فقال الخادم لزيد: أنا عبد مملوك لفلان ابن فلان الفلاني وهؤلاء البدو كسبوني وخفت على نفسي القتل لأخبرك بهذا، فبعد ساعة جاء مولاه وحضر شهود له بأن الخادم خادمه فأخذه مولاه، ورجع زيد عند البداة فلم يجد لهم سبيل فالتبست عليه الدنيا ودخلت عليه السوداء، فمزق ثيابه حتى بدت عورته على المسلمين فألزم التوبة والاستغفار، والناظر والمنظور مصيرهما على النار إذا كانا بالغين وفي العقل ثابتان، ثم قصد زيد إلى الفلاة يطنف (3)
__________
(1) 1 – الوسم : الكي
(2) 2 – أي تعثر .
(3) 3 – أي يرعى .. (1/404)
صفحة 405
جمله فرأى أحدا من البداة وبادلهم بجمله ناقة فصحت عليه بالشهادة أنها مكسوبة فأخذها صاحبها من عنده، ورجع زيد يريد البعير من عند صاحبه فلم يجد لهم خبرا ولا أثرا، ثم شرى جملاً وسرقوه عليه اللصوص فمشى زيد في طلبه فوجده مذبوحاً وهربوا اللصوص فأخذ زيد لحم البعير وأكله وحمل منه إلى جاره، فلقي رجلاً لصاً في بيت جاره فأخبر به جاره فألزم اللص ولم يقر بالسرقة فجلد حتى مات، فدخل زيد على رجل من الأغنياء يعوده في مرضه فحين دخل عليه جعله وصيه ورضي به على نفسه فهلك الغني وخلّف أيتاماً ونفذ زيد وصيته بغير مشورة من أهل العلم والحكم، ثم جاء حاكم لتلك البلد وأراه زيد الوصية، فقال الحاكم: هذه الوصية سقيمة الألفاظ معدومة من الأشهاد، والورثة أيتام ارجع لهم ما أذهبت من أموالهم يا زيد، فرجع لهم بقدر سبعين توماناً فعلم سلطان البلد بحسن سيرة زيد فقربه وأعجبه زيد وصحب سلطانه إلى هلاك قوم أحسن سيرتهم من سيرة السلطان وأقل ظلماً فحرب السلطان بيوتهم وأموالهم وقتل رجالهم فرجع السلطان إلى حصنه وزيد في صحبته، فقرب السلطان طعاماً لزيد وأمره بالجلوس في مجلسه وخرج عنه السلطان وأمره بالأكل، فخجل أن يجلس في مجلس السلطان وخالفه وجلس في مكان آخر فوطئ ابن للسلطان نائم وهو طفل فقتله برجله، فخرج زيد من الحصن قاصداً إلى المسجد لصلاة النافلة فحين رقد وجاء إلى المسجد رجل أعمى يريد أن يصلي الفرض فتكفر بزيد وتكسر الأعمى، فخرج زيد لإراقة البول فسمع صبياً يصيح ويستغيث في شيء من الخرابات الموحشات، فوثب زيد إلى إعانة الصبي فرأى رجلاً ينكحه فقبضه من يده والدم يخرج من فرجه سائلاً إلى جسده فحمله إلى بيت أبيه فأخبر والده بفعل الناكح لولده، فغضب والد الصبي وتقلد بسيفه وقتل به ناكح ولده، فعلم السلطان بالمقتول ودعا بالقاتل فوصل بين يديه وسأله عن جراءته لقتل الرجل فأخبره بفعله لولده وجر شاهداً زيداً فشهد زيد بما رأى، فقال السلطان (1/405)
صفحة 406
للحاكم: احكم بما أراك الله، قال: يلزم أن يقاد القاتل إلى أولياء المقتول وزيد يجلد ثمانين جلدة، لأنك أنت ملكت مصر من الأمصار وجعلت فيها العلماء والحكام والمعدلين فيقيم العلماء أحداً يقيم الحدود، قال زيد: أريد أسأل أهل المعرفة وأوصي بما يجب عليّ قبل إقامة الحد فسأل عما وقع عليه في زمانه ومهما حضر في قلبه فألزموه التوبة والاستغفار، وتسليم الديات الذي وجبت عليه وشيء منها على عاقتله فدبر على عاقلته فأخبرهم بما وجبت عليه وعليهم من لزوم العاقلة، فرموه أهله بالعداوة والبغضاء وقالوا لا نسلم حتى يحكم علينا حاكم عدل وهذا قول العلماء فتوى، والعاقلة يلزمها في فعل الخطأ إذا بلغ نصف عشر الدية وتلزم العصبات أولهم من كان أقرب إلى الملزم فيسلم أربعة دراهم والذي يليه كذلك حتى تكمل الدية وإن لم تكف ولم يصح النسب فلا تعقل العاقلة أكثر من أربعة دراهم والباقي على الفاعل، قال: فجلدوا زيد ثمانين جلدة وسلمه الله من الموت فباع جميع ما كان في يده ومكث سبع سنين مجتهدا في خلاص نفسه وبقي عليه كثير من حقوق العباد وحضر في مجلس أهل الذكر، وقال لهم: اشهدوا عليّ أني برأت نفسي مما لزمني من حق العباد وليس في يدي شيء فشهدوا عليه، فقال له أحدهم: ذهب مالك يا زيد وأحذرك عن مسائل؛ فالأولى عن الأمانة إن لم تجتهد في حفظها فإن أصابها الذهاب فأنت ضامن لصاحب الأمانة، والمسألة الثانية أحذرك أن تتزوج امرأة من نسل امرأة التي دخلت عليها بالفاحشة وكذلك أمها لا تجوز لك ولا جداتها، وكذلك إن نكح رجل تهيماً فلا يجوز للناكح أن يتزوج من نسل المنكوح وأما المنكوح فجائز له أن يتزوج من نسل الناكح، والمسألة الثالثة رجلان تصاحبا فنزلا في قرية فخطب أحدهما امرأة فتزوج بها، ومذ طلقها زوجها الذي دخل بها الأول لها سبعة أيام قد شهدوا أناس بذلك فلم يرض المتزوج وأراد أن يحولها فردعه عنها الحاكم حتى انقضت عدتها، فتزوجها صاحب زوجها وحرمت على (1/406)
صفحة 407
الأول المرأة بإصراره، ثم قصد إلى السفر ودخلا قرية فيها من أهل الكتاب وهم حرب على المسلمين فتزوج الرجل من نساء أهل الكتاب، فقال له صاحبه: لا يحل لك، ثم سالموا أهل الكتاب فأخذ المرأة الرجل الثاني، فقال له صاحبه: كيف قلت لي أنها حرام عليّ وأنت لك حلال الساعة؟، قال له: هكذا نطق الكتاب. فقال زيد: أحسنت أحسنت، وبقي زيد مفلسا يخدم على نفسه كما سبق في شبابه. (1/407)
صفحة 408
ثم جاء معه رجل وقاطعه بأجرة على أن يسقي بالماء في الليل وقال له: أتعرف الفرغ؟، قال: أعرفه، فقال له: رد الماء إذا طلع فلما طلع الفرغ المقدم قال زيد لعله فرغ المؤخر ورد الماء بطلوع فرغ المؤخر والماء معهم معدوم وقعده غالي كثير، فجاء ينظر المال صاحبه فرآه ناقصاً عن شربه السابق، فسأل زيد عن رده للماء فأخبره بالفرغ المؤخر رد الماء فغضب عليه صاحب الماء وشكاه فلزمه الحاكم غرم الماء الذي خالف في رده فثبت يخدم أياماً ويعطيه نصف أجرته لقوته، ثم مشى زيد على ساقية الفلج في الطريق ونظر إلى الماء يفيض غائباً فلم يسده، فألزمه الحاكم حين شكاه صاحب الماء فخدم له يومين وأخذ نصف الأجرة لقوته، ثم جلس زيد مع أحد إخوانه وأخبره بقصته، فقال له: مثلك كثير يا زيد قد غلبهم في الطبع البلغم فلا تحضر قلوبهم، وقد حكي عن رجل أمر رجلاً ليقعد له أموالاً وقال له: استقعد لي منها ثلاث قطع فصح بين الناس الزبون على يد الدلال فدخل في قلبه على القعد صاحب الأموال، فلام الدلال بقلة الحشمة من أناس في الذي أرادهن انظر إلى قلة عقله في تصريف ماله، وقد حكي لي عن رجل جعل صاراً (1) ليشوي فيه لحماً متى أراد فجاء العيد وقيل له: لنصنع بهذا اللحم مشاكيكاً (2)
__________
(1) 1 – مكان الشواء .
(2) 2 جمع مشكاك وهي اللحم يوضع في عمود رفيع من الخشب أو الحديد ليشوى عليه .. (1/408)
صفحة 409
قال الرجل: ما عندي مكان ولا أحيد مكان إلا يحفرون الناس صاراً في الطريق وقيل لي أنه لا يجوز، قلت له: وإن لم أحفر ولا سعرت فيه بالحطب ورأيت الناس يشوون يجوز لي أن أشوي معهم؟، قال: لا يجوز لك هذا قول الشيخ ناصر، وهذا الرجل لم يذكر الصار الذي حفره سابقاً فرأى الناس يعملون فيه المشاكيك وكان يستمع لرجل في القراءة فرد على القارئ فسأل القارئ الراد كيف قلت لي؟، قال: لا أحفظه بالذي قلته فالقارئ تذكر وصلح قراءته، ورجل آخر متحزق بكيس فيه قرش فجاء رجل وأخذ القرش من حزاقه مازحاوهو ينظر إليه، فخرّج صاحب القرش والذي أخذه من الدكان فقال الذي له القرش للجماعة: من منكم أخذ القرش من الكيس؟، فتبسموا مازحون ولا عرف الذي أخذه من حزاقه نهاراً ينظره وهو صحيح العقل، فرجع زيد على وطنه وأخبر أخيه بقصته وبذهاب أمواله كلها الذي ورثها من خالته.
... وقال في هذا المعنى الشيخ علي بن ناصر شعراً:
أحسن الله العزاء ... وانطفى هذا البكاء
من زمان كنت فيه ... ساحباً تيهاً رداء
لم تزل فيه عظيماً ... وتفوق العظماء
ذا سرور وحبور ... فيه تلتذ الصفاء
وإليك الناس أضحت ... في غناها فقراء
فتبدلت بفقر ... بعدما ذقت الغناء
وببؤس واحتقار ... لا ترى فيه الوفاء
وببغض بعد حب ... ترتجي فيه البقاء
وببعد من قريب ... بعد قرب لا نياء
وجفاك الخل وأع ... ... والجفاء
وغوان في معان ... غانيات تتراء
كشموس بسماء ... فراق السحب السماء
فتناءت بقلاء ... كن يقلين القلاء
وجميع الناس طراً ... لا يحب الفقراء
إنما للفقر داء ... ماله يلقى دواء
لو يكن ذو الفقر حبراً ... عالماً حاز الثناء
وجمالاً وكمالاً ... ... ثم آلاً وسخاء
فجميع الحسن فيه ... فهو قبح ما أضاء
أيها الجاهل فاسمع ... واعتبر واكثر دعاء
كدعاء قل يا إلهي ... ولّني منك احتباء
وأعني في أموري ... وأمط عني البلاء
واغنني عن كل مخلوق ... غناء لا ابتلاء
واكفني في طول عمري ... دون محصول عناء
وله أيضاً يمدح حمد بن عمير:
سليل عمير أنت عامر دارنا ... ... بخير وإحسان وأنسة فاضل (1/409)
صفحة 410
لطيف عفيف صالح متورع ... ... كريم حليم ما تراه بجاهل
له خلق زاك ونفس سخية ... ... بما معه للمعتفي والأرامل
صبور على خطب الزمان وبؤسه ... ... شكور إذا جاءته سحب الأنامل
فما فيه غير الفقر عيب وحسنه ... ... مع الناس إلا مع كرام قلائل
وأسأل ربي أن يغيث ربوعه ... ... وإياي غيث المخصبات الهواطل
فإن إلهي فاعل ما يشاء بنا ... ... ولا خاب داعيه إلى نيل نائل
وقال: العلماء اختارت أربع كلمات: الأولى لا تثق بالنساء، والثانية لا تحمل معدتك ما لا تطيق، والثالثة لا يغرك المال وإن كثر، والرابعة يكفيك من العلم ما تنتفع به، وعليك السلام.
الذكر الرابع والعشرون
فيه ذكر العالم والمتعلم، والمتزوج والذي ليس متزوج، وقصص من المسائل الشرعية في الأديان والأحكام والأكثر منها بالذي لا يلزم فاعلها بالعمد خلافاً الذي (1) ... لزيد وهذا حططنا الاسم فيه أحمد أحسن للقارئ والمستمع.
__________
(1) 1 – الكلمة غير واضحة في الأصل . (1/410)
صفحة 411
قال ذو الغبراء: سألت صاحبي عن من مشى في شبابه بعلم، قال: نظرت رجلاً يسمى أحمد قد سافر عن وطنه لزيارة علمائه ويتلو اسم الله العليم حتى رأى العلماء فسلّم عليهم وصافحهم بالتحية والإكرام والإجلال للأعلام، وسألهم عن الفقير إذا طلب العلم ما أولى له من العلم؟، فقالوا: وأنت الطالب العلم؟، قال: نعم، فقالوا له: فإنا نعلمك كل يوم مسألة في أصول الدين فأخبروه بالمسألة وأمروه بالمسير عن الحلقة لطلب المعيشة والكسوة ومرادهم له لا يكون كلاًّ على الناس لأن المتعلم يلزم الأدب والأخلاق الحسنة، قال: فمشى عنهم وراجعهم في اليوم الثاني وسألوه عن المسألة فأخبرهم بأصلها وفروعها فعرفوه أنه أهل للعلم، فأخبروه بمسألة أخرى فعلى هذا كل يوم حتى حفظ بقدر حاجته لإعانة زمانه ولاح في قلبه ذكر النساء لما رأى مسائلهن في الأثر وتحركت شهوته بالودي والمذي والمني ولم يزل يطهر ثيابه وجسمه وآلمته عروق عانته، فسأل العلماء عن العزوبية أو يحمل نفسه الدين ويتزوج فقيل له من خاف العنت فليتزوج اقتداءً بالأنبياء والمرسلين، فعزم على نية التزويج وتلا اسمه الوهاب فقال يا وهاب هب لي امرأة صالحة لأحصن بها نفسي عن شهوة الحرام، فاستجاب الله دعاءه وقصد عند امرأة أمينة لتلتمس له امرأة صالحة قانعة، فسارت المرأة مع أختها وأخبرتها بالرجل وإرادته النكاح، قالت لها: فإن كان لك رغبة في التزويج والاحتمال فإنه يحب من مثلك فأجابتها بالإرادة فرجعت مع أحمد وأخبرته بالمرأة وأوليائها فقصد معهم وسألهم يريد منهم التزويج، فاجتمع رأيهم ليصلوا هم وإياه معها في بيتها ليسمع كلامها فأخبروها بالرجل وفقره وغربته، فرغبت فيه المرأة وزوجوه برضاها، وكتب لها صداقها وأعطاها أوراقها فدخل عليها، ثم وهبته صداقها بمحضر أهلها اتباعاً لقول الله تعالى: {فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَيْءٍ مِّنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَّرِيئاً} (1) فسأل أحمد زوجته عن
__________
(1) 1 – النساء : 4 (1/411)
صفحة 412
السعي في طلب الرزق ما الأحسن في ذلك لخفة أجسامنا وراحة قلوبنا لنبيت كل ليلة في بيوتنا؟، قالت له: السعي في التجارة أرفق لك ولجسمك، فقال: يا كافي يا غني يا فتاح يا رزاق اجلب ووسع على الرزق من حيث كان، ثم قصد إلى رجل من الأغنياء لطيف رحيم للفقراء فلما رآه سلّم عليه فرد جوابه، فقال له: كيف إرادتك من عندي يا أحمد؟، قال: أريد منك أن تسلفني ثلاثين محمدية بستين مناً قطناً على مدة انقضاء ستة أشهر زماناً، فقال الغني: وهذه الثلاثين التي أردتها وهي من زكاة لزمتني فكن متقبلاً (1) مني، فقال أحمد: قبلتها وجزاك الله جزاء المحسنين والحمد لله رب العالمين، فمد إلى للتجارة وبارك الله له فيها فثبت في تعليمه وقيام فرضه ومشى هو وعياله إلى الفلاة فرأى ماءً قليلاً في حفيرة إلا أنها تجري في باطن الأرض فابتدأ أولاً بالمسير إلى البول والغائط في مكان نازل مستدبراً (2) القبلة والريح، وقال أعوذ بالله السميع العليم من الخبيث المخبث الشيطان الرجيم فلما قضى حاجته قام وقال الحمد لله الذي أطعمني طعاماً أذاقني حلاوته وسقاني شراباً أذاقني لذته وأبقى في جسمي قوته وصرف عني أذاه، ثم وصل مع الماء وقال بسم الله الرحيم اللهم نيتي واعتقادي أتطهر من البول والغائط ومن كل نجاسة أداء للفرض طاعة لله ولرسوله محمد - صلى الله عليه وسلم - ، فتطهر وتوضأ للصلاة هو وزوجته وجلس منتظراً قليلاً إلى وجوب الصلاة، فسهى وغط من غير انضجاع ولا ادكاء ولا اتكاء وقام إلى الصلاة بذلك الوضوء، ثم جامع أهله في الليل وأراق البول وقصد إلى الماء متجرداً لا فيه ثوب، فسألته زوجته عن التجرد فقال الجواب من كتاب الله بعد الغسل من الجنابة فجاء إلى الماء وغسل يديه وتوضأ كوضوء الصلاة ثم عم بالماء على جسده وعرك بيديه كله ثلاث عركات وقال بسمك اللهم نيتي واعتقادي أن أتطهر للجنابة والبول والغائط ومن كل نجاسة أداءً
__________
(1) 2 – في الأصل : مقبلاً
(2) 1 – في الأصل : مدبر (1/412)
صفحة 413
للفرض طاعة لله ولرسوله محمد - صلى الله عليه وسلم - ، ثم أجابها بعد الطهر قال الله تعالى: {وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاساً} (1) وقال: وحدود الليل في الأحكام من مغيب الشفق الأبيض إلى شقوق الفجر المعترض بالمشرق.
قلت له: وعند مغيب الشفق من الليل إذا لم يستر عورته فهل يكون عاصياً لله؟، قال: لا.
ثم رجعا إلى البلد وصلى بالناس صلاة الصبح فسمع صائحاً فقطع الصلاة ووثب مع الناس فوجد بينهم تشاجر وخصام في مرادة الماء فأصلح الله حالهم على يديه، قيل له: كيف يجوز قطع الصلاة المفروضة لطلب النافلة؟، قال: قطع الصلاة موسى بن علي لصائح صاح: صبي طاح في الطوي، فوثبوا عليه حياً فأحيوا نفساً، وأبو نبهان قطع صلاته سمع قعقعة بالباب.
قال: فرجع أحمد هو وأصحابه وصلى بالناس جماعة في المسجد، وفي ذلك اليوم من شهر رمضان في أوقات شدة الحر صاح صائح في النهار فرأوا قوماً غارت على البلاد فقتلت العباد ونهبت الأموال فجدوا عليهم في الطلب (2) وأجهدهم الجوع والعطش فأمرهم أحمد بالأكل والشرب لتقوى أجسامهم للقتال في النهار فسلطهم الله على عدوهم لما اصطلحت أجسامهم فرجعوا في الطريق وأمرهم بالإمساك في بقية يومهم وأن يبدلوها.
ثم أقبل عليهم الليل وليس معهم قوت إلا بالذي ردوه من أيدي الظلمة لأصحابهم فأجاز لهم أحمد الأكل من مال الناس وأمرهم أن يستدينوا برجوع ثمنه إلى أصحابه فأكلوا من التمر وذبحوا من الغنم.
__________
(1) 2 – النبأ : 10
(2) 1 – أي المتابعة والمطاردة . (1/413)
صفحة 414
وسألت الشيخ ناصر بن أبي نبهان هل من رخصة لأمير البلد إذا احتاج على الزكاة أن يأخذها من أهل بلده أو غيرها من البلدان التي في ولايته؟، قال: إن الزكاة إنما هي للإمام العدل إذا حمى البلد عن مضار بعضها بعض أو من أن يضرهم غيرهم وأقام فيها العدل لينفقها في محلها بالعدل أو لذي العدل من غير أن يكون إماما من أهل الأمانة والتقوى في دينه إذا أقام بالعدل في بلد وحماها كما ذكرنا جازت له ليضعها في محلها بالعدل أو للعلماء أهل العدل أو للمسلمين أهل الفضل على هذه الصفة لا غير لأن الزكاة قد جاء التشديد أكثر من غيرها مما هو ماله للفقراء الذين لا يسألون الناس إلحافاً يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف.
رجع، قال: ورجعوا في اليوم الثاني إلى دارهم فجاءه عامل السلطان يريد من عنده زكاة التجارة فسلّم أحمد زكاته لرجل أمين وفقير يستحقها والأمين كافأ بها عامل السلطان عن أحمد فبرئ أحمد منها، ثم باع سلعة بالنسيئة على رجل فتفلس المشتري فدفع أحمد زكاته إلى المفلس وقبلها ورجع منها لأحمد بما عليه من الحق فأخذ حقه وطلع ماله بزكاته فسمع السلطان عن أحمد أن عنده دراهم فوصل السلطان معه وأخذ الدراهم ظلماً فعمد أحمد إلى مداخلة السلطان وعرف مكاناته وخزائنه فأخذ أحمد على السلطان بقدر ما ظلمه وأشهد في القصاص شاهدين عدلين.
... وهدم أحمد بيت لليتامى والمساكين الذي ينزل فيه السلطان الظالم ويعتدي على الخلق وليس له قوة على ظلمهم إلا بذلك البناء ومن هكذا أجازه أحمد، ثم أمرهم بقطع الطريق الجائز بالجدر والحضار عن مسلك السلطان في حربهم وأحمد أعانهم على حربه بالمال والحال لأنهم أهل البلد أقل ظلماً من السلطان. (1/414)
صفحة 415
... ثم نظر أحمد مع أمير البلد رجلاً أسيراً والأمير مراده قتله لأنه من بلد السلطان الظالم وذلك الرجل أمين تقي فحلف أحمد للأمير أن هذا الرجل ليس من تلك البلد فعفا الأمير عنه وإرادة أحمد سلامة الرجل لأن كل حلف على خير أو سلامة نفس أو مال فلا يحنث الحالف إذا لم يحضره ولم تمكنه الحالة أن يفكر في مندوحة قال عليه ولو كان في الأصل كاذباً.
ثم مشى أحمد في الطريق فوجد شيئاً من ثمرة النخيل والأشجار في الطريق وشهدوا الثقات أن هذا من مال الناس فبهذه الشهادة أخذه أحمد وأكله وقال: هذا حلال وقد طاح على الطير.
ودخل أحمد في بيته بالليل فرأى رجلاً وعليه السلاح وهو في بيته فقتله.
ثم خرج من البيت قاصداً إلى المسجد وتكفر أحمد برجل نائم في طريق الجائز فقلع عليه عينه بظفر الإبهيم من الرجل، ودخل في المسجد وقام إلى الصلاة فجاء رجل يسرق من المسجد فتكفر بأحمد وطاح اللص وتكسر.
ثم أقبلت إلى أمواله المواشي وأقام الحجة على أصحابها أن يحصدوها عن الضر مراراً فلا نفعهم قوله فأخذ سماً وجعله في التمر ونثره في ماله فأقبلت المواشي وأكلت التمر فماتت.
ثم عزم أحمد على السفر فشرى جملاً من سوق المسلمين وسلّم ثمنه للدلال فقيل لأحمد إن الجمل مكسوب، قال أحمد: وأين الشاهدين العدلين وأنا لا أسمع الأقوال الذين مرادهم تحريم الحلال.
... فركب أحمد على جمله ومشى به فنظر قوماً يأكلون لحماً مشوياً فأعطوه اللحم وأكله، فقيل له: إن اللحم الذي أكلته مسروق، قال أحمد: الذنب والضمان على من فعل لا على من أكل، فساق جمله ومشى به في الطريق مسرعاً فكفخ الجمل رجلاً من مؤخره ولم يعتمد أحمد على الجمل بشيء.
... فوصل الساحل واستقعد بيتاً وجعل فيه ناراً لطعامه فهبت الريح وحملت على النار فأحرقت في البلد فرد بالماء أحمد لإطفاء النار واستدان بالحق لأصحاب الماء. (1/415)
صفحة 416
ثم وجد رجلين يتضاربان في الطريق ففالتهما فشكى الذي فيه الجراح من الجارح مع الحاكم فحضر الحاكم الخصمين والشاهد أحمد فقال الحاكم للمجروح: هذا صاحبك الذي تدّعي أنه جرحك؟، قال: نعم، قال للجارح: أنت الذي جرحته؟ قال: لا جرحت ولا علمت على ساعتي هذه، ثم قال لأحمد: هل عندك شهادة تثبت في الحق بين هؤلاء الرجلين؟ قال أحمد: أما إثبات الحكم فلا وأما رأيتهما وفالت بينهما في تلك الساعة، فقال الحاكم للمجروح: هل عندك شاهد ثاني؟، قال: لا، فقال القاضي: لا أرى لك حجة في الشرع فدمعت عينا المجروح.
فركب أحمد في السفينة وجرت السفن في البحر وسارت بهم فتراكم السحاب وأندى بالمطر فاضطربت الأمواج وهبت الرياح فحضرت الصلاة فلم يقدر على الوضوء ولم يجد تراباً ولا غباراً فتيمم وضرب بكفه الهواء ومسح بها وجهه ثم أومأ بها ثانية فمسح بها يديه ولا كلم أحداً وقام إلى الصلاة وكبر تكبيرة الإحرام مستقبل القبلة ثم دارت السفينة عن القبلة وتم صلاته فرأى السفن تكسرت وأقبلوا الناس يسبحون في البحر ويستغيثون بهم ليطلعوا في سفينة أحمد فخاف احمد على أن تغرق السفينة فأمر أحمد أن يجروا سيوفهم ويضربون بها الذي يقبض بروج السفينة فقصت أيادي وغرقوا في البحر قوم كثيرة، فسكن البحر وفرج الله عنهم.
فنزل أحمد من السفينة واستقعد بيتاً من البلد وخاف على نفسه العنت فتزوج امرأة بأقل صداق على شرط بينهما أن لا تسافر معه إلى بلد معلومة وإن أراد المسير وامتنعت عن المسير أعطاها صداقها وإن هي لم تطاوعه إلى البلد الذي حدته بالأسفار معه أعطته ما سلّم وطلقها فاتفقا على هذا الشرط ودخل عليها ثم نسلت له ولداً ذكراً ورضعته سنتين فبعد ذلك نظر أحمد مع زوجته رجلاً يجامعها فحرمت عليه وأعطته ولده وما سلّم إليها فهربت عن البلد وتابت إلى الله تعالى، وبعدت مسير ثلاثة أشهر ونأتي بقصتها في غير هذا الموضع ثم قام أحمد في البلد والناس تسأله في كل يوم. (1/416)
صفحة 417
فوصلت إلى مجلسه امرأة لتسأله عن مسائل في الحيض، فقالت: أنا جئت لأسألك مسائل في الحيض...... فقال لها: لا بأس، هل لك بعل؟، فقالت: ليس عندي رجل، فسألها عن وليها فخطبها عنده فزوجه بها.
قال: فدخل عليها فوجدها بكراً واستلذ جماعها مما وجد فيه من الحرارة فلما أمنى وانحدر أقسمت عليه بالله تعالى أن لا يمس نجاسة، فأخذت خرقة لطيفة ومسحت عنه أذى النجاسة والرطوبة، وأتت إليه الماء وتوضأ وتطهر فهذه دلالة من حسن أخلاقها وطباعها، فحملت من ساعتها ولكنه خرج سقطاً فامتنع عن جماعها أربعين يوماً، وسألته عن اللبن الذي في نهودها قد بان لها منه الضرر فمصه أحمد.
... ثم بعد سنة زمان حدثت بأحمد آلام وأسقام وامتنع عن جماعها، وسألته عما يجوز لها لتسكن شهوتها فأمرها أن تحط بفرجها في بدنه فعملت ما أمرها حتى برئ أحمد من علته وسكن هو وزوجته في أطيب نعمة وحسن ملاطفة.
وفي بعض الليالي جاء إلى البيت بعدما صلى العتمة وقصد على فراش زوجته، ونكح أخت امرأته وهي نائمة وهو سريع الإنزال، فحيث أحست بقوة الذكر مع خروج النطفة في قرارها المكين أحست كأنها شعلة نار في رحمها فانتبهت خجلة وأقبلت أختها إلى الفراش، فقال أحمد: من هذه المرأة التي أقبلت؟، فقالت له: أنا زوجتك، فقال لها: ومن المرأة التي في فراشك؟، فقالت: أختي جاءت تزورني فوصلت تعيبة فنامت في فراشي، وأنا سرت إلى الصلاة، فقال أحمد: ألها زوج؟ قالت: لا، فقال: لا تتزوج حتى تعرف ما لها وما عليها، فأعطاها صداقها وتبين بها حمل فأعطاها النفقة فجاءت بولد ذكر فربته أحسن التربية، وامتنع عن جماع زوجته حتى وضعت أختها بالولد، لأنه يجب عليه أو أن تحيض ثلاث حيض أختها فبعدما تستبرئ جاز له جماع زوجته. (1/417)
صفحة 418
فمكث سنيناً هو وزوجته ثم تزوجت أخت المرأة برجل موسر وأتت له ولداً ذكرا فقُتِل زوجها الغني وسُلمت للولد الدية، ومات ولد الموسر فأخذت أمه الثلث ومن أبيه الثمن وأخذ أخ الأم السدس الذي هو ابن أحمد.
ثم ماتت زوجة أحمد وسمع عن أختها قد انقضت عدتها من زوجها المقتول فخطبها من ابنها الذي حدث بالخطأ وزوجه بها ودخل عليها، فقيل لأحمد: أنت أخذت هذه المرأة بجهل أم بعلم؟، فقال: أخذتها بعلم من الأثر من بيان الشرع في الجزء السابع والأربعون في الباب الرابع عشر والمسألة في الخامس عشر من المسائل والتي تقفيها، ومن كتاب الله {وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُم بِهِ وَلَكِن مَّا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً} (1) وأما الولد افتخر لما تزوج والده بأمه لأنه مولود بالخطأ وعادت أمه مع أبيه، ثم هلكت المرأة وأخذ أحمد الربع والباقي لولدها فانتشا ولد أحمد في الدنيا مسرورا موسرا.
قال: فبينما نتذاكر في هذه القصة فأقبل إلينا ولد أحمد الموسر الذي هو بالخطأ وقال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، فقلنا: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته وأزكى تحياته، فهذه المسائل التي أكثر فاعلها بالعمد معذور، قال: وما المسائل الذي فاعلها بالعمد غير معذور؟، قلت له: سأخبرك في البيت بعدما نأكل الطعام فإنك تحفظها مع راحة الجسم وإحياء العروق بالأكل والشرب، قال : فأكلوا ما طاب لهم من الطعام، فقال ذو الغبراء: الفاعل بالعمد من تعمد على سفك الدماء ونهب أموال الناس والزنا إن كان في الثيب بالإكراه والبكر يلزمه على ما يقول فيه العالم الفقيه الورع الذي يقتدي به، والحمد لله حق حمده والصلاة والسلام على نبيه ورسوله وآله وصحبه، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
الذكر الخامس والعشرون
__________
(1) 1 - الأحزاب : 5 (1/418)
صفحة 419
فيه نصيحة الإخوان والتدريج للمقاربة، وترخيص فرق أهل القبلة، وضعف العلماء، و دلائل لحسن التدبير في الحضر والسفر، وفيه من إحسان سيرة الملوك، و شيء من المسائل في النساء، ومسألتان في الميراث، وفي المفقود والغائب والحكم في مالهم والزوجات.
قال ذو الغبراء: سمعت أحمد يذكر عتاباً على زيد، فقلت لزيد: لعلنا نصل عند أحمد في صحبة ولده لزيارته، قال: أحب ذلك، قال: فقصدنا في المسير وقلنا يا حفيظ يا حفيظ مائة وتسعة عشرة مرة تكريراً فحفظنا مولانا في طريقنا عن خصمنا حتى وصلنا مقام أحمد وقلنا لولده: ادخل مع أبيك وأخبره عنا، فدخل الولد وأخبره فجاء عندنا أحمد مستبشراً بالفرح والسرور وصافحنا وأطعمنا ما حضر من العيش في الحال، ثم جلس في حلقته فقلت له: يا أحمد هذا أخونا زيد وقع عليه في زمانه كذا وكذا وأحمد تجري دموع عينيه رحمة منه لزيد، قلت له: فالساعة نحن ضيفك ونريد منك ما يجب عليك من حق الإخوان والأعوان والآن زيد جاء عندك بالتوبة والاستغفار والندم والاعتذار فاقبل منه لأنا نتوسل بك والمرجو منك مسرة القلوب، قال: الحمد لله يا ذا الغبراء المرء من يحب لأخيه ما يحب لنفسه وعندنا المستشير كالمستجير، فقرب زيد بين يدي أحمد وقال: مضى شبابي بتحيري والآن أنظر إلى أمري في بقية عمري مما نراه أصلح لي أخبراني، فقال أحمد: فعليك يا زيد بمجالسة الأخيار وتجنب قربة الأشرار وحاسب نفسك في العزلة وإياك ثم إياك أن تمشي بقدميك إلى من هو أعلى منك منزلة لأنه يرميك بعين الحقارة كالحنظل كلما زدته سقياً ازداد مرورة، واعلم أن المؤمن وقاف والمنافق وثاب، وعليك بالإياس عما في أيدي الناس، وإياك والظلمة عن الإعانة إليهم، والحذر الحذر عن الوكلاء الذين هم غير مأمونين لا تقبض من عندهم ولا تقبضهم شيئاً مما وكلوه، واغضض طرفك عن العورات، ويدك عن الحرام، واحذر اللسان فإن الإنسان مأخوذ على لسانه، ولا تأخذ العلم إلا من أهله لأن كثيراً من (1/419)
صفحة 420
العلماء في الأرض قد ضلوا وأضلوا كثيراً من خلق الله، ولا معرفة لهذا إلا لأهل العلم من أهل الاستقامة، وكثير من علماء القوم رفعت وأثرت عنهم مسائل مما ينكرها العقل كمثل الذي حلال لحمه قالوا بطهارة بوله، ومع الإمام طاعة لازمة ولو كان ظالماً، والقمل بطهارة ذرقه، والجنابة بطهارتها كالبصاق، والزاني إن أراد أن يتزوج بالزاني بها فهي حلال له، ومن وطئ في الحيض عمداً فلا تحرم عليه، والرد للمطلقة بالقلب كاف عن الشاهدين، والروافض قالوا لا تنطلق الزوجة من زوجها ولو طلقها ألف مرة إلا إن يلفظ عليه عالمهم، وكذلك تزويجهم لا يثبت إلا أن يقبله له عالمهم ويكلمه به، وفي قولهم في سفرهم إذا اضطر وأخذ ثوباً ولف به ذكره وجامع به أمه أو ابنته أو أخته أو من حضر من النساء عنده أو طاف عليهن فليس هو زان لأنه من وراء الثوب، وله أن يتزوج بمن أراد من النساء التي له حلال ولا تحرم عليه بالجماع من وراء الثوب، وجماع الرجال ليس مكروها في كتبهم، ثم احذر كل الحذر من يدّعي العلم من الإباضية وليس هم من أهل العلم إذا كان قليل العلم ركيك الفهم يتخبط فيه ولا يرضى على نفسه إلا بالجواب للسائل محترز عن قول الناس أنه لا يعرف فلان فإن وافق الحق في قياسه بعلمه فهو في أسفل سافلين، وأدلك في زمانك أن تؤاخي أخاً مخلصاً براً تقياً، واجعل لكسر شهوتك زوجة صالحة معينة لإصلاح دينك ودنياك، فقال زيد: أنت محبي وطبيبي اشفني من البلاء بالدواء فجلس أحمد يفكر ساعة يقيس في عقله الجواب، فقال يا زيد لا أرى دواء إلا أن يخضع الله قلوب أولادي لك، ثم قبضه من يده وتصاحبا إلى بيته فقال أحمد لابنه وابنته: هلموا إلينا فأقبلا إليهما مسرعين، فقال لهما والدهما: هذا زيد أقبل إلينا واستشارنا بالدواء لإصلاح جسمه وعواقب أمره فهل عندكما دواء له؟، فقال الولد الذكر لأبيه: ليس معي لباس أسد به عورتي فإن كان زيد معه ذلك فأنا طبيبه بالنهار، فقال زيد: عندي وأملك يا (1/420)
صفحة 421
أحمد ابنك بابنتي، فخضروا الشهود وزوج ابنه بابنته زيداً، ثم قال أحمد لابنته: ما تقولي لأنك أولى بنفسك وأنا من ثانيك فاكشفي لنا ما في قلبك حتى يسمع زيد الضرير الملتجي المستجير، فقالت: سمعت عن زيد أنه لا يحسن التدبير وذهبت أمواله بالتبذير وخوفي منه أن لا يحتمي على الدواء وعملي يذهب ذهاباً لا يصح له نفعا، فقال لها والدها: إن ضعف تدبير المتقين خير من تدبير العسفاء المتغشمين، فقالت له: فوضت أمري إلى الله وثم إليك فأكرم ضيفك بدوائك، فقال أحمد: الحمد لله إلى تمامها وصلى الله على النبي - صلى الله عليه وسلم - وأشهد الحاضرين لعقدة النكاح بابنته لزيد وأمرهما بالدخول على زوجاتهما في ليلة مباركة سالمة من النحوس متصل بدرها بالسعود ثم جعل وليمته لأهل البلد فلما أصبح الصباح رد عليهم بالصباح وسأل مولاه لهم الصلاح وتبخروا بالرياح وأوصى النساء بالاحتمال، والنفقة والذب أوصي به الرجال، قال أحمد: اعلموا بأني اجتهدت في طبكم والشيطان لا له مدخل في بيوتكم وزوجاتكم لأنهما لا عورة لأحد منكما ، وأحذركما عن التقصير في النفقات للزوجات لأن الحاكم له أن يجبر على الطلاق إن عجز الزوج عن النفقة والكسوة وقامت عليه الحجة فقد وكل الحاكم أحداً ليطلق مثل زوجة المفقود والمسافر والمجنون والغائب، وأما المفلس والمبتلى بالعلل فيجبره الحاكم بنفسه على الطلاق إن عجز عن النفقة وكذلك العنين بعد التأجيل والذي عجز عن تسليم الصداق قبل الدخول فبعد حلول الأجل يجبره على الطلاق، قلت لأحمد: أعطني بياناً في حسن التدبير لأني رأيت رؤيا في منامي بالليل كأن الوادي دخل ماءه في البلد وهدم بيوتها ونخيلها، فقال لي أحمد: اكتم رؤياك فإنها تدل على ذهاب البلد وما فيها، قال: فأول من غيّر وبدل أميرها وتابعوه سكانها فلا جعلوا الزكاة لأهلها ولا أقاموا الصلاة في محلها فأعجبتهم نفوسهم وخانوا عهودهم وأحيوا سيرة أهل الجور والظلم والطغيان وفقراؤهم (1/421)
صفحة 422
امتدت أياديهم في أموال الناس وألسنتهم بالهوى وصبيانهم كثرت فيهم علة الأنبة ونساءهم عمدت إلى السحق والزنا، وأحمد يفكر في نفسه وفيما يحل ببلده بين الوقوف والانتقال فمال قلبه إلى الرحيل لسلامة نفسه وأهله وماله، فقالوا له: خذ من الدراهم ما شئت ومن الزاد ما أردت واقصد ننظر إصلاح البلدان فإن رأيت في أحدهن اجتمعن فيها خمس خصال فالأول السلطان العادل والثاني العالم العامل، والثالث الطبيب الحاذق، والرابع الاجتماع في المساجد، والخامس السوق لحاجة الأجسام، فامتثل الولد إلى قول أبيه ومشى ينظر حتى وفقه الله على بلد كما قيل له فرجع وأخبر والده بها وهي في أرض كذا وكذا فباع ماله بالثمن الكثير وقال: إذا رأيت الظلم في البلد يزداد فإنه يدل على ذهاب البلاد والعباد وإن قيل إن التقية جنة المؤمن قلنا له صحيح ولكن لا يزال الإنسان في البلايا وغضب المولى يعم كما أن رحمته تعم على الطائع والعاصي، ثم قال لولده: خذ هذه الدراهم واشر لنا من البلد بيتاً وأموالاً واستأذن سلطانها فقصد ولده إلى البلد واستأذن سلطانها وشرى منها ما أراد ورجع إلى السلطان فقال له: إن معي والد وله عيلة وأريد من عندك له مكتوباً بخط يدك بالحشمة والأمان فكتب له وأمّر على عسكره أن يكونوا في صحبته وأهل الإبل ليحملوا لهم متاعهم فامتثلوا الأمر وقصدوا ووصلوا إلى دار أحمد وأعطاه ولده المكتوب من السلطان فتباشر بالخير وأقاموا فيها أياماً وسألوه المثار فقال: انظر اتفاق السعود من الأيام والشهر والمنازل وهذه دلالة لك من قول أهل العلم قيل عن عبدالله بن العباس معنى هذه الأبيات شعرا:
توق من الأيام سبعاً كواملاً ... فلا تتخذ فيهن بيعاً ولا سفر
ولبسك للثوب الجديد فخله ... ونكحك للنسوان والغرس للشجر
وإحفار بئر أو شرى الدار يا فتى ... وقربك للسكان فالحذر الحذر
فهن بترجيز ابن عباس الذي ... حوى العلم والآداب والدين والسور (1/422)
صفحة 423
فثالث وخامس ثم ثالث عشر ... توقاهم يا صاح والسادس العشر
وواحد والعشرون فهي مشومة ... ورابع والعشرون والخمس في الأثر
وكل ربوع لا تدور فإنها ... مدى الدهر والأيام نحس قد استمر
توقاهم ما استطعت فإنها ... كأيام عاد ليس تبقي ولا تذر
وهذا عن الحسن البصري في الأيام شعرا:
روى الحسن البصري عن خاتم الرسل ... حديثاً صحيحاً صادق القول والفعل
الرسل
إذا شئت نجحاً في أمورك فاجتنب ... جهات وأياما مبينة الشكل
فبالسبت والأثنين شرقاً محاذراً ... سلوكك حيناً يا أخا اللب والعقل
وإياك إسلاك الجنوب إذا أتت ... خميسك يا ذا اللب والرأي والعقل
ويوم الثلاثا بعدها الأربعا فلا ... تجاوز شمالاً هكذا جاء في النقل
وبالجمعة الزهراء والأحد اجتنب ... من الغرب تظفر بالسلامة في السبل
قال ذو الغبراء: فعمد أحمد إلى السفر في ساعة البدر وفي منزلة الثريا حال القمر في شرفه ومتصل بالشمس من تثليث وصاحب الرابع سعد ويتصل بسعد وينظر إلى رب الطالع من تسديس وصاحب بيته في الأوتاد تنظر إليه السعود من مكان جيد وصاحب بيت السفر مسعود فوق الله له سفره ودخل دار السلطان وقال مع دخوله {رَّبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَل لِّي مِن لَّدُنكَ سُلْطَاناً نَّصِيراً} (1) وقال شعراً:
إذا اجتمع الصادات يوما ببلدة ... ... ألا فانزلن فيها أخا العقل واللب
صلاة وصوم واصطلاح وصونة ... ... وصدق حديث مع الصفاوة في الحب
__________
(1) 1- الإسراء : 80 (1/423)
صفحة 424
ثم قصدوا مع السلطان فاستأذنوه الدخول فأذن لهم ودخلوا معه وصافحوه بتحية الملوك والخضوع فجلس أحمد بقربه وقال: أيها السيد المعظم جئنا معك راغبين ونزلنا في بلدك بإذنك آمنين وأريد بفضل منك أن تعف وتصفح عن زكاتي لأنفع بها أولادي البالغين هم وقرابتي، فقال الملك: هذا المكتوب وقد سمحت لك بزكاتك وجعلت فريضة لأولادك، فقال أحمد: قبلت منك وهذا من فضلك وإحسانك حملت حالنا وجزاك الله جزاء المحسنين فولوا عن برزته إلى منزلهم واستقروا في البلد وحسب أحمد زكاته من النقد والصيغة وجميع ما كان عنده من الفضة فأخرج الزكاة منها ربع العشر فأعطاها زيداً وولده وأمرهما أن تكون حرفتهما في التجارة وهي مباركة ولأجسامهم مريحة فقال لهما: فلا تغفلا عن تجارتكما فاحسبا في كل حول فإذا بلغت مائتي درهم ففيها ربع العشر وكل واحد ما يجب عليه الزكاة يعطيها صاحبه لأنها تجب لكما وتوجب عليكما ومنزلتكما من الفقراء وأنا زكاتي لكما في كل حول فخذوا العشر من النخيل والزروع التي تشرب بالقطر والأنهار أو كانت مغتنية قريبة عروقها على الماء والذي يسقى بالزجر فنصف العشر وكل مال يطنى من أموالي ويخرفها رطباً المستطني لا زكاة فيها على أكثر القول. (1/424)
صفحة 425
قال ذو الغبراء: وهذا ما جرى من الكلام من التدبير الحسن . وهذه قصة أخرى في حسن التدبير حكي لنا أن رجلاً معه أموالاً جزيلة ولزمه الحج وأراد المسير لتأدية الفرض فشاور أحداً من أصحابه مراده أن يأخذ رجالاً ليكونوا له أعواناً في الطريق حتى تهابه الرجال والفرسان فنهاه صاحبه عن ذلك وقال له: خذ الدليل البصير واترك الخلق الكثير، فأخذ دليلاً وصاحبوه للحج أناس منهم مستأجر ومنهم لازم عليه فقطعوا دياراً وقيلوا نهاراً فأرادوا الرواح فمنعهم الدليل لأن طريقهم في وادي وقطعه يحتاج إلى يوم وفي ذلك الوقت حر وسحاب فنهم الرعد ونزل القطر وجرى الوادي فانقطع بالمغرب فأمرهم بالرحيل فقطعوه في الليل وقالوا في النهار وكذلك في اليوم الثاني نزل عليهم القطر ولكنه لما ارتفع أمرهم بالرحيل وفي طريقهم مقبل عليهم وادي إلا أنهم يجزروها فلا خافوا منها، ثم وجدوا قوماً مقتولين في الطريق فلزمهم أن يواروهم وأمرهم الدليل بالوقوف خوف أن يهجم عليهم إحدى الفريقين فوقفوا ثلاثة أيام حتى عرض عليهم رجل فسألوه عن الخبر فقال: جعل السلطان بين الفريقين قبل شهرين فأمرهم الدليل بالارتفاع فطاح رجل من الجمل وانكسرت رجله اليمنى فشار من شار أن يتركوه في شيء من البلدان ويدركوا به أحداً فقال الدليل : لنصنع له شبرية (1) ونحمله فيها فإن مات حكمنا بموته وأخبرنا بذاك أصحابه وإن صح فذاك المرتجى وإن تركناه وصح فما حيلته بالرجوع وإن مات فلا تجد الخبر الصحيح الذي يترك به النساء ويقسم به الأموال فيصير حكمه من المفقودين المغيبين فصنعوا له وحملوه وحج معهم وصح ثم عقبتهم في البر فتن وخوف فأمرهم الدليل ببيع الجمال فباعوها وتحصلوا في البحر وسلّمهم الله من الشر وطلّعهم الدليل من أمور كثيرة حتى رجعوا إلى دراهم سالمين آمنين.
__________
(1) 1 – أي سرير . (1/425)
صفحة 426
... وهاك قصة المرأة التي ذكرناها في الذكر السابق الذي حرمت على أحمد قال: فهربت من دارها وتابت إلى ربها وبكت ذنوبها وقطعت الفيافي والقفار مخافة من الكلام والعار حتى جاءت إلى بلد السلطان العادل وأقامت فيها واستقرت وبالناس تعرفت وشاع خبرها في البلاد حتى سمع بها السلطان من حسن أخلاقها فطلبها السلطان لينكحها وإرادته فملك الحاكم بها ودخل عليها وأحبها كثيراً حتى قيل كل من غضب عليه السلطان وخاف منه على نفسه تشفع بها عنده فوجد العفو، ثم ولدت للسلطان ولداً ذكراً وليس معه ولد من قبله فزاد حب السلطان فيها وأقامت معه حتى سمعت بخبر أحمد وولده ودخلوا البلد فاستأذنت السلطان بدخول ولد أحمد معها فأذن لها ودخل وتعارفا فأخبرت السلطان بولدها فقربه السلطان كمثل ولده، ثم مات السلطان وورث الملك ولده فوازره أخوه من أمه، ثم مات ولد السلطان فحضرت أم الولد سكان البلد وأشارت إليهم بالملك أن يكون لولدها الذي من أحمد فأعجبهم أهل البلد رأيها وعقدوا له الإمارة فتابعوه وحسن فيهم السيرة، وسأخبرك من إحدى خصاله المحمودة قد ذخر الملك في خزائنه ثلاثمائة تومان فعاتبوه إخوانه بتركه الدراهم فقال الملك: ما جعلته إلا ذخراً لحاجتكم وإصلاح المسلمين لحوائج الزمان، ثم أقبل مع الملك رجل عظيم مع قومه فأخبر الملك أن قومه أصابهم القحط والجوع والعري فأعطاه الملك مائة تومان، فقال له: أحسنت وأجملت الحال فينا وأسأل الله أن يجعل من نسلك مثلك في الكرم فأعجبه كلامه وأعطاه ثانية مائة تومان فوادع الرجل الملك وقال مع وداعه اللهم إني أدعوك أن ترفعني من الدنيا قبل الملك بساعة، فألحقه في طريقه مائة تومان فاجتمع ما كان في الخزانة مع الرجل وأخذ لقومه العيش والكسوة وفرقها إليهم فأحيوا من ذلك نفوسهم وستروا عوراتهم ودعوا ربهم بالرحمة لمواطنهم فرحمهم الله بالغيث وكثرت معه البركات من المواشي والزراعات، وأرسلوا إلى الملك الذي أهدى إليهم من زكاتهم (1/426)
صفحة 427
في كل حول ثلاثمائة تومان قد سنوه على نفوسهم وأوصوا به على أولادهم ثم كتبوا للملك: هذا ما أرسلنا إليك من حق الله فاقبله ولك في كل سنة مثله ومهما بدت حاجة في الأموال والرجال فالمراد البيان وعليك السلام، ثم قال أحمد لولده: يجوز لك أن تخادع الظلمة على الحصون التي قبضوها في أيديهم وإن امتنعوا فجائز تهدم بيوتهم وتخشي نخيلهم وتدكم أفلاجهم بعد قيام الحجة عليهم وإن عاهدوك وعاهدتهم على أن تقف عنهم وأنت قادر عليهم فأخاف عليك الإثم، وجائز لك أن تحربهم . ثم أقبلا إلى الملك رجلان أحدهما يشكو من صاحبه أن له دراهم فنكر خصمه فتوهم الذي له الحق ساعة ثم قال لخصمه: أنا أصبر عليك ثلاث سنين وأسايرك فيها من بعد فاكتب لي حقي في ورقة ولا تكن مصراً عليها وإن عجزت عن التسليم فأنت في الحل منها فكتب له حقه وقبض الورقة ثم شكاه فيها من ساعته فألزمه أحمد لأنها حالة عليه والكلام هو حيلة منه لأخذ حقه ولا بد من تسليم ماله فسلمها بالحال، ثم وصلت عند الملك امرأة وهي ابنة الشاة أمير العجم ومعها ملك وأموال ولها زوج وصح منه التقصير إليها فقالت للملك: جئت عندك أريد أموالاً جزيلة لأفتدي بها من زوجي وإني أعاهدك بنفسي أن لا يتزوجني رجل غيرك فسكت عنها الملك وأعطاها من الأموال إرادتها ومشت إلى زوجها فافتدت منه ثم رجعت إلى الملك ليأخذها فسأل والده قال تجوز لك هذه المرأة لأن النظر واللمس والعهد لا يضر على قول لأن الأمر ليس بيدها فتزوجها الملك وزاد ملكه أضعافاً مضاعفة، ثم رجعت إليه الأموال التي سلمها للفداء، وبقت معه المرأة حتى توفاها الله وورث مالها وملكها كله لأنه لم يكن لها وارث أحد غيره ولا صح بالشهادة الصحيحة في النسب والزوج والزوجة أحق بالميراث من بيت المال والفقراء فافهم ذلك وخذ منه ما يوافق الحق والصواب وأعرض عن الباطل والسلام ختام. (1/427)
صفحة 428
قال ذو الغبراء: سألت أحمد كيف يوقف المال عن القسمة؟، قال: مثل إذا مات الرجل وترك زوجة وفي بطنها حمل، والمسألة الثانية أم الهالك إذا كان في بطنها حمل ولم يكن للهالك أب ولا جد ولا ولد ولا ولد ولد فإن الحمل الذي في بطن أمه يكون أخيه من الأم.
... وسألته عن المفقود والغائب كيف الرأي في زوجاتهم؟، قال: أما المفقود فموقوف ماله بعدما يؤرخ الحاكم إلى أربع سنين ويجري من ماله النفقة لزوجاته ولأولاده الذين لا بلغوا الحلم حتى تمضي أربع سنين، ثم يجعل الحاكم وكيلاً من أقرباء المفقود حتى يطلق زوجات المفقود ثم يعطيهن صداقهن وميراثهن وإن تزوجن ورجع المفقود إلى وطنه فماله مرجوع إليه وهو مخير في الزوجات إن أرادهن فهن زوجاته وإن أراد الصداق أخذه من عندهن ويطلقهن ويعتدن ثلاث حيض أو بالأشهر مثل الصبية والمؤيسة والتي لا تحيض أبدا، فإن أرادوهن أزواجهن الآخرون فجائز لهم، وأما الغائب فأعظم من المفقود وفيه أقاويل كثيرة قول أنه يؤجل الحاكم في ماله مائة سنة ويجري في ماله النفقة للزوجات وأولاده الصغار فإن ذهب المال كله فيجعل الحاكم وكيلاً يطلق الزوجات فإذا طلقهن وانقضت عدتهن جاز تزويجهن وإن بقي المال كثير وقسموه الورثة بجهل واعتدن النساء بغير نظر من أهل العلم بالكتاب والسنة فعلى هذا لا يجوز في تلك الأموال بيع ولا شراء ولا هبة وإن تعرض أحد فهو ضامن لما قبضه بيده ولا يجوز تزويج الزوجات وغن خالف مخالف فالحق يعلو ليس يُعلى عليه، ولو تزوجت امرأة الغائب ونسلت أولاداً ومات الزوج فليس لها صداق ولا ميراث وأما الأولاد فإنهم يرثوه بالنكاح الفاسد، وإن مات أحد من الأولاد فالأم ترثه وكذلك هو يرثها ويرثها الغائب، وكل من مات من يرثه الغائب فهو وارثه، ومن خالف أهل العلم فقد ضل عن الحق وأضل ممن تابعه فأعوذ بالله من متابعة الهوى، ومن الحمية التي هلكت بسببها الأمة. (1/428)
صفحة 429
قلت له: وما السبب في هذه القصة ابتدأ بذكر الرجلين الفقيرين، قال: كل شيء ابتداؤه حقير لا له قوة ولا حركة ولا أموال ولا علم وينشأ عما ولد في تلك الساعة وعلى الطالع من البروج وما فيها من السعود والنحوس فانظر في قصة زيد وما وقع عليه فذهبت الأموال على يديه وسببه عند مولده من ضعف بيت ماله ورأسماله منحوس، وأما قصة أحمد مع مولده مسعود بيت ماله وربه متصل بالسعود وكذلك بيت العلم والعز مسعودين وإن أردت تغوص في هذا العلم فاطلبه من الكتب المؤثرة وباحث في السؤال أهل المعرفة ثم قس بعقلك لتجد مطلوبك واحمد معبودك وصل على رسولك.
فهرس موضوعات الجزء الأول
الموضوع ... رقم الصفحة
الموضوع ... رقم الصفحة
الموضوع ... رقم الصفحة (1/429)
صفحة 430
شفاء القلوب من داء الكروب
للشيخ خميس بن راشد بن سعيد العبري
الجزء الثاني
مكتبة السيد محمد بن أحمدالبوسعيدي
بالتعاون مع مكتبة وقف الحمراء الأهلية
الذكر السادس والعشرون
فيه ذكر الكرم وعمل الأطعمة والإشارات
قال ذو الغبراء: سمعت قوماً يتذاكرون الكرم ويتفاخرون به ويفيحون بالذم للذي لا يطعم الأكابر والفقراء والمساكين فسمعت منادياً يناديهم إن البخيل الذي يبخل بحق الله من ماله ولو ملك الأرض بأقطارها وأطعم أهلها وسكانها من جميع الحيوانات ما سمي هذا باسم ما فعله بالكرامة ولا نفعه عند ربه ولو افتدى بملء الأرض من ذهب ما قبل منه مثقال ذرة، وإن أعطى الله عبداً ملء الأرض وما فيها ولم يطعم فقيراً ولا مسكيناً ولا يتيماً ولا أسيراً ونفذ زكاته في محلها فقد نجا ولا عليه سؤال ولا عقاب في مال خوله الله من النعم ولا يجوز أن يسمى بخيلاً، وإن طعن فيه طاعن ولم يتب إلى الله تعالى فلا شك أنه من الهالكين.
وينبغي للإنسان في هذه الدنيا أن يكتسي مما يسد عورته وجسمه ويأكل من الطعام مما يقوي أعضاءه ويأكل بشهوة أهله إلا أن يكون عنده ضيفاً أو عبداً فليعمل من أحسن الأطعمة.
وهاك في الماء صفة إذا أردت أن تصير الماء بارداً شديداً في الحر تأخذ جحلة أو جدوية جديدة مستعملة أو غير مستعملة وتجعلها في الشمس إما قائمة وإما مديرة بالشمس فإذا قويت حرارة الإناء من الشمس يجعل فيها الماء ثم يجعل في الشمس قائمة ومائلة مديرة بالشمس حتى يسخن الماء ثم تجعل في الظل فإنه يبرد برداً شديداً عجباً يعجب منه الذي لم يعلم بصناعته في ذلك الوقت ويقف بارداً بقدر ثلاث ساعات. (2/1)
صفحة 431
وأما عملة الطعام فله أياد ويحتاج على تعليم ومعلم حتى يحسن التدبير في خدمة العيش والذي أحسن لعمل الرجال الأرز واللحم إن قدروا عليه في بلدانهم وصفة عمله أن يأخذ اللحم ويجعله في إناء ويجعل عليه ماءً وملحاً وجزعاً قليلاً ليذهب صلوحة اللحم ثم يجعله على النار حتى يكون في أول نضاجه ثم يجعل عليه الأبازير والسمن ويحرك عليه بآلة حتى تدخل الأبازير والسمن في اللحم فإذا رأيته داخلة إحدره ثم اجعل ماءً للأرز فاغسله به مرة بعد مرة وأهرق الماء ثم اجعل الأرز والماء في الوعاء الذي يطبخه فإذا ثار ارم فيه اللحم والسمن ثم اخفف عنه النار عند أول نضاجه ثم احذر عن الحطب يمس الإناء عند الطبخ لأنه إن لحقه فربما يلحقه احتراق من قعر الإناء ثم اجعل عليه غطاءً ليرد عليه بخاره وبهذا يكون النضج الأعلى كالأسفل فإذا يبس ماءه احدره واجعل عليه السمن المقشد بالأبازير والبصل، وفي كرامة السمن: صاع الأرز له منّ سمن، ثم اكرم به ضيفك.
وأما التمر فاجتهد في تصنيعه مع حصاده وكنازه وإن أردت تعصده بالسمن للقوة في الجسد فأخرج منه النوى والقشر إن قدرت وادلكه بعضه في بعض بقدر نصف ساعة ثم اجعله على النار في أوعية الصفر وسقه بالماء وكلما أجف وشرب الماء أكثر كان أحسن لأنه يشرب السمن أكثر حتى يصير قريباً من العصيدة واجعل تحته ناراً خفيفة اللهب واجعل لكل من تمر ربع من سمن أو ثلث من بقدر ما يحتاج ثم حرك عليه بمحراك حتى يرشف سمنه فزده سمناً ومتى لم يدخل فيه السمن رشه بالماء فإنه يدخل فيه و لا تزال كذلك حتى لا يرشف السمن الذي يسقى إياه ولو رش بالماء فهو علامة نضجه وتمامه فإذا بلغ كذلك ففيه قوة عظيمة للجسد.
حتى يذوب السمن فإذا نظرت السمن يتجارى من التمر فأنزله عن النار واجعله في وعاء آخر حتى يبرد قليلاً ويأكله الإنسان. (2/2)
صفحة 432
عمل خبز الحنطة: يؤخذ قليل لبن حامض أو خل وقليل طحين ويعجن بعضه ببعض ثم يعجن به الطحين ويترك ساعة ويخبز ويعزل منه قدر كياسين فإذا أرت خبراً ثانياً يعجن طحين الحنطة بالماء بعضه ببعض ويلقى فيه الخميرة المعزولة ويترك ساعة فإذا أردت أن تخبز اترك منه بقدر كياسين للخبز الثاني والثالث والرابع والخامس ولو إلى شهر أو أكثر وكذلك خبز خميرة الذرة بماء حار ويسار بها السيرة المتقدمة.
صفة عمل حلوى الرطب تأخذ الناعم منه مثل الخلاص وقش الزبد وما أشبههما ويخرج منه القشر والنوى ويجعل عليه قليل طحين ويدلكه بالماء قليلاً ويطبخه بالسمن ولو رشه بالماء فقد تم.
صفة عمل حلوى الجزر (1) الذي يحشي عوده على وجه الأرض يطبخ بسكر حتى ينطبخ، ويصير إخراج قشره بسرعة فيخرج منه القشر ويمرس باليد ويجعل عليه طحين معجون بالماء ويدلك به ويجعل على النار ويطبخ بالسمن ومتى لم يقبل السمن يرش بالماء حتى لا يقبل السمن ولو رش بالماء فقد تم عمله.
__________
(1) 1 – يقصد بالجزر هنا ما يسميه العامنيون الفندال وهو البطاطا الحلوة . (2/3)
صفحة 433
وأما إذا كان في البلد الدقيق موجوداً فله صفات كثيرة في عمله ولكن أولى العمل للرجال أن يخمر من الدقيق بقدر عشرة من أول الليل ويجعل عليه شيء من الحازر (1) في أول عمله الخميرة ثم يجمع الخميرة والدقيق ويعجنه ويخبزه، وأما بعد الابتداء ففي كل يوم يأخذ من الدقيق المخمور قليلاً ويجعله في الدقيق إذا أراد الخبز ويجعل في الدقيق ملحاً لأن الأطعمة أكثرها لا بد لها من الملح والأحسن أن يخبزه في الحواري وهو الصفح الذي من الطين وأحرق بالنار ثم يأكله بما شاء من الأحلية وإن أراد أن يحلي به اللحم فليجتهد في تقطيع اللحم قطعاً صغار كالدرهم أو أصغر ثم يطبخ اللحم بالماء والملح والجزع إلى أول نضاجه هذا إذا كان من الغنم والطير، وأما لحم الإبل والبقر فلا يحتاج إلى ماء في أوله ويخرج منه ماء يكفيه حتى يصير إلى أول نضاجه ثم يجعل عليه البصل والأبازير والسمن حتى يداخل اللحم ثم يجعل عليه ماءاً قليلاً حتى ينضج ثم يأكله بالأخباز.
وفي صفة أخرى إن أخذ اللحم وقطعه وجعل عليه الأبازير والملح وجعله في برمة أو صفرية ثم جعل عليه غطاءً وشمّعه بالدقيق خوف أن يطلع البخار ثم يجعل ناراً في التنور فإذا حمي جعل البرمة داخل التنور وشمع التنور لئلا يطلع البخار كعملة الشواء بقدر ثلاث ساعات اتركها ثم اطلع البرمة فتجد فيها مرقاً ولحماً طيباً دون الماء وهذا من البخورات أصله ولا تجعل في البرمة ماء وإن جعلت فيها ماء فحسن، وإن جعلت داخلها أرزاً وماء ولحماً وشمعتها على ما ذكرناه فحسن، وإن طبخت اللحم في إناء حتى ينضج نضجاً جيداً وجعلت تذر عليه الدقيق وتحركه بمحراك تدويراً يدخل بعضه في بعض حتى ينضج الدقيق فأنزله من النار واجعل في إناء آخر واجعل عليه سمناً لتحلي به فهذا حسن.
وإن أخذت الدقيق ومرست التمر وصفيته من القشر والنوى وجعلته على النار في إناء وجعلت الدقيق تذره إليه وتعصده بمحراك حتى ينضج فحسن.
__________
(1) 2 - اللبن (2/4)
صفحة 434
وإن أخذت الدقيق وجعلت عليه ماءاً وحركته بيدك ثم أخذت من البيض وجعلت لسدس الصاع بيضتين وحركت البيض في ماء الطحين حتى يصير كمثله ثم جعلت منه على طوبج الحديد قليلاً فإذا نضج اقلعه واجعله في إناء ثم عيد العمل حتى يكمل الدقيق واجعل عليه السمن والعسل وحركه بمحراك قليلاً فذلك حسن.
صفة عمل مقير السمك يؤخذ مزبد التمر المغلي على النار ويكون أحسن من مديد الخل ثم يصفى ويبرد ويلقى في جرة صيني ثم يؤخذ السمك يغسل بالماء إن كان جديداً أو إن كان قديماً يقطع قطع كل قطعة مقدار ربع المن أو سدس المن ويخل في الماء مقدار أثري نهار ثم يغسل بثلاثة أمياه إذا لم يكن نهر ثم يرص الجلجلان والصعتر وورق الليمون غير مدقوق ويلقى في ذلك المديد الذي جعلته في الجرة ويلقى عليه قطع السمك مصفوفاً بمقدار ما يطلع على المديد الذي في الجرة ثم ألق عليه الجلجلان والصعتر وورق الليمون صفات بمقدار ما يبلغ ثلاثة أرباع الجرة وكلما صفيت السمك في الجرة ألقيت الجلجلان والصعتر وورق الليمون وألق عليه المديد بقدر ما يغمر صفة السمك واحذر أن تناله بيدك عند أخذك منه للأكل بل يؤخذ بالمغراف.
صفة مقير الكسيف اليابس يقطع قطع وينزع منه جلده ثم يؤخذ له خلاً حامضاً ويلقى في الجرة التي يجعل فيها ويلقى عليه الفلفل والقزح والقرفة والجلجلان بعد سحقهم ثم يلقى في الكسيف المقطع ويحذر عليه الأخذ باليد ويؤخذ بالمغرفة هكذا كلها الإشارات والحلول تؤخذ بالمغرفة. (2/5)
صفحة 435
صفة عمل أشار الأنبا يفلق أربع فلق لا مفلت عن بعض بعضا ويكون متصلاً ليس عاقداً ثم يدلك بملح وجزع ثم يبجل ويضاف في بعضه بعضا ويجعل في بطن الأنبا ويوضع في قفير بعضه فوق بعض ويغطى بخصف ويجعل فوقه حصاة ثقيلة ثم يترك يوماً وليلة ثم أخرجه واغسله بالماء الجاري بقفيره ثم يروح في الشمس حتى تيبسه الشمس ومن بعد ذلك يحشى بالبازير فلفل أحمر وجلجلان وخردل وشونيز وثوم يدق جميعاً سوى الشونيز والثوم ثم يعجن بالخل ويحشى في بطن الأنبا ثم يؤخذ لكل أنباة حبة فلفل أحمر وفص ثوم فيجعله في وعاء لم يكن داخله السمن ولا حديد ويشمعه عن الهواء والغبار بقدر نصف شهر ثم يجعل عليه الخل يكن أعلاه الخل مرتفعاً وإن شمر به فيزيده خلاً ثم يشمعه بقدر شهر زمان ثم يحلي به في العيش فهذا يقيم سنين إذا لم يرشفه الهواء.
وصفة اشار الجزر يؤخذ جزر القعوة النضيج في الأرض وطهره بالماء وقطعه كالدرهم واجعله في قفير ثم اجعل عليه ملحاً وارضج عليه بالحصا يومين ثم اغسله بالماء واجعله في الشمس فإذا يبس اجعله في الإناء ثم اجعل عليه الخل الحاذق مع الأبازير كالفلفل والقرفة والهيل والقرنفل والقزح وإن جعلت فيه الزبيب فحسن وأسكنه وشمعه لئلا يرشفه الهواء ويحتاج نضاجه على شهر زمان وإن يبس الخل زده من الخل حتى تراه أعلا الخل من الاشار واحلي به في العيش فهذا لهضم الطعام واحذر أن يرشفه الهواء فإنه يعيش أشهراً وسنيناً وكذلك إن طبخ اللحم والملح والثوم والقزح فإذا اسكنه في الإناء ولم يرشفه الهواء والغبار فإنه يعيش مدة.
وأما البصل يزل قشره اليابس وعروقه ويسكنه في الوعاء ثم يجعل عليه ماء اللومي مصلول بخرقة عن البذر بقدر ما يعلوه ثم يشمعه عن الهواء وهذا يعيش سنة أو أزيد وهذه الإشارات حلاء للطعام.
ومما قال خميس البهلاني البيت الأول والبيت الثاني لمحمد العيسائي فمدح الأطعمة:
من لي بأرز ومني كنعد قليا ... ومن سمن يدنى كل ذاك ليا (2/6)
صفحة 436
أدعو له بالرضى من ذي الجلال وأن ... يعيش آمناً من كل ما خشيا
وإن تعسر هذا فالخبيز لنا ... كاف ولحم دجاج صاح قد عليا
أو صحن دلوك فدهي وأرغفة ... يكون ذاك سخيناً طيباً هنيا
من البلوج ومن نزوى صنيعته ... ولم يكن ذاك بالدينار قد شريا
فإن في ذلكم سداً ومقتنعاً ... لمن بثوب الطوى قد ظل..
مرتديا
و لا جناح عليه بعد جهدته ... ومنه ما من من معروفه رضيا
فليس يوهيك إن ألقمته أكلاً ... يوماً أبو عمره إن جاء معتديا
نعم وليس لموسى عنده ... إن جاء مصطبحاً أو جاء ممتسيا
سبل
كلا ولا أبداً تخشى بوادره ... لو ظل يدأب بالقصرين لم ينيا
وقال الشيخ ناصر بن جاعد:
معيشتنا خبز لغالب وقتنا ... وماء وليمون وملح وقاشع
فإن حصلت مع صحة الجسم والتقى ... فيا حبذاها للذي هو قانع (1)
__________
(1) 1 – روى الإمام السالمي هذين البيتين في تحفة الأعيان باختلاف يسير :
معيشتنا خبـ ـز لغالب قوتنا وماء وليمون وملح وقاشع
فإن حصلت مع صحة النفس والتقى فيا حبذا هذا لمن هو قانع (2/7)
صفحة 437
والنية لكرامة الضيف يجعلها لله لا للجاه، وحدثني رجل عن ملك تخلق بأخلاق أصحاب الكرم والفقراء لا قدروا على الدخول إلى حصنه لأن الأبواب عليها أقفال وحراس فلا يدخل أحد إلا بإذن من الملك وخصوا بهذا الدخول أهل الأمر، وأما الفقراء في الجوع والعراء فجاء رجل غريب وسأل عن الملك فلم يبلغ الملك عن الغريب فنزلت على الملك مصيبة بأهله فخرج إلى المقبرة فوصل عنده الغريب وصافحه وعزّاه وقبض يد الملك وقال: الكريم يعطي الناس دون السؤال وإن سألوه فلا يؤخر بعد المطالبة، فخلع عليه الملك من ساعته كسوته وسلاحه، ودبّر الملك لكسوة وسلاح له ثم سأله عن داره وعن أي منزل نازل في البلد فأخبره بذلك، ثم ندب إليه الملك في اليوم الثاني بمائة حرف، وفي اليوم الثالث كذلك، فقال الغريب للرجل الذي يأتي له بالحروف: قل للملك إن الغريب سافر وأما الفقراء لا قدرة لهم على الوصول معك، فأخبر الرجل الملك بقول الغريب فصنع الملك مقاماً في البرية للفقراء وجعل لنفسه عادة كل يوم ينزل في المقام لحاجة الفقراء وزيه كزي الفقراء ويبتدئهم بالصباح ويقضي حوائجهم ويسأل مولاه القبول فهذا طبع أهل المكارم لا كأهل المظالم، ولكن يجب على العامي يسأل العالم حتى يكون في زمانه هو الكريم السالم وبالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قائم.
الذكر السابع والعشرون
في ابتداء خلق الإنسان وماله من الأحكام والميراث، وفيه ذكر الأرزاق والبركات في الحيوانات والجمادات. (2/8)
صفحة 438
قال ذو الغبراء: سألت صاحبي عن ابتداء خلق الإنسان إلى هرمه ما السبب لذلك؟، قال: اعلم أن الإنسان أوله من نطفة والنطفة لها رائحة كالنبات ومجتمع في تلك النطفة جميع أعضائه من عصب وعروق وعظام ودم ولحم وشعر فاعتبر في بيضة الطير الذي أعلاها طير الذكر فأول ما يوجد في البيضة ماء ثم ينتقل إلى دم ثم على عروق ثم على عظام ولحم وريش وغذاءه من المحة ثم يخرج من البيضة كامل الأخلاق والصورة كأبيه وأمه، وأما نطفة الرجل ماء أبيض غليظ وماء المرأة ماء أصفر رقيق يخرج من ترائبها فإن تقدم ماء المرأة من جسمها إلى قرارها المكين فإنها تحمل بأنثى ونطفة الرجل في البيضة اليسرى وقيل من صلبه فإن تقدم ماء الرجل قبل المرأة جاء الولد ذكر والشبيهة على من كان ماءه أكثر من الزوجين واشتهى قبل صاحبه، والواجب على المرأة أن تدخل أصبعها في قبلها لغسل الجنابة والحيض والنفاس، وتثبت النطفة أربعين يوماً طبعها البرودة اليابسة الثقيلة وفي هذا الشهر التدبير لله تعالى ولكن يجعله في الطبع كطبع زحل فإن كان زحل قوياً مسعوداً فالولد يكون على قدر قوته وطبعه وفي هذا الشهر ينقطع من المرأة دم الحيض لأنه يسقي الماءان في القرار المكين ثم ينتقلان على علقة فيمتزجان بالحرارة الرطبة على طبع المشتري فيعفنا الماءان ويمتزجان ويطلع الغشيان والبخورات الذي توحم به المرأة وهذا بعدما يمضي أربعون يوماً، ثم ينتقل إلى مضغة دم وفي الشهر الثالث كطبع المريخ في الحرارة اليابسة ويدل على القوة والشجاعة والبطش، وإن سقطت المضغة من المرأة فعدتها متى رأت الطهر صلت وصامت وأما زوجها فيمتنع عن جماعها أربعين يوماً على أكثر قول المسلمين، ثم ينتقل في الشهر الرابع بالحرارة اليابسة المحرقة كطبع الشمس فينتقل إلى العظام فإذا تمت الأربعة الأشهر نزلت فيه الروح، وانقل في الشهر الخامس كطبع الزهرة فينبت فيه الشعر والعصب والأخلاق الحسنة إذا كانت الزهرة مسعودة فإن جاء المرأة (2/9)
صفحة 439
دم في حملها فليس هو بحيض وذلك من ضعف في جسدها فلا تترك الصلاة ولا الصيام وجائز للرجل جماعها ولكنها تغتسل قبل الجماع كالمستحاضة، ثم ينتقل إلى الشهر السادس فيكتسي باللحم وتترك اللسان وأن لو سقط لعرف أنه ذكر أو أنثى ويكون طبعه كطبع عطارد حيث حل في البروج والقوة والضعف والسعد والنحس لأنه ممازج يساير الذكور والإناث.
صفة معرفة الحمل أنه ذكر أو أنثى فأما الذكر فيكون اللبن غليظاً ويصلب لحمها ويحسن لونها وتجلو عينها وتصح شهوتها وتحس بالثقل في الجانب اليمين ويعظم ثدي اليمين وتحمر حلمته وإذا مشت حركت الرجل اليمين أولاً وإذا قامت اعتمدت على اليد اليمين وتكون عينها اليمين أخف وأسرع حركة والذكر يتحرك بعد ثلاثة أشهر والأنثى بعد أربعة أشهر.
فإذا نهضت الحامل وقدمت رجلها اليمنى في المشي فهو ذكر وإن قدمت رجلها اليسرى فالحمل أنثى، وقيل إذا حلبت المرأة من ثديها في الماء وسكع أو حلبت فوق نملة فماتت أو كانت عروق كفيها حمراء فالحمل ذكر، وأما إذا كانت عروق الكف خضراء أو الحليب فوق الماء والقملة لم تمت فالحمل أنثى وعيون الباهته في الحامل تدل على الأنثى والعيون الغائصة فيها الحامل يدل على الذكر.
وعلامات الحمل ضيق الرحم ويحصل وجع ما بين السرة والفرج وتكره الجماع خاصة الحامل بالذكر ويعرض لها عند الجماع غشى وينقطع الحيض أو يتأخر ويعرض الكرب والكسل ونحول البدن ووجع الرأس وظلمة العين وخفقان وشهوة فاسدة بعد شهر أو شهرين فإذا عظم الجنين زالت هذه الأعراض. (1)
__________
(1) 1 – قمت بتقديم وتأخير بعض العبارات لينسجم الحديث مع بعضه البعض . (2/10)
صفحة 440
ومع تمام الشهر السادس تدخل في الحمل أحكام الشرع فمثلاً إذا كان للمرأة زوج من قبل وجاءت بولد لأقل من ستة أشهر مذ دخل بها الزوج الثاني فالولد للزوج الأول وتخرج عن الثاني بلا طلاق ولا لها صداق وقد يلحقها الأول في الحكم إلى سنتين، وإن لم يكن معها زوج من قبل فالولد وأرحامه عصبة أمه في الميراث، وإن كانت هذه المرأة مطلقة طلاقاً رجعياً ومات مطلقها الرجل الأول عند ولادتها وخرج الولد كله إلا قدمه فإنها ترثه المطلق إذا لم يكن خلعاً ولا لعاناً وأما الولد فملحوق به على كل حال من الطلاق إذا جاءت به لأقل من ستة أشهر قبل أن يغربن قرون الشمس وأما إن جاءت به بعدما غربت الشمس لتمام ستة أشهر فهو لزوجها الثاني رضي به أو لم يرض، وإن وضعت بولدين واحد لأقل من ستة أشهر فهو للأول والثاني آخر تمام ستة الأشهر فالولد الأخير للزوج الثاني على القول المعمول به، وتركت الاختلاف، وأما إن سبا المرأة العدو ودخل العدو عليها وكان بها حمل من العدو فالزوج ليس له فيه سبيل لكنه إن قدر على زوجته وأخذها واستبرأت رحمها فلا يضارها في ولدها وهذا الولد من حرام وليس له أب ولا هو مثل النكاح الفاسد لأن النكاح الفاسد يلحق الولد بأبيه ويرثه، ومن الأثر: وعن محمد بن محبوب وعن الرجل إذا وقع رجل على زوجته فوطئها وهي كارهة لذلك فحملت هل يسع الزوج أن يطأ امرأته وهي حامل من غيره فلا يحل له وطئها حتى تضع حملها وإن وطئها قبل أن تضع حملها أتفسد عليه؟ قال: الله أعلم، قال أبو سعيد: فيما أحسب فقال من قال لا تفسد عليه والله أعلم. (2/11)
صفحة 441
رجع على كلام ذي الغبراء: والرجل إذا طلق زوجته طلاقاً رجعياً وكان في بطنها حمل فعليه النفقة لها إذا كانت في بيته أو غير بيته، وأما إذا اختارت الخروج من بيته ولم يكن بها حمل فلا نفقة عليه لها وكل حامل لها النفقة من الرجل الذي خرجت عنه وفي رأي الشيخ ناصر إذا خرجت من بيته بغير رضاه فلا نفقة لها ما دامت حاملاً وإن كان برضاه فلها النفقة كما جاء في الذكر الحكيم.
قال: والنفقة فيما جاء ن النبي - صلى الله عليه وسلم - أصلها نصف صاع من البر لكل يوم وإن لم يكن براً فقيمته من بقية الحبوب ولها من التمر لكل يوم مما يأكل أهلها أو تأكل هي قبل التزويج وإن كان التمر أدون من ذلك فبقيمته من السائر والحل كمقدار ما يحتاج إليه مثلها والسمن والحلاء كما يستعملوه أهلها أو تستعمله هي قبل التزويج على نظر الأعدل في ذلك وكان لا يعجبه على تحديد ما في الكتب ولا يخطأ من قال به. (2/12)
صفحة 442
وأما إن طلقها وأتت بولد لأقل من سنتين مذ طلقها وأقرت بالحمل ليس من مطلقها فهنا لا يقبل قولها لإبطال الميراث والنسب وخلوصها منه بعد ما يخرج ولدها ولو لم يخرج على سنتين فإنه يلحقها بالرد وكذلك يرثها وترثه إن مات أحدهما، وأما إن طلقها وعادتها الحيض ولم تحض ثلاث حيض متوالية ومكثت مدة من السنين ومات الرجل فإنها ترثه ومصدقة في العدة، وكذلك إن ماتت المرأة وقال الرجل إنها لم تخلص منه فعلى أوليائها البينة فإن عجزوا عن الشهادة فإنه يرثها والمدة في هذا على أكثر قول المسلمين يكون سنها ستين سنة ثم تعتد ثلاثة أشهر وقول خمس وخمسين سنة وقول خمسين سنة وفيه قول سنتين ثم تعتد ثلاثة أشهر وقيل سنة وتعتد ثلاثة أشهر، وأما الذي لا يأتيها الدم أبداً فعدتها تسعة أشهر لريبة الحمل وثلاثة اشهر للعدة فتكون سنة كاملة، وأما إن جاءها الحيض ثلاث مرات ولم تغتسل ما لثالثة ورأت طهراً أو توانت عن الغسل وفات وقت الصلاة فإنه لا يدركها مطلقها ولا بينهما ميراث وأما إذا لم تتوان عن الغسل إلا أنها همت فإنه يدركها ما لم تفت الصلاة ولم تغتسل فبينهما الميراث، قال عامر بن علي: غسلت أو لم تغتسل، قال الشيخ ناصر: متى انقطع الدم ورأت الطهر انقضت العدة.
رجع إلى قول ذي الغبراء: قال: وأما إذا أتت بولد لا من ستة أشهر ولم يكن لها زوج من قبل ولم تقر به أن من زنا وأتت بحجج من العذر مثل مغصوبة أو نائمة هجم عليها أحد ولم تعرفه أو كانت نطفة سايحة في النهر ودخلت في فرجها أو أشباه ذلك فلها العذر ولا تسمى زانية، وأما إذا لم تأت بحجة فإنها تحبس وترضع ولدها سنتين ولا يجوز للزوجين أن يخبر أحدهما بالزنا صاحبه، قال الشيخ ناصر: يقبل قولهما لبعضهما بعض وبينهما الميراث إن صح الطلاق وأما في بينهما وبين الله فكما ذكر. (2/13)
صفحة 443
رجع على قول ذي الغبراء: وإن مات ميت ولم يكن له ولد ولا ولد ولد ولا أب ولا جد وعنده أم ومعها زوج وكان بها حمل فموقوف ماله فإن ولدت به لأقل من ستة اشهر مذ مات ولدها فإنه يرث المولود من أخيه، إن ولدته لأكثر من ستة أشهر فلا ميراث له على أكثر القول.
مسألة أخرى: إذا مات ميت وترك أمه ولها زوج آخر وهو حي وفي ملكه فإن وضعت لأقل من ستة أشهر مذ يوم مات دخل المولود في الميراث فإن كان الزوج ميتاً أو مطلقاً للمرأة أو بائناً عنها فإن وضعت حملها لسنتين مذ يوم مات الزوج أو طلق دخل المولود في الميراث ولو جاءت به لأكثر من ستة أشهر والفرق بين في ذلك لأنه إذا كان معها زوجها ولعله أن تكون حملت من بعد أن مات ولدها الموروث فافهم الفرق في هذا، وقد قيل أنه لو كان أبو الحمل حياً وأشهد على ترك وطئها مذ مات الصبي فإن ولدته لأقل من سنتين مذ مات أخوه دخل في الميراث والله أعلم بعدل هذا القول والقابلة غير مصدقة إن قالت أنه ذكر أو أنثى إلا بالشهادة التامة، وأما في استهلاله في البكاء مقبول قولها وإن استهل ومات يغسل ويصلى عليه وإن لم يستهل غسل ولا يصلى عليه، وإن مات ميت وكان حمل ممن يرثه أو كان مشاركاً في الإرث من الأرحام أو العصبات أو ذوي سهم فمنتظر إلى ولادته.
رجع: وأما الشهر السابع فالمولود فيه يعيش لأن تدبيره للقمر إذا كان مسعوداً أوله سماء الدنيا ومدار الأرض بدوران فلك القمر في النحس والسعد. (2/14)
صفحة 444
وعن امرأة زنت بأبي زوجها أو ابنه أو جده لا يحل لها المقام مع زوجها ولتهرب عنه ولتفتدي بكل شيء تقدر عليه وليس عليها أن تعلن ما ستره الله عليها وتعلمه فيما بينها وبينه وما وقعت فيه من البلاء، فإن لم يقبل فلتهرب منه حيث لا يراها، قال الشيخ ناصر: لا يقبل قولهما لبعضهما بعضا إن صح الطلاق وأما في ما بينهما وبين الله فكما ذكر، قال ذو الغبراء: وهذه المسألة وجدتها في الجزء الثامن والأربعون في الباب السابع والثلاثين في المسألة الثالثة والعشرون من كتاب بيان الشرع.
وأما الشهر الثامن فيرجع الحمل طبعه طبع زحل فإن ولد مولود فيه فالأكثر يموتون. (2/15)
صفحة 445
وأما الشهر التاسع فطبع الحمل فيه طبع الهواء فيجعل رأسه إلى فرج أمه لرائحة الهواء فيسوقه الملائكة الكرام إلى خروجه في هذه الدنيا، وفي تلك الساعة التي يخرج فيها المولد فمنها الدلالة في صورته فإن كانت الساعة سعد ليس منحوسة بشيء فعلى شكلها وإن كانت الساعة نحسة فالدلالة عليها، وأما البرج الطالع فلجسمه المولود والبرج الثاني لماله وأعوانه والبرج الثالث لإخوته وحركاته القريبة والرابع لآبائه وعاقبة أموره والخامس لأولاده ونعمته والسادس لأمراضه وعبيده وذهيبته والسابع لنسائه وشركائه وخصمائه والثامن لمال نسائه وخصمائه وموته والتاسع لأسفاره وأحلامه وعلمه والعاشر بيت عزه وسلطانه ومعاشه والحادي عشر بيت أصدقائه ورجائه والبرج الثاني عشر من الطالع بيت أعدائه وسجنه، فحيث رأيت السعود في البروج فاحكم له بالصلاح من تلك البيوت وحيث رأيت النحوس في البروج فاحكم له بالنحس من تلك الكواكب التي حلت في البيوت فإذا ولد مولود فالتدبير للقمر فيه وطبعه البرودة الرطبة إلى أربع سنين، ثم ينتقل إلى طبع الممازجة كطبع عطارد إلى أربع عشرة سنة ثم ينتقل إلى طبع الزهرة وجريان ماء الشبيبة إلى اثنتين وعشرين سنة ففي أول هذا الطبع تلزمه الفروض ويكتب عليه ما يعمله من الحسنات والسيئات، ثم ينتقل إلى سن الشباب متوسط وطبعه كطبع الشمس إلى إحدى وأربعين سنة، ثم ينتقل طبعه كطبع المريخ إلى ست وخمسين سنة، ثم ينتقل إلى الكهولة وطبع المشتري إلى ثمان وستين سنة، ثم ينتقل على طبع زحل في الشيخوخة إلى ثمان تسعون سنة، ثم يرجع إلى الضعف والصغر وقلة العقل كتدبير القمر وهذا حسابنا على سنينهن الصغرى الكواكب.
اعلم أن الناس أجناس فمنهم من يسلك طريق الرشد ويعتصم بالعروة الوثقى وتكون له ديناً وله آخرة كما قال الشاعر:
إذا أعطي المرء في الدنيا أربعا ... فقد حاز منها بالجزيل من القسم
فأولها تقوى الإله وبعده ... فصحة جسم ثم حظاً من العلم (2/16)
صفحة 446
ورابعها ما قد كفي بمعيشة ... فخذها كالدر زانت لذي النظم
ومنهم من له دنيا ولا له آخرة، ومنهم من لا له دنيا وله آخرة، ومنهم من لا له دنيا ولا له آخرة، فانظر أيها الإنسان بعقلك في شبابك فالذي تراه أرفق وأحسن لنفسك من الحرث لمعاشك والأرزاق واسعة ومبسوطة ولا يدخلك الطمع بجمع الذهب والجوهر والزمرد والألماس ولا يغرك النواب بجمع المال فاختر لنفسك من الأرض الواسعة عملاً تستعين به على إصلاح دينك واسمتع لقول الشاعر:
فلا تترك الحرفات خوف مذمة ... وما العار إلا للذي كان عاصيا
فموسى رعى من قبل قد قال ذو العلا ... وأخبر عنه أنه كان راعيا
كذا زكريا كان نجار قبل ذا ... وإدريس خياطاً وطالوت ساقيا
وكان يبيع الماء ما ضر دينهم ... وأعراضهم هذا ونالوا المعاليا
وداود حداداً وآدم قبلهم ... فقد كان زراعاً وعيسى لآسيا (2/17)
صفحة 447
ثم قال: اجتهد في طلب الرزق فمن الناس من يطلب العلم والرزق يكون بسببه، ومنهم من يطلب العز والرفعة فيجد منه النعمة، ومنهم من يطلب الحرث والزرع، ومنهم من يطلب الصنائع، ومنهم من يطلب التجارة والأسفار، ومنهم من يطلب المواشي، ومنهم من يطلب النكاح فمنه يجد الصلاح، ومنهم من يطلب اللهو واللعب والحرام، والمؤمن لا يدخل إلا في الحلال، والعاصي يدخل في الحلال والحرام، فمن تزود الشر فهو شر له، ومن تزود الخير فهو خير يره، {مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِن نَّصِيبٍ} (1) ، واجعل نفسك كأنها ساعتك التي أنت فيها واحرث في دنياك كأنك مخلد فيها والأرزاق واسعة لجميع خلق الله بالذي يأكل من الحيوانات في البر والبحر ولا نقدر نحصي الأرزاق المباحة التي هي حلال للغني والفقير، والحبة تنبت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة، وسيدة الشجر السدرة تقيت خلقاً كثيراً فنظرت سدرة في طوي بنات قاسم من كدم فدورانها جاءت خمسين باعاً بالباع الصحيح ومن ثمرتها يأكل من سكن حولها والمارون عليها والمواشي التي عرضت تحتها وكأنهم لم يأكلوا من نبقها إلا قليلا، وجوزة في بلد المناخر ثمرتها خمس وثلاثين ألفا، وسمعت عن شجرة بوت بسيبة غول في عين السعد جنوا من ثمرتها اثنا عشر رجلاً في اثني عشر قفيراً لأوان دراكها في يوم واحد، ونخلة سيلي من بلد المسفاة من ناحية كدم جاءت ثمرتها اثنا عشر قفيراً كل قفير وزنه خمسون مناً، وعدد قرون عذق موز خمسمائة وخمسة وأربعين قرناً زمن الإمام بلعرب بن سلطان الذي بنى حصن يبرين، ونخلة خصاب خرفت من أول دراكها إلى جدادها أربعة أشهر، وسمعت الشيخ ناصر يقول في بلد العليا شجرة أنبا تسمى بهلا صح لها من الثمن في بندر مسكد مائة وخمسون قرشاً، وفرصادة ببلد العين من جبل بني ريام حموها أهلها عن
__________
(1) 1 – الشورى : 20 (2/18)
صفحة 448
الخرّاب فإذا احتكم نضاجها أطلقوها وجنوا منها أهل البلدان الجبل كلهم وتثبت في ثمرتها شهوراً وأياما، و بيذامة بدار سيت تطنى بخمس وعشرين قرشاً، وسمعت سرور بن جمعة الخصيبي يقول استطنى نخلتي خصاب من فلج ساح الحرمل بثمانية وعشرين قرشاً استفاد منهما بعدما أكل منهما ما أكل، وقورة رمان في بلد الناخر بيع رمانها بعشرين قرشاً، ومشمشة مثلها على ما سمعت.
فلا يجوز قطع الشجر المباح المقيتة للخلق وأما الأشجار المملوكة فكل أولى بماله، وحدثني الوالد خلفان بن سعيد الهطالي التاجر أعطته امرأة قرشاً لما أراد سفر البحر فاشترى به خمسة عشر سمكة وباع كل سمكة بقرش فضة أفرنسي في بندر مريس ثم شرى بالقروش رأسين عبيد من السواحل وباعهما ببندر مسكد بسبعين قرشاً صافي من جميع المخاسير أعطاهن المرأة، وقد حكى لي عن رجل معه سبع محمديات من نظافة فشرى بهن عجلة فنتجت له عشرين بطناً فنتجن تلك البقر ونمت فباع منها ما لا يحصى وشرى منهن الأموال الجزيلة وعاش من ايسر أهل زمانه فينبغي لكل إنسان مهما رأى رزقه اتسع من شيء فلا يتركه وقد خص به دون غيره، وحدثني واحداً بعد واحد أن أميراً للعجم معه أربعمائة سرية ومات وترك ثمانين ابناً ومائة وعشرين ابنة فأخذ ملكه من بعده ابن أخيه وأولاده لا نفعتهم كثرتهم وقلّع عيونهم اليمنى فاعتبروا يا أولي الأبصار والصلاة والسلام على النبي المختار وعلى آله وصحبه الأبرار.
الذكر الثامن والعشرون
فيه ذكر الزلزلة، وزيارة المريض، والصلاة على الميت، ومعرفة الأوقات لأول الصلوات، وذكر الفضائل لها، وعلامة القدم. (2/19)
صفحة 449
قال ذو الغبراء: سرت يوماً إلى زيارة الصاحب فرأيته حزيناً كئيباً من الزلزلة التي رجفت الأرض منها في ساعة القمر من ليلة الأربعاء في ليلة النصف من شهر صفر من شهور سنة اثنين وخمسين سنة ومائتي سنة وألف الميزان والقمر في برج القوس، قال: فيدل على أن النصارى تظهر على بر العرب، ثم تلتها رجفة أخرى وقت صلاة الظهر من يوم الأحد نهار تسع عشرة من شهر صفر وعقبت بعد ذلك ريح وسيل شديد في ليلة السبت خمس وعشرين من صفر وصباح السبت ذهبت الأموال والأنفس والخيام في البر وفي البحر تكسرت السفن.
قله له: أخبرني عن الرجفة متى تدل على السعود، قال: أما إذا سمعت الرجفة فكله يدل في إقباله على النحوس إلا نصف النهار الأول من يوم الأربعاء والنصف النهار الآخر من يوم الخميس فإنها تدل على إقبال الخير والليل كله يدل على الخير والسرور إلا ليلة الأربعاء والنصف الأول من ليلة الخميس والنصف الآخر من ليلة السبت فهؤلاء تدل على إقبال الهموم ولكن الرجفة محددة في الأشهر بالتي يقع ويصح في الأرض فاطلبه من الأثر وهذا كتابنا مختصر. (2/20)
صفحة 450
ثم وصل مع صاحبي رجل وأعلمه بأحد من إخوانه مريض فقام من مجلسه وصحبته فوجدنا المريض فيه سكرات الموت فأمرنا الصاحب أن نقرأ سورة يس والقرآن الحكيم إلى آخرها، فخفف الله عنه المرض وسأله صاحبي عن شدة مرضه فقال يكفيك منظري عن مخبري فمات من ساعته وقت الزوال، فغسله وحنطه وصلى عليه وفي رجليه نعليه من شدة الحر، قلت له: والصلاة على الميت فيها كراهية في شيء من الساعات؟، قال: لا تجوز الصلاة إذا طلع قرن من الشمس حتى تستكمل وكذلك إذا غرب قرن منها حتى تغرب كلها وفي الحر إذا كانت الشمس في كبد السماء فهذه الأوقات التي لا تجوز الصلاة فيها وأما دفن الميت فجائز في كل الأوقات، قلت له: وما حدود الصلوات الخمس؟، قال: أما صلاة الظهر فأول وقتها مهما انفرك قرص الشمس عن كبد السماء فذلك أول وقتها وآخره وقتها إذا كان القرص في الجبين ما بين العينين إذا كنت مستقبلا إلى الغرب في زمن الحر وفي الشتاء إذا شاع قرص الشمس على العين اليسرى فقد انقضى وقت الظهر ودخل أول وقت صلاة العصر وآخر وقتها إلى أن يغرب قرن من الشمس، وصلاة المغرب فأول وقتها مذ تزول الحمرة من محاجير السماء ويسود كبد السماء وآخر وقتها غروب الشفق من المغرب فحينئذ يدخل وقت صلاة عشاء الآخرة وآخر وقتها إلى نصف الليل وقيل إلى ثلث الليل للمسافر، وصلاة الفجر فأول وقتها طلوع خيط الأبيض المعترض في المشرق لا كالمرتفع وآخر وقتها حتى يطلع قرن من الشمس فإذا طلع قرن وأنت في الصلاة قف حتى يتكامل في الطلوع قرص الشمس فتم صلاتك. (2/21)
صفحة 451
قلت له: وما أجر صلاة الجماعة ؟ قال: إذا كان اثنان وصليا جماعة فصلاتهما عن أربعين صلاة، وإذا كانوا ثلاثة فعن ثمانين صلاة، وإذا كانوا أربعة فعن مائة وستين صلاة، وإذا كانوا خمسة فعن ثلاثمائة وعشرين صلاة، وإذا كانوا ستة فعن ستمائة وأربعين صلاة، وإذا كانوا سبعة فعن ثمانين ومائتين وألف صلاة، وإذا كانوا ثمانية فعن ستين وخمسمائة وألفين صلاة، وإذا كانوا تسعة فعن عشرين ومائة وخمسمائة ألف صلاة، وإذا كانوا عشرة فعن أربعين ومائتين وعشرة آلاف صلاة، فكلما زاد أحد في الجماعة زاد ضعف الأجر للصلاة، وأما إمام الجماعة فأجره كأجر جميع من صلى خلفه، ولكن ينبغي للذي يتقدم على الجماعة أن يكون أعلمهم وأفصحهم لساناً وأورعهم وأصحهم جسماً وأبعدهم للخلاء وأفضلهم لباساً وأن لا يكون عجولاً ولا متمهلاً ولا في القراءة مطولاً وينتظر أصحابه إلى ثلث الوقت إلا من اتخذ منهم ذلك عادة، والجماعة ينتظرون الإمام إلى ثلثي الوقت، وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : من صلى صلاة الصبح جماعة خير أن يقيم الليل ولم يحضر لصلاة الجماعة، وأما إذا بدت حاجة للجماعة وشق عليهم الوقوف فيقدموا أحداً للصلاة ويتأخر عن المحراب للصلاة فإذا جاء الإمام صلى بالذي حضر على المحراب، وجائز للإمام أن يصلي وحده جماعة إذا كان قائما في المسجد للصلوات الخمس ويجهر بالذي يجهر به الإمام فإن جاء أحد من الجماعة فليكن على يمينه ويصف قدميه بأطراف قدم الإمام ويكون سجوده محاذياً منكب الإمام ويقول في نيته أصلي ما أدركت بصلاة الإمام وأؤدي ما فاتني، وأما إذا كان الإمام واقف للجماعة والذين حضروا معه قد شغلهم شاغل فليصل بمن حضر معه والوقوف في المسجد لانتظار الصلاة مهر الحور العين لأن الصلاة فضلها عظيم، وفرض الله لهم في كل يوم وليلة خمس صلوات ثم ألحق لهم صلاة الوتر وقيل إنها فرض وأكثر القول إنها سنة، وسن رسول الله السنن لصلاة الظهر ركعتين ولصلاة المغرب ركعتين (2/22)
صفحة 452
ولصلاة العشاء الآخرة ركعتين وقبل صلاة الفجر ركعتين وسن صلاة الميت وصلاة العيدين وصلاة خسوف القمر وكسوف الشمس وزادوا الصحابة والتابعين لهم صلاة الضحى والطاعات والنوافل وقيام شهر رمضان اجتهاداً منهم لمرضاة ربهم، ثم حرضوا على الجماعة في الحضر والسفر وفي قيام شهر رمضان وصلاة الضحى وصلاة الميت والأعياد والوتر في رمضان وخسوف القمر وصلاة الاستسقاء، فلا ينبغي للإنسان أن يخالف الذين سبقوه بالفضل والإحسان والله يقول: {وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى} (1) ، وعلى الإنسان الاجتهاد في أعمال البر ويجعلها لله لا للرياء والإعجاب ولا يكون كالرجل الذي يرائي بعمله ويتمنى على الله الثواب فنودي: عمل كالسراب، وقلب من التوفيق خراب، وذنوب بعدد الرمل والتراب، وتطمع في الكواعب الأتراب، هيهات هيهات يا كذاب، أنت سكران بغير شراب، وأنت في المحراب، وسمعك في الباب، وتظن أنك من جملة الأحباب، لا لا يا كذاب، لا تطمع في المقاصير مع التواني والتقصير، فما أنت في الأمور ببصير.
__________
(1) 1 – المائدة : 2 (2/23)
صفحة 453
وينبغي للإنسان إذا سمع الأذان فلا يشتغل بشيء ويقصد على المسجد ويصغّر الخطا فله بكل خطوة حسنة، ثم يقصد في إراقة البول والغائط خوف أن يشغله الاحتقان في صلاته فإذا قضى حاجته من النجو يقصد على الطهارة والله يحب المتطهرين، وليأخذ حذره لئلا تلحق ثيابه النجاسة أو يلحقه رش الماء مع الطهارة في ثيابه خاصة إذا كان من بلولة حوض فينبغي له أن يدير الحوض مع التطهر ويكون دبره مقابلاً للبلولة فإذا تطهر يغسل فخذيه ورجليه إذا كان من حوض ثم يجتهد لتأدية الفرض مع وضوئه لأنه قال ربنا: {فاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَينِ...ألخ الآية} (1) ، فإذا دخلت المسجد ادخل رجلك اليمنى أولاً، وسلّم على من حضر، وأما إن رأيتهم يصلون فلا تسلّم على المصلي وسلّم على نفسك، وقل بسم الله والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى أولياء الله السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين والحمد لله رب العالمين، وكذلك إذا دخلت بيتك فسلّم على نفسك لقوله تعالى: { فَسَلِّمُوا عَلَى أَنفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِّنْ عِندِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً} (2) .
والأفضل في صلاة الجماعة الصف الأول والجانب اليمين منه أفضل ثم الصف الثاني وإذا شغله شاغل الإنسان وجاء إلى المسجد ورأى الناس يصلون الجماعة فليصل ما أدرك ولو أدرك الركوع الآخر فقد أدرك الجماعة وليؤد ما فاته ولا يقف عن ذلك لئلا يفوته الأجر وهو حاضر.
__________
(1) 1 - المائدة : 6
(2) 2 - النور : 61 (2/24)
صفحة 454
وينبغي للإمام والمأمومين أن يتعلموا حدود الصلاة حتى يعرفوا فروضها من سننها وكذلك ما ينقض الوضوء وما لا ينقضه وما ينقض الصلاة ولا يكون الإنسان كالبهيمة، وينبغي أن يكف نظره عن جميع المحارم بالذي لا يجوز له النظر وأما الذي يجوز له النظر من العورات فلا ينقض عليه ما لم يمسه بيده، وأما النساء الأجنبيات فلا يجوز له النظر إلا الوجه والكفين ما لم يكن لشهوة، وأما القدم ففيه علم خفي في ظاهره فإذا رأيت القدم فيه حمرة فإن الإنسان فيه حمرة وإن لم يكن فيه فلا يكون للإنسان، وإن رأيت الحفوة عريضة ملية فإن الإنسان له صدر وإن رأيت القدم عريضاً ملياً من اللحم فإنه يدل على العجز ملياً، وإن رأيت الأصابع طوالاً فإنه يدل على طول القامة، وإن رأيت الأظفار طوالاً حسنة فإنه يدل على طول الوجه وعرض الظفر لعرض الوجه، وإن رأيت الخط أبيضاً فإنه يدل على بياض الإنسان والخضرة للخضرة والصفرة للصفرة والحمرة للحمرة والسواد للسواد، وإن رأيت القدم طويلاً فإنه يدل على طول قامة الإنسان، وإن كان القدم قصيراً فيدل على أن الإنسان قصير، والنظرة تزرع الشهوة في القلب وإبليس يقول النظرة سهمي الذي لا أخطئ به، وقال أبو بكر الصديق رضي الله عنه: تركنا سبعين باباً من الحلال خوفاً عن الشبهة والحرام، وقيل دع ما (1) يريبك إلى ما لا يريبك، وكفى المؤمنين قدوة لمن طلب السلامة، والصلاة والسلام على رسول الأمة، وعلى الصحابة والتابعين لهم إلى يوم القيامة.
الذكر التاسع والعشرون
في البصور والحروز وما يجوز وما لا يجوز، ومما ينبغي للكاتب، وفيه قصتان من رؤيا رجلين من أهل الاستقامة في الدين.
__________
(1) 1 – في الأصل : بالذي (2/25)
صفحة 455
قال ذو الغبراء: لاح في قلبي أن أسأل صاحبي عن أجرة كتابة الحروز هي حلال أم لا حتى أقبل علينا في مجلسنا رجل وعليه لباس الفقراء، فسأل عن البصور وأجرة كتابة الحروز والمحو، فأجابه صاحبي فقال له: أما جواب مسائلك فبعض منها فيه الجواز مثلاً إن جاءك إنسان وقال لك أريد كتابة حرز كذا وكذا وقاطعته بالأجرة على كتابته فهذا جائز في قول المسلمين، وإن قال لك: اكتب لي حرز البركة والرزق أو لألفة أو لفرقة أو لإقبال أو لإدبار وأمثال هذا فينبغي أن يكون الكاتب عارفاً بالذي يفيد الطالب لما طلبه منه من العلم مما أمكن فجاز، ومن ذلك إذا صار مثل الذي وجدنا له معرفة في هذا الفن ومعرفة شروطه وسألناه عن بعض طروقه النافعة وشروطها، قال: فالأول أن يكون الكاتب طاهر الثوب والبدن حاضر القلب معتزلا في الخلوة والبخورات الطيبة كالعود والعنبر في حال الكتابة، وللخير يكتب للذكر الطالب في ساعة سعيدة ويوم سعيد والطالع ورب الطالع مسعودان والقمر في المنازل السعيدة ومتصلاً بالسعود ويكون سالم من نظر النحوس والاحتراق والهبوط والوبال وفي النصف الأول من الشهر وفي النصف الأول من النهار وفي ساعة ذكر والمداد طاهر والحروف لا ناقصة ولا زائدة ولا متشابهة ولا متلاحقة ولا دامغة، ويكتب اليوم وربها وما لها،ويكتب من آي القرآن وأسماء الله، ويستعين بملكها العلوي على السفلي ويسأل السفلي أن يسخر له خادماً من أصحابه يكون مساعداً له في أمره، وليمازج بين الاسمين ويعرف حروف الجاذبة والمجذوبة ثم يجعلهما بعد جمعه لها وفقاً ثلاثياً أو رباعياً ويخرج ميزانهما ويعرف ما بقي في يده من الكسر ويجعله في بيوت الكسر ويعزم عليه ثم يجعل المكتوب إن كان صاحبه برجه نارياً ففي قرب النار، وإن كان برجه ترابياً فيدفن المكتوب في الأرض، وإن كان برجه رياحياً فيعلقه في الهواء تضربه الريح وهذا أبلغ للطالب، وإن كان برجه مائياً فيجعله في الماء، ثم يكتب في نحس المطلوب كما (2/26)
صفحة 456
كتب للطالب، وإن كان للفرقة أو للعداوة فيكتب الكاتب في ساعة نحسه وفي يوم نحسه وبرج المطلوب منحوس والقمر متصل بالنحوس في محاقه وفي آخر الشهر وآخر النهار والبخورات المكروهة كالخيل والمقل والمر والحنظل وللذكر في ساعة ذكر وللأنثى في ساعة أنثى، فمن وقف على هذه الشروط وأخذ أجرة على كتابة الحرز أو غيره فحلال له ولو أعطي ألف حرف لكان الرابح الذي كُتب له، والله يقول: {وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاء وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ} (1) وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : (شفاء أمتي في ثلاث لعقة من عسل أو شرطة محجم أوآية من كتاب الله)، والمسلمون عظّموا كتاب الله؛ فلا يقرأه جنب ولا حائض ولا نفساء ولا يحملوه، فكيف تكتبه الفسقة فلا يصح عملهم أبدا لأن المؤمن ممنوع إذا كان نجساً، وهذه الشروط التي ذكرناها لا تصح أعمالها في كل الأوقات، وإن بانت براهين لإنسان فليس هي من الكتابة لأن كثيراً من الأمور يبلغ فيها الإرادة الطالب من غير كتابة، كما حكي لنا عن امرأة سارت مع رجل عارف تريد منه أن يكتب لها حتى يخضع لها بعلها، فقال الرجل معجزة للمرأة: آتني بشعر من ضبع تكون حية لا بها علة فقصدت المرأة إلى تدبير الضبع وجعلت تجلبها بالروائح في النار وتجعل لها طعاماً فأقبلت الضبع بالمرأة ثم أخذت جازاً وقصت به من شعرها وجاءت مسرعة للرجل وأعطته الشعر، وقالت له: أريد المطلوب، فقال الرجل: أيها المرأة قدرت على مؤالفة الضبع مالك لا تصنعي المعروف لزوجك وأنت وإياه بالليل والنهار في مقام واحد، فقالت له: إن قلب الإنسان أشد قسوة من الحجارة، قال لها: صحيح لكن هذا في غير ما أردتيه والرجال تغالب النساء فخذيه باللطف والإحسان فامتثلت الأمر وطاوعها بعلها في النهي والأمر.
__________
(1) 1 – الإسراء : 82 (2/27)
صفحة 457
رجع: قال لذي الغبراء: وإن لم يتفق للعامل مثال ليس له سر غيره؟، قال ذو الغبراء: له سر ولكنه مكتوم عن عامة الخلق، فمن قرأ البرهتية الصحيحة الذي هي أربع وعشرون كلمة بعدما يكتب الوفق ويتلوها بالليل بعدما تنام الأعين كل ليلة خمس وأربعين شرفاً وسأل مولاه حاجته فإنها تقضى إن شاء الله، قال الله: {وَلِلّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا} (1) وقال: {ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ} (2) وقال: {فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ} (3) ولكنها لا تصح الأعمال إلا بكتمان السر، وهذه البرهتية برهتيةٍ كريةٍ تفليةٍ طورانٍ مزحلٍ بزحلٍ ترقبٍ يرهشٍ غلمشٍ خوطيرٍ فلتهودٍ برشانٍ نموشلخ يرهيولا كخطير شكليخ فزمز انفلٍ ليطٍ قيراطٍ كيد هولاءٍ شمخاهير شمهاهير......
__________
(1) 1 - الأعراف : 180
(2) 2 – غافر : 60
(3) 3 – البقرة : 186 (2/28)
صفحة 458
وأما الذي يبصر بغير معرفة ويكتب حروزاً من غير نظر أهل العلم والبصر، مراده يأكل أموال الناس فجميع ما أخذه حرام وعليه رده إلى أصحابه، ولو قال لهم لا أعرف إلا أني أبصر فهذا كلامه مثل الذي رمى حباً للطير في الطريق وجعل فيه سماً فجاءت دواب المسلمين فأكلت الحب وماتت فعليه ثمنها لازم لأنه معروف أن السم مهلك، وأما المحو فجوازه أقرب إن أخذ أجرة في عناه، ولكن من شروطه أن يكون الكاتب طاهر الثوب والبدن والمداد والإناء يكون من الإزورد الصيني الأبيض النقي من النقوشات والصبوغات والفصود، ويكتب الحروف نثراً لا دمغة فيها ولا زيادة ولا ناقصة ولا متشابهة كل حرف بوزنه ولا يقرأه أحد بعد ما كتب إلا أن يعطى ولا يمحيه بيده بل أنه يمحيه بعود القصب أو بعرق المتك وللأنثى يمحيه بخوصه الفحل الذي لم يثمر، وأما الذي كتب المحو للرجال فيمحى بخوصة مزناج أو أزاد الذي لم يثمر بعدهما، وإذا أراد شربه فليقرأ شيء من أسماء الله العظيمة، وعليك بحسن النية ولا يدخل في قلبك وهم كالرجل الذي نزل الألم وسأل أحداً من أهل العلم وكتب له حرزاً وجعله في كمته فبرئ من دائه، فكشف الحرز فنظر مكتوباً بسم الله الرحمن الرحيم، فقال في نفسه أنا أعرف أكتب هذا فخازه ثم راجعه الألم في رأسه وكتب لنفسه فلا نفعه، فقصد مع صاحبه الأول فأخبره أن الحرز الذي تفضلت علي به ذهب فرجع الألم كما كان فكتب له وبرئ فكشفه فإذا هو كالأول، فدمره وعاوده الوجع ورجع إلى صاحبه، وقال له: سرقت علي الكمة ورجع الألم فالساعة لا أفيق من الوجع، فقال الكاتب لعلك كشفت الحرز لتنظر ما فيه؟، قال: نعم كشفته وقرأته، قال: فأكتب لك حرز ولا تراجعني بعد هذا أبدا فكتب له فأبرأه الله ومكث زماناً صحيحاً، فكشفه فإذا به مثل الأول ورمى به في الأرض، ثم طاح في فراشه ومات من علته فحل به عذاب الأدنى دون العذاب الأكبر الله أكبر. (2/29)
صفحة 459
وعند بادية الجنبة خادم يسمى ياقوت حسن الصورة معتدل القامة إباضياً حسن السيرة ومولاه وعشيرة مولاه من مذهب أهل السنة ولم يستطيعوا أن يدخلوه في مذهبهم، وجاء معهم عالم فاضل سني وأرادوا منه أن يذهب إلى الخادم وهو قد لزم البادية فذهب إليه ولم يزل يعظه يريد أن يدخله في مذهب السني وليس للخادم علم يجيبه به حتى جن عليهما الليل ورقد فرأى نفسه مستلقياً على ظهره في نومه، فيجول نظره إلى السماء والقمر بكبد السماء تام النور وانشق القمر ونزل منه ملك بين يديه فسلّم عليه، فقال له: اقعد وهات يمينك فمد إليه يمينه وقال له: هذا كتاب لك من ربك وأعطاه إياه بيمينه في يمينه ثم ذهب إلى العالم السني ووكزه برجله في رأسه، وقال له: قم فصاح بالغم وقال له: هذا جزاء أعداء الله تريد أن تخرج الرجل من نور الله إلى ظلماتك الفاسدة ثم أخذ شماله وكفها إلى ورائه وقال له هذا كتاب لك من ربك في شمالك وعرج الملك إلى السماء واستيقظ، وفي سنة جرى عليه مثل هذا من عالم زاهد سني أرسلوه إليه مواليه في البادية ولم يزل يعظه كذلك حتى نام فرأى القمر كأنه انشق ونزلت منه حورية إلى بين يديه، وقالت له: قم نسلي قلوبنا بعضنا ببعض والعالم نائم وخرجت قطعة نار وفي الصورة كأنها عقرب مثل الكبش ولدغت ذلك العالم في أم رأسه.
نقص في بداية صفحة 285 (2/30)
صفحة 460
وعبد مملوك أمي بدوي علموه مواليه الصلاة والصيام واجتهد ليقلب مذهبه فرموه مواليه بالعداوة حتى خاف على نفسه وأيقظ العبد من نومه فسلم عليه فأعطاه في يده اليمنى طيراً مشوياً ولم ير العبد في الطير تذكية فردت إلى الطير روحه وأفلته الخادم من يده فطار ثم نظر الخادم الرجل الذي نزل من السماء قصد إلى رجل نائم الذي هو مخالف لمذهب الخادم فركضه برجله ونهض من نومه ووقف وراء ظهره فأعطاه في يده اليسرى شيئاً ثم صعد إلى السماء ودخل من الباب وقفله فنهض الخادم من نومه وفكر في رؤيته فقال الحمد لله الذي هداني وبين لي مذهبي في نومي فأخلص لله نيته وقال ولو أن أهل الأرض خالفوا مذهبي لما اهتديت بهم، وكان رجل من الشيعة في زماننا يسمى حاج موسى ....( (2/31)
صفحة 461
نقص في الأصل)عمر والإمام ناصر بن مرشد وأبو نبهان جاعد بن خميس، قال: إن مثل هؤلاء من الذين حكى الله عنهم إن من عبادي من يمشون بنوره فلا يزالون يتقربون إليّ بالنوافل حتى أكون سمعهم الذي يسمعون به وبصرهم الذي يبصرون به ولسانهم التي ينطقون بها ويدهم التي يبطش بها، قيل له: ما سبب ولايتك لأبي بكر وعمر؟، قال: إني قرأت استخارة أن يريني الله ما يحبه لي من اعتقادي في أبي بكر وعمر في منامي وإني لا أخالفه تعالى، فرأيت كأني واقف بباب مسجد رسول الله استأذنه الدخول برسول كان عند الباب فسمعته يقول للرسول: لا يدخل علينا فهذا هو الذي يأذيني في صاحبي فرجع الرسول بهذا الكلام، فقلت: أنا جيت أناظره معتقداً طاعته، فقال - صلى الله عليه وسلم - على صحة هذا الشرط يدخل علينا، فدخلت فرأيت أبابكر عن يمينه وعمر بن الخطاب عن يساره وعلي بن أبي طالب قبالة وجهه وسعد بين علي بن أبي طالب وأبي بكر معتزلاً عنهما قريباً إلى أبي بكر في الجهة والصف، فقال - صلى الله عليه وسلم - : أنت الذي تأذيني في صاحبي هذين؟، فقلت: أنا جئت أناظرك معتقدا طاعتك، فقال: هذان أبو بكر وعمر صاحبي ويكفيك ما نظرت وسمعت مني، ثم انتبهت واعتقدت ولايتهما لأن رؤية الرسول حق باتفاق جميع الأمة لا يدخلها خلل. (2/32)
صفحة 462
وهذه الرؤيا صحيحة لأن إبليس اللعين عالم، واليهود والنصارى والمجوس وأهل الخلاف علماء، ولكن العقيدة هي الحجة، والدجاجلة ضلوا وأضلوا كثيراً من في الأرض فأطاعوهم الفرسان والشجعان ونشروا في الأرض جيوشهم فسفكوا الدماء وظلموا الإسلام فاستدانت لهم الناس بالتقية وقيل لولا الاستغفار والتوبة والتقية وإلا هلكت البرية، ثم طغوا في الأرض وحق عليهم القول من قوم ضعفاء هجموا عليهم بسيوف راجلين، وأهل الظلم راكبين فولوا مدبرين ومقتولين قد خسروا الدنيا والآخرة ذلك هو الخسران المبين وذهب من الدنيا الدجال، ثم أدار الله الفلك واستقوى زحل فانتشا دجال آخر وأحيا البدع فاقتفى بأسلافه، ووصل الدار الموصولة سابقاً فأعز الله الفئة القليلة وأهلك الظلمة وذهبوا الفسقة فأراح الله المسلمين، والحمد لله رب العالمين.
الذكر الثلاثون
فيه أدلة من الفلك للبراهين المنيرة لإمام الأمة، وفي حدود مكة، وفيه دلائل لعقيدة الأئمة، وفي من رزق السمعة للدنيا والآخرة.
قال ذو الغبراء: سألت صاحبي عن عدم الأئمة وقلة الجهاد في الأمة ويملكوا العباد الظلمة، وقد آيسوا أهل الاستقامة، قال: اسمع وعي أما تفكر في الأمم والأنبياء والرسل الذين تقدموا فمضت عليهم الأيام والسنين وهم في فترة حتى أدار الله الفلك بالسعد للمطيعين فجعل منهم الأنبياء والمرسلين والأحبار والرهبان ومن بهداهم الأئمة في الدين والعلماء والمتقين، لأن كل دولة لها وقت فيه تبتدي، وغاية إليها ترتقي، وحد إليها ينتهي، فإذا نالت إلى أقصى غاياتها......
(نقص في الأصل). (2/33)
صفحة 463
وجعل يوم تقوى هذه الدولة تضعف الدولة الأخرى، فانظر إلى جريان الزمان بالليل والنهار وفصل الشتاء والربيع والصيف والخريف، وجعل لكل واحد من الطبائع الأربعة واحد، ثم انظر في خلق (1) بني آدم وغيرهم فأصلهم من عدم فصاروا إلى وجود فأولهم في الرحم في ظلمات ثلاث، ثم جعلهم أطفالاً وكهولاً وشيوخاً وهم لا يدرون بتقلب أحوالهم، وكذلك الدول (2) وتقلب حالاتها فتارة لأهل الخير وتارة لأهل الشر، وقد نراها تناهت دولة أهل الشر وظهرت قوتهم وأفعالهم في جميع الأمصار التي مصرها أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه وليس بعد التناهي إلا النقصان، وقد رأينا الكواكب السيارة ومناظراتها لبعضها بعض من الأماكن السعيدة وكذلك النجوم ومهاواتها لها دلائل لإصلاح المسلمين في المقبلات من السنين، واعلم أن دولة أهل الخير تبدأ من قوم علماء فضلاء حكماء فيجتمعون على رأي واحد ودين ومذهب واحد ويكون بينهم عهد وميثاق أن لا يتجادلوا ولا يتقاعدوا عن نصر بعضهم بعضا، ويكون تدبيرهم كرجل واحد ويختاروا رجلاً لأمر المسلمين، ومما نراه أن يبدأ الصلاح والعدل في عمان لأنه قيل من أعيته المكاسب فليأت عمان، عمان بلاد الأمان لا ظلم فيها ولا جور ويوشك في آخر الزمان أن ينتقل الناس إليها لأمان أهلها فيها، ومن أحب أن يسكن عمان فليسكن فإن فيها القنوع والرضا باليسير، وسمع عبدالله بن سلمة (3) يودع رجلاً فقال له: أين تريد ؟ قال: عمان، قال: فالحق فيها يا ابن أخي فإن بها أمان الليل وأمان النهار ويوشك أن ينتقل الناس إليها في آخر الزمان من جور السلطان وأعوان الظلمة وأحطاط النبط، وعن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: يوشك أن تكفر أمتي ويلي عليهم أعوان الظلمة في البلدان يلتجئ الناس إلى عمان وإن عمان في ذلك الزمان ......
__________
(1) 1 – في الأصل : أخلاق
(2) 2 – في الأصل : الدولات
(3) 1 – في الأصل : عبدالله بن سلمة سمعه يودع رجلاً . (2/34)
صفحة 464
وعند اقتراب الساعة يعمر خرابها ويكثر سكانها وتضيق بها أمتي حتى يباع مربض الشاة ومقعد الرجل بعشرة دنانير أو عشرين ديناراً فلا يقدر على ذلك لما يكثر فيها من الناس وكذا فيها الأرزاق ويأمنوا فيها الناس بأوسع الأمان آمن ليلهم طيب نهارهم ينصح باحته تأتيهم أرازاقهم من بحرهم.
وسألت الشيخ ناصر بن جاعد عن السلطان الذي يجب طاعته على المسلمين ما صفته؟ قال: إذا عدل في ملكه وجعل في حصونه وحكمه الثقات والأمناء وجعل نفسه للمسلمين كواحد منهم وجبت طاعته فإن عصبوه أو نصبوه إماماً ليدفع عنهم أعدائهم فجائز لهم ذلك، وإن قصّر عن هذه الخصال فلا يجاب في أمره إلا إذا هجم عليهم من اظلم منه للناس وأشد قوة فجائز لهم إعانته على خصمه الذي هو أكثر فسادا، قلت له: وإن عدل السلطان في ملكه ودعا بأناس من أهل الورع في غير ملكه وفي دارهم الفساد والسلطان الذي تولاهم جائر عليهم أتلزمهم طاعته ؟ قال: إذا خافوا على أنفسهم وأموالهم من سلطانهم فلا يلزمهم. قلت له: أيلزمه هو؟ قال: إذا كانت له قدرة بالمال والرجال أعانهم وإن لم يكن له قدرة إلا بذهاب الأموال والأنفس فلا يلزمه ذلك، قلت له: وإن عدل السلطان وجعل الأمناء في جميع ملكه وأراد أن يولي رحلاً أميناً في شيء من حصونه فامتنع عن ذلك أيجبره على ذلك ........ (نقص في الأصل).
قال ذو الغبراء: ينبغي للإمام أن يكون عالماً لما يسع جهله ومالا يسع جهله، ويكون ورعاً شجاعاً نبيهاً خاضعاً للمسلمين هموماً غيوراً في أمره وأمر المسلمين، كارهاً للباطل وأهله، يحب أن يكون الأمر في أيدي الثقات لا عند أقاربه، وان يكون كريماً شريفاً سالماً من الدنس والتجهم والتعسف، لا يعطي النفس هواها، يحب لنفسه ما يروه المسلمون له صلاحاً، قلت له:.................
(نقص في الأصل). (2/35)
صفحة 465
وقول المسلمين: اتبع الحق ممن جاءك به ولو كانت أمة، قال: لا نخالف قول ربنا ولكن في هذا المعنى بينه لنا قال: {وَاللّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ} (1) ، أما تنظر في الأشهر شهر رمضان، وفي الأيام الجمعة، وفي الكواكب الشمس، وفي المساجد الكعبة، وفي الملائكة جبريل، وفي الأنبياء والرسل محمد، وجعله من العرب ومن سادات مكة، ومن البقعة المباركة التي هي سيدة الأرض، وحرّم فيها قتل الصيد وقلع الشجر الأخضر، ومن دخلها كان لآمنا، فقد جمع الله فيه الخصال المحمود ، وكذلك الذين تقدموا من الأنبياء والرسل لا فيهم تدنيس والذين من بعده من الصحابة وتابعيهم وتابعي تابعيهم ما اجتمعوا على إمام إلا وهو من أشرافهم وهكذا خلف عن سلف إلى يومنا هذا فنحن بهم نقتدي وبهم نهتدي.
قلت له: صف لي حدود هذه البقعة المباركة، قال : فحد الحرم فيه إشارة عن قومنا وهم أعلم به لأنه من قربهم وقال الشاعر:
وللحرم التحديد من أرض طيبة ... ثلاثة أميال إذا رمت إتقانه
وستة أميال عراق وطائف ... وجدة عشر ثم تسع جعرانه
ومن يمن سبع بتقديم سينها ... فقد كملت واشكر لربك إحسانه
قال غيره تفسيراً للأبيات في ذكر الميل:
إن البريد من الفراسخ أربع ... والفرسخ فثلاث أميال ضعوا
والميل ألف أي من الباعات قل ... والباع أربع أذرع تتبع
ثم الذراع من الأصابع أربع ... من بعدها عشرين ثم الأصبع
كالست من حب الشعير وحبة ... ... كالست من شعر البراذين فعوا
__________
(1) 1 – النحل : 71 (2/36)
صفحة 466
قال: ومما ينبغي للعلماء أن يعتبروا أولاد الملوك فإن أعجبهم منهم أحد فيعلموه في أدب الملوك ويرغبوه في منازل الأئمة ويسلكوه على طريق رشده في حال صغره فإنه يسهل عليهم الأمر وكل شيء من خلق الله فيما عود اعتاد، فانظر إلى البهائم أمام كل ما أدب في حال ما يطيق الأدب والحمل أسهل إلى المؤدب واستطاع له، وكذلك هذا نراه أطوع فإذا بلغ الحلم عقدوا له بالإمامة العلماء وحاذاه أهل الورع عن يمينه وشماله فإذا ثبت على التطبع في الأمر والنهي فنعم المطلوب منه، وإن غيّر فعلى نفسه ولا على المحسنين من سبيل، قال: وينبغي إن وجد مع عقدة (1) الإمام رجل فلكي كان أحسن لأن في رأيه وعلمه دلالة وراحة.
__________
(1) 1 – في الأصل : عقيدة . (2/37)
صفحة 467
وهاك بياناً اجتمع العلماء ومن معهم من المسلمين على بيعة إمام لهم وبمحضرهم رجل فلكي فنهاهم عن تلك الساعة فلم يلتفتوا إلى قوله ثم بعد أيام جاء عالم الشريعة مع الفلكي فقال له: لم قلت بالوقوف عن عقد الإمامة؟ فقال له: أنت أعلم مما يصلح من الدنيا والآخرة والفلك فيه بيان لإصلاح الدنيا وسلامة الأنفس، وهذا إمامكم يثبت في إمامته سبعة أشهر ثم يقتلوه هو وأصحابه الجبابرة المتمردون ويأخذوا أموالهم ويسبون نساءهم، فمشى عنه وأرخ قول الفلكي فصح قوله فأعجبهم رأيه، وسألوه في عقدة إمام آخر فقال لهم: ثلاث سنين وقوفكم عن عقدة الإمام وهو يحسب في أمره فوفق الأيام والمنازل والساعة والبروج وأربابها في الثوابت جعلها للإمام والبروج المتقلبات وأربابها في السواقط المتقلبات جعلها للخصيم وأمرهم بالاجتماع في ليل مظلم قد مضى منه ثمان ساعات فعقدوا على إمامهم، وعلم العدو بذلك فأقبل عليهم بجيشه فوصلوا المسلمون مع الإمام الذين بعدت بلدانهم عن مواطنه وقربت إلى مواطن العدو وهم يريدون النصر من الإمام والفلكي حاضر في مجلسهم فأمرهم بالتقية للعدو في تلك الأيام فأقبل العدو إلى قرب بلد الإمام وكتب للإمام إن كنت تريد السلامة منا فاخرج نفسك وأصحابك عن حصننا فأشار الفلكي على الإمام أن يجاوب العدو بتأجيل ثلاثة أيام لأنهم للإمام نحسات، ثم جمع الإمام أصحابه بعد انقضاء الأجل فكتب للعدو وما بيني وبينكم إلا القتال حتى تطيعوا الله ورسوله وإمام المسلمين، ثم ثور هو وأصحابه مدبرين عن القوم ومراده سلامة أصحابه الذين في صحبة الجبابرة بالتقية وجعل أمره حيلة فيه لهلاك عدوه بارتفاعهم عن ديارهم ثم أحال الإمام قومه إلى بلدان الجبابرة فقتل رجالهم وهدم بيوتهم وخشى أموالهم وهم لا يشعرون به حتى سمعوا بعد ذلك فثوروا ولم يلتفتوا لبعضهم بعضا فلاقاهم الإمام متشتت شملهم وجلدوهم بالحديد حتى أخذلهم الله، واستطاعوا له وظهر الإسلام والعدل وأمات الله (2/38)
صفحة 468
الباطل وأهله، وكل هذا سبب من الله وثم بتدبير الفلكي، فمثل هذا الفلكي جائزة له العطية والهدية والفريضة لمن أراد من عنده بصر لحوائج الدنيا ولا تخرج القريحة إلا بتفريح القلب، فإذا وجد الإنسان نشاطاً في قلبه فخذ من علمه ما أردت، وكذلك الطبيب الحاذق مثله لا فرق بينهما، فهاك بياناً من إمام المسلمين وعالم المحقين:
... بسم الله الرحمن الرحيم من إمام المسلمين سيف بن سلطان بن سيف اليعربي للشيخ المحب الصفي الثقة الرضي سعيد بن بشير بن محمد الصبحي سلمه الله تعالى ونحن بخير من كرم الله عز وجل وأنت إن شاء الله بخير وكتابك الشريف وصل وفهمناه وسرّنا حال سلامتكم لا زلتم سالمين إن شاء الله تعالى، وفيما ذكرت من قبل ولاية الشيخ سالم بن راشد بنزوى فهو كفؤ لذلك وأهل ولكن لنا نظر صالح في غير ذلك، ومن قبل محمد بن سليمان فلا نقول إلا خيرا لكن الإخوان الكتاب الذي بنزوى الآن فيهم كفاية وهو ذخر لما يبدو إن شاء الله تعالى، وأما ولاية الشيخ عامر بن محمد بن شامس تحرينا الصواب في ولايته ووكالته وتمسكنا بذلك في حد الحاضر ما وسعنا وجاز لنا حتى يبين لنا وجه يحسن لنا الانتقال إليه، وكذلك ولد القاضي وأمر وكالته مسجد جامع نزوى وإن كان صح عندكم أنه مضيع أو خائن عرفونا لنكون على ما يجوز، وفهمنا ما عرفتنا من عدالة سعيد بن سالم صاحب منح نسأل الله أن يزيدنا علماً في جميع ما جهلناه، واعتبرنا أمر فلج المضيبي فأعجبنا الآن المضيبي على ما هو عليه الآن حتى يقضي الله لنا بنظر غيره وفيما ذكرت من أمر الفريضة التي لنا فنحن قد عرفنا الشيخ سالم بن راشد ليعرفك ويعجبنا الجواب بيده ودم سالماً إن شاء الله تعالى ومهما بدت عازة (1) تقضى إن شاء الله تعالى تاريخه 28 شعبان سنة 1143 وكتبه الإمام سيف بيده.
__________
(1) 1 – حاجة (2/39)
صفحة 469
... بسم الله الرحمن الرحيم قال العبد الفقير الضعيف الحقير سعيد بن بشير بن محمد الصبحي أن سألني الرضي الوالي الموالي سالم بن رشاد بن سالم البهلوي الذي هو للإمام عز وله ذخر وكنز بأن جعل لسيدنا إمام المسلمين سيف بن سلطان أعزه الله مثل ما جعل للشيخ محمد بن ناصر فقلت لا بل فريضة آبائه وذلك أن العاقدين الإمامة لجده الإمام ناصر بن مرشد رحمه الله لم يألوا جهداً ولم يتركوا اجتهاداً ولو جاز لهم ووسعهم فوق الألف الذي جعلوه لما بخلوا عليه من الزيادة ولو لكل يوم ألف ولو جاز لهم ذلك لجاز للإمام قبوله منهم إذ لا غرم عليهم في أموالهم ولا دخل على الإمام في قبوله منهم إذ صار العطاء المعروض في بيت مال الله ولو جاز لهم ما اختاروه لجاز للإمام ما فرضوه وأرجو أنهم أخذوا ما فعلوا تأويلاً من قول الله عز وجل: {وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً} (1) ، والقوام هو العدل بين الأمرين فخذها سيدنا فريضة هنية وهبة برية لا وبية خارجة على حكم التقية ولا أعلم أن جدك الإمام سلطان بن سيف ولا جدك سيف ولا عمك بلعرب ولا أباك سلطان طلبوا ولا أخذ منهم زيادة على ما مضى عليه إمامهم ناصر بن مرشد وتلك فريضة كافية ومات عليها الأسلاف ولا أريد لك خلاف ما عليه السلف فهذا اختياري والجهدة مني ولا خفت في أمرك لومة لائم بل اخترت لك ما اختاره الله لمثلك من الأئمة واختار المسلمون لهم ذلك نظراً ومعونة وموافقة لكتاب ربهم، وقال لي الشيخ سالم: كيف جعلت فريضة الشيخ محمد بن ناصر أكثر من هذا؟ فقلت له: أخاف أن يكون وقوعها من باب التقية والمخافة الخفية والحلال أولى في حكم الله وحكم البرية ودم وابق سالماً متعلماً مستقيماً وأنتم خير كثير وأمر الدنيا قليل حقير والسلام عليكم ورحمة الله ومهما سنح من إرب فخادمكم منتظر، من الخادم الفقير سعيد بن بشير الصبحي تاريخه نهار 21
__________
(1) 2 – الفرقان : 67 (2/40)
صفحة 470
شعبان سنة 1143.
... من إمام المسلمين سيف بن سلطان بن سيف اليعربي إلى الشيخ الرضي الثقة المحب العدل الولي الوالد الصفي سعيد بن بشير بن محمد الصبحي سلمه الله ووقاه وجعل بعد العمر الطويل الجنة مأواك ونحن بخير من كرم الله عز وجل وأنت إن شاء الله بخير، أما بعد شيخنا ما تقول في قوم كان لهم بنيان حجرة مشهورة وعليها أبواب وقد مضى على ذلك كثير من أئمة المسلمين ولم يعرضوا لهدمها ثم قام إمام وهدم بنيانهم وبقي مهدوماً ثم مات الإمام الذي هدم بنيانهم وقام إمام من أئمة المسلمين بعده ولم ير من هؤلاء القوم أهل هذه الحجرة عصياناً بل يجد منهم الانقياد التام فوصلوا إليه يشكون الضرر من قلة البنيان وتبين له أن عليهم مضرة كثيرة من هدم البناء من قبل الأمطار وغيرها أيجوز له أن يأمرهم ببنيان تلك الحجرة المذكورة على ما كانت عليه في زمن أئمة المسلمين السالفين قبل الإمام الذي هدم بنيانهم وهذه الحجرة هي أملاكهم أم لا يجوز؟ وإن جاز له وعرض لهم من عرض من جيرانهم فقالوا هذه الحجرة بنيانها علينا فيه مضرة وربما عرضوا لهم على وجه الحسد أيجوز له عقوبة من اعترض لهم على غير الحق ؟ أفتنا رحمك الله. (2/41)
صفحة 471
الجواب والله الموفق للصواب: أرجو سيدنا أن لا يخفى عليك أمور أحكام بلادكم وأقول على سبيل امتثال الأمر واتباعاً للرأي والطلب إن كان هذا الآمر بهدم هذه البلد إمام عدل من أئمة المسلمين أهل الاستقامة في الدين قد وقع منه هذا الهدم منه والخراب على سبيل الحكم وطلب الصواب ورأي أولي الألباب لا على سبيل الغفلة والوهم واتباع الهوى والمغالبة فقد مضى حكمه على العدل وكل حاكم صح منه الحكم في شيء يجوز فيه الحكم فحكم به على وجه طلب الصواب وموافقة السنة والكتاب فحكمه ماض ثابت جاز على حكم الشرع ليس لأحد بعده نقضه ولا التكلم في رده إذا كان إماماً عدلاً ولياً من أهل العلم والفضل وهذه من كتاب المصنف في صفة الإمام العدل، والإمام لا تجوز له الإمامة إلا أن يكون عدلاً قوياً على أمر المسلمين. (2/42)
صفحة 472
وأيضاً منه (معي أنه لا يكون الإمام إلا ورعاً بصيراً بما يأتي وبما يتقي عدلاً معروفاً بالفضل مشاوراً لأهل الرأي والعدل ملتمساً عند الناس آثار المسلمين عفيفاً عن الطمع محتملاً للأمة حليماً عن الخصوم فهذه من صفة الإمام العدل) وصفاته كثيرة لا تخفى عليكم، وأيضاً من المصنف (وقيل في الإمام إذا كان فيه قساوة وجفاء وخشونة على المسلمين وهو قليل المبالاة بهم ولا يقبل منهم إلا ما يريده قليل العلم والبصيرة وجسور على الأمور بغير علم، قال: يوجد أن موسى ابن أبي جابر ما عزل عزان ابن أبي عفان إلا بهذه الخصال، وعن النبي - صلى الله عليه وسلم - : من حقّر مسلماً فعليه لعنة الله) وأقول أنا إن هذه الصفة صفة أهل الجور لا صفة أهل العدل وليس لأهل الجور يد على سبيل أهل العدل والله يقول في كتابه {وَلَن يَجْعَلَ اللّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً} (1) وصفات أهل العدل مشهورة سيدنا لا يخفى عليكم وحكمهم ماض وعدلهم مقبول وصفة أهل الجور كثيرة لا تخفى عليكم وحكمهم مردود وأمرهم مبعود ولا يثبت حكم غير أهل العدل من إمام ولا حاكم على ضعيف ولا شريف ولو على مجوسي أو عابد وثن ، وإن الحكم من أهل العدل بالعدل فماض على الصغير والكبير ولا يرد أبدا والله أعلم.
__________
(1) 1 – النساء : 141 (2/43)
صفحة 473
... ومن كلامه أو رأيه أو مطلبه في غيره على سبيل الوهن والغل والحسد والحقد بالباطل فلا حجة له على غيره ومن مال عن الحق رد إليه صاغراً ولا تهنوا ولا تحزنوا في القيام بالحق من ذلك وميلوا مع الحق حيث مال ودوروا معه حيث دار ولا تدعوا التعليم في حال من الأحوال ولا تلوا على رعاياكم إلا ولياً مرضياً يستن بسنن أهل الإسلام ومن ذلك لا تدعوا المشورة على كل حال، وقد قيل أن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه يشاور حتى المرأة، وقال الله في صفة المؤمنين: {وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ} (1) ، واعلموا أن للمشورة أهلاً وأهلها أهل العلم والعدل ولا تتعجلوا في شيء قد أمكنكم الله من فعله حتى يظهر لكم عدله وصوابه، ومن كتاب المصنف: إن أفضل ما أنعم الله على العباد واختص به ليوم المعاد نعمتان أحدهما الرسول الهادي الذي لا يصاب علم الدين إلا من قبله والآخر الإمام العدل الذي لا يصلح الدين إلا على يده فهذا والسلام.
__________
(1) 2 – الشورى : 38 (2/44)
صفحة 474
... وقال العبد سعيد بن بشير الصبحي: إن الكاتبين في هذه القرطاسة الذين سألتهم الكتابة هم الحجة ما استقاموا عليها وأقول لا يعجبني تعجيل هذا الأمر في بناء ولا هدم إلا بمشورة عن ذوي العلم في موضع مخصوص إذ المواضع تختلف وأهلها يختلفون والأحكام واردة على طريق النظر والمشورة لأهل العلم والبصر، والأئمة تدخل عليهم الرغبة بآراء مختلفة وأهواء متفاوتة فلا يعطى الكل سؤاله إلا بجواز الحكم الله ورسوله والمحقين من عباد الله الذين لم يقتتلوا على الدين، وأيضاً سيدنا إن براءة السر لا تجوز في موضع الجهر أحببت ترك ظهور هذا المعنى ولا أعلم أن أحداً أعلم بهذا الشخص منك فنحن ذقنا وأنت أطعمت وأقول إن كان هذا الهدم وقع من أمر الشيخ محمد بن ناصر فلا أقدر أن أقول بحجر تجديده إذا لم يكن إلا هكذا وفي الأصل إباحة البناء لمن أراد البناء في ملكه حتى يكون في ذلك ما يحجره والعمار أولى من الخراب والله أعلم إلا أن يكون موضع يسكنه أهل البغي فجائز هدمه ولا يجوز تجديده في ذلك الحين على ما قال أبو المؤثر في أهل البغي ويكون هناك منازل قد تعود أهل المعاصي فيها انتهاك المعاصي ولا سبيل على امتناعهم إلا بهدمها فهذا جائز على ما قال أبو الحواري في منازل بني الجلندى وهدمها الإمام غسان عند ذلك والله أعلم إلا أن يكون ثم مخافة على أهل الإسلام والدين ورأي الإمام في رأي العلماء الصالحين الإمساك عن شيء يوجبه نظر هؤلاء فحينئذ حصل العذر وجاز النظر والله أعلم والسلام عليك ورحمة الله وبركاته من العبد الفقير سعيد بن بشير الصبحي بتاريخ الثلاثاء 12 شهر شعبان سنة 1143. (2/45)
صفحة 475
... ومن كلام (1) الشيخ سعيد: اللهم اقبضني على الحق والصدق غير مضيع ولا ملوم، وارحمني قبل الموت وعند الموت وبعد الموت يا أرحم الراحمين آمين، يا معشر المسلمين استعظموا أمر الآخرة وتقربوا على الله بالأعمال الصالحة وإني قد استودعتكم الله وأوصيكم ما أوصى له رسول الله أمته والصالحون ذريتهم وأهله ومن قبل وأنا أستغفر الله تعالى وتائب إليه من جميع ما عصيته به، ودائن له بجميع ما يلزمني في دينه وأنا للمؤمنين تبع وللأئمة والحكام منقاد مستسلم لا أبغي عنهم حولا ولا أطلب غيرهم بدلا وهذا منكم ومن المسلمين مذاكرة وتشريف وفضل لا أنا بالعلم والفهم أحق بل أنا أضعف وأقصر وأذل، والوداع إذا قرب أجلي وضعف أملي ووهن عملي.
... قال صاحب ذو الغبراء: سمعت عن هذا الإمام المقدم ذكره أنه بدّل سيرته وأتى بالعجم إلى عمان وقتلوا أصحابها ودمروها فكتبوا العلماء أمواله للفقراء لما استغرقت وسير المسلمين موجودة فيه تجدها في الأثر.
... سألت ذا الغبراء عن المرء الذي يفوز بالجاه في الدنيا وله في الآخرة الثواب ما هذه؟ قال ذو الغبراء: الذي ذكرته ثلاث خصال إذا اجتمع (2) في الإنسان العلم والعمل والشجاعة والكرم فمن اجتمعت فيه فقد فاز في الدنيا والآخرة، وأما من طلب به الدنيا فإن الله يعطيه وماله في الآخرة من نصيب.
قلت له: فما صفة الكرم الذي يكون به سالم عند الله؟ قال: الكريم يعطي الناس دون السؤال، وأما الكرامة بالطعام فلها ثلاثة أوجه فمنهم من ينوي به قربة لله، والوجه الثاني لمكافأة أو تقية وأن يكوم من ماله ويستخدم في الضيف خدمه ولا يرائي بعمله لا مراده المدحة ولا السمعة لأن الله لا يقبل من الأعمال إلا ما كان خالصا.
__________
(1) 1 – في الأصل : كلامه
(2) 1 – في الأصل : اجمتع (2/46)
صفحة 476
ومما ينبغي للضيف أن لا يبتديه بالسؤال بعد المصافحة بل يأتي إليه مما حضر من الطعام في الحال، وحق الضيف ثلاثة أيام وإن أراد المسير فيزوده زاداً مما يبلغه إلى داره، ويجوز له أن يطعم ضيفه من زكاته بعد الثلاثة الأيام وإن فضل من الضيف يعطيه الفقراء وإن أعطاهم من زكاته ووكلوه فيها ليطعمهم منها فذلك حسن وإن أراد الضيف المسير يشيعه ما أمكن له، وأما الذي تصله العطية أو الهدية ولا يراد بها مكافأة ولا سؤال فنعم بها والأجر بها وقابضها، وأما الحالة الأخرى تصله العطية أو الهدية فنعم بها والأجر لهاديها وقابضها، وأما الحالة الأخرى تصله العطية أو الهدية لشيء أراده العاطي من المعطى إليه فبئس بتلك الهدية أعطى القليل حتى يعطى الكثير، أو يكون مشتغل بأمر أراده العاطي لمصلحة نفسه ونقصاً للمشتغل بذلك أو استضافه وأراد أن يعوضه وثبت خادماً له، ومنهم من يستخدم بفريضة معلومة فهذا أولى نفسه إنساناً مثله فصار لا يملك لنفسه أمرا، وأما المنزلة الثالثة الخسيسة الضعيفة للضيف والمضيف مثلاً يصلون مع الإنسان قوم ليأكلوه ولا عوض له في ذلك وإن لم يجتهد وقصّر أصابه منهم الغرم والنكال فكل من مشى إلى هذا المضيف وأكل من عنده في صحبتهم فأخاف عليه الضمان لأن هذا من التقية وخوفي أن يكون من السحت قد نزلوا على رجل لا قدرة له على ذلك إلا بالجبر والمبتلى بذلك فإن طلب المحمدة وألزم نفسه فلا يقدر عليه لطلب الوسيلة وتارك الفريضة اللازمة عليه ثم اشتغل بضيفه والجبر على أهله لقيام ضيفه أو كان قد أذهب ماله ومال أهله وأقاربه وأخوته ووالده أو جبر الناس لطعام الضيف والدواب وهم له كارهون لا يقدروا يمنعوه فعمدوا بالدعاء عليه، فينبغي للعاقل [ أن ] يدبر نفسه ولا يحرق جسمه بالنار خوف العار فأعوذ بالله من مطاوعة النفس على الهوى لذهاب الدين والدنيا ولا فائدة له إلا التعب قد خسر الدنيا والآخرة، فاحذر أن تنزل على قوم في منازلهم بيوتهم عليك (2/47)
صفحة 477
عورة وأكثرهم في قلة وقلوب أصحاب البيت متشتتة وأكثرهم لا يحبون خدمة الضيف إلا بالكره، ودخولك عليهم يزيدهم التباغض من نقصان العيش والطعام والحطب والدثار والماء البارد يؤخذ عليهم ويعطى غيرهم أما أدخلت عليهم الضرر أو كان صاحب البيت في حرفة أو في نسخ علم ونزلت عليه أما ضيعت عليه عمله وليس هو عليه بلازم، وأما اللازم مثل الملهوف أو السيل أو السباع أو كان عليه الإنسان شيء من الخوف والهلاك فلك أن تعينه بمالك وحالك، وينبغي للإنسان أن ينزل في السفر في مكان لا يدخل على أهل البلد خجل منه وإن كان له غرض مع أحد فيصل إليه بعدما يستقر في مكانه ويسأل صاحبه إن كان سؤله في دينه أو غرضه ثم يرجع إلى مكانه فإن أراد يطعمه إنسان من غير تكلف ووصل عنده فلا يرده فيأكل من عنده خوف الجفاء للإخوان، وإذا رأيت رجلاً مسافراً فلا تؤمنه أمانة ولا تقل له أريد كذا وكذا إلا أن تقول له كم تريد من الأجرة لتحمل هذه الأمانة حتى تبلغها صاحبها، أو كم تريد لتشتري لنا كذا وكذا وتحمله إلينا، فإن رغب فأعطه (1) ما اتفقتم عليه وإن لم يرغب فقد تبين لك أمره، وإن لم تقل له ودخل في قلبه الحياء من قبلك وتأنى في سفره لأجلك وأصابه أمراً أما يلومك وربما لم يعرف لحفظ الأمانة المؤتمن وتذهب عليه في حياته أو بعد وفاته وذهبت الأمانة فألزمته ما لا يعرف له سبيل بقلة علمه مما يجب عليه في الأمانة وحفظها ومكانها والوصية الإشهاد بها لأصحابها وهذا كثير من الناس لم تظهر لهم هذه الأمور الذي ذكرناها، وإياك ثم إياك أن تقل لرجل مثلك اصحبني إلى بلد أو مكان معلوم لأنك لا تعرفه في صحبته لك تقية أو رغبة أو كان تلحق بأهله مضرة ولكن قل له كم تريد لكل يوم من الأجرة لتصحبني لشيء من الأماكن فإن اتفقتم على شيء معلوم فذلك المطلوب لأنه قيل التمس الرفيق قبل الطريق فإن وجدت أحداً قاصداً وصحت بينكما صحبة فكن له معيناً لا تتأخر عنه ساعة
__________
(1) 1 - في الأصل : فأعطيه (2/48)
صفحة 478
لأن السفر تحدث فيه العوائق فإن أصابكما مصاباً في تأخيرك فيدخل في قلبه عليك حرج ولكن أنت خيّره بين الوقوف معك وبين [ أن ] يرجع إلى وطنه فمهما اختار فلا عليك لوم فيه مع أصحابه إن أصابه شيء، والذي ذكرته لك في الكرم والشجاعة والعلم ورأيت أحداً حمله فقد حمل الدقيق والجليل والحلال والحرام فلا تشتمه بشيء مما يدخل في قلبه العداوة لك لأنه احتمل حملاً ثقيلاً قد تصدر عن للناس بذلك بنفسه، وعلى المرء أولاً أن يصلح نفسه وأهله وما ملكت يمينه ويعتقد أن لو يقدر يملأ الأرض عدلاً فنية المؤمن خير من عمله وهن النيات المهلكات والمنجيات وسينظر الإنسان في كتابه الذي يأخذه بيمينه ما يعمله من إخلاص نيته لربه والله أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين والصلاة والسلام على محمد المصطفى الأمين.
الذكر الحادي والثلاثون
في المسافر وحسن السياسة، فيه لاحتمال الجار والأرحام، وصفة انتقال الناس من المواطن والبلدان. (2/49)
صفحة 479
قال سألت ذا الغبراء عن المسافر إذا عارضوه الظلمة في طريقه وأرادوا سلبه وماله فما أولى له في تلك الساعة وما نيته في تلك الحضرة؟ قال ذو الغبراء: أما قطاع الطريق فهم على وجهين فمنهم من [ إذا ] أعطيته ما في يدك سلّمك، وإن امتنعت عن عطائه قتلك ففي هذا الوجه الإنسان مخير إن شاء قاتل دون ماله وله الأجر وإن شاء سلّم الذي في يده لسلامة نفسه وهذا القول في هذه الحالة أخف لأني اعتبرت قصة فكان رجل من المسلمين صاحب قوة جسم وشجاعة قلب فأقبلوا عليه في طريقه سبعة أنفس الذين ينهبون الناس وعلم في نفسه أنه قادر عليهم ونيته لطلب السمعة في قتالهم فقتل منهم خمسة رجال وهربا عنه اثنان فلما وصلا إلى أوطانهما أخبرا أصحابهما بما صح عليهما من الرجل في القتل فثوروا أصحابهم وغاروا على أصحاب القاتل فقتلوا من سكان البلد ثلاثين رجلاً قبل وصول صاحبهم بالفعل الواقع منه ثم علموا البداة عن أناس من سكان البلد مسافرين إلى البندر فمشوا عليهم وقتلوا منهم عشرين رجلاً فاجتمعوا خمسين قتيلاً ليس عندهم علم بشيء إلا رأوا ضرب السيوف في وجوههم ولا أخذوا في قتلهم أحداً فصح اللوم للرجل من أصحابه وفي السابق لا بينهم دم إلا أخذهم الأموال الذي معهم، وأما الأخرى الذي أولى فيها القتال مثلاً رأى المسافر في الطريق قوماً من عادتهم قتل الناس قبل الأموال طلبهم السمعة ولا لهم دم على المسافرين المارين فعلى هذه الصفة أولى للإنسان أن يقاتل عن نفسه ولو رأى سبعين رجلاً فلا يبرح نفسه إليهم وقد حكي لي عن رجلين يقطعان في طريق المسلمين يريدان السمعة فمتى لقيا أحداً أعطياه الأمان فأخذاه وقتلاه بعد أمانهما فمثل هؤلاء الذين يعرض لهم أولى أن يقاتلهما حتى يفنيا من الدنيا، وكذلك الخصيم المخلف بالعداوة في الحرب فلا يغرك أمانه وقتاله أولى، وينوي في قتاله لله ويحمي عن نفسه لا ينوي للسمعة فمع اقتراب الآجال يحضر الشيطان لتفسد الأعمال، وأما الجار والأرحام (2/50)
صفحة 480
إن بدا منهم تعدي من سرقة أو خراب أموال أو سفك دماء في فتنة لم تكن على سبيل الحرب وكان في زمانهم سلطان عادل ينصف بين الفريقين بحكم إن بدا اعتداء منهم ليردعهم عن بغيهم فالمبتلى أولى له أن يصل مع السلطان ويأخذ حقه من خصمه وإن لم يجد في زمانه سلطاناً عادلاً وظن في نفسه بالقدرة على خصمه فأولى له الحمالة والسلامة أسلم من إحياء الفتن عن مثل القوم الذين طغوا على أصحابهم بالخراب والضر فتناظروا فخيذة (1) منهم لما رأوا التجهم منهم في أموالهم والتعسف على نسائهم أن يسجنوا المتمردين فسلطهم الله عليهم وسجنوهم وغرموا ما أخذوه عليهم فطابت نفوسهم عليهم فبعد ذلك المسجونين وجدوا من الأمراء والقبائل عصبة لهم بالألسن وساعدوهم في الرأي على ظلم أصحابهم فذهبت الأموال والنفس من تلك الفخيذة المطيعين لله لما بهم يتلففون على الناس فهذه عبرة للمعتبرين وحدياً للآخرين فكمثل هذا أولى للمسلمين أن يصبروا في دنياهم لأنها سجن لهم ويتزودون منها لأخراهم والعاقل ينظر بعقله لا بعينه ويعتبر أهل زمانه فإن قال له أحد من الأمراء أنا أنصرك على عدوك فليس هذه محبة ولكن مراده أن ينصره حتى يصل إليه خصمه بالخضوع إليه فإن لم يخضع لم يحب ذهابه ويساعده الأمير عليه وإن خضع ووجد منه مطلوبه وصار عوناً له وقرينه سلطه على المسلمين فصار الخصم من المقربين الباغين والمطيعين مبعدين فلا تغترر بقول الأمراء ولا يسرك قولهم وخذ حذرك عنهم فهم أعدى (2) من الغول (3) .
... وذكرت في انتقال الناس والمداخلة بينهم في البلدان فهذا الانتقال على وجوه كثيرة والأكثر انتقال الفقراء يلتمسون الأرزاق الواسعة فالذي اتسع رزقه في بلد اتخذها وطناً له، وأما الأغنياء لا ينتقلون عن أوطانهم إلا إذا خافوا على نفوسهم ودينهم لأن المؤمن لازم عليه إن خاف على دينه أن يهرب من شاهق إلى شاهق.
__________
(1) 1 – في الأصل : فخيضة
(2) 2 – أي أشد عداوة
(3) 3 - الثعبان (2/51)
صفحة 481
وهذه الأبيات عن بعض الصالحين شعراً:
واشدد يديك بحبل الله معتصماً ... فإنه الركن إن خاتنك أركان
من يتق الله يحمد في عواقبه ... ويكفه شر من عزوا ومن هان (1)
من استعان بغير الله في طلب ... فإن ناصره عجز وخذلان
من كان للخير مناعاً فليس له ... على الحقيقة إخوان وأخدان
من جاد بالمال مال الناس قاطبة ... إليه والمال للإنسان فتان
قلت له: وإن عزم عازم على الانتقال فما ترى أحسن له أن يكون يقرب من بلده أو البعد أولى؟ وإن انتقل فما أحسن له البلدان الذي يراها أصلح لجسمه ومعاشه أم لا؟ قال ذو الغبراء: أما الانتقال أولى في البلدان النازحة عن وطنه السابق ولا ينظر الإنسان إلى البلدان الزاهرة ولا العمارات والحصون الواثقة ولكن العاقل ينظر الدار التي (2) هي أرفق لأهله فإن حضروا في مجالس الناس فرحوا لهم وتكلموا على هوى نفوسهم وإن غابوا حضروا عن غيبتهم وهذا فيما قلت ليس في قلبي شف ولا حرج ولكن سمعت عن رجل من الزهاد التمس البلدان فوجد بلداً زاهرة قريبة من بلده وفيها العلماء والأطباء والكرماء والأمراء والبيع والشراء فنزل فيها وتعلم العلم وتكاثر الرزق له فشرى الأموال والبيوت منها والدار خصم أصلها لأهله فوقع الشر والقتال فرموه أهل البلد بالعداوة والبغضاء فلا قبلوا منه كلاماً لا لهم رغبة في قربه إن حضر سكتوا وإن غاب شتموه وكذلك أولادهم لأولاده ونسائهم لنسائه حقراء في تلك الدار فصاح صائح للقتال وخرج في صحبتهم فقتلوه فعلموا العلماء بقتله فأنكروا بقلوبهم على القاتلين لسلامة نفوسهم في الدين فبقوا عياله وأولاده لا يكلمهم أحد بالسلام فخرجوا من البلد بالليل والناس نيام ورجعوا إلى بلد أصحابهم وذهبت أموالهم وبيوتهم كانوا من الأغنياء وأصبحوا من الفقراء ولكن على نفوسهم آمنين وفي بيوت أصحابهم راقدين مطمئنين، وفي الحضرة بالحديث جاسرين لا متروعين فقالوا الحمد لله رب العالمين.
__________
(1) 1 – في الأًصل : من عز ومن هان
(2) 2 – في الأصل : الذي (2/52)
صفحة 482
... ثم قال: عليك بالأدب إن سكنت أو حضرت مع قوم ليس يوافقهم رأيك فكف لسانك ما استطعت، ولا تجسر عليهم بنصيحة الكلام فهم عليك ألد الخصام انظر في الحديث والنصيحة إن تكلم بها أحدهم الذي من أصحابهم وقربائهم أعجبهم، وأما إن دعاك خصمك والحاضرون لأمر أرادوه منك فامتثل لقولهم فإن تقاصرت عنهم رموك بالعداوة والبغضاء، وأما إن دعوا من أصحابهم رجلاً ولم يجبهم فلا يدخل حرج عليه، انظر واعتبر الفرق في هذين الأمرين واصبر في نفسك ولا تحملها الدين مع الخصمين، وتضرع لمولاك كالمتضرع بين (1) العلمين، واعلم أن الناس أجناس واستمع لقول الشاعر:
لا تستشر غير ندبٍ ماجدٍ يقظٍ ... ... قد استوى فيه إسرار وإعلان
فالتدابير فرسان إذا ركضوا ... ... فيها أبروا كما للحرب فرسان
الذكر الثاني والثلاثون
في الملوك الذين لا مروءة لهم ، وفيه أخبار الشجعان وطبائعهم، وخبر المبتلى بالملوك، وآخره أخبار عن الملوك الحسان
__________
(1) 1 – في الأصل : مع (2/53)
صفحة 483
... سألت ذا الغبراء عن تفسير لا مروءة للملوك، قال: لأنهم لا يذكرون السابق من الإحسان، ولا يبالوا بعواقب الأمور، ينظرون بالذي في ساعتهم وما كان في وجوههم كالأطفال يكفيهم كلمة أو لقمة من خصمهم، كما حكي لي عن ملك سأل فلكياً عن شيء من الأمصار أنه سيملكها أم لا، فبصر له وقال له: إنك تبلغها وتملك سكانها، فهم الملك من ساعته وجهز جيشاً لها ووجه قومه إليها حتى وصلوا الدار التي أرادوها فامتنعوا أهلها وحربوا فانكسر جيش السلطان وقتلوا من قومه بقدر سبعة آلاف نفر وذهب عليهم من الأموال بثمن سبعين ألفاً من الذهب الأحمر، ثم الملك جهّز جيشاً آخر وزاد فيه عن الأول أضعافاً مضاعفة فبلغوا الدار وصح بينهم الطعن والضرب فانكسر جيش الملك وقتلوا أصحابه بقدر عشرين ألفاً وذهب من الأموال بقدر مائة وثلاثين ألفاً فبلغ الملك ما أصاب أصحابه فغضب على الفلكي غضباً شديداً وقال إن لم يأتيني بعذر وإلا عزلت رأسه ثم أمر بسجنه وأغلاله فعلم الفلكي بغضب الملك وأرسل زوجته مع زوجة الملك لتنفعه مع الملك حتى يسكن غضبه ولاذ هو عن رسول الملك إليه فلما دجن عليه الليل وأراد القرب الملك من زوجته بدته بالسؤال عن الفلكي فقال: أريد منه المواجهة حتى أعرف عذره، ونام الملك فلما أصبح الصباح دعا الملك بالفلكي فجاء إليه مسرعاً فسلّم ورد عليه الصباح وقبضه من يده فقال له: بصرك أذهب أموالنا ورجالنا وزعمت أن الدار تكون في ملكنا فما عذرك وجوابك إلينا، فأجابه قائلا: عذري بيّن كالشمس المضيئة لكن أنتم الملوك أهل عجلة كما قال ربنا في كتابه {وَكَانَ الإِنسَانُ عَجُولاً. (2/54)
صفحة 484
وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُواْ فَضْلاً مِّن رَّبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُواْ عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلاً} (1) وأنت أيها الملك ما تمهلت حتى تصحح الحساب وفي أي يوم بلوغك الدا، وعلى أي رجل من المسلمين النصر فالساعة سأخبرك بذلك وأنا معي لك حجة واحدة ولكن أريد منك عهداً لا تسألني بعد هذا السؤال وأنا أبلغك المصر وأرجع إليك أموالك التي ذهبت عليك، قال الملك: مالك لا تريدني أسألك ثانية؟ فقال: أخاف منك العاقبة كما سبق منك في الأولى وسلمني ربي بسبب زوجتك وفي الأخرى لا أدري أنك تزل رأسي أم لا، قال: فعاهده لا يسأله مرة أخرى هذا السؤال، وقال له: خذ ما تريد من الأموال والرجال لحرب الأنذال فأخذ عشرة آلاف حرف وألف رجل لأمان الطريق فخرج من الوطن والبرج الطالع منقلب وربه في برج منقلب والقمر في برج منقلب وفي منزلة سعيدة للسفر ومتصل بسعد ورب التاسع مسعود ورب السابع منحوس وبيت العاقبة مسعود، وخرج في ساعة القمر مراده السعد وسرعة الرجوع فحفظه الله تعالى حتى وصل المصر ودبر لأميرها رجلاً (وصلنا دارك ومرادنا ألفتك للخير والصلاح) فاستر الأمير بذلك ودبر إلى مقامه بالخيل والعساكر فجاءوا به ودخل الحصن هو ومن معه فكرمه وحشمه ثلاثة أيام، ثم قال الأمير للفلكي: ما حاجتك عندنا؟ قال: رأيت الملك به غضب شديد عليكم حين قتلتم رجاله وأخذتم أمواله أما سمعتم في كتاب الله: {إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً} (2) ، وأنا جئتكم من طرفه ناصحاً ومترحماً لكم فإن امتثلتم نصحي ورجعتم الأموال فإنكم من الآمنين، فقال أمير المصر: نحن في الطاعة لا هوانا الذي سبق ولكن الملك هجم علينا ولا دعانا بدعوة
__________
(1) 1 – الإسراء : 11- 12
(2) 2 – النمل : 34 (2/55)
صفحة 485
الإسلام لنقف عن الطعن والحطام والآن الأمر إلى الله ثم إليك، فأخذ الفلكي المصر ومن حولها وجعل من أصحابه العساكر فيها وأخذ في صحبته أميرها وسبعين نفساً من كبرائها ورجع مسروراً فلما وصل دار الملك دبر أحداً من أصحابه لتبليغ الملك فاستر الملك وأمر بضرب المدافع ونادى مناديه لتبشير المسلمين وجعل وليمة لكافة أهل بلده ثم أقبل إليهم بأحسن هيئة وعاهدوه بالاستسلام في الطاعة والزكاة والدولة وسألوه العفو فقبل الملك منهم وعفا عنهم وأخذ الأموال التي أخذت عليه من عندهم وسألوه الرجوع إلى وطنهم فطابت نفسه عليهم وزودهم وشيعهم حتى وادعوه ثم قال الملك في قلبه: إن الفلكي لا لنا معه سؤال وأخاف أن يسأله غيري ويمنيه بملكي، فأمر بقتله فذهب الفلكي، فهذا أمر الملوك والسالم عن بلائهم من قطع نفسه وبعد عن قربهم ويدبر أمره على ما يريد. (2/56)
صفحة 486
وفي قصة أخرى عن ملك عظيم جمع جيشاً وسرى به إلى هلاك قوم فسمعوا القوم بالملك وجيشه مقبل إليهم فحضرهم أميرهم واستشارهم لما هاله الأمر عن ذهابهم فقام رجل من عقلائهم وأقبل إلى الأمير، وقال: ما تقول أيها الأمير الذي يكفيك شر هذا الملك وجيشه، فقال الأمير: عندي له الجائزة الكبرى، فأخذ الكاهن دواة وقرطاساً وكتب خطوطا (1) ً لأكابر أصحاب الملك الذين صاحبوه (أما بعد أيها الشيخ المكرم إنه وصل تعريفك إلينا وذكرت أنه لا مرادك الوصول إلينا إلا بالكره وإنك لتكون على يمين الملك فإن كان كما ذكرت) وكتب على هذا الكتاب لكل كبير من أصحاب الملك ودبر بالخطوط رجلاً فقيراً أغمشاً أعرجاً فحين وصل بقرب الجيش التقوه أطرافهم وقبضوه ومشوا به إلى الملك فوجدوا عنده خطوطاً فقرأها الملك وأمر بارتفاع الجيش راجعاً إلى أماكنه مخافة من خيانة قومه عليه ولا أظهر لهم ما فيها فقتل أكابر قومه وذهبت قوته وعادته رعيته بسبب عجلته فلا نفعته قوته مع حيل الكاهن فاستراح الكاهن وأميره ومن معه فمضت عليهم الأزمنة وأراد الكاهن يتزوج امرأة جميلة فاستشار فيها رجلاً عاقلاً فنهاه عنها، ثم قصد إلى الملك فأخبره بها وساعده (2) على أخذها فتزوجها ودخل عليها فبعد مدة رآها هي والملك على فاحشة ضعيفة فهاله الأمر فاستشار أحداً من أصحابه وقت الضحى في داخل بيته فأجابه: لا تأخذ نفسك بعجلة خصوصاً في هذه الحالة فإن علم الأمير بهذا لا يبالي بك وأخاف عليك منه ووزيره ضعيف طبعه لأنه كان له أباً وأراد أن يتزوج امرأة واستشار فيها فلكياً فنهاه عنها فخالفه وتزوجها ودخل على قلبه حبها ومنع الداخلين عليهم وهي امرأة في حسن الشباب وبجسمها المزار وحسن الجمال فلم تجد أحداً يصادقها فقربت نفسها مع ابن زوجها وتصادقا حتى كثرت أفعالهما فرآهما الزوج على الفعل القبيح فنهض الولد عنها وقتل أبيه ولا صح له جزاءً عند من الأمير فالساعة
__________
(1) 1 – أي رسائل
(2) 2 – في الأصل : وسعده (2/57)
صفحة 487
هو وزيره الأكبر وتمهل في أمرك من قبل المرأة، قال: لا يمكن وقوفها في بيتي قد حرمت عليّ وأنا أرجعها إلى بلد أهلها فكما أحزنني الملك كذلك هو لا يجدها في بلد أهلها والأمير يسمع كلامهما في بيت جارهما بحذاهما والجار سيئ الأخلاق هو وزوجته، فالأمير قتل الكاهن ولا ذكر الإحسان السابق منه برجوع الجيش عن هلاك الدار فصنع به على ما تهوى نفسه، وكذلك وزراؤه تابعوه على فسقه فأهلكهم الله كما قال ربنا في الذكر: {وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُواْ فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيراً} (1) ، قلت له: ما تقول في الشجعان أراهم مختلفة أحوالهم وكذلك أسلحتهم؟ وما الأحسن من السلاح؟ قال ذو الغبراء: أما الشجعان فاختلافهم على قدر طبائعهم فمن كانت طبيعته الحرارة اليابسة المحترقة ما تلقاه إلا عدواً لأهله دائماً، والثانية طبيعته محترقة خفيفة كنار الليف لا تثبت، والثالثة الطبيعة الغليظة الثقيلة فهذا تراه سريع الغضب بعيد الرضى فهذا دأب الشجاع على القريب والبعيد، وأما الطبيعة الرطبة الحارة فهي على وجوه كثيرة في الشجعان ولكن نأتي لك طرفاً منها فمنها الثقيلة فما تلقاه الرجل إلا رازحاً بعيد الغضب بعيد الرضا فهذا ألين جانب للصديق وسائر الخلق في بدو أمره فإن اشتد الخصم فلا يفتر عنه حتى يذل ويدين بالطاعة له، ومنهم في طبيعته بعيد الغضب سريع الرضا فهذا الشجاع الموافق للمسلمين، ومنهم سريع الغضب سريع الرضا، وأما السلاح فخيره ما حضر كما حكي لنا عن رجل عنده سبعة أولاد ذكورا، أحدهم أمه وحدها وسمي مسكيناً ومنزلته عند أخوته كالخدم للشغل والأمارة فهلك والدهم وآل نظرهم لا يعطوه ميراثاً من أبيه فقال لهم: أريد منكم كما كنت سابقاً في الخدمة والأمارة فرضوا بقوله وهم لبسوا الثياب الفاخرة والأسلحة المصبوغة وما تلقاهم إلا مثل البدور إن حضروا في
__________
(1) 1 – الإسراء : 16 (2/58)
صفحة 488
مجالس الأكابر تراهم مثل الأمراء تسير بهم الأوصاف بالأخلاق الحسان ولكنهم للحرب جبان وأخوهم له كسوة قديمة يتمسخر به كل من يراه ويستحقره (1) كل من لاقاه، وإخوته لا لهم حاجة به يظن الناس فيهم حمالة ولا يدرون بقلوبهم جبان، وأما مسكين إن رأوه أصحابه في البلد قالوا فيه خنوثة أو أنوثة وإن رأوه في الهيجاء مع الازدحام والحطام قالوا هذا الأسد الضرغام فعلم الملك بشجاعته وقوته فأراد أن يقربه ويوازره فأبى وبعد عنه فقال له: اخلف لباسك وسيرتك ولا تكون كالتهماء في البلد ورد عن نفسك الوهنة فالحر لا يرضى بالذلة وأنا مقبل معك ولاحت لك الأمور فكن على نفسك غيور، فقال مسكين: اسمع أيها الملك أنا جعلت لقتال الأعداء وأغض الطرف عن الأصحاب رحمة لهم وإهانة لعدوهم، فقال له الملك: بارك الله فيك اصنع ما شئت، فولى عنه ولا تَبدّل عن سيرته الأولى، ثم وصلوا مع الملك أناساً زوارا من أهل بأس ورفعة، فسرّه وصولهم وقربهم وكرمهم أحسن ما كان وجعل لهم برزة وزورة ليضربوها فحضر معهم من اختصه لهم وأمرهم بضرب الزورة لطلب الزهوة فضربوها الخاطر والماهل من الصباح إلى الرواح وأخطأ الكل ولم يصبها أحد منهم، فنظر الملك مسكيناً مستطرقاً إلى الفلاة لإراقة البول وفي يده إبريقاً فيه ماء للطهارة ولا عليه سلاح ولا في حقويه حزاق فدعا به الملك فجاء عنده وحياه بتحية الملوك فقال له: ما الدعوة؟ قال الملك: أريد منك ضرب الزورة، قال: بأي تفق؟ قال: يعطوك تقفاً هؤلاء إخواننا الزائرون عندنا، فقال لهم مسكين: أعطوني تقفاً، فأعطوه فضربها ومشها، فقال مسكين للملك: هل من حاجة غير هذه؟ قال: نعم أسألك أي السلاح أحسن عندك؟ قال: مهما حضر في أيدي الرجال هو الأحسن والذي غاب حسنه لا ينفع، ومشى عنهم إلى حاجته ليقضي بوله وعذرته لأنها هي أبدى عن حاجة الملوك وعن تأدية (2) الفرائض، والمحتقن لا تقبل منه صلاة، ثم
__________
(1) 1 – في الأصل : ويستحضره
(2) 2 – في الأصل : تأدي (2/59)
صفحة 489
قال الزائرون للملك: ألبستنا العار بسبب هذا الرجل المار الذي لا عليه إزار، يا ليت أحد من أصحابك الذين حضروا عندنا ضربوها. فدخل الملك في قلبه الغضب ولم يخبرهم بأمر مسكين خوف قلة التصديق، وعمل لهم رأياً فأمّر على أحد من خدمه المقربين وقال له: الحق مسكيناً وآتني به أسيراً ذليلاً، وإن لم يستطع لك أمرتك بقتله بلا مراجعة ولا عقوبة عليك .. فامتثل الخادم لأمر مولاه ووصل مع مسكين بالفلاة فقال له: يا مسكين جئتك لرجوعك على مولاي في هذه الساعة أسيراً ذليلاً، فقال مسكين: امهلني قليلاً حتى أتطهر بالماء الذي في يدي، فقال له: وحق معبودي وروح مولاي إن لم تمش مسرعاً مكفوتاً وإلا عزلت رأسك في هذه البرية، فقال له: إن تمهلت فأعطيك سبعين درهماً، فقال الخادم: دراهمك لأخوتك يقسموها بعد موتك، فجذب سيفه ورفع به على مسكين فلاذ عنها، ثم علا سيفه ثانية فارتفع عنها كالباز في الهواء وضرب الخادم بإبلولة الإبريق على لبة فؤاده فطاح ميتاً ورأوه من الحصن فوثبوا على الخادم فوجدوه ميتاً فحملوه إلى المقبرة ورجعوا بخبره إلى الملك وخطاره، فقال الزائرون للملك: كيف صنعت؟ قال: هذا تكريماً لكم لتنظروا فعل مسكين وقوته بأنفسكم وأوهمتم إلي بالتقصير وأنا أنضرتكم التوفير. (2/60)
صفحة 490
... وفي قصة أخرى لمسكين جاء رجل مع الملك يريد قتله وطُمِع بأموال جزيلة فقال الرجل للملك: إن لي بك حاجة أريد أن أسرّك بها في الخلوة عن الخلق، فقال الملك والرجل إلى مكان آخر فتبين في جسم الرجل نفضة واهتزاز فبخّن الملك أمره وقال له: بالليل الحديث أستر لنا ولك في جسمك، فرجعا إلى الحصن ودعا الملك بمسكين فجاء عنده مسرعاً وأخبره بالرجل وأمره بقتله فقال مسكين للرجل الغريب: نخرج أنا وإياك من الحصن في غرض فخرجا وقال له: هل ترى في يدي سلاحاً؟ قال الغريب: ليس معك، قال له: الملك أمرني بقتلك فكن أنت مع سلاحك وخذني عن نفسك ولا راجع عنك، فجذب الغريب سيفه ورفع به على رأس مسكين فلاذ عنه فغضب مسكين وقبض الغريب وغلاه في الهواء ثم التقاه وغلاه بأيديه على ضلوعه وأكباده مرة بعد مرة يمشي به وهو في الهواء يغليه بأيديه حتى أوصله المقبرة ودفنه ورجع إلى بيته، فهذه سيرة الشجعان الذين يصلحون البلدان، وأما الذين يقتلون الأطفال والنسوان فبئس بأفعالهم وعليهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين. (2/61)
صفحة 491
... قلت له: هل حفظت شيئاً من أخبار الملوك الحسنة التي يبلغ بها إلى الجنة؟ قال ذو الغبراء: عندي خبر مما يسر القلب عن قصة ملك من ملوك العرب الذي يوحدون الرب قد سأل رجلاً من بلده أن يدله على الرأي الحسن الذي يغيظ به عبّادة الوثن ويريد منه النفع له ولأهل مملكته لإطفاء الفتن أراده لحياته ومن بعد مواراته بالكفن، فأشار عليه صاحبه ليتزوج امرأة مع أحد من العبّاد فإن رزقك الله منها ولداً فإنه يسرك في حياتك وبعد مماتك لأن هذا يكون له قلب رحيم للناس ويستغفر لك من ذنبك، وهاك بيان قد حكي عن رجل معه ابنة فاستشار رجلاً في تزويجها فقال له: أما في زمن الجاهلية الملوك يزوجون الفارس المشهور بالشجاعة، وفي زمن رسول الله يزوجون الطائع، وفي زمانك يزوجون أصحاب الرفاهية والأموال، وحكي لي عن رجل خلقت له ابنة حسينة اللون فقال له فلكي: لا تزوج ابنتك أحبائك لأنها تلد أولاداً مخانيث فلما ظهر علامات البلوغ في ابنته جاء مع أحد من الملوك أبوها فزوج الملك بابنته فنسلت المرأة للملك سبعة أولاد مخانيث فذهب الملك من أيديهم، ثم قال له: لا تغرك الصورة والكسوة في الناس واستمع لقول الرجل حيث يقول لابنته:
وأعجبها الطاووس من حسن ريشه ألم تدر أن العز في منكب الصقر
ثم قال صاحب الملك للملك: أنت سألتني عن الصلاح لك ولرعيتك فأجبتك بما عندي وقسته بعقلي، قال: فعمد الملك عند أحد من الزهاد وتزوج من عنده فدخل عليها بالليل في الساعة الخامسة من ليلة الجمعة ورب الساعة الشمس وهي في برج الحمل هو شرفها وتتصل بالمشتري من تثليث في بيته القوس والقمر بالزبرة في برج الشمس تنظر غليه من تثليث بالمودة ونعم لقول الشاعر:
وإذا دخلت بزبرة نلت المنى وظفرت بالسعد الشريف المنعم
فيها النساء مباركات للفتى والصرفة الشوماء نحس ترتمي (2/62)
صفحة 492
قال: فاستفتح أولاً بفاتحة الكتاب ونوى بلسانه أنكح زوجتي لأكسر مايها وشهوتي طالباً للولد اللهم اجعلها ذرية طيبة إن أخرجت من جسمي نطفة، فقبضها من يدها وقال لها: لا تخافي الجماع فقد سبق على من كان قبلك فقبلها ومص وجنتيها وشفتيها وشم أنفها وعلى صدره ضمها وبإحليله طعنها في فرجها ويديه في عجزيها وتارة في ثدييها فلما رآها انحنت أعضاءها هم في نكاحها ودار في علوها وقبضها من خصرتها وهو مجتهد في نكاحها فلما أحس بخروج النطفة في قرارها مال يمينها ورفعها على شمالها مراده الولد الذكر فبارك الله لهما في تلك الساعة وحملت ثم ولدته ذكراً وربته أحسن التربية ودللته بالآداب والإحسان لأصحابه في الزمان، ثم قالت له: يا ولدي أنت عبد من عبيد الله فلست بأحسن منهم ولكن خصك الله وفضلك عنهم وانظر إلى السابقين الفاعلين الخير بأيديهم وألسنتهم واعف عن سيئاتهم وأظهر إليهم حسناتهم وازرع زرعاً جميلاً لك ولذريتك من بعدك وأصلح دينك ودنياك فعلى هذا تدرجه وتذكره كل يوم حتى بلغ الحلم ومات والده وانتهى الأمر إليه فحسن السيرة في الرعية أكثر من أبيه لأنه عود في الذكر في صغره وشبيبته فنفعه لقيام دينه وقال ربنا: {وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ. وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ. مَا أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ. (2/63)
صفحة 493
إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ} (1) ، وعدل يوم خير من عبادة سبعين سنة للنوافل، فثبت الملك في زمانه مشغول بأمره ونهيه، ثم عزم أن يسافر لحج بيت الله الحرام ولزيارة قبر نبينا محمد عليه السلام فجهر زاده ووادع أهله وأصحابه وولى على الناس العلماء والثقات وصلى في منزله ركعتين وقال: اللهم أنت الصاحب في السفر والخليفة في الرعية والأهل والمال والولد، ثم أقبل إليه رجل من أًحابه المشفقين عليه وقال له: لو تعلمت أو شاورت ممن له بالعلم فأبصر والحساب لكان خيراً لك، قال الملك: أنا متبع لقول الله تعالى: {فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ} (2) ، فتحصل في السفينة وهي تجري بهم في الليل والنهار ففي بعض الأيام ظلت عليهم غمامة وتراكم السحاب وهطلت منه الأمطار واضطربت الأمواج وهبت الرياح حتى صادمت بالجواري فتكسرت في الليل المظلم فذهبت الأموال والأنفس فقبض الملك بحطبة ومكث ثلاثة أيام وساقه الماء إلى البر فلا وجد فيه حسيس ولا أنيس فحمد الله تعالى، ووقف على ساحل البحر لا معه قدرة على المشي من الجوع والعطش والشمس وفي ذلك المكان الحر الشديد فمكث ثلاثة أيام بلياليها ويتضرع إلى الله ويقول في دعائه: اللهم أنت خلقتني وأنت هديتني وأنت تطعمني وأنت تسقيني وأنت تميتني وأنت تحييني ولا لي ملجأ ولا منجى منك إلا إليك، فاستجاب الله دعاءه وأقبلت إليه امرأة من البداة ترعى غنماً فرأته مغشياً تترادف عليه سكرات الموت طالع عليه الربو فأخذت جلبابها وسترت به عورته ثم حلبت له من غنمها وأقبلت إلى فمه تقطر له الحليب قطرة بعد قطرة فارتدت إليه روحه وتحركت جوارحه ثم سقته من الحليب شربة أخرى فنهض قاعداً، ثم سقته شربة أخرى والغنم ترعى فخافت على غنمها من الذئب ثم فلتت مئزرها وقسمته نصفين ولفت به رجليه فنهض قياماً
__________
(1) 1 – الذاريات : 55 - 58
(2) 2 – آل عمران : 159 (2/64)
صفحة 494
وهي تقوده فلا قدر على المشي وطاح، فساقت الأغنام قدامها وحملته على أكتافها فساعة تريحه وتارة تحمله حتى ظوت إلى خيمتها ومعها ولدان صغيران يتيمان تخدم عليهما مذ مات أبوهما فذبحت لهم رأساً من الغنم وحلبت في الكرم ثم أتت بالحطب وشوت فيه اللحم فأكلوا وشربوا وصلوا وناموا فمكث الملك معها عشرة أيام، وردت عليه قوة جسمه كما كان أولاً فسألها عن الطريق وبعد الدار فأخبرته وزودته ثم قال لها: أنا اسمي فلان بن فلان الفلاني من أرض كذا ومتى بدت إليكم حاجة في الزمان فاقصدوا إلى تلك البلد واسألوا عن اسمي فإن لكم من النفع مالا تقدروا على حمله، فودعهم ومشى في طريقه درويشا يسأل من مال الله مع المسلمين فحج وزار ورجع إلى وطنه وملكه فبعد بضع سنين حل بأماكن المرأة وأولادها القحط وماتت الأغنام فذكرت في قلبها الرجل الذي رغبهم بالوصول إليه فقالت لأولادها لعلنا نصل إلى زيارته حتى نعرف صدقه من كذبه والآن ألجأتنا الحاجة إليه، فقال أولادها: الأمر إليك، فمشوا على بركة الله تعالى يأكلون من ورق الأشجار ويسألون من الديار ويسألون مولاهم البلوغ فلما وصلوا أطراف بلدته ونظروا رجلاً يطنف إبل الملك أقبلوا إليه فعرفهم أنهم بداة ينطقون بلسان العرب فسألوه عن الرجل فقال لهم: هذا الذي ذكرتوه هو الملك المكرم والسيد المعظم والأسد الغشمشم والرؤوف الرحيم، فقالوا له: ما الرأي إلى بلوغنا عنده؟ قال الطانف: أما أنا فلا أبلغ إلى مجلسه ولكن أصنع لكم رأياً وحيلة وأريد أعرف أسماءكم وأنسابكم وأوطانكم فأخبروه فأعطاهم ناقة الملك الذي هي مركوبته وأعطاهم ما حضر عنده من الطعام والماء وضوى بالإبل إلى الحصن سوى الناقة، فسألوه الخدم والمقربون عنها فأخبرهم أن امرأة قبضتها ومعها رجلان فغلبا علي وقالوا إنهم ليخالصوا فيها مع الملك وقت الصباح فقصدوا الخدم مع الملك وأخبروه بالقصة فنظر في أمره ساعة يفكر في قلبه ولم يبن له الأمر مما اشتغل قلبه بأمور (2/65)
صفحة 495
الخلق، فلما هدن عليه الليل لم تنم عيناه فلاح في قلبه ذكر المرأة التي فعلت فيه الإحسان فنهض من نومه وأمّر على الخدم والحراس أن يجعلوا السرج والبلالير وكل شيء له نور ويضيء ليجعلوه في الحصن فلظت فيه الأنوار ونشلت الرايات فصار الحصن كأنه الشمس المضيئة فيه ينظروه الناس من كل الجهات فنهضت الخلق تفكر في أمر الملك وأمرهم أن يجعلوا فيه الزينة والبخورات الطيبة ففاحت على الناس رائحة الملك والعنبر والعود المزعفر ففاحت يميناً وشمالاً ونعشاًَ وسهيلاً حتى أصبح الصباح وأذّن المؤذن بالفلاح نادى منادي الملك لا سفر ولا خروج ولا عمل ولا وقوف ولا أكل ولا شرب إلا مع الملك المستبشر بالفرح والسرور فعقر من الإبل والبقر والغنم ونصبت القدور وأخرجت الفرش والعيوش إلى الجبّان المرتفع عن البلد ونصبت الخيام وأمّر على سراريه وخدمه ليحملوا خيمتيم وعليها من كل زينة وكسوة وأطعمة وأسلحة للرجلين ودبر للمرأة وأولادها ليصلوا إلى الجبّان ويكونوا في الخيمتين، فخرج الملك والناس من حوله ولا بقي في البلد أحد فحيث وصلوا الصحراء وسيق إليهم الموائد والشرابات والبخورات وللنساء والصبيان الأدهان والعطورات فأكلوا ما رزقهم الله فدعا الملك بالرجلين من الخيمتين فوصلا معه وحياه بتحية الملوك وأمره بالقعود أحدهما عن يمينه والثاني عن شماله، فأقبل إليهما بالحديث وقال لهما: أتحبان أن تكون منزلتكما معي كما أقعدتكما عندي؟ فقالا: نعم، فقال: سيرا أنتما والقاضي عند أمكما فإن كانت تريد أن أتزوجها فعندي منزلتها على ما سبق من إحسانها لتطعمنا وتسقينا وتدير أمورنا كما حملتنا على أكتافها وأحيت جسمنا فإن سرها كلامنا فهذه إرادتنا وكونوا من الشاهدين، فقصدوا معها وأخبروها بقول الملك إليها فقالت: إن الأمر مع الولدين فإن أعجبهما ورضيا بذلك فنعم المطلوب وإن جبنوا فلا أدخل عليهما جفاء ولو أعطيت الأرض وما فيها، فرجعا إلى الملك وأمرا القاضي ليزوج الملك (2/66)
صفحة 496
فتزوج بها محضر المسلمين، ثم أمر الملك بضرب المدافع والبنادق والعزاوي وارتفعوا إلى الحصن يمشون في الزوالي وغلائل الحرير ، ثم أمر قاضيه ليكتب لأولاد المرأة لكل واحد والياً في حصن....نقص في بداية ص 305
بارك الله فيهما، وأقام الملك في حصنه تدبر الأمور زوجته على ما تشاء وتريد فهكذا جزاء المحسنين والله يقول: {وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً} (1) ، وهذه المرأة أحيت الملك عن الموت فأحيا الله الإسلام على يديه فرفعها مولاها في الدنيا، وفي الآخرة مولانا أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين، والصلاة والسلام على الرسول الأمين.
الذكر الثالث والثلاثون
فيه حسن الظن، وتدبير الأشرار والأخيار، وفيه ذكر العزاء، وما جرى بين الملك وصاحبه من المكاتبة والمسائل والأخبار.
... سألت ذا الغبراء عن حسن الظن في الناس المطيعين لله هو لازم أم لا؟ قال ذز الغبراء: المحبة لهم لازمة، وأما حسن الظن فأحسب أنه غير لازم في كل حالة لأن الناس طبائعهم مختلفة فمنهم الفطن ومنهم به بلاهة ولكن لا يخلو الإنسان من الأخلاق الحسنة الذي يحسن الظن به، وفي بعض الأمور أولى الاحتراز وأسلم للعارف المميز الوازن عقول خلق الله قال الشاعر:
وأعزم الناس عقلاً من إذا نظرت ... عيناه أمراً غدا بالغير معتبرا
وأحزم الناس أن لو مات من ظمأ ... لا يقرب الورد حتى يعرف الصدرا
قال غيره:
لاتترك الحزم في شيء تحاذره ... فإن سلمت فما في الحزم من باس
العجز ذل وما في الحزم من ضرر ... وأحزم الناس سوء الظن بالناس
__________
(1) 1 – المائدة : 32 (2/67)
صفحة 497
كما حكي لنا عن أحد من العلماء المتزهدين تزوج امرأة من غير بلده وكلما أرادت زيارة أرحامها كارى عليها فلا صحبها بنفسه ولا أحد من أرحامها معها في سفرها فمثل (1) هذا العالم لا يزوجوه أصحاب العقول الرازحة وكثير من أهل الجهل لا يرضون لنسائهم تسافر من غير محرم عندها فإن زوّج المحترز من أهل الجهل فلعله أسلم للمرأة. والمسألة الثانية إن سمعت أحداً من أصحاب العقل يقول أيها الناس تزوجوا مع إخوانكم في الله لأنهم يعطون الحق من نفوسهم فقل له قد نطق بالحق صاحبك ولكن كثيراً من الأخوان تزوجوا على ما تهوى نفوسهم حتى يكسروا شهواتهم عن الحرام ولا ينظرون إلى العيوب والعرق الدساس وعملوا بالجائز وتركوا الاحتراز وكثير من العصاة لا يرضون بمثل ما ذكرنا، وأولى للعاقل أن يتزوج عند الجاهل المحترز. والحالة الثالثة في حفظ الأمانة لا كل من أطاع الله له معرفة ولا نداهة (2) وكذلك أمانة الأولاد في الحضر والسفر والبيع والشراء والعوايز (3) في الأسفار ومقاسمة الأموال اليتامى والأغياب ليس كل مطيع له دراية لمثل هذا وكثير من الفسقة يرجى منهم الصلاح وفي قلوبهم رأفة ورحمة وهمة وفطنة عالية لحوائج المسلمين من الأسواق ولا يخونوا أماناتهم يتخذون بذلك فخراً لهم.
__________
(1) 1 – في الأصل : ففي مثل
(2) 1 – أي فطنة ونباهة
(3) 2 – أي الحاجات (2/68)
صفحة 498
والحالة الرابعة؛ كثير من المؤمنين تسمع منهم الكلام الحسن ويظهروا بالتشجيع والتشمير وهم بخلاف ما فاهوا به ولا في قلوبهم جبن ولا خور ولا يجوز الطعن فيهم ومعهم في ذلك حجة مما تبهر العقل ولا يمكن شرح المسائل هنا وفي هذه الحالة يسروك فيها الأشرار لأنهم يتقون عنك النار والعار، وقد حكي لنا عن صبي أمسى في بعض القرى فوجدوه قوم من المتمردين وقهروه وفجروا به كرهاً والصبي من غير عشيرتهم فأخبر بفعلهم سكان البلدة فأخذهم الغضب وساروا إلى الفاجرين بولدهم فقتلوهم واخذوا أموالهم وما ظالم إلا سيبلى بظالم فعلم السلطان بالفعل في رعيته فجيش على القاتلين فصح بينهم القتال فقُتل السلطان وانكسر الجيش وفيهم القتل مدبرون فانظر فعل الأشرار. (2/69)
صفحة 499
والحالة الخامسة إن سألك إنسان عن أمر دينه ولم تجبه من قلة حضور عقلك في تلك الساعة فيرميك بالعدواة ولا في قلبه تمييز في هذه الحالة وبعض من الجهلاء إن جبنت عن جوابه عذرك وله قلب واسع ولكن الذي يحسن به الظن الرجل العاقل المتورع السائل عن أمر دينه وصلاح دنياه فلا يجوز لك أن تخوض مع الخائضين في الكلام لهذا الرجل المذكور، وقد حكي لنا عن رجل قليل العلم ومعه أمانات للمسلمين فرموه أهل الجهل بالحسد وأخبروا المطيعين بأمور لا تليق بالزور والبهتان فخاصموه كلهم مع حاكم البد فلزموه في الأمانات ولا امتثل لقولهم وكتب الحاكم إلى الوالي بأدبه فأدبه الوالي كما أمره الحاكم فمشوا أهل الأمانات إلى عالم البلد وقصوا عليه ما جرى من الوالي والحاكم فحضر العالم الوالي والحاكم وأهل البلد وأمرهم بالاحتجاج لصاحب الأمانات في محضره صاحب الأمانات فحجهم وظفر بهم فقال العالم للوالي والحاكم واهل البلد: فأنا اتبع الحق ممن جاء به ولو كانت أمة وحيث دار الحق فأدور ولو كانوا أهل البلد على كلمة واحدة على الباطل ما سمعت لقولهم وكنت أحسن الظن بكم في السابق والآن أراه سوء الظن في الناس من حسن الخلق . فحين رأو العالم غضب عليهم رجعوا نفوسهم واستغفروا ربهم فافهم الفرق بين الناس واوزن الناس بعقلك وأعط كل إنسان ميزانه. (2/70)
صفحة 500
قلت لذي الغبراء: رووا لنا أشياخنا رحمهم الله عن ملك عنده زوجة جميلة صالحة طيبة تقية نقية مبروكة غنية سالمة ولها خدماً يوالون أمرها ولها تدبير وتمييز في الملك وتتصل معها الناس ولا يخرج الإنسان من عندها إلا وقد تعلم حكمة ثم نزل بالمرأة السقم فجاءوا معها الأطباء وأهل البصائر فلا عمل دواءهم لدائها وتقول المرأة للناس الوداع الوداع من هذه الدار فلا لنا فيها قرار فهذا كلامها إلى أن خرجت روحها فدخل في قلب الملك الهم والحزن والناس تصل عنده للتعزية ستة أشهر فكلما وصل عنده رجل وخرج إلى وطنه وأهله مكرماً وشاكراً من كثر العطاء الذي مع الملك أخذه ، وكان للملك صديق لم يصل عنده مثل الذين وصلوا لعيادة (1) امرأته في السقم ولا بعد مماتها للتعزية فدخل في قلب الملك الغضب على صديقه بقلة وصوله عنده وكتب له بسم الله الرحمن الرحيم من الفقير الحقير أمير المؤمنين إلى المحب الصديق الشفيق فلان بن فلان الفلاني وعليك السلام ورحمة الله وبركاته أما بعد فلا وصلت عنك أعلام لا بالأقدام ولا بالأقلام ولعل كفاك بما في يدك عنا والسلام.
وقال عبدالله بن حميد الغافري شعراً:
عن الوصل للأحباب لا شيء مانع ... ولو قطعتك الماضيات القواطع
لقول رسول الله لا تهجرن أخا ... صفا لك ودا ما بدا الفجر طالع
فالجواب هذا بسم الله الرحمن الرحيم وصل تعريفك أيها الأمير ويكفيك عن وصولي بما ابتلاك الله من الهم والحزن والذين وصلوا معك هم أحرقوا بقلبك وهم مسرورون بضيفك به ومن قبل التأخير في التيسير والسلام عليك من صديقك فلان بن فلان .
وقال الشيخ علي بن ناصر بيتين:
فما كل ذي وصل محب ونافع ... فكم واصَلَ الأعدا عدو مخادع
ولا كل ذي قطع عن الوصل مبغض ... فكم منع القربى عن الوصل مانع
__________
(1) 1 – في الأصل : لإعادة (2/71)
صفحة 501
فلما وصل مع الملك الجواب وقرأه رأى مكتوباً فيه الحق والصواب فحمد الله تعالى وأثنى عليه وصلى على النبي - صلى الله عليه وسلم - ثم فزع قلبه وقال لجلسائه ما أظن أن أحداً من أصحابي يكشف ما في قلبي ويسد عورتي وخللي فاليوم ظهر بأن صديقي فلان هو المتكلم بما في قلبي فأتوني به فلما وصل عنده حياه بتحية الملوك وقبضه من يده فقال له أيها المحب أبحت لك في أمري فكن مني وعني واحكم في رعيتي على ما تشاء وتريد، فقال الصديق: قبلت منك الأمر وأطلب به الأجر، ونادى منادياً من ساعته أيها الناس لا عزاء بعد اليوم، فعملت الرعية بتوقيف العزاء وتناظروا أهل البلدان حيث أهالهم الأمر وجعلوا رأيهم مع رجل واحد من علمائهم المتشجعين في الكلام، فأقبل الرجل مع الملك وسلّم عليه وحياه بتحية الملوك واستأذنه في الكلام ليكون عليه الأمان، فقال الملك: لا تخف ممن أطاع الله ورسوله والمسلمين، فقال الرجل: أرسلوني إليك قومك قد سمعوا مناديك بقطع السنة الجارية وقد عملوا بها آبائك وأجدادك والأمم الذين سبقوك فيعجبني لك لا تبدل عنهم تبديلا ولا تحويلا وكفى بهم قدوة لهذه الأمة فامتثل نصيحتي وانه نفسك عن متابعة الهوى فإن الجنة هي المأوى، ثم قال له الملك: وإن حجك في أمرك محاجج وظهر لك الحق أترجع أنت وأصحابك عن الباطل؟ قال: نعم، فقال الملك لصديقه: اقبل بالحديث لهذا الرجل فجاءه بقربه وقال: ما تقول أيها الرجل إن رأيت الملك في قلبه الهم والحزن ما أولى لجلسائه وأهل مملكته؟ قال: يجب عليهم أن يسلوا قلبه بالكلام الحسن والهدايا إليه، قال له: أتشهد بهذا؟ قال: نعم، فقال له: كيف صنعتم به حين أصابته المصائب أما جئتم معه للتعزية باللباس والزينة وأطعمكم المعيشة الطيبة وساق لكم من الذهب والفضة والكسوة الحسنة وأظهر لكم الفرح والسرور خوفه من ذم الجسور فأعطاكم من النعم وفي قلبه لهيب كالسم وأنتم تنظروه فلا التمستم لدائه دواء هذه سيرة العقلاء أو سيرة (2/72)
صفحة 502
الجهلاء؟ فقال الرجل للملك: قد حجني صاحبك بالكلام، ثم قال الصديق للرجل: أسألك عن العزاء الذي عملوه الناس أخذوه من كتاب الله أم من سنة رسول الله أم عن المهاجرين والأنصار الذين سبقوا بالفضل والإحسان؟ فقال الرجل: وجدناه في الكتب مؤثراً في وصايا المسلمين ، فقال له: هذه الوصية من الضمان المتعلق على صاحبها؟ قال الرجل: هذه الوصية التي تخرج من الثلث، فقال الصديق: هذه العزاء محدداً أم مجهولا؟ قال: بل هو مجهول، قال له: إن مات الرجل أما تقدموا العزاء قبل الديون والضمانات؟ قال: يحضرون الأكابر ويحسب ما على الهالك من الضمانات ثم تحسب الوصايا والعزاء بعد فاقة الناس، قال له: وإن لم يكف ما خلفه الميت لحق نسائه وضماناته وديونه أترجعون ما أكلوه الناس والدواب من بطونهم؟ فقال: ما أكلوه المسلمون هو رحمة للمؤمنين، فأجابه: كل صديق مخسر فهو عدو مبين، وهذا تبذير والمبذرون هم إخوان الشياطين، فأين عنكم كلام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين مات أحد من صحابته أما قال (أطعموا آل فلان)، أما هذا خلاف لقول رسولكم وأكلتم أموال اليتامى ظلماً كالذين يأكلون في بطونهم ناراً وسيصلون سعيرا، ثم أنزلتم نفوسكم مثل السمك يأكل بعضه بعضاً فتفرحون بالمصائب كالناظر للحرب ولبستم الثياب الفاخرة وأكلتم المعيشة الطيبة بلا ثمن فهذا هو العيد الأكبر، ولكن أقسمت عليك بمعبودك أخبرني عن الوارثين إذا أقبلوا إليهم الواصلون يفرحون أم يحزنون؟ قال: بل هم متكلفون ومن فقد ميتهم يبكون وعلى أموالهم يتحسرون، فقال: إنا لله وإنا إليه راجعون، فالأخرى هي المصيبة العظمى ومحاسبون عليها في العقبى، ثم قال الصديق للرجل: أتحب أن تسمع شيئاً من القصص؟ قال: نعم، قال: فقد حكي لنا عن فريقين صحت عداوة واختلاف فكلما نزلت بلية أو مصيبة بإحدى الفرقتين فرحت بها الفرقة الأخرى فسلط الله عليهم قوماً بالظلم إليهم جميعاً وهم اشد منهم كفراً ونفاقاً فكلما وقع منهم (2/73)
صفحة 503
النهب في فرقة عقرت العقائر ونحرت النحائر ونصبت القدور وجمعت الأكابر والنساء والرجال الفرقة الأخرى وعلى هذا دأبهم وكثرت بينهما العدواة حتى كاد أن يقع بينهما القتال ومع كل فرقة أحد من الرهبان وكلما أراد الراهب شيئاً امتثلوا له فاجتمع رهبانية الفريقين في غرفة وآل نظرهم على أن تكون العقائر والنحائر على المظلوم من الفرقة وإن كفى ما عنده وإلا فأهله المساعدون إليه وليجتمعا الفريقان لأكل الطعام فعملوا الفريقان بقول الراهبان إلى أن ظهر الإسلام وماتت البدع السالفة أما تحكم على نفسك بالعزاء هي أختها وأقبح منها لأنه قد أطعم صاحبكم تسما واجتمع عليه الصديق والخصيم ليأكلون أمواله يذوب جسمه فهم يضحكون ويأكلون ويشربون وينامون لا خوف عليهم ولاهم يحزنون.
ثم رجع الرجل إلى القوم وأخبرهم بما سمعه من الملك وصاحبه فقالوا له: ما تقول أنت؟ قال: ما رأيت إلا صلاحاً لنا ولكم وحقيق علينا أن لا نقول على الله إلا الحق ويبطل الباطل ولو كره المجرمون، وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً} (1) .
الذكر الرابع والثلاثون
فيه لسلامة الأنفس، وفيه من الأدب والشرع.
... قال صاحب ذي الغبراء: سألت عن المرء الذي يكون في زمانه سالماً؟ قال: رفع لي عن أبيه عن جده أنه كان تاجرا وسار مسافرا إلى بعض البلدان فوجد في سفره داراً مخضرة بالأشجار وتجري في بيوتها الأنهار، وبها المساجد وفيها العباد، فإذا هو برجل كشف كتاباً والناس من حوله يستمعون، قال: فسمعته يذكر في سيرة حسنة للأولين والآخرين وقال شعراً:
إذا لم يكن علماً يزين به الفتى ... وإلا فمال ساتر لمعايبه
__________
(1) 1- النساء : 59 (2/74)
صفحة 504
وإن لم يكن مال فعقل وعفة ... يزين به في الناس مع من يصاحبه
ثم قال: اعلموا أيها المسلمين أن الله خلق الدنيا والآخرة، وجعل فيها الذكر والأنثى، فمنهم الدنئ ومنهم الشريف، ومنهم من الأشرار ومنهم الأبرار، ومنهم موسر ومنهم صاحب إعسار لأن الدنيا فيها الإقبال وفيها الإدبار، فالذي تراه أدبرت به الدنيا فلا تصحبه أبداً لأن الله ينزع الملك ممن يشاء ويعز من يشاء ويذل من يشاء، فإذا رأيت الملك في ضعف وظهر عليه أحد فكن مع الذي ظهر وحجتك تقوى مع قوته لأنه لابد للمرء من شباب له في دنياه، وأما إذا صحبت الملك الذي نزعه الله عنه لم تزل في الكسيرة والعداوة والغرامة والنكال والهم والحزن وكذلك إن بدا لك غرض في الشركة والتجارة والزراعة فلا تشارك إلا بالذي رأيت مقبلة إليه الدنيا فإنك تربح من رباحته والذي أدبرت به الدنيا فتخسر من خسارته، وإن لم تكن له هايشة (1) ولا سفينة فلا تكاري إلا صاحب الهايشة الواثقة الصحيحة والسفينة الحديثة المانعة لأن في هذا لا ترى عضالاً والهايشة الضعيفة والسفينة القديمة أكثر سفرك فيه تعويق، وأما البيع والشراء فلا تبايع الذي أقبلت له الدنيا ولكنك اشري مع الذي أدبرت به الدنيا، وأما إن أردت تتزوج وتقنع فخذ مع الذي أدبرت به الدنيا، وإن كانت لك قوة في المال والمهور فتزوج مع الذي أقبلت له الدنيا ولكن لا تأخذ المرأة الكبيرة ولا صغيرة السن بل خذ المرأة الشابة المقبلة إلى بعلها وبيتها، والحذر الحذر عن صحبة الجبان، وقربة الشحوح الغشوم والأحمق والتهيم ومن تعلقت عليه التبعات والدموم، وصاحب الأجواد والكرام والشجعان والصابرين في البأساء والضراء كما قال الشاعر:
ومن رابع الأجواد جادت به العلا ومن رابع الأنذال كثرت مصايبه
__________
(1) 1 – أي الدابة (2/75)
صفحة 505
ثم قال: وعليك بالصبر والاحتمال للناس ولا تعاتب الناس بزلاتهم ولا بطبائعهم لأن من أراد صاحبه دون عيب فاته الدهر دون صاحب، ولا تقصد إلى الأمراء والملوك إلا لحاجة دعوك فيها لأنك إن أجبتهم لحاجة دعتك نظروك بعين الحقارة ومثلهم المتشاجرون والمتخاصمون إلا أن يرضوا بكلامك، واجعل نفسك عزيزة إلا مع إخوانك أو كان أقل منك منزلة، وزر إخوانك وأرحامك ولكنك زرهم غباً تزدد حباً، ولا تطل القيام معهم، ولا تكثر من الناس في صحبتك إن قدرت بنفسك لا هايشة معك فذلك أحب في قلوبهم، وإن صحبت أناساً في طريق فلا تتقدم ولا تتأخر بل كن في أوساطهم لأن المتقدم له قوة والمتأخر ضعيف وهم متضادون، واخدم في السفر أصحابك وقدم زادك، وإن أكلت فلا تنظر إلى الناس مع الأكل وصغر اللقمة وأطل المضغة ومص الماء مصا ولا تغبه غبا، واكتحل فردا، وادهن غبا، واجعل لجسمك ما خفي من الروائ ، وإن نزل معك ضيف فلا تقعد معه للأكل، وإن قعدت وأكلت فكل في أول ابتدائك قليلا واجتهد في آخر أكل الطعام، وأما إن كنت أنت الخاطر (1) وأكل معك صاحب البيت فاجتهد في الأكل مع ابتداء الطعام، وقلّل منه آخرا، وكذلك إن أكلتم أنت والناس فعلى هذا، وإن حضرت مع أناس فلا تجلس في المكان العالي مثل المنابر والكراسي والمحاريب والدكاكين المرتفعة إلا إذا دعوك إلى هناك، وإن أنزلك أحد من الأمراء أو الملوك أو الحكام في المنازل الرفيعة وأباحك في أمره في ثلاثين خصلة فاقتصر عنها إلا إن دعتك حاجة في واحدة فخذها؛ لأن كثيراً من الناس من وجد خصلة أخذ مائة ومن هكذا لا يثبت لهم أمرا، وإن سكنت أو نزلت مع أناس فاخضع نفسك للغني والفقير والكبير والصغير، وازرع الجميل بوالديك تحصده مع أولادك، واتخذ أخاً لتكشف سرك معه، وإن رأيت مع أناس أموالاً ونساءً حساناً فاحرز نفسك عن تهوي بك في الطمع شيء أو يدخلك الحسد، وإن رأيت فقيراً أو مريضاً به علة فاسأل مولاك له الرحمة وقل رب
__________
(1) 1 – أي الضيف (2/76)
صفحة 506
ارحمني من هذا البلاء، وإن خصك الله بعلم أو مال أو أولاد أو زوجات صالحات فاشكر مولاك ولا تجعله من حرثك واجتهادك لأن كثيراً من خلق الله خصهم الله فتاهوا فنزعه الله عنهم في حياتهم فأذلهم الله وسلط عليهم الأسقام ومن لا يرحمهم وقال ربنا جل وعلا في كتابه العزيز: {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوفْ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمَوَالِ وَالأنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ} (1) قال: رأيته ختم كتابه وقام للصلاة.
الذكر الخامس والثلاثون
فيه من حيل شيطان الإنس على تفريق الزوجين، وفيه قصة نصيح الإنس وفيما جرى على يديه من اتفاق الزوجين.
... قال صاحب ذي الغبراء: جلست يوماً في الخلوة في فرأيت شاباً ماراً في البرية فناديته أن يقف لي ساعة فقال: ما الحاجة؟ قلت له: هل عندك خبر أو علم عن ذي الغبراء؟ قال: رأيته بنظري وسمعته بأذني يذكر للمسلمين الفرق بين الأبالسة والشياطين، قال: فالأبالسة هم أولاد إبليس اللعين والشياطين مجموعين الإنس والجن والشياطين، ولا تطلق أن يقال للإنسي إبليس ولكن يقال له شيطان كما قال ربنا في كتابه العزيز: {شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً} (2) وشياطين الإنس أقوى عن الباقين وقد هلكوا بني آدم من أتباع شياطينهم وأمرائهم، كما حكي لنا عن أحد من الإنس جلس يوماً مع أجناسه المتمردين فقال لهم: أنا سيد المردة، أنا مفرق شمل الجماعة، أنا مفرق بين الحمار وطعامه وبين المرء وزوجه ألا فاحذروا من مكري وخدائعي، وإني أوشك (3) من السم الذي يسري في الجلد.
قلت لذي الغبراء: فسّر لي عمل السم، قال: خذ دفلى وهو الحبن يغلى بالماء ثم ببول الحمار ويوضع عليه نورة ودم شخر كل مكوك ثلاث قياسات نورة بيضاء وتكون الدفلى معمورة ونصف.
__________
(1) 1 - البقرة : 155
(2) 1 – الأنعام : 112
(3) 2 – أي أسرع (2/77)
صفحة 507
قال: فأجابه أحد من أصحابه وقال له: لا تفتخر بما تطيق عليه ولا بينت منك براهين؟ فقال شيطان الإنس: ستجدون اليوم المقبلة ما لا يعمله عامل من قبلي ولا يقدر كعملي أحد من بعدي وإني أجعلها لكم قصة تفتخرون بها وأهل العقول يخافون أن تحدث عليهم بزمانهم أختها فابتدأوني بالسؤال حتى أعطيكم الجواب، فقالوا له: ما مثل الزاهد محمد بن سعيد وزوجته حبيبة بنت عبدالله قد بانت للخلق فضائلهما وحسن أخلاقهما وكرامتهما، ولا سمعنا أحداً منهما يشتكي من صاحبه من جمع الله بينهما إلى يومنا هذا وأنت أيها المتمرد تدخل لمن هو مثلك أو أضعف منك منزلة، فقال لهم: إن لم أفرق بينهما بكرة وإلا فمالي لكم هبة، قال: فشهدوا عليه بما قسم على نفسه، فأقبل عليه الليل فلم تنم عيناه حتى أذن المؤذن لصلاة الصبح فخرج من بيته ورفع الماء إلى وجهه ووقف على باب المسجد فنظر محمد بن سعيد أقل إلى الخروج من المسجد فسلم عليه وأوقظه للحديث معتزلاً عن الخلق، فقال شيطان الإنس: اسمع يا شيخ إني رأيت في النوم رؤيا وجئت مسرعاً أقصها عليك عن تذهب من قلبي وهذه الرؤيا هي لك يا شيخنا لأني رأيت الملائكة المقربين في مكان عال مرتفع وحولهم الملائكة وذكروا بني آدم وما أعطاهم الله من نعمه فقال ميكائيل ما خص الله أحداً مثل محمد بن سعيد أعطاه الله مالاً وعقلاً وجسماً صحيحاً وزوجة صالحة مباركة طيبة فطوبى لهما وحسن أخلاقهما، فقال جبرائيل: صحيح ما قلته ولكن لو أنها عنده رمانة خادمة سعيد بن علي لكان انتهى الغاية في زمانه، قال ومن حسن خصائل زمانه عندها الكحل إن كحلت به عينيها نظرت كنوز الأرض، ومعها اسم إن تلته بلسانها مضت إلى مشارق الأرض ومغاربها في ساعة واحدة، قال وليتها تكون عند محمد بن سعيد لتجتمع له الخصال المحمودة فهذا ما رأيته وسمعته من قول الملائكة ففكر أيها الشيخ في هذه الرؤيا، فقال محمد بن سعيد: ما الرأي في طلوع هذه الخادمة من عند سعيد بن علي؟ فقال (2/78)
صفحة 508
له: أنا صاحبك إليه وربك المسهل لقلبه، فقال محمد: اقصد بنا إلى بيت سعيد بن علي، فتصاحبا حتى وصلا مع البيت ودخل الشيطان مع سعيد بن علي وأخبره بوصول محمد بن سعيد وما إرادته ونهاه عن البيع وأمره أن يزوجه إياها ويأخذ أموالاً جزيلة، وقال له: لا تصبر عليه لمحة فيها، فلما تم باطن سرهما هبطا من البيت مع محمد بن سعيد وتصافحا وأدخلهما البيت وأتى إليهما بالطعام، فقال محمد: لا حاجتنا في الطعام وقد جئنا لشراء الخادمة رمانة من عندك، قال: الكلام بعد الأكل فأكلا ما طاب لهما، ثم قال: ثمّن علينا بلا مجادلة، فقال سعيد: أما البيع فلا يكون ولا يجوز لي بيعها ولو بذلت لي أموالك كلها فالخادمة عندي خير من البلد وما فيها، فقال محمد لصاحبه: ما الحيلة؟ قال: الحيلة لنأخذها من عنده بالنكاح وتقضي الغرض منها ولتعطيه المهر بما يريد، فقال محمد: يا سعيد سألناك بالشراء ولا حصل والآن نسألك أن تزوجني إياها وأنا ضيفك ولا يجوز عليك أن تجفينا، فقال سعيد: مثلكم لا يجفا ولكن على مراجعة، قال: لا يجوز علينا وعليك المطالبة، فقال له: التسليم ألف محمدية أتقبل على هذا الشرط؟ قال: نعم، زوجني إياها، فجاءوا بالشهود وزوجه بها، فقال سعيد ابن علي لمحمد: انقل على الألف، قال: لا يمكن أما إنك سلم أو إنك طلق، فقال شيطان الإنس: أنا أصلح بينكما أنت يا محمد والشهود قفوا في بيت سعيد وأكتب أنت بالألف وأنا آتيها إليك فكتب لزوجته حبيبة بتخليص الألف وقصد الشيطان يرفل إلى البيت فحرك حلقة الباب وشرفت إليه فقالت له: ما الحاجة؟ قال: أنا أرسلني إليك زوجك ببروة فأسرعت إليه وقرأت ما فيها وأتت إليه بالألف وقبضها فقالت له: كيف شرى محمد؟ فقال لها: غيري سيخبرك بعلم الشر، فقالت له: إن محمداً حاشاه عن الشر، فقال: أخاف أن يدخل في قلبك حرج عليه، فقالت: حاشا وكلا لا حدث في السابق ولا يكون في القابل، فقال لها: اعلمي أن زوجك محمد ابن سعيد جاء عندي وقال لي (2/79)
صفحة 509
أريد منك أن تسعدني لشراء رمانة خادمة سعيد بن علي فصحبته فأبى سعيد عن البيع وزوجه إياها بألف وأنا نصحته قلت له كيف تريد رمانة وأنت وزوجتك متفقان؟ قال لي: ما تدري بما في قلبي ولولا حقد في القلب ما حملت نفسي هذا الأمر وكل أخبر بما في قلبه فلا تلومني ومن هذا إلا أردت أخبرك وأردت غيري يعلمك بخبره فإذا كان على هذا الإحسان الواقع منك إليه فكيف إذا استقبلت رمانة إليه واختارها عليك ما الحيلة إليك أن تكون خادمة أرفع منك منزلة فقيسي بعقلك واختاري بالخروج منه من قبل أن يدخل عليك، وغيّري منه مع القاضي في هذه الساعة فإن لك الغَيَر ومشى عنها حاملاً الدراهم حتى وصل مع محمد وقبضه الدراهم فعدها لسعيد وأما حبيبة لما سمعت قول المتمرد مشت إلى القاضي وغيّرت من زوجها أنه أخذ فوقها خادمة مملوكة فدبر القاضي إلى محمد فوجدوه يعد الدراهم لسعيد بن علي فأعطوه مدة مع القاضي فمشى هو وصاحبه الشيطان مع القاضي، فلما وصلا قال له القاضي: هذه حبيبة وصلت عندي وغيّرت منك بأخذك فوقها خادمة، فقال محمد: اليوم بلّغت، فقال القاضي: لما علمت غيّرت فهل دخلت عليها بعد العلم؟ قال محمد: كيف أدخل عليها وأنا في هذه الساعة امتلكت بالخادمة، فقال له القاضي: اعلم أنها فاتتك زوجتك ولا تحتاج إلى طلاق وكل ما صح بين الزوجين من حرمة أو بانت منه بالإيلاء أو الظهار فلا يحتاج إلى طلاق ولا ميراث بينهما، فقال محمد للقاضي: من أين هذا الحكم؟ قال له: من قول المسلمين وهو من قول أعلم العلماء وأفصح الشعراء الشيخ أحمد بن النظر شعرا:
وتخرج عنه بالخيار لأخذه ... على حرة مملوكة تتمدح
وتختار إن شاءت خروجاً ومالها ... عليه اختيار واجب حين تنكح (2/80)
صفحة 510
فقال شيطان الإنس: اتبع نصحي، خذ بالذي يريدك واترك بالذي لا ينظر لك صلاحاً ولا يريد لك زيادة، ولو أن امرأتك صالحة لما ظهرت لك الأمر حتى تستخبرك وتعرف مرادك ولكن أنت اصبر فإن الله يعوضك وستجد مرادك على ما تهوى نفسك، وإنك ستنظر النساء الحسان والخزائن في كل ساعة فأزلف هذه المرأة عن نفسك ولا تلتفت إليها وأقبل على الخادمة بما تريد، فخرجت عنه المرأة بمالها في تلك اليوم، وأقبل إلى الخادمة، وأمرها شيطان الإنس بالإحسان إليه وسرها بكلام إن سألها، فلما دخل عليها خضع لها لبلوغ الإرادة وسألها عن نظر كنوز الأرض وكفت الأرض أعندك هذا؟ قالت له: عندي ولكن هذه السنة دخلت بالثلاثاء تدل على الدموم والشرور والفجائع في الأمور ولا يدخل فيها داخل على الروحانية إلا هلكوه فلا فائدة فيها بذهاب الأنفس، ولكني سأخبرك في السنة المقبلة تدخل بالسبت فيها قوة للعبيد وتصطلح فيها الزروع والكلاب التي (1) تحرس الإنس وإن تدبيرها لرجل هو أثقل الكواكب وأعلاها في السماء السابع ويرخص فيها الرصاص الأسود والأثمد فتمهل إلى دخولها إن أبقى الله في عمرنا، ومراد الشيطان تخلص منه المرأة وتتزوج رجلاً غيره، وأما محمد فأحسن السيرة في الخادمة وولاها ماله وحاله كأنها هي السيدة عليه حتى دخلت السنة بالسبت، فسألها فقالت له: كيف عقلك يامحمد أنت مجنون أم أنت سكران قد دخل على عقلك شيطان الإنس حتى أخرج عنك زوجتك وبقيت أنا من بعدها عندك، وهذا الذي أردته مني هل سمعت به مع عالم أو ولي من هذه الأمّة، فغضب عليها وضربها حتى تكسرت أضلاعها فقالت له: بئس ما صنعت بي ولو أنك فيك مروءة لقتلت صاحبك الداهي عليك وقد لزمك لضربي إرش، ثم أخذ سيفه وجذبه ومشى إلى صاحبه فوجده في ملأ الناس، فقبضوه ومشوا به إلى الأمير فقيده، وتغير عقله وصار مثله كمثل الكلب الذي يلهث حتى مات.
__________
(1) 1 – في الأصل : الذي (2/81)
صفحة 511
... فاحذروا أيها المسلمون من مردة الإنس وخص النساء بهذا لأن مكائدهن عظيمة، واما قصة حبيبة بنت عبدالله لما رجعت إلى بيتها ومالها وعلم بها الناس والأكابر بما وقع عليها من زوجها وبما فاهوا به الأمراء في تزويجها بعد خلوصها، فآل نظره أن يصل معها لينصحها وأخذ في صحبته رجلين ثقتين ليخرج عن الشبهة والريب مع الخلق لأن لا مراده إلا كلمة الحق فلما وصلوا إلى بيتها استأذنوها بالدخول فأذنت لهم ودخلوا عليها فقال لها النصيح: علمنا بما وقع عليك سابقاً وفي قلوبنا لا نظن فيكما إلا بالخير حتى دخل على قلوبكما شيطان الإنس ففرق شملكما والآن علمت عن الناس راغبون إليك وقد جئنا معك عانيان بالنصيحة أن لا تتزوجي أحداً من الرجال إلا بنظر مني حتى أخبرك بعيوب الناس، قال فأعطته عهداً وميثاقاً فلما رأتهم أرادوا الخروج سألت النصيح عن رؤيا رأتها قالت رأيت طيراً واقفاً أعلى مني وأهدى إليّ لباسا فكساني من رأسي إلى قدمي، فقال لها النصيح: فهذه رؤياك تدل على أن تتزوجي برجل أعلى منك حسباً واللباس يدل على التزويج كما قال ربنا: {هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ} (1) فسرها قول النصيح وفي ظنها ليأخذها أحد من الملوك، فخرج النصيح من بيتها هو وصاحباه فمكث أياماً فوصل مع النصيح أحد من البداة فقال: أتعرف أيها النصيح تفسير الأحلام؟ قال له: وما رأيت أيها البادي؟ قال: رأيت ذكري طال بقدر باع وأزيد وظهر على الناس وخفت منه على نفسي الشتم والفضيحة حتى أقبلت طيرة وظلت على بريشها ثم كستني قميصاً من الصوف ووجه فيه من القطن وأعطتني جلداً والبسني القميص طير الهدهد ومن حواليه ثلاثة طيور، فقال له النصيح: لك الخير مقبل يا خلفان، ثم في يوم آخر دخل النصيح السوق ولاقاه البادي خلفان وقال: أسألك يا نصيح الأمة قد ابتلاني خالج بالبيضة اليسرى من ثلاثة أيام، فقال النصيح: أبشر يا خلفان بالرزق والولد، فأضمر النصيح
__________
(1) 1 – البقرة : 187 (2/82)
صفحة 512
في قلبه أن هذا زوج حبيبة بنت عبدالله وسأل الله أن يؤلف بينهما ويجمع شملهما، وأما الناس منتظرون إلى خلوص المرأة كهلال العيد فلما انقضت أيامها وطهرت من حيضها دبرت إلى النصيح أن يصل معها هو وصاحباه، فوصل النصيح وقال لها: من رغبتك من الرجال؟ قالت: رغبتي في الملوك لطلب العز والسمعة والحشمة في الدنيا، فقال النصيح: ونعم بذلك ولكني سأخبرك بعللهم، اصنعي طعاماً لمن أرادك واصغي إلى قولهم مع أكل الطعام واجعلي نفسك الطعام وأكله البعل، فإن أعجبه وشكر ربه فذلك الزوج الخالص فخذيه بعلاً لزمانك، واحكمي لهم بذلك ولا تردي أحداً أبدا، والجواب بالإحسان واجعلي عذرك لمن لا تريديه بعلة في جسمك حتى يعرف أنه لا يطيقك إلى مضاجعة، فهذا ما عندي من البيان وحسن النصيحة فولى عنها هو وصاحباه، فأول من أرسل إليها الملك فأجابته بالإرادة والوصول معها فلما وصله الجواب ثوّر من حصنه هو وعسكره حتى وصل إلى دار المرأة فهيأت له من الطعام من كل مائدة ومن الشرابات من أحسنها ومن الروائح من أغلاها ودعتهم للأكل وهي تنظر إليهم وتسمع كلامهم، فما مد الملك يده إلى الطعام وأمر أصحابه بالأكل فأكلوا وشربوا، وأخذوا الروائح وجعلوها في لباسهم وجنوبهم، ثم قال الوزير للملك: مالك أيها الملك لا أكلت ولا شربت ولا جعلت رائحة لجسمك؟ فقال: نحن الملوك لا نأكل من طعام الناس نخاف من السموم فيه ويهلكنا وأنا أكلت من بيتي ولم أشته الطعام إلى رجوعي، قال: فلما سمعت حبيبة كلام الملك آيست منه وصدت قلبها عنه لأنها إن أخذها خافت أن لا يدخل عليها وإن دخل مرة واحدة فلا يعود عليها ومعه من النساء الحسان والجواري والأبكار مما لا عيب يكون في إحداهما واتخذها لنفسه دون غيرها فدبر الملك للمرأة مرادي انقطاع الكلام فأجابته أن يصل وحده معها فوصل الملك وقال لها: جئت عندك يا حبيبة راغب في قربك وأخذك، فقالت له: ونعم ممن تكون أنت ضجيعه وقربنه وأنا مشتهى قلبي يا سيدي (2/83)
صفحة 513
كما ذكرت لي، ولكن سأضرك بعيبي قد بلاني ربي بريح الفتق وأحب أن أخبرك فإن قبلتني الأمر إليك فقال الملك: هذه علة لا يرجى لها دواء، ثم قال لها: هل من حاجة؟ قالت له: لا عدمناك، وأمر بالجواد وولى، ثم بعد ذلك أرسل إليها الوالي وأجابته بالإرادة والوصول وصنعت له كما صنعت للملك إلا أنه أكل من بعض الأطعمة وذمه فعملت له من الحيلة كما عملت للملك فمشى عنها، ثم أرسل إليها الشيخ فلما وصل معها أكل من طعامها ما طاب له قال لأصحابه: إذا اجتمع مالي ومالها فتكون لي قوة وحشمة مع الملك، فلما دخل معها ليكلمها بما في قلبه رغبت إليه وقالت له: إن كنت راغباً في المال فلا يحصل لك منه فتيلا وإن كان رغبتك في المرأة فأنا في يديك على ما تحب نفسك، قال: رغبتي في الحالين، ققالت له: لا يحصل لك المال، فقال: لا فائدة أن أتزوج امرأة بذهاب مالي ونهض عنها، فدعت بالنصيح وأخبرته بما وقع لها من الخاطبين معها فقال النصيح: أسألك هل قاصر عليك في المال والبيت مما تدخره النساء لحوائجهن؟ فقالت: كله موجود، فقال: ما أرى لك غير الزوج قاصر ولكن تزوجي البعل الذي يكون محتاجاً وخاضعاً وله حسب وشرف للفخر وله حاجة حتى تخضع نفسه لك ولأوليائك، فقالت: الأمر إليك أيها النصيح، فقال: عسى الله يوفق الأمر على ما تحب الأنفس فنظر إلى البادي خلفان قد مر عليهم فخرج معه النصيح وقال له: قف قليلاً حتى أرجع إليك ثم دخل النصيح مع المرأة ةقال لها حضر خلفان خليفة محمد فهل عليك شيء من زكاة النقود؟ فقالت: عليّ بقدر ثلاثمائة محمدية، ثم قال لها: وهل أوصيت للفقراء من بعد موتك؟ ققالت: أوصيت بسبعمائة محمدية، فقال لها: أهن حاضرات؟ قالت: في بيتي، قال لها: أخرجيها وادفعيها إلى البادي خلفان حتى تبرئي فيما بينك وبين ربك في حياتك وبعد وفاتك بريئة منها ويتسع بها البادي لحقك فأسرعت وخرج النصيح هو وأصحابه مع البادي فقالوا له: قم يا خلفان قد دعتك صاحبة هذا البيت في (2/84)
صفحة 514
حاجة لها، قال: أما البداة فلا يدخلون بيوت النساء، فقالوا: ونحن في صحبتك، فصاحبهم ودخلوا في البيت وأمرته بأكل الطعام والشراب وجعلت تأخذ له مما تنفض العزفان من الأرز والخبز واللحم والتمر وفركته بعضه في بعض فأكل البادي من ذلك الطعام وحمد الله وصلى على محمد عليه السلام وشرب من الوعاء الذي تقطر فيه الأوعية التي تشرب منها الطيور والدواب وشرب ثلاثة أنفس في كل نفس يحمد مولاه، ويسأل الراحة والنعمة لصاحبة البيت، فهم بالخروج فقبضه النصيح فقال البادي: لا وقوف بعد الأكل كما قال ربنا: {فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانتَشِرُوا وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ} (1) ، فقال له: صاحبة البيت لها حاجة تريد تكرمك فأقبلت المرأة بالألف المحمدية فقال النصيح: يا خلفان هذا تفسير رؤياك فأقبلت إليه المرأة وأعطته الألف من مال الله وأخذها البادي وهم بالرواح، فقبضه النصيح فقال له: تمهل وإن هذه المرأة تريدك تتزوجها، فقال خلفان: ليتكم أخبرتوني قبل الأكل والآن لا يجوز لكم تستهزءون بي وطعامكم في بطني، فقالت له المرأة: وربك المعبود ياخلفان لصادقة وراغبة في أخذك ولا يدخل في قلبك مشقة ويدل علينا بالمودة والرأفة والرحمة فامتثل لقولها، ودبرت لأوليائها فلما وصلا عندها أخوتها أمرتهم أن يزوجوها بالبادي، فقالا: كيف يا جبيبة نزوج رجلاً فقيراً وأنت أرادوك الملوك والأمراء فما تبقى مع الخلق ألا يشتمونا ويستهزءون بنا؟ فقالت لهما: نحب أن لا يولينا أحد وتستريح نفوسنا من التعب وكل نفس تريد أن تولي ولا تولى وهذا البادي أنا وإياكم لا يخالفنا وتطول أيدينا عليه فإن حسن فينا فذلك المرتجى فإن قصر فينا فيخاف أن تذهب نعمته من عندنا، فقالا لها: لا يمكن أن نوليك رجلاً بلا مهر، فقال البادي: المهر هو حاضر بين أيديكم فقبضوا من عنده الألف وأمرا النصيح بالملكة فزوجه بحضرة الشهود في الساعة الثامنة من يوم الجمعة، وعملا الطعام
__________
(1) 1 – الأحزاب : 53 (2/85)
صفحة 515
وامتثلوا إلى أداء الصلوات وحضر الليل وأكلوا العشاء وصلوا العتمة فعمدت حبيبة إلى لبس الثياب الفاخرة والبخورات الطيبة والأدهان المزعفرة والحلولات والماوات من كل غالي، فهو حاضر بين أيديهما وهموا بالعرس في الليل كما تصنع الناس ولم يبيتوا في ليلهم ومضيئة عليهم سرجهم حتى أذن المؤذن للصلاة فاغتسلا وصليا واستفتحا بما حضر ثم أمّرت على الخدم والبيادير ليدلوه بالأموال والزروع حتى يعرفها وأعطته من أحسن السلاح وأحسن اللباس فقدموا به كأنه السيد عليهم، ثم أقبل عندهما النصيح ودعا لهما ببركة الأعمار وثنوا عليه، وقال لها: هل وجدت النصيحة طيبة يا حبيبة؟ قالت: ونعم النصيح ونعم البعل الصحيح، فأجابهما النصيح اصنعي لطعامه الطيور المغلاية بالأبازير وأكلها بالحنطة النقية أو بالأرز المفلفلة، واجعلي لأدهان إحليله الزيت والكبريت والزرنيخ المضروب على النار فإنكما ستجدان من هذا لذة عظيمة، فولى النصيح وأقام خلفان هو وزوجته على ما تشتهي نفوسهما وتلذ أعينهما حتى دخل في قلبهما حرج مع شدة ضمهما وملاطفتهما، وسألا النصيح عن مص الشفتين وتجرع بماء النهدين والبصاق ومص الأعجاز وما هو محرم من الجماع؟ فقال النصيح: كله هذا جائز إلا الدم والبول والمذي والودي والمني والغائط في أكله حرام لا يجوز، وإدخال الذكر في الحيض والنفاس والدبر فهذا هو الحرام وما سواه حلالا، قال البادي للنصيح: كيف الرأي أن آكل من عندي لا من عند زوجتي وأنفق على عيالي حتى أكون سالم من تخريس الألسن؟ قال النصيح لحبيبة: لا تمنحيه مالك ولكن أعطيه زكاتك وينفقها على نفسه وعلى من لزمه فرض النفقة، فأعطته زكاتها على كل حول واكتفى بها، فنسلا ما شاء الله من الأولاد وداموا لهما في أمن وأمان ما طال زمانهما عليهما والسلام على من اتبع النصيحة والهدى.
الذكر السادس والثلاثون (2/86)
صفحة 516
في ذكر بلد بهلا، وما فيها من الخصال المحمودة، ولسكانها ولسفّارها، وذكر أخلاقهم، وحرصهم على الأموال، وبما وقع على المسافرين، والحكم فيما معهم ونسائهم، وذكر سورها وماله من بهلا وغيرها.
... قال ذو الغبراء: لاح في قلبي الفكر في الزمان، وبعد ساعة أقبل عندي صاحبي وصافحني بتحية الإخوان، وسألته عن المسافي والقرى والبلدان، التي علت بالحسن وأصحابها بالإحسان، فقال: أما الناس فكل منهم معتز بما أمكنه مولاه من الأوطان، وكل مدينة لها خصال طيبة من كل الأمصار وعمان، وإن كان ضميرك في بهلا التي تبهللت بالدار والمدار، فبهذه الخصال فاقت على الديار، لأن الساكن والخاطر فيها مؤمنون على أنفسهم وأموالهم في الليل والنهار، إن كانوا من صنو اليمن أو من صنو النزار، وحصنها رُكِّب في جبلٍ عالٍ وكأنه في البراري، أحاطت به القصور والبلد، وسورها المدرار يضرب به المثل، وفيه البروج المشيدة وعليه الأبواب المقفلة، وفي البلد الآبار والأنهار والأشجار، وفيها الأبّ لمواشيها مثل الفيافي والقفار، وبها رست الجبال والأحجار، وطعام ساكنيها اللبن والبر والتمر والسكر، وحلائهم السمن وصيد البر والبحر، وأما فاكهتهم من أشجارها، ويجلب إليها من الجبل الأخضر من كل نوع من الشجر، وكسوتهم ثياب القطن والصوف، وفرشهم الشعر والوبر، وصنعتهم أوعية الخزف والمنسول وزرع النيل، وأنهارها تجري على مساجدها، ولستر عوراتهم عند غائطهم أكانيف بقربها، وسكانها لهم لهجة في تلاوة القرآن، وفيها الزهاد والأتقياء، والعالمة الفقيهة بنت خصيب من النساء، وقد تولوها الأئمة والعلماء والأصفياء، فأخبرني هل مثلها نسوة أفتت بالرأي؟. (2/87)
صفحة 517
... وعلماء بهلا الشيخ أبو المؤثر الصلت بن خميس الخروصي، وأبو محمد عبدالله بن محمد بن أبي المؤثر، والشيخ أبو مالك معلم أبي محمد، وأبو محمد عبدالله بن محمد بن بركة السليمي، ومحمد بن خالد، وسعيد بن زمام بن أبي العرب، ومحمد بن أبي غسان بن أحمد، وقيس بن محمد بن قيس، وعمر بن محمد ابن مهلب، ومحمد بن خنبش بن صقر، وأبو القاسم بن الصقر من الضرح، وجابر ابن أحمد، والشاعر عاد بن يزيد، والشيخ العالم أحمد بن مفرج بن أحمد بن محمد ابن عمر بن ورد، وسليمان وورد ابني أحمد بن مفرج، والإمام أحمد بن سليمان ابن أحمد بن مفرج، ومحمد بن عبدالله بن أحمد بن مفرج، وأحمد بن صالح بن عمر بن أحمد بن مفرج ونسولهم كلهم بيت علم، وورد بن أبي غسان، وزياد بن أحمد، وسعيد بن زياد بن أحمد بن راشد، وعمر بن زياد، وعبدالله بن عمر بن زياد الشقصي، وعبدالله بن مبارك الربخي، وعمر بن سعيد المعدي، ومن جانبها السهيلي البسيويون عبدالله بن القاسم، وأبو الحسن علي بن محمد بن علي، وأبو عبيدة الصغير، ومسلمة بن خالد السلوتي، ومن ناحية الجاه عنها الكدميون الشيخ العالم أبو سعيد محمد بن سعيد، وعبدالله بن محمد بن زنباع، ومحمد بن مدّاد، وخلف بن طالب، ويوسف بن طالب، ومحمد بن يوسف، وسالم بن خميس الذي ألّف كتاب فواكه البستان.
ومعرفة قسمة مال المسمى المفرش الذي كحرم مكة الشريفة الذي بقرية بهلا بالغبرة الثلث للح وهو الزيت للسرج يسرج به في الحرم والثلث لمن يشرب منه في الحرم والثلث لفطرة شهر رمضان يفطر به في الحرم لأهل عمان خاصة من حد الصير جاي هكذا وجدته مؤثراً عن الشيخ محمد بن عبدالله بن مداد والشيخ سعيد بن زياد بن أحمد رحمهم الله والله كتبه عبدالله بن عمر بن زياد بن أحمد بيده، فهذا دأب أصحابها مرادهم طلب الثواب ونفع الناس لحجاج عمان فهذه من إحدى خصالهم فأخبرني عن أهل عمان هل أحد منهم صنع كمثل هذا ؟ ! (2/88)
صفحة 518
وقرن كدم أعلى من بهلا وقربه الجبل الأخضر قيل لي بخبر.(نقص ص 320)
دفن فيه نبي يسمى رضوى ، قبر بني يعرب طريق وادي مستل وهذا الجبل فيه الكروم والأشجار والفواكه، وتفرح الناس بنزول الأمطار فيه ومسايله كما قال ابن قطاف:
إذا ما رياح الجود هبت وأقبلت ... قبولاً ولاقتها جنوب وشمأل
أقلّت سحابًا في سما آل عبرة ... على كل حي بالعوارف تهطل
وسيل هذا الجبل يخصب عمان لأن مسيله على المطلع والمغرب والجاه وسهيل متصل إلى البحر.
ثم قال: اعتبرت ساكني بهلا يحاسبون أنفسهم ومن يعاملهم على الكثير والقليل، ويحترزون من النقير والفتيل، ومن طبعهم الحرص عن إضاعة المال حتى قيل لنا أنهم يشوون اللحم في الصنج والدهن الذي يخرج من اللحم يجعلون له إناءً ويسرجون به في بيوتهم......
... ولهم قوة على ملوكهم أين الملوك الذين ملكوهم وتجبروا عليهم فذهبت نفوسهم وأموالهم، وربهم أعلم بما يسرهم ويضرهم.
... وخصّوا بالقوة والشجاعة والظفر لكل من اعتدى عليهم حتى عاينت في زماني قصتين جرت على رجلين ضعيفين من ساكنيها أحدهما قليل الصحة يُسمى عميرة ابتلاه الله بعلة في بطنة منتفخ كالزق، وهو من الفقراء لا يقدر على حرفة فنفعوه أصحاب صنعة الأوعية يدفعون إليه مع كل حرقة يعطوه من الأوعية الضعيفة ثم يحملها على رأسه ويطوف يبيعها في البلدان، فعارضه في طريقه رجل من شجعان بني حاتم فقال له: أعطني الدراهم التي في ثوبك حملتها؟ فقال عمير: كيف أراك تطمع فيما عندي وأنت من أحبائي ومثلك من يزيدني فخل سبيلي انتفع بدراهمي لأحيي بها جسدي واستر بها عورتي، فلما سمع كلامه قبض الدراهم فدخل عمير من الرجل وقبضه قبضة ثم طرحه في الأرض وأخذ حبلاً وعصّا به على يديه وأخذه أسيراً وحمل سلاحه وساقه أمامه حتى وصل إلى قرية بني صبح وأطلقه من كفاته بمحضر الناس وأعطاه سلاحه. (2/89)
صفحة 519
... والقصة الثانية رجل يسمى جندب ولد الكشة هو بله ودله نحيف الجسم دقيق العظم قليل النظر سار إلى سمد نزوى ونظروا أناساً صرة في ثوبه فلحقوه بقرب العبلية وأخذوا ما عنده وأرادوا ذبحه فأخذه رجل منهم يقوده من يده حتى أنزله في مكان متوارٍ عن الناس وجندب يستجير به فلم يجره ثم أنزله في الأرض وقبضه من لحيته ومد المدية على نحره وهو راكب فوقه فنظر جندب سكين كسف في حقوي رشيد المسمى الظبي وأخذها بيده وطعنه بها في سرته فمات رشيد الظبي وهو من الشجعان المشهورين عند بني ريام، ومن دلاهة جندب قصد كَمَةْ وأخبرهم بقصته فلم يصدقوه، وغرّب إلى تنوف وحدثهم بخبره ولم يرض فيه شيخهم وأمّنه، يسحر الناس والظلم لهم ......... (نقص ص321)
... ومنهم من خصّ بالكرم كأبي محمد أقام للمتعلمين في الأثر من ماله في زمانه، ومثل محميد يخرج من بيته وفي يده الدراهم يفرقها على الفقراء والمساكين وأبناء السبيل، ومثل سليم بن سعيد عمل صنعته للأوعية بقرب طريق سكة كدم عند حارة بن صلت والذي يمر عليه من الناس أطعمه الطعام وأسقاه الماء وصار شاكراً عليه.
... وبعضهم يضرب به المثل في القبض، ومثل الرجل الذي أرسله صاحبه في حاجة يأتيها إليه فطلب أن يعطى مثلها ومنعوه عن العطاء فترك حاجة صاحبه، والذي تعرى من ثيابه في رقاده طول زمانه فنهض يوماً ولده من نومه يمشي في السطح وهو ينظر إليه فطاح من الصحن الولد وتكسر ثم أيقظ له أمه لتحمله فتباً له لمن كان هذا دأبه، وساكنيها نطقهم لحرف الكاف بالقاف. (2/90)
صفحة 520
وأيضاً لهم همة في البيع والشراء يطوفون ولا يضجرون في الأسفار، وفي طبعهم التلطف للرفيق في الطريق، فجاهلهم تقول أنه هو العالم، وزاهدهم لا يعرفه الظالم، وفقيرهم صابر شاكر راضٍ على إهانته نفسه في خدمته الآبار والأنهار وفي خدمة الطين وحمل الحطب من أشجار القفار، يموت كأنه غني لا عليه للناس تبعة، وغنيهم قانع بمن خوّله الله من نعمه لا يطمع بما في أيدي المسلمين له عند الناس لا عليه حق لأهل السعة وبعد موته ماله يسّر ورثته.
... وهاك بياناً في حسن أخلاقهم في أسفارهم ودليل لآدابهم وقناعتهم ونجعلها قصة لأهل الأخبار ومسائلاً للمتعلمين الأبرار وشفاءً من الطب والفلك الدوار وعزيمة الصرع كاشفة الأسرار، فأخبرني صاحبي عن بيعهم وشرائهم في سلائعهم قال: فالأكثر منها تباع بنظر العين لا بالوزن والكيل مغتنية عن التغيير بالجهالة. (2/91)
صفحة 521
بيان في أول القصة مما آل فيه النظر عن ثلاثة نفر اجتمع رأيهم أن يسافروا إلى البندر، فشروا الأوعية والمناسيل ومخالي الشعر، فأقبلوا عندهم أصحابهم وجيرانهم في جمع المقيل وسألوهم أن يشروا لهم من البنادر إرادتهم من القليل والجزيل فقالوا لهم: إن بذلتم إلينا عشراً من الدراهم فنأتي إليكم بما تريدوه القليل بقلته والكثير بكثرته وهذا من الصفاوة بيننا وبينكم ، فأعجبهم قولهم وشهدوا عليهم بما قبضوه وكتبوا لكل أحدٍ اسمه في دراهمه وحفظوا الدراهم في صرة معلومة ووزنوها لمعرفة كراء الجماميل مما ينوبها، ثم قصدوا مع الجماميل وتقاطعوا على الكرى بمحضر القاضي والشهود وصح بينهم الشرط لحملهم والمناسيل والأوعية ولكل يوم من الماء قرب معدودة، وأن لا يكون عليهم زاد للجماميل، فلما صح بينهم الاتفاق كاتب بينهم القاضي وكل قبض مكتوب لربط الكلام، وخرجوا من الوطن في ساعة زحل من أول ساعة من يوم السبت ويوم ثمان وعشرين من شهر صفر عند طلوع الشمس والقمر وقد حل بمنزلة الذراع وبيت السفر برج الدلو حل فيه المريخ وزحل في وتد الأرض يتصل بالشمس من تربيع ومدار الأرض على القمر وهو في محاقه واحتراقه فالنحوس اجتمعت على المسافرين والمقادير جارية على الخلق أجمعين والسلامة في الآخرة للصابرين، قال: فلما وصلوا بندر مسقط اتفق لهم بيع الأوعية وسلّموا الكراء لجماميلهم ولم يعجبهم ثمن المنسول وكتبوا لأهل بلدهم أردنا أن نسافر إلى بنادر اليمن وأخذنا بثمن الأوعية تمراً لطلب الزيادة إن وفق الله لنا فيه فائدة، ثم قصدوا عند أصحاب الخشب وسألوهم عن تحصيلهم ونولهم فاختاروا أن يحملوا في أضعف سفينة بأقل نول، وتحصلوا فيها فكلما نزلوا في بندر كاروا إلى بندر آخر فحسبوا نولهم عن باقي الخشب أقل بالنصف، ثم قال رجل من أهل السفينة: أيها الناس إذا نزلتم في البنادر وقصدتم المدائن والقرى اشروا من كل بلدة من بصلها وكلوه وتبخروا بالروائح الطيبة في الليل إذا (2/92)
صفحة 522
يغشى وفي النهار إذا تجلى.
... وصفة عمل البخور يؤخذ مثاله خمس كيسات عود طيب الرائحة، ومن المسك مثقالاً ومن العنبر مثقالاً ومن ماء الورد ثلاث كيسات ومن السكر ثلاث كيسات ويسحق المسك والعنبر ويصب ماء الورد على السكر ويطرح عليه العود في النار ويوقد عليه بنار لينة وأنت مع ذلك تحركه إلى أن ينعقد ثم ألق المسك والعنبر والسكر وتحركه بعود حتى يختلط بعضه ببعض ثم خذ ثلاث كياسات عفصاً مسحوقاً منخولاً وتفرشه في طبق أو صحن ثم حرك الدواء في النار الهادئة ثم لفه على العفص واعجنه به عجناً جيداً واتركه في الظل يوماً أو يومين ثم اتركه في حق في قرطاس وتبخر به. (2/93)
صفحة 523
وأما خصال البصل فإن وجدت من البصل الأبيض المستطيل فهو أجوده والأحمر المستدير هو أردأه، والبصل حار يابس في الثالثة وحرارته في الرابعة فيه رطوبة وفضيلة تقطع الأخلاط اللزجة وتفتح السدود وتقوي الشهوة خصوصاً المطبوخ مع اللحم ويذهب اليرقان والطحال ويدر البول والحيض ويفتت الحصى وماءه ينقي الدماغ سعوطاً ويقطع الدمعة والحكة والجرب جيداً خصوصاً مع التوتياء ومع ماء العسل، وشهد الزنابير يبرأ البرص والكلف والثآليل والقروح الشهدية مع الملح والماء ورد والعسل والشذاب قيل مجرب لعضة الكلب الكلب مع شعر الآدمي وللسموم مع التين وكذلك أكله لتغلظ الخلط والوباء والطاعون وفساد الهواء والماء ولتغير الشهوة إذا انقطعت مع الخل، ويحمل لنزف الدم ويفتح البواسير إذا شوي ودرس بشحم الخنزير أو بالسمن أو بسنام الجمل، ويبرأ أورام المقعدة ويذهب الشقاق والباسور والزحير قيل أنه مجرب، وإذا دلك به البدن حسّن اللون جداً وحمّره وأذهب أوساخه، وعصارته تنقي الأذن والسمع وهو يسخن ويلطف الخلط الغليظ ويصلح الأظافر لطوخاً والشجج وأكله في الصيف يصدع ويضعف المحرورين مطلقاً والإكثار منه مسبب للقيء وإن سلبه بالشم مسدد ويورث النسيان والرياح الغليظة، ومن أكل بصلاً نياً أورثه الشقيقة وأكلم بصره ولكنه يقطع البلغم من المعدة وأكله مشوياً يرطب الأرحام ويزلق الأمعاء ويصلح غسله بالماء والملح ونقعه في خل فيملح الحية الباقلاء والجزر والحبر المخرق تواتر أن الأبيض منه وإذا علق على الفخذ قوّى الجماع وحد ما يؤخذ منه خمسة عشر درهماً والبري منه اشد نفعاً في العين والأذن وكلما عتق كان أجود خصوصاً لداء الثعلب فإن دلّك به مع النطرون (هو الهردج) يذهب به وينبت الشعر.
وإن أخذت البصل وخلطته بالخل وطليت به الوجه أذهب الكلف والنمش، وإن دققت البصلة وعجنتها بعسل ووضعته على لدغة العقرب نفعه ولكن لو وضعته على موضع صحيح صار قرحاً. (2/94)
صفحة 524
وإن طرحت البصل عند قلعه في ماء ساخن ثم جففته في الشمس فإذا جف تضعه في تبن الشعير مبسوطاً لم يعفن، ومن طلى بماء البصل مع العسل على موضع من جسده ليس فيه شعر نبت عليه الشعر . والبصل في اللحم مع الأبازير يزيد في الباه ويقوي الكليتين، ومن اكتحل من ماء البصل نفعه من العشى، وماء البصل المسخن ينفع من البواسير، ومن أخذ من ماء البصل مع مثله عسل النحل وغلاهما على النار حتى ينشف ماء البصل ويبقى العسل ثم يرفعه في إناء ويأكل منه سبعة أيام كل يوم مثقالاً منه فإنه يجامع ما شاء، ومن أخذ أوقيتين من ماء البصل المدقوق المعصور المصفى ويخلط بمثله من الحليب واللبن ويخل فيه نصف أوقية من فانيد سكري ويطبخ الجميع بنار لينة حتى يغلظ ويشرب منه أوقية على الريق ثلاثة أيام متوالية ترى من كثرة الجماع والمني أمراً عجيباً، ومن جعل ماء البصل على صفرة البيض على عمل الطاحن قواه على الجماع، ومن دق البصل وجعله في قدر وجعل فيه الأبازير المدقوقة وغلاها بالسمن البقري وصفرة البيض وجعل ذلك أدمه أياماً قوّاه على الجماع قوة شديدة.
... قال: ولم يتم لهم الكلام فنزلوا من السفينة وشروا من البصل وأكلوه ولم يشركوا زادهم بل متى اشتهوا طعاماً أتى كل واحد منهم جزءً بالكيل أو بالوزن وجمعوه لعمل الطعام ثم أكلوه مجتمعين وأحيوا بذلك سنة النبي - صلى الله عليه وسلم - لأن شركة الزاد في السفر سنة، فهذا دأبهم لأن الشركة إذا مات أحدهم أو كان على قلبه حقد عليهم فيتولد فيه الابتلاء والضمان مع الفرقة والعتاب وهذا قلما يخلو منه أحد في السفر، لأن السفر فيه مرض الدين وتضيق القلوب في السفر والمرض والصوم. (2/95)
صفحة 525
... قال: ووجدوا ربحاً كثيراً في المناسيل وشروا بثمنها الزباد والبن وثوب المصنف، وحملوها إلى مسقط بيد صاحب السفينة وكتبوا لدلالاهم تعريفاً بما أرسلوا له وذكروا فيه سبب تأخيرنا لم نجد للتمر ثمناً وأردنا أن نصل في بيعه إلى جدة، قال: فلما وصلوا بندر الحرمين باعوا تمرهم بثمن فيه ربح كثير، ولكنهم لم يجدوا أحداً من أصحاب الخشب للرجوع في الموقف، وأصحاب الخشب قصدوا الحج وسفرهم من بعد حجهم وزيارتهم، وهؤلاء الثلاثة فيهم رجل زاهد مجتهد في دينه لرضاء ربه، فأشار لصاحبيه وقال: لعلنا نقصد ونؤدي الفرض وننظر المشعر والحرم والبيت وزمزم والصفا والمروة ومنى وعرفة والناس يأتون من كل فج عميق ليشهدوا منافع لهم ويذكروا اسم الله في أيام معلومات وفي تلك البقاع الحاجون والمسافرون والتجار ولنشري ما نريد عند رجوعهم مع اجتماعهم فأعجبهما رأيه، ومضوا إلى الغسل والوضوء وأحرموا في ثوبين جديدين وصلوا ركعتين وعجوا بالتلبية للعمرة، ثم قال لهما: إن كان عندكم لحماً من الصيد فلا تأكلا منه في إحرامكما واحذرا من المس والشم للروائح الطيبة فإنها لا تجوز لنا في إحرامنا، ولا يجوز قتل الصيد في الحرم، ولا قتل الجعل وقلع الشجر من الحرم وله علائم في معرفة الحل من الحرم على طرق مكة، ولا يؤخذ من تراب الحرم إلى الحل، ومن مات في الحل دفن في الحل، ومن مات في الحرم دفن في الحرم، وأما الحية والأفعى والعقرب فقتلهن جائز وفيه أجر، ولا يجوز التكلم بالرفث ولا بالفسوق ولا جدال في الحج، واسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون لأن كثيراً مما يلزم المحرم الدموم والأحكام بالشاهدين العدلين فيه، ثم قصدوا عند الجماميل وتساووا على الكراء وقصدوا في طريقهم مشرقين إلى مكة الشريفة ويذكرون الله بالتلبية حتى دخلوا مكة ونزلوا واستقعدوا بيتاً وحصدوا فيه قماشهم وقفلوا عليه الأبواب من كثرة اللصوص في تلك البقعة، وعمدوا إلى الطهارة والوضوء وقصدوا البيت، ودخلوا (2/96)
صفحة 526
من باب السلام ونظروا بيت الله فعظموه وهللوا وكبروا وقصدوا الحجر الأسود وشموا رائحته الطيبة ثم ابتدءوا لطواف البيت من الحجر على يد اليمنى بحذاء باب الكعبة فطافوا سبعة أشواط لا يتم فيها بزيادة ولا بنقصان عن السبعة ثم صلوا في مقام إبراهيم ركعتي الطواف وقصدوا إلى زمزم وشربوا من مائها ونضحوا من الماء على رؤوسهم وجنوبهم وقصدوا عند الملتزم مع الناس حين لجّوا بالتضرع والبكاء ويسألون مولاهم العفو مع اللقاء، ثم مشوا ما بين الاسطوانتين المذهبتين التين عند مقام الحنبلي وخرجوا من مسجد الحرم من باب الصفا لأن الأبواب عددها تسعة وثلاثون باباً، ثم سعوا ما بين الصفا والمروة وهرولوا ما بين العلمين حتى تمت لهم سبعة أشواط ثم حلقوا رؤوسهم وحلّوا من إحرامهم فحينئذٍ جاز لهم ما كان جائزاً لهم من قبل إلا قتل الصيد وقلع الشجر فهذه لا يجوز في الحرم وكل منهم ذبح ما لزمه من الدم وفرّقه كله لأنه لا يجوز له أن يأكل منه شيئاً وهو يأكل من دموم أصحابه.
... ثم تاب إلى الله رجل منهم في ذلك اليوم وأقر مع صاحبيه بذنبه وفعله وبما جرى عليه من المعاصي في أول زمانه ثم سألهما عن المرأة التي في بيته وهي أم أولاده أنه قد زنى بأمها وأنها منعت زوجها عن جماعها ثم قالت له: حملت منك بهذه الابنة يقيناً عندي، قال: فلما بلغت الابنة تزوجت بها ونسلت منها الأولاد ما الرأي الذي أسلم به عند الله؟ فأجابه صاحبه الذي اتقى الله: هذه منك دعوى عليها لإبطال حجج ودعاوى بينكما، وإن كنت أنت عند نفسك صادقاً فيما بينك وبين ربك فالمرأة هي سالمة مما ابتليتها به أنت وأمها، ولكن هذه المرأة حرام عليك وطلقها بالثلاث بمحضرنا حتى نشهد على الطلاق، ولا ميراث منها قال فطلقها بالثلاث، وأرّخ الطلاق في الساعة واليوم والشهر والسنة وكتبوا الشهود عليه. (2/97)
صفحة 527
قال: فمشوا إلى حلقة الذكر عند المسجد وأحدهم فيه جرب فرآه رجل من الحلقة وقال له: أيها المبتلى بالجرب اشرب كل يوم على الريق ثلاث كيسات سمن بقر أو غنم واقعد في الماء......... (نقص في الأصل ص326)
.......القبول والعفو والعافية في الدينا والآخرة حتى غربت الشمس وحضرت صلاة المغرب ورجعوا إلى مشعر الحرم وصلوا في المشعر فريضة المغرب وعشاء الآخرة في وقت عشاء الآخر جمعاً اقتداءً برسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، ثم رقطوا من حصى المشعر كل واحد منهم سبعين حصاة وغسلوه وصفة الحصى كالخذف وحملوها لرمي الجمار، ثم اجتهدوا في ليلتهم بالدعاء إلى الله لأن فضل تلك الليلة عظيم وناموا في المشعر وصلوا فيه صلاة الصبح وسألوا مولاهم القبول، ثم غربوا في طريقهم وجاوزوا وادي محسر قبل أن تطلع الشمس، ثم نزلوا في منى وصلوا العيد في مسجد الخليل واستمعوا قول الخطيب، ورموا جمرة العقبة من مسيل الوادي بسبع حصيات ثم رجعوا إلى مناخهم فحلقوا رؤوسهم وأحلوا إحرامهم وأدوا ما عليهم من الدموم كما قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: (عليكم بالعج والثج) (1) ، ثم ذبحوا ضحيتهم وأكلوا ما طاب لهم وأطعموا من أرادوا من الفقراء ثم قصدوا إلى مكة وطافوا طواف الزيارة للفريضة وصلوا ركعتي الطواف وشربوا من ماء زمزم وسعوا بين الصفا والمروة سبعة أشواط ورجعوا إلى منى وباتوا فيها وأقاموا فيها ثلاثة أيام التشريق ويرمون الجمار في كل يوم بعد زوال الشمس كل جمرة بسبع حصيات ويبدأون بالجمرة الشرقية ثم بالجمرة الوسطى وآخر رميهم في جمرة العقبة، وهذا الرمي سنة، ثم قصدوا في اليوم الثالث إلى مكة وطافوا ما شاءوا، وشروا عند التجار مثل الزعفران القايني المغربي وحل الزيت والعود الجاوي ولاصف الأصفهاني وسكر نبات مصر والسيوف الإفرنجيات والبرات والمواسات والقرطاس وثوب الكتان وحل البيلسان والعنبر
__________
(1) 1 – رواه ابن ماجه 2924 / 2 ، والدارمي 1797 / 2 ، وغيرهم (2/98)
صفحة 528
وأخذوا من ماء زمزم وجعلوه في الزمايم وكل منهم ربط الذي شراه وكتب فيه وزنه وثمنه واسمه لعلامته وحملوه الجماميل، ودخلوه البيت وطافوا به طواف الوادع وصلوا ركعتي الطواف، ولصقوا بجنوبهم عند باب الكعبة على الملتزم وتضرعوا إلى الله بالدعاء وسألوه العفو والعافية للدنيا والآخرة وذكروا أسماءهم ودارهم وأن يمن عليهم بالأمن والأمان وبالغيث والرحمة لجميع الحيوان، ثم خرجوا من باب الوادع الذي هو على مغرب الشمس ونزلوا في جدة ونووا زيارة النبي - صلى الله عليه وسلم - لأأنه قال: ( من زارني ميتاً كمن زارني حياً ومن لم يزرني فقد جفاني إن لم يكن له عذر) (1) والزيارة سنة مؤكة ثم اختاروا من أدون الإبل لأقل الكراء وتشارطوا هم والجمال أن يكون الجمل لأربعة أنفس، وشبرية ليركبوا اثنان ويمشون اثنان وأن يحمل زادهم وقربتين للماء وأن لا يكون عليهم زاد للجمال لأن الزاد مجهول في قلته وكثرته وغلائه ورخصه، وحضروا بينهم الناس على شروطهم وكاتبوا بينهم ثم استقبلوا الجاه في طريقهم للمدينة وجدّوا في سيرهم بالليل ولمقيلهم في النهار واللصوص تحوط بهم وهم في أشد حذر منهم حتى وصلوا يمشون في السكة ويقرأون {مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ ...
__________
(1) 1 – الحديث موضوع ذكره ابن الجوزي في الموضوعات (2/99)
صفحة 529
} (1) إلى تمامها، فدخلوا مسجد الرسول من باب السلام وقصدوا قبر النبي - صلى الله عليه وسلم - وسلموا عليه وعلى صاحبيه أبي بكر وعمر رضي الله عنهم وسألوه الشفاعة لذنبهم وصلوا في الروضة عند الاسطوانة المحلقة على يمين المحراب، والمدينة قبلتها الكعبة من جهة سهيل، وفي اليوم الثاني صلوا بحذاء المنبر ثم قصدوا إلى البقيع يزورون قبور آل النبي وأصحابه وولده إبراهيم، وفي اليوم الثالث قصدوا إلى مسجد قباء الذي فيه محرابين للقبلتين وتوضئوا من بئر ميمون الذي تمر أنهار المدينة داخلها وعقدوا للزيارة ورجعوا إلى مسجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .
__________
(1) 2 – التوبة : 120 (2/100)
صفحة 530
ثم تاب الرجل الثالث في ذلك اليوم وأقر بذنبه وفعله مع أصحابه وذكر المرأة التي في بيته أنه أخرجها عن بعلها وجامعها قبل أن يتزوج بها فأمره صاحبه الزاهد أن يطلقها بالثلاث؛ لأنها لا تحل له مع إقراره ولا يرثها إن ماتت قبله، فطلقها وأشهد على ذلك وأرخ في الدفاتر في اليوم والساعة وأوصى بما عليه من الضمانات، وحسبوا زكاة النقد والتجارة فأخذوا منها ربع عشرها وفرقوها للفقراء والمساكين، ثم قصدوا إلى نهري المدينة أحدهما مر فاغتسلوا منه والآخر حلو فشربوا منه لعلم الاسم الرزتا وأقاموا بالمدينة سبعة أيام، ثم وادعوا قبر النبي - صلى الله عليه وسلم - ورجعوا إلى جدة، ثم تحصلوا في الفلك فهبت لهم ريح طيبة وأخبرهم عالم البحر في سيرهم وقياسه بالشيشة والزيج ويعتبره بالدقايق والدرجات والساعات والزام والديرة يستدل بها في السير وتعرف منها القبلة للصلاة ولا تدور بدوار الفلك وعلى الفلك ركبت ويعرف منها المطلع والمغرب وسهيل والجاه وصلاة الجماعة في السفينة إذا لم يقدروا على الصف كلهم فكل في مجلسه يصلي ويعقد صلاته بصلاة الإمام إن كان نائماً مضطجعاً أو قاعداً أو قائماً وإن أحرموا على القبلة ودارت السفينة من بعد فصلاتهم تامة والذي تصيبه دوخة في البحر ولم يقدر على وضوئه بالماء ولا وجد تراباً يتيمم به فيومئ بكفيه في الهواء ودين الله يسر.
وسئل عن دم الدماميل وتسمى الحبون هو نجس أم لا ؟ قال: هو مستبين حكمه طاهر. (2/101)
صفحة 531
ودواء الدماميل يؤخذ مثقالين غير مستعمل ومثقالين جوزبوة ومثقالين سكر مصلول ويسحق الجميع سحقاً ناعماً ويشرب منه كل يوم مثقالين بالماء قدر جرعة ماء أو جرعتين ثلاثة أيام يفعل ذلك والدماميل الذي ظهرت في الجنب فيؤخذ البربهوا ويجعل في الخل ساعة ثم يجعلهما على الحبون، وإن كان الدماميل تخشن فيجعل عليه دقيق البر أو دقيق الحلبة يعجنه بالحل ( السليط ) ثم يجعله في الدماميل فإذا ونضج يجعل عليه بنت الذهب والخل فيكشفه وكل أخبر بفن علمه. (2/102)
صفحة 532
... قال: فلما نزلوا بندر مسقط وجدوا الجماميل مقبلين إليهم وسألوهم عن أوطانهم وأصحابهم وأولادهم فأجابوهم بأخبارهم وتقاطعوا على الكراء وثوروا يجدون في السير بالفرح والاستبشار بالوطن وسلامة الأنفس فبعد مرحلتين فتحت النفس للشيطان بابها فدخل عليها، ووسوس في قلب الرجلين التائبين وكل أحد منهما تذكر في قلبه أولاده والنسوة في بيته بتبشيره لهم بالتوبة حتى يصح لهم الافتراق مع الأفراح فأحال الشيطان في قلوبهما وصنع كل واحد منهما سماً لصاحبيه في شيء من الطعام، وهم لا علم لهم بما يصنعه الآخر وظن أنه يفوز وتموت أخبارهم التي صنعوها في سفرهم وعند الغداء قربوا الطعام فأكلوه وماتوا من ساعتهم، فمنهم مات شقي رهين بمعصية ومنهم مات سعيداً، وعسى أن يكون مقبول عمله وأصحاب القافلة رجعوا من الفلاة رادين الجمال فنظروا أصحابهم موتى فتربوهم وصلوا عليهم ودفنوهم وأخبروا أصحابهم بموتهم لما وصلوا بهلا، فأهل الأموات رابهم الأمر فوصلوا عند أميرهم وأخبروه بقول القافلة فأرسل الأمير رجلاً من أصحابه إلى أكابر القافلة أن يصلوا معه فلما أخبرهم الرسول أقبلوا مع الأمير وسألهم عن أصحابه المسافرين فقصوا ما نظروه فظن الأمير أنهم قتلوهم بالطمع الذي حملوه فأمربهم إلى السجن، وعملوا أصحابهم بتحصيلهم وأقبلوا من فرقانهم فتشاجروا هم والأمير حتى وقع التنازع والشقاق، فنادى الأمير في أصحابه حتى يحضروا في مجلسه لقوة عزّه، فلما حضروا عنده قص عليهم بما سمعه من القافلة فأجابه رجل كاهن من أصحابه وقال: أيها الأمير لا تتعجل في الأمور فإن الحوادث لها طرق شتى فأرسل رجلاً من أصحابك يصل عند فلان الفقير يأتيه إليك فإنه يكشف لك الباطن الخفي في هذه الساعة، قال: فدبر إليه وأتى به فقال الكاهن للفقير أظهر لنا ما عندك من العلم والمعرفة قبل وقوع الفتنة فلما سمع كلامه بمحضر الناس أبى ونفى العلم الذي عنده فقال له: إن لم تجبنا وإلا أدخلناك السجن، قال: (2/103)
صفحة 533
فأجابه بالطاعة فصرع رجلاً، وكتب في كفه اليمين {ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ} (1) ، وفي أظفاره {وَقِفُوهُمْ إِنَّهُم مَّسْئُولُونَ} (2) ، وقرأ عليه سورة يس إلى قوله محضرون ثم ذكر الملك الموكل باليوم والملك السفلي وسأله أن يسخر له أحد من خدمه وقرأ {إِن كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَّدَيْنَا مُحْضَرُونَ} (3) وإلى هذا المجلس الجالس بين يدي صارعون، وعلى لسانه ناطقون، ولمطلوبي مبينون، فكرر القراءة ثلاثة أشراف وانصرع الرجل فسلم عليهم فأجابه الصارع حاجتنا لتخبرنا عن أصحابنا الثلاثة المسافرين وبالذي جرى عليهم في سفرهم فقال له: هذا الأمر ثقيل وفي الحكم لا يصح قولي معكم فإن كان أميركم يعاهدني ليصنع ما أقوله، فلما سمع الأمير كلامه ناظر أصحابه فجوابهم لا يجوز لك تدخله في الحكم على المسلمين فأراد الانصراف الجني فقال له الذي صرعه: إن لم تخبرني بالقصة وإلا فأحرقتك بشواظ من نار ونحاس، فقال الجني: أنت فقير تقدر تعمل في هذه الأخبار ولكن أميرك أنا أبين له القصة ولكم الصلاح في إظهار سرها ويعاهدني، قال فعاهده الأمير ثم أمره أن تصل عنده شمجة المسافر فلما وصلت معه أمر بصلبها وجلدها وحد ذلك إلا أن تقر بفعلها الخفي عن الناس فصنع فيها بما قال، ونادت على كيف هذه الأحوال أستجير بالله وبالمسلمين، فقال المصروع: يوم القيامة لا ينفع مال ولا بنون والساعة لا نجيرك حتى تقري بما فعلتيه في أول شبابك، فقالت: اعلم أن المسافر فلان الذي زوجته ابنتي جامعني ومنعت زوجي وحملت منه بهذ الابنة التي زوجته إياها فلما سمعها أمر بتفليتها ثم قال للأمير: أريد تصل عندي زوجة فلان المسافر فحين وصلت أمر بها بصلبها للصلاب والجلد فاستجارت واستغاثت وبما سألها فيه أقرت أن زوجها المسافر جامعها وهي مع زوجها وأخرجها منه ثم تزوج بها وولدت منه هذه الأولاد فلما أقرت
__________
(1) 1 – ق : 1
(2) 2 – الصافات : 24
(3) 3 – يس : 53 (2/104)
صفحة 534
أطلقها، ورجعن عن إقرارهن ودرأ عنهن الحد بعد إنكارهن وإن كان في علم الباطن فعلن ذلك، فقد جاء في الأثر عن أهل العلم لا عليهن حد بعد رجوعهن عن إقرارهن في التعزير، وأما الرجل الذي أقر أنه زنا بشمجة امرأته وفارق امرأته بالثلاث وهي لم تعلم بالطلاق حتى مات فعليها إن تعتد منه عدة المتوفى عنها زوجها أربعة أشهر وعشرة أيام ولها الصداق والميراث، وإقرار أمها وزوجها ليس هو حجة عليها بذهاب صداقها وإرثها، أرأيت لو أنها أتت له بأولاد وهو في سفره وكان ميتاً أو حياً وهي لا علم لها بموته أما يحكم بالأولاد أنهم له، وإن كان فيه قول لأول ولد له فأكثر القول أنهم كلهم له والولد للفراش وللعاهر الحجر وأما الذي أقر أنه زنى بالمرأة ثم بعد ذلك تزوج بها ونسل الأولاد منها فهذه المرأة لا يحل لها الصداق ولا الميراث فيما بينها وبين خالقها، وأما في حكم الظاهر حيث بلغها خبرموته فعليها العدة ولها الصداق والميراث وإقرارها في الصلاب ليس هو حجة عليها ولا بالدفاتر ولا قول المصروع، ومولانا تعبدنا بالحكم الظاهر، والباطن لله أمره، والأولاد في هذه المسألتين يرثون آباءهم وأمهاتهم وعصباتهم وأرحامهم، وخذ من قولنا ما وافق الحق وأعرض عن الباطل، فقال المصروع للناس هل سمعتم قول المرء بين......... (نقص في الأصل ص 331).
.........في سفرهم فبين لهم قصتهم من أول سفرهم إلى موتهم والقافلة سالمة وانظروا دفاتر أصحابكم ستجدون فيها أخبارهم كلها ومؤرخ قولهم وأماناتهم مكتوب فيها مال فلان وثمنه كذا وكذا وكل ربطة بها علامة، وكل وزاده وجميع الذي حملته القافلة لا فيه قسمة بمكيال ولا بميزان، وطفا الله الفتنة وجعل سبباً أسراره الخفية، وقد عملوا بهذا أشياخنا أهل العلم بغير حكم وبعض منهم وقف. (2/105)
صفحة 535
انظروا أيها الناس في سكان بهلا بما أنعم الله عليهم في فطنتهم واحترازهم لأموالهم وأماناتهم، فهذا جاهلهم الذي أخبرناكم به لا يقدر على عمله عالم من غيرهم ولا زاهد ولا عابد، أما تنظروا إلى الناس بعد موتهم لا بد من حكم في الأموال والحقوق بالذي لهم أو عليهم.
وأهل بلد بهلا جاهلهم وزاهدهم وفقيرهم وغنيهم احترزوا عن مسألة الناس في حياتهم ومماتهم، وإن قال قائل إن هذا منك محبة وعصبة لهم في إظهار حسناتهم وإكتام سيئاتهم فجوابه تشهد به الناس دوننا وأمرهم ظاهر بيّن مثل الشمس المضيئة فبيوتهم مستّرة، وأموالهم وبلادهم مسورة، ونساؤهم مخدرة، وسوقهم عند البساتين وفيه النخيل معضدة، وفي الجدب مغنية عن الآبار والأنهار وفيها طلع نضيد رزقاً للعباد، والسور المحيط بالماء والبلاد، وبهلا في زماننا كأنها إرم ذات العماد. (2/106)
صفحة 536
فإن قلتم بخلاف ما قلناه فقلنا لكم لا نفتري بالكذب وإنا نتبع ولا نبتدع؛ فهذا الجواب من الأثر عن صاحب مؤلف كتاب منهاج العدل قال: مكتوب في أربع نسخ ونقلته من جواب الفقيه القاضي عبدالله بن عمر بن زياد وهو هذا في معرفة السنة الإسلامية المدروكة في بناء سور بهلا الخارج المحيط بالبد إذا نقصت غلة أمواله عن بنائه؛ اعلم أنه من حد باب البلد الأسفل المسمى باب بادي وهو الغرفة التي على الباب كلها من حد جدار المسمى السحمة، فمن هنالك مشرق إلى الشرجة التي فيها المثاعيب، وهي شرجة السوق فذلك بناؤه على فلج مقّين، الأسفل كل على قدر مائه منه، وحده الشرقي هو الشرجة كلها، ومن حد الشرجة من جانبها الشرقي هابط هو على فلج ميثا كل على قدر مائه من الفلج، إلى أن يدور في الجانب الشرقي من البلد صاعداً إلى نقب حرموت الذي سهيلي ولجة المشايخ، فذلك كله على فلج ميثا، ومن ولجة المشايخ طالع هو بناؤه على فلج المحدث، كل على قدر مائه منه إلى أن ينتهي إلى طوي العقبة الداخلة، فهنالك الجامود في القطعة الشرقية النعشية من طوي العقبة شرقي مثاعيب الشرجة من قبل حارة الغاف فذلك على فلج المحدث كله، ومن ذلك الجامود صاعداً فبناؤه على فلج الضبوب، والأطوي الداخلة في السور إلى حد باب الشرع على الأطوي، وغرفة باب الشرع منه على الأطوي الثلث وعلى فلج الضبوب الثلثان، وكل مال من هذه الأموال والأطوي المطابقة للسور أو المواجهة له، ولو قطع بينها وبينه طريق أو بيت أو جبل فطين السور وطفاله عليها لبناه على ما أدركناه في السنة الإسلامية، ومن باب الشرع وهي الغرفة التي على الباب صاعداً ومغرباً إلى برج حشاش الذي عند المفرش المقابل للوادي فبناء جميع ذلك على أموال الحُرُص، وهي الأموال التي خلف وادي الشرع مع الأموال المسميات السحابيات حده السور الأصلي الذي عند طرف حارة الخطوة، ومن برج حشاش المقدم ذكره وهو الجانب الغربي من البلد المقابل للوادي إلى (2/107)
صفحة 537
باب بادي، وهو آخر المال المسمى السحمة فبناء جميع ذلك من السور على جميع الأموال الداخلة التي تليه المطابقة له، وطينه وطفاله عليها، إذ ليس له مال متقدم لبنائه، وذلك لا ينكره منكر ولا يغيره مغير إلى يوم القيامة إن شاء الله، إلا المال الخارج خلف السور نعشي نقب الصبيحة فإن عليه بناء شيء من السور المقابلة له من جانبه السهيلي الشرقي؛ لأنه من داخل السور مقابل للمال المذكور هنالك شرجة وطريق قاطع عن المال الشرقي وهو معروف بينهم إلى أن ينتهي المال الداخل نعشي نقب الصبيخة المطابق للسور، والله أعلم. (2/108)
صفحة 538
... ومنه فصل وجدته ونقلته من خط القاضي عبدالله بن عمر بن زياد مكتوب أنه وجده بخط الفقيه ورد بن يمان بن محمد قسمة الأطوي لسور بهلا سور الضبوب قسمة النفايس ستة آلاف، المسنور العليا ألفان، المسنور السفلى ألفان، المرمادة خمسمائة، قسمة طوي يمان ألف، طوي زياد ألف وخمسمائة، طوي العقبة ألف وخمسمائة، طوي الجمة ألفان، طوي اللثبة ألف وخمسمائة، طوي أم غيلان العليا ألف وخمسمائة، طوي أم غيلان السفلى ألف وخمسمائة، قسمة طوي بني حمد ألفان، طوي الصفار ألفان، المنزف العليا ألفان، المنزف السفلى ألفان، طوي المتبة ألفان وخمسمائة وحالها من منزفة بن عبدالله بن علي مائتين، قسمة طوي فهيدن الخطط ألفان، خطط ابن عطاف ألفان، طوي المروان ألفان، طوي الحارة ألفان، طوي الحارة السفلى ألفان، وحالها من قسمة طوي يمان سبعمائة قسمة الصبخة صبخة الخميسي ألفان وخمسمائة، سبخ الحميدي ألفان وخمسمائة، المنيفة منجورين كل منجور ألف وخمسمائة ، كثيبة أحمد بن سعيد ألفين وازالها من طوي يمان مائة، ومن المزنجي ثلاثمائة، ومن منزف بن حبيب مائتان وثلاثة وثلاثون وثلث، ومن منزفة بن عبدالله بن علي ثلاثة وثلاثون، ومن منزفة بن حمد ثلاثون وثلث، المزنجي ألفان، وحضير ابن هلال ألف، وكثيبة بن راشد بن ورد ألفان، والبقيعة بن حمسعيد ألف، والبقيعة المبدوة ألف وخمسمائة، وحضر ابن أحمد بن مفرج ألفان وخمسمائة، ومنزفة بن عبدالله بن علي مائتان وثلاثة وثلاثون وثلث، منزفة بن حمد أحمد مائتان وثلاثة وثلاثون، منزفة بن حبيب مائتان وثلاثة وثلاثون وثلث الجملة اثنان وستون ألف وثلاثمائة عليهن ثلث الجدار الذي من طوي العقبة سهيلي شرجة الغاف والجامود على رأس الضفر الذي على الشرجة إلى باب الشرع جملة الأطوي أربعين. (2/109)
صفحة 539
... معرفة قسمة أموال السور من بهلا على ما سمعناه في الشهرة بستان حارة الجبل العليا نصفه لسور السفالة والنصف الآخر سور المحدث وهو سدس جملة المال بقي ثلث المال يقسم من تسعة عشر سهماً منها خمسة عشر سهماً لسور الضبوب من الحد الذي في طوي العقبة إلى باب الشرع الذي على الأطوي ومنها أربعة أسهم لسور الحُرُص هذا ما سمعته من الإمام العدل بركات بن محمد مما سمعه من الفقيه ورد بن يمان في قسمة هذا المال المسمى الحصر لسور المحدث خاصة المال المسمى حاجر الشريعي نصفه لسور المحدث ونصفه لفلج المحدث لصلاح الفلج الشيبانية نصفه لسور السفالة ونصفه لمساجد العباد المال المسمى جفار اللحمة والمسمى قطعة رويّة لسور الحرص، حفرة حارة صالح لسور السفالة، جفرة الرحى نصفها لسور السفالة ونصفها لمسجد الجامع، بستان المر بالسور السفالة قويض به المال المسمى الحايط، حفرة المنتج لسور السفالة، بستان الرعلة مع البيت الذي عنده نصفهما لسور السفالة ونصفهما للمسجدين المسجد الجامع ومسجد معد بينهما نصفان لكل مسجد ربع أجيل جلبة عبيدة لسور السفالة، الجلاليب نصفه لسور السفالة ونصفه لمسجد معد، الفشقين لسور السفالة هبة لسور السفالة، جيل مباركة لسور السفالة، قطع الحبط كلها للسور وهن أربع قطعات هن لسور السفالة ، قطعة جلبة أبي عمر التي من وصية مهرة بنت مغول بن مكرم لسور السفالة ، جلبة الحارة لسور السفالة، السبخة السفلى نصفه لسور السفالة ونصفه لسور العقر ، السبخة العليا التي من وصية محمد بن سعيد بن خليل العبري أوصى بها لسور بهلا المحيط بالدار والمدار بالعقر من العلاية والسفالة سوى الحصن فقد جعله لعمار ما سمينا أصلاً مؤبداً زيادة على مال السور ومن تبعات لزمته لله تعالى هذا اللفظ نقلته من وصية بخط الفقيه محمد بن أحمد بن أبي غسان المال المسمى جفرة باب المراغة لسور العقر خاصة ، المال المسمى الحدقة لسور الحرص قويض به المال المسمى خندق طوي (2/110)
صفحة 540
منبه الذي شرقي طوي الثورية ، المال المسمى اللثيبات ثلثاه لسور المنيفة وهو سور الضبوب الشرقي وثلثه لسور الحرص، حفرة الويوي لسور الحرص، رسة شرمة الخطوة لسور الحرص، المال المسمى الحرص ثلثاه للفقراء وسدسه لسور السفالة وسدسه للمسجد الجامع، جفرة العبيد لسور الحرص ونصف طوي شعثم التي بمغيوة السهيلية الشرقية لسور السفالة وطوي جماح سهيلي خبة القرن صار بديلها بالقياض من المال المسمى السبخة لسور السفالة وهي المحدوث فيها البيران، جفرة الدردور لسور المحدث، وأرض العوينة عند الغرفة لسور الضبوب، معرفة النخل النثور التي لسور السفالة نغال عند بيت الصارخي على ساقية السفالة نعشي جبل فريحوه سهيلي القنطرة، نغال عاضد القدر عند مسجد السوقمة، سيدي عاضد القدر، عاضد الهليليات على الساقية الكبيرة نعشي مسجد ورد المسمى، عاضد مصلى الهرموزي ، عاضد الصارة طرف الداخلة من الجانب الغربي ، ونخلة في العاضد الغربي مقابل لهذا العاضد في وجين الساقية الغربي شرقي لتيزبات، عاضد السبيخة، نغالتين عند الغزيلي وموضع نخلتين المغازي مخلف خلف بن عبدالله بن خلف الدباغ وهما فرضان، وموضع مفسل نخلة، وبرشي في البحازج مخلف أحمد بن قاسم بن عمر الخفيري صدر المال شرقي الساقية الجايز الكبيرة نصفه لسور العقر ونصفه لسور السفالة، وفرض في السهيلة في مال مخلف عمر بن راشد صدر المال على فلج ميثا، وفرض في السمدية من وصية كاملة بنت عمر بن راشد صدر مالها على فلج ميثا، وبرشي عند حاجر بن مادود الخارج خلف السور عند مطراح الماء لم نعرفه لأي موضع من السور لا نعلم أنه لسور السفالة ولا العلاية، والله أعلم، ونخلة في الضحياينة مخلف شعثم عن قول جمعة ابن عمر بن ربيعة في هذه النخلة وجيل حارة الجبل مما أوصى به راشد بن رمضان الضوياني مما اشتراه من حرمل بن أبي راشد والوصية بخطي كتبه عمر بن سعيد بن عبدالله بن سعيد بن عمر بن أحمد بن أبي علي بن معد بن عمر بن (2/111)
صفحة 541
أحمد بن معد بن أحمد بن زياد بن موسى.
قال ذو الغبرا: سألت صاحبي عن فلج الجزيين لم يذكر في هذه النسخة؟ فجوابه خدم بعد تأثيرهم، قال: سألت عن الأفلاج الميتة وفيها أثر العمارة كالظاهرة وودي القِري والباطنة وليست لأحد أيجوز لأحد أن يخرجها ويزرعها ويفسل فيها فسلاً من غني أو فقير أم يجوز للفقير من دون الغني؟
فالجواب: أن الفقير جائز له أن يخرجها ويزرعها وجائز للغني أن يأخذ مما في يدي الفقير ويداينه ويستوفي دينه من زرعها، فهذا القول الذي عليه العمل.
وقول آخر؛ أن الفلج لقطة هو لمن لقطه ولا يخرج من يده، وقد عمل الشيخ أحمد ابن مفرج وهو شيخ الإسلام في فلج الجزيين من بهلا أخرجه بنو راشد بن ورد وجعلوه زيادة على فلج ضبوب وخلطوه عليه، وهو قائم بعينه إلى الآن، ولم ينكره الشيخ رحمة الله عليه.
ومن جواب الشيخ أحمد بن محمد بن علي بن عبدالباقي رحمه الله وكان من علماء زمانه والقدوة في أوانه وقد سأله محمد بن عبدالله بن أبي يمان عن فلج وجدوه بقرية بهلا من علو البلد وهو المسمى الآن فلج الجزيين وكان قد عارضهم من ينسب إلى الفقه وشككه عليهم فأجابهم بإجازته وبإخراجه وتمليكه لمن أخرجه دون غيره، قال: وجدت مسألة إن لم تكف أمواله السور فبناؤه على الأفلاج كل فلج بناء ما يليه من السور على قدر الماء القليل بقلته والكثير بكثرته إلا الغربي من باب بادي إلى المفرش أن بناه على الأموال التي تليه كل عليه أن يبني مما يلي ماله.
... وعدد أبوابه الجوامع سبعة، والصغار ستة، وعدد غرف أبوابه ومحارصه وبروجه مائة برج واثنين وثلاثين برجاً. (2/112)
صفحة 542
وأخبرني الثقة سليمان بن عامر العبري في جملة خطى السور، أربعة عشر ألف خطوة وأربعمائة خطوة وسبعين خطوة، وعمد اثنان أحدهما معلياً قصد من باب مسجد ميثا والثاني قصد مسفلاً والتقيا على حارة الضرح المهدومة، وأخذ من الوقت من طلوع الشمس إلى الظل خمسة أقدام في فصل الخريف مع انتصاف الليل والنهار،. ولاحول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
الذكر السابع والثلاثون
فيه صفات أبناء الدنيا وأبناء الآخرة، وفيه ذكر الرجل الذي طلب المرأة الحسناء فبلغه الله إياها. (2/113)
صفحة 543
... قال ذو الغبراء: سمعت صاحبي يقول أيها الناس اتقوا الله فإنكم أموات، ومحاسبون عما كنتم تعملون وعليكم ملائكة الله شهداء، وتشهد عليكم سمعكم وأبصاركم وجلودكم فحينئذ لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم، وعليكم بأعمال الحسنات وترك السيئات، والاجتهاد في اللوازم في كل ساعة لأن اللسان والسمع والبصر والشم والقبض والمشي والأكل والشرب والنكاح والأمر والنهي والحرث والجهاد والبيع والشراء والسعي والصلاة والصوم والزكاة والصدقة وصلة الأرحام وصحبة الأخيار والتعليم والعلم وكل شيء يعمله الإنسان في دنياه إذا لم يرد به عمله لله فقد أشرك بالله وأحبط الله عمله، وإنه ليعمل الإنسان في دنياه عمل أهل النار حتى يكون بينه وبينها ذراعاً فيخلص نيته لله وتاب مخلصاً فمات من ساعته فإنه يصير من أهل الجنة، وإن اجتهد الإنسان في دنياه في عمل أهل الجنة حتى يكون بينه وبينها ذراعاً فغير في شيء مما يهلكه فلينزله الله في جهنم ثم قال: اعلموا أن الناس على ثلاثة أصناف فمن الناس من يخرب الدنيا والآخرة، ومنهم من يصلح الدنيا ويخرب الآخرة فهؤلاء أبناء الدنيا، ومنهم من يتزود من الدنيا لصلاح الآخرة، فأما الذين يخربون الدنيا والآخرة هم الذين يدكمون الأفلاج ويهدمون العمارات ويقتلون الناس ويظلمون المسلمين، وأما أبناء الدنيا هم الذين يصلحوها بالأمان والبنيان وحفر الآبار والنهار وغرس النخيل والأشجار وإصلاح المتخاصمين وبناء المساجد والحصون العالية الفاخرة وإصلاح الطرق والماء لها للمارين بالبرك والآبار وإحسان الصنائع واللباس الحسن والكرم للضيف وابن السبيل وحب المدح والشعر والنساء بالنكاح الحلال ونسل الأولاد واجتهدوا في قول الله تعالى: {الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} (1) .
__________
(1) 1 – الكهف : 46 (2/114)
صفحة 544
وأما أبناء الآخرة فاجتهادهم في الدين والتعليم وحرثهم في الدنيا بقدر ما يسد خلتهم ويستروا عورتهم في لباسهم وبيوتهم ومأكلهم وشربهم ونكاحهم بقدر لا فيه فخر، وعلماؤهم يتلون القرآن ومطالعة الآثار، وليس لهم همة إلا في التصنيف والتأليف، فانظر أيها الواقف فيما قلناه فالحالة الأولى هي الموجودة في أكثر الزمان والأعمال بالتقية، وإن وجدت في زمانك أبناء الدنيا فاشكر مولاك فإنك تجد مما يوافقك لإصلاح دينك ودنياك. وأما المنزلة الثالثة فإنها لا توجد إلا في بعض العصور من القرون مع الأئمة الخلفاء للأمة والبايعون لهم هم المجاهدون في سبيل الله القاتلون أعداء الله المقتدون بسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - البايعون نفوسهم يريدون به رحمة ربهم وشفاعة نبيهم فطوبى لاجتماعهم والويل لمن خالفهم.
... وهاك قصة جامعة لخصال ما قدمناه، وقد حكي لنا عن رجل من المسلمين قل ما في يده وخرج من داره بنفسه يتنظر لصلاح حاله ودينه فدخل داراً تجري بها الأنهار مخضرة بالأشجار فسأل عن أميرها فقيل له إنك تجده في مقامه قرب بيته يخدم ضيفه وإنك لتعرفه دون غيره، ومن خصاله قد وصلوا عنده رجال من أشرف ناس ودليلهم في الطريق رجل من أصحابه فلما أوصلهم مع الأمير راح إلى بيته ولا رجع إليهم الدليل واشتغل بتدبيره في ماله فسألوا عنه فلا رأوا له نظر فلما انقضت الزيارة ومشوا إلى دارهم أرسل الأمير بإتيان الدليل فحبسه وأعلمه بتقصيره للناس ولا طابت عليه النفس إلا بوصول خط طيبة النفس من الزائرين فمشوا قرابه ووصلوا مع الزائرين وأخبروهم بحبس صاحبهم فتعجبوا من فطنة الأمير فكتبوا جواباً مما يجلوا القلوب........... ( نقص في الأصل)
..... (2/115)
صفحة 545
وقربه إلى مجلسه وأتى إليه ما حضر من عيشه وغسل الأمير أيدي ضيفه وسأله عن اسمه، وحاله، وعن داره، وما قصده، وكيف إرادته، فأخبره بلسان فصيحة فقال: أنا من أبناء السبيل وقل ما في يدي من دقيق وجليل حتى عدم عليّ الدليل، ومنع عني العطاء القليل. فقال له الأمير: أبشر بالخير والسرور ولك المسرة في جميع الأمور، فقربه أقرب القريب وأنزله منازله وكساه ككسوته وأعطاه من معيشته وتزوج له من بنات عمه من أحسن نسائه فما مشى الأمير خطوة ولا أكل لقمة إلا وهو ثانيه، فرأى الدار معمورة، والمساجد مقيومة، والمدارس مملؤة، والفقراء بيوتهم مستورة، فلا سمع أحد يشكي شكية ولا وقعت على أحد زلة ولا ظهرت بأجسامهم علة، الثمرات متواترة والأسعار مبروكة فلم تزل هكذا أفعال أبناء الدنيا حتى نزل بالأمير السقم وأوصى أولاده بالغريب فقال لهم: اقتفوا بسيرتي ولا تخربوا الدنيا فإن خرابها يورث الهموم والأحزان، فأغلق الله لسانه وقضى نحبه فواروه أولاده وأصحابه ورجعوا إلى إقامة العزاء فبدلوا السيرة ومنعوا الغريب العطاء فضاقت عليه البلد وقلت ثمارها ومنع عنهم قطر السماء وصح بينهم الاظطلاف والاختلاف حتى وقعت بين الأولاد والأصحاب الفتن وكل منهم تعلق بقوم آخرين حتى خربت عليهم البيوت والأموال فهؤلاء قد خربوا الدنيا والآخرة، وأما ما كان من قصة الغريب جلس في المسجد يوماً متحيراً من العدم والقلة فرآه رجلاً وسأله عن حاله فقال: أنا جئت إلى هذه البلدة ووجدت الجميل والإحسان والمراعاة من أميرها وأوصى أولاده بمصالحي وبان منهم التقصير والتغيير، فقال له: إن الأمير قد صلح الدنيا ونجمه ونجمك متفقان فأحبك وكرمك والآن أولاده نجومهما ونجمك متضادان ومن نصحي لك ارحل من هذه البلاد فإنها قد تناهت في السمعة والآن أراها قد بدأها الانحطاط والنكبات، فقال الغريب: ليس معي زاد حتى أبلغ به إلى البلدان، فقال له: أنا أزودك بأحسن زاد ولكن يكون علي عهد منك أن لا (2/116)
صفحة 546
تخبر به أحدا، فأعطاه العهد والميثاق فأخبره بسر فاتحة الكتاب وآية الكرسي وأخذ منه كلاماً ثانياً أن لا يكتبه لأحد إلا أن يكون سره ما زال حياً بنفسه لا للمكتوب له فعرف الغريب في نفسه أن هذا الرجل هو من أبناء الآخرة، فمشى الغريب هو وزوجته يلتمسان الديار حتى وصلا داراً فأول دخولهما في الدار نظرا بستاناً به الأنبا والأشجار فآل نظرهما أن يقيلا في الطريق متظللين تحت الأشجار ومبردين قوة الحر، وكان ذلك البستان لرجل من أهل اليسار في تلك البلدة وقد سكن فيه بنفسه وهو صاحب قبض شديد فلا يعجبه أحد أن يقف بقربه لئلا يطمع بشيء من عنده، فجاء صاحب البستان مع الغريب وقلبه من الغيظ لا يتكلم فقال الغريب: مرحباً بالوجه المليح قد رزقني الله لقاك وأحسن بقاك وجعل الجنة مأواك، وصافحه بأحسن تحية وقال صاحب البستان: مالي أراكما وقفتما في الطريق الجائز؟ فقالا: نحن غربا عربا قد حملنا في صغرنا الأدبا فسلكنا طريق الأدبا، فقال الرجل: مرحباً بكما وبوصولكما وأنت أضيافنا وقبضه من يده وأدخله في بستانه وجبر زوجاته لإتيان المرأة فأتين بها وقرب له الفراش وجاء من الأشجار والفاكهة تساق فأكلا ما طاب لهما ورحب بهما وأرادا أن يمشيا فلا سمحت لهم نفس صاحب البستان ثم مشى به إلى البساتين الأخرى فقال له: في أي بستان تريد مقامك عندنا؟ فقال له: إن أردتني أقف معك فعلى عهد بيني وبينك، فقال له: كيف يحب قلبك؟ قال: أريد منك أن لا تأكل الدهن أنت وأهلك حتى أنظره من قبل أن تأكلوه فعاهده بذلك وأقبلت إليه الخادمة بالدهن فكتب في أوعية الازورد النقية من الصبوغات والفصود سورة الفاتحة وآية الكرسي مفردات الأحرف وقال اللهم اعطف قلوب جميع الحيوانات بسر فاتحة الكتاب وآية الكرسي لصاحب البستان ما زلت أنا في هذه الحياة الدنيا وأعطاها الدهن وجعلوه في الطعام فجميع الآكلون من ذلك الطعام عطف الله قلوبهم بالرأفة الرحمة والمودة لصاحب البستان فجعل يكتب (2/117)
صفحة 547
في كل يوم والناس تنعطف عليه من كل مكان وانتهت جميع الأمور والسلطة بيديه واستعف له القريب والبعيد والصديق والخصيم بهذا السر العظيم حتى نزل الألم بالغريب ومات، فأقام صاحب البستان بحذاء قبره وترك جميع الملك وما خوله الله من النعم وساق له من ماله لقوته وكسوته فمكث زماناً حتى مات ودفن مع صاحبه فانظر إلى هذا السر قد زال عنه بعد موت الكاتب فصار الأمر خبراً للمتأخرين وعظة للمعتبرين.
قال ذو الغبراء: سمعت صاحبي يقول إن الله خلق آدم من ماء مهين وخلق حواء من أضالع آدم اليسرى ومن هذا فضل الذكر على الأنثى وجعل الأعلى وميراثه سهمان وشهادته عن امرأتين وديته عن اثنتين، وخصوا بصلاة الجمعة والجماعة والجهاد في سبيل الله، وفضائل النساء جعلن في الخدور ولهن الروائح والشهوات لأنه قيل لما جامع آدم حواء وتلذذت بجماعه فقالت له زدني فلهن من قسمها تسعة وتسعون سهماً وللرجال سهم واحد فولدت حواء لآدم مائة وعشرين بطناً كل بطن فيه ذكر وأنثى، فتزاوجوا أولادهم وتناسلوا وأخذ داوود نبي الله مائة نسوة، وأخذ ابنه سليمان بن داود ستمائة نسوة، ومات رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن تسع نسوة، وأمته يجوز للرجال أربع زوجات ومن الأماء ما قدروا ليس له حد فاشكروا مولاكم أيها المسلمون أن خصكم الله بالنساء الصالحات لأن امرأة نوح وامرأة لوط قد خانتا أنبياء الله في الدين لا في الأنفس، ومريم ابنة عمران أحصنت فرجها وامرأة فرعون وامرأة العزيز من أهل الجنة فإن وجدت أيها الإنسان من النساء الذي ذكرهن الله في كتابه وهن المسلمات المؤمنات القانتات الصادقات الصابرات الخاشعات المتصدقات الصائمات ولفرجوهن حافظات والذاكرت الله الثيبات والأبكار فلا تهمل نفسك وأحصن فرجك وابذل نفسك ومالك إن وجدت سبيلاً كمثل هذه النساء ولا تخلو الأرض من أجواد النساء والرجال وعليك بالجد والاجتهاد والسؤال. (2/118)
صفحة 548
وقد حكي لنا عن رجل قرأ هذه الآية: {إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ....} (1) فقال: كل شيء غالٍ إلا مثل النساء المذكورات في هذه الآية فباع ماله وسافر إلى البلدان ينظر إلى النساء وعمد إلى ضرب السهم كما قيل عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا أراد الخروج إلى الجهاد ضرب السهم في نسائه فالذي يطيح معها السهم أخذها في صحبته ، وقد عملت أمته بضرب السهم في القسامة ، وقد ذكره الله في مواضع في القرآن في زكريا لمريم وفي يونس، ونظرت شيخنا ناصر يضرب السهم في الحلاء كاللحم والسمك والسكر وجميع ما يؤتى للأكل في حضرته .
__________
(1) 1 – الأحزاب : 35 (2/119)
صفحة 549
وهذا الرجل إذا جاء إلى بلد أخذ بيده الحصى ولم يبق في يده إلا فردا ففي بعض الأيام سمع دوياً وهو مخباطاً يخبط به السمر في الفلاة، فقصد نحوه فإذا هو بامرأة فلما رأته التفتت وضرب هو السهم فيها فبقي زوجاً ففرح بها وسلّم عليها فردت عليه الجواب وأراد منها السؤال فقالت له: إن النساء لا تكلم الرجال في الفلوات فارحل عني، فقال لها: إن لي عندك كلاماً، فقالت له: أنا لا حاجة لي فيك ولا تردد الكلام إن كنت من الذين أحصنوا فروجهم، فمشى عنها وضرب بالسهم فيها فبقي زوجاً فرجع وقال لعل الله يخضع قلبها لي، وقالت له: بئس بأخلاقك الحسنة لا تسمع الكلام فإن أقبلت إليّ أطرحتك في هذه البرية بهذه الأحجار فارحل بنفسك عني سالما، فقال لها: لا تتعجلي فأنا رجل مسلم والحمد لله الذي أجمع بيننا وهو القادر على أن يصرف عني وعنك السوء والفحشاء فلا تخافي مني فإني عبد مؤمن تقي نقي من الدنس والعيب وإني أشهد أن لا إله إلا الله وحده لاشريك له وأن محمداً عبده ورسوله أرسله إلى الثقلين وهداهم إلى النجدين فأحيا الله به الإسلام وأخمد به عبادة الأصنام فجعله الله خاتم الأنبياء والمرسلين وسيد الأولين والآخرين ومن حزبه الأنصار والمهاجرين فأول ابتداء قتالهم وشهداؤهم في بدر مسومين فنصرهم الله على الكفرة الجاحدين فرجع رسول الله وأصحابه إلى المدينة فرحين مستبشرين مسرورين وقال لأصحابه (تناكحوا حتى تتناسلوا وإني أباهي بكم الأمم يوم القيامة ومن لم تكن له زوجة فأخاف عليه أن يكون من أعوان الشياطين إلا أن يكون له عذر فمن تبعني فليقتفي بسيرتي وليعمل بسنتي) (1) ، وسألت امرأة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عما يجب عليها؟ فقال رسول الله: (أيما امرأة صلت خمسها وصامت شهرها وأحصنت فرجها وأطاعت بعلها أدخلها الله الجنة وإن المرأة الصالحة والرجل الصالح إذا تناكحا في الدنيا فإن في الجنة هي زوجته) (2) .
__________
(1) 1 – كشف الخفاء : 1021/1
(2) 2 – حلية الأولياء ج6 ، 308 (2/120)
صفحة 550
وأنت أيها المرأة إن كنت من الإنس فاقتفي بسنة النبي الأمي وزوجاته أمهات المؤمنين قد رغبن النساء على الأزواج وتربية الأولاد وفي عمل الأطعمة والكسوة ومهما كان عمله في البيوت وكذلك لبسهن الحلي والزينة مع بعولتهن وأنا تذكر قلبي بهذا ودافعت شهوتي خائف من عقاب ربي وأحصنت فرجي ورحلت من داري أسأل عن المرأة الصالحة لنفسها مع ربها فلم أجد في سفري هذا وأضرب السهم بالزوج والفرد فلا ظهر لي في السهم في شيء من البلدان إلا عندك وعرفتك عياناً في هذه الفلاة أنك أنت صاحبتي وأنا أضرب السهم الآن بين عينيك ولا مطلع على سرنا أحد إلا ربنا المعبود والملائكة الشهود فضرب السهم فبقي زوجاً ثم ضرب ثانية فبقي زوجاً وثالثة فبقي زوجاً ثم قال لها إن كان ليس لك بعل فلا محالة أنت زوجتي وإن كان لك بعل فعلى يديك أمري، فقالت له: وأنت من من العرب؟ فأخبرها باسمه وحسبه، فقالت له: وأنت تقدر على المهر؟ قال: نعم، كم هو؟ قالت: عليّ ألف وتبعاته بوزني فضة، قال: نعم، فعاهدته وأخبرته باسمها واسم أبيها وأمرته أن يصل مع الشيخ ولا تسأله عني. فقصد البلد وآوى مع الشيخ وأقام معه ثلاثة أيام فقال له: قد كمل حقنا وأنا رجل فقير وغريب وقد أعجبتني دارك وأريد أن أسكن في بلدك وأريد أن تشري لي خيمة حتى أكن نفسي عن البرد والحر وثمنها عندي، قال: فشرى له خيمة وأقام في البلد يأكل من عنده. (2/121)
صفحة 551
ثم قال للشيخ: هل في دارك امرأة فقيرة أمينة لتنكحني إياها؟ قال له: أنا في السؤال، فسأل الشيخ أصحابه ليساعدوه فلم يجدوا له أمينة دون بعل فأجابه قال الغريب: قيل لي أن في دارك امرأة أمينة واسمها فلانة بنت فلان، فقال الشيخ: اسمع أيها الرجل إن هذه امرأة لا لها رغبة في الرجال وقد خطبناها بأنفسنا وكثير من أصحابنا ولكن أنت قم مع أوليائها، قال فتصاحبا فوجدوهم في المسجد بين الصلاتين وأخبرهم الشيخ أن هذا الرجل يريد منكم القرابة من قبل فلانة فما تقولون؟ فقالوا: إن الأمر مع المرأة ونحن لا نقول شيئاً، فقصدوا جميعاً مع المرأة وكلمها الشيخ أن هذا الرجل يريد منك القربة إن كانت لك رغبة فيه، فقالت له: كثير مما جئتوني وقطعت لكم أن ليس لي رغبة في الأزواج مالكم ما قطعتم الأمر؟ فقال لها: هذا رجل غريب وخفنا أن يدخل في قلبه جفا إن رددناه وأردنا أن يسمع الكلام بأذنه تكريماً له، فقالت له: إن الأمر الآن إليك فإن أكرمته فمنك الكرامة والبداية وإن أردت له الجفا بوصولكم بيتي فقد سمعتم قولي. فقال لأوليائها: أزوج هذا الرجل ؟ قالوا: نعم. فزوجه بها بمحضر أوليائها وأتي إليهم بحقها فقبضوه أوليائها وأعطوها حقها ومشى إلى داره وحمل الدراهم الذي من بيع ماله فلما رجع قال للشيخ ولأولياء المرأة: أوصلوا إلى البيت. فتصاحبوا ودخلوا بيت المرأة فأخذ كيساً فيه مائة محمدية فأعطاه الشيخ ثم أخرج كيساً آخر فيه مائة محمدية فأعطاه الأولياء وصنع قفاناً فقبضت المرأة كفة من القفان وجعل في الكفة الأخرى كيسة الفضة والذهب حتى ارتفعت بالمرأة عن الأرض إلى الهواء فردها إلى الأرض فقال: هذا لزوجتي من تبعات المهر. فقبضت المرأة الذهب والفضة وقالت لهم أشهدوا بأني شريت هذا الزوج بهذه الدراهم والصداق الحاضر وقد دفعتها إليه مهما أراد يجعلها حرفة له ويكون بها مشغول عن ذكر داره فدخل على المرأة، ونسل منها، وشرى الأموال وبنى البنيان. (2/122)
صفحة 552
فهذا دليل على المرأة والرجل أنهم أمناء فألف الله بينهما وصبروا في زمانهما، ومن صبر قدر كما قال ربنا: {إِنَّ اللّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} (1) .
الذكر الثامن والثلاثون
في تدبير علم حرب الأعداء وكتمان السر عن الأحياء لقصد بلوغ المنى مع الأعداء والأصفياء والأخلاء.
__________
(1) 1 – الأنفال : 46 (2/123)
صفحة 553
... قال ذو الغبراء: خلق الله الصنائع والحكمة، وجعل لعلمها دليلاً فينبغي للمرء إذا طلب شيئاً فليجتهد مع معلمه ولا ينتقل عنها حتى يحكمها ويحتاج الناس إلى صنعته إن بلغ المطلوب، وكل طالب لا محالة أنه بالغ مراده، ومن لم يتعلم ولا اقتبس بعقله في ليله ونهاره وإلا فهو من النادمين. وقد حكي لنا عن رجل مر على قوم محروبين وسألوه عن حاله وأين إرادته؟ فقال لهم: أنا معلم لمن أراد التعليم، فقالوا له : لا حاجة لنا في التعليم ونحن الآن منشغلون بحرابة الخصيم. فمكث في دارهم ثلاثة أيام فقال المعلم للرجل الذي يأتي إليه بالطعام: قل لشيخ البلد مراده المعلم المسير إن كان عازة. فقال الرجل للشيخ: ما حاجة لنا فيه والنفس طيبة عليه، فجاء إليه مسرعأً وأخبره بقول الشيخ، فقال المعلم: وأين طريق السلامة عن الخصيم؟ فقال الرجل: هاهنا، فقال المعلم: أعجبتني بلدكم هذه ولكن أصحابها لا معهم علم بالحرب وإنها ستدهب عليهم على سيرتهم هذه. فقال الرجل: والحرب يحتاج إلى علم؟ فقال المعلم: كل شيء على الدنيا إن أراد الإنسان الدخول فيه فلا بد من معلم فيه لإصلاح دنياه وعلم فيه لإصلاح أخراه وإن لم يتعلم فقد ذهبت عليه الدنيا والآخرة وكيف لا يتعلم الإنسان للحرب وفيه ذهاب الأنفس والأموال! فقال له: لعلك تعلمني؟ فقال: لا فاقة الساعة وإنكم غفلتم عن السؤال عند مقامي معكم، فقال له: ارجع إلينا وإنك لتعلمنا، فقال: مهما طابت النفس لا يمكن الرجوع ولا الوقوف ولكني أعلمك بكلمة واحدة لإصلاح دينك، اعلم أن المبتدئ بالحرب والساعي إلى الفتنة حقيق بالحرب وقس عليه، وأما الكلمة الذي لإصلاح دنياك في الحرب فكن أسدا، وقد تم الأمر، ووادعه. (2/124)
صفحة 554
فجعل الرجل يفكر في كلمة الأسد بالليل والنهار حتى فتح الله بابه وقال كن مثل الأسد يعني الأسد في الدواب ويكون الإنسان مع أصحابه كالأسد، فعزم على هدم بيته وجعل فيه بيراً ثم جعله برجاً مكبوساً يقدر ثلاث قيم (1) والباب أعلى الكبس فلما تم بناؤه جعل خندقاً عليه حائط به وكنّ نفسه فيه ويخرج منه يفرس ببلدان خصمه بالليل ويرجع إلى بيته ثم يرصد لهم في الطرق والفلوات فضاق على الخصم الأمر وهم أقوى من أصحابه فغضبوا وجمعوا أصحابهم وجاءوا إلى بلده بالليل فهربوا أهل البلد وأصابهم الجراح والقتل فقام الأسد في بيته يضرب القوم يميناً وشمالاً قبولاً ودبوراً فلا وجدوا القوم باباً للبيت فصح فيهم الجراح والقتل الكثير وبرحوا في السكك ثم ولوا مدبرين عن البلد فوقف الضرب، والشاردون لا سمعوا حركة فيها فدبروا نساءهم ينظرن البلد وما فيها فلا لقين من القوم أحداً إلا قتلى الفريقين فرجعن إليهم بالخبر، فلما دخلوا البلد عرفوا أن صاحبهم أخرجهم من البلد بنفسه فدفنوا قتلاهم وسحبوا قتلى البغاة وقالوا للأسد: إنك أحييت نفوسنا وجاهدت على أموالنا وبيوتنا والآن أمرنا إليك، فقال لهم الأسد: كونوا على ما سبق ولكنه أخذ منهم شرطاً وعهدا ألا يخرج في صحبتهم للقتال فعذروه، فجاءوا إليهم خصمهم بالنهار فخشوا (2) ودمروا في البلد إلى الليل ورجعوا إلى بيوتهم ثم اقبلوا في اليوم الثاني وفعلوا وخشوا لأنهم أهل قوة ورجعوا بالليل إلى بلدانهم مسرورين.
__________
(1) - أي قامات جمع فامة .
(2) 1 – خشوا أي قطعوا وتطلق على قطع النخيل عادة . (2/125)
صفحة 555
وأما ما كان من أصحاب الأسد رجعوا عن العهد وقالوا له لا يجوز عليك أنها تخرب البلد وتقتل الرجال وأنت في برجك وأقبلت إليه النساء تشتمه بالخزي والاستهزاء به فلا همه قول الجميع ولا فتح لهم بابه ولا أجابهم بكتابه حتى هدن عليه الليل فخرج من برجه وسار راصداً إلى خصمه، فلما أصبح الصباح ورأى الخصم أقبل إليه وإلى البلد فغض الطرف عنهم وهم لا يشعرون به حتى وصلوا البلد وقام الخشي والقتال بينهم فوقف الأسد في الطريق فكلما مر عليه رجل قتله ولاوذه (1) ، فإن جاء رجل جريح وبصحبته أحد قتلهما جميعاً وهكذا فعله إلى الليل وقتل منهم بقدر أربعين رجلاً، فسمع القوم مقبلين إليه وإلى ديارهم فلاذ عنهم ورجع إلى برجه وأما القوم لما وصلوا إلى ديارهم جاءوا يسألون عن أصحابهم الوالدة تسأل عن ولدها والمرأة تسأل عن بعلها والوالد يسأل عن ولده والأخ عن أخيه وكذلك باقي البلد، فقالوا: لا علمنا عنهم بقتل ولا موت إلا بعض الجراح في أناس وراجعين إلى الديار ولكن لعلهم في دار الأمير فلما أصبح الصباح اجتمعوا في دار الأمير وصحت بينهم المذاكرة فقالوا هذه قصة، ومشوا بأجمعهم إلى الطريق فإذا هم بالدم كأكباد الإبل فقفروا به فوجدوا أصحابهم أربعين رجلاً قتلى، فصاحوا وناحوا وذلوا ودفنوهم ورجعوا إلى ديارهم بخبر أصحابهم، فصاحت النساء بالبكاء فأقبل في النهار إلى تلك البلدان جمالاً معه ملح فسألهم عن حالهم فأخبروه بما وقع عليهم من القتل والذل ولا شروا معه شيئاً فانتقل إلى بلدانهم فلا أحد شرى معه ملحاً فقصد إلى بلد الأسد فقال: لعلي أبيع هناك الملح في البلد الظافرة المسرورة فلما وصل عندهم لا كلمه أحد. فقال لهم: مالي أراكم مهمومين مغمومين ولا تتكلمون؟ فقالوا: ما نظرت ما حل بالبلد وعندنا رجلان مقتولان وجريحان. فقال لهم: ما كفاكم بالذي صح في خصمكم البارحة.
__________
(1) - أي خفاه . (2/126)
صفحة 556
فقالوا له: كيف علمك عنهم؟ فقال: قتلوا منهم أربعين رجلاً في الموضع الفلاني وفيهم مسماي الشيخ فلان وفلان وفلان وفلان وفلان ووجدوهم كدساً واحداً كأنهم اختطفهم شيطان. فلما عرفوا الخبر تباشروا بالفرح والخير وشروا الملح وعزوا ونفضوا ثم قصدوا بالعذر إلى الأسد من كلامهم القبيح السابق فقبل منهم العذر. فأما ما كان من أمر الخصيم مشوا عند إحدى الطوائف ليسد الحال بينهم فامتثلوا وصنعوا الصلح وأعطوهم غرم ما ضيعوه من نخيلهم وأشجارهم ودورهم فصارت كلمة الأسد وأصحابه هي العليا وكلمة خصمهم هي السفلى.
فهذه النبذة التي قلناها فيها دلائل الحرب، والخصم لا تبين مذلته إلا إذا كان محصوراً لا قدرة له على الخروج من بلدانه في الفلوات والأموال إلا إذا خرجوا جميعاً، وأما إذا كان بينهم ضرابات وغارات تنظره العيون فهذا يصيب الفريقين جميعاً فتارة يعلو هذا وينزل الآخر وتارة يعلو الثاني وينزل الأول. والحرب بالصبر وبذل الأموال والأنفس في جميع الأمور لأنه قيل لا يأكل اللذات إلا الجسور ولا يدخل الجنات إلا الصبور. (2/127)
صفحة 557
ولا تخف من القتل والجراح في جهاد أعداء الله لأن كثيراً من الناس من يقتل في نومه في فراشه ومع زوجته وقد رأينا رجلاً لا يخرج للجهاد خائف على نفسه فمشى يوماً في بستانه فضرب صبي حمامة ولحقت الرجل الرصاصة فقتل، وكذلك امرأة جلست في مالها فضرب بتفقه الصبي حمامة ولحقت الرصاصة المرأة فماتت، ورجل آخر طالع في نخلته فجاء ابن عمه وضربه فوق النخلة وانتصف في الصوع الذي هو طالع به، وآخر لا يخرج إلى القتال فمشى يوماً إلى زراعته في بلده فقتلوه أعدائه في طريقه في حجرته، وآخر زاهد قصد إلى السوق فقتله رجل من عشيرته، وآخر في صحبة أصحابه نقع التفق من عند صاحبه ينفضه فقتل ابن عمه، ورجل آخر جالس عند أصحابه في مقامهم فقتله ابن عمه بتفق من وراء الجدار فقتله، وكثير من الناس أعمارهم تذهب بالقتل الخطأ والعمد بغير حرب ويلحق هذا النساء والصبيان فلا تجبن عن القتال بسبب رأفتك للجسم. (2/128)
صفحة 558
... قال ذو الغبراء: حفظت خبراً عن بعض المسلمين أنه قال قلب الإنسان كالمرآة فلا ينظر الإنسان بما في قلبه وإنه لينظروه الناس فليفكر الإنسان في كلام الخلق إن كان يراه من النصيحة صلاحاً فليسلكه في أمره ولكنه يحتاج إلى رائحة كالنبات وما شاكله فلا يصح العقد إلا به، وكذلك الرجل إن كان معه علم أو صنعة أو حكمة فلا تظهر إلا بمفتاح غيره وخاصة في الغضب تخرج القريحة أكثر من الفرح انظر إلى الشاعر إذا قال له انظم أو العالم إذا سئل أجاب، ولو لم يسأله أحد لما ظهر علمه، وفي بعض الأمور أحسن كتمان السر لأنه حكي لنا عن رجل كتم سره فبلغ الملك وإن خرجت الكلمة من فمه فلا قدرة له في كتمانها وعجز عن المطلوب أو أنه يصيبه الهلاك، فأما في الكتمان ففيه السلامة للمال والنفس كما ذكر لنا عن رجل أراد منه سلطان البلد قرض دراهم فأبى الرجل عن القرض فغضب السلطان عليه وضربه الوزير ومن حضر معه من الناس فسلم الدارهم الرجل إلى السلطان بعد الضرب فهم الرجل أن يهرب من البلد فلاقاه رجل من سكان البلد وسأله عن حاله فقال المضروب: قد لحقني ما لم ألقه القاه من قبل والساعة راحل التمس مكاناً كما قال سيدنا علي بن أبي طالب:
نقل خيامك من أرض تهان بها ... وجانب الذل إن الذب مجتنبا
فالحر لا يرتضي بالذل في بلد ... ولو كانت الأرض مما تنبت الذهبا
... قال: إن شاء الله أعز نفسي وأهلي، فقال له الرجل: لا تخرج من بلدك واصبر فقد لحق الضرب والسجن الأنبياء والأولياء والعلماء وأهلك وعربك ودارك أروف (1) لك من الناس واستمع نصيحتي واخضع نفسك لأمير بلدك واستمع لقول الشاعر:
الدهر يومان ذا ثبت وذا زلل ... والحرب طعمان ذا صاب وذا عسل
كذا الزمان فما في نعمة بطر ... للعارفين ولا في نقمة فشل
__________
(1) 1 – أي أرأف . (2/129)
صفحة 559
قال: فامتثل الرجل الأمر ورجع وهمته نفسه بالخضوع للملك فقصد مع السلطان فسلم عليه فلا رد له جواب فقال: سمعت أن الهدية تفرح بها الملوك وأنا إن شاء الله أصنع له الهدايا، فقصد إلى السوق فرأى في يد رجل بسرة مزناج فشراها من عنده بسبع غوازي(بيسات) وجاء إلى السلطان فسلم عليه فرد عليه السلام قليلاً فأعطاه البسرة لابنه فلما جاء ابن السلطان أعطاه والده البسرة ففرح بها وأراها الناس ووالدته وأكلها من بعد، ثم عزم الرجل في اليوم الثاني ورأى عند رجل جحة فسأله عن ثمنها فقال له بعباسية على غيبها. (2/130)
صفحة 560
فقال له: أريدها بثلاث محمديات على نقشها وحمرتها فعزم صاحب الجحة ونقشها فطلعت من أحسن موجود فأخذها الرجل وقصد مع السلطان فسلم عليه وحياه بتحية الملوك وأعطاه الجحة لولده فلما جاء الولد ووصل مع أبيه ورد الصباح به وردوا على الولد الصباح والوزراء والعساكر أعطاه أبوه الجحة فحملها الولد وقصد بها مع والدته فأعطاها الجحة وقام يأكل منها هو ووالدته فأعجبهم طعمها وذخروا منها للسلطان، ثم سار الرجل في اليوم الثالث إلى السوق فرأى كبشاً عليه صوف طيب وقصد به مع السلطان وقال هذا الكبش أعجبني لولدك جاعده فأمر به السلطان إلى الولد وقادوه وذبحوه وأكلوا لحمه وعملوا الجاعد فأعجبهم من حسنه، ثم عمد إلى السوق في اليوم الرابع فرأى تجاراً مقبلين إلى السوق وسألهم عن أحسن سلعهم الذي تكون للملوك فأخبروه بثوب عندهم وشراه من عندهم بأغلى ثمن وهداه إلى السلطان، فلما أقبل إليه ولده أعطاه إياه الثوب بلفافته فحمله ولد السلطان إلى أمه فكشفته وتعجبت منه لأنها لا رأت في زمانها ولا مع أهلها مثله فسألت الملك عن الثوب فأخبرها أن رجلاً من أصحابنا أهداه إلينا، فقالت ونعم بهذه الهدية عوضه بما يريد صاحبها، فعمد الملك مع الرجل وقال له قد أخطأنا فيك سابقا وظهر منك الإحسان إلينا ونريد نعوضك على ما تهوى نفسك وتقر عينك فاطلب عندي ما تريد وأحلف لك بالله بكل ما نطقت به تريده فأعطيك إياه، فقال له: أريد أن تقبل مني كلمة الحق الذي تراها بعقلك فيها صلاح لك، فقال له: لك هذا مني ولكنك كن بقربي عند مجلسي. (2/131)
صفحة 561
فتقرب الرجل ولم يتكلم بشيء والملك ينظره ويؤنسه فمضت الأيام والأشهر وهو ينظر أموراً، ففي بعض الأيام الوزير دخل في ماله مال رجل فقير فاحتال لنفسه بالشراء ورشا لكتابة الورقة وشهدوا قربه ولم يعلم صاحبها بالبيع وقشع الحاجز وأعطى الشهود دراهم فعلم صاحب النخيل وجاء إلى السلطان يشتكي من الوزير فسأل السلطان الوزير فأظهر له ورقته ونطقوا الشهود بالبيع فقال السلطان للرجل: لا لك حجة. فبكى الرجل فضحك السلطان والوزير والعسكر عليه فقال الرجل الذي أعطى العهد: لا تتعجل أيها الأمير في أمرك أرسل إلى القاضي يصل عندك وانظره الورقة. فدبر الملك للقاضي وأقبل إليه مسرعاً وأعطاه الورقة. فقال القاضي: إنا لله وإنا إليه راجعون هذه الورقة لا كتبتها ولا علمت بها. فغضب السلطان على الوزير وقال له: أرجع مال الرجل كما كان وإنك تقودنا على ما تهوى نفسك. ففرح صاحب المال وأخبر الناس بكلام الرجل ففاح في البلد أنه من الصالحين ففرح المسلمون ونكص الظالمون. وكلمة الحق إن نفذها الإنسان مع السلطان كالمتشحط بدمه في سبيل الله. فمكث الرجل يطالع الملك والوزير ينظره بالعدواة حتى وصلوا مع السلطان أصحاب القافلة مكسوبين (1) فقال لهم الوزير: أنتم حقيقون بالكسب لأنكم تريدوا لنا العار واليوم حر شديد لا نقدر على التلب (2) والخيل تموت من قوة الحر فأعجبه الملك قول الوزير فقام الرجل وقال : اسمع أيها الملك إن القوافل تسافر في الحر والبرد من سابق الزمان وإن لم يسافروا ويجلبوا الأمتعة فمن أين يصلكم بالذي تريدوه في زمانكم وأنت مكنك الله في أرضه وعلى عبيده فمن أين تؤدي شكر مولاك وإن قصرت فيهم وسألك فما جوابك أيحاكم عنك وزيرك؟ فقال الوزير للرجل: نحن لا نطيق.
__________
(1) 1 – أي مسلوبين منهوبين
(2) 2 – أي المطاردة واللحاق (2/132)
صفحة 562
فقال الرجل: من أخذ الفريضة فلا بد له من طاعة الملك ولكن أنت أيها الملك أرسل الخدم يسرجون على الخيل ويكونوا في صحبتي وطاعتي فإني قاصد إن شاء الله لأسر حالك. ثم الملك امّر على الخدم وأن يكونوا في طاعة الرجل فقصد بهم يقص الأثر ثلاثة أيام بلياليها ففي اليوم الرابع رأى الكاسبين وقال للخدم حوطوا بهم ولا تضربوهم فأحاطوا بهم وأخذوهم أسارى وأتوهم عند الملك وقال: أيها الملك الناهبين بين يديك اصنع فيهم كيف أردت. فقال الوزير: أولى أن يقتلوا لأنهم مضرون للمسلمين. فغضب الرجل وقال للوزير: لو أردنا قتلهم لما نظرتهم أنت ولكن أتيناهم ذليلين خاضعين حتى يعرفوا على نفوسهم أن الملك قادر عليهم وإن عفا عنهم فهو أهل للعفو والناس يدخل في قلوبهم الحب إليه. فقال الملك: قد عفوت عنهم وأمر بقتل الوزير فقتل من ساعته. فقال الملك للرجل: أنت أحق بالوزارة من غيرك ولا أريد لها سواك. فقال الرجل: إن كنت تريدني فأخرج الذين صاحبوا وزيرك الفاسق الظالم لأنهم أعوانه وأنا وإياهم لا نتفق في مجلس فامتثل الملك لقوله ورفق عليهم ملكه، وأقام الرجل مقام الوزير وجعل بقربه من أحبه فحسن السيرة في الملك وفي رعيته، ثم مشى الوزير إلى السوق ورأى في يد الدلال جارية ينادي عليها فأعجبته وقرب منها وقال لها: أنا أريدك للملك ولكن على عهد وشرط أن لا تخالفي قولي. فعاهدته واشتراها وأخذها في صحبته. وقال للملك: أخذت لك هذه الجارية إن كان تعجبك، فقال أشهدوا علي أني قبلتها وأني استبرء رحمها بخمسة وأربعين يوما. (2/133)
صفحة 563
فلما انقضت الأيام أمرها الوزير بالإحسان لتصنع للملك فدخل عليها ووجدها بكراً ومن أحسن النساء فاختارها عن زوجته فمكث الوزير شهرين زمان وأمر جارية الملك أن تمنعه نفسها بالليل فامتنعت عنه فلا نام الملك في ليلته ويدرجها باللطف حتى تكشف له ما في قلبها ولا وجد منها سبيلا فأصبح الملك مع وزيره وأخبره بقصتها ومنعها عنه، فعمد الوزير معها وقال لها كوني كما سبق من الإحسان أو أزيد، فأعجبه الملك من وزيره وأصلحت الحال السابق، ثم مكث الوزير عنها شهرين وأمرها أن تمنع نفسها عن الملك فامتثلت الأمر فهال على الملك وأصبح مع الوزير فجاء الوزير مع الجارية وأسرها بكلام وأحضرهما هي والملك فقال اكشفي ما في قلبك للملك. فقالت لهما: أنا أريد البيع وأخاف معكما على نفسي القتل بالسم من امرأتك أيها الملك لأنك استقبلت عندي وتركتها فهذا لا يليق وأسلم هذا الأمر. فلما سمعها الملك طلق زوجته بحضرة العسكر بالثلاث ثم مات ولد الملك بعدما خرجت أمه بعشرين يوما فأقبل الملك إلى الجارية وحسنت فيه السيرة وطاب الملك في زمانه والوزير مجتهد في أمر رعيته حتى وصلوا مع الملك من أطراف ملكه يشكون من قوم ينهبون أموالهم ويقتلون رجالهم وهم بداة لا يجدوهم إلا يصلوا غزوة فقال الملك للوزير: ما الرأي؟ قال الوزير: ما حضرني جواباً في هذه الساعة فلكن عسى بالليل ننظر أمرا، فلما أصبح الصباح سأل الملك الوزير قال الوزير: ما فتح الله لي رأياً وأنت سيدي ما جوابك؟ قال : الجواب بما يحب قلب الوزير. (2/134)
صفحة 564
قال بكرة عسى الله يبين لنا في الليل برهانا فتمهل الملك حتى جاء الوزير على الميعاد في البرزة فسأله الملك عن الجواب قال: اسمع سيدي تدبرت الأمر في هذه الليلة ووجدت البداة مظفور عليهم ومطيعين لك بلا حرب وفكرت في الحساب في تدبير الوزراء والأمراء من بالذي على يديه تسهيل أمرهم فلا وجدت منهم أحداً مظفراً عليهم فراجعت الحساب لي بنفسي فلا وجدت نصرة عليهم ولا يستطيعوا لأحد إلا على يديك ولا تسير عليهم بجيش لئلا ينفروا عنك ولكن خذ من العرب بقدر ومن الدراهم كثر لطريقك لأن الخلق يطمعون في عطائك. فامتثل الملك وحضر أكابر قومه وقال لهم: اسمعوا أيها الناس أردت المسير لهؤلاء البداة الذين طغوا وتمردوا ومن تريدوا أولي عليكم حتى تكونوا له في الطاعة؟ قالوا: نحب وزيرك أميراً علينا. فقال: قد وليته عليكم فاستمعوا له وأطيعوه وهو الخليفة فيكم. فمشى الملك والقمر بمنزلة الذراع وفي البرج الطالع وزحل في بيت السفر ورب بيت السفر في بيت الموت، ثم كتب الوزير من بعد للبداة بسم الله الرحمن الرحيم من خليفة الملك فلان بن فلان إلى أكابر البداة سلام عليكم وبعد واصل إليكم الملك بشرذمة قليلة في طريق الفلانية فعجلوا في أمره ومهما قضيتم أمره أوصلوا عندي ولكم ما تسر قلوبكم وتحمل ركابكم والسلام. فأرسل به أحد من أصحابه وأمره بالحث في الليل والنهار فلما وصل الطارش (1) إلى البداة واستقرأوه صاحوا في فرقانهم (2) وقصدوا الأمير فقتلوه هو وأصحابه وكتبوا للوزير بسم الله الرحمن الرحيم من كافة البداة إلى الوزير فلان بن فلان وبعد صحت منا خطيئة بقتل الملك فإن كنت تقبل منا الوصول فنحن نصل بأجمعنا واعمل فينا ماشئت من القتل وغيره والمطلوب الجواب بسرعة.
__________
(1) 1 – أي الرسول
(2) 1– جميع فريق وهو الحي (2/135)
صفحة 565
فلما وصل الوزير الخط صاح بأعلى صوته وأخبر الناس بقتل الأمير وقرأ عليهم الكتاب فقال لهم: ما يعجبكم في الجواب فقالوا له الأمر إليك ونحن قد رضينا بأمرك فقال لنرد لهم الجواب بالوصول ولنقتلهم عن آخرهم فكتب لهم المراد وصولكم وقد عرّفنا جميع أصحابنا أن لا يذروكم ولكنكم إن وصلتم عندي فلا عليكم أمان إلا أن يرحمكم الله. فطرش رجلاً فجاءوا إليه وحضر أصحابه كلهم فقال لهم وصلوا البداة وكل فخيذة تقتل رجلاً منهم بكرة فقالوا أصحابه ونحن في الطاعة مهما تأمر فلما أصبح الصباح قال لأصحابه اسمعوا ايها الناس الليلة هذه ما رقدت أفكر في عواقب أمورنا إن قتلنا هؤلاء البداة فلا يأمن منا أحد في القابل ويمكث في الحرب والبلاء حتى تفنى أرواح المسلمين وتذهب الأموال وإن صح لهم عفو فلكم الأجر فقالوا هذا الرأي. فقال لهم: العفو منكم أكرم حتى يكفوكم شر الأعداء. قال: فحضروا الملك وأصحابه والبداة وقال لقومه هؤلاء البداة قد وصلوا معكم للقتل فاختاروا لأنفسكم بين العفو وبين القتل. فقالوا: من وصل عندنا فحرام دمه علينا وقد عفونا عنهم. فقال البداة: ونحن نعاهدكم فكل من عارضكم على الحرب فنحن نكفيكم شرهم وأنتم سالمون من جميع ما كان فطابت عليهم الأنفس وصحت لهم الكرامة من الملك مالا تحمله الركاب، وجعل لهم الفرائض المعلومة ومشوا عنه بأمن وأمان فرحين، فطاب الملك في ملكه وأمره ونهيه، وخطب مطلقة الملك الأول فقالت: أنا أريد من يريدني. فأخذها وحسن السيرة في الناس ولم يكشف سره على مخلوق وصنع على ما تحب نفسه وامتثل لقول الشاعر حيث قال:
وإن أردت نجاحاً أو بلوغ منى ... فاكتم أمورك عن حاف ومنتعل
ولا يغرك من تبدو بشاشته ... منهم إليك فإن السم في العسل
قال: فبلغه الله مناه، وسامحت له دنياه، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
الذكر التاسع والثلاثون
في فضائل الأنثى على بعض الذكور، وفيه مسائل ودلالات وحكايات في تسهيل الأمور. (2/136)
صفحة 566
... قال ذو الغبراء: سمعت عن قوم صلوا صلاة الصبح بالمسجد الجامع وقاموا يذكرون الله حتى أقبلت عليهم امرأة تسأل عن رجل منهم فخرج الرجل معها وأخبرته أن زوجته تخلصت (1) وأتت إليه بولد ذكر فأعطاها شيئاً من الدراهم بالبشرى وسألوه الجماعة فأخبرهم أنه حدث له ولد ذكر فهنوه وسألوا مولاهم بركة له في العمر ووقفوا عن التلاوة حتى شرقت الشمس وصلوا صلاة الضحى فسأل عن الصلاة أن هذه تذكر شروقاً أم ضحى؟ قال: تذكر ضحى مهما طلعت الشمس على رؤوس الجبال. فلما قضوا صلاتهم أقبلت امرأة أخرى وسألت عن رجل آخر فخرج وقالت له أن عيالك وضعت بابنة ونريد لها دواء وحلبة وسمناً وعسلاً ودقيقاً فأعطاها مفتاحاً فلما سمع قولها أنها أتت له ابنة ظل وجهه مسوداً فلا صحت له تهنئة من أصحابه، وكان بمحضرهم رجل فلكي ففكر في الفلك نظره فقال الفلكي للجماعة: سمعتكم تذكرون التهنئة للرجل الذي ولد له الذكر ولو عرفتم أمر الولد مما يقع على أبيه بسببه لقلتم اللهم ارفع الولد، وأما الرجل الذي خلقت له أنثى لو عرف الأمر بما يصح له من الخير والرفعة لقال إن الأنثى خيرمن الذكر، لأنه قيل عن الغلام الذي قتله الخضر عليه السلام وسأله موسى عن ذلك فقال له: {وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَن يُرْهِقَهُمَا طُغْيَاناً وَكُفْراً. فَأَرَدْنَا أَن يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْراً مِّنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْماً} (2) ، فعلى ما قيل أنهما أتيا بنات ونسلن تلك البنات مائة وعشرين نبيا، وهذا الرجل ابنته مسعودة وطالع برجها مسعوداً ويتصل برب بيت الآباء والساعة التي ولدت فيها ساعة الزهرة ويوم الجمعة وتتصل بسعد فيجتمع الأحوال في هذه الابنة والسلطان يتزوجها ويمتلئ أباها بسببها من الرزق الواسع وإنه ينال العز والرفعة وتخضع له الخلق.
__________
(1) 1 – أي ولدت
(2) 1 – الكهف : 80- 81 (2/137)
صفحة 567
وأما الرجل الذي ولد له الذكر قرب من الفلكي وقال له: كيف رأيت حال ولدي؟ قال رأيته ولد في ساعة المريخ وبيت نفسه فيه زحل ورب بيته يتصل بالشمس من تربيع وبيت الآباء فيه المريخ وتنظر إليه الشمس من مقابلة، فيدل على أنه ولد سيء الأخلاق ، وتلحقكما مضرة من السلطان، وعلى سببه يذهب جاهك ومالك وهذه بلدك لا توافقه لا بينهما نظر في برجه الطالع الذي خلق فيه ولكن من نصحي إليك لا تجاوره وأخرجه من البلد واتبع لقول الله تعالى: {إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ} (1) وقال تعالى: {وَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّواْ شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ} (2) فقال أب الولد: إن دارنا سلطانها عادل، وثمراتها متواترة ومبروكة. فقال الفلكي: إن الدار لا تثبت على حالها وتتبدل، وأميرها سيموت، وأراها من بعده يملك فيها رجل ظالم. فقال أبو الولد: أيثبت في الملك؟ قال: لا يثبت إلا بقدر عشر سنين وأنه سيذهب بقتل وقاتله أنت أيها الرجل. فلما سمع الكلام أب الولد استهزأ بقول الفلكي أنه سيقتل السلطان وقد عرف نفسه أنه جبان لا له قدرة على القتال أبداً فقال في نفسه: هذا الفلكي دهاك كذاب يريد أن يأكل بعلمه وقد غر الناس بفعله وعلمه وأنا لا أستمع لقوله فعمد على حسن تربية ولده. وأما البركة قلت من ماله ومات سلطان البلد بعد سنة، وملك فيها السلطان الجاهل وانتشى الولد حتى قارب البلوغ فبينما هما في بستانهما جلساء فدخل عليهما أحد من جند السلطان قد وصف له معهما كبشاً ونزل مع السلطان ضيف في أول النهار قبل مراجعة أهل السوق بالأغنام وسألهما الجندي عن الكبش فقال الولد: لا علينا بيعه وإنا نطعمه للعيد فلا يحصل.
__________
(1) 1 – التغابن : 15
(2) 2 – البقرة : 216 (2/138)
صفحة 568
فمشى الجندي عنهما وأخبر السلطان بقولهما فأمر السلطان بإتيان الكبش بلا ثمن فأتوه إليه وذبحوه وأطعم ضيفه، وفي السنة الثانية أراد السلطان قرض دراهم من عندهما فلا حصل له شيئاً فدبر إليهما فلما وصلا عنده أمر بسجنهما فمكثا في السجن ثلاثة أيام وسلما له الدراهم ، وفي السنة الثالثة أراد السلطان جذوعاً عندهما فأبيا فأمر السلطان على الجذاذيع (1) في نخيلهما فاطرحوها وأخذت عليهما كرها ، وأما أب الابنة فكلما دبر السلطان إليه يريد حاجة امتنع وقال لهم: قولوا للسلطان يصلح طريقه لأني أراها وعثة. فكلما بلغ السلطان جوابه أرسل إليه هدية فازداد في ماله وجاهه مع الناس، وأما ما كان من أمور السلطان معه ابنة ومعه أخاً وعنده ابناً فأراد الأخ الابنة لابنه مع أخيه فقال السلطان: ابنك لا أزوجه من قبل أمه بها عرق من الخدم والعرق دساس وقد نهيتك عن أخذها فلم تنته والآن لا تذكر هذا الكلام. فصح بينهما شقاق وخصام وفرقة كبيرة فجعل الأخ يدحض جميع حجج أخيه السلطان ويقرب إلى نفسه من جفاه السلطان فسمع الولد الذي جفاه الجبار وغرمه وخشى نخيل أبيه فأخبر أبيه بفرقة الأخوة فقال الأب لولده: لا تدخل نفسك واستمع لقول صاحب المثل إذا نظرت الاختلاف والفتن فكف نفسك ففيها سلامة النفوس. فقال الولد لأبيه: راحة يوم خير من غم سنة.
__________
(1) 1 – جمع مجذع الذي يقطع الجذوع والنخيل . (2/139)
صفحة 569
فقرب الولد نفسه مع أخ السلطان فقربه أخ الملك واجتهد كثيراً في الضر حتى صنع برجل قد دبر السلطان ليأتي له حلاء من السوق فقطع له ولد الرجل وضربه وأخذ عليه الحلاء ومشى الرجل يخبر السلطان بما وقع عليه فلما سمع السلطان ضاق عليه الأمر ودبر لقاضيه وقص عليه الأمور وما كان من أخيه فأشار عليه القاضي أن يصلح بينهما وأن يزوج ابن أخيه فامتثل السلطان لما حل به الدمار وصلح القاضي بينهما وزوج ابن أخيه ودخل عليها فاستقامت أمور السلطان على ما كانت من قبل وكن في قلبه على الذين بانت مضرتهم له وجعل أخيه على الدول وسار الأخ بجيشه فلما مضت ثلاثة أيام دبر السلطان خادماً بوصول الولد وأبيه إليه فلما وصلا معه قال السلطان للولد: قلنا لأخينا من تريد أن يتقرب عندنا ونجعله خليفة في أمورنا على رعيتنا فأشار علي بأنك أنت تحسن لهذه الأمور والآن نريدك فما تقول؟ قال له: في السمع والطاعة. فمشى السلطان إلى منزله وجاء حاملاً معتقة وفيها ميلقاً ومواساً وقال لوزرائه وعساكره: أنا أمشي عنكم إلى البيوت أحسّن الناس (أي حلاقا) ولكنكم امتثلوا الأمر لولد فلان وهو معكم وسلطانكم. فهال عليهم الجواب، ثم قال الولد: أنا خادمك سيدي لا أحمل كما قلت لي. فقال: أنت حملت أكثر من هذا حتى أخذت حلائي من عند صاحبي وضربته ضرباً مؤثرا فأعجبتك فرقتنا حتى تملكنا والساعة اجن ما زرعت فقد حان الحصاد. فأمر أعوانه أن يجعلوهما في أشد سجن وقرب مسلك الخلق حتى يعرفوا الناس هذا جزاء من أحب وسعى في فرقة الملوك، فجاء رجل مع السلطان وسمع ضجيج المسجونين فسأل السلطان عن فعلهما فأخبره قال: اعلم أيها الملك أن أشد جزاء للناس أن تنفيهم من دارهم وتأخذ ما في أيديهم فينزل بهما الهم والغم ويتكففوا على الناس فلم تزل في قلوبهما الحسرات. فقال السلطان: وهذا الرأي الحسن. فحاز المال ونفاهم عن البلاد وبقيا حيارى. (2/140)
صفحة 570
فلما خرجا من البلد قال الوالد للولد: اعلم يا ولدي أنه فسر قول الفلكي فينا والآن ذهب المال والحال وشفقت بك فحلت بنا المصائب وما بعد ساعتنا هذه بيني وبينك اجتماع. فسار الولد عن أبيه وبقي الأب يفكر في أموره بالليل والنهار فعزم على الرجوع إلى بلده وقال يفعل السلطان ما يريد فصلى في الليل ركعتين قربة لله تعالى ودعا الله تعالى أن يرجع إليه ماله وأن يصرف الجبار من ملكه فاستجاب الله دعاءه في ساعته ونزل بالجبار في الليل عاسوق الرأس والبطن وصاح وناح حتى أخرج الله روحه في ساعته. فأقبل الرجل إلى البلد بعدما صلى الصبح وسمع ضجيجاً للناس بالبكاء فسأل عن البكاء فقيل له إن السلطان مات الليلة فعرف في قلبه أنه قتل الملك بدعائه وقال إن الفلكي لصادق فيما أخبرني به، ثم وصلهم الخبر بالضحى أن انكسر أخ الملك وقتل هو وولده والناس وما بقي من القوم إلا قليلا فعمدوا أهل البلد بتقديم رجل عليهم ممن كان أهلاً للتقدمة وجعلوا أمره بين سبعة رجالاً ثقات فاستقام الأمر ورجعت المظالم ونزلت من السماء الأمطار ورخصت الأسعار وسعت الناس في الأسفار. فقال الملك لأصحابه السبعة: التمسوا لنا امرأة صالحة. فأشاروا عليه بابنة الرجل الذي ذكرها الفلكي وقصدوا مع أبيها فزوجه بها فجعل الملك لوالد الابنة فريضة معلومة وجعله والياً في بعض حصونه فصح قول الفلكي براحة الابنة وأبيها وسلامة البلد بالإقامة على العدل فيها. فانظروا أيها المسلمون أن البنات فيهن بركات فلا تهملوهن وأن رسولكم محمد ما خلّف ذكرا وكفى بفاطمة الزهراء وأخواتها فخرا والإمام ناصر بن مرشد رحمه الله ما ترك إلا بنتا.
... قال ذو الغبراء: سمعت عن رجل فقير سأل مولاه التيسير ولم يزل يتلو {إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً} (1) بالليل والنهار ويروى عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : بالنواصي والأقدام.
__________
(1) 1 – الشرح : 6 (2/141)
صفحة 571
رجع الرجل: فتذكر بأن النساء الصالحات من قبلهن تدخل البركات وقال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه: الرزق يلتمس من فروج النساء لقوله تعالى: {وَأَنكِحُوا الْأَيَامَى مِنكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِن يَكُونُوا فُقَرَاء يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ } (1) قال: فمكث هذ الفقير صابراً مدة من السنين ثم جاءه هاتف بين اليقظة والمنام فقال له: يا هذا اخرج من بلدك وانظر إلى البلدان فإنك تجد على ما تحب نفسك من النساء وبها علامة في رجلها اليمنى مقطوعة أصبعها الأبهيم فنهض الرجل من نومه وحفظ رؤيته ومشى ينظر في البلدان وفي طريقه حتى وصل بندر العرب، وأقام فيها يخدم على نفسه ويأكل من كد يده، ومشى إلى السوق عند بيع الجواري والعبيد فرأى المرأة في يد الدلال وينادي عليها ببخس من الثمن فقصد يتلو الدلال حتى وصل مع صاحب المرأة فسلم عليه الرجل ورد جوابه وقال الرجل لصاحب المرأة: كيف قصة هذه المرأة لا ارتفع لها ثمنا؟ قال له: إنها عليلة. فقال الفقير: ولو أن في يدي مالاً لرفعت لها ثمنا. فقال صاحبها: أتريدها؟ قال: نعم. قال: هي لك هبة مني فاقبلها وأحسن فيها، قال الفقير: قبلت عطاك وعسى ربك يغفر ذنبك. فأخذها ومشى إلى خيمته وهي في صحبته فسألها عن حالها حتى يعرف أمرها ليستبرئها فقالت له: لا فائدة في السؤال. فقال لها: لا بد حتى أعرف النسب خوفي أن تكوني من العرب لأن العربية لا تجوز بالاستبراء في هذا واكشفي لي ما في قلبك. فقالت له: وأنت من من من قبائل العرب؟ فقال لها: أنا من آل هلال.
__________
(1) 2 - النور : 32 (2/142)
صفحة 572
فقالت له: وما أتى بك إلى هذا البندر؟ فقال: رأيتك في المنام بأنك من العرب وأنك مقطوعة الأصبع فسمعت هاتفاً يقول اطلب المرأة الصالحة من أرض الله وجئت على هذا البيان، فقالت له: إني سأخبرك بحسبي ونسبي ولكن على عهد بيني وبينك لا تخبر به أحداً من الخلق إلا بمشورة مني إليك. فعاهدها وأخبرته أنها ابنة الملك الأعظم الذي ساد ملوك حمير وأن أبوها زوجها بابن عمها فأخذها وقطع بها البحر وأقام زوجها والياً في البر قالت: فمات زوجي وأخذت في العدة أربعة أشهر وعشرا وغسلت (1) وأردت الرجوع إلى وطن أبي فركبت في الفلك وجاءت إلينا ريح عظيمة فغاب بنا المركب أياماً وانكسر فقبضت خشبة وجاء الحوت ليأكلني فقطع أصبعي وساقتني ماية البحر إلى البر فسلمني ربي من الهلاك وأقبلوا إلي البداة وأخذوني وأرادوا أن يفعلوا بي فامتنعت عنهم وقصروا علي الطعام وضربوني في أضلاعي ضرباً موحشاً فقمت أنحب زمناً طويلاً دماً وباعوني بشيء قليل وأتاني هذا الرجل ليبيعني في هذا البندر وأنا عليلة فلا رغب أحد في للشراء من عنده فهذه قصتي. فقال: ونعم بك، ولكن اسمعي لقولي فأنا أبلغك إلى أهلك إن شاء الله.
__________
(1) 1 – أي انقضت عدتها . (2/143)
صفحة 573
فقالت له: إن أهلي بعيدين الأوطان ولا ينفعوني وأنا امرأة عورة عليك ولا بد لك أن تتزوج بي واقصد بنا مع القاضي فتصاحبا حتى وصلا مع القاضي وأمرته أن يزوجها القاضي فزوجه بها ودخل عليها وصح جسمها وأقبلت إليها البركة من يومهما وسمت نفسها أنها خادمة لبعلها وخضعت للناس كما تخضع الجواري لمواليها ونسلت له الأولاد وكثرت الأرزاق ودخل الرجل في البيع والشراء وتقوى ماله وجعل يضرب على المراكب وجعل للتجار بيوتاً ينزلون فيها ويجعل لهم الحشمة والكرامة ما لا يجدوه مع غيره حتى أقبلوا إلى البندر قوم من آل حمير وقوم من آل هلال مسافرون فأخذهم إلى بيوته وكرمهم وظن في قلبه أنهم من أطراف قبيلته لما سمع كلامهم ولغتهم وعرف لباسهم وهم كذلك ظنوا في قلوبهم، وكذلك المرأة لما رأت قوم حمير وكلامهم ولباسهم أخبرت زوجها أن هؤلاء القوم من أصحابها فعمد الرجل إلى سؤال أصحابه فأخبروه بحسبهم ونسبهم وسألوه هم بنفسه فأخبرهم فتعارفوا، وأما قوم حمير سألهم عن نسبهم فأخبروه وجاء إلى زوجته وذكر لها فقالت له: أريد لقاءهم وأخبرهم أنت بالقصة فقد أذنت لك فقال لهم الرجل: سأخبركم أيها الناس عن أمر فهذه امرأتي ابنة سيد ملوك حمير فجاءوا معها وصافحوها وسألوها عن حالها فأخبرتهم بأول القصة إلى آخرها. فقال لهم زوجها: هذه ابنة عمكم وأنا حفظتها والآن قد جعلت طلاقها بأيديكم وأنا ليس من زواجها. فقالوا له: أنت سترت عورتنا وجعلها الله زوجتك فاشكر ربك ونحن نريدكم في صحبتنا. فقال لهم الرجل: قد جمع الله شملنا في هذه البلدة وجعلناها وطناً لنا فكونوا من السامحين. (2/144)
صفحة 574
فرجعوا القوم إلى مواطنهم وكل أخبر أصحابه فقالوا آل هلال لا نرضى على أنفسنا أن يكون ابن عمنا غريباً في البلدان فنهضوا منهم ألف رجل إما ليحملوه إلى مواطنهم أو يكونوا في جواره فوصلوا إلى بلده وسألوا عنه فأقبل إليهم وصافحهم وأخذهم إلى بيوته فسمع السلطان بوصولهم ودعا بوصول الرجل إليه فقال الملك: قد وصلوا عندك ألف رجل وما ندري ما عندهم أخبرنا عنهم. فقال: هؤلاء بنوا عمي وصلوا عندي مرادهم يحملوني إلى مواطنهم وإما أن يكونوا بجواري فقال الملك: نحن نريدهم في البلد ونجعل لهم الفرائض. فأقامهم وجعل لهم المنافع الملك وابن عمهم أعطاهم كالملك. وأما ملوك حمير لما وصلوا معهم أصحابهم وأخبروهم بالمرأة حملوا على المراكب ما لا يحصي عده إلا الله تعالى وجاءوا إلى بلد المرأة فأعطوها المكاتيب والرسائل الذي في المراكب فعلم الملك بذلك فخلع الملك لزوجها فلم يقبله فجعلوه لأولاده لأن أمهم من نسل الملوك فملكوا الأولاد البلاد والعباد وسلم الله ملكهم عن الفساد ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم والصلاة على محمد وآله وصحبه وسلم.
الذكر الأربعون
في الملوك وأبنائهم وعداوتهم وابتدائهم في الملك وما يجري عليهم، والموفق في وطنه أو في غير أوطانه. (2/145)
صفحة 575
... قال ذو الغبراء: سمعت قصة محمودة فذكر فيها عن ملك معه ولدين فمكث في ملكه وعدله زمناً طويلاً فلما حضرت وفاته أوصى بالملك من بعد لأحد أولاده فلم يرض الثاني بعد وفاة أبيه بالملك لأخيه فأشار الرعايا فقالوا له: نرجع إليك بالجواب. فآل نظرهم على أن يصلحوا بينهما في الملك ويجعلوه بالسوية والذي يمتثل لقولنا فنحن عليه فرجعوا على صاحبهم وقصدوا مع الملك هم وأخيه فلما وصلوا دخلوا معه وسأله أخيه أن يقسم الملك بينهما فقال الملك: لأخيه اعلم أن الزوجة لرجل واحد وكذلك الملك لا يكون مع اثنان ولا يليق هذا الأمر وأنا قد أوصاني بالملك أبي لا أخذته عليك وقد سمعت عن ملك معه ابن أخ وليس معه الملك ولد فقربه في أمره ونهيه كمثله في حصنه فأخذ رشوة على الملك فقتل وأخذوا عليه الحصن، وملك آخر عنده أخاً فتزوج له وحدث للأخ ولداً ومات أخ الملك فعمد لتربية ابن أخيه حتى بلغ الحلم فتزوج له الملك امرأة ثم زوجه بابنته وأراد أن يقتل الملك ثم التمس له أعداؤه ولم يظفره الله عليه، وملك آخر عنده ولد وفرح به الملك وجعل له الأمر والنهي والقبض والبسط مثل أبيه فأخذ الحصن على أبيه وطرده عن ملكه فجاء الوالد بجيشه وأحاط بالحصن حتى مات ولد الملك في حصنه فأخذه الوالد بعد موت ولده، ومن هذه الأمور التي ذكرتها لكم في الملك مطلوب صاحبه إلى القتل وأما النساء فلا يؤمن عليهن أن يدخلن على رجل فيه ذكر إن كان أجنبياً أو كان قريباً عليهن ومن لم يفكر فقد ندم. فقالوا القوم: نخاف عليكما الفرقة فإن أعجبكم قولنا فهذا ما عندنا. فقال الملك: لا يليق كلامكم أما أنكم كونوا في الطاعة كما أمركم أبي وأما أنكم خصمائي. فقالوا: نحن في طاعة أخيك وقد جعلنا الملك لمن خضع إلينا لا لمن خالفنا . فنهض أخ الملك وقال لهم: رضيتم بي ملكاً عليكم؟ فقالوا: نعم، قال لهم: هذا أخي قطعني وأنا قد رفقت عليه حمل السلاح وقضاء العوايز (1)
__________
(1) 1 – جمع عازة وهي الحاجة .. (2/146)
صفحة 576
وأخرجته من جميع ما كان فيه. فقالوا له: سمعنا قولك ونحن في طاعتك. فاستولى على الملك وبقي أخيه لا يكلمه أحد فريد بنفسه فهال عليه الأمر وجلس في المسجد بعدما صلوا الناس الجماعة فرآه رجل وأقبل إليه فقال له: كيف وقوفك والناس راحوا للنوم في بيوتهم؟ فقال له: أنا ابن الملك المجفاي. فقال له: وأنت واقف في ملك أخيك أما كفاك ما أخذلك الله في أماكنه فارحل من هذه الديار فإن أولاد الملوك مهما نزلوا استقاموا فاسمع لقولي وارحل بلا زاد فمهما رأيت مكاناً واتسع عليك الرزق فيها فاجعلها وطناً إليك ولا تخف على نفسك في الطريق فإن الله حفيظ عليم وقد حكي لنا عن رجل وجدوه الظلمة في الطريق وأرادوا قتله فتخالفت الرماح عليه وأنزلوه من جمله فكفتوه فقالوا: هذا خصم اقتلوه، فقال أحدهم: إن قتلتوه ليقتلوا أعداؤكم سبعين رجلاً مثله من أصحابكم. قال: فحلوه في صلبه مكفوتاً ثم قيل لهم إن الرجل هو صديق لكم. وآخرون نظروا رجلاً فقالوا هذا خصم وضربوه أربع ضربات تفق وأحاطوا به ليضربوه بالسيوف ثم عرفه رجل منهم أنه صديق لهم فسلمه الله منهم بعد الشدة فانظر فيما ذكرته لك وعليك بالحزم في جميع الأمور. ثم امتثل ابن الملك لقول الرجل وخرج من البلدان يأكل من ورق الأشجار ومن الثمار ولا أحد أشار عليه بطعام في ملك أخيه فلما قطع ملك أخيه وبدأ برعايا غيره ودخل بلدانهم سألوه أهل البلد أين قاصد أيها الرجل فقال لهم: أنا غريب وابن السبيل درويش، فأعطوه الطعام وولى عنهم إلى بلد أخرى فلما وصل مع منازل الناس سألوه قال لهم: أنا رجل درويش فأطعموه الطعام وأهدوا إلي كسوة عن البرد ومشى عنهم حتى وصل البلد الأخرى فالتقوه وحيوه وكرموه وقالوا له: أين قصدك؟ فقال لهم: أنا ابن السبيل. (2/147)
صفحة 577
فأعطوه حمارة ليركب عليها وولى عنهم ثم وصل البلد الأخرى فنهضوا أصحابها إليه مسرعون وصافحوه وأخذوا الحمارة من عنده وكرموه وأطعموا الحمارة وسألوه عن حاله فأجابهم: أنا ابن السبيل. فقالوا له: بكم أخذت هذه الحمارة من أصحابها؟ فقال لهم: أعطوني إياها قربة لله تعالى، فلما أراد المسير قالوا له: يا ابن السبيل فهذه من عندنا لك ناقة أروف لك من الحمارة في الفلاة، فأخذ الناقة وترك لهم الحمارة وسار عنهم حتى وصل بلد الأخرى فنهضوا إليه سكانها وعظموه وكرموه وسألوه عن أمره فأخبرهم أنه ابن السبيل وسألوه عن الناقة فأخبرهم بهدية أصحابها إليه فقالوا في أنفسهم: ابن السبيل شاعر ونخاف إن أعطيناه قليلاً لشعر (1)
__________
(1) 1 _ أي قال فينا شعراً .. (2/148)
صفحة 578
بنا مع الناس، فلما أراد المسير وهب له أميرها خادماً وفرساً ووادعهما فقطعا السيوح هو والخادم حتى وصلا بالبلد الأخرى فنزلا في المقام وقصد الخادم إلى أميرها لأنه دليل في تلك البلد فأخبر الخادم بمولاه وجاء الأمير ونقلهما إلى الحصن وكرمهما، فلما أراد المسير أهدى إليه ثلاثة رؤوس خيل وثلاثة عبيد ومشوا إلى البلد الأخرى فلما نزلوا فيها مر عليهم سلطانها فساق إليهم الموائد والطعام ودعاهم إلى الحصن وسألهم عن حال الرجل فأخبروه الخدم بالقصة وأشار عليه بالجلوس في داره وأن يكفيه مؤنته وخدمه وخيله فأبى عن الوقوف فقال السلطان: طريقكم هذه بها خوف كثير من البداة وأخاف عليكم أن لا تبلغوا دار السلطان الكبير، فقال ابن السبيل: ونحن في أمان الله وحفظه، فوهب لهم ستة رؤوس عبيد وسبعة رؤوس خيل وأعطاه من الدراهم ما يكفيه لستة ووادعوا السلطان وركبوا الخيل يقطعون الفيافي والقفار بالليل والنهار حتى مضت عليهم تسعة أيام وفي اليوم العاشر رأوا في مقدمهم غبرة إلى السماء وهي مقبلة عليهم فإذا هم بأربعمائة من البداة راكبين على الإبل وهم الذين يقطعون الطريق ويقتلون الفرسان فأمر عبيده بالحذر التام وأقبل على القوم يكلمهم فلا ردوا عليه السلام، فقالوا له: اترك الخيل والرقيق ونسلمك بنفسك. (2/149)
صفحة 579
فقال لهم : يأبى الله أن تأخذوها دون القتال وإنا نخاف على أنفسنا من النار والعار ولكنكم أنتم اتركوا سبيلنا ونسير في طريقنا، فقالوا له: لا زيادة بيننا وبينك في الكلام، فقال لهم: خذوا حذركم منا، فقالوا له: وكيف أنت صانع فينا، قال لهم: أطرح رؤوسكم في هذه البرية، فقالوا له: وما تنظر كثرة قومنا؟ فقال لهم: كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة وإن نصرني ربي عليكم فلا غالب لكم وإن يخذلكم فمن ذا الذي ينصركم من بعده، فقالوا له: نحن نهوي كالشياطين، فقال لهم: ونحن نجوم رجوماً للشياطين، فصح بينهم القتال وحملت الخيل على الإبل فتفرقت في البطاح وصح في البداة الضرب بالسيوف والطعن بالرماح فولوا مدبرين هاربين مقتولين ويصيحون في فرقانهم فسلم الله ابن السبيل وخدمه وولى عن المعركة قاصدين إلى بلد السلطان فوصلوا في دار السلطان ولا سألهم سائل ولا تعرفوا بأحد فشروا من عندهم الطعام والعيش من السوق وأقاموا فيها يريحون نفوسهم وخيلهم. (2/150)
صفحة 580
رجعنا إلى البداة: فجمعوا جيشاً عظيماً بقدر مائة ألف أو يزيدون وظنوا في نفوسهم أن أصحاب السلطان قتلوا أصحابهم وهم من دأبهم لهم قوة على السلطان يأخذون من عنده الجباية في كل حول فكتبوا البداة إلى السلطان إن كنت تريد سلامتك أنت وأصحابك فارحل من دارك بلا مراجعة منا إليك ونحن معكم فكونوا منا في أشد حذر، فوصل التعريف إلى السلطان وجمع أهل بلده فناظرهم في الأمر فآل نظرهم إلى الرحيل لسلامة نفوسهم وذهاب أموالهم وداره، فلما سمع ابن السبيل كلام أهل البلد أقبل إلى الملك وقال له: يا أيها الملك بئس بقومك لا يجاهدون عن نفوسهم وأموالهم وهل هناك أعظم جهاداً ممن يقاتل على بيته وأهله وأولاده وماله؟ فقال الملك لهم: ما تقولون؟ فقالوا: لا نطيق على القتال، فقال لهم ابن السبيل: ما تقولون في الذي يكفيكم شر هؤلاء القوم وأنت تكونوا في بلدكم سالمين آمنين نائمين؟ فقال الأمير وأصحابه: نحن خدم له نكتب نفوسنا وأموالنا له، فقال لهم: أنا أكفيكم شرهم وأعطني مفاتيح البارود (1) فأعطاه المفاتيح وحملوا الدواء الخدم وقصدوا إلى البداة بالليل فأحاط بالقوم من بعيد وجعل الخدم في إحاطة القوم كل معه ما حمل من الدواء وحفروا له حفيرة ودفنوه إلا قليلاً منه وأمرهم أن يكووا الدواء في ساعة واحدة وأن يجلدوا البداة بالحديد فأول من أحرق الدواء هو ثم الخدم فارتجت الأرض وما عليها وأظلمت من الدخان فنهضوا البداة يقتلون بعضهم بعضا والبوش ترقص فيهم والخيل والخدم مهما أقبل إليهم أحد قتلوه فهلكوا البداة وإبلهم وما طلع منهم إلا قليل، وأما أهل البلد لما سمعوا الزلزلة العظيمة والصواعق والصيحات ارتجت فرائصهم وخافوا على نفوسهم حتى أوصل إليهم ابن السبيل وخدمه فقال لهم: سيروا انظروا ما قضى الله عليهم وأريد الوفاء بالعهد فقالوا له: أنت سيدنا ومولانا، فقال لهم: اسرجوا على خيولكم وتأهبوا لتلحقوا البداة إلى فرقانهم فصاحبوه
__________
(1) 1 – في الأصل : البيروت (2/151)
صفحة 581
أهل البلد كلهم فالشراد من البداة يعلمون الناس أهل البلدان بالنهار وهذا يصل إليهم بالرواح فكلما وصل إلى بلد استطاعوا له وصاحبوه حتى وصل إلى فرقان البداة واستكانوا له وقطع جميع تلك الديار إلى ساحل البحر فتابعوه ورجع إلى البلد ودانت له الخلق فاستقام في ملكه وتشييد بنيانه فخضعت له جميع المدائن برها وبحرها الذي بقرب تلك الأمصار ولم يزل في البحث والسؤال عن مملكة أخيه والناس لا يعرفون إرادته حتى سمع بموت أخيه والناس لا يعرفوه فكتب لهم من الملك فلان بن فلان الفلاني إلى كافة من تشتمل بأرض كذا وكذا أما بعد سمعنا بوفاة أخينا وواصلكم خادمنا وبلسانه كافة أخبارنا والسلام. فأمّر على خادمه الذي هو أول من أهدي إليه وهو دليل بالطريق والأخبار وقال له: اقصد إلى أرض كذا وكذا وأعطهم التعريف وخذ ما تريد من الناس لصحبة الطريق والمطلوب منهم الجواب وأنت قف في بلدهم فقصد الخادم إلى تلك ألأرض فلما وصل سأل عن أميرها فقالوا له: إن ملكها مات فما حاجتك أنت، فقال: أعطاني مولاي تعريفاً لكم، فقالوا له: إن الأمر في هذا الزمان شورى بين الناس فأعطاهم المكتوب وبكوا، فقال لهم: وما يبكيكم ؟ فلا صح له جواب. فجر سيفه عليهم وأوموا إليه بالوقوف، فقالوا له: وأين مولاك الآن؟ قال لهم: أما تعرفوه أنتم إنه مالك الأمصار والأقطار؟ فقالوا: لا نعرفه وقد صحت منا الإساءة فيه، فلما سمعهم الخادم جذب سيفه هو وأصحابه وحمل عليهم فناموا فجعل يضربهم برجليه، فقالوا له: افعل ما أمرك فينا، قال: ما أمرني إلا بالجواب يطلب من عندكم، فقالوا له: لا نعرف أمره وقد كان من أمره كذا وكذا وصح منا له كذا وكذا، فلما سمعهم الخادم غضب عليهم وأمر بقتلهم فقبضوه أصحابه وقالوا له: أرسل مولاك إليهم وأرادك أن تقص عليهم قصته من أولها إلى آخرها. فجعل الخادم يحدثهم بوصول مولاه إليهم وبهدية هو بنفسه إليه وقص عليهم ما جرى في زمانهم. (2/152)
صفحة 582
فقالوا له: كن أنت في الحصن ونحن نقصد معه ونريد دليلاً من أصحابك فوقف الخادم وأعطاهم أدلة للطريق ومشوا أكابرهم حتى وصلوا قرب موطن الملك أرسلوا إليه الدليل بوصولهم فأخبر الملك بوصولهم. فقال له: ارجع إليهم وأن يكونوا في الصحراء مع البطحاء وأمر ينادي مناديه بالخروج لصلاة الجمعة في الصحراء فخرج جميع الناس، فلما حضر وقت صلاة الجمعة قال للدليل: قل لأصحابك الواصلين أن يتقدم أحدهم إلى الصلاة والخطبة فتقدم أحدهم وخطب ونشر العزاء للملك فلان بن فلان الفلاني الذي أصله من أرض كذا وكذا، فحينئذ عرفوا الناس نسبه وموطنه، فلما قضوا صلاتهم قادوا نفوسهم إليه وعفا عنهم وصاحبوه إلى الحصن، فقربهم وعظموهم أصحابه وأهل مملكته فبلغ الملك من قوة سعادته مع ولادته وإصلاح رب بيت عزه ينظر إلى بيت نفسه والسلام.
الذكر الحادي والأربعون
في معرفة الأمناء والوكلاء وفي قصتهم، وفي ضرب من الحساب للموافقة بين الزوجين والرجلين والخصمين.
... قال ذو الغبراء: سألت صاحبي عن صفة الأمناء والوكلاء؟ قال: أما الجواب في الذي ذكرته في الوكلاء والأمناء فمنازلهم ومراتبهم لها أوجه وسأبين لك بعضاً من معانيها لأن العلماء والعباد والزهاد لا يصلحون كلهم للوكالة ويشهدون على أنفسهم كما يشهد عليهم ممن علم بمراتبهم، وكثير من الناس من يصلح لوكالة الموقوف والأيتام والأغياب لا من زهدهم وورعهم أخذوها ولكن من اجتهادهم ومحبتهم الزيادة لأموالهم وإصلاحاً لدنياهم وحاسبوا نفوسهم مخافة أن يأخذوها من أياديهم لأن رأينا كثيراً من أهل الظلم والفسق يمتثلون في النصيحة من أهل الورع وكثير من أهل الورع وأهل العلم لم يفوضوا الأمر إذا رأوا أهل الورع في صلاح أموالهم ونسائهم وأولادهم وكل أخبر بأهل زمانه (2/153)
صفحة 583
والوجه الثاني من الناس امتنعوا عن الدخول طلباً لسلامة نفوسهم فيما بينهم وبين ربهم لأنه لو كلفهم مكلف على شيء من مداخل الوكالات والأمانات لضاعت على أيديهم وطمعوا بالدراهم فخانوا أماناتهم فينبغي للعارف لا يكلف مثل هؤلاء.
والوجه الثالث من الناس اجتهدوا في وكالتهم لصلاح دينهم ودنياهم ويسألون مولاهم السلامة من الدنيا والعاقبة في العقبى فمنهم مات سالماً ومنهم من أحاط به اللعين وتابعه فلما انتبه رجع إلى مولاه فلا يعجل على مثل هؤلاء إن زلوا لأنهم أقرب إلى الرجوع. وقد حكي لنا عن رجل من المسلمين مشهور بحفظ الأمانات ويثني عليه العارف بعلومها والحاضر والبادي بأمانته فأقبل إليه رجل من المسلمين يريد أن يأمنه شيئاً من الفصوص فأخذها من عنده فقال المقبض لصاحب الفصوص وإن حدث عليك موت أتوصي بها لأحد حتى أقبضه الفصوص، قال له: قبّضها ولدي فلان إن سألك عنها. ومشى المؤمّن قاصداً إلى بيته ومضت عليه السنين فنزل به مرض الموت وقال لولده: أوصيك أيها الولد بأن معي كتاباً وجعلته في مكان خفي وعلمته انظر ها هناك موضعها كما ترى وخفت عليه من السرقة أو أن يأخذها أحد من أهل الجور ولا أقدر عليه وإني كتبت في بخط يدي مما يغنيك في دنياك فمات في مرضه، وجاء الأمين مع الولد وعزاه من قبل أبيه ثم قال له: هل أوصاك أبيك بشيء من قبلي. (2/154)
صفحة 584
قال له: ما سمعته يذكر شيئاً، فمشى الأمين وشرى مالاً من بلده بالثمن الكثير وعجز عن تسليم الجميع وتذكر في قلبه لعلي أبيع الفصوص التي عندي وأسد به خلتي فأخذها وباعها على الملك وطالت عليه المدة ومات السلطان وتذكر ولد الهالك الكتاب الذي أوصاه به أبوه فأخذه ووجد فيه تاريخاً بخط يده أني أمنت الأمين فلان فصوصاً في يوم كذا من شهر كذا من سنة كذا وكذا فقصد ولد الهالك مع الأمين وسأله عن الفصوص الذي رفعها والده معه فأنكر وجحد الأمين الفصوص ومشى ولد الهالك مع الحاكم وألزم الأمين فيها فجحدها مع الحاكم وألزمه اليمين فحلف بالله أن لا رفع عنده فصوصاً فبعد اليمين ظهرت بالأمين علة وطالت عليه المدة وعرف في قلبه أن هذا البلاء عقوبة من ربه فندم على ذنبه وقصد إلى ورثاء السلطان وسألهم عن الفصوص وأعطاهم ثمنها ورجع إلى ولد الهالك وقال له: هذه أمانة أبيك، فأبى الولد عن قبضها في تلك الساعة ثم حضر الحاكم وولد الهالك وأمره الحاكم بأخذ حقه من عند الأمين فأخذها الفصوص فسأل الأمين مولاه أن يرفعه من الدنيا مخافة أن لا يملك نفسه هواها. (2/155)
صفحة 585
والوجه الرابع لا أمانة للرجال مع النساء إلا الأنبياء والمرسلون وقد هلكوا العلماء والعباد بسبب النساء وهم كانوا يسبحون الله في الليل والنهار، وهم يعرفون الله حق معرفته ويبكون من خشيته ويرجون رحمته ولكن لا حول عن معصيته ولا قوة على طاعته إلا بمعونته فمن عصمه الله نجا ومن نزل به البلاء بسبب النساء ورأى كأنه نجا فإنه يمكن به سقم أو جوع أو خائف من أحد أو كان في وقت مصيبة نازلة به، وأما إذا كان في خلوة وهو صحيح الجسم ولا عليه رقيب وأقبلت إليه امرأة شابة عليها الحلي والحلل فلا شك أن قلبه لا يفارقها ولو ذكر ربه والجنة والنار لأجال الشيطان على قلبه، وسئل أبو سعيد رحمه الله عن المرأة التقية هل يجوز لها أن تسافر في صحبة الرجل الثقة الأمين؟ قال أبو سعيد: لا يجوز للمرأة أن تسافر مع الأجنبي لأن الشيطان يكون لهما ثالثاً يحرك قلب هذا وهذا حتى يجمع بينهما. (2/156)
صفحة 586
... قال ذو الغبراء: وقد سمعنا عن الوالد يفجر بابنته والأخ بأخته والزوج بربيبته والبناو (1) بعمته والولد بأمه وولد الولد بجدته وبخالاته وعماته والخادم بمولاته فينبغي للرجل يمنع زوجته عن أمها وإخوتها وجداتها خوف منهن يأكلن عليها ويقود بها للفسقة لأنا رأينا كثيراً من النساء يفتخرن ببناتهن ويأكلن عليهن أو أن يجمعن النساء حتى يسحقن بعضهن بعضا وكذلك يمنعها عن آبائها وأولادها وإخوتها وعمومتها وأخوالها وجيرانها وعن آبائه وإخوانه وأمهاته وأقاربه مخافة أن يفعلوا بها أو يتأكلوا عليها لأن ليس كل أحد له قلب واعٍ في هذه الفنون ولا يمنع الداخل عن أهله وبيته فكل ما ذكرناهم من الأرحام من الرجال والنساء أولى الوقوف عن قربهم إلا أن يكونوا ثقاة وعدولا ولا يعرفون فنون النساء والرجال فمثل من كانت منزلته كذلك يحسن به الظن، وإن قال قائل إن فعل المعصية من ضعف عقيدة القلب والسالم في الدنيا من حسن عقيدته فلا أرى كمثل ما قال لأن كثيراً من الناس في أكثر زمانهم عقيدتهم ضعيفة وهم فجرة كفرة وتابوا إلى الله فتاب الله عليهم وكثير من الناس عقيدتهم حسنة يبيتون سجداً وقياما مثل أولاد الأنبياء والعلماء والزهاد والصحابة يؤخذ عنهم العلم فحق عليهم القول بشيء من المعاصي فهلكوا، أو إن سلم أحد من الفتن فلا من قوته ولا من بصيرته بل بفضل الله إليه ، وقد حكي لنا عن رجل أراد أن يتزوج امرأة وخطبها مع أهلها وقالوا له أولياؤها إن الأمر إليها فسألوها فأجابت أوليائها بالرغبة والإرادة فنكثوا عليه الأولياء ولا قدر عليهم بحيلة فتعاشقا الرجل والمرأة وطالت عليهم المدة وصح بينهما اللقاء في الفلاة والخلوة وكشفوا سرهما ومودتهما فلا حملت المرأة نفسها وطاحت غشيانة في حجر الرجل من الحب والشوق فحدرها الرجل من حجره وهي تستجير به أن يكسر لها شهوتها ويبرد لها قلبها من الاحتراق فقال لها:
__________
(1) 1 – ابن ضرة المرأة ، والعمة هنا بمعنى زوجة الأب . (2/157)
صفحة 587
ونحن اجتهادنا في الحلال الدائم لا مرادنا في ساعة للحرام فتحترق الأجسام في الدنيا بذهاب الحلال فنهضت عنه ومشت وبها الخجل فما طالت بها الأيام حتى ماتت المرأة وتزوج الرجل بامرأة وسكن ورزقه الله أولاداً ذكوراً وإناثا حتى سمع القارئ في الأثر عن الذين هلكوا من أهل السلف من قبل مداخلة النساء إليهم، وقال في كتابه ينبغي للرجل أن ينفر عن المرأة كما ينفر الأسد وأشد عليه مقاربة النساء من مقاربة الحيات والأفاعي أو مصادمة الشجعان في الازدحام ولا أراها أعظم مصيبة من قربة النساء . فقال لهم الرجل: أما من أطاع الله ورسوله فإن الله يعينه على الطاعة ويمنعه عن النساء والفتن والذين هلكوا هم في أخس من زلة قبل أن يواقعوا معصية الله، ومشى عنهم الرجل إلى بيته ونام إلى الصبح ونهض إلى الصلاة فلما صلى وسلم تضرع إلى مولاه بالدعاء إلى وقت صلاة الضحى فصلى وراح إلى بيته واستفتح بشيء من الطعام ومشى إلى الفلاة يريد خشبة فهم في قطع الخشبة ووصلت عنده امرأة متزينة مرادها تجمع حطباً فقامت تأخذ الحطب الدقيق حتى جمعت منه بقدر حملها وتكلم الرجل بكلام لطيف وصوت غضيض ولها رائحة طيبة في الفلاة تجلبها الريح إليه فأسرع الرجل بنظره إلى المرأة وفكر في صورتها قليلاً وغض طرفه ثم أعاد النظر ثانية وثالثة ولاطفها بالكلام فتعانقا في مجلسهما وجامعها ودخل الشيطان بينهما حتى حضرت شهوتهما والراعي ينظر إليهما فندم الرجل على فعله وتطهر وتوضأ وقام إلى الصلاة ودعا الله تعالى أنه لا طاقة له على معصية الله وأن يرفعه الله من الدنيا. (2/158)
صفحة 588
... رجعنا إلى الراعي لما رآهما قصد مسرعاً إلى أخوة المرأة وأخبرهم بفعل الرجل لأختهم بموضع كذا وكذا فمشوا الأخوة نحوهما ووجدوا أختهم في الطريق حاملة للحطب وسألوها عن تأخيرها وفعلها فقرت بفعلها ثم وثبوا على الرجل فوجدوه مستقبل القبلة يدعو الله تعالى قالوا اقتلوا الكلب الدنس الفاجر الفاعل الفاحشة فقتلوه وحملوه إلى حفيرة ودفنوه ورجعوا وهزبوا (1) الراعي وأختهم عن البيان، فأما أخبار المقتول فقدوه أهله فلم يجدوا له بيان ولا أثر ولا خبر فغاب خبره عن العيون حتى ظهرت بالفاعلين علة وطالت عليهم المدة فاحتالوا على أنفسهم بكل حيلة فلا نفعهم دواء وسألوا أهل البصر فدلوهم بالمغابير (2) الحروز والأدوية فلا زادهم إلا ضعفا حتى وصل إلى دارهم رجل يعرف عزيمة الصرع فسألوه الناس عن أشياء كثيرة فأجابهم فيها وأصاب حتى سألوه عن المرضى فقال لهم الصارع: أحضروا أهل البلد كلهم، فقال لهم: ائتوني بالمرضى.
__________
(1) 1 – أي هددوا وأخافوا .
(2) 1 – جمع مغبار وهو البخور الذي يوقد في مكان معين لإرضاء الجن بحسب زعم الدجالين . (2/159)
صفحة 589
فأتوهم إليه، قال لهم الصارع: أيعجبكم سأخبركم بعلتهم ودوائها؟ فقالوا: نعم، قال: هؤلاء قتلوا رجلاً زاهداً عابداً قد واقع الفاحشة بأختهم في الموضع الفلاني ولكنه تاب إلى الله وتضرع إلى مولاه أن يرفعه من دنياه وهؤلاء المرضى أخبرهم بالفاحشة راعي غنم البلد فوثبوا إليه وقتلوه ودفنوه بالحفيرة الفلانية فانظروا إلى تلك الحفيرة فإنكم تجدون عظامه، قال: فقصدوا إلى الحفيرة ونظروا العظام وأقر الفاعلون، فقال لهم: وإن قادوا نفوسهم يبرأون من علتهم، قال: فقادوا نفوسهم إلى أولاد المقتول وطلبوا الأولاد الدية فسلموا إليهم دية أبيهم فأبرأهم الله وكشف الله سر القاتل والمقتول في الدنيا دون الآخرة، وأما المرأة ثبتت على إقرارها بالزنا فحرمت على زوجها وأعطته جميع ما ساقه إليها ولم يكن في ذلك الزمان إمام عدل مالك مصراً ليقيم عليها الحد ولكن عزروها أولياؤها.
والوجه الخامس أكثر الناس يضعون الأمانة في غير محلها والساعون لا ينظرون إلى مجازها ومداخلها ومخارجها يحسبونه هيناً وهو عند الله عظيم، فانظر لمن ابتلي بالمواقيف (1) والوصايا والأمانات ومثل البنايات والشراكات لا يبالي بنزول الضرر على الأهل والقرباء والشركاء والجيران وتتولد عليهم فتن وذهاب الأموال بالظلم فينبغي للعاقل أن يقف عن كل مشتبه لأن الواقف سالم والداخل في الأمور بغير علم نادم.
__________
(1) 2 – جمع وقف وهو ما جعل صرفه لجهة معينة ابتغاء ألأجر من الله وهو الذي سماه الرسول - صلى الله عليه وسلم - ( الصدقة الجارية ) . (2/160)
صفحة 590
قال ذو الغبراء: حدثني رجل قل ما في يده من الأموال وسأل ما أحسن له من الأعمال فقيل له انظر إلى كتاب التحلية واعرف نجمك وسلي نفسك فإنك ترى فيه ما يسرك وما يضرك ولكنك تعلم حروف الأبجدية بالجمل الكبير وأسقط عددها على ما تراه في الكتب مؤثرا لأن النجوم اثنا عشر برجاً وتسقط حروف الاسم على اثني عشر وتعطي البروج ما بقي في يدك والابتداء من الحمل وآخرها الحوت هو الثاني عشر فإن عرفت الحساب وضبطته ضبطاً جيداً فاحسب إلى ما تريد من جميع الأمور ثم انظر نجمك ونجم الذي طلبته إن كان من الذكور أو من الإناث أو نجم البلدان أو المال أوسلعة التجارة أو أردت شراء دابة وكل شيء له اسم فاحسب اسمه واسم أمه والبلدان فأمها مكة والمال فأمه البلد واعرف نجم المطلوب وقس فيه على نجمك أو نجم من تريد للطالب والمطلوب، فاعلم أن النار والريح متفقان إلا أن النار أقوى من الريح، والتراب والماء متفقان ولكن من كان نجمه التراب هو الجاذب للماء وإلا غلب، واعرف البرج أنه متقلب أو ثابت أو مجسد لأن البرج الثابت أثقل من المجسد، والمجسد أقوى من المتقلب، وأما البروج النارية فإنها تتفق إلا المقابل منهما لصاحبه فهو عدو له، والترابية مثلها، والرياحية مثلها، والمائية كذلك، وإن كان البرج الطالب ذكراً والمطلوب برجه أنثى كان أحسن للموافقة، وإن اختلفا فبضد ما ذكرناه، والناري والترابي فالناري أقوى من الترابي، والترابي أقوى من الرياحي والرياحي أقوى من المائي والمائي ضعيف فانظر فيما ذكرناه وقس بعقلك في جميع ما تراه، وبعض يحسب بالغالب والمغلوب وهو صحيح وهو أن يحسب الإنسان اسمه بالجمل الكبير ويسقطه تسعة تسعة ويعرف ما بقي في يده ويحسب اسم من يطلبه ويسقطه كذلك تسعة تسعة ويعرف ما بقي من حسابه وينظر ما بقي منهما مما تراه أقوى فهو الغالب واعلم إن طاح في الأفراد فالأقل يغلب الأكثر وكذلك إن طاحا في الأزواج فالأقل يغلب الأكثر، وأما إن طاح حسابها (2/161)
صفحة 591
أحدهما في الإفراد والثاني في الأزواج فالذي تراه أكثر عدده هو الغالب، وأما إن اتفقا الطالب والمطلوب في عد واحد فإن كانا في الإفراد فالطالب الغالب وإن كانا في الأزواج فالمطلوب الغالب وإن كان الطالب والمطلوب اسمهما واحد فأصغر السن هو الغالب قال الشيخ ناصر: يحتاج إلى نظر في أصغر السن فتدبر في هذا الحساب فهو صحيح مجرب في كل ما تريده من الأمور. ومنهم من يحسب اسم الطالب والمطلوب في الموافقة بين الرجلين والزوجين ويسقط اسمهما ثلاثة ثلاثة فإن بقي واحد فالرجل الغالب وإن بقي اثنان فالمرأة الغالبة وإن بقي ثلاثة فبينهما اتفاق فاعتبرنا هذا الحساب فوجدناه موافقا. ومنهم من يحسب اسم الرجل واسم أمه واسم المرأة واسم أمها ويجمعهما جميعاً ويسقط ثمانية ثمانية فانظر فيما بقي في يدك فإن بقي زوجاً فبينهما اتفاق وإن بقي فرداً فبينهما اختلاف وقس بعقلك في الحساب من الرجال والنساء فإنه يتبين لك البرهان. وأما ما قيل في بركة الأرزاق فإنه يحسب اسم البلد واسم مكة واسم الطالب واسم أمه ويسقط أربعة أربعة فإن بقي واحد فالرزق في تلك البلدة قليل وإن بقي اثنان فإنه مكتفي برزقه وإن بقي ثلاثة فموسر وإن بقي أربعة فهو يعلو على أهل اليسر فرأينا في هذا الحساب ليس موافقا ورأينا البروج وموافقاتها أصح من هذا الحساب فمن اعتبر في الحساب وتزوج على ما ذكرناه وسكن في البلد الموافقة لنجمه فإنه يرى الصلاح من الزوجة ويتسع له الرزق في البلد. (2/162)
صفحة 592
قال ذو الغبراء: تعلم رجل هذا الحساب وسافر إلى بلد يريد فيها السكون وهي موافقة لنجمه وتزوج امرأة فذهبت أمواله لصداقها وأخذت عليه البلد لا أعطته فما وجد فيها ربحاً ورجع إلى وطنه الأول وسأل شيخه عن ذلك قال له: لعلك خرجت من دارك الذي هو وطنك بيوم نحسة أو بساعة نحسة أو القمر في منزلة نحسة؟ قال: نعم سافرت بشيء من أيام الكوامل السبع، فقال: من هاهنا العلة ما من البلد وما قاسوه العلماء فهو موافق وأبصر من المتعلمين لا منازلهم كالحاسبين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم أجمعين.
الذكر الثاني والأربعون
جامع في الأصول من الشرع والطب والأدوية والقصص الواردة على الشاب وما أصابه من الشدة والفرج. (2/163)
صفحة 593
... قال ذو الغبراء: جلست يوماً عند صاحبي ورأيته مسروراً قلت في قلبي: لعلي أستفيد اليوم منه فقربت منه وقال لي: ما حاجتك يا ذا الغبراء؟ قلت له: أريد منك قصة جامعة في الأصول وأريدها تجري في العروق كالماء البارد الذي يسلي على القلوب. فقال: مرحباً ونعم ما أردت وأسال الله الإعانة ومنه البداية، اعلم أني سمعت أشياخنا في مجلسهم يقرأون كتاباً فيه قصة عن رجل مسلم معه زوجة صالحة عقيمة قالوا وإن أكلت المرأة الفول أربعين يوماً قبل الغذاء صارت عقيماً لا تحمل أبدا وإن دخلك الشك في هذا فأعطي الدجاجة الفول أياماً فإنها لا تبيض، وإذا شربت المرأة أنفحة الأرنب ثلاثة أيام بعد الطهر منعت الحبل وذهبت الرطوبة السائلة من الرحم وتنفع من الصرع سقياً بالخل وتعين على الحمل إذا احتملت منها المرأة بعد الطهر وهي نافعة من كل سيلان ونزف من النساء وتحلل الدم واللبن الجامدين والجلط الغليظة وتجمد كل ذائب لأنها حارة يابسة وتنفع من اختناق الرحم ومن قروح الأمعاء. قال: وسألت المرأة بعلها أن يلتمس لها طبيباً حتى يعرف الطبيب ما فيها وما منعها عن الحبل فقصد الزوج مع الطبيب وسأله عن امرأته أنها عقيمة أتدلنا على شيء نتسبب لها؟ فقال الطبيب: أما المنع على سبعة أحوال فالأول إذا كانت برودة في رحم المرأة منعها عن الحمل وبيانه إذا جامعها زوجها تشكي رأسها فدواءها عين حمارة بعد أن تيبس وتوضع عليها شحم أو سمن البقر الحولي وتجعله في صوفة وتحمله المرأة ليلة غسلت من حيضها ثلاثة أيام ويأتيها زوجها مع ذلك يسهل حملها، وقيل إذا كان برودة في رحمها فإنها توسم من أعلى السرة بقدر إبهام اليد كية وعن شمالي السرة بعدها بقدر الإبهام كية وتوسم تحت الصلب ثلاث كيات فإنها تحبل بإذن الله تعالى. (2/164)
صفحة 594
والوجه الثاني يتحول رحمها ولا تكون بها شهوة فإذا جامعها زوجها تشتكي خاصرتها وبطنها فدواءها تأخذ حب القطن وترضه وتأخذ لبه وتأخذ مرارة كبش أجذع وتخلط عليه شيئاً من المسك وتعجنهما وتتحمله ثلاثة أيام ويأتيها زوجها فإنها تحمل.
والوجه الثالث يكون في رحمها ريح من الجان وإنها ترى في المنام من يقرع رأسها وذلك أن تأخذ عرق الكراث وتيبسه وتسحقه مع لب الجوز وتشرب منه قليلاً وتتحمل به في صوفة خمسة أيام فإنها تحمل.
والوجه الرابع يكون في الرحم ماء أصفر فإذا جامعها زوجها فإنها تحس في بطنها وقلبها رجفاناً ودواءها تأخذ كموناً ودهن العرش وتضعه في صوفة وتتحمل به خمسة أيام.
والخامس إذا كانت المرأة لا تحيض لا لها دواء.
والوجه السادس من سحر في روحها ومن علاماته فإنها إذا نامت يأتيها في المنام مثل الجن يفزعها فدواءها تأخذ مرارة الكبش وكمون كرماني وشحم الحنظل وتسحقه وتتحمل به ثلاثة أيام فإنها تحمل.
والسابع التي يغلب عليها الشحم في فرجها ورحمها فإذا جامعها زوجها شكت كلوتها وظهرها ورأسها فإذا حاضت أتاها دم وماء أصفر فدواء ذلك تأخذ مرارة ذئب تدقها وتعجنها بعسل النحل وتتحمل بها ثم يجامعها زوجها فإنها تحمل بإذن الله تعالى. وبعض النساء يعملن الخبن ويحملن فهذا بعض البيان والأدوية في الكتب لهذا الفن كثيرة. (2/165)
صفحة 595
قال فرجع الرجل مع زوجته وأخبرها بقول الطبيب فقالت لزوجها قل للطبيب يصل عندنا وقت الضحى ولنجعل له غداءً فمشى الزوج مع الطبيب وقال له تفضل بوصولك عندنا وقت الضحى فأوعده وجاء عندهما وتغدى ونظر إلى وجه المرأة فقال الطبيب مجيباً الرجل إن هذه امرأتك لا تحتاج إلى التماس الدواء للحمل لأنه قارب أجلها ولا أرى لها أكثر من ستة أشهر زمانا. فحزن الرجل وزوجته من قول الطبيب وطاحت في السقم من الهم وفرق الأهل وقطعت القوت في آخر الأيام ولا ساح الماء في حلقها حتى مضت عليها ستة الأشهر وهي في أشد السقم فلا ظهر لهما شيئاً من قول الطبيب واعتمدت لإحياء جسمها بالماء والقوت فارتد عليها الفهم والنظر والعقل وأبرأها الله وظهرت في قلوبهما عداوة الطبيب ونكحها زوجها بعدما أفاقت وحملت من ذلك الجماع فحمد الله تعالى وعلم الطبيب بالحمل وبما فاحوا له من العدواة وأقبل إليهما وسلم عليهما، فقالا له: لولا رد السلام فريضة وإلافما أجبناك أنت عدو لنا لكن فلا بأس جزاؤك على الله، فحلف لهما الطبيب أني ما نصحت أحداً من خلق الله مثلكما ولكن أنتما بالطب جهلاء فما حيليتي في الشحم في الكلى والرحم بإزالته إلا بما قلت لكما، فعلما أنهما مخطئان واستغفرا ربهما وتعذرا للطبيب، وحمّلوه من بيتهما من الهدايا ما لا يطيق حمله، ومشى عنهما واستعد الحمل في بطنها لأنها صححيحة الجسم فلا اشتكت شيئاً حتى تمت أشهره فوضعت به ولداً ذكراً ومن العيوب خالصاً وربته أمه أحسن تربية لا حلت به أسقام وكل يوم في شباب حتى عرف اباه وأمه وقريبه وبعيده وما يسره وما يضره فنزل بأبيه الألم وتناقل في السقم وعرف أنه لا محالة راحل من الدنيا فقال لولده: أوصيك بمشورة فلان وفلان الذي كبر سنه وجلس في مسجده وبيته فلا تنفذ أمراً إلا بإذنه فإنه دليل بالعواقب وقال شعراً:
أيا فرقة الأحباب لا بد لي منك ... ويا دار دنيا إنني راحل عنك (2/166)
صفحة 596
وبأقصر الأيام مالي وللمنى ... ويا سكرات الموت مالي وللضحك
ومالي لا أبكي لنفسي عبرة ... إذا أنا لا أبكي لنفسي فمن أبكي
فلما تم شعره تقاصر عن الكلام حتى قضى الله نحبه في يومه وغسله وصلى عليه شيخه ودعا له بالعفو والغفران فنزلوه مع ارتفاع السجدة لأنه جائز في ذلك الوقت النزول على ما قال لنا الشيخ ناصر، ثم رجع الشيخ مع الولد وقال له مهما بدت لك حاجة أوصل عندي. فقال الولد: أوصني بشيء كما أوصاني أبي بك. فقال له: سر إلى المدرسة مع المعلم وقل له يعلمك واخدمه في المساء والصباح وكف يدك عما في أيدي الصبيان ولا تجادلهم في الكلام، وعليك بالإياس عما في أيدي الناس، ولا تنظر إلى الحرفة فإنها أمك تخدم عليك ما دمت طفلاً إلى جريان ماء شبيبتك، وعليك بالصمت في جميع أمورك. فامتثل الولد لقول الشيخ وقصد مع المعلم فسكنت محبته في قلب المعلم، وأقبل إليه بالتعليم في الحروف والكلام والألفاظ والآداب حتى ترعرع الولد ونظفته (1) أمه وعلمه المعلم الطهارة والنية والصلاة وما ينقضها ومالا ينقضها وفروضها وسننها وحدودها، ثم علمه عقد صيام شهر رمضان وما ينقض الصوم وما لا ينقضه ، وعلمه صلاة القصر والجمع للسفر والنية لتأخير الصلاة وما يجوز له فيها من صلاة المفرد والجماعة وعلمه توحيد البارئ سبحانه وتعالى وبأسمائه الحسنى وأن الله خالق كل شيء ورازق كل شيء وليس كمثله شيء ولا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وأن ما جاء به محمد من عندالله فهو الحق المبين مجملا ومفصلا، وأن يتولى الله ورسوله والمسلمين ويبرئ ممن برئ منه الله ورسوله والمسلمون، وأن لا يخاف في الله لومة لائم. واجتهد الولد في التعليم وحفظ من العلم ما يسر الله له، وبدأ يجري بجسمه ماء شبيبته فازداد جسمه بهاءً وجمالاً فكل من نظره أحد من الرجال والنساء ما غض طرفه عته حتى يتوارى عنه.
__________
(1) 1 – أي ختنته . (2/167)
صفحة 597
فقال له المعلم: اعلم أيها الولد عليك بأداء الفرض قبل النفل والآن فالآجر (1) أن تخدم على نفسك وعلى والدتك لطلب القوت الحلال والكسوة للستر وإن اردت تدخل في أمور الدنيا ففضل دراهم من كد يمينك لتحصن بها فرجك عن المحارم وانظر بعينك وخذ بالذي يهوى قلبك من النساء. ثم فارق المعلم وامتثل لأمره ودخل في أشغال الدنيا واستأجر مع الناس وأخذ في الخدمة وفي جسمه قوة وصحة فكل خدمة أخذها تمها قبل أصحابه المستأجرين فأعجبتهم الناس خدمته وصفاوته وسرعته فرغبوا إلى تقريبه من قناعته وأدبه وإغضاض طرفه عن بيوتهم وعوانيهم (2) وهو يدافع شهوته عن الحرام ولم يجد في يده شيء لإحصان فرجه بالحلال فوصل مع شيخه وسأله بالذي يجوز له من النكاح فقال له شيخه: اقصد أيها الولد مع حاكم البلد. فقصد إليه ورأى الحاكم جسمه أسود اللون مظلم الوجه كالح الأنياب قريب الغضب فسلم عليه ورد عليه الجواب وقال له: ما حاجتك عندي أيها الولد سائلاً أم شاكياً؟ فقال له: جئت عندك لتدلني على امرأة أستر بها عورتي، ولكني أراك أيها الحاكم نحيل الجسم فأجابه، أما سمعت أن من جعل قاضياً فقد ذبح بغير سكين، أما سمعت عن الملك مالك خازن جهنم يفوح من مناخره لهيب ودخان ولا زال به الغضب على العصاة وأنا في أشد بلية من عداوة المحكوم عليه ومن خوف الله أن يدخلني الطمع والشف (3) ومتابعة الهوى فهذه علتي في جسمي لم تزل ما زلت في الحكم ثم قال: كيف مطلوبك من النساء ألك قدرة مع الأغنياء أو من نساء الفقراء تريدها بكراً أم شابة أم كهولة أم حيزبونة (4) ؟ فقال الولد: أريدها من أهل بيت وشرف. فقال له الحاكم: الفقير لا يبالي يأخذ من النساء ما حصل لكسر شهوته إن وجد حرة وإلا أخذ أمة.
__________
(1) 1 – أي الأكثر أجراً .
(2) 2 – أي نسائهم
(3) 3 – أي الميل والهوى
(4) 1 – أي عجوز (2/168)
صفحة 598
فرجع الولد مع شيخه وأخبره بقول الحاكم فقال له: الساعة اصبر وإن الله مع الصابرين، ثم أشار عليه أحد من إخوانه أن يخطب ابنة الزاهد فأعجبه قوله وجاء مع شيخه وأخبره بما قيل له عن ابنة الزاهد فقال له شيخه: اعلم ولدي أنا ليس لي معرفة بأصول الناس ولكن ينبغي لك إن أردت امرأة تسأل عنها قبل أن تدخل في أمرها أنها سالمة من الدساس أم لا ولكن تمهل حتى يصل عندنا صاحب الحساب فلما وصل معهما أخبراه أنهما يريد امرأة فحسب لهما ووجد المرأة بكراً أديبة مدينة جميلة ولكن بها عرق من الخؤولة حتى تعرفاها فأشار عليه شيخه بالوقوف عنها، ثم قالت له والدته: إني وجدت لك امرأة فقيرة صغيرة قنوعة صبورة جميلة موافقة لك صاحبة إقبال للرجال وهي ترعى غنماً لفلان كل يوم بأجرة لقوتها وكسوتها . فاسترّ الولد من قول والدته وقصد مع شيخه وأخبره بقول والدته فقال له مهلاً، فدبر للفلكي ووصل معهما وأضمر له الولد فأجابهما بأخلاق المرأة وأنها ثيب قد دخل عليها شاب بالحرام لا بالحلال وصفة لون كذا وكذا فشك الولد في قوله ولم يعجبه قول الفلكي ومشى مع تسريح الأغنام ورأى المرأة فأعجبته صورتها وسألها عن حالها وتزويجها إليه فسرها قوله وأجابته بالرغبة فقالت له: إن كنت راغباً فعجل البناء عن ذهاب شبابنا. (2/169)
صفحة 599
فتقدم الولد إلى الفلاة ينظر المرأة عند رعيها للأغنام وطلع في شارف الجبل فنظر رجلاً بالفلاة واقف للمرأة فلما وصلت عنده المرأة هب بها وسألها عن تأنيها عن عادتها فقالت له: إني وجدت رجلاً وأرادني ليتزوجني فأوعدني ليأخذني واليوم لا تعزل شهوتك عن رحمي فجامعها واستلذت به بشهوته لذة شديدة فقالت له: زدني فزادها وفي ظنها إن حبلت ليأخذها الذي عاهدها فرجعت الابنة بالفرح مع أم الولد وأخبرتها أن ولدها أرادها وإني محبة له وراغبة فيه، فأخبرت الأم ولدها بوصول المرأة عندها فقال لها: إن المرأة كالجحة (1) ورأيت بعيني الجحة مثقوبة ومأكولة فلا فائدة في القشر الخارج إلا للدواب، وأخبر شيخه بما نظر وتصحيح قول الفلكي، وتبين حمل المرأة على الناس وسجنت حتى وضعت حملها، وأما الولد قصد مع الطبيب فرآه قاسي القلب لا يكلم الناس إلا بالغضب وله همة في الطمع. فوصل معه رجل وسأله عن فك اللحى الأسفل. قال: ينبغي أن ينظر فإن كان الكسر قريباً من الفك الأيسر أن تدخل الأصبع الوسطى من اليد اليسرى والسبابة في الفم وترفع بها ليجذب الجاذب من الفك إلى الخارج حتى يستوي وتسويه على شكله من خارج باليد اليمنى فإن كان الكسر في الفك الأيمن فأدخل اليد اليمنى وافعل بها مثل ما ذكرت لك وأنت تعرف رجوع الفك إلى حاله فلما أخبره بهذا أعطاه محمدية. فقال الولد للطبيب: أسألك عن مسألة في الطب. فقال له: قدم العطاء قبل السؤال.
__________
(1) 2 – أي البطيخة (2/170)
صفحة 600
فقال له: أما ترحم فقري وجسمي عن النار والعار وأنا جئت مستجير بك وأقول لك أعوذ بالله من كل غلمة لم تكن لها عدة، فقال له: عليك بالعزلة عن النساء واجتهد لإشمام رؤوس الكاذي وأكل النبق والبقلة الحمفاء مع الخل واللومي وأكل الملوحات والحموضات فإن الله يخفف عنك، قلت له : فما دليلك بالطب ؟ قال: لا بد للإنسان من طب يذب به الداء عن جسده والدخول فيه أولاً أن يعرف الأربع الطبائع وكل طبع له موضع كالحرارة اليابسة لها القلب، والحرارة الرطبة موضعها الكبد، والبرودة اليابسة لها الطحال، والبرودة الرطبة مسكنها الرئة، وكل دواءه بضده ولكن ينبغي أن يعرف العلة وما ينفعها من الأدوية وإن قال الطبع واحد فمنه ثقيل ومنه خفيف ومنه ملين مسهل ومنه قابض ردئ ومنه ممتزج ولا بد من المسهلات قبل أكل الأدوية وكل طبع بتسهيله.
... قلت لذي الغبراء: بيّن لي جامع في التسهيل والحلول؟ قال: يؤخذ عرق الرشا المفترق يغسل جيداً ويقشر عنه جميع التراب ويقشر قشره ثم ييبس ويدق ويؤخذ ملح نصف مثقال ويدق الجميع ويشرب في خل حاذق أو لبن حامض، ومن أخذ من قشر الرشا مثقال ومثله طحين البر ومثله ملح ومثله سكر يطبخ الجميع بسمن بقر وأإن أردت أن يقطع فاشرب لبناً غير ممخوض ويغتسل بالماء البارد، ذكر شربة حبة الملوك توضع حبة الملوك في وسط لوماة وويوضع في عجين وتدخل النار حتى تنضج وتخرج وتفلق الحبة ويخرج من وسطها الذي فيها وتدق وتوضع مع كل حبة حبة اهليليج أصفر منزوع النوى ويعجن بعسل ويؤكل منه قليل فإنه يحل. (2/171)
صفحة 601
قال له الشاب: وما الدليل على معرفة الطبيعة؟ قال له: بثلاثة أشياء أولها بنبض العرق، والثاني بمعرفة البول قبل الاستفتاح، والثالث بمعرفة الفم إن كان حلقه وفمه حاراً فمن الدم، وإن كان مراً فمن الصفراء، وإن كان حامضاً فمن السوداء، وإن كان مالحاً فمن البلغم، وأما الفصد فهو على خطر عظيم ولا يحكمه إلا الأطباء لأن العروق في بني آدم مركبة على تركيب السنة فأولها عرق واحد وينقسم اثنا عشر عرقاً كعدد الأشهر وهي الذي عليها العمل في الفصد ، وكل عرق يتفرق منه ثلاثين عرقاً على عدد أيام الشهر، وكل عرق ينقسم منها أربع وعشرين عرقاً على عدد ساعات الليل والنهار، وكل عرق ينقسم بخمسة عشر عرقاً لأن الساعة خمسة عشر درجة، وكل عرق ينقسم بستين عرقاً لأن الدرجة ستون دقيقة، وكل عرق منها ينقسم بستين عرقاً لأن الدقيقة ستون ثانية، وكل عرق ينقسم بستين عرقاً لأن الثانية ستون ثالثة، وكل عرق ينقسم بستين عرقاً لأن الثالثة ستون رابعة فعلى هذا العدد إلى العواشر، والعصب والعظام كل له عدد وله أدلة في كسره ورضضه وزلله ولا يدخل الإنسان في شيء حتى ينظر الداء ويحكم له بالدواء، ولابد للطب من معلم لأن أكثر موتى المسلمين بسبب الأطباء وعليهم الضمان في ذلك. (2/172)
صفحة 602
ثم رجع الشاب عن الطبيب إلى بيته ونام في ليلته فرأى كأنه طالع إلى جبل عال فلما بلغ قننه أقبلت إليه طيرة خضراء ونزلت في حجره وكلمته بكلام عربي ثم أقبلت إليه نعجة وعليها صوفة حسنة وقبضها بيده ولها رائحة مثل مسك الأذفر فبدت تقرأ الفاتحة والطيرة قرأت سورة الإخلاص والشاب قرأ آية الكرسي فلما تم من قراءته لا قدرت النعجة تمشي عنه ولا الطيرة تفر عنه فوقفا بين يديه والشمس في كبد السماء في برج الحمل وتتصل بالمشتري من تثليث فنهض من نومه وقص رؤياه على شيخه فدعا الشيخ بمفسر الأحلام فوصل معهما وقص الشاب عليه رؤياه فقال: رؤياك تدل على أن تتزوج امرأتان من العرب وتبلغ من السلطان مرادك في دنياك على ما تحب نفسك ولكن قبل البلوغ صعدت الجبل وهو وعث لا بد من البلاء قبل البلوغ. فقال الشاب: بيّن لي شيء من أصول الرؤيا؟ فقال له: قس رؤياك على الكتاب وعلى السنة والأثر فإن الله يفتح لك الأبواب وإياك أن تقص رؤياك إلا على معبر أو أحد من الأخوان من ثقات المسلمين لأن الفال في الرؤيا حجة لتفسيرها فقس على ما ذكرته والله المعين. فقال الشاب: رؤيا منامي زادتني لهيباً في أحشائي. ثم قصد إلى عالم الأمة وسلم عليه ورد عليه الجواب والتحية قال فرآه أحب الحبيب وأقرب القريب وهو المكرم المهيب المهذب الحليم السهل الكريم الكثير الخير القليل الشر البهي الجميل الكثير الصلاة الباذل الزكاة المتجافي عن الفراش الزاهد في الرياش متبسماً حليما متكرماً مهذب الأخلاق طيب المذاق لا يضن بما لديه من مال ولا ينسى ربه في حال ليس بالمايس المغضوب والمتجهم الغضوب حسن البشر طيب الخير مجانب الذنوب مبغض الكذوب لا يسعى إلا فيما يحبه الله ويرضاه. فقال الشاب: جئت عندك شيخنا سائلاً عن أمر دخل في قلبي من حب النساء ولا قدرة لي على المهر. (2/173)
صفحة 603
فقال له عالمه: إن الذي أحبهن هو خيرمنا ولكنك لا تتكلم إلا بما تعرفه أنه جائز لك ولا تدخل في شيء إلا بما تعلم أنه يجوز لك الدخول فيه فإذا عرفته ضبطاً ادخل فيه ما لم يكن عليك فيه مشقة فأول ابتدائك اعرف الحلال والحرام من الأموال والفروج واعرف ما يجب لك وعليك من لوازم النساء والحيض والنفاس والوطئ والامتناع في الإيلاء والظهار، قال: فسكت عني، قلت له زدني زادك الله خيرا، قال: المتعلم له كل يوم مسألة أضبط له في حفظها، قلت له: حفظتها، قال: فرأيته دخل في قلبه الغيظ وقال: ليس هذا من آداب المتعلمين. فازترت عيناه ومشى عني، فراجعته باليوم الثاني فقال: مرحبا بالمحب الشفيق العابد الشاب هو الرفيق والواجب على المعلم أن يعلم بعلمه ويضعه في موضعه وأنت الآن من أهله سل ماشئت. قلت له: ما تقول في المرأة إذا أرادت أن تتزوج ومنعوها أولياؤها وخافت على نفسها الضرر ولم تجد حاكماً والسلطان عند أوليائها وإن وصلت معه ما سرها ولا رد عنها أوليائها كيف الحيلة والجواز لها؟ قال: تخرج من بيتها وتصل في مجلس أوليائها وتقول لهم زوجوني بفلان ابن فلان ويقول لهم الذي أرادها زوجوني كما أمرتكما فإن قالوا حاشا وكلا لا نزوجها وإنا نخاف السلطان على أنفسنا فإن امتنعوا توكله هو بنفسه فإن زوج نفسه بمحضرهما فقد تم نكاحه، فإن عارضه معارض فلا له حجة وقد أقيمت الحجة وإن تشجع أحد وزوجه بأمرها بمحضر الجماعة فحسن وكل أخبر بأهل زمانه. (2/174)
صفحة 604
ومشى عنه وعاوده كل يوم يتعلم من عنده ثم قصد مع شيخه وأراد من صاحب الفلك الوصول فوصل عندهما بالليل وسألاه عن النساء هل ترى في الفلك زوجة للشاب؟ فنظر الفلكي إلى السماء وفكر في الطالع والتابع وما بينهما من أربابهما من المناظرة والاتصال فقال الفلكي: رأيت له زوجتين من أحسن بيت وشرف فواحدة بكر ولها خد أسيل وطرف كحيل إن مشت كأنها عود بان أو قضيب خيزران ناعمة اللحم بيضاء دعجاء وتقول أين زوجي الذي يكون سنه كسني وصورته أحسن من صورتي، والمرأة الثانية ثيب ولكن لها وجه كالبدر المستدير حمراء الشفتين خدلجة الساقين ثقيلة الأعجاز خميصة البطن غايصة العروق والعظام ولكنهما بعيدات عن الوطن على مغرب بنات نعش مسير شهر زمان وفي ظني أنها بلد كذا وكذا لأني نظرت البرج الذي فيه الدليل وحسبت ما قطع من الدرج والدقائق من البرج الثابت ومن هكذا البعد لأن الدقيقة في الثابت ألف خطوة والدار التي فيها المرأتان بها علة الجدري. قال الشيخ لولده: اقصد إلى معلمك الفقيه وأخبره بقول الفلكي لأنه لا يجوز إنفاذ الأمر إلا بسلطان. فقصد الشاب مع معلمه وأخبره بقول الفلكي فقال له معلمه: اقصد مع الطبيب واسأله عن الدواء للداء. فقصد مع الطبيب وسألاه عن أذية الجدري هل لها دواء؟ قال: نعم إن أخذ من قيح الجدري قليلاً ورطب به أكراف الريشة وشطب بها تحت الكتف من اليدين مقدار أربع أصابع شطبان أو ثلاثة في كل زند وصفة الشطب هو أن يأخذ الريشة وبعض يسميها مشرط ويأخذ طرفها ويدخلها بين الجلد واللحم حتى تدخل قليلاً في كل شطب على هذا فإنه يطلع به الحب على قدر ما شطب وتنزل به الحمى كحمة الجدري، والحالة الأخرى شراب الكاذي مهما بدت به الحمى وشرب منه الإنسان بقدر تمرة أو تمرتين أو ثلاث يشرب منه حتى يحله فإنه لا يطلع به الجدري أكثر من عشر حبات وأقله ثلاثاً، وأما بعد ظهور الجدري فلا يشرب منه وهو مضر. (2/175)
صفحة 605
قلت له: فما صفة هذا الدواء؟ قال: هو أن يؤخذ سكر الأقلام وسكر الأبلوج ويطبخ بثلاثة أسهم حليب غنم ثم بخل بكر نصف سهم ثم بماء خشب الكاذي من حيث الورق إن لم تجد الرأس ثم يعصر ماؤه وتطبخ العصارة بقدر أربعة أسهم أو أزيد ثم يؤخذ ماء الصندل الأحمر وماء الصندل الأبيض مبرودين بمبرد حديد وماء العناب وماء تمر الصبار الهندي وقضيمة نجار وبذر المثيبة ورمان حامض ورمان حار وهيل من كل واحد سهم وورد عجمي نصف سهم وكل واحد من الأدوية يطبخ بالماء ويؤخذ ماؤه إلا الرمانين وتمر الصبار لا يحتاج إلى طبخ وفي آخر الأمر ماء ورد أعجمي فإذا صار جامداً مثل العسل الثخين يحدر ويساط بقليل زعفران وقليل قرنفل والشربة منه بقدر تمرة الفرض المتوسطة ويشربه قبل ظهور الجدري في أوان الحمى وأما إن ظهر بالإنسان الجدري فلا يشرب منه خوف أن يقتله لأنه مضر بعد الظهور، وأما اللواتيا والبانيان يشربون حليب البقر مع ابتداء الحمى لا غيره، وإن ظهر حبه في الجسد فيأكل الإنسان الحرارة والسمن وإن حمل بالقيح يأكل البرودة، وإن قهر عليه الحلق يشرب له سكر الأقلام أو الفرصاد وقيل إن الأثمد إذا جعل في الماء وشربه الإنسان نفع الحلق. فقال الشاب للطبيب: أعندك أنت منه؟ قال: نعم عندي، قال له: لعلك تتفضل بشيء منه عليّ، فقال له: هذا معدوم ولا يوهب ولكني أعطيك. فأتى إليه بقدر كيسين عمان. (2/176)
صفحة 606
وقال له: هذا ثمنه مائة محمدية ومهما قدرت ونفعك فأريد الثمن، قال الشاب: فأخذته من عنده وحفظته ورجعت إلى صاحب الفلك فقلت له: لعلك تخبرني بشيء من علوم الفلك؟ قال له: يحتاج إلى تعليمه بالليل والنهار حتى تعرف المنازل والساعات والبروج وأربابها وكل كوكب كم يقطع كل يوم من الدقائق من البروج والمنازل لأن المنازل ثماني وعشرون منزلة والبروج اثنى عشر برجاً كل برج له منزلتان وثلث منزلة والبرج له ساعتين لأن البرج ثلاثين درجة والساعة خمسة عشر درجة والدرجة ستين دقيقة والدقيقة ستين ثانية والثانية ستين ثالثة والثالثة ستين رابعة والربعة ستين خامسة فيبلغ ذلك إحدى وعشرون ألف ألف ومائتين ألف وستة وتسعون ألفاً وسبعمائة ألف وستين ألف ثالثة وستين رابعة يكون مبلغ ذلك ألف ألف ألف وستمائة ألف رابعة فهذه دقائق درج البروج التي تولد بها الناس والدواب والطير وكل ما خلق الله عز وجل من خلق طلع في الساعة الواحدة من هذه الدقائق والروابع ألف ألف وأربعمائة وسبعين ألف ألف وأربعمائة ألف رابعة فمن قبل ذلك لا يوجد وجهان يشتبهان فمن قبل ذلك يختلف الناس في الخلق والصور. قال الشاب: فعجزت عن هذا العلم وما أخذت منه إلا قليلا لصلاح ديني وفرائضي. قال الشاب: سرت يوماً إلى الصحراء ورأيت رجلاً جالساً فدهش عقلي من هيبته فأومأ إلي بوصولي عنده ففزعت منه فزعاً شديداً فقلت له: لعلك أنت صاحب الأسماء والطلاسم؟ فقال لي: أعطاني ربي القليل مما ذكرته، قلت له: أفدني من ذلك فكتب هذه الأبيات:
أتطلب أن تكون كثير مال ... ويسمع منك قولك في المقال
ومن كل النساء ترى وداداً ... تسر به ومن كل الرجال
ويأتيك الغنى وترى سعيداً ... مهاباً مكرماً وكثير مال
وتكفى كل حادثة وضر ... من الأمراء ومن كل والي
فقل يا حي يا قيوم ألفاً ... مكملة على مر الليالي
بليل أو نهار كان فيما ... أشرت إليه يرخص كل غالي
فلازم ما ذكرت ولا تدعه ... ففيه تبلغ الرتب العوالي (2/177)
صفحة 607
وفي ذكرك يا وهاب سراً ... ينيلك ما تريد من السؤال
وتكبر أنت عند الناس طراً ... وتقبض باليمين وبالشمال
قال الشاب: تلوت هذه الأسماء بالليل والنهار ثم نزل بوالدتي السقم وماتت وبقيت وحيداً فضاقت عليّ الدنيا وأنا في العزوبية أعمل لنفسي طعاماً وأكتسي ثياباً من السوق فهممت بالرحيل وقلت لشيخي: لأسافر إلى البلد الذي ذكر فيها النساء فعسى يتوسع علي الرزق فيها ومتى وصلت فيها واستقرت نفسي بها أرسلت إليك تعريفاً وارقبه إلى ستة أشهر فإن لم يصلك بيان مني فاعلم بأني راحل أو في مصيبة من مصائب الدنيا فوادع شيخه وقام يخدم على نفسه في طريقه لمعاشه حتى أوصله الله بقرب الدار الذي أرادها فنظر رجلين من الحرامية ومعهما أسير مرادهما قتله فسلم عليهما وقالا في أنفسهما هذا رجل فقير لا نرى بأيديه سلاح ولا معه متاع فلا فائدة في قتله ولا حاجة لنا به فردا عليه السلام وقال لهما: أريد منكما أن تسمحا لي بتفليت السير. فقالا له: سر في سبيلك وأنت سالم منا بنفسك ولا تطمع بمثل هذا من عندنا. قال لهما: لا بد من تفليته أطلقاه من كفاته فقد لزمني جهادكم وأنا قادر عليكم. فلا صح منهم له جواب. فعمد إلى تفليته وجذب أحدهما سيفه ورفع به على الشاب فلاذ عنها وساق عليهما الجاه فما زادهم إلا نفورا ورفع عليه ثانية فلاذ عنهما ثم عفد (1) على أحدهما وغلاه (2) في الهواء وضرب به الأرض وأعطاه مركاضا (3) ً في دفته (4) وأضلاعه ورجع إلى الثاني وقال له : افلح واجفن سيفك .
__________
(1) 1 – أي قفز
(2) 2 – أي رفعه
(3) 3 – أي ركضه برجله
(4) 4 – أي جنبه (2/178)
صفحة 608
فرفع بسيفه على الرجل ولاذ عنهما ثم هواه كالباز وضربه جمعاً (1) في صداغه والجمع الثاني على جبهته فطاح مغشياً مثل صاحبه وفلت الأسير وقال له: خذ سلاحك وحمارتك وثيابك ولا تأخذ عليهما شيئاً فبقوا في الأرض هم وسلاحهم وبوشهم (2) فركب الأسير على حمارته والشاب على أثره فقال الأسير للشاب: أنا وزير الملك وما أخلص منك.
__________
(1) 5 – الجمع أي قبضة الكف
(2) 6 – البوش أي الجمال (2/179)
صفحة 609
فقال الشاب: الحمد لله وأنا حاجتي معكما فقام الوزير يؤنس الشاب في طريقه حتى وصل الوزير إلى بيته وأمره بالدخول في إحدى مقاماته فنظر الوزير إلى عياله بها حمة الجدري ويسمع الشاب تأوهها فسأل الوزير في بيتك سقيم؟ فقال له: هذه زوجتي بها حمة شديدة وهي حمة الجدري فقرب الوزير الطعام للشاب وأكل ما طاب له من تلك النعم فقال الشاب: لعلني أصنع الجمالة بتمامها في الوزير وأهله وأقسم الشراب الذي معي وأعطيها النصف والباقي يكفيني فقال الشاب للوزير عندي لك دواء لزوجتك لحمة الجدري ولعلنا نعطيها تشرب حتى يخفف الله عنها، فقال: نحب ذلك، وأتوا إليه إناء وجعل فيه الكاذي والماء وقال فيه بدوح بدوح سبع مرات ود بيني وبين هذه المرأة الشاربة من الدواء حتى تكون لي مساعدة لي في تسهيل أموري وما إرادتي إلا للحلال وقرأ عليه وشربت المرأة الدواء فحلها من ساعتها وفترت حمتها وما فقدها أحد من أرحامها ولا من جيرانها وطلعن في جسدها سبع حبات جدري، ثم دخل في قلب الوزير أمر فاحش وقال: إن علم الملك بقصتي وتفليتي على يد الشاب وعرف ما معه من الخصال المحمودة لقربه وقذاني من عينه ولكني أصنع حيلة لهذا الشاب فقال له: قف بالمقام في الكراسي حتى أرجع إليك فقصد الوزير مع الملك وقال له: اعلم أيها الملك أن زوجتي وقع بها ألم شديد وشرف علينا رجل غريب وأعطاني إليها دواءً وظهر لنا بأنه سماً وجلبنا إليها الروب والحازر (1) المبردة فهون الله عنها وقد حجرت بالغريب في البيت وأريد له حبسا في أشد مكان. فأرسل الملك إليه خدمه وأمر بسجنه فجاءه الخدم وقصدوا به إلى السجن فسجن فقال الشاب هذا البيت:
ما شدة إلا ولها فرج ولا بؤس يدوم ولا يدوم نعيم
فأجابه أحد بالبيت الثني من أصحاب السجن:
وكل شديدة نزلت بقوم سيأتي بعدها شدتها رخاء
__________
(1) 1 – أي اللبن (2/180)
صفحة 610
وقال الملك لأهله: إن امرأة الوزير بها ألم فاوصلوا عندها فساروا أهله ورأوها أهون فصدق الملك قول الوزير ولم يصح سؤال عن الشاب لأنه غريب لا له أحد فظن الوزير أنه ميت فمكث في السجن زمناً طويلاً لا عنده ماء ولا عيش يأكل ما يلقاه فهذا كما قيل: يا فاعل الإحسان جاءك البلاء فاصبر. ثم نزلت بابنة الملك حمة الجدري وفي ذلك الفصل أكثرهم المجدورون يموتون فحزن الملك وأهله على ابنته فقالت امرأة الوزير: أنا بي هذا الألم وأعطاني رجل غريب دواء فنفعني وما علم بي أحد. فقال الملك: ائتوا إلينا من الدواء. فمشت عنهم المرأة مسرعة مع زوجها فقالت له: إن ابنة الملك نزلت بها حمة الجدري وأخبرتهم بما نفعني فألزمني الملك بإتيان الدواء. فقال الوزير: ليس لي حيلة فيه. (2/181)
صفحة 611
فقالت له: إن لم تأتينا به فلا قبلة لنا مع الملك، فاحتار دليل الوزير ومشى قاصداً مع صاحبه المسجون فكلمه من وراء الباب وقال له: أنا أفلتك إن كان عندك شيئاً من الدواء الذي أعطيتنا إياه من قبل وإني أعاهدك بخروجك من سجنك ففرح الشاب بخروجه وعاهده وأراد سلامة نفسه ودينه فأعطاه الدواء وأخرجه من سجنه وذكر في الدواء اسم بدوح بالمودة لشاربه له ثم قال له الوزير: ارحل من هذه الدار لأنك إن وقفت بها فالملك أمر بقتلك، فأسرع إلى الخروج منها وسار الوزير حاملاً الدواء وأعطاه زوجته وأسرعت به إلى ابنة الملك وشربته فحلّها الدواء وما طلع بها إلا أربع حبات جدري، وقال الملك وأهله: ما نخلص من هذا الوزير وزوجته فرجعت المرأة تبشر الوزير بكلام الملك وأهله فقال لها: هذا من حسن تدبيري ولو أني أخبرتك بقصتي لقلت هذا من العجب العجيب، فقالت له: أخبرني بها فأخبرها أولاً بما وقع عليه من الحرامية وتفليته على يد الشاب وبعطائه الدواء لها وبما صنع له من المكيدة في تحصيله في السجن وأخذه الدواء الثاني وتفليته من السجن ورفق عليه من البلد لئلا يطلع أحد من أصحاب الملك على سره، فقالت المرأة لزوجها: بئس ما صنعت وما أنت من أهل الخير وهذه الساعة من بعدها لا وفاق بيني وبينك، وقصدت مسرعة مع الملك وقالت للملك: أريد الطلاق من وزيرك، فدبّر الملك إلى الوزير فلما وصل عنده قال له: هذه زوجتك أريد أن أصلح حالكما، فقالت المرأة: لا صلح بيني وبينه، قال الملك: فما العتاب بينكما؟ قالت: لا يكلف الله نفساً إلا وسعها وأنا مطيعة لك بين يديك ولا أخرج من مقامك أبدا حتى ترضى علي ولكن لا بد من الطلاق، فقال الملك للوزير: طلقها وأنا أردها عليك إن شاء الله تعالى، فطلقها الوزير وراجعها الملك في اليوم الثاني فقالت له: أريد منك ثلاثة أيام ثم ارجع إليّ، فأقبلت ابنة الملك ترغّب المرأة في الرجوع إلى الوزير، فقالت المرأة لابنة الملك: ولو أنك علمت بقصة (2/182)
صفحة 612
الوزير لأمرت الخدم يقرطوه بالجاز على رؤوس الأشهاد ولكن لي معي شهادة في كلامي. فقالت ابنة الملك: ما فعل الوزير؟ ققالت لها: فعله خبيث. وأخبرتها بقصته من أولها إلى آخرها وابنة الملك تبكي رحمة للشاب وفقيدة الأحباب. فقالت لها: لا تخافي من أبي فأنا أكفيك جواب والدي. ثم وصل الملك بعد ما مضين الثلاثة الأيام. فقالت له ابنته: لا تكثّر عليها يا أبت بالرجوع إلى الوزير وقد سلت عليّ الهموم بوقوفها عندي ولكن أنا أكشف إليك سرّها ومهما وجدت سبيلا فأنا أرجع إليك بالجواب. فمشى الملك. وأما قصة الشاب لما خرج من السجن لاقى في طريقه جنائز محمولات على أكتاف الرجال وفيها أموات المجدورين فبالغت في جسمه رائحة الجدري ونزلت به الحمى من ساعته فخرج من باب الحلة ولا طاق على المشي ووقف بالدكانة الخارجة عن الباب ويسأل الناس المارين بالقوت والماء فمن دخل في قلبه الرحم سقاه وأعطاه طعام لإحياء جسمه حتى طلع به الجدري العديسي فسلمه الله من الموت وقام يتضرع إلى مولاه ويدعوه بالليل والنهار ويتلو هذه القصيدة:
دعوتك يا مولاي فاقبل دعائيا ... وبلغ بما أرجوه منك مراديا
عليك اعتمادي في جميع مقاصدي ... وتعلم أسراري وما قد دهانيا
إليك أموري يا إلهي رفعتها ... فخذ لي بثار من عدو جفانيا
أمولاي إن لم تعطني ما طلبته ... فمن أرتجي أم من يجيب دعائيا
مرادي لا يخفى عليك فجد به ... وهو على التفصيل عندك باديا
سألتك يا مولاي فاقبل تضرعي ... ولا تجعل الحرمان منك جزائيا
تعودت منك الجود والفضل فالذي ... أأمل من خير فعجل جوابيا
جرى حكمك المحتوم في كل كائن ... فطوبى لمن أضحى بحكمك راضيا
أنادي وأبكي كل يوم وليلة ... عسى أدرك المأمول إن كنت باكيا
بكيت على ذنبي وفقري وفاقتي ... وما قد مضى مما اقترفت أماميا
أتيتك يا رب البرية كلها ... فجد لي بإحسان وخذ لي بثاريا
ندمت على ما مر مني حين غفلتي ... وما كان مني في اتباع هوائيا
شكرتك يا مولاي إذ قد سترتني ... وأبديت بالإحسان كل المساويا (2/183)
صفحة 613
أمرت بأن ندعوك فاقبل دعائي ... فإني دعوتك يا مجيب المناديا
إلهي عبيد قد عصاك فجد له ... بتوبة صدق تمح عنه المعاصيا
إليك انتهت آمال كل مؤمل ... فيا أمل الراجين أنت عماديا
لك الحكم في كل الوجود بأسره ... وأنت المنجي من جميع المهاويا
لديك جميع الخير فاسمح بنيله ... لعبد ينادي يا سميع ندائيا
هديت الذي أحببت للخير والتقى ... فمن لي بما قدرته يا إلهيا
بجاه إمام الأنبياء وقطبهم ... شفيع الورى في يوم أقدم عاريا
عليه صلاة الله ثم سلامه ... ورضوانه والآل ما دام باقيا
قال فمكث يكرر هذه الأبيات في مرضه ولم يعرفه عارف وجميع جسده له خيسة (1) من الروث والبول والقيح لا يقدر يصل إلى الماء فالرحوم الذي يناوله قوتاً يلف ثوبه على فمه ومناخره.
__________
(1) 1 – أي رائحة كريهة . (2/184)
صفحة 614
رجعنا في القصة إلى الملك ووزيره فبينما يوماً مقيمون في برزتهما فأقبل عليهما رجل من البداة وهو صديق الملك فسلم عليهم وحياهم وسأله الملك عن الأخبار فقال: إن الخبر السار مع الملك دوننا. قال له: ولم هذا؟ قال له: لأن الأمر واقع معك، قال الملك: ما علمت بخبر ولا سمعت أحداً من العسكر، قال الصديق: اعلم أيها الملك أن الرجلين الآذيين لكما قد ماتا لما وصلا دارهما، قال الملك: وما سبب موتهما، قال له: قد وصلا إلى أطراف دارك ولقيا وزيرك هذا فكفتاه وأرادا قتله فأقبل إليهما غلام شاب من البرية واستهزءا به من قلة ما عنده فعزم الشاب على تفليت وزيرك وساق عليهما الجاه فلا استمعا لقوله وضرب بأحدهما في الأرض وركضه برجله على أحشائه فترضضت أضلاعه والثاني وقع الضرب في رأسه بجموعه فتقضقضت أعظام رأسه وفلت وزيرك منهما ومشى عنهما هو ووزيرك هذا ولا أخذا عليهما شيئا وقال: إن له صورة حسنة لا يشاكله إنسان وهو كالأسد الغضبان ومن أفضل العباد والرهبان تشهد له الأعداء والأقران، وإن ولى فلا تقدر عليه الفرسان، طوبى للمقربين إليه وويل للباعدين عنه فمن ضل به اهتدى، ومأوى لمن به التجى، أما علمت أيها الملك وما أخبرك عنه وزيرك؟ فقال الملك: كيف لا أخبرتني بمسرّة الصديق وإهانة الخصيم؟ فقال: اسمع سيدي دخل في قلبي الخجل ورأيت في الكتمان خير بيان، فقال له الملك: ويحك السيئة عندك خير من الحسنة وأين الرجل الصالح الذي سرك وسلمك من خصمك؟ فقال الوزير: ما بان لي خبره ولا علمت به في أي مكان وفي ظني أنه ليس هو من الإنس وشبهت به أنه من الجان، فقال الملك: هو عسى أن يكون كما قلت، وأخذ الملك بيد صديقه الذي هو من مآربه ومشى به إلى مسكنه وقرب إليه من طعامه وقصد الملك مع ابنته ومطلقة وزيره وحدثهن بخبر صديقه عما وقع على وزيره فقالت مطلقة الوزير: وأين الساعة صديقك؟ قال لها: هذا هو في المقام، فقالت له: أتأذن لي استمع كلامه لأن معي خبر مما (2/185)
صفحة 615
يشاكل خبره، قال: فقربت عند الصديق وسألته عن فعل الشاب بالأعداء فأخبرها بجميع القصة على محضر الملك والملك يتبسم ضاحكاً مسرورا، فقالت المرأة للملك: إن وزيرك أخبرني بهذا وأخبرني بما صنع بالشاب من القبح، فقال لها: وما صنع به؟ قالت: أتى به بعد تفليته إلى البيت وأعطاني الدواء الذي نفعني عن الجدري فسلمني ربي منه بسببه وجاء عندك بضد ما صنع من الخير وقال لك إنه صنع فينا الشاب السم وأمرت أنت بسجنه فسجن في أشد موضع وثبت فيه إلى أن نزل بابنتك الحمى للجدري وأخبرتكم أنا بالدواء الذي نفعني وقلت لي أنت تريد من هذا الدواء لابنتك فقصدت أنا مع وزيرك فاحتار دليله من خبثه في الغلام فقصد عنده وعاهده بأن يخرجه من السجن وعلى أن يعطيه الدواء فأعطاه الدواء وأخرجه من السجن وقال له: إن الملك أمر بقتلك فارحل من ملكه مسرعاً ومراد وزيرك منه لئلا تطلع أنت على سره وتقربه أنت عليه وإني كتمت عليك هذا الأمر بسبب ليس عندي شاهد عليه وإني رأيتك مرادك تكلفني عليه أمثل ما صنع وزيرك يجاوره أحد، هل تطيق نفس تساكنه وقد تجرأ في أموره على من أنزله في منزلته فما حيلتي أنا أكون في بيته وملكه؟ فلما سمع الملك كلامها غضب غضباً شديداً ومكث ساعة لا يتكلم ولا يسمع السلام حتى فاق من سكرته وغضبه وأمر عبد النصفة يضرب عنق الوزير فذهب الوزير. (2/186)
صفحة 616
ورجعنا إلى الشيخ فلما مضت عليه ستة أشهر ولم يصل إليه بيان ولا سمع عنه في أي مكان عمد الشيخ إلى الوصول إلى قرية الملك فوصل فيها في اليوم الثاني بعدما قتل الوزير وقرب الشيخ من الملك وسأله عن ولده الشاب أنه وصل داره أم لا؟ قال له الملك: ما صفة هذا الشاب؟ قال: هو في أول الشباب ولا تلحقه الركاب له الخلق والأخلاق الحسنة والبلاغة والشجاعة والعفة والقناعة لا بيديه سلاح ولا كسوة حسنة وخرج من داره مراده إحصان فرجه وقد أوعدني بجوابه بعدما تمضي ستة أشهر والآن لا أدري به هو في أي مكان وبك المستعان، فأخذ الملك الشيخ من يده ومشى به مع صديقه وهيأ إليهما الطعام وقال له: أبشر بأخبارك ولدك بعض منها اسأل صديقنا عنها، وأما أخباره الصحيحة فهي على ألسنتا ستظهر إن شاء الله تعالى، فدبر الملك إلى قصاص الأثر فحضروا معه سبعة نفر فقال لهم: اسمعوا أيها القصّاص قد هرب علينا رجل من السجن الفلاني وهو في أول الشباب فانظروا أثره وقصّوه حيث كان وإن لم تأتوني بخبره وإلا عزلت رؤوسكم على رؤوس الأشهاد، فقالوا للملك: السمع والطاعة. فمشوا إلى السجن ونظروا الأثر وخرجوا من باب الحلة فنظروا الرجل الشاب في دكانة الخارج من باب الحلة وشهدوا كلهم أن هذا هو المطلوب وهو يسمع كلامهم فدبروا إلى الملك واحداً منهم وبقوا ستة على وجهه فوصل الرجل مع الملك وأخبره أن الشاب هو سقيم من علة الجدري والساعة أهون ولكنه جسمه كالجيفة ولا يقدر يثور من مجلسه وبما يعجبك من قبله فأصحابنا في الطاعة وهم عنده وقوف، فأمر الملك بإتيان الطعام والكسوة الحسنة والسلاح والزينة والخيل، فقال للرجل هؤلاء الخدم أقدم بهم وأعطوه الطعام والكسوة وغسلوه واحملوه على الخيل حتى يصل معي فمشوا في أمارته. (2/187)
صفحة 617
وأما أخبار الشاب لما رأى السبعة وقفوا على رأسه آيس من الدنيا في تلك الساعة وهي عليه أشد من ألف سنة حتى رأى الرجل والخدم فباشروه بالخير من عند الملك، ففي تلك الساعة كأنما ولدته أمه فحملوه إلى الماء وغسل جسمه وأعطوه الكسوة والبخور وأكل من الطعام وأعطوه السلاح ورفعوه فوق الخيل وقادوا به حتى أوصلوه الملك، فنهض الملك بنفسه وأحدره من الحصان وضمه إلى صدره والملك يبكي رحمة له ويتعذر إليه ويحلف له بالأيمان لأنه لا معه علم ولا خبر بما رفع عليه فقربه مع شيخه وصافحه، ثم سأله شيخه عن قصته التي جرت عليه فقال الشاب: اعلم يا شيخ بعد فراقك ذقت المرارات، وترادفت عليّ سكرات، وقد أحييت الوزير وأهله من المهلكات، فجازاني بإحساني سيئات، وأنزلوني في سجن نهاره كالليالي المظلمات، وأكل جنبي الشرص (1) والفار والعقارب بأذنابها لجسمي لادغات، فجلست وحيداً لا سمعت من أحد كلمة ولا أحد تفضل عليّ بشربة ولا بلقمة، أكلت من الذي ينهش من جسمي وشربت من الماء الذي يمر على تطهير القاذورات من النساء المخدرات ممتزج بالنجاسات والروائح الطيبات، ومكثت هناك أربعين يوماً أتضرع إلى الله بالدعاء وأتوسل إليه بالنحيب والبكاء والاعتراف بالإساءة والخطأ لأني لم أجد لحاجتي غيره وإن ردني فإلى من ألتجئ وبمن أتوسل وأين أذهب وأين أفر وقلت في نفسي كل له حد وأجمل إلى الصبر فسلم علي الوزير وسألني عن شراب الكاذي بالذي يرديه من عندي وعاهدني ليخرجني فأعطيته إياه وثبت بعهده وقال لي عليك بالرحيل لأن الأمير أمر بقتلي فخرجت من الدار في ساعتي وظهرت في جسمي الحمى والجدري العديسي ومما يخرج من بطني في ثيابي وجسمي وفاحت منى الرائحة المنتنة وعرضت على امرأة كالغمامة وأخذت من رأسها عطراً فوضعته بحيالي والناس يمشون عن يميني وأسألهم عن الماء ليسقوني وعن العيش ليطعموني فمن كان قلبه خاشعاً تفضل علي وقرب عندي وسالت دموع عينيه في جسمي
__________
(1) 1 – أي الصراصير (2/188)
صفحة 618
وقال لي أرى بقربك روائح الخيرات وإن الله يسلمك من الآفات والنيات هن المنجيات للمسلمين والمسلمات فقلت له: أما الذي أصابني مما كسبت يدي كما قال تعالى: {وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ } (1) ، قال الرواي : فلما سمع الشيخ والناس كلامه كلهم بكوا بكاءً شديداً رحمة له وتعظيماً وقالوا لما سمعوه ونظروه شفقوا عليه ثم صلوا على محمد النبي وآله وصحبه وسلموا تسليما. ثم بعد الحديث الملك حمل الشاب بنفسه إلى فصره فجلسوا جميعاً فقال الملك للشاب والذين حضروا: اعلموا بأني خلفت جميع ملكي لهذا الشاب، فقال له الشاب: حاشا وكلا ولا وربنا الأعلى لا يكون هذا مني ولا أسلف على آبائي ولو بذلت لي الدنيا وما فيها لا رغبة لي في ملكها وما جئت إلى هذا، فقال له الملك: وما الذي راغب أنت فيه؟ قال: جئت ألتمس لإحصان فرجي عن الحرام ورأيت رؤيا فسرها لي المعبر بأن تكون زوجتي من بلدك هذه وهي امرأة لا دخلوا عليها الرجال ولا ورثت شيئاً من الأموال وفي أعز مكان ومن أشرف إنسان، كحلاء دعجاء أسيلة الخدين نابتة النهدين ناعمة اللحمين لا تشاكلها النساء، فقال الملك لقاضيه: زوج الشاب بابنتي. فزوجه بها في تلك الساعة، وقصد الملك عند ابنته ليخبرها فلما وصل معها أعلمها فقالت: الحمد لله الذي كساني ولو شاء لأعراني، فنهضت قائمة على قدميها مطلقة الوزير وقبضت رقبة ابنة الملك تريد أن يمتلك بها الشاب حتى يجوز لها النظر إليه وأن تنزل نفسها منزلة الخدم إليهما، فقالت ابنة الملك: أنت اقدم مني وأنا اقتفي إليكما. فأمرت أبيها أن يزوجها بالشاب فدبر الملك لولي المرأة وحين وصل قال له: قل للقاضي يزوج الشاب بالمرأة الذي وليتها فأمره وزوجه بها وأمره الملك أن يكون معهما في قصرهما حتى يتعافى.
__________
(1) 1 – الشورى : 30 (2/189)
صفحة 619
فلما نظرنه تباشرن بالفرح والسرور وأخذته ابنة الملك من يده وأجلسته في حجر الأخرى وجعلت تلاطفه بالكلام فما قصرن في حاله حتى رجعت عليه قوته كما كان أو أزيد، وأعطينه السمبكة والبلوج والحليب والنشا هذا لغدائه، ولعشائه الفروج والعصافير المغلاية بالأبازير وأكل على ما تشتهي نفسه وتلذ عينه ودخل عليهما..... وجعلن إليه المسك وماء الكافور فنكح نكاحاً لا ينكح مثله أحد قط، وسألت ابنة الملك المرأة الأخرى ما الفرق بين الوزير وهذا؟ قالت: كما بين الجنة والنار فالأول له صورة خبيثة مترجرج اللحم ثقيل الأعجاز ...... وهذا هو الرجل الذي لا يشاكله شاكل حسين الصورة مجدول الخلق خفيف العجز خميص البطن متى أراد مني حاجة لا وجدت للأرض سبيلا حتى يسقيني من منيه في قرار مكيني فحينئذ نظرت إلى الدنيا وما فيها فطوبى لقرينه أنعم الله علينا به ونسأل الله له الدوام وفي العقبى خير منزل ومقام، قال: فنسلن منه بالأولاد الذكور، وكأنهم يتلألئون مثل البدور، وانتشوا في الدهور، وملكهم الله في الأمور والصلاة والسلام على سيدنا محمد النبي وعلى آله وصحبه وسلم أجمعين.
الذكر الثالث والأربعون
في الحرب والقتال والفئة القليلة التي تغلب الفئة الكثيرة، وفي دخول أعمال الرياضات، ولسلس البول، والتشقق في الرجلين. (2/190)
صفحة 620
... قال ذو الغبراء: سألت صاحبي عن السلاطين هم الغالبون في الحرب والقتال، قال: جوابك هذا على معاني فإن كان قصدكما خرج السلطان إلى قرية للقتال فليتقاتله رجل واحد مثله أو أقل منه فيغلبه وكذلك تحربه طائفة فتكسره هو وأصحابه ولكن الناس محتاجون إلى البنادر والأسواق وقد ألبسهم الله الهيبة على الناس وعاقبتهم إن غضبوا شديدة كما قال الله تعالى: {قَالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ} (1) والرهط حجة، وأما صفة القتال فالمهاجرون والأنصار أقل عدداً من الكفار ويوم حنين الكفار أقل عددا، وحمود بن عزان أخذ الحصون على سلطانه بأقل عدد منه وأقل قوة، وجده أحمد بن سعيد أخذ الملك بنفسه وخيله لا بقوة جنده وكثرة عشيرته، وفي وقعة اللثيلة جمع جيشاً عظيماً والذين كسروه أقل منه عدداً ولا أخذوا من ملكه شيئاً وبقي الملك في يده ولأولاده من بعده............
__________
(1) 1 النمل : 34 (2/191)
صفحة 621
ولم تزل الفئة القليلة تغلب الفئة الكثيرة لأنها في غالب الأحوال أقطع وليس القاتل والظافر هو المالك بل هو مملوك في أكثر أوقات الزمان، وإن فكروا الناس في هذا الأمر فعليهم أن يصلحوا أمورهم بالتدبير لأن من راغم السلطان في ملكه أو من كان له قوة أذهب عليهم الديار، ولكن على المسلم أن يكون في أموره نظاراً وليعمل التقية للسلطان، وأما الإحسان فأبقى زرعه في القابل لأنهم أبقى لعاقبة الأمور، وأما إذا أردت إثبات أمرك مع الأمراء فلا تدخل عليهم بشيء مما يسوؤهم وخاصة إن رأيت منهم قبول الحق في بعض الأمور فلك الأجر، وأما إن صحت من أحد معارضة في بعض الأمورعلى الحقيقة وبلغوه مطلوبه منهم فلا يجد منهم سبيلاً إلى غيرها لكنه ينكر بقلبه ولا يعينهم على شيء، وأما أشرار الناس فمقاربتهم كالنار ومثل مقاربة الثور النطوح والدبي (1) لا بد له من الحرق والنطح واللدغ، وكذلك قربة هؤلاء إن كان في بيع أوشراء أو في مرادة ماء أو كانا في مجاورة أو في قرابة أو صهر فخذ حذرك منهم وحذر من تحبه عنهم لأن المؤمن يحب لأخيه ما يحب لنفسه، ولا يكشف ستر أخيه المسلم ولو كان كنسج العنكبوت فاستر عليه فيما ستره الله لأن المسلمين كالبنيان المرصوص يشد (2) بعضهم بعضا، والمنافقون مخذولون تحسبهم جميعاً وقلوبهم شتى، واصبروا في الأمور وما صبرك إلا بالله ولا تحزن عليهم ولا تك في ضيق مما يمكرون. إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون، ولا تخوض في إخوانك مع الخائضين ولا تجسسوا ولا يغتب بعضكم بعضاً أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتاً ... إن الله تواب رحيم.
__________
(1) 1 – أي الزنابير
(2) 2 – في الأصل : يسد (2/192)
صفحة 622
... سألت ذا الغبراء عن ابتداء الفتنة؟ قال: مثل ابتدائها كالشجرة إذا نبت ساقها وغفلت عنها عظم ساقها فينبغي لكل عاقل أن يجتهد في السعي لإطفائها واتقائها وحذر عنها ربنا وقال: {وَاتَّقُواْ فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَآصَّةً} (1) وقال في إطفائها: {وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً} (2) وقال: {وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا} (3) فقد ألزمهم الله قيام الحجة على الفريقين وأما ما كان في علم الله كائن فهو يكون على خلقه، وقد صحت الفتنة في زمن الصحابة وبقت العداوة فيها إلى يوم القيامة، وكذلك الفتن الذي ثارت من بعدهم فيها رحمة للطائعين ونقمة للعاصين وعداوة للباقين ففي كل عصر تجري والله يقول: {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوفْ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمَوَالِ وَالأنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ} (4) وقال في موضع آخر: {وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُواْ فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيراً} (5) والله لايغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم، وإذا رأيت الأمر بين الناس لا يثبت عليهم كلام الصالحون فارحل عنهم وإن لم ترحل وإلا قد نزل بك البلاء كمثلهم،.....
__________
(1) 1 – الأنفال : 25
(2) 2 – الحج : 40
(3) 3 – الحجرات : 9
(4) 4 – البقرة : 155
(5) 5 – الإسراء : 16 (2/193)
صفحة 623
وأما البلدان القديمة فقد دارت عليهن الأفلاك بالسعود والنحوس وربما سلامة البلد بسبب فيها أحد من المسلمين فإذا رفعه الله بكت عليه السماء بقطرها والأرض بخرابها والناس بهلاكها وأحزانها، وقد سمعت رجلاً يقول إن الناس خسف الله بعقولهم وبقيت أجسامهم يموجون في سكراتهم وبيعهم وشرائهم لا يتذكرون بما أراهم الله من غضبه ولا يخافون من عقابه في آخرته، وسمعت عن قوم أمدهم الله بالنعم فلا شكروها فأبلاهم الله بالعلل والجذام وما نفعهم فعمدوا يقتلون بعضهم بعضا غيلة وظاهرا ولا دخل في قلوبهم الرعب ولكن سيرة أمرائهم خير من سيرة الأغنياء وسيرة الأغنياء خير من سيرة الفقراء وسيرة الفقراء خير من سيرة الخدم وسيرة الخدم خير من سيرة النساء وسيرة نساء هؤلاء المذكورين خير من سيرة أمراء غيرهم الذين هم في زمانهم إلا من رحمه الله وصلح نفسه ودنياه وآخرته. (2/194)
صفحة 624
... قلت له: فسّر لنا الأمر حتى نعرف ضرهم من نفعهم؟ قال: فأما الأمراء فقد مزجوا الحلال بالحرام وفيهم خصال محمودة ومودة في الذين أطاعوا الله ورسوله وأولي الأمر فهم يكرمون الضيوف والمساكين وابن السبيل، وأما الأغنياء فهم أشحاء في أموالهم ويمنعون حق الله والسائل والضيف ولكن من خصالهم يحصنون فروجهم وبالحلال نساءهم ويقيمون الصلاة والصيام ويخوضون في الباطل، وأما الفقراء فقد تركوا الصلاة والصيام وامتدت أياديهم وفروجهم على الحرام لا لهم رغبة في الحلال زوجاتهم حرام وفي قلوبهم عداوة للبررة الأخيار ولكن من خصالهم تبع لأمرائهم ويتقون عن أصحابهم العار بدخولهم النار، وأما الخدم فهم أشد قسوة عزوا نفوسهم على مواليهم وزنوا بنساء مخاديمهم جعلوهن كلعبهم في ليلهم ونهارهم ولكنهم للأدب متابعين، وأما النساء فقد ارتفع من قلوبهن الحياء محبتهن في الطغاة ولهن عدواة في المؤمنين ظاهرهن ثياب وباطنهن ذئاب فخذ حذرك منهن في جميع الأمور إلا في خصلة واحدة إن عمدن إلى البيع والشراء فمنهن تلقاه الوفاء على التمام، وإن وعدن فلا يخلفن وباقي الأمراء إن وعد خلف وإن عاهد نكث أكلوا أموال الناس ظلماً فلا يغرك منهم الابتسام واحصد مالك ونفسك عنهم كالأسد الضرغام، وكثير من الزاد في هذا المقام لأنها لازمة علينا طاعة الملك العلام، وأما الأمراء فقد حضرت في شيء من الحصون وسمعت من الضعف والشتم يفيحون به مع من حضر ما لا يرضاه الله ولا رسوله، ثم رأيت من أمير آخر يمكر بالناس ويأكل حقوقهم فلا راد له، فالنساء اللاتي ذكرناهن معاملتهن خيراً منه، وأمير آخر أمر بقتل قوم عرضوا على مساكنه فلا له حجة معهم طلب هواه بدمار دنياه.
... وهاك نبذة في الطب لسلس البول عرق مقيبلة الشمس يطبخ على النار إلى أن ينعقد ويشربه ثلاثة أيام، وورق المقيبلة يجعل ضماداً فوق الحبون وهي الدماميل نافع لذلك. (2/195)
صفحة 625
وإذا ورم البيضة اليمنى من حرارة ودواءها أن تضمد بجلجلان مطحون معجون بخل كذلك ليالياً حتى يبرأ، وورم اليسرى من برودة وتضمد بطحين الحلبة معجوناً بعسل النخيل لياليا حتى يبرأ، ولورمهما جميعاً يطبخ القسط المدقوق ناعماً بالماء حتى تخرج منه الخاصية أو الفلفل الأسود كذلك ثم يجعل في الحل ويطبخ حتى يذهب الماء وينقى الحل فيحل ملحاً بماء في الشمس ويدهن البيضتين بذلك الماء ثلاث مرات حتى يتركه في كل مرة حتى يجف ثم يدهنه بهذا الدهن ويترك فيه ليلة حتى يعاود العمل حتى يبرأ.
... ولسيلان الرطوبة من الأرحام وللتشقق في سائر الجسد يؤخذ ثلاثة أسهم حناء وسهم حبر يدق الجميع ويعجن بحليب بقرة صفراء، وأما إن كان من حكة وشقوق بلا رطوبة بالحناء وحده مع حليب البقر ويلخ عليه ثلاثة أيام أو سبعة أيام.
... وللفلوق في الأرجلين يؤخذ حناء وملح وقرط يدبغ به في الشمس حتى يعرق نافع. وبعر الغنم الأبيض الحولي إذا دق جيداً وعجن بزبد البقر ولطخ به التشقق سبعة أيام نافع لذلك. (2/196)
صفحة 626
... قال ذو الغبراء: سمعت أحداً من المسلمين أراد أن يتعلم الرياضات فسأل عن ذلك فقيل له في الجواب إن أبقانا الله وإياك إلى ثلاث سنين فإنا نعلمك بعد ذلك فأولها ينبغي للمسلم أن يطهر قلبه ولسانه ويتزيا بزي إخوانه في لباسه، ويترك مقاربة السفهاء ويجعل مقامه مع علمائه وإخوانه وأعوانه، قال: لما سمع الرجل هذا القول امتثل الأمر ثم اعتبره في موضع آخر فدبره ليشري له ما يحتاج إلى خرج عبيده من السوق وأعطاه دراهم وجعل عليه باطناً رقيباً ثم قبضه دراهم ليتجر بها وقد جعل له النصف من ربحها، ثم أراد أن يعتبره في موضع آخر وقال لأهله: إن وصل عندك فلان بن فلان الطفيه بالكلام واطلبيه لنفسك ومرادي اعتباره. فدبره إلى بيته مع أهله ليأتي إليه ثيابه وأن تكون بها البخور والحلول فأخنس هذا إلى بيته وقصد الرجل مع المرأة فرآه واثق في قلبه وأخذ الثياب ولم تقدر عليه المرأة بحيلة، ثم قال له في موضع آخر: إن فلاناً ظلمني وخذ هذا السم واجعله في عيشه فأبى الرجل عن ذلك، ثم قال له: أريد منك حاجة مستورة لنفسي لا لغيري إني بليت بعلة الأنبة وأريد منك المصادقة لتطفئ حرها (1) . فقال الرجل: حاشا عن هذا الفعل أفعله أبدا. فمضت عليه السنة الأولى في الاعتبار، وفي السنة الثانية علمه توريقة وكتبها له وأمره أن يجعلها في نومه على خده اليمين وأن يكون معتزلاً عن الخلق طاهر الثوب والبدن وأن يقول سراً: اللهم إنك حي لا تموت وخالق لم تخلق وعدل لا تجور وواحد لاشريك لك لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين اللهم إني أسألك أن تصلي على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم يا الله يا عليم يا خبير يا هادي يا مبين بيّن لي كذا وكذا مهما أردت إنك على كل شيء قدير ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلّم.
__________
(1) 1 – عفا الله عنك يا ذا الغبراء ما كان أغناك عن إيراد مثل هذه الأمور التي لا يقرها دين ولا عرف . (2/197)
صفحة 627
وفي السنة الثالثة كتب له الإحاطة المنيفة وهي آية الكرسي (1) وآمن الرسول (2) إلى تمامها و {شَهِدَ اللّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُواْ الْعِلْمِ قَآئِمَاً بِالْقِسْطِ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} (3) ويكتبهن في قرطاس مفردة الأحرف متداخلة بعضها في بعض غير متلاحقة واجعل له باباً للمندل إلى المغرب ...
__________
(1) 2 – الآية 255 من سورة البقرة .
(2) 3 – الآية 285 من سورة البقرة
(3) 4 – آل عمران : 18 (2/198)
صفحة 628
وقفله بسم الله الرحمن الرحيم، واجعل واحداً في الأرض وواحداً اجعله على رأسك خوف أن يرجموك من أعلاك فإذا صنعت هذا كنت في أمان الله تعالى. ثم قال له: ويمتنع عن أكل ذوات الأرواح وما خرج من ذي روح وعن مقاربة النساء وأمره بالبخورات الطيبة لثيابه وجسمه وأن يأكل من الطعام ما يقوى به على طاعة ربه وأن يقلل من النوم ويكثر من تلاوة الآيات التي ذكرناها. وعلمه أن يتلو سورة الإخلاص وفيها ثلاثة أسماء من أسماء الله وهو الله الأحد الصمد وكل له سر مختص به فجعل يتلوهن مدة من السنين فاستجاب الله دعاءه وأخضع له روحانيتها العلوية والسفلية فعاهدوه على طاعة الله ورسوله وفي مصالحه مما يقربه إلى الله تعالى فلما بلغ مراده كتم أمره عن القريب والبعيد ثم تلا هذه الآية في إحياء النفوس {وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً} (1) ثم قصد مع الأمير الأكبر الذي عصى وتجبر وسأله عن ما في يده من الأمياه والأموال والخزائن فأخبره بما عنده فقال الرجل للأمير: أنا نظرت كنزاً عظيماً وبما في يدك الذي ذكرته لا يكون كعشر معشار ذلك ولا أردته. فقال الأمير: أنا أريده أتدلّني به؟ قال: نعم ولكن على شرط ألا يكون في صحبتك أحد. فقال الأمير: بنفسي أصاحبك إليه أهو بعيد عنا؟ قال: ليس هو كثير في البعد. فلما صلوا العتمة خرج به من البلد مسرعاً وركضوا في السير والأمير طلب الماء فقال الرجل: الماء قريب، فوثبوا لطلب الماء حتى وقف الأمير عجزاً عن المشي فقاده الرجل حتى اسودت عليه الدنيا فلم يقدر فطاح مغشياً ووقف معه حتى ردت إليه روحه فقال الرجل: اعلم أيها الأمير أن الماء والكنز قريب، قال: لا أطيق ولا أريده ولكن فما الحيلة.
__________
(1) 1 – المائدة : 32 (2/199)
صفحة 629
قال: النظر إليك، فقال له: أنا مثلك مخلوق فلا أملك لنفسي ضراً ولا نفعا ولا أملك موتاً ولا حياة ولكن لعلك أنت تتوب إلى الله تعالى توبة نصوحة ويسلمك الله من عذاب جهنم ويدخلك في جنة المأوى مع أنبيائه ورسله وأوليائه وأصفيائه. قال: فتاب الأمير إلى الله تعالى واستغفر من جميع ذنوبه واستدان بما عليه من المظالم فجعل الرجل شخطاً في الأرض وحمل الأمير وتخطى به الشخط فنظر الأمير نفسه في بيته وأتى إليه ببارد الماء فسقاه فردت عليه روحه واستقامت جوارحه وسأله عما يجوز له فأتى إليه بالعالم وسأله الأمير عن أمر دينه وبما عليه من الدموم والحقوق فأجابه بأن أمواله مستغرقة وأنها لفقراء المسلمين فجميع ما حواه كتبه وأحضر العدول وأمرهم بإنفاده في موضعه من جميع ما يملكه من صامت وناطق فنفذوه وخضع التائب للعلماء والمسلمين وأراد الرجل أن يعلمه الرياضة والكيمياء قال: تركنا ما في أيدينا نريد به آخرتنا ولا طاقة لي فيما ذكرت أخاف على نفسي أن لا تحمله فمكث ثلاثة أيام ووجدوه ميتاً في حال سجوده بالمسجد الجامع فغسلوه وصلوا عليه ودفنوه المسلمون، ثم رأوه المسلمون في نومهم بمحضر رسول الله وأصحابه وهنأه رسول الله بسلامته وأخذه أبو بكر بيده وأقعده مع أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رحمه الله صلى الله عليه وسلم أجمعين.
الذكر الرابع والأربعون
فيه نصيحة الفلكي للعابد، وفيه ذكر المصائب وما لهما من القصص والمسائل المذكورة فيها. (2/200)
صفحة 630
... قال ذو الغبراء: رأيت صاحبي خاضعاً للفقير والغني، والأمير والدني، والكبير والصغير، ويبتديهم بالمساء والصباح (1) ، وعم على الجميع باسم الشيخ، قيل له وكلمة الشيخ خص بها أحد أم للجميع؟ قال: أصلها الكبير السن ووضعوها الناس الآن في غير موضعها خصوا بها أهل الأمر، وأنا جعلتها للجميع أصبت فيها لأهلها ووضعت المعلي نفسه بها ورفعت الدني بها فصاروا كأنهم بمنزلة واحدة، قلت له: فما أرفق للمرء في زمانك به بين حمل السلاح وبين تركه؟ قال: فمن أراد سلامة نفسه وزيادة في جاهه وماله فلا يحمل الحديد الذي للقتال . قلت له: فسر لنا ذلك، قال: أما من قبل الحرامية الذين مرادهم الطمع إن نظروا في طريق المسلمين رجلاً لا عليه أسلحة ولا كسوة تركوه، وأما الأمراء إن نظروا رجلاً أهمل نفسه عن السلاح قربوه وأمّنوه وجعلوا له الموائد والمنافع والقبض والبسط في تدبيرهم وفي حصونهم، فانظر إلى المتاهم والشيع لا عليهم خوف ولا فزع، وكذلك اللواتيا وعبادة الأصنام أنزلوهم الأمراء لحوائج الإسلام فرادوا ضباعاً في الأنام، وأما الشجعان والأجاويد والعلماء والكرام فلا جواب لهم في الكلام إن شكوا نبذوا وإن صبروا قطعوا، وأما الذين يحملون السلاح لهم العطاء القليل حتى يقتلوا أو يقتلوا فانظر في زمانك بعقلك لأن زماننا نحن هكذا.
__________
(1) 1 – أي بالتحية في الصباح والمساء. (2/201)
صفحة 631
... قال ذو الغبراء: حكي لنا عن رجل فلكي حسب لنفسه هل له زوجة؟ وهل له زيادة مال؟ فرأى في الفلك زيادة ماله من دمه، وله زوجة صالحة في يد رجل ثقة ينكحها بالحرام، فتعجب من هذا الأمر وأقام حسابه في المرأة فنظر في الفلك أنه أخذها الثقة بنكاح مستقيم لا فيه شبهة على أحدهما في ظاهر الأمر، ولكن رآها في الفلك أنها أخته من الرضاعة فجاء الفلكي مع العابد وسلم عليه فرد عليه الجواب فقال له: ما حاجتك يا صاحب الفلك؟ قال: جئت لأفرق بينك وبين المرأة التي معك وإني نظرت في الفلك أنها أختك من الرضاعة . فلما سمع كلامه غضب عليه غضباً شديداً وكان العابد له قوة في جسمه قبض الفلكي من رأسه ورمى به في الأرض فطاح على وجهه مغشياً والدم يسيل من رأسه فحملوه الناس ومكث ثلاثة أيام ذاهب العقل، فتاب العابد واستغفر إلى الله تعالى وسأل العلماء عن دينه فأوجبوا عليه الدية للفلكي فباع من ماله وحمل الدراهم وقصد مع العلماء وقاسوا الجراح فحكموا عليه بألف درهم فسلمها للفلكي وقبضها من عنده، فقالوا أهل العلم للفلكي: ما حجتك في زوجة العابد تريد تحرمها عليه وهل معك في كلامك شهادات؟ قال: نعم فإنه يشهد على نفسه وتشهد عليه أمه والجمال الذي حملهم. قال له: أما أعلمتك أمك بطياحك من الجمل في سفركم في صغرك لزيارة أخوالك أنت وأمك والجمال فلان قد حملكما وطحت أنت من الجمل على أنفك وسال الدم منك حتى أقلتم بالموضع الفلاني وأقبلت إليكم فلانة أم المرأة حاملة ابنتها وحلبت من ثديها وجعل فيه الزعفران وسعطوك به وتعبت كثيراً من ذلك حتى خافوا عليك الهلاك لأن الزعفران يحرق كثير مضر والجمال وأمك وأم المرأة كلهم الساعة في الحياة فدبروا العلماء للمذكورين وشهدوا كلهم أن هذا صحيح وقبل الفصال وكان فيهم من تقوم بهم الحجة في هذا فأمروه العلماء أن يخرجها وشهدوا أيضاً أن اللبن هو الغالب على الزعفران. (2/202)
صفحة 632
... وعن امرأة أرضعت صبيين هل يجوز لهما يتزوج كل منهما بأم أخيه من الرضاعة؟ قال: جائز لأن المرضعة غير الأمهات.
... قال: فأعطاها العابد المرأة صداقها العاجل والآجل وخرجت منه بلا طلاق واعتدت منه ثلاث حيض، ثم أخذها الفلكي ومهرها من ديته فاستقام أمر الفلكي ونسل من المرأة ثم تزوج العابد بامرأة أخرى ودخل عليها ومهرها ففي ظاهر الأمر حسنت فيه السيرة وفي الباطن حازت في بيت زوجها رجلاً وامرأة تكسي الرجل من كسوة زوجها والمرأة تكسوها من ثيابها وتعمل لهما الطعام على ما تشتهي نفوسهما، فإذا دخل زوجها إلى البيت أمرت الرجل والمرأة أن يدخلا في المندوس الكبير رفعه قامة وعرضه باعاً ونصفا فوقفا فيه حتى يخرج الزوج من البيت فقل ما في البيت وباع العابد من الأصول لإقامة البيت ولم يزل في نقصان الأموال، ثم نزلت بالعابد العلل والأمراض فسأل الفلكي عما به من العلل ونقص الأموال وقلة البركة فقال له الفلكي: اعلم أيها العابد أن معك زوجة خائنة وهي سيئة الأخلاق قليلة الأرزاق تندر (1) مالك لأهل النفاق. قال العابد: ما علمت عنها بسوء ولعلك تريد تفرق بيننا. قال الفلكي: مرادي أشفيك من البلاء وأظهر لك السر المختفي ولكن على شرط أن تبايعني مندوسك الكبير، قال العابد: هو لك هبة مني، قال: فامض بنا إلى بيتك ونحمله الساعة. فأخذ الفلكي أناساً لحمل المندوس وقصد بهم مسرعاً لبيت العابد وقصدوا المندوس فإذا هم في المندوس الرجل والمرأة فنظر العابد كسوته في جسم الرجل وكسوة زوجته وحليها على المرأة.
__________
(1) 1 – أي تخرج . (2/203)
صفحة 633
قال: فأخذوهم أصحاب الفلكي وقصدوا بهما مع الأمير فأمر الملك بسجنهما وأوصى لزوجة العابد فسجنهما فطلق العابد المرأة بمحضر الفلكي، فبعد أيام أبرأه الله من سقمه وعرف في قلبه أن الفلكي هو محبه ونصيحه فقام في زمانه يستشيره في أموره وسأله على أن يدله على امرأة صالحة لتزوجها فمشى به وقت الصباح إلى مسرح الأغنام ونظر له النساء الثيبات والأبكار التي لم يكن لها زوج، فأقبلت إليهم ابنة صغيرة قد نبت ثديها كالجوزة تسوق غنمها وعليها ثياب رثاث وزيها من زي الفقراء، فأشار عليه الفلكي أن يأخذ تلك الابنة فقصد مع أوليائها وسألهم عنها فزوجوه بها فمهرها ودخل عليها ، فأقبلت عليه بركة الأرزاق من الأموال والمواشي ونسل منها الأولاد الذكران والإناث فبلغ الغاية في آخر زمانه وقال الله في كتابه: {وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاَسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ} (1) .
... قال ذو الغبراء: حدثني أحد من الأخوان عن رجل لجت به المصائب وسأل مولاه أن يرزقه ولداً ذكرا فاستجاب الله دعاءه وخلق له ولداً ذكراً فأشفق به وجعل له أناساً يحرسوه عن الدواب والآبار والأنهار والأهوية المتلفة فقدر على الولد الأمر بحضرة أبيه فطاح في النهر الجاري وساح على أسمة الفلج فأسكره الماء ولا قدر عليه أبيه إلا بعد ساعة أخرجه فردت عليه روحه فأنشأه الله في أيامه، ثم أراد الولد أن يحمله أباه إلى الأموال فحمله وقصد به إلى المال وأكل الولد رطبتين وشرب من الماء جرعتين وصاح بعد ذلك صوتين فخرجت روحه في حجر أبيه في ساعته، فحزن الوالد على ولده ثم قيل لوالد الصبي سألت مولاك فاستجاب لك ومتعك بولدك ورفعه عنك وهو في صدرك فلا قدرت على نفعه مالك لا ترضى بقضائه يفعل ما يشاء بخلقه، والله تعالى رفع رسول الله وأبي بكر ورثاهما عمر وقال:
ذهب الذين أحبهم ... فعليك يا دنيا السلام
لا تذكرين العيش لي ... فالعيش بعدهم حرام
__________
(1) 2 - الأعراف : 188 (2/204)
صفحة 634
إني رضيع وصالهم ... فالطفل يؤلمه الفطام
... قال الوالد: انظر أيها الصاحب في الذي لا يعقل ولا فيه روح كالنخيل والأشجار إن أصاب أحدهن شيئاً أما هي تروح وترتعد والذي لا يعقل وفيه روح كالدواب والطير أما تراهن معكفات على من نزل به الموت، فكيف بالذي يعقل وقد ألزم الله فرضاً بالحفظ لما خوله الله من النعم من مال وأولاد وعبيد وأهل ودواب أن ينفق عليهم ويكسوهم ويعطف عليهم بالرأفة والرحمة، فاعتادت نفسه على ذلك فتارة ينزل في قلبه الفرح من قبلهم وتارة ينزل به الحزن مما ينزل بهم من الآلام والأسقام فكيف إن مات أحدهم أما يدخل في قلبه الحزن بالفراق ويفقد الإنسان طيراً أو سنوراً لم يره في منزله فكيف بولد له أما تسمع أن مصائب الأولاد محرقة للأكباد، فذكر الأموات تخشع منها القلوب، والأولاد مختلفون كل منهم ومحبته وعلى قدر حقه فالذكور يطمع بهم لإحياء دين الله والذب عن البلد وسكانها، وأما الإناث فهن عورات مستورات والطمع منهن لزيادة النسل وإقامة البيوت وأعمال الطعام والكسوة، فإذا لم تلد النساء الإناث فمن أين تخلق الرجال؟ فلا بد للوالد أن يدعو مولاه بأن يرزقه من الذكور والإناث، وأما مصائب الزوج والزوجة فمن بعد موت أحدهما ينزل بالباقي الهم والحزن بسبب الانكسار ويحتاج إلى تدبير آخر، وأما بعض المصائب فعاقبتها يفرح بها الوارثون بحصول الميراث لسداد الخلل من غير وجيعة ولا انكسار شيء، وأما مصائب الوالدين فذكر المحبة والإحسان منهما إليه وأنه لو بذل جميع أمواله لأناس لما وجد خصلة واحدة كالإحسان الذي من والديه، وأما مصائب الإخوان والعلماء فتبقي في القلوب حسرات حتى قيل إن موت العالم ثلمة في الأرض لا يسدها شيء إلى يوم القيامة ولا يخلي المصائب شيئاً إلا حدثت بالإنسان شدة أو بلية أو فرح. (2/205)
صفحة 635
وأما ذكر الوعظ والزجر فلا يجلوها انظر إن أقيمت الصلاة فليدخل على قلبك الفرح والبكاء في صلاتك حتى يفسدها عليك، ولو أنك قبل الصلاة ذكرت الله وخفت من عقابه وذكرت الموت والجنة والنار ما نفعك عند معارضة الشيطان ولكن محاربته المعارضة إليه، وفي تفسير لا حول عن معصية الله ولا قوة على طاعته إلا بالله العلي العظيم.
قلت له: وإذا ولد مولود وكان الطالع برج القضيمة وربه عطارد في الطالع مع طلوع الفجر والساعة الزهرة وهي في برج العقرب وفي ليلة الأثنين والقمر في منزلة الثريا وزحل في برج الميزان والمريخ في منزلة الإكليل والشمس حدها في الميزان والمشتري في برج الأسد ما تقول في هذا المولود؟ فتفسيره يطول به الكتاب ولكن عطارد في بيته وشرفه وهو بيت المولود فدلالة عطارد وأسعد السعود في الأماكن السعيدة وأنحس النحوس في الأماكن النحسة وله دلائل كثيرة في الكتب والقمر في شرفه وهو مدبر الأرض إن فسد فسدت الأرض وما فيها وإن صلح اصطلحت الأرض ومن عليها، وزحل هو النحس الأكبر وهو في شرفه لكنه أحرقته الشمس لا له قوة والمريخ في بيته العقرب له قوة في الحركة الصغرى وهو بيت الأخوة، وسمعت الشيخ ناصر بن أبي نبهان يقول عطارد هو صاحب القوة العظيمة في العلم والطلاسم وهكذا وجدته في الكتب الفلكية والله أعلم بخلقه وتدبيره فإذا أراد الله حياة الأرض أحياها بالعلماء وموتها بموت العلماء، وصلى الله على سيدنا محمد خاتم الأنبياء وعلى أصحابه الأتقياء.
الذكر الخامس والأربعون
في التجارة وفيه قصتان. (2/206)
صفحة 636
قال ذو الغبراء: سألت صاحبي عن حرفة بني آدم ما أحسن منها لطلب الرزق؟ قال: من كان معه الماء فهو الأصل الأول الذي لا يشاركه مشارك ولا يحتاج فيه إلى معاناة ولا معونة وهو كالذهب الخالص. قلت له: والنخيل والزرايع (1) ؟ قال: إذا لم يكن لها ماء فغلتها لصاحب الماء للقعد (2) ، وأما إذا كان لها ماء فتحتاج إلى معاناة ومشاركة كالبيادير (3) ويطمع بها الصديق وتأكل منها الطير والدواب والسباع ويحل بها العطاب في بعض الزمان فهذه عللها. قلت له: والمواشي؟ قال: هي شقاء للنفوس فتارة تنمو (4) ويفرح بها صاحبها وتارة تذهب وتأكلها السباع واللصوص وهي عيد للخصيم يصبح صاحبها كأن ليس معه شيء منها. قلت له: والتجارة؟ قال: هي أضعف مما ذكرته لك مما ترى المبتلى بها من المحن في البر والبحر والحر والبرد والهلاك والخوف إذ هذا لا بد أن يصيبه في سفره وإلا فالأكثر مطلوبون إلى القتل أما ترى الوقوف أحسن عن التجارة. فإن قلت: لولا التجار ساعون ما الخلق فاعلون، فقلنا لك صحيح لكن ينبغي للتاجر أن يتعلم فنون التجارة مخافة عليه من الخدائع والمكر من الخلق والسلامة في ذلك أن لا يبيع شيئاً إلا يداً بيد لأنه إذا صار مالك في أيدي الناس فهم الغالبون عن صاحب المال، والناس على ثلاثة أصناف فمنهم الآكلون أموال الناس، ومنهم يشترون ولا يوفون إلا ما دمت عليهم قائما، ومنهم لا يشتري إلا إذا كان في يده شيئا ولا تحصي أمرهم بالتجربة ولكن عليك بكتاب الفراسة فإنك إن حفظته ضبطاً ونظرت الناس فترى علاماتهم ظاهرة بينة في أجسامهم فتعرف طبائعهم، فإن دخلت في التجارة فاحرز سلعتك واعرف الثمن واحسب إلى الربح وصحح أولاً مكيالك وميزانك واحذر التطفيف والبخس لأن الله شدد وحذر فقال: {وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ.
__________
(1) 1 – أي المزروعات
(2) 2 – أي الاستئجار
(3) 3 – أي الفلاحين وهم الذين يعملون بالأجرة عادة .
(4) 4 – في الأصل : تنمي (2/207)
صفحة 637
الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُواْ عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ.وَإِذَا كَالُوهُمْ أَو وَّزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ} (1) واحرز سلعتك بالأقفال والحراس لها عن اللصوص والأولاد والأهل وكذلك الفيران والدواب مهما قدرت، وعليك لحفظها بالدفاتر تكتب ما تبيعه وتشريه وإن كاريت أحداً فخذ من عنده صكاً بخط من يجوز خطه وكذلك الدلال اقبض منه مكتوباً لئلا يذهب مالك إن نزلت بهم مصائب الزمان، ولم يوصوا (2) به فيذهب مالك، وأحذرك عن بيع الصبيان والمماليك والنساء المكارات الفتانات، وقد حكي لنا عن بعض الإخوان عن بعض التجار اعترضن إليه ثلاث نسوة مرادهن ليأكلن ماله وإن قدرن على خدعته لأنفسهن، فالأولى اعترضت عليه بجمالها وزينتها كل يوم فلا قدرت عليه بحيلة، والثانية افتخرت بمالها وجعلت تشري من عنده كل يوم من سلايعه وتذخرها حتى ذهب مالها فلا قدرت عليه بحيلة لنفسه ولا تخدعه في ماله ، والثالثة جلبت له السلائع تبايعه إياها بأقل ثمن مرادها الغفلة لتدخل دكانه فتسرقه فلا بلغت مطلوبها، انظر في أمورهن وحيلهن لا قدرن عليه لأنه بصير بأمورهن التاجر.
__________
(1) 1 – المطففين : 1-3
(2) 2 – في الأصل : يوصون (2/208)
صفحة 638
وإذا أردت التجارة فاحذر عن المدح عند البيع أو الذم عند الشراء أو أن تغش السلعة حتى تحلف للبيع، وعليك بالتلطف للناس لأنك محتاج لهم إلا إذا رأيت استحضاراً من أحد فابدأه بالغضب، ولا تجعل بيعين للناس والتجارة في الحلال وترك الحرام ولا يدخلك الطمع في بيع المسكرات، ثم اجعل سلائعك في الأوعية الطاهرة وفي البقعة النظيفة، واحرزها عن الغبار النجس خوف عن الاجتلاب منه، ثم اعرف الجامد من المائع إن أصابته النجاسة مخافة أن يذهب مالك، وأما أنك تبيع النجس للمسلمين ، ولا تشتري الرطوبات من أيدي المشركين ولا تصافحهم بالسلام ، واحذر في بيعك وشرائك عن جميع الناس إلا ما بان لك صلاحه كالتاجر الذي احترز عن الخلق وعن بيع الصبر واعتبر رجلاً يصل عنده يشري كل يوم بالحاضر لما يحتاج إليه وعلى هذا دأبه ففقده بعض الأيام وظن التاجر أن الرجل نزل به ألم ومن هكذا وقف عن الوصول عنده فمشى إلى بيته يسأل عنه ، فلما رآه سأله عن قلة وصوله فقال الرجل : قلة وصولي بقل ما في يدي . قال له التاجر : صل عندي كل يوم وخذ كما تأخذ من قبل لا بزيادة عليك حتى تصل ثمرتك . فقال الرجل: وإن لم تصل الثمرة وجاءتها جائحة فمن أين الوفاء لك ؟ فقال له التاجر : أحسن الظن في الله وفينا والآن خذ لما تحتاج إليه . (2/209)
صفحة 639
فأخذ الرجل كل يوم حتى وصلت الثمرة وأوفاه حقه وما بقي في يده شيء فانقطع عنه فقصد التاجر معه وأمره أن لا ينقطع عنه فأعطاه والرجل يرجى وصول الثمرة فعطبت عليه فأخبر التاجر بالعطاب وانقطع عنه فلما عرف التاجر أن هذا صاحب معاملة حسب زكاة تجارته وحملها فأعطاها الرجل الزكاة وقبضها ثم أوفاه حقه وبقي معه القليل فتمتع به وقال له : لا يعجبني تنقطع عني أبدا فجعل يقاسط في أخذه ثم عطبت عليه الثمرة مثل الأولى ، ثم أخذ التاجر جملة من الدراهم وقصد مع الرجل ودفعها إليه من حق الله ثم وافاه منها وبقيت (1) في يده منها شيئاً كثيراً فأمره أن يتجر بها ويأكل منها فعسى البركة تنزل فيها فترك الزراعة وعمل التجارة فأراحه الله من تلك الشدائد .
__________
(1) 1 – في الأصل : بقت (2/210)
صفحة 640
وقال له : لا تصح التجارة إلا أن يتعلم مسائلها من الأثر قبل الدخول فيها عن كالرجل الذي ذهبت أمواله فأول ما شرى عند رجل غني ألف جراب بألف قرش وقبض البائع الألف من يدي المشتري ولا قلب جربه المشتري فارتفع ثمن التمر فجاء رجل آخر وشراها من عنده بثلاثة آلاف قرش وقلبها المشتري الثاني وأخذها ثمنها البائع فجاء المشتري الأول ليحمل الجرب فوجد البائع ميتاً وخلف أيتاماً ولم يوص له بشيء فذهبت الألف عليه ، ثم أراد هذا الرجل أن يسافر فخرج من داره عند طلوع الشمس من يوم الأربعاء في يوم ثمانية وعشرين من شهر شوال وقصد في سفره إلى جهة الشمال فشرى جارية ليستر بها عورته وتخدم له عيشه فدخل عليها قبل الاستبراء وهي بها حمل صح وباعها قبل أن يستبريها ، ثم شرى سلعة بالحاضر وباعها بالصبر قبل أن توزن فأخذها صاحب الصبر من البائع الأول ثم ضرب على سلعة أخرى بالحاضر وباعها بالحاضر وأن تكون له الفائدة عشر ثمنها فجلس في مكانه ولا قبض السلعة ولا وزنت إليه فأعطي الفائدة ، ثم أرسلت عنده دراهم وتجر فيها وأخذ منها ربحاً كثيراً ، ثم سلف رجلاً بلا وزن للدراهم ولا على شرط معلوم فلما حضرت أوان حصادها عطبت الثمرة فدين صاحبه من عنده أحسن من تلك السلعة أعني الثمرة المذكورة والمتسلف أعطاه حقه منها ، ثم قصد التاجر إلى الفلاة وضرب بتفقه صيداً ومات قبل أن يذبحه فباعه على المسلمين وأخذ بثمن الصيد حباً ورمى به في بكار (1) حبه ، ثم وجد شحلوباً (2)
__________
(1) 1 – أي مخزن .
(2) 2 – أي سحلية .. (2/211)
صفحة 641
ميتاً في دبة الحل (1) فباع الحل في السوق بلا شرط أن فيه نجاسة ، ثم كارى جمالاً فمات المكتري الذي معه الجمل وكان الجمل لغيره وخلف أيتاماً ، ثم رأى رجلاً يزني بامرأة فقال له : يا هذا لا تفعل هكذا وزوجه ابنته ، ثم شرى أرضاً وبها قبور فنطلها هي والقبور وباعها بثمن كبير ، ثم شرى سماً وحملته الفيارين من صرته ورمت به في بركة السكر وجمع السكر كله للوزن فباعه على أحد من تجار البحر وشروه أناس شتى من عند ذلك التاجر وتفرق في البلدان فكل من أكل مات من ذلك السكر ، ثم بايع الناس سلعته بالمصابرة فمنهم أفلسوا ومنهم ماتوا وخلفوا أيتاماً ومنهم فقدوا فلا صح حكم من حاكم في أموالهم ليأخذ حقه وما بقي مما في يده إلا قليل ، فقصد الرجوع إلى داره فكسبوه الحرامية وأخذوه أسيراً فأعجبتهم صورته وكان في الحرامية رجل تهيم في نفسه فأعجبه الرجل وأخذه عن قسمه من المال فلما وصل به إلى عند ضرب عموده هم بالرجل يريد أن يطفئ له شهوته من فرجه فأبى الرجل التاجر فصلب عليه وكسر منه يده ورجله وجعله يطحن له الحب فنزلت به العلل والأمراض وخاس جسده فرحل عنه التهيم فمكث التاجر مدة من الزمان في تلك السيوح يأكل من ورق الأشجار كالأغنام ويشرب من الموارد ففي بعض الأيام رأى عيناً مرة وشرب منها وغسل جسمه وثيابه فأبرأه الله من العلل الظاهرة ببركة ذلك الماء وبقت في جسمه علل باطنة فقام على رجليه ومشى بهما قاصداً إلى داره فلما وصل داره وجد أولاده وزوجته هالكون من الدنيا فبكى بكاءً شديداً فعمد يتصل بأهل العلم وسألوه عن سفره وأخبرهم بما وقع عليه في سفره فألزمو التوبة إلى الله تعالى فتاب وندم على ذنبه ورأى في نومه يقرأ سورة ألم نشرح في ليلة تسع وعشرون من رمضان وقرب من المعلم فكتب له هذه الأبيات شعرا :
ثق بالذي خلق الخلائق كلهم ... فهو اللطيف بعبده والمحسن
لا تخش ضيق الرزق فهو موسع ... مسبب إن كنت ممن يوقن
__________
(1) 3 – الدبة الوعاء ، والحل الزيت (2/212)
صفحة 642
إن كنت تطلب راحة وسعادة ... ومن الأمور الصالحات تمكن
وتكون أسعد أهل عصرك كلهم ... ومن الشدائد والمضرة تأمن
فعليك باسم الله جل جلاله ... فيه لك السر العظيم البين
قل يا كريم ويا رحيم ففيهما ... سر عظيم نفعه متبين
تقرأه ألفاً طاهراً في خلوة ... بالليل حين تنام عنك الأعين
يأتيك آت في منامك ملهماً ... لك ما يسر به التقي المؤمن
يلقي إليك إشارة تكفى بها ... يسر اليسار وبعدها لا تحزن
ثم الصلاة على النبي كمثلما ... قدمته وهو السبيل الأحسن
قال : فداوم الرجل في تلاوة هذه الأسماء فلما قدم عيد الفطر على الناس أعطوه مما ألزمهم الله من فطرة الأبدان ، ثم حملها على كتفه (1) ليبيع الحب في السوق فلما أقبل عليه الليل آوى إلى كهف من الجبل ليكن (2) جسمه عن البرد وجعل ناراً ليصطلي بها فثار به غول فأخذ ناراً ليستضيء بها فمشى إلى نحو الغول فدخل به غاراً والرجل في طلبه فنظر الرجل في ذلك الغار سبائك من الصفر والذهب كثيراً فأخذ منها فلما أصبح الصباح قصد إلى السوق وباع الحب وقصد مع الصانع وأعطاه السبائك وأدخلها النار وشهد له بها أنها من الذهب الخالص ، ومشى إلى الصفار وشرى معه السبائك فرجع إلى الغار وأخذ منه ما أراد ووجد أكسيراً في الغار هو الذي يقلب الصفر ذهبا ، فرجع إلى داره ونزلت به حمى الجدري وطلع به جنبه كله داخله وخارجه فأبرأه الله من كل علة كانت في جسده لأن الجدري لا يبقي بعده علة إلا مثل الجذام فصارت علة الجدري شفاء له ، وأخذ من تلك السبائك لما يحتاج لنفسه وأنفق منها على إخوانه وتزوج من بنات عمه وقام في مسجده يتلو آيات ربه وتزود من دنياه لآخرته فهذا سر أسماء الله الحسنى لمن تلاها في اليقظة والمنام وصلى الله على محمد خير الأنام وعلى آله وصحبه الكرام والتابعين لهم من الأئمة والأولياء الكرام.
الذكر السادس والأربعون
في قصة ابن الملك وحليمة سيدة نساء المتأخرين
__________
(1) 1 – في الأصل : كاتفه
(2) 2 – أي ليحمي . (2/213)
صفحة 643
قال ذو الغبراء: ذكر لنا عن أمير طاح به المرض، وقال لولده: اسمع بني إن الأمير إذا شرب المسكرات وأحب أهل الهوى وطلب الزنا أذهب الله ملكه وحاله، وأحذر أن يقع عليك في زمانك كما صح على ابن الملك . فقال له: وما قصته؟ فقال: له قصة طويلة ولكن نأتي لك طرفاً منها في آخرها فهذا ابن الملك عشق امرأة تسمى حليمة وأرسل إليها عجوزاً حيزبوناً لتأتي بها (1) إليه ، فلما وصلت عندها وسلمت عليها قالت لها : أرسلني إليك ابن الملك بحديث مستور عن الناس وأريد أن أحدثك بكلامه وخفت منه إن لم أبلغك أن يعذبني ويقلع عيوني ويسجنني ويقول أنه فيه ود إليك ويريد قربك ولقائك وإنه ليعطيك من الأطعمة ما تشتهي نفسك ومن اللباس والحلي ما تقر به عينك والوعد بينكما في الجبل المرتفع بعد هجعة الناس حتى يكون أمركما مستورا وأريد الجواب مما يؤلف بين الأحباب ويشفي من القلب الالتهاب . فقامت حليمة قياماً من الغيظ وتفكر في أمور الأخروية والدنيوية (2) وما الصلاح لها ولأهلها من النار والعار وعن المكائد والهلاك من عداوة الملوك فألهمها الله في قلبها باللقاء إليه وقالت حليمة للقهرمانة: اعلمي أماه بأني امرأة سحاية (3) وما سبق مني مقاربة الرجل وأخاف من هزة أعضائي أن لا أقد أمنع ريح جوفي وأكون في حجره وإني في خجل ولا تحضر إلى شهوة لقلبي ولكن على شرط وعهد يكون بيننا أن لا يسألني في نفسي عند اللقاء في الليلة الأولى . فأعجبها الدردبيس (4)
__________
(1) 1 – في الأًصل : لتأتيها.
(2) 1 – في الأصل : الأخراوية والدنيانية .
(3) 2 – أي خجول .
(4) 2 – أي العجوز .. (2/214)
صفحة 644
كلام المرأة وأسرعت عند ابن الملك وأخبرته عن كلام حليمة فدخل في قلبه السرور فأعطاها من العهد والميثاق عن الفجور فلاقت بينهما العجوز في تلك الليلة فلما رآها سلم عليها وابتداها بالكلام فقال لها: كيف يدخل في قلبك الخجل وأنا أريد لقاك واشتهي نظرك فأطلقي لسانك ومدي نظرك بالرغبة ويدك باللمسة وأنا مرادي أقبض بأناملي نهديك وأقبل وجنتيك وأمص شفتيك حتى أتجرع بأطراف لسانك وألمس عجزيك وأذوق العسيلة منك وألفك في صدري حتى تقوى أعضائي وإحليلي فما أحسن وجنتيك وأدعج عينيك وأصغر أذنيك وأحمر شفتيك فقالت له : اعلم سيدي بأن نطقك ونظرك وحسبك وكرمك قد فاق على الناس وانتهى الغاية وأنا جئت معك وفي طاعتك ومودتي في قربك ولا زلت أدافع شهوتي من ذكرك وحسن صورتك وكل من جرى ماء شبيبته على وجهه فنفسي تحب لقاءه وجماعه وخاصة أنت سيدي ومولاي بعد المولى العظيم الغفور الرحيم ولكني في خوف من أهلي وبنات عمي تعيرني وعند الناس تذهب محاسني والصالحات من أسمائي حتى أتبدل في قلوبهم من الخلاص إلى النحاس ومن النور إلى الظلمة ومن العلو إلى النزول ويقول الناس بالأسماء الخبيثة واللعينة والقبيحة والخالية والزانية والخاطئة والفاسقة والحاملة والفادعة وأختارت لنفسها شهوة ساعة وباعت طيبة الدنيا والآخرة واسمها انتقل عن شجرة الطيبة إلى شجرة الخبيثة فيقولون ضاع الشرف والحسب فبئس باسمها حليمة فخفت هذه الأمور فإن كان لك حيلة عن مثل هذا فبيننا المراجعة وقامت عن مجلسهما قاصدة إلى بيتها فجلس ابن الملك يفكر ساعة . (2/215)
صفحة 645
ثم أرسل إليها العجوز بالليلة الأخرى بالمراجعة في مكانهما فقالت لها : على عهد بيني وبينه أن لا يكلفني في هذه لأني حائضة وخوفي من الاثابة. فأعطاها العهد فوصلت عنده فقال لها: نحن الملوك لنا سطوات ونقمات وتخاف منا الناس حتى يبدلوا سيئاتنا حسنات ، وكلما عملنا الشر أظهروا لنا الخير ، فلا يدخل في قلبك الهلع ولا الفزع ، وبيحي إلى بجسمك في شبابك حتى نتمتع باللذة والشهوة لأنها خلفك وأخلاقك حسنة ، ولا يبلغ اللذات إلا الجسور في الأمور ، ولا يملك النفوس إلا الملوك ، وأنا الفارس المشهور ، لا تسمعي القيل والقال في محافل النساء والرجال . ثم قالت له : أما الذي ذكرته من محاسني ففيه العيوب الكثيرة ظاهرها طيب وباطنها ضعيف، ولو أني أخبرتك بذلك لنفرت عني وحفرت التراب على وجهي فأولها شعر الرأس الطويل الأسود فيه القمل والصيبان ثم يتبدل من السواد إلى البياض، وأما الأذنين فتخرج بخورات الرأس الهن لزجة، وأما العينين ووسعهما وبياضهما وسوادهما فإنه يخرج منهما دمعاً محرقاً ويديدب عليهما هذا في صحتهما وإن أذهب الله نورهما فلا فائدة فيهما، وأما الأنف وضيقها وطولها فإنها تخرج منها رائحة الطعام خبيثة ومخاطاً كريهاً، وأما حمر الشفتين فيخرج جميع ما في الفم عليهما ، وأما حمرة اللثة وبياض الأضراس فقد سكن فيها الدود والسوس يفنيها ومخرج البصاق والنخاع والنجيع والبخورات الضعيفة تخطف (1) عليهما ، وأما تدوير النهدين وحمرتها كمثل الرمانتين فإنه يخرج اللبن منهما ويأذيني من هنونته (2)
__________
(1) 1 – أي تمر
(2) 2 – أي رائحته .. (2/216)
صفحة 646
في ثيابي ، وأما الأنامل والكفين فإني أصنع بهن الحلو والمر وأنال بها النجاسات والقاذورات ، وأما خموصة البطن فباطنه يهرك الطعام الحلال وتبرز له حراماً نجسا وتكفي خروج الريح الخبيثة منه في كل ساعة فإن تعسر خروجها أخربت البطن وتتابعت العلل ، وأما القبل الذي فيه اللذة فهو مسلك للبول ودم الحيض المنتن ودم النفاس ، وأما كبر الأعجاز فإنه يخرج من بينهما الغائط وغش البطن ، وأما الأقدام فلا زلت أكثر الأوقات أمشي بها في النجاسات والقاذورات والتراب ، وأما البياض والسمان فهو من عند الله ويخرج منه العرق والصنان ولو أني لا أكرره بغسل الماء في الليالي والأيام وجعلت له الدهن والكحل والروائح والبخورات الطيبة وإلا صار جسمي أنتن من جيفة لأن أصلي من نطفة مذرة وفي يومي حاملة العذرة ويكفي تغيير الجسم بالحميات والأسقام ، ومما تعجبت أنت من محاسني فإن أخرج الله روحي من جسدي فأنت وجميع المحبين تدفنوا الجسم والصورة في باطن الأرض في الظلمة والوحشة وتأكلها الرمة والدود أيدخلك الشك في هذا وأنت تراه صباحاً مساءً والله يقول: {كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَما الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ الْغُرُورِ} (1) ، و {كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} (2) ، وقال ربنا: {وَاتَّقُواْ يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ} (3) وقال تعالى: {وَاتَّقُواْ يَوْماً لاَّ تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئاً وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلاَ يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ} (4) ، {وَاتَّقُواْ اللّهَ
__________
(1) 1 – آل عمران : 185
(2) 2 – القصص : 88
(3) 3 – البقرة : 281
(4) 4 – البقرة : 48 (2/217)
صفحة 647
وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ} (1) ، {قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} (2) و {أَيْنَمَا تَكُونُواْ يُدْرِككُّمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ} (3) ، {وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ} (4) ، {اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى} (5) ، {وَجَاءتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ} (6) ، {هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَن تَأْتِيَهُم بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ} (7) ، {يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ} (8) ، {قُلْ يَتَوَفَّاكُم مَّلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ} (9) ، {وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ} (10) ، و {وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَن شَاء اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُم قِيَامٌ يَنظُرُونَ} (11) ، {وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُم مِّنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنسِلُونَ} (12) ، {يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ سِرَاعاً كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ.
__________
(1) 5 – البقرة : 203
(2) 6 – الجمعة : 8
(3) 7 – النساء : 78
(4) 8 – لقمان : 34
(5) 9 – الزمر : 42
(6) 10 – ق : 19
(7) 11 – الزخرف : 66
(8) 12 – ق : 42
(9) 1 – السجدة : 11
(10) 2 – ق : 20
(11) 3 – الزمر : 68
(12) 4 – يس : 51 (2/218)
صفحة 648
خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ ذَلِكَ الْيَوْمُ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ} (1) ، {يَوْمَ تَشَقَّقُ الْأَرْضُ عَنْهُمْ سِرَاعاً ذَلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنَا يَسِيرٌ} (2) ، {يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ إِلَى شَيْءٍ نُّكُرٍ. خُشَّعاً أَبْصَارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُّنتَشِرٌ} (3) ، {وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاء وَقُضِيَ بَيْنَهُم بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ.وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ} (4) ، {يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُواْ للّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ} (5) ، {وَبَرَزُواْ لِلّهِ جَمِيعاً} (6) ، {بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ } (7) ، {إِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ لَّا رَيْبَ فِيهَا} (8) ، {إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ.يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُم بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ} (9) ، {إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا.وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا} (10) ، {يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ.وَصَاحِبَتِهِ وَأَخِيهِ.وَفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْويهِ.وَمَن فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ يُنجِيهِ} (11) ، {يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ.
__________
(1) 5 – المعارج : 43- 44
(2) 6 – ق : 44
(3) 7 – القمر : 6- 8
(4) 8 – الزمر : 69- 70
(5) 9 – إبراهيم : 48
(6) 10 – إبراهيم : 21
(7) 11 – القمر : 46
(8) 12 – غافر : 59
(9) 13 – الحج : 1- 2
(10) 14 – الزلزلة : 1-2
(11) 15 – المعارج : 11- 14 (2/219)
صفحة 649
إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ} (1) ، {يَوْمَ التَّلَاقِ. يَوْمَ هُم بَارِزُونَ لَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِّمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ. الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ} (2) ، {يَوْمَ تَرْجُفُ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ وَكَانَتِ الْجِبَالُ كَثِيباً مَّهِيلاً} (3) ، {وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاء بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ تَنزِيلاً.الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ وَكَانَ يَوْماً عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيراً .وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلاً} (4) ، {يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلَائِكَةَ لَا بُشْرَى يَوْمَئِذٍ لِّلْمُجْرِمِينَ وَيَقُولُونَ حِجْراً مَّحْجُوراً} (5) ، {يَوْماً يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيباً.السَّمَاء مُنفَطِرٌ بِهِ كَانَ وَعْدُهُ مَفْعُولاً} (6) ، {يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ.
__________
(1) 1 – الشعراء : 87- 88
(2) 2 – غافر : 15- 17
(3) 3 – المزمل : 14
(4) 4 – الفرقان : 25 -27
(5) 5 – الفرقان : 22
(6) 6 – المزمل : 17 - 18 (2/220)
صفحة 650
وَأُتْبِعُواْ فِي هَذِهِ لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ} (1) ، {وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ} (2) ، {يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوا أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} (3) ، {يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} (4) ، يوم يشهد{عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} (5) ، {وَيَومَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَخْسَرُ الْمُبْطِلُونَ.وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} (6) ، {وَإِنَّ يَوْماً عِندَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ} (7) ، {كَلَّا إِذَا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكّاً دَكّاً. وَجَاء رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً. وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى. يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي. فَيَوْمَئِذٍ لَّا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ.وَلَا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ} (8) ، {إِِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ. لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ. خَافِضَةٌ رَّافِعَةٌ. إِذَا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجّاً. وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسّاً. فَكَانَتْ هَبَاء مُّنبَثّاً} (9) ، {الْحَاقَّةُ. مَا الْحَاقَّةُ.
__________
(1) 7 – هود 98- 99
(2) 8 – الأنبياء : 47 ...
(3) 9 – المجادلة : 6
(4) 10 – النور : 24
(5) 11 – فصلت : 20
(6) 12 – الجاثية : 27- 28
(7) 13 – الحج : 47
(8) 1 – الفجر : 21- 26
(9) 2 – الواقعة : 1- 6 (2/221)
صفحة 651
وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحَاقَّةُ} (1) ، {يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ. تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ. قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ. أَبْصَارُهَا خَاشِعَةٌ} (2) ، {الْقَارِعَةُ. مَا الْقَارِعَةُ. وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ. يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ. وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنفُوشِ} (3) ، {يَوْمَ تَكُونُ السَّمَاء كَالْمُهْلِ} (4) ، {فَإِذَا جَاءتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرَى. يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الْإِنسَانُ مَا سَعَى. وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَن يَرَى. فَأَمَّا مَن طَغَى. وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا. فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى} (5) ، {يُنَبَّأُ الْإِنسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ} (6) ، {وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاء اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ} (7) ، {يَوْمَ الْجَمْعِ لَا رَيْبَ فِيهِ فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ} (8) ، {وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُم مُّسْوَدَّةٌ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِّلْمُتَكَبِّرِينَ.وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوا بِمَفَازَتِهِمْ لَا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} (9) ، {فَإِذَا جَاءتِ الصَّاخَّةُ. يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ. وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ. وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ. لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ. وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُّسْفِرَةٌ. ضَاحِكَةٌ مُّسْتَبْشِرَةٌ. وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ. تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ.
__________
(1) 3 – الحاقة : 1-3
(2) 4 – النازعات : 6-9
(3) 5 – القارعة : 1-5
(4) 6 – المعارج : 8
(5) 7 – النازعات : 34- 39
(6) 8 – القيامة : 13
(7) 9 – فصلت : 19
(8) 10 – الشورى : 7
(9) 11 – الزمر : 60 –61 (2/222)
صفحة 652
أُوْلَئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ} (1) ، {وَاخْشَوْا يَوْماً لَّا يَجْزِي وَالِدٌ عَن وَلَدِهِ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَن وَالِدِهِ شَيْئاً إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُم بِاللَّهِ الْغَرُورُ} (2) ، {قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ .لَهُم مِّن فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِّنَ النَّارِ وَمِن تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ} (3) ، {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ} (4) ، {يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ} (5) ، {يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ} (6) ، {إِذِ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلَاسِلُ يُسْحَبُونَ .فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ} (7) ، {إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَلَاسِلَا وَأَغْلَالاً وَسَعِيراً} (8) ، {خُذُوهُ فَغُلُّوهُ. ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ.
__________
(1) 12 – عبس : 33- 43
(2) 13 – لقمان : 33
(3) 1 – الزمر : 15 - 16
(4) 2 – التحريم : 6
(5) 3 – القمر : 48
(6) 4 – التوبة : 36
(7) 5 – غافر : 71 - 72
(8) 6 – الإنسان : 4 (2/223)
صفحة 653
ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعاً فَاسْلُكُوهُ} (1) ، {وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَراً حَتَّى إِذَا جَاؤُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَاء يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ. قِيلَ ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ} (2) ، {إِذَا أُلْقُوا فِيهَا سَمِعُوا لَهَا شَهِيقاً وَهِيَ تَفُورُ. تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ. قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ إِنْ أَنتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ كَبِير. وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ} (3) ، {انطَلِقُوا إِلَى ظِلٍّ ذِي ثَلَاثِ شُعَبٍ. لَا ظَلِيلٍ وَلَا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ. إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ. كَأَنَّهُ جِمَالَتٌ صُفْرٌ. وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ. هَذَا يَوْمُ لَا يَنطِقُونَ. وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ. وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ. هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ جَمَعْنَاكُمْ وَالْأَوَّلِينَ.
__________
(1) 7 – الحاقة : 30 -32
(2) 8 – الزمر : 71- 72
(3) 9 – الملك : 7 - 10 (2/224)
صفحة 654
فَإِن كَانَ لَكُمْ كَيْدٌ فَكِيدُونِ} (1) ، { وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لأَمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ} (2) ، {يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِن مَّزِيدٍ} (3) ، {كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا لِيَذُوقُواْ الْعَذَابَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَزِيزاً حَكِيماً} (4) ، {وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُم مِّنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ} (5) ، {لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ} (6) ، {مِّن وَرَآئِهِ جَهَنَّمُ وَيُسْقَى مِن مَّاء صَدِيدٍ. يَتَجَرَّعُهُ وَلاَ يَكَادُ يُسِيغُهُ وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِن كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِن وَرَآئِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ} (7) ، {لَّيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَّا مِن ضَرِيعٍ. لَا يُسْمِنُ وَلَا يُغْنِي مِن جُوعٍ} (8) ، {إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ. طَعَامُ الْأَثِيمِ. كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ. كَغَلْيِ الْحَمِيمِ. خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ إِلَى سَوَاء الْجَحِيمِ. ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذَابِ الْحَمِيمِ} (9) ، {فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِّن نَّارٍ يُصَبُّ مِن فَوْقِ رُؤُوسِهِمُ الْحَمِيمُ. يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ. وَلَهُم مَّقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ.
__________
(1) 10 – المرسلات : 30 -39
(2) 11 – هود : 119
(3) 12 – ق : 30
(4) 1 – النساء : 56
(5) 2 – فاطر : 36
(6) 3 – هود : 106
(7) 4 – إبراهيم : 16 - 17
(8) 5 – الغاشية : 6- 7
(9) 6 – الدخان : 43 – 49 (2/225)
صفحة 655
كُلَّمَا أَرَادُوا أَن يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ} (1) ، {تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ} (2) ، {وَإِن يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاء كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءتْ مُرْتَفَقاً} (3) ، {وَقَالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْماً مِّنَ الْعَذَابِ} (4) ، {وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُم مَّاكِثُونَ} (5) ، {لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى وَوَقَاهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ} (6) ، {وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ. فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ. وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ. نَارٌ حَامِيَةٌ} (7) ، {كَلَّا إِنَّهَا لَظَى. نَزَّاعَةً لِّلشَّوَى. تَدْعُو مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّى} (8) ، {وَالَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ} (9) ، {وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاء الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُوماً لِّلشَّيَاطِينِ وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ السَّعِيرِ} (10) ، {فَسُحْقاً لِّأَصْحَابِ السَّعِيرِ} (11) ، {إِنَّا أَعْتَدْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ نُزُلاً} (12) ، {الَّذِي جَمَعَ مَالاً وَعَدَّدَهُ. يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ. كَلَّا لَيُنبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ. وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحُطَمَةُ. نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ. الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ. إِنَّهَا عَلَيْهِم مُّؤْصَدَةٌ.
__________
(1) 7 – الحج : 19 - 22
(2) 8 – المؤمنون : 104
(3) 9 – الكهف : 29
(4) 10 – غافر : 49
(5) 11 – الزخرف : 77
(6) 12 – الدخان : 56
(7) 13 – القارعة : 8- 11
(8) 14 – المعارج : 15 -17
(9) 15 – المائدة : 10
(10) 1 – الملك : 5
(11) 2 – الملك : 11
(12) 3 – الكهف : 102 (2/226)
صفحة 656
فِي عَمَدٍ مُّمَدَّدَةٍ} (1) ، {تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ. مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ. سَيَصْلَى نَاراً ذَاتَ لَهَبٍ} (2) ، {ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ. ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ. فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ. إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ. سَأُصْلِيهِ سَقَرَ. وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ. لَا تُبْقِي وَلَا تَذَرُ. لَوَّاحَةٌ لِّلْبَشَرِ. عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ} (3) ، {إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ} (4) ، {وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُواْ عَلَيْنَا مِنَ الْمَاء أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللّهُ قَالُواْ إِنَّ اللّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ} (5) ، {يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُم بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِم بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ. يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءكُمْ فَالْتَمِسُوا نُوراً فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ لَّهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِن قِبَلِهِ الْعَذَابُ} (6) ، {وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَراً حَتَّى إِذَا جَاؤُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ.
__________
(1) 4 – الهمزة : 2- 9
(2) 5 – المسد : 1 – 3
(3) 6 – المدثر : 22 - 30
(4) 7 – التوبة : 67
(5) 8 – الأعراف : 50
(6) 9 – الحديد : 12- 13 (2/227)
صفحة 657
وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاء فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ. وَتَرَى الْمَلَائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَقُضِيَ بَيْنَهُم بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} (1) ، {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً. أُوْلَئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ وَيَلْبَسُونَ ثِيَاباً خُضْراً مِّن سُندُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ} (2) ، {مُتَّكِئِينَ عَلَى فُرُشٍ بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دَانٍ} (3) ، {مُتَّكِئِينَ عَلَى رَفْرَفٍ خُضْرٍ وَعَبْقَرِيٍّ حِسَانٍ} (4) ، {عَلَى سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ. يُطَافُ عَلَيْهِم بِكَأْسٍ مِن مَّعِينٍ. بَيْضَاء لَذَّةٍ لِّلشَّارِبِينَ. لَا فِيهَا غَوْلٌ وَلَا هُمْ عَنْهَا يُنزَفُونَ. وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ عِينٌ. كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَّكْنُونٌ} (5) ، {كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ} (6) ، {لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ} (7) ، {وَمِن دُونِهِمَا جَنَّتَانِ} (8) ، {فِيهِمَا عَيْنَانِ نَضَّاخَتَانِ} (9) ، {فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ} (10) ، {فِيهِنَّ خَيْرَاتٌ حِسَانٌ} (11) ، {حُورٌ مَّقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ} (12) ، {يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُّخَلَّدُونَ.
__________
(1) 10 – الزمر : 73 - 74
(2) 11 – الكهف : 30 -31
(3) 1 – الرحمن : 54
(4) 2 – الرحمن : 76
(5) 3 – الصافات : 44- 49
(6) 4 - الرحمن : 58
(7) 5 – الرحمن : 74
(8) 6 – الرحمن 62
(9) 7 – الرحمن : 66
(10) 8 – الرحمن : 68
(11) 9 – الرحمن : 70
(12) 10 – الرحمن : 72 (2/228)
صفحة 658
بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِّن مَّعِينٍ. لَا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلَا يُنزِفُونَ. وَفَاكِهَةٍ مِّمَّا يَتَخَيَّرُونَ. وَلَحْمِ طَيْرٍ مِّمَّا يَشْتَهُونَ. وَحُورٌ عِينٌ. كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ. جَزَاء بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ. لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً وَلَا تَأْثِيماً. إِلَّا قِيلاً سَلَاماً سَلَاماً. وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ. فِي سِدْرٍ مَّخْضُودٍ. وَطَلْحٍ مَّنضُودٍ. وَظِلٍّ مَّمْدُودٍ. وَمَاء مَّسْكُوبٍ. وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ. لَّا مَقْطُوعَةٍ وَلَا مَمْنُوعَةٍ. وَفُرُشٍ مَّرْفُوعَةٍ. إِنَّا أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَاءإِنَّا أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَاء. فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَاراً. عُرُباً أَتْرَاباً. لِّأَصْحَابِ الْيَمِينِ} (1) ، {إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ. عَلَى الْأَرَائِكِ يَنظُرُونَ. تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ. يُسْقَوْنَ مِن رَّحِيقٍ مَّخْتُومٍ. خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ. وَمِزَاجُهُ مِن تَسْنِيمٍ. عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ} (2) ، {إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِن كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُوراً. عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيراً} (3) ، {مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ لَا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْساً وَلَا زَمْهَرِيراً. وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلَالُهَا وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلاً. وَيُطَافُ عَلَيْهِم بِآنِيَةٍ مِّن فِضَّةٍ وَأَكْوَابٍ كَانَتْ قَوَارِيرَا. قَوَارِيرَ مِن فِضَّةٍ قَدَّرُوهَا تَقْدِيراً. وَيُسْقَوْنَ فِيهَا كَأْساً كَانَ مِزَاجُهَا زَنجَبِيلاً. عَيْناً فِيهَا تُسَمَّى سَلْسَبِيلاً.
__________
(1) 11 – الواقعة : 17 - 38
(2) 12 – المطففين : 22- 28
(3) 13 – الإنسان : 5-6 (2/229)
صفحة 659
وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُّخَلَّدُونَ إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤاً مَّنثُوراً. وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيماً وَمُلْكاً كَبِيرا. عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُندُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِن فِضَّةٍ وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَاباً طَهُوراً} (1) ، {لَهُمْ غُرَفٌ مِّن فَوْقِهَا غُرَفٌ مَّبْنِيَّةٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ} (2) ، {أَنْهَارٌ مِّن مَّاء غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِن لَّبَنٍ لَّمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِّنْ خَمْرٍ لَّذَّةٍ لِّلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِّنْ عَسَلٍ مُّصَفًّى وَلَهُمْ فِيهَا مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ} (3) ، {يُطَافُ عَلَيْهِم بِصِحَافٍ مِّن ذَهَبٍ وَأَكْوَابٍ وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ وَأَنتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} (4) ، {وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ. لَكُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ مِنْهَا تَأْكُلُونَ} (5) ، {كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ. مُتَّكِئِينَ عَلَى سُرُرٍ مَّصْفُوفَةٍ وَزَوَّجْنَاهُم بِحُورٍ عِينٍ} (6) ، {وَأَمْدَدْنَاهُم بِفَاكِهَةٍ وَلَحْمٍ مِّمَّا يَشْتَهُونَ. يَتَنَازَعُونَ فِيهَا كَأْساً لَّا لَغْوٌ فِيهَا وَلَا تَأْثِيمٌ.
__________
(1) 1 – الإنسان : 13 - 21
(2) 2 – الزمر : 20
(3) 3 – محمد : 15
(4) 4 – الزخرف : 71- 73
(5) 5 – الطور : 19 -20
(6) 6 – الطور : 19 -20 (2/230)
صفحة 660
وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمَانٌ لَّهُمْ كَأَنَّهُمْ لُؤْلُؤٌ مَّكْنُونٌ} (1) ، {أَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوَى} (2) ، ولهم جنات النعيم، و{جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ}،وجنة الخلد التي أعدت للمتقين، والذين يذكرون لهم دار السلام، {وَعَدَ اللّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ } (3) ، {وَالمَلاَئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِم مِّن كُلِّ بَابٍ .سَلاَمٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ} (4) ، {وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ.
__________
(1) 7 – الطور : 22 - 24
(2) 8 – السجدة : 19
(3) 9 – التوبة : 72
(4) 10 – الرعد : 23 (2/231)
صفحة 661
الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِن فَضْلِهِ لَا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلَا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ} (1) ، اعلم يا ابن الملك لا تغتر بزينة الحياة الدنيا فإن قلت إن فيها المأكول والمشروب والملبوس والمنكوح والمركوب فأقول إن خير المأكول العسل وهو من ذرق ذبابة وخير المشروب اللبن وهو يخرج من بين فرث ودم وخير الملبوس الإبريسم ويعمله دودة وخير المركوب الخيل وفيها تقتل سادات الملوك والمنكوح مبال في مبال، فلما قرأت حليمة عليه الذكر سكت وقالت له: يا سيدي مرادي الرواح، فأذن لها، ثم قال ابن الملك للقهرمانة: أئتني بها بكرة في الحصن فإن لم تطاوعني في نفسها وإلا قتلتها، فلما أصبح الصباح دخلت العجوز على حليمة وقالت لها: سيدي يريدك أن تصلي معه إلى الحصن في هذه الساعة وإن لم تسمحي له وإلا ليقتلك فما جوابك ؟ فقالت : أما في الحصن فلا أقصد إليه للحرام ولكنه إن أرادني في نفسي فالوعد بيني وبينه في الفلاة بالوادي النازل الأكبر الذي ... (2) عن أعين الناس حتى نكون في الخلوة وأقرب إلى بلوغ الشهوة ويصل بنفسه لا تكوني في صحبته لأني أستحي منك. فرجعت العجوز مسرعة بالجواب مستبشرة بلذيذ الخطاب فأخبرت ابن الملك فسرج على حصانه وأخذ سلاحه ولامة حربه وركب من مقامه فرآها في الموضع المذكور متزينة له بالحلي والحلل فهبط عن حصانه وفرش لها فراشه وأقبل إليها فقالت:
فلا تنس ذكر القبر فإنك زائره عشية يوم أو غداة تباكره
__________
(1) 11 – فاطر : 34- 35
(2) 1 – كلمة غير واضحة في الأصل . (2/232)
صفحة 662
ثم قالت له: معشوقي ورأفة في روحي مهلاً يا سيدي أريد منك حالة واحدة. فقال لها: اطلبي. قالت له : إن جامعتني وحملت منك حملاً فيقال في ولدي نغلاً مرقوطاً (1) وأنا أريد أفتخر به منك وأعطيني الدشتة له حتى أقول له وللناس هذه دشتة (2) أبيك فالبس لباس آبائك على خراقك. فأعطاها إياها وتركتها على يمينها وقبضها فمالت إليه كأنها عود بان أو قضيب خيزران فقالت له: أحيي جسمي قبل موتنا فضمها على صدره فقبضته بيدها اليسرى على ظهره وأخذت الدشتة بيدها اليمنى وضربته على كبده وشقت غوضه (3) اليمين فخر على وجهه ميتا، ثم اقبلت إلى الحصان فعقرته وقتلته فقصدت إلى بيتها فتراكم السحاب ولمعت البروق وسجت الرعود على رؤوس الجبال فنزل المطر وسالت الأودية فحمل الوادي الحصان وابن الملك فلا وجد عنهما خبر ولا يقص لهما أثر. فهذا ما ضربناه من المثل في حليمة كمريم ابنة عمران وامرأة فرعون وآسية بنت مزاحم وفاطمة الزهراء وأمهات المؤمنين وإن كانت في الفضل دون ذلك ولكن عندنا في قلوبنا هي سيدة النساء المتأخرين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد النبي المصطفى الأمين وعلى آله وأصحابه الأنصار والمهاجرين والتابعين إلى يوم الدين وعنا معهم برحمتك يا أرحم الراحمين.
الذكر السابع والأربعون
قصة الرجل المبتلى بالعيلة في البلد القبيبة (4) وعمد في التضرع إلى الله بالأدعية ففرج الله عنه بعد الشدة باليسر والنعم.
__________
(1) 2 – أي لقيطاً .
(2) 3 – أي الخنجر
(3) 4 – أي جنبه .
(4) 1 – أي الضيقة . (2/233)
صفحة 663
... قال ذو الغبراء: حدثني صاحبي عن رجل فقير ابتلي في شبابه، وأراحه الله في اكتهاله، ومن قصته أن معه والدين فالوالد أخلع (1) والأم عمياء ومعه زوجة صالحة ومعها والدين قاصرين ونسلت له زوجته سبعة أولاد من الذكور ومسكنه في بلدة قبيبة الأرزاق، والساعي لها قليل ، بعيدة عن البلدان ، فاحتار الفقير دليله، وضاقت به الأمور لأنه لا بد للإنسان من عمل يستعين به لأمر دينه ودنياه ، ثم صحت سرقة في بلده فاتهم بها الفقير وسجن ، فقرأ فاتحة الكتاب مائة شرف فرجعت السرقة من عند سارقها وأخرج الفقير من السجن فنفعه الله بتلاوة الحمد، ثم قام يدعو الله بهذه الأسماء العظيمة يا الله يا رب يا رحمن يا رحيم يا مالك يا محيط يا قدير يا عليم يا حكيم يا تواب يا بصير يا واسع يا بديع يا سميع يا كافي يا رؤوف يا شاكر يا إله يا واحد يا غفور يا حليم يا قابض يا باسط يا حي يا قيوم يا علي يا عظيم يا ولي يا غني يا حميد يا وهاب يا نصير يا دائم يا سريع يا رقيب يا حسيب يا شهيد يا عفو يا مقيت يا وكيل يا كفيل يا لطيف يا قدير يا خبير يا محي يا مميت يا نعم المولى ونعم النصير يا حفيظ يا قريب يا مجيب يا قوي يا مجيد يا ودود يا فعال لما يريد يا كبير يا متعال يا منان يا خلاق يا صادق يا وارث يا باعث يا كريم يا مبين يا حق يا نور السموات والأرض يا هادي يا فتاح يا فاطر يا غافر يا قابل يا شديد العقاب يا ذا الطول يا رزاق يا ذا القوة يا متين يا بر يا مليك يا مقتدر يا باقي يا ذا الجلال والإكرام يا أول يا آخر يا ظاهر يا باطن يا قدوس يا سلام يا مؤمن يا مهيمن يا عزيز يا جبار يا متكبر يا خالق يا بارئ يا مصور يا مبدئ يا معيد يا أحد يا صمد ويقرأ هذه الأبيات شعرا:
إذا ضاقت بك الأحوال يوماً ... فثق بالواحد الفرد العلي
فكم لله من لطف خفي ... يدق خفاه عن فهم الذكي
وكم يسر أتى من بعد عسر ... ففرج كربة القلب الشجي
__________
(1) 2 – أي أشل (2/234)
صفحة 664
وكم أمراً تساء به صباحاً ... فتأتيك المسرة بالعشي
توسل بالنبي وكل عبد ... يغاث إذا توسل بالنبي
ثم يقرأ بالأسحار هذه الأبيات:
يا من يرى ما في الضمير ... أنت المعد لكل ما يتوقع
ويسمع
يا من يرجى للشدائد كلها ... يا من إليه المشتكى والمفزع
يا من خزائن رزقه في قول كن ... امنن فإن الخير عندك أجمع
مالي سوى قرعي لبابك حيلة ... ولئن رددت فأي باب أقرع
ومن الذي أدعو وأهتف باسمه ... إن كان فضلك عن فقيرك يمنع
مالي سوى فقري إليك وسيلة ... فبالافتقار إليك فقري أدفع
حاشا لجودك أن تخيب راجياً ... الفضل أجزل والمواهب أوسع
ثم الصلاة على النبي وآله ... ما دام عبد في رجائك يطمع
وتارة يقرأ هذه الأبيات :
هنيئاً لمن أمسى وأنت حبيبه ... ولو أن لوعات الغرام تذيبه
وما ضر عبد أن يبيت وماله ... نصيب من الدنيا وأنت نصيبه
فطوبى لعبد أنت ساكن سره ... ولو بان عنه إلفه وقريبه
فإن تك راض عنه في طي عيبه ... فما ضره في الناس من يستعيبه
عبيدك في باب الرجا متضرعاً ... إذا لم تجبه أنت فمن ذا يجيبه
فيا علة في الناس أنت شفاؤها ... ويا مرضاً في القلب أنت طبيبه (2/235)
صفحة 665
... قال: فلقي رجلاً في طريقه الجائز وسأله عن البلد فقال : داري قبيبة ورزقي فيها قليل. فرحمه وأتى إليه بطعام فأعطاه إياه وحمله إلى عيلته فرجع إليه وقال له: ألا تنفعني بشيء من الأدعية ؟ فقال له : أما دعوت الله بسورة الواقعة التي علمها عبدالله بن مسعود بناته حين قال له عثمان بن عفان في مرضه: أعطيك لبناتك. قال له: قد علمتهن سورة الواقعة وكفى بها عما في يدك. فهذا هو الدعاء مع السورة أعوذ بالله من الشيطان الرجيم بسم الله الرحمن الرحيم اللهم أنت المقصود إليه بكل حال وأنت المشار إليه بكل معنى يا الله يا الله يا الله العظيم شأنك القديم إحسانك الظاهر برهانك الواضح بيانك ما أعظم شأنك وما أعدل إحسانك.( قال الشيخ ناصر: ما أعظم وما أعدل لا يجوز بالفتح بمعنى التعجب ويجوز بالضم بمعنى النفي وذلك بمعنى ليس أي ليس أعظم من شأنك وعلى هذا القياس ) الرب الواحد بقدرتك يخضع كل شيء لعظمتك وذل كل شيء لعزتك وصغر كل شيء باتساع رحمتك يا من كلم موسى تكليما وأراه الآيات برهاناً عظيما اللهم يا الله يا الله يا الله إني أسألك باسمك وبسورة الواقعة ( قال الشيخ ناصر : يقول أدعوك باسمك وأتوسل إليك بحرمة سورة الواقعة ) {لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ.خَافِضَةٌ رَّافِعَةٌ.إِذَا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجّاً.وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسّاً. فَكَانَتْ هَبَاء مُّنبَثّاً.وَكُنتُمْ أَزْوَاجاً ثَلَاثَةً. فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ. وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ. وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ. أُوْلَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ. فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ. ثُلَّةٌ مِّنَ الْأَوَّلِينَ. وَقَلِيلٌ مِّنَ الْآخِرِينَ. عَلَى سُرُرٍ مَّوْضُونَةٍ. مُتَّكِئِينَ عَلَيْهَا مُتَقَابِلِينَ. يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُّخَلَّدُونَ. بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِّن مَّعِينٍ. (2/236)
صفحة 666
لَا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلَا يُنزِفُونَ. وَفَاكِهَةٍ مِّمَّا يَتَخَيَّرُونَ. وَلَحْمِ طَيْرٍ مِّمَّا يَشْتَهُونَ. وَحُورٌ عِينٌ. كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ. جَزَاء بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ. لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً وَلَا تَأْثِيماً. إِلَّا قِيلاً سَلَاماً سَلَاماً}، اللهم اجعلني يا الله يا الله يا الله من أصحاب اليمين ولا تجعلني من أصحاب الشمال، {فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ,وَظِلٍّ مِّن يَحْمُومٍ. لَّا بَارِدٍ وَلَا كَرِيمٍ. إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ. وَكَانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنثِ الْعَظِيمِ. وَكَانُوا يَقُولُونَ أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وَعِظَاماً أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ. أَوَ آبَاؤُنَا الْأَوَّلُونَ. قُلْ إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ. لَمَجْمُوعُونَ إِلَى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَّعْلُومٍ. ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ. لَآكِلُونَ مِن شَجَرٍ مِّن زَقُّومٍ. فَمَالِؤُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ. فَشَارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَمِيمِ. فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ. هَذَا نُزُلُهُمْ يَوْمَ الدِّينِ. نَحْنُ خَلَقْنَاكُمْ فَلَوْلَا تُصَدِّقُونَ} اللهم اجعلني يا الله يا الله يا الله من المصدقين بكلماتك وأفض علينا من خيراتك وبركاتك وأعطائك وأرزاقك يا من هو رزق كل أحد عليه ومصير كل شيء إليه اللهم يا الله يا الله يا الله اغنني بحلالك عن حرامك وبطاعتك عن معصيتك وبفضلك عمن سواك حتى لا أرجو أحداً غيرك ، {أَفَرَأَيْتُم مَّا تُمْنُونَ.أَأَنتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ. نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ. عَلَى أَن نُّبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ وَنُنشِئَكُمْ فِي مَا لَا تَعْلَمُونَ. (2/237)
صفحة 667
وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولَى فَلَوْلَا تَذكَّرُونَ}، اللهم اجعلني يا الله يا الله يا الله من الذاكرين واجعلني من الذين يتبعون سنة نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - واغنني بفضلك عمن سواك استغفر الله الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب إليه اللهم يا حميد يا حميد يا ودود يا شكور أسألك أن تغنيني بحلالك عن حرامك وبطاعتك عن معصيتك وبفضلك عمن سواك، {أَفَرَأَيْتُم مَّا تَحْرُثُونَ. أَأَنتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ. لَوْ نَشَاء لَجَعَلْنَاهُ حُطَاماً فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ. إِنَّا لَمُغْرَمُونَ. بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ. أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاء الَّذِي تَشْرَبُونَ. أَأَنتُمْ أَنزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنزِلُونَ. لَوْ نَشَاء جَعَلْنَاهُ أُجَاجاً فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ}، اللهم اجعلني يا الله يا الله يا الله من الشاكرين لنعمتك ولا تجعلني من المحرومين من جنتك بحرمة كتابك الذي أنزلته على نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - اللهم يا الله يا الله يا الله إني أدعوك باسمك المرتفع الذي تكرم به من شئت من أوليائك وتهبه لأصفيائك أسألك أن تأتيني برزقي ما تقطع به علائق الشيطان إنك أنت المنان القديم الإحسان ونجنا من النار، { َفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ. أَأَنتُمْ أَنشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنشِؤُونَ. نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً وَمَتَاعاً لِّلْمُقْوِينَ. (2/238)
صفحة 668
فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ}، أسألك اللهم بحرمة اسمك الأعظم أن تأتيني برزقي بحرمة من {عِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا وَلاَ حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ} (1) {وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً} (2) ، اللهم بحرمة ف ج ش ث ظ خ ز اللهم يا فرد يا جبار يا شكور يا ثابت يا ظهير يا خبير يا زكي يا الله أو من كان ميتاً فأحييناه وجعلنا له نوراً يمشي به في الناس اللهم يا الله يا الله يا الله نور بنور من عندك تبهجني به بين عبادك ، يا إلهنا وإله كل شيء لا إله إلا الله الموجود أقسم على رزقي تقضني به عن عبادك {فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ. وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ. إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ. فِي كِتَابٍ مَّكْنُونٍ. لَّا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ. تَنزِيلٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ. أَفَبِهَذَا الْحَدِيثِ أَنتُم مُّدْهِنُونَ. وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ. فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ. وَأَنتُمْ حِينَئِذٍ تَنظُرُونَ. وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنكُمْ وَلَكِن لَّا تُبْصِرُونَ. فَلَوْلَا إِن كُنتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ.
__________
(1) 1 – الأنعام : 59
(2) 2 – الطلاق : 3 (2/239)
صفحة 669
تَرْجِعُونَهَا إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ}، اللهم اجعلني يا الله يا الله يا الله من المصدقين بك وبملائكتك وأنبيائك ورسلك اللهم يا الله يا الله يا الله بحرمة هذا الدعاء عندك أن تسخر لي أمر هذا الرزق وأن تعصمني من الحرص والتعب في طلبه وكثرة التدبير والشح والبخل بعد حصوله اللهم اجعلني سبباً لعبوديتك ومشاهداً لربوبيتك ، اللهم نور بذلك أمري ولا تكلني إلى نفسي طرفة عين ولا أقل منها واهدني إلى صراط مستقيم {صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الأمُورُ} (1) ، اللهم يا رازق المقلين ويا أكرم الأكرمين ويا أجود الأجودين ويا أرحم الراحمين ويا رب العالمين ، اللهم ارزقني رزقاً طالباً غير مطلوب وغالباً غير مغلوب ، اللهم يا رب بحرمة هذا الدعاء عندك إن كان رزقي في السماء فأنزله وإن كان في الأرض فأخرجه وإن كان بعيداً فقربه وإن كان قريباً فأتني به وإن كان قليلاً فكثره وإن كان كثيراً فبارك لي فيه إنك رؤوف عطوف برزقك لطيف بخلقك، {قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاء وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاء وَتُعِزُّ مَن تَشَاء وَتُذِلُّ مَن تَشَاء بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ.تُولِجُ اللَّيْلَ فِي الْنَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الَمَيَّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَن تَشَاء بِغَيْرِ حِسَابٍ} (2) ، بسم الله الرحمن الرحيم الكافي بسم الله الرحمن الرحيم الغني بسم الله الفتاح بسم الله الرزاق لا إله إلا أنت الكريم الوهاب ذي الطول لا إله إلا أنت المتفضل تفضل علينا يا الله بما تفضلت على أوليائك المقربين، {فَأَمَّا إِن كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ. فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّةُ نَعِيمٍ.
__________
(1) 1 – الشوى : 53
(2) 2 - آل عمران : 26-27 (2/240)
صفحة 670
وَأَمَّا إِن كَانَ مِنَ أَصْحَابِ الْيَمِينِ. فَسَلَامٌ لَّكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ. وَأَمَّا إِن كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ. فَنُزُلٌ مِّنْ حَمِيمٍ. وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ. إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ. فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ}، اللهم يا الله يا الله يا الله إني أدعوك باسمك العظيم يا كافي يا غني يا فتاح يا رب اجلب لي الرزق حيث كان ويسر لي الرزق من كل مكان بقدرتك وسلطانك إنك على كل شيء قدير، اللهم يا من ستر القبيح وأظهر الجميل ولم يؤاخذ بالجرائم ولم يهتك الستر يا عظيم العفو يا كريم الصفح يا حسن التجاوز يا واسع المغفرة يا باسط اليدين بالرحمة يا مقيل العثرات يا سيدي ومولاي يا غياثي ورغبتي أسألك لا تبتليني ببلية في الدنيا ولا في الآخرة ولا تشوه خلقتي بالنار يا أرحم الراحمين يا سامع كل شكوى يا عظيم المنة أسألك اللهم بحرمة اسمك العظيم الأعظم المخزون المكنون الذي إذا سألت به أعطيت إن كان يا مولاي سبق في أم الكتاب أني محروم مقتر على رزقي فامح يا مولاي من أم الكتاب شقائي وحرماني واكتبني عندك من السعداء الأبرار وارزقني رزقاً حلالاً واسعاً من خزائن رحمتك لأنك قلت وقولك الحق: يَمْحُو اللّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَابِ ، فإنك قلت: ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ وأنا دعوتك فإنك لا تخلف الميعاد، إلهي هذا مقام العبد الذليل على باب الملك الجليل اللهم لا تردني من هذا الدعاء خائبا وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا ومولانا محمد عبدك ورسولك النبي الأمي وعلى آله وصحبه وسلم تسليما عدد ما ذكروه الذاكرون وغفل عنه الغافلون صلاة لا تنقطع أبدا والحمد لله رب العالمين. (2/241)
صفحة 671
قال: فلما علمه لهذا الدعاء قال له: التمس الرزق من أهله من البلدان الواسعة فإنك تجد من سكانها الأغنياء والرحماء، قال: فوادع أهله وقصد في الطريق فلقي ناساً وسألوه عن اسمه ونسبه وقبيلته فأخبرهم فقبضوه للقتل وقالوا له: إن لنا دم معكم فقرأ الدعاء الذي يفلت الأسير من أسره وهو هذا الدعاء: يا لا تراه العيون، ولا تخالطه الأوهام والظنون، ولا يصفه الواصفون ، ولا تغيره الحوادث ، ولا تفوته العواقب، عالم بمثاقيل الجبال ومكاييل البحار وعدد قطر الأمطار وعدد ورق الأشجار وعدد ما أظلم عليه الليل وأشرق عليه النهار لا تواري منه سماء سماء ولا أرض أرضا ولا جبل ما في وعره ولا بحر ما في قعره استكانت لعظمته جوامع الأمم وتذللت لهيبته السموات والأرضون، أسألك أن تجعل خير أعمالي خواتمها وخير أيامي يوم ألقاك وخير ساعتي ساعة الفراق من دار الفناء إلى دار البقاء التي تكرم فيها من أحببت من أوليائك وتهين فيها من أبغضت من أعدائك ثم أسألك اللهم في عاجل الدنيا عافية جامعة وفي الآخرة مناً منك طويلا يا ذا الجلال والإكرام اللهم من أرادني فأرده ومن كادني فكده ومن بغي علي تلفي فأهلكه ، اللهم فك عني من رجل من نصب لي حده وأطف عني نار من شب لي وقده ، واكفني هم من دخل علي همه ، وادخلني في درعك الحصين من شر خلقك أجمعين ، واكفني مكر الماكرين ، واحمني في سترك الواقي يا من يكف كل شيء اكفني أمر الدنيا وصدق ظني بك وفرج عني المضيق ولا تحملني ما لا أطيق أنت إله الحق والحقيق يا مشرق البرهان يا قوي الأركان يا من هو بكل مكان وصل اللهم على محمد وآله واحرسني بعينك التي لا تنام واكنفني بركنك الذي لا يرام وارحمني يا أرحم الراحمين ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم . (2/242)
صفحة 672
قال : فلما تم من قراءة الدعاء فلتوه من كفاته وسلمه الله منهم وقصد في طريقه فعرض على امرأة من البادية فسألته عن غنم لها ذهبت فلجت عليه أن يجلبها إليها فقرأ سورة الضحى ثم قال لا إله إلا الله بها قامت السموات لا إله إلا الله بها يكشف البليات لا إله إلا الله بها يرد ما فات لا إله إلا الله خير حافظاً وهو أرحم الراحمين اللهم يا جامع الناس ليوم لا ريب فيه اللهم اجمع بين البادية وغنمها فإنك تعلم ما لا أعلم بحرمة النبي المنتخب محمد سيد العجم والعرب إنك على كل شيء قدير ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم . فكرر القراءة سبعة أشراف – وهذا يحتاج إلى خيط كلما قرأ شرفاً فاعقد عقدة حتى يتم سبع عقد ويجعله في مكان مظلم أو يجعل عليه حجر - فأقبلت إليهما الغنم وأخذته المرأة لتغديه بالعيش مع الفرقان وأخبرت قومها بقصتها فأقبلوا إليه أصحابها وسألوه عندهم مريضاً فكتب لهم حرزاً وهو هذا : اللهم أنت في السماء إله وفي الأرض إله لا إله فيهما غيرك وأنت جبار من في السموات وجبار من في الأرض لا جبار فيهما غيرك وحكم على من في السموات وحكم على من في الأرض لا حكم فيهما لغيرك وأنت مالك من في السموات ومالك من في الأرض لا مالك فيهما غيرك قدرتك في الأرض كقدرتك في السماء سلطانك في الأرض كسلطانك في السماء أسألك يا الله يا رحمن يا رحيم إنك على كل شيء قدير أن تبرئ وتعافي حامل هذا الكتاب. فأعطاهم إياه وحمله المريض وكتبه محواً فشربه وأبرأه الله. (2/243)
صفحة 673
... ثم سأله رجل آخر أن سيفاً كان عنده وسرق عليه ويريد له حورة فقال: اللهم إن الأرض أرضك والسماء سماؤك والبر برك والبحر بحرك وما فيهما والأرض لك اللهم اجعل الأرض وما حوت على سارق سيف فلان أضيق عليه من سم الخياط وأخذت سمعه وبصره وعقله وجميع جوارحه يغشاه موج من فوقه موج من فوقه سحاب ظلمات بعضها فوق بعض إذا أخرج يده لم يكد يراها. فكرر يتلو هذا الكلام حتى حس السارق بألم الموت في جميع أحشائه وأعضائه وأوصى بجميع ما عليه من الحقوق ثم أقر بالسيف وطرّش (1) به إلى صاحبه في تلك الساعة حتى رجع السيف إلى صاحبه.
__________
(1) 1 – أي أرسل . (2/244)
صفحة 674
... ثم قال رجل آخر قد ذهبت ناقتي مذ سنة، فقال الفقير: يا حفيظ مائة مرة وتسع عشرة مرة. وقال: {يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ فَتَكُن فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ} (1) ، فتلا هذه الآية مائة وتسع عشرة مرة. قال : فرجعت الناقة إلى صاحبها ونفعوه البداة فأقبل إليه الرزق لما بعد عن داره فطرش بالمنفوع لأهله ثم مشى عنهم في طريقه وأراد أن يختفي عن أعين الناس فقرأ الطهاطيل وهذه كما ترى : فهطيطيل نههططيل جهلططيل لخهططيل لمقفنجل فجش ثطخر فقج مخمت اللهم احجبني من كل شر وضر ومن شر كل ذي شر يا لطيف يا لطيف 14 مرة إنك على كل شيء قدير ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم وصل اللهم على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم. قال: فاختفي عن العيون حتى أوصله الله البلد الواسعة وهي دار السلطان المعظم وهي بندر العرب فآوى ودخل المسجد الجامع وقت صلاة العتمة وجلس فيه حتى صلت الناس القائمين فيه وخرجوا وعمد الإمام ليطفئ السراج ويشد الأبواب ليقفلها فرأى الرجل وسأله عن حاله فأخبره بقصته فقد إمام المسجد إلى البيت ودبر إليه خادمه بالطعام والشراب والكسوة والفراش والسلاح فلما وصل معه الخادم قرب له الموائد فأكل وشرب ما طاب له ولبس الكسوة وفرش ونام إلى صلاة الصبح فأقبلت الجماعة إلى الصلاة ونظروا الرجل في المسجد فقاموا إليه بالمصافحة إجلالاً له فأخبرهم إمام المسجد بقصته وقال لهم : كيف معكم لهذا الرجل- أخذهم خفيه لا في وجهه - فقالوا له : الأمر إليك أنت ابتدأ ونحن نقتفي. فقال لهم الإمام: إن رجع أنا أندبته للسفر في المركب الفلاني فهو له من عند الله. فقال غيره كذلك أو أزيد، فكل من حضر من أهل اليسر أعطى كل بقدره فصار له ألوفاً مؤلفة وهو لا يدري بذلك.
__________
(1) 2 – لقمان : 16 (2/245)
صفحة 675
فقام الإمام وقال للفقير: قم إلى البيت نقصد للغداء فأكلا ما طاب لهما، ثم سأله عن عدد أهله واسم بلده وكم بعدها وفي أي أرض فأخبره بذلك، فقصد إمام المسجد للسوق وسأل عن الجماميل فحمل عشرة من الجماميل من الطعام والكسوة والسمن والحل والبزار والفرش وكتب خطاً لأولاد الرجل على لسان أبيهم بعد السلام واصل إليكم حمل عشرة جماميل بما يسره الله لكم الساعة وإن شاء الله لتصل إليكم غير هذا بعد حين وكونوا قريرين الأعين والسلام عليكم من والدكم. فبعد أيام سمع السلطان بقدوم الرجل إلى البلد وبما وهبوه التجار فدبر السلطان إلى إمام المسجد وصاحبه أن يكون في صحبته فقصدوا مع الملك وسأل مولاه في طريقه أن يسخر له قلب الملك فلما وصلوا إلى حصنه استأذنوه للدخول فأذن لهم وحيوه بتحية الملوك فرحب لهم وسأله عن حاله فأخبره أن له عيلة وبلدته قبيبة وجاء يلتمس الرزق من البلد الواسعة. فقال له الملك: طب نفساً وقر عيناً مرادك السكون عندنا أم الرجوع إلى وطنك؟ فقال: مرادي السكون. فقال: تريد أن تصل بنفسك مع أهلك أم تقف عندنا وندبر لهم. قال: أحسن وصولي بنفسي لأنهم عورة ولا عليهم كسوة. (2/246)
صفحة 676
فقال الملك للوزير: حمل إلى القصر الفلاني الفرش والأرز والتمر والحطب والسمن والبزورات وكل ما يحتاج لإقامة البيت من الماء والخدم، ثم وهب له من أحسن الخيل له ولأولاده وأمر على العسكر والفرسان والجماميل لحمل الماء والطعام والعيال وكتب له من السوق بما يريد من الكسوة له ولأولاده ومن الرفاهية والرحظ يأخذ ما يريد وزود السلطان الجميع وقصد بهم إلى بلده فلما وصلوا داره قصد إلى بيته فرأى أهله وأولاده على زي الأغنياء ولم يعلم هو بما أرسل إليهم فحمد الله تعالى وأخذ أولاده ليصافحوا الناس ثم رجعوا إلى دار السلطان واستقروا في القصر فوصلوا عيال السلطان عند أهل الرجل حتى يتعرفوا بهم ويواصلوا إلى حصنهم فجعلت له الفرائض والموائد المعلومة وأعطوه التجار بما جعلوه له فتجر بالمال ونما وصار أعظم من التجار، ثم أراد أن يسافر في صحبة التجار فاستأذن الملك فأباح له المسير فوادعه ووادع أهله وجاء إلى السفينة وتحصل فيها قال: {سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ} (1) ، فلما جرت بهم قال: {بِسْمِ اللّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ} (2) ، قال: وسكن البحر فقرأ سورة يس إلى تمامها ثمانين شرفاً فهبت لهم ريح طيبة حتى وصلوا البندر المقصود وقال: {رَّبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَل لِّي مِن لَّدُنكَ سُلْطَاناً نَّصِيراً} (3) ، ثم أقاموا في البندر وباعوا سلعهم بالفوائد العظيمة ولكن القابض فيها من الجبابرة المتمردين الظالمين فأخذ عليهم كثير من العشور (4)
__________
(1) 1 – الزخرف : 13 ، في الأصل ( الحمد لله ) بدل ( سبحان ) .
(2) 2 – هود : 41
(3) 3 – الإسراء : 80
(4) 4 – الجمرك ، أو الضريبة .. (2/247)
صفحة 677
فقصدوا المسافرون مع الظالم ليخفف عنهم فلما وصلوا عنده لا قدروا عليه بحيلة ثم اشهدوا عليه أصحابه أنه ظلمهم ولا سامحهم فرجعوا إلى المنزل فقام الرجل يدعو عليه بهذا الدعاء : بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله المحمود المعبود الصمد المقصود ذي الكرم والجود والعطاء والجود والفضل المورود أنت العزيز الباقي والحافظ الواقي لك العز والبقاء في الأرض والسماء وما بينهما وما تحت الثرى أنت الأول بلا ابتداء والآخر بلا انتهاء فلك الأسماء الحسنى والأمثال العلى إليك يفزع المجهود ويرجع المطرود تجير من استجار بك وتحفظ من لجأ إليك وترشد من أطاعك وتعز من اعتز بك تؤمن الخائف وتنصر المظلوم وتعطي المحروم فلك الحمد كثيرا اللهم إني أصبحت وأمسيت على فنائك وقمت على بابك أنتظر منك الرحمة وإجابة الدعوة هربت إليك من شر عملي وكبائر ذنوبي فليس لي وسيلة إلا أنت ولا ملجأ ولا منجى منك إلا إليك سبحان وبحمدك اللهم صل على ملائكتك المقربين وعلى حملة عرشك أجمعين وعلى أنبيائك والمرسلين وعلى أهل الاستقامة في الدين وسلم عليهم أجمعين اللهم إني أسألك أن تكفني مكر الماكرين وجور الجائرين وكيد الكائدين وحسد الحاسدين وعناد المعاندين وبغي الفاجرين وتملق المنافقين وختل الراصدين ونفاق المرائين اللهم حصني بحصنك الحصين وعزني بعزك الرصين وصلني بحبلك المتين واحمني بسلطانك القاهر وأفض عليّ من فضلك الغامر وادفع عني شر الأشرار وكيد الفساق والغدار والكهنة والسحار والمردة والضرار وأعذني اللهم من شر كتاب سبق ومن زوال النعمة وتحول العافية وسوء العاقبة وحلول النقمة ومن هوى مردي وقرين ملهي وجار مؤذي ومن نصب واجتهاد يوجبان العذاب هربت إليك وتوكلت في جميع أموري إليك اللهم إني توكلت عليك وأسلمت نفسي ووجهت وجهي إليك إيماناً وثقة بك وتوكلاً عليك فمن أرادني بسوء من قريب أو بعيد أو حر أو عبد بيده أو بلسانه فادحره، اللهم صدّه عنا واكفنا شره وعجّم (2/248)
صفحة 678
لسانه واجتز بنانه وزلزل أركانه وعطل مكانه وذل سلطانه واقطع دابره واشغل خاطره وانكس هامته واقصم قامته وقلل عدده وبدد أنصاره وفرق شمله واقطع جرثومته ، اللهم لا تجعل له بيتاً يؤويه ولا مالاً يغنيه ولا باباً يواريه ولا صاحباً يواليه وشرده في البلاد وافعل به كما فعلت بثمود وعاد وفرعون ذي الأوتاد الذين طغوا في البلاد فأكثروا فيها الفساد اللهم صب عليهم سوط عذاب، وأعذني اللهم من شر ظالم غشوم وجبار حطوم تصدهم عني وتمنعي عنهم إنك محيط بالعبيد فعال لما تريد يا ذا العرش المجيد ويا ذا البطش الشديد، اللهم إني أصبحت وأمسيت في جوارك ممتنعا وبأسمائك الحسنى عائذا يا رب العالمين قد قلت وقولك الحق ولك الملك ادعوني استجب لكم وأنا أدعوك فإنك لا تخلف الميعاد ، إلهي هذا مقام العبد الذليل على باب الملك الجليل ، اللهم لا تردني من هذا الدعاء خائباً يا رب العالمين ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم وصل اللهم على سيدنا محمد النبي وعلى آله وصحبه وسلم.
قال: فثبت يتلو هذا الدعاء سبع ليالي وفي الليلة الثامنة تراكم السحاب وهبت الرياح سبح الرعد بحمده ولمعت البروق في الحصن فصار دكاً خالياً مما كان فيه ن فلما أصبح الصباح ورأو الناس ذلك خافوا على نفوسهم من الغضب والغرق، ثم قصدوا أكابر البلد مع التجار وسألوهم أن يسألوا مولاهم التخفيف عنهم فسأل مولاه فخفف الله عنهم وأعطوهم ما أخذه الجبار عليهم، ثم أعطوهم عهداً مكتوباً أن لا يأخذوا عليهم عشر لتجارهم لهم ولذريتهم من بعدهم فأخذوا منهم العهد والميثاق والمكتوب. (2/249)
صفحة 679
... قال ذو الغبراء: كثرت السرق في بلدنا فسألت الله تعالى في الليل بهذا الدعاء فالسارق بلا أحداً من جيرانه بصفرية يقول أخذت عليه . فقال له الجار: ابليتني بها ولا بد من الناس أن يدخلوا بيتي وبيتك فأبى التاهم ولا عذروه الناس ودخلوا بيته فوجدوها الصفرية في بيته ليس مسروقة عليه ووجدوا في بيته طماعة الناس المسروقة عليهم فصلبوا عليه ومات بساعته. (2/250)
صفحة 680
... رجع إلى قصته: فلما أرادوا الرجوع إلى بلدهم أخذوا العهد أن تكون الحشمة لكل من سافر من بندرهم وأوصوا بذلك على أولادهم وأولاد أولادهم ثم أعطوهم الهدية واشتروا ما أرادوا من السلع وحملوها إلى المراكب وركبوا فسارت تجري بهم في البحر حتى اضطرب البحر وهاجت الريح وخافوا على أنفسهم من التلف فقام يدعو بهذا الدعاء بسم الله الرحمن الرحيم اللهم يا علي يا عظيم يا حليم يا عليم أنت ربي وعليك حسبي فنعم الرب ربي ونعم الحسب حسبي تنصرني وأنت العزيز الرحيم اللهم إني أسألك العصمة في الحركات والسكنات والإرادات والخطرات ومن الشكوك والظنون والأوهام الساترة للقلوب ومن مطالعة الغيوب فقد ابتلي المؤمنون وزلزلوا زلزالاً شديدا وإذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا، فثبتنا وانصرنا وسخر لنا هذا البحر كما سخرت البحر لموسى وسخرت النار لإبراهيم وسخرت الجبال والحديد لداؤود وسخرت الريح والشياطين لسليمان فسخر لنا كل خير هو لك في الأرض والسماء والملك والملكوت وبحر الدنيا والآخرة وسخر لنا كل شيء يا من بيده ملكوت كل شيء كهيعص كهيعص كهيعص انصرنا فإنك خير الناصرين وافتح لنا فإنك خير الفاتحين واغفر لنا فإنك خير الغافرين وارحمنا فإنك خير الراحمين وارزقنا فإنك خير الرازقين واهدنا ونجنا من القوم الظالمين وهب لنا ريحاً طيبة كما هي في علمك وانشرها علينا من فضلك وخزائن رحمتك واحملنا بها حمل الكرامة مع السلامة والعافية في الدين والدنيا والآخرة إنك على كل شيء قدير اللهم يسر لنا أمورنا وجميع الراحة لقلوبنا وأبداننا والسلامة والعافية في ديننا ودنيانا وكن صاحباً لنا في سفرنا وخليفة على أهلنا واطمس اللهم على وجوه أعدائنا وامسخهم على مكانتهم فلا يستطيعون مضياً ولا يرجعون ولا يستطيعون المضي ولا المجئ ولو شئنا لطمسنا على أعينهم فاستبقوا الصراط فأنى يبصرون ولو نشاء لمسخناهم على مكانتهم فما استطاعوا (2/251)
صفحة 681
مضيا ولا يرجعون، يس والقران الحكيم إلى قوله فأغشيناهم فهم لا يبصرون شاهت الوجوه شاهت الوجوه وعنت الوجوه للحي القيوم وقد خاب من حمل ظلما طس حمعسق مرج البحرين يلتقيان بينهما برزخ لا يبغيان حم حم حم حم حم حم حم الأمر جاء النصر فعلينا لا ينصرون حم تنزيل الكتاب من الله العزيز العليم غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب ذي الطول لا إله إلا هو إليه المصير بسم الله بابنا تبارك حيطاننا يس سقفنا كهيعص كفايتنا حمعسق حمايتنا فسكيفيكهم الله وهو السميع العليم ستر العرش مستور علينا وعين الله ناظرة إلينا بعون الله وحوله لا يقدر علينا والله من ورائهم محيط بل هو قرآن مجيد في لوح محفوظ والله خير حافظاً وهو أرحم الله الراحمين إن وليي الله الذي نزل الكتاب وهو يتولى الصالحين حسبي الله لا إله إلا هو عليه توكلت وهو رب العرش العظيم حسبي الله لا إله إلا هو عليه توكلت وهو رب العرش العظيم حسبي الله لا إله إلا هو عليه توكلت وهو رب العرش العظيم بسم الله العظيم الذي لا يضر مع اسمه شيء في الأرض ولا في السماء وهو السميع العليم يا الله يا نور يا حق يا مبين اكسني من نورك وعلمني من علمك وفهمني منك وسمعني منك وانصرني بك إنك على كل شيء قدير والحمد لله رب العالمين.
قال: فسكن البحر من الاضطراب، وإن كتب هذا الدعاء حرزاً فهو بليغ. (2/252)
صفحة 682
... قال: لما هبت الريح الطيبة تباشروا بالخير حتى وصلوا دارهم والملك ينظر إليهم فلما نزلوا جعل لهم الموائد للفرح والسرور وأخبروه التجار بما جرى عليهم في سفرهم وبما صنع صاحبهم فقال الملك للرجل: نحن أعطيناك القوت والكسوة وأنت جعلت لنا الهيبة والحشمة لنا ولمن بعدنا فانظروا أيها المسلمون فيما صنعوا وأطيعوا الله ورسوله وصاحبكم هذا وأولاده فيما يأمر به وينهى عنه فإنه له عندي الجائزة الكبرى فمن أطاعه فقد أطاعني ومن عصاه فقد عصاني وحل عليه غضبي فهذا قولي في حياتي وأوصيت به على أولادي من بعد وفاتي، فعاش الرجل في زمانه في أحسن سكنة وأطيب معيشة.
فيا أيها الواقف على الكتاب اعلم أن كل من دعا الله تعالى أراده للدنيا أو للآخرة فالله يستجيب له دعاءه ولكن الإجابة ليس متى أرادها العبد ولكنها متى أرادها المولى. وقد حكي لنا عن رجل مسلم أراد صيد البحر فرمى بشبكه في البحر وقال بسم الله فلا صاد شيئا ورجل كافر يعبد وثنا فرمى بشبكه في البحر وقال باللات والعزى فصاد صيداً كثيرا ثم سأل أحد من الرسل مولاه فأجابه الله: أما الكافر أعطيناه في الدنيا وأما المسلم فأخرنا إجابته للآخرة. (2/253)
صفحة 683
... قال ذو الغبراء: حدثني أحد أن أناساً يجعلون غلة أموال ويوصون لقراءة القرآن فيجتمعون في الصحراء يقسموه في قراءته وبعد تمامه يقرأ أحدهم دعاء تصديقة القرآن في ذكر أوائل السور الذي صنفه ابن نباتة وتارة يدعون بدعاء التصديقة الذي مبتداه صدق الله العظيم ذو الآلاء وصدق جبريل أمين السماء. وصنف أحد من أهل العلم دعاء ابتدأه اللهم اجعلنا ووالدينا ومشايخنا ومعلمينا وإخواننا في الدين 000 فلما قرأه عليهم أعطوه الذين حضروا أربعمائة محمدية ثم سمع الملك بذلك فدعا بالرجل المصنف للدعاء فقرأ عليه فأعطاه الملك ألف محمدية وجعل له فريضة معلومة لما تكفيه هو ومن يعوله وحفظ هذا الدعاء الرجل المبتلى بالعيلة وسار إلى الحج وقرأه بحضرة سلطان الحرمين فلما أتم أعطاه ألف محمدية وجعل له تاجاً على رأسه في عرفة والمشعر ومنى وبين الصفا والمروة وفي البيت المحرم وفي مسجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأعزه الله وعظموه الناس فوهبوا له الأموال ما لا تحمله البغال بفضل الله الكبير المتعال فهذا هو الدعاء المذكور لأحد من السواحل شافعي: (2/254)
صفحة 684
... بسم الله الرحمن الرحيم اللهم اجعلنا ووالدينا ومشايخنا ومعلمينا وإخواننا ووالديهم وجميع المسلمين من عباد الصالحين المفلحين المنجين الفائزين البارين الناعمين الفرحين المستبشرين المسرورين المطمئنين الآمنين الذي لا خوف عليهم ولا هم يحزنون برحمتك يا أرحم الراحمين صدق الله العظيم وبلغ رسوله النبي الكريم ونحن على ما قال ربنا وولينا وسيدنا ومولانا وخالقنا ورازقنا وباعثنا ووارثنا ونصيرنا ومن إليه مصيرنا وولي النعمة علينا من الشاهدين وله من الذاكرين والحمد لله رب العالمين والعاقبة للمتقين ولا عدون إلا على الظالمين وصل اللّهم على سيدنا محمد خاتم النبيين وعلى آله الطيبين الطاهرين وعلى أصحابه المنتخبين وعلى جميع الملائكة والنبيين والمرسلين إن ربنا حميد مجيد الحمد لله الذي حمد في الكتاب نفسه واستفتح بالحمد كتابه واستخلص الحمد لنفسه وجعل الحمد دليلاً على طاعته ورضى بالحمد شكرأً له من خلقه ، الحمد لله بجميع محامده الموجبة لمزيده المؤدية بحقه المقدمة عنده المرضية له الشافعة لأمثالها ونسأله أن يصلي على سيدنا محمد وعلى آل محمد بأفضل الصلوات كلها وأن يحبوه بأشرف منازل الجنان ونعيمها وشريف المنزلة فيها ، اللهم إنك أحضرتنا ختم كتابك الذي عظمت حرمته وجعلته مهيمناً على كل كتاب أنزلته وقرآناً أعربت فيه عن شرايع أحكامك وفرقاناً فرقت به بين حلالك وحرامك وكتاباً فصلته لعبادك تفصيلا ، ووحياً أنزلته على قلب نبيك بالحق تنزيلا ، وجعلته نوراً تهدي به من ظلم الضلالة باتباعه، وشفيعاً لمن أنصت بفهم التصديق إلى استماعه، وميزان قسط لا يحيف عن الحق لسانه ، وضوء هدى لا تختبئ الشبهات نور برهانه، وعلم نجاة لا يضل من قصد سنته ، ولا تنال يد الهلكة من تعلق بعروة عصمته ، اللهم فإذا بلغتنا خاتمته وحببت إلينا تلاوته وسهلت على حواشي ألسنتنا حسن إعادته فاجعلنا يا رب ممن يتلوه حق تلاوته ويرعاه حق رعايته ويدين لك باعتقاد (2/255)
صفحة 685
التصديق بمحكم بيانه ويفزع إلى الإقرار بمتشابه آياته والاعتراف بأنه من عندك تعارضنا الشكوك في تصديقه ولا يختلجنا الزيغ عن قصد طريقه ، اللهم كما جعلت قلوبنا مذللة تحمله وعرفتنا منك شرف فضله فاجعلنا يا رب ممن يعتصم بحبله ويأوي من الشبهات إلى عصمة معقله ، ويسكن في ظل جناح هدايته ويهتدي بتبلج أسفار ضوئه ويستصبح بشعلة مصباحه ولا يلتمس الهدى من غيره اللهم وكما نصبته علماً للدلالة عليك وأنهجت به سبيل من نزعاته إليك فاجعله وسيلة إلى أشرف منازل الكرامة، وسبباً للنجاة في غربة القيامة ، وسلماً نعرج فيه إلى محل السلامة، وذريعة نفزع بها إلى دار المقامة، اللهم اجعله لنا في ظلم الليالي مؤنسا ولأقدامنا عن نقلها إلى المعاصي حابسا ولألسنتنا عن الخوض في الباطل من غير ما آفة محرسا، ولجوارحنا عن اجتراح السيئات زاجرا، ولما طوت الغفلة عنا من تصفح اعتباره ناشرا، حتى توصل إلى قلوبنا فهم عجائب أمثاله وزواجر نهيه التي ضعفت الجبال عن احتماله ، اللهم واجبر به خلتنا من عدم الإملاق، وسق إلينا به رغد العيش وخصب السعة في الأرزاق، واعصمنا به من هفوة الكفر ودواعي النفاق، وجنبنا به الضرائب المذمومة ومداني الأخلاق، حتى تطهرنا من كل دنس بتطهيره، وتقفو بنا آثار الذين استصحبوا بنوره ولم يلههم الأمل فيقطعهم بخدائع غروره، اللهم وكما أكرمتنا بختم كتابك وندبتنا إلى التعرض إلى جزيل ثوابك وحذرتنا على لسان وعيد أليم عذابك فاجعلنا يا رب ممن يحسن صحبته في مواطن الخلوات، وينزه قدره عن مواقف النميمات، ويحل حرمته عن أماكن الوثوب عليه من المنكرات، حتى يكون لنا في الدنيا عن المحارم ذائدا، وإلى النجاة في غربة القيامة قائدا، ولنا عندك بتحليل حلالك وتحريم حرامك شاهدا، وبنا على خلود الأبد في جنات عدن وافدا، اللهم وسهل به على أنفسنا عند الموت كرب السياق ، وعن الأنين إذا بلغت الروح التراق، وتجلى ملك الموت صلى الله عليه وسلّم لقبضها (2/256)
صفحة 686
من حجب الغيوب وقيل من راق، وذاق لها من زعاف مرارة الموت كأساً مسمومة المذاق، ورماها عن قوس المنايا سهم وحشة الفراق، ودنا من الرحيل إلى الآخرة ، وصارت الأعمال قلائد الأعناق، وكانت القبور هي المأوى إلى ميقات يوم التلاق ، اللهم وبارك لنا في حلول دار البلى وطول الإقامة بين أطباق الثرى، واجعل القبور بعد فراق الدنيا خير منازلنا، وافسح لنا بالقرآن العظيم ضيق مداخلنا ، ولا تفضحنا يا مولانا في حاضر القيامة بموبقات الآثام، واعف عنا ما ارتكبنا من الحرام ، وارحم بالقرآن العظيم في موقف العرض عليك ذل مقامنا ، وثبت به عند اضطراب جسور جهنم يوم المجاز عليها زلة أقدامنا، ونجنا به من كرب يوم القيامة وشدائد أهوال يوم الطامة وبيض به وجوهنا إذا اسودت وجوه العصاة في موقف الحسرة والندامة ، اللهم واطل به صلاح ظاهرنا، واحجب به خطرات الوسواس عن صحة ضمائرنا، واغسل به درن قلوبنا، وموبقات جرائرنا، وانف به وجود الشكوك عن صدور سرائرنا، واجمع به متنايبات أمورنا ، واشرح به صدورنا ، واكسنا به في حلل الأمان في نشورنا ، وأطل به في موقف القيامة جذلنا وسرورنا ، اللهم واحطط به عنا ثقل الأوزار، وهب لنا به حسن شمائل الأبرار ، واقف بنا آثار الذين قاموا لك به آناء الليل وأطراف النهار ، حتى توجب لنا به فوائد غفرانك ومواهب صفحك ومغفرتك ورضوانك يا أكرم من سئل وأوسع من جاد بالعطايا طهرنا بكتابك الكريم من دني الخطايا وهب لنا الصبر الجميل عند حلول الرزايا وامنن علينا بالاستعداد عند نزول المنايا وعافنا من كل مكروه ما يقع به محذور البلايا ، يا كريم أتراك تغل إلى الأعناق أكفاً تضرعت إليك واعتمدت في صلاتها راكعة ساجدة بين يديك ، أو تقيد بأنكال الجحيم أقداماً سعت إليك وخرجت من منازلها لا حاجة لها إلا الطمع ولرغبة فيما لديك، مناً منك عليها سيدي لا مناً منها عليك، بل يا ليت شعري أتراك تصم بين أطباقها أسماعاً تلذذت بحلاوة تلاوة (2/257)
صفحة 687
كتابك الذي أنزلته وتطمس بالعمى في ظلم مهاويها أبصاراً بكت إليك خوفاً من العقاب، وفزعاً من الحساب ، أما وعزتك وجلالك ما أصغت الأسماع حتى أصدقت ولا أسبلت العيون واكف العبرات حتى أشفقت ، ولا عجت الأصوات إليك بالدعاء حتى خشعت ، ولا تحركت الألسن ناطقة باستغفارها حتى ندمت ، على ما كان من زللها وعثارها فيا من أكرمنا بالتصديق على بعد أعمالنا من شواهد التحقيق، أيدنا اللهم منك يا رب في هذه الساعة المباركة الشريفة المعظمة عند ختمة القرآن بالعصمة والتوفيق اللهم وآنس وحشتنا بطاعتك يا مؤنس الفرد الحيران في مهامه القفار، وتداركنا بعصمتك يا مدرك الغريق في لجج البحار، وخلصنا بلطفك من شدائد تلك الأهوال والأخطار، وصل اللهم على سيدنا محمد النبي المختار وعلى آله الطيببين الأخيار، صلاة تغبطهم بها من حضر الموقف يوم الدين، وصل اللهم على آبائه وإخوانه من المرسلين ، وعلى أتباعه وأشياعه من الموحدين، وعلى أزوجه الطاهرات أمهات المؤمنين ، وعلى أبينا آدم وأمنا حواء ومن ولدا من المؤمنين، وعلى الصحابة والتابعين وتابع التابعين من أول يوم إلى يوم الدين، وعنا معهم وفيهم برحمتك يا أرحم الراحمين، وهب الله لنا ولكم سوالف الآثام، وعصمنا وإياكم فيما بقي من الأيام ، وتقبل منا ومنكم الصلاة والقراءة والصدقة والصيام، وأحلنا وإياكم برحمته دار السلام وتلقى سادتنا وأمواتنا وأموات المسلمين بالاتحاف والإكرام والإجلال والإعظام والإنعام ، وصلى الله على سيدنا محمد خير الأنام وعلى آله الخيرة الكرام مصابيح الظلام وأفضل التحية والسلام وسلم كثيرا والحمد لله رب العالمين سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد النبي وعلى آله وصحبه وسلم ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. (2/258)
صفحة 688
... وهذا دعاء التصديق الذي ذكرناه : بسم الله الرحمن الرحيم صدق الله العظيم ذو الآلاء، صدق جبريل أمين السماء ، وصدق محمد سيد الأنبياء ، ونحن على ما قال ربنا ونبينا من الشاهدين وبه مؤمنين ونشهد أنه القرآن العظيم لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد اللهم صل على سيدنا محمد علم الهدى ومعدن الجود والكرم وبحر الندى وإمام أهل الفضل والاقتداء، وصل يا رب عليه صلاة دائمة أبداً سرمدا ، اللهم اجعل القرآن العظيم لقلوبنا نورا وهدى ، ولهمومنا وغمومنا جلاء من كل صدا، وكفارة لذنوبنا ما خفي منها وبدا، اللهم ارزقنا به عيش السعداء ، وأنلنا به منازل الشهداء ، واجعلنا ممن اهتدى به فهدى ، وانصرنا به يا الله على جميع الأعداء، اللهم اجعله لنا عندك ذخرة وعدة، ونجنا به يا الله إذا انقطعت المدة وآنسنا به يا الله في الخلوة والوحدة ، اللهم أعطنا بها الفوز الأكبر، وقنا به فتنة نكير ومنكر ، وأعطنا به الأمان في الحشر، ونجنا به يا الله وجميع المسلمين مما نخاف ونحذر ، اللهم سهل به طريقنا وسمح به أمورنا، وأجزل به أجورنا، ووسع به من الحلال أرزاقنا، وطهر به من الدنس أخلاقنا، وانصرنا به يا الله على من ظلمنا و تسلط اللهم علينا بذنوبنا من لا يرحمنا اللهم اغفر لنا ولوالدينا ولأولادنا ولعلمائنا ولمعلمينا ولمشائخنا ولإخواننا في الدين ولعامة المسلمين، واختم بخير فضلك ورحمتك يا أرحم الراحمين وصل اللهم على سيدنا محمد النبي وعلى آله وصحبه وسلم، رب ارحمني وارفعني وانفعني بالقرآن العظيم وبارك لي في الآيات والذكر الحكيم، وتب عليّ إنك أنت التواب الرحيم، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين.
الذكر الثامن والأربعون
فيه مما ينبغي لقارئ القرآن والأثر والشعر والخطب من الآداب والتعليم، وفيه دلائل لمصالحهم عن الخطأ. (2/259)
صفحة 689
... قال ذو الغبراء: جلست يوماً في حلقة الذكر فأقبل رجل وسلم عليهم وهنأهم بقدوم العيد فردوا عليه بالتهنئة فقال الرجل سأخبركم عن رجل من أصحابنا شرى خطبة من السوق وقرأها لنا في عيدنا هذا ونفرت عنه الخلق فأول من نهض المعلم إذ ليس قبل الرد في لحنه، ثم نهض الأمير ومن معه لما سمعه يترضى فيها لأحد من أعدائه، ونهضت عنه النساء من ضعف صوته ، وحاكته الولدان بمغافاته ومابقي معه إلا قليل من الناس. وقال بعضهم أبياتاً رويت عن علي بن أبي طالب والله أعلم أنها عنه شعراً:
والله والله مرتين ... لحفر بئر بإبرتين
...
وكسح أرض العراق جمعا ... صافية بريشتين
ونزف بحرين طاميين ... إلى صعيد بمنخلين
وغسل عبدين أسودين ... حتى يكونا أبيضين
ولا مقامي مع لئيم ... أملأ منه طرفة عين
... فأجابه رجل وقال له: العلم عزيز مع أهله فلا تضعوه إلا في موضعه ولا تتكلموا به حتى تتعلموا مداخله ومخارجه.
... ومما ينبغي لقارئ القرآن العظيم أن يكون معتزلاً عن الناس الذين مرادهم ذكر الدنيا، وإن كان في المسجد فليتخذ فيه مكاناً معلوماً متأخراً عن القبلة وعن خطف (1) عباد الله للصلاة، وإن أراد أحدكم أن يقرأ القرآن في محفل الناس أو في سفر قد لزمته صحبتهم فليقرأه سراً ويرتله ترتيلا إن كان جهراً لا يقطعه تقطيعا، ويثقل المثقل ويخفف الذي خفف ويشبع مده ويقصر مقصوره ويكون طاهر الثوب والبدن لأن القرآن عظيم فحقيق أن يعظم.
وأما قراءة الأثر إذا لم يكن في النحو بصر فليقرأه سراً بنفسه، وأما إن كان متعلماً وأراد الجماعة منه القراءة للنفع فلا يجفوهم ولكنه إن قرأ لهم فليسلك في قراءته ويجعلها كموج البحر تتبع بعضها بعضا المسائل.
وأما المتعلم الشعر إذا كان له صوت حسن فليقرأه للخلق جهرا وأكثرهم لاستماع الصوت راغبين وإليه متجالسين ، ومن أموالهم للشاعر نافعين، ولكن متى أمروه بالشعر فلا يقف متمنن لأن نفع الدرس له وهم مستمعون وإن وقف استثقلوه.
__________
(1) 1 – أي مرور (2/260)
صفحة 690
وأما قارئ الخطبة فعليه أن يعلم شروطها كما حكي لنا عن رجل وصل مع المعلم يريد أن يتعلم الخطبة للرفعة فقال المعلم له: إن بلاك الله بالعلل فأكرم طبيبك وإن أردت تتعلم فأكرم معلمك وللخطبة شروط يعرفها العاقل اللبيب الكيس اللبيب، قال: فلما سمع كلام المعلم قصد إلى بيته ورجع إليه مسرعاً بالهدايا من الكسوة والأطعمة والأحلية ومن صرف الفضة مائة محمدية فأعطاها المعلم فاستر المعلم به وقال له : {مَن جَاء بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِّنْهَا} (1) و {مَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّئَةُ حَبَّةٍ وَاللّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاءُ وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} (2) ، ثم قال المعلم لصاحبه: إذا أردت أن تخطب بالناس فاختار من الخطب الوعظية الذي صنفها صاحبها من اللغة العربية واجتهد في تصحيحها مع عالم الأمة وكررها حتى تكون فيها سالكا وأسهل عليك لحضور قلبك وتعظيم ربك ويكن أمرك مع السلطان سالكا وعليك بالكسوة الحسنة والورع والهيبة. وقال له: ولا تغفل عن السواك لتنظيف فمك عن البصاق وقد أوصى بذلك الرسول وفيه اثنا عشر من الخصال المحمودة، وأكل السفوف مثل الزنجبيل والسكر والفلفل مدقوقاً ناعما فهذا يفتح المناسم ويقمع الرطوبات الفاسدة من الرئة والدماغ وسيلان الدمع والزكام، ومن أراد تصفية صوته يأخذ فلفل وخيل وخردل سوداء يدق الجميع ويعجن بعسل ويأخذ منه كل يوم مثل البندقة أو بندقتين ويأكله، وفي تحسين الصوت الزبيب والتين والصمغ والحلبة والتمر واللوز خصوصاً وقصب السكر وشراب العسل كله يحفظه ويحسنه.
__________
(1) 1 – النمل : 89، القصص:84
(2) 2 – البقرة : 261 (2/261)
صفحة 691
فإذا بان للإنسان صلاح صوته وسلك فيها عن التوقف والمغافاة وامتد نظره إلى حروفها وإعرابها وعرف منها المقصور والممدود والثقيل والخفيف فليجد في قراءتها وأنا مما أحبه لك أيها الولد الشفيق أن تتعلمها حتى تحفظها وحرف في قلبك خيرمن ألف حرف في كتابك إن كان لك حفظ . فقال الولد : أما إن سألت عن حفظي فأقرأ الاسم والكلمة ألف شرف ثم أكررها في قلبي ألف شرف حتى أحفظها . فقال المعلم: وهذا من الحفظ الكثير للطالب الراغب لأنه لو تعلم الإنسان كل يوم وليلة لعاش في زمانه فقيها أما تنظر إلى الحصون العالية مثل الجبال الراسية يرفعها الباني حصاة بعد حصاة أو طفالة (1) تتبعها طفالة، وكذلك حفر الأفلاج في الأرض السهلة والصعبة ضربة تتبعها ضربة والمسافر يمشي إلى أقصى البلدان خطوة تتبعها خطوة ، وكذلك الناسخ يكتب حرفا حرفا ويجتمع من نسخه كتباً مجلدة حتى لا تحملها الإبل ، وكذلك أعمال الكسوة مثل القطن والصوف انظر في صنعته من دقتها من أولها إلى آخرها حتى تنتهي سافر بها في الفلك من البر إلى البحر ثم إلى البر ، وكذلك غرس النخيل والزروع واجتهاد الناس في عملهم مع حصاده يجمعوه تمرة بعد تمرة وحبة تتبعها حبة ثم تجتمع مثل الجبال فمن طلب شيئاً واجتهد وجد وجد فهذا دليل من التأنيس من المعلم للمتعلم.
__________
(1) 3 – أي لبنة . (2/262)
صفحة 692
ثم علّمه الخطبة لعيد الفطر ونذكرها في موضعها ثم المعلم أخبر السلطان بالولد وحفظه للخطبة فلما أصبح عيد الفطر وأخرجت فطرة الأبدان على من لزمته إلى مستحقها قرب لهم السلطان الغذاء فأكلوا ما طاب لهم وتغسلوا وتوضأوا ونووا في خروجهم للجبان للموعظة والتذكرة ولإحياء السنة ، فصلى بالناس المعلم وأمر الولد بقراءة الخطبة فقرأها بقلب شجي وصوت وعظي فسالت دموع العيون على خدود المسلمين وأثنى فيها على سلطانه وعلى كافة المسلمين فأهدى إليه السلطان ألف حرف وخلع عليه كسوته وسلاحه والتجار كل منهم مد بيده عليه وحمل بالهدايا إلى بيته ومشى إلى مقامه مع أهله بالفرح والسرور راجي رحمة ربه الغفور. (2/263)
صفحة 693
... قال ذو الغبراء: فهذه صفة الملوك الكرام. قال صاحبه: صحيح ما قلت هذا من أخلاق الكرام ولكنه ما بلغ مع غيره لأن أحداً من الأئمة قصد إلى حج بيت الله الحرام وصحبوه كثير من أصحابه وحملهم في زادهم وجميع ما يؤول عليهم حتى وصل عرفة وجمع صلاة الظهر والعصر في وقت الأولى، ثم خطب بالناس بالخطبة الذي نذكرها في الكتاب وقاموا في الدعاء حتى غربت الشمس وطلع سواد الليل فرجعوا إلى المشعر وجمع بين الصلاتين في المشعر في وقت الآخرة وليلة المشعر فضيلة الدعاء وصلى بالناس صلاة الصبح وقصد إلى منى ورمى جمرة العقبة وحلق وقصد إلى مسجد الخليل لصلاة العيد الأضحى فصلى بالناس قبل الاستفتاح فلما فرغ من صلاته لم تحضره خطبة فنادى في المسلمين هل عندكم خطبة عيد الأضحى ؟ فسكتوا فدخل في قلب الإمام الحزن فقام غلام له بالقبلة قد جرى على وجهه ماء الشبيبة فقال له : لا تحزن أيها الإمام أنا حفظت منك الخطبة التي خطبت بها في العيد الماضي . فقال : اقرأها لنا قبل الافتتاح والذباح لأنه مأمور بها في هذا العيد في أول الوقت لقوله تعالى {فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ} (1) فنهض الغلام وقرأها بحسن صوته ونغمة وما سمعها إلا مرة واحدة ونكتبها في موضعها فلما تم الغلام قال له الإمام : بارك الله فيك لا عدمتك الأعلام والكرام فأعطاه ألف حرف وجعل له فريضة ومعلماً وزوجة وخادمة وقصراً يجري فيه نهرا ، فتعلم وتفقه في كل فن لأن له العلم أوعية والخزائن لا يدرك إلا من خصه الله بسرها وعرف مخرجها وحلالها من حرامها . اعلم أن العلماء مختلفون فمنهم علمه كالجرية الغزيرة تجري لا يعتريها نقصان، ومنهم كالماء المجتمع فيطلق فيجري بقوة ويذهب مع قلة المطر . وعلى الإنسان أن يجتهد في طلب العلم قبل فوات العلماء وكن ممتثلاً لقول الشاعر:
علمي معي حيثما يممت يتبعني ... صدري وعاء له لا بطن صندوق
__________
(1) 1 – الكوثر : 2 (2/264)
صفحة 694
إن كنت في البيت كان العلم فيه معي ... أو كنت في السوق كان العلم في السوق
هذه خطبة عيد الفطر:
... بسم الله الرحمن الرحيم الله أكبر الله أكبر الله أكبر الله أكبر الله أكبر الله أكبر الله أكبر الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله والله أكبر ولله الحمد ، الحمد لله الواسع عطاءه ، الساطع بهاءه ، الواقع قضاءه ، الذي لا يراد في حكمه ولا يراجع ، ولا يضاد في ملكه ولا ينازع ، ولا يعارض في مراده ولا يمانع ، ناصر من تحقق بنصره ، وذاكر من تعلق بذكره ، ومهلك من تجبر بكفره ، ومدرك من خالفه وفسق عن أمره ، الذي لا تعزب عنه الأسرار، وكل شيء عنده بمقدار، ذلك الله الذي لا إله إلا هو العزيز الغفار.
الله أكبر الله أكبر الله أكبر ،الحمد لله مؤلف الأشياء بلا اقتداء، ومصرف القضاء بلا اعتداء، ورافع السماء بغير عمد في الهواء ، وساطح الأرض على تيار الماء ، الذي زم من خلق بالعدل والإحصاء ، وعم من رزق بالبذل والإعطاء، وعلم دبيب النملة السوداء ، على صفاء الصخرة الصماء تحت جلابيب حندس الظلماء ، وبهر أهل الجد والتحصيل بعجائب تأليفه ، ومطمع العاملين في رحمته، ومدخل الخائفين منه قصور جنته ، ذلك الله الجبار العظيم ، القهار القديم، الغفار الرحيم ، الستار الحليم، الفتاح العليم ، الجواد الكريم ، سبحانه لا إله إلا هو العزيز الحكيم. (2/265)
صفحة 695
... الله أكبر الله أكبر الله أكبر، الحمد لله الذي سبح كل شيء بحمده، وعم كل شيء بسعة رفده، الذي لم يخل منه مكان، ولم يعدمه أبداً زمان، الذي عظم أن تحيط به الأوهام ، وعز فلا يدرك ولا يرام ، سبحانه لا إله إلا هو ذو الجلال والإكرام ، أحمده والحمد غاية من شكر ، وأذكره ذكراً كثيراً كما أمر ، وأنزهه عن قول من جحد به وكفر ، وأسلم لأمره تسليم من ابتلى فصبر ، حمداً أستجر به مضمون وعده ، وأطلب به جزيل رفده ، واستنزل به البركات من عنده ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، شهادة عبده وابن عبده ، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الوفي بعهده ، الصادق في وعده ، الموضح سبيل قصده ، الذي قدح الله شهاب الإيمان بزنده ، وفل حد الشيطان بحده ، وأيده بحزبه وجنده ، صلى الله عليه وعلى آله من بعده، ما قهقه سحاب برعده، ودار فلك بنحسه وسعده، أرسله والكفر زاخر تياره ، قاهر جبار ، متظاهر مناره ، متطاير شراره ، عامرة دياره، متظاهرة أنصاره ، فأخرس الله بمحمد - صلى الله عليه وسلم - شقاشقها ، وأخنس به منافقها، وبوأه مفالقها ، وأوطأه مفارقها ، وجذع بسلطانه معاطسها ، وقمع بأعوانه أبالسها، وكشف بغرته حنادسها ، واختطف بأسرته فوارسها ، حتى أطلع الإسلام رأسه، وأوقع بأعدائه بأسه ، صلى الله وملائكته عليه ، وعلى من ناصره وهاجر إليه، صلاة متصلة بلا فناء ولا انصرام، ولا تحد بعد الشهور والأعوام. (2/266)
صفحة 696
الله أكبر الله أكبر الله أكبر ، لا إله إلا الله والله أكبر ولله الحمد ، عباد الله إن يومكم هذا يوم عظيم ، وعيدكم هذا عيد كريم ، يوم عظّم الله قدره وشرفه، وميزه من الأيام وعرفه، يوم الزينة والعيد ، يوم الفضل والمزيد، يوم اجتماع القريب والبعيد ، يوم الندم والاستغفار ، يوم التوبة والاعتذار ، يوم رجاء العفو والغفران، واستجاب الدرجات والرضوان، يوم ختم الله به شهر رمضان ، سيد الشهور والأزمان، وافتتح به شهور حج بيت الله الحرام ، أحل لكم فيه الطعام ، وحرم عليكم فيه الصيام ، فرب داخل في الشهر لم يبلغ آخره، وآمل حضوره لم يكن حاضره، فحقيق على من حافظ على هذا الشهر وصومه ، أن يصونه عما يؤدي إلى هدمه، وعلى من قصر فيه أن يتلافى تقصيره بحسن الاستغفار للآثام والأوزار، فارفعوا إلى الله حاجاتكم، واسألوه طلباتكم، فإنكم تسألون كريماً يسمع، لا تمله كثرة الدعاء والتضرع ، ولا يبرمه كثرة السؤال والتخشع، قد بلغنا في بعض الأخبار ، عن النبي المختار - صلى الله عليه وسلم - وعلى آله الأبرار ، ما أظلم ليل أو أشرق نهار ، أنه قال : (إذا كان يوم الفطر قامت الملائكة بأمر الله الكبير المتعال، فينادون بأحسن مقال ، يا معاشر المسلمين ، إنكم أمرتم بصيام هذا الشهر فصمتم، وندبتم إلى قيامه فقمتم ، اخرجوا تنجزوا موعد ربكم ، وتنصرفوا من المصلى مغفور لكم) ، وقال - صلى الله عليه وسلم - : (إذا كان ليلة الفطر بث الله الملائكة في الأرض ينادون، يا أمة محمد البشير النذير اخرجوا إلى رب كريم قدير ، يقبل منكم القليل اليسير، ويعطيكم الجزيل الكثير ، ويغفر لكم الذنب الكبير ، إنه بعباده لطيف خبير ، فإذا برزوا إلى الصحراء باهى الله بهم الملائكة، فقال ملائكتي أما ترون عبادي فرضت عليهم صيام شهر رمضان فصاموه لي ، وندبتهم إلى قيامه فقاموا لي، وعمروا فيه مساجدي ، وتلوا فيه كتابي ، وحصنوا فيه فروجهم ، ثم خرجوا يتقربون إليّ في مصلاهم ، (2/267)
صفحة 697
أشهدكم أني جعلت حظهم عن الصيام والقيام في الجنة رضائي عنهم ) (1) ، الله أكبر الله أكبر الله أكبر ، فعظموا رحمكم الله ما عظم لله من شأنه ، واعرفوا قدر علوه ومكانه ، وأخرجوا للفقراء المسلمين زكاة أبدانكم، طيبة بها أنفسكم ، تبقى مع الباقيات الصالحات لكم ، وتكون نماء في الصالح من أعمالكم، وهي إن تسألوا عنها فإنها صاع من تمر أو زبيب ، أو بر أو ذرة أو حليب، أو صاع مما تأكلو، {فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ} (2) ، يخرجها الغني عن نفسه وعمن يعول ، من الأحرار والعبيد ، والإناث والفحول.
الله أكبر الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله والله ولله الحمد، أوصيكم عباد الله، ونفسي بتقوى الله، فإن تقواه يوجب لكم كريم المآب، وجزيل الثواب، فتمسكوا بأقوى سبب من تقواه، وكونوا ممن يراقبه ويخشاه، وتأمنوا مكر الله فإنه لا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون، عباد الله استقيموا على سنن الهداية والسداد، وتجانبوا الفجور وإظهار البدع ومنكرات الأعياد ، وخذوا لمراضي الله أهبة الاستعداد، واحذروا من خطوات الشيطان أشد الحذر.
... الله أكبر الله أكبر الله أكبر، وباينوا سبيل الجور والطغيان، وانتهوا عن شرب الخمور واقتحام العصيان، واحفظوا ألسنتكم عن فحشاء الكلم وقول البهتان، وتسببوا في إيصال المعروف وابتداء الاحسان، وصدوا النفوس عن ارتكاب ما نهى الله عنه وزجر.
__________
(1) 1 – شعب الإيمان : ج3 ، ص336
(2) 2 – النحل : 43، الأنبياء:7 (2/268)
صفحة 698
... الله أكبر الله أكبر الله أكبر، وعليكم بصلة الوالدين والأرحام، والزموا التودد بإطعام الطعام، وإفشاء السلام ، وخفضوا جناح الحنو والشفقة للفقراء والضعفاء والأيتام، وقفوا عند قوله لنبيه عليه أفضل الصلاة والسلام ، {فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ.وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ} (1) ، وعنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: (ليس منا من لم يرحم صغيرنا ويوقر كبيرنا ولا يأمر بالمعروف ولا ينهى عن المنكر) (2) ، وأئتمروا بما أمركم الله به من الطاعات، وانزجروا عما نهاكم الله عنه من المخالفات ، وبادروا باغتنام القرب واستبقوا الخيرات، وأقيموا الصلاة إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، ولذكر الله أكبر.
الله أكبر الله أكبر الله أكبر، ودعوا الربا لأنه موجب للفقر والنقصان، واحذروا البخس في المكيال والميزان ، فهو سبب القحط والحرمان، وأحسنوا عشرة من تعولون من الزوجات والأولاد والأخوان ، والأرقاء والخدم والجيران، واجتنبوا مظالم الخلق وتبعات البشر، فأئتمروا أيها السامعون لأوامره، فالسعيد من أئتمر ، واجتنبوا نواهيه ومظالم البشر.
الله أكبر الله أكبر الله أكبر، وإياكم والغيبة والزنا ، واحذروا النميمة فمالها إلا الخزي والعمى، ولا تطمعوا بطول الأجل وفسيح المنى ، فإن الأجل أقرب والعمر أقصر.
الله أكبر الله أكبر الله أكبر، اعلموا عباد الله أن ممر الليالي والأيام، ومكر الشهور والأعوام، ينذران بانقضاء الأعمار ، ويؤذنان بخراب الديار، ويقربان البعيد ، ويبليان الحديد ، ويهدمان المشيد ، ويوهنان الجليد ، حكمة جارية بمقدار، وسنة ماضية على اقتدار ، وقدرة تعجز عن تحصيلها فطن أولي الأفكار، فاعتبروا يا أولي الأبصار.
__________
(1) 1 – الضحى : 9-10
(2) 2 – الترمذي : 1921 / 4 (2/269)
صفحة 699
الله أكبر الله أكبر الله أكبر، أيها الناس الزموا التقوى يلزمكم وقارها، واحتموا الدنيا يحتمكم صغارها، وأموا سبيل الهدى فقد وضح منارها، وجرموا ظهر المنى فقد جد بكم عثارها، وانظروا بعيون الهمم ، في مصارع من غبر من الأمم ، أين الذين فوقهم الزمان دره ، وجنبهم الحدثان كره ، فعمروا الدنيا عمارة آمن من غدرها، ونفذ أمرهم في برها وبحرها، حتى اقتعدوا منها مقاعد الشرف، وتمهدوا منها مماهد اللطف، وصدقوا كواذب أمانيها ، ولم يرمق المعاطب في مهاويها، قلبت لهم عين فراتها أجاجا، وأمرتهم على آفاتها أفواجا، فيا أيها الحلال منازل الراحلين، والوارد مناهل الأولين ، لقد هتف بكم هادم اللذات فأسمع، وجاءكم عارض الشتات فأقلع، وأثخن فيكم سيف الممات فأوجع، وسعى إليكم فيلق الآفات فأسرع، وأنتم معتمون بعمائم الآمال، الساترة بينكم وبين حواتم الآجال، حتى كأن الموت على غيركم كتب، أو كان الحق على سواكم وجب ، فأعجب بها غفلة شاملة ، ونقلة عاجلة، أنذرتكم الأيام هجومها، وأرتكم في غيركم محتومها، فبادروا عباد الله وأبواب العمل مفتوحة ، وساحات المهل مندوحة ، قبل قطع الوتين، ورجع الأنين، ورشح الجبين ، ومعاينة المسلط الأمين ، قبل نزول الأمر العظيم، وعويل الحريم ، ووله اليتيم. (2/270)
صفحة 700
الله أكبر الله أكبر الله أكبر، فانتبهوا رحمكم الله من رقدة الغافلين، وتأهبوا للعرض على أسرع الحاسبين ، في يوم تنسف فيه الجبال، وتركع منه الرجال، وتوزن فيه الأعمال، وتشيب من هوله الأطفال ، وتخرج الأرض ما فيها، وتهطع الأموات لداعيها هنالك أزفت الآزقة، ورجفة الراجفة ، وتطايرت الكتب، وكشفت الحجب، وانشقت السماء، وانتثرت الكواكب ، وعظمت المصائب، وضاقت المذاهب ، وأظلمت المشارق والمغارب ، وبدت العورات، وانسكبت العبرات، وخشعت الأصوات، وعددت الجنايات، واحتد الخصام، واشتد اللزام، وطاشت الألباب، وخضعت الرقاب ، ووضع الكتاب ، وحرر الحساب ، واستوى فيه العبيد والأرباب، وحشر العالم في صعيد، وقالت جهنم هل من مزيد ، فيومئذ أكدت المطالب، وانسدت المذاهب ، وضاقت الأنفاس ، ونطقت الحواس، وارتجت الأرض بمن عليها ، ونزلت الملائكة إليها ، ونادى المنادي بجمع الخصوم، واقتص الظالم من المظلوم، {وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ} (1) ، فياله من موقف ما أكربه، ومشهد ما أصعبه، وطريق ما أشقه، وصراط ما أدقه، ويوم ما أثقله، وحاكم ما أعدله، وظالم ما أخذله ، وسجن ما أكضه ، وسجان ما أفضه، لا يرحم من بكى، ولا يسمع المشتكى ، قد نزع الله الرحمة من قلبه ، فالويل كل الويل لمن كان من حزبه.
__________
(1) 1 – طه : 111 (2/271)
صفحة 701
... الله أكبر الله أكبر الله أكبر، أوصيكم عباد الله وإياي بتقوى الله، فإنها عروة مالها انفصام، وذروة مالها انهدام، وقدوة تأتم بها الكرام، وجذوة تضيء بها الأفهام، من تعلق بحبلها حمته من محذور العاقبة، ومن تخفف بحملها وقته شرور كل نائبة، وأحذركم دار فرقة مالها ائتلاف، وقرار حرقة مالها انصراف، وأماني رجعة مالها إسعاف، فارفضوا رحمكم الله من الأعمال ما يقربكم منها، وانهضوا في استعمال ما يبعدكم عنها ، فإنها المصيبة الجامعة لأهل الدوائر، والعقوبة الواقعة بأهل الكبائر، يالها دار انقطع من الرجاء رجاء حلالها، وامتنع من البقاء بقاء نكالها، شعار أهلها الويل الطويل، ودثارهم البكاء والعويل، وسرابيلهم الخزي الوبيل، ومقيلهم الهاوية فبئس المقيل، تقطع الحميم منهم أمعاء طالما أولعت بأكل الحرام، وتضعضع منهم أعضاء طالما أسرعت في اكتساب الآثام، فد أبهمت عليهم الأوقات، وحلت بهم المثلات ، فجلودهم مجددة للعذاب ، ووجوههم مسودة بسوء الحساب، والزبانية يدخلون عليهم من كل باب، يقولون لا مرحباً بكم أبتم شر مآب ، كم كبت حصائد الألسن وجوهاً في الجحيم ، وأسلمتهم إلى تجرع الجحيم، وأسكنتهم دار الأحزان والهموم ، يالها دار لا يفك أسيرها، ولا يوقر كبيرها، ولا يرحم صغيرها ، ولا يجبر كسيرها ، ولا يخمد سعيرها ، لباس أهلها الحديد ، وشرابهم فيها الصديد ، وعذابهم فيها جديد ، والفرح منهم بعيد، قد شملهم الإياس، وحل بهم الإلباس ، لا يرحمون إن بكوا ، ولا ينظرون إن شكوا، قد أعرض الله عنهم غضبا، واشتدت النار عليهم كلبا، وطحنتهم بنغيصها زفيرا ولهبا ، فالويل لهم شعار ، والخزي لهم دثار، والخذلان لهم مرابط، والرحمن عليهم ساخط ، لا ملجأ لهم إلا إليها ، فبعداً لهم ما أصبرهم عليها، فكفوا رحمكم الله نفوسكم من أسر هذه الدار بصون ألسنتكم ، وأحرضكم رحمكم الله بحفظها ، ولا تحرموها من الجنة حظها ، فإن الندم لا ينفع عند الفوت ، والاعتذار (2/272)
صفحة 702
لا يسمع بعد الموت ، جعلنا الله وإياكم ممن طهر قلبه ولسانه ، وأخلص لله سره وإعلانه ، وجعل المسلمين إخوانه وأخدانه، وأعطاه يوم الفزع الأكبر أمانه، وأبعدنا وإياكم عن دار غضبه ، وأسعدنا وإياكم بإتيان ما أمرنا به ، إن أحلى ما أنصت لترديده، وأولى ما أخذ بوعده ووعيده، كلام مبدئ الخلق ومعيده، {وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُم مِّنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ .وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحاً غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُم مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ وَجَاءكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِن نَّصِيرٍ} (1) .
__________
(1) 1 – فاطر : 36- 37 (2/273)
صفحة 703
الله أكبر الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله الله أكبر ولله الحمد، {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ} (1) ، {وَاتَّقُواْ النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ.وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ.وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ.الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاء وَالضَّرَّاء وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} (2) ، الذين قمعوا النفوس بسياط الإشفاق، وقطعوا الأطماع بسيوف الإملاق ، وقمعوا الأهواء بذكر يوم التلاق ، ونهنهتهم أنفسهم القدسية على الوفاء بالميثاق ، اولئك الذين وخدت بهم مطايا الهمم، مرقلة تحت جلابيب الظلم ، حتى أناخت بهم في رياض الحكم ، فهم بأفياء أشجارها يتظللون ، وبنسيم أنوارها يتعللون، تسمع لقلوبهم من خوف مولاهم وجيبا ، ويبدي لهم اشتياقهم إليه زفيراً ونحيب ، قد جعلوا ذكره من الدنيا نصيبا، ولم يجدوا لدائهم سواه طبيبا، رمقوا العواقب بعين البصيرة ، وخرقوا الغياهب بالأفكار المنيرة ، وجافوا الجنوب عن المهاد الوثيرة، وغسلوا الذنوب بفيض الأدمع الغزيرة ، وصححوا معاملة عالم الإعلان والسريرة، فأعاضهم قرر العين القريرة، وأنالهم رغائب النعم الخطيرة ، وتوجهم بتيجان الكرامة، وزوجهم بالحور العين في دار المقامة، دار وأي دار، معدومة الغيار، مباحة للصفوة الأخيار، قد كوشفوا بحقائق سرائر الاختيار، وتبوؤا منازل الشهداء والأبرار، والجنة تناديهم قد أفلح المؤمنون الأخيار، {وَالمَلاَئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِم مِّن كُلِّ بَابٍ.
__________
(1) 2 – آل عمران 102
(2) 3 – آل عمران : 131 – 134 (2/274)
صفحة 704
سَلاَمٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ} (1) .
... الله أكبر الله أكبر الله أكبر ، لا إله إلا الله والله أكبر ولله الحمد، يا أيها الناس يمموا الحلال فاطلبوه، واتركوا الحرام فلا تقربوه ، ولقد قال - صلى الله عليه وسلم - : (كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل ، وعد نفسك من أصحاب القبور) (2) ،
__________
(1) 1 – الرعد : 23 - 24
(2) 2 – البخاري 6053/ 5 ، ابن حبان 698 / 2 ، الترمذي 2333 / 4 .. (2/275)
صفحة 705
فاتقوا وأجملوا في الطلب ، واعملوا للمنقلب ، ونافسوا في طيب المكتسب ، وتمسكوا من التقوى بأقوى سبب، فإنكم في دار حلوها مر ، وصفوها كدر، وأحلامها تغر وأيامها تمر، وآقاتها تكر، وعواقبها لا تسر ، فلا تتخذوها عباد الله مقرا، وقد جعلها الله لكم ممرا، وبادروا بلحاق التوبات، فإن الله يعفو عن السيئات ، جعلنا الله وإياكم ممن تمسك بالدين، واعتصم بحبل الله المتين ، وصدق بكتبه وملائكته والنبيين والمرسلين ، ألا وإن الله أمركم بأمر بدأ فيه بنفسه، وثنى بملائكته المسبحة بقدسه، وأتى بكم أيها المؤمنون من عباده تعميما ، وقال مخبراً وآمراً لكم تكريما ، {إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً} (1) ، اللهم صلّ على محمد النبي الأواب ، المظلل بالسحاب، المذكور في الكتاب ، خير ماش على التراب، اللهم صلّ على محمد صاحب الانشقاق، المحمول على ظهر البراق، المعرج به إلى السبع الطباق ، اللهم صل عليه صلاة تقر بها كل عين ، وتملأ ما بين الخافقين، سيد المرسلين، وحبيب رب العالمين، اللهم وارض عن شيخ الأبرار ، ومعدن الوقار ، وثاني اثنين إذ هما في الغار، ذي الرأي الوثيق ، المكني بالعتيق ، أبي بكر الصديق ، اللهم وارض عن صاحب الفتوح ، المشبه بنوح ، الإمام الفاروق ، قامع أهل الكفر والفسوق، القانت الأواب، المقدم في الأصحاب ، الناطق بالصواب ، حليف المحراب ، أمير المؤمنين أبي حفص عمر بن الخطاب، ورضي الله عن بقية الصحابة أجمعين، وعن المؤمنين من جملة الانصار والمهاجرين ، وزوجات النبي أمهات المؤمنين، وتابعيهم وتابعي تابعيهم إلى يوم الدين، اللهم صل على ملائكتك المقربين، وعلى حملة عرشك أجمعين، وعلى أنبيائك والمرسلين ، وعلى أهل طاعتك أجمعين، اللهم اجعل إماماً للأولياء ، وولياً للأتقياء ، وعالماً للأصفياء، ورئيساً
__________
(1) 3 – الأحزاب : 56 (2/276)
صفحة 706
للأقوياء، وخليفتك في الأرض من بعد الأنبياء ، وأهلاً للإمامة ، وموضعاً للكرامة ، وسيداً لأهل الاستقامة، ذي العهد الوفي ، والوجه البهي ، والخلق المرضي ، والدين الحقيقي، اللهم اجعله إماماً للمسلمين، ونظاماً للمؤمنين، وقدوة لمن تمسك بالدين، اللهم وأدم وجوده ، ونور بنورك سعوده ، وثبت أركانه على الدوام، وبوأه في العقبى خير منزل ومقام ، اللهم انصره بملائكتك المقربين ، الذين أنزلتهم يوم بدر مسومين، وأعززت بهم الدين ، وأيدت بهم سيد المرسلين، اللهم انصر جيوش المسلمين وسراياهم ومرابطهم حيث كانوا، وأين كانوا من بر أو بحر، وافتح لهم فتحاً يسيرا، واجعل لهم من لدنك على عدوك سلطاناً نصيرا ، اللهم حبب إلينا الإيمان، والبر والإحسان ، وكره إلينا الكفر والفسوق والعصيان ، اللهم ارفع عنا الغلاء والوباء ، والعرض والمرض ، والفحشاء والمنكر والقحط والفتن ما ظهر منها وما بطن من بلدنا هذه خاصة، ومن بلدان المسلمين عامة، إنك على كل شيء قدير، وبالإجابة جدير، {إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} (1) .
هذه خطبة عيد الأضحى:
__________
(1) 1 – النحل : 90 (2/277)
صفحة 707
بسم الله الرحمن الرحيم الله أكبر الله أكبر الله أكبر ، وأعظم وأقدر، وسلطانه أقهر، وبرهانه أبهر ، وأفضاله أوسع وأكثر ، ونواله أعز وأوفر ، يقدر ولا يقدر، يدبر ولا يدبر، الله أكبر الله أكبر الله أكبر، فلكبريائه يحق التعظيم والتكبير، ولعلو علائه يجب التبجيل والتوقير ، وبجوده وكرمه يليق المدح والثناء الكثير، {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ} (1) ، الله أكبر الله أكبر الله أكبر، له الفضل العظيم ، والطول العميم، والبر الحادث والقديم ، وله الكبرياء في السموات والأرض وهو العزيز الحكيم، سبحانه لم يتخذ في ملكه شريكاً ولا عديلا، {قُل لَّوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذاً لاَّبْتَغَوْاْ إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلاً.سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوّاً كَبِيراً.
__________
(1) 1 – الشورى : 11 (2/278)
صفحة 708
تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدَهِ وَلَكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيماً غَفُوراً} (1) ، الحمد لله مبدئ النسم وخالقها، ومنشئ النعم ورازقها ، ومتبع سوابقها بلواحقها ، كل ذلك عنده خزائنه ، ولديه أماكنه ومعادنه ، وتحت أمره متحركاته وسواكنه، وبقدرته قوامه ونظامه ، ومنه إبداؤه وإنشاؤه، وبيده إبقاؤه وإفناؤه، أفغير الله ترجون، أم سواه تشكرون، {وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ} (2) ، الحمد لله الذي لا يحيط بمعرفة ذاته الأفكار، ولا تلحظه لواحظ الأبصار، ولا تدركه خواطر الأخطار، ولا تخفى عليه خوافي الأسرار، الأول قبل أوائل الأدهار، والآخر بعد أواخر الأعصار، والدائم بعد أوائل الأكوار، والمكور الليل على النهار، والمحيط علماً بالفلك الدوار، والعالم بغزر مياه البحار، والمحصي مثاقيل وزن رمل القفار، والمدرك عدد ورق الأشجار، وعدد ما أظلم عليه ليل وأشرق عليه نهار، الحمد لله الذي أنار البصائر لتلامع سنا بهجة التوحيد، وآنس وحشة السرائر بصحة اليقين من ملابس حضرة التجديد، وأيد القلوب بقوة الإيمان عن ضعف كنه مدافع التفريد ، فهو المحمود على سوابغ نعمائه، والمشكور على تواتر آلائه ، والمستحق تعظيم كبريائه، والمتفرد في طول عليائه، والمتعزز بظاهر أسمائه، والمستوجب من عباده جزيل ثنائه، المعبود في أرضه وسمائه، ذي الجود والكرم، والحل والحرم ، والدوام الأقدم، والآلاء والمواهب والقسم ، والملك الأدوم، والفعال الأكرم ، بارئ النسم، ومنشئ الأمم ، ومنشر الرم ، وفاصل الحكم، وخالق الأنوار والظلم ، لا يطئ عرشه أبداً أقدام ، يعلم تغطمط البحر العجاج، في غياهب الليل الداج، وما يختلج في الأمواج، لأنه غير محتاج ، لا إلى
__________
(1) 2 – الإسراء : 42 - 44
(2) 3 – النحل : 53 (2/279)
صفحة 709
شورة مشير، ولا إلى تدبيرة وزير، فسبحانه من عالم قدير، سميع بصير، يعلم ما تخفي السرائر والضمير، كان ولا مكان، ولا ظل ولا أوان، ولا إنس ولا جان، ولا أرض ولا بنيان، ولا حسيس ولا عيان، ولا انسطاح ولا جدران، ولا ماء ولا طوفان، ولا لجج ولا جريان، ولا خراب ولا عمران ، ولا جنة ولا نيران، ولا دهر ولا زمان ، ولا وهش و لا هوان، فتعالى الله الفرد السبحان القاهر السلطان، الخالق الرحمن، الذي لا يشغله شأن عن شان، يا من خلق السماء ظلمة وعمى، وابتدع بقدرته من الظلمات الضيا، وأنشأ بمشيئته من الضياء الهواء، واستخلص بلطفه من الماء الرواء، وأدار الفلك في العلا ، والشمس والقمر في الذرى ، وزين السماء الدنيا بمصابيح الضيا، وأظهر من صلب آدم الورى ، وجعل الألم والشفاء، وخلق الداء والدواء ، وعلم ما يختلج في قلب النملة السوداء ، في الصخرة الصماء، في الليلة الظلماء، فقدر لها الرزق والغذاء ، وقدر الأشياء كما يشاء، يا من سخر السحب الماطرات، وأجرى الرياح العاصفات، وأخطف البروق اللامعات، وأحصى الأحياء والأموات، ونجى عباده من البحار الزاخرات، وحافظهم في البراري المقفرات، الذي لا تحيط الأفكار بمعرفة ذاته، .. (2/280)
صفحة 710
يا من لا تخفى عليه سرائر اللغات، يا من تفرق من هيبته الملوك العاتيات، وتسبح بحمده النجوم الزاهرات، والمحيي بقدرته العظام الباليات، والجامع بتدبيره جميع الشتات، والقائم لخلقه بالكفايات، والعالم بسر الخفيات، الذي علا فارتفع عن الشبهات، والذي عرشه فوق السبع السموات، الذي دبر وخلق ، ورفع السموات بلا عمد ولا علق، وسطح الأرضين على الماء فأطبق ، وأجرى النيرين في الفلك فأشرق ، وأظلم الليل فأدجى وأغسق، وأجرى الأبحر فأدفق، وأنزل القطر على الحب فأربى وفلق، وساق الغيم سوقاً فأرعد وأبرق، وقدر المقادير ففتق ورتق ، وجعل الأشياء من الأشياء فتعلق ، وصور الخلق في الأرحام فرزق، وحاسب عباده بنفسه فرفق ، ووهب لهم من الموبقات فأعتق، وزجر عنهم من الجن من طرق ، وجعل المردة من هيبته تتفرق ، وعوذنا عنهم بما نطق ، فقال عز من قائل وصدق: {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ.مِن شَرِّ مَا خَلَقَ} (1) ، {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ.مَلِكِ النَّاسِ.إِلَهِ النَّاسِ {مِن شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ} (2) الذي فسق، الحمد لله بكرة وأصيلا ، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، موفق كل حسنة ، ودافع كل بلية ، وغافر كل خطيئة، ونشهد أن محمداً عبده المخصوص بإثبات الكرم والحسب ، ونبيه المنصوص على فضله في الدين والكتب ، ورسوله المقدم بصميم المجد على سادة العجم والعرب، ذلك محمد بن عبدالله بن عبد المطلب ، صاحب لواء الحمد في يوم المعاد، والمقام المحمود للشفاعة عند قيام الأشهاد، صلوات الله وتبجيله وإعظامه ، عليه وعلى من اتبعه من المؤمنين وسلامه.
__________
(1) 1 – الفلق : 1- 2
(2) 2 – الناس : 1 - 4 (2/281)
صفحة 711
الله أكبر الله أكبر الله أكبر، أيها الناس إن يومكم هذا يوم عظم الله قدره، وأعلى في الأيام ذكره ، وهو النور الأزهر ، والحج الأكبر ، خصه الله بشعائره ، وشرفه بمآثره ، واختاره على الأيام، وأبان فضيلته للأنام ، يوم حرام ، من أيام عظام، في شهر حرام ، يوم ابتلى الله فيه خليله ، وفدى فيه من الذبح سليله، حيث أراه في المنام ذبح ولده إسماعيل، وهداه إلى أحسن التأويل {قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ} (1) ، فشد أكتافه لما أعلمه ، وتله للجبين بعدما أسلمه، وأمد المدية على نحره، مخلصاً لله في عزيمة أمره ، وشد وطأته عليه فلم يرفق، وفاضت بوادر عبراته فلم يشفق ، وفي قلبه لوعات متواترة ، وروعات متناظرة، وللوحوش من حولهما عجيج ، وللملائكة من رزئهما ضجبج، وللأرض من تحتهما وجيب ، وللسماء من فوقهما نحيب، فلما رأى الله صبرهما فيما ابتلاهما، كشف ضرهما، وناداه أرحم الراحمين، {أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ.قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ.إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاء الْمُبِينُ.
__________
(1) 3 – الصافات : 102 (2/282)
صفحة 712
وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ} (1) ، يوم جعله الله خاتم الأيام المعلومات من العشر، ومفتتح الأيام المعدودات من النفر ، يوم دعا إلى مشهده الله الرحمن، ونزل بتعظيمه القرآن ، وقال تعالى: {وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ} (2) ، فاحضروا رحمكم الله فيه لصلاتكم بوقار وسكينة، وأجمل هيئة وزينة ، واحمدوا رباً بلغكم هذا اليوم العظيم، والعيد الأكبر الكريم ، وضحوا بعد رجوعكم من مصلاكم ، وكبروا الله على ما هداكم ، وتقربوا إلى الله بذبائحكم ، وعظموا شعائر ربكم ، واجعلوها من أطيب ذخائركم ، واستشعروا التقوى في ضمائركم ، ليس يقبل الله من الأعمال إلا ما كان خالصا ، فإنه يقول سبحانه: {لَن يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِن يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنكُمْ كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ} (3) ، وعليكم بالسليمة الأعضاء، اللحيمة القرناء، الشحيمة العيناء ، وإياكم وتقريب العوراء والعرجاء، والعجفاء والشرقاء والخرماء ، وكل ذات عيب فاضح، ونقص واضح، واختاروا السمان، وحسان الألوان ، وغالوا في الأثمان، البدنة عن سبعة، والبقرة عن سبعة، والشاة عن واحد ، وسوقوها إلى المنحر سوقاً رفيقا، وأعدوا لها مرهفاً رقيقا، ولا ذبح إلا بعد الصلاة، والسنة في الأضاحي إحداد الشفرة، واستقبال القبلة، والتكبير والتسمية، {فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} (4) ، وكبروا الله من يومكم هذا إلى ثالث أيام التشريق، واشكروه يمدكم بالتأييد والتوفيق ، ووسعوا على فقرائكم، وما ملكت أيمانكم ، من عبيدكم وإمائكم ،
__________
(1) 1 – الصافات : 104 - 107
(2) 2 – الحج : 27
(3) 3 – الحج : 37
(4) 4 – الحج : 36 (2/283)
صفحة 713
وكونوا بالأخيار مقتدين ، وفي مقاصد الرشد مهتدين ، وعن سبيل الغواية معرضين ، ولثواب الله متعرضين ، فيا معشر الإخوان من المسلمين، اسمعوا مني وعوا ، واستبقوا الخيرات قبل أن تتصدعوا، فرب مستمع خير من خطيب ، ورب مبلغ خير من قريب ، اعلموا أنكم خير أمة أخرجت للناس ، وأن الله قد ألبسكم أفضل اللباس ، وهو لباس التقوى ، ليقيكم برحمته من مضلات الأهواء ، فاعملوا وجاهدوا وتعاونوا على البر والتقوى ، وتساعدوا واتقوا الله حق تقاته ، واحذروا منه يوم ملاقاته ، وامروا بالمعروف وأئتمروا به ، وتناهوا عن المنكر ولا تعملوا به ، واعلموا أن الله يعز من يشاء بطاعته ، ويذل من يشاء بمعصيته ، وأوصيكم عباد الله وإياي بتقوى الله ، فإنها الجواز إلى درج النعيم ، والمجاز عن درك الجحيم ، وأحثكم على الصلاة فإنها باب الملة، وحافظة النحلة ، وعلى الصيام فإنه جنة من العذاب ، وسبيل إلى الثواب، وعلى أداء الزكاة فإنها حق في أموالكم معلوم ، وفرض في دينكم محتوم، وعلى حج البيت فإنه يسلب الفقر ، ويجلب الوفر ، وعلى صلة الرحم فإنها مثراة في المال ، ومنسأة في الآجال، وعلى حق الجار ، فإنه زاد ليوم الافتقار ، وعلى صدقة السر فإنها تكفر الخطايا ، وتنفي بغتات المنايا ، وتجنبوا الكبائر ، واحذروا الجرائر، ولا تقربوا الزنا فإنه يظهر الفاحشة ، ويورث طول الحساب والمناقشة، ولا تبخسوا المكيال والميزان، فقد جاء فيهما وعيد من الرحمن، ولا تشربوا المسكرات، فإنها تضاعف السيئات، {وَلاَ تَقْتُلُواْ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللّهُ إِلاَّ بِالحَقِّ} (1) ، فالقتل من الموبقات، المحبطات للحسنات، ولا تأكلوا الربا فإن ربحه خسران، وزيادته نقصان، وتجنبوا مال اليتيم، وأحسنوا قضاء الغريم، واحذروا المظالم، فإنها ظلمات لا يجليها إلا القضاء، ولا يكشفها إلا الأداء، {أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ} (2) ،
__________
(1) 1 – الإسراء : 3
(2) 2 – النساء : 59 (2/284)
صفحة 714
فإن الطاعة حبل الله المتين ، وصراطه المبين، واعتصموا الدعاء لخواصكم وعوامكم ، في منصرفكم ومقامكم، فإنكم لا محالة على الله قادمون ، وبين يديه موقوفون ومحاسبون ، {وَاتَّقُواْ يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ} (1) ، عباد الله أوصيكم وإياي بتقوى الله وحده ، والعمل بما عنده ، وأحذركم الموت المفرق بين الروح والجسد، والوالد والولد ، حتى لا يبقى على الأرض أحد، بينما المرء مشغول بدنياه، لا يعمل فيها لأخراه ، حتى هجم عليه هادم كل لذة، ومنغص كل شهوة، ومورث كل حسرة، فلا يرحم طفلاً لصغره ، ولا شيخاً لكبره، فغارت عند ذلك المشهد منه العينان، وتقلصت منه الشفتان ، فامتسك اللسان، وبسط بناناً وقبض على بنان، وترادف عليه النزع بشدة السياق ، وناح أهله للغيبة والفراق ، وثقل عليهم لبثه بعد كرامته وإعزازه ، واستوحشوا من قربه فأسرعوا في جهازه، وبادروا به إلى حفرته وقراره ، وتركوه متحلياً بعمله ، فيا طول حسرته وخساره، متفرداً بالظلماء ليس فيها أنيس ، قد فقده الأخ والجليس، في شدائد الأهوال، إلى يوم الحشر والسؤال ، يوم ينادى بالخلائق، هلموا للعرض على الخالق، فكيف بك أيها العبد الذليل، إذا وقفت بين يدي الجليل ، فوبخك على انتهاك المحارم، وركوب المآثم، فقال لك عبدي ألم أغذك بالنعم ، وألاطفك بالكرم، بارزتني بالمعاصي وأنا أنظر إليك ، وأخفيتها عن خلقي فسترتها عليك، وأنا أقرب إليك من حبل الوريد، وكنت أهون الناظرين عليك ، أيها الشاب أما اتقيت ، أيها الكهل أما ارعويت، أيها الشيخ أما استحيت ، بارزتني فيه بالذنوب، وأنا علام الغيوب، أما لو أذنت للسماء لحصبتك، أو أذنت للأرض لابتلعتك، يا عبد السوء ألم أتقرب إليك بالنعم والمنائح، وتباعدت عني بأعمال القبائح، يا عبد السوء أم توعظ فلم تقصر، أم تذنب فلم تستغفر ، أو ظننت أني لا أسمع
__________
(1) 3 – البقرة : 281 (2/285)
صفحة 715
ولا أبصر، بلى قد كنت بالمرصاد، من جميع العباد ، فالحذر الحذر عباد الله ، من قبل أن يقال لذوي الألباب والعقول، {وَقِفُوهُمْ إِنَّهُم مَّسْئُولُونَ.مَا لَكُمْ لَا تَنَاصَرُونَ. بَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ} (1) ، أيها الناس كيف إذا وضع الميزان، ونشر الديوان، ومد الصراط على متون النيران، وينادي المنادي إلا قد سعد فلان ، وشقي فلان، ذلك يوم كرهت الأمراء فيه سلطانها ، ورفضت الملوك فيه أجنادها ، وغشيت القلوب بسكراتها، وذرفت العيون بعبراتها ، والحوامل ألقت ما في بطنها ووضعت، وتذهل كل مرضعة عما أرضعت، وفرجت السماء فانقدت ، وكورت الشمس فاسودت، وانكدرت النجوم فتناثرت، واندكت الجبال فتسايرت، وزلزلت الأرض فبدلت، وأهملت العشار فعطلت ، وشققت القبور فبعثرت ، وبعث الأموات فنشرت، وأزلفت الجنة فأدنيت، وبرزت الجحيم فسعرت، ونشرت الصحف فقرئت، وجاءت الحفظة فشهدت، وأقرت الجوارح فنطقت ، ووجفت القلوب فخفقت، ووفيت كل نفس ما عملت، وهبطت الملائكة نازلين، وقاموا صفوفاً خاضعين، ووقف الخلق على ركبهم جاثين، وجيء بالنبيين والمرسلين، والخصماء المتظلمين، وقضى بينهم رب العالمين، هنالك الفوز للمطيعين، والعز للمتقين، والأمن للخائفين، والقرب للسابقين، والأجر للصابرين، والعفو للتائبين.
__________
(1) 1 – الصافات : 24 - 26 (2/286)
صفحة 716
... الله أكبر الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله الله أكبر ولله الحمد ، {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْماً لَّا يَجْزِي وَالِدٌ عَن وَلَدِهِ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَن وَالِدِهِ شَيْئاً إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُم بِاللَّهِ الْغَرُورُ} (1) ، {فَاتَّقُواْ النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ} (2) ، التي أوقد عليها ألف سنة فابيضت، ثم أوقد عليها ألف سنة فاحمرت ، ثم أوقد عليها ألف سنة فاسودت، فهي الآن سوداء مظلمة ، منتنة مدلهمة ، إذ يؤتى بها تقاد بأزمتها وأغلالها، وسلاسلها وأنكالها، تسمع لها تغيظاً وزفيرا ، ولها تلهباً وهديرا، فعند ذلك تفتح أبوابها، ويساق إليها أصحابها ، فتصيح بهم صيحة عظيمة ، فيتساقطون في قعرها ثاويين، وعلى وجوههم منكبين ، لا يقال لهم عثرة ، ولا يرحم لهم عبرة، إن استغاثوا فلم يغاثوا ، وإن استجاروا لم يجاروا ، وإن نادوا لم يجابوا ، وإن بكوا لم يؤجروا، يقولون {رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْماً ضَالِّينَ.رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ.
__________
(1) 1 – لقمان : 33
(2) 2 – البقرة : 24 (2/287)
صفحة 717
قَالَ اخْسَؤُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ} (1) ، مساكين أهل النار عن الجنة محجوبون، وعن الرحمة مبعودون، وفي جهنم مكبوبون، ومع الشياطين مغمومون، مقيدة أرجلهم ، مغلولة أيديهم ، منكشفة عوراتهم ، متغيرة ألوانهم، منطمسة أعينهم، ساقطة ألسنتهم ، ذاهبة أبصارهم ، مسودة وجوههم ، طافية أنوارهم، مشغوفة قلوبهم ، طويلة أحزانهم ، أشقياء ينادون بالويل والثبور ، يا مالك قد حق علينا الوعيد، يا مالك قد أثقلنا الحديد ، يا مالك قد حل بنا العذاب الشديد، يا مالك قد سال منا الصديد ، يا مالك قد ذابت منا الجلود ، يا مالك قد تمزقت منا الخدود ، يا مالك قد تقطعت منا الكبود ، يا مالك قد أكلت النار عظامنا، وقطعت قلوبنا ، فاسقنا شربة نبرد بها أجوافنا، فيسقيهم مالك شربة من الحميم ، قد انتهى فيه حر العذاب الأليم ، إن بلغ الوجوه تمزقت الخدود، وذابت من حره الأمعاء والكبود، وقال عز من قائل: {وَإِن يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاء كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءتْ مُرْتَفَقاً} (2) .
__________
(1) 3 – المؤمنون : 106 - 108
(2) 1 – الكهف : 29 (2/288)
صفحة 718
الله أكبر الله أكبر الله أكبر، عباد الله: {َسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ.الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاء وَالضَّرَّاء وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} (1) ، الذين أطاعو إلههم، وخالفوا أهواءهم ، طوبى لهم مغفرة ورزق كريم ، عباد الله فانتبهوا من هذه الرقدة، قبل سكون دار الوحدة ، فالناجي يومئذ غانم ، ورائد إلى النعيم الدائم ، في جنة ذات ألوان ، وسرر وحجال وأرائك وظلال ، عن يمين وشمال، وفاكهة مثمرة، وأشجار مخضرة ، قد سكنوا القصور ، وتوشحوا بالنور، يلبسون الحرير، فمنهم على سرير، ومنهم على نجب يطير، يتبخترون في الجنان، على الأرائك والوالدان، في ظلال متصلة ، ونعيم مفضلة ، وأثمار لهم متهدلة ، وأشربة الرحيق لهم مختمة، وأنهار من خمر مسنمة، وعلى ولي الله يومئذ سبعون ألف حجاب، فطوبى لهم وحسن مآب، {وَالمَلاَئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِم مِّن كُلِّ بَابٍ.
__________
(1) 2 – آل عمران : 133 (2/289)
صفحة 719
سَلاَمٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ} (1) ، ثم إن الله أمركم بأمر بدأ فيه بنفسه ، وثنى بملائكته المسبحة بقدسه، وأتى بكم أيها المؤمنون من عباده تعميما، فقال مخبراً وآمراً لهم تكريما، {إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً} (2) فأجيبوا الله عباد الله إلى ما دعاكم، وصلوا على من به الله هداكم، اللهم صل على محمد الهادي إلى الجنة ومسائلها ، اللهم صل على محمد المحذر من النار ومهالكها، اللهم صل على محمد قامع ملوك الكفر وممالكها، اللهم صل على محمد إمام الأبرار، وسمام الفجار، وشفيع الأمة إلى الجبار، وصل عليه وعلى آله البررة الأخيار ، وعلى الخليفة من بعده المختار ، صاحبه وأنيسه في الغار، الموصوف بالكرم والإيثار، ومورد أهل الردة موارد الصغار ، السابق إلى شرف التصديق، ومؤازر الرسول في حال السعة والضيق ، أهل الخلافة ومستحقها بالتحقيق، إمام البررة أبي بكر الصديق ، وعلى من سبقت الدعوة بإسلامه ، وأذن الله بفضله وإكرامه، وأمر بإظهار الدين بعد انكتامه ، وخضعت الأبطال لهيبته وإقدامه ، الذي نشر في الآفاق فاشتهر ، وردع العصاة لإقامة الحدود وزجر، ونهى عن المنكر وبالمعروف أمر ، العادل الفاروق أبي حفص عمر ، وعن بقية الصحابة أجمعين ، وزوجات النبي أمهات المؤمنين، والتابعين وتابع التابعين، وعنا معهم برحمتك يا أرحم الراحمين ، اللهم صل على ملائكتك المقربين ، وعلى أنبيائك والمرسلين، وعلى أهل طاعتك أجمعين، من أهل السموات وأهل الأرضين، اللهم إنا نسألك لبلدك عمان ، وغيرها من الأمصار والبلدان ، أن تظهر فيها دعوة المسلمين ، وسنة نبيك الأمين ، وأقم فيها أحكام العدل ، وقو فيها أهل الورع والفضل، وطهرها من الفساد والجهل ، وأعل فيها كلمة أهل الصدق، الداعين إلى
__________
(1) 3 – الرعد : 23 - 24
(2) 4 – الأحزاب : 56 (2/290)
صفحة 720
الحق، واختر لها إماماً مرضيا، عدلاً صالحاً تقيا ، نزيهاً عن الطمع وليا، يعمل بقول المسلمين، ويعادي المردة المجرمين ، اللهم أصلح أئمتنا، وقضاتنا وولتنا وولاة أمورنا، ووفقهم للعمل بما يرضيك، إنك سميع الدعاء، {رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلّاً لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ} (1) ، اللهم انصر جيوش المسلمين، وسراياهم ومرابطهم وأحراسهم وأطرافهم، حيث كانوا وأينما كانوا من مشارق الأرض ومغاربها ، وانصرهم نصراً عزيزا، وافتح لهم فتحاً يسيرا ، واجعل لنا ولهم على عدونا وعدوك سلطاناً نصيرا، اللهم واحفظ حجاج بيتك الحرام ، والزائرين لقبر نبيك محمد عليه السلام، وبارك لهم في النفقة ، واحملهم على اللوح والظهر والقدم ، حتى تبلغهم حرمك وأمنك سالمين، آمنين غانمين ، ثم أتم حجهم ونسكهم ، وافتح لنا من الخير كما فتحت لهم، اللهم اسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين ، اللهم ارفع عنا الغلاء والوباء والعرض والمرض والفحشاء والمنكر والقحط، والفتن ما ظهر منها وما بطن، من بلدتنا هذه خاصة ، ومن بلدان المسلمين عامة ، إنك على كل شيء قدير، اللهم اجعل مجتمعنا هذا مجتمعاً مرحوما ، وتفرقنا من بعده تفرقاً معصوما، ولا تجعل اللهم فينا شقياً ولا محروما، واجعلنا ممن آمن بك فهديته، واستعان بك فأعنته، واستجار بك فأجرته ، اللهم أجرنا من النار ، اللهم أجرنا من النار، اللهم أجرنا من النار، فإنها بئس الدار ، وبئس المثوى وبئس القرار، اللهم إنك أمرت المؤمنين من عبادك بالسعي في هذا اليوم ، فأجابت هذه العصابة دعوتك، وسارعوا إلى أمرك ، يبتغون رضاك ، ولا يريدون سواك، فلا تخيب سعيهم إليك، وأعطهم ما طلبوا لديك ، وامنن اللهم على من غاب أو ظهر من المؤمنين والمؤمنات والمسلمين والمسلمات بعفوك وغفرانك ورحمتك يا أرحم
__________
(1) 1 – الحشر : 10 (2/291)
صفحة 721
الراحمين، {وِمِنْهُم مَّن يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} (1) ، {إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} (2) ، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته أيها السامعون.
... هذه خطبة عرفة:
__________
(1) 1 – البقرة : 201
(2) 2 – النحل : 90 (2/292)
صفحة 722
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله على يوم الحج الأكبر، ويوم عرفات ويوم المشعر، وعلى كل نور من الله يزهر، في كل محفل ومنبر ، وموقف أمر الله فيه أن يذكر، ويهلل ويكبر ، الله أكبر الله أكبر الله أكبر ، لا إله إلا الله الله أكبر ولله الحمد، نحمده على كثير نعمائه، ونشكره على تتابع آلائه ، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمداً - صلى الله عليه وسلم - عبده ورسوله ، عبد أراد الله إرشاده ، وسبقت له من الله السعادة، فخصه الله برسالاته ، وأحكامه وآياته ، وشرفه بالكتاب والتنزيل، وعضده بجبرائيل وميكائيل ، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، ومن والاه، كما اختاره لإقامة دينه وارتضاه ، فاتقوا الله عباد الله {وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ} (1) ، جعلنا الله وإياكم من الآمنين، وقال عز من قائل {وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ.لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ.ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ} (2) .
__________
(1) 3 – آل عمران : 133
(2) 1 – الحج : 27-29 (2/293)
صفحة 723
الله أكبر الله أكبر الله أكبر، اللهم إن هذه عشية من عشيات رحمتك، وساعة من ساعات مغفرتك ، قد ترحم فيها التضرع والبكاء ، وتجيب فيها الدعوة والنداء، أتتك وفود الحجاج ، وجاءتك من كل مسلك ومنهاج ، وقطعوا الأودية والفجاج، وركبوا اللج والأمواج ، ابتغاء رضوانك ، ورجاء غفرانك ، وعمارة لكعبتك، وإجابة لدعوتك ، وإعظاماً لطاعتك ، قصدوا من لا تكثره الحاجات، ولا تشتبه عليه اللغات، ولا تأخذه غفلة ولا سنات ، يسألون الصفح عنهم ويدعون، ويأملون القبول منهم ويرجون، يا سميع الدعاء، يا جزيل العطاء ، يا جميل البلاء، يا عزيز الجلال، يا منيل النوال ، يا كريم الفعال ، يا عظيم الملك والسلطان، يا عميم المن والإحسان، يا من لا يزيد في جوده كثرة عطائه ، ولا يضيق عن جوده رحيب فنائه، ولا يطرد عن بابه طلاب رجائه ، ولا يرجع بالخيبة من عنده أهل رجائه ، ولا يشقى بدعائه أهل دعائه، وأنت غايتنا التي إليها المنتهى ، ومطلب حاجتنا التي ليس لنا عنها غنى ، فاجعل آمالنا صادقة ، وأعمالنا إليك صاعدة، وأكداحنا إليك نافعة، وحاجاتنا بالنجح من عندك راجعة، وحلاوة ذكرك بقلوبنا واقعة، يا كريم إنا عبادك بك لائذون ، ولرحمتك منتظرون، لا غنى لنا عن رفدك، ولا عوض لنا عن قصدك ، فإن منعت فإلى من غيرك نفزع، وبمن نشفع، وبمن نطمع ونسمع ، وأين نذهب وإلى من نرجع ، من ذا الذي يفتح بابه ، ويرفع حجابه، ويجزل ثوابه ، من ذا الذي ينادي في ظلمة الليل ، من يسأل فأعطيه، ويستهدي فأهديه، أنت ذاك يا جواد ، وأنت ذاك يا رب العباد ، إلهنا لا يزيد في ملك انتقامك منا، ولا يوهي سلطانك عفوك عنا ، وها نحن عبادك بين يديك، قد هربنا منك إليك، ودلتنا العواطف منك عليك ، فنحن في الذنوب نسبح ، ونعوم بأثقالها فيها ونكدح ، قد علت الرقاب فأذلتها، وجثمت على الصدور فأثقلتها، وخالطت الآمال فطولتها ، ونحن خائفون أن تذهب الأعمار، وينزل بنا سوء الأقدار، ونحن في أبعد أمل (2/294)
صفحة 724
وأطول ، وأغر ما كنا عليه وأغفل ، إذ المنية بنا واقعة، ولأيامنا قاطعة ، ولخدودنا صادعة ، وهذا يوم النوال، والوقت الذي نمد إليك فيه الآمال ، وقد حضرنا بين يديك ، وبسطنا أيدينا الخاطئة إليك ، نسألك أن تعفو عنا وتصفح، وتجود لنا وتسمح ، وتأذن لأبواب السماء أن تفتح ، وأن تقينا شر ما خلقت وبرأت وذرأت، وشر ما يلج في الأرض وما يخرج منها، وما ينزل من السماء وما يعرج فيها ، وشر كل دابة أنت آخذ بناصيتها، إن ربي على صراط مستقيم ، اللهم ارزقنا من العلم أنفعه، ومن العمل أرفعه، ومن القول أصدقه، ومن اليقين أوثقه ، ومن الخير أكمله ، ومن الصبر أحمله، ومن الحلم أعدله، ومن التقى أدومه ، ومن الهدى أعظمه ، ومن العيش أنعمه ، ومن النظر أحزمه، ومن الرجاء أعظمه ، ومن الخلق أكرمه ، ومن الرحمة أكملها، ومن النعمة أسهلها، ومن العاقبة أجملها، ومن العبادة أفضلها ، اللهم قنا شر المضجع، وبلغنا حسن المرجع، وآمنا عند الجزع، وثبتنا عند معاينة هول المطلع، ولا تفضحنا على رؤوس الأشهاد في ذلك المجمع ، اللهم قد سعينا إليك بالذنوب، ما قدمنا وما أخرنا في اللوح المكتوب ، فهو ينتظرنا ونحن ننتظر الرحمة التي وسعت كل شيء، وعمت كل حي ، اللهم رجاؤنا مما ننتظره ، وآمنا مما نحذره، ولا تؤاخذنا بما قدمنا، واغفر لنا ما أجرمنا ، وهب لنا من حسن اليقين ما يسهل به علينا انتظار المنية ، وارزقنا جميل الظن ما نتيقن به بلوغ الأمنية ، واكفنا ظلم الظالمين، وحقد الضالين ، اللهم أعطنا ثواب الأوابين ، وأجزنا جزاء المحسنين، واحشرنا مع المتقين، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين، اللهم لا تضلنا في حال من أحوالنا، واستعملنا فيما ترضى به عنا ، واجعل لنا من لدنك سلطاناً نصيرا، وأتم علينا تمام نعمتك ، وصل لنا دوام العصمة بك ، وقنا من تحول النعمة، إنك ذو وفاء وذمة، اللهم فما آتيتنا من حسن فاجعله في زيادة ، وما بقي من أعمارنا فاجعله في عبادة ، وارزقنا (2/295)
صفحة 725
الخير والبر حتى نبلغ من جزيل ثوابك أفضل الجزاء، ثم لا ننصرف من مجلسنا إلا وقد غفرت لنا الذنب العظيم، وتجاوزت عنا يا كريم ، اللهم إنا قد وجدنا مناهل الرجاء لك مترعة ، وأبواب الاستجابة لمن دعاك مفتّحة، والاستغاثة لمن استغاث بك مباحة ، وحوائج من قصدك منجحة، وألفينا بدعائك موضع الإجابة، بأسمائك ندعو ونخطب، وإحسانك نبغي ونطلب، فيا من عليه خطايا وذنوب، وشمس حياته قد أخذها الغروب، فما أقسى قلبه بين القلوب، إن لم يتب في هذا الوقت فمتى يتوب ، واذكروا إخوانكم في هذه الساعة، وفي هذه الليالي بحسن الطاعة ، كم ماش على الأقدام، وراكب على الأنعام ، يرجو جزيل الإحسان في هذا العام ، وكلهم يتضرع بالتلبية والدعاء، هذا قد طاف وهذا قد سعى ، أولئك وفد الله وحجيج بيته، ومجيبو دعوته، ومسارعون إلى مغفرته، يباهي الله بهم ملائكته، وينشر عليهم رحمته، ويكتب لهم الحسنات، ويعفو لهم عن السيئات ، ويعلم ما يفعلون ، مثلوا أنفسكم كأنكم بينهم، إذا كأنكم معهم، وقوموا على الأقدام مثلهم ، واسألوا مولاكم فقد كفاكم، ومن جزيل ما أعطاهم أعطاكم، وافقوهم بالتلبية بلفظ لبيك، اللهم لبيك واجعل تضرعنا بين يديك، إنك على كل شيء قدير ، ثم إن الله أمركم بأمر بدأ فيه بنفسه ، وثنى بملائكته المسبحة بقدسه ، وناداكم أيها المؤمنون من بين عباده تعميما، فقال مخبراً وآمراً تكريما، {إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً} (1) ، اللهم صل على محمد إمام الأبرار، وسمام الفجار، وشفيع الأمة إلى الجبار، وصل عليه وعلى آله البررة الأخيار ، من المهاجرين والأنصار، وعلى الخليفة من بعده المختار ، صاحبه وأنيسه في الغار، الموصوف بالكرم والإيثار، ومورد أهل الردة موارد الصغار ، السابق إلى شرف التصديق، ومؤازر الرسول في حال السعة والضيق ، أهل
__________
(1) 1 – الأحزاب : 56 (2/296)
صفحة 726
الخلافة ومستحقها بالتحقيق، إمام البررة أبي بكر الصديق، وعمن جهر بالإسلام ، وأباد عبدة الأصنام ، واستفتح الأقاليم بالصمصام، الناسك الأواب ، حليف المحراب ، أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، وعن بقية الصحابة أجمعين ، وعن المؤمنين من الأنصار والمهاجرين، وعن زوجات النبي أمهات المؤمنين ، وتابعيهم وتابعي تابعيهم إلى يوم الدين، وعنا معهم يا أرحم الراحمين ، وارض اللهم عن إمام الأولياء ، وولي الأتقياء، وخليفتك في الأرض بعد الأنبياء ، الإمام العدل الوفي ، صاحب القلب الخفي، فلان بن فلان الفلاني ، اللهم ثبت أركانه على الدوام ، وبوأه في العقبى خير منزل ومقام، وأحله من العلياء غاربها، وملكه مشارق الأرض ومغاربها ، واجعل الملائكة من أنصاره وحزبه، ومكنه في الأرض تمكين الوارثين، واقمع به رؤوس المردة الفاسقين، واجمع به شمل المؤمنين ، وأظهر به دعوة المسلمين ، اللهم واحصد أعداءه حصدا، وأحصهم عددا ، وبددهم بددا ، ولا تبق منهم أحدا ، حيث كانوا وأين كانوا من بر أو بحر ، واجعله ومن والاه في الأمن راتعا ، ولجميع الفضل والخيرات جامعا ، وجميع من عاداه بالذل والصغار خاشعا ، اللهم اسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين ، اللهم ارفع عنا الغلاء والوباء ، والعرض والمرض والفحشاء والمنكر، والقحط والفتن ، ما ظهر منها وما بطن ، من بلدنا هذه خاصة، ومن بلدان المسلمين عامة، إنك على كل شيء قدير ، اللهم قد علمت فاغفر، وقد سمعت فاستجب، وما أنت له أهل فافعل ، آمين رب العالمين ، وصل اللهم على سيدنا محمد خاتم النبيين، وعلى آله الطيبين الطاهرين، وسلم عليه وعليهم أجمعين، إن أفصح المقالة بيانا، وأصحّ الدلالة برهانا، كلام سيدنا ومولانا، {وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاء بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ تَنزِيلاً. (2/297)
صفحة 727
الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ وَكَانَ يَوْماً عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيراً} (1) ،{إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} (2) .
... قال ذو الغبراء: ينبغي للخطيب أن يخطب قياما، وبوجهه إلى الشرق مستقبلا، ويكون وعظياً ويرتل القرآن ترتيلا، وقيل ينبغي الخطبة أقصر من الصلاة، وخطبة عيد الأضحى أقصر من عيد الفطر، وفي عيد الأضحى تكون الصلاة مع شروق الشمس في البطاح، وعيد الفطر يؤخرها إلى وقت الضحى، ومتى جاءهم الخبر الصحيح بالهلال في آخر رمضان فليخرجوا فيه إلى الجبّان.
وقال الشيخ علي بن ناصر:
كفى عظة لو صادفت قلب خاشع ... ولو سمعتها في الورى أذن سامع
ولكن عموا عنها وصموا سوى بنا ... ... قليل أناس من قريب وشاسع
فيا رب اجعل كل موعظة لنا ... من القاسيات العمي أنفع نافع
فإنك أهل أن تعافي وتبتلي ... وتعفو وترجى في الرخا والفواجع
...
وصل على خير الأنام محمد ... وصفوتك الهادي لخير الشرائع
قال الشيخ حميد بن محمد بن رزيق : الأحسن أن يقول ( إلى القاسيات ) وفي موضع قال ( أن تعافي من البلا ).
الذكر التاسع والأربعون
فيه ذكر بعض العلماء والأئمة، وحكم استهلاك أموال سيف بن سلطان وبني النبهاني، وتحريم بيع الخيار.
__________
(1) 1 – الفرقان : 25 - 26
(2) 2 – النحل : 90 (2/298)
صفحة 728
... قال ذو الغبراء : رأيت في زماني الشيخ العالم عامر بن علي بن مسعود العبادي، والشيخ ناصر بن أبي نبهان، وأبو نبهان العالم الرباني جاعد بن خميس الخروصي، وسمعته يثني على أخيه في الله الشيخ سعيد بن أحمد الكندي . وقيل إن في زمن الشيخ حبيب بن سالم أمبو سعيدي الذي حضر مع الإمام بلعرب بن حمير اليعربي وأراد الإمام منه ومن حضر معهم من أهل العلم أن يكتبوا مال الهالك سيف بن سلطان اليعربي، وحكموا باستهلاك ماله بإتيانه العجم الذين قتلوا وأهلكوا أهل عمان ، وبعض أهل العلم لم يحضروا معهم وأنكروا عليهم ، والشيخ حبيب بن سالم أخذ العلم عن الشيخ سعيد بن بشير الصبحي والشيخ سعيد أخذ عن علماء زمانه، وأما الشيخ محمد بن عبدالله بن جمعة بن عبيدان يرفع عن الشيخ العالم التقي صالح بن سعيد بن زامل الزاملي يرفعه عن الشيخ الولي محمد بن عمر بن مداد عن الشيخ الفقيه عبدالله بن محمد القرن عن الشيخ أحمد بن مداد وهو الذي سُئل عن العلماء وكتب أسمائهم ومواتهم (1) .
__________
(1) 1 – يقصد وفياتهم (2/299)
صفحة 729
... وهاك بيان في ذكر بيع الخيار اجتمع المشايخ العلماء الأتقياء القدوة مداد ابن عبدالله بن مداد العقري النزوي، والفقيه عبدالله بن محمد بن سليمان بن عمر النزوي ، والقاضي أبو غسان وورد بن أبي غسان البهلوي ، وعمر بن زياد البهلوي ، ومحمد بن أبي الحسن بن صالح بن وضاح المنحي ، وجماعة ممن حضره من أهل العلم والبصر عند الإمام العادل العالك الكامل العاقل محمد بن إسماعيل بن عبدالله بن محمد الحاضري ، بقرية نزوى، وطالعوا الآثار المسنودة عن العلماء الأخيار المسنودة عن سيد المرسلين الذي نزل عليه الروح ألأمين بالوحي من رب العالمين فوجدوا أن غلة بيع الخيار حرام ، فحكم الإمام ومن ذكرت من المسلمين بتحريمها وبفساد البيع الخيار لأنه أقرب للتقوى وأسلم من البلوى لقوله - صلى الله عليه وسلم - : ( من أجبى فقد أربا ) (1) ، وهذا الحكم نهار يوم الأربعاء من شهر جمادى الآخر من شهور ثماني وعشرين سنة وتسعمائة سنة.
ثم سألت الشيخ العالم ناصر بن أبي نبهان [ عن هذه المسألة فقال: ] (2) أن هذه مسألة مما يجوز فيها القول بالرأي وإجماعهم على استحسان رأي لا يكون إجماعاً على الدينونة يلزم غيرهم العمل به إلا من رأى الأقرب إلى الحق هو رأيهم ، وأما من رأى الحق خلاف ذلك فعليه أن يعمل بما رآه أنه هو أقرب إلى الحق ، ولكن البيع الخيار في الأموال لا يجوز مع من أجازه إلا أن يكون قاصداً أنه الأصل لا لطلب الزيادة بالغلة وقد استعمله والدنا رحمه الله مع قصده بهذا واستغله ولم يرد الغلة وينظر في ذلك.
__________
(1) 1 – مجمع الزوائد : ج9 ، ص375 ، الآحاد والمثاني : 2708 / 5 ، المعجم الكبير ، ج22 ، ص48 .
(2) 2 – ما بين القوسين إضافة من عندنا ليستقيم معنى الكلام . (2/300)
صفحة 730
وكذلك أهل عمان اجتمعوا أشياخهم في زمانهم على صلاة الجمعة في البلدان في قرى عمان قد ابتدعوا في عصرهم لا اقتفوا بالعلماء الذين مضوا قبلهم، وأما الذين من بعدهم تركوها إلا عند الإمام يصلوها، وأما في صحار فإنها ثابتة عندهم في كل عصر لأنها من سابعة الأمصار تصلى الجمعة فيها خلف الفاجر والبار.
... وهذا ما وجدته بخط الشيخ العالم النحرير محمد بن عبدالله بن مداد:
بسم الله الرحمن الرحيم قد صح عندي وثبت أن جميع الأموال والأملاك التي خلفها السيد مظفر بن سليمان بن نبهان عن ولده سليمان وشركائه ثم خلفها سليمان كلها قد استهلكت بضمانات الديون التي جنياها من مظالم الناس المجهول منهم والمعلوم لأنها قد استغرقها الدين وصار حكم ذلك للإمام فكل من أصح بينة على دينه فله قسطه بما أوجبه الحق في حكم الله . كتبه الفقير لرحمة ربه عبدالله بن مداد يوم السبت لثلاث عشرة ليلة إن بقيت من شهر صفر سنة تسع وثمانين وثمانمائة. (2/301)
صفحة 731
... وعن الشيخ محمد بن علي بن عبد الباقي بسم الله الرحمن الرحيم في عشي الأربعاء لسبع خلون من شهر جمادى الآخرة من سنة سبع وثمانين وثمانمائة سنة هجرية نبوية محمدية على مهاجرها أفضل الصلاة والسلام أقام الشيخ القاضي المجاهد سيف الإسلام وقطب عمان أبو عبدالله محمد بن سليمان بن أحمد بن مفرج محمد بن عمر بن أحمد بن مفرج وكيلاً لمن ظلم من المسلمين من أهل عمان الذين ظلمهم السادة الملوك من آل نبهان من لدن السلطان المظفر بن سليمان بن المظفر بن نبهان إلى آخر من ظلم من نسله وولده وولد ولده الملكين سليمان بن سليمان وحسام بن سليمان وكذلك أقام أحمد بن صالح بن عمر بن أحمد بن مفرج وكيلاً للملوك المقدم ذكرهم، فقد صح عندنا ذلك فقضى أحمد بن صالح محمد بن عمر جميع مال آل نبهان من أموال وعروض ونخيل وبيوت وأسلحة وآنية وغلل وتمر وسكر وجميع مالهم كائناً ما كان من ماء وبيوت ودور وأطوي وأثاث وأمتعة قضاء ثابتاً واجباً، وقبل محمد بن عمر هذا القضاء للمظلومين من أهل عمان من غاب منهم أو حضر وكبر منهم أو صغر للذكور منهم والإناث فصارت هذه الأموال بالقضاء الكائن الصحيح للمظلومين قد جهلوا معرفتهم فصار كل مالٍ مجهول ربه للإمام أعزه الله ونصره في إعزاز دولة المسلمين والقيام بها، وكل من أصح حقه وأثبته فهو له من أموالهم ويجرى له بقسطه إن أدرك ذلك وإن لم تدرك التجزية ولم يحط بها فذلك النصيب نصيبه غير معلوم والمجهول للفقراء والإمام يقيض الأموال المعينة وأموال الفقراء ومال من لا رب له ويجعله في عز الدولة للمسلمين فقد صح هذا القضاء والحكم فيه فمن بدله بعدما سمعه فإنما إثمه على الذين يبدلونه إن الله سميع عليم . كتبه وحرره الفقير لله تعالى المضطر إليه محمد بن علي بن عبدالباقي بيده حامداً موحداً مصلياً مسلماً مستغفرا. (2/302)
صفحة 732
شهد بجميع ذلك أحمد بن صالح بن عمر بن أحمد بن مفرج ، وكتب بيده شهد بما في هذه الورقة محمد بن عمر بن أحمد بن مفرج وكتب بخط يده . سألني الإمام المعظم محمد بن إسماعيل عن أموال بني نبهان وحوز المسلمين لها ممن تقدم من الأئمة مثل عمر بن الخطاب بن محمد فهذه الحجة أجازوها وأحلوها للإمام عمر بن الخطاب فجعلت تنتقل من إمام إلى إمام إلى يومنا هذا ولم يعب أحد ذلك وكان في ذلك الأوان جملة من العلماء الأتقياء البلغاء العظماء والحق أحق أن يتبع وما بعد الحق إلا الضلال كتبه أحمد بن صالح بن عمر بن أحمد بن مفرج . (2/303)
صفحة 733
بسم الله الرحمن الرحيم ليعلم الواقف على كتابي هذا من جملة أحكام المسلمين أولي الفقه في الدين بأن قد شهد عندي الثقتان العدلان الوليان وهما الوالد عمر بن زياد بن أحمد وعمر بن يمان بن محمد شهادة لله تعالى مؤتلفة غير مختلفة بأن الإمام العدل الرضي عمر بن الخطاب النزوي رحمه الله حاز جميع الأموال التي بعمان المنسوبة بالتسمية لبني نبهان حازها لبيت مال المسلمين وعز دولتهم وذلك بعدما حكم بها حكام المسلمين من أهل عمان لبيت مال المسلمين ولعز دولتهم فحازها لبيت مال الله تعالى ولعز دولة المسلمين إلى أن انقضت إمامته رحمه الله، هذا ما شهدا به عندي بعد أن طلب منهما الإمام العدل بركات بن محمد بن إسماعيل أعزه الله تأدية هذه الشهادة فأجزت شهادتهما وأثبتها وحكمت بما شهدا به من أموال المذكورين في هذا الكتاب لبيت مال المسلمين ولعز دولتهم لا يرثها وارث إلى يوم القيامة، وكانت صحة هذه الشهادة منهما والحكم مني بذلك في ضحى نهار الثلاثاء خامس شهر صفر سنة ثماني وأربعين سنة وتسعمائة سنة هجرية نبوية على مهاجرها أفضل الصلاة والسلام، وكتبه وصح معه عبدالله بن عمر بن زياد بن أحمد بيده، وكذلك حكم الإمام محمد بن إسماعيل بن عبدالله بن محمد بن إسماعيل حكم في أموال بني رواحة الداخلين في الفتنة يوم قادوا سليمان ابن سليمان ويوم قادوا مظفر بن سليمان إن الذي اجترحه سليمان وولده صار ضمانة على من أقادهم وذلك يوم الأحد لثلاث ليال خلون من شهر شعبان سنة تسع وتسعمائة سنة وأثبتوا حكم العلماء في حضرة عبدالباقي بن محمد بن علي، ومحمد بن سليمان بن محمد بن عمر، وأبو القاسم بن شايق بن عمر ، وأبو القاسم محمد بن سليمان ، وسعيد بن زياد ، ومداد بن عبدالله بن مداد ، وغسان بن ورد، ومحمد بن عبدالله بن مداد ، وعباد بن محمد ، وخالد بن سعيد بن عمر، ومحمد بن عبدالله بن محمد بن عمر بن عبدالرحمن ، وأحمد بن خليل بن أحمد. (2/304)
صفحة 734
وأما الإمام محمد بن سليمان في زمن العالم محمد بن علي بن محمد بن عبدالباقي وزياد بن أحمد، والإمام أبا الحسن خميس بن عامر في زمن سليمان بن أبي سعيد وولداه محمد وصالح ابن الوضاح، ومداد وولده عبدالله وعمر بن أحمد وورد بن أحمد بن مفرج ورجب بن سليمان.
من قصيدة ابن هاشم لمدح شيخه ابن مداد:
ويشرب بول الإبل والرسل للوبا ... وأما ابن مداد فقد قال فيه لا
تصح روايات الرسول حفظته ... يفرق شفاها عنه في جملة الملا
جزى الله عنا الخير من بحر ... لنا كان عند الظماء ورداً منهلا
علمه
وقال عبدالباقي بن محمد بن علي يذكر شيخه والأطباء:
بقراط مفلوجاً مضى لسبيله ... ومبرسماً قد مات أفلاطون
وكذا أرسطاليس مسلولاً مضى ... أيضاً وجالينوسهم مبطون
وأبو علي هالك في شجة ... ومع الحذاقة ساورته منون
ما إن دواء الداء إلا بالذي ... إن قال للمعدوم كن فيكون
وكذاك عبدالله مات ميبساً ... ولسانه في حلقه مخزون
وهو الحكيم ولا حكيم كمثله ... تاهت به يوم الفخار مزون
ذاك ابن مداد الفقيه المرتضى ... علم أغر مهذب مأمون
علامة في دهره فهامة ... بحر العلوم مطهر مصون
فلتبكه منا محاجرنا دماً ... ولتدر أدمعها عليه عيون
فعليه رحمة ربه وسلامه ... ما ناج ورق في الوكور جنون
فاذهب عليك من المهيمن ... واعلم بأني بعدك المحزون
رحمة
وأما أهل عمان فقد اجتمعوا علماؤهم الذين يفتون بالرأي ثلاثمائة عالم في المائة التي بعد الألف من الهجرة النبوية الإسلامية.
الذكر الخمسون
في العقل وزواله ودواؤه، وفيه قصيدة في الرمل، وقصيدة في الفلك وإحاطة للنفس، وقصيدة في سر أسماء الله الحسنى، وقصيدة في النحو من نظم الشيخ ناصر بن أبي نبهان. (2/305)
صفحة 735
... قال ذو الغبراء: سألت صاحبي عن ذهاب العقل ما سببه؟ قال : أما العقل زواله من كثرة خروج الدم ، ومنه ما يكون من كثرة الغم ، ومنه ما يكون من حرارة الجوف والصفراء والسوداء ، ومنه ما يكون من غلبة الدم ، وذلك في الذي لا يخرج الدم على سنته في السنة لا مرة واحدة ، ومنه ما يكون من رطوبة في الرأس أو يبوسة، فالذي يكون من كثرة خروج الدم فعليه بالغذاء الطيب ، ويرد الدم أكل الطعام بالسكر والعسل والحلاوات ، والذي من كثرة الغم فدواءه بالتزويج والفرح ، وأما الذي من حرارة الجوف فدواءه بالشربة وأكل الرمان وأكل الزبيب يرد العقل ويعصمه، وأما الذي من كثرة الدم فدواءه إخراج الدم ، وأما الذي من رطوبة الرأس أو يبوسته فإنه يستعط للرطوبات و يعطش عطشاً كثيراً مائة عطشة أو أقل، ثم بعد ذلك يستعط بالسمن ، ثم بعد أيام يستعط لبن الزنج السود ، وإن عدم فلبن النساء ومرارة الديك ، ويأكل لحم الديك السمين بخبز البر ويشرب دسمه.
صفة للسوداء يؤخذ مخ ساق شاة سوداء سمينة أو جاعدة سوداء سمينة ويسحق بالعنبر الأشهب ويذاب العنبر والمخ بالنار حتى يختلطا ويترك حتى لا يكون حاراً ويستعط به ويقعد به، وينفذ البر واللحم السمين يطبخ بالزيت ويؤكل بخبز البر حاراً ويطعم حلوى السكر الصافي الحسن وتكون حلوى نضيجة نافع إن شاء الله تعالى، ولا يجعل في الحلوى والسعوط كافوراً فإنه بارد لا يوافق هذا بعد الشربة وسعط الزبدة إن قدر عليهما جميعاً وإلا دووي بلبن الزنجية الغتماء ، وقيل سعوط الكافور الرياحي ولبن المرأة ينفع من الجنون.
صفة سعوط للصرع وللسوداء مرارة الديك الأبيض وعندي أنه ما كان من دجاجة سوداء نافع ويجعل في لبن زنجية سوداء ويستعط به ثلاثة أيام، ويأكل الديك السمين بخبز بر ثلاثة أيام نافع إن شاء الله تعالى. (2/306)
صفحة 736
صفة شربة لوجع الظهر ولكل علة تكون في البدن خذ خمسة اسهم سكر وخمسة أسهم عسل النحل وخمسة أسهم لوز وخمسة أسهم ريزن ونصف سهم كافور يدق الجميع ويجعل بنادق أو أقراصاً ويؤكل منه على الريق كل يوم خمسة دراهم نافع إن شاء الله تعالى.
قلت لصاحبي: أجبني بقصيدة جامعة في علم الرمل وحكمه وسعده ونحسه وطبعه وحروفه، قال: هذه القصيدة التي وجدتها توافق لكلامك وهي كما ترى:
بدأت في النظم بسم الله مذكرا ... والحمد لله رب العالمين يرى
ثم الصلاة على المختار سيدنا ... والآل والصحب ما هب الصبا
وسرى
يا سائلي عن بيوت الرمل مبتغياً ... علماً جليلاً لنظم الرمل مختصرا
أعطيك تسكين سكناها وأحرفها ... السعد والنحس ثم الأنجم الزهرا
وبعد أعطيك أحكاماً محققة ... من علم أشكال ما فيها وقد سترا
فالضاحك سعد نجم المشتري وله ... بيت الحياة واف حرفه زبرا
والداخل القبض سعد شمسه طلعت ... حرفاه كض وبيت المال قد شهرا
والخارج القبض نحس بيت أخوته ... حرفاه لغ ونحم الرأس منه يرى
جماعة حروفها ميم وممتزج ... عطارد بيته الآباء قد عمرا
وكوسج نحس مريخ وأحرفه ... طاء وذال وبيت النسل فيه دبرا
وعقلة زحل نحس ونون لها ... حرف وبيت مريض والعبيد شرى
انكيسها زحل وأحرفها ... بص وبيت زوج المرء قد ظفرا
وحمرة نحس مريخ وأحرفها ... جيم وقاف وبيت الموت فيه طرا
بياضها قمر سعد وممتزج ... حرفاه ويحكي بيته السفرا
ونصرة خرجت والشمس تسعدها ... في بيت سلطانها هش الحروف ترى
ونصرة دخلت بالمشتري سعدت ... مسكن الأصحاب والوزرا
وعتبة خرجت والذنب ينحسها ... حاء وخاء مسكن الأعدا كن حذرا
طريقها قمر سعد وممتزج ... في بيت سائلها عين لها سطرا
وعتبة دخلت والزهر تسعدها ... في بيت مسئولها زاء وتاء عبرا
سين اجتماع سعيد في عطاردها ... بيت العواقب ميران قضى الوطرا
والضاد والباء تقي الخد زهرته ... في بيت سادس عشر سعدها ظهرا
وكل شكل فخذ أيضاً طبيعته ... من الحروف على الترتيب حين ترى
ترى
أهطم فشد نار مكملة ... بوينص بهد تض ذي حروف ترى (2/307)
صفحة 737
دحل عرجع ماء جز كسقط لهو ... فاحفظ وكن فطناً فافهم وكن مرا
فالنار تخبر عن شيء يناسبها ... كالحرب والدم أو ما بيتها سعرا
والترب يخبر عن أصناف ومعدنه ... والماء فيما يعم الماء والشجرا
والهوا يخبر عن مما يناسبه ... كالحيوانات أو ما طار وانتشرا
وأخرج الاسم من تلك الحروف إذا ... عرفت بيت ضمير فاحدث الفكرا
وخذ صفاتك والألوان أجمعها ... من النجوم على الأوصاف حين ترى
ترى ترى
كيوان تخبر عن لون السواد وعن ... طبع كثيف نحيس ما بذاك مرا
والمشتري منه ممزوج بحمرته ... يحكي الصلاح وطبع الدين والكبرا
وحمرة اللون فالمريخ يكشفها ... يحكي الدماء كذاك الحرب والشررا
والشمس تحكي صفات الصفر مذهبها ... وزينة حلها السلطان والأمرا
والزهر منه ممزوج بصفرتها ... تحكي النساء كذاك اللهو العطرا
وزرقة اللون حلت في عطاردها ... والأبجدان إلى كل الطباع سرى
والبدر يحكي بياضاً في تقلبه ... ولين طبع له الباري الحكيم برى
وإن أردت ضميراً عند مسألة ... والعلم والغيب لله الذي فطرا
فجملة السر في الأشكال منتقل ... في بيت خامس عشر فأمعن النظرا
حاز الطبائع منها والضمير معا ... ضم القضاء به فاحكم بما أمرا
فإن يكن شكله فاحكم لعاقبة ... أو اجتماع لما أملت منتظرا
وإن يكن غيره فانظر تكرره ... في أي بيت ففيه الحكم قد صدرا
وإن تكرر في أقصى سؤالك أو ... في بيت سادس عشر غاب ما حضرا
حضرا
وإن تعذر تكرار برملك أو ... بيت الضمائر والأسرار واعتذرا
فالسر فيه أعده بيت مسكنه ... تلقى ضميرك موجوداً بغير مرا
فرد ذاك إلى ما كان يسكن من ... تسكين سكناً ففيه القول قد سطرا
من الحياة إلى الأعداء تمزجه ... والاتصال وشكل المثلان نظرا
فأمزج الشكل شكلاً حل موضعه ... أو لملاصق يعطي النفع والضررا
والمنتشي منهما يقضي بما أمرا ... وبيت خامس عشر ينفذ الخبرا
تمت على أحسن الترتيب ناظمها ... فالسر فيها حوت في نظمها الدررا
ثم الصلاة على المختار سيدنا ... محمد سيد السادات والكبرا
والآل والصحب ثم التابعين لهم ... وتابعيهم وعمن يتبع الأثرا (2/308)
صفحة 738
وهذا من قول الشيخ جاعد بن خميس:
عجبت للجبان وقبض دخوله ... وقبض خروج من جماعة أفراح
ومن عقل انكبس وحمر أبيض ... ونصرا خروج في دخول كالصلاح
وعتبى خروج في طريق دخولها ... بجمع تقي الخد في روم أرباح
فهذي هي الأشكال جاء سكونها ... على ما رأى الحبر الزناتي يا صاح
فرد إلى القاضي جميع أمورها ... فأحامها تأتيك في نهج إيضاح
قال الشيخ ناصر: الرمل مثل الفلك حذو النعل بالنعل لأنه مركب على الكواكب والبروج والبيوت والأشراف والهبوط والوبال والقران والوصال والاتصال والانفصال والنظر والمقابلة والمخاتلة والتربيع والتثليث والتسديس والأوتاد والذي يليها والسواقط والجدود إلى غير ذلك .
قلت له: أخبرني بقصيدة في الفلك . فهذه القصيدة من قول الشيخ بقية علماء الفلك علي بن راشد المزيني شعرا:
نظمت لكم في العلم قولاً مبينا ... لعلم منكم طالب العلم إن طلب
وينظر في قولي بعين مجرب ... وجودة فهم حين يسعى بلا تعب
فأول قولي إن أتاك مسائلاً ... يريد سؤالاً في الأمور بلا ريب
فانظر إلى البرج الذي هو طالع ... تجده بلا شك هنالك ولا ريب
فإن كان رب البرج فيه فإنه ... يسآئل عن عمر ونفس وعن سبب
وإن كان ثانيه عن المال سائلاً ... بما هو فيه في السلامة والعطب
وإن كان رب المال ينظر بيته ... يرد سريعاً بالكمال ولا عجب
وإن كان لم ينظر وفيه نحوسة ... فلا يرتجي رد ولو جد في الطلب
وللثالث الأخوان يا صاح والذي ... يريد مريد القرب في الأفق إن ركب
وللرابع الإرث المخلف للفتى ... من النخل المفسول والزرع والذهب
وفي حكمه بيت العواقب كلها ... إذا ما أتى الأمر الذي يعتري العرب
وذلك للآباء نعت مبين ... فهذا الذي قد بان يا صاح في الكتب
وفي الخامس الأولاد والرسل والهدى ... وبنت الملاهي وهو مال للكلب
وللسادس الأمراض أو كل ما ذهب ... يكون عسيراً في سقوط وفي نصب
وبيت المواشي والعبيد جميعها ... وبيت الجواري والخساسة واللعب
وإن كان فيه النحس ليس يرى له ... نصيب يرجى في الزمان ولا أرب (2/309)
صفحة 739
الكتاب: شفاء القلوب من داء الكروب
المؤلف: خميس بن راشد بن سعيد العبري وفي السعد يأتي عاجلاً لبلاده ... بعيد أناس من حبيب ومن نسب
وللسابع الأزواج والخصم يا فتى ... ومشتركات والحكومات في العرب
فإن كان رب الخصم ينظر بيته ... تجده قوياً ليس في قولنا عتب
وإن كان لم ينظر فلا عون عنده ... وليس يرجى للخصيم معا طلب
وبيت الشقا والغم والهم والبكاء ... هو الثامن المنعوت للعجم والعرب
وللتاسع الأسفار والدين والتقى ... ورؤية حلم والمعاش الذي تحب
وفي العاشر السلطان والعز عنده ... وللجاه والعلياء والمجد والرتب
وذلك بيت الأمهات حفظته ... وأخبرني عن ذلك الأمر من طلب
ويتلوه بيت المال والسعد والرجا ... وكل صديق في الأنام ومن يحب
ويتلوه للأعداء والسجن والشقا ... وبيت الدواهي والمشقة والتعب
فذلك بيت الثانيا عشر الذي ... حوى كل نحس ليس في القول من كذب
كذب كذب
فدونكها قد أكملت علمنا الذي ... حوته الأطبا والفلاسفة النجب
وعلماً قريباً في العقول مناله ... بعيداً على أهل السفاهة واللعب
فيا طالب العلم الذي أصبح الورى ... يديرونه من جملة السبعة الشهب
لقد كان إدريس النبي ارتقى به ... إلى الغاية القصوى وأدرك من طلب
وناظمها العبد الفقير بن راشد ... من الله يرجو العفو من حرة اللهب (2/310)
صفحة 740
... قال ذو الغبراء: ينبغي للإنسان إذا دخل في العلوم لا يغفل ساعة عن ربه الذي خلقه ورزقه ويسأله في كل صباح أن يعينه ويحجبه عن شر خلقه ويقول إذا أصبح الصباح: بسم الله الرحمن الرحيم الله أكبر الله أكبر الله أكبر أقول على نفسي وعلى ديني وعلى أصحابي وعلى أولادي وعلى أهلي وعلى إخواني وعلى مالي وعلى من أحاطت به شفقتي ومن يتعلق بي وعلى أموالهم وأديانهم ألف ألف لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، بسم الله الله أكبر الله أكبر الله أكبر أقول على نفسي وعلى ديني وعلى أصحابي وعلى أولادي وعلى أهلي وعلى إخواني وعلى مالي وعلى من أحاطت به شفقتي ومن يتعلق بي وعلى أموالهم وأديانهم ألف ألف لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم ، قول على نفسي وعلى ديني وعلى أصحابي وعلى أولادي وعلى أهلي وعلى إخواني وعلى مالي وعلى من أحاطت به شفقتي ومن يتعلق بي وعلى أموالهم وأديانهم ألف ألف لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم ، بسم الله على نفسي ، بسم الله على روحي ، بسم الله على أولادي ، بسم الله على أهل بيتي ، بسم الله على أموالي ، بسم الله على أصحابي، بسم الله على من أحاطت به شفقتي ، بسم الله على من يتعلق بي ، بسم الله على ما أعطانيه ربي، بسم الله رب السموات والسبع ورب الأرضين السبع ورب العرش العظيم ، بسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء في الأرض ولا في السماء وهو السميع العليم ، بسم الله خير الأسماء ، بسم الله في الأرض والسماء ، بسم الله افتتح ، بسم الله اختتم ، الله الله ربي لا أشرك به شيئا ، الله الله الله لا إله إلا الله، الله عز وجل أعظم وأكبر وأكرم وأقدر مما أخاف وأحذر، بك اللهم أعوذ من شر نفسي ومن شر غيري ومن شر كلما خلقت يا رب وذرأت وبرأت وبك اللهم أعوذ من شرورهم وأدرأ في نحورهم وأقدم بين يدي وأيديهم، بسم الله الرحمن الرحيم قل هو الله أحد الله الصمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد ، ومثل ذلك عن (2/311)
صفحة 741
يميني وعن أيمانهم وعن شمالي وعن شمائلهم ، مثل ذلك من أمامي ومن أمامهم، ومثل ذلك من خلفي ومن خلفهم ، ومثل ذلك من فوقي ومن فوقهم ، ومثل ذلك من تحتي ومن تحتهم، ومثل ذلك ما أحاط بي وبهم ، ومثل ذلك مما أحطنا به ، اللهم إني أسألك لي ولهم بخيرك من خيرك ، الذي لا يملكه غيرك ، اللهم اجعلني وإياهم في عبادك وعياذك، وأمنك وحرمك وحرزك وكنفك من كل شيطان وسلطان وإنس وجن وجان وحاسد وباغ وساحر وماكر وكائد ومعاند ومفسد وسبع وعقرب وحية وظالم وجائر ومن كل دابة أنت آخذ بناصيتها إن ربي على صراط مستقيم ، حسبي الرب من المربوبين، حسبي الخالق من المخلوقين ، حسبي الرازق من المرزوقين ، حسبي الساتر من المستورين، حسبي الناصر من المنصورين، حسبي القاهر من المقهورين ، حسبي الذي هو حسبي، حسبي من لم يزل حسبي، حسبي الله ونعم الوكيل، ونعم المولى ونعم النصير، حسبي من جميع خلقه، {إِنَّ وَلِيِّيَ اللّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ} (1) ، {وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ حِجَاباً مَّسْتُوراً .وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْراً وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْاْ عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُوراً} (2) ، {فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُلْ حَسْبِيَ اللّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ} (3) ، يقولها سبعا من حد قوله فإن تولوا، ثم تتفل عن يمينك ثلاثاً، وعن شمالك ثلاثاً، وثلاثاً من خلفك ، وثلاثاً من قدامك، ومن واظب على قراءته بكرة وعشية لم يستطع أحد أن يتعرض عليه لا من أهل الظاهر ولا من أهل الباطن لأن هذه الإحاطة منيعة وفيها أسرار جليلة هكذا وجدته عن قومنا.
__________
(1) 1 – الأعراف : 196
(2) 2 – الإسراء : 45 - 46
(3) 3 – التوبة : 129 (2/312)
صفحة 742
وهذه القصيدة من قول الشيخ أحمد بن محمد بن عيسى اليريسي وهي دعاء:
بدأت باسم الله والحمد أولا ... على نعم لم تحص فيما تنزلا
فمنها ثناء للإله بنفسه ... على نفسه إذ ليس يحصيه من تلا
ومنها صلاة الله ثم سلامه ... على المصطفى سر الوجود مكملا
ومنها إذا حل امرؤ ما أهمه ... تلاوة أسماء الإله إذا خلا
فنسألك اللهم أمناً ورحمة ... وعفواً جميلاً دائماً متفضلا
ا
من الله أرجوه وشيكا معجلا ... فبالأمن يا رحمن لا تبق مؤجلا
وكن يا رحيماً راحماً ضعف قوتي ... ويا مالك كن لي نصيراً مؤملا
ويا رب يا قدوس كن لي منزها ... من الشر سلم يا سلام مبدلا
ويا مؤمن هب لي أماناً مسلماً ... وستراً عميماً يا مهيمن مسبلا
أزل يا عزيز الذل عني فلم أزل ... بعزك يا جبار مكفي مجملا
وأصغر وضع ذي الكبرياء متكبر ... ويا خالق اجعل لي عن الخلق معزلا
ويا بارئ الأنفاس قد بت مبرء ... بك السقم مني يا مصور زولا
سألتك يا غفار عفواً وتوبة ... وبالقهر يا قهار خذ من تحيلا
وهب لي يا وهاب علماً وحكمة ... وللرزق يا رزاق كن لي مسهلا
ا
وبالخير يا فتاح فافتح وبالهدى ... وبالعلم كن لي يا عليم مفضلا
ويا قابض اقبض روح كل معاند ... ويا باسط النعماء زدني تجملا
بعز قدري يا معز معزز ... مذل وكن للظالمين مذللا
ويا خافض اخفض قدر كل معارض ... ويا رافع ارفعني على رغم من قلى
سمعت دعائي يا سميع فكن إذاً ... بصيراً بحالي راحماً متقبلا
إلى حكم أشكو ظلامة معتدٍ ... هو العدل كم أردى ظلماً وجندلا
لطيف بحالي راحم لشكيتي ... خبير بضعفي إن تضايقت خللا
وما زلت أهفو والحليم مستر ... وربي عظيم العفو إن زغت أمهلا
غفور أقل واغفر ذنوبي وعثرتي ... شكور فوالي الشكر قلبي المغفلا
وأعل مقامي يا علي فلم أزل ... بكبرك قدري يا كبير مبجلا
حفيظ لروحي لا يؤدك حفظها ... مقيت فكن للقوت يا رب مرسلا
ذمامك حسبي يا حسيب فاحمني ... وأنت جليل كن لقدري مجللا
كريم العطايا يا رب أجزل عطيتي ... رقيت على الأعداء بكفي إذا كلا
دعوت مجيباً امراً متقبلا ... كثير العطايا واسع الجود مجزلا (2/313)
صفحة 743
وأنت حكيم يا إلهي فعافني ... ودود فكن للود في القلب منزلا
مجيد فمجد شرخ ذكري لذي ... ويا باعث ابعث جيش نصري مهرولا
الورى
شهيد على قومي بما كان منهم ... فيا حق خذ بالثار منهم وعجلا
وأنت وكيلي يا وكيل عليهم ... فحسبي إذا كان القوي موكلا
متين فمتن قوتي وتولني ... فمن يا ولي أولى ليا منك بالولا
حمدت حميداً لم يزل متفضلاً ... ومحصي لمن عادى مبيداً ومخذلا
يدان بجود منك يا مبدئ العطا ... وأنت معيد كل ما فات أو خلا
ومحي فوسع لي حياة نفيسة ... مميت فعجل موت خصمي منكلا
ويا حي أذهب موت قلبي فلم أزل ... بذكرك يا قيوم ما دمت موصلا
ويا واجد أوجد لنا كل بغية ... ويا ماجد امجد لي وكن لي معولا
ويا واحد مالي سواك مفرج ... ويا صمد فرج وقل همك انجلى
ويا قادر أهلك عدوي بكيده ... ومقتدر رد الكذوب المقولا
ولا زال ذكري يا مقدر في العلا ... وذكر عدوي يا مؤخر أسفلا
إلى السبق قل يا أول أنت أول ... ويا آخر اختم لي أموت مهللا
وأظهر إلهي الحق إنك ظاهر ... ويا باطن نكل لمن كان مبطلا
ويا ولي أصلح ولاة الأنام إذ ... يصيرون يا متعال بالعدل في العلا
ويا بر اغمرني ببرك واكفني ... زوالاً ويا تواب تب وتقبلا
ومنتقم ربي انتقم لي من العدا ... وجد واعف عني يا عفو تفضلا
وكن لي رؤوفاً يا رؤوف ومشفعاً ... ولا زلت لي يا مالك الملك معقلا
وأفرغ علي ذا الجلال جلالة ... فجودك بالإكرام مازال مهطلا
ويا مقسط ثبت على القسط نيتي ... ويا جامع اجمع لي رضى سائر الملا
غني فواري الفقر عني بالغنى ... ومغني فأعذب لي القناعة منهلا
ويا مانع امنعني عن السوء واحمني ... ويا ضار كن للحاسدين منكلا
ويا نافع انفعني بعلمك وأهدني ... ويا نور كن للنور في القلب مشعلا
إلى الحق يا هادي اهدني ببدائع ... من العلم يدنيني يا بديع التوصلا
وأبق الهدى في القلب يا باقياً وكن ... لعلم النبي يا وراث لي موصلا
على الرشد ثبت يا رشيد عزائمي ... على الصبر هب لي يا صبور التجملا
التجملا
بأسمائك الحسنى دعوتك سيدي ... وجئت بها يا خالقي متوسلا (2/314)
صفحة 744
ومبتهلاً ربي إليك بفضلها ... وأرجو بها كل المراد مؤملا
فقابل إلهي بالرضى منك واكفني ... صروف زماني مكثراً ومقللا
وجد وارحم واكف وانصر على ... وتب واهد واصلح كل شيء تخللا
العدا
وبعد فأسماء الإله كثيرة ... وأعظمها الحسنى لمن قد تأملا
لها قائل يا هذا وكرر تلاوة ... ترى كل شيء صار سهلاً مسهلا
وكن يا إلهي مستجيباً دعائيا ... وأجزل لنا النعماء منك تفضلا
وصل إلهي بكرة وعشية ... على المصطفى ما جن رعد وجلجلا
وبار وسلم إلهي بكرة وعشية ... على المجتبى خير الأنام مفضلا
وأعطه يا رب الوسيلة وأجزه ... بأفضل ما تجزي نبياً ومرسلا
كذا الأنبيا والآل والصحب كلهم ... وبعد فحمد الله ختماً وأولا
وأسأل ربي أن يثبت ديننا ... علينا ويعفو منة وتفضلا
... قال ذو الغبراء: عتب على صاحبي لما رأى هذا الكتاب لا فيه نحواً للإعراب . وقال : ألم تسمع إلى قول الخليل بن أحمد النحوي:
فإذا نطقت فلا تكن لحانة فيظل يسخر من كلامك معرب
وقال غيره محمد بن صالح بن محمد:
إن الذي ماله في النحو معرفة ... لسانه إن تلا القرآن يضطرب
لو كنت تعلم ما في النحو من شرف ... لكان دمعك شوقاً فيه ينسكب
قم فاطلب النحو يا مغرور مجتهداً ... فالفخر بالنحو مقروناً كذا الأدب
من علمه كل علم يستفاد به ... فلا يشابهه در ولا ذهب
قلت له : أخبرني به حتى أستدل به . قال اطلب القصيدة المؤخرة التي ألفها شيخك وإمامك لمذهبك العالم الفقيه ناصر بن أبي نبهان الخروصي، وهذه القصيدة كما ترى:
الحمد لله وصلى ربي ... على النبي وآله والصحب
يا سائلي أرجوزة في النحو ... مختصر الجرجاني فيها أحوي
إن الكلام ما يفيد والكلم ... اسم وفعل ثم حرف ينقسم
بأل وتنوين ومن وبالنداء ... تبين الأسماء منها كالهدى
والفعل في اشتقاقه يبين ... بالأمر قد...........
وكل ما ليست له علامة ... كهل وبل حرف هي العلامة
واجرر بكسر انصب بفتح وارفع ... بضمة وجزم بتسكين وع
والفعل ماض وأمر والمضارع ... كجاء زيد قم أخي نبايع
وافتح وحيد الماض منه آخرا ... تقول زيد جاء سارٍ شاكرا (2/315)
صفحة 745
والقوم ساروا كلهم وراغوا ... عن رشدهم بغيهم فراغوا
أيضاً وراع القوم وأراغا ... اثنان عبداً منهما فراغا
وقالت النسا لنا قد سرن ... فقلت ما يضركم دعهن
وأي حروف الاعتلال تحذف ... في الأمر للفريد قوم فاعرفوا
كقل بتسكين وناد قولوا ... لي ليسع ما يرضى به الرسول
وهاك للأسماء والمضارع ... عواملاً أتت على تنازع
نسخة للجرجاني قد نظمت ... مائة عامل وفيه زدت
فالمعنوي ياء واللفظي قسم ... سلا سما عي أو قياس قد رسم
مضارع أوله ونون ألف ... وياء وتاء تأنيث ليس يختلف
وافتح مضارعاً تسمي فاعله ... غير الرباعي ماضياً أوائله
وقوعه بموقع الاسم وع ... عامل معنوي يا مستمعي
من ناصب وجازم إذا خلا ... آخره ارفعه قولاً مجملا
وتلو ذي ولا وما و ... وألفاً جواب موجب كذا رووا
وإنه جاء فيه مبتدا فيرفع ... وفي جواب الشرط أيضاً فاسمعوا
وانصب بلام معنى كذا بأن ... حتى وكي كيلا وأو وإذا ولن
وانصب بفاء في جواب النفي ... والعرض والأمر معاً والنهي
وهل متى أنى وكيف أولا ... بسبب وإن على استئناف لا
تقول لا تبغي البذي فشد ما ... ليتك ذا تعصي الهوى فتغنما
والواو كالفاء إن تكن بمعنى مع ... لا تكرم الخل وتظهر الطمع
لا تعص مولاك تفز مستمعي ... لا تعص مولاك تعذب اسمع
ويفعلان تفعلين فافهموا ... يحذف نون نصبها كي تعلموا
واجزم بلا إن قلت فعلاً ناهيا ... ولام أمرٍ لم أصاحب لاهيا
واجزم بأن إنما بلا مراء ... كذا بمن في الشرط والجزاء
وما وأنى أيهم وأين ما ... ومثلها أمثالها كحيث ما
إذا ومهما وإذا لم ومتى ... متى تقم يوماً يقم هذا الفتى
إن بعد تسكين وجزم أل أتى ... فاكسره يا أخي فقل من الفتى
وتفعلان تفعلين كافعلوا ... بحذف نون جزمها لم تجهلوا
والابتداء عامل في المبتدأ ... ومعنوي حكمه ذا لاهتدى
أعلام أو إشارة أو نكرة ... معرفة أو صفة ومضمرة
وكل إسم إن عراه ناصب ... وخافض فالرفع فيه واجب
فارفع بني المبتدا والخبرا ... تقول زيد قائم أو آخرا
أيكما وأين كيف أما ... بعد ولا تكسرها كسر اما
أين زيد جالس يعلم ... بالرفع والنصب تصح فافهموا (2/316)
صفحة 746
عسى ولولا كاد وما ولا ... كرب أو أوشك خذه مجملا
والاسم مع هيهات صاح يرفع ... سرعان أو شتان أيها اسمعوا
نعم الصبور خالد في الوجل ... ومثلها أنواعها في العمل
أنواع نعم بئس ساء حبذا ... بئس الغلام عبد عمر ذا الأذى
أخبار إن أسماء كان يرفع ... والأخوات مثلها تتبع
ويخفض الاسم الصحيح اسم كم ... أو حرف جر والإضافة القسم
حروف واو وباء بالله ... والله أي والتاء في تالله
والكاف ثم اللام ثم الياء ... بها بني تخفض الأسماء
ومن ومذ ومنذ في حتى إلى ... وعن على حاشا عدا رب خلا
من بعد هذا جر بعد واضمم ... في عليه كذاك قيل فافهم
وبالإضافة غير أي ثم مع ... وعند مثل دار زيد المتبع
وانصب بما خلا وليس ذا الهدى ... مستثنياً بها كذاك ما عدا
وانصب بإلا إن تكن من موجب ... مستثنياً بها كذا ذا الأدب
ناد بأ وأي وياء وثم أيا ... هيا غلام زيد كن مهتديا
انصب بها منكراً منادى ... وفي المضاف مثله قد جادا
وانصب بواو إن تكن بمعنى مع ... نحو سرت ويريد المتبع
وانصب بلا اسماً أتى منكرا ... وارفع بلا وانصب إذا تكررا
وما ظننت خالداً لئيما ... حسبته علمته حليما
كذا جعلت ورأيت خلت ... زعمت أيضاً مثلها وجدت
والاغرا ها زيداً كذا إليكا ... ودونك الزيدين أو عليكا
رويداً زيداً ثم بله حيهل ... فحيها زيداً كذاك في العمل
بالعشرات إن تميز تنصب ... وفي الآحاد ها تزاد يوجب
ذا المذكر وقيل تزاد ها ... في العشر للمؤنث يا ذا النهى
أيضاً وعندي منوان رطبا ... مائة من عنده أيضاً عنبا
وانصب بكم مستفهماً وإن أتى ... تعجب فمثله يا ذا الفتى
تقول كم عبداً هنا أخا الهدى ... وما أحق الكافرين بالردى
ككم كائن إن تكن مستفهما ... بها ومثلها كذا قد رسما
وتنصب الاسماء بأن ولعل ... كأن ليت إن لكن وعل
إن الإله ربنا عظيم ... إن العلي واحد كريم
وإنما إلهكم عز وجل ... وإن للإله منة وفضل
وتنصب الأخبار يوماً إن أتت ... جواب فعل مخبر فماافتأت
أخبار كان بات أمسى أصبحا ... أضحى وليس ظل ذا مابرحا
ما انفك ما دام كذاك لم يزل ... كصار زيد عالماً بلا جدل (2/317)
صفحة 747
ما فتئ افهم وكليس لا وما ... تقول ما محمد مجترما
ما بال زيد قائماً ومالكا ... وما شان مثلها وبالكا
وأخبار نعم بئس ساء حبذا ... نعم علي طاهر من القذى
والحال والأخبار صاح تنصب ... والنصب أيضاً في الظروف يوجب
أسماء أجزاء الزمان حوسب ... واسما الأماكن الظروف تنصب
فالحال جاء خالد عبوسا ... والظرف يوم السبت خلف موسى
اسما الجهات الست صاح تنصب ... بفي كزيد فوق سطح يكتب
قسم السماعي والإضافة انقضى ... والحال دونك القياسي ذا الرضى
فالفعل والمفعول عي والفاعلا ... ونحو مقتول رأيت القاتلا
فاعله إن لم يسم يرفع ... مثاله أنفاس عمر تنزع
مفعول فيه انصبه وارفع فاعلا ... فيه كموسى أكرم على الفاضلا
وينصب التحذير إن تكررا ... الله الله أخي كن حذرا
وانصب بني المصدرا ملتزما ... كاضرب يزيد صاح ضرباً مؤلما
نصبت ضرباً وهو صاح المصدرا ... ولك طوعاً فيه فعل مضمرا
سحقاً وتباً لهم أهل الردى ... وانصب كزيد جئته روم الندا
وقل علي اضرب أشد الضرب ... اشد مصدر وهو بالنصب
والصفة المشبهة الأفعال ... مثنى وجمعاً بكل حال
فحسن وجهاً وحسنونا ... وحسنات مثل يحسنونا
وكل اسم صاح هو منون ... إذا اندرجت قائلاً ينون
فهذه مع الاصناف سبعة ... من نسخة الشيخ وقد وتسعة
وذو أو فوه أو فن حم أب ... فذا أخوه عن أبيه يكتب
وذا أخوك من أبيك ذو عطا ... وفاك صنه صامتاً عن الخطا
كذا حموك وهنوك بالألف ... اصبهما واخفض بياء لا يختلف
وافتح خطاب الكاف للمذكر ... واكسر مع المؤنث المشتهر
وقل رأينا علمه من فهمه ... ونفسه ذا زهدها عن حلمه
ونحو قالت لك مسلمات ... إن السموات العلى آيات
فتاء جمع سالم مؤنث ... تكسر بما ينصب ولا تكترث
زيدان ذا رفع من الزيدين ... خفض فعيه وانصب اليدين
بالمهتدين فاز مقتدونا ... أضحى وأمسى الكل متقينا
ونون ما ثنيته مكسور ... ونون جمع فتحه مشهور
وتحذف النونان في الإضافة ... نحو نظرت حاضري الضيافة
وحيث نحن مسن عن وموسى ... يفعلن يا قاصي عيسى
والعطف والبيان أعرب والبدل ... والوصف والتأكيد أعرب الأول
أبو علي خالد بن عمرو ... مهذب مهيب في الأمر (2/318)
صفحة 748
وخالد أو زيد ثم غانم ... أصحابنا بل عامر وسالم
للعطف لكن لا واو وأم وبل ... والواو أيضاً بعدها إما وهل
رتب بثم إن يكن منفصلا ... والفاء لمعطوف وأن متصلا
وإن ضمير في كلام دخلا ... إعرابه على الضمير قد حلا
كالحمد لله العلي انصب وارفع ... مقدراً أعني أو الضمير عِ
وتفتح الأسماء التي لا تنصرف ... بما يجر الاسم وهي تختلف
من جمع أو مؤنث ومن صفة ... معدول أو فعلان ثم المعرفة
وعجمة تركيب أو كالفعل ... أماكن واصرف مضافاً خل
نحو دنانير على قياس ... دراهم الخماسي والسداسي
عصى وسحراء ترى حسناء ... وشهداء ثم أنبياء
أجل أو أبيض أو أحيمرا ... ثلاث أو رباع أو أخضير
سكران أو زهرة مصراً ورجل ... أو سحرا صرفها بأل إذا دخل
عثمان إسماعيل معديكربا ... أحمد أو يزيد ثم تغلبا
ونسب والجمع والتصغير ... على الصبي ضبطه عسير
والجمع والتصغير صاح والنسب ... يعربها مثل الفريد من عرب
وصغر الاسماء كالذيّا ... كذا أنيسيان واللتيّا
أيضاً بويب جمعه أبواب ... وقي نييب جمعه أنياب
فعيل أو فعيل فعويل ... ثم فعيعيل كذا فعيعل
أوله يضم حكماً وجبا ... عن الثلاث الاسم قل أو ربا
فتيّ أو فليس أو نويرة ... شويهة يدية جويرة
غزيل سعيد شويكر ... جويهر أسيود جعيفر
مصيبيح مفيتيح خماسي ... وقل زعيفران في سداسي
خماسي منه رابع قد مدا ... نحو دنينيراً فتى قد كدا
وقل سريحين كذا مصباح ... فقل مصيبيح كذا مفتاح
وصغر الأصل من المزيد ... نحو سكيران بلا تجريد
ثم الثقيل والمزيد فاعرفوا ... سألتمونيها الثقيل يحذف
تقول في سفرجل سفيرج ... وقل سفيريج كذا نويرج
منطلق مطيليق مجترح ... مستخرج مدحرج دحيرج
تغير بعض الحركات الجمع ... وبالربا والوكس فيه وضع
لقلة أو كثرة قد ذكروا ... أوزانها ما بعدها لا تحصروا
أبوابنا أو سقف أو جدر ... أسيافنا عشر سيوف أكثر
فعلة لقلة وأفعل ... أفعلة أفعال خيل أخيل
فيلة أو صبية أو أكلب ... أسخلة أثواب ثم أثوب
بكثرة عن بعض ذي جمعاً يفي ... كأرجل وعكسه نحو الصفي
وع الثلاثي إذا لم يطرد ... أفعل فيه قل بأفعال يرد
لكثرة فعول ثم فعلة ... فعلان أفعل معاً وأفعلة (2/319)
صفحة 749
فلوس أو ضروس أو جنود ... كعوب أو كبود أوأسود
فعل صحيح لامه ظهران ... ذكران أو صردان أو قيعان
فعل صحيح لامه قل قردة ... أو قرطة أو ردحة أو عردة
حيتان أو أعمدة أو رغفان ... قليل جاء غزلان أو إخوان
وفعل كلب صح عيناً أذرع ... ذراع في وزن وتأنيث فعوا
قل أرغفة أو أعمدة أو أقدلة ... ابنة أرمة كأفعلة
وفعل فسادس وفعل ... فسابع أو فعل أو فعل
قل قضب أو عمد أو حمر ... مضاعف قل ذلل أو سرر
ر
أو غرف أو كبر أو صغر ... أو كسرا أو حجج أو شرر
ثم فعالي عاشرفعائل ... ثم فعاليل كذا فعالل
كراسي قل برادي أو شمائل ... ضمائر صحائف رسائل
دينار أو دهليز أو عصفور ... فقل عصافير لنا طيور
براثن زناج جعافر ... قنابر مساجد عساكر
وقل مفاتيح وقل مفاتح ... كذا مصابيح وقل مصابح
وبعدها فعال أو فواعل ... ثم فعالي قد وعاها الفاضل
فعل صحيح لام قل جبال ... غير مضاعف كذا جمال
ثم رأو رقاب أو كلاب ... قصاع أو ضياف أو ذئاب
رياح أو أمراض أو كرام ... عطاش أو طوال أو ندام
طوابع جواهر قواصع ... فواطم جوائص صوامع
صواهل وشذ صاح فارس ... وسابق سوابق فوارس
صحراء اسم جمعها صحارى ... عذراء وصف جمعها عذارى
وفعلا وأفعل وفعل ... فعال أو فعلاً لمنه يعقل
صحيح لام من فعيل بخلا ... غير مضاعف كذاك عقلا
وأنبياء أو أشداء قُوّمُ ... صحيح لام وبتاء صُوَم
قوام أو مرضى وجرحى قتلى ... هلكى وزمنى الجمع فيها فعلى
قل فعلة أو فعلة أفاعل ... وفعل بيات أو رسائل
وفاعل صحيح لام فعلة ... غير مضاعف تقول كملة
فعلة قضاة قل أفاضل ... حمر وخضر ويعيها العاقل
ما بعدها الثقيل منه فاعرفوا ... سألتمونيها المزيد يحذف
تقول في سفرجل سفارج ... وقل سفيريج كذا نوارج
مداع في مستدع قل الأدد ... الندد يلندد يلادد
يبقى الذي عليه دل فاعرفوا ... وحيزبون الياء منه تحذف
سردد علادد سرتدا ... سراند علاند علندا
فهذه أوزانها جمعتها ... وبالمفاعيل لها أتينها
وقس ببعض بعضها غلمان ... غلام في جدار قل جدران
وبعضها ليس لها قياس ... هي السماعي قد وعاها ناس
قل غرفات يا فتى في غرف ... بالتاء كالخيرات صاح فاعرف (2/320)
صفحة 750
طلح وسدر أسد ثم رطب ... لوز وأمبا ثم تين وعنب
في الاسم ياء زد بني في النسب ... وكسر ما قبلها حتماً وجب
من غير تخصيص لوزن فعل ... في كسر قبل الياء يا ذا الفضل
لاءي لاوي أيضاً لوي ... كمي كمي فعي وجوي
وحيوي طووي طاءي ... شذ وقل طيبي ثم راءي
وأخوي ويدي يدوي ... يدان أيضاً أبوان أبوي
أختي ابنتي صاح بنت ... وأخوي بنوي أخت
وشوي لشية صفي ... في صفة أو عدة عدي
والأصل وصف ثم أبلي ... وتمري كرسي علي
مكي وتاء وقل حمراوي ... ألف تأنيث كذا صفراوي
ونحو عليا وكساء خيروا ... قرأ أبي أيضاً حمزي أشهر
وجهني حنفي فاعرفوا ... وعدوي الياء منها حذفوا
عقيل أو طيور أو قليلة ... فقل طويل وكذا جليلة
مركب باخٍر قد نسبوا ... ويعضها بأول قد أوجبوا
زيدان أو زيدون قل زيدي ... فرضي أو أنصار أنصاري
وفعل فعال عن يا فاسمع ... أعني كذا مع فاعل بناء ع
كطعم بقال أوه يامر ... ظلاّم للمرء لديه تاجر
وشرحه يطول نظمي مختصر ... فاطلبه من شرحي المفيد قد حصر
وغير ما ذكرته محررا ... هو شذوذ بنقل قررا
والنحو بحر واسع الأكناف ... نعم بعيد القعر والأطراف
جوابكم هذا أهيل المكتب ... عما سألتم عنه للتهذب
ومن يرى عيباً به يسده ... جل الذي لا عيب فيه وحده
أحمد ربي يا إلهي صل ... سلم على النبي والصحب أهل الفضل
... تمت وقد عرضت على كثير من فحول الشعراء العلماء بالوزن فلم ينكروا على وزن بيت منها لمن عرف قراءتها بترك تنوين منون وتسكين محرك وتحريك ساكن وإسقاط قراءة ألف وإشباع فتحة وضمة وكسرة؛ حيث يحتاج الوزن إلى ذلك كما هو كذلك موجود في ألفية ابن مالك ولها شرح مختصر وفي الشرح نسخة الجرجاني نصاً حرفاً حرفا من غير تغيير له إلا الترتيب فاعرف ذلك وبالله التوفيق.
... بيان: وقال في شرح آخر هذه الأرجوزة نصه كما ترى في فصل آخر في ميزان الأراجيز: اعلم أني وجدت كثيراً يقرأ أرجوزة ابن مالك ويحرفها عن ميزانها وربما كذلك من يقرأ هذه الأرجوزة مثل منظومة ابن مالك في الصرف فكل ذلك من قلة معرفتهم بميزان الشعر. (2/321)
صفحة 751
بيان: أما المستعمل من المفاعيل لهذه الأراجيز التي هي ألفية ابن مالك وملحة الإعراب والعمريطية وهذه الأرجوزة تارة على وزن مفاعلن بتسكين ثالثه وخامسه ، وتارة على وزن فاعلتن بتسكين ثانيه وسادسه وتارة على وزن مستفعلن بتسكين ثانيه وهو السين ورابعه وهو الفاء وسابعه وهو النون، وتارة على وزن فعلتن بتسكين خامسه لا غير وهو آخره ولكن فعلتن لا يأتي إلا في أول المصراع أو آخره وإن جاء في الوسط فلا بد من مد حركة أوله حتى يصير فاعلتن أو مد ثالثه حتى يصير مفاعلن.
بيان: وأما آخر كل مصراع فاعلتن أو مد فقد يكون بجزء من هذه الأربعة وقد تكون على وزن فعولن بتسكين ثالثه وخامسه وقد يكون على وزن مفعول بتسكين ثانيه وثالثه ولا يكون فعولن ولا مفعول إلا في آخر المصراع ولا يعدو هذه الأجزاء الرجز المستعمل فاعرف ذلك.
بيان : ويجوز أن يكون أحد المصراعين أطول من الآخر نحو قول الحريري:
ونوعه الذي عليه يبنى ... اسم وفعل ثم حرف معنى
فوزن الأول مفاعلن مفاعلن فعولن سبعة عشر حرفا ووزن الآخر مستفعل مستفعلن فعولن ثمانية عشر حرفا.
بيان: ومعرفة الوزن لا يعتبر إلا المحرك والساكن والمحرك هو المضموم والمفتوح والمكسور والساكن معروف مثاله ون وع ه ل مفاعلن مفاعلن ل ذ ي ع ل ي مفاعلن ه ي ب ن ا فعولن فانظر حيث تجد محرك الميزان يحاذيه حرف محرك من النظم وحيث ساكن من الميزان تراه من حروف البيت ساكناً ولا يعتد إلا بما تنطق به اللسان مثل الألف من آلة التعريف لا يعتد به والحرف المشدد من بعد حرفين الأول ساكن والثاني محرك كما رسمناه في كلمة الذي فاعرف ذلك، وكلما تجده في قراءتك لهذه الأرجوزة على خلاف ما ذكرناه فهو من تغيرها فارددها إلى ما ذكرناه وبالله التوفيق.
وهذا ما وجدناه مكتوباً وكتبه الفقير إلى الله عبده راشد بن سالم الخصيبي النزوي بيده. (2/322)
صفحة 752
بسم الله الرحمن الرحيم إلى حضرة الشيخ الثقة العالم الفقيه الرضي النزيه رباني الأمة وكاشف الغمة ضياء الزمان ومصباح أهل عمان ناصر بن السيد أبي نبهان جاعد بن خميس الخروصي سلمه الله إن شاء الله من كل مكروه وبعد: ما تقول شيخنا فيمن أراد أن يشتري عند الذين يتعلمون العلم في شيء من المساجد في النهار ولم يكن وقت صلاة وهم تارة يقرأون وتارة يتحدثون بأمور الدنيا أيجوز لمن أراد أن يشتري ويعمل السفة وهو رجل فقير أم لا يجوز له ذلك ومحجور عليه العمل في المسجد عرفني وجه الجائز في هذا المعنى مأجوراً إن شاء الله تعالى ، وأنا قد أرسلت سؤالاً غير هذا سابقاً ولم يصلني جواباً عساه لا وصل من عدم المحافظة وذلك من الفقير إلى الله تعالى خلفان بن محمد بن سالم بن نعمان ، سلم لنا على كافة من شئت بلا إلزام ومن لدنا الأخ علي بن سليمان وكافة الجماعة. (2/323)
صفحة 753
الجواب : إن الجلوس في المساجد لأجل التهيء لصلاة الجماعة فيها واستماع قراءة الكتب الجائز قراءتها أو لذكر الله تعالى وما أشبه ذلك مع ملازمة صلاة الجماعة في ذلك من الفضائل إن اعتقد به ذلك لله تعالى وجائز له أن يعمل في قعوده فيها الأعمال الخفيفة مثل السفة لسعف النخيل وخياطة ما سفه وفتل الحبال لذلك ومثل خياطة الثياب وفتل الخيوط وعمل شباك الطيور بالخيوط وشباك السمك وما أشبه هذه الأشياء الخفيفة، والكلام الحلال المباح في المساجد يجوز باللطف وإن كان في أمور الدنيا مما لم يأت فيه نهي، والنهي نهي كراهة لا تحريم مثل ما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: (جنبوا مساجدكم صبيانكم ومجانينكم ونشد ضالتكم وبيعكم وشراءكم وسل سيوفكم)، فمثل هذا على الجهل لو فعله جاهل وفي نفسه أن كلما علم به أنه نهي عنه - صلى الله عليه وسلم - لانتهى عنه ولكنه لم يبلغ فلا يبلغ به إلى هلاك ولو علم ولكنه احتاج إلى ذلك وفعل ولم يكن على استهزاء بنهي النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يهلك وإن كان البيع لا يثبت فلا يبلغ إلى ما ذكرناه مع صلاح النية في ذلك إن كانت على الحق والصدق ظاهراً وباطناً وأما الكلام بمقدار مالا يشين بالمسجد فما لم يأت فيه نهي مخصوص ولو كان في أمور الدنيا مما هو جائز بلا اختلاف أن لو كان في غير المساجد فلا بأس وكان أكثر كلام والدي في المسجد في أمور الدنيا من أخبار الناس وأما الإكثار المكروه إن يكن كلام من فيه حتى يصير لكثرتهم في ذلك مثل بقية مقامات العوام ولكلامهم فيها وكذلك رفع الأصوات إلى حد لا يليق بالمسجد أو على سبيل المراء وكثرة ترادف أصواتهم وكلما صار إلى ما لا يليق به فهز المكروه الذي تركه لا شك أولى لأنه مما ينزل بدجات فضلهم إلى حطيط الدرجات وما دام ذلك بمقدار ما هو لا يشين بالمسجد فلا بأس هو ، وكان والدي يرفع صوته ينادي من أراد من أولاده في أمر بعينه إذا اضطر إلى ذلك وهو عالم وعليه (2/324)
صفحة 754
السكينة والوقار وله هيبة شديدة ورزانة بالغة جداً وتباعة شديدة فلله دره ، فافهم وقس كما ذكرناه جميع ما لم نذكره وذكرت أنك أرسلت إلي قبل هذه مسألة ولعلها لم تصلني فالله أعلم وعليك السلام وسلم لنا على الشيخ العالم الولي الثقة العدل علي بن سليمان العزري وعلى العمومة ناصر وعبدالله وولده محمد بن خلفان الكندي والنجار وغيرهم من الأصحاب من المحب لكم تاصر بن جاعد بن خميس الخروصي ونقلته من خط يده.
الذكر الحادي والخمسون
في صفة علائم للمريض فعلامات البثور لظهورها في بدن الإنسان، وآخره في الفلك في معرفة الغائب أنه ميت أم لا وكيف وما السبب لموته. (2/325)
صفحة 755
... قال ذو الغبراء: رأيت الناس في أمراضهم مختلفة وطالعت في الكتب ووجدت في الأحوال المنذرة بالأمراض فإذا تغير حال من أحوال البدن الصحيح عن طبعه أنذرت بمرض مثل شهوة الطعام إن زادت أو نقصت أو تحركت قبل وقت العادة أو بعده أو مال إلى الأطعمة لم تجربها عادته أو استلذ ما كان لا يستلذه أو تغير ما كان يبرز من البدن وكذلك الأحلام إذا قلت أو كثرت وإذا حدث بالإنسان خفقان دائم شديد أنذر بالموت فجأة فليبادر بالفصد والإسهال، وإذا حدثت بحوحة في الحلق أو حمرة في الوجه كمدة أنذرت بالجذام فينبغي أن يفصد ويستفرغ بالأفثيمون والغاريقون ويمتنع مما يولد المرة السوداء كالعدس ، وإذا كثر البهق الأبيض في البدن دل وعسر علاجه أنذر بمرض ، وإذا كثرت الدماميل أنذر ذلك بخراج سيحدث فافصده واسقه الهليلج وامنعه اللحم والأغذية الحارة، وإذا دام الصداع بالكهول دل على نزول الماء في العين ، وإذا رأى الإنسان كأن بقاً أو ذباباً أمام عينه فقد حدث الماء في العين فلينق دماغه ومعدته بحب الأيارج ويمتنع مما يولد السوداء، وإذا عرض الاختلاج في الوجه كثيراً دل على حدوث اللّقوة لأن الاختلاج يكون من فضل بلغمي وريح محتقنة في عضل الوجه فإذا انصب هذا الفضل إلى عضل الكفين أحدث اللقوة فلينق لما يخرج البلغم ويدهن الوجه بدهن المصطكي، وإذا عرض الاختلاج في جميع البدن أنذر بتشنج لأنه يكون عن امتلاء في العصب، وإذا عرض الخدر للإنسان كثير أنذر بالفالج، وإذا عرض الكابوس للإنسان أو كثر به الدوار فإنه ينذر بالصرع لأنه إنما يكون من خلط غليظ بلغمي يغلب على البدن فلينق بما يخرج البلغم، وإذا عرض امتلاء مفرط وثقل في الرأس وكدر الحواس أنذر بسكتة لأنها إنما تكون عن امتلاء الدماغ فضولاً غليظة فإذا كثر انصب إلى الرطوبة فسدتها فكانت السكتة. وإذا تزعزع دماغه عن ضربة أو سقطة أصابه على المكان سكتة. (2/326)
صفحة 756
وإذا بدأ به أول مرضه صداع أو وجع في الفؤاد ثم امتد عليه المرض ذهب عقله. وإذا احمرت عروق العين وغلظت وانتفخ الوجه ثم عرض صداع من ذلك أنذر بالبرسام فليتدارك بالفصد والإسهال. وإذا رأيت الوجه مبتهجاً والجفن الأسفل منتفخاً أنذر بالاستسقاء فقلل الغذاء أو لطفه وامنعه من الحلاوة ولاسيما ما عمل بالدقيق والنشا. وإذا عرض بالإنسان هم وخبث نفس من غير سبب أنذر بالوسواس السوداوي لأن الفم وخبث النفس يحدثان عن المرة السوداء فلينق بالفاريقون والأفثيمون. وإذا كان الإنسان تعرض له النزلة كثيراً أنذرت بربو وذات الرئة أو قروح تحدث فيها وفي القصب، ولا سيما إن كان صاحب ذلك نحيفا وصدره ضيقاً فلينق بحب الصبر والأيارج. وإذا نفث صاحب الجنب المدة ولم ينق في أربعين يوما فإن أمره يؤول إلى السل. وإذا كان البراز إلى البياض أنذر بيرقان. وإذا دامت بالإنسان حرقة البول أنذرت بقروح في المثانة والقضيب فليستعمل الأغذية المبردة المرطبة كماء الشعير يدهن باللوز وبزر البقلة وينقع فيه طبيخ القرع بالسكر ويشرب ماءه. وإذا رسب بالبول رمل أنذر بحصى يتولد في الكلى وينبغي لأن يستعمل الرياضة المعتدلة قبل الغذاء ويمتنع من إكثار الغذاء لاسيما الأغذية الغليظة. وإذا رسب في البول ما يشبه المرداسنج أنذر بحصى يحدث في المثانة فيمنع من الهرايس والحررايات ويستفرغ بما يسهل البلغم ويدر البول. وإذا حدث بالحامل استطلاق البطن عليها دل على أنها تسقط لأن قوى الجنين تنقص عند الاستطلاق فإذا ضمر الثدي أسقطت، وإذا عرض للصبيان حمى حادة وكانت طبيعتهم مختفلة وعرض لهم سهر وبكاء كانت ألوانهم سائلة إلى الحمرة والكمودة والخضرة فإن ذلك يدل على تشنج يعرض لهم والله سبحانه وتعالى أعلم بغيبه. وعددها أربع وعشرون صفة. (2/327)
صفحة 757
البثور ومن علامات البادية على العليل الدالة على موته بعد مدة معينة وهي من أقسام الفراسة إذا يستدل المتوسم برؤيتها على ما دلت عليه بقول بقراط في كتابه المنسوب إليه. قال: إذا كان المريض في وجهه ورم لا يوجد له مس وكانت يده اليسرى على صدره غالباً فاعلم أنه يموت بعد ثلاث وعشرين ليلة من ظهور تلك العلامة وسيما إذا كان في أول مرضه يعبث بمنخريه كالحاك لهما والمدخل أصبعه في أحداهما. وقال: إذا كان في ركبتي المريض أمراض شديدة والعرق نزحه ببدنه كثيراً مع ذلك فإنه يموت بعد ثمانية أيام من بدو ذلك به. وقال: إذا كان العرق الذي في الرقبة الذي يولد النوم غير اللون فإن المريض الظاهر عليه يموت بعد اثنين وخمسين يوماً من ظهورها أو قال من يوم مرض وعلامة ذلك أيضاً أن يعطس عطساً شديداً. وقال: إذا كان على اللسان بثرة مثل الذباب الذي على بدن الكلب أو كحبة الخروع فإنه يموت من يومه ويكون هذا المريض في مرضه يشتهي الأشياء الحارة يعطيها. وقال: إذا كان على الأصابع بثرة صغيرة سوداء شبيهة بحبة الكشي أو حضر كذلك فإنه يموت بعد يومين من ظهورها وسيما إذا كان في مدة مرضه ثقيل اليدين قليل الحس بهما. وقال: إذا كان على إبهام اليد اليسرى بثرة قد ظهرت صغيرة حاشية بقدر حبة الباقلة كمدة اللون لا توجعه فإنه يموت بعد ستة أيام من ظهورها، وآية ذلك أن يكون في أول مرضه يختلف اختلافاً كثيراً بإفراط. وقال: إذا ظهر في الأصبع الوسطى من الرجل اليمنى بثرة صغيرة لونها كلون حلا الصاغة وهو الطرطير فإن صاحبها يموت بعد اثنين وعشرين يوماً من ظهورها وآية ذلك أن يكون شديد الشهوة للأشياء الحريفة من أصل مرضه إلى آخره. وقال: إذا كان أظفار الأصابع كمدة اللون إلى الزرقة وظهر في الجبهة بثرة رمبة فإن صاحبها يموت بعد أربعة أيام وآية ذلك أن يكون شديد العطش ليلاً ونهارا. (2/328)
صفحة 758
وقال: إذا كان في إبهام الرجل حكة شديدة وكان الوجه كمداً فإنه يموت في اليوم الخامس بعد مغيب الشمس لا سيما إذا كان في بدو مرضه يبول بولاً مدرارا. وقال: إذا ظهر على جفون المريض ثلاث بثرات إحداهن سوداء والأخرى كمدة والثانية شقراء فإنه يموت بعد سبعة عشر يوماً من ظهور البثرات، أو قال: من بدأه مرضه وآية ذلك أن يكون كثير البصاق من بدو مرضه. وقال: إذا كان على إحدى جفون العينين من المريض بثرة كالحلزونة النية المجسة كمدة اللون فإن صاحبها يموت مبدأ ظهورها إلى يومين وآية ذلك أن يكون كثير النوم من مبدأ مرضه يستغرق استغراقا. وقال: إذا سال من منخري المريض ماء يضرب لونه إلى الشقرة ونظر في يده اليمنى بثرة لا تؤلمه فإنه يموت بعد ثلاثة أيام من ظهورها سيما إذا كان في بدو مرضه لا يشتهي الطعام ولا يلتذه. وقال: إذا ظهر في فخذ العليل الأيسر حمرة شديدة طولها ثلاث أصابع فإن المريض يموت ذلك بعد خمسة وعشرين من أول ظهورها أو قال من مبدأ مرضه وآية ذلك أن يشتهي البقول والخضروات بقوة ويكون في بدو مرضه كثير حكة الجسد. وقال: إذا كان خلف الأذن اليسرى من العليل بثرة سوداء ظهرت بغتة فإن صاحبها يموت إلى أربعة وعشرين يوماً من ظهورها به أو قال من مبدأ مرضه ولا سيما إذا كان يشتهي الماء البارد شهوة عظيمة ولا يكاد يروى. وقال إذا كان خلف الأذن اليسرى بثرة حاشية مثل الحمصة فإن صاحبها يموت إلى عشرين يوماً من مرضه في مثل تلك الساعة التي ظهرت فيها عليه، وآية ذلك أن يكون كثير البول في أول مرضه مدراره. وقال: إذا كان خلف الأذن اليمنى من العليل بثرة حمراء حارة الملمس يجد منها كلذع النار وهي بقدر الباقلاء فإن صاحبها يموت بعد سبعة أيام من مرضه بها وعلامة ذلك وآيته أن يتقيأ في مبدأ مرضه قيئاً كثيرا . (2/329)
صفحة 759
وقال: إذا كات تحت اللحية بثرة حمراء في عظم الباقلة المصرية فإن صاحبها يموت في اليوم الثاني والخمسين من مرضه بها وآية ذلك أن ينفث بلغماً كثيرا في مرضه ذلك . وقال: وقد يعرض لبعض الناس وجع في الحشفة زائد على الحد ثم يظهر بها بثرة كمدة اللون أو يظهر في المرفق مثلها فإن صاحبها يموت في اليوم الخامس من ظهورها، وآية ذلك أن يشتهي شرب الخمر شهوة شديدة. وقال: إذا كان على الحاجب الأيمن بثرة كمدة اللون ولا توجع صاحبها فإنه يموت بسبعة أيام من مرض بها قبل طلوع الشمس، وآية ذلك أن يكون كثير التثاؤب في أول مرضه. وقال: إذا كان في الإبط الأيسر بثرة كمدة اللون وهي بقدر السفرجلة فإن صاحبها يموت لمضي خمسة عشر يوماً من مرضه، وآية ذلك أن يعرض له في بدو مرضه نوم كثير. وقال: إذا كان على الكف بثر كثير أسود مؤلم صاحبها فإنه يموت بعد مضي ثمانية وعشرين يوماً من مرضه ذلك، وآية ذلك شدة شهوته الأطعمة الباردة المزاج. وقال: إذا كان على الصدغ الأيسر بثرة شقراء تظهر بغتة ويجد في عينيه حكة شديدة مستمرة فإن صاحبها يموت إلى أربعة أيام من حدوث ذلك به. وقال: إذا كان في وسط الرأس مرض أسود شبيه بالجوزة قدر ذلك غير مؤلم فإن صاحبها يموت إلى أربعين يوماً من مبدأ حدوث ذلك به، وآيته أن يعرض له في مبدأ مرضه سبات . وقال : إذا كان في الصدر ورم أسود كالبيضة فإن صاحبه يموت بعد ثمانية أشهر من مبدأ ظهورها ، وآية ذلك أن يأخذه في مبدأ مرضه الحصر وعسر البول. وقال: إذا كان تحت الرقبة بثرة وفي الجفن الأسفل من العين اليسرى بثرة بيضاء فإنه يموت ذلك المريض بها لإحدى عشرة ليلة من ظهور ذلك، أو قال : شدة شهوة المريض إلى الحلو والله أعلم بالصواب. تمت وصايا أبقراط في البثور وهي خمسة وعشرون علامة. (2/330)
صفحة 760
... قال صاحب ذي الغبراء: كان لي أخاً في الله أشدد به أزري وأشركه في أمري فابتلاه الله بعلة الجذام وخرج عني وقطع البحر ثم وصلت مكاتيب منه أنه قائم بأرض السواحل، ثم بعد ذلك وصلت من عنده كتب وخطوط بجدة وهي بندر الحرمين فبعد ذلك وصلت أخبار من أعلام الناس أنه ميت وأن أهل العلم لم يقبلوا الأخبار إلا بالشهادة الصحيحة. فقلت لذي الغبراء: لعلك تخبرني بشيء من الفلك حتى أستدل به على صحة خبره أنه ميت أم لا. فأجابني أنه لا ينفعك علم الفلك بمعرفة موته حتى يحكم به في علم الشريعة، وأما إن أردت تغوص في شيء من أبواب الفلك إذا سألت عن إنسان حي هو أم ميت فانظر إلى صاحب الطالع والقمر فإن كان في الرابع من الطالع أو في بيت الموت فهو ميت أو محترقين في هبوطهما أو في موضع صاحب بيت الموت فإنه ميت، فإن وجدت أحدهما كذلك فاطلب الشهادة من السعود والنحوس وفي نظرهما إلى رب الطالع من المقابلة والتربيع. اعلم أن صاحب الطالع في الرابع راجعاً أو في هبوطه راجعاً أو منصرفاً أو يدخل في الاحتراق فهو ميت، وكذلك إن كان تحت الأرض أو يتصل بكوكب راجع تحت الأرض، وكذلك أيضاً إذا كان في القمر وصاحب الطالع منحوساً، وكذلك إن كان صاحب الطالع من النحوس أو كان مع نحس أو في تربيع الشمس ومقابلتها فإما إن كان على خلاف هذه الصورة وهو وصاحبه مسعوداً، وإن كان يرجع عن درجة بيت الموت فإنه لم يمت ، ثم انظر إلى الطالع والقمر أيهما اقوى واستدلت به على موته فإن كان تحت الشعاع الشمس فإنه مات من الحرارة ووجع خفي، وإن كان في آخر برجه فإنه مات موتة سوء لأنه عند ذلك في موضع محترق . (2/331)
صفحة 761
وهذا إذا كان إحدى هذه الكواكب الخمسة وإن لم يكن الدليل من الشمس بهاتين الحالتين وكان منحوساً وزحل في الحمل أو في مثلثته فإنه سقوط من مكان مرتفع، وإن كان في الثور أو في مثلثته من زحل وأما مثلثته فإنه مات من قبل سوء أصابه أو مرض سوداوي أو برسام أو برودة أو يبوسة ، فإن كان في الجوزاء أو مثلثتها وهو في وسط السماء فإنه وقع عليه جدار أو وقع هو من موضع مرتفع، وإن كان في وتد الأرض فإنه يقع من موضع علي مرتفع مثل بنيان أو نخلة أو شجرة، وإن كان في السرطان أو مثلثته فإنه مات من غرق أو مبطوناً إلا أن يكون زحل صاعداً فإنه إن كان زحل صاعداً دل على أنه مات بالقولنج. وإن كان نحسه المريخ والمريخ في الحمل أو في مثلثته فإنه مات من أرجل الدواب أو أكلته السباع، وإن كان في الثور أو في مثلثته فإنه وقع من موضع مرتفع أو وقع عليه شيء فقتله، وإن كان في الحوت أو في مثلثته فإنه قتل بالسيف إلا أن يكون المريخ في وسط السماء فإنه مات مصلوباً، وإن كان في السرطان أو في مثلثته فإنه مات من الماء أو نكبه دور الماء . واعلم أن الدليل إذا اجتمع عليه النحسين جميعا كان سبب موته من وجع الدم والقيح ، فإن اجتمع عليه الشمس والمريخ مات محترقاً بالشمس ، وإن كان القمر مع المريخ مات في الحريق وسقط بعض أعضائه ، وإذا كان القمر ممتلياً وهو في تربيع المريخ أو مقابله والشمس مع الرأس أو الذنب فإنه مات في حرب أو مع جماعة من الناس. واعلم أن النحسين الذين يدلان على الموت إذا كانا في الطالع كان سبب موته من مرض هاج عليه في جسده فأكل أكثره. (2/332)
صفحة 762
وإن كان في الثاني من الطالع كان سبب موته من المال والأخوان والجند والأحرار ، وإن كان في الثالث أو التاسع فإن سبب موته من الأذيان والكلام والأخوة والأقرباء ومن يقع عنده مقامهم، وإن كان في الرابع كان سبب موته من الأرضيين أو من الآباء أو من شيء قديم وكذلك قيل في بقية البروج والله أعلم وبالغيب أدرى وأحكم وبمن صلى وسلم. ...
الذكر الثاني والخمسون
في وصية رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لأصحابه عند موته، وفي وصية الإمام ناصر بن مرشد رحمه الله لخليفته سلطان بن سيف، وفي ترغيب العلم. (2/333)
صفحة 763
... قال صاحب ذي الغبراء: سمعت أخي ومحبي في الله يروي عن عبدالله بن مسعود أنه قال: إذا أتيت أهلك فمرها فلتصلي ركعتين ثم خذ برأسها وقل اللهم بارك لي في أهلي وبارك لأهلي فيّ وارزقهم مني وارزقني منهم واجمع بيننا ما جمعت في خير وفرق بيننا ما فرقت في خير . ويروي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: (إذا أعطيت العفو والعافية في الدنيا والآخرة فقد أفلحت) (1) .
__________
(1) 1 –ابن ماجة 3848 / 2 ، وأحمد 12313 / 3 . (2/334)
صفحة 764
وعن علي بن أبي طالب أنه قال: لما نزلت إذا جاء نصر الله والفتح مرض النبي - صلى الله عليه وسلم - فما لبث أن خرج إلى الناس يوم الخميس وقد شد رأسه بعصابة فرقى المنبر فجلس عليه مصفر الوجه تدمع عيناه ثم دعا بلالاً فأمره أن ينادي في المدينة أن اجتمعوا لوصية رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فإنها آخر وصية لكم فنادى بلال فاجتمع صغيرهم وكبيرهم وتركوا أبواب بيوتهم مفتوحة وأسواقهم على حالها حتى خرجت العذاري من خدورهن ليسمعوا وصية رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى أط المسجد بأهله والنبي - صلى الله عليه وسلم - يقول وسعوا لمن وراءكم، ثم قام النبي - صلى الله عليه وسلم - يبكي ويسترجع فحمد الله وأثنى عليه وصلى على الأنبياء وعلى نفسه - صلى الله عليه وسلم - ، ثم قال: أنا محمد بن عبدالله بن عبد المطلب بن هاشم العربي الحرمي الذي لا نبي بعدي ، أيها الناس اعلموا أن نفسي نعيت وحان فراقي من الدنيا واشتقت إلى لقاء ربي فواحزني على فراق أمتي ماذا يلقون من بعدي اللهم سلم سلم، أيها الناس اسمعوا وصيتي وعوها واحفظوها وليبلغ الشاهد منكم الغائب فإنها آخر وصيتي لكم ، أيها الناس قد بين الله لكم في محكم كتابه ما أحل لكم وما حرم عليكم وما تأتون وما تتقون فأحلوا حلاله وحرموا حرامه وآمنوا بمتشابهه واعملوا بمحكمه واعتبروا بأمثاله ، ثم رفع رأسه إلى السماء فقال اللهم هل بلغت، أيها الناس إياكم وهذه الأهواء الضالة المضلة البعيدة من الله والبعيدة من الجنة والقريبة من النار وعليكم بالجماعة والاستقامة فإنها قريبة من الله وقريبة من الجنة بعيدة من النار، ثم قال اللهم هل بلغت ، أيها الناس الله الله في دينكم وأماناتكم الله الله فيما ملكت أيمانكم أطعموهم مما تأكلون وألبسوهم مما تلبسون ولا تكلفوهم مالا يطيقون فإنهم لحم ودم وخلق أمثالكم ألا من ظلمهم فإني خصمه يوم القيامة والله حاكمهم الله الله من النساء أوفوا لهم مهورهن ولا (2/335)
صفحة 765
تظلموهن فيحرمكم حسناتكم يوم القيامة اللهم هل بلغت ، أيها الناس قوا أنفسكم وأهليكم ناراً وعلموهم وأدبوهم فإنهم أعوان وأمانة ألا هل بلغت ، أيها الناس أطيعوا ولاة أموركم فيما أطاعوا الله ولا تعصوهم وإن كان عبداً حبشياً مجدعا فإنه من أطاعهم فقد أطاعني ومن أطاعني فقد أطاع الله ومن عصاهم فقد عصاني ومن عصاني فقد عصى الله تعالى ألا لا تخرجوا عليهم ولا تنقضوا عهودهم اللهم هل بلغت ، أيها الناس عليكم بحب أهل بيتي وعليكم بحب حملة القرآن وعليكم بحب علمائكم لا تبغضوهم ولا تحسدوهم ولا تطعنوا فيهم ألا من أحبهم فقد أحبني ومن أحبني فقد أحب الله ومن أبغضهم فقد أبغضني ومن أبغضني فقد أبغض الله اللهم هل بلغت، أيها الناس عليكم بالصلوات الخمس وإسباغ وضوئها وتمام ركوعها وسجودها اللهم هل بلغت، أيها الناس أدوا زكاة أموالكم ألا من ترك الزكاة (1)
__________
(1) 1 – ليست بالأصل .. (2/336)
صفحة 766
فلا صلاة له ألا من لا صلاة له فلا دين له ولا صوم له ولا حج له ولا جهاد له اللهم هل بلغت ، أيها الناس إن الله فرض الحج على من استطاع إليه سبيلا ومن لم يفعل فليمت على أي حال شاء يهودياً أو نصرانياً أو مجوسياً إلا أن يكون به مرض حابس أو منع من سلطان جائر ألا لا نصيب له في شفاعتي ولا يرد حوضي اللهم هل بلغت ، أيها الناس إن الله جامعكم يوم القيامة في صعيد واحد في مقام عظيم وهول شديد في يوم لا ينفع فيه مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم اللهم هل بلغت ، أيها الناس احفظوا ألسنتكم وبكوا أعينكم وأخضعوا قلوبكم وأتعبوا أبدانكم وجاهدوا عدوكم واعمروا مساجدكم وأخلصوا إيمانكم وانصحوا إخوانكم وقدموا لأنفسكم واحفظوا فروجكم وتصدقوا من أموالكم ولا تحاسدوا فتذهب حسناتكم ولا يغتب بعضكم بعضا فتهلكوا ، اللهم هل بلغت ، أيها الناس لا تظلموا فإن الله لطالب لمن جار وعليه حسابكم وإليه إيابكم وإنه لا يرضى منكم بالمعصية ، أيها الناس إنه من عمل صالحاً فلنفسه ومن أساء فعليها وما ربك بظلام للعبيد واتقوا يوماً ترجعون فيه إلى الله ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون ، أيها الناس إني قادم إلى ربي وقد نعيت إلى نفسي فأستودع الله دينكم وأمانتكم والسلام عليكم معشر أصحابي وعلى جميع أمتي والسلام ورحمة الله وبركاته ثم نزل ودخل المنزل فما خرج بعدها - صلى الله عليه وسلم - . (2/337)
صفحة 767
وهذه وصية الإمام: بسم الله الرحمن الرحيم من عبدالله إمام المسلمين ناصر بن مرشد بن مالك إلى حضرة الولد الحبيب المساوي بين القريب والبعيد والي الإمام سلطان بن سيف بن مالك، أما بعد: يا ولدي أوصيك ونفسي بتقوى الله تعالى فإنه من اتقاه وقاه، ومن أقرضه جزاه، ومن شكره زاده، اجعل التقوى يا ولدي نصب عينيك، وأسكنه قلبك واعلم أنه لا عمل لمن لا نية له ، ولا أجر لمن لا خشية له، ولا مآل لمن لا رفق به ، أصلح لله سريرتك وعلانيتك بطاعته ، واعلم يا ولدي أنك إن تمسكت بالحق أنزلك الحق منزل أهل الحق يوم لا يقضى بين الناس إلا بالحق ولا تخف في الله لومة لائم ، وإياك أن تغرنك الدنيا يا ولدي فإنها دار من لا دار له، ومآل من لا مآل له ، حلالها حساب وحرامها عقاب، والدنيا دار تقلب وزوال وانتقال، وتصرم واضمحلال ، وتنقل من حال إلى حال، فالقلوب عليها والهة ، والعيون إليها شاخصة ، والنفوس لها عاشقة، وهي لأزواجها قاتلة ، فلا الباقي بالماضي معتبر، ولا الآخر بالأول منزجر ، ولا الجاهل بالعاقل مزدجر، وكل في بحرها غريق، فطوبى لمن خلع الدنيا فنجا ، ورجا منها ما رجا، ما همه بالليل إلا الخوف والخشوع ، جاث على ركبتيه يتضرع إلى الله في فكاك رقبته، وأما النهار فمقبل على شأنه، فكرته في الحساب ، ورغبته في الثواب، فهو إذا فرح الناس محزون، وإذا ضحك الناس مشجون ، الخوف شعاره ، والهم دثاره، فطوبى له غداً من محبوب مكرم، وولي معظم ، وأوصيك يا ولدي بخصال أولهن أن تخشى الله في الناس، ولا تخش الناس في الله ، وأن يكون خير قولك ما صدقه الفعل، وأحبب لرعيتك ما تحبه لنفسك وأهلك ، ولا تخف في الله لومة لائم، وأمر بالمعروف وانه عن المنكر، واصبر على ما أصابك إن ذلك لمن عزم الأمور، ومهما كان لأحد من المسلمين إليك حاجة فلا تشتغل عنها بنوافل العبادات، فإن قضاء حوائج المسلمين أفضل ، وعليك بالرفق برعيتك ، فقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : ( (2/338)
صفحة 768
كل والٍ لا يرفق برعيته لا يرفق به يوم القيامة). ولا تطلب رضا أحد من الناس بمخالفة الشرع قريباً كان أو بعيدا، واشكر الله تعالى على هذه المنزلة التي أنزلك الله فيها وأمكنك من أن تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر وتنصف الظالم من المظلوم، وهو من أفضل الأعمال، وجميع الأعمال مع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كتفلة في بحر، والحمد لله وحده وصلى الله على سيدنا محمد - صلى الله عليه وسلم - ، واعلم يا ولدي أن الظفر بالأمور المستصعبة مع كتمان السر وملازمة الطلب ومداومة الصبر، ووسع صدرك وخلقك للناس لا سيمل أهل الدين والذي تجري عليه إمارتك، واجعل رعيتك عندك في الإنصاف سواء ، وجانب الجهل واصطنع الصبر والفضل، واعمل بالعدل وأنزل كل أحد منزلته ، واجعل رعيتك كل منهم يقول إنه القريب عندك ، وتفقد عمالك ومن توليه على عمل كيف سيرتهم وحالهم في الناس ولا تكن غفولاً عجولا ، وتعاهد رعيتك فإنك قد ركبت في الخطر الجسيم ، فاتق الله وإذا غضبت فلا يخرجك غضبك من الحق ، وإذا رضيت فلا يدخلك رضاك في الباطل، وأكثر من مشاورة إخوانك وشاور في جميع أمورك الذين يخافون الله تعالى.
قال صاحب ذي الغبراء: وجدت عن الزبير بن بكار كان يقول كتب إلي أبي يقول: يا بني العلم خير لك من ميراثك من أبيك، فاطلبه واخدم أهله فإنك إن استغيت كان لك جمالا، وإن افتقرت كان لك مالا، وأنشد:
تعلم فإن العلم زين لأهله وأفضل ما أدبت نفسك بالعلم
قال: وكتب رجل إلى أخيه: إنك أوتيت علماً أنار الله به قلبك فلا تطفئن نور علمك بالذنوب فتكون في ظلمة يوم يسعى أهل العلم بما آتاهم الله فتكون من الخاسرين.
وقال: أربعة لا تشبع من أربعة : عين من نظر ، وأرض من مطر، وعلم من أثر، وأذن من خبر. (2/339)
صفحة 769
فتأمل أيدك الله هذا الكلام بحضور ذهن وشاهد عقلك، وكذلك المواظبة على المفترضات من الصلوات الخمس والجماعة عليها باللباس وأداء ذلك في المواقيت وأداء ما فرض الله عليك من جملة الحدود والحقوق واللوزام فعليك بالورع الحاجز من كل شك وشبهة لأنه يقال لو كان علم الرجل حمل جمل ما نفع إلا بدين خالص وعمل صالح وأنشد:
إذا أنت لم تدري ولا أنت بالذي ... يسائل من يدري فكيف إذاً تدري
ومن عجب الدنيا بأنك جاهل ... وأنك لا تدري بأنك لا تدري
فالله المستعان. (2/340)
صفحة 770
... قال ذو الغبراء: سألني بعض الأخوان عن صفة النبي - صلى الله عليه وسلم - . فهذا ما وجدته بسم الله الرحمن الرحيم اللهم صل على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلّم قال مولاي أمير المؤمنين علي بن أبي طالب كرم الله وجهه سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: يا علي ما من عبد مؤمن ولا مؤمنة يكتب صفتي هذه ثم يضعها في بيت لم يقرب ذلك البيت شيطان ولا سلطان جائر ولا يصيب ذلك البيت بلاء ولا وباء ولا علة ولا عين حاسد ولا سحر ساحر ولا غم ولا هم ولا هدم ولا عرض ولا خوف ولا غرق ولا تصيبهم مصيبة أبدا ولا يزالون بالفرح والسرور ما دامت صفة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في ذلك البيت أو المنزل الذي يسكن فيه ومن قرأها أو سمعها فكأنما حج حجة أو أعتق رقبة وصرف الله عنه شر الدنيا والآخرة ولو قرأها على مريض عوفي ببركة محمد - صلى الله عليه وسلم - أخبرنا محمد بن الحسين الأنصاري عن مكحول عن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: قال علي كرم الله وجهه: اعلم يأبا هريرة أن محمداً رسول الله رب العالمين وخاتم النبيين وقائد الغر المحجلين وسيد جميع الأنبياء والمرسلين رؤوف بالمؤمنين شفيع المذنبين أرسله إلى كافة خلقه أجمعين كما قال الله تبارك وتعالى في محكم كتابه المبين {وَلَكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ} (1) صاحب الحوض المورود والمقام المحمود واللواء الحمد الممدود والشفاعة يوم اليوم الموعود والمشهود إمام هاشمي ورسول قرشي ونبي حرمي مدني أبطحي تهامي أصله آدمي وفرعه نزاري وحسبه إبراهيمي ونسبه إسماعيلي ولسانه عربي وبقعته حجازي وشخصه علوي ونوره قمري إمام الثقلين لا بالطويل الذاهب ولا بالقصير الداني أبيض اللون مشرب بالحمرة أقنى الأنف أدعج العينين أزج الحاجبين أشعر الذراعين براق الجبين أكحل العينين باسط اليدين عظيم المنكبين شطن الكفين قامته ما بين القامتين
__________
(1) 1 – الأحزاب : 40 (2/341)
صفحة 771
إذا قام مع الناس عمهم في القيام وإذا مشى معهم كأنه سحاب مظلل بالغمام متعلق كالغمام نبي الحرمين مسيح القدمين صاحب قاب قوسين نبي الرحمة وشفيع الأمة سراج الظلمة وعالي الهمة طلق البنان فصيح اللسان جميل الذكر جليل القدر طيب العرق حسن الخلق جميل الخلق حديد الطرفين لا حجاب له جمال الأنام حلو الكلام ركن الإسلام بدي السلام رسول الله الملك العلام مفرد البدائع ومظهر الشرائع ناسخ الملل وفائق الدول كثير الحياء واسع الصدر دائم الذكر والبكاء خاتم البر أمين السماء جزيل العطايا لم تعبه ثقلة ولم تزدره مقلة وأخبر الذئب عن رسالته والضب عن نبوته وقام البراق إجلالاً بحرمته ثم عاد إلى أركانه كهيئته ونبع الماء من أصابعه حين احتاج العسكر إلى منافعه، وكلمه الحصى بيده، ونطقه الرضيع نطقاً لأنه رسول مرتضى حقا قائم بأمر الله موقن بوعد الله مشمر في عبادة الله مستسلم لمرضاة الله، ساتر العورات، قامع الشهوات، غافر العثرات، كاتم المصيبات، صوام النهار، قوم الليل، ناصر البررة، وكاسر الفجرة ، وقاتل للخوارج والكفرة، سهلاً عند المصافحة، عدلاً عند المقاسمة، سباقاً عند المعاملة ، شجاعاً عند المقاتلة، مفلج الثنايا، قليل الضحك، كثير التبسم ، قليل التنعم، سجيع الترنم، رزين العقل، عفيف النفس، مدور الوجه، رجيل الشعر، شديد السواد كأنه الليل البهيم، شعره نازل متصل إلى شحمة أذنيه، وله شعرتان في جسده كأنهما المسك الأذفر لم يكن على جسده سواهما، أطيب الناس ريحاً، واسمح الناس كفا، وإذا سلم عليه رجل وصافحه وجدفي كفه رائحة المسك ثلاثة أيام ليلاً ونهارا دائماً، وإذا اشتكى عليه أحد عليه عطشان وجد في برد كفه على كبده وهو ريان ، وإذا أصبح مسح رأس الصغير أو اليتيم فيجد عليه رائحة الفردوس ثلاثة أيام ليلاً ونهارا، وإذا رأيته جالساً في صحن المسجد فكأنه القمر المنير ووجهه يتلألأ ليلة البدر - صلى الله عليه وسلم - ، جعله الله تعالى رسولاً (2/342)
صفحة 772
كريماً رحيماً وسيماً قسيماً، وفي عينيه دعج وفي أشعاره وصف، وفي صوته سهل، أحور أكحل أزج أرعن وفي عنقه وصدغيه شتع ، وفي قدميه إلى قرن أذنيه نوران ، وفي لحيته كتاب ، وبين كتفيه مكتوب فيه لا إله إلا الله محمد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وقد سماه الله تعالى اسمه الماحي لأنه يمحي السيئات في الدنيا والآخرة ، واسمه عاقب لأنه آخر الأنبياء وبه يعاقب الله المخالفين ، واسمه قاسم وبه يقسم أهل الجنة وأهل النار ، واسمه حاشر لأنه يحشر الناس على أثره، واسمه رشيد لأنه يرشد الناس إلى الخيرات بطرقاته، واسمه مبيض لأنه يبيض الله وجوه المسلمين غداً في عرصات يوم القيامة، واسمه مبارك لأنه يبارك الله وجوهاً على من لا يخالفه ، واسمه في السماء أحمد لأنه أموره محمودة ، واسمه في الدنيا محمد لأنه محمود عند الله وملائكته ومن آمن به ، واسمه بشير أنه يبشر بالجنة، واسمه نذير لأنه ينذر الناس من النار ، واسمه سراج لأنه سراج لأمته، واسمه المرتضى لأن الله تعالى غداً يرتضيه يوم القيامة عنك نار جهنم في امته، وأنزل عليه القرآن، وعظمه وأظهر الاسلام ونصح أمته وعبد ربه حتى أتاه اليقين، هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلّم.
وقال عبدالرحمن ناصر بن أبي نبهان: إن في هذا الكلام دلالات تدل على أنه من لفظ قومنا وأكثره صحيح وفي بعضه نظر والله أعلم.
وهذا مما قاله الشيخ راشد بن سعيد بن جاعد بن خميس الخروصي لما تصفح هذا السفر قال فيه شعرا:
خطرت عليّ كواكب الأبرار ... فتكشفت لي غوامض الأسرار
لما قرأت مؤلفاً أربابه ... عدد النجوم تضيء بالأنوار
ووجدت فيه عجائباً وغرائباً ... تجلي الصدا من غامض الأفكار
من كل فن من علوم أولي النهي ... فوجدتها فيه بنص البار
وقواعد الاسلام فيه ركبت ... بحقائق القرآن والآثار
وغرائب الأخبار في تأليفه ... ممزوجة بشرائع الجبار (2/343)
صفحة 773
والطب مع علم الحساب وكل ما ... يشفي السقام وسائر الأخطار
ما شاهدت عيناي سفراً مثله ... كالشمس تعلو جملة الأسنار
كالشمس في الآفاق يشرق نورها ... وضياء هداهم في الأمصار
وبه دياجير الغماء تكشفت ... وبه تناهت أوجه الأقمار
وبدوره قد أقبلت أيامها ... وتكاملت في رابع الأعشار
والسعد متصل به ومقابل ... ووباله والنحس في الإدبار
فتكامل التوفيق مع تأثيره ... بالسعد والإقبال والإيثار
نعم المؤلِف والمؤلَف شاعر ... بجواهر الأخبار والأشعار
طوبى مؤلفه الذي قد أحمدت ... أفعاله مع جملة الأحبار
فتكاملت أخلاقه وصفاته ... محمودة مع منشىء الأشجار
وهو الفتى المحمود إن حمي الوغى ... في ذات مولاه لنفي العار
متوشح بقناعة وتعفف ... مع هيبة وسكينة ووقار
يطمو على البحر المحيط نواله ... كالوبل يخصب جملة الأقطار
ذاك السري اللوذعي خميسنا ... يوم الوغى من راشد الأنصار
أنشاه مولاه على طاعاته ... مع رجوة ومخافة من نار
وكذاك ميزان الهدى متعادل ... مع ربه في حملة استغفار
يوم اطمأنت بالرقاد جنوبنا ... هو يتلو أسماء العلي الغفار
والله ما شهد البصير كمثله ... متوشحاً بحقائق الأسرار
دهش العقول لما نضى في شعره ... يشفي القلوب عجائباً للقاري
وعليه مني ألف ألف تحية ... تشفي الكروب من الفؤاد الضار
وختمت قولي بالصلاة على الذي ... قد خصه الرحمن بالأنوار
هذه الأبيات لحميد بن محمد بن رزيق
صديق كثيف الطبع خصم المؤلف ... وإلف شريف الطبع خدن المؤلف
رقيق الحواشي عارف كل عارف ... بتصنيفه للصحف غير مصحف
ومن لك بالحر الذي هو بالهدى ... نماه ذكاه عن قذى المتقشف
كمثل خميس حين أودع سفره ... طرائق يستزري جناس المطرف
تظل بأدماح عياظ رياضه ... بريف وإبهاج ترف برفرف
به كل علم قد يرى كل عيلم ... جواهره تزهي بكل مشفف
له الله من سفر تضيء سطوره ... بدريه يفتر كل مشنف
وكم قصة فيه بها كل من به ... حرارة الأم من الوجد يشتف
وكم حكمة فيه تشير بسرها ... على أن لقماناً بها لم يشرف
ويوحي بسر معلن أن ربه ... لأسرار علم الحرف غير محرف (2/344)
صفحة 774
وللشرع فيه مبزغ متوقد ... بنور جلي مخطف غيرمخطف
وللطب فيه ما لسقراط من يد ... أيادي الحلولي المتكيف
ألا مثله فليعلم الحبر أنه ... خبير بما في كل سفر ومصحف
فما ضره أن فاه بالجهل خامد ... وقال أرى ما فيه غير مفوف
فحسب الذي لم يدر مما من البهي ... به أنه يحكي بقول مضعف
فتى راشد أنت الرشيد في الوغى ... مثقب أكباد العدى بالمثقف
كفاك علاك المستشف بضوءه ... عن المافت الداجي بوجه التغظرف
فلا زلت غيثاً تقصف الخصم في الوغى ... ترعد رؤوم باهر متقصف
للشيخ علي بن ناصر التنوفي:
بني عبرة هنيتم بابن راشد ... لقد صار بينكم خير راشد
وأضحى بكم بدراً سنياً سماؤه ... مضيء بكم في مظلمات المقاصد
تصادق أهل العلم بالحب نفسه ... وكان لهم من خير خل مساعد
ولولاه ما كان السرور بخاطري ... ولا موئل للصالحين الأماجد
فكم سلوة من كل هم وكربة ... به نلتها ما بين قاص وشاهد
سألت إله العرش عفواً ورحمة ... إليّ وإياه وكل مجاهد
ويهدي كلانا للهدى من صراطه ... ويعصمنا من ختل غاوٍ معاند
وصلى إله العرش في كل نسمة ... على المصطفى رب الوفا والمحامد
لناصر بن صالح العدوي البهلوي:
نمقت كل فضيلة في كاغد ... وفرائداً فاقت سلالة راشد
وعلوت ذروة كل عالٍ باذخٍ ... بقريحة تزجي العلوم وقائد
وأتيت في فنن النظام مواعظاً ... وفوائداً في الشرع خير فوائد
ووضعت من قصص ومن مثل ومن ... غزل ومن مدح لأهل محامد
وعن الرواة غرائباً وعجائباً ... لم تؤت في تأليف صحفة ماجد
فتركتها مجموعة منظومة ... مرسومة مرقومة في الكاغد
أودعتها سفراً هديت به الورى ... كالشمس تشرق في بروج فراقد
وخصصته فاستق من أسمائه ... بشفا القلوب من الكروب مساعد
هو سلوة المحزون إن حزن امرؤ ... وإذا تغشم فهو أفضل قائد
بستان علم قد تفنن واحتوى ... ما يحتويه مجاهد والواقد
يكفيننا فخراً أوان زماننا ... لخميس راشد وهو خير مجاهد
فالله يمنحه النعيم ولم يزل ... بهداه يرغم كل غمر حاسد
ويداه للفقراء جوداً هاملاً ... وعلى البغاة لظى وكل معاند
وله أيضاً العدوي البهلوي: (2/345)
صفحة 775
كتاب جلا كرب القلوب من الصدا ... هو القطب في كل العلوم على القطب
له شرف سامٍ على كل كوكب ... كذلك ذا يسمو على جملة الكتب
وقال مؤلف الكتاب:
كنيت ذا الغبراء من خالص الترب ... وآدم صلصال فخار للنسب
بليت بداء العسر مع قلة الفهم ... شفاه أبي بالعلم منه وبالضرب
فأرث لي سعداً وأحيا به جسمي ... وشافهت أهل النظم والفقه والطب
وألفت ما أفتوا به من علومهم ... وقلت من الأخبار في الشرق والغرب
كتابا شفا داء القلوب من الكرب ... هو البحر قد حاز العلوم على الكتب
فلا يسأم القاري إذا ما تلا ذكرا ... على حلقة الأحباب والرسد واللب
فيا طالباً انظر إليه تجد به ... الذي جميع تبغيه فهو ينبي
وكم دعاء فيه سراً إذا قري ... وسر جمادات وحيوان والأب
وكم قصة فيه جلت قلب مظلم ... وكم حكمة جاءت من البعد والقرب
وكم أذن أصغت إليه بسمعها ... لاصلحا دنيا بعد دين بلا عجب
وكم طالب العراريد سعده به ... وكم عدة فيه لذي العز والرتب
وكم حرفة يحيى بها قلب صانع ... وكم فيه تدبير مع الأكل والشرب
وكم عالم يحوي كتاباً معظماً ... ومنه أخذنا ما يروق وما يسبي
فقال لي الأخوان أسعى إلى النشب ... فقلت لهم مالي كتابي شفا قلب
وأبوابه عدا كما عاش أحمد ... وإتمامه ذكر النبي مع الصحب
وتابعهم والتابعين من الورى ... هموا حملوا علماً وديناً عن النبي
فمن بصر النقصان فيه الخطا ... فإصلاحه فيه الأجور مع الرب
ويا غافر اغفر ذنوبي إنني ... مسيء مقر باكتسابي للذنب
ويا رب فارزقني شفاعة أحمد ... لسنته أقفي بدين وبالحب
وصل إلهي على النبي ... وآله والأصحاب يا غافر الذنب
لعبدالله بن حميد:
كتاب شفا القلوب به شفاء ... ومن داء الكروب به دواء
تضمن من فنون العلم مالا ... يكيف عدها قاف وراء
هو السفر الذي جمع المعاني ... بتصنيف أنار لنا ضياء
فنحو ثم طب ثم فقه ... وتصريف ومن لغة رواء
الذكر الثالث والخمسون (2/346)
صفحة 776
فيه قصص، وشيء من المنافع للناس من قول العلماء بالنظم والنثر، وقصيدة لقسمة الأقربين، وقصيدة في المياريث من قول الشيخ عامر ابن سليمان الريامي الأزكوي، وفيه بحور الشعر وما يجوز للشاعر إذا اضطر في ذلك.
... قال صاحب ذي الغبراء: جلست يوماً في حلقة الذكر وسمعت منهم كلاماً يذكرون شيئاً من المساجد أن من أخذ من أموالهن أصابته مصيبة في جسمه أو في أمواله أو في أولاده من ساعته فعجز عن ظلمها الجبابرة المتجبرين وأهل الشجاعة المتمردين واللصوص المتزندقين والصبيان في مالها اللاقطين فصارت لها هيبة عن مساجد أهل الذكر والعباد والصالحين، وكل من دخل فيها نجساً أو على ضعف سمع كلاماً أو قعقعة حتى يخرج منها، ومن أخذ شيئاً على غفلة أو خطأ ورده فيبرأ من ساعته، وإذا أصر مات في يومه، ومن حلف عليها حانثاً أصابه القصص (1) .
قال رجل من المسلمين: قصدت يوماً إلى السوق فعارضني كلب في الطريق فقتلته ورميت عليه الحجارة فعرضت عليه بعد سنة زمان فوجدت معه المجامر والثياب، ثم عرضت عليه بعد ذلك فنظرت بنيت عليه قبة ، وسألت عن ذلك فقيل لي إن هذا قبر شهيد ويقتص من الظالم للمظلوم.
__________
(1) 1 – أي العقوبة . (2/347)
صفحة 777
ثم ذكر أحدهم قصصاً جارية من اللصوص قال فعمد اللص إلى مقام الوالي ودخل عليه في بيته والأبواب مقفلة والعبيد عليها محرسة فأخذ اللص كثيراً ثم قصد بين الوالي وزوجته ونام فتارة يؤخر الوالي عن الفراش وتارة يؤخر الزوجة حتى أخذ الفراش عنهما فانتبها وأقبل الوالي إلى العبيد فألظوا النار فإذا هم باللص مقبل إليهم وارتفع عنهم في الجدر وخرج من الباب وهم ينظروه فركبوا الخيل وجدوا في أثره فتارة يقف يصيح عليهم وتارة يحث في السير حتى نزلوا في مقامه فرأوه فيه داء الفيل له رائحة منتنة فاحتارت قلوبهم فجاءوا إلى أميره وأخبروه عن اللص فقال الأمير: هذا رجل سقيم مذ زمان. فقال القاص: هذا هو صاحب الأثر ولكن لا أقول إلا كما تنظروه. فرجعوا عنه فلما مشوا عنه غسل أرجله وكأنها لم يكن فيها ألم. فقيل له: كيف صنعت بها؟ قال: كلما جئت سارقا دهنت الرجل بعرق فتورم بالحال وجعلت عليه شيئاً منتنا كأنه صديد يخرج منها. وقيل لبعض اللصوص في مرضه لعلك تتوب إلى الله تعالى. قال: لا يكون مني هذا وجعل يقول لأولاد الناس افقشوا الأجلة من السواقي حتى تلعبوا بالماء وارموا بالقدور وكلوا اللحم منها، واشربوا اللبن والسمن، وخذوا ثياب آبائكم وارموا بها في النار فإنكم تنظرون لهيبها.
وقيل لأصحاب تتن ومزمار وريشة لعلكم تتوبوا من أفعالكم، فقالوا التتن نريده في فمنا مع خروج روحنا والريشة والمزمار لنوصي بها أن يكونا في قبرنا. فقلنا لهم صحيح قول المسلمين إن الزمار في الدنيا فيهذي به في مرضه ويقوم من قبره والمزمار في فمه ، وقارئ القرآن في زمانه يقرأه في مرضه ويقوم يقرأه من قبره ، وكذلك المؤذن ينطق بالأذان عند قيامه من قبره وكل امرء على ما عود نفسه اعتادت تهذي به في يقظته وفي نومه وفي مرضه وفي مقامه من قبره وهذه حركة الإنسان من حركات الفلك. (2/348)
صفحة 778
بيان: فوجدنا في الكتب أن الزهرة والمريخ إذا اجتمعا واقترنا في برج فيدل على العاقبة في الدنيا على الفجور والطغيان ويكون الدلالة لذلك البرج فتخوفت على بهلا لما فيها من الباطل قلت في نفسي انظر إلى أحكام كواكب الفلك في حين تذكري للبلد حيث قلت إن حركات المرء مرتبطة بحركات الفلك لأن حركات نفسي في تذكري للنظر إلى ما بصها كذلك التي من حركات الفلك بحركات النفس فإذا الزهرة والمريخ يقترنان في برج الجوزاء فعلمت أنه سيصيبهم مما أمرت فيها امرأة الأمير محمد بن سليمان أهل اللهو واللعب فيها بالليل والنهار عند تضيقه لأولاده وقد أعطاهم الموائد والدراهم وصنعوا المنكر في مقام أهل الأمر والنهي فأعوذ بالله من متابعة النفس على الهوى وأقول على ما صنعوه سيحل بهم غضب من الله ومن تابعهم فيهوي به هويتهم فقد ماتت المرأة الآمرة باللهو وأخذت الغنم من البلد قبل أن تمضي السنة وأصابهم الذل والنكبات الخارقة عن المعتادة.
وعلى المرء أن يمشي بعقله وينظر بنوره والله خبير بسره وعلانيته في مسكنه. ثم قلت لصاحبي يجوز للمرأة أن تشعر للناس جهرا ؟ قال : سمعت الشيخ ناصر أن صبية بجانب الباطنة سمعها تقرأ وكل من سمع صوتها أحد من الناس لم يستطع أن يجاوز فذهبت عليهم الصلوات عن أوقاتها فمنعت من ذلك. (2/349)
صفحة 779
وقال: سمع ناصر والده الشيخ جاعد بن خميس يقول سمع امرأة تنشد الشعر في مكة الشريفة ويتجالب الناس يستمعون صوتها فينقضون صلاتهم ويستمعون صوتها وهي في حين ذلك تقشر البن وتستعين بذلك عن التعب. فقلت لناصر: يجوز ذلك للنساء؟ قال: إن من المنهي أن ترفع النساء أصواتهن بحيث يسمع ذلك الرجال حتى قيل إن الأحسن أن لا يبتدين الرجال بالتسليم ولكن لا يبلغ بهن ذلك إلى هلاك في الوجهين لأنه قيل إذا سلم عليهن رجل يردن عليه السلام رداً يسمعه ولو لم يجز لهن رفع الصوت لم يجز لهن على كل حال وقد اشتهرن أن الرجال يسألون النساء في أمر دينهم من أهل المعرفة منهن ولم يأت تحريج في فتواهن لهم ولكن مما يدل على جوازه إظهار أصواتهن للرجال والله أعلم. انتهى.
وسئل أبو نبهان عن بحور الشعر؟ فقال: عددها ثلاثمائة وستين بحرا كل بحر له ضرب من العود.
قال ذو الغبراء: حكي لي عن امرأة تنشد الشعر فقلت لصاحبي لعلنا نقصد إليها ونستفيد من عندها من كلام العرب فقال صاحبي: هذه امرأة تنشد الشعر الذي فيه فائدة. فقلت له: اقصد بنا فلما مشينا في الطريق أصابنا المطر فرأيته أخذ قبضة من تراب طاهر قبل أن يبتل من القطر وقرأ عليه اللهم إني قبضت قبضة من ترابك لأحبس بما أنزلته من سحابك بحرمة ما أنزلته في كتابك قرأه ثلاث مرات ويذر التراب على رأسه فرأيت السيل على حواليه وما مسه من المطر شيء بقدر الله تعالى.
ثم سمعت رجلاً يناديه ويقول له قد ذهب مفتاح القفل علينا وأريد منك أن تفتح لنا قفلنا فسمعته قرأ فاتحة الكتاب وآية الكرسي وقال اسلس اسلس بإذن الرحمن انفتح بخاتم سليمان بن داود عليهما السلام فكرر عليه القراءة وهو يجر القفل حتى انفتح بقدرة الله تعالى، وسمعنا صوت المرأة تنشد هذه الأبيات التي عن ابن حجر شعرا:
خذ حروفاً هن نور في الغطط ... خمس هاءات وخط بعد خط
وهميزات إذا أعددتها ... هن سبع لم تجد فيها غلط
ثم واو ثم هاء بعده ... ثم صاد ثم ميم في الوسط (2/350)
صفحة 780
تلك أسماء عظيم قدرها ... فاحفظ النص وإياك الغلط
تبرأ الأسقام والداء الذي ... عجزت عنه الأطباء النمط
وبها تدفع عن حاملها ... كل سحر وبلاء وسخط
هـ هـ هـ هـ / / عـ عـ عـ عـ عـ عـ عـ
ثم أنشدت هذه الأبيات :
ثلاث عصي صففت بعد خاتم ... على رأسها مثل السنان المقوم
وميم طميس أبتر ثم سلم ... إلى كل مأمول وليس بسلم
وأربعة مثل الأنامل صففت ... تشير إلى الخيرات من كل مغنم
وهاء شقيق ثم واو منكس ... كأنبوب حجام وليس بمحجم
فذلك اسم الله جل جلاله ... إلى كل مخلوق فصيح وأعجم
فيا حامل الاسم الذي جل قدره ... توق به كل المكاره تسلم
وهذا الوفق العظيم للإمام الغزالي وهي تسعة حروف عددية في وفق ثلاثي وله سر عظيم في سرعة العمل فمن عرف معناها ظفر بالاسم الأعظم وأصلها هذه أ ب ج د ه و ز ح ط قد رتبها الغزالي في هذا الوفق الثلاثي وبين كيفية أعماله في هذا المنظوم المبارك إن شاء الله تعالى وهذه صورته بعينها نفعنا الله به.
2 ... 9 ... 4
7 ... 5 ... 3
6 ... 1 ... 8
ثم أنشدت المرأة الأبيات
عجبت لتسعة أبيات مسطرة ... قد رتبت لمعان سرها العدد
في كل بيت من الأبيات خص بها ... فاحسب تجده صحيحاً ما به عتد
اثنان يتلوهما تسع وأربعة ... وسبعة خمسة بعدها عدد
وبعد ذاك ثلاث ثم ستتها ... وواحد وثمان صح ذا السند
وكل ناحية فاحسب ترى عجباً ... إذا عددت وجدت العد يطرد
حروفها بطد من بعده زهج ... وبعدها واح أسرارها مدد
فهذه أحرف أسرارها عجب ... يكفيك ربي بها من شر ما تجد
وقد كساها إله العرش منفعة ... لحامل قد ثوى في بطنها الولد
اكتب لها مفردات بعد بسملة ... تأتي به سالماً لا مسكها نكد
وللمحب إذا صد الحبيب به ... جمعاً ون كان في الحب مبتعد
فاكتب له مزوجات الاسم إن لها ... في العالمين فعالاً ليس ينجحد
ومن أراد دخولاً في حوائجه ... على الملوك فتقضى عندما يرد
فاكتب له مفردات الاسم إن له ... قد يلتقي ولا يبقي له جلد
وافتح به القفل والمقراض ثم به ... ينجو من السجن من ضاقت به العقد
العقد
وفرق الجمع إن وافيت قسمته ... في شقفة من حماء الأزب صلد (2/351)
صفحة 781
فاكتب عليها الأعداد مفردة ... في يوم نحس من الساعات مجتهد
وحلها بمياه قد حوت وسخاً ... من الأنام فلا يبقى إذاً أحد
واقتل به النفس إن أحكمت قسمته ... في طالع الليث والتنين مبتعد
بخنجر ذكر يجلو حرارته ... فاليابس الحتف فيه صح قد وجد
فإن أحد يشكو مضرته ... وشر وهو كالنيران يتقد
فخذ رصاصاً من الصياد واسبكه ... واكتب عليه زهج واح معاً بطد
وادفنه في قبر ميت لا زيار له ... يعود أبكم لا يفهم له أحد
ومن له غائب يرجو الوصال له ... في سرعة فخفيف إنه برد
اكتب له في تراب الرجل مزوجة ... واحرص على دفنه في موقد يقد
واكتبه في ككفك اليمنى وأوم به ... لمن تحب فيأتي وهو منعقد
وإن أتتك النساء تشكو بتر ودم ... فإنه جيد ما مثله تجد
بادر إليها بخفاش فاذبحه ... في جفنة طاهر ما مسها نكد
واكتب على ثوبها من دمه بطد ... زهج واح فإن الدم ينطرد
وإن أتيت بمعقود فإن له ... عندي وحقك عاجل يجد
خذ بيضة من دجاج يومها ولدت ... اكتب عليها حروف الزوج مجتهد
وخلها تشتوي في النار يأكلها ... فإنه يفترسها مطلق العدد
وإن أرت الخفي أن ترى أبداً ... في العالمين ولا يظفر به أحد
فاقصد إلى النهر في يوم له طلل ... واعمد إلى الضفدع الصفر التي
تجد
فتنتقص أربعاً تكفيك جلدهم ... فسر وبادر إلى نحوه قصد
وادبغهم بدباغ الملح ثم بهم ... كحل يوافق في أكحالك الثمد
فهذه أحرف بانت فضائلها ... على تمامها وفيها النفع والرشد
وفي منافعها خمس وأربعة ... وسبعة وثمان لم يلد أحد
ثلاثة في ثلاثة سرها عجب ... فيها وفي كبدها الأيام تنفرد
قسها عدد الأيام عشرتها ... بعد الثلاثين فيه صح ذا السند
بالله يا مالك الاسم الجليل إذا ... ملكته لا تملكه إذاً أحد
واعلم بأنه علماً قد حوى شرفاً ... على العلوم وفيه للورى رشد
أردناه لنحفظه ... يطيعه الطير والأوحاش والفهد
يا غائص البحر يبغ الدر من صدف ... بدورة الفلك الأشار ينجحد
إن الإله الذي سواك من علق ... يرعى لك اللطف وهو الواحد الأحد
ثم أنشدت من قول الشيخ الرشيد عمر بن سعيد البهلوي في وصية الأقربين شعرا: (2/352)
صفحة 782
يا سامعين ما أقول فافهم ... وصية للأقربين تقسم
بنو البنين أولا فاستمعوا ... وما سفل من نسلهم واجتمعوا
والثاني الأجداد يا إنسان ... أربعة والثالث الأخوان
ونسلهم والرابع الأعمام ... يشركهم أخواله الأرحام
للخال سهم وله سهمان ... أعني بذاك العم يا إخواني
كذلك الأولاد أيضاً مثلهم ... كانوا ذكوراً أو إناثاً كلهم
يعطى الولد كنصف سهم الوالد ... فقس على ما قلت كل واحد
والخامس الأجداد للأبوين ... والسادس الإخوان للجدين
والخال للآباء عم فاحكم ... وعم خال للنساء فافهم
والقسم فيها نصفها للأول ... وربعها للثاني لا تطول
والثمن للثالث بالترسيم ... ونصفه للرابع الحميم
وربع ثمن أصلها للخامس ... وثمن ثمن أصلها للسادس
ونصف ما يبقى يكن للسابع ... ومثله نصف سهمه للتابع
وكل فرع ناقص عن أصله ... بنصف سهم من يكن من قبله
وإن يكن من لا يرثه كثروا ... فقسم والحق أبلج أنور
هذا إذا ما اتفقوا في العدد ... في الدرجات الكل فافهم واقتد
وإن تكن أعدادهم مختلفة ... ولم تكن أحوالهم مؤتلفة
فقسهم ثانية وأعدل ... وأعط الذي من فوق ظهر الأسفل
لو كثروا وصفهم جميعا ... وأعط الذي من بعدهم سريعا
كل امرئ يعطى كنصف الأول ... كانوا قليلاً أو عديد الخردل
وإن بقي شيء لمن هو بعدهم ... في درجة ثالثة إن بدهم
كل امرئ منهم ربيع الدرهم ... أو دانق في قول عدل محكم
وإن بقي شيء من الدراهم ... لا ينقسم بين ذوي المقاسم
فاشتري الجت به واقسمه ... وضعف الأقرب منه واطعمه
وقطعها يا صاح ربع الدرهم ... أو دانق أو دانقان فاعلم
ومن يمت منهم يكون سهمه ... لمن يرثه فهو ذاك حكمه
أما الذي يموت قبل قسمها ... وقد ولد من بعدها لا يجمها
وكل معدوم يقم مكانه ... من هو وراه فاغترف بيانه
والحظ للأنثى كمثل الذكر ... فقس على هذا جميع البشر
هذا اختصار للذي لا يعلموا ... والمصطفى صلوا عليه وسلموا (2/353)
صفحة 783
وبعد هذا أنشدت هذه المنظومة المعروفة بالدرر المنتقا وسلم الارتقا (1) وناظمها الشيخ عامر بن سليمان بن محمد بن خلف بن حسن بن محمد الريامي الإزكوي:
أرى الدهر لا يصفو اللذيذ وبعدك (2) ... ولكنه للحلو بالمر يعقب
يشوب الرخا مضاً وبؤساً نعيمه ... وما راش يبريه سريعاً ويسلب
فدع عنك يا مغرور دنياك لا تشم ... بروقاً لها إن أومضت فهي خلب
فكم مزدهي فيها تجاهل قدرها ... تجر ذيول الغي تيهاً ويسحب
وألهاه جمع اللهى فيها مفاخراً ... يباهي بما تحوي يداه ويكسب
يروح ويغدو كالبهيمة همه ... اختلاباً لما يأكله فيها ويشرب
كأن لم تكن أيدي الليالي يكفها ... سهام (3) المنايا في البرية تنشب
وأغفله التسويف جم حمامه ... ففاجأه وهو الخاذل المتوصب
أترجو بأن تنجو وأنت أسيرها ... وفي شرك البلوى إلى أين تهرب
وتسري بك الأيام وشكاً سريعة ... وفوق مطاها أنت تلهو وتلعب
فما هذه دار يدوم قرارها ... ولكنها غول تخون وتخلب
أفق ويك واصرم عنك حبل وصالها ... فما هي إلا ظلة سوف تذهب
ولا تغترر لو سالمتك خطوبها ... فمكر وإن الدهر بالناس قلب
تزود من التقوى تنال سلامة ... ومن يتق الرحمن ينجو وينجب
والتمس العلم الشريف فإنه ... سلاح لمن عاداك بل هو أهيب
وليس كمثل المال ينمو لخازن ... ويمحق بالتبذير أو حين يخرب
وطع أمر مولاك الكريم وازدجر ... ولا تركب العشوا فإنك تتعب
وطهرن ثوباً قد تدنس قبل ما ... يغلق باب التوب عنك ويحجب
واعتقد التخليص مما اجترحته ... ومن كان ذا عسر فيوصي ويكتب
وإن مات ذو دين فيقسم ماله ... لديانه لو ذو الأراثة يغضب
ومما بقي بعد الديون فحكمه ... ثلاثة أجزاء وذاك مرتب
فجزء لما أوصى به من تنصل ... وجزآن للوارث في الحكم ينهب
وإن كان فوق الثلث أوصى فإنه ... يحاصص فيه والحسود مذبذب
ومن ثلث مال الميت قد قيل كفنه ... وتحنيطه عند الوصية أوجب
__________
(1) 1 – تم مقابلة القصيدة هنا بنفس القصيدة التي طبعت في مطبعة النصر بنابلس .
(2) 2 – في الأصل ( وبعدت )
(3) 4 – في الكتاب المطبوع : نبال (2/354)
صفحة 784
ومن مال رب الدين تسعة أذرع ... بذلك أنباني الضياء والمهذب
ولا تعط وراثاً وصية ميتهم ... ولو أنهم بالويل صاحوا وأصخبوا
وإن شئت أن تعرف أولي الفرض عدهم ... إن كنت ذا فهم وللعلم تطلب
فأربعة ذكرانهم ثم ضعفهم ... نساء كأمثال البدور وأعجب
فبنت وبنت بن وأم وجدة ... وزوجته للدمع تذري وتسكب
ومن أبويه أخته ثم من أب ... ومن أمه أخت لها الثغر أشنب
وزوج وأب ثم جد وبعده ... أخوه من الأم الشفيق المحبب
وأما سهام الفرض إن كنت سائلاً ... فستة أقسام وبالآي كوكب
وذلك سدس ثم ثلث وضعفه ... وثمن وربع ثم كالضعف تحسب
فسدس لبنت الابن مع بنت صلبه ... وجدته والجد إن كان لا أب
وأخت أبيه مع شقيقته لها ... لتكملة الثلثين سدس موجب
وسدس لأخ الأم أو أخت أمه ... وللأب عند النسل سدس فيوهب
وللأم سدس المال إن كان عنده ... نسول وإخوان عن الثلث تحجب
وإن لم يكن نسل ولا أخوة له ... فاحكم بثلث المال للأم حوشب
وأخوته من أمه الثلث حظهم ... لهم بينهم شرع هنالك ينهب
فإن لم تجد للخالصين حقيقة ... فإن لهم في الثلث حق ومطلب
وأمثاله أم وزوج وأخوة ... من الأم عند الخالصين تأهبوا
فللزوج نصف المال والأم سدسها ... وفي الثلث حق الخالصين موجب
لذكرانهم مثل الإناث ولا نرى ... يفضل بعض فيهم لو تألبوا
إذا كان في حكم الكلالة لا له ... نسول (1) وأجداد دنووا أوتقربوا
وثلثان كل المال فرض بناته ... وإلا بنات الابن من بعد أقرب
ولأخوات الأب ثلثان ماله ... إذا ما عد من الخالصات مرتب
ونصف لبنت الصلب أو بنت ابنه ... وخالصة أو من أب يا مسيب
وللزوج نصف وهو إن لم يكن لها ... نسول وما بالحق غيم وغيهب
وعند وجود النسل ربع لزوجها ... وربع لها منه إذا النسل غيب
وزوجته مع نسله الثمن حظها ... ولو أنها باتت تنوح وتندب
وعند خليصات الفتى لا لأخته ... ومن الأب شيء ما تكلم معرب
كذلك بنت الابن عند بناته ... إذا لم يكن أخ لهن فيعصب
وليس لبنت الأخ إرث وعمة ... أقاسوه أهل العلم إذا فيه أطنبوا
ويحجب آب المرء جداً وأخوة ... وجدته مع أمه تتجنب
__________
(1) 1 – في الكتاب : ولاد (2/355)
صفحة 785
وبنت وبنت ابن وبنت ابنة ... وابن لإبن ابن ابن مؤدب
وأخت له أيضاً وبنت أخ له ... فاثنا عشر تصحيحها حين تضرب
فنصف لبنت الصلب ثم سديسها ... لبنت ابنه يا من يعيب ويعتب
وعمته سهم وسهم لأخته ... وسهمين يحوي كفه المتخضب
ويعصب من حاذاه أو كان فوقه ... ولا شيء للسفلى مع العم مصعب
وأما اصول الفرض سبعة أضرب ... ثلاثة منها هي للعول تجلب
وأربعة قل لا تعول وإن تكن ... بذاك جهولاً فاستمع يا مدرب
فثلث وباقي أصله من ثلاثة ... ومن بعده التربيع إن كنت تطلب
فنصف وباقي ثم ربع وما بقي ... وثمن وباقيه أخو العلم أهيب
وإن كان عند النصف سدس فعوله ... إلى عشرة ما فوق ذلك مهرب
كأختين من أم وأختين من أب ... وزوج وأم وهي تبكي وتنحب
وإن كان لا أم وتلك كأصلها ... إلى تسعة عالت وبالحق أصوب
وإن كان عند الزوج أخت لأمه ... وأختان من آب وسعيك معجب
يكن سدسها ثمن على ذا قياسه ... وإن كان عند الزوج أخت وتنسب
إلى أمه مع أخت أب فقل كذا ... يكن عولها من سبعة حين تحسب
وإن كان عند السدس ربع فضوعفت ... وسبعة عشر عولها أو يقرب
كأم وأختين لأم وزوجة ... وأختين أيضاً من اب تتكاءب
وإن لم تكن أماً إلى خمسة عشر ... تعول فافهم ما أشير وأضرب
وعند بنات الميت زوج وجدة ... ثلاثة عشر عولها وهو أقرب
وتبلغ عشريناً وسبعة عولها ... إذا كان فوق الثمن سدس مركب
كبنتين مع أب وأم وزوجة ... وذلك أقصى العول ما لاح كوكب
وللأم عند الزوج والأب ثلث ما ... تبقى ولا كالحق حصن ومذهب
وإن كان جداً أو أخاً كان حظها ... من المال ثلث الأصل يا متعتب
وهاك أولي العصيب ابن ونسله ... وإن سفلوا أولى به ثم أوجب
ولا شيء عند الخالصين لإخوة ... من الأب قس هذا لعلك تنجب
ونجل شقيق المرء ليس بوارث ... عند أخيه من أب حين ينسب
ومن عمه بن الأخ أولى بإرثه ... على ذاك تقفوهم جميعاً وتحسب
ولا عصبات في النساء سوى مع ... البنات خوات المرء في ذاك أحسب
وأما أولوا الأرحام دونك فاستمع ... فهم درجات أربع سأرتب
فأولهم نسل البنات ونسلهم ... ونسل بنات الابن يا متسبب (2/356)
صفحة 786
ومن كان أدنى منهم فهو وارث ... وليس لمن أنأت عن الميت مأرب
وأمثاله بنت بن وبنت وابنة ... لابنة ابن الميت من هو أقرب
جدير به بنت بنة الابن إرثه ... وذلك بالتنزيل والجهل أصعب
وإن هم تساووا فيه ثم تكاثروا ... فيقسم شرعاً بينهم حين يوهب
وأمثاله بنت ابنة ثم تسعة ... ذكور لأخرى فاستفد يا مقرب
فعشرة أجزاء كأمثال رؤوسهم ... أناثهم مثل الذكور إذا حبوا
إذا انقرضوا نسل البنات ونسلهم ... ولا شارخ منهم وشيخ حدودب
فاحكم لبنت الأخ أو ابن أخته ... وإن سفلوا ما رجع الصوت مطرب
وتعطيه كلاً منهم إرث من به ... تعلق لو ماتوا وفي اللحد غيب
وأمثاله ابن لأخت شقيقه ... وبنت أخ أيضاً من الأب تندب
فقل لهما نصفان يقسم بينهم ... على مثل هذا في القياس تصوب
وابن أخي أم وبنت أخي أب ... فمن ستة ما عن إلهك يعزب
لابن أخيه سدسه ثم ما بقي ... فذاك لبنت الأخ حق موجب
ثلاث بنات من لثلاث تفرقت ... خوات له من ستة ثم تقلب
إلى خمسة رداً عليهن هكذا ... يكون على التنزيل والصدق أطيب
وإن لم تجد من نسل إخوته معاً ... فانظر إلى الأجداد من هو يحجب
كمثل أبي أم وما كان فوقه ... وآب لأم الأب للميت ينسب
أبو أم آب مع أبي آب أمه ... أرى آب أم الآب بالقرب يغلب
وأم أبي أم وأم أم أمه ... فأم أبي أمٍ عن الإرث تهرب
وكل يرث من كان يورث نجله ... ينزلوا بطناً بعد بطن ويجلب
ومن بعدهم خالاته ثم خاله ... وعمته والعم للأم ينسب
فثلثان للعمات والعم حكمه ... والخال والخالات فالثلث أوجبوا
كعشرة أخوال وعشرين عمة ... تصح ثلاثيناً لهم حين تحسب
على حسب أعداد الرؤوس سهامهم ... إذا لم يكونوا من جهات تشعبوا
كعم لأم ثم عمة من أب ... كذلك في الأخوال يا متأدب
فتبلغ اثنينا وعشرة ضربها ... فافقه لها إن كنت للعلم تطلب
فسهم لخال الأم ثم ثلاثة ... لخالته في الحكم ذاك مبوب
وعم لأم حاز سهمين حقه ... وعمته الباقي لها حين توهب
كذا حكمهم مع نسلهم ثم نسلهم ... فقسهم على هذا عداك التأوب
ولا يرث المملوك حراً وماله ... لسيده ما حال بالدهر قطرب (2/357)
صفحة 787
وليس يرى مالاً يوقف ما خلا ... لإبنٍ وأمٍ أو أبٍ يا مهذب
وليس لذمي إراثة مسلم ... ولا مسلم من مشرك قط يوجبوا
وقاتل خطأ لا له من إراثة ... وإن كان عمداً فهو شتى وأعطب
وقاتله بالحكم عند قصاصه ... يرثه على هذا أولوا العلم أذهبوا
وفي الرد عند القسم كل يناله ... سوى الزوج والزوجات ما ساغ مشرب
مسائله من ستة فاستمع لها ... تقاس ومن لا يتبع الحق يتعب
إلى واحد ينحط من لدن خمسة ... كخالصة مع أخوة الأم تنحب
فثلث ونصف خمسة تلك ردها ... وليس كمثل الحق والصدق مذهب
وأخت أب مع أخت أم فسدسها ... يكون بها أربعاً وذو الجهل أخيب
وإن زوجة كانت فمن ستة عشر ... على ذا يقاس الرد ما سح صيب
وأم وأخوين لأم فردها ... ثلاثة أجزاء عليهم تسيب
واثنا عشر إن كان زوجة عندهم ... تصح لهم والدهر فيه تقلب
وجدته مع أخت أم يكن لها ... من المال عند الرد في النصف مطلب
وإن مات لم يترك سوى جدة له ... فتعطى جميع المال إذ هي أوجب
وإن كان عند الرد زوج فأعطه ... كمثل الذي للوارثين موجب
كأخت لأن ثم زوج وجدة ... فأربعة صحت له النصف يقلب
وهاك إذا ما شئت قسم فريضة ... فانظر إلى وارث من هو يشجب
إن كان ذا سهم له أو عصابة ... هناك بحق الحق والجهل يذهب
وأمثاله ابن وبنت وزوجة ... ثمانية في رؤوسهم حين تحسب
فذلك عشرون وأربعة يكن ... لزوجته ثمن وبالذكر أصوب
ويقسم باقيه فثلث لبنته ... وثلثان للأبن الذي هو يعصب
وست بنات والبنون فسبعة ... وأربع جدات اختصاراً يقرب
كما عدد الجدات خمس رؤوسهم ... فأربعة في بيته يا مهذب
فأربعة سدس لجداته كما ... على رؤوسهم أصل الفريضة تضرب
وكل ابنة منهن سهم وضعفه ... لذكرانهم والله في الأمر يغلب
وأما إذا مال لم توافق رؤوسهم ... سهامهم فالضرب سهل يقلب
كخمس بنات ثم ابن وجدة ... وأربع زوجات فافهم تصوب
فذلك اثنان وسبعون عدها ... وست مئين ما عن الحق مهرب
لجدته اثنا عشر بعد مائة ... يتم لها سدس من المال أشهب
وأيضاً ثمانون وأربعة فقل ... لزوجاته ثمن لهن فينهب
وكل ابنة ستون من بعد ستة ... واثنان ثم الضعف للأبن يوهب (2/358)
صفحة 788
وأما حساب القسم في متناسخ ... فميز فإن الناس ليث وثعلب
وعند انقراض الوارثين فأبتدي ... بمسألة الأولى وذو الجهل متعب
وأعدل إلى الثاني واحفظ سهامه ... فإن وافقت وإلا إلى الضرب تقلب
فتضرب في الأولى الأخيرة هكذا ... على مثله يجري الحساب ويصحب
وإن كانت الأولى يوافق أصلها ... لتركته الثاني جزت يا محبب
وأمثاله ابن وبنت وزوجة ... وزوجته أودت وللموت ترقب
وقد خلفت أخاً وأختاً فأكتفي ... بضرب من الأولى وما التبر أسرب
وفي حكمه الخنثى إذا البول استوى ... من مخرجيه يبتدي حين يسكب
يكون له ما للإناث كنصفه ... وما للذكور النصف مع ذاك يجلب
وأمثاله ابن وخنثى وابنة ... فمن تسعة والعلم أحلى وأعذب
فأربعة للأبن ثم ثلاثة ... لمشكلهم والبنت سهمين توهب (1)
وبعض يرى من أربعين قياسها ... على مبلغ الحالين والجهل غيهب
وإن كان زوج عندهم هاك ضربها ... فأربعة فيما انتهت حين تحسب
وإن كان عماً ثم خنثى وزوجة ... فاجعل لها أصلين يا متطبب
فاضرب باثنين ثمانية وقل ... كذلك في حالين والضرب أقرب
فتلك ثلاثون واثنان بعدها ... عداداً وعين الخصم بالدمع تسكب
فستة منها يحتوي العم قسمه ... وأربعة للزوجة الغيد تسلب
وعشرون للخنثى واثنان فوقها ... نصيباً من الوجهين حين يبوب
ولا يثبت الإقرار من أي فرقة ... على أن للأخرى شريكاً يهلب
وإن كان في حظ المقر مشاركاً ... فيثبت والآماق بالدمع تخضب
وأمثاله إخوان أنكر بعضهم ... بإقرار أخت وهو يلجي ويثلب
ففي حال إقرار وإنكار عشرة ... تصح لهم والحمق شؤم مخيب
لناكرها نصف وذلك خمسة ... وسهم لها خمس المقر يوجب
وإن غرقوا قوم أمت من تريده ... وأحي الذي للميت يدنو ويقرب
وتصنع بالباقين ما أنت صانع ... وتحي الذي أوديته يا مقرب
ولا تعط ميت من إراثة ميت ... لقد جاءه من بعضهم حين نوبوا
ولكن له الميراث من أصل ماله ... ففكر فإن الفكر للمرء مركب
فهاك فخذها واتخذها سليمة ... من الزيغ والتمويه والمين أعيب
جمعت بها التأصيل في الإرث نبذة ... كي يستدل الطالب المترغب
__________
(1) 1 – في الكتاب : له وكذا سهمين للبنت توهب (2/359)
صفحة 789
مسائلها في الفرض إن أنت شمتها ... تلح كأسطار اللألي وأعجب
تلقفتها عن عالم في روائها ... ومن حكم التنزيل والنص أنجب
ولست بها أبغي رياءً ومفخراً ... ولا فخر إلا بالتقى وهومنصب
ولكنني أرجو من الله رحمة ... بذلك في يوم يكبكب مذنب
لعل إله العرش يغفر زلتي ... ويرحمني والله معطي وموهب
لأني ارتكبت الموبقات جراءة ... وجررت ذيلاً بالبطالة أسحب
أطعت الهوى حتى هوى بي من الهوا ... سكرت به والسكر بالعقل يلعب
فما فقت إلا والشباب تصرمت ... غضارته من ذاك والرأس أشيب
وصلى على المختار والآل بعده ... إله السما ما دام شرق ومغرب (2/360)
صفحة 790
... قال صاحب ذي الغبراء: أعجبني إنشاد هذه المرأة وقربت منها وقلت لها: من أعلم الناس وأفصحهم؟ فقالت: أعلم العلماء وأفصح الشعراء الشيخ أحمد بن النظر. قلت لها: وأبو الطيب؟ قالت: هو أقوى شعراء الإسلام نظماً على الخصوص في الشجاعة دون غيرها ولكن لا يخلو كلام المخلوق من عيب ومن معاب عليه والذي لا عيب فيه كلام الله لا غيره ولكني أنا آتيك بحجة له المتنبي من أصحابه بإدحاض المدح الذي فيه، انظر واقرأ في كتاب أنوار الربيع في أنواع البديع فيه جميع أنواع البديع وما يمدح فيه من شعر ونثر وما قد ذم وما يمدح فتجد فيه مدح المتنبي وعيوبه في شعره. ثم قالت: وقد حكي لي أن في زمن المتنبي ملك عظيم فقصد عنده المتنبي وذلك الملك صاحب قبض في حق الله، فلما علم المتنبي أنه قاصد عنده وأنه في زمانه هو فصيح العرب فخاف منه إن لم يكرمه على ما يرد أن يهجيه فقال في مجلسه: من بالذي يرجع المتنبي عنا؟ فقال له واحد من العلماء يسمى الحاتمي: أنا أوصل عنده وأرجعه إن شاء الله تعالى. (2/361)
صفحة 791
وكان ذلك العالم له محبة عظيمة في المتنبي وجمع أشعار المتنبي ويمدحه في زمانه ويقول العالم إن المتنبي في زماننا ما أفصح منه أحد فقصد العالم الكبير إلى المتنبي فلم يرد عليه السلام ووقف على كرسيه ولم يرد نظره إلى العالم وجعل ما مثله في الأرض رجلاً عزيزا ليخضع له فتعجب الناس ووقف العالم خجلا بين القوم وعاهد الملك برجوع المتنبي فقام يفكر في نفسه وقال: عجباً لمن رفع نفسه في غير محلها لم أره قد بلغ فضيلة يرفع نفسه بها إلى هذه الحالة بعلم من العلوم خص بها دون غيره حتى يرفع نفسه على العلماء ما سمعنا عنه عنده علم الفلاسفة حتى يفتخر بها على الخلق، ولا سمعنا عنه عنده علم الكيمياء حتى يغتني عن الناس ولا عنده علم الرياضات والسيمياء حتى يبلغ أين يريد من الأرض كلمح الطرف، ولا سمعنا عنه علم الأبدان حتى يحتاجوا له الملوك والشجعان ولا له نسب في الأبطح حتى يفتخر بنسبه، ولا سمعنا عنه عنده علم في تفسير القرآن حتى يفتخر به على المفسرين، ولا عبارة في الرؤيا حتى يعبرها على المخلوقين، ولا عنده علم الشريعة الذي يهتدي به وينجو به عند ربه ويعلو به في مجالس العلماء والكبراء وما علمنا غير أنه شاعر ويسرق أشعار الناس في شعره فإن ادعى أنه من الفصحاء فنعم إنه فصيح ولكن سبقوه بالفصاحة الجاهلية وتركيبهم في الكلام أعجب وهو يقتدي من علمهم فسار الفخر لهم ، وإن كان ركب شعره على النحو فهو صحيح ولكن علماء أهل النحو أعلم ، وإن كان تركيبه في علم البديع فأهل البديع أعلم منه، وإن كان تركيبه في المعاني الذي أتى به ربنا في القرآن معجزة لأهل الجاهلية فالعلماء بالقرآن ومعانيه وتفسيره أعلم من المتنبي، وأنا آتي بعيوب المتنبي في شعره والذي سرقه في شعره البيت الفلاني عن فلان والبيت الذي في قصيدة كذا عن فلان الفصيح فنكت عليه من شعره وقد سماه كتاب التنكيت فقال هذا فخره لغيره وقد سبقه بالفضل فيه، وإن كان هو في شعره مستقيماً وبما (2/362)
صفحة 792
بقي فالفخر له أما يستحي لنفسه عند العلماء الذين ذكرهم أينظرون الملوك إليه فخجل المتنبي من إظهار ما نكت عليه وأقبل يقبل يديه ويعتذر إليه وأقر على نفسه بعيب ما نكت عليه وقال نفسي كذبت وما أنا إلا شاعر ورفيع مع قليل العلم قال له شاعر ولكنك سابق ومسبوق وإنه ليضرب بك المثل عند المتأخرين فرجع المتنبي عن دار الملك.
قلت لها: أريد أن أتعلم في أبحر الشعر. قالت: أما الشعر فهو من اللغة العربية ويحتاج أن تعرف الكلام في الإعراب أصله باللغة تصريفه يعرب وسطه والنحو يعرب آخر الكلمة لأن أوله لغة ووسط الكلمة صرف وآخرها نحو والشعر لغة ونحو وصرف وبديع ومعاني وقوافي وفيه ركب على موازين كل بحر بميزانه وجامعها بيتين:
وأبحر شعر الناس ستة عشر ... وضابطها بيتان كن لي سميعها
طويل مديد والبسيط ووافر ... وكمل وهزج رجز رمل سريعها
ومنسرح خفف وضارعه اقتضب ... ومجتث قارب خب تأخذ جميعها
وهاك عن ابن كرابا شعرا:
طويل بدا هجران من كنت أهواه ... أذاب فؤادي والتصبر أفناه
فعلون مفاعيلن فعولن مفاعيلن ... ولا تقتلوا النفس التي حرم الله
مدمن بالتقا خاف البوسا ... هجره والبعاد والتعيسا
فاعلات مفاعلن فاعلاتن ... إن قارون كان من قوم موسى
بسطت في أملي إني أداهنهم ... خوف من الشرطى أن أعاينهم
مستفعلن فعلن مستفعلن فعلن ... فأصبحوا لا يرى إلا مساكنهم
ووافر حظ شعري في مديد ... على رغم الأعادي والحسود
مفاعيلن مفاعيلن فعولن ... ألا بعداُ لعاد قوم هود
كمل السرور لنا وصار مقيما ... بالمصطفى خير الورى تكريما
متفاعلن متفاعلن متفاعلن ... صلوا عليه وسلموا تسليما
هزجتم يا من النفس ... عن الأوطان والأنس
مفاعيلن مفاعيلن ... كأن لم تغن بالأمس
والرجز الموزون إذ يحرر ... تقطيعه بين الورى يكرر
مستفعلن مستفعلن مفعلا ... يا أيها الذين آمنوا اصبروا
رمل الرمل به من رمل ... لذة للمجتني والمجتلي
فاعلات فاعلات فاعل ... والذي أطمع أن يغفر لي
سريع بحر قد شداه الحكيم ... كرر على سمعي به يانديم (2/363)
صفحة 793
مستفعلن مستفعلن فاعل ... ذلك تقدير العزيز الحكيم
بمنسرح الشعر يضرب المثل ... مما تراهم عن الهدى نكل
مستفعلن مستفعلن فعل ... فأصابهم سيئات ما عملوا
خف لما أردت أشد الخفيفا ... لذ في مسمعي وكان ظريفا
فاعلات مستفعلن فاعلات ... إن كيد الشيطان كان ضعيفا
ضرعنا به جهارا ... وبتنا به سكارى
مفاعلات فاعلات ... إني آنست نارا
اقتضب حين سبا ... مهجتى وربا
فاعلاتن مفتعلن ... ماله وما كسبا
مجتث عنقي ألفا ... في القلب مني عشقا
مستفعلن فاعلات ... الله خير وأبقى
تقارب تقارب بهي إذ يصلي ... جهاراً بهي إن يكن رأى غي جهلي
فعولن فعولن فعولن فعولن ... إني آنست ناراً لعلي
خبب الشعر إذا يشار إليه ... ممن شذاه وحظ عليه
فعلن فعلن فعلن فعلن ... وجاءه قومه يهرعون إليه
تدارك إليه مدى المادحينا ... وأرتجي أن تكون في الصالحينا
فعولن فعولن فعل ... فعسى أن يكون من المفلحينا
إله هذا الورى حكيما ... وجوده لم يزل عليما
مستفعلن فاعلن فعول ... سبحان من لم يزل عليما
وكل بحر له شعب كثيرة انظر البحر وأبياته مصراع الأول والثاني والثالث والرابع فإنها تدخل في القضية في المحرك والساكن. (2/364)
صفحة 794
قال الشيخ العالم الفقيه ناصر بن أبي نبهان: وتقاطيع الوزن من فعولن ومفاعيلن وغيرها من التقاطيع بحور منها حذف بعض الحروف في تقاطيع كل بحر وقد أشار هذا الناظم بهذه الأبحر إلى بعض ذلك باختلاف ما يأتيه في نظمه عن وزن تقاطيعه ومثال ذلك في بحر الطويل قوله: أذاب فؤادي حذف الخامس الساكن من فعولن إلى فعول وهو أذاب والوزن هو أن يكون حروف البيت متحركة حيث تحركت وتسكن حيث سكنت والمتحرك هو المفتوح والمكسور والمضموم ولكن لكل بحر شعب كثيرة ومثال ذلك قوله في الكامل صلوا عليه فوزنه مستفعلن لا متفاعلن وقد يجوزالتغاير في تقاطيعه بين متفاعلن ومستفعلن وقس على هذا فيما تجده مختلفاً عن وزنه من نظمه وغير نظمه من الشعر الكامل الوزن لأنه من شعبه التي هي وجوهه ، وكل حرف مشدد أو منون فهو من حرفين وكذلك حروف الإشباع هو داخل في الوزن، وما لا يظهر في النطق من الحروف فلا وزن له مثال ذلك الرحمن الرحيم في الألف واللام لا يدخلان في الوزن إلا أن يكون الألف محركاً والراء راءان الأول ساكن والآخر محرك بالفتح لأنه حرف مشدد مفتوح حين عرف بالألف واللام والألف من الرحمن الذي بعد الميم داخل في الوزن ، وكذلك الإشباع مثل قول والدي في منظومته التي سماها حياة المهج قوله:
تبين أخي في الله قولي فإنني على النصح في ذات الإله مع العتبى
فمدة اللام الثانية من اسم الإله التي هي قبل الهاء داخلة في الوزن وهي ألف إشباع ومدة اللام من اسم الإله التي هي قبل الهاء داخلة أيضاً في الوزن وإشباع الهاء بالياء من اسمه تعالى الله داخلة أيضاً كما هي في السجع وإن لم يكتب ذلك في الخط فقس على جميع ذلك في وزن كل شعر منظوم بأبحره.
رجع: قالت: ويجوز للشاعر صرف ما لا ينصرف ومد المقصور وغير ذلك وهاك بيان ذلك من الفريدة المرجانية من نظم أحمد بن مانع بن سليمان بن مداد شعرا:
وليس على من ينظم الشعر في الذي ... أتى صرفه إن جره حرج ولم (2/365)
صفحة 795
يروا فيه من بأس عليه إذا اختشى ... زحافاً لذي الإقواء إن زل أو أثم
وليس عليه في اضطرار إذا أتى ... بقلب وإبدال الذي عكس ما نظم
ويقصر ممدوداً وقيل له إذا ... يمد كمقصور إذا ضل أو غشم
ويحف أعجاز الأسامي مرخماً ... لغير نداء فيه إن شاء يسترم
ولو زاد في الإعراب حرف لمشبع ... فليس عليه أحنة قط من حرم
وتنصب بالفا كل ما كان موجبا ... ويقطع موصولاً ويوصل منحسم
وتقديم عطف قد يجيزونه له ... لذي حذف تنوين ويا هي إذا يشم
ويحذف نوني من ولكن معاّ كذا ... الذين وباء في الذي حين ينتظم
ونون الذين حذفها جائز له ... وواو هو أيضاً لمحذوفها لفم
وتأنيث تذكير وبالعكس جوزوا ... له مثل حق الثقل والعكس يابن عم
فلا بأس فيه لا ولا تعله لدي ... لذي القول في الإعراب ما كان كالفحم
وقال عبدالعزيز بن سرايا الحلي فيما قيد به حدود القوافي الخمسة:
حضر القوافي في حدود خمسة ... فاحفظ على الترتيب ما أنا واصف
متكاوس متراكب متدارك ... متواتر من بعدها مترادف
وله:
بحر القوافي في حروف ستة ... كالشمس تجري في علو بروجها
تأسيسها ودجيلها مع ردفها ... وروتها مع وصلها وخروجها
وقال أيضاً فيما قيدوا حركاتها الستة على الترتيب:
إن القوافي عندنا حركاتها ... ست على الترتيب
رش وإشباع وحذف ثم تو ... جيه ومجرى بعده وتعاد
وقال في تفسير زحاف الشعر:
زحاف الشعر قبض ثم كف ... بهن الأحرف تفص
وجبر ثم طي ثم عضب ... وعقل ثم إضمار ووقص
وساير ما عدا علل طوار ... لها في الشعر أمكنة يخص
الذكر الرابع والخمسون
أوله في الفلك، ثم حكايات وأمثال، ومسئلة في الفالج ودوائه، وفي التزويج وتوفيقه من الرمل والفلك، ومسائل في الحج للنساء وترغيب السفر، وآخره في اللغة. (2/366)
صفحة 796
قال صاحب ذي الغبراء: رأيت ذا الغبراء ينظر هلال الشهر لحج الله الأكبر وسمعته يقول الله أكبر الله أكبر الله أكبر اللهم إني أدعوك أن تفتح لي أبواب الخير بحرمة المواقيت والمشعر، وإنك جعلت الدعاء فيها مجاب على ما جاء في الكتاب، وفيما أثروه عن الصحابة أولي الألباب، وقد بين الله لنا هذه الأيام المعلومات لأنها أيام اجتماع وأكل وشرب وبعال وفضلت تلك المواقيت كما فضل الله فاتحة الكتاب عن آي القرآن وجعل فيها سبع آيات وجعل كعددها سبع سموات وسبعة أيام وسبعة كواكب وهي أرباب لأثني عشر برجاً وجعل البروج على عددها اثني عشر شهرا، وأما منازل البروج ثماني وعشرون منزلة لكل يوم وليلة ينزل القمر فيها، فإذا كان البدر مسعوداً في تلك المنزلة فاعمل فيها ما نويت، وسافر إلى حيث قصدت، وإن كان منحوساً فاعمل فيها الفرقة ولما أردت هلاكه وضعفه، ولكن لا تكتب إلا ما كان يجوز لأنك مسئول عنه غداً وعليك بالورع ومحاسبة النفس ولا تكن كلاً على الناس وعليك بالمطالعة في الآثار في المسائل الشرعية لسلامة دينك ومالك في هذه الدنيا الدنية وقد نظرت لك الناس قد دخل على قلوبهم الخجل بطول الأمل وضعف العمل وبعض منهم عمدوا على الجبل فسلمهم الله من العلل والزلل، وقد حكي لي عن رجل عنده دراهم جعلها للتجارة فجاء عنده رجل وأخذ منه ألف درهم قرضاً ولم يشهد عليه ولا قبض منه صكاً ثم قتل المقترض وخلف أيتاماً فذهبت دراهم القارض، وآخر أقرض رجلاً دراهم وقبض منه أمانة عن ذهاب ماله ولكنها سرقت الأمانة من بيته ولم يسرق شيئاً غيرها فوقع التنازع بين القارض والمقترض، وآخر قرض رجلاً وأخذ منه صكاً وشهد عليه شهوداً ولكن يده قصيرة على المقترض وطالت عليها مدة زمانية ثم رجع المقترض للقارض فذهب أكثرها للزكاة، وآخر له صديق فكتب إليه صديقه يريد منه أن يشتري له شيئاً معلوماً وأن يرسل إليه ثمنها متى وصلت إليه فشرى له الحاجة التي طلبها وعلى يد الأمين أرسلها (2/367)
صفحة 797
فكسب الأمين وذهب جميع ما في يده. فبالحكم لزمه الثمن ولكن لم تسمح نفسه بتسليم الدراهم فذهبت الدراهم على المشتري لأجل الصداقة. ثم أقبل إلى صاحبي بعد هذا وقال لي: أحذرك إن كان لك عندك أصولاً فلا تبعها ولا تشتري بثمنها بيعاً خياراً، وإن كان في ملكك أموالاً بالبيع الخيار فلا تفادي بها وتعطي عنها رهناً مقبوضاً، وإن كان لك دراهم في رهن مقبوض فلا تجعلها في أيدي الناس بلا رهن، وإن كانت لك دراهم مع رجل موسر وأمر لك بها عند أناس شتى موسرين فلا تقبل من عندهم، وإن كانت لك دراهم متفرقة عند الناس وأمروا لك بها مع موسر فاقبل من عنده خصوصا إذا كانت لك دراهمك في أيدي الفقراء، وأما إن أمر لك الموسر المعسر مع الموسر الغني فاقبل من عنده وإن قبضك الموسر رهناً مقبوضاً بدراهمك فخذ الرهن من عنده، وإن كان لك رهن مقبوض وأراد أن يعطيك عنه مالاً بالبيع الخيار فخذه لأنه أصلح لك، وإن كان لك مال بالبيع الخيار وأراد أن يعطيك عنه مالاً بالأصل فاقبله لأن المال الأصل تصرفه حيث أردت، وكذلك وارثك له أن يتصرف فيه واصبر وما صبرك إلا بالله فإن الله يبتلي أولياءه وعباده وإني سأخبرك بقصة عن رجل سافر وقد لزمه فرض الحج وأخذ لصحبته رجلاً أميناً معيناً له. (2/368)
صفحة 798
ثم جدوا في سيرهم حتى دخل عليهم وقت صلاة المغرب فيمموا جمالهم إلى مورد الماء مسرعين فهربت أغنام عن المورد من الفزع وهي للبداة فأقبلوا البداة وضربوا الرجلين بالسياط فمكثا أياماً لا يقدران على النهوض فلما خفف الله عنهم ركبوا جمالهم وجدوا في السير في طريقهم فسقط صاحبه من الجمل لأنه معتاد بعلة الصرع فتكسرت أضلاعه وقام عليه أياماً ثم قصد إلى البندر وتحصلا في الفلك ودارت تجري بهم في موج كالجبال حتى أقبلوا عليهم الظلمة وأخذوا عليهم الخشبة وما فيها وأنزلوهم في البر وليس عندهم ماء ولا طعام فتكففوا على الناس، ثم ابتلي الرجل الحاج بريح الفالج والخدر وصاحبه المبتلى بالصرعة تارة يقيم بصاحبه وتارة تغمى عليه صرعته ولا يعرف ساعاته من أيامه ولا أيامه من شهره فمع ذهاب عقله انحط عنه فرض الصوم والصلوات ومع صحته ألزمته ما لم يفت وقتها، وفي حضور صلاة الصبح صح قبل أن يطلع قرن من الشمس ولكنه قعد للبول والغائط ونوى التيمم للصلاة ثم قرأ الصلاة وهو مستقبل القبلة ويومئ للركوع والسجود لأنه قاعد للنجو حتى طلع عليه قرن من الشمس فوقف عن قراءة الصلاة حتى طلع قرنها الثاني ثم حينئذ أتم صلاته انظر في هذا الرجل المبتلى بريح الفالج فإنه لا يقدر على الطهارة ولا الوضوء للصلاة ولا يقدر على التيمم ولكن عقله عنده يحفظ لقراءة الصلاة وأنه نوى للتيمم وقرأ الصلاة ولا عذر له هنا بالتكبير لها وأنه لوكبر لها وهو قادر على قراءتها لزمته التوبة والكفارة، ثم بعد أيام أقبلت إليهم الركبان فلما وصلوا معهم رأوهم هذا مفلوج والآخر مصروع فنزلوا الناس معهم فنظروا صاحب الصرع فرأوه رجلاً كهلاً لا تبالغ فيه الأدوية فتركوه على حاله فلما أفاق لم يلزمهم حمله، وأما المبتلى بالفالج قالوا هذه العلة سببها من البلغم المنحدر من الدماغ الصائر إلى مبادر الأعصاب وعلامته استرخاء جانبي البدن أو بعضه من الحس والحركة لغير سبب من خارج علاجه بيدي بمسهل (2/369)
صفحة 799
للسوادي وهو أن يؤخذ ورق العشرق الميبس في الظل مكوك يغلى بمكوكين ماء حتى ينقص نصف الماء ثم يصل ويحط فيه سكر وتمر صبار منزوع الليف والنوى من كل واحد اثني عشر مثقالاً ومن الإهليلج الأسود المدقوق اثني عشر مثقالاً ثم يغلى ثانية حنى ينقص الماء النصف ثم يصل ويشرب ثلاثة أيام أو خمسة أيام ثم يحبس عن الهواء ثم يغلى الزيت الطري والسلط ويطرح فيه ثوم وملح ومصطكي على نار لينة حتى يغلي ثم يدهن به جميع البدن ويعرك بخرقة عركاً شديداً بكرة وعشية ويتغذى بغذاء العمارة الأرز المطبوخ بالحليب البقر ولحم الفراريج والسمن والعسل وهو حار ثم يتدثر يفعل ذلك إلى أن يبرأ قال فعملوا للمبتلى هذا الدواء فأبرأه الله تعالى، ثم أخذوه في صحبتهم وتعلم من عند الناس دلائل الكواكب السبعة مثل زحل له السماء السابع ومن الأيام السبت ومن البروج الجدي والدلو وهو كوكب ذكر نهاري بارد يابس ثقيل طبعه طبع الموت يدل على السواد ومن المعادن له الرصاص الأسود وله من أعضاء الناس الأذن والطحال والمقعدة ومن الصور على آدم فإذا مشى ينكس رأسه ويجمع بين رجليه قصير مخطف صغير العينين والعارضين عريض الشفة ذو مكر وخداع. وزحل إذا كان في البروج الرياحية فمرض القولنج وإذا كان في البروج المائية فيدل على وجع البطن وإذا كان في الترابيات فمن يبس، وإذا كان في البروج الناريات فمن الحميات المحرقة .
وأما المشتري له السماء السادس ومن الأيام الخميس وله من البروج القوس والحوت وهو كوكب ذكر نهاري ذكر شرقي حار رطب سعد طبعه طبه الهواء وله من المعادن الرصاص الأبيض وله من الإنسان الكبد والمعدة وأذن اليسرى والعضد والبطن وأسفل السرة والأمعاء ومن صور الناس على ابيض تعلوه حمرة عظيم العينين حسين الوجه ويدل على الدين والعفة ومن الأمراض يدل على المتولد من فساد الدم بزيادة الكمية التي ليست بمفرطة. (2/370)
صفحة 800
والمريخ له السماء الخامس ومن الأيام الثلاثاء ومن البروج الحمل والعقرب وهو كوكب ذكر حار يابس له الحديد والقوة والبطش والدموم وله المرارة والكليتين والعروق ومجرى النطفة والصلب ومن صور الناس على احمر أو أشقر مدور الوجه أشهل أصهب كريه المنظر في رجليه علامة ومن الأمراض الحميات المحرقة والبرسام الدموي والقروح الدموية والحمرة والبرسام والسعفة والسوس المطبق للحلق إذا كان في البروج الناريات ، وإن كان في البروج المائيات فمن الماء الأصفر وإن كان في البروج الترابيات فمن السل والجذام، وإن كان في الهوائيات فمن الأذيات التي تتأرث من الدموم وأشباهه.
والشمس لها السماء الرابع ومن الأيام الأحد ومن البروج الأسد ولها الذهب وهي كوكب ذكر نهاري حارة يابسة محرقة بالمقارنة ولها القلب والعين اليمنى للرجال والعين اليسرى للنساء ولها المخ والفخذين ولكلكة في الفم والعين حسنة وسلطانها في الرأس ومن صور الناس تدل على آدم تعلوه الحمرة والرأس أصلع جعد الشعر حسن الجسم ومن الأمراض الحارة اليابسة الظاهرة في الأبدان. والزهرة لها السماء الثالث ومن الأيام الجمعة ومن البروج الثور والميزان وهي أنثى ليلية طبعها البرودة الرطبة وما يعرض من آلات النكاح وتدل على الشحم واللحم والكليتان والفرج والرحم والبطن والسرة ومن صور الناس على أبيض تعلوه حمرة حسن الشعر والجسم مدور الوجه صغير الحنك حسن العينين والساقين على وجهه خال حسن الوجه سواد عينيه أكثر من قدره.
وعطارد له السماء الثاني ومن الأيام الأربعاء ومن البروج الجوزاء والقضيمة ممازح ذكر مع الذكور وأنثى مع الإناث وله اللسان والفخذين والسرة والساقين والعصب والعروق ومن صور الناس على آدم ناتئ الجبهة في وجهه طول طويل الأنف خفيف اللحم خفيف العارضين حسن العين طويل الأصابع أكحل العينين. (2/371)
صفحة 801
القمر له سماء الدنيا ومداره عليها وله من الأيام الأثنين ومن البروج السرطان وله الفضة ومن الأمراض الفالج اللقوة وله الرئة طبعه البرودة الرطبة البلغمية يخلع الأعضاء وما يتولد من البلغم ويدل على العين اليسرى للرجال والعين اليمنى من النساء ومن صور الناس على أبيض تعلوه حمرة مقرون الحاجبين حسن الخلق في عينيه شهولة مدور الوجه حسن القامة.
وأما دلائل البروج أولها الحمل أبيض وله من الإنسان الرأس، والثور شديد السواد وله الرقبة، والجوزاء حمراء فيها ظلمة ولها المنكبين واليدين، والسرطان شديد البياض وله الصدر، والأسد أبيض مشرب بحمرة وله القلب والبطن، والقضيمة بيضاء خضراء ولها السرة والأمعاء، والميزان أبيض مشرب بصفرة وله العانة، والعقرب صفراء ولها الفروج، والقوس أبيض وله الفخذين، والجدي أسود وله الركبتين والدلو أشد سواداً من الجدي وله الساقين ، والحوت أبيض وله القدمين. (2/372)
صفحة 802
قال صاحب الفالج: لما نزلنا بجدة رأيت رجلاً عمد إلى الطهارة وتوضأ وسمعته يقرأ البسملة وسورة الحمد إلى الضالين وصلعم وحوقل (1) وقال اللهم إني أدعوك باسمك الذي دعا به عبد من عبادك قائماً وقاعداً راكعاً وساجداً وفي سبع سموات وفي سبع أرضيين في البر والبحر وبين منى وعرفات وعند المقام وبيتك الحرام وبما دعا به نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - خالياً أو في الملأ الأعلى أو في ظلمات الليل أو في ضوء النهار فسمعت نداءه وكشفت بلاءه فإني أدعوك بها يا الله يا الله أن تريني حاجتي في هذه الخطوط يا حكيم يا حكيم يا نور يا باسط السموات والأرض يا طاهر يا دليل يا هادي يا خبير يا مبين يا علام الغيوب ، ثم رأيته ضرب الرمل وفي ضميره يريد امرأة ليتزوجها أم لا ، فلما بسط رمله طلع الأول والثاني والسابع والثامن أشكال الداخلة السعيدة وحكم له الشكل الخامس العشر بالدخول ثم رأيته ينظر في عدد الأشكال فوجدها السعود الغالب فيها ، ثم نظر إلى الأوتاد فرآها نزلت فيها السعود الأكثر ، ثم نظر إلى أشكال الموازيين فرآها سعيدة وسر السعادة والرجاء مسعود ، ثم حسب عدد نقط الأشكال فرآها زادت على التسعين فعلم أن رمله قوي في كلا الوجوه وأن المرأة سيبلغها عن قريب ، ثم قصد إلى الحج ووقف ينظر الركبان حتى رأى المرأة في محمل أهل المغرب وأما الرجل أصله من أرض العراق فصح جمعهم بأرض الحجاز وقصد عند المرأة وخطبها بعدما حلاّ من إحرامهما فتزوجها بإذنها وعلى ما أمروا به المسلمون من التزويج عند عدم الأولياء ثم دخل عليها ورآها بكراً وهي امرأة قد ذهب نصفها وسألها قالت تركت التزويج لأني لا نظرت في الرجال ممن يسرني ويجلو كربتي وفي هذه السنة نظرت إلى السماء وإلى البروج وأربابها فرأيت فيها الأوتاد مستقيمة لأن الطالع الميزان ورب الطالع ورب الثاني ورب
__________
(1) 1– صلعم 1: أي قال صلى الله عليه وسلم ، وحوقل أي قال لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم . (2/373)
صفحة 803
السابع ورب الثامن مقترنان ويتصلان بالمشتري من تثليث وينظران إلى الطالع ورأيت القمر ينظر إلى هذه الأرباب فعرفت بأن أتزوج في هذا الشهر برجل عراقي ثم جئت إلى الحج فألف الله بيني وبينك.
قال ذو الغبراء: سمعت الوالد سالم بن خميس الشاعر يقول قصة عن رجل زاهد من سكان الرستاق قصد إلى الحج فلما قضى حجه ونسكه نظر في الحرم كيساً فأخذه بيده فرأى فيه مائة مشخص فاحتار دليله حيث لزمته بقبضها فنادى من ساعته بأعلى صوته أني وجدت ذهيبة من لها من عباد الله ويأتي إلي براهينها فلم يجبه أحد فمكث سنة في مكة منتظراً لرجوع صاحبها وهو ينادي فأجابه رجل مصري أنا صاحب الذهيبة التي في الكيس وعددها مائة مشخص ولم أدر بها أين ذهبت علي في العام الماضي. فقال الزاهد: هذه هي كما قلت ولكني احتجت في هذا العام لأجل وقوفي هنا وأخذت منها ثلاثة مشاخص وأرجو من الله وثم منك أن تبريني منها ولك الأجر. قال المصري: لا يكون مني هذا وأريدها بعينها وأما أنك لتصحبني إلى مصر حتى تخدم وآخذ من عرقك ثمنها. فاحتار الزاهد دليله وصحت الغلبة عليه ومشى في صحبته إلى أن نزلا في مصر وأدخله في بيته وقال له : طب نفساً وقر عينا . ثم كرمه وحشمه وعظمه وزوجه بابنته وأمهرها من عنده ووهب له الخدم وأعطاه من المأكول والملبوس ما تشتهي النفس وتلذ به الأعين فنسلت المرأة له الأولاد وقام في مجلسه يذكر لزوجته وطنه فسمعهم والدها فأقبل إليهم بالهدايا وحملهم لما يحتاجون إليه في زمانهم فوادعوه فبلغهم الله إلى وطنه بالرستاق بأمن وأمان وتوفاه الله في داره وقبره مع أهل الرستاق مشهور يؤتى إليه بالنذور. (2/374)
صفحة 804
والنذر لا يجوز للقبور ولا يجوز النذر إلا لله وما كان داخلاً فيه وليس فيه شيء لله فلا يلزم ذلك المدخول فيه ويجوز ذلك أن ينذر بشيء لله يأكله من شاء من غني أو فقير مع مسجد أو قبر فلا يلزم مع المسجد ولا القبر إذ لا يمكن أن يكون في ذلك شيء لله ويلزمه النذر ويطعمه حيث شاء إلا في مواضع خص مثل مسجد الحرم ومسجد الجن ومسجد رسول الله ومسجد بيت المقدس معهن لا فيهن قيل أنه يلزمه الوفاء هناك. انتهى كلام الشيخ ناصر.
وفي قصة أخرى رجل يصنع توريقة لطلب الرزق الحلال فكلما جاءه مخبر عن شيء سألهم هل هو مبروك فأجابوه ليس فيه بركة، ثم قيل له بعد ذلك إن لك ديوان مبروك بمسجد الحرام عند طريق الصفا بين الاسطوانتين المذهبتين ثم سافر الرجل إلى الحج فلما قضى ما عليه من اللوازم نظر إلى الديوان فرآه رجل واقف مع الديوان فلما أراد أخذه قال له الرجل لا تأخذ الديوان لأنه لا يحل لك من أرض الحرم شيئاً فأجابه أني رزقت بهذا الديوان من وطني وقيل لي أنه مبروك قال له: كيف تقصد على هذا الديوان من وطنك وبعد مسافتك وأنا لم أقصد إلى خزينة كثيرة في أرض كذا في بيت فلان بن فلان قال له أنا صاحب البيت الذي ذكرته. فقال له مجيباً لكلامه: خذه الكنز هو لك حلال، فلما رجع الرجل إلى منزله حفر في الأرض فظهر له الكنز ورأى فيه علامة من علائم الجاهلية فأخذ خمسه وأنفقه على فقراء المسلمين بمحضر شاهدين عدلين لأن الإمام ليس موجودا في زمانه فتجر به ونمى وظهرت البركة واحتاجت إليه الناس. (2/375)
صفحة 805
وفي قصة أخرى رجل قصد على الحج بالأجرة ولم يزل يسأل مولاه أن يرزقه زوجة صالحة فجاءه هاتف بين اليقظة والنوم أن زوجتك فلانة بنت فلان الموسر فلما أخبر بها وصل معها وخطبها فلم تقنع به لسبب فقره وكان في تلك البلد إذا ابتلى أحد ببلية يتباركون بالحاج ليتخطى المريض ويسأل مولاه له الشفاء فتعقبه العافية فبعد ذلك ابتلت المرأة بعلل شتى ودعت الرجل ليصل عندها فلما وصله المرسول أبى عن الوصول فرجع المرسول إلى المرأة ثم أرسلت إليه بالهدايا فلم يقبلها ثم قالت لأوليائها إن شفاني ربي على يدي الحاج أمرتكم من ساعتي هذه أن تزوجوني به فقصد أوليائها مع الحاج فأجابهم ووصل عند المرأة وقرأ الفاتحة وتخطاها وسأل مولاه أن يشفيها فأقبلت إليها السلامة والشفاء من الله وزوجوه بها أولياؤها فأغناه الله بعد عسره. (2/376)
صفحة 806
وفي قصة أخرى رجل سأل مولاه في الملتزم أن يوفق له امرأة حسينة اللون فسمعه رجل يدعو بذلك فقال له عليك بنساء زبيد فقصد الداعي إلى زبيد وأخذ بصلاً ليبيعه في حلة زبيد ودخل في حللها وقصورها فنظر امرأة من أحسن نسائها وأخذت بصلاً بالشراء من عنده فجعل لها حرفا داخل رأس البصل فحين فجشت (1) رأس البصل رأت الحرف فيه فأخذت خاتمها والحرف وجعلته في تمر الصبار وأعطته إياه ليأخذ حقه من ثمن البصل فوجد الحرف والخاتم داخل التمر فخرج من الدار ثم رجع على تلك الدار بعد شهرين زمان وجعل عليه الكساء الحسن والسلاح التام ونزل بمسجد الجامع وسأل عن أمير البلد وأولياء المرأة فخطبها من عندهم فأخبروها بالرجل فلم ترده فرجعوا له بقولها فقال لهم : لعل دخل الخجل في قلبها من قبلكم، قال له: لا بأس نحن نرسل إليها النساء فأرسلوا إليها نسائهم فلم تقبل منهن كلام فرجعوا عنده وأخبروه بذلك قال لهم: لعل هذه المرأة عزيزة النفس لا تكشف سرها وأنا معي لكم صفة رضاها، قالوا له: بين لنا أمرك فظهر لهم خاتمها فعرفوه وزوجوه بها وأخبروها بذلك فرضيت به ونكست رأسها من الخجل.
والحيل حجة كبيرة مع المسلمين خاصة لإظهار الحق على الباطل وفي طلب الحلال عن الحرام ولا يطلب الحرام الرجل العاقل لأن من ارتكب الحرام لبس العار.
__________
(1) 2 – أي فتحت . (2/377)
صفحة 807
اعلم أن كل من بدت له حاجة في دنياه وشق عليه أمرها ولم يبلغ مراده فيها فيعمل لنفسه الحيل ويقصد الحج ويدعو الله بما يريد كما حكي لي عن امرأة متعلمة في الدين فرفعها مولاها في قلوب الناس وصار لها حظ عظيم مع العلماء والأتقياء والملوك وكان في تلك الأيام الملك عنده والدة حسينة اللون في حسن الشباب ولكن لها رغبة في النكاح الحلال والملك لم تسمح نفسه بتزويج أمه فأرسلت والدة الملك إلى المرأة المتعلمة لتصل عندها فلما بلغها الرسول أقبلت عند والدة الملك فلما دخلت معها رحبت لها وقالت لها: أريد أكشف سري عندك ومرادي أن أتزوج إن كان معك رأي يبلغني إلى ذلك لأن ولدي لا تسمح نفسه لينكحني برجل وأنا أخبرك لهيب في رحمي وفي فؤادي وأريد ستر عورتي حتى يستقيم ديني، فقالت المرأة المتعلمة: الحيلة عليّ أنا ودين الله يسر وإن مع العسر يسرا فالساعة ولدك في جهاد أعدائه وأنت انذري لله إن رجع ولدك سالماً فيكون لازم عليك حج بيت الله الحرام وزيارة قبر نبيه عليه السلام فهذا مفتاحك للتزويج لأن ولدك يسره ذلك وفي سفرك لينكحك بعل بالحلال. (2/378)
صفحة 808
قال: فنذرت والدة الملك ورجع ولدها من جهاده سالماً مظفراً على أعدائه فأخبرته أنه وصلني خبر أن عدوك ظفر بك ودخل في قلبي هم شديد ونذرت لله إن رجعت سالماً فأقصد في هذه السنة إلى الحج وأريد الأهبة للسفر. فأعجبه الملك كلام والدته فجهز لها لما تحتاج إليه في سفرها وذكر للمرأة المتعلمة أن تكون في صجبة والدته فقالت المتعلمة: اعلم أيها الملك أن الحج له شروط ويحتاج على علم وعمل وأخاف من قبل أمك أن لاتمتثل لأمري ويصح لها في سفرها العناء والتعب لأن السفر فيه مرض البدن والدين ولم يحصل لها فائدة والسلامة أولى عن المخالفة، فقال الملك: أنا أشترط على والدتي أن تكون مطيعة لأمرك، فقالت: كذا وكلتني الأمر لجميع ما تحتاج إليه مصالحها في سفرها لدينها ودنياها، قال مجيباً لها: ذلك نعم، فأخذت صكاً بخط يده. ثم أقبل الملك إلى والدته وقال لها: يا أيتها الوالدة ألزمت نفسك السفر وقد جعلت هذه المرأة في صحبتك واستمعي لقولها ولا تخالفي رأيها بما تأمرك به في صلاح دينك ودنياك، قالت له: سمعت قولك وأحمد رأيك والحمد لله حين سمحت نفسك لي بذلك. ثم شيّع الملك والدته وقال للخدم: كونوا في صحبتها فأخذت والدة الملك أمها وبعض من أرحامها لتتأنس بهم في طريقها ثم نزل بأم الملك وجع البطن المسترسل فقالت لها المرأة المتعلمة: لا يجوز النظر ولا المس من السرة إلى الركبة إلا للزوجين أومع الضرورة للأرحام وللناس وهذا المرض نذير الموت وأحب لك أن تتزوجي برجل عاقل متعلم حتى يكون لباسك ويدعو لك عند صلاة جنازتك ويغسلك ويحنطك وينزلك في قبرك وأعمال الإنسان تمامها في خاتمتها وهذا من أمور المصالح لك وللمك، ثم أقبلت والدة الملك مع المسلمين وأمرتهم أن يزوجوها برجل معلوم. (2/379)
صفحة 809
قال: فزوجوها المسلمون وعافاها الله من مرضها وهذه حيلة منها ودخل عليها زوجها وحملت منه بليلتها فطاب قلبها وأدت نذرها وولدت ذكراً في سفرها ثم رجعت إلى وطنها وأخبرت ولدها وبما لقت من التعب والسقم في سفرها وأخبرته بما أمرتها المتعلمة وهي حاضرة عندها فقالت: نعم وصحيح لأني أمرتها بالحق واتباع السنة والساعة هذا عمك والطفل أخيك من الأم فأحسن إليهما فإن الله يحب المحسنين.
فهذه أم الملك أظهرت لابنها بغير ما أكنته في قلبها ومثلها قصة المرأة التي ملكت قومها ولاح في قلبها الزوج وقال كيف الحيلة في قومي وأوليائي من الخجل منهم في قلبي فكاتبت عدوها وهو أمير في عشيرته وأرادها ولكن كتبت له أن لاتجدني إلا بحيلة مني في هذه الأمور فأعجبه رأيها فأمرت بعض من أصحابها بقتل رجل معلوم من أصحاب عدوها فصاب المأمور وقتله في أمان فكتب لها العدو أن أحد من أصحابك قتل رجلاً علينا فإن كان عمداً منكم ذا فخذوا حذركم وإن كان خطاً نريد البيان فلما وصلها الخط جمعت أصحابها وقالت هم: ما الرأي؟ قالوا لها: فأمرنا عندك. قالت: نحن نصل عنده خير من الحرب إن أمكن هذا الحال فعرفته بالوصول عنده فأخذت في صحبتها أولياءها وأكابر عشيرتها وقضاتها والفاعل عندها ثم دخلوا دار العدو فأقبل إليهم عدوهم بالتكريم والتعظيم ثلاثة أيام وهو يجمع قومه عليهم وأحاط بهم وقال لهم: لا سلامة لكم من القتل إلا بحالة واحدة أن تزوجوني بأميرتكم هذه. فتناظروا هم والمرأة وقالوا لها: لعلك تفدينا من القتل، قالت لهم: الرأي عندكم. قالوا: هذا ما رأينا. فزوجوه بها أولياؤها فدخل عليها وتولى ملكها وهذه حيلة عن العار. (2/380)
صفحة 810
وعلى مثل هذه قصة الرجل الذي طلب الأمر على أن يتولى على الناس تعلل في نفسه بالسقم ونذر إن أبرأه الله من ألمه أن يطعم الرجال والنساء في يوم العيد فسر الناس ذلك حتى أقبل عليهم العيد فجعل الموائد لهم إلا أنه بات يكتب في أوعية الأزورد والصيني يكتبه بالمسك والزعفران وماء الورد العجمي ويجعل فيه الماء ثم يجعل الماء في الطعام الذي يأكلوه الناس وهذا مما كتبه لهم : كهيعص ورب التوراة والأنجيل والزبور والفرقان وبطه ويس والصافات عطفت قلوب بني آدم وبنات حواء بالمحبة والطاعة لي قلقون حزينون حتى لا يصبروا عني ساعة واحدة ولا يسمعون ولا يتكلمون إلا بأمري فأعطاهم الطعام فأكلوا وشربوا ما طاب لهم فأعطف الله قلوبهم إليه وولوه نفوسهم فأكن في قلبه ملكهم وأظهر نذره لهم. (2/381)
صفحة 811
ولا يمكن ظهور الأسرار لأنها لا تصح معه الإجابة وفي إظهاره يلقى الهلاك من الناس كما قيل عن امرأة أرادت أن تتزوج برجل فقربت أولياءها بالعطاء الكثير وأرادت منهم أن يأمروا بتزويجها فلما بان لهم أمرها أرادوا قتلها فلجت في الدعاء لله تعالى أن يرزقها بعلاً وأولاداً وصحة وسعادة فأبلاها ربها بالحمة الدائمة فلم تقدر على الصيام ولا على الصلاة قياماً فصنعت الأدوية التي للحمى الموصوفة في كتب الأطباء على معنى الطبائع الأربع فقيل لها إن هذه الحمى وخوفنا عليك من الهلاك بسببها فأرسلت رسولاً أن يصل عندها صاحب المعرفة بالطلاسم والفلك فلما وصل عندها وسألته عن حالها فأجابها أن سبب هذا دعوة منك وأراد ربك بعد الألم صلاح جسمك ولكن تسهيل أمرك انذري لله تعالى أن تحجي إلى بيت الله الحرام وزيارة قبر النبي عليه السلام، والسلام على صاحبيه أبي بكر وعمر، فنذرت من ساعتها وكتب لها صلب الحمى وهو هذا بسم الله الرحمن الرحيم بسم الله لا إله إلا الله الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا طير سوما بسم الله لا إله إلا الله يريد الله أن يخفف عنكم وخلق الإنسان ضعيفا بسم الله لا إله إلا الله ذلك تخفيف من ربكم ورحمة ابرهوما يمح الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب اللهم اشف وعاف فلان بن فلانة أو فلانة بنت فلانة من حمى الشتاء والربيع والصيف والخريف ومن كل وجع ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم ......
قال: فأخذته المرأة وجعلته حرزاً فشفاها الله وقصدت على الحج وأخذت المنجم في صحبتها فلما خرجا من أوطانهما وقطعا البحر تزوج المنجم المرأة بحضرة الشهود فظهرت لها الإجابة من ربها وأوله السبب من مرضها ثم بعده من نذرها وخروجها عن وطنها وأهلها لأن أولياءها قد بعدت عنهم ولها العذر وليس أيديهم طائلة في أماكن الناس. (2/382)
صفحة 812
قال ذو الغبراء: مما أحبه للرجل أن لا يتزوج امرأة وأهلها كارهون ولو كان الرجل صاحب عز ورفعة عن مثل المرأة المتزوجة بنظر وليها ولكن باقي الأهل والأولياء ليس راضون فقتلوا زوجها ووليها، وامرأة أخرى تزوجت بأمرها وبنظر أحد من أوليائها دون الباقين فأصابها الجراح والسجن ثم بذلت من مالها لقتل المعتدين عليها وطرد أوليائها وبعض منهم قتلوا فذهبوا عن دارها لكن من صنع في دنياه الحيل سلم من المكائد والمكاره في الدنيا، ودين الله يسر خفيف عند المسلمين ثقيل مع المجرمين، ولا تتزوج امرأة أعلى منك شرفاً لأن رجلاً تزوج امراة وبذل ماله إليها ثم رشت عليه بالقتل فجاءوا ليقتلوه فقتلوا رجلاً غيره يظنوه زوجها فلما بان له الأمر الزوج طلقها، ولا تتزوج امرأة لتسكن بها حيث أرادت هي لأن أمير قوم تزوج امرأة وسكن بها حيث أرادت فجاءوا إليه أعداؤه فقتلوه في بيتها، وهذا مني لكل مسلم نصيحة. (2/383)
صفحة 813
رجعت إلى قصة الرجل الذي ابتلاه الله بالفالج وأبرأه. قال: دخلت المسجد الحرام من باب علي بن أبي طالب وسمعت رجلاً يذكر نساء في المسجد وقال في كلامه إذا كان للمرأة مال ومحرم يحملها ويجيبها (1) إلى ذلك فقد وجب الحج، وإن كان لها محرم ولا مال لها فلا حج عليها حتى يجتمعا معاً، وإذا كان للمرأة مال فلم تحج حتى ذهب مالها وكان لها أولاد بلغ فإنهم يؤمروا أن يحجوا بأمهم ولا يجبرون على ذلك ، والمرأة إذا كان لها مال كثير وليس لها ولي لم يجب عليها الحج إذا لم تقدر على الخروج إلا بولي وتؤمر أن تطلب ولياً ويجب عليها أن توصي بالحج والولي حجة للنساء في تأدية فريضة الحج وفي عقد التزويج لا يمكن إلا به إلا أن يأبى الولي أو كانت المرأة في بلد حاربة أو محروبة أو كانت قاطعة البحر ولم تقدر على الوصول مع أوليائها فإذا كان على هذا العذر فلها أن يزوجها السلطان أو القاضي فإذا عدما فتأمر جماعة المسلمين ليزوجوها بالرجل الذي تريده، وليس للمرأة أن ترفع صوتها بالتلبية ولكن تسمع نفسها بالتلبية، ولها أن تلبس القطن والكتان والصوف والدرع والسراويل والخمار والمقنعة والخفين والقفازين ، وإذا بلغت المرأة الحدود أحرمت ولو كانت حائضاً ولا تلبس البرقع ولا ثوباً مصبوغاً بشوران أو زعفران أو ورس ولا تلبس الحلي ولا الحرير ولا حلق على النساء إلا أنها تقصر من شعرها بقدر ثلاث أصابع ، وإحرام المرأة في وجهها قالت عائشة رضي الله عنها: (كان يمر بنا الراكب ونحن محرمات فتنشل إحدانا الثوب على وجهها من غير أن يمس الثوب وجهها)، والمرأة الحائض تحرم وتغتسل إن شاءت وتخرج إلى منى وتقف بعرفة والمزدلفة وترمي الجمار وتقصر وتفعل ما يفعل الحاج حتى تحل مثلهم إلا الطواف للزيارة والسعي فإذا طهرت طافت وسعت فحل لها إحرامها، ولا تحج المرأة عن الرجل إلا في كفارة الأيمان كذلك قال محمد بن محبوب رحمه الله، وجائز تحج المرأة عن الرجل في
__________
(1) 1 – أي يأتي بها . (2/384)
صفحة 814
المشي إذا حلف بالمشي إلى بيت الله الحرام في شيء حنث فيه ، ويجوز أن تحج امرأتان عن رجل، ولا يجوز أن يحج العبد المملوك عن أحد وإن قال فيه قائل ، قال أبو المؤثر: أقرب إلى الجواز أن تحج المرأة عن الرجل ولا أن يحج العبد بإذن سيده، ويجوز للمرأة أن تحج عن المرأة.
... وسألت الشيخ ناصر في مسألة فأجابني على المعنى في المرأة التي لها مال ومنحته زوجها وأولادها فقال: يلزمها الحج لأنها تقدر أن تقيم بنفسها وتأخذ أحداً من أوليائها إذا كانت صحيحة ولا عذر لها بإعطائها أولادها. قال: ولا يجوز التأجير للحج إلا الثقات من رجال ونساء لا فرق بين الرجال والنساء.
رجع إلى القصة الأولى فقال: شوقوا نفوسكم بالأسفار في الليل والنهار وادعوا مولاكم في ساعة الأسحار أن يسلمكم من وعوثة السفر في البر والبحر لأنهم صبروا على هذا التجار والعلماء الأبرار مرادهم في سفرهم الفوائد والعلوم والأخبار وقد رصدوا في أعمالهم بالفلك والرياح والأمطار أعني الإسلام والكفار واستمعوا لقول الشاعر حيث يقول:
تغرب عن الأوطان تكتسب الغنى ... وسافر ففي الأسفار خمس فوائد
تفريج هم واكتساب معيشة ... وعلم وآداب وصحبة ماجد
فإن قيل في الأسفار ذل وغربة ... وقطع الفيافي وارتكاب شدائد
فموت الفتى خير له من حياته ... بدار هوان بين واشٍ وحاسد
غيره:
تغرب تكتسب أدباً ومالا ... ولا تذكر إذا ما غبت آلا
فإن العود كان وقود قوم ... فأورثه تغربه جلالا
فصار يعد طيباً أي طيب ... وكان بأرضه حطباً رذالا
وقال الشيخ علي بن ناصر عتاباً لصاحب ذي الغبراء حين قطع الزيارة والمكاتبة عنه عند حضور التزويج فكتب هذه الأبيات شعراً:
عرس هني وإسعاد وأولاد ... ونعمة برضاء الرب تزداد
يا من أعرفه مما أشرفه ... وفي المخاطب ترجيع وترداد
ولا جواب لنا فيه ولا صلة ... تبري بها من اليم الشوق أكباد
وله أيضاً شعراً:
زر من تحب بفرصة أدركتها ... ودعاك فيها قبل يوم فواتها
فمع الفوات ندامة مقرونة ... للنفس من ذي الحب طول حياتها (2/385)
صفحة 815
قال صاحب ذي الغبراء: لما وصلتني هذه الأبيات قصدت ذا الغبراء وعرضتها عليه فقال: ما العذر عن الوصال إليه. قلت له: أنا أرجوه للزيارة ويوعدني ولم يصل معي. فقال لي: أنت المقصر في حقه لأنه أعلم منك بالشريعة وأفصح بالعربية وإنه شيخ وآباؤه وأجداده أهل أمر ونهي لبعض من أهل الإسلام في هذه الأمة واستمع لقول الشاعر:
زر من هويت وإن شطّت بك الدار ... وحال من دونه حجب وأستار
لا يمنعنك بعد من زيارته ... إن المحب لمن يهواه زوار
عن غيره:
لو كان حبك صادقاً لأطعته إن المحب لمن أحب مطيع (2/386)
صفحة 816
ثم قال لي: ليس لك عذر عن زيارته فإن قلت إن الطريق والدار ليس بهن أمان قلنا لك فهل سلم أحد من البلاء والشدة لمن طلب العز والنعمة في المأكول والمشروب والمنكوح والملبوس، انظر لمن طلب العز أما تذهب فيه الأموال والأرواح، وانظر في حب الوالدات لأولادهن فهل سلمن من التعب والشدة عند الولادة، وانظر في لذة الشهد أما يجد آخذه اللذع، وانظر في لذة آكل الحلاوات أما يحترز الذي يعملها عن النار والحرق في ابتداء عملها وعند نضاجها، وانظر إلى الرطب وثمرة الأشجار أما هو خائف على نفسه أن يسقط منها جانبها، ثم انظر في النساء فما كان منهن أحسن وجوهاً وأملأ أموالاً فتذهب على سببهن الأموال والأنفس وهذا صح في زمانك مما عاينته بنفسك من سفك الدماء والدموم في نواحي كدم وأرض السر، وبعض من النساء يصح التعسير من أوليائهن في نكاحهن بسبب ما عندهن من الأموال فيذهب شبابهن وثمرة بطونهن، وبعض من النساء عرضن في الدنيا كالغريب وليس لهن في الآخرة نصيب، وكثير من النساء والرجال ابتلى وصبر وحمد الله وشكر واعتبر، وفكر في قصة الرجل الذي أوصى عليه والده أن لا يحلف بالله صادقاً ولاكاذباً فلما مات والده ابتلاه الناس وأرادوا منه اليمين فأبى أن يحلف فذهبت أمواله وركب في الفلك هو وزوجته وأولاده وسارت تجري بهم ثم أقبلت عليهم ريح وموج كالجبال فانكسر المركب في الليل المظلم وذهبت منه الأموال والأنفس فأما الرجل المذكور أنزله الله على ساحل البحر ولم ير في تلك الأمكنة أحد ورأى ماءً جارياً معه أشجار مثمرة فأكل من تلك الأشجار ثم مشى في أثر الماء ونظره يخرج من جبل فرحع ومعه كنوز الذهب والفضة فرجع إلى الساحل ينظر أهل الخشب ويشري ما عندهم من السلع فأحيا الله على يديه تلك الأرض بالزروع والنخيل والأشجار والعمارات وجعل فيها سوقاً وتجاراً وصنع فيها العدل والأحكام وآوى عنده اليتيم وابن السبيل وتزوج ونسل ولم يذكر أولاده ولا زوجته وقد دخل في (2/387)
صفحة 817
قلبه الإياس منهم ومن طبعه للنازلين معه أصحاب الخشب جعل لهم بيوتاً وسير من أصحابه لخشبهم أناساً يحرسونها وفي بعض الليالي أرسل اثنين من أطراف أصحابه ليحرسون خشبة فلما وصلا مع الخشبة الرجلان قص أحدهم على صاحبه قصة بما جرى عليه في زمانه فقال الثاني هذه القصة التي ذكرتها جرت علينا ولعلي أنا أخوك فتعارفا أنهما أخوة وكانت والدتهم تسمع لقولهم في تلك الخشبة قد وجدوها أصحاب الخشبة في البحر فحملوها وتباركوا بها في زمانهم ولم ينزلوها منها فلما أصبح الصباح وجاءوا معها أصحاب الخشبة فسلموا عليها فردت عليهم الجواب وأخبرتهم عن الرجلين الحارسين للخشبة أنهم سرقوها وتريد أن تنزل على البر بنفسها تشتكي منهم مع أميرها قال: فأنزلوها وصحبوها إلى الأمير فلما وصلوا مع الأمير رأوه في مجلسه والقاضي معه في حكمه ثم أقبلت المرأة مع الأمير وشكت من الرجلين الحارسين للخشبة أنهم سرقوني فأرسل إليهما الأمير وحضرا معه فقال القاضي لهما: هذه المرأة تشكو منكما أنكما سرقتموها فقالا: نحن ليس من أهل هذه الدعاوى، فقال لهما القاضي: لا بد لكما من الخلاص. فقالت: اسمع أيها القاضي أنا أشكو من هؤلاء الرجلين من الحديث الذي تحدثا به في الليل. فقال لهما: كيف تحدثتما. قال: تحدثنا بقصة صفتها كذا وكذا وكذا من أولها إلى آخرها. فقال الأمير لمن حضر: هؤلاء أولادي وهذه المرأة زوجتي والحمد لله الذي جمع شملنا بحرمة سيدنا ومولانا محمد سيد الثقلين. (2/388)
صفحة 818
فقال الواقف بالحرمين: قصدت إلى باب الوداع فرأيت شيخاً متعلماً ومولعاً بالنحو والفصاحة وسمعته يقول: اللحن في الكلام أقبح من العوار في الثوب النفيس. وقال: ليس للاحنٍ مرؤة ولا لتارك الإعراب بهاء ولو بلغ يافوخه عنان السماء انظروا أيها الناس في الذي وجدته في الكتب في الذي قال أنا قاتل عَبدَهُ وآخر قال أنا قاتل عبدِهِ فالثاني أضافه لنفسه وانظروا في الذي حلف أن امرأته طالق إِن دخلت الدار فهذا حلف على مستقبل فمتى دخلت امرأته الدار حنث وآخر حلف أن امرأته طالق أَن دخلت الدار فهذا علق يمينه بفعل ماضٍ فإن كانت امرأته قد دخلت الدار قبل حلفه فقد طلقت وإن لم تكن دخلت لم تطلق، ثم أخذ في يده كتاباً وقام يقرأ للناس هذه القصيدة القطربية شعراً:
الحمد لله العزيز الباري ... الرازق المهيمن الغفار
رب السماء خالق الأشجار ... وخالق الأسماع والأبصار
ثم الصلاة بعد والتحية ... على النبي سيد البرية
محمد ذي الرتب السنية ... خير الأنام صفوة الجبار
وبعد تسليمي على خير نبي ... نظمت من مثلثات قطرب
أرجوزة لذيذة في المشرب ... تروق في مسامع الحضار
...
نظمت مفتوح الحروف أولا ... وبعده المكسور والضم فلا
تكن لنظمها مولا ... فهي التي صحح في الأخبار
يقال للماء الكثير غَمر ... والحقد في الصدور فذاك غِمر
والرجل الجاهل ذاك غُمر ... ليس له خبر من الأخبار
تحية الناس هي السَلام ... والصخر والأحجار فالسِلام
...
وعرق ظهر الكف فالسُلام ... وأنمل تراد بالأظفار
...
واللفظ بين الناس فالكَلام ... واسم الجراحات فالكِلام
...
وأسود الأحجار فالكُلام ... كأنها مطلوة بقار
والجلد إذا يفسد فهو حَلم ... ثم احتمال الشر فهو حِلم
وما يرى في النوم فهو حُلم ... ... فذاك اسم للخيال الساري
ومقدم الثوب فذاك حَجر ... والعقل للإنسان فهو حِجر
...
ووالد امرء القيس فهو حُجر ... أعني بذاك آكل المرار
إذا دعوت الله فهو دَعوة ... أو تدعي للإنسان فهو دِعوة
...
أو تدع للطعام فهي دُعوة ... قوم يفوقون سنا الأقمار
... (2/389)
صفحة 819
وآخر الأيام فهي السَبت ... وأحمر النعال فهو السِبت
كذاك والخيبر فهو السُبت ... تنبت في مواضع الأمطار
...
والأرض إذ تصلب فهي الحَرة ... والعطش الشديد يسمى الحِرة
والمرأة الحسناء فهي الحُرة ... تحجب عن مدارك الأبصار
والعطش الشديد فالسَهام ... والنبل إذ يراش فالسِهام
...
والحر والسموم فالسُهام ... إذا غدا مثل شواظ النار
...
ومجمع الخمر يسمى شَرب ... والقسم في الماء يقال شِرب
...
والكرع في الإناء فهو شُرب ... من لبن أو وطف الأمطار
والأرض مهما اتسعت فخَرق ... وواسع الغطاء فهو خِرق
والجاهل الأحمق فهو خُرق ... وذاك من خلائق الأشرار
...
والمثل والنظير فهو شَكل ... والطرف والدلال فهو شِكل
وجمعك الأشكال فهو شُكل ... للخيل إذ تصال للمضمار
والنشر إن طاب فذاك عَرف ... والصبر في الشدات فهو عِرف
والجود بين الناس فهو عُرف ... تلقاه عند السادة الأخيار
ثم أب الأب فذاك جَد ... نعم وضد الهزل فهو جِد
والسيل إذ تقدم فهو جُد ... تملأ من مواقع الأمطار
وطيب المرعى يسمون كَلاء ... والحفظ والإكرام واللطف كِلاء
وكلية الإنسان جمعها كُلا ... جاء عن الأعراب في الآثار
والجمع في جارية جَواري ... وقربهم في منزلي جِواري
ثم الصياح والنداء جُوار ... كما أتى في وصف أهل النار
...
والجلد والإهاب فهو المَسك ... والطيب إذ يعرف فهو المِسك
...
والأكل للحيات فهو المُسك ... لأنه ما قل في المقدار
والطائر الهادر فالحَمام ... والموت والهلاك فالحِمام
واسم يخص رجلاً حُمام ... تذكره الخنساء في الأشعار
...
والخوف والجنون فهو لَمة ... ووفرة الشعر فهي لِمة
ثم جماعات الرجال لُمة ... تجمعوا من سادة الأخيار
والصوت والصرير فهو صَل ... والحية الصفراء فهي صِل
واللحم إذ يخثر فهو صُل ... آكله يخشى من البوار
وجنة الخلود فهي جَنة ... ثم الشياطين يقال جِنة
والدرع والترس تسمى جُنة ... ولم ترد أسهم المقدار
ومرض الجوع فذاك صَفر ... وكل شيء فارغ فصِفر
وبعده النحاس فهو صُفر ... فهاكها كالأنجم الدرار
والمبغض المحب فهو قَلب ... واسم عصفور صغير قِلب (2/390)
صفحة 820
ثم سوار الفار فهو قُلب ... يرى بأيدي الخرد الجوار
وولد الظبية فهو رَشا ... والحبل يستسقى به فهو رِشا
والبذل والعطا جمعه رُشا ... يطفئ زياد الغيظ وهو وار
والشيء إذ يلقى على الأرض قَلا ... والترك والبغضة سموه قِلا
وجمع قلة مخففة قُلا ... وبالقلين جاء في الأشعار
ومصدر لمن يقال مَنة ... والامتنان والعطاء مِنة
والنفس إذ تقوى وتودي مُنة ... تخفى معانيها عن الأبصار
والنوم إذ يغشى الجفون فالكَرى ... والدور والدواب تعطى بالكِراء
وكرة اللاعب جمعها كُرا ... جاء بالكرين في الآثار
ثم لهاة الخلق جمعها لَها ... ثم الهبات والعطايا فاللِها
والمال يعطي دفعات فاللُهى ... أي القليل من ذوي الإيسار
ثم نبات الرعد فالكَمات ... ولابس الدرع فالكِمات
وجمع شجعان هم الكُمات ... لم يرهبوا جلائل الأخطار
والأرض ذات الرمل فالرَفاق ... وأثر نصب الماء فالرِفاق
والخبز إذا يفرق فالرُفاق ... من كرم البر التقى المختار
إن طال عمر الخود قيل عَمرت ... والدار من بعد الخراب عِمرت
والأرض إن تزرع فهي عُمرت ... من بعد ما استقت البوار الجار
وولد الظبي يسمى بالطَلا ... والراح إذ يطبخ يسمى بالطِلا
وجمع أعناق الرجال فالطُلا ... تنقاد في أزمة المقدار
...
جماعة النساء يقال صَرة ... والريح ذات البرد فهي صِرة
وخرقة تعقد فهي صُرة ... توكا على الدرهم والدينار
وسعة الأرض تسمى بالمَلا ... والملء من كل إناء بالمِلا
ملحفة الكتاب جمعها مُلا ... تستر جسم الشخص وهو عار
ثم ملاحاة الرجال فاللحَا ... والشعر في الوجه المنير فاللحِى
والعظم إذ ينبت عليه فاللحُا ... كالحنك الأسفل والعذار
والشيخ يبدي العظم فهو أَمة ... والخصب والنعمة فهي أِمة
وتابع كل نبي أُمة ... كما تقف لأمة المختار
والشيء يملأ الفم فهو قَمة ... والرأس والسنام أيضاً قِمة
والبيت ما يكنس فهو قُمة ... مثل الكناسات أو الأقذار
واحدة السنين عام أو سَنة ... ومثل النوم القليل فسِنة
ثم جمال الوجه والحسن سُنة ... يفوق بالحسن على الأقمار
والدور والضياع فالعَقار ... والخرج إذ يجمع فالعِقار (2/391)
صفحة 821
والخمرة الأسلاف فالعُقار ... شديدة الإطراب والإسكار
والريق إذ يحكي السلاق ظَلم ... وذكر النعام أيضاً ظِلم
وأخذ مالا يستحق ظُلم ... لأنه يصلى جحيم النار
ثم الخطا والحرب فهو حَرم ... والجسم والمقدار فهو حِرم
والشين في الوجه يقال حُرم ... مثل سواد شين باصفرار
وزبد الماء فهو الحَبار ... جمع وعاء الماء فالحِبار
والحية الرقشاء فالحُبار ... السم منها قاطع الأعمار
والإبل إذ تسقى من الحوض قَبل ... وطاقة الإنسان للشيء قِبل
فذلك التقبيل في الثغر قُبل ... يطفئ بهن لواعج الأوزار
والمطر الواقع فهو قَطر ... ثم النحاس إذ يذاب قِطر
والمندل الرطب فذاك قُطر ... يفوق بالطيب على الأزهار
والجور في الأحكام فهو قَسط ... والعدل والإحسان فهو قِسط
ثم الكبا المعروف فهو قُسط ... يفوق طيب نشره في النار
والسير والذهاب فالمَزاح ... والفرس الكهل هي المِزاح
والبذل للانعام فالمُزاح ... للخلق أو للنعم الصغار
وظهر كل حيوان فالقَرى ... نعم وإطعام الضيوف فالقِرى
ثم البلاد الآهلات فالقُرى ... وغير الآهلات فالبرار
... وعن غيره:
نسيم جمالكم في الصدر سَقط ... ونفحة هجركم في الصدر سِقط
وحب سواكم لا شك سُقط ... حقير يزدري حكماً وذكرا
قال: فنهض ذو الغبراء وهم بالرحيل عن حلقة الذكر فقال له رجل بلغ سلامي بهذا البيت أصحابك:
عليهم من المشتاق ألف تحية تخصهم جميعاً بألف سلام
الذكر الخامس والخمسون
في الساعة والطالع من البروج، وفي الماء والأنهار التي تجري والجارية والراكدة والثابتة والخفيفة، وقصة يذكر فيها ميزان الماء في
الأرض، وصفة أعمالها للذي أراد حياتها. (2/392)
صفحة 822
قال صاحب ذي الغبراء: قصدت يوماً إلى الفلاة وأجهدني العطش في آخر فصل الربيع وقمت أمشي وأهرول في طلب الماء فنظرت امرأة مقبلة ذات حسن وجمال ومعها ماشية وأموال فسلمت عليها وسألتها عن شربة ماء فقالت لي: يا هذا عدم علينا الماء مذ ثلاثة أيام ولكن اقبل مني هذه الإناء واحلب فيها بنفسك من هذه الغنم. ثم قصدت الغنم وأخذت منها بقدر وشربته وقصدت على الظل والمرأة قربت مني وسألتني عن العلماء وعن ينابيع الماء فقلت لها: ليس معي في سؤالك جواب ولكن معي صاحب وأنا نظرته يوماً كشف كتاباً فيه يذكر الماء وقال: إذا سألك سائل عن الماء فاعرف الطالع من البروج والساعة التي أنت فيها وهذا ذكر بعض من الصفات في تصحيح الساعة والطالع أرجوزة مشتملة من تأليف أهل المغرب وعمل بها أهل مصر ومكة وأكثر رصدهم لطالع الوقت بها شعرا:
فإن أردت ما مضى وما بقي ... من النهار بالحساب الأوفق
فاعمد إلى عود بقدر الشبر ... وانصبه نصباً واستعن بالصبر
ثم ارصد الظل إلى أن ينتهي ... بالعود قدره على ما ينبغي
فما انتهى ذاك إلى التعديد ... فرد عليه مثل قدر العود
وألق منه ظل يومكا ... فإن ذلك كمال شأنكا
وما بقي فاقسم عليه وهنا ... اثنين مع سبعين حتى يفنى
وافهم إذا قسمت باب المخرج ... فتلك ساعات صحيح المدرج
وهو إن كان النهار مدبرا ... فقد بقين آخراً فآخرا (2/393)
صفحة 823
شرح هذه الأبيات قوله (إن أردت ما مضى من النهار) أراد به الماضي لأن النهار كله اثني عشر ساعة، وقوله (فاعمد إلى عود) طوله اثني عشر أصبعاً ثم إنك تنصبه في مكان مستوٍ فتنظر كم جاء ظل العود ثم تزيد عليه قدر العود وهواثني عشر أصبعاً وألق من الجميع ظل الزوال وما بقي بعد الإسقاط اقسمه على اثنين وسبعين جزءاً فما خرج معك من الحساب كان كل سهم بساعة، وكل سهمين بساعتين، وكل ثلاثة أسهم بثلاث ساعات، وكل أربعة أسهم بأربع ساعات، وكل خمسة أسهم بخمس ساعات، وكل ستة أسهم بست ساعات، فإذا انتصف النهار دخل الحساب في النصف الأخير من النهار فيكون عملك على حاله في ذرع الظل بالعود والإسقاط إلا أنك تقول الباقي من النهار كذا وكذا والأول تقول فيه الماضي من النهار كذا وكذا فافهم ذلك وتدبره فإنه لا سبيل بالمبتدئ إلا به، وكل برج له ثلاثة أثلاث كل ثلث منها ظل وكل ثلث منها عشر درج، الحمل أوله عشر منه أربع أصابع، والثاني منه ثلاث أصابع ، والثالث أصبعين، والثور أوله أصبع، والثاني منه نصف أصبع ، والثالث لا ظل له ، الجوزاء أولها لا ظل لها، والثاني لا ظل لها ، والثالث لها نصف أصبع ، السرطان أوله نصف أصبع، والثاني لا ظل له، والثالث لا ظل له، الأسد أوله لا ظل له، والثاني لا ظل له، والثالث أصبع، القضيمة أولها أصبعين، والثاني ثلاثة أصابع، والثالث أربعة أصابع، الميزان أوله أربع أصابع ونصف أصبع، والثاني خمس أصابع، والثالث ست أصابع، العقرب أولها سبع أصابع، والثاني ثمان أصابع، والثالث تسع أصابع، القوس أوله عشر أصابع، والثاني إحدى عشر أصبعاً، والثالث اثنى عشر أصبعاً، الجدي أوله اثنى عشر أصبعاً، والثاني إحدى عشر أصبعاً، والثالث عشر أصابع ، الدلو أوله تسع أصابع، والثاني ثمان أصابع، والثالث سبع أصابع ، الحوت أوله ست أصابع، والثاني خمس أصابع، والثالث أربع أصابع ونصف أصبع، وهاك مثلاً إنك تنصب العود في الشمس في يوم كانت الشمس (2/394)
صفحة 824
في أوله برج الحمل ثم انظر في النهار كم من ساعة الحمل فخرج ظل العود خمسة عشر فرد على اثنى عشر فصار الجملة سبع وعشرين أصبعاً فاطرح منها ظل أول البرج من الحمل لأن الشمس فيه وهو ظل نصف النهار أربع فتبقى ثلاثة وعشرون فقسمها على اثنين وسبعين جزءً الذي هو أصل لهذا الحساب ، فخرج جزوف ثلاثة أجزاء من اثنين وسبعين جزء وبقي ثلاثة لأن ثلاثة وعشرين ثلث تسعة وستين، فبقي تمام اثنين وسبعين ثلاثة فقلنا أنه قد مضى من النهار ثلاث ساعات وثمن ساعة لأن الثلاثة الباقية مقسومة على الساعة وكأن الساعة ثلاثة وعشرين جزءً والثلاثة من ثلاثة وعشرين يكون ثمنها بل أكثر قليلاً فاعلم ذلك هذا إذا كان القياس قبل الزوال.
وإذا أردت أن تعرف الساعات بعد الزوال فاعلم أنما يخرج لك من الساعات والأجزاء المقسومة على اثنين وسبعين جزءً فهو ما بقي من ساعات النهار مثل ما كان يخرج قبل الزوال فهو ما يبقى فتدبر ذلك وقسمه تظفر إن شاء الله تعالى.
وإذا أردت أن تعرف الظل بالقدم فإذا كان الظل ثماني وعشرين قدماً من غير..........(نقص في الأصل).
والاختلاف بين طول النهار وقصر الليل وطول الليل وقصر النهار فهو من البروج إلا أن في الحساب لا ينقص من اثني عشر ساعة. (2/395)
صفحة 825
قال المؤلف: قال ناصر بن أبي نبهان: اختلف العلماء في قسمة الليل والنهار فقيل كل منهما اثنى عشر ساعة وبطول الساعات تطول الذي يطول تقصر بالذي يقصر منهما، وقيل وهو الأصح إن الساعة لا تقصر ولا تطول بل كل منهما يأخذ من الآخر وأحكام معرفتهن بالساعات المعمولة المحكمة صناعتهن وبها يقاس كل من أراد أن يقيس بغيرهن، والقياس لا يصح إلا أن تتوسط الشمس في كبد السماء وذلك بالكمال المعمول أو بغيره مقاساً عليه والشمس لها نهاية في سيرها إلى الشمال وفي سيرها إلى الجنوب وكل موضع من الأرض بحذاء ذلك متى مرت الشمس فيه على الرأس لم يبق للظل بقية في ذلك الموضع لا منه على اليمين ولا على الشمال وإنما يمر ذلك تقريباً على مطلع الشمس فلا يصح أن يخص به برج دون برج ويمكن أن يكون المرء في الأرض بحذاء أول البرج أو وسطه أو آخره فلا يكون الحساب على قانون واحد في البروج وما ذكره هذا لا يصح إلا في موضع مخصوص من الأرض والقول المطلق هو ما ذكرناه وقد يتعدى المرء حذاء المنتهى إلى جهة الجاه أو من منتهى الجنوب إلى الجنوب فلا ينعدم وجود الظل بحذاء هذه الأمكنة فاعرف ذلك. (2/396)
صفحة 826
وهاك البيان في الماء والأنهار التي تجري والجارية والراكدة والثابتة والخفيفة فانظر إلى الأوتاد الأربعة فإذا كان وتد الأرض برج مائي فكان في ذلك المكان ماء جاري، وإن كان تحت الأرض الأسد كان في تلك الأرض ماء ثابت ولكنه جبل أحمر، وإن كان تحت الأرض القضيمة كان تراب هائل وما فيه شيء من الماء إلا أن يكون فيه إحدى النيرين كان فيه ماء، وإن كان فيه الميزان كانت الأرض مختلفة الوقت تراب وجبل مختلف الوقت وليس فيه شيء من الماء، وإن كان تحت الأرض العقرب كان ماء راكداً ولكن جبل أبيض، وإن كان تحت الأرض الجدي كان جبل أسود وليس فيه ماء، وكان الدلو كان جبل أسود وفيه جرية ثابتة قوية، وإن كان تحت الأرض الحوت كان ماء ثابت قريب ليس ببعيد، وإن كان تحت الأرض الحمل كان مكاناً يابساً، وإن كان الثور وفيه المريخ كان ماء ثابتً ولكن فيه جبل وما يقدر عليه بشيء، وإن كان فيه إحدى السعدين كان فيه ماء جاري، وإن كان فيه زحل كان ليس فيه ماء، وإن كان تحت الأرض الجوزاء كان ليس فيه ماء إلا أن يكون فيه إحدى النيرين أو عطارد، وإن كان تحت الأرض السرطان كان ماء قرب جاري حلو المذاق، وإن كان فيه زحل كان فيه ماء بارد كريه المذاق، وإذا كان في الرابع برجاً مائياً وفيه شيء من السعود ففي ذلك المكان ماء كثير، وإن كان برجاً رياحياً وفيه شيء من السعود فإنه فيه ماء متوسط الحال، وإن كان في الرابع برجاً ترابياً وفيه كوكب سعد فماءه قليل. (2/397)
صفحة 827
وأما الناريات في الرابع إذا حل فيهن سعد كان فيه ماء وخاصة برج الأسد، وإذا كان الرابع خالياً من الكواكب انظر إلى ربه فإن كان من السعود وحل في برج مائي فإن في ذلك المكان ماء ومن تلك الجهة الماء التي حل فيها رب الرابع، وإن نظر رب الرابع كوكب نحس فلا خير في ذلك الماء ولو كان برجاً مائياً، وكذلك إن كان في وباله أو في هبوطه أو في درجة الاحتراق أو كان ساقطاً عن الأوتاد ولا ينظر إلى الطالع أو كان يتصل بكوكب ساقط، وأما إذا كان رب الرابع ساقطاً ويتصل بكوكب وذلك الكوكب ينظر إلى الطالع أو إلى ربه فإن فيه صلاح. (2/398)
صفحة 828
وأما معرفة لون الأرض على لون الكوكب الحال في الرابع وإن لم يكن فيه كوكب فرب الرابع انظر أين حل، وأما القرب قيل ينظر فيه من العاشر إلى الرابع وإن كان رب الطالع برج السرطان فإن ماءه جاري، وإن كان الطالع العقرب والقمر يناظرهما فإنه ماء عد كثير، وإن كان الطالع الحوت فإنه غزير، وإن كان الطالع إحدى البروج الرياحيات أو الترابيات أو الناريات وكان فيه زحل أو المريخ كان لا تطمع فيه بشيء وخاصة الناريات فيهن جبل ولا فيه نصيب، وإن كان الطالع من بروج الماء وفيه سعد فإن فيه ماء، وأما إن كان حل فيه نحس فأعرض عنه واصرفهم عنه، وإن كان صاحب الساعة إحدى النيرين وكان تحت الأرض الشمس أو القمر أو كانا جميعاً كان الماء قوياً غزير الجرية لا يزول ولا يحول، وإن كان رأس الجوزة تحت الأرض كان ماء جاري لا سيما إن كان في برج مائي ، وإن كان الذنب فيه كان فيه جرية تجري كريهة المذاق وحيث كان النيرين ولو كانا في برج ناري وتحت الأرض كان فيه ماء لكن فيه جبل، وإن كان في برج رياحي كان في أرض مختلفة الألوان، وإن كانا في برج ترابي كان تراب هائل إلا الجدي فإنه جبل أسود ، وإن كان القمر كان في ذلك المكان أشجار مخضرة مثل النخل، وإن كانت الشمس كان مثل شجر الأترج والخوخ والطلح، وإن كان المشتري في الرابع كان مثل الجح والرمان والخيار والزيتون والأعناب والفواكه، وإن كانت الزهرة كان كالآس والورد والسفرجل والقطن، وإن كان في زحل كان مثل القرط والأثب، وإن كان في المريخ كان مثل الحرمل وعنب الثعلب والشبت وهي الربود والسلم، وإن كان عطارد كان من الأشجار التي تحشي (1) على وجه الأرض.
__________
(1) 1 – أي تنمو على وجه الأرض كالبطيخ. (2/399)
صفحة 829
ومن كتاب آخر: إذا سئلت عن محلة هل فيها ماء أم لا؟ فانظر إلى الطالع فإن كان فيه سعد وربه في مكان جيد من الفلك ورب الرابع في برج مائي فاحكم أن ذلك المكان فيه ماء ثم انظر إلى رب الرابع في حد من هو من الكواكب وما عدا ذلك فاحكم بقلة الماء، وإن كان في زحل في البرج الرابع فاحكم ليس هنالك ماء، وإن كان في الرابع ناري أو ترابي وربهما في مكان ردئ من الفلك لم يكن هنالك ما ، ثم انظر إذا علمت هنالك ماء وأردت أن تعرف قربه من بعده فإن كان الدليل الذي هو رب الرابع في الطالع وهو سعد دل على قربه وسرعة وجوده وسهولته، وإن كان رب الرابع في العاشر من الطالع كان الماء قريباً جداً ، وإن كان في الرابع كان بعيداً، وإن كان في السابع كان الماء بعيداً جداً ، فإن تناظرا رب الرابع ورب الطالع فإن الطالب سيبلغ وكذلك إن نقل أو جمع بينهما كوكب فإنه سيبلغ الطالب إلى الماء، وحيث اتصلا رب الرابع ورب الطالع بعضهما بعضا فبلوغه في تلك اليوم، وإن اتصل أحدهما بصاحبه من مكان ردئ فإنه لايتم أمره، ثم اعتبر القيم من الدرج والدقائق والأحادي والعشرات من البروج المتقلبات والثوابت والمجسدات، فإن كان رب الرابع في حد زحل كان حفر الأرض جبل أسود صلب شديد والماء قليل ويكثر الماء إن كان رب الحد ضعيفاً وإن كان ذلك الحد في الحوت أو في السرطان، وإذا كان في حد المشتري كان الحفر أغبراً وهو إلى البياض أقرب، وإن كان ذلك في حد المريخ كان حصى أحمر شديد الخشونة ثم إن الماء مراً إذا كان المريخ هنالك أو فيه عرق من المرورة ، وإن كان في حد الشمس كان حصى أصفر يعلوه بياض، وإن كان في حد الزهرة وكانت الزهرة هنالك كان حفره أبيض والماء كثير إذا كان عطارد في الجوزاء وضد ذلك إذا كان عطارد في برج القضيمة وما شاكل ذلك، وإن كان في حد القمر كان الحفر أبيض وفيه سواد والماء يكون جدولاً إلا أن يكون القمر في البروج الناريات أو في البروج المائيات أكثر من ذلك (2/400)
صفحة 830
الماء والترابيات والرياحيات في معرفة حكمة الماء حكمهما واحد إلا أن برج الثور فإنه يكون القمر في الدلالة أهون من الترابيات ، ثم انظر إلى سهولته وخشونته وتفسيره من الطالع فإن كان رب الطالع في إحدى الأوتاد الأربعة وهو مسعود والقمر ينظر إلى الطالع من مكان جيد من الفلك فاحكم بسهولته أولاً وآخراً، وإن كان رب الطالع ساقطاً ولا ينظر إلى الطالع ولا إلى القمر فيكون آخره فيه مشقة وأوله فيه سهولة، وإن نظر رب الطالع إلى الطالع وسقط القمر كان أوله فيه مشقة وتعب وآخره في سهولة، والحذر الحذر أن يكونا زحل والمريخ في وتد السماء مع ابتداء حفر الأنهار والآبار وإن قدرت أن تجعل المشتري أو الزهرة في وتد السماء فذلك حسن وأما زحل اجعله ينظر إلى الطالع من الثالث أو الخامس وإن لم يتفق فاجعله ينظر من الحادي عشر فذلك حسن.
وينبغي لحفر الآبار والأنهار والقمر في البروج المائية والدلو جيد والسرطان لماء المطر والعقرب للماء الراكد والحوت للماء الجاري وهذه الحدود في الجدول على مذهب أهل مصر.
اعلم أن البروج الاثنى عشر مقسمومة كلها أبيات وكل واحد منها بين الكواكب الخمسة من دون الشمس والقمر بأعداد مختلفة وتسمى الحدود على ما في هذا الجدول كما ترى وكل كوكب يختص ببرج أما من جهة شكله أو من جهة جوهره:
البروج ... الكواكب ... الحدود ... الكواكب ... الحدود ... الكواكب ... الحدود ... الكواكب ... الحدود ... الكواكب ... الحدود
الحمل ... المشتري ... 5 درجات ... الزهرة ... 6 درجات ... عطارد ... 8 درجات ... المريخ ... 5 درجات ... زحل ... 6 درجات
الثور ... الزهرة ... 8 درجات ... عطارد ... 6 درجات ... المشتري ... 8 درجات ... زحل ... 5 درجات ... المريخ ... 3 درجات
الجوزاء ... عطارد ... 6 درجات ... المشتري ... 6 درجات ... الزهرة ... 5 درجات ... المريخ ... 7 درجات ... زحل ... 6 درجات
السرطان ... المريخ ... 6 درجات ... الزهرة ... 5 درجات ... المشتري ... 6 درجات ... عطارد ... 8 درجات ... زحل ... 6 درجات
الأسد ... المشتري ... 6 درجات ... الزهرة ... 5 درجات ... زحل ... 7 درجات ... عطارد ... 6 درجات ... المريخ ... 5 درجات (2/401)
صفحة 831
القضيمة ... عطارد ... 7 درجات ... الزهرة ... 10 درجات ... المشتري ... 4 درجات ... المريخ ... 7 درجات ... زحل ... درجتين
الميزان ... زحل ... 6 درجات ... عطارد ... 8 درجات ... المشتري ... 7 درجات ... الزهرة ... 7 درجات ... المريخ ... درجتين
العقرب ... المريخ ... 7 درجات ... الزهرة ... 4 درجات ... عطارد ... 8 درجات ... المشتري ... 5 درجات ... زحل ... 6 درجات
القوس ... المشتري ... 12 درجة ... الزهرة ... 5 درجات ... عطارد ... 4 درجات ... المريخ ... 5 درجات ... زحل ... 4 درجات
الجدي ... عطارد ... 7 درجات ... الزهرة ... 5 دجرات ... المشتري ... 8 درجات ... زحل ... 5 درجات ... المريخ ... 5 درجات
الدلو ... عطارد ... 7 درجات ... المشتري ... 6 درجات ... الزهرة ... 7 درجات ... المريخ ... 5 درجات ... زحل ... 5 درجات
الحوت ... الزهرة ... 12 درجة ... المشتري ... 4 درجات ... عطارد ... 3 درجات ... المريخ ... 9 درجات ... زحل ... درجتين
وبعض يأخذ بهذا السهم يأخذ من القمر إلى الزهرة الدرج ثم يقسمها لكل برج ثلاثين والابتداء من البرج الطالع فحيث نفذ السهم فهنك دليل الماء في ذلك البرج إن كان فيه كوكب وإلا حيث يكون حل رب ذلك البرج فدليل الماء منه إن كان يدل على الماء وإثباته والله أعلم بغيبه فإن وفق السهم في الأوتاد فهو قوي وخاصة إذا كان في من بروج الماء وكوكب رطب أو كان إحدى النيرين والسعدين. (2/402)
صفحة 832
قلت للمرأة: هذا بما سمعت به صاحبي ووجدته في كتابي. قالت: بيّن لنا ما يجوز في خدمة الأفلاج وافتح لنا الأبواب ومسالك الماء في الأرض. فأجبتها بقلة المعرفة في هذه المسئلة لأن خدمة الأفلاج يحتاج إلى علم من الشريعة، قال فيها صاحبي في الفسح عن الطرق وأموال الناس وأفلاجهم فيه اختلاف وعن المسلمين فمنهم من يرى ذلك بالاعتبار لا بالقياس في القرب والبعد ومنهم يرى يفسح عن الأفلاج خمسمائة ذراع إذا كان غيره يتصل بالغيل، وأما الماء الذي في الأودية كالغيل إن أراد أحد يفتق بأخذ منه فلا يجوز منعه عن ذلك إلا إذا بان نقصان ماء القائلين من أسفله ولا يحدد هذا بالأذرع لأنه مباح هكذا وجدته في الأثر إلا إذا كان الغيل أخذت منه أفلاجاً ومسائل المكر في الأودية فإن كانت من المسائل التي تخرب ما يقاربها وكان على جهتي الوادي أموال وعليها جدر أو غير جدر فلا يجوز تقوية الجدر بالصاروج حيث يبلغ أقواها في الغالب دون الحوائج فإن الحوائج لا يعتبر بها في المنع ولا يجوز أن يغرس شجراً ذو ساق في مسيل المطر ولا بجانب ماله ولا يرمي فيه تراباً ولا حطباً ولا حصى ولا شيئاً مما يحيل الماء إلى الجانب المقابل ولو كان ذلك المقابل أسفل منه بعيد، ويجوز أن يؤخذ منه مقاليب للأموال ومعي أنه إذا كان المسيل ضعيفاً غير قوي ولا يضر بالأموال ومن الصلاح للأموال إذا مال إليها المسيل ويرضون بذلك أهل الأموال فلا يبين لي إلا جواز الفسل في الأودية في المواضع المملوكة منه إذا كان ذلك مما لا يضر بالأموال بل يصلحها إذا مال إليها ولو لم يستأذنهم أو كانت لأيتام أو وقف أو غائب ولا يصح أن يأخذ منه سواء في الأموال إذا كان غير سالف ذلك ويضر بأهل الأموال المنتفعين بهذا المسيل وينظر في ذلك، وكذلك أخذ التراب من الأموال إذا كان مما يصلحها الآخذ مثلاً أن يكون الفلج أنزل من الأموال والنظر من الصلاح أن ينزل ذلك الماء وفي الاعتبار لهم يتسامحون في الأخذ بغير (2/403)
صفحة 833
إذن جاز الأخذ من أموال الوقوفات واليتيم والغائب وإذا كان مما يباح بغير ثمن لم يكن عليه ضمان في ذلك، انتهى كلام ناصر بن أبي نبهان.
وعن الطريق المقفرة أربعين ذراعاً وعن البئر أربعين ذراعاً وعن أموال الناس ما لا يضرهم وأما البئر فيحفرها عن أموال الناس وطريق البلد ثلاثة أذرع وعن طريق الفلاة أربعين ذراعاً وكذلك لا يحفر قبراً على الطريق أقل من أربعين ذراعاً في الفسح وكذلك البحر له حريم أربعين ذراعاً، وأما الحفر في الفلاة والأودية التي ليس فيها ملك فيحفر حيث أراد ولكن لا يشرك اليتيم ولا الموقوف ولا الغائب في حفر الأفلاج لأنها يمكن أن تذهب أموالهم في الخدمة ولا يتم العمل. ثم قالت: أنا أخدم هذا الفلج ومن عندي ولكنك انظر لنا الماء في هذه الفلاة، فقلت لها: أنا رجل أروي وأحكي في هذا الفن عاشق فيه لا عالم به فأفتي فيه. فقالت: لا أعذرك من البيان. فقلت لها: أنا رجل شبق مولع بحب النساء فإن كان ليس لك بعل فأريد أن أنكحك على حكم كتاب الله، فقالت: ليس لي بعل ولكن معي أولياء قد منعوني الأزواج وعن مقاربة الشجعان والفرسان ولم أتزوج برجل لا من حمير ولا من عدنان ، قلت لها: إن أخذت من حيلي وامتثلت لنصيحتي لأكشف لك البرهان بقدرة الرحمن، وإن شاء الله سأنكحك في هذا المكان، ونجعله لنا من إحدى الأوطان، ونحفر النهر حتى يسقى به النخيل والأشجار والرمان ونشيد القصور بالبنيان. فرأيتها تعتبر وتفكر فقلت في نفسي لعلها أعجبها هذا الرأي لأني لم أر عينيها ينظران إلى جسمي فسمعتها تنفست تنفس الصعداء فقالت لي: أراك من ذوي الغبراء ولا تقدر على مهري. فقلت لها: إن لم أقدر وإلا جعلت طلاقك في يدك ولكن أريد منك مهلاً في التسليم إلى طلوع الفلج ولكن عقدة النكاح في يومنا هذه. (2/404)
صفحة 834
فرأيتها قامت عن المقام وأخبرت أوليائها فأعجبهم قولها لأن الطلاق بيدها ثم أقبلوا هي وأولياؤها والشهود وزوجوني بها وهم أكنوا في قلوبهم أن ليس لي قدرة على مهرها لأن أبناء الغبراء ليس في أيديهم أموال وقالوا أمره في أيدينا ثم وصلوا معي بالأجراء وفي أيديهم الحديد فقلت لهم: على شرط بيني وبينكم أن تكون كسوتي وطعامي على زوجتي ما دمت قائماً على الأجراء فأعجبهم قولي وعاهدوني. فرجعت عند صاحبي وأخبرته بقصتي فسره قولي وقال لي: اعلم بعمل الأفلاج يحتاج إلى ميزان وقياس للماء وصفة ذلك أن تأخذ حديدة لتجعلها ميزاناً وهي أن تكون مثل الصحيفة وهي مثلثة مسلوبة من أسفل ويجعل فيها ثقوباً ثلاثة، فالوسطى تجعل فيه خيطاً وفي طرفه رصاصة حتى يكون علماً في الحديدة لينصفها في لسانها، وفي كل الثقبين الاخرين تجعل فيها خيوطاً كل خيط بقدر ذراعين طوله واعقد كل واحد في ثقب، ثم خذ حطبتين ليس فيهما اعوجاج كل حطبة طولها بقدر ثلاث ذرايع واعقد كل خيط على رأس كل حطبة وخذ عندك صاحباً حتى يقبض حطبة وأنت في يدك حطبة والميزان يكون بين الحطبتين، فمتى رأيت الخيط انتصف في الحديدة انقلها وإن لم تنتصف ارفع عليها حطبتها من الأرض واجعل حصاة تحت الحطبة إلى أن يصح الوزن وقسه بخيط إن كان زائداً وإن ارتفع في الأخرى فينحط من القياس بقدر الارتفاع فعلى هذا عملك في قياس الأرض للحفر أو في الهواء إذا أردت أن ترفع ساقية وصفة الحديدة هكذا:
-اليمين واليسار الخطين فيها الحطب.
-والخيوط من الثقوب إلى الحطب.
-وأما الوسطاني الشخط (1) الخيط الذي فيه.
-الرصاصة معقود في ثقب الوسطاني.
__________
(1) 1 – أي الخط . (2/405)
صفحة 835
وأما السواقي وتصريجها (1) فاجعل خشبة طولها بقدر أربعة أذرع واجعل في وسطها خجاً (2) وفيه ثلاث حفر إحداهن في وسط الخشبة والاثنتين كل واحدة في طرفها وحطها أما التصريج واجعل فيها ماء وفي تمكينها حتى يتزن الماء في الخج كله من الطرف إلى الطرف ثم انقلها في طرفها المقدم اجعل طرفها المؤخر فعلى هذا ميزانك يكون. قلت له: أحسنت، فرجعت إليهم وعمدنا في العمل. ومن قبل المرأة رأيت منها غاية الإحسان فجعلت أقعد وأنام في بيتها وأحكي لها من الحديث ما يلين قلبها ويحرك شهوتها في كل يوم فطابت ورأيتها لانت أعضاءها وجوارحها فقبضتها أوراقها بحضرة رجلين ثقتين ودخلت عليها خفية فحملت من أول جماع لها ولم يعلموا أولياؤها بذلك حتى ظهر الفلج وجرى فخلعت الطلاق من يدها وأعلمتها بذلك ثم أقاموا علي أولياؤها بتسليم الصداق قلت لهم: ليس في يدي شيء فوصلوا معها وأمروها أن تطلق نفسها فامتثلت لقولهم وطلقت نفسها مرة لا ثلاثاً ولا مرسلاً لأن هذه المسئلة فيها اختلاف لأنه قيل إذا جعل الزوج طلاق المرأة في يدها وطلقت نفسها بالثلاث فقد تم وإن كان طلقت نفسها مرسلاً ففي قول أنها ثلاثاً وأما إذا حد لها أجل في الطلاق فلا تطلق نفسها بعد الحد وقول لها مالم يخلع عنها الحد عن الطلاق والتي ترضى للزوج أن يدخل عليها بقبض أوراقها دون تسليم صداقها ولم تشهد عليه بشيء للتسليم فلا يلزمه في الحكم ليسلمه لها ولا يجبر على طلاقها لأنها رضيت بالدخول.
__________
(1) 2 – أي عملها بالصاروج وهو مادة مثل الاسمنت .
(2) 3 – أي اخدوداً . (2/406)
صفحة 836
قال صاحب ذي الغبراء: جعلت لهذه المرأة حيلة للدخول ونزعت الطلاق من يدها بعد انقضاء المحدود لها ثم أتيت بالشاهدين على تسليم الأوراق ونزع الطلاق عند أوليائها فعجزوا عن الجواب ثم قلت لهم: إني دخلت عليها وهي راضية بذلك ولم تلزمني في شيء ولم تشترط شرطاً بحضرة أحد وهي رضيت لي وبها الآن حمل مني فلا تعارضوني في زوجتي وامضوا إلى منازلكم وأنا سددت خلتكم وسترت عورتكم فلا تلوموني ولوموا أنفسكم ولو أني أخذت أجرة على النهر لكان كافي للحق ولثمن ما في أيديكم من المواشي والأرض واسعة لي ولكم وأسأل ربي لي ولكم أن يجعلنا من الموحدين ويميتنا مسلمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد النبي المصطفى الأمين وعلى آله وصحبه أجمعين.
الذكر السادس والخمسون
فيه إقبال الدنيا وإدبارها للناس، وقصة جرت بها، وذكر اليمين والمعاجين، والنية للجهاد، وفي الوصية والملكة، وقصص جامعة. (2/407)
صفحة 837
قال صاحب ذي الغبراء: أقبلت امرأة حزينة يوماً لتسألني فحين ابتدأتني بالمسألة خفت منها فقلت لها أدن عني ولا أنت ممن يقاربني قد بعثني أصحابك وأولياؤك وتزوجتي ببعل لا هو من قرنائك فجعلناه من شانك وهو من أحبائك فاتخذيه في طول زمانك فقالت: وسع لي وتمهل فارجع البصر كرتين ولا تأخذني بالغصب وعليك بالرفق لرعية بهلا، وإني سأخبرك بأول قصتي قد جفوني أهلي تزوجت بذلك البعل وأوليته نفسي ومنحته جميع ما ملكته يدي فعمد بحسن السيرة لنفسي وإلى أهلي وأولادي وأرحامي وجيراني، ثم رآني قد كبر سني فنبذني وراء ظهره فتزوج فوقي ممن تسوءني فأعجبه رأيها لما فتحت إليه مناسمها وسترته عني بجلبابها فنواني بالجفا وسبني بالخنا وقطع عني مواصلة أرحامي والقرباء وأكل جازتي بالغداء والعشاء فصبرت على أذاه أرجو منه الرجوع في دنياه، فلم يزل يبعدني عن أهلي وأمر بقتل أوليائي، ثم عمدت إلى الطهارة بالماء فبال وتغوط فيه بعلي، ثم أقبل إلي بوجهه في صلاتي، وفي شهر الصوم في النهار بالكلف جامعني، وفي أوان الحيض أخبرته فاكفتني وكبني فتارة يدخل أيره في قبلي وتارة في دبري فحين كسر شهوته، ونفرت عنه فلحقني وضربني وكسر جوارحي وأعضائي وبمحضر أصحابه بالثلاث طلقني فقلت: فللنجم من بعد الهبوط استقامة وللشمس من بعد الأفول ازدحامه، ثم قصدت عندك وأريد من الله ثم منك أن تقيل عثرتي وتسعى لي عند أهلي بإصلاح حجتي والعفو مرجو منكم. (2/408)
صفحة 838
فقلت لها: أخاف منك ترجعي عني ويختلف كلامك عند مسيري وعسى في نفسك تضمري ببعل غيري. فقالت: أقسم لك اليمين بالله الذي لا إله إلا هو العزيز المقتدر ماحي الآثار وباتر الأعمار وقاصم الجبابرة ومدمر الفراعنة والأكاسرة الذي يأخذ من حلف باسمه كاذباً أخذ عزيز مقتدر أني لا أرجع إليه ولا إلى وطنه ولا أعاهد أحداً من أصحابه ولا ممن يشتمل عليه وإن كنت حانثة في يميني هذه فينتقم الله من الحانثين بنكال الدنيا وعذاب الآخرة، وإني أعاهدك أنت أولاً ومن والاك ثانياً على ما تحب نفسك ويسخط عدوك. فقلت لها: مرحباً وأهلاً ومن لم يقف على كلامه فقد ندم وأقول من لم يقبل عذر معتذر فليس هو منا ولا نجامعه في شملنا ادخلي في أمرنا وحكمنا ولكن لا تفارقي أصحابنا. فقالت: إن نكحتني وأمهرتني فإني لا أفارقكم طرفة عين. فقلت لها: أتطمعي بهذا وأنت عجوز شمطاء وصبوتك ذهبت مع الأعداء أما تسمعي قول مولاك: {أَمْ لِلْإِنسَانِ مَا تَمَنَّى} (1) وإني أراك باردة الرحم منتنة الأنف والفم منحنية الجسم. فقالت: أحسن ظنك في الله وعسى ربنا يحدث بعد ذلك أمرا واسمع لقول الله حين قال لنبيه في سقمه {ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ. وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُم مَّعَهُمْ رَحْمَةً مِّنَّا وَذِكْرَى لِأُوْلِي الْأَلْبَابِ.
__________
(1) 1 – النجم : 24 (2/409)
صفحة 839
وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثاً فَاضْرِب بِّهِ وَلَا تَحْنَثْ إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِراً نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ} (1) وفي قصة امرأة العزيز إنها رجعت إلى الشباب والله يخرج الحي من الميت ومخرج الميت من الحي وأنزل ربنا الداء وجعل لهم في الأرض الدواء وأنا أسير في همة المعاجين التي تطرد كل ريح من الجوف وتقطع الرطوبات الفاسدة وتفتح السدد وتغوص في أعماق العروق وتخرج العلل من أقطارها ولا يستقيم معها داء في البدن مثل صبر اسقطرى وحب الرشاد وحبة السوداء وفلفل وزنجبيل وإهليلج أسود أجزاء سواء تدق جميع الأدوية ناعماً وتعجن بعسل منزوع الرغوة وتستعمل على الريق قدر ثلاثة دراهم وعند النوم فهذا الدواء جيد . وإن اعتمد الإنسان في معجون البلاذر وهو يؤكل في جميع الأوقات لأن هذه الأدوية قد رتبوها أطباء الروم والعرب والعجم والمصر لأجل الملك الاسكندر الرومي وأطباء العرب يسمون هذه الأدوية لكل العلل التي تكون في بني آدم وهذه صفتها يؤخذ اهليلج كابلي واهليلج زبيبي واهليلج أصفر واهليلج أسود وأبلج من كل واحد ستة وثلاثون مثقالاً والحبة السوداء أربعة وثلاثين مثقالاً وشادلخ هندي زخيار شنبر من كل واحد تسعة مثاقيل وقرفلة الصفير وهيل وشيطرح هندي وسنبل وأنيسون من كل واحد على حدته وينخل بقطعة حرير أو معتقة حرير وبعد ذلك يؤخذ الفانيد الفرداني الأبيض والعسل النحل الأبيض وزن ستمائة مثقال وتجعله فوق النار ويطرح عليه مقدار رطل دقيق البر وينزله ويبرده ويطرح فيه الأدوية المذكورة وتأخذ المغرفة وتضربه وتحركه حتى يختلط الجميع ويصير مثل الحبر ثم يعجن ويجعل منه مثل الحبوب عدد سبعمائة وعشرين حبة وفي كل صباح تأخذ وادة وتشرب فوقها الماء الحار فإن ذلك نافع إن شاء الله تعالى، والذي يصلح من المأكولات الخبز الحواري مع لحم الغنم الخصي.
__________
(1) 2 – ص : 42- 44 (2/410)
صفحة 840
وهذا منفعة الأدوية إذا صار لهذه الأدوية مدة شهر وأكلها الإنسان فإن كل شعر أبيض يكون في جسده ينتثر ويخرج مكانه الشعر الأسود ويسود شعره، فإذا صار للأدوية ثلاثة أشهر وأكله الإنسان مدة ثلاثة أشهر فإنه يزول عنه الفكر والهم والحزن والغم، وإذا صار للأدوية مدة أربعة أشهر فإنه يزيد في العقل والفهم والحفظ والذكاء، وإذا صار للأدوية مدة خمسة أشهر يزول عنه برودة المثانية وعلة البواسير وكل علة تكون من الطبائع الأربعة، وإذا صار للأدوية ستة أشهر فإنه يبرئ من جميع الأمراض والأوجاع والعلل إن شاء الله تعالى، وإن أكل من الأدوية ستة أشهر أخر دائمة في كل يوم فإنه لا يكون معه مرض ولا علل ولا وجع رأس ولا صداع ولا شقيقة إن شاء الله تعالى، فعجبت من قولها فقلت لها: من أوليائك الخالصين الصالحين الذين لا يخافون لومة لائم؟ فقالت المجتمع رأيهم الذين أقاموا بسيفم والغافات، وأما الذين يأمرون بنكاحي فمثل محمد بن خميس القمشوعي البهلوي وعبدالله بن حميد الغافري الساكن بلد الشهوم. فقلت لها: جدّي بنا في المشي معهم ولكني اخاف منك أن تغدري لأن الله نبهنا فقال: {إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ} (1) فقالت: حاشا وكلا أنا قطعت نفسي عنك في الشباب وجئت معك في الاكتهال ولا أخالف أوليائي في مالك واسلك أمامي في طريقك. فقلت لها: أخبريني عن صداقك وشروطك. فقالت: أن تبيع نفسك لله تعالى وتكون في صحبة القائمين بالغافات (2) ،
__________
(1) 1 – يوسف : 28
(2) 2 – إحدى القرى التابعة لولاية بهلا .. (2/411)
صفحة 841
وأما الشروط أن تبذل مالك والنصيحة لهم بما في قلبك وأن تعقد النية بلسانك وقلبك وتقول اللهم نيتي واعتقادي في خروجي هذا إلى جهاد أعدائك وقتالهم على ما أمرتني به لتكون كلمتك هي العليا وكلمة الذين كفروا هي السفلى وللأخذ على أيديهم عن معصيتك وارتكاب نهيك وظلم عبادك والفساد في أرضك وإني دائن لك في خروجي هذا بجميع ما يلزمني من أداء الواجب علي أن ارتكب نهيك فيه بجهلي من ذهاب نفسي في ذلك وما دونها من الأموال وغيرها ودائن لك بالتوبة من جميع ما ارتكبته من خروجي هذا مما نهيتني عنه بجهلي وبأداء جميع ما يلزمني فيه أداؤه ولو لزمني في ذلك قتل نفسي أو ذهاب مالي وإني راضٍ في ذلك بحكم المسلمين على طاعة لك ولرسولك محمد - صلى الله عليه وسلم - .
وهذه النية من وقف في الزحف لقتال أهل البغي وأهل الشرك وكان عند خروجه مصراً على المعاصي والدماء وغيرها يقول: اللهم إنك تعلم أني قد خرجت مصراً على معاصيك وارتكاب نهيك من الدماء وغيرها وقد وقعت في هذا الموقف ولا يمكنني الفرار لأهلي مدبراً فأنا أستغفرك مما كنت مصراً عليه من معاصيك وتائب إليك ودائن لك بأداء جميع ما يلزمني من قود في نفسي أو ما دون ذلك من قصاص في بدني أو في مالي دينونة صدق مطهرة من الغش والمداهنة طاعة لله ولرسوله محمد - صلى الله عليه وسلم - . (2/412)
صفحة 842
ثم قالت: والصواب عندي أن تتأهب للممات وتفك نفسك من جميع الحقوق اللازمات من الديون والقروض والصدقات ومن جميع ما تعلق عليك للعباد من النفقات، وكن متجرداً من الدنيا خفيفاً للقاء هادم اللذات، وتدارك ما ضيعته من الصوم والصلوات والحج والعمرة والزكوات ومما حنثت فيه من الأيمان المرسلات والمغلظات، ولا تبق شيئاً أبداً بما لزمك من الواجبات فلا ينقص ذلك من رزقك ولا من عمرك أياماً ولا ساعات ، وأما وصية الأقربين فأخرها إلى بعد الممات فإذا فهمت ما وصفت لك فانتبه من رقدة الغفلة وتيقظ من سكرة هوى النفس وأحكم الوصية إن عجزت أن تكون وصي نفسك وإلا فكن كما قال القائل -ولله دره- شعرا:
إذا ما كنت متخذاً وصيا ... فكن فيما فعلت وصي نفسك
ستحصد ما زرعت غداً وتجني ... إذا وضع الحساب ثمار غرسك (2/413)
صفحة 843
فإذا صرت بهذه المنزلة فإني أسامحك في الصداق الذي لا يحل النكاح إلا به إلى مقدار ما يجوز به النكاح وتسليمه متى ما استطعت والتوفيق بيد الله. قلت لها: ألم تسمعي بأن أمير بني هناة سار إلى الجهاد والنجم على وجهه وأسس برجاً بخامس من محرم وبخل بالطعام والشوكة على جيشه وأخاف الأمر ينعكس حتى أكون في نكبته. فقالت: المرء يعبد ربه والمؤمن بسعيه. فقلت لها: إن الدار ماؤها قليل، فقالت: أما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه كان يتوضأ بربع صاع من الماء ويغتسل من الجنابة بصاع من الماء والناس يختلفون في الزيادة إلى أكثر من ذلك بمقدار ما يلزمهم في الشرع، وأما من قبل الوصية فرخص بعض من المسلمين للبائع والمشتري للخرج في الصبر القليل من غير وصية ولا شهادة فهذا على العادة ولا يهلك بهذا فاعله لأن الإنسان لا يقدر على الإشهاد في كل بيع ولا يجوز جبر الشهود لتأدية الشهادة من بلد على بلد لأن الشهود شهادتهم بخط أيديهم فلا يقبل العالم هذا ولا يجوز للحاكم أن يحكم بخط على ما سمعت الشيخ ناصر بن أبي نبهان، وكل إنسان أقر بشيء لأحد أو صحت وصية لأحد وحازها الموصى له في حياة الواصي ورضي له بإحرازها في حياته فهو أحق بها وكذلك الذي اشترى أموالاً وكتب له واستوجبها ولم يقر بها لشركائه أو للذين أرسلوه ليشتري بها لهم فهي له. (2/414)
صفحة 844
قال صاحب ذي الغبراء: فقصدت أنا والمرأة عند أوليائها وقلت لهم: إن هذه المرأة رجعت نفسها واقبلوا عذرها وأنكحوني إياها، ثم أقبلوا إليها بالكلام. فقالت لهم: نجامعكم ولا نتبدل عنكم ما زلتم مجتهدين على قيامي ومصالحي وزوجوني بهذا البعل. فقال أحدهم: اقرأوا فاتحة الكتاب إلى تمامها وقام أحدهم ليخطب فقال لي: أتتزوج بهذه المرأة التي هي عندنا؟ قلت له: نعم. فقال: بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين والعاقبة للمتقين ولا عدوان إلا على الظالمين وصلى الله على سيدنا محمد خاتم النبين وعلى آله الطيبين الطاهرين وسلم عليه وعليهم أجمعين ثم إني أشهدكم أيها الجماعة الحاضرون فاشهدوا بأني قد زوجت فلان بن فلان الفلاني هذا ويشير إليه بيده بفلانة بنت فلان الفلانية زوجته إياها بإذن وليها على حكم كتاب الله المنزل وسنة نبيه المرسل وعلى إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان وعلى حسن العشرة لها وجميل الصحبة عندها وعلى الإحسان إليها ورفع الإساءة عنها وعلى صداق عاجل وآجل فالعاجل منه كذا وكذا يؤدي ذلك إليها أو إلى من يقوم مقامها والآجل منه كذا وكذا صداقاً آجلاً مؤجلاً ديناً منسياً لها عليه إلى أن تبين منه عن حكم الزوجية بوجه حق زوجته إياها وأملكته عصمة نكاحها بإذن وليها فإن قبلها زوجة له على هذين الصداقين وعلى جميع هذه الشروط المذكورة في هذا العقد فكونوا عليه من الشاهدين كذا يا فلان نشهد عليك أنا والجماعة الحاضرون بأنك قد قبلت فلانة بنت فلان زوجة لك على هذا الصداق العاجل والآجل وعلى هذه الشروط المذكورة وقبلت لها على نفسك بجميع ذلك. نعم فإن قال نعم ثم قل له قل قد قبلت فلانة بنت فلان زوجة لي على هذا الصداق والشروط المذكورة وقبلت لها على نفسي بجميع ذلك. تم التزويج والمسلمون على شروطهم فإن لم توف بالشروط فما عذرك عند الله وعند من أخذته بشرط وهذه الأشعار من قيل عبدالله بن حميد: (2/415)
صفحة 845
يا من أراد حلوله في سيفم ... فليتركن الدين في وادي العلا
من أجل لا طهر بها لرجالها ... ونسائها من دلو بير محملا
والحرب فيها قائم في ساقه ... بمدافع وبنادق متعدلا
بتدمر الأفلاج والخشي الذي ... ترك البواسق في البوادي منثلا
وبنوا البروج على الشرايع حيث أن ... الضرب في هام الأعادي والطلا
لله در النائبات فإنها ... تلد العجائب يا لها في ذي الملا
كم أقصمت من أسمنت وأهدمت ... ما قد بنت وفرقت متكملا
قد طالما منحت أناساً درها ... فأتتهم بفطام مر ما حلا
وبرتهم من حيث كانت ألطفت ... وتقطع الأسباب دأباً أولا
يا ويح من يأمن مكائد مكرها ... كالعسل ممتزجاً بسم مقتلا
ارفق بنفسك صاح إنك ميت ... ومحاسب عن ذرة أو أقللا
واشكر إلهك بكرة وعشية ... في السر والضراء شكراً أجزلا
واعبده واترك ما سواه فإنه ... رب تبارك اسم وتجللا
واخش الدسائس من شرور شرارها ... صاح وخف غضب العلي أن ينزلا
فحقيق ما شيء علا في سمكه ... أبداً لغير هبوطه متسفلا
وإذا بليت بريبة فاصبر لها ... فالعسر ممزوج بيسر معجلا
والحرب صبر كله لا يجتنى ... ثمراته إلا امرء مترجلا
وله أيضاً :
ثارت جيوش الجوع ترمي سمها ... فتصيبنا صبحاً بها أو رائح
وكذا البطون كأنها من خبثها ... عير يشدد رحالها متكالح
صبراً فإن الحرب مر طعمها ... لن يدرك العليا فتى متمايح
وكذاك أوله فتاة غضة ... تضني الجهول بحسنها ومدائح
حتى إذا طال المقام به غلا ... عادت حلاوته عجوز كالح
وله أيضاً :
قامت جيوش الأرز لم يوجد لها ... من عصبة من آل لحم والسمن
وتصادمت جيش العوال وجيشها ... وتخالفت بهم الضرايب والطعن
وأطاع جيش الأرز ملح مجرش ... مع به ماء لا صدا له في ذا الزمن
فتصادم الجيشان في وقت معاً ... وانهد جيش اللحم منهزماً علن
وفناه رب العرش لم يوجد له ... أثر بدار الحرب كن رجل فطن
وأقام جيش التمر طالب ثأره ... فأباد جيش الأرز دوران الزمن
وتفرقت تلك الجيوش جميعها ... متبددات في الفيافي والحزن
والحمد لله الذي أنجانا من ... شر أقوام أبادهم الزمن
وله أيضاً: (2/416)
صفحة 846
لولا حشيمة شيخنا وأميرنا ... ما شلت القرب ونحن ننظر
شلت ولا نظر ولا أمرلنا ... وقلوبنا من أجلها تتفطر
لولا لمحسن شلها عدنا له ... بالبيض والسمر العوالي تبتر
لكن له في القلب ود كامن ... عند الرضا والسخط لا يتغير
نفديه بالأمات والآبا معاً ... ما لاح برق أو أطابت أعصر
هذا الناظم عبدالله بن حميد وهو مشهور في زمانه بالقوة والشجاعة والكرامة وله نظر في الرأي والعلوم وقد ذكر شيخه في الأبيات فمدار أمرهم ورأيهم عليه وهو قادم في الجيش لسبب حق الجار وعمار الديار ومعزة الأبرار، وأما المذكور محمد بن خميس في النثر لأني رأيته أهلاً للتشمير ولا يخف في الله لومة لائم ومعه دلاله بعلم الحرف والفلك يقتل عدوه من حيث لا يراه وإن قلت هذا رجل قصير القامة لا تدخله في الحقارة وانظر إلى قول الشاعر:
لا تحقرن صغيراً عند سطوته إن البعوض تدمي مقلة الأسد (2/417)
صفحة 847
اعلم أن الصياد يأخذ القليل ولا ينظر إلى الجل الكثير فخذ من زمانك ما حصل فإن فيه البركة والقوة، وإن طلبت ألف رجل وحصل لك رجل منهم فاتخذه عندك دليلا ونوراً وهاك قصة عن أهل بلد ساروا منها رجالها دعتهم حاجة إلى بلد أخرى فجاء الخصم وهجم على دارهم وكان قد حضر في دارهم رجلان غريبان فتشمرا للقتال ونصرهم الله على الهاجمين لتلك الدار. وفي قصة أخرى قوم نزلوا على حلة سكانها قليلون وكان في تلك الحلة من الغرباء ثلاثة رجال فقاتلوا القوم وأخرجوهم من الدار. وقوم دخلوا قرية فضاربهم رجل مستتر عنهم بتفقه وأخرجهم منها وبرحوا معه القتلى، والسمعة للإنسان عطية من الله لا بقوة الأجسام فكثير من الناس لهم أجسام قوية ودخل في قلوبهم العجب كرجل قال لا يقدر عليه أحد فسلبه رجل مثله، ورجل آخر قال يصيب الكسب والتأسير الهبل من الناس فسلط الله عليه قوم وأخذوه أسيراً مرتين. والمرء عليه أن يقتبس بنوره ولا يعمل بقول الناس والملوك لأنه قيل استفت عقلك وإن أفتوك وأفتوك هذا في أهل العلم فكيف المثل في أهل الجهل لأن كلام المسلمين فيه أمور واحتمالات فلا تكن كأصحاب الملك الذي سرى بجيشه وأمر على خدمه ليضربوا المتخلف عن قومه فلدغت أفعى رجلاً ولم يقدر أن يمشي فقتلوه الخدم، ورجل آخر ابتلي بعاسوق الرأس فقتلوه الخدم، ورجل آخر انطلق بطنه وقعد للنجو فقتلوه، ورجل نزل الألم بعينيه فلم ينظر فقتلوه فنظر الملك خصمه وأسرع في السير فنزل القطر عليهم وسال الوادي فالملك وبعض من أصحابه جاوزوا الوادي وقاتلوا خصمهم فقتل هو ومن معه وبعض من أصحابه حملهم الوادي وبعض منهم لم يقدروا يطيقوا أن يجوزوا الوادي فرجعوا بالجبر، وملك آخر غضب على قومه وحضرهم في مجلسه فأقبل عنده رجل من أصحابه يريد أن يخرج من مقامه فلم يعذره فقال الرجل للملك: أعطني أنظر رداءك. فأعطاه إياه ولف به جسمه فبال وتغوط فيه ثم قال للملك: اسمح لي بالخروج حتى أوصل الماء فأرجع. (2/418)
صفحة 848
قال له: لا يكون هذا. فاطرح الرداء في حجر الملك ثم أمر الملك بقتل الرجل فجذب الرجل سيفه وقال: رب الملك حط عني الفرائض مع نزول البول والغائط والملك لم يرض بذلك فلا طاعة له عندي على معصية الخالق ثم قتل الملك وقتل الرجل، ورجل دخل السوق فلمسه صبي في عجزه متعمداً فأعطاه درهماً لذلك ففرح الصبي بالعطاء فمس رجلاً آخر في عجزه فقتله، ورجل آخر اشترى مالاً فحسده رجل فرده عليه ثم قُتل الحاسد فبيع ماله بالنداء فشراه الرجل الأول فنقص نصف ثمنه. ورجل معه ابنة وأراد أن يزوجها ابن عمه فلم تمتثل لقول أبيها فقهرها رجل بالليل برضاها فصاحت البلد عليهم فسجنت وما خرجت من السجن إلا وابن عمها ممتلك بها. وينبغي لأمير الجيش أن يكون لطيفاً بأصحابه لا يكون كالأمير الذي سرى بجيشه ولم يعذر من تخلف عنه ورجل من أصحابه تقدم على الأعداء وقتل فيهم ولكن في الليل المظلم ضل عن الطريق ولم يعلم بالملك في أي مكان فرجع إلى داره فأمر الملك بقتله، ورجل انكسفت رجله ورجع يمشي على يديه ورجليه إلى بيته فأمر الملك بقتله، ورجل حازوه عند القتال أعداؤه فرجع إلى وطنه فأمر الملك بقتله فأعداءه خير له من أميره، ورجل رمد فأقام عند أصدقائه فحين برئ رجع إلى بيته فأمر الملك بقتله، وآخر عثرت به ناقته وانكسرت يده فرجع إلى بيته فقتله الملك، ثم كتب الملك لبعض رعاياه أريدكم ناقل السلاح فجاء إليهم كلهم فهجم على دارهم عدوهم وسبى نسائهم وخرب أفلاجهم وهدم بنيانهم فرجعوا القوم إلى دارهم ولم ينفعهم أميرهم ولا أخذ لهم بثأرهم فتباً لمثل هذا الملك وأولى للمرء أن ينتقل من داره عن بلائه وعلى المرء أن ينظر في أموره بعقله لا ببصره كما قال الشاعر:
لعمرك ما الأبصار تنفع أهلها إذا لم تكن للمبصرين بصائر (2/419)
صفحة 849
ثم قال: لا تبع ثوبك الذي لبسته ولا تفتخر بعيشك الذي أكلته ولا تكفي (1) بالماء الذي في سفرك حملته ولا تعاهد على شيء لم تملكه وتعلو عن منزل أنزلته وأحذرك عن قصة الرجل الذي باع مرجلته (شجاعته) بتشتيت شمله وهلاك قومه وبسبب البيع هلك جيرانه فعمدوا على مؤالفة الأسود فأطعومها من طعامهم وسقوها من مائهم فأفرست في خصمهم وأحرست منازلهم كالنجوم تهوي ملئت حرساً شديداً وشهبا والمعتدي إليهم يجد له شهاباً رصدا فمن أسس بنيانه باللعب والكذب انقطعت مفاصله من الركب كرجل قصد إلى أمير وعوراته ليس عليها ستر فأعطاه الأمير الكسوة وحملّه إلى بيته الطعام والدراهم وقال أنه كسبوه اللصوص فشهدوا عليه أصحابه مع أميرهم أنه افترى فلان على الأمير فلان فجلده أميره حتى خر مغشياً عليه، ورجل آخر اشترى رطلاً من السمن فمكث شهراً يأكل منه فلما طلبوه البائعون بالثمن بخل على نفسه أن يؤدي ثمنه فرده إلى أصحابه ما نقص منه أوقيه وهو كثير المال، وآخر قال لقومه إن حمارته تقطعت في الجبال وماتت وأراد منهم النفع فعمدوا على نفعه فبعد ثلاثة أيام رجعت الحمارة إلى بيته، ومن بخل بماله اشتد حرصه كرجل اشتهى في مرضه تمراً فطلبه وكثير من التمر في بيته خلّفه لورثته، ومن قصته شرى شيئاً من الحلوى ومكث سنة فطلب صاحب الحلوى الثمن فرجع إليه بالحلوى بعينها، وآخر يضرب به المثل في حرصه لماله وفي آخر زمانه جعل وليه في ماله ووصيه من بعد موته أمير الظلمة فنهبه في حياته وظلم ورثته بعد مماته، نسأل الله السلامة لنا ولكافة المسلمين.
الذكر السابع والخمسون
فيه رسالة ونجم بوذنب، وفراسة خسوف القمر، وفي معرفة أهلة الشهر، وفي البرق والرعد والسيل والسحاب وقوس قزح ونجوم الشهب والوجبة وفي القمر والشمس والنجوم والخسوف والكسوف والسموات والأرض وفي محل الجنة والنار والرياح وأدلة للحروف والأوفاق وعزيمة الزورة و تحويرة للذهيبة والمرأة.
__________
(1) 1 – أي تهرق . (2/420)
صفحة 850
قال ذو الغبراء: وصلني هذا البيان من بعض الأخوان، وقد كنت أستعين بهم في سابق الزمان وهذا كلامهم بعد السؤال عن الحال والمال، وأنا لم نزل في الجفاء من أيام أبينا اجتمعن على تقديمه عليكم فنبذتموه وراء ظهوركم، فانتقل من أوطانه إلى الباطنة في دار الغربة فلما خاف على نفسه وأولاده رجع إلى داره وسلمه الله من أعدائه، ثم اعتمدتم وتعاهدتم على قتله هو وولده ولا ذكرتم في إحسانه وقد زوجكم ببناته وبنات أولاده وأنتم تناهيتم عن التزويج عنا في حياته وبعد مماته فتزوجنا من غير العشيرة وبارك الله في نسلنا وكثرت شوكتنا فدخل قلوبكم الحسد والعدواة والبغضاء إلينا فاجتمع رأيكم على قتلنا وهدم بيوتنا وأخرجتونا عن الأوطان نتردد في البلدان وكلما تعلقنا بأحد من الناس لينصرنا عليكم ونسلك في طريق الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في دخول بلدنا عن غربتنا توجهتم إلينا بأشد الخصام، أما هذا عندكم من الظلم والضلال، ودراهم الفقراء التي على أيدينا أخذتموها من يدي الدلال وأمرتم سلطانكم ليجعلنا في الأنكال والأغلال كالأنذال، وقلتم لنا أن تكون منزلتنا كمثلكم فهيهات أن لا يكون منا لكم ما ترجوه لا يكون الجنب اليمين كالشمال، ولا يكونا الشمس والقمر مثل الكواكب الذي تخنس ولا بيت المقدس والكعبة مثل سائر المساجد فكيف هذا وقال ربنا {وَاللّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ} (1) ، فأين عقولكم عن الكتاب، فكيف الجواز عند الجمع والحساب فحينئذ لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم وعليكم السلام.
__________
(1) 1 – النحل : 71 (2/421)
صفحة 851
فقال: تصفحت هذه الملغزات وهم ابتدأوا بالسلام والرد عليهم فريضة لازمة فيه على الإسلام ولكن هذا بعد التحية والإكرام نقصد في إيجاز الجواب فوالدكم هو السابق المتقدم بالفضل على الجميع وأنتم بخلاف عن سيرته في حياته وبعد مماته، وفي القصاص أنتم أحق به ولا عليكم مانع فجبنتم وعفوتم وذكرتم أنه نكح بناته بقربائه فذلك متبع لكتاب الله وسنة نبيه - صلى الله عليه وسلم - وأما أنتم من بعد والدكم خالفتم الكتاب والسنة وإجماع الأمة وقادكم الشيطان على متابعة الهوى والأنفس، وغرتكم الدنيا حين أمدكم الله بالنعم في الأموال والأنفس فبالجار تغشمتم وبالأقارب تعسفتم وأرحامكم بدمائهم سفكنم أما قال ربكم في الذين يسعون في الأرض فساداً {أَن يُقَتَّلُواْ أَوْ يُصَلَّبُواْ أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْاْ مِنَ الأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ} (1) ، وفي قولكم أنكم تريدوا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هذا تقولونه بأفواهكم ما ليس في قلوبكم لأنكم نزلتم سابقاً في منزلة أهل الأمر فملتم إلى الفساد وظلم العباد? والذين تطمعون منهم وتتعلقون بهم فقلوبهم شتى والذين تخافون منهم فأمرهم شورى بينهم وينفقون أموالهم لأبناء السبيل ولضيفهم فأعلى الله كلمتهم وسد خللهم وأنتم كشفت عوارتكم بهتك أموركم وأظهرتم الخيانة في الوصية التي أوصى بها والدكم لأولاد أولاده في الماء الذي للفقراء أما سمعتم لقول الله تعالى: {فَمَن بَدَّلَهُ بَعْدَ مَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ} (2) ونبذتم الحق وأهله فسلط الله عليكم من لا يرحمكم وما من ظالم إلا سيبلى بظالم وما الله بظلام للعبيد، والمنزلة التي للإمارة وجدناها لغيركم وأردنا منكم الاجتماع عن الاشتاع والاتصاع فجوابكم لنا أنكم أهلاً للقوة ولعزة
__________
(1) 1 – المائدة : 33
(2) 2 – البقرة : 181 (2/422)
صفحة 852
الأنفس لكم تصح بالسيف والخدعة قلنا لكم {إِن يَنصُرْكُمُ اللّهُ فَلاَ غَالِبَ لَكُمْ وَإِن يَخْذُلْكُمْ فَمَن ذَا الَّذِي يَنصُرُكُم مِّن بَعْدِهِ} (1) هذا من قول الله تعالى، وقلنا لكم بقول الشاعر حيث قال في نظمه لهذا المعنى:
إذا أكرم الرحمن عبداً أعزه ... فلن يقدر المخلوق يوماً يهينه
ومن كان مولاه العزيز أهانه ... فلا أحد بالعز يوماً يعينه
فذكرناكم بهذا الكلام فقست قلوبكم عن الموعظة، وكشفنا لكم القريحة فما زادكم إلا نفورا واستكباراً في الأرض، وكل إنسان لم يقبل النصيحة وخالف أهل الحقيقة خسر الدنيا والآخرة وذلك هو الخسران المبين ومثوى المتكبرين، وإني أسأل الله السلامة لي ولكافة المسلمين آمين رب العالمين وكتبه صاحب ذي الغبراء الذي ذهبت أيامه وقرب أجله.
قال: فلما جن الليل رأيت نجماً في السماء له ذنب فسألت صاحبي عنه قال: اعلم أن حوالي دائرة الشمس كواكب مربوطة تظهر في الدوارنية كل كوكب له صفة ولا تظهر إلا في بعض السنين فإذا ظهرت وكان رأسها إلى جهة من الجهات فيكون في تلك الجهة عمارة وراحة وصلح وخير ونعمة والجهة التي يكون إليها الذنب تكون فيها خراب وشر وفتنة وحدوث أمور رديئة وحدوث موت. وفيه بيان آخر أن مع الشمس كواكب لها أذناب بعضها طويل وبعضها قصير فإذا بدا منها كوكب في برج من البروج وقع في أرض ذلك البرج بلاء وشر وخلع الملوك وإذا رأيت الكوكب أحمر معه كواكب صغار تتبعه وهو ليس على مجرى النجوم وينتقل في السماء من مكان إلى إلى مكان وهو ضخم شبه العيوق فإن ذلك يدل على البلاء والفتن وقتل العظماء والحرب بين الناس والكواكب ليس هي من السبعة الكواكب فإذا طلع ومكث ثلاثين يوماً شعلت الأرض كلها حرب وفتن، وإن مكث خمسة عشر يوماً فإن ذلك يكون في نصف الأرض، وإن مكث عشر ليال فإنه يكون في ثلث الأرض وتبدأ الفتن من الوجه الذي يطلع فيه هذا الكوكب وهو ذو ذنب وهوأعظم نجوم الأذناب.
__________
(1) 3 – آل عمران : 160 (2/423)
صفحة 853
قلت له: أخبرني عن فراسة خسوف القمر يرى بالعين لا بالتفسير فيه على الأشهر ولا على البروج والاتصال والانفصال. فقال: اعلم أن خسوف القمر يكون على كل مائة وسبع وسبعين يوماً أو ثمانية وسبعين يوماً أو تسعة وسبعين يوماً فإن كان خسوفه من عالي إلى الأسفل يكون كل شيء غالي وتكون شدة بين الناس، وإن كان خسوفه من الأسفل على الجاه يكون كل شيء رخيصاً وتكون سنة رخيصة في كل شيء ونعمة ورخاء بين الناس، وإن كان خسوفه من جانب القمر إلى الغربي تكون فتنة عظيمة بين الناس، وإن كان خسوفه من جانب الشرق من القمر تكون حروب عظيمة وعداوة بين الناس، ثم اعرف فراسة الخسوف من تغير ألوان القمر فإن اسودّ فإنه يكون ظلم كثير ورياح عاصفة وأهوال في الهواء وأمراض يابسة وتموت الدواب الوحشية ويقع في الناس جوع شديد ومخاوف وأفزاع كثيرة ومكر، وإن اسودّ بخضرة احترقت الزروع ويبست الفلاة وقل الكلا وأجدب الناس جدباً شديداً ووقعت الحروب وسفكت الدماء وأوجاع قاتلة من الطاعون والودشكين والجدري والحصبة والذبحة، وإن اسودّ بصفرة وقع في الناس الحميات وأوجاع الكبد واليرقان والحرارة وتغيرت السماء واصفرّت الزروع وهلك الطير والماشية، وإن كان أسود بغبرة حدث رياح عارضة ويكثر الهواء والظلم وأفسد التراب والغبار حمل النخل والشجر وفيما بين السماء والأرض غبار متكور ووقع لذلك مرض شديد ووباء مهلك للعامة، وإن كان أغبراً يصير إلى الشيب فإن ذلك يدل على على حدوث قحط مجدب ويبيض الأرض من الثلج الجامد ويقع برد مفرط وتموت الدواب والوحش من اليبس والله أعلم.
اعلم أن القمر إذا خرج من الكسوف وتخلص من طبق الظل والظلم كان كالميت الذي ترد عليه روحه والجنين الذي يخرج من بطن أمه ومن ظلمة الرحم وضيقه إلى سعة الدنيا وضوء نورها، وأما الشمس فكسوفها على خمس سنين ولا يكون إلا في سبع وعشرين أو ثماني وعشرين أو تسع وعشرين، وأما القمر خسوفه في أيام البيض من الشهر. (2/424)
صفحة 854
وفي كسوف الشمس يصلوا الناس فرادى وفي خسوف القمر يصلوا الناس جماعة اقتداءً بسنة (1) رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فإذا رأيت القمر خسف أو الشمس كسفت فلا تعمل في ذلك اليوم عملاً ولا تسافر ولا تقابل الملوك ولا تستفتح فيها عملاً ولا تدبر فيها حرثاً ولا تبنِ فيها بنياناً فمن تجنب فيها نجا ومن وقع فيها غوى وهلك وتجلب الفقر والبلاء وتذهب الأموال والرجال (2) ، ويصلح وقت الكسوف والخسوف من أعمال الشر كالبغض والتفريق والفتك وعقد اللسان وكل أمر مكروه.
... وإن أردت الزيادة في التفسير على الأشهر والبروج فاطلبه من الأثر، وإن أردت تعرف أهلة الأشهر المقبلة فاجعل خامس كل شهر أوله للسنة المقبلة اليوم الذي دخل فيها خامس الشهر هي أوله وهذا أسهل في الحساب. اعلم أن صفر وجمادى الآخر ورجب والقعدة ادخلهن باليوم الثاني التي في شهر المحرم وربيع الأول وشعبان والحج أدخلهن باليوم الرابع من محرم وربيع الآخر ورمضان أدخلهن باليوم السادس من محرم وجمادى الأول وشوال باليوم السابع الذي دخل به محرم انظر في هذا وقد كتبته كما وجدته مؤثرا، والله أعلم بغيبه.
قال: وجدت هذا السؤال فعجبت منه وأردت أدخله في هذا الباب وهو عن الشيخ مسعود بن أحمد الأزكوي نظماً يسأل الشيخ الفقيه خميس بن سعيد الرستاقي على سبيل المذاكرة لا على سبيل الامتحان قال شعراً:
ماذا يقول الفيلسوف الأكيس ... الزاخر البحر الخضم القلمس
في البرق أما شمته في عارض ... ماذا وماذا الرعد صوت يهجس
والقطر هل في المزن يثري كائناً ... أم لا أفدني منك قولاً يؤنس
وهل السحاب على الهواء مسخر ... وكذاك قوس الله إذ يتقوس
والشهب إذ قال المهيمن أنها ... خلقت رجوماً للذي يتخلس
هل هي ترميه معاً عن نفسها ... وتعود أم منها شهاب يقبس
__________
(1) 1 – بل السنة أن تكون الصلاة جماعة في الكسوف والخسوف بلا فرق بينهما .
(2) 2 – كل ذلك مما لا يصح اعتقاده بل جاء في حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما يرده . (2/425)
صفحة 855
والوجبة اللاتي تجيء بعيدها ... ما هي ما تأويلها يا فيلس
وكذاك بدر الأفق مع شمس الضحى ... والزاهران أفلن أين المكلس
وكذا الخسوف مع الكسوف أما هما ... رأياً أفدني يستقر الخندس
وإذا اعتلى النقصان بعد وفوره ... بدر الدجى ما هو حيث العسعس
وكذا الطباق السبع مع أضدادها ... هل بينهن تباين وتنافس
والنار والجنات أين محلها ... والذاريات إذا ذرت تتنفس
ماذا جوابك في الذي أمليته ... فاقلع لنا أصلاً له تستغرس
وافض لنا من بحر علمك إذ طمى ... جوداً فأرض الجهل قاع أملس
واغفر عوار النظم جوداً تجتني ... ثمر الغراس إذا استطاب المغرس
وعليك ما ابتلج الهدى تسليم من ... أضحى بفضلك مستقيماً يدرس (2/426)
صفحة 856
الجواب: والله الموفق للصواب؛ أما المسئول فغير بصير بفنون هذا السؤال وينكل عن شرح بعضه ولكن ترك الجواب مجلبة للعتاب، وأذكر من هذا طرفاً من بعض ما أثره العلماء الأولون والفقهاء المتقدمون وأسأل الله الإعانة والتيسير لقضاء حاجتك من أخ العجز والتقصير فأقول والله المستعان والمسئول ببليغ المقصود والسؤال أما البرق والرعد والسحاب والمطر فقد تكلم فيه بعض الحكماء المتقدمين الذين يقولون بالطبائع وقدم الصنائع وأرجو أن أكثر ما قاسوا فيه بما يشاهدون ببصائر القلوب واعتبار العقول وما جرت به العادات عند اعتبار المشاهدات إذا أراد الله تعالى تكوين سحاب أو مطر أو ضباب تحركت الحرارة والطبيعة إلى أصول الجبال الشامخات والفيافي الواسعات والغيطان المتتابعات والأنهار الجاريات والأبحر الزاخرات فثار منها بخار رطب وبخار يابس ثم يرتفع البخاران في الهواء قليلاً قليلا وتدافعه الرياح إلى الجهات، ثم ينتصب أغصان من أعلى الجبال الشامخة إلى أن ينتهي إلى برد الزمهرير والزمهرير في اللغة هو البرد الشديد ويتصل من أسفله مادة البخارين فلا يزال البخاران يكبران ويغلظان ويتداخل أجزاء البخارين بعضهما في بعض حتى يثخن ويكون منه سحاب مؤلف متراكم فإن ارتفع السحاب إلى برد الزمهرير أنضجت أجزاء البخار الرطب بعضهما إلى بعض وصار ما كان غالباً عليه اليبس ندياً، ثم تلتئم تلك الأجزاء المائية بعضها إلى بعض وتعلت وجعلت تهوي راجعة من العلو إلى السفل فيحدث حينئذ فيها المطر فإن كان البخار الرطب بالليل والهواء شديد البرد منع أن يصعد ذلك البخار في الهواء وجمد قريباً من وجه الأرض فيصير من ذلك الندى والضباب والطل والقطر الصغار وربما تولد منه الثلج ويكون نزوله إلى الأرض برفق ولم يكن على وجه الأرض وقع شديد لقرب السحاب من الأرض ولعسر تخلله من السحاب كما يكون لغيره من المطر الغزير في الفصول المعتدلة الهواء كأيام الربيع والخريف، وإن كان الهواء (2/427)
صفحة 857
أشد رقة وأصفى جواً كان السحاب أكثر تضعيفاً وأثخن طبقات وارفع انبساطاً إلى أعلى وأغلظ تكايفاً إلى أسفل وربما انصب منه قطر كبار وإن عرض لها برد مفرط في انحدارها جمدت وصارت برداً قبل أن يبلغ الأرض وربما استدلوا على قولهم هذا وقاسوا فيه بتصعيد المياه وتقطيرها كتصعيد الماء ورد والحل (1) وبيوت الحمامات وما شاكل ذلك.
__________
(1) 1 – أي الزيت . (2/428)
صفحة 858
وأما البرق والرعد فإنهما يحدثان في وقت واحد ولكن البرق يسبق إلى الأبصار قبل وصول الصوت إلى المسامع لأن الضوء روحاني والصوت جسماني وعلة حدوثهما ما ذكرنا من صعود البخارين الرطب واليابس إذا اختلطا في الهواء والتقيا واحتوى برد الزمهرير على البخار الرطب إذا اختلفا في الهواء والتقا واحتوى برد الزمهرير على البخار الرطب وطلب المخرج دفعه قبض برد الزمهرير عليهما وضغطهما وانحصر البخار اليابس في جوف البخار الرطب وانخرق البخار الرطب وتفرقع من حرارة الدخان اليابس كما يتفرقع الأشياء الرطبة إذا احتوت عليها النار دفعة واحدة وحدث من ذلك قرع في الهواء واندفع في الجهات وانقدح من خروج ذلك البخار اليابس الدخاني البرق كما يحدث من دخان السراج المطفي إذا أدني من سراج المشتعل ثم يطفئ وربما يذوب ذلك البخار ويصير ريحاً ويدور في جوف السحاب ويطلب الخروج فيسمع له دوي وتقرقر كما يسمع في الجوف المنتفخ ريحاً وربما يشف السحاب دفعة واحدة فيكون من ذلك صوت هائل كما يحدث من الزق المنفوخ إذا وقع عليه حجر ثقيل فشقه، ومن نعم الله ورحمته وألطافه ورأفته وكرمه وحكمته أن جعل حركة البرق وصوت الرعد من شأنهما الصعود إلى فوق ولولا ذلك لأحرق البرق ما على وجه الأرض ولصعق البشر والحيوانات من صوت الرعد ولكن جعل شأنهما طلب العلو? وإذا علت تفرقت في الجهات الواسعة وخف وقعها عن الأبصار والأسماع، وإن كان السحاب قريباً من الأرض وبنواحيه جبال ترد انتشار الضوء والصوت وربما حدث منها بعض القوارع والفزع وربما أحرق البرق ما لاقاه من وجه الأرض وربما أضر صوت الرعد ببعض المسامع. (2/429)
صفحة 859
وأما القوس الذي يرى مقابلاً للشمس في طرفي النهار فقالوا إنه إشراق الشمس على آخر السحاب الرطب الواقف على الهواء وانعكاس سعله عنها منه إلى ناحية الشمس ومن أجل ذلك لا يكون إلا في الجهة المقابلة للشمس شرقاً كانت أو غرباً ولا يكون القوس إلا منتصباً وأما أصباغه التي ترى فقالوا أنه على كيفية الطبائع الأربع من الحرارة والبرودة واليبوسة والرطوبة وفصول الزمان الأربعة الصيف والخريف والشتاء والربيع والأركان الأربعة الهواء والماء والأرض والنار والمشابهة الأخلاط الأربعة التي هي الصفراء والسوداء والدم والبلغم وكلما كانت أصباغ القوس أزهر وأبين كانت دلالتها أقوى على ترطيب الهواء وكثرة العشب والكلاء وزيادة ثمرة الشجر وحب الزرع فيكون ظهورها ورؤيتها كأنها بشارة قدمتها الطبيعة للناس والحيوانات لا كما تقول العامة إن الحمرة تدل على إهراق الدم في تلك السنة والصفرة تدل على الأمراض والزرقة تدل على الجدب والخضرة تدل على الخصب على قلتها وكثرتها يطون دلالتها، وأما ترتيبها الطبيعي فإن الحمرة تكون في أعلى القوس والصفرة دونها والخضرة دونها والزرقة دون الخضرة فإن جاء مخالفاً لهذا فلعلة حدثت في الكون أو يحدث.
( (2/430)
صفحة 860
وأما في قول عبد الرحمن ناصر بن أبي نبهان إن القوس يكون من مطر خفيف يقابل الشمس من جهة أخرى في وقت يكون في الهواء سحاب مانع أن يتجلى نور الشمس فيه من كل جهة والدليل على ذلك أن تأخذ ماء بفيك وتستقبل الجهةالمقابلة للشمس لا الجهة التي فيها الشمس وتكون أنت في ظل واقفاً قائماً وأمامك نور الشمس ووراء ذلك النور ظل وبينك وبين ذلك الظل ماء فتنفر بذلك الماء بقوة في الهواء أعلى من الماء حيث الشمس فيه بحيث أن يتفرق الماء كالرمل صغاراً فيتصور القوس بجميع ألوانه وقد صح ذلك وجربناه مراراً .انتهى كلامه.) (1)
وأما الشهب التي جعلها الله رجوماً للشياطين فما وقفنا لها على أثر في آثار السالفين والعلماء المتقدمين القائلين بتأثير الطبائع لأنها لم تكن في زمانهم وإنما جعلها الله آية من آياته وعلامة لظهور نبيه محمد - صلى الله عليه وسلم - ومعجزة من معجزاته كما قال الله في سورة الجن: {وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاء فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَساً شَدِيداً وَشُهُباً. وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَن يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَاباً رَّصَداً} (2) ، وسنبين ذلك في موضعه إن شاء الله مع قول علماء الإسلام وما أثروه في ذلك من الكلام.
__________
(1) 1 - أدرج هنا ذو الغبراء كلام الشيخ ناصر بن أبي نبهان وليس هو من أصل جواب العلامة الشقصي وهكذا كل ما يأتي في هذا الجواب فهو من إدراجه .
(2) 1 – الجن : 8-9 (2/431)
صفحة 861
رجعنا إلى قول القائلين بالطبائع وأما الشمس فقد قالوا أنها تضيء على نصف الأرض أبداً حيث كانت ويستتر هذا القطر من الأرض النصف الآخر عن الضوء الذي كانت تشرق على النصف الذي يلي الشمس فتكون ما طلعت عليه الشمس نهاراً وما سترت بقطرها عن نفسها من ضوء الشمس ليلاً فكلما دار النهار دار الليل معه كل واحد منهما ضد صاحبه فكلما زال واحد زال الآخر معه فالليل والنهار يبتدئان الإقبال من المشرق إلى المغرب ثم يسيران على مسير الشمس فيسبق طلوع الشمس على أول الأرض طلوعها على آخرها باثنتي عشرة ساعة وكذلك الليل، وأما القمر فلم أجد لهم فيه أثر. (2/432)
صفحة 862
وأما قولهم في علة الكسوف فقالوا إن جرم الأرض وجرم القمر كل واحد منهما أصغر من جرم الشمس صار ظلهما مخروطاً والمخروط يعنون الذي أصله جسيم غليظ ثم ينخرط قليلاً قليلاً حتى يصير ضئيلاً دقيقاً فظل الأرض تبتدئ من سطحها ويمتد في الهواء منخرطاً حتى يبلغ إلى فلك القمر ويمتد في سمكه حتى يبلغ إلى فلك عطارد مثل قطر الأرض مائة وثلاثين مرة فيكون في سمك الهواء منه بستة عشر جزءً ونصف وفي سمك القمر مثل ذلك، ويكون قطر هذا الظل حيث يمر القمر في مقابلته للشمس مثل قطر جرم القمر مرتين وثلاثة أخماس فإذا اتفقا أن تكون الشمس عند إحدى العقدتين اللتين يسميان الرأس والذنب فيكون مرور القمر في سمك الظل كله ممنوعاً عنه نور الشمس فيرى منكسفاً ثم يخرج من الجانب الآخر وينجلي وأما ظل جرم القمر فيبتدئ بسطح جرمه ويمتد منخرطاً في سمك فلك بعضه والباقي في سمك الهواء ويقطعه حتى يصل إلى وجه الأرض فإن اتفق اجتماعهما عند إحدى العقدتين والقمر محاذٍ لأبصارنا ولجرم الشمس فمنع عنها نورها فيراها منكسفة إذا كان القمر في غير هذين الموضعين أعنى الاجتماع والاستقبال ولكن يكون إحدى الموضعين أقرب فإن كان قربه إلى الاجتماع أكثر كان رأس ظله مخروطاً في سمك الهواء وإن كان إلى الاستقبال أقرب كان رأس ظله مخروطاً في سمك فلكه أو في سمك فلك عطارد، وأما رأس مخروط ظل الأرض فإلى درجة المقابلة لدرجة الشمس إن كانت من فوق الأرض فظل الأرض فوقها وإن كانت بالمشرق فظل الأرض إلى ناحية المغرب وإذا صارت بالمغرب صار الظل إلى ناحية المشرق وهذا دأبهما دائماً حول الأرض وهما الليل والنهار فهذا ما قال أهل الطبائع. (2/433)
صفحة 863
وأما نقصان القمر وتمامه فقالوا إن نور القمر هو مكتسب ومجتلب من نور الشمس فإذا كان تحتها لم يبق له شيئاً من النور فإذا انصرف عنها وأخذ في الابتعاد منها يبادر إلى الطلوع عند غروب الشمس فهنالك يتم له النور في نهاية الكمال ثم جعل يقرب قليلاً قليلاً فكلما قرب منها نقص من نوره بقدر ذلك إلى أن ينتهي إلى حد الاختفاء هكذا دأبه في كل شهر.
وأما الجنة فقالوا إنما هي في عالم الأرواح الذي هو كله صور روحانية وحياة محضة وراحة ولذة وسرور وغبطة لا يعرض لها الكون والفساد ولا البلا ولا التغير دار الحيوان والقرار والاستقرار يقصر الوصف عن إدراك معرفة ما فيها من النعيم المقيم.
وأما النار في عالم الأجسام دائم في الكون والفساد والتغير والاستحالة والبلى يقصر عن إدراك وصف عذابها الواصفون.
وأما الرياح فقالوا إنها ليس شيء سوى يموج الهواء بحركته إلى الجهات الست كما أن أمواج البحر ليست شيئاً سوى حركة الماء وتدافع أجزائه إلى الجهات الأربع لأن الهواء والماء بحران واقفان غير أن أجزاء الماء غليظة ثقيلة الحركة، وقالوا أسباب حركة الهواء هو صعود البخارين إذا مرت الشمس مسامية لبعض البحار والبراري والقفار أثارت من البخار بخاراً رطباً ومن البراري دخاناً يابساً وأصعدتها بحرارتها في الهواء فيدافع الهواء بعضه بعضاً إلى الجهات ليتبع المكان للبخارين الصاعدين إلى أعلى كرة النسيم فإذا انتهت إلى برد الزمهرير بردت ومنعها عن الصعود إلى فوق وعطفت عند ذلك راجعة إلى أسفل وتدافعت إلى الجهات الأربع فكانت منها الرياح المختلفة. (2/434)
صفحة 864
والرياح كثيرة التصاريف في الجهات الست وجملتها أربعة عشر نوعاً وأمهاتها أربع وهي على عدد أركان الكعبة وهي الصبا والدبور والشمال والجنوب فمهب الصبا ما بين مطلع بنات نعش ومطلع سهيل والجنوب ما بين مطلع سهيل إلى مغيبه، والدبور ما بين مغيب سهيل ومغيب بنات نعش والشمال ما بين مغيب بنات نعش ومطلعها، وأما ما كان يدافعه إلى هذه الجهات تسمى نكبا وهي ثمانية أنواع، وأما التي تهب من فوق على أسفل ومن أسفل إلى فوق فمنها ريح الصرصر وريح الزعزع ومنها الريح العاصف، وأما تصاريفهما في الجهات فمنها ما تسوق الغيم من سواحل البحار إلى البلدان البعيدة والبراري المقصودة بها كما يساق الماء في السواقي من الأنهار إلى المواضع البعيدة، ومنها ما يكون ما يولد الأسقام والأدواء للحيوانات والثمار والنبات ومنها ما يكون لشفاء السقيم من ذلك ومنها ما يكون لإصلاح الكون من الفساد ولها تأثيرات عظيمة يطول بشرحها الكتاب غير أنا قد ذكرنا لك طرفاً من ذلك من غير شرح لعلمنا بفهمك وبقوة درايتك فهذا ما قاله القائلون بتأثير الطبائع في عناصر العالم. (2/435)
صفحة 865
وأما ما أثره علماء الإسلام المستخرجون للمعاني من آيات القرآن والقائلون بالظاهر فقالوا في البرق اختلاف فقال بعضهم: أنها محاريق من نور بأيدي الملائكة يزجرون به ويؤلفون به بعضه إلى بعض، والرعد زجر الملائكة السحاب كما يؤلف الراعي الغنم بالعصى ويزجرها بالصوت ليجتمع بعضها إلى بعض، وبعض لعله قال إن البرق نور وضياء يصحب السحاب لنديته بغلبته على الماء، وأما الرعد فقد روي عن النبي ( أنه قال: (إن الله ينشئ السحاب فيضحك أحسن الضحك وينطق أحسن النطق وضحكه البرق ونطقه الرعد) (1) وقال ابن عباس: الرعد اسم ملك ومسكنه السحاب، والصوت المسموع هو صوت تسبيحه كما قال تعالى: {وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلاَئِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ} (2) ، وقيل الرعد وعيد من الله فإذا سمعتموه بادروا إلى التوبة إلى الله والاستغفار والإقلاع عن المعاصي، وقال بعض المتوهمين أقولاً غير هذه.
وأما القطر من السحاب فبعض قال إن الله جعل السحاب خلقاً مائياً رطباً فإذا أراد الله أن ينزل في موضع من المواضع سخر له?الرياح الأربع لتعصره ليحتال منه الماء ويسقط على الأرض، وبعض يقول يحدث الماء في السحاب حين نزوله لا قبل ذلك كما تحدث النطفة في الفحل حين الجماع لا قبل ذلك يحدثه الله حيث يشاء وليس هو كالحليب يجتمع في الضرع، وفي بعض الأخبار عن وهب بن منبه أن الأرض شكت إلى الله أيام الطوفان الذي أغرق قوم نوح لأن الله أرسل الماء إلى الأرض بغير وزن ولا كيل فخدش الأرض وخددها فقالت يا رب إن الماء خددني وخدشني فأوحى الله إليها أني سأجعل للماء غربالاً والغربال المنخل فلا يخددك ولا يخدشك فجعل السحاب غربالاً للمطر.
والسحاب مسخر بين السماء والأرض جعله الله علامة للغيث يخرج منه الماء كما يخرج الحب من النبات والثمار من الأشجار والنار من الحطب والأولاد من الأرحام حكمة منه ورأفة ورحمة.
(
__________
(1) 1 – أورده القرطبي في تفسيره ج9 ، ص67 .
(2) 2 – الرعد : 13 (2/436)
صفحة 866
قال عبد الرحمن ناصر بن أبي نبهان : إن قول الحكماء هو القول الأول في تكون السحاب والبرق والرعد والمطر أصح من هذا القول الآخر والله أعلم).
رجع: وأما انقضاض الشهب فيوجد في آثار أصحابنا رحمهم الله أن الله خلق النجوم على أربع منازل منها الخنس الجوار الكنس ومنها خلقها الله أعلاماً ليهتدى بها في ظلمات البر والبحر كالثريا والقلب وسهيل والفرقدين وأمثالها قال الله تعالى: {وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُواْ بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ} (1) ، ومنها زينة قال الله تعالى: {إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاء الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ} (2) ، وقال: {وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاء الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُوماً لِّلشَّيَاطِينِ وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ السَّعِيرِ} (3) فقيل إن الشياطين كانوا قبل مبعث نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - يصعدون إلى السماء ويخيلون إلى أخدان لهم من الإنس ويخبرونهم بما يسمعون من أخبار السموات فيحدث به الإنس فيكون الأمر مثل ما أخبروا فيحيل الجهال إلى قول الكهنة ويصدقونهم فلما بعث الله نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - منع الشياطين من الصعود إلى السماء وجعل الله نجوماً رصداً فإذا صعد الشيطان انقض له شهاب من الكواكب ثاقب لا يخطاه أبداً إما أحرقه وإما قتله وإما خبله فلا يعود إلى ذلك أبدا وإنما يعود غيره مع علمهم أنهم لا يصلون إلى بغيتهم بل طمعاً منهم وتسويلاً من أنفسهم لينتقم الله منهم.
وأما الوجبة التي يسمعها الناس فهو حس الشهاب في الهواء إذا انقض وعلى قدر عظمه يكون الصوت والله أعلم.
__________
(1) 1 – الأنعام : 97
(2) 2 – الصافات : 6
(3) 3 – الملك : 5 (2/437)
صفحة 867
وأما البدر وما خلق الله فيه من الزيادة والنقصان فهو علم جعله الله علماً للعباد ليعلموا عدد الأيام والسنين والأشهر لميقات الحج وحلول الدين وانقضاء العدد وأشباه هذا ولولا ذلك لالتبس على الخلق كثير من الأمور ولكن الله ذو فضل على الناس ولكن أكثر الناس لا يعلمون.
وأما خسوف القمر وكسوف الشمس فهما آيتان من آيات الله كما جاء عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ? يوم مات ولده إبراهيم عليه السلام وكسفت الشمس فقال الناس: أصيبت الشمس لموت إبراهيم فروي أنه خطب الناس فقال - صلى الله عليه وسلم - : (إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا يخسفان لأحد من خلقه وإنما يريكم الله من آياته لعلكم تذكرون) (1) .
وأما السموات والأرض فإنها سبع سموات طباق بعضها أعلى من بعض لا متحاذيات ولا متجاورات وكذلك الأرضون واقفة على الهواء بما فيها من الجبال والبحار وجميع المخلوقات التي فيها لا صاعدة ولا هابطة بقدرة الله تعالى.
وأما الجنة والنار ففيهما اختلاف بين العلماء بعض يقول أنهما مخلوقتان بما فيهما من أنواع النعيم والعذاب ويفنيان عند فناء الخلق وبعض يقول إن كل شيء وعد الله تكونه فهو كائن لا محالة وكل ما هو كائن اتكانه (2) قد فرغ منه، وأما محلهما ففي أكثر القول إن الجنة في السماء السابعة والنار تحت الأرض السابعة ولهذا اختبار واحتجاجات يطول بشرحها الكتاب.
(
__________
(1) 1 – البخاري 1009 /1 ، مسلم 901 / 2 ، وغيرهم .
(2) 2 – هكذا بالأصل . (2/438)
صفحة 868
قال عبد الرحمن ناصر بن أبي نبهان: إن العلماء اختلفوا في الجنة والنار هل هما الآن كائنتان أم سيكونان وأما أنها الآن في السماء السابعة فلا يصح لأن الجنان فيما يروى أنها ثمان وكل جنة منهن عرضها السموات والأرض أي عرضها جميع عرض السموات والأرض فهذا يدل على فساد ما قاله أنها في السماء السابعة وقال تعالى: {يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ} (1) وقال: {وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ} (2) فدلالة هذه الآية كذلك، والله على كل شيء قدير، انتهى ما أخذته من لسانه).
__________
(1) 1 – إبراهيم : 48
(2) 2 – الزمر : 67 (2/439)
صفحة 869
وأما الريح فلم أقف لها على أثر يستدل له على معرفة ذلك ولعل قد غاب عني حفظي لكثرة اشتغالي غير أن الذي أقول من جملة القول من هذه الأشياء المذكورة أن الله تعالى خلق الأشياء بلطيف حكمته وعلمه وإرادته ليري عباده آياته ويتفكروا في مصنوعاته ويعلموا أن لها صانعاً صنعها ومحدثاً أحدثها دليلاً على قدرته وشاهداً على ربوبيته وحجة على صحة أزليته، فمن تفكر في الخلق عرف الخالق، ومن عرف الخالق أطاع وأناب ورجع إليه وآب وأقلع عن المعاصي وتاب، ومن تاب وأصوب أطاع لله ونجى وصار من أكرم خلق الله وجاراً لأنبيائه ورفيقاً لأوليائه في دار الرضوان التي لا يمسهم فيها نصب ولا لغوب، ومن لم يتفكر في الآيات وما يشاهده من لطيف إحكام المصنوعات، ولم يعرف الصنعة ولا الصانع ولا الحدث من المحدث فيكفيه أنه بهيمة من البهائم أو سبع ضار غاشم بل هم أضل وأخسر وأغفل وأجبر، نسأل الله تعالى أن يلهمنا معرفته ولا يسلنا نعمته ولا ينسينا ذكره وأن يفتح أبصار قلوبنا إلى معانيه مع منهج رشدنا ولا يحرمنا حلاوة معرفته ولا ينسينا ذكره طرفة عين ولا أقل ولا أكثر إنه القادر على هذا وهو على كل شيء قدير. فإذا قرأت الكتاب فما رأيت فيه من خطأ فأصلحه، وما كان من خلل فاسدده، وما كان من عوار فاستره، وعليك مني وإخوانك أطيب السلام، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد - صلى الله عليه وسلم - .
رجع: فقال سمعت الجواب وفهمت فأخبرني عن القسيسين والرهبان ممن هما؟ قال: سمعت أن القسيسين والرهبان من النصارى والأحبار من اليهود. (2/440)
صفحة 870
فقلت لصاحبي: أخبرني بشيء من القصص التي تنفعني لإصلاح جسمي وديني، فقال: استمع ما أوعيه لك عن رجل ألبسه الله الهيبة والحشمة والسمعة في هذه الدنية فقيل له: بما بلغت هذه الدرجة وأنت لم تعمل عملاً ولا تعلمت علماً ولا صنعت حرثاً ولا قتلت نفساً ولا أكرمت ضيفاً ولا قاربت سلطاناً؟، قال: نظرت الأحرف فوجدت عدها ثمانية وعشرين حرفا ففيها ألفة للمتباغضين وعدواة للمتآلفين، وكل حرف منها له ميزان فإذا عرفت موازينها وطبائعها من العناصر الأربعة المجتمعة مثل الإنسان مقسم أقساماً كل قسم منها له سبعة أحرف من الرأس إلى القدم، القسم الأول للرأس وما حوله فله أحرف النارية وهي سبعة أ ه ط م ف ش ذ وكل حرف منها له منزلة يعرف بذلك الحرف، والقسم الثاني من الوداج إلى رأس الفؤاد وما بينهما سبعة أحرف وكل حرف منهما له منزلة يعرف بذلك الحرف وهي هذه وهي هذه ج ز ك س ق ث ظ هي أحرف رياحية، القسم الثالث من رأس الفؤاد إلى رأس الذكر وما بينهما سبعة أحرف مائية وهي هذه د ح ل ع ر خ غ فكل حرف منها له منزلة يعرف بالحروف ، القسم الرابع من المقعدة إلى الأفخاذ والقدمين وما بينهما سبعة أحرف ترابية وهي هذه ب و ي ن ص ت ض كل حرف منها له منزلة يعرف بذلك الحرف. وأما أعمال الحيوان المختص بالماء جميعها من الأحرف المائية، وأما حيوان الأرض وما يختص بها من الأحرف الترابية، وأما أعمال حيوان الهوام والمواشي مثل السباع والضباع وما شاكلها من الأحرف الرياحية، وأما أعمال حيوان الهواء من الطير والجبال والملائكة جميع ذلك من الحروف النارية والمصادقة الموجودة في الحيوان لبعضها بعض طبع ولكن الظاهر بينهما العدواة فكان أوجب أن يكون المصادقة أولى فهذه بخلاف الطبع لأن الجميع يحسبهم جنس واحد وهي الحيوانية وذلك من خلاف اسلا (1)
__________
(1) 1 – هكذا بالأصل غير منقوطة . ولم يبن لي معناها .. (2/441)
صفحة 871
حروفهم لأن الأحرف النارية على مصادقة الأحرف الهوائية وكذلك الأحرف المائية على مصادقة الأحرف الترابية وكل من كان من هذه تصادق بعضها بعضا. وأما المعادات بالعكس والمعادت الموافقة بين الحيوانات من هذه الأوجه والمصادقة وكل من ظهر في هذا المقام أشرف على هذا النظام وجد هذه الرموز ونال في هذا المدار أوفر نصيب أو سعيد البعيد والقريب فتارة يكون ملكاً علوياً بالفعل وتارة يصير ملكاً بالقوة، ثم العقل في الوجود ما يريد ويحكم ما يشاء وذلك أن الله تعالى سبوح قدوس مظاهر مطابقة الأحرف بالملائكة والحيوان، فأول ما تذكر ميزان الأحرف النارية والحيوانات المنسوبة إلى هذه فمن مما هو النور الملائكة لأن النور أصل النار والنار من النور والنور من النار لأن النور الشعاع بلا إحراق ذات جهات ستة ما ليس له انعكاس، والنار نور معكوس ذات جهات ست فإذا انعكس النور إلى المركز كان فعله ناراً وإذا انبسط على فوق المركز كان فعله نورا، فالنار طبعه الحريق والتسخين والدخان وطرفها الأعلى نور، والنور طبعه بارد رطب لطيف ذات نور وشعاع يحترق في جميع الكثائف وكذلك السماوية النورانية الروحانية الملائكة الربانية الإلهية فهم سبعة جبرائيل له حرف الألف ميكائيل له حرف الهاء إسرافيل له حرف الطاء عزرائيل له حرف الميم روقائيل له حرف الفاء صرفائيل له حرف الشين سمكيائيل له حرف الذال فهذه الأملاك العلوية.
وأما مظهر الأملاك السفلية الأرضية الترابية الشيطانية الرحمية الهوائية ملوك الجان وهؤلاء الأول المذهب من الحروف له الألف، برقان له حرف الهاء، الأحمر له حرف الطاء، زوبعة له حرف الميم، شمهروس له حرف الفاء، الأبيض له حرف الشين، ميمون له حرف الذال فهذه أقسام أملاك الجن. (2/442)
صفحة 872
وأما مظهر الحيوانات الطائرة النسر له حرف الجيم، العقاب له حرف الزاء، الباز له حرف الكاف، الباسق له حرف السين وما عداهم من الطيور له باقي الأحرف وهي القاف والثاء والظاء تجمع أحرف أي طير شئت وتستخرج حرف الكعب وهو الاستنطاق وتمازج الحرف بالحرف وزناً وكذلك جميع الأسماء كلها يكون عملك ثابت.
وأما مظهر حيوانات الماء...... (1) له حرف الدال التمساح له حرف الحاء وكذلك تركيب باقي الحيوانات من باقي الأحرف وهي هذه د ل ع ر خ غ فتلك أقسام الحيوانات المائية.
وأما مظهر الحيوانات الأرضية السبع له حرف الباء النمر له حرف الواو الذئب له حرف الياء الحية لها حرف النون وكذلك باقي الحيوانات من باقي الأحرف وهي هذه ص ت ض واتخاذ الجمادات من الأحرف الترابية.
وأما مظهر الياقوت له الأحرف الترابية الباء وكذلك باقي الجمادات من باقي الحروف الترابية وهي هذه ن ص ت ض وعليك بذكر الأعمال في موضعها.
وأما مظهر حيوان الإنسان ضم في نفسه جميع الأحرف من الثمانية والعشرون لأن صورة الإنسان أكمل صورة الحيوانات وأعلاها وأظهرها وأعظمها وأقواها وأقدرا وأحيلها وأمكرها وأخيرها وأدبرها وأعقلها وأرشدها وأحكمها وأنماها وأرداها هو سلطان العالم بأسرها علويها وسفليها وهو الذي أشرف على ما فوق الفوق وتحت التحت وذلك بإذن الله تعالى فجميع المعاني سائر في الخلق ناقصاً وفي الإنسان كاملاً وذلك كله إكمال الأحرف فيه ويقاسمها على وضع الموازيين الأحرف لأن? الأحرف النارية لها ميزان يعرف به كم قوة كل حرف منها حتى يطابق لما فوقه ولما تحته وكذلك المخالفة أيضاً على وزن الأحرف وكل سبعة أحرف منها 1 مرتبة 2 درجة 3 دقيقة 4 ثانية 5 ثالثة 6 رابعة 7 خامسة فكل أربعة أحرف قوة تعرف بالجدول وهذا جدول يعرف به كل حرف منها طبيعته وقوته وفعله في القائم العالم وهو هذا الاستنطاق:
__________
(1) 1 – فراغ بالأصل ,مكتوب فوقه ( بياض ) . (2/443)
صفحة 873
لا ... النارية ... الترابية ... الهوائية ... المائية ... الكعب ... الاستنطاق
المراتب ... أ ... ب ... ج ... د ... 10 ... ي زحل
درجات ... ه ... و ... ز ... ح ... 26 ... كو مشتري
دقائق ... ط ... ي ... ك ... ل ... 69 ... طس مريخ
ثواني ... م ... ن ... س ... ع ... 220 ... كر شمس
ثوالث ... ف ... ص ... ق ... ر ... 470 ... عت زهرة
روابع ... ش ... ت ... ث ... خ ... 1800 ... غض عطارد
خوامس ... ذ ... ض ... ظ ... غ ... 3400 ... غغغت قمر
الثاني يوضع على هذا الوضع وهو بسط أ ب ت ث ج ح خ د ذ ر ز س ش ص ض ط ظ ع غ ف ق ك ل م ن و ه لا ي فالأعمال كلها جميعها على المقدم وهو الحرفي والثاني عددي وهو يسمى علم الأوفاق فهو علم عددي جزء من المركز العددي يركب حروفا أعداداً على بعضها، والحرفي هو نوعان نوع قد ذكرنا منه طرفاً كثيرة، ونوع يسمى بسط وتكسير مثال ذلك إذا أردنا عطف بين الذئب والغنم يجعل الذئب طالباً والغنم مطلوباً تبسط عدد حروفها وتأخذ حرفاً من الأول وحرفاً من الآخر تعمل به حتى يفرغ حروف المبسوط، وكذاك يعمل في باقي بسطه، وكذلك الانتهاء إن كنت في آخر السطر من الآخر مثل ما في البسط، وكذلك إذا أردت زجر الحيوانات مثل الحية والعقرب والسبع والذئب وكل ذي حيوان كاسر يؤذي كري اسم الحيوان واسم المنع والزجر وتبسط حروفها حتى ينتهي البسط وتأخذ زويا البسط 4 ومن الوسط حرفان، فإن كان البسط وتراً وإن كان شفعاً فمن الوسط حرفان فيجتمع طباعهما في الموافقة يعمل طبعاً موافقاً وفي المخالفة طبعاً مخالفاً مثاله إذا أردت المحبة بين الذئب والغنم يعمل حد ولا يعقله أحرف الثلاثة الأول اسم الذئب الثاني المحبة الثالث الغنم على هذا المثال ذ ي ب م ح ب ه غ ن م فالأحرف المستخرجة من الزوايا والوسط على هذا الجدول المتقدم.
ذ ... ي ... ب ... م ... ح ... ب ... ه ... غ ... ن ... م
ب ... م ... ح ... ذ ... ي ... غ ... ب ... م ... ب ... ه
ح ... د ... ي ... ب ... م ... م ... ب ... ه ... غ ... ن
ي ... ب ... م ... ح ... ذ ... ه ... غ ... ن ... م ... ب
م ... ح ... ذ ... ي ... ب ... ب ... م ... ب ... ه ... غ
ذ ... ي ... م ... ح ... ب ... ه ... غ ... ب ... ب ... م
ب ... م ... ح ... ذ ... ي ... غ ... ب ... م ... ب ... ه
غ ... ذ ... م ... ب ... ه ... ح ... ي ... ب ... م ... ب (2/444)
صفحة 874
قال: الوسط ستة أحرف وهي ذ ذ م ح ب الطبع الأغلب مجملاً ذ ذ خوامس حرارة م م تعالى حرارة وحرف ح درجة برودة من رطوبة وحرف ب مرتبة يبوسة طبع الطبع حار يابس بهذه الهمل 113 الاستنطاق بهذا العدد غقل الملك المتوكل بها غقلائيل البخور عود وفلفل التصرف هذا العمل إنك تعمد إلى لوح نحاس أحمر ترسم في وجه اللوح الرتابية المتقدمة في طالع الحمل والمريخ وفي وجه الآخر صورة ذئب وغنم معتنقان والذيب مسلم الغنم وعلى رأس الذيب مكتوب اسم الملك غقلائيل وعلى رأس الغنم العدد وهو هذا عدد الغنم 113 وكلاهما في دائرة محيطة بهما وفي جهات الدائرة الأحرف المستخرجة وتدفن اللوح في أرض المرعى الغنم فإن الذيب والغنم تراهم مجتمعون وكذلك يكون في سائر الأعمال ولكن خذ اسم الذي تريده إن كان لزيادة العقل أو لزيادة نور العين فاجمع اسمك واسم المقصود وتوخ في أعمالك أن تكون الشمس في البروج الهوائية أو النارية فإنه أوفق وأليق.
وأما الضرب الوفق العددي فعلى هذه الصورة، مثال ذلك تريد تزويج واسم الرجل الذي تخطب من عنده اسمه علي والطالب اسمه محمد وتزويج أربعمائة وست وعشرين وعلي عدده مائة وعشرة ومحمد عدده اثنين وتسعين فجملة الجميع ستمائة وثمانية وعشرين ظهر من عدها مرتبة الزوج لا فرداً فرسمها وفقاً رباعياً وإن كان العدد فرد فرسمها وفقاً ثلاثياً أو خماسياً فافهم ذلك.
أول بيت ... رابع عشر بيت ... احدى عشر بيت ... ثامن بيت
149 ... 164 ... 159 ... 156
اثنى عشر بيت ... سابع بيت ... ثاني بيت ... ثالث عشر بيت
140 ... 155 ... 150 ... 163
سادس بيت ... تاسع بيت ... سادس عشر بيت ... ثالث بيت
154 ... 157 ... 166 ... 151
خامس عشر بيت ... رابع بيت ... خامس بيت ... عاشر بيت
165 ... 152 ... 153 ... 158 (2/445)
صفحة 875
وهذه كيفية الوفق وصفة عمله وهو رباعي أربعة في أربعة فذلك ستة عشر فأسقط منها الميزان ويبقى خمسة عشر اضرب في اثنين فتبقى الأربعة أعني نصف قطر الوفق الرباعي فذلك ثلاثون وهو الميزان وجملة عدد الأسماء ستمائة وثمانية وعشرون أسقطنا منها ثلاثين فتبقى ستمائة إلا اثنين قسمناها أربعة أرباع ولو كان الوفق ثلاثياً لقسمناها ثلاثة أثلاث بعد الطرح ولو كان خماسياً لقسمناها بعد الطرح خمسة أخماس ولو كان سداسياً لقسمناها بعد الطرح سداسياً على هذا إلى ما نهاية له فلما قسمناها رباعياً صار مائة وتسعة وأربعون وكسر ثلاثون أصول فالوفق رباعي وأدخل فيه بالربع وزده واحداً واحداً إلى أن يتم وأدخل الكسر في بيت الثالث عشر وهذه صورته:
ثم تأخذ من حروف أبجد إلى حرف الطاء ثم تنظمهما وتقسم بالقسم على الخادم ثم إن كان برجك الطالع في ذلك الوقت نارياً كان يدفن في النار وإن كان رياحياً يعلق في الريح وإن كان مائياً يدفن قريب من الماء في كراز أو غيره وإن كان ترابياً يدفن في التراب ثم تمضي في حاجتك تقضى إن شاء الله تعالى عدد بيوت الرباعي أوله الواحد وآخره السادس عشر على الترتيب المتقدم.
البيت الثاني ... البيت التاسع ... البيت الرابع 14
12 ... 19
البيت السابع ... البيت الخامس 15 ... البيت الثالث 13
17
البيت السادس 16 ... البيت الأول ... البيت الثامن 18
11
اعلم أن الوفق الثلاثي لا يدخل فيه الكسر والرباعي يصح فيه الكسر الواحد والاثنين والثلاثة فإن صح فيه كسر اثنان وكان في البيت الثاني عشر أربع وعشرين وإن كان كسر واحد اكتب فيه ثلاث وعشرين وإن كان الكسر ثلاثة اكتب خمس وعشرين في البيت الثالث عشر والكسر يجعل في البيت الثالث عشر فهذا اسم آدم عدد 455 وفقه ثلاثي: (2/446)
صفحة 876
... قال صاحب ذي الغبراء: لما قرأت في كتب الأوفاق ورأيت الاختلاف قصدت عند الشيخ العالم الفقيه ناصر عبد الرحمن بن أبي نبهان وسألته عن ذلك، فقال: إن علم الأوفاق بحر عظيم الأكناف بعيد الأطراف وقد أطنبنا في شرحه في كتابنا (مستغرق الأشواق في علم الأوفاق) وخلصنا اللباب منه في كتاب وجيز سميناه (سراج الآفاق في علم الأوفاق) وذكرنا أصول الوضع من أقسامه في كتابنا (طرف الألطاف والسر الخفي في شرح مربع شكل القاف الألفي) ثم نظمنا أرجوزة في علم الزيارج قسمناها أربعة أجزاء فالجزء الأول منه (الدر المنظوم في علم النجوم) ، والجزء الثاني (سراج الآفاق في علم الأوفاق) وهو عوض سراج الآفاق المذكور، والجزء الثالث كتاب (السر في وضع الجفر) والجزء الرابع كتاب (الزيارج من سفر المعارج) ومجموع الأجزاء تسمى (سفر المعارج في علم الزيارج) وجزء أوفاق هذا الكتاب المنظوم فمن شاء التبحر في هذا العلم فعليه بهذه الكتب وأما على الاختصار فهاك القول فيها:
أ ... ب ... ج ... د
د ... ج ... ب ... أ
ب ... أ ... د ... ج
ج ... د ... أ ... ب
فالوضع في أشكال الأوفاق على أقسام منها تكسيري يكسر في الوفق ما يشاء الواضع من آية أو أسماء أو حروف وما أشبه ذلك فيفرقه في السطر الأول ويكرره في السطور فيتفق رسم ذلك من كل ضلع من كل جهة وقطر مثال ذلك في الرباعي كما ترى:
والقسم الثاني وضعي وهو الذي يوضع بالعدد وبأشكال الأعداد ويبدأ في كل وفق بالواحد ويمشي فيه بزيادة واحد إلى آخر بيوته وهو الوضع الطبيعي كما ترى:
2 ... 9 ... 4
7 ... 5 ... 3
6 ... 1 ... 8
4 ... 9 ... 2
3 ... 5 ... 7
8 ... 1 ... 6
فإذا أدرت كل واحد منهما على الجهات الأربع صار على أربع صور فما كان أوله في الجهة العليا فناري وما كان أوله على الجهة اليمنى فهوائي وما كان أوله في الجهة اليسرى فمائي وما كان أوله في الجهة السفلى فترابي. (2/447)
صفحة 877
بيان: وإن كان أول الوضع في الزوايا فما كان أوله في السطر الأول وهي الزاوية الأولى فناري وما كان أول وضعه في آخر السطر وهي الزواية الثانية فهوائي وما كان أول وضعه في أول أسفل الأضلاع كلها فمائي وما كان في آخر السطر فترابي ويصح التخالف بين الهوائي والمائي في الزاوية الثانية والثالثة فافهم.
1 ... 10 ... 7 ... 16
8 ... 15 ... 2 ... 9
14 ... 5 ... 12 ... 3
11 ... 4 ... 13 ... 6
بيان: ومثال الوضع في الوفق الرباعي:
1 ... 19 ... 13 ... 7
14 ... 8 ... 2 ... 20
22 ... 16 ... 15 ... 3
10 ... 4 ... 23 ... 11
18 ... 12 ... 6 ... 24
بيان: ومثال ذلك في الخماسي الوضعي الطبيعي يكون كما ترى:
16 ... 10 ... 9 ... 30 ... 22
4 ... 23 ... 17 ... 11 ... 5
12 ... 6 ... 24 ... 18
20 ... 19 ... 13 ... 7 ... 1
8 ... 2 ... 21 ... 15 ... 14
بيان : ومثال الخماسي الخالي القلب:
بيان: وأما الوجه الضربي فهو على وجوه أحدها الضرب الطبيعي ويحتاج فيه إلى معرفة ميزان كل وفق ومعرفة ذلك على ثلاثة وجوه وجهان تعرفهما قبل وضعه والثالث بعد الوضع .
بيان: فأما الذي يعرف بعد الوضع فهو أن يجمل أعداد بيوت الضلع الأعلى وغيره من وضعه الطبيعي فما بلغ فأسقط منه عدد بيوت ضلع منه فما بقي فهو الميزان مثال ذلك الثلاثي فالخارج في كل ضلع من وضعه الطبيعي 15 فإن تطرح منها ثلاثة عدد بيوت ضلع منه يبقى 12 فهو ميزان الثلاثي في كل عدد.
ومثال الرباعي فالخارج في كل ضلع منه من وضعه الطبيعي 34 فإن تطرح منه عدد بيوت ضلع منه 4 يبقى 30 هو ميزان الرباعي.
ومثال الخماسي فالخارج في كل ضلع منه من وضعه الطبيعي 65 فإن تطرح منه عدد بيوت منه 5 يبقى 60 وهو ميزان الخماسي وعلى هذا فقس في جنيع الأوفاق. (2/448)
صفحة 878
بيان: وأما معرفة ميزان كل وفق قبل وضعه فهو أن تجمع جميع بيوته وأنقص منها واحداً وما بقي فاضربه في نصف بيوت ضلع منه فما بلغ فهو الميزان، وإن زدت جملة البيوت واحداً وضربته كذلك خرجت جملة طبيعة كل ضلع من وضعه الطبيعي مثال ذلك الثلاثي جملة بيوته تسعة، فإن تنقص بيتاً تبقى ثمانية، فإن تضربها في نصف ضلع فضلعه 3 بيوت ونصفها بيت ونصف فللبيت ثمانية وللنصف 4 الجملة 12 هي ميزان الثلاثي، وإن زدته واحداً تبلغ 10 فللبيت عشرة وللنصف نصفها 5 تبلغ 15 هي جملة طبيعته وضعه الطبيعي.
ومثال ذلك الرباعي جملة بيوته 16 ، فإن تنقص واحداً تبقى 15 وبيوت ضلعه ضلعه 4 نصفها بيتان فأعط كل منهما 15 تبلغ ثلاثين هي ميزان الوفق الرباعي، وإن زدت إلى بيوته واحداً تبلغ 17 كل بيت منهما له كذلك تبلغ 34 هي جملة طبيعته وضعه الطبيعي التي يخرج في كل ضلع منه.
... ومثال ذلك في الخماسي جملة بيوته 25 فإن تنقص منها بيتاً تبقى 24 ونصف بيوت ضلع منه بيتان ونصف فلكل بيت منهما 24 تبلغ 48 ولنصف البيت نصف 24 تبقى 12 تضاف إلى 48 تبلغ 60 هي ميزان الخماسي، ولو زدت جملة بيوته واحداً بلغت 26 ، فإذا ضربتها في بيتين ونصف كما ذكرنا تبلغ 65 هي طبيعته كل ضلع منه من وضعه الطبيعي وعلى هذا فقس في جميع الأوفاق.
بيان: فإذا عرفت ذلك وأردت أن تضرب جملة عدد حرف أو حروف أو أسماء أو آيات وما أشبه ذلك وقد جملته بالجمل الكبير فاطرح من الجملة أولاً ميزان الوفق الذي تريد أن تضربه فيه في وضعه الطبيعي فما بقي فاقسمه أجزاء على عدد بيوت أحد أضلاعه فإن كان المراد به في الثلاثي فاقسمه ثلاثة أقسام وخذ قسماً واحداً وضعه في أول وضعه من وضعه الطبيعي ثم امش منه بزيادة واحد في وضعه الطبيعي إلى آخره.
بيان: وإن كان المراد به في الرباعي فاقسمه بعد طرح الميزان الذي للرباعي 4 أقسام وخذ قسماً واحداً وامش به من أول وضعه الطبيعي إلى آخر بزيادة واحد. (2/449)
صفحة 879
بيان: وإن كان المراد به في الخماسي فاطرح ميزان الخماسي واقسم ما بقي 5 أقسام وخذ قسماً وامش به في وضعه الطبيعي من أوله إلى آخره بزيادة واحد وعلى هذا فقس في جميع الأوفاق.
19 ... 26 ... 21
24 ... 22 ... 2
23 ... 18 ... 25
2 ... 9 ... 4
7 ... 5 ... 3
6 ... 1 ... 8
بيان: مثال ذلك في الثلاثي في اسمه تعالى الله عدد حروفه بالجمل الكبير 66 فإن تلقي منه الميزان 12 يبقى 54 فإن تقسمها ثلاثة أقسام يكون كل قسم 18 وهي التي تدخل في أول الوضع ويمشي فيه بزيادة واحد إلى آخره كما ترى ، وهذا وضعه الذي مشينا فيه وهو المقدم رسمه في أول الفصل.
47 ... 54 ... 49
52 ... 50 ... 48
51 ... 46 ... 53
ومثال ذلك في اسمه عليم وعدد حروفه 150 فإن تطرح الميزان 12 من ذلك يبقى 138 فإن تقسم ذلك ثلاثة أجزاء يكون كل جزء منها 46 وهو الثلث وهو الذي يدخل في أول الوضع ويمشي فيه بزيادة واحد كما ترى:
بيان: وللثلاثي وجه آخر وهو أن تقسم الجملة أولاً ثلاثة أجزاء وتأخذ جزءً منها وهو الثلث ويطرح منه ثلث الميزان وما بقي هو الذي يدخل به فيخرج مثل الأول غير مختلف مثاله 150 فإن تقسمها ثلاثة أجزاء يكون كل جزء 40 فإذا طرحت منها ثلث الميزان 4 تبقى 49 وهي التي تدخل في أول الوضع على ما ذكرناه وصورناه.
بيان: وله وجه آخر لا يحتاج فيه إلى طرح الميزان بل تأخذ الجملة وتقسمها 3 أجزاء وتأخذ جزءاً وهو الثلث وأدخله في القلب وهو الوسط وامش به بزيادة ما شئت إن كان بواحد أو أكثر إلى آخر الوضع ثم ارجع إلى الوسط وامش منه بالنقصان إلى أول الوضع كما مشيت بالزيادة.
مثاله في اسمه تعالى عليم 150 فالثلث 50 هي التي تجعل في القلب فإن تمشي بواحد يكون كما
ترى:
47 ... 54 ... 49
52 ... 50 ... 48
51 ... 46 ... 53
20 ... 90 ... 40
70 ... 50 ... 30
60 ... 10 ... 80
وباثنين يكون كما ترى :
وبعشرة يكون كما ترى:
44 ... 58 ... 48
54 ... 50 ... 46
52 ... 42 ... 56
بيان: ولا يصح الكسر في الثلاثي جزماً وأما أن يكون مثلث الجهات على هذه الصورة فيصح كما ترى: (2/450)
صفحة 880
بيان : فإدخال الكسر في هذا يصح ويدخل في البيت الخامس من الوضع وتمشي منه بزيادة واحد إلى آخره، وإذا انتهى الآخر يزاد أيضاً واحداً إذا كان الكسر الاثنين يدخل بنصفه وهو الواحد، وأما إن كان واحداً فأسقط من الثلث الذي تدخل في أول الوضع واحداً وأدخل الكسر باثنين مثال ذلك في عدد اسمه تعالى ودود أو هادي أو اسم بدوح عدد ذلك 20 فإن تطرح الميزان 12 تبقى ثمانية لا تنقسم ثلاثة أقسام اطرح منها اثنين وهي الكسر تبقى 6 ثلثها اثنين وهي التي تدخل بها ويعمل به على ما وصفناه ويخرج كما ترى:
بيان : في اسمه تعالى واحد 19 يبقى بعد طرح الميزان منه وهو 12 سبعة ليس فيها ثلث كسرها واحد يبقى ستة ثلثها اثنين فإن تطرح منه واحد كما ذكرنا ونضيفه على الكسر وتعمل به على ما وصفناه يخرج كما ترى وعلى هذا فقس كل عدد.
6 ... 15 ... 12 ... 22
13 ... 21 ... 7 ... 14
30 ... 10 ... 17 ... 8
16 ... 9 ... 19 ... 11
بيان : ومثال ما ذكرناه إن كان المراد بالجملة ضربها في الرباعي على ما وصفناه أولاً فمثاله في اسمه مجيب 55 فإن تطرح من ذلك ميزان الرباعي 30 يبقى 25 فإن تقسمها أربعة أقسام فلا يصح إذ ليس لها ربع فاطرح الكسر تجده واحداً يبقى 24 ربعها ستة وهي التي تدخل بها في اول وضع الرباعي وتمشي فيه بزيادة واحد كما ترى فانظر فيه فإن أدخلنا في بيت الثالث عشر من الوضع الذي أتيناه فيه أولاً لأنه كان نصيبه 18 زدناه واحداً فصار 19 وعلى هذا فقس.
1 ... 30 ... 7 ... 27
8 ... 26 ... 2 ... 19
25 ... 5 ... 22 ... 3
21 ... 4 ... 24 ... 6 (2/451)
صفحة 881
بيان : وللرباعي وجه آخر وهو أن تترك نصف وضعه الأول وتضرب في نصف وضعه الآخر وذلك أن تلقي من جملة العدد 16 وتدخل فيه بنصف ما بقي من البيت التاسع من الوضع وتمشي فيه بزيادة واحد إلى آخره وإن لم يكن فيه نصف فاطرح واحداً واقسمه وأدخل الواحد في بيت 13 ثم امش به بزيادة واحد إلى آخره كما وصفناه مثال ذلك في 55 فإن تلقي منه 16 وهو الميزان النصفي يبقى 39 ليس لها نصف كسرها واحد يبقى 38 نصفها 19 وهي التي تمشي بها في النصف ويدخل الكسر في بيت الثالث عشر كما ترى وعلى هذا فقس فيما قل عن طبيعته أو أكثر من العدد.
31 ... 56 ... 49 ... 43 ... 37
44 ... 38 ... 32 ... 52 ... 50
53 ... 46 ... 45 ... 39 ... 33
40 ... 34 ... 54 ... 47 ... 41
48 ... 42 ... 36 ... 35 ... 55
بيان: ومثال ذلك في الخماسي في اسمه تعالى الله عليم 216 فإن تطرح مها 60 وهي ميزان الخماسي تبقى 156 لا تصح قسمها على خمسة أجزاء إذ ليس لها خمس كسر واحد اطرحه منه يبقى 155 فإن تقسمها خمسة أسهم يكن كل جزء 31 وهي التي تدخل في أول الوضع من الخماسي وامش به منه إلى آخر الوضع بزيادة واحد كما ترى:
فانظر فيه فإن الكسر أدخلناه في الخمسة البيوت الآخرة من الوضع كما أنا أدخلنا الكسر في الرباعي في الأربعة البيوت الأخيرة من الوضع ولو كان سداسياً لأدخلناه في الستة وعلى هذا القياس في كل وفق ولكن من شرط البيوت الأخيرة من الوضع وهي بيوت الكسر وعلى هذا القياس في كل وفق ولكن من شرط البيوت الكسر إذا تركت وضعها وهي كعدد بيوت ضلع منه تجدها في كل ضلع من كل جهة وقطر بيت واحد غير موضوع فإذا وضعتهما وأدخلت الكسر فيها دخل في كل ضلع من كل جهة وقطر والمراد بالقطر هو ضلعه من الزاوية الأولى إلى الزاوية الأخيرة وقطر الثاني من الزاوية الثانية إلى الزاوية الثالثة وقد مضى تفسير الزاوية عند ذكر بيان طبائع الأوضاع فاعرف ذلك.
32 ... 20 ... 18 ... 6 ... 74
8 ... 76 ... 34 ... 22 ... 10
24 ... 12 ... 78 ... 36
70 ... 38 ... 24 ... 14 ... 2
16 ... 4 ... 72 ... 30 ... 8 (2/452)
صفحة 882
بيان: وأما الخماسي الخالي القلب فهو أن تطرح الجملة 60 60 وتأخذ من كل ستين واحداً وما اجتمع فهو الذي يدخل به في أول وضعه ويمشي منه بزيادة المدخول به أولاً إلى بيت العشرين من الوضع فإن قد بقي من الجملة أقل من الستين فهو كله كسر فأدخله في بيت العشرين فوق نصيبي ممما مشيت به وامش منه بالرزيادة الأولى إلى آخر الوضع مثال ذلك عليم 150 فإن تطرحه 60 60 تأخذ من كل ستين واحد يكونا اثنين ويبقى 30 هو الكسر يخرج على ما وضعناه كما ترى:
فانظر إليه فإنا أدخلنا 30 في البيت العشرين من الوضع الذي أتيناه سابقاً وكان نصيبه من المشي 40 والكسر 30 صارت الجملة 70 ومشينا منه إلى آخر الوضع باثنين كما سبق فاعرفه وله ضرب آخر يمشي فيه بزيادة واحد ذكرناه في الكتب التي ذكرناها.
31 ... 5 ... 30
21 ... 22 ... 23
14 ... 39 ... 13
بيان: والقسم الثاني من الضرب هو الضلعي وذلك أن تضع في الضلع الأعلى ما شئت من الحروف والأسماء والآيات وتمشي به إلى أول مرتبته بالنقصان ومنه إلى أول مرتبته بالزيادة ولكن الوفق الثلاثي لا بد وأن يكون الثلث من جملة الموضوع في الضلع الأعلى في القلب وإن لم يكن له ثلث لم يصح ثم وفقه من الزوايا ثم من بيوت الجهات على ما يوافق الجملة مثاله في اسمه تعالى ا ل ل ه 66 والثلث يخرج كما ترىك
تجد المشي في مراتبه بثمانية وخرج نارياً فإن الخمسة و13 و21 هي في مرتبة الأولى وكل شكل مراتبه على هذه أضلاعه وعقود كل مرتبة على عدة أحد بيوت أضلاعه مثاله الثلاثي فمن بيته الأولى 1 و2 و3 ومرتبته الثانية 4 و5 و6 ومرتبته الثالثة 7و و8 و 9 .
704 ... 30 ل ... 10 ي ... 40 أ
11 ... 39 ... 71 ... 29
38 ... 8 ... 32 ... 73
31 ... 73 ... 37 ... 9
بيان: في الرباعي فالأولى من الواحد إلى 4 والثانية من 5 إلى 8 والثالثة من 6 إلى 12 والأخيرة من 13 إلى 16 ومثال ما ذكرناه في اسمه تعالى عليم يكون كما ترى: (2/453)
صفحة 883
... وعلى هذا فقس فقد كشفت لك ما يصح أن تقيس به في كل وفق وفي كل شكل عرفت وضعه أولاً ومن كان لا يحيط علماً بكيفية الوضع الطبيعي من ذات نفسه فلا بد من ضبط حفظه من الكتب أولاً أو يحضره حين الضرب فيه لمن يشاء أن يضرب فيه ما شاء من الأعداد على ما وصفناه، وإن ترد بقية الأشكال الأصولية كالسداسي والسباعي والثماني والتساعي والعشاري بغير شرح إذ هي داخلة فيما ذكرناه من الشرح فسنرسمها لك آخر الفصل إن شاء الله تعالى .
بيان : وأما إخراج عزائمها وأرواحها ففي ذلك طرق شتى وكثير ممن اكتفى بأن يجعله جملة العدد المضروب حروفاً ويقدم الأقل على الأكثر عدداً من الحروف حتى ينتهي الألف فيقدم الغين المعجمة على رأي من لا يجعل الشين ألفاً المعجمة ألفاً لأن منهم من زعم ذلك وكذلك يقدم على الغين حروف العدد الدالة على جملة الألوف ثم للغين ثم الأقل بعد الألف مما هو أقل عدداً منها ثم الأقل ويلحق بآخر اللفظ كلمة ائييل وهي كلمة عبرانية ومعناها الله بالعربية فيكون هو الروحاني الذي تقسم عليه لقضاء الحاجة بالاسم المضروب جملة عدد في الوفق مثال ذلك في عدد فاتحة الكتاب بغير البسملة 10146 وذلك ستة وأربعون ومائة وعشرة آلاف فالحرف الدال على عدد جملة الألوف حرف الياء المثناة التحتية ثم الغين ثم القاف ثم الميم ثم الواو ثم كلمة اييل فيكون يفقمواييل.
ومثاله في عدد آية الكرسي 13671 جيغخعااييل وإن كان جيغخاعاييل فهو وجه ليدخل الألف من العين المهملة لئلا لا يدخل مع ايييل.
ومثال عدد سورة الإخلاص من غير بسملة 1002 وذلك ألف واثنان غباييل.
بيان: ومنهم من يلقي من العدد جملة عدد اييل وذلك 51 ويلفظ بما بقي مثاله عدد حروف اسمه تعالى الله 66 فإن تلق 51 تبقى 15 فيكون هباييل وعلى هذا فقس. (2/454)
صفحة 884
بيان: وأما السفلي فمنهم من يكتفي بالعلوي ومنهم من يلحق بلفظ العدد لفظة طوش أو بوش أو وش أو طبش فيكون هو الخادم السفلي كما يلحق بلفظة اييل في العلوي ومنهم من يسقط عدد كل كلمة من ذلك يريد أن يجعلها هي آخر الاسم كما يسقط في العلوي عدد لفظة اييل.
بيان: ومنهم من يسقط 38 عدد كهيج بالياء المثناة التحتية والجيم ويلحقه بلفظ ما بقي مثاله في 66 فإن تلق 38 منه تبقى 28 فيكون كحكهيج وإنما قدمنا الكاف على الحاء ليكون أخف في النطق به فاعرف ذلك وقس به وأما ما لا يحتمل الإسقاط فلا يحتاج إلى إسقاط.
بيان: وأما كيفية القسم فهو أن تقول بسم الله الرحمن الرحيم اللهم إني أدعوك باسمك الله أسألك أن تسخر لي روحانية هذا الاسم يقضون حاجتي وإني أدعوك أيها الملك الروحاني العلوي النوراني الموكل باسم الله الأعظم اسمه تعالى الله يا هياييل أن تجيب دعوتي وتسخر لي الخادم السفلي كحكهيج يحضر معي ويقضي حاجتي بسر اسم الله الأعظم اسمه تعالى الله ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم وصل اللهم على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم ويكرر القسم عدد الاسم 66 مرة ويداوم على ذلك مع الدخن بما طاب شذاه وبشروط الرياضة حتى ينقضي المطلوب والله أعلم وبالله التوفيق.
1 ... 34 ... 21 ... 7 ... 3 ... 25
35 ... 30 ... 9 ... 28 ... 7 ... 2
23 ... 29 ... 6 ... 31 ... 8 ... 14
22 ... 5 ... 26 ... 11 ... 32 ... 15
18 ... 10 ... 33 ... 4 ... 27 ... 19
12 ... 3 ... 16 ... 20 ... 24 ... 36
بيان : وأما رسم ما بقي من الأشكال الأصولية التي ذكرناها فهاهي كما ترى والسداسي كما ترى:
1 ... 9 ... 17 ... 25 ... 33 ... 41 ... 49
18 ... 26 ... 34 ... 42 ... 43 ... 2 ... 15
35 ... 36 ... 44 ... 3 ... 11 ... 19 ... 27
45 ... 4 ... 12 ... 20 ... 28 ... 29 ... 37
13 ... 21 ... 22 ... 30 ... 38 ... 26 ... 5
23 ... 31 ... 39 ... 47 ... 6 ... 14 ... 15
40 ... 48 ... 7 ... 8 ... 16 ... 24 ... 32
والسباعي كما ترى:
17 ... 10 ... 15 ... 22 ... 46 ... 51 ... 63 ... 45
3 ... 23 ... 27 ... 31 ... 35 ... 40 ... 39 ... 62
16 ... 41 ... 5 ... 54 ... 59 ... 12 ... 24 ... 49
44 ... 37 ... 60 ... 11 ... 6 ... 35 ... 28 ... 21
47 ... 36 ... 10 ... 57 ... 56 ... 7 ... 29 ... 18
52 ... 32 ... 55 ... 8 ... 9 ... 56 ... 33 ... 13
61 ... 26 ... 38 ... 34 ... 30 ... 25 ... 42 ... 4
20 ... 64 ... 50 ... 43 ... 19 ... 14 ... 20 ... 48
والثماني كما ترى :
15 ... 10 ... 17 ... 80 ... 73 ... 78 ... 31 ... 30 ... 35 (2/455)
صفحة 885
12 ... 14 ... 12 ... 75 ... 77 ... 79 ... 39 ... 32 ... 28
11 ... 18 ... 13 ... 76 ... 81 ... 74 ... 29 ... 34 ... 33
60 ... 61 ... 54 ... 42 ... 37 ... 44 ... 20 ... 25 ... 24
55 ... 59 ... 63 ... 43 ... 41 ... 39 ... 27 ... 23 ... 19
62 ... 57 ... 58 ... 38 ... 45 ... 40 ... 22 ... 21 ... 26
51 ... 52 ... 47 ... 2 ... 9 ... 4 ... 67 ... 72 ... 65
46 ... 50 ... 54 ... 7 ... 5 ... 3 ... 66 ... 68 ... 70
53 ... 48 ... 49 ... 6 ... 1 ... 8 ... 71 ... 64 ... 69
والتساعي كما ترى :
82 ... 1 ... 17 ... 21 ... 22 ... 29 ... 74 ... 77 ... 97 ... 85
3 ... 38 ... 30 ... 36 ... 43 ... 61 ... 66 ... 70 ... 60 ... 98
20 ... 32 ... 5 ... 94 ... 53 ... 49 ... 45 ... 57 ... 69 ... 81
25 ... 37 ... 95 ... 90 ... 13 ... 10 ... 89 ... 6 ... 64 ... 76
26 ... 59 ... 55 ... 11 ... 88 ... 91 ... 12 ... 46 ... 42 ... 75
73 ... 62 ... 54 ... 87 ... 8 ... 15 ... 92 ... 47 ... 39 ... 28
78 ... 67 ... 50 ... 14 ... 93 ... 86 ... 9 ... 51 ... 34 ... 23
83 ... 68 ... 44 ... 7 ... 48 ... 52 ... 54 ... 96 ... 33 ... 18
99 ... 41 ... 71 ... 75 ... 58 ... 40 ... 35 ... 31 ... 63 ... 2
16 ... 10 ... 84 ... 80 ... 79 ... 73 ... 27 ... 24 ... 4 ... 19
قد وصفنا كل شكلين من طبع وكل منهما على صوب غير صورة وضع قربنه فاعرفه سيلن وأما العشاري فهاهو كما ترى:
بيان: فهذه الأشكال الأصولية المنسوبة للكواكب السبعة، واختلف العلماء في نسبها للكواكب مع اتفاقهم في البداية بأصغرها وهو أعظمها وهو الوفق الثلاثي فمنهم من بدأ بزحل وأدرجها نازلاً فيها إلى القمر فانتهى فيه التساعي ورجع بالعشاري إلى الأعلى وعندي أن هذا رجوع منه عن مذهبه، معي أن الابتداء من القمر بأصغرها ثم صاعداً إلى فلك البروج هو الوجه الصحيح فيكون الثلاثي للقمر والرباعي لعطارد وكذلك جاء عن الغزالي في نظم له نسب فيه الرباعي لعطارد فكأنه صح مع هذا الوجه والخماسي للزهرة والسداسي للشمس والسباعي للمريخ والثماني للمشتري والتساعي لزحل والعشاري لفلك البروج وكل شكل يتصرف به فيما نسب لكوكبه من الآثار والخواص وله من البخورات والعزائم والأسماء والآيات ما لكوكبه إلى غير ذلك. (2/456)
صفحة 886
بيان: وإن ضربت في وقف أسماء ممزوجة مثل فلان ودود فلان تأخذ حرفاً من المطلوب وحرفاً من الأسم وحرفاً من الطالب كذلك حتى يتم المزج وإن قصر أحد الأسماء عن الآخر فلا بأس وانظمه كل ثلاثة أحرف اسماً وزد آخره لفظة يال اوال وإن لم تزده فلا بأس فتكون هي العزيمة والمزج يكفي عن التكسير وإن كسرته بغير مزج مرة أو مرتين ونظمت أحد السطور كذلك جاز وأجمل جملة الأسماء بالجمل وامزج منها ملكاً علوياً على ما وصفناه وأخرج منه خادماً سفلياً على ما قدمنا ذكره في هذا الفصل ومعي أن البرهتية تكفي لجميع الأوفاق ولعلها أن تقرأ مع إخراج كل روحاني وخادم وعزيمة من الوفق تكون الحج وقد ذكرت لنا أنك تريد رسمه في هذا الفصل وهذا هو كما ترى.
وعن غيره:
تحويرة: من أخذ خمس حصيات صغار بيضات وكتب في كل حصاة اجهزط ثم يأخذ أربع حصايات خضرات ويكتب في كل حصاة بدوح ثم يقرأ والسماء والطارق إلى رجعه لقادر أربعين مرة ويقول في كل مرة اللهم ارجعه إنك على رجعه لقادر وكرر القراءة في كل يوم إلى أن يرجع.
بيان: وأما قَسَم البرهتية الذي أردت رسمه في هذا الفصل لك فهو قسم عظيم قيل أنه أنزله الملك زريائيل عليه السلام لآدم عليه السلام في كتابه سفر الحقائق الذي أنزله الله عليه فيه جميع العلوم التي أردا الله إنزالها عليه فيه فكان مما فيه هذا القسم والوفق الثلاثي الطبيعي بطرزهج راح وهو قسمه وعزيمته وسره وبه إظهار خواصه وآثاره وأسراره وهو المنزل من الأوفاق ورسمه ووضعه وهو أول الأوفاق ورئيسها وسيدها وأفضلها لأنه تنزيلي وما بعده من الأوفاق ومالها من الأوضاع فمستخرجة من وضعه بالقياس حتى صار علماً كثيراً وكل ذلك فكأنه كالشرح له فاعرفه وهذا القسم مصحّف بين الناس كثيرا حتى صار على نسخ كثيرة كلها باطلة لأن الحق واحد وقيل إن أصحه هو ما رتبه الشيخ ابن جليل في منظومته التي أولها:
ألا أيها الأخ الذي ضل وابتلى بعلم هديت الآن بي فتأملا (2/457)
صفحة 887
وهي قصيدة طويلة تركتها وأخذت القسم منها وهو هذا أربع وعشرين كلمة كما ترى: برهتية كرير تفليه طوران مرجل بزجل ترقب برهش غلمش جوطير فلتهود برشان نموشلخ برهيولا كخطير بشكيلخ فرمز انغل ليط غياها كيد هولاء شمخاهير شمهاهير، تمت.
وقد وجدناها أيضاً على هذه الصفة في كتاب مقيد إعرابها وكثرة أحرف كل كلمة بالمفاعيل وزناً لها بها ثم يقيد بيان كل كلمة حرفاً حرفاً أنه مهمل أو معجم وقد تركت جميع الشرح وخلاصته أنه على هذه الصفة التي رسمناه لك ما لم يغيره أحد عن رسمنا بتناقل النسخ والله أعلم.
بيان: وعنه في عزيمة الزورة؛ تأخذ زورة من نخلة فحل طولها قدر ذراع أو أكثر ويكتب فيها بسم الله الرحمن الرحيم إذا زلزلت الأرض زلزالها وأخرجت الأرض أثقالها وقال الإنسان مالها يومئذ تحدث أخبارها بأن ربك أوحى لها أوحى لها أوحى لها أوحى لها أوحى لها أوحى لها أوحى لها وإن كتب والطور إلى سيرا فهو أحسن وإن لم يكتب فجائز وإن كتب جميع ما ذكرنا يكتب مفرداً حرفاً حرفاً وإن كتب بمداد أو بسكين جاز وإن كتب بغير بسملة والطور جاز إلى سيرا، سيري أيتها العزيمة إلى سارق متاع فلان بن فلان، ويكتب في طرفها الزورة إسرافيل وعزرائيل، ويكتب عند قرب المقبض جبرائيل وميكائيل، ويعزم عليها بسورة يس إلى تمام مبين، يعود يقرأها كذلك ويقول سيري أيتها الجريدة إلى سارق متاع فلان بن فلان، ولا تزال تكرر ذلك حتى تسير، وفي أول الأمر تسير بغير قوة وتنتهي آخر الأمر تسير بقوة، ومن حين يأمرها تسير حتى بغير قراءة ولا كتابة والله أعلم، وعند كثير من الناس في أول الأمر تحتاج إلى أيام وعند بعضهم تسير معه في يوم واحدة أو أقل أو أكثر، فاعرف ذلك وبالله التوفيق، ونقلته من خط يده.
الذكر التاسع والخمسون
فيه وصيته وإقراره بما في يده وذكر كنيته ونسبه، وفيه قصيدة من كتاب جامع التقسيم وكامل التفهيم في علة الجذام نعوذ منه بالملك العلام. (2/458)
صفحة 888
بسم الله الرحمن الرحيم إلى حضرة أحباءنا العزاز من العمومة والأخوال وكافة النساء والرجال أعني بنو عبرة وبنو هطال سلمكما الله من الآفات، وأحلكم برضوى من الجبال الشامخات بمنه وفضله من إحدى الكرامات التي هي في المقامات من أعلى الدرجات، فهنيئاً لكم بالنهر الذي من بين الحجرين المخلوقات كأنهن آية من الآيات المعجزات، فما أحسن ذلك المكان للطهارات وغسل النجاسات، وبعد فإن سألتم عن محبكم فقلبه متشوق إليكم وبالنظر إلى بلدكم، واليوم وصل معي رسولكم وأخبرني بالمرأة التي في بلدكم وأنها من أجمل نسائكم ولا بعل عندها وأنها تسمح بمالها لمن أراد أن يتزوجها فأنا أريد أن أكون لباسها فالمراد منكم أن تؤلفوا بيننا عسى ربنا يتم علينا نعمتنا لراحة جسومنا وقلوبنا في آخر زماننا، وعليكم السلام من محبكم ذي الغبراء الذي سكن الحمراء وانتسب من بني عبرا وكتبه في الجمعة الزهراء في أول يوم من العشر الأخرى من جمادى الأول وخمس وخمسين ومائتين وألف من الهجرة. (2/459)
صفحة 889
فتقول بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى أولياء الله السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين فيا ذا الغبراء وصل تعريفك وسرنا قولك وأخبرنا المرأة بكتابك وقلنا لها إن هذا من العمومة ويريد منا القربة وفي قلبه الرحمة وعلى وجهه الهيبة والكآبة وشغله في طلب النعمة والراحة بالديانة وله رغبة في النساء بالمودة الكاملة الشبقية ونريد منك له تمام الكلام حتى نسره به بعد السلام فقالت الأمر إليكم وأنا مطيعة إلى رأيكم ولكني سأرجع البصر وإن لي أختاً لأشاورها في هذا النظر ثم أقبلت عندنا أختها ورجعنا الأمر إليها وقالت في أول جوابها أما نظرتم على هذا الرجل بأنه كهل وعليه عيلة ومعه أولاد عليهم فظاً غليظ القلب وإني رأيته قد ضاقت عليه الأرض ولا قدر على تأدية ما لزمه من الفرض ورهن جسمه للدين والقرض فكيف وهو لا يملك محمدية ولا معه جلبة ولا نخلة وفي هذا القيظ قيل لي ليس عنده رطبة ولكن معه جيران وأخوان وأصحاب عطفوا عليه وعلى أولاده وتصدقوا عليهم مما يتفكهون به ويأكلون وكسوهم مما به يكتسون ومن هكذا خلله مستورة وفي قولكم أنه شبقي فيدل على سوء فهمه من كثرة شعره الذي في صدره وبطنه، وأما قولكم كلمته مقبولة فجعلها أميره له من أجل كبر سنه لا من قوة ملكه، وأما التعظيم له والحشمة فسبب ذلك من رهطه وأنتم في ظنكم أن ذلك من معرفته، وأما كرامته لضيفه هو كل فيه على أرحامه وأنتم تظنوه العيش (1) يخرج من بيته، وأما الهيبة في وجهه من شيونة (2)
__________
(1) 1 – أي الأرز .
(2) 2 – من الشين أي الدمامة .. (2/460)
صفحة 890
جبهته وكثرة ذنوبه ولو كانت هذه الهيبة من شجاعته لشهرت بذلك أعداؤه وتلطفه للناس من حاجته لا هي من حسن خلقه وأخلاقه وقلتم اختاره لوكالة الفلج من قبل أمانته فيا عجباً منكم أما تنظروا إلى هؤلاء الأصحاب قد جعلوا الحداد صالحاً وكيلاً في مساجدهم أنزلوه مثله والحداد سيء الأخلاق ، فإن قلتم أنه فلكي وتصل إليه الناس تسأله في حوائجهم فقد سمعنا بذلك وإنه يسأل الصبيان المتعلمين عن أيام الجمعة في كل مسئلة تحدث له ، فالرجل العارف تكفيه الإشارة عن البحث والسؤال ، ثم تصل إليه الخلق تسأله عن مسائل الشرع الذين عموا عنها فيجيبهم فيها ، وقد أخبرني عنه أحد من العلماء أنه سأله عن مسألة وكررها ألف مرة ثم راجعه العالم وقال له كيف صفة المسألة التي علمتك إياها فجبن عن الجواب من قلة حفظه لا من كثرة ورعه ، وأما بيته فالغرفة بناها ولده والكتب التي في الروازن (1) هي موقوفة والتي له سطورها كالدفاتر والخطبة المنقوشة المشهورة ليوم العيد بالزينة فإني سأخبركم عن نسخها وقرطاسها مع شيخه والصانع لها علي بن ناصر في جبل الكبير (2) مع كثير من الإخوان المساعدين إليه وهو ضيف للناس، وأما رأس المال الذي في يده فأكثره لصهرته وابنها قد باعت بيتها وأعطته ليربح منها، فإن قيل أنه سعى في سداد العباد مراده ترك الفساد فأقول هذا من حسن سيرة أهل البلاد لما ذكر لهم إن ربك لبالمرصاد فهذه تذكرة منا لكم وأخبروه به لئلا يراجعكم واذكروا له أن يبلغ سلامكم سيف اليعربي الذي طلب الأمارة ونحن وإياه نلتقي في الأنساب اليمنية على ما قال في شعره الشيخ عمر بن مسعود بن ساعد المنذري في نسب الأزد بن الغوث شعرا :
تلتقي آل يعرب في بنو عبرة ... بالأزد وابنا كركر
وبنو نبهان وأبنا قيلة ... وبنو دوس وآل المنذر
وبنو الريس من نصر معا ... وبنو غسان زاد المقتر
__________
(1) 3 – جمع روزنة وهي الكوة في الجدار لوضع الأشياء .
(2) 4 – أي الجبل الأخضر . (2/461)
صفحة 891
وبنو الحارث يا ذا منهم ... وبنو الأيهم أهل المفخر
وكثير من بطون لهم ... وفخوذ منهم لم أذكر
كلهم بيت فخار وعلا ... ونجار في الورى مشتهر
وأما نسب معولة بن شمس بن عمر بن غانم بن عثمان بن نصر بن زهران وعبرة بن زهران الذي قال فيه الشيخ خلف بن عبدالله بن وادي الجعفري العبري رحمه الله تعالى في بيان النسب شعراً:
ومستخبر عنا وعن أصل فرعنا ... ومنبته قلنا له الحق أنور
مناسبنا كالشمس نوراً فعبرة ... ابن زهران يا ذا جدنا حين يذكر
وزهران يا هذا ابن كعب ابن حارث ... ابن كعب ابن عبدالله كالبدر زاهر
ووالد عبدالله ذو المجد مالك ... ابن نصر بن زهران أزد من سني الفخر
أشهر
ووالده الغوث ابن نبت ابن مالك ... ابن زيد ابن كهلان بهم نحن نفخر
ووالد كهلان سبا نجل يشجب ... ابن يعرب قحطان أبوه الموقر
ووالد قحطان فهود ابن شالخ ... وهو نبي الله والله أكبر
فما غير هذا من حواب لسائل ... لدينا وهل يخفى الصباح المنور
وشبلا سبا كهلان يا ذا وحمير ... أخو المجد بل كهلان في السن أصغر
فليس لذي فضل على ذا ولا يد ... ولا باع ذا عن ذاك في المجد يقصر
ويلقى بنو نبهان أبناء عبرة ... بأزد ابن غوث من ندى الغيث أطهر
فدونك في أنساب عبرة درة ... تكشف أستار الفخار وتظهر
فلما وصل عندنا هذا الجواب والأشعار قرأه اليعربي وأراد الانصراف والكف عن ذي الغبراء لأنه متزي بزي الرهبان وقد وقف عن كثير من المسائل بالتي عمل بها العلماء وأراد الدخول في الأمور الدنياوية ونهوه المسلمون عن ذلك وطعن في العلماء حيث لم يروا العلماء في ذلك اليوم سبيلا فقلنا له أحسن الظن فينا وكل كلمة لها جواب عندنا، اعلم أن الإنسان إذا كبر سنه قل حظه وظهرت للناس عيوبه والشيب له رائحة كما حكي لنا عن رجل دخل في مجلس النساء في الليل فقالت امرأة: أيها النساء عندنا شيخاً وأتين ناراً فلما وصلت النار نظرن الشايب في مجلسهن وكما قيل عن التاجر الذي هجا العجوز بالشعر وقال:
عجوز ترجي أن تكون فتية ... وقد لحب اللحيان واحدودب الظهر (2/462)
صفحة 892
تدس إلى العطار سلعة بيتها ... وهل يصلح العطار ما أفسد الدهر
فأجابته ببيتين شعرا:
تعيرني بالطيب والطيب طيب ... وأطيب ما في بيتك الروث والبعر
ألم تر أن الناب يجلب غلبة ... ويترك فحل لا ضراب ولا ظهر
وعن غيره:
إذا شاب رأس المرء أو قل ماله فليس له في ودهن نصيب
وقال رجل حين كبر سنه وقلت أمواله:
ختم التكاثر دهري كان يعطيني ... واليوم أضحى بدو الرعد يسقيني
والله إن صغرت شكواي أو كبرت ... ليس إلا أخير العصر يشفيني
وقال محمد بن إدريس الشافعي:
أأنعم عيشاً بعدما حل عارضي ... طلائع شيباً ليس يفنى خضابها
إذا اصفر لون المرء وابيض شعره ... تنغص من أيامه مستطابها
ولذة عمر المرء قبل مشيبه ... وقد فنيت نفس تولى شبابها
أيا بومة قد عشت فوق هامتي ... على الرغم مني حين طار غرابها
رأيت خراب العمر مني فزرتني ... ومأواك من كل الديار خرابها
فدع عنك فضلات الأمور فإنها ... حرام على الحر النقي ارتكابها
ولا تمشين في منكب الأرض فاخراً ... فعما قليل يحتويك ترابها
وأد زكاة الجاه واعلم بأنها ... كمثل زكاة المال تم نصابها
وأحسن إلى الأحرار تملك رقابهم ... فخير تجارات الكريم اكتسابها
وأقبل عن الأشرار سمعك معرضاً ... وإن كان لا يعتاد عنها جوابها
ومن يذق الدنيا فإني طعمتها ... وسيق إلينا عذبها وعذابها
فلم أرها إلا غروراً وباطلاً ... كما لاح في ظهر الفلاة سرابها
وما هي إلا جيفة مستحيلة ... عليها كلاب همهن اجتذابها
فإن تجتنبها كنت سلماً لأهلها ... وإن تجتذبها نازعتك كلابها
إذا انسد باب عنك من دون حاجة ... فدعه لأخرى ينفتح لك بابها
فإن قراب البطن يكفيك ملؤه ... ويكفيك سؤات الأمور اجتنابها
ولا تك مبذالاً لعرضك واجتنب ... ركوب المعاصي يجتنبك عقابها
فطوبى لنفس أوطنت قعر دارها ... مغلقة الأبواب مرخي حجابها
فيا رب هي لي توبة قبل مهلكي ... أبادر بها من قبل يغلق بابها
فما تخرب الدنيا بموت شرارها ... ولكن بموت الأكرمين خرابها
وأما الفقر مع الناس فهو شين وقال بعض الشعراء في هذا المعنى: (2/463)
صفحة 893
إن الغني إذا تكلم بالخطا ... قالوا صدقت وصدقوا ما قالا
وإذا الفقير أصاب قالوا كلهم ... أخطأت يا هذا وقلت محالا
إن الدراهم في المواطن كلها ... تكسو الرجال مهابة وجلالا
من كان يملك درهمين تعلمت ... شفتاه أنواع الكلام فقالا
وصغى له الأقوام واستمعوا له ... ورأيته بين الورى مختالا
لولا دراهمه التي في كفه ... لرأيته أسوا البرية حالا
فهي الجمال لمن أراد تكلماً ... وهي السلاح لمن أراد قتالا
فقد صدق الشاعر ونحن أبناء الغبراء ليس لنا حيلة إلا التضرع إلى الله بالدعاء والنحيب والبكاء ونقتفي بقول شيخنا ناصر حيث قال شعرا:
إذا قل رزق المرء فليدع ربه ... بقلب نقي خالص الحب صادق
ويلهج بيا وهاب باسط واسع ... غني وفتاح لباب المغالق
كريم جواد مع لطيف وبعده ... كفيل مقيت عند الطول رازق
ومبلغ هذا الذكر منها كعدها ... بجملهم وافهم مقالة وامق
وبسمل وحوقل ثم صلعم بأول ... وآخر ما تدعوه رب الخلائق
وادعوا بإسم نصفه ثلث له ... وذلك اسم الله رب المشارق
وهذا البيت له أيضاً:
ولن يبلغ الغايات إلا مشمراً وليس ينال السر من ليس يصبر
وأما قولها إن الناس يظنوننا أهل علم ويسألوننا وأنه ليس فينا حفظ فنحن نترك جواب ما نحفظه.
قال سائل قد دعتنا حاجة إلى السؤال إن كان لك فيه حفظ فأجبنا يرحمك الله قلت: سل، قال: يا ذا الغبراء كيف السبب في الجسد عند ابتداء علة الجذام؟ فقال: ستجد ما تريده في كتاب جامع التقسيم وكامل التفهيم شعرا وهو:
فيفسد الأربعة الأخلاط ... من احتراق فعله إفراط
وعند ذا ترجع للسوداء ... من شدة العفن باستتلاء
فيعتري الجذام حين يعفن ... وأصله السوداء إذ يمتحن
فإن غدا الجذام من فساد ... دم لطول الاحتراق الساد
كان دليل ذاك في الأجسام ... القوبا وكثرة الأورام
وحمرة ظاهرة في البدن ... والدم والقيح مع التعفن
وإن غدا الجذام من صفراء ... ذات احتراق كلظى الرمضاء
كان الدليل صفرة في اللون ... والشق في اليدين والرجلين
وقحل الجسم ويبس الصدر ... ويظهر الداء ويبدو الضر (2/464)
صفحة 894
شيئاً فشيئاً وقليلا فقليل ... في مدة من الزمان فيها طويل
فإن غدت حرارة الصفراء ... من يبسها أغلب في ذا الداء
كان لذاك عفن المفاصل ... عند سقوط اللحم والنزايل
ورقة الشعر وانتشاره ... فلا ترى بشعر أشفاره
ولا ترى في حاجبيه شعر ... وكل ما في جسمه ينتثر
وذا يسمونه بالقراض ... وهو أشد هذه الأعراض
وإن غدا اليبس عليها أغلبا ... من حرها كان الدليل أقربا
كالعرق القليل غير الشايع ... في الجسم مع تشنج الأصابع
وإن غدا الجذام من سوداء ... قد حقنت في جملة الأعضاء
من شدة احتراقها كان الدليل ... سواد ما تراه من لون العليل
والقوبا وغلظ في الحاجبين ... مع شقاق ظاهر على اليدين
ومع حسا سائر الأعضاء ... وعدم الحس مع الحشاء
حتى إذا ما غرزت بالإبر ... بقوة وشدة لم يشعر
ويعتري بقبض الأصابع ... من غير مرض والحسام قاطع
وإن غدا الجذام من تمكن ... بلغمة المحترق المعفن
كان الدليل بياض اللون ... والماء بالكثرة في العينين
ويظهر البرص فيه والبهق ... مجتمعين فيه أو كيف اتفق
وقلة الشقاق في اليدين ... كذاك أيضاً وفي الرجلين
ويعتري رخاوة الأعضاء ... مع الرطوبة والامتلاء
فهذه جوامع الأقسام ... في العرض المعروف بالجذام
والفصد في العلاج في جسم المادة ... وقطعها وهي الطرق الجادة
فإن رأيت أنه من الدم ... بادرت بالفصد بلا تلوم
في عرقة الأكحل إن لم ينقطع ... عن فصده شيء ولم يمتنع
في كل شهر من لكل سقيه ... وليكن الفصد للأكحلية
وقدم اليمين في ابتدائه ... فإنه أعدل في استوائه
من غير إكثار ولا إسراف ... لكن على القصد بلا إجحاف
وافصده إن خشيت أن محتنقا ... في ودجيه بعد أن يستوثقا
وفصده في العرقين خلف الأذنين ... من بعد أن تفصده في الودجين
وافصده في العرق من الجبين ... ليسلم الوجه من التعفين
واسقه المسهل كل سابع ... ما يخرج السوداء بالتتابع
وأعطه الأدوية المخلوطة ... ومرة أدوية بسيطة
كالحرف الأسود والسبايج ... والأسود الهندي والأبالج
والآزود فائق أرعيني ... والمنتقى من الأفيثموني
وأسطو حروش يابس وأخضر ... إن كانت السوداء ذا الضرر (2/465)
صفحة 895
فإن غدا يميل إلى الصفراء ... فاستعمل الصبر في الدواء
وأصفر الهليلج المتين ... وشحم جوف الحنظل السمين
والسقمونيا وقثا الحمار ... مفردة أفركتها باختياري
أو فاعطه المركبات الجامعة ... وهي التي في نفع هذا شائعة
مثل أيارخ نرار نطوس ... أو هرمس أو حب جالنيوس
أو كبنادق الرضي اسحاق ... الفاضل المشهور باستحقاق
مع شراب اليثمون الأحمر ... فإن ذا مستأصل للضرر
يأخذها ذا بماء الجبن ... فإن مصلحة للبدن
ويأكل اللحوم من حملان ... ومن جداء أرخضة سمان
وأسقه الشراب ريحانيا ... مروقاً ممتزجاً مائيا
ويأخذ الحمام كل يوم ... بعد يسير الأكل دون صوم
والزم به الشرب بماء الجبن ... فإنه يغسل ثقل البدن
وأسقه اللبن من اللقاح ... فإنه مجالف الصلاح
وأسقه ايضاً حليب الضأن ... ساعة يجلب بلا زمان
وأعطه الدجاج والبط السمين ... يطبخها اسعيديا حاجتي تبين
وأعطه السمك رضواضيا ... يأكل اسعبديا حاضريا
أو فيغلي بدهن اللوز الطري ... ثم أنله فستقاً بسكر
وأعطه من لبن حساء ... مع لباب حنطة ولاء
وسكر منتخب طبرزد ... ودهن اللوز الطري الجيد
واللبن الحليب حين تحلب ... في أول الأمر علاج منجب
حتى إذا سكنت الأعراض ... فاقطعه عنه فهنا اعتراض
أو غرغر الحلق إذا كان ابح ... بلبن النساء حتى ينصلح
مع دهن اللوز وإن كان الزمان ... صيفاً فواظبه بقي في الأوان
بالفجل والملح مع الجرجير ... وكل حريف بلا تقصير
وأسقه في الجبن بعد القيء ... شراب أفستنون دون لي
وليكن الهواء في مثواه ... معتدلاً يأمن من عدواه
لا يابساً حاراً ولا بالبارد ... مثل الجبال والهواء الفاسد
واسلك به الرياضة المعتدلة ... قبل الغدا لا تكن متصلة
ومره أن يلتزم الحماما ... مواظباً ويصل الدواما
ويدلك البدن بالدقيق ... خبز وبورق حمص سحيق
أو برماد خشب التين وما ... بابونج يفعله ملتزما
وبعد ذا يدهنه بدهن ... بنفسج أقرع مستحسن
ومرة بالسعوط في الشفتين ... مواظباً بهذه الدهنين
ومرة بانغماسه في الماء ... معتدل الحر على الولاء
لكي يلين صدره وبدنه ... فإنه بمثل ذا يحسنه (2/466)
صفحة 896
تمت الأبيات من عقد النظام في علة الجذام نعوذ منه بالملك العلام.
الذكر الحادي والستون
فيه ذكر الأيام واختبار الأعمال فيها، وفيه مما يدل على حزم الأنفس، وفيه مسائل ما يلزم الضمان، ودواء للغشاوة في العين، وفيه عن يبرين من حسن بنائه، وفيه في الطب قصيدة ابن هاشم ثم كسر العظام وتجبيرها ودواؤها، ثم الوسم من أوله إلى آخره، ثم تفسير الاختلاجات. (2/467)
صفحة 897
قال ذو الغبراء : فلما أصبح علينا الصباح في يوم السبت قلت لصاحبي: كيف الأحسن في هذا اليوم من أسباب الرزق؟ قال في جوابه: اعلم يا أخي أن السبت لطلب الصيد، والأحد لابتداء البنيان والأثنين للسفر، والثلاثاء لإخراج الدم والقتال وتنظيف الصبيان، والأربعاء لأعمال الأدوية وشربها، والخميس لأفعال الخير وقضاء الحوائج ولبس الثياب، والجمعة للتزويج والدخول على النساء، وقرانات الكواكب في البروج فيها أدلة على الصلاح وعلى الفساد في الأرض وإن أعطاك الله علماً وفهماً فالزم نفسك وقس بعقلك لأن الناس أشد عداوة للعالم والمتعلم وإبليس وأعوانه لا يغفلون عنك طرفة عين، وإن أردت السلامة لنفسك ومالك فلا تتعرض للجن والشياطين ولا الظالمين والسارقين لأنهم ينظروك وأنت أعمى عن أمرهم، وإن دعتك الحاجة إلى أمر فعليك بالحجب في الليل والنهار بالسر والعلانية، وأما العزيمة في السرقة فهى تبلى فما أصاب الناس من الابتلاء والظلم فأنت الضامن وكذلك إن أقرضت أحداً من الأمانة فما لم ترجع الأمانة كما كانت في الأحراز وإلا فأنت الضامن وكذلك إن لزمك ضمان لليتيم ولم يكن له وكيل أمين فخلاصك أن تطعمه أو تكسيه كسوة مما تنظره يلبسها وإلا فلا خلاص من الضمان، وإن أكلت من التمر الذي جعل للصائم وجمعت طعاماً إليه من عندك وشربت ماءً ثم رجعت تأكل فعليك ضمان ما أكلت وفيه رخصة إن أخذت تمراً وغمسته في الماء وشربت الماء والتمر إن كنت ظمآناً فهذا فيه وجه، وأما الذي جعل بنظر الجماعة فلا بأس فيه، وإن تزوجت بالخطأ في النسب والرضاع وقد كنت دخلت بالمرأة فعليك الضمان في الصداق وكذلك على العمد في الحيض والنفاس فقد وقع الإحرام وأنظر أخي فيما يحل ويحرم وتدبر ذلك من آثار المسلمين وهو الصراط المستقيم وسمى كتاب شيخنا العالم عامر بن علي الصراط المستقيم. (2/468)
صفحة 898
وبعد هذا لا تسلم على عبادّة الأوثان ولا على النائمين والقائمين في الصلاة وكذلك إن وجدت أصحاب المعاصي المرتكبين فيها والقاعدين في الطريق وهم المتعرضين لفعل الشر والنساء فلا تسلم عليهم وبعد هذا أرى غشاءة لابسة على عينك فخذ جزء توت وجزء زعفران قانبي وجزء من لب القطن وجزء حرض وجزء عفيون ثم اسحق الجميع سحقاً ناعماً واكتحل به في وقت المساء والصباح فإن الغشاوة تذهب من العين بعد تمام حدها لأن كل شيء له حد وعد ولا تقول في شيء يكون ولا تقول في شيء لا يكون واستمع لقول الشاعر:
ما لا يكون فلا يكون بحيلة ... أبداً وما هو كائن سيكون
سيكون ما هو كائن في وقته ... وأخو الجهالة متعب محزون
وقد أخذ حصن يبرين على آل يعرب في سنة ست وثلاثين ومائة وألف وأخذوه آل يعرب في سنة سبع وخمسين ومائتين وألف سنة هو يبرين بحسنه.
مما يدبر ربنا من أمره ... سبحانه في أرضه وسمائه
رد الملوك إلى محل قرارهم ... مستبشرين بفضله وعطائه
ثم سألت ذا الغبراء قلت له: نظرت في كتابك دليلاً في الطب ولم نكتفي به للجسد كله ولعلك تبين لنا شيئاً من الآثار في ذلك، فأجبته: أبيّن فيه قصيدة ابن هاشم وأقفيها بجبر كسر العظام وبالوسم الذي فيه شفاء الأجسام وتفسير الاختلاجات مما عم في الأجسام وآخر الذكر آثار من تفسير الأحلام نسأل الله التوفيق من الملك العلام. (2/469)
صفحة 899
قال ذو الغبراء: نهضت من نومي في الثلث الأخير من ليلة ست وعشرين من شهر ربيع الآخر من شهور سنة إحدى وستين ومائتين وألف من الهجرة الإسلامية وقرأت جهراً ما شاء الله من الآيات والأسماء والصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - ثم نظرت شعلة نار ارتفعت إلى الهواء من الحلة حتى ذهبت عن بصري ثم في هذه السنة اقترنا زحل والمريخ والقمر في برج الدلو وخسف القمر في برج العقرب وبعد ذلك سمعوا الناس وجبة في أول النصف الآخر من ليلة السبت فالدليل في ذلك عللا ما نظرناه في الأثر أن يكون في الأرض الجدب والحرب والفتن والاختلاف والفسق والغلاء والبلاء والابتلاء، ثم ظهر في عمان الجور والظلم والطغيان وكثر في النساء السحق وعلة الأنبة في الغلمان والولدان وأنزل الله عليهم العلل والآفات وقرض الفار والجراد وأبلاهم الله بنقص الأموال والأنفس والثمرات، وهذا في عصر العالم الرباني عبد الرحمن ناصر بن أبي نبهان الخروصي والفصيح العالم سعيد بن خلفان الخليلي والصابر الشاكر هاشل بن عمران الهاشمي وهو الذي أجرى فلج الجيلى وجعله للناس مورداً ومأوى وذلك في زمن السيد المعتصم سعيد بن سلطان البوسعيدي وهذا السيد كل من دخل من الناس في ملكه وبنادره لا عليه خوف ولا رعب من أحد ولكنه لا يبالي بالحرب في قتل أصحابه، وأما ابن عمه السيد حمود بن عزان جاهد واجتهد في إصلاح رعيته وبذل نفسه وماله عنهم حتى نزل به الابتلاء فترك الإمارة والسبب ظهور سعيد بن مطلق المطيري على عمان ومعه أقوام أولوا بأس شديد فاستكانوا له قبائل عمان وجعل على سبلها الأمان ولكنه بدل عن سيرة أبيه قد كان والده يأخذ الزكاة والطاعة وهذا جعل على الخلق آلافاً مؤلفة بغير حجة نكالاً للناس حتى وصل أحد من عماله مع الوالي الذي حسن خلقه وأخلاقه للناس محمد بن سليمان اليعربي البهلوي وأخذ من بهلا ألفين قرش وبلد بهلا في أيامنا عبرة لمن اعتبر مما فيها من الابتلاء وكانوا يتصلون بصاحب (2/470)
صفحة 900
الفهم العقلي الذكي الشيخ محسن بن زهران الذي أتفقت له الأمور مع الصفين والأميرين والخصمين فدلهم على التقية لسلامة نفوسهم وبلدهم فلم يحمدوه على ذلك الرأي لأنهم نظروا إلى الشيخ سيف ابن سليمان النبهاني التنوفي قد أعزه الله وأعطاه في جسمه القوة والشجاعة وسلك مسالك الكرام وخوله الله من الملك والأموال والأنعام وأنزل الله القطر على أوطانه فبالنبات الأرض مخضرة والنخيل باسقة والأشجار قطوفها دانية والرعية شاكرة، ولكنهم آل سعد أرفع منه بدرجة لأنهم طلبوا العلم وعملوا به وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر وانتهوا عنه فصاروا حكاماً على أنفسهم وطلعوا زكاة أموالهم وأبدانهم لفقرائهم وقال فيهم الشيخ علي بن ناصر شعرا:
لآل سعد سعود ما لها قمر ... بطالع النحس منحوس كما ذكروا
لهم طوالع سعد بالتقى شهب ... ترمي عدوهم من رجمها شرر
أضحت بيوتهم حقاً مساجدهم ... عمارها منهم التسبيح والسور
هم هم عصبة في الله قائمة ... على العصاة فما خانوا ولا غدروا
طوبى لهم بالذي كانوا عليه من ... الدين القويم وبشرى للذي صبروا
قاموا بنا أمة يدعوا إلى طرق ... الحق المبين فما انفكوا ولا عذروا
لم يسبهم رونق الدنيا كمن جهلوا ... تجاهلاً ولهم في غيرها نظر
ماهمهم غير علم الدين قاطبة ... من كان ذا كبر أو من به صغر
وإنهم عملوا بالحق إذ علموا ... يقودهم أثر يهديهم بصر
يا قوم لا تعدلوا عن رشد من عدلوا ... في كل ما عملوا والدين قد نصروا
كونوا لهم تبعاً فيما إليه دعوا ... وظاهر الحق يا زيد ويا عمر
من قبل أن تجنوا ثمر الضلالة من ... كف الندامة إذ تهوي بكم سقر
فحين لا تنفع الطاغين دعوتهم ... ولا بكاء ولا ينجيهم عذر
فما على النار أهل النار أصبرهم ... وكيف عن جنة الفردوس مصطبر
وعن جوار نبي الله صفوته ... من الأنام بدار الخلد فاعتبر
دار السلام ففي دار السلام ترى ... ما ليس في جملة الأحمال ينحصر
وليس تعلم نفس ما أعد لها ... من قرة العين في جنات من شكروا (2/471)
صفحة 901
قصورهم خلقت من فضة ومن ... الإبريز والعسجد النوري فادكروا
وبعضها خلقت من لؤلؤ ومن ... الابربر والفضة البيضا لها سرر
سمت بقدرة باريها فباطنها ... وظاهر تره شفافة زهر
على رفارف خضر متكئين بها ... من عبقري حسان أهلها النظر
متوجين بتيجان الكرامة في ... دار الإقامة عز كلهم غرر
من سندس أخضر فيها لباسهم ... من فوق استبرق خصتهم الخبر
وكل حسن وإحسان ومائدة ... من كل نوع ونعمى ما بها غير
لهم عرائس أبكار الحسان لها ... الحسن البديع لديه يقصر النظر
لو أن حورية عن وجهها سفرت ... لما سفرن لديها الشمس والقمر
ولم تكن كسواها بهجة وعلى ... الدنيا فلا ظلمة تبقى ولا نذر
ها ذوائب حسن طيبهن فلو ... ل إلى الدنا نسمة منهن ينتشر
لطاب كل اريج الأرض قاطبة ... إلى السماء وحيت أمواتاً ودروا
حسنى امرؤ عمر الدنيا وما يره ... من المتاعب في هذا لمحتقر
وكله ما يكافي نظرة يرها ... بالقاصرات ولا من نسمة عمر
قوموا إلى مثل هذا واعملوا وصلوا ... أيامكم بالليالي أيها الزمر
وسارعوا في الذي يرضاه ربكم ... من قبل أن تغلق الأبواب وانتصروا
بنصرة الله مهما ينصروه يكن ... نصره لكم وبه التوفيق والظفر
ولا يكن نصره إلا بنصرته ... بمحكم الذكر جاءت له السور
كفاكم هادياً ما في كتابكم ... وما عن المصطفى وافى به الخبر
فيما به امتحن الهادي ومن نصروا ... وهاجروا إلى أوطانهم هجروا
ما زادهم غير إيمان بربهم ... وبالنبي امتحاناً بالذي كفروا
يا قومنا أين أنتم عن أوائلكم ... مع النبي وأتباع لهم ذكروا
هيهات أن تظفروا مثل ما ظفروا ... من قبل ان تصبروا مثل الذي صبروا
أم قد رضيتم بجد ناكص أبداً ... وبعتم الدين بالدنيا كمن خسروا
فتعرض الذكر صفحاً كالذي حملوا ... إلى المقابر عند من قبروا
ويسعد الدين من سعد العشيرة لا ... قحطان من دونهم معنى ولا نصروا
هذا حمود بن عزان العميد لنا ... وهو العماد له الأيام تأتمر
شدوا به الأزر بل سدوا بدولته ... الأمر الذي أفلت أبراجه الزهر
حاشاه أن يترك الإسلام منطمس ... الأعلام وهو الحسام القسور الذمر (2/472)
صفحة 902
ما عذركم في تروك الأمر لا عدد ... فيكم ولا عدد يثنى ولا عسر
هل دينكم دين عمار ونصرته ... المرداس ابن حدير والذي نصروا
فما نرى غيركم قوماً نرغبهم ... ولا نخوفهم عقبى فيدكروا
إذ كل شخص من نفس جوهره ... مرآة خبر ......
.......... ... ............
جاءت إليكم على نوق السرور بكم ... ومن مدائحكم تزهو بها درر
... لكم من مجد غيركم ... مجداً ولكن لها من مجدكم غبر
هنيتم وبكم يهنا بها وبها ... حسناكم حسنها والدل والخفر (2/473)
صفحة 903
فلما تم من نظم هذه القصيدة قلت له استشيرك في أمر بدا لي ومما تره أصلح فأشر به علي، قال: وما حاجتك؟ قلت له: ما تقول في أمور شامس بن سعيد زوجني بأخته واعتبرت في زماني أموره قد سلك مسالك طلاب الدنيا واحترز في غلل أموال والدته وجرها لنفسه وشرى بها الأموال وبخس أخته في زمانه ووالدته تخبرني بالظلم منه لها ثم في أيامه جرت الفتن وسفك الدماء ونهب الأموال من عمومته وبنو عمه لأمرائهم فاستغاثوا عليهم بقوم وأخرجوهم من أوطانهم وأخذوا منهم القصاص وأورثهم الله أموالهم وبيوتهم وأنا لقيت الأمان والإحسان والعفة عن المال والغر والوصول إلى البلد لصهري شامس بن سعيد من شيخنا محسن بن زهران فقلبه سمح لي بذلك ثم قبضت من ماله الغلل وتجرت في دراهمه وشريت له الماء من البلد بالحيل ولم يسمح بذلك شيخنا لنا ولا لغيرنا أن يشري لهم شيئاً فتيلاً ولا قطميرا ثم توفت والدته في هذا العام وأرادني واسطة أن أكون لأخته في قسمة الأموال فلما وصلت عنده لم يرض بحضور جباة البلد ولا بالأمير وحضر رجل ممن لا عقل له ولا تمييز وقسم قسمة ضيزى ثم بعد ذلك ظهر لي أنهم صنعوا في هذه القسمة عهد بخدع ومكر وسألته مما يكون له فيه صلاحاً في خصلة واحدة فقلت له إن الناس يعفون لمسيئهم في الأنفس والأموال وأنت لم تسمح نفسك بكلمة طيبة وقد فعلت لك من الإحسان آلافاً مؤلفة وأنا في ضرورة من أصحابي والناس والأمراء لم أفعل حسنة فيهم وهم يقبلون قولي ويشتهون سؤلي فلم تستمع قولي فقلت كما قال الشاعر:
إذا أنت أكرمت الكريم ملكته وإن أنت أكرمت اللئيم تمردا (2/474)
صفحة 904
فقلت في نفسي إن أخته جعلتني أميناً في القسمة وأنا غبي بذلك ولم يحضر أحد في القسمة ممن يؤتمن به ولا أحد ممن له تدبير وتمييز فعرفته قد رجعنا عن القسمة لأنا لا نعرف حدودها ولا طرفها ولا ثمنها ومشينا بجهل في ذلك والمراد منكما الوقوف عن التبديل والتغيير في الأموال ومتى أردت القسمة فارض بقول الأمراء ومحضر جباة البلد وإن لم تستطع إلى هؤلاء فجميع ما كان في أيدينا لنقاصصك به على ما ظهر منك من الظلم لأمك في حياتها وبما ظلمت به أختك من حقها والحجة الواضحة في أيدينا في برزخ فأحطنا عليك بسور وجعلنا على السور الأبواب ثم أغلقناها بالأقفال من حيث لا تدري فلا حيلة لك للخروج من السور ولا ينفعك شفيع إلا إذا رجعت أو استكنت فيفتح لك غلق الأبواب ويكن لك مالنا وعليك ما علينا, وأعجب من هذا قصة صاحب المركب حين صح منه التقصير والإساءة لمعلم المركب فقال المعلم لقاهر السكان فامتثل لأمره واحتال المركب فغاب عن طريق المعتادة مسير الأيام والأشهر والسنين وعلى هذه القصة قصة الرجل الذي أراد حفر النهر وجعل وكيلاً على الأجراء فقصر الرجل في إكرام الوكيل فقال الوكيل للذين يخدمون في النحوت أحيلوا النحوت من مسالكها فامتثلوا لقوله فذهبت الأموال الجزيلة عليه، وكذلك قصة العليل فدعى بالطبيب فلم يكرمه فبقي في علته كل يوم في زيادة إلى أن توفاه الله، وعلى مثل هذا أمير الجيش لما قصر في الدليل أعوجه عن الطريق فلحقهم القوم الجوع والعطش والتعب حتى انتهوا إلى الهلاك، ومثل هذا قصة صباغ النيل لما بخل على بشكاره عمد البشكار إلى تغيير الأدوية فضعف النيل وخسر الصباغ أموالاً جزيلة. (2/475)
صفحة 905
وكثير من القصص لم نأت بذكرها لقلة القرطاس، ثم قال لي صاحبي: أما سمعت بحكم شيخنا في الرجلين الذين تزاوجا ثم اختصما بعد ذلك وأرادا ان تقع فتنة بينهما فقلت له: وما صنع بهما؟، قال: جعلهما في قيد واحد وطمر المرأة الذي لم ترد زوجها ثم ندما عن أمرهما وفوضا أمرهما شيخنا فقال كل من لفى المرأة فعليه الجزاء إلى أن تصل بيت زوجها فقصدت المرأة بيت الزوج وعلى هذه القصة زوجت يتيمة برجل فنحسها أحد أرحامها ألا تريده فلما بان هذا الأمر للأمير رفق عن أحد يأويها فرحمها رجل وأدخلها بيته فعلم الأمير به فقيده ثم رجعت اليتيمة إلى بيت زوجها وسكنت إلى أن بلغت وغيرت، فقال لها وليها: سأزوجك بخادمي وأما أن ترجعي فتقبلي ابن عمك فرجعت إليه المرأة وسكنت وأتت له بالأولاد فقلت لصاحبي لعلك تصحبني مع شيخنا وأفتي له أمري فقال: لا ينفعك الصاحب ولا تجعل رسولك غير نفسك فإنك تجد مطلوبك منه ويعطيك على ما يهوى قلبك من الآراء. (2/476)
صفحة 906
فعمدت قاصداً إليه شيخنا فوجدته جالساً فرداً بنفسه وتلوت إليه الكلام فقال: طب نفساً وقر عيناً ولك مني ما تهوى نفسك ولكن أنت اوصل مع الشيخ سيف بن سليمان وأخبره بما في قلبك فإن امتثل لقولك فالمرجو منه ذلك وهو أهل لذلك لأن الحق أحق أن يتبع وما بعد الحق إلا الضلال، فلما تم من كلامه وادعته ورجعت مع صاحبي بالكلام، فقلت له: أوصني، قال: متى أردت السفر التمس الرفيق قبل الطريق؛ لأن الطريق فيها حوادث وتعويق وخذ راحلة لطريقك لتحملك أنت وزادك وماءك وقل لجيرانك وإخوانك والأرامل والفقراء واليتامى والمساكين إن كانت لهم حاجة فكن ممتثلاً لقولهم فلك الأجر والساعي في حوائج الناس من أفضل العبادات في النوافل، فقلت له هذا قولك حق وهو أثر، ولكن لكل مسئلة جواب، ولكل زمان خطاب؛ أما الرفيق إن صحبته وأنا ضعيف فيملني في الطريق، وإن هو قضى حوائجه قبلي ولم يكن معه سعة أو كان معه شغل وعليه فيه ضرر إما يسأم بوقوفه معي إلى أن أقضي أنا حوائجي......(نقص في الأصل، وأيضا نقص في هذه النسخة الذكران الأخيران الثاني والستون والثالث والستون).
فهرس موضوعات الجزء الثاني
الموضوع ... رقم الصفحة
الموضوع ... رقم الصفحة
الموضوع ... رقم الصفحة (2/477)