صفحة 1
المجال: المطبوعات، كتب
المادة: التزكية والأخلاق
------------------------------------------
العنوان: طريق الجنة
المؤلف: سعيد بن مطر بن سعيد المسقري
الناشر: د.ن
مكان النشر: د.م
تاريخ النشر: د.ت
الطبعة: د.ط
------------------------------------------
مصدر النسخة المصورة للكتاب (PDF) من موقع المكتبة السعيدية:
https://alsaidia.com/node/809
ملاحظة: قامت المكتبة السعيدية باستغلال تقنية التعرف الضوئي على الحروف في اللغة العربية (OCR) في إنشاء هذه النسخة المصورة (PDF)، لذلك فإنه يمكن البحث فيها للوصول إلى المعلومة بسهولة.
تنبيه: قام فريق مشروع المكتبة الشاملة الإباضية باستغلال تلك التقنية لتوفير النص المرقون، وذلك بالتحويل الآلي لصور صفحات الكتاب إلى نص، لذا فالنص الناتج ليس صحيحا 100%، لذا يمكن استخدام ذلك النص لنسخ جمل وفقرات من هذا النص الناتج، مع ضرورة مراجعته ومقارنته بنسخة (PDF) المرفقة، وتعديله وفقا لذلك قبل اعتماده.
------------------------------------------
أعَدَّه للشاملة الإباضية: روائع الآثار، للخدمات العِلمية الإباضية الخيرية.
https://t.me/slitame
https://wa.me/213696784241
ترقيم الصفحات: موافق للمطبوع، لكن عند تهميش الصفحات يُعتمَد على ترقيم النسخة المصورة (PDF)
تاريخ النشر الرسمي بالشاملة الإباضية: 25 رمضان 1446ه/ 25 - شهر 03 - 2025م. طريق الجنة
إعداد
سعيد بن مطر بن سعيد المسقري (أبي معاذ) (1/1)
صفحة 2
هرج
المقدمة
الحمد لله الذي جعل طريق الجنة محفوفا بالمكاره والصعوبات، مليئا بالأشواك والعقبات، على جنباته قطاع الطرق والشهوات، وما أكثر المعوّقين عن سلوكه، والمثبطين عن دخوله، والناعقين المخوفين من سلوكه، ولذلك كثر المحجمون عن دخوله، وكثر الراجعون والمتساقطون على جنباته، وكثر أعداء سُلَاكه، وكثرت الوسائل في الصد عن دخوله؛ ومن هنا لا يسلكه إلا قوي العزم حائز على درجة اليقين بكل ما أخبر به الله تعالى أو رسوله صلى الله عليه وسلم، فتراه يمشي في هذا الطريق غير عابئ بنباح النابحين، وتثبيط المثبطين، إنه يحدوه اليقين، وكأنه يرى جنات الخلود إن خيال الجنان لا يغيب عنه في كل لحظة تراه يمشي بعزم قوي لا يتردّد، ولو رأى المتساقطين حوله.
أخى
العزيز: إن هذا هو السبيل الوحيد إلى السعادة الأبدية، أنت هنا في هذه الدنيا في سجن، وهذا الطريق هو الذي يوصلك إلى خارج السجن، يوصلك إلى راحة لا شقاء معها، إلى شباب ليس بعده شيب، إلى فاكهة لا مقطوعة ولا ممنوعة، إلى زوجات في قمة الجمال والطهر والعفاف والمحبة، إلى قصور تجري تحتها الأنهار وليس المجاري، إلى حياة تجد فيها كل ما تشتهي وتشاء، إلى حياة لا نهاية لها، إلى حياة ليس فيها مشاكل أو أحزان، ألا تستحق تلك الحياة أن نتعب من أجلها؟ ألا تستحق أن نبذل مالنا وعلمنا ووقتنا في سبيل الوصول إليها؟ نعم هو طريق محفوف بالمكاره، ولولا ذلك لسلكه كل حقير، فقل لمن كان ضعيف العزم واليقين بالآخرة: ابتعد فليس هذا طريقك. ومع هذا فهو طريق سهل يسير على الصادقين في الإخلاص والعزم، لا مشقة فيه لمن اجتهد وجاهد، وآيس نفسه (1/2)
صفحة 3
من الرجوع بعد سلوكه ولو قل الرفيق يقول الله تعالى: {وَالَّذِينَ جَهَدُوا فِينَا لَهْدِيَنَّهُمْ
?
سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ}
فأبشر يا من سلكته بهمة قوية وعزم راسخ لا يتردد، أبشر بأن الله معك، إنه معك بالتوفيق والتيسير والمعونة والهداية، إنه معك على مقدار صدقك في الإخلاص وجهاد النفس؛ إنها مقدمة ونتيجة، شرط وثمرة، فإذا حققت الشرط حصلت على الثمرة إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً.
فهل عرفت ما هذا الطريق الذي يوصلك إلى السعادة الأبدية؟ إنه مخالفة هوى النفس. فلا تطمع في الوصول إلى الراحة الأبدية من غير هذا الطريق. من أجل توضيح هذا الموضوع أعددت لك أخي العزيز هذا الكتاب الذي أسميته (طريق الجنة) سوف تجد في هذا الكتاب خطورة هوى النفس، وموقف القرآن العظيم منه، وكيف تحمي نفسك من الوقوع فيه، وأن اتباع الهوى هو طريق النار وأنه الباب الوحيد للشيطان إلى قلبك وسوف ترى أسبابا كثيرة تعينك على إغلاق هذا الباب والسيطرة على النفس وسوف يكون الكتاب قسمين: القسم الأول في الهوى والتحذير منه * والقسم الثاني: في الأسباب التي تجعلك
تسيطر على هوى نفسك.
2
سورة العنكبوت، الآية 69.
سورة الكهف، الآية 30.
سعيد بن مطر بن سعيد المسقري (أبو معاذ)
2 (1/3)
صفحة 4
القسم الأول
ما هو هوى النفس؟
- أصل الهوى ما تميل إليه النفس، وهو ثلاثة أقسام:
1 - ما يوافق شرع الله تعالى وذلك مثل أن يكون الإنسان يهوى كثرة ذكر الله، طلبا لرضاه، وهذا قليل وهذا هو المطلوب من الإنسان.
2 - ما يخالف شرع الله مثل أن يهوى الإنسان شيئا من المحرمات، وهذا لابد من عصيان النفس فيه.
3 - ما كان أصله مباحا مثل أن يهوى الإنسان كثرة الكلام أو غير ذلك من المباحات، وهذا أيضا لابد من رفضه، لأنك إذا أكثرت الكلام فسوف تقصر في دينك، فإذا تكلّمت في غير ساعة مثلا، فانظر كم تسبيحة تستطيع أن تسبّح فيها؟
فائدة ربع
وبهذا يتضح أن أكثر هوى النفس مذموم فما هو الهوى المذموم؟
الهوى المذموم هو ميلان النفس إلى ما تستلذه من الشهوات من غير داعية الشرع،
وهو قسمان:
ما تهواه النفس من المحرمات
ما تهواه النفس من المباح الشاغل عن طاعة الله تعالى مثل حب الزينة، وهذا تدخل فيه أشياء كثيرة، زينة اللباس، زينة المسكن زينة الأثاث زينة السيارة وغير ذلك كثير يقول الإمام الحضرمي -رضي الله عنه -:
2
لا كالذي سلبت دنياه مهجته يزهو إذا سطعت أثوابه الجدد
علي الجرجاني، التعريفات، ص 257.
هو
الإمام العلامة أبو إسحاق إبراهيم بن قيس بن سليمان الهمداني الحضرمي، ولد في حضرموت باليمن، استعان بأئمة عمان ليبني دولة قوية بحضر موت تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، فاستجاب له الإمام العماني الخليل بن شاذان فأقام إمامته في حضرموت، وكان لدولته شوكة قوية وبأس، وكان عالما فقيها، وشاعرا بليغا فصيحا، له ديوان مشهور باسم (السيف النقاد)، توفي في أواخر القرن السادس الهجري
إبراهيم بن قيس الحضرمي، السيف النقاد، ص 48. (1/4)
صفحة 5
فإن أردت السلامة لدينك والصفاء لعبادتك، فعليك بمغالبة هذين القسمين شاءت النفس أم
كرهت، وإلّا فأنت في خسارة من دينك فانتبه قبل فوات الأوان.
وقد يتساءل متسائل: إذا كان الهوى هكذا مذموما فما الحكمة من خلقه؟
من الأمور المقررة في عقيدة المؤمن أن الله جل جلاله - لم يخلق شيئا عبثا، ولم يأمر بشيء، ولم ينه عن شيء إلا لحكمة، لأنه الحكيم سبحانه وهو القائل {أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ} ' فإياك أن تعيب شيئا من خلق الله، لأنك لم تعرف الحكمة من خلقه، والخالق - سبحانه- خلق الهوى لحكمة بالغة، فإنه لو لم يخلق الهوى لم تستقم الحياة؛ فميل الإنسان إلى الخير وإلى عمارة الحياة كما أمر الله في أصله هوى ومحبة وبه تقوم الحياة وتستقيم، بل يقوم عليه خيرا الدنيا والآخرة، وما عدا ذلك من الهوى فإن وجوده امتحان واختبار للإنسان، كما هو حال الدنيا المذمومة بأسرها؛ الله خالقها وهو الذي ذمها وحذر منها؛ ابتلاء واختبارا للإنسان، هل ينهى نفسه عن هواها ويحكمها بشرع الله، أم يُتبعها هواها فيخسر داريه اختيارا منه لِيَمِيرَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ؛ فالإنسان مأمور أن يجعل الهوى تحت حكم الشرع، فلا يطيع هواه فيما حرم الله، ولا فيما يشغله في دينه.
وقد يقول قائل: ما هي الشهوات التي تهواها النفس؟
الشهوات التي تميل إليها النفس كثيرة، ومتعددة تعدد ملذات الدنيا بأنواعها وأشكالها، وهي سلاح الشيطان، فإذا جعلتها خاضعة لشرع الله تعالى عجز عنك الشيطان؛ لأنه لم يبق عنده سلاح، ومن الشهوات ما جاء في قوله تعالى: {زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَمِ
قلے
صلے
وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَنعُ الْحَيَوةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِندَهُ حُسْنُ الْمَتَابِ" هذه الأشياء
2
سورة المؤمنون، الآية 115.
سورة الأنفال، الآية 37. سورة آل عمران، الآية 14.
? (1/5)
صفحة 6
تهواها النفس، فإذا أعطى الإنسان نفسه ما تهوى ولم يحكّم شرع الله في سلوكه جمحت به
هي
نفسه ورمته في هاوية سحيقة؛ فقد يوقعه حبه للنساء - مثلا - فيما حرم الله تعالى. والنساء أعظم فتنة للرجال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما تركت بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء ""، وهكذا بقيّة المشتهيات، فعليك أخي أن تلجم نفسك بلجام التقوى، فلا تطعها فيما يخالف أمر الله سبحانه، أمّا من أعطى نفسه ما تهوى فإنه يعبد هواه.
من يعبد هواه؟
قد تتعجب أخي من العنوان، متسائلا: وهل يعبد أحد هواه – عياذا بالله؟!!؛ فإليك الجواب في كتاب الله، قال تعالى: {أَفَرَءَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَنهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَوَةً فَمَن يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ؛ فهناك من الناس من يعبد هواه بحق، فكل من يقدم هواه على مرضاة ربه وطاعته إنما هو عابد لهواه، وما أكثرهم!
قال القطب: قال ابن عباس: ما ذكر الله تعالى الهوى إلا ذمه قال وهب بن منبه: إذا شككت في أي أمرين، فانظر أبعدهما عن هواك فهو الخير. قلت: فإن كانا شرين فأقربهما إلى هواك هو شر من الآخر. وقال سهل التستري: هواك داؤك (مرضك)، وإن خالفته فدواؤك أي فمخالفته دواؤك. قلت: تضمّن أن حضور الهوى داء، فإن اتبعته فقد حققته. وأحاديث الهوى وآياته وأخباره كثيرة، وهو غالب مع كثرتها، لأنه ملائم للنفس، وهي عدو من داخل، وأعوانه كثيرة من الجن والإنس".
متفق عليه؛ أخرجه البخاري برقم (5096)، ومسلم برقم (2740).
سورة الجاثية، الآية 23.
هو
الشيخ العلامة أمحمد بن يوسف إطفيش من علماء الإباضية في المغرب العربي، ولد في بني يسجن بغرداية بالجزائر عام 1236 هـ / 1820 م، له أكثر من ثلاثمائة مؤلف في العقيدة والتفسير والحديث والفقه واللغة وغيرها، توفي – رحمه الله – عام 1332 هـ /1914 م.
؛ أمحمد بن يوسف أطفيش، تيسير التفسير، ج 13، ص 194 – 195. (1/6)
صفحة 7
وهوى النفس إما أن يكون محرّما فهذا مرفوض قطعا. وإما أن يكون غير محرّم، ولكنه فضول مثل فضول الطعام والشراب الزائد عن الحاجة، وفضول النوم والراحة والدعة والكسل، وفضول الزينة والمظاهر، وفضول الكلام، فتجد مثلا بعض الناس يتكلم في موضوع يحتاج خمس دقائق، ويبقى يلف حول الموضوع ويتكلم فيه نصف ساعة، هذا فضول. وفضول النظر فتجد بعض الناس يمشي في الطريق، ولا تسمح نفسه أن يمر على شيء إلا وينظر إليه هذا فضول. وكذلك فضول اللقاءات مع الأصدقاء وغيرهم، فتجد الواحد كثيرا من أوقاته لقاءات، فلم يبق عنده وقت لقراءة القرآن العظيم، ولا لذكر الله، وعبادته، واغتنام الأوقات في طاعة الله، بل لم يبق له وقت ولا جهد ولا طاقة حتى للتفكير فيما ينفعه يوم القيامة؛ فهو يعيش في دوامة من الفضول لا تنتهي، يدور حولها كما يدور الحمار حول الرحى؛ فانظر حولك تر الكثير من هذا، وكله على حساب الدين ولا ريب، ولا يقتصر الأمر على الشباب، بل تجد بعض كبار السن، يكبر سنة ويكبر فضوله دهرا؛ يقضي أوقاته متنقلا في أنواع الفضول، وهو أحوج ما يكون لاغتنام ما تبقى من عمره فيما ينتظره من أمر آخرته، فأي غفلة هذه؟ وأي خسران ارتضاه لنفسه؟
هو
وهناك نوع من الهوى قد لا يتفطن له كثير من الناس، وهو الانتقال من الأفضل للمفضول؛ لأن النفس تميل إليه وتشتهيه، وتجد فيه منطقة راحتها، فيعمد إلى المفضول ويقصر فيما أفضل وهذا يقع حتى في أعمال الخير، وذلك حين يضيع سلّم الأوليات، ولا يتفطن الإنسان إلى تنظيم المهمات، والعناية بالأهم في جدول أعماله، حين، فتجد – مثلا – بعض أهل العلم في الإجازة الصيفية يترك تعليم الأولاد، ويذهب إلى العمرة، وهو قد أدّى فريضة العمرة مرارا وتكرارا، وهو يعرف أن ذهابه يوهن عزيمة الطلاب، ويفقدهم علما كثيرا، وتربية هم بحاجة إليها، وهي اهم من تكرار العمرات فيذهب ولا يبالي، ولو سأل نفسه: لماذا يقدم تكرار العمرات على إفادة طلبة العلم وهم في أمس الحاجة إليه؟! لوجد الهوى حاضرا الجواب؛ فهوى نفسه الميالة للخروج والسياحة - وإن كان في عمل خير – هو الذي قلب الميزان، وجعله يقدم المفضول على الأفضل.
في
وقد يكون هوى النفس في عبادة غير مؤقتة ويفوّت عبادة مؤقتة كمثل الذي يشتغل بذكر الله ويفوّت تشييع الجنازة. هذه خمسة أنواع من الفضول سمّاها بعض العلماء: سموم (1/7)
صفحة 8
القلب، وكل أسبابها اتباع الهوى وهناك أنواع كثيرة من الفضول، وضابط الفضول هو كل مباح يزيد عن الحاجة. وكله اتباع لهوى النفس.
ولو أدرك الإنسان حقا أن عمره ينقص كل يوم، بل كل دقيقة، بل كل ثانية، وأن من المستحيل أن تذهب ثانية إلا بجزء من أعمارنا، وأن متاع الدنيا قليل، وأن بعد الموت حياة دائمة إما شقاء وإما سعادة، وأن متبع الهوى - فيما حرم الله تصحبه نعم الله إلى الموت فقط، فإذا لفظ آخر نفس كان في شقاء ليس له نهاية، وأن من يرفض متابعة الهوى ويتبع دين ربه تتحول النعم لديه في الآخرة إلى خلود أبدي لا تفارقه أبدا وأن كل إنسان إذا حاول سلوك هذا الطريق يجد التوفيق من الله الرحمن الرحيم اللطيف لو وعى كل هذا بحق وأيقن به بصدق لكان شحيحا على وقته أن يمضي في التفاهات، ولما هان عليه عمره أن
يضيع سدى.
فاسلك عافاك الله - طريق النور فإنه مُيسّر لمن اجتهد في طلبه، وأيقن أن مخالفة النفس هو باب الجنة الوحيد ولا طمع في الجنة من غير هذا الباب، فإياك أن ترقَّ لها إذا بكت، واستحضر دائما قول خالقك الذي يعلم مصلحتك، وينير لك دروب الخير: {وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَن الْهَوَى فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى، قال القطب - رحمه الله -: "نهى النفس: زجرها فلم يغلبها الهوى والهوى ما تهواه، أي: تحبه وتميل إليه لزهرته وزينته، علما بأن السم في الدسم، فإذا دعته إلى المعصية تذكر الحساب عند الله تعالى فيتركها، وسمي بالهوى لأنه يهوي بصاحبه إلى النار، فهو يؤدّي في الدنيا إلى كل داهية، وفي الآخرة إلى الهاوية. والآيتان على العموم ولو خص سبب النزول"" واعلم أخي - أعانك الله أن جهاد النفس مستمر طول الحياة، وأنك سوف تجد صعوبة عند فطام النفس عن هواها، ولكنه الطريق الوحيد إلى الجنة، وعند قوة العزم وإخلاص النية لله تعالى، وعدم التردّد سوف تجده سهلا يسيرا بحول الله، فدع النفس تيأس من إعطائها
V
سورة النازعات، الآيتان 40 - 41. تيسير التفسير، ج 16، ص 51.
2 (1/8)
صفحة 9
هواها، وهذا هو فطامها، فالأم حين تفطم ولدها - هل تفكر أن تعود لترضعه؟ هكذا
النفس.
تأمل معي: لو استدعاك الملك ليعطيك مباني كبيرة، ومحلات وعقارات قيمتها مئة مليون ريال، ولكن الطريق إلى هناك فيها سباع، مفترسة، ومشقة كبيرة، وقيل لك: هذا هو الطريق الوحيد إلى عند الملك فهل سوف تترك هذا المال الكبير وتركن إلى الراحة؟ لا، سوف تغامر؟ لماذا؟ لأن لك هدفا غاليا يلوح بين عينيك، فتستسهل المشاق، وتستهين بالصعاب، وتبذل كل طاقتك، وتغامر وتخاطر من أجل ذلك؟
فما نسبة مئة مليون ريال مع الخلود في الراحة الأبدية؟ لا شيء. أفلا تستحق جنة عرضها السماوات والأرض ذات نعيم أبدي لا ينفد أن تبذل لها هوى نفسك وتمسك زمامها؟ بلى
والله.
الهوى في كتاب الله تعالى
لو تأملنا
في كتاب الله تعالى، لوجدنا أنه ذكر الهوى كثيرا، ولكنه لم يذكره إلا مذموما في كل تلك الآيات، وما ذاك إلا لعظيم خطر اتباعه، والأهمية البالغة لترويضه وكبح جماحه، وفي هذا ما يكفي العاقل لأن يرتدع عن اتباع هوى النفس بل آية واحدة تكفي.
تأمل هذه الآيات وفكّر فيها جيدا بوعي المؤمن، وحرصه على سلامة دينه:
يقول الله تعالى: {وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى}، {وَاتَّبَعَ هَوَنَهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا 2، وَلَا تَتَّبِعُ أهْوَاة الذين لا يَعْلَمُونَ، كَالَّذِي اسْتَهْوَنهُ الشَّيطين}، {وَلَا تَتَّبِعُوا
}
4
سورة ص،، الآية 26.
سورة الكهف، الآية 28. سورة الجاثية، الآية 18.
سورة الأنعام، الآية 71. (1/9)
صفحة 10
صلے
أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا، {قُل لا أتَّبِعُ أَهْوَاءَكُمْ}، {وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَقُلْ لَّا
آمَنتُ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِن كِتَبٍ، وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَنهُ بِغَيْرِ هُدًى مِّنَ
الله
4
هذا هو الهوى في القرآن الكريم، لا ترى آية إلا تذمه فهل ترجو خيرا من اتباعه؟ وإذا كان هذا موقف القرآن من الهوى فكيف هو في السنة النبوية؟ الهوى في السنة الطاهرة
011
قد عرفت – يا أخي - موقف القرآن العظيم من الهوى، وكما اعتنى الكتاب العزيز بموضوع الهوى وذمه التفتت السنة المطهرة لهذا الأمر، ويكفينا في ذلك تأمل حديث واحد: عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " حُفْت النار بالشهوات، وحُفّت الجنة بالمكاره. انظر وتأمل هذا الحديث تعرف أن الشهوات حجاب النار وأن ما تكرهه النفس حجاب الجنة؛ فمن صبر على المكاره من طاعة الله وصل إلى الجنة، ومن منع نفسه عن الشهوات المحرمة أيضا وصل الجنة، أما من اتبع الشهوات فليعلم أنه سلك طريق النار، فالهوى جرعة تستلذها النفس، ويعقبها شقاء دائم، ورفض رغباتها مرّ يعقبه خلود مؤبد في السعادة فكن قوي الإرادة في دين الله تعالى.
إذن ما دامت النفس تكره الأعمال التي توصل إلى الجنة، وترغب فيما يوصل إلى النار
فلا بد من الصبر.
الصبر كله مخالف لهوى النفس، يعني أن رفض هوى النفس هو الصبر، والصبر هو:
رفض هوى النفس!
سورة المائدة، الآية 77.
سورة الأنعام، الآية 56.
سورة الشورى، الآية 15.
4 القصص 50.
متفق عليه؛ أخرجه البخاري برقم (6487)، ومسلم برقم (2822)، واللفظ لمسلم.
9 (1/10)
صفحة 11
لا تعجب من هذا فإن الصبر كله ثلاثة أقسام:
1 - صبر على أداء أوامر الله ولا بد في هذا من مخالفة النفس. حرم الله تعالى، ولا بد في هذا من مخالفة النفس أيضا.
-2
عما صبر 3 - صبر على ما يقدّر الله عز وجل على الإنسان من المصائب، ولابد في هذا أيضا من مخالفة النفس حتى لا تجزع
فاتضح بهذا أن مخالفة النفس هي الصبر، وأنت ترى في القرآن العظيم أكثر من سبعين آية تأمر بالصبر أو تحث عليه أو تمدح الصابرين، وكذلك في السنة المطهرة، وهذا يعني أن أدلّة الصبر كلها أدلة لمخالفة هوى النفس، وأن طاعة الله تعالى كلها في النفس إلا ما أحبته النفس من الطاعة بعد ترويضها، ولأن الصبر تكرهه النفس، والعقل
مخالفة هوى
يلزمها به فالصراع مستمر.
صراع بين العقل والهوى
صاحب العقل يسعى فيما فيه المصلحة في الدار الباقية، أما من أتبع نفسه هواها فإنه يلح ويسعى في اللذة الحاضرة، وإن كان عاقبته الدمار يوم النشور من القبور، ولهذا يبقى الصراع مستمرا بين العقل والهوى طول الحياة، أو يستولي أحدهما على الآخر، والأصل أن العقل هو الملك، وليس الجسم المحسوس وهوى النفس إلا خدم مسخرون للعقل، ولكن هوى النفس موافق لرغباتها، ومطالب العقل تكرهها النفس ولذلك كان الصراع.
فإذا غلب العقل على هوى النفس كان صاحبه أفضل من ملك من الملائكة، وإن غلب الهوى وسيطر على العقل كان صاحبه شرًّا من البهيمة. يقول الإمام نور الدين السالمي رحمه الله -:
من العقول رُكبت ملائكة من غير شهوة عليهم سالكة
من شهوة بغير عقل رُكبت بهائم ما ذبحت أو رُكبت
هو الإمام العلامة نور الدين عبدالله بن حميد السالمي، من أبرز علماء عمان، ولد بقرية الحوقين بالرستاق عام 1284 هـ، له مؤلفات عديدة منها معارج الآمال وجوهر النظام وطلعة الشمس وتلقين الصبيان وغيرها، توفي – رحمه الله – عام 1332 هـ، ودفن ببلدة تنوف بنزوى. (1/11)
صفحة 12
هرج
ومن جميع ذلك ابن آدم مركب من جاهل أو عالم
من عقله شهوته قد غلبا فاق على ملائك محتسبا
وضده
شر من
البهائم إذ أهمل العقل وفعل اللازم
الحب يُعمي ويُصمّ
إذا أحببت شيئا فإن هذا الحب يعميك عن عيوبه ويصمّك، فترى قبيحة جميلا، وللخروج من هذا العمى عليك أن تحب ما يحبه ربك وهو دين الله، فإن هذا هو الذي يبقى عندك يوم القيامة، أما غيره فأحبب ما شئت وسوف تفارقه شئت أم أبيت يقول الإمام نور الدين
السالمي:
حبك للشيء يغطي عيبه ويسترن
حبك يعمي ويصمّ فاحذر
فأنت
بل حبّ ما يحبّه مولاكا عبد للذي تحب
وريبه من الهوى فإنه لم يذر من دينه فهو الذي هداكا تجري على وفق الذي يحب
عيبه
ما خطورة الهوى؟
الهوى مهلك
سُمي الهوى هوى بهذا الاسم لأنه يهوي بصاحبه في النار، ولولا الهوى لم تَخلُ المعصية والفسق عند أصحابها، لكن هوى النفس - إذا سيطر على العقل - قاد صاحبه إلى شر هاوية، والهوى آفة العقل، لأن العقل مطالبه تكرهها النفس بعكس الهوى، فيكون الإنسان بين العقل والهوى مثل السيارة التي يتنازع قيادتها اثنان مجنون وعاقل، كلّ إلى جهة تخالف الآخر، فما حال تلك السيارة في الشارع؟ إذا غلب العاقل وطرد المجنون سلمت السيارة،
1
2
عبدالله بن حميد السالمي، جوهر النظام، ج 4، ص 288 – 289.
المرجع السابق، ص 355.
11 (1/12)
صفحة 13
هرج
ولكن إذا كان العكس ماذا يحصل؟ هكذا الإنسان بين الهوى والعقل، بل إن الهوى أخطر من الجنون، لأن المجنون إذا قاد السيارة - قد يقع في حادث يؤدي إلى موته ومن معه فتفوتهم الحياة الدنيا، أما الهوى المتبع فيفوت الحياة الباقية السعيدة، يقول الإمام نور الدين السالمي -رحمه الله-:
لولا الهوى لم يهو في النيران خلق من الإنس ولا من جان ولا حلا عند أولى العصيان كفر من الفسق أو الكفران
لكل من في عقله تملكا
لكن هوى النفس يكون مهلكا وقد أتى في الأثر المنقول بأنه
وجنة المأوى تكون
الآفة للعقول
مأوى لمن نهى النفوس عما تهوى
وكيف حال من أعطى نفسه ما تهوى وعاش يُسمن جسمه ويلمعه مع خراب قلبه بالمعاصي.
ويقول الشيخ خلفان بن جميل السيابي - رحمه الله -:
يا خادمًا للجسم كم تسعى إلى خدمته وسوف يمضي للبلا
أقبل على إصلاح هذي النفس وزكها من دَنَسٍ ورجس
وألبسنها حلل الفضائل
فأنت إنسان بها إذا زكت لا
وندها عن موارد الرذائل
والنفس في ثلاثة
أقسام أمارة
وغيرها لوامة تلوم
سَمِنت وأودكت بجسومٍ بالسوء والآثام
صاحبها فيما أتى فيندم
ومطمئنة هي الزكية
وإنها الراضية المرضية
إذن لا يشغلك تلميع الجسم الظاهر عن تزكية النفس، فعليك بها أقتل هواها.
جوهر النظام، ج 4، ص 362.
هو الشخ العلّامة خلفان بن جميل بن حرمل السيابي، أحد علماء عُمان، ولد ببلدة سيما بولاية إزكي عام 1308 هـ، عمل في التدريس وتثقيف الناشئة والشباب، وتولى القضاء في الرستاق ومطرح وسمائل من مؤلفاته سلك الدرر الحاوي غرر الأث، وفصول الأصول في أصول الفقه، توفي بسمائل عام 1392 هـ.
خلفان بن جميل السيابي، سلك الدرر الحاوي غرر الأثر، ج 2، ص 480.
12 (1/13)
صفحة 14
- قتل النفس
كثيرا ما يعبر علماء السلوك في السير إلى الله تعالى بقولهم: قتل النفس أو ذبحها، ويعنون بذلك مخالفتها فيما تهوى بسيف المجاهدة المستمرة يقول العلامة سعيد بن خلفان الخليلي:
لكأنما في قتله لنفسه
وإن يكن ليس لها قاتلا
بسيفه قتل أولي الفجر
تقتله الأعداء بالصبر
فاقتل ففي القتل لها نصرة
فإن شهيدا مت تحيا بها يا عجبا من صد عن قتلها إن كان لا يصبر في قتلها
أنّى له عن ذاك بالصبر
وهزم حزب البغي والخسر أسعد حي في عصر
والقتل أهني عيشة العصر
فليجعلنها بعض قربانه
بين يدي مولاه بالشكر
وإن ثَمَّة تكن مقبولة
بشراك بالقدرة والقدر
كنت لا تفهم ما قلته فسلّم الأمر لمن يدري
يقول الشيخ المحقق سعيد بن خلفان الخليلي رحمه الله:
تجرد أخي عن حظوظ الهوى عسى عن حظيظ الثرى تعرج
وذق من شراب الهوى نغبةً وعرّج إلى رتب يا لها أناس
من الحب من من كأسه تملج
قبيلك قد عرجوا
هداة الورى وحداة السري
طريقهم واضح أبلج
وعرّج وقوفا على باب من على بابه الرسل قد عرجو 31
هو الإمام العلّامة سعيد بن خلفان بن أحمد الخليلي، من أبرز علماء عُمان، يلقب بالمحقق، ولد بمسقط عام 1226 هـ، له مؤلفات عديدة منها التمهيد ومقاليد التصريف وغيرها، توفي - رحمه الله –عام 1287 هـ.
ديوان الشيخ الرباني سعيد بن خلفان الخليلي، من أجوبة الإمام محمد بن عبد الله الخليلي، ص 792
من أجوبة الإمام محمد الخليلي ص 80.
13 (1/14)
صفحة 15
فارق عادات النفس
أتعب نفسك في طاعة ربك، فلا سعادة لها بغير ذلك، واهجر عاداتها من كثرة الكلام وكثرة النوم وكثرة الأكل وكثرة التجوال لغير فائدة، والتوسع في الشهوات المباحة، فإن ذلك
6
كله يكدّر قلبك ويبعده عن الله تعالى لا توافق نفسك إذا رفضت شيئا من طاعة ربك، بل أذبها وأصبرها وقُدها رغم أنفها، فإنه لا راحة - يوم القيامة - لمن رَكَنَ إلى راحة الدنيا، إن للنفس مكرا خفيا وكيدا، فمرّة تدعوك إلى التقصير في العبادة والاستعجال في الصلاة من غير ترك، ومرة تدعوك إلى التسويف (التأخير)، ومرة تتعلل بالمشقة؛ فانتبه لمكرها، وتلفت لجميع حيلها، عليك بها انحرها بالمخالفة كل يوم، وإن هي ولولت، يعني صاحت: يا ويلي لقد عذَّبتني، إن في بذلها لربها صونّ لها من الهلاك يوم القيامة فأنت - – في إتعابها – تريد راحتها. وإن أطاعتك في السير إلى الله فهنيئا لها يقول العلامة ناصر بن سالم بن عديم الرواحي رحمه الله:
تَعَنَّ ولا تستبق للنفس عادة – أتلقى إذا لم تشق فيه سعادة؟
أذبها وأصبرها وسقها مقادة - فلا راحة ترجى لمن رام راحة
ومها بذلت الروح صادفت مغنما
تلفت لها من حيث ولّت وأقبلت - فإن لها كيدا وإن هي
أجملت
عليك بها انحرها وإن هي ولولت - ففي بذلها صون لها إن تقبلت
وإلا فقد سيقت إلى ذلك الحمى
وإن هي عما يوجب البعد أعرضت - وسلّمت الأطوار فيه وفوضت
وشدّت بعزم في السلوك وقوّضت - هنيئا لها فخرا بما قد تعرضت
هو
العلّامة أبو مسلم ناصر بن سالم بن عديم الرواحي، شاعر وفقيه عماني لقب بشاعر العلماء وعالم الشعراء، ولد في وادي محرم بولاية سمائل عام 1277 هـ، له قصائد كثيرة بلغت في القوة مبلغا لا يبارى، وله مؤلفات عديدة منها نثار الجوهر والنشأة المحمدية وغيرها، توفي - رحمه الله - عام 1339 هـ بزنجبار بتنزانيا.
14 (1/15)
صفحة 16
اتباع الهوى ظلمة
لذاك الحمى لو كان مطلبها احتمى
يقول الشيخ الرباني سعيد بن خلفان الخليلي -رحمه الله-:
وعن ليل نفسك فاخرج إلى
نهار لهم
عنه لا تخرج
فمن ظلمة النفس عنه انجلت
ففيه
ومن كان من نورهم كاسيا
لأنوارهم فذا الكون عبد له أحوج
أبرج
کساه
جمالهم
حلة
غدا الكون من طيبها يأرج
القسم الثاني: كيف تسيطر على هواك؟
لقد علمت أنه لا سعادة للإنسان إلا بمخالفة النفس وكبح جماح الهوى، فلا شك أنك تتساءل عن الوسائل المعينة على ذلك، والأسباب المؤدية إلى تحقيق هذه الغاية العظيمة الموصلة إلى غاية الغايات، ومنتهى المرادات جنة عرضها الأرض والسماوات، فهيا بنا نستعرض شيئا مما يعيننا على ذلك:
الخوف من العقاب فأنت لو رأيت امرأة حسناء مطيعة لك في الحرام، ولكن رجال الأمن لك بالمرصاد، وعرفت أنك لو اقتربت منها فسوف تسجن سنة كاملة وتضرب كل يوم فهل سوف تفعل معها الحرام؟ لا
' ناصر بن سالم بن عديم الرواحي، النفس الرحماني، ص 304. وقد قرأ هذه القصيدة الرائعة الفاضل مسعود المقبالي قراءة رائعة مؤثرة في القلوب الحية لم أر مثل قراءته جزاه الله خيرا، ومطلع القصيدة: هو الله فاعرفه). 2 من أجوبة الإمام محمد الخليلي، ص 798.
15 (1/16)
صفحة 17
فرج
إذن هكذا كن كما تركت المرأة خوفا من السجن فاترك المعاصي خوفا من السجن المؤبد في نار جهنم، هل ترضى أن تسجن في النار من أجل لذة عابرة؟! كلا وحاشا؛ فاتق الله
تعالى فإن الدنيا إلى زوال عما قريب، وسوف يندم من أطاع هواه وعصى مولاه.
تذكر أن متابعة الهوى تسقط منزلتك عند الله تعالى رازقك وخالقك والعليم بأحوالك والقادر عليك والمتصرف فيك كما يريد، وإذا سقطت منزلة الإنسان عند ربه سقطت عند المخلوقين لا محالة، وكل هذا من أجل هوى النفس!
أنت لو كنت تعمل عملا وقيل لك: هذا العمل يكرهه الملك فسوف تتركه أليس كذلك؟ وها أنت باتباع الهوى تعرض نفسك لأن يكرهك ربك ورب كل الكون فانتبه قبل أن تقول: يَلَيتَنِي قَدَّمْتُ حَيَاتِي. أسأل الله لي ولك التوفيق.
إذا تذكرت أن العفة عن الحرام عزة للإنسان، واتباع الهوى ذلة هان عليك الأمر، ولا تنال العزة إلا بطاعة الله تعالى قال الله تعالى: مَن كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا
إذا تذكر الإنسان أن السيطرة على هوى النفس تجعله يغلب عدوه ويقهره ويغيظه ويغمه ويرغمه هان عليه مخالفة النفس والله تعالى يريد من عبده أن يغيض عدوه قال الله تعالى: {وَلَا يَطَعُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُةٍ نَيْلاً إِلَّا كُتِبَ لَهُم بِهِ عَمَلٌ صَلِحُ.
لا تنس أن الله - جل جلاله لم يخلقك لتتبع هوى النفس وإنما خلقت للآخرة.
2
قد هيأوك لأمر لو فطنت له
فارياً بنفسك أن ترعى مع الهمل
سورة الفجر، الآية 24.
سورة فاطر، الآية 10. سورة التوبة، الآية 120.
? (1/17)
صفحة 18
ولقد أعطاك ربك النعم لتتقرب بها إلى ربك وإلى جنات الخلود؛ ألا تعجب من رجل يدعوه
الملك ليكرمه ويريحه وهو يتابع أعداء الملك؟ هكذا متبع الهوى يتابع أعداء ربه؟!
إن متبع الهوى قد نزّل نفسه منزل الحيوان؛ فإن الحيوان لا يستطيع مخالفة الهوى وهذا الإنسان كذلك، لا بل الأمر أشد من ذلك، فالبهيمة معذورة لأنها ليس لها عقل، والإنسان له عقل يردعه عن هوى نفسه ولديه شرع الله النور المبين ينير له طريق الخير وهذا الإنسان يترك النور ويبحث عن الظلمة لا تعجب من هذا فأنت إذا تأملت آيات القرآن العظيم والسنة النبوية؛ وجدتها كثيرا ما تصف الكفر والعصيان بأنه ظلمات، وتصف دين الله تعالى بأنه نور، فكن على يقين أن دين الله تعالى نور معنوي يكشف لك المعاني وحقائق الآخرة كما أن النور الحسي نور الشمس وغيرها يكشف لك الأجسام المرئية بالعين المحسوسة، واتباع الهوى ظلمة وعلى قدر اتباع الهوى تكون الظلمة؛ فابحث عن النور ما دمت حيا -أعانك الله
-
أن يفكر في عواقب اتباع الهوى، فكم أفات من فضيلة وكم أوقع في رذيلة، وكم أدخل صاحبه السجن، وكم أورث ذمّا، وكم أزهقت بسببه أرواح؛ اسأل التاريخ يخبرك بما لا تسعه المجلدات من الكتب والواقع يشهد، فإذا تذكر الإنسان ذلك سهل عليه ترك الهوى.
يكفي لرفض الهوى أن تعلم أنه الباب الوحيد الذي يدخل منه الشيطان إلى قلب الإنسان. ألا تعجب من إنسان يدخل عليه عدوّه من باب واحد لا غير، وهو قادر على اغلاقه ولم يغلقه؟ وكيف تكون نهاية هذا الإنسان وعدوه متمكن من قلبه؟
إن اتباع الهوى مضاد لشرع الله تعالى تماما قال الله تعالى: {فَإِن لَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَأَعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ} فالإنسان إما متبع لشرع الله أو متبع لهواه، وهل أوقع المسلمين - اليوم - في هذا الذل الذي تراه والهوان إلا اتباع الهوى؟ حتى أصبحوا يطلبون الرحمة من أعدائهم، ويخافون بعض أعدائهم ويتوكلون على آخر، فإذا غضب عليهم من يتوكلون عليه بحثوا عن سيد آخر! وكأنّ الذل صار لذيذا لديهم، انظروا الحروب الدامية
17
0.
سورة القصص، الآية (1/18)
صفحة 19
في بلاد المسلمين، حتى بات أعداؤنا ليسوا في حاجة إلى أن يغزونا؛ بل يضربوننا ببعضنا ويضحكون علينا! قارن بين هذا وبين عزة المسلمين حينما طبقوا دين الله وخالفوا هواهم، اقرأ تاريخ المسلمين تعرف ذلك وترى عزتهم بأم عينيك.
إذا علم الإنسان أن الله تعالى شبه أتباع الهوى بأخس الحيوانات قال الله تعالى: وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَنهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ} إِذا علم ذلك هان '
عليه ترك الهوى.
إن متبع الهوى ليس أهلا لأن يطاع؛ قال الله تعالى: {وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَنهُ
+ أن يتذكر الإنسان أن مخالفة الهوى هو حجاب النار، فمن اتبعه فقد مزق الحجاب ووصل إليها.
إذا تذكر العبد أن مخالفة الهوى تورثه قوة في بدنه وقلبه هان عليه تركه.
أن يعلم أن الهوى مضاد للعقل وذلك أن العقل ينظر المصالح والعواقب، أما الهوى
فإنه يريد اللذة الحاضرة ولا يهمه عاقبتها.
إن من عجز عن جهاد نفسه عجز عن جهاد غيره.
إن متبع الهوى قد أغلق على نفسه باب التوفيق وفتح باب الخذلان.
إن اتباع الهوى يفسد العقل؛ لأنه يأمر بضد ما يأمر به العقل.
إن من وسّع على نفسه في اتباع الهوى ضُيّق عليه في القبر، والعكس بالعكس.
إن اتباع الهوى يضعف عزيمة الإنسان في طاعة الله والعكس بالعكس.
سورة الأعراف، الآية 176.
سورة الكهف، الآية 28.
18 (1/19)
صفحة 20
إن من ركب هواه كمن ركب دابة جموحا بلا لجام ولا زمام.
إن اتباع الهوى يجلب الداء للقلب والجسم.
إن اتباع الهوى يجلب الحسد والأحقاد بين الناس ولو خالف الناس الهوى لزالت الأحقاد. إذا سيطر الهوى غاب العقل؛ لأن الهوى أصبح هو المسيّر لسلوك صاحبه وبات العقل
أسيرا. إن الله عز وجل جعل القلب ملكا والجوارح خدم له، فإذا سيطر الهوى كان القلب خادما للجسم خادما للهوى همه رغبات النفس.
6
إن من اتبع هواه أعطى عدوه الزمام يقوده حيث شاء وأشمته به.
إن صاحب الهوى عبد له، فإذا خالفه كان حرا، يقول الإمام نور الدين السالمي -رحمه
الله-:
فإن أردت أن تكون حرا
إن الهوى به يصير الحر
دع الهوى وكل ما قد ضرا
عبدا فلا يهواه قط حر
+ إن السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم القيامة ما وصلوا إلى هذه المنزلة إلا بمخالفة
الهوى.
إن متبع الهوى - في الحرام تحبط أعماله، يعني أن الله تعالى لا يتقبل أعماله، قال الله تعالى: {إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ
إن متبع الهوى يحرم العلم النافع الذي ينفعه يوم القيامة؛ لأن هذا العلم نور، والهوى ظلمة فإذا دخل النور انزاحت الظلمة والعكس بالعكس ولابد من التخلية قبل التحلية. فلا
يجتمعان أبدا.
جوهر النظام، ج 4، ص 370.
سورة المائدة، الآية 27.
19 (1/20)
صفحة 21
هرج
إن متبع الهوى يجد وحشة بينه وبين ربه؛ لأن كل مسيء مستوحش، أنت إذا أسأت إلى إنسان؛ هل تستأنس معه؟ ولله المثل الأعلى.
أسأت إلى فاستوحشت مني
ولو أحسنت آنسك الجميل
إن متبع الهوى يجد وحشة بينه وبين المؤمنين؛ لأن الله تعالى قد وعد المؤمنين بأن يجعل لهم مودة في قلوب الناس قال الله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّلِحَتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا
إن متبع الهوى تتعسر عليه أموره؛ لأن الله تعالى قد وعد المتقين بتيسير الأمور قال الله تعالى: "ومن يتق الله يجعل له من أمره "يسرا الطلاق 4 وصاحب الهوى ليس من المتقين. إن اتباع الهوى يصد صاحبه عن الحق، فيصبح الإنسان ليس له همة إلا في رغبات
النفس.
إن اتباع الهوى يجعل العمر ليس فيه بركة، فيمضي عمره في المعاصي والغفلة. إن متبع الهوى يرى قبيح المعاصي حسنا؛ لأن الشيطان يزينها له، والنفس تساعده. إن متبع الهوى مُهان حقير عند الله تعالى ولو ملك الملايين قال الله تعالى: {وَمَن ن اللَّهُ فَمَا لَهُ مِن مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ.
إن متبع الهوى - فيما حرم الله - قد يدخل تحت لعنة الله تعالى فإن الله تعالى قد لعن في كتابه العزيز أناسا، منهم من أفسد في الأرض، ومن قطع رحمه، ومن آذى رسوله ولعن من كتم ما أنزل الله من البينات والهدى، ولعن الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات بالفاحشة ولعن من جعل سبيل الكافرين أهدى من سبيل المؤمنين. وقد لعن
سورة مريم، الآية 96.
سورة الحج، الآية 18. (1/21)
صفحة 22
رسول الله صلى الله عليه وسلم أناسا على معاص ارتكبوها مثل الواشمة والنامصة والواصلة وآكل الربا وغير
ذلك. فالذي يتبع هواه معرض نفسه إلى لعنة الله تعالى.
إن متبع الهوى متسبب في ظهور الفساد في الأرض؛ قال الله تعالى: {ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِى النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} إن متبع الهوى متعرّض لأن يختم الله على قلبه قال الله تعالى: {قُلْ أَرَءَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَرَكُمْ وَخَتَمَ عَلَى قُلُوبِكُم
2
إن متبع الهوى يسعى في أن تكون معيشته ضنكا، قال الله تعالى: {وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى)
إن متبع الهوى يضعف تعظيمه لله تعالى، ولو عظمه لأطاعه قال الله تعالى: {ذَلِكَ
وَمَن يُعَظَّمْ شَعَنَبِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ)
إن متبع الهوى يعيش محتقرا مع الناس. وانظر الواقع تعرف.
إن متبع الهوى قد فاتته كل ثمرات التقوى، يعني خير الدنيا والآخرة.
إن متبع الهوى معرض لسلب النعم وجلب النقم قال الله تعالى: {وَمَا أَصَبَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ، أما ما أصاب الأنبياء ونحوهم ممن لا ذنب له والصالحين
فهو لرفع الدرجات، أو لتأديب عن شيء ما.
21
الروم، الآية 41. الأنعام الآية 46.
طه الآية 124. سورة الحج الآية 32.
الشورى الآية 30
4 (1/22)
صفحة 23
إن اتباع الهوى يورث مرض القلب؛ لأن عافية القلب هي الإيمان بالله عز وجل يقول
الإمام نور الدين السالمي:
عافية القلب هي الإيمان بالله وهو الواحد المنان فأي قلب سكنته العافية أمراضه تصبح عنه نائية
إن الشيطان يتسلط على متبع الهوى فيقوده حيث شاء؛ قال الله تعالى: {إِنَّ عِبَادِي
لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَنَّ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ)
إن متبع الهوى يجلب لنفسه الأسماء القبيحة، فهو العاصي الفاسق الظالم المنافق إلى غير ذلك، ويبعد عن نفسه الأسماء الجميلة مثل المؤمن الصالح الطائع المتقي.
إن متبع الهوى يبعد نفسه عن ربه باختياره ويقترب من عدوه حتى يقوده من أنفه وهو راض بذلك، وهو يعلم أنه يخطو كل يوم خطوات إلى النار إذا لم يتب، أسأل الله لي وله
الهداية.
إن متبع الهوى نسي الله تعالى فأنساه الله نفسه، أي أنساه مصالح نفسه يوم القيامة قال الله تعالى: {وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنسَهُمْ أَنفُسَهُمْ أُوْلَئِكَ هُمُ الْفَسِقُونَ
+ إن متبع الهوى يسعى في القطيعة بينه وبين ربه وولي نعمته، ويا خيبته إذا مات على ذلك، فهو الذي اختار أن يقاطع ربه ويواصل عدوه!
قال ابن الجوزي البغدادي: تأملت في شهوات الدنيا، فرأيتها مصائد هلاك، وفخوخ تلف فمن قوي عقله على طبعه (هواه) وحكم عليه سلم، ومن غلب طبعه فيا سرعة هلكته. الجهاد هو القيام على النفس بسيف الشرع القويم، ومن جهادها مخالفة هواها.
الحجر الآية 42.
الحشر الآية 19.
ابن الجوزي صيد الخاطر، ص 54.
أبو عبد الله محمد بن علي الخروبي، الأنس في شرح عيوب النفس، ص 43.
22
2
4 (1/23)
صفحة 24
عدم الإسراف في الطعام والشراب، يقول أحد الحكماء: كل الطعام وأنت تشتهيه وقف عنه وأنت تشتهيه؛ يعني قف قبل الكفاية بقليل، وهذا يجعلك نشيطا في أعمال الآخرة والدنيا ويبعد عنك الأمراض كثيرا؛ فاعمل بهذه الحكمة وداوم عليها تعرف فوائدها، ومن فوائدها أنها تجعلك تغلب هوى النفس وكفى بها فائدة.
غض البصر عن المحرمات وعن فضول النظر؛ يجعلك تغلب هوى النفس.
إذا تذكرت أن الله تعالى يراك في كل زمان ومكان هان عليك مخالفة النفس، أنت هل تستطيع أن تعصي الحاكم وهو يراك؟ فكيف بمن يملك روحك وسمعك وبصرك وكل أمورك؟ احذر قبل فوات الأوان.
إذا تذكرت أن كل خير عندك هو من فضل الله تعالى أحببته؛ لأنه المنعم عليك بكل شيء وإن القلوب تحب من يحسن إليها، ومحبتك لله تعالى إذا كانت صادقة تستلزم ألا تعصيه بنعمه وتتبع هواك، ولا يمكن لأي إنسان أن يعصي الله إلا بنعمه مستحيل.
ق قصة لقي رجل امرأة في خلوة فقال لها: إني أحبك. فقالت له: وراءك من هي أجمل مني فالتفت إلى ورائه فلم ير أحدا، فقالت له: يا كذاب لو كنت صادقا في محبتي ما التفتّ إلى غيري، وهكذا أنت إذا كنت صادقا في محبة الله تعالى فسوف ترفض كل ما يشغلك عن دينك، ولله المثل الأعلى.
إذا تذكرت أن اتباع الهوى سبب لغضب الله تعالى وعقوبته هان عليك مخالفة النفس. + إذا تذكرت ما يفوّته عليك اتباع الهوى من خير الدنيا والآخرة هان عليك رفض الهوى. اجعل مخالفة النفس مثل شرب الدواء؛ فكما أنك لا تشتهي الدواء ولكن تشربه من أجل الفائدة هكذا خالف نفسك من أجل الفائدة بل إن مخالفة النفس أعظم فائدة؛ لأن هذه المخالفة لا تزال تقربك من ربك حتى تدخلك دار السعادة الدائمة، فلا تكن ضعيف العزم والإرادة، ومن ترك شيئا لله عوضه الله خيرا منه.
إذا صبرت على مخالفة النفس تذكر أن الله تعالى معك يحفظك ويوفقك وييسر أمورك وإذا كان الله معك فماذا تريد ومن ماذا تخاف؟
23 (1/24)
صفحة 25
إذا تذكرت أن الإنسان قد يفجأه الموت وهو غارق في الشهوات فيكون مصيره نارا حامية، إذا تذكرت ذلك هان عليك مخالفة النفس. ومن عرف ما يطلب هان عليه ما يبذل. إذا تذكرت أن اتباع الهوى هو مرض القلب الذي ليس له علاج إلا مخالفة النفس سهل عليك رفض الهوى.
تعوّد مخالفة النفس حتى في المباحات غير الضرورية تسيطر على النفس. كل عمل تعمله لابد أن يخطر على بالك أولا كان خيرا أو شرا، فإذا خطر على قلبك اتباع الهوى فاصرف ذلك الخاطر عن قلبك وإلا فإن الخاطر يصير أمنية، والأمنية قد تصير هما، والهم قد يصير إرادة، ثم تصير الارادة عزما، فادفع الخاطر الأول ترح قلبك وجسمك، كن بوابا على باب قلبك لله تعالى.
الشر.
اصرف هواك في طاعة ربك، فإذا تعودت على ذلك فإن الله يقيك اتباع النفس في
صرف الفكر إلى عجائب آيات الله تعالى المقروءة والمبصرة يدفع عنك الوساوس التي تسقطك في اتباع الهوى؛ لأنك لا يمكن أن تفكر في شيئين في آن واحد.
التفكر في سرعة زوال الدنيا يجعلك تحذر أن يكون زادك من اتباع الهوى وعاقبته
عذاب دائم.
لا بد من الاستعانة بالله جل جلاله لكي تسيطر على هوى النفس؛ وذلك بالدعاء والتذلل لله عز وجل كل يوم وخاصة وقت السحر.
تذكر أن عندك جاذبين، جاذب يجذبك إلى الاستقامة إلى أعلى هذا هو الجانب الديني، وجاذب يجذبك إلى أسفل إلى مرتبة البهائم إلى اتباع الشهوات والغفلة عن دين الله فاختر لنفسك يا عبد الله.
24 (1/25)
صفحة 26
إن تفريغ المحل (القلب) من كل ما يخالف أمر الله تعالى لا بد منه. فرّغه وإلا فكيف يجتمع الإخلاص مع الرياء وحب الدنيا مع حب الآخرة؟! لا بد من التخلية قبل التحلية وبهذا تغلب النفس إن شاء الله تعالى.
إذا تذكرت أن الله تعالى إنما خلقك لبقاء لا فناء له وعز بلا ذل وراحة بلا شقاء وإنما وأنت في هذه الدنيا تستعد لتلك الحياة الطيبة تستعد بما يقربك إلى ربك؛ إذا تذكرت ذلك هان عليك أن تخالف النفس.
إذا عرفت الأسباب التي تساعدك على السيطرة على هوى النفس فلا بد من العمل بها، وإلا فما الفائدة من قراءتها؟ قال بعض علماء القلوب: لن تعطى النفس مناها حتى تصل إلى مولاها، ولن تصل إلى مولاها حتى تكون صحيحة سليمة، ولن تكون صحيحة سليمة حتى تخالف هواها.
تنبيه: إن مما يساعدك على السيطرة على هوى النفس الإيمان القوي، والإيمان يقوى بأمور، منها: أ- كثرة ذكر الله تعالى، فعلى مقدار كثرة ذكرك لله تعالى يقوى إيمانك؛ قال أحد طلاب العلم: كان تصديقي في أمور الآخرة ضعيفا وكأنني مقلد لغيري فقط، وطالما قرأت عن أوصاف الجنة و أوصاف النار والبعث وكتابة أعمال العباد وإن ربي عليم بكل شيء ولو حاولت إخفاء أعمالي السيئة ومع هذا بقي تصديقي بالآخرة ضعيفا ثم من الله عليّ بكثرة ذكره سبحانه وتعالى فصرت كأنني أرى الجنة بعيني وكذلك النار وكذلك البعث والملائكة الذين يكتبون أعمال العباد وأرجو أنني وصلت إلى اليقين وإلى درجة أقوى مما أشاهده بعيني رأسي وكل ذلك بكثرة ذكر الله تعالى انتهى كلامه، أسأل الله تعالى أن يزيده إيمانا.
هذا ما وصل إليه هذا الطالب بكثرة ذكر الله، وأنت - يا أخي - ماذا يمنعك من كثرة ذكر ربك؟ اذكر ربك سواء كنت في المسجد أو في البيت أو في الشارع أو في الطائرة أو في السفينة أو في أي مكان، أكثر من ذكر الله إذا كنت خاليا أكثر ولا يلزم أن تعدّ فإن الملك الذي على يمينك لن ينسى ولا يظلمك بل سوف يكتب لك كل تسبيحة أو تكبيرة أو تهليلة أو غير ذلك، وإن شئت أن تعرف فوائد ذكر الله تعالى فارجع إلى كتاب: نثار الجوهر
25 (1/26)
صفحة 27
فرج
للشيخ العلامة أبي مسلم ناصر بن سالم بن عديم الرواحي - رحمه الله تعالى- فإن فيه قصيدة رائعة في فوائد الذكر و تذكر أنه لا بد من النيات و المداومة على الذكر حتى يقوى إيمانك فداوم تجد إيمانك يقوى و تعرف ذلك يقينا كما عرف ذاك الطالب، واعلم أن أعظم الذكر قراءة القرآن فاقرأه متمهلا متدبّرا من غير استعجال، و كذلك الإنصات للقرآن يقوي الإيمان قال الله تعالى: {وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ وَايَتُهُ، زَادَتْهُمْ}
الزم ذكر الله تعالى وسوف ترى حقائق الآخرة بعين عقلك أكثر مما ترى الأجسام في الدنيا بعين رأسك، إن قوة الإيمان أهم قوة تغلب بها هوى نفسك بل جميع الأسباب بغير قوة الإيمان سوف تفشل أمام رغبات النفس.
تنبيه:
إن من أهم الكتب التي تساعدك على السيطرة على هوى النفس ما يلي:
* عدّة الصابرين للعلامة ابن قيم الجوزية.
حياة المهج للشيخ العلامة جاعد بن خميس الخروصي.
ايضاح نظم السلوك إلى حضرات ملك الملوك للشيخ ناصر بن جاعد الخروصي.
كتاب الفوائد ابن قيم الجوزية.
الحكم العطائية لابن عطاء السكندري، وهذه الحكم شرحها أكثر من ثلاثين عالما.
صيد الخاطر ابن الجوزي البغدادي.
تزكية الانفس/ سعيد حوى.
* مدارج السالكين لابن القيم
* مدرسة الدعاء لعبدالله ناصح علوان، وغيرها كثير.
حكم في مخالفة هوى النفس
سورة الأنفال، الآية 2
هذه الحكم انتقيتها من كتاب موسوعة الحكم والعظات لعبد الرحيم، شراقي، وغيث المواهب العلية في شرح الحكم العطائية لمحمد بن إبراهيم بن عباد النفزي الرندي والفوائد لابن قيم الجوزية.
26 (1/27)
صفحة 28
فرج
كثرة الأخلاء من رقة الدين، والمراد الأصدقاء الذين يشغلونك ويضيعون الأوقات.
1 من اشتغل بما لا يحتاج إليه ضيع ما يحتاج إليه.
إن الله يخلص إلى القلوب من بره على حسب ما تخلص له القلوب من ذكره وطاعته، فانظر ماذا خالط قلبك.
عنها.
ما رأيت أحدا عظم الدنيا فقرت عينه فيها أبدا، إنما تقر فيها عين من حقرها وأعرض
على قدر إعزاز المرء لأمر الله تعالى يلبسه الله تعالى من عزّه ويقيم له العز في قلوب
المؤمنين.
1 إنما ابتلي الخلق بالفراق لئلا يكون لأحد سكون مع غير الله تعالى.
1 من المحال أن تحبه ثم لا تذكره، ومن المحال أن تذكره ثم لا تجد حلاوة ذكره تعالى، ومن المحال أن تجد لذة ذكره ثمّ يشغلك بغيره.
رأس مالك قلبك ووقتك فلا تضيع وقتك وطهر قلبك.
لا يقطعك شيء عن شيء إلا إذا كان القاطع أتم وأكمل وأعلى عندك، فإن كان مثله أو دونه فلا يقطعك؛ فالحكم لما غلب على القلب، يعني أن كل ما يشغلك عن دينك فهو
أعظم في قلبك من الله.
عليك بنفسك إن لم تشغلها بالخير شغلتك بالشر.
علامة ركون القلب إلى الله تعالى وسكونه إليه أن يكون قويا إذا زالت عنه الدنيا وأدبرت وفقد الرغيف، يعني هذا حال المتوكل على الله تعالى.
الدنيا ما دنا من القلب وشغلك عن دينك، يعني أن الدنيا المذمومة هي كل شيء شغلك
عن دينك.
كن بوّابا على باب قلبك لله تعالى، أدخل فيه أوامر ربك وأخرج منه نواهيه.
من لم يعرف من نفسه النقصان (التقصير) فكل أوقاته نقصان.
27 (1/28)
صفحة 29
ليس للقلب إلا وجهة واحدة متى توجّه إليها حُجب عن غيرها فاختر يا عبد الله إحدى
الوجهتين.
إذا امتلأ القلب من النور دك كل حجاب بين العبد وبين الله تعالى.
النور: نور الذكر والعبادة والحجاب: كل شيء يشغل قلبك عن دينك.
لا يصل العبد إلى المحبوب (الله) وهو بغيره محجوب
ارفض كل ما يحجبك (يشغلك) عن مولاك.
لا ينال الشيطان من آدمي نيلا إلا أن نزل إلى أرض شهواته؛ لأن الشهوات سلاح
الشيطان.
كلما قلت الحيلة من المخلوق كثر العون من الخالق.
متى ظننت أنك وصلت فما وصلت ومتى ظننت أنك ظفرت فمتى ظفرت، يعني وصلت إلى إكمال دينك وإحسان العمل.
كثرة العمل مع عدم الحسن فيه كالثياب الكثيرة الوضيعة الثمن، وقلة العمل مع حسنه كالثياب القليلة الرفيعة الثمن أو كالياقوتة: صغير حجمها كثير ثمنها؛ فمن اشتغل قلبه بالله وعالجه من الهوى كان أفضل ممن يكثر من الصلاة والصوم الحسن في العمل بالإخلاص وموافقة السنة وإلا فتعب من غير فائدة.
كيف يشرق قلب صوّر الأكوان منطبعة في مرآته؟ أم كيف يرحل إلى الله وهو منكبّ
على شهواته؟
أتريد أن تجاهد نفسك وأنت تقوّيها بالشهوات حتى تغلبك؟! إذن العلاج أن تقلل من الشهوات وإلا جمحت بك النفس إلى الهاوية.
إذا قطعت طمع نفسك في اتباع زينة الحياة الدنيا وغلبت هواها وأيست من إعطائها
رغباتها، رجعت بطمعها في أسباب الآخرة.
28 (1/29)
صفحة 30
من لم يلزم نفسه بالطاعة لله) لزمته (بالمعصية) ومن لم يطالبها طالبته فلو جعلت عليها الأثقال بالطاعة لما طالبتك بالمعصية.
أصل كل معصية وغفلة: الرضا عن النفس، وأصل كل طاعة ويقظة عدم الرضا عنها. من رضى عن نفسه تذكر حسناتها ونسي ذنوبها وهذا يجعله لا يبالي بالمعصية، يقول: إن أعمالي كلها تمام.
لو كنت كيسا فطنا لكانت حقوق الله عندك أحظى من حظوظ نفسك.
إذا طلبت النفس الشهوات ألجمها بلجام الشرع؛ فمثالها كالدابة إذا مالت إلى زرع غيرك. من عاملته بالمعاصي، وعاملك بالنعم فكيف لا تحبه؟ من عاملك بالكرم وعاملته باللؤم فكيف لا تحبه؟
ما أكثر تودّدك للخلق وما أقل توددك للخالق، لو فتح لك باب التودد لرأيت العجائب؛ طاعة الله تعالى كلها تودد إليه جل جلاله.
لو أنست بذكر الله ما طلبت الأنس بغيره ولو كرمت عليه ما رماك لغيره.
غيّب نظر الخلق إليك بنظر الخالق إليك، وغب عن إقبالهم عليك بشهود اقباله عليك. من علم قرب الرحيل أسرع في تحصيل الزاد.
أيها الشيخ قد أفنيت عمرك، فاستدرك ما فاتك، قد لبست البياض والبياض لا يحمل
الدنس.
قيمتك قيمة ما أنت مشغول به.
الفكرة على خمسة أوجه: أفكرة في آيات الله القرآنية والكونية وهذه تثمر المعرفة بالله تعالى بفكرة في آلاء الله (نعمه) تثمر المحبة لله ج فكرة في وعد الله تعالى تثمر المسارعة إلى الطاعة د فكرة في وعيد الله تعالى تثمر الخوف من الله تعالى هـ -فكرة فيما جنى العبد من الذنوب ومقارنتها بإحسان الله إليه تثمر الحياء من الله تعالى.
29 (1/30)
صفحة 31
فرج
من لم يصبر لم يظفر.
صيانة القلوب عن الالتفات إلى الأغيار (غير) (الله من علامات الاقبال على الله.
استراح من أسقط من قلبه محبة الدينا.
إذا فتح الله عليك طريقا من طرق الخير فالزمه.
1 علامة محبة الله تعالى متابعة الحبيب صلى الله عليه وسلم.
الخوف والرجاء زمامان يمنعان من سوء الأدب.
ما أقبح الغفلة عن طاعة من لا يغفل عن الاحسان إليك.
فراغ القلب في ترك الفضول.
سكون القلب إلى غير المولى تعجيل عقوبة من الله تعالى.
لن يصفو قلبك إلا بتصحيح النية لله تعالى بالإخلاص.
كن في الدنيا ببدنك، وفي الآخرة بقلبك.
الشهوة زمام الشيطان، فمن أخذ بزمامه قاده حيث شاء.
فرّغ قلبك مما لا يعنيك يهمك وتحتاجه وإلا ضيّعت ما يعنيك.
من قال: الله أكبر، وفي قلبه شيء أعظم من الله، فقد كذَّب نفسه بلسانه، إذا شغلك شيء عن دينك كان ذلك الشيء أعظم في قلبك من الله فاحذر.
كم من مسرور (بالمعاصي) سروره بلاؤه.
لا تضيع أوقاتك فإنها أعز شيء لديك، ولا تتصدّر ما أمكنك، فكم تسبّبت الشهرة في
تضييع الدين.
العاقل يتكلم على قدر الحاجة ويدع الفضول، وهذا في جميع المباحات وليس خاصا
بالكلام. (1/31)
صفحة 32
فرج
من أعطى نفسه الأماني، قطعها بالتسويف والتواني.
من لم يؤثر الله على كل شيء لا يصل إلى قلبه نور المعرفة.
إني أستحي من الله تعالى أن يراني مشتغلا بغيره.
من منع القرب من الله تعالى أنس بالآثار (المخلوقات).
إذا ترك القلب الشهوات (غير الضرورية) ألف العلم.
احذر أن تشغلك الأكوان عن مكوّنها.
كن لله اليوم كما تحبّ أن يكون لك غدا.
انتظار الشفاعة بلا سبب نوع من الغرور، وارتجاء رحمة من لا يطاع جهل وحمق.
الزم عبادة مولاك تأتك الدنيا راغمة والجنة، عاشقة، ولكن لا تطلب بعبادتك الدنيا.
1 إذا كنت تريد أن تعصي الله فاعصه في موضع لا يراك فيه. القلوب جوالة، إما أن تجول في طاعة، مولاها واما أن تجول في المعاصي وما يلهيها. على قدر حبك لله تعالى يحبك الخلق.
المحبوب اليوم من الشهوات مكروه غدا، والمكروه اليوم من الطاعات محبوب غدا. من شغله طلب الدنيا عن الآخرة ذلّ، إما في الدنيا وإما في الآخرة وإما فيهما.
من جزع من مصائب الدنيا تحولت مصيبته في دينه، بل صارت مصيبتين.
من اشتغل بذكر الناس انقطع عن ذكر الله.
سلامة النفس في مخالفتها وبلاءها في متابعتها.
إن استطعت ألا يسبقك أحد إلى مولاك فافعل، ولا تؤثر على مولاك شيئا.
لا تغتم إلا من شيء يضرك غدا، ولا تفرح إلا بشيء يسرك غدا.
31 (1/32)
صفحة 33
فرج
أنفع الخوف ما حجزك عن المعاصي.
إذا أنس المسلم بعبادة الله أنس به كل أحد.
أنفع الرجاء ما دفعك إلى العمل الصالح.
لا يكون المسلم عبدا لله وهو عبد لهواه أبدا.
الوقت إذا فات لا يستدرك.
1 أنت في سجن إذا اتبعت هواك.
يتولد الاعجاب بالعمل من نسيان رؤية منة الله تعالى.
خفة المعدة من الشهوات والفضول قوة على العبادة.
لأهل التقوى تقوى ما لم يروها فإذا رأوها فلا تقوى لهم.
علامة الركون إلى الباطل التقرب من المبطلين.
من أحب أن يطلع الخلق على ما بينه وبين الله فهو غافل.
هلاك الأمة من أربعة أ - أقوام لا يعملون بما يعلمون ب - يعملون بما لا يعلمون جلا يتعلمون ما لا يعلمون د- يمنعون الناس من التعلم، يعني لا يعلمون غيرهم.
كفى بالمرء عيبا أن يسرّه ما يضره من المعاصي.
المؤمن كلامه ذكر، وصمته تفكر في طاعة الله ونظره عبره، وعمله بر.
من طلب الشهرة بين الناس فمن لازمه أن يرضيهم بما يسخط الله تعالى، وأن يصحبهم
لهواه.
لا تكن ممن يعبد ليُعبد، ولا ممن يسود الجباه للجاه.
اتباع شهوات النفوس هي التي تنكس الرؤوس.
32 (1/33)
صفحة 34
ثلاث تقسي القلب: كثرة الأكل وكثرة النوم وكثرة الكلام.
إذا صح اليقين في القلب صح الخوف فيه.
من عرف ما يطلب هان عليه ما يبذل، ومن أطلق بصره طال أسفه، ومن أطلق أمله
ساء عمله.
اترك التصنع للناس فإن التصنع يلهيك عن طاعة مولاك.
كل الدنيا، فضول، إلا خمس خصال: خبز يشبعه، وماء يرويه، وثوب يستره، وبيت يكنه، وعلم يستعمله الفضول هو ما زاد عن حاجة الانسان من المباحات، وكأني أسمع بعض المترفين ينتقد هذه الحكمة لأنه لم يعلم كيف عاش سيدنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم -
آثر الله تعالى على رغبات نفسك تفز.
من علامات الاستدراج، العمى عن عيوب النفس.
من لم يشكر الله على النعمة فقد استدعى زوالها.
احذر أن تهلك بالدنيا أو تهتم؛ فإن رزقك لن يعطى لأحد سواك. جعل الله أهل الطاعة أحياء حتى في مماتهم، وأهل المعاصي أمواتا في حياتهم.
لا تلهك النعمة عن طاعة المنعم.
من عرف الله فإنه يزهد في كل شيء يشغله عنه.
ليت قلبي نقيا نظيفا كثوبي.
إذا سكنت الدنيا في قلب ترحلت منه الآخرة.
1 من أراد أن يعرف قدره عند السلطان فلينظر ماذا يوليه من العمل وقس على هذا قدرك
عند
الله. فإن أقامك في
طاعته فأبشر أنت كريم عنده ولكن لا تغتر.
33 (1/34)
صفحة 35
الدنيا طريق، والآخرة وطن فاطلب مرادك في الوطن فإن مرادك في الطريق سوف تخليه شئت أم أبيت.
اجتماع الأصدقاء قسمان: أ- اجتماع مؤانسة وشغل الوقت، فهذا مضرته أرجح من منفعته، وأقل ما فيه أنه يفسد القلب ويضيع الوقت باجتماع على التعاون والتناصح فيما يرضي الله تعالى والتواصي بالحق والصبر فهذا غنيمة ولكن فيه ثلاث آفات: أحدها: تزيّن بعضهم لبعض ثانيها: الكلام والخلطة أكثر من الحاجة ثالثها: أن يصير ذلك شهوة
وعادة قاطعة عن المقصود.
إذا عملت خيرا فتذكر منّ ربك وفضله عليك حيث وفقك.
اخسر الناس من اشتغل عن الله بهوى نفسه واخسر منه من اشتغل بالناس عما ينفعه.
ذنب يحدث ذلا وانكسارا وتوبة لله عز وجل خير من طاعة تحدث غرورا واستكبارا.
لا يكرم العبد نفسه ولا يعزّها بمثل إهانتها واتعابها في طاعة مولاها ولا يؤمنها بمثل خوفها من الله، ولا يؤنسها بمثل وحشتها من كل ما سوى الله أو من يدل عليه ولا يحييها بمثل اماتتها بمخالفة رغباتها.
اشتغل بما يرضي ربك في الدنيا يكفك ما بعد الموت.
أخي ما تسلط عليك الشيطان إلا بعد أن بعدت عن الرحمن.
لو صدقت محبتك لله لاستوحشت ممن لا يذكرك بالحبيب.
اعرف قدر ما ضاع منك في الزمن الماضي من طاعة مولاك واستدرك الباقي.
من عرف قدر الجنة هانت عليه لذات الدنيا.
من لم يكن عبدا لله بطاعته كان عبدا لهواه أو غيره من الخلق ولا بد.
إذا كنت عبدا لله حقا فيه تسمع وبه تبصر وبه تتكلم وبه تمشي وبه تفكر، أما من يستعمل هذه حسب هواه فهو المخذول.
34 (1/35)
صفحة 36
المعصية تثمر المعاصي وكذلك الطاعة تثمر الطاعات فاختر يا عبد الله.
الذنوب جراحات وربّ جرح وقع في مقتل.
لو تحرر عقلك من أسر الهوى عادت القيادة للعقل.
ما أكرم من كان في قبره تؤنسه أعماله، وما أتعس من كان قبره سجنا بما كسبت يداه.
اشتر نفسك بعمل صالح مادام السوق قائما والبضاعة متوفرة.
نور العقل يهديك في ليل الهوى فأطعه وخالف الهوى تسعد في الدارين.
لا تستعمل النعمة فيما يكره المنعم فيسلبها.
هذه الدنيا تزينت لنا اختبارا من الله لنا أيّنا يؤثرها وأيّنا يؤثر الآخرة فاختر يا عبد الله ما يبقى فإن السفر قريب.
ما مضى من عمرك مثل الأحلام والمستقبل غير مضمون لديك فاغتنم الوقت الحاضر فيما يقربك إلى ربك.
لما أعرض الناس عن تحكيم الكتاب والسنة وهان عليهم أمر الله هانوا على الله ومن يهن الله فمن يستطيع إكرامه؟ فصاروا كما ترى في هذه الذلة يسومهم أعدائهم سوء العذاب فمن يلومون؟
العمل بلا اخلاص لله وموافقة سنة رسول الله - تعب بلا فائدة فاحذر.
من تذكر حلاوة الجنة ونعيمها وخلودها هان عليه الصبر.
الدنيا سباق، والسابق لا يعرف في الدنيا فسابق في السير إلى ربك.
البخيل فقير لا يؤجر على فقره.
الخلوة في طاعة الله تثمر الأنس بالله.
35 (1/36)
صفحة 37
يظهر صدق التوكل من عدمه عند فقد الأسباب، فالمتوكل لا يقلق عند فقدها بل يلجأ
إلى الله وهو مطمئن.
من أراد صفاء قلبه فليؤثر أوامر الله على شهواته.
اتباع الهوى وطول الأمل سبب كل فساد؛ فإن اتباع الهوى يعمي عن الحق معرفة وقصداً وطول الأمل ينسي الآخرة.
عشرة أشياء ضائعة: علم لا يعمل به، وعمل لا إخلاص فيه ولا اقتداء، ومال لا يستفيد منه صاحبه، وقلب خالٍ من محبة الله والأنس بذكره، وبدن معطّل عن العبادة، ومحبة لا تتقيّد برضاء المحبوب، ووقت معطل، وفكر يجول فيما لا يفيد وخدمة من لا تقربك إلى الله خدمته، وخوف ممّن ناصيته بيد الله تعالى، وأعظم هذه الإضاعات إضاعة القلب وإضاعة الوقت.
إن المعصية حجاب على القلب يمنع النور من الانتشار، فيبقى القلب مظلما، والقلب المظلم قلب سيء جدا، ويزداد سوءا كلما ازداد الحجاب الحجاب هو كل ما شغلك عن دين الله سواء كان محرما أو مباحا أو مكروها).
لو اطلع العصاة على عذاب النار لما عصوا، ولو اطلعوا على ما أعد الله لأهل الجنة لما تركوها طرفة عين.
يعني
يجب أن تكون همة المؤمن متعلقة بالآخرة فكل ما في الدنيا يحركه إلى ذكر الآخرة. أنه إذا رأى ما يسره تذكّر سرور الجنة الدائم، وإذا رأى ما يكرهه تذكّر عذاب النار.
ما أرخص نفسك عليك! لولا هوانها عليك ما عرضتها لعذاب الله تعالى.
إذا أردت أن تعصي الله تعالى فلا تعصه بنعمه عليك، أتأخذ نعمه وتعصيه بها؟
من خان، هان لا تزال لك قيمة عند الله تعالى حتى تعصيه، فإذا عصيته فلا قيمة
لك. حتى تتوب
36
A (1/37)
صفحة 38
أربعة تعينك على جلاء قلبك: كثرة ذكر الله تعالى ولزوم الصمت (إلا) من خير) والخلوة
في طاعة وقلة المطعم والمشرب، كن وسطا.
مثال الجوارح كالسواقي تجري إلى القلب فإياك أن تسقي قلبك بالرديء من المعاصي.
مدمن الشهوات صريع الآفات.
أغلب الشهوة تكمل لك الحكمة.
أول الشهوة طرب وآخرها عطب
لن يهلك العبد حتى يؤثر شهوته على دينه.
A الجاهل عبد شهوته
عبد الشهوة أسير لا ينفك أسره.
إذا أبصرت العين الشهوة عمي القلب عن العاقبة.
الهوى عدو متبوع
الهوى هوي إلى أسفل سافلين.
الهوى إله معبود (بغير حق)
الهوى قرين مهلك.
سبب فساد الدين الهوى.
من قوي هواه ضعف عزمه.
1 من ركب هواه زل.
من أطاع هواه باع آخرته بدنياه.
من ملكه هواه لم يقبل من نصوح نصحا.
37 (1/38)
صفحة 39
فرج
نعم عون الشيطان اتباع الهوى.
1 مخالفة الهوى شفاء العقل.
من اتبع هواه أعماه وأصمه وأذله.
لا ينبغي أن يعد عاقلا من يغلبه الغضب والشهوة. 1
كيف يكون عاقلا من باع الجنة بما فيها بشهوة ساعة؟
المخلوق إذا خفته استوحشت منه و هربت منه، والخالق إذا خفته أنست به واقتربت منه.
لو نفع العلم بلا عمل لما ذمّ الله أحبار أهل الكتاب، ولو نفع العمل من غير إخلاص لما ذم الله تعالى المنافقين.
التقوى ثلاث مراتب: / حمية القلب والجوارح عن الآثام والمحرمات / حميتها عن المكروهات / حميتها عن الفضول وما لا يغني فالأولى تعطي القلب حياته، والثانية تفيده صحته وقوته، والثالثة تكسبه سروره وفرحه وبهجته.
قلة التوفيق، وفساد الرأي، وخفاء الحق، وفساد القلب، وخمول الذكر، وإضاعة الوقت، ونفرة الخلق والوحشة بين العبد وبين ربه، ومنع إجابة الدعاء، وقسوة القلب، ومحق البركة في الرزق والعمر، وحرمان العلم، ولباس الذل، وإهانة العدو، وضيق الصدر، والابتلاء بقرناء السوء الذين يفسدون القلب ويضيعون الوقت، وطول الهم والغم، وضنك المعيشة، وكسف البال، كل هذه الأشياء تتولد من المعصية والغفلة عن ذكر الله تعالى كما يتولد الزرع من الماء، والإحراق عن النار وأضف هذه تتولد عن الطاعة من عظم وقار الله في قلبه أن يعصيه وقره الله في قلوب الخلق أن يذلوه.
إذا غرست في قلبك شجرة الإيمان والتقوى أثمرت حلاوة الأبد، وإن غرست شجرة الجهل والهوى أثمرت مرارات لا تزول.
38 (1/39)
صفحة 40
لا يخاف عليك إن تلتبس الطرق عليك، وإنما يخاف عليك من غلبة الهوى عليك ص 118، يعني أن الطريق إلى الله واضحة فلا تخف أن تلتبس عليك وإنما الخوف من اتباع هوى النفس.
أرض الفطرة رحبة قابلة لما يغرس فيها فإن غرست شجرة الإيمان والتقوى أورثت حلاوة الأبد، وإن غرست شجرة الجهل والهوى فكل الثمر مر.
عوائق في الطريق إلى الله
إذا عزم العبد على السفر إلى الله تعالى وإرادته عَرَضَت له الخوادع والقواطع، فينخدع أولا بالشهوات والرئاسات والملاذ والمناكح والملابس. فإن وقف عندها انقطع، وإن رفضها ولم يقف معها وصدق في طلبه، ابتلي بوطء عقبه، وتقبيل يده، والتوسعة له في المجالس، والإشارة إليه بالدعاء، ورجاء بركته، ونحو ذلك. فإن وقف معه انقطع به عن الله تعالى وكان ذلك حظه. وإن قطعه ولم يقف معه ابتلي بالكرامات، فإن وقف معها انقطع بها عن الله وكانت حظه وإن لم يقف معها ابتلي بالتجريد والتخلّي ولذة الجمعية وعزة الوحدة والفراغ من الدنيا. فإن وقف معها انقطع عن ربه، وإن لم يقف معها، وسار ناظرا إلى مراد الله تعالى منه، وما يحبه منه، بحيث يكون عبده الموقوف على محابه أين كانت وكيف كانت تعب بها او استراح، تنعم بها أو تألم، أخرجته إلى الناس أو عزلته عنهم، لا يختار لنفسه غير ما يختاره له ربه، واقف مع أمره ينفّذه بحسب الإمكان، ونفسه أهون عنده أن يقدم راحتها ولذتها على مرضاة سيده وخالقه. فهذا هو العبد الذي قد وصل ونفذ، ولم يقطعه عن سيده شيء البتة'.
الحادي يا من يعيش على المعاصي ومع هذا يتمنى أن ينال السعادة يوم القيامة، أنت كمن يطالب المجاهدين بأن يعطوه من الغنائم، وهو لم يقاتل معهم فلا تغتر يا راقدا رقاد الغفلة عن رحيل الذين سبقونا إلى الدار الآخرة ألا تعتبر؟ وتذكر أن مصيرك مثلهم، ألا تفكّر ماذا
ابن قيم الجوزية، الفوائد، ص 247 -
YEA-
39 (1/40)
صفحة 41
حدث لهم في القبور وما أخبارهم؟ ألا تذكر أنهم كانوا عندنا يفرحون ويضحكون ويأملون آمالا طويلة، فقطع الموت حبل أملهم؟ ألا تذكر أنهم كانوا في عز ومنعة واليوم أكل الدود لحومهم؟ ألا تذكر أنهم بعد سرورهم في الدنيا هاهم سال صديد تحتهم؟ ألا تذكر أنهم كانوا في خفر (حرس) واليوم هم في حفر مظلمة ضيقة إذا لم ينورها العمل الصالح؟ أخي إذا لم تعتبر بغيرك فسوف يعتبر بك غيرك، تخيّل وأنت فى حفرة مظلمة أنزلك فيها أعز الناس عندك غير مأسوف عليك يا من يلعب بحياته مضيّعا أوقاته فيما لا ينفعه يوم القيامة، ويأمل أن يعيش طويلا، ألا تعرف أن الأمل سوف يقطعه الأجل؟ وإن الأجل يستقبح الأمل؟ أخي أعد الزاد ليوم التناد أعد زادا ثقيلا لكي تلحق السابقين إلى الجنات العالية، فلو علمت ما سوف تلقاه من الأهوال يوم القيامة لم يزل طرفك منهلا بالدموع، ولكنها الغفلة، فاحذر هناك إما سرور دائم وإما بكاء دائم. أخي ألا تعلم أن التكاثر والتفاخر بزاد التقوى لا بالأموال، فالأموال سوف نتركها يا قاعدا في لهو ولعب، وجيش السابقين قد حمل الزاد إلى الدار الآخرة، ها هم ينادونك لكي تلحق بهم مالي أراك نائما غافلا؟ ألا تريد الراحة هناك كما تريدها في الدنيا؟ هيا تهيأ فإن الدنيا ذاهبة الله يعينك.
لا
يا من يطالب جيش الغانمين بأن يقاسموه من الأنفال ويحك لا تغترر إنما الأنفال يحرزها من يشهد الحرب لا من كان منعزلا يا راقدا عن مسير القوم اذ رحلوا هلا اعتبرت بوفد حل فارتحلا بالأمس عندك في عزّ وفي ترف واليوم دود الثرى من لحمهم أكلا بالأمس هم في سرور تحتهم سرر واليوم سال صديد تحتهم هطلا بالأمس في خفر واليوم في حفر لو کشفت لحميم فر مجتفلا
إن لم تكن حذرا بالغير معتبرا أصبحت معتبرا للغير حين تلا
يا لاعبا بحياة كلها أمل أعدد لزادك إن الركب مرتحل فاحرص لتلحقهم والزاد قد ثقلا
من خلفه أجل يستسمج الأملا
فلو علمت بما تلقاه
يوم غد ما زال طرفك بالتسكاب منهملا
إما سرور واما حسرة أبدا
عقلا وكل هذين مبك كل من
إن التكاثر والفخر الجميل
غدا بفاخر الزاد مهما زاد أو جملا
40 (1/41)
صفحة 42
فرج
يا قاعدا وهو في لهو وفي لعب والجيش قد حمل حمل الأزواد وارتحلا يدعوك داعيهم نحو اللحاق بهم مالي أراك كمن قد نام أو غفلا
41
خلفان بن جميل السيابي بهجة المجالس ص 120 – 121. (1/42)
صفحة 43
هرج
6 -
الخاتمة
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى من اتبع هداه أما بعد: فقد تم بفضل الله وعونه كتاب (طريق الجنة، والذي تناولت فيه موضوع اتباع الهوى، وذمه في كتاب الله وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم وخطورته على الإنسان في الدنيا والآخرة، مع بيان سبيل ضبطه والتحكم فيه، وأن مرد ذلك للصبر الذي ذكر في القرآن الكريم في أكثر من سبعين موضعا، وأن السيطرة على هوى النفس ومسك زمامها وإلزامها بشرع الله هو طريق الجنة كما هو مقرر في الحقيقة القرآنية الخالدة: " وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى. فإن الجنة هي المأوى"، بل إن خيري الدنيا والأخرى مرهونان بالتحكم هوى النفس وضبطه والسيطرة عليه.
في
أسأل الله تعالى أن ينفع به قارئه ومستمعه وكل من ساهم في إعداده ونشره وتوزيعه ليكون
صدقة جارية.
إعداد/ سعيد بن مطر بن سعيد المسقري (أبي معاذ)
42 (1/43)
صفحة 44
القسم الأول من الكتاب
المقدمة
الفهرس
هوى النفس
من يعبد هواه
الهوى في كتاب الله
الهوى في السنة الطاهرة
صراع بين العقل والهوى.
الحب يعمي ويصم
قتل النفس
فارق عادات النفس
الهوى ظلمة.
القسم الثاني من الكتاب
- من أسباب السيطرة على الهوى ..
- حكم في ذم الهوى
الحادي ...
- الخاتمة
- قصيدة في ذم الهوى. (1/44)
صفحة 45
هرج
ملحق
(من قصيدة: جرّد النفس)
جرد النفس وانهها عن هواها
لا تذرها في غيّها تتلاهى
زكها بالتقوى بالتقوى فما تُفلح النف سُ بحال إلا على تقواها
واستملها عن المراعي الوبيا ت إذا استرسلت إلى مرعاها واتَّخذُ في مراصد الكيد منها حرساً يكسرون صعبَ قُواها
مع العصيان ميل عظيمٌ
فلها لو نَفَتْهُ عن طبعها ما عداها ولها في المتابِ شدّه عجزِ بعدات التسويف نيطت عُراها
ولها في المتابِ مَكْرٌ خفي جَعَلتهُ
إن كيد الشيطان كان ضعيفًا
تَلَمُّسا من حلاها
ودواهي النفوس لا تتضاهى
فَتَيَقَّظ لها وقد أمكن الأم رُ فما الحزمُ تَرَكُها ومُناها فاعتقلها في مَبَرَكِ الزُهدِ بالخو فِ إلى أن تبدو هزالا كُلاها فأثرها لمراعي اليقين تشفي طواها فارفض حنينَها وبُكاها
فإذا انحَلَّت القوى وإذا أرزمتْ وحَنَّتْ لأُلْفِ الطب ع
اليقين فيها
فمروجُ ما رعاها حي فعاش ولامي تُ فلم يَحيَ رَيْثَما يرعاها
زهور معصراتُ التوفيق تسقي رباها
بين روضاتِها وفَاحَ شَذاها
ومتى هَبَّ للقبول قبول فأسر بالدهس لا الحَزونِ بليل آمنًا
من گلالها ... وحفاها
ما سرتْ للأوطان نفسُكَ إلا حَمَدَتْ غِبَّ صُبْحِهِ مَسراها
أنت في هذه الرسوم العتيقا
غريبٌ فَخَلَّها وبَلاها
من ديوان الشيخ العلامة ناصر بن سالم بن عديم الرواحي ص 450، وقد قرأها الفاضل مسعود المقبالي قراءة جميلة – جزاه الله خيرا -
44 (1/45)
صفحة 46
والبدار البدار للموطن
الدا ئم حَيثُ الحَياةُ أَلْقَتْ عَصاها
قد تراءت لك الخِيامُ فما عجـ زك عن أن تَحلَّ وسط فَناها
شَمّر الذيل واركب الليل واصحب
ذات صبرٍ فما السلوك سواها
وعلى الأينِ فاحتمل كُلَّ خطبٍ سوف تحلو الخُطُوبُ في عقباها
وإذا شَقَّت المسالك طالث
قَصَّرَ الشَّوقُ للحبيب مداها
ما الكَرَى والبُروقُ ساهرة إن كان في الشوقِ صادقًا دعواها
خَلْفِ العالم الطبيعي وارحل للتي لم تُخلق لدار سواها
هذه مَعِبَرٌ وتلك مقام
فاعبُروها لا تعمروا مَعْناها
عَجَبًا من محجوبة في كثيفٍ عُنصرُ العَالَمِ اللطَّيفِ رَمَاهَا
نَسِيَتْ أُنسِها بمقعدِ صدق
وتَجافتْ لويلها وشقاها
حُبِسَتْ في ضَنْكَ وَوَحَشَةِ طبع فَتَمَنَّتْ أَن لا يحول عَناها لَيتَها حَلَّقَتْ إلى الرفرف الأخر ضرٍ حَيثُ الأنوارُ تُغذو قواها
رَجِعِي يا ورقاءُ نَوحَكِ للال ف فانَّ الولهي تَبُثُ جَواها
واندبي المعهد القديم عسى الرجـ وانفُذِي من أشراكِ سِجْنِكِ شَوقًا
الحبالة فالحا
كفة جَاذِبِي واسرحي في الرياض من ملكوت لو شجاكِ التِّذْكَارُ من لَوعَةِ
عالم الكون و الفساد بَليًّا
آذَنَتْ إِلَيهِ عَساها
لرياض نَشأتِ بين رباها
بلْ مُوفٍ بِمُديَةٍ قد نَضاها الله تَرْعِينَ فَيضَه فِي فَضاها البين لَمَزَّقتِ القَلبَ آها وواها ت لكِ الاختيار فيما عداها
رَشَّحَتْكِ الأَلطَافُ للحضرة العُلي ا أَمَا تَرغَبِينَ فِي لُقْيَاها؟ لَهفَ نفسي على النفوس النَّفيسا ت أضاعَتْ أَقْدَارَها وعُلاها
بَرَزَتْ من مضارب الحق في
أفض ية الأمر فاستباها هواها
تأنف الوادي المقدس رَعيًّا
ورَعَتْ حَيثُ الْأُسْدُ تَفْرِي فَراها
45 (1/46)
صفحة 47
لو تَمَنَّتْ خَلاصَها أَدرَكتْهُ وغَدتْ لا تُراعَ وَسَطْ حِماها ما أرادث من جيفَةِ الزُحْرُفِ الحا ئل لو أبصرتْ سَبيلَ هُداها
لها الحقائق لاغَيْ
تتجلى ن ولا غَيْمٌ ساترٌ مَجْلاها باهراتُ الجمالِ يَدعِينَ للوص ل فتأبى النُّفُوسُ أَنْ تَهواها
غرَّها الجهل فاطمأنَّتْ
إليه إِنَّ جهل النفوس أصلُ شَقاها أيها النَّفْسُ عِلمُ مَعْناكِ بحرٌ في عميقات غمره العقلُ تَاها لو شَهِدْتِ المسطور في نُسخة الغيب معناكِ ما حوت معناكِ ما حوت دَفَّتاها وكشفت المستور فيكِ لأيقن ت بأن الوجود فيكِ تَناهى أنتِ في هيكل خبيئة أمرٍ من حكيم لحكمة أمْضَاها تُدركي
فَأَميطي قَذاةَ
عينك من بين
زواياه
فالخفايا عليك في لوحك
إياها
المحفوظ لوما كشفت عنها غطاها
آه يا نفس والبقيةُ مِنْ عُمْرٍ كِ قد أشرفَتْ على مُنتَهاها
آهِ يا نفس أدركيها فلا مَط مَعٌ بعد الفراقِ في لُقياها
وَدّعِيها بالصالحات عسى
توپ ورحمة تغشاها
لَسْتِ في هذه الحياة على شي ء سوى ما تَلْفِينَ في عُقباها فاصدري عن غمار باطلها عط شي فأصدى عطاشها أرواها
ومسيرُ العِطاش أقطعُ للب يد وخيرُ الأظماء ما أخفاها
فاطمئني وأوبي
وأنيبي واخلُصِي من آفاتِها وبلاها شداد وأنتِ من أسراها
آه يا نفس والعلائق والعلائق أعدا
يندبون اللوى وأندب نجدًا
كُلُّ عينٍ تَبكي على ما شجاها
46 (1/47)
صفحة 48
المراجع
علي بن محمد بن علي الزين الشريف الجرجاني، التعريفات، دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان، الطبعة الأولى - 1403 هـ /1983 م.
أمحمد
بن يوسف أطفيش، تيسير التفسير، مطبعة البابي الحلبي، مصر، نشر وزارة التراث القومي والثقافة - سلطنة عمان، الطبعة الثانية – 1982 م.
6
• عبدالله بن حميد السالمي جوهر النظام في علمي الأديان والأحكام، تعليق الشيخين: أبو إسحاق إطفيش وإبراهيم العبري، نشر زارة الأوقاف والشؤون الدينية، الطبعة الثانية - 1438 هـ / 2018 م.
• خلفان بن جميل السيابي، سلك الدرر الحاوي غرر الأثر، وزارة التراث القومي
والثقافة
- سلطنة عمان، 1988 م.
• ديوان الشيخ سعيد بن خلفان الخليلي، مكتبة الضامري للنشر والتوزيع - مسقط،
2003 م.
• النفس الرحماني في أذكار أبي مسلم البهلاني، مكتبة مسقط، الطبعة الثالثة -
1439 هـ / 2018 م.
عبد الرحمن بن علي بن محمد الجوزي، صيد الخاطر، دار القلم – دمشق، الطبعة الأولى - 1425 هـ / 2004 م.
أبو عبد الله محمد بن علي الخروبي، الأنس في شرح عيوب النفس، دار الكتب العلمية - بيروت، الطبعة الأولى - 2011 م.
47 (1/48)
صفحة 49
فرج
• عبد الرحيم، شراقي، موسوعة الحكم والعظات مكتبة ابن كثير – الكريت،
2006 م. . محمد بن إبراهيم بن عباد النفزي الرندي، غيث المواهب العلية في شرح الحكم العطائية، دار الكتب الحديثة - القاهرة.
• ابن قيم الجوزية، الفوائد، دار الكتب العلمية - بيروت، الطبعة الثانية، 1393
1973 /
6
• خلفان بن جميل السيابي بهجة المجالس، وزارة التراث القومي والثقافة – سلطن
عمان، الطبعة الثانية – 1409 هـ / 1989 م.
?? (1/49)