صفحة 1
الكتاب: فضائل رمضان في التراث العماني ... دراسة تحليلية نقدية لبدر العبري
[ترقيم الصفحات آلي غير موافق للمطبوع]
تاريخ النشر بالشاملة الإباضية: الإصدار الثالث (965 عنوان): ربيع (الثاني) الأنوار 1433هـ / فيفري (فبراير) 2012م (قرص مضغوط) تقدمة الدراسة
لقد أرسل الله تعالى رسوله – صلى الله عليه وسلم – هاديا للناس إلى دين الرحمة والمحبة، فأنزل إليه كتابا مصدقا ومهيمنا على الأفكار الماضية والتالية، ليكون منبع خير يرجع إليه الناس ليشربوا من ماءه الصافي المعين.
ولقد شاء الله تعالى أن يفترق الناس، وأن يحدث بينهم للتخلص من كليات وقوانين القرآن؛ أن يحدث بينهم الكذب على الرسول العظيم، حتى يتسنى لهم التنصل من أحكامه، وإضافة مديح إلى قبيلة أو بلد أو نبات، وساعدت السياسة في ذلك، بجانب تمجيد الأشخاص ورفع منزلتهم لتكون فوق منزلة الملائكة والأنبياء عليهم الصلاة والسلام.
ولما تقدم المسلمون، وظهر انفتاح على الأمم الأخرى، وانتعش الجانب الاقتصادي، وكثرت مجالس اللهو والسمر، مما بعد الناس عن دينهم شيئا فشيئا، فظهرت تفشو المعاصي بينهم، وظهر التساهل في أداء الواجبات الشرعية؛ هنا ظهرت فئة من الناس، من الوعاظ والقصاصين، دافعهم الإخلاص وإرجاع الناس إلى حظيرة الشرع، فما كان من بعضهم إلا أن استغل من الرواية كطريق في حث الناس على فضائل الأعمال، والترغيب فيها، والترهيب من بعض المعاصي والمخالفات، وربطها بالقبر والنار، أو النعيم والجنة، فكانت روايات فضائل الأعمال، لا للكذب على الرسول، ولكن الكذب من أجل دين الرسول عليه السلام.
ومن هذه الفضائل فضائل رمضان، والتي بها حث على استغلال الشهر، ومنها غيبت مقاصد التشريع الإلهي؛ لأنّ مصدرها بشري محدود، بجانب مخالفة بعضها للقوانين والكليات القرآنية.
ولقد كانت المدرسة الإباضية في مأمن من هذه الروايات، إلا أنها بدأت تتغلغل وبصورة كبيرة في نهاية القرن الثاني الهجري عند الانفتاح على كتب المدارس الأخرى. (1/1)
صفحة 2
لذا كان هذا البحث والذي عنونته ب: فضائل رمضان في التراث العماني ... دراسة تحليلية نقدية، حيث اخترت ثمانية نماذج من التراث الإباضي العماني، في أزمنة وقرون متتالية، لأستخلص تغلغل الرواية إلى هذا التراث، جاعلا من فضائل رمضان نموذجا.
وقد قسمت البحث إلى مبحثين بجانب المقدمة والخاتمة، وهما:
- المبحث الأول: فضائل رمضان في التراث العماني ... دراسة تحليلية نقدية.
- المبحث الثاني: التطور الروائي في كتب التراث العماني من خلال روايات فضائل رمضان.
وفي الختام لا أقول أني استطعت أحوي الدراسة من كافة جوانبها، فهي ينقصها الكثير، راجيا أن أكون وفقت في ذلك، إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.
كتبه:
بدر بن سالم بن حمدان العبري
واعظ بوزارة الأوقاف والشؤون الدينية/ سلطنة عمان
الموالح الزاهرة/ مسقط العامرة
صبيحة الاثنين 12 صفر 1432هـ / 17 من يناير 2011م
المبحث الأول
فضائل رمضان في التراث العماني ... دراسة تحليلية نقدية
تقدمة:
لا يمكن بطبيعة الحال تتبع جميع كتب التراث العماني فيما يتعلق بفضائل رمضان، إلا أننا من خلال تتبعنا لبعض الكتب نجد تكرارا واضحا، حيث ينقل المتأخر عن المتقدم وبصورة النسخ واللصق، إلا أحيانا بسيطة جدا نجد زيادة أو تكرارا دون تعليق، وهذا منهج اتبعه علماء عمان في بداية أبواب الكتب، ثم نجد التحقيق بعدها في الجانب الفقهي، ولكن في الفضائل يكتفون بالنقل، خلفا عن سلف مع ركاكة وضعف الرواية أحيانا – كما سنرى في هذا المبحث – بعون الله تعالى.
وفي هذه الدراسة المتواضعة أخذنا نماذجا من الكتب التالية:
- كتاب لباب الآثار المنسوب للشيخ سالم بن سعيد بن علي الصائغي من علماء القرن الثالث عشر الهجري.
- كتاب بيان الشرع للشيخ أبي عبد الله محمد بن إبراهيم الكندي من علماء القرن الخامس الهجري. (1/2)
صفحة 3
- كتاب غاية المطلوب في الأثر المنسوب للشيخ عامر بن خميس المالكي من علماء القرن الرابع عشر الهجري.
- كتاب منهج الطالبين وبلاغ الراغبين للشيخ خميس بن سعيد الشقصي، من علماء النصف الثاني من القرن العاشر والنصف الأول من القرن الحادي عشر.
- كتاب معارج الآمال شرح مدارج الكمال للشيخ عبد الله بن حميد السالمي من علماء القرن الرابع عشر الهجري.
- كتاب جواهر الآثار للشيخ محمد بن عبد الله بن جمعة بن عبيدان من علماء نهاية القرن الحاي عشر وبداية القرن الثاني عشر الهجري.
- كتاب الجامع محمد بن جعفر للشيح الإزكوي الأصم، من علماء القرن الثالث الهجري.
- كتاب غرس الصواب في قلوب الأحباب للشيخ سعيد بن حمد الحارثي من مشائخ نهاية القرن الخامس عشر الهجري.
من خلال عرض الكتب لن يجد القارئ الكريم تسلسلا في الفترة الزمنية، لأني في الأصل كتبتها على شكل مقالات لجريدة عمان الغراء في شهر رمضان المبارك لعام 1431هـ، دون الاهتمام بالناحية الزمنية، مع حذف المتكرر، ثم بدا لي دارستها منهجيا، وجمعها على شكل بحث متكامل.
الدراسة الأولى: فضائل رمضان من كتاب لباب الآثار (1)
كتاب لباب الآثار من الكتب الشهيرة في التراث العماني في الأزمنة المتأخرة، حيث ألف في القرن الثالث عشر من الهجرة، واختلف في مؤلفه، إلا أن الأشهر الذي يراه محقق الكتاب الأستاذ عبد الحفيظ شلبي وفق ترجيح العلامة سالم بن حمد الحارثي (ت 2006م) أنّ المؤلف هو الشيخ سالم بن سعيد بن علي الصائغي (ت ق13هـ)، وقيل مؤلفه الشيخ مهنا بن خلفان بن محمد البوسعيدي (ت: 1250هـ) والله أعلم وأحكم.
والشيخ سالم بن سعيد الصائغي من علماء عمان في القرن الثالث عشر الهجري، وهو من أهل منح، اشتهر بأراجيزه، وهو في الوقت نفسه كان شاعرا أديبا (2).
__________
(1) ينظر: لباب الآثار، ط وزارة التراث القومي والثقافة، الطبعة الأولى.
(2) ينظر: معجم أعلام الإباضية {قسم المشرق} نسخة الكترونية. (1/3)
صفحة 4
يذكر المؤلف جملة من فضائل الشهر، حيث يشير إلى بعض فضائله وفق ما شاع من نصوص، أو ما ذكره السابقون من العلماء من فضائل وآثار.
ومن أهم هذه الفضائل:
- أنزل فيه القرآن وهذا استنادا لقوله تعالى: شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن (1)، واختلف العلماء والمفسرون في ماهية نزول القرآن في رمضان، مع أنّه نزل منجما لقوله تعالى: وقرآنا فرقناه لتقرأه على الناس على مكث ونزلناه تنزيلا (2)، فقيل: إنّ القرآن نزل جملة واحدة إلى سماء الدنيا، وقيل: هذا في ليلة القدر، وهي الليلة المباركة، ثم نزل متفرقا طوال حياة النبي - عليه الصلاة والسلام -، وهذا قول الجمهور، وقيل: إنّه ابتدأ نزوله في ليلة القدر، ثم نزل متفرقا في أوقات مختلفة، وقيل: نزل إلى سماء الدنيا في عشرين ليلة قدر، وقيل غير ذلك، والله أعلم بمراده.
- جعله الله تعالى سببا للمغفرة والرضوان، وهذا لكون الإنسان فيه أقرب إلى الله تعالى، وأبعد عن معاصيه، فينظر الله إليه بعين الرحمة والرضوان، والمغفرة والإحسان.
- قوله: وفضّل به أمة محمد - صلى الله عليه وسلم على جميع الأمم-، ولعله من باب التخفيف والحفظ، فخفف عن هذه الأمة ما ابتدعته الأمم الأخرى من إرهاق للنفس، كما أنه حُفِظَ بلا زيادة ولا نقصان كما أراده الله، فالنصارى أنقصوا من فترة صيامه، ومنهم من زاد في أيامه، وهكذا عند اليهود، فحرّم على هذه الأمة صوم الوصال، ومن لم يستطع الصيام لمرض أو مشقة أبيح له الإفطار، وإلا فالصيام ليس خاصا بهذه الأمة وحدها بنص القرآن، قال تعالى: يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون (3).
__________
(1) البقرة/ 185.
(2) الإسراء/ 106.
(3) البقرة/183. (1/4)
صفحة 5
- قوله: "فليله نور، ونهاره طهور، وصيامه مأجور، وله رحمة الله عند السحور، وقد رضي الله عنه عند الفطور" (1)، فليله نور لما للذكر والقيام في ليله من أنوار تطمئن به نفوس الصائمين، ويهدأ به بالهم، قال تعالى: ألا بذكر الله تطمئن القلوب (2)، فيشعر الذاكر فيه بلذة ونورانية لا يدركها إلا من أخلص فيها واجتهد، وليس النور هنا شيئا حسيا، ومادة محسوسة، ولكنه شيء معنوي يُدرك بالقلوب فتزداد إيمانا ويقينا، واجتهادا وإخلاصا، قال تعالى: هو الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم ولله جنود السماوات والأرض وكان الله عليما حكيما (3).
ونهاره طهور لأنّ الصائم حفظ فيه لسانه وجوارحه عما يشين، فإن أسيء إليه تذكر معاهدته لربه بالصيام، فيرد عليه بكل أدب واحترام: إني صائم، فيزداد طهارة فوق طهارة، فيكون شهره دربة له في كمال الطهارة، وحسن الأدب والأخلاق.
وصيامه مأجور؛ لأنه قصد من صيامه وجه الله وحده، وترك طعامه وشرابه ابتغاء فيما عنده، وصامه كما يريد هو سبحانه، فصيامه مأجور غير مأزور، وفي الحديث عنه عليه الصلاة والسلام: الصوم لي وأنا أجزي به، يدع شهوته وأكله وشربه من أجلي (4).
وله رحمة الله عند السحور، وذلك لأنه لا يدع أن يمر عليه آخر الليل إلا وهو في ذكر وتبتل وخضوع لله جلّ وعلا، وهؤلاء الذين قال الله تعالى فيهم: كانوا قليلا من الليل ما يهجعون، وبالأسحار هم يستغفرون (5).
__________
(1) سيأتي بخريج أصل الحديث إن شاء الله تعالى.
(2) الرعد/ 28.
(3) الفتح/ 4.
(4) رواه البخاري من طريق أبي هريرة، الجزء الأول، 36 - كتاب الصوم، 2 - باب: فضل الصوم، حديث رقم: 1795؛ ورواه مسلم من طريق أبي هريرة، الجزء الثاني، 13 - كتاب الصيام، (30) باب فضل الصيام، حديث رقم: 163 - (1151).
(5) الذاريات/ 17 - 18. (1/5)
صفحة 6
وقد رضي الله عنه عند الفطور؛ لأنه صام يومه كما يريد العزيز الحميد، فاستحق القبول والرضوان، يقول عليه الصلاة والسلام: وللصائم فرحتان: فرحة حين يلقى ربه، وفرحة عند إفطاره (1).
- قوله: "وفيه تفتح الأبواب، ويضاعف فيه الثواب، والدعاء فيه مجاب، فطوبى لمن كان له متأملا، وإلى أيامه مستعجلا، وفيه إلى الله راغبا متوسلا (2) "، قوله: وفيه تفتح الأبواب، أي أبواب الإجابة، لأن الله تعالى يقترب برحماته من عباده، فيقتربون منه تضرعا وتبتلا واستجابة، قال تعالى: وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون (3)، ولعله يقصد بقوله: تفتح الأبواب أي أبواب الجنان، استنادا إلى حديث عائشة رضي الله عنها: إذا دخل رمضان فتحت أبواب الجنان، وهذا الحديث رواه الحاكم والطبراني في الأوسط وغيره، واختلف فيه ما بين مصحح ومحسن، لأنّ فيه ابن لهيعة وحديثه حسن وفيه كلام، ولعل –إن صح الحديث عنه عليه السلام- قوله: فتحت أبواب الجنان أي كناية عن عظم رحمة الله تعالى للصائمين بحق، فتكون مستعدة لاستقبالهم، مبتهجة بهم، ولعل المراد بفتح أبواب الجنان على الحقيقة، أي تفتح في بعض الأوقات، وتغلق في بعض، وهذه مسألة غيبية لا يمكن القطع بها إلا بدليل قطعي واضح من كتاب الله تعالى، والحديث يستأنس به، لاحتمال عدم صحته عنه عليه الصلاة والسلام، ومع هذا فضل الله عظيم، وما ذلك على الله بعزيز.
__________
(1) سيأتي بيان تخريجه إن شاء الله تعالى.
(2) سيأتي بيان أصله إن شاء الله تعالى.
(3) البقرة/ 186. (1/6)
صفحة 7
ويضاعف فيه الثواب؛ وذلك لأنّ الله اختص بعض الأزمنة على بعض، كما أنّه اختص بعض الأمكنة على بعض، ومن هذه الأزمنة التي اختصها الله تبارك وتعالى شهر رمضان المعظم، فجعل الثواب فيه أعظم من غيره، وذلك لأن الصائم فيه يتحمل من المشاق ما يتحمل، فيترك شهوته وطعامه وشرابه استجابة لله تعالى، فحق أن يضاعف له الأجر، وإن كان العلماء في هذا يستندون إلى حديث ضعيف جدا، ونصه: يا أيها الناس قد أظلكم شهر عظيم مبارك، فيه ليلة خير من ألف شهر، جعل الله صيامه فريضة، وقيام ليله تطوعا، من تقرب فيه بخصلة من الخير كان كم أدى فريضة فيما سواه، ومن أدى فيه فريضة كان كمن أدى سبعين فريضة فيما سواه ... إلى آخر الحديث، والحديث رواه ابن خزيمة وقال – بصيغة التضعيف -: وإن صح الخبر، والبيهقي والأصفهاني في الترغيب عن سلمان، وبين ابن حجر ضعفه لأن مداره على علي بن زيد بن جدعان، ويوسف بن زياد الراوي عنه ضعيف جدا.
وعلى العموم لا يوجد نص صريح –فيما أعلم – بمضاعفة الأجر في رمضان، إلا إذا أخذنا ذلك من باب التفضيل الإلهي للشهر من نزول القرآن فيه، واختصاصه –على قول الجمهور – بليلة القدر، وسنبين أكثر في مقال ليلة القدر عن مفهوم هذه الليلة بإذن الله تعالى، ولما يبذله الصائم من جهد ومشقة، فالتفضيل بزيادة الأجر هنا عقلي أكثر منه نقليا، فيبقى في دائرة الظن والاجتهاد الذي يؤنس به لا غير.
والدعاء فيه مجاب أي يستجيب الله دعوة عبده لكون الشهر مظنة الإجابة، إذا كان الدعاء خالصا له سبحانه، ولذا قال تعالى في عقد آيات الصيام: وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون (1)، ولحديث ابن عباس: ثلاث دعوات لا ترد: دعوة الوالد لولده، ودعوة الصائم، ودعوة المسافر، وصحح الحديث السيوطي في الجامع الصغير.
__________
(1) البقرة/ 186. (1/7)
صفحة 8
- قوله: وقيل أوحى الله إلى موسى –عليه السلام- يا موسى إني ألهم السماوات السبع، والأراضين السبع، والطير والوحوش، أن يستغفروا لصائمي شهر رمضان، ذكر المؤلف هذا الأثر، ولم استطع الحصول على سند له، ولعله من الآثار التي يتناقلها الكتاب والوعاظ، لذا لا يمكن الاستناد إليه في بيان فضائل الشهر، وإن صح إنما هو لمن صام رمضان إيمانا واحتسابا، لا مجرد ترك الأكل والشرب، والسماوات السبع والأراضين والوحوش تسبح بحمد ربها بنص كتاب الله، ولكن لا نفقه تسبيحها، وذكر الله تعالى أنّ الملائكة يستغفرون للذين آمنوا قال تعالى: الذين يحملون العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم ويؤمنون به ويستغفرون للذين آمنوا ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلما فاغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك وقهم عذاب الجحيم (1)، ولا يستبعد أن تكون كذلك بعض المخلوقات، ولكن لا نجزم إلا بدليل واضح قطعي، لأن المسألة مسألة إسناد غيبي، يسعنا فيه السكوت.
قوله: وفيه تفتح أبواب الجنان، وتغلق أبواب النيران، وتغلّ مردة الشياطين، وأصل هذا حديث عائشة أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إذا دخل رمضان فتحت أبواب الجنان كلها فلم يغلق منها باب إلى آخر الشهر، وأغلقت أبواب النار فلم يفتح منها باب إلى آخر الشهر، وسلست مردة الشياطين، وقد تقدم أنّ هذا الحديث رواه الحاكم والطبراني في الأوسط وغيره، واختلف فيه ما بين مصحح ومحسن، لأنّ فيه ابن لهيعة وحديثه حسن وفيه كلام، فحديث عائشة من أحاديث الآحاد التي لا يمكن القطع بمفرداته، إلا إذا كان من باب الكناية أي أنّ لرمضان ميزة تقل في غيره من الشهور، حيث أنّ الناس يقبلون إلى الله تعالى، ويكثر فيه التضرع والإنابة، فتفرح الجنان بهم، وتنغلق أبواب الجنان لابتعادهم عن أوليائها الشياطين، وينقبض المردة حسدا وبغضا لاقترابهم من ربهم، وقد يكون على الحقيقة، ولكن لا يمكن الجزم بذلك إلا بدليل قطعي واضح.
__________
(1) غافر/ 7. (1/8)
صفحة 9
- قوله: وفيه تزخرف الجنان، وتزين الحور الحسان، ويكسون الحلل والعقيان، فيقلن نحن لصوام شهر رمضان، والعقيان هو الذهب، ولعل أصل هذه الكلام حديث ابن عباس والذي رواه البيهقي بسند ضعيف جدا، ونصه: عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الجنة لتنجد –أي لتتزين- وتزين من الحول إلى الحول لدخول شهر رمضان، فإذا كان أول ليلة من شهر رمضان هبت ريح من تحت العرش يقال لها: المثيرة تصفق ورق أشجار الجنة، وحلق المصاريع فيسمع لذلك طنين لم يسمع السامعون أحسن منه فتبرز الحور العين، ويقفن بين شرف الجنة فيقلن: هل من خاطب إلى الله فيزوجه، ثم يقلن: يا رضوان ما هذه الليلة؟ فيجيبهم بالتلبية فيقول: يا خيرات حسان، هذه أول ليلة من شهر رمضان، فتحت أبواب الجنان للصائمين من أمة أحمد، ويقول الله تعالى: يا رضوان افتح أبواب الجنان، يا مالك، أغلق أبواب الجحيم عن الصائمين من أمة أحمد، يا جبريل، اهبط إلى الأرض فصفد مردة الشياطين وغلهم بالأغلال، ثم اقذف بهم في لجج البحار حتى لا يفسدوا على أمة حبيبي صيامهم، والحديث يظهر فيه تلاعب الوعاظ لجذب الناس إلى استغلال الشهر، وركاكته ظاهرة، والله أعلم بحاله وأصله. (1/9)
صفحة 10
- قوله: إنّ لله عند كل إفطار من شهر رمضان ألف ألف عتيق من النار، فإذا كانت ليلة الجمعة أعتق في كلّ ساعة منها كذلك، فإذا كان آخر يوم من شهر رمضان أعتق الله في ذلك اليوم مثل ما أعتق في الشهر كله، وهذا جزء من حديث البيهقي المتقدم بسند ضعيف جدا، بل لا أبالغ إن قلت هو موضوع، ونصه: ولله تعالى في كل ليلة من شهر رمضان عند الإفطار ألف ألف عتيق من النار فإذا كان ليلة الجمعة أعتق في كل ساعة منها ألف ألف عتيق من النار، كلهم قد استوجبوا العذاب، فإذا كان آخر يوم من شهر رمضان أعتق الله تعالى في ذلك اليوم بعدد ما أعتق من أول الشهر إلى آخره، والذي يظهر لنا أنّ رمضان من الأعمال الصالحة والتي تنفع الناس يوم يلقون ربهم، فإن ماتوا غير مصرين على الذنوب الكبائر، فهم عتقاء لله تعالى من النار، أما أن يصوموا رمضان، وبعدها يحاربون الله ويدعون العتق من النار فهذا من الهزل واللعب بدين الله تعالى، كما يقول الشاعر:
رمضان ولى هاتها يا ساقي ... مشتاقة تسعى إلى مشتاق
- قوله: وفيه ليلة القدر خير من ألف شهر، من حرم خيرها فقد حرم، وأصل ليلة القدر ما جاء في القرآن في سورة القدر، إلا أنّ القرآن لم يذكر إنها في شهر رمضان، وهل هي متكررة في كلّ عام؟ أم أنها ليلة واحدة نزل فيها القرآن، فأصبحت ذات قدر لنزوله فيها، فذهب الغرض منها، فالملائكة يومها تتنزل إلى مطلع الفجر تعظيما لهذا الكتاب المنزل فيها، والعجب أنّ الناس يتنافسون في إقامة ليلة القدر، وفي المقابل يتنافسون في هجر الكتاب المنزل في هذه الليلة، فالله تعالى عندما تحدث عن مكانة هذه الليلة إنما كان لبيان هذا الكتاب العظيم.
وعلى العموم أكثر العلماء أنها تتكرر في كل شهر رمضان، وهي مخفية لا يعلم وقتها، والأولى تحريها في أوتار العشر الأواخر، استنادا لبعض النصوص الآحاد المروية عنه عليه الصلاة والسلام. (1/10)
صفحة 11
وأصل قوله: من حرم خيرها فقد حرم حديث أبي هريرة عند أحمد والنسائي والبيهقي، ونصه: وفيه ليلة خير من ألف شهر، من حرم خيرها فقد حرم.
- قوله: وعنه عليه السلام: من صام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، روى هذا الحديث بزيادة: "وما تأخر" الخطيبُ في التاريخ عن ابن عباس، وضعف المحدثون الرواية بهذه الزيادة، ومنهم السيوطي في الجامع الصغير، ورواه الربيع وأحمد والشيخان والأربعة وغيرهم دون زيادة: "وما تأخر" من طريق أبي هريرة بسند صحيح.
ومن هنا شرطية، أي الغفران الذي أعده الله تعالى للصائمين إنما يكون بشرطين: الشرط الأول: "إيمانا" أي عن إيمان وتعظيم له، لأنه من نتائج تعظيمنا لله سبحانه.
والشرط الثاني: "واحتسابا" أي أن تكون محتسبا الأجر من عند الله تعالى وحده، فلا يقصد الصائم من صيامه الرياء والسمعة، وإلا أثر على قبول صيامه.
فالصيام بهذا يكون توبة وكفارة لما ارتكب من ذنوب في سالف العمر، أما إذا ارتكب بعدها من كبائر فقد حبط عمله، فهنا بحاجة إلى تجديد وتوبة، ولا يتناسب معها "وما تأخر"، لذا كانت هذه الزيادة شاذة عارضت الروايات الأصح، بجانب معارضتها للقوانين القرآنية في قبول التوبة (1).
- قوله: ولو يعلم العباد ما في شهر رمضان لتمنت أمتي أن يكون رمضان السنة كلها، وهذا جزء من حديث ابن مسعود، بعضهم حكا ضعفه الشديد، بينما ذكره ابن الجوزي في الموضوعات، وإن صح إنما تتمنى الأمة بقائه طوال العام لما يكثر فيه من الطاعة والتضرع، ولقرب الناس فيه من الله، وهذا بدوره يعين النفس البشرية على مواصلة طريقها في الإنابة والاستقامة، ولما يشعرون فيه من لذة وحلاوة القرب من الله تعالى.
__________
(1) ولنا في هذا بحث بعنوان قوانين الله في القرآن الكريم ... الصفات الإيجابية والسلبية نموذجا، نرجو من الله التوفيق والتيسير في إتمامه. (1/11)
صفحة 12
- قوله: وإنّ الجنة تزين لشهر رمضان من رأس الحول، فإذا كان أول ليلة منه هبت ريح من تحت العرش، فصفقت ورق الجنة، فتنظر الحور إلى ذلك فيقلن: اللهم اجعل لنا من عبادك أزواجا في هذا الشهر، تقر أعيننا بهم، وتقر أعينهم بنا، فما من عبد يصوم يوما من رمضان إلا زوّج زوجة من الحور، في خيمة من در، مما نعت الله: {حور مقصورات في الخيام} (1)، لكل امرأة منهن سرير من ياقوت أحمر، موشح بالدر، على كل سرير سبعون فراشا بطائنها من إستبرق، فيعطى زوجها مثل ذلك" وهذا الحديث جزء من حديث ابن مسعود المتقدم، وهو حديث موضوع، حبكه القصاصون والوعاظ، لا يصح رفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم، ولا يثبت به اعتقاد، ورمضان في غنى عن هذه الأكاذيب وإن قصد بها حث الناس على العمل الصالح والله المستعان.
- قوله: وعنه عليه السلام: أعطيت لأمتي خمسا في شهر رمضان لم يعطهن نبي قبلي: أما الأولى فإنه إذا كان أول ليلة نظر الله إليهم، ومن نظر الله إليه لم يعذبه بعدها أبدا، والثانية: أنّ خلوف أفواههم حين يمسون عند الله أطيب من ريح المسك، والثالثة: أنّ الملائكة يستغفرون لهم في كل يوم وليلة، والرابعة: أنّ الله تعالى يأمر جنته فيقول: استعدي وتزيني لعبادي، يوشك أن يستريحوا من نصب الدنيا وأذاها إلى داري وكرامتي، والخامسة: فإذا كان آخر ليلة غفر الله لهم جميعا، كالعمال إذا فرغوا من أعمالهم؛ وُفوا لهم أجورهم، وهذا الحديث كسابقه من أحاديث الوعاظ والقصاصين الذين رفعوها إلى خير البرية عليه الصلاة والسلام ظلما وزورا، قال عنه الهيثمي في مجمع الزوائد: رواه أحمد والبزار وفيه هشام بن زياد أبو المقدام ضعيف، ومع هذا لا ينكر أحد فضل الله تعالى، ولكن الفضل والرحمة لا تنسب إليه سبحانه بروايات واهية، فقد أنزل كتابه تبيانا لكل شيء، ورفيعا من النقائص والأوهام.
__________
(1) الرحمن/ 72. (1/12)
صفحة 13
- قوله: جعل الله صيامه فريضة، وقيامه وسيلة، تقدم تخريجه بلفظ: جعل الله صيامه فريضة، وقيام ليله تطوعا، والحديث كما مر رواه ابن خزيمة وقال – بصيغة التضعيف -: وإن صح الخبر، والبيهقي والأصفهاني في الترغيب عن سلمان، وبين ابن حجر ضعفه لأن مداره على علي بن زيد بن جدعان، ويوسف بن زياد الراوي عنه ضعيف جدا.
وصيام رمضان فرض بنص كتاب الله تعالى: يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون (1).
ولقيام ليله فضل لا يعلمه إلا الله، ومن الوسائل إلى مرضاته ومغفرته سبحانه، قال تعالى: تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفا وطمعا ومما رزقناهم ينفقون، فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون (2).
- قوله: وهو شهر الصبر، وشهر المواساة، يزداد فيه رزق المؤمن، وأصل هذا حديث جابر المتقدم بلفظ: وهو شهر الصبر والصبر ثوابه الجنة، وشهر المواساة وشهر يزداد فيه رزق المؤمن، وهو حديث ضعيف كما مر بيانه.
أما كونه شهر الصبر فالصائم يصبر فيه الطعام والشراب والفرج، ويسابق فيه لفعل الصالحات، متحملا المشاق والصعاب، والله تعالى يقول: إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب (3).
وكونه شهر المواساة حيث يظهر في الصيام التكافل الاجتماعي، فيتسحرون مجتمعين في وقت واحد، ويفطرون مجتمعين في وقت واحد، بها يظهر المجتمع المتآلف أغنياء وفقراء، رؤساء ومرؤوسين وكأنهم أسرة واحدة، فيزداد باجتماعهم الرزق، هذا إن علموا ووقفوا عند المقصد من تشريعه.
أما ما نراه اليوم من تنافس في المأكولات والمشروبات، وكأنّ الشهر شهر طعام وشراب، أصبح عبأ يزعج أرباب الأسر، حيث لا يبقى في جيوبهم شيئا، بل والعديد من يقترض ليباهي بذلك أسرته، فما نرى الرزق فيه إلا وقد ضاق، والهم قد ازداد، بسبب تغييب المقصد الإلهي من تشريعه للصيام.
__________
(1) البقرة/ 183.
(2) السجدة/ 16 - 17.
(3) الزمر/ 10. (1/13)
صفحة 14
- قوله: أوله رحمة، وأوسطه مغفرة، وآخره عتق من النار، وهذا جزء من حديث جابر المتقدم بيانه، وهو حديث ضعيف جدا، فرمضان شهر كله رحمة ومغفرة وعتق لمن صام فيه إيمانا واحتسابا، وراقب فيه مولاه بكرة وأصيلا، وخضع له تائبا ذليلا.
- قوله: من تقرب فيه بخصلة من الخير كمن أدى فريضة فيما سواه، ومن أدى فريضة فيه كان كمن أدى سبعين فريضة فيما سواه، وهذا أيضا جزء من حديث جابر المتقدم بيانه آنفا، حيث ينزل إلى درجة الضعيف كما عند المحدثين، ومع هذا رمضان من الأشهر التي فضلها الله تعالى، ولا شك أنّ الله يضاعف الحسنات فيه أضعافا مضاعفة، وفق قانونه سبحانه، حيث يقول: من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له أضعافا كثيرة والله يقبض ويبصط وإليه ترجعون (1)، ويقول: ومن يقترف حسنة نزد له فيها حسنا إنّ الله غفور شكور (2)، فأجر الله وإحسانه لا يعد، والعرب غالبا تستخدم الأرقام لا للحد ولكن لبيان درجة الفضل، نحو سبعين كما في رواية جابر، أو تستخدم درجة الأعظم فيما هو دونه، نحو الفريضة في النافلة لبيان الفضل، وهذا لا يخص رمضان بل يعم سائر الأعمال والأزمان، فقانون الله واحد في الأزمان والأمكنة، وإن كان رمضان مظنة الخير العظيم لأسباب ذكرناها سابقا.
__________
(1) البقرة/ 254.
(2) الشورى/ 23. (1/14)
صفحة 15
- قوله: ومن أفطر فيه صائما على مذقة من لبن –أي شربة- أو تمرة أو شربة ماء كان مغفرة لذنوبه، وعتق رقبته من النار، ومن أشبع فيه صائما سقاه الله من حوضي لا يظمأ بعدها حتى يدخل الجنة، ومن خفف عن مملوكه فيه خفف الله عنه حتى يدخل الجنة، والحديث تكملة لسابقه من حديث جابر الضعيف سندا، وفي هذا المقطع حثٌ على التكافل الاجتماعي، والذي ينبغي أن يظهر في شهر رمضان؛ حيث يشعر الإنسان الغني وقد ترك ما لذ من طعامه وشرابه طيلة يومه، فيشعر بحاجة أخيه الفقير، والذي قد يصبر ليس شهرا فحسب؛ بل سنين وأعواما، فتمتد يده الكريمة إليه إحسانا وفضلا، وإكراما ومساعدة، لتكون دربة على الإنفاق والعطاء ليس في رمضان فقط، بل في سائر العام، والله تعالى يقول: من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له أضعافا كثيرة والله يقبض ويبصط وإليه ترجعون (1).
كذلك الصائم يشعر عندما يعاود عمله المعتاد، حيث يترك طعامه وشرابه؛ يشعر بقسوة العمل وشدته، فيرق قلبه هنا عن مملوكه ومن تحت يده من العمال، فيخفف عنهم العمل، وييسر لهم سبله، فيكون رفيقا بهم ميسرا، أليفا مخففا.
والحديث في جملته يدعو إلى التعاون والتكافل والإحسان، وهي من العوامل التي تعين الإنسان على توفيق الله تعالى له، ومع هذا لا يمكن أن يجزم بما جاء في هذا الحديث من أحداث غيبية كالحوض مثلا، لأنها تفتقر إلى دليل قطعي.
- قوله: النوم فيه عبادة، والصمت فيه تسبيح، ودعاؤه مجاب، وعمله مضاعف، وأصل هذا حديث البيهقي في شعب الإيمان من طريق عبد الله بن أبي أوفى بلفظ: نوم الصائم عبادة، وصمته تسبيح، وعمله مضاعف، ودعاؤه مستجاب، وذنبه مغفور، قال السيوطي في الجامع الصغير: حديث ضعيف.
__________
(1) البقرة/ 254. (1/15)
صفحة 16
أما نوم الصائم عبادة إذا كان يستعين به على أولوياته من عبادات محضة، وأعمال دنيوية معيشية، أما أن يترك عمله، ويرخى إلى الكسل، ويفرط في شعائر دينه، فهذا ليس من العبادة في شيء؛ بل قد يكون معصية للرب إذا ترتب بسببه ضياع دينه ودنياه، والله تعالى يقول: وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا وأحسن كما أحسن الله إليك ولا تبغ الفساد في الأرض إنّ الله لا يحب المفسدين (1).
والصمت فيه تسبيح إن كان الكلام لا فائدة منه، ومن اللغو الذي لا يجدي، أما إذا كان الكلام في حدود المباح، أو طلبا لعلم، أو إصلاحا بين الناس، أو قضاء لحاجة، فهذا أيضا عبادة وتسبيح، قال تعالى: والذين لا يشهدون الزور وإذا مروا باللغو مروا كراما (2).
ودعاؤه مجاب لأنّ الصيام من مواطن الإجابة، والله تعالى يقترب فيه برحماته، ليقترب الناس إليه بالتضرع والإنابة، قال سبحانه: وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون (3).
وعمله مضاعف لأنّ الله يضاعف الحسنات فيه أضعافا مضاعفة، وفق قانونه جلّ وعلا، حيث يقول: ومن يقترف حسنة نزد له فيها حسنا إنّ الله غفور شكور (4).
- وقوله: استكثروا فيه من شهادة أن لا إله إلا الله والاستغفار، واسألوه الجنة، وتعوذوا به من النار، فإنه يقال: يُنادى مناد في كلّ ليلة: ألا هل من تائب فيتاب عليه؟ ألا هل من مستغفر فيغفر له؟ ألا هل من طالب فيعطى سؤله؟ وأصل شطره الأول حديث جابر المتقدم بسند ضعيف ونصه: فاستكثروا فيه من أربع خصال خصلتان ترضون بهما ربكم، وخصلتان لا غنى لكم عنهما؛ فأما الخصلتان اللتان ترضون بهما ربكم فشهادة أن لا إله إلا الله وتستغفرونه، وأما اللتان لا غنى عنهما فتسألون الله الجنة، وتعوذون به من النار.
__________
(1) القصص/ 77.
(2) الفرقان/ 72.
(3) البقرة/ 186.
(4) الشورى/ 23. (1/16)
صفحة 17
وأما الشطر الثاني فأخرجه الخطيب من طريق ابن عباس بلفظ: إذا كان أول ليلة من رمضان ... ونادى مناد من سماء الدنيا كل ليلة إلى انفجار الصبح: يا باغي الخير هلم، ويا باغي الشر انته، هل من مستغفر يغفر له؟ هل من تائب يتاب عليه؟ هل من سائل فيعطى؟ هل من داع فيستجاب له؟.
وأما الإكثار من التوبة والاستغفار والتضرع فهذا أمر مطلوب خاصة في شهر الصيام؛ لأنّ فيه تجديد الوصال والعهد مع الله تعالى، فينبغي الإكثار من الاستغفار، وطلب الجنة والاستعاذة من النار، ليعتاد اللسان والجوارح تبعا لها على ذلك؛ لأنّ رمضان دورة تدريبية سنوية في الطاعة وعمل البر والإحسان، بجانب التوبة والرجوع إلى الديان.
وأما وجود منادى ينادي في الثلث الأخير من الليل، أو من نصفه أو من بدايته على اختلاف الروايات فالله أعلم به، ولا يمكن الجزم به لتعذر وجود دليل قاطع، ولعله كناية على الفضل العميم للذين يحيون لياليهم بعمل البر والإحسان والتضرع والطاعة، ولأنّ الليل غالبا يميل الناس فيه إلى النوم والاسترخاء، وبعضهم للمعصية والمخالفة، وهؤلاء تركوا نومهم، واستجابوا لربهم، فحق لهم الفضل الإلهي، والأجر الرباني، قال تعالى: تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفا وطمعا ومما رزقناهم ينفقون، فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون (1).
الدراسة الثانية: فضائل رمضان من كتاب بيان الشرع (2)
بيان الشرع من الكتب الموسوعية في التراث العماني، إذ يزيد عن نيف وسبعين جزءا، ويعود إلى القرن الخامس الهجري.
__________
(1) السجدة/ 16 - 17.
(2) ينظر: بيان الشرع، للشيخ محمد الكندي، ط وزارة التراث القومي والثقافة، سلطنة عمان، الطبعة الأولى،1401هـ/ 1981م، ج 20، ص: 5 - 16. (1/17)
صفحة 18
ومؤلفه العلامة أبو عبد الله محمد بن إبراهيم الكندي، من أهل سمد نزوى، وهو من أجلّ علماء القرن الخامس الهجري، تلقى العلم على يدي القاضي أبي علي الحسن بن أحمد العقري النزوي، فأصبح عالما فقيها، نبغ في جملة من العلوم، ونظم الشعر، وقد تتلمذ على يديه الشيخ أحمد بن محمد بن صالح صاحب المصنف، قضى حياته بين التأليف والفتوى والقضاء، حريصا على استغلال أوقاته والتفاني في حفظ العلم وتدوينه، من آثاره: ما وجد بخط يده كتاب الصلت بن مالك إلى جنده عند تحرير سقطرى، وله كتاب اللمعة المرضية في أصول الشرع وفروعه، ونظم القصيدة العبيرية في وصف الجنة، وقد شرحها جملة من العلماء منهم: الشيخ اطفيش القطب، بطلب من السيد فيصل بن حمود آل عزان وغيره، وله الأرجوزة المسماة النعمة في الأديان والأحكام، وقد توفي عشية الثلاثاء لعشر ليال خلون من رمضان سنة: 508هـ، وقيل: ليلة 23 شعبان 507هـ (1).
والآن أذكر بعض ما جاء فيه من الفضائل:
قوله: فإذا كان في غداة الفطر تقف الملائكة على أفواه السكك وتنادي: يا أمة محمد، اغدوا إلى ربكم، إلى رب كريم، يقبل القليل، ويعطي الجزيل، فإذا صاروا في صعيدهم؛ قيل: يقول الربُ تبارك وتعالى: يا ملائكتي، ما جزاء الأجير عند فراغه من عمله؟ قيل: فتقول الملائكة: جزاؤه أن يوفى أجره، فيقول العلي الأعلى تبارك وتعالى: هؤلاء عبيدي، فرضت عليهم الصيام فصاموا، وسننت – في نسخة – القيام فقاموا، أشهدكم أني قد غفرت لهم.
__________
(1) ينظر: معجم أعلام الإباضية [قسم المشرق]. (1/18)
صفحة 19
وأصل الرواية رواية ابن عباس عند البيهقي، ونصها: فإذا كان ليلة الفطر سميت تلك الليلة ليلة الجائزة، فإذا كان غداة الفطر يبعث الله تعالى الملائكة في كل البلاد فيهبطون إلى الأرض، ويقومون على أفواه السكك، فينادون بصوت يسمعه جميع من خلق الله إلا الجن والإنس فيقولون: يا أمة أحمد أخرجوا إلى رب كريم يعطي الجزيل، ويغفر العظيم، فإذا برزوا في مصلاهم يقول الله تعالى للملائكة: يا ملائكتي، ما جزاء الأجير إذا عمل عمله؟ فيقولون: جزاؤه أن يوفى أجره، فيقول: فإني أشهدكم أني جعلت ثوابهم من صيامهم شهر رمضان، وقيامهم رضائي ومغفرتي، ويقول: يا عبادي، سلوني، فوعزتي وجلالي لا تسألوني اليوم شيئا في جمعكم لآخرتكم إلا أعطيتكم، ولا لدنياكم إلا نظرت لكم، وعزتي لأسترن عليكم عثراتكم ما راقبتموني، وعزتي لا أخزيكم ولا أفضحكم بين يدي أصحاب الحدود، انصرفوا مغفورا لكم قد أرضيتموني ورضيت عنكم، فتفرح الملائكة وتستبشر بما يعطي الله تعالى هذه الأمة إذا أفطروا من شهر رمضان.
والحديث سنده ضعيف جدا، ومتنه ركيك أقرب إلى قصص الوعاظ وخيالهم، وهو في مجمله لا يتوافق مع قوانين الله تعالى في القرآن الكريم، فرمضان دورة تدريبية، ومنشط نفسي للعمل الصالح، وهو من الحسنات التي تكفر السيآت مع التوبة، وليس مجرد صيامه يكفي لهذا الأجر، وهو يحارب الله تعالى في ليله وبعده، متغنيا بصيامه، بل هذا من الغرور الذي نهى الله عنه حيث قال: ولا يغرنكم بالله الغرور (1).
وهذه الروايات المحبوكة أثّرت في تغييب مقاصد الله تعالى من تشريع الشرائع، فأصبحت طقوسا كهنوتية، وعادات خاوية، لا تؤثر شيئا في ذات المسلمين، فلن نجد عجبا أن يحارب الناس ربهم في رمضان وبعده بصنوف المعاصي والسيآت محتجين بفضل رمضان من خلال هذه الروايات الضعيفة والمحبوكة.
__________
(1) لقمان/ 33. (1/19)
صفحة 20
قوله: وقيل: إنّ رائحة فم الصائم أطيب من رائحة المسك إذا كان تقيا، وأصل الحديث حديث الربيع وأحمد ومسلم والنسائي من طريق أبي هريرة وأبي سعيد بلفظ: والذي نفس محمد بيده لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك، ورواه الترمذي من طريق أبي هريرة بلفظ: ولخلوف فو الصائم أطيب عند الله من ريح المسك، والحديث عند المحدثين صحيح.
والخلوف هو تغير طعم الفم وريحه، وهذا يكون بعد الاستيقاظ من النوم أو الزوال، لذا اختلف الفقهاء في التعامل مع هذه الرواية، وفي تغيير رائحة الفم بالسواك، فبعضهم يرى أنّ الرواية لا يستنبط منها حكم شرعي، وغاية أمرها الفضل المترتب على الصائم ولو كان فمه كريه الرائحة، والأصل السواك لأمرين: أولا لأنّ الأصل الطهارة، وتحريم إيذاء المؤمنين، ولا شك أنّ رائحة الفم الكريهة مؤذية للمؤمنين، وفي الأثر: لا تؤذوا المؤمنين (1)، وقد نهى النبي عليه الصلاة والسلام الخروج إلى المسجد، وإجابة النداء إذا كان المصلي لم يتخلص من الرائحة الكريهة الملاصقة به، كرائحة الثوم وشبهه، مع وجوب إجابة النداء – على الصحيح – لقوله تعالى: واركعوا مع الراكعين (2).
ثانيا: الأصل أنّ النبي صلى الله عليه وسلم يستاك، وحث عليه، ولم يرد عنه ترك السواك في رمضان، والأصل بقاء ما كان على ما كان، ولا يرفع الحكم إلا بدليل مثله أو أقوى منه، والدليل المتقدم لا يصل إلى رفع استحباب السواك في رمضان.
وذهب فريق آخر من الفقهاء على أنّ الرواية تدل على كراهية السواك في الصيام خاصة بعد الزوال، وبما أنّ للرائحة الكريهة تدل على الفضل المترتب من الصيام، وقيمة ذلك عند الله تعالى؛ فالأصل بقاؤها وعدم إزالتها تيمنا للفضل.
__________
(1) أخرجه الطبراني في المعجم الكبير من طريق عطاء عن ابن عباس، باب الظاء، أحاديث عبد الله بن عباس.
(2) البقرة/ 43. (1/20)
صفحة 21
والصحيح القول الأول لقوة أدلته، ولأنّ السواك يدل على الأصل، وهو بقاء الطهارة والنظافة، وعدم إيذاء المؤمنين، فلا يصح رفع ما يؤدي إلى النظافة وتكريه إلا بدليل واضح وقوي، لذا سنجد من تطبيقات النبي صلى الله عليه وسلم الحفاظ على هذا الأصل، ومنه السواك.
ووجه الشبه بين المشبه والمشبه به في الحديث أنّ حامل المسك مرغوب عند الناس؛ لما يجدونه من رائحة جميلة تفوح من المسك مع اسوداد لونه، وكذا الحال عند الصائم في رمضان فهو مرغوب عند الله تعالى، ولو كان رائحة فيه كريهة، إلا أن لهذه الرائحة منزلتها عند الله جلّ وعلا، فهي شاهدة على صيامه.
ونجد المؤلفَ قيد الرواية بقوله: إذا كان تقيا؛ وذلك جمعا بين الرواية وبين قوانين الله تعالى في القرآن، فمن القواعد قوله: إنما يتقبل الله من المتقين (1)، وإنّ معَ ما تفيد الحصر، ولا شك أنّ الذي يصوم بطنه عن الطعام والشراب، وفرجه عن الجماع؛ وفي المقابل لا يصوم لسانه ولا باقي الجوارح عن الحرام؛ أنّ هذا لا يعتبر تقيا، بل عاصيا فاسقا، فهذا صيامه وفق قوانين الله تعالى مردود، ولا عبرة برائحة فيه الكريهة، وإنما العبرة بتقواه، والله تعالى لا يصله صيامنا ولا قيامنا، وإنما يصله التقوى منا.
قوله: وقيل: للصائم فرحتان ... فرحة عند فطره، وفرحة يوم يلقى ربه، وأصل هذا حديث أحمد ومسلم والنسائي وابن ماجه من طريق أبي هريرة بلفظ: للصائم فرحتان فرحة عند فطره وفرحة عند لقاء ربه، والحديث صحيح عند المحدثين.
__________
(1) المائدة/ 27. (1/21)
صفحة 22
وهذا الحديث يشير إلى فرحتين يتحصل عليها الصائم بحق، الفرحة الأولى عندما يفطر، فهو يشعر بلذة داخلية على إتمامه الصيام، واجتهاده في رضا الملك العلام، فإذا ما فطر انشرح صدره، وفرح بفطره، وفي هذا يقول سبحانه: الَّذِينَ آَمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ طُوبَى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآَبٍ (1).
كذلك يفرح بفطره يوم يلقى الله تعالى، في ذلك المحشر العظيم، فيكون صيامه من الأعمال الصالحة التي تقربه لربه، وتشفع له عنده، يقول جلّ جلاله: فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا (2).
قوله: وقد قيل إنّّ للصائم عند إفطاره دعوة مستجابة، وأصل هذا حديث الحكيم عن ابن عمر بلفظ: لكل صائم دعوة مستجابة عند إفطاره أعطيها في الدنيا أو ادخرت له في الآخرة، والحديث حسنه السيوطي.
ولا شك أنّ جميع الأزمان موطن إجابة، فالله لا يحده زمان ولا مكان، ولكن سبحانه جعل في بعض الأماكن والأزمان من المزايا ما لا يوجد في غيرها من الأزمان والأماكن، ولهذا قال سبحانه في عقد آيات الصيام: وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ (3).
فالصائم عند فطره قريب من ربه بمجاهدته في الطاعات، وابتعاده عن النواهي والسيآت، فيكون قريبا من الله، وفي هذا تكون الإجابة قريبة الأمل، فمن اقترب من ربه اقترب الله منه وفق قانونه سبحانه في القرآن.
__________
(1) الرعد/ 28 - 29.
(2) الانشقاق/ 7 - 9.
(3) البقرة/ 186. (1/22)
صفحة 23
قوله: ومن الكتاب، وفي الحديث عن الشعبي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الله يقول: الصوم لي وأنا أجزي به، وأصل هذا حديث أحمد ومسلم والنسائي عن أبي هريرة و أبي سعيد معا، والحديث صحيح عند المحدثين.
وهذا الحديث في مجمله يدخل في كليات القرآن في وجوب الإخلاص لله سبحانه، فالله تعالى يقول في آخر آيات الصيام: تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (1)، انظروا: قال: تلك حدود الله، ولم يقل: تلك حدود رمضان، فأضاف الحدود إليه جلّ جلاله، ولم يضفها إلى رمضان، فرمضان فترة زمنية خلقها الله تعالى لا تنفع ولا تضر، وإنما نحن نعظم هذه الفترة الزمنية لأنّ الله هو الذي أمرنا بتعظيمها، من هنا كان مبدأ المسلم العمل لله وحده، وعدم الإشراك به بأي شرك مادي أو زمني، وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ (2).
من هنا ندرك لماذا يكثر الناس من العبادة في رمضان ويتكاسلون عنها بعد انتصاف رمضان؟ أو بعد رمضان؟ ولماذا يبتعدون عن المحرمات في نهاره وينتهكونها في ليله؟
هل يدل هذا على صيامهم لرمضان إيمانا بالله تعالى؟ إذا هؤلاء صاموا رمضان لأمرين: الأمر الأول عادة رأوا الناس يفعلونها، والأمر الثاني: استحضروا في قلوبهم عظمة رمضان، ولم يستحضروا عظمة خالق رمضان، مع أنّ الذي أمر بالصيام والقيام هو الله تعالى وحده لا رمضان.
فالله تعالى جعل الصيام خاصا به: الصوم لي، هو الذي فرضه، وهو المختص وحده بالجزاء لا شريك له سبحانه، وأنا أجزي به.
__________
(1) البقرة/ 187.
(2) البينة/ 5. (1/23)
صفحة 24
قوله: وإنّ في الجنة نهرا يقال له الريان للصائمين، وأصل هذا حديث أحمد والبخاري ومسلم من طريق سهل بن سعد بلفظ: إنّ في الجنة بابا يقال له "الريان"، يدخل منه الصائمون يوم القيامة، لا يدخل منه أحد غيرهم، يقال: أين الصائمون؟ فيقومون فيدخلون منه، فإذا دخلوا أغلق فلم يدخل منه أحد، ودرجة الحديث صحيح عند المحدثين.
والمشهور في الروايات بابا يقال له الريان، ورواية المؤلف: إنّ في الجنة نهرا يقال له الريان، ذكرها المتقي الهندي في كنز العمال من طريق أنس، وبين أنّ فيها كثير بن حكيم وهو متروك، ومع هذا لفظة المؤلف أقرب لغة وعقلا لأمرين: الأمر الأول لفظة الريان أقرب لغة إلى النهر من لفظة باب، فالريان من الري، وهذا يتحقق بالنهر، ولعل ذكر الباب لأنه يؤدي إلى النهر مباشرة والله أعلم.
الأمر الثاني لفظة باب تحدث إشكالات متعددة، فنحن نجد في القرآن إشارة أنّ للجنة أبواب، قال تعالى: وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ (1)، وفي المقابل لن نجد ذكرا لعددها، بينما رواية البخاري من طريق سهل بن سعد تشير أنّ للجنة ثمانية أبواب بلفظ: في الجنة ثمانية أبواب، فيها باب يسمى الريان لا يدخله إلا الصائمون.
وهنا تحدث إشكالية أخرى مع روايات الدخول من أي أبواب الجنة بلا استثناء، نحو رواية أحمد والطبراني وابن عساكر من طريق عبادة ابن الصامت بلفظ: من عبد الله لا يشرك به شيئا وأقام الصلاة وآتى الزكاة وسمع وأطاع أدخله الله من أي أبواب الجنة شاء، فلم تستثن الرواية الصائمين.
__________
(1) الزمر/ 73. (1/24)
صفحة 25
ثم من المقصود بالصائمين، هل صوام الفرض: شهر رمضان، أم المكثرين ما فوق الفرض، فإن قلنا صوام الفرض فإنّ الكل مطالب بصيامه، ومن لم يصمه لا إيمان له وفق قوانين الله تعالى في القرآن، ويستثنى من أسلم بعد رمضان أو رجع إلى الله تعالى، ثم مات قبل أن يدرك رمضان التالي، أما أن يدعي الإيمان، ويترك صيام الشهر فهذا مستخف بإيمانه، فاسق بعمله، قال تعالى: وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَلَا الْمُسِيءُ قَلِيلًا مَا تَتَذَكَّرُونَ (1).
فإن قلنا المقصود بذلك صيام الفرض فالكل سيدخل من هذا الباب، لذا من سيدخل من الأبواب الأخرى؟!، إلا إذا قلنا: مخصص ذلك لمن سابق فيه بالخيرات خلاف المقتصد في صيامه، هذا إذا فسرنا الباب بالمعنى المحسوس لدينا.
وإذا قلنا المقصود فيه ما فوق الفرض، لم يكن الحديث مزية لرمضان، ولا يدل على فضله، ومن جانب آخر ندرك أنه ليس هؤلاء بحاجة لأن يجعل لهم باب مخصص لهم خلاف غيرهم، لأنهم غيرهم أيضا أدوا ما فرضه الله تعالى لهم، وابتعدوا عما نهاهم عنه، وإذا احتمل هذا كان باعتبار مسابقتهم في العمل الصالح من الصيام.
فالرواية إذا قيدت بالنهر –كما ذكر المؤلف- ترتفع الإشكالية، فيكون للصائمين نهر أعده الله تعالى لهم جزاء صومهم وإمساكهم وتعبهم.
ومع هذا لا يمكن الجزم بما جاء في الرواية – وإن صحت سندا- لكونها أحادية ظنية لا تفيد علما.
__________
(1) غافر/ 58. (1/25)
صفحة 26
قوله: وإذا كان يوم القيامة توضع لهم موائد يجلسون عليها، والناس في الحساب لا يعلمون ما الناس عليه، لم أستطع الحصول على أصل لهذه الرواية في كتب المحدثين من السنة لأنّ غالبا ما ينقل علماء عمان عنهم ما يتعلق بالفضائل، ولكني وجدت أصلا قريبا لهذه الرواية من كتب الشيعة الإمامية، ذكرها محمد باقر المجلسي في كتاب بحار الأنوار بلفظ: عن الحسين عن أبيه عن جده (ع) قال: إذا كان يوم القيامة نادى منادٍ: أين الطاوية بطونهم من الصيام؟ أين الظامئة أكبادهم؟ وعزتي وجلالي، لأشيعنهم اليوم، وأروينهم حتى لا يجدوا جوعاً ولا ظمأ، فيؤتى بالصائمين فتوضع لهم الموائد بشتى أصناف الطعام والشراب، فيأكلون ويشربون وينعمون والناس بعد قائمون في الحساب، والحديث ركاكته واضحة، وضعفه يشع من متنه، والظاهر إنه من تلاعب الوعاظ.
ومع هذا يظهر للمتن إشكاليات في تحديد الصائم هنا، هل المقصود بالصائمين صائم الفرض: شهر رمضان، أم المكثرين ما فوق الفرض، فإن قلنا صائم الفرض فإنّ الكل مطالب بصيامه، ومن لم يصمه لا إيمان له وفق قوانين الله تعالى في القرآن كما مر، ويستثنى من أسلم بعد رمضان أو رجع إلى الله تعالى، ثم مات قبل أن يدرك رمضان التالي، وعليه إن قلنا المقصود بذلك صيام الفرض فالكل يشملهم الحديث، إلا إذا قلنا: مخصص ذلك لمن سابق فيه بالخيرات خلاف المقتصد في صيامه.
وإذا قلنا المقصود بالصائمين ما فوق الفرض، لم يكن الحديث مزية لرمضان، ولا يدل على فضله، فهو في فضل الصيام ما فوق الفرض لا في رمضان، إلا إذا قلنا من صام رمضان وزاد عليه والله أعلم. (1/26)
صفحة 27
قوله: وقد قال الله تعالى: وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا (1) ولفظة: والصائمين والصائمات قد تكون على الحقيقة وهي الأصل، فتشمل رمضان والنذر خصوصا لأنّه الواجب، ويدخل فيها النفل تبعا.
وقد يراد بالصائمين والصائمات المعنى اللغوي، أي الصائمين عن الحرام وما يشين، لذا جاء بعده: وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ، والصحيح يشمل الأمرين، فالأصل من الصيام اللغة وهو الإمساك عن النواهي والحرام، والصيام اللفظي بمعنى الإمساك عن الطعام والشراب والحرام إنما هو دربة لكبح جماح النفس لتتعود على الطاعة والاستقامة.
قوله: ويروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: الصيام والقرآن يشفعان للعبد يوم القيامة، قال: يقول الصيام: إني منعته الطعام والشهوات بالنهار فشفعني فيه يا رب، ويقول القرآن: إني منعته النوم بالليل فشفعني فيه يا رب، فيشفعان له، وأصل هذا ما رواه أحمد والطبراني في الكبير والحاكم في المستدرك والبيهقي في شعب الإيمان عن ابن عمرو بلفظ: الصيام والقرآن يشفعان للعبد يوم القيامة، يقول الصيام: أي رب إني منعته الطعام والشهوات بالنهار فشفعني فيه، ويقول القرآن: رب منعته النوم بالليل فشفعني فيه، فيشفعان.
__________
(1) الأحزاب/ 35. (1/27)
صفحة 28
والحديث يدخل في كليات القرآن الكريم حيث جمع بين الإيمان والعمل الصالح، فالذي يشفع للإنسان يوم القيامه جمعه بين الاثنين، أما أن يتغنى بلفظ التوحيد: لا إله إلا الله، ويترك الواجب، ويستخف بالمحرمات، مدعيا أن "لا إله إلا الله" تشفع له يوم القيامة، فهذا من الأماني التي حذر الله تعالى منها، يقول سبحانه: لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا.
قوله: ابن عباس قال: ما عذب قوم قط إلا في شهر رمضان، فإن سلم لهم شهر رمضان سلم لهم سائر سنتهم، لم أجد له أصلا، ومراد ابن عباس –إن صح- أنّ شهر رمضان دورة تدريبية، وفرصة ذهبية للعمل الصالح، والبعد عن النواهي، فإن فشل في هذه الدورة فمن باب أولى أن يفشل في باقي الشهور، وإن نجح فيها كانت دعامة له للنجاح في باقي الأيام والشهور.
قوله: وعن النبي – صلى الله عليه وسلم- محا رمضان كلّ صوم قبله، ومحت الزكاة كلّ صدقة كانت قبلها، لم أجد له أصلا، ولعل المراد من كلمة محا أمرين: الأمر جانب التشريع، فرمضان – كما هو مشهور – لم يفرض مرة واحدة، بل حدث له تدرج في تشريعه، فذهبت طائفة من العلماء أنّ هناك أياما شرع فيها الصيام قبل فرض رمضان، فقيل عاشوراء، وقيل ثلاثة أيام من كل شهر، والظاهر هذا الرأي ضعيف جدا، فرمضان كان معروفا عند العرب، وفي الجاهلية، إلا أنّه حدث بعض الضياع في تشريعه، والإهمال له لتقادم العهد، فجاء الشرع لبيانه وإرجاعه كما أراد الله تعالى، وهذا ما حدث في الزكاة والحج، ومع هذا لا يستبعد أن يتدرج في بعض تشريعاته، نحو التخيير في صيامه أو الفدية فيه، قال تعالى: وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (1).
__________
(1) البقرة/ 184. (1/28)
صفحة 29
الأمر الثاني: الجانب الإلزامي لرمضان والزكاة، فرمضان والزكاة فرض، وما عداهما نفل، ولا شك أنّ أجر الفرض أعظم من النفل، فلا مقارنة بينهما، فيكون رمضان محا كل فضيلة لأي صيام آخر، وكذلك الزكاة، والله أعلم.
قوله: في رمضان ثلاث ليال، من فاتته فقد فاته خير كثير، ليلة تسعة عشر، وواحد وعشرين، وآخر الشهر، قيل: يا رسول الله سوى ليلة القدر؟ قال: نعم، فمن لم يغفر له في شهر رمضان، ففي أي شهر يغفر له؟ هذه الرواية ذكرها أبو الشيخ في الثواب والديلمي من طريق أنس؛ وفيه: زياد بن ميمون صاحب الفاكهة كذاب.
ولا أدري الغرض من تخصيص هذه الليالي الثلاث، ويستثني ليلة القدر، مع أنّ حديث أبي سعيد ينص على أنّ ليلة القدر من ضمن العشر الأواخر، مع تحري الوتر: إني أريت ليلة القدر ثم أنسيتها، فالتمسوها في العشر الأواخر في الوتر، وإني رأيت أني أسجد في ماء وطين من صبيحتها.
وسبق أن ذكرنا سابقا هل ليلة القدر تتكرر كل سنة، أم سميت بذلك لعظم قدرها بنزول القرآن، فهي حدثت مرة واحدة، ولا تتكرر، ولذا اختلف من قال بتكرارها، فقيل هي في شعبان، وقيل في رمضان، ومن قال في رمضان اختلفوا أيضا، أهي في جميع الشهر، أم في العشر الأواخر، ومن قال في العشر الأواخر اختلفوا أيضا: أهي في جميع ليالي العشر، أم في أوتار العشر، ومن قال في الأوتار اختلفوا في أي وتر من هذه العشر.
كذلك تقع إشكالية أخرى بسبب اختلاف المطالع إن قلنا هي في الأوتار، فليلة سبع وعشرين عند قوم تكون عن آخرين ليلة ثمان وعشرين أو ست وعشرين، فهل ليلة القدر هنا تتكرر في ذاتها؟!
لذا يدل هذا الاختلاف الكبير أنّ ليلة القدر سميت بهذا الاسم لقدر وعظم نزول القرآن فيها، أما ما ورد في تكرارها سنويا فهي أحاديث ظنية اختلف حولها، وسورة القدر لا تفيد أنها تتكرر في كل سنة، وإنما أشارت إلى بيان قدرها عند التحدث بنزول الكتاب العظيم فيها. (1/29)
صفحة 30
أما قوله: فمن لم يغفر له في شهر رمضان، ففي أي شهر يغفر له؟ والمراد بهذا إذا كان رمضان لم يؤثر في نفس الإنسان مع أجوائه الروحانية، فأي شهر بعد هذا يؤثر في نفسه، ولا يعني هذا أنّ الله لا يغفر في غير رمضان، فأبواب الإجابة والتوبة مفتوحة لا يحدها زمان ولا مكان، ما دام القلب ينبض بالحياة.
قوله: وسيد الشهور رمضان، فالحسنة فيه تكتب ألف حسنة، والنفقة فيه تضاعف كالنفقة في سبيل الله، وأصل "سيد الشهور رمضان" حديث البزار من طريق أبي سعيد بلفظ: سيد الشهور شهر رمضان، وأعظمها حرمة ذو الحجة، وفيه يزيد بن عبد الملك النوفلي، وحسنه السيوطي، ورواه الطبراني في الكبير بسند ضعيف من طريق ابن مسعود بلفظ: سيد الشهور شهر رمضان وسيد الأيام يوم الجمعة، ولعل أصل "فالحسنة فيه تكتب ألف حسنة" حديث عبد الله بن عمرو بلفظ: أن تصوم من كل شهر ثلاثة أيام، فالحسنة بعشر أمثالها، فكأنما قد صمت الدهر كله، ويدخل فيه رمضان من باب الأولى، وأصل: "والنفقة فيه تضاعف كالنفقة في سبيل الله" رواية: انبسطوا في النفقة في شهر رمضان، فإنّ النفقة فيه كالنفقة في سبيل الله، أخرجه ابن أبي الدنيا في فضائل رمضان عن ضمرة وراشد بن سعد مرسلا، قال السيوطي: ضعيف.
قوله وسيد الشهور رمضان، وذلك لأنّ رمضان دورة تدريبية في عمل الخير، واجتناب الشر، يخرج منها الصائم ليعتاد الخير أيام السنة، فهذه الدورة مكان الزاد للعام، أراده الله تعالى ليكون مصدر خير للإنسان: وأن تصوموا خير لكم (1)، بجانب ارتباط الإنسان فيه بالقرآن الذي أنزل فيه تلاوة وتدبرا، ليكون منبع هداية ورحمة له سائر العام: شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان (2).
__________
(1) البقرة/ 184.
(2) البقرة/ 185. (1/30)
صفحة 31
قوله: فالحسنة تكتب فيه ألف حسنة، وذلك لأنّ الحسنة في قانون الله تعالى تضاعف أضعافا مضاعفة، قال تعالى: وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْنًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ (1)، وهذا القانون لا يخص شهر رمضان فحسب؛ بل يجري في جميع العام، إلا أنّ رمضان شهر باركه الله بنزول الكتاب، وتخصيص الصيام، وتزويد النفس بالخيرات، لذا كان مظنة مضاعفة الحسنات، لقرب الناس من ربهم جلّ وعلا.
قوله: والنفقة فيه تضاعف كالنفقة في سبيل الله، وهذا من باب قوله تعالى: مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِئَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (2)، وهذا وفق قانونه سبحانه في مضاعفة الحسنات كما ذكرنا آنفا، وهذا لا يخص رمضان فحسب؛ بل يعم سائر العام، ورمضان مظنة ذلك بصورة أولى.
__________
(1) الشورى/ 23.
(2) البقرة/ 261. (1/31)
صفحة 32
قوله: عن أبي الديلمي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يكون في رمضان صوت، قالو: يا رسول الله، في أوله أو في آخره؟ قال: في النصف من رمضان، وإذا كانت ليلة النصف ليلة الجمعة يكون صوت من السماء يصعق له سبعون ألفا، وتخرس فيه سبعون ألفا، ويعمى فيه سبعون، وتنفتق فيه سبعون ألف عذراء، قالوا: يا رسول الله، فمن السالم؟ قال: من لزم بيته وتعوذ، بالسجود وجهر بالتكبير، قال: ومعه صوت آخر، فالصوت الأول صوت جبرائيل، والصوت الثاني صوت الشيطان لعنه الله، فالصوت في رمضان، والمعمعة وهو صوت لا يفهم في شوال، وفيه تميز القبائل في ذي القعدة، ويعاد على الحاج من ذي الحجة، والمحرم أوله بلاء على أمتي، وآخره فرج على أمتي، ولراحلة في ذلك الزمان ينجو عليه خير له من دسكرة تغل له مائة ألف درهم، روى هذا الحديث الطبراني في الكبير من طريق فيروز الديلمي، وسند الرواية ضعيف جدا، وفيها عبد الوهاب بن الضحاك وهو متروك.
والحديث حبك على تعظيم ليلة الخامس عشر منه، لذا شاع لدى الناس الاهتمام بهذه الليلة، وأدرجت حولها الخرافات والأكاذيب، واختلفت تسميتها من مكان لآخر، ففي دول الخليج يسميها البعض القرقيعان وهذه التسمية شاعت في السعودية والكويت، وبعض دول الخليج يسميها الناصفة أو حل وعاد أو كريكشون أو القرنقشوه أو الطلبة، وتسمى أيضاً طاب طاب، وكرنكعوه أو كريكعان وتسمى أيضاً حق الليلة أو الماجينة، وهذه التسمية شاعت في الإمارات وعمان، والبحرين والعراق، بجانب السعودية والكويت.
وفي عمان الداخل لم يكن يعرفوا القرنقشوه إلا من خلال تأثرهم ببعض من هاجروا إلى عمان منذ زمن بسيط، وتركزوا في الأماكن الساحلية.
ولكن مع هذا شاع في الداخل بعض الاهتمام بهذه الليلة كأكل الحلوى تحذيرا من بعض التأثيرات السلبية التي قد تحدث، لذا يوجبون على الأطفال أن يأكلوا شيئا ولو بسيطا منها. (1/32)
صفحة 33
وليلة النصف من رمضان كغيره من أيام الشهر، لا يتميز بشيء؛ بل هي فرصة لمراجعة الذات بعد منتصف مضى من الشهر، وبقي النصف الثاني، لا أن تنسج حولها الأكاذيب والخرافات.
ووضاع الحديث أرادوا جذب الناس إلى استغلال الشهر ونصفه بالطاعات كالذكر والسجود، ومع هذا أدرجوا ما يسيء إلى الشهر، حيث يحدث فيه خسف وعمي وفتق لأعراض النساء، والشيطان يلعب دوره، مع أنهم رووا أنّ الشياطين تغل في رمضان، فأي تناقض بعد هذا.
والحاصل رمضان وغيره من الشهور مبرؤون من هذه الخرافات، والحمد لله على نعمة العقل.
الدراسة الثالثة: فضائل رمضان من خلال كتاب غاية المطلوب في الأثر المنسوب (1)
كتاب غاية المطلوب في الأثر المنسوب وهو من الكتب المخطوطة في التراث العماني، والكتاب للعلامة عامر بن خميس المالكي، المتوفى سنة: 1346هـ، وبهذا يكون من علماء القرن الرابع عشر الهجري، حيث ولد بوادي بني خالد من شرقية عمان، سنة 1280هـ، ويعد من أكبر تلامذة الشيخ نور الدين السالمي، صار واحدا من جهابذة العلماء والشعراء، وأقطاب الدولة في عهد الإمام سالم بن راشد الخروصي، كذلك صار مرجعا للفتوى والأحكام الشرعية والرأي والسياسة، وأصبح رئيس القضاة في عصره، إضافة إلى مهمة التدريس، فتخرج على يديه علماء كثيرون منهم: محمد بن سالم الرقيشي، وسعيد بن أحمد الكندي، ومنصور بن ناصر الفارسي وغيرهم، من تآليفه: كتاب "غاية المراد في الاديان والأحكام" في أربعة مجلدات، وكتاب "موارد الألطاف"، وله رسالة سماها: "غاية التحقيق في أحكام الانتصار والتغريق"، و"غاية المطلوب في الأثر المنسوب" في مجلد ضخم، ومنظومته البديعة في الدماء والجروح، وله مؤلفات أخرى، وأسئلة وأجوبة نظمية كثيرة (2).
__________
(1) لقد من الله علينا أن قمنا بتحقيقه، ولم يطبع بعد.
(2) ينظر: معجم أعلام الإباضية، قسم المشرق، ترجمة الشيخ عامر المالكي. (1/33)
صفحة 34
وإذا جئنا إلى فضائل رمضان من خلال كتاب غاية المطلوب سنجد تكرار ما ذُكِرَ في كتابي بيان الشرع، وكتاب لباب الآثار، بل يكاد ينقل بالنص من كتاب بيان الشرع.
بقي رواية واحدة لم تذكر بنفس اللفظ في الكتابين السابقين بهذا اللفظ: من صام رمضان محتسبا صابرا غفر الله له ما تقدم من ذنبه، بينما ذكرت بلفظ آخر وهو: من صام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه، وزاد بعضهم: وما تأخر، وقد بينا ضعف هذه الزيادة، ومخالفتها للقوانين القرآنية.
والحديث بهذا اللفظ لم أجده، ولعله يندرج وفق الحديث المشهور: من صام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه.
وقوله: من صام رمضان محتسبا تقدم بيانه أي محتسبا الأجر من عند الله تعالى، فهو لا يصومه رياء ولا سمعة، بل قاصدا الأجر والثواب منه تعالى وحده.
قوله: صابرا، ولا شك ترك الإنسان شهواته الحسية من أكل وشرب وجماع، والمعنوية من معاصي وآثام، هذا بحاجة إلى صبر، فإذا اجتمع الصبر مع الإخلاص كان الجزاء عظيما، والله تعالى يقول: إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب (1).
والنتيجة لمن صام رمضان محتسبا صابرا: غفر له ما تقدم من ذنبه؛ لأنه اجتمع هنا عناصر التوبة الرئيسة وهي الإخلاص والكف عن الحرام، والصبر على الطاعة، فحق لهذا مغفرة الله ورضوانه.
الدراسة الرابعة: فضائل رمضان من خلال كتاب منهج الطالبين وبلاغ الراغبين (2)
كتاب منهج الطالبين وبلاغ الراغبين للشيخ العلامة خميس بن سعيد الشقصي، من علماء النصف الثاني من القرن العاشر والنصف الأول من القرن الحادي عشر.
__________
(1) الزمر/ 10.
(2) ينظر: منهج الطالبين وبلاغ الراغبين، للشيخ خميس بن سعيد الشقصي، تحقيق الشيخ سالم بن حمد الحارثي، ط وزارة التراث القومي والثقافة، سلطنة عمان، الطبعة الأولى، لا تاريخ، ج 6، ص 6 - 16. (1/34)
صفحة 35
ولد بنزوى ثم انتقل إلى الرستاق ونشأ فيها، وتزوج من أم الإمام ناصر بن مرشد بعد وفاة زوجها، فتربى الإمام ناصر في حجره وتحت رعايته.
عقدت الإمامة للإمام ناصر على يديه فكان عضده الأيمن، صحبه إلى نزوى ورافقه في غزواته، وأصبح قاضيا للمسلمين، وقاد جيش الإمام لفتح مسقط.
سار قاصدا بوشر فأرسل إليه البرتغاليون يطلبون منه الصلح فأجابهم إليه وتصالح معهم وكف القتال، ولذا فهو يعد من مؤسسي دولة اليعاربة.
له مؤلفات جليلة أشهرها: "منهج الطالبين وبلاغ الراغبين" وهو يعد موسوعة علمية إذ يقع في عشرين جزءا، وله كتاب الإمامة العظمى.
توفي الشيخ الشقصي أيام دولة الإمام سلطان بن سيف الأول أي ما بين 1059 و1090هـ (1).
أما ما يتعلق بفضائل رمضان في الكتاب فنجد تكرارا لما ذكره من سلف، وسنشير هنا ما تفرد به، تاركين ما ذُكِر سابقا.
قوله: وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لو أذن الله للسماوات والأرض أن يتكلما بشرتا من صام شهر رمضان بالجنة، وأصل هذا ما أخرجه المتقي الهندي في كنز العمال من طريق أبي هدبة عن أنس بلفظ: لو أنّ الله تبارك وتعالى أذن للسموات والأرض أن يتكلما لبشرتا صائمي رمضان بالجنة، ولم يذكر شيئا عن درجته الحديثية.
وعلى العموم الحديث يدرج من فضائل الأعمال، وفضائل الأعمال غلب عليها الكذب والوضع لجذب الناس إلى الدين، وهي محكومة رأسا بنصوص القرآن الكريم، فلا بد من الوقوف مع متنها وقفة طويلة متأنية.
__________
(1) ينظر: معجم أعلام الإباضية، قسم المشرق، ترجمة خميس الشقصي. (1/35)
صفحة 36
وكليات القرآن اشترطت لقبول الأعمال الإيمان الخالص، والعمل الصالح، قال تعالى: وَبَشِّرِ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (1).
وليس مجرد الانتساب للإسلام وصيام رمضان كافيا لهه الفضيلة، بل لا بد أن يكون ذلك محكوما بقوانينه تعالى، الرابطة بين الإيمان الصحيح الخالص، والعمل الصالح المخلص.
ورمضان من الأعمال التي يجب أن تتوفر فيها شروط القبول لا الانتساب.
ومع هذا رمضان مضنة الإجابة، كيف لا والإنسان فيه قريب من الله تعالى، فإذا اقترب منه إخلاصا واجتهادا، وعملا وإنابة، اقترب الله منه إحسانا وفضلا، قال تعالى: وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ (2).
__________
(1) البقرة/ 25.
(2) البقرة/ 286. (1/36)
صفحة 37
قوله: وقيل: يقول الله تعالى: يا عبادي الذين صاموا شهر رمضان من أجلي، ارجعوا إلى منازلكم ورحالكم مغفورا لكم، قد رضيت عنكم، وجعلت من صيامكم وجوائزكم يوم فطركم، أن أعتقكم من النار، وأن أحاسبكم حسابا يسيرا، وأن أوسع عليكم الرزق في الحياة ما عشتم، وأن أخلف نفقاتكم، وأقيلكم العثرة، وأستر عليكم يوم القيامة على رؤوس الأشهاد، وأقسمت بعزتي لا تسألوني بعد موقفكم هذا وجمعكم وصيام شهركم من أمر الآخرة إلا أعطيتكموه، ولا شيئا من أمر دنياكم إلا نظرت لكم فيه، لم أجدها بهذا اللفظ، ولكن روى الطبراني في الكبير من طريق سعيد بن أوس الأنصاري عن أبيه بلفظ: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا كان يوم الفطر وقفت الملائكة على أبواب الطرق، فنادوا: أغدوا يا معشر المسلمين إلى رب كريم، يمن بالخير ثم يثيب عليه الجزيل، لقد أمرتم بقيام الليل فقمتم، وأمرتم بصيام النهار فصمتم، وأطعتم ربكم فاقبضوا جوائزكم، فإذا صلوا نادى مناد: ألا إن ربكم قد غفر لكم، فارجعوا راشدين إلى رحالكم، فهو يوم الجائزة، ويسمى ذلك اليوم في السماء يوم الجائزة، قال الهيثمي في مجمع الزوائد: وفيه جابر الجعفي، وثقه الثوري، وروى عنه هو وشعبة، وضعفه الناس وهو متروك، وعلى العموم وركاكة الرواية واضحة، ولا يستبعد أن تكون من تلاعب الوعاظ، وأغلب الأحاديث القدسية ليست صحيحة، ولا يمكن الجزم بمفردات هذه الرواية، وهذا لا يعني التقليل من فضل الله تعالى، ففضله واسع، وإنعامه عظيم، ولا يمكن أن نتحدث عن بعض جوانب إنعامه وفضله إلا بما أكده النص، أو لامسه العقل والجسم كنعمة الحياة.
قوله: يا عبادي الذين صاموا شهر رمضان من أجلي، ارجعوا إلى منازلكم ورحالكم مغفورا لكم، لعل الخطاب كان في يوم العيد عند الصلاة حسب ما تفسره رواية الطبراني المتقدمة، ولعله من باب الحكاية وتصوير المشهد. (1/37)
صفحة 38
أما قوله: الذين صاموا شهر رمضان من أجلي، أي مخلصين في صيامهم لله تعالى، والأصل في هذا من القرآن قوله تعالى: قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (1)، ويدخل فيه رواية: الصوم لي وأنا أجزي به.
قوله: قد رضيت عنكم، أي قد رضيت عن صيامكم إذا اقترن بالإخلاص لله تعالى، بجانب تقواه وخشيته جل وعلا، ويدخل هذا في قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ (2)، فالله تعالى أعدّ الجنات للمؤمنين العاملين للصاحات، الذين امتلأت قلوبهم خشية لله سبحانه.
ورمضان صومه وقيامه من الأعمال الصالحة، إذا اقترن بالإخلاص والخشية لا شك سيكون من الأعمال التي تشفع لصاحبها، وترتفع به إلى رضوان الله تعالى.
قوله: وجعلت من صيامكم وجوائزكم يوم فطركم، أن أعتقكم من النار، ويدخل في هذا رواية ابن خزيمة والأصفهاني بسند ضعيف جدا، وهي بلفظ: من فطر فيه صائما كان له مغفرة لذنوبه وعتق رقبته من النار، وعتق الرقاب كناية عن الفوز بالجنان، والخلاص من النيران، وهذا من أعظم الفوز الذي يرجوه الإنسان ويتمناه.
__________
(1) الكهف/ 110.
(2) البينة/ 7 - 8. (1/38)
صفحة 39
قوله: وأن أحاسبكم حسابا يسيرا، وها مبني على سلامة خروجه من الدنيا تائبا خاضعا، ويدخل هذا في قوله تعالى: فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا (1)، ولا شك أنّ العاقل يرجو أن يكون من هذا الفريق، فيستغل رمضان كغيره من الأعمال الصالحة لكي يحضى بمرضات الله تعالى.
قوله: وأن أوسع عليكم الرزق في الحياة ما عشتم، وأن أخلف نفقاتكم، وذلك لأنّ الصائم لرمضان كان صيامه شكرا لله تعالى على نعمائه وفضله، وقانون الله ينص على: وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ (2)، ومن الزيادة البركة في الرزق والسعة فيه، لأنّه وحده المختص بذلك، قال تعالى: إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (3).
قوله: وأقيلكم العثرة، والعثرة هي الزلة، وذلك لأن من اجتهد وأراد الهداية ورضوان الله تعالى يسر الله أمره، وسهل له طريق المغفرة، قال تعالى: وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (4)، ورمضان من الوسائل المؤدية لرضوان الله تعالى، فالذين اتقوا فيه وجاهدوا لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، قال سبحانه: أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ الَّذِينَ آَمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (5).
__________
(1) الانشقاق/ 7 - 9.
(2) إبراهيم/7.
(3) العنكبوت/ 17.
(4) العنكبوت/ 69.
(5) يونس/ 62. (1/39)
صفحة 40
قوله: وأستر عليكم يوم القيامة على رؤوس الأشهاد، وذلك لأنهم تابوا وأنابوا، فقبل الله توبتهم وخضوعهم في شهرهم، فهؤلاء تستر عوراتهم، وتمحى سيآتهم، قال تعالى: وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (1).
قوله: وأقسمت بعزتي لا تسألوني بعد موقفكم هذا وجمعكم وصيام شهركم من أمر الآخرة إلا أعطيتكموه، ولا شيئا من أمر دنياكم إلا نظرت لكم فيه، وذلك لأن الله يتقبل دعاء من توسل إليه وخضع، فيعطيهم في الآخرة ما تشتهي نفوسهم، وينظر في أمر دنياهم، قال تعالى: وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ (2).
قوله: وقيل قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أعطيت لأمتي خمسا في شهر رمضان لم يعطهن نبي قبلي، أما واحدة: فإذا كان أول ليلة من شهر رمضان نظر الله إليه، ومن نظر الله إليه لا يعذّبه الله بعدها أبدا، والثانية: فإن خلوف أفواههم عند الله حين يمسون أطيب عند الله من ريح المسك، والثالثة: فإنّ الملائكة تستغفر لهم في كلّ يوم وليلة، والرابعة: فإن الله يأمر جنته فيقول لها: استعدي وتزيني لعبادي، يوشك أن يستريحوا من نصب الدنيا وأذاها إلى داري وكرامتي، والخامسة: فإذا كان آخر ليلة غفر لهم كلهم، فقال له رجل: يا رسول الله، أهي ليلة القدر؟ قال: ألم تر إلى العمال يعملون، فإذا فرغوا من أعمالهم وفوا أجورهم، تقدم أجزاء الحديث في حلقات سابقة، والحديث رواه البيهقي عن جابر، وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد وقال: رواه أحمد والبزار وفيه هشام بن زياد أبو المقدام ضعيف.
__________
(1) هود/ 114.
(2) البقرة/ 186. (1/40)
صفحة 41
ونشير هنا إلى بعض أجزاء الحديث التي لم نشر إليه سابقا، ومنها قوله: أما واحدة: فإذا كان أول ليلة من شهر رمضان نظر الله إليه، ومن نظر الله إليه لا يعذّبه الله بعدها أبدا، والنظر هنا بمعنى الرحمة الخاصة، وذلك لعلمه سبحانه بحاله، بأنه سيكون على طاعته والإنابة إليه، أما أن يتشدق البعض بالأماني، ثم يحارب الله بالمعاصي والذنوب، متبجحا بهذه الروايات، فهذه من الأماني الكاذبة التي تغنى بها بعض الكتاب سابقا، وحذّر الله منها هذه الأمة حيث يقول: لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا (1).
والله تعالى أوجب لعباده التوبة قبل الموت حيث قال: إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآَنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (2)، ويظهر من الآية أنّ الله لا يقبل من انهمك في السيآت، مدعيا الأماني الفارغة، فلا بد من توبة لله تعالى.
وهذا لا ينقص شيئا من فضل رمضان، ففضله عظيم، وجزاء الله كبير، ومع هذا يبقى محكوما بقوانين الله تعالى في كتابه، فشرع الله تصور وعملا لا تناقض فيه.
أما باقي أجزاء الرواية فقد سبق الحديث عنها سابقا.
__________
(1) النساء/ 123.
(2) النساء/ 17 - 18. (1/41)
صفحة 42
قوله: وروي عنه صلى الله عليه وسلم قال: من أدرك رمضان فلم يغفر له فأبعده الله، لم أجده بهذا اللفظ، وأخرج الترمذي والحاكم في المستدرك بلفظ قريب منه من طريق أبي هريرة: ورغم أنف رجل دخل عليه رمضان ثم انسلخ قبل أن يغفر له.
والرواية تنص على جاذبية رمضان في فعل الخير، وترك الشر، وذلك للأجواء الروحانية التي تحف به، ولما جعل الله فيه من انجذاب القلوب إلى طاعته، وهذا يشعر به كل من عاش أجواء رمضان الإيمانية، بل يظهر جليا من قوله تعالى: وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ (1)، فهذه الآية لم يذكرها الله في عقد آيات الصيام اغتباطا؛ بل لحكمة أرادها الله سبحانه وتعالى، فهو العالم بقرب العباد منه في رمضان، فاقترب منه برحمته ورضوانه، شريطة الإيمان به والاستجابة له جلّ وعلا.
فإذا كان رمضان بهذه الماهية، وأجوائه بهذه الجاذبية، ثم كان حال الإنسان فيه البعد عن رب البرية، والانغماس في هوى النفس الإمارة بالسوء، فلم يدغدغ رمضان في قلبه شيئا، ولم ينحني لربه خاشعا خاضعا، لا إيمان بذاته سبحانه، ولا استجابة لأوامره جلّ وعلا، فحق مثل هذا أن يبعده الله عن رحمته ورضوانه؛ لأنّ الكبر في نفوس هؤلاء هو الذي قادهم إلى هذا المنحدر السحيق، قال تعالى: إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (2).
ثم إنّ رمضان إذا لم يؤثر في نفوس هؤلاء شيئا مع أجوائه ونفحاته، فأي شهر بعد هذا يؤثر في نفوس هؤلاء؟!!!
__________
(1) البقرة/ 186.
(2) غافر/ 56. (1/42)
صفحة 43
وهذا بطبيعة الحال من باب الجملة، إلا أنّ عوامل التأثير كثيرة، فهناك الحج، والصلاة، بجانب الأحداث المتعددة كالموت والأعاصير ونحوها، ومع هذا يبقى رمضان له ميزته الخاصة في نفس الإنسان، ولكونه عمل جماعي شامل بخلاف الحج، فهو وإن كان عملا جماعيا إلا أنّه ينحصر في مكان وزمان معين، ولا يستطيع الكل أداء هذا النسك، بينما رمضان يعم الجميع، ولا يقتصر على فئة معينة، ومكانه لا يحد بجزء من الأرض بل هو شامل للكون أجمع، من هنا كان من أكبر المؤثرات في نفس الإنسان.
بجانب أن رمضان مرتبط بنزول القرآن، وللقرآن حلاوة وتأثير في النفوس، قال سبحانه: شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآَنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ (1)، والقرآن أنزله الله للتدبر والعمل قال تعالى: أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآَنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا (2)، لذا كان القرآن ذكرا سيسأل عنه الإنسان يوم يلقى الله تعالى: وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ (3).
من هنا يجب إنزال القرآن في رمضان، لا ليكون نغمات في الصلوات والتراويح، ولكن كتاب رحمة وهداية يعرض عليه الإنسان تصوراته وأعماله، ويتبع هدي الله تعالى فيه.
قوله: وبلغنا أنّ أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كانوا يقولون في شوال وذي القعدة وذي الحجة ومحرم وصفر: اللهم تقبل منا صيام رمضان، ويقولون في الربيعين والجمادين ورجب وشعبان: اللهم بلغنا شهر رمضان، فلا يتركون ذكر شهر رمضان على كلّ حال.
قوله: وبلغنا، وهذا مصطلح يستخدمه علماؤنا وهو يختلف عن مصطلح المحدثين، وهذا لا يعني أنّ المؤلف أدرك الصحابة فهو متأخر، ولكن قوله بلغنا بمعنى وصول الخبر إليه عن طريق العلماء، أو حسب اطلاعه.
__________
(1) البقرة/ 185.
(2) محمد/ 24.
(3) الزخرف/ 44. (1/43)
صفحة 44
والحديث يستدل به على فضل رمضان من باب اهتمام السلف من الصحابة به، وما كان هذا الاهتمام منهم إلا لإدراكهم فضل رمضان، لذا كان التعامل معه من قبلهم على وجهين:
الوجه الأول: قولهم: اللهم تقبل منا صيام رمضان، وذلك في الخمسة الأشهر الأولى بعد رمضان، حيث أنهم أنهوا رمضان، فتراهم راغبين في إدراك فضله، وفي الوقت نفسه خائفين من رده من قبل الله تعالى، وهذا هو منهج المؤمن الحق، إذا تقرب بقربان ولو صغيرا تراه شديد الشفقة من رد العمل، مع رجاءه أن يقبل، فهو وسط بين الرجاء والخوف، وهذا ناتج من خوفهم من عقاب الله وسخطه يوم يلقونه، كما أنّه ناتج من حرصهم الشديد وتنافسهم في رضوان الله تعالى، قال تعالى عن خوفهم: قَالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ (1)، ويبين تنافسهم بقوله: إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ (2).
الوجه الثاني: قولهم: اللهم بلغنا شهر رمضان، فهم حريصون على إدراك الشهر، ويستعدون نفسيا للفوز فيه، لذا تراهم يوقدون الهمم قبل دخوله بشتى الوسائل، ومنها الدعاء؛ ليكون رمضان حاضرا في نفوسهم.
__________
(1) الطور/ 26 - 28.
(2) المطففين/ 22 - 26. (1/44)
صفحة 45
ومن المعلوم من أقوى عوامل النصر وتحقيق الهدف العامل النفسي، كما أنّه من أقوى عوامل الهزيمة والفشل، وهذا ما عالجه القرآن الكريم في سورة آل عمران من خلال الحديث عن معركة أحد الشهيرة مثلا، وفي يوم الفتح يقول تعالى: هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (1).
بجانب استعدادهم البدني من صيام وذكر وصدقة وتبتل، وقدوتهم في ذلك نبيهم وحبيبهم محمد صلى الله عليه وسلم، فقد روت عائشة متحدثة عن زوجها عليه السلام: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصوم حتى نقول لا يفطر، ويفطر حتى نقول لا يصوم، وما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم استكمل صيام شهر قط إلا شهر رمضان، وما رأيته في شهر أكثر صياما منه في شعبان (2)، بل كانت عائشة نفسها تؤجل صيام قضائها إلى شعبان استعدادا لرمضان.
كل هذه العوامل لا شك تهيء الإنسان للفوز وإدراك فضل رمضان، فالذي يستعد للامتحان قبل ليلة أو ليليتين، لن يتحصل على النتيجة مثل الذي يستعد قبل شهر أو شهرين.
__________
(1) الفتح/ 4.
(2) رواه البخاري من طريق عائشة، الجزء الأول، 36 - كتاب الصوم، 51 - باب: صوم شعبان، حديث رقم: 1868؛ ورواه مسلم من الطريق نفسه، الجزء الثاني، 13 - كتاب الصيام، (34) باب صيام النبي صلى الله عليه وسلم في غير رمضان، واستحباب أن لا يخلى شهرا عن صوم، حديث رقم: 175 - (1156). (1/45)
صفحة 46
قوله: روى ابن عباس أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم كان أجود الناس بالخير، وكان أجود ما يكون في شهر رمضان، وأصل هذا حديث البخاري وغيره من طريق ابن عباس بلفظ: أن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم أجود الناس بالخير، وكان أجود ما يكون في رمضان، حين يلقاه جبريل، وكان جبريل عليه السلام يلقاه كل ليلة في رمضان حتى ينسلخ، يعرض عليه النبي صلى الله عليه وسلم القرآن: فإذا لقيه جبريل عليه السلام، كان أجود بالخير من الريح المرسلة.
والعلة من ذكر هذه الرواية في باب فضائل رمضان لتكون شهادة على الفضل العميم المترتب من فعل الخيرات في هذا الشهر، فرمضان مضنة مضاعفة الأجور فيه، وذلك من اختيار الله تعالى له من بين الشهور.
فالنبي صلى الله عليه وسلم كما يظهر من الرواية:
- كان جوادا.
- كان أجود الناس في باقي الشهور.
- كان أجود من الريح المرسلة في رمضان.
والريح المرسلة أي الريح المطلقة المخلاة على طبعها والريح لو أرسلت على طبعها لكانت في غاية الهبوب، ووجه الشبه أنّ النبي عليه الصلاة والسلام يده كريمة مبسوطة في فعل الخير والنفقة في سبيل الله.
والرابط من الرواية أنّ الرسول عليه السلام يده كريمة سخية، إلا أنّه في رمضان أجود وأسخى، وما ذلك إلا لإدراكه عليه الصلاة والسلام فضل الشهر الفضيل، فتراه أكثر صدقة وبذلا.
فرمضان عنده عليه الصلاة والسلام دربة على البذل والعطاء، ومع ذلك لا يتوقف هذا البذل والعطاء بفراق رمضان؛ بل يستمر بعد رمضان، لأنّ رب رمضان موجود في كل زمان ومكان.
وهذا درس منه عليه الصلاة والسلام لأمته، فلئن كان رمضان ميدانا للتنافس والطاعة، فينبغي أن يكون هذا دورة وشحنة للوصال بعد رمضان، أما أن ينقطع الخير بعد رمضان فهذا جهل شديد بمقصد الله تعالى من تشريع الصيام. (1/46)
صفحة 47
وفي الوقت نفسه ينمي عن جهل بحقيقة التوحيد، وحدوث خلط جلي بين العمل لله والإخلاص له، وبين الأزمنة والأمكنة التي لها خصوصيات خاصة، فهذه الأزمة والأمكنة مهما كانت خصوصياتها لا ترقى لأن تكون مقصدا مطلقا للعبادة والبذل، فالله تعالى صاحب العظمة المطلقة لا شريك له سبحانه.
الدراسة الخامسة: فضائل رمضان من خلال كتاب معارج الآمال على مدارج الكمال بنظم مختصر الخصال (1):
كتاب معارج الآمال من أشهر الكتب التي ألفها الشيخ السالمي – رحمه الله-، تتكون من ثمانية أجزاء، وقد طبعت في خمس مجلدات مع الفهارس، وينتهي بكتاب الاعتكاف، مع أمنية المؤلف أني ينهي جميع الأبواب لولا بلوغ الأجل، وكل شيء بقدر.
والمؤلف هو هو عبد الله بن حميد بن سلوم بن عبيد بن خلفان بن خميس السالمي من بني ضبة، فهو ينتمي إلى قبيلة السوالم، وهي قبيلة لها أتباع كثيرون، وتعيش في أماكن مختلفة من عمان، وقد اشتهرت هذه القبيلة بظهور الإمام السالمي، وشيخ البيان محمد بن شيخان، وترجع إلى نزار بن معد بن عدنان، ولد الإمام السالمي سنة 1286هـ، ببلدة الحوقين، وهي من أعمال الرستاق.
تلقى تعلمه في بلدة الحوقين، وقد حفظ القرآن على يد والده، وتعلم على يد الشيخ راشد بن سيف اللمكي، وقد لاحظ فيه النجابة والفهم وسرعة الحفظ، فكان محل اهتمام شيخه، فاشتهر أمره، وصار أكبر من أشياخه الذين أخذ عنهم.
__________
(1) ينظر: معارج الآمال، للشيخ نور الدين السالمي، تحقيق: الحاج سليمان بن إبراهيم بابزيز وآخرون، ط مكتبة الإمام السالمي- بدية/ سلطنة عمان، ط1 2008م، ج5، ص: 19 - 23. (1/47)
صفحة 48
كما أنه تنقل إلى الشرقية سنة 1308هـ، فالتحق بحلق الأمير صالح بن علي الحارثي، فكان ذلك الالتحاق من مرحلة التنظير والدرس إلى مرحلة التطبيق والميدان، فقام الشيخ السالمي مع شيخه صالح بالإصلاح والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومن هنا دخل السالمي التاريخ من بابه العريض، من باب الإصلاح الاجتماعي، والتأليف والتعليم.
قام الشيخ مع معاصريه بالإصلاح في جميع الميادين، ولا أدل على ذلك من أن الإمامة قامت على أكتافهم، وقويت بتأييدهم، إلا أن المشاكل والعراقيل لا تخلو من طريق أي مصلح، فلما ضاق به الأمر ولم يجد استجابة قومه، عزم على السفر للحج، لا هربا من الميدان، وإنما تنفيسا عن إحباطاته، إذ لعله يلتقي بإخوانه المغاربة، فيصحبهم لزيارة القطب حتى يشتكي له ما هو عليه، عله يعينه في مطلبه. إلا أنّ بعض المشايخ، مثل الحارثي، أقسم عليه لئن خرج ليخرجن بعده من عمان، فلما رأى ذلك الإصرار، تراجع وعدل عن أمره.
يعد الإمام السالمي علما بارزا في مسيرة النهضة العلمية والإصلاحية في عصره، فهو لا يعد مصلحا اجتماعيا على مستوى وطنه عمان فحسب، بل على مستوى العالم الإسلامي في بداية القرن الرابع عشر الهجري.
كان قوي الشخصية، شديد الغيرة والتمسك بالدين. فهو لا يعرف الجبن أو النفاق.
كانت له علاقات مع كثير من علماء عصره، منهم الشيخ اطفيش الجزائري، وهو الذي لقب السالمي "نور الدين"، كما أنّ الشيخ السالمي هو الذي لقب الشيخ اطفيش "قطب الأئمة".
كانت مجالسه لا تخلو من الاستفادة العلمية، أو الأدبية، أو فصل في قضية، ومما ساعده على ذلك ما أتاه الله من فصاحة وبيان.
ومن صفاته السخاء والكرم، فقد كان جوادا فاضلا، قلَّما تناول طعاما وحده لكثرة ازدحام الزائرين والسائلين والمتعلمين في فنائه. (1/48)
صفحة 49
ومن صفاته، ورعه الشديد، وتحريه حدود الله، وكثرة تضرعه إلى الله، فلا تراه في مجلسه أو طريقه إلا رافعا يديه إلى السماء قائلا: "لبيك اللهم لبيك"، ثم يبسط يديه، فيقول: "اللهم اجمع الشمل، وألف بين القلوب، وأيد المسلمين" ونحو ذلك من الأدعية.
ترك لنا الإمام السالمي آثارا علمية قيمة في علوم الشريعة واللغة العربية والتاريخ، وما يزال بعضا منها مخطوطا، من آثاره المطبوعة: تحفة الأعيان بسيرة أهل عمان، في التاريخ، طلعة الشمس على الألفية، في علم أصول الفقه، مدارج الكمال، أرجوزة تنيف على ألف بيت، شرح بعضها في ثمانية أجزاء، سماها "معارج الأمال"، الحجج المقنعة في أحكام صلاة الجمعة، جوهر النظام في علمي الأديان والأحكام (منظومة في الفقه)، المنهل الصافي في العروض والقوافي، شرح الجامع الصحيح (مسند الإمام الربيع) في الحديث، مشارق الأنوار، شرح أرجوزته المسماة "أنوار العقول في علم الكلام".
انتقل إلى رحمة الله سنة 1332هـ، بعد ست وأربعين سنة، أنجز فيها ما لم ينجزه من عاش مئات السنين، فكان جديرا أن يعد من أقطاب مجددي الفكر الإسلامي وباعثي نهضته (1).
وإذا جئنا إلى فضائل رمضان في المعارج نجد تكرارا لما سبق ذكره في كتب التراث العماني، وفي بداية الباب يشير السالمي لو لم يثبت عن النبي – صلى الله عليه وسلم – في فضائل رمضان إلا حديث الصوم لي لكفى، وقد تقدم الإشارة إلى هذا الحديث وعرضه على كتاب الله تعالى.
وعلى العموم يمكن التركيز في روايات فضائل رمضان في المعارج على روايتين:
الأولى: وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم -: من صام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه، ومن قام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه، ومن قام ليلة القدر إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه".
__________
(1) ينظر: معجم أعلام الإباضية، قسم المشرق، ترجمة نور الدين السالمي. (1/49)
صفحة 50
والحديث روى الربيع شطره الأول: من صام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه، ورواه كاملا البخاري ومسلم من الطريق نفسه بسند صحيح.
قوله: من صام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه، سبق الإشارة إلى بيان الحديث، واشتراط الإيمان والاحتساب في قبوله، وهذا يوافق قوانين الله في القرآن الكريم.
قوله: ومن قام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه، ولا شك أنّ قيام الليل من أعظم القربات، قال سبحانه: تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (1)، وقيام الليل في رمضان مضنة الخير العميم، والفضيل الكبير.
والإشكالية أنّ الناس تصوروا أنّ القيام في رمضان مقصور على صلاة التراويح، مع أنّ التراويح بهذه الصفة لم تكن معهودة في عهده عليه الصلاة والسلام، وإنما ابتدعت من بعده، فما رعيت حق رعايتها، قال تعالى: وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا (2)، فترى الناس يتنافسون على التراويح مع تقصيرهم في الفروض على وجوبها، والإجماع عليها، ولو أنهم أعطوا التراويح حقها لكان حسنا، فمنهم من يسرع فيها، وينقرها نقر الديك، ومنهم من لا تفهم شيئا من قراءته لسرعة القراءة، ومنهم من يفتن الناس بالتطويل فيها، ولو أنهم اقتصروا على ما أوجبه الله، واعتدلوا فيها لكان حسنا، وأقوم سبيلا.
ومن الناس من يلزم الناس بالتراويح، وربما رغبة منه في إدراك فضل قيام رمضان، فصور للناس أنّ من لم يصل التراويح في جماعة فحاله كحال من ارتكب معصية، ولا يجوز أن نلزم الناس بأمر لم يلزمه الله، ولا تشغل الذمة إلا بما أوجبه الله تعالى.
__________
(1) السجدة/ 16 - 17.
(2) الحديد/ 27. (1/50)
صفحة 51
كما أنّ الناس تركوا فضل آخر الليل، اعتقادا منهم أنّ أوله يجزيء، بل هو أفضل، ولا شك أنّ أول الليل إن قامه فحسن، سواء بمفرده أم مع الجماعة، ركعتين كان أم أكثر، والإقلال من الركعات مع الخشوع والتأمل والخضوع أفضل، فلو صلى الناس ركعتين بخضوع وتبتل؛ أفضل من عشرين ركعة مع سرعة، أو تجعل فتنة للناس، والصلاة آخر الليل أفضل، وهي من التراويح، وليست مستقلة عنها، فكلًًه قيام لليل، قال تعالى: كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (1).
وفي الرواية أيضا بيان أنّ القيام المقبول إذا كان مربوطا بالإيمان والاحتساب، وقيام الليل يظهر فيه الرياء بصورة واضحة، لذا يجب استحضار مقصد الإخلاص لله سبحانه، وإلا فالقيام مردود على صاحبه، قال تعالى: قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (2).
قوله: ومن قام ليلة القدر إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه، وليلة القدر سبق الحديث عنها، وعن الاختلاف في وجودها أصلا من عدمه (3)، ومن قال بوجودها في رمضان في أي ليلة هي؟!
وعلى العموم ذكرها هنا من باب ذكر الخاص من العام، أو البعض من الكل، فهي داخلة في فضل قيام رمضان، مع شرط الإخلاص لله سبحانه.
الرواية الثانية: وعَن أَنَس بْن مَالِك؛ قَالَ: دخل رمضان، فقال رَسُول اللَّهِ - صَلَى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسلَّمْ -: إنّ هذا الشهر قد حضركم، وفيه ليلة خير من ألف شهر، من حرمها فقد حرم الخير كله، ولا يحرم خيرها إلا كلّ محروم.
__________
(1) الذاريات/ 17 - 18.
(2) الكهف/ 110.
(3) وممن قال بانقطاعها من التابعين الخليل بن أحمد، إذ قال إنها وقعت مرة بنزول القرآن ولا تعد، ومع وجاهة هذا القول، إلا أنّ المسألة تحتاج إلى نظر وتأمل أعمق. (1/51)
صفحة 52
روى هذا الحديث ابن ماجه باللفظ والطريق نفسه، وجاء في الزوائد: في إسناده عمران بْن أبي داود أبو العوام القطان، مختلف فيه، ومشاه الإمام أحمد، ووثقه عفان والمجلي، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال ابن عدي: مغرب عَن عمران، وروى عَن غير عمران أحاديث غرائب، وأرجو أنه لا بأس به، وباقي رجال الإسناد ثقات (1).
قوله: إنّ هذا الشهر قد حضركم، وفيه ليلة خير من ألف شهر، وقد تقدم بيان ليلة القدر.
قوله: من حرمها فقد حرم الخير كله، ولا يحرم خيرها إلا كلّ محروم، أي من حرم إدراك هذه الليلة، ولو جزءا منها – إن ثبتت – فقد فاته خير كثير، والعاقل من يسعى لقيام رمضان وغيره من الشهور، وقيام رمضان فيه من الفضل العميم كما مر، إلا أنّ تدبر القرآن والعمل به هو المغزى من هذه الليلة، فقيامك مع التأمل في القرآن، ومحاسبة نفسك مع ضوءه شيء جليل، وعمل مبارك فضيل، من هنا يجب التنبيه كما أنّ لليلة القدر من أهمية، إلا أنها اكتسبت هذه الأهمية من خلال القرآن المنزل فيها.
الدراسة السادسة: فضائل رمضان من خلال كتاب جواهر الآثار للشيخ العلامة محمد بن عبد الله بن عبيدان (2):
العلامة محمد بن عبد الله بن جمعة بن عبيدان، من علماء القرن الحادي عشر الهجري، وأدرك بداية القرن الثاني عشر الهجري، إذ توفي بعد: 1104هـ، كان قاضيا للإمام سلطان بن سيف بن مالك، عاش إلى أيام بلعرب بن سلطان، وهو أحد العلماء الخمسين الذين تخرجوا في المدرسة التي أنشأها ورعاها الإمام بلعرب بن سلطان في حصن جبرين (3).
__________
(1) مجمع الزوائد، نسخة الكترونية.
(2) ينظر: جواهر الآثار لابن عبيدان، ط وزارة التراث القومي والثقافة، ط الأولى، 1986م، ج12، ص 84 - 98.
(3) ينظر: معجم أعلام الإباضية، قسم المشرق، ترجمة ابن عبيدان. (1/52)
صفحة 53
نلاحظ كالعادة في الجواهر تكرارا للفضائل، إلا أنّه لا يقتصر فقط على الفضائل المنسوبة إلى الرسول أو الصحابة، فيدخل بعض الحكم التي استخلصها بنفسه أو تقلا عمن تقدمه، كذلك يضيف بعض الأبيات التي تحوي بعض فضائل الشهر، ومن هذه الفضائل التي ذكرها:
- ويوجد في بعض الكتب عن النبي – صلى الله عليه وسلم – أنّه قال: تزخرف الجنان من الحول إلى الحول لدخول شهر رمضان.
وقد سبق بيان هذه الرواية فهي كما مر من حديث ابن عباس والذي رواه البيهقي بسند ضعيف جدا، ونصه: عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنّ الجنة لتنجد – أي لتتزين- وتزين من الحول إلى الحول لدخول شهر رمضان، فإذا كان أول ليلة من شهر رمضان هبت ريح من تحت العرش يقال لها: المثيرة تصفق ورق أشجار الجنة، وحلق المصاريع فيسمع لذلك طنين لم يسمع السامعون أحسن منه ... إلى آخر الرواية.
قوله: تزخرف الجنان، إن صح فهو كناية عن القبول الإلهي لمن صام رمضان إيمانا واحتسابا، فيكون من أهل الجنان، ولا يمكن الجزم بحقيقة زخرفة الجنان لأحادية الرواية، فضلا عن كونها شديدة الضعف سندا.
-قوله: يا موسى، قل للمؤمنين لا يستعجلوا إجابة دعوتي، ولا تبخلوا باليسير، فإني أبغض البخيل، لأني أنا الفتاح بالخيرات، أحق ما أعطي، وأكرم من سئل.
لم أجده، وعلاقته برمضان من باب النافس على فعل الخير، والإكثار من التضرع والخضوع، وهذا يعمُّ سائر العام، إلا أنّه في رمضان أرجى، لقرب القلوب من باريها سبحانه وتعالى. (1/53)
صفحة 54
قوله: قل للمؤمنين لا يستعجلوا إجابة دعوتي، ويدخل هذا في حسن الظن بالله تعالى، فالأصل أنّ العبد يحسن الظنّ بربه سبحانه، ويرجو منه إجابة الدعاء، فالله أعلم بما يصلحه في دينه ودنياه وعاقبة أمره، لذا كان من صفات المنافقين سوء الظنّ بالله سبحانه، قال تعالى: وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (1)، وقد نهى النبي – صلى الله عليه وسلم – عن استعجال ثمرة الدعاء حيث قال: لا يزال يستجاب للعبد ما لم يدع بإثم، أو قطيعة رحم ما لم يستعجل، قيل: يا رسول الله ما الاستعجال؟ قال: يقول: قد دعوت وقد دعوت فلم أر يستجاب لي، فيستحسر عند ذلك ويدع الدعاء (2)، فينبغي للداعي أن يتأدب مع ربه، ويدعو بما يشاء من خيري الدنيا والآخرة، وليحسن ظنه بربه، فجوده واسع، وأجره عظيم، وليأخذ بالأسباب المادية، مع الخضوع والطلب من مسبب الأسباب جلّ وعلا.
__________
(1) الفتح/ 6.
(2) رواه مسلم من طريق أبي هريرة، الجزء الرابع، 48 - كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، 25 - باب بيان أنه يستجاب للداعي ما لم يعجل فيقول: دعوت فلم يستجب لي، حديث رقم: 92 - (2735). (1/54)
صفحة 55
قوله: ولا تبخلوا باليسير، فإني أبغض البخيل، لأني أنا الفتاح بالخيرات، أحق ما أعطي، وأكرم من سئل، فقوله: ولا تبخلوا باليسير ليس محصورا في الصدقات المادية، بل يعم كل خير يقرب إلى الله تعالى ولو قلّ، وفي هذا يقول سبحانه: وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (1)، ويقول أيضا: وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ (2)، فينبغي للمسلم أن يكون سباقا إلى الخير، ولو بإزالة الأذى عن الطريق، وينبغي أن يكون في رمضان أكثر تنافسا، لكونه دورة تدريبية يتدرب فيه المسلم على المسارعة والتنافس في الصالحات.
وإن قصد به الصدقات، فالمسلم جواد في ذلك، ولا يعني هذا أن يصل إلى درجة التبذير، فهو وسط بين التبذير والتقتير، قال تعالى: وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا (3)، وقد مر ذكر جواد النبي - صلى الله عليه وسلم -، فقد كان جوادا، إلا أنّه في رمضان أجود من الريح المرسلة.
__________
(1) آل عمران/133.
(2) المطففين/ 26.
(3) الإسراء/ 29. (1/55)
صفحة 56
وأما قوله: فإني أبغض البخيل، فهذا فيه عموم وخصوص أيضا، أما العموم فالأصل من الرواية البخل من أي عملٍ صالح، وهذا من صفات المنافقين، قال تعالى: إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا (1)، لذا تراهم يتشبثون بالأعذار الواهية كما قال سبحانه واصفا إياهم عندما أمرهم النبي عليه السلام بالمشاركة في الغزوة مع المؤمنين تعذروا بقولهم: فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلَافَ رَسُولِ اللَّهِ وَكَرِهُوا أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَالُوا لَا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ (2).
__________
(1) النساء/ 142.
(2) التوبة/ 81. (1/56)
صفحة 57
وإذا جئنا إلى الخاص وهو البخل في الإنفاق على النفس والعيال ووجوه البر فهذا أيضا ذمه الله تعالى ولو كان فوق الزكاة الواجبة، واعتبره من صفات المنافقين حيث قال سبحانه: إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ مَا آَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا (1)، ووصف الله المنافقين بأنهم يقبضون أيديهم عن الصدقة ودعم أعمال البر حيث يقول: الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (2)، ويشتد الأمر إذا كان البخل يتعلق بالصدقات الواجبة، لذا كان الوعيد عليه شديدا، قال سبحانه: وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (3).
__________
(1) النساء/ 36/ 37.
(2) التوبة/ 67.
(3) آل عمران/ 180. (1/57)
صفحة 58
أما قوله: لأني أنا الفتاح بالخيرات، أحق ما أعطي، وأكرم من سئل، وذلك لأنّ الكون بيد الله تعالى، لا يملك خزائنه إلا هو سبحانه، قال تعالى: وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ (1)، فهو سبحانه الذي يعطي ويقبض، فلا يصح أن يسأل غيره، نبيا كان أم ملكا، وليا أم عدوا، حيا أم ميتا، قال سبحانه حكاية عن نبيه: قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَفَلَا تَتَفَكَّرُونَ (2)، فالرزق بيد الله وحده، ولا يصح أن يشرك معه أحد غيره، قال سبحانه: قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ (3).
والرابط بين هذا ورمضان أنّ رمضان دورة للدربة على التوجه إليه سبحانه، والتخلص من مظاهر الشرك، فيلجأ إليه وحده في السراء والضراء، لا يلجأ إلى ضريح أو قبر، ولا يقرن اسم غير الله مع الله، وليتوسل بالله وحده أو بأسمائه، فهو غني عن مخلوقاته، ولذا قال سبحانه في آيات الصيام: وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ (4).
__________
(1) الحجر/ 18 - 20.
(2) الأنعام / 50.
(3) يونس/ 31.
(4) البقرة: 186. (1/58)
صفحة 59
- قوله: ومن كتاب قواعد الإسلام (1): وفرض سبحانه الصوم على ذوي الفاقة والأغنياء، لكسر شهوة النفس التي هي آلة الشيطان، وليعرفوا إذا صاموا رمضان ما يقاسيه ذوي الفاقة من شدة المجاعة طول الزمان، فتسخوا أنفسهم، حينئذ يرفع الزكاة وغيرها من الحقوق الواجبة إليهم.
كما نرى لا يتقيد مؤلف الجواهر بالنصوص الروائية عن الرسول – عليه الصلاة والسلام -، أو الصحابة أو التابعين، فيذكر عن علماء متأخرين، وإن كان على سبيل الحكمة من مشروعية الصيام، إلا أنّه أدخلها في فضائل رمضان، وعموما هذه الحِكَم تتوافق في مجملها مع النصوص القرآنية والروائية، وهي استقراء لآثار وأبعاد الصيام كما سنرى من النص السابق.
أما قوله: وفرض سبحانه الصوم على ذوي الفاقة والأغنياء، لكسر شهوة النفس التي هي آلة الشيطان، وذلك لأنّ الصيام دورة تدريبية تشمل الجميع، الأغنياء والفقراء، الذكور والإناث، الرؤساء والمرؤوسين، الكل في شهر واحد، وفي هذا كسر لأنانية وأهواء النفس، إذ يستغل الشيطان الضعف البشري مع النفس الأمارة بالسوء، والتي تقوده إلى الأنا وحب التعالي، بجانب انتهاك المحرمات وتجاوز الحدود الإلهية، فتنكسر هذا النفس الأمارة بالسوء في رمضان، لتكون نفسا مطمئنة آمنة طول العام، قال تعالى: وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا (2).
__________
(1) كتاب قواعد الإسلام للشيخ أبي طاهر إسماعيل بن موسى الجيطالي، توفي سنة 750هـ، من علماء جبل نفوسة بالمغرب العربي.
(2) الشمس/ 7 - 10. (1/59)
صفحة 60
أما قوله: وليعرفوا إذا صاموا رمضان ما يقاسيه ذوي الفاقة من شدة المجاعة طول الزمان، فتسخوا أنفسهم، حينئذ يرفع الزكاة وغيرها من الحقوق الواجبة إليهم، حيث هنا تتحقق التكاملية، فليس الذي سمع كمن جرب، فهو يجرب شهرا كاملا في الابتعاد عن ملذات الشراب، وأطايب الطعام، وهي مفتوحة بين يديه، فيشعر بحاجة أخيه الإنسان، الذي حرم ملذات الحياة أو بعضها، فيرق قلبه، فتمتد يده عطفا على أخيه المسلم، فيحدث التكامل الاجتماعي من خلال مبدأ العدالة الاجتماعية التي أرادها الإسلام، ليست قوانين فحسب، بل مبادئ يقوم عليها جميع أفراد المجتمع المسلم، من هنا كان عيد الفطر بعد شريعة الصيام، ومن هنا كانت زكاة الفطر.
- قوله: ومن غيره: ولن ينال فضله إلا من عرف حرمته، وأصان لسانه عن قبح الكلام وفضوله، وتحفظ فيه من الكذب ومجاريه، واحترز من الغيبة والنميمة وسائر مساويه، وحفظ جوارحه كلها عن المعاصي ظاهرا وباطنا، وأصلح طمعته التي بها صلاح قلبه الذي عليه المدار، وكان خائفا من رد صومه، وسائر عمله عليه، وراجيا لقبوله بفضل الله وإحسانه إليه.
وهذا يتوافق مع قواعد القرآن وكلياته في قبول الأعمال، فالقاعدة القرآنية تقول: إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا (1)، فاشترطت الآية لتكفير الذنب اجتنابَ الكبائر، فلا تجتمع طاعة مع معصية لله تعالى.
وأشار النص السابق إلى كبائر ومعاصي منها:
- فحش الكلام وفجوره.
- الكذب بأنواعه.
- الغيبة والنميمة.
- الفواحش والمنكرات.
- أكل الحرام.
__________
(1) النساء/ 31. (1/60)
صفحة 61
وهذا ما أكده النبي – صلى الله عليه وسلم – حيث يقول: من لم يدع قول الزور والعمل به، فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه (1)، فلا معني للإمساك عن الطعام والشراب؛ بينما يطلق للسانه العنان، فيغتاب هذا، ويسب ذاك.
وفي حديث آخر يصرح النبي – صلى الله عليه وسلم – بإحباط أجر صيام من يمشي بين الناس بالغيبة والنميمة، حيث يقول عليه السلام: الغِيبة تُفَطِّرُ الصائم وتنقض الوضوء (2)، فالصوم وإن كان ظاهره صحيحا إلا أنّه من حيث القبول الإلهي لا قيمة له حسب القانون الرباني، يقول عليه الصلاة والسلام مبيننا هذا القانون: لا إيمان لمن لا صلاة له، ولا صلاة لمن لا وضوء له، و لا صوم إلا بالكف عن محارم الله (3).
الدراسة السابعة: فضائل رمضان من خلال كتاب الجامع لابن جعفر (4):
كتاب الجامع للشيخ العلامة: محمد بن جعفر الإزكوي الأصم، أبو جابر، من علماء القرن الثالث الهجري، من أشهر علماء القرن الثالث بعمان، أصم، من إزكي، وكان أحد أصحاب مدرسة الرستاق.
عاصر الشيخ أبا المؤثر الصلت بن خميس، وكانا ممن عقد البيعة لعزان بن تميم الخروصي سنة: 277هـ، ولاه الإمام الصلت بن مالك صحار، اختار مع ابنه الأزهر تولي موسى بن موسى وراشد لما اختلف الناس فيهما بعد عزل الإمام الصلت بن مالك.
__________
(1) رواه البخاري من طريق أبي هريرة، الجزء الأول، 36 - كتاب الصوم، 8 - باب: من لم يدع قول الزور، والعمل به في الصوم، حديث رقم: 1804.
(2) رواه الربيع من طريق ابن عباس، الباب السابع عشر: ما يجب منه الوضوء، حديث رقم: 105.
(3) رواه الربيع من طريق ابن عباس، الباب الخامس عشر: في آداب الوضوء وفرضه، حديث رقم: 91.
(4) ينظر: الجامع لابن جعفر، ط وزارة التراث القومي والثقافة / سلطنة عمان، ج 3، ص 159 - 165. (1/61)
صفحة 62
وهو أحد الثلاثة الذين دار عليهم أمر عمان في زمن واحد فقيل: رجعت عمان في ذلك العصر إلى أصم وأعرج وأعمى، فالأعمى: الشيخ أبو المؤثر، والأعرج: الشيخ نبهان بن عثمان، والأصم: الشيخ أبو جابر محمد بن جعفر.
ألف كتاب الجامع، وقد قال عنه الشيخ مهنا بن خلفان البوسعيدي: كتاب شريف جليل القدر محتو على معان جليلة في الأثر، ويعد من أصول كتب الفقه عند الإباضية.
توفي بعد عام: 277هـ (1).
وكتاب الجامع من حيث فضائل رمضان لا يوجد فيه جديد من الروايات، فكل ما فيه سبق ذكره، وإن كان هو الأصل لقدمه، فكل من أتى بعده ينقل عنه.
الدراسة الثامنة: كتاب غرس الصواب في قلوب الأحباب للشيخ سعيد بن حمد الحارثي (2):
ولد الشيخ سعيد في المضيرب يوم الاثنين 13 من رجب سنة 1346هـ، وترتيبه بين إخوته الثالث، ختم القرآن الكريم في السادسة من عمره وحفظ أغلبه عن ظهر قلب، كما حفظ الأراجيز والأشعار الكثيرة والمغازي.
درس على يدي الشيخ يزيد بن خالد بن الوليد البوسعيدي من بلدة منح، ثم الشيخ سعود بن سليمان بن جمعة الكندي من مدينة نزوى، ثم الشيخ سعيد بن راشد بن سيف الحارثي من المضيرب.
وبعد ذلك بدأ يدرس الفرائض، وقد كان أستاذه في هذا الفن الشيخ ناصر بن سيف البطاشي، وقد بقي معه مدة طويلة، أما أغلب ما حصله من العلم فكان حسب قوله من الشيخ ناصر بن سعيد النعماني حيث لازمه عشرين عاما، كما تتلمذ على يدي الشيخ ناصر بن حميد الراشدي من سمد الشأن، وقد اكتسب الكثير من العلم والخبرة من كلا الشيخين والشيخ محمد بن سالم الحارثي.
__________
(1) ينظر: معجم أعلام الإباضية، قسم المشرق، ترجمة ابن جعفر.
(2) ينظر: غرس الصواب في قلوب الأحباب، للشيخ سعيد بن حمد الحارثي، ط وزارة الأوقاف والشؤون الدينية، سلطنة عمان، مكتب الإفتاء، 1419هـ/ 1998م، ص 100 - 101. (1/62)
صفحة 63
وبعد ستة شهور من بدء العهد الجديد للسلطنة، وتولى حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس مقاليد الحكم في البلاد عين واليا على المنطقة الشرقية، وكانت تشمل آنذاك توابع المضيرب وإبرا ووادي نام.
ثم نقل واليا على الرستاق، وكان ذلك سنة 1391هـ، فبقي تسعة عشر شهرا، ثم التحق بوزارة التربية والتعليم وعين مشرفا على الجوامع التعليمية وذلك سنة 1975م، ثم انتقل ليتولى رئاسة جهاز التربية الإسلامية في نفس الوزارة، ثم انتقل إلى وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية وعين مساعدا لمدير الشؤون الإسلامية، وفي ذلك العام عام 1396هـ ترأس بعثة الحج العمانية كما ترأسها في الأعوام التالية حتى عام 1400هـ.
وفي سنة 1398 عين مديرا للشؤون الإسلامية، وفي سنة 1400هـ عين مديرا لمعهد القضاء والإمامة والخطابة، وفي هذا المعهد ربى جيلا عرف بالتقوى والزهد والورع، وفي سنة 1406هـ أحيل للتقاعد الإجباري بسبب تأليفه كتاب اللؤلو الرطب الذي ذاع صيته، وأصبحت حتى المخابرات الأجنبية تطلبه حسب ما ذكر في كتابه الزهر الربيع في السعي لإرضاء الجميع.
عشق السفر وقد وفق لزيارة معظم دول العالم، وكان لا يزور بلدا إلا ويتحدث عنه بالنثر والشعر وقد ضم هذه الزيارات في كتابه (حياتي).
وله دور بارز في مجال التأليف، وقد أثرى المكتبة العربية بأكثر من عشرة مؤلفات، ويتسم أسلوبه بالبساطة وعدم التكلف، كما يتخلله بعض النوادر والطرف، ونذكر فيما يلي أسماء بعض مؤلفاته الشهيرة: إزاحة الأغيان عن لغة أهل عمان، وغرس الصواب في قلوب الأحباب، وتلخيص كتابي نتائج الأقوال والمعارج للشيخ نور الدين السالمي، الصيب من حكم أبي الطيب، وله بعض الرسائل الصغيرة عن غزوات الرسول صلى الله عليه وسلم، واللؤلو الرطب، وغرس الصواب في قلوب الأحباب، والزهر الربيع في السعي لإرضاء الجميع. (1/63)
صفحة 64
توفي يوم الأحد 9 ربيع الثاني 1430 هـ، الموافق 5 أبريل 2009 م (1).
أما فيما يتعلق بالفضائل فنجد الشيخ يكرر ما ذكره السابقون، إلا أنه انفرد بالإشارة إلى فضيلة، وإن كانت ليست في لب الموضوع؛ إلا أنّ جوهرها يعمّ الصيام بدرجة أولى وهي:
- يقول: عن رسول الله – صلى الله عليه وسلم - يقول: إنّ الله تعالى يباهي ملائكته بالشاب العابد فيقول: أيها الشاب التارك شهوته لأجلي، المبذل شبابه لي، أنت عندي كبعض ملائكتي.
والحديث أخرجه العراقي في تخريج أحاديث الإحياء وقال: أخرجه ابن عدي من حديث ابن مسعود بسند ضعيف.
وقد علل الشيخ الحارثي سبب ذكرها في باب الفضائل بقوله: وإنما خص الشباب بالذكر دون الشيخ؛ لأنّ الشيخ أقرب إلى الطاعة، ومن بلغ الأربعين ولم يقلع عن معاصيه فذلك أقرب إلى سخط الله، ولذا ترى الحث للشباب أكثر منه للشيخ؛ لأنّه مقبل والشيخ مدبر، ويقول الله سبحانه وتعالى: إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ (2).
ولا شك أنّ رمضان له تأثير على نفسية الشاب، فهو متعلق بالشهوات أكثر من الرجل الكبير سنا، فيكون رمضان دربة له على تهذيب النفس، وترويض الشهوات وفق حدود الله تعالى، وتغليب العقل عليها، ليكون كذلك طول عامه وحياته حتى يلقى ربه سبحانه.
المبحث الثاني
التطور الروائي في كتب التراث العماني من خلال روايات فضائل رمضان
تقدمة:
إذا جئنا إلى الجانب الروائي وتطوره في الفكر الإباضي لا بد من الإشارة إلى مفهومين:
- مفهوم السنة.
- مفهوم الرواية.
أما مفهوم السنة فقد تعددت تفسيراتها، ويمكن أن نعرفها بالتطبيقات التي أنزلها النبي – صلى الله عليه وسلم – وهي غالبا تدخل في بيان وتفسير الكتاب العظيم ليكون واقعا حيا، لذا لا نجد فيها:
- مخالفة للقرآن.
- مخالفة للعقل.
- مخالفة للسنن الكونية.
__________
(1) ينظر: منتديات سبلة عمان على الشبكة العالمية، http://www.s-oman.net.
(2) الزمر/ 10. (1/64)
صفحة 65
- مخالفة للوقائع التاريخية المتفق علية.
- ذكر أحداث غيبية أضيفت إليه عليه السلام.
- غالبا تكون المذاهب الإسلامية متفقة عليها.
- لا يوجد فيها تهويل في جانب الثواب أو العذاب.
أما مفهوم الرواية فهو أعم من مفهوم السنة، فقد حدث انفجار هائل في نهاية القرن الأول الهجري، وتم إضافة أحاديث إلى النبي عليه السلام إما لأغراض سياسية، أو لأغراض مذهبية فيما بعد.
ومن هذه الأغراض غرض انفتاح الناس على الحياة الدنيا، وانتشار المخالفات في جلسات السمر، والبعد تدريجيا عن الالتزام الديني، لذا ظهر مجموعة من الوعاظ نسبوا روايات ليس الغرض منها الكذب على النبي؛ ولكن هدفها حث الناس على اتباع الدين.
وبما أنّ صناعة السند ليس بالأمر الصعب كما يصور، لذلك وجدوا من الرواية متنفسا لهم، فوضعوا فضائل السور، وفضائل الأعمال، ووضعوا روايات الترهيب، كروايات عذاب القبر، ومنكر ونكير، وعذاب النار، بجانب روايات الترغيب.
من هنا ازداد مجموع الروايات بعد ما كانت محدودة العدد، وبعد ما كان يشم منها رائحة النبوة؛ أصبحت يشم منها رائحة الوضع وتقزيم الدين وتشويهه بإبعاد الناس عن القرآن الكريم، وسنن الله التي لا تتغير، ووصف من يعمل عقله بالزندقة ونحوه (1).
فنجد مثلا: مسند الإمام الربيع (ت ق 2هـ)، ومجموع الإمام زيد (ت122هـ)، وموطأ الإمام مالك (ت179هـ) واضحة المعالم، مع محدودية الرواية مقارنة بمسند الإمام أحمد (ت241هـ)، وصحيحي البخاري (ت256هـ) ومسلم (ت261هـ)، والصحاح الأربع، فضلا عن الكافي للكليني (ت329هـ)، وكذلك ما يحضره الفقيه للشيخ الصدوق (ت381هـ)، وغيرها من المصادر الحديثية، فنجد الانبهار الروائي، مع مخالفة العديد للروايات لقوانين القرآن والكون والعقل، ومع ذلك لقت قبولا واضحا عند المدارس الإسلامية.
__________
(1) لنا بحث في هذا بعنوان: القمع الفكري بين المدارس الإسلامية ... أسباب وآثار. قيد الطبع. (1/65)
صفحة 66
ومع محاولة التصحيح بين الفينة والأخرى كما نجد عند العراقي (ت806هـ) في تخريج أحاديث الإحياء، والسيوطي في جامعه الصغير (ت911هـ)، والعجلوني (ت 1162هـ) في كشف الخفاء، والزيلعي (ت762هـ) في نصب الراية، ومن المتأخرين مثلا الألباني (ت2000م) في سلسلته، ومن الشيعة مثلا حسين المؤيد (لا يزال على قيد الحياة) كما في استفتاءاته، إلا أنّ الألف عام من ظهور الرواية ومحاولة التصحيح بين الفينة والفينة؛ أثبتت هذه السنوات عجز منهج أهل الحديث في علاج الأزمة من خلال التركيز غالبا على السند.
ولو كانت المسألة متعلقة بالتطبيقات العملية لكان الأمر هينا؛ بل أصبح الأمر متعلقا بالأمور الغيبية؛ وتغييب القوانين القرآنية، وتقديس شخصيات بشرية، وتأويل القرآن تأويلات سياسية ومذهبية، نحو روايات الجزاء، والتشبيه والتجسيم، والإمامة والولاية، وتحريف القرآن، وغيرها من الأمثلة يطول بها المقام.
وإذا جئنا إلى المدرسة الإباضية في فترتها المبكرة أدركت خطورة هذا الانبهار، لذا حاولت الحدّ من الانفتاح الروائي، ليس في الاعتقاد والسياسة فحسب؛ بل حتى في الجانب العملي، ولنظرب على هذا بمثالين:
المثال الأول: مسند الإمام الربيع بن حبيب (1): ومع عمق المدرسة الإباضية الأولى من حيث المدارسة الحديثية بتسلسل السند واتصاله (تابعي صحابي)؛ إلا أننا لا نجد تلك الروايات – مثلا في فضائل رمضان – والتي تخالف القوانين القرآنية، وإذا عرضنا الفضائل التي جاء ذكرها في المسند فهي أربع أحاديث تتوافق كليا مع القرآن الكريم وقوانينه، فهي كالتالي:
- من صام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه، ولو علمتم ما في فضل رمضان لتمنيتم أن يكون سنة.
- خلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك، فارق عبدي شهوته وطعامه من أجلي، فالصيام لي وأنا أجازي به.
__________
(1) ويعود إلى القرن الأول والثاني الهجري. (1/66)
صفحة 67
- لا إيمان لمن لا صلاة له ...... إلى قوله: ولا صوم إلا بالكف عن محارم الله.
- الصوم جنة فإذا كان أحدكم صائما فلا يرفث ولا يجهل، وإن امرء قاتله أو شاتمه فليقل إني صائم.
وتقدم الإشارة إليها تحليلا وعرضا، فهي تتوافق كليا مع (القرآن والكون والعقل)، ولا نجد فيها تهويلا من حيث الترغيب أو الترهيب.
المثال الثاني: مدونة أبي غانم الخراساني (1)
نجد الإباضية الأوائل كما أسلفنا يحترزون كثيرا من الرواية، لما شاع فيها من الكذب والتدخل السياسي والمذهبي فيما بعد، لذا تجدهم يعرضونها على أقوال أئمتهم جابر بن زيد وأبي عبيدة، والذين أخذوا عن صحابة رسول الله – صلى الله عليه وسلم -.
وهذا قريب جدا من منهج الإمام مالك بن أنس (ت179هـ)، فقد كان من أصول مذهبه في قبول الرواية الآحاد عدم مخالفتها لعمل أهل المدينة، حيث يقدم عمل أهل المدينة، فهم الذي تسلسل فيهم العمل عن طريق كبار التابعين فالصحابة الذين عاش الرسول عليه السلام أكثر وقته بين ظهرانيهم، ومن أمثلة ذلك السدل في الصلاة، وإن روى مالك حديث الضم إلا أنه معارض لعمل أهل المدينة، فقدم العمل وهو السدل على حديث الآحاد، ونحو ذلك حديث صلاة ركعتين إذا دخل المصلي المسجد والإمام يخطب، فقد كان أهل المدينة يجلسون، وهم الذين أدرك آباؤهم وأجدادهم رسول الله – صلى الله عليه وسلم -، وصلى بهم عشرات من الجمع، فهل يعقل أن لا يتأخر رجل منهم إلا مرة واحدة فينكر عليه الجلوس، لذا كان منه أن قدم العمل على حديث الأحاد (2).
__________
(1) تعود إلى القرن الثاني للهجرة إذ وفاة أبي غانم سنة 205هـ على التقريب.
(2) ينظر: بحث: الأدلة والأصول والقواعد التجديدية في الفقه المالكي، للدكتور محمد بشير سويسي، مدرج ضمن كتاب ندوة تطور الفقه الإسلامي والمستقبل، الأصول المقاصدية وفقه التوقع، 1430هـ/ 2009م، إصدار وزارة الأوقاف والشؤون الدينية/ سلطنة عمان، ط الأولى، 1431هـ/ 2010م، ص 268 - 276. (1/67)
صفحة 68
ومن الروايات التي ردها أصحابنا الأوائل لمخالفتها العمل وأقوال الثقات الذين أخذوا دينهم من طريقهم روايات القنوت، فقد جاء في المدونة ص84 (1): ... أسألك عن الذي يفعل هؤلاء بعد الركوع، يقومون يدعون ويتهللون وهم قيام؟ قال: هذا أمر محدث، لا نعرفه ولا نأثره عمّن مضى من خيار هذه الأمة.
كذلك نجدهم لم يعملوا بروايات التوقيت في غسل الإناء إذا ولغ فيه الكلب وذلك لأنّ الأصل هو التنقية، فتحرَّز من العمل بالرواية حتى ولو على سبيل الاستحباب خشية أن تكون ليست صحيحة عنه – عليه السلام -، أو مخالفتها ما جرى العمل عليه، فيقدم العمل على الأحاد، ففي المدونة: قلتُ – أي أبا المؤرج ت 205هـ- أتوقت في غسله ثلاثا أو سبعا كما قال هؤلاء؟ قال – أي أبا عبيدة (ت150هـ) -: لا أوقت في ذلك وقتا دون حسن التنقية والغسل، فإن أنقاه في مرة واحدة فليتوضأ به (2).
فعلى هذا نجد الحذر الشديد من أصحاب المدرسة الإباضية الأوائل في قبول الرواية، ثم حدث التساهل من القرن الثالث الهجري تقريبا، أو نهاية القرن الثاني الهجري (3).
ثم بدأ التغلغل في الفضائل والتي أجيزت عند عموم الأمة نقلها من طريق ضعيف، إلا أننا نجد في التطبيق العملي لا زالوا يأخذونها بحذر مع مراعاة أقوال المسلمين، أما في الاعتقاد فعندهم مبدأ عدم الأخذ بحديث الآحاد، وجعل القرآن محكما للرواية في هذا الجانب (4).
__________
(1) مدونة أبي غانم الخرساني، تحقيق يحيى النبهاني وإبراهيم العساكر، ط مكتبة الجيل الواعد، مسقط/ سلطنة عمان، ط الأولى، 1427هـ/ 2006م.
(2) المدونة، مصدر سابق، ص 48.
(3) وهذه بحاجة إلى دراسة استقرائية لكتب ومخطوطات القرن الثاني والثالث الهجري، وما ذكرته كان استنتاجا أوليا لا غير، فلينظر فيه ولا يؤخذ إلا بعدله.
(4) ولنا بحث في هذا سميناه: عرض آراء الإمام الجويني من خلال كتاب اللمع على القرآن الكريم، مقارنة بالمذاهب الإسلامية، مخطوط (1/68)
صفحة 69
ولكن في الفترة المتأخرة بدأ تغلغل الرواية في كتب التراث الإباضي العماني في الجانب العملي بصورة كبيرة جدا، مع الحاجة إلى بحث استقصائي في الكتب المتأخرة لتحديد الفترة الزمنية، إلا أنّ جانب الاعنقاد ظلّ مصونا عن التغلغل الروائي بصورة كبيرة.
والآن ننطلق إلى القراءة الاستنتاجية في روايات وآثار فضائل رمضان من خلال الكتب الثمانية والتي قمنا بدراستها وعرضها على القرآن الكريم في المبحث الأول.
قراءة استنتاجية:
لنرجع الآن إلى الكتب التي قمنا بدراستها لندرك التطور الزمني في الرواية من خلال روايات فضائل رمضان:
أولا: كتاب الجامع لمحمد بن جعفر للشيح الإزكوي الأصم، من علماء القرن الثالث الهجري:
إذا نظرنا في فضائل رمضان من خلال كتاب أبي جعفر نجده لم يستند إلى رواية صحيحة فكلها ضعيفة سندا، مع ضعف متنها وركاكته، فكان مجموع ما استند إليه:
الروايات عن الرسول ... الآثار المنسوبة ... المنسوب إليه ... الآثار غير المنسوبة
3 ... 1 ... موسى عليه السلام ... 7
النتيجة:
بداية التطور في إدخال روايات ولو لم تكن من روايات المدرسة، وعدم الإشارة عن درجة صحتها، ولعل هذا يدخل في التساهل الكبير في قبول الحديث الضعيف في فضائل الأعمال، مثلا: قال الإمام أحمد (ت241هـ) وغيره من الأئمة: إذا روينا في الحلال والحرام شدَّدنا، وإذا روينا في الفضائل ونحوها تساهلنا (1).
ثانيا: كتاب بيان الشرع للشيخ أبي عبد الله محمد بن إبراهيم الكندي من علماء القرن الخامس الهجري:
نجد المؤلف الكندي في بداية الباب يفتتحه بنقل ما قاله ابن جعفر في جامعه، دون الإشارة إلى تصحيح أو تضعيف، وعليه يكون استند على التالي:
الروايات عن الرسول ... الآثار المنسوبة ... المنسوب إليه ... الآثار غير المنسوبة
3 ... 1 ... موسى عليه السلام ... 7
أما الجديد الذي ذكره الكندي فيتمثل وفق الجدول التالي:
__________
(1) حكم قبول الحديث الضعيف في فضائل الأعمال مقال للشيخ عبد الخالق حسن الشريف، من الشبكة العالمية. (1/69)
صفحة 70
القرآن ... الرسول ... الآثار المنسوبة
المسند (1) بلفظ آخر ... حديث صحيح ... حديث ضعيف ... حديث ضعيف جدا ... أثر عن ابن عباس ... شعر عن أبي نواس
1 ... 3 ... 2 ... 4 ... 6 ... 1 ... 1
النتيجة:
تطور الجانب الروائي عند الإباضية في فضائل الأعمال، مع الاستناد إلى الآثار ولو شعرا.
ثالثا: كتاب منهج الطالبين وبلاغ الراغبين للشيخ خميس بن سعيد الشقصي، من علماء النصف الثاني من القرن العاشر والنصف الأول من القرن الحادي عشر:
من خلال استقرائنا لروايات وآثار فضائل رمضان في منهج الطالبين نجد التالي:
حديث ... أثر ... الحكمة
موافق المسند ... صحيح ... ضعيف ... ضعيف جدا ... تابعي ... شعر
مكرر ... غير مكرر ... مكرر ... غير مكرر ... مكرر ... غير مكرر ... مكرر ... غير مكرر ... مكرر ... غير مكرر ... مكرر ... غير مكرر
2 ... - ... - ... - ... 6 ... 2 ... 4 ... - ... 2 ... - ... - ... 1 ... 7
النتيجة:
تطور الجانب الروائي عند الإباضية في فضائل الأعمال، كذلك مع الاستناد إلى الآثار ولو شعرا، وإدخال الحِكَم ضمن الفضائل.
- رابعا: كتاب جواهر الآثار للشيخ محمد بن عبد الله بن جمعة بن عبيدان من علماء نهاية القرن الحادي عشر وبداية القرن الثاني عشر الهجري:
استخدم ابن عبيدان أسلوب الكندي في بيان الشرع حيث افتتح الباب يفتتحه بنقل ما قاله ابن جعفر في جامعه، دون الإشارة إلى تصحيح أو تضعيف، وعليه يكون استند على التالي:
الروايات عن الرسول ... الآثار المنسوبة ... المنسوب إليه ... الآثار غير المنسوبة
3 ... 1 ... موسى عليه السلام ... 7
أما الفضائل من غير جامع بن جعفر فبلغت التالي:
حديث ... أثر ... الحكمة
موافق المسند ... صحيح ... ضعيف ... ضعيف جدا ... تابعي ... شعر
مكرر ... غير مكرر ... مكرر ... غير مكرر ... مكرر ... غير مكرر ... مكرر ... غير مكرر ... مكرر ... غير مكرر ... مكرر ... غير مكرر
5 ... - ... 2 ... - ... 7 ... 2 ... 8 ... - ... 3 ... 5 ... 2 ... 2 ... 6
النتيجة:
استخدام الجانب الروائي في فضائل الأعمال بصورة أكبر، كذلك بجانب الآثار والشعر والحِكَم.
- خامسا: كتاب لباب الآثار المنسوب للشيخ سالم بن سعيد بن علي الصائغي من علماء القرن الثالث عشر الهجري:
__________
(1) أي مسند الإمام الربيع، وخصص لأنه معتمد الإباضية في الحديث. (1/70)
صفحة 71
مجموع فضائل رمضان في كتاب اللباب تشكل تقريبا التالي:
حديث ... أثر ... الحكمة
موافق المسند ... صحيح ... ضعيف ... ضعيف جدا ... تابعي ... شعر
مكرر ... غير مكرر ... مكرر ... غير مكرر ... مكرر ... غير مكرر ... مكرر ... غير مكرر ... مكرر ... غير مكرر ... مكرر ... غير مكرر
2 ... - ... - ... - ... 6 ... - ... 9 ... - ... 3 ... - ... 1 ... - ... 2
النتيجة:
نجد عند مؤلف اللباب تكرار ما سبق في فضائل رمضان، ولم يأت تقريبا بجديد.
- سادسا: كتاب معارج الآمال شرح مدارج الكمال للشيخ عبد الله بن حميد السالمي من علماء القرن الرابع عشر الهجري:
مجموع فضائل رمضان في كتاب المعارج تشكل تقريبا التالي:
حديث ... أثر ... الحكمة
موافق المسند ... صحيح ... ضعيف ... ضعيف جدا ... تابعي ... شعر
مكرر ... غير مكرر ... مكرر ... غير مكرر ... مكرر ... غير مكرر ... مكرر ... غير مكرر ... مكرر ... غير مكرر ... مكرر ... غير مكرر
4 ... - ... 2 ... 1 ... 4 ... 2 ... 3 ... - ... 1 ... - ... - ... - ... -
النتيجة:
تميز الشيخ السالمي بأنّه أكثر دقة في نقل الرواية وذكر طريق الرواية، مع حسن التبويب في الكتاب، ولعله استفاد من الكتب التي أحضرها من الحج أو أهديت له من القطب، مع تأثره بأهل الحديث وهو القائل:
حسبك أن تتبع المختارا *** وإن يقولوا خالف الآثارا
ومع هذا لا يخلو استدلاله من ضعف حديثي؛ إلا أنّه أقل مما سبق من الكتب والآثار.
- سابعا: كتاب غاية المطلوب في الأثر المنسوب للشيخ عامر بن خميس المالكي من علماء القرن الرابع عشر الهجري:
مجموع فضائل رمضان في كتاب الغاية على النحو التالي:
حديث ... أثر ... الحكمة
موافق المسند ... صحيح ... ضعيف ... ضعيف جدا ... تابعي ... شعر
مكرر ... غير مكرر ... مكرر ... غير مكرر ... مكرر ... غير مكرر ... مكرر ... غير مكرر ... مكرر ... غير مكرر ... مكرر ... غير مكرر
4 ... - ... 1 ... - ... 3 ... - ... 4 ... - ... 1 ... - ... - ... - ... -
النتيجة:
نجد عند الشيخ المالكي تكرار ذكر الفضائل، وينقل ما ذكره السلف، لأنّ الهدف من كتابه هو ذكر ما استند إليه من سبق من علماء المذهب من آثار، وهو في بابه دليل لتغلغل الرواية بغثها وسمينها، وصحيحها وسقيمها في كتب المذهب. (1/71)
صفحة 72
- ثامنا: كتاب غرس الصواب في قلوب الأحباب للشيخ سعيد بن حمد الحارثي من مشائخ نهاية القرن الخامس عشر الهجري.:
مجموع فضائل رمضان في كتاب غرس الصواب على النحو التالي:
حديث ... أثر ... الحكمة
موافق المسند ... صحيح ... ضعيف ... ضعيف جدا ... تابعي ... شعر
مكرر ... غير مكرر ... مكرر ... غير مكرر ... مكرر ... غير مكرر ... مكرر ... غير مكرر ... مكرر ... غير مكرر ... مكرر ... غير مكرر
- ... - ... 1 ... - ... 2 ... - ... - ... - ... - ... - ... - ... - ... -
النتيجة:
بما أنّ الشيخ الحارثي وضع كتاب غرس الصواب كرسالة سريعة للعامة، لذا أشار إلى بعض روايات الفضائل اختصارا، وإن لم يتقيد بما ذكر سابقا، مع ضعف مستند الحديث الذي يستدل به في الباب عدا حديث واحد.
خلاصة المبحث:
كما رأينا من خلال دراستنا السابقة أنّ الرواية بدأت تتغلغل في كتب المشارقة من المذهب الإباضي وفق الترتيب التالي:
- بداية في فضائل الأعمال.
- ومن ثم في الفقه وأبوابه بعد ما كان المستند إلى أقوال المذهب، والحذر من الانبهار الروائي؛ إذ لا علاقة بين الأول وتقديس الآباء، وبين الثاني واتباع السنة، لأنّ الرواية شيء والسنة شيء آخر، فصحة السند لا تعطي الرواية السنية أبدا، وعرض الرواية على أقوال القرن الأول الهجري ممن لا يكذبون على علماء الأمة، فضلا عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم – أهدى وأقوم سبيلا.
- وأخشى أن تتغلغل الرواية إلى جانب الاعتقاد خاصة من بعض الناس الذين لا يحسنون التعامل مع الأصول والقواعد، لذا يجب إعادة النظر في الجانب الروائي، وأخذ الحذر قدر الإمكان ردا وقبولا.
الخاتمة
من خلال ما تقدم نضع هذه التوصيات: (1/72)
صفحة 73
- اتباع الرسول – صلى الله عليه وسلم – أمر إلهي قرنه الله بطاعته سبحانه، وجعل اتباعه من محبته جلّ وعلا، قال تعالى: قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ (1)، واتباع الرسول بعد موته إنما يكون باتباع سنته عليه السلام.
ومع هذا حذّر الرسول من الكذب عليه حيث قال: من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار، ولكن الأمة لم تلتزم بهذا التحذير، فقد جُعِلَ من الرسول أدة وطريقا لأهواء سياسية ومذهبية ووعظية، بل وقبلية ومكانية من حيث فضائل القبائل والبلدان والأشخاص وتمجيدهم.
لذا كان الرسول قنطرة لتحقيق الأهواء، فأضيفت روايات الخوارج ذما لكل من طالب بالحق الاجتماعي والسياسي ورفع الظلم، ووضعت روايات تمجيد القرشيين وبني أمية، وعدم جواز الخروج ورفع الظلم، ووجوب الطاعة العمياء، بجانب آخر كانت روايات تمجيد آل البيت ورفع منزلتهم فوق منزلة الأنبياء والملائكة كردة فعل سياسي ومن ثم مذهبي.
أيضا كانت الرواية ملجأ للتخلص من القوانين القرآنية في ردع المعصية، فالقوانين القرآنية التي بينت أنّ الله لا يغير وعدا ولا وعيدا جاءت الرواية فأبطلت قانون الوعيد، فكانت مخلصا للنزعات الشيطانية، والشهوات الحيوانية.
من هنا نجد السلف ومنهم كبار الصحابة كأبي بكر وعمر يقدمون رفض الرواية على قبولها، ويضعون القيود الشديدة في قبول نسبتها إليه عليه السلام، في زمن قلّت فيه الرواية، وقرب العهد منه عليه السلام، فما بالكم بعد مائة سنة؛ بل بعد ألف سنة، لذا يجب الحذر الشديد في قبول الرواية، حتى ولو ضعفت، ولكنها في عين العوام أمرا إلهيا، فننسب إلى الله تعالى الظن والتخمين، تعالى الله عن ذلك.
__________
(1) آل عمران/ 31 - 32. (1/73)
صفحة 74
- أنزل الله تعالى كتابه مصدقا ومهيمننا على الكتب السابقة، إذ طرأ عليها الاختلاف والزيادة، قال تعالى: وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آَتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (1).
والرواية كذلك دخل فيها التحريف والتبديل، شأنها كشأن التوراة والإنجيل، لذا يجب أنزالها إلى القران ليكون مهيمننا ومصدقا عليها، قال تعالى: أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (2)، وهذا يكون في كلياتها وخاصة في الاعتقاد، أما التطبيقات فمجالها واسع مع الحذر الشديد أيضا في قبولها، يقول الرسول الكريم: ما من نبي إلا وقد كذب عليه من بعده، ألا وسيكذب علي من بعدي كما كذب على من كان قبلي، فما أتاكم عني فاعرضوه على كتاب الله، فما وافقه فهو عني، وما خالفه فليس عني.
- لعلماء المسلمين مناهج في قبول الرواية، فلأهل الحديث منهج أصلّه فيما بعد الأشاعرة، كذلك للإباضية والزيدية والإمامية، ولا يريد أحد من المسلمين أو المذاهب إنكار السنة، أو إضافة أمور إلى الدين ليست منه، ولكن حدث تساهل كبير من قبل أهل الحديث والإمامية في قبول الرواية، فأثر كثيرا على الجانب العقدي والعملي، ومع هذا تبقى هذه المناهج بشرية، وبحاجة إلى تأصيل جديد، وإعادة هيكلتها، ودراستها دراسة نقدية متأنية.
__________
(1) المائدة/43.
(2) العنكبوت/ 51. (1/74)
صفحة 75
- تحكيم القرن الأول من السلف إذا كان بسند لا كذب فيه ليس اتباعا للأجداد كما قال تعالى: بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آَبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آَثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ (1)، لأنّ المذموم إذا كان الأمر أو النهي ثابتا قطعيا، فيترك الاتباع الإلهي لعادة تركها الأجداد للأحفاد، أما إذا كانت الرواية ظنية الثبوت، وعمل الآباء اتفق عليه، وأقرب عهدا من النبوة، ومسألة يعم بلواها، فيمكن أن نجعل من عمل السلف قاعدة نفرز بها الرواية، فكم من رواية صحيحة سندا في الحقيقة هي محض الكذب.
- الحذر من إطلاق كلمة السنة هكذا عند العوام إذا كانت محض اجتهاد، فيتصور للبعض أنّ ما يفعله الآخرون بدعة، ومخالفة للرسول، فالسنة هي الشيء المتفق، ولا تملكه مدرسة واحدة، وما عداه روايات وتطبيقات ظنية.
- ضرورة إعمال العقل، إذ كيف يبطل والله تعالى مدحه عشرات المرات، وأمر الناس أن يحكموا عقولهم.
- لروايات فضائل الأعمال آثار سلبية على الواقع الفكري والاجتماعي عند المسلمين، مثال ذلك فضائل قراءة سور القرآن، فأصبح الناس يهتمون بالقراءة، وتركوا التدبر والعمل، فغاب القرآن عن واقعنا وحياتنا.
- الاختلاف في قبول الرواية لا يفسد للود قضية، فيجب أن يحترم الطرف الآخر، ولكن في الوقت نفسه لا يجوز تهميش المناهج الأخرى، وتصور أهل الحديث أنهم هم الوحيدون الذين يفقهون السنة، ومناهج الآخرين لا قيمة لها.
وفي الختام أتمنى أن يكون هناك مؤتمرات جادة، ودراسات بحثية عميقة، وأن يفتح للناس التفكير، منطلقين من الأخوة الإسلامية الواسعة، والحمد لله رب العالمين.
المصادر والمراجع
__________
(1) الزخرف/ 22. (1/75)
صفحة 76
1 - الأدلة والأصول والقواعد التجديدية في الفقه المالكي، للدكتور محمد بشير سويسي، مدرج ضمن كتاب ندوة تطور الفقه الإسلامي والمستقبل، الأصول المقاصدية وفقه التوقع، 1430هـ/ 2009م، إصدار وزارة الأوقاف والشؤون الدينية/ سلطنة عمان، ط الأولى، 1431هـ/ 2010م.
2 - برنامج الموسوعة الشاملة.
3 - بيان الشرع، للشيخ محمد الكندي، ط وزارة التراث القومي والثقافة، سلطنة عمان، الطبعة الأولى،1401هـ/ 1981م.
4 - الجامع لابن جعفر، ط وزارة التراث القومي والثقافة / سلطنة عمان.
5 - الجامع الصحيح للإمام الربيع، نسخة الكترونية.
6 - جواهر الآثار لابن عبيدان، ط وزارة التراث القومي والثقافة، ط الأولى، 1986م.
7 - حكم قبول الحديث الضعيف في فضائل الأعمال مقال للشيخ عبد الخالق حسن الشريف، من الشبكة العالمية.
8 - غاية المطلوب في الأثر المنسوب للشيخ عامر بن خميس المالكي، تحقيق: بدر بن سالم بن حمدان العبري، مخطوط.
9 - غرس الصواب في قلوب الأحباب، للشيخ سعيد بن حمد الحارثي، ط وزارة الأوقاف والشؤون الدينية، سلطنة عمان، مكتب الإفتاء، 1419هـ/ 1998م.
10 - لباب الآثار، ط وزارة التراث القومي والثقافة، الطبعة الأولى.
11 - مدونة أبي غانم الخرساني، تحقيق يحيى النبهاني وإبراهيم العساكر، ط مكتبة الجيل الواعد، مسقط/ سلطنة عمان، ط الأولى، 1427هـ/ 2006م.
12 - مجمع الزوائد، للزيلعي نسخة الكترونية.
13 - معارج الآمال، للشيخ نور الدين السالمي، تحقيق: الحاج سليمان بن إبراهيم بابزيز وآخرون، ط مكتبة الإمام السالمي- بدية/ سلطنة عمان، ط1 2008م.
14 - معجم أعلام الإباضية {قسم المشرق} نسخة الكترونية.
15 - منتديات سبلة عمان على الشبكة العالمية، http://www.s-oman.net.
16 - منهج الطالبين وبلاغ الراغبين، للشيخ خميس بن سعيد الشقصي، تحقيق الشيخ سالم بن حمد الحارثي، ط وزارة التراث القومي والثقافة، سلطنة عمان، الطبعة الأولى، لا تاريخ. (1/76)
صفحة 77
17 - موقع المحدث على الشبكة العالمية.
الفهرس
الموضوع ... الصفحة
تقدمة الدراسة ... 1
المبحث الأول: فضائل رمضان في التراث العماني ... دراسة تحليلية نقدية ... 3
الدراسة الأولى: فضائل رمضان من كتاب لباب الآثار ... 5
الدراسة الثانية: فضائل رمضان من كتاب بيان الشرع ... 21
الدراسة الثالثة: فضائل رمضان من خلال كتاب غاية المطلوب في الأثر المنسوب ... 38
الدراسة الرابعة: فضائل رمضان من خلال كتاب منهج الطالبين وبلاغ الراغبين ... 40
الدراسة الخامسة: فضائل رمضان من خلال كتاب معارج الآمال على مدارج الكمال بنظم مختصر الخصال ... 53
الدراسة السادسة: فضائل رمضان من خلال كتاب جواهر الآثار للشيخ العلامة محمد بن عبد الله بن عبيدان ... 60
الدراسة السابعة: فضائل رمضان من خلال كتاب الجامع لابن جعفر ... 68
الدراسة الثامنة: كتاب غرس الصواب في قلوب الأحباب للشيخ سعيد بن حمد الحارثي ... 69
المبحث الثاني: التطور الروائي في كتب التراث العماني من خلال روايات فضائل رمضان ... 72
أولا: كتاب الجامع لمحمد بن جعفر للشيح الإزكوي الأصم، من علماء القرن الثالث الهجري: ... 78
ثانيا: كتاب بيان الشرع للشيخ أبي عبد الله محمد بن إبراهيم الكندي من علماء القرن الخامس الهجري: ... 79
ثالثا: كتاب منهج الطالبين وبلاغ الراغبين للشيخ خميس بن سعيد الشقصي، من علماء النصف الثاني من القرن العاشر والنصف الأول من القرن الحادي عشر ... 80
رابعا: كتاب جواهر الآثار للشيخ محمد بن عبد الله بن جمعة بن عبيدان من علماء نهاية القرن الحادي عشر وبداية القرن الثاني عشر الهجري ... 81
- خامسا: كتاب لباب الآثار المنسوب للشيخ سالم بن سعيد بن علي الصائغي من علماء القرن الثالث عشر الهجري: ... 82
- سادسا: كتاب معارج الآمال شرح مدارج الكمال للشيخ عبد الله بن حميد السالمي من علماء القرن الرابع عشر الهجري: ... 83
- سابعا: كتاب غاية المطلوب في الأثر المنسوب للشيخ عامر بن خميس المالكي من علماء القرن الرابع عشر الهجري: ... 84 (1/77)
صفحة 78
- ثامنا: كتاب غرس الصواب في قلوب الأحباب للشيخ سعيد بن حمد الحارثي من مشائخ نهاية القرن الخامس عشر الهجري ... 85
الخاتمة ... 87
المصادر والمراجع ... 91
الفهرس ... 93 (1/78)